######OpenITI# #META# URI: 1450Hitayrus.RajulLaYumkinTahrikuhu.Hindawi69482060 #META# Tags: novels #META# ID: 69482060 #META# Title: الرجل الذي لا يمكن تحريكه #META# AuthorID: 19419242 #META# Author: هيتايروس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتاب الأول: سلسلة مذكرات أنطوان شيلون‏ # إهداء‏ # تمهيد الكاتب‏ # مقدمة‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # القسم الثالث‏ # القسم الرابع‏ # القسم الخامس‏ # القسم الأخير‏ # النهاية‏ # الكتاب الثاني‏ # مقدمة الكتاب الثاني‏ # الكتاب الأول: سلسلة مذكرات أنطوان شيلون‏ # إهداء‏ # تمهيد الكاتب‏ # مقدمة‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # القسم الثالث‏ # القسم الرابع‏ # القسم الخامس‏ # القسم الأخير‏ # النهاية‏ # الكتاب الثاني‏ # مقدمة الكتاب الثاني‏ # | الرجل الذي لا يمكن تحريكه # | الرجل الذي لا يمكن تحريكه # تأليف # هيتايروس # | الكتاب الأول: سلسلة مذكرات أنطوان شيلون # إن كنت تنشد روايات الحب فأعد الكتاب إلى الرف واسترجع أموالك التي ~~دفعتها مقابله. # ولا تحرم مجنونا من جعل هذا الكتاب شريعة حياته الغريبة. # ككاتب، لن تجد الحب ولن تفهمه في هذا الكتاب. # وكصديق، لن تجده ولن تفهمه في أي كتاب. # هو هناك في الحياة الحقيقية. # | إهداء # أهدي كلماتي هذه إليك أبي، فأنت وطني الأصلي، بينما أنا غريب في هذا ~~الوطن. # إليك أمي، عقيدتي في الحياة وشريعة خطواتي الضائعة بين الخطوات الراقية. # إلى إخوتي الصغار؛ بصمة والدي على ورقة الحب. # إلى أصدقائي جميعهم؛ سندي البشري. # إلى المجانين الذين يرون عالما جميلا، فقط في عزلتهم. # إلى العشاق الذين يرون ملاكا عذريا، فقط في محبوبهم. # إلى الغرباء الذين يرون في الأمهات وطنا لهم. # إلى كل من قال إنني لن أنجح. # إلى كل من قال إنني سأفعل. # إلى تلك التي سأنهي حياتي إلى جانبها. # إلى تلك التي أحببتها سابقا ولم تفعل. # إلى تلك التي أحبتني سابقا ولم أفعل. # إلى سلامي الداخلي. # إلى البشر وإلى ما فوق البشر. # عندما يحتار العقل في الإجابة، يكمن الحل في كون القلب قاضيا. # هو من يشعر وينبض بالحياة. هو من يملك القرار الصائب. # يرى الواقع المستقبلي من منظور صادق. # فإذا استغرق العقل ساعات بالتفكير، فالقلب سيحتاج هنيهة فقط. # احتكم إليه لأنك لن تتحكم به، وما هو خارج عن إرادتنا سيكون مقدرا لأن ~~يكون. # والقدر لا يخطئ أبدا بين «نعم» و«لا». # تتغير الحياة في الحياة. # أحمد جابر # | تمهيد الكاتب # كتبت هذه القصة برؤية فلسفية لأحداث ms01 حياة بعض البشر ممن عايشوا يوما تلك الأيام ~~الغريبة التي عرفتها الإنسانية في هذا البلد، ومن أساطيرهم التي سمعناها ونحن صغار، ~~ولتذكر ما كتبه القدر لهم من الأحداث، أحداث اعتقدنا أننا نتحكم بها، واعتقد ~~البعض منا أنه يجب أن ننكر سلطة القدر المطلقة علينا، لكن الآتي الذي بلغناه أثناء ~~عيشنا للأيام المتعاقبة، كان الدليل الوحيد على عجزنا عن فعل شيء، سوى الانحناء ~~والخضوع لتلك القدرة العلوية، والاستسلام لمشيئتها في اختيار أيامنا ودفعها إلى ~~الانتهاء. # حسنا أعترف. # إنه سر ملكته بداخلي، لم أخبر به أحدا من قبل، فقد كنت خائفا أن ينكره ~~أحدهم. شيء جنوني لأنه يحدث معي دوما، سر مخيف، مخيف بالنسبة إلى البشر، لكن ~~لتعرف سري سيتوجب علي أن أطرح السر على شكل سؤال، ثم ستقرأ القصة بعناية، ~~ستدهشك كثرة الأخطاء اللغوية، لكنني أطلب منك أن تتحلى ببعض من الصبر وأن تنهي ~~القصة لتتخيل، ثم تجيب عن السؤال. # فقط فكر للحظة، ماذا لو لم أفعل ما فعلته؟ # ماذا لو تأخرت «عن قصد» في الذهاب إلى تلك الغرفة في إحدى الحيوات التي عشتها، ~~ووجدت كلتا الفتاتين معلقتين من دون روح تسكنهما؟ هل كان سيحدث شيء؟ # بعض شخصيات القصة حقيقية، وهي لا تزال تستمر في التعرض لنتائج الأقدار، بينما ~~تتوقف حدود القصة عند فلسفة كنا قد رأينا أنها منفذنا لشرح الأمور ورؤيتها بعين ~~أخرى. # إلى جدتي، وإلى مدونتها الزرقاء. # وإلى الوجودية أينما كانت. # الكتابة ليست شيئا مبالغا فيه، هي مجرد قدرة. # قدرة إلهية. # قدرة الخلق، في مملكة الضمير. # رحيل جلول # | مقدمة # في مكان ما وبعالم ما. # كنت أتقدم ببطء، أنظر إلى الأمام، وحتى بعد كل تلك السنوات التي قضيتها بعيدا عن ~~هذا المكان، ها أنا مجددا أتلهف إلى الوصول، وبنفس الشكل، ها هو رواق رمادي لم ~~يتغير منه شيء وتظهره تلك المصابيح الحائطية التي تعتلي النصف الأعلى، بينما ألصق ~~على النصف السفلي صفائح خشبية رمادية اللون وكان لونها مغايرا للون الجزء العلوي. ~~ربما خيل لي ذلك بسبب الإضاءة، وفي نهاية الرواق ms02 باب مزدوج بني بمسكتين ~~ذهبيتين، وبيني وبينه يستقر رجل ببزة سوداء يجلس على كرسي أسند على الحائط. كان ~~يتصفح أحد الكتب قبل أن يراني. كنت أفكر فيما قاله لي الرجل (بل جمع الرجال الذي ~~قابلته) قبل توجهي إلى هذا الباب المزدوج الذي يؤدي إلى مكان آخر، في الغرفة الأخرى ~~حينما استجوبني. أعتقد أنني لا أذكر كل تلك الأسماء، وكل تلك الأحداث، وأنا من اعتقد ~~سابقا أن شخصا في هذا المكان لا يجب أن يخفى عليه شيء مما نفعل بالأسفل، لكن الرجل ~~فعل ذلك ليستفزني، ليستفز عدم إيماني بما يفعلون، وحتى بعد كل تلك المرات التي ~~استجوبني فيها، مع أنه كان يعلم أن أقوالي لن تتغير أبدا، حتى بعد ذلك ما زال يكرهني ~~ويحتقرني؛ يحتقر اختلافي وتمسكي بما أود أن أكونه، وهو يخالف بذلك صفة ترفعه عن ~~الأحاسيس، ذلك الترفع الذي تتطلبه المهنة في هذا المكان البعيد عن الأرض والسماء، ثم ~~التفت إلي الرجل الجالس وقال بعد أن أغلق كتابه دون أن ينسى أن يسجل صفحة توقفه ~~بإبهامه، وأشار إلي باحترام إلى الباب المزدوج. ~~- سيدي، توجه مباشرة إلى الباب الثاني (يشير بيده) تلك هي القاعة التي تنشدها ~~(كان يقصد قاعة المحاكمة). ~~- شكرا، لكنني أعتقد أنني أعرف ذلك (ما كان يجب أن يخبرني؛ فلا يوجد سوى ذلك ~~الباب المزدوج) حسنا، زرت المكان عدة مرات. أمسكت مسكة الباب وقبل أن أديرها قال: أوه، ~~حقا، هذا غريب (عاد لتصفح كتابه). # ثم دلفت إلى القاعة، وجلست أنتظر. # بعد مدة من الانتظار. # لم يتفاجأ القاضي حينما رآني، ربما لأنه كان يعلم، لكنه أشار لي لأجلس وهو يقول: هذا ~~أنت مجددا، إذن ماذا لديك لتقوله؟ (يبتسم.) # وقلت في سرعة محاولا تفسير شيء ما: أعتقد أنني أود قول شيء واحد. ~~(يستمر في الإصغاء.) ~~(نظرت إلى الخلف، الحشد ينظر في هدوء.) # وهو ... وهو أن أسلافي هم السبب. # نظر القاضي مدة إلى رفاقه ثم ابتسم قائلا: أسلافك من قاموا بالأمر؟ إذن أنت تنكر ~~أنك من فعلت ذلك! # قمت بتعديل بذلتي، ms03 ربما فعلت ذلك لأنني لم أجد ما أقوله، ثم جلست أنظر إليه ~~مفكرا. # وفكرت، اكتشفت أنني كنت وسأكون دوما الرجل الذي لا يمكن تحريكه. بالطبع أخذ ~~مني زمن طويل قبل أن أكتشف ذلك، وأخذ من عالمي بشر كثر ليحدث ذلك، وإنني لا ~~أنسى صنيعهم، ولا أذكر ما حدث معهم بعد تلك الأيام، وفي تلك المرة، لا أذكر ما حدث مع ~~سائق الحافلة، إن هو توقف عن تدخين السجائر، أو ما حدث مع العربي إن هو اكتشف أنه ~~تأخر حقا، أو كيف عاشت زوجتي ما تبقى من حياتها مع زوج آخر يشبهني في كل شيء ~~إلا طباعي الغريبة التي تحبها، أو إن بكت ابنتي يوم وفاتي كما بكت على تلك العجوز، ~~أو إن تغيرت حقا عما كنت سابقا، لكنني أذكر أنهم شاركوني ما كنت عليه، واليوم ~~هو اليوم الذي فكر فيه أسلافي بخصوص معنى الحياة وبخصوص ما سيفعلونه حيال ذلك المعنى، ~~واكتشفوا طريقة للخلود، طريقة لم يعرفها أحد، ولن يعرفها أحد، حتى أنا، وخلدوا في حرب ~~مع القدر، ذلك الخلود الذي يكرهه هذا الأخير. # قال القاضي: أتذكر في أي وقت حدث ذلك؟ ~~- نسيته، بعد زمن، عشت مدة لم أعد أذكر فيها ما أعيش. ~~- حسنا أخبرنا عن الطريقة (ينظر في إحدى تلك الدفاتر البيضاء). ~~- أنا طريقة ذلك الخلود (بصوت هادئ) والدليل الوحيد على وجوده. ~~- سيكون من الصعب تصديق ذلك. # ثم سألته قائلا: ماذا تكون أنت؟ ~~- أنت تعرف من أكون. ~~- حسنا، لم أستمر في العودة إلى هنا؟ هل أنت القدر الذي أعرفه؟ ~~- لا يمكن أن تقابل قدرك بني، لنقل إنني مجرد تخيلات لك في هذا المكان. ~~- حسنا، ما هذا المكان؟ ~~- أنت تطرح كثيرا من الأسئلة (ينظر إلى بقية القضاة). ~~(أخذ نفسا قبل أن يقرر أن يشرح أكثر.) ~~- مجددا يجب أن أوضح الأمر، أنت هنا لأنك اخترت ذلك، لكن ... لكن أنا من يتوجب ~~عليه طرح الأسئلة الآن، فيما بيننا، إنه المكان الذي ستنتظر فيه انقضاء تسعة أشهر، هو ~~مكان فقط ... بين السماء والأرض . ~~- إذن ms04 لم تطرح الأسئلة إن توجب أن أنتظر فقط؟ ثم إنه، في الغرفة الأخرى، أروني ~~شيئا عني. لم الجميع هنا يتحدث بخصوصي؟ أقصد كلما أزور المكان. ~~- أخبرت المحقق أنك تعرف المكان، صحيح؟ (يقصد الرجل الذي استجوبني.) ~~- أجل، شعرت أنني زرته مسبقا، لكن ... # ثم أضفت: أين أنا بالتحديد؟ ~~- بني، إنه مكان ما، لنسمه العدم الموجود، ربما هكذا سميتموه، ولنقف عند هذا ~~الحد. ربما يوما ما ستعرف أكثر عنا، بالتأكيد بعدما تعرف أكثر عن شخصك. تذكر، ~~طرحنا للأسئلة هو طرحك لها ليس إلا! أنت مهم بقدر ما هو مهم أن تعرف أن القدر ليس ~~نحن، إنه أنت. # وأضاف: القدر بني هو ما ستكون عليه هذه المرة. ~~- أخبرني، ماذا عن ابنتي؟ هل هي بخير؟ ~~- لا تقلق، يعمل الجميع بكد لإنقاذ الوضع، ثم إن ابنتك امرأة قوية، وهي تظهر ~~ذلك في هذا الوقت. الأطباء يعملون على إنقاذها، وبما أنك صديقي فلتعلم أن ابنتك قد ~~قدر لها أن تنجو. ~~- ماذا أفعل الآن؟ ~~- ستنتظر، وسنرى في دفاترنا البيضاء ما سيحدث، وإن كان لك فرصة، ستغادر هذا ~~المكان. ~~- من الغريب أن يحدث هذا، اعتقدت أنني غادرت الحياة، وها أنا أجلس هنا أقابلك وخلفي ~~هؤلاء. ~~- ليس الغريب ما يحدث معك، الغريب أنك لا تذكر، ليست هذه أول مرة يحدث لك ~~هذا. # | القسم الأول # في مكان ما على هذا الوجود # أخبروني قبل قليل أن ابنتي بخير وأنهم أدخلوها إلى المستشفى، كنت أجلس على كرسي ~~خشبي حينما أخبروني عنها، كنت أجلس وحيدا، وسط تلك القاعة، التفت في كل مكان، ~~لم يكن هناك نوافذ، لا شيء سوى تلك الجدران الخشبية التي تشبه في تكوينها أرضية ~~القاعة، التفت إلى الخلف في استدارة جزئية، ولمحت على بعد ما جمعا من ~~الأشخاص يجلسون على كراسي متقاربة، وكان يفصلهم عني حاجز خشبي، كانوا يتحدثون ~~بعضهم إلى بعض، ويكاد يسمع حديثهم، ولما لمحوني استداروا نحوي استدارة جماعية ~~وتوقفوا عن الحديث. رمقوني بنظرة غريبة وكأنني مذنب بشيء ما. خفت من تلك ~~النظرات فالتفت مجددا إلى الأمام، ثم وبعد ms05 مدة وبسذاجة طفل صغير أعدت النظر ~~إليهم، كانوا ينظرون إلي في غرابة، وكان البعض منهم يضحك. تهامس البعض الآخر ~~أيضا، لكن المؤكد أنهم كانوا ينظرون بحقارة إلي، وخفت من نظراتهم تلك، أحسست ~~بالبرد حينها فجمعت جسدي بذراعي، أعانق نفسي، ثم نظرت إلى الأمام، ولم أكن قد ~~انتبهت له قبل هذه اللحظة، فقد انشغلت في التفكير بابنتي وأنا شارد العقل أنظر ~~في ثبات إلى الأرضية الخشبية، وعلى بعد مني استقرت طاولة ترتفع أمتارا وخلفها ~~تصطف كراسي ضخمة أين جلس القضاة سابقا، وقد زينت ببساط أبيض تدلى إلى ~~الأسفل وكتبت عليه كتابة بلغة لم أفهمها، ثم إنه بالقرب من تلك الطاولة الضخمة ~~درج ينتهي إلى باب في الأسفل، باب يقف عنده رجل ضخم أسود البشرة، كان ينظر نحونا ~~في ثبات، يجمع يديه في اعتدال، ما