######OpenITI# #META# URI: 1450HibaNajibMaghribi.AhlamMinAbi.Hindawi53080380 #META# Tags: biographies #META# ID: 53080380 #META# Title: أحْلامٌ مِنْ أبِي: قِصَّةُ عِرْقٍ وإِرْث #META# AuthorID: 36030279 #META# Author: باراك أوباما #META# EditorID: 49027036 #META# Editor: مجدي عبد الواحد عنبة #META# TranslatorID: 53609040 :: 59292641 #META# Translator: هبة نجيب مغربي :: إيمان عبد الغني نجم #META# Related_books: 1450BarackObama.DreamsFromMyFather (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة طبعة عام 2004‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: الجذور‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الجزء الثاني: شيكاغو‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الجزء الثالث: كينيا‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الخاتمة‏ # مقدمة طبعة عام 2004‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: الجذور‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الجزء الثاني: شيكاغو‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الجزء الثالث: كينيا‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الخاتمة‏ # | أحلام من أبي # | أحلام من أبي # | قصة عرق وإرث # تأليف # باراك أوباما # ترجمة # هبة نجيب مغربي # إيمان عبد الغني نجم # مراجعة # مجدي عبد الواحد عنبة # «لأننا نحن غرباء أمامك، ونزلاء مثل كل آبائنا.» # أخبار الأيام الأول 29: 15 # | مقدمة طبعة عام 2004 # مر ما يقرب من عقد من الزمان منذ نشر هذا الكتاب للمرة الأولى. وكما أذكر في التمهيد ~~الأصلي، تسنت لي فرصة تأليف هذا الكتاب وأنا في كلية الحقوق، بعد انتخابي كأول أمريكي من أصل أفريقي لرئاسة مجلة «هارفارد لو ريفيو». ففي أعقاب نيلي نصيبا متواضعا من الشهرة تلقيت ~~عرضا من أحد الناشرين وحصلت منه على دفعة مقدمة من مبلغ التعاقد، وبدأت العمل وأنا أومن ~~أن قصة عائلتي، ومحاولاتي لفهم تلك القصة، قد تخاطب بصورة ما صدوع العنصرية التي كانت ~~سمة التجربة الأمريكية، وأيضا حالة الهوية غير الثابتة - القفزات عبر الزمن وتصادم ~~الثقافات - التي تمثل سمة حياتنا العصرية. # وعلى غرار من يؤلف كتابا للمرة الأولى غمرتني مشاعر الأمل واليأس فور نشر الكتاب؛ ~~أمل في أن يحقق الكتاب نجاحا يتجاوز ما يجول في أحلامي الشابة، ويأس من أن أكون قد فشلت ~~في أن أقول شيئا كان ينبغي أن أقوله. ms001 أما الحقيقة فكانت تقع في مكانة بين هذا وذاك. فجاءت ~~المقالات النقدية عن الكتاب إيجابية نوعا ما، وكانت الجماهير تحضر بالفعل الندوات التي ~~نظمها الناشر وتجري فيها قراءة أجزاء من الكتاب. لم تكن المبيعات مبهرة. وبعد بضعة أشهر ~~مضيت قدما في حياتي المهنية وكلي ثقة بأن مستقبلي في تأليف الكتب سيكون قصيرا، لكني كنت ~~سعيدا بأني خضت تلك التجربة وخرجت منها دون مساس بكرامتي. # لم يتسن لي الكثير من الوقت للتفكير طوال السنوات العشر التالية؛ فقد أدرت مشروعا ~~لتسجيل الناخبين في انتخابات عام 1992م، وبدأت العمل محاميا في مجال الدفاع عن الحقوق ~~المدنية، وبدأت أدرس مادة القانون الدستوري في جامعة شيكاغو. واشتريت أنا وزوجتي منزلا، ~~ورزقنا طفلتين رائعتين ومشاغبتين تتمتعان بصحة جيدة، وكنا نجاهد لدفع تكاليف معيشتنا. ~~وعندما أصبح أحد المقاعد في المجلس التشريعي في ولاية إلينوي شاغرا عام 1996م، أقنعني بعض ~~الأصدقاء أن أرشح نفسي، وبالفعل فزت بالمقعد. حذرني البعض قبل أن أشغل المنصب من أن ~~السياسات داخل الولاية تفتقد إلى البريق الذي يشع من نظيرتها في واشنطن؛ فالمرء يكدح لكن ~~وراء الستار، وغالبا في موضوعات تعني الكثير للبعض، ولكن رجل الشارع يمكنه أن يغض طرفه ~~عنها دون أن يشوب تصرفه هذا شائبة (مثل اللوائح المتعلقة بالمنازل المتنقلة، أو التداعيات ~~الضريبية لانخفاض قيمة معدات الزراعة). ومع ذلك وجدت العمل مرضيا، غالبا لأن نطاق ~~السياسات داخل الولاية يسمح بالتوصل إلى نتائج ملموسة - توسيع خدمة التأمين الصحي لتشمل ~~أطفال الفقراء، أو تعديل القوانين التي تتسبب في موت الأبرياء - في ظل إطار زمني معقول. ~~وأيضا لأنه بداخل مبنى المجلس التشريعي لولاية صناعية كبيرة مثل إلينوي يرى المرء كل ~~يوم وجه أمة في حوار مستمر: أمهات من الأحياء المكتظة بالسكان، ومزارعي الذرة والفول، ~~والعمال من المهاجرين الذين يعملون باليومية، إلى جانب المصرفيين في البنوك الاستثمارية في ~~الضواحي، جميعهم يتدافعون ليحصلوا على فرصة لسماعهم، وجميعهم مستعدون بقصص ~~ليرووها. # قبل بضعة شهور فزت بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ~~إلينوي. كان ms002 سباقا صعبا في ساحة تزدحم بالمرشحين الماهرين البارزين الذين يحظون بتمويل ~~كبير. وكان ينظر إلي - وأنا رجل أسود له اسم مضحك لا يحظى بأي دعم مؤسسي ولا يمتلك ~~ثروة شخصية - على أن إمكانية فوزي مسألة بعيدة المنال. وهكذا عندما فزت بأغلبية الأصوات ~~في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، في مناطق البيض والسود على حد السواء، وفي ~~الضواحي وكذلك في شيكاغو، كان رد الفعل الذي تلا هذا يشبه رد الفعل الذي تلا انتخابي ~~رئيسا لمجلة «هارفارد لو ريفيو». وقد عبر معظم المعلقين عن دهشتهم وأملهم الحقيقي في ~~أن يشير انتصاري إلى تغير كبير في سياساتنا العنصرية. وفي مجتمع السود كان هناك إحساس ~~بالفخر تجاه الإنجاز الذي حققته، فخر يمتزج بخيبة الأمل لأنه بعد 50 عاما من قضية براون ~~ضد مجلس التعليم، وبعد أربعين عاما من إقرار قانون حق التصويت، لا نزال نحتفل بإمكانية ~~(وفقط إمكانية؛ لأنه كانت لا تزال أمامي انتخابات عامة صعبة قادمة) أن أكون الأمريكي الوحيد ~~من أصل أفريقي في مجلس الشيوخ والثالث على مر التاريخ منذ مرحلة إعادة التأسيس التي تلت ~~الحرب الأهلية الأمريكية. انتابتني، كما انتابت عائلتي وأصدقائي، مشاعر الحيرة من هذا ~~الاهتمام، وكنا دائما نعي الفرق بين بريق تقارير وسائل الإعلام وحقائق الحياة العادية ~~الفوضوية كما نعيشها في الواقع. # وبالضبط مثلما أثارت تلك الموجة من الشهرة اهتمام الناشر قبل عقد من الزمان تسببت هذه ~~الجولة الجديدة من الأخبار الصحفية في إعادة نشر الكتاب مرة أخرى. ولأول مرة منذ سنوات ~~أخذت نسخة من الكتاب وقرأت بعض الفصول لأرى إلى أي مدى تغير صوتي بمرور الزمن. ~~وأعترف بأني كنت أشعر ببعض الخجل من حين لآخر كلما رأيت كلمة أسأت اختيارها أو جملة ~~مشوهة أو تعبيرا عن العاطفة يبدو متلطفا أو مبالغا فيه. وكانت داخلي رغبة ملحة كي ~~أحذف من الكتاب ما يقرب من 50 صفحة؛ فقد أصبحت أميل كثيرا إلى الاختصار. ولكني لا أستطيع ~~حقا أن أقول إن الصوت الذي يتردد في الكتاب ليس صوتي، وأني كنت سأكتب القصة ms003 بصورة ~~مختلفة إلى حد بعيد اليوم عما كتبتها قبل 10 أعوام، حتى وإن كان قد ثبت أن بعض الفقرات ~~غير مناسبة سياسيا، وهو ما يخلق ساحة لتعليقات الخبراء وأبحاث المعارضة. # ما تغير بالطبع تغيرا شديدا وقاطعا هو السياق الذي قد يقرأ فيه الكتاب الآن. لقد ~~بدأت أكتب في ظل خلفية يميزها وادي السليكون، وازدهار البورصة، وانهيار سور برلين، وخروج ~~مانديلا من السجن بخطى ثابتة متأنية ليقود دولة، وتوقيع اتفاقيات السلام في أوسلو. وعلى ~~المستوى المحلي بدت المناظرات الثقافية، حول الأسلحة والإجهاض وموسيقى الراب، قوية للغاية ~~لأن سياسة بيل كلينتون «الطريق الثالث»، وهي سياسة دولة الرفاهية المتقلصة التي تفتقد ~~الطموح العظيم وتعوزها القوة الحازمة، بدت أنها تصف إجماعا ضمنيا واسع النطاق على ~~المسائل المتعلقة بقوت الحياة اليومية؛ إجماعا ستوافق عليه حملة جورج دبليو بوش في فترة ~~رئاسته الأولى بسياستها «المحافظة الرحيمة». وعلى المستوى العالمي أعلن المؤلفون نهاية ~~التاريخ، وبزوغ نجم السوق الحرة والديمقراطية الليبرالية، وزوال الكراهيات القديمة والحروب ~~بين الأمم ليحل محلها المجتمعات والمعارك الافتراضية من أجل الحصول على نصيب في ~~السوق. # ثم في الحادي عشر من سبتمبر 2001م تمزق العالم. # ومهارتي في الكتابة لا تؤهلني لوصف ذلك اليوم، والأيام التي تلته؛ كانت الطائرات مثل ~~الأشباح تختفي بين الحديد والزجاج، انهيار البرجين كشلال يتدفق بالتصوير البطيء، أناس ~~يكسوهم الرماد يجولون الشوارع، والألم والخوف. ولا أتظاهر بأني أفهم العدمية الشديدة التي ~~كانت تحرك الإرهابيين في ذلك اليوم والتي لا تزال تحرك إخوانهم اليوم. وقدرتي على ~~التقمص، على الوصول إلى قلوب الآخرين، لا يمكن أن تخترق تلك النظرات الخاوية لأولئك الذين ~~غمرتهم مشاعر الارتياح الهادئة غير المنطقية وهم يغتالون الأبرياء. # ولكن ما أعرفه هو أن التاريخ قد أعاد ذلك اليوم حاملا معه الانتقام، وفي الحقيقة، كما ~~يذكرنا فولكنر، الماضي لا يموت أبدا ولا يدفن تحت الثرى؛ بل إنه حتى ليس ماضيا. هذا ~~التاريخ الجماعي، هذا الماضي، يمس ماضي مباشرة. ليس فقط لأن قنابل القاعدة قد تركت ~~بصماتها بدقة غريبة على بعض معالم حياتي؛ ms004 المباني والطرقات والوجوه في نيروبي وبالي ~~ومانهاتن، ولم يكن ذلك فحسب لأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تسببت في أن يصبح اسمي هدفا ~~لا يقاوم للسخرية من أنصار الحزب الجمهوري الشديدي الحماس، بل أيضا لأن الصراع الضمني - ~~بين عوالم الرخاء وعوالم الفقر المدقع، بين الحديث والقديم، بين الذين يعتنقون تنوعنا ~~الشديد والمتضارب والمسبب للمشكلات ويتمسكون بمجموعة من القيم التي تربطنا معا، وأولئك ~~الذين يسعون، تحت أية راية أو شعار أو نص مقدس، إلى يقين وتبسيط يبرران القسوة تجاه ~~من ليسوا مثلنا - هو الصراع الموضح على نطاق أصغر بين دفتي هذا الكتاب. # أعلم، ورأيت بنفسي، اليأس والاضطراب الذي يشعر به العاجز، كيف يشوهان حياة الأطفال في ~~شوارع جاكرتا أو نيروبي بالطريقة نفسها تقريبا التي يشوهان بها حياة الأطفال في الجزء ~~الجنوبي من شيكاغو، كيف يكون الطريق ضيقا بالنسبة إليهم بين الذل والغضب العارم، كيف ~~ينزلقون بسهولة إلى أحضان العنف واليأس. أعلم أن رد فعل من يمتلك القوة على هذه ~~الفوضى - الذي يكون إما رضا متبلد الحس أو، عندما تزيد تلك الفوضى عن حدودها، تطبيقا ~~صارما غير عاقل للقوة، وإصدار أحكام بالسجن لمدد أطول، ومزيد من العتاد الحربي المتطور - ~~غير مناسب لهذه المهمة. وأعلم أن التعصب واعتناق الأصولية والقبلية يحكم علينا جميعا ~~بالهلاك. # وهكذا تحول ما كان مجهودا داخليا شخصيا من جانبي لفهم هذا الصراع والعثور على ~~مكاني فيه ليلتقي مع مناظرة شعبية أوسع مجالا، مناظرة تورطت فيها مهنيا، مناظرة ستشكل ~~حياتنا وحياة أطفالنا لسنوات طويلة قادمة. # أما التداعيات السياسية لكل هذا فهي موضوع كتاب آخر، فدعوني أنتهي بدلا من هذا ~~بملحوظة شخصية: معظم شخصيات هذا الكتاب تظل جزءا من حياتي، وإن كان بدرجات متفاوتة؛ عملا ~~وأطفالا وجغرافية ومصائر. # الاستثناء الوحيد هو أمي التي فقدناها بسرعة وحشية بسبب مرض السرطان، بعد بضعة أشهر من ~~نشر هذا الكتاب. # كانت قد قضت السنوات العشر السابقة تفعل ما تحب؛ فكانت تجوب العالم تعمل في القرى النائية ~~في آسيا وأفريقيا تساعد النساء على شراء ماكينات خياطة ms005 أو بقرات حلوب، أو الحصول على فرصة ~~للتعليم قد تمنحهن موطئ قدم في اقتصاد العالم. وكان لديها أصدقاء من كل مكان، وكانت ~~تتنزه سيرا على الأقدام وتحدق في القمر وتبحث في الأسواق المحلية في دلهي أو مراكش عن ~~شيء صغير مثل وشاح أو قطعة حجرية منحوتة يجعلها تضحك أو يسعد ناظريها. وكتبت التقارير ~~وقرأت الروايات وأزعجت أطفالها وحلمت بأحفادها. # كنا كثيرا ما نرى بعضا، فصلتنا لم تنقطع، وخلال تأليف هذا الكتاب، كانت تقرأ ~~المسودات وتصحح القصص التي أسأت فهمها، وتحرص على عدم التعليق على وصفي لها لكن تهرع ~~إلى تفسير أو دفاع عن الصفات الأقل جاذبية في شخصية أبي. وقد تعاملت مع مرضها بلطف ودعابة، ~~وساعدتني أنا وأختي على أن نستمر في حياتنا، رغم خوفنا ورفضنا وانقباضات قلبينا ~~المفاجئة. # في بعض الأحيان أفكر أنني لو كنت أعلم أنها لن تنجو من مرضها لكتبت كتابا مختلفا، ~~أقل تأملا في الأب الغائب، وأكثر حفاوة بالأم التي كانت موجودة دائما في حياتي. وإنني ~~أراها في ابنتي كل يوم، فرحتها وقدرتها على التعجب، ولن أحاول أن أصف كيف لا أزال في ~~غاية الحزن لرحيلها. وأعرف أنها كانت أطيب وأكرم روح عرفتها في حياتي، وأني أدين لها ~~بأجمل ما في. # | تمهيد # اعتزمت في الأصل تأليف كتاب مختلف تماما، وقد لاحت أول فرصة لتأليف هذا الكتاب وأنا ما ~~زلت طالبا في كلية الحقوق بعد انتخابي أول رئيس أسود لمجلة «هارفارد لو ريفيو»، وهي ~~مجلة قانونية غير معروفة إلى حد بعيد خارج الوسط القانوني. وتبع انتخابي هذا موجة ~~مفاجئة من الشهرة حيث نشرت عدة مقالات في الصحف التي شهدت للمكانة المتميزة لكلية الحقوق ~~بجامعة هارفارد في المعتقدات الأمريكية، وكذلك توق أمريكا الشديد لأية إشارة تدعو إلى ~~التفاؤل على جبهة العنصرية؛ أي دليل بسيط على أن هناك تقدما أحرز، أكثر من شهادتها ~~لإنجازاتي المتواضعة. واتصل بي بضعة ناشرين ووافقت، وأنا أتخيل أن لدي شيئا جديدا يمكن ~~أن أقوله عن الوضع الراهن للعلاقات العنصرية، أن أقتطع عاما بعد التخرج ms006 وأنقل أفكاري إلى ~~الورق. # وفي ذلك العام الأخير من الدراسة في كلية الحقوق بدأت أرتب في ذهني، بثقة مخيفة، كيف ~~سيسير العمل في الكتاب بالضبط: مقال عن قصور قضايا الحقوق المدنية في تحقيق المساواة ~~العنصرية، وأفكار عن معنى المجتمع وإصلاح الحياة العامة عن طريق القاعدة الشعبية من المجتمع ~~التي تحتاج إلى تنظيم، وأفكار عن سياسة التمييز الإيجابي ومركزية أفريقيا، وملأت قائمة ~~الموضوعات صفحة كاملة. وكنت سأضيف بالطبع بعض النوادر الشخصية وأحلل أسباب المشاعر التي ~~تنتابني بصورة متكررة. ولم يكن الأمر بصفة عامة إلا رحلة فكرية كاملة تخيلتها لنفسي، ~~بالخرائط ونقاط التوقف ووضع خط السير الدقيق، اعتزمت أن ينتهي الجزء الأول في مارس وأن ~~أرسل الجزء الثاني للمراجعة في أغسطس ... # ومع ذلك فعندما جلست وبدأت أكتب وجدت عقلي ينجرف إلى شواطئ أكثر اضطرابا. فقفزت مشاعر ~~اشتياق قديمة لتجتاح قلبي، وظهرت أصوات بعيدة وخفتت، ثم عادت لتظهر مرة أخرى. تذكرت ~~القصص التي كانت أمي ووالداها يقصونها علي وأنا طفل، قصص عائلة تحاول تفسير نفسها. ~~وتذكرت عامي الأول كمنظم للمجتمع الأهلي في شيكاغو، وخطواتي المتعثرة تجاه مرحلة البلوغ. ~~وسمعت صوت جدتي وهي تجلس أسفل شجرة مانجو تضفر شعر أختي وتصف لي الأب الذي لم أعرفه ~~حق المعرفة قط. # ومقارنة بذلك الفيضان من الذكريات، بدت جميع نظرياتي المرتبة واهية وغير ناضجة. ومع ~~ذلك ظللت أقاوم بشدة فكرة عرض ماضي على صفحات كتاب، ذلك الماضي الذي جعلني أشعر أني ~~عار، بل أشعر بالخزي بعض الشيء. ليس لأن ذلك الماضي مؤلم للغاية أو غير لائق؛ بل لأنه ~~يخاطب تلك الجوانب من ذاتي التي تقاوم الاختيار الواعي والتي تناقض - على الأقل ظاهريا - ~~العالم الذي أعيش فيه الآن. وعلى أية حال أنا الآن في الثالثة والثلاثين من عمري أعمل ~~محاميا نشطا في الحياة الاجتماعية والسياسية في شيكاغو، المدينة التي اعتادت جراحها ~~العنصرية وتفتخر للغاية بافتقادها العاطفة. فإذا كنت قادرا على مقاومة اليأس والشك فإنني ~~مع ذلك أحب أن أرى نفسي حكيما في الحكم على العالم وحريصا على ألا ms007 أتوقع ~~الكثير. # ومع ذلك فإن أكثر ما يدهشني عندما أفكر في قصة عائلتي هي تلك السلسلة الممتدة من ~~البراءة؛ براءة تبدو مستحيلة حتى بمقاييس الطفولة. لكن أحد أقرباء زوجتي فقد هذه البراءة ~~بالفعل وهو لا يزال في السادسة من عمره؛ إذ أخبر أبويه قبل بضعة أسابيع أن بعض زملائه في ~~الصف الأول رفضوا اللعب معه لأن بشرته سوداء حالكة. ومن الواضح أن أبويه - اللذين ولدا ~~وترعرعا في مدينتي شيكاغو وجاري - قد فقدا براءتهما قبل ذلك بوقت طويل، ومع أنهما لم ~~يظهرا استياءهما - فكلاهما يتمتع بالقدر نفسه من القوة والفخر وسعة الحيلة مثل كل ~~الآباء الذين أعرفهم - فإن المرء يسمع نبرة الألم التي تتردد في صوتيهما وهما يعيدان ~~النظر في فكرة انتقالهما من المدينة إلى ضاحية معظم قاطنيها من البيض، وقد انتقلا ~~لحماية ابنهما من احتمال أن يقع ضحية تبادل لإطلاق النيران بين العصابات، ولثقتهما بأنه ~~سيتلقى تعليمه في مدرسة لا تحظى بالتمويل المادي الكافي مما يجعلها متواضعة ~~المستوى. # إنهما يعرفان الكثير؛ فقد رأينا جميعا الكثير، ولنأخذ قصة زواج والدي القصير - رجل ~~أسود وسيدة بيضاء، أفريقي وأمريكية - دليلا على ذلك. ونتيجة لذلك الاقتران يجد بعض الناس ~~صعوبة في تقبلي. فعندما يكتشف البعض ممن لا يعرفونني معرفة وثيقة - البيض أو السود على ~~حد سواء - قصة عائلتي (وعادة ما يكون هذا اكتشافا بحق؛ إذ إنني توقفت عن إعلان عرق ~~أمي وأنا في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري عندما بدأت أشك أن في هذا توددا وتملقا ~~للبيض)، أرى التغيير الذي يستغرق جزءا من الثانية الذي عليهم أن يقوموا به، وبحثهم في عيني ~~عن أية إشارة لكشف مكنون نفسي. إنهم لم يعودوا يعرفون من أنا، وأظن أنهم يفكرون في ~~أنفسهم في قلبي المضطرب والدم الخليط والروح الممزقة والصورة المخيفة للإنسان الخليط البائس ~~المولود من أب زنجي وأم بيضاء الذي يقع أسيرا بين عالمين. وإذا كنت أنوي أن أقول لهم ~~لا، المأساة ليست مأساتي، أو على الأقل ليست مأساتي وحدي، إنها مأساتكم يا أبناء ms008 صخرة ~~بلايموث وجزيرة إيليس، إنها مأساتكم يا أطفال أفريقيا، إنها مأساة قريب زوجتي ذي السنوات ~~الست وزملائه البيض في السنة الأولى، ومن ثم فإنكم لستم بحاجة لأن تتخيلوا ما يكدر ~~حياتي؛ فإنه يظهر في النشرة المسائية ليراه الجميع، وإننا إذا كان بإمكاننا الاعتراف على ~~الأقل فإن الدائرة المأسوية ستبدأ في الانكسار ... حسنا، أظن أنني أبدو شديد السذاجة، ~~أتمسك بآمال ضائعة مثل أولئك الشيوعيين الذين يروجون صحفهم على أطراف كثير من المدن ~~الجامعية، أو الأسوأ من هذا، أبدو وكأني أحاول الاختباء من نفسي. # لا أستطيع انتقاد شكوك الناس. فقد تعلمت منذ وقت طويل أن أرتاب في طفولتي والقصص التي ~~شكلتها. ولم أستطع أن ألتفت وأقيم هذه القصص القديمة لنفسي إلا بعد مرور سنوات كثيرة، ~~بعد أن جلست على قبر أبي وتحدثت إليه عبر تربة أفريقيا الحمراء. أو كي أكون أكثر دقة، ~~حينها فقط فهمت أنني قضيت جزءا كبيرا من حياتي أحاول أن أعيد كتابة هذه القصص وأن أسد ~~الثغرات في القصة، وأن أتكيف مع التفاصيل غير المحببة، وأن أسلط الضوء على الخيارات ~~الفردية في مواجهة الانجراف الأعمى للتاريخ، كل هذا على أمل أن أستخرج لوحا صلبا من ~~الحقيقة يمكن أن يقف عليه أولادي - الذين لم يولدوا بعد - بأقدام ثابتة. # ثم في مرحلة ما، ومع الرغبة القوية في أن أحمي نفسي من التدقيق المفرط، ومع الحافز الذي ~~كان يدفعني من حين لآخر إلى أن أترك المشروع بأكمله، فإن ما وجد طريقه إلى هذه الصفحات ~~هو سجل لرحلة شخصية داخلية، رحلة بحث صبي عن والده، ومن خلال ذلك البحث يجد معنى ~~عمليا لحياته كأمريكي أسود البشرة. وكانت النتيجة سيرة ذاتية، مع أنه كلما سألني أحد على ~~مدار تلك السنوات الثلاث الأخيرة عن موضوع الكتاب، كنت عادة أتجنب استخدام هذا الوصف. ~~فالسيرة الذاتية تعد بالحديث عن إنجازات جديرة بأن تسجل، وأحاديث مع مشاهير، ودور ~~محوري في أحداث مهمة. ولا يوجد شيء من هذا في الكتاب. أو على الأقل، تعني السيرة الذاتية ~~ضمنا أنها ملخص ms009 أو نهاية محددة وهو ما لا يناسب شخصا في مثل عمري لا يزال منشغل ~~الذهن برسم الطريق الذي سيسلكه في العالم. إنني حتى لا أستطيع أن أعتبر تجربتي تمثل تجربة ~~الأمريكيين السود (كما أوضح لي ناشر من مانهاتن: «فرغم كل شيء، إنك لا تنتمي إلى خلفية ~~محرومة ومعدمة») وفي الواقع فإن تعلم قبول تلك الحقيقة بالذات - أنني يمكنني معانقة ~~إخوتي وأخواتي السود، سواء في هذا البلد أو في أفريقيا، والتأكيد على وجود مصير مشترك ~~دون أن أتظاهر بالتحدث إلى، أو عن، جميع صراعاتنا المختلفة - جزء مما يدور حوله هذا ~~الكتاب. # وفي النهاية هناك المخاطر المتأصلة في تأليف أية سيرة ذاتية؛ إغراء أن يلون المؤلف ~~الأحداث بالطريقة التي يفضلها هو، والنزعة للمبالغة في تقدير أهمية تجربة الفرد ~~للآخرين، وزلات الذاكرة المتعمدة. وتتعاظم مثل هذه المخاطر عندما يفتقر الكاتب إلى ~~الحكمة التي يكتسبها المرء بتقدم العمر؛ أي المسافة التي يمكن أن تداوي المرء من تفاهات ~~بعينها. ولا يمكنني أن أقول إنني تجنبت كل هذه المخاطر بنجاح، أو أيا منها. ومع أن ~~جزءا كبيرا من هذا الكتاب يعتمد على تسجيل متزامن للأحداث أو التاريخ الشفهي لعائلتي فإن ~~الحوار تقريب ضروري لما قيل بالفعل أو ما روي لي. وبدافع الاختصار فإن بعض الشخصيات التي ~~ظهرت ما هي إلا مركب من أناس عرفتهم، وبعض الأحداث تظهر خارج الترتيب الزمني الدقيق ~~لها. وباستثناء عائلتي وحفنة من الشخصيات العامة، فإن أسماء معظم الشخصيات قد غيرت ~~للحفاظ على الخصوصية. # ومهما كان الوصف الذي سيلتصق بهذا الكتاب؛ سيرة ذاتية أم مذكرات أم تاريخ أسرة أم شيئا ~~آخر، فإن ما حاولت أن أفعله هو كتابة سرد صادق لجزء محدد من حياتي. وعندما شردت بذهني ~~استعنت بوكيلة أعمالي جين ديستل لإخلاصها وصلابتها، وبالمحرر هنري فيريس لتصحيحاته التي ~~يقدمها بأسلوب لطيف لكن حازم، وبروث فيسيش وفريق العمل في شركة تايمز بوكس لحماسهم ~~واهتمامهم بالاعتناء بالنص في مراحله المختلفة، وبأصدقائي، ولا سيما روبرت فيشر، لقراءتهم ~~الكريمة للنص، وبزوجتي الرائعة ميشيل لخفة ظلها ورقتها ms010 وصراحتها وقدرتها على دفعي ~~للأمام. # لكنني أدين بعميق الفضل لعائلتي، أمي وجدي وجدتي وإخوتي المنتشرين عبر المحيطات ~~والقارات، وإليهم أهدي هذا الكتاب. فمن دون حبهم ودعمهم المستمرين، ومن دون استعدادهم ~~لأن يتركوني أتحدث بلسانهم وتسامحهم مع ما أقع فيه من أخطاء بين الحين والآخر، لم يكن ~~بإمكاني حتى أن آمل أن أنتهي من الكتاب. وأتمنى أن يسطع الحب والاحترام، إذا لم يكن شيء ~~آخر، اللذان أشعر بهما تجاههم على كل صفحة من صفحات هذا الكتاب. # الجزء الأول # | الجذور # | الفصل الأول # بعد بضعة أشهر من عيد ميلادي الحادي والعشرين، جاءني اتصال من شخص غريب ليبلغني ~~الخبر. كنت أعيش في ذلك الوقت في نيويورك في شارع رقم 94 بين الجادتين الثانية والأولى، ~~وهو جزء من ذلك الحد المتغير الذي لا يحمل اسما بين شرق هارلم وباقي مانهاتن. كان ~~شكل المجمع السكني غير جذاب ويخلو من الأشجار والنباتات، تصطف على جانبيه مبان ~~سكنية طلاؤها أسود وبلا مصاعد تلقي بظلال كئيبة معظم أوقات اليوم. كانت الشقة صغيرة ~~وأرضيتها مائلة ودرجة حرارتها غير مستقرة ولها جرس كهربائي أسفل المبنى لا يعمل، ومن ~~ثم كان على أي زائر أن يتصل قبل مجيئه من هاتف عمومي في محطة البنزين في زاوية ~~الشارع، حيث كان يوجد كلب أسود من نوع دوبرمان في حجم الذئب يقطع المكان جيئة ~~وذهابا طوال الليل في دورة حراسة يقظة، يقبض بأنيابه على زجاجة جعة فارغة. # لم أكن أهتم بذلك كثيرا؛ فلم أكن أستقبل الكثير من الزوار. في تلك الأيام كنت ~~ضيق الصدر، مشغولا بالعمل وخطط لم تنفذ، وأميل إلى اعتبار الأشخاص الآخرين ~~مصدرا لتشتيت الانتباه لا ضرورة له، وليس ذلك لأني لا أقدر الرفقة؛ فقد كنت ~~أستمتع بتبادل الدعابات باللغة الإسبانية مع جيراني الذين كان أغلبهم من بورتوريكو، وفي ~~طريق عودتي من المحاضرات كنت عادة أتوقف لأتحدث مع الصبية الذين كانوا يقضون وقتهم ~~عند مدخل المبنى طوال فترة الصيف يتحدثون عن فريق نيكس لكرة السلة أو الطلقات النارية ~~التي سمعوها الليلة السابقة. وعندما ms011 يكون الطقس جيدا يمكن أن أجلس أنا ورفيقي في الشقة ~~على سلم الحريق ندخن السجائر ونتأمل الغسق وهو يغرق المدينة في الظلام، أو نشاهد ~~البيض من المناطق السكنية الأفضل بالقرب منا يسيرون بكلابهم أسفل العمارة التي نقطن ~~فيها ويتركون الحيوانات تتبرز على حافة رصيف الشارع، كان رفيقي يصرخ فيهم بغضب ~~مؤثر: «تخلصوا من هذا البراز أيها الأوغاد!» وكنا نسخر من وجهي السيد الأبيض ~~والحيوان وهما يتجهمان دون إبداء أية نية للاعتذار وينزلان على ركبتيهما للقيام ~~بفعلتهما. # كنت أستمتع بتلك اللحظات، ولكن لوهلة قصيرة. فإذا بدأ الحديث يخرج عن مساره أو يعبر ~~الحدود التي تفضي إلى الشعور بالألفة والحميمية، كنت سريعا ما أجد سببا للانصراف. فقد ~~أصبحت أشعر براحة شديدة في عزلتي، فهي آمن مكان عرفته. # أتذكر رجلا عجوزا كان يعيش في الشقة المجاورة يشاركني نزعتي. كان ضامر الجسد ~~منحني الظهر يعيش وحده، يرتدي في المناسبات القليلة التي يترك فيها شقته معطفا أسود ~~ثقيلا وقبعة قبيحة الشكل. وبين الفينة والفينة كنت ألتقي به مصادفة وهو عائد من ~~المتجر، وكنت أعرض عليه أن أحمل عنه البقالة في رحلة الصعود الطويلة على سلالم ~~العمارة، فكان ينظر إلي ويهز كتفيه ونبدأ الصعود، وكنا نتوقف على كل بسطة كي ~~يلتقط أنفاسه. وعندما نصل في النهاية إلى شقته أضع الحقائب بحرص على الأرض ويومئ لي ~~شكرا قبل أن يجر قدميه إلى داخل شقته ويغلق مزلاج الباب. لم يدر بيننا أي حديث ~~قط، ولم يقل لي قط كلمة شكر على صنيعي. # كان صمت الرجل العجوز يثير إعجابي فكنت أراه قريبا مني روحيا. وفيما بعد وجده ~~رفيقي في الشقة ملقى على بسطة سلم الطابق الثالث وعيناه مفتوحتان عن آخرهما وأطرافه ~~متيبسة ومتكورة كطفل صغير. تجمع الناس حوله، وحركت بعض النساء أيديهن بعلامة الصليب ~~على أجسادهن وتهامس الأطفال الصغار فيما بينهم بانفعال. وفي النهاية وصل المسعفون ~~ليأخذوا الجثة، ودخلت الشرطة إلى شقة العجوز. كانت الشقة مرتبة وخاوية تقريبا إلا من ~~مقعد ومكتب وصورة باهتة - أعلى الحافة البارزة للمدفأة - لسيدة ms012 لها حاجبان كثان ~~وابتسامة رقيقة. فتح أحدهم الثلاجة ووجد ما يقرب من 1000 دولار في عملات صغيرة مغلفة ~~داخل أوراق جرائد قديمة وموضوعة بحرص خلف برطمانات المايونيز والمخلل. # أثرت في العزلة التي عبر عنها المشهد، ولوهلة قصيرة تمنيت لو أنني قد عرفت اسم ~~العجوز. ثم ندمت على الفور على هذه الأمنية وما صاحبها من حزن. وشعرت كما لو أن ~~تفاهما قد نشأ بيننا، كما لو أن العجوز كان يهمس في تلك الشقة الخاوية تاريخا لم ~~يروه أحد، يخبرني بأشياء لا أحب أن أسمعها. # بعد ذلك بشهر أو أكثر على ما أظن، في صباح يوم بارد كئيب من أيام شهر نوفمبر، كانت ~~الشمس باهتة خلف ضباب السحب؛ جاءت المكالمة الهاتفية. كنت أعد الفطور لنفسي ~~والقهوة على الموقد والبيض في المقلاة، عندما ناولني رفيقي الهاتف، كان الصوت بعيدا ~~ومشوشا: ~~«باري؟ باري، أهذا أنت؟» ~~«نعم ... من المتحدث؟» ~~«نعم يا باري ... أنا عمتك جين من نيروبي، هل تسمعني؟» ~~«عفوا، قلت من؟» ~~«عمتك جين، استمع إلي يا باري، لقد توفي أبوك. مات في حادث سيارة. باري؟ هل ~~تسمعني؟ أقول إن أباك قد توفي. باري من فضلك اتصل بعمك في بوسطن وأخبره. لا يمكنني ~~التحدث الآن. سأحاول الاتصال بك مرة أخرى ...» # كان هذا هو كل ما جاء في المحادثة. وانقطع الخط فجلست على الأريكة وانتشرت رائحة ~~البيض وهو يحترق في المطبخ، أخذت أحملق في شقوق طلاء الحائط أحاول أن أقدر حجم ~~خسارتي. ~~••• # لم يكن أبي عندما توفي إنسانا عاديا من وجهة نظري؛ بل كان أسطورة. ترك أبي هاواي ~~عام 1963حينها لم أكن قد تجاوزت الثانية من عمري؛ لذا لم أعرف أبي حين كنت طفلا إلا من ~~حكايات أمي وجدي. وكان لكل منهم حكاياته المفضلة، وكل منها مترابط وسلس من كثرة ~~التكرار. ولا يزال بإمكاني تخيل صورة جدي وهو ينحني إلى الوراء في مقعده الوثير بعد ~~العشاء ويرتشف الويسكي وينظف أسنانه بورق سيلوفان من علبة سجائره ويحكي لي كيف كاد ~~أبي أن يرمي برجل من على جرف ms013 «بالي لوك أوت» بسبب غليون: ~~«قرر والداك أن يصطحبا صديق أبيك في جولة سياحية حول الجزيرة. ذهبا بالسيارة إلى ~~جرف لوك أوت، وكان باراك على الأرجح يسير على الجانب الخاطئ طوال الطريق إلى ~~هناك.» # عقبت أمي قائلة: «كان والدك سائقا سيئا.» وتابعت: «وكان ينتهي به الحال إلى ~~الجانب الأيسر من الطريق بالطريقة التي يقود بها البريطانيون، وإذا قلت له شيئا، تجده ~~يبدي سخطه على القواعد الأمريكية السخيفة ...» ~~«حسنا، في تلك المرة نجحوا في الوصول سالمين، وخرجوا من السيارة ووقفوا على الحاجز ~~المعدني المقام على الجرف ليتأملوا المشهد. كان باراك يدخن من الغليون الذي أعطيته ~~إياه في عيد ميلاده، ويشير بمقدمته إلى جميع المشاهد مثل قبطان بحري ...» # وهنا تقاطع أمي مرة أخرى: «لقد كان أبوك فخورا حقا بذلك الغليون.» وتابعت: «كان ~~يدخن منه طوال الليل وهو يذاكر، وفي بعض الأحيان ...» ~~«حسنا يا آن، هل تودين أن تحكي أنت القصة أم ستدعينني أكملها؟» ~~«آسفة يا أبي. تفضل.» ~~«على أية حال، كان ذلك الفتى المسكين طالبا أفريقيا أيضا، أليس كذلك؟ كان قد وصل ~~لتوه إلى أمريكا. ولا بد أن ذلك الفتى المسكين قد أعجب بالطريقة التي يتحدث بها باراك ~~وهو يشير بالغليون؛ إذ طلب أن يجربه، فكر والدك في الأمر لدقيقة ثم وافق في ~~النهاية، وما إن بدأ الفتى في التدخين منه حتى داهمته نوبة سعال. وأخذ يسعل بقوة حتى ~~إن الغليون انزلق من يده وسقط من فوق الحاجز، من ارتفاع مائة قدم ليستقر أسفل ~~الجرف.» # ثم يتوقف جدي ليرتشف من زجاجته قبل أن يستأنف كلامه. قال: «حسنا، كان أبوك لطيفا ~~بما يكفي لأن ينتظر حتى ينتهي صديقه من السعال ثم أمره أن يقفز من فوق الحاجز ويعيد له ~~الغليون. فنظر الرجل أسفل الجرف الذي يهبط بزاوية قائمة وقال لباراك إنه سيشتري له ~~واحدا آخر عوضا عنه ...» # قالت جدتي من المطبخ: «أمر معقول جدا.» (كنا نطلق على جدتي توتو، أو اختصارا توت، ~~وتعني «الجدة» بلغة هاواي لأنها رأت في اليوم الذي ولدت فيه ms014 أنها لا تزال صغيرة ~~للغاية كي يخاطبها أحد بلقب جدتي.) فيعقد جدي ما بين حاجبيه ويقرر أن ~~يتجاهلها: ~~«لكن باراك كان مصرا على استعادة غليونه؛ لأنه كان هدية ولا شيء يعوضه عنه. فألقى ~~الفتى نظرة أخرى وهز رأسه مرة أخرى، وهنا رفعه والدك من على الأرض وبدأ يؤرجحه على ~~الحاجز!» # ويطلق جدي صيحة ويضرب على ركبته بمرح. ويضحك وفي هذه اللحظة أتخيل نفسي أنظر إلى ~~والدي الأسمر البشرة واقفا قبالة الشمس الساطعة، وذراعا صديقه المذنب تلوحان في ~~الهواء وأبي يحمله عاليا؛ يا لها من رؤية مخيفة لتحقيق العدالة. # فتقول أمي وهي تنظر إلي بقلق: «إنه لم يكن يحمله فوق الحاجز بالضبط يا أبي»، ولكن ~~جدي يأخذ رشفة أخرى من الويسكي ويستمر في الحديث: ~~«عندئذ، بدأ الناس يحدقون فيما يحدث، وأمك تناشد باراك أن يتوقف، وأظن أن صديقه ~~كان يحبس أنفاسه ويتلو صلواته. وعلى أية حال، بعد بضع دقائق ترك والدك الرجل يهبط على ~~قدميه مرة أخرى، وربت على ظهره واقترح بهدوء أن يذهبوا جميعا ويحتسوا الجعة. وما ~~لا يخطر لك على بال أن أباك استمر في التصرف بهذه الطريقة لما تبقى من الرحلة، وكأن ~~شيئا لم يكن. وبالطبع كانت والدتك عندما عادا إلى المنزل ما زالت غاضبة إلى حد بعيد. ~~في الحقيقة كانت تتحدث إلى والدك بالكاد، ولم يكن والدك يساعد على تحسين الأمور. ~~فعندما حاولت والدتك أن تخبرنا بما حدث، هز رأسه وبدأ يضحك، وقال لها: «اهدئي يا ~~آنا»، كان صوت والدك عميقا جهوريا ويتحدث باللكنة البريطانية. وهنا يثني جدي ~~ذقنه إلى عنقه ليحقق التأثير الكامل. ويستكمل: «اهدئي يا آنا.» ويتابع: «ما أردت إلا ~~تعليم ذلك الشاب درسا عن العناية اللائقة بممتلكات الآخرين!»» # كان جدي يبدأ في الضحك مرة أخرى حتى يأتيه السعال، وتغمغم جدتي بصوت خافت أنها رأت ~~أنه من الأفضل أن والدي قد أدرك أن إسقاط الغليون كان مجرد حادث عارض لأنه من يدري ~~ماذا كان سيحدث غير ذلك، وكانت والدتي توجه نظرها إلي وتقول إنهما يبالغان. ms015 # كانت أمي تعترف وعلى شفتيها يرتسم شبح ابتسامة: «قد تكون شخصية والدك مسيطرة إلى ~~حد ما.» ثم تستدرك: «لكن هذا في الواقع لأنه شخص صادق للغاية. وذلك يجعله عنيدا في ~~بعض الأحيان.» # كانت أمي تفضل أن ترسم صورة أكثر رقة لوالدي، فتحكي لي أنه حضر لتسلم مفتاح ~~الجمعية الفخرية «في بيتا كابا» مرتديا ثيابه المفضلة؛ بنطلون جينز وقميصا ~~قماشيا قديما عليه صورة نمر. وتقول: «لم يخبره أحد أن الأمر شرف كبير؛ لذا فقد ~~دخل ووجد الجميع يقفون في تلك الغرفة الأنيقة يرتدون سترات رسمية. وكانت تلك هي المرة ~~الوحيدة التي رأيته يشعر فيها بالخجل.» # وكان جدي، بعد أن يستغرق فجأة في التفكير العميق، يبدأ يومئ لنفسه ويقول: «إنها ~~حقيقة يا باري.» ويتابع: «لقد كان بإمكان والدك أن يتعامل مع أي موقف فجعل هذا الجميع ~~يحبونه. أتذكر أنه كان عليه أن يغني في مهرجان الموسيقى الدولي؟ لقد وافق على غناء ~~بعض الأغاني الأفريقية، لكن عندما وصل اتضح أن الأمر ليس هينا، كانت السيدة التي ~~قدمت العرض السابق له مطربة شبه محترفة؛ فتاة من هاواي لديها فرقة موسيقية كاملة ~~تدعمها. كان يمكن لأي شخص عندئذ أن يتوقف، ويتعلل بأن خطأ ما قد حدث إلا باراك. ~~فلم تكن تلك طبيعته؛ فقد نهض وبدأ يغني أمام ذلك الجمع الكبير، وأنا أقول لك إن هذا ~~ليس بالأمر الهين، وهو لم يكن رائعا، لكنه كان واثقا من نفسه فحصل على الفور على ~~الإعجاب نفسه الذي حصل عليه الآخرون.» # وكان جدي يهز رأسه وينهض من على مقعده ويقلب قنوات التليفزيون. وكان يقول لي: ~~«هناك شيء يمكنك أن تتعلمه من والدك.» ثم يستكمل: «الثقة. إنها سر نجاح ~~الإنسان.» ~~••• # كانت جميع القصص تسير على هذه الوتيرة؛ موجزة ومشكوكا في صحتها وتروى في تتابع ~~سريع على مدار أمسية واحدة، ثم تطويها ذاكرة عائلتي لشهور، وفي بعض الأحيان لسنوات. ~~بالضبط مثل الصور القليلة لوالدي التي ظلت في المنزل، وهي صور فوتوغرافية بالأبيض ~~والأسود كنت أعثر عليها عرضا وأنا أبحث في الخزانات ms016 عن زينة رأس السنة أو جهاز قديم ~~للتنفس تحت سطح الماء . وفي الوقت الذي بدأت فيه ذكرياتي، كانت أمي قد بدأت بالفعل ~~علاقتها العاطفية بالرجل الذي سيصبح زوجها الثاني، وشعرت دون تفسير لماذا تعين أن ~~توضع الصور بعيدا. ولكن بين الحين والآخر، كنت أحدق - وأنا أجلس مع أمي على الأرض، ~~ورائحة الغبار والنفتلين تنبعث من الألبوم الممزق - في صورة أبي؛ الوجه الأسمر ~~المبتسم، الجبهة البارزة والنظارة السميكة التي تجعله يبدو أكبر سنا من عمره الحقيقي، ~~وأستمع وأحداث حياته تتدفق في قصة يرويها طرف واحد. # علمت أن أبي كان أفريقيا، كينيا من قبيلة «لوو» ولد على شواطئ بحيرة فيكتوريا في ~~قرية يطلق عليها «أليجو». كانت القرية فقيرة، لكن والده - جدي الآخر حسين أونيانجو ~~أوباما - كان مزارعا بارزا وأحد كبار القبيلة، وطبيبا يمتلك قوى شفائية. ترعرع أبي ~~يرعى ماعز والده ويدرس في المدرسة المحلية التي أنشأتها حكومة بريطانيا الاستعمارية، ~~وقد أظهر تفوقا كبيرا في دراسته، بعد ذلك فاز بمنحة دراسية بجامعة نيروبي، ثم في ~~عشية استقلال كينيا اختاره القادة الكينيون والرعاة الأمريكيون للدراسة بجامعة في ~~الولايات المتحدة لينضم إلى أول موجة كبيرة من الأفارقة تبعث لتتقن تكنولوجيا الغرب ~~وتعود بها تبني أفريقيا عصرية جديدة. # عام 1959م وصل أبي إلى جامعة هاواي وهو في الثالثة والعشرين من عمره، ليكون أول طالب ~~أفريقي في تلك الجامعة. ودرس الاقتصاد القياسي واجتهد في دراسته بتركيز ليس له نظير، ~~وتخرج بعد ثلاث سنوات أول دفعته. كان له عدد ضخم من الأصدقاء، وساعد في تنظيم ~~الاتحاد الدولي للطلاب، وكان أول رئيس له. وفي دورة لدراسة اللغة الروسية، قابل فتاة ~~أمريكية خجولة مرتبكة كانت في الثامنة عشرة من عمرها فجمعهما الحب. وأسر والدا الفتاة ~~- اللذان كانا متحفظين في البداية - بجاذبية الرجل وعقليته، وتزوج الشابان وأنجبا ~~طفلا أورثه والده اسمه. ثم فاز الأب بمنحة دراسية أخرى، هذه المرة ليحصل على درجة ~~الدكتوراه من جامعة هارفارد، لكنه لم يحصل على النقود التي تجعله يصطحب أسرته الجديدة ~~معه. وحدث الانفصال، وعاد هو ms017 إلى أفريقيا ليفي بوعده للقارة. وظلت الأم والطفل في ~~أمريكا، لكن بعد المسافة لم يؤثر على رباط الحب. # وهنا تنتهي صور الألبوم، وأبتعد أنا راضيا متدثرا بالقصة التي وضعتني في منتصف عالم ~~شاسع ومرتب. وحتى في الرواية الموجزة التي قصتها علي والدتي وجداي، كان هناك ~~الكثير من الأشياء التي لم أفهمها. لكني نادرا ما سألت عن التفاصيل التي من الممكن أن ~~تحدد معنى كلمة «دكتوراه» أو «استعمار» أو أن أحدد موقع أليجو على الخريطة. بدلا ~~من ذلك، احتل مسار حياة أبي المكان نفسه الذي احتله كتاب اشترته لي أمي ذات مرة، كتاب ~~يسمى «الجذور»، وهو مجموعة من قصص الخلق من جميع أنحاء العالم، قصص لسفر التكوين ~~والشجرة التي ولد عندها الإنسان، وبروميثيوس ونعمة النار، والأسطورة الهندوسية ~~للسلحفاة التي تطفو في الفضاء وتحمل ثقل العالم على ظهرها. وفي وقت لاحق، عندما ~~أصبحت أكثر اعتيادا على طريق السعادة الضيق الذي يوجد في التليفزيون والسينما، أصبحت ~~الأسئلة تعصف بذهني؛ ما الذي يحمل السلحفاة؟ لماذا يترك إله قدير ثعبانا يسبب كل ~~هذا الحزن؟ لماذا لم يعد أبي؟ لكن في سن الخامسة أو السادسة، رضيت أن أترك هذه ~~الألغاز البعيدة دون المساس بها، كل قصة قائمة بذاتها وحقيقية كالتي تليها، تنجرف ~~إلى أحلام هادئة. # وحقيقة أن أبي لم يكن يبدو مثل أي شخص ممن حولي، أنه أسود كالفحم وأمي بيضاء ~~كاللبن، لم تعلق بذهني. # في الحقيقة لا أتذكر سوى قصة واحدة تتناول بصراحة موضوع العرق، وعندما كبرت كانت ~~تتكرر كثيرا، كما لو أنها تعبر عن جوهر القصة الأخلاقية التي أصبحت حياة أبي ~~تمثلها. ووفقا للقصة، انضم أبي، بعد ساعات طويلة من المذاكرة، إلى جدي وعدد من ~~الأصدقاء الآخرين في حانة محلية في منطقة وايكيكي. كان الجميع في مزاج مرح يأكلون ~~ويشربون على صوت الجيتار الذي تشتهر به هاواي عندما أعلن رجل أبيض فجأة لساقي الحانة ~~بصوت عال أسمع الجميع أنه لم يكن من المفترض أن يحتسي الخمر الجيد «بجوار زنجي». ~~غرقت الحانة في الصمت واستدار ms018 الجميع إلى أبي متوقعين أن يشب شجار. لكن أبي نهض، ~~وسار إلى الرجل وابتسم وبدأ يلقنه درسا عن حماقة التعصب الأعمى ووعد الحلم الأمريكي ~~والحقوق العالمية للإنسان. وكان جدي يقول: «تملك الرجل شعور بالأسف الشديد عندما ~~انتهى باراك من حديثه حتى إنه وضع يده في جيبه وأخرج 100 دولار أعطاها لباراك في الحال، ~~ودفع مقابل جميع المشروبات والمقبلات التي تناولناها لباقي السهرة، بل إيجار سكن والدك ~~لباقي الشهر.» # عندما بلغت سن المراهقة أصبحت أشك في صدق هذه القصة وطرحتها جانبا مع باقي ~~القصص، حتى تلقيت مكالمة هاتفية بعد مرور سنوات كثيرة من رجل أمريكي من أصل ياباني ~~قال إنه كان زميل والدي في هاواي وأنه يدرس في إحدى جامعات الغرب الأوسط. كان الرجل ~~لطيفا للغاية، ويشعر بشيء من الخجل من اندفاعه، وأوضح لي أنه رأى حوارا معي منشورا ~~في الصحيفة المحلية، وأن رؤية اسم والدي جعلت موجة من الذكريات تتدفق إلى ذهنه. ثم ~~في أثناء الحوار الذي دار بيننا أعاد على أسماعي القصة نفسها التي أخبرني إياها جدي عن ~~الرجل الأبيض الذي حاول أن يشتري عفو والدي، وقال لي الرجل عبر الهاتف: «لن أنسى هذا ~~أبدا»، وسمعت في صوته النبرة نفسها التي سمعتها من جدي قبل سنوات كثيرة؛ نبرة عدم ~~التصديق والأمل. ~~••• ~~«اختلاط الأجناس». مصطلح يبدو قميئا مشوها ينذر بنتيجة بشعة، بالضبط مثل عبارة «ما ~~قبل الحرب الأهلية الأمريكية» أو وصف شخص بأن «ثمن أسلافه من الزنوج»، إنها تستدعي ~~صورا من عصر آخر، عالم بعيد من السياط والنيران، ونباتات المنغولية الميتة وأروقة ~~المعابد المتداعية. ومع ذلك فلم تنجح المحكمة العليا بالولايات المتحدة في إقناع ولاية ~~فيرجينيا أن منعها الزواج بين الأجناس المختلفة خرق للدستور إلا عام 1967م، وهو ~~العام الذي احتفلت فيه بعيد ميلادي السادس، والعام الذي عزف فيه جيمي هندريكس في ~~مونتيري وغنى، وبعد ثلاث سنوات من حصول الدكتور كينج على جائزة نوبل للسلام، وهو وقت ~~كانت أمريكا قد بدأت فيه بالفعل تسأم مطالبة السود بالمساواة، وانتهت على ما ms019 يفترض ~~مشكلة التمييز العنصري. أما عام 1960م، العام الذي تزوج فيه والداي، فكان اختلاط ~~الأجناس لا يزال يوصف بأنه جريمة عظمى في أكثر من نصف ولايات الاتحاد. وفي أجزاء عديدة ~~من الجنوب كان من الممكن أن يعلق أبي على شجرة لمجرد أنه ينظر إلى أمي نظرة غير ~~لائقة؛ وفي أكثر مدن الشمال تحضرا كان من الممكن أن تدفع النظرات العدائية والهمسات ~~أية امرأة في مأزق والدتي أن تقوم بعملية إجهاض غير شرعية، أو على الأقل أن تلجأ لدير ~~بعيد يمكن أن يرتب لعملية التبني، وكان من الممكن اعتبار مجرد صورتهما معا مسألة ~~فظيعة وشاذة؛ بمنزلة رد فعال على القلة من المتحررين الأغبياء الذين يدعمون أجندة ~~الحقوق المدنية. # لكن السؤال: هل كنت ستدع ابنتك تتزوج واحدا منهم؟ # ورد جداي بالإيجاب على هذا السؤال - بصرف النظر إلى أي مدى كان ذلك على مضض - ~~يظل لغزا ملحا علي. فلم يكن هناك أي شيء في ماضيهما ينبئ بمثل هذه الإجابة، فلا ~~يوجد مؤمنون بالفلسفة المتعالية من نيو إنجلاند أو اشتراكيون متطرفون في شجرة ~~عائلتيهما. صحيح أن كانساس حاربت إلى جانب الاتحاد في الحرب الأهلية، وكان جدي يحب أن ~~يذكرني بأن فروعا مختلفة من شجرة العائلة كانت تضم مناهضين متحمسين للعبودية. وإذا ~~سألت جدتي فإنها ستدير رأسها إلى الجانب لتستعرض أنفها الأعقف الذي يدل - بالإضافة إلى ~~عينيها الشديدتي السواد - على أنها من نسل قبيلة شيروكي (من السكان الأصليين للولايات ~~المتحدة). # لكن صورة قديمة بنية اللون على رف الكتب كانت تعبر بوضوح عن جذورهما. يظهر فيها ~~جدا جدتي، وهما من أصل اسكتلندي وإنجليزي، واقفين متجهمين أمام منزل متداع، ~~يرتديان ملابس من صوف خشن، وعيونهما شبه مغمضة تنظر إلى الحياة الصعبة القاسية التي ~~تمتد أمامهما. وكان لهما وجهان كاللذين يظهران في اللوحة التي رسمها جرانت وود التي ~~حملت اسم القوطي الأمريكي وهم الأقارب الفقراء من نسل البروتستانت الأنجلو ساكسونيين ~~البيض (واسب)، وفي عيونهما يرى المرء الحقائق التي سأعلم فيما بعد أنها وقائع؛ أن ~~كانساس لم تنضم إلى ms020 الاتحاد حرة إلا بعد الأحداث العنيفة التي سبقت نشوب الحرب الأهلية ~~في المعركة التي تذوق فيها سيف جون براون طعم الدماء لأول مرة، وأنه في حين كان أحد ~~أجدادي الأوائل، وهو كريستوفر كولومبس كلارك، جنديا في جيش الاتحاد وحاصلا على ~~أوسمة، كانت الشائعات تطارد أم زوجته أنها تمت بصلة قرابة من الدرجة الثانية ~~لجيفرسون دافيس، رئيس الولايات الكونفدرالية التي انشقت عن الاتحاد، ومع أن أحد أجدادها ~~الأوائل كان من قبيلة شيروكي فقد كان ذلك النسل مصدرا للخزي الشديد لوالدة جدتي، وكلما ~~ذكر أحدهم هذا الأمر شحب وجهها، وتمنت أن تحمل هذا السر معها إلى قبرها. # هذا هو العالم الذي نشأ فيه جداي، وسط الدولة بالضبط المحاط بالأرض من جميع ~~الاتجاهات، وهو مكان ترتبط فيه اللياقة وقوة التحمل وروح الريادة ارتباطا وثيقا ~~بالامتثال لقواعد المجتمع، والشك واحتمال التعرض للقسوة التي لا يطرف لها جفن. لقد ~~نشأ أحدهما على بعد أقل من 20 ميلا من الآخر؛ فجدتي نشأت في أوجوستا وجدي نشأ في ~~إلدورادو وهما مدينتان أصغر من أن تظهرا بحروف بارزة على خريطة للطريق، ورسمت مرحلة ~~الطفولة - التي كانا يحبان أن يقصاها كي أستفيد منها - بلدة صغيرة، كما رسمت ~~أمريكا أثناء عصر الكساد بجميع مظاهر مجدها البريء؛ الاستعراض العسكري في الرابع من ~~يوليو وعروض الأفلام التي كانت تقام على جوانب الحظائر، واليراعات الموضوعة في برطمان، ~~والمذاق الحلو كالتفاح للطماطم الناضجة، والعواصف الترابية والثلجية، والفصول المكتظة ~~بأطفال المزارع الذين لا يبدلون أبدا ملابسهم الداخلية الصوفية التي تلتصق بأجسادهم ~~منذ بداية الشتاء، وتنبعث منهم رائحة كريهة مثل الخنازير مع مرور الشهور. # حتى أزمة انهيار المصارف ونزع ملكية المزارع بدت أمرا رومانسيا بعد أن غزلته ~~ذاكرة جدي، وعندئذ كان الجميع يشترك في الشدائد التي تعد وسيلة عظيمة للمساواة بين ~~الناس والتقريب بينهم. لذا كان على المرء أن يستمع بحرص ليدرك الترتيب الهرمي الدقيق ~~والقوانين غير المعلنة التي كانت تحكم حياتهم في بدايتها، والتمييز بين الأشخاص الذين ~~لا يملكون الكثير ويعيشون في مناطق نائية. لقد ms021 كان الأمر يتعلق بشيء يطلق عليه ~~الاحترام؛ فقد كان هناك أناس محترمون وآخرون لا يحظون بقدر كبير من الاحترام، ومع أن ~~المرء لا يجب أن يكون ثريا لينعم باحترام الناس؛ ففي الواقع عليه أن يبذل كثيرا من ~~الجهد لينال هذا الاحترام إن لم يكن ثريا. # كانت عائلة جدتي محترمة. فكان والدها يعمل بوظيفة ثابتة طوال فترة الكساد، فيدير ~~عقود تأجير الأراضي التي سينقب فيها عن البترول لشركة ستاندرد أويل. وكانت والدتها ~~قبل أن تنجب تدرس في مدارس إعداد المعلمين. كانت الأسرة تحافظ على منزلها نظيفا، ~~وتطلب كتبا من التي ترد في قائمة «جريت بوكس» عبر البريد، وتقرأ الكتاب المقدس ~~ولكنها بصفة عامة كانت تتجنب الذهاب إلى الخيام التي تعقد بها اجتماعات النهضة ~~المسيحية، وتفضل شكلا قويما من تعاليم الكنيسة الميثودية التي تقدر العقل على ~~العاطفة والاعتدال على كليهما. # أما وضع جدي فقد كان أصعب. ولم يعرف أحد لماذا؛ فلم يكن جداه اللذان ربياه هو ~~وشقيقه الأكبر ثريين، لكنهما كانا مهذبين ومعمدانيين يخافان الله، وينفقان على ~~العائلة من أجرهما كعاملين في منصات النفط بالقرب من مدينة ويتشيتا. ومع ذلك فقد تحول ~~جدي بطريقة ما إلى شخص طائش إلى حد ما. وأرجع بعض الجيران سبب ذلك إلى انتحار ~~والدته؛ فقد كان ستانلي - الذي لم يتجاوز الثامنة - هو الذي وجد جثتها. وكان آخرون ~~أقل رفقا به يهزون رءوسهم ويقولون إن الولد يحذو حذو والده زير النساء، ويرون أن هذا ~~هو السبب الأكيد لمصير والدته التعس. # ومهما كان السبب، فعلى ما يبدو كان جدي يستحق السمعة التي عرف بها. ففي سن الخامسة ~~عشرة، طرد من المدرسة الثانوية لأنه لكم الناظر في أنفه. وفي السنوات الثلاث التالية ~~كان ينفق على نفسه من أعمال مختلفة؛ يتنقل بين عربات القطارات المتجهة إلى شيكاغو ~~ثم كاليفورنيا ثم يعود أدراجه مرة أخرى، وأثناء هذا التنقل ينخرط في الهراء ولعب ~~الورق وإقامة علاقات مع النساء. وكما كان يحب أن يقول، فإنه كان يعرف طريقه جيدا في ~~ويتشيتا حيث انتقلت عائلته ms022 وعائلة جدتي في ذلك الوقت، وهي من جانبها لا تناقض ما ~~يقوله، وبالطبع صدق والدا جدتي القصص التي سمعاها عن الشاب واستنكرا علاقته بها من ~~البداية. وأول مرة أحضرت فيها جدتي جدي إلى منزلها ليقابل أسرتها ألقى والدها نظرة ~~واحدة على شعر جدي الأسود الأملس الممشط إلى الخلف، ثم ابتسم ابتسامة الرجل الحكيم ~~التي يرسمها دائما على شفتيه وعبر عن تقييمه الصريح: ~~«إنه يشبه المتبخترين من الإيطاليين.» # ولكن جدتي لم تأبه. فهي كمتخصصة في التدبير المنزلي حديثة التخرج في المدرسة ~~الثانوية سئمت الامتثال لقواعد المجتمع، ولا بد أن جدي كان أنيقا وجذابا لها. في ~~بعض الأحيان أتخيلهما في كل مدينة أمريكية في تلك السنوات التي سبقت الحرب، وهو يرتدي ~~سروالا فضفاضا وفانلة بيضاء وقبعة عريضة الحواف يرجعها إلى الخلف على رأسه، وهو ~~يقدم سيجارة إلى هذه الفتاة العذبة الحديث التي تفرط في طلاء شفتيها باللون الأحمر ~~وتصبغ شعرها ليصبح أشقر ولها ساقان جميلتان تصلحان لاستعراض جوارب المتجر المحلي. ~~أتخيله وهو يحدثها عن المدن الكبيرة، والطريق السريع الذي لا ينتهي، وهروبه الوشيك ~~من السهول الخاوية التي يغطيها الغبار، حيث تعني الخطط الكبيرة العمل مديرا لبنك، ~~وتعني التسلية آيس كريم بالصودا وحضور حفل في نهار يوم الأحد، وحيث يخنق الخوف ~~وضيق الخيال أحلام المرء حتى إنه يعرف بالفعل في اليوم الذي يولد فيه أين بالضبط ~~سيموت ومن سيدفنه. ويصر جدي على أنه لن ينتهي به الحال هكذا، فلديه أحلامه، ولديه ~~خططه، وسينقل لجدتي عدوى التنقل التي جعلت أجدادهما يعبرون المحيط الأطلنطي ونصف ~~قارة قبل سنوات كثيرة. # وهربا سرا ليتزوجا في توقيت قصف بيرل هاربور بالضبط، وجند جدي في الجيش. ~~وعندئذ تسير أحداث القصة في ذهني بسرعة شديدة مثل مشهد نزع أوراق نتيجة حائط بوتيرة ~~أسرع فأسرع في أحد تلك الأفلام القديمة بيد خفية، فتدور بسرعة في مخيلتي عناوين ~~أخبار عن هتلر وتشرشل وروزفلت ونورماندي، إلى أن تصل العناوين لدوي القصف بالقنابل وصوت ~~إدوارد آر. مورو وإذاعة بي بي سي. وأشاهد أمي وهي ms023 تولد في قاعدة الجيش حيث كان يتمركز ~~جدي، وكانت جدتي إحدى النساء اللاتي عملن في المصانع الحربية أثناء الحرب العالمية ~~الثانية، وكانت تعمل في خط تجميع قاذفة قنابل، وجدي يخوض في الوحل في فرنسا ضمن قوات ~~الجنرال باتون. # وعاد جدي من الحرب دون أن يرى حربا حقيقية قط، واتجهت الأسرة إلى كاليفورنيا حيث ~~التحق جدي بجامعة بيركلي بموجب قانون إعادة تأهيل رجال الجيش العائدين من الحرب. لكن ~~غرفة الدراسة لم تتسع لطموحاته ونفاد صبره، ومن ثم انتقلت الأسرة مرة أخرى عائدة في ~~البداية إلى كانساس، ثم عبر سلسلة من المدن الصغيرة في تكساس، وأخيرا إلى سياتل حيث ~~استقر بهما المقام لفترة طويلة سمحت لوالدتي أن تنهي دراستها في المدرسة الثانوية. ~~وعمل جدي بائعا للأثاث، واشتريا منزلا ووجدا شركاء يلعبون معهما لعبة البريدج. وكانا ~~سعيدين لأن والدتي أثبتت تفوقها في المدرسة، مع أنها عندما عرض عليها الالتحاق ~~المبكر بجامعة شيكاغو منعها جدي من الذهاب مقررا أنها لا تزال أصغر من أن تعيش ~~بمفردها. ~~••• # وعندئذ كان من الممكن أن تتوقف القصة؛ منزل وأسرة وحياة محترمة. فيما عدا أن شيئا ~~واحدا كان لا يزال يقض مضجع جدي. ويمكنني أن أتخيله وهو يقف على حافة المحيط ~~الهادي، وقد شاب شعره مبكرا، وأصبح جسده الطويل النحيل ممتلئا، ينظر إلى الأفق يراه ~~وهو ينحني، ولا يزال يشم رائحة منصات النفط وقشر الذرة والحياة الصعبة التي ظن أنه ~~تركها بعيدا وراءه. ولذلك عندما ذكر أمامه بالصدفة مدير شركة الأثاث التي يعمل بها أن ~~متجرا جديدا على وشك أن يفتتح في هونولولو، وأن فرص ازدهار العمل هناك غير محدودة ~~نظرا لأنها قريبا ما ستحقق استقلالها، أسرع إلى البيت في اليوم نفسه وتحدث إلى ~~جدتي عن بيع المنزل وحزم حقائبهم مرة أخرى للشروع في آخر جولة في رحلتهم غربا، في ~~اتجاه غروب الشمس ... # سيكون دائما بهذا الشكل، أعني جدي، دائما ما يبحث عن هذه البداية الجديدة، دائما ~~ما يهرب من الأمور المألوفة. وعندما وصلت الأسرة إلى هاواي كانت شخصيته ms024 قد نضجت تماما ~~على ما أظن؛ تلك الشهامة والرغبة في إسعاد الآخرين، ذلك المزيج الغريب من الخبرة ~~والمعرفة وضيق الأفق، وسذاجة المشاعر التي من الممكن أن تجعله فجأة غير لبق ومن السهل ~~جرح مشاعره. لقد كانت شخصيته شخصية أمريكية، نموذجا للرجال من جيله، الرجال الذين ~~اعتنقوا مفهوم الحرية والفردية والطريق المفتوح دون أن يكونوا دائما على دراية بثمن ~~ذلك، والذين من الممكن أن تقود حماستهم بالسهولة نفسها إلى جبن المكارثية أو إلى أعمال ~~الحرب العالمية الثانية البطولية، الرجال الذين كانوا خطيرين وواعدين في آن واحد، ~~وكانوا كذلك بسبب براءتهم المتأصلة، وهم الرجال الذين سيصابون بالإحباط في ~~النهاية. # ومع ذلك فحتى عام 1960 لم يكن جدي قد تعرض للاختبار بعد، أوقات الإحباط ستأتي بعد ~~ذلك، وحتى عندما تأتي فإنها ستأتي ببطء ومن دون العنف الذي كان من الممكن أن يغيره ~~للأفضل أو للأسوأ. وقد أصبح يعتبر نفسه مفكرا حرا مخالفا لمن حوله، بل بوهيميا. ~~وكان يكتب الشعر أحيانا ويستمع إلى موسيقى الجاز، ويعتبر عددا من اليهود الذين قابلهم ~~في عمله في مجال الأثاث أقرب أصدقائه. وفي محاولته الوحيدة للدخول إلى الدين المنظم، ~~كان يدرج أسماء الأسرة في الاجتماع المحلي للمتبعين لمذهب الكونية التوحيدية، وكانت ~~تروقه فكرة أن التوحيديين يستخدمون نصوص جميع الأديان العظيمة (وكان يقول: «كما لو أن ~~لديك خمسة أديان في دين واحد»). كانت جدتي تحاول أن تقنعه بالعدول عن آرائه في ~~الكنيسة (فتقول: «بحق السماء يا ستانلي، ليس من المفترض أن يكون الدين مثل شراء حبوب ~~الإفطار!»)، لكن إذا كانت جدتي أكثر شكا بطبيعتها، ولم تكن تتفق مع جدي في بعض ~~مفاهيمه الغريبة، فإن الاستقلال العنيد لشخصيتها وإصرارها على التفكير في الأمور ~~بنفسها، جعلهما بصفة عامة متقاربين. # كل هذا جعلهما متحررين إلى حد ما، مع أن أفكارهما لن تتحد أبدا لتكون ما يشبه ~~أيديولوجية ثابتة، وفي هذا كانا أيضا أمريكيين. ولذا عندما عادت أمي إلى المنزل ذات ~~يوم وتحدثت عن صديق قابلته في جامعة هاواي، وهو طالب أفريقي يدعى ms025 باراك، كان أول ما ~~بدر إلى ذهنهما هو دعوته إلى العشاء. وأظن أنه جال في خاطر جدي أن ذلك الشاب المسكين ~~على الأرجح وحيد وبعيد عن وطنه، وكانت جدتي ستقول لنفسها من الأفضل أن نلقي نظرة ~~عليه. وعندما وصل أبي إلى باب منزلهما، من المحتمل أن جدي قد صدم على الفور بمدى ~~تشابه الأفريقي مع أحد مطربيه المفضلين؛ نات كينج كول، وأستطيع أن أتخيله وهو يسأل ~~أبي هل بإمكانه أن يغني، دون أن يفهم نظرة الارتياع التي ارتسمت على وجه والدتي، وكان ~~جدي على الأرجح مشغولا للغاية يحكي إحدى دعاباته أو يتجادل مع جدتي حول كيفية طهي ~~شرائح اللحم حتى إنه لم يلحظ أن والدتي مدت يدها وضغطت على اليد القوية الملساء إلى ~~جوار يدها. ولاحظت جدتي ذلك لكنها كانت مهذبة بما يكفي لأن تقدم الحلوى وهي تعض ~~على شفتيها؛ فقد حذرتها غريزتها من أن تبالغ في رد فعلها. وعندما انتهت الأمسية ~~علق كلاهما على حدة ذكاء الشاب ومدى اعتزازه بنفسه الواضح في الإيماءات المحسوبة ~~وجلسته الأنيقة وهو يضع ساقا فوق أخرى، وما أجمل اللكنة! # ولكن هل يتركان ابنتهما «تتزوج» واحدا مثله؟ # إننا لا نعرف بعد، فالقصة حتى ذلك الحين لا تقدم تفسيرا مناسبا. ~~الحقيقة أنهما - على غرار معظم الأمريكيين البيض في ذلك الوقت - لم يفكرا كثيرا في السود. فقد سلكت ~~قوانين الفصل العنصري طريقها شمالا إلى كانساس قبل أن يولد جداي بزمن طويل، لكن هذه ~~التفرقة بدت على الأقل حول ويتشيتا أكثر لطفا وأقل رسمية، ولم تتضمن ذلك القدر ~~الكبير من العنف الذي سيطر على ولايات أقصى الجنوب. فقد أبقت القوانين نفسها غير ~~المعلنة التي حكمت الحياة بين البيض التعامل بين الأجناس المختلفة عند أدنى مستوياته، ~~وعندما يظهر السود في ذكريات جدي وجدتي عن كانساس، تكون صورا قصيرة؛ رجال سود يأتون ~~بالقرب من حقول النفط من حين لآخر يبحثون عن عمل كعمال بالأجرة، أو سيدات سوداوات يأخذن ~~ملابس البيض للتنظيف أو يساعدن في تنظيف منازل البيض. فالسود كانوا موجودين ms026 وغير ~~موجودين، مثل سام عازف البيانو أو بولا الخادمة أو أموس وأندي على شبكات الإذاعة؛ حضور ~~صامت غير ملحوظ لا يثير عاطفة ولا خوفا. # ولم تبدأ الأسئلة حول العرق تظهر في حياة عائلتي إلا عندما انتقلت إلى تكساس بعد ~~الحرب. فقد تلقى جدي في أسبوعه الأول من العمل هناك نصيحة من زميله البائع في محل ~~الأثاث عن كيفية التعامل مع الزبائن السود والمكسيكيين: «إذا أراد الملونون أن يلقوا ~~نظرة على البضائع يجب أن يأتوا بعد ساعات العمل الرسمية، ويتولوا بأنفسهم ترتيبات ~~توصيلها لأماكنهم.» وبعد ذلك تعرفت جدتي في المصرف الذي كانت تعمل فيه إلى الحارس، ~~وهو رجل أسود طويل محترم من محاربي الحرب العالمية الثانية، ولا تتذكر إلا أن اسمه ~~كان السيد ريد. وبينما كانا يتبادلان أطراف الحديث في الرواق في أحد الأيام ثارت ~~ثائرة سكرتيرة في المكتب وهمست بغضب لجدتي بأنها لا ينبغي أن تخاطب أبدا «زنجيا ~~بلقب السيد». وبعد ذلك بوقت قصير وجدت جدتي السيد ريد في ركن من المبنى يبكي بصوت ~~منخفض، وعندما سألته ما الخطب نصب قامته وجفف عينيه ورد بسؤال. # قال: «ماذا فعلنا حتى نعامل بهذا الاحتقار؟!» # لم تكن جدتي تعرف إجابة عن هذا السؤال في ذلك اليوم، لكن السؤال علق في ذهنها، ~~وكانت تناقشه في بعض الأحيان مع جدي حين تأوي أمي إلى الفراش. وقررا أن تستمر جدتي ~~في مخاطبة السيد ريد بلقب «سيد»، مع أنها تفهمت، بمزيج من الارتياح والحزن، المسافة ~~التي أصبح الحارس يراعي الحفاظ عليها كلما مر أحدهما بجانب الآخر في الأروقة. وبدأ ~~جدي يرفض دعوات زملائه في العمل للخروج واحتساء الجعة، ويخبرهم أن عليه العودة إلى ~~المنزل كي يسعد زوجته. وأصبحا انطوائيين وقلقين وملأهما خوف مجهول وكأنهما غريبان ~~دائمان في المدينة. # وكانت أمي هي أكثر المتضررين من ذلك المناخ السيئ الجديد. كانت في ذلك الوقت في ~~الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمرها، طفلة وحيدة لم تتعاف من حالة ربو شديدة إلا ~~منذ وقت قليل. وقد جعلها المرض - بالإضافة إلى ms027 كثرة التنقل - وحيدة نوعا ما، كانت ~~مرحة وخفيفة الظل لكنها تميل إلى أن تدفن رأسها في كتاب أو تخرج في نزهات سير ~~فردية، وبدأت جدتي تقلق من أن ذلك الانتقال الأخير زاد من وضوح غرابة سلوكيات ابنتها. ~~وكانت لأمي صداقات قليلة في مدرستها الجديدة، وكانت تتعرض بلا رحمة لمضايقات بسبب ~~اسمها، ستانلي آن (أحد أفكار جدي التي تفتقد إلى الحكمة؛ إذ كان يريد ابنا). فكانوا ~~يطلقون عليها ستانلي ستيمر أو الرجل ستان. وكانت جدتي عندما تعود من عملها تجدها عادة ~~وحدها في الحديقة الأمامية تؤرجح ساقيها من فوق الشرفة أو تستلقي على الحشائش مستغرقة ~~في عالمها المنعزل. # لكن ذلك الوضع اختلف في أحد الأيام. فعندما كانت جدتي عائدة إلى المنزل في أحد ~~الأيام الحارة الهادئة وجدت جمعا من الأطفال محتشدين خارج السياج المحيط بمنزلهم. ~~وعندما اقتربت جدتي استطاعت تمييز أصوات ضحكات ساخرة، وعلامات الغضب والاشمئزاز ترتسم ~~على وجوه الأطفال. وكانوا يغنون بصوت حاد وبإيقاع متناوب: ~~«محبة الزنوج!» ~~«يانكي قذرة!» ~~«محبة الزنوج!» # تفرق الأطفال عندما رأوا جدتي، لكن ليس قبل أن يقذف ولد حجرا كان في يده فوق ~~السياج، وتتبعت عينا جدتي مسار الحجر وهو يهبط أسفل شجرة، هناك رأت سبب كل هذه ~~الإثارة: كانت والدتي وبصحبتها فتاة سوداء في نفس عمرها تقريبا تستلقيان على بطنيهما ~~إحداهما بجوار الأخرى على الأعشاب وجونلتاهما مرفوعتان فوق ركبتيهما، وأصابع أقدامهما ~~تخترق تربة الحديقة، ورأساهما يستندان على يديهما أمام أحد كتب والدتي. ومن بعيد بدت ~~الفتاتان ساكنتين تحت ظل أوراق الشجر. ولم تدرك جدتي أن الفتاة السوداء كانت ترتعش ~~وعينا أمي مليئة بالدموع إلا عندما فتحت البوابة. ظلت الفتاتان بلا حراك، مشلولتين من ~~الخوف، حتى انحنت جدتي في النهاية ووضعت يدها على رأسيهما. # وقالت: «إذا كنتما ستلعبان، فبحق السماء تعاليا إلى الداخل، أنتما الاثنتان.» وتابعت: ~~«تعاليا!» ثم رفعت والدتي من على الأرض ومدت يدها إلى يد الفتاة الثانية، لكن قبل أن ~~تستطيع التفوه بكلمة أخرى ركضت الفتاة بأقصى سرعتها، وبدت ساقاها الطويلتان كسيقان ~~الكلاب من ms028 نوع الوبت السريعة حتى اختفت في الشارع. # استشاط جدي غضبا عندما سمع ما حدث، واستجوب أمي عما حدث ودون الأسماء. وفي اليوم ~~التالي أخذ فترة الصباح إجازة من عمله لزيارة ناظر المدرسة. واتصل شخصيا بأولياء أمور ~~بعض الأطفال الذين أهانوا ابنته ليصب عليهم جام غضبه. وقد حصل على الإجابة نفسها من ~~كل ولي أمر تحدث إليه: ~~«من الأفضل أن تتحدث إلى ابنتك يا سيد دونهام؛ فبنات البيض لا يلعبن مع الملونين ~~في هذه المدينة.» ~~••• # من الصعب أن يعرف المرء كيف يقدر أهمية هذه الأحداث، وما الإخلاص الدائم للقضية ~~الذي تكون أو انهار، أو ما إذا كانت هذه الأحداث بارزة فقط في ضوء ما تبعها من ~~أحداث. فكلما تحدث جدي معي عنها أصر أن عدم ارتياح الأسرة مع هذه العنصرية كان من ~~بين الأسباب التي دفعتها لمغادرة تكساس. وكانت جدتي أكثر حرصا؛ فذات مرة عندما كنا ~~وحدنا أخبرتني أنهم لم ينتقلوا من تكساس إلا لأن الأمور لم تكن تسير على ما يرام مع ~~جدي في العمل، ولأن صديقا من سياتل وعده بشيء أفضل. ووفقا لها فلم يكن حتى مصطلح ~~«العنصرية» في مفرداتهم في ذلك الوقت. فتقول: «كنت أرى أنا وجدك أنه علينا معاملة ~~الناس بأسلوب مهذب يا باري. هذا هو كل ما في الأمر.» # إنها حكيمة بهذه الطريقة، فجدتي - التي تميل للشك في العواطف المفرطة أو الادعاءات ~~المبالغ فيها - تقبل حكم الفطرة السليمة. لذا أميل إلى الثقة بروايتها للأحداث، فإنها ~~تتفق مع ما أعرفه عن جدي من ميله لأن يعيد كتابة تاريخه ليكون متوافقا مع الصورة التي ~~يتمناها لنفسه. # ومع ذلك فلا أستبعد تماما ما يقصه علي جدي من أحداث وأعتبره عملا من أعمال ~~الثناء المفرط على الذات، أي صورة أخرى من إعادة كتابة التاريخ بشكل مغاير لدى ~~البيض. لا يمكنني هذا، بالتحديد لأني أعرف مدى إيمان جدي الشديد بالقصص التي يرويها، ~~ورغبته الشديدة في أن تكون حقيقية، حتى لو لم يعرف دائما كيف يجعلها كذلك. بعد تكساس ~~لا أظن أن ms029 السود أصبحوا جزءا من القصص التي يرويها، القصص التي كانت تجد طريقها عبر ~~أحلامه. وستصبح حالة العرق الأسود وآلامه وجراحه، تختلط في عقله مع آلامه الخاصة؛ الأب ~~الغائب والإشارة إلى الفضيحة، والأم التي رحلت، وقسوة الأطفال الآخرين، وإدراكه أنه لم ~~يكن صبيا أشقر الشعر، وأنه يبدو مثل «إيطالي متبختر». وأخبرته غريزته أن العنصرية ~~كانت جزءا من ذلك الماضي، جزءا من التقاليد والجدارة بنيل الاحترام والمكانة، وجزءا ~~من تكلف الابتسام والهمسات ونشر الإشاعات التي أبقته في الخارج يحاول أن يسترق ~~النظر إلى الداخل. # أظن أن هذه الغريزة لها أهمية؛ فقد اتجهت عند كثير من البيض من جيل جدي وجدتي ممن ~~لهم نفس خلفياتهما العائلية إلى الاتجاه المضاد؛ اتجاه الجماهير. ومع أن علاقة جدي ~~بوالدتي كانت قد توترت بالفعل في الوقت الذي وصلوا فيه إلى هاواي - فهي لم تتقبل قط ~~عدم استقراره ومزاجه العنيف في معظم الأوقات وستصبح خجولة من قسوته وأخلاقه الفظة - فقد ~~كانت تلك الرغبة في طمس الماضي، وتلك الثقة بإمكانية إعادة تشكيل العالم من الخيال هو ~~الميراث الباقي له. وسواء أدرك جدي هذا أم لم يدركه، فإن رؤية ابنته في صحبة رجل ~~أسود قدمت له على مستوى عميق غير مستكشف من ذاته نافذة تطل على قلبه. # ولكن معرفة الذات هذه - حتى إذا كان قد توصل إليها - لم تكن لتجعل تقبل خطوبة أمي ~~أسهل له. في الحقيقة تظل مسألة كيف حدث الزواج ومتى حدث أمرا غير واضح، وهي التفاصيل ~~التي لم أملك الشجاعة قط لاستكشافها. فلا يوجد تسجيل لحفل زواج بالمعنى المعروف، لا ~~كعكة أو خاتم زواج أو إمساك والد العروس بيد ابنته ليسلمها لزوجها. ولم تحضره ~~عائلات، حتى يبدو أن الناس في كانساس في ذلك الوقت لم يكونوا على علم به. مجرد حفل ~~زواج مدني صغير، وقاض لإتمام مراسم الزواج القانونية. الأمر برمته يبدو هشا عند ~~تأمله، عشوائيا للغاية ودون أي تنظيم. وربما يكون هذا هو الأسلوب الذي أراد جداي ~~أن يتم به الأمر، تجربة ستمر، مسألة وقت فحسب، ms030 ما دام أنهما يحافظان على ثبات موقفهما ~~ولم يقوما بأي سلوك عنيف. # وإذا كان الأمر كذلك، فإنهما لم يخطئا في تقدير حزم أمي الهادئ فحسب، بل أخطآ أيضا ~~في تقدير تذبذب مشاعرهما. وعندما ولد طفل، يزن ثمانية أرطال وأوقيتين وله عشر أصابع في ~~قدميه ومثلها في يديه ويريد أن يأكل، ماذا كان يمكن أن يفعلا؟ # بدأ الزمان والمكان يتآمران ويحولان الموقف العصيب إلى شيء يمكن تقبله، بل يمكن ~~أن يصبح مصدرا للفخر. وكان جدي يجلس يشارك أبي احتساء الجعة ويستمع إلى زوج ابنته ~~الجديد وهو يتحدث بجرأة عن السياسة أو الاقتصاد وعن أماكن بعيدة للغاية مثل ~~الوايتهول أو الكريملين ويتخيل نفسه يستطلع المستقبل. ثم يبدأ يقرأ الصحيفة بحرص ~~أكبر، ويجد أول التقارير التي تحدثت عن عقيدة الاندماج العنصري الجديدة في أمريكا، ~~ويقرر أن العالم ينكمش، وأن العواطف تتغير، وأن الأسرة من ويتشيتا قد انتقلت في ~~الواقع إلى مقدمة سياسة «الحدود الجديدة» التي تبناها كينيدي، وحلم الدكتور كينج ~~الرائع. كيف يمكن لأمريكا أن ترسل رجالها إلى الفضاء وهي لا تزال تبقي مواطنيها السود ~~في العبودية؟ وكانت إحدى أوائل الذكريات في حياتي؛ أن أجلس على كتفي جدي أشاهد رواد ~~الفضاء يصلون من إحدى مهام بعثة أبوللو إلى قاعدة هيكام الجوية بعد هبوط ناجح. وأتذكر ~~أن رواد الفضاء بنظاراتهم التي يضعها الطيارون كانوا على مسافة بعيدة للغاية، ولا أكاد ~~أراهم عبر مدخل غرفة العزل. ولكن جدي كان يقسم دائما أن أحد رواد الفضاء قد لوح لي ~~وأنا لوحت له. كان هذا جزءا من القصة التي يرويها لنفسه. لقد دخل جدي مع زوج ابنته ~~الأسود وحفيده الأسمر البشرة إلى عصر الفضاء. # وأي ميناء يكون أفضل من هاواي، أحدث عضو في الاتحاد، لبدء هذه المغامرة الجديدة؟ حتى ~~في الوقت الحاضر - بعد أن تضاعف تعداد سكان الولاية أربعة أضعاف، وبعد أن أصبحت ~~وايكيكي تتاخم مطاعم الوجبات السريعة المختلفة والمتاجر التي تبيع شرائط الفيديو ~~الإباحية والتقسيم الفرعي الذي يزحف دون رحمة إلى كل جزء من التل الأخضر ms031 - حتى في هذا ~~الوقت يمكنني تعقب الخطوات الأولى التي خطوتها وأنا طفل منبهر بجمال الجزر. والسطح ~~الأزرق المرتجف للمحيط الهادي. والمنحدرات التي تغطيها نباتات الأشنة الخضراء، ~~والاندفاع الرائع لشلالات مانوا، وزهور الزنجبيل والظلال العالية المليئة بأصوات طيور ~~غير مرئية. وأمواج الشاطئ الشمالي العنيفة، تتحطم كما لو أنها في بكرة شريط سينمائي ~~في عرض بطيء. وظلال قمم بالي الجبلية، والهواء الرطب ذي الرائحة الطيبة ~~النفاذة. # إنها هاواي! ولا بد أنها كانت في نظر عائلتي التي وصلت عام 1959 كما لو أن الأرض ~~نفسها - بعد أن سئمت تدافع الجيوش والحضارة المريرة - أجبرت هذه السلسلة من الصخور ~~الزمردية اللون على البروز حيث يستطيع الرواد من جميع أنحاء العالم أن يملئوا الأرض ~~بأطفالهم الذين ستصبغهم الشمس باللون البرونزي. أما الغزو القبيح لسكان هاواي الأصليين ~~عن طريق المعاهدات الفاشلة، والأمراض العضال التي أحضرتها البعثات التبشيرية، وتجريف ~~التربة البركانية الغنية على يد الشركات الأمريكية من أجل زراعة قصب السكر والأناناس، ~~ونظام التعاقد بين صاحب العمل والأجير الذي جعل المهاجرين من اليابانيين والصينيين ~~والفلبينيين يكدحون دون توقف من شروق الشمس إلى غروبها في هذه الحقول، واعتقال ~~الأمريكيين من أصل ياباني خلال الحرب؛ كل ذلك كان تاريخا حديثا. ومع ذلك ففي الوقت ~~الذي وصلت فيه عائلتي كان ذلك قد اختفى بطريقة ما من الذاكرة الجماعية، مثل ضباب ~~الصباح الذي بددته الشمس. كان هناك الكثير جدا من الأجناس - والسلطة مشتتة للغاية ~~فيما بينهم - مما جعل من الصعب فرض النظام الطبقي الصارم المطبق في الدولة الأم، وعدد ~~قليل للغاية من السود حتى إن أكثر أنصار الفصل العنصري حماسة يمكنهم الاستمتاع بإجازة ~~بأمان في ظل معرفة أن الاختلاط بين الأجناس في هاواي ليس له علاقة بالنظام القائم في ~~الوطن. # ومن ثم، نسجت خيوط أسطورة تقول إن هاواي بوتقة الانصهار الحقيقية، وتجربة في ~~التجانس العرقي. وقد أقحم جدي وجدتي - ولاسيما جدي الذي كان يتعامل مع أناس كثيرين ~~بحكم عمله في الأثاث - نفسيهما في قضية التفاهم المتبادل. ولا تزال هناك نسخة قديمة من ms032 ~~كتاب ديل كارنيجي «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» على رف مكتبته. وعندما كبرت كنت ~~أسمعه يتحدث بذلك الأسلوب المرح الودود الذي رأى أنه سيساعده في عمله مع زبائنه. فكان ~~من السهل عليه أن يخرج بسرعة صور العائلة ويروي قصة حياته على أول شخص غريب يقابله، ~~ويصافح ساعي البريد ويشد على يديه، أو يلقي دعابات بذيئة على النادلات في ~~المطاعم. # كانت مثل هذه السلوكيات الغريبة تجعلني أشعر بالخجل ولكن كان هناك أشخاص أكثر تسامحا ~~من حفيده يقدرون صفاته الغريبة، حتى إنه كانت له دائرة واسعة من الأصدقاء، مع أنه لم ~~يكن لديه تأثير كبير قط. فقد كان بالقرب من منزلنا متجر صغير يديره رجل أمريكي من أصل ~~ياباني يدعو نفسه فريدي يحتفظ لنا بأفضل شرائح التونة من نوع سكيب جاك لصنع طبق ~~الساشيمي، ويعطيني حلوى رايس كاندي المغلفة بورق أرز يمكن أكله. وفي أوقات كثيرة كان ~~سكان هاواي الأصليون الذين يعملون في متجر جدي عمال توصيل للطلبات يدعوننا لتناول طبق ~~«بوي» المميز لهاواي مع لحم الخنزير المشوي، الذي كان جدي يلتهمه بنهم (أما جدتي ~~فكانت تدخن السجائر حتى تعود إلى المنزل وتقلي لنفسها بيضا). وفي بعض الأحيان كنت ~~أذهب مع جدي إلى متنزه أليئي حيث كان يحب أن يلعب الداما مع فلبينيين كبار السن ~~يدخنون سجائر رخيصة ويبصقون بكميات كبيرة عصارة بذور نبات التنبول التي تبدو كما لو ~~أنها دم. ولا أزال أذكر كيف اصطحبنا رجل برتغالي - كان جدي قد باعه أريكة بثمن جيد ~~- في وقت مبكر من صباح أحد الأيام قبل شروق الشمس بساعات لاصطياد سمك بالحربة من ~~خليج كايلوا. كان هناك مصباح يعمل بالغاز يتدلى من الكابينة في قارب الصيد الصغير ~~وأنا أشاهد الرجلين وهما يغوصان في المياه المظلمة السوداء كالفحم، وضوء كشافيهما ~~يتوهج أسفل السطح حتى يظهرا ومعهما سمكة كبيرة ملونة تضرب بذيلها في طرف أحد ~~الرمحين. وقد أخبرني جدي باسمها في لغة هاواي، وهو هومو-هومو-نوكو-نوكو- أبوا، وقد ~~أخذنا نردده طوال رحلتنا إلى المنزل. # في مثل هذه البيئة، ms033 لم يسبب أصلي العرقي لجدي وجدتي الكثير من المشكلات، وسرعان ~~ما تبنيا سلوك الازدراء الذي يتبعه السكان المحليون تجاه الزوار الذين يعبرون عن ~~عدم ارتياحهم فيما يخص هذا الشأن. وفي بعض الأحيان عندما يرى جدي السياح يشاهدونني ~~وأنا ألعب على الرمال، فإنه يقترب منهم ويهمس، باحترام لائق، قائلا إنني حفيد الملك ~~كاميهاميها أول ملوك هاواي. وكان يحب أن يقول لي وهو يرسم ابتسامة عريضة على شفتيه: ~~«أنا واثق من أن صورتك توجد في ألف كتاب للقصاصات يا باري، من ولاية إيداهو إلى ولاية ~~مين.» أظن هذه القصة بالتحديد غامضة، وأرى فيها استراتيجية لتجنب الموضوعات الصعبة، ~~لكن جدي كان يروي قصة أخرى بالسرور نفسه عن تلك السائحة التي رأتني أسبح يوما ما، ~~ودون أن تعرف مع من تتحدث علقت قائلة: «لا بد أن سكان هاواي هؤلاء يولدون ماهرين ~~بالسباحة.» فأجابها جدي إن هذا أمر يصعب اكتشافه إذ إن «هذا الصبي هو حفيدي، وأمه من ~~كانساس ووالده من قلب كينيا، ولا يوجد محيط لمسافة عدة أميال من كلا المكانين.» ففي نظر ~~جدي لم يعد العرق شيئا يستحق أن يقلق المرء بشأنه، فإذا كان الجهل لا يزال باقيا ~~في أماكن بعينها، فسيكون من الباعث على الطمأنينة أن تفترض أن باقي العالم سرعان ما ~~سيلحق بركب الحضارة والتقدم. ~~••• # وفي النهاية أظن أن هذا هو ما كانت تدور حوله جميع القصص عن أبي. فإنهم لم يتحدثوا عن ~~الرجل نفسه بقدر ما تحدثوا عن التغيرات التي حدثت في الأشخاص المحيطين به، والعملية ~~المترددة التي تغير بها موقف جدي وجدتي تجاه العنصرية. لقد أعطت القصص صوتا لروح ~~ستستحوذ على الأمة طوال الفترة القصيرة بين انتخاب كينيدي وإقرار قانون حق التصويت؛ ~~الذي يعد الانتصار الظاهري للعالمية على محدودية التفكير وضيق الأفق، إنه عالم جديد ~~مشرق حيث ستكون الاختلافات في العرق والثقافة مصدرا للتوجيه والتسلية، بل ربما تقود ~~المرء للمجد. إنها قصة خيالية جيدة تطاردني قدر ما كانت تطارد عائلتي، وتستحضر بعض ~~جوانب جنة مفقودة تمتد لأبعد من مجرد ms034 حدود الطفولة. # ولم تكن هناك سوى مشكلة واحدة؛ أن أبي لم يكن موجودا. لقد ترك الجنة، ولم يكن شيء ~~مما أخبرتني به أمي أو جدي وجدتي بإمكانه أن يلغي هذه الحقيقة الواضحة. وقصصهم لم ~~تخبرني لماذا رحل. ولم يستطيعوا أن يصفوا كيف كانت ستبدو الأمور إذا لم يرحل. وعلى غرار ~~الحارس السيد ريد أو الفتاة السوداء التي أثارت الغبار وهي تقطع أحد طرق تكساس مسرعة، ~~أصبح والدي مجرد شخصية في قصة يرويها شخص ما. شخصية جذابة - شخص غريب قلبه من ~~ذهب، الغريب الغامض الذي ينقذ المدينة ويفوز بالفتاة - ولكنه لا يزال شخصية في قصة مع ~~ذلك. # إنني لا ألوم حقا والدتي أو جدي على هذا. فربما كان والدي يفضل الصورة التي ~~رسموها له، بل ربما كان مشتركا في تصويرها. فهو يظهر، في مقال نشر في صحيفة ~~«هونولولو ستار-بوليتين» عند تخرجه، شخصا متحفظا ومسئولا، في صورة الطالب النموذجي ~~سفير قارته، وينتقد الجامعة بلباقة لأنها تحشد الطلاب الزائرين في مبنى خاص ملحق ~~بالجامعة وتجبرهم على حضور برامج دراسية مصممة لتعزيز التفاهم الثقافي، وقال إن هذا ~~يشتت انتباهه عن التدريب العملي الذي يسعى إليه. ومع أنه لم يتعرض شخصيا لأية ~~مشكلات، فقد لاحظ أن البعض يعزلون أنفسهم عمن حولهم وأن هناك تمييزا عنصريا واضحا ~~بين الجماعات العرقية المختلفة، وعبر بمرح ساخر عن حقيقة أن «القوقازيين» في هاواي ~~يتعرضون أحيانا للتحيز. لكن إذا كان تقييمه يعبر عن بصيرة نافذة نسبيا، فقد كان ~~حريصا على أن ينهي حديثه بملحوظة إيجابية؛ إذ قال إن أحد الأشياء التي يمكن أن ~~تتعلمها الأمم الأخرى من هاواي هي استعداد الأجناس للعمل معا من أجل تحقيق التنمية ~~المشتركة، وهو سلوك وجد المواطنين البيض في أماكن أخرى غير مستعدين للقيام به في معظم ~~الأحيان. # اكتشفت وجود هذه المقالة مطوية بين شهادة ميلادي واستمارات تطعيم قديمة، عندما كنت ~~في المدرسة الثانوية. كانت قصاصة صغيرة بها صورة له، دون ذكر لأمي أو لي، وتركت أنا ~~لأتساءل عما إذا كان الحذف متعمدا من جانب ms035 أبي، استعدادا لرحيله الطويل. وربما لم ~~يطرح الصحفي عليه أسئلة شخصية خوفا من أسلوب أبي المتعجرف، أو ربما كان الأمر قرارا ~~من مجلس تحرير الصحيفة بصفته ليس جزءا من القصة البسيطة التي كانوا يبحثون عنها. ~~وأتساءل أيضا هل سبب ذلك الحذف شجارا بين أبوي. # في ذلك الوقت ما كنت سأعرف لأني كنت أصغر سنا من أن أدرك أنه كان من المفترض أن ~~يكون لي أب يعيش معي، بالضبط كما كنت أصغر من أن أعرف أني بحاجة لأن يكون لي عرق. ~~ولفترة قصيرة للغاية بدا أن أبي قد سقط تحت تأثير التعويذة التي سقط تحت تأثيرها أمي ~~وجداي، وحتى عندما كسرت تلك التعويذة، واستعادت العوالم - التي ظنوا أنهم تركوها ~~خلفهم - سيطرتها عليهم، شغلت أنا المكان الذي كانت تحتله أحلامهم في السنوات الست ~~الأولى من حياتي. # | الفصل الثاني # كان الطريق إلى السفارة مختنقا بحركة المرور؛ السيارات، والدراجات البخارية، ~~وعربات الأجرة الصغيرة التي تسير على ثلاث عجلات (ريكشا)، والحافلات الكبيرة والصغيرة ~~التي تحمل ضعف سعتها من الركاب؛ موكب من العجلات والأذرع والسيقان، كل يحارب ليجد ~~لنفسه مكانا أثناء قيظ ما بعد الظهيرة. استطعنا أن نشق طريقنا بضعة أقدام إلى ~~الأمام، ثم توقفنا. ووجدنا مخرجا ننفذ منه ثم توقفنا مرة أخرى، ولوح سائق ~~سيارة الأجرة التي نستقلها مبعدا مجموعة من الصبية الذين كانوا يبيعون اللبان ~~والسجائر المفردة، وكاد أن يصطدم بدراجة بخارية تحمل عائلة كاملة على ظهرها؛ أبا ~~وأما وابنا وابنة، مالوا جميعا معا كأنهم شخص واحد عند أحد المنعطفات، وكانوا ~~يكممون أفواههم بمناديل للتخفيف من تأثير العوادم عليهم جعلتهم يبدون كعائلة من ~~قطاع الطرق. وعلى جانب الطريق كانت مجموعة من النساء السمراوات ذوات البشرة الذابلة ~~يلففن حول أجسادهن رداء بنيا باهت اللون يرتبن في أكوام سلالا من القش ممتلئة ~~بفاكهة ناضجة، وميكانيكيان يجلسان أمام مرأب في الهواء الطلق، ويهشان الذباب بخمول ~~وهما يفككان محركا. ومن خلفهما تنحدر بعض أجزاء التربة الطينية لتصبح مقلبا ~~للنفايات المحترقة حيث كان طفلان مستديرا الرأس يطاردان بجنون دجاجة ms036 سوداء هزيلة. ~~وانزلق الطفلان في الوحل وقشر الذرة وأوراق شجر الموز، يصرخان في سعادة حتى اختفيا في ~~الطريق القذر خلفهما. # وما إن وصلنا إلى الطريق السريع حتى قل الزحام، خرجنا من سيارة الأجرة أمام السفارة ~~حيث استقبلتنا إيماءات الترحيب من اثنين من رجال المارينز يرتديان ملابس أنيقة. وداخل ~~فناء السفارة حل صوت الإيقاع المنتظم لتقليم الأشجار محل ضوضاء الشارع. كان رئيس ~~أمي في العمل رجلا أسود بدينا قصير الشعر بدأ الشيب يخط صدغيه. ويتدلى علم ~~الولايات المتحدة من على عصا طويلة بجوار مكتبه. وقد مد إلي يده مصافحا بقوة ~~قائلا: «كيف حالك أيها الشاب؟» كانت تنبعث منه رائحة عطر ما بعد الحلاقة وياقة ~~القميص المشدودة تحيط عنقه بإحكام. ووقفت منتصب القامة وأنا أجيب أسئلته عن تقدمي في ~~الدراسة. وكان الهواء في غرفة المكتب باردا وجافا، مثل هواء قمم الجبال، نسيم نقي ~~عليل. # انتهت مقابلتنا، وأجلستني أمي في المكتبة في حين ذهبت هي لإنجاز بعض الأعمال. انتهيت ~~من قراءة كتب الرسوم المسلية ومن الواجب الدراسي الذي جعلتني أمي أحضره معي قبل أن ~~أصعد على مقعدي لأستعرض الكتب على الأرفف. كانت معظم الكتب لا تثير اهتمام صبي في ~~التاسعة من عمره؛ تقارير البنك الدولي، ودراسات جيولوجية، وخطط خمسية للتنمية. لكني ~~وجدت في أحد الأركان مجموعة من أعداد مجلة «لايف» معروضة بشكل أنيق في غلاف بلاستيكي ~~شفاف. قلبت في الإعلانات الجذابة - شركة جوديير للإطارات، وشركة دودج فيفر، وشركة ~~زينيث لأجهزة التليفزيون («لماذا ليس أفضل الأنواع؟») وحساء كامبل (ممم، شهي!) - ورجال ~~يرتدون بلوفرات بيضاء ذات رقبة طويلة يسكبون الخمر على الثلج ونساء يرتدين جونلات حمراء ~~قصيرة يشاهدن بإعجاب، ولسبب غريب بث هذا في نفسي الطمأنينة. وعندما رأيت صورا ~~إخبارية، حاولت أن أخمن موضوع القصة قبل قراءة التعليق. رأيت صورة لأطفال فرنسيين ~~ينطلقون في شوارع معبدة بالحصى الكبير، كان مشهدا سعيدا يلعبون فيه لعبة ~~الاستغماية بعد يوم من الكتب المدرسية والواجبات اليومية المملة، وكانت ضحكاتهم تعبر ~~عن الحرية. ثم صورة سيدة يابانية تضع برفق فتاة ms037 صغيرة عارية في حوض غير عميق، كان ~~ذلك المشهد حزينا؛ فالفتاة كانت مريضة وساقاها ملتويتان ورأسها ملقى إلى الخلف على ~~صدر الأم، كان الحزن محفورا على ملامح وجه الأم، ربما كانت تلقي باللوم على نفسها ~~... # وفي النهاية صادفت صورة لرجل عجوز يرتدي نظارة سوداء ومعطف مطر يسير في طريق خاو. ~~لم أستطع تخمين ما الذي تدور حوله هذه الصورة؛ فلم يبد بها أي شيء غير عادي عن ~~الموضوع. وفي الصفحة التالية وجدت صورة أخرى، هذه المرة صورة أقرب ليدي الرجل نفسه. ~~وكانتا شاحبتين شحوبا غير طبيعي، كما لو أن الدماء قد سحبت من الجسد. فعدت إلى ~~الصورة الأولى، وفي تلك اللحظة فقط رأيت أن شعر الرجل المجعد وشفتيه الغليظتين ~~وأنفه العريض الضخم جميعها لها نفس اللون الشاحب المخيف. # وجال في خاطري أن الرجل يعاني مرضا شديدا، أو ربما يكون ضحية التعرض لإشعاع أو ~~ربما يكون أمهق؛ فقد رأيت أحد هؤلاء الناس في الشارع قبل بضعة أيام، وشرحت لي أمي هذه ~~الأشياء. لكن عندما قرأت ما صحب الصورة من تعليق أدركت أنه ليس واحدا من هؤلاء؛ فقد ~~جاء في المقال أن الرجل تلقى علاجا كيميائيا لتفتيح لون بشرته. وقد دفع نقود ~~العملية من أمواله الخاصة. ثم أبدى بعض الندم على محاولة تغيير نفسه إلى رجل أبيض، ~~وكان يشعر بالأسف للنتيجة السيئة التي آلت إليها الأمور. لكن لا يمكن إعادة بشرته إلى ~~ما كانت عليه. آلاف الأشخاص مثله، رجال ونساء سود في أمريكا كانوا سيودون الخضوع لهذا ~~العلاج استجابة للدعاية التي تعدهم بحياة سعيدة إذا أصبحوا من البيض. # تدفقت الدماء الساخنة إلى وجهي وعنقي، وبدأت معدتي تتقلص، وبدت الحروف غير ~~واضحة أمام عيني. هل كانت أمي تعلم بشأن هذا؟ ماذا عن رئيسها، لماذا كان شديد الهدوء ~~وهو يقرأ التقارير على مقربة منها في الرواق؟ وكانت لدي رغبة قوية في أن أقفز من ~~على مقعدي لأريهم ما رأيته، وأن أطلب منهم تفسيرا أو طمأنة. لكن شيئا ما أوقفني. وكما ~~يحدث في الأحلام لم ms038 يكن هناك صوت لمخاوفي الجديدة، وعندما عادت أمي لتصطحبني إلى ~~المنزل كانت الابتسامة تعلو وجهي وعادت المجلات إلى مكانها الصحيح. والغرفة والجو عادا ~~هادئين كما كانا من قبل. ~~••• # كنا قد قضينا في إندونيسيا في ذلك الوقت ما يزيد عن ثلاثة أعوام نتيجة زواج والدتي ~~من رجل إندونيسي اسمه لولو كان هو الآخر طالبا قابلته أمي في جامعة هاواي. واسمه ~~يعني بلغة هاواي «مجنون»، الأمر الذي جعل جدي ينفجر ضحكا بلا توقف، لكن المعنى لم ~~يكن مناسبا للرجل؛ إذ كان لولو يتمتع بكياسة وأخلاق شعبه. فهو قصير القامة أسمر ~~البشرة وسيم الطلعة أسود الشعر كثيفه، له ملامح من الممكن أن تكون ملامح أحد أبناء ~~المكسيك أو ساموا أو إندونيسيا، ويجيد لعب التنس، وله ابتسامة هادئة رائعة، وكان رابط ~~الجأش أيضا. ولمدة عامين - منذ أن كنت في الرابعة حتى أصبحت في السادسة - احتمل عددا ~~لا حصر له من ساعات لعب الشطرنج مع جدي وجولات طويلة من المصارعة معي. وعندما أجلستني ~~أمي في أحد الأيام لتخبرني أن لولو قد عرض عليها الزواج ويريدنا أن ننتقل معه إلى مكان ~~بعيد، لم أتفاجأ ولم أبد أي اعتراض أيضا. لكني سألتها هل تحبه؛ فقد أصبحت على ~~خبرة كافية لأن أدرك أهمية مثل هذه الأشياء. فبدأ ذقن أمي يرتجف مثلما يحدث عندما ~~تقاوم دموعها، وضمتني بين ذراعيها لوقت طويل مما جعلني أشعر بأني شجاع، مع أني لم أكن ~~واثقا من سبب هذا الشعور. # ترك لولو هاواي فجأة بعد ذلك، وقضيت أنا وأمي شهورا نجري استعداداتنا؛ جوازات ~~السفر والتأشيرات وتذاكر الطيران وحجز الفنادق وسلسلة لا تنتهي من الصور. وبينما كنا ~~نحزم حقائبنا، أخرج جدي أطلس جغرافية العالم ووضع علامات على أسماء سلسلة جزر ~~إندونيسيا: جاوة وبورنيو وسومطرة وبالي. وقال إنه يتذكر بعض الأسماء من قراءة أعمال ~~جوزيف كونراد وهو صبي. كان يطلق عليها في ذلك الوقت «جزر البهار»، ولهذه الجزر أسماء ~~ساحرة محاطة بالغموض. وقال: «يقول الكتاب إنه لا تزال توجد هناك نمور.» وتابع: «وإنسان ~~الغاب.» ونظر إلى ms039 الكتاب واتسعت عيناه وقال: «يقول إنه يوجد هناك صائدو رءوس!» في ذلك ~~الوقت اتصلت جدتي بوزارة الخارجية لتعرف هل البلد مستقر. وأيا كان من تحدثت إليه ~~فقد أخبرها أن الموقف تحت السيطرة، لكنها أصرت على أن نحمل معنا عدة صناديق مليئة ~~بالأطعمة: مسحوق عصير تانج، وحليب مجفف، وعلب من سمك الساردين. وقالت بحزم: «من يدري ~~ماذا يأكل أولئك الناس!» فتنهدت أمي، لكن جدتي قذفت بعدة علب من الحلوى كي تكسبني ~~إلى صفها. # أخيرا صعدنا على متن طائرة تابعة لشركة «بان أمريكان» لنبدأ رحلتنا حول العالم. ~~كنت أرتدي قميصا أبيض اللون طويل الأكمام وربطة عنق مثبتة بدبوس، وقد أمطرتني ~~المضيفات بألعاب ألغاز وكمية إضافية من الفول السوداني، وأجنحة طيار معدنية وضعتها فوق ~~جيب القميص. وفي أثناء التوقف لثلاثة أيام في اليابان سرنا تحت أمطار شديدة البرودة ~~لنرى تمثال بوذا الفضي العظيم في كاماكورا المصنوع من البرونز وتناولنا آيس كريم بالشاي ~~الأخضر في معدية تنتقل عبر البحيرات الجبلية المرتفعة. وفي المساء كانت أمي تذاكر ~~بطاقات تعليم اللغات الأجنبية المصورة. وما إن هبطنا من الطائرة في جاكرتا - كان ~~مهبط الطائرات شديد الحرارة والشمس متوهجة كأنها فرن - حتى أمسكت بيد أمي عاقدا ~~العزم على حمايتها من أي شيء قد نجابهه. # كان لولو هناك في استقبالنا، وقد ازداد وزنه بضعة أرطال، وأصبح هناك شارب كث يلوح ~~فوق ابتسامته. وقد احتضن أمي ورفعني لأعلى في الهواء، وأخبرنا أن نتبع الرجل الصغير ~~النحيل الذي يحمل حقائبنا في الطابور الطويل في الجمارك ثم إلى السيارة التي كانت ~~بانتظارنا. ابتسم الرجل بابتهاج وهو يضع الحقائب في حقيبة السيارة، وحاولت أمي أن تقول ~~له شيئا، لكن الرجل ضحك وأومأ برأسه. التف الناس حولنا يتحدثون بسرعة بلغة لا ~~أعرفها وتنبعث منهم رائحة غريبة. ولوقت طويل شاهدت لولو يتحدث إلى مجموعة من الجنود ~~الذين يرتدون زيا موحدا بني اللون. وكان بحوزتهم مسدسات يضعونها في جرابها، ~~لكنهم بدوا في مزاج مرح، يضحكون على شيء ما قاله لولو. وعندما انضم إلينا لولو ~~أخيرا، سألته ms040 أمي هل يريد الجنود فحص حقائبنا. # فقال وهو يستقل السيارة ويشغل مقعد السائق : «لا تقلقي ... لقد اهتممت بكل شيء.» وتابع: ~~«إنهم أصدقائي.» # أخبرنا لولو أنه استعار السيارة، لكنه اشترى دراجة بخارية جديدة يابانية الصنع، ~~وستفي بالغرض في الوقت الراهن. كان قد انتهى من إعداد المنزل الجديد ولم يتبق سوى ~~قليل من اللمسات الأخيرة. وقد سجل اسمي بالفعل في مدرسة قريبة، وأقرباؤه يتوقون ~~لمقابلتنا. وبينما كان يتحدث هو وأمي، أخرجت رأسي من النافذة الخلفية وأخذت أحدق ~~فيما نمر به من مناظر طبيعية بنية وخضراء متعاقبة، وقرى تتبعها غابات، ورائحة وقود ~~الديزل واحتراق الأخشاب. وكان الرجال والنساء يسيرون برشاقة مثل طيور الغرنوق عبر حقول ~~الأرز، والقبعات القشية العريضة تخفي وجوههم. وكان هناك صبي مبتل وأملس مثل ثعلب الماء ~~يجلس على ظهر جاموسة ماء لها وجه مضحك ويضربها على فخذها بعصا من الخيزران. أصبحت ~~الشوارع أكثر ازدحاما؛ إذ ظهرت المحال الصغيرة والأسواق والناس يجرون عربات محملة ~~بحصى وأخشاب، ثم أصبحت المباني أكثر ارتفاعا مثل المباني الموجودة في هاواي - فندق ~~إندونيسيا الذي يقول عنه لولو إنه حديث للغاية والمركز التجاري الجديد، أبيض ومتألق - ~~ولكن قليلا منها فقط كان أطول من الأشجار التي كانت ترطب الهواء على الطريق. ~~وعندما مررنا بصف من المنازل الكبيرة العالية الحواجز وبها مخافر للحراسة، قالت أمي ~~شيئا لم أستطع تمييزه بوضوح عن الحكومة ورجل يسمى سوكارنو. # فصحت أنا من المقعد الخلفي للسيارة: «من هو سوكارنو؟» لكن بدا أن لولو لم يسمعني. ~~وبدلا من ذلك لمس ذراعي وتحرك أمامنا. قال: «انظر»، وهو يشير إلى الأعلى. وهناك كان ~~يقف منفرج الساقين على جانبي الطريق عملاق ضخم يصل طوله إلى ارتفاع 10 طوابق على ~~الأقل، وله جسد إنسان ووجه قرد. # قال لولو ونحن ندور حول التمثال: «هذا هو هانومان، الإله القرد.» فاستدرت في مقعدي ~~وتسمرت وأنا أنظر إلى التمثال الوحيد الذي بدا شديد السواد في مقابل الشمس، ومتأهبا ~~للقفز نحو السماء في الوقت الذي تدور فيه حركة المرور الضعيفة حول قدميه. وقال لولو ms041 ~~بحزم: «إنه محارب عظيم.» وتابع: «يتمتع بقوة 100 رجل. وعندما يحارب الشياطين يهزمهم ~~دائما.» # كان المنزل في منطقة تحت التطوير في ضواحي المدينة. والطريق يمتد عبر جسر ضيق فوق ~~نهر واسع مياهه بنية اللون، وعندما مررنا رأيت فلاحين يستحمون ويغسلون ملابسهم على ~~طول الضفاف المنحدرة بالأسفل. وبعد ذلك انعطف الطريق المعبد إلى الطرق المغطاة ~~بالحصى، ثم طريق ترابي عندما انعطف ليمر أمام متاجر صغيرة وبيوت من طابق واحد مطلية ~~بالجير حتى توقفت أخيرا عند ممرات المشاة الضيقة للقرى الصغيرة. كان المنزل نفسه ~~متواضعا من الجص والطوب الأحمر، لكنه مفتوح ويدخله الهواء، وبه شجرة مانجو كبيرة في ~~الفناء الأمامي الصغير. وعندما دخلنا من البوابة قال لولو إن لديه مفاجأة لي، وقبل أن ~~يذكرها سمعنا صوت عواء يصم الآذان من أعلى الشجرة. فقفزت أنا وأمي إلى الوراء بهلع ~~ورأينا مخلوقا كبيرا كثيف الشعر له رأس صغير مسطح وذراعان طويلتان تسببان الرعب ~~يهبط إلى غصن متدل. # فصرخت: «سعدان!» # صححت أمي: «بل قرد.» # فأخرج لولو حبة فول سوداني من جيبه ووضعها بين أصابع الحيوان. وقال: «اسمه تاتا.» ~~وتابع: «وقد أحضرته من غينيا الجديدة إلى هنا من أجلك.» # فبدأت أتقدم قليلا كي أنظر إليه عن قرب، لكن تاتا هدد بأن يندفع فجأة للأمام، ~~وكانت عيناه السوداوان الدائريتان شرستين ومليئتين بالشك. فقررت أن أظل حيث أنا. # فقال لولو وهو يعطي تاتا حبة أخرى من السوداني: «لا تقلق.» وتابع: «إنه مقيد ~~بحبل. تعال، هناك المزيد.» # فنظرت إلى أمي، فابتسمت لي بتردد. وفي الفناء الخلفي وجدنا ما يشبه حديقة حيوان ~~صغيرة: دجاج وبط يركض في كل مكان، وكلب أصفر كبير له نباح مخيف، واثنان من طيور ~~الفردوس، وببغاء كوكاتو أبيض اللون، وأخيرا تمساحان صغيران كانا شبه مغمورين في بحيرة ~~محاطة بسياج باتجاه نهاية المنزل. حدق لولو في التمساحين وقال: «لقد كانوا ثلاثة، ~~لكن أكبرها خرج زاحفا عبر حفرة في السياج. وتسلل إلى حقل أرز ملك شخص ما وأكل إحدى ~~بطات صاحب الحقل. وكان علينا أن نصطاده على ضوء ms042 الكشافات.» # كان الليل قد أوشك أن يرخي ستائره، ولكننا أخذنا نزهة قصيرة على الطريق الطيني إلى ~~القرية. ولوحت مجموعات من أطفال الجيران الضاحكين لنا وهم في منازلهم. وجاء بعض كبار ~~السن من الرجال حفاة القدمين لمصافحتنا. وقفنا أمام منطقة عامة، حيث كان أحد رجال لولو ~~يرعى بعض الماعز، وجاء ولد صغير إلى جواري يمسك يعسوبا يرفرف بجناحيه في طرف خيط. ~~وعندما عدنا إلى المنزل، كان الرجل الذي حمل متاعنا يقف في الفناء الخلفي يطوي أسفل ~~ذراعه دجاجة لونها بني يميل إلى الأحمر ويحمل في يده اليمنى سكينا طويلا. وقال شيئا ~~للولو، الذي أومأ له ثم نادى على أمي وعلي. لكن أمي طلبت مني أن أنتظر حيث أنا ونظرت ~~إلى لولو متسائلة. ~~«ألا ترى أنه لا يزال صغيرا؟» # فهز لولو كتفيه ونظر إلي. قال: «على الصبي أن يعرف من أين يأتي عشاؤه. ما رأيك يا ~~باري؟» فنظرت إلى أمي ثم استدرت لمواجهة الرجل الذي يحمل الدجاجة. فأومأ لولو مرة ~~أخرى، وشاهدت الرجل وهو يضع الطائر أرضا، ويثبته برفق أسفل إحدى ركبتيه، ثم أبعد ~~عنقه عن جسده ليصبح فوق بالوعة قريبة. ولدقيقة أخذ الطائر يناضل، ويضرب بجناحيه الأرض ~~بقوة، وتطايرت بضع ريشات في الهواء لترقص مع الرياح. ثم سكن تماما، فمرر الرجل شفرة ~~السكين على عنق الطائر في حركة واحدة هادئة. واندفعت الدماء في شريط قرمزي طويل. ونهض ~~الرجل وهو يحمل الطائر بعيدا عن جسده، ثم ألقاه فجأة عاليا في الهواء. وسقط الطائر ~~بصوت مكتوم على الأرض ثم جاهد ليقف على قدميه، ورأسه يتدلى بشكل غريب على جانبه ~~ورجلاه تدوران بجنون في دوائر غير منتظمة. وشاهدت الدائرة التي يلف فيها الطائر ~~تضيق، وأصبح الدم يسيل ببطء محدثا صوتا كالقرقرة، حتى انهار الطائر على الحشائش وقد ~~فارق الحياة. # مسح لولو على رأسي بيديه وأخبرني أنا وأمي أن نذهب ونغتسل قبل العشاء. تناولنا نحن ~~الثلاثة الطعام؛ دجاجا وأرزا بهدوء على ضوء مصباح أصفر خافت، ثم كانت الحلوى فاكهة ~~حمراء قشرها كثير الشعر، رائعة المذاق ms043 في منتصفها حتى إنه لم يوقفني عن تناولها إلا ~~آلام المعدة. وبعد ذلك سمعت - وأنا أنام وحيدا أسفل مظلة للحماية من الناموس - صوت ~~صراصير الليل أسفل ضوء القمر، وتذكرت الانتفاضة الأخيرة للحياة التي شاهدتها قبل ~~ساعات قليلة. ولم أكد أصدق حظي السعيد. ~~••• ~~«أول شيء تتذكره هو كيف تحمي نفسك.» # وقفت في مواجهة لولو في الفناء الخلفي. وقبل ذلك بيوم عدت إلى المنزل وعلى جانب رأسي ~~تورم في حجم البيضة. فنظر إلي لولو وهو يغسل دراجته البخارية وسألني ماذا حدث، ~~فأخبرته عن مشادة وقعت بيني وبين صبي أكبر مني يقطن في آخر الشارع. وأخبرته أن هذا ~~الصبي أخذ كرة قدم صديقي وجرى ونحن في منتصف اللعبة. وعندما طاردته التقط حجرا من ~~الأرض. ثم قلت وصوتي يختنق من الحزن هذا ليس عدلا. لقد غشني. # مرر لولو أصابعه في شعري وفحص الجرح بهدوء. ثم قال في النهاية قبل أن يعود إلى ~~عمله: «إنه لا ينزف.» # ظننت بذلك أن الموضوع قد انتهى. ولكن عندما عاد إلى المنزل من العمل في اليوم التالي، ~~كان معه زوجان من قفازات الملاكمة. وكانت لهما رائحة الجلد الجديد، الزوج الأكبر كان ~~أسود اللون وكان الأصغر أحمر، وأربطتهما معقودة، وملقيان على كتفه. # انتهى لولو من عقد الرباط في قفازي وتراجع إلى الخلف ليرى نتيجة عمله. تدلت يداي إلى ~~جانبي مثل مصابيح تتدلى في طرف سلك رفيع. فهز رأسه ورفع القفازين ليغطيا وجهي. # قال لولو: «أبق يديك مرفوعتين لأعلى.» وأخذ يضبط وضع مرفقي وتراجع ليتخذ وقفة ~~مناسبة وبدأ يتحرك في مكانه. وقال: «عليك أن تستمر في التحرك، ولكن اخفض رأسك لأسفل ~~دائما، لا تمنحهم هدفا يضربونه. بماذا تشعر؟» أومأت برأسي وأنا أقلده بقدر ما ~~أستطيع. وبعد بضع دقائق، توقف ورفع راحة يده في مواجهة أنفي. # وقال: «حسنا. دعنا نر ضربتك.» # هذا شيء أعرف كيف أقوم به. فتراجعت خطوة للخلف، وشحذت قواي وسددت أفضل ضربة لدي. ~~وتمايلت يده بالكاد. # فقال لولو: «ليس سيئا.» وأومأ لنفسه ولم تتغير تعبيرات وجهه. وتابع: «ليس سيئا ms044 ~~على الإطلاق. لكن انظر أين يداك الآن. ماذا قلت لك؟ ارفعهما لأعلى ...» # رفعت ذراعي وسددت ضربات خفيفة لراحة يد لولو وأنا ألقي نظرة عليه على نحو ~~متكرر وأدركت إلى أي مدى أصبح وجهه مألوفا لي بعد سنتين معا، مألوفا بالضبط كالأرض ~~التي كنا نقف عليها. استغرقت أقل من ستة شهور كي أتعلم اللغة الإندونيسية والعادات ~~والأساطير فيها. وتعرضت للإصابة بالجديري المائي والحصبة وتعافيت منهما، وتذوقت لسعة ~~عصي المدرسين المصنوعة من الخيزران. وأصبح أقرب أصدقائي هم أبناء الفلاحين والخدم ~~والموظفين الحكوميين العاملين بوظائف قليلة الأهمية، وكنا نركض في الشوارع مساء ~~وصباحا، ونقوم بأعمال غريبة؛ فنمسك بصراصير الليل، ونحارب الطيارات الورقية بأسلاك ~~حادة كالأمواس، وكان الخاسر يرى طائرته الورقية وهي تحلق بعيدا مع الرياح، ويعرف أنه ~~في مكان ما هناك أطفال آخرون كونوا صفا يتحرك من جانب لآخر على نحو غير مستقر، ~~ورءوسهم تتجه إلى السماء منتظرين أن تهبط عليهم جائزتهم. ومع لولو تعلمت كيف آكل ~~الفلفل الأخضر الصغير نيئا على العشاء (مع كثير من الأرز)، وبعيدا عن مائدة العشاء، ~~جربت لحم الكلاب (صعب المضغ)، ولحم الثعابين (أصعب) والجراد المشوي (مقرمش). وعلى ~~غرار معظم الإندونيسيين، تبع لولو فرقة من الإسلام يمكن أن تتسع معتقداتها لتشمل بقايا ~~العقائد القديمة الأكثر روحانية والهندوسية. وكان يرى أن الرجل يستمد قوته مما يأكله، ~~ووعدني أنه سيحضر لنا قريبا قطعة من لحم نمر لنأكلها معا. # هكذا كانت تسير الأمور، مغامرة واحدة طويلة، إثراء لحياة صبي صغير. وفي خطابات ~~لجدي كنت أسجل بصدق الكثير من هذه الأحداث، وأنا واثق بأن طرودا من الشيكولاتة ~~وزبدة الفول السوداني الأكثر رقيا ستتبع هذه الخطابات. لكن لم تكن الخطابات تحمل كل ~~ما أمر به؛ فبعض الأشياء وجدت أنه من الصعب تفسيرها. فلم أخبر جدي عن وجه الرجل الذي ~~جاء يطرق بابنا في أحد الأيام وفي وجهه حفرة عميقة في المكان الذي من المفترض أن يكون ~~فيه أنفه، وصوت الصفير الذي صدر منه وهو يسأل أمي بعض الطعام. ولم أذكر لهما أيضا تلك ms045 ~~المرة التي أخبرني فيها أحد زملائي في منتصف فسحة اليوم الدراسي أن شقيقه الرضيع ~~توفي الليلة السابقة بسبب روح شريرة جلبتها الرياح، والرعب الذي تراقص في عيني صديقي ~~لوهلة قبل أن يطلق ضحكة غريبة ويلكمني في ذراعي ويطلق ساقيه للريح. ولم أذكر تلك ~~النظرة الخاوية التي ارتسمت على وجوه الفلاحين في العام الذي لم تهطل فيه الأمطار قط، ~~وانحناء أكتافهم وهم يتجولون حفاة في الحقول القاحلة المتشققة وينحنون كثيرا ~~ليفتتوا التربة الزراعية بين أصابعهم، ولم أكتب عن إحباطهم العام التالي عندما هطلت ~~الأمطار دون توقف لما يزيد عن شهر، مما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه في النهر ~~والحقول حتى إن المياه كانت تتدفق في الشوارع وقد وصلت إلى مستوى خصري، والعائلات ~~تتزاحم لإنقاذ ما يملكون من الماعز والدجاج حتى بعد أن جرفت المياه أجزاء من ~~أكواخهم. # عرفت أن العالم عنيف، ولا يمكن توقع ما سيحدث فيه وغالبا ما يكون قاسيا. ورأيت ~~أن جدي لا يعرفان شيئا عن مثل هذا العالم، ولم يكن هناك مغزى من إزعاجهما بأسئلة ~~لا يستطيعان الإجابة عنها. وفي بعض الأحيان، عندما كانت أمي تعود من العمل كنت أخبرها ~~عن الأشياء التي رأيتها أو سمعت عنها، وكانت تضرب براحة يدها على جبهتي وتستمع إلي ~~باهتمام، وتبذل قصارى جهدها في تفسير ما تستطيع. وكنت دائما أقدر هذا الاهتمام؛ ~~فصوتها ولمسة يدها كانا يمثلان لي الأمان. لكن معلوماتها عن الفيضانات والتعاويذ ~~ومصارعة الديوك جعلت هناك الكثير من الأشياء التي أود تعلمها. فكل شيء جديد علي ~~كان جديدا عليها، وكنت أخرج من تلك الحوارات وأنا أشعر بأن أسئلتي قد منحتها سببا غير ~~ضروري للقلق. # لذا فقد اتجهت للولو أطلب منه الإرشاد والنصح. ولم يكن لولو شخصا كثير الكلام، لكن ~~من المريح أن تكون معه، وكان يقدمني لعائلته وأصدقائه بصفتي ابنه، لكن الأمور بيننا ~~لم تتطور إلى أكثر من نصائح مباشرة، ولم يتظاهر أن علاقتنا أكثر مما هي عليه حقا. ~~وأنا تفهمت هذه المسافة؛ فقد كانت تعني ضمنا وجود ثقة بيننا ms046 كرجلين. وبدت معلوماته ~~عن العالم لا تنضب. فلم تتضمن هذه المعلومات كيفية تغيير الإطار الذي تسرب منه ~~الهواء، أو الثغرات في لعبة الشطرنج فحسب. بل كان يعرف أمورا تتصف بقدر كبير من ~~المراوغة، وطرقا للتعامل مع المشاعر التي كانت تنتابني، وطرقا لشرح ألغاز القدر ~~المستمرة. # على سبيل المثال مسألة كيفية التعامل مع المتسولين. بدوا أنهم كانوا ينتشرون في كل ~~مكان؛ فقد كانوا معرض للمرضى من الرجال والنساء والأطفال الذين يرتدون ملابس رثة ~~تغطيها القاذورات، وبعضهم فقد ذراعيه والبعض الآخر فقد قدميه، وبعضهم ضحايا لمرض ~~الإسقربوط أو شلل الأطفال أو الجذام يسيرون على أيديهم أو يتدحرجون على الأرصفة ~~المزدحمة في عربات بالية، وسيقانهم ملتوية خلفهم مثل البهلوانات المتخصصين في تنفيذ ~~حركات صعبة بأجسادهم. في البداية كنت أرى أمي تعطي نقودا لأي شخص يتوقف عند باب ~~بيتنا أو يمد لها يده ونحن نسير في الشوارع. بعد ذلك عندما أصبح من الجلي أن فيضان ~~الآلام لا ينتهي كانت تنتقي من تمنحهم نقودا بعد أن تعلمت تقييم درجة البؤس. ورأى ~~لولو أن حساباتها الأخلاقية مثيرة للإعجاب لكنها سخيفة، وكلما رآني أنهج نهجها وأمنح ~~المتسولين العملات القليلة التي أمتلكها رفع حاجبيه وانتحى بي جانبا وسألني: «كم معك ~~من النقود؟» # فكنت أفرغ جيبي. وأقول: «30 روبية.» ~~«وكم عدد المتسولين في الشارع؟» # حاولت أن أتخيل عدد من مر إلى جوار منزلنا في الأسبوع المنصرم. فيقول بمجرد أن ~~يظهر علي أني لا أستطيع إحصاء العدد: «أرأيت؟» ويتابع: «من الأفضل أن تدخر أموالك ~~وتحرص على ألا ينتهي بك الأمر أنت شخصيا في الشارع.» # وكان يطبق المبدأ نفسه مع الخدم الذين كان معظمهم فلاحين. كانوا شبابا وصلوا إلى ~~المدينة حديثا ويعملون غالبا لدى عائلات ليسوا أحسن حالا منهم بكثير، ويرسلون ~~النقود إلى أهلهم في القرية أو يدخرون ما يكفي لأن يبدءوا مشاريعهم الخاصة. وعندما ~~كان لولو يرى أن لديهم طموحا، كان يساعدهم ليبدءوا أعمالهم الخاصة، ويتسامح بصفة عامة ~~مع صفاتهم الشخصية غير المألوفة؛ فقد استأجر لأكثر من عام شابا طيبا ms047 يحب أن يرتدي ~~ملابس نسائية في عطلة نهاية الأسبوع، وكان لولو يحب الطعام الذي يطهوه، لكنه من الممكن ~~أن يطرد الخدم دون أي شعور بالذنب إذا كانوا غير مهرة أو كثيري النسيان أو يكلفونه ~~نقودا كثيرة، وكان يشعر بالحيرة عندما أحاول أنا أو أمي أن نحميهم من حكمه ~~عليهم. # وقد قال لي لولو في أحد الأيام بعد أن حاولت أمي أن تتحمل هي اللوم لإسقاط جهاز ~~راديو من على الخزانة: «إن أمك رقيقة القلب.» وتابع: «وهذه صفة جميلة في النساء. لكنك ~~ستكون رجلا يوما ما، ويجب على الرجل أن يتحلى بمزيد من العقل.» # وقال إن هذا ليس له علاقة بما إذا كان المرء طيبا أم شريرا، أو يحب الناس أو ~~يكرههم. إنها مسألة تقبل الحياة بشروطها. # شعرت بضربة عنيفة في الفك، ونظرت إلى أعلى إلى وجه لولو الذي يتصبب عرقا. ~~«انتبه. وأبق يديك مرفوعة لأعلى.» # تدربنا نصف ساعة أخرى قبل أن يقرر لولو أن وقت الراحة قد حان. كانت ذراعاي ~~تؤلمانني، ورأسي يخفق بألم مستمر. أخذنا إبريقا مليئا بالماء وجلسنا بالقرب من بحيرة ~~التماسيح. # وسألني: «أتشعر بالتعب؟» # سقط جسدي للأمام وأنا أومئ له بالإيجاب بصعوبة. فابتسم وشمر عن إحدى ساقيه ليحك ~~الجزء الخلفي من ساقه. فلاحظت سلسلة من الندبات المسننة التي تمتد من الكاحل لأعلى ~~حتى منتصف قصبة ساقه. ~~«ما هذه؟» ~~«إنها علامات تركتها الطفيليات.» وتابع: «ذلك منذ أن كنت في غينيا الجديدة. إنها ~~تزحف داخل حذاء الجيش أثناء السير في المستنقعات. وعندما تنزع الجوارب في المساء تجدها ~~ملتصقة في هذا المكان منتفخة من امتصاص الدماء. وعندما تنثر عليها الملح تموت، لكن ~~عليك أن تحفر في جسدك بسكين ساخن لاستخراجها.» # مررت أصبعي على إحدى الندبات البيضاوية الشكل. وكانت ناعمة وخالية من الشعر في ~~الأماكن التي تعرض فيها الجلد للحرق. وسألت لولو عما إذا كانت قد آلمته. # فقال وهو يرتشف جرعة ماء من الإبريق: «بالطبع كانت مؤلمة.» واستدرك: «لكن في بعض ~~الأحيان لا يهمك هل الأمر مؤلم أم لا. إنما يهمك ms048 فقط القيام بما عليك أن تقوم ~~به.» # ساد بيننا صمت لبعض الوقت وكنت أراقبه بطرف عيني . وأدركت أنني لم أسمعه قط يتحدث ~~عما يشعر به. لم أره قط غاضبا أو حزينا. لقد بدا وكأنه يعيش في عالم من الأسطح ~~الصلبة والأفكار المحددة بدقة. وفجأة قفزت إلى ذهني فكرة غريبة. # فسألته: «هل رأيت في حياتك شخصا يقتل؟» # فنظر إلى الأسفل وقد باغته السؤال. # فأعدته عليه مرة أخرى: «هل رأيت؟» # فقال: «نعم.» ~~«هل كان المشهد داميا؟» ~~«نعم.» # فكرت لدقيقة وسألت. «لماذا قتل الرجل؟ أعني الرجل الذي رأيت؟» ~~«لأنه كان ضعيفا.» ~~«هذا كل شيء؟!» # فهز لولو كتفيه وعاد ليغطي ساقه التي كشفها. وقال: «عادة ما يكون هذا كافيا، ~~فالناس تستغل ضعف الآخرين. إنهم بالضبط مثل الدول في هذا الأمر. فالرجل القوي يستولي ~~على أرض الضعيف. ويجعل الضعيف يعمل في حقوله. وإذا كانت زوجة الرجل الضعيف جميلة فإن ~~القوي سيأخذها.» وتوقف ليأخذ رشفة أخرى من الماء ثم سألني: «أيهما تفضل أن ~~تكون؟» # لم أجب عليه، فنظر بعينين شبه مغمضتين إلى السماء. وقال في النهاية وهو ينهض على ~~قدميه: «من الأفضل أن تكون قويا.» وتابع: «وإذا لم تستطع أن تكون قويا، فكن ذكيا ~~وتحالف مع شخص قوي. لكن من الأفضل دائما أن تكون أنت نفسك قويا. دائما.» ~~••• # كانت أمي تراقبنا من داخل المنزل، وهي تجلس إلى مكتبها تصحح الأوراق. وتتساءل في ~~نفسها: ما الذي يتحدثان عنه؟ دماء وأحشاء على الأرجح، وربما ابتلاع المسامير. فمثل ~~هذه الأمور تروق للرجال. # وأطلقت ضحكة عالية ثم توقفت. فهذا ليس عدلا. إنها ممتنة بالفعل لاهتمام لولو بي. ~~فلم يكن سيعامل ابنه بطريقة مختلفة. وتعلم أنها محظوظة لطيبة قلب لولو. وضعت أمي ~~أوراقها جانبا وراقبتني وأنا أمارس تمارين الضغط. وأخذت تفكر في أن ابنها يكبر ~~بسرعة. وحاولت أن تتخيل نفسها يوم وصولنا؛ أم في الرابعة والعشرين من عمرها ومعها ~~طفل في رعايتها، ومتزوجة من رجل لا تكاد تعرف تاريخه أو بلده. وأدركت في ذلك الوقت ~~أنها لم تكن تعلم حينها إلا ms049 أمورا قليلة، وأنها كانت تحمل براءتها مع جواز سفرها ~~الأمريكي. وكان من الممكن أن تصبح الأمور أسوأ، بل أسوأ بكثير. # لقد توقعت أن تكون هذه الحياة الجديدة صعبة. وقبل أن تغادر هاواي حاولت أن تعلم ~~كل ما يمكنها عن إندونيسيا: تعداد سكانها؛ فهي خامس دولة في العالم من حيث تعداد ~~السكان وبها المئات من القبائل واللهجات المحلية، وحاولت معرفة تاريخها مع الاستعمار؛ ~~إذ احتلتها في بادئ الأمر هولندا أكثر من ثلاثة قرون، ثم اليابان إبان الحرب ~~العالمية الثانية، سعيا وراء التحكم في مخزونها الكبير من النفط والمعادن والأخشاب، ~~ومعركتها من أجل الاستقلال بعد الحرب وظهور مقاتل من أجل الحرية اسمه سوكارنو ليكون ~~أول رئيس للبلاد. ومنذ عهد قريب نحي سوكارنو لكن التقارير تقول إنه كان انقلابا ~~غير دموي، وإن الشعب أيد التغيير. إذ قالوا إن سوكارنو أصبح فاسدا، مستبدا يعتمد ~~على الخطب المتوهجة لإثارة مشاعر الجماهير، وشديد الانجذاب للشيوعيين. # وإندونيسيا دولة فقيرة ومتخلفة وغريبة تماما، هذا هو ما كانت تعرفه. وكانت مستعدة ~~لمواجهة الدوسنتاريا والحمى، واستعدت لعدم وجود الماء الساخن في الحمامات، وأن عليها أن ~~تجلس القرفصاء على حفرة في الأرض لتتبول، واستعدت لانقطاع الكهرباء كل بضعة أسابيع، ~~وللجو الحار وللناموس المستمر. إنها أمور مزعجة حقا، لكنها كانت أقوى مما تبدو عليه، ~~بل أقوى حتى مما كانت تعرف عن نفسها. وعلى أية حال كان هذا أحد أسباب انجذابها للولو ~~بعد رحيل باراك؛ الوعد بشيء جديد ومهم، مساعدة زوجها في إعادة بناء بلد في مكان مشحون ~~ومليء بالتحديات بعيدا عن متناول يد والديها. # لكنها لم تكن مستعدة للوحدة، الوحدة الدائمة مثل ضيق التنفس. لم يكن بإمكانها أن ~~تشير إلى شيء محدد بدقة. لقد رحب بها لولو ترحيبا حارا وبذل كل ما في وسعه ~~ليجعلها تشعر بالألفة ووفر لها جميع سبل الراحة التي يستطيع. وعاملتها عائلته بلباقة ~~وكرم، وعاملت ابنها كما لو أنه أحد أبنائها. # لكن شيئا ما حدث بينها وبين لولو في العام الذي افترقا فيه. في هاواي كان لولو ~~مفعما ms050 بالحياة، وشديد التوق لتنفيذ خططه. وليلا عندما يكونان وحدهما كان يخبرها كيف ~~ترعرع وهو صبي إبان الحرب ثم رأى والده وشقيقه الأكبر يرحلان عن الأسرة لينضما إلى ~~جيش الثورة، وسمع نبأ مقتلهما وضياع كل شيء، وكيف أضرم الجيش الهولندي النيران في ~~منزلهم فهربوا إلى الريف، وكيف كانت والدته تبيع مجوهراتها قطعة في مقابل الطعام. وقد ~~أخبرها لولو أن الأمور ستتغير بعد رحيل الهولنديين وأنه سيعود للتدريس في الجامعة، ~~وسيكون جزءا من ذلك التغيير. # لكنه لم يعد يتحدث بهذه الطريقة. في الواقع أصبح نادرا ما يتحدث إليها على ~~الإطلاق، إلا عندما تكون هناك ضرورة لذلك أو عندما تتحدث هي إليه، وغالبا لا يكون ~~ذلك إلا عن مهمة حالية مثل إصلاح تسرب ما، أو التخطيط لرحلة لزيارة أحد أقربائه ~~البعيدين. كان الأمر كما لو أنه انجذب إلى مكان مظلم سري، لا يمكن لأحد الوصول إليه ~~مصطحبا معه أكثر جزء مشرق من ذاته. وفي بعض الليالي كانت تسمعه وهو مستيقظ - بعد أن ~~يأوي الجميع إلى الفراش - يتجول في المنزل ومعه زجاجة من الويسكي المستورد غارقا في ~~أسراره. وفي ليال أخرى كان يضع مسدسا أسفل وسادته قبل أن يخلد للنوم. وكلما سألته ~~أمي ما الخطب صدها بلباقة قائلا إنه متعب. وأصبح كما لو أنه لم يعد يثق ~~بالكلمات. لم يعد يثق بالكلمات وبما تحمله من مشاعر. # ساورت والدتي الشكوك بأن هذه المشكلات تتعلق بعمل لولو. فعندما وصلت كان يعمل ~~جيولوجيا في الجيش، يفحص الطرق والأنفاق. كان عملا مرهقا للعقل وغير مجز ماديا؛ ~~فشراء الثلاجة وحدها كلفه مرتبه في شهرين. وأصبح معه زوجة وطفل يتكفل بهما ... فلا ~~عجب أنه كان مكتئبا. ورأت أمي أنها لم تقطع كل هذه المسافة لتكون عبئا عليه. ~~فقررت أن تتحمل هي الأخرى الجزء الخاص بها من المسئولية. # وسرعان ما عثرت على عمل في تدريس اللغة الإنجليزية في السفارة الأمريكية لرجال ~~الأعمال الإندونيسيين - وهو جزء من برنامج مساعدات الولايات المتحدة للدول النامية. ~~وساعدتها النقود لكنها لم تخفف من وحدتها. ولم يكن ms051 رجال الأعمال الإندونيسيون مهتمين ~~كثيرا بتفاصيل اللغة الإنجليزية الدقيقة، وحاول العديد منهم التقرب منها. في السفارة ~~كان الأمريكيون في الغالب رجالا متقدمين في السن يهتمون بعملهم في وزارة الخارجية، أما ~~رجال الاقتصاد أو الصحافة - الذين كانوا يختفون فجأة لشهور - فلم يكن من الواضح ما ~~وظيفتهم أو صلتهم بالسفارة. وبعضهم كان صورة للوجه القبيح للأمريكيين، فكانوا يميلون ~~إلى السخرية من الإندونيسيين حتى يكتشفوا أنها متزوجة من إندونيسي، وعندها يحاولون ~~التذرع بحجة للإفلات من الإحراج كأن يقول أحدهم: لا تعتبري كل ما أقوله جديا، ~~فإن الجو الحار يذهب بعقلي، وكيف حال ابنك، إنه ولد رائع. # ومع ذلك فهؤلاء الرجال كانوا يعرفون البلد جيدا، أو أجزاء منها على الأقل، وحتى ~~المخابئ التي دفنت فيها الهياكل العظمية. وعلى الغداء أو أثناء محادثات عابرة كانوا ~~يخبرونها أشياء لم تكن تعرفها من الأخبار الصحفية التي تنشر. شرحوا لها كيف أن ~~سوكارنو قد سبب قلقا شديدا للحكومة الأمريكية التي كانت تنتابها الهواجس بالفعل ~~بسبب زحف الشيوعية عبر الهند الصينية، وخطبه الرنانة وسياسة عدم الانحياز، لقد كان ~~سيئا بالضبط مثل لومومبا أو جمال عبد الناصر، لكنه كان أسوأ بسبب الأهمية الاستراتيجية ~~لإندونيسيا. وانتشرت شائعات تقول إن وكالة الاستخبارات الأمريكية قد لعبت دورا في ~~الانقلاب، مع أن أحدا لم يكن متأكدا من هذا. لكن الأمر الأكيد هو أن القوات العسكرية ~~بعد الانقلاب اجتاحت الريف بحثا عن متعاطفين مع النظام الشيوعي. وكان عدد القتلى عرضة ~~للتقديرات المختلفة؛ فالبعض قدره ببضع مئات من الآلاف أو ربما نصف مليون. وحتى رجال ~~المخابرات المحنكون لم يعرفوا العدد. # وقد علمت أمي من التلميحات والهمسات الجانبية أننا وصلنا إلى جاكرتا بعد أقل من عام ~~من أكثر حملات القمع وحشية وسرعة في العصر الحديث. وامتلأت نفسها خوفا من فكرة أنه ~~يمكن ابتلاع التاريخ بهذا الشكل، بالطريقة نفسها التي يمكن للأرض الثرية والخصبة ابتلاع ~~أنهار الدماء التي كانت تتدفق في الشوارع، والطريقة التي استطاع بها الناس استكمال ~~أعمالهم وفوق رءوسهم صور عملاقة للرئيس الجديد كما لو أن ms052 شيئا لم يحدث، كشعب منشغل ~~بتطوير نفسه. وعندما اتسعت دائرة أصدقائها من الإندونيسيين كان بعضهم على استعداد لأن ~~يخبرها بقصص أخرى عن الفساد الذي تفشى في الجهات الحكومية، وعمليات الابتزاز التي ~~تنفذها الشرطة والجيش، والصناعات التي نشأت من أجل عائلة الرئيس وحاشيته. وبعد كل قصة ~~جديدة كانت تذهب إلى لولو وتسأله سرا: «هل هذا صحيح؟» # وهو لم يكن يخبرها شيئا. وكلما ازدادت أسئلتها أصبح هو أكثر تمسكا بصمته الهادئ. ~~وكان يسألها: «لماذا تقلقين نفسك بمثل هذه الأحاديث؟» ويستفسر منها قائلا: «لم لا ~~تشترين ثوبا جديدا للحفل؟» وفي النهاية، اشتكت لأحد أقرباء لولو، وهو طبيب أطفال كان ~~يرعى لولو أثناء الحرب. # وقد قال لها قريبه برفق: «إنك لا تفهمين.» ~~«أفهم ماذا؟» ~~«ظروف عودة لولو. إنه لم يخطط للعودة من هاواي بهذه السرعة كما تعرفين. ففي أثناء ~~التطهير استدعي جميع الطلاب الذين يدرسون بالخارج دون تفسير، وسحبت منهم جوازات ~~السفر. وعندما هبط لولو من الطائرة لم تكن لديه فكرة عما قد يحدث بعد ذلك. إننا حتى لم ~~نره؛ فقد اصطحبه المسئولون بالجيش واستجوبوه، وأخبروه أنه جرى تجنيده وسيذهب لأدغال ~~غينيا الجديدة لمدة سنة. لقد كان من المحظوظين. إذ كان حال الطلاب الذين كانوا يدرسون ~~في دول الكتلة الشرقية أسوأ كثيرا. الكثير منهم لا يزالون في السجن. أو ~~اختفوا.» # وقال لها مرة أخرى: «ينبغي ألا تقسي على لولو.» وتابع: «من الأفضل أن ينسى المرء مثل ~~هذه الأوقات.» # غادرت أمي منزل قريبه وهي تشعر بدوار. وفي الخارج كانت الشمس في كبد السماء والهواء ~~مليء بالغبار، لكن بدلا من أن تستقل سيارة أجرة إلى المنزل بدأت تسير دون أن تعرف ~~إلى أين تتجه. ووجدت نفسها في حي للأثرياء حيث يقطن الدبلوماسيون وقادة الجيش في منازل ~~واسعة لها بوابات عالية من الحديد المطروق. ورأت سيدة حافية القدمين ترتدي شالا ممزقا ~~تعبر بوابة مفتوحة وتسير على الطريق الذي يقود إلى داخل المنزل حيث كان مجموعة من ~~الرجال يغسلون أسطولا من السيارات من طراز مرسيدس-بنز، ولاند روفر. صاح ms053 فيها أحد ~~الرجال وأمرها أن تغادر، لكن المرأة وقفت في مكانها، ومدت أمامها يدا ضامرة تستجدي ~~بها والظلال تخفي وجهها. وفي النهاية وضع رجل آخر يده في جيبه ورمى إليها بضع عملات. ~~ركضت المرأة خلف العملات بسرعة مذهلة وهي ترفع عينيها من حين لآخر تتفحص الطريق في ~~شك، وهي تجمع النقود وتضعها في جيب صدرها. ~~«القوة». علقت الكلمة في ذهن أمي مثل اللعنة. في أمريكا تظل مسألة القوة هذه بصفة ~~عامة مختفية عن الأنظار حتى يبحث المرء بنفسه أسفل السطح؛ أي حتى يزور أحد الأماكن ~~المغلقة المخصصة لقبائل الهنود الحمر أو يتحدث إلى شخص أسود بعد أن يكسب ثقته. ~~لكن القوة هنا واضحة لا تعرف تمييزا، عارية، دائما حية في ذاكرتك. لقد أخذت القوة ~~لولو وأعادته مرة أخرى في الوقت الذي ظن فيه أنه هرب منها، مما جعله يشعر بأهميتها، ~~وجعلته يدرك أن حياته ليست ملكه. هكذا سارت الأمور؛ فالمرء لا يستطيع أن يغير شيئا، ~~كل ما يمكنه فعله هو أن يعيش وفقا للقواعد، وهي قواعد بسيطة إذا تعلمها. وهكذا عقد ~~لولو معاهدة سلام مع القوة، وتعلم حكمة النسيان. بالضبط كما فعل زوج أخته الذي جمع ~~الملايين من عمله كمسئول رفيع المستوى في شركة نفط قومية، وبالضبط كما حاول شقيق آخر ~~له أن يفعل إلا أنه أخطأ في حساباته وآل به الحال الآن إلى سرقة قطع من الفضة كلما جاء ~~في زيارة، وبيعها بعد ذلك مقابل السجائر. # وتذكرت ما أخبرها به لولو ذات مرة عندما مست أسئلتها المتواصلة موضوعا حساسا. إذ ~~قال: «الإحساس بالذنب رفاهية لا يقدر عليها سوى الأجانب، مثل قول ما يبدر إلى ~~ذهنك.» إنها لم تكن تعرف ما يبدو عليه الأمر عندما يخسر المرء كل شيء، عندما يستيقظ ~~ويجد أحشاءه تتقطع من الجوع. لم تعرف كم من الممكن أن يكون الطريق إلى الأمن مزدحما ~~وغادرا. فمن دون التركيز المطلق، من السهل أن ينزلق المرء ويعود إلى الوراء. # إنه محق بالطبع. إنها أجنبية، بيضاء من الطبقة المتوسطة جذورها ms054 تحميها، سواء أكانت ~~تريد الحماية أم لا. فبإمكانها دائما أن تغادر إذا ما ساءت الأمور . وهذه الإمكانية ~~كانت تنفي أي شيء من الممكن أن تقوله للولو، وهذا هو الحاجز الذي لا يمكن اختراقه ~~بينهما. وفي تلك اللحظة نظرت من النافذة ووجدت أنني ولولو قد انتقلنا من مكاننا ~~والحشائش أصبحت مسطحة في المكان الذي كنا نجلس فيه. هذا المشهد جعلها ترتجف، فنهضت ~~على قدميها وقد ملأها رعب مفاجئ. # إن القوة تأخذ ابنها. ~~••• # وعندما أعود وأفكر في تلك الفترة أجد أنني لست واثقا بأن لولو كان يفهم جيدا ما ~~كانت أمي تمر به في تلك السنوات، ولماذا كانت الأشياء التي كان يبذل قصارى جهده ~~ليوفرها لها تزيد المسافة بينهما. إنه لم يكن رجلا يطرح على نفسه مثل هذه الأسئلة، ~~بل كان يحافظ على تركيزه، وعلى مدار الفترة التي عشناها في إندونيسيا استمر نجمه في ~~الصعود. وبمساعدة زوج شقيقته حصل على عمل جديد في مكتب العلاقات الحكومية بشركة نفط ~~أمريكية. وانتقلنا إلى منزل في حي أفضل، وحلت السيارة محل الدراجة البخارية، وحل ~~التليفزيون ومذياع لبث الصوت بكفاءة عالية محل التماسيح والقرد تاتا، وأصبح بإمكان ~~لولو أن يحجز لنا عشاء في نادي الشركة. وفي بعض الأحيان كنت أسمعه وأمي يتجادلان في ~~غرفة نومهما عن رفضها حضور حفلات العشاء التي تقيمها الشركة حيث يربت رجال الأعمال ~~الأمريكيون من تكساس ولويزيانا على ظهر لولو ويتفاخرون بالرشا التي دفعوها للحصول على ~~حقوق التنقيب عن النفط في الحقول البحرية الجديدة، في حين تشتكي زوجاتهم لأمي من طبيعة ~~المساعدة الإندونيسية. وكان يسألها كيف سيكون شكله إذا ذهب وحده، ويذكرها بأنهم ~~شعبها، وهنا يعلو صوت أمي ليصبح صراخا تقريبا. # كانت تقول: «إنهم ليسوا شعبي.» # ومع ذلك فمثل هذه المناقشات نادرا ما كانت تحدث، وقد ظلت علاقة لولو وأمي يسودها ~~الود عند ميلاد أختي مايا وانفصالهما وطلاقهما في النهاية، وحتى المرة الأخيرة التي ~~رأيت فيها لولو بعد 10 سنوات عندما ساعدته أمي على السفر إلى لوس أنجلوس للعلاج من مرض ~~في ms055 الكبد تسبب في وفاته وهو في الحادية والخمسين من عمره. أما التوتر الذي لاحظته ~~فكان يتعلق في المقام الأول بالتغير التدريجي في سلوك أمي تجاهي. لقد كانت دائما ~~تشجعني على أن أتشرب الثقافة الإندونيسية بسرعة، وقد جعلني هذا إلى حد ما أتمتع ~~باكتفاء ذاتي ولا أطلب الكثير نظرا للميزانية المحدودة، وجعلني حسن الخلق بالمقارنة ~~بالأطفال الأمريكيين الآخرين. لقد علمتني أن أحتقر المزيج من الجهل والغرور الذي كان في ~~أغلب الأحيان صفة للأمريكيين بالخارج. لكنها أصبحت تدرك - مثل لولو بالضبط - الهوة ~~الكبيرة التي تفصل بين فرص الحياة المتاحة أمام أمريكي وتلك المتاحة أمام إندونيسي. ~~وعرفت إلى أي جانب تريد أن يكون ابنها. فقررت أنني أمريكي، وحياتي الحقيقية توجد في ~~مكان آخر. # تركزت جهودها المبدئية على التعليم. ومع عدم توفر النقود المناسبة كي ألتحق ~~بالمدرسة الدولية حيث يدرس معظم الطلاب الأجانب في جاكرتا؛ فقد رتبت منذ لحظة وصولنا ~~كي تضيف إلى تعليمي في المدارس الإندونيسية منهجا دراسيا أمريكيا أدرسه ~~بالمراسلة. # وفي ذلك الوقت تضاعفت جهودها. فطوال خمسة أيام في الأسبوع كانت تدخل إلى غرفتي في ~~الرابعة صباحا، وتجبرني على تناول طعام الإفطار وتعطيني دروسا في اللغة الإنجليزية ~~لمدة ثلاث ساعات قبل أن أذهب إلى المدرسة وتذهب هي إلى عملها. وقد قاومت هذا النظام ~~بشدة، لكن في مقابل كل وسيلة كنت أتدبرها، سواء أكانت غير مقنعة (مثل ألم في معدتي) ~~أو حقيقية بصورة لا تقبل النقاش (مثل أن تغمض عيني كل خمس دقائق)، كانت أمي تكرر ~~على مسامعي بصبر أقوى وسيلة دفاعية لديها: ~~«هذا الأمر ليس نزهة لي أنا أيضا أيها الصبي.» # ثم كانت هناك المخاوف التي تظهر من حين لآخر فيما يخص سلامتي، وصوت جدتي يتصاعد. ~~وأذكر أني عدت إلى المنزل بعد أن أسدل الليل ستائره في أحد الأيام لأجد أن هناك فرقة ~~بحث كبيرة محتشدة في فناء منزلنا. لم تبد أمي سعيدة ولكنها شعرت بارتياح شديد لرؤيتي ~~حتى إنها استغرقت عدة دقائق لتلاحظ أن جوربا مبتلا ومتسخا بالوحل ملفوفا حول ~~ساعدي. ms056 ~~«ما هذا؟» ~~«ماذا؟» ~~«هذا! لماذا تلف ساعدك بجورب؟» ~~«لقد جرحت نفسي.» ~~«دعني أر.» ~~«الأمر ليس بهذه الخطورة.» ~~«باري. دعني أر.» # فنزعت الجورب لأريها جرحا طويلا يمتد من الرسغ إلى المرفق. كان بعيدا عن ~~الوريد ببوصة واحدة لكنه عميق عند العضلة حيث يظهر لحم دام من أسفل الجلد. وعلى أمل ~~أن تهدأ شرحت لها ما حدث وهو أنني وصديقي سافرنا متطفلين إلى مزرعة عائلته، ثم بدأت ~~الأمطار تهطل، وفي المزرعة كان هناك مكان رائع للتزلق على الوحل، وكانت هناك أسلاك ~~شائكة تعين حدود المزرعة، و... # صاحت أمي: «لولو!» # وعندما تقص أمي هذه القصة الآن فإنها تضحك عند هذه النقطة، ضحكة أم سامحت ابنها على ~~الأخطاء التي مضت. لكن نبرتها تتغير تغيرا طفيفا عندما تتذكر أن لولو اقترح أن ~~ننتظر إلى الصباح لتضميد الجرح، وأنه كان عليها أن ترهب جارنا الوحيد الذي يمتلك سيارة ~~بالصياح في وجهه ليصطحبنا إلى المستشفى. وتتذكر أمي أن معظم الأضواء كانت مطفأة في ~~المستشفى عندما وصلنا، ولا يوجد أي موظف في الاستقبال، وتتذكر صوت خطواتها المضطربة ~~تتردد عبر الرواق حتى وجدت أخيرا شابين يرتديان شورت لعبة الملاكمة يلعبان ~~الدومينو في غرفة صغيرة في الخلف. وعندما سألتهما أين الأطباء، أجابها الرجل بابتهاج: ~~«نحن الأطباء»، واستكملا لعبتهما قبل أن يرتديا سرواليهما ويخيطان ذراعي بعشرين غرزة ~~تركت ندبة قبيحة المنظر. وطوال ذلك الوقت، كان هناك شعور يسيطر عليها أن حياة طفلها ~~ربما تضيع عندما يغيب عن ناظريها، وأن جميع من حولها سيكون مشغولا في محاولة النجاة ~~بنفسه حتى إنه لن يلاحظ، وأنه عندما نظرت حولها وجدت أنه سيكون معها الكثير من ~~المتعاطفين لكن لا أحد سيقف إلى جوارها وهي تقاوم المصير الذي يهددها. # وأدرك الآن أن مثل تلك الأمور، غير الملموسة مثل النصوص الدراسية والخدمات الطبية، هي ~~التي أصبحت محور تركيز دروسها معي. فكانت تقول لي: «إذا أردت أن تكون إنسانا فإنك ~~بحاجة إلى بعض القيم»: # الأمانة: ما كان ينبغي للولو أن يخبئ الثلاجة في حجرة التخزين عندما جاء مسئولو ms057 ~~الضرائب، حتى إذا كان الجميع - ومنهم مسئولو الضرائب أنفسهم - يتوقعون مثل هذه ~~الأمور. العدالة: لا ينبغي لأولياء أمور الطلاب الأكثر ثراء أن يهدوا المدرسين أجهزة ~~تليفزيون في شهر رمضان، وليس من حق أطفالهم أن يفتخروا بالدرجات العالية التي يحصلون ~~عليها. الصراحة: إذا لم يكن القميص الذي اشتريته لك في عيد ميلادك قد أعجبك، كان يجب أن ~~تقول هذا بدلا من أن تتركه في قاع خزانة ملابسك. استقلال الرأي: إذا كان الأطفال ~~يستهزئون بالصبي الفقير بسبب الطريقة التي يقص بها شعره فلا يعني هذا أن تفعل ~~مثلهم. # لقد كان الأمر كما لو أنه بالسفر حول منتصف العالم - بعيدا عن الاعتداد بالنفس ~~والنفاق الذي كشفته الألفة - استطاعت أمي أن تعبر عن فضائل ماضيها الغرب أوسطي ~~وتعرضها بصورة مركزة. المشكلة هي أنه لم يكن لديها سوى قليل من وسائل التأكيد؛ فكلما ~~انتحت بي جانبا لتقدم لي إحدى هذه النصائح أومأت لها موافقا، لكن كان يجب أن تعرف ~~أن الكثير من أفكارها غير عملي. وكل ما فعله لولو هو أنه شرح لي فقط الفقر ~~والفساد والتدافع المستمر من أجل الأمان، لكنه لم يخترعها. فقد ظلت تحيط بي وولدت ~~داخلي شكا لا يعرف الرحمة. فثقة أمي في الفضائل الجمالية تعتمد على إيمان لم يكن ~~عندي، إيمان رفضت هي أن تصفه بأنه دين، إيمان أخبرتها خبرتها أنه تدنيس ~~للمقدسات؛ إنه إيمان بأن الأشخاص العقلانيين المتفكرين يمكنهم أن يشكلوا قدرهم. وفي ~~أرض ظلت الحتمية فيها أداة ضرورية لتحمل الصعاب، حيث كانت الحقائق المطلقة تظل ~~منفصلة عن حقائق الحياة اليومية، كانت هي شاهدة وحيدة للإنسانية العلمانية، جندية ~~لصفقة كينيدي الجديدة، وقوات السلام، والليبرالية التي تقول بها المنظمات. # ولم يكن لها في كل هذا سوى حليف واحد؛ السلطة البعيدة لأبي. فأصبحت بصورة متزايدة ~~تذكرني بقصته؛ كيف نشأ فقيرا في دولة فقيرة في قارة فقيرة، وكيف كانت حياته صعبة، ~~صعبة مثل أي شيء قد يكون لولو واجهه. لكنه لم يختر أسهل الطرق ولم يلجأ إلى استخدام كل ~~وسيلة تتاح أمامه ms058 لتحقيق أهدافه. لقد كان مجتهدا وأمينا مهما كلفه الأمر. وعاش ~~حياته وفقا لمبادئ تطلبت نوعا مختلفا من الصلابة، مبادئ وعدته بشكل أرقى من ~~القوة. ورأت أمي أني سأسير على نهجه. ولم يكن لدي خيار. فهذا الأمر مستقر في ~~جيناتي. ~~«يمكنك أن تشكرني على شكل حاجبيك ... فقد كان حاجبا أبيك خفيفين وصغيرين. لكنك ورثت ~~عقلك وشخصيتك عنه.» # أصبحت رسالتها تضم السود بصفة عامة. فكانت تعود إلى المنزل محملة بكتب عن حركة ~~الحقوق المدنية، وتسجيلات لماهاليا جاكسون وأحاديث الدكتور كينج. وعندما قصت علي ~~قصصا عن أطفال المدارس في الجنوب الذين كانوا مجبرين على قراءة كتب تنازلت عنها لهم ~~مدارس البيض الأكثر ثراء، لكنهم استكملوا تعليمهم ليصبحوا أطباء ومحامين وعلماء، شعرت ~~بخجل لأني أعارض الاستيقاظ مبكرا والمذاكرة في الصباح. وإذا أخبرتها عن مسيرات ~~الاستعراض العسكري التي قام بها فريق الكشافة الإندونيسي أمام الرئيس، فقد تذكر مسيرة ~~من نوع آخر، مسيرة أطفال لا يكبرونني سنا من أجل الحرية. فكل رجل أسود كان ثورجود ~~مارشال أو سيدني بواتييه، وكانت كل سيدة سوداء فاني لو هامر أو لينا هورن. وأن يكون ~~المرء أسود يعني أن يكون المستفيد من ميراث عظيم، ومصير خاص، وأعباء مجيدة لا يقوى ~~على تحملها سوانا. # إنها أعباء قدر لنا أن نتحملها بأناقة. فقد أشارت أمي أكثر من مرة إلى أن ~~«هاري بيلافونت هو أكثر الرجال وسامة على ظهر الكوكب.» ~~••• # كان هذا هو السياق الذي رأيت فيه صورة الرجل الأسود في مجلة «لايف» الذي حاول أن يخلع ~~عنه بشرته. وأتخيل أطفالا سودا آخرين في ذلك الوقت والآن يمرون بلحظات مشابهة من ~~تجلي الحقائق. ربما تتجلى هذه اللحظات في أوقات مبكرة للبعض؛ فيحذر الآباء أبناءهم ~~من عبور حدود منطقة محددة بعينها، أو يشعرون بالإحباط لأن شعرهم ليس كشعر الدمية ~~«باربي» بصرف النظر عن كيف تمشط وتتعذب، أو قصة إهانة الوالد أو الجد على يد ~~صاحب عمل أو ضابط، التي يسمعها الطفل صدفة عندما يكون من المفترض أنه نائم. قد يكون من ~~الأسهل لطفل أن ms059 يتلقى الأخبار السيئة في جرعات صغيرة ويسمح لنظام دفاع أن يتكون ~~داخله، مع أني أشك أني كنت من المحظوظين؛ إذ تمتعت بفترة طفولة خالية من الشك في ~~الذات. # أعلم أن رؤية ذلك المقال كانت قاسية، كمين تعرضت فيه للهجوم. لقد حذرتني أمي من ~~المتعصبين؛ فهم جهلة غير مثقفين يجب أن يتجنبهم المرء. وإذا لم أكن قادرا بعد ~~على التفكير في كوني مخلوقا فانيا، فقد ساعدني لولو على فهم احتمال التعرض لعجز ~~المرض، أو تشوهات الحوادث، أو أفول نجم الحظ. فاستطعت بنجاح التعرف على طمع منتشر ~~أو قسوة في الآخرين، وفي بعض الأحيان في نفسي. لكن تلك الصورة أخبرتني بشيء آخر: أن ~~هناك عدوا خفيا، عدوا يمكنه أن يصل إلي دون علم أحد، أو حتى دون علمي أنا ~~شخصيا. وعندما عدت إلى المنزل في تلك الليلة من مكتبة السفارة، ذهبت إلى الحمام ~~ووقفت أمام المرآة ووجدت جميع حواسي وأطرافي كما هي، وبدوت كما أنا دائما، وتساءلت هل ~~ألم بي شيء. أما البديل الآخر الذي كان أمامي فلم يكن أقل إثارة للرعب وهو أن ~~جميع الكبار ممن حولي يعيشون في غمرة الجنون. # ستمر تلك النوبة القوية الأولى من القلق، وسأقضي عامي المتبقي في إندونيسيا كما ~~أمضيت ما قبله. وحافظت على ثقة لم تجد ما يبررها دائما، ومهارة لا يمكن كبتها ~~للإزعاج. لكن نظرتي تغيرت للأبد. وفي عروض التليفزيون الأجنبية التي بدأت تذاع في ~~المساء، بدأت ألاحظ أن «كوسبي» لم يفز قط بالفتاة في مسلسل «أنا أتجسس» (آي سباي)، ~~وأن الرجل الأسود في فيلم «مهمة مستحيلة» (ميشن إمبوسيبل) ظل طوال الوقت تحت الأرض. ~~ولاحظت أنه لا يوجد أحد مثلي في كتيب الكريسماس الدعائي لشركة «سيرز وروباك وشركاه» ~~الذي كان جدي وجدتي يرسلانه لنا، وأن بابا نويل كان رجلا أبيض اللون. # احتفظت بهذه الملاحظات لنفسي، مقررا أن أمي إما أنها لم تشاهدها أو أنها تحاول ~~حمايتي، وإنني يجب ألا أريها أن محاولتها قد فشلت. وكنت لا أزال أثق بحب أمي، لكني ~~أصبحت أواجه احتمال ms060 أن ما ترويه عن العالم ومكانة أبي فيه غير كاملة بطريقة ما. # | الفصل الثالث # استغرقت بعض الوقت حتى تعرفت عليهما في الزحام. في البداية عندما انفتحت الأبواب ~~الجرارة كان كل ما استطعت أن أميزه هو صورة غير واضحة لوجوه مبتسمة متلهفة تنظر ~~باتجاه الحاجز. ثم التقطت عيناي في النهاية رجلا طويل القامة يميل شعره إلى اللون ~~الأبيض يقف في آخر الزحام، ومعه سيدة قصيرة لا تكاد تظهر وهي تقف إلى جواره ذات وجه ~~دائري وترتدي نظارة دائرية. بدأ الاثنان يلوحان لي، لكن قبل أن ألوح لهما اختفيا ~~وراء زجاج نصف شفاف. # نظرت إلى مقدمة الصف فرأيت عائلة صينية يبدو أنها تواجه بعض المشكلات مع مسئولي ~~الجمارك. كانت رفقة تلك الأسرة ممتعة طوال الرحلة من هونج كونج، فكان الأب يخلع حذاءه ~~ويسير جيئة وذهابا في الممرات، والأطفال يصعدون فوق المقاعد، والأم والجدة تجمعان ~~الوسائد والأغطية وتثرثران معا دون توقف. وفي تلك اللحظة كانت العائلة تقف ساكنة ~~تماما، تحاول أن تختفي عن الأنظار، وعيونهم تتابع بصمت الأيدي التي تقلب في جوازات ~~سفرهم وأمتعتهم بهدوء يثير الخوف. وكان الأب يذكرني بلولو بشكل ما، فنظرت إلى ~~القناع الخشبي الذي كنت أحمله في يدي والذي أهداني إياه صديق أمي مساعد الطيار ~~الإندونيسي الذي اصطحبني في حين وقفت هي ولولو وأختي الجديدة مايا على البوابة. أغلقت ~~عيني ووضعت القناع على وجهي. كانت تنبعث من الخشب رائحة جوز الهند والقرفة، وشعرت ~~بنفسي أنجرف عبر المحيطات وفوق السحب إلى الأفق البنفسجي عائدا إلى المكان الذي كنت ~~فيه يوما ما ... # صاح أحد باسمي. فسقط القناع إلى جانبي ومعه حلم يقظتي، ورأيت مرة أخرى جدي يقفان ~~يلوحان لي بحماس. هذه المرة لوحت لهما، ثم دون أن أفكر أعدت القناع على وجهي مرة ~~أخرى، وجعلت رأسي يتمايل في رقصة قصيرة غريبة. ضحك جداي وأشارا إلي ولوحا مرة ~~أخرى حتى ربت مسئول الجمارك على كتفي وسألني هل أنت أمريكي، فأومأت له بالإيجاب ~~وسلمته جواز سفري. # فقال لي: «تفضل» ثم طلب من العائلة ms061 الصينية أن تتنحى جانبا. # أغلقت الأبواب الجرارة خلفي. واحتضنتني جدتي ووضعت حول رقبتي عقدا من الحلوى ~~واللبان. وألقى جدي ذراعه حول كتفي وقال إن القناع تحسن لا جدال فيه. واصطحباني إلى ~~السيارة الجديدة التي اشترياها، وعلمني جدي كيف أشغل جهاز التكييف. قدنا السيارة في ~~الطريق السريع، ومررنا بمطاعم الوجبات السريعة، والنزل الرخيصة التكلفة، وأسواق لبيع ~~السيارات المستعملة محاطة بسياج مزين. وأخذت أحدثهم عن الرحلة وعن كل شخص تركته في ~~جاكرتا. وأخبرني جدي بما خططاه لحفل عشاء الترحيب بعودتي. وقالت جدتي إنني سأحتاج ~~إلى ملابس جديدة للمدرسة. # ثم فجأة، توقف الحوار. فأدركت أنني سأعيش مع غريبين عني. # لم تبد الترتيبات الجديدة سيئة عندما شرحتها لي أمي في البداية. فقالت إنه حان ~~الوقت كي ألتحق بمدرسة أمريكية، وإني سأراجع سريعا جميع دروس المنهج الذي درسته ~~بالمراسلة. وقالت إنها ومايا ستلحقان بي في هاواي قريبا للغاية - عام على الأكثر - ~~وإنها ستحاول أن تأتي في الكريسماس. وذكرتني كم كان الوقت الذي قضيته مع جدي الصيف ~~السابق ممتعا؛ الآيس كريم وأفلام الكرتون والأيام التي أمضيناها على الشاطئ. وقالت: ~~«لن يكون عليك أن تستيقظ في الرابعة صباحا»، وهو أمر وجدت أنه أكثر جاذبية ~~لي. # لم أدرك أن جدي تغيرا كثيرا إلا في ذلك الوقت عندما بدأت أتكيف في الحياة معهما ~~لفترة غير محددة ورأيت كيف تسير حياتهما. فبعد أن رحلت أنا وأمي باعا المنزل الكبير ~~القديم الذي كان قريبا من الجامعة، واستأجرا شقة صغيرة بها غرفتان للنوم في مبنى ~~شاهق الارتفاع في شارع بيريتانيا. وترك جدي عمله في تجارة الأثاث ليعمل وسيطا في مجال ~~بيع بوالص التأمين على الحياة، ونظرا لأنه لم يكن قادرا على إقناع نفسه بأن الناس ~~تحتاج ما يحاول بيعه لهم، ولكونه حساسا تجاه الرفض، لم يسر العمل على ما يرام. ~~ومساء كل يوم أحد، كنت أشاهده وهو يصبح أكثر عصبية عندما يمسك بحقيبته، ويضع منضدة ~~قابلة للطي أمام مقعده، ويلاحق أي شيء قد يشتت انتباهه حتى يدفعنا في النهاية ~~للخروج من غرفة ms062 المعيشة، ويحاول أن يحدد مواعيد مع عملاء محتملين عبر الهاتف. وفي بعض ~~الأحيان عندما كنت أتسلل على أطراف أصابعي إلى المطبخ كي أحضر زجاجة مياه غازية، ~~كنت أسمع اليأس وهو يتسلل إلى صوته، وفترة الصمت التي تتبع هذا اليأس عندما يفسر له ~~الشخص على الطرف الآخر من الهاتف لماذا يوم الخميس غير مناسب والثلاثاء ليس أفضل ~~كثيرا، ثم أسمع تنهيدة جدي العميقة بعد أن يضع سماعة الهاتف، ويده تتحسس الملفات ~~على حجره باضطراب مثل لاعب الورق الذي يواجه ورطة كبيرة. # وفي النهاية، يرق بعض الناس، فيذهب عنه الألم، ثم يدخل جدي إلى غرفتي ليحكي لي ~~قصصا عن شبابه أو الدعابة الجديدة التي قرأها في مجلة «ريدرز دايجست». وإذا كانت ~~المكالمات التي أجراها سارت على ما يرام في تلك الليلة فقد يناقش معي بعض الأمور التي ~~لا يزال يفكر فيها؛ مثل ديوان الشعر الذي بدأ يكتبه، والرسم التخطيطي الذي يوشك أن ~~يتحول إلى لوحة، ومخططات المساقط الأفقية لمنزل أحلامه المتكامل الذي تتاح فيه وسائل ~~الراحة والرفاهية التي سيحصل عليها بضغطة زر، وسيحتوي على حديقة خلابة. ورأيت كيف أن ~~خططه كلما ابتعدت عن نطاق إمكانية تحقيقها ازدادت جرأة، لكني رأيت فيها بعضا من حماسه ~~القديم، وكنت أحاول عادة أن أبتكر أسئلة مشجعة تساعد على إبقاء حالته النفسية جيدة. ~~ثم عند نقطة ما أثناء حديثه، نلاحظ نحن الاثنين أن جدتي تقف في الردهة خارج غرفتي، ~~ورأسها يميل جانبا في انتقاد. ~~«ماذا تريدين يا مادلين؟» ~~«هل انتهيت من مكالماتك الهاتفية يا حبيبي؟» ~~«نعم يا مادلين. انتهيت من مكالماتي الهاتفية. إنها العاشرة مساء!» ~~«لا داعي للصراخ يا ستانلي. لقد أردت فقط أن أعرف هل بإمكاني الذهاب إلى ~~المطبخ.» ~~«أنا لا أصرخ! يا إلهي، لا أفهم لماذا ...» وقبل أن ينتهي من عبارته تكون جدتي قد ~~انسحبت إلى غرفة نومهما، فيترك جدي غرفتي ونظرة الاكتئاب والغضب ترتسم على ~~وجهه. # أصبحت مثل هذه الأحاديث أمرا معتادا لي؛ إذ كانت المناقشات بين جدي وجدتي تسير ~~بنمط روتيني يتكرر كثيرا، ms063 نمط نشأ نتيجة الحقيقة التي نادرا ما تذكر وهي أن دخل ~~جدتي كان أعلى من جدي . وقد أثبتت أنها رائدة في مجال عملها إلى حد ما؛ فقد كانت أول ~~سيدة تعمل نائبة رئيس بنك محلي، ومع أن جدي كان يحب دائما أن يقول إنه كان يشجعها ~~لتتقدم في عملها، فقد أصبح عملها موضوعا حساسا ومريرا بينهما؛ فالعمولات التي كان ~~يتلقاها كانت لا تسدد سوى أقل القليل من فواتير الأسرة. # لم تكن جدتي تتوقع تحقيق هذا النجاح. فنظرا لأنها لم تكن حاصلة على درجة جامعية ~~فقد بدأت العمل سكرتيرة للمساعدة في تحمل نفقات مجيئي غير المتوقع إلى الدنيا. ~~ولكنها كانت سريعة البديهة وسديدة الرأي ولديها القدرة على العمل المتواصل. وأخذت ~~تتقدم في عملها ببطء، وكانت تتصرف مع من حولها بأمانة وشرف حتى وصلت إلى باب لم ~~تكن الكفاءة كافية لاجتيازه. وظلت في وظيفتها 20 عاما، نادرا ما تحصل على إجازات ~~وتشاهد نظراءها من الرجال وهم يواصلون الصعود على درجات السلم الوظيفي، ويلجئون للغش ~~قليلا باستخدام معلومات تتسرب أثناء لعب الجولف وأثناء الطريق إلى مبنى النادي، ~~ويصبحون رجالا أثرياء. # وأكثر من مرة، قالت أمي لجدتي إنه لا ينبغي أن يفلت البنك من العقاب على سياسة ~~التفرقة الجنسية الصارخة التي يتبعها. لكن جدتي كانت تستخف بملاحظات أمي وتقول إن ~~كل شخص بإمكانه أن يجد سببا للشكوى من شيء معين. ولم تشتك جدتي قط، وكل صباح كانت ~~تستيقظ في الخامسة صباحا، وتبدل الموو موو - رداء النساء التقليدي في هاواي - غير ~~المهندم الذي كانت ترتديه في المنزل، وترتدي بذلتها الأنيقة وحذاء عالي الكعب. وتضع ~~المساحيق على وجهها، وترتدي مشدا للوسط (كورسيه)، وتزين شعرها الخفيف ثم تستقل حافلة ~~السادسة والنصف صباحا لتصل إلى مكتبها في وسط المدينة قبل الجميع. ومن حين لآخر، كان ~~يأخذها التفاخر بعملها رغما عنها وتستمتع بإخبارنا بالقصة الخفية وراء الأخبار المالية ~~المحلية. وعندما كبرت أسرت إلي بأنها لم تتوقف قط عن الحلم بمنزل له سياج خشبي ~~أبيض، وقضاء الأيام وهي تخبز أو ms064 تلعب البريدج أو تعمل متطوعة في المكتبة المحلية. وقد ~~فاجأني هذا الاعتراف؛ إذ إنها نادرا ما كانت تعبر عن أمنياتها أو الأشياء التي تندم ~~عليها. قد يكون صحيحا، أو لا يكون، أنها كانت ستفضل الحياة البديلة التي تخيلتها ~~لنفسها، لكني أصبحت أفهم أن حياتها المهنية كانت في وقت لم يكن فيه عمل الزوجة خارج ~~منزلها مصدرا للتباهي، سواء لها أو لجدي، وأنه لم يكن يمثل إلا سنوات تضيع، ووعودا ~~تتحطم. والشيء الذي كانت جدتي تعتقد أنه يجعلها قادرة على الاستمرار هو احتياجات ~~أحفادها، والجلد الذي كان يتميز به أجدادها. # فقد قالت أكثر من مرة: «المهم حقا يا باري، هو أنكم بخير أيها الأولاد.» # هكذا أصبح جدي وجدتي يعيشان. كانا لا يزالان يعدان طبق الساشيمي للضيوف الذين ~~أصبحوا قليلي التردد على منزلهما. وكان جدي لا يزال يرتدي قميص هاواي عند ذهابه إلى ~~المكتب، وكانت جدتي لا تزال تصر على أن نخاطبها بلقب «توت». ولكن فيما عدا ذلك، فقد ~~جف نبع الطموح الذي حملاه معهما إلى هاواي، حتى أصبح الانتظام - انتظام المواعيد ~~والتسلية والطقس - هو العزاء الوحيد لهما. وكانا يتذمران من حين لآخر من أن اليابانيين ~~قد استولوا على الجزر، وكيف تحكم الصينيون في الموارد المالية للجزيرة. وفي أثناء ~~جلسات استماع قضية ووترجيت، انتزعت أمي منهما اعترافا بأنهما انتخبا نيكسون، مرشح ~~القانون والنظام، في انتخابات عام 1968م. ولم نعد نذهب إلى الشاطئ أو نتنزه معا، ~~وفي المساء كان جدي يشاهد التليفزيون في حين كانت جدتي تجلس في غرفتها تقرأ قصص ألغاز ~~جرائم القتل. وأصبح مصدر الإثارة في حياتهما هو شراء ستائر جديدة أو مجمد منفصل. لقد ~~بدا كما لو أنهما تجنبا تلك القناعة التي تأتي في منتصف العمر؛ أي التقاء النضج ~~النابع من الخبرة الحياتية بما تبقى من العمر، والتقاء طاقة الإنسان بما هو متاح له من ~~وسائل، والاعتراف بالإنجازات التي تحرر الروح. لقد قررا في وقت ما أثناء غيابي أن ~~يقللا من خسائرهما ويقبلا مجرد البقاء. ولم يعودا يريان أية غاية ms065 يتمنيان ~~تحقيقها. ~~••• # وعندما اقترب الصيف من نهايته، تزايد شوقي لبدء الدراسة. وكان اهتمامي الرئيسي هو أن ~~أجد رفاقا في مثل عمري، ومن وجهة نظر جدي كان قبولي في «أكاديمية بوناهو» إعلانا ~~ببداية شيء عظيم وسموا في مكانة العائلة حتى إنهما لم يدخرا جهدا كي يجعلا الجميع ~~يعلم بهذا. فقد أصبحت أكاديمية بوناهو، بعد أن أسستها البعثات التبشيرية عام 1841م، ~~مدرسة إعدادية لها مكانتها، مكانا يدرس فيه أبناء علية القوم في الجزيرة. وقد ساعدت ~~سمعتها في إثناء أمي عن قرار إرسالي إلى إحدى الولايات الأمريكية. فقد أخبرها جدي ~~وجدتي أن التحاقي بها لم يكن أمرا سهلا؛ إذ كانت هناك قائمة انتظار طويلة، ولم أحظ ~~بفرصة القبول إلا بعد تدخل رئيس جدي في العمل الذي كان أحد خريجي الأكاديمية (يبدو ~~أن أول تجربة لي مع سياسة التمييز الإيجابي لم يكن لها علاقة بالعرق). # كنت قد أجريت عدة مقابلات شخصية مع المسئولة عن القبول في أكاديمية بوناهو الصيف ~~السابق. وكانت سيدة مفعمة بالحيوية وتبدو شخصا كفئا لم يزعجها أن قدمي لا تكادان ~~تلمسان الأرض وهي تسألني بإلحاح عن أهدافي المهنية. وبعد المقابلة أرسلتني السيدة أنا ~~وجدي في جولة في حرم المدرسة، الذي كان مجمعا يمتد لعدة أفدنة من الحقول الوافرة ~~الخضرة والأشجار الظليلة، ومبان مدرسية قديمة مبنية بالحجارة وأخرى حديثة من المعدن ~~والزجاج. وكانت هناك ملاعب تنس وحمامات سباحة واستديوهات تصوير. وفي أثناء الجولة ~~تخلفنا قليلا عن المرشد، وأمسك جدي ذراعي وهمس. # قال: «اللعنة يا باري، هذه ليست مدرسة. إنها جنة. يمكنك أن تجعلني أعود مرة أخرى ~~لصفوف الدراسة معك.» # وصل مع خطاب القبول مظروف سميك يحتوي على المعلومات وضعته جدتي جانبا لنقرأه ~~بتأن بعد ظهر أحد أيام السبت. وجاء في الخطاب: «مرحبا بك في عائلة بوناهو.» وجاء فيه ~~أنه خصصت لي خزانة، وأدرج اسمي في برنامج تناول الوجبة إلا إذا وضعنا علامة في المربع ~~المخصص لغير ذلك، وكانت هناك قائمة بالأشياء التي ينبغي لي شراؤها؛ زي موحد للتربية ~~البدنية، ومقص ومسطرة وأقلام ms066 رصاص رقم 2، وآلة حاسبة (اختياري). قضى جدي المساء يقرأ ~~كتاب المدرسة الإرشادي بالكامل وهو كتاب كبير يوضح التقدم المتوقع لي خلال ~~السنوات السبع القادمة؛ مناهج المدرسة الإعدادية، والأنشطة خارج المقرر، وأسلوب تحقيق ~~التفوق الشامل في عدة مجالات. ومع كل نقطة جديدة يزداد حماس جدي؛ فقد نهض عدة مرات ~~وهو يضع إبهامه حيث توقف ويتجه إلى الغرفة حيث كانت جدتي تقرأ ويقول لها وصوته مليء ~~بالدهشة: «ألقي نظرة على هذا يا مادلين.» # ولهذا صحبني جدي بحماس شديد في يومي الأول في المدرسة. وأصر على أن نصل مبكرا، ~~ولم يكن مبنى «كاسل هول» المخصص للطلاب في الصفين الخامس والسادس قد فتح أبوابه بعد. ~~ولم يصل سوى حفنة من الأطفال، وكانوا منشغلين بمعرفة أخبار ما حدث في الصيف. جلسنا ~~إلى جوار صبي صيني رشيق يضع جهازا ضخما لتقويم الأسنان يلتف بشرائط حول عنقه. # قال جدي للصبي: «مرحبا بك.» وتابع: «هذا باري. وأنا جد باري. يمكنك أن تخاطبني ~~جدي.» وصافح الصبي الذي كان اسمه فريدريك. وقال له: «باري جديد هنا.» # فقال فريدريك: «وأنا أيضا»، واشتركا معا في حوار شائق. وجلست وأنا أشعر بالخجل حتى ~~فتحت الأبواب أخيرا وصعدنا السلم إلى الفصل. وعند الباب، ربت جدي على ظهر ~~كلينا. # وقال وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة: «لا تفعلا أي شيء كنت سأفعله ~~أنا.» # وقال فريدريك وهو يشاهد جدي يقدم نفسه للآنسة هيفتي مدرسة الفصل: «إن جدك خفيف ~~الظل.» ~~«نعم، إنه كذلك.» # جلسنا إلى الطاولة ومعنا أربعة أطفال وبدأت الآنسة هيفتي، وهي سيدة متوسطة العمر ~~مفعمة بالحيوية لها شعر رمادي قصير، تسجل الحضور. وعندما قرأت اسمي بالكامل، سمعت ~~ضحكات مكتومة تتردد في أرجاء الغرفة، وانحنى فريدريك علي. # قال: «ظننت أن اسمك هو باري.» # وسألتني الآنسة هيفتي: «هل تفضل أن نناديك باسم باري؟» وتابعت: «إن باراك اسم جميل ~~للغاية. يقول جدك إن أباك كيني الجنسية. لقد كنت أعيش في كينيا. أدرس لأطفال في مثل ~~عمرك تقريبا. وإنه لبلد رائع حقا. هل تعلم إلى أية قبيلة ينتمي والدك؟» ms067 # أثار سؤالها المزيد من الضحكات، وظللت أنا صامتا دون أن أتفوه بكلمة لدقيقة. ~~وعندما قلت في النهاية «لوو»، أعاد صبي أشقر الشعر يجلس خلفي الاسم بصيحة استهزاء عالية ~~مقلدا صوت القرد. ولم يستطع الأطفال بعد ذلك السيطرة على أنفسهم، وتطلب الأمر من ~~الآنسة هيفتي أن توبخ الفصل بقوة حتى يهدأ وانتقلنا، رحمة بي، إلى الشخص التالي في ~~قائمة أسماء التلاميذ. # قضيت باقي اليوم حائرا، وطلبت مني فتاة حمراء الشعر أن تلمس شعري، وكان من الواضح ~~أن رفضي قد آلمها. وسألني ولد أحمر الوجه عما إذا كان أبي من آكلي لحوم البشر. وعندما ~~عدت إلى المنزل كان جدي مستغرقا في إعداد العشاء. ~~«كيف كان الحال؟ أليس من الرائع أن الآنسة هيفتي كانت تعيش في كينيا؟ أراهن أن هذا ~~جعل اليوم الأول في المدرسة أسهل.» # ذهبت إلى غرفتي وأغلقت الباب. # وسرعان ما اعتاد الأطفال الآخرون على وجودي في الفصل، ومع ذلك فقد استمر شعوري بأنني ~~لا أنتمي إلى المكان يزداد. وكانت الملابس التي اخترتها أنا وجدي قديمة الطراز ~~للغاية، وبدا مظهر الصندل الإندونيسي مزريا بعد أن كان جيدا للغاية في جاكرتا. وكان ~~معظم زملائي في الفصل معا منذ الحضانة، ويعيشون في مناطق متجاورة في منازل من ~~طابقين بها حمامات سباحة، وآباؤهم دربوا الفرق نفسها التي تلعب في مسابقة ~~البيسبول التي تنظمها «ليتل ليج»، وأمهاتهم ممن يدعمن أنشطة بيع المخبوزات لجمع ~~التبرعات. ولم يكن أي منهم يلعب كرة القدم أو كرة الريشة أو الشطرنج، وأنا لم تكن لدي ~~أدنى فكرة عن كيفية إلقاء الكرة بشكل حلزوني أو الحفاظ على توازني وأنا على لوح ~~التزلج. # كان الأمر بمنزلة كابوس لطفل في العاشرة من عمره. إلا أنه مع عدم ارتياحي في الشهر ~~الأول، فلم أكن أسوأ من الأطفال الآخرين المستبعدين الذين يصنفون في فئة من لا ~~يمكن تقبلهم بسهولة؛ وقد ضمت هذه الفئة الفتيات اللائي كن شديدات الطول أو الخجل، ~~والصبي الذي كان نشيطا شيئا ما، والأطفال الذين منعتهم إصابتهم بالربو من حضور فصول ~~التربية ms068 البدنية. # ومع ذلك فكانت هناك طفلة أخرى في فصلي تذكرني بألم من نوع آخر. اسمها كوريتا، وقبل ~~وصولي كانت هي الفتاة السوداء الوحيدة في الصف. كانت ممتلئة الجسد وسوداء البشرة ولا ~~يبدو أن لديها أصدقاء كثيرين. ومنذ اليوم الأول كل منا تجنب الآخر لكنه راقبه من ~~بعيد، كما لو أن أي اتصال مباشر بيننا سيذكرنا بشدة بعزلتنا. # وفي النهاية في أثناء فترة الفسحة في يوم حار سماؤه صافية من الغيوم وجدنا نفسينا ~~في الركن نفسه من الفناء. لا أذكر ما دار بيننا من حديث، لكني أذكر أنها فجأة كانت ~~تركض خلفي عبر القضبان الأفقية والعمودية التي يستعملها التلاميذ في اللعب. وكانت تضحك ~~بسعادة وكنت أنا أغيظها وأراوغ بالركض بين تلك القضبان، حتى أمسكتني في النهاية وسقطنا ~~على الأرض لا نستطيع التقاط أنفاسنا. وعندما نظرت لأعلى رأيت مجموعة من الأطفال لم ~~أر وجوههم بوضوح أمام وهج الشمس يشيرون إلينا. # قالوا: «كوريتا لديها حبيب! كوريتا لديها حبيب!» # ارتفع صوت الغناء عندما التف حولنا أولاد آخرون. # تمتمت: «إنها ليست حبيبتي.» ونظرت إلى كوريتا أنتظر منها الدعم، لكنها كانت تقف ~~مكانها تنظر إلى الأرض. ~~«كوريتا لديها حبيب! لماذا لا تمنحها قبلة أيها الحبيب؟» # فصرخت: «أنا لست حبيبها.» وركضت باتجاه كوريتا ودفعتها برفق، فترنحت إلى الخلف ~~ونظرت إلي دون أن تقول شيئا. فصرخت أنا مرة أخرى: «دعيني وشأني!» وفجأة أطلقت كوريتا ~~ساقيها للريح وأخذت تركض أسرع فأسرع حتى اختفت عن الأنظار. وتصاعدت ضحكات السعادة من ~~حولي. ثم دق جرس انتهاء الفسحة، وظهر المدرسون ليعيدونا إلى الفصول. # ظلت تلك النظرة التي ارتسمت على وجه كوريتا قبل أن تركض تطاردني فيما تبقى من ظهيرة ~~ذلك اليوم؛ نظرة خيبة الأمل والاتهام. وأردت أن أشرح لها بطريقة ما أن المسألة ليست ~~شخصية؛ كل ما في الأمر أنه لم تكن لدي حبيبة قط ولا أرى حاجة لأن تكون لدي واحدة ~~الآن. لكني لم أعرف حتى هل كان ذلك صحيحا، كل ما كنت أعرفه هو أن وقت التفسير قد ~~فات، وأنني ms069 تعرضت للاختبار، وكانت النتيجة أنني غير كفء، وكلما اختلست النظر إلى مقعد ~~كوريتا رأيتها ورأسها ينحني على كتبها تبدو كما لو أن شيئا لم يحدث، منطوية على نفسها ~~ولا تطلب عطفا من أحد. # خلقت خيانتي هذه مسافة بيني وبين الأطفال الآخرين، وعلى غرار كوريتا تركوني وشأني ~~تقريبا. كان لدي عدد قليل من الأصدقاء وتعلمت ألا أتحدث كثيرا في الفصل، وتعلمت أن ~~ألقي بكرة متذبذبة. لكن منذ ذلك اليوم شعرت أن جزءا مني قد سحق ودمر، ووجدت ~~ملاذا في الحياة التي كان جداي يحييانها. فبعد انتهاء اليوم الدراسي كنت أسير مسافة ~~المجمعات السكنية الخمسة التي تفصل المدرسة عن منزلنا، وإذا كان في جيبي نقود أتوقف ~~في بعض الأحيان عند كشك صحف يديره رجل أعمى كان يدعني أعرف المجلات المصورة الجديدة ~~التي ظهرت في الأسواق. وكان جدي يبقى في المنزل ليفتح لي الباب، وعندما ينام بعد الظهر ~~أشاهد أفلام الكرتون ومسلسلات كوميديا الموقف أثناء إعادة عرضها. وفي الرابعة والنصف ~~أوقظ جدي ونأخذ السيارة إلى وسط المدينة كي نقل جدتي. وأؤدي واجبي المنزلي وقت ~~العشاء الذي كنا نتناوله ونحن نشاهد التليفزيون. وأقضي باقي الأمسية أتفاوض مع جدي على ~~البرامج التي سنشاهدها، ونتناول أحدث الوجبات الخفيفة التي عثر عليها في المتجر. وفي ~~العاشرة مساء أذهب إلى غرفتي (فبرنامج جوني كارسون يذاع في ذلك الوقت ومشاهدة هذا ~~البرنامج لا تخضع للمناقشة)، وأخلد إلى النوم على أنغام موسيقى البرنامج الإذاعي «توب ~~فورتي». # شعرت بالأمان وأنا في حضن الثقافة الأمريكية الاستهلاكية الناعم المتسامح، كان الأمر ~~كما لو أني سقطت في مرحلة سبات عميق. وفي بعض الأحيان أتساءل كم من الوقت كنت سأظل في ~~هذه المرحلة إذا لم تكن جدتي وجدت ذلك التلغراف في صندوق البريد في أحد الأيام. # فقد قالت: «والدك سيأتي لرؤيتك.» وتابعت: «هذا سيكون الشهر القادم. بعد أسبوعين من ~~وصول والدتك. سيظلان هنا حتى نهاية الاحتفال برأس السنة.» # طوت جدتي الورقة بعناية ووضعتها في أحد أدراج المطبخ. وظلت هي وجدي صامتين ~~بالطريقة نفسها التي أتخيل ms070 أنها رد فعل من يخبره الطبيب أنه يعاني مرضا عضالا ~~ولكن يمكن علاجه. ولدقيقة خيم علينا الصمت في الغرفة ، ووقفنا متسمرين غارقين في ~~أفكارنا. # وفي النهاية قالت جدتي: «حسنا، أظن أنه من الأفضل أن نبدأ في البحث عن مكان يمكنه ~~الإقامة فيه.» # خلع جدي نظارته ومسح عينيه. # وقال: «لا بد أنه سيكون رأس سنة زاخرا بالأحداث.» ~~••• # في أثناء فترة الغداء شرحت لمجموعة من الصبية أن والدي أمير. ~~«جدي هو الزعيم؛ أي رئيس القبيلة. مثل الهنود كما تعرفون. وهذا يجعل أبي أميرا. وهو ~~سيتولى الحكم عندما يموت جدي.» # وسألني أحد أصدقائي ونحن نفرغ أطباقنا في سلة المهملات: «وماذا بعد ذلك؟» وتابع: ~~«أعني، هل ستعود إلى هناك وتصبح أميرا؟» ~~«حسنا ... يمكنني إذا أردت هذا. إنها مسألة معقدة نوعا ما لأن القبيلة مليئة ~~بالمحاربين. مثل أوباما ... الذي يعني «الحربة المحترقة». فكل رجل في قبيلتنا يريد أن ~~يصبح هو الزعيم؛ لذا فعلى أبي أن ينهي هذه العداءات قبل أن أذهب.» # عندما خرجت هذه الكلمات من بين شفتي وشعرت بسلوك الأطفال يتغير تجاهي وأصبحوا أكثر ~~فضولا وألفة معي ونحن يصطدم بعضنا ببعض في الصف عائدين إلى الفصل، بدأ جزء مني يصدق ~~هذه القصة. لكن جزءا آخر مني كان يعرف أن ما أقوله مجرد كذبة؛ شيء اختلقته من فتات ~~المعلومات التي عرفتها من أمي. وبعد أسبوع من لقاء أبي بلحمه ودمه رأيت أني أفضل ~~صورته البعيدة، تلك الصورة التي كان بإمكاني تغييرها كما أشاء، أو أتجاهلها عندما يكون ~~ذلك مناسبا. وإذا لم يكن أبي قد خيب أملي بالضبط فقد ظل شيئا لا أعرفه، شيئا ~~مؤقتا، ومخيفا بصورة غامضة. # أحست أمي بخوفي في الأيام المتبقية على وصوله، وأظن أنها كانت تعكس خوفها؛ ولهذا ~~كان من بين مجهوداتها لإعداد الشقة - التي أجرناها من الباطن له - محاولتها أن ~~تطمئنني أن اللقاء العائلي سيمر بسلام. وقالت إنها كانت تراسله طوال الفترة التي ~~قضيناها في إندونيسيا وإنه يعرف كل شيء عني. وكان أبي، على غرار أمي، قد تزوج مرة ~~أخرى وأصبح ms071 لدي خمسة إخوة وأخت يعيشون في كينيا. وقد تعرض لحادث سيارة شديد، وكانت ~~تلك الرحلة جزءا من فترة النقاهة بعد أن مكث في المستشفى وقتا طويلا. # وقالت: «ستصبحان صديقين رائعين.» # وإلى جانب إخباري بأشياء عن أبي بدأت أمي تحشوني بمعلومات عن كينيا وتاريخها، وقد ~~اختلست اسم «الحربة المحترقة» من كتاب عن جومو كينياتا أول رئيس لكينيا. ولكن لم ينجح ~~شيء مما أخبرتني به أمي في التخفيف من شكوكي، ولم أحتفظ إلا بالقليل من المعلومات التي ~~أخبرتني بها. ولم تنجح في إثارة اهتمامي حقا سوى مرة واحدة عندما أخبرتني أن قبيلة ~~أبي «لوو» شعب نيلي هاجر إلى كينيا من موطنه الأصلي على ضفاف أطول أنهار العالم. بدا ~~هذا واعدا. وكان جدي لا يزال يحتفظ برسم رسمه ذات مرة هو صورة طبق الأصل للوحة ~~فنية أصلية لمصريين نحفاء باللون البرونزي يركبون مركبة ذهبية تجرها جياد مرمرية. ~~وكانت لدي فكرة عن مصر القديمة، والممالك العظيمة التي قرأت عنها، والأهرامات، ~~والفراعنة، ونفرتيتي، وكليوباترا. # وفي أحد أيام السبت ذهبت إلى المكتبة العامة بالقرب من شقتنا، وبمساعدة أمين المكتبة ~~العجوز صاحب الصوت المبحوح الذي تفهم مدى جديتي وجدت كتابا عن شرق أفريقيا. ولكن لم ~~يكن به أي ذكر للأهرامات. وفي الحقيقة، لم يكن هناك سوى فقرة قصيرة عن قبيلة «لوو». ~~واتضح أن الشعوب النيلية مصطلح يصف عددا من القبائل المتنقلة التي نشأت أصلا في ~~السودان على ضفاف نهر النيل الأبيض في أقصى جنوب الإمبراطوريات المصرية. وكانت قبيلة ~~«لوو» ترعى الماشية، وتعيش في أكواخ طينية، وتأكل وجبات من الذرة واليام - وهو من ~~فصيلة البطاطا - وطعاما آخر يسمى حبوب الدخن. وكان زيها التقليدي شريطا من القماش ~~يغطي منطقة العورة يتدلى من حزام جلدي يحيط بالخصر. تركت الكتاب مفتوحا على ~~الطاولة، وخرجت دون أن أشكر أمين المكتبة. # وأخيرا جاء اليوم الموعود، وتركتني الآنسة هيفتي أخرج مبكرا من الفصل وهي تتمنى لي ~~حظا سعيدا. تركت مبنى المدرسة مثل شخص محكوم عليه بالإعدام. كانت قدماي ثقيلتين ومع ~~كل خطوة تقربني من ms072 منزل جدي يعلو صوت خفقات قلبي. وعندما دلفت إلى المصعد وقفت دون ~~أن أضغط الزر. فانغلق الباب ثم فتح مرة أخرى، ودلف رجل فلبيني عجوز يقطن الطابق ~~الرابع. # قال الرجل بسعادة: «جدك يقول إن والدك قادم لزيارتك اليوم.» وتابع: «لا بد أنك تطير ~~فرحا.» # وعندما لم أستطع التفكير في أي مهرب، بعد أن وقفت أمام باب الشقة ومددت بصري نحو ~~أفق هونولولو فشاهدت سفينة بعيدة، ثم نظرت إلى السماء بعين شبه مغمضة لأرى العصافير ~~تدور في الهواء. دققت الجرس. وفتحت جدتي الباب. ~~«ها هو ذا! تعال يا باري ... تعال قابل والدك.» # وهناك في مدخل الشقة غير المضاء رأيته: رجل طويل أسود يعرج قليلا وهو يسير. وجثم على ~~ركبتيه وطوقني بذراعيه وتركت أنا ذراعي تنخفضان إلى جانبي. وخلفه كانت أمي تقف ~~يرتجف ذقنها كالعادة. # قال أبي: «حسنا يا باري.» وتابع: «من الجميل أن أراك بعد كل هذا الوقت. بل من الرائع ~~جدا.» # وأمسك بيدي وأدخلني غرفة المعيشة، وجلسنا جميعا معا. # وقال: «أخبرتني جدتك أن أداءك ممتاز في المدرسة.» # فهززت كتفي. # فقالت جدتي: «أظن أنه يشعر بشيء من الخجل.» ثم ابتسمت ومسحت على رأسي. # فقال أبي: «حسنا، لا يوجد ما يدعو لأن تخجل من أن أداءك ممتاز. هل أخبرتك أن إخوتك ~~وأختك متفوقون أيضا في دراستهم؟ أظن أن هذا الأمر يجري في دمائكم»، قالها ~~ضاحكا. # راقبته بحرص عندما بدءوا جميعا يتحدثون؛ كان أنحف كثيرا مما توقعت، وكانت عظام ~~ركبتيه تكسر سيقان البنطلون في زوايا حادة، ولم أستطع أن أتخيله يرفع أيا منهما من ~~على الأرض. وإلى جواره كانت هناك عصا لها رأس عاجية غير مدببة تستند إلى الحائط. ~~وكان يرتدي سترة زرقاء اللون، وقميصا أبيض، وربطة عنق قرمزية اللون. ونظارته بارزة ~~الحواف تعكس ضوء المصباح فلم أر عينيه بوضوح، لكن عندما نزع النظارة ليحك قصبة أنفه ~~رأيت أنهما تميلان إلى اللون الأصفر قليلا كعيني شخص أصيب بالملاريا أكثر من مرة. ~~ورأيت أن جسده ضعيف، وكان حذرا عندما كان يشعل سيجارة أو يمد ms073 يده إلى كوب الجعة. ~~وبعد ساعة تقريبا رأت والدتي أنه يبدو متعبا ويحتاج إلى أن ينال قسطا من الراحة ، وقد ~~وافقها على ذلك. فالتقط حقيبة سفره ثم توقف في منتصف خطوته الواسعة، وبدأ يبحث في ~~الحقيبة حتى أخرج منها في النهاية ثلاثة تماثيل خشبية، أسد وفيل ورجل فاحم السواد يرتدي ~~ملابس قبلية ويقرع طبلة، وأعطاني إياها. # فقالت أمي: «قل شكرا يا باري.» # فغمغمت: «شكرا.» # نظرت أنا ووالدي إلى التماثيل المنحوتة وهي جامدة دون حياة في يدي، ولمس كتفي. # وقال برفق: «إنها أشياء صغيرة.» ثم أومأ لجدي وأخذا حقائبه معا وهبطا إلى الشقة ~~الأخرى. ~~••• # شهر. هذه هي الفترة التي قضيناها معا، معظم الأمسيات كنا نقضيها نحن الخمسة في غرفة ~~معيشة شقة جدي، وكنا نقضي النهار في جولات بالسيارة حول الجزيرة أو في نزهات قصيرة ~~إلى أماكن لها علامات مميزة في حياة عائلتي: الأرض التي كانت توجد عليها شقة والدي ~~يوما ما، والمستشفى الذي ولدت فيه والذي أعيد بناؤه، وأول منزل لجدي في هاواي، قبل ~~أن يقيما في منزلهما بشارع يونيفرستي أفينيو، وهو منزل لم أعرفه قط. كان هناك الكثير ~~من الأشياء التي عليه أن يخبرني بها في ذلك الشهر، والكثير من التفسيرات أيضا؛ ومع ذلك ~~فعندما أحاول أن أعصر ذاكرتي لأتذكر الكلمات التي قالها أبي، الحوارات والمواقف ~~القليلة التي قد تكون دارت بيننا، أجد أنها ذهبت بلا رجعة. ربما تكون مطبوعة في أعماق ~~ذاكرتي، وصوته - الذي يعد بذرة جميع المناقشات المتشابكة التي أحملها مع نفسي - لا ~~يمكنني الوصول إليه الآن بالضبط مثل نمط جيناتي؛ لذا فإن كل ما أستطيع فهمه هو ~~الإطار الخارجي الممزق. تقدم زوجتي تفسيرا أبسط لهذا وهو أن الأبناء والآباء لا ~~يكون لديهم الكثير دائما ليتحدثوا عنه معا إلا إذا تولدت بينهم الثقة، وقد يكون هذا ~~أقرب إلى الحقيقة؛ إذ كنت دائما ما أقف أمامه دون أن أتفوه بكلمة واحدة، وهو لم ~~يدفعني قط للحديث. وتركني وكل ما لدي صور تظهر وتخبو في ذهني مثل الأصوات البعيدة؛ ~~كأن ms074 أتذكره ورأسه يرجع للوراء وهو يضحك على واحدة من دعابات جدي وأنا ووالدتي نعلق ~~زينة عيد الميلاد، وقبضته على كتفي وهو يقدمني إلى أحد أصدقائه القدامى من الجامعة، ~~وضيق حدقتي عينيه وتمرير أصابعه في لحيته الصغيرة المتناثرة وهو يقرأ كتبه ~~المهمة. # كل ما أتذكره هو صوره وتأثيره على الآخرين. فكلما تحدث - وإحدى ساقيه فوق ~~الأخرى ويداه الضخمتان ممتدتان لتوجيه الانتباه إلى شيء معين أو تشتيته، وصوته العميق ~~الواثق المقنع الضاحك - رأيت تغيرا مفاجئا في العائلة. فقد أصبح جدي أكثر نشاطا ~~وأعمق فكرا، ووالدتي أكثر حياء، وحتى جدتي خرجت من جحرها في غرفة النوم وبدأت في ~~مجادلته في أخبار السياسة والمال وهي تضرب الهواء بيديها ذات العروق الزرقاء لتوضح ~~وجهة نظرها. كان الأمر كما لو أن وجوده استدعى روح الأيام القديمة وسمح لكل منهم أن ~~يعود ليمارس دوره القديم؛ بدا الأمر وكأن الدكتور كينج لم يلق حتفه قط بعد إطلاق النار ~~عليه، واستمر أنصار كينيدي في دعم الأمة، ولم تكن الحرب والشغب والمجاعة أكثر من ~~مجرد نكسات مؤقتة، ولم يكن هناك شيء يخافون منه إلا الخوف نفسه. # وقد أذهلتني هذه القوة الغريبة، ولأول مرة بدأت أفكر في أبي على أنه شيء حقيقي ~~وقريب، بل حتى دائم. ومع ذلك فبعد بضعة أسابيع شعرت ببدء التوتر من حولي. بدأ جدي يشكو ~~من أن أبي يجلس في مقعده. وتذمرت جدتي وهي تغسل الأطباق قائلة إنها ليست خادمة أحد. ~~وكانت والدتي تضغط على شفتيها وهي تحاول أن تتجنب عيني والديها ونحن نتناول العشاء. ~~وفي إحدى الليالي أدرت التليفزيون لأشاهد فيلم كارتون خاصا اسمه «كيف سرق جرينش رأس ~~السنة» (هاو ذا جرينش ستول كريسماس)، وفجأة تحولت الهمسات إلى صياح. # قال أبي: «باري، لقد شاهدت التليفزيون بما يكفي الليلة.» وتابع: ادخل إلى غرفتك ~~وذاكر، ودع الكبار يتحدثون.» # فوقفت جدتي وأطفأت التليفزيون. وقالت: «لماذا لا تشاهد البرنامج في غرفة النوم يا باري؟» # فقال أبي: «كلا يا مادلين، ليس هذا ما أعنيه.» وتابع: «لقد ظل يشاهد هذا الجهاز طوال ms075 ~~الوقت والآن حان الوقت كي يذاكر.» # حاولت أمي أن تشرح له أننا في إجازة الكريسماس وأن هذا الكارتون هو المفضل في ~~الكريسماس، وأنني كنت أنتظره طوال الأسبوع. وقالت: «لن يستمر طويلا.» ~~«هذا هراء يا آنا. إذا كان الصبي قد فرغ من عمل الغد، فيمكنه أن يبدأ في واجبات اليوم ~~التالي. أو حتى الواجبات التي ستفرض عليه عندما يعود من الإجازة.» ثم التفت إلي وقال ~~لي: «أنا أقول لك يا باري إنك لا تذاكر بالجد الذي من المفترض أن تذاكر به. اذهب الآن ~~قبل أن أغضب.» # دخلت إلى غرفتي وأغلقت الباب بعنف وأنا أسمع الأصوات تعلو من خلفي، فكان جدي يصر ~~على أن هذا المنزل منزله وجدتي تقول إن أبي ليس لديه حق في أن يأتي ويفرض رأيه على ~~الجميع، بما في ذلك أنا، بعد أن رحل عنا كل تلك الفترة. وسمعت والدي يقول إنهم ~~يدللونني، وإنني أحتاج إلى حزم في التعامل، وسمعت والدتي تقول لوالديها إن شيئا لم ~~يتغير بهما. وقفنا جميعا في موقف الاتهام، وحتى بعد أن غادر أبي وجاءت جدتي لتقول ~~إنه يمكنني مشاهدة آخر خمس دقائق في البرنامج، شعرت أن شيئا قد تصدع بيننا جميعا، ~~عفاريت انطلقت من مخبأ قديم مغلق. وعندما شاهدت على شاشة التليفزيون الكائن جرينش وهو ~~يعتزم تدمير رأس السنة ثم يتحول في النهاية بفضل إيمان المخلوقات ذات العيون الكبيرة ~~السوداء الطيبة التي تسكن مدينة هوفيل، رأيته على حقيقته؛ مجرد كذبة. وبدأت أعد ~~الأيام الباقية حتى يرحل أبي ويعود كل شيء إلى ما كان عليه. # في اليوم التالي أرسلتني جدتي إلى الشقة بالأسفل حيث كان يقطن أبي لأرى هل لديه ~~ملابس بحاجة إلى الغسيل. طرقت الباب وفتح لي أبي وهو عاري الصدر. وبالداخل رأيت أمي ~~تكوي بعض ملابسه. كان شعرها معقوصا خلف رأسها وعيناها مترقرقتين حزينتين كما لو أنها ~~كانت تبكي. طلب مني أبي أن أجلس إلى جواره على الفراش، لكني أخبرته أن جدتي تحتاج ~~إلي لأساعدها وغادرت بعد أن أخبرته بالرسالة التي جئت ms076 بها. عدت لأعلى وكنت قد بدأت ~~في تنظيف غرفتي عندما دخلت أمي. ~~«ينبغي ألا تغضب من والدك يا باري . إنه يحبك كثيرا، لكنه يصر على رأيه في بعض ~~الأحيان.» # فقلت دون أن أنظر إليها: «حسنا.» وشعرت بعينيها تتبعانني في أرجاء الغرفة حتى أطلقت ~~في النهاية زفيرا بطيئا واتجهت إلى الباب. # قالت: «أعلم أن هذا الأمر كله محير لك.» وتابعت: «وهو كذلك لي أنا أيضا. فقط ~~حاول أن تتذكر ما قلته لك، اتفقنا؟» ووضعت يدها على مقبض الباب. ثم سألت: «هل تريدني ~~أن أغلق الباب؟» # فأومأت لها بالإيجاب، لكن بعد أن غادرت بدقيقة واحدة عادت فأدخلت رأسها في ~~الغرفة. # وقالت: «بالمناسبة، لقد نسيت أن أخبرك أن الآنسة هيفتي دعت والدك ليذهب إلى المدرسة ~~يوم الخميس. وتريد منه أن يتحدث إلى الفصل.» # لم يكن بوسعي تخيل أخبار أسوأ من هذه. وقضيت تلك الليلة واليوم الذي تلاها أحاول ~~أن أقمع ما يراودني من أفكار حول ما لا يمكن تجنبه: وجوه زملائي في الفصل عندما ~~يسمعون عن الأكواخ الطينية، وفضح جميع أكاذيبي، والدعابات الموجعة التي سأسمعها بعد ~~ذلك. وفي كل مرة أتذكر فيها يتلوى جسدي كما لو أنه تلقى ضربة عنيفة في ~~الصميم. # كنت لا أزال أحاول إيجاد طريقة لتبرير نفسي عندما دخل أبي إلى الفصل في اليوم ~~التالي. رحبت الآنسة هيفتي به بقوة، وعندما اتخذت مقعدي سمعت العديد من الأطفال ~~يتساءلون ماذا يحدث. وأصبحت أكثر يأسا عندما تبعه دخول مدرس الرياضيات الضخم من سكان ~~هاواي السيد إيلدريدج الذي لا يقبل الهراء ومعه 30 طالبا من الفصل المجاور لنا، ترتسم ~~الحيرة على وجوههم. # بدأت الآنسة هيفتي الحوار قائلة: «لدينا دعوة خاصة لكم اليوم.» وتابعت: «والد باري ~~أوباما هنا اليوم، وقد قطع كل هذه المسافة من كينيا في أفريقيا ليخبرنا عن ~~بلده.» # نظر الأطفال إلي عندما وقف والدي، ورفعت أنا رأسي بعناد أحاول أن أركز على نقطة ~~خاوية على السبورة خلفه. وعندما استطعت في النهاية أن أعود بنفسي إلى أرض الواقع كان قد ~~بدأ هو ms077 الحديث منذ فترة. كان ينحني على مكتب الآنسة هيفتي السميك المصنوع من خشب البلوط ~~ويصف الصدع العميق في الأرض حيث ظهر الجنس البشري لأول مرة. وتحدث عن الحيوانات ~~المفترسة التي لا تزال تجول السهول، والقبائل التي لا تزال تطلب من الصبي الصغير أن ~~يقتل أسدا كي يثبت رجولته. وتحدث عن عادات قبيلة «لوو» وكيف يعامل الكبار بأقصى ~~درجات الاحترام ويسنون القوانين التي يتبعها الجميع أسفل أشجار ضخمة. وأخبرنا عن ~~صراع كينيا لتنال حريتها وكيف أراد البريطانيون أن يبقوا بها ويحكموا أهلها ظلما كما ~~فعلوا في أمريكا، وكيف رزح الكثيرون تحت قيد العبودية بسبب لون بشرتهم فحسب مثلما حدث ~~في أمريكا، ولكن الكينيين، مثل جميع من في الغرفة، كانوا يتوقون للحرية وتطوير أنفسهم ~~عبر العمل الجاد والتضحية. # وعندما انتهى من حديثه كانت الآنسة هيفتي تشع فخرا. وجميع زملائي في الفصل ~~يصفقون بحرارة، وقليل منهم استجمع شجاعته ليطرح أسئلة بدا أبي يفكر فيها جيدا قبل ~~الإجابة عليها. وانطلق جرس الغداء، فجاء السيد إيلدريدج إلي. # وقال: «إن والدك مثير للإعجاب حقا.» # وقال الصبي ذو الوجه الأحمر الذي سألني عن آكلي لحوم البشر: «والدك لطيف ~~حقا.» # وفي أحد الجوانب رأيت كوريتا تشاهد أبي وهو يودع بعض الأطفال. وبدت عاقدة العزم على ~~ألا تبتسم، ولم يبد على وجهها سوى نظرة رضا. ~~••• # وبعد أسبوعين رحل أبي. وفي ذلك الوقت وقفنا معا أمام شجرة الكريسماس لنلتقط بعض ~~الصور، وهي الصور الوحيدة التي أحتفظ بها وتضمنا معا، وأنا أحمل كرة سلة برتقالية ~~اللون وهي هديته لي، وهو يستعرض رابطة العنق التي اشتريتها له (وقال لي وقتها: «سيعرف ~~الناس أنني رجل مهم للغاية لأني أرتدي رابطة العنق هذه.») وفي حفل موسيقي ل «ديف ~~بروبيك» جاهدت كي أجلس بهدوء في القاعة المظلمة إلى جواره، وأنا لا أستطيع أن أتابع ~~المعادلات الصوتية التي كان العازفون يقومون بها، وحرصت على أن أصفق وقتما يصفق. ~~ولأوقات قصيرة في اليوم كنت أستلقي إلى جواره ونحن الاثنان وحدنا في الشقة المؤجرة ~~من الباطن من سيدة ms078 عجوز متقاعدة لا أذكر اسمها، والمكان مليء بالألحفة ومناديل المائدة ~~وأغطية المقاعد المنسوجة من عقد من الخيط، وكنت أقرأ كتابي وهو يقرأ كتابه. وظل غامضا ~~في نظري؛ كيان حاضر إلى جواري، وعندما كنت أقلد إيماءاته أو عباراته لا أعرف أصلها ~~أو نتائجها، ولا أرى كيف تموت بمرور الوقت. لكني أصبحت معتادا على رفقته. # وفي يوم رحيله وبينما كنت أساعده أنا وأمي كي يحزم حقائبه أخرج أسطوانتين، من تلك ~~المصممة لتدور 45 دورة في الدقيقة، في غلاف بني باهت. # وقال: «باري، انظر هنا لقد نسيت أني أحضرت لك هذه. إنها صوت قارتك.» # استغرق بعض الوقت ليعرف كيف يتعامل مع جهاز تسجيل جدي العتيق، ولكن في النهاية بدأت ~~الأسطوانة تعمل، ووضع هو بحذر شديد الإبرة في مكانها. ثم بدأ ينبعث صوت موسيقى جيتار ~~عالية النغمة، ثم أبواق حادة، وإيقاع قرع طبول، ثم الجيتار مرة أخرى ثم الأصوات واضحة ~~ومليئة بالسعادة وهي تعلو فوق الإيقاع في الخلفية وتشجعنا. # قال والدي: «تعال يا باري.» وتابع: «ستتعلم من الأستاذ.» وفجأة بدأ جسده النحيل ~~يتمايل إلى الأمام وإلى الخلف، وكان الصوت يرتفع، وذراعاه تتمايلان وكأنهما تغزلان ~~شبكة غير مرئية، وقدماه تتحركان على الأرض في حركة غير عادية، وساقه المصابة ثابتة ~~لكن ردفه كان عاليا ورأسه إلى الخلف، ووركاه يتحركان في دائرة ضيقة. وتسارعت ~~الأنغام، ودوى صوت الأبواق، وأغلق هو عينيه ليتابع استمتاعه، ثم فتح إحدى عينيه ليلقي ~~نظرة علي، وارتسمت ابتسامة ساذجة على وجهه الوقور، وابتسمت والدتي وجاء جداي ~~ليريا ما هذه الضوضاء. خطوت أولى خطواتي التجريبية وعيناي مغمضتان وذراعاي تتمايلان إلى ~~الأسفل ثم إلى الأعلى، والأصوات تعلو. وكنت لا أزال أسمعه. فعندما كنت أتابع خطواته على ~~أنغام الموسيقى أطلق أبي صيحة سريعة مرحة وعالية؛ صيحة تترك الكثير خلفنا وتتوق ~~للمزيد، صيحة تتوق للضحك. # | الفصل الرابع # «إنني لن أذهب إلى حفلات بوناهو التافهة هذه مرة أخرى يا رجل.» ~~«نعم، هذا ما قلته المرة السابقة.» # جلست أنا وراي إلى إحدى الموائد وفككنا لفافة شطائر الهامبورجر. كان راي ms079 يكبرني ~~بعامين، فكان في السنة الأخيرة وجاء إلى مدرستنا قادما من لوس أنجلوس العام السابق ~~نتيجة لنقل والده من عمله في الجيش. ومع أن هناك فارقا في السن بيننا فقد كان من ~~السهل أن نصبح أصدقاء وهو ما يرجع إلى حد بعيد إلى أننا نمثل معا تقريبا نصف عدد ~~السود في مدرسة بوناهو الثانوية. وكنت أستمتع برفقته؛ فقد كان يتمتع بدفء وخفة ظل ~~متهورة تعوض عن إشارته الدائمة إلى حياته السابقة في لوس أنجلوس، وإلى حاشيته من ~~النساء اللائي كن، كما يزعم، لا يزلن يتصلن به هاتفيا كل ليلة مع بعد المسافة، ~~وإلى إنجازاته السابقة في كرة القدم، وإلى المشاهير الذين عرفهم. وكنت أميل إلى ألا ~~ألقي بالا لمعظم الأشياء التي يقولها، ولكن ليس جميعها؛ فقد كان صحيحا على سبيل ~~المثال أنه كان من أسرع العدائين في الجزيرة، وقال البعض عنه إنه كان في مستوى عدائي ~~الأولمبياد. هذا مع أن له كرشا ضخمة لا تتناسب مع سرعة عدوه كانت تهتز أسفل قميصه ~~المشبع بالعرق كلما ركض، تاركا وراءه المدربين والخصوم يهزون رءوسهم غير مصدقين. وعن ~~طريق راي اكتشفت حفلات السود التي كانت تقام داخل الجامعة أو خارجها في القواعد ~~العسكرية، واعتمدت عليه في تسهيل طريقي إلى الأماكن غير المألوفة لي. وفي المقابل كنت ~~أستمع إليه وهو يشكو من إحباطه. # وكان يقول لي في تلك اللحظة: «أنا جاد هذه المرة.» وتابع: «هؤلاء الفتيات عنصريات من ~~الدرجة الأولى، جميعهن. الفتيات البيض. والفتيات الآسيويات. اللعنة عليهن، أولئك ~~الآسيويات أسوأ من البيض. تظن أننا مصابون بمرض أو شيء من هذا القبيل.» ~~«ربما ينظرن إلى مؤخرتك الضخمة. يا رجل لقد ظننت أنك تتدرب.» ~~«أبعد يديك عن بطاطسي المقلية. إنك لست حبيبي أيها الزنجي ... اشتر لنفسك منها، ما ~~الذي كنت أتحدث عنه؟» ~~«إذا رفضت فتاة الخروج معك فهذا لا يجعلها عنصرية.» ~~«لا تكن غبيا، إنني لا أتحدث عن مرة واحدة فقط. فقد طلبت من مونيكا الخروج معها، ~~وقالت لا. فقلت لها حسنا، إنك لست شديدة الإغراء ms080 على أية حال.» وتوقف راي كي يرى ~~رد فعلي، ثم ابتسم. واستأنف: «حسنا، ربما لم أقل لها هذا بالضبط. فقلت لها حسنا يا ~~مونيكا، لكننا لا نزال أصدقاء مقربين. وبعد ذلك أعرف أنها ارتبطت بستيف ياماجوتشي ~~«البدين»، ويسيران وهما متشابكا الأيدي كأنهما طائرا غرام. فأقول لنفسي حسنا الفتيات ~~كثيرات من حولنا. فأطلب من باميلا الخروج إلى الحفل الراقص معي. فتقول لي إنها لن ~~تذهب. فأقول لا بأس. وعندما أصل إلى هناك، خمن من كان هناك يلف ذراعه حول ريك كوك. ~~لقد كانت هي وتقول: «مرحبا يا راي» كما لو أنها لا تعرف ما يحدث. وتتابع: «ريك كوك! ~~الآن تعلم أن هذا الرجل ليس سيئا. ذلك اللعين الحقير لا يزيد عني شيئا، أليس كذلك؟ لا ~~شيء.» # وملأ فمه بملء يده من البطاطس. وقال: «وبالمناسبة، هذا الأمر لا ينطبق علي وحدي، ~~فلا أرى أن حالك أفضل مني في هذا المجال.» # فقلت في نفسي إن السبب في هذا هو أنني خجول، ولكني لن أعترف بهذه المسألة له أبدا. ~~فراي سوف يستغل الفرصة. ~~«أخبرني ماذا يحدث إذن عندما نخرج إلى حفل مع بعض الأخوات؟ ماذا يحدث؟ أنا سأخبرك ~~ماذا يحدث. مفاجأة! إنهن يتوافدن علينا مسرعات متلهفات. فتيات المدرسة الثانوية، ~~وفتيات الجامعة، لا يهم. يتصرفن بلطف. كلهن يبتسمن. وتجد الواحدة منهن تقول: «بالطبع ~~يمكنك الحصول على رقم هاتفي يا حبيبي.» أراهن على ذلك.» ~~«حسنا ...» ~~«حسنا ماذا؟ اسمعني، لماذا لا تحصل على وقت أطول في اللعب في فريق كرة السلة؟ على ~~الأقل اثنان منهم لا يتفوقان عليك في شيء، وأنت تعرف هذا، وهما يعرفان هذا. لقد رأيتك ~~وأنت تتفوق عليهما في الأداء في الملعب، لا مجال للمنافسة بينكم. لماذا لم أبدأ أنا ~~في فريق كرة القدم هذا الموسم، بصرف النظر عن العدد الكبير من التمريرات التي تسقط من ~~يد الشاب الآخر؟ لا تخبرني أننا لم نكن لنحظى بمعاملة مختلفة لو كنا من البيض. أو ~~يابانيين. أو من هاواي. أو حتى من الإسكيمو اللعين.» ~~«ليس هذا ما ms081 أعنيه.» ~~«ما الذي تعنيه إذن؟» ~~«حسنا، إليك ما أعنيه. صحيح أنه من الصعب مواعدة الفتيات لأنه لا توجد فتيات سوداوات ~~في هذا المكان. لكن هذا لا يجعل جميع الفتيات هنا عنصريات. ربما يردن شخصا يشبه آباءهن ~~أو إخوتهن أو أي شخص آخر ونحن لسنا كذلك. وصحيح، قد لا أكون أحصل على الفرص التي يحصل ~~عليها الآخرون في الفريق، ولكنهم يلعبون مثلما يلعب الفتية البيض وهذا هو الأسلوب الذي ~~يحب المدرب اللعب به، ويفوزون بهذا الأسلوب الذي يلعبون به، وأنا لا ألعب بهذا ~~الأسلوب.» # ثم أضفت وأنا أمد يدي لألتقط آخر ما تبقى من البطاطس التي يتناولها: «أما أنت ~~أيها البدين فأظن أن المدربين قد لا يحبونك لأنك أسود يظن نفسه أذكى ممن حوله، لكن قد ~~يساعدك التوقف عن تناول هذه المقليات التي تجعلك تشبه امرأة حاملا في ستة أشهر. ~~وهذا ما أعنيه.» # قال راي: «لا أدري يا رجل لم تجد لهؤلاء القوم أعذارا؟!» ونهض وكوم ما أمامه من ~~مهملات محولا إياها إلى كرة صغيرة.» وتابع: «دعنا نخرج من هنا. فحديثك أصبح معقدا ~~للغاية.» ~~••• # كان راي على حق، الأمور أصبحت معقدة. كان قد مر خمس سنوات على زيارة أبي، وكانت ~~فترة هادئة، في الظاهر على الأقل، تميزها الطقوس والشعائر التي تتوقعها أمريكا من ~~أبنائها؛ تقارير ترسل لعائلتي تخبرهم عن مستواي المتدني، واستدعاءات إلى مكتب الناظر، ~~وعمل لنصف دوام في سلسلة مطاعم للهامبورجر، والإصابة بحب الشباب، واختبارات قيادة ~~السيارات، والرغبات الجامحة. وأصبح لي عدد لا بأس به من الأصدقاء في المدرسة، وخرجت في ~~مواعدات غريبة من حين لآخر؛ وإذا كانت الحيرة قد انتابتني في بعض الأحيان تجاه إعادة ~~الترتيب الغامضة للمكانة التي تحدث بين رفاقي في الفصل - فبعضهم ترتفع مكانته وتتراجع ~~مكانة الآخر اعتمادا على نزوات أجسادهم أو طراز سياراتهم - فإني شعرت بالارتياح لأن ~~وضعي كان يتحسن بانتظام. ونادرا ما كنت أقابل فتية لدى أسرهم أقل مما لدى أسرتي ~~حتى يذكروني بأني سعيد الحظ. # ولكن والدتي كانت تبذل قصارى جهدها لتذكرني بهذا. ms082 فقد انفصلت عن لولو وعادت إلى هاواي ~~بعد وقت قصير من وصولي سعيا وراء الحصول على درجة الماجستير في علم الإنسان . ولثلاثة ~~أعوام عشت معها ومع مايا في شقة صغيرة على بعد مجمع سكني واحد من بوناهو، وعشنا نحن ~~الثلاثة على المنحة الدراسية التي تتلقاها والدتي. وفي بعض الأحيان، عندما كنت أحضر ~~أصدقاء معي بعد انتهاء اليوم الدراسي، كانت أمي تسمعهم وهم يعلقون على نقص الطعام في ~~الثلاجة أو الإدارة غير المتميزة لشئون المنزل، فكانت تنتحي بي جانبا وتخبرني أنها أم ~~وحيدة عادت لصفوف الدراسة وترعى طفلين، ومن ثم فإن صنع البسكويت ليس على رأس قائمة ~~أولوياتها، وفي حين أنها كانت تقدر التعليم المتميز الذي أتلقاه في بوناهو فإنها لم ~~تكن تخطط لتحمل أي سلوك متعال مني أو من أي شخص آخر، فهل هذا مفهوم؟ # وكان ذلك مفهوما لي، ورغم مطالبي المتكررة للاستقلال التي كنت أطلبها في بعض الأحيان ~~بوجه عابس متجهم فقد ظللنا مقربين، وكنت أفعل ما بوسعي لمساعدتها قدر ما يمكنني؛ ~~فأذهب للتسوق، وأغسل الملابس، وأعتني بأختي التي أصبحت طفلة ذكية سوداء العينين. لكن ~~عندما أصبحت والدتي مستعدة للعودة إلى إندونيسيا للقيام بعملها الميداني، واقترحت أن ~~أعود معها هي ومايا وألتحق بالمدرسة الدولية هناك، رفضت على الفور. فقد كانت تساورني ~~الشكوك في ذلك الوقت حيال ما يمكن لإندونيسيا أن تقدمه لي، إلى جانب أني سئمت البدء ~~من جديد مرة أخرى. والأهم من هذا هو أنني توصلت إلى معاهدة غير معلنة مع جدي ~~فحواها أنه يمكنني الذهاب للعيش معهما وهما سيتركانني وشأني ما دمت أبقي مشكلاتي ~~بعيدا عنهما. وكان ذلك الاتفاق يناسب هدفي، وهو الهدف الذي كنت أحدده لنفسي بشق ~~الأنفس، ناهيك عن توضيحه لهما. وبعيدا عن والدتي وجدي كنت أمر بصراع داخلي لا ~~يهدأ. فكنت أحاول أن أعد نفسي لأكون رجلا أسود في أمريكا، وفيما عدا مظهري، لم ~~يبد أن أحدا ممن حولي يعرف بالضبط ماذا يعني هذا. # ولم تقدم لي خطابات أبي سوى بعض الخيوط التي يمكنني ms083 تتبعها. وكانت تصل على ~~فترات متقطعة في صفحة زرقاء واحدة ويكون لسان ظرف الرسالة مطويا بمادة لاصقة تجعل ~~أي كتابات على الهوامش غير واضحة. كان يقول في خطاباته إن الجميع بخير، ويمتدح ~~تقدمي في دراستي، ويؤكد أنه يرحب بي وبوالدتي وبمايا أن نحصل على المكان الجدير بنا ~~إلى جواره وقتما نريد ذلك. ومن آن لآخر كان يسدي لي بعض النصائح عادة في شكل حكمة ~~لم أكن أفهمها بوضوح (مثل «مثلما يصل الماء إلى منسوبه فإنك ستصل إلى المهنة التي ~~تناسبك.») وكنت أرد على خطاباته على الفور في صفحة عريضة مسطرة، وتشق خطاباته طريقها ~~إلى الخزانة بجانب الصور التي تحتفظ بها أمي له. # وكان لدى جدي عدد من الأصدقاء السود هم في الأغلب زملاء له في لعبتي البوكر ~~والبريدج، وقبل أن أكبر بما يكفي لئلا أهتم بأن أجرح مشاعره كنت أتركه يجرني معه إلى ~~واحدة من ألعابهم. كانوا رجالا متقدمين في السن يرتدون ملابس أنيقة وأصواتهم جشة ~~وملابسهم ينبعث منها رائحة السيجار؛ أي نوع الرجال الذين في نظرهم كل شيء له مكانه ~~المحدد، والذين يظنون أنهم رأوا ما يكفي حتى إنه لا يجب إضاعة الكثير من وقتهم ~~بالحديث عنه. وكلما رأوني ربتوا على ظهري بمرح وسألوني عن حال أمي، ولكن ما إن يحين ~~وقت اللعب لا يتفوهون بشيء سوى الشكوى لشركائهم في اللعب من النقاط التي توقعوا أن ~~يحصلوا عليها. # كان هناك استثناء، وهو شاعر اسمه فرانك، يعيش في منزل خرب في جزء من وايكيكي حالته ~~متدهورة. وقد طاردته سمعة سيئة لبعض الوقت، وكان معاصرا لريتشارد رايت ولانجستون هيوز ~~في السنوات التي قضاها في شيكاغو، وقد أراني جدي ذات مرة بعضا من أعماله اختيرت ~~لتنشر في ديوان من دواوين حركة الشعر الأسود. ولكن في الوقت الذي قابلت فيه فرانك ~~كان يناهز الثمانين من عمره وله وجه ضخم به لغد، وشعر أفريقي طويل مجعد رمادي اللون ~~وغير ممشط مما جعله يشبه أسدا عجوزا أشعث الشعر. وكلما مررنا بمنزله قرأ لنا قصائده ~~واحتسى ms084 مع جدي الويسكي الموضوع في برطمان مفرغ لهذا الغرض. وبعد انقضاء الليل يستجدي ~~كلاهما مساعدتي في تأليف قصائد فكاهية خماسية الأبيات لا قيمة أدبية لها. وفي النهاية ~~يتحول الحوار إلى الانتحاب على النساء. # وكان فرانك يقول لي بجدية: «إنهن سيقدنك إلى احتساء الخمر يا فتى.» ويتابع: «وإذا ~~سمحت لهن بذلك فسيهلكنك.» # أسرتني شخصية فرانك العجوز، بكتبه ورائحة الويسكي التي تنبعث من أنفاسه، والإشارة ~~إلى المعرفة التي اكتسبها بشق الأنفس التي أراها خلف عينيه الغليظتي الجفنين وتبدو شبه ~~مغمضة. ودائما ما كانت الزيارات إلى منزله تتركني أشعر بعدم الارتياح بصورة غامضة، ~~وكأني كنت أشهد صفقة تجارية غير معلنة ومعقدة بين الرجلين، صفقة لم أستطع فهمها ~~بالكامل. وكلما اصطحبني جدي إلى وسط المدينة إلى إحدى حاناته المفضلة الموجودة في حي ~~الدعارة في مدينة هونولولو انتابني الشعور نفسه. # وكان يقول لي وهو يغمز بعينه: «لا تخبر جدتك»، وكنا نمر أمام فتيات ليل ناعمات ~~الجسد جامدات الملامح قبل الوصول إلى حانة صغيرة مظلمة بها جهاز فونوغراف آلي يعمل ~~بالعملة وطاولتان للعب البلياردو. ولم يبد أن أحدا اهتم بأن جدي هو الرجل الأبيض ~~الوحيد في المكان، أو أنني لم أكن إلا في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمري. وكان ~~بعض الرجال يتكئون على بار الحانة ويلوحون ناحيتنا، وأحضرت ساقية الحانة - وهي سيدة ~~ضخمة فاتحة البشرة لها ذراعان ممتلئتان عاريتان - شراب الويسكي من نوع سكوتش لجدي ~~وأحضرت كوكاكولا لي. وعندما تكون الطاولة خالية يعطيني جدي بعض الكرات ويعلمني ~~اللعبة، لكني عادة كنت أجلس إلى البار وساقاي تتدليان من على الكرسي العالي، وأنفخ ~~الفقاقيع في شرابي وأنظر إلى الرسوم الإباحية المعلقة على الحوائط؛ رأيت نساء ~~براقات وهن يرتدين جلود الحيوانات، وشخصيات ديزني في أوضاع فاضحة. وعندما يكون رودني ~~- وهو رجل يرتدي قبعة عريضة الحواف - موجودا هناك يتوقف إلى جانبي ليرحب بي: ~~«كيف يسير حال الدراسة أيها القائد؟» ~~«بخير.» ~~«إنك تحصل على امتياز، أليس كذلك؟» ~~«في بعض المواد.» # وكان يقول وهو يخرج 20 دولارا من بين كومة ms085 سميكة من النقود أخرجها من جيبه: «هذا ~~أمر رائع، يا سالي، قدمي لهذا الرجل كوبا آخر من الكوكاكولا» ثم يختفي في ~~الظلام . # لا أزال أذكر الإثارة التي كنت أشعر بها في أثناء تلك الرحلات الليلية، وجاذبية ~~الظلام وصوت كرة البلياردو، وجهاز الفونوغراف الآلي وهو يطلق أضواءه الحمراء والخضراء، ~~والضحكات المنهكة التي كانت تتردد في أنحاء الحانة. وحتى في ذلك الوقت، ومع صغر سني ~~فقد بدأت أشعر بالفعل أن معظم الناس في الحانة لم يكونوا هناك باختيارهم، وأن ما كان ~~جدي يسعى إليه هناك هو رفقة أناس بإمكانهم مساعدته على نسيان مشكلاته الخاصة، أناس ~~كان يعتقد أنهم لن يشكلوا آراء عنه. وربما تكون الحانة قد ساعدته بالفعل على النسيان، ~~لكني عرفت بغريزة الطفل التي لا تخطئ أنه كان مخطئا بشأن آراء الآخرين عنه. فقد كانوا ~~هم أيضا يشعرون أننا مجبرون على الوجود هناك، وعندما وصلت إلى المرحلة الإعدادية ~~تعلمت أن أعتذر عن دعوات جدي وأنا أعلم أنه مهما كان ما أسعى إليه، ومهما كان ما ~~أحتاج إليه، فإنه يجب أن يأتي من مصدر آخر. # التليفزيون والسينما والراديو: كانت هذه هي الأماكن التي بدأت منها. وكانت ثقافة ~~البوب حصرية على الملونين كأنها معرض من الصور التي يمكنك منها اختلاس أسلوب في ~~السير أو الحديث أو خطوة في رقصة أو في أسلوب ارتداء الملابس. ولم يكن بإمكاني الغناء ~~مثل مارفين جاي، لكني استطعت تعلم جميع الخطوات الراقصة ببرنامج «سول ترين». ولم يكن ~~بإمكاني أن أحمل سلاحا مثلما شاهدت في فيلمي «شافت» أو «سوبرفلاي»، لكن كان بإمكاني ~~بالطبع إطلاق السباب مثل ريتشارد براير. # وكنت أستطيع لعب كرة السلة بعاطفة شديدة تتخطى دائما مهارتي المحدودة. وقد جاءت ~~هدية أبي للكريسماس عندما بدأ فريق كرة السلة في جامعة هاواي يتقدم في الترتيب القومي ~~بفضل فريق جميع لاعبيه الخمسة من السود الذين أحضرتهم المدرسة من مختلف الولايات ~~الأمريكية والذين تبدأ بهم المباراة. وفي ذلك الربيع اصطحبني جدي إلى إحدى مبارياتهم ~~وشاهدت اللاعبين وهم في تمرينات الإحماء، وكانوا ms086 لا يزالون فتيانا لكنهم بدوا لي ~~مقاتلين جسورين واثقين بأنفسهم، يضحكون على دعابات يلقونها فيما بينهم، أو ينظرون فوق ~~رءوس المعجبات اللائي يتوددن إليهم حتى يغمزوا بعيونهم للفتيات الموجودات على الخط ~~الجانبي، أو يتناقلون الكرة من حين لآخر بيد واحدة وهم بجوار السلة، أو يصوبون كرات ~~قوسية تجاه السلة وهم يقفزون عاليا حتى تنطلق الصفارة، وكذلك قفزة لاعبي الوسط ~~واشتراك جميع اللاعبين في معركة ضارية. # قررت أن أصبح جزءا من هذا العالم، وبدأت أتردد على ملعب بالقرب من شقة جدي بعد ~~المدرسة. وكانت جدتي تشاهدني من نافذة غرفة نومها على ارتفاع 10 طوابق في الملعب حتى ~~بعد أن يسدل الليل ستائره بوقت طويل عندما كنت أقذف الكرة بكلتا يدي في البداية، ثم ~~تطورت إلى التسجيل وأنا أقفز بطريقة غريبة، والمناورة بالكرة بسرعة بين كلتا يدي، ~~وأستغرق في الحركات الفردية نفسها ساعة بعد ساعة. وعندما التحقت بالمدرسة الثانوية لعبت ~~في فريق بوناهو، واستطعت أن ألعب في الجامعة حيث علمني بعض الرجال السود - معظمهم ممن ~~يقضون أغلب أوقاتهم في صالة الألعاب الرياضية أو ممن كانوا يوما من ذوي الشأن - أشياء ~~لم تكن تتعلق بالرياضة فقط. علموني أن الاحترام ينبع مما يفعله المرء وليس من هوية ~~أبيه. وأنه يمكن للمرء الحديث عن أمور لإثارة حنق خصمه لكن عليه أن يغلق فمه اللعين ~~إذا لم يكن بإمكانه دعم ما يقول. وألا يدع أحدا يتسلل إلى أعماقه ليرى مشاعر، مثل ~~الألم والخوف، لم يشأ أن يراها أحد. # وهناك شيء آخر أيضا، شيء لم يتحدث عنه أحد؛ طريقة للتماسك عندما تكون المباراة ~~حرجة، والعرق الغزير يغمر اللاعبين، عندما يتوقف أفضل اللاعبين عن القلق بشأن تسجيل ~~النقاط، وتجرف المباراة أسوأ اللاعبين، ويصبح ما يهم هو النقاط فقط لأن هذه هي الطريقة ~~الوحيدة للحفاظ على نشوة المباراة. وفي غمرة كل هذا قد يقوم اللاعب بحركة أو يمرر ~~تمريرة تفاجئه هو شخصيا، حتى إن اللاعب الذي يتولى مراقبته لا يملك إلا أن يبتسم كما ~~لو أنه يقول: «اللعنة ...» # وعند ms087 هذه النقطة من القصة تدير زوجتي عينيها. فقد نشأت مع أخ نجم في لعبة كرة السلة، ~~وعندما تريد أن تثير ضيق أي منا تصر على أنها تفضل أن ترى ابنها يعزف على آلة ~~التشيلو. إنها على حق بالطبع؛ فقد كنت أعيش بداخل صورة مشوهة ومغالى فيها لمراهقة ~~شاب أسود، وهي في حد ذاتها صورة مشوهة ومغالى فيها لمرحلة الرجولة الأمريكية ~~المختالة. لكن عندما يكون من المفترض ألا يريد الأبناء اتباع خطى آبائهم المنهكة، عندما ~~لا يكون من المفترض أن تملي متطلبات العمل في الحقل أو المصنع على المرء هويته حتى إن ~~الكيفية التي ينبغي أن يعيش بها المرء تباع جاهزة أو توجد في مجلة، يكون الاختلاف ~~الرئيسي بيني وبين معظم الشباب من حولي - راكبي الأمواج ولاعبي كرة القدم ومن سيصبحون ~~عازفي موسيقى الروك آند رول على الجيتار - يكمن في العدد المحدود من الخيارات المتاحة ~~أمامي. فكل منا اختار رداء؛ درعا ضد الشك. وعلى الأقل في ملعب كرة السلة كان ~~بإمكاني إيجاد مجتمع من نوع ما له حياته الخاصة. هناك كونت أقرب صداقات لي من ~~الشباب البيض، في مجال لم يكن سواد البشرة عيبا. وهناك قابلت راي وأترابي من الفتية ~~السود الآخرين الذين بدءوا يتوافدون على الجزيرة رويدا رويدا، والذين كانوا مراهقين ~~ساعدت حيرتهم وغضبهم في تكوين حيرتي وغضبي. # وكان بعضهم يقول ونحن وحدنا: «هكذا بالضبط سيعاملك البيض.» ويضحك الجميع ويهزون ~~رءوسهم، وينطلق عقلي يبحر في سجل من المواقف المهينة: أول صبي في الصف السابع، الذي ~~أطلق علي عبد أسود، ثم دموع المفاجأة التي انهمرت من عينيه وهو يسألني: «لماذا فعلت ~~هذا؟» عندما أدميت أنفه. وذاك الذي كان يتدرب معي في دورة التنس الذي قال لي إنه يجب ~~ألا ألمس جدول المباريات الملصق بدبوس إلى لوحة النشرات لأن لوني قد يزول، وابتسامة ~~وجهه الأحمر رفيع الشفتين عندما هددت بأن أبلغ عنه وهو يقول: «ألا يمكنك تقبل ~~الدعابات؟» وتلك السيدة العجوز - التي تقطن في مبنى جدي نفسه - التي ثارت عندما دخلت ~~المصعد ms088 وراءها وهرعت خارجة منه لتخبر المدير أنني ألاحقها، ورفضها أن تعتذر بعد أن ~~علمت أنني أعيش في المبنى نفسه. ومساعد مدرب فريق كرة السلة، وهو شاب نحيل من نيويورك ~~يرتدي سترة أنيقة، قال بعد مباراة لم يخطط لها مع بعض الرجال السود الثرثارين على ~~مقربة مني أنا وثلاثة من رفاقي في الفريق إنه ما كان يجب أن نخسر أمام حفنة من الزنوج، ~~والذي شرح لي بهدوء الحقيقة التي تبدو واضحة وهي «هناك أناس سود وهناك زنوج. وهؤلاء ~~الأشخاص زنوج»، كان ذلك عندما قلت له بغضب، فاجأني أنا شخصيا، اخرس. # هكذا بالضبط سيعاملك البيض. المشكلة لم تكن تتعلق بقسوة الأمر فقط؛ فقد علمت أيضا ~~أن الرجال السود قد يكونون وضيعين، بل أكثر من ذلك. لقد كان نوعا خاصا من الغرور؛ ~~بلادة عقل يتمتع بها أناس يكونون فيما عدا ذلك عقلاء وتدفعنا إلى الضحك بمرارة. لقد ~~كان الأمر كما لو أن البيض لم يكونوا يعرفون أنهم قساة في المقام الأول. أو على الأقل ~~يرون أننا نستحق ازدراءهم. ~~«البيض». كان المصطلح نفسه غير مريح على لساني في البداية، فكنت أشعر أنني أجنبي ~~أتلعثم في نطق عبارة صعبة. وفي بعض الأحيان أجد نفسي أتحدث إلى راي عن «هؤلاء ~~البيض» و«أولئك البيض»، ثم أتذكر فجأة ابتسامة أمي فتبدو لي الكلمات التي أتفوه ~~بها غريبة وزائفة. أو أكون أساعد جدي في تجفيف الأطباق بعد العشاء وتأتي جدتي وتقول ~~إنها ستأوي إلى الفراش، وتبرق كلمة «البيض» في ذهني مثل إشارة لامعة مضيئة، فأهدأ فجأة ~~كما لو أن لدي أسرارا أحتفظ بها. # وبعد ذلك، عندما أكون وحدي أحاول أن أحلل هذه الأفكار الصعبة. وكان واضحا أن هناك ~~بعض الأشخاص البيض الذين يمكن أن نستثنيهم من الفئة العامة التي لا نثق بها، وكان راي ~~دائما ما يتحدث عن لطف جدي. ورأيت أن مصطلح أبيض أصبح عنده اختصارا، علامة ~~مميزة لمن يمكن أن تطلق عليه أمي شخصا متعصبا. ومع أني أدركت خطورة المصطلحات التي ~~يستخدمها، وكم من السهل أن يهوي ms089 المرء إلى هوة هذا التفكير المختل الذي ظهر على مدرب ~~كرة السلة (الذي قلت له قبل أن أخرج من الملعب في ذلك اليوم: «هناك أشخاص بيض، وهناك ~~جهلة حقراء مثلك»)، وقد أكد لي راي أننا لن نتحدث قط عن البيض على أنهم بيض أمام ~~البيض دون أن نعرف بالضبط ماذا نفعل. ودون أن نعرف أنه قد يكون هناك ثمن ~~ندفعه. # ولكن هل هذا صحيح؟ هل كان لا يزال هناك ثمن لندفعه؟ هذا هو الجزء المعقد، الشيء ~~الذي لم أستطع أنا وراي أن نتفق عليه قط. وفي بعض الأحيان كنت أسمع راي وهو يتحدث ~~إلى فتاة شقراء قابلها لتوه عن الحياة في شوارع لوس أنجلوس الفقيرة، أو أسمعه يشرح - ~~لمدرس شاب متحمس - الندبات التي تركتها العنصرية، وأكاد أقسم أنه وراء تلك التعبيرات ~~الجادة كان راي يغمز لي بعينه ليجعلني أشترك في الحوار. وكان وكأنه يقول لي إن غضبنا ~~على البيض لا يحتاج إلى سبب، ولا إلى تأكيد مستقل، إنه شعور يمكن أن نجعله يظهر ويختفي ~~وقتما نشاء. وفي بعض الأحيان - بعد أحد هذه العروض التمثيلية - كانت الشكوك تساورني حول ~~حكمه، إن لم يكن إخلاصه. وكنت أذكره أننا لا نعيش في الجنوب في ظل قوانين جيم كرو، ~~ولم يلق بنا في مشروع إسكان ليس به وسائل تدفئة في هارلم أو برونكس. إننا في هاواي ~~اللعينة، نقول ما نشاء ونأكل حيثما نشاء ونجلس في مقدمة الحافلة التي يستقلها الجميع. ~~ولا يعاملنا أي من أصدقائنا البيض، أمثال جيف وسكوت في فريق كرة السلة، بطريقة ~~مختلفة عن تلك التي يتعاملون بها بعضهم مع بعض. إنهم يحبوننا ونحن نحبهم. بل نصفهم ~~تقريبا يبدو وكأنه يود لو أنه أسود اللون، أو على الأقل مثل الدكتور جيه. # وكان راي يعترف بصحة هذا. # ومن ثم فربما يمكننا أن نمنح موقف الزنجي السيئ هذا بعض الراحة. وندخره حتى نحتاج ~~إليه حقا. # فكان راي يهز رأسه. ويقول: «موقف؟ تحدث عن نفسك فقط.» # وكنت أعرف أن راي سيشهر ورقته الرابحة، تلك الورقة ms090 التي يحسب له أنه نادرا ما ~~يستخدمها. ورقة أنني، رغم كل شيء، مختلف وربما أكون مشتبها بي، ليست لدي فكرة عن هويتي ~~الحقيقية. ولأني لم يكن لدي استعداد للمخاطرة بكشف نفسي، كنت أنسحب بسرعة وأتحدث عن ~~موضوع أكثر أمانا لي. # فربما لو كنا نعيش في نيويورك أو لوس أنجلوس، لاستطعت استيعاب قواعد اللعبة الخطيرة ~~التي نلعبها سريعا. وتعلمت أن أنتقل جيئة وذهابا بين العالمين الأبيض والأسود اللذين ~~كنت أعيش فيهما، وتفهمت أن كلا منهما له لغته وعاداته والمعاني الخاصة به، وكنت ~~مقتنعا أنه ببعض المجهود في الترجمة بين العالمين من جانبي يمكن في النهاية أن يلتحما. ~~ومع ذلك فقد استمر الشعور بأن هناك شيئا يراودني ليس على ما يرام، جهاز إنذار ~~ينطلق كلما ذكرت فتاة بيضاء أثناء حديثها مدى حبها لستيفي واندر، أو عندما سألتني ~~سيدة في المتجر هل ألعب كرة سلة، أو عندما أخبرني ناظر المدرسة أنني لطيف. لقد كنت أحب ~~ستيفي واندر، وكنت أحب كرة السلة، وبذلت قصارى جهدي كي أكون لطيفا طوال الوقت؛ فلماذا ~~إذن كانت مثل هذه التعليقات تثير قلقي؟ كنت أشعر أن هناك خدعة ما، مع أني كنت لا أفهم ~~ما تلك الخدعة، ومن الذي يقوم بها، ومن الذي يخدع بها. # وفي أحد أول أيام الربيع تقابلت أنا وراي بعد المدرسة وبدأنا نسير في اتجاه المقعد ~~الحجري الذي يحيط بشجرة تين البنغال الضخمة في حرم مدرسة بوناهو. وكان يطلق عليه «مقعد ~~الكبار»، لكنه كان في الواقع نقطة تجمع جماعات الطلبة في المدرسة الثانوية؛ هواة ~~الرياضة، وكبار المشجعين، وهواة الذهاب إلى الحفلات ومعهم التابعون لهم والمولعون ~~بالمزاح، والمرافقات اللائي يتدافعن للحصول على مكان على الدرجات الدائرية. وكان ~~أحد الطلاب في السنة النهائية، وهو مدافع عنيد اسمه كيرت، هناك وبمجرد أن رآنا صاح ~~بصوت عال. # نادى قائلا: «مرحبا راي! ما الأخبار يا رجل؟» # فاتجه إليه راي وضرب يده براحته الممتدة. لكن عندما أعاد كيرت التحية لي لوحت له ~~أن يتركني وشأني. # وسمعته يقول لراي عندما سرت مبتعدا: ms091 «ماذا به؟» وبعد بضع دقائق لحق بي راي وسألني ~~ما الأمر. ~~«هؤلاء الناس لا يفعلون شيئا سوى السخرية منا.» ~~«ما الذي تتحدث عنه؟» ~~«كل ذلك الهراء الذي يتحدثون به.» ~~«من الآن الذي أصبح السيد الحساس إذن؟ كيرت لا يعني شيئا بهذا.» ~~«إذا كان هذا ما ترى، إذن ...» # وفجأة انفجر راي غضبا. وقال: «انظر، إنني أحاول أن أتعايش فقط، أليس كذلك؟ مثلما ~~رأيتك تتعايش وتتحدث عن الرياضة التي تمارسها مع المدرسين عندما تحتاج إلى خدمة ~~يقدمها لك أحدهم. كل تلك الأمور مثل «حسنا يا آنسة سنوتي اللعينة، أظن أن القصة ~~مثيرة للاهتمام، فقط إذا أمكن أن أحصل على يوم واحد إضافي لأنتهي من ذلك البحث، ~~فسأقبل يدك البيضاء اللعينة.» إنه عالمهم، أليس كذلك؟ إنهم يملكونه ونحن نعيش فيه. ~~والآن اغرب عن وجهي بحق الجحيم.» # وبحلول اليوم التالي كانت حرارة نقاشنا قد تبددت، واقترح راي أن أدعو صديقينا جيف ~~وسكوت إلى حفل يقيمه راي في منزله في العطلة الأسبوعية. ترددت لوهلة؛ إذ لم ندع ~~أصدقاء بيضا إلى حفل للسود قط، لكن راي أصر، ولم أجد سببا مقنعا للاعتراض. ~~وكذلك جيف وسكوت؛ فقد وافق كلاهما على حضور الحفل ما دمت أوافق أن أقلهما. وهكذا، ~~بعد أن أنهينا إحدى مبارياتنا في مساء يوم السبت، ركبنا نحن الثلاثة سيارة جدي القديمة ~~من طراز فورد جراندا وشققنا طريقنا إلى القاعدة العسكرية سكوفيلد باراكس على بعد 30 ~~ميلا تقريبا خارج المدينة. # عندما وصلنا كان الحفل قد بدأ، فتوجهنا لنحصل على بعض المرطبات. لم يبد أن حضور ~~جيف وسكوت يسبب أي اضطراب، وقد قدمهما راي لمن في الغرفة وبدءوا يتحدثون قليلا ~~مع بعض الأشخاص، واصطحبا فتاتين للرقص معهما. لكني رأيت بوضوح أن المشهد قد أذهل ~~صديقي الأبيضين. فكانا يبتسمان كثيرا. وينتحيان جانبا في أحد الأركان، وكانا يومئان ~~برأسيهما من حين لآخر بخجل وعدم ارتياح لضربات الموسيقى، ويقولان: «معذرة» كل بضع ~~دقائق. وبعد ساعة تقريبا طلبا أن أصطحبهما إلى المنزل. # وعندما ذهبت إلى راي لأخبره أننا سنغادر، قال بصوت ms092 عال محاولا التغلب على صوت ~~الموسيقى: «ما الأمر؟» وتابع: «لقد بدأ الحفل لتوه يصل إلى أوجه.» ~~«أظن أنهما لا يتأقلمان.» # والتقت عينانا، ووقفنا هناك برهة طويلة من الوقت، والضوضاء والضحكات تدوي من حولنا. ~~ولم يبد في عيني راي أي أثر للرضا أو أية إشارة لخيبة الأمل؛ مجرد نظرة ثابتة من ~~عين لا تطرف مثل عين ثعبان. وفي النهاية مد لي يده فأمسكت بها، وعينانا لا تزالان ~~ثابتتين ثم قال: «نلتقي لاحقا إذن»، وسحب يده من يدي ورأيته وهو يبتعد في الزحام ~~ويسأل عن الفتاة التي كان يتحدث إليها قبل بضع دقائق. # وفي الخارج كان الهواء لطيفا، والشارع خاويا تماما، فيما عدا الارتجاف الخفيف الذي ~~يسببه مذياع راي، والأضواء الزرقاء التي تنير بصورة متقطعة في نوافذ المنازل ذات ~~الطابق الواحد التي تمتد عبر الشارع الجانبي النظيف، وظلال الأشجار تمتد عبر ملعب ~~لكرة البيسبول. وفي السيارة وضع جيف ذراعه على كتفي، وبدا فجأة يشعر بالأسف البالغ ~~والارتياح في آن واحد. وقال: «أتعرف لقد علمني هذا الحفل شيئا. أقصد، أصبحت أعرف ~~مدى صعوبة الأمر عليك وعلى راي في بعض الأحيان في حفلات المدرسة ... إنكم أنتم فقط ~~السود.» # فأجبت: «آه، نعم.» وأراد جزء مني أن يلكمه. وبدأنا نقطع الطريق تجاه المدينة، وفي ~~هذه الفترة من الصمت بدأ عقلي يعيد عرض كلمات راي في ذلك اليوم مع كيرت، وكل ~~المناقشات التي دارت بيننا قبل ذلك، وأحداث تلك الليلة. وفي الوقت الذي أوصلت فيه ~~صديقي بدأت أرى خريطة جديدة للعالم، خريطة مخيفة في بساطتها، وخانقة في المعاني التي ~~تتضمنها. لقد كنا دائما نلعب في ملعب الرجل الأبيض، ووفقا لقواعده، هذا ما قاله ~~راي. وإذا أراد الناظر أو المدرب أو المدرس أو كيرت أن يبصق على وجهك يمكنه هذا لأنه ~~يتمتع بسلطة ليست لديك. وإذا قرر ألا يفعل شيئا من ذلك؛ أي إذا عاملك على أنك ~~إنسان أو دافع عنك، فهذا لأنه يعرف أن الكلمات التي تتفوه بها، والملابس التي ~~ترتديها، والكتب التي تقرؤها، وطموحك ورغباتك هي ms093 في الأساس ملك له. ومهما كان ما ~~يقرر أن يفعله فهذا قراره وليس قرارك، وبسبب هذه السلطة الجوهرية التي يمتلكها عليك، ~~ولأنها ولدت قبل دوافعه الشخصية ونزعاته وستستمر بعدها، فإن أي تمييز بين الإنسان ~~الأبيض الطيب والشرير ليس له معنى كبير. وفي الحقيقة لا يمكنك أن تثق أن كل شيء افترضت ~~أنه تعبير عن نفسك الحرة كإنسان أسود - مثل الدعابات والأغاني والتمريرات من وراء الظهر ~~في مباريات كرة السلة - جميعها قد اخترتها بنفسك. لقد كانت هذه الأشياء على أفضل ~~تقدير ملجأ أو، على أسوأ تقدير، فخا. وباتباع هذا المنطق المثير للجنون فإن الشيء ~~الوحيد الذي يمكنك اختياره ليكون ملكا لك هو الانسحاب إلى عالم أصغر فأصغر من الغضب، ~~حتى يصبح معنى كونك أسود هو إدراك أنك بلا سلطة واعتراف بهزيمتك. والمفارقة الأخيرة هي ~~أنه إذا رفضت هذه الهزيمة وتحدثت بغضب منتقدا آسرك، فستجد لديه اسما لهذا بإمكانه ~~أن يسجنك في قفص آخر. كأن يصفك بأنك مصاب بجنون الاضطهاد. أو عدواني. أو عنيف. أو ~~زنجي. ~~••• # وعلى مدار الشهور القليلة التالية، تطلعت إلى ترسيخ هذا الكابوس. فجمعت كتبا من ~~المكتبة؛ كتب لبالدوين وإليسون وهيوز ورايت ودوبويس. وفي المساء كنت أغلق باب غرفتي ~~وأخبر جدي أن لدي واجبا منزليا يجب أن أنتهي منه، وأجلس هناك وأحارب الكلمات، ~~محتجزا في جدال مفاجئ يائس أحاول أن أتصالح مع العالم كما وجدته عند ميلادي. لكن لا ~~مناص. ففي كل صفحة من كل كتاب، سواء في الكتب التي تتحدث عن شخصية الزنجي الشرير مثل ~~بيجر توماس أو شخصيات أخرى مجهولة، كنت أجد نفس الأسى، نفس الشك؛ ازدراء للذات لم ~~تستطع السخرية ولا الفكر تغيير مساره. وحتى علم دوبويس وحب بالدوين وخفة ظل لانجستون ~~استسلموا في النهاية إلى قوته المدمرة، فكل من هؤلاء الرجال وجد نفسه في النهاية ~~مجبرا لأن يشك في قدرة الفن على إنقاذه، وكل منهم وجد نفسه في النهاية مجبرا على ~~الانسحاب؛ أحدهم إلى أفريقيا والآخر إلى أوروبا والثالث إلى أعماق هارلم، لكنهم جميعا ~~انتهى ms094 بهم الحال إلى نفس الفرار المنهك، جميعهم تملك منهم التعب، جميعهم يشعر ~~بالمرارة، جميعهم تطاردهم الشياطين. # كانت سيرة مالكولم إكس الذاتية وحدها هي التي قدمت شيئا مختلفا. فكانت محاولاته ~~المتكررة لتكوين الذات تخاطبني، والشعر الصريح في كلماته وإصراره الطبيعي على نيل ~~الاحترام يعدان بنظام جديد وثابت، نظام عسكري في طريقته يصاغ من خلال القوة ~~المجردة للإرادة. وقررت أن جميع الأشياء الأخرى، مثل الحديث عن الشياطين الزرقاء ~~العيون وسفر الرؤيا، كانت عارضة على هذا البرنامج؛ فقد كانت أفكارا دينية بدا أن ~~مالكولم نفسه قد هجرها في نهاية حياته. ومع ذلك، حتى عندما تخيلت نفسي أتبع نداء ~~مالكولم، فقد منعني سطر واحد في الكتاب من هذا. فقد تحدث في هذا السطر عن أمنية كانت ~~تراوده في يوم من الأيام، أمنية أن يتخلص، عن طريق العنف، من الدماء البيضاء التي ~~تجري في عروقه. وعرفت أن أمنية مالكولم تلك لم تكن عارضة قط، وعرفت أيضا أن الرحلة إلى ~~احترام الذات للدماء البيضاء لا تتراجع أبدا إلى مجرد فكرة مجردة. وتركت أنا لأتساءل ~~ماذا أيضا سأمزق إذا ما تركت والدتي وجدي عند حدود مجهولة، ومتى أفعل هذا. # وأيضا إذا كان اكتشاف مالكولم الذي توصل إليه قرب نهاية حياته أن بعض البيض قد ~~يعيشون إلى جواره إخوة في الإسلام، يشع بعض الأمل في احتمال التوصل إلى مصالحة في ~~النهاية، فإن ذلك الأمل بدا أنه لن يتحقق إلا في المستقبل البعيد وعلى أرض بعيدة. وفي ~~الوقت نفسه نظرت لأرى من أين سيأتي هؤلاء الأشخاص الذين يرغبون في العمل من أجل هذا ~~المستقبل واستيطان هذا العالم الجديد. وفي أحد الأيام، بعد إحدى مباريات كرة السلة في ~~صالة الألعاب الرياضية بالجامعة، بدأت بالصدفة أنا وراي حديثا مع رجل طويل ونحيل اسمه ~~مالك كان يلعب معنا من حين لآخر. ذكر مالك أنه كان من أتباع «أمة الإسلام» ولكن منذ ~~موت مالكولم وانتقاله إلى هاواي لم يعد يذهب إلى المسجد أو الاجتماعات السياسية، مع ~~أنه كان لا يزال ينشد السكينة في ms095 صلاته المنفردة. ولا بد أن أحد الشبان إلى جوارنا قد ~~استمع إلينا؛ إذ إنه انحنى إلى الأمام وعلى وجهه تعبير الرجل الحكيم. ~~«إنكم تتحدثون عن مالكولم أليس كذلك؟ إن مالكولم يصور الحقائق كما هي، لا شك في ~~هذا.» # فقال شاب آخر: «نعم.» واستدرك: «لكني سأقول لكم شيئا، إنكم لن تروني أنتقل إلى غابة ~~أفريقية في أي وقت قريب. أو إلى أية صحراء لعينة أجلس على سجاد مع بعض العرب. كلا يا ~~سيدي. ولن تراني أتوقف عن تناول اللحوم.» ~~«يجب أن نحصل على بعض اللحوم.» ~~«والعلاقات الحميمية أيضا. ألم يتحدث مالكولم عن رفض العلاقات الحميمية؟ هل عرفتم ~~الآن أن هذا لن يجدي.» # لاحظت أن راي يضحك فنظرت إليه عابسا. قلت: «ما الذي تضحك عليه؟» وتابعت: «إنك لم ~~تقرأ شيئا لمالكولم قط. ولا تعرف حتى ماذا يقول.» # فجذب راي كرة السلة من يدي واتجه إلى الحافة المقابلة. وصاح: «إنني لا أحتاج إلى كتب ~~لتخبرني كيف أكون أسود.» فبدأت أجيب عليه ثم استدرت إلى مالك متوقعا بعض عبارات ~~المساندة منه. لكن الرجل المسلم لم يقل شيئا، وارتسمت على وجهه النحيل ابتسامة ~~حالمة. ~~••• # بعد ذلك قررت أن أكتم آرائي، وتعلمت أن أخفي انفعالي. ومع ذلك، بعد بضعة أسابيع ~~استيقظت على صوت جدال في المطبخ؛ صوت جدتي الذي كان لا يكاد يسمع ويتبعه صوت جدي ~~العميق وهو يتذمر. ففتحت الباب ورأيت جدتي وهي تدخل إلى غرفة نومها لترتدي ملابسها ~~وتذهب إلى العمل. فسألتها ماذا حدث. ~~«لا شيء. كل ما هنالك أن جدك لا يريد أن يقلني إلى العمل هذا الصباح. هذا كل ~~شيء.» # وعندما دخلت إلى المطبخ كان جدي يغمغم متذمرا. وصب لنفسه كوبا من القهوة وأخبرته ~~أنني مستعد لأن أقل جدتي إلى العمل إذا كان متعبا. وكان ذلك عرضا جريئا لأنني لم ~~أكن أحب الاستيقاظ مبكرا. وقد قابل جدي عرضي بأن قطب جبينه. ~~«ليست هذه هي المشكلة. إنها تريد أن تجعلني أشعر بالذنب.» ~~«أنا واثق أن هذا ليس هو الهدف يا جدي.» # فارتشف من ms096 قهوته. ثم قال: «بل هذا هو الهدف بالطبع.» وتابع: «إنها تستقل الحافلة منذ ~~أن عملت في المصرف. وكانت تقول إن الأمر كان أسهل . والآن فقط لأنها منزعجة قليلا، ~~تريد أن تغير كل شيء.» # ظهرت جدتي بقوامها القصير في الردهة تنظر إلينا من خلف نظارتها ذات العدسات ~~الثنائية البؤرة. # وقالت: «هذا ليس صحيحا يا ستانلي.» # فاصطحبتها إلى الغرفة الأخرى وسألتها عما حدث. # فقالت: «رجل طلب مني نقودا بالأمس. ذلك عندما كنت بانتظار الحافلة.» ~~«هل هذا كل ما في الأمر؟» # ضمت شفتيها في غضب. ثم قالت: «كان عدوانيا للغاية يا باري. عدواني للغاية. أعطيته ~~دولارا وظل يطلب مني المزيد. وأظن أنه إذا لم تكن الحافلة قد وصلت، كان من الممكن أن ~~يضربني على رأسي.» # فعدت إلى المطبخ. وكان جدي يغسل الفنجان مديرا ظهره لي. فقلت: «لم لا تتركني ~~أقلها أنا. إنها تبدو شديدة الغضب؟» ~~«من متسول؟!» ~~«نعم، أعلم، لكن أغلب الظن أنه كان من المخيف لها أن ترى رجلا ضخما يعترض طريقها. ~~لا مشكلة في هذا.» # استدار جدي إلي، فرأيت أن جسده يرتجف. أخذ يقول: «بل مشكلة كبيرة. إنها مشكلة ~~كبيرة في نظري. لقد ضايقها رجال كثر من قبل. هل تعلم لماذا هي خائفة بشدة هذه المرة؟ ~~سأخبرك أنا لماذا. قبل أن تدخل أخبرتني أن الرجل كان أسود.» قال الكلمة الأخيرة وهو ~~يهمس. ثم استأنف: «هذا هو السبب الحقيقي في انزعاجها. وأنا لا أظن أن هذا صحيح.» # كان وقع هذه الكلمات علي وكأن أحدا لكمني في معدتي. فارتجف جسدي كي أستعيد رباطة ~~جأشي. وقلت له في أكثر نبرة استطعت أن أجعلها ثابتة، إن مثل هذا السلوك يثير ضيقي أنا ~~أيضا، وأكدت له أن مخاوف جدتي ستنتهي وأننا يجب أن نقلها إلى العمل في الوقت ~~الحالي. ترك جدي جسده يسقط على مقعد في غرفة المعيشة وقال إنه آسف لأنه أخبرني. وأمام ~~عيني رأيته وقد أصبح صغير الحجم كبير السن حزين الوجه. فوضعت يدي على كتفه، وأخبرته أن ~~كل شيء على ما يرام وأنني ms097 أتفهم الموقف. # ظللنا هكذا لعدة دقائق في صمت مؤلم. ثم أصر في النهاية على أن يقل جدتي إلى ~~عملها، وجاهد لينهض من على مقعده ويرتدي ملابسه. وبعد أن غادرا، جلست على حافة فراشي ~~وفكرت في جدي، فكثيرا ما ضحيا من أجلي. وعلقا جميع آمالهما التي لم تتحقق ~~على نجاحي. ولم يمنحاني أبدا سببا كي أشك في حبهما لي، وكنت أثق بأنهما لن يقدما ~~سببا لهذا الشك قط. ومع ذلك فقد علمت أن الرجال الذين كان من الممكن بسهولة أن يكونوا ~~إخوتي يمكن كذلك أن يثيروا مخاوفهما. ~~••• # في تلك الليلة قدت السيارة إلى وايكيكي مارا بالفنادق المضاءة بألوان براقة في ~~اتجاه قناة ألا-واي. استغرقت بعض الوقت كي أتعرف على المنزل، بشرفته المتهدمة وسطحه ~~ذي الانحدار البسيط. وفي الداخل كانت الأنوار مضاءة، ورأيت فرانك وهو يجلس على مقعده ~~الضخم المريح، وعلى حجره ديوان للشعر ونظارته التي يقرأ بها منزلقة قليلا على أنفه. ~~جلست في السيارة أراقبه لبعض الوقت، وفي النهاية خرجت من السيارة وطرقت الباب. ورفع ~~العجوز عينيه قليلا وهو ينهض كي يفتح مزلاج الباب. وكان قد مر ثلاث سنوات منذ رأيته ~~آخر مرة. # سألني: «أتريد شرابا؟» فأومأت له بالإيجاب ورأيته وهو يخرج زجاجة من الويسكي ~~وكوبين بلاستيكيين من خزانة المطبخ. لم يتغير شكله كثيرا، فقط ازداد شاربه بياضا وهو ~~يتدلى مثل نبات لبلاب ميت فوق شفته العليا الغليظة، وبنطلونه الجينز القصير به مزيد من ~~الثقوب ومربوط عند خصره بشريط غليظ. ~~«كيف حال جدك؟» ~~«إنه بخير.» ~~«ماذا تفعل هنا؟» # لم أكن واثقا. فأخبرت فرانك جانبا مما حدث. فأومأ برأسه وسكب لكل منا كأسا. ~~وقال: «إن جدك لطيف.» وتابع: «هل تعلم أننا نشأنا على بعد 50 ميلا بيننا؟» # هززت رأسي نافيا. ~~«هذه حقيقة. فقد كان كلانا يعيش بالقرب من ويتشيتا. ولكننا لم يعرف أحدنا الآخر ~~بالطبع. وعندما كبر هو بما يكفي ليتذكر شيئا كنت أنا قد رحلت قبل وقت طويل. ومع ~~ذلك فقد أكون رأيت بعضا من أهله. ربما أكون مررت بهم في ms098 الشارع. وإذا كان ذلك قد حدث ~~فقد تعين علي أن أنزل عن الرصيف كي أفسح لهم الطريق. هل أخبرك جدك عن شيء من هذا ~~القبيل من قبل؟» # ألقيت ما تبقى من ويسكي في حلقي، وهززت رأسي مرة أخرى. # فقال فرانك: «ولا أعتقد أنه كان سيفعل. إن ستانلي لا يحب الحديث عن ذلك الجزء من ~~حياته في كانساس كثيرا. فهذا لا يجعله يشعر بالارتياح. وقد أخبرني ذات مرة عن فتاة ~~سوداء استأجروها للعناية بوالدتك. أظن أنها كانت ابنة قس. وأخبرني كيف أصبحت جزءا من ~~العائلة. هذا هو ما يتذكره عنها؛ فهذه الفتاة تذهب للعناية بأطفال الآخرين، ووالدتها ~~تغسل ملابس الآخرين. جزء من العائلة.» # هذه المرة مددت أنا يدي إلى الزجاجة كي أصب منها بنفسي. ولم يكن فرانك يراني فقد ~~كانت عيناه مغمضتين ورأسه يستند إلى ظهر مقعده ووجهه الضخم المتجعد مثل نقش حجري. ثم ~~قال في هدوء: «لا يمكنك أن تلوم ستانلي على ما هو عليه. إنه رجل طيب بطبيعته. لكنه لا ~~يعرفني حقا. ليس أكثر من معرفته بتلك الفتاة التي كانت ترعى والدتك. ولا يستطيع أن ~~يعرفني، ليس كما أعرفه أنا. ربما يستطيع بعض سكان هاواي ذلك، أو الهنود في تلك المناطق ~~المخصصة لهم. فقد رأوا آباءهم يتعرضون للإهانة، وأمهاتهم تنتهك حرماتهن، لكن جدك ~~لن يعرف أبدا كيف يشعر المرء في مثل هذه المواقف. لهذا يمكنه أن يأتي إلى هنا ويحتسي ~~الويسكي ويسقط نائما على الكرسي الذي تجلس أنت عليه الآن. ويغط في سبات عميق. وهذا ~~شيء لا يمكنني أن أفعله في منزله. أبدا. مهما كان ما أشعر به من تعب، فعلي أن أراقب ~~سلوكي. يجب أن أكون حذرا حفاظا على حياتي.» # فتح فرانك عينيه. وقال: «ما أحاول أن أقوله لك هو أن جدتك لديها الحق في أن تشعر ~~بالخوف. وهي على حق بالضبط مثل ستانلي. إنها تفهم أن السود لديهم سبب كي يشعروا ~~بالكراهية. هذه هي الحقيقة. وإن كنت أتمنى - من أجلك - أن يكون الحال غير الحال. لكن ~~هذه ms099 هي الحقيقة. لذا فيمكنك أن تعتاد عليها أنت الآخر.» # أغمض فرانك عينيه من جديد. وبدأت أنفاسه تتباطأ حتى بدا أنه خلد إلى النوم . فكرت في ~~إيقاظه، ثم قررت ألا أفعل وسرت عائدا إلى السيارة. شعرت بالأرض تهتز تحت قدمي ~~وكأنها مستعدة لأن تنشق في أية لحظة. فتوقفت وأنا أحاول أن أتماسك، وأدركت لأول مرة ~~أنني وحدي تماما. # | الفصل الخامس # كانت الساعة الثالثة صباحا. وكانت الشوارع التي يغمرها القمر بضوئه خاوية، ولم أسمع ~~سوى صوت سيارة تزيد من سرعتها في طريق بعيد. ولا بد أن جميع من كانوا في الحفل ~~الصاخب قد اختفوا في مكان هادئ الآن، سواء كل حبيبين معا أو كل شخص وحده يغط في ~~سبات عميق من أثر احتساء الجعة، وحسن في شقة صديقته الجديدة، بعد أن قال لي وهو يغمز ~~بعينه: «لا تبق مستيقظا لوقت طويل.» ولم يتبق إلا نحن الاثنين فقط ننتظر شروق ~~الشمس، أنا وصوت بيلي هوليداي الذي كان يشدو ليملأ أرجاء الغرفة المظلمة، ويصل إلي ~~ليلمسني وكأنه حبيبتي. # إنني حمقاء ... لأني أريدك. # شديدة الحماقة ... لأني أريدك. # صببت لنفسي شرابا وتركت عيني تدوران في أنحاء الغرفة؛ أطباق عميقة من فتات ~~المقرمشات المملحة، وطفايات السجائر الممتلئة عن آخرها، والزجاجات الفارغة التي تبدو ~~وكأنها خط الأفق قبالة الحائط. حفل رائع. هذا ما قاله الجميع، وقالوا أيضا اعتمدوا ~~على باري وحسن في إقامة الحفلات الموسيقية. استمتع الجميع بوقته فيما عدا ريجينا. هي لم ~~تستمتع. ماذا قالت قبل أن تغادر؟ قالت: «إنك دائما تظن أن الأمر يتعلق بك.» ثم ذكرت ~~تلك الأشياء عن جدتها. كما لو أنني مسئول عن مصير العرق الأسود بأكمله. كما لو أنني ~~أنا من جعل جدتها تجثم على ركبتيها طوال عمرها. إلى الجحيم يا ريجينا. إلى الجحيم ~~بغرورك العنيد وورعك الممقوت ونظرة عينيك التي تتهمني بخذلانك. إنها لم تعرفني. لم تفهم ~~وجهة نظري. # سقطت على الأريكة مرة أخرى وأشعلت سيجارة وشاهدت عود الثقاب وهو يحترق حتى لسع طرف ~~إصبعي، ثم شعرت بألم عندما أطفأت اللهيب ms100 بإصبعي. سأل الرجل قائلا: «ما الخدعة؟» ~~«الخدعة ألا تبالي بالألم.» حاولت أن أتذكر أين سمعت تلك الجملة التالية، لكن ذاكرتي ~~لم تسعفني؛ فقد غاب هذا الأمر عنها مثل وجه ذهب في غياهب النسيان. لكن هذا لا يهم. ~~فبيلي تعرف الخدعة نفسها، إنها موجودة في صوتها المرتجف الممزق. وقد تعلمتها أنا ~~أيضا؛ فقد كان هذا هو محور حياتي في المدرسة الثانوية في العامين الماضيين بعد أن رحل ~~راي إلى معهد في مكان ما، ونحيت أنا الكتب جانبا، وبعد أن توقفت عن الكتابة إلى ~~أبي وتوقف هو عن إرسال خطابات لي. سئمت من محاولة التخلص من فوضى ليست من ~~صنعي. # تعلمت ألا أهتم. # أطلقت بعض حلقات الدخان في الهواء، وأنا أتذكر تلك السنوات. وقد ساعدتني ~~الماريجوانا والخمور، وقليل من الكوكايين من حين لآخر عندما أستطيع تحمل تكلفته. ~~لكنني لم أتعاط الهيروين، مع أن ميكي - وأغلب الظن أنه كان الشخص الذي قادني إلى هذا ~~الطريق - كان متلهفا كي أجربه. وقال إنه يستطيع تعاطيه وهو معصوب العينين، لكنه كان ~~يرتجف مثل محرك خرب عندما قال هذا. ربما كانت هذه الرجفة لأنه يشعر بالبرد فحسب، ~~فقد كنا نقف في مجمد لحوم في مؤخرة محل الأطعمة الباردة والمعلبة الذي كان يعمل به، ~~ولا يمكن أن تكون درجة الحرارة أكثر من 20 درجة داخل المحل. لكنه لم يبد أنه يرتجف من ~~البرد. بل بدا وكأنه يتصبب عرقا، ووجهه لامع ومحتقن. وقد أخرج الإبرة والأنبوب ~~الصغير، فنظرت إليه وهو يقف هناك محاطا بشرائح كبيرة من سمك السلامي ولحم البقر ~~المشوي، وعندئذ انبثقت في ذهني فجأة صورة فقاعة هواء لامعة ومستديرة مثل لؤلؤة تتدحرج ~~ببطء بداخل وريدي وتوقف قلبي عن الخفقان ... # مدمن للمخدرات. ومدخن للماريجوانا، هذا ما كنت أتجه إليه: الدور المحتم الأخير الذي ~~يلعبه الشاب الأسود الذي سيصبح رجلا. إلا أن اللجوء إلى نشوة المخدرات لم يكن الهدف ~~منه أن أحاول أن أثبت كم أنتمي إليهم. لم يكن الأمر كذلك آنذاك على أية حال. فقد كنت ~~ألجأ إلى ms101 نشوة المخدرات من أجل عكس ذلك تماما؛ إذ كنت أبحث عن شيء يمكنه أن يبعد عن ~~ذهني تلك الأسئلة المتعلقة بهويتي، شيء يمكنه أن يريح قلبي، ويمحو ذاكرتي. واكتشفت أنه ~~لا فارق بين ما إذا كنت تدخن الماريجوانا في شاحنة زميلك الأبيض الجديدة اللامعة، أو ~~في غرفة نوم أحد الإخوة الذي قابلته في صالة الألعاب الرياضية، أو على الشاطئ مع بعض ~~الصبية من هاواي الذين تركوا المدرسة ويقضون معظم أوقاتهم يبحثون عن سبب للشجار. لم ~~يكن أحد يسألك هل والدك مسئول تنفيذي واسع السلطة فاحش الثراء يخون زوجته، أو رجل بدين ~~طرد من عمله، كلما أزعج نفسه وجاء إلى المنزل انهال عليك ضربا. وربما لا يتعدى ~~الأمر كونك شخصا يشعر بالملل أو الوحدة. فالجميع مرحب به في نادي السخط. وإذا لم ~~تنجح نشوة المخدرات في حل المشكلة التي تقض مضجعك، فإنها تساعدك على الأقل على ~~السخرية من حماقة العالم المستمرة، وترى حقيقة النفاق والهراء والحكم الأخلاقية ~~الرخيصة. # هكذا بدا الأمر لي آنذاك. فقد استغرقت بضع سنوات قبل أن أرى كيف بدأت المصائر ~~تتحدد، والاختلافات التي يسببها اللون والمال فيمن ينجو، ومدى عنف أو سهولة الهبوط ~~عندما يسقط المرء في النهاية. وبالطبع في كلتا الحالتين فإنك بحاجة إلى بعض الحظ. وعلى ~~الأرجح هذا ما كان يفتقده بابلو عندما لم تكن معه رخصة القيادة في ذلك اليوم، مما جعل ~~شرطيا يفتش حقيبة سيارته. أو بروس عندما لم يجد طريقه للعودة من رحلات مخدر الهلوسة ~~الكثيرة وانتهى به الحال في مستشفى للأمراض النفسية. أو ديوك الذي لم يستطع الخروج ~~سالما من حادث تحطم سيارته ... # حاولت أن أشرح بعض هذه الأمور لوالدتي ذات مرة؛ أي دور الحظ في الحياة، وكيف تدور ~~عجلة الحظ. كان ذلك في بداية عامي الأخير في المدرسة الثانوية، وكانت هي قد عادت إلى ~~هاواي بعد أن انتهت فترة عملها الميداني، وفي أحد الأيام دخلت إلى غرفتي تريد أن تعرف ~~تفاصيل القبض على بابلو. فقابلتها بابتسامة مطمئنة وربت على يدها وأخبرتها ms102 ألا ~~تقلق، فإنني لن أتصرف بحماقة. وغالبا ما كان هذا الأسلوب فعالا؛ إذ كانت إحدى تلك ~~الخدع التي تعلمتها: فالناس تشعر بالرضا ما دمت لطيفا معهم وتبتسم ولا تقوم بأي ~~تصرفات مفاجئة. وفي حالتي كانوا يشعرون بشيء أكثر من الرضا، كانوا يشعرون بالارتياح؛ ~~فقد كانت مفاجأة سعيدة أن يجدوا شابا أسود حسن الخلق لا يبدو غاضبا طوال ~~الوقت. # إلا أن أمي لم يبد عليها الرضا. فجلست أمامي تتفحص عيني ووجهها متجهم كعربة نقل ~~الموتى. # وقالت: «ألا تظن أنك أصبحت غير مهتم قليلا بمستقبلك؟» ~~«ماذا تعنين؟» ~~«إنك تعرف بالضبط ماذا أعني. فقد ألقي القبض على أحد أصدقائك لحيازته مخدرات. وبدأت ~~درجاتك تقل. ولم تبدأ حتى الآن في تقديم طلبات الالتحاق بالجامعة. وكلما حاولت أن ~~أتحدث إليك عن هذا الأمر تصرفت كما لو أنني لست إلا مصدرا للإزعاج ~~الشديد.» # ولم أكن بحاجة إلى الاستماع إلى كل هذا. فلم أكن سأطرد من المدرسة بسبب رسوبي. ~~فبدأت أخبرها أني أفكر ألا أسافر بعيدا للدراسة في الجامعة، وأنني يمكنني البقاء في ~~هاواي والالتحاق ببعض الدورات، والحصول على عمل نصف دوام. ولكنها قاطعتني قبل أن ~~أنتهي. وقالت إنه يمكنني الالتحاق بأية كلية أريد في أي مكان في البلد، فقط إذا بذلت ~~قليلا من الجهد. «أتتذكر هذا الشيء؟ الجهد؟ اللعنة يا باري لا يمكنك قضاء الوقت هكذا ~~كسولا بلا هدف مثل شخص مولع باللهو، وتنتظر أن يطرق الحظ بابك؟» ~~«مثل من؟» ~~«مثل شخص مولع باللهو. أي متسكع.» # نظرت إليها وهي تجلس أمامي والجدية التامة ترتسم على ملامحها وهي واثقة من مصير ~~ابنها. فقد ظلت فكرة أن مستقبلي يعتمد على الحظ بدعة في نظرها، وأصرت على إلقاء ~~المسئولية على كاهل أحد، كاهلها أو كاهل جدي أو جدتي أو كاهلي. وفجأة شعرت أنني أهز ~~تلك الثقة، وأتركها تكتشف أن تجربتها معي قد فشلت، وبدلا من الصراخ أخذت أضحك. وأقول: ~~«شخص مولع باللهو؟ حسنا ولم لا؟ ربما يكون هذا ما أريده من الحياة. أعني انظري إلى ~~جدي. إنه حتى لم ms103 يلتحق بالجامعة.» # فاجأت هذه المقارنة أمي. فشحب وجهها، ودارت عيناها في محجريهما. وفجأة تجلى أشد ~~مخاوفها أمامي. فسألتها: «هل هذا ما يقلقك؟» وتابعت: «أن ينتهي بي الحال مثل ~~جدي؟» # فهزت رأسها بسرعة. وقالت: «لقد تلقيت بالفعل تعليما أفضل كثيرا من جدك.» ولكن ~~كانت الثقة قد اختفت أخيرا من صوتها. وبدلا من الاستمرار في الحديث، نهضت وغادرت ~~الغرفة. ~~••• # توقفت بيلي عن الغناء. وخيم الصمت على الغرفة، وفجأة شعرت بأني متزن وغير ثمل. ~~فنهضت من على الأريكة وقلبت شريط التسجيل، وشربت ما تبقى في الكوب ثم ملأته مرة أخرى. ~~وفي الأعلى سمعت صوت أحد يغادر الحمام بعد قضاء حاجته ثم يقطع إحدى الغرف سيرا. كما ~~سمعت شخصا آخر يعاني أرقا على الأرجح، يستمع إلى صوت قطار حياته وهو يمر. هذه هي ~~مشكلة الخمر والمخدرات، أليس كذلك؟ فعند نقطة بعينها لا يمكن إيقاف هذا الصوت، صوت ~~فراغ محدد. وهذا على ما أظن هو ما كنت أحاول أن أخبر أمي به في ذلك اليوم: أن إيمانها ~~بالعدالة والعقلانية ليس في محله، وأننا لم نستطع في النهاية التغلب على شيء، وأن ~~التعليم وجميع النوايا الحسنة في العالم لا يمكنها المساعدة في سد الفجوات في الكون أو ~~إعطاء المرء القدرة على تغيير مساره الأعمى والمجنون. # ومع ذلك فقد انتابني شعور بالاستياء بعد ذلك الموقف؛ فهذه هي الحيلة التي كانت أمي ~~تلعبها دائما، الطريقة التي تجعلني أشعر بالذنب. وكانت هي تتحدث عن الأمر بصراحة ~~أيضا. فقد قالت لي ذات مرة: «لا يسعك فعل شيء حيال هذا.» ثم أضافت مبتسمة مثل قطة ~~تشيشاير في فيلم «أليس في بلاد العجائب»: «فقد أرضعته لك وأنت طفل. ومع ذلك فلا تقلق.» ~~وتابعت: «فجرعة صحية من الإحساس بالذنب لا تؤذي أحدا. فالشعور بالذنب هو الأساس الذي ~~بنيت عليه الحضارة. وهو شعور يستهان به بشدة.» # بعد ذلك كان بوسعنا أن نمزح عن هذا الموقف؛ إذ إن أشد مخاوفها لم يتحقق. فقد تخرجت ~~دون أن يعاندني الحظ، وقبلت في عدد من الجامعات المحترمة، واستقررت ms104 على الالتحاق ~~بكلية أوكسيدينتال في لوس أنجلوس، ويرجع السبب في هذا في المقام الأول إلى فتاة من ~~مدينة برينتوود قابلتها وهي تقضي الإجازة في هاواي مع عائلتها. لكنني كنت أفعل هذا ~~آليا دون حماس، فكنت أشعر باللامبالاة تجاه الجامعة بالقدر نفسه الذي أشعر به تجاه ~~معظم الأشياء الأخرى. فحتى فرانك رأى أن موقفي من الالتحاق بالجامعة سيئ، مع أنه لم يكن ~~واضحا كيف يمكنني تغييره. # ماذا كان فرانك يطلق على الكلية؟ لقد وصفها بقوله: «شهادة متقدمة في التصالح». فكرت ~~في آخر مرة رأيت فيها الشاعر العجوز قبل بضعة أيام من مغادرتي لهاواي. وقد تحدثنا بعض ~~الوقت واشتكى من قدمه؛ إذ كان يعاني الزوائد في جلد قدمه والنتوءات العظمية التي أصر ~~أنها نتيجة مباشرة لمحاولة إجبار قدمه الأفريقية على الدخول في حذاء أوروبي. وفي ~~النهاية سألني عما أتوقع الحصول عليه من الكلية. فأخبرته أنني لا أعرف، فهز رأسه ~~الضخم الذي يكسوه الشيب. # وقال: «حسنا، هذه هي المشكلة، أليس كذلك؟ إنك لا تعرف. إنك بالضبط مثل باقي الشباب ~~بالخارج. كل ما تعرفه هو أن الكلية هي الخطوة التالية التي يجب أن تخطوها. في حين أن ~~من يكبرونك سنا بما يكفي لأن يعرفوا أفضل منك - الذين حاربوا طوال تلك السنوات كي ~~تحصل على حق الالتحاق بالجامعة - سيكونون سعداء إذا رأوك هناك حتى إنهم لن يخبروك ~~الحقيقة. الثمن الحقيقي للالتحاق بها.» ~~«وما هذا الثمن؟» ~~«أن تترك عرقك على الباب.» وتابع: «أن تترك شعبك وراء ظهرك.» ثم تفحص ملامحي من فوق ~~إطار نظارة القراءة. واستكمل: «افهم يا فتى. إنك لن تذهب إلى الكلية لتتعلم. إنك ستذهب ~~«لتتدرب». سيدربونك على أن تريد ما لا تحتاجه. سيدربونك على المراوغة بالكلمات حتى تصبح ~~عديمة المعنى. سيدربونك لتنسى ما تعرفه بالفعل. سيدربونك جيدا حتى إنك ستبدأ تؤمن بما ~~يخبرونك به عن الفرص المتكافئة، والطريقة الأمريكية، وكل ذلك الهراء. سيعطونك مكتبا ~~متميزا ويدعونك على حفلات عشاء ممتازة، ويخبرونك أنك مفخرة لجنسك. حتى تريد أن تبدأ في ~~إدارة الأمور فعليا، وحينها ms105 يجذبون السلسلة حول عنقك بقوة، ويجعلونك تدرك أنك قد تكون ~~زنجيا تلقى تدريبا جيدا ويحصل على مرتب جيد، ولكنك لا تزال مجرد زنجي.» ~~«إذن بم تنصحني؟ ألا ألتحق بالجامعة؟» # تهدل كتفا فرانك وعاد ليسقط على مقعده وهو يتنهد. وقال: «كلا، إنني لا أقول هذا. ~~عليك أن تذهب. إنني فقط أقول لك أن تبقي عينيك مفتوحتين. ابق متيقظا.» # جعلني هذا أبتسم، وأنا أفكر في فرانك وشخصيته الأفريقية التي تؤمن بشعار «القوة ~~السوداء». وفي بعض الجوانب، كان فرانك حالة يصعب علاجها مثل والدتي، فهو على القدر ~~نفسه من الثقة بإيمانه، ويعيش في نفس الإطار الزمني لستينيات القرن العشرين الذي خلقته ~~هاواي. وقد نصحني أن أبقي عيني مفتوحتين. وهذا ليس بالأمر السهل كما يبدو. ليس سهلا ~~في لوس أنجلوس المشمسة. ليس مثل تجول المرء في الحرم الجامعي لكلية أوكسيدينتال على ~~بعد أميال قليلة من مدينة باسادينا الذي كان مصطفا بالأشجار ومغطى بالسيراميك ~~الإسباني. وقد كان الطلاب ودودين، والمعلمون مشجعين. وفي خريف عام 1979 كان كارتر، ~~وخطوط الغاز، ومشاعر الندم العلنية جميعها في طريقها إلى البعد عن بؤرة الأنظار، ~~وريجان في طريقه إلى اجتذاب الأنظار، وكذلك شعار حملته السياسية الفعالة «صباح جديد ~~في أمريكا». وعندما يغادر المرء الحرم الجامعي، ويقود سيارته على الطريق السريع ليصل ~~إلى شاطئ فينيسيا أو إلى ويستوود مارا بشرق أو جنوب لوس أنجلوس دون حتى أن يعرف هذا؛ ~~فلن يرى في طريقه سوى المزيد من أشجار النخيل التي تختلس النظر للمارة مثلما يفعل نبات ~~الهندباء البرية المزروع على الحوائط الأسمنتية العالية. ولم تكن لوس أنجلوس شديدة ~~الاختلاف عن هاواي، على الأقل ليس الجزء الذي رأيته منها. إنها فقط أكبر، ومن السهل فيها ~~العثور على حلاق يعرف كيف يقص شعرك. # وعلى أية حال، لم يكن معظم الطلاب السود الآخرين في الكلية قلقين على موضوع التصالح ~~هذا. وكان هناك ما يكفي منا لتكوين قبيلة، وعندما يتعلق الأمر بتمضية الوقت، كان ~~الكثيرون منا يتصرفون بأسلوب يشبه القبيلة بالفعل، فيمكثون معا ويتحركون في جماعات. ms106 وفي ~~عامي الأول في الدراسة عندما كنت لا أزال أعيش في منازل الطلبة كانت هناك جلسات اللغو ~~نفسها التي كانت تدور بيني وبين راي والسود الآخرين في هاواي، التذمر نفسه، وقائمة ~~الشكاوى نفسها. أما فيما عدا ذلك فكان ما يقلقنا لا يختلف كثيرا عما يقلق البيض من ~~حولنا. وهو النجاح في الدراسة. والحصول على عمل بأجر مجز بعد التخرج. وأيضا محاولة ~~إقامة علاقات حميمية مع الجنس الآخر. وقد توصلت صدفة إلى أحد الأسرار الدفينة عن السود ~~ألا وهي أن معظمنا لم يكن متحمسا للثورة، وأن معظمنا قد سئم التفكير في العنصرية طوال ~~الوقت، وأننا إذا كنا اخترنا أن ننغلق على أنفسنا فهذا لأن هذه هي أسهل طريقة للتوقف ~~عن التفكير في هذا الأمر، أسهل من قضاء الوقت في حالة من الغضب أو محاولة استنباط آراء ~~البيض فينا مهما كانت. # إذن، لم أترك أنا أيضا الأمر دون التفكير فيه؟ # لا أعلم. أظن أنني لم أكن أتمتع برفاهية معرفة المعسكر الذي أنتمي إليه عن يقين. ~~فإذا نشأ المرء في مدينة كومبتون فسيصبح البقاء على قيد الحياة عملا ثوريا. ويذهب ~~إلى الجامعة وعائلته لا تزال هناك تشجعه. وتكون سعيدة وهي تراه يهرب؛ فالأمر إذن ليست ~~فيه أي شبهة خيانة. لكنني لم أنشأ في كومبتون أو واتس. ولم يكن لدي ما أهرب منه سوى ~~الشكوك التي تملأ قلبي. لقد كنت أقرب إلى الطلاب السود الذين نشئوا في الضواحي، أطفال ~~دفع آباؤهم بالفعل ثمن الهروب. ويمكنك أن تتعرف عليهم على الفور من الطريقة التي ~~يتحدثون بها، ومن يجالسونهم في المطعم. وعندما تضغط عليهم في الحديث، ينفعلون ~~ويبدءون في التحدث بسرعة ويقولون إنهم يرفضون أن يجري تصنيفهم. وسيقولون لك إنهم ~~يرفضون تعريفهم وفقا للون بشرتهم. إنهم بشر. # هكذا كانت تحب جويس أن تتحدث. كانت فتاة جميلة لها عينان خضراوان وبشرتها بلون ~~العسل وشفتان بارزتان. كنا نعيش في المبنى السكني نفسه في عامي الأول في الجامعة، وكان ~~جميع الإخوة يطاردونها. وفي أحد الأيام سألتها هل ستذهب إلى ms107 اجتماع جمعية الطلاب السود. ~~فنظرت إلي بغرابة وبدأت تهز رأسها مثل طفل لا يريد أن يأكل ما أمامه من طعام على ~~ملعقته. # ثم قالت: «أنا لست سوداء.» وتابعت: «أنا متعددة الأعراق.» ثم بدأت تخبرني عن والدها ~~الذي «تصادف» أنه إيطالي وكان أرق رجل في العالم، ووالدتها التي «تصادف» أن بها ~~عرقا أفريقيا وآخر فرنسيا وآخر من السكان الأصليين لأمريكا وشيئا آخر. وسألتني: ~~«لماذا يجب علي أن أختار بينهم؟» وتهدج صوتها وظننت أنها على وشك البكاء. قالت: ~~«ليس البيض هم من يفرضون علي أن أختار. ربما كان الأمر كذلك فيما مضى، ولكنهم الآن ~~مستعدون للتعامل معي على أني إنسانة. كلا، «السود» هم من يريدون أن يجعلوا كل شيء ~~عنصريا. إنهم هم من يفرضون علي أن أختار. إنهم هم من يخبرونني أنه لا يمكنني أن ~~أكون الشخص الذي أنا عليه ...» # هم، هم، هم. كانت هذه هي المشكلة مع الأشخاص مثل جويس، فإنهم يتحدثون عن ثراء تراثهم ~~متعدد الثقافات ويبدو الأمر رائعا حقا، حتى تلاحظ أنهم يتجنبون السود. وليس الأمر ~~بالضرورة مسألة اختيار واع، إنه أمر متعلق بالجاذبية فحسب، الطريقة التي يسير بها ~~التكامل دائما، طريق أحادي الاتجاه. امتصاص الثقافة السائدة للأقلية، وليس العكس. ~~ثقافة البيض فقط يمكن أن تكون محايدة وموضوعية، ثقافة البيض فقط يمكن أن تكون غير ~~عنصرية، ومستعدة لاستيعاب العناصر الغريبة التي تظهر من حين لآخر إلى صفوفها. ثقافة ~~البيض فقط بها بشر. ونحن، المولودين لأبوين من عرقين مختلفين والحاصلين على شهادات ~~جامعية، ندرس الموقف ونفكر في أنفسنا: لماذا ننضم إلى الخاسرين إذا لم نكن مضطرين ~~لهذا؟ ونصبح ممتنين للغاية ونحن نفقد أنفسنا في الزحام، في سوق أمريكا السعيد عديم ~~الهوية، ولا نستشيط غضبا أبدا مثلما يحدث لنا عندما تتجاهلنا سيارة الأجرة وتمر من ~~أمامنا، أو عندما تحكم السيدة في المصعد قبضتها على حقيبتها، وليس هذا لأننا منزعجون من ~~حقيقة أنه على الملونين الأقل حظا أن يتحملوا مثل هذه الإهانات كل يوم من أيام ~~حياتهم، مع أن هذا هو ما ms108 نقوله لأنفسنا، ولكن لأننا نرتدي حلة تحمل العلامة التجارية ~~بروكس براذرز، ونتحدث بلغة إنجليزية صحيحة، ومع ذلك فالبعض يخطئ ويعاملوننا على أننا ~~زنوج عاديون. # ألا تعلم من أنا؟ أنا «إنسان». ~~••• # اعتدلت جالسا، وأشعلت سيجارة أخرى، وأفرغت الزجاجة في كوبي. كنت أعلم أنني أقسو على ~~المسكينة جويس. الحقيقة هي أنني كنت أفهمها، هي والسود الآخرين الذين كانوا يشعرون بما ~~تشعر به. فكنت أرى في أسلوبهم وحديثهم وقلوبهم الحائرة أجزاء من نفسي. وهذا بالتحديد ما ~~كان يخيفني. فحيرتهم جعلتني أشك في معتقداتي العنصرية من جديد، ولا تزال ورقة راي ~~الرابحة عالقة في ذهني. وكنت أحتاج إلى إبعاد المسافة بينهم وبين نفسي، كي أقنع نفسي ~~أنني لم أقبل التصالح، وأنني لا أزال مستيقظا بالفعل. # ولكي أتجنب أن يظن البعض أني خائن لقضية السود، كنت أختار أصدقائي بعناية شديدة. ~~فأصادق أكثر الطلاب السود نشاطا في السياسة. الطلاب الأجانب. والأمريكيون من أصول ~~مكسيكية. والأساتذة الماركسيين، ونشطاء الحركة النسائية وشعراء حفلات البانك روك ~~الموسيقية. وكنا ندخن السجائر ونرتدي سترات جلدية. وفي المساء، في غرف نومنا كنا ~~نناقش الاستعمارية الجديدة، وفرانز فانون، والمركزية الأوروبية، والنظام الأبوي. وكنا ~~نقاوم قيود المجتمع البرجوازي الخانقة عندما نسحق السجائر على سجادة الرواق أو نرفع صوت ~~أجهزة التسجيل حتى تبدأ الجدران تهتز. لم نكن مهملين أو نشعر باللامبالاة أو عدم ~~الأمان. لكننا كنا نشعر بالغربة. # ولكن هذا الأسلوب وحده لم يقدم لي المسافة التي كنت أحتاج إليها لتفصلني عن جويس ~~أو ماضي. فقد كان هناك الآلاف ممن يطلق عليهم المتطرفون في الحرم الجامعي، معظمهم ~~بيض، ولا يمكن فصلهم من الجامعة ويتسامح الجميع معهم بكل سعادة. كلا، لقد ظل من ~~الضروري أن تثبت إلى أي جانب أنت، وأن تظهر انتماءك لجموع السود، وأن تبدأ العمل، ~~وتشير بأصابع الاتهام إلى أشخاص محددين. # تذكرت ذلك الوقت حين كنت لا أزال أعيش في المدينة الجامعية، عندما كنا نحن الثلاثة، ~~أنا وماركوس وريجي، في غرفة ريجي وقطرات الأمطار تضرب زجاج النافذة. كنا نحتسي بعض ~~أكواب الجعة، وكان ms109 ماركوس يخبرنا بتجربته عندما أوقفته شرطة لوس أنجلوس. وقال: «لم ~~يكن هناك أي سبب لإيقافي.» وتابع: «لا سبب سوى أنني كنت أسير في حي يقطنه البيض. ~~وجعلوني أقف أمام السيارة وأرفع يدي وأباعد ما بين قدمي. وسحب أحدهم سلاحه. ولكني ~~لم أجعله يخيفني. فهذا هو ما يوقف أولئك النازيين العنيفين، رؤية الخوف في عيني رجل ~~أسود ...» # راقبت ماركوس وهو يتحدث، كان شابا نحيلا أسود البشرة منتصب القامة، يقف مباعدا ~~بين قدميه ويرتدي قميصا أبيض اللون فوقه بنطلون جينز بحمالات. وكان ماركوس أشد الإخوة ~~وعيا. وكان بإمكانه أن يقص لك قصة جده الذي كان يؤمن بمبادئ ماركوس جارفي، ووالدته في ~~سانت لويس التي ربت أطفالها وحدها وهي تعمل ممرضة، وعن شقيقته الكبرى التي كانت أحد ~~الأعضاء المؤسسين للفرع المحلي من حزب الفهود السود، وعن أصدقائه في الملهى الفقير. لقد ~~كانت سلالته نقية، وولاؤه واضحا، ولهذا السبب كان يجعلني دائما أشعر بأنني غير ~~متوازن، مثل الشقيق الأصغر الذي سيظل دائما مهما فعل يتخلف بخطوة. هذا هو بالضبط ما ~~كنت أشعر به في تلك اللحظة وأنا أستمع إلى ماركوس يعلن عن تجربته الصادقة كرجل أسود، ~~عندما دخل تيم إلى الغرفة. # قال وهو يلوح بمرح: «مرحبا يا رفاق.» ثم استدار إلي. وسألني: «باري، هل لديك ذلك ~~الواجب الذي فرضه إيكون؟» # لم يكن تيم أخا واعيا. وكان يرتدي سترة على قماشها أشكال تأخذ شكل المعين، ~~وبنطلونا ضيقا من الجينز ويتحدث مثل بيفر كليفر. وكان يخطط للتخصص في التجارة. ~~وعلى الأرجح كانت حبيبته البيضاء تنتظره بالأعلى في غرفته، وتستمع إلى موسيقى الريف. ~~وكان يبدو سعيدا للغاية، كل ما أردته منه هو أن يذهب بعيدا. لذا فقد نهضت وسرت معه ~~في الردهة إلى غرفتي، وأعطيته الواجب المنزلي الذي أراد. وبمجرد أن عدت إلى غرفة ~~ريجي، شعرت لسبب ما أنني مضطر للتفسير. # فقلت وأنا أهز رأسي: «إن تيم هذا يبدو مغيبا طوال الوقت.» وتابعت: «يجب أن يغير ~~اسمه من تيم إلى توم.» # ضحك ريجي، ولكن ماركوس لم يضحك. ms110 وقال: «لماذا تقول هذا يا رجل؟» # فاجأني السؤال. فقلت: «لا أعلم. إنه مجرد شاب أبله، هذا كل ما في الأمر.» # ارتشف ماركوس من الجعة ونظر إلى عيني مباشرة. قال: «تيم يبدو حسنا في نظري.» ~~وتابع: «إنه يمضي قدما في حياته. ولا يضايق أحدا. أظن أنه يجب أن نهتم بما إذا كانت ~~أمورنا نحن تسير على ما يرام بدلا من إصدار الأحكام على الطريقة التي ينبغي أن ~~يتصرف بها الآخرون.» # مر عام وكنت لا أزال أحترق بتلك الذكرى، والغضب والاستياء اللذين شعرت بهما في تلك ~~اللحظة، وماركوس يوبخني بهذا الشكل أمام ريجي. لكنه كان على حق في هذا، أليس كذلك؟ فقد ~~كشفني وأنا أكذب. في الحقيقة أكذب كذبتين؛ الكذبة التي قلتها عن تيم والأخرى التي كنت ~~أقولها عن نفسي. في الحقيقة يبدو لي عامي الأول في الجامعة كذبة طويلة وأنا أهدر كل ~~طاقتي أركض في دوائر محاولا أن أخفي حقيقتي. # إلا مع ريجينا. وهذا على الأرجح ما جذبني إليها، الطريقة التي كانت تجعلني أشعر بها ~~أنني لست مضطرا للكذب. حتى في تلك المرة الأولى التي تقابلنا فيها، اليوم الذي دخلت ~~فيه إلى المقهى ووجدت ماركوس ينتقد اختياري للكتب التي أقرؤها. وقد لوح لها ماركوس ~~يدعوها إلى طاولتنا وهو ينهض قليلا ليسحب لها مقعدا. # وقال ماركوس: «أيتها الأخت ريجينا.» وتابع: «أنت تعرفين باراك أليس كذلك؟ وأنا أحاول ~~أن أخبر الأخ باراك عن هذا العمل العنصري الذي يقرؤه.» ورفع يده بنسخة من رواية «قلب ~~الظلام» كأنه دليل أمام المحكمة. فمددت يدي محاولا انتزاع الكتاب من يده. ~~«توقف عن التلويح بهذا الشيء هكذا.» # فقال ماركوس: «ماذا بك؟» وتابع: «أترى أنه يجعلك تشعر بالإحراج، أليس كذلك؟ مجرد ~~رؤيتك وبصحبتك كتاب كهذا. إنني أنبهك يا رجل أن هذه الأشياء ستسمم عقلك.» ثم نظر إلى ~~ساعته وقال: «اللعنة، لقد تأخرت على المحاضرة.» ثم انحنى وطبع قبلة سريعة على وجنة ~~ريجينا. وقال لها: «هلا تتحدثين إلى هذا الأخ؟ أظن أنه لا يزال من الممكن ~~إنقاذه.» # ابتسمت ريجينا وهزت ms111 رأسها ونحن نشاهد ماركوس يقفز خارجا من الباب. وقالت: «أظن أن ~~ماركوس في إحدى نوبات الوعظ التي يمر بها.» # قذفت الكتاب في حقيبة ظهري. وقلت : «في الحقيقة إنه على حق.» وتابعت: «إنه كتاب عنصري. ~~الطريقة التي يرى بها كونراد الأشياء؛ أفريقيا هي بالوعة العالم، والسود بربريون وأي ~~اتصال بهم يؤدي إلى العدوى.» # نفخت ريجينا في قهوتها. وقالت: «لماذا تقرؤه إذن؟» ~~«لأننا مكلفون بدراسته.» ثم توقفت غير واثق مما إذا كان من المفترض أن أستكمل. ~~وتابعت: «ولأن ...» ~~«لأن ...» ~~«لأن الكتاب يعلمني أشياء.» وتابعت: «أعني عن البيض. إن الكتاب في الواقع ليس عن ~~أفريقيا. أو السود. إنه عن الشخص الذي كتبه. الرجل الأوروبي. الرجل الأمريكي. طريقة ~~بعينها للنظر إلى العالم. فإذا استطعت أن تحافظي على المسافة بينك وبينه، فستجدين كل شيء ~~هنا سواء فيما قيل أو ما لم يقل. ولهذا فإني أقرأ الكتاب كي يساعدني على فهم ما الذي ~~يجعل البيض خائفين بهذا الشكل. وأعرف شياطينهم. الطريقة التي تنحرف بها الأفكار. إنه ~~يساعدني في فهم كيف يتعلم الناس الكراهية.» ~~«وهذا مهم لك.» # فكرت في نفسي أن حياتي تعتمد على هذا. لكني لم أقل ذلك لريجينا. ابتسمت فقط وقلت: ~~«هذه هي الطريقة الوحيدة لعلاج أي مرض؛ تشخيصه، أليس كذلك؟» # ابتسمت هي الأخرى وارتشفت من قهوتها. كنت قد رأيتها من قبل، عادة وهي تجلس في المكتبة ~~وبين يديها كتاب، وهي فتاة ضخمة الجسد سوداء البشرة ترتدي جوارب وملابس تبدو مصنعة في ~~المنزل، وكذلك نظارة كبيرة الحجم لها لون خفيف وإيشارب يغطي رأسها دائما. كنت أعلم ~~أنها في السنة قبل الأخيرة، وكانت تساعد في تنظيم الاحتفالات التي تقام من حين لآخر ~~للطلاب السود ولا تخرج كثيرا. أخذت تقلب قهوتها بخمول وسألت: «ما الاسم الذي خاطبك ~~به ماركوس الآن؟ إنه اسم أفريقي أليس كذلك؟» ~~«باراك.» ~~«ظننت أن اسمك باري.» ~~«باراك هو اسمي الأول. وهو اسم أبي. وكان كينيا.» ~~«هل يعني شيئا؟» ~~«يعني «مبارك» باللغة العربية. فجدي كان مسلما.» # رددت ريجينا الاسم لنفسها. وقالت: «باراك. إنه اسم ms112 جميل.» ثم انحنت إلى الأمام وهي ~~تختبر الصوت. وتابعت: «لماذا إذن يخاطبك الجميع باسم باري؟» ~~«أظن أنها عادة. فقد استخدمه أبي عندما وصل إلى الولايات المتحدة. ولا أدري هل كانت ~~تلك فكرته أم فكرة شخص آخر. وعلى الأرجح استخدم باري لأنه أسهل في النطق. فقد ساعده ~~ذلك على الاندماج. ثم ورثته أنا. حتى أستطيع الاندماج.» ~~«هل تمانع إذا خاطبتك باسم باراك؟» # فابتسمت وقلت: «لا ما دمت تنطقينه نطقا صحيحا.» # أمالت رأسها بنفاد صبر، وفمها في وضع ساخر وعيناها على وشك أن تستسلما للضحك. انتهى ~~بنا الأمر إلى قضاء فترة ما بعد الظهيرة معا، نتحدث ونحتسي القهوة. وأخبرتني عن ~~طفولتها في شيكاغو، والأب الغائب والأم المكافحة، والمبنى السكني المكون من ست وحدات ~~سكنية في الجزء الجنوبي من شيكاغو الذي لم يكن دافئا بما يكفي أبدا في الشتاء، وشديد ~~الحرارة في الصيف حتى إن الناس كانوا يذهبون للنوم على ضفاف البحيرة. وأخبرتني عن ~~الجيران في المنطقة السكنية التي تقطن بها، وعن السير أمام الحانات ونوادي البلياردو في ~~الطريق إلى الكنيسة يوم الأحد. وأخبرتني عن الأمسيات وهي في المطبخ مع أقربائها وجديها ~~ومزيج الأصوات الذي يعلو بالضحكات. وقد أثار صوتها صورة لحياة عائلة سوداء بجميع ~~إمكانياتها، صورة ملأتني بالاشتياق، اشتياق للمكان وللتاريخ المحدد الثابت. وعندما ~~نهضنا لنغادر، أخبرت ريجينا أنني أحسدها. ~~«علام؟» ~~«لا أعلم. ربما على ذكرياتك.» # فنظرت إلي ثم أطلقت ضحكة عالية من أعماقها. ~~«ما الذي يضحكك بهذا الشكل؟» # فقالت وهي تحاول التقاط أنفاسها: «أوليست الحياة غريبة حقا يا باراك؟ فأنا كنت ~~أتمنى طوال حياتي لو أني نشأت في هاواي!» ~~••• # من الغريب كيف يمكن أن يغيرك حوار واحد. أو ربما لا يبدو الأمر كذلك إلا عندما ~~تفكر فيه بعد مرور الزمن. فيمر عام وتعرف أنك تشعر بشعور مختلف، لكنك لا تعرف عن يقين ~~ماذا أو لماذا أو كيف؛ لذا فإن عقلك يعود إلى الوراء بحثا عن شيء من الممكن أن يكون هو ~~ما شكل هذا الشعور؛ كلمة، نظرة، لمسة. أعلم أني شعرت ms113 أن صوتي عاد إلي، بعد غياب ~~طويل، في ظهر ذلك اليوم مع ريجينا. وظل مهتزا بعد ذلك عرضة للتزييف. لكن في عامي ~~الدراسي الثاني شعرت بذلك الجزء الثابت الصادق من نفسي يصبح أقوى، وأكثر صلابة ليكون ~~بمنزلة جسر بين مستقبلي وماضي. # في ذلك الوقت تقريبا اشتركت في حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات. وقد بدأت تلك ~~الحملة على سبيل المزاح على ما أظن، جزءا من ذلك الموقف المتطرف الذي سعيت أنا ~~وأصدقائي للحفاظ عليه، ومراوغة من اللاوعي عن موضوعات أقرب للوطن. لكن مع مرور الأشهر ~~وجدت نفسي أنجذب لدور أكبر - فتوليت الاتصال بممثلين عن المؤتمر الوطني الأفريقي ~~لإلقاء خطب في الحرم الجامعي، وكتابة مسودات خطابات للكلية، وطباعة منشورات ومناقشة ~~استراتيجيات - ولاحظت أن الناس بدءوا يستمعون إلى آرائي. وهو الاكتشاف الذي جعلني أتوق ~~للكلمات. ليست كلمات أختبئ خلفها، لكن كلمات يمكن أن تحمل رسالة وتدعم فكرة. وعندما ~~بدأنا نخطط للتجمهر من أجل اجتماع الأمناء، واقترح أحد أن أفتتح أنا الحدث، أسرعت ~~بالموافقة. واكتشفت أنني كنت مستعدا، وأستطيع الوصول إلى الناس في أي موقف. ورأيت أن ~~صوتي لن يخذلني. # والآن لنر. ترى ما الذي كنت أفكر فيه في تلك الأيام التي سبقت التجمهر؟ كانت ~~الأجندة قد أعدت بحرص شديد مسبقا، وكان من المفترض أن أبدي بعض الملاحظات الافتتاحية ~~فقط، ثم وبينما أتحدث يصعد اثنان من الطلاب البيض على المسرح يرتدون زيهم الموحد ~~الذي يشبه الزي العسكري ليسحبوني بعيدا. شيء ما يشبه الدراما التي تمثل في المسارح ~~الارتجالية في الشارع؛ أي طريقة لإضفاء لمحة درامية على الموقف من أجل النشطاء في جنوب ~~أفريقيا. كنت أعرف الأحداث؛ فقد ساعدت في التخطيط للنص. لكن عندما جلست أعد بعض ~~الملاحظات لما يمكن أن أقول، حدث شيء ما. وفي عقلي أصبح الأمر أكثر من مجرد حديث ~~عمره دقيقتان، أكثر من طريقة لإثبات التزامي السياسي. فبدأت أتذكر زيارة أبي لفصل ~~الآنسة هيفتي، والنظرة على وجه كوريتا في ذلك اليوم، وقوة كلمات أبي على إحداث التغيير. ~~وفكرت في نفسي أن كل ms114 ما أحتاج إليه هو إيجاد الكلمات المناسبة. فبالكلمات المناسبة ~~يمكن أن يتغير كل شيء: جنوب أفريقيا، حياة أطفال الجيتو الذين يعيشون على بعد ~~أميال قليلة فقط مني، ومكاني الضعيف في العالم. # وعندما صعدت على المسرح كنت لا أزال في تلك الحالة من النشوة. لا أدري كم من الوقت ~~وقفت هناك والشمس ساطعة في عيني مباشرة، وأمامي حشد من بضع مئات من الأفراد متململين ~~بعد تناول وجبة الغداء. وكان هناك طالبان يلعبان بقذف الطبق البلاستيكي الطائر بينهما ~~على الحشائش، وآخرون يقفون بعيدا على الجانب مستعدون لاقتحام المكتبة في أية لحظة. ~~ودون أن أنتظر أية إشارة للبدء، تقدمت إلى الميكروفون. # قلت: «هناك صراع دائر.» لم يصل صوتي إلى أبعد من الصفوف القليلة الأولى. فنظر عدد ~~قليل للأعلى، وانتظرت أنا حتى هدأت الجموع. ~~«أقول إن هناك صراعا دائرا!» # توقف اللاعبان عن قذف الطبق الطائر. ~~«يفصل بيننا وبينه المحيط. لكنه صراع يمس كل واحد منا. سواء أكنا نعرفه أم لا. سواء ~~أكنا نريده أم لا. إنه صراع يتطلب منا أن نختار إلى أي جانب نقف. إنه ليس بين السود ~~والبيض. ليس بين الأثرياء والفقراء. كلا، إنه اختيار أصعب من هذا. إنه اختيار بين ~~الكرامة والعبودية. بين العدالة والظلم. بين الالتزام واللامبالاة. اختيار بين الصواب ~~والخطأ ...» # توقفت. وكانت الجموع هادئة وتراقبني. فبدأ أحدهم بالتصفيق، وصاح آخر: «استمر يا ~~باراك.» وتابع: «أخبرنا بالواقع كما هو.» ثم بدأ الآخرون يصفقون ويهللون، وعرفت أنني ~~نجحت في جذب انتباههم، وأنني نجحت في جعلهم يفهمون الصلة. فأمسكت الميكروفون مستعدا ~~للاستمرار عندما شعرت بيد أحد تجذبني من الخلف. وبالضبط كما خططنا، كان أندي وجوناثان ~~يقفان متجهمين خلف نظارتيهما السوداوين. وبدآ يسحبانني من على المسرح، وكان من المفترض ~~أن أمثل أني أحاول التحرر من أيديهما، لكن جزءا مني لم يكن يمثل؛ فقد أردت ~~البقاء على المسرح بالفعل، وسماع صوتي يصل إلى الجماهير ويعود إلي محملا بالإطراء. ~~كان لا يزال لدي الكثير لأقوله. # لكن دوري قد انتهى. فوقفت على الجانب في حين صعد ms115 ماركوس وأمسك بالميكروفون وهو يرتدي ~~قميصه الأبيض ورداءه الجينز، وبجسده النحيل وقامته المنتصبة ووجهه الأسود. وشرح ~~للجماهير ما شاهدوه للتو، والسبب في أن مراوغات الإدارة في اتخاذ موقف بشأن الموضوعات ~~المتعلقة بجنوب أفريقيا غير مقبولة. ثم صعدت ريجينا وتحدثت عن الفخر الذي شعرت به ~~عائلتها عندما التحقت هي بالجامعة، والخزي الذي كانت تشعر هي به في ذلك الوقت عندما ~~علمت أنها جزء من مؤسسة تدفع مقابل تميزها من أرباح القمع. وكان يجب أن أشعر بالفخر ~~بكليهما؛ فقد كانا فصيحين في حديثيهما، ويمكن القول إن مشاعر الجماهير قد أثيرت. لكنني ~~في الحقيقة لم أعد أستمع إليهما. كنت أقف في الخارج مرة أخرى أشاهد، وأحكم، وأشك. وفي ~~عيني بدونا فجأة على حقيقتنا؛ هواة مرفهين منعمين، بتلك العصابات الحريرية ~~الشفافة السوداء التي كنا نلفها حول أذرعنا، والإشارات المرسومة باليد ووجوهنا الشابة ~~الجادة. وعاد لاعبا الطبق الطائر إلى لعبتهما. وعندما بدأ الأمناء يصلون لاجتماعهم، وقف ~~بعض منهم خلف الجدران الزجاجية لمبنى الإدارة ليراقبونا، ولاحظت الرجال البيض الكبار ~~في السن يضحكون فيما بينهم، حتى إن أحدهم لوح باتجاهنا. فقلت لنفسي إن الأمر برمته ~~ليس إلا مسرحية هزلية؛ التجمهر والرايات وكل شيء. مجرد تسلية جميلة لفترة بعد الظهيرة، ~~مسرحية في المدرسة دون حضور الوالدين. وكنت أنا وخطبتي التي استمرت دقيقة واحدة أكبر ~~مسرحية هزلية. # وفي الحفل ذلك المساء، جاءت ريجينا إلي وهنأتني. فسألتها علام. ~~«على ذلك الخطاب الرائع الذي ألقيته.» # فتحت علبة جعة. وقلت: «لقد كان قصيرا، على أية حال.» # تجاهلت ريجينا السخرية في حديثي. وقالت: «هذا ما جعله مؤثرا للغاية.» وتابعت: «لقد ~~تحدثت من قلبك يا باراك. وهذا جعل الناس يريدون سماع المزيد. وعندما جذباك بعيدا، كان ~~كما لو ...» # فقاطعتها قائلا: «اسمعيني يا ريجينا، إنك سيدة لطيفة حقا. وأنا سعيد أنك استمتعت ~~بأدائي القصير اليوم. لكن هذه هي المرة الأخيرة التي ستستمعين فيها إلى أي حديث مني. ~~سأترك هذا الوعظ لك ولماركوس، أما أنا فقررت أنه ليس لي شأن بالتحدث نيابة عن ~~السود.» ~~«ولماذا؟» # ارتشفت ms116 من الجعة، وعيناي تدوران في الراقصين أمامنا. ثم قلت: «لأنه ليس لدي ما ~~أقوله يا ريجينا. ولا أعتقد أننا صنعنا أي فارق بما فعلناه اليوم . لا أعتقد أن ما ~~يحدث لطفل في منطقة سويتو بجنوب أفريقيا يمثل فارقا للأشخاص الذين كنا نتحدث ~~إليهم. الكلام العذب لا يصنع فارقا. فلماذا إذن أتظاهر بغير ذلك؟ سأخبرك أنا لماذا. ~~لأن هذا يجعلني أشعر أنني مهم. لأنني أحب الإطراء. فهذا يجعلني أشعر بإثارة جميلة ~~رخيصة. هذا كل ما في الأمر.» ~~«إنك لا تعتقد هذا حقا.» ~~«هذا ما أعتقد حقا.» # فحدقت في حائرة تحاول أن تعرف هل أخدعها. ثم قالت في النهاية وهي تحاول أن تجاري ~~نبرتي في الحديث: «حسنا، ربما أمكنك أن تخدعني.» وتابعت: «إذ تخيلت أنني كنت أستمع إلى ~~رجل يؤمن بشيء. رجل أسود يهتم. لكن أظن أنني غبية.» # أخذت جرعة كبيرة من الجعة ولوحت لشخص يدخل من الباب. وقلت: «إنك لست غبية يا ~~ريجينا. إنك ساذجة.» # فتراجعت خطوة إلى الوراء وهي تضع يديها على فخذيها. ثم قالت: «ساذجة؟ أنت تنعتني ~~بالساذجة؟ لا، لا أظن هذا. إذا كان هناك شخص ساذج، فهو أنت. أنت من يظن أنه يستطيع ~~الهروب من نفسه. أنت من يظن أنه يمكنه تجنب ما يشعر به.» وألصقت إصبعها بصدري. ~~وقالت: «أتريد أن تعرف ما مشكلتك الحقيقية؟ إنك تظن دائما أن كل شيء يتعلق بك. إنك ~~بالضبط مثل ريجي وماركوس وستيف وجميع الإخوة هنا. تعتقد أن التجمع من أجلك. والحديث ~~من أجلك. والجرح جرحك أنت. حسنا، دعني أخبرك أمرا يا سيد أوباما. الأمر لا يتعلق بك ~~أنت فقط. لم يكن البتة يتعلق بك أنت فقط، إنه يتعلق بأناس يحتاجون إلى مساعدتك. ~~الأطفال الذين يعتمدون عليك. إنهم لا يهتمون بسخريتك ولا بتعقيدك أو بذاتك المجروحة. ~~ولا أنا كذلك.» # وفي الوقت الذي كانت تنهي فيه حديثها، خرج ريجي من المطبخ ثملا أكثر مني، وجاء ~~إلينا وطوق كتفي بذراعه. وقال: «أوباما، إنه حفل رائع يا رجل!» وابتسم ابتسامة ~~ساذجة لريجينا. وتابع: «دعيني أخبرك ms117 شيئا يا ريجينا. أنا وأوباما يعرف أحدنا الآخر ~~منذ وقت طويل. كان يجب أن تري حفلاتنا العام الماضي هناك في المدينة الجامعية. أتذكر ~~يا رجل ذلك الوقت عندما ظللنا مستيقظين طوال العطلة الأسبوعية؟ 40 ساعة، بلا نوم. ~~بدأنا صباح السبت، ولم نتوقف حتى يوم الإثنين.» # حاولت أن أغير الموضوع لكن ريجي كان يكمل حديثه. قال: «لقد كان حفلا جامحا يا ~~ريجينا. وعندما ظهرت الخادمات صباح يوم الإثنين، كنا لا نزال جميعا نجلس في الرواق ~~نشبه الأموات الأحياء. والزجاجات في كل مكان. وكذلك أعقاب السجائر. والصحف. وتلك ~~البقعة التي تقيأ فيها جيمي ...» والتفت ريجي إلي وبدأ يضحك ويسكب المزيد من ~~الجعة على السجادة. وقال: «إنك تتذكر أليس كذلك؟ كانت القاذورات بشعة، وبدأ أولئك ~~السيدات المكسيكيات الصغيرات بالبكاء. وصرخت إحداهن: «يا إلهي» باللغة الإسبانية وبدأت ~~الأخرى تربت على ظهرها. اللعنة، لقد كنا مجانين ...» # ابتسمت ابتسامة واهية، وأنا أشعر بريجينا تحدق إلى عيني مباشرة حتى شعرت بالخجل مثل ~~الشخص المثير للازدراء الذي كنت عليه. وعندما بدأت في التحدث أخيرا كان كما لو أن ~~ريجي غير موجود. # تحدثت في همس وصوتها يرتجف. قالت: «هل تظن أن هذا مضحك؟» وتابعت: «هل هذا هو ~~الحقيقي في نظرك يا باراك؛ إحداث الفوضى كي ينظفها شخص آخر؟ كان من الممكن أن تكون ~~تلك السيدة هي جدتي. فقد قضت معظم حياتها تنظف ما يخلفه الآخرون من فوضى. وأراهن ~~أن أولئك الذين كانت تعمل لديهم كانوا يظنون أن هذا مضحك أيضا.» # ثم انتزعت حقيبتها من على منضدة القهوة واندفعت نحو الباب. فكرت في أن أركض وراءها ~~لكني لاحظت أن عددا قليلا من الناس يحدقون إلي ولم أرد أن أجذب المزيد من ~~الأنظار. فجذب ريجي ذراعي وهو يبدو متألما وحائرا مثل طفل تائه. # وقال: «ما خطبها؟» # فقلت: «لا شيء.» وأخذت الجعة من يد ريجي ووضعتها على رف الكتب. وتابعت: «إنها فقط ~~تؤمن بأشياء غير موجودة في الحقيقة.» ~~••• # نهضت من على الأريكة، وفتحت بابي الأمامي، ولاحقني دخان السجائر المحتجز في الغرفة ~~إلى ms118 الخارج وكأنه شبح. وفي السماء كان القمر قد اختفى عن الأنظار، ولم يكن واضحا منه ~~سوى توهجه على طول حافة السحب العالية. وبدأت السماء تنير، ورائحة الندى تملأ ~~الهواء. # انظر إلى نفسك قبل أن تصدر الأحكام. لا تجعل أحدا آخر ينظف ما تخلفه من فوضى. ~~الأمر لا يتعلق بك. كانت هذه أفكارا بسيطة؛ عظات سمعتها ألف مرة من قبل في جميع ~~صورها المختلفة في برامج كوميديا الموقف في التليفزيون وكتب الفلسفة، ومن جدي ~~ووالدتي. وأدركت في ذلك الوقت أنني في وقت ما توقفت عن الإصغاء إليهم، وأدركت كم كنت ~~مستغرقا حتى أذني في جراحي التي أشعر بها، وكم كنت متلهفا للهروب من الشراك ~~الوهمية التي أعدتها لي السلطة البيضاء. وكنت مستعدا لأن أتخلى عن قيم طفولتي إلى ~~ذلك العالم الأبيض، كما لو أن تلك القيم قد تلوثت بصورة نهائية بالأكاذيب اللانهائية ~~التي كان البيض يقولونها عن السود. # إلا أنني أصبحت أسمع الأمر نفسه من أناس سود أكن لهم الاحترام، أناس لديهم من أسباب ~~الشعور بالمرارة أكثر مما يمكن أن أدعيه لنفسي. وسألوني: من قال لك إن الأمانة صفة ~~تقتصر على البيض؟ من خدعك وأخبرك أن موقفك يعفيك من أن تكون مفكرا أو مجتهدا أو ~~طيبا؟ أو أن الأخلاق لها لون؟ لقد ضللت طريقك يا أخي. وأصبحت أفكارك عن نفسك - عمن أنت ~~ومن قد تصبح - غير مكتملة ومحدودة وصغيرة. # جلست على عتبة الباب وحككت ظهر عنقي. وبدأت أسأل نفسي: كيف حدث هذا؟ لكن حتى قبل أن ~~يتكون السؤال في ذهني، كنت أعرف الإجابة بالفعل. إنه الخوف. الخوف نفسه الذي جعلني ~~أدفع كوريتا بعيدا عني في المدرسة الابتدائية. الخوف نفسه الذي جعلني أهزأ بتيم أمام ~~ماركوس وريجي. الخوف الدائم المسبب للعجز من أنني لا أنتمي إليهم بشكل ما، وأنني لو ~~لم أراوغ وأختبئ وأتظاهر بأني شخص لست عليه، سأظل دائما غريبا عن باقي العالم، سواء ~~للسود أو البيض، دائما أخضع لأحكام الآخرين. # ولهذا فقد كانت ريجينا على حق، إن الأمر يتعلق بي ms119 فقط. بخوفي. باحتياجاتي. والآن ~~ماذا؟ تخيلت جدة ريجينا في مكان ما، وظهرها محني، وذراعها تهتز وهي تنظف الأرض ~~التي لا تنتهي. وببطء، رفعت السيدة العجوز رأسها لتنظر إلي مباشرة، وفي وجهها الواهن ~~رأيت أن ما يربطنا معا كان شيئا أكبر من الغضب أو اليأس أو الشفقة. # ماذا كانت تطلب مني في ذلك الوقت؟ العزم على الأرجح. العزم على أن أقاوم أية قوة ~~جعلتها تقف محنية الظهر وليست منتصبة القامة. العزم على مقاومة الأشياء السهلة أو ~~المناسبة. وقرأت في عينيها: قد تكون محتجزا في عالم ليس من صنعك، لكن لا يزال لديك حق ~~في تقرير كيفية تشكيله. لا تزال لديك مسئوليات. # تلاشى وجه السيدة العجوز من ذهني، وحلت محله سلسلة من الوجوه الأخرى. وجه الخادمة ~~المكسيكية البني المائل إلى الحمرة وهي تجاهد لتحمل القمامة. ووجه والدة لولو الغارق في ~~الحزن وهي ترى الهولنديين يحرقون منزلها. ووجه جدتي الأبيض بشفتيها المغلقتين في حزم ~~وهي تستقل حافلة السادسة والنصف صباحا إلى عملها. ضيق الأفق والذعر فقط هو ما دفعني ~~لأن أفكر أنه علي الاختيار بينهن. وجميعهن، جداتي كلهن، طلبن الشيء نفسه ~~مني. # فقد تبدأ هويتي بحقيقة عرقي، لكنها لا تنتهي، ولا يمكنها أن تنتهي، عند ذلك ~~الحد. # على الأقل هذا ما سأختار أن أومن به. # ولبضع دقائق أخرى جلست هناك عند باب الغرفة، أراقب الشمس وهي تنزلق إلى مكانها في ~~السماء، أفكر في المكالمة التي سأجريها مع ريجينا في ذلك اليوم. ومن خلفي، كانت بيلي ~~تشدو بآخر أغانيها. فأخذت أكرر اللازمة التي تتكرر في الأغنية وأغمغم ببعض المقاطع. ~~وبدا صوتها مختلفا في أذني. فأسفل طبقات الجراح، وأسفل الضحكات المنهكة، سمعت صوت رغبة ~~في الصمود. الصمود، وإبداع موسيقي لم يكن موجودا من قبل. # | الفصل السادس # قضيت أول ليلة لي في مانهاتن منكمشا على نفسي في زقاق. ولم يكن ذلك عمدا، فعندما ~~كنت في لوس أنجلوس سمعت أن صديقة صديق لي ستخلي شقتها في حي سبانيش هارلم بالقرب من ~~كولومبيا، وأنه نظرا لسوق العقارات في ms120 نيويورك رأيت من الأفضل أن أقتنص أنا الشقة ~~بمجرد أن أستطيع. وقد توصلنا إلى اتفاق، وأبرقت إليها بالموعد الذي سأصل فيه في شهر ~~أغسطس، وبعد أن جررت أغراضي في المطار والقطار النفقي وميدان تايمز وعبر شارع 109 من ~~جادة برودواي إلى جادة أمستردام، وصلت أخيرا إلى باب المبنى، بعد أن تخطت عقارب ~~الساعة العاشرة مساء ببضع دقائق. # قرعت جرس المبنى بالأسفل عدة مرات، ولم يجب أحد. وكان الشارع خاويا، والمباني على ~~كلا الجانبين مغطاة بقطع من الخشب، مما جعلها تبدو كمجموعة من الظلال المستطيلة الشكل. ~~وفي النهاية ظهرت شابة من بورتوريكو من المبنى وألقت نظرة عصبية علي قبل أن تتجه ~~إلى الشارع. فهرعت لألحق بالباب قبل أن يغلق، وتقدمت وأنا أجر أغراضي خلفي إلى ~~الأعلى لأطرق باب الشقة، ثم تحولت الطرقات إلى قرع شديد. لكن لم يجب أحد أيضا، ~~ولم أسمع إلا صوت باب يغلق في مدخل المبنى. # هذه هي نيويورك بالضبط كما تخيلتها. فحصت محفظتي، واكتشفت أنني لا أملك ما يكفي من ~~النقود للمبيت في نزل. ولم أكن أعرف سوى شخص واحد في نيويورك، شاب اسمه صادق قابلته في ~~لوس أنجلوس، لكنه كان قد أخبرني أنه يعمل طوال الليل في حانة في مكان ما. ولأنه لم ~~يكن بوسعي سوى الانتظار، حملت أغراضي إلى الأسفل مرة أخرى وجلست عند مدخل المبنى. وبعد ~~مرور بعض الوقت، وضعت يدي في جيبي الخلفي، وأخرجت الخطاب الذي كنت أحمله معي منذ أن ~~غادرت لوس أنجلوس: # ابني الحبيب # كانت مفاجأة سارة حقا أن أتلقى منك خطابا بعد مرور كل هذه المدة. أنا ~~بخير وأقوم بتلك الأشياء التي تعرف أنها متوقعة مني في هذا البلد. لقد عدت ~~لتوي من لندن حيث كنت أهتم بإنجاز بعض الأعمال الخاصة بالحكومة وأناقش أمور ~~التمويل وغيرها. في الحقيقة نادرا ما أكتب إليك بسبب هذه الأسفار الكثيرة. ~~وعلى أية حال، أظن أن الوضع سيتحسن من الآن فصاعدا. # ستسعد عندما تعلم أن جميع إخوتك وأخواتك هنا بخير، ويرسلون لك تحياتهم. وقد ~~رحبوا ms121 بشدة بقرار عودتك إلى وطنك بعد التخرج مثلي تماما. وعندما تأتي ~~نقرر معا كم من الوقت تريد أن تبقى. باري، حتى إذا كانت الزيارة ستستمر بضعة ~~أيام فحسب، فمن الضروري أن تعرف شعبك وأن تعرف المكان الذي تنتمي إليه ~~أيضا. # رجاء اعتن بنفسك، وتحياتي إلى والدتك وجدتك وستانلي. وأتمنى أن أتلقى ~~خطابات منك قريبا. # مع حبي # والدك # طويت الخطاب وأعدته إلى جيبي مرة أخرى. لم يكن من السهل أن أكتب إليه، فقد انقطعت كل ~~المراسلات بيننا على مدار السنوات الأربع السابقة. وفي الحقيقة وضعت للخطاب عدة مسودات، ~~وحذفت أسطرا كاملة، وكنت أجاهد لأكتب بالنبرة المناسبة وأقاوم الرغبة في تفسير الكثير ~~من الأمور. فلم أكن أدري كيف أبدأ الخطاب: «والدي العزيز». أم «أبي الحبيب». أم «عزيزي ~~الدكتور أوباما». وها هو ذا قد أجاب على خطابي بابتهاج وهدوء. ونصحني أن أعرف المكان ~~الذي إليه أنتمي. وجعل الأمر يبدو سهلا مثل أن تجيب عليك الموظفة في خدمة استعلامات ~~شركة الهاتف: ~~«الاستعلامات، أي مدينة من فضلك؟» ~~«لا أدري ... أتمنى لو أنك تخبرينني. الاسم هو أوباما. إلى أين أنتمي؟» # ربما يكون الأمر بهذه البساطة من وجهة نظره حقا. وتخيلت أبي وهو يجلس إلى مكتبه في ~~نيروبي، رجلا مهما في الحكومة لديه موظفون وسكرتارية يقدمون له أوراقا ليعتمدها، ~~ووزير يتصل به طالبا منه النصيحة، وزوجة محبة وأطفال ينتظرونه في المنزل، وقرية والده ~~على بعد يوم واحد بالسيارة. وقد جعلتني هذه الصورة غاضبا بصورة ما، وحاولت أن أنحيها ~~جانبا وأركز بدلا من هذا على صوت موسيقى «الصلصا» الذي يأتي من نافذة مفتوحة في ~~مكان ما في المجمع السكني. لكن ظلت الأفكار نفسها تعاودني وتتواصل كخفقات قلبي. # إلى أين أنتمي؟ ربما يكون ذلك الحوار مع ريجينا في تلك الليلة بعد التجمهر قد أحدث ~~تغييرا بداخلي، وتركني مليئا بالنوايا الحسنة. لكني كنت مثل سكير يتعافى من فترة ~~طويلة ومؤلمة من الإسراف في الشراب، وسرعان ما شعرت بالعزم الجديد الذي كان يملؤني يهرب ~~مني، دون هدف أو اتجاه. وقبل عامين ms122 من التخرج لم يكن لدي أدنى فكرة عما سأفعله في ~~حياتي، أو حتى أين سأعيش. وكانت هاواي تستلقي خلفي مثل حلم الطفولة، ولم أعد أتخيل ~~الاستقرار هناك . وبصرف النظر عما يمكن أن يقوله أبي، كنت أعرف أنه فات الأوان على ~~اعتبار أفريقيا وطني حقا. وإذا كنت قد أصبحت أفهم نفسي على أنني أمريكي أسود، ويعرفني ~~الجميع بهذا، فإن هذه المعرفة ظلت غير مستقرة. وأدركت أن ما أحتاج إليه هو مجتمع، مجتمع ~~أكبر من اليأس المشترك الذي كنت أشارك أصدقائي السود الشعور به ونحن نقرأ آخر إحصائيات ~~الجرائم، أو عند التحية براحة اليد وهي مرفوعة التي يمكن أن نتبادلها في ملعب كرة ~~السلة. والآن فإنني أحتاج إلى مكان يمكنني أن أستقر فيه وأختبر ما أومن به من ~~أفكار. # وهكذا، عندما سمعت عن برنامج الانتقال الذي نظمته كلية أوكسيدينتال مع جامعة كولومبيا ~~أسرعت بالتقدم إليه. ورأيت أنه إذا لم يكن هناك طلاب سود في كولومبيا أكثر من ~~الموجودين في أوكسيدينتال فسأكون على الأقل في قلب مدينة حقيقية، وسيكون إلى جواري ~~أحياء يقطنها السود. كما أنه لم يكن هناك الكثير الذي يربطني بلوس أنجلوس. فقد كان معظم ~~أصدقائي سيتخرجون ذلك العام، وحسن سيرحل ليعمل مع عائلته في لندن، وريجينا ستسلك طريقها ~~إلى منطقة الأندلس ذاتية الحكم لإجراء دراسة عن الغجر الإسبانيين. # وماذا عن ماركوس؟ لم أدر بالضبط ماذا حدث لماركوس. فقد كان لا يزال أمامه عام آخر ~~قبل التخرج، لكن شيئا ما حدث له أثناء عامه قبل الأخير، شيء عرفته وإن كنت لم أستطع ~~أن أحدد له اسما. تذكرت في إحدى الأمسيات عندما كنت أجلس معه في المكتبة قبل أن ~~يقرر ترك مقاعد الدراسة. وكان هناك طالب إيراني أصلع أكبر سنا له عين زجاجية يجلس ~~على الجانب الآخر من الطاولة، وقد لاحظ أن ماركوس يقرأ كتابا عن اقتصاديات العبودية. ~~ومع أنه نقل عينيه إلى الإيراني في نظرة مهددة، فقد كان الرجل ودودا وفضوليا، وفي ~~النهاية انحنى إلى الأمام على الطاولة وطرح على ماركوس ms123 سؤالا عن الكتاب. # قال: «أخبرني من فضلك.» وتابع: «كيف برأيك سمح لشيء مثل العبودية أن يستمر كل هذه ~~السنوات الطويلة؟» ~~«البيض لا يعتبروننا بشرا. الأمر بهذه البساطة .» وتابع: «ومعظمهم لا ~~يزالون.» ~~«نعم، أفهم هذا. لكن ما قصدت السؤال عنه هو لماذا لم يحارب السود؟» ~~«لقد حاربوا بالفعل. أناس مثل نات تيرنر، ودنمارك فيسي ...» # فقاطعه الإيراني قائلا: «ثورات العبيد.» لقد قرأت شيئا عنها. لقد كانوا رجالا ~~شجعانا. لكنهم قليلون. فلو كنت عبدا، ورأيت ما كان يفعله أولئك الناس بزوجتي وأطفالي ~~... كنت أفضل الموت. هذا هو ما لا أفهمه، لماذا لم يحارب الكثير من الرجال على ~~الإطلاق. حتى الموت، أفهمت ما أعنيه؟» # نظرت إلى ماركوس منتظرا ردا منه، لكنه ظل صامتا. ولم يبد على وجهه غضب ما بدا ~~عليه من شحوب، وظلت عيناه تركزان على نقطة ما على الطاولة. وقد حيرني أنه لم يجب، ~~لكن بعد وهلة من الصمت، توليت أنا دفة الهجوم، وسألت الإيراني هل يعرف أسماء الآلاف ~~الذين قفزوا إلى مياه تعج بأسماك القرش قبل أن تصل السفن التي أسروا على متنها إلى ~~الموانئ الأمريكية؛ وسألته هل كان سيفضل الموت بمجرد أن ترسو السفن، إذا عرف أن ~~الثورة لن تعود على النساء والأطفال إلا بمزيد من المعاناة. وهل كان تعاون بعض العبيد ~~مختلفا عن صمت بعض الإيرانيين الذين وقفوا يتفرجون ولم يفعلوا شيئا وسفاحو السافاك ~~يقتلون ويعذبون مناهضي الشاه؟ كيف يمكننا أن نحكم على الآخرين إلا إذا كنا ~~مكانهم؟ # بدت هذه الملحوظة الأخيرة وكأنها فاجأت الرجل، وأخيرا عاد ماركوس للمشاركة في ~~الحوار، وذكر أحد أقوال مالكولم إكس المأثورة القديمة عن الاختلاف بين زنوج المنزل ~~وزنوج الحقل. لكنه تحدث كما لو أنه لم يكن مقتنعا بكلماته، وبعد بضع دقائق نهض فجأة ~~واتجه نحو الباب. # لم أتحدث أنا وماركوس عن ذلك الحوار قط. ربما لم يكن هذا سيفسر شيئا؛ فقد كانت ~~هناك أسباب أكثر من كافية لشخص مثل ماركوس كي لا يشعر بالارتياح في مكان مثل ~~أوكسيدينتال. بالإضافة إلى أنني في الشهور ms124 التي تبعت بدأت ألاحظ تغيرات على ماركوس، ~~كما لو أن أشباحا هربت عبر شقوق عالمنا الآمن المشمس وتطارده. في البداية أصبح أكثر ~~تعبيرا عن فخره العنصري. فاعتاد ارتداء ملابس مطبوع عليها صور أفريقية في الفصل، ~~وبدأ في محاولة إقناع الإدارة بأن تكون هناك مدينة جامعية مخصصة لإقامة السود فقط. ~~وبعد ذلك أصبح أكثر تحفظا. وبدأ يهمل حضور المحاضرات، وزاد تعاطيه للماريجوانا. وأطلق ~~لحيته وترك شعره ينمو في جدائل طويلة. # وفي النهاية أخبرني أنه سيأخذ إجازة من الدراسة لبعض الوقت. قال: «إنني أحتاج إلى ~~راحة من هذا الهراء.» كنا نسير في متنزه في كومبتون نقضي بعض الوقت هناك في احتفال ~~يستغرق اليوم بأكمله، وكان يوما جميلا. الجميع يرتدون شورتات قصيرة، والأطفال يصيحون ~~وهم يركضون على الحشائش، لكن ماركوس بدا مشتت الانتباه ونادرا ما يتحدث. ولم يبد ~~أنه عاد إلى الحياة مرة أخرى إلا عندما مررنا بفرقة تعزف على طبول البونجو. جلسنا ~~إلى جوارهم أسفل شجرة والصوت يأسر انتباهنا، وراقبنا الأيدي السوداء التي لا تكاد ~~تتلاحم وهي ترقص. وبعد وهلة بدأت أشعر بالملل فمشيت بعيدا عنهم وتحدثت إلى سيدة ~~جميلة تبيع فطائر باللحم. وعندما عدت كان ماركوس لا يزال في المكان نفسه، لكنه بدأ ~~يعزف هو الآخر، فوجدته يجلس القرفصاء بقدميه الطويلتين وعلى حجره طبلتا بونجو صغيرتان ~~استعارهما. ومن خلال ضباب السجائر الرقيق الذي أحاط به كان وجهه جامدا يخلو من ~~التعبيرات، وعيناه شبه مغمضة كما لو كان يحاول إبعاد ضوء الشمس. راقبته لساعة تقريبا ~~وهو يعزف دون إيقاع أو اختلاف في الأصوات، لا يفعل شيئا سوى القرع على الطبلتين بعنف ~~كما لو أنه يدفع بعيدا ذكريات لا يعرفها أحد. وفي ذلك الوقت أدركت أن ماركوس يحتاج ~~إلى مساعدتي مثلما أحتاج أنا إلى مساعدته، وأدركت أيضا أنني لم أكن الوحيد الذي يبحث ~~عن إجابات. # في تلك اللحظة نظرت إلى الشارع المهجور في نيويورك. هل يعرف ماركوس إلى أين ينتمي؟ هل ~~يعرف أي منا؟ أين الآباء والأعمام والأجداد الذين يمكنهم المساعدة في تفسير ms125 هذا الجرح ~~العميق في قلوبنا؟ أين مداوو الجراح الذين يمكنهم مساعدتنا في إنقاذ المعاني من ~~الهزيمة؟ لقد رحلوا، اختفوا، ابتلعهم الزمان. ولم يتبق سوى صورهم المشوشة وخطاباتهم ~~التي تصل مرة واحدة في العام محملة بالنصائح غير الثمينة. ~~••• # كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير عندما زحفت عبر سياج يقود إلى زقاق. ووجدت ~~بقعة جافة، فوضعت حقائبي أسفل جسدي وسقطت في سبات عميق وصوت الطبول يشكل أحلامي ~~برقة. وفي الصباح استيقظت ووجدت دجاجة بيضاء تفتش بمنقارها في القمامة بالقرب من ~~قدمي. وعلى الجانب الآخر من الشارع كان هناك متشرد يغتسل من صنبور مياه مفتوح، ولم ~~يعترض عندما انضممت إليه. وفي الشقة لم يكن أحد يجيب، لكن صادقا رد على الهاتف عندما ~~اتصلت به وأخبرني أن أستقل سيارة أجرة إلى شقته في حي «أبر إيست سايد». # وفي الشارع استقبلني صادق، وهو باكستاني قصير القامة قوي البنيان جاء إلى نيويورك من ~~لندن قبل عامين، ووجد أن سخريته اللاذعة ورغبته الجريئة في تكوين ثروة مناسبتان تماما ~~لأجواء المدينة. وقد تجاوز فترة الإقامة المسموح له بها في تأشيرته، وأصبح يكسب عيشه ~~بالعمل نادلا ضمن القوى العاملة من المهاجرين غير الشرعيين الذين يستبدلون بسرعة ~~في نيويورك. وعندما دخلنا الشقة وجدت سيدة في ملابسها الداخلية تجلس على طاولة المطبخ، ~~ومرآة وماكينة حلاقة إلى جوارها. # بدأ صادق يقول: «صوفي، هذا باري ...» # فصححت له: «باراك» وأنا أضع الحقائب على الأرض. لوحت السيدة بعدم اكتراث، ثم ~~أخبرت صادقا أنها ستكون قد رحلت عندما يعود. تبعت صادقا إلى الأسفل مرة أخرى ثم ~~ذهبنا إلى مقهى يوناني على الجانب الآخر من الشارع. واعتذرت مرة أخرى لأني اتصلت به في ~~وقت مبكر للغاية. # فقال: «لا تقلق.» وتابع: «لقد كانت تبدو أجمل بكثير ليلة أمس.» ثم أخذ يفحص قائمة ~~الطعام ثم وضعها جانبا. وسألني: «أخبرني، يا بار- عفوا. باراك. ما الذي جاء بك إلى ~~مدينتنا الجميلة؟» # حاولت أن أشرح له. فأخبرته أنني قضيت الصيف أفكر في شباب أهدر هباء، وحالة ~~العالم وحالة روحي. وقلت: «أريد ms126 أن أصلح الأمور.» وتابعت: «أريد أن أجعل من نفسي ~~إنسانا ذا فائدة.» # فتح صادق صفار بيضة بشوكته. وقال: «حسنا يا صديقي ... يمكنك التحدث كما تشاء عن ~~إنقاذ العالم، ولكن هذه المدينة تميل لأن تمحو مثل هذه المشاعر النبيلة تدريجيا. انظر ~~إلى هناك.» وأشار إلى الزحام في الجادة الأولى. «الجميع يهتم بنفسه وبمصالحه فحسب. ~~البقاء للأصلح. أنياب ومخالب. ادفع الرجل الآخر ليبتعد عن طريقك. هذه هي نيويورك يا ~~صديقي. لكن ...» ثم هز كتفيه ومسح بعض البيض بالخبز. قال: «من يدري؟ ربما تكون أنت ~~الاستثناء. وفي هذه الحالة سأرفع لك القبعة.» # ورفع صادق كوب قهوته في تحية ساخرة وعيناه تبحثان عن أية إشارة للتغيير. وعلى مدار ~~الشهور التي تلت كان يستمر في مراقبتي وأنا أتنقل مثل فأر تجارب ضخم عبر طرق مانهاتن ~~الفرعية. وكتم ضحكته عندما استولى شاب ضخم على المقعد الذي عرضته على سيدة في منتصف ~~العمر في المترو. وكان يقودني في أحد فروع بلومينجدال عبر عارضات أزياء كن ينثرن العطر ~~في الهواء، ويراقب رد فعلي وأنا أفحص بطاقات الأسعار المذهلة على معاطف الشتاء. وعرض ~~علي الإقامة عنده مرة أخرى عندما تخليت عن الشقة في شارع 109 بسبب سوء التدفئة بها، ~~وصحبني إلى محكمة الإسكان عندما تبين أن المؤجرين من الباطن لشقتي الثانية لم يدفعوا ~~الإيجار وهربوا بمبلغ العربون الذي أعطيته لهم. ~~«أنياب ومخالب يا باراك. توقف عن الاهتمام بهؤلاء المشردين هنا، وفكر كيف ستكون ~~لنفسك ثروة من هذه الشهادة الجامعية المكلفة التي ستحصل عليها.» # وعندما فقد صادق شقته المؤجرة، أقمنا معا. وبعد بضعة أشهر من الفحص الدقيق، بدأ ~~يدرك أن المدينة كان لها بالفعل تأثير علي، مع أنه لم يكن التأثير الذي توقعه. فقد ~~توقفت عن تعاطي المخدرات. وكنت أركض ثلاثة أميال يوميا وأصوم أيام الآحاد. ولأول ~~مرة منذ سنوات كرست نفسي للدراسة وبدأت أحتفظ بدفتر أدون فيه الأفكار اليومية ~~وشعرا سيئا للغاية. وكلما حاول صادق إقناعي بالذهاب إلى إحدى الحانات اعتذرت بعذر ~~غير مقنع، مثل إن لدي الكثير من ms127 الأعمال لأنجزها، أو إنني لا أملك ما يكفي من النقود. ~~وفي أحد الأيام - قبل أن يغادر الشقة بحثا عن صحبة أفضل - استدار ووجه لي أقسى ~~انتقاد. # قال : «إنك تصبح مملا.» # كنت أعلم أنه محق، مع أني لم أكن أنا نفسي أعرف يقينا ماذا حدث. أظن أنني بطريقة ما ~~كنت أؤكد على تقدير صادق لإغراء المدينة، وقدرتها على الإفساد. فمع ازدهار البورصة في ~~وول ستريت أصبحت مانهاتن تعج بالنشاط والحيوية، وأصبحت التطورات تبرز إلى الوجود ~~بغتة في كل مكان؛ فأصبح كثير من الرجال والنساء الذين تجاوزوا العشرينيات من عمرهم ~~بقليل يمتلكون ثروات هائلة، وسار تجار الأزياء على نهجهم. وقد بهر جمال المدينة ~~وتلوثها وضوضاؤها وتبذيرها حواسي؛ فلم يبد أن هناك قيدا على ابتكار أنماط للحياة ~~أو على صناعة الرغبات؛ فهناك دائما مطعم أغلى، أو ملابس أكثر أناقة، أو ملهى ليلي ~~أكثر خصوصية، أو امرأة أجمل، أو مخدر أقوى. ولأني لم أكن واثقا بقدرتي على أن أنتهج ~~منهج الاعتدال، وأخشى السقوط في العادات القديمة، تبنيت موقف - إن لم يكن معتقدات - ~~الواعظ الذي يسير في الشوارع؛ مستعدا لأن أرى الإغواءات في كل مكان، ومتأهب لأن ~~أتجاوز الإرادة الهشة. # ومع ذلك فقد كان رد فعلي أكثر من مجرد محاولة لكبح جماح شهية مفرطة أو استجابة للضغط ~~الحسي. فأسفل ذلك النشاط والحركة، كنت أرى التمزق المستمر للعالم. لقد رأيت فقرا ~~مدقعا في إندونيسيا، ولمحت النزعة العنيفة في أطفال المناطق الفقيرة المكتظة بالسكان ~~في لوس أنجلوس، وأصبحت معتادا في كل مكان على الشك الذي يراود كل عرق تجاه الآخر. ~~لكن سواء أكان هذا بسبب الكثافة السكانية بنيويورك أم بسبب مساحتها، فقد بدأت هناك فقط ~~أستوعب الدقة، التي تضاهي الدقة الرياضية، التي تلتحم بها مشكلات الأجناس والطبقات في ~~أمريكا، وعمق وضراوة الحروب القبلية الناتجة، والغضب والمرارة اللذين يتدفقان ~~بانسيابية، ليس فقط في الخارج في الشوارع، لكن في حمامات جامعة كولومبيا أيضا حيث كانت ~~الجدران، بصرف النظر عن عدد المرات التي حاولت الإدارة طلاءها، لا تزال منقوشا عليها ms128 ~~مراسلات فظة بين الزنوج واليهود. # كان الأمر كما لو أن جميع المواقف المعتدلة قد انهارت تماما. وبدا أن ذلك الانهيار ~~كان أكثر وضوحا في مجتمع السود الذي تخيلته بعاطفة قوية وأملت أن أجد بداخله مأوى، ~~أكثر من أي مكان آخر. فقد أقابل صديقا أسود في شركته للمحاماة في وسط المدينة، وقبل ~~أن نتجه لتناول الغداء في مطعم متحف الفن الحديث، أنظر من نافذة مكتبه - الموجود في ~~مبنى شاهق الارتفاع - إلى الجانب الآخر من المدينة باتجاه نهر إيست ريفر، وأتخيل حياة ~~سعيدة؛ إجازة وعائلة ومنزلا. حتى لاحظت أن السود الآخرين في المكتب كانوا إما سعاة ~~أو عمالا، والسود الآخرين في المتحف هم حراس الأمن الذين يرتدون سترات زرقاء ~~ويعدون الساعات قبل أن يمكنهم اللحاق بالقطار والعودة إلى منازلهم في بروكلين أو ~~كوينز. # وفي بعض الأحيان كنت أتجول في هارلم كي ألعب في ملاعب قرأت عنها، أو كي أستمع إلى ~~حديث يلقيه جيس جاكسون في شارع 125، أو - في أوقات نادرة من صباح أيام الآحاد - كي ~~أجلس على المقعد الخلفي في الكنيسة المعمدانية الحبشية، وتبهجني تراتيل الإنجيل الجميلة ~~الحزينة التي يرتلها جوقة المنشدين، وألمح شيئا من ذلك الذي كنت أسعى إليه. ولكن لم ~~يكن لدي مرشد يمكنه أن يريني كيف أنضم إلى هذا العالم المضطرب، وعندما بحثت عن شقة ~~هناك، وجدت المنازل الأنيقة المبنية بالحجر الرملي البني في منطقة شوجر هيل غير شاغرة ~~وبعيدة عن متناول يدي، أما المباني السكنية القليلة المتميزة فكان أمامها قوائم انتظار ~~تمتد لعشر سنوات، ومن ثم لم يتبق سوى صفوف وصفوف من المباني السكنية غير صالحة للسكن ~~كان الشباب يقفون أمامها يعدون قوائم الفواتير الضخمة، ويتنزه أمامها السكارى ~~ويتعثرون ويبكون برفق. # أخذت كل هذا على أنه إهانة لشخصي، سخرية من طموحي الرقيق، مع أني عندما تحدثت عن ~~هذا الأمر أمام أشخاص عاشوا في نيويورك لبعض الوقت، قيل لي إنه لا شيء جديد في هذه ~~الملاحظات. وقالوا إن هذه المدينة خارجة عن السيطرة؛ فالتناقض الشديد ظاهرة طبيعية، مثل ~~الرياح ms129 الموسمية أو الانجراف القاري. وأصبحت المناقشات السياسية، من ذلك النوع الذي كان ~~هادفا وشديد التوتر في أوكسيدينتال، تحمل طابع المؤتمرات الاشتراكية التي كنت أحضرها ~~في بعض الأحيان في كلية اتحاد كوبر، أو معارض الثقافة الأفريقية التي كانت تقام في ~~هارلم وبروكلين أثناء الصيف، ولم يكن هذا سوى بضعة من مصادر التسلية الكثيرة التي ~~قدمتها نيويورك مثل الذهاب لمشاهدة فيلم أجنبي أو التزلج على الجليد في مركز روكفلر. ~~وأمكنني بقدر بسيط من المال أن أكون حرا لأعيش مثل معظم المواطنين السود من الطبقة ~~المتوسطة في مانهاتن، حرا في اختيار فكرة رئيسية تدور حولها حياتي، حرا لأكون لنفسي ~~مجموعة من الأساليب والأصدقاء والحانات والانتماءات السياسية. ومع ذلك فقد شعرت أنه في ~~مرحلة ما - ربما عندما يكون لديك أطفال وتقرر أنه لن يمكنك البقاء في المدينة إلا على ~~حساب الالتحاق بمدرسة خاصة، أو عندما تبدأ في التنقل بسيارات الأجرة ليلا تجنبا ~~لاستقلال المترو، أو عندما تقرر أنك تحتاج إلى بواب في المبنى الذي تقطن فيه - فإن ~~اختيارك لا يمكن الرجوع فيه، فسيصبح من غير الممكن اجتياز الهوة الفاصلة، وستجد نفسك ~~على جانب الطريق الذي لم تعتزم قط أن تكون عليه. # ولأنني لم أكن راغبا في هذا الاختيار فقد قضيت عاما، أسير من أحد طرفي مانهاتن إلى ~~الآخر. وراقبت، مثل السياح، نطاق إمكانيات البشر المتاحة، محاولا تتبع مسار مستقبلي ~~في حياة الناس التي أراها، وأبحث عن منفذ يمكنني الدخول منه مرة أخرى. ~~••• # وجدتني والدتي وأختي في هذه الحالة من الكآبة عندما جاءتا لزيارتي في أول صيف أقضيه ~~في نيويورك. # فقالت مايا لوالدتي: «إنه نحيف للغاية.» # وصاحت أمي وهي تفتش الحمام: «ليس لديه سوى منشفتين!» واستدركت: «وثلاثة أطباق!» ~~وبدأتا تضحكان. # مكثتا معي أنا وصادق بضع ليال ثم انتقلتا إلى شقة في بارك أفينيو عرضها صديق ~~لوالدتي عليهما وهي مسافرة. وفي ذلك الصيف وجدت عملا في تنظيف موقع بناء في حي أبر ~~ويست سايد؛ لذا فقد قضت والدتي وأختي معظم أيامهما تستكشفان المدينة وحدهما. وعندما كنا ms130 ~~نتقابل على العشاء كانتا تقدمان تقريرا مفصلا عن مغامراتهما؛ مثل تناول فراولة ~~وقشدة في بلازا، والذهاب بمركب إلى تمثال الحرية، وزيارة أعمال سيزان في متحف ~~المتروبوليتان للفنون . وكنت أنا أتناول طعامي في صمت حتى تنتهيا من الحديث ثم أبدأ ~~حديثا طويلا عن مشكلات المدينة والأمور السياسية المتعلقة بمن حرموا حقوقهم. ~~ووبخت مايا لأنها قضت إحدى الأمسيات تشاهد التليفزيون بدلا من قراءة القصص التي ~~اشتريتها لها. وكنت أوضح لأمي الطرق المختلفة التي يساعد بها المتبرعون الأجانب ~~ومنظمات التنمية الدولية، مثل تلك التي كانت تعمل بها، على زيادة اعتماد دول العالم ~~الثالث على غيرهم. وفي إحدى المرات، عندما دخلت كلتاهما إلى المطبخ سمعت مايا تتحدث ~~إلى والدتي. # قالت: «باري بخير، أليس كذلك؟ أقصد أتمنى ألا يفقد هدوءه ويصبح واحدا من أولئك ~~الغرباء الذين نراهم في الشوارع من حولنا.» # وفي مساء أحد الأيام، وبينما كنت أتصفح صحيفة «ذا فيليدج فويس»، برقت عينا أمي ~~عندما رأت إعلان فيلم «أورفيوس الأسود» (بلاك أورفيوس) الذي كان يعرض في سينما بوسط ~~المدينة، وأصرت والدتي على أن نذهب ونشاهده في تلك الليلة، وقالت إنه أول فيلم أجنبي ~~رأته في حياتها. # وأخبرتنا عندما دلفنا إلى المصعد: «لم أكن تجاوزت السادسة عشرة من عمري، وكنت قد ~~قبلت لتوي في جامعة شيكاغو، ولم يكن جدك قد أخبرني بعد أنه لن يدعني أذهب للالتحاق ~~بالجامعة، وذهبت هناك فترة الصيف، أعمل جليسة أطفال. وكانت تلك هي المرة الأولى على ~~الإطلاق التي أكون فيها وحدي تماما. يا إلهي، شعرت أنني ناضجة للغاية. وعندما شاهدت ~~هذا الفيلم، قررت أنه أجمل شيء رأيته في حياتي.» # ركبنا سيارة أجرة إلى السينما التي تعيد عرض الأعمال السينمائية القديمة التي يعرض ~~فيها هذا الفيلم. وقد صور ذلك الفيلم - الذي كان الأول من نوعه بسبب فريق العمل الذي ~~يتكون بالكامل من برازيليين سود - في الخمسينيات. وكانت قصة الفيلم بسيطة؛ أسطورة ~~الحب التعيسة بين أورفيوس ويوريديس التي دارت أحداثها في أحياء مدينة ريو أثناء ~~المهرجان. كان البرازيليون السود والسمر الذين يظهرون ms131 بروعة التصوير بالألوان في خلفية ~~من التلال الخضراء الطبيعية، يغنون ويرقصون ويعزفون على الجيتار مثل طيور ملونة لا ~~يشغل بالها شيء. وفي منتصف الفيلم تقريبا قررت أنني رأيت ما يكفي واستدرت إلى أمي لأرى ~~هل هي مستعدة للمغادرة، ولكن كان على وجهها المضاء بالتوهج الأزرق المنعكس من الشاشة ~~نظرة حالمة. وفي تلك اللحظة شعرت أنني أنظر عبر نافذة إلى قلبها، قلبها الطائش في ~~شبابها. وفجأة أدركت أن تصوير السود بهذه البراءة التي تظهر على الشاشة - وهو نقيض ~~الصورة التي رسمها كونراد عن السود البربريين - هو ما حملته أمي إلى هاواي كل تلك ~~السنوات، انعكاس للأوهام البسيطة التي كانت محرمة على الفتاة البيضاء من الطبقة ~~المتوسطة من كانساس، الوعد بحياة أخرى؛ دافئة وحسية وغريبة ومختلفة. # استدرت مرة أخرى وأنا أشعر بالخجل من أجلها، وبالغضب من الناس حولي. وتذكرت وأنا ~~أجلس في الظلام حوارا دار بيني وبين صديق لوالدتي، وهو رجل إنجليزي كان يعمل لدى ~~منظمة إغاثة دولية تعمل في أرجاء أفريقيا وآسيا. وقد قال لي إنه من بين جميع الشعوب ~~المختلفة التي قابلها في أسفاره كان أهل مدينة دك في السودان هم الأغرب. # وقال: «عادة بعد شهر أو اثنين تنجح في التواصل مع الناس، حتى إذا لم تكن تتحدث ~~لغتهم، فستجد ابتسامة أو دعابة؛ أي مظهرا من مظاهر التعارف. ولكن في نهاية عام مع ~~أهل مدينة دك ظلوا غرباء تماما في نظري؛ فكانوا يضحكون على الأمور التي تقودني إلى ~~اليأس. وما كنت أظنه مضحكا كان يتركهم صامتين كالحجارة.» # وقد وفرت عليه إخباري أن أهل دك كانوا من الشعوب النيلية؛ أي أقرباء لي. وحاولت ~~أن أتخيل هذا الرجل الإنجليزي شاحب الوجه في صحراء حارقة في مكان ما، ويولي ظهره ~~لدائرة من رجال القبائل العراة، وعيناه تبحثان في سماء خاوية، ويشعر بالمرارة في ~~وحدته. وقد طرأت الفكرة نفسها التي راودتني في ذلك الوقت على ذهني وأنا أخرج من ~~السينما مع أمي وأختي: لا يمكن للعواطف بين الأجناس أن تكون نقية، حتى الحب كانت ms132 ~~تلوثه الرغبة في أن نجد في الآخر شيئا نفتقده في ذاتنا. وسواء أكنا نسعى لاستحضار ~~الشياطين أو الخلاص من ذنوبنا فإن العرق الآخر سيظل دائما كما هو : خطر وغريب ~~ومنعزل. # قالت مايا عندما ذهبت والدتي إلى الحمام: «إنه قديم.» ~~«ماذا؟» ~~«الفيلم، إنه من النوع القديم، النوع الذي تفضله أمي.» # وعلى مدار الأيام التالية حاولت أن أتجنب مواقف تجبرني أنا ووالدتي على التحدث، ~~ثم قبل بضعة أيام من رحيلهما زرتهما عندما كانت مايا نائمة. ولاحظت والدتي خطابا ~~موجها إلى أبي في يدي، وسألتها هل معها طابع بريد دولي. ~~«هل ترتبان لزيارة؟» # أخبرتها باختصار عن خططي وهي تخرج من قاع حقيبتها طابعا. في الواقع أخرجت طابعين ~~وقد التصقا معا بفعل حرارة الصيف. فابتسمت ابتسامة خجولة، ووضعت الماء ليغلي كي ~~نفصلهما بالبخار. # وقالت من المطبخ: «أظن أنه من الرائع لكليكما أن تتاح لكما الفرصة أخيرا ليعرف ~~أحدكما الآخر. على الأرجح كان من الصعب عليك تحمله وأنت صبي في العاشرة، لكن الآن بعد ~~أن كبرت ...» # هززت كتفي. وقلت: «من يدري؟» # أخرجت رأسها من المطبخ. قالت: «أتمنى ألا تكون تشعر بالاستياء تجاهه.» ~~«ولماذا؟!» ~~«لا أعلم.» ثم عادت إلى غرفة المعيشة وجلسنا هناك بعض الوقت نسمع صوت حركة المرور ~~بالأسفل. ثم انطلق صفير إبريق الشاي ووضعت طابع البريد على المظروف. ثم دون أي داع ~~بدأت والدتي تروي قصة قديمة مرة أخرى في صوت بعيد، كما لو أنها تقصها على ~~نفسها. # قالت: «لم يكن خطأ والدك أنه رحل كما تعلم. أنا طلقته. عندما تزوجنا لم يكن جدك ~~وجدتك سعداء بالفكرة، لكنهما وافقا، وعلى الأرجح لم يكن بوسعهما أن يوقفانا، وفي ~~النهاية غيرا رأيهما وقالا إنها فكرة سديدة. ثم كتب والد باراك، جدك حسين، لوالدي ~~ذلك الخطاب الطويل السيئ يقول فيه إنه لم يوافق على الزواج. وأضاف أنه لم يرد أن ~~يتلوث دم عائلة أوباما بدماء امرأة بيضاء. ويمكنك أن تتخيل كيف كان رد فعل جدك ~~عندما قرأ هذا. ثم كانت هناك مشكلة زوجة أبيك الأولى ... وكان قد ms133 أخبرني أنهما انفصلا، ~~وقد كان زواجه بها على النظام القروي ومن ثم لم يكن هناك أي مستند قانوني يوضح أنهما ~~قد طلقا ...» # وبدأ ذقنها يرتجف وضغطت بأسنانها على شفتها محاولة التماسك. وقالت: «رد والدك على ~~الخطاب، وقال إنه سيستمر فيما بدأه. ثم ولدت أنت واتفقنا على أن نعود نحن الثلاثة إلى ~~كينيا عندما ينتهي من دراسته. لكن جدك حسينا كان لا يزال يكتب خطابات إلى والدك، ~~ويهدده بأنه سيجعلهم يسحبون تأشيرته كطالب. وفي ذلك الوقت أصبحت جدتك في غاية ~~الاضطراب؛ فقد قرأت عن ثورة ماو في كينيا قبل بضع سنوات وقد ألقت عليها الصحافة الغربية ~~ضوءا شديدا، وكانت واثقة من أنهم سيقطعون رأسي ويختطفونك إذا ما ذهبنا إلى ~~هناك. ~~«حتى في ذلك الوقت، كان من الممكن أن ينجح الأمر. وعندما تخرج والدك من جامعة هاواي ~~تلقى منحتين دراسيتين. واحدة إلى جامعة نيو سكول هنا في نيويورك والأخرى إلى جامعة ~~هارفارد. ووافقت جامعة نيو سكول على أن تغطي نفقات كل شيء؛ الغرفة والإقامة ووظيفة في ~~الحرم الجامعي وهو ما كان كافيا لنعيش منه نحن الثلاثة. أما جامعة هارفارد فقد وافقت ~~على تغطية مصاريف الدراسة فقط. لكن باراك كان وغدا عنيدا واختار الذهاب إلى هارفارد. ~~وقال لي: «كيف أرفض فرصة لتلقي أفضل تعليم؟» فهذا هو كل ما كان يفكر فيه: إثبات ~~أنه أفضل ...» # وتنهدت، ومررت أصابعها في شعرها. وقالت: «لقد كنا صغارا. كنت أصغر سنا منك الآن. ~~وهو كان أكبر منك ببضع سنوات. بعد ذلك عندما جاء لزيارتنا في هاواي تلك المرة، أرادنا ~~أن نذهب ونعيش معه. لكني كنت لا أزال متزوجة من لولو في ذلك الوقت، وكانت زوجته الثالثة ~~قد تركته للتو، ولم أفكر ...» # ثم توقفت وضحكت لنفسها. وقالت: «هل أخبرتك قط أنه تأخر على أول ميعاد بيننا؟ طلب ~~مني أن أقابله أمام مكتبة الجامعة في الساعة الواحدة. وعندما وصلت إلى هناك، لم يكن قد ~~وصل بعد، ففكرت أنه يمكنني أن أمنحه بضع دقائق. وكان الجو جميلا، فاستلقيت على أحد ~~المقاعد ms134 الكبيرة وسرعان ما استغرقت في النوم. وبعد ساعة - ساعة كاملة! - ظهر مع اثنين ~~من أصدقائه، فاستيقظت وثلاثتهم يقفون إلى جوار المقعد، وسمعت أباك يقول بجدية تامة: ~~«أرأيتم أيها السادة. لقد أخبرتكم أنها فتاة رائعة، وأنها ستنتظرني.» # ضحكت والدتي مرة أخرى، ومرة أخرى رأيتها في صورة الطفلة التي كانت عليها. باستثناء ~~أني رأيت شيئا آخر هذه المرة؛ ففي وجهها المبتسم الحائر قليلا رأيت ما يجب أن يراه ~~جميع الأطفال في وقت ما إذا أرادوا أن ينضجوا؛ حياة والديهم تتكشف أمامهم منفصلة وتمتد ~~إلى ما هو أبعد من نقطة زواجهما أو ميلاد أحد أبنائهما، وتتجلى تفاصيل الحياة بدءا من ~~الأجداد وأجداد الأجداد، وعدد لا نهائي من اللقاءات بالصدفة، وسوء الفهم والآمال ~~المتوقعة والظروف المحدودة. لقد كانت والدتي تلك الفتاة التي لا تزال متأثرة بالفيلم ~~الذي يضم أناسا سودا رائعين، والتي أشبع اهتمام أبي بها غرورها، وهي حائرة ووحيدة ~~تحاول أن تهرب من قبضة حياة والديها. لقد كان سوء الفهم واحتياجاتها الخاصة يشوبان ~~البراءة التي حملتها معها في ذلك اليوم وهي في انتظار أبي. لكنها كانت احتياجات ساذجة ~~ودون إدراك للذات، وربما تكون هذه هي الطريقة التي تبدأ بها أية قصة حب، دوافع وصور غير ~~واضحة تسمح لنا بالهروب من وحدتنا ثم - إذا كنا من سعداء الحظ - نتحول في النهاية ~~لنكون أكثر ثباتا. ما سمعته من أمي في ذلك اليوم وهي تتحدث عن أبي شيء أظن أن معظم ~~الأمريكيين لن يسمعوه أبدا من بين شفتي شخص من عرق آخر، ومن ثم لا يمكن أن نتوقع ~~أن يصدقوا أنه قد يكون موجودا بين البيض والسود؛ إنه حب شخص يعرف جميع جوانب حياتك، ~~حب سيتغلب على الإحباط. لقد رأت أمي أبي في الصورة التي يأمل كل شخص أن يراه عليها ~~شخص واحد على الأقل، وحاولت أن تساعد الطفل الذي لم يعرفه قط على أن يراه بالطريقة ~~نفسها. وقد كانت تلك النظرة على وجهها في ذلك اليوم هو ما تذكرته عندما اتصلت بها بعد ~~بضعة شهور ms135 لأخبرها أن والدي قد توفي وسمعت صرختها من هذه المسافة البعيدة. ~~••• # بعدما تحدثت إلى والدتي اتصلت بشقيق والدي في بوسطن ودار بيننا حوار قصير غريب. ولم ~~أذهب إلى الجنازة؛ لذا كتبت لعائلة والدي في نيروبي خطابا أعرب فيه عن تعازي. ~~وطلبت منهم أن يكتبوا إلي، وسألت عن حالهم. ولكني لم أشعر بالألم، فقط راودني شعور ~~غامض بأن فرصة ما قد ضاعت، ولم أجد سببا للتظاهر بغير ذلك. وتأجلت خططي للسفر إلى ~~كينيا إلى أجل غير مسمى. # سيمر عام آخر قبل أن أقابله في إحدى الليالي في زنزانة باردة في أحد أحلامي. فقد حلمت ~~أني أسافر بالحافلة مع أصدقاء لا أتذكر أسماءهم، رجال ونساء لديهم رحلات مختلفة ~~للقيام بها. وقد سرنا عبر حقول عميقة من الحشائش والتلال التي كانت تمتد قبالة السماء ~~البرتقالية اللون. # جلس إلى جواري رجل عجوز أبيض البشرة قصير القامة ممتلئ القوام، وقرأت في كتاب كان ~~يحمله بين يديه أن الطريقة التي نتعامل بها مع كبار السن تختبر أرواحنا. وقد أخبرني أنه ~~من المؤيدين للنقابات ومن أعضائها وأنه ذاهب للقاء ابنته. # توقفنا في فندق قديم ضخم به ثريات. وكان هناك بيانو في الرواق وردهة مليئة ~~بوسائد من الساتان الناعم، فأخذت إحدى الوسائد ووضعتها على مقعد البيانو، وجلس الكهل ~~الأبيض، وقد تقدم به العمر ووصل إلى مرحلة الشيخوخة، وعندما نظرت مرة أخرى إليه كانت ~~فتاة سوداء صغيرة لا تكاد قدماها تصل إلى الدواسة. فابتسمت وبدأت تعزف، ثم جاءت نادلة ~~هسبانية شابة وقطبت ما بين حاجبيها وهي تنظر إلينا، لكن أسفل العبوس كانت هناك ضحكة، ~~ورفعت أصبعها إلى شفتيها كما لو أننا نتشارك سرا. # غلبني النوم لباقي الرحلة، وعندما استيقظت وجدت أن الجميع قد رحلوا. وجدت أن الحافلة ~~قد توقفت، فخرجت منها وجلست على رصيف الشارع. وفي داخل مبنى من الحجر الصلب، كان ~~هناك محام يتحدث إلى قاض. ورأى القاضي أن أبي قد قضى ما يكفي من الوقت في السجن، ~~وأنه حان الوقت لإطلاق سراحه. لكن المحامي اعترض بقوة واستشهد ms136 بقوانين متعددة وسابقة ~~وبالحاجة إلى الحفاظ على النظام. فهز القاضي كتفيه ونهض من على الأريكة. # وقفت أمام الزنزانة وفتحت القفل ووضعته بحرص على حافة نافذة. كان أبي أمامي ولا ~~يرتدي سوى قطعة قماش تلتف حول وسطه، وكان نحيفا للغاية، برأسه الضخم، وقوامه الرشيق، ~~وذراعيه وصدره الخاليين من الشعر. وبدا شاحبا، وعيناه السوداوان مضيئتان في وجهه ~~الشاحب، لكنه ابتسم وأشار إلى الحارس الأبكم الطويل أن يتنحى جانبا. # وقال: «انظر إلى نفسك.» وتابع: «لقد أصبحت طويلا للغاية ونحيفا للغاية. بل شاب ~~شعرك!» ورأيت أنه كان على حق، فاتجهت إليه وتعانقنا. وبدأت أبكي، وشعرت بالخزي، لكن لم ~~أستطع أن أوقف نفسي. # وقال: «باراك. لقد أردت دائما أن أخبرك بمدى حبي لك.» وبدا صغيرا للغاية بين ذراعي، ~~في حجم صبي. # وجلس في زاوية فراشه الصغير، ووضع رأسه على يديه المتشابكتين، وحدق إلى الحائط ~~بعيدا عني. وارتسم على وجهه حزن عميق لم يبد أن هناك سبيلا لمحوه، فحاولت أن أداعبه، ~~وأخبرته أنني إذا كنت نحيفا للغاية فهذا لأنني أشبهه. ولكنه لم يحرك ساكنا، وعندما ~~همست له أننا يمكننا أن نغادر معا، هز رأسه وأخبرني أنه سيكون من الأفضل لو أني ~~رحلت. # استيقظت من النوم وأنا لا أزال أبكي، وكانت هذه هي أول دموع حقيقية أذرفها عليه، وعلى ~~نفسي؛ أنا ساجنه، وقاضيه، وابنه. أضأت النور وأخرجت خطاباته القديمة، وتذكرت زيارته ~~الوحيدة، وكرة السلة التي منحني إياها، وكيف علمني الرقص. وأدركت، ربما لأول مرة، كيف ~~أن صورته القوية، حتى في غيابه، منحتني حصنا أكبر بداخله، وهي صورة إما أعيش أهلا ~~لها أو أخذلها. # سرت إلى النافذة ونظرت إلى الخارج وأنا أستمع إلى أول أصوات تصدر في الصباح؛ صوت ~~شاحنات القمامة، وخطى أقدام في الشقة المجاورة. وجال بخاطري أنني بحاجة لأن أبحث عنه ~~وأتحدث معه مرة أخرى. # الجزء الثاني # | شيكاغو # | الفصل السابع # عام 1983م قررت أن أصبح منظما للمجتمع الأهلي. # في واقع الأمر لم أكن ملما بالكثير من التفاصيل بخصوص هذه الفكرة؛ حيث لم تتسن لي ~~معرفة أي ms137 شخص يعمل بهذه الوظيفة ويكسب قوته منها. وعندما كان زملائي في الجامعة ~~يسألونني عن مهام وظيفة منظم المجتمع الأهلي لم أكن أستطيع الإجابة بصورة مباشرة. ~~إنما كنت أعبر عن الحاجة إلى إجراء تغيير. تغيير في البيت الأبيض حيثما كان ينفذ ~~ريجان وأتباعه أفعالهم القذرة. وتغيير في الكونجرس الفاسد والمقهور. وتغيير في الحالة ~~العامة للبلاد حيث الولع الزائد بالأشياء والأنانية والتمركز حول الذات. بالإضافة إلى ~~ذلك كنت أقول إن التغيير لا يحدث من القمة إلى القاع. بل ينبع من القاعدة الشعبية ~~المنظمة. # وهذا هو ما سأقوم به بالفعل. حيث سأنظم السود على مستوى القاعدة الشعبية. وذلك بهدف ~~إجراء التغيير. # كان أصدقائي - البيض والسود على حد سواء - يطرون علي بشدة بسبب أفكاري المثالية ~~قبل التوجه إلى مكتب البريد لإرسال طلبات الالتحاق بالدراسات العليا بالجامعة. # لم أستطع بكل تأكيد إلقاء اللوم عليهم لشعورهم بالشك. فالآن بفضل إدراكي المتأخر ~~للأمور أستطيع تحديد منطق معين لاتخاذي هذا القرار، وتوضيح كيف كان قراري - لأن ~~أصبح منظما - جزءا من القصة الكبرى التي تبدأ بوالدي ووالده من قبله، وأمي ~~ووالديها، وذكرياتي عن إندونيسيا بمتسوليها وفلاحيها، وخضوع لولو أمام القوة، مرورا ~~براي وفرانك وماركوس وريجينا، وانتهاء بانتقالي للعيش في نيويورك ووفاة والدي. ~~بالإضافة إلى ذلك باستطاعتي أن أرى أن اختياراتي لم تكن أبدا لي وحدي، وأن هذا الأمر ~~بعينه هو الذي كان من المفترض أن يحدث لأنني لو كنت تصرفت عكس ذلك للهثت خلف نمط من ~~الحرية يرثى له. # لكن إدراكي هذا لم يأتني إلا فيما بعد. وعند اقتراب تخرجي في الجامعة كانت دوافعي ~~هي التي تحركني بصفة أساسية، تماما مثل سمكة السلمون التي تسبح بتهور ضد التيار لتصل ~~لمبتغاها عند مواضع تكاثرها. وكنت أخبئ دوافعي هذه في المحاضرات والندوات المختلفة ~~وراء الشعارات والنظريات التي اكتشفتها في الكتب، معتقدا - خطأ - أن هذه الشعارات لها ~~مغزى وأنها جعلت شعوري السابق، إلى حد ما، قابلا للإثبات بالدليل. وعلى النقيض من ~~ذلك فإنني ليلا كنت أنحي هذه الشعارات جانبا وأنا مستلق على ms138 الفراش لتحل محلها ~~سلسلة متتابعة من الصور الرومانسية لماض لم أعرفه من قبل. # كانت هذه الصور لحركة الحقوق المدنية، وفي الأغلب لمشاهد من الأفلام الأبيض والأسود ~~غير الواضحة التي كانت تعرض في شهر فبراير من كل عام خلال شهر التاريخ الأفريقي ~~القومي، وهي الصور نفسها التي كانت أمي ترسمها لي عندما كنت طفلا. وصورة اثنين من ~~زملاء الجامعة من ذوي الشعر القصير والقامات المستقيمة وهما يطلبان الطعام في المطاعم ~~ويوشكان أن يحدثا شغبا. وصورة العاملين في لجنة تنسيق تحالفات الطلاب غير العنيفة ~~وهم واقفون عند مدخل أحد المباني عند بقعة راكدة في نهر الميسيسيبي، محاولين إقناع ~~عائلة من المزارعين المستأجرين بتسجيل أسمائهم حتى يمكنهم الإدلاء بأصواتهم الانتخابية. ~~وأخيرا صورة الإصلاحيات المكتظة بأطفال متشابكي الأيدي ينشدون أغاني الحرية. # أصبحت هذه الصور تلازمني طوال الوقت، فترفع من روحي المعنوية، وتشبع رغباتي بطريقة ~~لا يمكن للكلمات أن تحاكيها. وكانت هذه الصور تخبرني أنني لم أكن بمفردي في هذا الكفاح ~~(ومع أن فهم هذا الأمر يمكن أن يكون قد تراءى لي فيما بعد فلم يكن صحيحا مائة في ~~المائة) وأن المجتمعات لم تكن أبدا حقيقة مسلما بها في هذا البلد، على الأقل للسود. ~~فالمجتمعات لا بد من أن تنشأ، ويحارب من أجلها، وأن يعتنى بها كما يعتني المرء ~~ببستانه. فهي تتوسع أو تنكمش طبقا لأحلام رجالها، وفي حركة الحقوق المدنية كانت هذه ~~الأحلام كبيرة. أما في حالات الاعتصام والمظاهرات واعتراضات السجناء فكنت أرى أن ~~المجتمع الأفروأمريكي أصبح أكثر من مجرد مكان ولدت فيه أو منزلا ترعرعت بين جدرانه. ~~وعن طريق العمل التنظيمي والتضحية المشتركة أمكن الحصول على العضوية؛ ولهذا السبب (لأن ~~هذا المجتمع الذي تخيلته كان لا يزال في مرحلة الإعداد وكان مؤسسا على الوعد بأن ~~المجتمع الأمريكي الأكبر - الأسود والأبيض والأسمر - يمكنه إلى حد ما إعادة تعريف ~~نفسه)، آمنت بأن هذا المجتمع مع الوقت ربما يعترف بأن حياتي ذات طبيعة متفردة. # كانت تلك هي فكرتي عن التنظيم، وكانت وعدا بالإصلاح. # ولذا فإنني في ms139 الشهور التي سبقت تخرجي، أرسلت خطابات لكل منظمة حقوق مدنية خطرت ~~ببالي، ولكل مسئول أسود منتخب في الدولة يعمل طبقا لبرنامج عمل تقدمي، ولمجالس ~~الأحياء وجماعات حقوق المستأجرين . وعندما لم ترد علي أية جهة لم يحبطني هذا ولم ~~يثبط همتي. فقررت أن أبحث عن عمل تقليدي لمدة عام لسداد قروضي الدراسية وتوفير بعض ~~الأموال القليلة. وكنت أقول لنفسي إنني سأحتاج إلى النقود فيما بعد. حيث إن المنظمين ~~لم يكن باستطاعتهم توفير أي أموال وكان فقرهم دليلا على استقامتهم والتزامهم بالمبادئ ~~الأخلاقية. # في النهاية وافق مكتب استشاري يقدم خدماته للشركات المتعددة الجنسيات على تعييني ~~مساعد أبحاث. كنت في هذه الوظيفة - تماما كجاسوس خلف صفوف الأعداء - أصل يوميا إلى ~~مكتبي في وسط مانهاتن، وأجلس أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بي، وأراجع الآلة التي تنقل ~~الأخبار التي تبثها وكالة «رويترز» وهي تومض برسائل تأتي من كل أنحاء العالم ذات لون ~~أخضر زمردي. وعلى حد معلوماتي كنت الرجل الأسود الوحيد في الشركة، ومع أنه كان سببا ~~لشعوري بالخزي فإنه كان مدعاة للفخر لسكرتيرات الشركة. فهؤلاء السيدات السوداوات ~~عاملنني وكأنني ابن لهن، وأخبرنني أنهن يتوقعن أن أدير الشركة يوما ما. وفي بعض ~~الأحيان كنت أخبرهن بعد الغداء عن كل خططي التنظيمية الرائعة وكن يبتسمن ويقلن لي: ~~«هذا عمل طيب يا باراك.» لكن النظرة التي كانت تملأ أعينهن كانت تخبرني سرا ~~بشعورهن بالإحباط. لم يكن هناك سوى آيك - ضابط الأمن الأسود الفظ - هو الوحيد الذي ~~كان دوما على استعداد ليأتي ويخبرني بكل صراحة أنني على خطأ. ~~«تخطيط؟ تبدو هذه الكلمة وكأنها أمر من أمور السياسة نوعا ما، أليس كذلك؟ لماذا ~~تريد أن تفعل شيئا كهذا؟» # حاولت أن أشرح آرائي السياسية، وأهمية تنظيم الفقراء، ورد الجميل للمجتمع. لكن آيك ~~هز رأسه وقال: «إنني أتمنى يا سيد باراك ألا يكون لديك مانع في أن أسدي إليك نصيحة. إنك ~~لست في حاجة إلى أن تسمعني الآن لكنني على أية حال سأسديها إليك. حاول أن تغض الطرف ~~عن فكرة التنظيم هذه، ms140 واشرع في فعل شيء يجني لك بعض المال. واعلم أن كلامي هذا لا يعني ~~أن تكون جشعا فأنت تفهمني. إنني أقصد أن تجني من المال ما يكفيك. إنني أخبرك بذلك ~~لأنني أرى أنك تمتلك إمكانيات جيدة. فشاب مثلك يتمتع بصوت عذب من الطبيعي أن يكون ~~واحدا من مذيعي التليفزيون أو موظفا في مجال المبيعات ... إن لي ابن أخ في عمرك ~~تقريبا يعمل في هذا المجال ويجني أموالا كثيرة. وهذا بالفعل هو ما نحتاج إليه. فأنت ~~لا تستطيع مساعدة القاعدة الشعبية في أن يصبحوا أكثر نظاما لأنهم لن يتمكنوا من فعل ~~ذلك على الإطلاق، بالإضافة إلى أنهم لن يقدروا محاولاتك، حيث إن من يريدون فعل ذلك ~~سيجدون بأنفسهم الطريق لفعل ذلك. كم يبلغ عمرك الآن على أية حال؟» ~~«اثنان وعشرون.» ~~«حاول أن تفهم كلامي. لا تضيع شبابك هباء يا سيد باراك. ذلك لأنك ستستيقظ في صباح ~~أحد الأيام لتجد نفسك رجلا عجوزا مثلي وكل ما ستجنيه هو التعب والإرهاق دون تحقيق ~~أي نتيجة.» ~~••• # في الواقع لم أعر آيك الكثير من الانتباه آنذاك، وفكرت حينها أنه يشبه جدي إلى ~~حد بعيد. ومع ذلك فقد شعرت بمرور الأشهر أن فكرة أن أصبح منظما بدأت تتبخر. وجاء الوقت ~~الذي فيه ترقيت في الشركة إلى منصب كاتب مقالات اقتصادية، وكان لي مكتبي الخاص ~~وسكرتارية خاصة، إلى جانب حساب في البنك به قدر من المال. وفي بعض الأحيان، عندما كنت ~~أخرج من اجتماع مع رجال مال يابانيين أو متعاملين ألمان في السندات، كنت أنظر إلى ~~نفسي في مرآة المصعد - وأنا أرتدي الحلة ورابطة العنق وأحمل حقيبة في يدي - وأتخيل ~~نفسي للحظة رائدا من رواد الصناعة يلقي الأوامر بحسم شديد ويعقد الاتفاقيات، كان كل ~~ذلك يحدث قبل أن أتذكر الشخص الذي كنت قد أخبرت نفسي من قبل بأنني أريد أن أكونه، ~~وقبل أن أشعر بألم الشعور بالذنب لعدم قدرتي على اتخاذ قرارات حاسمة. # في أحد الأيام وأنا جالس على جهاز الكمبيوتر في المكتب لكتابة مقال حول مقايضات ms141 ~~أسعار الفائدة، حدث شيء غير متوقع؛ هاتفتني أوما. # إنني لم أقابل أوما - وهي أختي غير الشقيقة - من قبل على الإطلاق؛ فقد كنا نتراسل من ~~حين لآخر فقط. وقد علمت أنها غادرت كينيا لتدرس في ألمانيا، وفي خطاباتنا ذكرنا ~~احتمالية ذهابي لزيارتها أو حضورها هي إلى الولايات المتحدة لتزورني. لكن هذه الخطط ~~كانت تترك دائما هكذا دون تحديد وقت لتنفيذها، ولأن كلينا لم يكن يملك المال كنا ~~نقول إننا قد نتقابل في العام المقبل. واحتفظت مراسلاتنا بعلاقات ود متحفظة. # والآن فجأة سمعت صوتها لأول مرة. كان رقيقا وبدا أنه لامرأة سوداء اصطبغت لهجتها ~~بنبرة استعمارية. ولبضع لحظات لم أستطع فهم ما تقوله، فلم أكن أسمع إلا صوتا بدا لي ~~مألوفا للغاية، كنت قد فقدته لكنني لم أنسه. ذكرت لي في هذه المكالمة أنها ستحضر إلى ~~أمريكا في رحلة مع بعض الأصدقاء، وسألتني: «هل يمكنني زيارتك في نيويورك؟» # ودون تردد قلت لها: «بالطبع.» وتابعت: «كما أنك ستقيمين معي؛ إنني متلهف لرؤيتك.» ~~ضحكت عندما قلت لها ذلك وأنا أيضا ضحكت، وبعد ذلك ساد الصمت بيننا ولم نعد نسمع إلا ~~صوت أنفاسنا وصوت التشويش على الإرسال التليفوني. وقالت لي: «حسنا، لا أستطيع أن ~~أتحدث طويلا لأن المكالمات تكلفني الكثير. وها هي ذي بيانات رحلتي الجوية»؛ لذا ~~أغلقنا الخط سريعا بعد ذلك كما لو كنا سندفع تكلفة هذا الاتصال مناصفة بيني ~~وبينها. # قضيت الأسابيع القليلة التالية وأنا أستعد بسرعة بالغة لحضور أوما، حيث اشتريت ~~ملاءات جديدة للأريكة التي ستنام عليها، وأطباقا ومناشف إضافية، إلى جانب فرشاة تنظيف ~~لحوض الاستحمام. لكن قبل موعد حضورها المقرر بيومين، اتصلت مرة أخرى وكان صوتها غير ~~واضح أكثر من المرة السابقة، ولم أسمع منها إلا همسا. # قالت لي في هذه المكالمة: «لن أستطيع الحضور.» وتابعت: «أحد إخوتنا، ديفيد ... قتل ~~في حادث دراجة بخارية. إنني لا أعرف أكثر من ذلك.» وبدأت تبكي. قالت: «أوه، باراك. ~~لماذا يحدث لنا كل هذا؟» # حاولت أن أهدئ من روعها قدر استطاعتي. وسألتها عما يمكن أن ms142 أفعله لأجلها. كما ~~أخبرتها أننا دون شك ستتاح لنا الفرصة لنلتقي. وأخيرا هدأ صوتها، وقالت إنها يجب أن ~~تذهب الآن لتحجز تذكرة الطيران للعودة إلى بلدها. ~~«حسنا باراك . أراك من جديد. صحبتك السلامة.» # بعد أن أغلقت الخط أخبرت السكرتيرة أنني سأقضي بقية اليوم خارج المكتب ثم خرجت. ~~وأخذت أتجول ساعات في شوارع مانهاتن، وصوت أوما يتردد في ذهني مرارا وتكرارا. ~~ففي قارة أخرى هناك امرأة تصرخ. فقد سقط في طريق مظلم ومغطى بالتراب طفل صغير بعد أن ~~انزلقت دراجته البخارية وفشل في السيطرة عليها ليسقط مرتطما بالأرض الصلبة، وأخذت ~~العجلات تدور حتى أصابها الصمت. سألت نفسي من هؤلاء الغرباء الذين تجري في عروقهم نفس ~~الدماء التي تجري في عروقي؟ وما الذي يمكن أن يشفي هذه السيدة من حزنها؟ وأي أحلام ~~مثيرة وغير معلنة كانت تراود هذا الولد المسكين؟ # من أنا، وكيف لا أذرف دمعة واحدة على فقدان أخي؟ ~~••• # لا أزال أتساءل في بعض الأحيان كيف تغيرت حياتي بعد أول مكالمة هاتفية لي مع أوما. ~~وفي الواقع لم تكن المكالمة ذاتها هي التي غيرتني بصفة أساسية (هذا الاتصال الذي شعرت ~~في البداية أنه غيرني وتغيرت في النهاية بسببه) أو خبر وفاة ديفيد (فمن الصحيح أنني ~~لم أكن أعرفه وهذا كاف)، إن ما غيرني بالفعل هو وقت اتصالها، والتسلسل العجيب ~~للأحداث، والتوقعات التي يملؤها الأمل، ثم انهيار الآمال وتحطمها، وهي أمور جميعها ~~حدثت في وقت كانت فيه فكرة أن أكون منظما مجرد فكرة في مخيلتي وصراع غامض في ~~قلبي. # ربما لم يكن لكل ما سبق أدنى تأثير. وربما كنت قد التزمت بالفعل آنذاك بالعمل ~~التنظيمي، وساعدني صوت أوما فقط في أن أتذكر أنني لا أزال أعاني جروحا لم تلتئم بعد ~~وأنني لم أستطع مداواتها بنفسي. وإن لم يكن ديفيد قد مات، وأتت أوما إلى نيويورك كما ~~اتفقنا في البداية، وعرفت منها حينئذ عن كينيا وعن والدنا ما عرفته بعد ذلك، ربما ~~خفت بعض الضغوط التي تراكمت بداخلي لتقدم لي فكرة مختلفة عن ms143 المجتمع، وتسمح ~~لطموحاتي أن تسير في طريق أكثر خصوصية وضيقا، حتى ينتهي بي الأمر متقبلا نصيحة صديقي ~~آيك، ومكرسا نفسي للسندات والأسهم والرغبة في اكتساب احترام الآخرين. # لا أعرف، ولكن الأمر المؤكد هو أنني بعد بضعة أشهر من مكالمة أوما الهاتفية ~~قدمت استقالتي من المكتب الاستشاري، وبدأت أبحث جديا عن وظيفة تنظيمية. ومرة أخرى ~~لم يصلني رد على معظم خطاباتي، لكن بعد شهر أو ما يقرب من ذلك اتصل بي مدير مؤسسة ~~حقوق مدنية شهيرة في المدينة لتحديد موعد للمقابلة. كان هذا الرجل طويل القامة، وسيما، ~~وأسود اللون، وكان يرتدي قميصا أبيض اللون ورابطة عنق مزركشة وحمالة بنطلون حمراء. ~~وكان مكتبه مشتملا على كراسي إيطالية الصنع، وبار مبني بالطوب غير المطلي، والمكان ~~كله مزين بأعمال النحت الأفريقي. ومن خلال نافذة طويلة بالمكتب تتدفق أشعة الشمس ~~على تمثال نصفي للدكتور كينج. # بعد أن ألقى المدير نظرة سريعة على سيرتي الذاتية، قال: «إنني معجب بسيرتك الذاتية.» ~~وتابع قائلا: «وبالأخص خبرتك في مجال المؤسسات. فهذا هو العمل الحقيقي لأية مؤسسة ~~لحقوق الإنسان في أيامنا هذه. حيث إن الاحتجاجات والإضرابات لم تعد تجدي في شيء. وحتى ~~تؤتي هذه الوظيفة ثمارها، علينا أن نشيد جسورا بين أنشطتنا والحكومة والأحياء الفقيرة ~~في المدن.» بعد ذلك تشابكت يداه معا قبل أن يريني تقريرا سنويا ذا ورق مصقول، ~~مفتوحا على صفحة بها أسماء أعضاء مجلس الإدارة في المؤسسة، منهم وزير أسود و10 ~~تنفيذيين بيض. وبعدها قال المدير: «أترى؟» ثم تابع: «علاقات شراكة عامة- خاصة. إنها ~~نافذتنا على المستقبل. وهنا يكون عمل الشباب من أمثالك. المتعلمين. الواثقين بأنفسهم. ~~الذين يقدمون المساعدة في اجتماعات مجلس الإدارة. كنت في الأسبوع الماضي أناقش هذه ~~المشكلة مع جاك، سكرتير وزارة الإسكان والتنمية الحضرية، في عشاء في البيت الأبيض. ويا ~~له من رجل رائع، جاك. كم سيتحمس لمقابلة رجل مثلك! صحيح أنني عضو في الحزب الديمقراطي ~~لكننا لا بد أن نتعلم كيف نتعامل مع ذوي السلطة، أيا كانوا ...» # وعلى الفور عرض علي الوظيفة التي تشتمل ms144 مهام العمل فيها على تنظيم المؤتمرات حول ~~مشكلات المخدرات والبطالة والإسكان. وقد أسماها «تسهيل الحوار». لكنني في الواقع رفضت ~~عرضه السخي، مقررا وقتها أنني في حاجة إلى وظيفة تسمح لي بالاحتكاك بالشارع. فعملت ~~لمدة ثلاثة شهور في أحد مكاتب رالف نادر في هارلم، محاولا إقناع الأقلية من الطلاب في ~~سيتي كوليدج بأهمية التغيير. بعد ذلك عملت أسبوعا كاملا في توزيع النشرات الإعلانية ~~لأحد المرشحين في انتخابات عقدت في بروكلين، وخسر المرشح ولم أتقاض أجري. # بعد ذلك بستة أشهر، أصبحت مفلسا وعاطلا، واعتدت شرب الحساء المعلب. وسعيا ~~وراء حصولي على بعض الأفكار الملهمة، ذهبت لسماع كوامي توري الذي كان اسمه فيما مضى ~~ستوكلي كارميشيل، والذي كان ذا صيت في لجنة تنسيق تحالفات الطلاب غير العنيفة وفي حركة ~~القوة السوداء، وهو يتحدث في خطاب له في جامعة كولومبيا. وفي مدخل قاعة الاستماع ~~كانت هناك امرأتان، إحداهما سوداء والأخرى آسيوية، تبيعان كتبا عن الأدب الماركسي، ~~وتتناقشان معا بخصوص مكانة تروتسكي في التاريخ. وداخل القاعة اقترح توري برنامجا ~~لإقامة روابط اقتصادية بين أفريقيا وهارلم لتجنب الإمبريالية الرأسمالية البيضاء. وفي ~~نهاية محاضرته سألته شابة نحيفة ترتدي نظارة هل هذا البرنامج عملي في ظل الاقتصادات ~~الأفريقية والاحتياجات العاجلة التي تواجه الأمريكيين السود. فقاطعها توري قبل أن تكمل ~~سؤالها. قال: «إن عملية غسيل المخ التي أجريت لك هي التي تجعل هذا البرنامج غير عملي ~~يا أختاه.» وفي ذلك الحين توهجت عينا توري وهو يتحدث كما لو كان مجنونا أو قديسا. ~~وظلت السيدة واقفة في مكانها لعدة دقائق بينما كان توري يوبخها بقسوة بسبب موقفها ~~البورجوازي. بعد ذلك بدأ الحاضرون يغادرون القاعة. وفي الخارج كانت السيدتان ~~الماركسيتان تصرخان بأعلى صوتهما: ~~«خنزيرة متبعة مذهب ستالين!» ~~«عاهرة متبعة المذهب الإصلاحي!» # بدا هذا الموقف لي وكأنه كابوس مزعج. وبعده سرت هائما على وجهي في برودواي، متخيلا ~~نفسي واقفا على حافة لينكولن ميموريال وأنا أنظر إلى إحدى المقصورات الفارغة والحطام ~~يتطاير من حولي في الهواء. لقد ماتت الحركة منذ أعوام وتمزقت ألف ms145 قطعة. وكل سبيل ~~للتغيير خضناه، وكل استراتيجية نفذناها. وعقب كل هزيمة قد يئول الحال حتى بالحركات ~~التي تحمل أصدق النوايا إلى الابتعاد عن طريق كفاح من يدعون رغبتهم في تقديم ~~الخدمات. # ربما كان هذا نوعا من الجنون الصريح. لقد أدركت فجأة أنني كنت أكلم نفسي في منتصف ~~الشارع. الناس في طريقهم للعودة من العمل كانوا يتجنبون السير بجواري. واعتقدت وقتها ~~أنني رأيت اثنين من زملاء جامعة كولومبيا في الزحام - كانت سترتاهما ملقاتين للخلف على ~~أكتافهما - وهما يحاولان تجنب رؤيتي لهما. ~~••• # وبينما أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التخلي عن مشروعي التنظيمي، تلقيت اتصالا ~~هاتفيا من مارتي كوفمان. شرح لي أنه سيبدأ حملة تنظيمية في شيكاغو، وأعلن عن حاجته ~~لتعيين شخص تحت التدريب. كان كوفمان سيغادر إلى نيويورك الأسبوع المقبل؛ ولذا اقترح أن ~~نتقابل في أحد مقاهي ليكسينجتون. # في حقيقة الأمر لم يكن مظهره ليولد شعوري بالثقة البالغة تجاهه. فقد كان رجلا ~~أبيض، متوسط الطول، ممتلئ الجسم، ويرتدي حلة مجعدة. كان وجهه يبدو مكتئبا بذقنه ~~الذي لم يحلق منذ يومين. وبدت عينا الرجل وكأنهما شبه مغمضتين وهما تسكنان خلف عدستي ~~نظارته السميكتين الدائريتين. وعندما نهض من على المنضدة ليصافحني أوقع بعض الشاي على ~~قميصه. # قال مارتي وهو يحاول تنظيف المائدة بمنديل ورقي: «حسنا.» وتابع: «لماذا يريد شخص من ~~هاواي أن يعمل في مهنة التنظيم؟» # جلست وذكرت له أشياء مختصرة عن نفسي. ~~«إممم.» أومأ مارتي برأسه وهو يسجل ملحوظات على مذكرة مسطرة صفحاتها مطوية ~~الزوايا. ~~«يبدو أن هناك شيئا يغضبك.» ~~«ماذا تقصد بذلك؟» # هز كتفيه. وقال: «لا أعرف بالضبط طبيعة هذا الشيء. لكنه قد يكون أي شيء. لا أريدك ~~أن تسيء فهمي، فالغضب مطلب أساسي لهذه الوظيفة. فهو السبب الوحيد لأي شخص يقرر أن ~~يصبح منظما. أما عن الآخرين الذين يستطيعون التعامل مع المشكلات دون انفعال فيعملون في ~~وظائف أكثر بعثا على الراحة والاسترخاء.» # طلب المزيد من الماء الساخن وحدثني عن نفسه؛ كان يهوديا في أواخر الثلاثينيات من ~~عمره ترعرع في نيويورك. ms146 بالإضافة إلى ذلك، كان قد بدأ عمله التنظيمي في ستينيات القرن ~~العشرين مع احتجاجات الطلاب، وظل مستمرا في هذا العمل لمدة 15 عاما. فعمل مع ~~المزارعين في نبراسكا. ومع السود في فيلادلفيا. ومع المكسيكيين في شيكاغو. وحاول جمع ~~شتات سود المدن وبيض الضواحي معا وإشراكهم في خطة لتوفير فرص عمل في مجال التصنيع ~~في مدينة شيكاغو الكبيرة. وقال إنه بحاجة إلى شخص يعمل معه. شريطة أن يكون من ذوي ~~البشرة السوداء. # قال مارتي: «معظم عملنا مع الكنائس.» وتابع: «وإذا كان الفقراء وأفراد الطبقة العاملة ~~يريدون أن تصبح لهم سلطة حقيقية، فلا بد من أن يكون لديهم قاعدة مؤسسية. وفي ظل ~~الاتحادات على هيئتها التي هي عليها الآن تعد الكنائس هي الخيار الوحيد. ففيها يتواجد ~~الناس والقيم حتى وإن طغى عليها الهراء والزيف. ولكن الكنائس لن تساعدك من منطلق ~~طيبة قلوب مسئوليها. حيث يتمثل دورهم في التحدث بكلام مقنع موجز سواء في عظات أيام ~~الآحاد أو عند تقديم عروض خاصة للمشردين. ولكن عندما يجد الجد لن يتحرك هؤلاء ~~المسئولون إلا إذا استطعت أن تشرح لهم كيف سيساعدهم تحركهم هذا في توفير المال لسداد ~~فواتير التدفئة.» # صب مارتي كوفمان المزيد من الماء الساخن لنفسه. وسألني: «ماذا تعرف عن ~~شيكاغو؟» # فكرت في الإجابة للحظة. ثم قلت في النهاية: «مجزر اللحوم للعالم.» # هز مارتي رأسه. وقال: «لقد أغلقت المجازر منذ زمن.» ~~«وفريق «شيكاغو كابس» للبيسبول لم يفز قط.» ~~«هذا صحيح.» # قلت له: «إن شيكاغو هي أكثر مدن أمريكا ممارسة للفصل العنصري. وتابعت: «بالإضافة إلى ~~أن هارولد واشنطن - وهو رجل أسود - قد انتخب لتوه ليصبح عمدتها، وذوو البشرة البيضاء ~~لا يحبونه.» # قال مارتي: «إذن فأنت تتابع ما يحرزه هارولد في حياته العملية.» وتابع: «إنني ~~أتعجب من عدم عملك معه.» ~~«لقد حاولت. لكنني لم أحصل على أي رد من مكتبه.» # ابتسم مارتي وخلع نظارته ونظف العدسات بطرف رابطة العنق. وقال: «حسنا، فهذا هو ما ~~يجب عليك فعله إذا كنت شابا وأسود، إلى جانب اهتمامك بالقضايا الاجتماعية، ms147 أليس ~~كذلك؟ حاول أن تعثر على حملة سياسية للعمل فيها. ابحث عن راع ذي سلطة يمكن أن يساعدك ~~في حياتك العملية، ولا شك في أن هارولد ذو سلطة ورجل له جاذبيته. بالإضافة إلى امتلاكه ~~تأييدا واسع النطاق في المجتمع الأسود. وما يقرب من نصف الهيسبانيين وحفنة من البيض ~~الأحرار. في الواقع إنك على حق في شيء واحد. وهو أن الجو العام للمدينة منقسم إلى طرفين ~~نقيضين، سيرك كبير لوسائل الإعلام. ولا ينجز الكثير من الأعمال.» # حينما ذكر كل هذه الأمور اتكأت للخلف على الكرسي. قلت: «ومن المسئول عن كل ~~ذلك؟» # ارتدى مارتي نظارته مرة أخرى وحدق النظر إلي. وقال: «ليس الأمر متعلقا بمن ~~المسئول.» وتابع: «لكنه متعلق بما إذا كان يمكن أن يقدم أي سياسي أو أي شخص في ~~نبوغ هارولد الكثير من أجل كسر هذه الدائرة المغلقة. كما أن المدينة المنقسمة إلى ~~نقيضين ليست بالضرورة شيئا سيئا للسياسي. سواء أكان أبيض أم أسود.» # عرض مارتي علي أن أبدأ العمل براتب 10 آلاف دولار في السنة الأولى، بالإضافة إلى ~~بدل سفر يقدر بألفي دولار لشراء سيارة، وفي حالة تحسن الأحوال سيزداد الراتب. بعد ~~أن رحل سلكت الطريق الأطول للعودة إلى المنزل وهو كورنيش نهر إيست ريفر، وحاولت أن أسبر ~~غور هذا الرجل. وفي النهاية توصلت إلى أنه رجل ذكي ويبدو ملتزما تجاه عمله. لكن ظل ~~هناك شيء يجعلني أشعر بالتحفظ تجاهه. ربما كان هذا الشيء هو ثقته المفرطة أو لعله ~~لونه الأبيض. وقد قال هو نفسه إن لونه هذا كان مشكلة له. # أضيئت مصابيح الأعمدة المزخرفة القديمة، وبدأ قارب طويل بني اللون في شق طريقه خلال ~~المياه الرمادية في اتجاه البحر. جلست على مقعد للتفكير في الخيارات المتاحة أمامي، ~~ورأيت سيدة سوداء وابنها الصغير يقتربان مني. جذب الولد أمه تجاه سور الكورنيش ~~المعدني إلى أن أصبحا يقف أحدهما بجانب الآخر، ولف ذراعه حول ساقها فكونا ظلا ~~عكسه الشفق على الأرض. وفي آخر الأمر رفع الطفل عنقه لأعلى وبدا كأنه يسأل ms148 أمه ~~سؤالا. استجابت السيدة بهز كتفيها وتقدم الطفل بخطوات قليلة تجاهي. # صاح الولد: «عذرا سيدي.» وتابع: «أتعرف لماذا في بعض الأحيان يتدفق النهر في هذا ~~الاتجاه، ثم يتدفق في الاتجاه الآخر في أحايين أخرى؟» # ابتسمت السيدة وهزت رأسها، قلت إنه من المحتمل تعلق هذا الأمر بالمد، وبدا الولد ~~راضيا عن هذه الإجابة، ثم عاد إلى أمه. وبينما شاهدتهما وهما يختفيان من أمام عيني في ~~الظلام أدركت أنني لم ألحظ مطلقا أي طريق يتدفق النهر فيه. # بعد ذلك بأسبوع ملأت سيارتي بالوقود واتجهت إلى شيكاغو. # | الفصل الثامن # لم تكن تلك هي المرة الأولى لذهابي إلى شيكاغو، حيث زرتها خلال الصيف الذي تلا زيارة ~~والدي لهاواي، قبل عيد ميلادي الحادي عشر، وكان ذلك عندما قررت جدتي أنه حان الوقت ~~لأن أرى أراضي الولايات المتحدة. ربما يكون قرارها هذا وزيارة أبي مرتبطين أحدهما ~~بالآخر، حيث وجود أبي (مرة أخرى) وقد أزعج العالم الذي صنعه جدي وجدتي لنفسيهما، ~~وبعث في جدتي الرغبة في استعادة الماضي واسترجاع ذكرياتها ونقلها إلى أحفادها. # استغرقت الرحلة ما يزيد عن شهر، وكنت قد سافرت أنا وجدتي وأمي ومايا، أما جدي فلم ~~تكن لديه رغبة في السفر حينئذ ولذا فضل عدم مصاحبتنا. انطلقنا إلى سياتل، واتجهنا ~~منها للجنوب إلى ساحل كاليفورنيا وديزني لاند، ثم اتجهنا شرقا إلى وادي جراند كانيون، ~~ثم عبرنا منطقة السهول الكبرى لنصل إلى مدينة كانزاس سيتي، وبعدها اتجهنا لأعلى إلى ~~البحيرات العظمى قبل أن ننطلق غربا مرورا بمتنزه يلوستون. وخلال هذه الرحلة كانت ~~وسيلة مواصلاتنا هي غالبا أتوبيسات شركة جريهاوند، وأقمنا في فندق هوارد جونسون، وكنا ~~نشاهد جلسات الاستماع في فضيحة ووترجيت كل مساء قبل النوم. # مكثنا في شيكاغو ثلاثة أيام في نزل في منطقة ساوث لوب. ومع أننا كنا في شهر يوليو ~~فإنني لسبب أو لآخر أتذكر أن الطقس آنذاك كان باردا وملبدا بالغيوم. كان ~~بالفندق حمام سباحة داخلي، الأمر الذي أدهشني لأنه في هاواي لم تكن توجد حمامات ~~سباحة داخلية. وذات مرة كنت واقفا ms149 أسفل أحد جسور شبكة القطارات المعلقة وأغمضت عيني ~~وقت مرور القطار، وصرخت بأقصى ما استطعت. وفي متحف فيلد رأيت رأسين آدميين صغيرين ~~للغاية معروضين في صندوق زجاجي. وكان لهما وجهان تعلوهما التجاعيد، لكنهما كانا ~~محفوظين في حالة جيدة، وكان حجم كل منهما لا يزيد عن حجم كف يدي، وكان الفمان والعيون ~~مغلقة بإحكام، تماما كما كنت أتوقع. كان يبدو أنهما أوروبيا العرق، وكان للرجل ~~لحية صغيرة مشذبة جعلته شبيها بالغزاة الإسبان الذين هاجموا وسط وجنوب أمريكا في ~~القرن السادس عشر، وعلا رأس السيدة شعر أحمر منساب. حدقت النظر إلى كليهما فترة ~~طويلة (إلى أن جذبتني أمي بعيدا عنهما)، وانتابني شعور وقتها - في ظل مشاعر السخرية ~~التي يمكن أن يشعر بها صبي صغير - كما لو أنني عثرت بالصدفة على أضحوكة هائلة. لم تكن ~~حقيقة أن الرأسين صغيرا الحجم للغاية هي التي أدهشتني وفاقت قدرتي على الفهم؛ حيث كان ~~شأنها شأن فكرة أكل لحم النمور مع لولو. فقد كان شكلا من أشكال السحر يستهدف استعراض ~~السيطرة والقوة، بل إن ما أدهشني هو أن هذين الوجهين الأوروبيين الصغيرين كانا معروضين ~~في إطار زجاجي، حتى يتمكن الغرباء - وربما المنحدرون من الأصل نفسه أيضا - من ملاحظة ~~تفاصيل قدرهما المشئوم، إلى جانب حقيقة أنه لم يبد أن أحدا قد فكر في هذه المفارقة. ~~وعلى الجانب الآخر كان لأضواء المتحف المزعجة واللافتات المنمقة الموضوعة على ~~المعروضات، واللامبالاة البادية على زائري المتحف المارين تأثير سحري من نوع آخر أو هو ~~جهد آخر يبذل لإظهار القوة والسيطرة. # بعد زيارتي هذه بأربعة عشر عاما، أصبحت المدينة أكثر جمالا. وكان ذلك أيضا في ~~يوليو حيث كانت أشعة الشمس تتلألأ خلال الأشجار ذات اللون الأخضر الغامق. ولم تكن ~~القوارب في مراسيها إذ بدت أشرعتها من بعيد كأجنحة اليمام فوق بحيرة ميشيجان. أخبرني ~~مارتي أنه سيكون مشغولا في الأيام القليلة الأولى؛ لذا ظللت بمفردي أتصرف كما يحلو ~~لي. فاشتريت خريطة واسترشدت بها في السير بطريق مارتن لوثر كينج درايف من أقصى الشمال ~~إلى ms150 أقصى الجنوب، ثم اتجهت شمالا إلى مدينة كوتيدج جروف، ثم جنوبا عبر الطرق الجانبية ~~والأزقة مرورا بالمباني السكنية والأراضي الفضاء والمتاجر الصغيرة والمنازل ذات الطابق ~~الواحد. وفي طريقي تذكرت صفارة قطارات «إلينوي سنترال» وهي تحمل الآلاف ممن أتوا ~~من الجنوب قبل سنوات طويلة ... آلاف من الرجال السود ونسائهم وأطفالهم، المتسخين من ~~سخام عربات القطارات، قابضين على أمتعتهم التي أعدوها على عجل، وهم يشقون طريقهم ~~إلى كنيسة أرض كنعان. وحينها تخيلت فرانك - وهو يرتدي حلة فضفاضة، طية صدرها عريضة - ~~واقفا أمام سينما ريجال القديمة في انتظار رؤية ديوك أو إيلا، وهما خارجان من عربة ~~بحصان واحد. كان ساعي البريد الذي رأيته يوزع البريد هو ريتشارد رايت قبل بيع كتابه ~~الأول، وكانت البنت الصغيرة ذات النظارة والضفائر المجدولة التي رأيتها تمارس قفز ~~الحبل، هي ريجينا. لقد ربطت بين حياتي والوجوه التي رأيتها، مستعيرا ذكريات الآخرين، ~~وبهذه الطريقة حاولت الإلمام بكل تفاصيل المدينة والاستحواذ عليها. وهذا أيضا سحر من ~~نوع آخر! # في يومي الثالث في شيكاغو مررت على صالون سميتي للحلاقة بواجهته التي تطل على ~~الشارع والتي يبلغ عرضها خمسة عشر قدما وطولها ثلاثين قدما. يقع صالون سميتي على ~~أطراف هايد بارك ويشتمل من الداخل على أربعة مقاعد للحلاقة ومنضدة صغيرة تطوى لتأخذ ~~حيزا أقل لمقلم الأظافر - لاتيشا - الذي يعمل نصف دوام. كان الباب شبه مفتوح عندما ~~دخلت وكان مسنودا بدعامة لمنعه من الانغلاق، وكان الصالون تنبعث منه رائحة كريم شعر ~~ومطهر تمتزج مع صوت ضحكات رجال وطنين مراوح تعمل ببطء. واتضح أن سميتي رجل أسود عجوز ~~يعلو رأسه الشيب، وكان نحيلا متقوس الظهر. لم يكن هناك أحد يجلس على كرسي الحلاقة أمام ~~سميتي؛ لذا جلست على الكرسي وسرعان ما اشتركت في الحديث المعتاد في صالونات الحلاقة عن ~~الرياضة والسيدات والعناوين الرئيسية في جرائد الأمس، تلك المحادثات التي توحي بالألفة ~~على الرغم من جهل الرجال - الذين اتفقوا على ترك مشكلاتهم الشخصية بالخارج - بعضهم ~~بعضا. # سرد أحدهم قصة أحد جيرانه، الذي أمسكت به زوجته ms151 في الفراش مع ابنة عمها، وخرج يجري ~~عاريا في الشارع وهي خلفه تطارده بسكين المطبخ، وبعده مباشرة تحولت دفة الحديث إلى ~~السياسة. ~~«إن فردولياك وسائر البيض الحقراء لا يعرفون متى يكفون عما يفعلونه»، هكذا قال ~~الرجل الذي كانت بيده الجريدة وهو يهز رأسه تأففا مما يحدث. وأضاف: «عندما كان ريتشارد ~~دالي في منصب العمدة لم يتحدث أحد عندما جعل أعضاء مجلس المدينة كلهم من هؤلاء ~~الأيرلنديين. وبمجرد أن حاول هارولد تعيين بعض الرجال السود لتحقيق المساواة بين البيض ~~والسود، أطلقوا على هذه المحاولة عنصرية مضادة.» ~~«هكذا الحال دائما. كلما حصل رجل أسود على السلطة وجدتهم يحاولون تغيير ~~القواعد.» ~~«الأسوأ من ذلك أن الجرائد تشيع أن السود هم من تسببوا في كل هذه الفوضى.» ~~«ماذا تتوقع من جرائد منحازة للرجل الأبيض؟» ~~«نعم هذا صحيح. إن هارولد يعلم ماذا يفعل. ومع ذلك فهو ينتظر حتى تسنح الفرصة لفعل ~~ما يريد عندما يحين موعد الانتخابات القادمة.» # هكذا يتحدث السود عن عمدة شيكاغو، بألفة وتعاطف وكأنهم يتحدثون عن أحد أقربائهم. ~~وكانت صور هارولد في كل مكان؛ على جدران محلات إصلاح الأحذية، وصالونات التجميل، وكانت ~~لا تزال ملصقة على أعمدة الإنارة بالشارع منذ حملة الانتخابات الأخيرة، وكانت لا تزال ~~موجودة على نوافذ محلات التنظيف الجاف الكورية ومتاجر البقالة العربية، وكانت معروضة ~~بطريقة واضحة وكأنها رمز مقدس يمنح الحماية. بدا الرجل في الصورة الملصقة على جدار ~~صالون الحلاقة وكأنه ينظر إلي، وكان وسيما أشيب وله شارب كث وحاجبان كثيفان ~~وعينان لامعتان. لاحظني سميتي وأنا أنظر إلى الصورة وسألني هل كنت في شيكاغو وقت ~~الانتخابات. فأجبته بالنفي. فهز رأسه وأخذ يتحدث. ~~«كان من الضروري أن تكون هنا قبل أن يمسك هارولد بزمام الأمور لتفهم ماذا يعني لهذه ~~المدينة.» وتابع: «فقبله بدا الأمر وكأننا دائما مواطنون من الدرجة الثانية.» # قال الرجل صاحب الجريدة: «مستعمرة سياسية.» # رد سميتي وقال: «كان الحال هكذا دائما.» واستكمل قائلا: «مستعمرة سياسية. فيها يعمل ~~السود في أحط الوظائف. ويقطنون أوضع المنازل. ويتعرضون لأسوأ معاملة ms152 على يد رجال ~~الشرطة الهمجيين. لكن عندما يحين وقت انتخاب من يطلق عليهم أعضاء اللجان السود يكون ~~علينا الاتحاد والتصويت لمصلحة الحزب الديمقراطي القويم. يتعين علينا حينئذ تقديم ~~أرواحنا لشخص أحمق. ومكافأة لهم على البصق في وجوهنا نصوت لمصلحتهم في ~~الانتخابات.» # أثناء سماعي حديث الرجال - وهم يتذكرون صعود هارولد للسلطة وإمساكه بزمام الأمور - ~~سقط بعض خصل الشعر على حجري. لقد ذكروا أنه رشح نفسه في إحدى المرات سابقا بعد أن ~~مات ريتشارد دالي بفترة قصيرة، لكن ترشيحه للمنصب تعثر آنذاك، وأخبروني كيف كان هذا ~~مبعثا للخزي إذ حدث بسبب افتقار المجتمع الأسود لوحدة الصف وانتشار الشكوك التي كان لا ~~بد من التغلب عليها. على أن هارولد كرر المحاولة مرة أخرى، وآنذاك كان الناس ~~مستعدين. حيث وقفوا بجانبه عندما سلطت الصحافة الأضواء بشدة على مشكلته مع ضرائب ~~الدخل التي لم يستطع دفعها (وكأن البيض لا يغشون في أي شيء طوال حياتهم). فاحتشدوا ~~وراءه عندما أعلن أعضاء اللجنة الديمقراطيون - مثل فردولياك وغيره - دعمهم للمرشح ~~الجمهوري بقولهم إن المدينة ستزداد فيها الأحوال سوءا إذا ما أمسك بزمام الأمور فيها ~~عمدة أسود. تجمع هؤلاء الناس بأعداد هائلة ليلة الانتخاب؛ خدام كنائس ورجال عصابات؛ ~~كبار السن منهم والشباب. # وبعد كل ذلك كوفئوا على هذا الإخلاص. وقال سميتي: «دعوني أخبركم ماذا حدث ليلة فوز ~~هارولد؛ أخذ الناس يركضون في الشوارع. وكان يوما شبيها باليوم الذي فاز فيه الملاكم ~~جو لويس على شميلينج. وكان هو الشعور نفسه بالانتصار. ولم يكن الناس فخورين بهارولد ~~فقط. بل كانوا فخورين بأنفسهم أيضا. وفي هذا اليوم مكثت داخل المنزل لكنني لم أستطع ~~النوم وكذلك زوجتي حتى الثالثة صباحا، لأننا كنا نشعر بالحماس والسعادة البالغة. ~~وعندما استيقظت في صباح اليوم التالي شعرت بأن هذا اليوم هو أجمل يوم في حياتي.» # انخفض صوت سميتي بعد ذلك وبدا كأنه يهمس، وابتسم كل شخص في صالون الحلاقة. إنني من ~~على بعد شاركتهم هذا الشعور بالفخر - وأنا أقرأ الجرائد في نيويورك - نعم، الشعور نفسه ~~بالفخر الذي ms153 جعلني أشجع بحماس أي فريق كرة قدم محترف تعاقد مع ظهير رباعي أسود. ~~لكن كان هناك شيء مختلف بخصوص ما كنت أسمعه في ذلك الحين؛ حيث بدا صوت سميتي وكأنه ينم ~~عن حماسة متوهجة تجاوزت الأمور السياسية. قال لي سميتي: «كان من الضروري أن تكون هنا ~~قبل أن يمسك هارولد بزمام الأمور لتفهم.» وكان يعني بقوله هنا «شيكاغو»، لكنه ربما قصد ~~أيضا «في مكاني» باعتباره رجلا أسود يكبرني سنا، كان ما زال يعاني إهانات ظلت ~~تلاحقه وتجرحه طوال حياته، ويتألم بسبب طموحات أحبطت، وطموحات أخرى تخلى عنها قبل أن ~~يحاول تحقيقها. وحينها سألت نفسي هل استطعت فهم الأمر فعلا. وتوصلت دون نقاش إلى ~~أنني بالفعل فهمته. وأعتقد أن هؤلاء الرجال قد افترضوا نفس الافتراض بعد رؤيتي. ولكن ~~ترى هل كان سيراودهم الشعور نفسه إذا عرفوا المزيد من التفاصيل عني؟ طرحت على نفسي هذا ~~السؤال. وحاولت أن أتخيل ماذا كان سيحدث إذا ما دخل جدي صالون الحلاقة في هذه اللحظة ~~بالذات، وكيف كان سيتوقف الحديث، وكيف كان السحر سيتوقف، وكيف كانت ستنتهي الافتراضات ~~التي تجري على قدم وساق. # أعطاني سميتي المرآة للتطلع إلى صنيع يديه، ثم خلع عني ثوب الحلاقة، ونظف بالفرشاة ~~الجزء الخلفي من قميصي. وقلت له وأنا أقف: «أشكرك على درس التاريخ هذا.» ~~«حسنا، هذا الدرس مجاني. وسأتقاضى عن الحلاقة 10 دولارات. ما اسمك على أية ~~حال؟» ~~«باراك.» ~~«باراك، إمممم. مسلم؟» ~~«كان جدي مسلما.» # أخذ مني المال وصافحني. وقال: «حسنا يا باراك، أنتظرك عما قريب. بدا شعرك أشعث ~~للغاية عندما حضرت.» ~~••• # لاحقا بعد ظهر اليوم نفسه، حضر مارتي وأخذني من أمام سكني الجديد واتجهنا جنوبا إلى ~~طريق سكاي واي السريع. وبعد عدة أميال اتجهنا إلى الجانب الجنوبي الشرقي ومررنا بالعديد ~~من المنازل الصغيرة المبنية بالألواح الخشبية الرمادية أو بالطوب، إلى أن وصلنا إلى ~~مصنع قديم كبير للغاية مكون من مبان عدة. ~~«مصنع ويسكونسن القديم للصلب.» # جلسنا معا في هذا المكان في صمت، ندقق النظر في المبنى. كان لا يزال ms154 يحمل الروح ~~المزدهرة والمتوحشة للماضي الصناعي في شيكاغو إذ دكت في بنائه العوارض المعدنية ~~والخرسانة دون الاكتراث كثيرا بمدى الشعور بالراحة أو الشكل الجمالي. أما الآن، وقت ~~رؤيتنا إياه، فقد كان المبنى خاويا ويعلوه الصدأ؛ تماما كأطلال مبنى مهجور. وعلى ~~الجانب الآخر من السياج السلكي ركضت قطة رقطاء جرباء عبر النباتات البرية. # قال مارتي وهو يدور بالسيارة في طريق العودة: «اعتاد الناس من الفئات كافة العمل في ~~هذا المصنع. وتابع: «السود. والبيض. والهيسبانيون. وكانوا جميعهم يعملون في الوظائف ~~نفسها. ويعيشون ظروف الحياة نفسها. لكن خارج المصنع لا تريد أي فئة منهم شيئا يربطها ~~بالأخرى. وهؤلاء هم أفراد الكنيسة الذين أتحدث معك بشأنهم. الإخوة والأخوات في ~~المسيح.» # توقفنا عند إحدى إشارات المرور، ولاحظت مجموعة من الشباب من ذوي البشرة البيضاء ~~يشربون البيرة عند مدخل أحد المباني وهم مرتدون فانلاتهم الداخلية. كانت صورة فردولياك ~~معلقة على إحدى النوافذ، وكان العديد منهم يحدق النظر تجاهي، وحينها نظرت لمارتي ~~وتحدثت إليه. ~~«إذن ما الذي يجعلك تفكر أن التعاون بينهم ممكن الآن؟» ~~«ليس أمامهم اختيار. إذا كانوا يريدون استرداد وظائفهم مرة أخرى.» # عندما بدأنا القيادة على الطريق السريع مرة أخرى بدأ مارتي يخبرني بصورة أكثر ~~تفصيلا عن المؤسسة التي أنشأها. أخبرني أن الفكرة راودته منذ عامين عندما قرأ تقارير ~~صحفية متعلقة بإغلاق المصنع والاستغناء عن العمال، ثم إجبارهم على الانتقال إلى ضاحية ~~ساوث شيكاغو وغيرها من الضواحي الجنوبية. وبمعاونة أسقف كاثوليكي متعاطف مع القضية، ذهب ~~مارتي لمقابلة القساوسة وأعضاء الكنيسة في المنطقة وسمع كلا من البيض والسود وهم ~~يتحدثون عن شعورهم بالخزي بسبب البطالة، وخوفهم من أن يطردوا من مساكنهم أو حرمانهم من ~~المعاش بطريق الخداع، والأسوأ من ذلك إدراكهم بأنهم تعرضوا للخيانة. # في نهاية الأمر وافق ما يزيد على 20 كنيسة في الضواحي على إنشاء مؤسسة أطلقوا عليها ~~بعد ذلك اسم «المؤتمر الديني لمجتمع كالوميت». هذا بالإضافة إلى أن ثماني كنائس أخرى ~~انضمت إلى فرع المؤسسة بالمدينة المسمى بمشروع تنمية المجتمعات المحلية. لم تسر ms155 ~~الأمور بالسرعة التي كان يتمناها مارتي؛ فالنقابات العمالية لم تكن قد انضمت بعد، وكانت ~~الحرب السياسية في مجلس المدينة عاملا مؤثرا من عوامل تشتيت الانتباه. وكان المؤتمر ~~الديني لمجتمع كالوميت قد حقق منذ وقت قريب أول نصر مهم؛ متمثل في برنامج التوظيف ~~القائم على استخدام الكمبيوتر الذي بلغت تكلفته 500 ألف دولار، وكان المجلس التشريعي ~~بولاية إلينوي قد وافق على تمويله. أوضح مارتي أننا كنا في طريقنا لاجتماع حاشد من أجل ~~الاحتفال ببنك الوظائف الجديد الذي يعتبر خطوة أولى في حملة طويلة المدى. # قال مارتي: «سيستغرق الأمر بعض الوقت من أجل إعادة إحياء نشاط التصنيع هنا.» وتابع: ~~«على الأقل 10 سنوات. لكن بمجرد انضمام النقابات العمالية إلينا، ستصبح لدينا قاعدة ~~يمكن التفاوض من خلالها. وفي الوقت نفسه فإننا في حاجة إلى أن نوقف نزيف الخسائر ونسعد ~~الناس ببعض الانتصارات القصيرة المدى. هذا لنوضح لهم قدر القوة التي امتلكوها بمجرد ~~أن توقفوا عن محاربة بعضهم بعضا وبدءوا يركزون على العدو الحقيقي.» ~~«ومن هو ذلك العدو؟» # هز مارتي كتفيه. وقال: «أصحاب البنوك الاستثمارية. والسياسيون. وجماعات الضغط من ~~أصحاب النفوذ ذوي الثراء الفاحش.» # أومأ مارتي برأسه وهو ينظر إلى الطريق أمامه بعينين شبه مغمضتين. فنظرت إليه وبدأت ~~أشك في أنه لم يكن ساخرا كما أحب أن يتظاهر، وأن المصنع الذي ما لبثنا أن تركناه ~~يمثل له الكثير من المعاني. وحينها فكرت أنه أيضا في مرحلة ما من حياته تعرض ~~للخيانة. # عبرنا حدود المدينة عندما كانت حمرة غروب الشمس قد انتشرت في الأفق. توقفنا في موقف ~~السيارات الخاص بإحدى المدارس الكبيرة في الضاحية، حيثما كانت مجموعات من الناس تشق ~~طريقها للوصول إلى قاعة الاجتماعات الكبرى في المدرسة. بدا هؤلاء الناس تماما كما ~~وصفهم مارتي: أناس فقدوا وظائفهم من عمال صلب، وموظفي سكرتارية، وسائقي شاحنات، ورجال ~~وسيدات يدخنون بإفراط ولا يكترثون بوزنهم الزائد، وكانوا يتسوقون من متاجر شركة سيرز أو ~~كمارت، ويقودون سيارات من أحدث طراز من مدينة ديترويت، ويأكلون في مطعم «رد لوبستر» ~~في ms156 المناسبات الخاصة. عند الباب رحب بنا رجل أسود عريض الصدر يرتدي ياقة القساوسة، ~~قدمه مارتي لي وقال إن اسمه ديكون ويلبر ميلتون، نائب رئيس المؤسسة. ذكرني هذا الرجل، ~~بلحيته القصيرة الحمراء ووجنتيه المستديرتين، ببابا نويل. # قال ويل وهو يصافحني بحرارة: «مرحبا بك.» وتابع: «كم تساءلنا من قبل متى سنتمكن ~~بالفعل من مقابلتك. أعتقد أن مارتي أعدك بالفعل لهذا العمل.» # ألقى مارتي نظرة سريعة داخل القاعة. وقال: «ماذا عن عدد الحاضرين؟» ~~«حسن حتى الآن. يبدو أن الجميع التزم بالعدد المتفق عليه. وقد اتصل رجال المحافظ ~~ليبلغونا أنه في طريقه إلى هنا.» # بدأ مارتي وويل في الاتجاه نحو المنصة وهما ينظران بتمعن إلى أجندة الأعمال. وعندما ~~هممت في تتبعهما، اعترض طريقي ثلاث سيدات سوداوات في عمر لم أستطع تحديده بدقة. ~~كانت إحداهن جميلة ويعلو رأسها شعر مصبوغ باللون البرتقالي الخفيف، عرفت أن اسمها ~~أنجيلا بعد أن قدمت لي نفسها، ثم مالت نحوي وهمست لي قائلة: «أنت باراك، ألست ~~كذلك؟» # أومأت برأسي بالإيجاب. ~~«إنك لا تعرف قدر سعادتنا لرؤيتك.» # قالت السيدة الواقفة بجوار أنجيلا التي بدت أكبر منها سنا: «إنك لا تعرف حقا!» ~~مددت يدي لمصافحة هذه السيدة فابتسمت وظهرت سنتها الذهبية في صف أسنانها الأمامي. ~~وقالت وهي تمد يدها: «أنا آسفة، اسمي شيرلي.» ثم أشارت شيرلي تجاه السيدة الأخيرة؛ ~~وكانت سمراء قصيرة ممتلئة الجسد قوية البنية. وقالت: «هذه منى. ألا يبدو أنيقا ~~ومحترما يا منى؟» # قالت منى بابتسامة: «بلى، بكل تأكيد.» # قالت أنجيلا بصوت منخفض قليلا: «لا تفهماني خطأ.» وتابعت: «إنني لا أكره مارتي. لكن ~~الحقيقة هي أن هناك الكثير يمكنكما ...» # صاح أحدهم من على المنصة: «أنجيلا!» في هذه اللحظة، نظرنا لنرى من هذا الرجل لنجد ~~مارتي يلوح بيده لأنجيلا من هناك. وأضاف: «إن بإمكانكن التحدث لاحقا مع باراك ~~كما تردن. لكن الآن أريدكم جميعا معي على المنصة.» # تبادلت السيدات النظرات فيما بينهن قبل أن تستدير أنجيلا تجاهي. # قالت أنجيلا: «أعتقد أنه من الأفضل أن نذهب الآن.» واستدركت: «لكن لا بد أن ms157 نتحدث ~~مرة أخرى عما قريب.» # قالت منى: «نعم بكل تأكيد»، قبل أن يمشي ثلاثتهن، وكانت أنجيلا وشيرلي في المقدمة ~~مشغولتين بالتحدث بخصوص أمر ما، وكانت منى تمشي خلفهما بتؤدة. # كان معظم أماكن قاعة الاجتماعات قد شغل آنذاك، وبلغ عدد الحاضرين ألفي شخص، ربما ~~كان ثلثهم من السود الذين جاءوا من المدينة مستقلين الحافلات. عندما دقت الساعة ~~السابعة أنشدت جوقة المنشدين ترنيمتين من الإنجيل، وتفقد ويل الحاضرين من الكنائس، ~~وشرح بعدها مسيحي لوثري أبيض من الضواحي تاريخ المؤتمر الديني لمجتمع كالوميت ورسالته. ~~بعد ذلك بدأت مجموعة من المتحدثين الصعود إلى المنصة لإلقاء كلمتهم، وكان منهم مشرع ~~أسود وآخر أبيض، وخادم معمداني، والكاردينال جوزيف بيرناردين، وفي النهاية المحافظ الذي ~~قدم تعهدا رسميا بدعم بنك الوظائف الجديد، وقدم أدلة على مجهوداته المتواصلة ~~المبذولة نيابة عن الطبقة العاملة في ولاية إلينوي من الرجال والسيدات. # في حقيقة الأمر بدا هذا الحدث لي في مجمله مملا، مثله في ذلك مثل أي اجتماع سياسي ~~أو مباراة مصارعة تعرض على شاشة التلفاز. مع أن الجمهور بدا مستمتعا بالأمر. رفع ~~بعضهم أعلاما براقة تحمل اسم كنيستهم. وأخذ البعض الآخر يهتف بشدة وحماسة عند مشاهدة ~~صديق لهم أو أحد الأقرباء على المنصة. وبرؤيتي كل هذه الوجوه السوداء والبيضاء معا ~~في مكان واحد وجدت نفسي أنا أيضا أشعر بالابتهاج، وعرفت أن بداخلي الرؤية نفسها التي ~~تدفع مارتي للأمام وثقته بالدوافع الشعبية وتضامن الطبقة العاملة، وإيمانه بأنه إذا ~~أمكن تنحية السياسيين ووسائل الإعلام والبيروقراطيين جانبا، وإعطاء كل فرد في المجتمع ~~مقعدا على الطاولة، يمكن عندئذ أن يجد عوام الناس أساسا للتفاهم المشترك. # عندما انفض الاجتماع الحاشد ذكر مارتي أن عليه توصيل بعض الأفراد إلى منازلهم؛ لذا ~~بدلا من أن أركب معه قررت أن أركب إحدى الحافلات المتجهة إلى المدينة. وعندما وصلت ~~الحافلة كان بها مقعد خال بجانب ويل، حيث بدأ يتحدث معي قليلا عن نفسه في الضوء ~~الباهت لمصابيح الإنارة المتراصة على الطريق السريع. # ذكر لي ويل أنه تربى في شيكاغو، وخدم ms158 مع القوات الأمريكية في فيتنام. وبعد الحرب ~~وجد عملا كموظف تنفيذي تحت الاختبار في بنك كونتيننتال إلينوي، ثم ترقى في البنك ~~سريعا واستطاع الاستفادة من مميزات العمل؛ السيارة، وارتداء الحلل الأنيقة، والعمل ~~بمكتب في وسط المدينة. بعد ذلك حدثت حركة إعادة تنظيم في البنك، وترتب عليها ~~الاستغناء عن ويل وتركه غارقا في الديون. وكانت تلك هي نقطة التحول في حياته - كما ~~قال - والطريقة الإلهية لإخباره بأن عليه إعادة النظر في القيم التي يؤمن بها. وبدلا ~~من أن يبحث عن وظيفة أخرى في المجال المصرفي، سلك اتجاها دينيا. حيث انضم إلى ~~أبرشية سانت كاترين في ضاحية ويست بولمان وحصل على وظيفة الحاجب هناك. وهذا القرار في ~~الواقع فرض بعض القيود على زواجه وطبقا لما قاله، كانت زوجته «لا تزال تحاول ~~التكيف» مع هذا الوضع. أما ويل فإن أسلوب الحياة الزاهد كان يتناسب مع رسالته ~~الجديدة؛ ألا وهي نشر تعاليم الكتاب المقدس، والتخلص من بعض مظاهر الرياء التي رآها ~~في الكنيسة. # قال ويل: «انخرط الكثير من السود في الكنيسة مع مواقف الطبقة المتوسطة واتجاهاتها.» ~~وتابع: «فهم يعتقدون أنهم ما داموا يتبعون المعنى الحرفي لآيات الكتاب المقدس فإنهم ~~ليسوا في حاجة إلى اتباع روح الآيات. وبدلا من محاولة إظهار الود والرغبة في المساعدة ~~للمسيئين، يجعلونهم يشعرون بأنهم غير مرحب بوجودهم. بالإضافة إلى أنهم يسخرون من ~~الناس ما لم يكونوا مرتدين الملابس المناسبة للقداس وما لم يتحدثوا بصورة لائقة، وما ~~إلى غير ذلك. إنهم يتصورون أنهم يشعرون بالراحة؛ لذا لا يوجد سبب لشعورهم بالضيق ~~والانزعاج. حسنا، ليس في الدين ما يبعث على شعورهم بالراحة، أليس كذلك؟ فكل ما فيه ~~عظات اجتماعية. وقد حمل رسالته إلى الضعفاء المضطهدين. وهذا بالضبط ما أقوله لبعض هؤلاء ~~الزنوج المنتمين للطبقة المتوسطة كلما تحدثت معهم أيام الآحاد. حيث أخبرهم بما لا ~~يودون سماعه.» ~~«وهل يستمعون إليك؟» # ضحك ويل ضحكة خافتة، وقال: «لا.» وتابع: «لكن ذلك لا يوقفني عن الكلام. إن الأمر ~~شبيه بياقة القساوسة التي أرتديها. وهذا بالفعل يدفع ms159 بعضهم إلى الشعور بالغضب العارم. ~~فيقولون لي: «إن هذه الياقات خاصة بالقساوسة.» لكن كما ترى، فإن كوني متزوجا ولا يمكن ~~رسمي كاهنا لا يعني أنه لا يوجد لدي دافع داخلي قوي تجاه العمل الديني . في الواقع، لا ~~يوجد شيء في الإنجيل يتحدث عن الياقات. لذا فإنني أرتدي الياقة ليعرف الناس وجهة ~~نظري. # في حقيقة الأمر، إنني ارتديت الياقة عندما ذهب بعضنا لمقابلة الكاردينال بيرناردين ~~منذ قرابة شهر. ولكن كل شخص وقتها شعر بالضيق الشديد لارتدائي إياها. وبعد ذلك غضبوا ~~جميعا عندما ناديت الكاردينال جوزيف باسم «جو» بدلا من «صاحب القداسة». ولكن ~~بيرناردين كان رائعا. إنه رجل روحاني. وأستطيع أن أقول لك إن أحدنا قد فهم الآخر. ~~لكن هذه القواعد نفسها هي التي تفرقنا؛ القواعد التي يفرضها البشر وليست القواعد ~~الإلهية. أريدك أن تعلم يا باراك أنني على الرغم من انضمامي للكنيسة الكاثوليكية فإنني ~~منذ نعومة أظافري معمداني. وكان يمكن أن ألتحق بكنيسة ميثودية أو خمسينية أو غيرها ~~بمنتهى السهولة. لكن كنيسة سانت كاترين هي الكنيسة التي أرسلني إليها الرب. فالرب ~~يهتم بما إذا كانت لدي الرغبة في مساعدة الآخرين أكثر مما يهتم بما إذا كنت ملتزما ~~بخلاصة العقيدة الدينية المفرغة في سؤال وجواب.» # أومأت برأسي مقررا ألا أسأله عن معنى هذه الخلاصة. ففي إندونيسيا قضيت عامين في ~~مدرسة إسلامية وعامين في مدرسة كاثوليكية. في المدرسة الإسلامية أرسل المدرس لأمي ~~خطابا قال فيه إنني في أثناء حصص القرآن كنت أصنع تعبيرات بلهاء بقسمات وجهي لإثارة ~~الضحك. لكن أمي لم تهتم بصفة عامة بهذا الأمر. ولم تقل لي سوى: «كن محترما.» أما ~~عندما كان يحين موعد الصلاة في المدرسة الكاثوليكية فكنت أتظاهر أنني أغمض عيني ثم أظل ~~أجول ببصري في أرجاء الغرفة. ولكن لم يكن يحدث شيء. ولم تكن تتنزل الملائكة. ولم يكن ~~هناك سوى راهبة عجوز جافة البشرة ومعها 30 طفلا أسمر كانوا جميعا يهمهمون بالكلمات. ~~وكانت الراهبة في بعض الأحيان تمسك بي وأنا أفعل ذلك، وكانت نظرتها القاسية تجبرني أن ms160 ~~أغمض جفني من جديد. لكن لم يكن ذلك يغير شعوري الداخلي. لقد انتابني هذا الشعور ~~نفسه وأنا أستمع لويل وكان صمتي شبيها بإغماض عيني. # توقفت الحافلة في موقف سيارات الكنيسة، وذهب ويل لمقدمة الحافلة. وشكر الجميع على ~~الحضور وحثهم على اشتراكهم المستمر. وقال: «إن طريقنا طويل، لكن أحداث الليلة أوضحت ~~لي ما يمكننا فعله عندما نضعه نصب أعيننا. إن الشعور الطيب الذي ينتابكم الآن علينا أن ~~نحافظ عليه حتى نرى حينا هذا واقفا على قدميه من جديد.» # ابتسم بعض الناس وصدقوا على صحة هذا الحديث. لكن عندما نزلت من الحافلة سمعت امرأة ~~خلفي تهمس إلى صديقتها قائلة: «إنني لست في حاجة إلى سماع أي شيء عن الحي. أين ~~الوظائف التي يتحدثون عنها؟» ~~••• # بعد هذا الاجتماع الحاشد بيوم واحد قرر مارتي أنه حان الوقت لأن أنفذ عملا ~~حقيقيا ذا قيمة. ولذا سلمني قائمة طويلة بأسماء بعض الأفراد لإجراء مقابلات معهم. ~~وقال لي إن علي أن أعرف اهتماماتهم الشخصية. وهذا هو سبب اشتراك الناس في عملية ~~التنظيم، حيث يعتقدون أنهم سيستفيدون منها. وبمجرد أن كنت أجد قضية يهتم بها عدد كاف ~~من الناس كنت أدفعهم لاتخاذ أفعال. فيمكنني البدء في اكتساب السلطة في ظل تنفيذ عدد ~~كاف من الإجراءات. # القضايا، والإجراءات التنظيمية، والسلطة، والاهتمامات الشخصية. كم أحببت هذه ~~المفاهيم! إنها تنم عن عند وصلابة من نوع معين، وتدل على التخلي - القائم على ~~الخبرة بأمور الحياة والناس - عن العواطف، وتشير في مجملها إلى السياسة وليس إلى الدين. ~~وعلى مدار الأسابيع الثلاثة التالية عملت ليلا ونهارا، أحدد مواعيد المقابلات مع ~~الناس قبل أن أجريها معهم. وكانت هذه الوظيفة أصعب مما توقعت. وكنت أشعر بمقاومة ~~ذاتية كلما رفعت سماعة الهاتف لأحدد مواعيد المقابلات؛ إذ كانت تقفز إلى مخيلتي ~~صور المكالمات الهاتفية التي كان جدي يجريها لبيع خدمات التأمين على الحياة، ونفاد ~~صبر الطرف الآخر على سماعة الهاتف، والمشاعر الحزينة عندما لا يرد أحد على رسائلي ~~الصوتية. كنت أجري معظم مقابلاتي في المساء والتي كانت زيارات ms161 منزلية، وكان الناس ~~يشعرون بالإرهاق دائما بعد يوم عمل كامل. وفي بعض الأحيان كنت أصل إلى مكان المقابلة ~~لأكتشف أن الشخص المفترض أن أقابله نسي الميعاد المحدد بيننا، وكان علي أن أذكر ~~هذا الشخص بمن أكون وهو ينظر إلي بارتياب من خلف باب موارب. # ومع ذلك، لم تكن هذه الأمور سوى صعوبات ثانوية. فبمجرد أن كنت أتغلب عليها كنت أجد ~~أن الناس لا يمانعون في انتهاز أية فرصة للتعبير علنا عن آرائهم بخصوص عضو مجلس مدينة ~~ليس له نشاط يذكر، أو جار رفض أن يجز العشب من أمام منزله. وكلما أجريت عددا أكبر ~~من المقابلات زاد سماعي لموضوعات وقضايا بعينها متكررة. مثلا علمت أن معظم الناس في ~~المنطقة كانوا قد تربوا في أقصى الشمال أو في الجانب الغربي من شيكاغو، في مناطق ~~السود الضيقة التي أنشأتها الاتفاقيات المقيدة للحرية على مدار معظم الفترات في تاريخ ~~المدينة. وكان الناس الذين تحدثت معهم لهم بعض الذكريات الرائعة عن ذلك العالم المستقل ~~بذاته، لكنهم كانوا يذكرون أيضا افتقارهم إلى الدفء والضوء والمساحة الكافية لأن ~~تجعلهم يتنفسون هواء الكون، علاوة على رؤية والديهم وهم يكدحون في العمل ~~البدني. # سار البعض على نهج آبائهم في العمل بمصانع الصلب أو في خطوط التجميع، لكن الغالبية ~~عملوا في وظائف سعاة بريد وسائقي حافلات ومدرسين وإخصائيين اجتماعيين، مستفيدين في هذه ~~الوظائف من التطبيق الفعال لقوانين عدم التفرقة في القطاع العام. وكانت لهذه الوظائف ~~مزاياها وقدمت قدرا كافيا من الشعور بالأمان فيما يتعلق بالتفكير في أخذ قرض للحصول ~~على مسكن. وفي ظل سن قوانين إسكان عادلة، بدأ هؤلاء - واحدا تلو آخر - في شراء ~~منازل في روزلاند ومناطق أخرى مجاورة يقطنها البيض. وهم لم يفعلوا ذلك لأنهم كانوا ~~يريدون الاختلاط بالبيض بل لأن المنازل هناك كانت رخيصة وتشتمل على أفنية صغيرة ~~لأطفالهم، وأيضا لأن هذه المناطق احتوت على مدارس أفضل ومتاجر ذات أسعار أرخص، وربما ~~أيضا لأنهم كانوا يستطيعون شراءها فحسب. # عندما كنت أستمع لهذه القصص كنت في الغالب أتذكر ms162 القصص التي كان جداي وأمي ~~يحكونها لي؛ قصص الكفاح والهجرة والسعي وراء الحصول على شيء أفضل. لكن في الواقع كان ~~هناك اختلاف لا يمكن على الإطلاق تجاهله بين ما كنت أسمعه في ذلك الحين وبين ما ~~تذكرته، كما لو كانت صور طفولتي تتوارد إلى ذهني عكسيا. في هذه القصص الجديدة كانت ~~اللافتات المكتوب عليها «للبيع» تظهر فجأة كظهور نبات الهندباء تحت أشعة الشمس في يوم ~~صيفي حار. والأحجار تتطاير خلال النوافذ، وتسمع الأصوات المتوترة للآباء القلقين وهم ~~ينادون على أبنائهم للدخول للمنزل وترك ألعابهم الطفولية البريئة. وفي أقل من ستة أشهر ~~بيعت مبان سكنية كاملة، وفي أقل من خمس سنوات انطبق الأمر نفسه على أحياء ~~برمتها. # في هذه القصص - أينما يتقابل البيض والسود - كانت النتيجة غضبا وحزنا ~~أكيدين. # لم تتخلص المنطقة قط من هذا الاضطراب العنصري، الذي كان من نتائجه انتقال المتاجر ~~والبنوك بعملائها البيض إلى أماكن أخرى، مما أدى إلى سوء حالة الطرق العامة ~~الرئيسية. وتدهورت الخدمات في المدينة. وعندما يتذكر السود الذين يعيشون الآن في ~~منازلهم منذ 10 أو 15 سنة الطريقة التي تطورت بها الأمور تجدهم يتذكرونها بشيء من ~~الرضا. وبالاعتماد على الدخلين اللذين كانوا يتقاضونهما كانوا يسددون ثمن منازلهم ~~وسياراتهم، وربما مصروفات التعليم الجامعي للأبناء الذين ملأت صور تخرجهم كل أرفف ~~المواقد. حافظ هؤلاء الناس على منازلهم، كما أبقوا على أولادهم بعيدا عن الشوارع، ~~بالإضافة إلى أنهم كونوا جمعيات سكانية تعاونية للحفاظ على أمن ونظافة الحي نظرا ~~لأنهم كانوا متأكدين من أن البيض فعلوا الشيء نفسه. # عندما كان هؤلاء الناس يتحدثون عن المستقبل كانت نبرة القلق تقتحم أصواتهم. وكانوا ~~يذكرون ابن عم لهم أو أحد أقربائهم الذي اعتاد زيارتهم طلبا للمال، أو صبيا بالغا ~~لا يعمل لا يزال يعيش في المنزل عالة عليهم. حتى نجاح هؤلاء الأبناء في الجامعة وفي ~~الحياة العملية اشتمل في طياته على شعور بالهزيمة، وكلما تمكن هؤلاء الأبناء من فعل ~~شيء أفضل زادت فرصة رحيلهم عن المنطقة. وإلى مكانهم نفسه انتقلت عائلات ms163 أصغر سنا وأقل ~~استقرارا، وكانت تلك هي المرحلة الثانية للمهاجرين من الأحياء الأفقر، ليحل محلهم ~~قاطنون جدد لا يستطيعون دائما تحمل الالتزام بسداد قروض المنازل أو دفع مصاريف ~~الصيانة الدورية لها. في هذه الفترة اختفت سرقة السيارات وكانت المتنزهات ذات الأشجار ~~الوارفة فارغة، وبدأ الناس في قضاء وقت أطول داخل المنازل، واشتروا الأبواب المصنوعة ~~من الحديد المطاوع المشغول، وكانوا يتساءلون هل بإمكانهم تحمل بيعها بالخسارة ~~للانتقال إلى منطقة أكثر دفئا أو ربما يعودون من جديد إلى الجنوب. # لذا فمع شعور هؤلاء الرجال والسيدات المستحق بأنهم حققوا إنجازات، ومع الأدلة ~~المؤكدة على ارتقائهم بأنفسهم، فإن محادثاتنا كانت تتميز بنبرة تشاؤمية. فأشياء عديدة ~~- مثل المنازل المصنوعة من الألواح الخشبية، وواجهات المحلات الخربة، وقوائم أعضاء ~~الكنيسة القديمة، وأطفال لأسر غير معروفة يهيمون على وجوههم في الشوارع، وتجمعات ~~المراهقين الصاخبة، والمراهقات اللاتي كن يطعمن الأطفال الباكين شرائح البطاطا، ~~والأوراق المبعثرة أسفل المباني - كانت صدى لحقائق مؤلمة تخبرهم بأن الارتقاء الذي ~~أحرزوه سريع الزوال، ويقف على أرض هشة ومن الممكن ألا يستمر فيما تبقى من ~~عمرهم. # كان هذا الشعور المزدوج - بالإنجاز الفردي والانهيار الجماعي - الذي فكرت فيه هو ~~المسئول عن بعض المواقف التي أربكت ويل عندما تحدثنا ليلة الاجتماع الحاشد. في الواقع ~~تلمست هذا الشعور في الكبرياء المفرطة لبعض الرجال في البارات المملوءة بزجاجات الخمر ~~التي أسسوها في الأدوار التحتية في منازلهم، تلك البارات التي تضيئها مصابيح الزينة ~~وتغطي جدرانها المرايا. كما رأيته في البلاستيك الذي كانت تضعه السيدات أعلى السجاجيد ~~والأرائك النظيفة لحمايتها. وفي ظل كل ذلك، كان بوسع المرء أن يرى جهودا حازمة لتعزيز ~~الاعتقاد في أن الأمور قد تغيرت بالفعل إذا ما بدأ بعض الناس في التصرف تصرفا ~~سليما. وذات مساء أعربت سيدة تقطن في واشنطن هايتس المجاورة عن رأيها وقالت لي: «إنني ~~أحاول تجنب القيادة في روزلاند قدر المستطاع.» وتابعت: «الناس هناك قساة ويمكنك ~~بالفعل معرفة ذلك من الطريقة التي يحافظون بها على منازلهم. لكنك لم تكن لترى أشياء مثل ~~هذه ms164 عندما كان يعيش البيض هنا.» # من الأمور التي لاحظتها أنه كان هناك اختلاف بين الأحياء، والمباني داخل الحي الواحد، ~~وأخيرا بين الجيران في المبنى نفسه، من حيث محاولات الحد من الانحطاط والتحكم فيه. إن ~~السيدة التي كانت قلقة للغاية من العادات الفظة لجيرانها كانت تعلق صورة هارولد في ~~مطبخها، بجوار مختارات من المزمور الثالث والعشرين مباشرة. وهكذا أيضا فعل الشاب الذي ~~كان يسكن في الشقة المنهارة التي كانت تبعد ببعض المباني والذي كان يحاول كسب قوت ~~يومه عن طريق تشغيل الموسيقى في الحفلات الراقصة. وكما علمت من الرجال الذين كانوا ~~موجودين في صالون سميتي للحلاقة، أعطت الانتخابات هؤلاء الناس فكرة جديدة عن أنفسهم. ~~أو ربما كانت فكرة قديمة بعثت من جديد في وقت أفضل. كان هارولد رمزا لا يزال عالقا ~~في عقول الناس كافة؛ فتماما مثل فكرتي عن التنظيم، قدم هارولد عرضا للإصلاح ~~الجماعي. ~~••• # وضعت تقريري عن الأسبوع الثالث على مكتب مارتي وجلست في أثناء قراءته إياه. # وعلق عندما انتهى من قراءته «ليس سيئا؟». ~~«ليس سيئا؟» ~~«نعم، ليس سيئا. أعتقد أنك الآن بدأت تستمع. لكن التقرير لا يزال نظريا إلى حد ~~بعيد ... تماما كما لو كنت تجري استقصاء أو ما شابه. إذا كنت تريد أن تنظم الناس ~~فأنت في حاجة إلى الابتعاد عن الأشياء السطحية والاتجاه إلى محور تركيز الناس. الأشياء ~~التي تجعلهم يسلكون سلوكا معينا. هذا وإلا فإنك لن تستطيع إطلاقا إقامة العلاقات ~~التي تريدها معهم لجعلهم يشتركون معك.» # كان مارتي بحديثه هذا قد بدأ يضايقني. فسألته هل قلق من قبل من أن يصبح محور اهتمامه ~~التخطيط للحصول على ما يريد دون الاهتمام بالآخرين أو جرح مشاعرهم، إذا كانت فكرة معرفة ~~نفسيات الناس والحصول على ثقتهم فقط من أجل إنشاء مؤسسة فكرة خادعة لإجبار الناس على ~~فعل ما يريد. تنهد مارتي. # قال: «إنني لست بشاعر يا باراك. أنا منظم.» # تساءلت بيني وبين نفسي عما عنى بذلك. وتركت المكتب وأنا في حالة سيئة للغاية. وبعدها ~~كان علي أن أعترف بأن ms165 مارتي كان على حق. حيث لم تكن لدي أية فكرة عن كيفية وضع ما ~~سمعته حيز التنفيذ. وفي الواقع لم تظهر لي أية فرصة لفعل ذلك إلا في نهاية المقابلات ~~التي أجريتها مع الناس. # في أثناء اجتماع مع روبي ستايلس - وهي سيدة قصيرة ممتلئة الجسم - وكانت تعمل مديرة ~~مكتب في الجانب الشمالي من المدينة، لاحت هذه الفرصة في الأفق. كان ذلك عندما ذكرت ~~ارتفاع معدل العمل الإجرامي على الصعيد المحلي في سياق حديثها عن ابنها كايل المراهق ~~الذي كان ذكيا إلا أنه كان خجولا لفقدانه الثقة بنفسه والذي بدأ في مواجهة بعض ~~المشكلات في المدرسة. قالت روبي إن أحد أصدقاء كايل أطلق عليه الرصاص الأسبوع الماضي ~~أمام باب منزله. ومع أن الصبي لم يصب بسوء فإنها كانت قلقة على ابنها. # ابتهجت عندما سمعت هذا الأمر؛ لأنه كان اهتماما شخصيا. وعلى مدار الأيام القليلة ~~التالية عرفتني روبي على أولياء أمور آخرين كانوا يشاركونها مخاوفها ويشعرون بالإحباط ~~من رد فعل الشرطة غير الفعال. وعندما اقترحت أن ندعو المسئول رسميا عن المنطقة إلى ~~اجتماع بالحي - حتى يعبر الشعب عن قلقه على الملأ - وافق الجميع؛ وفي أثناء حديثنا عن ~~الإعلان عن هذا الاجتماع ذكرت إحدى السيدات أن هناك كنيسة معمدانية في المجمع السكني ~~الذي يسكن فيه الولد الذي أطلق عليه الرصاص وأن القس رينولدز - راعي الكنيسة - ربما ~~كان مستعدا للتحدث بخصوص هذا الأمر لجماعة المصلين بالكنيسة. # استغرق الأمر مني أسبوعا لإجراء المكالمات الهاتفية، لكنني عندما توصلت أخيرا للقس ~~رينولدز بدت استجابته مبشرة بالخير. كان هذا الرجل رئيسا لاتحاد تحالف الخدام ~~المحلي، وقال لي: «تتحد الكنائس معا للوعظ بالإنجيل الاجتماعي.» وقال إن مجموعة ~~الكنائس سوف تعقد اجتماعها الدوري في اليوم التالي، وإنه سيكون سعيدا لإدراج موضوعي في ~~أجندته. # وضعت سماعة الهاتف وأنا أشعر بالسعادة البالغة، وفي صباح اليوم التالي وصلت مبكرا ~~إلى الكنيسة حيثما يعمل القس رينولدز. وقابلتني هناك شابتان ترتديان عباءتين وقفازين ~~بيضاويين في البهو وأرشدتاني إلى غرفة اجتماعات كبيرة كان يقف فيها 10 ms166 أو 12 رجلا أسود ~~يكبرونني سنا ويتحدثون في دائرة غير منتظمة. جاء منهم رجل مهيب الطلعة لتحيتي، وهو ~~يأخذ بيدي لمصافحتي. قال: «لا بد أنك الأخ أوباما.» وتابع: «أنا القس رينولدز. جئت في ~~الموعد ... إننا على وشك البدء.» # جلسنا جميعا حول طاولة طويلة، وفي البداية صلى بنا القس رينولدز ثم سمح لي ~~بالتحدث. وعندما بدأت حديثي حاولت عرض وجهة نظري بطريقة لائقة وأنا أخبر الخدام ~~عن الأعمال الإجرامية المتزايدة وعن الاجتماع الذي خططنا له، وسلمتهم نشرات دعائية ~~ليوزعوها في أبرشياتهم. وقلت لهم إعدادا لموضوع حديثي معهم: «بقيادتكم الفعالة، قد ~~تكون هذه الخطوة هي الأولى تجاه تحقيق تعاون في كل أنواع القضايا. مثل إصلاح المدارس. ~~وإعادة حركة التوظيف مرة أخرى إلى الحي ...» # وبمجرد أن وزعت آخر نشرة من هذه النشرات الدعائية دخل رجل طويل القامة أسمر اللون. ~~وكان يرتدي حلة زرقاء بصفين من الأزرار، وصليبا ذهبيا كبيرا فوق رابطة عنق قرمزية ~~اللون. وكان شعره غير مجعد وممشطا للخلف. # قال القس رينولدز: «أخ سمولز، لقد فاتك حديث شيق.» وتابع: «هذا الشاب - الأخ أوباما - ~~لديه خطة لتنظيم اجتماع بخصوص حادث إطلاق النار الذي وقع حديثا.» # صب القس سمولز لنفسه فنجانا من القهوة وقرأ بإمعان النشرة. ثم سألني: «ما اسم ~~مؤسستك؟» ~~«مشروع تنمية المجتمعات المحلية.» # قطب الرجل جبينه وقال: «تنمية المجتمعات المحلية ...» وتابع: «أعتقد أنني أتذكر ~~بعض الرجال من ذوي البشرة البيضاء ممن تكرر حديثهم عن تنمية شيء. أنت شاب تبدو عليك ~~خفة الظل. وتحمل اسما يهوديا. هل للمشروع علاقة بالمذهب الكاثوليكي؟» # أخبرته أن بعض الكنائس الكاثوليكية في المنطقة مشتركة في المشروع. # قال القس سمولز: «هذا صحيح، تذكرت الآن.» رشف القس قهوته واتكأ للخلف على مقعده. ~~وتابع قائلا: «لقد أخبرت هذا الرجل الأبيض - مارتي - بأن يتوقف عن هذا العمل وأن ~~يبتعد عن هنا. إننا لسنا في حاجة إلى شيء من هذا القبيل هنا.» ~~«إنني ...» ~~«استمع إلي ... ما اسمك مرة أخرى؟ أوبامبا؟ اسمع، يا أوبامبا، ربما تكون ساعيا ~~للخير. أنا متأكد من ذلك. لكن آخر ms167 شيء نحتاج إليه هو أن نحصل على أموال البيض ~~والاشتراك مع مجموعة من الكنائس الكاثوليكية والقائمين على العمل التنظيمي من اليهود من ~~أجل حل مشكلاتنا. إنهم غير مهتمين بنا. وعموما قل ما تريد، إن أبرشية رئيس الأساقفة ~~في هذه المدينة يديرها عنصريون لا مبالين. وكذلك الحال دائما. حيث تأتي الطبقة البيضاء ~~إلى هنا اعتقادا من أفرادها بأنهم يعرفون ما هو أفضل لنا، فيوظفون بعض الإخوة خريجي ~~الجامعات ممن لديهم قدرة جيدة على التحدث - مثلك - الذين لا يعرفون أي الأشياء أفضل ~~لنا، وكل ما يريدونه هو الإمساك بزمام الأمور. إن الأمر سياسي بحت، ولا يتعلق بما أتى ~~بهؤلاء الناس إلى هنا.» # تلعثمت وأنا أقول له إن الكنيسة كانت هي الرائدة دائما في التعامل مع مثل هذه ~~القضايا المجتمعية، لكن القس سمولز لم يفعل شيئا سوى هز رأسه. قال: «إنك لا ~~تفهم.» وتابع: «لقد تغيرت الأمور مع العمدة الجديد. كنت أعرف المسئول عن الأمن في ~~المقاطعة منذ أن كان شرطي دورية في المنطقة. وأعضاء مجلس المدينة في هذه المنطقة ~~ملتزمون كافة بإعطاء السلطة لذوي البشرة السوداء. لذا لم نكون في حاجة إلى الاحتجاج ~~والتصرف بأسلوب سخيف وغير ملائم مع أهلنا؟ إن كل من يجلس حول هذه الطاولة لديه اتصال ~~مباشر بمجلس المدينة. فريد، ألم تتحدث قريبا مع عضو مجلس المدينة بخصوص الحصول على ~~تصريح لموقف السيارات؟» # ساد الهدوء الغرفة. وتنحنح القس رينولدز. قال: «تشارلز، إن هذا الرجل جديد هنا. وهو ~~يحاول أن يقدم مساعداته فقط.» # ابتسم القس سمولز وربت على كتفي برفق. وقال: «لا تسئ فهمي الآن. كما قلت لك، ~~إنني أعلم أن هدفك سام. إننا في حاجة إلى بعض الشباب لمساعدتنا في هذه القضية. وكل ~~ما أقوله هو أن هذه المعركة لا تناسبك.» # جلست هناك، وأنا أتعرض للنقد اللاذع - كما لو كنت لحما على سيخ الشواء - في حين ~~كان القساوسة يناقشون إقامة الطقوس الدينية المشتركة ليوم عيد الشكر في متنزه على ~~الجانب الآخر من الشارع. وعندما انتهى الاجتماع شكرني القس رينولدز ms168 وبعض الآخرين على ~~حضوري. # نصحني أحد الحضور قائلا: «لا تهتم بحديث تشارلز وتأخذه على محمل الجد.» وتابع: «إنه ~~في بعض الأحيان يتسم بالشدة والصرامة.» لكنني لاحظت أن لا أحد منهم ترك النشرات التي ~~وزعتها عليهم، وبعد ذلك في الأسبوع نفسه - عندما حاولت الاتصال ببعض الخدام - ظل ~~موظفو السكرتارية يقولون لي إنهم ليسوا موجودين. ~~••• # بعد ذلك بدأنا اجتماعنا مع الشرطة، وكان كارثة - وإن كانت محدودة. لم يحضر سوى 13 ~~شخصا جلسوا بغير انتظام في صفوف المقاعد الفارغة. اعتذر مسئول الأمن في الحي عن عدم ~~الحضور وأرسل المسئول عن العلاقات في المجتمع نائبا عنه. وبين الفينة والفينة كان يدخل ~~شخصان مسنان بحثا عن لعبة البينجو. لذا فإنني قضيت معظم الأمسية موجها هؤلاء الناس ~~إلى الطابق العلوي، وجلست روبي عابسة على المنصة تستمع إلى محاضرة رجل الشرطة عن ~~الحاجة إلى نظام يفرضه الأبوان. # وفي غمرة الاجتماع وصل مارتي. # وبعد أن انتهى ظهر مارتي ووضع يده على كتفي. # وقال: «الفوضى عمت المكان، أليس ~~كذلك؟» # بالفعل كان على حق. لذا ساعدني في تنظيف المكان وتنظيمه ثم أخذني لشرب القهوة ولفت ~~نظري إلى بعض الأخطاء التي اقترفتها. إن مشكلة العصابات والأعمال الإجرامية كانت مشكلة ~~عامة للغاية لكي تترك انطباعا لدى الناس؛ بمعنى أن القضايا كانت لا بد من أن توضع في ~~إطار واقعي ومحدد وأن تكون لديها مقومات النجاح. وكان علي أن أجعل روبي تستعد ~~بصورة أكثر دقة من هذا، بالإضافة إلى إعداد عدد أقل من المقاعد. والأهم من كل ذلك ~~كنت في حاجة إلى قضاء وقت أطول في معرفة القادة في المجتمع، حيث إن النشرات لم تستطع ~~جذب الناس بصورة مؤثرة. # قال مارتي عندما وقفنا استعدادا للرحيل: «إنني تذكرت شيئا.» وتابع: «ماذا حدث مع ~~هؤلاء القساوسة الذين من المفترض أن تكون قد قابلتهم؟» # أخبرته عما حدث مع القسيس سمولز. وبدأ يضحك. وقال: «أتعلم، كان من الأفضل ألا أحضر ~~معك، أليس كذلك؟» # لم يعجبني ما قاله. لذا رددت عليه وقلت: «لماذا لم تحذرني من سمولز؟» # قال ms169 مارتي وهو يفتح باب سيارته: «بل حذرتك بالفعل.» وتابع: «أخبرتك بأن شيكاغو ~~منقسمة إلى نقيضين وأن الساسة يستغلون هذه الحقيقة لمصلحتهم الشخصية. وهذا أمر ينطبق ~~على سمولز؛ فهو سياسي تصادف ارتداؤه ياقة القساوسة. وعلى أية حال، ليست تلك هي نهاية ~~العالم. يتعين عليك أن تشعر بالسعادة لأنك تعلمت هذا الدرس مبكرا.» # هذا صحيح، لكن أي درس؟ في أثناء مشاهدتي مارتي وهو يقود سيارته، عدت بذاكرتي إلى يوم ~~الاجتماع الحاشد: إلى نبرة صوت سميتي في صالون الحلاقة، وإلى صفوف البيض والسود في ~~قاعة الاجتماعات بالمدرسة، عدت بذاكرتي إلى هذا اليوم الذي فيه بسبب دمار المصنع، ~~وشعور مارتي بالخيانة، وبسبب الكاردينال؛ الرجل الضئيل الجسم الشاحب اللون الذي كان ~~يرتدي ثوبا أسود ونظارة ويبتسم على المنصة وهو يختفي داخل أحضان ويل ... ويل، من ~~المؤكد أن الرجلين كان أحدهما يفهم الآخر. # حملت كل صورة من هذه الصور درسا بعينه، وكانت كل منها قابلة للتفسيرات المختلفة. ~~وذلك في ظل وجود كثير من الكنائس والعقائد. ربما كانت هناك أوقات بات من الظاهر فيها ~~أن كل هذه العقائد التقت عند نقطة واحدة - عند الزحام أمام نصب لينكولن التذكاري، أو ~~نشطاء الحقوق المدنية وقت الغداء - لكن هذه اللحظات لم تكن كاملة، بل كانت محطمة. ~~والأعين مغمضة، كانت شفاهنا تنطق الكلمات نفسها، لكن في قلوبنا كنا ندعو لأسيادنا، وظل ~~كل منا حبيسا في ذكراه، وتشبثنا جميعا بسحرنا الأحمق. # اعتقدت أنه من الطبيعي لرجل مثل سمولز أن يفهم هذا الأمر. لقد فهم أن الرجال في ~~صالون الحلاقة لم يريدوا أن يكون فوز هارولد في الانتخابات - الذي هو فوزهم - فوزا ~~مهنيا، ولم يريدوا سماع أن مشكلاتهم كانت أكثر صعوبة من التعامل مع مجموعة من ~~أعضاء مجلس مدينة بيض ماكرين أو أن الإصلاح لم يكن كاملا. كان كل من مارتي ~~وسمولز يعرفان أنه في السياسة - كما هو الحال في الدين - تكمن السلطة في اليقين، وأن ~~يقين أحد الأفراد دائما ما كان يهدد يقين الآخر. # بعد ذلك أدركت وأنا واقف في موقف سيارات ms170 خال خاص بمطعم ماكدونالدز في الجانب الجنوبي ~~من شيكاغو أنني كنت مهرطقا. وربما كنت أسوأ من ذلك لأن المهرطق لا بد وأن يكون مؤمنا ~~بشيء ما، إن لم يكن شيئا أكثر من حقيقة شكه. # | الفصل التاسع # يقع مشروع الإسكان العام «ألتجيلد جاردنز» عند الطرف الجنوبي لمدينة شيكاغو، ويضم ~~2000 شقة سكنية تحتويها مجموعة من المباني المبنية بالطوب من طابقين ذات أبواب ضخمة ~~خضراء اللون ونوافذ غير نظيفة موحدة الشكل. كان الجميع يشير إلى هذا المشروع على سبيل ~~الاختصار باسم «الجاردنز»، على أنني لم أعرف، إلا فيما بعد، السخرية الكامنة وراء ~~الاسم الذي يبعث على الشعور بشيء نضر وينعم بعناية فائقة؛ أي الأرض المقدسة. # صحيح أن هذا المشروع كان يحده من جهة الجنوب بستان أشجار، وكان نهر كالوميت يجري ~~في جنوبه وغربه حيثما كان يشاهد في بعض الأحيان رجال يصطادون بدون اهتمام في المياه ~~المعتمة. لكن الأسماك التي كانت تسبح في هذه المياه كثيرا ما كان لونها متغيرا، ~~وعدسات عينها معتمة، إلى جانب وجود تضخم خلف خياشيمها. لذا لم يكن الناس يأكلون ما ~~يصطادونه إلا في حالة الضرورة فحسب. # وعلى الجانب الآخر من الطريق السريع، إلى الشرق، يوجد مقلب نفايات بحيرة كالوميت الذي ~~يعتبر هو الأكبر من نوعه في الغرب الأوسط. # وإلى الشمال وبمجرد عبور الشارع مباشرة، يوجد مصنع «ميتروبوليتان سانيتاري ديستريكت» ~~لمعالجة مياه الصرف الصحي بالحي. لم يكن سكان مشروع ألتجيلد يرونه أو يرون الأوعية ~~الضخمة المفتوحة التي كانت تستخدم لمعالجة السوائل والتي كانت ممتدة على مساحة تقترب ~~من الميل كجزء من مشروعات التجميل الحديثة؛ إذ أقام الحي جدارا مرتفعا أمام المصنع ~~مبعثر حوله عدد كبير من الشجيرات التي زرعت على عجل والتي رفضت أن تنمو شهرا تلو ~~الآخر، فكانت تشبه الشعيرات المبعثرة على رأس رجل أصلع. على أن المسئولين ظلوا مكتوفي ~~الأيدي أمام الرائحة العفنة المركزة التي كانت تختلف حدتها طبقا لدرجة الحرارة ~~واتجاه الرياح، وكانت تتسرب من النوافذ مهما كان إغلاقها محكما. # روائح نتنة، ومواد سامة، وأرض خواء، ms171 ومنطقة غير مأهولة بالسكان. فقد استقبلت الأميال ~~المربعة المحيطة بمشروع ألتجيلد لقرابة قرن مخلفات أعداد هائلة من المصانع، وهذا هو ~~الثمن الذي دفعه الناس مقابل وظائفهم ذات الأجر المرتفع. والآن بعد أن فقدت هذه ~~الوظائف، وغادر الناس الذين كان بإمكانهم الحصول عليها، أصبح من الطبيعي استخدام هذه ~~الأرض كمقلب للنفايات. # استخدمت الأرض كمقلب للنفايات، وكمكان لإقامة السود الفقراء. ربما كان مشروع ألتجيلد ~~يتميز عن المشاريع الأخرى في المدينة بانعزاله الطبيعي إلا إنه كان يشترك معها في تاريخ ~~واحد؛ فجميعها يعبر عن أحلام الإصلاحيين لبناء مجمعات سكنية لائقة للفقراء، ~~والأساليب السياسية التي عملت على تركيز هذه التجمعات بحيث تكون بعيدة عن أحياء البيض ~~ومنعت العائلات العاملة من العيش هناك، واستخدام هيئة الإسكان بشيكاغو كمقر للمحسوبيات، ~~وسوء الإدارة المترتبة على كل ذلك الإهمال. لم يكن هذا المشروع على درجة السوء نفسها ~~التي اتصفت بها مشاريع الإسكان شاهقة الارتفاع بشيكاغو أمثال مشروع روبرت تيلورز أو ~~مشروع كابريني جرينز التي يجد المرء فيها بيت الدرج وهو أسود كالفحم، والأروقة المتسخة ~~بالبول، وتحدث فيها حوادث إطلاق النار على نحو عشوائي. أما مشروع ألتجيلد فإن معدل ~~إشغال الشقق فيه ظل مستقرا عند نسبة 90٪، وإذا سنحت لك فرصة دخول إحدى شقق هذا ~~المشروع فستجدها في أغلب الأحوال نظيفة ومرتبة، بل ستجد أيضا بعض اللمسات التي تعبر ~~عن فكرة الحنين للوطن مثل القماش المزركش الموضوع لكي يغطي أقمشة التنجيد الممزقة، ~~وكذلك نتيجة الحائط القديمة التي ظلت في مكانها بسبب مناظر الشاطئ الاستوائي الموجودة ~~عليها. # في ذلك الحين بدا كل شيء خاص بالجاردنز في حالة سيئة باستمرار. أسقف انهارت المواد ~~التي تغطيها. ومواسير منفجرة. ومراحيض مسدودة. وآثار موحلة لإطارات السيارات التي ميزت ~~المروج السمراء القاحلة التي تتناثر فيها أصص الزهور الفارغة والمكسورة والمائلة والتي ~~تكاد تكون مدفونة في الأرض. وقد توقف المسئولون عن الصيانة في هيئة الإسكان بشيكاغو ~~عن مجرد حتى التظاهر بأن الإصلاحات ستدخل حيز التنفيذ في القريب العاجل. لذا فإن معظم ~~الأطفال في ألتجيلد ترعرعوا دون مجرد ms172 رؤية أية حديقة. كانوا أطفالا لم يستطيعوا رؤية ~~شيء سوى استنفاد كل ما حولهم، وأدركوا أن هناك نوعا من المتعة في الإسراع في تخريب ~~الأشياء. # توجهت إلى ألتجيلد من شارع 131 ثم توقفت أمام كنيسة «أور ليدي أوف ذا جاردنز» ~~التي كانت بناء من الطوب يقع في مؤخرة المشروع. ذهبت إلى هناك لمقابلة بعض قادتنا ~~الرئيسيين للتحدث معهم بشأن المشكلات التي تواجه عملنا التنظيمي، وكيف يمكننا إعادة ~~الأمور إلى مسارها الطبيعي مرة أخرى. لكنني عندما أوقفت محرك السيارة وشرعت في أخذ ~~حقيبة يدي، حدث شيء أوقفني فجأة. ولعله كان المنظر الذي رأيته؛ فقد كان لون السماء ~~رماديا خانقا. أغمضت عيني، واتكأت برأسي على مقعد السيارة وشعرت بأنني المساعد الأول ~~لربان سفينة مشرفة على الغرق. # مضى أكثر من شهرين على اجتماع الشرطة العديم الفائدة، والأمور قد ازدادت سوءا. إذ لم ~~يحدث في هذه الفترة أي اعتصامات أو مظاهرات أو إنشاد أغان عن الحرية. بل كانت هناك ~~سلسلة من الأخطاء وسوء الفهم والاستياء والتوتر. وكان جزء من المشكلة يرجع إلى قاعدتنا ~~التي - على الأقل في المدينة - لم تكن كبيرة على الإطلاق؛ فلم تكن هناك سوى ثماني ~~أبرشيات كاثوليكية تتوزع على بعض الأحياء، وكان رعايا الكنيسة كلهم من ذوي البشرة ~~السوداء إلا أن القساوسة كانوا من البيض. كان هؤلاء القساوسة منطوين على أنفسهم ~~ومعزولين عن المجتمع، وكان معظمهم من أصل بولندي أو أيرلندي، وقد التحقوا بالمدرسة ~~اللاهوتية للتدريب على عمل القساوسة في ستينيات القرن العشرين بنية خدمة الفقراء ~~ومداواة جرح المعاناة العنصرية، لكنهم كانوا يفتقرون إلى حماسة أسلافهم المبشرين؛ كانوا ~~أطيب قلبا ولعلهم كانوا رجالا أفضل، لكنهم كانوا أيضا أكثر حمقا فيما يتعلق بما ~~يستجد عليهم من أمور. رأى هؤلاء الرجال بالفعل أن مواعظ الأخوة والمودة التي يلقونها ~~يداس عليها بأقدام البيض المذعورين، ووجدوا أن مساعيهم لتعيين أعضاء جدد قوبلت بشكوك ~~ذوي الوجوه السوداء - غالبا المعمدانيين والميثوديين والخمسينيين - الذين يحيطون ~~كنائسهم الآن. أقنعهم مارتي بأن التنظيم سيقضي على هذه العزلة، وأنه لن يوقف ms173 انحدار ~~مستوى الأحياء إلى الأسوأ فقط بل سيمد أبرشياتهم بالطاقة من جديد ويجدد أرواحهم. ومع ~~ذلك فقد كان هذا الأمل ضعيفا، وعندما التقيت بهم كانوا قد استسلموا بالفعل لشعورهم ~~بخيبة الأمل. # قال لي أحد القساوسة: «الحقيقة أن معظمنا هنا يسعى إلى الرحيل عن المنطقة.» وتابع: ~~«السبب الوحيد وراء بقائي هو عدم رغبة أحد في أن يحل محلي.» # كانت الروح المعنوية أكثر انخفاضا بين العامة، أي الطبقة السوداء مثل أنجيلا وشيرلي ~~ومنى، السيدات الثلاث اللاتي قابلتهن يوم الاجتماع الحاشد واللاتي كن مفعمات ~~بالحيوية وخفيفات الظل، واللاتي استطعن إلى حد ما - دون وجود زوج يساعدهن - تربية ~~أبناء وبنات، وإيجاد الوقت الكافي للعمل في وظائف بدوام جزئي وفي مشروعات صغيرة، ~~وتنظيم فرق كشافة للبنات وعروض أزياء ومعسكرات صيف للأطفال الذين يذهبون إلى الكنيسة ~~كل يوم. وما دام أي من هؤلاء السيدات لا تعيش في ألتجيلد - إذ كن يملكن منازل ~~صغيرة غرب المشروع مباشرة - سألتهن في إحدى المرات عما دفعهن لهذا النشاط، وقبل أن ~~أنهي سؤالي دارت أعينهن داخل محاجرها. # قالت أنجيلا لشيرلي: «انتبهي جيدا يا فتاة من باراك» فضحكت منى ضحكة خافتة. ~~وتابعت أنجيلا: «يبدو أن باراك يوشك أن يجري معك مقابلة. هذا ما يرتسم على ~~وجهه». # ردت شيرلي وقالت: «إننا سيدات في منتصف العمر نشعر بالملل يا باراك، إلى جانب أننا ~~ليس لدينا أفضل من ذلك نفعله لنستغل به وقتنا. لكن ...» في هذه اللحظة، مدت شيرلي ~~يدها ووضعتها على وركها النحيفة لتأخذ من جيبها سيجارة، ورفعت السيجارة إلى شفتيها - ~~تماما كنجمة سينما - وأضافت: «أما إذا ظهر على الساحة فتى أحلامنا! فوقتها سنودع ~~ألتجيلد ونرحب بمونت كارلو!» # لم أكن قد سمعت أي مزاح منهن مؤخرا، وكان كل ما أسمعه شكاوى. فقد شكون من أن ~~مارتي لم يكن مهتما بألتجيلد. كما شكون من كونه متغطرسا ولم يكن يستمع إلى ~~اقتراحاتهن. # في الغالب الأعم كن يشكون من بنك الوظائف الجديد الذي كنا قد أعلنا عنه ليلة ~~الاجتماع الحاشد الذي صاحبه جلبة كبيرة. إلا أنه اتضح ms174 أنه بنك مفلس. فطبقا لتخطيط ~~مارتي كان من المفترض أن تدير هذا البرنامج جامعة حكومية تقع خارج الضواحي، وقال إن ~~هذا الاختيار يتعلق بالفاعلية حيث إن الجامعة مشتملة بالفعل على أجهزة كمبيوتر معدة ~~للاستخدام. ولكن لسوء الحظ، بعد مرور شهرين من الميعاد المتفق عليه لبدء عمل البنك، ~~لم يوفر البرنامج وظيفة لأحد. ويرجع ذلك إلى أن أجهزة الكمبيوتر لم تكن تعمل بصورة ~~صحيحة؛ فإدخال البيانات كان يجري على نحو خاطئ، كان يجري إرسال الناس لإجراء مقابلات ~~للحصول على وظائف لم تكن موجودة. كان مارتي غاضبا للغاية مما يحدث، وعلى الأقل مرة ~~أسبوعيا كان عليه أن يذهب إلى الجامعة، وكان يسب ويلعن بألفاظ غير مسموعة وهو ~~يحاول انتزاع إجابات من المسئولين الذين بدوا أكثر اهتماما ببرنامج التمويل للعام ~~التالي. لكن السيدات اللاتي كن يقطن في ألتجيلد لم يكن مهتمات بإحباط مارتي. ~~وكل ما كن يعرفنه هو أن 500 ألف دولار قد أنفقت بالفعل في مكان ما لكن لمصلحة ~~ضاحية غير تلك التي يسكنها. ورأى ثلاثتهن أن بنك الوظائف دليل واضح على أن مارتي ~~استغلهن من أجل تنفيذ برنامج عمل سري أبعد عنهن بطريقة أو بأخرى الوظائف التي وعدن ~~بها ليحصل عليها البيض في الضواحي. ~~«إن مارتي يبحث فقط عن مصلحته الخاصة»، هكذا قالت السيدات بتذمر. # بذلت كل ما في وسعي حتى أسوي هذا الخلاف، وكنت أنفي عن مارتي تهم العنصرية، ~~مقترحا عليه أن يكون أكثر دبلوماسية في التعامل معهن. لكنه أخبرني أنني كنت أضيع ~~وقتي. فوفقا لكلامه، كان السبب الوحيد لغضب أنجيلا والقادة الآخرين في المدينة هو رفضه ~~تعيينهم في إدارة البرنامج. وقال: «هذا هو سبب فشل ما يطلق عليه المؤسسات المجتمعية ~~هنا. حيث يبدءون بأخذ أموال الحكومة وتعيين عدد كبير من الموظفين الذين لا يفعلون أي ~~شيء. وسرعان ما تدار هذه المؤسسات على أساس المحسوبية لخدمة الزبائن وتلبية رغباتهم. ~~ليس القادة. بل الزبائن.» نطق الرجل هذه الكلمات بازدراء شديد، كما لو كانت كلمات ~~بذيئة. وأضاف: «يا إلهي، إنني أشعر باشمئزاز ms175 بمجرد تفكيري في الأمر.» # بعد ذلك استطرد مارتي قائلا لي بعدما رأى نظرة القلق لا تزال بادية على وجهي: «انظر ~~يا باراك، إذا كنت ستؤدي هذا العمل فإن عليك أن تتوقف عن القلق بشأن ما إذا كان ~~الناس يحبونك أم لا. فإنهم لن يفعلوا.» # رأى مارتي أن المحسوبية والسياسة وجرح المشاعر والشكوى من العنصرية أشياء تنتمي لفئة ~~واحدة، وأنها تشتت انتباهه عن هدفه الأكبر وتفسد قضية سامية. وحتى هذا الحين كان ما ~~زال يحاول الحصول على إدخال اتحاد النقابات في المسألة مقتنعا بأن أفراده سيسدون ~~النقص في صفوفنا، ويصلون بسفينتنا إلى بر الأمان. وفي يوم من أواخر شهر سبتمبر طلب ~~مارتي مني ومن أنجيلا الذهاب معه في اجتماع مع مسئولي الاتحاد من شركة «إل تي في ~~ستيل» لإنتاج الصلب، التي كانت واحدة من شركات إنتاج الصلب القلائل الباقية في المدينة. ~~وقد استغرق الأمر من مارتي ما يزيد عن شهر للإعداد لهذا الاجتماع، وكان يفيض بالحيوية ~~في هذا اليوم، وسريعا في تحدثه عن الشركة والاتحاد والمراحل الجديدة في الحملة ~~التنظيمية. # في نهاية الأمر دخل القاعة رئيس الفرع المحلي للاتحاد - وكان شابا وسيما ~~أيرلنديا انتخب حديثا بعد أن وعد بالإصلاح - ومعه رجلان ضخما الجثة من ذوي البشرة ~~السوداء؛ هما أمين صندوق الاتحاد ونائب الرئيس. وبعد تعارفنا جلسنا كلنا، وتحدث مارتي ~~عما يسعى إلى تحقيقه محاولا إقناع الحضور. وقال إن الشركة تتأهب للخروج من سوق إنتاج ~~الصلب، وإن اتفاقيات رفع الأجور لن تؤدي إلا إلى زيادة أمد المعاناة. وإذا كان الاتحاد ~~يريد استمرار الوظائف فإن عليه اتخاذ إجراءات جريئة وجديدة. من هذه الإجراءات الاجتماع ~~بمسئولي الكنائس، ورسم خطة للحوافز المادية التي سيحصل عليها العاملون الذين استغني ~~عنهم. والتفاوض مع مجلس المدينة للحصول على امتيازات خلال هذه الفترة الانتقالية فيما ~~يخص المرافق ومعدلات الضريبة. هذا إلى جانب الضغط على البنوك لتقديم القروض التي يمكن ~~استخدامها للاستثمار في التكنولوجيا الجديدة الضرورية لإعادة المصنع إلى المنافسة مرة ~~أخرى. # في أثناء حديثه المنفرد الطويل تململ مسئولو الاتحاد ms176 في مقاعدهم. وأخيرا وقف الرئيس ~~وأخبر مارتي أن أفكاره تستحق دراسة أكثر استفاضة، لكن الاتحاد في هذا الحين عليه أن ~~يركز على اتخاذ قرار فوري بخصوص عرض الإدارة. وبعد ذلك - في موقف السيارات - جاءني ~~مارتي وهو يهز رأسه وكانت تعلو وجهه نظرة تدل على الاندهاش. # قال: «إنهم ليسوا مهتمين.» وتابع: «لا حياة لمن تنادي.» # شعرت بالأسف لما حدث لمارتي. وشعرت بأسف أكبر لأنجيلا. فهي لم تنطق بكلمة واحدة ~~أثناء الاجتماع، لكن عندما تحركت بالسيارة من موقف سيارات الاتحاد لتوصيلها إلى ~~منزلها استدارت نحوي وقالت: «لم أفهم كلمة واحدة مما قاله مارتي.» # أعتقد أنني حينئذ فهمت صعوبة ما كان مارتي يحاول إنجازه، ومدى عمق تقديره الخاطئ ~~للأمور. وفي الواقع لم يكن الحال مع أنجيلا أنها لم تستطع فهم بعض التفاصيل في حديث ~~مارتي، ففي أثناء حديثنا تجلى لي أنها فهمت حديثه، على الأقل كما فهمته أنا. لكن ~~المعنى الحقيقي لملاحظتها كان متمثلا في أنها شكت في علاقة ما قاله بموقفها الشخصي ~~المطالب بالإبقاء على مصنع إل تي في مفتوحا. إن التنظيم بالتعاون مع الاتحادات كان ~~يمكن أن يساعد بعض السود الذين ظلوا في المصانع في الاحتفاظ بوظائفهم، وهذا لم يكن ~~سيؤثر على قوائم العاطلين عن العمل في القريب العاجل. ربما كان بنك الوظائف سيساعد ~~العمال الذين يملكون بالفعل مهارات وخبرة في العثور على وظيفة أخرى، لكنه لم يكن ~~بالطبع سيعلم المراهقين السود الذين تركوا التعليم كيفية القراءة أو الحساب. # بعبارة أخرى، فإن الأمر كان مختلفا للسود. كما أنه مختلف وقت كتابتي هذا، تماما كما ~~كان مختلفا لأجداد أنجيلا الذين استبعدتهم الاتحادات وبصق عليهم وكأنهم مصابون ~~بالجرب، وكان مختلفا أيضا لوالديها اللذين استبعدا أيضا من شغل الوظائف الأفضل التي ~~كان يعين الموظفون فيها على أساس المحسوبية والتي كان جهاز الكمبيوتر يوفرها قبل أن ~~تصبح كلمة محسوبية من غير اللائق استخدامها. وفي أوج حماس مارتي لإعلان الحرب على ~~سماسرة السلطة في وسط المدينة، وأصحاب البنوك الاستثمارية في حللهم الفاخرة، أراد طرح ~~هذه الاختلافات ms177 جانبا بصفتها جزءا من الماضي التعيس. لكن شخصا مثل أنجيلا، كان ~~الماضي عندها هو نفسه الحاضر؛ إذ كان ذلك الماضي هو الذي شكل عالمها إلى الأبد بقوة ~~أكثر واقعية من أية فكرة خاصة بتضامن الطبقات. وأوضح الكثير عن سبب عدم قدرة المزيد ~~من السود على الانتقال إلى الضواحي في الوقت الذي كان فيه هذا الانتقال مفيدا، وسبب ~~عدم تمكن المزيد منهم من اللحاق بركب الحلم الأمريكي. وسبب انتشار البطالة واتصافها ~~بأنها أكثر حدة في الأحياء التي يقطنها السود، واستمرارها لوقت أطول من استمرارها في ~~الأحياء الأخرى، وسبب نفاد صبر أنجيلا من الذين يريدون التعامل مع البيض والسود على ~~قدم المساواة. # وهكذا فسر هذا الماضي مشروع ألتجيلد. ~~••• # نظرت إلى ساعتي ووجدت أن الساعة الثانية و10 دقائق. قد حان الوقت لمواجهة العقاب على ~~ما صنعته يداي. فخرجت من السيارة وضربت جرس باب الكنيسة. وفتحت أنجيلا وأرشدتني إلى ~~غرفة كان ينتظرني فيها القادة الآخرون: شيرلي ومنى وويل وماري، والأخيرة سيدة بيضاء ~~سوداء الشعر وهادئة كانت تقوم بالتدريس لتلاميذ المرحلة الابتدائية في المدرسة التابعة ~~لكنيسة سانت كاترين. اعتذرت عن تأخري وصببت لنفسي بعض القهوة وجلست على عتبة ~~النافذة. # قلت: «إذن، لماذا هذه الوجوه الحزينة؟» # قالت أنجيلا: «سنترك العمل.» ~~«من الذي سيترك العمل؟» # هزت أنجيلا كتفيها وقالت: «حسنا ... إنني ... أعتقد ... لا أستطيع أن أتحدث ~~نيابة عن الجميع.» # تجولت ببصري في الغرفة. وتجنب القادة النظر إلي وكأنهم هيئة محلفين نطقت ~~حكما في غير مصلحتي. # استمرت أنجيلا في حديثها معي، وقالت: «إنني آسفة يا باراك.» وأضافت: «إن الأمر ليس ~~متعلقا بك على الإطلاق. فالحقيقة هي أننا متعبون فقط. نحن في هذا الموقف منذ عامين ولم ~~نستطع التقدم خطوة واحدة.» ~~«إنني أتفهم إحباطكم يا أنجيلا. نحن جميعا محبطون إلى حد ما. ومع ذلك فإنكم في ~~حاجة إلى أن تعطوا هذه المسألة مزيدا من الوقت؛ فنحن ...» # قاطعتني شيرلي قائلة: «ليس لدينا مزيد من الوقت.» وتابعت: «إننا لا نستطيع الاستمرار ~~في إعطاء الوعود لأهلنا، ولا يحدث شيء بعدها. إننا نحتاج ms178 إلى فعل شيء الآن.» # في أثناء محاولتي التفكير في شيء آخر أقوله، أخذت أحرك فنجان القهوة. ارتبكت ~~الكلمات في رأسي، وللحظة تملكني الذعر. وبعدها تحول الذعر إلى غضب. وكان هذا الغضب ~~من مارتي لأنه أحضرني إلى شيكاغو. كما كان غضبي من القادة لكونهم قصيري النظر. وكنت ~~غاضبا من نفسي للاعتقاد في أنه كان بإمكاني رأب الصدع بينهم جميعا. وعلى حين غرة، ~~تذكرت ما قاله لي فرانك ذات ليلة في هاواي، بعدما سمعت أن جدتي فزعت من ذلك الرجل ~~الأسود. # قال لي فرانك وقتها، إن الحال هكذا على الدوام. وأضاف أنني ربما أيضا أعتاد ~~ذلك. # في ظل حالة الكآبة والحزن الشديد التي انتابتني نظرت من النافذة ورأيت مجموعة من ~~الصبية مجتمعين في الشارع. وكانوا يقذفون بالحجارة نافذة ذات ألواح خشبية خاصة بإحدى ~~الشقق الخالية، وكانوا يغطون رءوسهم وأعناقهم بقلنسوة بطريقة جعلتهم وكأنهم صور ~~مصغرة للرهبان. وقام أحدهم بمد يده لينتزع قطعة من رقائق خشب الأبلكاش كانت مثبتة ~~بمسامير عند باب الشقة إلا إنه تعثر وسقط على الأرض مما جعل الآخرين يضحكون. وفجأة ~~شعرت أنني أريد الانضمام إليهم، وأريد أن أقتلع الأرض الميتة التي نقف عليها، جزءا. ~~لكنني بدلا من أن أفعل ذلك اتجهت إلى أنجيلا، وأشرت إلى النافذة. # قلت: «دعيني أطرح عليك سؤالا: ماذا تعتقدين أن يحدث لهؤلاء الصبية؟» ~~«باراك ...» ~~«لا، إنني أسأل فقط. إنك تقولين إنكم متعبون، وبالطبع فإن تلك هي حالة الأغلبية هنا. ~~لذا إنني لا أحاول إلا معرفة ما سيحدث لهؤلاء الصبية. ومن الذي سيتأكد من أنهم أتيحت ~~لهم فرصة بالفعل؟ عضو مجلس المدينة؟ أم الاختصاصيون الاجتماعيون؟ أم العصابات؟» # كنت في ذلك الحين أسمع صوتي وهو يرتفع لكنني لم أتوقف. وقلت لهم: «أتعرفون، إنني لم ~~أحضر إلى هنا لأنني كنت في حاجة إلى وظيفة. بل حضرت لأن مارتي قال لي إنه يوجد هنا ~~بعض الأفراد الجادين في فعل شيء يساعد في تغيير أحيائهم. إنني لا أهتم بما حدث في ~~الماضي. أعرف أنني هنا الآن وأنا ملتزم بالعمل معكم. ms179 وإذا كانت هناك مشكلة، علينا إذن ~~أن نحلها. وإذا كنتم تعتقدون أنه لن يحدث شيء بعد العمل معي، فإنني سأكون أول من ~~يخبركم بأن تتركوا العمل. لكن إن كنتم جميعا تخططون لترك العمل الآن، فإنني أريد ~~منكم الإجابة عن سؤالي.» # توقفت عن الحديث، محاولا النظر إلى وجوههم كافة لمعرفة ما يدور برءوسهم. كانوا قد ~~بدت عليهم الدهشة بسبب ثورتي مع أنهم لم يكونوا مندهشين مثلي على الإطلاق. عرفت وقتها ~~أنني كنت واقفا على أرض هشة، ولم أكن قريبا بما يكفي لأي منهم حتى أستطيع أن أتأكد ~~من أن حديثي حقق نتائج غير مرغوبة. في هذه اللحظة بالذات لم يكن أمامي أي بديل. أما ~~عن الصبية فكانوا قد غادروا وساروا في الشارع، وذهبت شيرلي لتحضر المزيد من القهوة ~~لنفسها، وبعد قرابة 10 دقائق، تحدث ويل أخيرا. # قال: «إنني لا أعرف شعور بقية الحضور، لكنني أعتقد أننا تحدثنا عن هذا الموضوع ~~القديم وقتا طويلا بما يكفي. إن مارتي يعلم أننا نواجه مشكلات. ولذا عين باراك. ~~أليس ذلك صحيحا يا باراك؟» # أومأت برأسي بالإيجاب متحفظا. ~~«إن الأوضاع لا تزال سيئة هنا. ولم يتحرك ساكن.» وأضاف وهو يلتفت تجاهي: «لذا فإن ما ~~أريد معرفته هو ما سنفعله بدءا من هذه اللحظة فصاعدا.» # أخبرته بالحقيقة. قلت: «لا أعرف يا ويل، فلتخبرني أنت.» # ابتسم ويل وشعرت أن الأزمة الحالية التي كنا نمر بها قد انتهت. ووافقت أنجيلا على ~~السماح بفرصة أخرى لبضعة أشهر. وأعلنت عن موافقتي على تخصيص مزيد من الوقت لألتجيلد. ~~وقضينا نصف الساعة التالية نتحدث عن الاستراتيجية وتوزيع المهام. وفي طريقنا للخارج ~~ظهرت منى وأخذتني من ذراعي للتحدث معي. ~~«لقد أدرت هذا الاجتماع بصورة طيبة يا باراك. يبدو أنك تعرف ما تفعل.» ~~«لا يا منى. إنني لا أعرف ما أفعل.» # ضحكت منى. وقالت: «حسنا، أعدك بأنني لن أقول لأحد.» ~~«إنني أقدر لك ذلك. من المؤكد أقدره.» ~~••• # في مساء اليوم نفسه اتصلت بمارتي وأخبرته ببعض ما حدث، لكنه لم يندهش حيث إن العديد ~~من كنائس ms180 الضواحي كانت قد بدأت بالفعل في الانسحاب. أعطاني مارتي بعض الاقتراحات بخصوص ~~التعامل مع قضية التوظيف في ألتجيلد، ونصحني بعدها أن أحسن اختيار مسار الحديث في ~~المقابلات التي أجريها. # قال: «إنك ستحتاج يا باراك إلى بعض القادة الجدد. إن ويل رجل رائع، لكن هل تعتقد أنك ~~ستعتمد عليه فعليا في تخليص المؤسسة من المصاعب المالية التي تواجهها؟» # فهمت ما كان مارتي يرمي إليه. وعلى قدر إعجابي بويل وتقديري لدعمه، كان علي أن ~~أعترف بأن بعضا من أفكاره كانت ... حسنا ... غريبة بعض الشيء وغير تقليدية. فهو يحب ~~تدخين سجائر الماريجوانا في نهاية يوم العمل (وكان يقول: «إن لم يكن الرب يريد منا ~~تدخين هذا الشيء، لم يكن ليخلقه من الأساس.») بالإضافة إلى أنه كان يغادر أي اجتماع ~~يرى أنه ممل. وكلما اصطحبته معي في مقابلة مع أعضاء كنيسته بدأ بالجدال معهم بخصوص ~~قراءتهم غير الصائبة للكتاب المقدس، أو الأسمدة التي يختارونها لمروجهم، أو دستورية ~~ضريبة الدخل (وكان يشعر أن الضريبة تتعدى على ميثاق الحقوق، ومن ثم رفض عن عمد ~~دفعها). # لقد أخبرته ذات مرة: «ربما لو كنت تستمع إلى الآخرين أكثر من ذلك لأصبحوا أكثر ~~تجاوبا معك.» # هز ويل رأسه. وقال: «إنني أستمع بالفعل إليهم. وتلك هي المشكلة. لأن كل ما ~~يقولونه خطأ.» # بعد فض الاجتماع في ألتجيلد لاحت لويل فكرة جديدة. وقال لي: «إن هؤلاء الزنوج ~~المفتقرين إلى النظام في كنيسة سانت كاترين لن يفعلوا إطلاقا أي شيء.» وأضاف: «إذا ~~كنا نريد تحقيق شيء معين يجب أن ننزل إلى الشوارع!» أوضح ويل أن العديد من الناس ممن ~~يعيشون بجوار كنيسة سانت كاترين مباشرة عاطلون وفي كفاح مستمر، وقال إن هؤلاء هم الذين ~~ينبغي لنا استهدافهم. ولأنهم ربما لا يتقبلون فكرة حضور اجتماع تستضيفه كنيسة ~~أجنبية فإن علينا عقد مجموعة متتالية من الاجتماعات في زاوية الشارع بالقرب من ضاحية ~~ويست بولمان، مما يسمح لهم بالاجتماع معنا على أرض محايدة. # في البداية شككت في هذا الأمر، لكن لأنني لم أكن مستعدا لإحباط ms181 أية مبادرة ساعدت ~~ويل وماري في إعداد نشرة دعائية لتوزع على المباني السكنية الأقرب إلى الكنيسة. وبعد ~~أسبوع وقف ثلاثتنا في زاوية الشارع في ظل رياح أواخر الخريف. ظل الشارع فارغا في ~~البداية، ولم تكن فيه سوى ظلال صفوف المنازل ذات الطابق الواحد المبنية من الطوب. بعد ~~ذلك بدأ الناس في الظهور رويدا رويدا - واحد أو اثنان في كل مرة - وكانت السيدات ~~ترتدي قبعات فوق رءوسهن، والرجال يرتدون قمصانا صوفية أو سترات ثقيلة، وكانوا جميعا ~~يجرون أقدامهم فوق أوراق النباتات، ويتحركون تجاه دائرة التجمع الآخذة في ~~الاتساع. وعندما بلغ عدد الحضور 20 شخصا أو ما يقرب من ذلك أوضح ويل أن كنيسة سانت ~~كاترين كانت جزءا من جهد تنظيمي أكبر «وأننا نريد منكم أن تتحدثوا مع جيرانكم بشأن ~~جميع الأشياء التي تشكون منها في حياتكم.» # قالت إحدى السيدات: «حسنا، إن كل ما أستطيع أن أقوله الآن هو أن الأمر متعلق ~~بالوقت.» # ولقرابة ساعة تحدث الناس عن الحفر التي تملأ الطرقات، وعن البالوعات وإشارات ~~المرور وقطع الأرض المهجورة. ومع اقتراب الغسق أعلن ويل عن انتقال مقر الاجتماعات إلى ~~الطابق الأرضي بكنيسة سانت كاترين بدءا من الشهر التالي. وفي طريق عودتنا إلى الكنيسة ~~سمعت صوت الناس خلفنا، يهمس في ضوء النهار المنقضي. وفي ذلك الوقت اتجه ويل نحوي ~~وابتسم. # قال: «ألم أقل لك؟» # كررنا عقد هذه الاجتماعات في زاوية الشارع في ثلاث ... أربع ... أو خمس مناطق ~~سكنية، وكان ويل يجلس في المنتصف مرتديا ياقة القس وسترة فريق شيكاغو كابس للبيسبول، ~~وكانت ماري تدور على الناس في الزحام وبيدها أوراق تسجيل الحضور. وعندما نقلنا ~~الاجتماعات إلى داخل الكنيسة كان لدينا جمع من الناس يبلغ قرابة 30 شخصا مستعدا ~~للعمل معنا في مقابل الحصول على شيء ليس أكثر من فنجان قهوة. # قبل هذا الاجتماع كنت قد وجدت ماري بمفردها في قاعة الكنيسة تعد إبريقا من ~~القهوة. وكان جدول أعمال الأمسية مطبوعا بصورة منظمة على ورقة معلقة على الحائط، ~~هذا بالإضافة إلى أن المقاعد كانت ms182 جاهزة. وفي أثناء بحث ماري في الخزانة عن السكر ~~ومبيض القهوة لوحت إلي وأخبرتني أن ويل سيتأخر قليلا. # سألت ماري: «أتريدين أية مساعدة؟» ~~«أتستطيع إحضار السكر؟» # أحضرت السكر من الرف العلوي. وقلت لها: «أتريدين شيئا آخر؟» ~~«لا، أعتقد أننا مستعدون الآن.» # جلست وشاهدت ماري وهي تنتهي من إعداد فناجين القهوة. كانت ماري من الأشخاص الذين ~~يصعب فهمهم، حقا كانت كذلك؛ فلم تكن تفضل الكلام كثيرا عن نفسها أو ماضيها. ~~وعرفت أنها كانت الوحيدة من ذوي البشرة البيضاء في المدينة التي تعمل معنا، فكانت واحدة ~~من نحو خمسة أشخاص بيض لا يزالون في ضاحية ويست بولمان. هذا بالإضافة إلى أنني عرفت ~~أيضا أن لها ابنتين - إحداهما تبلغ من العمر 10 سنوات والأخرى 12 سنة - وكانت أصغرهما ~~تعاني عجزا جسديا تسبب في صعوبة مشيها وتطلب علاجا منتظما. # وعلمت أن والدها لم يكن له وجود في حياتها، مع أنها لم تنبس ببنت شفة عن هذا ~~الموضوع. وعلى مدار عدة أشهر علمت أشياء قليلة عن كونها قد تربت في مدينة صغيرة في ~~ولاية إنديانا، وكانت تنتمي لعائلة أيرلندية كبيرة من الطبقة العاملة. وعلى ما يبدو ~~فإنها قابلت رجلا من ذوي البشرة السوداء هناك ونمت بينهما علاقة في السر وبعدها ~~تزوجا، رفضت عائلتها التحدث معها بعد ذلك، ورحل الزوجان الحديثا الزواج إلى ضاحية ~~ويست بولمان، حيث اشتريا منزلا صغيرا. بعد ذلك تركها زوجها ووجدت ماري نفسها وقد ~~انجرفت إلى عالم لم تكن تعرف عنه إلا القليل، ومن دون أي شيء تملكه سوى المنزل ~~وابنتيها السمراوين أصبحت غير قادرة على العودة إلى العالم الذي عرفته من قبل. # في بعض الأحيان كنت أزور ماري في منزلها زيارة قصيرة لإلقاء التحية عليها فقط، وربما ~~كان الدافع وراء ذلك هو الوحدة التي شعرت بأنها تملأ أرجاء المنزل هناك، والتشابه الذي ~~وجدته بينها وبين أمي، وبيني وبين ابنتيها؛ هاتان البنتان الجميلتان اللتان كانت ظروف ~~معيشتهما أصعب بكثير من ظروف معيشتي، واللتان تهرب منهما جداهما وضايقهما زملاؤهما ~~السود، إلى العديد من ms183 أنواع المعاناة الأخرى. لا يعني كل ذلك أن العائلة لم يكن يساعدها ~~أحد، حيث إن الجيران - بعد أن هجر زوج ماري المنزل - قدموا الكثير من الرعاية ~~والاهتمام بها وبطفلتيها، فكانوا يساعدونهن في إصلاح السقف الذي كانت المياه تتسرب ~~منه، ويدعونهن إلى حفلات الشواء وحفلات أعياد الميلاد، بالإضافة إلى الإطراء على ماري ~~لأي عمل طيب أنجزته. لكن كانت هناك حدود لمدى تقبل الجيران لهذه العائلة وحدود ضمنية ~~للصداقات التي كان بإمكان ماري إقامتها مع السيدات اللاتي قابلتهن، خاصة المتزوجات ~~منهن. لم يكن لديها أصدقاء حقيقيون سوى ابنتيها، والآن انضم إليهم ويل الذي أعطاهن ~~إيمانه غير التقليدي شيئا خاصا شاركنه إياه. # ولأنه لم يكن هناك شيء إضافي يمكن فعله في الاجتماع جلست ماري وشاهدتني وأنا أدون ~~لنفسي الملحوظات سريعا قبل انتهاء الاجتماع مباشرة. ~~«هل تمانع إذا طرحت عليك سؤالا يا باراك؟» ~~«لا، هاتي ما عندك.» ~~«لماذا أراك هنا؟ أقصد لماذا تعمل في هذه الوظيفة؟» ~~«بسبب الجاذبية.» ~~«لا، إنني جادة في هذا السؤال. قلت بنفسك إنك لا تحتاج إلى هذه الوظيفة. هذا إلى ~~جانب أنك لست متدينا للغاية، أليس كذلك؟» ~~«حسنا ...» ~~«لماذا إذن تعمل في الوظيفة؟ ثمة سبب لعملي أنا وويل في هذه الوظيفة. إنه ~~التدين. هذا العمل جزء من عقيدتنا. لكنني لا أعتقد أن الأمر معك يسير على هذا ~~النحو.» # في هذه اللحظة فتح الباب ودخل السيد جرين. وكان رجلا مسنا يرتدي سترة صيد ~~وقبعة، تتدلى حاشيتاها بغير انسيابية أمام ذقنه. ~~«كيف حالك يا سيد جرين؟» ~~«بخير حال. الطقس شديد البرودة لكن ...» # وسرعان ما دخل السيد ألبرت والسيدة تيرنر ثم سائر المجموعة، وكانوا جميعا يرتدون ~~ملابس ثقيلة في ظل أحوال جوية توحي بشتاء مبكر. كانوا يفتحون أزرار المعاطف، وأعدوا ~~القهوة لأنفسهم، واشتركوا في محادثات قصيرة متأنية ساعدت في تدفئة جو الغرفة. وأخيرا ~~دخل ويل مرتديا بنطلون جينز قصيرا وقميصا أحمر مطبوعا على مقدمته «الشماس ويل»، ~~ثم بدأ الاجتماع بعد أن طلب من السيدة جيفري أن تقودنا في الصلاة. وبينما كان الجميع ~~يتحدثون ms184 كنت أدون ملحوظات لنفسي، ولم أكن أتحدث إلا عندما يبدأ الحديث يحيد عن ~~مساره الصحيح. وفي الواقع اعتقدت أن الاجتماع استمر فترة طويلة جدا عندما أضاف ويل ~~نقطة جديدة إلى جدول الأعمال لمناقشتها؛ ولذا انسحب بعض الحضور بعد مرور ساعة. # أعلن ويل قائلا: «قبل أن ننهي الاجتماع أريد منكم أن تجربوا شيئا.» وتابعت: «إننا ~~هنا الآن في مؤسسة اتخذت من الكنيسة مقرا لها، وهذا يعني أن نخصص جزءا من كل ~~اجتماع نتأمل فيه أنفسنا، وعلاقاتنا بعضنا ببعض، وعلاقتنا بالرب. لذا أريد من كل منكم ~~أن يستغرق دقيقة واحدة للتفكير في سبب الحضور إلى هنا الليلة، وفي بعض المشاعر ~~والأفكار الأخرى التي لم تتحدثوا عنها، وبعد ذلك أريد منكم أن تشركوا المجموعة كلها ~~فيها.» # أدى حديث ويل إلى بناء جدار من الصمت استمر بضع دقائق. وأخذ يكرر: «هل يريد أي ~~منكم مشاركة أفكاره مع الآخرين؟» # نظر الناس إلى الطاولة بقلق وتوتر. # فقال ويل: «حسنا.» وتابع: «سأشارككم معي فكرة عالقة في ذهني منذ وقت. إنها ليست ~~مهمة، لكنها مجرد ذكريات. إنكم تعلمون أن أهلي لم يكونوا أثرياء أو شيئا من هذا ~~القبيل. حيث كنا نعيش في ألتجيلد. لكنني عندما عدت بذاكرتي إلى الوراء - إلى أيام ~~الطفولة. تذكرت أوقاتا طيبة بالفعل؛ تذكرت الذهاب إلى بلاكبيرن فورست مع أهلي ~~لقطف ثمار التوت البري. وتذكرت صنع العربات الزلاجة باستخدام أقفاص الفاكهة الفارغة ~~وعجلات أحذية التزلج القديمة مع زملاء نشأت بيننا صداقة عابرة، والتسابق بهذه العربات ~~في موقف السيارات، وتذكرت الذهاب إلى الرحلات الميدانية في المدرسة، ومقابلة جميع ~~العائلات في المتنزه في الإجازات، حيثما كان الجميع خارج منازلهم دون أدنى شعور بالخوف، ~~وفي الصيف كانوا ينامون في الساحات معا إذا كان الطقس شديد الحرارة داخل المنازل. فيض ~~من الذكريات الجميلة ... يبدو الأمر وكأنني لم أكف عن الابتسام طيلة حياتي، أضحك ~~...» # توقف ويل فجأة عن تكملة حديثه وأحنى رأسه. ووقتها اعتقدت أنه يستعد للعطس، لكنه ~~عندما أعلى رأسه مرة أخرى رأيت دموعا تنسال على وجنتيه. استمر في ms185 التحدث بنبرة تنم ~~عن الحزن الشديد، وقال: «كما تعلمون فإنني لا أرى الأطفال يبتسمون هنا على الإطلاق. ~~فأنتم تنظرون إليهم ... وتسمعونهم، يبدو هؤلاء الأطفال في حالة قلق، إنهم غاضبون من ~~شيء ما. فليس لديهم ما يثقون به، لا يثقون بآبائهم. أو بالرب. أو حتى بأنفسهم. وهذا ~~ليس أمرا طيبا وليس من المفترض أيضا أن تأخذ الأمور هذا المسار ... الأطفال لا ~~يبتسمون.» # توقف ويل عن الحديث مرة أخرى والتقط منديلا من جيب بنطلونه الخلفي ليمسح أنفه. ~~بعد ذلك بدأ الحضور بالتحدث عن ذكرياتهم بنبرة كئيبة وجادة، كما لو كانت رؤية هذا ~~الرجل الضخم وهو يبكي قد روت أسطح قلوبهم الجافة. تحدث الناس عن الحياة في المدن ~~الجنوبية الصغيرة، وعن محلات البقالة الصغيرة التي كان يتجمع الرجال عندها لمعرفة ~~أخبار اليوم أو مساعدة السيدات في حمل مشترياتهن، وتحدثوا عن أسلوب عناية الكبار ~~بأطفال الغير؛ فكانوا يقولون لهم: «لن تستطيعوا الإفلات من العقوبة على أي خطأ ~~تقترفونه؛ لأن أمهاتكم لديهن أعين وآذان في البناية كلها.» بالإضافة إلى تحدثهم عن ~~شعور اللياقة العامة الذي ساعدت مثل هذه الألفة بينهم على استمراره. لم أحس في ~~أصواتهم أنها تحمل بين جنباتها أي شعور - ولو ضئيلا - بالحنين، ولم يشتمل إلا على ~~عناصر من ذكريات مختارة، لكن كل ما تذكروه كان صحيحا وقويا فيما يحمله من ~~مشاعر وأحاسيس، كان صوتهم صدى للشعور المشترك بالخسارة. تحولت الغرفة إلى ساحة ~~ارتادها خليط من مشاعر التجربة الحية والإحباط والأمل، تلك المشاعر التي أخذت الشفاه ~~تتناقلها واحدة تلو الأخرى، وعندما تحدث الشخص الأخير حلقت هذه المشاعر في الهواء ~~وظلت ثابتة وأمكن للجميع إدراكها بوضوح. تشابكت أيدينا بعد ذلك، يدي اليسرى في يد ~~السيد جرين القوية السميكة ويدي اليمنى في يد السيدة تيرنر الرقيقة الملمس، ودعونا جميعا ~~أن نمنح الشجاعة لإجراء التغيير. # ساعدت كلا من ويل وماري في إعادة المقاعد إلى أماكنها وغسل أواني إعداد القهوة ~~وإغلاق المكان وإطفاء الأنوار. وفي الخارج كان الطقس باردا ليلا، لكنه لم يكن ~~ملبدا بالغيوم. رفعت ياقة ms186 السترة لأعلى وسرعان ما قيمت الاجتماع. لم يكن ويل يريد ~~استغراق وقت طويل، وكان علينا أن نبحث قضية خدمات المدينة قبل الاجتماع التالي، إلى ~~جانب مقابلة الجميع من الحضور. وبعد أن انتهيت من قائمة البنود التي دونتها وضعت ~~ذراعي حول كتفي ويل وقلت له: ~~«كانت فكرة التأمل في نهاية الاجتماع غاية في الفاعلية يا ويل.» # نظر ويل إلى ماري وابتسما معا. وقالت ماري: «مما لاحظناه أنك لم تشارك مشاعرك مع ~~أي من أفراد المجموعة.» ~~«على المنظم ألا يجذب إليه الأنظار.» ~~«من قال ذلك؟» ~~«دليلي المختصر عن وظيفة المنظم. تعالي معي يا ماري سأوصلك إلى المنزل.» # ركب ويل دراجته ولوح بيده قبل الانطلاق، وركبنا السيارة أنا وماري لتوصيلها إلى ~~منزلها الذي يبعد مسافة أربعة مبان عن مكان الاجتماع. نزلت ماري أمام باب منزلها ~~وشاهدتها وهي تمشي خطوات قليلة قبل أن أمد يدي تجاه المقعد الذي كانت جالسة عليه ~~لأوصد زجاج النافذة، وفي تلك الأثناء ناديتها. ~~«ماري!» # رجعت وانحنت قليلا لتنظر إلي. ~~«أتذكرين السؤال الذي طرحته علي من قبل عن سبب عملي في هذه الوظيفة؟ إن الأمر له ~~علاقة باجتماع الليلة. أقصد ... أنني لا أعتقد أن أسبابنا للعمل في هذا المجال مختلفة ~~اختلافا شديدا.» # أومأت ماري برأسها واتخذت طريقها للوصول إلى المنزل لرؤية ابنتيها. ~~••• # بعد أسبوع عدت إلى ألتجيلد، وبعد أن تمكنت من اصطحاب أنجيلا ومنى وشيرلي معي في ~~سيارتي الصغيرة جدا. سألتني منى بعد أن شكت من صغر المساحة التي تجلس فيها - لأنها ~~كانت جالسة في الخلف. # قالت: «ما نوع هذه السيارة؟» # رفعت شيرلي مقعدها لأعلى. وقالت: «هذه السيارة مصنعة خصيصا للفتيات النحيفات ~~الصغيرات الحجم اللاتي يخرج معهن باراك.» ~~«مع من سيكون اجتماعنا هذه المرة؟» # كنت قد خططت لعقد ثلاثة اجتماعات، على أمل العثور على استراتيجية توظيف تفي ~~باحتياجات الناس في ألتجيلد. وفي هذا الوقت على الأقل كان حدوث ازدهار صناعي جديد أمرا ~~صعب المنال؛ فكبار المصنعين كانوا يختارون أروقة الضواحي النظيفة، ولم يكن باستطاعة ~~أحد - حتى لو كان غاندي - إجبارهم ms187 على نقل مشاريعهم بالقرب من ألتجيلد في أي وقت ~~قريب على الإطلاق. على الجانب الآخر كان ما زال متبقيا في المنطقة جزء من الاقتصاد ~~الذي كان يمكن أن يطلق عليه الاقتصاد المحلي الذي اعتقدت وقتها أنه اقتصاد استهلاكي ~~من الطبقة الثانية - وهو اقتصاد المتاجر والمطاعم والمسارح والخدمات - الذي استمر في ~~مناطق أخرى في المدينة باعتباره جوهر الحياة المدنية. وهذه الأماكن هي التي اتجهت ~~إليها العائلات لاستثمار مدخراتها وتحقيق النجاح في العمل، إلى جانب توفيرها الوظائف ~~لعديمي الخبرة؛ إنها الأماكن التي ظل فيها الاقتصاد باقيا بالمقياس الإنساني وواضحا ~~بصورة كافية كي يستوعبه الناس. # كانت روزلاند هي الأقرب للمقاطعة التجارية في المنطقة؛ لذا فإننا اتخذنا مسار ~~الأتوبيس واتجهنا شمالا إلى شارع ميشيجان المشهور بمحلات بيع الشعر المستعار، ومحلات ~~الخمور، ومحلات الملابس المباعة بتخفيضات، ومحلات البيتزا، إلى أن وصلنا أمام مخزن ~~قديم مكون من طابقين. دخلنا هذا المبنى من بابه المعدني الثقيل ونزلنا على سلالم ~~ضيقة إلى الطابق السفلي المليء بقطع الأثاث القديم. وفي مكتب صغير كان يجلس رجل ~~رياضي البنية إلى حد ما، بلحية صغيرة مشذبة، وكان يرتدي قلنسوة ضيقة أبرزت أذنيه ~~الكبيرتين. ~~«هل أستطيع مساعدتكم؟» # شرحت لهذا الرجل من نحن وأننا تحدثنا قبل الحضور هاتفيا. # قال الرجل: «نعم هذا صحيح.» وبعدها أشار لاثنين من رجاله ضخمي الجثة كانا يقفان على ~~جانبي مكتبه، فمشيا بعد أن أومآ برأسيهما. وقال الرجل مرة أخرى: «أعتقد أننا مضطرون ~~لتقديم أنفسنا سريعا لأنه حدث شيء غير متوقع. أنا رفيق الشباز.» # قالت شيرلي ونحن نصافح رفيقا: «إنني أعرفك.» وتابع: «أنت «والي» ابن السيدة طومبسون. ~~كيف حال والدتك؟» # ابتسم رفيق ابتسامة مصطنعة، وطلب منا الجلوس. وأوضح أنه كان رئيسا لائتلاف وحدة ~~روزلاند، وهو مؤسسة اشتركت في العديد من الأنشطة السياسية بهدف الترويج لقضية السود، ~~وزعمت أن لها دورا كبيرا في المساعدة في انتخاب عمدة واشنطن. وعندما سألناه عن كيفية ~~دعم كنائسنا التنمية الاقتصادية المحلية، أعطانا منشورا يتهم المتاجر العربية ببيع ~~لحم فاسد. # قال رفيق: «هذا هو الأمر الذي ms188 يستحق الاهتمام.» وتابع: «حيث إن هناك أناسا من خارج ~~مجتمعنا يأخذون منا أموالنا ويتعاملون مع إخوتنا وأخواتنا بغير احترام. وبصفة أساسية ~~فإن الكوريين والعرب هم من يديرون هذه المتاجر، ولا يزال اليهود يملكون معظم الأبنية. ~~والآن على المدى القصير، يتعين علينا التأكد من أن مصالح السود يعتنى بها، ~~أتفهمونني ؟ وعندما نسمع أن أحد الكوريين يسيء معاملة أحد الزبائن، يجب أن نهتم بهذا ~~الأمر. ونصر على احترامهم لنا وتقديم المساعدة للمجتمع، مثل تمويل برامجنا وأي شيء ~~آخر تقترحونه.» ~~«هذا على المدى القصير، وهذه ...» أشار رفيق إلى خريطة لروزلاند معلقة على الحائط ~~وبها مناطق معينة مميزة بالحبر الأحمر. وأضاف: «وهذه على المدى الطويل. حيث إن ~~الأمر برمته يتعلق بقضية الملكية. وهذه الخريطة شاملة لكل المنطقة. شركات السود ~~ومراكز المجتمع وكل شيء. هذا إلى جانب بعض الممتلكات التي بدأنا بالفعل التفاوض مع ~~الملاك البيض على بيعها لنا بسعر معقول. لذا فإذا كانوا جميعا مهتمين بالوظائف فإن ~~بإمكانكم تقديم المساعدة عن طريق نشر هذه الرسالة الخاصة بهذه الخريطة. والمشكلة التي ~~تواجهنا الآن هي عدم تلقي المساعدة الكافية من أهل روزلاند. وبدلا من اتخاذهم موقفا ~~فإنهم يرحلون خلف البيض في الضواحي، لكن كما تعرفون فإن البيض ليسوا أغبياء، حيث إنهم ~~ينتظرون فقط خروجنا من المدينة حتى يستطيعوا العودة لأنهم يعرفون أن قيمة المبنى الذي ~~نجلس فيه الآن باهظة الثمن. # دخل أحد رجليه الضخمي الجثة مرة أخرى إلى المكتب ووقف رفيق. وقال على نحو مفاجئ: ~~«لا بد أن أذهب الآن.» لكنه استدرك قائلا: «سنتحدث مرة أخرى.» صافحنا رفيق قبل أن ~~يقودنا مساعده تجاه الباب. # بمجرد أن أصبحنا خارج المبنى، قلت: «يبدو أنك تعرفينه يا شيرلي.» ~~«نعم، قبل أن يتسمى بهذا الاسم الرائع، كان «والي طومبسون» البسيط، الذي استطاع ~~تغيير اسمه لكن لم يكن بإمكانه إخفاء أذنيه الكبيرتين. تربى رفيق في ألتجيلد، وفي ~~الواقع أعتقد أنه وويل كانا في المدرسة معا. وقبل أن يعتنق الإسلام كان أهم عضو في ~~إحدى العصابات.» # قالت أنجيلا: «من عاش على شيء ms189 مات عليه.» # كانت محطتنا التالية الغرفة التجارية المحلية التي كان مقرها في الطابق الثاني لمبنى ~~شبيه بمحل الرهونات. وفي الداخل وجدنا رجلا أسود ممتلئ الجسم كان مشغولا بتغليف ~~صناديق. # قلت لهذا الرجل: «إننا نبحث عن السيد فوستر.» # قال لي، دون أن يرفع بصره: «أنا فوستر.» ~~«لقد أخبرنا أنك كنت رئيس الغرفة ...» ~~«حسنا، هذا صحيح، كنت رئيسها. واستقلت الأسبوع الماضي فقط.» # طلب منا الجلوس وتحدث وهو يعمل. أوضح أنه يمتلك محل الأدوات المكتبية في آخر الشارع ~~منذ 15 عاما، وأنه ظل رئيسا للغرفة طيلة الخمس سنوات السابقة. كما أوضح أنه بذل ما ~~في وسعه لتنظيم التجار المحليين، لكن عدم تلقي الدعم جعله في النهاية يفقد ~~حماسه. # قال السيد فوستر وهو يكدس بعض صناديق قليلة بجانب الباب: «لن تسمعوني أشكو من ~~الكوريين.» وأضاف: «هم الوحيدون الذين يدفعون المبالغ المستحقة عليهم في الغرفة. هذا ~~إلى جانب أنهم يفهمون عملهم ويعلمون جيدا معنى التعاون، ويدخرون أموالهم معا. ~~ويقرضون بعضهم بعضا. ولا نفعل نحن ذلك كما تعرفون. فالتجار السود هنا أشبه بالتفاح ~~الفاسد داخل طبق الفاكهة.» وقف فوستر ومسح جبينه بمنديل. وأضاف: «إنني لا أعرف. ربما لا ~~تلوموننا على الوضع الذي أصبحنا عليه. وبعد كل هذه السنوات دون ظهور أية فرصة، اضطررتم ~~إلى الاعتقاد في أنهم ينتزعون شيئا منا. والأمر الآن أشد قسوة مما كانت الحال عليه مع ~~الإيطاليين أو اليهود منذ 30 عاما؛ لأنه في هذه الأيام لا بد أن يتنافس محل صغير كالذي ~~أمتلكه مع سلاسل المحلات الكبيرة. إنها معركة خاسرة ما لم تحذوا حذو الكوريين؛ أي أن ~~تجعلوا عائلاتكم تعمل 16 ساعة يوميا، وسبعة أيام في الأسبوع. ولكن بوصفنا أناسا ~~عاديين، فإننا لسنا مستعدين لفعل ذلك مرة أخرى. إنني أعتقد أننا عملنا لوقت طويل دون ~~جني أية ثمار لأننا نشعر أننا لسنا مضطرين لإجهاد أنفسنا لمجرد أن نعيش فقط. وهذا هو ~~ما أقوله لأبنائي على أية حال. إنني لا أقول إنني مختلف. إنني أخبر أبنائي بأنني لا ~~أريدهم أن يرثوا مهنتي. وإنما ms190 أريدهم أن يعملوا لدى شركة كبيرة يشعرون فيها بالراحة ~~...» # قبل أن نرحل سألته أنجيلا عن احتمالية قيامه بتوفير فرص عمل بدوام جزئي للشباب في ~~ألتجيلد. فرفع فوستر بصره إليها كما لو كانت مجنونة. # قال: «إن كل تاجر هنا يرفض 30 طلبا من طلبات العمل يوميا.» وأضاف: «البالغون ~~المواطنون الكبار. العاملون ذوو الخبرة لديهم استعداد لقبول أي شيء يحصلون عليه. أنا ~~آسف.» # في أثناء عودتنا إلى السيارة مررنا على متجر صغير مليء بالملابس الرخيصة الثمن ~~والسترات ذات الألوان الزاهية، ويطل من نافذته دميتان بيضاويتان قديمتان مدهونتان ~~باللون الأسود. كانت إضاءة هذا المتجر ضعيفة، لكن في مؤخرته استطعت بصعوبة رؤية شابة ~~كورية تخيط يدويا وبجانبها طفل نائم. وفي الواقع جعلني هذا المنظر أعود بذاكرتي إلى ~~أيام طفولتي، وإلى أسواق إندونيسيا حيث البائعون المتجولون، والعاملون المشتغلون في ~~صناعة الجلود، والسيدات المتقدمات في العمر اللاتي كن يمضغن التنبول ويبعدن الذباب ~~بالمقشات عن الفاكهة التي يبعنها. # لقد اعتدت دوما على مثل هذه الأسواق واعتبرتها جزءا من الطبيعة. هذا مع أنني - الآن ~~- عندما فكرت في ألتجيلد وروزلاند ورفيق والسيد فوستر أدركت أسواق جاكرتا على ~~حقيقتها، حيث كانت أسواقا جميلة ونفيسة. إن الناس الذين كانوا يبيعون بضائعهم هناك ~~ربما كانوا فقراء، بل أكثر فقرا من سكان ألتجيلد أنفسهم. حيث كانوا يحملون 50 رطلا ~~يوميا على ظهورهم، ويأكلون القليل، وتدركهم المنية وهم شباب. وعلى الرغم من كل هذا ~~الفقر فقد بقي في حياتهم نظام يمكن إدراكه وتمييزه؛ هو مزيج الأساليب التجارية، ~~والوسطاء، والرشاوى التي ينبغي دفعها، والأعراف التي ينبغي احترامها، وعادات جيل تحدث ~~يوميا تحت ستار المفاوضات والمساومات والضوضاء والإرهاق. # كان غياب مثل هذا الترابط هو الذي جعل مكانا مثل ألتجيلد يعمه اليأس هكذا، وبيني ~~وبين نفسي فكرت أن غياب النظام هو الذي جعل كلا من رفيق والسيد فوستر - كل ~~بأسلوبه الخاص - يشعران بالمرارة البالغة. إذن كيف يمكننا حياكة الثقافة بعد أن ~~تمزقت؟ وكم من الوقت سيستغرق هذا الأمر في الولايات المتحدة؟ # ظننت أننا سنستغرق وقتا أطول من ms191 الوقت الذي استغرقته أية ثقافة لتنحل. وحاولت أن ~~أتصور العمال الإندونيسيين الذين كانوا يشقون طريقهم في الحياة بمجهوداتهم الخاصة ~~من خلال العمل في العديد من المصانع التي كان مقرها فيما سبق على ضفتي نهر كالوميت، ~~والعمل بالأجرة في مجال تجميع أجهزة الراديو وصنع الأحذية التي تباع في شارع ميشيجان. ~~تصورت هؤلاء العمال الإندونيسيين بعد 10 أو 20 سنة من الآن، عندما تغلق مصانعهم ~~نتيجة تطبيق التكنولوجيا الحديثة أو وجود عمال في أماكن أخرى من العالم يؤدون عملهم ~~بأجر أقل. ويكتشفون بمرارة أن أسواقهم اختفت، وأنهم لم يعودوا يتذكرون كيف يصنعون ~~سلالهم بأيديهم أو ينحتون أثاثهم، أو يزرعون غذاءهم، وحتى إن تذكروا كيفية تنفيذ كل ~~هذا فإن الغابات التي كانت تمدهم بالخشب أصبحت تملكها الآن شركات الأخشاب، بالإضافة إلى ~~أن سلالهم التي كانوا يصنعونها من قبل حلت محلها أكياس بلاستيك أكثر متانة. وبذلك ~~اختفت ثقافتهم بسبب وجود المصانع وشركات الأخشاب ومصانع البلاستيك. واتضح أن قيم العمل ~~الشاق والمبادرات الفردية معتمدة على منظومة من المعتقدات التي تأثرت بفعل الهجرة ~~والتحضر وتكرار عرض البرامج التليفزيونية الأجنبية. وقد تحسن حال بعض هؤلاء في ظل ~~هذا النظام الجديد. في حين انتقل البعض الآخر إلى أمريكا. أما الباقون - وهم الملايين ~~الذين ظلوا في جاكرتا أو لاجوس أو الضفة الغربية - فقد استقروا في أحيائهم الشبيهة ~~بألتجيلد جاردنز في حالة من اليأس والإحباط. # سادت حالة من الصمت في أثناء اتجاهنا بالسيارة إلى مكان الاجتماع الأخير مع مديرة ~~الفرع المحلي لمكتب العمدة للتوظيف والتدريب، الذي ساعد في توجيه العاطلين عن العمل إلى ~~برامج التدريب في جميع أنحاء المدينة. كنا قد واجهنا صعوبة في العثور على المكان - ~~الذي كان يبعد 45 دقيقة بالسيارة عن ألتجيلد وكان يقع في شارع خلفي في حي فردولياك - ~~ووقت وصولنا كانت المديرة قد غادرت. ولم يكن مساعدها يعرف متى ستعود لكنه سلمنا ~~مجموعة من النشرات الدعائية المطبوعة على ورق مصقول. # قالت شيرلي وهي تتجه نحو الباب: «لن يساعدنا ذلك على الإطلاق.» واستكملت كلامها: ~~«ربما كان ms192 من الأفضل بقاؤنا في المنزل.» # لاحظت منى أنني تلكأت في المكتب. وسألت أنجيلا: «إلام ينظر أوباما؟» # أظهرت لهما ظهر إحدى النشرات. وكان يشتمل على قائمة بجميع برامج مكتب التوظيف ~~والتدريب في المدينة. وفي الواقع لم يكن أي منها جنوب شارع خمسة وتسعين. # قلت: «ها قد وجدناها.» ~~«ما هي؟» ~~«وجدنا قضية لنعمل عليها.» ~~••• # بمجرد أن رجعنا إلى الجاردنز كتبنا مسودة خطاب إلى الآنسة سينثيا ألفاريز مديرة مكتب ~~التوظيف والتدريب بالمدينة. وبعد أسبوعين وافقت على مقابلتنا في الجاردنز. ولأنني كنت ~~عازما على عدم تكرار أخطائي أنهكت نفسي وكذلك القيادة في إعداد سيناريو للاجتماع، ~~وبذلت جهدي لإقناع الكنائس الأخرى بإرسال مندوبين عنهم، وصياغة طلب واضح اعتقدنا أن ~~مكتب التوظيف والتدريب سوف يلبيه، وهذا الطلب هو إنشاء مركز توظيف وتدريب في أقصى ~~الجانب الجنوبي. # على الرغم من استغراق أسبوعين في عملية الإعداد فإنني شعرت ليلة الاجتماع باضطراب ~~شديد في معدتي. وفي الساعة السادسة و45 دقيقة، ظهر ثلاثة أشخاص فقط؛ سيدة شابة ومعها ~~طفل رضيع كان يسيل لعابه على مريلته الصغيرة، وسيدة أكبر سنا كانت قد لفت بعناية ~~بعض الكعك في منديل أدخلته بعد ذلك في حقيبتها، ورجل ثمل غفا بمجرد أن جلس بكسل شديد ~~على مقعد في الصف الخلفي. وبمرور الدقائق تصورت مرة أخرى أن المقاعد ستظل فارغة، وأن ~~المسئول سيغير رأيه في اللحظة الأخيرة ويعدل عن الحضور، وتخيلت نظرة الإحباط التي ~~ستعلو وجوه القادة والشعور المميت بالفشل الشديد. # وقبل أن تدق الساعة السابعة بدقيقتين، بدأ الناس في الوفود واحدا تلو الآخر. وكان ~~كل من ويل وماري قد أحضرا مجموعة من الأفراد من ضاحية ويست بولمان، وبعد ذلك دخل ~~ابنتا شيرلي وأحفادها الذين ملئوا صفا كاملا من المقاعد، وبعد ذلك بعض سكان ألتجيلد ~~ممن يدينون لأنجيلا أو شيرلي أو منى بمعروف. وكانت المحصلة قرابة 100 فرد في الغرفة عند ~~وصول السيدة ألفاريز - وهي سيدة أمريكية من أصل مكسيكي ومتغطرسة إلى حد بعيد - ومعها ~~رجلان من ذوي البشرة البيضاء كانا يرتديان حلتين ويمشيان وراءها بتثاقل. ms193 # سمعت أحد المساعدين يهمس للآخر عند دخولهما الباب وهو يقول: «لم أكن أعلم حتى أن هذا ~~كان هنا.» وعندما سألته إن كان يمكنني أخذ معطفه هز رأسه بعصبية. ~~«لا، لا ... إنني سوف، إمممم ... سوف أحمله بنفسي، أشكرك.» # أبلت القيادة بلاء حسنا هذه الليلة. وعرضت أنجيلا القضية بوضوح على الجمهور وشرحت ~~للسيدة ألفاريز ما نتوقعه منها. وعندما تجنبت السيدة ألفاريز الإفصاح عن أي رد ~~محدد اندفعت منى وطلبت منها الإجابة بنعم أو لا. وعندما وعدت في النهاية بإقامة مركز ~~تابع لمكتب العمدة للتوظيف والتدريب في المنطقة خلال ستة أشهر صفق لها الجمهور ~~تصفيقا حادا. لكن المشكلة الوحيدة ظهرت في أثناء الاجتماع عندما وقف الرجل الثمل ~~الجالس في الخلف وبدأ يصيح ويعرب عن رغبته في الحصول على وظيفة. وعلى الفور اتجهت شيرلي ~~إلى هذا الرجل وهمست له في أذنه بقول جعله يعود أدراجه إلى المقعد مرة أخرى. # وبهذا الخصوص سألت شيرلي لاحقا: «ماذا قلت له؟» ~~«إنك صغير على أن تعرف.» # انفض الاجتماع بعد ساعة، وأسرعت السيدة ألفاريز ومساعداها في الخروج، وركب ثلاثتهم ~~سيارة زرقاء فارهة، وذهب الحضور لمصافحة منى وأنجيلا، وعند تقييم الاجتماع ابتسمت ~~السيدات. # وقالت أنجيلا وهي تعانقني بشدة: «لقد أنجزت عملا عظيما يا باراك.» ~~«أرأيت، ألم أعد بأننا سنفعل شيئا ذا أهمية؟» # قالت منى وهي تغمز بعينها: «بالتأكيد فعل باراك هذا الشيء.» # بعد ذلك أخبرتهن بأنني سأتركهن بمفردهن على الأقل لمدة يومين، وذهبت إلى سيارتي ~~وأنا أشعر بعض الشيء بدوار في رأسي. وقلت لنفسي إن باستطاعتي القيام بهذه الوظيفة ~~وتنظيم هذه المدينة بأكملها عند انتهائي من هذا العمل. أشعلت سيجارة بعدها وتصورت، ~~وأنا أهنئ نفسي على هذا الإنجاز، الانتقال بالقيادة إلى وسط المدينة للجلوس مع هارولد ~~ومناقشة مصير المدينة. وبعد بضعة أقدام وأسفل عمود نور رأيت الرجل الثمل الذي كان في ~~الاجتماع، وهو يمشي في خطوات دائرية بطيئة وينظر إلى ظله المتطاول على الأرض. فخرجت من ~~سيارتي وسألته إن كان في حاجة إلى المساعدة للذهاب إلى منزله. # صاح الرجل وهو ms194 يحاول الوقوف بثبات قائلا: «إنني لا أحتاج إلى مساعدة من أحد!» ~~واستكمل كلامه: «أتفهمني! يا لك من أحمق بغيض ... يقول لي أشياء مزعجة ...» # خبا صوته. وقبل أن أقول شيئا آخر استدار وبدأ يسير مترنحا في عرض الشارع ثم اختفى ~~في الظلام. # | الفصل العاشر # جاء فصل الشتاء وصبغت المدينة بمزيج من الألوان؛ حيث الأشجار السوداء تحت السماء ~~الرمادية فوق الأرض البيضاء. وأصبح الليل يسدل ستائره مبكرا وقت الأصيل خاصة عندما ~~تهب العواصف الثلجية؛ تلك العواصف الهائلة اللانهائية التي تقرب المسافة بين السماء ~~والأرض، فتنعكس أضواء المدينة على السحب. # كان العمل أشد قسوة في مثل هذا الطقس. كانت أكوام الثلوج البيضاء تدخل عبر فتحات ~~سيارتي إلى أسفل ياقتي وخلال فتحات معطفي. وفي جولاتي لإجراء المقابلات الشخصية لم أقض ~~إطلاقا وقتا كافيا في مكان واحد حتى أستطيع الاستمتاع بالدفء كما ينبغي، بالإضافة ~~إلى أن أماكن انتظار السيارات أصبحت نادرة في الشوارع التي ضيقتها الثلوج، وأصبح ~~لكل شخص فيما يبدو قصة يسدي من خلالها النصائح بشأن المشاجرات التي تنشب بسبب أماكن ~~انتظار السيارات بعد هبوب العواصف الثلجية الكثيفة، وما ينتج عن هذه المشاجرات من ~~معارك عنيفة أو حوادث إطلاق النيران. أصبح حضور الاجتماعات في المساء غير منتظم ~~بصورة أكبر؛ حيث كان الناس يتصلون بالهاتف في اللحظات الأخيرة ليقولوا إنهم أصيبوا ~~بالأنفلونزا أو إن سياراتهم لا تعمل، أما من كانوا يحضرون الاجتماعات فيحضرون والبلل ~~على ملابسهم ويبدو عليهم الامتعاض. وفي بعض الأحيان - وأنا أقود سيارتي في طريقي للعودة ~~إلى المنزل بعد هذه الاجتماعات المسائية بينما عواصف الرياح الشمالية تهز سيارتي عبر ~~حواجز الطرق الضيقة - كنت أنسى للحظة أين كنت وكانت أفكاري وقتئذ انعكاسا ~~للصمت. # اقترح مارتي أن أستقطع لنفسي وقتا أطول بعيدا عن أعباء الوظيفة. وكانت اهتماماته ~~عملية وأوضح أنه: # دون الحصول على بعض الدعم الشخصي خارج نطاق العمل يفقد المنظم رؤيته، وسرعان ما ~~يتوقف عن العمل كما ينبغي. في الواقع كان هناك منطق صحيح فيما قاله؛ فالناس الذين ~~قابلتهم وأنا في هذه الوظيفة كانوا ms195 بصفة عامة أكبر مني سنا بكثير، وكانت لهم ~~اهتمامات ومطالب أقامت سدودا منيعة بيني وبين صداقتهم. وعندما لم يكن لدي عمل في ~~إجازات نهاية الأسبوع كنت في العادة أقضي هذه الإجازات وحيدا في شقة لا يقطنها غيري، ~~وما من أنيس يجالسني إلا الكتب فحسب. # لم ألتفت إلى نصيحة مارتي، وربما كان ذلك بسبب أنه كلما كانت الروابط بيني وبين ~~القيادة تزداد قوة أجدهم يقدمون لي أكثر من مجرد الصداقة. فبعد الاجتماعات كان من ~~الممكن أن أخرج مع أحد الرجال إلى إحدى الحانات المحلية لمشاهدة الأخبار أو الاستماع ~~إلى الأغاني القديمة مثل أغاني فرقة «تيمبتيشن» وفرقة «أو جايز» التي كانت تذاع من ~~خلال جهاز فونغراف آلي يعمل بالعملة موضوع في أحد الأركان ويصدر صوتا رنانا. وفي ~~أيام الآحاد كنت أزور الكنائس لأداء الطقوس الدينية المختلفة، والسماح للسيدات ~~بالاستهزاء بي بسبب خلطي بين العشاء الرباني والصلاة. وفي إحدى حفلات الكريسماس في ~~الجاردنز رقصت مع أنجيلا ومنى وشيرلي أسفل كرة عكست أضواء دائرية متلألئة في الغرفة، ~~وتبادلت الحديث عن الأخبار الرياضية مع أزواج اشتركوا في الحديث على مضض ونحن نتناول ~~فطائر جبن رديئة المذاق وشرائح اللحم، وتشاورت مع أبناء وبنات بخصوص طلبات التقديم إلى ~~الجامعة، ولعبت مع أحفاد كانوا يجلسون على ركبتي. # بدأت خلال هذه الفترات - التي أذابت فيها الألفة والإعياء الشديد الحواجز بين ~~المنظم والقائد - فهم ما كان يعنيه مارتي عندما أصر على أن أنتقل إلى مراكز حياة ~~الناس. إنني أتذكر على سبيل المثال الجلوس في مطبخ السيدة كرينشو بعد ظهر أحد الأيام ~~وأنا أتناول الكعك المحروق الذي كانت تضغط علي لتناوله في كل مرة أزورها. كان الوقت ~~قد تأخر، وبدأ سبب زيارتي يصبح غامضا، فطرأت على بالي فكرة أن أسألها عن سبب ~~استمرارها في الاشتراك في جمعية الآباء والمعلمين مع أن أطفالها قد كبروا منذ فترة ~~طويلة. بدأت هذه السيدة تخبرني بعد أن دفعت كرسيها بالقرب من كرسيي سريعا عن نشأتها ~~في ولاية تينيسي، وكيف أجبرت على أن تترك التعليم لأن ms196 عائلتها لم تستطع تحمل تكاليف ~~سوى ابن واحد فقط في الجامعة، وهو أخوها الذي مات بعد ذلك في الحرب العالمية الثانية. ~~أما هي فقضت هي وزوجها سنوات من العمل في أحد المصانع - كما قالت - للتأكد من أن ~~ابنهما لن يضطر إلى أن يترك تعليمه على الإطلاق؛ ولذا استمر في التعليم إلى أن حصل على ~~شهادة التخرج في كلية الحقوق من جامعة ييل. # اعتقدت وقتها أنها قصة سهلة الفهم؛ قصة عن تضحية جيل، وتبرير لمعتقدات أسرة. إلا ~~أنني عندما سألت السيدة كرينشو عما يفعل ابنها هذه الأيام، أخبرتني بأن الأطباء منذ بضع ~~سنوات شخصوا حالته على أنها انفصام في الشخصية، وأنه يقضي وقته الآن في قراءة الجرائد ~~في غرفته خائفا من ترك المنزل. وفي أثناء تحدثها لم يرتعد صوتها؛ فقد كان صوت ~~إنسانة استخلصت من المأساة معنى أكبر. # وأتذكر تلك المرة التي كنت أجلس فيها في غرفة في الدور السفلي في كنيسة سانت ~~هيلينا مع السيدة ستيفينز في انتظار بدء أحد الاجتماعات. ولم أكن أعرف السيدة ستيفينز ~~معرفة وثيقة، فلم أكن أعرف سوى أنها كانت مهتمة بإصلاح وتحديث المستشفى المحلي. وبينما ~~كنا نتحدث في الأمور العامة سألتها عن سبب اهتمامها الشديد بتحسين الرعاية الصحية في ~~المنطقة ما دامت عائلتها في حالة صحية طيبة. فأخبرتني أنها أوشكت أن تفقد بصرها وهي ~~في العشرينيات من عمرها من جراء الإصابة بالمياه البيضاء. وكانت عندئذ تعمل سكرتيرة، ~~ومع أن حالتها كانت قد ازدادت سوءا وأعلن طبيبها أنها أصبحت عمياء رسميا فقد أخفت ~~مرضها عن رئيسها في العمل خوفا من الاستغناء عنها. ويوما بعد يوم كانت تتسلل إلى دورة ~~المياه لتقرأ بعدسة مكبرة المذكرات التي يطلبها منها رئيسها في العمل، وتحفظ كل ~~سطر فيها عن ظهر قلب قبل أن تعود لمكتبها لكتابته على الآلة الكاتبة، وتظل في المكتب ~~لمدة طويلة بعد ذهاب الآخرين لإنهاء التقارير المفترض أن تكون جاهزة في صباح اليوم ~~التالي. وبهذه الطريقة حفظت السيدة سرها لما يقرب من عام إلى أن وفرت مبلغا ms197 كافيا ~~من المال لإجراء عملية لعلاج عينها. # وأتذكر أيضا السيد مارشال، وهو رجل أعزب في أوائل الثلاثينيات من عمره يعمل سائق ~~حافلة في شركة ترانزيت للنقل الجماعي. لم تكن صفات القيادة تنطبق بالضبط على مارشال - ~~لم يكن لديه أطفال وكان يعيش في شقة - ولذا تعجبت من سبب اهتمامه الشديد بالإسهام ~~بشكل إيجابي في قضية تعاطي المراهقين للمخدرات. وعندما عرضت عليه أن أوصله بسيارتي ~~ذات يوم ليحضر سيارته التي تركها في ورشة الإصلاح، طرحت عليه هذا السؤال. فأخبرني عن ~~أحلام والده بتحقيق الثروة في مدينة بعيدة في أركانساس، وكيف تعثرت مشاريع والده ~~التجارية، وتعرضه للغش على يد رجال آخرين، وكيف اتجه والده إلى القمار وشرب الخمور ~~وفقدانه لمنزله ولعائلته، وكيف عثر عليه في النهاية ميتا في حفرة بعد أن تسبب ~~التقيؤ الناتج عن إفراطه في الشراب في وفاته. # كان هذا هو الدرس الذي تعلمته من القيادة يوما بعد يوم، وهو أن الاهتمام الشخصي الذي ~~كنت من المفترض أن أسعى إليه امتد ليتجاوز أهمية القضايا، وأن الناس يحملون بداخلهم ~~تفسيرات رئيسية لسلوكياتهم تظهر في الأحاديث المشتركة عن أمور عامة وفي سير حياتهم ~~غير المفصلة وفي آرائهم المختلفة. إنها قصص مليئة بالرعب والدهشة ومرصعة بأحداث لا ~~تزال تسيطر عليهم أو تلهمهم. يا لها من قصص مقدسة! # كان هذا الإدراك - في اعتقادي - هو الذي سمح لي في النهاية بأن أشارك من كنت أعمل ~~معهم الكثير من ذكرياتي، وساعدني أيضا على هدم جدار العزلة الذي حملته معي عندما جئت ~~إلى شيكاغو. في بادئ الأمر كنت مترددا خوفا من أن تكون حياتي السابقة غريبة للغاية ~~على مدارك الجانب الجنوبي، وأن تتسبب إلى حد ما في إفساد تقديرهم لي. على أن ما كان ~~يحدث عندما كان الناس يستمعون إلى القصص التي كنت أرويها عن جدتي أو لولو أو أمي وأبي، ~~أو حكاياتي عن الطائرات الورقية في جاكرتا أو الذهاب إلى الحفلات الراقصة في أكاديمية ~~بوناهو، هو أنهم كانوا يومئون برءوسهم أو يهزون أكتافهم أو يضحكون، متعجبين من ms198 كيف ~~يمكن أن ينتهي الحال بشخص لديه خلفية مثل خلفيتي - كما قالت منى - بأن يصبح «ريفيا ~~للغاية»، إلا أن ما تسبب في قدر أكبر من الحيرة لهم هو لماذا يمكن أن يختار شخص ~~بمحض إرادته قضاء فصل الشتاء في شيكاغو في الوقت الذي بوسعه الاستمتاع بدفء أشعة الشمس ~~على شاطئ وايكيكي. وبعد أن أروي لهم حكاياتي كانوا يلقون على مسامعي قصصا تماثل قصصي ~~أو تفندها بهدف ربط خبراتنا معا؛ قصصا عن الأب الغائب، وتجارب المراهقة السيئة مع ~~الجريمة، والقلب الهائم، ولحظات السمو. وبمرور الوقت وجدت أن هذه القصص - إذا ما جرى ~~النظر إليها كوحدة واحدة - ساعدتني في أن أجمع شتات عالمي، وأنها منحتني المعنى الذي ~~كنت أبحث عنه للمكان والهدف. كان مارتي محقا عندما قال إنه يوجد دائما مجتمع إذا ~~بحثنا عنه أكثر في الأعماق. لكنه كان على خطأ في توصيف العمل. وكان بالأمر نوع من ~~الشعر أيضا؛ فقد كان هناك عالم لامع مضيء كامن تحت السطح، عالم ربما قدمه الناس ~~إلي كهدية إذا ما طلبت ذلك. ~~••• # وأنا لا أقصد أن كل شيء تعلمته من القادة أسعد قلبي. فمع أنهم أظهروا قوة في ~~الشخصية لم أتخيلها قط فإنهم أجبروني أيضا على الاعتراف بالقوى غير المعلنة التي أعاقت ~~مجهوداتنا، والأسرار التي أخفاها بعضنا عن بعض، بل أخفيناها عن أنفسنا أيضا. # كذلك كان الحال مع روبي مثلا. فبعد اجتماعنا الذي باء بالفشل مع قائد الشرطة انتابني ~~القلق من أنها قد تبتعد عن مجال التنظيم. لكن ما حدث هو أنها ركزت بغير تردد على ~~المشروع، وعملت بجد لتكوين شبكة من الجيران يمكن الاستفادة منها بصفة منتظمة في ~~المناسبات التي ننظمها، وابتكرت أفكارا يمكن استخدامها في تسجيل الناخبين أو التعاون ~~مع أولياء أمور طلبة المدارس. باختصار، كانت روبي تمتلك جميع الصفات التي يتمناها أي ~~منظم؛ كانت إنسانة تتمتع بموهبة غير مستغلة وذكية ويعتمد عليها، وأعجبتها فكرة ~~الحياة العامة، وكانت تتوق للتعلم. كنت أحب ابنها كايل الصغير. كان عندئذ قد بلغ 14 ~~عاما، كنت أرى ms199 في سرعة تقلب هذا الفتى الشكل العام لكفاحي إبان شبابي؛ ففي ~~لحظة ما كان يفيض بالطاقة والحيوية ويظل يصطدم بي أثناء لعبنا كرة السلة في الحديقة ~~العامة في المنطقة، ثم في اللحظة التالية مباشرة يصبح ضجرا ومتجهم الوجه. وفي بعض ~~الأحايين كانت روبي تسألني عنه وهي في حالة من الغضب عندما يصلها تقرير من المدرسة ~~يقول إن مستواه الدراسي متوسط ، أو عندما يصاب بجرح في ذقنه، كانت في حالة من الارتباك ~~والحيرة بشأن عند ولدها وعقله الجامح. # وكانت تقول لي: «قال لي في الأسبوع الماضي إنه سيصبح أحد فناني موسيقى الراب.» والآن ~~يقول إنه سيلتحق بأكاديمية الدفاع الجوي ليصبح طيارا عسكريا. وعندما أسأله عن السبب ~~يقول لي ببساطة: «حتى أطير.» كما لو كنت حمقاء. أقسم لك يا باراك أنني في بعض الأحيان ~~لا أعرف إن كنت أعانقه أم أعاقبه بالضرب.» # وكنت أقول لها: «افعلي كليهما.» # قبل الكريسماس بيوم واحد طلبت من روبي أن تحضر إلى مكتبي حتى أعطيها هدية لكايل. ~~وعندما دخلت المكتب كنت أتحدث في الهاتف، وعندما نظرت إليها بطرف عيني ظننت أنني ~~رأيت فيها شيئا مختلفا، لكنني لم أستطع أن أحدده. ولم أدرك أن عينيها - الدافئتين ~~البنيتي اللون الغامقتين اللتين كانتا متماشيتين مع لون بشرتها - تحولتا إلى ظل ~~أزرق غير شفاف، كما لو أن أحدا لصق زرين بلاستيكيين أعلى قزحيتي عينيها، إلا بعدما ~~أغلقت سماعة الهاتف واتجهت هي نحوي. سألتني عما إذا كان هناك أمر سيئ. # قلت لها: «ماذا فعلت بعينيك؟» ~~«آه، هذه؟» هزت روبي رأسها وضحكت. قالت: إنها عدسات لاصقة يا باراك. إن الشركة التي ~~أعمل فيها تصنع عدسات التجميل اللاصقة وهم يمنحونها لي بخصم. هل تعجبك؟» ~~«كانت عيناك جميلتين في الأصل.» # قالت وهي تنظر لأسفل: «أرتديهما على سبيل التسلية فقط.» وتابعت: «ليس إلا للشعور ~~بالاختلاف.» # وقفت عند هذا الحد دون أن أعرف ماذا أقول. وفي النهاية تذكرت هدية كايل وأعطيتها ~~إياها. وقلت: «هذا لكايل.» وتابعت: «إنه كتاب عن الطائرات ... اعتقدت أنه سيحب ~~قراءته.» # أومأت روبي برأسها ms200 ووضعت الكتاب داخل حقيبتها. وقالت: «هذا لطف منك يا باراك. إنني ~~متأكدة من أنه سيحب قراءته بالفعل.» بعد ذلك وقفت على نحو مفاجئ وهندمت جونلتها. وقالت ~~وهي تسرع تجاه الباب: «حسنا، من الأفضل أن أذهب الآن.» # فكرت في عيني روبي سائر اليوم واليوم الذي تلاه. وقلت لنفسي إنني لم أتصرف بصورة ~~ملائمة معها، وجعلتها تشعر بالخجل من استخدام شيء يجعلها تعجب بنفسها في حياة لا تتيح ~~سوى القليل من هذه الأشياء. أدركت أن جزءا مني توقع منها ومن القادة الآخرين أن ~~يمتلكوا نوعا من المناعة ضد وابل الصور التي تغذي الشعور بعدم الثقة لدى كل مواطن ~~أمريكي؛ مثل صور عارضات الأزياء النحيفات في مجلات الموضة، أو صور الرجال ذوي الفكوك ~~المربعة في سياراتهم السريعة، تلك الصور التي كنت أنا شخصيا يمكن أن أتأثر بها ~~وأسعى للحصول على الحماية منها. وعندما ذكرت هذا الموقف لصديقة لي من ذوي البشرة ~~السوداء وصفت المسألة على نحو أكثر صراحة. # قالت صديقتي بسرعة: «ما الذي أدهشك؟» وتابعت: «هل أدهشك أن السود لا يزالون يكرهون ~~أنفسهم؟» # أجبت عليها بالنفي وقلت لها إن ما شعرت به لم يكن دهشة. فمنذ اكتشافي الأول المخيف ~~لكريمات تفتيح البشرة في مجلة «لايف» أصبحت معتادا على مجموعة من مفردات الوعي باللون ~~داخل مجتمع السود، مثل: الشعر الجميل أو الشعر الرديء، والشفاه الغليظة أو الشفاه ~~النحيفة، وإن كنت من ذوي البشرة البيضاء فأنت من السعداء، أما إن كنت من ذوي البشرة ~~السوداء فتراجع للوراء. في الجامعة كانت ميول الموضة لدى السود وموضوعات الاعتداد بالنفس ~~التي تدل عليها الموضة من الموضوعات المتكررة - إن لم تكن حساسة - في محادثات السود، ~~خاصة بين الطالبات اللاتي كن يبتسمن بمرارة عند رؤيتهن أحد الطلبة السود وهو دوما ~~يواعد الفتيات ذوات البشرة الفاتحة، كما كن يتعرضن بالنقد اللاذع لأي رجل أسود كان به ~~من الحمق ما يكفي لأن يجعله يعلق على تسريحة شعر الفتيات السوداوات. # كنت في الغالب أصمت عند التطرق لمثل هذه الموضوعات، وكنت أقيم بيني وبين ms201 نفسي مدى ~~تأثري بها. لكنني لاحظت أن هذه المحادثات نادرا ما كانت تدار بين مجموعة كبيرة من ~~الطلاب، ولم تكن تطرح إطلاقا أمام أي من الطلاب البيض. أدركت بعد ذلك أنه في ~~الجامعات التي فيها الطلبة البيض هم السواد الأعظم تكون مكانة معظم الطلاب السود ~~ضئيلة للغاية، وتضطرب فيها هوياتنا فنعجز عن الاعتراف لأنفسنا بأن فخرنا بلوننا الأسود ~~لا يزال ناقصا. وحقيقة أننا يمكن أن نعترف للبيض باضطرابنا وبالشكوك التي تساورنا، ~~وأن نضع ما في عقولنا تحت اختبار أولئك الذين تسببوا في هذا القدر الكبير من الأذى ~~في المقام الأول، هذه الحقيقة في واقع الأمر مضحكة، وتعبر في ذاتها عن كراهية الذات ~~حيث لا يوجد سبب يدعو لتوقع أن ينظر البيض إلى كفاحنا على أنه مرآة لما في أرواحهم، ~~فضلا عن كونه دليلا أكبر على سلوكيات السود المتطرفة. # أعتقد أنه بعد ملاحظتي هذا الاختلاف بين ما نتحدث عنه سرا وما نتحدث عنه علنا ~~تعلمت ألا أفرط في تصديق أولئك الذين يقولون إن اعتداد السود بأنفسهم هو علاج لجميع ~~مشكلاتهم مثل تعاطي المواد المخدرة، أو الحمل في مرحلة المراهقة، أو جريمة يكون طرفاها ~~من السود. عند وصولي إلى شيكاغو، كانت عبارة الاعتداد بالنفس تتوارد على شفاه الجميع؛ ~~النشطاء السياسيين والاجتماعيين، وضيوف البرامج الحوارية التليفزيونية والإذاعية، ~~والمعلمين، وعلماء الاجتماع. كانت هذه العبارة جامعة وبارعة في وصف آلامنا وأصبحت أيضا ~~طريقة مقبولة للتحدث عن الأشياء التي كنا نحتفظ بها لأنفسنا. لكن كلما حاولت التأكيد ~~على فكرة الاعتداد بالنفس هذه والخصائص المعينة التي كنا نأمل ترسيخها في الذهن ~~والوسائل المعينة التي ربما كنا نشعر من خلالها بالرضا عن النفس، كانت المحادثات تسلك ~~طريقا من التراجع يبدو وكأنه لا نهاية له. وكانت الأسئلة التي تطرح نفسها هي: هل تكره ~~نفسك بسبب لونك أم لأنك لا تستطيع القراءة أو الحصول على وظيفة؟ أو ربما بسبب أنك لم ~~تكن محبوبا في طفولتك لأن لون بشرتك كان شديد السواد؟ أو شديد البياض؟ أم لأن والدتك ~~كانت تتعاطى الهيروين ms202 ... ترى لماذا كانت تتعاطى ذلك الشيء على أية حال؟ هل كنت تشعر ~~بالحزن بسبب شعرك المجعد أم لأن الشقة التي تقطن فيها ليست دافئة أو مشتملة على أثاث ~~جيد؟ أم لأنك كنت تتخيل في أعماقك أن الكون ليس له رب؟ # ربما لم يستطع أحد تجنب هذه الأسئلة وهو يشق طريقه نحو الخلاص الشخصي، وما شككت ~~فيه هو أن كل هذا الحديث عن الاعتداد بالنفس يمكن أن يكون لب سياسة فعالة للسود. ~~يتطلب الاعتداد بالنفس من الناس الكثير من الاعتماد الصادق على أنفسهم، فمن دون هذا ~~الصدق يتدهور الأمر بسهولة ليصبح مجرد نصيحة مبهمة. فكرت بيني وبين نفسي أن عدد السود ~~الفقراء يمكن أن يتناقص عن طريق التحلي بالمزيد من الاعتداد بالنفس، غير أن الشكوك لم ~~تساورني في أن الفقر لم يؤثر على اعتدادنا بأنفسنا. ورأيت أنه من الأفضل التركيز على ~~الأشياء التي ربما نتفق عليها جميعا. هذا مثل تعليم رجل أسود بعض المهارات الملموسة ~~ومنحه وظيفة. وتعليم طفل أسود كيفية القراءة والحساب في مدرسة ذات مستوى تعليمي متميز ~~وآمنة. ورأيت أنه عند الاهتمام بالأساسيات يستطيع كل منا البحث عن معنى شعورنا بقيمة ~~الذات. # غيرت روبي اعتقاداتي تغييرا جذريا، وهدمت الجدار الذي كنت قد أقمته بين مشاعر ~~وسلوكيات السود والسياسة، بين مواردنا المالية وأرواحنا. وفي الواقع كان هذا الموقف ~~بعينه المثال الأكثر أهمية على ما كنت أسمعه وأراه يوميا. وها هو ذا قد عبر عنه ~~أحد القادة السود عندما شرح لي أنه لم يلجأ مطلقا لشخص أسود لأداء أي نوع من الأعمال ~~(لأن ذوي البشرة السوداء يفسدون الأمور وسينتهي بي الحال بالدفع إلى البيض لعمل المهمة ~~من جديد.) كما اتضح هذا المثال من الأسباب التي أوردتها قائدة أخرى لعدم استطاعتها حشد ~~أفراد آخرين في كنيستها (إن السود متكاسلون ولا يريدون فعل أي شيء يا باراك.) في مثل ~~هذه الملحوظات التي أبداها القادة كانت كلمة «زنجي» تحل محل كلمة «أسود» في المعتاد؛ ~~تلك الكلمة التي كان يروق لي أن أفكر في أنها ms203 تقال على سبيل الدعابة، وأن هذه الدعابة ~~قد ميزت مرونتنا كشعب. إلى أن سمعتها لأول مرة من أم شابة استخدمتها نعتا لطفلها ~~لإخباره بأنه عديم القيمة، ورأيت جماعة من الصبية في سن المراهقة يستخدمونها لجرح مشاعر ~~أحدهم أثناء مشاجرة سريعة بالألفاظ الجارحة. وبذلك لم يكن تغيير المعنى الأصلي للكلمة ~~كاملا على الإطلاق؛ فقد كنا نحن أول من ابتلي ببلايا هذه الكلمة مثلما حدث مع ~~الوسائل الدفاعية الأخرى التي استخدمناها لصد جرح محتمل. # إذا كانت لغة عوام الناس ومزاحهم وقصصهم أشياء اعتمدت عليها العائلات والمجتمعات ~~والاقتصاديات في بنائها، إذن فإنني لم أستطع فصل تلك القوة عن الجرح والتشوهات التي ~~استمرت بداخلنا. وأدركت أن أكثر ما أزعجني عندما نظرت إلى عيني روبي هو تداعيات هذه ~~الحقيقة. رأيت أن القصص التي اعتدت سماعها من القيادة وكل الحكايات المتواردة عن ~~الشجاعة والتضحية والتغلب على الظروف الصعبة لم تحدث بسبب الطاعون أو القحط أو حتى مجرد ~~الفقر. وإنما نبعت من تجربة خاصة للغاية مع الكراهية. تلك الكراهية التي لم ترحل عنا ~~إطلاقا، والتي شكلت قصصا مضادة - مدفونة في داخل أعماق كل شخص - تتمحور حول البيض ~~الذين كانوا يظهرون فيها أحيانا قساة القلوب وأحيانا أخرى وهم يتصفون بالجهل، ~~وأحيانا كانت هذه القصص تدور حول شخص بعينه من البيض وأحيانا أخرى حول صورة غير ~~محددة لنظام يدعي السيطرة على حياتنا. اضطررت حينها إلى أن أسأل نفسي عما إذا كان ~~من الممكن استعادة الروابط بين المجتمع دون أن يطرد السود بصورة جماعية هذا الشكل ~~المخيف الذي لازم أحلامهم. ترى هل كان يمكن أن تحب روبي نفسها دون أن تكره العيون ~~الزرقاء؟ ~~••• # تعامل رفيق الشباز مع هذه القضايا بما يحقق رغباته الخاصة. ومع الوقت بدأت أراه ~~بصورة أكثر انتظاما، وذات صباح بعد اجتماع مع مكتب العمدة للتوظيف والتدريب بخصوص ~~مشروع التنمية المحلية، اتصل بي وأخذ يتحدث سريعا بخصوص مركز التوظيف الذي طالبنا به ~~المدينة. # قال لي رفيق: «يجب أن نتحدث يا باراك.» وتابع: «إن كل ما تحاولون فعله بخصوص ms204 ~~التدريب الوظيفي يحتاج إلى أن يتلاءم مع خطة التنمية الشاملة العامة التي أعمل عليها. ~~فلا يمكن التفكير في هذا الشيء بمعزل عن الأمور الأخرى ... يجب أن تنظروا للصورة ~~بأكملها. فإنكم لا تفهمون القوى الموجودة هنا. إنها هائلة يا رجل. فالجميع هنا على ~~استعداد لطعنك من الخلف.» ~~«من هذا؟» ~~«رفيق. ما الخطب، ألا يزال أمامك الكثير لتقوله؟» # نعم كان أمامه الكثير . طلبت منه أن ينتظر على الخط حتى أحضر لي فنجانا من القهوة، ~~وعندما عدت طلبت منه أن يبدأ حديثه من جديد، لكن بصورة أكثر بطئا. وفي النهاية ~~استنتجت أن رفيقا كان لديه اهتمام بإقامة مركز لخدمات مكتب العمدة للتوظيف والتدريب ~~الذي كنا قد اقترحناه على المدينة في مبنى معين قريب من مكتبه في شارع ميشيجان. ~~لكنني لم أسأل عن طبيعة هذا الاهتمام. إذ كنت أشك في إمكانية أن أحصل على إجابة ~~مباشرة منه، وعلى أية حال تصورت أننا ربما نستطيع الاستفادة منه كحليف في سلسلة ~~المفاوضات الصعبة مع السيدة ألفاريز. وفي هذا الصدد قلت إنه إذا كان المكتب الذي فكر ~~فيه يفي بالمواصفات المطلوبة فسوف أكون مستعدا لاقتراحه كأحد البدائل الممكنة. # وهكذا كونت أنا ورفيق تحالفا غير مستقر لم يلق كثيرا من استحسان قادة مشروع ~~التنمية المحلية. كنت أفهم دواعي قلقهم، فكلما جلسنا مع رفيق لمناقشة استراتيجيتنا ~~المشتركة قاطع المناقشة وألقى على أسماعنا دروسا عن المؤامرات السرية الجارية، وعن ~~الشعب الأسود المستعد جميعه لخيانة أهله. كانت حيلة فعالة من حيل المفاوضات، وكلما ~~ارتفع صوته تدريجيا وانتفخت أوداجه لجأت أنجيلا وويل والآخرون فجأة إلى صمت غريب، ~~وهم يشاهدون رفيقا كما لو كان في نوبة صرع. ولأكثر من مرة كنت أضطر إلى الاندفاع ~~سريعا والصياح في وجهه، ليس بصورة غاضبة بقدر ما كنت أحاول أن أجعله يقلل من حدة ~~انفعاله، وفي النهاية ترتسم ابتسامة صغيرة أسفل شاربه ونستطيع بعدها العودة إلى ~~العمل. # ومع ذلك فإنني عندما أصبح بمفردي مع رفيق كانت تدور بيننا في بعض الأحيان محادثات ~~عادية. وبمرور الوقت انتهى بي ms205 المطاف إلى الإعجاب رغما عني بتصميمه وجرأته وبإخلاصه ~~لمفاهيمه الخاصة. أكد لي رفيق حقيقة أنه كان رئيسا لإحدى العصابات وأنه تربى في ~~ألتجيلد، وقال إنه اعتنق الإسلام بفضل زعيم مسلم محلي لا ينتمي إلى منظمة «أمة ~~الإسلام» التي يرأسها الزعيم لويس فرقان. وأخبرني ذات يوم: «إن لم أعتنق الإسلام لأصبحت ~~الآن في عداد الأموات.» وأضاف: «في الواقع كانت عندي اتجاهات هدامة. إذ تربيت في ~~ألتجيلد وتجرعت كل السموم التي كان البيض يرضعوننا إياها. وكما ترى فإن من تعمل ~~معهم يعانون المشكلة نفسها، حتى إن لم يكونوا قد أدركوها بعد. إنهم يقضون نصف حياتهم ~~قلقين مما يفكر فيه البيض. ويبدءون بتحميل أنفسهم مسئولية كل المساوئ التي يرونها ~~كل يوم، معتقدين أنهم لن يستطيعوا تحسين أي وضع إلى أن يقرر البيض أنهم ~~صالحون. إلا أنهم في أعماقهم يعرفون أنهم ليسوا صالحين. وهم يعرفون ماذا فعل هذا البلد ~~في أمهاتهم وآبائهم وأخواتهم. لذا فإن الحقيقة هي أنهم يكرهون البيض، لكنهم لا ~~يستطيعون الاعتراف بذلك لأنفسهم. بل يكبحونه داخلهم ويحاربون أنفسهم. ويهدرون كثيرا ~~من طاقتهم بهذه الطريقة.» # أكمل رفيق حديثه وقال: «سأخبرك شيئا يعجبني في البيض.» وتابع كلامه: «إنهم يعرفون ~~من هم. انظر مثلا إلى الإيطاليين. إنهم لا يهتمون بالعلم الأمريكي أو أي شيء من هذا ~~القبيل عندما يأتون إلى هنا. وأول شيء يفعلونه هو إنشاء مافيا للتأكد من أن مصالحهم سوف ~~تتحقق. وانظر إلى الأيرلنديين الذين يتولون السلطة في مجلس المدينة ويحصلون لأبنائهم ~~على الوظائف. والأمر نفسه ينطبق على اليهود ... أتريد إخباري أنهم يهتمون بالأطفال ~~السود في الجانب الجنوبي من شيكاغو أكثر من اهتمامهم بأقاربهم في إسرائيل؟ اللعنة، إن ~~الأمر متعلق بقرابة الدم يا باراك. وكل يعتني بمن هو منه. قضي الأمر. ويمكنني أن ~~أقول لك إن السود هم بمفردهم من يتصفون بذلك القدر من الحمق الذي يجعلهم يهتمون بأمر ~~أعدائهم.» # كانت تلك هي الحقيقة كما رآها رفيق؛ الحقيقة التي لم يهدر طاقته في انتقادها ~~وتفنيدها. كان رفيق يعيش في عالم يشبه عالم ms206 الفيلسوف توماس هوبز، وفي هذا العالم كان ~~الشك حقيقة مسلما بها، وكان الولاء يبدأ من الأسرة ويمتد إلى المسجد ثم إلى العرق ~~الأسود ... ونتيجة لذلك لم يعد من الممكن تطبيق مفهوم الولاء. قدمت هذه النظرة ~~المحدودة لرابطة الدم والقبيلة لرفيق وسيلة لتركيز اهتمامه. وكان يجادل بقوله إن ~~احترام الذات لدى السود هو الذي منح العمدة منصبه حيث إن احترام الذات لديهم غير ~~حياة مدمني المخدرات في ظل تعاليم المسلمين. وكان التقدم في حوزتنا ما دمنا لا نخون ~~أنفسنا. # لكن ما الذي أدى إلى الخيانة بالضبط؟ منذ أن تعرفت على السيرة الذاتية لمالكولم ~~إكس حاولت أن أفك لغز القومية السوداء، وجادلت بأن الرسالة الإيجابية للقومية - عن ~~التضامن والاعتماد على النفس والنظام والمسئولية المشتركة - ليست في حاجة إلى أن تكون ~~معتمدة على كراهية البيض أكثر من اعتمادها على سماحتهم. وكنت أحدث نفسي وأحدث ~~أصدقائي السود بأننا بوسعنا أن نخبر هذا البلد عن مواطن الأخطاء، وكان هؤلاء الأصدقاء ~~يستمعون إلي دون التوقف عن الإيمان بقدرة البلد على التغير. # في تحدثي مع القوميين المجاهرين بهويتهم القومية - من أمثال رفيق - اكتشفت كيف لعب ~~الاتهام العام لكل ما هو أبيض دورا رئيسيا في رسالتهم عن الشعور بالأمل، وفي ~~الطريقة التي أصبح يعتمد فيها كل طرف على الآخر على الأقل نفسيا. ذلك لأنه عندما ~~يتحدث القومي عن إحياء القيم باعتباره الحل الوحيد للتغلب على فقر السود، فإنه كان ~~ينتقد الجمهور الأسود من المستمعين إليه نقدا ضمنيا - إن لم يكن نقدا صريحا - بحجة ~~أننا لسنا مضطرين لأن نحيا بالطريقة التي حيينا بها. وما دام هناك أشخاص استطاعوا ~~استيعاب هذه الرسالة البسيطة واستخدامها لخلق حياة جديدة لأنفسهم - هؤلاء الأشخاص الذين ~~كانت لديهم الميول ذات المشاعر المتبلدة التي طالب بها «بوكر تاليافيرو واشنطن» أتباعه ~~ذات مرة - فإن هذا الحديث بدا في آذان العديد من السود وكأنه يذكرهم بالتفسيرات التي ~~دوما ما كان يقدمها البيض كأسباب لفقر السود؛ التفسيرات التي استمررنا نعاني ~~بسببها، إن لم يكن من الشعور الموروث بالدونية، فإنه ms207 من الضعف الثقافي بعد ذلك. كانت ~~رسالة تجاهلت السببية والأخطاء، رسالة خارج حدود التاريخ وتخلو من السيناريو أو الحبكة ~~التي ربما تصر على تسلسل الأحداث. وفيما يتعلق بأناس جردوا من تاريخهم ولا يملكون ~~ما يؤهلهم لاستعادة هذا التاريخ بأي شكل من أشكاله - بخلاف الشكل الذي يرفرف على شاشات ~~التليفزيون - فإن الدليل على ما كنا نراه يوميا كان يؤكد أسوأ شكوكنا في ~~أنفسنا. # قدمت القومية هذا التاريخ في صورة قصة أخلاقية واضحة كان من السهل تناقلها ~~وفهمها. وكان الهجوم المعتاد على العرق الأبيض والسرد المستمر للتجربة القاسية التي ~~تعرض لها السود في هذا البلد هو عصا التوازن التي استطاعت منع أفكار المسئولية ~~الشخصية والجماعية من إلقاء نفسها في بحر من اليأس والإحباط. نعم، كان القوميون يقولون ~~إن حالة السود المزرية لم تحدث بسبب عيب متأصل فيهم كسود، بل تسبب فيها البيض. وفي ~~الواقع فإن البيض ليس لديهم مشاعر، بل مخادعون أيضا لدرجة تجعلنا لم نعد نتوقع ~~أي شيء منهم. فشعورك بكراهيتك لذاتك - الذي يدفعك إلى الإفراط في شرب الخمر أو إلى ~~السرقة - غرس بداخلك على أيديهم. لذا اطردهم بعيدا عن تفكيرك، وحرر قواك الحقيقية. ~~أو كما تقول الأغنية: «انهض أيها العرق الجبار.» # ساعدت عملية الاستبدال هذه - أي الاشتراك في انتقاد الذات في الوقت الذي نبعد فيه ~~أنفسنا عن موضوع الانتقاد - في تفسير النجاح الباهر لمنظمة أمة الإسلام في تغيير حياة ~~مدمني المخدرات والمجرمين. على أنه إذا كانت قد تناسبت بصفة خاصة مع هؤلاء الذين ~~يعيشون في قاع المجتمع الأمريكي، فإنها خاطبت أيضا جميع الشكوك المستمرة لذلك المحامي ~~الذي سعى بكل ما أوتي من قوة لتحقيق النجاح الباهر في حين كان يتعرض لصمت الناس ~~جميعا عند دخوله أماكن الاجتماعات، وطلاب الجامعة من الشباب الذين كانوا يقدرون ~~بحذر المسافة بين أنفسهم وبين الحياة في شوارع شيكاغو المتدنية وهم يشعرون بالخطر الذي ~~توحي به هذه المسافة، وجميع الأفراد السود الذين اتضح أنهم شاركوني صوتا كان يهمس ~~بداخلهم قائلا لهم: «إنكم لا تنتمون إلى هذا ms208 المكان.» # إلى حد ما، كان رفيق محقا عندما أصر على أن جميع السود كانوا في أعماقهم ~~قوميين. هذا في حين كان الغضب موجودا باستمرار، بداخلهم، متراكما في أعماقهم. وعندما ~~فكرت في روبي وعينيها الزرقاوين، وفي الصبية وهم ينادون بعضهم بعضا بالزنجي وما هو ~~أسوأ، تساءلت عما إذا كان رفيق - الآن على الأقل - مخطئا في تفضيل إعادة توجيه هذا ~~الغضب؛ أي هل كانت سياسة السود التي منعت الغضب من البيض بصفة عامة - أو فشلت في ~~السمو بالولاء للعرق عن كافة مستويات الولاء الأخرى - سياسة غير ملائمة للمهمة. # كان من المؤلم وضع هذه الفكرة في الحسبان؛ ألم لم يختلف الآن عما كان قبل سنوات ~~طويلة. فقد تناقضت مع الأخلاقيات التي علمتني إياها والدتي؛ أخلاقيات الفوارق الدقيقة ~~بين أصحاب النية الحسنة والذين يرجون إلحاق الضرر بي، بين سوء النية والجهل أو ~~اللامبالاة. لقد كانت لي مساهمة شخصية في هذا الإطار الأخلاقي حيث اكتشفت أنني لن ~~أستطيع الهروب منه مهما حاولت. ومع ذلك فربما كان هذا الإطار الأخلاقي هو الإطار الذي ~~لم يعد السود في هذا البلد قادرين على احتماله، وربما يكون قد أضعف عزيمتهم وتسبب ~~في إحداث الاضطراب بين الطبقات. واستدعت الأوقات العصيبة وجود إجراءات عصيبة مثلها، ~~ورأى كثيرون من السود أن الأوقات كانت عصيبة بصفة دائمة. ربما لو كانت القومية قد ~~استطاعت أن تخلق حالة فعالة وقوية من التقوقع، والوفاء بوعدها باحترام الذات، لقلت ~~أهمية الجرح الذي أصاب حسني النية من البيض أو الاضطراب الداخلي الذي سببته لأفراد ~~مثلي. ~~••• # هذا لو كانت القومية استطاعت. أصبح من الواضح أن القضايا المتعلقة بالكفاءة، وليس ~~العواطف، سببت معظم خلافاتي مع رفيق، وذات مرة - بعد انقضاء اجتماع شائك للغاية مع ~~مكتب العمدة للتدريب والتوظيف - طلبت منه إن كان في مقدوره حشد أتباعه إذا كان من ~~الضروري أن تكون هناك مواجهة حاسمة بين العامة من جهة ومجلس المدينة من جهة ~~أخرى. # قال رفيق: «ليس لدي وقت حتى أتجه إلى أماكن عديدة لتوزيع النشرات محاولا شرح كل ~~شيء ms209 للعامة.» وتابع قائلا: «معظم الأفراد هنا لا يهتمون بالأمر بطريقة أو بأخرى. ومن ~~يهتم منهم بالأمر زنجي خائن سيحاول إفساد الأمور. والمهم الآن هو أن نجعل خطتنا محكمة ~~للغاية ونحصل على موافقة مجلس المدينة. تلك هي طريقة تنفيذ الأعمال. وبعد ذلك يمكنك ~~إعلانها بأية طريقة تفضل.» # اختلف أسلوبي مع أسلوب رفيق؛ فمع كل هذا الحب الذي كان يعلن أنه يكنه للسود، بدا ~~وكأنه لا يثق بهم كثيرا. لكنني عرفت أيضا أن أسلوبه كان ناتجا عن عدم قدرة لأنني ~~اكتشفت أن مؤسسته وكذلك المسجد التابع له لم يستطيعا الحصول على عضوية أكثر من 50 ~~شخصا. ولم ينبع تأثيره من أي دعم مؤسسي قوي، لكن من استعداده لحضور أي اجتماع يمت ~~بصلة - ولو من بعيد - لروزلاند ومن دحض آراء معارضيه فيها. # إن ما كان رفيق يعتبره صحيحا كانت المدينة كلها تعتبره كذلك، ودون التأثير ~~المركز لحملة هارولد، انحلت القومية إلى أن أصبحت موقفا أكثر منها برنامجا ~~ماديا، مجموعة من المظالم وليست قوة منظمة، وصورا وأصواتا ملأت وسائل الإعلام ~~ولكنها خلت من أي وجود مادي. ومن بين المنظمات القليلة الهادفة إلى رفع الراية القومية، ~~لم يكن لأية منظمة عدد كبير من الأنصار والأتباع سوى منظمة أمة الإسلام؛ فقد كانت خطب ~~الزعيم فرقان التي كان يرفع فيها صوته ويخفضه على نحو إيقاعي يحضرها جمهور كبير، وكان ~~هناك أيضا عدد كبير يستمع إلى برامجه الإذاعية. لكن العضوية النشطة في المنظمة ~~بشيكاغو كانت أصغر من ذلك بكثير - إذ بلغت بضعة آلاف وربما بلغت قرابة عدد جماعة ~~المصلين في إحدى أكبر أبرشيات السود في شيكاغو - وكانت قاعدة هذه المنظمة نادرا ما ~~تشجع على المناقشة السياسية أو تدعم البرامج الواسعة النطاق. وفي الحقيقة فإن ~~الوجود الملموس للمنظمة في الأحياء كان وجودا اسميا فقط، ومقتصرا بصفة أساسية على ~~الأفراد الحسني المظهر الذين يرتدون الحلل وأربطة العنق ويقفون في تقاطعات الطرق ~~العامة الرئيسية لبيع جريدة الأمة التي حملت اسم «ذا فاينال كول». # كنت بين الحين والآخر أشتري الجريدة من هؤلاء ms210 الرجال المهذبين دائما. وكان سبب ~~شرائي لها أحيانا هو شفقتي عليهم بسبب ارتدائهم حللا ثقيلة في الصيف ومعاطف خفيفة في ~~الشتاء، أو بسبب أن عناوينها شديدة الإيجاز على غرار صحف «التابلويد» كانت تلفت انتباهي ~~(مثل: سيدة قوقازية تعترف: البيض أبالسة.) وعلى الصفحة الأولى كنت أجد إعادة نشر خطب ~~الزعيم، بالإضافة إلى أخبار مقتطفة مباشرة من وكالة «أسوشيتد برس» ما لم يكن مقصودا ~~بها أغراض تحريرية تجميلية (مثل: أعلن السناتور اليهودي ميتزنبوم اليوم ...). واحتوت ~~الجريدة أيضا على باب للصحة، مشتملا على وصفات أطعمة قدمها الزعيم فرقان خالية من ~~لحم الخنزير، وإعلانات عن شرائط فيديو مسجل عليها خطب الزعيم (وكان يمكن شراؤها ~~باستخدام بطاقات الفيزا أو الماستركارد)، علاوة على بعض الإعلانات عن مستلزمات النظافة ~~والزينة - مثل معجون الأسنان وما شابه ذلك - التي طرحتها المنظمة تحت العلامة التجارية ~~«باور» كجزء من استراتيجية لتشجيع السود على إنفاق أموالهم داخل نطاق مجتمعهم. # بعد فترة من الوقت أصبحت الإعلانات المروجة لمنتجات «باور» أقل ظهورا في جريدة ~~«ذا فاينال كول»، وبدا أن العديد ممن كانوا يستمتعون بخطب الزعيم فرقان استمروا في ~~تنظيف أسنانهم ولكن بمعجون كريست. بالإضافة إلى ذلك نشرت حملة «باور» أخبارا عن ~~الصعوبة التي تواجهها أية شركة سوداء؛ مثل الحواجز التي تعوق الدخول إلى السوق، ونقص ~~التمويل، وتقدم المنافسين عليها بعدما أخرجوها من نطاق المنافسة منذ أكثر من 300 ~~عام. # على أنني ظننت أنها قد عكست أيضا الاضطراب الحتمي الذي نشأ عندما اختزلت رسالة ~~الزعيم فرقان إلى الحقائق الدنيوية المتعلقة بشراء معجون أسنان. وحاولت أن أتخيل مدير ~~إنتاج «باور» وهو يستعرض توقعات مبيعاته. ورأيت أنه ربما تساءل لوهلة إن كان هناك ~~معنى لتوزيع هذه المنتجات على سلاسل محلات السوبر ماركت القومية حيثما يفضل السود ~~الشراء أم لا. وإذا كان قد رفض هذه الفكرة، فربما كان سيضع في حسبانه ما إذا كان ~~سيستطيع أي سوبر ماركت يملكه السود - في محاولاته للتنافس مع السلاسل القومية - توفير ~~مساحة على أرففه لمنتج كان هدفه استبعاد الزبائن البيض. وهل كان ms211 الزبائن السود ~~سيشترون معجون أسنان بالبريد؟ وماذا عن احتمالية كون المورد الأرخص لأية مادة من ~~المواد التي تدخل في تصنيع معجون الأسنان من البيض؟ # كانت القضايا المتعلقة بالمنافسة والقرارات التي فرضها اقتصاد السوق وقاعدة الأغلبية ~~موضوعات جميعها متعلقة بالسلطة. وكانت تلك الحقيقة القاسية - المتمثلة في أن البيض لم ~~يكونوا أشباحا من السهل طردهم من أحلامنا، لكنهم كانوا موجودين في حياتنا اليومية ~~باعتبارهم حقيقة نشطة ومتغيرة - هي التي شرحت لنا أخيرا كيف يمكن أن تزدهر القومية ~~كعاطفة وأن تتعثر في خطواتها كبرنامج. وما دامت القومية بقيت كلعنة تطهيرية على العرق ~~الأبيض فيمكنها إذن أن تحظى بتصفيق المراهقين العاطلين عن العمل المنصتين إلى الراديو ~~أو رجال الأعمال المشاهدين للبرامج التليفزيونية التي تعرض في وقت متأخر من الليل. ~~لكن التدني من مثل هذه الحماسة الموحدة إلى الخيارات العملية التي واجهها السود كل ~~يوم كان انحدارا شديدا للغاية. حيث انتشرت الحلول الوسط انتشارا واسعا، وتساءل ~~المحاسبون السود عن أشياء مثل: كيف سأفتح حسابا في البنك الذي يملكه السود إذا كان ~~سيكلفني مبالغ إضافية عند الإيداع ولن يعطيني حتى قرضا تجاريا لأنه لا يستطيع ~~تحمل المخاطرة؟ كما ذكرت إحدى الممرضات السوداوات أيضا قائلة: «البيض الذين أعمل ~~معهم ليسوا شديدي السوء، لكن حتى إن كانوا كذلك لا أستطيع أن أترك وظيفتي؛ من ذا الذي ~~سيدفع إيجار شقتي غدا أو يطعم أطفالي اليوم؟» # لم يكن لدى رفيق أية إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة؛ فقد كان مهتما بتغيير قواعد ~~السلطة بصورة أقل من اهتمامه بلون متوليها الذين يستمتعون بنعيمها. لم يكن هناك قط ~~مكان على قمة الهرم، ومع ذلك ففي أي سجال يشكل في هذا الإطار كان ينتظر وقت طويل إلى ~~أن يفيد السود بأي آراء علنا. وفي أثناء هذا الانتظار كانت تحدث أشياء مضحكة. فما كان ~~يبدو في يد مالكولم إعلانا للحرب - وهو الإعلان بأننا لم نعد نستطيع تحمل ما لا ~~يمكن تحمله - كان في الأصل شيئا سعى مالكولم للتخلص منه؛ كان عنصرا آخر من العناصر ~~المثرية ms212 للخيال، وقناعا آخر للنفاق، وعذرا آخر للكسل وللتراخي. اكتشف سياسيون سود ~~أقل موهبة من هارولد ما عرفه السياسيون البيض منذ وقت طويل الذي يتمثل في أن ~~الحملات المعادية للعرق يمكن أن تخلق مجموعة كبيرة من القيود. أما القادة الأصغر في ~~السن الذين يتوقون لصنع اسم لأنفسهم فقد دخلوا بكل ثقلهم وهم ينشرون نظريات التآمر في ~~جميع أنحاء المدينة؛ فقالوا إن الكوريين يمولون منظمة كلو كلوكس كلان، وإن الأطباء ~~اليهود يحقنون الرضع السود بفيروس الإيدز. وبذلك كانت هذه الأمور طريقا مختصرا ~~لتحقيق الشهرة، إن لم يكن المال دائما. كان غضب السود يجد دائما سوقا رائجة مثله مثل ~~الجنس أو العنف على شاشة التليفزيون. # لم يبد أن أي شخص تحدثت معه في الحي قد حمل هذا الحديث على محمل الجد. وكما كان ~~الحال فقد كف الكثيرون بالفعل عن الأمل في أن السياسة بإمكانها تحويل حياتهم إلى ~~الأفضل، وفرض مطالب أقل عليهم، وفيما يتعلق بهم فقد كانت ورقة الاقتراع - إذا ما ~~اشتركوا في التصويت من الأساس - تذكرة لمشاهدة عرض جميل. وقال لي البعض إنه لم يكن ~~لدى السود أية سلطة حقيقية للتأثير في الحوادث العارضة المتعلقة بمعاداة السامية أو ~~انتهاك حقوق العمال الآسيويين، وعلى أية حال كان السود في حاجة إلى فرصة للتنفيس عن ~~غضبهم بين الفينة والفينة، وكنا نقول بعضنا لبعض: ترى ماذا يقول في اعتقادك هؤلاء ~~الناس عنا من وراء ظهورنا؟ # مجرد كلام. لكن ما أثار قلقي بالفعل لم يكن الضرر الذي ألحقه الهراء بالمجهودات ~~المبذولة في مبنى الاتحاد أو الألم النفسي الذي سببه للآخرين. بل كان المسافة بين ~~كلامنا وأفعالنا، والتأثير الذي كنا نشعر به كأفراد وجماعات. وهذه الفجوة أفسدت كلا ~~من اللغة والتفكير، وجعلتنا مهملين وشجعتنا على أن نحيد عن الحقيقة، وفي النهاية قتلت ~~قدرتنا على تحميل أنفسنا المسئولية من ناحية وتحميل بعضنا بعضا إياها من ناحية أخرى. ~~وبينما لم يعتبر أي من هذه الأمور جديدا على السياسيين أو القوميين السود - حيث ~~استطاع رونالد ريجان التعامل مع الأمور بصورة ms213 جيدة باستخدام مهارته في اللعب بالألفاظ، ~~وبدت الطبقة البيضاء من الشعب الأمريكي مستعدة لإنفاق أموال كثيرة على الأراضي في ~~الضواحي وقوات الأمن الخاصة لإنكار وجود صلة دائمة بين البيض والسود - كان السود هم ~~الذين قدموا هذا التصور. إن بقاء السود في هذا البلد كان معتمدا بصفة دائمة على أقل ~~قدر من الأوهام، وكان غياب هذه الأوهام هو الذي استمر في الحياة اليومية لمعظم من ~~قابلتهم من السود. وبدلا من تبني مثل هذه الأمانة الثابتة في أعمالنا العامة فإننا ~~بدونا وكأننا نفقد سيطرتنا على الأمور وندع أرواحنا الجماعية تحلق أينما يحلو لها ~~حتى ولو انغمسنا في يأس جديد. # ألم يكن الاعتداد بالنفس معتمدا فقط على الكفاح المستمر للموازنة بين الكلمات ~~والأفعال، والرغبات الصادقة وخطط العمل القابلة للتطبيق؟ كان هذا الاعتقاد هو الذي ~~قادني إلى العمل في مجال التنظيم، وهو أيضا الذي أرشدني إلى التوصل - ربما للمرة ~~الأخيرة - إلى أن مفاهيم نقاء العرق والثقافة لم تكن ستستطيع الاستمرار بكونها الأساس ~~للاعتداد بالنفس النموذجي للأمريكيين السود أكثر مما كانت لي. وكان إحساسنا بالوحدة ~~ينشأ من شيء أكثر نقاء من السلالات التي ورثناها، وكان له جذور في قصص السيدة كرينشو ~~والسيد مارشال وروبي ورفيق ... في كل التفاصيل المشوشة المتناقضة لخبراتنا. ~~••• # ابتعدت عن العمل لمدة أسبوعين لزيارة عائلتي. وعندما عدت اتصلت بروبي وأخبرتها بأنني ~~كنت في حاجة إليها لحضور اجتماع في مساء يوم السبت. # صمت طويل. ثم قالت: «بخصوص ماذا هذا الاجتماع؟» ~~«سترين. لكن استعدي في السادسة مساء ... سنتناول الطعام في البداية.» # كان مكان الاجتماع يبعد بساعة كاملة عن شقة روبي، حيث كان في حي من أحياء الجانب ~~الشمالي حيثما هاجر المغنون وراقصو الجاز سعيا وراء جمهور يدفع لهم المال. وجدنا ~~مطعما فيتناميا طلبنا فيه طبق نودلز وجمبري وتحدثنا في أثناء تناول الطعام عن ~~رئيسها في العمل، وعن المضاعفات التي كانت تعانيها بسبب آلام ظهرها. بدت المحادثة ~~متكلفة، مع أننا لم تمر علينا لحظات صمت أو تفكير، وفي أثناء حديثنا كنا نتجنب نظرات ~~كل منا ms214 للآخر. # بعدما دفعنا الحساب ومشينا إلى مبنى المسرح كان المسرح قد امتلأ بالفعل عن آخره. ~~أرشدنا أحد العاملين في المسرح إلى مقاعدنا التي اتضح لنا أنها تقع أمام مقاعد مجموعة ~~من الفتيات السوداوات اللاتي كن في رحلة ميدانية. كان بعض الفتيات يتصفحن بحرص شديد ~~الكتيبات التي كانت معهن ويحذون حذو سيدة معهن أكبر في السن - اعتقدت أنها المدرسة ~~- كانت تجلس بجانبهن. وكان معظمهن يشعر بعدم الراحة بسبب الجلوس لفترة طويلة، حيث ~~كن يهمسن ويستهزئن باسم المسرحية الطويل، نتوزيك شانج، ويسألن أسئلة عن المدرسة ~~المصاحبة التي كانت صبورة على نحو مثير للإعجاب طوال الوقت. # على حين غرة عم الظلام المسرح وصمتت الفتيات. وبعدها أنيرت الأضواء، وكان ضوءا ~~أزرق باهت اللون، وظهرت سبع سيدات سوداوات على خشبة المسرح يرتدين جونلات وأوشحة ~~فضفاضة، وكن يؤدين حركات التوائية غريبة للإيحاء بشعورهن بالبرد القارس. صرخت ~~إحداهن وكانت ضخمة الجثة مرتدية ثوبا بني اللون قائلة: ~~... تبعثرت النوت الموسيقية، # دون إيقاع أو نغمات، # تحيرت الضحكات، # متناثرة فوق كتف إحدى الفتيات السوداوات، # كم هو مضحك وهيستيري # رقصها الخالي من النغمات! # لا تقل لمخلوق إنها # ترقص فوق كئوس البيرة والحصوات ... # بينما كانت تتحدث تقدمت ببطء السيدات الأخريات اللاتي شكلن جوقة من مختلف الظلال ~~والأشكال - منهن البنية اللون المائلة للحمرة والبيضاء المائلة للصفرة بفعل كريم ~~التفتيح، منهن الممتلئة الجسم والنحيفة، منهن الصغيرة السن والأخرى الأكبر منها سنا - ~~ومددن أذرعهن عبر المسرح وقلن: # كل منكم، أي منكم، # أنشدوا ترنيمة الفتاة السوداء، # ادفعوها # لتعرف نفسها منكم # وتعرفكم # أنشدوها بإيقاعاتها # المحبة، المكافحة، إيقاع الصعوبات، # أنشدوا ترنيمتها عن الحياة ... # على مدار الساعة التالية تبادلت السيدات الأدوار في رواية قصصهن وإنشاد أغانيهن. ~~غنين عن الزمن الضائع والأحلام المهملة وما حدث لهن في الماضي. وقصصن غنائيا ~~حكاياتهن مع الرجال الذين أحببنهم لكنهم خانوهن واغتصبوهن، وحكاياتهن عن الألم ~~الدفين في أعماق هؤلاء الرجال؛ الألم الذي كان مفهوما في بعض الأحيان ومصفوحا عنه في ~~أحايين أخرى. وعرضت كل منهن على الأخرى العلامات الجلدية في أجسادهن والنتوءات ~~العظمية في ms215 أقدامهن، وكشفت هؤلاء السيدات عن جمالهن بتأرجح طبقات أصواتهن وارتعاد ~~أيديهن، إنه جمال مخادع يزيد وينقص. وبعد ذلك ندبن أطفالهن المجهضين والآخرين ~~المقتولين والضائعين منهن. وفي أثناء تقديم الأغاني في مراحلها المختلفة - العنيفة ~~والغاضبة والرقيقة والحازمة - رقصت كل واحدة منهن رقصة الرومبا ورقصة الفالس المنفردة ~~ورقصن وهن يقفزن على الحبل، واصطدمن بعضهن ببعض في رقصات ينفطر لها القلب. واستمررن ~~في الرقص إلى أن اندمجت أرواحهن وأصبحن شخصا واحدا. وفي نهاية المسرحية أنشدت هذه ~~الروح بيتا شعريا واحدا: # اكتشفت إلها في نفسي، # وإني أحبها حبا جما # أضيئت الأنوار وانحنت الجوقة لتحية الجمهور، وهللت الفتيات تهليلا عظيما تشجيعا ~~لهن. وفي النهاية ساعدت روبي في ارتداء معطفها وخرجنا معا إلى ساحة انتظار السيارات. ~~كانت درجة الحرارة قد انخفضت عما كانت عليه، وأومضت النجوم كقطع الثلج في صفحة السماء ~~السوداء. وفي أثناء انتظارنا في السيارة حتى تصل إلى درجة حرارة التشغيل، مالت روبي ~~نحوي وقبلتني على وجنتي. # وقالت لي: «شكرا لك.» # في ذلك الحين كانت عيناها - البنيتان الغامقتان - متلألئتين. أخذت بيدها المخبأة ~~داخل قفاز بسبب البرد وشددت عليها سريعا قبل أن أبدأ القيادة. ولم تنطق كلمة أخرى ~~بعدها، ومنذ بداية رحلة عودتنا إلى الجانب الجنوبي إلى أن أوصلتها حتى باب منزلها ~~وتمنيت لها أحلاما سعيدة، لم نكسر حاجز الصمت النفيس. # | الفصل الحادي عشر # وصلت إلى موقف سيارات المطار في الثالثة و15 دقيقة واتجهت إلى صالة الوصول سريعا ~~قدر استطاعتي. طفت سريعا حول المكان مرات عديدة وأنا ألهث من كثرة الطواف، وكانت ~~عيناي تنعم النظر في الحشود المتزاحمة من الهنود والألمان والبولنديين والتايلنديين ~~والتشيكيين الذين يحملون حقائبهم. # اللعنة! أعرف أنه كان يجب أن أصل في وقت مبكر عن ذلك. ربما تكون قد قلقت وحاولت ~~الاتصال بي. لكن ترى هل أعطيتها رقم هاتف مكتبي؟ وماذا لو فاتتها رحلتها الجوية؟ وماذا ~~إذا كانت قد مشت بجانبي ولم أعرفها؟ # نظرت إلى الصورة التي بيدي والتي أرسلتها لي منذ شهرين، كانت قد اتسخت من كثرة إمساكي ~~بها. وبعدها نظرت ms216 لأعلى فوجدت الصورة أمام عيني وقد أصبحت تنبض بالحياة؛ سيدة أفريقية ~~ظهرت لي من خلف بوابة الجمارك تمشي بخطوات رشيقة وهادئة، وها قد تحولت عيناها ~~اللامعتان الهائمتان لتنظر في عيني مباشرة، وعندما ارتسمت على وجهها ابتسامة أصبح وجهها ~~الأسمر المستدير الذي يبدو متفتحا مثل زهرة الوود روز وكأنما نحتته يد فنان. ~~«باراك؟» ~~«أوما؟» ~~«يا إلهي ...» # عانقت أختي ورفعتها عن الأرض وضحكنا وكلانا ينظر إلى الآخر، وحملت حقيبتها وبدأنا ~~نمشي معا إلى ساحة انتظار السيارات. علقت ذراعها في ذراعي بخفة شديدة. وفي هذه ~~اللحظة أدركت أنني أحبها حبا جما بصورة غريزية، لكنني بعدما رحلت وجدت نفسي متشككا ~~في حبي لها محاولا تفسيره لنفسي؛ وحتى هذه اللحظة لا أستطيع تفسيره، ولا أعرف إلا أن ~~حبي لها كان صادقا ولا يزال كذلك وأنني ممتن بشدة لهذا الحب. # قالت أوما ونحن في طريقنا إلى المدينة: «إذن أخي لا بد أن تحكي لي كل شيء.» ~~«بخصوص ماذا؟» ~~«كل شيء عن حياتك دون شك.» ~~«من البداية؟» ~~«من أية نقطة تريد.» # أخبرتها عن شيكاغو ونيويورك، وعن عملي كمنظم، وعن أمي وجدي ومايا، وقالت لي إنها ~~سمعت الكثير عنهم من أبي وتشعر أنها تعرفهم بالفعل. وصفت لي أوما مدينة هيدلبيرج حيث ~~كانت تدرس للحصول على شهادة الماجستير في علم اللغة، وروت لي تجربة العيش في ألمانيا ~~والمحن التي واجهتها هناك. # وقالت لي: «أعتقد أنه ليس لدي حق في الشكوى.» وتابعت قائلة: «أنا حاصلة على منحة ~~دراسية وعندي شقة. ولا أعرف في الواقع ماذا كنت سأفعل إذا كنت ما زلت في كينيا. وحتى ~~الآن أعتقد أنني لست مهتمة كثيرا بالحياة في ألمانيا. فأنت تعلم أن الألمان يفضلون ~~التفكير في أنفسهم على أنهم متحررون للغاية عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الأفارقة، ~~لكن إذا ما تطرقت إلى هذه المسألة حتى ولو من بعيد فستجد أنهم لا يزالون يحملون بعض ~~أفكار ومواقف طفولتهم. ففي الحكايات الخيالية الألمانية التي تروى للأطفال كانت ~~العفاريت دوما من ذوي البشرة السوداء. وأشياء كهذه ليس من السهولة ms217 بمكان نسيانها. ~~وفي بعض الأحيان كنت أحاول أن أتخيل شعور الرجل العجوز عندما غادر وطنه للمرة الأولى. ~~وهل شعر بالوحدة نفسها التي ...» # الرجل العجوز! هذا هو ما أطلقته أوما على أبينا. بدت لي على الفور - إلى حد ما - ~~مألوفة وبعيدة؛ قوة جوهرية لم أفهمها فهما كاملا. اكتشفت أوما في شقتي أنه توجد على ~~رف مكتبتي صورة له احتفظت بها أمي. ~~«يبدو بريء الوجه أليس كذلك؟ وشابا أيضا.» هكذا قالت أوما وهي تمسك بالصورة بالقرب ~~من وجهي. وتابعت: «إن فمك يشبه فمه.» # أخبرتها أنه من الأفضل أن تستريح قليلا في الفراش، وأذهب أنا إلى مكتبي لبضع ساعات ~~لأنجز بعض الأعمال. # هزت رأسها. وقالت: «لست متعبة. دعني أذهب معك.» ~~«ستشعرين بتحسن لو أخذت سنة من النوم.» # ردت علي قائلة: «أوه يا باراك! أرى أنك متسلط مثل الرجل العجوز أيضا. لم تقابله ~~سوى مرة واحدة فقط؟ يبدو أنها صفة تجري في العروق.» # ضحكت إلا أنها لم تضحك، بل جالت بناظريها في وجهي كما لو كانت أمام لغز تحاول حله، ~~وشعرت أنها تواجه مشكلة تنغص عليها حياتها بالرغم من ثرثرتها المرحة المفعمة ~~بالحيوية. # طفت بها في جولة بالجانب الجنوبي بعد ظهر هذا اليوم، هي الجولة نفسها التي قمت بها ~~في أيامي الأولى في شيكاغو، والتي لم يتبق لي منها سوى بعض الذكريات. عندما وصلنا إلى ~~مكتبي تصادف وجود أنجيلا ومنى وشيرلي هناك. وأخذن يسألن أوما عن كل شيء في كينيا وعن ~~كيفية تضفير شعرها وتحدثها بلباقة تامة كملكة إنجلترا، واستمتعت السيدات الأربع ~~كثيرا وهن يتحدثن عني وعن عاداتي الغريبة. # بعدئذ قالت أوما: «يبدون معجبات بك للغاية.» وتابعت: «إنهن يذكرنني بعماتنا في ~~كينيا.» أنزلت أوما زجاج نافذة السيارة ووجهت وجهها للريح، وهي تشاهد شارع ميشيجان في ~~أثناء مرورنا به؛ حيث الأطلال المحزنة لمسرح روزلاند القديم، والمرأب المليء ~~بالسيارات الصدئة المتهالكة. وسألتني وهي تستدير نحوي: «أهذا هو ما تفعله لهم ~~يا باراك؟» وتابعت: «أقصد أن هذا هو العمل التنظيمي؟» # هززت كتفي. وقلت: «لهم. ولي.» # عاد تعبير ms218 الحيرة والخوف نفسه يرتسم على وجه أوما. وقالت: «إنني لا أحب السياسة ~~كثيرا.» ~~«لماذا؟» ~~«لا أعرف. الناس دوما ينتهي بهم الأمر وهم محبطون.» # عندما رجعنا إلى المنزل كان هناك خطاب في انتظارها في صندوق البريد، من طالب ألماني ~~يدرس بكلية الحقوق، كانت - طبقا لما قالت - على علاقة به. كان الخطاب طويلا، ~~مكونا على الأقل من سبع صفحات، وحين كنت أعد العشاء جلست هي على طاولة المطبخ ~~تقرأ الخطاب وهي تضحك تارة وتتنهد تارة أخرى، وفجأة بدت على وجهها ملامح رقيقة ~~تواقة. # قلت: «اعتقدت أنك لم تحبي الألمان.» # مسحت عينيها وضحكت. قالت: «نعم ... لكن أوتو مختلف. إنه لطيف للغاية! في بعض ~~الأحيان كنت أعامله بأسلوب غير لائق! لا أعرف يا باراك. إنني في بعض الأحيان أفكر في ~~أنه من المستحيل أن أثق بأي شخص ثقة عمياء. وأفكر فيما فعله الرجل العجوز في حياته، ~~وأضحت فكرة الزواج تصيبني ... كيف أقولها ... بالخوف. الأمر نفسه ينطبق على أوتو وحياته ~~المهنية لأننا كنا سنضطر إلى العيش في ألمانيا. فبدأت أتخيل نفسي في هذه الحياة وأنا ~~أعيشها كاملة أجنبية، ولا أعتقد أنني سأتحمل ذلك.» # طوت الخطاب ووضعته في مظروفه مرة أخرى. وسألتني: «ماذا عنك يا باراك؟» وتابعت: «هل ~~تعاني المشكلات نفسها، أم أنني بمفردي أعاني هذا الارتباك؟» ~~«أعتقد أنني أعرف شعورك.» ~~«هيا يا باراك فلتخبرني.» # ذهبت إلى الثلاجة وأخذت منها ثمرتين من الفلفل الأخضر ووضعتهما على لوح التقطيع. وقلت ~~لها: «حسنا ... أحببت سيدة في نيويورك. هي بيضاء. وسوداء الشعر، وتميل عيناها إلى ~~الخضرة. وكان صوتها عذبا. تقابلنا لقرابة عام. غالبا في أيام العطلات. أحيانا في ~~شقتي وأحيانا أخرى في شقتها. أتعرفين شعور من ينغمس في عالمه الخاص؟ لم يكن في هذا ~~العالم سوى شخصين - أنا وهي - مختفيين عن الأنظار ويغمرنا الدفء. كنا منغمسين في لغتنا. ~~كنا منغمسين في عاداتنا. هكذا كانت حياتنا. # دعتني هذه السيدة في أحد أيام العطلات في منزل عائلتها الريفي. كان والداها هناك، ~~وكانا لطيفين وكريمين إلى حد بعيد. كنا في الخريف الرائع ms219 ومن حولنا الغابات، وركبنا ~~الزوارق الطويلة، وجدفنا بمجاديفها في بحيرة ثلجية مستديرة وكانت أوراق الشجر الذهبية ~~الصغيرة تتجمع على ضفتيها. كانت العائلة تعرف كل شبر في هذه الأرض. وكيف تكونت ~~تلالها وكيف كونت تيارات النهر الجليدية البحيرة، وأسماء المستعمرين البيض الأوائل ~~وأسلافهم ومن قبلهم أسماء الهنود الذين كانوا فيما مضى يجولون في المنطقة متعقبين ~~حيوانات الصيد. كان المنزل الذي يعيشون فيه قديما جدا ، كان منزل جدها لأبيها. وكان ~~جدها هذا قد ورثه من جده لأبيه. وكانت لديهم مكتبة مليئة بالكتب القديمة وصور الجد ~~بصحبة أفراد مشهورين كان يعرفهم، من رؤساء ودبلوماسيين وصحفيين ورجال صناعة. وكانت ~~الغرفة تتمتع بقدرة جاذبة هائلة. وأدركت، وأنا أقف وسطها، أن عالمينا - أنا وصديقتي - ~~تفصل بينهما مسافة شاسعة كالمسافة نفسها التي تفصل بين كينيا وألمانيا. وعلمت أيضا ~~أننا لو بقينا معا لعشت في عالمها في النهاية. مع ذلك فهذا هو ما كنت أفعله معظم ~~أوقات حياتي. وبيني وبينها كنت شخصا عرف كيف يعيش غريبا.» ~~«وماذا حدث؟» # هززت كتفي. قلت: «أبعدتها عني.» وتابعت: «بدأت الخلافات تنشب بيننا. وبدأنا نفكر في ~~المستقبل الذي بدأ يضغط على عالمنا الدافئ الصغير. وذات مساء دعوتها لمشاهدة مسرحية ~~جديدة من تأليف كاتب أسود. وكانت المسرحية تعبر عن الغضب الشديد للسود إلا أنها ~~مضحكة للغاية. كانت تعبر تعبيرا صادقا عن مسرح السود الهزلي الأمريكي. وكان معظم ~~الجمهور من السود، ضحك الجمهور وصفق وهللوا جميعا كما لو كانوا يسبحون في ~~الكنيسة. وبعد انتهاء العرض المسرحي بدأت صديقتي تسألني عن السبب الدائم لغضب السود. ~~وقلت لها إن الأمر متعلق بذكرياتهم - كما قلت إن أحدا لا يسأل اليهود عن سبب ~~تذكرهم الهولوكوست - لكنها أخبرتني أن الأمر مختلف وعارضتها في ذلك، فقالت لي إن ~~الغضب ليس إلا طريق مسدود. وبذلك تشاجرنا أمام المسرح. وعندما عدنا إلى السيارة ~~بدأت تبكي. وقالت إنها لا تستطيع أن تكون سوداء. وإنها كانت ستفعل إذا كان ذلك بيدها. ~~وإنها لا تستطيع أن تكون أحدا غير نفسها.» ~~«يا لها من قصة محزنة يا ms220 باراك.» ~~«نعم أعتقد ذلك. وربما حتى إن كانت سوداء لم تكن ستستمر العلاقة. أقصد أن هناك بعض ~~السيدات السوداوات اللاتي جعلن قلبي ينفطر مثلها.» ارتسمت ابتسامة على شفتي ووضعت ~~الفلفل المقطع في الإناء، ثم استدرت إلى أوما مرة أخرى. وقلت لها دون أية ابتسامة: ~~«المشكلة أنني كلما عدت بذاكرتي إلى ما قالته صديقتي هذه الليلة أمام المسرح أشعر ~~بالخجل من نفسي إلى حد ما.» ~~«هل تعرف أي شيء عنها الآن؟» ~~«أرسلت لي بطاقة بريدية في الكريسماس. إنها سعيدة الآن حيث أقامت علاقة مع شخص ما. ~~أما أنا فلدي عمل أهتم به.» ~~«وهل هذا كاف؟» ~~«في بعض الأحيان.» ~~••• # لم أذهب إلى العمل اليوم التالي، وقضينا هذا اليوم معا وزرنا معهد الفنون (أردت أن ~~أرى الرأسين الصغيرين في متحف فيلد، لكن أوما رفضت)، إلى جانب أننا بحثنا عن الصور ~~الفوتوغرافية القديمة التي كانت في خزانتي لمشاهدتها، وذهبنا إلى السوبر ماركت، حيث ~~أقرت أوما أن الشعب الأمريكي ودود ووزنه زائد. في بعض الأحيان كنت أجد أوما صعبة ~~المراس وفي أحيان أخرى متهورة، وفي أوقات كثيرة مشغولة بهموم العالم، ودائما ما ~~كانت تؤكد قدرتها على الاعتماد على نفسها، وهو الأمر الذي كنت أراه رد فعل مكتسب، ~~وكان هذا رد فعلي تجاه شعوري بالشك. # لم نتحدث كثيرا عن أبينا وكأن حديثنا كان يتوقف كلما أوشكنا على الاقتراب من ~~ذكراه. وبعد ليلة تناولنا فيها العشاء ومشينا مسافة طويلة بمحاذاة حاجز الأمواج ~~المنهار للبحيرة، شعر كلانا أننا لن نتقدم خطوة واحدة إلا إذا طرحنا هذا الموضوع ~~للمناقشة. أعدت لنا كوبين من الشاي وبدأت أوما تخبرني عن الرجل العجوز، قدر ما ~~أسعفتها ذاكرتها. # قالت: «لا أستطيع القول إنني بالفعل عرفته حق المعرفة يا باراك.» وتابعت: «ربما لم ~~يستطع أحد معرفته حق المعرفة على الإطلاق. فحياته كان التشتت سمتها. ولم يعرف ~~أحد سوى حلقات منفصلة منها، حتى أبناؤه. # كنت خائفة منه. فأنت تعلم أنه لم يكن بجانبنا عندما ولدت. كان في هاواي مع أمك ~~وبعدها ذهب إلى هارفارد. وعندما ms221 عاد إلى كينيا كان أخونا الأكبر - روي - وأنا ما زلنا ~~طفلين صغيرين. وقد عشنا مع أمنا في قرية أليجو حتى ذلك الوقت. وكنت صغيرة للغاية على أن ~~أتذكر تفاصيل مجيئه. كنت في الرابعة من عمري في حين أن روي كان في السادسة؛ لذا ربما ~~يستطيع هو إخبارك بما حدث بصورة أكثر إسهابا. إنني لا أتذكر إلا عودته بصحبة ~~السيدة الأمريكية التي تدعى روث ، وأنه أخذنا من أمي لنعيش معهما في نيروبي. كما ~~أتذكر أن هذه السيدة - روث - كانت أول شخص من ذوي البشرة البيضاء أتعامل معه عن قرب، ~~وأنه على حين غرة أصبح من المفترض أن تكون هي أمي الجديدة.» ~~«لماذا لم تظلي مع أمك؟» # هزت أوما رأسها. وقالت: «لا أعرف السبب بالضبط. إلا أنه في كينيا يحتفظ الأزواج ~~بأطفالهم في حالات الطلاق، إذا كانوا يريدون ذلك. وعندما سألت أمي عن هذا الأمر كان من ~~الصعب عليها التحدث بخصوصه. ولم تقل شيئا سوى أن زوجة أبي الجديدة رفضت أن تعيش مع ~~زوجة أخرى وإنها - أمي - اعتقدت أننا كأطفال من الأفضل أن نعيش مع والدنا لأنه كان ~~ثريا. # في السنوات الأولى كان والدنا يعاملنا معاملة حسنة. كان يعمل في شركة بترول أمريكية، ~~هي شركة شل. وكان ذلك بعد استقلال كينيا ببضع سنوات، وكان لأبينا علاقات جيدة مع كبار ~~المسئولين في الحكومة. فقد كان أغلبهم زملاء له في المدرسة. نائب الرئيس والوزراء، ~~وكانوا جميعا يأتون إلى المنزل لزيارته في بعض الأحيان ويشربون معه الخمر ويتحدثون في ~~أمور السياسة. كان أبي يملك منزلا كبيرا. وكان يملك سيارة فارهة، وكان الجميع معجبا ~~به لأنه حصل على قدر هائل من التعليم من خارج البلاد مع أنه لا يزال حديث السن ~~للغاية، كما كان متزوجا من امرأة أمريكية وهو ما كان حينذاك أمرا نادرا؛ مع أنه بعد ~~ذلك كان يخرج مع أمي في بعض الأحيان - في الوقت الذي كان لا يزال متزوجا من روث. كما ~~لو كان يريد أن يظهر للناس أنه مقتدر. أو بعبارة أخرى ms222 يستطيع أن يحظى بهذه السيدة ~~الأفريقية الجميلة عندما يريد. في تلك الأثناء ولد إخوتنا الأربعة الآخرون. مارك ~~وديفيد من روث وولدا في منزلنا الكبير في ويستلاندز، وآبو وبيرنارد من أمي وعاشا معها ~~وعائلتها في القرية. وفي ذلك الوقت لم نكن نعرف أنا وروي أيا من آبو وبيرنارد لأنهما ~~لم يأتيا إلى المنزل لزيارتنا على الإطلاق، وعندما كان أبونا يزورهما كان يذهب دائما ~~بمفرده دون أن يخبر روث. # لم أفكر في هذا الأمر كثيرا إلا فيما بعد؛ أعني في الطريقة التي قسمت حياتنا قسمين ~~لأنني كنت صغيرة للغاية. وأعتقد أن الأمر كان أكثر صعوبة على روي لأنه كان كبيرا بما ~~يكفي لتذكر كيف كانت المعيشة في أليجو مع والدتنا وعشيرتنا. أما أنا فكل شيء كان على ~~ما يرام. وفي الواقع كانت روث - أمنا الجديدة - لطيفة إلى حد معقول معنا، وكانت ~~تعاملنا كابنيها تقريبا. وأعتقد أن والديها كانا من الأثرياء؛ فقد كانا يرسلان لنا ~~هدايا جميلة من الولايات المتحدة. وكلما استقبلنا أي هدية منهما سعدت كثيرا. لكنني ~~أتذكر أن روي أحيانا كان يرفض أخذ هداياهما، حتى إن أرسلا لنا الحلوى. وأتذكر أنه ~~ذات مرة رفض أخذ الشيكولاتة التي أرسلاها، لكن ليلا بعدما اعتقد أني نائمة رأيته يأخذ ~~بعضا مما احتفظت به في دولابي. لكنني لم أقل شيئا لأحد لأنني كنت أعرف أنه ~~حزين. # بعد ذلك بدأت الأمور تتغير. فعندما أنجبت روث مارك وديفيد تحول تركيزها إليهما. ~~بالإضافة إلى أن والدنا ترك الشركة الأمريكية ليعمل في الحكومة في وزارة السياحة. ولعله ~~كانت له طموحات سياسية. في البداية سارت الأمور على ما يرام في الحكومة. لكن ~~الانقسامات في كينيا أصبحت أكثر خطورة عن ذي قبل بحلول عام 1966م أو 1967م. كان الرئيس ~~كينياتا ينتمي لقبيلة الكيكويو وهي أكبر القبائل. لذا بدأت ثاني أكبر القبائل - وهي ~~قبيلة لوو - الشكوى من أن قبيلة الكيكويو يحصل أهلها على أفضل الوظائف. وبذلك فاضت ~~الحكومة بالدسائس والمؤامرات. وقال نائب الرئيس الذي يدعى أودينجا، الذي كان ينتمي لقبيلة ~~لوو، إن ms223 الحكومة ازدادت فسادا. وبدلا من خدمة من حاربوا في سبيل تحقيق الاستقلال أخذ ~~السياسيون الكينيون مكان الاستعماريين البيض واشتروا كل الشركات والأراضي التي كان يجب ~~إعادة توزيعها على الشعب. حاول أودينجا الشروع في تكوين حزبه السياسي إلا أنه حكم عليه ~~بالإقامة الجبرية في منزله باعتباره شيوعيا. بالإضافة إلى أن وزيرا بارزا آخر ~~ينتمي لقبيلة لوو - وهو توم مبويا - اغتيل رميا بالرصاص على يد قاتل محترف من قبيلة ~~الكيكويو. وهكذا بدأ أهل قبيلة لوو يتظاهرون في الشوارع. واتخذت الشرطة الحكومية ~~إجراءات صارمة ردا على ذلك. وقتل الناس. وبالطبع غرس كل ذلك شكا أكبر بين ~~القبائل. # صمت معظم أصدقاء أبي وسط هذه الأحداث ولم يحركوا ساكنا وتعلموا التعايش معها. ~~لكن أبانا بدأ في التحدث. وأخبر الناس بأن النظام القبلي في طريقه إلى تخريب البلد ~~وأن أفضل الوظائف باتت تمنح لغير الأكفاء. حاول أصدقاؤه تحذيره من المجاهرة بهذه ~~الأقوال، لكنه لم يهتم بالأمر. وكان دائما ما يعتقد أنه يعرف الأفضل. وعندما تخطى ~~المسئولون ترقيته تذمر علنا. وقال لأحد الوزراء: «كيف يمكن أن تكون رئيسا علي، مع ~~أنني أعلمك كيف تؤدي مهام وظيفتك كما ينبغي؟» وصل الأمر إلى كينياتا في صورة أن ~~والدنا من مختلقي المشكلات، واستدعي بالتالي لمقابلة الرئيس. وطبقا لما قص علي، ~~فإن كينياتا قال لأبينا إنه لن يعمل في أي مكان حتى يمشي حافي القدمين. # في الواقع لا أعلم مدى صحة هذه التفاصيل. لكنني متأكدة من أن الأحوال كانت سيئة ~~للغاية مع والدي في علاقته مع الرئيس بوصفه عدوا. حيث طرد من الحكومة ووضع اسمه على ~~القائمة السوداء. ولم تعرض عليه أي من الوزارات العمل فيها. وعندما اتجه إلى ~~الشركات الأجنبية ليعمل فيها جرى تحذير هذه الشركات من مغبة تعيينه. ولذا بدأ يبحث عن ~~عمل خارج البلاد إلى أن وافقوا على تعيينه في بنك التنمية الأفريقي في أديس أبابا، لكن ~~قبل أن يعمل فعليا سحبت الحكومة جواز سفره ولم يستطع مغادرة كينيا. # في نهاية الأمر اضطر إلى قبول العمل في وظيفة ms224 متواضعة في وزارة الري، ولم ينل هذه ~~الوظيفة إلا بعد تدخل أحد أصدقائه الذي أشفق عليه. وفي الحقيقة ساعدت هذه الوظيفة في ~~توفير الطعام والشراب، لكنها كانت له بمنزلة الضربة القاضية. بدأ والدنا يفرط في شرب ~~الخمر، وتوقف كثيرون من معارفه عن زيارته لأن رؤيتهم معه أصبحت من الأمور الخطيرة ~~آنذاك. وأخبروه أن حياته ستتحول للأفضل إذا ما اعتذر وغير من مواقفه. لكنه رفض ~~واستمر في قول كل ما يخطر بباله. # فهمت معظم هذه الأمور عندما كبرت. وفي هذا الحين أدركت أن الحياة في المنزل أصبحت ~~صعبة للغاية. فوالدنا لم يكن يتحدث مع روي أو معي على الإطلاق إلا إذا كان يريد ~~توبيخنا. وكان يأتي إلى المنزل في وقت متأخر جدا وهو مخمور، وكنت أسمعه وهو يصيح في ~~وجه روث يأمرها أن تعد له الطعام. ونتيجة لذلك شعرت روث بمرارة كبيرة؛ فقد تغير ~~والدنا معها، وفي بعض الأحيان عندما يكون خارج المنزل كانت تقول لروي ولي إن والدنا ~~مجنون، وإنها مشفقة علينا لأن لنا أبا كهذا. ومع ذلك فلم أكن ألومها، بل بالعكس كنت ~~أحيانا أوافقها الرأي. لكنني لاحظت أكثر من أي وقت آخر أنها كانت تعاملنا بأسلوب ~~مختلف عن أسلوب معاملة ابنيها. وكانت تقول إننا لسنا طفليها، وإنها ليس بيدها شيء تفعله ~~لنا لمساعدتنا. فبدأت أنا وروي نشعر بأنه ما من أحد يهتم بأمرنا. وعندما تركت روث ~~والدنا لم يكن شعورنا هذا بعيدا بكثير عن الحقيقة. # تركت روث المنزل عندما كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري، بعد أن تعرض ~~أبي لحادث سيارة خطير. وعلى ما أعتقد كان مخمورا، ومات في هذا الحادث سائق السيارة ~~الأخرى الذي كان مزارعا من البيض. ظل أبونا في المستشفى فترة طويلة بلغت السنة، وعشت ~~أنا وأخي روي بصفة أساسية معتمدين على أنفسنا. وعندما خرج من المستشفى ذهب لزيارتك أنت ~~وأمك في هاواي. وأخبرنا حينها أنكما - أنت وأمك - ستعودان معه وسنعيش جميعا كأسرة ~~بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لكنكما لم تأتيا ms225 معه عندما رجع وظللت أنا وروي نعيش ~~معه بمفردنا. # بسبب الحادث بالطبع فقد أبونا وظيفته في وزارة الري، ولم يعد لدينا مكان نعيش ~~فيه. ولفترة من الوقت أخذنا نتجول بين الأقارب لكنهم في النهاية قرروا طردنا لأن ~~لديهم ما يكفي من المشكلات. بعد ذلك وجدنا منزلا حالته سيئة للغاية في جزء خطير من ~~المدينة مشهور بالجرائم الكثيرة التي تحدث فيه، واستقررنا هناك سنوات عديدة. كانت ~~أياما عصيبة. ذلك لأن أبانا لم يكن يملك من النقود سوى القليل؛ لذا كان مضطرا إلى ~~الاقتراض من الأقارب لمجرد توفير الطعام. وهذا ما جعله أكثر خجلا من نفسه - على ما ~~أعتقد - وازدادت طباعه حدة. ومع كل هذه المشكلات التي تعرضنا لها فإنه لم يعترف ~~إطلاقا لي أو لروي بأن الأمور ليست على ما يرام. وأعتقد أن هذا هو ما جرحه لأقصى درجة؛ ~~أي الأسلوب المتعجرف الذي كان لا يزال يخبرنا به بأننا أبناء الدكتور أوباما. كانت ~~خزانات الطعام فارغة، لكنه كان يتبرع للجمعيات الخيرية حفاظا على المظاهر! كنت أناقشه ~~في هذا الأمر في بعض الأحيان، لكنه لم يكن يقول شيئا سوى إنني فتاة حمقاء صغيرة لا ~~أفهم ما يفعله. # كان الأمر أسوأ مع روي. فقد كانا يتشاجران مشاجرات عنيفة. مما أدى بروي في نهاية ~~الأمر إلى ترك المنزل والعيش مع آخرين. لذا ظللت بمفردي مع والدي. وأحيانا كنت أظل ~~مستيقظة لمنتصف الليل في انتظار مجيئه وهو يفتح الباب، قلقة من أن يكون قد حدث له ~~مكروه. ومع الوقت اعتاد المجيء مترنحا من كثرة شرب الخمر، وكان يدخل غرفتي ويوقظني ~~بحجة أنه يريد الجلوس في صحبة أحد أو تناول الطعام. وكان يتحدث معي بخصوص شعوره ~~بالتعاسة وكيف تعرض للخيانة. لكنني في هذه الأحيان كنت أشعر بنعاس شديد فلا أفهم ~~شيئا مما كان يقوله. وبدأت بيني وبين نفسي أتمنى أن يظل بالخارج إلى الأبد ولا يعود ~~على الإطلاق. # الشيء الوحيد الذي أنقذني من هذه المأساة كان التحاقي بمدرسة كينيا الثانوية. إنها ~~مدرسة للبنات كانت فيما مضى ms226 مخصصة للبريطانيات. وكانت هذه المدرسة صارمة القواعد للغاية ~~وكانت ما زالت عنصرية، فلم يكن يسمح للمدرسين الأفارقة بالتدريس إلا في الوقت الذي ~~التحقت بها فيه بعد رحيل معظم الطالبات البيضاوات. لكن مع كل هذه الأشياء فقد كنت طالبة ~~نشطة. ولأنها كانت مدرسة داخلية فكنت أظل فيها في فترة الدراسة بدلا من المكوث مع أبي. ~~وفي الواقع عرفت من هذه المدرسة معنى النظام. كما عرفت معنى أن يكون لديك شيء تتمسك ~~به. # في إحدى سنواتي الدراسية لم يستطع أبي دفع مصاريف المدرسة، ولذا طردت منها. وكنت ~~حينها غاية في الخجل وبكيت طوال الليل. ذلك لأنني لم أكن أعرف ماذا أفعل. لكنني رغم كل ~~هذا كنت محظوظة. إذ سمعت إحدى المديرات بالمدرسة عما حل بي وأعطتني منحة دراسية ~~سمحت لي بالبقاء في الدراسة. وعلى الرغم من قدر رعايتي لأبي وقلقي عليه فمن المؤسف أن ~~أقول إنني كنت سعيدة لعدم اضطراري إلى العيش معه. لذا تركته بمفرده وتركت الماضي خلف ~~ظهري. # في السنتين الأخيرتين في المدرسة الثانوية تحسنت أحوال أبي. كان ذلك عندما مات ~~كينياتا وأصبح أبي قادرا إلى حد ما على العمل مرة أخرى في الحكومة. فحصل على وظيفة ~~في وزارة المالية وبدأ ينعم بالمال من جديد إلى جانب السلطة. إلا أنني أعتقد أنه لم ~~يتغلب أبدا على الشعور بالمرارة لما حدث له، خاصة عند رؤية زملائه الذين من عمره وهم ~~يعملون في مناصب أعلى من منصبه حيث كانوا يتمتعون بالقدر الكافي من الذكاء السياسي ~~الذي مكنهم من الوصول إلى هذه المناصب. بعد كل ذلك كان الوقت قد فات لجمع شتات ~~عائلته. وظل فترة طويلة يعيش وحيدا في غرفة بأحد الفنادق حتى بعدما أصبح يستطيع ~~ماديا شراء منزل. وكانت له علاقات عابرة مع نساء أوروبيات وأفريقيات إلا أن علاقته ~~بأي منهن لم تدم طويلا. لم أكن ألتقي به تقريبا، وحتى عندما يتصادف ونتقابل لم يكن ~~يعرف كيف يتعامل معي. أصبحنا كالغرباء لكنه كان لا يزال لديه الرغبة في التظاهر بأنه أب ~~مثالي ms227 يوجه ابنته للتصرفات الصحيحة. أذكر أنني عندما حصلت على المنحة الدراسية ~~للدراسة في ألمانيا كنت خائفة من أن أخبره. واعتقدت أنه ربما يقول إنني صغيرة جدا عن ~~أن أذهب للدراسة في الخارج ويتدخل لإلغاء تأشيرتي كطالبة التي كان لا بد من أن تصدق ~~عليها الحكومة. لذا سافرت دون أن أودعه. # ولم أبدأ في التخلص من بعض الغضب الذي كنت أشعر به نحوه إلا بعدما سافرت إلى ألمانيا. ~~فمن بعيد استطعت التفكير جيدا فيما تعرض له وكيف أنه لم يستطع فهم أحد بالفعل حتى ~~نفسه. وفي نهاية المطاف - بعد كل هذه الفوضى التي سببها لحياته - أعتقد أنه ربما كان ~~على وشك الشروع في تغيير نفسه بالفعل. ذلك لأنني آخر مرة رأيته كان في رحلة عمل ~~ممثلا كينيا في مؤتمر دولي في أوروبا. كنت قلقة للغاية من مقابلتنا لأننا لم نكن ~~قد تحدثنا منذ زمن بعيد. لكنه عندما وصل إلى ألمانيا بدا متحررا بالفعل من التوتر ~~العصبي بل ميالا للهدوء. وقضينا وقتا طيبا حقا. والواقع أنه كان جذابا حتى في ~~أسوأ حالاته! اصطحبني معه إلى لندن حيث مكثنا في فندق فاخر، وهناك عرفني على جميع ~~أصدقائه في النادي البريطاني. كان أبي يجذب لي المقعد لأجلس ويهتم بي اهتماما عظيما، ~~مخبرا جميع أصدقائه كم هو فخور بي. وفي رحلة العودة من لندن لفت انتباهي في الطائرة ~~كأس زجاجية صغيرة كان أبي يحتسي فيها الويسكي، ولأنها أعجبتني أخبرته بأنني سوف أسرقها، ~~لكنه قال لي: «لا داعي لمثل هذه الأشياء.» واستدعى المضيفة وطلب منها، وكأنه يمتلك ~~الطائرة، إحضار طقم كامل من هذه الكئوس. وعندما أعطتني المضيفة إياها شعرت بأنني عدت ~~إلى الطفولة من جديد. أو بالأحرى شعرت بأنني أميرته المدللة. # في اليوم الأخير لزيارته لي في ألمانيا اصطحبني لتناول الغداء وتحدثنا عن المستقبل. ~~وسألني إن كنت في حاجة إلى المال وأصر على منحي بعض المال. وأخبرني أنه بمجرد عودتي ~~إلى كينيا سيجد لي زوجا صالحا. كم كان مؤثرا ما حاول فعله ... كما لو كان بوسعه ms228 ~~تعويض كل الأوقات الضائعة. كان قد أصبح عندئذ أبا من جديد لطفل يدعى جورج أنجبه من ~~سيدة شابة كان يعيش معها. لذا قلت له: «إنني وروي كبرنا بالفعل. وكل منا لديه حياته ~~الخاصة وذكرياته، وما حدث بيننا جميعا من الصعب محوه من الذاكرة. أما جورج الرضيع فهو ~~كالصفحة البيضاء التي لم يخط فيها قلم. وإن لديك الفرصة لتعامله معاملة حسنة ~~حقا.» لم يفعل شيئا سوى هز رأسه، كما لو كان ... أقصد كما لو أنه ...» # لبرهة من الوقت، حملقت أوما في صورة أبي الفوتوغرافية بغير تركيز في الضوء الخافت. ~~وبعدها وقفت واتجهت ناحية النافذة وأدارت ظهرها لي. قبضت أوما على جسدها وتسللت يداها ~~ببطء شديد تجاه كتفيها المنحنيتين. وبدأت ترتعد بصورة عنيفة. فنهضت من مكاني وذهبت ~~خلفها ولففت ذراعي حولها وهي تبكي، والحزن يأخذ طريقه إليها في صورة موجات بطيئة ~~وعميقة. وقالت لي بين عبراتها: «أرأيت يا باراك؟» وتابعت قائلة: «كنت في بداية معرفتي ~~به. وكنا قد وصلنا إلى المرحلة التي ... التي ربما استطاع فيها توضيح نفسه وتفسير ~~تصرفاته. وفي بعض الأحيان أعتقد أنه ربما تجاوز المرحلة الحرجة بالفعل وبدأ في التحول ~~نحو الأفضل. لكن بعدما مات شعرت بأنني ... مخدوعة للغاية. وهو الشعور الذي لا بد وأن ~~يكون راودك.» # في الخارج سمعنا صوتا مرتفعا لسيارة عند زاوية الشارع ورأينا رجلا يعبر الشارع ~~وحيدا في ظل الضوء الأصفر الصادر عن أعمدة الإنارة. وعلى حين غرة اعتدلت قامة أوما ~~وانتظم تنفسها - كما لو كانت قوة إرادتها هي التي دفعتها لفعل ذلك - ومسحت عينيها بكم ~~قميصها. وقالت وهي تبتسم ابتسامة سرعان ما اختفت من وجهها: «انظر إلى ما فعلته بأختك.» ~~استدارت نحوي. وقالت: «أتعرف، اعتاد أبونا أن يتحدث عنك كثيرا! وكان يستعرض صورتك أمام ~~الجميع متباهيا ويخبرنا عن مدى مهارتك في المدرسة. وأظن أنه ووالدتك اعتادا تبادل ~~الخطابات. وهذه الخطابات - حسب اعتقادي - كانت تريحه دون شك. وفي الأوقات العصيبة - ~~عندما توقف الجميع عن مساعدته - كان أبي يحضر خطاباتها إلى غرفتي ويقرؤها بصوت عال. ~~كان ms229 يوقظني ويصر على أن أسمع، وعندما ينتهي من القراءة يمسك بالخطابات في يده ويذكر إلى ~~أي مدى كانت أمك طيبة القلب وحنونا. وكان يقول: «أترين؟» ويتابع كلامه: «على الأقل ~~هناك أناس يهتمون بأمري بإخلاص.» كان يقول ذلك لنفسه مرات ومرات عديدة ...» # أعددت الأريكة لأوما لتنام عليها في حين كانت هي تنظف أسنانها. وسرعان ما استغرقت ~~في سبات عميق تحت البطانية وهي منكمشة على نفسها. أما أنا فظللت مستيقظا، متكئا على ~~مقعد في ضوء مصباح المكتب، وأخذت أنظر إلى هدوء وجهها وأستمع إلى إيقاع تنفسها، ~~محاولا فهم ما قالته واستيعابه. شعرت أن حياتي انقلبت رأسا على عقب، تماما كما لو ~~أنني استيقظت من النوم فوجدت الشمس زرقاء وسط سماء صفراء، أو كما لو أنني سمعت ~~الحيوانات تتحدث مثلنا نحن بني البشر. إنني طيلة حياتي حملت في ذاكرتي صورة واحدة ~~لأبي، أتمرد عليها في بعض الأحيان لكن دون أن أناقشها، صورة حاولت أن أتخذها لنفسي ~~فيما بعد. صورة المثقف الذكي والصديق السخي، والقائد المستقيم ... ففي والدي اجتمعت كل ~~هذه الصفات. أقول كل هذه الصفات وأكثر لأنه لولا زيارته القصيرة لي في هاواي لم يكن ~~ليظهر في حياتي إطلاقا لينتقص من هذه الصورة لأنني لم أر ما يراه معظم الرجال في ~~مرحلة ما في حياتهم، مثل رؤية جسد أبيهم وهو يتضاءل، أو آماله وهي تتبخر، أو علامات ~~الحزن والندم وهي تكسو وجهه. # نعم، لقد رأيت مراحل الضعف هذه في شخصيات أخرى؛ في جدي وشعوره بالإحباط، وفي لولو ~~والتنازلات التي قدمها. لكن هذين الرجلين أصبحا عبرة لي، ربما أحببتهما لكنني لم ~~أحاول إطلاقا تقليدهما، الأبيض منهما أو الأسمر اللذين لم ينطبق مصيرهما على مصيري. ~~كانت الصورة التي رسمتها لأبي - الرجل الأسود ابن القارة الأفريقية - متضمنة كل الصفات ~~التي سعيت لأن أتسم بها؛ سمات مارتن ومالكولم ودوبواز ومانديلا. وإذا كنت بعد ذلك ~~رأيت أن الرجال السود الذين عرفتهم - فرانك أو راي أو ويل أو رفيق - فشلوا في الارتقاء ~~إلى هذه المعايير السامية، وإذا ما تعلمت ms230 احترامهم من أجل كفاحهم الذي خاضوه والاعتراف ~~بأنهم بمنزلة أهل لي، فإن صوت والدي ظل مع ذلك لم يمسسه سوء، ملهم وموبخ، يوافقني ~~على أفعالي أو يمتنع عن منحي هذه الموافقة. فكنت كأني أسمعه أحيانا يقول لي: «إنك لا ~~تعمل بجد كاف يا باري. لا بد أن تساعد زملاءك في كفاحهم. انتبه أيها الرجل ~~الأسود!» # والآن - بعدما جلست في ضوء المصباح الكهربائي متأرجحا قليلا على مقعد صلب الظهر - ~~تلاشت هذه الصورة عن أبي على حين غرة وحلت محلها ... ماذا؟ شخص سكير؟ زوج بذيء ~~اللسان؟ موظف حكومي مهزوم ووحيد؟ اعتقدت أنني طوال حياتي كنت أكافح من أجل شيء ليس أكثر ~~من شبح! وللحظة شعرت بدوار، وإن لم تكن أوما في الغرفة كنت سأضحك بصوت عال. لقد ~~خلع الملك عن عرشه. ونحيت جانبا الستائر الخضراء الزمردية. وباتت حشود الغوغاء ~~داخل عقلي لها مطلق الحرية في أن تتجاوز جميع الحدود؛ أي يمكنني فعل ما يخطر ببالي ~~ويسعدني. فلا أحد لديه السلطة - ما عدا أبي - لأن ينهني عن ذلك. ومهما أفعل من سوء فلن ~~يكون أسوأ مما فعله هو نفسه. # انقضى الليل ببطء شديد وحاولت أن أستعيد توازني في ظل شعوري بعدم الرضا كثيرا عن ~~تحرري الذي ما لبثت أن اكتشفته. فماذا سيقف في طريق خضوعي للهزيمة نفسها التي أطاحت ~~بوالدي؟ ومن ذا الذي سيحميني من الشك أو يحذرني من جميع الأشراك الدفينة في روح رجل ~~أسود؟ إن الصورة الخيالية التي رسمتها لأبي ساعدت على الأقل في إبعادي عن الشعور ~~باليأس. لكنه الآن مات، حقيقة لا خيالا. ولم يعد في مقدوره إخباري كيف ~~أعيش. # ربما كان كل ما يستطيع إخباري به هو ما حدث له بالفعل. وخطر ببالي أنني مع كل هذه ~~المعلومات الجديدة فإنني لا أزال لا أعرف الرجل الذي كان أبا لي. ما الذي حل ~~بقوته والتزامه في الحياة؟ ما الذي شكل طموحاته؟ لقد تخيلت مجددا المرة الأولى ~~والأخيرة التي تقابلنا فيها، واكتشفت أن الرجل الذي عرفته بعد سرد كل هذه الحقائق ms231 لا بد ~~أنه كان متخوفا من المستقبل مثلما كنت، كان رجلا عاد إلى هاواي لينعم النظر في ماضيه ~~وربما يحاول أن يستعيد أفضل جزء في كيانه؛ الجزء الضائع. لم يكن عندئذ قادرا على ~~إخباري بمشاعره الحقيقية مثلما لم أستطع التعبير عن رغباتي وأنا في العاشرة من عمري. ~~لقد تبلدت مشاعرنا عند رؤية أحدنا الآخر، وعجزنا عن الفرار من الشكوك التي كانت ~~أرواحنا في حاجة إليها إذا ما نظرنا إلى الأمر عن قرب. والآن بعد 15 سنة نظرت إلى وجه ~~أوما النائم ورأيت الثمن الذي دفعناه مقابل هذا الصمت. ~~••• # بعد 10 أيام جلست أنا وأوما على المقاعد البلاستيكية الصلبة في صالة المغادرة في ~~المطار، لنشاهد الطائرات من الجدار الزجاجي المرتفع. وسألتها عما تفكر فيه فابتسمت ~~ابتسامة رقيقة. # وقالت: «كنت أفكر في أليجو، في ميدان هوم.» وتابعت: «أرض جدي التي لا تزال الجدة ~~تعيش فيها. إنها أجمل بقعة يا باراك. عندما أكون في ألمانيا ويكون الطقس باردا في ~~الخارج وأشعر بالوحدة أغمض عيني في بعض الأحيان وأتخيل أنني هناك. في الأرض الفسيحة ~~جالسة ومن حولي الأشجار الكبيرة التي زرعها جدنا. أتخيل الجدة وهي تتحدث وتخبرني ~~بأشياء مسلية، وأسمع البقرة وهي تمشي خلفنا، ونقر الدجاج على حدود الحقل، وأشم رائحة ~~النار في أكواخ إعداد الطعام. وتحت شجرة المانجو - بالقرب من حقول الذرة - ترقد جثة ~~أبينا ...» # كانت الطائرة قد بدأت استقبال الركاب. لكننا ظللنا جالسين وأغمضت أوما عينيها ~~وشدت على يدي. # وقالت: «علينا أن نذهب إلى بلدنا» وتابعت: «علينا أن نعود إلى وطننا يا باراك ونراه ~~هناك.» # | الفصل الثاني عشر # بذل رفيق كل ما في وسعه لجعل المكان أنيقا ومنظما. ووضعت لافتة جديدة أعلى ~~المدخل، وترك الباب مفتوحا قليلا للسماح بنفاذ ضوء الربيع إلى الداخل. ونظفت ~~الأرضيات وأعيد ترتيب الأثاث في المكان. وكان رفيق يرتدي حلة سوداء ورابطة عنق جلدية ~~سوداء، وكان حذاء الكونغوفو الذي يرتديه لامعا لأقصى درجة. ولبضع دقائق ظل شغله ~~الشاغل هو طاولة طويلة قابلة للطي موضوعة في أحد أركان الغرفة ms232 وهو يوضح لبعض من رجاله ~~كيفية ترتيب الكعك وشراب البنش، أخذ يحرك صورة هارولد المعلقة على الحائط يمينا ~~ويسارا. # سألني قائلا: «أتبدو لك الصورة في وضع مستقيم؟» ~~«نعم يا رفيق.» # كان العمدة سيأتي لقص شريط مركز خدمات مكتب العمدة للتدريب والتوظيف في روزلاند ~~وافتتاحه. وبالطبع اعتبر ذلك إنجازا عظيما، ولمدة أسابيع ظل رفيق يطالب ببدء ~~النشاط في هذا المبنى الذي كان يملكه. لكنه لم يكن الوحيد الذي طلب ذلك. فقد قال عضو ~~مجلس المدينة إنه سيكون سعيدا باستضافة العمدة في مكتبه. أما عضو مجلس الشيوخ عن ~~الولاية - الذي كان أحد التابعين السياسيين القدامى الذي ارتكب خطأ عندما ساند أحد ~~المرشحين البيض في انتخابات العمدة السابقة - فقد وعد بأن يساعدنا في الحصول على ~~الأموال اللازمة لتنفيذ أي مشروع نريده إذا جعلناه يشترك في برنامج الحفل. بالإضافة ~~إلى ذلك اتصل القس سمولز ليقول إننا يمكن أن نساعد أنفسنا عن طريق السماح له بتقديم ~~صديقه «الصالح هارولد». وكلما دخلت مكتب مشروع التنمية المحلية أعطتني السكرتيرة ~~مجموعة من أحدث الخطابات التي تلقتها. # وقبل أن يرن جرس الهاتف من جديد قالت لي: «لقد أصبحت شخصية مشهورة بالفعل يا ~~باراك.» # نظرت إلى الجماهير الكبيرة التي تجمعت داخل مخزن رفيق - وكان أغلبهم من السياسيين ~~والعالة الطفيليين - ووجدت أن جميعهم يختلسون النظر إلى الباب كل بضع دقائق، في حين ~~أن رجال الشرطة المرتدين ملابس مدنية يتحدثون في أجهزة اللاسلكي ويتفقدون المكان. ~~وبينما أجاهد لأشق طريقي إلى الغرفة وجدت ويل وأنجيلا فانتحيت بهما جانبا. ~~«مستعدان؟» # فأومآ برأسيهما بالإيجاب. ~~«تذكرا أن عليكما إقناع هارولد بحضور اجتماعنا الحاشد في الخريف. على أن يكون ذلك ~~في حضور المسئول عن جدول أعماله. وأخبراه بكل المجهودات التي نبذلها هنا ولماذا ...» # في هذه اللحظة، تهامس الحضور وبعدها خيم الصمت فجأة على الجميع. وتوقف صف من ~~السيارات وفتح باب سيارة ليموزين، ومن وراء كتيبة من رجال الشرطة رأيت هارولد ذاته. ~~كان يرتدي حلة زرقاء ومعطفا مجعدا واقيا من المطر، أما شعره الأشيب فقد بدا ~~أشعث بعض ms233 الشيء، وكانت قامته أقصر مما توقعت. ومع ذلك فقد كان شخصية ذات حضور طاغ، ~~وكانت ابتسامته ابتسامة رجل في أوج عظمته. وفي الحال بدأ الجميع يهتفون: «هارولد! ~~هارولد!» وحينها استدار العمدة نحوهم ورفع يده إطراء لهم. وبدأ هارولد - بعد أن سبقته ~~السيدة ألفاريز ورجال الشرطة في ملابسهم المدنية - في شق طريقه عبر الجمهور المحتشد. ~~فمر بجانب عضو مجلس الشيوخ وعضو مجلس المدينة. ثم مر بجانب رفيق ثم بجانبي. ثم ~~تجاوز يد القس سمولز الممدودة له. حتى توقف في النهاية أمام أنجيلا مباشرة. # قال لها «السيدة رايدر.» وحينها أخذ بيدها وانحنى انحناءة بسيطة. واستكمل كلامه ~~قائلا: «تشرفت بلقائك. لقد سمعت أخبارا ممتازة عن عملك.» # بدت أنجيلا وكأنها على وشك فقدان الوعي. وعلى الفور سألها العمدة هل ستعرفه على ~~شركائها، ضحكت وارتبكت قبل أن تستجمع رباطة جأشها وتأخذه ليتعرف على القادة. وكانوا ~~جميعا يقفون وقفة عسكرية وكأنهم فريق كشافة. وتعلو وجوههم الابتسامة العريضة نفسها. ~~وعندما انتهى من التعرف عليهم مد العمدة يده لأنجيلا واتجها معا نحو الباب ولاحقتهما ~~الجماهير. # همست شيرلي لمنى في أذنها قائلة: «أتصدقين ما يحدث يا عزيزتي؟» # استمرت هذه المراسم 15 دقيقة. وأغلقت الشرطة مبنيين في شارع ميشيجان، ونصبت منصة ~~صغيرة أمام المكتب الذي كان سيفتتح فيه المركز التابع لمكتب العمدة للتوظيف والتدريب ~~بعد قليل. عرفت أنجيلا هارولد على كل أعضاء الكنيسة الذين كان لهم دور في المشروع، ~~إلى جانب السياسيين الموجودين بين الحضور. وبعدها ألقى ويل كلمة عن مشروع التنمية ~~المحلية. هنأنا العمدة على مشاركتنا المدنية، في حين كان عضو مجلس الشيوخ والقس سمولز ~~وعضو مجلس المدينة يحاولون الوقوف في أماكن متميزة خلف العمدة وهم يبتسمون ابتسامات ~~عريضة أمام عدسات المصورين الذين استأجروهم. وبعد أن قص الشريط وانتهى الأمر أسرعت ~~السيارة الليموزين إلى الحدث التالي، وتفرقت الجماهير على الفور، ولم يتبق سوى بعض ~~منا يقف في الشارع المليء بالقاذورات. # اتجهت إلى أنجيلا وهي مشغولة بالتحدث مع شيرلي ومنى. وكانت تقول لهما: «عندما سمعته ~~يقول «السيدة رايدر» أقسم لكما ms234 إنني كنت على وشك الموت.» # هزت شيرلي رأسها. وقالت: «إنني أعرف هذا الشعور.» # قالت منى وهي ترفع لأعلى كاميراتها من طراز إنستاماتيك: «إن لدينا الصور التي تشهد ~~على صحة هذا الحدث.» # حاولت أن أقاطع حديثهن. قلت: «هل حددتن ميعادا للاجتماع الحاشد؟» ~~«بعد ذلك أخبرني بأنني أبدو أصغر من أن تكون لدي ابنة عمرها 14 عاما. ~~أتتخيلون؟» # كررت سؤالي مرة أخرى: «هل وافق على حضور اجتماعنا الحاشد؟» # نظر إلي الثلاثة بفراغ صبر. وقلن: «أي اجتماع حاشد؟» # شعرت باليأس من هذا الرد وأخذت أمشي عبر الشارع بخطوات غاضبة سريعة. وعندما وصلت إلى ~~السيارة سمعت ويل آتيا من خلفي، وقال: ~~«إلى أين ستذهب بهذه السرعة؟» ~~«لا أعرف، إلى أي مكان.» حاولت إشعال سيجارة لكن الرياح ظلت تطفئ عود الثقاب. رميت ~~علبة الكبريت على الأرض بغضب عارم واستدرت إلى ويل. قلت: «أتعرف يا ويل؟» ~~«ماذا؟» ~~«إننا تافهون. نعم، إننا كذلك. فقد كانت لدينا فرصة لأن نوضح للعمدة أن لنا أنشطة ~~حقيقية في المدينة، وأنه ينبغي له أن يأخذ أمرنا مأخذ الجد. لكن ماذا نفعل؟ إننا نتصرف ~~وكأننا مجموعة من الأطفال المولعين بذوي الشهرة. حيث نقف ونبتسم للمصورين ونضحك ونقلق ~~في النهاية هل التقطت لنا صور معه أم لا ...» ~~«أتعني أنك لم تلتقط لك صورة معه؟» ابتسم ويل بابتهاج وصورني بكاميرا فورية، ثم وضع ~~يده على كتفي. وقال: «أتمانع أن أقول لك شيئا يا باراك؟ إنك تحتاج إلى أن تهدأ قليلا. ~~إن ما تسميه تفاهة كان ممتعا لأقصى حد لأنجيلا وغيرها. ومن الآن حتى 10 سنوات قادمة ~~سيظللن يتفاخرن به. ذلك لأنه أشعرهن بأهميتهن. وكنت أنت السبب في ذلك. لذا ماذا إذا ~~نسين دعوة هارولد إلى الاجتماع الحاشد؟ سنتصل به مرة أخرى لنعرض عليه الأمر.» # قفزت إلى سيارتي سريعا وأنزلت زجاج النافذة. وأنا أقول: «فلتنس الأمر يا ويل. إنني ~~محبط.» ~~«نعم، أرى ذلك بوضوح. لكن عليك أن تسأل نفسك عن سبب شعورك الزائد بالإحباط.» ~~«ما هو هذا السبب في اعتقادك؟» # هز ويل كتفيه. وقال: «أعتقد ms235 أنك لا تريد إلا أن تنجز عملا ذا قيمة. لكنني أعتقد ~~أيضا أنك لا تشعر بالرضا إطلاقا. فإنك تريد أن يحدث كل شيء بسرعة. تريد ذلك كما لو أن ~~لديك شيئا تريد إثباته.» ~~«إنني لا أريد إثبات أي شيء يا ويل.» أدرت محرك السيارة وبدأت أبتعد عنه إلا أنني لم ~~أنطلق بها بالسرعة التي تجعلني لا أسمع كلمات وداعه. ~~«ليس عليك أن تثبت أي شيء لنا يا باراك. إننا نحبك . والرب أيضا يحبك!» ~~••• # انقضى قرابة عام منذ وصولي إلى شيكاغو وبدأ يؤتي جهدنا أخيرا ثماره. وازداد عدد ~~مجموعات ويل وماري التي تعقد اجتماعاتها في زوايا الشوارع إلى أن بلغ عددها 50 مجموعة، ~~إلى جانب أن هذه المجموعات نظمت حملات لتنظيف الأحياء، ورعت أيام المهنة (التي ~~تطرح فيها الوظائف للعاطلين عن العمل) لشباب المنطقة، وحصلت على موافقات من عضو مجلس ~~المدينة لتحسين خدمات الصرف الصحي. وفي أقصى الشمال طالبت السيدة كرينشو والسيدة ~~ستيفينز هيئة إدارة المتنزهات بشيكاغو بتحسين وتجميل المتنزهات الخربة، وقد بدأ العمل ~~في ذلك بالفعل، وجرى إصلاح الشوارع وبالوعات الصرف الصحي، وبدأ تشغيل برامج مراقبة ~~الجريمة. وأسس مركز خدمات التوظيف الجديد الذي كان فيما سبق مخزنا فارغا غير ~~مستخدم. # مع الوقت ازدادت الثقة بالمؤسسة وبي أنا شخصيا. وبدأت أتلقى دعوات لحضور المناقشات ~~العامة وإدارة ورش العمل، وعرف السياسيون المحليون اسمي وإن كانوا لم يفلحوا في نطقه ~~كما ينبغي. وفيما يخص قيادتنا فإنني لم أكن أخطئ إلا قليلا. وفي إحدى المرات سمعت ~~شيرلي تخبر قائدا جديدا عني ذات يوم قائلة له: «كان يجب أن تراه عندما حضر لأول مرة ~~إلى هنا.» وتابعت قائلة: «كان مجرد صبي. لكنك عندما تنظر إليه الآن ستعتقد أنه شخص ~~مختلف.» كانت شيرلي تتحدث وكأنها أم فخورة بابنها، وبذلك أصبحت الابن البديل الذي عاد ~~إلى رشده بعد فترة من السلوك السيئ. # إن الحصول على تقدير من أعمل معهم والتحسن الملموس الذي أراه في الحي من الأشياء ~~التي يمكنني الاعتزاز بها. كان ينبغي أن يكون كافيا. لكن ms236 ما قاله ويل كان صحيحا ~~لأنني لم أرض بكل ذلك. # ربما كان الأمر متعلقا بزيارة أوما والأخبار التي أحضرتها معها عن أبي. ومع أنني ~~شعرت ذات مرة بالحاجة إلى أن أعيش طبقا لتوقعاته، فإنني شعرت في هذا الوقت كما لو كنت ~~مضطرا إلى أن أصلح كل أخطائه. وكانت طبيعة هذه الأخطاء لا تزال غير واضحة في عقلي؛ ~~فقد كنت لا أستطيع بعد قراءة معالم الطريق التي تحذر من المنعطفات الخاطئة التي ~~سلكها. وبسبب هذا الاضطراب ولأن الصورة التي رسمتها له بقيت متناقضة للغاية - في بعض ~~الأحيان توحي بشيء وفي أحيان أخرى بشيء آخر، دون أن تجمع بين الشيئين في آن - فإنني ~~وجدت نفسي في لحظات مختلفة من اليوم أشعر كما لو كنت أعيش حياة مقدرة سلفا كنت قد ~~تخيلتها من قبل، كما لو كنت أتبع أبي في طريق الخطأ وأنا سجين مأساته. # إلى جانب كل ذلك كانت لدي مشكلاتي مع مارتي. فقد فصلنا رسميا مجهوداتنا الذاتية ~~أحدنا عن الآخر ذلك الربيع. ومنذ ذلك الحين كان يقضي معظم أوقاته في كنائس الضواحي، حيث ~~اتضح أن الأبرشيين - السود منهم والبيض على حد سواء - كانوا مهتمين بموضوع التوظيف ~~بصورة أقل من اهتمامهم برحيل البيض من الأحياء التي يقطنها السود، ومسألة انخفاض قيم ~~العقارات التي سادت الجانب الجنوبي منذ عقد من الزمان. # اتصفت هذه المسائل بصعوبتها؛ إذ كانت تحفل بالعنصرية والحساسية الزائدة التي كان يرى ~~مارتي أنها مذمومة. لذا قرر أن يوقف هذا النشاط ويبدأ نشاطا آخر من جديد. فعين ~~منظما آخر لأداء معظم المهام اليومية في الضواحي وأصبح مشغولا بإنشاء منظمة جديدة في ~~جاري، وهي مدينة انهار فيها الاقتصاد منذ زمن بعيد وكانت الأوضاع فيها سيئة للغاية - ~~طبقا لقول مارتي - لدرجة أنه لم يهتم أحد هناك بلون المنظم، وفي أحد الأيام طلب مني ~~مارتي أن أذهب معه. ~~«إن هذا التدريب ليس جيدا لك. فالجانب الجنوبي شاسع للغاية، ومليء بعناصر التشتت، ~~لكن ليس هذا خطأك. كان علي أن أتفهم الموضوع بصورة أفضل من ذلك.» ms237 ~~«لا أستطيع أن أترك الأمر يا مارتي. لقد بدأت بالفعل من هنا.» # نظر إلي بصبر شديد. وقال: «اسمع يا باراك. إن إخلاصك مثير للإعجاب. لكنك الآن في ~~موقف لا بد أن تهتم فيه بأمر نجاحك الشخصي. وإن بقيت هنا فسيكون مصيرك الفشل لا محالة. ~~وقبل أن تحقق أي إنجاز حقيقي ستتخلى عن العمل التنظيمي.» # كان مارتي قد خطط لكل شيء في عقله، مثل الوقت الذي ستستغرقه مسألة تعيين وتدريب ~~منظم بديل عني، والحفاظ على ميزانية معقولة دون صرفها. وبينما كنت أستمع إليه وهو ~~يعرض خططه خطر ببالي أنه لم تكن له أية صلة شخصية بالناس أو بالمكان في سنواته الثلاث ~~التي قضاها في المنطقة، وأن الشعور بالألفة والمودة لم يكن يحصل عليه إلا من زوجته ~~الفاتنة وابنه الوسيم. وفي عمله كان ما يدفعه هو مجرد الفكرة التي يرمز إليها المصنع ~~المغلق، لكن الأمر كان أكبر من المصنع، وأكبر من أنجيلا أو ويل أو القساوسة الشاعرين ~~بالوحدة الذين وافقوا على أن يعملوا معه. ربما كانت هذه الفكرة ستنطلق في أي مكان، لكن ~~من وجهة نظر مارتي كان الأمر ببساطة متعلقا بإيجاد الدمج الملائم للظروف والمزيج ~~المناسب للعناصر. ~~«مارتي.» ~~«نعم؟» ~~«لن أذهب إلى أي مكان.» # في نهاية الأمر توصلنا إلى اتفاق ينص على أن يقدم لي الاستشارة التي كنت ما زلت ~~في حاجة إليها إلى حد بعيد، وفي مقابل هذا العمل الاستشاري يحصل على أجر يساعده في ~~توفير الدعم المادي لعمله في مكان آخر. وفي اجتماعاتنا الأسبوعية كان يذكرني ~~باختياري هذا وبأن إنجازاتي المتواضعة لا تشتمل على أية مخاطرة، وبأن الرجال الذين ~~يرتدون ملابس أنيقة وسط المدينة لا يزالون في السلطة يمارسون أنشطتها ويتخذون ~~القرارات. وكان يقول: «إن الحياة قصيرة يا باراك.» ويتابع كلامه قائلا: «وإن لم تحاول ~~تغيير الأمور من حولك تغييرا حقيقيا فربما تنساها.» # نعم. التغيير الحقيقي! بدا هذا الأمر كهدف سهل تحقيقه أيام الجامعة، وكامتداد ~~لإرادتي الشخصية وإيمان أمي، مثل زيادة متوسط درجاتي أو الإقلاع عن شرب الخمور؛ إنها ms238 ~~مسألة تحمل المسئولية وتحديد مهامها. والآن فقط - بعد مرور عام على بدء نشاط التنظيم ~~- لم يبد أن هناك شيئا واحدا بسيطا وسهلا. من كان المسئول عن مكان مثل ألتجيلد؟ ~~هكذا وجدت نفسي أتساءل. لم يكن هناك رجال بيض ماضغو تبغ من أمثال عضو الحزب الديمقراطي ~~بول كونور، ولا مجرمون أقوياء لاحقتهم هيئة بنكرتون للأمن. لم يكن هناك سوى مجموعة ~~صغيرة من الرجال والسيدات السود المتقدمين في العمر الذين اتصفوا بالخوف والقليل من ~~الطمع أكثر من اتصافهم بالحقد أو القدرة على التخطيط للأمور عن عمد. ربما اشتملت هذه ~~المجموعة على أفراد مثل السيد أندرسون - مدير مشروع ألتجيلد - الأصلع المتقدم في العمر ~~الذي لم يتبق له سوى عام واحد على التقاعد. أو السيدة ريس الممتلئة الجسم ذات الوجه ~~المفتوح المسام التي كانت رئيس مجلس المستأجرين الرسمي، وقضت معظم حياتها وهي تحاول ~~الحفاظ على استمرار المميزات التي تحصل عليها من عملها؛ الراتب الذي كانت تتقاضاه بصفة ~~شهرية ومقعد في المأدبة التي كانت تقام سنويا، إلى جانب حصول ابنتها على شقة رائعة ~~وابن أخيها على وظيفة في هيئة الإسكان بشيكاغو. أو القس جونسون - قس السيدة ريس ورئيس ~~الكنيسة الكبيرة الوحيدة في ألتجيلد - الذي أوقفني عن الحديث عند رؤيتي للمرة الأولى ~~والأخيرة عندما ذكرت كلمة «تنظيم». # قال القس الجليل: «إن المشكلة لا تكمن في هيئة الإسكان بشيكاغو.» وتابع: «بل تكمن في ~~الأساس في أن الفتيات هنا ينخرطن في كل أنواع الفجور.» # قال لي بعض المستأجرين في ألتجيلد إن السيد أندرسون لم يصلح شقق أحد ممن يعارضون ~~السيدة ريس وقائمة المرشحين في أثناء انتخابات المكتب الاستشاري المحلي، وإن السيدة ريس ~~كانت بذلك تابعة للقس جونسون، وإن القس كان يملك مكتبا لتقديم خدمات الحراسة الأمنية ~~بموجب عقد أبرم مع هيئة الإسكان بشيكاغو. لم أستطع تحديد هل ما قيل صحيح أم لا، أو ~~هل سيحدث الأمر برمته فرقا أم لا. إن هؤلاء الأفراد الثلاثة عكسوا آراء وتصرفات ~~معظم من كانوا يعملون في ألتجيلد؛ المدرسين وإخصائيي علاج الإدمان ورجال ms239 الشرطة. كان ~~المال هو السبب الذي دعا البعض للذهاب إلى ألتجيلد في حين كان للبعض الآخر رغبة حقيقية ~~في تقديم يد المساعدة. وأيا كانت دوافعهم فإنهم اعترفوا في مرحلة معينة بشعورهم ~~الجماعي بالملل الذي نخر في عظامهم. وفقدوا ثقتهم السابقة بقدرتهم على تغيير حالة ~~التدهور التي رأوها في كل شيء حولهم. وفي ظل فقدان الثقة شعروا بفقدان القدرة على ~~التمرد على كل ما حدث لهم. وببطء شديد تلاشت فكرة المسئولية - عن أنفسهم وعن الآخرين ~~- وحل محلها تواضع توقعاتهم وكوميديا نابعة من المواقف السوداوية التي تعرضوا ~~لها. # كان ويل محقا إلى حد ما؛ فإنني شعرت أن هناك شيئا لا بد من إثباته: إلى أهل ~~ألتجيلد، إلى مارتي، إلى أبي، وإلى نفسي. ما فعلته كان له أهمية أثرت على أشياء أخرى. ~~ولم أكن ساعيا بجنون وراء أوهام يستحيل تحقيقها. وفيما بعد عندما حاولت شرح بعض هذه ~~الأمور إلى ويل ضحك وهز رأسه مفضلا أن يعزو موقفي الغاضب يوم قص الشريط إلى غيرة ~~صبيانية. وقال لي: «أرى أنك مثل الديك الصغير يا باراك، وهارولد مثل الديك الكبير. فما ~~حدث أن الديك الكبير عندما حضر التفت جميع الدجاجات حوله ومنحنه كل الاهتمام. مما ~~جعل الديك الصغير يدرك أن عليه تعلم أشياء لم يكن يعرفها.» # بدا ويل مستمتعا بالمقارنة التي عقدها، وضحكت أنا أيضا معه عندما ذكرها. لكن بيني ~~وبين نفسي علمت أنه أساء فهم طموحاتي وأساء استيعابها. إن أكثر ما أردته في الواقع هو ~~نجاح هارولد، ومثله مثل أبي الحقيقي، فإن العمدة - وإنجازاته - بدا وكأنه قد أوضح نطاق ~~ما كان ممكنا فعله، وأما مواهبه ونفوذه فكان لهما الفضل في تقييم آمالي. وفي أثناء ~~سماعي له وهو يتحدث إلينا في هذا اليوم، وهو في قمة بهائه ومرحه، لم أستطع فعل أي ~~شيء سوى التفكير في القيود المفروضة على هذا النفوذ. ربما استطاع هارولد أن يجعل ~~الخدمات في المدينة أكثر عدلا وإنصافا. فقد حصل المتخصصون السود، الحاصلون على درجات ~~علمية عالية، على حصص أكبر من الأعمال ms240 في المدينة. وأصبح هناك مشرفون سود على المدارس، ~~ومأمور شرطة أسود ومدير أسود لهيئة الإسكان. وهكذا فإن وجود هارولد في السلطة قدم ~~المواساة للناس، مثلما فعل تدين ويل وقومية رفيق. لكن بين طيات تألق النصر الذي ~~حققه هارولد في ألتجيلد أو أي مكان آخر، لم يبد أن شيئا واحدا قد تغير. # لقد تساءلت هل فكر هارولد - بعيدا عن دائرة الضوء - في هذه القيود. وهل شعر - مثل ~~السيد أندرسون أو السيدة ريس أو أي عدد من المسئولين السود الآخرين الذين يتولون الآن ~~مسئولية حكم الضواحي الفقيرة المكتظة بالسكان - بأنه مقيد مثله مثل من يحكمهم، وبأنه ~~وريث تاريخ بائس، وجزء من نظام منغلق ليس به إلا القليل من العوامل المحفزة؛ نظام ظل ~~يفقد حماسه كل يوم وينحدر إلى حالة منخفضة المستوى من الثبات. # تساءلت هل شعر هو أيضا بأنه سجين القدر. ~~••• # كانت الدكتورة مارثا كوليار هي الشخص الذي تمكن في النهاية من انتشالي من حالة ~~الجبن التي عشتها. والجدير بالذكر أن مارثا كانت مديرة مدرسة كارفر - التي كانت إحدى ~~المدرستين الابتدائيتين في ألتجيلد. وعندما تحدثت معها للمرة الأولى هاتفيا لتحديد ~~موعد معها لم تطرح علي الكثير من الأسئلة. ~~«يمكنني أن أستغل أية مساعدة أحصل عليها.» وتابعت: «أراك في الثامنة والنصف.» # كانت المدرسة على الحد الجنوبي لألتجيلد، واشتملت على ثلاثة مبان ضخمة من الطوب صنعت ~~شكل حدوة حصان أحاطت بساحة كبيرة مشتملة على حفر مليئة بالقاذورات. عندما دخلت المدرسة ~~أرشدني الحارس إلى المكتب الرئيسي الذي كانت فيه سيدة سوداء قوية البنية في منتصف العمر ~~ترتدي زيا أزرق اللون وتتحدث إلى سيدة أصغر سنا منها كانت عصبية وفي حالة ~~يرثى لها. # قالت الدكتورة كوليار وهي تضع ذراعها فوق كتف السيدة: «اذهبي الآن إلى المنزل ~~واستريحي قليلا. وأنا سأجري بعض المكالمات الهاتفية، وأرى إن كان في مقدورنا اتخاذ ~~الإجراءات الضرورية لتسوية الأمر.» أوصلت السيدة إلى الباب واستدارت نحوي. قالت: «لا بد ~~أنك أوباما. فلتتفضل هنا. أتشرب قهوة؟» # قبل أن تعطيني الفرصة لأن أرد اتجهت ناحية ms241 السكرتيرة. وقالت لها: «أعدي فنجانا من ~~القهوة للسيد أوباما. ألم يصل عاملو طلاء الجدران بعد؟» # هزت السكرتيرة رأسها وعبست الدكتورة كوليار. وقالت وأنا أتبعها إلى مكتبها: «امنعي ~~أية مكالمات هاتفية عدا ما تستقبلينه من مهندس المباني عديم القيمة. أود إخباره صراحة ~~برأيي فيه.» # كان مكتبها مفروشا بأثاث بسيط، وجدرانه عارية إلا من بعض جوائز خدمات المجتمع ~~القليلة المعلقة وصورة كبيرة لطفل أسود مكتوب عليها «الرب لا يخلق أنجاسا». سحبت ~~الدكتورة كوليار مقعدا وقالت لي: «إن الفتاة التي غادرت مكتبي الآن أم لأحد أبنائنا ~~هنا في المدرسة. مدمن للمخدرات، وصديقها ألقي القبض عليه الليلة الماضية، لكنها غير ~~قادرة على دفع الكفالة المطلوبة لإطلاق سراحه؛ لذا أخبرني بما يمكن أن يفعله عملك ~~التنظيمي لشخص مثلها.» # دخلت السكرتيرة ومعها القهوة التي طلبتها لي. قلت لها: «كنت آمل أن تكون لديك بعض ~~الاقتراحات.» ~~«ليس لدي أي اقتراحات سوى الإطاحة بهذا المكان وإعطاء الناس فرصة ليبدءوا من ~~جديد.» # عملت هذه السيدة مدرسة 20 عاما ومديرة مدرسة 10 أعوام، وكانت معتادة على المناقشات ~~الحادة مع رؤسائها - الذين كانوا من البيض فيما مضى وأصبح معظمهم من السود الآن - ~~بخصوص الاعتمادات المالية والمناهج وسياسات التعيين. ومنذ أن تعينت في مدرسة كارفر ~~أنشأت مركزا لتعليم الأمهات والأبناء، وظيفته تعليم الأمهات الشابات مع أبنائهن في ~~فصل واحد. أوضحت دكتورة كوليار هذا الأمر بقولها: «تريد معظم الأمهات هنا الأفضل دائما ~~لأبنائهن.» وتابعت قائلة: «لكنهن لا يعرفن كيف يوفرن ذلك لهم. لذا نقدم لهن ~~الاستشارات الخاصة بالتغذية والرعاية الصحية وكيفية التعامل مع التوتر. ونحن نعلم ~~منهن من لا تستطيع القراءة حتى يتمكن من القراءة لأطفالهن في المنزل. وقدر ~~استطاعتنا نساعدهن في الحصول على شهادة تعادل الثانوية العامة، أو نعينهن مساعدات ~~للمدرسين.» # ارتشفت دكتورة كوليار رشفة من فنجان القهوة. وأضافت: «إن ما لا نستطيع فعله هو تغيير ~~البيئة التي يعود إليها هؤلاء الفتيات وأبنائهن بعدما يخرجون من المدرسة يوميا. ~~وعاجلا أو آجلا سيترك الأطفال المدرسة وتتوقف الأمهات عن الحضور ...» # رن جرس هاتفها ليخبرها ms242 بحضور عامل طلاء الجدران. # قالت دكتورة كوليار وهي تنهض من مقعدها: «اسمع يا أوباما.» وتابعت: «فلتحضر الأسبوع ~~التالي لتتحدث مع مجموعة الأمهات. وحاول أن تعرف ما يدور بعقولهن. إنني لا أشجعك ~~على فعل ذلك الآن. لكن إذا ما اختلفت آراء الأمهات مع آرائك واحتججن بغضب عارم فلن ~~أستطيع إيقافهن، أليس كذلك؟» # ضحكت بابتهاج ومشت معي حتى أوصلتني إلى المدخل، حيث كان هناك صف غير منتظم من ~~الأطفال في الخامسة والسادسة من أعمارهم يقفون استعدادا لدخول الفصل. لوح بعضهم لنا ~~وابتسموا، وأخذ اثنان منهم كانا يقفان بالقرب من مؤخرة الصف يدوران حول نفسيهما ~~وذراعاهما قريبتان جدا من جانبيهما، وحاولت فتاة صغيرة ضئيلة الحجم أن تنزع سترتها ~~عنها وتخرجها من رأسها إلا أنها واجهت صعوبة في إخراج ذراعيها من كمي السترة. وبينما ~~كان يحاول المدرس أن يقودهم لصعود السلم فكرت في قدر السعادة والثقة بالآخرين ~~اللتين بدوا متسمين بهما، وأنه على الرغم من المصاعب والمآسي التي عانوها - مثل الولادة ~~المبكرة أو التعرض للإدمان وتجربة معظمهم القاسية للفقر - فإن السعادة التي وجدوها في ~~تنقلهم من مكان لآخر، والفضول الذي أظهروه عند التطلع إلى أي وجه جديد كانا مماثلين ~~لسعادة وفضول جميع الأطفال في شتى الأماكن. لقد جعلوني بالفعل أتذكر الكلمات التي ~~قالتها ريجينا منذ سنوات في مكان وزمان مختلفين: «إن الأمر ليس متعلقا بك.» # قالت دكتورة كوليار: «أليسوا لطفاء؟» ~~«نعم إنهم كذلك بالفعل.» ~~«إن التغيير سيحدث لاحقا. في غضون خمس سنوات، مع أن حدوثه يبدو وشيكا في جميع ~~الأحيان.» ~~«ما هذا التغيير؟» ~~«عندما تتوقف أعينهم عن الضحك. يمكن أن تظل أصواتهم مسموعة، لكن إذا نظرت إلى ~~الأعين فستجد أنها تخبئ شيئا ما داخلها.» ~~••• # بدأت أقضي ساعات عديدة أسبوعيا مع هؤلاء الأطفال وآبائهم. كانت أمهاتهم جميعا قد ~~اقتربن من بلوغ سن العشرين أو تجاوزنها بقليل، قضى معظم هؤلاء الأمهات حياتهن في ~~ألتجيلد وتربين على يد أمهات في سن المراهقة. لقد وصفن بغير حرج الحمل في سن الرابعة ~~عشرة أو الخامسة عشرة، وتركهن مقاعد المدرسة، ms243 والروابط الضعيفة التي تربطهن بآباء ~~أطفالهن والذين يظهرون ويختفون من حياتهن وقتما شاءوا. وأخبرنني أيضا عن تعايشهن مع ~~نظام الحياة الذي اشتمل في معظم حالاته على الانتظار؛ الانتظار لرؤية الإخصائي ~~الاجتماعي، والانتظار في المكاتب لكي يصرفوا شيكات الرعاية الاجتماعية، والانتظار لركوب ~~الأتوبيس للذهاب إلى أقرب سوبر ماركت يبعد بمسافة خمسة أميال لشراء حفاضات للأطفال ~~بسعر أرخص. # برع هؤلاء الأمهات في استخدام ما يساعدهن في البقاء على قيد الحياة في عالمهن ~~المفروض عليهن ولم يتذمرن من ذلك. مع أنهن لم يكن ساخرات؛ وهذا ما فاجأني. ولا ~~يزال لديهن طموحات. كانت المدرسة تضم فتيات مثل ليندا لوري وبيرناديت لوري، الأختين ~~اللتين ساعدتهما الدكتورة كوليار في الحصول على شهادات تعادل الثانوية العامة. والآن ~~كانت بيرناديت تدرس في الجامعة المحلية، أما ليندا فإنها حملت مرة أخرى ومكثت في ~~المنزل لتعتني بابن بيرناديت - تايرون - وابنتها جويل، لكنها قالت إنها ستلتحق بالجامعة ~~هي الأخرى بمجرد أن يولد ابنها الجديد. بعد ذلك قالتا إنهما ستبحثان عن وظيفتين في ~~مجال إدارة الأغذية أو ربما السكرتارية. وبعدها ترحلان عن ألتجيلد. وذات مرة عندما ذهبت ~~إلى شقة ليندا أرتني الأختان ألبوم صور مليئا بقصاصات مأخوذة من مجلة «بيتر هومز آند ~~جاردنز». وأشارتا إلى المطابخ البيضاء البراقة والأرضيات المصنوعة من الخشب الصلب، ~~وأخبرتاني أنهما ستعيشان في منزل كهذا في أحد الأيام. كما قالتا إن تايرون سوف يتلقى ~~دروسا في السباحة وجويل سترقص البالية. # في بعض الأحيان، وأنا أستمع إلى مثل هذه الأحلام البريئة، كنت أجد نفسي أحاول مقاومة ~~الرغبة العارمة في أن أضم هاتين الفتاتين وابنيهما بين ذراعي، وأن أتشبث بهم جميعا ~~ولا أسمح لأي منهم بالابتعاد عني. وفي الواقع أعتقد أن الفتاتين شعرتا برغبتي هذه، ~~وكانت ليندا بجمالها الأسمر المبهر ترتسم على وجهها ابتسامة وهي تنظر إلى بيرناديت ~~وتسألني عن سبب عدم زواجي حتى الآن. # وكنت أرد عليها قائلا: «أعتقد أنني لم أجد الزوجة المناسبة.» # وكانت بيرناديت تمازح ليندا بالضرب على ذراعها وهي تقول: «توقفي عن قول ذلك! إنك ~~تجعلين ms244 وجنتي السيد أوباما تحمران خجلا.» وتضحكان معا، وأدرك حينها أنني بأسلوبي ~~الخاص أبدو دون شك بريئا لهما كما تبدوان كلاهما لي. # كانت خطتي بسيطة لمثل هؤلاء الأمهات. فلم نكن نملك بعد القوة لتغيير سياسة الرعاية ~~الاجتماعية أو توفير وظائف محلية أو جلب أموال أكثر لتمويل المدارس. لكن ما نستطيع ~~فعله هو البدء في تحسين الخدمات الأساسية في ألتجيلد، مثل إصلاح الحمامات والمدافئ ~~والنوافذ. تخيلت أنه بتحقيق بعض النجاحات هناك يمكن أن يكون هؤلاء الأمهات بالفعل ~~القاعدة الرئيسية لمؤسسة مستقلة للمستأجرين. وفي ضوء هذه الاستراتيجية التي فكرت ~~فيها وزعت مجموعة من استمارات الشكاوى في اجتماع الأمهات التالي، وطلبت من كل ~~منهن أن يحصلن على آراء جيرانهن في المبنى السكني الذي يسكن فيه. ووافقن على هذه ~~الخطة، لكن عندما انتهى الاجتماع اقتربت مني إحدى الأمهات - تسمى سادي إيفانز - ~~حاملة في يدها قصاصة صغيرة من جريدة. # قالت: «رأيت هذا الخبر في الجريدة بالأمس يا سيد أوباما.» وأضافت: «لا أعرف ماذا يعني ~~لكنني أردت أن أعرف رأيك فيه.» # كان هذا الخبر إشعارا قانونيا منشورا في القسم المبوب بالجريدة بخط صغير. ~~وفحواه أن هيئة الإسكان بشيكاغو تطلب من المقاولين المؤهلين تقديم عروضهم لإزالة مادة ~~الأسبستوس من مكتب الإدارة في ألتجيلد. سألت الأمهات هل أبلغت إحداهن بالتعرض ~~المحتمل للأسبستوس. فهززن رءوسهن بالنفي. # سألت ليندا: «أتعتقد أن شققنا بنيت باستخدام هذه المادة؟» ~~«لا أعرف. لكن بإمكاننا كشف النقاب عن الأمر. من منكن تريد الاتصال بالسيد ~~أندرسون في المكتب الإداري؟» # نظرت في أرجاء الغرفة، لكن لم يرفع أحد يده. «فلتتطوع إحداكن. لا أستطيع أن أجري ~~الاتصال الهاتفي بنفسي. ذلك لأنني لا أعيش هنا.» # وأخيرا رفعت سادي يدها. وقالت: «سأتصل أنا.» # لم أكن أفضل أن تكون سادي هي من تقوم بهذه المهمة. فهي سيدة قصيرة ضئيلة الحجم ~~صوتها رفيع تبدو معه خجولة. كانت ترتدي فساتين لا يتجاوز طولها ركبتيها، وتحمل معها ~~أينما ذهبت إنجيلا له غلاف من الجلد. وعلى عكس الأمهات الأخريات كانت متزوجة من شاب ~~كان يعمل موظفا ms245 في أحد المتاجر نهارا ويتدرب ليصبح خادما في الكنيسة، ولم يكن ~~للزوجين تعاملات مع أحد خارج كنيستهما. # كل هذه الأشياء جعلتها غير مناسبة من بين مجموعة الأمهات ولم أكن متأكدا من أنها ~~ستكون جادة بصورة كافية للتعامل مع هيئة الإسكان بشيكاغو. لكنني عندما عدت إلى المكتب ~~ذلك اليوم أخبرتني السكرتيرة بأن سادي حددت موعدا بالفعل مع السيد أندرسون وأنها ~~اتصلت بالأمهات كافة لإخبارهن بهذا الأمر. وفي صباح اليوم التالي وجدت سادي واقفة ~~بالخارج أمام مكتب إدارة ألتجيلد، تبدو كاليتيمة، بمفردها في الضباب الرطب. # قالت لي وهي تنظر إلى ساعتها: «إنك لا تنتظر مجيء أحد يا سيد أوباما، أليس ~~كذلك؟» ~~«ناديني باراك. استمعي إلي، ألا تزالين تريدين فعل هذا الأمر؟ إن لم تكوني تشعرين ~~بالارتياح بخصوصه يمكننا إعادة تحديد ميعاد آخر للاجتماع إلى أن نجد أما أخرى تقوم ~~به بدلا منك.» ~~«لا أعرف، هل تعتقد أنه يمكن أن تواجهني أية مشكلات؟» ~~«أعتقد أن لديك الحق في سرد المعلومات التي يمكن أن تؤثر على صحتك. لكن ذلك لا ~~يعني أن السيد أندرسون سيفكر بهذه الطريقة. سأقف بجانبك وكذلك سائر الأمهات، لكن ~~عليك فعل ما يبدو منطقيا لك.» # جذبت سادي معطفها إلى الأمام ونظرت مرة أخرى إلى ساعتها. وقالت وهي تتجه فجأة ~~ناحية الباب: «يجب ألا نجعل السيد أندرسون ينتظر أكثر من ذلك.» # كان واضحا من التعبير المرسوم على وجه السيد أندرسون عندما دخلنا مكتبه أنه فوجئ ~~بمجيئي. طلب منا الجلوس وسألنا هل نريد احتساء قهوة. # قالت سادي: «لا شكرا كثيرا.» وتابعت: «إنني أقدر فعليا موافقتك على مقابلتنا في ~~غضون هذا الوقت القصير.» أخرجت سادي - وهي لا تزال ترتدي معطفها - الإشعار القانوني ~~وقدمته بحذر على مكتب السيد أندرسون. وقالت: «رأت بعض الأمهات في المدرسة هذا الخبر ~~وكنا قلقين ... حسنا أردنا أن نعرف إن كانت مادة الأسبستوس قد استخدمت في بناء ~~شققنا.» # ألقى السيد أندرسون نظرة متعجلة على الخبر، ووضعه جانبا. قال: «لا داعي للقلق يا ~~سيدة إيفانز. وتابع: «إننا نجدد هذا المبنى وبعد ms246 أن أزال المقاولون أحد الجدران وجدوا ~~الأسبستوس في الأنابيب. وقد أزيلت المادة كإجراء وقائي.» ~~«حسنا ... ألا يجب أن يتخذ الإجراء الوقائي ذاته في شققنا، أعني ألا توجد مادة ~~الأسبستوس في شققنا أيضا؟» # وهكذا نصب الفخ وتلاقت عينا السيد أندرسون مع عيني. وقلت لنفسي إن التعتيم يمكن أن ~~يحظى بشهرة مماثلة للشهرة التي تثيرها قضية الأسبستوس. ولا شك في أن الشهرة ستجعل مهمتي ~~أسهل. ومع ذلك، فإنني عندما رأيت السيد أندرسون يتململ على مقعده محاولا تقدير الموقف ~~أردت أن أسدي إليه النصيحة بأن يتوقف عما سيحاول فعله. لقد كان لدي شعور ما بأن ~~روحه مألوفة لي؛ روح رجل متقدم في السن خدعته الحياة وكانت له نظرة كثيرا ما رأيتها ~~في عيني جدي. وإلى حد ما أردت أن يعرف السيد أندرسون أنني فهمت المأزق الذي وقع فيه، ~~وأردت أن أخبره بأنه ليس عليه إلا أن يشرح أن المشكلات في ألتجيلد كانت موجودة قبل ~~وصوله، ويعترف بأنه هو أيضا في حاجة إلى المساعدة، فربما يظهر عندئذ أي حل لهذه ~~المشكلة. # على أنني لم أتفوه ببنت شفة، وانصرف نظر السيد أندرسون عني. وقال لسادي: «لا، سيدة ~~إيفانز.» وتابع: «لا يوجد الأسبستوس في الوحدات السكنية. ذلك لأننا وضعنا هذه الوحدات ~~تحت الاختبار بصورة كاملة.» # قالت سادي: «حسنا، هذا أمر مريح. شكرا لك. أشكرك كثيرا.» بعد ذلك نهضت من مقعدها ~~وصافحت السيد أندرسون وتوجهت ناحية الباب. لكنها عادت إليه مرة أخرى عندما كنت على ~~وشك قول شيء. # قالت سادي: «عذرا.» وتابعت: «نسيت أن أسألك عن شيء. إن الأمهات الأخريات ... حسنا ~~... يردن الاطلاع على نسخة من هذه الاختبارات. أقصد النتائج. والهدف من ذلك أن نجعل ~~الجميع مطمئنين على الأطفال.» # تلعثم السيد أندرسون وهو يقول: «إنني ... إن النتائج جميعها موجودة في مكتب وسط ~~المدينة.» وتابع: «محتفظ بها في الأرشيف هناك.» ~~«أتعتقد أن باستطاعتك إحضار نسخة منها الأسبوع القادم؟» ~~«نعم، حسنا ... بالطبع. سأرى ما الذي أستطيع فعله. موعدنا الأسبوع القادم.» # عندما خرجنا من المكتب أخبرت سادي أنها أحسنت صنعا. ms247 ~~«هل تعتقد أنه يقول الحقيقة؟» ~~«لا أعرف. سنرى قريبا.» ~~••• # مر أسبوع. واتصلت سادي بمكتب السيد أندرسون وأخبرت بأن إحضار نتائج الاختبارات ~~سيستغرق أسبوعا آخر. مر أسبوعان ولم يرد أحد على مكالمات سادي. حاولنا الاتصال ~~بالسيدة ريس ثم مدير المقاطعة لهيئة الإسكان بشيكاغو، ثم أرسلنا خطابا إلى المدير ~~التنفيذي لهيئة الإسكان بشيكاغو، إلى جانب نسخة أخرى منه إلى مكتب العمدة. ولم نحصل على ~~أي رد. # سألت بيرناديت: «ماذا سنفعل الآن؟» ~~«سنذهب إلى وسط المدينة . إذا لم تأت النتائج إلينا فسنذهب نحن لإحضارها.» # في اليوم التالي خططنا لما سنقوم به. وكتبنا خطابا آخر إلى المدير التنفيذي لهيئة ~~الإسكان بشيكاغو نخبره فيه بأننا سنكون في مكتبه بعد يومين للحصول على إجابات وافية ~~بخصوص الأسئلة المطروحة بشأن الأسبستوس. ثم أصدرنا بيانا صحفيا مقتضبا. وعاد أطفال ~~مدرسة كارفر إلى منازلهم بمنشور ملصق في ستراتهم يحث أمهاتهم على الاشتراك معنا في ~~الأمر. وقضت سادي وليندا وبيرناديت معظم ساعات المساء يتصلن هاتفيا ~~بجيرانهن. # وعندما جاء يوم الحساب لم أجد سوى ثمانية أشخاص في الأتوبيس الأصفر الذي كان واقفا ~~أمام المدرسة. وقفت أنا وبيرناديت في موقف السيارات محاولين اجتذاب أمهات أخريات وقت ~~حضورهن لأخذ أولادهن من المدرسة. لكنهن قلن إن لديهن مواعيد مع الأطباء أو لا ~~يستطعن إيجاد جليسات أطفال ليجلسن معهن وقت غيابهن. إلى جانب ذلك لم يهتم بعضهن ~~بإبداء أي اعتذارات، بل مررن بجانبنا كما لو كنا متسولين نستجدي الطعام والمال. وعندما ~~وصلت أنجيلا ومنى وشيرلي لمعرفة كيف تطورت الأمور أصررت على أن يركبن معنا لتقديم دعم ~~معنوي. حيث بدا الجميع محبطا ما عدا تايرون وجويل اللذين كانا مشغولين برسم تعبيرات ~~مضحكة على وجوههما وهما ينظران إلى السيد لوكاس، الأب الوحيد في المجموعة. اتجهت ~~الدكتورة كوليار نحوي ووقفت بجانبي. # قلت: «أعتقد أننا اكتملنا.» # قالت لي: «أفضل مما توقعت.» وتابعت: «إنه جيش أوباما.» ~~«هذا صحيح.» # قالت وهي تربت على ظهري: «حظ سعيد.» # تحرك الأتوبيس ومر بجانب مستوقد حرق القمامة القديم ومصنع رايرسون ستيل للصلب، ~~واتجه نحو متنزه ms248 جاكسون بارك، ومنه إلى طريق ليك شور درايف. وعندما اقتربنا من وسط ~~المدينة وزعت نسخة من الخطة وطلبت من الجميع قراءتها بدقة. وفي أثناء انتظاري انتهاءهم ~~من القراءة لاحظت أن السيد لوكاس قاطب الجبين وعابس. وفي الواقع كان السيد لوكاس ~~رجلا لطيفا قصير القامة، وكان يتلعثم قليلا في حديثه ويعمل في ألتجيلد في وظائف ~~لبعض الوقت، وكان يساعد أم أطفاله قدر استطاعته. اتجهت نحوه وسألته هل ضايقه ~~شيء. # قال بهدوء: «لا أجيد القراءة .» # وبعدها نظرنا معا إلى الصفحة الممتلئة بالكلمات. # قلت له: «لا توجد مشكلة.» سرت نحو مقدمة الأتوبيس وتابعت: «استمعوا إلي جميعا! ~~سنقرأ الخطة معا للتأكد من أننا فهمناها على نحو صائب. ما مطلبنا؟» ~~«عقد اجتماع مع المدير!» ~~«أين؟» ~~«في ألتجيلد!» ~~«ماذا لو قالوا إنهم سيردون علينا لاحقا؟» ~~«إننا نريد الرد الآن!» ~~«ماذا إن فعلوا شيئا لا نتوقعه؟» ~~«إننا يد واحدة!» # صاح تايرون: «محتالون!» # كان مقر مكتب هيئة الإسكان بشيكاغو في مبنى رمادي قوي في وسط مدينة شيكاغو. نزل ~~الجميع من الأتوبيس ودخلنا الردهة وازدحم المصعد بنا. وفي الدور الرابع دخلنا قاعة ~~الانتظار المضاءة إضاءة ساطعة حيث كانت تجلس موظفة استقبال خلف مكتب فخم. # قالت وهي لا تكاد ترفع عينيها من المجلة التي كانت تتصفحها: «هل أستطيع ~~مساعدتكم؟» # قالت سادي: «إننا نريد مقابلة المدير من فضلك.» ~~«هل لديكم موعد معه؟» ~~«إنه ...» استدارت سادي نحوي، فقلت: ~~«إنه يعلم أننا قادمون.» ~~«حسنا، إنه ليس بمكتبه الآن.» # قالت سادي: «من فضلك اعرضي الأمر على نائبه.» # نظرت موظفة الاستقبال لنا نظرة عدائية، لكننا أصررنا على موقفنا. فقالت في النهاية: ~~«تفضلوا بالجلوس.» # جلس أولياء أمور الأطفال وعم الصمت الجميع. وأشعلت شيرلي سيجارة لكن أنجيلا ضربتها ~~في ضلوعها بمرفقها. ~~«من المفترض أننا مهمومون بأمر الصحة، هل تتذكرين؟» # همهمت شيرلي بتذمر وهي تقول: «فات أوان ذلك لي»، لكنها أعادت علبة السجائر إلى ~~حقيبتها مرة أخرى. وخرج مجموعة من الرجال في ملابسهم الرسمية من الباب الموجود خلف ~~مكتب موظفة الاستقبال ونظروا إلينا نظرة سريعة في طريقهم إلى ms249 المصعد. همست ليندا في ~~أذن بيرناديت وردت لها الأخرى الهمسة. # فقلت بصوت مرتفع: «بم تتهامسان؟» # قهقهتا. وقالت بيرناديت: «أشعر بأنني في انتظار مقابلة مديرة المدرسة.» # قلت: «أعيروني أسماعكم.» وتابعت: «إنهم يؤسسون هذه المكاتب الكبيرة لغرس الشعور ~~بالخوف بداخلكم. ولكن تذكروا أن هذه هيئة «عامة». الناس الذين يعملون هنا مسئولون ~~أمامكم.» # قالت لنا موظفة الاستقبال بصوت عال يطابق علو صوتي: «عذرا.» وتابعت: «لقد أخبرت ~~بأن المدير لن يكون قادرا على مقابلتكم اليوم. عليكم إخبار السيد أندرسون في ألتجيلد ~~بأية مشكلات تعانونها.» # قالت بيرناديت: «استمعي إلي.» وتابعت: «لقد قابلنا السيد أندرسون بالفعل. وإذا لم ~~يكن المدير موجودا الآن فإننا نريد مقابلة نائبه.» ~~«إنني آسفة لكن هذا غير ممكن.» وتابعت: «إذا لم تغادروا المكتب الآن فسأضطر إلى ~~استدعاء الأمن.» # في هذه اللحظة، فتحت أبواب المصعد ودخل العديد من مصوري التليفزيون والعديد من ~~الصحفيين. وسألني أحدهم قائلا: «هل هذا هو احتجاج بشأن الأسبستوس؟» # أشرت إلى سادي. وقلت: «هذه هي المتحدثة الرسمية عنا.» # بدأ طاقم المصورين في الاستعداد وأخرج الصحفيون مذكراتهم. واستأذنت منهم سادي وأخذتني ~~جانبا. # قالت: «لا أريد التحدث أمام الكاميرات.» ~~«لماذا؟» ~~«لا أعرف. لكنني لم أظهر في التليفزيون من قبل.» ~~«ستبلين بلاء حسنا.» # وفي غضون بضع دقائق بدأت الكاميرات تصور وعقدت سادي بصوتها المرتعد قليلا أول ~~مؤتمر صحفي لها. وعندما بدأت الرد على الأسئلة أسرعت سيدة - ترتدي حلة حمراء وتضع ~~بإفراط زينة على رموشها - تجاه منطقة الاستقبال. ابتسمت هذه السيدة بتحفظ لسادي ~~وقدمت نفسها على أنها الآنسة برودناكس، مساعدة المدير. وقالت: «إنني آسفة جدا لعدم ~~وجود المدير. وتابعت قائلة: «تفضلوا معي وأنا متأكدة من أننا سنحل هذا الأمر.» # صاحت صحفية: «هل تحتوي الوحدات السكنية التي تقدمها هيئة الإسكان بشيكاغو على ~~الأسبستوس؟» ~~«هل سيقابل المدير الأمهات؟» # صاحت الآنسة برودناكس من خلف الصحفية: «إننا معنيون بالمحصلة النهائية الأفضل ~~للقاطنين هناك.» بعد ذلك تبعناها إلى غرفة كبيرة بها العديد من المسئولين العابسين ~~الذين كانوا جالسين بالفعل حول طاولة اجتماعات. علقت الآنسة برودناكس على مدى لطف ~~الأطفال ms250 وعرضت على الجميع احتساء القهوة وتناول الكعك. # قالت ليندا: «لا نريد تناول الكعك.» وأردفت: «إننا نريد إجابات عن أسئلتنا.» # وهكذا كان الحال. دون أن أنطق بأية كلمة اكتشف أولياء الأمور أنه لم يجر أي ~~اختبار، ووعدوا بأن الاختبارات ستبدأ فعليا بنهاية هذا اليوم. بالإضافة إلى ذلك ~~اتفقوا على عقد اجتماع مع المدير وحصلوا على مجموعة من بطاقات التعارف، وشكروا الآنسة ~~برودناكس على منحهم وقتها. أعلن عن يوم الاجتماع إلى الصحافة قبل أن يزدحم بنا المصعد ~~للنزول لأسفل لركوب الحافلة. وعندما خرجنا إلى الشارع أصرت ليندا على أن أدعو الجميع ~~- بما فيهم سائق الحافلة - على فشار بالكراميل، وعندما بدأ الأتوبيس يتحرك حاولت ~~تقييم خطتنا، موضحا أهمية الإعداد وكيف تكاتف الجميع في عمل جماعي كفريق. # قالت: «هل رأيتم وجه السيدة عندما رأت الكاميرات؟» ~~«وهل رأيتموها وهي تتعامل بلطف مع الأطفال؟ كل ما هنالك أنها تحاول أن تكون لطيفة ~~معنا حتى لا نطرح أي سؤال.» ~~«ألم تكن سادي رائعة؟ لقد جعلت كلا منا يشعر بالفخر يا سادي.» ~~«اتصلت بابنة عمي للتأكد من أن جهاز الفيديو الخاص بها يعمل. إننا سنظهر على شاشة ~~التليفزيون.» # حاولت أن أمنع الجميع من أن يتحدثوا فورا، لكن منى شدتني من قميصي. وقالت لي: ~~«توقف عن ذلك يا باراك. أسمعت؟» وأعطتني كيس فشار. وقالت: «تناوله.» # جلست بجانبها. وحمل السيد لوكاس الأطفال على حجره لمشاهدة نافورة باكينجهام. وفي حين ~~كنت أمضغ حبات الفشار الصلبة وأنظر إلى البحيرة - الهادئة الفيروزية اللون - حاولت ~~استدعاء لحظة أكثر إرضاء لذاتي. ~~••• # لقد تغيرت نتيجة لهذه الرحلة تغيرا جوهريا. كان تغيرا مهما ليس لأنه ~~غير ظروفي المادية الملموسة بطريقة أو بأخرى (حيث الثروة والأمان والشهرة)، لكن لأنه ~~أشار ضمنا إلى ما يمكن أن يكون متاحا، ومن ثم دفعني وقدم لي الدعم والتشجيع ~~الكافيين - بصرف النظر عن الشعور الحالي بالفرحة البالغة وأي شعور تال بالإحباط - ~~لاستعادة شيء كان في حوزتي من قبل، حتى ولو لبرهة قصيرة. كان الطريق الذي سلكناه ~~بالحافلة هو ما شجعني على الاستمرار. وأعتقد ms251 أنه ربما لا يزال يشجعني. # كانت الشهرة أمرا لطيفا دون شك. وفي مساء اليوم التالي لعودتنا من مكتب هيئة ~~الإسكان بشيكاغو كان وجه سادي يظهر على جميع شاشات التليفزيون. واكتشفت الصحافة - التي ~~اشتمت رائحة المشكلات - أن مشروعا آخر بالجانب الجنوبي استخدمت فيه أنابيب مبطنة ~~بالأسبستوس الفاسد. وبدأ أعضاء مجلس المدينة يطالبون بإجراء تحقيقات فورية. واتصل ~~المحامون للإعداد لرفع دعوى قضائية جماعية. # على النقيض من ذلك، فإن الأمر، من وجهة نظري، كان بعيدا كل البعد عن هذه الجوانب، ~~في أثناء إعدادنا للاجتماع مع مدير هيئة الإسكان بشيكاغو بدأت ألاحظ حدوث أشياء رائعة. ~~فقد بدأ أولياء الأمور يتحدثون عن أفكار متعلقة بحملات مستقبلية. واشترك بالفعل ~~أولياء أمور جدد. ووضع الاستفتاء الذي خططنا له فيما سبق موضع التنفيذ، وبدأت ليندا ~~- التي اقتربت من وضع طفلها - تتهادى في مشيتها وهي منتفخة البطن من منزل لآخر ~~لتجميع استمارات الشكاوى، وشرح السيد لوكاس لجيرانه كيف يملئون هذه الاستمارات بصورة ~~صحيحة، مع أنه هو نفسه كان يعجز عن قراءة هذه الشكاوى. حتى إن هؤلاء الذين عارضوا ~~مجهوداتنا بدءوا يغيرون آراءهم ويشتركون معنا؛ فقد وافقت السيدة ريس على دعم الحدث ~~وسمح القس جونسون لبعض أعضائه بالإعلان عن حملتنا في خدمة الأحد. وهكذا فجرت خطوات ~~سادي المحدودة والصادقة ينابيع الأمل لتسمح للناس في ألتجيلد باستعادة سلطة كانت في ~~حوزتهم من البداية. # كان من المقرر أن يعقد الاجتماع في صالة الألعاب الرياضية بكنيسة أوار ليدي لأنها ~~كانت المبنى الوحيد في ألتجيلد الذي كان بمقدوره استيعاب 300 شخص أملنا في حضورهم. وصل ~~القادة إلى مكان الاجتماع مبكرا عن الموعد بساعة وراجعنا مطالبنا للمرة الأخيرة، التي ~~تمثلت في أن تتعاون مجموعة من السكان مع هيئة الإسكان بشيكاغو لضمان استمرار مراقبة ~~وجود الأسبستوس وعدم انتشار استخدامه، وأن تضع الهيئة جدولا زمنيا صارما لإجراء ~~الإصلاحات. وفي أثناء مناقشة مجموعة من التفاصيل في اللحظات الأخيرة لفت نظري عامل ~~الصيانة هنري إلى نظام تكبير الصوت. ~~«ما المشكلة؟» ~~«إن النظام لا يعمل. يبدو أن هناك اختلالا في ms252 تشغيل الدائرة الكهربية أو ما ~~شابه.» ~~«إذن أليس لدينا ميكروفون؟» ~~«نعم. وبذلك ستضطر إلى استخدام هذا.» أشار عامل الصيانة إلى مكبر صوت واحد بحجم ~~حقيبة سفر صغيرة ملحق به ميكروفون حالته سيئة معلق بسلك واحد يكاد أن ينقطع. جاءت ~~سادي وليندا بجانبي وحملقتا في الصندوق البدائي. # وقالت ليندا: «لا بد أنك تمزح.» # ضربت على المايك. وقلت: «سيفي بالغرض، وليس عليكما إلا أن تتحدثا فيه.» بعد ذلك قلت ~~وأنا أنظر إلى مكبر الصوت: «لكن حاولا ألا يمسك المدير بالميكروفون أكثر من اللازم. ~~وإلا فإنه سيتحدث لساعات. امسكا به حتى لا يتحدث إلا بعد أن تطرحا عليه الأسئلة. ~~تماما مثل أوبرا وينفري.» # قالت سادي وهي تنظر إلى ساعتها: «إن لم يأت أحد فلن نحتاج إلى ميكروفون.» # حضر الناس. حضروا من جميع المناطق في الجاردنز؛ الشيوخ والمراهقون والأطفال. وفي تمام ~~السابعة كان قد وصل 500 شخص، وفي السابعة و15 دقيقة وصل عدد الحضور إلى 700 فرد. وبدأ ~~أعضاء أطقم العمل في التليفزيون يضعون كاميراتهم وطلب منا السياسيون المحليون الحاضرون ~~أن نعطيهم فرصة لإثارة حماسة الجمهور. أما مارتي الذي جاء لمشاهدة الحدث فإنه لم ~~يستطع الاحتفاظ بهدوئه وعدم التحدث. # قال: «لقد حققت شيئا هنا بالفعل يا باراك. وهؤلاء الناس جاهزون للتحرك.» # كان كل شيء على ما يرام ما عدا مشكلة واحدة، وهي أن المدير لم يكن قد وصل بعد. وقالت ~~الآنسة برودناكس إنه عالق بالطريق؛ لذا قررنا أن نبدأ بأول جزء من برنامج العمل ~~المحدد. وبعد انتهاء المناقشة التمهيدية كانت عقارب الساعة قد أعلنت تمام الثامنة. ~~وسمعت الناس يتذمرون وهم يحركون الهواء حول وجوههم في هذا المكان الحار الخالي من ~~الهواء النقي. بالقرب من الباب رأيت مارتي وهو يحاول قيادة الجمهور في أنشودة. وانتحيت ~~به جانبا: ~~«ماذا تفعل؟» ~~«إنك تفقد الناس. ولا بد من فعل شيء للإبقاء على حماسهم.» ~~«اجلس من فضلك.» # كنت على وشك إلغاء الاجتماع والتحدث مع الآنسة برودناكس بهذا الخصوص، عندما علت ~~الضوضاء من الجزء الخلفي لصالة الألعاب الرياضية ودخل المدير ms253 من الباب ومن حوله عدد من ~~المساعدين. كان رجلا أسود اللون أنيقا متوسط البنية في بداية الأربعينيات من عمره. ~~أخذ يعدل رابطة عنقه ويتجه نحو مقدمة الغرفة وعلى وجهه ملامح الجدية. # قالت سادي في الميكروفون: «مرحبا.» وأضافت: «إن لدينا جمهورا كبيرا في حاجة إلى ~~التحدث معك.» # صفق الحضور وسمعنا بعض صيحات الاستهجان. ودارت أضواء التليفزيون. # قالت سادي: «إننا مجتمعون هنا الليلة للتحدث بشأن مشكلة تهدد صحة أطفالنا. لكن ~~قبل أن نتحدث عن الأسبستوس نحتاج إلى التعامل مع المشكلات التي ننصهر معها يوميا في ~~بوتقة واحدة. ليندا؟» # سلمت سادي الميكروفون إلى ليندا التي استدارت ناحية المدير وأشارت إلى مجموعة ~~استمارات الشكاوى. ~~«السيد المدير، إننا لا نتوقع جميعنا في ألتجيلد حدوث معجزات. لكننا نتوقع الحصول ~~على الخدمات الأساسية. هذا هو كل ما في الأمر. الخدمات الأساسية. والآن فإن هؤلاء ~~الناس أتعبوا أنفسهم في ملء هذه الاستمارات بنظام ووضوح شديدين لذكر الأشياء التي طالما ~~طالبوا هيئة الإسكان بشيكاغو بإصلاحها، لكن يد الإصلاح لم تطلها قط. لذا فإن سؤالنا ~~الآن هو: هل تقبل التعاون معنا - هذه الليلة أمام كل هؤلاء السكان - لإجراء هذه ~~الإصلاحات؟» # في الواقع، الأحداث التي جرت في اللحظات التالية مختلطة في ذاكرتي وغير واضحة. لكن ~~حسبما أتذكر فإن ليندا قدمت الميكروفون إلى المدير ليدلي بإجابته، وعندما اقترب من ~~الميكروفون أخذته ليندا مرة أخرى. # وقالت: «فلتكن إجابتك بنعم أو لا من فضلك.» ذكر المدير شيئا أوحى بأنه سيرد بأسلوبه ~~الخاص ومد يده مرة أخرى لأخذ المايك. لكن ليندا سحبته تجاهها هذه المرة أيضا، وفي ~~هذه المرة فقط بدا الأمر وكأنه استهزاء ما بالرجل مثله مثل حركة الطفل الذي يغيظ أحد ~~أقرانه ببسكويت الآيس كريم. حاولت أن ألوح إلى ليندا لتتغاضى عما قلته قبل الاجتماع ~~بخصوص الميكروفون وتعطيه للمدير، لكنني كنت واقفا في المؤخرة بعيدا جدا عنها. وفي ~~الوقت نفسه أمسك المدير بسلك المايك وللحظة نشأ نزاع بين المسئول الشهير والسيدة ~~الحامل التي كانت ترتدي بلوزة وبنطلونا ضيقين. ومن خلفهما وقفت سادي ثابتة ms254 دون حراك، ~~وجهها لامع وعيناها واسعتان. بدأ الجمهور - وهم غير فاهمين ما يحدث - في الصياح، بعضهم ~~في وجه المدير والبعض الآخر في وجه ليندا. # بعد ذلك ... حدث هرج ومرج. أخلى المدير سبيل سلك الميكروفون، واتجه نحو باب ~~الخروج. وأسرع الناس الجالسون بالقرب من الباب وراءه لكنه انطلق سريعا. جريت وراءه، ~~وعندما تمكنت من الخروج بشق الأنفس كان المدير قد أمن نفسه وركب سيارته الليموزين ~~التي أحاطتها أعداد كبيرة من الناس، الذين وضع بعضهم وجوههم أمام زجاج النوافذ الملون ~~وضحك بعضهم الآخر، وتذمر آخرون ووقف معظمهم في أماكنهم مذهولين. أخذت السيارة تتقدم ~~ببطء شديد، بمقدار بوصة في كل حركة إلى الأمام، إلى أن فتح الطريق أمامها، وأسرعت - ~~متحركة بصعوبة فوق الشارع المليء بالحفر - وتخطت الرصيف إلى أن اختفت عن ~~الأنظار. # عدت إلى صالة الألعاب الرياضية ماشيا وأنا في حالة من الذهول والاضطراب وأمامي ~~جماهير غفيرة عائدة إلى منازلها. وبالقرب من الباب تجمع الناس في دائرة صغيرة حول ~~شاب يرتدي سترة جلدية بنية اللون، عرفت أنه مساعد عضو مجلس المدينة. # كان هذا الشاب يقول للناس من حوله: «إن هذا من عمل فردولياك. لا بد أنكم رأيتم الرجل ~~الأبيض وهو يثير الناس. إنهم يحاولون تشويه صورة هارولد.» # بعد هذا التجمع ببضعة أقدام رأيت السيدة ريس والعديد من مساعديها وهي تتحدث. ~~أشارت إلي بكلمات لاذعة: «أرأيت ما فعلت!» وتابعت: «إن هذا ما يحدث عندما تحاول ~~إشراك هؤلاء الشباب في الأمر. إنك تسببت في إحراج أهل الجاردنز في التليفزيون وكل ~~وسائل الإعلام. ورآنا ذوو البشرة البيضاء ونحن نتعامل مثل الزنوج الحمقى! تماما مثلما ~~توقعوا منا.» # لم يتبق داخل مكان عقد الاجتماع سوى بعض أولياء الأمور. ووقفت ليندا في أحد الأركان ~~تبكي بحرقة. اتجهت نحوها ووضعت ذراعي حول كتفها. # وقلت: «هل أنت بخير؟» # قالت وهي تحاول إرجاع دموعها: «إنني محرجة للغاية.» وتابعت: «لا أعرف ماذا حدث يا ~~باراك. في ظل حضور كل هؤلاء الناس ... يبدو أنني دائما ما أفسد الأمور.» # قلت لها: «إنك لا تفسدين الأمور. ms255 وإذا كان هناك من فعل ذلك فلا بد أنه أنا.» جمعت ~~الآخرين حولها وحاولت أن أشجعهم. وقلت إن عدد الحضور كان هائلا، وهذا يعني أن الناس ~~كانوا مستعدين للمشاركة وأن معظمهم لا يزالون يدعمون مجهوداتنا. ولا بد أن نتعلم من ~~أخطائنا. # قالت شيرلي: «ومن المؤكد أن المدير الآن يعرف من نكون.» # أثارت هذه الجملة بعض الضحكات الواهنة. وقالت سادي إنها مضطرة للعودة إلى المنزل، أما ~~أنا فقد أخبرت المجموعة أن باستطاعتي ترتيب المكان. وعندما شاهدت بيرناديت وهي تحمل ~~تايرون نائما بذراع واحدة وتشعر بالتعب من ثقل وزنه وهي تتجول في المكان، شعرت بتقلص ~~في معدتي. ربتت دكتورة كوليار على كتفي. # وسألتني: «إذن من يستطيع أن يخفف عنك ما تشعر به؟» # هززت رأسي. ~~«لقد أقبلت على المخاطرة أملا في تحقيق ما تريد، وستتحسن الأحوال بين الحين ~~والآخر.» ~~«لكن النظرات التي تعلو وجوههم ...» # قالت كوليار: «لا تقلق.» وتابعت: «إنهم صامدون. لكن ليس كما يبدو - بما فيهم أنت ~~ونحن جميعا. وهم سيتغلبون على المشكلة. ذلك لأن حدوث شيء كهذا يعد جزءا من بلوغ ~~مرحلة النضج. وفي بعض الأحيان تكون هذه المرحلة مؤلمة.» ~~••• # كان يمكن أن تصبح النتائج العكسية أسوأ. لكن لأننا بدأنا الاجتماع في وقت متأخر عن ~~الوقت المحدد له فلم تستطع سوى محطة تليفزيونية واحدة إعادة عرض تلك الحرب بين ليندا ~~والمدير. وعلقت إحدى الصحف صباحا على الإحباط الذي شعر به السكان نتيجة استجابة ~~هيئة الإسكان البطيئة لمشكلة الأسبستوس وتأخر المدير مساء الاجتماع. وفي الواقع فإنه ~~كان باستطاعتنا أن نعلن أن الاجتماع كان نصرا من نواح عدة؛ ففي الأسبوع التالي رأى ~~البعض في منطقة الجاردنز رجالا يرتدون ملابس واقية وأقنعة يمنعون تسرب الأسبستوس ~~الذي هدد بإلحاق مخاطر فورية. وأعلنت هيئة الإسكان بشيكاغو أنها طالبت وزارة ~~الإسكان والتنمية الحضرية الأمريكية بإيداع عدة ملايين من الدولارات في صناديق التمويل ~~الطارئة لعمليات الإصلاح. # ساعدت هذه الامتيازات في رفع الروح المعنوية لبعض أولياء الأمور، وبعد بضعة أسابيع من ~~تضميد جراحنا والخروج من حالة الإحباط التي عشنا ms256 فيها بدأنا تنظيم اجتماع آخر للتأكد ~~من أن هيئة الإسكان أوفت بالتزاماتها. وعلى الأقل في ألتجيلد فقط، لم أستطع أن أزعزع ~~شعورهم بأن نافذة الاحتمالات التي لم تكد تفتح إلا لوقت وجيز أغلقت وبعنف مرة أخرى. ~~استمرت ليندا وبيرناديت والسيد لوكاس في العمل في مشروع التنمية المحلية، وإن كان على ~~مضض، إخلاصا منهم لي أكثر من إخلاصهم بعضهم لبعض. أما عن السكان الآخرين الذين ~~اشتركوا معنا في الأسابيع السابقة للاجتماع فإنهم أقلعوا عن المشاركة. ورفضت السيدة ريس ~~التحدث معنا نهائيا. وفي حين لاحظ بعض الناس اتهاماتها لنا ولأساليبنا ودوافعنا فإن ~~الشجار الذي حدث فقط هو الذي أكد الشك بين السكان في أن المشاركة النشطة مهما كان ~~قدرها لن تغير أحوالهم، إلا أنها ربما تسبب مشكلات هم في غنى عنها. # بعد قرابة شهر من عمليات الإصلاح المبدئية تقابلنا مع وزارة الإسكان والتنمية الحضرية ~~لمحاولة إقناع المسئولين بشأن طلب الميزانية الخاصة بهيئة الإسكان بشيكاغو. وإلى جانب ~~صناديق التمويل الطارئة لعمليات الإصلاح طالبت هيئة الإسكان بشيكاغو المسئولين ~~الفيدراليين بأكثر من مليار دولار لإجراء الإصلاحات الأساسية على المشاريع في جميع ~~أنحاء المدينة. وأخذ رجل أبيض طويل القامة حازم يعمل في وزارة الإسكان والتنمية ~~الحضرية يقرأ المبالغ المطالب بها. ~~«دعوني أكن واضحا معكم.» وتابع: «إن هيئة الإسكان بشيكاغو ليست أمامها أية فرصة في ~~الحصول حتى على نصف ما طالبت به. ولا نستطيع أن نفعل شيئا إلا إزالة الأسبستوس من ~~المباني. أو تركيب مواسير جديدة وبناء أسطح للمنازل عند الحاجة. لكن في الواقع لا ~~يمكنكما الحصول على المطلبين.» # قالت بيرناديت: «إذن فإنك تخبرنا أننا بعد كل ذلك سنكون في حال أسوأ مما كنا ~~عليها.» ~~«حسنا، ليس بالضبط. لكن تلك هي الأولويات المتاحة أمامنا للميزانية القادمة من ~~واشنطن هذه الأيام. أنا آسف.» # رفعت بيرناديت تايرون على حجرها. وقالت: «أخبره بذلك.» # قررت سادي ألا تشترك معنا في هذا الاجتماع. واتصلت بي لتخبرني أنها قررت أن ~~تتوقف عن العمل في مشروع التنمية المحلية. ~~«لا يعتقد زوجي أنها فكرة جيدة؛ ms257 أن أقضي كل هذا الوقت في العمل بدلا من أن أعتني ~~بعائلتي. ويقول إن الشهرة جعلتني متكبرة ... وإنني أصبحت متعجرفة.» # اقترحت عليها أنها لا بد أن تظل معنا ما دامت عائلتها تعيش في الجاردنز. # لكنها قالت: «لن يتغير شيء يا سيد أوباما.» وتابعت: «إننا لن نركز إلا على ادخار ~~أموالنا حتى نستطيع الانتقال من هنا سريعا قدر استطاعتنا.» # | الفصل الثالث عشر # «ما الدنيا إلا مكان.» ~~«ماذا؟ أتقول ما الدنيا إلا مكان؟» ~~«نعم هذا هو ما أقوله.» # عدنا إلى السيارة بعد تناول العشاء في الهايد بارك وكان جوني في حالة مزاجية سعيدة ~~دفعته للتحدث دون تحفظ. وعادة ما يكون كذلك خاصة بعد تناول وجبة رائعة واحتساء ~~الخمر. في أول لقاء لي به - عندما كان لا يزال يعمل مع إحدى جماعات المجتمع المدني في ~~وسط المدينة - بدأ يشرح لي العلاقة بين موسيقى الجاز والأديان الشرقية، وبعدها انحرف ~~فجأة للحديث عن مؤخرات السيدات السوداوات، ثم انتقل بعدها الحديث لسياسة البنك المركزي ~~الأمريكي. في هذه اللحظات كانت تتسع عيناه وتتسارع وتيرة حديثه ويتألق وجهه المستدير ~~الملتحي بدهشة طفولية. وكان ذلك جزءا من سبب تعييني لجوني؛ المتمثل - حسب اعتقادي - ~~في فضوله وتقديره للأشياء المنافية للعقل. لقد كان فيلسوف المآسي. # قال لي جوني: «سأضرب لك مثلا.» وتابع: «منذ بضعة أيام ذهبت لحضور اجتماع في مقر ~~ولاية إلينوي. وبالطبع إنك تعلم كيف أن هذا المبنى مفتوح من المنتصف، أليس كذلك ... ~~بالإضافة إلى شكل الردهة الكبيرة وما إلى ذلك. حسنا، تصادف تأخر الرجل الذي كان من ~~المفترض أن أقابله، فحدث - وأنا واقف أنظر إلى القاعة من الطابق الثاني عشر ومتمعن ~~في الفن المعماري الذي استخدم في البناء - أن طارت جثة أمام عيني على حين غرة ~~ساقطة على الأرض. كان حادث انتحار.» ~~«إنك لم تذكر لي شيئا بخصوص هذا الأمر.» ~~«نعم، لا أعرف كيف أقول لك، إن هذا الحادث أثر في بصورة كبيرة. تخيل أنني في ~~هذا الارتفاع استطعت سماع صوت ارتطام الجثة بالأرض وكأنني بجانبها تماما. كم كان ms258 ~~رهيبا ذلك الصوت! وبعدما سقطت الجثة، وسرعان ما اندفع موظفو المبنى إلى درابزين ~~السلم لرؤية ما حدث. وكنا جميعا ننظر لأسفل فتأكدنا أن الجثة راقدة على الأرض، ~~منكمشة حول نفسها وبلا حراك. وبدأ الناس يصرخون ويغطون أعينهم بأيديهم. لكن الشيء ~~الغريب هو رجوعهم إلى الدرابزين مرة أخرى للنظر من جديد. ثم يصرخون ويغطون أعينهم من ~~جديد. والسؤال هو لماذا يفعلون ذلك؟ وماذا كانوا يتوقعون أن يجدوا عندما عادوا ~~لينظروا في المرة الثانية؟ لكن كما تعلم فالناس غرباء . ونحن لا نستطيع التحكم في ~~أنفسنا في مثل هذه المواقف المروعة ... # على أية حال، جاء رجال الشرطة وطوقوا المكان وأخذوا الجثة بعيدا. وبدأ عمال ~~النظافة في المبنى ينظفون المكان بالمكنسة. هذا دون استخدام أية أدوات خاصة؛ فقط ~~مكنسة وممسحة. كانوا يكنسون حياة. وفي قرابة خمس دقائق انتهت عملية النظافة. وبدا الأمر ~~منطقيا على ما أعتقد ... أقصد أن الأمر بدا وكأنهم ليسوا في حاجة إلى أية معدات أو ~~سترات خاصة أو شيء من هذا القبيل. لكن هذا جعلني أفكر في شعوري لو كنت واحدا من ~~هؤلاء العمال وأنا أنظف المكان من أشلاء أحد الأشخاص. لا بد أن ينظف أحد الأشخاص ~~المكان، أليس كذلك؟ لكن ماذا سيكون شعورك وأنت تتناول عشاءك في المساء بعدما أديت هذه ~~المهمة؟» ~~«من قفز؟» ~~«هذا موضوع آخر يا باراك!» أخذ جوني نفسا من سيجارته وتصاعدت دوائر الدخان من فمه. ~~وقال: «كانت فتاة بيضاء صغيرة، ربما في السادسة أو السابعة عشرة من عمرها، وكانت تشبه ~~عازفي موسيقى البانك روك، إلى جانب أن شعرها كان أزرق اللون وكانت تضع حلقة في أنفها. ~~بعد فترة تساءلت عما كانت تفكر فيه عندما كانت في المصعد. أقصد أنه لا بد أن أفرادا ~~آخرين كانوا بجانبها وهي في طريقها لأعلى. ربما أمعنوا النظر إليها واستخلصوا أنها ~~غريبة الأطوار، ثم عادوا إلى التفكير في شئونهم الخاصة. هذه الشئون تشمل الترقي الوظيفي ~~أو في مباراة فريق شيكاغو بولز لكرة السلة أو غير ذلك. وفي كل هذه الأثناء كانت ms259 الفتاة ~~واقفة بجانبهم، وكل هذا الألم يعتصرها. لا بد أن ما بداخلها كان ألما هائلا لأنها قبل ~~أن تقفز مباشرة حتما كانت تنظر لأسفل وتعرف أن ما ستفعله سيؤلمها.» # أطفأ جوني السيجارة. وقال: «إذن هذا هو ما أقوله يا باراك. تمثلت بانوراما الحياة ~~بأكملها في هذا الحدث. أشياء مجنونة تحدث من حولنا. وتجد نفسك تتساءل: هل تحدث هذه ~~الأشياء في مكان آخر؟ وهل كانت لها سابقة من قبل؟ ألم تسأل نفسك هذه الأسئلة ~~إطلاقا؟» # أعدت ترديد عبارته الأولى: «ما الدنيا إلا مكان.» ~~«انظر هناك! إنه أمر جدي حقا.» # كنا قد وصلنا تقريبا إلى سيارة جوني عندما سمعنا فرقعة صغيرة لم تستمر وقتا يذكر، ~~مثل فرقعة البالون. نظرنا في اتجاه الصوت ورأينا شابا يظهر من أحد الأركان ويتقدم ~~في اتجاهنا في خط مائل. لا أتذكر بوضوح ملامحه وماذا كان يرتدي، مع أني لاحظت أن ~~عمره لا يتخطى الخامسة عشرة. ولا أتذكر إلا أنه جرى بخطوات يائسة ودبت قدماه ~~بحذائه الخفيف على الرصيف بلا صوت تقريبا وتحركت أطرافه الطويلة الرفيعة بقوة وعنف ~~وتضخم صدره كما لو كان يحاول التحرر من حبل وهمي ملفوف حوله. # انبطح جوني على أرض عشبية أمام إحدى الشقق، وسرعان ما حذوت حذوه. وبعد ثوان قليلة ~~ظهر صبيان آخران في الركن نفسه يجريان بأقصى سرعة. لوح أحدهما بمسدس صغير، وكان قصير ~~القامة وإلى حد ما ممتلئ القوام ويرتدي بنطلونا مطويا حول الكاحلين. أطلق هذا ~~الصبي ثلاث طلقات نارية في اتجاه الصبي الأول دون أن يتوقف محاولا أن يصيبه. وبعد أن ~~أدرك أنه لم يصبه مشى ببطء واضعا السلاح تحت قميصه. وبجانبه جاء زميله النحيف الكبير ~~الأذنين. # قال الصبي النحيف: «حقير غبي!» ثم بصق بارتياح، وضحك الاثنان معا قبل الاستمرار في ~~المشي إلى أسفل الشارع، وكان لجسديهما ظلان قصيران ممتلئان على الأسفلت. ~~••• # جاء الخريف التالي والشتاء الذي تلاه. وتعافيت من الشعور باليأس والإحباط الناتج عن ~~حملة الأسبستوس وتعاملت مع قضايا أخرى وقادة آخرين. وساعد وجود جوني في التخفيف عني من ms260 ~~ضغط العمل وكانت ميزانيتنا مستقرة، وبذلك فإن ما أضعته في حماسة الشباب استطعت تعويضه ~~بالخبرة العملية. وفي الواقع ربما كانت الألفة المتزايدة مع المكان - إلى جانب خبرة ~~الزمان - هي التي منحتني الشعور بأن هناك شيئا مختلفا يحدث لأطفال الجانب الجنوبي في ~~ذلك الربيع عام 1987م؛ جرى تخطي حدود خفية، وعادت تظهر صفحة من صفحات القبح. # لم يكن هناك شيء محدد استطعت الإشارة إليه أو إحصائيات حاسمة، فلم يكن هناك شيء ~~مختلف عن حوادث إطلاق النار من السيارات المتحركة ، وصافرات عربات الإسعاف، والأصوات ~~الصادرة ليلا من الأحياء التي هجرها ساكنوها وتركوها أرضا خصبة للمخدرات وحروب ~~العصابات والسيارات الهاربة بسرعة الريح، والتي نادرا ما كانت الشرطة أو الصحافة تتجرأ ~~على دخولها حتى يعثر على جثة ملقاة على الرصيف، وبرك الدم المبعثر بغير انتظام. في ~~أماكن مثل ألتجيلد تتناقل سجلات السجون من الآباء إلى الأبناء على مدار أكثر من ~~جيل، وفي أوائل أيامي في شيكاغو رأيت جماعات صغيرة من الصبية - في الخامسة أو السادسة ~~عشرة من عمرهم - يعيشون في زوايا شارع ميشيجان أو شارع هولستيد، مغطين رءوسهم وأعناقهم، ~~وأحذيتهم مفكوكة الرباط ويضربون بأرجلهم الأرض في إيقاع غير منظم في شهور السنة ~~الباردة، وفي الصيف يرتدون قمصانا، ويتصلون من الهواتف العامة على من يتصل بهم على ~~أجهزة الاستدعاء التليفوني الخاصة بهم، على أن هذه الجماعة الصغيرة سرعان ما ينفرط ~~عقدها عندما تعبر سيارات الشرطة بجانبهم بصمتها المباغت. # كان التغير الذي شعرت به أكثر من تغير في الحالة العامة، مثله مثل الشعور ~~بالكهرباء الصادرة من عاصفة على وشك أن تهب. وقد شعرت به وأنا عائد إلى المنزل ذات ~~مساء عندما رأيت أربعة صبية طوال القامة يمشون بجانب مبنى سكني محاط بالأشجار بكسل ~~شديد ويقطعون صفا من الشتلات الصغيرة التي كان زوجان مسنان قد انتهيا للتو من زراعتها ~~أمام منزلهما. شعرت به كلما نظرت إلى أعين الشباب الجالسين على كراسي متحركة الذين ~~بدءوا يظهرون في الشوارع في هذا الربيع؛ هؤلاء الشباب الذين أصابهم الشلل وهم في ms261 ريعان ~~الشباب والذين إذا نظرت إلى أعينهم وجدتها خالية من أي دليل على التأثر بحالهم، ~~كانت نظرات أعينهم هادئة وقاسية وتخيف أكثر مما تلهم. # وهذا هو الشيء الجديد؛ أعني التوصل إلى توازن من نوع جديد بين الأمل والخوف، ~~الشعور الذي يشترك فيه الكبار والشباب على حد سواء بأن بعض أولادنا - إن لم يكن ~~معظمهم - كانوا ينحرفون عن بر الأمان. حتى إن أمضوا كل حياتهم في الجانب الجنوبي ~~مثل جوني فقد لاحظوا هذا التغيير. قال لي في أحد الأيام ونحن جالسان في شقته نحتسي ~~الجعة: «إنني لم أر شيئا مثل ذلك مطلقا يا باراك.» وتابع: «أقصد أن الظروف كانت ~~قاسية وأنا في مراحل نضجي، لكن كانت هناك حدود. كنا نسيء التصرف ونتشاجر، لكن في حضور ~~الآخرين في المنزل إذا رآك شخص أكبر سنا وأنت تتحدث بصوت مرتفع أو تسيء ~~التصرف كانوا يوبخونك. وكان معظمنا يستمع إليهم ويحترمهم. أتفهم ما أعني؟ # ولكن الآن، في ظل انتشار المخدرات والأسلحة اختفى كل ذلك. لا تظن أن الصبية كلهم ~~يحملون مسدسات. فربما لا يحملها إلا واحد منهم أو اثنان. وفي هذا التجمع يقول أحدهم ~~للآخر شيئا فيرد عليه آخر برصاصة ويرديه قتيلا! وعندما يسمع الناس قصصا من هذا ~~القبيل لا يصنعون شيئا حتى محاولة التحدث إلى هؤلاء الصبية. وبذلك بدأنا نعمم في ~~حديثنا عنهم مثلما يفعل البيض. وعندما نراهم متمركزين في أحد الأماكن نتخذ طريقا آخر ~~بعيدا عنهم. حتى إن الأطفال المتميزين يبدءون بعد فترة يدركون أنه لن يعتني بهم أحد. ~~لذا يقومون هم بهذه المهمة ويعتنون بأنفسهم. وخلاصة القول إنه سيكون لديك أطفال في ~~الثانية عشرة من عمرهم يضعون قوانينهم الخاصة.» # احتسى جوني رشفة من الجعة وتجمعت الرغوة فوق شاربه. وأكمل حديثه: «إنني لا أعرف ~~يا باراك. أحيانا أخاف منهم. لا بد للمرء أن يخشى من شخص لا يهتم بأي شيء. لا بد أن ~~يفعل ذلك مهما كان صغيرا.» # بعد أن عدت إلى شقتي فكرت فيما قاله جوني. هل كنت أخاف منهم؟ لم أعتقد ms262 ذلك ... ~~على الأقل ليس بالطريقة التي قصدها جوني. وعند تفكيري في ألتجيلد وأحوال المناطق الأخرى ~~التي من العسير العيش فيها، كانت مخاوفي دائما تعتمل داخل نفسي، مخاوفي القديمة ~~المتعلقة بعدم الانتماء. ولم تخطر ببالي مطلقا فكرة الإيذاء البدني. والأمر نفسه انطبق ~~على الفرق الذي قدمه جوني بين الأطفال المتميزين والأطفال العدوانيين لأن هذا الفرق ~~لم يبد منطقيا لي. وبدا الأمر معتمدا على افتراض تعارض مع تجربتي متمثل في أن ~~الأطفال ربما يكونون إلى حد ما قد وضعوا شروط تطورهم. فكرت في ابن بيرناديت البالغ ~~من العمر خمسة أعوام وهو يجري مسرعا فرحا في شوارع ألتجيلد غير المستوية بين مبنى ~~معالجة مياه الصرف الصحي ومقلب النفايات. أين موقعه في دائرة الخير؟ إذا انتهى به الأمر ~~وهو عضو في عصابة أو مسجون، هل هذا سيثبت وجوده إلى حد ما أم سيعتبر خارجا عن ~~القانون، أم سيكون ذلك نتيجة للبيئة غير الملائمة التي عاش فيها؟ # وماذا عن كايل: كيف كان يمكن لأحد تفسير ما مر به؟ اتكأت إلى الخلف على كرسيي ~~مفكرا في ابن روبي الذي أتم السادسة عشرة فقط. ولم يزده العامان التاليان ~~لوصولي إلى شيكاغو سوى العديد من البوصات طولا وكبر حجم وظهور أثر قليل فوق ~~شفته العليا تمهيدا للشارب. كان لا يزال مؤدبا في تعامله معي ولا يزال مستعدا ~~للتحدث معي بخصوص فريق شيكاغو بولز لكرة السلة. وقال لي إن هذا العام قاد جوردن ~~الفريق إلى النهائيات. لكن كلما ذهبت لزيارتهما أجده قد غادر المنزل للتو أو خرج مع ~~أصدقائه. وفي بعض الليالي كانت روبي تتصل بي في المنزل للتحدث عنه وتخبرني كيف أنها ~~لم تعد تعرف أين يذهب، وكيف أصبحت درجاته تنخفض في المدرسة، وكيف يفعل أشياء ويخفيها ~~عنها، وأن باب غرفته كان دائما مغلقا. # كنت أطمئنها دائما بقولي: «لا تقلقي، كنت أسوأ بكثير عندما كنت في مثل عمره.» لكنني ~~لا أعتقد أنها صدقت هذه الحقيقة، على أن مجرد سماع هذه الكلمات كان يبدو وكأنه يجعلها ~~تشعر بحال أفضل. ms263 وفي أحد الأيام حاولت معرفة ما يفكر فيه كايل وما ينوي فعله، ~~فدعوته ليصاحبني للعب كرة السلة في صالة الألعاب الرياضية بجامعة شيكاغو. كان هادئا في ~~معظم الطريق إلى هايد بارك محاولا منعي طرح أي سؤال بإصدار أصوات متذمرة أو هز ~~كتفيه. لكنني سألته ألا يزال يفكر في الالتحاق بالقوات الجوية، فهز رأسه وقال إنه ~~سيظل في شيكاغو ويبحث عن وظيفة ويحصل على مركز مرموق في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك ~~سألته لماذا غير رأيه فقال إن القوات الجوية لن تسمح أبدا لرجل أسود بقيادة ~~طائرة. # نظرت إليه بغضب. وقلت له: «من أخبرك بهذا الهراء؟» # هز كايل كتفيه: «لست في حاجة لأن يخبرني أحد بذلك. الأمر دوما ما يسير على هذا ~~النحو.» ~~«هذا تفكير خاطئ. إن بوسعك فعل ما تريد إذا كنت مستعدا لأن تبذل ما في استطاعتك ~~لفعله.» # ابتسم كايل ابتسامة مصطنعة، وأدار وجهه ناحية النافذة وتركت أنفاسه بصمات على ~~الزجاج. وقال: «حسنا، كم عدد الطيارين السود الذين تعرفهم؟» # لم تكن صالة الألعاب الرياضية مزدحمة عندما وصلنا، واضطررنا إلى انتظار انتهاء ~~مباراة واحدة قبل أن ندخل إلى الملعب. وكان ذلك بعد أن مر على الأقل ستة أشهر على آخر ~~مرة لعبت فيها كرة السلة وأصبح للسجائر تأثيرها علي؛ في الشوط الأول من المباراة نجح ~~اللاعب الذي يراقبني في انتزاع الكرة مني دون مخالفة إلا أنني طالبت الحكم بأن يحتسب ~~مخالفة مما جعل اللاعبين الجالسين على حدود الملعب يصيحون بسخرية. وفي الشوط الثاني ~~مشيت على خط منتصف الملعب وأنا أشعر بدوار خفيف. # حتى أتجنب التعرض لإحراج أكثر من ذلك قررت أن أخرج في الشوط الثالث وأشاهد ~~كايل وهو يلعب. لم يكن أداؤه سيئا، لكنه كان يراقب لاعبا يتجاوزني في العمر ببضع ~~سنوات، كان يعمل ممرضا في مستشفى، وكان قصير القامة، لكن أداءه في الملعب عنيف ~~وسريع جدا. وبعد بضع لعبات أصبح واضحا أن الرجل عرف طريقة لعب كايل. وبعد أن أحرز ~~ثلاث نقاط على التوالي بدأ يتحدث معه الحديث المعتاد. ~~«ألا ms264 تستطيع أن تلعب أفضل من ذلك أيها الصبي؟ كيف ستسمح لرجل كبير مثلي بأن يجعل ~~صورتك بهذا السوء؟» # لم يرد كايل عليه لكن اللعب بينهما أصبح عنيفا. وعندما تحرك الرجل تجاه السلة ~~ارتطم به كايل بشدة فوقع الرجل على الأرض. وبعدها ألقى الرجل الكرة تجاه صدر كايل، ثم ~~استدار ناحية أحد زملائه. وقال: «أترى؟ هذا الوضيع لا يستطيع الدفاع ...» # على حين غرة ودون سابق إنذار استدار كايل. ولكم فك الرجل بقبضة يده وأسقطه على ~~الأرض. جريت إلى الملعب بعد أن أبعد اللاعبون الآخرون كايل بالفعل عن الرجل. كانت عيناه ~~متسعتين وصوته مرتعدا وهو يشاهد محاولة وصول الممرض إلى قدميه بصعوبة وهو يبصق ~~قدرا كبيرا من الدماء. # همهم كايل بتذمر: «لست وضيعا.» وأعادها قائلا: «لست وضيعا.» # كنا محظوظين لأنه حين اتصل أحد الحضور بضابط الأمن في الطابق السفلي لم يعترف ~~الممرض بالحادث لشعوره بالإحراج. وفي طريق عودتنا أعطيت كايل محاضرة طويلة عن ~~الاحتفاظ بهدوئه، وعن العنف، وعن المسئولية. بدت كلماتي سخيفة وخالية من أي معنى ~~وجلس كايل دون أن يرد علي بكلمة واحدة، وكان لا ينظر إلا إلى الطريق. وعندما انتهيت ~~استدار ناحيتي وقال: «لا تقل لأمي شيئا، اتفقنا؟» # اعتقدت وقتئذ أن هذا مؤشر طيب. وقلت إنني لن أذكر لروبي شيئا مما حدث ما دام أنه ~~لن يتحدث معها بشأنه ووافق على مضض. # كان كايل صبيا حسنا لأنه كان لا يزال مهتما بشيء ما. لكن هل كان هذا كافيا ~~لإنقاذه؟ ~~••• # بعد أسبوع من مغامرتي أنا وجوني في هايد بارك، قررت أنه حان الوقت للتعامل مع ~~المدارس العامة. # بدا هذا الموضوع منطقيا لنا. ولم يعد الفصل العنصري يثير اهتمامنا كثيرا؛ فقد ~~تخلى البيض عن نظام المدارس العامة. ولم تعد مدارس البيض أو السود مكتظة بالطلاب، ~~على الأقل في المدارس الثانوية بأحياء السود لأن نصف الطلاب الجدد فقط كانوا يضطرون إلى ~~البقاء في المدارس لحين التخرج. وخلافا لذلك، فقد ظلت مدارس شيكاغو في حالة من ~~الأزمات الدائمة؛ فعجز الميزانية السنوية يصل إلى مئات ms265 الملايين من الدولارات، وهناك ~~نقص في الكتب المدرسية وورق الحمامات، واشتراك نقابة المعلمين في إضراب مرة كل سنتين ~~على الأقل، والتعامل من منطلق بيروقراطية قاسية وتشريع دولة غير مبال. وكنت كلما ~~ازدادت معرفتي بالنظام ازداد اقتناعي بأن إصلاح المدارس هو الحل الممكن الوحيد لمأساة ~~الشباب الذين رأيتهم في الشارع، وأنه في ظل عدم وجود عائلات مستقرة أو احتمالات للعمل ~~في وظائف مهنية معتمدة على المجهود البدني، يكون التعليم هو آخر أمل لهم. لذا ففي شهر ~~أبريل - في أثناء عملي في قضايا أخرى - وضعت خطة عمل للنشاط التنظيمي وبدأت أوزعها ~~على القادة. # على أن هذه الخطة لم تترك في نفوسهم انطباعات قوية مؤثرة. # كان سبب ذلك إلى حد ما ينبع من مشكلة عدم وجود مصلحة شخصية وعدم توافق الآراء. ~~فمثلا أخبرني أعضاء كنيسة مسنون أنهم بالفعل ربوا أبناءهم، أما أولياء الأمور الأصغر ~~سنا - مثل أنجيلا وماري - فقد أرسلوا أطفالهم إلى المدارس الكاثوليكية. ولم يتحدث ~~أحد عن أكبر مصدر للمقاومة إلا نادرا، وهو في الواقع يتمثل في الحقيقة المرة التي ~~فحواها أن كل كنيسة من كنائسنا كانت مليئة بالمدرسين ومديريها ومراقبيها. ولم يرسل من ~~هؤلاء المعلمين أطفاله إلى المدارس العامة إلا قليل لأنهم كانوا يعلمون كثيرا عن هذا ~~الأمر. لكنهم كانوا يدافعون عن الحالة الراهنة بالمهارة والحماسة نفسها التي كان ~~أقرانهم من البيض يدافعون بها عنها منذ عقدين. وكانوا يقولون لي إنه لم يكن هناك ~~موارد مالية كافية لإجراء الإصلاح كما ينبغي (وكانوا بالفعل محقين في ذلك.) كانت ~~مجهودات الإصلاح - مثل اللامركزية أو الحد من البيروقراطية - جزءا من مجهودات بذلها ~~البيض لاستعادة السيطرة من جديد (وهذا أمر غير صحيح مائة بالمائة.) أما الطلاب فقد ~~كانوا صعاب المراس. كانوا كسالى. كانوا عنيدين. كانوا بطيئين. لكن ربما لم يكن ذلك ~~خطأهم، ومن المؤكد أنه لم يكن خطأ المدارس أيضا. في الواقع لم يكن هناك أي أطفال ~~سيئين لكن المؤكد أنه كان هناك العديد من الآباء السيئين. # في مخيلتي كانت هذه المحادثات رمزا للتسوية غير ms266 المعلنة التي توصلنا إليها منذ ~~ستينيات القرن العشرين، والتي سمحت لنصف أطفالنا بإحراز تقدم حتى إن لم يستطع النصف ~~الآخر فعل ذلك. والأكثر من ذلك أن المحادثات أغضبتني وبسبب الدعم الفاتر المفتقد ~~للحماسة الذي تلقيناه من القيادة قررت أنا وجوني أن نعالج الأمر ونبدأ بزيارة بعض ~~المدارس في المنطقة على أمل تجميع أصوات تدعمنا بخلاف أولياء الأمور الشباب في ~~ألتجيلد. # بدأنا حملتنا بمدرسة كايل الثانوية التي كانت تنعم بأفضل سمعة في المنطقة. وكانت ~~المدرسة تتكون من مبنى واحد جديد نسبيا لكنه مفتقر للمسات الشخصية والجمالية، حيث ~~كان مشتملا على أعمدة صلبة جرداء وممرات عارية طويلة ونوافذ زجاجها ضبابي لا يمكن ~~فتحها، مثلها مثل النوافذ في الصوبات الزجاجية. قال لنا المدير - وكان رجلا كيسا ~~حسن المظهر اسمه دكتور لوني كينج - إنه كان متحمسا للعمل مع مجموعات مجتمعية مثل ~~مجموعتنا. بعد ذلك ذكر أن أحد المستشارين في مدرسته - وكان يدعى السيد أسانتي موران - ~~كان يحاول بدء برنامج إرشادي للشباب في المدرسة واقترح أن نقابله. # اتبعنا المسار الذي أشار علينا به دكتور كينج إلى أن وصلنا إلى مكتب صغير بالقرب من ~~مؤخرة المبنى. وكان المكتب مزينا ببعض اللمسات الأفريقية مثل: خريطة للقارة وصور لملوك ~~وملكات أفريقيا القدماء، ومجموعة من الطبول، وأوان من نبات القرع، وقطعة من القماش ~~منسوجة يدويا بألوان مبهجة معلقة على الحائط. وخلف المكتب كان يجلس رجل طويل ~~القامة مهيب له شارب طويل كثيف ملفوف لأعلى وفك بارز. كان الرجل يرتدي زيا ~~أفريقيا وسوارا من شعر الفيل حول معصمه السميك. وقد بدا في بادئ الأمر غير سعيد حيث ~~كان أمامه على المكتب كومة متراصة من امتحانات القبول في الجامعات. لذا شعرت أن اتصال ~~دكتور كينج به كان مقاطعة لعمله غير مرحب بها. على العكس من ذلك طلب منا الجلوس ~~وأخبرنا أن نناديه باسمه دون ألقاب، وعندما أصبحت قضيتنا أكثر وضوحا بدأ يشرح لنا بعض ~~أفكاره. # قال لنا وهو ينظر إلي وإلى جوني تباعا: «إن أول شيء عليكما إدراكه هو أن نظام ms267 ~~المدارس العامة لا يهتم بتعليم الأطفال السود. ولم يكن كذلك على الإطلاق. والمدارس التي ~~تقع في قلب المدينة شغلها الشاغل هو الانضباط الاجتماعي الذي لا يطبق إلا في أثناء ~~الحصة الدراسية. انتهى الأمر. وفي الواقع فإن هذه المدارس تعمل كأنها حظيرة؛ أو بالأحرى ~~سجون صغيرة. وعندما يبدأ الأطفال السود في الخروج من الحظيرة بعد انتهاء الحصص ومضايقة ~~البيض لا يهتم المجتمع إطلاقا بقضية تعليم هؤلاء الأطفال. # لا تفكرا إلا فيما يمكن أن يشتمل عليه التعليم الحقيقي لهؤلاء الأطفال . في مستهل ~~الأمر لا بد أن يبدأ التعليم بتعريف الطفل بنفسه وبعالمه وبثقافته وبمجتمعه. وتلك هي ~~نقطة البداية لأية عملية تعليمية لأن هذا هو ما يجعل الطفل مستعدا وبحماس لأن يتعلم، ~~والذي يدفعه لذلك هو الوعد الذي يتلقاه بكونه جزءا من شيء ما وبقدرته على السيادة ~~والتحكم في بيئته. لكن فيما يتعلق بأي طفل أسود فإن كل الموازين تتغير. فمن يومه ~~الأول في المدرسة، ماذا يتعلم؟ يتعلم تاريخا غير تاريخه. ويتعلم ثقافة غير ~~ثقافته. ليس ذلك فقط، بل إن الثقافة التي من المفترض أن يتعلمها هي الثقافة نفسها ~~التي رفضته - بكل ما في الكلمة من معنى - وأنكرت إنسانيته.» # اتكأ أسانتي للخلف على مقعده وشبك يديه أسفل صدره، وطرح علينا السؤال الآتي: «هل ~~من المثير للدهشة أن يفقد الطفل الأسود اهتمامه بالتعليم؟ بالطبع لا. إن الأمر أسوأ ~~للأولاد عن البنات لأن البنات على الأقل لديهن أمهات يستطعن التحدث معهن، على ~~عكس الأولاد الذين ليس لديهم من يتحدثون إليه. ونصفهم لا يعرف أحدا حتى آباءهم، ولا ~~يوجد من يرشدهم في مرحلة البلوغ ... ليشرح لهم معنى الرجولة. وهنا تكمن الكارثة لأنه ~~في كل مجتمع يكون للشباب ميول عنيفة. وهذا سواء أكانت هذه الميول موجهة ومنظمة في ~~مسارات إبداعية أم في مسارات تهديمية للشباب أنفسهم أو المجتمع أو لكليهما. # لذا فإن هذا هو الأمر المفترض التركيز عليه هنا. وحيثما أكون أحاول ملء هذه الفجوة. ~~فأشرح التاريخ الأفريقي للطلاب والجغرافيا والتقاليد الفنية الأفريقية. إنني أحاول ~~منحهم مبادئ ms268 قويمة مختلفة عما تعلموه؛ شيئا يدحض تأثيرات المادية والفردية والإشباع ~~الفوري التي يتجرعونها على مدار 15 ساعة خارج المدرسة. إنني أعلمهم أن الأفارقة جزء ~~من المجتمع. كما أعلمهم أنهم يحترمون من يكبرهم سنا. وفي الواقع شعر زملائي ~~الأوروبيون بالخطر من تعاليمي هذه، لكنني أخبرتهم أن الأمر ليس متعلقا بتشويه سمعة ~~ثقافتهم، بل إن الغرض الفعلي هو منح الشباب قاعدة يستندون إليها طوال حياتهم. وإن لم ~~ينغمسوا في تقاليدهم الخاصة فلن يصبحوا قادرين إطلاقا على تقدير ما تقدمه الثقافات ~~الأخرى ...» # في هذه اللحظة سمعنا طرقا على الباب، وعندما فتح نظر شاب نحيف طويل القامة نظرة ~~سريعة إلى الداخل. اعتذر لنا أسانتي قائلا إن لديه موعدا آخر ورأى أنه سيكون سعيدا ~~إذا قابلنا مرة أخرى لمناقشة برامج الشباب الممكنة في المنطقة. بعدها سألني أسانتي عن ~~اسمي وهو يوصلني أنا وجوني إلى الباب، وأدليت له بمعلومات قليلة عن تاريخي. # عندما سمع حديثي ابتسم أسانتي وقال: «اعتقدت ذلك بالفعل!» وأضاف: «أتعلم، كانت أولى ~~رحلاتي للقارة الأفريقية إلى كينيا. وكان ذلك منذ 15 عاما لكنني أتذكر الرحلة كما لو ~~لم تكن إلا أمس. لقد غيرت هذه الرحلة حياتي للأبد. وفي الواقع كان أهل كينيا ودودين ~~ورحبوا بي ترحيبا حارا. وأرضها جميلة لم أر مثلها قط. وبالفعل شعرت أنها وطني.» ~~تلألأ وجهه بذكراه هناك. وسألني: «متى كانت آخر مرة ذهبت فيها إلى كينيا؟» # ترددت. قلت: «في حقيقة الأمر لم أذهب إلى هناك مطلقا.» # بدا أسانتي مرتبكا للحظة. وقال بعد لحظات صمت: «حسنا ... إنني متأكد من أنك عندما ~~تذهب إلى هناك ستتغير حياتك أنت أيضا.» وبذلك تصافحنا ولوح للشاب الجالس في قاعة ~~الانتظار وأغلق الباب وراءه. # خيم علينا الصمت أنا وجوني في معظم طريق عودتنا إلى مكتبنا. وبعد أن قطعنا مسافة ~~كبيرة استدار جوني تجاهي وقال: «هل أستطيع أن أطرح عليك سؤالا يا باراك؟» ~~«بكل تأكيد.» ~~«لماذا لم تذهب إلى كينيا من قبل؟» ~~«لا أعرف. ربما أكون خائفا مما سأجده هناك.» ~~«فهمت.» أشعل جوني سيجارة وأنزل زجاج ms269 النافذة لإخراج الدخان. وقال: «كم كان غريبا ~~تفكيري في أبي بعد سماعي حديث أسانتي هناك! لا أقصد أن أبي كان متعلما أو شيئا من ~~هذا القبيل. لكني أقصد أنه لا يعرف شيئا عن أفريقيا. بعد أن ماتت أمي كان مضطرا لأن ~~يربيني أنا وإخوتي بالاعتماد على نفسه. فعمل لمدة 20 عاما سائقا لسيارة بضائع بشركة ~~سبيجال. لكن الشركة سرحته عن العمل قبل أن يحصل على معاشه كاملا؛ لذا ظل يعمل ~~لدى شركة أخرى في الوظيفة نفسها. هذه الوظيفة هي نقل الأثاث . # لم يبد أبي مستمتعا بالحياة على الإطلاق، أتفهم ما أقصد؟ إنه في أيام العطلات كان ~~يظل في المنزل وكان يزورنا بعض أعمامي لاحتساء الخمر وسماع الموسيقى. وكانوا يشكون مما ~~فعله رؤساؤهم في العمل هذا الأسبوع. هذا فعل كذا. وهذا فعل كذا. لكن ما إن يبدأ أحدهم ~~في التحدث عن شيء آخر مختلف بالفعل أو طرح فكرة طيبة حتى يحبطه الآخرون. فمثلا يقول ~~أحدهم: «كيف لزنجي عديم الفائدة مثلك أن يبدأ مشروعا بنفسه؟» ويقول آخر: «خذ هذه ~~الزجاجة من أمام جيمي؛ يبدو أن الخمر ذهبت بعقله.» وكانوا جميعا يضحكون، لكنني أرى ~~أنهم لم يكونوا يضحكون من قلوبهم. وفي بعض الأحيان، عندما أكون بالمنزل، كان أعمامي ~~يقولون لي: «من المؤكد أن عقلك ناضج أيها الصبي، تبدو كرجل أبيض بحديثك المنمق ~~اللبق.» # أخرج جوني من فمه تيارا متدفقا من الدخان إلى الهواء المليء بالضباب الكثيف. وأضاف: ~~«عندما كنت في المدرسة الثانوية كنت أشعر بالخجل منه. أقصد والدي. فقد كان يعمل كثيرا ~~ويجلس في المنزل ويشرب الخمر هو وإخوته. لذا أقسمت أنني لن ينتهي بي الحال وأصبح مثله. ~~لكنني عندما فكرت في هذا الأمر فيما بعد أدركت أن أبي لم يسخر قط عندما كنت أتحدث ~~عن رغبتي في الالتحاق بالجامعة. أقصد أنه لم يقل شيئا عن الأمر، لكنه كان يتحقق ~~دائما من أنني وأخي استيقظنا للذهاب إلى المدرسة، وأننا لم نضطر إلى العمل، وأن معنا ~~مصروف الجيب الصغير. ويوم تخرجي أتذكر أنه حضر ms270 مرتديا سترة ورابطة عنق وصافحني ~~فقط. هذا كل ما هنالك ... صافحني وبعدها عاد للعمل ...» # توقف جوني عن الكلام وخلا الطريق أمامنا. وبدأت أفكر في هذه الصور المعلقة في ~~مكتب أسانتي - صور الملكة نفرتيتي الداكنة اللون في عرشها الذهبي، وشكل زولو القوي ~~الأبي في ردائه الطويل المصنوع من جلد النمر - وفكرت في اليوم الذي ذهبت فيه إلى ~~المكتبة منذ سنوات قبل أن يأتي والدي لزيارتي في هاواي بحثا عن مملكتي السحرية وحقي ~~المجيد المكتسب بالولادة. وتساءلت عن الفارق الذي يمكن أن تحدثه هذه الصور على طفل ~~غادر لتوه مكتب أسانتي. وظننت أن تأثير هذه الصور على الطفل يفوق تأثير أسانتي نفسه. في ~~الواقع كان أسانتي رجلا حسن الاستماع. وكانت لديه القدرة على مد يد العون لأي ~~شاب. # قلت لجوني بعد ذلك: «كان هناك.» ~~«من؟» ~~«والدك. كان هناك من أجلك.» # حك جوني ذراعه. وقال: «نعم يا باراك أعتقد أنه كان هناك.» ~~«ألم تخبره قط بهذا؟» ~~«لا، لأننا لم نعتد التحدث معا.» نظر جوني من النافذة، ثم استدار لي: «ربما ~~علي أن أتحدث معه.» # قلت له وأنا أهز رأسي: «نعم جون ربما يتعين عليك فعل ذلك.» ~~••• # على مدار الشهرين التاليين ساعدنا أسانتي ودكتورة كوليار في إعداد اقتراح مقدم إلى ~~شبكة نصح الشباب لتوفير الخدمات التعليمية الخاصة والإرشادية إلى المراهقين ~~المعرضين للخطر، ولإشراك أولياء الأمور في عملية تخطيطية طويلة المدى للإصلاح. وكان ~~هذا المشروع مثيرا للحماسة بصورة كبيرة، لكنني لم أركز عليه كلية لأنني كنت مشغول ~~البال بشيء آخر. وعند انتهاء تقديم الاقتراح أخبرت جوني بأنني سأبتعد عن العمل لبضعة ~~أيام على أن يتولى هو مسئولية حضور بعض الاجتماعات التي خططنا لها لبدء الإعداد ~~لخطة دعم أكبر. سألني جوني: ~~«إلى أين ستذهب؟» ~~«لزيارة أخي.» ~~«لم أكن أعلم أن لك أخا.» ~~«لم أكن أعرفه كل هذه الفترة.» # في صباح اليوم التالي ركبت الطائرة إلى مدينة واشنطن عاصمة الولايات المتحدة حيث كان ~~يعيش أخي روي في هذه الفترة. كنا قد تحدثنا لأول مرة خلال زيارة أوما ms271 إلى شيكاغو وحينها ~~أخبرتني بأن روي تزوج من سيدة أمريكية كانت تعمل في برنامج «فيلق السلام» وانتقل ~~للعيش في الولايات المتحدة. وفي أحد الأيام اتصلنا به للاطمئنان عليه، وكان سعيدا ~~للغاية بهذه المكالمة، وكان صوته منخفضا وهادئا كما لو كنا تحدثنا معه أمس. وفي هذه ~~المكالمة قال لنا إن وظيفته وزوجته وحياته الجديدة في أمريكا وكل شيء «جميل». نطق روي ~~هذه الكلمة ببطء وخرجت المقاطع اللفظية على نحو هادئ فقال «جميييل»، بالطريقة نفسها ~~التي أخبرني بها أن زيارتي له ستكون «رااائعة » وأن بقائي معه ومع زوجته في منزلهما لن ~~«يسبب أي مشششكلة». وبعد أن وضعنا سماعة الهاتف وانتهت المكالمة أخبرت أوما أنه ~~يبدو في حالة طيبة، إلا أنها نظرت إلي بارتياب، وقالت: ~~«لا، إنك لا تعرف روي؛ إنه دائما لا يظهر مشاعره الحقيقية، وهو في هذا الأمر مثله ~~مثل أبينا. وفي الواقع ومع أنهما لم يكونا على وفاق معا فهو يذكرني به في كثير من ~~الأمور، على الأقل كان ذلك عندما كان يعيش في نيروبي حيث إنني لم أره منذ جنازة ديفيد؛ ~~لذا ربما يكون الزواج قد جعله يعيش حياة مستقرة هادئة.» # لم تستطرد أوما أكثر من ذلك، وإنما قالت فحسب إنه من الأفضل أن تتعرف عليه بنفسك. ~~لذا رتبت مع روي أن أزوره، فأسافر إلى واشنطن العاصمة أثناء عطلة نهاية الأسبوع ~~الطويلة وزيارة المعالم السياحية، وفكرت أننا سنقضي وقتا رائعا. لكن عندما وصلت إلى ~~مطار رونالد ريجان القومي بحثت عنه عند بوابة المطار إلا أنني لم أجده في انتظاري، ~~فاتصلت بمنزله ورد على الهاتف معتذرا: ~~«اسمع يا أخي، هل يمكنك الإقامة في أي فندق هذه الليلة؟» ~~«لماذا؟ هل حدث مكروه؟» ~~«لا، لم يحدث شيء خطير. إن الأمر متعلق بي وبزوجتي فقد تشاجرنا؛ لذا فإن حضروك ~~الليلة إلى المنزل لن يكون أمرا مستساغا. أتفهمني؟» ~~«بكل تأكيد. إنني ...» ~~«اتصل بي عندما تجد فندقا للمبيت، اتفقنا؟ سنتقابل الليلة ونتناول عشاءنا معا. ~~سأمر عليك في تمام الثامنة.» # أقمت في أرخص غرفة وجدتها في ms272 الفندق وانتظرت بها، وفي الساعة التاسعة سمعت طرقا ~~على الباب. وعندما فتحته وجدت رجلا ضخما يقف أمامي واضعا يديه في جيبيه وعلى ~~وجهه الشديد السواد ابتسامة عريضة أظهرت أسنانه المستوية. # قال لي: «أهلا أخي، كيف حالك؟» # في صور روي التي كانت لدي، كان نحيفا للغاية ومرتديا زيا أفريقيا، إلى جانب أنه ~~كان له شارب ولحية صغيرة وكان مصففا شعره على الطريقة الأفريقية، لكن الرجل الذي ~~عانقني عندما فتحت الباب كان وزنه أكبر، يصل تقريبا إلى مائتي رطل [90,7 كيلوجراما] - ~~على ما أعتقد - وكانت وجنتاه مكتنزتين لحما أسفل نظارته السميكة. والآن لم تعد له ~~لحية وتغير القميص الأفريقي ليحل محله جاكيت رمادي اللون وقميص أبيض ورابطة عنق. كانت ~~أوما على حق؛ فتشابه أخي مع أبي كان مثيرا للقلق. عندما نظرت إلى أخي شعرت كأنني عدت ~~طفلا في العاشرة من عمري. # قلت له في أثناء مشينا تجاه سيارته: «أرى أن وزنك ازداد.» # نظر روي لأسفل إلى بطنه المنتفخة وربت عليها، وقال: «نعم، إنها الوجبات السريعة. ~~إنها موجودة في كل مكان؛ ماكدونالدز وبرجر كينج. إنك لست مضطرا إلى الخروج - حتى من ~~سيارتك - لشرائها؛ إذ أطلب وأنا في السيارة: فطيرتين باللحم والصوص الخاص والخس والجبن ~~أو ساندوتش الهامبورجر العملاق بالجبن.» ثم هز روي رأسه وأضاف: «فيرد علي العامل ~~ستحصل على ما تريد في الحال. إنه لأمر رائع!» # أرجع روي رأسه للخلف وهو يضحك، وسرى بداخله صوت ساحر جعل جسده كله يهتز كما لو كان ~~لا يستطيع تصديق العجائب التي تقدمها له هذه الحياة الجديدة. كانت ضحكاته معدية؛ لذا ~~فإنني ضحكت إلا أنني لم أضحك في أثناء طريقنا لتناول العشاء. كانت سيارته التويوتا ~~صغيرة على أن تستوعب حجمه - كان كطفل يجلس في إحدى سيارات الملاهي في العيد - ولم يبد ~~بارعا في تحريك ذراع ناقل الحركة أو الإلمام بقواعد الطريق بما فيها حد السرعة ~~المسموح به. وفي طريقنا كنا على وشك الاصطدام مرتين بالسيارات القادمة من الاتجاه ~~المقابل، وعند أحد المنعطفات حادت السيارة عن طريقها وصعدت ms273 فوق رصيف مرتفع. # صحت بصوت أعلى من الصوت الهادر للموسيقى المنبعثة من شريط الكاسيت الذي يديره: «هل ~~تقود السيارة دائما بهذه الطريقة؟» # ابتسم روي ونقل السرعة إلى المستوى الخامس وقال: «قيادتي ليست حسنة، أليس كذلك؟ ~~فدائما ما تشكو ماري زوجتي من هذا الأمر أيضا، خاصة بعد الحادث ...» ~~«أي حادث؟» ~~«لم يكن خطيرا؛ فأنا لا أزال حيا أرزق!» ضحك مرة ثانية وهز رأسه كأن السيارة ~~تعمل أوتوماتيكيا دون أن يقودها، وكان وصولنا الآمن سيكون مثالا آخر على نعم الرب ~~الوفيرة. # كان المطعم المفترض أن نتناول العشاء فيه مكسيكيا، وكان بجانب مرفأ صغير. اخترنا ~~طاولة عشاء تطل على المياه مباشرة، وطلبت جعة وطلب روي كأسا من كوكتيل المارجريتا، ~~وتحدثنا بعض الوقت عن عملي وعمله محاسبا في إحدى الشركات الكبرى للتمويل العقاري. أكل ~~روي باستمتاع شديد واحتسى كأسا أخرى من المارجريتا، إلى جانب أنه ضحك ومزح عند حديثه ~~على مغامراته في أمريكا. لكن ما إن نفد الطعام حتى بدأت آثار المجهود الذي بذله تظهر ~~عليه، وفي النهاية سألته لماذا لم تصحبنا زوجته على العشاء، فتلاشت ابتسامته ~~وقال: ~~«أعتقد أننا على وشك الطلاق.» ~~«أنا آسف لسماعي هذا الخبر.» ~~«قالت لي إنها سئمت من بقائي خارج المنزل لساعة متأخرة من الليل، وإنني أفرط في شرب ~~الخمر، بالإضافة إلى أنها أخبرتني أنني أصبح تدريجيا نسخة من أبي.» ~~«وما رأيك في ذلك؟» ~~«ما رأيي؟» أدنى رأسه، ثم نظر إلي بشجن فرأيت في عدستي نظارته لهب الشموع ~~يتراقص كمشاعل الاحتفالات الصغيرة. قال لي وهو يتكئ بجسده للأمام: «الحقيقة هي أنني ~~أعتقد أنني أكره نفسي، وأنني ألوم أبي في ذلك.» # على مدار الساعة التالية قص علي روي جميع الصعاب التي تحدثت عنها أوما من قبل؛ ~~عن انتزاعه من أمه وكل شيء اعتاده، وعن فقر أبينا المفاجئ، وعن المشاجرات والمشكلات، ~~وعن رحلته الأخيرة. أخبرني عن حياته بعد أن ترك منزل أبينا متنقلا بين منازل أقاربه ~~واحدا تلو آخر وكيف جرى قبول التحاقه بجامعة نيروبي ثم حصوله فيما بعد على وظيفة ms274 في ~~مكتب محاسبة محلي بعد التخرج، وكيف علم نفسه الانضباط في العمل؛ فكان يصل إلى عمله ~~مبكرا ويكمل المهام المنوط به أداؤها بصرف النظر عن سهره طويلا خارج المنزل في الليلة ~~السابقة. شعرت وأنا أستمع إليه بالإعجاب نفسه الذي شعرت به عند سماعي أوما وهي تتحدث ~~عن حياتها وعن قدرتهما على الاحتمال التي أظهراها في الأوقات العصيبة، وعن العند نفسه ~~الذي أخرجهما من ظروفهما الصعبة. على أنني شعرت أن أوما - وليس روي - مستعدة لأن تترك ~~الماضي وراء ظهرها، وأن لديها إلى حد ما المقدرة على أن تسامح، إن لم يكن من الضروري ~~أن تنسى. أما روي فقد بدت ذكرياته عن أبينا أكثر تعلقا بحاضره وأشد سخرية، وظل الماضي ~~عنده جرحا لم يندمل. # أثناء رفع الأطباق من على المائدة في المطعم قال لي روي: «لم يكن - أبي - يعجبه شيء، ~~وكان ذكيا ولم يكن ليسمح لك بالإهمال إطلاقا. وإن عدت يوما إلى المنزل تحمل ~~شهادة تفيد حصولك على ثاني أفضل درجات في الفصل يسألك لماذا لم تحرز الدرجات النهائية، ~~وكان يقول «إنك من عائلة أوباما، وعليك أن تكون الأفضل دائما.» وكان يصدق ذلك ~~بالفعل. بعد ذلك كنت أراه مخمورا ولا يملك مالا ويعيش حياة المتسولين. فكنت أسأل ~~نفسي: كيف يمكن لأحد بمثل هذا الذكاء الحاد أن تنهار حياته بهذا الشكل المأساوي؟ لم ~~يبد هذا منطقيا لي على الإطلاق. # وبعد أن أصبحت أعيش معتمدا على نفسي، حتى بعد مماته، كنت أحاول حل هذا اللغز كما ~~لو كنت لا أستطيع الهروب منه. إنني أتذكر أنه كان علينا نقل جثته إلى أليجو لإقامة ~~الجنازة، ولأنني كنت الابن الأكبر سنا كنت مسئولا عن ترتيبات الجنازة، وقد أرادت ~~الحكومة أن يكون الدفن طبقا للشريعة المسيحية، لكن العائلة أرادت أن يتم طبقا ~~للشريعة الإسلامية. حضر الناس إلى ميدان هوم من كل مكان، وكان علينا أن ننتحب عليه ~~طبقا لتقاليد قبيلة لوو، وأن نحرق الخشب ثلاثة أيام، ونستمع إلى بكاء الناس وعويلهم. ~~لم أكن أعرف نصف هؤلاء الناس النائحين ms275 الذين كانوا يريدون تناول الطعام واحتساء ~~الجعة. وتهامس البعض بأن أبانا تسمم وأنني لا بد من أن آخذ بثأره، وسرق بعضهم أشياء ~~من المنزل. بعد ذلك بدأ أقاربنا يتشاجرون على إرث أبي، من ضمنهم آخر صديقة له أم أخينا ~~الرضيع جورج التي كانت تريد الحصول على كل شيء ووقف في جانبها البعض ومنهم العمة سارة، ~~وانحاز البعض الآخر إلى أمي. كان الأمر برمته ضربا من ضروب الجنون، وبدا الخلل في كل ~~شيء. # بعد انتهاء الجنازة لم تكن لدي رغبة في مصاحبة أحد ؛ فالإنسان الوحيد الذي كنت أثق ~~به كان ديفيد أخانا الصغير. اسمح لي أن أقول لك إن هذا الرجل كان حسنا، وكان يشبهك ~~قليلا لكنه كان يصغرك سنا ... إذ كان في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره. ~~حاولت أمه روث أن تربيه طبقا لأسلوب الحياة الأمريكية، لكن ديفيد تمرد عليها؛ فقد ~~أحب الجميع وترك منزله كي يأتي ويعيش معي. وعندما طلبت منه العودة إلى المنزل مرة ~~أخرى رفض وقال لي إنه لا يريد أن يصبح أمريكيا؛ كان ديفيد أفريقيا من عائلة أوباما ~~بحق. # عندما مات ديفيد كانت الضربة القاضية لي. وكنت متأكدا من أن العائلة بأكملها شقيت ~~لسماع هذا الخبر. فبدأت أشرب الخمر وأتشاجر ولم أعد أهتم بأي شيء. قلت لنفسي إن كان ~~أبي وديفيد قد ماتا فإنني حتما سأموت. في بعض الأحيان كنت أتساءل عما كان يمكن أن يحدث ~~إن بقيت في كينيا. في هذه الأثناء فكرت في نانسي، الفتاة الأمريكية التي كنت على ~~علاقة بها والتي كانت عندئذ قد عادت إلى أمريكا؛ لذا اتصلت بها ذات يوم وقلت لها إنني ~~أريد أن أذهب إليها. وعندما وافقت اشتريت تذكرة وركبت أول طائرة متجهة إلى الولايات ~~المتحدة. لم آخذ أمتعتي أو أخبر المكتب الذي كنت أعمل به أو أودع أحدا أو أي ~~شيء. # فكرت في هذا الوقت أن باستطاعتي أن أبدأ من جديد. لكنني الآن موقن من أنني لا ~~أستطيع إطلاقا أن أبدأ من جديد. ليس في واقع ms276 الأمر. يعتقد المرء أن لديه القدرة على ~~التحكم في حياته، لكنه في الواقع مثل السمكة في شبكة شخص آخر. في بعض الأحيان أفكر أن ~~هذا هو سبب تعلقي بوظيفة المحاسبة. ذلك لأنني طوال اليوم أتعامل مع الأرقام. أضيفها ~~وأضربها، وإن كنت دقيقا في حساباتي فسيكون لدي حل دائم لأية مشكلة. فالعملية برمتها ~~قائمة على التسلسل والترتيب. لذا مع الأرقام يستطيع المرء التحكم ...» # احتسى روي رشفة أخرى من مشروبه وأبطأ من وتيرة حديثه على حين غرة كأنه سقط بعيدا ~~في أعماق مكان آخر أو كأن روح أبينا قد تملكته. وقال: «إنني أكبر إخوتي، كما ترى. ~~وطبقا لتقاليد قبيلة لوو فإنني الآن رب المنزل. أنا مسئول عنك وعن أوما وعن كل الإخوة ~~الأصغر سنا. ومسئوليتي هي تقويم الأمور جميعها. ودفع مصاريف المدرسة لإخوتي. ~~والتأكد من ارتباط أوما بزوج صالح. وبناء منزل ملائم ولم شمل العائلة من ~~جديد.» # مددت يدي على الطاولة ولمست يده. وقلت له: «ليس عليك أن تفعل ذلك بمفردك يا أخي.» ~~وتابعت: «يمكننا أن نشترك معا في هذه المسئولية.» # لكن بدا لي أنه لم يسمعني. وحملق فقط في النافذة، وبعد ذلك لوح للنادل فجأة كما لو ~~كان قد استيقظ من حالة لاوعي. ~~«أتريد شرابا آخر؟» ~~«لماذا لا نطلب الحساب الآن؟» # نظر إلي روي وابتسم. «أستطيع أن أقول إنك شخص كثير القلق يا باراك. وتلك هي مشكلتي ~~أيضا. أعتقد أننا في حاجة إلى تعلم كيف نتقبل الأوضاع كما هي ونرضى بالأمر ~~الواقع. أليس هذا ما تقولونه في أمريكا؟ فقط تقبل الأوضاع وارض بالأمر الواقع ...» ~~ضحك روي مجددا بصوت عال استدار تجاهه الجالسون على المائدة المجاورة لنا. لكنها كانت ~~ضحكة بلا روح فبدت جوفاء غير صادقة، كما لو كانت آتية من مسافة شاسعة ومن مكان لا ~~حياة فيه. ~~••• # سافرت على طائرة اليوم التالي؛ لا بد أن روي كان يريد قضاء بعض الوقت مع زوجته ولم ~~يكن لدي المال الذي أدفعه لقضاء ليلة أخرى في الفندق. تناولنا الفطور معا وفي الصباح ~~بدا أفضل ms277 حالا. وعند بوابة المطار تصافحنا وتعانقنا ووعدني بأن يزورني بمجرد أن تستقر ~~الأمور. في أثناء رحلة العودة إلى شيكاغو وعلى مدار ما تبقى من عطلة نهاية الأسبوع ~~لم أستطع أن أخلص نفسي من الشعور بأن روي في خطر ما، وأن شياطين ذكرياته القديمة ~~تقوده إلى الجحيم، وفكرت أنني إذا تصرفت كما ينبغي أن يتصرف الأخ فسوف أمنع سقوطه في ~~هوة الجحيم. # عندما دخل جوني مكتبي في وقت متأخر بعد ظهر يوم الإثنين كنت لا أزال أفكر في ~~روي. # قال جوني: «عدت مبكرا . كيف كانت الرحلة؟» ~~«كانت جميلة. وكان من الرائع أن أرى أخي.» أومأت برأسي وأنا أطرق على حافة المكتب ~~برفق. قلت: «إذن ماذا حدث أثناء غيابي؟» # جلس جوني على أحد المقاعد. وقال: «حسنا، تقابلنا مع عضو مجلس الشيوخ عن الولاية. وقد ~~تعهد بتقديم مشروع قانون للحصول على التمويل اللازم لبرنامج التطوير للنظام المدرسي. ~~ربما لن يصل إلى النصف مليون دولار بأكملها لكنه سيفي بالغرض.» ~~«رائع. وماذا عن مديري المدارس الثانوية؟» ~~«عدت للتو من اجتماع مع دكتور كينج، مدير المدرسة التي يعمل بها أسانتي. ولم يرد ~~سائر المديرين على اتصالاتي.» ~~«ممتاز. وماذا قال دكتور كينج؟» # قال جوني: «ابتسم طوال الوقت. وقال إنه أعجب بالاقتراح بالفعل. وسعد للغاية عندما ~~سمع أن هناك إمكانية للحصول على التمويل. وقال إنه شجع المديرين الآخرين على التعاون ~~معنا وأننا سنحصل على دعمه الكامل. وقال: «لا يوجد شيء أكثر أهمية من إنقاذ ~~شبابنا.»» ~~«رائع.» ~~«نعم. رائع. وعندما كنت على وشك مغادرة مكتبه أعطاني هذه فجأة.» أمسك جوني حقيبته ~~وأخرج ورقة منها وأعطاني إياها. قرأت سطورا قليلة قبل أن أعطيها له مرة أخرى. ~~«سيرة ذاتية؟» ~~«ليست أية سيرة ذاتية يا باراك. إنها تخص زوجته. يبدو أنها سئمت البقاء في المنزل، ~~ويعتقد دكتور كينج أنها ستكون مديرة «رائعة» لبرنامجنا. وفي هذا الصدد يجب ألا نسيء ~~فهمه فنظن أنه يضغط علينا. وبمجرد تخصيص التمويل سيكون هناك اعتبارات أخرى، من المؤكد ~~أنك تعلم ما أقصد.» ~~«أعطاك السيرة الذاتية الخاصة بزوجته ms278 ...» ~~«ليس فقط الخاصة بزوجته.» أمسك جوني مرة أخرى بحقيبته وأخرج ورقة أخرى ولوح بها ~~في الهواء. وقال: «أعطاني السيرة الذاتية الخاصة بابنته أيضا. وأخبرني أنها ستكون ~~مستشارة رائعة ...» ~~«لا ...» ~~«إنني متأكد يا باراك من أنه خطط لكل شيء. أتعلم؟ بالإضافة إلى أنه طوال وقت ~~حديثنا لم يشعر بالخجل إطلاقا. كان يتصرف وكأن ما يفعله هو أكثر شيء طبيعي يحدث في ~~العالم. أمر لا يصدقه عقل.» هز جوني رأسه، ثم فجأة صاح وكأنه واعظ. وقال: «نعم! ~~إنه الدكتور لوني كينج! مثال الجرأة والبسالة ! الشجاع المقدام! صاحب الأفكار الجريئة! ~~لم يبدأ البرنامج بعد، وها هو ذا يفكر فيه مستقبلا.» # بدأت أضحك. # أضاف قائلا: «إنه لا يريد وظيفة واحدة فقط! بل اثنتين! اذهب وتحدث معه عن بعض ~~الأطفال وسيعطيك السير الذاتية الحمقاء لعائلته بأكملها ...» # صحت صيحة قلدته فيها. قلت: «دكتور لوني كينج!» # قهقه وهو يقول: «نعم! دكتور لوني كينج!» مما جعلني أضحك أكثر وبلغ بنا الضحك مبلغا ~~جعلنا ننحني لأعلى ولأسفل ونحن نقهقه، ولا نلبث أن نلتقط أنفاسنا حتى نعود لتكرار هذه ~~العبارة مرة أخرى «دكتور لوني كينج!» كما لو كانت تشتمل على أوضح الحقائق على الإطلاق ~~أو أكثر العناصر أهمية من بين الأربعة عناصر المكونة للعالم المادي. ظللنا نضحك إلى أن ~~توهجت وجوهنا وآلمتنا ضلوعنا وسالت الدموع من أعيننا وشعرنا بأننا لم نعد نستطيع ~~الضحك لأكثر من ذلك، وقررنا أن نرتاح الوقت المتبقي بعد ظهر هذا اليوم دون عمل ونحتسي ~~الجعة. ~~••• # في هذه الليلة قريبا من منتصف الليل توقفت سيارة أمام المبنى الذي أقطنه وبها ~~مجموعة من المراهقين وسماعات مكبرة للصوت تصدر أصواتا عالية للغاية لدرجة أن أرضية ~~الشقة بدأت تهتز. في مثل هذه المواقف اعتدت تجاهل هذه الأشياء المزعجة والتساؤل: إلى ~~أين سيذهبون إن غادروا هذا المكان؟ لكن في هذا المساء على وجه التحديد كان في المبنى ~~ضيف جديد؛ فقد عرفت أن جاري في الشقة التي بجواري أنجبا طفلا جديدا وأحضراه إلى ~~المنزل؛ لذا ارتديت شورتا واتجهت لأسفل لأتحدث مع زوار ms279 الليل الواقفين أسفل المبنى. ~~وعندما اقتربت من السيارة توقف من بداخلها عن الحديث ونظر جميعهم تجاهي. ~~«استمعوا إلي، إننا نحاول أن ننام. لماذا لا تذهبون إلى مكان آخر؟» # لم يقل أي من الصبية الأربعة الجالسين في السيارة كلمة واحدة، بل لم يتحركوا على ~~الإطلاق. أفاقتني الرياح من نعاسي وعلى حين غرة شعرت أنني متجرد من ملابسي مع أنني ~~كنت أقف على الرصيف في منتصف الليل مرتديا شورتا. لم أستطع رؤية وجوههم وهم داخل ~~السيارة، وكان الظلام دامسا فلم أستطع تحديد أعمارهم، وهل كانوا في وعيهم أم ثملين، ~~أخيارا أم أشرارا. ربما كان كايل واحدا منهم. أو روي. أو جوني. # ربما كنت أنا نفسي واحدا منهم. وأنا واقف في مكاني حاولت أن أتذكر الأيام التي كنت ~~فيها جالسا في سيارة كهذه وروحي تعج بالاستياء المكتوم وبالإحباط حتى أثبت فقط أنني ~~موجود في هذا العالم. تذكرت الشعور بالغضب المبرر عندما كنت أصرخ في وجه جدي لأي ~~سبب كان. كما تذكرت المشاجرات الدامية في المدرسة الثانوية. وتذكرت تبجحي وأنا ~~ذاهب إلى الفصل المدرسي في حالة سكر جلية أو حالة من النشوى نتيجة تعاطي المخدرات مع ~~علمي بأن مدرسي سيشمون رائحة الجعة أو الماريجوانا عندما أتنفس، منتظرا أن ينبس ~~أحدهم ببنت شفة. بدأت أصور نفسي عبر أعين هؤلاء الشباب ووجدت صورة للسلطة الطائشة ~~وبدأت أعرف المقاييس التي يعيشون طبقا لها، وأنه إن لم يستطع أحدهم النجاح في ~~التخلص مني فسينجح الأربعة بالتأكيد في ذلك إذا ما اجتمعوا معا. # عندما حاولت اختراق الظلام لمعرفة ما يدور بخلدهم داخل السيارة، فكرت في أنه مع ~~كون هؤلاء المراهقين أضعف أو أقوى مني عندما كنت في عمرهم، فإن الفرق الوحيد بيننا ~~يتمثل في أن العالم الذي عشت فيه أوقاتي العصيبة كان أكثر تسامحا من عالمهم. لم يملك ~~هؤلاء الشباب أي هامش للخطأ؛ إذا حملوا أسلحة فإنها لن توفر لهم الحماية من هذه ~~الحقيقة. وفي الواقع فإن هذه الحقيقة - التي يشعرون بها بالتأكيد لكنهم لا يستطيعون ~~الاعتراف بها ولا ms280 بد من أن يرفضوها حتى يعيشوا يوما آخر - هي التي أجبرتهم، وأجبرت ~~غيرهم من أترابهم، في النهاية على إغلاق الطريق أمام أي شعور بالتعاطف شعروا به من قبل. ~~علاوة على أن رجولتهم العنيدة غير المقيدة بأي ضوابط لن تكبح - على عكس ما انتهى ~~الأمر بي - بأي شعور بالحزن على جرح كبرياء من يكبرهم سنا. ولن تهدأ ثورة غضبهم ~~باعترافي بالخطر الذي ربما يداهمني إذا تسببت في جرح شفة أحدهم، أو انطلقت بسيارتي ~~بأقصى سرعة على الطريق السريع وقد ذهبت المسكرات بعقلي. في الواقع وجدت نفسي وأنا ~~واقف مكاني أفكر في أننا دائما يدور داخلنا حوار بين شعورنا بالذنب والتعاطف وبين ~~شعورنا الدفين بأن هناك حاجة إلى نظام ما، ليس بالضرورة أن يكون هذا النظام هو النظام ~~الاجتماعي الموجود بالفعل، بل أقصد نظاما أكثر أهمية وأشد إلحاحا؛ شعور آخر بأن ~~لكل منا دورا يجب أن يؤديه في النظام، ورغبة لا تنتهي مهما بدا عدم ثبات النظام في ~~بعض الأحيان. إنني أظن أن هؤلاء الشباب سيضطرون إلى البحث لوقت طويل أو الكد للعثور على ~~نظام يتعامل معهم على أنهم ليسوا أشكالا للخوف أو الازدراء. وهذا الشك يخيفني لأنني ~~الآن أصبحت لي حياة في العالم الذي أعيش فيه، ولي وظيفة، ومنهج في الحياة أتبعه. ~~وقدر استطاعتي على التعبير فإنه لا توجد أية صلة بيني وبين هؤلاء الشباب؛ لأننا فريقان ~~مختلفان يتحدث كل منا لغة مختلفة ويعيش حياة مختلفة. # دار محرك السيارة التي انطلقت بعيدا محدثة صوتا حادا مزعجا. وعدت إلى شقتي وأنا ~~أعترف لنفسي بأنني كنت غبيا ومحظوظا في آن، وأدركت أنني خائف بكل ما تحمله الكلمة ~~من معنى. # | الفصل الرابع عشر # كان مبنى قديما في أحد الأحياء العتيقة بالجانب الجنوبي، ومع أنه لا يزال متينا ~~فإنه في حاجة ماسة إلى الترميم وربما إلى سطح جديد. كان الحرم مظلما ومشتملا على ~~مقاعد خشبية عديدة، منها ما تصدع ومنها ما انكسر، وكانت هناك سجادة حمراء مفروشة ~~على الأرض تنبعث منها رائحة رطوبة عفنة، وفي ms281 أماكن مختلفة بدا سطح الأرضية المغطى ~~بالسجادة غير مستو ارتفاعا وانخفاضا. أما مكتب القس فيليبس فكان على هذه الحالة ~~الرثة البالية نفسها ولم يكن مضاء إلا بمصباح مكتب عتيق ألقى بظلاله الكئيبة الصفراء ~~على الغرفة كلها. هذا بالإضافة إلى أن القس فيليبس نفسه كان متقدما في السن. وعندما ~~فتح ستار النافذة بدا القس - وهو محاط بأكوام الكتب القديمة المتراصة - ملتصقا ~~بالحائط دون أية حركة فصار كبرواز معلق عليها، ولم يكن ظاهرا منه بوضوح سوى شعره ~~الناصع البياض وصوته الجهوري الروحاني الذي كان له صدى كالصوت المسموع في ~~الأحلام. # تحدثنا لما يقرب من ساعة، ودار معظم حديثنا عن الكنيسة. لكننا لم نتحدث عن كنيسته ~~بقدر ما تحدثنا عن الكنيسة بوجه عام؛ التطور التاريخي لكنائس الأمريكيين من أصل ~~أفريقي (الكنائس السوداء) والكنيسة بوصفها مؤسسة والكنيسة بوصفها فكرة. كان رجلا ~~مطلعا واسع المعرفة وبدأ حواره معي بالحديث عن تاريخ ديانة العبيد؛ أخبرني عن ~~الأفارقة - الذين حطوا رحالهم على شواطئ عاتية لم تستقبلهم بالترحاب - أنهم كانوا ~~يجلسون في حلقات حول نار موقدة يخلطون في أحاديثهم بين الأساطير الجديدة وإيقاعات ~~الماضي، وأصبحت أغانيهم وكأنها سفينة تحمل أجمل الأفكار؛ البقاء والحرية والأمل. استمر ~~القس في حديثه متذكرا الكنيسة الموجودة في الجانب الجنوبي في شبابه وقال إنها كانت ~~مكانا صغيرا من الخشب المدهون باللون الأبيض بنيت بعرق المزارعين المستأجرين ~~وبقروشهم القليلة التي كانوا يدخرونها، واستطرد قائلا إنه مكان كانت تختفي فيه في ~~صباح أيام الآحاد الحارة المشرقة كل مشاعر الذعر وتندمل فيه جراح الأسبوع بأسرها ~~بفعل الدموع وصيحات الشكر والامتنان وتصفيق الأيادي والتلويح بها للحث على الأفكار ~~العنيدة نفسها؛ البقاء والحرية والأمل. تحدث القس عن زيارة مارتن لوثر كينج إلى ~~شيكاغو والغيرة التي لاحظها كينج بين بعض خدام الكنائس وخوفهم من اغتصاب سلطتهم، ثم ~~استطرد في حديثه عن ظهور المسلمين قائلا إنه تفهم غضبهم؛ فقد كان هذا الغضب غضبه هو ~~نفسه، الغضب الذي لم يتوقع أن يهرب منه كلية إلا أنه تعلم كيفية التحكم فيه عن ~~طريق ms282 الصلاة، وحاول ألا يورث هذا الغضب أطفاله. # شرح القس بعد ذلك تاريخ الكنائس في شيكاغو. وقد كان بالمدينة عندئذ آلاف الكنائس ~~وبدا هو وكأنه يعرفها جميعا؛ فقد تحدث عن الكنائس الصغيرة التي تنشأ أمام المتاجر ~~والكنائس الضخمة المبنية بالحجارة، ثم حدثني عن المصلين الأفروأمريكيين ذوي البشرة ~~الفاتحة الذين كانوا يجلسون جلسة عسكرية وهم ينشدون ترانيمهم المتشددة، وأولئك المصلين ~~الذين يتعبدون بحماس بالغ وتهتز أجسادهم وهم يتفوهون بلغة غير مفهومة. أوضح القس ~~فيليبس أن معظم الكنائس الكبيرة في شيكاغو كانت مزيجا من هذين النمطين من المصلين، ~~وأنها مثال على النعم الخفية للفصل العنصري، ومثال على الطريقة التي فرضت على المحامي ~~والطبيب أن يعيشا ويتعبدا بجانب الخادم والعامل الأجير. كانت الكنيسة كقلب هائل الحجم ~~ينبض بالحياة؛ إذ كانت توزع السلع وتروج المعلومات والقيم والأفكار ذهابا وإيابا؛ ~~بين الغني والفقير، بين المتعلم والأمي، بين المذنب ومن نال الخلاص. # قال القس فيليبس إنه لا يعرف كم من الوقت يمكن أن تستمر كنيسته في أداء دور القلب ~~هذا. فمعظم رعاياها الأكثر ثراء انتقلوا إلى أحياء أكثر نظافة وعاشوا حياة سكان ~~الضواحي. على أنهم لا يزالون يحضرون الصلاة في أيام الآحاد إخلاصا منهم أو ربما من ~~باب الاعتياد. لكن طبيعة ارتباطهم بالكنيسة طرأ عليها التغير؛ فكانوا مترددين في ~~التطوع لعمل أي شيء - مثل الاشتراك في برنامج تعليمي أو الزيارات المنزلية - ربما ~~يضطرهم إلى البقاء في المدينة بعد حلول الظلام. أضاف القس أن هؤلاء يحتاجون إلى مزيد ~~من الأمان في المناطق حول الكنيسة، وبناء سياج حول مكان انتظار السيارات لحماية ~~سياراتهم. وتوقع القس فيليبس أنه بمجرد أن يموت سيتوقف العديد من رعايا الكنيسة عن ~~الحضور إليها وسينشئون كنائس جديدة منسقة مثل شوارعهم الجديدة. وكان القس يخشى من ~~أن تتقطع في النهاية صلات الارتباط بالماضي وتختفي من ذاكرة الأطفال الحلقات التي كان ~~يجلس حولها أجدادهم المسيحيون الأفارقة حول النار ... # بدأ صوته ينخفض تدريجيا حتى توقف عن الحديث وشعرت أن التعب قد تمكن منه؛ لذا ~~طلبت منه أن يقترح ms283 علي أسماء قساوسة آخرين ربما يكون لديهم اهتمام بالعمل التنظيمي ~~فذكر بضعة أسماء، وقال إن القس جيريميه رايت الابن - الشاب النشيط - قس كنيسة المسيح ~~المتحدة للثالوث يستحق أن نتحدث معه، حيث إن رسالته ستروق للشباب من أمثالي. أعطاني ~~القس فيليبس رقم هاتفه، وعندما نهضت من مكاني لأغادر مكتبه قلت له: «إذا استطعنا جمع ~~شمل 50 كنيسة فقط فسنصبح قادرين على تغيير بعض الأمور التي حدثتني عنها.» # أومأ القس فيليبس برأسه وقال: «ربما تكون محقا يا سيد أوباما. إن لديك بعض الأفكار ~~الشائقة. لكن كما ترى اعتادت الكنائس هنا على التصرف حسب أهوائها الخاصة. وفي بعض ~~الأحيان ينطبق هذا على رعايا الكنائس أكثر مما ينطبق على القساوسة.» فتح الباب لي، ثم ~~صمت. وقال بعد ذلك: «بالمناسبة، إلى أية كنيسة تنتمي؟» ~~«إنني ... إنني أحضر الصلوات في كنائس مختلفة.» ~~«لكن ألست عضوا في أية كنيسة؟» ~~«أعتقد أنني لا أزال أبحث.» ~~«حسنا، أفهم ذلك. على أن كونك عضوا في كنيسة بعينها ربما يساعدك كثيرا في رسالتك. ~~ولا يهم بأية كنيسة ستكون عضوا. إن ما تطلبه من القساوسة يتطلب منا - من أجل مصلحة ~~المسيحية - أن ننحي جانبا بعض اهتماماتنا الدينية. وهذا يتطلب منا أن يكون لدينا ~~قدر كبير من الإيمان بداخلنا. وسيجعلنا هذا في حاجة إلى معرفة مصدر استقائك هذا ~~الإيمان. الإيمان هو المهم.» # عندما أصبحت خارج المبنى ارتديت نظارتي الشمسية ومررت بجانب مجموعة من الرجال المسنين ~~الذين جلسوا على مقاعد على رصيف الشارع يلعبون الورق. كان الطقس في ذلك اليوم رائعا ~~حيث كانت درجة الحرارة 24 درجة مئوية (75 درجة فهرنهايت) وكان ذلك في أواخر شهر سبتمبر. ~~وبدلا من أن أقود سيارتي مباشرة إلى ميعادي التالي قررت أن أنتظر وأفتح باب السيارة ~~وأخرج ساقي منها وأنا على المقعد لأشاهد العجائز وهم يلعبون الورق. لم يتحدثوا ~~كثيرا. وذكروني بالرجال الذين كان جدي معتادا لعب البريدج معهم، كانوا يشبهونهم ~~إلى حد كبير؛ نفس الأيادي القوية السميكة، ونفس الجوارب الأنيقة، ونفس الأحذية ~~الصغيرة العجيبة الشكل، ونفس حبات ms284 العرق بين ثنيات أعناقهم أسفل قبعاتهم المسطحة ~~مباشرة. حاولت أن أتذكر أسماء هؤلاء الرجال الذين كانوا في هاواي، وماذا كانوا ~~يعملون لكسب قوت يومهم، وبدأت أتساءل عما تبقى من الأشياء التي تركوها لي وظلت ~~عالقة في نفسي. كم كان هؤلاء الرجال السود غامضين؛ هذا الغموض الذي كان أحد أسباب مجيئي ~~إلى شيكاغو. أما الآن وبينما أغادر شيكاغو فقد وجدت نفسي أتساءل هل فهمتهم فهما أفضل ~~من ذي قبل. # لم أخبر أحدا بقراري هذا ما عدا جوني. وفكرت في أن أعلن للآخرين هذا الخبر فيما ~~بعد . وحتى شهر يناير لم يصلني رد من أي من كليات الحقوق التي أرسلت إليها أطلب ~~الالتحاق بها. وفي هذا الوقت كان من المفترض بدء نشاط برنامج الشباب الجديد، وكان من ~~المفترض أيضا أن أجمع ميزانية العام المقبل، وأن أدعو بعض الكنائس الأخرى للمشاركة في ~~العمل التنظيمي. وفي حقيقة الأمر فإنني لم أخبر سوى جوني بهذا القرار إلا لأنني كنت ~~أرغب في معرفة هل لديه الاستعداد للبقاء في شيكاغو ليحل محلي كمنظم قائد أم لا، وربما ~~يكون السبب أيضا أنه صديقي وكنت أرغب في أن أفسر له ما يدور بخلدي وأشرح الأمر له. ~~لكن جوني نفسه لم يكن يرى أن هناك حاجة إلى أي تفسيرات. ولحظة أن أخبرته بكليات ~~الحقوق التي تقدمت للالتحاق بها - في جامعة هارفارد وجامعة ييل وجامعة ستانفورد - ~~ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة وربت على ظهري. # وصاح قائلا: «كنت أعرف ذلك!» ~~«تعرف ماذا؟» ~~«أن رحيلك عن هنا ليس إلا مسألة وقت. مسألة وقت ليس أكثر.» ~~«لماذا فكرت بهذه الطريقة؟» # هز جوني رأسه وضحك. قال: «اللعنة، تسأل يا باراك؛ لأن لديك «خيارات». هذا هو السبب. ~~أقصد أن باستطاعتك أن ترحل عن شيكاغو. إنني أعرف أنك شاب حي الضمير تقوم بعملك كما ~~ينبغي، لكن عندما يكون على المرء الاختيار بين الدراسة في جامعة هارفارد أو جامعة ~~روزلاند لا بد أنه سيختار جامعة روزلاند.» ومرة ثانية هز رأسه. وأضاف: «إنها ~~هارفارد يا رجل! إنني لا أتمنى ms285 إلا أن تتذكر أصدقاءك عندما تكون جالسا في المكتب ~~الخلاب وسط المدينة.» # لسبب أو لآخر جعلتني ضحكات جوني أتخذ موقفا دفاعيا. حيث أصررت على أنني سأعود ~~مرة أخرى إلى الحي. وأخبرته بأنني لم أخطط للانبهار بالثروة والسلطة التي تعنيها ~~هارفارد، وأكدت ضرورة ألا ينبهر بهما هو الآخر. صدق جوني بمزاح على كلامي. وقال: ~~«إنك لست في حاجة لأن تخبرني بكل هذا. فلست أنا من سيترك المدينة.» # هدأت انفعالاتي وشعرت بالإحراج من ثورتي غير المبررة. # وقلت له: «حسنا ... لم أكن أريد أن أقول لك إلا أنني سأعود، هذا كل ما في الأمر. ~~لا أريد أن يساء فهمي سواء من جانبك أو من جانب القادة.» # ضحك جوني برقة. وقال: «لن يسيء فهمك أحد يا باراك. إننا فخورون بأن نراك ~~ناجحا.» # كانت الشمس في هذا الوقت تفر ببطء خلف السحاب، ونهض اثنان من لاعبي الورق وارتدى كل ~~منهما المعطف الثقيل الذي كان يضعه على ظهر مقعده. أشعلت سيجارة وحاولت فك شفرة ~~الحوار الذي دار بيني وبين جوني. ترى هل ساورته الشكوك في نواياي؟ أم أنني لا أثق ~~بنفسي؟ لقد أمعنت النظر في قراري هذا 100 مرة على الأقل. إنني في حاجة إلى فترة راحة، ~~أردت الذهاب إلى كينيا، فأوما قد عادت بالفعل منذ عام إلى نيروبي لتدرس في الجامعة، وقد ~~يكون هذا وقتا مثاليا للقيام بزيارة طويلة. # كانت هناك بعض الأشياء التي ينبغي أن أتعلمها عبر الدراسة في كلية الحقوق ستساعدني في ~~إحداث تغيير حقيقي. أشياء عن أسعار الفائدة، واندماج الشركات، والعملية التشريعية، ~~والطريقة التي تعمل بها الشركات والبنوك معا، وكيفية نجاح أو فشل الشركات العاملة في ~~مجال الاستثمار العقاري. بالإضافة إلى ذلك سأتعلم الكثير عن أداة القوة بكل تفاصيلها ~~وتعقيداتها، إنها العلم الذي عرضني للخطر قبل مجيئي إلى شيكاغو ولكنني الآن سأعيده إلى ~~المكان الذي هو في مسيس الحاجة إليه؛ سأعيده إلى روزلاند، وسأعيده إلى ألتجيلد، وسأفعل ~~مثلما فعل بروميثيوس مع النار. # تلك هي القصة التي كنت أرويها لنفسي، القصة نفسها التي ms286 تخيلت أبي وهو يرويها لنفسه ~~منذ 28 عاما عندما ركب الطائرة إلى أمريكا؛ أرض الأحلام. ربما يكون قد اعتقد هو الآخر ~~أنه يؤدي عملا عظيما، وأنه لم يسافر فرارا من أمور لا تتطابق مع المنطق. وفي الواقع ~~عاد بعدها إلى كينيا، أليس كذلك؟ بلى، لكنه عاد رجلا ذا روح ممزقة، وسرعان ما دفنت ~~خططه وأحلامه ... # ترى هل سألقى نفس المصير؟ ربما كان جوني محقا في أنه بمجرد أن ينحي المرء ~~التبريرات جانبا تصبح المسألة دائما مسألة هروب. هروب من الفقر أو السأم أو الجريمة ~~أو القيود المفروضة بسبب لون البشرة. ربما لا يكون التحاقي بكلية الحقوق إلا تكرارا ~~لنمط بدأ منذ قرون عندما وطئت أقدام البيض الشواطئ الأفريقية - بعدما دفعتهم مخاوفهم ~~من أمور لا تتطابق مع المنطق - حاملين معهم بنادقهم وجوعهم الأعمى حتى يسحبوا ~~المهزومين في قيودهم. أعادت هذه المواجهة الأولى رسم خريطة حياة السود، وأعادت تحديد ~~مركز عالمهم، وخلقت الفكرة الجديدة المتمثلة في الهروب؛ تلك الفكرة التي ظلت باقية في ~~نفس فرانك وغيره من السود العجائز الذين وجدوا ملاذا لأنفسهم في هاواي، وفي نفس جويس ~~الفتاة ذات العينين الخضراوين في جامعة أوكسيدنتال التي كانت ترغب في أن تكون إنسانة ~~فحسب، وفي أوما الممزقة المشاعر بين ألمانيا وكينيا، وفي روي الذي اكتشف أنه لن يستطيع أن ~~يبدأ حياته من جديد. وظلت باقية هنا في الجانب الجنوبي من شيكاغو بين رعايا كنيسة القس ~~فيليبس الذين ربما سار بعضهم بجانب الدكتور مارتن لوثر كينج مؤمنين بأنهم يسيرون من أجل ~~تحقيق هدف سام، ومن أجل الحقوق والمبادئ ومن أجل جميع البشر أبناء الرب، على أن هؤلاء ~~الرعايا أدركوا في مرحلة ما أن السلطة متعنتة والمبادئ ليست ثابتة، وأنه حتى بعد سن ~~القوانين وإلغاء تنفيذ حكم الإعدام دون محاكمة استمر أقرب مفهوم للحرية يحمل بين طياته ~~معنى الهروب - الهروب النفسي إن لم يكن المادي - بعيدا عن أنفسنا وبعيدا عما عرفناه ~~في رحلة إلى خارج حدود إمبراطورية الرجل الأبيض، أو ربما أقرب من ذلك، إلى ms287 ~~قلبها. # لم تكن المقارنة دقيقة تماما، ولم تكن العلاقة بين البيض والسود ومعنى الهروب ~~مماثلين من منظوري لما كانا عليه من منظور فرانك أو أبي أو حتى من منظور روي. وفي ظل ~~أنين شيكاغو من ضغط الفصل العنصري، وفي ظل التوتر بين الأعراق تسبب نجاح حركة الحقوق ~~المدنية على الأقل في خلق بعض التداخل بين المجتمعات، ومنح أمثالي مساحة أكبر ~~للمناورة. فكرت في أنني يمكنني العمل في المجتمع الأسود كمنظم أو محام وفي الوقت ~~نفسه أسكن في وسط المدينة في بناية شاهقة. أو العكس تماما؛ العمل في مؤسسة قانونية ~~كبيرة وأسكن في الجانب الجنوبي وأشتري منزلا كبيرا وسيارة جميلة وأتبرع ل «الجمعية ~~الوطنية للارتقاء بالملونين» وإلى حملة هارولد الانتخابية، وألقي الخطب في المدارس ~~الثانوية المحلية، ويطلقون علي لقب المثل الأعلى لنجاح الرجل الأسود. # هل يشوب هذا شائبة؟ من الواضح أن جوني لم يفكر بهذه الطريقة. أدركت الآن أن ~~الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه لم تكن تعبيرا عن رأيه في، ورأيت أنه - مثله مثل ~~قادتي - لم ير أي خطأ في السعي لتحقيق مثل هذه النجاحات. وكان هذا درسا من الدروس ~~التي تعلمتها خلال عامين ونصف قضيتها في شيكاغو، ألم يكن كذلك؟ تعلمت درسا فحواه أن ~~معظم السود لم يكونوا مثل صورة أبي التي حلمت بها ولم يكونوا مثل الرجل الذي كان بطلا ~~في القصص التي حكتها لي أمي؛ رجل المثل العليا المتضخمة الذي يصدر أحكامه وآراءه ~~سريعا. على النقيض من ذلك كان معظم هؤلاء السود أشبه بلولو - زوج أمي - حيث كانوا ~~عمليين للغاية وعرفوا أن الحياة قاسية للغاية فلا ينبغي أن يصدر أي منهم حكما عن ~~الآخر، وعرفوا أن الحياة غاية في الفوضوية فلا يمكن العيش فيها طبقا لمثاليات مجردة. ~~لم يتوقع أي منهم أن أضحي بنفسي من أجلهم؛ لم يتوقع ذلك رفيق الذي كان يلح علي ~~قبل قليل في مساعدته لجمع تبرعات من مؤسسات البيض لتمويل مشروعه الأخير، وكذلك القس ~~سمولز الذي قرر أن يرشح نفسه في انتخابات الولاية للحصول ms288 على عضوية مجلس الشيوخ، ~~وكان يتوق للحصول على دعمنا. وكان شغلهم الشاغل جميعا أن لوني الأسمر معيار كاف ~~للالتحاق بعضوية المجتمع، وهو ما يعتبر في حد ذاته أمرا كريها ينبغي أن ~~أتحمله. # هل كان ما أحضرني إلى شيكاغو الرغبة في الحصول على قبول الآخرين؟ هذا أحد الأسباب ~~التي أتت بي إلى هنا، وبكل تأكيد فإن هذا القبول أحد معاني المجتمع. لكن هناك معنى آخر ~~للمجتمع ودافعا أكثر إلحاحا وتأثيرا. بالطبع كان يمكن أن يكون المرء أسود دون أن يأبه ~~بما يحدث في ألتجيلد أو روزلاند. أو يأبه بأحوال صبية مثل كايل وأمهات صغيرات مثل ~~بيرناديت أو سادي. أما أن يحسن المرء لنفسه وللآخرين ويضفي معنى على معاناة المجتمع ~~بالإسهام في التئام جرحها، فهذا الأمر يتطلب ما هو أكثر. إنه يتطلب نوعا من الالتزام ~~مثل ما كانت تقوم به دكتورة كوليار يوميا في ألتجيلد، وتضحيات مثل التي كان السيد ~~أسانتي مستعدا لتقديمها لطلابه. # ويتطلب ذلك إيمانا أيضا. ألقيت نظرة سريعة على النافذة الصغيرة في الطابق الثاني في ~~الكنيسة وتخيلت القس العجوز داخلها وهو يكتب مسودة العظة التي سيلقيها يوم الأحد. لقد ~~سألني عن مصدر إيماني. وعلى حين غرة خطر ببالي أنني ليس لدي إجابة عن سؤاله. وربما ~~أكون في الوقت الراهن لدي إيمان بذاتي. لكن إيمان المرء بنفسه لا يمكن أن يكون ~~كافيا. # أطفأت سيجارتي وأدرت محرك السيارة. ونظرت من المرآة الخلفية وأنا أقود، وشاهدت لاعبي ~~الورق الصامتين العجائز وهم يختفون عن أنظاري. ~~••• # تقابلت مع عدد أكبر من خدام الكنائس السود في المنطقة على أمل إقناعهم بالانضمام ~~إلى عملنا التنظيمي، وكان جوني يدير الأنشطة اليومية الخاصة بهذا العمل. كانت هذه ~~العملية تسير بخطوات بطيئة؛ إذ كان معظم القساوسة السود - على عكس القساوسة ~~الكاثوليكيين - مستقلين بصورة كبيرة ومنغلقين على أنفسهم في أبرشياتهم غير مبالين ولا ~~يحتاجون كثيرا إلى أية مساعدات خارجية. وكلما اتصلت بهم هاتفيا أبدوا، عادة، ارتيابهم ~~مني أو راوغوني حائرين من سبب رغبتي في استقطاع بضع دقائق من وقتهم ظانين ms289 تارة أنني ~~مسلم وتارة، وهو الأسوأ، أنني أيرلندي. أما القساوسة الذين قابلتهم فقد تطابقت ~~شخصياتهم مع الشخصيات التي تظهر في روايات ريتشارد رايت أو خطب مالكولم إكس، ~~القساوسة أصحاب اللحى الذين شاب شعرهم المتظاهرين بالتقوى وهم يبشرون بالجنة في ~~الحياة الآخرة، أو متدينين بارعين يجوبون الشوارع للترويج لدينهم راكبين سيارات تلفت ~~الأنظار وأعينهم لا تفارق سلة التبرعات. # وكلما أتيحت لي الفرصة لمقابلة هؤلاء الرجال وجها لوجه انبهرت. ذلك لكونهم - ~~كمجموعة - مراعين حقوق الآخرين ومثابرين ولديهم من الثقة وتحديد الهدف ما جعلهم أفضل ~~المنظمين على الإطلاق في أحيائهم . كانوا كراما في منحي أوقاتهم، ومهتمين بالقضايا، ~~ومستعدين - بطريقة تبعث على الدهشة - للتحدث أمامي عن أنفسهم بكل صراحة. مثلا تحدث ~~أحد الخدام ذات مرة عن إدمانه المقامرة فيما مضى. وأخبرني خادم آخر عن سنواته التي ~~قضاها مديرا تنفيذيا ناجحا وهو سكير في الخفاء. تحدث جميعهم عن فترات من الشك ~~الديني؛ كانت هذه الفترات تبدأ بالتفكير في فساد العالم من حولهم وعدم نقاء قلوبهم، ثم ~~السقوط في الهاوية وتحطم كبريائهم، وفي النهاية يأتي إحياء النفس من جديد، النفس التي ~~تتحول إلى شيء أكبر، أصر هؤلاء الرجال على أن هذا كان مصدر ثقتهم؛ ألا وهو سقوطهم ~~الشخصي ثم خلاصهم فيما بعد. وكان هو ما أعطاهم المرجعية لأن ينشروا تعاليم ~~الإنجيل. # وكان بعضهم يسألني: هل سمعت الإنجيل؟ # هل تعرف مصدر إيمانك؟ # عندما طلبت أسماء قساوسة آخرين للتحدث معهم أعطاني العديد منهم اسم القس رايت الذي ~~كان الخادم نفسه الذي ذكره لي القس فيليبس ذاك اليوم في كنيسته. كان من الواضح أن ~~الخدام الأصغر سنا ينظرون إلى القس رايت باعتباره معلما، وإلى كنيسته باعتبارها ~~نموذجا لما يأملون هم أنفسهم في تحقيقه. أما عن القساوسة الأكبر سنا فكانوا أكثر ~~احتراسا عند مدحهم إياه ومنبهرين بالتطور السريع لأبرشية المسيح المتحدة للثالوث، ~~لكنهم إلى حد ما يحتقرون شعبيتها بين العاملين الشباب السود. (قال لي أحد القساوسة ~~عنها ذات مرة: «كنيسة المتعلمين السود».) # في أواخر شهر أكتوبر، سنحت لي الفرصة لزيارة ms290 القس رايت ورؤية الكنيسة بنفسي. وعندما ~~ذهبت رأيت مبنى مفعما بالحياة في شارع 95 في حي سكني يبعد عن مشروعات لودين هوم ~~ببعض المباني. في البداية توقعت أن أرى مبنى ضخما مهيبا، لكن اتضح أنه مبنى ~~متواضع منخفض، مبني بالطوب الأحمر، وبه نوافذ بزوايا، ومحاط بأشجار ونباتات خضراء، ~~وشجيرات تبدو وكأن نحاتا بارعا قد نحتها بيديه، ولافتة صغيرة مثبتة في الأرض ~~المكسوة بالعشب مكتوب عليها بحروف كبيرة «حرروا جنوب أفريقيا». أما عن الكنيسة من ~~الداخل فإنها كانت جميلة وتعج بالنشاط. وكان بها مجموعة من الأطفال الصغار المنتظرين ~~أهلهم لأخذهم من دار الحضانة. مرت مجموعة من الفتيات المراهقات ترتدي ما كان يشبه زي ~~الرقص الأفريقي. وظهر أربع سيدات متقدمات في السن من حرم الكنيسة، وصاحت إحداهن «الرب ~~خير!» ورد عليها الأخريات قائلات: «طوال الزمان!» # في نهاية المطاف جاءتني سيدة جميلة ذات أسلوب مرح ومفعم بالحيوية، وعرفتني بنفسها ~~قائلة إن اسمها تراسي وإنها إحدى مساعدات القس رايت. وقالت إن القس سيتأخر بضع دقائق ~~وسألتني هل أرغب في تناول القهوة. وفي أثناء اتباعي لها في طريق المطبخ في الجزء الخلفي ~~للكنيسة بدأنا نتحدث وكان حديثنا في معظمه عن الكنيسة وإن كانت قد حدثتني قليلا عن ~~نفسها. قالت لي إنها مرت بعام عصيب؛ فزوجها توفي قريبا، وفي غضون بضعة أسابيع ~~ستنتقل إلى الضواحي. ثم استطردت قائلة إنها قاومت كثيرا هذا القرار لأنها عاشت معظم ~~حياتها في المدينة، لكنها رأت أن الرحيل سيكون أفضل لابنها المراهق. بدأت تشرح لي كيف ~~أن زيادة عدد عائلات السود في الضواحي ستساعد ابنها في أن يسير بحرية إلى مدرسته دون ~~أن يتعرض للمضايقة، وكيف أن المدرسة التي سيلتحق بها تشتمل مناهجها على حصص للموسيقى ~~وفرقة موسيقية وأنه سيحصل على آلات موسيقية وزي موحد بالمجان. # قالت تراسي برقة: «أراد ابني دائما أن يكون عضوا في فرقة موسيقية.» # وبينما كنا نتحدث لاحظت رجلا في أواخر سن الأربعين يسير تجاهنا. كان شعره وشاربه ~~ولحيته بيضا، ويرتدي حلة رمادية من ثلاث قطع. تحرك ms291 ببطء وبانتظام نحونا كما لو كان ~~يريد الحفاظ على طاقته وعدم إهدارها، كان ينظر بالتتابع إلى رسائله واحدة تلو الأخرى ~~وهو يمشي ويهمهم لنفسه بأحد الألحان. ~~«باراك!» هكذا قال كما لو كنا صديقين قديمين، «دعنا نر هل ستسمح تراسي لي بأخذ ~~دقيقة من وقتك.» # قالت تراسي وهي تقف وتجذب ثوبها لأسفل: «لا تنتبه إليه يا باراك.» وتابعت: «كان من ~~المفترض أن أحذرك من أن القس يحب المزاح في بعض الأحيان.» # ابتسم القس رايت وقادني إلى مكتب صغير يعج بأشياء كثيرة مبعثرة، وقال بعد أن دخل ~~وأغلق الباب خلفه : «آسف على التأخير.» وتابع: «إننا نحاول بناء حرم جديد للكنيسة، وكان ~~علي مقابلة المصرفيين. إنهم دائما في حاجة إلى أشياء إضافية من المرء. وآخر ما ~~طلبوه هو بوليصة أخرى للتأمين على حياتي خشية أن أموت غدا. إنهم يتصورون أن الكنيسة ~~بأكملها ستنهار في عدم وجودي.» ~~«هل هذا صحيح؟» # هز القس رايت رأسه. وقال: «إنني لست الكنيسة يا باراك. وإن لقيت حتفي غدا، لا آمل ~~إلا أن يدفنني رعايا الكنيسة دفنا لائقا. وإنني أميل إلى التفكير في أن بعض الدموع ~~ستسيل حزنا على موتي. لكن بمجرد أن أدفن تحت الأرض بستة أقدام فإنهم سرعان ما سيبحثون ~~ما يمكن فعله كي تؤدي الكنيسة رسالتها.» # تربى القس في فيلادلفيا وكان ابنا لخادم معمداني. قاوم الرجل نداءه الداخلي ~~للاشتغال بوظيفة أبيه في البداية؛ ولذا التحق بالقوات البحرية بعد تخرجه، واهتم ~~بمعرفة الكثير من المعلومات عن تجارة المشروبات الروحية وعن الدين الإسلامي والقومية ~~السوداء في ستينيات القرن العشرين. لكن نداء الإيمان في قلبه ظل باقيا بوضوح، وفي ~~آخر المطاف التحق بجامعة هاورد، ثم بجامعة شيكاغو حيث قضى ست سنوات يدرس للحصول على ~~شهادة الدكتوراه في تاريخ الأديان. تعلم اللغة العبرية واليونانية وقرأ أعمال تيليش ~~ونيبور وكتابات علماء اللاهوت التحرريين السود. أحضر القس معه إلى كنيسة الثالوث منذ ~~عقدين من الزمن غضب رجل الشارع وفكاهته. ومع أنني لم أعرف الكثير عن سيرته إلا فيما ~~بعد؛ فقد أصبح من ms292 الواضح من لقائي الأول معه - على الرغم من إنكاره المستمر لهذا الأمر ~~- أن موهبته الشاملة وقدرته على توحيد العناصر المتعارضة لتجربة السود، إن لم يكن ~~التوفيق بينها، كانت الأساس للنجاح الذي حققته الكنيسة في النهاية. # قال لي القس رايت: «إن لدينا العديد من الشخصيات المختلفة هنا.» وتابع: «علماء ~~الثقافة الأفريقية من ناحية. والمتمسكون بالتقاليد من ناحية أخرى. وبين الحين والآخر ~~أجد أنه لا مفر لي من أن أتدخل وأهيئ الأمور قبل أن يختلف الحزبان. لكن هذا ~~نادرا ما كان يحدث. وفي المعتاد إن خطرت ببال أحدهم فكرة استحداث خدمة دينية جديدة ~~أخبره بأن يسعى لتطبيقها ولا أعرقل طريقهم.» # من الواضح أن منهجه في العمل أتى بثماره؛ فقد ازداد عدد أعضاء الكنيسة من 200 عضو إلى ~~أربعة آلاف عضو خلال مدة توليه المنصب، وكانت هناك أنشطة ترضي جميع الأذواق بدءا من ~~اليوجا وحتى النوادي المبنية على طراز تلك الموجودة في جزر البحر الكاريبي. كان القس ~~سعيدا للغاية بالتقدم الذي تحرزه الكنيسة في زيادة عدد أعضائها مع أنه أقر بأن ~~المشوار أمامهم لا يزال طويلا. # قال القس رايت: «ليس هناك شيء أصعب من الحصول على اشتراك إخوة في مرحلة الشباب مثلك.» ~~وتابع: «في الواقع إنهم يهتمون بصفة أساسية بكونهم لطفاء غير حادي الطباع. ويقلقون ~~بشأن ما يقوله عنهم أصدقاؤهم. ويقولون لأنفسهم إن الكنيسة تليق بالسيدات أكثر من ~~الرجال، وإنه من علامات الضعف أن يعترف أي رجل بأن لديه احتياجات روحانية.» # نظر القس إلي بعد ذلك نظرة جعلتني أشعر بالتوتر. لذا قررت أن أغير مجرى المحادثة ~~إلى موضوع آخر أكثر ألفة لكلينا، فأخبرته عن مشروع التنمية المحلية وعن القضايا التي ~~كنا نركز عليها موضحا الحاجة إلى أن تنضم إلينا الكنائس الكبيرة مثل كنيسته. جلس في ~~صمت وصبر واستمع إلى كلامي وعندما انتهيت أومأ برأسه. # وقال لي: «سأحاول مساعدتك إذا استطعت.» واستدرك: «لكن ينبغي لك أن تعرف أن انضمامنا ~~إليك لا يعد بالضرورة شرفا لك.» ~~«لماذا؟» # هز القس كتفيه. وقال: «لا يقدر بعض رجال ms293 الدين زملائي ما نتحدث بصدده. فهم ~~يشعرون أننا بذلك سنختلف اختلافا جذريا عنهم. وبالنسبة إلى آخرين فإننا لا نختلف ~~اختلافا كافيا. وبعضهم يرانا عاطفيين للغاية. ويرانا آخرون غير عاطفيين بصورة كافية. ~~وتركيزنا على التاريخ الأفريقي وعلى الثقافة ...» # قاطعته بقولي: «يقول بعض الناس إن الكنيسة قادرة على التحول السريع إلى ~~الأفضل.» # تلاشت ابتسامة القس. وقال بحدة: «هراء!» وتابع: «الناس الذين يتفوهون بهذا الكلام ~~يعكسون اضطرابهم الداخلي. فهم آمنوا بكل الأشياء التي تعوق عملنا معا. ونصف هؤلاء ~~يعتقدون أن أفراد العصابات السابقة أو المسلمين السابقين ينبغي ألا يكون لهم علاقة ~~بشئون الكنيسة. ويعتقد النصف الآخر أن أي رجل أسود متعلم أو يعمل في وظيفة أو ينضم ~~إلى كنيسة تحترم الثقافة هو رجل مشتبه فيه إلى حد ما. # إننا لا نؤمن بهذه الانقسامات الزائفة هنا. كما أن الأمر ليس متعلقا بالدخل المالي ~~يا باراك. فالشرطيون لا يسألون عن حسابي في البنك عندما يوقفون سيارتهم بجانب الطريق ~~ويجعلونني أقف مباعدا بين قدمي ورافعا يدي لأعلى. هؤلاء الإخوة لا يستوعبون الأمر ~~كما ينبغي، شأنهم شأن ذلك الأستاذ الذي يدرس علم الاجتماع في جامعة شيكاغو ويتحدث عن ~~«الأهمية المتناقصة للعرق.» فهل يعرف هذا الأستاذ في أية دولة يعيش؟» # بعد ذلك سألته: أليست الانقسامات الطبقية مسألة حقيقية؟ وذكرت للقس المحادثة التي ~~كانت بيني وبين مساعدته بخصوص ميل البعض للرحيل من المدينة. فخلع نظارته وحك عينيه ~~المتعبتين. # وقال بهدوء: «لقد أبلغت تراسي برأيي في مسألة الرحيل من المدينة.» وأضاف: «إن ابنها ~~سيذهب إلى هناك دون معرفة من هو أو إلى أين ينتمي.» ~~«من الصعب المخاطرة بأمن طفلك.» ~~«إن الحياة ليست آمنة لرجل أسود في هذا البلد يا باراك. وأبدا لم تكن كذلك. ومن ~~المحتمل أنها لن تكون أيضا.» # بعد ذلك اتصل السكرتير ليذكر القس رايت بميعاده التالي. تصافحنا ووافق على أن ~~تعد تراسي قائمة بأسماء الأعضاء المفترض أن يقابلوني. ثم وأنا في مكان انتظار ~~السيارات جلست في سيارتي أتصفح سريعا صفحات كتيب فضي اللون أخذته من مكتب الاستقبال ms294 ~~بالكنيسة. اشتمل هذا الكتيب على مجموعة من المبادئ الإرشادية - مثل نظام قيمة السود - ~~التي تبنتها الأبرشية عام 1979. وفي أعلى القائمة مكتوب وعد للرب «الذي سيهبنا القوة ~~حتى نتوقف عن التواكل، وحتى نصبح نشطاء مسيحيين سودا وجنودا هدفنا حرية السود ~~وتحقيق كرامة البشرية كلها.» وتلا هذا الوعد وعد آخر تجاه المجتمع الأسود والعائلات ~~السوداء والتعليم وأخلاقيات العمل والنظام واحترام الذات. # كانت هذه القائمة صادقة ومخلصة، لكنني أشك في أنها لم تكن مختلفة عن القيم التي يمكن ~~أن يكون القس فيليبس العجوز قد تعلمها في كنيسته المطلية باللون الأبيض في الريف منذ ~~60 عاما. كانت هناك فقرة بعينها في كتيب كنيسة الثالوث تتميز عن غيرها من الفقرات؛ إذ ~~تشتمل على وصية يظهر في نبرتها وعي أكثر بالذات في احتياجها إلى مزيد من التوضيح. ~~عنوان الوصية: «التبرؤ من السعي للانضمام إلى الطبقة المتوسطة.» وبدأ متنها بالعبارة ~~التالية: «في الوقت الذي يوصى فيه بالسعي للحصول على «دخل متوسط» بكل ما أوتيت من ~~قوة»، فإن هؤلاء الذين أنعم الرب عليهم بموهبة (أو بموفور الحظ) مما ساعدهم على تحقيق ~~النجاح وسط الاتجاه الأمريكي السائد لا بد من أن يتجنبوا الوقوع في الفخ النفسي ل «الطبقة ~~المتوسطة» السوداء التي تدفع الناجحين من الرجال والسيدات دفعا إلى الاعتقاد في أنهم ~~أفضل من الباقين وتعلمهم كيف يفكرون من منطلق «نحن» و«هم» بدلا من ~~«جميعنا»!» ~~••• # أعدت التفكير مرة أخرى في هذه الوصية في الأسابيع التي تلت مقابلتي للقس رايت وقت ~~لقائي بالأعضاء الآخرين لكنيسة الثالوث. رأيت أن سلوك القس رايت كان على الأقل مبررا ~~إلى حد ما عندما رفض الانتقادات الموجهة إلى الكنيسة لأن أغلبية الأعضاء من الطبقة ~~العاملة مثلهم مثل المدرسين وموظفي السكرتارية والعمال الحكوميين في الكنائس السوداء ~~الكبرى في أنحاء المدينة. أما سكان مشاريع الإسكان القريبة فقد جرى اجتذابهم وتوفير ~~الوظائف لهم، وصممت برامج للوفاء باحتياجات الفقراء - مثل المساعدات القانونية ~~والتعليمية وبرامج علاج الإدمان - وكلها أمور كانت تلتهم قدرا كبيرا من موارد ~~الكنيسة. # وحتى الآن يعرف الجميع أن ms295 عدد المختصين السود بالكنيسة غير كاف، من مهندسين وأطباء ~~ومحاسبين ومديري شركات. فبعضهم ترعرع في كنيسة الثالوث وبعضهم انتقل إليها من طوائف ~~مسيحية أخرى. واعترف العديد منهم بأنهم ابتعدوا عن ممارسة الدين لوقت طويل؛ بعض هؤلاء ~~فعل ذلك عن عمد كجزء من وعي فكري أو سياسي، لكن البعض الآخر فعل ذلك لأن الكنيسة بدت ~~غير ملائمة لهم وهم يعملون في مؤسسات البيض بصفة أساسية. # في مرحلة ما أخبروني جميعا بأن طريقهم الروحاني صار مسدودا، وهو الشعور - الغامض ~~والمقبض للصدر من أول وهلة - بأنهم انفصلوا عن ذاتهم. وبصفة متقطعة ثم منتظمة، كانوا ~~يعودون إلى الكنيسة ليجدوا فيها بعضا من الأشياء نفسها التي يسعى كل دين إلى تقديمها ~~إلى أتباعه؛ الملاذ الروحاني والفرصة كي يرى المرء مواهبه مقدرة أيما تقدير بطريقة ~~لا يستطيع المال أن يوفيها حق قدرها، والطمأنينة - عندما تتيبس العظام ويشيب الشعر - ~~بأنهم منتمون إلى شيء سيبقى بعد زوال حياتهم، وأنه عندما يحين أجلهم سيكون هناك أناس ~~يحيون ذكراهم. # فكرت في أن الدافع الديني ليس هو ما يحرك هؤلاء الناس جميعا، وأنهم لم يعودوا ~~للكنيسة من أجل المسيح فقط. وخطر ببالي أن كنيسة الثالوث - بأفكارها الأفريقية ~~وبتركيزها على تاريخ السود - استمرت في أداء الدور الذي وصفه القس فيليبس في البداية ~~كأداة لإعادة توزيع القيم وترويج الأفكار. إلا أن عملية إعادة التوزيع لم تسر عندئذ ~~في اتجاه واحد فحسب من مدرس المدرسة أو الطبيب الذي كان يرى أن المسيحية تحتم عليه ~~مساعدة المزارع المستأجر أو الشاب القادم من الجنوب في التكيف مع حياة المدن الكبيرة. ~~بل أصبح تيار الثقافة يسير في الاتجاه العكسي أيضا؛ فعضو العصابات السابق والأم ~~المراهقة يدعيان أنهما تعرضا لقدر أكبر من الحرمان ومن ثم ينبغي التعامل معهما ~~على أساس أنهما متساويان مع غيرهما، وهكذا يصبح وجودهما في الكنيسة عاملا يزود ~~المحامي أو الطبيب بخبرات مستقاة من الشوارع. وعن طريق فتح أبوابها أمام الجميع ~~أكدت كنيسة الثالوث لأعضائها أن أقدارهم واحدة، وأن كلمة «جميعنا» الجلية لا تزال ~~باقية. ms296 # كان هذا المجتمع الثقافي برنامجا فعالا أكثر مرونة من القومية العادية وأكثر ~~تحملا من أي من برامجي التنظيمية. ولكن لا أزال لا أستطيع التوقف عن التساؤل بخصوص ~~هل كان يكفي منع مزيد من الناس من الرحيل عن المدينة أو إبعاد الشباب عن دخول السجن. ~~وهل الزمالة المسيحية بين مدير مدرسة أسود على سبيل المثال، وولي أمر أسود لأحد ~~الطلاب، يمكن أن تغير أسلوب إدارة المدارس؟ وهل يسمح الاهتمام بالإبقاء على هذه ~~الوحدة للقس رايت بأن يعبر عن رأيه في آخر الاقتراحات المقدمة لإصلاح الإسكان ~~العام؟ وإن كان رجال مثل القس رايت قد فشلوا في التعبير عن آرائهم، وإن رفضت الكنائس ~~مثل الثالوث الاشتراك بفاعلية في الأمر والمخاطرة بحدوث نزاع فعلي، إذن ما فرصة الحفاظ ~~على وحدة المجتمع الأكبر؟ # في بعض الأحيان كنت أطرح هذه الأسئلة على من أقابلهم. وكانوا يجيبونني بنظرة ~~الارتباك نفسها التي كان ينظر بها لي القس فيليبس والقس رايت. ووجهة نظرهم أن المبادئ ~~الموضحة في كتيب الثالوث مقالات إيمانية لا تزيد عن الاعتقاد في يوم البعث. وقالوا لي ~~إن لديك أفكارا طيبة. وربما إن انضممت إلى الكنيسة يمكنك مساعدتنا في بدء برنامج ~~للمجتمع. لماذا لا تأتي يوم الأحد؟ # وما كنت أفعله هو أن أهز كتفي وأكرر السؤال مرة أخرى، غير قادر على الاعتراف ~~بأنني لم أعد أستطيع التمييز بين الإيمان والهراء، وبين الإيمان والثبات؛ بمعنى أنني ~~كنت أومن بالصدق الذي كنت أسمعه منهم، وفي نفس الوقت بقيت متشككا في دوافعي الخاصة ~~ومحترسا من الاهتداء الضروري، وكان كل ذلك بسبب صراعاتي الكثيرة مع مفهوم الرب التي ~~منعتني من تقبل فكرة أن الخلاص يمكن أن أحصل عليه بمثل هذه السهولة. ~~••• # مات هارولد واشنطن قبل يوم واحد من الاحتفال بعيد الشكر. # حدث ذلك دون سابق إنذار. وقبل وفاته ببضعة أشهر كان هارولد قد فاز في الانتخابات ~~المعادة فوزا ساحقا على فردولياك وبيرن محطما سياج الفشل الذي أحاط بالمدينة على ~~مدار الأربع سنوات السابقة. أدار هارولد حملته الانتخابية هذه المرة بمهارة ms297 شديدة؛ إذ ~~استعمل حنكته التي حصل عليها بخبرة السنوات وتخلى في هذه الحملة عن تلك الحماسة التي ~~اتصف بها عام 1983؛ كانت حملة توحيد ودعم، حملة ميزانيات متوازنة ومشاريع عامة. استطاع ~~هارولد التواصل مع بعض السياسيين القدامى - من الأيرلنديين والبولنديين - المستعدين ~~لصنع السلام، وأرسلت إليه الشركات الأموال معلنة تقبلها لوجوده. ومن ثم فإن سلطته ~~أصبحت آمنة للغاية مع أن أصوات الاستياء علت في النهاية في قاعدته من بين القوميين ~~السود اليائسين بسبب استعداده لتقليل عدد العاملين من البيض والهيسبانيين، وبين ~~النشطاء المحبطين بسبب فشله في التعامل مباشرة مع الفقر، وبين من فضلوا الحلم على ~~الحقيقة، والأهمية على الحلول الوسط. # لم يعط هارولد اهتماما كثيرا لهذه الانتقادات. ورأى أنه لا يوجد سبب للمخاطرة ~~والتسرع. وقال إنه سيكون العمدة على مدار العشرين عاما القادمة. # ثم حل الموت؛ مفاجئا وبسيطا وحاسما، بل سخيفا في حدوثه بصورة عادية وانتزاعه ~~النبض من قلب هذا الرجل الضخم. # كان الجو ممطرا وباردا في عطلة نهاية الأسبوع هذه. وخيم الصمت على شوارع الحي. ~~وبكى الناس داخل المنازل وخارجها. وأخذت المحطات الإذاعية التي تبث برامجها للسود ~~تعيد إذاعة خطب هارولد - ساعة بعد أخرى - وكأنهم يحاولون استدعاء روح الميت. وفي ~~مجلس المدينة كانت الصفوف تمتد بطول بضع بنايات حيث الحزانى ذاهبون لزيارة الجثة ~~الراقدة في سلام. وظهر السود في كل مكان مذهولين ومذعورين وخائفين من المستقبل وفي ~~حالة من عدم القدرة على تحديد الاتجاهات. # عندما حان وقت الجنازة عزف مؤيدو حكومة واشنطن على ألحان الصدمة الأولى. فبدءوا في ~~مقابلة الناس وإعادة تجميعهم محاولين تحديد استراتيجية للحفاظ على السيطرة ومحاولين ~~أيضا اختيار وريث عادل لهارولد. لكن في الواقع كان أوان ذلك قد فات. حيث لم يكن هناك ~~أي حزب سياسي أو مبادئ معترف بها بوضوح حتى تتبع. كانت المبادئ السياسية للسود قد ~~تركزت حول رجل واحد كان مشرقا كالشمس الساطعة في السماء. لكنه غاب الآن عن الأنظار ~~ولم يستطع أحد الاتفاق على معنى وجوده السابق. # دب النزاع بين مؤيدي واشنطن. وظهرت الفصائل. ms298 وانتشرت الإشاعات. وفي يوم الإثنين - ~~اليوم الذي كان من المقرر فيه أن يحدد مجلس المدينة عمدة جديدا ليكون في الحكم ~~لحين ميعاد الانتخابات - انفك الائتلاف الذي منح هارولد منصبه. ذهبت إلى مجلس المدينة ~~مساء هذا اليوم لأشاهد الموت الثاني؛ حيث إن الناس - وكان أغلبهم من السود - تجمعوا ~~خارج قاعات الاجتماع في مجلس المدينة من بعد الظهيرة، كان منهم الشيوخ والفضوليون، ~~رجالا وسيدات يحملون شعارات ولافتات. كانوا يصرخون في وجوه أعضاء مجلس المدينة الذين ~~أبرموا صفقة مع جبهة البيض. ولوحوا بأوراق الدولارات في وجه عضو مجلس المدينة ~~الأسود الهادئ الطباع المعسول اللسان الذي كان في السلطة منذ وجود الأحزاب السياسية ~~التي تهدف إلى تحقيق مآربها الشخصية، والذي يدعمه أعضاء مجلس المدينة البيض. لذا ~~أطلقوا على الرجل لقب الخائن وخادم البيض. وأخذوا يهتفون ويمشون بخطوات غاضبة سريعة ~~ويقسمون بأنهم لن يبرحوا أماكنهم. # على الرغم من كل ذلك فقد تمتعت السلطة بالصبر، وكانت تعرف ماذا تريد؛ حيث كان ~~بوسعها هزيمة اللافتات، والصلوات، وبقاء الناس سهارى في الطريق تحت أضواء الشموع ~~معبرين عن احتجاجهم. وقرابة منتصف الليل، وقبل أن يبدأ المجلس فعليا في أخذ ~~الأصوات، فتح الباب إلى قاعات الاجتماع لوقت وجيز، ورأيت اثنين من أعضاء مجلس المدينة ~~يتناقشان بصوت خفيض. كان أحدهما أسود من رجال هارولد، والآخر أبيض من مؤيدي ~~فردولياك. وأخذا يتهامسان ويبتسمان ابتسامات قصيرة، وينظران إلى الحشود التي لا تزال ~~تنشد، محاولين سريعا التوقف عن الابتسام، كانا ضخمي الجثة ممتلئي القوام يرتديان ~~حلتين ذواتي الصفين من الأزرار ورأيت في عينيهما نظرة الجوع نفسها؛ رجلين يعرفان ~~النتيجة مسبقا. # غادرت مجلس المدينة بعد ذلك. واخترقت الزحام الذي تدفق إلى الشوارع ومشيت عبر طريق ~~دالي بلازا قاصدا سيارتي. كم كانت الرياح باردة وحادة مثل شفرة السكين، وأنا في طريقي ~~شاهدت لافتة بخط اليد ملقاة على الأرض بجانبي. كان مكتوبا عليها: «عاشت روحه» بحروف ~~كبيرة واضحة. وأسفل الكلمات رأيت صورة هارولد، الصورة التي رأيتها كثيرا وأنا أنتظر ~~إخلاء أحد المقاعد في صالون سميتي للحلاقة، حيث ms299 الوجه الوسيم الأشهب والابتسامة الرقيقة ~~المتسامحة، والعينان المتلألئتان، رأيت صورته وهي تتطاير في الهواء وكأنها ورقة شجر ~~تحركها رياح الخريف. ~~••• # مرت الشهور بسرعة هائلة وأنا أتذكر دائما الأشياء التي لم تنجز بعد. وعملنا ~~بالتعاون مع تآلف له شعبيته في المدينة كلها من أجل كسب التأييد لبرنامج إصلاح ~~المدارس. وعقدنا مجموعة من الاجتماعات المشتركة مع المكسيكيين في أقصى الجانب الجنوبي ~~لوضع استراتيجية بيئية مشتركة للمنطقة. واستشاط جوني غضبا وأنا أحاول أن أحشوه بكافة ~~الأشياء التي تعلمتها في ثلاث سنوات. # سألته: «إذن من قابلته هذا الأسبوع؟» ~~«حسنا، تقابلت مع السيدة بانكس في كنيسة ترو فاين هولينيس. ويبدو أن لديها إمكانيات ~~فائقة. فهي معلمة ولها اهتمامات كثيرة بالتعليم. وأعتقد أنها دون شك ستتعاون ~~معنا.» ~~«ما وظيفة زوجها؟» ~~«نسيت في الواقع أن أسألها.» ~~«ما رأيها في نقابة المعلمين؟» ~~«لم يكن لدي سوى نصف ساعة فقط يا باراك ...» # في شهر فبراير، تلقيت خطاب قبولي للدراسة في كلية الحقوق بجامعة هارفارد. وجاء مع ~~الخطاب قدر كبير من المعلومات. وذكرني هذا الأمر بالمعلومات التي تلقيتها من ~~أكاديمية بوناهو ذلك الصيف منذ 14 عاما. وتذكرت كيف كان جدي يجلس طوال الليل يتصفح ~~الكتيب الدعائي الذي يعرض لدروس الموسيقى ودورات التأهيل ونوادي الإنشاد الجماعي ~~وشهادة إتمام الدراسة الثانوية؛ تذكرت كيف كان يلوح بالكتيب ويخبرني بأنه سيكون ~~ورقتي الرابحة وبأن من سأتعرف عليهم في أكاديمية بوناهو سيظلون معي طوال حياتي، ~~وأنني سوف أكون عضوا نشطا في المجتمع وستتاح لي كل الفرص التي لم تتح له. تذكرت ~~كيف كان في نهاية المساء يبتسم ويمسح على شعري وتتلألأ الدموع في عينيه كما لو كان على ~~وشك البكاء ورائحة الويسكي تنبعث من فمه. وكيف كنت أبتسم له وأتظاهر بأني أفهم ما ~~يقوله لكنني كنت في الواقع أتمنى لو كنت لا أزال في إندونيسيا أركض بين حقول الأرز ~~حافي القدمين، منغمسة قدماي في الوحل الرطب البارد وأنا واحد من أفراد ذلك الصف من ~~الأطفال ذوي البشرة السمراء الذين يجرون وراء طائرة ورقية ممزقة. # راودني ms300 هذا الشعور نفسه الآن. # رتبت لدعوة 20 خادم كنيسة - أو ما يقرب من ذلك - الذين وافقت كنائسهم على الانضمام ~~إلى المؤسسة على غداء عمل هذا الأسبوع في مكتبنا. وجاء معظم الخدام المدعوين ومعظم ~~أفراد القيادة الرئيسيين. وناقشنا معا استراتيجيات العام القادم والدروس التي تعلمناها ~~من موت هارولد. هذا بالإضافة إلى أننا حددنا فترة التدريب واتفقنا على قيمة المشاركة ~~المالية، وتحدثنا عن الحاجة المستمرة لانضمام عدد أكبر من الكنائس. وعند انتهائنا من ~~تحديد كل شيء أعلنت أنني سأرحل في شهر مايو وأن جوني سيكون المدير الجديد. # لم يفاجأ أحد بهذا الأمر. وجاءوا جميعهم إلي بعد ذلك وقدموا تهانيهم. وأكد لي ~~القس فيليبس أنني اتخذت قرارا حكيما. وقالت منى وأنجيلا إنهما كانتا تعرفان أنني كنت ~~سأصبح مهما يوما ما، وسألتني شيرلي عن مدى استعدادي لمساعدة ابن أخ لها وقع في ~~إحدى بالوعات الصرف الصحي في الشارع وأراد رفع دعوى قضائية. # كانت ماري الوحيدة التي اعتلى وجهها الحزن. وبعد أن غادر معظم الخدام ساعدتني أنا ~~وويل وجوني في ترتيب المكان. وعندما سألتها إن كانت في حاجة إلى أن أوصلها هزت ~~رأسها. # قالت وهي تنظر إلي وإلى ويل وترتدي معطفها: «ما خطبكم أيها الرجال؟» ارتعد صوتها ~~بعض الشيء. وأضافت: «لماذا دائما في عجلة من أمركم؟ لماذا لا يعجبكم شيء؟» # رددت عليها وفكرت في ابنتيها الجالستين في المنزل وفي أبيهما الذي لم تعرفاه ~~مطلقا. وبعد ذلك مشيت معها إلى باب الغرفة وعانقتها. وعندما رحلت عدت إلى غرفة ~~الاجتماعات حيث كان ويل ممسكا بطبق يتناول ما به من بقايا أجنحة الدجاج المقدمة ~~للضيوف. # سألني وهو يأكل: «أتريد بعضا من الطعام؟» # هززت رأسي بالنفي وجلست على الطاولة. وشاهدني لفترة من الوقت وهو يمضغ بهدوء ويلعق ~~الصوص الحار العالق بأصابعه. # وقال في النهاية: «إن هذا المكان يروق لك، أليس كذلك؟» # أومأت برأسي بالإيجاب. وقلت: «بلى، هذا صحيح يا ويل.» # احتسى رشفة من المياه الغازية التي أمامه وتجشأ. وقال: «ثلاث سنوات ليست فترة ~~طويلة.» ~~«ومن قال لك إنني سأعود ms301 مرة أخرى؟» # قال وهو يبعد طبقه بعيدا عنه: «لا أحد.» وتابع: «إنني أعرف فحسب.» ودون أن يتفوه ~~بكلمة أخرى ذهب ليغسل يديه قبل أن يركب دراجته ويسير بها في الشارع. ~~••• # استيقظت من النوم في السادسة صباح يوم الأحد. وكان الجو لا يزال مظلما بالخارج. حلقت ~~ذقني ونظفت حلتي الوحيدة التي أملكها ووصلت إلى الكنيسة في السابعة والنصف. كانت ~~معظم المقاعد مشغولة بالفعل. وقادني مرشد يرتدي قفازا أبيض إلى الطريق ومررنا بجانب ~~سيدات طاعنات في السن ارتدين قبعات كبيرة عليها ريش، ورجال طوال القامة ارتسمت على ~~وجوههم ملامح الجدية يرتدون حللا وأربطة عنق وقبعات مصنوعة من قماش منقوش، وأطفال ~~في كامل أناقتهم كما هو معهود في أيام الآحاد. لوح لي ولي أمر تلميذ يدرس في مدرسة ~~دكتورة كوليار، كان موظفا في هيئة شيكاغو للإسكان وكنت قد تشاجرت معه عدة مرات، ورددت ~~على تلويحه بإيماءة جافة. شققت طريقي إلى أن وصلت إلى وسط أحد الصفوف وجلست بجانب سيدة ~~ممتلئة الجسم تكبرني سنا لم تكن تستطيع التحرك بسرعة وعائلة مكونة من أربعة أفراد ~~كان الأب يتصبب عرقا نظرا لارتدائه جاكيتا من الصوف الثقيل والأم تخبر ابنيها ~~الجالسين بجانبها بأن يتوقفا عن ضرب أحدهما الآخر. # سمعت أحدهما الأصغر سنا وهو يسأل أخاه: «أين الرب؟» # فأجاب الأخ: «اصمت.» # وقالت لهما أمهما: «فلتهدآ الآن.» # بدأت الراعية المساعدة لكنيسة الثالوث - وكانت سيدة في منتصف العمر طال الشيب شعرها ~~وتتسم بالجدية الشديدة - في قراءة نشرة الكنيسة، وقادت بعض الأصوات الحالمة في ترتيل ~~بعض الترانيم التقليدية. بعد ذلك ملأت جوقة المنشدين الممشى بين الصفوف، وكان أفرادها ~~يرتدون ثيابا بيضاء وشيلانا مصنوعة من قماش حريري، وكانوا يصفقون ويغنون وهم ~~ينتشرون إلى خلف المذبح على ألحان آلة الأرغن التي تلي قرع الطبول المتسارع: # أنا مسرور، يسوع قد رفعني! # أنا مسرور، يسوع قد رفعني! # أنا مسرور، يسوع قد رفعني! # غنوا هللويا! # يسوع قد رفعني! # وفي حين اشترك رعايا الكنيسة في الغناء ظهر الشمامسة وبعدهم القس رايت خلف الصليب ~~الكبير المعلق في عوارض ms302 السقف الخشبية. ظل القس صامتا أثناء تلاوة الصلوات، وكان ~~يمعن النظر في وجوه من يقفون أمامه ومتتبعا بعينيه سلة التبرعات وهي تنتقل من يد ~~لأخرى. وعندما انتهى رعايا الكنيسة من التبرع صعد إلى منبر الوعظ وقرأ أسماء من ~~توفوا ذلك الأسبوع وأسماء المرضى، وكان يصاحب كل اسم يقرؤه همهمات من بعض الحضور ~~دليلا على معرفتهم به. # قال القس: «لنضم أيدينا ونحن نركع ونصلي عند قدم الصليب القديم الصلد ...» ~~«نعم ...» # قال القس: «ربنا، جئنا في البداية لنشكرك على ما قدمته لنا بالفعل ... جئنا لنشكرك ~~أساسا من أجل يسوع، ربنا، جئنا من مختلف الطبقات في المجتمع. البعض من طبقات رفيعة ~~والبعض الآخر من طبقات وضيعة ... لكننا جميعا سواسية عند قدم هذا الصليب. نشكرك ربنا ~~يسوع ... حامل أثقالنا وشريكنا في حملنا الثقيل، إننا نشكرك ...» # كان عنوان العظة التي ألقاها القس رايت في ذلك الصباح هو «جرأة الأمل». وبدأ حديثه ~~بقراءة فقرة من سفر صموئيل التي تتحدث عن قصة حنة؛ السيدة العاقر التي كانت ضرتها ~~تستهزئ بها، والتي بكت وارتعشت في صلاتها أمام ربها. قال القس إن هذه القصة تذكره ~~بعظة ألقاها قس زميل له في مؤتمر ما منذ بضع سنوات، وفيها وصف القس ذهابه إلى أحد ~~المتاحف ومشاهدته لوحة اسمها «الأمل». # شرح القس رايت هذه الحادثة بقوله: «صورت اللوحة سيدة تعزف على القيثار تبدو من أول ~~وهلة وكأنها جالسة فوق قمة شاهقة لأحد الجبال. على أن المرء إذا أمعن في النظر فسيجد ~~أن السيدة مصابة بكدمات ومخضبة بالدماء، وأنها ترتدي أسمالا بالية ممزقة. وسيكتشف ~~المرء أن أوتار القيثار جميعها مكسورة فيما عدا وترا واحدا باليا. بعد ذلك عندما ~~تنتقل عين المرء إلى أسفل المشهد، حيث الوادي الذي يوجد عند سفح الجبل، سيجد في كل ~~مكان آثارا للدمار الذي خلفته المجاعة، وقرعا لطبول الحرب، وعالما يئن من الحروب ~~والحرمان.» # قلت في نفسي: «إنه عالمنا، عالم تلقي فيه البواخر السياحية في البحر كميات من ~~الطعام في يوم واحد تفوق ما يراه في عام كامل معظم ms303 سكان مدينة «بورت أوبرنس» عاصمة ~~هايتي، عالم فيه جشع البيض يتحكم في سكانه المحتاجين، عالم تعمه التفرقة ~~العنصرية في أحد نصفيه واللامبالاة في نصفه الآخر ... هذا هو العالم! هذا هو العالم ~~الذي يكمن الأمل فيه!» # هكذا قدم القس رايت عظته في سياق تأملي لعالم منهار. بينما كان الولدان الجالسان ~~بجواري يعبثان بنسخة من النشرة التي تصدرها الكنيسة تحدث القس رايت عن مذبحة شاربفيل ~~بجنوب أفريقيا والضربة النووية على هيروشيما اللتين تعبران عن قسوة قلوب صناع ~~السياسة، سواء في البيت الأبيض أو في المجلس التشريعي. وبمجرد أن بدأت العظة تتجلى ~~للذهن أصبحت قصص الحروب أكثر مللا، وأصبح الشعور بالألم أكثر تعلقا بالوقت الحاضر. ~~تحدث القس عن الصعاب التي يمكن أن تواجهها الأبرشية في الغد، وألم من هم بعيدون عن ~~قمة الجبل الذين ينتابهم القلق من عدم قدرتهم على دفع فاتورة الكهرباء. وتحدث أيضا ~~عن ألم أولئك القريبين من قمة الجبل المجازية: سيدات الطبقة المتوسطة اللاتي لديهن كل ~~احتياجاتهن الدنيوية إلا أن أزواجهن يعاملونهن مثل «الخادمات وحارسات المنزل ~~والرفيقات، كل هذا في وقت واحد»، والأطفال الذين يهتم آباؤهم الأثرياء «بملمس الشعر ~~أعلى الرأس أكثر من اهتمامهم بجودة التعليم داخلها.» ~~«أليس هذا العالم ... هو الذي يعيش فيه كل منا؟» ~~«نعم!» ~~«مثلنا مثل حنة، مررنا بأوقات عصيبة! ويوميا نواجه الرفض واليأس.» ~~«نعم هذا صحيح!» ~~«ومع ذلك، تخيلوا مرة أخرى الصورة أمام أعينكم. الأمل! مثلها مثل حنة، عازفة ~~القيثار التي تنظر لأعلى، وتصدر من قيثارتها بعض الألحان الواهنة إلى أعالي السماء. إن ~~لديها الجرأة على أن تشعر بالأمل ... لديها الجرأة ... على أن تعزف الموسيقى ... ~~وتسبح الرب ... بعزفها على الوتر الواحد ... الذي تبقى لها!» # بدأ الناس يصيحون وينهضون من مقاعدهم ويصفقون ويبكون، وكانت هناك ريح شديدة تحمل ~~صوت القس إلى عوارض السقف الخشبية. وعندما شاهدت هذا وسمعته وأنا في مقعدي بدأت أسمع كل ~~ألحان السنوات الثلاث المنقضية وهي تدور في دوامة بداخلي. شجاعة روبي وخوف ويل. الزهو ~~بالعرق وغضب رجال من أمثال رفيق. الرغبة في التنفيس ms304 عن الغضب، والرغبة في الهروب، ~~والرغبة في الاستسلام إلى إله قادر على تخليص المرء من اليأس. # وبين طيات هذا اللحن المنفرد - الأمل! - سمعت شيئا آخر؛ عند ذلك الصليب، وداخل آلاف ~~الكنائس في المدينة كلها، تخيلت قصص عوام السود مندمجة مع قصة داوود وجالوت، وقصة موسى ~~وفرعون، وقصص المسيحيين الذين ألقوا في جب الأسود، وقصة وادي حزقيال المليء ~~بالعظام اليابسة. أصبحت هذه القصص - قصص البقاء والحرية والأمل - قصصنا نحن، قصتي أنا؛ ~~فالدماء التي أريقت هي دماؤنا، والدموع التي انهمرت هي دموعنا، إلى أن بدت هذه الكنيسة ~~السوداء في هذا اليوم المشرق كالسفينة تنقل القصة إلى أجيال المستقبل وإلى العالم ~~الفسيح. وأصبحت محاولاتنا وانتصاراتنا فريدة وعالمية في آن، للسود ولغيرهم من بني ~~البشر، وبتأريخ رحلتنا منحتنا هذه القصص والأغاني فرصة لاستعادة الذكريات التي لم ~~نعد في حاجة إلى أن نشعر بالخجل منها، الذكريات التي من السهل استيعابها أكثر من ~~ذكريات مصر القديمة، الذكريات التي ربما يتدارسها الناس جميعا وتعلق طويلا بأذهانهم ~~والتي في ظلها نستطيع أن نستعيد قوتنا. وإذا كان بعض مني استمر في الشعور بأن هذا ~~العشاء الرباني ليوم الأحد يعرض حالتنا بوضوح في بعض الأحيان، وإن كان في أحيان أخرى ~~يخفي أو يكبت الصراعات الحقيقية بيننا، هذا العشاء الذي يفي بوعده من خلال الفعل فحسب، ~~فإنني شعرت أيضا ولأول مرة كيف حملت هذه الروح - الوليدة غير الكاملة - بين طياتها ~~إمكانية انتقالنا إلى ما هو أبعد من أحلامنا المحدودة. # قال القس: «جرأة الأمل! لا أزال أتذكر جدتي وهي تغني في المنزل وتقول: «هناك جانب ~~مشرق في الحياة ... لا يهدأ لك بال حتى تجده ...»» ~~«هذا صحيح!» # استطرد القس قائلا: «جرأة الأمل! تذكرت الأوقات التي لم نستطع فيها دفع الفواتير. ~~وتذكرت الأوقات التي بدا الأمر فيها وكأنني لن أستطيع إطلاقا تحقيق أي شيء ... في سن ~~الخامسة عشرة وأنا مقبوض علي في حادث سرقة كبيرة خططت لها بنفسي ... ومع ذلك فقد ظل ~~أبي وأمي يغنيان ... # نشكرك يا يسوع. نشكرك يا يسوع. # نشكرك يا يسوع. ms305 نشكرك يا يسوع. # نشكرك يا يسوع. # نشكرك يا رب. # رددتنا من طريق طويل بعيد، # طريق طويل بعيد، طريق طويل بعيد.» # ثم قال القس: «ما أبعد هذا الغناء عن المنطق! سألت نفسي لماذا يشكران الرب رغم كل هذه ~~الصعاب التي واجهاها؟ على أنني في الواقع لم أكن أنظر إلا إلى البعد الأفقي في ~~حياتهما! ~~«أخبراني الآن!» # لم أفهم أنهما كانا يتحدثان عن البعد الرأسي! عن علاقتهما بالرب! لم أفهم أنهما ~~كانا يشكرانه مقدما على جرأة أملهم في! أشكرك يا رب على أنك لم تتخل عني عندما ~~تخليت عنك! أشكرك يا رب ...» # شعرت بلمسة حانية على يدي عندما عادت جوقة المنشدين للغناء وإثارة الحماسة وعندما ~~بدأت جماعة المصلين من رعايا الكنيسة في التصفيق لمن اتجهوا نحو المذبح لتلبية نداء ~~القس رايت. نظرت لأسفل ورأيت الولد الأكبر يجلس بجانبي، وكان وجهه يتوجس خيفة بعض ~~الشيء عندما أعطاني كيس مناديل ورقية، وكانت أمه بجانبه ترمقني وعلى شفتيها ابتسامة ~~باهتة واستدارت لتعاود النظر إلى المذبح. شعرت بالدموع تنهمر على وجنتي وأنا أشكر ~~الولد. # سمعت السيدة العجوز بجانبي تهمس برقة وهي تقول: «نشكرك يا يسوع.» وتابعت: «نشكرك ~~على أنك أوصلتنا لما وصلنا إليه.» # الجزء الثالث # | كينيا # | الفصل الخامس عشر # حلقت الطائرة من مطار هيثرو وفوقها سماء عاصفة. وكان هناك مجموعة من الشباب ~~البريطانيين يرتدون سترات غير مناسبة لأجسامهم يملئون مؤخرة الطائرة، وجلس أحدهم - ~~وهو شاب| طويل نحيف شاحب الوجه لا يزال حب الشباب يزعج بشرته - على المقعد إلى جواري. ~~وقرأ تعليمات الطوارئ مرتين بتركيز شديد، وبمجرد أن ارتفعت الطائرة التفت ليسألني عن ~~وجهتي، فأخبرته أنني أتجه إلى نيروبي لزيارة عائلتي. ~~«إن نيروبي مكان جميل حسبما أسمع. ولن أمانع أبدا في الذهاب إلى هناك يوما ما. أما ~~أنا فأتجه إلى جوهانسبرج.» وشرح لي أن الحكومة البريطانية رتبت له ولزملائه - كجزء ~~من برنامج دراسي يؤهل للحصول على درجة علمية في علم الجيولوجيا - العمل مع شركات تعدين ~~في جنوب أفريقيا لمدة عام. وقال: «يبدو أن لديهم نقصا في الأيدي ms306 العاملة المدربة ~~هناك، ومن ثم إذا كنا محظوظين فسيجعلوننا نعمل لديهم في موقع دائم. وهي على ما أظن ~~أفضل فرصة لنا للحصول على عمل بأجر لائق، إلا إذا أراد المرء أن يتجمد على أحد ~~أرصفة البترول في بحر الشمال. وأنا لا أرغب في هذا، شكرا لك.» # أخبرته أنه إذا حصل السود في جنوب أفريقيا على الفرصة فإن كثيرا منهم قد يكون ~~مهتما بالحصول على مثل هذا التدريب. # فقال: «أظن أنك على حق.» وتابع: «أنا لا أوافق على سياسة التمييز العنصري هناك. إنها ~~لعار.» ثم فكر لدقيقة. وقال: «لكن بقية القارة الأفريقية تتمزق الآن، أليس كذلك؟ على ~~الأقل هذا ما أعرفه. فالسود في جنوب أفريقيا لا يموتون جوعا مثلما يحدث لهم في بعض تلك ~~البلاد البائسة. إنهم في موقف لا يحسدون عليه، ولكن مقارنة ببعض المساكين في إثيوبيا ~~...» # جاءت إحدى المضيفات في الممر ومعها سماعات للأذن يمكن تأجيرها أثناء الرحلة، أخرج ~~الشاب محفظته ودفع ثمن إيجار السماعة. وقال: «بالطبع سأحاول وأبتعد عن السياسة. أظن أن ~~هذا ليس من شأني. والأمر نفسه يحدث في الوطن؛ فالجميع يحصلون على الإعانة التي تدفعها ~~الحكومة للبطالة، وكبار السن في البرلمان يرددون نفس التفاهات القديمة. أفضل شيء ~~يفعله المرء هو أن يهتم بالحيز الصغير الذي يشغله من العالم، هذا رأيي.» وأخرج سماعات ~~الأذن ووضعها في أذنيه. # وقال قبل أن يرجع مقعده إلى الوراء لينام قليلا: «هلا توقظني عندما يحضرون ~~الطعام.» # أخرجت كتابا من حقيبتي الصغيرة التي أحملها معي داخل الطائرة وحاولت أن أقرأ. كان ~~الكتاب وصفا لعدة دول أفريقية كتبه صحفي غربي قضى عقدا من الزمان في أفريقيا، ~~وسيطلق عليه خبير بأفريقيا، وهو شخص يفتخر على ما يبدو بقدرته المتزنة على التقدير. ~~ناقشت الفصول القليلة الأولى من الكتاب تاريخ الاستعمار بشيء من التفصيل: استغلال ~~الكراهية القبلية، ونزعة الاستعمار إلى تغيير الحدود، والتهجير، والاعتقالات، وجميع ~~أشكال المهانة. أما الأعمال البطولية في بدايات الاستقلال لرجال مثل كينياتا ونكروما ~~فقد وفاها المؤلف حق قدرها قبل أن ينتقل للحديث بعد ms307 ذلك عن انجرافهم إلى الاستبداد ~~وهو ما يعزى، على الأقل إلى حد ما، إلى الدسائس الكثيرة للحرب الباردة. # وفي الفصل الثالث من الكتاب بدأت صور من الحاضر تطغى على الماضي. المجاعة والأمراض ~~والانقلابات، والانقلابات المضادة التي ينفذها شباب أميون يبرعون في استخدام رشاشات ~~كلاشنكوف «أيه كى-47» وكأنها عصا رعاة الأغنام، وبدا كأن الكاتب يقول لو أن أفريقيا لها ~~تاريخ فإن مدى المعاناة الحالية جعلت هذا التاريخ غير ذي معنى. # حقا مساكين. وبلاد بائسة. # وضعت الكتاب جانبا، وأنا أشعر بغضب مألوف يجري في عروقي، غضب يثير جنوني كثيرا ~~لأنه يفتقد إلى هدف واضح. وإلى جواري يشخر الشاب البريطاني برفق، ونظارته تنزلق قليلا ~~على أنفه الذي يشبه زعنفة السمكة. تساءلت بداخلي: هل كنت غاضبا منه؟ هل ذنبه أنني - ~~رغم كل ما تلقيته من تعليم، وما أعرفه من نظريات - لم أكن أمتلك إجابات جاهزة للأسئلة ~~التي طرحها؟ إلى أي حد يمكنني أن ألومه لأنه يريد أن يحسن وضعه؟ ربما أشعر بالغضب ~~فقط بسبب ألفته الشديدة معي، وافتراضه أنني بصفتي أمريكيا، بل أمريكيا أسود، قد ~~أشاركه بطبيعة الحال نظرته المعتمة عن أفريقيا؛ افتراض يمثل في عالمه على الأقل ~~تطورا من نوع ما، لكنه في نظري لا يمثل إلا تأكيدا على وضعي غير المستقر؛ فأنا ~~غربي لا يشعر أن الغرب وطنه بحق، وأفريقي في طريقه إلى أرض مليئة بالغرباء. # كان هذا الشعور يتملكني طوال الفترة التي قضيتها في أوروبا؛ كنت متوترا ومتحفظا ~~ومترددا في التعامل مع الغرباء. ولم أكن أخطط للأمر بهذا الشكل. فقد كنت أفكر في ~~التوقف المؤقت هناك على أنه ليس إلا اتخاذ طريق غير مباشر للوصول إلى الجهة نفسها، ~~وفرصة لأزور أماكن لم أرها من قبل. ولمدة ثلاثة أسابيع سافرت وحدي في أرجاء القارة ~~معظم الأوقات بالحافلة وبالقطار، وفي يدي دليل إرشادي للسياح. احتسيت الشاي على ضفاف ~~نهر التيمز، وشاهدت الأطفال وهم يطارد بعضهم بعضا بين أشجار الكستناء في حديقة ~~لكسمبورج بفرنسا. ومررت عند الظهيرة بالضبط بساحة بلازا مايور بإسبانيا ورأيت ما ms308 بها من ~~ظلال للوحات «دي شيريكو» والعصافير التي تحوم في السماء الفضية اللون، ورأيت حلول ~~الظلام على تل بالاتين بإيطاليا منتظرا ظهور النجوم، واستمعت إلى صوت الرياح وما يحمله ~~من همسات عن الفناء. # وفي نهاية الأسبوع الأول تقريبا أدركت أنني قد اقترفت خطأ. لم يكن الأمر أن أوروبا ~~ليست جميلة، بل كان كل شيء كما تخيلته بالضبط. لكن المكان لم يكن مكاني. شعرت أنني أعيش ~~قصة إنسان آخر؛ فقد وقف تاريخي غير المكتمل حاجزا بيني وبين الأماكن التي أراها مثل ~~جدار غليظ من الزجاج. وبدأت أشك في أن هذا التوقف في أوروبا وسيلة أخرى للتأخير، مجرد ~~محاولة أخرى لتجنب التصالح مع أبي. كنت مجبرا - بعد أن تجردت من اللغة والعمل ~~والروتين، وتجردت حتى من الهواجس العنصرية التي أصبحت معتادا عليها بشدة والتي أصبحت ~~أعتبرها (على العكس) علامة على النضج - على النظر إلى أعماق نفسي ولم أجد فيها سوى فراغ ~~كبير. # فهل ستملأ هذه الرحلة إلى كينيا هذا الفراغ أخيرا؟ هكذا ظنوا في شيكاغو. إذ قال ويل ~~في الحفل الذي أقيم بمناسبة رحيلي، سيكون كما في رواية «الجذور». وقال عنها أسانتي إنها ~~رحلة مقدسة. وفي نظرهما، وكذلك في نظري، أصبحت أفريقيا فكرة أكثر من كونها مكانا ~~حقيقيا، أرض ميعاد جديدة، مليئة بتقاليد عتيقة ومشاهد جارفة وصراعات نبيلة وطبول ~~معبرة. ونظرا لتمتع أفريقيا ببعد المسافة عنا أصبحنا نحمل لها مشاعر خاصة، هي نفس ~~المشاعر التي حملتها لأبي يوما ما. ماذا سيحدث بمجرد أن أمحو بعد المسافة؟ كان من ~~الأفضل أن أومن أن الحقيقة ستحررني بصورة ما، لكن ماذا لو كنت مخطئا؟ ماذا لو كانت ~~الحقيقة مخيبة للآمال، وأن موت أبي لم يكن يعني شيئا، وتركه لي لم يكن يعني شيئا، ~~وأن الصلة الوحيدة التي تربطني به، أو بأفريقيا، هي الاسم، أو فصيلة الدم، أو احتقار ~~الرجل الأبيض لكلينا؟ # أطفأت المصباح الموجود فوق رأسي وأغمضت عيني، وتركت عقلي ينجرف عائدا إلى شخص ~~أفريقي قابلته وأنا أسافر في أرجاء إسبانيا، رجل آخر يهرب. كنت ms309 أنتظر حافلة المساء على ~~رصيف إلى جانب الطريق في منتصف المسافة بين مدريد وبرشلونة. وبعض الرجال كبار السن ~~يجلسون إلى طاولات ويحتسون الخمر في أكواب قصيرة غير شفافة. وعلى أحد الجوانب طاولة ~~للعبة البلياردو، ولسبب ما نظمت الكرات وبدأت ألعب وأنا أتذكر تلك الليالي مع جدي ~~في الحانات في شارع هوتيل ستريت بما به من فتيات ليل وقوادين، وجدي هو الرجل الأبيض ~~الوحيد في الملهى الحقير. # وحين كنت أنتهي من تنظيم الطاولة ظهر فجأة رجل يرتدي سترة صوفية خفيفة وسألني هل ~~يمكنه أن يدعوني إلى فنجان من القهوة. لم يكن يتحدث الإنجليزية ولغته الإسبانية ليست ~~أفضل مني كثيرا، لكن لديه ابتسامة رائعة ونظرة شخص في حاجة ماسة للصحبة. وأخبرني ~~عندما وقفنا في الحانة أنه من السنغال وأنه يطوف جميع أنحاء إسبانيا جيئة وذهابا ~~يعمل في أعمال موسمية. وأراني صورة بالية يحتفظ بها في محفظته لشابة لها وجنتان ~~مستديرتان ناعمتان. وقال إنها زوجته وإنه اضطر أن يتركها بالسنغال. وقال إن شملهما سوف ~~يجتمع بمجرد أن يدخر المال. وعندئذ سيكتب لها طالبا منها الحضور للعيش معه. # انتهى بنا الحال مستقلين الحافلة إلى برشلونة معا، ولم يتحدث أي منا كثيرا، ~~فكان يتلفت إلي من حين لآخر يحاول أن يشرح لي دعابات برنامج إسباني يعرض في ~~التليفزيون المثبت فوق مقعد السائق. وقبل الفجر بقليل نزلنا أمام محطة حافلات قديمة، ~~وأشار صديقي إلى نخلة قصيرة كثيفة زرعت على جانب الطريق. وأخرج من حقيبة ظهره فرشاة ~~أسنان ومشطا وزجاجة مياه أعطاها لي بأدب شديد. واغتسلنا معا قبل شروق الشمس، قبل أن ~~نحمل حقائبنا على أكتافنا ونتجه إلى المدينة. # ماذا كان اسمه؟ لا أتذكر الآن، إنه مجرد متلهف آخر بعيد عن وطنه، واحد من ~~كثيرين من أبناء المستعمرات القديمة، أحد أبناء الجزائر أو الهند الغربية أو باكستان، ~~الذين يخترقون الآن الحواجز التي وضعها أسيادهم القدامى، ويرتبون لغزوهم العشوائي ~~المنهك. ومع ذلك فعندما كنا نسير في اتجاه شوارع الرامبلا شعرت أنني أعرفه بالفعل، ~~ومع أننا نأتي من طرفين ms310 متقابلين من العالم فإننا نقوم بالرحلة نفسها. وعندما افترقنا ~~في النهاية ظللت في الشارع وقتا طويلا جدا أراقب صورة جسده النحيل وساقيه ~~المتقوستين تبتعد وتبتعد، وتمنى بعض مني حينها لو أذهب معه إلى حياة مليئة بالطرقات ~~المفتوحة والأيام المشرقة، في حين أن بعضا آخر أدرك أن مثل هذه الأمنية قصة، أو فكرة، ~~جزئية كصورتي عن أبي أو عن أفريقيا. حتى استقررت على حقيقة أن هذا الرجل القادم من ~~السنغال قد اشترى لي القهوة وقدم لي الماء، وهذا حقيقي، وربما يكون هذا هو كل ما ~~يحق لأحدنا أن يتوقعه؛ مجرد مقابلة بالصدفة ، وقصة مشتركة، وعمل صغير يدل على الطيبة ~~... # اهتزت الطائرة قليلا ببعض الاضطرابات، وجاء طاقم العمل بالطائرة ليقدم لنا ~~العشاء. أيقظت الشاب البريطاني الذي تناول طعامه بدقة مثيرة للإعجاب، وكان يصف وهو ~~يأكل كيف يكون الحال عندما يتربى المرء في مانشستر. وفي النهاية رحت في سبات عميق. ~~وعندما استيقظت كانت المضيفة توزع استمارات الجمارك استعدادا للهبوط. وفي الخارج كان ~~الظلام لا يزال مخيما، لكن عندما ألصقت وجهي في الزجاج استطعت رؤية بعض الأضواء ~~المتناثرة، وكانت ناعمة وغير واضحة مثل اليراعات، وبالتدريج بدأت تتجمع لتكون شكل ~~مدينة بالأسفل. وبعد بضع دقائق ظهر منحدر من تلال مستديرة مظلمة في مقابل خيط طويل من ~~الضوء في الأفق الشرقي. وبمجرد أن هبطنا في فجر يوم أفريقي رأيت سحبا رفيعة عالية ~~تخط السماء وأسفلها يتوهج باللون الأحمر. ~~••• # كان مطار كينياتا الدولي خاويا تقريبا، ويحتسي المسئولون شاي الصباح وهم يفحصون ~~جوازات السفر، وفي منطقة تسلم الحقائب سير نقال يصدر صريرا يخرج الحقائب ~~ببطء. لم أر أوما في أي مكان؛ لذا جلست على حقيبتي التي أحملها معي وأشعلت سيجارة. ~~وبعد بضع دقائق جاء أحد حراس الأمن يسير باتجاهي وفي يده هراوة خشبية. فنظرت حولي بحثا ~~عن طفاية سجائر، ظنا مني أنني في منطقة ممنوع التدخين فيها، ولكن بدلا من توجيه ~~اللوم إلي ابتسم الحارس وسألني هل معي سيجارة أخرى له. # قال وأنا أشعل سيجارته: «هذه أول رحلة ms311 لك إلى كينيا، أليس كذلك؟» ~~«بلى.» ~~«أعلم ذلك.» جلس القرفصاء إلى جواري. وقال: «إنك من أمريكا. لعلك تعرف ابن أخي. اسمه ~~سامسون أوتيينو. إنه يدرس الهندسة في تكساس.» # فأخبرته أنني لم أذهب إلى تكساس قط، فلم تتسن لي فرصة مقابلة ابن أخيه. وقد بدا أن ~~هذا أصابه بالإحباط، فالتقط عدة أنفاس متعاقبة من السيجارة في تتابع سريع. وفي ذلك ~~الوقت كان آخر الركاب في الرحلة التي أتيت فيها قد غادر المطار. فسألت الحارس ألا ~~يزال هناك المزيد من الحقائب قادمة. فهز رأسه بشك. # وقال: «لا أظن هذا، ولكن إذا انتظرت هنا فسأجد لك من يساعدك.» # وانعطف حول ممر ضيق واختفى عن الأنظار، فوقفت كي أشد ظهري. وفي ذلك الوقت كان ~~انفعال الترقب بداخلي قد جف، وابتسمت لذكرى العودة إلى الوطن التي تخيلتها لنفسي ~~ذات مرة: انقشاع السحب، وهروب الشياطين القدامى، وارتجاف الأرض والأجداد يخرجون منها ~~للاحتفال. وبدلا من ذلك شعرت بأنني متعب ووحيد. كنت على وشك البحث عن هاتف عندما ظهر ~~حارس الأمن مرة أخرى مع سيدة رائعة الجمال سوداء البشرة نحيفة القوام يصل طولها إلى ما ~~يقرب من ستة أقدام [180 سنتيمترا]، وترتدي زي العاملين في الخطوط الجوية البريطانية. ~~وقدمت نفسها على أنها الآنسة أومورو، وقالت إن حقيبتي على الأرجح أرسلت خطأ إلى ~~جوهانسبرج. # قالت: «أعتذر بشدة عن هذا الخطأ.» وتابعت: «هل تملأ من فضلك هذه الاستمارة، ويمكننا ~~الاتصال بجوهانسبرج وإعادتها إلى هنا على متن أول طائرة قادمة.» # ملأت الاستمارة ونظرت إليها الآنسة أومورو نظرة سريعة قبل أن تعود وتنظر إلي. ~~سألتني: «هل تمت بصلة للدكتور أوباما؟» ~~«نعم، إنه أبي.» # فابتسمت الآنسة أومورو في تعاطف. وقالت: «أنا آسفة للغاية لرحيله. لقد كان والدك ~~صديقا مقربا لعائلتي. وكان كثيرا ما يأتي إلى منزلنا وأنا طفلة.» # بدأنا نتحدث عن زيارتي، وأخبرتني هي عن دراستها في لندن، وكذلك شوقها للسفر إلى ~~الولايات المتحدة. ووجدت نفسي أحاول أن أطيل الحوار، ولم يكن ذلك بسبب جمالها الفتان - ~~فقد ذكرت أنها مخطوبة - بقدر ما كان ms312 لأنها عرفت اسمي. وأدركت أن هذا لم يحدث قط من ~~قبل، لا في هاواي ولا إندونيسيا ولا لوس أنجلوس ولا نيويورك ولا شيكاغو. ولأول مرة في ~~حياتي أشعر براحة وثبات الهوية التي قد يقدمها الاسم، وكيف يمكن أن يحمل تاريخا ~~كاملا في ذكريات أناس آخرين، حتى إنهم يمكن أن يومئوا برءوسهم، ويقولون: «نعم، أنت ~~فلان ابن فلان.» فلن يسأل أحد في كينيا كيف أتهجى اسمي، أو يتلعثم في نطقه لأن لسانه ~~لم يعتد هذه الأسماء الغريبة. لقد كان اسمي ينتمي إلى هذا المكان، وكذلك أنا، وينجذب ~~إلى شبكة من العلاقات والتحالفات والضغائن التي لم أفهمها بعد. ~~«باراك!» استدرت لأجد أوما تقف هناك تقفز لأعلى وأسفل خلف حارس آخر لم يدعها تمر ~~إلى منطقة الحقائب. استأذنت وهرعت إليها وضحكنا وتعانقنا بنفس الطريقة المضحكة التي ~~تقابلنا بها لأول مرة. وإلى جوارنا سيدة طويلة سمراء البشرة تقف مبتسمة، فالتفتت أوما ~~وقالت: «باراك، هذه عمتنا زيتوني، أخت والدنا.» # قالت زيتوني: «مرحبا بك في بلدك»، وقبلتني على كلتا وجنتي. # أخبرتهما عن الحقيبة وقلت إن شخصا هنا يعرف أبي. لكن عندما نظرت إلى حيث كنت أقف ~~وجدت أن الآنسة أومورو قد اختفت عن الأنظار. سألت حارس الأمن إلى أين ذهبت. هز كتفيه ~~وقال لا بد أنها استأذنت لبقية اليوم. ~~••• # كانت أوما تقود سيارة قديمة لبنية اللون من طراز فولكس فاجن بيتل. وكانت السيارة ~~تمثل لها مشروعا استثماريا. فنظرا لأن المواطنين الكينيين الذين يعيشون بالخارج ~~يمكنهم شحن سيارة إلى كينيا بدون دفع رسوم الاستيراد الكبيرة، رأت أنها يمكنها ~~استخدامها خلال السنة التي ستدرس فيها في جامعة نيروبي، ثم تبيعها بسعر تكلفة ~~الشحن، وربما تجني من ورائها بعض الربح. ولسوء الحظ أصيب المحرك بصدمة عنيفة وسقط ~~كاتم الصوت (الشكمان) في الطريق إلى المطار. وعندما انطلقنا إلى الطريق السريع ذي ~~الحارات الأربع، وأوما تقبض بكلتا يديها على عجلة القيادة، لم أستطع أن أمنع نفسي من ~~الضحك. # وقلت: «هل أخرج وأدفع السيارة من الخلف؟» # فعبست زيتوني. وقالت: «لا تقل شيئا ms313 عن هذه السيارة يا باري. إنها سيارة جميلة. لا ~~تحتاج إلا إلى طلاء جديد. وفي الواقع لقد وعدتني أوما بالفعل أن أحصل على هذه السيارة ~~بعد أن ترحل.» # هزت أوما رأسها. وقالت: «إن عمتك تحاول أن تغشني الآن يا باراك. كل ما في ~~الأمر أنني وعدتها أن نتحدث بهذا الشأن.» # فقالت زيتوني وهي تغمز لي: «ما الذي سنتحدث بشأنه؟» وتابعت: «إنني سأمنحك أفضل سعر ~~يا أوما.» # بدأت كلتاهما تتحدثان في الوقت نفسه وتسألانني كيف كانت رحلتي، وتخبرانني بالخطط ~~التي جهزتاها لي وتسردان قائمة بالأشخاص الذين يجب أن أراهم. امتدت السهول الفسيحة ~~أمامنا على جانبي الطريق، معظمها من حشائش السافانا، ومن حين لآخر تظهر شجرة شوكية في ~~الأفق؛ مناظر بدت قديمة وطبيعية. وبالتدريج بدأ المرور يزدحم، وبدأت الحشود تتدفق من ~~الريف في طريقها إلى العمل، وكان الرجال لا يزالون يقفلون أزرار قمصانهم الخفيفة ~~والسيدات منتصبات القامة ورءوسهن مغطاة بأوشحة ملونة بألوان زاهية. والسيارات تسير في ~~خطوط غير منتظمة عبر الحارات والطرق الملتوية، تراوغ لتتجنب الحفر في الأرض ~~والدراجات والمشاة، في حين توقفت حافلات ركاب صغيرة قديمة غير ثابتة، قيل لي إن اسمها ~~«ماتاتو»، دون أي تحذير كي تحمل المزيد من الركاب على متنها. بدا المشهد بأسره ~~مألوفا لدي بصورة غريبة وكأنني قد مررت في الطريق نفسه من قبل. وحينها تذكرت أيامي ~~في إندونيسيا وأمي ولولو يتحدثان في المقعدين الأماميين للسيارة، وتنبعث رائحة الأخشاب ~~المحترقة والديزل نفسها، والسكون نفسه الذي كان يخيم في فترة الازدحام في الصباح، ~~والنظرة نفسها على وجوه الناس وهم يشقون طريقهم لبدء يوم جديد لا يدور بمخيلاتهم ~~الكثير من التوقعات سوى تمضية اليوم، وربما أمل محدود في أن يتغير حظهم، أو على الأقل ~~يصمد كما هو. # ذهبنا لنوصل زيتوني إلى مجمع سكني كبير كئيب يطلق عليه «كينيا برويريز» حيث تعمل ~~مبرمجة كمبيوتر. وعندما خرجت من السيارة انحنت علي مرة أخرى لتقبلني على وجنتي، ثم ~~لوحت بأصبعها لأوما. وقالت: «اعتني بباري جيدا، واحرصي على ألا نفقده مرة ~~أخرى.» # وعندما ms314 عدنا إلى الطريق السريع سألت أوما ماذا تعني زيتوني بفقداني مرة أخرى، ~~فهزت أوما كتفيها. # وقالت: «إنه تعبير شائع الاستعمال هنا.» وتابعت: «عادة ما يعني أن هذا الشخص لم يرك ~~منذ فترة. فتجده يقول لك «إنك فقدت». أو «لا تجعلني أفقدك». وفي بعض الأحيان يكون له ~~معنى أكبر. على سبيل المثال: فمثلا ينتقل ابن أو زوج إلى المدينة أو إلى الغرب - مثل ~~عمك عمر في بوسطن. هم يعدون بالعودة بعد الانتهاء من الدراسة. ويقولون إنهم سيرسلون ~~للعائلة بمجرد أن يستقروا. وفي البداية يرسلون خطابا كل أسبوع. ثم يصبح مرة واحدة كل ~~شهر . ثم يتوقفون تماما عن إرسال الخطابات. ولا يراهم أحد مرة أخرى. ومن ثم نقول إنهم ~~فقدوا. هذا مع أن الجميع يعلمون أين هم.» # ناضلت السيارة لتصعد طريقا منحدرا محاطا ببساتين كثيفة وأشجار الأوكالبتوس ~~والنباتات المعترشة. والمنازل القديمة الأنيقة تقف وراء سياج وأحواض الزهور، وقالت أوما ~~إنها المنازل التي كانت في يوم من الأيام خاصة بالبريطانيين فقط، ولكنها الآن خاصة ~~بمسئولي الحكومة والعاملين بالسفارات الأجنبية. وفي أعلى المنحدر انعطفنا يمينا ~~وأوقفنا السيارة في نهاية طريق مليء بالحصى إلى جوار مبنى سكني أصفر اللون يتكون من ~~طابقين استأجرته الجامعة لأعضاء هيئة التدريس. وهناك أراض خضراء شاسعة تنحدر من ~~المبنى لتلتقي بالأرض المزروعة بأشجار الموز وغابة عالية، وبالأسفل مجرى مائي ضيق ~~وغير نظيف يجري عبر واد واسع مليء بالأحجار. # كانت شقة أوما تقع في الطابق الأول وهي شقة صغيرة لكنها مريحة، بها أبواب على الطراز ~~الفرنسي تجعل ضوء الشمس ينفذ إلى الغرف. وهناك أكوام من الكتب في كل مكان، ومجموعة من ~~الصور، صورة فوتوغرافية وأخرى التقطت بكاميرا فورية، ملصقة معا على لوح واحد ومعلقة ~~على أحد الحوائط، وهو عمل فني من مزيج من صور العائلة صنعته أوما لنفسها. وفوق سرير ~~أوما لاحظت وجود صورة كبيرة لامرأة سوداء تنظر بوجهها لأعلى باتجاه زهر يتفتح، وأسفلها ~~طبعت الكلمات «لدي حلم». # فسألتها وأنا أضع حقائبي: «ما حلمك يا أوما؟» # ضحكت. وقالت: «هذه هي أكبر ms315 مشكلة لدي يا باراك. لدي أحلام كثيرة. وأية امرأة ~~لديها أحلام لديها دائما مشكلات.» # لا بد أن إنهاكي من الرحلة كان باديا علي لأن أوما اقترحت أن أنال قسطا من النوم ~~في حين ذهبت هي إلى الجامعة لتلقي محاضراتها. سقطت على الفراش الصغير الذي أعدته لي ~~ورحت في سبات عميق على صوت طنين الحشرات خارج النافذة. وعندما استيقظت كان وقت الغسق ~~ولا تزال أوما بالخارج. ومن المطبخ لاحظت وجود سرب من القرود سود الوجوه يجتمع أسفل ~~شجرة موز. أكبرها سنا يجلس بحذر أسفل الشجرة يشاهد بحاجبين معقودين والصغار يجرون ~~هنا وهناك عبر الجذور الطويلة الملتوية. غسلت وجهي في الحوض ووضعت الماء كي يغلي لأصنع ~~شايا، ثم فتحت الباب الذي يقود إلى الفناء. فتجمدت القردة في أماكنها، وأعينها ~~جميعا تتجه إلي في انسجام. وعلى بعد بضعة أقدام امتلأ الجو بخفقات جناحين أخضرين ~~ضخمين، وراقبت الصعود الحالم لطائر طويل العنق وهو يصدر سلسلة من الأصوات الغليظة ~~ويتجه نحو شجرة بعيدة. ~~••• # قررنا أن نبقى في المنزل تلك الليلة نطهو اليخني ونتبادل أخبارنا. وفي الصباح ~~التالي سرنا إلى المدينة وتجولنا نشاهد معالمها دون قصد وجهة معينة. وكان مركز ~~المدينة أصغر مما توقعت، وبه الكثير من الفنون المعمارية الاستعمارية كما هي: فرأيت ~~صفوفا من المباني المطلية بالجص الأبيض من الأيام التي لم تكن فيها نيروبي أكثر من ~~مجرد مخفر لخدمة إنشاء السكة الحديد البريطانية. وإلى جانب هذه المباني ظهرت مدينة ~~أخرى، مدينة من المباني الإدارية الشاهقة الارتفاع والمحال الأنيقة والفنادق ذات ~~الردهات التي لا تختلف كثيرا عن نظيراتها في سنغافورة وأطلنطا. إنه مزيج مثير ~~ومحير؛ تناقض يبدو أنه يتكرر في أي مكان نذهب إليه؛ فأمام أحد موزعي سيارات ~~مرسيدس بنز رأينا طابورا من نساء قبيلة ماساي يمر في طريقه إلى السوق ورءوس النساء ~~حليقة خالية تماما من الشعر وأجسادهن النحيلة مغطاة بالشال الأحمر الذي يطلق عليه ~~«شوكا» وشحمة الأذن على جانب وجوههن طويلة ومحاطة بخرز لامع، وعند مدخل مسجد في ~~الهواء الطلق رأينا مجموعة من ms316 موظفي البنوك يخلعون أحذيتهم بحرص ويغسلون أرجلهم قبل ~~الانضمام إلى الفلاحين وعمال الحفر في أداء صلاة العصر. كانت تلك المشاهد كما لو أن ~~تاريخ نيروبي رفض أن يستقر في طبقات منتظمة، وكما لو أن الماضي والحاضر قد اصطدما ~~تصادما مستمرا مزعجا. # تجولنا إلى داخل السوق القديمة، وهي مبنى ضخم يشبه الكهوف من الداخل تنبعث منه ~~رائحة الفاكهة الناضجة ومحل جزارة قريب. كان الممر في مؤخرة المبنى يقود إلى متاهة من ~~الأكشاك في الهواء الطلق حيث ينادي التجار على بضائعهم من المنسوجات والسلال والحلي ~~النحاسية والتحف الأخرى. توقفت أمام أحد هذه الأكشاك حيث تعرض مجموعة من الأعمال ~~النحتية الخشبية الصغيرة. تعرفت على أشكال الهدايا التي أهداني إياها أبي قبل وقت ~~طويل: الأفيال والأسود وقارعي الطبول الذين يرتدون غطاء للرأس على الطراز القبلي. قال ~~لي أبي يومها إنها أشياء صغيرة. # قال الشاب الذي يدير المحل: «تفضل يا سيدي.» وتابع: «لدينا عقد جميل ~~لزوجتك.» ~~«إنها أختي.» ~~«أختك جميلة جدا. تفضل، سيكون هذا جميلا عليها.» ~~«كم سعره؟» ~~«فقط 500 شلن. إنه جميل.» # قطبت أوما ما بين حاجبيها وقالت للرجل شيئا باللغة السواحيلية. ثم فسرت قائلة: ~~«إنه يبيعك بسعر عال.» وتابعت: «السعر المخصص للرجل الأبيض.» # ابتسم الشاب. وقال: «أنا آسف أيتها الأخت.» وتابع: «السعر للكينيين هو 300 شلن ~~فقط.» # وداخل الكشك سيدة عجوز تربط خرزا زجاجيا بسلك لتجمعه معا وأشارت إلي وقالت ~~شيئا جعل أوما تضحك. ~~«ماذا قالت؟» ~~«تقول إنك تشبه الأمريكيين.» # فقلت وأنا أضرب بيدي على صدري: «أخبريها أنني أحد أبناء قبيلة لوو.» # ضحكت العجوز وسألت أوما عن اسمي. وقد دفعت الإجابة السيدة للضحك أكثر، ونادت علي كي ~~أقف إلى جوارها وهي تأخذ بيدي. فقالت أوما: «إنها تقول إنك لا تبدو من أبناء لوو، لكن ~~وجهك طيب. وتقول إن لديها ابنة يجب أن تقابلها، وإذا اشتريت لها مياها غازية فسيمكنك ~~الحصول على تحفتين من الأعمال المنحوتة والعقد الذي تصنعه مقابل 500 شلن.» # ذهب الشاب ليشتري لنا جميعا مياها غازية، وجلسنا على كراسي خشبية بلا ms317 ظهر أو مساند ~~للذراعين أخرجتها العجوز من خلف خزانة كبيرة. وأخبرتنا عن عملها، والإيجار الذي يجب أن ~~تسدده للحكومة لاستخدام الكشك، وكيف التحق ابنها الآخر بالجيش لأنه لم يعد هناك أرض ~~ليعمل بها في قريتهم. وعلى الجانب الآخر سيدة أخرى تغزل خوصا ملونا وتحوله إلى ~~سلال، وإلى جوارها رجل يقطع جلدا إلى شرائط طويلة لاستخدامه في صنع أحزمة ~~الحقائب. # راقبت تلك الأيدي الرشيقة وهي تحيك وتقطع وتغزل، واستمعت إلى صوت السيدة العجوز يعلو ~~فوق صوت العمل والمقايضات، ولوهلة بدا العالم كله واضحا أمامي. فبدأت أتخيل ~~إيقاعا ثابتا للأيام، يعيشها المرء على أرض ثابتة حيث يمكنه الاستيقاظ كل صباح وهو ~~يعلم أن كل شيء كما كان في اليوم السابق، ويرى فيها كيف صنعت الأشياء التي يستخدمها، ~~ويمكنه أن يسرد قصة حياة الأشخاص الذين صنعوها، ويمكنه أن يصدق أن جميعهم يكونون ~~وحدة متماسكة دون أجهزة إدخال البيانات إلى الكمبيوتر أو أجهزة الفاكس. كل هذا وموكب ~~ثابت من الوجوه السوداء يمر أمام أعيننا؛ وجوه الأطفال المستديرة ووجوه العجائز ~~المجعدة، جميعها وجوه جميلة جعلتني أفهم التحول الذي زعمت أسانتي والأمريكيون السود ~~الآخرون أنهم مروا به بعد زيارتهم الأولى لأفريقيا. وعلى مدار أسابيع أو شهور يمكنك ~~الشعور بالحرية التي يولدها إحساس المرء بأنه ليس تحت المراقبة، حرية الإدراك أن شعرك ~~ينمو كما ينبغي أن ينمو، وأن ردفك يتمايل بالطريقة التي ينبغي أن يتمايل بها. ويمكنك ~~أن ترى رجلا يتحدث إلى نفسه ولا شك أنه مجنون، أو تقرأ عن الجرائم في الصفحات الأولى ~~للجرائد اليومية وتفكر في فساد قلب الإنسان دون أن تضطر إلى التفكير فيما إذا كان ~~المجرم أو المجنون يقول شيئا عن مصيرك أنت. هنا العالم أسود، ومن ثم فلا تكون سوى ~~نفسك، ويمكنك اكتشاف جميع الأشياء الخاصة بحياتك فقط دون أن تعيش في كذبة أو ترتكب ~~خيانة. # وفكرت كم من المغري أن أهرب بعيدا بهذه اللحظة كما هي. وأن أغلف هذا الشعور ~~بالراحة بإتقان مثلما يغلف الشاب عقد أوما، وأصطحبه عائدا إلى أمريكا ms318 كي أتدثر به ~~كلما فترت روحي. # ولكن بالطبع لم يكن هذا ممكنا، فقد انتهينا من تناول المياه الغازية، ودفعنا النقود، ~~وغادرنا السوق، وهربت منا تلك اللحظة. # انعطفنا إلى شارع كيماثي، الذي يحمل اسم أحد قادة ثورة ماو. كنت قد قرأت كتابا عن ~~كيماثي قبل أن أغادر شيكاغو وتذكرت صورة له يظهر فيها بين عدة رجال يطلقون شعرهم على ~~الطراز الأفريقي يعيشون في الغابة وينشرون قسما سريا بين السكان الأصليين، أي ~~النموذج المعتاد لمقاتلي حرب العصابات. وقد اختار لنفسه زيا ذكيا (فقد خدم كيماثي ~~والقادة الآخرون لثورة ماو في الكتائب البريطانية في أوقات سابقة من حياتهم ) وهي صورة ~~استغلت جميع المخاوف من الغرب الاستعماري، النوع نفسه من الخوف الذي استحضره نات ترنر ~~في يوم من الأيام في الجنوب قبل الحرب الأهلية الأمريكية، والذي يثيره الآن اللصوص ~~الذين ذهب الكوكايين بعقولهم في أذهان البيض في شيكاغو. # بالطبع ترقد ثورة ماو في ماضي كينيا. فقد ألقي القبض على كيماثي وأعدم. وأطلق سراح ~~كينياتا من السجن وتوج أول رئيس لكينيا. وقد سارع بالتأكيد إلى البيض الذين كانوا ~~مشغولين بحزم أمتعتهم ليطمئنهم أن شركاتهم لن تؤمم، وأن ملكية الأرض لن تمس ما ~~دام الرجل الأسود هو الذي يمسك بزمام الحكومة. وأصبحت كينيا أكثر تلميذ مخلص للغرب في ~~أفريقيا، ونموذجا للاستقرار، وتمثل تناقضا عمليا للفوضى التي تعم أوغندا، ~~والاشتراكية الفاشلة في تنزانيا. وعاد مقاتلو الحرية السابقون إلى قراهم أو انضموا إلى ~~الأعمال المدنية، أو رشحوا أنفسهم للحصول على مقعد في البرلمان. وأصبح كيماثي اسما ~~على لافتة، اسما لشارع هيئ تماما من أجل السياح. # انتهزت الفرصة لدراسة هؤلاء السياح عندما جلست أنا وأوما لتناول الغداء في المقهى ~~الخارجي لفندق نيو ستانلي. كان السياح - ألمانا ويابانيين وبريطانيين وأمريكيين - في كل ~~مكان يلتقطون الصور ويلوحون لسيارات الأجرة، ويبعدون عنهم الباعة المتجولين في ~~الشارع، والكثير منهم يرتدون سترات سفاري مثل الكومبارس أثناء تصوير فيلم. وفي هاواي، ~~عندما كنا صغارا، كنت أنا وأصدقائي نضحك على سياح مثل هؤلاء، بالحروق الشمسية في ms319 ~~جلودهم وسيقانهم النحيفة الشاحبة ونستمتع بمشاعر تفوقنا الواضح. أما هنا في أفريقيا ~~فلم يبد السياح مضحكين. فقد شعرت بصورة ما أن وجودهم تعد على حقوق الآخرين، ووجدت ~~براءتهم مهينة بصورة غامضة. وطرأ على ذهني أنه في افتقادهم التام لإدراك الذات كانوا ~~يعبرون عن حرية لم أستطع أنا ولا أوما أن نشعر بها قط، ثقة جوهرية بضيق أفق ~~تفكيرهم، ثقة مدخرة فقط لأولئك الذين ولدوا بين أحضان ثقافة إمبريالية. # وفي تلك اللحظة لاحظت أن عائلة أمريكية تجلس على بعد بضع طاولات منا. وعلى الفور قفز ~~نادلان أفريقيان للعمل، وكلاهما ترتسم على وجهه ابتسامة ملء وجهه. ونظرا لأنه لم يكن ~~أحد قد تقدم ليعرف طلباتنا أنا وأوما بدأت ألوح للنادلين اللذين يقفان عند ~~المطبخ، وأنا أظن أنهما لم يريانا بصورة ما. ولبعض الوقت نجحا في تجنب إشاراتي، لكن ~~استجاب لنا في النهاية رجل متقدم في السن له عينان ناعستان وأحضر لنا قائمتين للطعام. ~~كان يبدو ممتعضا، وبعد عدة دقائق أخرى لم يبد عليه أنه ينوي العودة على الإطلاق. بدأ ~~الغضب يظهر على وجه أوما، ومرة أخرى لوحت للنادل، الذي استمر على صمته وهو يدون ~~طلباتنا. وفي ذلك الوقت حصلت العائلة الأمريكية على طعامها بالفعل، ونحن لم يصنع لنا ~~شيء حتى إعداد الطاولة لوضع الطعام عليها. وسمعت طفلة تعقص شعرها الأشقر خلف ظهرها على ~~شكل ذيل حصان تشتكي من أنه لا يوجد كاتشب، فنهضت أوما. # قالت: «هيا بنا.» # وبدأت تتجه نحو باب الخروج، ثم فجأة استدارت وعادت إلى النادل الذي كان يحدق فينا ~~بنظرة جامدة. # قالت له أوما وصوتها يرتجف: «يجب أن تشعر بالخزي من نفسك.» وتابعت: «يجب أن تشعر ~~بالخزي.» # أجاب عليها النادل بلهجة فظة باللغة السواحيلية. # فقالت له: «لا أبالي بعدد الأفواه التي يتحتم عليك إطعامها، ولكن لا يمكنك أن تعامل ~~شعبك مثل الكلاب. انظر ...» وفتحت حقيبتها وأخرجت منها ورقة نقدية متجعدة فئة 100 شلن ~~وصاحت: «أترى!» وتابعت: «يمكنني أن أدفع ثمن الطعام اللعين.» # وألقت الورقة على الأرض، ثم اتجهت نحو ms320 الشارع. ولعدة دقائق أخذنا نتجول دون وجهة ~~محددة، حتى اقترحت أنا في النهاية أن نجلس على مقعد بجوار مكتب البريد ~~المركزي. # ثم سألتها: «هل أنت بخير؟» # فأومأت برأسها. وقالت: «كان ذلك غباء مني، أقصد إلقاء النقود على الأرض بهذا الشكل.» ~~وضعت حقيبتها إلى جوارها وأخذنا نراقب حركة المرور. ثم قالت: «أتدري، لا يمكنني الذهاب ~~إلى النادي في أي من هذه الفنادق إذا كنت بصحبة سيدة أفريقية.» وتابعت: «سيطردنا رجال ~~الشرطة للخارج ظانين أننا عاهرات. والأمر نفسه ينطبق على هذه المباني الإدارية الضخمة؛ ~~إذا لم تكن تعمل هناك، وأنت أفريقي، فسيوقفونك حتى تخبرهم ماذا تريد. ولكن إذا كنت ~~بصحبة صديق ألماني فستجد الابتسامات على وجوههم. وهم يسألونك: «مساء الخير يا آنسة، كيف ~~حالك اليوم؟» وهزت أوما رأسها. وقالت: «لهذا كينيا هي أضحوكة باقي أفريقيا، مهما كان ~~إجمالي الناتج القومي لها، وبصرف النظر عن الأشياء التي يمكنك شراؤها هنا. إنها عاهرة ~~أفريقيا يا باراك. تفتح ساقيها لكل من يدفع.» # أخبرت أوما أنها قاسية للغاية على الكينيين وأن الأمر نفسه يحدث في جاكرتا أو مكسيكو ~~سيتي، إنها مسألة اقتصادية فحسب. ولكن عندما بدأنا نسلك طريقنا عائدين إلى المنزل كنت ~~أعلم أن كلماتي لم تفلح على الإطلاق في التخفيف من حدة ما تشعر به من مرارة. فظننت ~~أنها على حق؛ فليس جميع السياح في نيروبي جاءوا لمشاهدة الحياة البرية. بعضهم أتى لأن ~~كينيا تعرض عليهم دون خجل العودة للعصر الذي كانت فيه حياة البيض على الأراضي ~~الأجنبية تقف شامخة على أعناق الأجناس السوداء؛ عصر من البراءة قبل أن ينشر رجال مثل ~~كيماثي، والرجال الآخرون الغاضبون في سويتو أو ديترويت أو دلتا الميكونج، الجريمة ~~والثورة في الشوارع. وفي كينيا كان لا يزال بإمكان الرجل الأبيض أن يسير في منزل إيزاك ~~دينسين، ويتخيل قصة حب مع بارونة شابة غامضة، أو يحتسي الخمر أسفل مراوح السقف في ~~فندق لورد ديلامير، ويعجب بصورة هيمنجواي وهو يبتسم بعد رحلة صيد ناجحة، محاطا بالوجوه ~~المتجهمة للعمال الآسيويين البلهاء. يمكن أن ms321 يخدمه رجل أسود دون خوف أو شعور بالذنب، ~~ويتعجب من سعر الصرف، ويترك بقشيشا كبيرا؛ وإذا شعر بعسر هضم عند رؤيته لمتسولين ~~مصابين بالجذام خارج الفندق فيمكنه دائما أن يأمر بإحضار دواء منشط. ومع ذلك فقد جاء ~~عهد السود. هذا بلدهم، ونحن مجرد زوار. # هل كان النادل يعلم أن عصر السود قد أتى؟ هل يعني ذلك أي شيء له؟ وفكرت في نفسي ~~ربما سيعرف ذلك يوما ما. هذا عندما تتقدم سنه فتسمح له أن يعرف الاستقلال وصيحات ~~الحرية باللغة السواحيلية ورفع الأعلام الجديدة. لكن مثل هذه الذكريات قد تبدو له الآن ~~خيالية وبعيدة وساذجة. لقد تعلم النادل أن من كانوا يحكمون الدولة قبل الاستقلال لا ~~يزالون يحكمونها، وهو لا يزال لا يمكنه أن يأكل في المطاعم أو يقيم في الفنادق التي ~~بناها الرجل الأبيض. ويرى أموال المدينة تدور فوق رأسه والتكنولوجيا التي تلفظ بضائع من ~~فمها الآلي. وإذا كان طموحا فسيبذل قصارى جهده ليتعلم لغة الرجل الأبيض، ويستخدم ~~ماكينات الرجل الأبيض محاولا أن يجعل الغايات تتلاقى بالطريقة نفسها التي يفعل بها من ~~يصلح أجهزة الكمبيوتر في نيوآرك أو سائق الحافلة في شيكاغو، بموجات متعاقبة من الحماس ~~أو الإحباط، لكن غالبا باستكانة. وإذا أخبرته أنه يخدم بهذا مصلحة الاستعمار الحديث ~~أو شيئا من هذا القبيل، فسيكون رده أنه يوافق على فعل ذلك إذا كان هذا هو المطلوب. ~~فالمحظوظون هم من يخدمون، أما غير المحظوظين فينجرفون في تيار المهن غير الشريفة أو ~~الغريبة المعتمة، والكثير منهم سيغرقون. # وقد لا يكون هذا هو كل ما يشعر به النادل. ربما لا يزال جزء منه يتمسك بقصص ماو، ~~الجزء نفسه الذي يتذكر صمت الليل في القرية أو صوت أمه وهي تطحن الذرة أسفل مطحنة ~~حجرية. ولا يزال شيء بداخله يخبره أن طرق الرجل الأبيض ليست طرقه، وأن الأشياء التي قد ~~يستخدمها كل يوم ليست من صنعه. ويتذكر وقتا وطريقة لتخيل نفسه، يتركهما فقط كي ~~يعاني. فلا يمكنه الهروب من قبضة ذكرياته، ومن ثم فإنه يباعد ms322 بين عالمين لا يشعر ~~بالثقة في أي منهما، ودائما يكون غير متوازن، ويلعب أية لعبة تدرأ عنه الفقر المدقع ~~الذي لا ينتهي، وهو حريص على أن يترك غضبه ينصب على الذين في مثل حالته فقط. # وهناك صوت يقول له نعم لقد حل التغيير، وتدمرت الطرق القديمة، ويجب أن تجد طريقة ~~بأسرع ما يمكنك كي تكسب قوت يومك وتمنع الرجل الأبيض من الضحك عليك. # صوت يقول له لا، إنك ستحرق الأخضر واليابس في وقت أقرب. ~~••• # في ذلك المساء اتجهنا بالسيارة شرقا إلى ضاحية كارياكو، وهي مجمع سكني شاسع محاط ~~بأراض تتجمع فيها القمامة. وكان القمر قد اختفى خلف سحب كثيفة، وبدأت أولى خيوط ~~الضوء تنبثق. وعندما كنا نصعد السلم المظلم وثب شاب من أمامنا إلى الرصيف المحطم ~~واختفى في الظلام. وفي الطابق الثالث دفعت أوما بابا كان مفتوحا قليلا. ~~«باري! أخيرا وصلت.» # احتضنتني بقوة عند منطقة الخصر سيدة قصيرة ممتلئة الجسد لها وجه مبتهج أسمر اللون. ~~ومن خلفها كان هناك ما يقرب من 15 شخصا، جميعهم يبتسمون ويلوحون مثل حشد في عرض ~~عسكري. نظرت السيدة القصيرة إلى الأعلى تجاهي وقطبت ما بين حاجبيها. # وسألت: «إنك لا تتذكرني أليس كذلك؟» ~~«أنا ...» ~~«أنا عمتك جين. أنا التي اتصلت بك عندما توفي والدك.» وابتسمت وأخذت يدي. وقالت: ~~«تعال. يجب أن تقابل الجميع هنا. لقد قابلت زيتوني بالفعل. وهذه ...» قالتها وهي ~~تقودني إلى سيدة جميلة متقدمة في العمر ترتدي زيا مزركشا: «هذه أختي، كيزيا. وهي ~~والدة أوما وروي أوباما.» # التقطت كيزيا يدي ونطقت اسمي ومعه بضع كلمات باللغة السواحيلية. # فقالت جين: «إنها تقول إن ابنها الآخر قد عاد إلى الوطن أخيرا.» # كررت كيزيا باللغة الإنجليزية وهي تومئ وتجذبني إلى حضنها. قالت: «ابني عاد إلى ~~الوطن.» # استكملنا رحلة التعارف في جميع أرجاء الغرفة وأنا أصافح عماتي وأولادهن وأولاد وبنات ~~إخوتي. وقد حياني الجميع بفضول مبتهج، لكن دون علامات قوية على الارتباك كما لو أن لقاء ~~أحد أقربائهم للمرة الأولى أمر يحدث كل يوم. كنت قد أحضرت ms323 علبة من الشيكولاتة ~~للأطفال، وتجمعوا حولي في فضول مهذب والكبار يحاولون أن يشرحوا لهم من أنا. لاحظت ~~أن هناك شابا في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره يقف مستندا إلى الحائط وعلى ~~وجهه تعبير متحفظ. # فقالت أوما: «هذا أحد إخوتك.» وتابعت: «اسمه برنارد.» # تقدمت باتجاه الفتى وتصافحنا، فحص كلانا وجه الآخر. ووجدت نفسي غير قادر على التفوه ~~بكلمة، لكني استطعت أن أسأله كيف حاله. # فأجاب برفق: «بخير على ما أظن»، مما دفع الجميع إلى الضحك. # وبعد أن انتهى التعارف قادتني جين إلى منضدة صغيرة عليها أطباق من لحم الماعز ~~والخضراوات والسمك المقلي والكرنب والأرز. وفي أثناء تناول الطعام سألوني عن عائلتي في ~~هاواي وحاولت أن أصف لهم حياتي في شيكاغو وعملي منظما للمجتمع الأهلي. وقد أومئوا ~~برءوسهم بأدب، ولكن بدت الحيرة على وجوههم قليلا؛ لذا أخبرتهم أنني سأدرس القانون في ~~جامعة هارفارد في الخريف. # قالت جين وهي تلتقط عظمة من طبق اللحم والخضراوات: «هذا رائع يا باري.» وتابعت: «لقد ~~درس والدك في جامعة هارفارد أيضا. إنك ستجعلنا جميعا فخورين بك، تماما كما فعل هو. ~~أترى يا برنارد، يجب أن تجتهد مثل أخيك.» # قالت زيتوني: «يظن برنارد أنه سيصبح نجما في كرة القدم.» # فالتفت إليه. وقلت: «هل هذا صحيح يا برنارد؟» # فقال وعدم الارتياح يبدو عليه لأن الأنظار التفتت إليه: «كلا.» وتابع: «كل ما في ~~الأمر أنني اعتدت لعب الكرة.» ~~«حسنا ... ربما يمكننا اللعب في وقت ما.» # فهز رأسه. وقال بجدية: «أنا الآن أحب لعب كرة السلة.» وتابع: «مثل ماجيك ~~جونسون.» # خففت الوجبة بعضا من الإثارة التي كانت في البداية، واتجه الأطفال بعد ذلك لمشاهدة ~~تليفزيون كبير يعرض الصورة باللونين الأبيض والأسود كان يبث سلسلة من علامات سخاء ~~الرئيس: الرئيس يفتتح مدرسة، الرئيس يشجب الصحفيين الأجانب ومختلف العناصر الشيوعية، ~~الرئيس يشجع الأمة على متابعة السير في طريق التقدم. ذهبت مع أوما لأرى باقي أجزاء ~~الشقة التي كانت تتكون من غرفتي نوم متخمتين بمراتب قديمة. # فسألتها: «كم عدد من يعيشون هنا؟» ms324 # فقالت أوما: «لا أدري ما العدد الآن.» وتابعت: «إنه يتغير دائما. فجين لا تعرف كيف ~~تقول لشخص لا، ومن ثم فكلما انتقل أحد أقربائنا إلى المدينة أو فقد عمله انتهى به الحال ~~هنا. وفي بعض الأحيان يمكثون فترة طويلة، أو يتركون أطفالهم هنا. وقد ترك أبي وأمي ~~برنارد هنا كثيرا. وعمليا جين هي التي ربته.» ~~«وهل تستطيع هي الإنفاق على كل هذا؟» ~~«في الواقع لا، إنها تعمل عاملة هاتف، ولا تتلقى راتبا كبيرا. ومع ذلك فهي لا ~~تشتكي. ولأنها لا تنجب فهي ترعى أطفال الآخرين.» # عدنا إلى غرفة المعيشة، وجلست على أريكة قديمة، وفي المطبخ كانت زيتوني تتولى توجيه ~~السيدات الأصغر سنا في غسيل الأطباق، وعدد قليل من الأطفال يتجادلون حول الشيكولاتة ~~التي أحضرتها. تركت عيني تتجولان في المشهد؛ الأثاث المتهالك، ونتيجة الحائط التي تعود ~~لعامين، والصور الباهتة، والتماثيل الخزفية الزرقاء لأطفال بأجنحة موضوعة على مناديل ~~صوفية. وأدركت أنه هو المشهد نفسه في شقق ألتجيلد. السلسلة نفسها من الأمهات والبنات ~~والأطفال، وضوضاء النميمة والتليفزيون، والحركة المستمرة في الطهي والتنظيف ورعاية ~~الأطفال تثقل كاهل الجميع. والغياب نفسه للرجال. # ودعنا الجميع الساعة العاشرة مساء تقريبا ووعدنا بزيارة كل فرد على حدة. وفي ~~طريقنا إلى الباب جذبتنا جين جانبا وخفضت صوتها وهمست لأوما. قالت: «يجب أن تأخذي باري ~~ليرى عمتك سارة.» ثم التفتت إلي: «سارة هي شقيقة والدك الكبرى. أول واحدة ولدت. ~~وتريد أن تراك بشدة.» # فقلت: «بالطبع.» وتابعت: «لكن لماذا لم تكن هنا الليلة؟ هل تقطن بعيدا عن ~~هنا؟» # نظرت جين إلى أوما ودار بينهما حوار صامت. وفي النهاية قالت أوما: «تعال يا باراك.» ~~وتابعت: «سأشرح لك في السيارة.» # كانت الشوارع خالية وزلقة من المطر. وقالت ونحن نمر من أمام الجامعة: «إن جين على حق ~~يا باراك.» وتابعت: «يجب أن تذهب وترى سارة. لكنني لن أذهب معك.» ~~«ولم لا؟» ~~«الأمر يتعلق بالإرث الذي تركه أبي. فسارة أحد الأشخاص الذين عارضوا وصيته. فكانت ~~تخبر الجميع أنني وروي وبرنارد لسنا أولاده.» ثم تنهدت. وأكملت: ms325 «لا أعلم. جزء مني ~~يتعاطف معها. فقد عاشت حياة صعبة. ولم تحظ أبدا بالفرص التي أتيحت لأبي مثل الدراسة ~~والسفر إلى الخارج. وقد جعلها هذا تشعر بالمرارة، فتظن بشكل ما أنني وأمي السبب في ~~حالتها.» ~~«ولكن بكم يقدر هذا الإرث؟» ~~«ليس كثيرا. ربما معاش حكومي صغير. وقطعة أرض ليست لها قيمة. وأنا أحاول أن أبقى ~~بعيدا عنها. ومهما كان الميراث فإنه على الأرجح أنفق على المحامين الآن. ولكن الجميع ~~يتوقع الكثير من أبي. فقد جعلهم يظنون أنه يملك كل شيء، حتى وهو لا يملك شيئا. والآن ~~بدلا من أن يستمروا في حياتهم، ينتظرون ويتجادلون فيما بينهم ظنا منهم أن أبي ~~سينقذهم وهو في قبره. وقد تعلم برنارد هذا الانتظار. إنه ذكي حقا يا باراك، لكنه ~~يجلس هناك طوال اليوم ولا يفعل شيئا. وقد ترك المدرسة وليست لديه فرص كثيرة في الحصول ~~على عمل. وقد أخبرته أنني سأساعده كي يلتحق بمدرسة تجارية، أو أي شيء يريد، فقط حتى ~~يفعل أي شيء. فيقول حسنا، ولكن عندما أسأله هل حصل على أي استمارات تقدم أو ~~تحدث إلى ناظر المدرسة، أجد أنه لم يفعل شيئا. وفي بعض الأحيان أشعر أنني لو لم ~~أخط معه كل خطوة فإن شيئا لن يحدث.» ~~«ربما يمكنني المساعدة.» ~~«نعم. ربما يمكنك التحدث إليه. ولكن الآن بما أنك هنا وقادم من أمريكا، فإنك جزء من ~~الميراث. لهذا تود سارة أن تراك كثيرا. إنها تظن أنني أخفيك عنها لأنك الشخص الذي يملك ~~كل شيء.» # عادت الأمطار تهطل مرة أخرى ونحن نوقف السيارة. كان المصباح الوحيد الذي يبرز من جانب ~~المبنى يلقي بظلال شبكية مترقرقة على وجه أوما. وقالت هي برفق: «لقد سئمت الأمر برمته ~~يا باراك.» وتابعت: «لن تصدق كم كنت أشتاق إلى كينيا عندما كنت في ألمانيا. كل ما ~~كنت أفعله هو التفكير في العودة إلى الوطن. وفكرت كيف لا أشعر بالوحدة أبدا هنا؛ ~~العائلة في كل مكان، ولا أحد يرسل والديه إلى دار لرعاية المسنين، أو يترك أطفاله مع ms326 ~~غرباء. ثم أعود إلى هنا وأجد الجميع يطلبون مني المساعدة، وأشعر أنهم جميعا يتمسكون بي ~~وأنني سأغرق. كما أني أشعر بالذنب لأنني كنت أسعد حظا منهم. فقد التحقت بالجامعة. ~~ويمكنني الحصول على عمل. لكن ماذا بوسعي أن أفعل يا باراك؛ فأنا مجرد فرد واحد.» # أمسكت يد أوما ومكثنا في السيارة عدة دقائق نستمع إلى صوت هطول المطر. وقالت في ~~النهاية: «لقد سألتني عن حلمي.» وتابعت: «في بعض الأحيان يراودني حلم أنني سأبني منزلا ~~جميلا على أرض جدنا. منزلا كبيرا حيث يمكننا جميعا البقاء وإحضار عائلاتنا. ~~ويمكننا زراعة أشجار فواكه مثل جدنا، وسيعرف أطفالنا الأرض ويتحدثون بلغة قبيلة لوو ~~ويتعلمون تقاليدنا من الكبار. وستكون ملكا لهم.» ~~«يمكننا أن نفعل كل هذا يا أوما.» # هزت رأسها. وقالت: «دعني أخبرك ما بدأت أفكر فيه. أفكر فيمن سيعتني بالمنزل إذا لم ~~أكن أنا موجودة؟ من يمكنني الاعتماد عليه كي أتأكد أن الترسيب سيصلح أو أن السياج ~~سيرمم؟ أعرف أن هذه أنانية رهيبة. وكل ما أستطيع فعله عندما أفكر بهذا الشكل أن ~~أشعر بالغضب تجاه أبي لأنه لم يبن لنا هذا المنزل. نحن الأبناء يا باراك. لماذا علينا ~~الاعتناء بكل فرد؟! كل شيء مقلوب رأسا على عقب، كل شيء في حالة جنون. فكان علي أن ~~أعتني بنفسي، بالضبط مثل برنارد. والآن اعتدت أن أعيش حياتي الخاصة مثل الألمان. كل شيء ~~منظم. وإذا احتاج شيء إلى إصلاح فأنا أصلحه. وإذا فسد شيء فهذا خطئي أنا. وإذا كانت ~~لدي نقود فإني أرسلها إلى العائلة وهم يفعلون بها ما يريدون وأنا لا أعتمد عليهم، ولا ~~هم يعتمدون علي.» ~~«يبدو أنك وحيدة.» ~~«أعلم هذا يا باراك. لهذا أعود دائما إلى الوطن. ولهذا لا أزال أحلم.» ~~••• # بعد مرور يومين لم أكن قد استعدت حقيبتي بعد. أخبرنا مكتب شركة الطيران في وسط ~~المدينة أن نتصل بالمطار، ولكن كلما حاولنا ذلك وجدنا الخطوط مشغولة. اقترحت أوما في ~~النهاية أن نذهب إلى هناك بأنفسنا. وفي مكتب الخطوط الجوية البريطانية وجدنا شابتين ~~تتحدثان عن ms327 ملهى ليلي افتتح لتوه. قاطعت حوارهما كي أسأل عن حقيبتي فقلبت واحدة ~~منهما بلا مبالاة كومة من الأوراق. # ثم قالت: «ليس لدينا أي أوراق عنك يا سيدي؟» ~~«تأكدي مرة أخرى من فضلك.» # هزت كتفيها. وقالت: «إذا أردت يمكنك العودة في منتصف الليل. فهناك رحلة قادمة من ~~جوهانسبرج في هذا التوقيت.» ~~«قيل لي إن حقيبتي سترسل إلي.» ~~«آسفة، ليس لدي أي ذكر لحقيبتك هنا. إذا أردت يمكنك ملء استمارة أخرى.» ~~«هل الآنسة أومورو هنا؟ إنها ...» ~~«أومورو في إجازة.» # أزاحتني أوما جانبا. وقالت: «من غيرك هنا يمكننا التحدث إليه بما أنك لا تعرفين ~~شيئا؟» # أجابتها بأسلوب فظ قبل أن تعود لاستكمال حديثها: «اذهبي إلى وسط المدينة إذا أردت ~~التحدث إلى شخص آخر.» # كانت أوما لا تزال تغمغم ساخطة عندما دخلنا إلى مكتب الخطوط الجوية البريطانية في وسط ~~المدينة. كان المكتب في مبنى عال يعلن فيه المصعد رقم كل طابق إلكترونيا بنبرة فخمة ~~واضحة، وكانت هناك موظفة استقبال تجلس أسفل صور لأشبال أسود وأطفال يرقصون. وقالت لنا ~~مرة أخرى إنه علينا التأكد من المطار. # قلت لها وأنا أحاول ألا أصرخ: «أريد التحدث إلى المدير من فضلك.» ~~«أنا آسفة، السيد مادوري في اجتماع.» ~~«اسمعي يا آنسة، لقد أتينا للتو من المطار حيث أخبرونا أن نأتي إلى هنا. وقبل يومين ~~قيل لي إن حقائبي سترسل إلي. والآن تقولون لي إنه لا أحد يعلم حتى أنها مفقودة. أنا ~~...» توقفت في منتصف الجملة. وانسحبت موظفة الاستقبال وراء قناع حجري، وهو مكان لا ~~تصل إليه المناشدات أو الصياح الغاضب. ويبدو أن أوما رأت الشيء نفسه، فلم تنبس ببنت شفة ~~هي الأخرى، وسقطنا معا إلى كرسيين مريحين لا نعرف ماذا نفعل بعد ذلك، عندما ظهرت يد ~~فجأة على كتف أوما. فالتفتت أوما لتجد أنها يد رجل أسود نحيف يرتدي سترة زرقاء. ~~«عماه! ماذا تفعل هنا؟» # قدمتني أوما للرجل الذي كان قريبا لنا في نسب لم أستطع تعقبه. وسألنا هل نخطط ~~للقيام برحلة، فأخبرته أوما بما حدث. # فقال عمنا: «اسمعا، ms328 لا تقلقا.» وتابع: «إن مادوري صديق مقرب لي. في الحقيقة أنا الآن ~~على وشك تناول الغداء معه.» والتفت إلى موظفة الاستقبال التي كانت تراقب حديثنا باهتمام ~~كبير. # وقالت مبتسمة: «السيد مادوري يعرف بالفعل أنك هنا.» # كان السيد مادوري رجلا قصير القامة ممتلئ الجسد له أنف ضخم وصوت أجش. وبعد أن أعدنا ~~قصتنا على مسامعه أخذ سماعة الهاتف على الفور وقال: «مرحبا؟ نعم أنا مادوري. من ~~المتحدث؟ اسمعي لدي الآن السيد أوباما الذي كان يبحث عن حقيبته. نعم، أوباما. إنه ~~ينتظر وصول حقيبته منذ وقت طويل. ماذا؟ نعم ابحثي الآن من فضلك.» وبعد بضع دقائق انطلق ~~رنين الهاتف . «نعم ... حسنا، أرسليها إلى ...» ومنح محدثته عنوان مكتب أوما، ثم أغلق ~~الهاتف وأخبرنا أن الحقيبة سترسل إلى هناك بعد ظهر هذا اليوم. # وقال: «اتصل بي إذا واجهتك أية مشكلات أخرى.» # شكرنا الرجلين بشدة واستأذنا للانصراف على الفور خوفا من أن يتغير حظنا في أية لحظة. ~~وفي الأسفل توقفت أمام صورة كبيرة لكينياتا معلقة على نافذة مكتب. كانت عينا الرجل ~~تشعان ثقة ومكرا، ويده القوية التي يرتدي بها المجوهرات تقبض على عصا زعيم قبيلة ~~كيكويو المنقوشة. فجاءت أوما ووقفت إلى جواري. # وقالت: «من هنا يبدأ كل شيء.» وتابعت: «الرجل الكبير. ثم مساعده أو عائلته أو صديقه ~~أو قبيلته. الأمر نفسه ينطبق سواء أكنت تريد هاتفا أو تأشيرة سفر أو عملا. من ~~أقرباؤك؟ من معارفك؟ فإذا كنت لا تعرف أحدا فانس الأمر. وهذا ما لم يفهمه أبي قط. ~~لقد عاد إلى هنا وهو يظن أنه نظرا لأنه تلقى تعليما راقيا ويتحدث لغة إنجليزية صحيحة ~~ويفهم خرائطه ورسومه البيانية فإن كل شخص سيود أن يوليه المسئولية. ونسي الشيء الذي ~~يربط كل الأشياء بعضها ببعض هنا.» # فقلت بهدوء: «لقد تاه.» # وفي طريقنا عائدين إلى السيارة تذكرت قصة كانت أوما قد أخبرتني بها عن أبي بعد أن ~~أفل نجمه. مساء أحد الأيام أخبرها أن تذهب إلى المتجر وتشتري له بعض السجائر. فذكرته ~~أنهم لا يمتلكون نقودا، لكن أبي ms329 هز رأسه بنفاد صبر. # وقال: «لا تكوني سخيفة.» وتابع: «فقط أخبري صاحب المتجر أنك ابنة الدكتور أوباما ~~وأنني سأدفع له فيما بعد.» # فذهبت أوما إلى المتجر، وكررت ما قاله لها والدها. فضحك صاحب المتجر وصرفها. ~~ولخوفها من العودة إلى المنزل ذهبت إلى أحد أقاربها كان والدها قد ساعده في الحصول على ~~عمل، وأقرضها الشلنات القليلة التي كانت تحتاج إليها. وعندما عادت إلى المنزل أخذ أبي ~~السجائر ووبخها على التأخير. # قال لها وهو يفتح العلبة: «أرأيت!» وتابع: «لقد أخبرتك أنك لن تواجهي أية مشكلة. ~~فالجميع هنا يعرفون أوباما.» # شعرت بوجود أبي وأنا أقطع مع أوما الشارع المزدحم. أراه في وجوه التلاميذ الذين ~~يجرون من أمامنا، وسيقانهم السوداء النحيلة تتحرك مثل عصا المكابس بين أرجل السراويل ~~الزرقاء والأحذية التي يفوق حجمها مقاس أرجلهم. أسمعه في ضحكات طلاب الجامعة الذين ~~يرتشفون الشاي المحلى الكريمي ويأكلون سمبوسة في مقهى الشاي ذي الإضاءة الخافتة. أشم ~~رائحته في دخان سجائر رجل الأعمال الذي يغطي إحدى أذنيه ويصرخ في الهاتف الذي يعمل ~~بالعملة، وفي عرق العامل الذي يعمل باليومية في تحميل الحصى على عجلات تدفع باليد، ~~ووجهه وصدره العاري مغطيان بالغبار. وفكرت في نفسي: أبي هنا، مع أنه لا يقول لي ~~شيئا. إنه هنا ويطلب مني أن أفهم. # | الفصل السادس عشر # قرع برنارد جرس الباب في تمام العاشرة. كان يرتدي شورتا أزرق اللون وقميصا ضيقا ~~للغاية، وفي يديه كرة سلة برتقالية اللون يحملها في يديه كما لو أنه يحمل هدية. # سألني: «هل أنت جاهز؟» ~~«تقريبا. امنحنى ثانية واحدة كي أرتدي الحذاء.» # تبعني إلى داخل الشقة واتجه إلى المكتب حيث كنت أعمل. وقال وهو يهز رأسه: «كنت تقرأ ~~مرة أخرى يا باري.» وتابع: «ستسأم منك أية سيدة ترافقك؛ فأنت تقضي وقتك دائما مع ~~الكتب.» # جلست لأعقد رباط حذائي الرياضي. وقلت: «لقد قيل لي هذا.» # فقذف الكرة في الهواء. وقال: «أما أنا فلا أهتم بالكتب. أنا رجل أفعال. مثل ~~رامبو.» # فابتسمت. وقلت له وأنا أنهض وأفتح الباب: «حسنا يا ms330 رامبو.» وتابع: «لنر أداءك ~~وأنت تركض حتى نصل إلى الملاعب.» # فنظر إلي برنارد بشك. وقال: «الملاعب بعيدة للغاية. أين السيارة؟» ~~«استقلتها أوما إلى عملها.» وخرجت إلى الشرفة وبدأت أمارس بعض التمرينات الرياضية ~~البسيطة. «وعلى أية حال، فقد أخبرتني أن الملاعب تبعد ميلا واحدا فقط عن هنا. وهذا ~~إحماء جيد لساقيك الصغيرتين.» # فتبعني في أداء بعض التمرينات الرياضية بفتور قبل أن نبدأ السير في الطريق المفروش ~~بالحصى الذي يقود إلى الطريق الرئيسي. كان الجو رائعا يخفف فيه النسيم المستمر من ~~حدة أشعة الشمس، والطريق خاويا فيما عدا سيدة تسير على بعد مسافة منا تحمل فوق رأسها ~~سلة بها قطع صغيرة من الخشب. وبعد أقل من ربع ميل توقف برنارد فجأة وقطرات العرق ~~تتصبب على جبهته الناعمة العالية. # وقال وهو يستنشق الهواء بقوة: «أجريت ما يكفي من الإحماء يا باري.» وتابع: «أظن أنه ~~علينا أن نسير الآن.» # يحتل حرم جامعة نيروبي مساحة بضعة أفدنة بالقرب من وسط المدينة. وكانت ملاعب كرة ~~السلة توجد أعلى مضمار ألعاب القوى على منحدر قليل الارتفاع، وأرضيتها الأسفلتية ~~المليئة بالحصى تتخللها الأعشاب. وراقبت برنارد ونحن نتبادل الأدوار في قذف الكرة تجاه ~~السلة، وفكرت كم كان رفيقا كريما ومريحا في الأيام القليلة السابقة، وهو يأخذ على ~~عاتقه مهمة إرشادي في أرجاء المدينة عندما كانت أوما مشغولة في تصحيح الاختبارات. وكان ~~يمسك يدي وكأنه يحميني ونحن نشق طريقنا عبر الطرق المزدحمة، وكان صبره لا ينفد عندما ~~أتوقف لأنظر إلى مبنى أو أقرأ لافتة يمر هو بها كل يوم، ويبدو أن سلوكياتي الغريبة ~~تسليه لكن دون أن تبدو عليه أي من علامات الملل أو الاعتراض الكثيرة التي كنت أنا ~~سأبديها وأنا في سنه. # وهذا اللطف وافتقاره للخداع جعلاه يبدو أصغر كثيرا من سنوات عمره السبع عشرة. ولكنني ~~كنت أذكر نفسي دائما أنه في السابعة عشرة من عمره، وهي سن سيكون فيها تمتعه ~~بمزيد من الاستقلالية والحدة في شخصيته مسألة لا غبار عليها. وأدركت أن ذلك الوقت الذي ~~يمنحه لي لم ms331 يكن إلا لأنه لم يكن لديه شيء أفضل ليقوم به. كما أدركت أن صبره لم يكن إلا ~~لأنه ليس لديه مكان محدد يريد الذهاب إليه. ويجب أن أتحدث إليه بهذا الشأن كما وعدت ~~أوما أن أفعل، وسيكون حديث رجل لرجل ... # سألني برنارد وهو يستعد لقذف الكرة: «هل رأيت ماجيك جونسون وهو يلعب؟» مرت الكرة داخل ~~الحلقة التي لا تحتوي على شبكة، فقذفت له الكرة مرة أخرى. ~~«في التليفزيون فقط.» # أومأ برنارد. وقال: «كل شخص في أمريكا لديه سيارة. وهاتف.» كانت الجملة إخبارية أكثر ~~من كونها استفهامية. # فقلت: «معظم الناس. لكن ليس كل شخص.» # قذف الكرة مرة أخرى فأصدرت صوتا مزعجا وهي تمر فوق الحلقة. وقال: «أظن أن الحياة ~~هناك أفضل.» وتابع: «ربما أسافر إلى أمريكا، يمكنني أن أساعدك في عملك.» ~~«ليس لدي عمل الآن. ربما بعد أن أنتهي من الدراسة في كلية الحقوق ...» ~~«لا بد أنه من السهل الحصول على عمل.» ~~«ليس للجميع. في الحقيقة الكثيرون يواجهون أوقاتا عصيبة في الولايات المتحدة. ولا سيما السود.» # أمسك الكرة. وقال: «ليست عصيبة مثل هنا.» # نظر أحدنا إلى الآخر، وحاولت أن أتخيل ملاعب كرة السلة في الولايات المتحدة. وكان ~~من بين الصور التي تخيلتها: صوت الطلقات النارية في الجوار، وتاجر ماريجوانا يقتل في ~~بئر السلم، وصورة أخرى. صوت ضحكات الصبية وهم يلعبون في الفناء الخلفي لمنازلهم في ~~الضواحي، وأمهاتهم تنادي عليهم للدخول وتناول الطعام. كان هذا حقيقيا أيضا. اصطدمت ~~الصورتان وتركتاني صامتا. وصرت راضيا بصمتي، فعاد برنارد إلى قذف الكرة. # عندما أصبحت الشمس في كبد السماء سرنا إلى محل لبيع الآيس كريم على بعد بضعة مبان ~~من الجامعة. طلب برنارد أيس كريم بالشيكولاتة، وبدأ يأكله بانتظام، نصف ملعقة في كل ~~مرة. فأشعلت سيجارة واتكأت بجسدي إلى الخلف على الكرسي. # وقلت: «أخبرتني أوما أنك تفكر في الالتحاق بإحدى مدارس التدريب المهني.» # فأومأ برأسه بتعبير غير واضح. ~~«ما نوع الدراسة التي تثير اهتمامك؟» ~~«لا أعلم.» ثم أخذ قطعة أخرى من الآيس كريم وفكر دقيقة. وقال: ms332 «ربما ميكانيكا ~~السيارات. نعم ... أظن أن ميكانيكا السيارات مناسبة.» ~~«هل جربت الالتحاق بأحد هذه البرامج؟» ~~«كلا. ليس بالضبط.» ثم توقف ليتناول ملعقة أخرى. وقال: «يجب أن تدفع مقابلا ~~لهذا.» ~~«كم عمرك يا برنارد؟» # قال بحذر: «سبعة عشر.» # فأومأت له: «سبعة عشر.» وأطلقت دخان السيجارة في الهواء. ثم قلت: «سبعة عشر، إنك تعرف ~~ماذا يعني هذا، أليس كذلك؟ يعني أنك رجل تقريبا. أصبحت شخصا ذا مسئوليات. تجاه ~~عائلتك. وتجاه نفسك. ما أحاول أن أقوله لك هو أنه قد حان الوقت لتقرر القيام بشيء ~~يثير اهتمامك. قد يكون هذا الشيء هو ميكانيكا السيارات. أو قد يكون شيئا آخر. ولكن ~~مهما يكن هذا الشيء فعليك أن تحدد بعض الأهداف وتسعى لتحقيقها. يمكن أن أساعدك أنا ~~وأوما في دفع مصاريف المدرسة، لكن لا يمكننا أن نعيش حياتك بدلا منك. عليك أن تبذل بعض ~~المجهود. أتفهمني؟» # فأومأ برنارد بالإيجاب. وقال: «أفهمك.» # جلسنا يخيم علينا الصمت بعض الوقت نراقب ملعقة برنارد تدور في الآيس كريم الذي أصبح ~~سائلا. وبدأت أتخيل كم تبدو كلماتي جوفاء في نظر أخي، أخي الذي كان كل ما ارتكبه ~~من ذنب هو أنه ولد على الجانب الخطأ من عالم أبي الممزق. ولم يبد أنه استاء مني ~~لهذا. ليس بعد. لا بد أنه يتساءل فقط لماذا أتظاهر أن قواعدي ستنطبق عليه بشكل ما. ~~فكل ما كان يريده بعض التذكارات لعلاقتنا، ربما شرائط بوب مارلي أو حذاء كرة السلة ~~بمجرد أن أرحل. أشياء قليلة للغاية يطلبها، وأي شيء آخر أقدمه، مثل نصيحة أو توبيخ أو ~~طموحي له، سيبدو أقل شأنا من هذه الأشياء. # أطفأت السيجارة واقترحت أن نذهب. وعندما خرجنا إلى الشارع ألقى برنارد ذراعه حول ~~كتفي. # وقال قبل أن يلوح مودعا ويختفي في الزحام: «من الجميل أن يكون لي أخ كبير قريب ~~مني.» ~~••• # ما معنى العائلة؟ هل هي فقط سلسلة جينية من آباء وذرية، أناس يشبهونني؟ أم أنها بناء ~~اجتماعي ووحدة اقتصادية هي الوضع الأمثل لتربية الأطفال وتقسيم العمل؟ أم أنها شيء آخر ms333 ~~مختلف تماما؛ مخزون من الذكريات المشتركة مثلا؟ نطاق من الحب؟ يد تمتد إليك في ~~الفراغ؟ # وضعت قائمة بالاحتمالات. ولكني لم أتوصل إلى إجابة محددة قط، وكنت أعي مسبقا، ~~نظرا لظروفي، أن مثل هذه المحاولات محكوم عليها بالفشل. وبدلا من ذلك رسمت سلسلة من ~~الدوائر حول نفسي؛ دوائر لها حدود تتغير بمرور الوقت وبتغير الأوجه، ولكنها مع ذلك ~~قدمت لي وهم السيطرة. فهناك دائرة داخلية وبها الحب مستمر والحقوق غير خاضعة للنزاع. ~~ثم دائرة ثانية: عالم من الحب الخاضع للتفاوض حيث الاختيار الحر للالتزام. ثم دائرة من ~~الزملاء والمعارف مثل السيدة البشوشة الوجه التي كسا الشيب شعرها والتي تسجل البضائع ~~على آلة تسجيل النقود في المتجر في شيكاغو. حتى تتسع الدائرة في النهاية لتضم أمة أو ~~عرقا، أو اتجاها أخلاقيا محددا، وفيها لا يعود الالتزام مرتبطا بوجوه أو ~~أسماء، ولكنها في الواقع تكون التزامات أتعهد بها أمام نفسي. # وفي أفريقيا انهار على الفور عالم الدوائر الذي رسمته. فقد كانت العائلة في كل مكان: ~~في المتاجر، في مكتب البريد وفي الشوارع وفي الحدائق، جميعهم يتحدثون ويتجادلون عن ابن ~~أوباما الذي فقد لوقت طويل. وإذا ذكرت بصورة عابرة أنني أحتاج إلى كراسة أو كريم ~~حلاقة، يمكن أن تصر واحدة من عماتي على أن تصحبني إلى ركن ناء في نيروبي كي أشتريه ~~بأرخص سعر، بصرف النظر عما تستغرقه الرحلة، أو كم قد تكون غير مناسبة لها. # وتجد الواحدة منهن تقول: «آه يا باري ... وماذا أهم من مساعدة ابن أخي؟» # وإذا اكتشف أحد أولاد عمومتي أن أوما قد تركتني أتولى أموري بنفسي، فقد يسير مسافة ~~ميلين إلى شقة أوما لمجرد أن هناك احتمالا بعيدا أن أكون هناك وأحتاج إلى ~~رفقة. # وتجد الواحد منهم يقول: «آه يا باري ... لماذا لم تتصل بي؟ تعال معي سأصحبك لتقابل ~~بعض أصدقائي.» # أما الأمسيات فقد استسلمت أنا وأوما لعدد لا ينتهي من الدعوات التي كانت توجه ~~إلينا من أعمامنا وأبناء إخوتنا وأولاد أعمامنا أو أولاد عماتنا، وجميعهم يطلبون منا، ~~مخاطرين ms334 بأن نجرح مشاعرهم، أن نجلس ونتناول الطعام، مهما يكن توقيت الزيارة أو عدد ~~الوجبات التي تناولناها بالفعل. # وتجدهم يقولون: «آه يا باري ... ربما لا يكون لدينا الكثير هنا في كينيا، لكن ما دمت ~~هنا فسيكون لديك دائما شيء لتأكله!» # في البداية كان رد فعلي على كل هذه الرعاية مثل رد فعل طفل تجاه حضن أمه؛ مليء ~~بعرفان تام وبسيط للجميل. وكان ذلك يتفق مع فكرتي عن أفريقيا والأفريقيين، وهو تناقض ~~واضح للعزلة المتزايدة في الحياة الأمريكية، وهو تناقض تفهمته في إطار ثقافي وليس ~~عنصريا. مقياس لما ضحينا به من أجل التكنولوجيا وسهولة الحركة، لكن ذلك المقياس هنا ، ~~كما كان الحال في قرى السكان الأصليين خارج جاكرتا أو قرى أيرلندا أو اليونان، ظل في ~~جوهره كما هو: السعادة الشديدة برفقة الأشخاص الآخرين ومتعة دفء العلاقات ~~الإنسانية. # ومع ذلك بمرور الأيام أصبح القلق والشك يشوبان سعادتي. ويرجع هذا إلى حد ما إلى ما ~~تحدثت عنه أوما تلك الليلة في السيارة؛ إدراك مفاجئ وحاد لثروتي الجيدة نسبيا، ~~والأسئلة المزعجة التي تشير إليها تلك الثروة. ولم تكن المشكلة بالضبط أن أقرباءنا ~~يعانون. فكل من جين وزيتوني لديهما عمل ثابت، وكيزيا تعيش من الدخل الذي يدره عليها ~~بيع الأقمشة في الأسواق. وإذا كان هناك عجز في النقود فيمكن إرسال الأطفال إلى الجزء ~~الداخلي من البلاد لبعض الوقت حيث كان يقيم هناك، كما قيل لي، أخ آخر اسمه آبو، مع ~~عم في كندو باي حيث يوجد دائما عمل يومي للقيام به وطعام على مائدتهم وسقف ~~يظلهم. # ومع ذلك فقد كان الحال في نيروبي سيئا ويزداد سوءا. فكانت الملابس التي يرتدونها ~~غالبا مستعملة، والذهاب للطبيب لا يكون إلا في حالات الطوارئ القصوى. وكان معظم أفراد ~~العائلة من الشباب لا يعملون، ومن بينهم الاثنان أو الثلاثة الذين تمكنوا من أن ~~يتخرجوا في واحدة من جامعات كينيا رغم ظروف المنافسة الصعبة. وإذا ما أصاب المرض جين أو ~~زيتوني، أو إذا ما أغلقت الشركتان اللتان تعملان بهما أبوابهما أو استغنتا ms335 عنهما، فإن ~~الحكومة لن تقدم لهما أي معونة مالية، ولن يبقى سوى العائلة فقط، الأقارب، وهم ~~أشخاص مثقلون بصعاب مماثلة. # ذكرت نفسي في ذلك الوقت بأنني أصبحت جزءا من العائلة، والآن لدي مسئوليات. ولكن ~~ماذا يعني هذا بالضبط؟ في الولايات المتحدة استطعت أن أترجم هذه المشاعر إلى العمل في ~~السياسة وتنظيم المجتمع وإلى نوع محدد من إنكار الذات. أما في كينيا فهذه ~~الاستراتيجيات تبدو أفكارا مجردة بلا أمل، بل حتى منغمسة في ذاتها. فالالتزام بالعمل ~~على منح السود مكانة وسلطة في المجتمع لن يساعد في إيجاد عمل لبرنارد. والإيمان ~~بالديمقراطية القائمة على المشاركة لا يمكن أن يشتري لجين طقم ملاءات جديدا. ولأول مرة ~~في حياتي أجد نفسي أفكر بشدة في النقود؛ افتقاري إليها والسعي للحصول عليها، والسلام ~~البسيط الذي لا يمكن إنكاره والذي بوسعها أن تشتريه. وتمنى جزء مني لو أنني أستطيع أن ~~أكون أهلا للصورة التي تخيلها أقربائي الجدد لي: محام في شركة أو رجل أعمال أمريكي ~~أضع يدي على الصمام ومستعد لأن أمطر عليهم من ثروات الغرب. # ولكني بالطبع لم أكن أيا من الاثنين، وحتى في الولايات المتحدة تتضمن الثروة موازنة ~~بين أشياء لا تجتمع معا لمن لم يولد في حضن هذه الثروة، وهو النوع نفسه من الموازنة ~~التي أرى أن أوما تقوم بها الآن، وهي تحاول، بطريقتها الخاصة، أن تحقق توقعات ~~العائلة. فكانت في ذلك الصيف تعمل بوظيفتين؛ تدرس في دورات لتعليم اللغة الألمانية ~~لرجال الأعمال الكينيين إلى جانب وظيفتها في الجامعة. ولم تكن تريد أن تستخدم المال ~~الذي ادخرته في إصلاح منزل الجدة في أليجو فحسب، بل أرادت أيضا أن تشتري قطعة أرض حول ~~نيروبي، شيئا تزداد قيمته بمرور الزمن، وقاعدة تبدأ منها عملية البناء. كان لديها خطط ~~وجداول وميزانيات ومواعيد لإنجاز العمل، وهي جميع الأشياء التي تعلمت أنها مطلوبة ~~للتعامل مع العالم الحديث. المشكلة أن هذه الجداول كانت تعني أيضا الابتعاد عن شئون ~~العائلة، وميزانيتها تعني الاعتذار عن الطلبات الدائمة للنقود التي كانت توجه إليها. ms336 ~~وعندما يحدث هذا - عندما أصرت على الذهاب إلى منزلها قبل أن تقدم جين العشاء لأن ~~الاجتماع العائلي بدأ متأخرا ساعتين عن موعده، أو عندما رفضت أن تترك ثمانية أشخاص ~~يتكدسون في سيارتها لأنها مصممة لاستيعاب أربعة أشخاص فقط، وأن هذا سيمزق المقاعد ~~- تجد نظرات الجراح الصامتة، التي لا تختلف كثيرا عن نظرات الاستياء، تبرق في جميع ~~أنحاء الغرفة. لقد كان قلقها واستقلالها واستعدادها الدائم لأن تفكر في المستقبل، جميع ~~هذه الأشياء صدمت العائلة على أنها غير طبيعية بطريقة ما. غير طبيعية ... وغير ~~أفريقية. # إنها المعضلة نفسها التي طرحها أمامي فرانك العجوز تلك السنة التي تركت فيها هاواي ، ~~التوتر نفسه الذي قد يشعر به بعض الأطفال في ألتجيلد إذا كانوا يستمتعون بشدة بأداء ~~واجباتهم المدرسية، الشعور الغريب بذنب النجاح نفسه الذي أتوقع الشعور به إذا ما ~~حاولت كسب النقود والمرور بحشود الشباب السود في زوايا الشوارع وأنا أسلك طريقي إلى ~~مكتب في وسط المدينة. فبدون قوة للجماعة، بل جماعة أكبر حتى من العائلة الكبيرة، فإن ~~نجاحنا يهدد دائما أن يترك آخرين خلفنا. وربما تكون هذه الحقيقة هي التي تركتني غير ~~مستقر - حقيقة أنه حتى هنا في أفريقيا الأنماط نفسها التي تدفع المرء إلى الجنون هي ~~التي تفرض سلطانها، وأنه لا أحد هنا يستطيع أن يخبرني ما الذي تتطلبه صلة القرابة، أو ~~كيف يمكن التوفيق بين هذه المطالب وفكرة اتحاد البشر الأكبر. كان الأمر كما لو أننا، ~~أنا وأوما وروي وبرنارد، نختلقها ونحن نتقدم في طريقنا. كما لو أن الخريطة التي قد ~~تكون قاست في يوم من الأيام اتجاه وقوة حبنا، والشفرة التي من الممكن أن تفتح الحظ ~~الوافر لنا، فقدت قبل وقت طويل، دفنت مع أجدادنا تحت الأرض الصامتة. ~~••• # قرب نهاية أسبوعي الأول في نيروبي اصطحبتني زيتوني لزيارة عمتي الأخرى سارة. وظلت ~~أوما غير راغبة في الذهاب، ولكن نظرا لأنه اتضح أن الميكانيكي الذي يصلح سيارتها يعيش ~~بالقرب من سارة، فقد عرضت علينا أن تقلنا إلى الورشة، وقالت إنه من هناك ms337 يمكننا ~~الذهاب سيرا. وفي صباح يوم السبت ذهبنا أنا وأوما لاصطحاب زيتوني واتجهنا شرقا مرورا ~~بمبان أسمنتية وقطع أراض جافة بها قاذورات، حتى وصلنا في النهاية إلى حافة واد واسع ~~معروف باسم «ماثار». أوقفت أوما السيارة ونظرت أنا من النافذة لأرى بالأسفل الجزء ~~الفقير من المدينة، والأميال الممتدة من الأسطح المتموجة التي تومض تحت أشعة الشمس مثل ~~أوراق طافية من نبات زنبق الماء الأبيض وهي تنبعج وتغطس في تسلسل مستمر عبر أرض ~~الوادي. # فسألتها: «كم عدد الناس الذين يعيشون هناك؟» # هزت أوما كتفيها واستدارت إلى عمتنا. وقالت: «كم تظنين يا عمتي؟ ربما نصف ~~مليون؟» # هزت زيتوني رأسها . وقالت: «كان ذلك الأسبوع الماضي. لا بد أن الرقم وصل إلى مليون ~~هذا الأسبوع.» # أعادت أوما تشغيل محرك السيارة. وقالت: «لا أحد يعلم عن يقين يا باراك.» وتابعت: ~~«فعدد سكان هذا المكان يزداد طوال الوقت. فالناس يتدفقون إلى هنا من الريف بحثا عن ~~عمل وينتهي بهم الحال إلى البقاء هنا للأبد. ولبعض الوقت حاول مجلس المدينة إزالة ~~المستوطنة. وقالوا إن لها مخاطر صحية، وإساءة إلى صورة كينيا. وجاءت الجرافات وفقد ~~الناس ما كانوا يملكون من أشياء قليلة. ولكن بالطبع لم يكن لديهم مكان آخر يذهبون ~~إليه. وبمجرد أن غادرت الجرافات أعاد الناس بناء كل شيء كما كان.» # توقفنا أمام كوخ منحدر مصنوع من الصفيح ظهر منه ميكانيكي وعدد من عماله للاعتناء ~~بسيارة أوما. تركت أنا وزيتوني أوما في الورشة بعد أن وعدناها أن نعود في غضون ساعة، ~~وبدأنا نسلك طريقنا في طريق واسع غير معبد. كان الجو حارا بالفعل، والطريق خاليا ~~تماما من أي ظلال، وعلى كلا جانبيه صفوف من الأكواخ الصغيرة جدرانها مزيج من الأغصان ~~الرقيقة المجدولة والطمي وأجزاء من الورق المقوى ورقائق الخشب التي يحصلون عليها من ~~البحث في القمامة. ومع ذلك فالمنازل مرتبة والأرض الترابية أمام كل منزل نظيفة، وفي ~~كل مكان خياطون ومصلحو أحذية ومصنعو أثاث ينخرطون في عملهم خارج أكشاك على جانب ~~الطريق، ونساء وأطفال يبيعون الخضراوات التي ms338 يضعونها فوق مناضد خشبية متهالكة. # وفي النهاية وصلنا إلى إحدى حواف وادي ماثار، حيث كانت تقف سلسلة من المباني ~~الخرسانية على طول طريق معبد. وكان ارتفاع المباني ثمانية طوابق وربما وصل إلى اثني ~~عشر طابقا، ومع ذلك فهي غير مكتملة البناء بصورة تثير الفضول؛ فالدعامات الخشبية ~~والأسمنت الجاف متروكان في العراء كما لو أن هذه المباني تعرضت لقصف جوي. دخلنا أحد ~~هذه المباني وصعدنا سلالم ضيقة، ثم وجدنا أنفسنا في نهاية رواق طويل غير مضاء، وفي ~~الطرف الآخر رأينا فتاة مراهقة تعلق الملابس كي تجف في شرفة أسمنتية صغيرة. ذهبت ~~زيتوني لتتحدث إلى الفتاة التي قادتنا دون أن تتفوه ببنت شفة إلى باب منخفض ~~متهالك. طرقنا الباب فخرجت سيدة سوداء في منتصف العمر قصيرة القوام ولكن قوية البنيان، ~~لها عينان لامعتان قاسيتان تستقران في وجهها الكبير النحيف، وقد أمسكت يدي وقالت شيئا ~~بلغة قبيلة لوو. # فترجمت زيتوني قائلة: «إنها تقول إنها تشعر بالخجل لأن ابن أخيها يراها هنا في مثل ~~هذا المكان البائس.» # دلفنا إلى غرفة صغيرة مساحتها 10 × 12 قدما لكنها تستوعب فراشا وخزانة ذات أدراج ~~وكرسيين وماكينة خياطة. اتخذت أنا مقعدا وزيتوني المقعد الآخر، وعادت الشابة التي ~~أدخلتنا إلى غرفة سارة ومعها كوبان من المياه الغازية الدافئة. جلست سارة على السرير ~~وانحنت للأمام لتتفرس ملامح وجهي. وكانت أوما قد أخبرتني أن سارة تعرف بعض الإنجليزية ~~ولكنها كانت تتحدث بلغة قبيلة لوو معظم الوقت. وحتى دون ترجمة زيتوني استطعت أن استشف ~~أنها غير سعيدة. # شرحت زيتوني قائلة: «إنها تريد أن تعرف لماذا استغرقت كل هذا الوقت كي تأتي ~~لزيارتها.» وتابعت: «إنها تقول إنها أكبر أولاد جدك حسين أونيانجو، وكان يجب أن تأتي ~~لزيارتها أولا.» # قلت وأنا أنظر إلى سارة لكن دون أن أكون واثقا ماذا تفهم: «أخبريها أنني لم أقصد ~~إظهار عدم الاحترام.» وتابعت: «لقد كنت مشغولا للغاية منذ وصولي، وكان من الصعب أن آتي ~~قبل الآن.» # أصبحت نبرة سارة حادة. فقالت زيتوني: «إنها تقول إن من تمكث لديهم ms339 يخبرونك ~~بأكاذيب.» ~~«أخبريها أنني لم أسمع شيئا يسيء إليها. وأخبريها أن النزاع حول الميراث الذي تركه ~~أبي جعل أوما لا تشعر بالارتياح لفكرة قدومها معي إلى هنا.» # أصدرت سارة صوتا يعبر عن ازدرائها بعد الترجمة، وبدأت تتحدث من جديد بصوت صاخب ~~تردده الجدران القريبة. وفي النهاية عندما توقفت ظلت زيتوني صامتة. ~~«ماذا قالت يا زيتوني؟» # ظلت عينا زيتوني معلقة على سارة وهي تجيب سؤالي. «تقول إن المحاكمة ليست خطأها. بل ~~خطأ كيزيا، والدة أوما. وتقول إن الأطفال الذين يدعون أنهم أولاد أوباما ليسوا ~~أولاده. وتقول إنهم أخذوا كل شيء وتركوا أهله الحقيقيين يعيشون مثل المتسولين.» # أومأت سارة برأسها وبدأت عيناها تشتعلان غضبا. ثم قالت فجأة بالإنجليزية: «نعم يا ~~باري.» وتابعت: «أنا التي اعتنيت بأبيك وهو صبي صغير. ووالدتي أكومو هي أيضا والدة ~~أبيك. أكومو هي جدتك الحقيقية وليس تلك التي تخاطبها بلقب الجدة. أكومو هي المرأة ~~التي منحت والدك الحياة، ويجب أن تساعدها. وأنا أخت والدك، انظر كيف أعيش. لماذا لا ~~تساعدنا بدلا من مساعدة أولئك الآخرين؟» # قبل أن أتمكن من الرد، بدأت زيتوني وسارة تتناقشان بلغة لوو. وفي النهاية نهضت ~~زيتوني وعدلت من هندامها. # وقالت: «يجب أن نذهب الآن يا باري.» # شرعت في النهوض من على مقعدي، لكن سارة أمسكت يدي بكلتا يديها، وبدأ صوتها ~~يرق. # قالت: «ألن تعطيني شيئا؟ من أجل جدتك؟» # أخرجت محفظتي وشعرت بعيني السيدتين تراقبانني وأنا أعد النقود التي كانت معي، ربما ~~ما يساوي 30 دولارا من الشلنات. ووضعتهم في يد سارة الجافة المشققة، فأسرعت هي بوضعها ~~في صدر قميصها قبل أن تعود وتمسك بيدي مرة أخرى. # وتقول: «ابق هنا يا باري. يجب أن تقابل ...» # ولكن زيتوني قاطعتها قائلة: «يمكنك أن تعود مرة أخرى يا باري.» وتابعت: «هيا ~~بنا.» # وفي الخارج كان هناك ضوء أصفر غائم ينير الطريق، وكانت ملابسي شبه مبتلة على جسدي في ~~ذلك الجو الحار الذي يفتقر إلى الهواء. كانت زيتوني هادئة، والغضب واضح على ملامحها؛ ~~فقد كانت سيدة تعتز بنفسها ولا ms340 بد أن ذلك المشهد مع سارة قد أحرجها. ثم إنها، على حسب ~~علمي، كان يمكنها الانتفاع بالثلاثين دولارا ... # سرنا لمدة 10 دقائق قبل أن أسأل زيتوني عما كانت تتجادل هي وسارة بشأنه. # فقالت: «لا شيء يا باري. هذا ما يحدث مع السيدات العجائز اللائي يعشن دون أزواج.» ~~وحاولت أن تبتسم ولكن التوتر منع شفتيها من الانفراج. ~~«أخبريني الحقيقة يا عمتي.» # هزت زيتوني رأسها. وقالت: «أنا لا أعلم أساسا ما الحقيقة. أو على الأقل لا أعلم ~~الحقيقة كاملة. فأعرف أنه حتى عندما كبرنا، كانت سارة دائما أقرب إلى أمها الحقيقية ~~أكومو. أما باراك فقد كان يهتم فقط بوالدتي أنا، التي تخاطبها بلقب الجدة، التي ~~ربتهم بعد أن رحلت أكومو.» ~~«ولماذا رحلت أكومو؟» ~~«لا أدري. يجب أن تسأل الجدة عن هذا.» # أشارت زيتوني كي نعبر الشارع، ثم استأنفت الحديث. قالت: «أتعرف، كان والدك وسارة ~~متشابهين للغاية، مع أنهما لم يكونا متفقين دائما. كانت ذكية مثله. وكانت مستقلة. ~~واعتادت أن تخبرني عندما كنا أطفالا أنها تريد أن تتعلم حتى لا تضطر للاعتماد على أي ~~رجل، ولهذا انتهى بها الحال إلى الزواج من أربعة رجال، ولم يستمر أحد منهم معها. فقد ~~مات الأول أما الثلاثة الآخرون فقد تركتهم لأنهم كانوا كسالى أو حاولوا استغلالها. وأنا ~~معجبة بها من أجل هذا. فمعظم الكينيات يتكيفن مع أي وضع. أنا فعلت هذا وقتا طويلا. ~~لكن سارة أيضا دفعت ثمن استقلال شخصيتها.» # مسحت زيتوني العرق من على جبينها بظهر يدها. واستأنفت: «على أية حال، بعد موت زوج ~~سارة الأول قررت أن والدك يجب أن يتولى الإنفاق عليها هي وطفلها نظرا لأنه هو من حظي ~~بفرصة التعليم. ولهذا تكره كيزيا وأطفالها. فكانت تظن أن كيزيا مجرد فتاة جميلة تريد أن ~~تأخذ كل شيء. ويجب أن تفهم يا باري أنه في عادات قبيلة لوو الذكر يرث كل شيء. وخشيت ~~سارة أنه بمجرد أن يموت جدك فإن كل شيء سيئول إلى باراك وزوجاته، وهي لن تحصل على ~~شيء.» # هززت رأسي. وقلت: ms341 «ولكن هذا ليس مبررا للكذب فيما يخص أبناء أبي.» ~~«إنك على حق. ولكن ...» ~~«ولكن ماذا؟» # توقفت زيتوني عن السير. والتفتت إلي. وقالت: «بعد أن رحل أبوك ليعيش مع زوجته ~~الأمريكية روث ... نعم، كان يذهب إلى كيزيا في بعض الأحيان. ويجب أن تفهم أنها طبقا ~~للعادات كانت لا تزال زوجته. وفي أثناء إحدى تلك الزيارات أصبحت كيزيا حاملا في آبو، ~~الأخ الذي لم تقابله. والمشكلة أن كيزيا عاشت مع رجل آخر وقتا قصيرا في ذلك الوقت. ~~لذا عندما أصبحت حاملا مرة أخرى، هذه المرة في برنارد، لم يكن أحد واثقا من يكون ~~...» توقفت زيتوني وتركت الفكرة تكمل نفسها. ~~«وهل يعرف برنارد هذا ؟» ~~«نعم، إنه يعرفه الآن، ومثل هذه الأشياء لم تشكل فارقا مع أبيك. فكان يقول إنهم ~~جميعا أولاده. فأبعد ذلك الرجل الذي كانت كيزيا تعرفه، وكان يمنح كيزيا النقود لتنفق ~~على الأطفال كلما استطاع. ولكن بمجرد أن توفي لم يكن هناك شيء يثبت أنه قد اعترف بهم ~~بهذه الطريقة.» # انعطفنا عند زاوية إلى طريق أكثر ازدحاما. وأمامنا رأينا معزاة حاملا كانت ~~تصدر صوت ثغاء وهي تبتعد مسرعة عن طريق عربة ماتاتو. وعلى الجانب الآخر من الطريق كانت ~~هناك فتاتان صغيرتان ترتديان زي مدرسة لونه أحمر باهت، ورأساهما المستديران شبه خاليين ~~من الشعر، وتمسك كلتاهما بيد الأخرى وتغنيان وهما تقفزان فوق بالوعة. وأشارت لنا سيدة ~~متقدمة في العمر تغطي رأسها بشال باهت اللون كي نذهب ونرى بضائعها التي تتكون من ~~علبتين تحتويان على فاصوليا مجففة، وكومة منظمة من الطماطم وسمك مجفف يتدلى من سلك ~~يشبه سلسلة من العملات الفضية. نظرت إلى وجه السيدة العجوز الذي يختبئ أسفل الظلال. ~~وتساءلت من تكون هذه السيدة؟ جدتي؟ شخص غريب؟ وماذا عن برنارد، هل يجب أن تختلف ~~مشاعري تجاهه الآن؟ ثم نظرت إلى محطة الحافلة حيث كانت جموع من الشباب تتدفق إلى ~~الشارع، وجميعهم طوال القامة وسود البشرة ونحيفو القوام، وعظامهم بارزة من ثيابهم. ~~وفجأة تخيلت وجه برنارد عليهم جميعا، يتضاعف على مرمى البصر، وعبر ms342 القارات. جميعهم ~~رجال جياع مكافحون يائسون وجميعهم إخوتي ... ~~«لعلك ترى الآن ما الذي عاناه والدك!» ~~«ماذا؟» مسحت عيني ورفعت بصري لأجد أن عمتي تحدق في. # وكررت: «نعم يا باري، لقد عانى والدك.» وتابعت: «وأنا أقول لك إن مشكلته أن قلبه كان ~~كبيرا أكثر مما ينبغي. عندما كان حيا كان يعطي أي شخص يطلب منه. وجميعهم كانوا ~~يطلبون. أتعرف لقد كان من أوائل من درسوا في الخارج في المنطقة كلها. والناس هنا في ~~أرض الوطن لم يعرفوا أي شخص استقل طائرة من قبل. لذا فقد توقعوا كل شيء منه. ~~وكانوا يرددون: «باراك، لقد أصبحت رجلا عظيم الشأن الآن يجب أن تمنحني شيئا . يجب أن ~~تساعدني.» ودائما مثل هذه الضغوط من العائلة. ولم يستطع أن يقول لا، فقد كان كريما ~~للغاية. حتى أنا كان عليه أن يعتني بي عندما أصبحت حاملا، بعد أن خابت آماله في. فقد ~~أرادني أن ألتحق بالجامعة. لكنني لم أطعه، وبدأت علاقتي بزوجي. ومع ذلك فعندما أصبح ~~زوجي عنيفا وعلي أن أتركه وأنا لا أملك نقودا ولا عملا، من تظن أنه تولى رعايتي؟ ~~نعم، إنه أبوك. لهذا بصرف النظر عما يقوله عنه الآخرون في بعض الأحيان فسأظل ممتنة له ~~دائما.» # كنا نقترب من الورشة، ورأينا أوما تتحدث إلى الميكانيكي وسمعنا صوت محرك السيارة ~~القديمة يئن. وإلى جوارنا ولد صغير عاري الجسد، ربما في الثالثة من عمره، يتجول خلف ~~صف من براميل الزيت، وقدماه مغطاتان بما يشبه القطران. ومرة أخرى توقفت زيتوني، هذه ~~المرة كما لو أنها مريضة، وبصقت على التراب. # وقالت: «عندما تغير حظ أبيك، نسيه أولئك الذين كان يساعدهم، وضحكوا عليه. حتى أفراد ~~العائلة رفضوا أن يستضيفوه ليمكث في منازلهم. نعم يا باري! رفضوا! وقالوا لباراك إن هذا ~~أمر خطير جدا. وكنت أعلم أن هذا يجرح مشاعره ولكنه لم يكن يلوم أحدا. فوالدك لم يشعر ~~بالضغينة قط تجاه أحد. وفي الحقيقة عندما استرد أبوك اعتباره وعادت حياته تسير على ما ~~يرام مرة أخرى، اكتشفت أنه يساعد أولئك ms343 الذين تخلوا عنه. ولم أفهم لماذا يفعل هذا. ~~فكنت أقول له: «باراك يجب أن تعتني بنفسك وأطفالك فقط! هؤلاء الآخرون عاملوك معاملة ~~سيئة. إنهم مجرد كسالى لا يودون العمل بأنفسهم»، وهل تعلم ماذا كان يقول لي؟ كان يقول: ~~«وكيف تعرفين أن هذا الشخص لا يحتاج إلى هذا الشيء البسيط أكثر مني؟» # استدارت عمتي مبعدة وجهها ولوحت لأوما وهي تجبر نفسها على الابتسام. وعندما بدأنا ~~نتقدم مرة أخرى، أضافت: «إنني أخبرك بهذا حتى تعرف الضغط الذي تعرض له والدك في هذا ~~المكان. حتى لا تكون قاسيا في الحكم عليه. ويجب أن تتعلم من حياته. تتعلم أنه إذا كان ~~لديك شيء فإن الجميع سيريدون جزءا منه. لذا عليك أن تضع حدودا. فإذا كان الجميع من ~~عائلتك فلا عائلة لك. وأظن أن والدك لم يفهم هذا قط.» ~~••• # أتذكر حوارا دار في شيكاغو عندما كنت لا أزال أعمل في تنظيم المجتمع. كان الحوار ~~مع سيدة نشأت في عائلة كبيرة من منطقة ريفية في جورجيا. وأخبرتني أنهم كانوا خمسة إخوة ~~وثلاث أخوات، جميعهم يحتشدون تحت سقف واحد. وأخبرتني عن مجهودات أبيها غير المجدية ~~لزراعة قطعة صغيرة من الأرض، وزراعة والدتها للخضراوات، والخنزيرين اللذين كانا ~~يربيانهما في الفناء، والرحلات مع إخوتها للصيد في المياه الموحلة لنهر قريب. وعندما ~~استمعت إليها وهي تتحدث بدأت أدرك أن اثنتين من الأخوات الثلاث توفيتا عند ميلادهما، ~~لكنهما ظلتا في عقل تلك السيدة دائما، أرواح بأسماء وأعمار وشخصيات؛ أختان كانتا معها ~~وهي تسير إلى المدرسة أو تقوم بالأعمال المنزلية، تخففان عنها عندما تبكي وتهدئان من ~~روعها. فلم تكن العائلة عند تلك السيدة أبدا كيانا يضم الأحياء فقط. بل إن الأموات ~~أيضا لديهم حقوق، وأصواتهم تشكل مسار أحلامها. # وهكذا كان الأمر لي في ذلك الوقت، فأذكر أنه بعد أيام قليلة من زيارتي لسارة، صادفت ~~أحد معارف أبي من بنك باركليز في الخارج. وفهمت أن أوما لم تكن تذكر اسمه؛ لذا فقد مددت ~~يدي لأصافحه وقدمت نفسي. فابتسم الرجل وقال: «يا إلهي، لقد ms344 أصبحت طويلا للغاية. كيف ~~حال والدتك؟ وأخوك مارك، هل تخرج في الجامعة بعد؟» # في البداية شعرت بالحيرة. فهل كنت أعرف هذا الشخص؟ ثم شرحت له أوما بصوت منخفض أنني ~~أخ غير ذلك الذي يتحدث عنه، وأن اسمي باراك ونشأت في أمريكا وأنني ابن أم أخرى. ~~ديفيد قد توفي. وأصبح الموقف غريبا لجميع الأطراف، فأومأ الرجل برأسه (وقال: «أنا ~~آسف، لم أكن أعلم») ولكن عاد ونظر إلي مرة أخرى كما لو أنه يتأكد أن ما سمعه حقيقي، ~~وحاولت أوما أن تبدو كما لو أن الموقف، مع أنه حزين، من الأمور المأسوية الطبيعية، أما ~~أنا فوقفت على الجانب أتساءل كيف يشعر المرء بعد أن يخطئ الآخرون ويظنوه شبحا. # وبعد ذلك عندما عدنا إلى الشقة سألت أوما متى كانت آخر مرة رأت فيها مارك وروث. ~~فأمالت رأسها على كتفي ونظرت إلى السقف. # وقالت: «في جنازة ديفيد.» وتابعت: «مع أنهما في ذلك الوقت كانا قد توقفا عن ~~التحدث إلينا منذ وقت طويل.» ~~«لماذا؟» ~~«أخبرتك أن طلاق روث من أبي كان شيئا مريرا. وبعد انفصالهما تزوجت من رجل تنزاني ~~وجعلت مارك وديفيد يحملان اسمه. وأرسلتهما إلى مدرسة دولية وتربيا مثل الأجانب، ~~وأخبرتهما أنهما يجب ألا تربطهما أية علاقة بجانبنا من العائلة.» # ثم تنهدت أوما. واستأنفت: «لا أعلم، ربما لأن مارك كان أكبر سنا، أصبح يشارك روث ~~موقفها ولم يكن له أي اتصال بنا بعد ذلك. ولكن لسبب ما، بمجرد أن أصبح ديفيد مراهقا ~~بدأ يثور على روث. وأخبرها أنه أفريقي، وبدأ يطلق على نفسه أوباما. وفي بعض الأحيان كان ~~يتسلل من المدرسة لزيارة أبي وباقي أفراد العائلة، وكانت هذه هي الطريقة التي عرفناه ~~بها. وأصبح الأخ المفضل للجميع. فقد كان لطيفا للغاية ومرحا، وإن كان طائشا في بعض ~~الأحيان. # حاولت روث أن تلحقه بمدرسة داخلية، على أمل أن ذلك سيجعله يستقر. ولكن انتهى الأمر ~~بديفيد هاربا ولم يره أحد لأشهر. وبالصدفة التقى به روي في مباراة رجبي. كان قذر ~~الهيئة نحيف الجسد يتسول النقود من ms345 الغرباء. وعندما رأى روي أخذ يضحك ويتفاخر بحياته ~~في الشوارع، يبيع الحشيش مع أصدقائه. وقد أخبره روي أن يعود إلى المنزل لكنه رفض؛ لذا ~~فقد اصطحبه إلى شقته وأرسل لروث يخبرها أن ابنها بأمان وأنه يمكث عنده. وعندما سمعت روث ~~بهذا شعرت بالارتياح لكنها استشاطت غضبا أيضا، وترجت ديفيد أن يعود، وعندما رفض مرة ~~أخرى قبلت ضمنيا الاتفاق مع روي على أمل أن يغير ديفيد رأيه في النهاية.» # ارتشفت أوما من كوب الشاي الخاص بها. واستأنفت: «وفي ذلك الوقت توفي ديفيد. عندما ~~كان يعيش مع روي. وقد فطر موته قلب الجميع، ولا سيما روي. فقد كانا مقربين حقا. لكن ~~روث لم تفهم ذلك قط. فظنت أننا أفسدنا ديفيد. وسرقنا ابنها منها. ولا أظن أنها قد ~~سامحتنا قط على ذلك.» # قررت أن أتوقف عن الكلام عن ديفيد بعد ذلك، ورأيت أن تلك الذكريات كانت أليمة ~~للغاية على أوما. لكن بعد أيام قليلة عدت أنا وأوما إلى المنزل ووجدنا سيارة تنتظرنا ~~خارج المبنى، وسلمها السائق الأسمر البشرة - الذي تبرز تفاحة آدم من عنقه بشدة - ~~خطابا. # سألتها: «ما هذا؟» # فأجابت: «إنها دعوة من روث.» وتابعت: «فقد عاد مارك من أمريكا لقضاء الصيف. وتريد أن ~~تدعونا على الغداء.» ~~«أتريدين الذهاب؟» # هزت أوما رأسها وظهرت نظرة ازدراء على وجهها. وقالت: «إن روث تعرف أنني هنا منذ نحو ~~ستة أشهر. وهي لا تهتم بي. السبب الوحيد في دعوتها لنا أنها تشعر بفضول تجاهك. وتريد أن ~~تقارنك بمارك.» # فقلت بهدوء: «أظن أنه ربما يجب أن أذهب.» # نظرت أوما إلى الدعوة مرة أخرى، ثم أعادتها إلى السائق وقالت له شيئا باللغة ~~السواحيلية. ثم قالت: «سنذهب نحن الاثنين»، ثم دخلنا إلى الشقة. # كانت روث تعيش في ويستلاندز وهي مقاطعة من المنازل الباهظة يفصل بينها مساحة كبيرة من ~~الأعشاب والحواجز التي تتولى حراسة كل منها نقطة حراسة بها حراس يرتدون زيا بنيا ~~موحدا. كانت السماء تمطر ونحن ذاهبون بالسيارة إلى المنزل، وترسل رذاذا رقيقا عبر ~~الأشجار الكبيرة المورقة. وقد ذكرتني ms346 تلك البرودة بالشوارع حول بوناهو ومانوا ~~وتنتالوس، وهي الشوارع التي كان يقطن بها بعض زملائي الأثرياء في هاواي. وفكرت وأنا ~~أحدق من نافذة سيارة أوما في مشاعر الحسد التي كنت أشعر بها تجاه أولئك الزملاء كلما ~~دعوني للعب في الأفنية الخلفية الواسعة لمنازلهم أو للسباحة في حمامات السباحة الخاصة ~~بهم. وإلى جانب ذلك الحسد هناك انطباع مختلف: إحساس اليأس الهادئ الذي كانت تحويه تلك ~~المنازل الجميلة الكبيرة. وصوت شقيقة أحدهم تبكي برفق خلف الباب. ومشهد إحدى الأمهات ~~وهي تحتسي خلسة كأسا من الخمر القوي بعد الظهر. والتعبير على وجه الأب وهو يجلس وحده ~~في غرفته، وملامحه المتحفزة وهو يقلب بين مباريات كرة القدم بين الجامعات التي تعرض في ~~التليفزيون. إنه انطباع بالوحدة الذي من المحتمل ألا يكون صحيحا، فربما يكون إسقاطا ~~من داخلي فقط، لكنه في كلتا الحالتين كان يجعلني أشعر برغبة في الهروب، مثلما فعل ديفيد ~~الذي كان المحيط يفصل بيني وبينه، عائدا إلى السوق والشوارع المزدحمة، عائدا إلى ~~الفوضى والضحكات التي تؤدي إليها تلك الفوضى، عائدا إلى نوع الألم الذي يستطيع صبي أن ~~يفهمه. # وصلنا إلى أحد المنازل المتواضعة في المجمع، وأوقفنا السيارة عند منحنى طريق دائري. ~~خرجت سيدة بيضاء، لها فك واسع وشعر بدأ في المشيب، من المنزل لتستقبلنا. وخلفها رجل ~~أسود البشرة في مثل طولي ولون بشرتي، وشعره كثيف يطلقه على النمط الأفريقي، ويضع نظارة ~~لها إطار بارز. # قالت روث: «تفضلا، تفضلا!» تصافحنا نحن الأربعة بجفاء. ودخلنا إلى غرفة معيشة ~~كبيرة حيث كان هناك رجل أسود أصلع مسن يرتدي سترة سفاري ويهدهد صبيا صغيرا على ~~حجره بقذفه لأعلى. قالت روث: «هذا زوجي، وهذا جوي أخو مارك الصغير.» # قلت وأنا أنحني لأصافح الطفل: «مرحبا يا جوي!» كان صبيا جميلا له بشرة بلون العسل ~~وسنتاه الأماميتان مفقودتان. داعبت روث شعره الكبير المعقوص، ثم نظرت إلى زوجها وقالت: ~~«ألستما في طريقكما إلى النادي؟» # نهض الرجل وقال: «نعم، تعال يا جوي.» وتابع: «تعال يا جوي ... كان من اللطيف ~~مقابلتكما.» نهض ms347 الصبي بسرعة وحدق في وفي أوما بابتسامة مشرقة فضولية حتى التقطه أبوه ~~وحمله متجها إلى الباب. # قادتنا روث إلى الأريكة وصبت لنا عصير الليمون. وقالت: «حسنا، ها نحن.» وتابعت: ~~«يجب أن أقول إنها كانت مفاجأة حقا أن نعرف أنك هنا يا باري. فأخبرت مارك أننا يجب أن ~~نرى ما أصبح عليه ابن أوباما الآخر. اسمك أوباما، أليس كذلك؟ ولكن والدتك تزوجت مرة ~~أخرى. لا أدري لماذا جعلتك تحتفظ باسمك؟» # ابتسمت كما لو أنني لم أفهم السؤال. وقلت وأنا ألتفت إلى أخي: «مارك، سمعت أنك في ~~بيركلي.» # فصحح لي قائلا: «بل ستانفورد». كان صوته عميقا، ويتحدث بلكنة أمريكية صحيحة. ~~وقال: «أنا في عامي الأخير من دراسة الفيزياء هناك.» # فقالت أوما: «لا بد أنه صعب.» # فهز مارك كتفيه. وقال: «ليس في الواقع.» # فقالت روث: «لا تكن شديد التواضع يا عزيزي. الأشياء التي يدرسها مارك معقدة للغاية ~~وعدد قليل للغاية فقط من الناس يفهمونها حقا.» وربتت على يد مارك ثم التفتت إلي. ~~قالت: «سمعت أنك ستلتحق بجامعة هارفارد يا باري. بالضبط مثل أبيك. لا بد أنك تتمتع ~~بذكائه. ولكن آمل ألا تكون ورثت عنه بقية صفاته. أنت تعلم أن أوباما كان مجنونا إلى ~~حد ما، أليس كذلك؟ واحتساء الكحول جعل الأمور أسوأ. هل قابلته قط؟ أعني ~~أوباما؟» ~~«مرة واحدة. عندما كنت في العاشرة من عمري.» ~~«لقد كنت محظوظا إذن. وعلى الأرجح هذا يفسر السبب وراء نجاحك.» # هكذا مرت الساعات التالية وروث تتبادل رواية قصص عن فشل أبي وقصص عن إنجازات مارك. ~~وكانت الأسئلة توجه إلي، تاركة أوما تتناول بعصبية وصمت اللازانيا التي قدمتها ~~روث. وأردت أن أغادر بمجرد أن تنتهي الوجبة، لكن روث اقترحت أن يرينا مارك ألبوم ~~العائلة وتحضر هي الحلويات. # قال مارك: «أنا واثق أنهما غير مهتمين بهذا الأمر يا أمي.» # فقالت روث: «إنهما مهتمان بالطبع.» ثم أصبح صوتها بعيدا بشكل غريب عندما قالت: «إنه ~~يحتوي على صور لأوباما، منذ صغره ...» # تبعنا مارك إلى خزانة الكتب وجذب ألبوم صور كبيرا. وجلسنا ms348 معا على الأريكة نتصفح ~~الصور. شاهدنا صورا لأوما وروي، ببشرتهما السوداء وأجسادهما النحيلة الطويلة وسيقانهما ~~وعيونهما الكبيرة، يحملان الطفلين الصغيرين بحرص بين ذراعيهم. ثم صور لأبي وروث ~~يذاكران على شاطئ في مكان ما. وصور للعائلة بأكملها وهي ترتدي ملابس السهرة لقضاء ~~الأمسية في الخارج بالمدينة. كانت جميعها مشاهد سعيدة ومألوفة بصورة غريبة، كما لو أنني ~~كنت ألمح عالما بديلا وجد وانتهى وأنا غير موجود. أدركت أنها كانت انعكاسات للأوهام ~~التي كانت تستقر في نفسي منذ زمن بعيد، أوهام ظلت أسرارا حتى عن نفسي. وهم أن أبي ~~اصطحبني أنا وأمي معه إلى كينيا. وأمنية أن يكون الأب والأم والإخوة والأخوات جميعا في ~~منزل واحد. وفكرت في نفسي أنني أرى بعيني ما كان من الممكن أن يحدث. وقد جعلني إدراك ~~مدى السوء الذي وصلت إليه الأمور والدليل القاسي على النهج الحقيقي الذي سارت عليه ~~الحياة بالفعل حزينا للغاية، حتى إنني بعد بضع دقائق أبعدت ناظري. # وفي طريق العودة اعتذرت لأوما لأنني وضعتها في مثل هذا المأزق. لكنها تجاهلت المسألة. # وقالت: «كان من الممكن أن تكون الأمور أسوأ.» وتابعت: «ومع ذلك فإنني أشعر بالأسف تجاه ~~مارك. إنه يبدو وحيدا للغاية. أتعرف، ليس من السهل أن تكون طفلا لأبوين من عرقين ~~مختلفين في كينيا.» # نظرت من النافذة، وفكرت في أمي وجدتي وجدي، ومدى شعوري بالامتنان تجاههم من أجل ~~ما كانوا عليه والقصص التي رووها لي. ثم استدرت إلى أوما مرة أخرى وقلت: «إنها لم تتغلب ~~على فراقه بعد، أليس كذلك؟» ~~«من؟» ~~«روث. لم تتغلب على فكرة فراق أبي.» # فكرت أوما لدقيقة. وقالت: «كلا يا باراك. لا أظن هذا. مثل بقيتنا.» ~~••• # في الأسبوع التالي، اتصلت بمارك واقترحت عليه أن نخرج ونتناول الغداء معا. وقد بدا ~~مترددا في البداية لكنه وافق في النهاية على أن يقابلني في مطعم هندي في وسط المدينة. ~~كان أكثر ارتياحا هذه المرة من لقائنا الأول، وألقى بعض الدعابات التي ينتقد فيها ~~نفسه، وأبدى ملاحظاته عن كاليفورنيا والصراع الأكاديمي الداخلي. وسألته ونحن ms349 نتناول ~~الطعام ما شعوره عندما عاد لقضاء فترة الصيف. # فقال: «رائع. من اللطيف أن أرى أمي وأبي بالطبع. وجوي أيضا، إنه طفل رائع.» قطع مارك ~~قطعة من السمبوسة ووضعها في فمه. واستأنف: «أما باقي أجزاء كينيا فلا أشعر بارتباط شديد ~~تجاهها. إنه مجرد بلد أفريقي فقير آخر.» ~~«ألم تفكر قط في الاستقرار هنا؟» # شرب مارك من مياهه الغازية. وقال: «لا.» وتابع: «أعني لا يوجد هنا مجال كبير أمام ~~فيزيائي للعمل في بلد لا يملك فيه المواطن العادي هاتفا.» # كان يجب أن أتوقف في الحديث عند هذا الحد، لكن شيئا آخر، ربما الثقة بصوت هذا ~~الأخ، أو الشبه غير الواضح بيننا، مثل النظر إلى مرآة غائمة، جعلني أريد أن أستمر في ~~الحديث. سألته: «ألم يراودك شعور قط أنك تفتقر إلى شيء.» # وضع مارك السكين والشوكة لأول مرة في تلك الأمسية ونظر إلى عيني مباشرة. # قال بصراحة: «أنا أفهم ما ترمي إليه.» وتابع: «إنك تظن أنني بشكل ما أقطع جذوري ~~وأشياء من هذا القبيل.» ومسح فمه ووضع المنديل على الطبق. وقال: «حسنا، معك حق. ففي ~~وقت ما اتخذت قرارا بألا أفكر فيمن هو أبي الحقيقي. لقد كان ميتا في نظري حتى ~~عندما كان لا يزال على قيد الحياة. كنت أعرف أنه رجل سكير ولا يهتم بزوجته وأطفاله. ~~وكان هذا كافيا.» ~~«أثار جنونك.» ~~«لم يثر جنوني. ولكنه جعلني لا أشعر تجاهه بأية مشاعر.» ~~«وهذا لا يقلقك؟ أعني ألا تشعر بشيء؟» ~~«تجاهه، لا. فهناك أشياء أخرى تحركني. منها سيمفونيات بتهوفن وقصائد شكسبير. أعلم أن ~~هذا ليس مما ينبغي أن يهتم به رجل أفريقي. ولكن من المفترض أن يخبرني بما أهتم وبما لا ~~أهتم؟ افهمني جيدا، إنني لا أشعر بالخزي لأني نصف كيني. كل ما في الأمر أنني لا أطرح ~~على نفسي الكثير من الأسئلة عما يعنيه هذا. أسئلة عمن أكون حقا.» ثم هز كتفيه. ~~وقال: «لا أعلم. ربما يجب أن أفعل. وأنا أعترف أنه من الممكن إذا نظرت بحرص أكبر إلى ~~نفسي، فإنني ...» # شعرت ms350 لوهلة بتردد مارك، مثل متسلق الجبال الذي انزلقت قدمه. ثم على الفور استعاد ~~رباطة جأشه ولوح للنادل كي يحضر ورقة الحساب. # وقال: «من يدري؟» وتابع: «الشيء المؤكد هو أنني لا أحتاج إلى هذا الضغط. فالحياة ~~قاسية بما يكفي دون كل هذه الأشياء.» # نهضنا لنغادر، وأصررت على دفع الفاتورة. وفي الخارج تبادلنا عناويننا ووعد كلانا أن ~~يراسل الآخر؛ كانت وعودا زائفة جعلت قلبي يتألم. وعندما عدت إلى المنزل أخبرت أوما ~~كيف سار اللقاء. فنظرت بعيدا للحظة ثم انفجرت في ضحكة قصيرة مريرة. ~~«ما المضحك؟» ~~«كنت أفكر فقط في مدى غرابة الحياة. أتعرف بمجرد أن مات أبي اتصل المحامون بكل ~~من قد يكون له حق في الإرث. وعلى عكس أمي كان لدى روث جميع المستندات اللازمة لإثبات ~~من هو والد مارك. ولهذا فمن بين جميع أولاد أبي، مارك هو الوحيد الذي لا غبار على حقه ~~في الميراث.» # ومرة أخرى ضحكت أوما، فنظرت أنا إلى الصورة المعلقة على الحائط، وهي الصورة نفسها ~~الموجودة في ألبوم روث، صورة لثلاثة إخوة وأخت يبتسمون ابتسامات عذبة أمام عدسة ~~الكاميرا. # | الفصل السابع عشر # قرب نهاية أسبوعي الثاني في كينيا ذهبت أنا وأوما في رحلة سفاري. # لم تكن أوما متحمسة للفكرة. فعندما أريتها الكتيب الدعائي أول مرة تجهم وجهها ~~وهزت رأسها. فهي، على غرار معظم الكينيين، تربط بين محميات الحياة البرية وبين ~~الاستعمار. وسألتني: «كم تظن عدد الكينيين الذين يمكنهم تحمل نفقات الذهاب إلى رحلة ~~سفاري؟» وتابعت: «ولماذا تخصص كل هذه المساحة من الأرض للسياح، في حين أنه يمكن ~~استغلالها في الزراعة؟ أولئك الرجال البيض يهتمون بفيل ميت أكثر من اهتمامهم بحياة ~~100 طفل أسود.» # ولعدة أيام ظللنا نراوغ. فقلت لها إنها تجعل أفكار الآخرين ومواقفهم تمنعها من رؤية ~~بلدها. وهي قالت إنها لا تريد إهدار النقود. وفي النهاية وافقت، ولم يكن ذلك بسبب قدرتي ~~على الإقناع ولكن لأنها كانت تشفق علي. # قالت: «إذا التهمك حيوان ما هناك فإنني لن أسامح نفسي أبدا.» # وعلى ذلك في الساعة السابعة ms351 من صباح يوم الثلاثاء شاهدنا سائقا قوي البنية من قبيلة ~~الكيكويو اسمه فرانسيس يحمل حقائبنا على سقف سيارة ميني فان بيضاء. وكان بصحبتنا طاه ~~طويل ونحيل اسمه رافائيل، وإيطالي أسود الشعر اسمه ماورو، وزوجان بريطانيان في بداية ~~الأربعينيات من عمرهما يطلق عليهما السيد ويلكرسون وزوجته. # انطلقت السيارة في طريقها إلى خارج نيروبي بسرعة معتدلة، وسرعان ما مرت بالريف ~~والتلال الخضراء وطرق من التراب الأحمر، وقطع صغيرة من الأراضي المزروعة محاطة بحقول ~~الذرة الذابلة التي تفصل بينها مسافات كبيرة. ولم يتفوه أحد بكلمة، فساد صمت محير ~~ذكرني بلحظات مماثلة هناك في الولايات المتحدة، الصمت الذي كان في بعض الأحيان يصاحب ~~دخولي إلى حانة أو فندق. وقد جعلني هذا أفكر في أوما ومارك وجدي وجدتي، في هاواي ~~ووالدتي التي لا تزال في إندونيسيا والأشياء التي أخبرتني بها زيتوني. ~~«إذا كان الجميع من عائلتك فلا عائلة لك.» # هل زيتوني على حق؟ لقد جئت إلى كينيا وأنا أظن أنه يمكنني بشكل ما توحيد العوالم ~~الكثيرة التي أعيش بها في عالم واحد منسجم. وبدلا من هذا اتضح أن الانقسامات تزايدت ~~أضعافا مضاعفة، بل تظهر أثناء أبسط الأعمال. وفكرت فيما حدث صباح اليوم السابق، ~~عندما ذهبنا أنا وأوما لحجز التذاكر. كانت شركة السياحة ملكا لآسيويين؛ إذ إن معظم ~~الأعمال الصغيرة في نيروبي يسيطر عليها آسيويون، وعلى الفور توترت أوما. # فهمست وهي ترى شابة هندية تأمر موظفيها السود جيئة وذهابا: «أترى كم هم مغرورون؟ ~~إنهم يطلقون على أنفسهم كينيون لكن لا علاقة لنا بهم. وبمجرد أن يكونوا ثرواتهم ~~يرسلونها على الفور إلى لندن أو بومباي.» # مس موقفها وترا حساسا داخلي. فسألتها: «كيف تلومين الآسيويين لأنهم يرسلون ~~نقودهم خارج البلاد بعد ما حدث في أوغندا؟» وأخبرتها عن أصدقائي المقربين في الولايات ~~المتحدة الهنود منهم والباكستانيين، أصدقاء يساندون قضية السود، أصدقاء أقرضوني نقودا ~~عندما تأزمت حالتي المالية، واستضافوني في منازلهم عندما لم يكن لدي مكان لأمكث فيه. ~~لكن موقف أوما لم يتغير. # قالت: «عزيزي باراك.» وتابعت: «في بعض الأحيان ms352 تكون ساذجا للغاية.» # ثم نظرت إلى أوما ونحن في السيارة ووجهها يتجه نحو النافذة. وتساءلت بداخلي: ماذا ~~توقعت أن أحقق بتلك المحاضرة القصيرة؟ فمعادلاتي البسيطة عن تضامن العالم الثالث لم ~~تحظ بالتطبيق في كينيا. فهنا كان الأشخاص من أصول هندية - مثل الصينيين في إندونيسيا ~~والكوريين في الجزء الجنوبي من شيكاغو - مجرد غرباء يعرفون كيف يتاجرون، وينطوون على ~~أنفسهم، وفي ظل آلية عمل النظام الطبقي العنصري فإنهم يكونون أكثر تميزا، ومن ثم ~~أكثر عرضة للاستياء. وهذا ليس بالضرورة خطأ أحد؛ إنها ليست إلا مسألة تاريخ، حقيقة ~~مأسوية من حقائق الحياة. # وعلى أية حال، لم تقف الانقسامات في كينيا عند هذا الحد. فقد كانت هناك دائما حدود ~~أدق ينبغي رسمها. على سبيل المثال بين قبائل الدولة السوداء التي يبلغ عددها 40 قبيلة. ~~لقد كانوا هم أيضا حقيقة من حقائق الحياة. ولا يلاحظ المرء النزعة القبلية بين أصدقاء ~~أوما من الشباب الكيني الذي يرتاد الجامعات والذي تربى في المدارس على فكرة الدولة ~~والعرق، ومسألة القبيلة هذه لا يفكرون فيها إلا عندما يفكرون في الزواج أو عندما ~~يكبرون ويرون أنها تعوق حياتهم المهنية أو تدفعها للأمام. لكنهم كانوا هم الاستثناء. ~~فمعظم الكينيين كانوا لا يزالون يفكرون بخرائط الهوية القديمة، والانتماءات الأقدم. ~~وحتى جين وزيتوني كانتا في بعض الأحيان تقولان أشياء تفاجئني. فتقولان مثلا: «أبناء ~~قبيلة لوو أذكياء لكنهم كسالى». أو «أبناء قبيلة كيكويو جشعون لكنهم مجدون في العمل». ~~أو «أما أبناء قبيلة كالينجين فيمكنك أن ترى ماذا حل بالبلد منذ أن تولوا ~~الحكم.» # وعندما كنت أسمع عمتي تتحدثان دائما عن هذه الآراء الشائعة أحاول أن أشرح لهما ~~خطأ هذه الاتجاهات. فكنت أقول: «إن مثل هذا التفكير هو الذي يعوقنا عن التقدم، إننا ~~جميعا جزء من قبيلة واحدة. القبيلة السوداء. القبيلة البشرية. انظرا ماذا فعلت النزعة ~~القبلية بأماكن مثل نيجيريا أو ليبريا.» # فكانت جين تقول: «إنهم في غرب أفريقيا مجانين على أية حال. إنك تعلم أنهم كانوا من ~~آكلي لحوم البشر، أليس كذلك؟» # وتقول زيتوني: ms353 «إنك تتحدث مثل أبيك بالضبط يا باري. هو أيضا كانت لديه مثل هذه ~~الآراء عن الناس.» # وهو ما يعني أنه هو أيضا كان ساذجا، هو أيضا كان يحب أن يجادل في أمور التاريخ. ~~انظر ماذا حدث له ... # توقفت السيارة فجأة، وأعادتني من أحلام اليقظة التي كنت أستغرق فيها. كنا أمام قطعة ~~أرض زراعية صغيرة، وطلب منا السائق فرانسيس أن نمكث في أماكننا ولا نتحرك. وبعد بضع ~~دقائق خرج من المنزل ومعه فتاة أفريقية صغيرة ربما في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من ~~عمرها، ترتدي بنطلون جينز وبلوزة كويت بإتقان، وتحمل حقيبة صوفية صغيرة. وقد ساعدها ~~فرانسيس على الدخول إلى مؤخرة السيارة وأشار إليها بالجلوس على المقعد المجاور ~~لأوما. # فسألته أوما وهي تفسح مكانا للفتاة: «هل هذه ابنتك؟» # فقال فرانسيس: «كلا.» وأوضح: «إنها ابنة شقيقتي. وتود أن ترى الحيوانات ودائما ما ~~تلح علي كي أصطحبها معي. وأتمنى ألا يمانع أحدكم هذا؟» # هز الجميع رأسه نفيا وابتسموا للفتاة التي تحملت التفات الأنظار إليها ~~بشجاعة. # سألتها السيدة ويلكرسون البريطانية: «ما اسمك؟» # همست الفتاة: «إليزابيث.» # فقالت أوما: «إليزابيث يمكنك مشاركتي خيمتي.» وتابعت: «فأظن أن أخي يصدر شخيرا وهو ~~نائم.» # عبست في وجهها. وقلت: «لا تصدقيها»، وأخرجت علبة بسكويت. فأخذت إليزابيث قطعة منها ~~وبدأت تأكل حوافها. فأخذت أوما العلبة والتفتت إلى ماورو. # وسألته: «أتريد بعضا منها؟» # فابتسم الإيطالي وأخذ قطعة واحدة قبل أن تمرر أوما البسكويت إلى الآخرين. # سرنا في الطريق إلى أن مررنا بتلال أكثر برودة حيث كان النساء يسرن حفاة القدمين ~~ويحملن مياها وأخشابا للتدفئة والأطفال الصغار يضربون بالسياط الحمير التي تجر ~~عرباتهم المتهالكة. وبالتدريج أصبحت الأراضي الزراعية أقل، وحلت محلها شجيرات وغابات ~~متشابكة، حتى انقطع فجأة وجود الأشجار على يسارنا دون إنذار سابق وأصبح كل ما نراه هو ~~السماء الشاسعة. # أعلن فرانسيس: «هذا هو الأخدود الأفريقي العظيم.» # خرجنا من الشاحنة بسرعة ودون نظام، ووقفنا على حافة الأخدود نتطلع إلى الأفق الغربي. ~~وعلى بعد مئات الأقدام بالأسفل، كانت الأحجار وحشائش السافانا تمتد على ms354 سهل منبسط ~~مسطح يمتد على طول النظر قبل أن يلتقي بالسماء، ثم يعيد العين لتنظر عبر السماء ~~الفسيحة. وإلى اليمين جبل وحيد يقف مثل جزيرة في بحر صامت، وخلف الجبل صف من سلاسل ~~التلال تلقي بظلالها. ولم يكن هناك سوى إشارتين واضحتين على وجود الإنسان: طريق ضيق ~~يتجه غربا ومحطة أقمار صناعية يتجه طبق استقبالها الأبيض الضخم إلى السماء. # وعلى بعد بضعة أميال إلى الشمال تركنا الطريق الرئيسي إلى طريق كان فيه الأسفلت ~~مكسرا. وقد شققنا طريقنا عبره ببطء، وفي بعض الأماكن كانت الحفر بعرض الطريق بالكامل، ~~وفي كثير من الأحيان تقترب شاحنات قادمة من الاتجاه المعاكس، مما يجبر فرانسيس على ~~الصعود بالسيارة على السد الترابي المرتفع بجانب الطريق. وفي النهاية وصلنا إلى الطريق ~~الذي رأيناه من أعلى، وبدأت السيارة تسير عبر أرض الوادي. كانت المناظر الطبيعية من ~~حولنا جافة، معظمها حشائش طويلة وأشجار شوكية غير مشذبة، وحصى وقطع من الحجر الصلب ~~الداكن اللون. بدأنا نمر بقطعان صغيرة من الغزلان وظبية وحيدة من ظباء الثيتل تأكل أسفل ~~شجرة، ولمحنا على مسافة بعيدة حمارا وحشيا وزرافة. ولمدة ساعة تقريبا لم نر ~~إنسانا، حتى ظهر أحد الرعاة من قبيلة الماساي على بعد وكان جسده يضاهي العصا التي ~~يحملها في النحافة والاستقامة، يقود قطيعا من الماشية الطويلة القرون عبر مساحة خاوية ~~من الأرض. # لم أقابل الكثير من أفراد قبيلة الماساي في نيروبي، مع أني قرأت عنهم كثيرا. كنت ~~أعلم أن طرقهم الرعوية وضراوتهم في الحرب قد أكسبتهم احتراما يشوبه الحقد من جانب ~~البريطانيين، حتى إنه مع أن المعاهدات قد خرقت فقد اقتصر وجود أفراد قبيلة الماساي على ~~مناطق منفصلة بعينها، وأصبحت القبيلة أسطورية في هزيمتها، مثل قبيلتي شيروكي أو أباتشي؛ ~~حيث تظهر صورة البربري النبيل على البطاقات البريدية والكتب ذات الأغلفة الفنية ~~المجلدة. كنت أعلم أيضا أن هذا الافتتان الغربي بقبيلة الماساي كان يثير حنق باقي ~~الكينيين الذين كانوا يرون سلوكياتهم مثيرة للخجل، والذين كانوا يتوقون للاستيلاء على ~~أرض الماساي. وقد حاولت الحكومة ms355 أن تفرض نظام التعليم الإجباري على أطفال الماساي، ~~وأيضا نظام تسجيل ملكية الأراضي بين الكبار في القبيلة. وفسر المسئولون ذلك قائلين ~~إنه عبء الرجل الأسود أن يدفع بإخوته الأسوأ حظا إلى ركب التحضر. # وتساءلت ونحن نتوغل أكثر في وطنهم، كم من الوقت يمكن أن يصمد الماساي. وفي مدينة ~~ناروك، وهي مدينة تجارية صغيرة توقفنا فيها من أجل الغداء وتزويد السيارة بالوقود، أحاط ~~مجموعة من الأطفال يرتدون شورتات كاكي وقمصانا قديمة بشاحنتنا وأخذوا ينادون بالحماس ~~العدواني نفسه الذي يميز نظراءهم في نيروبي على الحلي الرخيصة والوجبات الخفيفة. وبعد ~~ساعتين، عندما وصلنا إلى بوابة من الطوب اللبن التي تقود إلى المحمية، انحنى رجل طويل ~~من قبيلة ماساي يرتدي قبعة وتفوح منه رائحة الجعة عبر نافذة شاحنتنا واقترح أن نأخذ ~~جولة في محمية تقليدية لقبيلة الماساي. # وقال الرجل بابتسامة: «40 شلنا فقط.» وتابع: «والصور لها تكلفة إضافية.» # وبينما كان فرانسيس يقوم ببعض الأعمال في مكتب مدير المحمية خرج بقيتنا وتبعنا رجل ~~قبيلة الماساي إلى مجمع دائري ضخم محاط بأعشاب شوكية. وعلى طول المحيط الخارجي للمجمع ~~كانت هناك أكواخ صغيرة مبنية من الطين وروث الحيوانات، وفي منتصف المجمع كان هناك عدد ~~من الماشية وبعض الأطفال العراة يقفون جنبا إلى جنب في الوحل. ولوحت لنا مجموعة من ~~النساء لننظر إلى أوانيهن المصنوعة من القرع والمغطاة بالخرز، وواحدة منهن وهي أم شابة ~~جميلة تحمل طفلا على ظهرها، أرتني ربع دولار أمريكي أكرهها شخص ما على قبوله ثمنا ~~لبضاعتها. ووافقت على استبداله بما يكافئه من الشلن الكيني، ومقابل ذلك دعتني إلى ~~كوخها. كان مكانا ضيقا حالك الظلمة وله سقف يرتفع لمسافة خمسة أقدام. وأخبرتني أن ~~عائلتها تطهو وتنام وتحتفظ بالعجول الحديثة الولادة فيه. وكان الدخان يعمي العينين، ~~وبعد دقيقة كان علي الانصراف وأنا أقاوم رغبة جارفة في أن أهش الذباب الذي كون ~~دائرتين متواصلتين حول عيني الطفل المنتفختين. # كان فرانسيس في انتظارنا عندما عدنا إلى الشاحنة. وخرجنا من البوابة نسير في الطريق ~~إلى أعلى منحدر صغير قاحل. ms356 وهناك على الجانب الآخر من المنحدر رأيت أجمل بقعة في ~~حياتي؛ تمتد إلى ما لا نهاية، والسهول المسطحة تتموج إلى تلال رقيقة قاتمة اللون ~~ولينة كظهر الأسد، متجعدة بمساحات كبيرة من الغابات وتنتشر عليها أشجار شوكية. وعلى ~~يسارنا قطيع ضخم من الحمر الوحشية، تتشابه للغاية في خطوطها بصورة تثير الضحك وهي ~~تلتهم الحشائش ذات اللون القمحي، وإلى يميننا قافلة من الغزلان تقفز إلى الحشائش. وفي ~~الوسط آلاف من ظباء الثيتل برءوسها الحزينة وأكتافها المحدبة التي بدت ثقيلة للغاية على ~~أن تحملها أرجلها النحيفة. بدأ فرانسيس يقود السيارة ببطء شديد وهو يمر بالقطيع، ~~وافترقت الحيوانات أمام السيارة لتفسح لها مكانا ثم تعود لتجتمع من خلفنا مرة أخرى ~~وكأنها سرب من السمك، وحوافرها تضرب الأرض مثلما تضرب الأمواج الشاطئ. # نظرت إلى أوما. فوجدت أنها تطوق إليزابيث بذراعها وترتسم على وجه كلتيهما ابتسامة ~~صامتة. # أقمنا مخيما فوق ضفاف مجرى مائي موحل متعرج أسفل شجرة تين كبيرة مليئة بطيور ~~الزرزور الزرقاء الكثيرة الضجيج. كان الوقت قد تأخر، ولكن بعد أن أقمنا الخيام وجمعنا ~~الخشب، كان لدينا بعض الوقت لأن نقود السيارة ونذهب إلى ينبوع ماء قريب حيث تتجمع ~~الظباء والغزلان للشرب. وعندما عدنا كانت النيران قد اشتعلت، وعندما جلسنا نأكل اليخني ~~الذي أعده رافائيل بدأ فرانسيس يخبرنا عن نفسه قليلا، وقال إن لديه زوجة وستة أطفال ~~ويعيشون في منزل داخل مزرعة في كيكويولاند. ويرعون أرضا مساحتها فدان مزروعة بالقهوة ~~والذرة، وفي أيام العطلة يقوم بنفسه بأعمال العزق والغرس الشاقة. وقال إنه يستمتع بعمله ~~في شركة السياحة لكنه لا يحب أن يبتعد عن عائلته. وقال: «إذا استطعت فقد أفضل الزراعة ~~طوال الوقت، لكن الاتحاد يجعل هذا مستحيلا.» # سألته: «أي اتحاد؟» ~~«اتحاد القهوة الكيني. إنهم لصوص. يتحكمون في المحاصيل المسموح لنا بزراعتها ومتى ~~نزرعها. ولا أستطيع بيع القهوة إلا لهم، وهم يبيعونها في الخارج. ويخبروننا أن الأسعار ~~تنهار، لكني أعلم أنهم يحصلون على 100 ضعف ما يدفعونه لي. فإلى أين يذهب الباقي؟» هز ~~فرانسيس رأسه في ms357 اشمئزاز. وقال: «إنه لأمر بشع أن تسرق الحكومة شعبها.» # قالت أوما: «إنك تتحدث بحرية شديدة.» # هز فرانسيس كتفيه. وقال: «ربما إذا تحدث المزيد من الناس فقد تتغير الأمور. ~~انظروا إلى الطريق الذي سرنا فيه هذا الصباح في الطريق إلى الوادي. أتعرفون، من المفترض ~~أنه أصلح العام الماضي فقط. لكنهم استخدموا حصى رخوا؛ لذا جرفته المياه عند أول هطول ~~للأمطار. والنقود التي وفروها من هذا ذهبت على الأرجح لبناء منزل أحد الرجال ~~المهمين.» # نظر فرانسيس إلى النار وهو يمشط شاربه بأصابعه. وقال بعد وهلة: «أظن أن هذا ليس خطأ ~~الحكومة وحدها.» وتابع: «فحتى عندما يجري تنفيذ المشروعات كما ينبغي، نحن الكينيين لا ~~نحب أن ندفع الضرائب . فنحن لا نثق بفكرة أن ندفع نقودنا لأحد. والرجل الفقير لديه ما ~~يبرر هذا الشك. لكن الرجال الكبار الذين يملكون الشاحنات التي تستخدم هذه الطرق فإنهم ~~يرفضون أيضا دفع ضرائبهم. إنهم يفضلون أن تتحطم معداتهم طوال الوقت بدلا من ~~التضحية بأرباحهم. هكذا نحب أن نفكر في الأمور. إننا نعتبرها مشكلة شخص آخر.» # ألقيت عصا في النار. وقلت لفرانسيس: «هذه الآراء لا تختلف كثيرا عن الآراء في ~~أمريكا.» # فقال: «إنك على حق على الأرجح.» وتابع: «لكن دولة غنية كأمريكا ربما تستطيع تحمل ~~نفقات الغباء.» # وفي تلك اللحظة اقترب اثنان من قبيلة الماساي من النار. فرحب بهما فرانسيس وعندما ~~جلسا على أحد المقاعد، قال إنهما سيتوليان حمايتنا في أثناء الليل. كانا رجلين هادئين ~~وسيمين، يزيد انعكاس النار من وضوح عظام وجنتيهما البارزة، وأطرافهما النحيلة تبرز من ~~رداءيهما القبلي ذي اللون الأحمر القاني، ورماحهما مثبتة في الأرض أمامهما، وتلقي ~~بظلال طويلة باتجاه الأشجار. قال أحدهما إن اسمه ويلسون وهو يتحدث اللغة السواحيلية، ~~وأخبرنا أنه يعيش في محمية على بعد أميال قليلة شرقا. وبدأ رفيقه الصامت يخترق ~~الظلام بضوء مشعله، وسألتهما أوما هل تعرض المعسكر لهجوم من الحيوانات من قبل، ~~فابتسم ويلسون ابتسامة عريضة. # وقال: «لا شيء خطير.» وتابع: «لكن إذا احتجت الذهاب إلى الحمام ليلا فيجب أن تنادي ms358 ~~أحدنا ليذهب معك.» # بدأ فرانسيس يسأل الرجلين عن حركة الحيوانات المختلفة، وابتعدت أنا عن النار لأشاهد ~~النجوم، فقد مرت سنوات منذ أن رأيتها بهذا الشكل بعيدا عن أضواء المدينة، كانت ~~النجوم كثيفة ودائرية ومتوهجة كقطع من المجوهرات. ولاحظت وجود رقعة صغيرة من الضباب في ~~السماء الصافية فابتعدت أكثر عن النار ظنا أن هذا قد يكون دخانا، ثم قررت في ~~النهاية أنها سحابة. وكنت أتعجب لماذا لم تتحرك السحابة عندما سمعت صوت أقدام من ~~خلفي، ثم صوت السيد ويلكرسون. # قال وهو ينظر إلى السماء: «أعتقد أن هذه مجرة درب التبانة.» ~~«حقا.» # رفع يده وبدأ يرسم لي بها خطوطا لمجموعة النجوم، وأوصل خطوطا بين ألمع أربعة نجوم ~~في كوكبة الصليب الجنوبي. كان رجلا نحيلا هادئ الصوت يضع نظارة دائرية وله شعر أشقر ~~ناعم. في البداية ظننت أنه قضى حياته بالكامل في أماكن مغلقة وأنه محاسب أو أستاذ ~~جامعي. لكني لاحظت بمرور اليوم أنه يمتلك جميع أنواع المعرفة العملية، الأشياء التي لم ~~أتمكن من معرفتها قط لكني تمنيت أن أعرفها. فكان يستطيع الحديث مع فرانسيس بالتفصيل ~~عن محركات السيارات من طراز لاند روفر، وأنهى نصب خيمته قبل أن أضع أنا أول عمود لي، ~~وبدا أنه يعرف أسماء جميع أنواع الطيور والأشجار التي رأيناها. # ولم يفاجئني هذا بعد ذلك عندما أخبرني أنه قضى طفولته في كينيا في مزرعة لأوراق الشاي ~~في وايت هايلاندز. وكان من الواضح أنه لا يود الحديث عن الماضي، كل ما قاله هو أن ~~عائلته باعت الأرض بعد حصول كينيا على الاستقلال وعادت إلى إنجلترا لتستقر في ضاحية ~~هادئة في لندن. وقد التحق بكلية الطب ثم تدرب مع هيئة الصحة الوطنية في ليفربول، ~~وهناك قابل زوجته التي تعمل طبيبة نفسية. وبعد بضع سنوات أقنعها بأن تعود معه إلى ~~أفريقيا، لكنهما قررا ألا يستقرا في كينيا حيث إن هناك فائضا في عدد الأطباء ~~مقارنة بباقي القارة، وبدلا من ذلك استقرا في مالاوي حيث عملا معا بتعاقد مع ~~الحكومة للسنوات الخمس السابقة. # قال ms359 لي: «أنا أشرف على ثمانية أطباء يتولون الرعاية الطبية في منطقة تعداد سكانها ~~نصف مليون.» وتابع: «ولم تتوفر لنا قط التجهيزات اللازمة، فنصف مشتريات الحكومة على ~~الأقل ينتهي بها الحال في السوق السوداء. لذا لا يمكننا سوى التركيز على الأساسيات، وهو ~~ما تحتاجه أفريقيا بالفعل. فالناس تموت بسبب جميع أنواع الأمراض التي يمكن الوقاية ~~منها: الدوسنتاريا والجدري. والآن الإيدز؛ فقد وصل معدل الإصابة في بعض القرى إلى خمسين ~~بالمائة من سكانها. إنه أمر يدفع إلى الجنون.» # كانت القصص التي يرويها قاسية، لكنه عندما واصل إخباري بالمهام التي يقوم بها في ~~حياته: حفر الآبار، وتدريب عمال فرق الوصول إلى المحتاجين لتطعيم الأطفال، وتوزيع ~~الواقي الذكري، لم يبد ساخرا ولا متعاطفا. فسألته ما سبب عودته إلى أفريقيا في ظنه، ~~فأجاب هو دون توقف وكأنه سمع السؤال مرات عديدة. ~~«أظن أنها وطني. الناس، الأرض ...» ثم خلع نظارته ومسحها بمنديل وقال: «أعرف أن هذا ~~مضحك. فبمجرد أن تعيش هنا لبعض الوقت تبدو لك الحياة في إنجلترا مقيدة بصورة فظيعة. ~~فالبريطانيون لديهم الكثير، لكنهم يستمتعون بالأشياء بصورة أقل. وشعرت أنني غريب ~~بينهم.» # ثم ارتدى نظارته مرة أخرى وهز كتفيه. قال: «بالطبع أنا أعلم أنه على المدى البعيد ~~لا بد أن يحل أحد محلي. وهذا جزء من عملي، أن أجعل من نفسي غير ضروري. والأطباء في ~~مالاوي الذين أعمل معهم ممتازون حقا، فهم أكفاء. ومتفانون أيضا. فقط لو تمكنا من ~~بناء مستشفى تدريبي به بعض المرافق المناسبة فسيمكننا أن نضاعف عددهم إلى ثلاثة أضعاف ~~في وقت قصير للغاية. ثم ...» ~~«ثم ماذا؟» # اتجه إلى المعسكر وشعرت أن صوته بدأ يرتجف. وقال: «ربما لا يمكنني أبدا أن أدعو هذا ~~المكان وطني.» وتابع: «إنها ذنوب الآباء. وقد تعلمت أن أقبل هذا.» وتوقف لحظة ثم نظر ~~إلي. # وقال قبل أن يبدأ السير عائدا إلى خيمته: «ومع ذلك فإنني أحب هذا ~~المكان.» ~~••• # حل وقت بزوغ الفجر. باتجاه الشرق بدأت السماء تنير فوق أشجار مظلمة متشابكة؛ ~~فتحول إلى اللون الأزرق الداكن ثم ms360 البرتقالي ثم الأبيض الذي يميل إلى الصفرة. وفقدت ~~السحب صبغتها الأرجوانية ببطء ثم تبددت تاركة وراءها نجمة وحيدة. وعندما خرجنا من ~~المعسكر رأينا قافلة من الزرافات وأعناقها الطويلة تميل في اتجاه واحد، وتبدو سوداء ~~أمام قرص الشمس الأحمر الذي يصعد ليتبوأ مكانه في السماء، مثل علامات غريبة قبالة سماء ~~قديمة. # استمر الأمر هكذا باقي اليوم، كما لو أنني أرى، بعد أن عدت طفلا مرة أخرى، العالم ~~في كتاب تنبثق منه صور مجسمة، أو قصة خيالية، أو لوحة رسمها روسو. ورأيت هناك قطيعا ~~من الأسود يتثاءب على الأعشاب. ورأيت جاموسا في المستنقعات تبدو قرونها مثل الشعر ~~المستعار الرخيص، والطيور التي تتغذى على القرادة تبحث عن طعامها في ظهورها المغطاة ~~بالوحل. وفرس النهر في المجاري المائية الضحلة وعيناه الصغيرتان شبه المغمضة وفتحتا ~~أنفه مثل المرمر وهو يظهر على سطح الماء. والأفيال تحرك أذنيها الكبيرتين كأوراق ~~النباتات على شكل مروحة. # والأهم من هذا الهدوء، الهدوء الذي كان يناسب العناصر. وفي الشفق صادفنا في مكان ~~ليس ببعيد عن معسكرنا قطيعا من الضباع يتغذى على جثمان ظبية ثيتل. وفي ذلك الضوء ~~البرتقالي الخافت بدت وكأنها كلاب شيطانية، أعينها مثل كتل من الفحم الأسود وذقونها ~~يسيل منها الدماء. وإلى جوارها صف من النسور ينتظر وعلى وجهه نظرات صبورة وصارمة ~~ويقفز مبتعدا مثل شخص أحدب كلما اقترب منه أحد الضباع. كان مشهدا بدائيا، مكثنا ~~هناك وقتا طويلا نشاهد الحياة وهي تتغذى على نفسها، ولا يقطع الصمت سوى صوت طقطقة ~~العظام أو اندفاع الرياح أو صوت أجنحة النسور وهي تجاهد لترتفع في الهواء حتى تصل ~~أخيرا إلى الطبقات العليا من الهواء، فتعود تلك الأجنحة الطويلة الجميلة لتصبح عديمة ~~الحركة وساكنة مثل ما حولها. وفكرت في نفسي: هكذا يكون الخلق. السكون نفسه وسحق ~~العظام نفسه. وهناك في الغسق، فوق ذلك التل، تخيلت الإنسان الأول وهو يتقدم وهو عاري ~~الجسد خشن البشرة يمسك قطعة من الحجر الصوان في يده الخرقاء، ولم تكن قد ظهرت بعد ~~الكلمات المعبرة عن الخوف والترقب ms361 والرهبة التي يشعر بها تجاه السماء، والمعرفة ~~الخاطفة لحقيقة أنه مخلوق فان. آه لو استطعنا تذكر تلك الخطوة المشتركة الأولى، تلك ~~الكلمة المشتركة الأولى، ذلك الوقت قبل إنشاء مدينة بابل. # وفي المساء بعد تناول العشاء تحدثنا من جديد مع حارسينا من قبيلة الماساي. فأخبرنا ~~ويلسون أنه هو وصديقه أصبحا منذ وقت قريب من «الموران»، أي أعضاء في طائفة العزاب من ~~المحاربين الشباب الذين تدور حولهم أساطير قبيلة الماساي. وقد قتل كل منهما أسدا كي ~~يثبت رجولته، وشاركا في العديد من غارات سرقة الماشية. لكن في ذلك الوقت لم يعد هناك ~~حروب، وأصبح القيام بغارات سرقة الماشية أمرا صعبا؛ ففي العام السابق قتل صديق آخر ~~برصاص صاحب مزرعة من قبيلة الكيكويو. فقرر ويلسون أن كونه عضوا في المارون ليس إلا ~~مضيعة للوقت. فذهب إلى نيروبي بحثا عن عمل، لكن نظرا لأنه لم يتلق تعليما متميزا ~~فقد انتهى به الحال إلى العمل حارس أمن في أحد البنوك. وقد كان الملل يدفعه إلى الجنون، ~~وفي النهاية عاد إلى الوادي ليتزوج ويربي ماشيته. وحديثا قتل أسد أحد ماشيته، فاصطاد ~~هو وأربعة آخرون الأسد وأخذوه إلى المحمية، مع أن هذا كان غير قانوني. # فسألته: «كيف تقتل أسدا؟» # فقال ويلسون: «يحيط به خمسة رجال ويلقون برماحهم.» وتابع: «وسيختار الأسد واحدا ~~ليقفز عليه. فيحتمي ذلك الرجل بكامل جسده أسفل درعه حتى يقضي الأربعة الآخرون ~~عليه.» # فقلت بغباء: «يبدو أمرا محفوفا بالمخاطر.» # فهز ويلسون كتفيه. وقال: «عادة لا يصابون إلا بخدوش. لكن في بعض الأحيان لا يعود ~~سوى أربعة.» # لم يبد الرجل وكأنه يتفاخر، بل كان أشبه بميكانيكي يحاول أن يشرح مشكلة يصعب عليه ~~إصلاحها. وربما كان عدم الاكتراث هذا هو ما دفع أوما لأن تسأله أين، في معتقدات الماساي ~~يذهب الإنسان بعد الموت. في البداية لم يبد أن ويلسون فهم السؤال، لكنه في النهاية ~~ابتسم وبدأ يهز رأسه. # فقال وهو يضحك تقريبا: «هذا ليس من ضمن معتقدات الماساي؛ أعني فكرة الحياة بعد ~~الموت. فبعد أن تموت تصبح ms362 لا شيء. تعود إلى الأرض. وهذا كل شيء.» # فسأل مورو: «ما رأيك يا فرانسيس؟» # لبعض الوقت كان فرانسيس يقرأ في إنجيل صغير مجلد بغلاف أحمر اللون. فرفع رأسه ~~وابتسم ثم قال: «هذان الشخصان من قبيلة الماساي شجاعان.» # فسألت أوما فرانسيس: «هل نشأت مسيحيا؟» # أومأ فرانسيس برأسه. وقال: «نعم، اعتنق والداي المسيحية قبل مولدي.» # تحدث ماورو وهو يحدق في النيران. قال: «أما أنا فقد تركت الكنيسة. فبها الكثير من ~~القواعد. ألا تظن يا فرانسيس أن المسيحية تكون في بعض الأحيان غير مناسبة؟ أما في ~~أفريقيا فقد غير التبشيريون كل شيء، أليس كذلك؟ وأحضروا ... ماذا تطلقون ~~عليه؟» # قلت: «الاستعمار.» ~~«نعم الاستعمار. ديدن الرجل الأبيض، أليس كذلك؟» # وضع فرانسيس الإنجيل على حجره. وقال: «مثل هذه الأمور كانت تزعجني عندما كنت صغيرا. ~~فالمبشرون بشر وكانوا يخطئون مثل البشر. والآن بعد أن كبرت أفهم أني أيضا قد أفشل. ~~لكن هذا ليس فشل الرب. وأذكر أيضا أن بعض التبشيريين قد أطعموا الناس في الجفاف. ~~وعلم بعضهم الأطفال القراءة. وفي هذا أظن أنهم كانوا يعملون عمل الرب. كل ما يمكننا ~~أن نطمح إليه هو أن نعيش مثل الرب، مع أننا سنفشل دائما في هذا.» # ذهب ماورو إلى خيمته وعاد فرانسيس إلى إنجيله. وإلى جانبه بدأت أوما تقرأ قصة مع ~~إليزابيث. وجلس الدكتور ويلسون وهو يضم ركبتيه معا ويعدل من بنطلونه في حين كانت ~~زوجته تحدق في النار إلى جواره. ونظرت إلى رجلي الماساي والصمت والترقب على ~~وجهيهما، وتساءلت ترى ما انطباعهما عنا؟ ورأيت أنه من المحتمل أنهما يجدوننا مصدرا ~~للتسلية. وكنت أعلم أن شجاعتهما وصلابتهما تجعلانني أشك في روحي المزعجة. ومع ذلك، ~~عندما نظرت حول النار، ظننت أني أرى شجاعة لا تقل إثارة للإعجاب في فرانسيس وفي ~~أوما وفي السيد ويلكرسون وزوجته أيضا. وفكرت أنه ربما كانت تلك الشجاعة هي التي ~~تحتاجها أفريقيا بشدة. رجال ونساء صادقون ومهذبون لديهم طموحات يمكن تحقيقها، والعزم ~~على تحقيق هذه الطموحات. # بدأت النيران تخبو، وواحد تلو الآخر، سلك كل من الآخرين ms363 طريقه إلى خيمته، حتى لم ~~يتبق إلا أنا وفرانسيس ورجلا الماساي. وعندما نهضت بدأ فرانسيس ينشد ترنيمة بصوت ~~منخفض بلغة كيكويو بلحن تعرفت عليه. استمعت إليه لبعض الوقت تائها في أفكاري. ~~وعندما سرت عائدا إلى خيمتي شعرت أنني أفهم أغنية فرانسيس الحزينة، وأتخيل أنها ~~تصعد إلى الأعلى عبر ظلام الليل الواضح، مباشرة إلى الله. ~~••• # اليوم الذي عدنا فيه من مارا علمت أنا وأوما أن روي قد وصل قبل أسبوع من الموعد ~~المتوقع لوصوله. فقد ظهر فجأة في كارياكور ومعه حقيبة سفر في يده، ويقول إنه لم يشعر ~~بالارتياح وهو ينتظر في واشنطن العاصمة، وتمكن بوسيلة ما من القدوم مبكرا. وقد شعرت ~~العائلة بإثارة شديدة لوصوله وأجلت إقامة الحفل الكبير حتى أعود أنا وأوما. وقد قال ~~برنارد، الذي أعلمنا بالخبر، إنه كان من المتوقع وصولنا في وقت سابق، وكان متوترا ~~في حديثه كما لو أن كل دقيقة بعيدا عن أخينا الأكبر ما هي إلا توان في أداء الواجب. ~~ولكن أوما، التي كانت لا تزال تتألم نتيجة النوم في الخيام اليومين السابقين، أصرت ~~على أن تحظى بوقت للاغتسال أولا. # وقالت لبرنارد: «لا تقلق.» وتابعت: «إن روي يحب أن يجعل كل شيء يبدو ~~دراميا.» # عندما وصلنا كانت شقة جين في هرج ومرج. في المطبخ كانت النساء ينظفن الكرنب ونبات ~~اليام، ويقطعن الدجاج ويقلبن «أوجالي» أو عصيدة الذرة الشامية. وفي غرفة المعيشة ~~كان الأطفال إما يعدون المائدة أو يقدمون المياه الغازية للكبار. وفي وسط كل هذا ~~الصخب كان روي يجلس وهو يمد رجليه أمامه، ويلقي بذراعيه على ظهر الأريكة ويومئ ~~برأسه في استحسان. وقد لوح لنا وعانقنا. وبعد ذلك تراجعت أوما التي لم تر روي منذ أن ~~انتقل إلى الولايات المتحدة كي تنظر إليه بتمعن. # وقالت: «لقد أصبحت بدينا للغاية!» # فضحك روي وقال: «بدين؟» وتابع: «الرجل يحتاج إلى شهية بمثل حجمه.» ثم التفت باتجاه ~~المطبخ. وقال: «وهو ما يذكرني ... أين زجاجة الجعة الأخرى؟» # وبمجرد أن خرجت الكلمات من بين شفتيه ظهرت كيزيا ومعها زجاجة ms364 جعة في يدها وابتسمت ~~بسعادة. وقالت بالإنجليزية: «باري، هذا هو الابن الأكبر. كبير العائلة.» # ظهرت سيدة أخرى لم أرها من قبل، ممتلئة الجسم وضخمة الصدر تطلي شفتيها بلون أحمر ~~زاه، وسارت إلى جانب روي، وطوقته بذراعها. فخفتت ابتسامة كيزيا وانسحبت عائدة إلى ~~المطبخ. # قالت تلك السيدة لروي: «هل معك سجائر يا حبيبي؟» ~~«نعم، انتظري ...» ثم تحسس روي جيب قميصه برفق بحثا عنها. وقال: «هل قابلت أخي ~~باراك؟ باراك هذه آمي. وأنت تتذكرين أوما.» وجد روي السجائر وأشعل واحدة لآمي. أخذت آمي ~~نفسا عميقا وانحنت إلى الأمام باتجاه أوما، وهي تطلق دوائر من دخان السجائر ~~وتقول: ~~«بالطبع أتذكر أوما. كيف حالك؟ تبدين رائعة. ويعجبني ما فعلته بشعرك. حقا إنه ~~يبدو ... طبيعيا للغاية.» # التقطت آمي زجاجة روي في حين اتجه هو إلى مائدة العشاء. وجذب لنفسه طبقا وانحنى ليشم ~~الإناء الذي ينبعث منه البخار. ثم صاح متعجبا: «خبز شباتي!» وهو يضع ثلاثة أرغفة من ~~الخبز في طبقه. ثم صاح بمجرد أن رأى أوراق الكرنب: «سوكوما ويكي!» قبل أن يغرف ~~بالملعقة مقدارا كبيرا في طبقه. وعاد وصاح مرة أخرى: «أوجالي!» وهو يقطع قطعتين ~~كبيرتين من كعكة الذرة. قلد برنارد والأطفال روي في كل ما يفعل، وهم يكررون ~~كلماته بنبرة أكثر ترددا. وحول المائدة كانت وجوه عماتي وكيزيا تشرق بالرضا. وكان ~~ذلك هو أسعد مشهد رأيتهم فيه منذ وصولي. # وبعد العشاء، في حين كانت آمي تساعد عماتي في غسل الأطباق، جلس روي بيني أنا وأوما ~~وأعلن أنه قد عاد وفي ذهنه مشروعات كبيرة. وقال إنه سيؤسس شركة استيراد وتصدير، ويبيع ~~التحف الفنية في الولايات المتحدة. وقال: «الطبول. والمنسوجات. والمنحوتات الخشبية، هذه ~~الأشياء ثمينة للغاية هناك. فتباع في المهرجانات والمعارض الفنية ومحال التحف. وقد ~~اشتريت بعض العينات بالفعل لآخذها معي.» # قالت أوما: «هذه فكرة رائعة.» وتابعت: «أرني ماذا اشتريت.» # طلب روي من برنارد أن يحضر له عدة حقائب بلاستيكية وردية اللون من إحدى غرفتي النوم. ~~وبداخل الحقائب كان هناك العديد من المنحوتات الخشبية، تلك التحف ms365 البارعة التي تنتج ~~بكميات كبيرة وتنفد بسرعة؛ إذ يقبل عليها السياح بشدة في وسط المدينة. قلبت أوما ~~التحف في يدها وارتسمت على وجهها أمارات الارتياب. # وسألت: «كم دفعت ثمنا لهذه الأشياء؟» ~~«فقط 400 شلن لكل منها.» ~~«هذا كثير للغاية يا أخي! أظن أنك خدعت. لماذا تركته يدفع كل هذا يا ~~برنارد؟» # هز برنارد كتفيه. وبدا أن تعليقها جرح مشاعر روي قليلا. # ثم قال وهو يعيد التحف مرة أخرى إلى غلافها: «قلت لك إنها مجرد عينات.» وتابع: ~~«استثمار، حتى أعرف ماذا يريد السوق. فلا يمكنك كسب نقود إلا إذا أنفقت أولا، أليس ~~كذلك يا باراك؟» ~~«هكذا يقولون.» # وسرعان ما عادت حماسة روي. وقال: «أترى؟ بمجرد أن أعرف متطلبات السوق سأرسل الطلبات ~~إلى زيتوني. وستكبر تجارتنا رويدا رويدا. ثم عندما يكون لدينا نظام ثابت يمكن ~~لبرنارد وآبو العمل في الشركة. أليس كذلك يا برنارد؟ يمكنك أن تعمل معي.» # أومأ برنارد برأسه إيماءة غير واضحة. فنظرت أوما إلى أخيها الصغير نظرة متفحصة، ~~ثم عادت إلى روي. وقالت: «ما المشروع الكبير الآخر؟» # ابتسم روي. وقال: «آمي.» ~~«آمي؟» ~~«آمي. سأتزوجها.» ~~«ماذا؟ كم مضى من الوقت منذ آخر مرة رأيتها؟» ~~«عامان. ثلاثة أعوام. ما الذي يهم في هذا؟» ~~«إنك لم تحظ بما يكفي من الوقت لتفكر في هذه المسألة.» ~~«إنها امرأة أفريقية. هذا هو ما أعرفه! وهي ستفهمني. إنها ليست مثل تلك النساء ~~الأوروبيات اللائي يجادلن أزواجهن دائما.» أومأ روي مؤكدا، ثم قفز من على مقعده كما ~~لو أن خيطا غير مرئي يسحبه، واتجه إلى المطبخ. ثم رفع زجاجة الجعة باتجاه السقف وهو ~~يمسك آمي بإحدى ذراعيه. ~~«اسمعوا جميعا! بما أننا جميعا هنا فيجب أن نشرب نخبا! نخب كل من ليسوا معنا! ~~ونخب نهاية سعيدة!» ثم بتعمد جاد بدأ يسكب الجعة على الأرض. فتناثر نصفها على ~~الأقل على حذاء أوما. # صاحت أوما وهي تقفز إلى الخلف: «اللعنة!» وتابعت: «ماذا تفعل؟» # فقال روي بسعادة: «يجب أن يشرب الأجداد.» وتابع: «هذه هي الطريقة الأفريقية.» # جذبت أوما منديلا لتمسح ms366 الجعة من على ساقيها. وقالت: «هذا في الخارج يا روي! وليس ~~في منزل أحد! في بعض الأحيان تكون شديد الإهمال! من سينظف هذا الآن؟ أنت؟» # كان روي على وشك أن يجيبها عندما ظهرت جين مسرعة ومعها قطعة قماش قديمة في يدها. ~~وقالت وهي تمسح الأرض: «لا تقلق، لا تقلق.» وتابعت: «إننا سعداء لأن لدينا هذا ~~المنزل.» # وكان من المقرر أن نخرج جميعا لنرقص بعد العشاء في ملهى مجاور. وعندما نزلت أنا ~~وأوما قبل الآخرين سمعتها تتمتم ببعض الكلمات في الظلام. # ثم قالت لي: «تبا لكم يا أبناء أوباما!» وتابعت: «تفلتون بأي شيء تفعلونه! هل لاحظت ~~كيف يعاملونه؟ ففي نظرهم، لا يمكنه أن يخطئ. مثل تلك المسألة مع آمي. إنها مجرد فكرة ~~انبثقت في ذهنه لأنه يشعر بالوحدة. أنا لا أحمل أية ضغائن تجاه آمي، ولكنها تباريه في ~~عدم تحمل المسئولية. وعندما يكونا معا تزداد الأمور سوءا. ووالدتي وجين وزيتوني، ~~جميعهن يعلمن هذا. ولكن هل سيخبرنه شيئا؟ كلا. خوفا من أن يغضبوه، حتى إذا كان ذلك ~~لمصلحته.» # فتحت أوما باب السيارة ونظرت وراءها على باقي أفراد العائلة. كانوا قد ظهروا لتوهم من ~~خلف ظلال المبنى السكني، وجسد روي يرتفع فوقهم جميعا مثل شجرة، وذراعاه مفرودتان مثل ~~أغصان الشجر فوق كتفي عمتيه. وقد خففت رؤيته من الحدة على وجه أوما قليلا. # وقالت وهي تدير محرك السيارة: «نعم، أظن أن هذا ليس خطأه.» وتابعت: «أترى كيف يكون ~~معهم. لقد كان الطابع الأسري يميزه عني طيلة حياته. فهم لا يشعرون أنه سيصدر أي آراء ~~عنهم وهم برفقته.» ~~••• # اتضح أن الملهى، جاردن سكوير، مكان منخفض السقف خافت الإضاءة. وكان بالفعل مكتظا ~~عندما وصلنا، ورائحة الهواء تفوح بالسجائر. وجميع الزبائن تقريبا من السود؛ حشد من ~~الموظفين الكبار السن والسكرتارية وموظفي الحكومة تجمعوا بعد انتهاء العمل حول ~~مناضد متأرجحة من الفورميكا. ضممنا معا منضدتين خاويتين بعيدا عن المسرح الصغير وأخذ ~~النادل طلباتنا. وجلست أوما إلى جوار آمي، ودار بينهما هذا الحوار: ~~«آمي. أخبرني روي أنكما تفكران في ms367 الزواج.» ~~«نعم، أليس هذا رائعا! إنه ممتع للغاية! وعندما يستقر يقول إنني يمكنني الذهاب ~~والعيش معه في أمريكا.» ~~«ألا تقلقين من ابتعادكما عن بعض؟ أقصد ...» ~~«نساء أخريات؟» ثم ضحكت وغمزت لروي. قالت: «أصدقك القول إنني لا أهتم.» وألقت ~~بذراعها الممتلئة حول كتف روي. وقالت: «ما دام يحسن معاملتي فيمكنه فعل ما يريد. أليس ~~كذلك يا حبيبي؟» # احتفظ روي بنظرة جامدة على وجهه كما لو أن الحوار لا يهمه. وكان يبدو عليه هو وآمي ~~تأثير احتساء الكثير من الجعة، ورأيت جين تختلس نظرة قلق إلى كيزيا. فقررت أن أغير ~~الموضوع وسألت زيتوني هل جاءت لملهى جاردن سكوير من قبل. # فقالت زيتوني وهي ترفع حاجبيها على سؤالي غير المناسب: «دعني أخبرك شيئا يا باري، ~~إذا وجد مكان فيه رقص فأنا قد ذهبت إلى ذلك المكان. وسيخبرك الناس هنا أنني بطلة ~~الرقص. ما رأيك يا أوما؟» ~~«زيتوني هي الأفضل.» # أمالت زيتوني رأسها بفخر. قالت: «أرأيت؟ حقا يا باري عمتك يمكنها الرقص! أتريد ~~أن تعرف من كان أفضل شريك لي في الرقص؟ إنه أبوك! ذلك الرجل كان يحب الرقص فعلا. وقد ~~اشتركنا معا في الكثير من المسابقات عندما كنا شبابا. في الحقيقة سأخبرك قصة عن ~~رقصه. كان ذلك عندما جاء إلى المنزل في أليجو ذات مرة لزيارة جدك. وقد وعد في ذلك ~~المساء أن يقوم ببعض الأعمال لأبي، لا أذكر ماذا كانت بالضبط، ولكن بدلا من تنفيذ ~~عمله، خرج ليقابل كيزيا ويصطحبها ليرقصا. أتذكرين يا كيزيا؟ كان ذلك قبل أن يتزوجا. ~~وأردت أن أذهب معهما، لكن باراك قال إنني صغيرة للغاية على ذلك. # على أية حال عادا إلى المنزل في وقت متأخر في تلك الليلة، وكان باراك قد أسرف في ~~احتساء الجعة. وحاول أن يدخل كيزيا خلسة إلى كوخه لكن أبي كان لا يزال مستيقظا وسمع ~~أصوات أقدامهما في المجمع. ومع أن جدك كان كبير السن فقد كانت حاسة السمع لديه قوية ~~جدا. لذا فقد صاح على الفور مناديا باراك أن يأتي. وعندما دخل ms368 باراك لم يتفوه أبي ~~بكلمة. كان فقط ينظر إلى باراك ويتنفس بأصوات عالية مثل ثور غاضب. همف، همف! كل هذا ~~وأنا أختلس النظر إليهما عبر نافذة منزل أبي؛ لأني كنت واثقة أن أبي سيضرب باراك وكنت ~~لا أزال غاضبة من باراك لأنه لم يدعني أذهب إلى قاعة الرقص. # لم أصدق عيني فيما حدث بعد ذلك. فبدلا من أن يعتذر باراك عن عودته إلى المنزل في ~~ساعة متأخرة اتجه إلى الفونوغراف الخاص بأبي وشغل أسطوانة! ثم استدار وصاح مناديا ~~على كيزيا التي كانت تختبئ في الخارج. وصاح: «أيتها المرأة! تعالي إلى هنا!» وعلى الفور ~~دخلت كيزيا إلى المنزل وهي ترتعد خوفا حتى إنها لم تستطع الرفض، فأخذها باراك بين ~~ذراعيه وبدأ يرقص ويرقص معها في منزل أبي، كما لو أنه يرقص في قاعة رقص في قصر.» # هزت زيتوني رأسها وضحكت. وقالت: «حسنا ... لم يعامل أحد جدك بهذه الطريقة قط، ~~ولا حتى باراك. وكنت واثقة بأن باراك سيتلقى ضربا مبرحا على فعلته هذه. ومر وقت ~~طويل دون أن ينبس جدك ببنت شفة، فقط جلس يشاهد ابنه. ثم صاح جدك مثل الفيل بصوت أعلى ~~من صوت باراك. قال: «أيتها المرأة! تعالي إلى هنا.» وعلى الفور هرعت أمي، التي ~~تخاطبونها الآن بلقب الجدة، من الكوخ الخاص بها حيث كانت تصلح الملابس. وسألت لماذا ~~يصيح الجميع، فنهض جدك ومد يده. فهزت أمي رأسها واتهمت جدك بأنه يحاول السخرية ~~منها لكن أبي أصر، وسرعان ما أصبح الأربعة يرقصون في الكوخ، والجدية جلية على وجه ~~الرجلين، وكلا السيدتين تنظر إلى الأخرى كما لو أنهما واثقتان بأن زوجيهما قد أصابهما ~~مس من الجنون.» # ضحكنا جميعا على القصة وطلب روي جعة مرة أخرى لنا جميعا. وبدأت أطرح على زيتوني ~~مزيدا من الأسئلة عن جدنا، لكن في تلك اللحظة، صعدت الفرقة على المسرح. كانت تبدو ~~رثة الهيئة في البداية، لكن بمجرد أن بدأت العزف تغير حال المكان تماما. وعلى ~~الفور بدأ الناس يتدفقون على ساحة الرقص يرقصون على أنغام موسيقى ms369 السوكوس الأفريقية. ~~وجذبت زيتوني يدي وروي أخذ يد أوما، وآمي أخذت يد برنارد، وعلى الفور كنا جميعا نرقص ~~والأذرع والأوراك والأرداف تتمايل برفق حتى تصببنا عرقا، الجميع يرقص؛ طوال ~~القامة شديدو السواد من قبيلة لوو، والسمر من كيكويو، وأفراد من قبائل كامبا وميرو ~~وكالينجين، الجميع يبتسم ويصيح ويستمتع بوقته. وألقى روي ذراعيه على رأسه ليقوم بحركة ~~بطيئة غير عادية حول أوما التي كانت تضحك على حماقة أخيها، وفي تلك اللحظة رأيت في وجه ~~أخي النظرة نفسها التي رأيتها قبل سنوات طويلة في شقة جدي وجدتي في هاواي عندما كان ~~أبي يعلمني الرقص، نفس نظرة الحرية الواضحة المطلقة. # وبعد ثلاث أو أربع رقصات تركت أنا وروي شركاءنا في الرقص وحملنا الجعة إلى الفناء ~~المفتوح في الخلف. كان الهواء البارد يداعب أنفي وشعرت أنني ثمل نوعا ما. # وقلت: «إنه لشيء رائع أن أكون هنا.» # قال روي: «نعم، مثلما يقول الشعراء.» ضحك روي وهو يرتشف من كوب الجعة الخاص ~~به. ~~«كلا، حقا أنا أعني هذا. من الرائع أن أكون معك ومع أوما ومع الجميع. كما لو أننا ...» # وقبل أن أنتهي سمعنا صوت زجاجة تتحطم على الأرض من خلفنا. فاستدرت ورأيت رجلين على ~~الجانب الآخر من الفناء يدفعان رجلا ثالثا أصغر حجما على الأرض. وبدا أن الرجل الذي ~~وقع على الأرض يغطي جرحا في رأسه بإحدى يديه، ويحاول بالذراع الأخرى أن يحمي نفسه من ~~هراوة تتحرك يمنة ويسرة. تقدمت خطوة للأمام، لكن روي جذبني إلى الخلف. # وهمس قائلا: «لا تتدخل فيما لا يخصك يا أخي.» ~~«لكن ...» ~~«قد يكونان من الشرطة. وأنا أقول لك يا باراك أنت لا تعرف كيف يكون قضاء ليلة في سجن ~~نيروبي.» # في ذلك الوقت كان الرجل الذي على الأرض يلتف حول نفسه وجسده يتكور محاولا حماية ~~نفسه من الضربات التي تنهال عليه عشوائيا. ثم فجأة - مثل حيوان أسير وجد ثغرة ينفذ ~~منها - قفز الرجل فجأة واقفا على قدميه وقفز على إحدى الطاولات ليتسلق السياج ~~الخشبي. بدا مهاجماه كأنهما يفكران في ms370 مطاردته، لكن من الواضح أنهما قررا أن الأمر لا ~~يستحق. ولاحظ أحدهما وجودي أنا وروي لكنه لم يقل شيئا، وعادا معا إلى الداخل مرة ~~أخرى، وفجأة شعرت أنني في كامل وعيي ومتزن تماما. # قلت: «كان هذا بشعا.» ~~«حسنا ... إنك لا تعرف ماذا فعل الرجل الآخر أولا.» # حككت مؤخرة عنقي. وسألت: «متى دخلت إلى السجن؟» # ابتلع روي جرعة كبيرة من الجعة وترك جسده يسقط على أحد المقاعد المعدنية. وقال: ~~«الليلة التي توفي فيها ديفيد.» # جلست إلى جواره وأخبرني بالقصة. قال إنهما قد خرجا لاحتساء الشراب والبحث عن صحبة. ~~واستقلا دراجة روي البخارية إلى ملهى قريب، وهناك قابل روي فتاة. أعجب بها كثيرا ~~وبدآ يتحدثان. واشترى لها جعة ، لكن قبل أن يمر وقت طويل جاء رجل آخر واعترض طريق ~~روي. وقال إنه زوجها وجذبها من ذراعها. قاومته الفتاة ووقعت على الأرض فطلب روي من ~~الرجل أن يتركها وشأنها. فتشاجرا. وجاءت الشرطة ولم يكن مع روي أوراق هويته؛ لذا ~~اصطحبوه إلى قسم الشرطة. وألقوا به في زنزانة وتركوه عدة ساعات حتى تمكن ديفيد في ~~النهاية من الدخول إليه ورؤيته. # قال له ديفيد: «أعطني مفاتيح الدراجة البخارية وسأذهب لإحضار الأوراق التي تحتاج ~~إليها.» # فقال له روي: «كلا. عد إلى المنزل فقط.» ~~«لا يمكنك البقاء هنا طوال الليل يا أخي. أعطني المفاتيح ...» # توقف روي عن الحديث. وجلسنا نحدق في الظلال وهي متضخمة الحجم وباهتة عبر السياج ~~الشبكي. # ثم قلت في النهاية: «لقد كان حادثا يا روي.» وتابعت: «إنه لم يكن خطأك. يجب أن ~~تنسى هذا الأمر.» # وقبل أن أقول أي شيء آخر سمعت آمي تصيح من خلفنا وصوتها يعلو فوق الموسيقى ~~قليلا. # قالت: «أنتما الاثنان! إننا نبحث عنكما في كل مكان!» # أشرت لها أن تبتعد لكن روي اندفع ناهضا من على مقعده مما جعله يسقط على ~~الأرض. # قال وهو يحيط خصرها بذراعه: «تعالي يا امرأة.» وتابع: «هيا لنذهب ونرقص.» # | الفصل الثامن عشر # في الخامسة والنصف مساء بدأ القطار يشق طريقه مغادرا محطة نيروبي القديمة للقطارات ms371 ~~متجها غربا إلى كيزيمو. كانت جين قد قررت البقاء في المنزل، لكن باقي العائلة كان ~~على متن القطار: كيزيا وزيتوني وأوما في مقصورة واحدة، وأنا وروي وبرنارد في المقصورة ~~التالية. وبينما انشغل الجميع بوضع أمتعتهم هززت أنا زجاج النافذة فاتحا إياها ونظرت ~~إلى الخارج إلى منحنى خطوط السكك الحديدية من خلفنا، وهو خط السكة الحديدية الذي ساعد ~~على بدء تاريخ كينيا مع الاستعمار. # كان خط السكة الحديدية أكبر عمل هندسي في تاريخ الإمبراطورية البريطانية في وقت ~~بنائه، فطوله يصل إلى 600 ميل ويمتد من مومباسا في المحيط الهندي إلى السواحل الشرقية ~~لبحيرة فيكتوريا. وقد استغرق تنفيذ المشروع خمس سنوات، وحصد حياة عدة مئات من العمال ~~الذين أحضرتهم الحكومة من الهند. وعندما انتهى إنشاؤه أدرك البريطانيون أنه لا يوجد ~~مسافرون يمكنهم تغطية نفقات غرورهم. ومن ثم تبع ذلك دفع المستوطنين البيض إلى قلب ~~القارة غير المعروفة عن طريق تنفيذ عدة إجراءات مثل تجميع الأراضي التي يمكن أن تستخدم ~~في المساعدة على إغراء الوافدين الجدد، وزراعة المحاصيل النقدية مثل القهوة والشاي، ~~وضرورة وجود جهاز إداري يمتد على طول خط السكة الحديدية. هذا إلى جانب البعثات ~~التبشيرية والكنائس للتخلص من المخاوف التي تولدها الأرض المجهولة. # بدا ذلك تاريخا عتيقا. ومع ذلك كنت أعلم أن عام 1895م، العام الذي بدأ فيه تنفيذ ~~المشروع، هو أيضا العام الذي ولد فيه جدي. وقد كنا في تلك اللحظة نسافر إلى أرض هذا ~~الرجل نفسه: حسين أونيانجو. وقد جعل هذا التفكير تاريخ القطار يعود حيا إلى ذهني، ~~وحاولت تخيل ما شعر به ذلك الضابط البريطاني على متن أول رحلة يقوم بها القطار، وهو ~~يجلس في مقصورته التي يضيئها مصباح يعمل بالكيروسين، وينظر إلى أميال من الشجيرات ~~التي تتراجع إلى الوراء مع سير القطار. هل تملكه إحساس بالنصر وثقة أن منارة الحضارة ~~الغربية قد اخترقت الظلام الأفريقي أخيرا؟ أم شعر بنذير سوء؛ إدراك مفاجئ أن المشروع ~~بأكمله لم يكن إلا عملا أحمق، وأن هذه الأرض وشعبها سيصمدان أكثر من ms372 الأحلام ~~الاستعمارية؟ وحاولت تخيل الإنسان الأفريقي على الجانب الآخر من النافذة الزجاجية وهو ~~يشاهد هذا الثعبان المتلوي من المعدن الذي ينبعث منه دخان أسود يمر على قريته للمرة ~~الأولى. ترى هل كان ينظر إلى القطار بحسد ويتخيل نفسه يجلس في يوم من الأيام في ~~العربة نفسها التي يجلس فيها الرجل الإنجليزي، ويجد أعباء حياته قد خفت بعض الشيء؟ أم ~~أنه قد ارتجف ورؤى الدمار والحرب تداهمه؟ # لكن مخيلتي خذلتني، وعدت إلى المشهد الحالي، لم تعد هناك شجيرات وإنما أسطح بيوت ~~وادي ماثار تمتد إلى سفوح الجبال وراءها. وعندما مررنا بإحدى الأسواق المكشوفة في ~~الهواء الطلق، رأيت صفا من الصبية الصغار يلوحون للقطار. فلوحت لهم، وسمعت صوت ~~كيزيا تقول شيئا بلغة لوو من خلفي. فجذب برنارد قميصي فجأة. # وقال: «إنها تقول إنك يجب أن تبقي رأسك بالداخل. فهؤلاء الصبية سيقذفونك ~~بالحجارة.» # جاء أحد العاملين بالقطار ليأخذ طلباتنا الخاصة بفرش النوم، ويخبرنا أن الطعام بدأ ~~يقدم؛ لذا ذهبنا جميعا إلى عربة الطعام وجلسنا على طاولة. كانت العربة صورة للأناقة ~~الذاوية: الألواح الخشبية الأصلية لا تزال كما هي لكنها باهتة، وأدوات المائدة الفضية ~~حقيقية لكنها غير ملائمة تماما. والطعام رائع والجعة باردة، وبنهاية الوجبة غمرني ~~شعور بالرضا. # قلت: «كم يستغرق الوصول إلى هوم سكوير؟» وأخذت أمسح آخر قطعة صلصة في طبقي. # فقالت أوما: «طوال الليل إلى كيزيمو.» وتابعت: «ثم نستقل حافلة أو عربة ماتاتو من ~~هناك، ربما لمدة خمس ساعات أخرى.» # ثم قال روي موجها حديثه إلي وهو يشعل سيجارة: «بالمناسبة، إنها ليست هوم سكوير. ~~إنها هوم سكويرد.» ~~«ماذا يعني هذا؟» # ففسرت أوما: «إنه شيء اعتاد الأطفال في نيروبي قوله.» وتابعت: «فهناك المنزل ~~المعتاد في نيروبي. ثم هناك منزلك في القرية حيث جذور أهلك. ومنشأ أجدادك. وحتى كبار ~~الوزراء ورجال الأعمال يفكرون بهذه الطريقة. فربما يكون لدى أحدهم قصر في نيروبي، ~~ويبني كوخا صغيرا على أرضه في القرية. وقد لا يذهب إلى هناك سوى مرة أو مرتين في ~~العام. لكن إذا سألته من ms373 أين هو، فسيخبرك أن هذا الكوخ هو وطنه الحقيقي. لذا عندما كنا ~~في المدرسة ونريد أن نخبر أحدا أننا سنذهب إلى أليجو، فهي في نظرنا المنزل مضاعف ضعفين ~~(مربع). وذاك هو المعنى نفسه الذي يوحي به اسم هوم سكويرد.» # ارتشف روي من الجعة. ثم قال: «أما أنت يا باراك فيمكنك أن تطلق عليه المنزل ~~المضاعف ثلاثة أضعاف؛ أي هوم كيوبد.» # ابتسمت أوما واتكأت للخلف على مقعدها واستمعت إلى إيقاع صوت القطار وهو يسير على ~~قضبانه. وقالت: «هذا القطار يعيد إلى الذهن الكثير من الذكريات. أتذكر يا روي كم كنا ~~نتطلع للذهاب إلى الوطن؟ إنه جميل للغاية يا باراك! ليس مثل نيروبي. والجدة إنها لطيفة ~~للغاية! ستحبها يا باراك . فلديها حس دعابة رائع.» # فقال روي: «يجب أن تتمتع بحس دعابة بعد أن عاشت مع المرعب لكل هذا ~~الوقت.» ~~«من المرعب؟» # فقالت أوما: «هذا هو الاسم الذي اعتدنا أن نطلقه على جدنا. ذلك لأنه كان وضيعا ~~للغاية.» # هز روي رأسه وضحك. وقال: «واو، لقد كان ذلك الرجل وضيعا حقا! فكان يدعوك لتجلس ~~على المائدة لتناول العشاء ويقدم لك الطعام على أطباق من الخزف الصيني مثل رجل ~~إنجليزي. لكن إذا تفوهت بأي لفظة غير مناسبة، أو استخدمت الشوكة على نحو غير ~~مناسب، طخ! يضربك بعصاه. وفي بعض الأحيان عندما يضربك لا تعرف حتى يحل اليوم التالي ~~لماذا ضربك.» # أشاحت لهم زيتوني بيدها معبرة عن عدم رضاها عن حديثهما. وقالت: «إنكم لم تعرفوه ~~أيها الأطفال إلا عندما كان كبيرا في السن وضعيفا. عندما كان أصغر سنا كنت أنا ~~ابنته المفضلة. كان يدللني. ولكن مع ذلك إذا أخطأت كنت أختبئ منه طوال اليوم، وكنت ~~أشعر بخوف شديد! أتعلمون كان صارما للغاية حتى مع ضيوفه. فإذا زاره أحد يذبح له الكثير ~~من الدجاج تكريما له. لكن إذا خالفوا إحدى العادات مثل أن يغسلوا أيديهم قبل شخص أكبر ~~سنا فلم يكن يتردد في ضربهم، حتى الكبار منهم.» # فقلت: «لا يبدو أنه كان محبوبا للغاية.» # هزت زيتوني رأسها. ms374 وقالت: «في الواقع، كان يحظى باحترام الجميع لأنه كان مزارعا ~~ماهرا. وكان المجمع الخاص به في أليجو من أكبر المجمعات في المنطقة. وكان شديد المهارة ~~في الزراعة، وبإمكانه زراعة أي شيء. وقد تعلم هذه التقنيات من البريطانيين عندما عمل ~~لديهم طاهيا.» ~~«لم أكن أعلم أنه كان طاهيا.» ~~«كانت لديه أرضه الزراعية، لكنه عمل طاهيا للبيض وقتا طويلا في نيروبي. وعمل لدى ~~أناس مهمين. وفي أثناء الحرب العالمية عمل خادما لدى أحد قادة الجيش ~~البريطاني.» # طلب روي جعة مرة أخرى. وقال: «ربما هذا ما جعله وضيعا بهذا الشكل.» # فقالت زيتوني: «لا أدري.» أظن أن أبي كان دائما بهذا الشكل. كان شديد الصرامة. لكنه ~~عادل. سأخبركم قصة أذكرها، وقعت أحداثها عندما كنت طفلة صغيرة: في أحد الأيام جاء رجل ~~إلى طرف المجمع الخاص بنا ومعه معزاة يربطها بحبل. وأراد أن يمر من داخل أرضنا لأنه ~~يعيش على الجانب الآخر من القرية، ولم يشأ أن يستخدم الطريق الذي يدور حولها. لذا قال ~~جدكم لهذا الرجل: «عندما تكون وحدك يمكنك دائما المرور من أرضي. لكن اليوم لا يمكنك ~~المرور لأن معزاتك ستأكل زرعي»، ولكن الرجل لم يستمع إلى حديثه، وأخذ يجادل جدكم ~~وقتا طويلا، قائلا إنه سيكون شديد الحرص وإن معزاته لن تمس شيئا من الزرع. وظل ~~ذلك الرجل يتحدث كثيرا، حتى إن جدكم في النهاية نادى علي وقال: «اذهبي وأحضري ~~أليجو». كان يطلق اسم أليجو على البانجا الخاصة به.» ~~«المنجل.» ~~«نعم، المنجل. كان لديه منجلان يحتفظ بهما حادان للغاية. كان يحكهما على حجر ~~طوال اليوم. وكان يطلق على أحدهما أليجو. وكان يطلق على الآخر كوجيلو. لذا ركضت عائدة ~~إلى كوخه، وأحضرت له الذي يطلق عليه أليجو. وقال جدكم للرجل: «انظر. لقد أخبرتك بالفعل ~~أنه لا يمكنك المرور، لكنك عنيد للغاية ولا تريد الاستماع إلي. لذا سأعقد معك صفقة؛ ~~يمكنك أن تمر مع معزاتك. لكن إذا تأذت ورقة عشب واحدة، بل لو نصف ورقة من زرعي، ~~فسأذبح المعزاة.» # ورغم صغر سني في ذلك الوقت ms375 عرفت أن ذلك الرجل شديد الغباء لأنه قبل عرض والدي. ~~وبدأنا نسير؛ الرجل ومعزاته في المقدمة، ثم أنا وأبي نتبعه عن قرب. سرنا ربما 20 ~~خطوة عندما مدت المعزاة رقبتها وبدأت تقضم ورقة. فجأة، قطع والدي رقبة المعزاة! ~~أصيب صاحب المعزاة بصدمة وبدأ يصرخ. أخذ يقول: «معزاتي! معزاتي! ماذا فعلت ~~يا حسين أونيانجو؟» وكل ما فعله جدكم هو أنه مسح المنجل وقال: «إذا قلت إنني سأفعل ~~شيئا، يجب أن أفعله وإلا كيف سيعلم الناس أن كلمتي صادقة؟» وبعد ذلك حاول صاحب ~~المعزاة أن يقاضي جدكم، أمام مجلس كبار القبيلة. وقد شعروا جميعا بالشفقة على الرجل ~~لأن موت المعزاة لم يكن بالشيء الهين. لكن عندما سمعوا قصته صرفوه. فقد علموا أن ~~جدكم على حق لأن الرجل تلقى ما يكفي من تحذيرات.» # هزت أوما رأسها. ثم نظرت إلي: «هل تتخيل يا باراك؟» وتابعت: «أقسم أنني في بعض ~~الأحيان أظن أنه هو أصل مشكلات العائلة. فهو الشخص الوحيد الذي كان أبي يهتم برأيه. وهو ~~الشخص الوحيد الذي كان يخشاه.» # في ذلك الوقت كانت عربة الطعام قد خلت من الركاب، وكان النادل يتحرك جيئة وذهابا ~~بنفاد صبر، فقررنا أن نعود إلى الداخل. كانت الأسرة المثبتة في جدران عربتنا في القطار ~~ضيقة، لكن الملاءات لطيفة وجذابة، وقد ظللت مستيقظا أستمع إلى الإيقاع المرتجف للقطار ~~وإلى أصوات أنفاس إخوتي المنتظمة وأفكر في تلك القصص عن جدنا. لقد قالت أوما إنه أصل ~~المشكلات. وقد بدا هذا صحيحا بصورة ما. وفكرت لو أنني استطعت أن أجمع أجزاء قصته ~~معا، فقد يتضح أي شيء آخر. # وفي النهاية غرقت في سبات عميق، وحلمت أنني أسير في طريق في قرية. والأطفال - الذين ~~كانوا لا يرتدون إلا خيوطا من الخرز - يلعبون أمام الأكواخ المستديرة، ولوح لي ~~العديد من الرجال الكبار السن وأنا أمر. لكن عندما تقدمت أكثر بدأت ألاحظ أن الناس ~~ينظرون خلفي بخوف، ويهرعون بالدخول إلى أكواخهم وأنا أمر. ثم ما لبثت أن سمعت صوت ~~نمر وبدأت أركض إلى داخل الغابة ms376 وأطأ بقدمي الجذور والأشجار المقطوعة جذوعها ~~والنباتات المتسلقة حتى لم أعد قادرا على الركض، وسقطت على ركبتي في وسط أرض مشرقة ~~خاوية من الأشجار. استدرت وأنا ألهث محاولا التقاط أنفاسي فرأيت أن النهار تحول إلى ~~ليل، ورأيت جسدا عملاقا يلوح في الأفق يناهز في طوله الأشجار ولا يرتدي إلا إزارا ~~وقناعا مخيفا. وكانت عيناه الخاليتان من الحياة تخترقانني، وسمعت صوتا مدويا يقول ~~إن الوقت قد حان، وبدأ جسدي بالكامل ينتفض بعنف مع الصوت، كما لو أنني أتمزق ~~... # انتفضت من نومي وأنا أتصبب عرقا، وارتطم رأسي في مصباح الحائط الذي يبرز فوق ~~الفراش. وفي الظلام، بدأ قلبي يستعيد توازنه رويدا رويدا، لكني لم أستطع العودة ~~للنوم مرة أخرى. ~~••• # وصلنا إلى كيزيمو مع شروق الشمس وقطعنا مسافة نصف ميل سيرا على الأقدام إلى محطة ~~الحافلات. كانت مزدحمة بالحافلات وعربات الماتاتو التي كانت تطلق نفيرها وتراوغ لاحتلال ~~مكان في المحطة المتربة الموجودة في الهواء الطلق، وقد كتب عليها بالطلاء أسماء مثل ~~«لص الحب» و«طفل الأدغال». وجدنا حافلة مزرية الهيئة إطاراتها متشققة ومتآكلة تتجه ~~نحونا. دخلت أوما إلى الحافلة أولا ثم خرجت مرة أخرى متجهمة. # وقالت: «لا توجد مقاعد.» # فقال روي وسلسلة من الأيدي ترفع حقائبنا إلى سطح الحافلة: «لا تقلقي، هذه أفريقيا يا ~~أوما ... وليست أوروبا.» والتفت وابتسم للشاب الذي كان يجمع الأجرة. وقال: «يمكنك أن ~~تعثر لنا على بعض المقاعد أليس كذلك يا أخي؟» # أومأ الرجل برأسه. وقال: «لا توجد مشكلة. هذه الحافلة درجة أولى.» # وبعد ساعة كانت أوما تجلس على حجري، ومعها سلة من نبات اليام وعلى حجرها طفلة شخص ~~آخر. # قلت وأنا أمسح خيطا من اللعاب من على يدي: «إنني أتساءل كيف تبدو حافلات الدرجة ~~الثالثة إذن.» # دفعت أوما مرفق أحد الأشخاص الغرباء بعيدا عن وجهها. وقالت: «لن تمزح هكذا عندما نصل ~~لأول حفرة في الطريق.» # ولكن لحسن الحظ كان الطريق معبدا تعبيدا جيدا، وكانت المشاهد الطبيعية على جانبيه ~~غالبا شجيرات جافة وتلال منخفضة، وسرعان ما حلت الأكواخ الطينية ذات ms377 الأسطح ~~المخروطية الشكل المبنية بالقش محل المباني المبنية من كتل أسمنتية التي كانت تظهر ~~من حين لآخر. نزلنا من الحافلة في ندوري وقضينا الساعتين التاليتين نشرب المياه ~~الغازية الدافئة ونشاهد الكلاب الضالة تنقض بعضها على بعض في التراب، حتى ظهرت عربة ~~ماتاتو أخيرا لتنقلنا عبر الطريق الترابي نحو الشمال. وعندما كنا في طريقنا إلى أعلى ~~المنحدر الصخري لوح لنا أطفال حفاة الأقدام لكنهم لم يبتسموا، وكان هناك قطيع من ~~الماعز يجري أمامنا ليشرب من مجرى مائي ضيق. ثم أصبح الطريق أوسع، وتوقفنا فجأة في ~~أرض خالية من الأشجار. وهناك كان شابان يستظلان تحت ظل شجرة، وبمجرد أن رأونا ارتسمت ~~الابتسامات على وجوههم. فقفز روي من الماتاتو ليضم الرجلين بين ذراعيه. # وقال روي بسعادة: «باراك هذان عمانا. هذا يوسف» قالها وهو يشير إلى رجل قوي البنية ~~بعض الشيء ذي شارب. ثم استأنف حديثه وهو يشير إلى رجل آخر أكبر حجما حليق الوجه: ~~«وهذا سيد أصغر إخوة أبي.» # قال سيد وهو يبتسم لي: «لقد سمعنا الكثير من الأشياء الرائعة عنك.» وتابع: «مرحبا يا ~~باري. مرحبا بك. تفضل ودعني أحمل حقائبك.» # تبعنا يوسف وسيد عبر طريق متعامد على الطريق الرئيسي، حتى عبرنا حاجزا من السياجات ~~المرتفعة ودخلنا إلى مجمع كبير. وفي وسط المجمع منزل منخفض مستطيل الشكل له سطح من ~~الحديد المضلع وحوائط أسمنتية انهارت من أحد الجوانب، تاركة الأساس المبني من الطمي ~~مكشوفا. والنباتات المتسلقة المعروفة باسم «الجهنمية» الحمراء والقرنفلية والصفراء ~~بأزهارها، تمتد على طول جانب واحد في اتجاه خزان مياه أسمنتي كبير، وعلى الجانب الآخر ~~من الأرض الترابية كوخ صغير مستدير تصطف به آنية خزفية حيث تنقر منها بضع دجاجات في ~~أنغام متعاقبة. ورأيت كوخين آخرين في الفناء العشبي الواسع الذي يمتد خلف المنزل. وأسفل ~~شجرة مانجو طويلة نظرت إلينا بقرتان نحيلتان حمراوان نظرة سريعة قبل أن تعودا وتنهمكا ~~في تناول طعامهما. # إنها هوم سكويرد. ~~«آه أوباما!» هكذا صاحت سيدة ضخمة الجسد تضع شالا على رأسها تخرج بخطى سريعة من ~~المنزل ms378 الرئيسي وتجفف يديها في جانب جونلتها. كان وجهها يشبه وجه سيد، هادئا وبارز ~~العظام ولها عينان متألقتان ضاحكتان. وقد احتضنت أوما وروي بقوة كما لو أنها ستطرحهما ~~أرضا، ثم استدارت إلي وأمسكت يدي وصافحتني مصافحة حارة. # وقالت وهي تحاول محاكاة الكلمة الإنجليزية: «مرحبا». # فقلت أنا: «مرحبا» في لغة لوو. # فضحكت وقالت شيئا لأوما. # قالت أوما: «إنها تقول إنها حلمت بهذا اليوم الذي ستقابل فيه حفيدها. وتقول إنك أدخلت ~~عليها سعادة كبيرة. وتقول إنك عدت أخيرا إلى وطنك.» # أومأت الجدة وجذبتني في عناق قبل أن تقودنا إلى داخل المنزل. كان بالمنزل نوافذ ~~صغيرة تسمح بدخول قليل من ضوء النهار، وليس به من الأثاث سوى بضعة مقاعد خشبية ومنضدة ~~قهوة ، وأريكة متهالكة. وعلى الجدران بعض إبداعات وذكريات العائلة: شهادة الدبلومة التي ~~حصل عليها أبي من جامعة هارفارد، وصور له ولعمي عمر الذي هاجر إلى أمريكا منذ 25 عاما ~~ولم يعد قط. وإلى جانبهما صورتان أقدم بدأ لونهما يتحول للون الأصفر: الأولى لشابة ~~طويلة تشع من عينيها مشاعر غضب مكبوتة وعلى حجرها طفل ممتلئ الجسد وتقف إلى جوارها ~~فتاة صغيرة، أما الصورة الثانية فلرجل أكبر سنا يجلس على مقعد له ظهر عال، ~~ويرتدي قميصا ورداء قطنيا يلتف حول الوسط (كانجا) ويضع إحدى رجليه فوق الأخرى مثل ~~رجل إنجليزي، وعلى حجره ما يشبه هراوة من نوع ما ورأسها الكبير مغلف بجلد حيوان. وقد ~~منحت عظام وجنتيه البارزة وعيناه الضيقتان وجهه لمحة شرقية. وجاءت أوما لتقف إلى ~~جواري. # وقالت: «هذا الرجل هو جدنا. والسيدة التي في الصورة هي جدتنا الأخرى أكومو. والفتاة ~~هي سارة. أما ذلك الطفل ... فهو أبونا.» # أمعنت النظر في الصور بعض الوقت، حتى لاحظت صورة أخيرة على الحائط. صورة لسيدة بيضاء ~~لها شعر أسود كثيف وعينان حالمتان مثل تلك الصور التي كانت تزين إعلانات كوكا كولا ~~القديمة. وسألت ماذا تفعل هذه الصورة على الجدار، التفتت أوما إلى الجدة التي أجابت ~~بلغة لوو. # فترجمت أوما قائلة: «إنها تقول إنها صورة لإحدى زوجات جدك. ms379 وقد أخبر الناس أنه ~~تزوجها في بورما عندما كان في الحرب.» # ضحك روي. وقال: «إنها لا تشبه نساء بورما، أليس كذلك يا باراك؟» # هززت رأسي نفيا. فقد كانت تشبه أمي. # جلسنا في غرفة المعيشة وأعدت لنا الجدة بعض الشاي. وقالت إن الأمور تسير على ما ~~يرام، مع أنها قد منحت قطعا من الأرض إلى الأقارب لأنها هي ويوسف لا يستطيعان تولي ~~العمل بها بأنفسهما. وتعوض الدخل الذي كانت ستكسبه من الأرض عن طريق بيع وجبات الغداء ~~للأطفال في المدرسة المجاورة، وتحضر البضائع من كيزيمو إلى السوق المحلية كلما توفر ~~لديها أموال فائضة. أما مشكلاتها الحقيقية فتتعلق بسقف المنزل، وأشارت إلى بعض خيوط ~~أشعة الشمس التي تمر من السقف إلى الأرضية، إلى جانب حقيقة أنها لم تسمع أية أخبار عن ~~ابنها عمر منذ ما يزيد عن عام. وسألتني هل رأيته، وأجبتها بالنفي. فغمغمت قائلة شيئا ~~بسخط بلغة لوو، ثم بدأت تجمع الأكواب. # همست أوما: «تقول عندما تراه أخبره أنها لا تريد منه شيئا، سوى أن يأتي ويزور ~~والدته.» # نظرت إلى الجدة ولأول مرة منذ وصولنا كان كبر سنها واضحا على ملامحها. # وبعد أن أفرغنا أمتعتنا أشار روي إلي كي أتبعه إلى الفناء الخلفي. وعلى حافة حقل ~~ذرة مجاور وأسفل شجرة مانجو رأيت بناءين مستطيلين طويلين من الأسمنت بارزين من الأرض ~~مثل تابوتين خرجا من القبر. وهناك لافتة على أحد القبرين منقوش عليها: حسين أونيانجو ~~أوباما (ولد عام 1895م ومات عام 1979م). وكان الآخر مغطى ببلاط أصفر كالذي يستخدم ~~في الحمامات به فراغ مجرد على شاهد الضريح حيث من المفترض أن توجد اللوحة، انحنى ~~روي وأبعد صفا من النمل كان يسير على طول القبر. # وقال: «ست سنوات.» وتابع: «ست سنوات ولا يزال لا يوجد شيء يقول من دفن هنا. سأخبرك ~~شيئا يا باراك، عندما أموت تأكد أن اسمي مكتوب على القبر.» وهز رأسه ببطء قبل أن ~~يعود إلى المنزل. ~~••• # كيف لي أن أصف مشاعر ذلك اليوم؟ يمكنني تذكر كل لحظة في ذهني ms380 صورة تقريبا؛ ~~أتذكر انضمامي أنا وأوما إلى الجدة في سوق بعد الظهيرة، في المكان نفسه الذي أنزلتنا ~~فيه عربة الماتاتو، فيما عدا أنه أصبح مكتظا بنساء يجلسن على حصائر، وسيقانهم ~~الناعمة سمراء اللون ممتدة أمامهن من أسفل الجونلات الواسعة؛ وصوت ضحكاتهن وهن يشاهدنني ~~أساعد الجدة في قطع سيقان الكرنب الأخضر الذي أحضرته من كيزيمو، والمذاق الحلو كالعسل ~~لعود القصب الذي وضعته إحدى النساء في يدي. وأتذكر حفيف أوراق الذرة، والتركيز على ~~وجه عمي، ورائحة عرقنا ونحن نصلح ثقبا في السياج الذي يحد الجانب الغربي من المنزل. ~~وأتذكر كيف جاء بعد الظهيرة صبي اسمه جودفري إلى المجمع، وهو صبي قالت أوما إنه يمكث ~~مع الجدة لأن أسرته تعيش في قرية ليست بها مدرسة، وأتذكر خطوات جودفري المضطربة وهو ~~يطارد ديكا أسود كبيرا عبر أشجار الموز والببايا، وتقطيب ما بين حاجبيه الصغيرين ~~والطائر يضرب بجناحيه ليفلت من يديه، والنظرة في عينيه عندما جذبت جدتي الديك من الخلف ~~بإحدى يديها وجزت رقبته بالسكين فجأة، وهي نظرة تذكرتها وكأنها نظرتي أنا. # ولم يكن ما شعرت به في تلك اللحظات مجرد سعادة. لكنه إحساس بأن كل ما أفعله، كل ~~لمسة ونفس وكلمة تحمل الثقل الكامل لحياتي، وأن دائرة بدأت تنغلق، حتى إنني ربما ~~يمكنني أخيرا التعرف على نفسي وأدرك أنني موجود هنا، الآن بالذات في مكان واحد. لم ~~أشعر بتغير هذه الحالة إلا مرة واحدة بعد ظهر يوم ما عندما سبقتنا أوما في طريق ~~عودتنا من السوق كي تحضر كاميراتها وتركتني أنا والجدة وحدنا في منتصف الطريق. وبعد ~~صمت طويل نظرت الجدة إلي. وابتسمت قائلة: «مرحبا» باللغة الإنجليزية الركيكة. فأجبت ~~تحيتها بلغة لوو. وهكذا نفدت الكلمات التي من الممكن أن نتبادلها، فحدقنا بأسف إلى ~~التراب حتى عادت أوما في النهاية. ثم التفتت الجدة إلى أوما وقالت في نبرة استطعت أن ~~أفهمها إنه آلمها كثيرا ألا تستطيع التحدث إلى حفيدها. # فقلت: «أخبريها أنني أود تعلم لغة لوو، لكن من الصعب أن أجد وقتا في الولايات ~~المتحدة.» ms381 وتابعت: «أخبريها كم أنا مشغول.» # قالت أوما: «إنها تفهم هذا» وتابعت: «لكنها تقول أيضا إنه لا يمكن أن يكون المرء ~~مشغولا لدرجة ألا يعرف أهله.» # نظرت إلى الجدة، فأومأت إلي، وأدركت حينها أن السعادة التي كنت أشعر بها ستزول في ~~وقت ما، وأن ذلك أيضا جزء من الدائرة: حقيقة أن حياتي لم تكن أبدا مرتبة أو ثابتة، ~~وأنه حتى بعد هذه الرحلة ستظل الاختيارات الصعبة مطروحة دائما. # أسدل الليل ستائره سريعا، وكانت الرياح تهب برقة في الظلام. ذهبت أنا وبرنارد وروي ~~إلى خزان المياه واغتسلنا في الهواء الطلق، وأجسادنا التي يغطيها الصابون تلمع تحت ضوء ~~القمر الذي يوشك أن يكون بدرا. وعندما عدنا إلى المنزل كان الطعام بانتظارنا، فأكلنا ~~بشهية مفتوحة دون أن نتفوه بكلمة. وبعد العشاء، غادر روي وهو يتمتم أنه يريد زيارة بعض ~~الأشخاص. وذهب يوسف إلى كوخه وأحضر جهاز ترانزستور قديما قال إنه كان ملكا لجدنا في ~~يوم من الأيام. وأخذ يحرك المؤشر حتى التقط موجة بصوت مشوش لإذاعة البي بي سي، إلا ~~أن صوت الإذاعة كان يجيء ويذهب وكانت كأنها هذيان لأناس من عالم آخر. وبعد دقيقة ~~سمعنا صوت عويل غريب منخفض النبرة على مسافة بعيدة. # قالت أوما: «لا بد أن عدائي الليل في الخارج الليلة.» ~~«من هم عداءو الليل؟» # قالت: «إنهم مثل مشعوذين.» وتابعت: «رجال أشباح. عندما كنا صغارا كانت هاتان»، مشيرة ~~إلى الجدة وزيتوني «تخبراننا قصصا عنهم كي نحسن السلوك. وقالتا لنا إنه في ضوء ~~النهار يكون عداءو الليل مثل عوام الناس. قد تمر بهم في السوق، أو حتى تدعوهم إلى منزلك ~~لتناول الطعام، ولا تعرف حقيقتهم أبدا. ولكن ليلا يأخذون شكل نمور ويتحدثون إلى جميع ~~الحيوانات. وأقوى عدائي الليل يمكنهم أن يتركوا أجسادهم ويطيروا إلى أماكن بعيدة. أو ~~يسحرونك بنظرة سريعة واحدة من عيونهم. وإذا سألت جيراننا، فسيخبرونك أنه لا يزال هناك ~~الكثير من عدائي الليل هنا.» ~~«أوما، إنك تتحدثين كما لو أن هذا الأمر غير حقيقي.» # وعلى الضوء المتقطع للمصباح الذي يعمل ms382 بالكيروسين لم أستطع أن أحدد ما إذا كانت ~~زيتوني تمزح. وقالت: «دعني أخبرك أمرا يا باري. عندما كنت صغيرة سبب عداءو الليل ~~الكثير من المشكلات للناس. فكانوا يسرقون المعز. وفي بعض الأحيان يأخذون حتى الماشية. ~~جدك كان الشخص الوحيد الذي لا يخاف منهم. أذكر أنه في يوم من الأيام سمع معزه تمأمئ ~~في الحظيرة، وعندما ذهب ليطمئن عليها رأى ما بدا مثل نمر ضخم يقف على رجليه الخلفيتين ~~مثل رجل. وكان بين فكيه معزاة صغيرة، وعندما رأى جدك، صرخ بلغة لوو قبل أن يهرب ~~إلى الغابة، فطارده جدك لمسافة بعيدة في التلال، لكن عندما كان على وشك أن يطعنه ~~بمنجله طار عداء الليل ليستقر فوق الأشجار. ولحسن الحظ سقطت المعزاة عندما قفز، ولم ~~تصب إلا بكسر في رجلها. أعاد جدك المعزاة إلى المجمع وأراني كيف أصنع جبيرة، وقد ~~اعتنيت بتلك المعزاة بنفسي حتى استعادت صحتها.» # عدنا إلى هدوئنا مرة أخرى، وأصبح ضوء المصباح خافتا وبدأ الناس يأوون إلى فرشهم. ~~وأحضرت الجدة أغطية وسريرا متنقلا لشخصين حتى ننام عليه أنا وبرنارد، واستلقينا على ~~السرير الضيق قبل أن نطفئ المصباح. كان جسدي يؤلمني من الإرهاق، وكنت أسمع غمغمة الجدة ~~هي وأوما تتحدثان داخل غرفة نوم الجدة، وتساءلت إلى أين ذهب روي، وفكرت في البلاط ~~الأصفر على قبر أبي. # وهنا همس برنارد: «باري.» وتابع: «ألا تزال مستيقظا؟» ~~«نعم.» ~~«هل صدقت ما قالته زيتوني؟ أقصد عن عدائي الليل؟» ~~«لا أعلم.» ~~«أما أنا فلا أظن أن هناك ما يسمى بعدائي الليل. إنهم على الأرجح لصوص يستغلون هذه ~~القصص ليخيفوا الناس.» ~~«قد تكون على حق.» # ثم خيم علينا صمت طويل. ~~«باري؟» ~~«ماذا؟» ~~«ما الذي جعلك تعود إلى الوطن؟» ~~«لا أدري يا برنارد. شيء ما أخبرني أنه قد حان الوقت.» # استدار برنارد على جانبه دون أن يجيب. وبعد دقيقة سمعت صوت شخيره الخافت إلى جواري، ~~ففتحت عيني في الظلام منتظرا عودة روي. ~~••• # في الصباح اقترح سيد ويوسف أن أذهب أنا وأوما في جولة في المنطقة. وعندما تبعناهما ms383 ~~عبر الفناء الخلفي ثم طريق ترابي عبر حقول الذرة والدخن استدار يوسف إلي وقال: «لا بد ~~أن هذا يبدو شيئا بدائيا لك مقارنة بالمزارع في أمريكا.» # فأخبرته أنني لا أعرف الكثير عن الزراعة لكن، على حد علمي، الأرض تبدو خصبة. # قال يوسف وهو يومئ: «نعم، الأرض جيدة.» وتابع: «المشكلة هنا أن الناس غير متعلمين. ~~ولا يفهمون الكثير عن التطور. لا يعلمون شيئا عن التقنيات الزراعية المناسبة وأشياء من ~~هذا القبيل. وأنا أحاول أن أشرح لهم معلومات عن تطوير رأس المال والري، لكنهم يرفضون ~~الاستماع إلي. فأبناء قبيلة لوو عنيدون في هذا الشأن.» # لاحظت أن سيد عبس في وجه أخيه لكنه لم يقل شيئا. وبعد بضع دقائق وصلنا إلى مجرى ~~مائي صغير موحل. وحينها صاح سيد محذرا، فظهرت شابتان على الضفة المقابلة تغطيان ~~جسديهما برداءيهما وشعرهما لا يزال يلمع من حمام الصباح. وابتسمتا بخجل واختفتا ~~وراء بقعة من أعشاب المستنقعات محاطة بالماء. # وأشار سيد إلى السياجات التي تمتد على طول المياه. وقال: «هنا تنتهي ممتلكاتنا من ~~الأرض.» وتابع: «في الماضي، عندما كان أبي على قيد الحياة، كانت الحقول أكبر. لكن كما ~~قالت أمي، تركنا جزءا من الأرض الآن.» # قرر يوسف أن يعود عند هذه النقطة، لكن سيد قادني أنا وأوما على طول المجرى المائي ~~لبعض الوقت، ثم عبر المزيد من الحقول من أمام مجمع سكني. وأمام بعض الأكواخ رأينا نساء ~~يفرزن حبوب الدخن المفروشة على قطع مربعة من القماش، فتوقفنا لنتحدث إلى واحدة منهن، ~~وهي سيدة في منتصف العمر ترتدي ثوبا أحمر باهتا وحذاء خفيفا أحمر اللون بدون رباط. ~~تركت السيدة عملها جانبا لتصافحنا، وأخبرتنا أنها تتذكر أبانا فقد كانا يرعيان ~~الماعز معا في طفولتهما. وعندما سألتها أوما كيف حال الحياة هزت رأسها ببطء. # وقالت بصوت يخلو من المشاعر: «لقد تغيرت الحياة.» وتابعت: «فالشباب يرحلون إلى ~~المدينة. لا يبقى هنا سوى الأطفال والعجائز من الرجال والنساء. ورحلت معهم الثروة ~~كلها.» وفي أثناء حديثها جاء رجل عجوز يركب دراجة متهالكة إلى جانبنا ms384 ثم رجل طويل ~~نحيل تنبعث من أنفاسه رائحة الكحول. وعلى الفور التقطوا نبرة حديث المرأة عن صعوبة ~~الحياة في أليجو والأطفال الذين تركوهم ورحلوا. وسألونا هل بإمكاننا أن نمنحهم شيئا ~~ليساعدهم على الحياة بعض الوقت، فمنحت أوما كلا منهما بضعة شلنات قبل أن نستأذن ~~وننصرف عائدين إلى المنزل. # ثم قالت أوما بعد أن أصبحنا بعيدا عن أسماعهم: «ماذا حدث هنا يا سيد؟ إنهم لم يكونوا ~~يتسولون النقود بهذا الشكل قط.» # انحنى سيد وأبعد بعض الأغصان الساقطة من بين صفوف الذرة. وقال: «إنك على حق.» وتابع: ~~«أعتقد أنهم تعلموا هذا السلوك من سكان المدينة. فالناس يعودون من نيروبي أو كيزيمو ~~ويقولون لهم: «إنكم فقراء.» ومن ثم أصبح لدينا هذه الفكرة عن الفقر . لم تكن هذه الفكرة ~~موجودة هنا من قبل. انظر إلى والدتي، إنها لا تطلب شيئا أبدا، فدائما لديها ما ~~تفعله. ولا شيء مما تفعله يجلب لها الكثير من النقود، لكنها نقود على أية حال. وهذا ~~يجعلها تشعر بالفخر. أي شخص يمكنه أن يفعل هذا، لكن الكثيرين هنا يفضلون ~~الاستسلام.» # قالت أوما: «وماذا عن يوسف؟» وتابعت: «ألا يمكنه فعل المزيد؟» # هز سيد رأسه. وقال: «أخي يتحدث بأسلوب الكتب، لكن يؤسفني أنه لا يحب أن يكون ~~قدوة.» # استدارت أوما إلي. وقالت: «أتعلم كان أداء يوسف حسنا للغاية لبعض الوقت. كان أداؤه ~~حسنا في المدرسة أليس كذلك يا سيد؟ وتلقى العديد من فرص العمل الممتازة. لكنني لا ~~أعلم ماذا حدث له. ترك الدراسة. والآن يمكث هنا مع الجدة يقوم ببعض الأعمال البسيطة ~~لها. كما لو أنه يخاف من محاولة النجاح.» # فأومأ سيد. وقال: «أظن أن التعليم لا يفيدنا كثيرا إذا لم يكن ممزوجا ~~بالعرق.» # فكرت فيما قاله سيد ونحن نتابع السير. ربما يكون على حق، وقد تكون فكرة الفقر ~~جلبت إلى هذا المكان؛ مقياس جديد للفقر والحاجة انتقل كالحصبة على يدي أو يد أوما أو ~~من خلال راديو يوسف القديم. وعندما نقول إن الفقر مجرد فكرة لا يعني أنه ليس موجودا؛ ~~فالأشخاص ms385 الذين قابلناهم للتو لا يمكنهم إنكار حقيقة أن بعض الناس لديهم حمامات بداخل ~~المنازل أو يأكلون اللحم كل يوم، أكثر مما يمكن لأطفال ألتجيلد إنكار وجود العربات ~~السريعة أو المنازل المترفة التي تعرضها أجهزة التليفزيون. # ولكن ربما يمكنهم مقاومة فكرة عجزهم. وفي ذلك الوقت كان سيد يخبرنا عن حياته: عن ~~إحباطه لأنه لم يلتحق قط بالجامعة مثل إخوته الأكبر منه سنا بسبب نقص النقود؛ وعمله ~~في «فيلق الشباب الوطني» وتكليفه بالعمل في مشروعات التنمية في أرجاء البلد، وهي مهمة ~~محدودة عمرها ثلاثة أعوام على وشك الانتهاء. وقد قضى إجازتيه السابقتين يطرق أبواب ~~الشركات المختلفة في نيروبي لكن دون نتائج إيجابية حتى ذلك الوقت. ولكن ظروفه لم تفت ~~في عضده وهو واثق أن المثابرة ستسبب النجاح في النهاية. # قال سيد ونحن نقترب من منزل الجدة: «الحصول على عمل هذه الأيام، حتى كموظف بسيط، ~~يتطلب أن تكون من ذوي المعارف، أو أن ترشو شخصا برشوة كبيرة. ولهذا أود أن أؤسس عملي ~~الخاص. سيكون شيئا صغيرا نعم. لكنه سيكون ملكي. وأظن أن هذا كان خطأ والدكما. فمع ~~عبقريته لم يكن لديه شيء يملكه قط.» ثم فكر لدقيقة. وقال: «بالطبع، لا فائدة من إهدار ~~الوقت في الندم على أخطاء الماضي، ألست على حق؟ مثل ذلك النزاع على ميراث والدك. منذ ~~البداية أخبرت أخواتي أن ينسين هذا الأمر. لا بد أن نستمر في حياتنا. ومع ذلك فإنهن لا ~~يستمعن إلي. وفي الوقت نفسه إلى أين يذهب المال الذي يتنازعن عليه؟ إلى المحامين. ~~أعتقد أن المحامين يستفيدون بشدة من هذه القضية. ثمة مثل يحضرني هنا. يقول: عندما ~~تتقاتل جرادتان، يكون الغراب دائما هو المستفيد.» # فسألته: «هل هذا مثل تتداوله قبيلة لوو؟» فابتسم سيد ابتسامة خجلى. # وقال: «لدينا تعبيرات مماثلة هنا في لوو، لكن يجب أن أعترف أن هذا التعبير بالذات ~~قرأته في كتاب من تأليف شينوا أشيبي، الكاتب النيجيري. فأنا أحب كتبه كثيرا. فإنه ~~يقول الحقيقة عن أزمة أفريقيا. الأزمة النيجيرية أو الكينية، كلها واحد. فإننا ms386 نشترك في ~~أشياء أكثر من تلك التي تفرقنا.» ~~••• # عندما عدنا كانت الجدة وروي يجلسان خارج المنزل ويتحدثان إلى رجل يرتدي حلة ~~ثقيلة. اتضح أن ذلك الرجل هو ناظر المدرسة المجاورة، وقد جاء لينقل لهم أخبار المدينة ~~ويستمتع بتناول يخني الدجاج المتبقي من الليلة السابقة. ولاحظت أن روي قد حزم حقيبته ~~فسألته إلى أين سيذهب. # فقال: «إلى كندو باي.» وتابع: «الناظر يتجه إلى هناك؛ لذا فسأذهب معه أنا وأمي ~~وبرنارد ونعيد آبو إلى هنا. أنت أيضا يجب أن تأتي معنا لتلقي التحية على العائلة ~~هناك.» # قررت أوما أن تبقى مع الجدة، لكنني أنا وسيد ذهبنا لنأخذ بعض الملابس ثم تكدسنا ~~في سيارة الناظر العتيقة. واتضح أن الرحلة إلى كندو تستغرق عدة ساعات بالسفر عبر الطريق ~~الرئيسي، وإلى الغرب كانت بحيرة فيكتوريا تظهر من حين لآخر ومياهها الفضية الساكنة تقل ~~لتتحول إلى مستنقعات خضراء مسطحة. وفي وقت متأخر من بعد الظهيرة كنا نسير في الشارع ~~الرئيسي في مدينة كندو باي، وهو شارع واسع مليء بالغبار تصطف على جانبيه محال مدهونة ~~باللون الأصفر. بعد أن شكرنا الناظر ركبنا عربة ماتاتو، سارت بنا عبر متاهة من الشوارع ~~الجانبية، حتى اختفت جميع العلامات التي تدل على المدنية وعادت البيئة المحيطة بنا مرة ~~أخرى إلى مراع مفتوحة وحقول ذرة. وعند مفترق أحد الطرق أشارت لنا كيزيا كي ننزل، ~~وبدأنا نسير عبر واد ضيق عميق لونه يميل إلى الرمادي، في أسفله يتدفق نهر كبير بني ~~بلون الشيكولاتة. وعلى ضفة النهر رأينا نساء يضعن ملابس مبتلة على صخور مكشوفة، وعلى ~~سطح منبسط فوقها قطيع من الماعز يأكل في مساحة من الحشائش الصفراء، والعلامات السوداء ~~والبيضاء والكستنائية على أجسادها مثل نبات حزاز الصخر في الأرض. انعطفنا في ممر أضيق ~~ووصلنا إلى مدخل مجمع محاط بسياج. توقفت كيزيا وأشارت إلى ما بدا مثل كومة عشوائية ~~من الصخور والعصي وقالت شيئا لروي بلغة لوو. # فقال روي: «هذا قبر أوباما.» وتابع: «جدنا الأكبر. وجميع الأرض الموجودة هنا يطلق ~~عليها «أرض أوباما»، ونحن ms387 «أبناء أوباما». وقد نشأ أبو جدنا الأكبر في أليجو، لكنه ~~انتقل إلى هنا في شبابه. وهنا استقر أوباما، وولد جميع أبنائه.» ~~«لماذا إذن عاد جدنا إلى أليجو؟» # التفت روي إلى كيزيا التي هزت رأسها. فقال روي: «عليك أن تسأل الجدة هذا السؤال.» ~~وتابع: أمي تظن أنه ربما لم يتفق مع إخوته. في الحقيقة لا يزال أحد إخوته يعيش هنا. ~~إنه عجوز الآن، وربما يمكننا زيارته.» # وصلنا إلى منزل خشبي صغير حيث كانت سيدة طويلة جميلة تكنس الباحة. ومن خلفها كان ~~رجل عاري الصدر يجلس في مدخل المبنى. غطت المرأة عينيها من الضوء بساعدها ولوحت ~~لنا، وببطء استدار الشاب باتجاهنا. فذهب روي ليصافح المرأة التي كان اسمها سالينا ونهض ~~الشاب لتحيتنا. # قال آبو: «أخيرا جئتم لزيارتي؟» وهو يحتضن كلا منا. ومد يده ليرتدي قميصه. وتابع: ~~«سمعت أنكم قادمون مع باري منذ وقت طويل.» # قال روي: «نعم، إنك تعرف كيف تسير الأمور.» وتابع: «فنحن نستغرق بعض الوقت ~~للتنظيم.» ~~«أنا سعيد أنكم أتيتم. فأنا بحاجة للعودة إلى نيروبي.» ~~«إنك لا تحب الحياة هنا، أليس كذلك؟» ~~«إنها مملة للغاية يا رجل، لن تصدق. لا يوجد تليفزيون. كما لا توجد نواد. وهؤلاء ~~الناس في القرية أظن أنهم بطيئون. لولا قدوم بيلي لفقدت صوابي.» ~~«هل بيلي هنا؟» ~~«نعم، إنه هنا في مكان ما ...» ولوح آبو بيده بصورة غامضة، ثم استدار إلي ~~وابتسم. قال: «حسنا، يا باري. ماذا أحضرت لي معك من أمريكا؟» # مددت يدي داخل الحقيبة وأخرجت أحد أجهزة الكاسيت المحمولة التي أحضرتها له ولبرنارد. ~~فقلبه في يده وعلى وجهه نظرة إحباط غير مستترة. # وقال: «إنه ليس سوني، أهذا صحيح؟» ثم استعاد سيطرته على نفسه سريعا وضربني برفق على ~~ظهري. وقال: «هذا رائع يا باري. شكرا لك! شكرا لك.» # أومأت له محاولا ألا أشعر بالغضب. كان يقف إلى جوار برنارد وكان التشابه بينهما ~~مذهلا: الطول نفسه، والنحافة نفسها، والملامح الهادئة المتناسقة نفسها. ليس إلا أن ~~يحلق آبو شاربه حتى يصبحا توءما. فيما عدا شيء واحد ... ما ms388 هو؟ نعم، إنها النظرة في ~~عيني آبو. ذاك هو السبب. ليس فقط الاحمرار الواضح الناتج عن تناول المخدرات، بل شيء ~~أعمق، شيء ذكرني بالشباب في شيكاغو. نظرة انتباه وربما حذر، نظرة شخص أدرك في وقت ~~مبكر من حياته أنه ظلم. # تبعنا سالينا إلى داخل المنزل، وأحضرت لنا صينية عليها مياه غازية وبسكويت. وعندما ~~وضعت الصينية دخل من الباب شاب ضخم قوي البنية له شارب ويتسم بالقدر نفسه من جمال ~~سالينا وطول روي، وبمجرد أن دخل صاح. # قال: «روي! ماذا تفعل هنا؟» # نهض روي وتعانقا. وأجاب: «أنت تعرفني. أبحث دائما عن الطعام. يجب أن أطرح عليك ~~السؤال نفسه؟» ~~«أنا أزور والدتي. فإذا لم آت إلى هنا كثيرا تبدأ في الشكوى.» وقبل سالينا على ~~وجنتها وأمسك يدي يصافحني بقوة. قال: «أرى أنك أحضرت معك قريبي الأمريكي! سمعت عنك ~~كثيرا يا باري، ولا أصدق أنك هنا الآن.» ثم التفت إلى سالينا. قال: «هل قدمت ~~الطعام لباري؟» ~~«حالا يا بيلي. حالا.» ثم أخذت يد كيزيا والتفتت إلى روي. وقالت: «أترى ما يجب أن ~~تتحمله الأمهات؟ كيف حال جدتك؟» ~~«كما هي.» # أومأت برأسها وهي تمعن التفكير. قالت: «هذا ليس سيئا.» # خرجت من الغرفة هي وكيزيا وسقط بيلي على الأريكة إلى جانب روي. # وقال: «ألا تزال مجنونا أيها السيد؟ انظر إلى حالك الآن! إنك بدين مثل الثور الفائز ~~في مسابقة! لا بد أنك تمتع نفسك في الولايات المتحدة.» # قال روي: «الوضع على ما يرام.» وتابع: «كيف حال مومباسا؟ سمعت أنك تعمل في مكتب ~~البريد.» # هز بيلي كتفيه. وقال: «الراتب معقول، والعمل ثابت ولا يحتاج إلى مجهود ذهني كبير.» ~~ثم التفت إلي. وقال: «دعني أخبرك شيئا يا باري، أخوك هذا كان طائشا! في الحقيقة كنا ~~جميعا طائشين فيما مضى. قضينا معظم الوقت نصطاد الحيوانات التي لا يصطادها أحد عادة، ~~أليس كذلك يا روي؟» ثم ضرب روي على فخذه، وضحك. قال: «أخبرني، ماذا عن النساء ~~الأمريكيات؟» # ضحك روي، لكن بدا أن دخول سالينا وكيزيا بالطعام أراحه. قال بيلي ms389 وهو يضع طبقه على ~~المنضدة المنخفضة أمامه: «أتعلم يا باري، كان أبوك في مثل عمر أبي. وكانا مقربين للغاية. ~~وعندما نشأت أنا وروي كنا أيضا في العمر نفسه؛ لذا فقد أصبحنا بطبيعة الحال مقربين ~~للغاية. ودعني أخبرك شيئا، كان أبوك رجلا عظيما. وكانت علاقتي به أقوى من علاقتي ~~بأبي. فإذا تعرضت لمشكلة كنت أذهب إلى عمي باراك أولا. وأنت يا روي كنت تلجأ لأبي على ~~ما أعتقد.» # قال روي بهدوء: «كان الرجال في عائلتنا رائعين مع أبناء الغير.» واستدرك: «ولكن مع ~~أبنائهم أرادوا ألا يبدوا ضعفاء.» # أومأ بيلي ولعق أصابعه. وقال: «أتعلم يا روي، أظن أن ما تقوله حقيقي. أما أنا فلا ~~أريد ارتكاب الأخطاء نفسها. لا أريد إساءة معاملة عائلتي .» وبيده النظيفة أخرج بيلي ~~محفظته من جيبه وأراني صورة لزوجته وطفليه الصغيرين. وقال: «أقسم لك أيها السيد، ~~الزواج يستحوذ على المرء! يجب أن تراني الآن يا روي. لقد أصبحت هادئا للغاية. رجل ~~أسري. بالطبع هناك حدود لما يجب أن يتحمله الرجل. وزوجتي تعرف ألا تعارضني كثيرا، ~~ما رأيك يا سيد؟» # أدركت أن سيدا لم يتحدث كثيرا منذ أن وصلنا. وكان قد غسل يديه قبل أن يلتفت إلى ~~بيلي. # قال: «أنا لم أتزوج بعد؛ لذا ربما لا ينبغي أن أتحدث عن هذا الأمر. لكني أعترف ~~أنني فكرت في هذه الأمور لبعض الوقت. وقد توصلت إلى أهم مشكلات أفريقيا، أتدرون ما ~~هي؟» ثم توقف ليدير عينيه في الغرفة. واستأنف: «العلاقة بين الرجل والمرأة. فنحن ~~الرجال نحاول أن نصبح أقوياء، لكن قوتنا عادة ما توضع في غير محلها. مثل مسألة أن ~~يكون للرجل أكثر من امرأة. لقد كان لدى آبائنا زوجات كثيرة؛ لذا فنحن أيضا يجب أن يكون ~~لدينا الكثير من النساء. لكننا لا نتوقف وننظر إلى العواقب. ماذا يحدث لهؤلاء النساء؟ ~~الغيرة تملأ قلوبهن. والأطفال لا يصبحون مقربين من آبائهم. إنها ...» # ثم تدارك سيد نفسه فجأة وابتسم. وقال: «بالطبع أنا ليس لدي حتى زوجة واحدة؛ لذا ينبغي ~~ألا أستمر في الحديث. ms390 فحيثما لا يمتلك المرء الخبرة فمن الحكمة أن يصمت.» # فسألته: «هل هذا من أقوال أشيبي أيضا؟» # ضحك سيد وأمسك يدي. قال: «كلا يا باري. هذا قولي أنا.» # عندما انتهينا من تناول العشاء كان الظلام قد خيم، وبعد أن شكرنا سالينا وكيزيا على ~~الطعام تبعنا بيلي إلى الخارج إلى ممر ضيق. وسرنا أسفل ضوء القمر الذي كان بدرا، ~~ووصلنا سريعا إلى منزل أصغر حيث ظلال الفراشات ترفرف قبالة نافذة صفراء. طرق بيلي ~~الباب، ففتح رجل قصير القامة على طول جبهته آثار جرح، وعلى شفتيه ابتسامة لكن عينيه ~~تدوران في محجريهما مثل عيني رجل على وشك أن يضرب. ومن خلفه كان يجلس رجل آخر طويل ~~وشديد النحافة يرتدي ملابس بيضاء وله لحية صغيرة خفيفة وشارب جعله يشبه النساك ~~الهنود. ومعا بدأ الرجلان يصافحانا بحماس، ويتحدثان إلي بلغة إنجليزية غير ~~صحيحة. ~~«أنا ابن أخيك!» هذا ما قاله الرجل الأبيض الشعر وهو يشير إلى نفسه. # ضحك القصير وقال: «شعره أبيض ويدعوك عماه! هه! أتحب لغته الإنجليزية؟ تفضل.» # قادانا إلى منضدة خشبية عليها زجاجة لا تحمل علامة اسم مليئة بسائل شفاف وثلاثة ~~أكواب. رفع الأبيض الشعر الزجاجة وسكب بحرص مقدار كأسين تقريبا في كل كوب. وقال بيلي ~~وهو يرفع كوبه: «هذا أفضل من الويسكي يا باري.» وتابع: «إنه يجعل الرجل فحلا.» وألقى ~~بالشراب في حلقه وتبعته في ذلك أنا وروي. ثم شعرت بصدري ينفجر ويمطر الشظايا في معدتي. ~~أعادوا ملء الأكواب لكن سيدا أخذ واحدا؛ لذا رفع الرجل القصير الكوب الآخر أمام ~~عيني ورأيت وجهه مشوها عبر الكوب. # قال: «أتريد المزيد؟» # قلت وأنا أكتم السعال: «ليس الآن!» وتابعت: «شكرا لك.» # قال الأبيض الشعر: «ربما تكون أحضرت لي شيئا؟» وتابع: «ربما قميصا؟ أو حذاء؟» ~~«أنا آسف ... تركت كل شيء في أليجو.» # ظل الرجل القصير يبتسم كما لو أنه لم يفهم، وعرض علي الشراب مرة أخرى. هذه المرة ~~دفع بيلي يد الرجل بعيدا. # وصاح: «اتركه!» وتابع: «يمكننا أن نشرب المزيد فيما بعد. يجب أولا أن نرى ~~جدنا.» ms391 # قادنا الرجلان إلى غرفة خلفية صغيرة. وهناك أمام مصباح يعمل بالكيروسين جلس بلا ~~حراك أكبر رجل سنا رأيته في حياتي. شعره أبيض كالثلج، وبشرته مثل الورق المصنوع من ~~جلد الماعز. كان بلا حراك وعيناه مغلقتان وذراعاه النحيفتان تتكآن على ذراعي مقعده. ~~ظننت أنه نائم، لكن عندما تقدم بيلي استدار رأس الرجل العجوز باتجاهنا، ورأيت صورة ~~مطابقة للوجه الذي رأيته أمس في أليجو في الصورة الباهتة على حائط منزل الجدة. # شرح له بيلي من الحضور، فأومأ الرجل وبدأ يتحدث في صوت منخفض مرتجف بدا أنه يأتي ~~من غرفة تحت الأرض. # وترجم روي: «يقول إنه سعيد أنك أتيت.» وتابع: «إنه أخو جدك. ويتمنى أن تكون ~~بخير.» # قلت إنني سعيد برؤيته، فأومأ الرجل العجوز مرة أخرى. ~~«يقول إن الكثير من الشباب قد ضاعوا في ... بلاد الرجل الأبيض. ويقول إن ابنه في ~~أمريكا ولم يعد إلى الوطن منذ سنوات طويلة. ويقول إن هؤلاء الرجال مثل الأشباح. عندما ~~يموتون لن يحزن عليهم أحد. ولن يوجد أجداد ليرحبوا بهم. ولهذا ... يقول إنه من الأفضل ~~أنك عدت.» # رفع الرجل العجوز يده فصافحته برفق. وعندما نهضنا لنغادر قال الرجل العجوز شيئا آخر، ~~فأومأ روي برأسه قبل أن يغلق الباب خلفنا. # قال روي: «يقول لك إذا سمعت أخبارا عن ابنه يجب أن تخبره أن يعود إلى وطنه.» # ربما يكون هذا من تأثير الكحول القوي أو حقيقة أن الناس حولي كانوا يتحدثون بلغة لم ~~أكن أفهمها. ولكن عندما أحاول أن أتذكر باقي تلك الأمسية، يكون الأمر كما لو أني أسير ~~في حلم. والقمر منخفض في السماء، وصور روي والآخرين تندمج مع ظلال الذرة. ودخلنا منزلا ~~صغيرا آخر ووجدنا المزيد من الرجال، ربما ستة أو 10 رجال، فقد كان العدد يتغير ~~باستمرار بمرور الوقت. وفي منتصف منضدة خشبية خشنة ثلاث زجاجات إضافية، وبدأ الرجال ~~يسكبون الكحول القوي في الأكواب بأسلوب رسمي في البداية، ثم أسرع بإهمال أكثر، وتنتقل ~~الزجاجات الباهتة التي لا تحمل اسما من يد ليد. وتوقفت عن احتساء الكحول ms392 بعد كوبين ~~لكن أحدا لم يلاحظ ذلك. الوجوه العجوز والشابة جميعها تتوهج مثل نبات القرع المضيء ~~في ضوء المصباح المتغير وهم يضحكون ويصيحون، ويسقطون في أركان مظلمة، أو يشيرون بعصبية ~~من أجل الحصول على سجائر أو مشروب آخر، والغضب أو السعادة يصلان إلى ذروتهما، ثم ~~يختفيان بالسرعة نفسها، والكلمات بلغة لوو أو السواحيلية أو الإنجليزية تتطاير معا في ~~دوامات لا يمكن تمييزها، وأصوات تداهن من أجل الحصول على نقود أو قمصان أو زجاجة ~~الخمر، وأصوات تضحك وتبكي، والأيادي الممتدة، والأصوات الغاضبة المرتجفة لشبابي الفاتر، ~~لهارلم والجزء الجنوبي؛ وأصوات أبي. # لست واثقا كم من الوقت مكثنا. لكني أعلم أنه عند نقطة معينة جاء سيد وهز ~~ذراعي. # وقال: «باري، إننا ذاهبون.» وتابع: «برنارد لا يشعر أنه بخير.» # فأخبرته أنني سأذهب معهما، لكن عندما نهضت انحنى آبو باتجاهي وأمسك بكتفي. # وقال: «باري! إلى أين أنت ذاهب؟» ~~«لأنام يا آبو.» ~~«يجب أن تبقى معنا هنا! معي! ومع روي!» # نظرت لأجد روي نائما على الأريكة. وتقابلت عينانا، فأومأت باتجاه الباب. وفي تلك ~~اللحظة غرقت الغرفة في الصمت، كما لو أني أشاهد مشهدا في التليفزيون واختفى الصوت. ~~ورأيت الأبيض الشعر يملأ كوب روي، ففكرت في جذب روي وإخراجه من الغرفة. لكن انزلقت عينا ~~روي مبتعدة عن عيني، وضحك واجترع الشراب بالكامل بتهليل وابتهاج، تهليل كنت لا أزال ~~أسمعه حتى بعد أن غادرت أنا وسيد وبرنارد وبدأنا نشق طريقنا إلى منزل سالينا. # قال برنارد بوهن ونحن نسير عبر الحقل: «هؤلاء الناس ثملون للغاية.» # أومأ سيد والتفت إلي. وقال: «أخشى أن روي يشبه كثيرا أخي الأكبر. أتعرف كان أبوك ~~محبوبا للغاية في هذه المناطق. كما كان معروفا في أليجو. وكان كلما عاد إلى الوطن ~~اشترى للجميع الشراب وظل بالخارج حتى وقت متأخر. والناس هنا قدروا هذا. وكانوا ~~يقولون له: «أنت رجل عظيم الشأن، لكنك لم تنسنا.» وأظن أن تلك الكلمات كانت تسعده. ~~أتذكر ذات مرة أنه اصطحبني معه إلى مدينة كيزيمو في سيارته المرسيدس. وفي الطريق ~~شاهدنا ماتاتو ms393 يقل ركابا، فقال لي: «سيد، سنكون سائقي ماتاتو هذا المساء!» وفي ~~محطة الماتاتو التالية التقط الركاب المتبقين، وأخبرني أن أجمع الأجرة المعتادة منهم. ~~وأظن أننا كدسنا ثمانية أشخاص في سيارته. وقد اصطحبهم ليس إلى كيزيمو فقط، بل إلى ~~منازلهم أو أينما أرادوا الذهاب. وكلما خرج أحدهم من السيارة أعاد إليه نقوده كاملة. لم ~~يفهم الناس لماذا فعل هذا، وأنا أيضا لم أفهم في ذلك الوقت. وبعد أن انتهينا ذهبنا إلى ~~الحانة، وأخبر جميع أصدقائه بما فعلناه. وقد ضحك كثيرا تلك الليلة.» # توقف سيد وهو يختار كلماته بحرص. # ثم استأنف: «هذا ما كان يجعل أخي رجلا جيدا، مثل هذه الأشياء. لكني أظن أيضا أنه ~~بمجرد أن يصبح المرء شيئا لا يمكنه التظاهر أنه شيء آخر. كيف يمكنه أن يكون سائق ~~ماتاتو أو يظل خارج المنزل طوال الليل يحتسي الخمر، وهو يضع الخطة الاقتصادية لكينيا؟ ~~فالمرء يخدم شعبه بالقيام بما يناسبه هو، أليس كذلك؟ وليس بفعل ما يظن الآخرون أنه يجب ~~أن يفعله. ولكن أظن أن أخي، مع أنه كان يفخر باستقلال شخصيته، كان يخشى بعض الأشياء. ~~يخشى ما قد يقوله الناس عنه إذا ما غادر الحانة في وقت مبكر. يخشى أنه ربما لم يعد ~~ينتمي إلى أولئك الذين نشأ معهم.» # فقال برنارد: «لا أريد أن أكون بهذا الشكل.» # نظر سيد إلى ابن أخيه ببعض الندم. وقال: «أنا لم أقصد الحديث بهذه الحرية يا برنارد. ~~لا بد أن تحترم من هم أكبر منك سنا. إنهم هم من مهدوا الطريق أمامك حتى تكون ~~حياتك أسهل. لكن إذا ما رأيتهم يقعون في شرك ما فما الذي يجب أن تتعلمه؟» # فقال برنارد: «أتجنب الوقوع في ذلك الشرك.» ~~«إنك على حق. ابتعد عن ذلك الطريق، واصنع طريقك الخاص.» # وضع سيد ذراعه حول كتفي الشاب الصغير. وعندما اقتربنا من منزل سالينا نظرت خلفي. ولا ~~أزال أرى الضوء الخافت لمنزل الرجل العجوز، وأشعر بعينيه الكفيفتين تخترقان ~~الظلام. # | الفصل التاسع عشر # استيقظ روي وآبو مصابين بصداع شديد وظلا يوما ms394 آخر مع كيزيا في مدينة كندو. وقررت ~~أن أقوم برحلة العودة إلى هوم سكويرد - وأنا في حالة صحية أفضل منهما شيئا ما - بصحبة ~~سيد وبيرنارد بالحافلة، لكنه كان قرارا، سرعان ما ندمت عليه. اضطررنا إلى الوقوف في ~~الحافلة طوال الطريق، بالإضافة إلى أننا اضطررنا أيضا إلى أن نخفض رءوسنا لأن سقف ~~الحافلة منخفض. والأسوأ من ذلك أنني نزلت من الحافلة وأنا أعاني الإسهال. وكانت معدتي ~~تنقلب رأسا على عقب فجأة مع كل مطب في الطريق، وتؤلمني رأسي ألما عنيفا مع كل ~~انعطافة هوجاء. ولذا فإنني، عندما رأتني الجدة وأوما وقت وصولنا، مشيت سريعا بحذر ~~ولوحت إليهما بشكل مقتضب قبل أن أنطلق بأقصى سرعة عبر الفناء الخلفي للمنزل، مرورا ~~ببقرة شاردة، إلى المرحاض الخارجي. # وبعد 20 دقيقة عدت، أخذت أفتح عيني وأغمضهما لا إراديا كسجين يخرج من زنزانته ~~ويقابله ضوء الشمس القوي. كانت السيدات جالسات فوق حصير من القش يستظللن بظل شجرة ~~مانجو؛ الجدة تضفر شعر أوما، وتضفر زيتوني شعر ابنة الجيران. # قالت أوما محاولة ألا تبتسم: «هل قضيت وقتا طيبا؟» # قلت لها: «رائع.» وجلست بجانبهن وشاهدت ما يفعلن إلى أن خرجت سيدة عجوز نحيفة من ~~المنزل وجلست بجانب الجدة. كانت سيدة في بداية السبعينيات من عمرها، لكنها ترتدي سترة ~~قرنفلية اللون مبهجة، وثنت ساقيها إلى جانبها كأنها تلميذة خجولة. دققت هذه السيدة ~~النظر إلي وتحدثت مع أوما بلغة قبيلة لوو. ~~«إنها تقول إنك لا تبدو في حالة صحية طيبة.» # ابتسمت لي السيدة العجوز وبات من الواضح فقدانها سنتين سفليتين من صف أسنانها ~~الأمامي. # استطردت أوما قائلة: «هذه أخت جدنا، واسمها دورسيلا.» وأضافت: «إنها أصغر أولاد ~~جدنا الأكبر أوباما. إنها تعيش في قرية أخرى لكنها عندما سمعت ... أوه! إنك لمحظوظ يا ~~باراك لعدم تضفير شعرك واضطرارك إلى حله. ماذا كنت أقول؟ نعم تذكرت ... تقول ~~دورسيلا إنها عندما سمعت أننا حضرنا قطعت كل هذه المسافة لترانا. وهي تحمل تحية كل ~~أهل قريتها لنا.» # صافحت دورسيلا وذكرت لها أنني قابلت أخاها الأكبر في ms395 كندو باي. فأومأت برأسها وتحدثت ~~مرة أخرى. # ترجمت لي أوما ما قالته وأخبرتني: «إنها تقول إن أخاها عجوز جدا.» وتابعت: «وإنه ~~عندما كان أصغر سنا كان يشبه جدنا. وإنها في بعض الأحيان لم يكن باستطاعتها حتى ~~التمييز بينهما.» # أومأت لها وأخرجت قداحتي. وبمجرد أن خرج اللهب منها صاحت الجدة عمة أبينا وتحدثت ~~سريعا مع أوما. ~~«إنها تريد أن تعرف من أين ينبعث اللهب.» # أعطيت القداحة لدورسيلا وأوضحت لها كيفية عملها وهي لا تزال تتحدث. وشرحت لي أوما ~~قائلة: «إنها تقول إن الأشياء تتغير سريعا وإن هذا يربكها كثيرا. وتقول إنها عندما ~~رأت التليفزيون لأول مرة اعتقدت أن الناس الموجودين داخله بوسعهم رؤيتها كما تراهم. ~~وجعلها هذا تعتقد أنهم غير مهذبين لأنها عندما تتحدث إليهم لا يردون عليها ~~إطلاقا.» # ضحكت دورسيلا ضحكة خافتة بدعابة واتجهت زيتوني إلى كوخ إعداد الطعام. وبعد دقائق ~~خرجت زيتوني بكوب في يدها. سألتها عن سيد وبيرنارد. # قالت وهي تعطيني الكوب: «إنهما نائمان.» وتابعت: «اشرب هذا.» # شممت المشروب الأخضر ~~المتصاعد منه البخار. كانت تفوح منه رائحة عفنة. ~~«ما هذا؟» ~~«إنه مشروب مستخلص من نبات ينمو هنا. ثق بي ... سيمنع الإسهال في لمح البصر.» # ارتشفت رشفة في البداية بتردد. وكان مذاق المشروب سيئا مثل شكله، لكن زيتوني ~~ظلت تراقبني إلى أن تجرعت آخر قطرة. وقالت: «إن هذا المشروب من وصفات جدك.» وتابعت: ~~«لقد أخبرتك من قبل أنه كان يعالج الناس بالأعشاب.» # أخذت نفسا من سيجارتي واستدرت تجاه أوما. وقلت لها: «اطلبي من الجدة أن تخبرني ~~مزيدا من الأشياء عنه.» وتابعت: «أقصد عن جدنا. إن روي يقول إنه نشأ بالفعل في كندو ~~وبعدها انتقل إلى أليجو بمفرده.» # أومأت الجدة ردا على ترجمة أوما لمطلبي. وقلت لها: «هل تعرف لماذا غادر ~~كندو؟» # هزت الجدة كتفيها. وقالت أوما: «إنها تقول إن أهله في الأصل ينتمون لهذا ~~المكان.» # طلبت من الجدة أن تسرد القصة من بدايتها. كيف جاء جدنا الأكبر أوباما ليعيش في ~~كندو؟ وماذا كان يعمل جدنا؟ ولماذا هجرته جدتي؟ وعندما ms396 بدأت تجيب عن أسئلتي شعرت بأن ~~الرياح هدأت ثم خبت كلية بعد ذلك. وعندئذ عبرت مجموعة من السحب البعيدة فوق التلال. ~~وأسفل الظل الظليل لشجرة المانجو - كانت الأيادي تضفر الشعور المتجعدة السوداء في صفوف ~~متساوية - سمعت كل أصواتنا تنسجم معا؛ ثلاثة أجيال تتردد أصواتهم بانسيابية بعضهم مع ~~بعض كتيارات نهر يجري ببطء، وكانت أسئلتي شبيهة بالصخور المعترضة لتيارات المياه، ~~والأحداث التي تخللت الذكريات تفصل هذه التيارات بعضها عن بعض لكن الأصوات دائما ~~تعود إلى مجراها الوحيد لتسرد قصة واحدة ... # في البدء كان ميويرو. ولا يعرف من كان قبله. أنجب ميويرو سيجوما، وأنجب ~~سيجوما أويني، وأنجب أويني كيسودهي، وأنجب كيسودهي أوجيلو، وأنجب أوجيلو ~~أوتوندي، وأنجب أوتوندي أوبونجو، وأنجب أوبونجو أوكوث، وأنجب أوكوث أوبيو. ~~أما عن السيدات اللاتي أنجبن كل هؤلاء، فإن أسماءهن صارت في طي النسيان، وكان ~~هذا معهودا في أهلنا. # عاش أوكوث في أليجو. لكن قبل ذلك كانت العائلات تقطع مسافات بعيدة من الجهة ~~المعروفة الآن بأوغندا إلى أليجو، ومثلنا مثل قبيلة الماساي كنا نهاجر بحثا عن ~~الماء والمراعي لرعي قطعان الماشية. استقر الناس في أليجو وبدءوا يزرعون المحاصيل. واستقر آخرون من قبيلة لوو ~~بجانب البحيرة وتعلموا صيد السمك. وفي الحقيقة كانت هناك قبائل أخرى تتحدث ~~بلغات البانتو تعيش بالفعل في أليجو عندما انتقلت قبيلة لوو إلى المكان، ومن ~~ثم نشأت حروب هائلة بين القبائل. وكان جدنا الأكبر أويني مشهورا بأنه ~~محارب عظيم وقائد لشعبه. لذا ساعد في هزيمة جيوش المجموعات العرقية المتحدثة ~~بلغات البانتو إلا أنه سمح لهم باستمرار العيش في أليجو والزواج من قبيلة لوو، ~~بالإضافة إلى أنهم علمونا أشياء كثيرة عن الزراعة وما يتعلق بالأرض ~~الجديدة التي وطئتها أقدامنا. # بمجرد أن بدأ الناس يستقرون ويزرعون الأرض اكتظت أليجو بالسكان. ولم يكن ~~أوبيو - ابن أوكوث - أكبر أبنائه، وربما يكون هذا هو سبب قراره الانتقال إلى ~~مدينة كندو باي. وعندما انتقل إلى هناك لم يكن يملك أرضا، لكن في تقاليدنا كان ~~بوسع أي شخص وضع يده على أية أراض ms397 غير مستخدمة؛ فالأراضي التي لم يكن ~~يستخدمها أحد تعود ملكيتها إلى القبيلة؛ لذا لم تكن هناك أية مشكلة فيما فعله ~~أوبيو. فعمل في مجمعات سكنية يملكها الغير ووضع يده على الأرض ليقيم عليها ~~مزرعته. إلا أنه مات قبل أن تقبل عليه الدنيا، مات في ريعان شبابه تاركا ~~زوجتين وعددا من الأطفال. تزوج أخو أوبيو إحدى زوجتيه طبقا للأعراف ~~المتبعة عندئذ فأصبحت زوجة أخيه زوجته وأطفالها أطفاله. لكن الزوجة الأخرى ~~ماتت أيضا وأصبح ابنها الأكبر - أوباما - يتيما وهو لا يزال صبيا. عاش ~~أوباما أيضا مع عمه لكن الحالة المادية للعائلة كانت متعسرة لذا فعندما كبر ~~أوباما بدأ يعمل عند الآخرين كما فعل أبوه من قبله. # كانت العائلة التي عمل لديها ثرية وتملك ماشية كثيرة . ومع ذلك فإنهم أعجبوا ~~بأوباما لأنه كان مقداما ومزارعا ماهرا للغاية. وعندما تقدم إليهم للزواج ~~من أكبر بناتهم وافقوا وقدم الأعمام في هذه العائلة المهر المطلوب. وعندما ~~ماتت وافقوا على أن يتزوج أوباما الابنة الأصغر منها واسمها «نياوكي». فأصبح ~~لأوباما في النهاية أربع زوجات أنجبن له أبناء كثيرين. امتلك أوباما قطعة من ~~الأرض وأصبح ناجحا وثريا وأصبح يملك مجمعا سكنيا فسيحا والكثير من ~~الماشية والمعز. وبفضل كياسته وتحمله المسئولية أصبح شيخا في القبيلة في ~~مدينة كندو يطلب منه الكثيرون النصيحة. # أما جدك أونيانجو فإنه كان الخامس في ترتيب الأبناء الذين أنجبتهم نياوكي. ~~وكانت دورسيلا التي تجلس معنا الآن أصغر أبناء آخر زوجات أوباما. # كان ذلك قبل أن يأتي البيض. وكان لكل عائلة المجمع السكني الخاص بها، لكن ~~العائلات جميعها كانت تعيش طبقا لقوانين شيوخ القبائل. الرجال يملكون أكواخا ~~خاصة بهم وهم جميعا مسئولون عن تنظيف أراضيهم وحرثها، بالإضافة إلى حماية ~~الماشية من الحيوانات البرية وغارات القبائل الأخرى. أما الزوجات فلكل منهن ~~الأرض الزراعية الخاصة بها التي تحرثها هي وبناتها فقط. تطهو الزوجة الطعام ~~لزوجها وتحضر المياه من مصادرها وتحافظ على الأكواخ ونظافتها باستمرار. ويتحكم ~~شيوخ القبائل في المزروعات والمحاصيل كلها. وينظمون العائلات في التناوب على ~~عملهم فتساعد ms398 كل عائلة الأخرى في فعل هذه الأشياء، بالإضافة إلى أنهم يوزعون ~~الأطعمة على الأرامل أو المبتلين في الأوقات العصيبة، ويوفرون الماشية لمن لا ~~يملكها لتقديمها مهرا حتى يستطيعوا الزواج، وحل كل المشكلات. كانت كلمة هؤلاء ~~الشيوخ قانونا يتبع بحزم، ومن يعص أوامرهم يغادر المكان ويبدأ من جديد في ~~قرية أخرى. # لم يكن الأبناء يذهبون إلى المدرسة لكنهم كانوا يتعلمون بجانب آبائهم. وتصاحب ~~الفتيات أمهاتهن ويتعلمن طحن الذرة البيضاء لعمل العصيدة، وزراعة الخضراوات، ~~واستخدام الطين لبناء الأكواخ. أما عن الصبية فيتعلمون من آبائهم رعي الماشية ~~واستخدام منجل البانجا والرمي بالرمح. وعندما تموت إحدى الأمهات تهتم أية أم ~~أخرى بطفلها وترعاه وترضعه تماما كأحد أبنائها. وليلا تأكل الفتيات مع الأم ~~ويتبع الأولاد الأب إلى كوخه ويستمعون إلى القصص المختلفة ويتعلمون تقاليد ~~أهلهم. وفي بعض الأحيان يحضر عازف القيثار فيتجمع أهل القرية بأكملها ~~للاستماع إلى أغانيه. كان ينشد إنجازات الماضي ويحكي عن المحاربين العظماء ~~وشيوخ القبائل الحكماء. هذا بالإضافة إلى الإشادة بالمزارعين الماهرين أو ~~السيدات الجميلات وتوبيخ الكسالى أو قساة القلوب. وتكشف هذه الأغاني عن إسهامات ~~الجميع في القرية - الصالح منهم والطالح - وبهذه الطريقة ظلت تقاليد الأسلاف ~~باقية في نفوس كل من سمعها. وعندما يرحل الأطفال والسيدات من هذه التجمعات ~~يجلس الرجال في القرية معا لتقرير شئون القرية. # كان جدك أونيانجو غريب الأطوار منذ صباه. ويعرف عنه أنه لا يطيق البقاء في ~~مكان واحد. فيهيم على وجهه وحيدا لأيام كثيرة، وعندما يعود لم يكن يذكر أين ~~كان. وفي جميع الأحوال كان شخصا شديد الجدية فلا يضحك إطلاقا أو يلعب مع ~~الأطفال الآخرين، ولم يمزح قط. لكنه في الواقع كان دائم الفضول محاولا معرفة ~~أمور الآخرين، وهذا هو سبب تعلمه المداواة بالأعشاب. وفي هذا الصدد، ينبغي لك ~~أن تعرف أن المداوي بالأعشاب يختلف عن «الشامان» الذي كان يطلق عليه البيض ~~«الطبيب الساحر». فالشامان يلقي التعاويذ ويتحدث مع العالم الروحي. والمداوي ~~بالأعشاب يعرف النباتات المتنوعة التي تشفي المرضى من أمراض معينة أو من ~~الجروح، علاوة ms399 على كيفية صنع خليط معين يشفي الجروح. كان جدك في صباه يجلس ~~في كوخ المداوي بالأعشاب في قريته يشاهده ويستمع إليه بحذر ويلعب مع الأطفال ~~أقرانه، وبهذه الطريقة اكتسب المعرفة. # عندما كان جدك لا يزال صبيا بدأنا نسمع أن البيض حضروا إلى مدينة كيزيمو. ~~وكان يقال إن هؤلاء البيض بشرتهم ناعمة كبشرة الأطفال، وإنهم حضروا على ظهر ~~سفينة محدثة ضجة شديدة كالرعد بسرعة بالغة وبها أعمدة تعلوها النيران. وقبل ~~أن يحدث ذلك لم يكن أي شخص في قريتنا رأى أيا من البيض ما عدا التجار ~~العرب الذين كانوا بين الفينة والأخرى يأتون لبيع السكر والقماش. لكن حدوث ~~هذا كان نادرا لأن أهلنا لم يستخدموا الكثير من السكر، ولم نكن نرتدي إلا جلود ~~الماعز نستر بها عوراتنا. عندما سمع شيوخ القبائل هذه القصص تباحثوا معا في ~~الأمر ونصحوا أهلها بأن يظلوا بعيدا عن كيزيمو إلى أن يعرف البيض وتفهم ~~شخصياتهم. # على الرغم من هذا التحذير فإن أونيانجو كان فضوليا وقرر أنه لا بد أن يرى ~~هؤلاء البيض بنفسه. فاختفى يوما ما ولم يعرف أحد إلى أين ذهب. بعد ذلك بأشهر ~~كثيرة، بينما أبناء أوباما الآخرون يعملون في الأرض عاد أونيانجو إلى القرية ~~وهو يرتدي قميصا وبنطلونا مثل البيض، وحذاء يغطي قدميه. فزع الأطفال ~~لرؤيته ولم يستطع إخوته تفسير هذا التغيير. لذا استدعوا أوباما الذي خرج من ~~كوخه، وتجمعت العائلة وحملق الجميع في مظهر أونيانجو الغريب. # سأله أوباما: «ماذا حدث لك؟» وتابع: «ولماذا ترتدي هذه الملابس الغريبة؟» لم ~~ينبس أونيانجو ببنت شفة، فقرر أوباما أن أونيانجو ارتدى هذا البنطلون لإخفاء ~~أنه أجريت له عملية ختان وهو الأمر الذي يتناقض مع تقاليد قبيلة لوو. وظن أن ~~قميص أونيانجو يغطي إصابته بطفح جلدي أو التهابات. بعد ذلك استدار أوباما إلى ~~أبنائه الآخرين وقال لهم: «لا تقتربوا من أخيكم، إنه نجس.» وعاد إلى كوخه وضحك ~~الآخرون على أونيانجو وتجنبوه، وهذا هو سبب عودة أونيانجو إلى كيزيمو وبقائه ~~منفصلا عن أبيه لبقية حياته. # لم يدرك أحد ms400 أن البيض عقدوا العزم على البقاء في المدينة. وظننا أنهم لم ~~يجيئوا إلا من أجل تداول بضائعهم. وسرعان ما أعجب الناس ببعض عاداتهم، مثل ~~احتساء الشاي. وقد اكتشفنا أننا عند احتسائه نحتاج بالطبع إلى السكر وغلايات ~~الشاي والأكواب. وكنا نحصل على كل هذه الأشياء مقابل جلود الحيوانات واللحوم ~~والخضراوات. بعد ذلك تعلمنا التعامل باستخدام عملات البيض. لكن مثل هذه ~~الأشياء لم تكن تؤثر علينا تأثيرا كبيرا لأن البيض - مثلهم مثل العرب - ظل ~~عددهم قليلا واعتقدنا أنهم في النهاية سيعودون إلى بلادهم. غير أن بعض البيض ~~استقروا في كيزيمو، وجعلوا لأنفسهم رسالة آمنوا بها. وتحدثوا عن رب وصفوه ~~بأنه قدير، وتجاهلوا معظم الناس واعتبروا كلامهم هراء، حتى عندما ظهر البيض ~~وفي أيديهم البنادق، لم يقاوم أحد لأن حياتنا لم تكن قد تأثرت بعد بالموت ~~باستخدام هذه الأسلحة. وظن كثير منا أن البنادق مجرد أداة تقليب رائعة ~~للأوجالي. # بدأت الأحوال تتغير بأول حروب شنها البيض. واستجلب عدد أكبر من البنادق ~~وقدم رجل أبيض أطلق على نفسه «حاكم المقاطعة» وأطلقنا نحن عليه «بوانا أوجالو» ~~الذي يعني «الطاغية». فرض هذا الرجل ضريبة على الأكواخ لا بد من دفعها لتدخل ~~المبالغ في حيازة البيض. وهذا هو ما أجبر رجالا كثيرين على العمل بالأجرة، ~~إلى جانب أنه طبق نظام التجنيد الإلزامي غير المشروط على الكثير من رجالنا ~~للانضمام إلى جيشه من أجل حمل المؤن وبناء طريق يسمح بمرور السيارات. وقد ~~استطاع هذا الرجل أن يجعل أفراد قبيلة لوو الذين ارتدوا ملابس شبيهة بملابس ~~البيض يلتفون حوله كنواب عنه وجامعي ضرائب. وعندئذ علمنا أنه أصبح لدينا ~~زعماء، مع أن هؤلاء الرجال لم يكونوا منتمين إلى مجلس شيوخ القبيلة. لقد قاومنا ~~كل هذه الأشياء وبدأ رجال كثيرون يحاربون البيض. لكن من يفعل ذلك يئول مصيره ~~في النهاية إلى الضرب أو القتل. أما الذين لم يتمكنوا من دفع الضرائب فكان ~~جزاؤهم حرق أكواخهم أمام أعينهم. فهربت بعض العائلات إلى مكان أبعد في الريف ~~لبناء قرى جديدة. لكن معظم الناس ms401 ظلوا في كيزيمو وتعلموا كيفية التعايش مع ~~هذا الوضع الجديد مع أننا أدركنا جميعا أنه كان من الغباء تجاهل قدوم ~~البيض. # في غضون ذلك عمل جدك لدى أحد الرجال البيض. ولم يستطع التحدث ~~بالإنجليزية أو السواحيلية إلا قليل لأن الرجال لم يفضلوا إرسال أبنائهم إلى ~~مدارس البيض لتلقي التعليم وفضلوا بدلا من ذلك إبقاءهم معهم ليعملوا في ~~الأرض. لكن أونيانجو تعلم القراءة والكتابة وفهم النظام الذي يتبعه البيض ~~نظام السجلات الورقية وتسجيل ملكية الأراضي. وهذا هو ما جعله ذا قيمة للرجل ~~الأبيض الذي عمل لديه، وخلال الحرب عين مسئولا عن فنيي إصلاح الطرق. وفي ~~نهاية الأمر أرسل إلى تنجانيقا حيث ظل سنوات كثيرة. وعندما عاد امتلك أرضا ~~في كندو لكنها كانت بعيدة عن المجمع السكني لوالده، وكان نادرا ما يتحدث مع ~~إخوته. وفي الواقع لم يبن أونيانجو كوخا مناسبا لنفسه بل عاش في خيمة ولم ~~يكن الناس قد رأوا شيئا كهذا من قبل، فاعتقدوا أنه مجنون. وبعد أن أعلن ملكيته ~~للأرض سافر إلى نيروبي حيث بدأ العمل في منزل أحد البيض. # في غضون ذلك لم تستطع سوى قلة من الأفارقة ركوب القطار؛ لذا رحل أونيانجو ~~إلى نيروبي مشيا على الأقدام طوال الطريق. واستغرقت هذه الرحلة أكثر من ~~أسبوعين. وفيما بعد حكى لنا مغامراته فيها. فكثيرا ما طارد النمور باستخدام ~~منجل البانجا. وفي ذات مرة هرب من جاموس غاضب يطارده وتسلق إحدى الأشجار ~~واضطر إلى النوم فوقها يومين. وفي مرة أخرى وجد طبلة في أحد الممرات في الغابة ~~وعندما فتحها خرج منها ثعبان مر من بين قدميه ومضى في طريقه بين الشجيرات. ~~إلا أنه لم يصب بأذى، وفي نهاية المطاف وصل إلى نيروبي لبدء العمل في منزل ~~رجل أبيض. # لم يكن أونيانجو الوحيد الذي رحل إلى المدينة. ذلك لأن أفارقة كثيرين بدءوا ~~يعملون بالأجرة بعد الحرب خاصة هؤلاء الذين جندوا تجنيدا إلزاميا أو ~~عاشوا بالقرب من المدن أو آمنوا برسالة البيض. أجبر أفراد كثيرون في أثناء ~~الحرب وبعدها مباشرة على الرحيل ms402 لأنه تمخض عن الحرب بعد انتهائها المجاعات ~~وانتشار الأمراض واستيطان أعداد كبيرة من البيض الذين سمح لهم بمصادرة أفضل ~~الأراضي على الإطلاق. # لاحظ أفراد قبيلة كيكويو هذه التغيرات أكثر من غيرهم لأنهم يعيشون في ~~الأراضي الجبلية حول نيروبي حيث استوطن البيض بكثافة عالية. لكن قبيلة لوو ~~تأثرت أيضا بحكم البيض. وألزم الجميع بتسجيل أسمائهم في الإدارة ~~الاستعمارية، وزادت الضرائب المفروضة على الأكواخ بمعدل ثابت. وهذا هو ما دفع ~~عددا أكبر من الرجال إلى العمل مقابل الحصول على أجرة في مزارع البيض ~~الكبيرة. وفي قريتنا أصبحت عائلات أكثر ترتدي ملابس البيض ووافق عدد أكبر من ~~الآباء على إرسال أبنائهم إلى إحدى مدارس الإرساليات المسيحية. وبالطبع لم ~~يستطع أحد فعل الأشياء التي كان البيض يفعلونها . حتى من التحقوا بالمدرسة ~~عجزوا عن ذلك. واقتصر امتلاك أراض بعينها على البيض الذين احتكروا العمل في ~~أنشطة تجارية خاصة. أما عن المشروعات الأخرى فعمل بها الهندوس والعرب طبقا ~~لأحكام القانون. # حاول البعض الاعتراض على هذه السياسات وتقديم الالتماسات والقيام بالمظاهرات. ~~لكن عددهم كان قليلا ومعظم الناس كافحوا من أجل البقاء على قيد الحياة. أما ~~الأفارقة الذين لم يعملوا بالأجرة فقد ظلوا في قراهم محاولين الحفاظ على ~~التقاليد والعادات القديمة. لكن ردود الفعل اختلفت في القرى أيضا. وأصبحت ~~الأراضي مكتظة بالناس، وفي ظل النظم الجديدة لملكية الأراضي لم يعد هناك أية ~~فرصة لامتلاك الأبناء الأراضي الخاصة بهم، لأن كل شيء في حيازة شخص آخر. هذا في ~~حين قل احترام التقاليد ورأى الشباب أن الشيوخ لا يتمتعون بأية سلطة حقيقية. ~~والجعة التي كانت تصنع من قبل باستخدام عسل النحل والتي كان الرجال يشربونها ~~بكميات قليلة أصبحت تأتيهم الآن في زجاجات وأدمنها الكثيرون. كما بدأ الكثير ~~منا يجرب حياة البيض وقررنا على إثر ذلك أن حياتنا عديمة القيمة مقارنة ~~بحياتهم. # حقق جدك النجاح بهذه المعايير. وفي عمله في نيروبي تعلم من وظيفته ~~كيفية إعداد طعام البيض وترتيب منازلهم. ولهذا السبب فضله أصحاب الأعمال ~~فعمل في ممتلكات بعض أكثر البيض ms403 نفوذا لدرجة أنه عمل لدى لورد ديلامير. كان ~~من أكبر ملاك الأراضي في كينيا. ادخر أونيانجو أجرته التي كان يتقاضاها من عمله ~~واشترى بها أرضا وماشية في كندو. وعلى هذه الأرض بنى كوخا لنفسه في النهاية. ~~لكن الأسلوب الذي حافظ به على كوخه اختلف عن أساليب الناس الآخرين. فكان ~~نظيفا للغاية وأصر على أن ينظف الناس أقدامهم أو يخلعوا أحذيتهم قبل ~~الدخول. وكان يأكل وجباته كافة جالسا على كرسي وطاولة بالشوكة والسكين أسفل ~~ناموسية. ولا يلمس الطعام ما لم يغسل بإتقان ويغطى بمجرد طهوه. وكان يستحم ~~باستمرار ويغسل ملابسه كل ليلة. وإلى أن أدركته المنية استمر على هذا النحو، ~~نظيفا جدا ومهتما بالصحة، علاوة على أنه كان يغضب إذا ما وضع أحد أي شيء ~~في غير مكانه أو نظف شيئا بغير إتقان. # علاوة على كل هذا، كان حازما جدا فيما يتعلق بممتلكاته. إذا طلبت منه ~~شيئا لم يكن يبخل إطلاقا بإعطائك إياه - مثل طعامه وأمواله حتى ملابسه. لكن ~~إن لمست شيئا يخصه دون الاستئذان يغضب غضبا عارما. حتى بعدئذ بعد أن ولد ~~أبناؤه كان يخبرهم دائما بألا يقتربوا من ممتلكات الغير. # اعتقد أهل كندو أن عاداته غريبة. كانوا يزورونه لأنه كان كريما في تقديمه ~~الطعام الذي لا ينقطع أبدا عن المنزل. كانوا فيما بينهم يستهزئون به لأنه لم ~~يكن متزوجا ولم يكن لديه أطفال. وربما يكون أونيانجو قد سمع هذا الحديث لأنه ~~سرعان ما أدرك أنه ينبغي أن يتزوج. لكن مشكلته تمثلت في عدم وجود امرأة ~~باستطاعتها القيام بالواجبات المنزلية بالطريقة التي يتوقعها. ومع أنه دفع مهر ~~فتيات كثيرات فإنه كان يضربهن بقسوة كلما رآهن كسالى أو كسرن طبقا. وكان من ~~المعتاد أن يضرب الرجال في قبيلة لوو زوجاتهم إذا ما تصرفن بطريقة لا تليق، ~~لكن أفراد القبيلة اعتبروا سلوك أونيانجو قاسيا، وفي النهاية فرت السيدات ~~اللائي اتخذهن لنفسه إلى آبائهن. وبهذه الطريقة أضاع جدك ماشية كثيرة لأن ~~كبرياءه منعه من المطالبة باستعادة المهر الذي دفعه. # في نهاية الأمر عثر ms404 أونيانجو على زوجة استطاعت العيش معه. كان اسمها ~~«حليمة». لكن أحدا لا يعرف كيف كان شعورها تجاه جدك مع أنها كانت هادئة ~~ومهذبة، والأهم من ذلك أنها استطاعت تحقيق المعايير العالية لإدارة المنزل التي ~~وضعها جدك. بنى جدك لها كوخا في كندو حيث قضت معظم أوقاتها. وبين الفينة ~~والأخرى يأتي بها إلى نيروبي لتظل في المنزل حيث يعمل. وبعد مرور سنوات اكتشف ~~أن حليمة لا تستطيع الإنجاب. وهذا سبب كاف للطلاق فيما بين أفراد قبيلة لوو؛ ~~يرسل الرجل زوجته العاقر إلى منزل أصهاره ويطالب باستعادة المهر. مع هذا فإن ~~جدك فضل عدم الاستغناء عن حليمة وعاملها معاملة حسنة. # ومع ذلك شعرت حليمة بالوحدة لأن جدك يعمل طوال الوقت وليس لديه وقت للجلوس ~~مع الأصدقاء أو الاستمتاع بحياته. ولا يحتسي الخمر مع الآخرين ولا يدخن. ~~ومصدر سعادته الوحيد الذهاب إلى قاعات الرقص في نيروبي مرة شهريا لأنه يحب ~~الرقص. ذلك مع أنه لم يكن راقصا ماهرا؛ وكان عنيفا ويصطدم بالآخرين ويدوس ~~على أقدامهم. لكن أحدا لم يقل شيئا بسبب ذلك فهم يعرفون أونيانجو وحدة ~~طباعه. وفي إحدى الليالي شكا رجل ثمل من أسلوب أونيانجو المفتقر إلى الذوق. ~~وتحدث بأسلوب فظ وقال لجدك: «لقد كبرت في السن يا أونيانجو. ولديك ماشية ~~كثيرة وزوجة وليس لديك أطفال. اصدقني القول: ألست رجلا؟» # سمع الناس هذه المحادثة وبدءوا يضحكون وضرب أونيانجو هذا الرجل ضربا ~~مبرحا. لكن كلمات الرجل الثمل لا بد أنها أثرت في نفس جدك لأنه في الشهر ~~نفسه شرع في البحث عن زوجة أخرى. فعاد إلى كندو وسأل عن كل السيدات في القرية. ~~وفي النهاية عقد العزم على الزواج من شابة اسمها «آكومو» أعجب الجميع بها ~~لجمالها. لكن أباها قدم وعدا بالزواج لرجل آخر أعطاه ستة رءوس من الماشية ~~مهرا لها ووعد بأن يعطيه ستة أخرى فيما بعد. ولأن أونيانجو يعرف والد الفتاة ~~فإنه أقنعه بأن يعيد المواشي الستة له وأعطاه 15 في الحال. وفي اليوم التالي ~~أمسك أصدقاء جدك بآكومو وهي تدخل ms405 الغابة وأخذوها إلى كوخ أونيانجو.» # جاء الصبي جودفري بطست صغير وغسلنا أيدينا لتناول الغداء. ووقفت أوما لتفرد قامتها ~~وكان نصف شعرها لم يحل بعد لكنني رأيت على وجهها نظرة انزعاج. قالت شيئا لدورسيلا ~~والجدة ورد عليها الاثنتان ردا طويلا. # قالت لي أوما وهي تغرف اللحم بالملعقة في طبقها: «كنت أسألهما هل ضاجع جدنا زوجته ~~آكومو بالعنف.» ~~«ماذا قالتا؟» ~~«إنهما تقولان إن هذا العنف كان من تقاليد قبيلة لوو. وطبقا لهذه التقاليد فإن ~~السيدة بمجرد أن يدفع الرجل المهر لا بد ألا تظهر أنها تواقة جدا له. لذا فإنها ~~تتظاهر بأنها لا تريده، من ثم فإن أصدقاء الرجل لا بد من أن يمسكوا بها ويعيدوها إلى ~~كوخه. وبعد هذه المراسم فقط يتممون إجراءات الزواج الصحيحة .» أخذت أوما قضمة صغيرة من ~~طعامها. وأضافت: «لقد قلت لهما إنه في هذه الحالة قد لا يكون ما تفعله بعض السيدات ~~تظاهرا.» # غمست زيتوني الأوجالي في اليخني. وقالت: «ليس الأمر على هذه الدرجة من السوء يا أوما. ~~ولا تهرب الفتاة إلا إذا أساء الزوج التصرف معها.» ~~«ولكن كيف سيكون الحال إذا اختار الأب زوجا آخر لها؟ أخبريني ماذا يحدث إذا رفضت ~~امرأة الزواج من رجل اختاره أبوها؟» # هزت زيتوني كتفيها. وقالت: «إنها تجلب العار لها ولعائلتها.» # استدارت أوما للجدة وقالت: «أترين؟» وأيا كان ما قالته الجدة ردا عليها، فإنه ~~جعل أوما تضرب على ذراع الجدة على سبيل المزاح. ~~«سألتها هل كان الرجل يجبر الفتاة على أن تضاجعه ليلة الإمساك بها وأخبرتني أنه لم ~~يكن أحد يعرف ما يحدث في كوخ الرجل. لكنها سألتني كيف يمكن أن يعرف الرجل مدى رغبته في ~~احتساء طبق الشوربة كله إذا لم يتذوق بعضا منه في البداية.» # سألت الجدة عن عمرها عندما تزوجت جدنا. وفي الواقع أسعدها هذا السؤال كثيرا حيث ~~إنها كررته إلى دورسيلا التي قهقهت على إثره وضربت الجدة بمرح على ساقها. # قالت أوما: «لقد أخبرت دورسيلا أنك أردت معرفة متى عاشرها أونيانجو.» # غمزت لي الجدة بعينها ثم أخبرتنا ms406 أن عمرها كان 16 عاما عندما تزوجت وقالت إن جدنا ~~كان صديقا لأبيها. بعدئذ سألتها هل ضايقها هذا الأمر لكنها هزت رأسها ~~بالنفي. ~~«إنها تقول كان من الشائع الزواج من رجل عجوز.» وتابعت: «تقول أيضا إن الزواج وقتئذ ~~كان أمرا يخص أناسا بخلاف الزوجين. ذلك لأنه يجمع العائلات معا ويؤثر على القرية ~~بأكملها. هذا بالإضافة إلى أن الزوجة لم تكن تشكو أو تفكر في الحب. وإن لم تتعلم ~~المرأة أن تحب زوجها فإنها تتعلم طاعته.» # أخذت الجدة وأوما تتحدثان كثيرا بعد ذلك، وقالت الجدة شيئا أثار ضحكات الآخرين. ~~أضحك الآخرين جميعا ما عدا أوما التي نهضت من مكانها وبدأت ترص الأطباق فوق ~~بعضها. # وقالت بغضب: «استسلمت.» ~~«ماذا قالت الجدة؟» ~~«سألتها عن سبب تحمل السيدات هنا عناء الزواج المخطط له مسبقا. وكيف يصبرن على ~~أخذ الرجال لكل القرارات. وتعرضهن للضرب. وهل تعرف ماذا قالت؟ قالت إنه في أحوال ~~كثيرة تحتاج السيدات إلى الضرب لأنهن دون ذلك لن يفعلن كل ما هو مطلوب منهن. أترى ~~ما يحدث لنا؟ إننا نشكو لكننا لا نزال نشجع الرجال على معاملتنا أسوأ معاملة. انظر ~~إلى جودفري هناك. أتعتقد أنه لن يتأثر عندما يسمع هذه الأشياء من الجدة ~~ودورسيلا؟» # لم تستطع الجدة فهم المعنى المقصود لكلمات أوما، لكن لا بد أنها لاحظت الأسلوب ~~الذي تحدثت به لأن صوتها أصبح جادا على حين غرة. # وقالت بلغة لوو: «إن كثيرا مما تقولينه صحيح يا أوما.» وتابعت: «إن نساءنا حملن ~~عبئا ثقيلا بالفعل. وكما يقال: على قدر أهل العزم تأتي العزائم. فالمرء لا يعلم ~~سوى ما يعلمه. وربما لو كنت شابة الآن لم أكن لأقبل مثل هذه الأشياء. وربما لن أهتم ~~إلا بمشاعري ووقوعي في الحب. لكن هذه الأمور مختلفة عن العالم الذي تربيت فيه. لم ~~أعرف فيه سوى ما رأيته بعيني. وما لم أره لم يحزنني على الإطلاق.» # اتكأت للخلف على الحصير وفكرت فيما قالته الجدة. وظننت أنه انطوى على حكمة معينة؛ ~~لقد تحدثت عن زمان ومكان مختلفين. كما ms407 أنني فهمت إحباط أوما وأدركت - وأنا أستمع إلى ~~قصة شباب جدنا - أنني أيضا تعرضت للخيانة. كانت الصورة التي في مخيلتي عن أونيانجو ~~- والتي لا تزال غامضة - أنه رجل استبدادي وربما قاس. لكنني تخيلته أيضا رجلا ~~مستقلا متعاطفا مع أهله ومعارضا للبيض. لقد أدركت عندئذ أنه لا يوجد أساس فعلي ~~لهذه الصورة؛ لم يكن لدي سوى الخطاب الذي أرسله إلى أبي يقول له فيه إنه لا يريد أن ~~يتزوج ابنه من سيدة بيضاء. واعتنق الإسلام الذي ارتبط في ذهني بأمة الإسلام في ~~الولايات. إن ما قالته الجدة شوش الصورة التي في مخيلتي تماما وأدى إلى التأكيد ~~على بعض الصفات غير الحميدة عنه في ذهني. مثل خادم البيض. والمتواطئ. والإمعة. # حاولت شرح بعض هذه الأمور إلى الجدة وسألتها هل كان جدنا قد عبر عما يشعر به تجاه ~~البيض. وحينئذ خرج سيد وبيرنارد من المنزل بأعين نعسانة ووجهتهما زيتوني إلى ~~الأطباق التي خصصتها لهما. ولم تعد الجدة إلى سرد قصتها إلا بعد أن جلسا لتناول ~~الطعام وعادت أوما وابنة الجيران إلى مكانهما أمام السيدتين لتكملة تصفيف ~~شعرهما. ~~«لم أستطع دائما فهم ما كان يفكر فيه جدك. وكان أمرا من الصعوبة بمكان ~~لأنه لم يكن يحب أن يعرفه الناس عن قرب. حتى إن تكلم معك نظر إلى اتجاه آخر ~~خوفا من أن تعرف فيم يفكر. وبالطبع انطبق الأمر نفسه على شعوره تجاه ~~البيض. ففي أحد الأيام يقول شيئا وفي اليوم التالي يبدو وكأنه قال شيئا آخر. ~~لكنني أعرف أنه كان يحترم البيض لسلطتهم وآلاتهم وأسلحتهم وطريقة تنظيم ~~حياتهم. وكان يقول إن البيض دائما يطورون من أنفسهم لكن الأفارقة متشككون ~~دائما من أي شيء جديد. وفي بعض الأحيان يقول: «إن الأفارقة أغبياء ولا بد من ~~ضربهم حتى يفعلوا أي شيء.» # ومع ذلك فلا أظن أنه اعتقد أن البيض ولدوا أسمى وأرفع مقاما من الأفارقة. ~~وفي الواقع، إنه لم يحترم الكثير من أساليب البيض أو عاداتهم. بل اعتقد أن ~~كثيرا من الأشياء التي فعلوها حمقاء أو ms408 غير عادلة. لم يكن يسمح للرجل الأبيض ~~أن يضربه. ولهذا ترك عمله كثيرا. فعندما يجد أن الرجل الأبيض الذي يعمل لديه ~~بذيء يسبه ويلعنه، يترك العمل عنده ويبحث عن وظيفة أخرى. وفي إحدى المرات ~~حاول أحد أصحاب الأعمال ضربه بالعصا لكن جدك انتزع منه العصا وضربه بها. ~~وألقي القبض عليه لهذا السبب، لكنه عندما أوضح ما فعله أطلقت السلطات سراحه ~~بغرامة وحذرته من أن يفعل فعلته هذه مرة أخرى. # إن ما كان جدك يحترمه هو القوة. كما كان يحترم النظام. وهذا سبب تمسكه ~~الشديد بتقاليد قبيلة لوو مع أنه تعلم الكثير من سلوكيات البيض. هذا إلى ~~جانب احترام شيوخ القبيلة. واحترام السلطة. واحترام النظام والأعراف في كل ~~شئونه. وهذا أيضا هو سبب رفضه اعتناق الدين المسيحي على ما أعتقد. هذا مع أنه ~~لوقت وجيز دان بالمسيحية وغير اسمه إلى جونسون. فإنه لم يستطع فهم أفكار ~~مثل الرحمة بالأعداء أو أن المسيح باستطاعته محو خطايا الناس. وكان هذا لجدك ~~عاطفة حمقاء وشيئا من شأنه تفريج الهم عن السيدات. لذا فإنه دان بالإسلام لأنه ~~اعتقد أن تعاليمه متوافقة بصورة أكبر مع معتقداته. # في الواقع إن قسوة جدك هي التي سببت الكثير من المشكلات بينه وبين آكومو. ~~وعندما عشت معه أنجبت آكومو له طفلين. أولهما سارة. وبعد ثلاث سنوات أنجبت أباك ~~باراك. إنني لم أعرف آكومو معرفة وثيقة لأنها عاشت هي وطفلاها مع حليمة في ~~المجمع السكني لجدك في كندو في حين بقيت أنا معه في نيروبي لمساعدته في عمله ~~هناك. لكن كلما ذهبت مع جدك إلى كندو رأيت آكومو تعيسة. فروحها كانت متمردة ~~ورأيها في أونيانجو أنه كثير المطالب. وهو أيضا يشكو منها دوما أنها لم ~~تستطع الحفاظ على نظافة البيت وترتيبه. وهو حازم معها فيما يتعلق بتربية ~~طفليها. يطلب منها أن تضعهما في السريرين الخاصين بهما وتلبسهما ثيابا رائعة ~~أحضرها معه من نيروبي. وأيا كان الشيء الذي يلمسه الرضيعان لا بد أن يكون ~~أنظف من أي وقت مضى. وفي الواقع حاولت ms409 حليمة مساعدة آكومو ورعاية الطفلين ~~كما لو أنهما طفلاها، لكن هذا الأمر لم يكن ذا جدوى. كانت آكومو أكبر مني ~~بسنوات قليلة والضغط عليها شديدا، وربما كانت أوما على حق ... ربما كانت لا تزال ~~تحب الرجل الذي كان من المفترض أن تتزوجه قبل أن ينتزعها منه أونيانجو. # أيا كان السبب فإنها حاولت لأكثر من مرة هجر أونيانجو. مرة بعد ولادة سارة ~~ومرة أخرى بعد ولادة باراك. وبرغم كبريائه فإن أونيانجو ذهب إليها يسألها ~~العودة للحياة معه في المرتين لأنه كان يعتقد أن الطفلين في حاجة إلى أمهما. ~~وفي كلتا المرتين ساندته عائلة آكومو، ومن ثم لم يكن أمامها أي خيار آخر إلا ~~العودة إليه. وفي نهاية الأمر تعلمت فعل كل ما كان متوقعا منها. لكنها ~~بينها وبين نفسها كانت تشعر دائما بالمرارة. # أصبحت الحياة أفضل لها عندما نشبت الحرب العالمية الثانية. كان جدك قد غادر ~~البلاد ليعمل طاهيا للقبطان البريطاني، وانتقلت لأعيش مع آكومو وحليمة ~~وأساعدهما في تربية الأبناء وزرع المحاصيل. لم نر أونيانجو لبعض الوقت. ذلك ~~لأنه سافر إلى بلاد كثيرة مع أفواج الجنود البريطانية؛ إلى بورما وسيلان وجزيرة ~~العرب وإلى أماكن ما في أوروبا. وبعد أن عاد بعد ثلاث سنوات أحضر معه فونوغراف ~~وصورة امرأة زعم أنه تزوجها في بورما. تلك الصورة التي تراها معلقة على جدار ~~المنزل التقطت له آنذاك. # عندئذ كان أونيانجو يبلغ من العمر 50 عاما تقريبا. وزاد بشدة تفكيره في ~~ترك العمل لدى الرجل الأبيض والعودة إلى زراعة الأرض. لكنه رأى أن الأرض ~~المحيطة بكندو مزدحمة وجرداء؛ لذا فكر في أليجو، الأرض التي تركها جده. وذات ~~يوم جاء إلى زوجاته وأخبرنا أن علينا إعداد أنفسنا للرحيل إلى أليجو. وفي حقيقة ~~الأمر كنت امرأة شابة ولدي القدرة على التكيف سريعا لكن حليمة وآكومو تلقتا ~~هذا الخبر بصدمة. ذلك لأن عائلتيهما عاشتا في كندو ولأنهما اعتادتا العيش هناك، ~~وخافت حليمة بصفة خاصة من شعورها بالوحدة في هذا المكان الجديد لأنها كانت في ~~عمر أونيانجو ولم يكن ms410 لديها أبناء؛ لذا رفضت الذهاب معنا. أما آكومو فإنها رفضت ~~الرحيل في البداية لكن عائلتها أقنعتها مرة أخرى بأنها لا بد من أن تتبع زوجها ~~وتعتني بأطفالها. # عندما وصلنا إلى أليجو كانت معظم الأراضي الزراعية التي تراها الآن بورا ~~والمعيشة صعبة علينا جميعا. لكن جدك درس أساليب الزراعة الحديثة عندما كان ~~في نيروبي، ومن ثم طبق أفكاره على هذه الأرض. فكان باستطاعته زراعة أي ~~محصول، وفي أقل من عام زرع ما يكفي من المحاصيل لبيعها في السوق. ومهد الأرض ~~وحولها إلى هذه الحديقة الواسعة ونظف الحقول حيث نمت المحاصيل وأصبحت ~~وافرة الثمار. وزرع أشجار المانجو والموز والباوباو التي تراها الآن من ~~حولك. # علاوة على كل ذلك، فإنه باع معظم ماشيته لأنه قال إن رعيها جعل تربة الأرض ~~فقيرة وتسبب في تدميرها. وبالأموال التي باع بها الماشية بنى أكواخا كبيرة ~~لآكومو ولي ولنفسه. وكان قد أحضر معه من إنجلترا جهاز راديو لاسلكيا وضعه على ~~أحد الأرفف وكان يشغل نوعا غريبا من الموسيقى على الفونوغراف الخاص به في ~~ساعة متأخرة من الليل. وعندما أنجبت طفلي الأولين عمر وزيتوني، اشترى لهما ~~سريرين وملابس وناموسيتين، تماما مثلما فعل مع باراك وسارة. وفي كوخ إعداد ~~الطعام بنى فرنا يخبز فيه الخبز والكعك وكان مذاقهما مثل الذي يباع في ~~المتاجر. # لم ير جيرانه في أليجو مثل هذه الأشياء قط. وفي بادئ الأمر ارتابوا فيه، ~~واعتقدوا أنه أحمق خاصة عندما باع ماشيته. لكنهم سرعان ما أصبحوا يحترمون ~~كرمه وما علمهم إياه عن الزراعة والأعشاب الطبية. بالإضافة إلى أنهم ~~تفهموا طباعه لأنهم اكتشفوا أن باستطاعته حمايتهم من السحر. وفي هذه الأيام ~~كان الناس يلجئون إلى الشامانات في أحوال كثيرة، بل يخافونهم خوفا عظيما. ~~وكان يقال إن باستطاعتهم إعطاءك مشروبا إذا أعطيته لأية امرأة ترغبها وشربت ~~منه فإنها ستقع في هواك، ومشروبات أخرى تميت أعداءك. لكن لأن جدك سافر إلى ~~أماكن كثيرة وقرأ الكتب لم يؤمن بصحة هذه الأشياء. واعتقد أنهم محتالون ~~يسرقون أموال الناس. # حتى الآن في الوقت ms411 الراهن، يمكن أن يخبرك الكثيرون في أليجو عن اليوم الذي ~~جاء فيه أحد الشامانات من مقاطعة أخرى لقتل أحد جيراننا الذي تودد لإحدى ~~الفتيات في الجوار واتفقت العائلتان على أن يزوجوهما. لكن رغب آخر في الزواج ~~منها؛ لذا ففي غمرة شعوره بالغيرة دفع مالا لشامان لقتل غريمه. عندما سمع ~~جارنا هذه الخطة خاف خوفا عظيما وجاء إلى أونيانجو طالبا منه النصيحة. ~~فاستمع جدك إلى قصة الرجل ثم أخذ منجل البانجا الخاص به وسوطه المصنوع من جلد ~~فرس النهر، وخرج لانتظار الشامان في عرض الطريق. # بعد قليل رأى أونيانجو الشامان يقترب حاملا في يده حقيبة صغيرة مليئة ~~بالمشروبات السحرية. وعندما أصبحت المسافة بينهما قصيرة وقف جدك في وسط الطريق ~~وقال: «عد إلى حيث جئت.» لم يعرف الشامان من كان أونيانجو وتظاهر بأنه ~~يتقدم بخطواته، لكن أونيانجو اعترض طريقه وقال: «إذا كنت قويا كما تزعم ~~فلا بد أن تصعقني بالبرق الآن. وإذا لم تكن كذلك فالأفضل لك أن تفر من هنا؛ ~~لأنك إن لم تترك هذه القرية الآن سأضطر إلى ضربك.» الشامان تصرف كما لو كان ~~سيمر عبر الطريق، لكن قبل أن يمشي خطوة أخرى ضربه أونيانجو وطرحه أرضا وأخذ ~~حقيبته وعاد بها إلى المجمع السكني الذي يقطنه. # حسنا، كان هذا أمرا غاية في الخطورة خاصة عندما رفض جدك إرجاع المشروبات ~~السحرية الخاصة بالشامان. وفي اليوم التالي اجتمع مجلس الشيوخ تحت ظل شجرة لحل ~~النزاع، وكانوا قد أخبروا كلا من أونيانجو والشامان بأن يحضرا ويوضحا حقائق ~~وملابسات الموقف. وفي البداية وقف الشامان وأخبر الشيوخ أنه إن لم يعد ~~أونيانجو الحقيبة فورا فإن اللعنة ستحل على القرية بأكملها. وبعدها وقف ~~أونيانجو وكرر ما قاله من قبل. قال: «إن كان لهذا الرجل سحر قوي دعوه يحل ~~علي اللعنة الآن فأخر صريعا.» ابتعد الشيوخ عن أونيانجو خوفا من أن تخطئ ~~الأرواح الهدف. لكنهم سرعان ما أدركوا أنه لم يحدث شيء؛ لذا عاد أونيانجو إلى ~~الرجل الذي استأجر الشامان وقال له: «فلتذهب لتبحث عن امرأة جديدة ms412 واترك هذه ~~السيدة تتزوج الرجل الذي اتفق على الزواج بها.» وقال أونيانجو للشامان: «اذهب ~~إلى حيث جئت، لن يقتل أحد في هذا المكان.» # وافق شيوخ القبيلة على كل ما قيل. لكنهم أصروا على ضرورة أن يعيد أونيانجو ~~حقيبة الشامان لأنهم لم يريدوا المخاطرة. ووافق أونيانجو أيضا، ووقت انفضاض ~~الاجتماع دعا الشامان إلى كوخه. وطلب مني ذبح دجاجة ليأكل الشامان، وأعطاه ~~أموالا حتى لا تكون رحلته إلى أليجو بلا فائدة. لكن قبل أن يسمح جدك برحيل ~~الشامان جعل الرجل يريه محتويات حقيبته ويشرح خصائص كل مشروب حتى يعرف كل الخدع ~~التي ينفذها الشامان. # حتى إن استخدم أونيانجو أحد هذه المشروبات مع آكومو فلا أظن أنه كان بإمكانه ~~إسعادها. وبصرف النظر عن كثرة ضربه لها فقد كانت تجادله بغضب. وكانت متكبرة ~~وتحتقرني، وفي أحيان كثيرة ترفض تقديم المساعدة في الأعمال المنزلية اليومية. ~~أنجبت طفلة ثالثة - اسمها أوما مثل أوما الجالسة معنا الآن - وبينما كانت ترضع ~~هذه الطفلة الجديدة خططت سرا للهروب. وفي إحدى الليالي وسارة في الثانية ~~عشرة من عمرها وباراك في التاسعة، نفذت خطتها. فأيقظت سارة وقالت إنها ستهرب ~~إلى كندو. وأخبرتها بأنها رحلة شاقة للغاية على الأطفال لأن يقوموا بها ليلا ~~لكنها قالت لها إنهما - هي وأخوها - ينبغي لهما اتباعها سريعا عندما يكبران. ~~ثم اختفت بابنتها الرضيعة في الظلام. # عندما اكتشف أونيانجو ما حدث استشاط غضبا. وفي البداية فكر في أن يترك ~~آكومو وشأنها، لكن عندما رأى أن باراك وسارة لا يزالان صغيرين وأنني شابة - ~~ولدي طفلان - ذهب مرة أخرى إلى عائلة آكومو في كندو، وطلب من أهلها عودتها. ~~لكن العائلة رفضت هذه المرة. وفي الواقع، كانوا قد قبلوا بالفعل مهر زواج ~~آكومو من رجل آخر وكانت آكومو وزوجها الجديد قد رحلا بالفعل للعيش في ~~تانجانيكا. لم يكن هناك شيء يستطيع أونيانجو فعله؛ لذا عاد إلى أليجو. وقال ~~لنفسه: «إن الأمر لا يهم»، وأخبرني بأنني الآن أم أولاده كافة. # لم نكن نعرف - أنا وهو - زيارة آكومو الأخيرة لسارة. لكن سارة ms413 تذكرت ~~تعليمات والدتها ومرت أسابيع قبل أن توقظ باراك في منتصف الليل تماما كما ~~فعلت معها أمها. وطلبت منه أن يصمت، وساعدته في ارتداء ملابسه، وبدآ معا ~~رحلتهما إلى كندو مشيا على الأقدام. ولا أزال مندهشة إلى الآن من أنهما بقيا ~~على قيد الحياة. غابا عنا أسبوعين تقريبا مشيا خلالهما أميالا كثيرة يوميا؛ ~~يختبئان من المارين بجوارهما في الطريق، وينامان في الحقول ويستجديان الطعام. ~~لكنهما تاها بالقرب من كندو، وفي آخر المطاف رأتهما سيدة وأشفقت عليهما؛ فقد ~~كانا متضورين جوعا وقميئي الهيئة؛ لذا استضافتهما في منزلها وأطعمتهما ~~وسألتهما عن اسميهما، وعندما عرفت ماهيتهما أرسلت طلبا لجدك. وعندما ذهب ~~لإحضارهما ورأى حالتهما المتدهورة بكى وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي رآه ~~أحد وهو يبكي. # لم يحاول الطفلان الهرب إطلاقا مرة أخرى. لكنني لا أعتقد أنهما نسيا هذه ~~الرحلة. وبعدئذ تعاملت سارة مع أونيانجو بتحفظ شديد وظل قلبها معلقا ~~بآكومو لأنها كانت أكبر من أخيها، وربما رأت كيف عامل أمها. وأظن أيضا أنها ~~كانت مستاءة مني لأخذي مكان والدتها. أما باراك فكان له رد فعل مختلف. فلم ~~يستطع أن يسامح أمه على التخلي عنه، وكان يتصرف وكأن آكومو لم تكن موجودة. بل ~~أخبر الجميع أنني والدته، ومع أنه كان يرسل أموالا إلى آكومو عندما كبر وأصبح ~~رجلا فإنه حتى نهاية حياته تعامل معها بفتور دائما. # الشيء الغريب أن سارة كانت تشبه أبيها إلى حد بعيد من حيث الشخصية. الحزم ~~والمثابرة وسهولة الشعور بالغضب. وكان باراك طائشا وعنيدا مثل آكومو. لكن دون ~~شك لا يرى الشخص عيوبه. # وبالطبع كان أونيانجو شديد الحزم مع أطفاله تماما كما قد تتوقع. جعلهم ~~يعملون بجد واجتهاد، ولم يسمح لهم باللعب خارج المجمع السكني؛ لأنه قال إن ~~الأطفال الآخرين وقحون وسيئو التربية. وكلما ابتعد أونيانجو عن المجمع تجاهلت ~~هذه التعليمات لأن الأطفال لا بد أن يلعبوا مع أقرانهم تماما كما لا بد من ~~تناول الطعام والنوم. لكنني لم أخبر جدك قط بما فعلته، وكنت أضطر إلى تنظيف ~~الأطفال ms414 قبل أن يحضر جدك إلى المنزل. # لم يكن هذا الأمر سهلا خاصة مع باراك. ذلك لأنه كثير الشغب! في وجود ~~أونيانجو يبدو حسن التربية ومطيعا، ولا يرد بوقاحة عندما يطلب منه والده أن ~~يفعل شيئا. لكن من وراء ظهره يفعل كل ما يحلو له. وعندما يكون أونيانجو في ~~الخارج في العمل يخلع باراك ملابسه الأنيقة وينصرف إلى الأولاد الآخرين ~~لمشاجرتهم أو السباحة في النهر أو لسرقة الفاكهة من أشجار الجيران أو ركوب ~~أبقارهم. كان الجيران يخافون من الذهاب مباشرة إلى أونيانجو فيأتون إلي ~~ويشكون من كل هذه الأشياء. لكنني لم أكن أغضب من باراك، بل دوما أخفي تصرفاته ~~الحمقاء عن أونيانجو؛ لأنني أحببته كما لو أنه ابني. # أعجب جدك أيضا كثيرا بباراك - مع أنه لم يحب إظهار ذلك - لأنه كان ولدا ~~ماهرا جدا. وفي صغره علمه أونيانجو حروف الهجاء والأرقام، ولم يستغرق ~~الأمر وقتا طويلا إلى أن تفوق الابن على أبيه في هذه الأشياء. وفي الواقع ~~أسعد هذا الشيء قلب أونيانجو؛ لأن المعرفة كانت مصدر سلطة البيض من وجهة نظره؛ ~~لذا فإنه أراد التأكد من أن ابنه متعلم كأي رجل أبيض. كان أقل اهتماما ~~بتعليم سارة مع أنها سريعة التعلم مثل باراك. معظم الرجال كانوا يعتقدون أن ~~تعليم بناتهم مضيعة للأموال. وعندما أنهت سارة تعليمها في المدرسة الابتدائية ~~جاءت إلى أونيانجو مستجدية منه مصاريف المدرسة للالتحاق بالمدرسة الثانوية. ~~لكنه قال لها: «ما الذي يدفعني إلى إنفاق أموال على مصاريف التحاقك بالمدرسة ~~وأنت ستتزوجين وتعيشين في منزل رجل آخر؟ الأفضل أن تساعدي أمك وتتعلمي كيف ~~تصبحين زوجة مثالية.» # خلق هذا خلافا أكبر بين سارة وأخيها الأصغر خاصة لأنها علمت أن باراك لم ~~يكن جادا دائما في دراسته. وكل شيء أراده حصل عليه بسهولة بالغة. في البداية ~~التحق بإحدى مدارس الإرساليات المجاورة، لكنه عاد بعد يومه الأول فيها وأخبر ~~والده أنه لم يستطع الدراسة هناك لأن من يدرس له في الفصل امرأة، وأنه يعلم ~~كل شيء تعلمه إياه. لقد تعلم باراك هذا ms415 الاتجاه الفكري من والده؛ لذا فإن ~~أونيانجو لم يستطع قول أي شيء. وكانت أقرب مدرسة تبعد بمسافة ستة أميال؛ ولذا ~~فإنني كنت أصطحبه إليها كل صباح. وكان المدرس فيها رجلا، لكن باراك اكتشف أن ~~هذا لم يحل المشكلات التي كان يعانيها. فهو دوما يعرف الإجابات، وفي بعض ~~الأحيان يصحح أخطاء المدرس أمام الفصل بأكمله. وكان المدرس يوبخ باراك على ~~غطرسته، لكن باراك كان يرفض التوقف عما يفعله. وتسبب هذا في تعرض باراك ~~كثيرا للضرب بالعصا على يد مدير المدرسة. لكنه تعلم درسا منه لأنه في العام ~~التالي عندما انتقل إلى فصل آخر به مدرسة لاحظت أنه لم يشك. # مع ذلك كان لا يزال يشعر بالملل من المدرسة، وعندما أصبح أكبر سنا كان ~~يتوقف عن الذهاب إليها لمدة أسابيع في كل مرة. وقبل الامتحانات بأيام قليلة ~~يبحث عن زميل له في الفصل ويبدأ في استذكار دروسه. وفي خلال بضعة أيام يستطيع ~~تعليم نفسه كل شيء. وعندما تظهر النتيجة يكون الأول دائما على أقرانه. وفي ~~المرات القليلة التي لم يكن الأول فيها كان يعود إلي والدموع قد ملأت عينيه ~~لأنه اعتاد أن يكون الأفضل دائما، لكن هذا لم يحدث سوى مرة واحدة أو مرتين؛ ~~كان عادة ما يعود إلى المنزل ضاحكا مفتخرا بمهارته. # لم يفتخر باراك بنجاحه بصورة يمكن أن تجرح شعور الآخرين؛ فإنه كان دائما ~~دمث الأخلاق في تعامله مع زملائه، ويساعدهم عندما يطلبون المساعدة. كما أن ~~افتخاره بنجاحاته شبيه بافتخار طفل اكتشف أن بإمكانه الجري سريعا أو الصيد ~~بمهارة. لذا فإنه لم يدرك أن الآخرين ربما يستاءون من تلقائيته. حتى إنه عندما ~~أصبح رجلا لم يفهم هذه الأشياء. وعندما يرى زملاءه في المدرسة - الذين أصبحوا ~~رجال دين أو رجال أعمال - في إحدى الحانات أو المطاعم يقول لهم أمام الجميع إن ~~أفكارهم سخيفة. وكان يقول لأحدهم مثلا: «إنني أتذكر أنني علمتك ذات مرة ~~أشياء في علم الحساب، إذن كيف يمكن أن تكون مهما الآن؟» بعد ذلك يضحك ويدعو ~~هؤلاء الرجال إلى ms416 الجعة لأنه معجب بهم. لكن هؤلاء الرجال يتذكرون أيام ~~المدرسة ويكتشفون أن ما قاله باراك صحيح، ومع أنهم لم يظهروا ذلك فإن كلماته ~~تجعلهم يشعرون بالغضب. # عندما أصبح والدك في مرحلة المراهقة كانت الأحوال تتغير سريعا في كينيا. ~~حيث حارب الكثير من الأفارقة في الحرب العالمية الثانية. وحملوا الأسلحة ~~وفعلوا ما جعلهم مشهورين بالمحاربين العظماء في بورما وفلسطين. ورأوا البيض ~~وهم يحاربون البيض من أمثالهم، وماتوا بجانبهم وقتلوا الكثير منهم بأنفسهم. ~~بالإضافة إلى أنهم اكتشفوا أن الأفريقي بوسعه العمل على آلات البيض، وقابلوا ~~السود من أمريكا الذين قادوا الطائرات وأجروا العمليات الجراحية. وعندما عادوا ~~إلى كينيا تحمسوا لمشاركة هذه المعرفة الجديدة مع الجميع، ولم يعودوا راضين ~~عن سيطرة البيض عليهم. # بدأ الناس عندئذ يتحدثون عن الاستقلال . وعقدت الاجتماعات ونظمت ~~المظاهرات وقدمت الالتماسات إلى الإدارة لعرض شكواهم من مصادرة الأراضي وسلطة ~~الرؤساء الذين يطبقون نظم العمل الخالية من العمولات لإتمام المشروعات ~~الحكومية. حتى إن الأفارقة الذين تعلموا في المدارس الداخلية تمردوا على ~~كنائسهم واتهموا البيض بتشويه المسيحية للحط من قدر أي شيء أفريقي. وكما كان ~~الوضع سابقا فإن معظم هذه الأنشطة تمركزت في أرض كيكويو لأن هذه القبيلة حملت ~~عبء البيض أكثر من أي مكان آخر. لكن قبيلة لوو أيضا كانت مضطهدة ومصدرا ~~أساسيا للعمل بالإكراه. لذا فإن الرجال في منطقتنا بدءوا يشاركون في مظاهرات ~~كيكويو وقبض على كثير منهم من جراء ذلك. وفي وقت لاحق، عندما أعلنت ~~بريطانيا حالة الطوارئ، لم ير الكثيرون مرة أخرى منذ ذلك الحين. # وأبوك مثل أقرانه تأثر بالمفاوضات الأولى المتعلقة بالاستقلال، وكان يعود ~~أدراجه من المدرسة إلى المنزل ويتحدث عن الاجتماعات التي رآها. أما جدك فإنه ~~أيد الكثير من مطالب الأحزاب الأولى مثل الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني ~~(كانو)، لكنه ظل متشككا من أن حركة الاستقلال ستؤدي إلى أي شيء؛ لأنه اعتقد أن ~~الأفارقة لن يفوزوا إطلاقا على جيوش البيض. وكان يقول لباراك: «كيف يمكن ~~للأفريقي هزيمة البيض وهو لا يستطيع صناعة الدراجة التي يركبها؟» وكان ms417 يقول إن ~~الأفارقة لا يستطيعون تحقيق الفوز على البيض لأن السود يريدون العمل فقط مع ~~عائلاتهم أو عشيرتهم في حين يعمل البيض معا لزيادة سلطتهم. وقال أونيانجو: ~~«إن الرجل الأبيض بمفرده مثله مثل النملة.» وتابع: «ومن السهولة بمكان تحطيمه. ~~لكن لأنه كالنملة فإنه وأقرانه يعملون معا ويتعاونون. ومن وجهة نظره فإن ~~أمته وعمله أكثر أهمية من نفسه. وهو يتبع قادته، ولا يناقش الأوامر الموجهة ~~إليه. على النقيض من ذلك فإن السود لا يسيرون على هذه الوتيرة. حتى إن أكثر ~~السود حماقة يعتقدون أنهم يفهمون أكثر من الحكماء. وهذا هو سبب خسارة السود ~~دائما.» # ومع موقف جدك هذا فإنه اعتقل ذات مرة. وأصل الحادث أن رجلا أفريقيا يعمل ~~لدى حاكم المقاطعة شعر بالغيرة من جدك بسبب أراضيه . وفي إحدى المرات وبخ ~~جدك هذا الرجل لأنه كان يجمع ضرائب زائدة عن المفترض تحصيلها ويستولي على هذه ~~الأموال لنفسه. خلال فترة الطوارئ وضع هذا الرجل اسم أونيانجو في قائمة مؤيدي ~~الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني وأخبر الرجل الأبيض أن أونيانجو من ~~المخربين. ولذا فإن عساكر الرجل الأبيض ألقوا القبض على أونيانجو واحتجز في ~~معسكر اعتقال. وفي النهاية استدعي إلى جلسة استماع وأثبتت براءته. لكنه ظل ~~في المعسكر لما يزيد عن ستة أشهر، وعندما عاد إلى أليجو كان نحيفا للغاية ~~وقذر الهيئة. وكان يجد صعوبة في المشي ورأسه مليء بالقمل. وبالطبع أدى هذا ~~إلى شعوره بالخجل الشديد، فرفض دخول منزله أو إخبارنا بما حدث. وإنما ناداني ~~لتسخين بعض الماء له وإحضار موس حلاقة. فحلق شعره وساعدته في الاستحمام لوقت ~~طويل حيث تجلس الآن. ومنذ ذلك اليوم أدركت أنه عجوز. # لم يكن باراك موجودا وقتئذ ولم يعلم شيئا عن اعتقال والده إلا فيما بعد. ~~ذلك لأنه كان قد قدم في اختبارات المقاطعة وقبل في مدرسة ماسينو الداخلية ~~التي تبعد بما يقرب من 50 ميلا جنوبا بالقرب من خط الاستواء. لا بد أن هذا ~~الحدث كان شرفا عظيما لباراك؛ لأن القليل من الأفارقة فقط كان يسمح لهم ms418 ~~بالحصول على تعليم ثانوي، والطلاب الأكثر مهارة فقط هم الذين كانوا يلتحقون ~~بالماسينو، لكن تمرد أبيك وعدم التزامه بالقواعد سببا مشكلات كثيرة مع ~~المدرسة. فكان يتسلل إلى غرف الفتيات ويتحدث معهن بكلام معسول ويتعهد لهن ~~بتحقيق كل ما حلمن به. ويغير هو وأصدقاؤه على المزارع المجاورة لأخذ ~~الدجاج ونبات اليام لأنهم لا يحبون طعام المدرسة. وفي الواقع تغاضى المدرسون في ~~المدرسة عن مثل هذه الأفعال غير اللائقة لأنهم كانوا على دراية بمدى ذكائه. لكن ~~في نهاية الأمر تمادى باراك في فعل هذه الأشياء الدالة على سوء السلوك فطرد ~~من المدرسة. # غضب أونيانجو غضبا عارما عندما عرف بالأمر، ولذا ضرب باراك بالعصا إلى أن ~~أدمى ظهره. لكن باراك رفض الهروب أو الصراخ أو حتى شرح موقفه لأبيه. وفي ~~النهاية قال أونيانجو لباراك: «إن لم تستطع التصرف بأسلوب لائق في بيتي ~~فإنني لا أريدك هنا!» وفي الأسبوع التالي أخبر أونيانجو باراك بأنه رتب له ~~السفر إلى الساحل حيث سيعمل موظف أعمال كتابية. وقال له: «إنك هناك ستعلم قيمة ~~التعليم.» وتابع: «سأرى بنفسي كيف ستستمتع بوقتك وأنت تكسب قوت يومك.» # لم يكن لدى باراك أي خيار سوى طاعة والده. لذا فإنه ذهب إلى مومباسا وحصل ~~على الوظيفة في مكتب تاجر عربي. لكن بعد فترة وجيزة تشاجر مع الرجل العربي ~~وترك العمل دون أن يأخذ أجره. لكنه وجد وظيفة أخرى فعمل موظف أعمال كتابية مرة ~~أخرى لكن بأجر أقل بكثير. وكان لديه من الكبرياء ما منعه من أن يطلب مساعدة ~~أبيه أو يعترف بأنه أخطأ. ومع ذلك فقد علم أونيانجو بالأمر، وعندما عاد باراك ~~للمنزل في زيارة صاح فيه والده قائلا له إنه لن يصبح ذا قيمة. حاول باراك أن ~~يخبر أونيانجو أن الوظيفة الجديدة تقدم له أجرا أعلى بكثير من الوظيفة التي ~~وفرها له، وقال إنه يحصل منها شهريا على 150 شلنا. لذا قال أونيانجو له: ~~«دعني أطلع على سجل الأجور الخاص بك إن كنت بالفعل ثريا.» وعندما لم ينبس ~~باراك ببنت شفة ms419 علم أونيانجو أن ابنه كذب عليه. لذا فإنه ذهب إلى كوخه وأخبر ~~باراك أن يبتعد عن المكان لأنه ألحق العار بأبيه. # انتقل باراك إلى نيروبي وعمل موظف أعمال كتابية في السكة الحديدية، لكنه ~~شعر بالملل وألهاه اهتمامه بسياسات البلد عن العمل. ووقتئذ بدأت قبيلة ~~الكيكويو حربها في الغابات. وانتشرت في كل مكان الاحتشادات الجماهيرية ~~المطالبة بإطلاق سراح كينياتا من المعتقل. فبدأ باراك يحضر الاجتماعات ~~السياسية بعد العمل وأصبح على علاقة ببعض أفراد القيادة في الكانو. وفي أحد ~~الاجتماعات حضرت الشرطة وألقي القبض على باراك لخرق قواعد الاجتماع. وبالتالي ~~سجن وأرسل إلى والده رسالة طالبا منه المال لدفع الكفالة، لكن أونيانجو ~~رفض إعطاء باراك المال الذي طلبه، وقال لي إن ابنه في حاجة لأن يتعلم هذا ~~الدرس على نحو ملائم. # لأن باراك لم يكن قائدا في الكانو أطلق سراحه بعد أيام. لكنه لم يشعر بأي ~~قدر من السعادة لإطلاق سراحه لأنه بدأ يدرك أن ما قاله والده ربما يكون ~~صحيحا؛ أنه لن يصبح ذا قيمة. كان باراك عندئذ في العشرين من عمره، لكن ماذا ~~حقق بالفعل؟ لقد طرد من وظيفته في السكة الحديدية. وتشاجر مع والده ولم ~~يعد يتحدث معه إلى جانب أنه ليس لديه مال أو احتمالات نجاح. لكنه تزوج ~~ولديه طفل. قابل باراك كيزيا وهو في الثامنة عشرة من عمره. وكانت تعيش في كندو ~~مع عائلتها وقتئذ. ولأنه تيم بجمالها قرر الزواج منها بعد علاقة لم تدم ~~طويلا. وحتى يستطيع الزواج منها أدرك أن والده لا بد أن يساعده لدفع المهر، ~~فطلب مني أن أتوسط له عند أبيه وأتحدث نيابة عنه. في بداية الأمر رفض ~~أونيانجو هذه الزيجة وكذلك سارة التي عادت إلى أليجو بعد أن مات زوجها الأول. ~~وقالت لجدك إن كيزيا تريد أن تحصل على ثروة العائلة فقط. لكنني قلت لأونيانجو ~~إنه من غير اللائق لباراك أن يستجدي المهر من أقارب آخرين والجميع يعرفون أنه ~~ابن رجل ذي سعة من المال. بذلك أدرك أونيانجو أن لدي حقا ms420 فيما أقوله ورق ~~لحاله ووافق. وبعد عام واحد من زواج باراك وكيزيا ولد روي. وبعد عامين أنجبا ~~أوما. # اضطر باراك إلى العمل في أية وظيفة وجدها حتى يستطيع توفير ما يساعد عائلته ~~على المعيشة، وفي آخر المطاف أقنع رجلا عربيا آخر - اسمه سليمان - بتعيينه ~~عاملا لديه. لكن باراك ظل يشعر بالحزن الشديد وأصبح قاب قوسين أو أدنى من ~~اليأس. فالكثير ممن في عمره والذين عرفهم من مدرسة ماسينو - والذين لم يكونوا ~~نابغين مثله - ينتقلون بالفعل من كينيا للالتحاق بجامعة ماكاريري في أوغندا. ~~وبعضهم ذهبوا إلى لندن للدراسة. ومن ثم فهم يتوقعون العمل في وظائف مهمة عند ~~عودتهم إلى كينيا بعد تحريرها. أما باراك فإنه رأى أنه لم ينته الأمر به إلا ~~موظف أعمال كتابية لديهم لبقية حياته. # بعدئذ لعب الحظ لعبته في صورة سيدتين أمريكيتين. كانتا تدرسان في نيروبي ~~وأعتقد أنهما كانتا على صلة بإحدى المنظمات الدينية، وفي ذات يوم حضرتا إلى ~~المكتب الذي يعمل فيه باراك. وبدأ يتحدث معهما إلى أن أصبح الثلاثة أصدقاء. ~~فأخذتا تعيرانه كتبا ليقرأها وتدعوانه إلى منزلهما، وعندما أدركتا أنه على ~~درجة كبيرة من الذكاء قالتا له إن عليه الالتحاق بالجامعة. شرح باراك لهما أنه ~~لا يملك مالا ولم يحصل على شهادة من المدرسة الثانوية، لكنهما قالتا له إنهما ~~سترتبان له كل شيء فيدرس عن طريق المراسلة ويحصل على الشهادة التي يحتاجها. ~~وأضافتا أنهما ستحاولان مساعدته في الالتحاق بأية جامعة في أمريكا إن أثبت ~~نجاحه. # تحمس باراك للغاية وأرسل على الفور طلب التحاق بالدراسة عن طريق المراسلة. ~~ولأول مرة في حياته عمل بجد. وكل ليلة وحتى أثناء تناوله غداءه كان يذاكر في ~~كتبه ويحل واجباته المدرسية. وبعد بضعة أشهر امتحن في مقر السفارة الأمريكية. ~~استغرق الأمر شهورا طويلة قبل أن تظهر النتيجة، وخلال هذه الفترة كان باراك ~~غاية في العصبية ونادرا ما يأكل. الأمر الذي أدى به إلى النحافة البالغة ~~لدرجة أننا اعتقدنا أنه سيموت. وذات يوم تسلم الخطاب. ولم أكن هناك لرؤيته ~~وهو يفتحه، ms421 لكنه كان لا يزال يصيح من الفرحة بأعلى صوته عندما قال لي هذه ~~الأخبار. وضحكت معه لأن الموقف مماثل لما كان يحدث منذ سنوات كثيرة عندما يأتي ~~إلى المنزل متفاخرا بدرجاته العالية. # كان باراك لا يزال مفتقرا إلى المال، ولم تكن أية جامعة قد وافقت بالفعل على ~~قبوله. وعندما رأى أونيانجو أن ابنه أصبح أكثر شعورا بالمسئولية لان تجاهه، ~~لكنه لم يستطع توفير المال الكافي لدفع مصروفات الجامعة والانتقال خارج ~~البلاد. كان الكثيرون في القرية على استعداد لمد يد المساعدة، لكن العديد ~~منهم كانوا خائفين من ألا يروا باراك مرة أخرى إن رحل بأموالهم. لذا فإن باراك ~~راسل الجامعات في أمريكا مرارا وتكرارا. وأخيرا ردت عليه جامعة في هاواي ~~بأن الجامعة ستقدم له منحة دراسية. لم يعرف أحد وقتئذ أين يقع هذا المكان، ~~لكن باراك لم يبال. وأخذ ابنه وزوجته الحامل وتركهما عندي ورحل في أقل من ~~شهر. # لا أستطيع أن أقول لكم ما حدث في أمريكا. لكنني أعرف أنه بعد أقل من عامين ~~تلقينا خطابا من باراك يقول لنا فيه إنه قابل فتاة أمريكية اسمها آن وإنه يريد ~~الزواج منها. والآن يا باري لقد سمعت أن جدك عارض هذه الزيجة. هذا صحيح، لكن ~~هذه المعارضة لم تكن للأسباب التي قلتها. إن أونيانجو كما رأيت لم يعتقد أن ~~والدك يتصرف بمسئولية. لذا فإنه رد على خطاب باراك وقال له: «كيف تتزوج من ~~هذه السيدة البيضاء ولديك مسئوليات أخرى هنا؟ هل ستعود معك هذه السيدة وتعيش ~~هنا كسيدة من قبيلة لوو؟ وهل ستقبل بوجود زوجة وطفلين؟ إنني لم أسمع قط عن بيض ~~يتفهمون هذه الأشياء؛ فنساؤهم تعميهن الغيرة وهن اعتدن التدليل. لكن إن ~~كنت مخطئا فيما قلته فاجعل والد الفتاة يحضر هنا إلى كوخي لنناقش الأمر بصورة ~~ملائمة. ذلك لأن مناقشة هذه الأمور من شأن الكبار وليس الصغار.» بالإضافة إلى ~~أنه كتب أيضا خطابا إلى جدك ستانلي وذكر له في الخطاب الكثير من هذه الأشياء ~~نفسها أيضا. # استمر أبوك - كما تعلم ms422 - في إتمام الزواج ولم يخبر أونيانجو بما حدث إلا بعد ~~ولادتك. إننا جميعا سعداء بهذه الزيجة لأننا لولاها لم نكن لنراك هنا معنا ~~الآن. لكن جدك غضب غضبا عارما عندئذ وهدد بأن يجعل السلطات تلغي تأشيرة ~~سفر باراك. ولأنه عاش مع البيض بالفعل، ربما كان على دراية بعادات البيض أكثر ~~من باراك. ومن ثم عندما عاد باراك في نهاية المطاف إلى كينيا اكتشفنا أنك وأمك ~~بقيتما حيث أنتما، تماما كما حذر أونيانجو. # بعد أن عاد باراك بوقت وجيز وصلت إلى كيزيمو سيدة بيضاء تبحث عنه. وفي ~~البداية اعتقدنا أن هذه السيدة لا بد أنها أمك آن. لكن باراك أوضح لنا أنها ~~سيدة أخرى تدعى روث. وقال إنه قابلها في هارفارد وإنها تبعته إلى كينيا دون ~~معرفته بالأمر. لم يصدق جدك هذه القصة واعتقد مرة أخرى أن باراك خرج عن ~~طاعته. لكنني لم أكن متأكدة لأن باراك بدا مترددا في الزواج من روث في ~~البداية. ولست متأكدة من السبب الذي حمله في النهاية على الاقتناع بالزواج ~~منها. ربما شعر أن روث كانت مناسبة أكثر لحياته الجديدة. وربما يكون قد سمع ~~إشاعات عن أن كيزيا فعلت ما يحلو لها في أثناء غيابه مع أنني أخبرته أن هذه ~~الشائعات ليست صحيحة. وربما يكون قد أعجب بروث أكثر مما أحب أن يظهر. # أيا كان السبب، فأنا أعرف أنه بمجرد أن قرر باراك الزواج من روث فإنها لم ~~تستطع تقبل كيزيا زوجة أخرى. وبهذا ذهب الطفلان ليعيشا مع والدهما وزوجته ~~الجديدة في نيروبي. وعندما أحضر باراك أوما وروي لزيارتنا رفضت روث مصاحبة ~~زوجها ولم تسمح له بأن يحضر ديفيد أو مارك. لم يناقش أونيانجو هذا الأمر ~~مباشرة مع باراك. لكنه قال لأصدقائه بطريقة ما لجعل باراك يسمعه: «إن ابني ~~رجل مهم، لكنه عندما يرجع إلى بلده لا بد أن تعد له والدته وليس زوجته ~~الطعام.» # هناك من أخبرك بالطبع بما حدث لوالدك في نيروبي. لقد كنا نراه نادرا ولم ~~يكن يظل في المعتاد إلا وقتا ms423 وجيزا، وكلما جاء أحضر لنا هدايا غالية الثمن ~~وأموالا وذهل الناس جميعا بسيارته الكبيرة وملابسه الأنيقة. لكن جدك ~~استمر في التحدث معه بقسوة كما لو كان صبيا. وفي هذه الأثناء كان أونيانجو ~~طاعنا في السن. كان يمشي بالتوكؤ على عصا وأعمى تقريبا، بالإضافة إلى أنه لم ~~يكن يستحم إلا بمساعدتي، وهو الأمر الذي سبب له في اعتقادي الشعور بالخجل. ~~لكن شيخوخته لم تخفف من حدة طباعه. # عندما فقد باراك سلطته فيما بعد حاول إخفاء مشكلاته عن أبيه. فاستمر في ~~إحضار الهدايا التي لم يعد قادرا على دفع ثمنها مع أننا لاحظنا أنه يأتي في ~~سيارة أجرة وليس في سيارته الخاصة. ولم يكن يثق بأحد سواي لإخباره عن تعاسته ~~وشعوره بالإحباط. وأخبرته بأنه عنيد إلى حد بعيد في تعامله مع الحكومة. ~~وتحدث معي عن مبادئه، فقلت له إن هذه المبادئ تؤثر سلبا على أطفاله. لكنه ~~قال إنني لا أفهم الموقف مثلما قال لي والده. لذا توقفت عن إسداء النصيحة ~~وأصبحت أستمع فقط. # أعتقد أن هذا هو أقصى ما كان باراك يحتاجه؛ أي شخص يستمع إليه. حتى بعد أن ~~تحسنت الأحوال من جديد وبنى هذا المنزل لنا، ظل حزينا. وفيما يخص أطفاله فإنه ~~كان يعاملهم بالطريقة نفسها التي عامله أونيانجو بها. وكان يعلم أنه يبعدهم ~~عنه لكنه لم يكن بوسعه فعل شيء. كان باراك لا يزال محبا للتفاخر والضحك ~~وشرب الخمر مع الآخرين. لكن ضحكاته لم تكن من قلبه. إنني أتذكر آخر مرة ~~زار أونيانجو قبل أن تدركه المنية. جلس الاثنان على كرسيين، أحدهما في وجه ~~الآخر، يأكلان الطعام دون كلمة واحدة. وبعد ذلك بأشهر عندما مات أونيانجو ولحق ~~بأسلافه عاد باراك إلى الوطن لتنفيذ الإجراءات. كان قليل الكلام وقتئذ وكان ~~نحيفا للغاية ولم أره يبكي إلا بعد أن أنعم النظر إلى مقتنيات أبيه. # وقفت الجدة ونظفت ثوبها من العشب. في هذه الأثناء خيم على الفناء الصمت الذي لم ~~يقطعه سوى شدو طائر قلق. وقالت: «إن السماء ستمطر»، فجمعنا الحصائر والأكواب وحملناها ms424 ~~جميعا إلى داخل المنزل. # بمجرد أن دخلنا سألت الجدة هل كانت تحتفظ بأي شيء من مقتنيات أبينا أو جدنا. دخلت ~~غرفة نومها وأنعمت النظر إلى محتويات حقيبة قديمة من الجلد. ثم خرجت بعد دقائق ومعها ~~كتاب أحمر اللون في حجم جواز السفر إلى جانب بعض الأوراق المختلفة الألوان المثبتة معا ~~والمتآكلة من إحدى الزوايا. # وقالت لأوما: «إنني آسفة، لم أستطع العثور إلا على هذا.» وتابعت: «لقد وصلت الفئران ~~إلى الأوراق قبل أن تتسنى لي الفرصة لوضعها في المكان المناسب.» # جلست أنا وأوما ووضعنا الكتاب والأوراق على المنضدة المنخفضة أمامنا. كان تجليد ~~الكتاب الأحمر مفكك الأجزاء مع أن الغلاف لا يزال مقروءا ومكتوبا عليه «السجل ~~الشخصي للخادم المنزلي» وبخط أصغر «أصدر بموجب قانون تسجيل الخدم المنزلي، 1928، ~~مستعمرة ومحمية كينيا .» وفي الصفحة الأولى وجدنا طابعا بقيمة شلنين أعلى بصمتي إبهام ~~أونيانجو اليمنى واليسرى. وكانت دوائر البصمتين لا تزال واضحة مثل طبعات المرجان ~~المتروكة على الصخر. وكان مربع الصورة - الذي اشتمل عليها فيما سبق - فارغا. # ذكر في الجملة الافتتاحية للكتاب: «الهدف من هذا القانون هو منح كل شخص يعمل في ~~الخدمة المنزلية سجلا لهذه الوظيفة، وحماية مصالحه/مصالحها إلى جانب حماية أصحاب العمل ~~من توظيف أشخاص أثبتوا أنهم غير مناسبين لهذا العمل.» # عرفت كلمة خادم بأنه كل: «طاه، خادم منزلي، نادل، كبير خدم، مرضعة، خادم خصوصي، ~~مساعد ساقي خمر، خادم لفتح أبواب السيارات والوقوف على الموائد، أو سائق، أو عامل لغسل ~~الملابس وكيها.» أما عن القواعد التي تفرض حمل هذه السجلات فإنها تتمثل في أن الخدم ~~المضبوطين وهم يعملون دون حمل هذه الكتب، أو يهملون فيها بطريقة أو بأخرى «يصبحون ~~مسئولين قانونيا عن دفع غرامة لا تزيد عن 100 شلن أو السجن لمدة لا تزيد عن ستة أشهر ~~أو كلتا العقوبتين.» ومن ثم فإن البيانات التفصيلية للخادم المسجل المشار إليه آنفا ~~ملئت بخط اليد بأسلوب متأنق كتبه أحد الموظفين بتأن: # الاسم: حسين الثاني أونيانجو. # رقم قانون التسجيل القومي: # Rwl A NBI 0976717 ~~. # العرق أو ms425 القبيلة: لوو. # محل الإقامة في حالة عدم العمل: كيزيمو. # الجنس: ذكر. # العمر: 35 عاما. # الطول وبنية الجسم: 6 أقدام، متوسط البنية. # البشرة: داكنة. # الأنف: أفطس. # الفم: كبير. # الشعر: مجعد. # الأسنان: ست أسنان مفقودة. # آثار جروح، أو علامات قبلية مميزة، أو مميزات أخرى: لا يوجد. # بالقرب من نهاية الكتاب وجدنا بيانات التوظيف موقعة ومصدقا عليها من قبل أصحاب ~~عمل مختلفين. قال القبطان سي هارفورد وهو عضو في دار الحكومة في نيروبي إن أونيانجو ~~«نفذ ما كلف به بصفته خادما شخصيا بجد واجتهاد.» بالإضافة إلى أن السيد إيه ~~جي ديكسون ذكر أن طهوه ممتاز وقال إنه «يستطيع القراءة والكتابة باللغة الإنجليزية وطهو ~~كافة أنواع الأطعمة ... وبصرف النظر عن الأشياء الأخرى فإن المعجنات التي يصنعها ~~ممتازة.» لكنه لم يعد في حاجة إلى خدمات أونيانجو؛ إذ «لم أعد أخرج في رحلات ~~سفاري.» أما دكتور إتش شيري فقال إن أونيانجو «طاه بارع لكن هذه الوظيفة لا يراها ~~أونيانجو مهمة بالقدر الكافي.» مع أن السيد آرثر دبليو إتش كول الموظف بشركة «إيست ~~أفركا سيرفاي جروب» قال إن أونيانجو بعد العمل «لمدة أسبوع في الوظيفة وجد أنه غير ~~كفء، ولا يستحق بكل تأكيد أن يتقاضى أجرا قدره 60 شلنا شهريا.» # انتقلنا بعد ذلك إلى تصفح مجموعة الخطابات. كان قد كتبها أبونا وكانت مرسلة إلى ~~جامعات مختلفة في الولايات المتحدة. وكان أكثر من 30 خطابا منها موجها إلى رؤساء ~~جامعة مورجان، ومعهد سانتا باربرا، وجامعة ولاية سان فرانسيسكو. # بدأ أحد الخطابات بعبارة «سيدي كالون رئيس الكلية». ثم كان نصه كالتالي: «لقد سمعت ~~عن كليتكم من السيدة هيلين روبرتس من مدينة بالو ألتو بكاليفورنيا والتي تقطن الآن هنا ~~في نيروبي، ولمعرفتها بقدر رغبتي في استكمال دراساتي في الولايات المتحدة الأمريكية ~~نصحتني السيدة روبرتس بأن أرسل طلب التحاقي بكليتكم الجديرة بالاحترام. وبناء عليه ~~فإنني سأسعد كثيرا إذا ما تكرمتم وأرسلتم لي استمارة طلب الالتحاق والمعلومات الخاصة ~~بإمكانية الحصول على منح دراسية طبقا لمعرفتكم.» ألحقت بخطابات كثيرة تزكيات من ~~الآنسة إليزابيث ms426 مووني، وهي مدرسة من ولاية ميريلاند. كان مكتوبا فيها: «من غير ~~الممكن استخراج شهادات مدرسية للسيد أوباما لأنه تخرج في المدرسة منذ سنوات.» لكنها ~~عبرت عن ثقتها بمواهب والدنا وكتبت أنها لاحظته وهو «يستخدم الجبر والهندسة.» وأضافت ~~أن كينيا في حاجة ماسة إلى مدرسين بارعين متفانين في العمل وأنه «يجب إعطاء السيد ~~أوباما الفرصة ربما لمدة عام واحد طبقا لرغبته في خدمة بلده.» # فكرت بيني وبين نفسي أن هذا هو ما عليه الحال. هذا هو إرثي. رتبت الخطابات أحدها ~~فوق الآخر بطريقة منظمة ووضعتها أسفل كتاب تسجيل الوظائف. ثم خرجت إلى الفناء الخلفي ~~ووقفت أمام القبرين، وعندئذ شعرت بأن كل ما حولي - حقول الذرة وشجرة المانجو والسماء ~~- يقترب مني ويحيط بي إلى أن أصبحت بمفردي مع سلسلة صور ذهنية ونبضت قصص الجدة ~~بالحياة. # رأيت جدي واقفا أمام كوخ أبيه، رأيته صبيا نحيفا متجهم الوجه ويبدو مضحكا ~~ببنطلونه الكبير وقميصه الخالي من الأزرار. وشاهدت أباه وهو يدير ظهره إليه وسمعت إخوته ~~وهم يضحكون. وشعرت بالسخونة المتصاعدة من جبينه وتوتر عضلات أطرافه ونبضات قلبه ~~القوية المفاجئة. وعندما استدار وبدأ يشق طريق الرجوع على الأرض الحمراء أدركت أن مسار ~~حياته الآن قد تغير بصورة كاملة على نحو لا يمكن إرجاعه. # سيضطر جدي إلى أن يغير من نفسه تماما في هذا المكان القاحل المنعزل. وبقوة ~~الإرادة سيخلق حياة من فتات عالم مجهول وذكريات عالم بات مهجورا. ومع ذلك فإنني ~~أعرف أنه، وهو جالس بمفرده في كوخه النظيف؛ أب ابيضت عيناه، لا يزال يسمع أباه وإخوته ~~يضحكون من وراء ظهره. ويسمع صوت القبطان البريطاني المتقطع، وهو يوضح للمرة الثالثة ~~والأخيرة النسبة الصحيحة للتونيك إلى سائل الجن الكحولي. فتتوتر أعصاب رقبته وغضبه ~~يحتدم ويمسك بعصاه لتحطيم شيء، أي شيء. إلى أن تخر قواه في النهاية بإدراكه أنه برغم ~~القوة التي يمتلكها وقوة الإرادة فإن ضحكه وتوبيخه لن يئولا إلى زوال بعد مماته. يضعف ~~الجسد ولا يقوى على النهوض من على مقعده ويعلم الجد أنه لن يعيش ms427 أطول من قدره الساخر ~~وينتظر الموت وحيدا. # تلاشت هذه الصورة وحلت محلها صورة صبي في التاسعة من عمره ... هو أبي. جوعان، ~~متعب، متشبث بيد أخته، يبحث عن الأم التي فقدها. يتضور جوعا ويقتله التعب إلى أن ~~ينقطع الحبل الرفيع الذي يربطه بأمه ويرسل صورتها لتحلق بعيدا في الفراغ. وبعدها يبكي ~~ويحرر يده من قبضة يد أخته. ويريد العودة إلى الوطن، يصرخ للعودة إلى منزل أبيه. ~~وهناك سيجد أما جديدة. وينغمس في الألعاب ويكتشف قوة عقله. # لكنه لن ينسى اليأس الذي شعر به ذاك اليوم وبعد 12 عاما سيرفع عينيه عن الملفات وهو ~~جالس خلف مكتبه الضيق لينظر إلى السماء المتقلبة ويشعر بالخوف نفسه يعود إليه. وسيضطر ~~أيضا إلى تغيير نفسه. ورئيسه خارج المكتب ينحي الملفات جانبا ويخرج قائمة عناوين من ~~خزانة الملفات القديمة. ويجذب الآلة الكاتبة تجاهه ويبدأ الكتابة - حرفا تلو الآخر - ~~ويكتب على الأظرف ثم يغلقها بإحكام، مثل الرسائل داخل الزجاجات ويلقيها في محيط واسع ~~وربما تسمح له بالهرب من جزيرة الخزي الذي ألحقه بأبيه. # كم شعر أنه محظوظ عندما رست سفينته وبدأت تؤتي ثمار رحلتها! لا بد أنه عرف عندما ~~تسلم الخطاب من هاواي أنه اختير رغم أي شيء؛ وأنه حلت عليه بركة اسمه الذي يعني ~~بركة الرب. وبحصوله على الشهادة وارتدائه رابطة العنق وزواجه من امرأة أمريكية ~~وامتلاكه سيارة وتحدثه بكلمات منتقاة ومعرفته الحساب وحمله محفظة جيب ومعرفته نسبة ~~التونيك إلى الجن وتعامله بكياسة وثقته بنفسه والحرص على كمال كل شيء وتلقائيته وتركه ~~عشوائية ماضيه وإهماله ... ترى ما الذي سيقف في طريقه؟ # لقد نجح إلى حد ما بطريقة لم يأمل فيها والده إطلاقا. وبعدئذ، بعد أن سافر كما ~~بدا إلى أماكن بعيدة اكتشف أنه لم يستطع الهرب في النهاية! اكتشف أنه ظل حبيسا في ~~جزيرة أبيه بكل ما تشتمل عليه من جراح غضب وشك وهزيمة وأن هذه الأحاسيس لا تزال ~~موجودة تحت السطح، لا تزال عنيفة ومتوهجة وحية، وأمه بعيدة عنه ... # ارتميت على الأرض ومسحت بيدي على ms428 بلاط القبر الأصفر الناعم. وبكيت: أبتاه! ليس هناك ~~ما يدعوك إلى الخزي من حيرتك. مثلما لا يوجد ما يدعو أباك من قبلك إلى الخزي من حيرته. ~~ليس هناك خزي في شعوره بالخوف أو شعور أبيه من قبله. وإنما في الصمت المتمخض عن ~~الخوف. الصمت الذي خاننا. الصمت الذي لولا وجوده لكان جدك سيقول لأبيك إنه لن يستطيع ~~إطلاقا الهرب من نفسه أو تغيير نفسه بمفرده. وكان سيعلمك أبوك هذه الدروس نفسها. ~~وكنت ستعلم أباك أن هذا العالم الجديد الذي جذبكم جميعا اشتمل على أشياء تجاوزت ~~السكك الحديدية والحمامات الداخلية في المنازل وقنوات الري والفونوغراف؛ تلك الوسائل ~~غير النابضة بالحياة التي أصبحت جزءا من الأساليب القديمة. ربما كنت ستخبره أن هذه ~~الوسائل اشتملت على قوة خطيرة وأنها تطلبت أسلوبا مختلفا لرؤية العالم. ربما كنت ~~ستخبره أن هذه القوة كان من الممكن استيعابها جنبا إلى جنب مع إيمان خلفته ~~الصعاب؛ إيمان لم يكن جديدا، لم يكن أسود أو أبيض أو مسيحيا أو مسلما، بل إيمان ~~نبض في قلب أول قرية أفريقية وأول مستعمرة في كانساس، كان إيمانا في أناس ~~آخرين. # قتل الصمت إيمانك. ونظرا لنقص الإيمان لديك تشبثت بالاثنين كثيرا وقليلا جدا ~~بماضيك. تشبثت كثيرا بصرامته وشكوكه وقسوته الذكورية. وتشبث قليلا جدا بالضحكة في ~~صوت الجدة والابتهاج بالصحبة وقت رعي الماعز، وهمهمة السوق، والقصص حول حلقات النار. ~~الولاء الذي يمكن أن يعوض عن عدم وجود الطائرات أو البنادق. كلمات التشجيع. الاحتواء ~~والحب الصادق القوي. ومع امتلاك جميع مواهبك - سرعة البديهة ومهارات التركيز والجاذبية ~~- فإنك لم تستطع إطلاقا صنع نفسك بالتخلي عن هذه الأشياء ... # جلست وقتا طويلا بين القبرين وبكيت. وعندما انهمرت دموعي في النهاية انتابني شعور ~~قوي بالسكينة والطمأنينة على حين غرة. وشعرت بأن الدائرة أخيرا أغلقت. وأدركت حينئذ ~~أن ماهيتي واهتماماتي لم تعد مجرد أشياء لها علاقة بالذكاء أو المسئولية ولم تعد ~~مجرد كلمات. ورأيت أن حياتي في أمريكا - بين السود وبين البيض، وشعوري بأنني جرى ~~التخلي عني وأنا صبي، والإحباط ms429 والأمل اللذين شعرت بهما في شيكاغو - مرتبطة بكل ما ~~فيها بهذه الأرض الصغيرة السحيقة، ووجدتها مرتبطة بأكثر من مصادفة رسمي بهذا الاسم أو ~~لون بشرتي. وكان الألم الذي شعرت به ألم أبي. ومشكلاتي مشكلات إخوتي. وكفاحهم حق ~~مولدي. # بدأت السماء تمطر مطرا خفيفا ونزلت قطراتها على أوراق الشجر. وعندما أوشكت على ~~إشعال سيجارة شعرت بيد على ذراعي. واستدرت لأجد بيرنارد جالسا القرفصاء بجواري ~~محاولا أن تشملنا معا مظلة قديمة منثنية. # قال لي: «طلبوا مني أن أطمئن عليك.» # ابتسمت. وقلت: «أنا بخير.» # أومأ برأسه وحدق بعينين شبه مغمضتين في السحب. ثم استدار لي وقال: «أعطني سيجارة ~~وسأجلس وأدخن معك.» # نظرت إلى وجهه الداكن الناعم وأعدت السيجارة إلى علبتها. وقلت له: «أريد الإقلاع عن ~~التدخين.» وتابعت: «هيا، دعنا نتمشى.» # نهضنا واتجهنا نحو مدخل المجمع السكني. وكان جودفري واقفا بجوار كوخ إعداد الطعام ~~متكئا بإحدى ساقيه على الجدار الطيني. بدا مثل طائر الغرنوق. فنظر إلينا وابتسم ~~بتحفظ. # قال بيرنارد وهو يلوح للصبي: «تعال!» وتابع: «فلتسر معنا.» وهكذا مشى ثلاثتنا ~~على الطريق الممتد غير المعبد محاولين لمس أوراق الشجر المزروعة بطول الطريق ونحن ~~نشاهد الأمطار تغرق أودية كثيرة. # | الخاتمة # بقيت في كينيا أسبوعين آخرين. وعدنا جميعا إلى نيروبي حيث المزيد من حفلات العشاء ~~والمحادثات والقصص. أقامت الجدة في شقة أوما، وكنت أنام كل ليلة وأنا أسمع همس ~~أصواتهما. وذات يوم تجمعنا عند استديو للتصوير الفوتوغرافي لأخذ صورة عائلية، ومن ثم ~~ارتدت السيدات جميعهن عباءات أفريقية منسابة براقة ألوانها خضراء وصفراء وزرقاء، ~~أما الرجال فكانوا طوال القامة حالقي وجوههم ومرتدين ملابس مكوية على نحو متقن، ~~وعلق المصور - الذي كان هندي الجنسية رفيع القوام ذا حاجبين كثيفين - على روعة الصورة ~~التي التقطها لنا. # عاد روي إلى واشنطن العاصمة بالطائرة بعد ذلك بوقت وجيز، وعادت الجدة إلى هوم ~~سكويرد. وعلى حين غرة خيم الهدوء على الأيام وتملكتني أنا وأوما حالة من الكآبة كما ~~لو كنا قد استيقظنا من حلم. وربما كان الشعور بأننا أيضا سنعود قريبا إلى ms430 حياتنا ~~الأخرى - حيث العزلة والانفراد بالذات من جديد - هو الذي جعلنا نقرر ذات يوم زيارة ~~جورج؛ آخر أبناء أبينا. # لقد اتضح أنه أمر محرج رتب له بعجلة ودون علم الأم؛ ركبنا السيارة مع زيتوني ~~ووصلنا إلى مدرسة صغيرة نظيفة من طابق واحد حيث يلعب مجموعة من أطفال المدرسة في ملعب ~~واسع مغطى بالعشب. وبعد محادثة قصيرة مع المدرس المشرف وقت الراحة بين الحصص جاءت ~~زيتوني بأحد الأطفال إلينا؛ كان وسيما مستدير الرأس تعلو وجهه نظرة احتراس. انحنت ~~زيتوني لأسفل وأشارت نحوي ونحو أوما. # وتحدثت إلى الولد: «هذه أختك التي اعتدت اللعب معها على ركبتيها. وهذا أخوك الذي ~~قطع مسافة شاسعة من أمريكا ليراك.» # صافحنا الولد بشجاعة، لكنه ظل ينظر بين الفينة والأخرى إلى الألعاب التي ما لبث أن ~~تركها. وعندئذ أدركت أننا أخطأنا. وسرعان ما خرجت مديرة المدرسة من مكتبها لتقول لنا ~~إن لم يكن لدينا إذن من الأم فلا بد من أن نغادر. بدأت زيتوني تجادل هذه السيدة لكن ~~أوما قالت: «لا يا عمتي، إنها على حق. يجب أن نذهب.» ونحن جالسون في السيارة شاهدنا ~~جورج وهو يعود إلى أصدقائه، وكان من المستحيل تمييزه سريعا عن الأطفال الآخرين ~~المستديري الرءوس البارزي عظام الركبة الذين يجرون على العشب وراء كرة قدم قديمة. وعلى ~~حين غرة وجدت نفسي بعدئذ أتذكر لقائي الأول بأبي والشعور بالخوف وعدم الراحة الذي ~~تمخض عن وجوده، الأمر الذي أجبرني لأول مرة على التفكير مليا في غموض حياتي الخاصة. ~~وشعرت بالراحة لحقيقة أن جورج أيضا يوما ما عندما يكون أكبر سنا ربما يريد معرفة ~~ماهية أبيه وإخوته وأخواته، وأنه إذا لجأ إلي يوما فسيجدني دون شك لأخبره القصة التي ~~أعرفها. # في هذا المساء سألت أوما هل تعرف أيا من الكتب الجيدة التي تتحدث عن قبيلة لوو، ~~واقترحت علي أن نزور مدرسة تاريخ قديمة كانت تدرس لها، وهي سيدة طويلة ممشوقة ~~القوام اسمها دكتورة «رقية أوديرو» كانت صديقة أبي. عندما وصلنا إلى منزلها كانت ~~الدكتورة أوديرو على وشك ms431 الجلوس لتناول عشائها؛ لذا أصرت على أن نشاركها العشاء. ~~وأثناء تناولنا سمك البلطي والأوجالي أصرت المدرسة على أن أناديها برقية، ثم ~~استفسرت مني عن انطباعاتي عن البلد. وسألتني: هل شعرت بالإحباط؟ قلت لها إنني لم ~~يراودني هذا الشعور مع أنني سأغادر ولدي أسئلة بعدد ما لدي من إجابات. # قالت رقية وهي تضبط نظارتها فوق قصبة أنفها: «هذا حسن، وهذا هو أسلوبنا نحن المؤرخين ~~لكسب قوتنا. إننا طوال اليوم نحاول إثارة أسئلة جديدة. وهذه مسألة في الواقع باعثة ~~على الملل الشديد. هذا بالإضافة إلى أنها تتطلب شخصا ذا طبيعة بوسعها احتمال مضايقة ~~الغير. تعلم أن الشباب الأمريكيين السود يميلون إلى التفكير في أفريقيا من منطلق ~~رومانسي. لكنني وأباك عندما كنا شبابا فعلنا العكس تماما، حيث توقعنا إيجاد كل ~~الإجابات في أمريكا. في حي هارلم. وفي شيكاغو. ولدى الكاتبين لانجستون هيوز وجيمس ~~بولدوين. من كل هذا استقطبنا الإلهام. ومن عائلة كيندي ... وكانت لهذه العائلة شعبية ~~عريضة. كانت فرصة الدراسة في أمريكا غاية في الأهمية. كانت وقتا مفعما بالأمل. ~~وبالطبع عندما عدنا أدركنا أن تعلمينا لم يفدنا دائما على نحو ملائم. وكذلك من ~~أرسلونا إلى أمريكا. لقد كان لدينا كل هذا التاريخ الفوضوي لنتعامل معه.» # سألت رقية عن سبب اعتقادها أن الأمريكيين السود عرضة للشعور بالإحباط عند زيارتهم ~~لأفريقيا. فهزت رأسها وابتسمت. ثم قالت: «لأنهم يأتون إلى هنا باحثين عن الأصل. وهذا ~~سبب مؤكد للشعور بالإحباط. انظر إلى هذه الوجبة التي نتناولها. إن كثيرين سيخبرونك ~~أن أفراد قبيلة لوو من آكلي السمك. لكن هذا ليس صحيحا لجميع أفراد القبيلة. بل ينطبق ~~هذا فحسب على من يعيشون بجانب البحيرة. وحتى هؤلاء لا يصح هذا الأمر معهم دائما. ذلك ~~لأنهم قبل أن يستقروا حول البحيرة كانوا رعاة غنم مثل أفراد قبيلة ماساي. والآن، إن ~~تصرفت أنت وأختك بأسلوب لائق وتناولتما قدرا مناسبا من هذا الطعام فإنني سأقدم لكما ~~الشاي. والكينيون - كما تلاحظ - فخورون إلى حد بعيد بجودة الشاي المصنوع لديهم. لكننا ~~بالطبع اكتسبنا هذه العادة ms432 من الإنجليز لأن أسلافنا لم يشربوا هذا المشروب. هذا إلى ~~جانب التوابل التي نستخدمها لطهي هذا السمك. فهي تأتينا أساسا من الهند أو إندونيسيا. ~~وحتى في هذه الوجبة البسيطة ستجد أنها من الصعوبة بمكان أن تكون أصلية ... مع أن ~~الوجبة دون أدنى شك أفريقية.» # لفت رقية كرة من الأوجالي في يدها وغمستها في اليخني الخاص بها. وقالت: «يمكنك ~~بالكاد إلقاء اللوم على الأمريكيين السود بكل تأكيد لاحتياجهم ماضيا لم يمسسه سوء بعد ~~كل الوحشية التي عانوها - ولا يزالون يعانونها - طبقا لما أقرؤه في الصحف. ولكن ليس هم ~~فقط من يرغبون ذلك. فالأوروبيون يريدون الشيء نفسه. وكذلك الألمان والإنجليز ... إنهم ~~جميعا يزعمون أن أثينا وروما بلادهم مع أن أسلافهم في الواقع دمروا الثقافة ~~الكلاسيكية. لكن هذا حدث منذ وقت طويل؛ لذا فإن مهمتهم أسهل. في مدارسهم نادرا ما ~~تقرأ عن شقاء الفلاحين الأوروبيين على معظم صفحات التاريخ. كم هو مخز رؤية كيف عامل ~~الأوروبيون ذويهم معاملة أقل من معاملة الملونين في ظل فساد الثورة الصناعية ~~واستغلالها والحروب القبلية غير المبررة! لذا فإن هذه الفكرة عن عصر ذهبي لأفريقيا ~~تبدو طبيعية فقط قبل أن يأتي البيض.» # قالت أوما: «ما الحل إذن؟» # قالت رقية وهي تبتسم: «عادة ما تكون الحقيقة هي الحل الأفضل.» وتابعت: «في بعض ~~الأحيان أفكر أن أسوأ شيء فعله الاستعمار هو ضبابية رؤيتنا لماضينا. فبدون البيض ~~ربما كنا سنصبح قادرين على استخدام تاريخنا استخداما أفضل. وربما كنا سنعيد النظر في ~~كثير من ممارساتنا القديمة ونقرر أنها تستحق الإبقاء عليها. وفي ممارسات أخرى سنقرر ~~ضرورة الإقلاع عنها. ولسوء الحظ جعلنا البيض نتصرف بعدم ثقة بالمرة. وانتهى بنا ~~الأمر ونحن متشبثون بجميع الأشياء التي ظلت موجودة بعد نفاد فوائدها. مثل تعدد ~~الزوجات. والملكية الجماعية للأراضي. هذه الأشياء كانت ملائمة في وقتها إلا أنها الآن ~~أصبحت وسائل للممارسات الفاسدة. من قبل الرجال. ومن قبل الحكومات. ومع ذلك فإننا إذا ~~قلنا ذلك نكون مصابين بعدوى الأيديولوجيا الغربية.» # قالت أوما: «إذن كيف يمكننا تغيير هذا ms433 الوضع؟» # هزت رقية كتفيها. وقالت: «إنني أترك الإجابة عن مثل هذه الأسئلة لصناع السياسة. ~~فأنا لست إلا مؤرخة. لكنني أظن أننا ليس بوسعنا التظاهر بأن نقيض موقفنا ليس له وجود. ~~وكل ما نستطيع فعله هو الاختيار. فمثلا لا يزال ختان الإناث من العادات المهمة ~~السائدة في قبيلة كيكويو. وكذلك في قبيلة ماساي. ويحدث ذلك في الوقت الذي نشعر فيه في ~~أيامنا هذه أن هذا الأمر همجي. ربما يمكننا الترتيب لإجراء هذه العمليات كافة في ~~المستشفيات وتقليل معدل الوفاة. وربما يمكننا تقليل النزيف لأدنى حد. لكن لا يمكنك ~~إجراء عملية الختان بشكل لا يؤثر كثيرا على أنوثة الفتاة. ذلك لأن هذا الأمر من ~~شأنه ألا يرضي أحدا. إذن لا بد من الاختيار. والأمر نفسه ينطبق على مبدأ سيادة القانون ~~وفكرة التحقيق المستقل؛ فهذه الأشياء ربما تتعارض مع مشاعر الولاء للقبيلة. لا يمكن أن ~~تكون هناك سيادة قانون وبعدئذ تعفي أفرادا معينين في عشيرتك. ولكن ماذا عساك أن تفعل؟ ~~الاختيار مجددا. وإذا أسأت الاختيار فستتعلم إذن من أخطائك. وتصل إلى الاختيار ~~الصحيح.» # لعقت أصابعي وغسلت يدي. وقلت: «لكن ألم يتبق شيء أفريقي خالص؟» # قالت رقية: «لا أظن ذلك، أليس كذلك؟» وتابعت: «ويبدو بكل تأكيد أن هناك شيئا مختلفا ~~بخصوص هذا المكان. إلا أنني لا أعلم ما هو. ربما يكون للأفارقة وجهة نظر فريدة عن الوقت ~~نظرا لسفرهم إلى أماكن بعيدة بسرعة شديدة. أو ربما يكون هذا الشيء هو أننا تعرضنا ~~للمعاناة أكثر من أي شعب آخر. وربما يكون الأرض نفسها. لا أعرف. ربما أكون أنا ~~الرومانسية. كما أنني أعرف أنني لا أستطيع أن أظل بعيدة عن هنا لوقت طويل. إن الناس لا ~~يزالون يتحدثون بعضهم مع بعض هنا. لكنني عندما أذهب إلى الولايات المتحدة فإنها تبدو ~~موحشة إلى حد بعيد ...» # على حين غرة انطفأت جميع الأنوار في المنزل. وتنهدت رقية وقالت إن انقطاع التيار ~~الكهربي أصبح أكثر شيوعا، فأعطيتها قداحتي لإشعال الشموع التي كانت محتفظة بها أعلى رف ~~الموقد. تذكرت وأنا جالس ms434 في الظلام القصص التي سردتها لنا زيتوني وقلت إن عدائي ~~الليل لا بد أنهم بالخارج. وأشعلت رقية الشموع وكشفت أضواؤها عن وجهها الضاحك. # وقالت: «إذن إنك تعرف من هم عداءو الليل! نعم إنهم يكونون أقوياء جدا في الظلام. ~~وقد اعتاد الناس وجود الكثير منهم في منطقتنا في أرض الوطن. وقيل إنهم يمشون مع فرس ~~النهر ليلا. وأتذكر ذات مرة ...» # مثلما انطفأت الأنوار على نحو مفاجئ، أضيئت المصابيح فجأة أيضا ولكن للحظة واحدة. ~~ولذا أطفأت رقية الشموع وهزت رأسها. وقالت: «وا حسرتاه! يعود التيار الكهربائي وتضاء ~~المصابيح في المدينة عاجلا أو آجلا. إن لدي ابنة تستهزئ بعدائي الليل. ولغتها ~~الأولى ليست لغة قبيلة لوو. أو حتى لغة السواحيلية. إنما لغتها الإنجليزية. وعندما ~~أستمع إليها تتحدث مع صديقاتها يبدو لي حديثهن مبهما. ذلك لأنهن يستعن في ~~الحديث بكلمات من جميع اللغات؛ الإنجليزية والسواحيلية والألمانية ولغة لوو. وفي بعض ~~الأحيان يفيض بي الكيل بسبب هذا الأمر. وأقول لهن: تعلمن التحدث بصورة صحيحة بلغة ~~واحدة.» وبعدئذ ضحكت بينها وبين نفسها. واستطردت قائلة: «لكنني بدأت أتقبل الأمر ~~ما دام لا يوجد شيء يمكن فعله حياله. إنهن يعشن في عالم مضطرب. وأعتقد أن هذا لا ~~يسبب لي أية مشكلة. ففي نهاية الأمر إنني لا أهتم بأن تكون لدي ابنة أفريقية حتى ~~النخاع بقدر اهتمامي بأن تكون لها شخصيتها المستقلة.» # تأخر الوقت وشكرنا رقية على استضافتها لنا ومضينا لحال سبيلنا. لكن كلماتها ظلت ~~معي وسلطت الضوء على ذكرياتي وتساؤلاتي الدائمة. وفي إجازة نهاية الأسبوع الأخيرة ~~لزيارتي أخذت أنا وأوما القطار إلى الساحل، وأقمنا في فندق قديم بالقرب من الشاطئ في ~~مومباسا وكان من الفنادق التي يفضلها أبي. كان الفندق نظيفا ومتواضعا وفي شهر أغسطس ~~كان يكتظ في الأغلب بالسائحين الألمان والبحارة الأمريكيين وقت السماح لهم بمغادرة ~~سفنهم والذهاب حيث يريدون لمدة محدودة. وفي هذه الفترة لم تكن لنا أنشطة كثيرة إلا أننا ~~كنا نقرأ ونسبح ونمشي على الشاطئ ونحن نشاهد سرطانات البحر الشاحبة اللون وهي تنطلق ~~مسرعة ms435 كالأشباح إلى جحورها الرملية. وفي اليوم التالي زرنا مدينة مومباسا القديمة ~~وصعدنا على السلالم البالية لقلعة المسيح التي بناها البرتغاليون لأول مرة من أجل تعزيز ~~السيطرة على الطرق التجارية بطول المحيط الهندي، والتي اجتاحتها فيما بعد الأساطيل ~~العمانية السريعة ثم أصبحت بعدها رأس جسر للبريطانيين عند انتقالهم إلى الجزء الداخلي ~~من البلاد بحثا عن العاج والذهب، إلا أنها الآن ليست سوى إطار حجري فارغ مقشرة ~~جدرانه الضخمة مثل ورق اللصق المقطع إلى مستطيلات برتقالية اللون باهتة وخضراء ~~ووردية، ومشيرة مدافعه غير المستخدمة إلى بحر هادئ رمى فيه صياد وحيد شبكته. # في طريق العودة إلى نيروبي قررت أنا وأوما أن نبذر بعض الأموال في شراء تذكرتين ~~لركوب حافلة تحجز مقاعدها. إلا أن الشعور بالرفاهية لم يستمر طويلا حيث ضغط على ركبتي ~~راكب أراد أن يسترد قيمة أمواله التي دفعها من خلال المقاعد المتحركة الظهر، بالإضافة ~~إلى الأمطار الثقيلة المفاجئة التي تدفقت من الشقوق الموجودة في سقف الأتوبيس والتي ~~حاولنا - دون جدوى - أن نسدها باستخدام المناديل الورقية. # في نهاية الأمر توقف هطول الأمطار ووجدنا أرضا تمر على أنظارنا؛ قاحلة ويسكنها ~~الحصى والشجيرات وشجرة الباوباب التي كانت فروعها العارية الممعنة النظر إلى السماء ~~مزينة بالأعشاش الدائرية للطائر النساج. تذكرت أنني قرأت في أحد الكتب أن شجرة ~~الباوباب يمكن أن تظل سنوات دون إزهار، وأنها تعيش على هطول الأمطار الشحيحة، وعند ~~رؤيتي الأشجار في هذا المكان في الضوء الغائم بعد الظهر عرفت سبب إيمان الناس بأنهم ~~يملكون قوة من نوع خاص؛ أنهم يكنون بداخلهم أرواح أسلافهم الخيرة والشريرة وأن الجنس ~~البشري ظهر لأول مرة أسفل هذه الشجرة. لم يكن الأمر متعلقا بمجرد غرابة شكلها أو ~~هيئتها العتيقة المواجهة للسماء. قالت أوما: «تبدو هذه الأشجار وكأن لكل منها القدرة ~~على سرد قصة»، وكان ذلك صحيحا فكل شجرة بدت وكأن لها شخصيتها المستقلة، ليست خيرة أو ~~قاسية، إلا أنها باقية وبها أسرار لم أستطع إطلاقا سبر أغوار أعماقها وحكمة لم ~~أتمكن مطلقا من استيعابها. على أن ms436 هذه الأشجار جعلتني أشعر بالانزعاج والراحة معا؛ ~~هذه الأشجار التي بدت وكأنها ستجتث نفسها من فوق الأرض وتمشي بعيدا ببساطة لولا حقيقة ~~أن أي مكان على وجه البسيطة لا يختلف كثيرا عن أي مكان آخر؛ حقيقة أن اللحظة الواحدة ~~تحمل بين جنباتها كل ما حدث فيما مضى. ~~••• # مرت ست سنوات منذ الرحلة الأولى إلى كينيا وتغيرت أحوال كثيرة في العالم. # كانت هذه الفترة هادئة نسبيا فيما يتعلق بي؛ فقد اشتملت على أوقات اكتشاف أقل من ~~أوقات تقوية النفس وفعل الأشياء التي نخبر أنفسنا أننا لا بد من أن نفعلها في النهاية ~~لنطور أنفسنا. التحقت بكلية الحقوق بجامعة هارفارد وقضيت أغلب سنوات الدراسة الثلاث ~~في مكتبات سيئة الإنارة، متمعنا في دراسة القضايا والقوانين. وأحيانا يمكن أن تبعث ~~دراسة القانون على الشعور بالإحباط باعتبارها عملية تطبيق قوانين ضيقة النطاق وإجراءات ~~يصعب فهمها على حقائق لا تقدم المساعدة للآخرين؛ فهي نوع من التسوية الرفيعة المستوى ~~تنظم شئون ذوي السلطة وتسعى دائما إلى تقديم تفسيرات إلى غير ذوي السلطة متعلقة ~~بالحكمة النهائية لحالتهم وعدالتها. # لكن القانون ليس ذلك فقط. إنه ذاكرة وتسجيل لمحادثات جدالية بين أمة وضميرها استمرت ~~فترات طويلة. # أتذكر الكلمات الواردة في وثيقة إعلان الاستقلال: «إننا نؤمن بأن هذه الحقائق ~~بديهية.» أسمع فيها أصوات دوجلاس وروزفلت وجيفرسون ولينكولن وأشعر بكفاح مارتن لوثر ~~كينج ومالكولم إكس والمعارضين المغمورين المطالبين بوضع هذه الكلمات حيز التنفيذ. ~~وأسمع أصوات العائلات اليابانية التي اعتقلت خلف أسلاك شائكة، وأصوات شباب اليهود ~~الروس الذين كانوا يقصون القماش لتصنيع الموديلات في المصانع الاستغلالية في لور إيست ~~سايد، وأصوات المزارعين أثناء العواصف الترابية - التي ضربت الولايات المتحدة في ~~ثلاثينيات القرن العشرين - الذين حملوا شاحناتهم بأشلاء حياتهم المدمرة. أسمع أصوات ~~الناس في ألتجيلد جاردنز وأصوات من وقفوا خارج حدود البلد؛ هؤلاء المتعبون الجوعى من ~~عبروا نهر ريو جراند. أسمع كل هذه الأصوات المناشدة بالاعتراف بها، ولجميعهم مطالب ~~واحدة شكلت حياتي وهي المطالب نفسها التي أجدني أحيانا في ساعة متأخرة من الليل ~~أطالب ms437 بها أبي. ما ماهية مجتمعنا؟ وكيف يمكن أن يتوافق مع حريتنا؟ وإلى أي مدى ستصل ~~مسئولياتنا؟ وكيف يمكننا تحويل السلطة المجردة إلى عدالة، والعاطفة المجردة إلى حب؟ إن ~~الإجابات التي وجدتها في كتب القانون لم تكن لترضيني على الدوام، وفي كل قضية تمييز ~~عنصري بين البيض والسود، في التعليم أجد مجموعة من القضايا يلقى فيها الضمير حتفه على ~~يد النفعية أو الطمع. ومع ذلك فإنني أجد نفسي في المحادثة نفسها - في اتحاد الأصوات - ~~مشجعا بتواضع على إيماني بأن ما يجمعنا معا ربما يلقى القبول في النهاية ما دامت ~~المطالب لا تزال تنشد. # كان هذا الإيمان - المختلف اختلافا شاسعا عن البراءة - من الصعوبة بمكان الإبقاء ~~عليه أحيانا. وعند عودتي إلى شيكاغو وجدت دلالات الفساد متزايدة في الجانب الجنوبي ~~بأكمله، حيث ازدادت الأحياء سوءا وازداد توتر الأطفال وصعوبة التحكم فيهم وانتقلت ~~عائلات أكثر من الطبقة المتوسطة إلى الضواحي واكتظت السجون بالشباب الغاضب، وانعدمت ~~آمال وتوقعات إخوتي. وكان من النادر جدا سماعي الناس يتساءلون عما فعلناه لنجعل قلوب ~~أطفال كثيرين قاسية لهذا الحد، أو عما يمكننا فعله بيد واحدة لتقويم الوازع الأخلاقي ~~أو القيم التي لا بد من أن نتخذها أساسا في حياتنا. إنما رأيت أننا نفعل ما كنا نفعله ~~باستمرار؛ التظاهر بأن هؤلاء الأطفال ليسوا أطفالنا. # حاولت أن أسهم إسهاما بسيطا في عكس هذا التيار. وفي ممارستي القانونية تعاملت بصفة ~~غالبة مع الكنائس والاتحادات المجتمعية والرجال والسيدات الذين تمكنوا من بناء محلات ~~بقالة وعيادات دون إحداث أية مشكلات في قلب المدينة إلى جانب تجمعات سكنية للفقراء. ومن ~~وقت لآخر كنت أتعامل مع إحدى قضايا التمييز العنصري لوكلاء كانوا يأتون إلى مكتب ~~المحاماة الخاص بي بقصص نفضل أن نخبر أنفسنا بأنها لم تعد موجودة. وكان معظم هؤلاء ~~العملاء يحرجون إلى حد ما بسبب ما حدث لهم، مثل رفض زملائهم في العمل من البيض ~~الإدلاء بشهادتهم لمصلحتهم لأنهم لا يريدون أن يعرف عنهم أنهم من مختلقي المشكلات. ~~ومع ذلك فإنه في مرحلة ما يجد ms438 كل من المدعي والشاهد أن القواعد في خطر الإخلال بها، ~~وأنه مع كل ما حدث فإن هذه الكلمات التي نحتت في المستندات منذ 200 عام لا بد أن ~~يكون لها معنى في النهاية. ومن ثم فإن البيض والسود يطالبون بالمجتمع الذي نطلق عليه ~~أمريكا. هم يختارون تاريخنا الأفضل. ~~••• # أعتقد أنني خلال السنوات القليلة الماضية تعلمت أن أكون أكثر صبرا مع نفسي ومع ~~الآخرين. وإن صح هذا فإن ذلك أحد التطورات الإيجابية الكثيرة في شخصيتي التي أعزوها إلى ~~زوجتي ميشيل. إنها إحدى بنات الجانب الجنوبي تربت في منزل مبني من طابق واحد قضيت ~~فيه أوقاتا كثيرة في عامي الأول في شيكاغو. في الواقع لا تستطيع ميشيل دائما معرفة كيف ~~يمكن فهم شخصيتي وكانت قلقة، مثلها مثل جدي وأبي، من أن أكون حالما في دنيا الخيال. ~~إنها تذكرني في الحقيقة - بطبيعتها العملية الباهرة واتجاهاتها المشابهة لاتجاهات الجزء ~~الأوسط الغربي من الولايات المتحدة - بجدتي إلى حد بعيد، وأتذكر أن جدي في أول ~~مرة أخذت ميشيل إلى هاواي وكزني بمرفقه في ضلوعي وقال إنها «جذابة» للغاية. مع أن جدتي ~~وصفت عروسي المرتقبة بأنها «فتاة بالغة الحساسية»، وهي الصفة التي فهمتها ميشيل على أنها ~~أفضل صيغة مدح من جدتي لها. # بعد خطبتنا أخذت ميشيل إلى كينيا لمقابلة النصف الآخر من عائلتي وأعجب بها أفراد ~~العائلة هناك أيضا. ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها سرعان ما تعلمت عددا من كلمات لغة ~~قبيلة لوو فاق ما تعلمته. لقد قضينا وقتا طيبا في أليجو ونحن نساعد أوما في مشروع ~~الفيلم الذي كانت تعده ونستمع إلى المزيد من القصص التي ترويها لنا الجدة، ونقابل ~~أقاربنا الذين لم أستطع مقابلتهم في زيارتي الأولى. وبعيدا عن الريف بدت الحياة في ~~كينيا وقتئذ أصعب. ساءت الأحوال الاقتصادية جنبا إلى جنب مع ارتفاع معدلات الفساد ~~وجرائم الشوارع المصاحبة لسوء أحوال الاقتصاد. وظلت قضية إرث أبي معلقة دون حل وكانت ~~سارة وكيزيا لا تزالان على خلاف، ولم يكن بيرنارد وآبو وسيد قد وجدوا عملا ثابتا ms439 بعد ~~مع أنهم ظلوا مفعمين بالأمل، وكانوا يتحدثون عن تعلم قيادة السيارات وربما الاشتراك ~~جميعا في شراء سيارة ماتاتو مستعملة. حاولنا مرة أخرى زيارة جورج - أخينا ~~الأصغر - لكن محاولاتنا باءت بالفشل. وأصيب بيلي ابن عمنا القوي البنية الودود الذي قابلته ~~لأول مرة في كندو باي بمرض الإيدز. ولذا كان هزيلا وضعيفا عندما رأيته وكان يمكن أن ~~ينام فجأة في غمرة الحديث معه. ومع ذلك بدا هادئا وسعيدا لرؤيتي وطلب مني أن أرسل له ~~صورة التقطت لي وله قبل الإصابة بالمرض. إلا أنه مات وهو نائم قبل أن أرسل الصورة ~~له. # في العام نفسه كانت هناك حالات وفاة أخرى. مات والد ميشيل - وكان رجلا صالحا ~~ومهذبا تماما مثلما عرفته - قبل أن يزوج ابنته. ومات جدي بعد ذلك بأشهر بعد صراع ~~طويل الأمد مع سرطان البروستاتا. ولأنه كان محاربا قديما في الحرب العالمية الثانية ~~كان من حقه أن يدفن في مقابر بانشباول ناشونال سيميتري فوق هضبة تطل على هونولولو. ~~وكانت مراسم الدفن بسيطة ولم يكن موجودا فيها سوى القليل من رفقائه الذين كانوا يلعبون ~~معه الجولف والبريدج وأطلقت ثلاثة أعيرة نارية تبجيلا له ونفخ في البوق. # مع كل هذه الأحزان قررت أنا وميشيل أن نبدأ تنفيذ إجراءات الزواج وكان الراعي ~~جيرميه إيه رايت الابن هو من أقام قداس الزفاف في حرم كنيسة المسيح المتحدة للثالوث في ~~شارع 95. بدا الجميع سعيدا وقت الحفل وأعجبت عماتي الجديدات بالكيك وأعجب أعمامي ~~الجدد بأنفسهم وهم مرتدون حلل السهرة التي استأجروها. كان جوني من بين الحضور وأخذ ~~يضحك مع جيف وسكوت - صديقي القديمين من هاواي - وحسن رفيق الحجرة أيام الجامعة. وكانت ~~أنجيلا وشيرلي ومنى في الحفل أيضا ومدحن أمي لتربيتها لي. (وردت عليهن أمي وهي تضحك ~~قائلة: «إنكن لا تعرفن أهم ما في هذه القصة.») رأيت مايا وهي تمنع تقرب بعض الرجال ~~إليها الذين اعتقدوا أنهم متحدثون بارعون إلا أنهم كانوا في الواقع أكبر منها بكثير، ~~وكان ينبغي أن يكون لديهم من الإدراك ما يجعلهم يتجنبون فعل ms440 ذلك، لكنني عندما بدأت ~~أتذمر طلبت مني ميشيل أن أهدأ وأخبرتني أن أختي الصغيرة باستطاعتها التعامل مع الأمر ~~بمفردها. وبالطبع كانت على حق، حيث إنني نظرت إلى أختي الصغيرة ورأيت فيها امرأة ناضجة ~~جميلة ذكية تبدو كأنها كونتيسة لاتينية ببشرتها ذات اللون الأسمر الفاتح وشعرها الأسود ~~الطويل وردائها الأسود كإشبينة للعروس. وقفت أوما بجانبها وبدت جميلة مثلها مع أن ~~عينيها كانتا منتفختين قليلا، وما أدهشني أنها الوحيدة التي بكت خلال القداس. وعندما ~~بدأت الفرقة الموسيقية العزف أخذت أختاي تبحثان عن ابني عم ميشيل البالغين من العمر خمس ~~وست سنوات واللذين كانا يحملان خاتمي الزواج بطريقة مثيرة للإعجاب. وبينما أشاهد هذين ~~الولدين وهما يتقدمان أختي إلى صالة الرقص اعتقدت أنهما يشبهان أميرين أفريقيين ~~بقبعتيهما الصغيرتين المنقوشتين وحزامي الخصر المتماشيين مع القبعتين ورابطتي العنق ~~(البابيون). # كان روي هو أكثر الأشخاص الذين فخرت بهم في الحفل. وفي الواقع إننا نناديه الآن باسم ~~آبونجو، وهذا هو اسمه بلغة قبيلة لوو، ومنذ عامين قرر التمسك بأصله الأفريقي. واعتنق ~~الإسلام وتوقف عن تناول لحم الخنزير وأقلع عن التبغ والكحوليات. إلا أنه لا يزال يعمل ~~في مكتب المحاسبة لكنه يفكر في العودة إلى كينيا بمجرد أن تتوفر لديه الأموال ~~الكافية. في الواقع عندما تقابلنا في هوم سكويرد كان مشغولا ببناء كوخ لنفسه ولأمه ~~بعيدا عن المجمع السكني الخاص بجدنا طبقا لتقاليد قبيلة لوو. وبعدئذ أخبرني أنه ~~أحرز نجاحا في نشاطه التجاري الخاص بالاستيراد، وأنه يأمل في أن يؤتي ثماره قريبا ~~بصورة تكفي لتوظيف بيرنارد وآبو بدوام كلي. وعندما ذهبنا معا لنقف على قبر أبينا لاحظت ~~أنه وضعت أخيرا لوحة باسم والدنا فوق الشاهد الأسمنتي العاري. # إن نظام الحياة الجديد الذي اتبعه آبونجو جعله نحيفا ونافذ البصيرة، وفي الحفل بدا ~~جديرا بالاحترام في زيه الأفريقي الأسود المزين بحلية بيضاء وقبعته المتماشية مع ~~الزي لدرجة أن بعض الضيوف اعتقدوا خطأ أنه والدي. ودون شك كان الأخ الأكبر يومئذ وأخذ ~~يتحدث معي في غمرة شعوري بالقلق قبل الزواج ويخبرني بطول ms441 أناة خمس أو ست مرات أن خاتم ~~الزواج لا يزال معه عندما كنت أسأله، بالإضافة إلى أنه دفعني إلى خارج الباب بعد أن قال ~~لي إنني إذا ما قضيت وقتا أطول من ذلك أمام المرآة فلن يهم مظهري لأننا سنكون دون شك ~~متأخرين. # لم تحدث كل هذه التغيرات لروي دون أن يشعر بتوتر. كثيرا ما كان يعلن عن حاجة أي ~~رجل أسود لأن يحرر نفسه من التأثيرات المدمرة للثقافة الأوروبية عليه ويوبخ أوما ~~على ما أطلق عليه «أساليبها الأوروبية في الحياة». ذلك لأن الكلمات التي كان ينطقها لم ~~تكن كلماته بصفة كاملة، وفي تحوله من حالة لأخرى كان يبدو أحيانا متكلفا ومتحيزا ~~لآرائه. إلا أن سحر ضحكته بقي وكان يمكن أن نختلف معا لكن دون أية ضغينة. كما أن ~~تغير عقيدته منحه منطقا قويا يستند إليه وكبرياء بمكانته في العالم. ومن هذا ~~المنطلق رأيته يبني ثقته؛ فبدأ يخاطر بالانتقال إلى كينيا ويطالب بأشياء أصعب منالا ~~ويطرح القواعد والشعارات جانبا ويقرر الأفضل له. إلا أنه لم يستطع مساعدة نفسه في ~~فعل ذلك لطيبة قلبه وخفة ظله ونبله مع الناس وتسامحه لدرجة جعلت من الصعب عليه ~~إيجاد حلول بسيطة للغز كونه رجلا أسود. # قرب انتهاء حفل الزفاف رأيته يبتسم ابتسامة عريضة أمام كاميرا الفيديو وقد مد ~~ذراعيه الطويلتين فوق كتفي أمي وجدتي اللتين لم تكد رأساهما تبلغان صدره. وقال لي وأنا ~~متجه إليهم: «انظر يا أخي، يبدو أن لي أمين جديدتين الآن.» ربتت جدتي على ظهره. ~~وقالت: «وأصبح لدينا ابن جديد»، مع أنها عندما حاولت قول «آبونجو» فإن لهجة كانساس ~~التي تتحدثها جعلتها تنطق الاسم بصورة غير سليمة تماما. وعندئذ بدأت أمي تبكي مرة ~~أخرى ورفع آبونجو كأس عصير الفاكهة الخاصة به. # وقال: «نخب من هم ليسوا معنا.» # وقلت: «نخب نهاية سعيدة.» # سكبنا ما في كأسينا ببطء على الأرضية المكسوة ببلاط على هيئة مربعات. وفي هذه اللحظة ~~على الأقل شعرت بأنني أكثر الرجال حظا على وجه البسيطة. ms442