######OpenITI# #META# URI: 1450HibaCabdCazizGhanim.HaqiqaMuqaddimaQasira.Hindawi52818390 #META# Tags: philosophy #META# ID: 52818390 #META# Title: الحقيقة: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 38618358 #META# Author: يان فيسترهوف #META# EditorID: 18571738 #META# Editor: محمد فتحي خضر #META# TranslatorID: 46097241 #META# Translator: هبة عبد العزيز غانم #META# Related_books: 1450JanWesterhoff.RealityShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # المقدمة‏ # 1 - الأحلام وتجارب المحاكاة‏ # 2 - هل المادة واقع؟‏ # 3 - هل الأشخاص واقع؟‏ # 4 - هل الزمن واقع؟‏ # 5 - ملاحظات ختامية‏ # مراجع وقراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # المقدمة‏ # 1 - الأحلام وتجارب المحاكاة‏ # 2 - هل المادة واقع؟‏ # 3 - هل الأشخاص واقع؟‏ # 4 - هل الزمن واقع؟‏ # 5 - ملاحظات ختامية‏ # مراجع وقراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | الواقع # | الواقع # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # يان فيسترهوف # ترجمة # هبة عبد العزيز غانم # مراجعة # محمد فتحي خضر # | المقدمة # لعلك تظن في مكانك هذا (ربما في متجر الكتب أو في المكتبة أو في ~~منزلك)، بينما تقرأ هذه الصفحة، أن هذا الكتاب والورق المطبوع عليه ~~والأحرف المطبوعة على الصفحة كلها واقع، ولعلك تظن أنك لا تحلم بأنك ~~تمسك بهذا الكتاب وتقرأ هذه الجملة، بل إنك تفعل ذلك بالفعل، والأرجح ~~أنك تعتقد أنك أنت نفسك من الواقع، ولست من صنع مخيلة أحدهم (مثلما ~~كانت أليس من صنع مخيلة الملك الأحمر) يحلم بشخص يقرأ كتابا عن ~~الواقع، وهذا يعكس توجها نفسيا صحيا؛ فمعظم الناس لا يعتقدون ~~أنهم يحلمون معظم الوقت (والقليلون للغاية يعتقدون أنهم يحلمون في ~~الوقت الذي يحلمون فيه بالفعل)، ولا يفترضون أن الأشياء المادية ~~المحيطة بهم ليست موجودة في الواقع، ولا يصدقون أنهم شخصيات في رواية ~~شخص آخر. إلا أن عدم شكك ولو للحظة واحدة في أن الأشياء قد لا تكون ~~على هذا النحو يعكس افتقارك للخيال الفلسفي. # في هذا الكتاب، سنتطرق إلى بعض ~~البراهين الداعمة لمثل هذه الشكوك، وسنحاول أن نكتشف معا إذا ما كانت ~~هذه البراهين وجيهة أم لا؛ في الفصل الأول، سنتساءل عن كيفية التفرقة ~~بين تجاربنا الواعية وبين الأحلام وعمليات المحاكاة (هذا إن كنا ~~سنستطيع ذلك في يوم من الأيام). بعد ذلك سنتناول مسألة إذا ما كانت ~~الأشياء المادية المحيطة بنا، كالكتب والموائد والمقاعد، واقعية أم لا. ~~أما في الفصل الثالث، فسنطرح قضية إذا ما كان الأشخاص واقع أم لا، ~~وعلى وجه التحديد إذا ما كنت أنت، قارئ هذا الكتاب، واقع أم لا. ~~ويناقش الفصل الأخير حقيقة الزمن، ms001 ذلك الوسط الذي توجد فيه ظاهريا ~~أنت وكل الأشياء المحيطة بك. # الفصل الأول # | الأحلام وتجارب المحاكاة # ذات ليلة، استيقظ عالم الحيوان الفرنسي إيف ديلاج على طرقات ~~الباب، كان الطارق هو حارس البيت يخبره أن يستيقظ لأن صديقا له ~~باغته المرض، قام ديلاج من فراشه وارتدى ملابسه وتوجه مسرعا إلى ~~دورة المياه ليغسل وجهه بإسفنجة مبللة. أيقظه إحساس الماء البارد ~~على وجهه؛ كان في الواقع لا يزال مستلقيا في الفراش بملابس ~~النوم، ولم يكن ثمة أحد يطرق الباب، كانت التجربة كلها حلما. # بعد دقائق، سمع طرقات أخرى على الباب، قال الحارس: «سيدي، ألن ~~تأتي؟» رد ديلاج: «يا إلهي! إذن فهذا واقع بالفعل! اعتقدت أني ~~أحلم.» رد الحارس: «إطلاقا، أرجوك أن تسرع، فالجميع ينتظرك!» ~~استيقظ ديلاج وارتدى ملابسه، وأسرع إلى دورة المياه ليغسل وجهه. وعندما ~~لامست الإسفنجة وجهه، استيقظ، ووجد نفسه بملابس النوم في الفراش. ~~بعد برهة قصيرة، سمع طرقات أخرى على الباب، ومرة أخرى كان الحارس ~~يقول: «سيدي ...» # قيل لنا إن هذه الأحداث كررت نفسها أربع مرات قبل أن يستيقظ ديلاج ~~في النهاية في العالم الواقعي. مر ديلاج بظاهرة «الاستيقاظ الزائف» ~~غير المعتادة ولكن غير النادرة أيضا؛ إذ استيقظ فيما اعتقد أنه ~~العالم الواقعي، ليكتشف أن هذا أيضا كان حلما. وعندما استيقظ ثانية، ~~اكتشف أنه لا يزال في حلم لم يستيقظ منه بعد. إن عدد المستويات التي ~~يمر بها النائم قبل أن يستيقظ في النهاية قد يكون كبيرا للغاية، ~~وغالبا ما يجد الأشخاص الذين يمرون بتجربة الاستيقاظ الزائف العملية ~~كلها شديدة الإحباط. # ثمة سببان رئيسيان لذلك؛ أولهما: هو رعب الاستمرار في حلقة تكرار ~~أبدي للأحداث نفسها، أما السبب الثاني: فهو الشك الذي يراودنا من ~~جراء الاستيقاظ الزائف حيال حقيقة الاستيقاظ الفعلي. كان ~~الاستيقاظ من حلم إلى حلم، أو على الأحرى «الخروج من مستوى إلى مستوى ~~أدنى»، واقعيا ومقنعا تماما؛ إذن كيف نعرف أن تجربة اليقظة التي ~~مررنا بها هذا الصباح قبل أن ننهض من الفراش كانت يقظة حقيقية؟ كيف ~~تعرف أنك ms002 لم تستيقظ في حلم آخر، حلم يضم كل التجارب التي تمر بها ~~الآن، وأنك بعد برهة قصيرة ستستيقظ مرة أخرى في عالم اليقظة، أو ربما ~~في حلم آخر؟ # إن تأمل احتمالية أنك تحلم الآن أمر مربك بالتأكيد، ربما تظن ~~أنه أمر بعيد الاحتمال، تماما مثل الفوز بالجائزة الكبرى في اليانصيب ~~أو مثل السقوط ميتا فجأة. هناك الكثير من الأشياء الممكنة نظريا، ~~رغم أن احتمالية حدوثها شديدة الانخفاض (مثل أن يكتب قرد بعشوائية على ~~الآلة الكاتبة الأعمال الكاملة لشكسبير، أو الاختفاء المفاجئ للأشياء ~~نتيجة لتأثير ما يطلق عليه «النفق الكمومي»). فإذا كنت لا تقلق من ~~احتمال أن يختفي هذا الكتاب فجأة من بين يديك نتيجة لتأثير كمي عجيب ~~ما، فلم تقلق إذن من احتمالية أن تكون الآن في حلم؟ # السبب في أنك يجب أن تقلق هو أن احتمالات أنك تحلم في هذه اللحظة ~~بالذات أكبر بكثير جدا مما تتصور. لنحسب حسبة سريعة؛ نحن نفترض ~~متفائلين أنك تحصل على ثماني ساعات من النوم كل ليلة؛ مما يجعل ساعات ~~استيقاظك ست عشرة ساعة في اليوم. اكتشف الباحثون في مجال النوم أن ~~هناك علاقة قوية بين الحلم وبين الدخول في نوم حركة العين السريعة؛ ~~يتميز نوم حركة العين السريعة بالحركة السريعة لمقلة العين، ويكون ~~الدماغ فيه نشطا للغاية؛ حيث إن نشاطه الكهربي يشبه النشاط ~~الكهربي للدماغ المستيقظ، ولكن يكون إيقاظ النائم في هذه المرحلة أصعب ~~من إيقاظه أثناء النوم في أي مرحلة بخلاف نوم حركة العين السريعة. ونحن ~~نعلم أن ما بين 20٪ إلى 25٪ من نومنا يكون في مرحلة نوم حركة العين ~~السريعة، فإذا ما أخذنا القيمة الدنيا وافترضنا أنك لا تحلم إلا أثناء ~~نوم حركة العين السريعة، فهذا يعطينا 1,6 ساعة من الحلم كل ليلة؛ ومن ~~ثم، نظرا لأن لديك 1,6 ساعة من وعي الحلم لكل 16 ساعة من وعي ~~الاستيقاظ، فإن هذا يعني أن احتمال أنك تحلم في أي لحظة يساوي 1 : 10، ~~وهذا احتمال كبير للغاية، بالمقارنة: احتمال الفوز بالجائزة الكبرى في ~~اليانصيب ms003 يساوي تقريبا 1 : 14 مليون (هذا يعني أنك إذا اشتريت تذكرة ~~كل أسبوع، فستحصل على الجائزة الكبرى في المتوسط كل 250 ألف سنة)؛ ~~واحتمال أن يسقط مؤلف هذا الكتاب صريعا نتيجة حادثة السنة القادمة أقل ~~من 1 : 2500. # شكل 1-1: التوزيع الطبيعي لمراحل النوم في ثماني ساعات؛ كلما ~~زاد عدد الساعات في مراحل حركة العين غير السريعة ~~(الرمادي الفاتح)، زادت صعوبة إيقاظ النائم. # مما سبق نخلص إلى أن ثمة احتمالا لا بأس به أنك الآن تحلم، ولكن هل ~~لهذا أهمية؟ بالتأكيد لا يمكننا أن نغض الطرف عن احتمال أن كل هذا ~~حلم، ولكنه ما دام مستمرا، فلن يشكل هذا أي فارق يذكر في طريقة ~~عيشنا للحياة. فحتى إن لم تكن ورقة خمسة الجنيهات الاسترلينية التي ~~لدي في جيبي إلا نقودا في الحلم، ولم تكن كعكة الفراولة التي ~~أشتريها بها إلا كعكة في الحلم؛ فما زلت في النهاية أستطيع الشعور ~~بمذاق كعكة الفراولة، وماذا أريد أكثر من هذا؟ فحتى إن كنت أحلم الآن، ~~فسيظل لدي قدرة على أن أخطط لحياتي، وسيظل السبب يتبع المسبب ~~والأفعال سيظل لها نتائج. بالطبع، لن تكون هذه النتائج إلا نتائج داخل ~~الحلم، ولكن بما أننا افترضنا من البداية أنني لن أستطيع أن أفرق «من ~~الداخل» بين إذا ما كنت أحلم أم لا، فلم أقلق بهذا الشأن؟ عالم ~~التجارب لا يزال كما هو، وهذا هو المهم في النهاية. # ما مدى سرعة مرور الوقت داخل الحلم؟ # هل يمر الوقت في الحلم بالسرعة نفسها لمروره في اليقظة؟ يبدو أن ~~أدلة غير موثقة تقترح أنه يمر بسرعة أكبر بكثير؛ قام النبي محمد ~~بزيارته المشهورة للسموات السبع في حلم استغرق منه وقتا أقل من ~~تدفق الماء من قنينة مقلوبة. يحلم الكثيرون منا بأحلام فيها ~~قصص تستمر لعدة أيام؛ ومن ثم تبدو لنا أطول كثيرا من الوقت ~~الفعلي الذي نقضيه في الحلم. فإذا كان هذا صحيحا فسيكون هناك ~~لحظات أكثر من الوعي مقابل كل وحدة من وقت النوم نقضيها في الحلم؛ ~~ومن ثم ms004 سيكون احتمال أنك تحلم الآن أكبر من 0,1. إلا أن الأبحاث ~~التي أجريت في الأحلام الجلية (الأحلام التي يعرف فيها ~~الحالم أنه يحلم) بينت أن الوقت في الحلم يمر بالسرعة نفسها التي ~~يمر بها في حياة اليقظة؛ فعندما يحرك النائم الذي يحلم بحلم جلي ~~مقلة عين جسده الحالم، يتسبب هذا في حركة مقلته الحقيقية. يمكن ~~تتبع هذه الحركة في مختبر النوم، وبهذه الطريقة يستطيع الحالمون ~~إرسال إشارات من نومهم إلى عالم اليقظة؛ على سبيل المثال، يمكن أن ~~نطلب من المشاركين في التجربة تحريك عيونهم خمس مرات من اليسار ~~إلى اليمين في الحلم الجلي، وتقييم فترة زمنية ثم تحريكهما مرة ~~أخرى. عندئذ يمكن المقارنة بين الوقت الحقيقي ووقت الحلم. أظهرت ~~التجارب أنه في المتوسط تستمر الفترة المقدرة بعشر ثوان حوالي ~~13 ثانية في اليقظة؛ وهذا هو مقدار الوقت نفسه الذي تستغرقه في ~~الحلم الجلي. يبدو أن تجربتي اليقظة والأحلام تحتويان على العدد ~~نفسه للحظات الوعي لكل وحدة من وقت اليقظة. # بيد أن هذا المنطق متسرع ~~إلى حد ما؛ ففي الواقع، ثمة فارق ضخم إذا كنت تحلم الآن؛ أولا: ~~سيكون الجزء الأكبر من معتقداتك خاطئا؛ فقد تعتقد بوجود قطعة من كعك ~~الفراولة؛ أي شيء مادي، أنتجها خباز، ولها شكل ووزن ومحتوى ~~سكر معين، شيء يسبب إدراكك لهذه القطعة من الكعك، لكن كل هذه ~~المعتقدات ستكون خاطئة؛ فليس هناك قطعة كعك بهذه المواصفات، بل مجرد ~~مجموعة من الصور في عقلك تتجمع معا بطريقة معينة لتشكل فكرتك عن ~~قطعة الكعك، دون أي صلة بأي كعك في الواقع الخارجي على الإطلاق. # ثانيا: سيكون عليك أن تراجع معتقداتك بشأن الأخلاق والمبادئ ~~الأخلاقية. ربما تعتقد أن ثمة أشخاصا حولك، كزوجك وأبويك وأصدقائك ~~وزملائك. فإذا كنت في حلم، فكل هذا غير واقعي. هناك أفكار في عقلك ~~تعتقد أنها تمثل أشخاصا، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك. نحن عادة ما ~~نعتقد أننا مجبرون على أن نتصرف على نحو أخلاقي نظرا لتبعات أفعالنا ~~على الآخرين. فإذا كان فعل معين يسبب معاناة ms005 للآخرين، فعلينا أن ~~نحجم عن القيام به؛ أما إذا كان يسبب إسعادهم، فعلينا أن نكافح ~~من أجل القيام به، ولكن إذا لم يكن كل الناس الذين تتعامل معهم إلا ~~صورا في حلمك، فهذا الدافع يتلاشى تماما. مع ذلك، ما زال عليك أن ~~تتجنب الأفعال غير الأخلاقية التي سيكون لها عواقب مؤسفة بالنسبة لك ~~(فأن ينتهي بك الأمر في سجن بالحلم ليس أفضل حالا بكثير من أن ~~ينتهي بك الأمر في السجن في الواقع)، ولكن ما دمت تستطيع الإفلات ~~بفعلتك، فإن أماني الآخرين وهمومهم لن تردعك بالضرورة عن أي فعل؛ ~~نظرا لأن تلك الأماني والهموم كلها غير واقعية بالمرة. # إذن هناك في الحقيقة تبعات جوهرية لما تعرفه وللطريقة التي يجب أن ~~تتصرف بها إذا لم تكن تجربتك بأكملها إلا حلما، هذه النتائج تصبح ~~متطرفة بشكل خاص إذا افترضنا أن الموجود هو أنت فقط والأفكار التي تدور ~~بعقلك. هذه الحالة الفلسفية يطلق عليها «نظرية الإيمان بالذات» وتقلص ~~العالم ليصبح في حجم عقلك. (لعلك تعرف المزحة التي يكتب فيها شخص ~~مرتبك مؤيد لنظرية الإيمان بالذات لكاتبة عمود النصائح: «سيدتي ~~العزيزة، أنا من المؤمنين بنظرية الإيمان بالذات، وهذا وضع محمود، ~~وأتساءل لماذا لا يوجد أشخاص آخرون مثلي؟») بالمقارنة بنظرية الإيمان ~~بالذات، يعتبر الاعتقاد بأنك تحلم الآن معتدلا؛ فإذا كنت تحلم ~~الآن، فسيكون هناك وقت تستيقظ فيه، وهناك طرق محدودة نقول بها إنك قد ~~تملك بعض المعتقدات الصحيحة (ربما معتقدات في الحقائق الرياضية، التي ~~قد تكون سليمة أيضا في عالم اليقظة)، يمكننا أيضا أن ندافع عن ~~التصرفات الأخلاقية في عالم الحلم (إذا قلنا إن التصرفات غير الأخلاقية ~~تشوه شخصيتك، وإذا كانت شخصيتك شيئا موجودا على الأقل جزئيا في ~~حالة اليقظة الخاصة بك). ولكن بالنسبة للمؤمنين بنظرية الإيمان بالذات، ~~فليس هناك عالم خارجي، وليس هناك أشياء، وليس هناك أشخاص؛ هناك شخص ~~واحد فقط، هو أنا، وكل شيء يحدث داخل عقلي. # عادة ما يرتبط القلق مما إذا كنا نحلم الآن بالفيلسوف الفرنسي رينيه ~~ديكارت (1596-1650) الذي ناقش ms006 هذه القضية في مستهل كتابه «تأملات في ~~الفلسفة الأولى». أما في النقاش المعاصر، فغالبا ما يتم بحث هذه ~~القضية بتناول بديلها الأكثر حداثة وتكنولوجية: القلق من أن نكون ~~دماغا في وعاء. # تتيح لنا التكنولوجيا الطبية ~~الحديثة الحفاظ على حياة بشر يفتقدون أعضاء حيوية متنوعة كالقلب أو ~~الكليتين. وسرعان ما ستكون هناك رئات وأكباد صناعية، وليس ثمة مبالغة ~~في الخيال حين نقول إنه في وقت من الأوقات في المستقبل سنتمكن من ~~الإبقاء على حياة دماغ بشري على الرغم من تدمير جسده. سيتم إمداد هذا ~~الدماغ بالمواد الغذائية عبر بديل للدم - في العادة محلول مؤكسج من ~~أملاح متعددة - ولن يعود معتمدا على جسمه السابق من أجل وظائف الحفاظ ~~على الحياة. تم تحقيق نجاح في هذا الاتجاه مع أدمغة الخنازير الغينية، ~~ويبدو أنها مسألة وقت قبل أن يستطيع الطب فعل الشيء نفسه بأدمغة ~~البشر. # مع ذلك، لا تكمن الصعوبة الأساسية في كيفية الحفاظ على حياة مثل هذا ~~الدماغ، وإنما في الحفاظ عليه نشطا ومحفزا؛ حيث إن الحفاظ عليه ~~معزولا سيكون مثل كونه مشلولا وأعمى وأصم وأبكم وغير قادر على الشم ~~أو التذوق أو اللمس في الوقت نفسه، وهذه حالة أسوأ من حالة المرضى ~~المصابين بمتلازمة المنحبس، والذين يعانون من شلل رباعي وعدم قدرة على ~~الحركة أو التواصل نتيجة تلف الدماغ الأسفل وجذع الدماغ. # شكل 1-2: تعديل سينمائي مبكر لسيناريو الدماغ في ~~وعاء. # على الأقل يتلقى هؤلاء المرضى بعض المدخلات الإدراكية، أما الدماغ ~~المعزول فلا يحصل على أي معلومات عن العالم من حوله. ولكي تحافظ على ~~سعادة دماغ في وعاء، عليك إذن أن تحفز أعصابه على نحو يحفز المدخلات ~~من أعضاء الإحساس السابقة الخاصة به. والقيام بذلك على أي نحو شامل هو ~~بالتأكيد أمر يخرج عن نطاق قدرات العلم في الوقت الحالي، ولكن أساسيات ~~التكنولوجيا اللازمة لذلك موجودة؛ فقد استخدمت واجهات ~~الدماغ-الكمبيوتر لاستعادة القدرة المحدودة على الإبصار للأشخاص الذين ~~لم يولدوا مكفوفين عن طريق زراعة مجموعة من الأقطاب الكهربائية ~~المتصلة بكاميرا في القشرة البصرية ms007 مباشرة، وقد تم الحصول على نتائج ~~مشجعة مشابهة مع الأذرع الآلية. وقد يتيح لنا تطوير هذه التقنيات في ~~المستقبل توفير عوالم محاكاة كاملة للترفيه عن الأدمغة المعزولة ~~المتصلة بأجهزة حفظ الحياة. بالطبع لن تكون هذه العوالم المحاكاة قريبة ~~من شكل العالم الواقعي. فسيكون من القسوة المحضة أن نرسل نبضات كهربية ~~للدماغ تجعله يرى ما سيراه إذا كان له عينان؛ إذ سيرى حينها الجزء ~~الداخلي من برطمان مملوء بمادة مغذية سائلة، ثم يتخطى ذلك إلى المنظر ~~المحبط لوحدة حفظ الأدمغة المعزولة في المستشفى المحلي، المليئة ~~بأرفف تحمل صفوفا فوق صفوف من الأدمغة المماثلة. وبما أن الواقع ~~المحاكى جزء من العلاج الطبي بغرض تقليل معاناة المريضة، أفلن ~~يكون من الأفضل إعطاؤها (أو على الأحرى إعطاء مخها) عالما محاكى ~~تتمتع فيه بجسد وتعيش حياة بشرية سعيدة كاملة بكل ما تحمل الكلمة من ~~معنى؟ # ولكن هذا يثير خاطرا مقلقا: إذا كان هذا ما قد يفعله الأطباء، ~~وإذا كانت الأدوات التكنولوجية اللازمة ستكون متاحة عند نقطة زمنية ~~ما، فكيف يتأتى لنا أن نعرف أن هذا ليس ما يحدث لنا بالفعل؟ ليس من ~~المجدي أن يكون الرد «نحن نعيش في بداية القرن الحادي والعشرين ~~والأطباء غير قادرين على فعل ذلك حتى الآن.» فإذا كنا أدمغة معزولة ~~يتم إمدادها بعوالم محاكاة، فقد تكون الحالة هي أنه يبدو أننا نعيش في ~~عام 2011 في العالم المحاكى، ولكن التاريخ الحقيقي هو 2199. وقد يكون ~~خداعك بشأن الزمن جزءا من الخطة العلاجية؛ فربما يكون عالم 2199 ~~عالما محبطا قبيحا لا تستحب الحياة فيه؛ ومن ثم فالأفضل لنا أن ~~نعيش في عالم 2011 المحاكى. # قد تظن أن هذه العوالم المحاكاة ليست قابلة للتطبيق، فرغم كل شيء، إن ~~أردنا الحق، فلن تضطر نظم المحاكاة إلى توفير عالم لا يستطيع الدماغ ~~تغييره (شيء أشبه بجعل الدماغ يشاهد فيلما يجري داخل الخلايا ~~العصبية)، وإنما عالم يستطيع الدماغ التفاعل معه ويستطيع التأثير فيه ~~من خلال القرارات التي يتخذها (شيء أشبه بجعل الدماغ يلعب لعبة كمبيوتر ~~داخل ms008 الخلايا العصبية)؛ لذا إذا سرت في شارع محاكى وقررت فجأة أن ~~تفتح باب أحد المنازل، فسيكون على نظم المحاكاة أن توفر على الفور كل ~~ما قد تراه وتسمعه وتلمسه وتشمه وتتذوقه في هذا المنزل؛ وبناء هذا ~~القدر الضخم من الواقع المحاكى وتوفيره للدماغ في الوقت الفعلي مهمة ~~هائلة ليست فقط خارج نطاق قدراتنا التكنولوجية الحالية، ولكن أيضا قد ~~تكون خارج نطاق أي حضارة مستقبلية. # للأسف ليست هذه حجة مقنعة تدحض احتمالية أن تكون أنت دماغا في ~~وعاء. بادئ ذي بدء، يمكن أن تكون نظم المحاكاة في المستقبل البعيد ~~جدا، في زمن يناهز في بعده عن زمننا الحاضر بعد زمننا عن العصر ~~الحجري؛ فأجهزة الكمبيوتر في ذلك الوقت قد تتمكن من معالجة «الانفجار ~~التوافقي» الذي يتسبب فيه الاضطرار للمحاكاة استجابة لاختيار العميل. ~~أو ربما، وهذه هي النقطة الثانية، لا تكون مثل هذه الموارد الحسابية ~~الضخمة ضرورية. إن دماغنا معقد للغاية، ولكن قدرته الحسابية ليست ~~بهذه الضخامة. وتتراوح التقديرات ما بين مائة تيرافلوب (واحد تيرافلوب ~~يساوي 10 # 12 # عملية في الثانية) وألف ضعف؛ أي ~~مائة بيتافلوب. تم تركيب أول كمبيوتر فائق، إيه إس سي آي بيربل، يتمتع ~~بذروة أداء نظرية تبلغ مائة تيرافلوب عام 2005. أما الكمبيوتر الفائق ~~رقم واحد في الوقت الحالي، كراي جاجوار، فيتمتع بقدرة قصوى تبلغ 1,75 ~~بيتافلوب. فإذا كان قانون مور الذي يتنبأ بمضاعفة القدرة الحسابية كل ~~سنتين لا يزال ساريا، فسوف نحصل على قدرة حسابية تبلغ مائة بيتافلوب ~~في غضون عقد واحد أو أكثر قليلا. مثل هذا الكمبيوتر سيمتلك المصادر ~~اللازمة لإنتاج عالم محاكى مقنع؛ لسبب بسيط هو أن عقولنا التي تتمتع ~~بالقدرة الحسابية نفسها تفعل ذلك كل ليلة عندما نحلم. وبما أن محاكاة ~~«الوقت المناسب» يبدو أنها لا تمثل مشكلة كبيرة لأدمغتنا، فمن المفترض ~~أن نستطيع التغلب على الصعوبات التي سينطوي عليها الأمر. # هل هناك أي طريقة للتخلص من الشك المؤرق في أننا أدمغة منشطة ~~اصطناعيا ومضللة من قبل عوالم محاكاة مولدة بالكمبيوتر؟ إذا ~~ثبتت صحة هذا ms009 الشك، فإنه يجب أن يثير أعصابنا حقا. فماذا نعرف عن ~~المعايير الأخلاقية الخاصة بالعلماء المتحكمين في أدمغتنا؟ هل يضعون ~~مصلحتنا نصب أعينهم؟ وإذا لم يكن الوضع كذلك، فكيف نعرف أن العالم ~~المحاكى لن يصبح فجأة غير مترابط (ربما بسبب خطأ في برنامج المحاكاة) ~~أو، الأسوأ من ذلك، يصبح مرعبا (لأن عالما شريرا وضع دماغنا ~~في فيلم الرعب المفضل لديه)؟ بل، هل نحن على يقين أساسا أن هناك ~~عالما في الجانب الآخر من أدمغتنا؟ ربما يدير عملية المحاكاة كمبيوتر ~~عملاق، وهذا الكمبيوتر إلى جانب الأدمغة ربما يكونون كل ما هو موجود في ~~الكون. # لكن يبدو أن هناك خطأ ما في هذه الفكرة برمتها. لتعرف هذا الخطأ، ~~تأمل أولا فكرة أن المعتقدات تشير إلى ما سببها. فإذا كنت أعتقد ~~أن هناك موزة أمامي، فهناك سلسلة من الأسباب يمكن تعقبها من الفكرة ~~التي تراود عقلي، عبر بعض النشاط العصبي في دماغي، وتنبيه الخلايا ~~المستقبلة للضوء والموجودة في شبكية العين، والموجات الضوئية المنعكسة، ~~إلى أن نصل إلى الموزة. وإذا لم يكن هناك سلسلة ملائمة من الأسباب مثل ~~هذه، فليس هناك مرجع، حتى إن كان «يبدو» أن له وجودا. إذا كتبت في ~~مذكرتي «جو» لأذكر نفسي بإرسال بطاقة معايدة لعيد ميلاده، فإن «جو» ~~ترجع إلى صديقي جو؛ لأن هناك سلسلة سببية ترجع في النهاية إلى جو، كما ~~هو الحال في مثال الموزة، ولكنني إذا أوقعت لوحة الحروف العشوائية، ~~وصادف أن كون حرفان من الحروف التي وقعت على الأرض كلمة «جو»، فهذه ~~الكلمة لا تشير إلى صديقي جو. # في عام 1923، ظهر وجه هنري ليدل، عميد كلية كنيسة المسيح بجامعة ~~أكسفورد ووالد أليس (النموذج الواقعي للشخصية التي ابتكرها لويس كارول ~~«أليس في بلاد العجائب»)، في الملاط الجاف للجدار الموجود تحت ~~النافذة التذكارية المبنية من أجله في كاتدرائية كلية كنيسة المسيح. ~~ورغم عدم وجود صور فوتوغرافية، تؤكد الروايات المعاصرة لنا أن «ذقن ~~العميد وأنفه ورأسه، وكذلك الصلعة الموجودة في منتصف رأسه والشعر ~~الأبيض المعقوص تحتها، ظاهرة بوضوح على ms010 الجدار.» إذا ما وضعنا في ~~اعتبارنا عدم وجود سلسلة سببية تربط الرسوم الموجودة على الجدار ~~بالعميد الراحل أكثر مما كان يربط حروف كلمة «جو» بالشخص الحقيقي، فإن ~~هذه الرسوم لا تمثل هنري ليدل، على الرغم من أنها قد تبدو ممثلة ~~له. # شكل 1-3: «داوسون ديلي نيوز» تجري تحقيقا عن الظهور الغامض ~~لصورة العميد ليدل على جدار كاتدرائية كلية كنيسة ~~المسيح. # والآن افترض أن العالم المحاكى المجهز لدماغ معين أعطاه الاعتقاد ~~بأنه ماثل أمام تاج محل، فإلام تشير فكرته عن تاج محل؟ بالتأكيد هي ~~لا تشير للمبنى؛ لأن هذا المبنى غير موجود في الكون كله. (تذكر أن ~~لدينا كونا يقتصر على الأدمغة المعبأة في برطمانات، والكمبيوتر الذي ~~يدير العرض كله، ولا شيء خلاف ذلك.) بما أن المعتقدات تشير إلى ما ~~سببها، وبما أن هذا المعتقد تسبب فيه جزء من الكود مضمن في العالم ~~المحاكى الذي وفره الكمبيوتر العملاق، إذن ففكرة تاج محل تشير إلى جزء ~~من كود حاسوبي! ولهذا تبعات مفاجئة إلى حد ما تتلخص في أن معظم ~~معتقدات هذا الدماغ في واقعية في حقيقة الأمر. فإذا اعتقد الدماغ أن ~~تاج محل بناه شاه جهان، فإنه يعتقد أن تاج محل (جزء من الكود) مرتبط ~~بشاه جهان (جزء آخر من الكود) على نحو معين، وهذا هو ما عليه الأمر في ~~الواقع؛ لأنهما مرتبطان بهذه الطريقة في الكود المؤسس للعالم المحاكى. ~~بالمثل، إذا اعتقد الدماغ، بناء على العالم المحاكى المتوفر، «أنني ~~ماثل أمام تاج محل»، فإنه ليس مضللا، رغم عدم وجود أي شخص وعدم وجود ~~تاج محل في الأساس. ويرجع هذا إلى ~~أنه، على الرغم من أن فكرتنا عن «الجسم» وفكرتنا عن «تاج محل» لا ~~تشير إلى شيء موجود في الكون، فإن هناك شيئا ترجع إليه أفكار ~~الدماغ. إن ما يسبب فكرتنا بخصوص تاج محل لا يوجد في هذا الكون، ولكن ~~ما يسبب فكرة الأدمغة؛ ومن ثم ما ترجع إليه الفكرة، موجود ~~بالفعل. # دعونا نفرق بين ما تشير إليه أفكار الدماغ (أي أجزاء ms011 الكود ~~الحاسوبي) بكتابته بين علامتي تنصيص، بحيث إننا عندما نقول تاج محل ~~فإننا نشير إلى فكرتنا عن تاج محل، أما عندما نقول «تاج محل» فإننا ~~نعني فكرة الأدمغة عن تاج محل. # والآن افترض أنك مجرد دماغ في الكون الموصوف توا. إذا كنت دماغا ~~في عالم محاكى، فإن فكرتك عن «الدماغ» لا تشير إلى دماغ (وإنما تشير ~~إلى «دماغ»)، وفكرتك عن «العالم المحاكى» لا تشير إلى عالم محاكى ~~(وإنما إلى «عالم محاكى»). ولكن إذا كان اعتقادك أنك دماغ في عالم ~~محاكى لا يشير إلى دماغ، إذن فهذا الاعتقاد خطأ، بقدر ما يعتبر ~~اعتقادك أن اليتي (الإنسان الجليدي المقيت) نباتي اعتقادا خاطئا ~~إذا لم يكن يشير إلى اليتي (على سبيل المثال، إذا لم يكن هناك وجود ~~ليتي). وهكذا إذا كنت دماغا في عالم محاكى، إذن فاعتقادك أنك دماغ ~~في عالم محاكى هو اعتقاد خطأ. # ثمة أمر خطأ هنا. بالتأكيد إذا كنت دماغا في عالم محاكى، فإن ~~اعتقادك أنك كذلك ينبغي أن يكون صحيحا (بقدر ما يكون اعتقادك أنك ~~بدين صحيحا إذا كنت ضعف وزنك الحقيقي). ومع ذلك فالعكس هو ~~الصحيح. # يبدو أن المشكلة هي أن الكلمات والأفكار والمعتقدات الخاصة بالدماغ، ~~والتي يمدنا بها العالم المحاكى، منفصلة تماما عن كلماتنا وأفكارنا ~~ومعتقداتنا؛ فكلامنا يشير إلى سبب أفكارنا، وكلامهم (كلام الأدمغة) ~~يشير إلى سبب أفكارهم، وهذه الأسباب مختلفة تماما عن تلك. ولكي نطرح ~~سؤالا إذا ما كان من الممكن أننا في عالمهم، يجب أن يكون لدينا لغة ~~تشتمل على الاثنين؛ أي لغة تستند إلى الأفكار التي تتسبب فيها أشياء ~~مثل الأحذية والسفن وشمع الختم الأحمر، وأفكار تتسبب فيها «الأحذية» ~~و«السفن» و«شمع الختم الأحمر» ~~. # ولكن ~~إذا أمكننا أن نستخدم هذه اللغة؛ فنحن إذن لا يمكن أن نكون أدمغة في ~~عالم يقتصر على الأدمغة والكمبيوتر العملاق؛ نظرا لأن الأحذية والسفن ~~وشمع الختم الأحمر لن يكون لها أي تأثيرات سببية في ذلك العالم، فهي ~~ببساطة أشياء غير موجودة في مثل هذا العالم. في هذه الحالة، قد نتساءل: ms012 ~~«إذا كنا غير قادرين على أن نصف - على نحو متماسك - حتى إمكانية ~~أن نكون مجرد أدمغة منشطة كهربيا، فلم نقلق بهذا الشأن؟» # للأسف الشديد، هذا لا يساعدنا كثيرا في استبعاد إمكانية أن نكون ~~أدمغة في عالم محاكى. فبادئ ذي بدء، ثمة صعوبات عديدة في الحجة ~~المعروضة توا؛ بالطبع، أنا لا أستطيع أن أتحدث بكلمات ليس لها ~~مرجعية، ولكنني أستطيع التحدث عن أشياء غير موجودة باستخدام كلمات لها ~~مرجعية. فأنا أستطيع أن أتحدث عن اليتي، حتى إن كان غير موجود، بإقرار ~~أن «اليتي» يعني «كائنا ضخما يشبه القرد ويعيش في جبال ~~الهيمالايا»، فكل هذه الكلمات لها مرجعية، ولكننا نفترض أنها مجتمعة ~~لا تشير إلى شيء موجود. بالمثل، ألا أستطيع أنا والدماغ أن نستخدم ~~أفكارا لها مرجعية بلغتينا على التوالي، للتفكير في أشياء غير ~~موجودة في عالمينا، مثل الأشجار الحقيقية، أو أجزاء الكود الحاسوبي ~~التي تتسبب في إحداث تأثيرات شديدة الواقعية والتفصيل للأشجار؟ على ~~الأقل لا يوجد في الحجة السابقة ما يبين أن هذا لا يمكن أن ~~يحدث. # ومع ذلك، ثمة صعوبة كبرى تتمثل في أن الحجة السابقة استطاعت أن ~~تستبعد حالة معينة واحدة، حتى وإن تمكنت من أن تفعل هذا بنجاح، وحتى ~~إذا سلمنا أننا لا نستطيع وصف عالم يقتصر على الأدمغة المنشطة ~~اصطناعيا، فماذا عن السيناريوهات الأخرى المرتبطة بهذا السيناريو؟ ~~فلنفترض أن علماء أشرارا أزالوا دماغك من جسمك، وأبقوه حيا في ~~وحدة حفظ أدمغة عالية التقنية، وقاموا بمحاكاة التجارب التي تمر بها في ~~الوقت الحالي كما هي بالضبط (أي تجربة قراءة هذه الجملة). لاحظ أنه في ~~هذه الحالة، لن تشير أفكارك فجأة لشيء مختلف، كما في المثال الموضح ~~للتو. بالطبع، تجربة رؤية تاج محل سيتسبب فيها الآن جزء من كود ~~حاسوبي تشغله وحدة حفظ الأدمغة، ولكنك ما زلت في عالم يوجد به تاج ~~محل، ويمكن تعقب سلسلة الأسباب التي تسببت في تجربتك إلى ما وراء الكود ~~الحاسوبي؛ إلى المبرمج الذي كتب الكود وإلى صور تاج محل التي استخدمها ~~لإنشاء محاكاة ms013 له، وإلى المصور الذي التقط الصور، وأخيرا إلى تاج محل ~~نفسه؛ إذن ففكرتك عن تاج محل ما زالت تشير إلى المبنى الحقيقي، وليس ~~إلى «تاج محل». إن أفكار ومعتقدات وكلمات البشر العاديين ليست ~~معزولة عن تلك الخاصة بالأدمغة المنشطة كهربيا؛ ومن ثم فإننا لا ~~نستطيع أن نقول إن وصف هذا السيناريو غير متماسك. في ذلك الحين يحق لنا ~~أن نسأل عن ميزة وجود حجة تستبعد سيناريو «اقتصار الكون على الأدمغة ~~والكمبيوتر العملاق»، إذا كان هناك سيناريوهات أخرى كثيرة (مثل سيناريو ~~«إزالة كل أدمغة الذكور على يد عالمة شريرة»، وسيناريو «إزالة كل ~~أدمغة البشر على يد كائنات فضائية»، وغيرها من السيناريوهات) لم يتم ~~المساس بها وما زالت تعتبر احتمالات قائمة. # وأخيرا، يجب أن نلاحظ أن النتيجة التي توصلت إليها حجتنا هي فقط ~~أن سيناريو «اقتصار الكون على الأدمغة والكمبيوتر العملاق» لا يمكن ~~وصفه على نحو متماسك. ولكن هذا لا يثبت أن مثل هذا السيناريو غير ~~موجود. عوضا عن ذلك، يمكننا أن نفهم هذه الحجة باعتبارها تثبت أن ~~هناك بعض المواقف المحتملة التي يمكن أن أمر بها، ولكنني لا أملك ~~الموارد التصورية لوصف هذه المواقف؛ فعلى غرار بعض الأشياء التي نجهل ~~أننا نجهلها، على حسب قول وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، هذه ~~السيناريوهات المحتملة موجودة، وقد أكون في أحدها، ولكنني حتى لا ~~أستطيع أن آخذ بمجامعها لتحديد مدى رجحانها من عدمه. وبدلا من تخفيف ~~قلقنا من أن نكون مجرد أدمغة منشطة اصطناعيا، زادت هذه الحجة ~~الطين بلة؛ لأننا الآن ليس علينا أن نقلق فقط حيال كل الاحتمالات ~~السيئة التي تخطر ببالنا، ولكن أيضا حيال تلك التي لا تخطر ~~ببالنا. # لعلك تظن أن احتمالية أنك تحلم الآن، وأنك دماغ بلا جسد في بيئة ~~منشطة اصطناعيا - أو أي احتمالية أخرى غريبة يمكنك أن تفكر فيها - ~~تترك لنا حقيقة واحدة لا مساس بها؛ أنك أنت من تمر بهذه التجربة، وأنك ~~شخص حقيقي. قد تكون مخطئا بطرق شتى حيال هويتك (مخطئا حيال إذا ما ~~كنت كبيرا ms014 أم صغيرا، إذا ما كنت ذكرا أم أنثى، إذا ما كان لك جسد ~~أساسا أم لا)، ولكن لا يمكن أن تكون مخطئا حيال وجودك. فرغم كل شيء ، ~~لا يمكن أن يوجد وهم دون وجود شخص يتوهم به. قد لا يكون هذا اليقين ~~شيئا كثيرا، ولكنه شيء على الأقل. بل إن رينيه ديكارت اعتقد أنه ~~يكفيه أن يبني منظومته الفلسفية بأكملها على يقين الوجود بينما يشك في ~~وجوده؛ لأنه لا يمكن أن يوجد شك دون وجود شخص يشك. للأسف، هناك آراء ~~مثيرة للاهتمام ترى أن اليقين في وجودك، مثل اليقين في وجود العالم ~~الخارجي، يمكن أن يكون وهما. # إنها حقيقة معروفة أن الذات التي نشعر بها في الأحلام لها سمات ~~مختلفة تمام الاختلاف عن ذاتنا في اليقظة؛ فهي لا تستطيع الوصول إلى ~~الكثير من ذكريات ذات اليقظة، وعادة ما تتمتع بمجموعة مختلفة من ~~الانفعالات المسيطرة (غالبا ما تكون أكثر سلبية)، وقد يكون لها جسد ~~مختلف أو حتى جنس مختلف. فإذا ما وضعنا في الاعتبار هذه الاختلافات ~~الجوهرية، هل من الممكن وجود حلم لا تكون أنت فيه الشخصية الرئيسية، ~~رغم أن تجاربها جزء من حلمك؟ هذا قد يكون حلما لست أنت بطله، وإنما ~~بطله شخصية من شخصيات الحلم، قد تكون واقعية أو خيالية مثلها مثل باقي ~~الشخصيات في الحلم، ولكن مع الفارق أن الحلم قد روي من وجهة نظرها؛ ومن ~~ثم فإن حياتها الداخلية كلها ستكون واضحة تماما أمامك. في هذه ~~الحالة فأنت في موقف تكون فيه «أنت» في رأس شخصية تحلم بها، مثلما حدث ~~في فيلم «أن تكون جون مالكوفيتش»، ولكن دون أن تملك القدرة على الوصول ~~للذكريات والمعتقدات والرغبات «الخاصة بك أنت» (في مقابل الذكريات ~~والمعتقدات والرغبات الخاصة بشخصية الحلم). فإذا سألت هذه الشخصية ~~نفسها إذا ما كانت مستيقظة أم نائمة، فبالتأكيد الإجابة الصحيحة هي ~~أنها ليست كذلك ولا كذلك؛ فهي فقط شخصية في حلم أحدهم وسوف تختفي فور ~~استيقاظ الحالم من نومه. # الأطلال الدائرية # يصف خورخي لويس بورخيس في ms015 قصته القصيرة «الأطلال الدائرية» ~~ساحرا، على الأرجح من مدينة باختر القديمة، يخلق شابا صغيرا من ~~أحلامه. ويساعده إله النار على بث الحياة في هذا الشاب، كما يجعل ~~هذا الطيف معصوما من الحرق. وفيما يلي نهاية القصة: # بعد فترة معينة، تفضل بعض السجلات حسابها بالسنين ~~وبعضها بالعقود، أيقظه مجذفان في منتصف الليل؛ لم يستطع ~~رؤية وجهيهما، ولكنهما تحدثا معه عن رجل مسحور في معبد ~~الشمال يستطيع السير فوق النار دون أن تمسه النار. فتذكر ~~الساحر فجأة كلمات الإله، وتذكر أنه من بين كل المخلوقات ~~على سطح الأرض، كان إله النار هو الوحيد الذي يعرف أن ابنه ~~ما هو إلا طيف. وهذه الذكرى، التي هدأت من روعه في ~~البداية، عذبته في النهاية؛ فقد خاف أن ابنه إذا ما ~~تأمل هذه الميزة غير العادية أن يكتشف بوسيلة أو بأخرى أنه ~~مجرد محاكاة تافهة، أنه ليس رجلا، بل مجرد إسقاط لأحلام ~~رجل آخر، يا له من ذل لا يضاهى! ويا له من جنون! كل ~~أب يهتم بالأبناء الذين أنجبهم من لحظات خالصة من السعادة؛ ~~ولذا كان من الطبيعي أن يخشى الساحر على مستقبل هذا ~~الابن الذي خلق جسده جزءا تلو الآخر، وشكل ملامحه ~~ملمحا فملمح، في ألف ليلة وليلة خفية. لكن مخاوفه انتهت ~~فجأة، ولكن ليس دون تحذيرات سابقة تنبئ بانتهائها. أولا ~~(بعد قحط دام لفترة طويلة) ظهرت غيمة بعيدة - في خفة الطير ~~- فوق تل؛ ثم تخضبت السماء، نحو الجنوب، باللون الوردي؛ ~~ثم أتت سحب الدخان التي سببت صدأ المعادن في الليل؛ ~~وبعد ذلك جاء سرب من الطيور البرية المذعورة؛ لأن ما حدث ~~منذ قرون عديدة يعيد نفسه. تحطمت أطلال معبد إله النار ~~بفعل النار. وفي فجر دون طيور، رأى الساحر النيران وهي ~~تتصاعد من جدران المعبد. وللحظات، فكر في أن يحتمي منها ~~بالماء، ولكنه أدرك عندئذ أن الموت قد جاء ليتوج ~~شيخوخته ويريحه من أعبائه، فمشى نحو ألسنة اللهب، ولكنها ~~لم تنل من جسده، بل ربتت على جسده بلطف وغمرته دون ~~أن تحرقه ms016 أو تؤذيه. وهنا أدرك بمزيج من الراحة والذل ~~والرعب أنه هو أيضا لم يكن سوى طيف، يحلم به شخص ~~آخر. # هل يمكن أن نكون شخصيات من خلق أحلام أحدهم؟ هذا الاحتمال هو انعكاس ~~نظرية الإيمان بالذات؛ فالفرض الآن ليس أننا واقع وكل ما حولنا غير ~~واقعي (لأنه في عقولنا فقط)، ولكن أن كل الأشياء الأخرى واقع، أما نحن ~~فلسنا كذلك. قد ترى أن هذا الفرض خيالي. أليس وجودنا هو اليقين ~~الأكثر جوهرية لدينا؟ وإذا كنا مجرد شخصيات في حلم، فمن الذي يحلم ~~بنا؟ أهو إله؟ أهو شيطان مريد؟ أم شيء لا يمكن وصفه؟ # لحسن الحظ، ثمة طريقة لتوضيح «معارضة نظرية الإيمان بالذات» بطريقة ~~لا تتطلب الإيمان بإله، أو الأرواح القوية، أو غيرها من الكينونات ~~الغامضة. يكمن الحل في فكرة المحاكاة. تتيح لنا العوالم المحاكاة عوالم ~~نموذجية بسيطة للغاية من أجل اختبار نظرياتنا، مثل نظريات الطقس، ~~وانتشار الأمراض، والديناميكا السكانية، وسلوك الجسيمات الأولية، ~~وازدحام المرور، وغيرها. # شكل 1-4: نموذج انتشار مرض معد ممثل بواسطة خلايا ذاتية ~~السلوك؛ الخلايا السوداء ميتة، والرمادية القاتمة ~~مصابة، والبيضاء تتمتع بمناعة. تتيح القائمة على ~~اليمين تعديل المعاملات، مثل مدى وبائية ~~المرض. # عادة ما تمثل العوالم المحاكاة ملامح قليلة للكائنات التي تحاكيها ~~دون أن تمثل معظمها؛ فمحاكاة المرور في جزء معين من المدينة من أجل ~~دراسة أسباب الاختناقات المرورية قد تمثل السيارات المفردة كنقاط ملونة ~~على الشاشة، على سبيل المثال، ولكنها لن تحاكي طريقة عمل محرك كل سيارة ~~على حدة. وهذه ليست مشكلة؛ إذ إن المحاكاة لا بد أن تمثل أجزاء ~~العالم التي نهتم بشأنها. علاوة على ذلك، كلما زادت التفاصيل التي ~~نحاكيها، وفيها الجزيئات والذرات والجسيمات دون الذرية، صغرت مساحة ~~العالم التي نستطيع تمثيلها في المحاكاة باستخدام القدرة الحسابية ~~الحالية. وإذا زادت مواردنا الحسابية بالطريقة التي نتوقعها، أو أكثر، ~~فقد تختفي هذه القيود في المستقبل غير البعيد. وقد يتمكن أحفادنا ~~المتمتعين بتكنولوجيا متقدمة للغاية من تشغيل عمليات محاكاة لنظم مادية ~~في كبر حجم كوكب الأرض، ممثلين ms017 كافة التفاصيل حتى المستوى ~~الذري. # محاكاة الأمراض المعدية بالخلايا الذاتية السلوك # لكي تفهم ماهية الخلايا ذاتية السلوك، تخيل شبكة من الخلايا ~~المربعة، مثل ورقة الرسم البياني. كل خلية إما أن تكون ممتلئة ~~(حية) أو فارغة (ميتة). فلنفترض أن الخلايا الحية والميتة موزعة ~~عشوائيا عبر الشبكة المربعة. والآن تخيل مجموعة من القواعد التي ~~تحدد ما يحدث في الشبكة في المستقبل. كل خلية (فيما عدا الخلايا ~~الموجودة في الأركان) سيكون لها ثماني خلايا مجاورة: اثنتان ~~أفقيتان، واثنتان رأسيتان، وأربع خلايا قطرية. إحدى القواعد قد ~~تنص على أن أي خلية لها أكثر من ثلاث خلايا مجاورة حية تموت من ~~الزيادة السكانية. وقد تنص قاعدة أخرى على أن الخلايا التي لها أقل ~~من جارتين حيتين ليست سعيدة بدورها؛ ولذا فإنها تموت من الوحدة. ~~والآن يمكننا أخذ التوزيع العشوائي للخلايا الحية والميتة على ~~الشبكة وتطبيق القاعدتين الأوليين عليه: كل الخلايا التي لها ~~أكثر من ثلاث خلايا مجاورة أو أقل من خليتين مجاورتين يجب أن تصبح ~~فارغة، بينما تظل باقي الخلايا حية. يمكننا أن نفعل كل ذلك بورقة ~~رسم بياني وقلم رصاص وممحاة، ولكننا سنكون أسرع كثيرا لو جعلنا ~~الكمبيوتر يقوم بهذه المهمة. وكل تطبيق للقواعد ينظر إليه بوصفه ~~حركة في ساعة نموذج العالم الخاص بنا. ومع تطبيق الكمبيوتر للقواعد ~~على الشبكة مرة بعد مرة، يمكننا أن نرى كيف يتغير نموذج العالم، ~~متسببا في ظهور أنماط مختلفة. # تعتمد الأنماط التي ستظهر في الأساس على أنواع القواعد التي تحكم ~~الانتقال من حالة للشبكة إلى أخرى؛ ومن ثم من «حركة» للساعة إلى ~~الحركة التالية. إذا أردنا دراسة انتشار الأمراض المعدية، يمكننا ~~أن نفترض جدلا أن بعض الخلايا الحية مريضة؛ أي حاملة للمرض، فإذا ~~كان لخلية سليمة جارة مريضة، يمكن أن نضع قاعدة تحدد احتمال أن ~~تصاب بالمرض هي أيضا. فإذا كان الاحتمال 0,5، فإن نصف الخلايا ~~السليمة التي تجاور خلايا مريضة ستصبح مريضة هي أيضا بعد الحركة ~~التالية. يتفق هذا الاحتمال مع مدى وبائية المرض؛ بمعنى مدى سهولة ms018 ~~الإصابة به. ويمكن وضع قاعدة أخرى لتحديد المدة التي يمكن أن ~~تعيشها الخلايا المصابة بالمرض؛ بمعنى: بعد كم حركة ستتحول الخلية ~~من خلية حية إلى خلية ميتة؟ ويتفق هذا مع مدى شدة المرض؛ أي مدى ~~سرعته في قتل الخلية التي يصيبها. وعن طريق تنويع القواعد، يمكننا ~~أن نلاحظ في نموذج العالم الذي وضعناه كيف تتطور الأمراض المختلفة ~~من حيث احتمال الإصابة بها والسرعة التي تقتل بها حاملها؛ على سبيل ~~المثال، سوف نلاحظ أن الأمراض الشديدة الوبائية التي تقتل بسرعة ~~كبيرة لا تنتشر بسرعة كبيرة؛ إذ إن العائل سيقتله المرض قبل أن ~~يصيب غيره بالعدوى. # من الطريف أن نطرح سؤالا عما ~~سنحاكيه إذا أتيحت لنا مثل هذه التكنولوجيا. ما يخطر على بالنا على ~~الفور هو تاريخنا. كثيرا ما نتساءل عما كان سيحدث إذا تغيرت بعض ~~التفاصيل الصغيرة ولكن المهمة في الماضي. ماذا كان سيحدث إذا لم يأخذ ~~قائد سيارة الأرشيدوق فرانز فرديناند المنعطف الخطأ داخلا إلى شارع ~~جانبي في سراييفو في الثامن والعشرين من يونيو عام 1914؟ ماذا كان ~~سيحدث إذا كان ألكسندر فلمنج قد ألقى طبق بتري الملوث في الثامن ~~والعشرين من سبتمبر عام 1928؟ ماذا كان سيحدث إذا توفي ماو تسي تونج ~~إثر أزمة قلبية أثناء سباحته الشهيرة في نهر يانجتسي في السادس عشر من ~~يوليو عام 1966؟ ماذا كان سيحدث إذا لم يغير ألويس شيكلجروبر اسم ~~عائلته إلى هتلر؟ رغم أننا غير قادرين على الإجابة عن هذه الأسئلة، سوف ~~يتمكن أحفادنا من الإجابة عنها؛ فبإمكانهم أن يشغلوا عملية محاكاة ~~حاسوبية لكل ما حدث على كوكب الأرض بين عامي 1875 و1945، ويغيروا ~~تفصيلة واحدة صغيرة في المسار الحقيقي للأحداث؛ ومن ثم يراقبون إذا ما ~~كان ملايين الألمان سيهتفون بالتحية «هايل شيكلجروبر» أم لا. وقد تتيح ~~محاكاة مشابهة لأحفادنا اكتشاف شكل العالم لو لم تشتعل الحرب العالمية ~~الأولى، أو لو لم يكتشف البنسيلين، أو لو لم تقع الثورة الثقافية ~~الصينية. # ولكن يوجد الآن الاحتمال المقلق أننا «نحن أنفسنا» نعيش في إحدى ~~عمليات المحاكاة ms019 المتنوعة. ربما لم تقع الأحداث بين عامي 1950 و2050 ~~حقا بالطريقة التي نذكرها. ربما تغيرت تفصيلة واحدة مهمة مما حدث في ~~1950 (ولا نعرف أي تفصيلة) في عملية المحاكاة، وتغير مسار الأحداث ~~تغيرا شديدا منذ ذلك الحين. ربما لم يولد أشخاص بأسمائنا في المسار ~~الأصلي للأحداث من عام 1950 إلى عام 2050، وفي هذه الحالة فنحن جميعا ~~نتاج عملية محاكاة، وعلى غرار الساحر في قصة بورخيس، نحن موجودون في ~~حلم أحدهم فحسب. # قد نفكر قائلين: «لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحا، فنحن نعلم أن ~~الشخصيات في لعبة الكمبيوتر، مثلا، ليست واعية، أما نحن فواعون؛ ~~ولهذا السبب، لا يمكن أن نكون شخصيات في لعبة كمبيوتر، أو بالأحرى في ~~هذه الحالة، شخصيات في عملية محاكاة تاريخية، لا تتعدى كونها لعبة ~~كمبيوتر معقدة على نحو خاص. فما من سبيل يمكن أن تدرك به شخصية لارا ~~كروفت العالم الذي توجد فيه، وعلى النقيض نحن ندرك العالم الذي نوجد ~~فيه؛ ومن ثم لا يمكن أن نكون شخصيات مثلها.» عند هذه النقطة، يجدر ~~بنا أن نسأل أنفسنا عن السبب الذي يجعلنا نظن أن لارا كروفت ليست ~~واعية. والإجابة هي أنه ليس هناك برنامج كمبيوتر متاح حاليا يستطيع ~~حتى أن يحاكي لاعب «جو» هاويا ماهرا، فما بالنا بعقل واع كامل في ~~بيئة افتراضية. ومع ذلك، إذا كانت القضية هي مجرد نقص التعقيد، فهذه ~~مشكلة يمكن حلها بسهولة؛ فالافتراض الأساسي لدينا هو أن أحفادنا ~~سيتمكنون من الوصول إلى موارد حسابية أكثر تقدما مما نمتلكه حاليا، ~~وسيتمكنون من محاكاة دماغ كامل، بكل ما يحوي من جزيئات. فإذا كنا ~~نعتقد أن العقل البشري هو ما يفعله الدماغ البشري، إذن فالمحاكاة بهذا ~~المستوى من التفاصيل سوف تحاكي أيضا العقل البشري. وجزء مما يعنيه ذلك ~~هو أن هذا العقل سيتمتع برؤية الشخص الأول؛ أي يرى العالم من منظوره ~~الخاص. # بعبارة أخرى، قد تصنع المحاكاة طرقا مختصرة. ليس هناك حاجة إلى ~~محاكاة الأشياء الشديدة الصغر أو الشديدة البعد، مثل الكائنات الدقيقة ~~الموجودة في ms020 قطرة ماء أو الصخور الموجودة على عمق متر من سطح القمر، بل ~~يكفي أن نحاكي هذه الأشياء في حينها، إذا صادف أن وضعنا قطرة الماء ~~تحت الميكروسكوب، أو حفرنا ثقوبا في سطح القمر. بالمثل، يمكن توفير ~~الموارد الحسابية بعدم محاكاة أدمغة بعض الشخصيات الموجودة في العالم ~~المحاكى. قد يبدو لنا أن لها الهيكل الداخلي نفسه الذي يتمتع به باقي ~~الأشخاص الذين نقابلهم، ولكنها ليست أعقد بكثير من الشخصيات الموجودة ~~في ألعاب الكمبيوتر المتوفرة حاليا، والروبوتات الافتراضية التي لا ~~تتعدى كونها وهما، التي تبدو واعية، ولكنها في الحقيقة تفتقر إلى ~~العقل. ويثير مثل هذا الترشيد في الموارد الحسابية السيناريو المروع ~~الذي نكون فيه نحن أنفسنا غير حقيقيين (لأننا مجرد محاكاة) وكل من ~~نقابلهم من الزومبي (لأن مظهرهم الخارجي فقط هو ما تمت ~~محاكاته). # إذا سلمنا بعدم الاضطرار إلى محاكاة كل جزيء في العالم، وإنما فقط ~~أسطح معظم الأشياء، بالإضافة إلى عدد معين مطلوب من الأدمغة، فإن إدارة ~~عملية محاكاة تاريخية بالشكل الموصوف أعلاه من المرجح أن تكون ممكنة ~~بالموارد الحسابية المتاحة في المستقبل غير البعيد. بالطبع، من الممكن ~~أن تدمر الحضارة الإنسانية (يرتطم بها كويكب أو يدمرها فيروس قاتل ~~محور وراثيا أو تغرق من جراء ارتفاع مستوى سطح البحر) قبل أن ~~تستطيع بناء أجهزة كمبيوتر قوية بما يكفي لإدارة عمليات المحاكاة ~~التاريخية. وفي هذه الحالة، من الواضح أننا لا يمكن أن نكون جزءا من ~~عملية محاكاة يديرها أحفادنا. وبالمثل، حتى إذا كانوا قادرين على ~~إدارة مثل عمليات المحاكاة هذه، فإنهم قد لا يرغبون في ذلك فحسب؛ حيث ~~إن الأفكار المتبصرة التي قد يحصلون عليها من هذه العمليات قد تكون ~~تافهة بالنسبة لهم، ولعل لديهم مساعي أخرى - غير معلومة لنا - أكثر ~~جاذبية من الناحية الثقافية بالنسبة لهم، ولكن لو كان حقيقيا أن ~~الموارد الحسابية المطلوبة لإدارة عمليات محاكاة تاريخية لن تكون متاحة ~~بسهولة في المستقبل البعيد فلكيا، ولكنها في متناول أيدينا ~~تكنولوجيا، إذن فيجدر بنا ألا نفترض افتراضات مبالغا فيها فيما ~~يتعلق ms021 بالوقت المتبقي لنا على هذا الكوكب، أو الأنماط المتغيرة ~~للاهتمامات الثقافية للبشر؛ من ثم فإن فرصة وجود عملية محاكاة تاريخية ~~في مرحلة ما من المستقبل تبدو معقولة. # بمجرد بدء أسلافنا في إدارة عمليات المحاكاة التاريخية ، فإن عدد ~~الأشخاص الموجودين في هذه العمليات قد يتجاوز سريعا المائة مليار شخص ~~الذين عاشوا على كوكب الأرض منذ تكونه. وفي هذه الحالة، سيكون من ~~المنطقي بالنسبة لنا أن نعتقد أنه من المرجح أننا نعيش نحن أنفسنا في ~~عملية محاكاة تاريخية. فلنفترض أن صديقك يعرض عليك لوحة جديدة اشتراها ~~من لوحات سلفادور دالي. فإذا وضعنا في اعتبارنا أن 90 في المائة، وفقا ~~لآراء الخبراء، من اللوحات المعروضة للبيع حاليا في السوق مزيفة، ~~وإذا افترضنا أنك وصديقك تفتقران إلى التدريب الكافي لتمييز لوحات دالي ~~الأصلية من المزيفة، فإنه من المنطقي بالنسبة لك أن تفترض أن احتمال ~~كون هذه اللوحة مزيفة يبلغ 0,9. بالمثل، إذا تمت محاكاة عدد ن٪ من كل ~~الكائنات الواعية، ومع افتراض أنك تعجز عن التمييز بين المحاكاة ~~والواقع، فإن احتمال أن تكون أنت مجرد محاكاة هو ن٪. (قدر الفيلسوف ~~الأسترالي ديفيد تشالمرز هذا الاحتمال ذات مرة ب 20٪، في ضوء ~~الاعتبارات السابقة الذكر، يبدو هذا الرقم منخفضا إلى حد ~~ما.) # بالطبع، يمكن استخدام الحجة نفسها لكن في هذه الحالة يقوم أحفادنا ~~بمحاكاتنا، وهم أنفسهم قد يكونون مجرد عمليات محاكاة خاصة بأحفادهم. ~~وفي الواقع، إذا كنا نحن نحاكي أشخاصا آخرين، فعلينا أن نؤمن بيقين ~~أكبر أننا نحن أنفسنا تتم محاكاتنا، بما أننا أصبحنا نعرف أن مثل هذه ~~المهام يمكن القيام بها بنجاح؛ من ثم فإن أحفادنا القائمين بالمحاكاة ~~ينبغي أن يتبينوا أكثر منا أنه من المرجح أنه يتم محاكاتهم. ~~ويمكننا أن نتخيل هيكلا هرميا كاملا نكون فيه مجرد شخصيات في ~~محاكاة تاريخية يديرها أحفادنا، الذين تتم محاكاتهم هم أنفسهم بواسطة ~~آخرين، يعيشون في عالم محاكى يديره غيرهم، وهكذا، إلى ما لا نهاية. في ~~مثل هذا السيناريو، تصبح عمليات المحاكاة أعقد فأعقد كلما نزلنا من ~~مستوى ms022 إلى مستوى أدنى؛ فالأشخاص الذين يديرون عملية المحاكاة في ~~المستوى الثاني من أعلى الهيكل الهرمي ليسوا فقط مضطرين إلى محاكاة ~~عالم بأسره بكل من فيه من بشر (تحديدا أحفادنا)، وإنما أيضا كل ~~عمليات المحاكاة التاريخية التي يقومون بها (ونحن فيها). وعلى المحاكي ~~أن يكون شديد الحرص ويراقب خلقه عن كثب: فإذا قامت الكائنات التي تم ~~عمل محاكاة لها بمحاكاة غيرها من الكائنات، وقامت تلك بإنشاء كائنات ~~أخرى، فسوف تنفد جميع مواردنا الحسابية في المحاكاة دون أن ندري. وفي ~~هذه الحالة سيكون الخيار الوحيد المتاح أمامنا هو إلغاء عملية المحاكاة ~~التي نديرها، بالإضافة إلى الهيكل الهرمي المستند إليها بالكامل. ولكن ~~هذا قد يمنحنا فسحة من الوقت للتفكير. فإذا بدأنا ندير عمليات محاكاة ~~أسلافنا، فسوف نزيد احتمال أن يلغي من يقومون بمحاكاتنا عملية ~~المحاكاة الخاصة بنا (هذا إذا كنا حقا نخضع للمحاكاة)؛ نظرا لأن ~~الموارد الإضافية التي نستهلكها بهذه الطريقة قد تكون كثيرة جدا. ~~وإذا كنا في أعلى الهيكل الهرمي للمحاكاة، فإن محاكاتنا قد تكون القشة ~~التي تقصم ظهر البعير؛ ومن ثم يجب أن نعيد النظر في مسألة إدارة عملية ~~محاكاة أسلافنا. # يشترك سيناريو المحاكاة في بعض عواقب الاحتمالات الأخرى المذكورة ~~أعلاه، والتي يتم فيها خداعنا على نحو منظم: أن نكون في حلم، أو أن ~~نكون عبارة عن أدمغة يتم تنشيطها اصطناعيا وتغذيتها بمعلومات مصطنعة. ~~قد نكون مخطئين في أغلبية معتقداتنا، وقد يتبدى لنا أن دوافعنا نحو ~~السلوك الفاضل ليس لها أساس (إذا كنا جزءا من عملية محاكاة منخفضة ~~التكاليف تقوم بمحاكاة الآخرين كواجهات خالية فحسب). ولكن في حين أنه ~~في الحالتين الأوليين، لا تزال أنفسنا لها وجود - الأنا الحقيقية التي ~~تعتبر النقطة الثابتة في دوامة الوهم - ففي سيناريو المحاكاة نحن غير ~~واقعيين بالمرة، كما أن العالم المحاكى الذي نتعامل معه غير واقعي. جزء ~~من عدم الراحة الذي نشعر به فيما يتعلق بسيناريو الدماغ المنشط هو أن ~~المحاكاة قد تتوقف فجأة، وعندئذ سندرك ماهية العالم الواقعي؛ إننا ما ~~زلنا موجودين، ولكن في ms023 بيئة مختلفة اختلافا جذريا، وفي زمن بعيد في ~~المستقبل، دون جسم، في برطمان، وهكذا. أما في حالة المحاكاة، فليس هناك ~~«استيقاظ» في العالم الواقعي؛ نظرا لأن العالم الواقعي - عالم أحفادنا ~~- لا يشملنا. وإذا توقفت عملية المحاكاة، فإننا لن نجد أنفسنا فجأة في ~~مواجهة واقع أن كل الأشياء المحيطة بنا مزيفة؛ لأننا ببساطة لن نكون ~~موجودين أساسا. من ناحية، قد يريحنا هذا السيناريو؛ فنحن لن نجد ~~أنفسنا مجرد أدمغة وحيدة في مختبر عالم شرير. ولكن من ناحية أخرى، ~~يخلف هذا لدينا شعورا غريبا بأننا مجرد وهم. ولن يعود من المنطقي ~~أن نظن أن العالم الواقعي يدور في فلكنا، لأننا لسنا حتى جزءا من ~~العالم الواقعي؛ فاليقين الذي يبدو أنه الأكثر جوهرية - أن لنا وجودا ~~وسط عالم من الأوهام المعقدة - سيذهب في طي النسيان؛ فليس من الممكن أن ~~يختفي الوهم دون أن نختفي نحن معه؛ لأننا نحن أنفسنا جزء من هذا ~~الوهم. # شكل 1-5: تصوير صيني تقليدي لحلم الفراشة. # في حين أن افتراض أننا غير موجودين في المستوى الأساسي للواقع ~~افتراض مربك للعقل، فإنه من الممكن أن نمنحه فرصة أخرى. من ~~المعروف أن الفكرة الأساسية تم شرحها في القرن الرابع قبل الميلاد في ~~حجة ساقها الفيلسوف الصيني جوانج زي. وهو يروي التجربة التالية: # في الليلة الماضية، راودني أنا، جوانج زي، حلم بأنني فراشة ~~... فراشة تطير في الهواء وتستمتع بوقتها. لم أكن أدري أنها ~~جوانج زي، وفجأة استيقظت، ورجعت إلى نفسي ثانية، إلى جوانج ~~زي الواقعي. لم أكن أعرف إذا ما كان جوانج زي يحلم بأنه فراشة، ~~أم أن الفراشة الآن تحلم بأنها جوانج زي. ولكن لا بد من وجود ~~فرق بين جوانج زي والفراشة. # في هذا السيناريو، ليس لدينا شخص واحد يخلق آخر في الحلم، ولكن ~~شخصيتان، جوانج زي والفراشة، يخلق أحدهما الآخر في الحلم. هذه الحالة ~~من الأحلام المتناسقة لا تدل فقط على أننا، بوصفنا شخصيات في حلم، غير ~~واقعيين، في حين أن شخصا آخر، الذي يحلم بنا، واقعي، وإنما تقوض ms024 ~~أيضا احتمال القدرة على التمييز بين ما هو واقعي وما هو غير واقعي في ~~الأساس. جوانج زي يحلم بالفراشة، إذن فالحالم جوانج زي واقعي، والفراشة ~~التي يحلم بها ليست واقعية. ولكن الفراشة أيضا تحلم بجوانج زي، الذي ~~لا ينبغي أن يكون واقعا، بوصفه شخصية في حلم أحدهم. ولكن لا شيء يمكن ~~أن يكون واقعيا وغير واقعي في الوقت نفسه. # حتى في سيناريو المحاكاة، يمكن أن نكون على يقين أن هناك من هو ~~واقعي، على الرغم من أننا غير واقعيين. ونحن، ككائنات تمت محاكاتها، ~~قد لا نكون جزءا من المستوى الأساسي من الواقع، ولكن من يحاكوننا جزء ~~منه. وإذا لم يكونوا جزءا من الواقع، فإن من يحاكونهم جزء منها. في ~~النهاية هناك شخص يجب أن يكون واقعا. ولكن إذا طبقنا فكرة جوانج زي ~~على سيناريو المحاكاة، فسيكون لدينا حالة نقوم فيها بإدارة عملية ~~محاكاة لكائنات تمت محاكاتها، وهذه الكائنات تدير عملية محاكاة ~~لكائنات أخرى تمت محاكاتها بدورها، وهذه الكائنات الأخيرة مماثلة ~~لنا تماما. لقد تحول الهيكل الهرمي للمحاكاة إلى دائرة ~~مفرغة. # شكل 1-6: لوحة «معرض اللوحات» لإم سي إيشر. # يمكننا رؤية تمثيل مرئي طريف لهذه الدائرة المغلقة في لوحة إم سي ~~إيشر «معرض اللوحات». تصور هذه اللوحة شابا في معرض صور ينظر إلى ~~لوحة بها ميناء ومدينة من الخلف. بدخولنا إلى الصورة وفحصنا للمدينة، ~~نرى امرأة تجلس في نافذة فوق معرض صور، وفيه ينظر الشاب نفسه إلى ~~الصورة التي نحن بداخلها! وكما هو الحال في سيناريو جوانج زي؛ حيث من ~~المستحيل أن تميز إذا ما كنت داخل الحلم أو خارجه، أو داخل عملية ~~محاكاة أو خارجها؛ ففي هذه الحالة من المستحيل أن نحدد إذا ما كان ~~الشاب خارج الصورة؛ ومن ثم فهو واقعي؛ أم إنه جزء من الصورة؛ ومن ثم ~~فهو غير واقعي. هناك أسباب وجيهة لكلا الرأيين: إذا بدأنا بالشاب، ~~فسنرى أنه يقف أمام الصورة، وإذا بدأنا بالصورة، فسنرى أن الشاب موجود ~~فيها بوضوح. لا تكمن المشكلة فقط في عدم ms025 معرفتنا أي الرأيين هو الرأي ~~السليم؛ فنحن لا نستطيع أن نتيقن بشكل نهائي أن أحد الرأيين هو الصائب؛ ~~نظرا لعدم وجود أي معلومات إضافية جديدة، وعدم وجود أي حقائق أخرى ~~يمكننا الاستناد إليها للتأكد من حقيقة الأمر. بعد الشك فيما إذا كان ~~العالم من حولنا واقعيا أو ما إذا كنا نحن أنفسنا واقعيين، يبدو أن ~~ثمة يقينا آخر قد ضرب به عرض الحائط؛ أيا كان شكل العالم، فهناك ~~شيء أو شخص واقعي، حتى إذا لم نكن نحن كذلك. # الفصل الثاني # | هل المادة واقع؟ # عندما التقى نيو ومورفيوس لأول مرة في واقع محاكى يطلق عليه ~~«البناء»، اقترح مورفيوس طريقة لتعريف الواقع: # ما «الواقع»؟ كيف تعرف «الواقع»؟ إذا كنت تعني ما ~~نستطيع تذوقه وشمه وسماعه والإحساس به؛ إذن الواقع ليس سوى ~~إشارات كهربية يترجمها دماغك. # بعبارة أخرى، الواقع هو ما يظهر لحواسك. هذا التعريف، والذي سنطلق ~~عليه «تعريف فيلم ماتريكس»، هو تعريف عجيب في عدة مناح؛ ~~فالإلكترونات، ورقم 5، والركود الاقتصادي الأخير؛ كلها أشياء لا نستطيع ~~تذوقها أو شمها أو سماعها أو الإحساس بها، ولكن معظم الناس متفقون على ~~أنها واقع. من ناحية أخرى، الحشرات الوهمية التي تظهر أمام مدمني ~~الكحول أثناء الهذيان الارتعاشي، والأصدقاء الوهميون الذين يتحدث معهم ~~الأطفال، والروائح الوهمية التي يشمها المرضى المصابون بألزهايمر؛ كلها ~~أشياء مرئية ومسموعة ومشمومة، ولكنها ليست واقع؛ من ثم فنحن في حاجة ~~لتعريف أفضل للواقع. # إن مجرد ظهور الشيء لحواسنا ليس دليلا كافيا على واقع وجود هذا ~~الشيء؛ فالهلاوس والظواهر المرتبطة بها كلها ليست من الواقع، وفقا لما ~~نقوله، لأنها غير مرئية أو ملموسة أو مشمومة من قبل أي شخص آخر؛ فهي ~~ليست ظاهرة لحواس أي شخص آخر بخلاف الشخص الذي تراوده الهلاوس. على هذا ~~يمكننا تعريف «الواقع» ليعني أي شيء ظاهر لحواس عدد كبير كاف من ~~المشاهدين. وسيتيح لنا ذلك التفرقة بين خيالاتنا الخاصة وهلاوسنا وبين ~~شكل العالم الذي يشترك الجميع في رؤيته. ~~إن علامة الواقع ليس أنه يظهر ~~لبعض الناس بعض الوقت، وإنما ms026 أنه يظهر لمعظم الناس معظم الوقت. وهذه ~~الفكرة، التي ترى أن الواقع لا يصل إليه إلا أغلبية من العقول تعمل ~~معا في انسجام، حدث لها بعض التشويه والتحريف في رواية جورج أورويل ~~«1984» عندما قال عضو الحزب الداخلي أوبرين: # أقول لك يا وينستون، الواقع ليس خارجيا، الواقع موجود في ~~العقل البشري وليس في أي مكان آخر. ليس في عقل الفرد، الذي ~~يمكن أن يرتكب أخطاء، وفي كل الحالات سرعان ما يذهب في طي ~~النسيان؛ وإنما في عقل الحزب، وهو عقل جمعي وخالد. # فلنطلق على هذا «تعريف رواية «1984»». وعلى الرغم من أنه أكثر ~~إرضاء من «تعريف فيلم ماتريكس»، فإنه تعريف شديد الضعف أيضا؛ فهو ~~سينظر إلى الواجهات الواهية لسيناريوهات الديستوبيا مثل سيناريو رواية ~~«1984» أو سيناريو فيلم ذا ماتريكس بوصفها الحقيقة، وسوف ينتج نتائج ~~غريبة في السيناريوهات الأقل خيالا. فلتنظر مثلا إلى مرض كورو، وهو ~~مرض عجيب موجود أساسا في جنوب شرق آسيا. تشمل أعراض المرض القلق ~~الشديد المفاجئ من نكوص الأعضاء التناسلية إلى داخل الجسم؛ ومن ثم ~~التسبب في الموت. وكثيرا ما ينتشر المرض على هيئة وباء في منطقة ~~معينة؛ على سبيل المثال ظهر المرض في سنغافورة عام 1967، فأدى إلى ~~دخول 97 مريضا إلى مستشفى واحد في يوم واحد. وما يؤدي لتعقيد المرض ~~أن المصابين به قد يلجئون من فرط القلق إلى اللجوء للكلابات ~~والملازم وغيرها من الأدوات الميكانيكية لإيقاف نكوص أعضائهم ~~التناسلية المحسوس إلى داخل أجسامهم، وغالبا ما تتسبب هذه الأفعال في ~~أضرار جسيمة. وغني عن القول، أنه ليس ثمة نكوص فعلي ملحوظ يحدث ~~للأعضاء التناسلية؛ فالكورو ليس مرضا جسديا وإنما مرض عقلي. ولكن ~~وفقا لتعريف رواية «1984»، إذا اعتقد عدد كاف من الأشخاص في تقلص ~~القضيب، فتقلص القضيب أمر واقعي. إن الصعوبة التي يواجهها المهلوسون، ~~والأطفال ذوو الأصدقاء الخياليين، وغيرهم، ليست في أنهم مخطئون في ~~الطريقة التي يرون بها العالم، وإنما في أنهم أقلية. وبمجرد أن يؤمن ~~عدد كاف من الأشخاص بشيء غير واقعي، فإن هذا الشيء، أيا كان، لا بد ms027 ~~من اعتباره واقعا. # سيكون من الطيب أن نستخلص تعريفا أكثر موضوعية لكلمة «الواقع» من ~~ذلك التعريف المرتبط بالاتفاق الجمعي. وتمنحنا الحكاية التالية حول ~~المعجمي صامويل جونسون فكرة عما ينبغي أن نبحث عنه: # بعد أن خرجنا من الكنيسة، وقفنا نتحدث لبعض الوقت معا حول ~~سفسطائية الأسقف بيركلي المبتكرة لإثبات عدم وجود المادة، وأن ~~كل ما في الكون لا يعدو أن يكون محض أفكار موجودة في العقل. ~~ولاحظت أننا رغم تيقننا من أن مذهبه غير صحيح، فإنه من ~~المستحيل دحضه. ولن أنسى ما حييت الحماسة التي رد بها ~~جونسون وهو يضرب بقدمه بمنتهى القوة حجرا كبيرا قائلا: «مع ~~ذلك، أنا أدحضه.» # بالنسبة لجونسون، علامة الواقع هي المقاومة التي تبذلها أجسام معينة؛ ~~فأنا أستطيع تخيل مقعد موضوع أمامي بكل تفاصيله وشكله ولونه وملمسه، ~~إلى أن يصبح لدي صورة شديدة الوضوح له في عقلي. مع ذلك، إذا حاولت ~~الجلوس على هذا المقعد، فإن جسمي سيقع على الأرض، في حين أن المقعد ~~الواقعي الحقيقي سوف يدعم جسمي. «المقاومة» في هذا السياق، لا تعني ~~اللانفاذية، وإنما إحجام الأشياء الواقعية عن التأثر برغباتنا ~~وأمانينا. وكما يصوغها فيليب كيه ديك، فإن الشيء الواقعي هو الشيء الذي ~~لا يختفي عندما تكف عن الإيمان بوجوده. # بمجرد أن يتوقف طفلك عن الإيمان بوجود صديقه الخيالي، فإن هذا الصديق ~~يختفي، وإذا توقفت أنت عن تصور المقعد، فسوف يختفي هذا المقعد الوهمي ~~من الوجود؛ ولهذا فإن هذا الصديق وهذا المقعد (على عكس الأصدقاء ~~والمقاعد العادية) غير واقعيين. وسوف نطلق على تعريف الواقع بأنه الشيء ~~الذي لا نختلقه «تعريف جونسون». ورغم الطابع المنطقي العقلاني الذي ~~يتسم به هذا التعريف، فإن له بعض النتائج الغريبة. بشكل عام، نحن نعتقد ~~أن البورصة واقع، وأن الأحلام ليست واقعا، ولكن وفقا لتعريف جونسون، ~~العكس هو الصحيح. فنحن لا نختلق أحلامنا؛ لأننا لا نستطيع اتخاذ قرار ~~بما نريد أن نحلم به (اسأل أي شخص يعاني من كوابيس متكررة). والأحلام ~~تبذل بعض المقاومة لرغباتنا وأمانينا، فإذا راودك حلم بأن القطار ms028 ~~يفوتك، فإن القطار لن يتأخر عن موعده خمس دقائق لتلحق به، بل سيرحل ~~في وقته بالضبط في الحلم، وسوف يفوتك. أما البورصة، فهي شيء نختلقه ~~جميعا. إذا توقف الجميع عن الإيمان بها، بمعنى أن يتوقف الجميع عن ~~الشراء والبيع فيها ، فإن الأسهم وأسعارها وتقلباتها سوف تختفي من ~~الوجود، تماما كما يختفي الصديق الوهمي الذي توقف الطفل عن الإيمان ~~به. # لكن ربما نستطيع حل مشكلة تعريف جونسون؛ فالأحلام والبورصة هما في ~~النهاية أشياء يختلقها العقل البشري. ولكن تخيل عالما ليس به ~~بشر، أو ربما ليس به عقول؛ ألا يمكننا اعتبار كل ما في هذا العالم ~~واقعيا؟ كيف سيصبح عالمنا دون عقول واعية؟ سيظل القمر يدور حول الأرض ~~والأرض تدور حول الشمس؛ والإلكترونات تدور حول نواة الذرة. لن يكون ~~هناك ألوان، ولكن سيظل هناك ضوء بأطوال موجية مختلفة؛ لن يكون هناك ~~روائح، ولكن ستظل هناك جزيئات عالقة في الهواء؛ لن يكون هناك قصص، ولكن ~~ستظل هناك علامات على الورق. وهذا التعريف للواقع بأنه ما يتبقى في ~~عالم نحن غير موجودين فيه، عالم انتزع منه كل البشر، سوف نطلق عليه ~~«تعريف نهاية العالم». وفي حين أن هذا التعريف يتسبب في جعل مجموعة ~~الأشياء الواقعية صغيرة نسبيا (فاقتصاد العالم واللغات والحروب ~~وغيرها لن تعد أشياء واقعية)، فإنه التعريف الأكثر تماسكا الذي ~~قابلناه حتى الآن؛ فهو يعادل ما هو واقعي بما هو موجود بغض النظر عن أي ~~شيء، بالعالم الذي لم تمسه العقول البشرية، العالم الذي نزعت منه كل ~~أماني البشر ورغباتهم واهتماماتهم. # مع ذلك، قد يكون من الممكن أن نجعل هذا التعريف أكثر تماسكا. ذكر ~~جون لوك في كتابه «مقالة حول الفهم البشري» هنديا: # قال إن العالم يرتكز على فيل ضخم، وعندما سئل عما يرتكز عليه ~~الفيل نفسه، كانت إجابته: سلحفاة ضخمة. ولكن عندما ضغط عليه ~~لمعرفة ما ترتكز عليه السلحفاة ذات الظهر العريض، أجاب بأنه ~~شيء لا يدري كنهه. # عندما نحلل كل ما يحيط بنا من أشياء مادية، سنجد أن الأحذية والسفن ~~وشمع ms029 الختم، وكل الأشياء التي نستخدمها يوميا مكونة من جزيئات، وهذه ~~الجزيئات تتكون بدورها من ذرات، وتتكون كل ذرة من نواة صغيرة تحيط بها ~~إلكترونات. أما النواة فهي تتكون من بروتونات ونيوترونات، التي يمكن ~~تحليلها إلى مجموعة متنوعة من الجسيمات دون الذرية. وكل هذه الجسيمات ~~يمكن تفسيرها في ضوء أوتار، والتي يمكن تحليلها إلى كيانات أساسية أكثر ~~«لا ندري كنهها». في هذا التسلسل الهرمي، كل مستوى يعتمد على المستوى ~~الأدنى منه مباشرة، وفي هذه الحالة يكون الشيء الواقعي هو الموجود في ~~المستوى الذي يعتمد عليه الآخرون، ولكن دون أن يعتمد هو نفسه على شيء؛ ~~أي السلحفاة الأساسية - أيا كانت - التي يعتمد عليها الكون كله. ~~ويختلف «تعريف السلحفاة» عن تعريف نهاية العالم للواقع لأنه لا ينظر ~~إلى كل ملامح العالم التي تفتقد إلى العقل على أنها واقعية: جبل إفرست، ~~على سبيل المثال، رغم أنه مستقل عن العقل، فلا يزال يعتمد في وجوده على ~~وجود أجسام أخرى مادية أصغر وأكثر جوهرية. الواقع هو فقط الشيء أو ~~الأشياء التي تنتهي عندها أدنى حدود الميتافيزيقا؛ أي الأجسام التي ~~تشكل المستوى السفلي من سلسلة الاعتماد التي تمتد من البضائع ~~المتوسطة الحجم إلى الجزيئات والذرات والجسيمات دون الذرية إلى وجهة ~~ما زلنا لا نعرفها. # التعريفات الخمسة للواقع # تعريف فيلم ماتريكس: # الواقع هو ما يظهر لحواسنا. # تعريف رواية «1984»: # الواقع هو ما يظهر لمعظم الناس. # تعريف جونسون: # الواقع هو ما لا نختلقه. # تعريف نهاية العالم: # الواقع هو ما هو موجود بغض النظر عن أي شيء. # تعريف السلحفاة: # الواقع هو المستوى الأدنى في سلسلة الاعتماد. # شكل 2-1: تظهر في الصورة لافتة على مكتب هاري ترومان ومكتوب ~~عليها: # THE BUCK STOPS ~~HERE # بمعنى «هنا نهاية ~~المطاف.» # من بين تعريفات الواقع الخمسة التي ذكرت حتى الآن، يبدو التعريفان ~~الأخيران للواقع (أنه ما هو موجود بغض النظر عن أي شيء، أو هو المستوى ~~الأساسي لكل ما عداه من أشياء) هما التعريفين الأكثر تماسكا وموضوعية؛ ~~لذلك عندما نبحث فيما إذا كان شيء ما واقعيا ms030 أم لا، يجب أن نضع في ~~ذهننا هاتين الفكرتين. سوف نبدأ بالنظر إلى حقيقة ما يبدو أنه أحد ~~الأشياء الشديدة الجوهرية: المادة. والسؤال الحاسم الذي يجب أن نطرحه ~~هو إذا ما كان أدنى مستوى للمادة يشبه برطمانا من الجيلي أو علبة ~~مليئة بقطع الحلوى. بعبارة أخرى، إذا أخذنا جسما ماديا وقسمناه ~~إلى نصفين، ثم قطعنا النصف إلى نصفين، وتابعنا بهذه الطريقة، فهل ~~سينتهي بنا الأمر بأجسام بسيطة ممتدة مستمرة مثل الجيلي يمكن تقسيمها ~~ولكن ليس لها أجزاء واقعية؟ أم إن كل شيء يتكون من ذرات دقيقة غير ~~ممتدة، مثل قطع الحلوى الشديدة الصغر غير القابلة للتقسيم؟ # يبدو أن تشبيه الجيلي يواجه صعوبات إذا ما فكرنا في جسمين، فلنقل، ~~برتقالتين بحجمين مختلفين. من البديهي أننا سنرغب في قول إن إحداهما ~~أكبر من الأخرى لأنها تحتوي على أجزاء أكثر. ولكن إذا كانت المادة مثل ~~الجيلي، فلدينا فقط جزيئات محتملة؛ إذ يمكننا تقسيم ما لدينا إلى جزأين ~~مرة أخرى، ولكن العالم لا يأتي في أجزاء ذرية منفصلة متمايزة معبأة ~~سابقا. في هذه الحالة، كل برتقالة تحتوي على عدد لا نهائي من الأجزاء ~~المحتملة. وإذا افترضنا أيضا أن الترتيب الداخلي لثمرتي الفاكهة ~~متشابه إلى حد ما، فمن الصعب إذن أن نفهم السبب وراء كون برتقالة أكبر ~~من الأخرى. # إذا كان العالم لا يشبه برطمان ~~الجيلي، فهل هناك قطع صغيرة لا نهائية من المادة؟ ظاهريا، تعد ~~هذه النظرية أكثر معقولية. عندما نستمر في تقسيم الأشياء، سنصل ~~إلى مرحلة لا نستطيع فيها الاستمرار في التقسيم. والأشياء غير القابلة ~~للتقسيم التي نصل إليها في النهاية هي المكونات الذرية الأساسية من ~~المادة، والتي يتكون منها كل شيء. ولكن كيفية تكون كل شيء من ذرات ~~غير قابلة للتقسيم أمر أكثر تعقيدا مما يبدو، ولنضرب مثلا بشيء معقد ~~يتكون من ثلاث ذرات، إحداها في المنتصف وواحدة على اليمين وأخرى على ~~اليسار. # شكل 2-2: الفيلسوف الهندي فاسوباندو (القرن الرابع ~~الميلادي). # ولنطلق على الجزء الذي تلمس فيه الذرة اليسرى الذرة الوسطى (أ)، ms031 ~~والجزء الذي تلمس فيه الوسطى اليمنى (ب). لا يمكن أن يكون (أ) و(ب) هما ~~الجزء عينه، وإلا فإن الذرة اليسرى والذرة اليمنى ستتلامسان بشكل ~~مباشر، وسيكون هناك ذرتان فقط، وليس ثلاث ذرات. لكن إذا لم يكونا الجزء ~~عينه، فإن الذرة الوسطى تتكون على الأقل من جزأين، (أ) و(ب). ولكن كيف ~~يمكن هذا، إذا لم تكن مجزأة أساسا؟ يبدو أنه إما أن الذرات (على عكس ~~افتراضاتنا) يجب أن تحتوي على أجزاء؛ ومن ثم فهي ليست ذرات حقيقية؛ أو ~~أن عدة ذرات لا يمكن أن تملأ حيزا أكبر من الذرة الواحدة، وفي هذه ~~الحالة فإن الأجسام الممتدة لا يمكن أن تتكون من ذرات. # تسببت صعوبات شرح ماهية المادة ~~بالضبط في أن يستنتج الفيلسوف الهندي فاسوباندو، الذي عاش في القرن ~~الرابع، أن المادة غير موجودة على الإطلاق؛ فبالنسبة لفاسوباندو، كل ما ~~هو موجود عقلي بطبيعته، وما ننظر إليه باعتباره مادة هو في الحقيقة ~~مجرد أجسام عقلية مدركة على نحو خاطئ؛ فالمادة واقع فقط في تعريفي ~~الواقع الضعيفين «فيلم ماتريكس» و«رواية «1984»»، ولكن ليس في أي من ~~التعريفات الأكثر موضوعية. # لكن ما مدى شدة هذه الصعوبات؟ تبنى العلم الغربي الحديث نظرية «قطع ~~الحلوى» للمادة؛ إذن كيف نستطيع أن نفهم الذرات التي يفترضها؟ قد نرغب ~~في الرد على نقد فاسوباندو بقول إنه على الرغم من وجود ذرات ممتدة تملأ ~~مساحة من الفراغ، فإن هذه الذرات لا تتجزأ. يمكننا تخيل كل ذرة من هذه ~~الذرات باعتبارها محاطة بمجال من القوة الطاردة يمنع أي شيء من الدخول ~~إليها؛ لذا فإن تجمع هذه المجالات من القوى، التي يرتكز كل منها ~~حول ذرة غير ممتدة، قد يؤدي إلى ملء حيز من الفراغ، مانعا أي أجسام ~~أخرى من شغل الحيز في الوقت نفسه. بعبارة أخرى (وبغض النظر عن ~~التصور الكلاسيكي)، يمكننا أن نقول إن الجسيم النقطي يمكن أن يملأ ~~حيزا نظرا لوجود احتمال غير صفري لملء كل نقطة داخل هذا ~~الحيز. # مع ذلك، ليس من الواضح إذا ما كان أي من ms032 هذا يمكن أن يمدنا بتفسير ~~مرض لملء المادة الفراغ. إذا بحثنا أي جزء من هذا الفراغ، فسنلاحظ ~~أنه غير مملوء؛ سنجد ذرة غير ممتدة (والتي وفقا لتعريفها لا تملأ ~~فراغا) أو مجال قوة (وهو الخاصية السلبية المحضة التي تمنع أي شيء من ~~الاقتراب منه) أو «احتمالية» وجود شيء في هذه النقطة؛ لذلك كل ما ننتهي ~~إليه هو «مظهر» المادة وهي تملأ حيزا من الفراغ، دون وجود شيء فعلي ~~يملؤه. ولا يمكن الجزم بأن منتقدي فاسوباندو سيكونون أكثر تقبلا لهذا ~~الخيار. # بعد فترة طويلة، نجد جورج بيركلي (1685-1753) ينكر واقعية المادة، ~~وإن كان لأسباب مختلفة عن تلك التي ساقها فاسوباندو. يشير بيركلي إلى ~~أننا لا نتواصل على نحو مباشر مع المادة، فعندما نلتقط برتقالة ونقشرها ~~ونتذوقها ونشمها، فنحن نستكشف مجموعة من المدركات: الشكل الدائري ~~واللون البرتقالي والمذاق الحلو الحامض. ونحن نفترض وجود هذا الجسم ~~المادي، البرتقالة، بسبب هذه المدركات. ولكننا لا نستطيع الخروج من ~~حيز عقلنا لنتأكد من وجود هذا الجسم في الحقيقة، بغض النظر عن كل ~~المدركات؛ لذلك يبدو أن فكرة المادة لا تلعب دورا مهما في تفاعلاتنا ~~المباشرة مع العالم. في النهاية تعتمد كل نظرياتنا على مدركاتنا، ~~وهذه المدركات ليست مادية؛ من ثم فإن كل ما نستكشفه هو في طبيعته ~~عقلي، في حين أن العالم المادي (إذا كان ثمة شيء يحمل هذا الاسم) لا ~~يمكن الوصول إليه إطلاقا. وكل العلم الذي نتوصل إليه الآن يمكن أن ~~نتوصل إليه، ربما بطريقة أصعب قليلا، عن طريق التوقف تماما عن الحديث ~~عن المادة، والاستعاضة عنه بالحديث عن المدركات. كذلك يرى بيركلي أن ~~المادة ليست شيئا خارج حدود إدراكنا، سواء في الحياة اليومية أو في ~~ممارستنا للعلوم الطبيعية، كما أن افتراض أن المادة موجودة أيضا لا ~~يفسر أي شيء على الإطلاق. نحن نستطيع أن نحكي قصة طويلة معقدة عن كيفية ~~ارتداد الضوء على البرتقالة ليصطدم بأعيننا ويثير الخلايا الحساسة ~~للضوء في الشبكية؛ مما يتسبب في حدوث نبضات تنتقل عبر العصب البصري ~~لتصل إلى ms033 المخ؛ حيث تتم معالجتها في القشرة البصرية. ولكن هذه القصة لن ~~تفسر لنا أبدا كيف يتأتى «إدراك البرتقالة»، وهي عملية عقلية. ويبدو ~~أن كل هذا الحديث عن المادة لا يثير إلا مزيدا من الحديث عن المادة ~~دون الوصول إلى تفسير ولو تقريبيا للأشياء الوحيدة التي نعرفها بشكل ~~مباشر، وهي تحديدا المدركات. إن واقعية المادة افتراض نستطيع ~~الاستغناء عنه. # جدير بالذكر أن فاسوباندو وبيركلي حين ينكران واقعية المادة لا ~~ينكران ظهورها لنا أو لمعظم الناس، ولكنهما ينكران واقعيتها بالرجوع ~~إلى تعريف نهاية العالم وتعريف السلحفاة للواقع؛ ففي عالم دون عقول، لن ~~يكون ثمة مادة؛ بالإضافة إلى ذلك، الأشياء المادية ليست هي الأكثر ~~جوهرية في العالم. (أيضا فاسوباندو وبيركلي لن يعتبرا المادة واقع ~~وفقا لتعريف جونسون؛ فبالنسبة لهما، إذا تخلصنا جميعا من اعتقادنا ~~الخاطئ بوجود أجسام مادية، فلن يكون هناك مادة؛ ومن ثم فإن المادة شيء ~~نختلقه جميعا.) # تشغل البراهين التي ساقها فاسوباندو وبيركلي مكانة مهمة في تاريخ ~~الفلسفة، إلا أن بعض الأفكار المعاصرة الأكثر روعة حول واقعية المادة ~~لا تنبثق عن التأمل الفلسفي المحض، وإنما عن مجموعة من التجارب ~~الفيزيائية البسيطة نسبيا. وقد أدت محاولات تفسير ما يحدث في هذه ~~التجارب إلى بعض النظريات الشديدة الغرابة وغير المتوقعة في العالم من ~~حولنا. # ويمكن تجهيز إحدى هذه التجارب بسهولة في المنزل؛ كل ما تحتاجه هو ~~مصباح ومجموعة من قطع الورق المقوى بها ثقوب ذات أحجام متناقصة، ~~وشاشة عرض من نوع ما، مثل حائط أبيض اللون. إذا وضعت قطعة من الورق ~~المقوى بين المصباح والحائط، سوف ترى بقعة مضيئة في مكان اختراق الضوء ~~للورق المقوى. وكلما استبدلت بقطعة الورق المقوى قطعا أخرى ذات ~~ثقوب أصغر فأصغر، فسوف يقل حجم بقعة الضوء. وبمجرد أن نتجاوز حجما ~~معينا، سوف يتغير النمط على الحائط من نقطة صغيرة إلى سلسلة من ~~الحلقات المتحدة المركز من الضوء والظلام، تماما مثل هدف ~~الرماية. يمكننا ملاحظة نمط الحلقات المتداخلة المتحدة المركز بسهولة ~~عن طريق عمل ثقب شديد الصغر (نحو واحد ms034 على عشرة مليمتر) في قطعة من ~~ورق الألومنيوم والنظر عبر هذا الثقب نحو مصدر ضوء يشبه النقطة، مثل ~~مصباح شارع بعيد. نمط الحلقات المتداخلة المتحدة المركز سمة مميزة ~~للموجات، سواء أكانت صوتية أو مائية أو أي نوع آخر من الموجات، عند ~~تمريرها عبر ثقب . وهذا ليس مدهشا بطبيعته؛ فنحن نعرف رغم كل شيء أن ~~الضوء موجة؛ ومن ثم فإنه سيسلك سلوك الموجات. # شكل 2-3: نمط الحلقات المتداخلة المتحدة المركز. # والآن فكر فيما يمكن أن يحدث عند تغيير إعدادات التجربة تغييرا ~~بسيطا. بدلا من المصباح، سنستخدم جهازا يطلق إلكترونات (مثل ذلك ~~الموجود في أجهزة التليفزيون القديمة)، وبدلا من الحائط، سنستخدم ~~طبقا من الزجاج مطليا بالفسفور. عندما يصطدم إلكترون بقطعة من ~~الفسفور، فإنه يومض؛ ومن ثم فإننا نستطيع استخدام هذه الشاشة لتتبع ~~أماكن اصطدام الإلكترونات غير المرئية. تتفق النتائج مع نتائج التجربة ~~السابقة؛ مع الثقوب الكبيرة بما فيه الكفاية، سنحصل على بقعة واضحة إلى ~~حد ما في مكان اصطدام الإلكترونات بالشاشة؛ ومع الثقوب الأصغر، سنحصل ~~على نمط حلقي. وهذا يبدو شيئا غريبا؛ فالإلكترونات عبارة عن جسيمات ~~تقع في نقاط محددة لا يمكن تقسيمها. ومع ذلك، فهي تسلك سلوك الموجات ~~المنتشرة عبر الفضاء، ويمكن تقسيمها، وتندمج في موجة واحدة عندما تقابل ~~موجة أخرى. ولكن ربما لم يكن الأمر بهذه الغرابة رغم كل شيء؛ فالماء ~~يتكون من جزيئات صغيرة أيضا يطلق عليها ذرات وتتجمع في جزيئات # H # 2 # O ~~، ~~ومع ذلك يسلك سلوك الموجات. من الممكن أن نرى ظهور النمط الحلقي كشيء ~~يحدث عندما يتجمع عدد كاف من الجزيئات فحسب، سواء أكانت جزيئات ماء أو ~~إلكترونات. إلا أن إحداث تغيير بسيط في التجارب السابقة يبين لنا أن ~~هذا الرأي لا يمكن أن يكون صحيحا. في هذا التغيير، سنقلل عدد ~~الإلكترونات التي نطلقها من مدفع الإلكترونات بالتدريج حتى نصل في ~~النهاية إلى إطلاق إلكترون واحد كل دقيقة. سيختفي النمط، وكل ما نراه ~~الآن هو وميض بسيط كل دقيقة. والآن نترك هذا الإعداد يعمل كما هو ms035 لبعض ~~الوقت، ولكن مع الاستمرار في تسجيل المكان الذي يحدث فيه الوميض البسيط ~~على الشاشة. بعد ذلك، نقوم بتخطيط مواقع ألوف الومضات التي حدثت على ~~الشاشة. الغريب أننا لن نحصل على ترتيب عشوائي من النقاط، وإنما على ~~نمط حلقي مرة أخرى! هذه النتيجة شديدة الغرابة، فكل إلكترون مفرد لا ~~يعرف أماكن اصطدام الإلكترونات السابقة واللاحقة له؛ ومن ثم ~~فالإلكترونات لا تستطيع التواصل بعضها مع بعض لإنتاج نمط الحلقات ~~المتداخلة المتحدة المركز، وإنما لا بد أن كل إلكترون قد انتقل مثل ~~موجة عبر الثقب لإنتاج النمط الحلقي المميز، ثم تحول مرة أخرى إلى ~~جزيء لإنتاج النمط النقطي على الشاشة. ويشترك في هذا السلوك الغريب أي ~~جزء صغير من المادة مثل الإلكترونات والنيوترونات والفوتونات ~~والكواركات وغيرها من الجسيمات الأساسية، ولكن لا يشترك فيه هذه ~~الأشياء فحسب؛ فقد لوحظت تأثيرات مشابهة للأجسام الأكبر حجما بما فيه ~~الكفاية بحيث ترى تحت الميكروسكوب، مثل شبكة من ستين ذرة كربون تكون ~~شكل كرة القدم. # من أجل تفسير سلوك هذه الأجسام، يربط الفيزيائيون «دالة موجية» بكل ~~جسم منها. على الرغم من حقيقة أن مثل هذه الموجة تتمتع بالخصائص ~~المعتادة للموجات العادية (مثل موجات الصوت والماء)، وفي ذلك السعة ~~(مدى انحرافها لأعلى أو لأسفل عن حالة الراحة) والطور (في أي نقطة في ~~الحلقة توجد الموجة في الوقت الحالي)، والتداخل (بحيث يلغي الطوران ~~«العلوي» و«السفلي» للموجتين المتلاقيتين أحدهما الآخر)، فإن الوسط ~~الذي توجد فيه هذه الموجات ليس واضحا بالمرة. تحدث أينشتاين عن ~~«الحقل الطيفي» باعتباره وسطها. بالنسبة لموجة في وسط عادي مثل الماء، ~~يمكننا أن نحسب طاقتها عند أي نقطة عن طريق أخذ مربع سعتها عند هذه ~~النقطة. إلا أن الدوال الموجية لا تحمل أي طاقة؛ ولذا يعطينا مربع ~~سعتها في نقطة معينة «احتمالية» رصد الجسيم في حالة وضع مكشاف هناك ~~(مثل الشاشة المطلية بالفسفور). من الواضح أن النقطة التي يتحول فيها ~~الجسم من الوجود باعتباره محض موجة احتمالية، ينتشر وجوده المحتمل عبر ~~الفضاء، إلى الوجود باعتباره جسما فعليا ms036 محدد الموقع في الفضاء، مثل ~~إلكترون يصطدم بشاشة فسفورية، ذات أهمية حاسمة في هذا السياق. ماذا ~~يحدث بالضبط عندما تنهار الدالة الموجية، أو بعبارة أخرى، عندما يتم ~~اختيار موضع واحد فقط من بين الاحتمالات اللانهائية لمواضع وجود الجسيم ~~في أي لحظة، في حين ترفض كل المواضع الأخرى ؟ # أولا: علينا أن نسأل أنفسنا: «متى» يتم هذا الاختيار؟ في المثال ~~الموضح أعلاه، يبدو أن هذا يحدث قبل حدوث الوميض على الشاشة الفسفورية، ~~في هذه اللحظة، تم قياس موضع الإلكترون عن طريق بدء قطعة من الفسفور في ~~الوميض بسبب اصطدام هذا الإلكترون بها، لذلك لا بد أن الإلكترون نفسه ~~كان موجودا هناك، وليس مجرد موجة احتمالية. ولكن لنفترض أننا لا ~~نستطيع فعليا الوجود في المختبر لملاحظة التجربة، عندئذ يجب أن ~~نوجه كاميرا إلى الشاشة الفسفورية ونرسل النتيجة عبر وصلة قمر صناعي ~~للكمبيوتر الخاص بنا. في هذه الحالة، يجب أن ينتقل الضوء المنبعث من ~~الشاشة إلى الكاميرا لتسجيله، وتحدث الدورة نفسها مرة أخرى: على غرار ~~الإلكترونات، ينتقل الضوء أيضا كموجة ويصل كجسيم (فوتون في هذه ~~الحالة). إذن ما السبب الذي يدعونا لأن نعتقد أن انهيار الدالة الموجية ~~والتحول من الموجة الاحتمالية إلى جسيم قد حدثا فعليا على الشاشة ~~الفسفورية، وليس في الكاميرا؟ في البداية، يبدو أن الشاشة الفسفورية ~~كانت هي جهاز القياس، والإلكترون هو ما يقاس. ولكن الآن، أصبح ما ~~يقاس هو الشاشة وجهاز القياس هو الكاميرا. وباعتبار أن أي جسم مادي ~~ينقل القياس ويمكننا إضافته إلى هذه السلسلة (الكاميرا، القمر الصناعي، ~~الكمبيوتر، أعيننا، دماغنا) يتكون من جسيمات لها الخصائص نفسها ~~للإلكترون الذي نحن بصدده، فكيف نستطيع تحديد أي خطوة نستطيع عندها ~~التمييز بين ما يقاس وما يقوم بالقياس؟ # هذه السلسلة دائمة الاتساع للظواهر المقيسة وأجهزة القياس يطلق عليها ~~«سلسلة فون نيومان» تيمنا بالرياضي والفيزيائي جون فون ~~نيومان. # اقترح يوجين ويجنر، زميل فون نيومان في جامعة برينستون، المجري ~~المولد أيضا، الخطوة التي يمكن التمييز عندها، بتتبعنا لسلسلة فون ~~نيومان صعودا، فإن أول كيان نقابله ms037 لا يتألف بأي حال من الأحوال من ~~أجزاء من المادة هو وعي الراصد الذي يقوم بالقياس. قد نرغب إذن في قول ~~إن الوعي عندما يدخل للصورة، تنهار الدالة الموجية وتتحول الموجة ~~الاحتمالية إلى جسيم. هذا الاحتمال يعني ضمنا أننا إذا وضعنا معدات ~~التجربة بالكامل - من مدفع إلكترونات وورقة مثقوبة وشاشة فسفورية - في ~~صندوق مغلق بإحكام، فإن الدالة الموجية لن تنهار، نظرا لعدم وجود راصد ~~واع يراقب وميض الضوء الصادر عن الشاشة الفسفورية؛ فالأنظمة التي ~~تنطوي على راصدين واعين يمكن أن تحدث انهيارا في الدالة ~~الموجية؛ أما مجرد وجود أجهزة قياس غير واعية فلا يحدث هذا ~~الانهيار. # إذا لم يتسبب وعي الراصد في انهيار الدالة الموجية؛ فسوف يستتبع ذلك ~~نتائج طريفة. كما ذكرنا أعلاه، مع زيادة الأجسام التي يمكن أن تسقط في ~~دوامة سلسلة فون نيومان بالتغيير من كونها أداة قياس إلى كونها جزءا ~~مما يقاس، يصبح الهيكل «المنتشر» للموجة الاحتمالية خاصية من خواص هذه ~~الأجسام أيضا. وتؤثر طبيعة التطابق الخاصة بالإلكترون - الذي يبدو أنه ~~يظهر في أماكن متعددة في الوقت نفسه - على أدوات القياس سالفة الذكر. ~~وقد تم التحقق بالتجربة من أن الأجسام الكبيرة بما يكفي لترى تحت ~~الميكروسكوب (مثل شريط معدني يبلغ طوله 60 ميكرومترا) - وليس فقط ~~الأجسام التي لا ترى من فرط صغرها - يمكن أن تظهر سلوك التطابق ~~نفسه. بالطبع، لا يمكننا أن ننظر بالميكروسكوب ونشاهد القطعة المعدنية ~~في مكانين في الوقت نفسه؛ لأنه من شأن عملية الرصد أن تتسبب فورا في ~~انهيار الدالة الموجية. ومع ذلك، من الواضح أن عدم التحديد الذي نجده ~~في المستوى الدقيق يمكن أن ينتشر إلى المستوى الكبير. # إذا سلبنا الآن وعي الراصد، فإنه يتحول إلى مجرد أداة قياس معقدة ~~إلى حد ما، مثل الشاشة الفسفورية، والكاميرا، وغيرها. فلنفترض أننا ~~وضعنا فيزيائيا في حاوية محكمة الغلق، كبيرة بما يكفي ليجعلها ~~مختبرا ولكن معزولة تماما عن كل التأثيرات الخارجية. مهمة الفيزيائي ~~هي رصد إذا ما كان الإلكترون الذي يطلق في اتجاه الشاشة الفسفورية في ms038 ~~وقت الظهيرة تماما يوم الإثنين سيصطدم بالشاشة في مركز نمط الحلقات ~~المتداخلة المتحدة المركز الناتج أم في أطرافه، يرصد الفيزيائي النتيجة ~~ويستأنف تجارب أخرى، يوم الإثنين التالي، نفتح باب الحاوية ويخبرنا ~~الفيزيائي أن الإلكترون قد اصطدم بالشاشة عند المركز. إذا افترضنا أن ~~وعي الفيزيائي لم يتسبب في انهيار الدالة الموجية، فإنه سيندمج في ~~سلسلة فون نيومان كجزء آخر من أجزاء النظام المقيس (الذي تعدى الآن ~~كونه الإلكترون فحسب وأصبح كل شيء يحدث داخل الصندوق). ولكن هذا النظام ~~لم يتم قياسه إلا وقت فتح الباب والتساؤل عن المكان الذي اصطدم فيه ~~الإلكترون بالشاشة. ولكن هذا يعني أن نفترض أن الفيزيائي كان في حالة ~~تطابق طوال الأسبوع، في حالة «حركة معلقة» بحيث يعتقد أن الإلكترون قد ~~اصطدم في المركز، وفي الوقت نفسه أنه لم يصطدم. ولا تنهار الدالة ~~الاحتمالية إلا بتدخلنا، وتصبح إحدى الحالتين هي الحالة الحقيقية. هذه ~~نتيجة منافية للحدس تماما؛ لأننا يجب أن نفترض أن الفيزيائي لم يوجد ~~مثل باقي الناس خلال الأسبوع الماضي، وأنه بلا شك لم يتمكن من الاعتقاد ~~مثلما يفعل الناس. ومن الصعوبة بمكان أن نتخيل ما سيحدث في مثل هذه ~~الحالة؛ لأنه من الظاهر أننا ليس لدينا فكرة عما يكون عليه الحال إذا ~~وجدنا في حالتين اعتقاديتين متناقضتين في الوقت نفسه. # ولكن الأمور تزداد سوءا. إذا لم يكن الفيزيائي قادرا على التسبب في ~~انهيار الدالة الموجية، فكيف لنا، نحن البشر الذين نشبهه في كل شيء، أن ~~نحقق ذلك؟ ألا يعني فتح باب المختبر أننا الآن جزء من أداة القياس ~~أيضا؟ هل يمكننا أن نكون في حالتين في الوقت نفسه ولا نعرف، تماما ~~مثل الفيزيائي وهو في حاويته؟ أو إذا كنا في حالة محددة، فمن المسئول ~~عن هذه الملاحظة؟ # من المفترض أن تدعم الملامح المتناقضة ظاهريا لهذا السيناريو (الذي ~~يوصف عادة ب «حالة صديق ويجنر») فكرة انهيار الدالة الموجية بمجرد أن ~~يدخل الوعي الأول موقف القياس. ومع ذلك، إذا قررنا كسر السلسلة في هذه ~~النقطة، فبناء عليه ms039 لا يمكننا اعتبار المادة واقع وفقا لتعريف نهاية ~~العالم. ومن المعقول أن نفترض أن التأثيرات الواردة أعلاه لا تنطبق فقط ~~على الأجسام الشديدة الصغر (مثل الإلكترونات والفوتونات والكيانات ~~المشابهة)، وإنما على كل الأجسام، كل ما هنالك أنه في حالة الأجسام ~~الكبيرة، تكون النتائج شديدة الصغر بحيث لا يمكن ملاحظتها. ولكن إذا ~~كان مطلوبا من الوعي أن يحول الموجات الاحتمالية الطيفية إلى أشياء ~~تشبه من قريب أو بعيد الأجسام التي نقابلها في حياتنا ~~اليومية، فإننا لن نتمكن من قول إن المادة هي كل ما هو موجود بغض ~~النظر عن أي شيء، سواء أكانت عقول البشر موجودة أم لا (على الأقل إذا ~~افترضنا أن العقول البشرية هي كل العقول الموجودة). # ولكن ربما كان هذا المنطق متسرعا بعض الشيء؛ فبادئ ذي بدء، ألا ~~يمكننا أن نتجنب الاضطرار إلى التسليم بالعقول غير المادية عن طريق قول ~~إنها ملمح من ملامح العملية «الفيزيائية» التي تقوم عليها العقول ~~البشرية، والتي تكسر سلسلة فون نيومان؟ في الواقع، اقترح روجر بنروز، ~~أستاذ الرياضيات بجامعة أكسفورد، طريقة يمكن من خلالها أن تنهار ~~الدالة الموجية لجسم بنفسها دون التفاعل مع أداة قياس. الفكرة الأساسية ~~هي أن الأنظمة التي يزيد حجمها عن كتلة حرجة معينة تنهار تحت وطأة ~~وزنها (إذا جاز لنا قول ذلك) محولة أحد الاحتمالات المطابقة إلى ~~واقع. يخمن بنروز أن هذا «الاختزال الموضوعي» يحدث في أجزاء معينة من ~~الخلايا العصبية التي تشكل الدماغ (والتي يطلق عليها الأنيبيبات). إذا ~~كانت تلك هي الحالة، فإننا لن نحتاج إلى مادة غامضة غير مادية لتحويل ~~الموجة الاحتمالية إلى جسيم؛ فمن شأن عملية فيزيائية عادية داخل ~~أدمغتنا أن تكون كافية. # شكل 2-4: رسم توضيحي لكون جون ويلر التشاركي؛ ملاحظة الراصد ~~تنتج الكون الذي هو جزء منه. # عندئذ سيكون العقل الواعي هو النتيجة، وليس السبب، لهذه العمليات ~~على المستوى الكمي. يزعم بنروز أن هذه العمليات تهب العقل قوة ~~تفوق قوة الكمبيوتر العادي، وهذا يستتبع أنه لن يكون من الممكن أبدا ~~أن نبني آلة تعمل ms040 مثل أجهزة الكمبيوتر التي نعرفها وتستطيع تشغيل عقل ~~كعقل الإنسان مثل برنامج. وبقدر ما قد نرى هذه الأفكار رائعة، فهي ~~أيضا أفكار تستند إلى التخمين. فلا مفهوم «الاختزال الموضوعي»، ولا ~~فكرة حدوث هذا في أنيبيبات حظيا بقبول واسع حتى الآن. # ثانيا: حتى إذا اتفقنا مع الفكرة السابقة التي ترى أن بعض الوعي ~~غير المادي مطلوب لكسر السلسلة، فكل ما يتبع ذلك هو أن الخصائص ~~الديناميكية للمادة (مثل الموقع والزخم واتجاه الدوران) كلها تعتمد على ~~العقل. ولكن لا يتبع ذلك أن خصائصها الاستاتيكية (مثل الكتلة والشحنة ~~وقوة الدوران) تعتمد على الشيء نفسه؛ فالخصائص الاستاتيكية موجودة سواء ~~بحثنا عنها أم لم نبحث؛ ومن ثم فإننا نستطيع القول إنها واقعية ~~وفقا لتعريف نهاية العالم للواقع. # مع ذلك، علينا أن نسأل أنفسنا إن كانت إعادة تعريف «المادة» بوصفها ~~«مجموعة من الخصائص الاستاتيكية» تحافظ على ما يكفي من محتواها بحيث ~~تسمح لنا أن نرى المادة واقعية. في عالم خال من العقول، ستظل هناك ~~خصائص كالكتلة والشحنة، ولكن الأشياء لن تقع في موقع محدد ولن تنتقل في ~~اتجاه محدد. مثل هذا العالم لا يشبه فعليا العالم كما يبدو لنا. ~~يقول فيرنر هايزنبرج: # يستند وجود المادة إلى وهم أن نوع الوجود، والوجود ~~«الفعلي» للعالم من حولنا، يمكن استنباطهما في النطاق الذري، ~~إلا أن هذا الاستنباط مستحيل. [...] فالذرات ليست أشياء. # يبدو أن أفضل ما يمكننا الوصول إليه في هذه المرحلة هو الزعم بأن بعض ~~الأشياء واقعية وفقا لتعريف نهاية العالم، رغم أنها لا تمت بصلة ~~لفهمنا العادي للمادة. # فما مدى واقعية المادة إذا ما فهمنا «الواقع»، ليس وفق تعريف نهاية ~~العالم، وإنما وفق تعريف السلحفاة الأخيرة، مفترضين أن الواقع هو أساس ~~كل شيء آخر؟ للجواب عن هذا السؤال، علينا أن نلقي نظرة على فكرة ~~علمية أساسية؛ وهي فكرة التفسير الاختزالي. ينبثق كثير من قوة النظريات ~~العلمية من فكرة أننا نستطيع استخدام نظرية واحدة، تنطبق على مجموعة ~~معينة من الكائنات، لتفسير حقائق تتعلق بمجموعة مختلفة تماما من ~~الكائنات؛ ومن ms041 ثم فإننا لا نحتاج لمجموعة منفصلة من القوانين ~~والمبادئ لتفسير المجموعة الثانية من الكائنات، ولكننا نستطيع افتراض ~~أن سلوكها يمكن اختزاله في عبارات حول النوع الأول من الكائنات، التي ~~يمكن تفسيرها بعد ذلك بنظرية تتناول هذه الكائنات. وثمة مثال طيب ~~على ذلك يتمثل في الطريقة التي يمكن بها استخدام نظريات من الفيزياء ~~والكيمياء تتعامل مع المادة غير الحية، لتفسير عمليات تقوم بها ~~الكائنات الحية (الكائنات البيولوجية). # ليس ثمة حاجة لافتراض فيزياء خاصة أو كيمياء خاصة لتفسير أيض كائن ~~حي، وطريقة توالده، وطريقة تمرير معلوماته الوراثية، وطريقة تقدمه في ~~العمر وموته. يمكن تفسير سلوك الخلايا الحية التي يتشكل منها الكائن من ~~منظور النواة والميتوكوندريا وغيرها من الكيانات دون الخلوية، التي ~~يمكن تفسيرها بدورها من منظور الاستجابات الكيميائية بناء على سلوك ~~الجزيئات والذرات التي تكونها؛ لهذا السبب، يمكن القول إن تفسيرات ~~العمليات البيولوجية يمكن اختزالها إلى عمليات كيميائية فيزيائية في ~~نهاية المطاف. # إذا سعينا خلف هدف إيجاد تفسير اختزالي للظواهر المحيطة بنا، ~~فالخطوة الأولى هي اختزال العبارات حول الأجسام المتوسطة الحجم التي ~~تحيط بنا - حول الطوب والأدمغة والنحل والفواتير والبكتيريا - إلى ~~عبارات حول الكائنات المادية الأساسية، مثل الجزيئات. سنكتشف حينها أن ~~كل ما يتعلق بهذه الكائنات يمكن تفسيره في ضوء مكوناتها الأساسية، ~~تحديدا الذرات. وتنطوي الذرات، بالطبع، على أجزاء هي الأخرى، وقد ~~قطعنا الآن شوطا في سبيل معرفة العالم الرائع للجسيمات دون الذرية ~~الأصغر فالأصغر. ولم نصل حتى الآن للكائنات الأكثر جوهرية؛ بل لا يوجد ~~اتفاق على وجود مثل هذه الكائنات. إلا أن هذا ليس سببا وجيها لإيقاف ~~تفسيراتنا هنا؛ لأننا نستطيع دوما فهم الكائنات الفيزيائية الأكثر ~~جوهرية في ظل الأجزاء التي تشغلها هذه الكائنات من المكان والزمان؛ لذا ~~بدلا من جعل تفسيرنا يتحدث عن جسيم معين يوجد في مكان ما لمدة ما، ~~يمكننا ببساطة اختزال هذا إلى حديث عن منطقة مكانية معينة بإحداثيات ~~محددة يتم شغلها بين زمنين مختلفين. # إلا إننا نستطيع أن ندخل في تفاصيل أكثر جوهرية، فإذا أخذنا نقطة ms042 ~~عشوائية معينة في المكان، ووحدة ثابتة من المسافة المكانية، يمكننا ~~تحديد أي نقطة أخرى في المكان بثلاثة إحداثيات. وهذه الإحداثيات تخبرنا ~~بالتوجه لعدد معين من الوحدات لأعلى أو لأسفل، وعدد من الوحدات لليسار ~~أو اليمين، وعدد من الوحدات للأمام أو للخلف. ويمكننا أن نفعل الشيء ~~نفسه في النقاط الزمنية ، محددين كل نقطة زمنية بعدد الوحدات الزمنية ~~قبل أو بعد نقطة زمنية معينة. لدينا الآن طريقة للتعبير عن النقاط ~~المكانية-الزمانية (الزمكانية) كمجموعات من أربعة أرقام موجبة أو سالبة ~~هي: # x # و # y # و # z # و # t ~~؛ حيث # x # و # y # و # z # تمثل الأبعاد المكانية الثلاثة، ~~و # t # يمثل البعد الزمني، وقد عثر ~~الرياضيون على طريقة لاختزال الأرقام إلى شيء أكثر جوهرية؛ المجموعات. ~~وللقيام بذلك، يستعيضون عن الرقم صفر بالمجموعة الخالية (مجموعة خالية ~~من العناصر)، وعن الرقم 1 بالمجموعة التي تحتوي على المجموعة الخالية ~~فقط، ورقم 2 بالمجموعة التي تحتوي على المجموعة التي تحتوي على ~~المجموعة الخالية، وهكذا. وعندئذ نستطيع أن نبين أن كل خصائص ~~الأرقام تنطبق على هذه الأرقام البديلة المصنوعة من مجموعات. # يبدو الأمر كأننا قد اختزلنا العالم المادي المحيط بنا كله في مصفوفة ~~معقدة من المجموعات؛ لهذا السبب، من الأهمية بمكان أن نعرف الماهية ~~الواقعية لهذه الكائنات الرياضية التي يطلق عليها «المجموعات». هناك ~~رؤيتان للكائنات الرياضية المهمة في هذا السياق؛ أولا: هناك الرؤية ~~التي تعتبرها كائنات أفلاطونية؛ وهذا يعني أن الكائنات الرياضية ليست ~~كغيرها من الكائنات الأخرى التي نقابلها؛ فهي ليست مصنوعة من المادة، ~~ولا توجد في المكان أو الزمان، ولا تتغير، ولا يمكن إنشاؤها أو ~~تدميرها، ولا يمكن إلا أن تكون موجودة. ووفقا للفهم الأفلاطوني، توجد ~~الكائنات الرياضية في «عالم ثالث»؛ عالم منفصل عن عالم المادة، من ~~ناحية، ومنفصل عن عالم الكيانات العقلية، كالمدركات والأفكار والمشاعر، ~~من ناحية أخرى. # ثانيا: لدينا رؤية للكائنات الرياضية ككائنات عقلية بطبيعتها في ~~الأساس، فهي من النوع نفسه للأشياء الأخرى التي تمر عبر عقولنا؛ ~~الأفكار والخطط والمفاهيم والآراء. إلا أنها ليست ذاتية ms043 بالكامل؛ إذ ~~إنها موجودة في عقول الأشخاص الآخرين تماما كما هي موجودة في عقولنا؛ ~~ولذا إذا ما تحدثنا عن نظرية فيثاغورس، فنحن جميعا نتحدث عن الشيء ~~نفسه. ولكن الكائنات الرياضية ليس لها وجود خارج العقول التي تنشأ ~~فيها. # ونخلص في كلتا الرؤيتين إلى نتيجة طريفة، فإذا كان العالم يتكون في ~~الأساس من مجموعات، وإذا كانت المجموعات ليست مادية ، وإنما كيانات ~~أفلاطونية غريبة، فإن الكائنات المادية قد اختفت تماما من المشهد ~~ولا يمكن أن تكون واقعية وفقا لتعريف السلحفاة. وإذا ما تتبعنا ~~الاختزال العلمي إلى النهاية، فسوف ينتهي بنا الأمر بأشياء لا تشبه ~~الحصوات الصغيرة أو كرات البلياردو بالتأكيد، ولا حتى تشبه الأوتار ~~المهتزة في المكان المتعدد الأبعاد، وإنما تشبه ما تتعامل معه ~~الرياضيات البحتة. # هذه الفكرة مشروحة بتفصيل معقول في النظرية التي تقضي بأن العالم ~~المادي نفسه هو نتاج أحد أجهزة الكمبيوتر العملاقة. وتستند بعض الآراء ~~في هذا الصدد إلى فكرة أنه على الرغم من أن سلوك الجسيمات على المستوى ~~الكمي من الصعب جدا فهمه في ظل الأجسام المتوسطة الحجم مثل البلي ~~وكرات البلياردو، فإن فهمها بوصفها نتاج برنامج ما أسهل بكثير من ~~نواح عديدة. # والكائنات المتعددة التي تدرسها ميكانيكا الكم لا يمكن تمييز بعضها ~~عن بعض؛ فكل إلكترون يشبه تماما كل الإلكترونات الأخرى سواء كان أحد ~~إلكتروني ذرة الهيليوم، أو واحدا من تسعة وسبعين إلكترونا في ذرة ~~الذهب. ومثل هذا التشابه لا يحدث عادة في عالمنا اليومي. وقد تحدى ~~لايبنيتس جمهوره في حدائق الأميرة صوفي تشارلوت أن يجدوا أي ~~ورقتي شجر متشابهتين تمام التشابه، ولم يستطع أحد من الجمهور ~~الفوز في هذا التحدي. ومع ذلك، إذا كتبت اسم «لايبنيتس» على ~~الكمبيوتر الخاص بك، فستجد حرفي «ياء» متشابهين تمام التشابه سواء ~~وقعا بين الألف والباء أو بين النون والتاء. يرجع هذا إلى أن كل حروف ~~«الياء» يتم إنتاجها بواسطة الإجراء نفسه في برنامج الكمبيوتر؛ ومن ~~ثم يمكن للمرء أن يقول إن الإلكترونات وما يشابهها من أشياء يمكن ~~صنعها بالطريقة نفسها ms044 بالكمبيوتر، الذي تقوم عملياته الحسابية بإنتاج ~~العالم. # ثمة حقيقة أخرى مربكة؛ وهي أنه على الرغم من أن شكلية ميكانيكا ~~الكم تربط دالة موجية بكل كائن، فإن هذه الموجات مختلفة عن الموجات ~~العادية؛ إذ إنها لا تسري في وسط معين. يمكن فهم الموجات التي تسري في ~~الماء أو الهواء في ظل الإزاحة المؤقتة لأجزاء وسطها (أي جزيئات الماء ~~والهواء ). لكن بالنسبة للموجات من منظور ميكانيكا الكم، هذا التفسير ~~غير ممكن؛ نظرا لعدم وجود كائنات جوهرية أساسية لإظهار السلوك الموجي. ~~ولكننا إذا فهمنا الموجة كشيء مشفر في ذاكرة الكمبيوتر، أو بعبارة ~~أخرى كسلسلة من أرقام الصفر والواحد، فليس هناك داع أن نفترض أنها لن ~~تنتقل إلا بواسطة شيء يتموج. # على سبيل المثال، الموجات الصوتية التي ينتجها الكمبيوتر لا تتطلب ~~وسطا موجيا؛ لأنها لا توجد إلا في ذاكرة الكمبيوتر. ولكن هذا لا ~~يمنعها من أن تؤدي وظيفتها تماما كما تؤدي أي موجات صوتية أخرى ~~نعرفها وظيفتها. # إن وجهة النظر القائلة بأن العالم المادي هو نتاج عملية حسابية ~~عملاقة تعيدنا مرة أخرى لفكرة الكون باعتباره محاكاة حاسوبية، هذه ~~المرة ليس عن طريق المحاكاة التاريخية، ولكن كمحاولة لفهم سلوك العالم ~~في مناطق صغيرة جدا وخلال فترات زمنية قصيرة جدا. والفكرة الأساسية ~~هي أننا على الرغم من أننا لا نستطيع مطلقا رؤية طريقة برمجة ~~الكمبيوتر (لأن الكود، كقطعة من المعلومات المجردة، ليس شيئا ~~ماديا)، فإننا ما زلنا نستطيع استنتاج طريقة برمجته، بالفحص الدقيق ~~لتفاصيل البرنامج الذي يشغله. وعالم الكائنات المادية الذي نراه ~~حولنا، بالإضافة إلى المكان والزمان الذي يبدو أن هذه الكائنات موجودة ~~فيهما، كل هذا ما هو إلا نتاج هذا البرنامج؛ فهذه الأشياء غير موجودة ~~على مستوى الكود الحاسوبي، تماما كما أنه لا يوجد شيء على شكل سهم في ~~مكان ما في مركز الكمبيوتر يستجيب لمؤشر فأرتك. # على الرغم من أن برنامج الكمبيوتر يمكن أن يتجلى لنا في عدة ~~تمثيلات مادية، مثل نص يظهر على الشاشة أو في مطبوعة أو يخزن في ~~القرص الصلب للكمبيوتر، ms045 فإنه ليس في حد ذاته شيئا ماديا، وإنما ~~كائن مجرد، شيء موجود بالضرورة، وهو غير مصنوع ولا يمكن تغييره ويقع ~~خارج المكان والزمان. إذا كان عالم المادة الذي ندركه هو نتيجة تشغيل ~~مثل هذا البرنامج، إذن فالكائنات المادية لا تشكل جزءا من الطبيعة ~~الأساسية للواقع وفقا لتعريف السلحفاة. وإذا ما توغلنا في التفاصيل، ~~فسندرك أن العالم المادي لا يتكون من أشياء مادية دقيقة، وإنما من ~~نوع خاص من الكائنات الرياضية. # بطبيعة الحال، الرؤية الأفلاطونية للكائنات الرياضية من الصعب ألا ~~تثير الجدل، والكثيرون يجدون من الصعب الوصول إلى فكرة واضحة إزاء ~~كيفية وجود الكائنات خارج الزمان والمكان، وكيفية معرفتنا بها، وكيفية ~~إنتاجها لأشياء لها بالفعل مواقع مكانية وزمانية (زمكانية). ولكننا إذا ~~ما أخذنا الكائنات الرياضية بوصفها عقلية في طبيعتها، فسينتهي بنا ~~الأمر بسيناريو ربما يكون أغرب من ذلك الذي يتخيله الأفلاطونيون؛ وذلك ~~نظرا لأن مؤيدي الاختزال العلمي يقومون باختزال العقل البشري إلى نشاط ~~الدماغ البشري، ثم يختزلون الدماغ إلى مجموعة من الخلايا المتشابكة، ~~والخلايا إلى جزيئات، والجزيئات إلى ذرات، والذرات إلى جسيمات دون ~~ذرية، والجسيمات دون الذرية إلى مجموعات من النقاط الزمكانية، ومجموعات ~~النقاط الزمكانية إلى مجموعات الأرقام، ومجموعات الأرقام إلى مجموعات ~~خالصة. ولكن في نهاية هذا الاختزال، يبدو أننا الآن نرجع مرة أخرى إلى ~~نقطة البداية؛ الكيانات العقلية. # تنتج دائرة مماثلة عند أي محاولة لتوحيد علم النفس والأحياء ~~والفيزياء إذا ما افترضنا أن الوعي يلعب دورا في اختزال الدالة ~~الموجية؛ فلعمل ذلك، سنحاول اختزال العقل البشري إلى نشاط الجهاز ~~العصبي المركزي، الذي يعد بنية بيولوجية. ويمكن تفسير البنى ~~البيولوجية من منظور العمليات الكيميائية، المتمثلة في تفاعل الكربون ~~والنيتروجين والأكسجين، وما إلى ذلك، والتي يمكن تحليلها إلى مكونات ~~أصغر، إلى أن نصل إلى المستوى الذي تصبح فيه الظواهر الكمية ~~ملائمة تجريبيا، ولكي نفسر هذه الظواهر، يبدو أننا يجب أن نستعين ~~بظاهرة من أعلى السلسلة؛ ألا وهي العقل البشري. # في كلتا الحالتين، ما ظننا أننا يجب أن نعتبره الأكثر جوهرية ~~اتضح أنه ms046 ينطوي في الأساس على ما كنا نعتبره الأقل جوهرية، وفي بحثنا ~~عن الأساسيات، سرنا في دائرة؛ ابتداء من العقل، عبر مكونات عديدة من ~~المادة، وانتهاء بالعقل مرة أخرى؛ ولكن هذا يعني أنه «لا شيء» جوهري ~~تماما، كما أنه ليس هناك محطة أولى أو أخيرة على خط مترو أنفاق لندن ~~الدائري. والدرس الذي نتعلمه من سيناريو الاختزال الموضح أعلاه هو أنه ~~إما أن الأشياء الجوهرية ليست مادية، وإما أنه لا شيء جوهري على ~~الإطلاق. # كما أننا نواجه دائرة أخرى مماثلة في طريقة فهم ميكانيكا الكم الأكثر ~~تأثيرا، والمختلفة عما وضحنا أعلاه، والتي يطلق عليها «تفسير ~~كوبنهاجن» (سميت بهذا الاسم تيمنا بالمدينة التي يقع فيها معهد ~~مفسرها الأساسي نيلز بور). فعلى عكس تفسير ويجنر المستند إلى الوعي، ~~هذا التفسير لا يفترض انهيار الدالة الموجية بسبب رصد العقل الواعي ~~لنتيجة تجربة ما، وإنما يحدث عندما يتفاعل النظام المراد قياسه ~~(الإلكترون في مثالنا) مع جهاز القياس (الشاشة الفسفورية)؛ لهذا السبب، ~~ينبغي أن نفترض أن الشاشة الفسفورية ستتصرف بطريقة تقليدية، ولن يصدر ~~عنها السلوك الكمي الخاص الذي صدر عن الإلكترون. # بالنسبة لتفسير كوبنهاجن، الأشياء والعمليات التي يمكن وصفها في ضوء ~~المفاهيم التقليدية المألوفة هي أساس أي تفسير مادي. ومن هنا تأتي ~~الدائرة المفرغة؛ فنحن نحلل العالم اليومي للأحذية والسفن وشمع ~~الختم (الذي يتضمن الشاشات الفسفورية والكاميرات وأجهزة الكمبيوتر ~~وأعيننا وكل الأشياء المادية متوسطة الحجم) في ضوء مكونات أصغر فأصغر؛ ~~جزيئات وذرات وجسيمات دون ذرية، إلى أن نتعامل مع أجزاء شديدة الصغر ~~بحيث يصبح من الممكن أن تصفها التأثيرات الكمية. ولكن عندما يصل ~~الأمر إلى التعبير عما تعنيه حقا نظرياتنا عن التأثيرات الكمية، ~~فإننا لا نؤسسها على بعض البنى الأكثر دقة على المستوى المجهري، وكما ~~أشار بور نفسه: «ليس هناك عالم كمي، هناك فقط وصف فيزيائي كمي.» وما ~~يعنيه هذا هو أنه بدلا من الانخراط في التفاصيل، فإننا نقفز مرة أخرى ~~إلى مستوى نظريات الإدراك الحسي الملموسة، أو أجهزة القياس ~~الماكروفيزيائية - مثل الشاشات الفسفورية والكاميرات - زاعمين ms047 أن ~~نظريتنا تدور حول القراءات التي تصل إليها هذه الأجهزة. مرة أخرى، لسنا ~~في موضع يسمح لنا بقول إن العالم الميكروفيزيائي للكائنات الكمية ~~جوهري (نظرا لأن الحديث عنها ليس سوى جسر تصوري يتيح لنا الربط بين ~~عبارات معينة تصف ما يحدث وبين أجهزة القياس العادية الحجم)، ولا بقول ~~إن العالم الماكروفيزيائي لأجهزة القياس جوهري (نظرا لأن هذه الأجهزة ~~ليست هي أنفسها سوى تكتلات كبيرة من الكائنات الكمية)؛ ومن ثم فإن ~~لدينا دائرة من الأشياء التي يعتمد بعضها على بعض، رغم أنه - على عكس ~~الحالة السابقة - لم تعد الكائنات العقلية جزءا من هذه الدائرة؛ ~~نتيجة لذلك، لا يمكن اعتبار الشاشة الفسفورية المتوسطة الحجم ولا ~~الإلكترون الدقيق واقعيين وفقا لتعريف السلحفاة؛ لأن كليهما لا يشكلان ~~طبقة من الكائنات بحيث يعتمد عليهما كل شيء، رغم أنهما لا يعتمدان على ~~شيء. # الفصل الثالث # | هل الأشخاص واقع؟ # في ربيع عام 1982، كانت سيدة أمريكية تقف في انتظار الحافلة في شارع ~~«باريجيان أفينيو دي لا جراند أرمي». وشعرت وهي تركب الحافلة أن ~~عقلها يكاد ينفجر: # شعرت أن ما كنت أطلق عليه في السابق «أنا» يجبر على ~~الخروج من موقعه المعتاد داخلي إلى موقع جديد خلفي بمسافة ~~قدم تقريبا إلى يسار رأسي. كنت «أنا» الآن خلف جسدي ~~أنظر للعالم دون استعمال عيني جسدي. # هذه التجربة المربكة لنفسها المنقولة من مكانها أصبحت أكثر ~~إرباكا عندما اختفت تماما بعد عدة أيام؛ ونتيجة لذلك: # اختفت الأنا الشخصية، ومع ذلك هناك جسم وعقل موجودان دون ~~أي شخص يحتلهما. [...] لم يعد العقل والجسد والمشاعر تشير إلى ~~أي شخص؛ لم يكن هناك من يفكر ولا من يشعر، ولا من يدرك، ومع ~~ذلك استمر العقل والجسد والعواطف في أداء وظائفها دون تقصير؛ ~~فمن الواضح أنها لم تكن في حاجة ل «أنا» لتستمر في فعل ما ~~كانت تفعله دائما. [...] كانت أغرب اللحظات تحدث عند أي إشارة ~~لاسمي، إذا اضطررت لكتابة شيك أو التوقيع على خطاب، كنت ~~أحدق في الحروف على الورقة ويغرق العقل في خضم الحيرة؛ ms048 إذ لم ~~يكن الاسم يشير إلى أي شخص. # وقضت الأربعة عشر عاما التالية من حياتها (قبل أن تموت بورم ~~في المخ عن عمر يناهز الثانية والأربعين) دون أن تستعيد إحساسها بذاتها ~~الشخصية. # وهذه الحالة ليست فريدة من نوعها؛ ففي عام 1880، وصف طبيب الأمراض ~~العصبية الفرنسي جول كوتار اضطرابا عصبيا نفسيا - يعرف الآن ~~باسم متلازمة كوتار - يؤدي بالمريض في أخف صوره إلى اعتقاد أنه ميت ~~بالفعل أو لإنكار وجود جسده. وفي الحالات الأكثر خطورة، قد ينكر ~~المريض وجوده تماما، وغالبا ما يتوقف تماما عن استخدام كلمة ~~«أنا». # مثل هذه الحالات النفسية من الصعب جدا علينا أن نفهمها؛ إذ يندر ~~أن نجد أشياء أقرب للفهم واليقين من وجودنا كأشخاص؛ فنحن قد نشكك في ~~وجود العالم من حولنا، متسائلين: هل الشجرة الموجودة في الحديقة ~~والبستاني الذي يجز العشب موجودان بالفعل؟ ولكن كيف نشكك في ~~وجودنا نحن؟ أليس الشك دليلا على وجود من يشك؛ كيف لنا أن نشك ~~إذن إن لم نكن موجودين؟ وإن لم نكن نحن من نشك، إذن من الذي ~~يشك؟ # الأشخاص واقع بالتأكيد وفقا لتعريف فيلم ماتريكس؛ فنحن بالتأكيد ~~ندرك وجود الشخص أو، على الأحرى، النفس، بل إننا ندركها بإصرار أكبر ~~من أي شيء آخر؛ فكوب الشاي الذي نستخدمه يوميا لمدة عشر دقائق على ~~مدار خمس سنوات لن ندرك وجوده إلا حوالي 300 ساعة إجمالا، ولكننا ندرك ~~وجود أنفسنا طوال ساعات حياة يقظتنا، بل إن إدراكنا لأنفسنا يستمر إلى ~~أحلامنا. وعلى الرغم من أننا قد نكون مخطئين حيال معظم الأشياء التي ~~نعتقدها عندما نحلم، فإننا لا يمكن أن نكون مخطئين في أننا نحن (وليس ~~أشخاص آخرون) من نحلم بهذا الحلم. # لسنا فقط ندرك أنفسنا كأشخاص، ولكن معظم الأشخاص الآخرين (بعيدا عن ~~بعض من يعانون من حالات نفسية خاصة مثل المرضى المذكورين أعلاه) ~~يدركون أنفسهم بالطريقة عينها أيضا؛ ومن ثم فإن الأشخاص واقع وفقا ~~لتعريف رواية «1984». علاوة على ذلك، يبدو أننا لا نستطيع أن نقرر ~~الشخص الذي نريد أن نكونه؛ فعلى الرغم ms049 من أن لنا تأثيرا محدودا على ~~تشكيل أنفسنا، يبدو في النهاية أن كثيرا من الجسد والجينات والمعتقدات ~~والذكريات والميول النفسية، التي نعتبر أنها تشكلنا، ليس لنا قدرة على ~~التحكم فيها. وبما أنه من الواضح أننا لا نملك القدرة على تشكيل ~~أنفسنا، إذن فنحن واقع وفقا لتعريف جونسون أيضا. # رأينا سابقا أن التعريف الأكثر تماسكا لكلمة «الواقع» هو تعريف ~~نهاية العالم وتعريف السلحفاة. من الواضح أن الأشخاص لا يمكن أن يكونوا ~~من الواقع وفقا لتعريف نهاية العالم؛ نظرا لأنهم لن يكونوا جزءا من ~~العالم من دوننا؛ فمن الصعب أن نفهم عالما يوجد فيه الأشخاص أو ~~الأنفس، حتى وإن لم نكن نحن موجودين، ولكن من الأكثر معقولية ومنطقية ~~أن نعتبر الأشخاص واقع وفقا لتعريف السلحفاة؛ إذ يبدو أن الأشخاص ~~يشكلون جزءا لا يمكن اختزاله من العالم كما نعرفه. على المستوى ~~الأساسي، ليست هناك أجزاء من المادة وحسب، ولكن أيضا نظم توفر رؤية ~~لأجزاء المادة؛ أي نظم لها وجهة نظر. وحتى الآن لم ننجح في اختزالها ~~لشيء أكثر جوهرية، وبما أنها غير قابلة للاختزال على هذا النحو، إذن ~~فهي يقينا تشكل قطعة من أثاث العالم على المستوى الجوهري؛ ومن ثم فإن ~~الأشخاص قد يكونون واقع بأحد أهم معاني الكلمة. # على أي حال، تزداد الأمور تعقيدا وإثارة للحيرة بمجرد أن نحاول فهم ~~معنى أن تكون شخصا وتملك نفسا؛ إذ يبدو أن هناك أربعة عوامل أساسية ~~في هذا السياق؛ أولا: تقع النفس داخل الجسد، ومع ذلك فهي مستقلة عنه، ~~فهي تملك الجسد الذي يدعم وجودها. ثانيا: نحن نعتبر أنفسنا ثابتين ~~ومستمرين، هذا لا يعني أننا نظل للأبد كما نحن، ولا نغير رغباتنا أو ~~ميولنا أو نظرتنا الأساسية للعالم. ومع ذلك ففي خضم كل هذا التغيير، ~~يظل هناك شيء ثابت فينا يجعلنا الآن مثل ما كنا عليه من خمس سنوات ~~مضت، ومثل ما سنكون عليه بعد خمس سنوات مستقبلة. ثالثا: النفس هي ~~الكيان الموحد الذي يجمع كل شيء معا. يتجلى العالم أمامنا ~~كمجموعة متنوعة متنافرة من ms050 المشاهد والأصوات والروائح والصور الذهنية ~~وغيرها، ويتم تجميع كل هذه الأشياء داخل النفس لتنبثق منها صورة لعالم ~~واحد موحد. وأخيرا: النفس هي «الفاعل»؛ بمعنى أنها المنتجة ~~للأفكار والقائمة بالأفعال. إنها المكان الذي تستخدم فيه صورة العالم ~~الكلية المتماسكة الموحدة من أجل التعامل مع هذا العالم نفسه. # كل هذه الملاحظات تبدو للوهلة الأولى يقينية وواضحة وضوح الشمس؛ فكل ~~ما علينا هو أن ننظر لأنفسنا لنرى أننا لسنا جسدا وإنما شيء له جسد، ~~وأننا نظل كما نحن عبر الزمن، وأننا وحدة التحكم المركزية التي تدخل ~~إليها بيانات العالم وتصدر منها القرارات. ولكننا كلما نظرنا لهذه ~~العوامل الأربعة بالتفصيل، تصبح أقل وأقل وضوحا. # كما أن أنفسنا تختلف عن أجسادنا طوال الوقت؛ فخلايا الجسم تستبدل ~~بواسطة عملية التغيير الأيضي الطبيعية، وعلى الرغم من أن عملية ~~الاستبدال تتم بسرعات متباينة بناء على نوع الخلية المعنية، فإنه بعد ~~مدة زمنية كبيرة بما يكفي ستكون كل خلايا الجسم قد استبدلت. مع ذلك، ~~فنحن ما زلنا نعتقد أننا نملك النفس عينها طوال حياتنا. ولكن ~~إذا كانت النفس مستقلة عن الجسد، فأين محلها في الجسد؟ تصف ~~الثقافات المختلفة محل النفس في أماكن مختلفة: فالمصريون وأرسطو ~~فضلوا القلب؛ بينما قرر هوميروس أن محل الروح، أو مصدر العواطف، في ~~الرئتين؛ واعتقد الصينيون القدماء أن ثمة مكانا أساسيا في البطن ~~يطلق عليه الدانتيان (أو حقل الإكسير)؛ أما أفلاطون وجالينوس وغيرهم ~~الكثيرون فقد اعتقدوا أن الرأس، أو على الأحرى الدماغ، هي محل النفس. ~~وبالطبع، يستحيل أن يكون كل هؤلاء مصيبين، إلا إذا افترضنا أن ~~النفس منتشرة عبر الجسد كله، وأنها موجودة في كل هذه الأماكن في الوقت ~~نفسه. قد نفاجأ بأن هذه الرؤية هي الأكثر منطقية وعقلانية، إذا ما ~~وضعنا في اعتبارنا أنني عندما أحرق أصابعي، فإنني أشعر بالألم في نفسي ~~وفي الوقت نفسه أشعر بالألم في يدي. إلا أن هذه الرؤية تفترض ضمنا ~~أنني حين أفقد يدا أو ذراعا، فإن نفسي (وليس فقط جسدي) تفقد جزءا ~~منها وأنها الآن أصغر حجما من ms051 ذي قبل، وهذه بالتأكيد نتيجة غريبة بعض ~~الشيء. # شكل 3-1: مشهد من فيلم «أين أنا؟» ويظهر في الصورة دانيال ~~دينيت (على اليمين) ودماغ دينيت. # في الوقت الحالي، يرتاح أغلب الناس لتحديد موضع النفس في محل ما ~~داخل الرأس، خلف العينين مباشرة، يطل على العالم. وقد ناقش الفيلسوف ~~دانيال دينيت بعض النتائج الغريبة لهذه الرؤية في قصة قصيرة بعنوان ~~«أين أنا ؟» في هذه القصة، استؤصل دماغ دينيت ووضع على نظام لحفظ ~~الحياة، واستبدل بكل وصلة عصبية زوج من أجهزة الإرسال والاستقبال ~~المصغرة؛ أحدها متصل بالدماغ، والآخر بطرف العصب في جمجمة دينيت ~~الفارغة. بهذه الطريقة، أصبحت الوصلة بين جسد دينيت ودماغه مرنة ~~للغاية؛ فبدلا من امتلاك مساحة محدودة للاهتزاز في القحف، مقيدا ~~بمرونة الأعصاب، يمكن أن يصبح الدماغ الآن على مسافة معقولة من الجسد، ~~مع الاحتفاظ بكل وظائفه وقدرته على الاتصال. تبدأ المشاكل عندما يذهب ~~دينيت فارغ الرأس لرؤية دماغه؛ لأنه ليس مقتنعا أنه هو نفسه موجودا ~~في مكان ما داخل الدماغ. فهو ما زال يعتقد أنه ينظر إلى دماغه الموضوع ~~في برطمان، رغم أن ما يحدث في الحقيقة هو أن دينيت موجود في البرطمان، ~~بينما ينظر إليه جسده. # مقتطفات من قصة دينيت «أين أنا؟» # قلت: «أعتقد أن العملية قد نجحت، أريد الذهاب لرؤية دماغي.» ~~أرشدوني عبر ممر طويل (إذ كنت أشعر بالدوخة والدوار إلى حد ما) ~~إلى داخل مختبر حفظ الحياة. تعالت أصوات التهليل من أعضاء فريق ~~حفظ الحياة المجتمعين، ورددت عليهم بتحية رجوت أن تكون مرحة. ~~استعنت بأحدهم كي يوصلني لوعاء حفظ الحياة، فقد كنت لا أزال أشعر ~~بالدوار. حملقت عبر الزجاج. كان ثمة شيء طاف في محلول يشبه جعة ~~الزنجبيل، إنه بلا شك دماغ بشري، رغم أنه كان مغطى بالكامل ~~تقريبا بشرائح دوائر مطبوعة وأنابيب بلاستيكية، وأقطاب كهربية ~~وغيرها من المعدات. سألت: «أهذا دماغي؟» فرد علي مدير المشروع ~~قائلا: «اضغط مفتاح إرسال المخرجات بجانب الوعاء لترى بنفسك.» ~~نقلت المفتاح إلى وضع «إغلاق»، فسقطت على الفور مترنحا بين ~~أذرع الفنيين، ms052 الذين قام أحدهم بإعادة المفتاح إلى وضع التشغيل. ~~وأثناء استعادتي لتوازني وانتصاب قامتي، قلت في نفسي: «حسنا، ها ~~أنا ذا جالس على مقعد قابل للطي، محدقا عبر وعاء زجاجي لدماغي ~~... لكن تمهل، ألم يكن من الضروري أن أفكر «ها أنا ذا، محبوس في ~~سائل غازي، بينما تحدق في عيناي»؟» حاولت أن أفكر في هذه الفكرة ~~الأخيرة. حاولت أن أنقلها إلى الوعاء، آملا أن يتلقاها دماغي، ~~ولكنني فشلت في أن أحقق هذا. حاولت ثانية؛ «ها أنا ذا، دانيال ~~دينيت، محبوس في سائل غازي، بينما تحدق في عيناي.» ولكن هيهات، ~~لم تنجح المحاولة، إنه شيء محير ومربك إلى أقصى حد. ~~فكوني فيلسوفا مؤمنا بالمادية إيمانا راسخا، كنت أعتقد ~~دائما أن تمثيل أفكاري يتم في مكان ما في الدماغ؛ إلا أنني، ~~عندما أفكر: «ها أنا ذا»، راودتني الفكرة هنا، خارج الوعاء، حيث ~~أقف أنا، دينيت، محدقا في دماغي. # ولكننا لسنا في حاجة لاستخدام سيناريوهات الخيال العلمي على غرار هذا ~~السيناريو كي ندرك أن ثمة ما يقلق حيال اعتقادنا الطبيعي بأن أنفسنا ~~قابعة في أجسادنا. يبدو أننا نسكن أجسادنا، ونمتلكها بشكل من الأشكال. ~~ولكننا نمتلكها على نحو أكثر جوهرية من امتلاكنا للمنزل الذي نعيش فيه؛ ~~فنحن نستطيع العيش دون منزل، أما استطاعتنا العيش دون أجسادنا، فهو على ~~الأقل أمر مشكوك فيه؛ إذ إن الجسد يدعم ويحفظ العقل الذي يعتبر نفسه ~~ساكنا فيه؛ وعلى هذا، يبدو أن النفس هي ذلك الشيء الذي يسكن الجسد ~~الذي يدعم وظائف العقل. # إلا أن شعور الملكية الذي نشعر به تجاه أجسادنا يمكن أن يتولد تجاه ~~أشياء ليس لها علاقة بأجسادنا، أشياء غير حية، وربما حتى أشياء غير ~~موجودة على الإطلاق. # حالة وهم اليد المطاطية مثال بسيط بشكل خاص على ذلك؛ حيث ينظر ~~المريض لشيء غير حي، قطعة من المطاط، كجزء من جسده، ويبدأ في الشعور ~~بهذا الجزء، رغم عدم حدوث أي عمليات بيولوجية في هذه اليد الصناعية. ~~ويمكننا إحداث تأثيرات أشد غرابة باستخدام تكنولوجيا أكثر تقدما. في ~~تجربة طريفة ms053 من نوعها، يرتدي المشارك (أ) شاشة مثبتة بالرأس، مكونة من ~~نظارات خاصة تعرض صورة منفصلة في كل عين؛ ومن ثم تعطي المشارك ~~انطباعا بأنه موجود في بيئة ثلاثية الأبعاد. تؤخذ البيانات البصرية ~~المعروضة أمام عيني المشارك من كاميرا مثبتة خلف ظهره. وبالنظر عبر ~~النظارة المثبتة بالرأس، ينتاب المشارك شعور غريب بأنه ينظر إلى ~~ظهره، واقفا على بعد مسافة أمامه (ب ) - تماما كما في لوحة ماجريت ~~الشهيرة. # وهم اليد المطاطية # لعمل تجربة وهم اليد المطاطية بالمنزل، سوف تحتاج ليد مطاطية، ~~وقطعة من الورق المقوى، وفرشاتي رسم، إذا وجدت من الصعب ~~الحصول على يد مطاطية (ثمة نوع رخيص مصنوع خصيصى لتمرين ~~مقلمات الأظافر) يمكنك الاستعانة بقفاز مطاطي منفوخ. ضع اليد ~~على مائدة أمامك و(بافتراض أنك تستخدم يدا مطاطية يسرى) ضع يدك ~~اليسرى على يسارها. ضع قطعة الورق المقوى بحيث تصنع حاجزا، فلا ~~ترى سوى اليد المطاطية دون رؤية يدك الحقيقية اليسرى. والآن ~~استعن بمساعد كي تربتا على اليد الحقيقية واليد المطاطية ~~بالفرشاتين في الوقت نفسه وفي الموضع نفسه. بعد حوالي دقيقتين، من ~~المرجح أن تشعر بالإحساس الغريب؛ أن ثمة ضربات على اليد ~~المطاطية، بل إنك قد تشعر بوجود «ذراع افتراضية»، أو على الأحرى ~~شيء يوصل بين اليد المطاطية وجسمك. # شكل 3-2: وهم الجسم الافتراضي. # فإذا جعلنا شخصا يربت على ظهره الآن، بمعنى إذا شعر المشارك بأن ~~هناك من يربت على ظهره وفي الوقت نفسه رأى أن هناك من يربت على ظهر ~~الشخصية الاعتبارية الماثلة أمامه، فسوف يخبرنا أنه يشعر بأن الشخصية ~~الاعتبارية الماثلة أمامه هي جسده هو شخصيا؛ وسوف يتوحد معها ~~ويحاول «القفز بداخلها». # يحدث الوهم نفسه إذا وجهنا الكاميرا نحو التمثال (ج) بدلا من ~~جسمك. يبدو أن لدينا هنا جسدا كاملا مكافئا لوهم اليد المطاطية ~~وحالة صادمة للغاية لتعيين موقع النفس خارج أجسادنا. ومن الغرابة بمكان ~~أننا لا نعين موقع أنفسنا في مركز منظورك البصري (أي في مكان ~~الكاميرا) وإنما في مكان صورة الجسد المدركة الماثلة أمامنا. # في حين أنه من ms054 الغريب أن نشعر بأحاسيس في يد مطاطية لا تحتوي على أي ~~أعصاب، فمن الأغرب أن نشعر بها في يد غير موجودة أساسا؛ وهذا يحدث ~~لمبتوري اليد الذين يعانون من مرض الطرف الشبحي؛ فهم لا يشعرون بوجود ~~الطرف المبتور فحسب، بل إنهم في الغالب ينتابهم إحساس أن هذا الطرف غير ~~الموجود أساسا ملوي في وضع مؤلم ولا يمكن تحريكه على الإطلاق ؛ مما ~~يسبب ألما شديدا للمريض. وجود الأطراف الشبحية يسبب إشكالية أمام ~~الرأي القائل بأن النفس موزعة في الجسد كله، وتقع في كل مكان تستطيع ~~الشعور به؛ لأن الأمر يبدو الآن وكأن النفس تتسرب على نحو ما من ~~أجسادنا وتشعر بأشياء في مواضع لا تشغلها أجسادنا. # إذا كنا نشعر بأجساد مصنوعة من مواد غير حية، أو نشعر بأحاسيس في ~~أجزاء من الجسد لم تعد موجودة، فمن الواضح إذن أن وجهة النظر القائلة ~~بأن النفس تقع في مكان ما داخل الجسد بعيدة كل البعد عن أن تكون وجهة ~~نظر مؤكدة. وليس ثمة ضرورة منطقية ولا نفسية (وإذا أمكن في وقت من ~~الأوقات تحقيق السيناريو المطروح في قصة دينيت، فليس ثمة ضرورة عملية) ~~تجبرنا على أن نحدد موضع أنفسنا في المكان نفسه لأجسادنا التي تدعم ~~وجود حياتنا العقلية. بل في الحقيقة، يبدو أننا نخلق نموذجا معرفيا، ~~أو محاكاة، لجسد نضع فيه أنفسنا. وهذا النموذج يمكن أن يتضمن أجزاء ~~مصنوعة من مواد غير حية، مثل اليد المطاطية، وكذلك ظاهرة غير الموجود، ~~مثل الأطراف التي لم تعد جزءا من الجسد. إن موقع النفس ليس شيئا ~~نجده في العالم من حولنا، بل هو شيء نصنعه بأنفسنا إلى حد ~~بعيد. # إن السؤال: «أين أنا؟» يسبب العديد من المشاكل المحيرة، وللأسف ~~ليس السؤال «متى أنا؟» بأفضل منه حالا؛ فالإجابة المباشرة الواضحة ~~عليه هي أن نقول إننا نوجد على نحو مستمر من لحظاتنا الواعية الأولى في ~~أرحام أمهاتنا إلى وفاتنا (وربما بعد ذلك، إذا كنت مؤمنا بالحياة ~~الآخرة). ومع ذلك، ففي أثناء الثمانين عاما أو نحوها التي توجد خلالها ms055 ~~نفوسنا المستمرة، تمر أنفسنا ببعض التغييرات الجوهرية؛ تغييرات جسدية، ~~وأيضا تغييرات في المعتقدات والإمكانيات والرغبات والأمزجة. النفس ~~السعيدة اليوم لا يمكن أن تكون هي نفسها النفس التعيسة للأمس؛ نظرا ~~لاستحالة أن تكون سعيدة وتعيسة في الوقت نفسه. ولكننا بالتأكيد نملك ~~النفس عينها اليوم وأمس. # يمكننا حل هذه المشكلة بافتراض أن النفس شيء أكثر جوهرية، شيء مستمر ~~وثابت له كل هذه الخصائص المتغيرة، ولكنه يبقى على حاله دائما. ~~وكالخيط الذي يمر عبر كل حبة لؤلؤ في عقد من اللؤلؤ، تمر النفس عبر ~~كل لحظة من حياتنا، لتجعلها متماسكة وجوهرية. والعقبة الوحيدة التي ~~تواجه هذه الرؤية للنفس هي أنها لا تستطيع امتلاك معظم الخصائص التي ~~نظن عادة أنها تجعلنا ما نحن عليه؛ فكونك سعيدا أو تعيسا، وكونك ~~تتحدث الصينية، أو تفضل الكرز على الفراولة، بل حتى كونك واعيا، كل ~~هذه الحالات قابلة للتغير ولا يؤثر غياب إحداها على النفس، تماما كما ~~لا يؤثر غياب حبة لؤلؤ مفردة على العقد، ولكن ذلك يجعلنا غير ~~مستوعبين للسبب الذي يجعلنا نولي هذه المكانة الرئيسية لمثل هذه ~~النفس الصغرى في حياتنا. فإذا كان كل شيء يحدث في حياتنا العقلية لا ~~يؤثر إطلاقا على النفس، فما فائدة هذه النفس؟ # لنعرض الفكرة بطريقة مختلفة؛ افترض أن أحدهم عرض عليك عقارا ~~يدمر النفس تماما ولكنه لا يؤثر إطلاقا على معتقداتك ورغباتك ~~وتفضيلاتك وما إلى ذلك، فهل ثمة مشكلة في أن تتعاطى هذا العقار؟ ~~سيكون هذا العقار أفضل حتما من عقار يدمر كل معتقداتك ورغباتك ~~وتفضيلاتك، إلخ ... دون أن يمس نفسك إطلاقا. ولكن هذا قد يثير شبهة أن ~~النفس عند فهمها بهذه الطريقة ليست هي الشيء الذي نهتم بشأنه، وإنما ما ~~نهتم بشأنه حقا هو محتوى حياتنا العقلية. علاوة على ذلك، إذا افترضنا ~~أنك لا تستطيع أن تميز من داخلك الفرق بين إن كنت قد أخذت ~~العقار أم لم تأخذه، فهل يمكن أن تكون قد تعاطيت العقار دون أن ~~تعرف؛ ومن ثم لم تعد لديك نفس الآن؟ هل يجب أن ms056 تقلق بهذا ~~الشأن؟ إن افتقارك لأي خبرة سابقة بسبب كونك مخلوقا مجردا من النفس ~~بفعل تعاطي عقار ما لا يمكن أن يحدث ما لم تكن ثمة خبرة محددة «عن ~~النفس»، منفصلة تماما عما يحدث في عقولنا، وهذه الخبرة مستمرة دون ~~تغيير أثناء حياتنا اليقظة وحتى نومنا وفي الغيبوبة العميقة. ولكن ~~مثل هذه الخبرة غير موجودة، وقد أوضح الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم ~~هذه الفكرة على نحو جلي حين قال: # من جانبي، حين أدخل في عمق ما أسميه نفسي، دائما ما ~~أتعثر في إدراك حسي ما، من حر أو برد، نور أو ظل، ~~حب أو كره، ألم أو متعة. ولم أتمكن قط من أن أجد نفسي في ~~أي لحظة دون إدراك حسي، ولم أتمكن قط من ملاحظة أي شيء ~~سوى المدركات الحسية. # مع ذلك، ربما كان الحديث عن النفس لا ينطوي ضمنا على وجوب وجود شيء ~~ثابت يمر عبر الحياة كلها مثلما يمر الخيط عبر عقد اللؤلؤ؛ فالحبل ~~متماسك رغم عدم وجود خيط واحد طويل يمر عبر الحبل كله، بل إن كل ما ~~هنالك مجموعة متتابعة من الخيوط المتداخلة الأقصر. بالمثل، ربما تكون ~~النفس عبارة عن سلسلة متصلة من الأحداث العقلية المتداخلة. ورغم أن هذه ~~الرؤية قد تكون معقولة بشكل أو بآخر، فهي تعني أيضا أننا لا نكون ~~موجودين بالكامل مطلقا. نحن عادة ما نفترض أننا عندما نفكر في شيء أو ~~نتخذ قرارا، فإننا نفعل ذلك بالنفس كلها وليس بجزء معين منها. إلا أن ~~النفس، وفقا لفكرة الحبل، لا تكون حاضرة بالكامل مطلقا في أي لحظة من ~~لحظات حياتنا، تماما مثلما لا يكون الحبل المفرود على مسطرة موجودا ~~بالكامل عند أي علامة من العلامات المرسومة على المسطرة. وفي حين أن ~~هذا صحيح في نموذج عقد اللؤلؤ (نظرا لأن الخيط لا يكون موجودا ~~بالكامل في أي حبة لؤلؤ)، فعلى الأقل حين تجمع كل أحداث حياتك معا فإن ~~هناك جزءا من هذا الكل يشكل نفسك. ولكن في حالة نموذج الحبل، ليس هذا ~~مطروحا. # يبدو ms057 أننا لا نملك إلا الاختيار البغيض بين نفس مستمرة بعيدة كل ~~البعد عما يشكلنا بحيث نلحظ غيابها بالكاد حين تختفي، ونفس تتكون فعلا ~~من مكونات حياتنا العقلية، ولكنها لا تشتمل على جزء ثابت يمكننا أن ~~نتوحد معه. # هناك سمة من سمات النفس أهم بكثير من السمتين اللتين تحدثنا ~~عنهما حتى الآن؛ وهي حقيقة أن النفس هي مركز عالمنا. وهنا بالتحديد ~~تتجمع كل الخيوط. من السهل التغاضي عن أهمية هذه الحقيقة، ولكننا إذا ~~ما فكرنا في المهمة التي يضطلع الدماغ بتحقيقها لتجميع صورة العالم ~~الموحد، سيتضح لنا أنها مهمة شديدة الصعوبة والتعقيد؛ فالمعلومات ~~المختلفة التي تتوارد إلينا من حواس البصر والسمع واللمس والشم والتذوق ~~تتم معالجتها في مناطق مختلفة من الدماغ وتنتقل لمسافات مختلفة (فدغدغة ~~القدم تنتقل لمسافة أطول من دغدغة الصدر للوصول إلى الدماغ) وتصل إلى ~~الدماغ في أوقات مختلفة. وتتنوع سرعة معالجة الأنواع المختلفة من ~~المعلومات الحسية؛ فالمحفزات البصرية تستغرق وقتا أطول في المعالجة من ~~غيرها. (يبلغ الفرق حوالي 40 ملي ثانية. على سبيل المقارنة: قول مقطع ~~واحد يستغرق حوالي 200 ملي ثانية.) من ناحية أخرى، ينتقل الضوء بسرعة ~~أكبر بكثير من الصوت، فإذا ما جمعنا هذه السرعات المختلفة معا نجد أن ~~المشاهد والأصوات الآتية من بعد حوالي عشرة أمتار تصل إلى الوعي في ~~الوقت نفسه تقريبا؛ أما بالنسبة لأي شيء أقرب أو أبعد فإن المعلومات ~~الخاصة بالمشاهدة والصوت تصل في أوقات مختلفة. وفي هذه الحالات، فإن ~~التزامن الظاهري لسماع الصوت ورؤية حركة شفاه المتحدث، مثلا، يجب أن ~~يقوم الدماغ بتنظيمه. # بالإضافة إلى ذلك، لا بد من تنقيح المعلومات الحسية الواردة إلينا من ~~حيث أهميتها بسرعة شديدة (إذ يجب التعامل مع زئير الأسد من خلفنا بسرعة ~~أكبر من التعامل مع زقزقة العصفور الواقف أمامنا). وفي الوقت نفسه، لا ~~بد من معالجة الأفكار والذكريات. ومع ذلك، ينبثق من هذه الفوضى من ~~البيانات الواردة إلينا طوال الوقت عالم متماسك وموحد. (ويبدو أن هذا ~~العالم لا ينهار إلا في حالة اضطرابات نفسية ms058 معينة أو عند استخدام ~~عقاقير الهلوسة.) # وقد أكد رينيه ديكارت أن مثل هذا التوحيد ضروري من أجل اكتساب النفس ~~(أو الروح) معرفة العالم، وقال في معرض حديثه عن الغدة الصنوبرية؛ جسم ~~صغير يشبه قمع الصنوبر ويقع بالقرب من مركز الدماغ: # في رأيي أن هذه الغدة هي المقر الرئيسي للروح، والمكان الذي ~~تتشكل فيه كل أفكارنا؛ ويرجع السبب في إيماني بذلك إلى أنني لا ~~أجد أي جزء من الدماغ، فيما عدا هذا الجزء، غير مزدوج. وبما ~~أننا نرى شيئا واحدا بعينين اثنتين، ونسمع صوتا واحدا ~~بأذنين اثنتين، وباختصار لم يكن لدينا قط أكثر من فكرة واحدة ~~في كل مرة، فلا بد أن يكون الوضع هو أن الانطباعات التي ترد ~~إلينا عن طريق العينين أو الأذنين، وغيرهما، تتوحد بعضها مع ~~بعض في جزء معين من الجسم قبل أن تتأملها الروح. ومن المستحيل ~~أن نجد مثل هذا المكان في الرأس إلا في مكان واحد هو هذه ~~الغدة. # في بعض الأحيان توصف هذه الصورة للعقل بمصطلح «المسرح الديكارتي»؛ ~~فمثلما يجلس المشاهد أمام المسرح، ترى النفس منظر العالم مجمعا ~~من نطاق واسع من البيانات الحسية. ولو لم يتم توحيد هذه البيانات قبل ~~رؤية النفس لها، لكانت النفس سترتبك، تماما كما سيرتبك مشاهد ~~المسرح إذا ما ظهر على المسرح ممثلان يدعيان القيام بدور هاملت. وفي ~~حين أن هذه الصورة طبيعية ومقنعة إلى أقصى حد، فإنها تواجه الكثير من ~~الصعوبات؛ ومن ثم ينبغي أن نحترس من الاقتناع بها. فلتفكر في الحالة ~~التالية الشديدة البساطة. # إذا سلطنا بقعة ضوء على الركن الأيسر السفلي من شاشة، ثم أتبعنا ~~ذلك بتسليط بقعة ضوء على الركن الأيمن العلوي من الشاشة نفسها، فسيبدو ~~لنا كأن هناك نقطة واحدة تتحرك عبر القطر الممتد من يسار الشاشة إلى ~~يمينها. (تم اكتشاف هذه الظاهرة التي يطلق عليها ظاهرة بيتا من قبل ~~علماء النفس في بداية القرن العشرين.) فإذا جعلنا بقعتي الضوء بلونين ~~مختلفين، على سبيل المثال، نجعل بقعة الضوء المسلطة على الركن الأيسر ~~السفلي تأخذ ms059 لونا أحمر وتلك المسلطة على الركن الأيمن العلوي تأخذ ~~لونا أخضر، فسوف نلاحظ بقعة واحدة تتحرك وتغير لونها عندما تصل إلى ~~منتصف القطر. وهذه نتيجة شديدة الغرابة. فإذا كان دماغنا يملأ الفراغات ~~على طول القطر لصالح النفس الجالسة في المسرح الديكارتي، فكيف يعرف أن ~~لون البقعة لا بد أن يتغير من الأحمر إلى الأخضر في منتصف القطر؛ أي ~~«قبل» مشاهدة البقعة الخضراء أساسا؟ من غير المرجح أن يرجع السبب في ~~هذا للقدرات التنبئية التي تتيح لنا أن نعرف ما سيحدث قبل أن يحدث ~~بالفعل. ثمة طريقة أخرى لتفسير ظاهرة بيتا؛ وهي افتراض أن تجربتنا كلها ~~يتم عرضها في المسرح الديكارتي بعد مهلة زمنية بسيطة؛ فالدماغ لا يمرر ~~معلومات البقعة الحمراء فور استطاعته ذلك، وإنما يحتفظ بها لفترة ~~بسيطة. وبمجرد معالجة البقعة الخضراء، يتم جمع بقعتي الضوء في حكاية ~~إدراكية حسية واحدة تنطوي على وجود بقعة ضوء واحدة تغير لونها أثناء ~~تحركها. بعد ذلك يتم عرض هذه النسخة المعدلة في مسرح الوعي. # للأسف الشديد، لا يتلاءم تفسير المهلة الزمنية هذا مع دليلنا بخصوص ~~طريقة عمل الإدراك الحسي. وعلى الرغم من أن الاستجابات الواعية ليست في ~~سرعة الأفعال المنعكسة، فنحن نعرف أن الاستجابات الواعية يمكن أن تحدث ~~بسرعة قريبة جدا من أدنى الأزمنة الممكنة فيزيائيا. وبمجرد أن نجمع ~~الوقت الذي تستغرقه المعلومات للانتقال إلى الدماغ ووقت تحضير الرد، لن ~~يكون هناك وقت كاف لتلك المهلة الزمنية التي ربما تفسر ظاهرة ~~بيتا. # عند هذه النقطة، يبدو من المنطقي أن نشك في أن ثمة خطأ في مفهوم ~~النفس التي ترى دفقا موحدا من المعلومات الحسية. ربما كان يوجد فقط ~~عمليات عصبية عديدة تحدث في الدماغ وعمليات عقلية عديدة تحدث في العقل، ~~دون أن توجد وكالة مركزية يتم فيها تجميع كل ذلك في لحظة معينة؛ لحظة ~~«الزمن الحاضر» الحسية. ولعل النفس التي نضعها في بؤرة حياتنا العقلية ~~ما هي إلا خيال مرض لا يستند إلى حقيقة واضحة. وإذا لم يكن ثمة وقت ~~محدد لظهور المحتوى ms060 الحسي على مسرح النفس (نظرا لعدم وجود مثل هذا ~~المسرح من الأساس)، فسوف تصبح ظاهرة بيتا أسهل بكثير في الاستيعاب. ~~إن الإدراك الخاطئ المتمثل في بقعة الضوء الحمراء التي تتحول إلى اللون ~~الأخضر لا يثار في الدماغ إلا بعد إدراك البقعة الخضراء، إلا أن ~~التتابع الذي يراه المشاهد قد يكون «بقعة حمراء - بقعة حمراء تتحول ~~إلى اللون الأخضر - بقعة خضراء». عندما تقرأ عبارة «خرج الرجل من منزله ~~مسرعا، وقبل ذلك قبل زوجته»، يكون الترتيب الذي وردت به المعلومة ~~هو «الخروج ثم التقبيل»، ولكن ترتيب الأحداث الذي تستنتجه من العبارة ~~هو «التقبيل ثم الخروج». نظرا لعدم وجود واقع موضوعي حول الوقت الذي ~~يصبح فيه الشيء مدركا ذاتيا (بدخوله إلى المسرح)، فليس هناك حاجة ~~لافتراض مهلة زمنية منتظمة لتفسير عدم محاذاة ما يحدث في الدماغ وما ~~يحدث في الوعي والذي تظهره ظاهرة بيتا. ولكي ندرك وقوع الأحداث ~~بترتيب معين، ليس من الضروري أن ترد المعلومات إلى المخ بهذا ~~الترتيب نفسه. # إن رفض النفس بوصفها المركز الرئيسي لعالمنا العقلي ليس ظاهرة ~~فلسفية حديثة؛ فهي ترجع إلى ألفي وخمسمائة عام مضت، عندما وصف بوذا ~~في الهند القديمة نظرية غياب النفس. # وفقا لهذه النظرية، نحن نتكون من جسد وأربعة مكونات نفسية، تتفق ~~مع الوظائف المعرفية المختلفة. ولا يمكن تجسيد النفس في أي من هذه ~~المكونات (لأنها تتغير باستمرار، في حين أن من المفترض أن تكون النفس ~~مستمرة)، كما أنها لا يمكن أن تكون توليفة من كل هذه المكونات معا ~~(نظرا لأن النفس هي عبارة عن شيء واحد موحد، وليست ائتلافا من ~~العناصر المتغيرة). والنفس أيضا ليست شيئا قائما بذاته، ومنفصلا ~~عن العناصر الأربعة الأخرى؛ وهذا لا يعني أننا ينبغي أن نكف عن ~~الكلام عن النفوس والأشخاص؛ إذ إنها تشكل جزءا مهما من كيفية ~~إدراكنا للعالم. ولكن النفس ليست أكثر من كيان اسمي بحت. وهي ~~متراكبة (مفروضة) على مكوناتنا المادية والعقلية لأسباب عملية محضة. ~~وهي تسمح لنا بتحديد موقعنا في العالم، تماما كما يسمح لنا مؤشر ms061 ~~الماوس بتحديد موقعنا على واجهة الكمبيوتر. ولكن على غرار المؤشر الذي ~~ليس «في» الكمبيوتر، وليس كائنا مستمرا (إذ إنه يختفي عندما نغلق ~~الكمبيوتر)، ولا يدخل في تركيب مركز أعمال الكمبيوتر، فالنفس أيضا ~~تختلف عما تبدو عليه بالنسبة لنا. # مقتطفات من حوار ماهابوناما ~~«أيها الرهبان، ما رأيكم؟ هل المادة باقية أم زائلة؟» - «زائلة، ~~يا سيدي الموقر.» - «هل الأشياء الزائلة تجلب المعاناة أم ~~السعادة ؟» - «المعاناة، يا سيدي الموقر.» - «هل الأشياء الزائلة ~~التي تجلب المعاناة وتخضع للتغيير يمكن أن نصفها بالكلمات ~~التالية: هذه لي، هذه أنا، هذه نفسي؟» - «لا، يا سيدي ~~الموقر.» ~~«أيها الرهبان، ما رأيكم؟ هل الشعور والإدراك ورد الفعل والوعي ~~أشياء باقية أم زائلة؟» - «زائلة، يا سيدي الموقر.» - «هل الأشياء ~~الزائلة تجلب المعاناة أم السعادة؟» - «المعاناة، يا سيدي الموقر.» ~~- «هل الأشياء الزائلة التي تجلب المعاناة وتخضع للتغيير يمكن أن ~~نصفها بالكلمات التالية: هذه لي، هذه أنا، هذه نفسي؟» - «لا، يا ~~سيدي الموقر.» ~~«لذا، أيها الرهبان، فأي نوع من المادة، سواء في الماضي أو في ~~الحاضر أو المستقبل، ينبغي أن يوصف على حقيقته بالحكمة المناسبة: ~~هذه ليست لي، هذه ليست أنا، هذه ليست نفسي. وأي نوع من الشعور ~~والإدراك ورد الفعل والوعي ينبغي أن يوصف على حقيقته بالحكمة ~~المناسبة: هذه ليست لي، هذه ليست أنا، هذه ليست نفسي.» # عندما نقول إن النفس متراكبة (مفروضة) على المكونات، يتبادر إلى ~~الذهن سؤال: «من الذي يركبها (يفرضها)؟» عندما نتأمل النفس بوصفها ~~الموحد لعالمنا التجريبي، فمن المنطقي أن نراها أشبه بالطيار في ~~محاكي الطيران. فمن نطاق من المدخلات الإدراكية، يخلق دماغنا صورة ~~للعالم تعمل عليها النفس. فنحن لا نستطيع أن نخطو خارج أدمغتنا؛ ومن ~~ثم ليس لنا سبيل إلى اكتشاف العالم خلف المحاكاة الموجودة داخل ~~القحف، بل إنها بالنسبة لنا لا تبدو كمحاكاة من الأساس. ولكن المشاكل ~~التي يثيرها مفهوم المسرح الديكارتي تقترح عدم وجود طيار، وعدم وجود ~~نفس تتم لصالحها المحاكاة. بدلا من ذلك، فإن مجموعة مكوناتنا المادية ~~والعقلية تعمل كمحاكي طيران كامل، لا يحاكي ms062 المعلومات المستقبلة في ~~مقصورة الطيار فحسب، وإنما يحاكي الطيار أيضا؛ فالنفس بوصفها الموحد ~~لمدخلاتنا الإدراكية هي عبارة عن محاكاة أو خيال، إلا أنه لا يوجد شخص ~~غير محاكى أو غير خيالي يشاهد المحاكاة أو يعيش هذا الخيال. # ومن المدهش أن نلاحظ أن النفس الموحدة تلقى هجوما أيضا من ~~اتجاه غير متوقع إلى حد ما؛ ألا وهو تفسير معين للفيزياء ~~الكمية. # نذكر أنه وفقا لبعض التفسيرات يحدث انهيار الدالة الموجية عندما ~~يتفاعل الوعي مع الكائن الكمي المراد قياسه. هذا التفاعل، أي القياس، ~~يحدد بعد ذلك أي من الخواص التي يمكن أن يتسم بها الكائن الكمي هي ~~الخاصية الحقيقية. وبعد القياس، سوف يحمل الكائن هذه الخاصية فحسب ولن ~~يحمل أي خواص أخرى. ومع ذلك فالتفسير الذي يهمنا هنا يزعم أنه بعد ~~القياس، كل الخواص المختلفة الممكنة هي خواص يمتلكها الكائن الكمي. ~~ونظرا لأنه لا يوجد شيء يمكن أن تكون له خواص مختلفة متعارضة في الوقت ~~نفسه، فهذا يعني ضمنا أنه عندما يتم رصد الكائن، ينقسم الكون إلى ~~مجموعة من النسخ المتقاربة، الأولى تستمر في مسارها مع امتلاك ~~الكائن الكمي خاصية واحدة، والثانية يمتلك فيها خاصية أخرى، وهكذا، هذا ~~هو المكافئ الكوني لرواية بورخيس المتاهية التي تصف شخصية تسوي بن؛ ~~حيث كل خيار يختاره بطل القصة يؤدي إلى روايات عديدة أخرى، واحدة لكل ~~نتيجة محتملة. وفي شجرة الاحتمالات المتواصلة التفرع هذه، كل ما يمكن ~~أن يحدث يتم وصفه في رواية ما. # ويتيح لنا «تفسير العوالم المتعددة» المزعوم هذا تفسير تجارب ~~فيزيائية مهمة للغاية دون الحاجة لافتراض وجود اختلاف جوهري بين العقل ~~والمادة. ومن ناحية أخرى، بما أننا نحن، كراصدين، كائنات مادية أيضا، ~~فإن عمليات القياس تقسمنا، بحيث تنقسم نفوسنا إلى أنفس متعددة ~~منفصلة تستأنف وجودها في أكوان منفصلة، ولا تتلاقى وتتوحد مرة أخرى ~~على الإطلاق؛ فالأمر كما لو كنت عندما ترمي زهر النرد، لن تحصل على ~~رقم معين فحسب، ولكنك تخلق خمسة أكوان أخرى كاملة في الوقت نفسه، يشتمل ~~كل منها عليك وقد ms063 رميت زهر النرد للتو وظهر لك واحد من الأرقام ~~الخمسة الباقية. # ولكن أي هذه الأنفس هي نفسك؟ إذا كانت كل منها استمرارا لك، فإنك ~~لن تستطيع أن تملك نفسا موحدة؛ نظرا لأن النفوس الستة ستتطور في ~~اتجاهات شديدة التباين، وتملك تجارب مختلفة، وتختار اختيارات مختلفة، ~~في حين أن النفس الواحدة من المفترض أن تتطور في اتجاه واحد فقط، وتملك ~~مجموعة واحدة من التجارب، وتختار نوعا واحدا من الاختيارات. أما إذا ~~كانت إحدى هذه الأنفس هي أنت، إذن فأنت كما يبدو ستصبح خالدا. # قم بالتجربة التالية؛ خذ جهازا يقيس خاصية معينة في كائن كمي. يمكن ~~أن تكون هذه الخاصية موجودة في الكائن أو غير موجودة، والاحتمالية ~~متساوية في الحالتين، والآن اربط هذا الجهاز بمسدس. كل دقيقة يقيس ~~الجهاز كائنا كميا مختلفا ولا يفعل شيئا إذا كانت الخاصية المراد ~~قياسها غير موجودة. أما إذا كانت الخاصية موجودة، فإن الجهاز يطلق ~~المسدس ويصيبك في رأسك. إذا أجريت هذه التجربة، فسيبدو لك كأن المسدس ~~لا يطلق النار مطلقا؛ لأنه كلما فعل ينقسم العالم إلى عالمين، تكون ~~الخاصية غير موجودة في أحدهما، ولا يطلق المسدس النار. واستمرار نفسك ~~هو النفس الموجودة في العالم الذي لا يطلق فيه المسدس، وليس النفس ~~الميتة الموجودة في العالم الذي يطلق فيه المسدس. (أما إذا كنت تراقب ~~شخصا آخر يجري التجربة، فستكون هناك احتمالية 50٪ أنك ستراه يسقط ~~ميتا بعد الدقيقة الأولى.) وما دام احتمال عدم وجود الخاصية المراد ~~قياسها ليس صفرا، فإنك تستطيع البقاء على قيد الحياة في مثل هذا ~~السيناريو للأبد. من الواضح أن الفكرة نفسها يمكن أن تطبق خارج ~~التجربة أيضا. بما أن انقسام العوالم يحدث طوال الوقت، ما دام هناك ~~عالم تعيش فيه هو نتاج مثل هذا الانقسام قبل موتك مباشرة، فسوف تستمر ~~على قيد الحياة في هذا العالم، وبما أن «نفسك» في هذا العالم هي نفسك ~~الحقيقية، فإنك لن تمر بتجربة موتك إطلاقا. # ورغم أن هذا الخلود قد يروق لك، فإن فكرة وجودك في عالم واحد ms064 من ~~العوالم اللامعدودة المنبثقة في كل لحظة هي فكرة مثيرة للجدل. والعقبة ~~الرئيسية هي أن نجيب عن السؤال: لماذا توجد أنفسنا في العالم الذي يقف ~~فيه زهر النرد على رقم ستة، وليس في العالم الذي يقف فيه على رقم خمسة؟ ~~وما الذي يحدد النفس التي ستصبح استمرارا لنا؟ في العوالم الستة كلها، ~~نحن نملك أجسادا شبه متماثلة؛ لذا فمن المستبعد أن يكون ثمة اختلاف ~~مادي هو الذي يحدد العالم الذي توجد فيه أنفسنا. ويبدو أن الطريقة ~~الوحيدة لحل هذه الإشكالية هي افتراض وجود نفس غير مادية وغير مدركة ~~بالحس. ولكن إن كانت هذه النفس موجودة حقا، فسوف يتبادر إلى أذهاننا ~~سؤال إذا ما كان قد حدث خطب ما في مكان ما، وعلى الرغم من أننا نظن ~~أن أنفسنا في العالم الحالي، فإنها في الحقيقة في عالم آخر انفصل عن ~~هذا العالم منذ زمن بعيد. # بطريقة أو بأخرى، لا ينبغي أن يقلقنا مثل هذا الموقف؛ إذ يبدو أننا ~~نرجع إلى الموقف الخاص بالعقار المدمر للنفس الذي ناقشناه سابقا. ~~إذا كانت النفس غير المدركة بالحس قد افترضت فقط من أجل تأكيد وجود ~~نفس مستمرة غير متغيرة عبر العوالم المنفصلة الخاصة بتفسير العوالم ~~المتعددة، فربما نوفر على أنفسنا هموما غير مبررة حول وجود ~~أنفسنا حقا حيث نظن أنها موجودة، عن طريق التخلي عن الافتراض ~~الأساسي الذي ينص على أن هناك نفسا موحدة في المقام الأول. # رؤيتنا البدهية الأخيرة للنفس هي أن النفس هي محل السيطرة؛ فالنفس ~~هي الوسيط الذي يحول المعلومات المتلقاة من العالم إلى أفعال تتم ~~في العالم، وجوهر إدراكنا للوساطة هي القدرة على القيام بأفعال ليست ~~ناتجة بشكل مباشر عن المدخلات الحسية؛ فتمرير الملح عندما يطلب منك ذلك ~~على مائدة الطعام فعل مختلف كل الاختلاف في نوعه عن أخذه بنفسك، ولا ~~يدفعك للقيام بهذا الفعل سوى رغبتك في وضع المزيد من الملح على طعامك. ~~ومن المحير أن هذا القدر الرئيسي من الوساطة يبدو شديد الاختلاف عندما ~~نولي انتباهنا لآلية عمل الدماغ ms065 البشري. # شكل 3-3: استكشاف طاقة الاستعداد. # عند دراسة نشاط القشرة الحركية للدماغ الذي يؤدي إلى الحركات ~~الإرادية للعضلات، اكتشف العلماء نمطا خاصا لنشاط الخلايا العصبية ~~الذي يسبق هذه الحركات، والذي يطلق عليه «جهد الاستعداد». في ثمانينيات ~~القرن العشرين أجرى عالم الأعصاب بنجامين ليبت تجربة مثيرة للجدل تبحث ~~العلاقة الوقتية بين جهد الاستعداد والقرار الواعي للقيام بالفعل. طلب ~~العالم من الخاضعين للتجربة القيام بحركة بيدهم في أي وقت من ~~اختيارهم أثناء مشاهدة ساعة شمسية متحركة. وتم قياس النشاط الكهربي ~~لأدمغتهم باستخدام التخطيط الكهربائي للدماغ، وطلب من الخاضعين للدراسة ~~ذكر مكان مؤشر الساعة وقت شعورهم «بالرغبة» في تحريك أيديهم. المثير ~~للاهتمام أن الوقت المذكور كان يلي على الدوام بداية جهد الاستعداد ~~في الدماغ؛ ومن ثم فإن من الصعب أن نفهم كيف تسببت الرغبة في جهد ~~الاستعداد؛ نظرا لأن خبرة إرادة القيام بفعل معين لا تبدأ إلا بعد ~~وقوع أحداث الدماغ التي تؤدي لوقوع الفعل. إن إرادة القيام بالفعل ~~تتجلى آنيا في عقولنا، ومع ذلك فإن لها بادرة سببية لسنا على دراية ~~بها. وهذه البادرة؛ أي جهد الاستعداد، غير مرئية بالنسبة لنا، ولكنها ~~موجودة على أي حال. والرغبة في تحريك اليد لا تبدو عفوية وغير مبررة ~~إلا لأنها الحلقة الأولى في سلسلة عمليات الدماغ التي تعبر الحدود من ~~اللاوعي إلى الوعي. وفي هذا السياق التجريبي، ينبثق كل من الرغبة في ~~الفعل والفعل نفسه من الدماغ، ومع ذلك فنحن نستنتج أن الرغبة هي ~~المسئولة سببيا عن الفعل. # ويمكن ملاحظة ميل عقولنا إلى خلق مظهر الفعل المتعمد حتى ~~عندما لا يوجد مثل هذا الفعل في سياقات أخرى أيضا. ومجرد حقيقة أن ~~فعلا ما يبدو لنا ناتجا بشكل كامل عن نيتنا ورغبتنا في القيام به ~~لا تضمن أن هذا هو الواقع؛ فالنشاط الدماغي يمكن حثه أو تثبيطه عن ~~طريق تحفيز الدماغ بواسطة حقول مغناطيسية عبر الجمجمة من خلال تقنية ~~يطلق عليها التحفيز المغناطيسي للدماغ. عندئذ من الممكن إجراء تجربة ~~يطلب فيها من الخاضعين للتجربة اختيار رفع ms066 الإصبع السبابة اليمنى أو ~~اليسرى بعد صدور إشارة معينة. وفي الوقت نفسه يتم تشغيل التحفيز ~~المغناطيسي للمنطقة الحركية من الدماغ. من المرجح أن يرفع الخاضعون ~~للدراسة الإصبع السبابة الخاصة باليد المعاكسة للمنطقة المحفزة من المخ ~~دون أن يدركوا أن اختيارهم تأثر بقوة خارجة عن أدمغتهم. # في الحالات الأكثر تطرفا، يمكن أن يختلق العقل الرغبة في القيام ~~بفعل ما، في حين أن هذه الرغبة في الحقيقة لا تنبع منا على الإطلاق. ~~في تجربة طريفة طلب من الخاضعين للدراسة اختيار صور على شاشة كمبيوتر ~~باستخدام فأرة الكمبيوتر التي يشاركونها مع شريك، على نمط لوحة الويجا. ~~وفي هذه التجربة يستمع المشاركون إلى كلمات عبر سماعات رأس، هذه ~~الكلمات بعضها له علاقة بالكائنات التي تظهر على الشاشة. وفي الواقع، ~~يكون الشريك أحد القائمين على التجربة ويقوم دون ملاحظة الشخص الخاضع ~~للتجربة بتحريك الفأرة ببطء نحو صورة ما. فإذا تم توجيه فأرة الشخص ~~الخاضع للتجربة نحو صورة وردة، واستمعوا إلى كلمة «وردة» قبل ذلك ~~بثوان في سماعات الرأس، فإنه يقول إنه شعر بأن فعل تحريك الفأرة في ~~اتجاه الوردة كان مقصودا. إن فكرة الوردة تم تحفيزها بواسطة أسباب ~~خارجية محضة (سماعات الرأس)، ومع ذلك فإن ورودها على الذهن يؤيد فكرة ~~أن العقل قد تسبب في هذا الفعل عن قصد. يختلق العقل رواية «أنا فعلت ~~هذا» التي نظن بعد ذلك أنها رواية حقيقية لا تقبل الشك، رغم افتقادها ~~لأي أساس واقعي. # إن الشك في فكرة أن النفس محل السيطرة لا ينبع من الدراسة العميقة ~~لكيفية عمل عقولنا فحسب، وإنما ينبع أيضا من اتجاه غير متوقع على ~~نحو ما: علم الميمات. وعلم الميمات، وهو علم دراسة التطور الثقافي، هو ~~علم مستنبط من علم الوراثة، أو دراسة الجينات. يدرس علم الوراثة ~~كيفية تطور الحياة البيولوجية بواسطة نسخ الجينات، أما علم الميمات ~~فيدرس كيفية فهم تطور حياة العقل بواسطة نسخ الوحدة الأساسية ~~للتطور الثقافي (الميم). يمكن أن يكون الميم أساسيا مثل فكرة غلي ~~الطعام قبل تناوله، أو نقل الأحمال ms067 بواسطة العربات، كما يمكن أن يكون ~~هيكلا شديد التعقيد من الأفكار مثل لعبة «جو» وهندسة إقليدس وقواعد ~~اللغة السنسكريتية والرسم المنظوري وبالطبع دراسة الميمات نفسها. ~~الجينات كائنات غير مرئية يحملها العائل (الكائن الحي المالك للجين) ~~ولها تأثيرات معينة (النمط الظاهري للكائن الحي)، وبالمثل الميمات ~~أيضا كائنات غير مرئية، تحملها عقول الأفراد، ولها تأثيرات معينة تحدد ~~ما يحدث لهذه العقول على المدى البعيد. # ثمة فكرة مؤثرة في النظرية التطورية الحديثة؛ ألا وهي أن الجينات، ~~وليس الكائنات الحية، هي التي تحتل مقعد القيادة؛ فبدلا من النظر ~~إلى الجينات باعتبارها الأداة التي يستخدمها الكائن الحي للتكاثر، ومن ~~ثم تحسن كفاءته، تدعونا النظرية التطورية الحديثة إلى النظر إلى ~~الجينات باعتبارها نواسخ أنانية تجبر الكائن الحي على زيادة فرصة ~~نسخها؛ ففي حين أنه غالبا ما يكون المفيد للجين مفيدا للعائل (على ~~سبيل المثال، الجين المورث للمناعة ضد أي مرض عادي ستكون له فرص أكبر ~~للنسخ؛ نظرا لأن الشخص الحامل له من المرجح أن يعيش فترة أطول)، ~~فإنه من الممكن حدوث تعارضات خطيرة. # تحدث هذه التعارضات بشكل خاص في حالة جينات الانحراف الانعزالي ~~التي لا تؤثر على سمات مثل الشعر أو لون البشرة، وإنما تؤثر على عملية ~~الانقسام الخلوي التي تقسم الكروموسومات وتنتج خلايا الحيوانات ~~المنوية والبويضات. تحرص جينات الانحراف الانعزالي على أن يتم تمثيلها ~~بشكل زائد في خلايا الحيوانات المنوية والبويضات؛ ومن ثم تزيد فرص ~~نسخها بشكل هائل. وهي تفعل ذلك حتى إذا كانت عواقبها على أفراد الكائن ~~الحي أو على مجتمع الكائنات الحية كارثية. ومن الأمثلة الشهيرة على ~~ذلك، الجين # t # في الفئران، الذي يخدع ~~الجينات الأخرى بهذه الطريقة، وهذا الجين لا يؤثر على نحو خطير على ~~الكائن الحي إذا تم توريثه من أحد الأبوين فحسب. أما إذا ورث من كلا ~~الأبوين فإن الفأر الحامل له إما أن يموت في سن صغيرة أو يصبح عقيما. ~~وعندما ينتشر الجين # t # في مجتمع من ~~الفئران نظرا لقدرته على التمثيل الزائد في خلايا الحيوانات المنوية ~~والبويضات، تزيد ms068 احتمالية وراثة الفئران الصغيرة له من كلا الأبوين. ~~وفي النهاية، إذا ورث مجتمع الفئران بالكامل الجين # t # فمن الممكن أن ينقرض بهذه ~~الطريقة. إن هذا الجين لا يعمل ضد مصلحة الكائن الحي الحامل له فحسب، ~~بل إنه يفتقد بوضوح أي بصيرة ورؤية نافذة؛ حيث إنه بهذه الطريقة ~~يعمل ضد مصلحته الشخصية أيضا. # على النحو نفسه الذي تحتشد به الجينات في الكائن الحي لكي تنسخ ~~بطريقة أفضل ، نحن نعتقد أن الميمات أيضا تتجمع لتكوين ذات. ونحن نرى ~~قلبا مشابها لترتيب الأولويات المعتاد هنا؛ فنحن لا نملك الأفكار، بل ~~الأفكار هي التي تملكنا. ومن منطلق هذه الرؤية، تصبح النفس صنيعة ~~الميمات التي تحتل دماغ الإنسان لتسهل عملية تكاثر الميمات. وتماما ~~مثلما تحتشد الجينات في الكائن الحي لتسهيل عملية تكاثرها (لأن بعض ~~الجينات تستطيع السيطرة على إنتاج المكونات البيولوجية اللازمة للجينات ~~الأخرى)، تحتشد الميمات في النفس لكي تسهل عملية نسخها. في مثل هذه ~~النفس، يمكن أن تتجمع الميمات التي يستطيع بعضها مساعدة بعض في ~~التكاثر. ينتشر الميم الخاص بصنع البارود بشكل أفضل عندما يكون جزءا ~~من نفس تشتمل أيضا على ميمات لصنع القنابل وأدوات الإحراق والصواريخ ~~والألغام والبنادق والمدافع؛ ومن ثم يكون من الخطأ افتراض أن الميمات ~~التي نملكها موجودة لدينا لأنها تتوافق مع العالم من حولنا، أو ~~لأنها تجعلنا أذكى، أو أكثر تعاطفا، أو أكثر نجاحا؛ ولكنها ببساطة ~~موجودة لدينا لأنها مفيدة لنفسها؛ بمعنى أنها تساعد في عملية نسخها. ~~وكما هو الحال في الجينات، لا تعتبر مسألة إذا ما كان الجين الناسخ ~~مفيدا للعائل معيارا مفيدا لتقييم نجاحه. # مع ذلك، سيكون من الخطأ أن نظن أن الميمات الطفيلية تستولي على ~~أنفسنا. والسبب في أن أي تعارض للميمات مع «أنفسنا» يكون في غير محله ~~هو أن الميمات تلعب دورا رئيسيا في تكوين أنفسنا. فليس هناك عقل ~~مستقل يجاهد لمكافحة غزو الميمات الأجنبية، وإنما يوجد فقط هيكل ~~واحد من الميمات التي ترى نفسها بوصفها نفسا، وترى الميمات الأخرى ~~بوصفها حلفاء يمكن أخذها في جبهتها ms069 أو أعداء ينبغي صد هجماتها. ~~بطبيعة الحال، نحن لا ننظر للأمور بهذه الطريقة، فنحن نؤمن بأننا نحن ~~المسيطرون، وأننا نحن الذين نملك الأفكار، وليس العكس. تصف علوم ~~الإدراك هذه الصنائع المعرفية مثل النفس في بعض الأحيان باعتبارها ~~«شفافة»؛ فنحن نرى عبرها دون أن نلاحظ طبيعتها المركبة. وينطبق الأمر ~~نفسه تقريبا على مجالنا البصري، الذي يبدو مستمرا وموحدا، رغم أنه ~~أبعد ما يكون عن ذلك؛ لأن كل جزء من شبكية العين يملك إمكانيات وضوح ~~مختلفة تماما عن الجزء الآخر، ولأن كل عين لديها بقعة عمياء، ولأن ~~أعيننا تقفز من مكان إلى آخر في المحيط في حركات متتابعة تعرف باسم ~~الرمش. ونحن لا نستطيع إدراك طريقة تكوين مجال بصري مستمر من هذه ~~البيانات الجزئية المتقطعة، تماما مثلما لا نستطيع إدراك كيفية تكوين ~~النفس من مجموعة من الميمات؛ فالنفس وهم وليست شخصا يعيش ~~وهما. # إذا كان إدراكنا البدهي للنفس، كما تبين لنا الاعتبارات السابقة، ~~بوصفها وسيطا غير متغير وموحد داخل أجسامنا أقل معقولية مما يبدو ~~عليه، فإلى أين يقودنا ذلك فيما يتعلق بواقعية النفس؟ من الواضح أننا ~~لا نستطيع دحض واقعية النفس وفقا لتعريف فيلم «ماتريكس» وتعريف رواية ~~«1984». إننا ندرك وجود النفس - نظرا لشفافيتها - كما أن معظم الناس ~~يدركون أن معظم الناس الآخرين لديهم نفوس. ولكن واقع وجود النفس وفقا ~~لتعريف «جونسون» ليست واضحة؛ فالنفس ليست شيئا غير مصطنع. إنها نموذج ~~معرفي، وفي حالة كون بعض علماء الميمات على صواب، فإنها عبارة عن كائن ~~مركب مصنوع من ميمات متجمعة. أما تعريف نهاية العالم فهو لا ينطبق ~~عليها بالتأكيد؛ فإذا لم نكن موجودين، فبالتأكيد لن تكون هناك نفوس. ~~كما أننا رأينا أن واقع النفس ليس جليا في ظل أحد أهم تعريفات الواقع؛ ~~ألا وهو تعريف السلحفاة. ولا تحتوي المكونات الأولية العديدة التي ~~تفترضها النظريات التي تحاول تقديم بيان كامل للأجزاء الرئيسية للعالم ~~- الجسيمات الأولية والجينات والميمات - على النفوس. مما سبق، يبدو لنا ~~أن النفس ليست شيئا يوجد على المستوى الأساسي للوصف، ولكنها شيء مصنوع ms070 ~~لا يظهر إلا عندما تتجمع عدة عوامل بسيطة في كل معقد. # الفصل الرابع # | هل الزمن واقع؟ # تقع أطلال دير هيسترباخ السيسترسي في سلسلة من التلال شرقي نهر ~~الراين. تحكي الأساطير المحلية قصة راهب من القرن الخامس عشر خرج من ~~الدير متجولا في الغابات المحيطة، ومتأملا في المزمور 90 الآية 4: ~~«لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما ~~عبر، وكهزيع من الليل.» جلس الراهب في الغابة، فغلبه ~~النعاس ولم يوقظه إلا صوت أجراس الدير تؤذن بحلول صلاة المساء، عند ~~رجوعه، بدا له شكل الدير غريبا غير معتاد، وعندما دخل المصلى، لم ~~يتعرف عليه أي من الرهبان. سألوه عن شخصيته، فأجاب أن اسمه أيفو، ~~وأنه دخل الدير في العام نفسه الذي أصبح فيه إنجلبيرت فون بيرج مطران ~~مدينة كولونيا، قال الإخوة: «ولكن هذا منذ أكثر من ثلاثمائة عام!» ~~وفجأة شعر الراهب أنه يرزح تحت ثقل ثلاثمائة عام ملقاة على ~~كاهله، وقبل أن يموت مباشرة، فهم أن الله قد أراه وجوده خارج ~~نطاق الزمن، والآن قد أعاده داخله. ~~••• # كما نرى في هذه الأسطورة، ربما يكون الزمن كما يتراءى لنا غير واقعي ~~وفقا لتعريف نهاية العالم. تزعم الأسطورة أن زمننا، الزمن البشري، ~~هو شيء بشري في الأساس؛ أي إنه لم يكن ليوجد لولا وجود البشر. وخلف ~~هذا الزمن ثمة نوع آخر من الزمن - نوع واقعي ولكنه مختلف في طبيعته ~~تمام الاختلاف - ألا وهو الحضور الأبدي لوجود الله الثابت. # شكل 4-1: أطلال دير هيسترباخ. # ثمة شك أكثر خطورة؛ ألا وهو الشك في أن الزمن ليس حتى سمة جوهرية ~~غير قابلة للاختزال من سمات العالم (أي إنه ليس واقعا وفقا لتعريف ~~السلحفاة)، متفش على نحو مدهش بين الفلاسفة والعلماء. أشار فيلسوف ~~كامبريدج جون ماك تاجارت إليس، وهو أحد المؤيدين المعروفين لعدم ~~واقعية الزمن، إلى أننا نميل للتفكير في الزمن بطريقتين مختلفتين ~~جذريا؛ أولاهما: أن الزمن «ديناميكي»، ويتغير كل لحظة من أن يكون ~~مستقبلا أولا، ثم يصبح حاضرا، ثم في النهاية - بمجرد أن ينتهي - ~~يصبح ماضيا. ms071 أما وفق الطريقة الثانية؛ فيمكن النظر إلى السمات ~~الزمنية باعتبارها سمات «غير متحركة»، عندما نفكر أن لحظة معينة قبل أو ~~بعد لحظة أخرى، أو أن لحظتين متزامنتان. هذه العلاقات لا تتغير بتحرك ~~اللحظات من المستقبل، عبر الحاضر، إلى الماضي؛ فالخامس من يناير يأتي ~~دائما قبل السادس من يناير في أي عام، سواء أكان هذا العام في الماضي ~~أو في الحاضر أو في المستقبل. أشار ماك تاجارت إلى الطريقة الأولى ~~للتفكير في الزمن بوصفها النسق (أ)، وإلى الثانية بالنسق (ب). ويرى ماك ~~تاجارت أن النسق (ب) ليس كافيا لفهم ماهية الزمن؛ فالزمن ينطوي على ~~التغيير، وفي النسق (ب) لا شيء يتغير. فالعلاقات بين اللحظات: «قبل» ~~و«بعد» و«في الوقت نفسه» كلها علاقات ثابتة طوال الوقت، مثل مجموعة ~~متتابعة من الغرف، تقع إحداها تلو الأخرى، ولن تتغير أبدا. ~~بالإضافة إلى ذلك، نحن حتما نعرف عن الزمن أكثر من المعلومات التي ~~نعرفها عن النسق (ب). فأي كائن يعرف كل الحقائق النظرية عن النسق (ب) ~~من شأنه أن يعرف العلاقات الزمنية بين كل اللحظات، بيد أنه لن يكون ~~قادرا على أن يخبرك بتاريخ اليوم؛ وذلك لأنه عاجز عن تحديد موضع ~~اللحظة الحاضرة؛ فمفهوم الحاضر لا يشكل جزءا من مفردات النسق (ب) ~~النظري، ولا يوجد إلا في النسق (أ). ولكن النسق (أ)، وفقا لما قاله ~~ماك تاجارت، له مشاكله الخاصة. # يستحيل أن نصف حدثا بأنه ماض وحاضر في الوقت نفسه، أو بأنه حاضر ~~ومستقبل، أو بأنه ماض ومستقبل. إلا أن الزمن المفهوم وفقا للنسق (أ) ~~يتضمن أنه بمرور الوقت يحمل كل حدث خواص الماضي والحاضر والمستقبل؛ إذن ~~يمكننا القول إن النسق (أ) متناقض. # يبدو حل هذه المشكلة بسيطا؛ ~~الإشارة إلى أنه لا يوجد حدث يحمل سمة الماضي أو الحاضر أو المستقبل ~~في الوقت نفسه، ولكنه يحملها متتابعة. فأي حدث يكون في البداية ~~مستقبلا، ثم حاضرا، وبعد ذلك يصبح ماضيا، ولكن ليس من الواضح تماما ~~كيفية التعبير عن هذه الإجابة المقنعة بدهيا بالتفصيل؛ خذ حدثا ~~محددا، مثل ms072 عيد ميلاد ماك تاجارت (دعنا نطلق عليه م)، يبدو أننا ~~نستطيع أن ندحض التناقض بقول إن م حدث مستقبلي في عام 1850 وماض في ~~عام 1900. ولكن أجزاء حديث الزمن المستخدمة هنا («مستقبلي في عام 1850» ~~و«ماض في عام 1900») لم تعد تعبيرات النسق (أ) النظري؛ لأنها لا ~~تتغير بتقدم الزمن. وما كان مستقبلا في عام 1850 سيظل مستقبلا، بغض ~~النظر عن تقدم الزمن وتطوره. إن تفادي التناقض بإعادة صياغة أوصاف ~~النسق (أ) النظري الديناميكي لتصبح متوافقة مع النسق (ب) لن ~~يفيدنا في الحقيقة؛ لأننا رأينا بالفعل أن وصف النسق (ب) النظري ~~ليس مرضيا. # ثمة فكرة أخرى وهي التخلص من التناقض عن طريق تحديد أوصاف النسق (أ) ~~باستخدام المزيد من أوصاف النسق (أ). فيمكننا القول مثلا إن م ليس له ~~خواص زمنية متناقضة؛ لأن: # م ماض «في الحاضر»، # م حاضر «في الماضي»، # م مستقبل «في الماضي البعيد». # هذه الأوصاف لا يتوافق بعضها مع بعض وحسب، على عكس أوصاف مثل «مستقبل ~~في 1850»، وإنما تتغير بمرور الوقت أيضا؛ فكلما تقدم الزمن، ~~تغير الحدث م من كونه حاضرا «في الماضي» إلى كونه حاضرا «في ~~الماضي البعيد». وتكمن المشكلة في أننا حين نتحدث عن الزمن، فإننا لا ~~نتحدث عن الحاضر وحسب، بل نتحدث عن الماضي أيضا؛ على سبيل المثال، ~~يعد وقوع معركة هاستينجز حقيقة ماضية «في وقتنا الحاضر». ومن أمثلة ~~الحقائق الماضية الآن حول عيد ميلاد ماك تاجارت في عام 1866 ما يلي: # م ماض «في الماضي القريب»، # م حاضر «في المستقبل القريب»، # م مستقبل «في الحاضر». # للأسف، هذه الحقائق لا تتوافق مع أوصاف النسق (أ) التي ذكرناها للتو ~~(على سبيل المثال، م لا يمكن أن يكون ماضيا في الحاضر ومستقبلا في ~~الحاضر)؛ فبهذه الطريقة سيواجهنا تناقض. وبما أن النسق (ب) لا يصل ~~بنا إلى جوهر الزمن، والنسق (أ) يؤدي إلى تناقضات، يستنتج ماك تاجارت ~~أن الزمن ليس واقعيا؛ وبهذا فإننا عندما نتصور الزمن، نتصور شيئا ~~خياليا. # تبنى كورت جودل - وهو أحد أعظم علماء الرياضيات في القرن ms073 العشرين ~~وربما على مر العصور - وجهة نظر مشابهة. أشار جودل إلى أن التدفق ~~المتجرد للزمن، أي الزمن وفقا لفهم النسق (أ)، لا بد أن يعني ضمنا ~~أن الواقع الحقيقي، المفهوم بوصفه كل ما هو موجود، ينمو بمرور الزمن؛ ~~فمع مرور الزمن، تقع الأحداث المستقبلية فحسب وتزيد مجموعة الأحداث ~~الواقعة، مضيفة إلى تراكمات اللحظات الحاضرة التي سرعان ما تصبح ~~ماضية؛ فكعكة عيد الميلاد التي أريد صنعها في الغد ليست موجودة حتى ~~الآن، ولكن بتحرك عيد الميلاد من المستقبل إلى الحاضر، تصبح الكعكة من ~~مجرد كائن مستقبلي محتمل إلى كائن حالي حقيقي؛ فالواقع الآن يشتمل على ~~شيء جديد لم يكن موجودا من قبل؛ ألا وهو كعكة عيد الميلاد. # من العوائق التي تواجه هذه الفكرة أن أفضل النظريات المادية ~~الحالية، ولا سيما النظرية الخاصة للنسبية، لم تعد تتيح لنا التحدث ~~عن «الزمن الحاضر» بأي معنى مطلق؛ فلنضرب مثالا بسيطا، لنفترض وجود ~~مصباح كهرباء يضيء عربة سكة حديدية متحركة عبر نافذة في منتصف العربة، ~~ثمة مرآة في كلتا نهايتي العربة، وبما أن كلتيهما على المسافة نفسها ~~من النافذة، فإن الراصد داخل العربة سيرى الضوء منعكسا من كلتا ~~المرآتين في الوقت نفسه، إلا أنه بالنسبة للراصد من خارج العربة، يبدو ~~أن الضوء يصل إلى إحدى المرآتين قبل الأخرى؛ نظرا لأن إحدى المرآتين ~~تتحرك نحو الضوء المقترب مع تحرك العربة، بينما تتحرك الأخرى مبتعدة ~~عنه؛ ومن ثم علينا أن نقول إن الحدثين أنفسهما (حدثي اصطدام الضوء ~~بالمرآتين) متزامنان بالنسبة لأحد الراصدين، وغير متزامنين بالنسبة ~~للآخر. من المستحيل إذن أن نفرقع أصابعنا الآن وندعي أن ثمة طريقة ~~موضوعية يمكننا استخدامها للإشارة إلى كل الأحداث التي تقع في وقت ~~فرقعة الأصابع نفسه، أو على الأحرى كل الأحداث التي تقع في الحاضر ~~المطلق. فمن وجهة نظرنا، حدثت الفرقعة وبعض الأحداث الأخرى (دقة الساعة ~~واهتزاز الجرس) في الوقت نفسه، ولكنها بالنسبة لراصد آخر ربما حدثت ~~متتالية. # لكن هذا يعني أنه لا يوجد واقع موضوعي بشأن ماهية الكائنات التي ~~تعد جزءا ms074 من الواقع المتنامي وتلك التي ليست كذلك؛ فكل ما هو ~~موجود في الزمن الحاضر يعد جزءا من الواقع، ولكن «الزمن الحاضر» ~~بالنسبة لمن؟ يبدو أننا مدفوعون لأن نقول إنه ليس التزامن فقط مسألة ~~نسبية للراصد داخل الإطار المرجعي القصوري، ولكن الواقع أيضا نسبي؛ ~~نظرا لأن زمني الحاضر قد يشتمل على أشياء مختلفة عن زمنك ~~الحاضر. # إلا أنه من الصعب توفيق هذه النظرة للحقيقة مع معانيها الأكثر ~~الجوهرية فيما يتعلق بتعريف نهاية العالم أو تعريف السلحفاة. إذا كان ~~الحقيقي هو الموجود بغض النظر عن أي شيء، أو هو ما يتبقى إذا ما ~~تتبعنا سلسلة الاعتماد من الجزيئات للذرات، للجسيمات دون الذرية، وما ~~وراءها؛ فإن كون هذا الشيء نسبيا للراصد لا يبدو خيارا متاحا؛ ولذا ~~فإن الكثير من المفكرين، ومن بينهم جودل، قد فضلوا إنقاذ مفهوم الواقع ~~المطلق عن طريق رفض فكرة التدفق المتجرد للزمن، والواقع المتنامي بتحول ~~المستقبل المحتمل إلى حاضر فعلي. # دافع جودل أيضا عن هذه ~~النتيجة بتقديم برهان شديد الطرافة في محاولة منه لتوضيح أنه في فئة ~~معينة من العوالم وفي ظروف فيزيائية خاصة، من الممكن القيام برحلة ~~كاملة ذهابا وإيابا على صاروخ يأخذنا إلى أي اتجاه للزمن، سواء ~~الماضي أو المستقبل، ويعود بنا مرة أخرى، تماما كما يتيح لنا عالمنا ~~السفر إلى أي اتجاه في الفضاء. من الواضح أنه في «عالم جودل» الذي ~~يسمح بالسفر عبر الزمن، لا يمكن أن يكون هناك تدفق متجرد للزمن، أو ~~واقع متوسع ومتنامي؛ لأننا لا نستطيع السفر إلى مكان غير موجود؛ فجزيرة ~~لابوتا الخيالية ليست وجهة محتملة للسفر في عالمنا؛ لأنها غير موجودة. ~~وللسبب نفسه، المستقبل (وربما يزعم البعض، الماضي) ليس وجهة محتملة ~~أيضا؛ لأنه غير موجود هو أيضا. ولكن في عالم جودل، يمكننا السفر إلى ~~المستقبل؛ ومن ثم فإن المستقبل لا بد أن يكون موجودا. ولكن هذا يعني ~~أن الواقع لا يمكن أن ينمو بتحول المستقبل إلى حاضر، لأن كل شيء موجود ~~هو بالفعل جزء من الواقع. # إن كون عالمنا في ms075 الواقع هو «عالم جودل» ليس أمرا جوهريا بالنسبة ~~لنظرة جودل للزمن، ولكن الجوهري حقا هو أن عالم جودل يختلف عن عالمنا ~~على أقصى تقدير في طريقة توزيع المادة والحركة على النطاق الكوني؛ ~~ولكنه غير محكوم بقوانين مختلفة للطبيعة. أما إذا ما كان ثمة تدفق ~~متجرد للزمن أم لا، فهي مسألة تتعلق بماهية القوانين التي تطبق على ~~عالم ما، وليست مسألة مكان وجود الجزيئات المختلفة للمادة؛ فليس فقط ~~أن الحقائق المتعلقة بتوزيع المادة والحركة تبدو شديدة الضعف بحيث لا ~~يمكنها أن تحدث تدفق الزمن، وإنما التأكد مما إذا كانت هذه ~~الحقائق صحيحة؛ ومن ثم التأكد مما إذا كنا نعيش في عالم جودل أم ~~لا؛ هو أيضا مسألة شائكة جدا. فهذا يحتاج إلى قياسات معقدة بواسطة ~~تلسكوبات قوية، بالإضافة إلى سلاسل شديدة التعقيد من الاستنتاجات ~~النظرية؛ ومن ثم فإن إيماني بأن الزمن يتدفق، وأن كعكة عيد الميلاد ~~التي سأصنعها غدا لن تكون موجودة إلا غدا، سيعتمد على نتيجة هذه ~~الملاحظات المعقدة للغاية. ولكن يبدو أن خطبا ما قد حدث هنا؛ إذ ~~يبدو أن هذا يعني ضمنا أن تدفق الزمن من الأشياء التي يستحيل ~~إثبات وجودها بالتجربة المباشرة. أيضا نوع الزمن الذي نستطيع ضمان ~~وجوده بهذه الملاحظات ليس له أي صلة بالزمن كما يبدو لنا: فسواء أكان ~~موجودا أم لا، سيظل العالم كما هو، ولن يكون من الواضح حتى السبب وراء ~~مجرد رغبتنا في إطلاق اسم الزمن عليه، بدلا من أن نقول «الطريقة التي ~~يتم بها توزيع المادة والحركة على نطاق كوني.» # إن قوانين الطبيعة لا يمكنها إثبات تدفق الزمن (لأنها واحدة في كون ~~جودل وفي كوننا، والزمن لا يتدفق إلا في كون جودل)، وكذلك لا يستطيع ~~مجرد ظهور الزمن إثباته (لأن هذا لا يتغير في العالمين)، وكذلك لا ~~يستطيع توزيع الحركة والمادة إثباته (لأن هذه الأشياء غير موجودة ~~بالمرة في تجربتنا المباشرة للزمن)؛ من ثم علينا أن نستنتج، وفقا ~~لما يراه جودل، أن تدفق الزمن غير موجود؛ فوجود الزمن المتدفق ~~والواقع المتزايد ms076 تدريجيا وهم. # إلى جانب تدفق الزمن، ثمة سمات زمنية أخرى تبدو شديدة الوضوح للوهلة ~~الأولى، ولكن عند تأملها عن قرب ندرك أنها أبعد ما تكون عن الوضوح؛ ~~فالزمن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الماضي والحاضر والمستقبل. فإذا سألنا ~~أنفسنا عما إذا كان الزمن واقعا أم لا، فعلينا أن نحدد أولا أي ~~قسم من أقسام الزمن نعني (إذا كان ثمة قسم). # شكل 4-2: النظريات الثلاث للزمن، الحاضر مميز باللون الرمادي ~~الفاتح . # هناك ثلاثة احتمالات كثيرا ما تثار؛ وجميعها يتفق على أن الحاضر ~~واقع. تزعم نظرية الكون المتنامي، التي ناقشناها للتو، أن المستقبل ليس ~~واقعا، وتفترض تدفق الزمن إلى مستقبل مفتوح. أما نظرية الكون الجامد ~~التي تؤيدها آراء جودل المذكورة للتو، فتزعم أن أقسام الزمن الثلاثة ~~جميعها واقعية، وأن فكرة الزمن المتدفق والواقع المتنامي ما هي إلا ~~وهم. ثمة تشبيه قد يساعدنا في توضيح هذه الفكرة؛ فالزمن الحاضر ~~المتدفق الذي يعد جزءا من نظرية الكون المتنامي يشبه تدفق ~~مقطوعة موسيقية أثناء عزفها. ووضع هذه المقطوعة الموسيقية في سيمفونية ~~كاملة؛ بحيث تكون جميع أجزائها موجودة في الوقت نفسه، يتوافق مع ~~التمثيل الهندسي للزمن داخل الإطار الزمكاني لنظرية الكون الجامد. (سوف ~~نناقش لاحقا الاحتمال الأخير؛ ألا وهو فلسفة الحاضر، التي ترى أن ~~الحاضر هو الزمن الوحيد الواقعي.) # يبدو أن نظرية الكون المتنامي تعكس وجهة النظر التي يتبناها معظم ~~الناس؛ فهم يرون أن الماضي واقعي (على الأقل إلى حد ما)، ويسلمون ~~بأن الحاضر أيضا واقعي؛ أما المستقبل فهو غير محدد؛ ومن ثم فهو غير ~~واقعي. ويعتمد مفهوم الواقع المستخدم هنا على تعريف جونسون وتعريف ~~نهاية العالم للواقع؛ فالماضي والحاضر لا يمكن اختلاقهما؛ إذ إن الماضي ~~قد ولى كاملا ولا يمكن تغييره، أما الحاضر فعلينا أن نتعامل معه كما ~~هو، وليس كما نتمناه. أما المستقبل فهو الوحيد المفتوح غير المحدد، وهو ~~أيضا الوحيد الذي نستطيع المشاركة في تشكيله بشكل أو بآخر وفقا ~~لإرادتنا. والماضي أيضا واقعي وفقا لتعريف نهاية العالم؛ فحتى إذا ~~اختفت كل العقول الواعية الآن ms077 من العالم، فسيظل الماضي هو ~~الماضي. # فيلكس إبرتي، «النجوم والأرض: أو أفكار ~~حول المكان والزمان والأبدية» ~~(1854) # في حالة وجود راصد في كوكبة القنطور، فإنه لن يستطيع بالطبع رؤية ~~النصف الشمالي للكرة الأرضية؛ لأن هذه الكوكبة لا ترتفع فوق أفقنا ~~إطلاقا. ولكن إذا افترضنا أنه استطاع ذلك، وأن راصدا كان يقف في ~~هذا النجم وكان يتمتع ببصر قوي مكنه من تمييز جميع التفاصيل على ~~كوكبنا الأرضي الصغير، تضيء في وهن بضوئها المستعار، فإن هذا ~~الراصد سيرى، في عام 1843، التنوير العام الذي في عام 1840 جعل مدن ~~بلدنا تشرق بضوء النهار خلال ظلام الليل. أما الراصد الواقف في ~~نجم النسر الواقع فسوف يرى ما حدث لنا منذ اثني عشر عاما؛ وهكذا، ~~إلى أن يأتي شخص يقطن في نجم بقوة إضاءة 12، إذا تخيلنا لديه قوة ~~بصر غير محدودة، يتأمل الأرض فيراها كما كانت منذ أربعة آلاف سنة، ~~عند إنشاء ممفيس، وتجول الأب إبراهيم على سطح الأرض. # في النجوم الثابتة العظيمة العدد المتناثرة في أرجاء الكون، ~~الطافية على بعد من خمسة عشر إلى عشرين مليار ميل من كوكبنا - ~~حاسبة أي عدد مفترض من السنين في الماضي - يمكننا بلا شك أن نجد ~~نجما يرى الحقب الماضية لكوكب الأرض وكأنها تحدث الآن، أو تتفق مع ~~الزمن تقريبا بحيث لا يضطر الراصد للانتظار فترة طويلة لرؤية ~~حالتها في اللحظة المطلوبة. [...] # وتظل صور كل الأعمال الخافية التي جرت موجودة على الدوام على ~~نحو ثابت لا يمحى، تنتقل من إحدى الشموس إلى التي تليها. فبقعة ~~الدماء الناتجة عن جريمة القتل لا تظل باقية على أرضية الغرفة دون ~~أن تنمحي وحسب، بل تنتقل صورة الفعل أكثر وأكثر إلى السماء ~~الفسيحة. # شكل 4-3: تجربة الاختيار المتأخر. # يبدو أن واقعية الماضي نابعة في الأساس وبشكل مباشر من عدم قدرتنا ~~على تغيير أي جزء منه. فما حدث قد حدث بطريقة معينة، وسيظل إلى الأبد ~~على الحال الذي حدث به. والشيء الذي يشعل كل هذا القدر من المقاومة ~~لمقاصدنا ورغباتنا لابد أن يوجد بشكل ms078 مستقل عنا. ومع ذلك، من الطريف ~~أن نلاحظ (كما أشار برتراند راسل) أنه من منظورنا، ربما يكون العالم قد ~~خلق منذ خمس دقائق، بكل ما فيه من حفريات وبقايا أثرية ومحفوظات ~~ومكتبات ومبان وذكريات؛ ومن ثم كنا سنحكي القصص نفسها التي نحكيها ~~الآن عن الماضي، ولكنها لم تكن لتتعدى كونها مجرد قصص، فالأزمنة ~~الماضية التي تشير إليها هذه القصص غير موجودة في الواقع. فنحن عندما ~~نتحدث عن الماضي، إنما نتحدث على نحو ملتف عن الحاضر، عن الحفريات ~~والبقايا التي نعثر عليها الآن، عن الوثائق التي نقرؤها الآن والذكريات ~~التي تطرأ على عقولنا الآن. # اقترح المؤرخون اقتراحات أقل تطرفا تنكر واقعية جزء من الماضي، ومن ~~بينها فرضية الزمن الشبحي التي تزعم أن السنوات ما بين 614 و911 ليست ~~سوى وهم اخترعه مؤرخو العصور الوسطى المتأخرين. وطبقا لهذه الرؤية، ~~لا بد من تأريخ كل المباني أو المصنوعات البشرية التي ترجع لهذه الفترة ~~إلى أزمنة مختلفة، وأن شارلمان (742-814) كان شخصية خيالية، وعام 2000 ~~كان في الواقع عام 1703. وبقدر الغرابة والخيالية التي تتسم بها هذه ~~الأفكار، فإنها لا تزال مألوفة نسبيا عند مقارنتها بنتائج تجربة ~~فكرية شهيرة في فيزياء الكم. # في «تجربة الاختيار المتأخر» الشهيرة، يتم إطلاق كائن كمي على حاجز ~~به شقين. إذا سلك الكائن سلوك الجسيم، فسوف يمر عبر أحد الشقين؛ أما ~~إذا سلك سلوك الموجة، فسوف يظهر نمط تداخل الموجات المعتاد على الجانب ~~الآخر من الحاجز. ويوجد خلف الحاجز آلية اكتشاف مثل الشاشة الفسفورية، ~~وخلف هذه الشاشة يوجد تلسكوبين، كل منهما موجه إلى أحد الشقين. ~~فإذا كانت الشاشة في مكانها، فسوف تتراكم الكائنات الكمية بما يتوافق ~~مع نمط التداخل؛ أما إذا أزيلت من مكانها، فسوف يتم رصد الكائنات ~~بالتلسكوبين لمعرفة إذا ما كانت قد جاءت من خلال الشق الأيسر أم ~~الأيمن. حتى الآن، لا يوجد شيء غريب في التجربة. # تصبح الأمور غريبة بعض الشيء ~~عندما نقرر إذا ما كنا سنترك الشاشة في مكانها، أم سنزيلها ونعتمد على ~~التلسكوبين فقط بعد ms079 أن يمر الكائن الكمي عبر الحاجز. بحلول هذا الوقت، ~~سنكون قد حددنا إذا ما كان الكائن الكمي قد عبر من أحد الشقين (كجسيم) ~~أم من كليهما مرة واحدة (كموجة)؛ من ثم سيكون هناك احتمال أن يمر ~~الكائن الكمي عبر الشقين في الوقت ذاته، ونختار آلية الاكتشاف ~~المعتمدة على التلسكوبين؛ ومن ثم نراقب الكائن عبر التلسكوبين. ومع ~~ذلك فهذا الموقف لا يحدث مطلقا. # يمكن جعل هذه النتيجة أكثر خطورة وجدية إذا استبدلنا مجرة بعيدة ~~بالحاجز ذي الشقين. تملك المجرات القدرة على لي الزمكان، بحيث ينحرف ~~شعاع الضوء بسببها، نظرا لضخامتها الشديدة. يمكننا الآن تخيل وضع ~~مثل هذه المجرة بيننا وبين مصدر الضوء. ستنعطف الفوتونات المنبعثة من ~~هذا المصدر وتلتف حول المجرة إما من اليسار وإما من اليمين وإما من ~~كلا الاتجاهين على نحو متزامن. مرة أخرى، يبدو أن السبيل الذي ستختاره ~~الفوتونات يعتمد على جهاز القياس الذي نختاره، إلا أن الضوء الذي ننظر ~~إليه يبلغ عمره مليارات السنوات، وهو بالتأكيد قد قرر السبيل الذي ~~سيسلكه قبل وجود البشر على الأرض بأمد طويل. يبدو أن هذه التجربة تعني ~~ضمنا أن القرار الذي نتخذه في الحاضر (بإزالة الشاشة أو عدم إزالتها) ~~يحدد الأحداث التي حدثت في الماضي (في أي اتجاه ذهب الفوتون). ومن ~~المستحيل بالتأكيد أن نستطيع ببساطة تغيير أي حقيقة في الماضي بهذه ~~الطريقة (على سبيل المثال، نحن لا نستطيع الآن أن نجعل الفوتون يتجه ~~إلى اليسار). ولكن حتى إذا كانت توجد ~~بعض جوانب الماضي التي نستطيع تغييرها في الحاضر، فإن الآراء المؤيدة ~~لواقعية الماضي على أساس طبيعته غير القابلة للتغير والمقاومة التي ~~يبديها لرغباتنا تبدو آراء متداعية إلى حد بعيد. # في حين تعد النظريات التي تنكر واقعية الماضي مخالفة لنظرتنا ~~المعتادة للعالم، فإن عدم واقعية المستقبل أمر لا يثير الجدل بالمرة ~~بالنسبة لأغلبية الناس. فإذا كان المستقبل واقعيا، ولا يتأثر بما ~~نفعله في الحاضر، فإن أفعالنا ستكون غير ذات جدوى. ولعل مؤيدي نظرية ~~الكون الجامد يجدون صعوبة في الدفاع عن فكرة ms080 الإرادة الحرة. فوفقا ~~لهذه الرؤية، الانتقال إلى المستقبل سيشبه المرور عبر سلسلة من الغرف ~~المظلمة حاملا شمعة؛ فعندما يضيء نور الحاضر هذه الغرف تظهر ~~لأعيننا الأشياء التي كانت مختفية. ومع ذلك، ليس ثمة شك في أن هذه ~~الأشياء كانت موجودة طوال الوقت. # نظرا للمعقولية البديهية لفكرة عدم واقعية المستقبل، فإنه من المدهش ~~أن نجد رأيا يؤيد واقعيته على أساس نظرية أخرى مقبولة على نطاق واسع؛ ~~ألا وهي نظرية النسبية. # لقد وضح لنا مثال المرايا الموضوعة في عربة السكة الحديدية ~~المتحركة السالف الذكر أن أي حدثين متزامنين بالنسبة لأي راصد ليسا ~~بالضرورة كذلك بالنسبة لراصد آخر يتحرك بالنسبة للأول. فإذا كانت ~~المسافات في التجربة كبيرة، حتى الفروق الضئيلة في السرعة النسبية ~~بين الراصدين يمكن أن تؤدي إلى فقد التزامن. وتستغل هذه الحقيقة في ~~مفارقة مجرة المرأة المسلسلة. # تبعد مجرة المرأة المسلسلة نحو 2,5 مليون سنة ضوئية عن الأرض. وإذا ~~أردنا معرفة أي الأحداث على مجرة المرأة المسلسلة متزامن مع أي الأحداث ~~على الأرض (على سبيل المثال، مع انتقال الساعة الرقمية من 59 : 59 : 11 ~~إلى 00 : 00 : 12)، فعلينا أن نكون شديدي الحذر فيما يتعلق بسرعة تحرك ~~الساعة؛ فالأحداث التي تقع على مجرة المرأة المسلسلة بالتزامن مع حركة ~~ساعة اليد الخاصة بي من الثانية السابقة لانتصاف النهار إلى منتصف ~~النهار بالضبط، والأحداث التي تقع بالتزامن مع حركة ساعة يد صديقي، ~~سيفصل بينها نحو يوم كامل على كوكب الأرض، في حالة كون صديقي يسير ~~الهوينى بسرعة قدم واحد في الثانية. # هنا تبدأ الأمور في اتخاذ منحى غريب. افترض أن كائنات فضائية شريرة ~~تقطن مجرة المرأة المسلسلة قررت شن هجوم على كوكب الأرض، وقد توصلت ~~هذه الكائنات إلى قرارها في الوقت نفسه لتحرك ساعة يدي إلى منتصف ~~النهار. أستطيع رؤية صديقي يسير على مهل في المرج الأخضر، وبوصول ساعته ~~إلى منتصف النهار، تكون الأحداث على مجرة المرأة المسلسلة قد تقدمت ~~بنحو يوم أرضي: فالأسطول المجري في طريقه لتدمير الأرض. صديقي وأنا ~~كلانا واقع، ومما ms081 لا شك فيه أن الحدث المتزامن مع حدث واقعي لا بد أن ~~يكون واقعيا؛ من ثم فإن كلا الحدثين الواقعين على مجرة المرأة ~~المسلسلة لا بد أن يكونا واقعيين، ولكن أحدهما يقع بعد الآخر بحوالي ~~يوم أرضي؛ إذن يمكننا قول إن الأحداث التي تقع في المستقبل يمكن أن ~~تكون واقعية، تماما كالتي تقع في الحاضر. # يمكننا تعميم هذه النقطة بإثبات أنه بالنسبة لأي حدث سواء أكان ~~ماضيا أم حاضرا أم مستقبليا، يمكننا تحديد موقع ما بحيث إذا كان ~~شخص يسير بسرعة معينة في هذا الموقع، فإن هذا الحدث سيكون متزامنا ~~معه. قد لا يكون هناك فعليا وجود لمثل هذا الشخص، ولكن يظل من الغريب ~~أن يكون تحديد إذا ما كان حدث مستقبلي ما حدثا واقعيا أم لا ~~معتمدا على من يتحرك، وأين في الكون، وبأي سرعة! # يبدو أن لدينا بديلين متماثلين في الغرابة؛ الأول: أن نؤمن بأن ثمة ~~أجزاء في المستقبل محددة سابقا بشكل ثابت، وليست مجرد تركيبات مائعة ~~من الاحتمالات التي يمكن تشكيلها بواسطة أفعالنا. وهذه هي الأجزاء التي ~~يوجد فيها إطار مرجعي لراصد في مكان ما في الكون بحيث يكون هذا الجزء ~~من المستقبل متزامنا معه. أما الثاني: فهو الإيمان بأن التزامن ليس ~~الشيء الوحيد الذي يتوقف على الراصد، وإنما الواقع هو الآخر يتوقف على ~~الراصد؛ فالأسطول الزاحف من مجرة المرأة المسلسلة واقع بالنسبة لصديقي ~~(لأنه متزامن معه)، وصديقي واقع بالنسبة لي، ولكن الأسطول الزاحف ليس ~~واقعا بالنسبة لي؛ وذلك لأنه يقع في مستقبلي. ليس هناك واقع حاضر ~~مشترك موضوعي مستقل عن الراصد، ولكن هناك واقع بالنسبة لي وآخر بالنسبة ~~لك، وهكذا. ومن الممكن أن تتداخل هذه الحقائق الذاتية. (الأسطول الزاحف ~~من مجرة المرأة المسلسلة واقع بالنسبة لصديقي وهو أيضا واقع بالنسبة ~~لنفسه. والصديق فقط وليس الأسطول واقع بالنسبة لي.) إذن فالواقع الذي ~~نعيش فيه كلنا ليس هو كل الواقع، ولكنه فقط الجزء الصغير من الواقع ~~الذي نستطيع التفاعل فيه بعضنا مع بعض؛ نظرا لأن كل الكائنات والأحداث ms082 ~~في هذا الجزء واقعية بالنسبة لكل واحد فينا. # القديس أوغسطين، «الاعترافات»، الكتاب الحادي عشر # ولكن الشيء المؤكد والواضح الآن هو أنه لا توجد أشياء مستقبلية ~~ولا ماضية؛ فليس من المناسب أن نقول إن هناك ثلاثة أقسام للزمن: ~~ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ولكن ربما يكون من الملائم أن نقول إن ~~هناك ثلاثة أقسام للزمن: حاضرا للأشياء الماضية، وحاضرا للأشياء ~~الحاضرة، وحاضرا للأشياء المستقبلية. وهذه الأقسام توجد بطريقة أو ~~بأخرى في الروح، وإلا فما كنت رأيتها: حاضر للأشياء الماضية، ~~الذاكرة؛ وحاضر للأشياء الحاضرة، المرأى ؛ وحاضر للأشياء ~~المستقبلية، التوقع. وإذا كان من المسموح لنا أن نتحدث عن هذه ~~الأشياء، فأنا أرى الأقسام الثلاثة للزمن، وأثق أن هناك ~~ثلاثة. # وأخيرا، ماذا عن الحاضر؟ من بين أقسام الزمن الثلاثة، يبدو أن هذا ~~هو الأحق بأن يوصف بأنه واقعي؛ فعلى عكس الماضي والمستقبل، الحاضر هو ~~الذي نعيش فيه. إنه أيضا ما نتشاركه مع جميع المخلوقات الأخرى، جميعنا ~~في أماكن مختلفة، ولكن في الزمن نفسه. وكما يبين القديس أوغسطين، ~~الواقع الوحيد في الماضي هو الآثار التي خلفها في الحاضر، والواقع ~~الوحيد في المستقبل هي توقعاتنا بناء على الحاضر. # إلا أنه على الرغم من الثبات الظاهري الذي يتسم به الحاضر، فهو يبدو ~~أكثر صعوبة في الفهم بكثير من الماضي أو المستقبل. فمن الواضح أن ~~كليهما قد استمرا (أو سيستمران) لزمن طويل، ولكن إلى متى يستمر الحاضر؟ ~~مهما قصرت المدة التي نحددها، يمكننا تمييز المزيد من الأجزاء المؤقتة ~~في هذه المدة، ومن بين هذه الأجزاء لا يستحق أن نطلق لفظ «الحاضر» إلا ~~على الأجزاء المتوسطة. ولكن إذا واصلنا تقسيم الوقت بهذه الطريقة، فسوف ~~يتقلص الحاضر إلى محض شفرة موسى، محاطة بالماضي من ناحية والمستقبل من ~~ناحية أخرى. وهذا «الحاضر» الجديد قصير للغاية لدرجة أننا نتساءل كيف ~~يمكن أن يحدث فيه أي شيء؟! # عند هذه النقطة، من المفيد أن نفرق بين اللحظة الآنية الذاتية، أو ~~النفسية، وبين الحاضر الواقعي. يمكننا ببساطة تحديد مدة استمرار اللحظة ~~الآنية الذاتية بتجربة بندول الإيقاع. إذا ms083 ضبطنا البندول على 120 دقة ~~في الدقيقة (بحيث نسمع دقتين في الثانية)، يمكننا تشكيل مجموعات من هذه ~~الدقات بإعطاء وزن ذاتي إضافي لكل دقة ثانية نسمعها. ويمكننا تشكيل ~~مجموعات أكبر بإعطاء مثل هذا الوزن لكل دقة ثالثة، أو كل دقة رابعة، ~~وهكذا. ولكن هذه القدرة على تشكيل مجموعات تتبدد في مكان ما. ومن ~~السهل أن نرى هذا عندما نقلل السرعة إلى 40 دقة في الدقيقة. الآن ~~هناك فارق 1,5 ثانية بين كل دقة ودقة، وأصبح من الصعب بالفعل تشكيل ~~مجموعات من دقتين. بشكل عام ، البشر غير قادرين على تشكيل مجموعات دقات ~~مجربة ذاتيا تستمر أكثر من ثلاث ثوان. (إذا حاولت إلقاء الشعر ~~باستخدام ساعة توقيف، فسوف تدرك أيضا أن مدة استمرار إلقاء معظم أبيات ~~الشعر أقل من ثلاث ثوان.) ولذا فإنه من المنطقي أن نقدر مدة استمرار ~~الحاضر الذاتي بحوالي ثلاث ثوان. # هكذا يمكننا أن نقول إن الحاضر الذاتي أو النفسي ليس شفرة موسى، ~~وإنما هو سرج فرس له عرض خاص به. ولكن الحاضر النفسي، بالطبع، لا يشبه ~~الحاضر الواقعي. ومع أن الحاضر النفسي يكون أفقنا الزمني، ويشمل كل ~~الأحداث التي نعتبر أنها تحدث على نحو متزامن وتحدث الآن، إلا أنه ما ~~زال بالإمكان تقسيمه مرة أخرى؛ فالشخص الذي يسير بسرعة عادية يعبر ~~مسافة حوالي أربعة أمتار أثناء الحاضر الذاتي. وعندما يصل إلى نقطة ~~المنتصف، فإن المترين الأخيرين اللذين سارهما سيقعان في جزء الحاضر ~~النفسي الذي يعتبر ماضيا، في حين أن المترين التاليين سيقعان في الجزء ~~الذي يعتبر مستقبلا. فالحاضر الذاتي أو الظاهر ممتد زمنيا، ويمكن ~~تقسيمه إلى أجزاء سابقة ولاحقة. من ناحية أخرى، فالحاضر الفعلي لا ~~ينطوي على أجزاء وليس له مدة معينة. # عندما نتساءل عما إذا كان الحاضر واقعيا، فإننا لا نريد معرفة إذا ~~ما كان واقعيا وفقا لتعريفات «الواقع» الثلاثة الأولى التي يمكن ~~وصفها بأنها تعريفات «سهلة». وجميعنا نعرف أن الحاضر يظهر لنا ويظهر ~~أيضا لأغلب الناس؛ ولذا فإنه واقع لا يقبل الشك وفقا لتعريف فيلم ~~«ماتريكس» ms084 ولتعريف رواية «1984». ولكن ماذا عن تعريفي نهاية العالم ~~والسلحفاة «الصعبين»؟ # تكمن الصعوبة التي تواجهنا عند الدفاع عن كون اللحظة الآنية واقعا ~~أم لا وفقا لهذين التعريفين في أنها لا تظهر في النظريات العلمية على ~~الإطلاق؛ فعلى الرغم من أن الحاضر مهم للغاية بالنسبة للطريقة التي ~~يظهر بها العالم لنا (لأنه وقت ظهور العالم لنا)، فإنه ليس واقعيا ~~بأي شكل من الأشكال وفقا لتعريف نهاية العالم للواقع. فلو لم يكن هناك ~~كائنات واعية، لما كان هناك «الآن». ولن يستطيع أي وصف علمي كامل ~~للكون أن يخبرنا متى يكون الآن. ولن يمنح اللحظة الآنية أي سمة خاصة لا ~~تشاركها فيها أية لحظات زمنية أخرى. # ثمة صعوبة أخرى؛ وهي أنه على الرغم من أهميتها الذاتية، فإننا لا ~~نشعر مطلقا بمرورنا باللحظة الآنية. تستغرق معالجة المعلومات العصبية ~~وقتا؛ فإذا شعرت بدفء النار بيدك، يجب أن ينتقل هذا الشعور من جزء ~~معين من بشرتك عبر مسارات عصبية متعددة خلال ذراعك، وجسمك، إلى أن يصل ~~في النهاية إلى الدماغ. وبمجرد أن تصل معلومة درجة الحرارة إلى هناك، ~~فإنها تندمج مع العديد من المعلومات الأخرى (التي ربما تكون قد دخلت ~~عبر أعضاء الحواس الخاصة بك في أزمنة مختلفة)، مثل منظر اللهب أو رائحة ~~الخشب المحترق. هذا التمثيل المتماسك المعقد الذي ينطوي على كائنات أو ~~أحداث وخصائصها سيكون هو تمثيل النار. ومع ذلك بمجرد أن تتاح لنا هذه ~~المعلومة معرفيا، فإن اللحظة التي حدث فيها الحدث وكل ما حدث في هذه ~~اللحظة يعتبر بالفعل شيئا من الماضي. وعندما نحاول التواصل مع اللحظة ~~الآنية، نواجه الموقف نفسه للشخص الذي ينظر إلى نجم بعيد، وما زال نور ~~هذا النجم يصل إلى عينيه، في حين أن النجم نفسه قد اختفى من الوجود. من ~~الواضح أن النطاق الزمني المعني هنا أقصر بكثير، ولكن النقطة الأساسية ~~تظل كما هي. # بحث عالم الفسيولوجيا الأمريكي بنجامين ليبت الفترة الفاصلة ~~المنقضية إلى أن يبني الدماغ تمثيلا واعيا للحاضر في مجموعة من ~~التجارب بدأت في الخمسينيات من ms085 القرن العشرين. وكانت تجارب ليبت مهمة ~~بشكل خاص لأنها اشتملت على تفاعل مباشر مع دماغ الشخص الخاضع للتجربة. ~~هناك أنواع معينة من الجراحات يجب إجراؤها أثناء وعي المريض وبتخديره ~~موضعيا فحسب. بهذه الطريقة يستطيع الجراح تحفيز مناطق معينة على ~~سطح الدماغ باستخدام تيار كهربي ضعيف. وبمراقبة ردود أفعال المريض ~~الجسدية يستطيع الجراح إنتاج خريطة لسطح الدماغ، ويحرص على تجنب جميع ~~المناطق الحيوية أثناء الجراحة التالية. أثناء رسم هذه الخريطة، من ~~الممكن في بعض الأحيان إجراء تجارب إضافية لا ينتج عنها أي مخاطر ~~جديدة (على افتراض موافقة المريض على إجراء هذه التجارب). # أجرى ليبت التجربة بتحفيز المناطق من الدماغ التي تعالج المعلومات ~~المرتبطة بحاسة اللمس الصادرة من البشرة. وبتوصيل هذه المناطق بتيار ~~كهربي، يشعر المريض بشعور ما، «يوجهه» بعد ذلك نحو الجزء من الجسم ~~الذي تأتي منه عادة المعلومات الحسية المعالجة بهذا الجزء من الدماغ؛ ~~ومن ثم رغم تحفيز دماغه، فإن المريض يشعر بوخز خفيف على بشرة يده، وليس ~~على سطح دماغه. # ومن النتائج المهمة التي اكتشفها ليبت أنه ينبغي تسليط الحافز ~~الكهربي لفترة طويلة نسبيا (حوالي نصف ثانية) حتى يشعر به المريض. ~~عند تدقيق النظر في العمليات الإدراكية، نجد أن 500 ملي ثانية فترة ~~طويلة للغاية. (لأغراض المقارنة، تبلغ «مدة الإرسال» اللازمة لنقل نبضة ~~كهربية من اليد إلى الدماغ حوالي 20 ملي ثانية فقط.) لم تترك عمليات ~~التحفيز الكهربي الأقصر أي تأثير على الإطلاق، حتى في حالة جعل النبضات ~~أكثر قوة. وجدير بالذكر أن هذه المهلة الإدراكية التي يبلغ طولها نصف ~~ثانية لا تعني ضمنا أن كل تفاعلاتنا مع العالم تتأخر بمقدار نصف ~~ثانية؛ فنحن قادرون على الإتيان برد فعل بصورة أسرع من ذلك. (على سبيل ~~المثال، نحن نستطيع تمييز الأصوات في وقت قصير للغاية يصل إلى ثلاث ~~ملي ثوان.) إلا أن معظم ردود أفعالنا السريعة لا تنطوي على وعي ~~بالشيء الذي نصدر رد فعلنا تجاهه. أما فيما يتعلق بالإدراك الواعي ~~للعالم، فإن مدة 500 ملي ثانية تبدو ضرورية ليصبح ms086 الشعور واعيا. إذن ~~فالاكتشاف غير الواعي الذي يقوم به الدماغ ربما يكون أسرع، ولكن الوعي ~~يحتاج إلى مزيد من الوقت. # يمكن مقارنة هذا التأخير البالغ نصف ثانية بالفاصل الزمني المعتاد ~~عند إذاعة البرامج التليفزيونية «المباشرة» (والذي يمكن أن يتراوح بين ~~عدة ثوان وعدة دقائق). يتيح هذا الفاصل الفرصة لإجراء عمليات المونتاج ~~أو الرقابة في اللحظة الأخيرة بعد تصوير حدث ما، ولكن قبل إذاعته. ~~(كان هذا الفاصل غائبا بسبب خطأ تقني في الحفل الذي يقام في مباراة ~~سوبر باول عام 2004.) يمكن أن يحدث شيء مشابه لذلك في الدماغ ؛ ففي ~~الخمسمائة ملي ثانية التي يستغرقها إحساس البشرة ليصبح واعيا، من ~~الممكن «إجراء عملية حذف» له، بحيث لا يدخل حيز خبرتك على الإطلاق. ~~عرض ليبت مرضاه لإحساسين؛ أحدهما تسبب فيه تحفيز البشرة، والآخر ~~تسبب فيه تحفيز الدماغ. ويمكن تمييز الإحساسين بسهولة عند الشعور ~~بهما على نحو منفصل. الغريب في الأمر أن تحفيز الدماغ إذا حدث بعد ~~تحفيز البشرة بحوالي 200 ملي ثانية، فإن الشخص لن يشعر بتحفيز البشرة ~~على الإطلاق. # شكل 4-4: إعداد تجربة ليبت. # تمكن تحفيز الدماغ من حجب إحساس البشرة؛ مما منع الإحساس من الدخول ~~إلى حيز الوعي. والشيء الوحيد الذي جعل هذا ممكنا هو أن إدراكنا الحسي ~~لا يتصل بشكل مباشر مع الحاضر؛ ففي الوقت الذي نصبح فيه واعين بإحساس ~~ما، يكون عمر هذا الإحساس نصف ثانية، ونظرا لتأخير عملية الإدراك ~~الحسي، يصبح من الممكن التدخل في أي إشارة وصلت بالفعل إلى دماغنا، ~~وجعلها تختفي قبل أن تدخل إلى حيز الوعي. في حالة البرامج ~~التليفزيونية المعروضة على الهواء مباشرة، فإن وجود الفاصل الزمني الذي ~~يخرج خبرتنا من حيز الحاضر يجعلنا نشك في دقة العرض؛ ففكرة أن إدراكنا ~~الحسي لا يتصل بشكل مباشر بالحاضر، وإنما يتيح وقتا وفيرا يمكن أن ~~تحدث فيه عمليات تحرير داخلية، ربما تجعلنا نشك بالمثل في حقيقة تمثيل ~~الواقع كما يتراءى لنا الآن. # ومما قد يعزز هذا الشك إحدى الحيل المدهشة التي يستطيع الدماغ أن ~~يقوم بها. ms087 مرة أخرى، عرض ليبت المريض لحافزين مختلفين؛ أحدهما ~~سلط بشكل مباشر على الدماغ، والآخر سلط على البشرة. وتم تسليط ~~الحافز على الدماغ أولا، ثم بعد حوالي 200 ملي ثانية تم تسليط ~~الحافز الآخر على البشرة. كما هو متوقع، شعر المريض بالحافز على الدماغ ~~بعد حوالي 500 ملي ثانية. وقد نفترض أن المريض سيشعر بالحافز على ~~البشرة بعد 200 + 500 = 700 ملي ثانية. ولكن المدهش أن المريض ذكر ~~أنه شعر بالحافز على البشرة قبل الحافز على المخ، بعد حوالي 200 ملي ~~ثانية؛ أي بعد تسليط الحافز على البشرة مباشرة تقريبا. # كيف يمكن تفسير عملية انعكاس الترتيب الزمني، التي قلبت الترتيب ~~الحقيقي (الدماغ-البشرة) إلى الترتيب النفسي (البشرة-الدماغ)؟ بالطبع، ~~الحافز المسلط على البشرة يتعرض مثله مثل الحافز المسلط على الدماغ ~~للفاصل الزمني البالغ نصف ثانية قبل أن يصل إلى الوعي؛ ولذا فإن ~~التفسير الوحيد لهذه النتيجة المدهشة هو أن الدماغ يحدد زمنا سابقا ~~لبداية التجربة الواعية للحافز على البشرة؛ فبدلا من أن يشعر به ~~المريض في توقيته الحقيقي بعد 700 ملي ثانية، فإنه يشعر به ظاهريا ~~بعد 200 ملي ثانية؛ أي بعد تحفيز البشرة مباشرة. ومثلما يغير فني ~~الرقابة على البرامج التليفزيونية ترتيب مشهدين في أي عرض مباشر، ~~يخدعنا دماغنا بشأن الحدث الذي وقع أولا. وهكذا، ليس هناك أي ضمان لأن ~~الترتيب الذي ندرك به الأحداث يتفق فعليا مع ترتيب وقوع ~~الأحداث. # لعلنا نعتبر تأخير إدراكنا الحسي عن الحاضر شيئا مزعجا، ولكنه ليس ~~أمرا ذا أهمية خاصة، وليس له سوى نتائج عملية قليلة. إلا أن هذا الأمر ~~قد يكون له تداعيات مزعجة للغاية عند اقترانه برؤية معينة (ومنتشرة) ~~لواقع أقسام الزمن الثلاثة. تلك هي الرؤية التي تتلخص في أن الحاضر ~~وحده هو الواقع، وليس الماضي أو المستقبل. ولا تعتبر هذه الرؤية، ~~التي تعرف باسم فلسفة الحاضر، اللحظة الآنية لحظة مركزية في التجربة ~~فحسب، ولكنها أيضا تعتبرها لحظة مركزية في الوجود. فليس فقط كل ما نمر ~~به (الأحاسيس والذكريات والتوقعات) نمر به الآن، بل ms088 إن «الآن» هو الزمن ~~الوحيد الموجود؛ فعندما نتحدث عن الماضي وعن المستقبل، نحن في الواقع ~~نتحدث عن سمات معينة للحاضر (مثل عظام ديناصور أو التخطيط لرحلة إلى ~~المريخ). إلا أن الماضي غير موجود على الإطلاق، ولا يكمن حتى في عالم ~~غامض بين الوجود واللاوجود. ولكن إذا كان إدراكنا الحسي لا يربطني إلا ~~بما حدث في الماضي فقط، إذن فأعضاء الإحساس الخاصة بنا لا تستطيع ~~إعطاءنا أي معلومات عن العالم المحيط بنا. في الواقع، الموقف غاية في ~~التعقيد والغموض؛ فلا شيء مما ندركه موجود؛ لأنه بحلول الوقت الذي ندرك ~~فيه أي شيء يكون كل شيء قد اختفى، ومع ذلك كيف يمكن أن تكون تجربتنا ~~بالكامل، والعالم كما نراه من حولنا، ما هي إلا إدراك لشيء غير ~~موجود؟ # سبق ورأينا أن أحد أقسام الزمن، بالتحديد الحاضر، لا يمكن اعتباره ~~واقعا وفقا لأحد تعريفات الواقع المعقدة؛ فالحاضر لا يعتبر واقعا ~~وفقا لتعريف نهاية العالم، لأنه في عالم خال من العقول، لا يمكن أن ~~يكون هناك حاضر. والحاضر ما هو إلا نتاج نفسي، ولكنه ليس من المكونات ~~الأساسية لعالم بلا عقول. وما لم نفترض أن العقول من مكونات العالم ~~التي لا يمكن الاستغناء عنها، فهذا أيضا يعني ضمنا أن الحاضر لا يمكن ~~أن يكون واقعا وفقا لتعريف السلحفاة، فليس من الممكن أن يكون أحد ~~المكونات الأساسية في العالم. ولكن ماذا عن أقسام الزمن الأخرى: الماضي ~~والمستقبل؟ على الرغم من أن الحاضر لا يحتل مكانا في الفيزياء، فإن ~~الزمن تمتع لوقت طويل بمكان بارز فيها؛ ففي عالم نيوتن، الزمن هو ~~الموحد العظيم الذي ينسق الأحداث في كل مكان في العالم، وتدفقه ~~المستمر من الحاضر للمستقبل يحدد ترتيبها والمسافة التي تفصل بين بعضها ~~وبعض. إلا أن تطور الفيزياء دحض هذه الرؤية للزمن تدريجيا؛ ف «سهم» ~~الزمن الموجه من الماضي إلى المستقبل لم يعد يرى باعتباره أحد ~~سماته الجوهرية (وإنما باعتباره نتيجة كيفية ترتيب المادة في الكون)، ~~والتزامن يعتمد على أطر مرجعية، والزمن يستطيع التدفق بسرعات مختلفة ms089 ~~في الأماكن المختلفة، وهكذا. # ألا تزال الفيزياء تعتبر الزمن واقعا وفقا لتعريف السلحفاة؛ ~~بمعنى أنه جزء لا يتجزأ من الكون، ومكون رئيسي من مكونات الوجود بصرف ~~النظر عن أي شيء آخر؟ على الرغم من عدم اتفاق الباحثين على لا زمنية ~~العالم، فإن ثمة عددا من النظريات المهمة التي طرحت، والتي لا تفترض ~~أن وجود الزمن أمر واقعي بالضرورة. وللدفاع عن هذه الفكرة من المفيد ~~أن نقارن الزمن بالمال. لا أحد يرى المال مكونا جوهريا من مكونات ~~العالم؛ فالمال ببساطة ما هو إلا أداة اخترعت لتيسير المعاملات ~~الاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذه المعاملات ممكنة دون وجود المال، كما ~~يشهد نموذج اقتصاديات المقايضة. بالطريقة نفسها، الوظيفة الأساسية ~~للزمن، وهي وصف التغيير، يمكن تأديتها دون أي إشارة للزمن، وذلك بربط ~~العمليات الفيزيائية المتكررة مباشرة بعضها ببعض؛ فبدلا من أن نقول إن ~~النحلة ترفرف بجناحيها 230 مرة في الثانية، وأن قلب الإنسان يدق 75 دقة ~~في الدقيقة، وأن الأرض تلف حول نفسها مرة في اليوم، يمكننا وصف سرعة ~~دقات القلب بأنها تكافئ 184 رفرفة، ونصف سرعة دوران الأرض بأنها ~~تكافئ 108 ألف دقة قلب، أو أن نقول إن رفرفة جناح النحل تكافئ 0,005 ~~دقة قلب. وبمقتضى هذه الطرق الجديدة في الوصف، اختفت جميع الإشارات ~~للثواني والدقائق والأيام. هذه الطريقة الجديدة للحديث عن الزمن طريقة ~~مرهقة، تماما كما أن اقتصاديات المقايضة مرهقة؛ فلكي تحصل على ~~الأصيص الفخاري الذي تود شراءه، عليك أن تحمل معك العديد من السلع، على ~~أمل أن تعجب إحداها بائع الأصص الفخارية لكي يمنحك الأصيص ~~مقابلها. أليس من الأسهل بكثير أن تحمل تلك الأداة المحايدة لتخزين ~~القيمة التي يطلق عليها «المال»، والتي تصلح للتعامل في مواقف عديدة؟ ~~بالمثل، أليس الأسهل أن يكون لديك تلك الأداة المحايدة لتحديد التغيير، ~~التي يطلق عليها «الزمن»، والتي يمكنها أن تعفيك من الاضطرار لقياس كل ~~تغيير في إطار عملية دورية محددة، مثل دوران الأرض؟ يرى مؤيدو نظرية لا ~~زمنية العالم أن خطأنا يكمن في رفع شأن المخترعات ms090 المريحة مثل المال ~~والزمن إلى مستوى الكائنات الواقعية وفقا لتعريف نهاية العالم أو ~~تعريف السلحفاة. # على الرغم من أنه وفقا لهذه الرؤية يعد الزمن شيئا غير واقعي، ~~فإن واقع تغيير الأشياء ليست مدعاة للشك بأي حال من الأحوال. ثمة ~~إنكار أكثر تطرفا لوجود الزمن في التطورات الحديثة في مجال الفيزياء. ~~ومن الأسهل فهم المفاهيم الأساسية المتضمنة بالنظر إلى أحد تنويعات ~~نظرية الكون الجامد الشهيرة حاليا. تخيل مجموعة من أوراق اللعب ~~والعثة الآكلة للورق التي تحفر نفقا عبر مجموعة أوراق اللعب كلها، ~~بداية من الورقة العليا وحتى الورقة السفلى. إذا بعثرنا أوراق اللعب، ~~فمن الممكن لاحقا أن نعيد وضعها بترتيبها الأصلي عن طريق وضعها ~~بعضها فوق بعض بحيث نكون النفق الأصلي. هذه هي الفكرة الشائعة لفلسفة ~~الكون الجامد؛ إذ تمثل أوراق اللعب «اللحظات الحاضرة» المتتابعة، ويمثل ~~النفق حركة الكائن في الفضاء الثنائي الأبعاد. # الآن تخيل مجموعة من أوراق اللعب أكبر بكثير، بحيث إنه في كل مكان ~~محتمل يمكن أن يوجد بالورقة ثقب فيه، هناك ورقة بها ثقب في هذا المكان ~~بالتحديد. علاوة على ذلك، يمكن أن تتكرر أوراق اللعب، فمن الممكن وجود ~~ورقتين لديهما ثقب في المكان نفسه، وعشرة ملايين ورقة بها ثقب في مكان ~~مختلف. فالتاريخ، وفقا لنظرية الكون الجامد الشائعة، يتكون من أوراق ~~لعب متجاورة بها ثقوب في مواقع شديدة التشابه. ووفقا للنظرية الجديدة، ~~لا تتمتع الأوراق المتتابعة بالضرورة بهذه السمة؛ فالأوراق المتتابعة ~~يمكن أن تحتوي على ثقوب في أماكن مختلفة اختلافا جذريا بعضها عن ~~بعض. وفي حين أن جميع نظريات الكون الجامد لا تعترف بتدفق الزمن، فإن ~~النظرية الشائعة على الأقل تعطينا انطباعا بأن التاريخ يتكون من سلسلة ~~فريدة من الحالات. فإذا غضضنا الطرف عن الزمن، فسوف نرى منحنى ~~ممهدا عبر مجموعة اللحظات يقابل التغييرات التي يمر بها الكائن عبر ~~الزمن. ولكن وفقا للنسخة البديلة للنظرية، نحن لا نستطيع حتى أن ~~نجد مكافئا جامدا ثلاثي الأبعاد للتغيير الذي يحدث في عالم ثنائي ~~الأبعاد؛ فالواقع أغرب من هذا بكثير. ms091 # تتوافق مجموعة أوراق اللعب مع الحالات الممكنة للكون بأسره في لحظة ~~معينة. فتماما كما أن أوراق اللعب التي تحتوي على ثقوب في أماكن ~~مختلفة تماما يمكن وضعها متجاورة في مجموعة أوراق اللعب، كذلك يمكن أن ~~تتكون المراحل المتعاقبة للكون في الزمن من نماذج غير مترابطة من ~~الحالات المتنوعة. وفي حين أن الرؤية الشائعة لنظرية الكون الجامد ~~تفترض أن مراحل الكون المختلفة المتجاورة يشبه بعضها بعضا بطرق شتى، ~~فإن النسخة البديلة للنظرية نفسها تختلف مع هذه الرؤية تماما؛ فمسار ~~التاريخ قادر على القفز على نحو اعتباطي في حيز نسخ الكون البديلة ~~المتباينة. # لكن كيف إذن يبدو العالم كأنه يتغير تغيرا سلسا ، حيث يشبه الحاضر ~~الماضي القريب إلى حد بعيد. فنحن عندما نرى كرة بلياردو تتحرك، نفترض ~~أنه في اللحظة السابقة من عمر الكون كانت نسخة الكرة السابقة إلى يسار ~~النسخة الحالية التي نراها الآن، ولكن يمكن أن يكون الوضع مختلفا ~~تماما وتكون اللحظة السابقة من عمر الكون مختلفة اختلافا جذريا عن ~~اللحظة الحالية. إننا لا نتصور أن هذا ممكن لأن بعض السمات في الحاضر ~~تعطينا انطباعا بأن اللحظة السابقة كانت على نحو معين. وليس هناك أي ~~وسيلة لمعرفة ما حدث في اللحظة السابقة؛ ولذا فإن كل ما نستطيع أن ~~نفعله هو أن نراقب سمات أو تراكيب معينة في الحاضر ونستنتج منها ما ~~كانت عليه اللحظة السابقة. # ولنضرب مثالا ماديا على ذلك؛ افترض أننا جمدنا دماغ راصد أثناء ~~مشاهدته كرة بلياردو تتحرك، سوف يشفر الدماغ المعلومات المتعلقة ~~بموقع الكرة الحالي، ولكنه سيشفر أيضا بعض المعلومات عن موقع الكرة ~~السابق من اللحظات السابقة لمعالجة الخلايا العصبية، بهذه الطريقة توجد ~~لقطات متعددة في الدماغ في الوقت نفسه، ويقوم الدماغ بإنتاج مشهد الكرة ~~المتحركة من الصور المتزامنة للكرة الثابتة. وقد يكون كل هذا ممكنا ~~«حتى إذا لم تحتو اللحظة السابقة من عمر الكون على أي كرة على ~~الإطلاق.» إن بإمكاننا إنتاج منظر التغيير المتضمن في الزمن المتدفق، ~~وكذلك خبرة التاريخ المتغير بسلاسة حتى في العالم ms092 الذي تعقب فيه نسخ ~~غير مترابطة من تاريخ الكون بعضها بعضا بطريقة عشوائية؛ ومن ثم فإن ~~طبيعة خبرتنا مع الزمن والتغيير لا يمكن أن تعتبر حجة ضد جواز هذه ~~النسخة الخاصة من نظرية الكون الجامد. # والآن دعونا نتحدث عن الاحتمال الأخير، بدلا من أن نقول إن هناك ~~انتقالا «سلسا» من نسخة إلى نسخة مختلفة من الكون في نظرية الكون ~~الجامد المألوفة، أو انتقالا عشوائيا وثابا في النسخة التي ~~تحدثنا عنها للتو من النظرية، يمكننا أن نقول إنه ليس ثمة انتقال بين ~~النسخ المختلفة للكون، سواء كان انتقالا سلسا أو وثابا؛ فكل صور ~~الكون اللحظية الممكنة واقعية على حد سواء. على عكس نظرية الكون ~~الجامد، لا يمكننا أن نساوي بين الكائنات في الزمن وبين المسارات ~~الموجودة داخل هذا الكون. وعلى عكس ما جاء في النظريات المؤيدة لفلسفة ~~الحاضر، ليس هناك حاضر واحد واقعي، فكل الحواضر واقعية على حد سواء، ~~وتوجد على نحو حاسم في عالم لا زمني مجرد. إن لدينا انطباعا بأننا ~~نعيش في عالم له ماض لأن بعض تراكيب الحاضر الذي نعيشه يمكن تفسيرها ~~كآثار للحواضر السابقة التي سبقت حاضرنا. وهو يحتوي على سمات يمكن ~~تفسيرها كسجلات متسقة بالتبادل مع العمليات التي حدثت في الماضي وفقا ~~لقوانين معينة من قوانين الطبيعة. # وعبارة «يمكن تفسيرها» هي عبارة حاسمة الأهمية في هذا السياق؛ ~~نظرا لعدم وجود حاضر سابق. فإذا كان الله قد خلق العالم عام 4004 قبل ~~الميلاد، بما فيه كل سجلات الحفريات، يمكننا تفسير هذه السجلات كدليل ~~على وجود حيوانات تعيش في أزمنة سابقة على هذا التاريخ، ولكننا بطبيعة ~~الحال سنكون على خطأ في هذا التفسير. في الواقع، يعد الموقف أكثر ~~راحة في الحالة الحاضرة؛ لأنه إذا كانت كل النسخ المختلفة للكون واقعية ~~على حد سواء، فإن الحاضر الذي يحتوي على الديناصورات واقعي تماما ~~كالحاضر الذي نعيش فيه. ويمكننا النظر إلى حاضرنا باعتباره ينطوي على ~~تمثيل جزئي لحاضر الديناصورات (عبر سجلات الحفريات)، وحينئذ لن تكون ~~ادعاءاتنا حول وجود الديناصورات خاطئة بالكامل؛ ms093 فالديناصورات موجودة ~~بالفعل، ولكن كل ما هنالك أن الحاضر الذي تسكنه ليس السلف الزمني ~~للحاضر الذي نعيش فيه. في هذه النسخة من فلسفة الحاضر المفرطة، الزمن ~~ليس واقعيا وفق أي معنى من معاني كلمة «الواقع» التي ذكرناها من ~~قبل. وعلى المستوى الأكثر بدائية، العالم ثابت تماما. # الفصل الخامس # | ملاحظات ختامية # تنزع الكتب الفلسفية إلى الانتهاء بملخص للآراء التي يطمح المؤلف أن ~~يكون قد رسخها في ذهن القارئ، ولكنني لن أفعل ذلك هنا؛ ففي حين أن ~~الصفحات السابقة تشتمل على عدد من الحجج المؤيدة لعدم واقعية الأشياء ~~التي نراها عادة واقعية (الكائنات المادية، وأنت، واللحظة الآنية)، ~~بالإضافة إلى واقعية أشياء غالبا ما ننظر إليها باعتبارها غير واقعية ~~(كالمستقبل)، فإننا لا نستطيع أن نزعم أن واقعية أو زيف أي شيء قد ~~ترسخت بشكل كامل. فلكي نقوم بهذا الزعم سنحتاج إلى مساحة تتجاوز ~~بكثير مساحة هذا الكتاب الموجز. على سبيل المثال، كان من ضمن القضايا ~~التي أثرناها هنا قضية واقعية النفس، وهذه القضية طالما كانت محل نقاش ~~منذ أكثر من ألفي وخمسمائة عام في المعتقدات الفلسفية الهندية، كما ~~أنها أنتجت قدرا ضخما من الأدبيات الفلسفية في الغرب. وكل ما ~~استطعت فعله في الصفحات السابقة هو الإشارة إلى بعض الآراء المهمة ~~البارزة وإعطاؤك بعض المؤشرات التي ستمكنك من استئناف التفكير في هذه ~~القضايا بنفسك. # شكل 5-1: المخططات الفلسفية. # وبدلا من أن أقدم لك ملخصا للنتائج، ما أود القيام به هنا هو ~~أن أقدم لك عدة مخططات فلسفية تيسر عليك تجميع الآراء المتنوعة ~~الواردة في هذا الكتاب لصياغة رأي فلسفي متماسك. وتتكون المخططات من ~~أشكال ثمانية ورباعية الأضلاع، مجمعة بطريقة ما تذكرنا ببلاط أرضية ~~الحمام. تمثل الأشكال الثمانية الأضلاع العقول الواعية، والشكل ~~الثماني المركزي تحديدا يمثلك أنت. وتمثل المربعات كل الأشياء ~~الأخرى غير الواعية. وسوف نلون الشكل باللون الرمادي إذا كان الكائن ~~الذي يعبر عنه الشكل واقعيا، أما إذا كان غير واقعي فسوف نتركه ~~باللون الأبيض. وفيما يلي الآراء الفلسفية الأكثر أهمية: # المخطط (أ) يلون ms094 كل الأشكال باللون الرمادي. وفقا لهذه النظرية، ~~التي يمكن أن نطلق عليها «العالمية»، كل الأشياء حقيقية؛ فالإلكترونات ~~والعقول والنقود والأرقام كلها جزء لا يتجزأ من هذا العالم. وتكمن ~~صعوبة هذه النظرية في أننا سنضطر إلى أن ننظر إلى بعض الأشياء غير ~~الواضحة باعتبارها أشياء واقعية، مثل أخيك التوءم غير الموجود أو الملك ~~الحالي لنيبال. وفي حين أننا نستطيع التغاضي عن ذلك في نطاق الكائنات ~~الممكنة، فماذا يفترض أن نقول بخصوص الكائنات المستحيلة، مثل أكبر رقم ~~أو ابن المرأة العقيمة أو تفنيد صحة مبرهنة فيرما الأخيرة؟ # بالمقارنة بهذه الغابة الوجودية، نجد أن المخطط (ب) يميل إلى ~~الاقتصار بدرجة كبيرة للغاية؛ فالشيء الوحيد الواقعي هو أنت، ولا شيء ~~غيرك. كانت هذه النظرية، التي يطلق عليها «نظرية الإيمان بالذات» أو ~~«الذاتوية»، جذابة ومفزعة في الوقت نفسه بالنسبة للتنظير الفلسفي ~~لقرون؛ جذابة لأنها تبدو غير قابلة للدحض، ومفزعة لأن مثل هذا العالم ~~سيراه معظم الناس خانقا. # لسوء الحظ أن هذه النظرية قد لاقت اهتماما أكبر بكثير من ابنة عمها، ~~«اللاذاتوية»، والموضحة في المخطط (ج). وفقا لنظرية اللاذاتوية، كل ما ~~عداك واقعي، أما أنت فلا. وهي تمثل الرؤية التي قد تملكها شخصية خيالية ~~عن عالم مؤلفها (وليس العالم الخيالي الذي تعيش فيه الشخصية) وتتعارض ~~تماما مع إيماننا الراسخ بأننا مركز العالم، والنقطة المحورية التي ~~تلف حولها عجلة الوجود. # يمثل المخطط (د) نظرية (أو على الأحرى مجموعة من النظريات) يمكننا ~~أن نطلق عليها الواقعية الانتقائية. ويمكن تصنيف أغلب النظريات ~~الفلسفية المطروحة حاليا ضمن هذه الفئة. وفقا لهذه النظرية، أنت ~~واقع، وكذلك العديد من الأشخاص الآخرين. ولكن ليس الكل، فهناك شخصيات ~~غير واقعية مثل لارا كروفت وشيرلوك هولمز. ومن بين الأشياء غير الواعية ~~التي تمثلها المربعات، بعض الأشياء واقعية وبعضها غير واقعي. ويعكس ما ~~نعتبره واقعيا وما نعتبره غير واقعي شتى النظريات المتعددة التي ~~يمكن تصنيفها في فئة «الواقعية الانتقائية». بالنسبة لبعض النظريات، ~~ربما تعتبر الإلكترونات واقعية، والكائنات الحسابية مثل الأرقام ~~والدوال ليست كذلك. وبالنسبة لنظريات أخرى، ms095 الكائنات الحسابية واقعية، ~~ولكن الكائنات المادية ليست كذلك. وبالنسبة لبعضها، الزمن واقعي؛ ~~وبالنسبة للبعض الآخر، هو ليس كذلك. # رغم هذا التنوع، يمكننا تشكيل فئتين فرعيتين كبيرتين من جميع نظريات ~~الواقعية الانتقائية. هاتان الفئتان ممثلتان في المخططين (ه) و(و). ~~في الفئة الأولى من النظريات (التي سأطلق عليها نظريات «اللاعقل») كل ~~الكائنات الواعية غير واقعية. في الأساس يتكون العالم من أشياء ~~كالجسيمات دون الذرية أو نقاط الزمكان أو الكائنات الرياضية، ولكنه ليس ~~مكونا من عقول أو أشخاص أو أنفس. بطبيعة الحال، ستحتاج هذه النظريات ~~إلى تفسير كيف يمكن للكائنات الواعية أن تظهر في عالم لا عقلي. وعلى ~~الرغم من أن نظريات اللاعقل قد أثمرت قدرا معقولا من الأفكار الثاقبة ~~بشأن العلاقة ما بين العقلي والجسدي، فمن الإنصاف أن نقول إن هذا ~~المشروع لم يكتمل بعد بما يرضي جميع الأطراف. من ناحية أخرى، تنص ~~النظريات التي تندرج تحت المخطط (و) (التي أطلق عليها نظريات العقل ~~الجماعي)، على أن الأشياء الواقعية الوحيدة هي الأشياء الواعية. فالعقل ~~وما يفعله العقل هو فقط الواقعي، ويكمن التحدي إذن في تفسير كيف أن ~~الأشياء التي نعرف أنها لا عقلية، مثل فنجان الشاي أو جبل إفرست، يمكن ~~أن ننظر إليها باعتبارها جزءا من العالم الذي نعيش فيه. وبدلا من أن ~~نشرح كيف ينبثق العقل من المادة، ينبغي أن تفسر نظريات العقل الجماعي ~~كيف تنبثق المادة من العقل. # في المخطط الأخير (ز)، كل الأشكال بيضاء؛ بمعنى أنه وفقا لهذه ~~النظرية ليس هناك شيء واقعي. وهذه النظرية (التي يطلق عليها ~~«اللاواقعية») لاقت نجاحا أكبر قليلا من نظرية العدمية التي تزعم أنه ~~لا شيء موجود. ثمة شكوك تحوم حول ما إذا كان من الممكن حتى صياغة هذه ~~النظرية على نحو متماسك، فلو أنه لا شيء موجود؛ إذن فعدم وجود أي شيء ~~هو شيء واقعي؛ ومن ثم فهناك حقيقة تقضي بأنه لا شيء واقعي؛ ومن ثم يكون ~~لدينا على الأقل شيء واحد واقعي، وهو هذه الحقيقة. # إذن يوجد شيء ما، وهذا يتعارض مع ms096 الافتراض المبدئي بعدم وجود شيء. ~~أما نظرية اللاواقعية، فهي لا تواجه تلك المشكلة. في الواقع، إذا فهمنا ~~الواقع وفقا لتعريف السلحفاة، فسنستطيع أن نتفهم تماما أنه لا شيء ~~حقيقي؛ لأنه لا شيء يؤسس لسلسلة علاقات الاعتماد المنحدرة (إما لأن هذه ~~السلسلة تستمر إلى ما لا نهاية، أو لأنها تكون حلقة تكرارية كبيرة). ~~فإذا كانت اللاواقعية واقعية، فإن هذه المقدمة القصيرة إلى الواقع كان ~~من الممكن أن تكون أقصر بكثير جدا مما هي عليه؛ لأنه مثل «الثعابين ~~في أيرلندا»، و«دراسة وجمع الطوابع الآشورية-البابلية»، و«تاريخ العجلة ~~في أمريكا قبل الكولومبية»، ما «الواقع» إلا عنوان لا يندرج تحته أي ~~شيء. # | مراجع وقراءات إضافية # الفصل الأول # The series of false awakenings is described by ~~Yves Delage in his # Le Rêve, Étude ~~psychologique, philosophique, et littéraire ~~, Paris, 1923. The idea of dreams-within-dreams is ~~intelligently applied in Christopher Nolan’s 2010 film # Inception # featuring ~~four (or five?) stacked levels of dreams. # You can calculate your own risk of death using ~~Carnegie Mellon’s death calculator at # www.deathriskrankings.com ~~. # The story of Muhammad’s pitcher is referred to in ~~part 2, chapter 5 of Dostoevsky’s # The Idiot ~~. More information on testing the ~~duration of dream time can be found in Stephen LaBerge, ~~'Lucid Dreaming: Evidence and Methodology’, # Behavioral and Brain Sciences, # 23(6) (2000): 962-3. The same author’s # Lucid Dreaming ~~(Ballantine, ~~1985) is a more popular treatment of various aspects of ~~lucid dreaming. # How to keep the brains of guinea-pigs alive in a ~~jar is described in M. Mühlethaler, M. de Curtis, K. Walton, ~~and R. Llinás, 'The Isolated and Perfused Brain of the ~~Guinea-Pig in Vitro’, # European ~~Journal of Neuroscience, # 5(7) (2006): ~~915-26. # For information on brain-computer interfaces, see ~~Steven Kotler, 'Vision Quest’, # Wired ~~Magazine, # September 2002, pp. 94-101, and ~~Miguel Nicolelis and John Chapin, 'Controlling Robots with ~~the Mind’, # Scientific ~~American, # 287(4) (October 2002): ~~46-53. # Some discussion of the computational power of the ~~human brain is in ms097 Nick Bostrom’s 'How Long Before ~~Superintelligence?’, # Linguistic and Philosophical Investigations, # 5(1) (2006): ~~11-30. An updated version can be found at # http://www.nickbostrom.com/superintelligence.html ~~. # The miraculous portrait of Dean Liddell (as well ~~as a variety of similarly spontaneously appearing portraits) ~~is described in chapter 18 of Charles Fort’s # Wild Talents ~~(Claude Kendall, ~~1932). # The main argument against the possibility of us ~~being artificially stimulated brains goes back to Hilary Putnam’s discussion in # Reason, ~~Truth, and History ~~(Cambridge University Press, 1981). Since then, a vast amount of philosophical ~~literature dealing with this argument has been written. A ~~good first point of entry is David Chalmers’s paper 'The ~~Matrix as Metaphysics’ at # http://consc.net/papers/matrix.html ~~. # For Jorge Luis Borges’s story 'The Circular ~~Ruins’, see # his Collected ~~Fictions ~~(Penguin, 1999), pp. ~~96-100. # For a quirky brief statement of anti-solipsism, ~~see Robert Nozick’s 'Fiction’, chapter 19 of his # Socratic Puzzles ~~(Harvard ~~University Press, 1997), pp. 313-16. # An accessible introduction to cellular automata ~~is William Poundstone’s # The ~~Recursive Universe ~~(William Morrow, 1984). ~~For a popular survey of the use of simulations in science ~~more generally, see John L. Casti, # Would-Be Worlds: How Simulation Is Changing the ~~Frontiers of Science ~~(Wiley, ~~1997). # For a discussion of whether we are living in a ~~historical simulation, see Nick Bostrom, 'Are You Living in ~~a Computer Simulation?’, Philosophical Quarterly, # 53(211) (2003): ~~243-55. The author also runs a website at # http://www.simulation-argument.com # where ~~this paper, as well as a variety of synopses and responses ~~are available. # The computer scientist Robert Bradbury argues ~~that we will be able to build a Matrioshka brain, a ~~planet-sized supercomputer that can carry out up to ~~10 # 42 # computational operations per second within the next century. ~~(More information on Matrioshka brains is at # http://www.aeiveos.com/~bradbury/MatrioshkaBrains. ~~) ~~Bostrom (247) argues that we need considerably fewer, namely ~~a maximum of ~~10 # 36 # operations, to run historical simulations. The Astronomer ~~Royal Martin Rees claims ms098 that mankind has a 50% chance of ~~not being destroyed before the year 2100: # Our Final Century? Will the Human Race ~~Survive the Twenty-First Century? ~~(Heinemann, ~~2003). # For more information about Zhuangzi, see Angus C. ~~Graham (tr.), # Chuang-tzu: The Seven ~~Inner Chapters and Other Writings from the Book ~~Chuang-tzu ~~(Allen & Unwin, 1981). A ~~translation of the butterfly dream story is on p. ~~61. # An analysis of the geometry underlying Escher’s ~~print is provided in chapter 6 of Bruno Ernst’s # The Magic Mirror of M. C. ~~Escher ~~(Taschen, 2007). # الفصل الثاني # The Matrix # gave rise to a series of books on popular philosophy of ~~variable quality. One of the better ones is William Irwin ~~(ed.), # The Matrix and Philosophy ~~(Open Court, ~~2002). # The quotation from George Orwell’s # Nineteen Eighty-Four # is in ~~chapter 2 of part 3 (p. 249 of the Penguin ~~edition). # For some discussion of Koro, see B. Y. Ng, ~~'History of Koro in Singapore’, # Singapore Medical Journal, # 38(8) (August ~~1969): 356-7. A more general study of mass hallucinations is ~~Robert E. Bartholomew’s # Meowing Nuns ~~and Head-Hunting Panics: A Study of Mass Psychogenic ~~Illnesses and Social Delusion ~~(McFarland, ~~2001); chapter 8 deals specifically with ~~Koro. # James Boswell relates Dr Johnson’s reaction to ~~Berkeley in volume 1 of his # Life of ~~Johnson ~~, edited by George Birckbeck (Hill, ~~Bigelow, Brown, 1921), p. 545. From a philosophical point of ~~view, Johnson’s reply is woefully inadequate (nowhere does ~~Berkeley claim that the mental nature of rocks and stones ~~entails that they stop being hard), even though it does not ~~lack a certain rustic charm. For what Berkeley would have ~~replied, see his Principles of Human ~~Knowledge and Three Dialogues ~~, edited by ~~Howard Robinson (Oxford University Press, 1996), p. 129. A ~~more sophisticated variant of Johnson’s definition is given ~~in chapter 4 of David Deutsch’s # The ~~Fabric of Reality ~~(Penguin, ~~1997). # The quotation from Philip K. Dick comes from ms099 his ~~'How to Build a Universe That Doesn’t Fall Apart Two Days ~~Later’, in # The Shifting Realities of Philip K. Dick: Selected Literary and Philosophical ~~Writings ~~(Vintage, 1996), pp. ~~259-80. # An interesting exploration of how the world would ~~develop if all human beings suddenly vanished is presented ~~by Alan Weisman in # The World Without ~~Us ~~(Virgin Books, 2008). # The quotation from Locke’s # An Essay Concerning Human ~~Understanding # can be found on pp. 391-2 of ~~the first volume of the Dover edition (New York, 1959). It ~~is hard to find the Indian source of the cosmological theory ~~that the earth rests on an elephant and this on a tortoise ~~(and the tortoise perhaps on something unknown, or nothing ~~at all, or most intriguing, on adownwards infinite column of ~~further tortoises). The earliest mention of this theory ~~traceable so far comes from a letter written by a Jesuit ~~missionary in India in 1599. Up to now, I have not been able ~~to find any Indian text describing a stacked ~~elephant-tortoise support. # A clear discussion of Vasubandhu’s arguments ~~about the reality of matter is in Matthew Kapstein’s ~~'Mereological Considerations in Vasubandhu’s “Proof of ~~Idealism”’ reprinted in his # Reason’s ~~Traces ~~(Wisdom, 2001), pp. 181-204. The same ~~issues are taken up later in Immanuel Kant’s so-called ~~second antinomy, on which see James van Cleve, 'Reflections ~~on Kant’s Second Antinomy’, # Synthese, # 47(3) (1981): ~~481-94. # The best introduction to Berkeley’s thought is ~~still his very lively set of # Three ~~Dialogues Between Hylas and Philonous ~~. See ~~George Berkeley, Principles of Human ~~Knowledge and Three Dialogues, # edited by ~~Howard Robinson (Oxford University Press, 1996), pp. ~~97-208. # A tear-free introduction to key quantum ~~mechanical concepts and a clear comparison of the various ~~interpretations of the quantum mechanical formalism can be ~~found in Nick Herbert’s # Quantum ~~Reality ~~(Doubleday, 1985). A highly readable ~~set of interviews with some of the ms100 key players in the ~~development of quantum physics (originally produced as a BBC ~~Radio 3 documentary) is P. C. W. Davies and J. R. Brown’s # The Ghost in the Atom ~~(Cambridge University Press, 1986). # For an account of the buckyball, see Markus Arndt ~~et al., 'Wave- Particle Duality of C60 Molecules’, # Nature, # 401 (1999): ~~680-2. # The experiment involving the metal strip is ~~described in A. D. O’Connell et al., 'Quantum Ground State ~~and Single-Phonon Control of a Mechanical Resonator’, # Nature, # 464 (2010): ~~697-703. # Eugene Wigner’s remarks on the role of ~~consciousness in quantum measurement can be found in his ~~'Remarks on the Mind-Body Question’, included in a ~~collection of essays entitled # Symmetries and Reflections ~~(Indiana ~~University Press, 1967), pp. 171-84. More details on the ~~case of 'Wigner’s friend’, an interesting variant of the ~~thought experiment involving Schrödinger’s cat, can be found ~~in chapter 7 of Paul Davies, # Other ~~Worlds: Space, Superspace and the Quantum ~~Universe ~~(Simon & Schuster, 1980). For ~~more recent developments arguing for the observer-dependence ~~of what is real, see Matteo Smerlak and Carlo Rovelli, ~~'Relational EPR’, # http://xxx. ~~lanl.gov/abs/quant-ph/0604064 ~~. # Roger Penrose describes his theories on the role ~~of quantum phenomena in the explanation of consciousness in ~~his # Shadows of the Mind: A Search ~~for the Missing Science of Consciousness ~~(Oxford University Press, 1994). # The quotation from Werner Heisenberg comes from ~~his Physics and Philosophy ~~(Harper & Row, 1962), p. ~~145. # Some more thoughts on scientific reduction can be ~~found in W. V. Quine’s 'Things and Their Place in Theories’, ~~in his # Theories and ~~Things ~~(Harvard University Press, ~~1981). # Stewart Shapiro’s # Thinking about Mathematics ~~(Oxford ~~University Press, 2000) provides an accessible introduction ~~to the Platonic view of mathematical objects, as well as to ~~a variety of other theories of the nature of ~~mathematics. # For a popular yet comprehensive account of ~~theories that conceive of the physical world as the output ~~of a ms101 computational process, see Kevin Kelly’s 'God Is the ~~Machine’, # Wired, # 10(12) ~~(2002). # For Bohr’s view of the non-existence of quantum ~~objects, see the discussion in Max Jammer’s # The Philosophy of Quantum ~~Mechanics ~~(Wiley, 1974), pp. 203-11. This is ~~an excellent if demanding resource for analyses of the key ~~aspects of the interpretation of the quantum mechanical ~~formalism. # الفصل الثالث # The curious experiences of the woman who ~~irretrievably lost her self are described in Suzanne Segal’s ~~very readable memoir # Collision with ~~the Infinite: A Life Beyond the Personal Self ~~(Blue Dove Press, 1998). For more information on Cotard’s ~~syndrome, see chapter 8 of David Enoch and Adrian Ball, # Uncommon Psychiatric ~~Syndromes ~~(Hodder & Stoughton, ~~2001). # For an overview of the different locations of the ~~self throughout history, see Giuseppe Santoro et al., 'The ~~Anatomic Location of the Soul From the Heart, Through the ~~Brain, To the Whole Body, and Beyond’, # Neurosurgery, # 65(4) (2009): ~~633-43. # Daniel Dennett’s 'Where Am I?’ is reprinted in ~~chapter 13 of the excellent anthology # The Mind’s I, # edited by Douglas ~~Hofstadter and Daniel Dennett (Harvester Press, 1981). The ~~selection given here is on pp. 218-19. In 1988, the Dutch ~~director Piet Hoenderdos turned Dennett’s story into a film ~~(starring Daniel Dennett as Daniel Dennett). You can watch ~~it at # http://video.google.com/vid ~~eoplay?docid=8576072297424860224# ~~. # The experiment with the virtual full-body ~~illusion is described in Thomas Metzinger’s # The Ego Tunnel: The Science of the Mind ~~and the Myth of the Self ~~(Basic Books, 2009), ~~pp. 98-101. # A variant of the thought experiment of the ~~self-destroying drug is described in Raymond Smullyan’s ~~essay 'An Unfortunate Dualist’ in his # This Book Needs No Title ~~(Simon ~~& Schuster, 1980), pp. 53-5. This piece is discussed in # The Mind’s I, # pp. ~~384-8, where the original essay is also ~~reprinted. # The quote from David Hume comes from his # Treatise of Human ~~Nature ~~(Clarendon Press, 1896), p. ~~252. # The quote ms102 from Descartes can be found in John ~~Cottingham et al., # The Philosophical ~~Writings of Descartes, # Vol. III: # The Correspondence ~~(Cambridge ~~University Press, 1991), p. 143. # For more on the total flight simulator, see ~~Thomas Metzinger’s # The Ego Tunnel: ~~The Science of the Mind and the Myth of the ~~Self ~~(Basic Books, 2009), pp. ~~104-8. # For the text of the entire # Mahapunnama Sutta ~~, see Bikkhu ~~Nanamoli and Bikkhu Bodhi (tr.), # The ~~Middle Length Discourses of the Buddha ~~(Wisdom, 1995), pp. 887-91. For a related view of the self, ~~see Derek Parfit’s # Reasons and Persons ~~(Clarendon Press, ~~1984). # Jorge Luis Borges describes the work of Tsu’i Pen ~~in his story 'The Garden of Forking Paths’. See his # Collected Fictions ~~(Penguin, 1999), pp. 119-28. # Accessible introductions to the many worlds ~~interpretation are in Nick Herbert’s # Quantum Reality ~~(Doubleday, 1985), pp. ~~172-5, and Paul Davies’s # Other ~~Worlds ~~(Simon & Schuster, 1980). For an ~~interesting discussion that seeks to dispel some of the ~~philosophical perplexities generated by this interpretation, ~~see chapter 13 of Michael Lockwood’s # Mind, Brain and Quantum ~~(Basil Blackwell, ~~1989). # For Libet’s experiments, see Benjamin Libet et ~~al., 'Time of Conscious Intention to Act in Relation to ~~Onset of Cerebral Activity (Readiness Potential): The ~~Unconscious Initiation of a Freely Voluntary Act’, # Brain, # 106(3) (1983): ~~623-42. # Information on the influence of transcranial ~~magnetic stimulation on intentional choice can be found in ~~Joaquim Brasil-Neto et al., 'Focal Transcranial Magnetic ~~Stimulation and Response Bias in a Forced-Choice Task’, # Journal of Neurology, ~~Neurosurgery, and Psychiatry, # 55 (1992): ~~964-6. # The experiment with the shared computer mouse is ~~described in Daniel Wegner and Thalia Wheatley, 'Apparent ~~Mental Causation: Sources of the Experience of Will’, # American Psychologist, # 54 (1999): 480-92. Further ~~discussion is in Daniel Wegner’s 'The Mind’s Best Trick: How ~~We Experience Conscious Will’, # Trends in Cognitive Sciences, # 7(2) (2003): ~~65-9, and Thomas Metzinger’s # The Ego ~~Tunnel: The Science of the Mind and ms103 the Myth of the ~~Self’ ~~(Basic Books, 2009), pp. ~~122-6. # Memetics was introduced by Richard Dawkins in his ~~1976 book # The Selfish ~~Gene ~~, which popularized the idea of ~~gene-centred (rather than organism-centred) evolution. For ~~more information on the t-gene in mice, see p. 236 of the ~~thirtieth anniversary edition (Oxford, 2006). The view of ~~the relation between memes and the self is set forth in ~~Daniel Dennett’s # Consciousness ~~Explained ~~(Penguin, 1993), pp. 199-208. A ~~book-length discussion arriving at similar conclusions is ~~Susan Blackmore’s # The Meme ~~Machine ~~(Oxford University Press, 1999). For ~~a different interpretation, see Kate Distin’s # The Selfish Meme: A Critical ~~Reassessment ~~(Cambridge University Press, ~~2005). # الفصل الرابع # The legend of the monk of Heisterbach is told in ~~Goswin Peter Rath’s # Rheinische ~~Legenden ~~(Greven Verlag Cologne, 1955), pp. ~~178-81. # McTaggart describes his proof of the unreality of ~~time first in a paper of the same title in volume 17 of # Mind ~~(1908: 457-74), ~~and later in chapter 33 of his two-volume # The Nature of Existence ~~(Cambridge University Press, 1921). An accessible summary of ~~the argument can be found in chapter 8 of Robin Le Poidevin’s # Travels in Four ~~Dimensions: The Enigmas of Space and Time ~~(Oxford University Press, 2003). McTaggart’s argument has ~~triggered a large amount of philosophical discussion; the ~~Further Reading in this volume lists the most important ~~contributions. # A clear discussion of Gödel’s thought on time can ~~be found in Palle Yourgrau’s # Gödel ~~Meets Einstein ~~(Open Court, 1999). For an ~~excellent explanation of the relativity of simultaneity, see ~~Martin Gardner’s # Relativity for the ~~Million ~~(Macmillan, 1962), pp. ~~40-5. # Russell’s five-minute hypothesis comes from his # The Analysis of Mind ~~(Allen & Unwin, 1921), p. 159. A similar argument is ~~used by creationists to explain the existence of objects ~~apparently pre-dating their preferred date of creation: God, ~~it is claimed, just created all the apparent records of an ~~illusory past at the same ms104 time as everything else. For some ~~discussion, see chapter 1 of Martin Gardner’s # Did Adam and Eve Have Navels? ~~(W. W. Norton, 2000). # Felix Eberty first describes his idea of the ~~present universe as a massive visual archive of the past in ~~a short anonymous pamphlet # Die ~~Gestirne und die Weltgeschichte; Gedanken über Raum, ~~Zeit und Ewigkeit # published in 1846. It was ~~further developed by Harry Mulisch in his 1997 novel # The Discovery of ~~Heaven ~~: 'If we had the technology to place a ~~mirror on a celestial object forty light-years away, beamed ~~images from earth to that mirror, then gazed at it through a ~~very powerful telescope, we would see right now reflections ~~of what took place on earth eighty years ago - forty years ~~for earth’s light to reach the distant planet, and forty ~~years for the reflection to reach earth. Past and present ~~merge.’ # On the phantom time hypothesis, see Heribert ~~Illig, # Das erfundene Mittelalter. ~~Die größte Zeitfälschung der Geschichte ~~(Econ, 1996). Material in English is limited, a summary can ~~be found in Hans-Ulrich Niemitz’s 'Did the Early Middle Ages ~~Really Exist?’, at # http://www.cl.cam.ac.uk/~mgk25/volatile/Niemitz-1997.pdf ~~. ~~For a brief discussion, see also John Grant’s # Bogus Science ~~(Wisley, 2009), ~~pp. 179-85. # For an accessible summary of the delayed-choice ~~experiment, see Nick Herbert’s # Quantum Reality ~~(Doubleday, 1985), pp. ~~164-8. You can do your own delayed-choice experiment at home ~~by following the description in Rachel Hillmer and Paul ~~Kwiat, 'A Do-It-Yourself Quantum Eraser’, # Scientific American ~~(May 2007): ~~90-5. # The name 'Andromeda paradox’ derives from the ~~discussion by Roger Penrose in his # The Emperor’s New Mind ~~(Oxford University Press, 1999), pp. 260-1. The paradox had previously been ~~discovered independently by C. W. Rietdijk in 'A Rigorous Proof of Determinism Derived from the Special Theory of ~~Relativity’, Philosophy of ~~Science, # 33 (1966): 341-4, and by Hilary Putnam in 'Time and Physical Geometry’, # Journal ms105 of Philosophy, # 64 ~~(1967): 240-4. For a detailed analysis of this paradox, see ~~section 3 of the entry 'Being and Becoming in Modern Physics’ in the # Stanford ~~Encyclopedia of Philosophy # at # http://plato.stanford.edu/entries/ ~~spacetime-bebecome ~~. # The extract from the # Confessions # of St Augustine comes from ~~section 26 of the eleventh book, E. B. Pusey (tr.), # The Confessions of S. ~~Augustine ~~(John Henry Parker, 1838), p. ~~239. # For research into the duration of the subjective ~~present, see Ernst Pöppel, # Mindworks: Time and Conscious Experience ~~(Harcourt Brace Jovanovich, 1988). # For some discussion of how the brain represents ~~time, see pp. 144-53 of Daniel Dennett’s # Consciousness Explained ~~(Penguin, 1991). # A description of Libet’s experiments aimed at a ~~general readership can be found in chapter 2 of his # Mind Time: The Temporal Factor ~~in Consciousness ~~(Harvard University Press, ~~2004). # The 'timeless’ theory described at the end of the ~~chapter is due to Julian Barbour and is explained in detail ~~in his book # The End of Time: The ~~Next Revolution in Our Understanding of the ~~Universe ~~(Phoenix, 1999). A highly ~~informative review of this book and a discussion of many ~~related issues by Jeremy Butterfield was published in the # British Journal for the Philosophy of Science ~~, 53 (2002): 289-330. An ~~extended version of this piece is available at # http://arxiv.org/abs/gr-qc/0103055 ~~. # | مصادر الصور # (1-1) National Sleep ~~Foundation. ~~(1-2) Illustration by Reynold ~~Brown. ~~(1-3) Courtesy of Yukon ~~Archives. ~~(1-5) © Christie’s Images/The Bridgeman Art ~~Library. ~~(1-6) © 2011 The M. C. Escher Company, ~~Holland. All rights ~~reserved/ # www.mcescher.com ~~. ~~(2-1) © Bettmann/Corbis. ~~(2-3) Graphic Courtesy of Ross Rhodes and ~~bottomlayer.com, used by permission. ~~(2-4) Adapted from John A. Wheeler, 'Beyond ~~the Black Hole’, in H. Woolf, ed., # Some Strangeness in the Proportion. A ~~Centennial Symposium to ~~Celebrate the Achivements of Albert ~~Einstein ~~(Reading, MA: Addison Wesley, ~~1980). ~~(3-1) From # Victim of the ~~Brain ~~, a film by Piet ~~Hoenderdos. ~~(3-2) Reprinted from Olaf Blanke ms106 and Thomas ~~Metzinger, # Trends in Cognitive ~~Science ~~, 13(1), January 2009, p. 11, ~~figs. 3b and 3c, with permission from ~~Elsevier. ~~(3-3) From # The ~~Neuroscientist ~~, 14(4), 2008, fig. 3, p. ~~322/ © 2008 by SAGE Publications. Reprinted by ~~permission of SAGE Publications. ~~(4-1) © Rheinisches Bildarchiv ~~Köln. ~~(4-3) Graphic courtesy of Ross Rhodes and # bottomlayer.com ~~, used by ~~permission. ~~(4-4) From B. Libet, # Mind Time: The Temporal Factor in ~~Consciousness, ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~2004). ms107