كان يتحرك بل ولم أشعر أنه يتنفس حتى، كنت ~~قد نسيت لم أنا هنا، بل إنني نسيت كيف آل بي الأمر في هذا المكان، واستغربت ~~وجودي هنا ثم جلست أفكر. # كنت قد عشت أغلب ما كتب لي أن أعيشه وأنا أبحث عن حقيقة الوجود، عشت غريبا، ~~وكثيرا ما ضحك الناس لغرابتي هذه - هذا يفسر لم يضحك علي الجميع في القاعة - ~~اعتقدوا أنني مجنون، وأنه لم يتوجب علي أن أدرس، فحسبهم سبب جنوني هو دراستي، ~~مع أنهم أحبوا تلك الصفة بي، حتى إن والدتي كانت قد اعتقدت يوما أنني شخص آخر، ~~خاف الجميع مني، فتعجبوا لوجود شخص مثلي بهذا العالم، ومرضت والدتي بسببي، حتى ~~إن والدي استسلم لشرب الخمر بسبب ما فعلت، وأنهى ما تبقى من حياته وهو يطارد ~~جرعات النبيذ يملأ بها روحه المنتشية، ولم أتحدث يوما إلا وأصبت الناس بالخوف ~~لما أتحدث به من غرابة وجنون، وقد درست الطب بأكبر الكليات بباريس، وفعلت ذلك ~~لسبب واحد، إلا أن امتهاني للطب لم يمنحهم إلا سببا آخر ليعتقدوا بجنوني، ~~وكانوا محقين. ربما كنت مجنونا، فقد تحديت القدر في أغلب الأحيان، وكان ~~الطب مجرد ورقة بيدي لإيقاف ألعابه الشريرة، ms06 كان يقتل مزيدا من البشر، وكنت ~~أعمل على إنقاذ ما تقدر لي أن أنقذه - ربما كلمة «تقدر» تجعل الفكرة خاطئة، ~~ربما توجب أن أقول «ما كان باستطاعتي إنقاذه.» فبهذا الشكل أكون قد انفردت بذلك ~~دون تدخل من القدر - وفكرت؛ ربما هو كان يسمح لي بأن أفعل ذلك، ففي الأخير كان ~~بإمكانه أن يجعلني أتوقف عن التنفس فينهي بذلك معركتي معه، لكنه لم يفعل، لأنها ~~لم تكن معركة في نظره، كان يستمتع بعجرفتي البشرية، بلعبي معه، كنت أشبه بطفل ~~صغير يحاول الإمساك بإصبع والده، أو أشبه بقط صغير يطارد خيطا يحركه رجل بالغ. ~~والأهم أن القدر كان يود أن يعلمني درسا في الوجود، فقد كنت أعتقد سابقا ~~أنني الوحيد من بلغ درجة الحكمة العليا؛ أنني أفهم البشر وأفهم ما فوق ذلك، أنني ~~أقدر الظروف أشد التقدير فلا يصيبني منها إلا ما درسته، وأفسر القصص أحسن ~~التفسير فلا يخفى علي سبب الأحداث أو غايتها من الحدوث؛ لذا أراد القدر أن ~~يعلمني درسا، درسا حول القدر نفسه، أراد أن يظهر لي أنه مع قدرة الخلق التي ~~يملكها تكمن مسئولية كبيرة، وأن تلك المسئولية لهي نتاج علم وفير يملكه، ويكمن ~~فوق ذلك العلم حكمة عظيمة؛ أن خلف البشر قصة وأن خلف كل خطوة هدفا مقدسا ~~وأن ما قبلها سبب علوي لن يفهمه عامة البشر؛ أن الفراشة قد تحرك الرياح، أن ~~الرياح قد تشكل الأزهار، أن الأزهار قد تنشئ الفراشة، وأن الثلاثة منفردون ~~بوجودهم فلا يندثر أحد باندثار الآخر - كان ذلك أشبه بتناقض عجيب - ولهذا أراد ~~أن يعلمني درسا حول الوجود وعن حقيقة ذلك. # وقد فعل ذلك في نهاية المطاف؛ أقحمني في قصة غريبة، لم أضحك بعدها على غرابة ~~القصة، بل ولم أضحك بعدها على غرابة أي شيء غريب، على عكس ما فعل الناس مع غرابتي. ~~ربما هم فعلوا ذلك لأنهم يجهلون ماهيتي، مثلما جهلت سابقا ماهية القدر، لكنني ~~محظوظ بما يكفي، إن غرابتي لجزء من غرابة تلك القصة، قصة أوجدها لي قدر غريب ، ~~والبقية ms07 من البشر يجهلون ذلك، حتى أولئك الذين شاركوني جزءا منها، كل من ضحك ~~علي يجهل ذلك. أنا لا ألومهم؛ فالبشر يجهلون البشر، ولا يعلمون مثلما أعلم، أن ~~خلف كل إنسان قصة، وأن خلف كل قصة قدرا، وأن خلف كل قدر إنسانا؛ إنسانا يؤمن ~~بذلك القدر، أو إنسانا أشبه بي، رجلا لا يمكن تحريكه. # صيف 1939م ~~«كيف يمكنك أن تقتل إنسانا أنت تحبه؟» # كانت هذه آخر كلمات زوجتي قبل أن ننفصل، لم أفهم معناها يومها فكبريائي كانت ~~تمنعني من فهم أي شيء، ثم إنني طبيب ولم أكن أومن سوى بما يؤكده العلم أو ينفيه، ~~مع أنني أتناقض مع نفسي في كثير من الأحيان، أيمكن أن أكذب كل الظواهر وأصدق ~~وجود قوة أسميها قدرا، لكنني صدقت ما أفعل، ولم يرتق تفكيري إلى الفلسفة يوما، ~~وما كنت أفهم الرموز وإن تجلت من حولي، كنت تطبيقيا جدا، ولم أكن أعرف ما ~~تعني بقولها ذلك، فقد كان يجب أن ننفصل، لأنني رأيت أنه يجب أن نفعل، حتى بعد ~~زواج دام 18 سنة كلل بفتاة جميلة أشبه بوالدتها، إلا أنني رجل هو سيد لقراره، ~~وكان قراري أن أطلق زوجتي، حتى وإن لم يكن السبب منطقيا بالنسبة لها، لكنه كان ~~يجب أن أطلقها ففعلت. كثيرا ما اعتقدت أنني تزوجتها لأنها جميلة، وفي كثير من ~~الأحيان كان يخالجني شعور بأنني تزوجتها لثروتها التي سترثها عن عائلتها في ~~فرنسا، ربما فعلت ذلك لأنني أحببتها، لكنني كنت متأكدا من حبي لها، أجل إنه ~~الشيء الوحيد الذي لن أنكره، وقد أحببت زوجتي لأنها كانت فتاة مغامرة صبيانية ~~المعشر، كنت أكبر في كل يوم وكانت تستقر وكأنها محصنة أمام الزمن، كانت تحب ~~كل شيء يتعلق بالحياة، أو حتى بالموت، أذكر أنها كانت تضحكني عندما تخبرني أن ~~الموت حياة أخرى، عادة كانت تفعل ذلك حينما تقبلني، تخبرني أن هذه القبلة هي ~~إكسير الحياة، تملأ بها نفسها استعدادا لحياة أخرى، حينما ستتقمص شخصا آخر، ~~وضحكت لأنني اعتقدت أن تفكيرها ليس له أساس في العلم؛ ms08 كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ ~~الموت هو التوقف؛ التوقف الأبدي ولا عودة بعد ذلك التوقف. وأجمل ما فيها هو ~~استمتاعها بكونها حرة في طريقة عيشها للأشياء وللأحداث وللزمن كذلك، فقد كانت ~~تفتخر بكل تلك المغامرات التي خاضتها وتسترجع كل تلك الذكريات، تخبرني أن الذكرى ~~نوع من الخلود، وهذا ما أعجبني فيها أو ربما هذا ما جعلني أتزوجها؛ فقد كنت أكره ~~أن أتزوج فتاة أشبه بصخرة لا حياة فيها، أردت حقا أن تجعلني أستمتع بالحياة ~~مثلها، أن أكون غبيا لبعض من الوقت وطائشا إن استلزم الأمر، لكنها لم تفعل، ~~فبعد أن تأكدت أنها ملكت كل ما في من روح وزمن وشعور، توقفت عن عيش الحياة ~~من أجلها، بل انشغلت بحبها لي فقط. تخلت عن حياتها تلك، وانشغلت فقط بي، ~~18سنة من المكوث إلى جانبي جعلني أنسى الفتاة التي أحببتها سابقا، وجعل زوجتي ~~مجرد جثة بشرية تحبني وتقدسني. لقد أخمدت النار التي بداخلها، وكان ذلك ~~بسببي، كنت أود أن أصير شبيها بها، لكنها تحولت إلى نسخة مني، وأحسست أنني ~~أصبحت الشخص الوحيد الذي يمنحها سببا في البقاء على قيد الحياة، لهذا كرهتها. ~~تخلت عن مبادئها من أجلي، قتلت الفتاة المغامرة بداخلها من أجلي. # وما دفعني الآن إلى التفكير بزوجتي هو أنني كنت أجلس بأحد المقاهي في هذا اليوم ~~الحار، وأيام الصيف بالجزائر حارة جدا، كان كل شيء يذوب وسط هذا الزحام تحت ~~هذه الشمس، لم أولد بهذا المكان مع أنني أمضيت جزءا من طفولتي هنا حينما كنا ~~نزور ممتلكات والدي «أراضي شيلون» لذا كان من الصعب علي أن أتحمله، كنت أرتدي ~~قميصا أبيض وقد اخترت واحدا أوسع لمنح جسدي مزيدا من التهوية، ووضعت قبعة ~~على رأسي، ونظارة شمسية، حتى إنني جلست إلى طاولة بالقرب من شجرة توت، فقد كان ~~يجب أن أحظى ببعض الظلال، حقيقة ما كان يجب أن أخرج بيوم كهذا، لكن المهمة ~~تستوجب خروجي، وكانت حقيبتي اليدوية تذكرني في كل لحظة بتلك المهمة. # ومع كل رشفة من فنجان القهوة كنت ms09 أتذكر زوجتي ، لا أعرف لم أتذكرها الآن، فهي ~~على الأرجح بمكان ما بالشيلي محاولة إنقاذ قطيع من البقر، أو هي تساعد بعض ~~الرهبان بالتبت. هي عادت إلى حياتها السابقة، فقد طلبت مني قبل أن تغادر أن ~~أحتفظ بابنتنا صوفيا - اسم جدتها من والدتها - لثمانية عشر شهرا، ريثما تعود. ~~أخبرتني أيضا أنها بحاجة إلى مغامرة كي تنسى ما حدث بيننا وأنها تتمنى أن ~~أتغير حينما تعود؛ فهي تود أن نبقى صديقين حتى بعد ما حدث؛ 18 سنة لن تذهب ~~هباء بالنسبة لها، ربما هي قامت بالرحلة فقط لأنها أرادت منحي متسعا من الوقت ~~للتفكير بما فعلته، لتأنيب الضمير الذي لا أملكه. لم يكن ذلك هروبا منها، هي ~~جهدت في الحفاظ على العلاقة، ولا أنكر أنها أحبتني بشدة، إلا أن الخطأ كان ~~خطئي، ليس لأنني أرى أن ما فعلته كان خطأ - ربما هي تعتقد ذلك - لكنني من قرر ~~أن يتوقف عن كونه زوجا لها، وكان بعقلي شيء يخبرني أن ما في من روح لا يحتاج ~~إلى الحب بالشكل الذي قدمته زوجتي لي، وببساطة أردتها أن تبقى على حالتها ~~الأولى، أقصد قبل الزواج. أنا أعرف أن الحب هو كل شيء في حياة المرأة، لكنه جزء ~~فقط في حياة الرجل، ولا يمكن أن يكون جزئي المخصص لها ليتطابق مع كلها الذي ~~منحته لي. أحببتها أكثر من أي شيء آخر، لكنني لم أكن قصة حب لتمتلئ حياتي ~~بكلام الحب، كنت نظرية من دون حل لها؛ رزمة من الأسئلة. وعلى خلاف زوجتي فقد ~~كنت مجرد كيان فكري وفلسفي مليء بسائل الحياة، ولم يتحمل هذا الكيان تلك ~~الرومانسية الزائدة، لذلك طلقتها وكان ذلك قبل ثلاثة أشهر، كنت لبقا وهي وافقت ~~على ذلك، ثم استضفت ابنتنا معي، ستجول هي العالم بينما سأتكفل بتلك الفتاة ~~الشقية، وتحت ضغط هذه الحرارة، ولأول مرة، ندمت على قراري بالتكفل بالفتاة، ~~الفتاة التي ورثت كل شيء عن والدتها؛ ذلك الجمال وتلك العجرفة وحتى ذلك الشعور ~~اللامتناهي للحياة البشرية، ولم ترث عني شيئا سوى ms10 شكل أنفي الذي أثار زوجتي في ~~أول لقاء لنا، لكنني أعشق ابنتي؛ لذا ربما هي ضربة شمس، فأنا أحب ابنتي صوفيا ~~كحبي لتلك الأفكار المترسبة بنواة عقلي الوجودي، أجل هي ضربة شمس فأنا أجلس هنا ~~منذ 20 دقيقة في انتظار الباص وهو لم يأت بعد، لدي مهمة للانتهاء منها، شخص ما ~~بحاجة إلي لأساعده، وسيارتي لدى الميكانيكي، وقد تأخر في إتمام العمل عليها ~~على غير عادته مع السيارات، كان يجب أن أتحمل ذلك؛ أن أتحمل عدم إتمامه للعمل ~~مع أنني دفعت مسبقا المال المتوجب علي دفعه، وتوجب أن أتحمل البقاء هنا ~~لمدة أطول بسبب عدم قيام أي شخص على هذا الكوكب بدوره، فيجب أن أساعد تلك المرأة، ~~امرأة عرفتها من قبل، بل عرفتها زوجتي إن صح القول، لم أكن أعرف أحدا هنا ~~بالمعنى الحقيقي للمعرفة الشخصية، بل ولم أرد أن أعرف أحدا، كانت زوجتي تترك ~~ابنتنا لدى تلك العجوز العربية، تتكفل بها ريثما نقضي حوائجنا، كانت أشبه ~~بحاضنة لنا مقابل 5 فرنكات تدفعها زوجتي لها، مع سلة من البرتقال عادة، لم أكن ~~أدفع فلسا آخر، فقد توجب على زوجتي أن تتكفل بابنتنا وليس عجوزا عربية لا ~~تفقه آداب المائدة، لكن زوجتي كانت ترى شيئا في هذه العجوز، فلا أنكر أنها ~~علمت ابنتنا ما لم يكن ليعلمه لها أي بشري، وأنا بشكل ما ممتن على ذلك، ~~صنعت تلك العجوز من ابنتي إنسانا حقيقيا، مثلما صنع العرب والدي سابقا، وها ~~أنا بعد 18 سنة أحاول إنقاذها، بعد أن اتصلت بي ابنتي تخبرني أنها بحالة خطرة، ~~لم أكن أكره تلك العجوز، ولم أكن أحبها أيضا، لكنني كنت أحب إنقاذ البشر ~~ومعالجتهم أو دفعهم للاستمرار في العيش، فلم تكن مشكلتي مع الناس يوما، بالرغم من ~~أنني كنت غريبا عنهم، ولم أتصرف بود مع أي أحد، إلا أن مشكلتي كانت مع القدر ~~وحده، هو كان سيدا علي، وعدوا لي في نفس الوقت، أما تلك العجوز فلسبب ما ~~كان يجب أن أساعدها؛ على الأقل هي ساهمت ms11 في بلوغ ابنتي ما بلغته، لكن يبدو أن ~~القدر يقضي على كل فرصي الآن، وهو على الأرجح قد يكون تسبب بحادث للباص، أو ~~أنه دفع زوجتي لتسقط بطائرتها على الباص فيهزمني بذلك مرتين، فيقتل زوجتي ~~ويتسبب في تعطلي عن اللحاق بالدقائق الأخيرة لأنفاس تلك العجوز، وهكذا أفقد ~~بشريين بدل واحد. كانت تلك الأفكار الغريبة تتملكني، ما كان بمقدوري التوقف ~~عن ربط الأمور السيئة بالقدر، حتى إنني نسيت كم الجمال الذي تسبب فيه من ~~حولي، الجمال الذي يخفي خلفه بشاعة وجوده في حياة جميع الأحياء، وكنت من دون ~~إرادة مني مؤمنا، مؤمنا بأنه يوجد قدر لما يحدث، لم أختر أن أومن به، ~~حاربته طيلة الزمن الذي عشته، وكانت حربي تلك ومن دون قصد إيمانا به، فلا ~~يمكن أن تحارب عدما، إلا إذا صدقت بوجوده، اعترفت بوجوده فحاربته؛ لذلك أنا ~~مؤمن به، رغم أنه لم يتمكن يوما من شراء قناعاتي، حتى حينما كان يسهل علي ~~الأمور أو حينما كان يمنحني حظا لم أكن لأملكه، ولو كان لي بالقدر صلة قوية كشأن ~~جميع المؤمنين، لكنني لست كالبقية من المؤمنين، هو لن يشتري قناعاتي، لم يفعل ذلك ~~من قبل، ولن يفعل يوما. # وجلست ارتشف قهوتي، كان يجب أن أرتاح قليلا، أن أزيح تلك الأفكار ببعض من ~~القهوة المرة، ثم رأيت على بعد مني رجلا يتقدم بخطى متثاقلة، ينظر بعينيه ~~الشاحبتين إلى كل مكان، وقد بدا أنه عاش في هذه الحياة حتى سئم فعل العيش، لم ~~أتمكن من تقدير عمره، لكن جسده الهزيل ووجهه الأسود الذي أخفته التجاعيد، وحتى ~~تلك المساحات الفارغة من الشعر أعلى رأسه، أظهرت أنه طاعن في السن، كان يتحرك ~~ببطء شديد، وأذكر أنني كدت أقسم أن هذا الرجل ليس ببشري، أو أنه كذلك على غير ما ~~يظهره للعالم، بشري تأخر كثيرا عن اكتشاف العالم، عن تقدير ما حوله من ~~الموجودات، كان يجهل ما يرى، أو ... لحظة ... أو أنه يعي أفضل من أي شخص آخر ما يرى ~~الآن. أجل هو يقدر ما ms12 يرى أفضل التقدير ويعلم حقيقة ماهية هاته ~~الأشياء. # تقدم وهو يستدير نحو كل مكان، يستمتع برؤية كل شيء من حوله، وكأنه يبصر لأول ~~مرة، لم يكن يعبأ بشيء مما يحصل، كان يعيش رؤية الأمور وكأنه سيفقدها للأبد، ~~يتلذذ الثواني وهي تتعاقب لتذيقه ألوان الحياة، ألوانا اختصرها بقية البشر في ~~الأبيض والأسود، وجعلوا الأبيض خيرا والأسود شرا، كان يرى ألوانا أخرى غير ~~الخير والشر، كان يرى لون الأطفال، لون الغبار، ألوانا نسينا أنها موجودة، أنها هي ~~الأحق ببناء عالمنا. لم يكن العالم يوما أسود وأبيض، لكنني لا ألوم البقية من ~~البشر، فقد بنوا عالما آخر وضعوه بحجرة خشبية أسموها التلفاز، ومجددا لم ~~يتجاوزوا فكرة الأسود والأبيض، لكن هذا الرجل، لم يعبأ بشيء من ذلك، لم يعبأ ~~بالأسود والأبيض، لم يهتم للشمس ولا للحر، لم تزعجه تحركات الآخرين، ربما كان ~~يحب ذلك، تأملته جيدا، حتى إنني توقفت عن ارتشاف القهوة، كان مشردا ~~غريبا، وعلى خلاف باقي المشردين، لم يكن ميتا، كان يحيا كل شيء في تساؤل ~~أجهله من مكاني هذا، تساؤل جعله يستفسر عن الأمور البسيطة والتي لا نلحظها عادة، ~~كالسماء التي أخذت جل وقته في النظر، الأطفال وحتى الأشجار، يفعل كل ذلك وهو ~~يتحسس نفسه، يرفع يديه، يراقبهما، يتلمس مرفقيه ويسير نحو كل اتجاه، يكتشف ~~الجمال في كل شيء، ثم بعد وهلة اقترب منا، وعلى بعد أمتار ووسط الطريق توقف، ~~اصطدم به المارة، لم يتحرك، وصرخ عليه الراكبون، حتى إن رجلا شرطة قاما بدفعه ~~ناحيتنا يبعدانه عن الطريق، لكنه لم يهتم. توقف عن فعل ما كان يفعل، وفكر ~~للحظات، كان شيء ما يشغل باله، شيء من الجنون يشغل باله، لحظتها وددت أن أعرف ما ~~يفكر به، فقد بدا سعيدا، بل أسعد من ذلك بكثير، بينما لم تظهر ثيابه تلك السعادة ~~التي تغمره، كانت رثة وأبسط من أن تفعل ذلك؛ قميصا أبيض اتجه لونه إلى ~~الاصفرار، وسروالا يحافظ على لونه الأسود بصعوبة، حافي الرجلين وكانت تصلبات ~~أصابعه كتصلبات يديه اللتين ملأتهما الجراح ms13 والندوب. بدا لي كأنه كان يخوض حربا ~~في الجوار، لم يبال بشيء من حوله، بل تقدم نحو المقهى وجلس على بعد مني، جلس ~~جلسة ملك، وقد ركض صاحب المقهى بعصاه نحوه محاولا منعه من المكوث هنا، إلا أنه ~~سرعان ما تراجع عن قراره وبدله بابتسامة شيطانية، فقد أخرج المشرد قطعا ~~نقدية كانت كفيلة بشراء مودة الرجل المصطنعة، بل كفيلة بتحويل ذلك العنصري إلى ~~إنسان مجددا، ولو أنه تصنع إنسانيته تلك. وقد جلس المشرد وكأنه ملك لمملكة ~~لا يعرفها أحد سواه، ولا يشاركه فيها أحد غيره، كان ملكها الواحد، ساكنها ~~الوحيد، حارسها وعبدا فيها، كان كل شيء في تلك المملكة، مملكة الرجل الواحد، ~~كان ملك مملكة الضمير، وبدا أن مملكته فوق كل شيء، فوق العالم الذي نعرفه، فوقنا ~~نحن البشر، فوق الوجود الذي ننشده، فوق العالم الذي أوجده البشر وفوق البشر الذين ~~أوجدهم الوجود، والأهم فوق الوجود بصمة الرب على العدم. # لم أعرف سره، سر سعادته تلك، وتساءلت وأنا ألتفت إلى باقي البشر، لم ~~يراقبه أحد، لم ينتبه إليه أحد، كان أشبه بحقيقة لا يعرفها أحد سواي، قصة لا ~~يراها أحد غيري، وتساءلت: لم أنا الوحيد الذي يراقبه، لم أعهد نفسي مباليا ~~بالناس من قبل، لكنني أفعل الآن، أنا أهتم مجددا، وبمشرد، مشرد غني، ~~ابتسمت، ابتسمت وأنا أراقبه الآن بينما تخلى البقية عن فعل ذلك، رفع يده ~~مناديا على النادل، استمتع بفعل ذلك، غريبة هي الحياة، التي تجعل مشردا يجلس ~~إلى جانبي متخطيا كل الحواجز التي أقامتها عنصريتنا، أم أنني المشرد وها أنا ~~أجلس قرب ملك ما، مشرد يتصرف وكأنه ملك، وطبيب مثلي بطباع مشرد أناني، ~~وفكرت مجددا، ربما هو الملك وبقيتنا مشردون في عالم نحن بنيناه. ولما ~~اقترب النادل العربي، وضعت قهوتي جانبا، اقتربت في تلك اللحظة حافلة على بعد ~~منا، حافلة يجدر بي ركوبها الآن، لأنها ستكون آخر حافلة، لكنني ما اهتممت ~~لذلك، اخترت أن أراقب المشرد، شيء ما دفعني إلى البقاء جالسا، شيء ما ثبتني ~~في مكاني، كان ms14 يتحدث إلى النادل، بينما التفت إلى الحافلة في عجل ثم فكرت في ~~عجل، لكنها لم تعد تهمني، وفكرت ربما لم يجب أن أنتظرها، ربما كنت أنتظر هذا ~~المشرد، استدرت مجددا إليهما - إلى المشرد والنادل - وكنت أفهم كلمات قليلة ~~من لغة العرب هنا، وسمعته يقول للنادل العربي: ماء. # شعرت أنه يقول، سأكتفي بكوب ماء فقط، لكنه بدا أتعب من أن يشرح احتياجاته، ~~وقد اختصر كل شيء في كلمة ماء، كما اختصر الرب الحياة في الماء. # وأضاف كلمة كان العرب يتحدثون بها كثيرا بالجزائر، وعلى خلافنا نحن في فرنسا، ~~كانوا دائما يتعاملون باسم الرب، يربطون فعل الشكر بجزاء منه، وكأن أبسط الأمور ~~لا تتم إلا بمباركة تلك السلطة المطلقة التي يسمونها مشيئة الرب، وإن تمت ~~الأمور فيختمونها بطلب المباركة؛ لذا أضاف المشرد في كلمات: حفظك الرب، وبارك ~~أيامك. # كان من الجميل أن أرى بشريا يعتقد أن الإله سيحفظ النادل لأنه سيسقيه من ~~الماء، كوب ماء مقابل رعاية أبدية من الإله الأعظم، كان تبادلا جميلا، ولو ~~كنا بقدر إيمانهم بأمور الاعتقاد، لما احتجنا إلى المال والقوة في فرنسا، لما ~~احتجنا لشيء، لكانت كلمة الرب فوق كل التعاملات، بالطبع أنا لا أومن بكل هذا، وإن ~~ذكرته الآن فإن العديد من البشر بفرنسا كانوا سيذكرونه، العديد منهم، أو بالأحرى ~~العديد من معارفي بحاجة إلى شيء يؤمنون به وإن كان فكرة الله، لكنني على خلافهم ~~ما زلت أومن أن تلك الفكرة أكبر من أن أستوعبها، كما لا تستوعب الخلية أنها جزء ~~من شيء أكبر، وكما لا تعي أنها تشترك والملايين من الخلايا في خدمة جسد سيتخلى ~~عنها بعد أيام، وقولي «لحاجتنا إلى الاعتقاد بذلك.» هو نتاج حاجة العديد منا ~~إلى الأمل، أمل يبدو أنه سهل المنال عند العرب، لذا سأختصر كلمة الرب في كلمة ~~الأمل، وبعد كل ما أشعر به، أعتقد أنني أغار منهم، من العرب، يتمسكون بفكرة ~~الإله، كتمسك الغريق بفكرة النجاة، ربما العديد منهم لا يدرون ذلك، لكن الإسلام ~~في جوهره يجعل من فكرة ms15 الإله حقيقية جدا، وإن كان هناك إله حقا فلا أرى سوى ~~أن الدين عنده لن يكون غير دين العرب؛ الإسلام. # التفت إلى الحافلة مجددا، كان كل شيء يحدث ببطء، تمدد الزمن بفعل تفكيري، ~~لكن الحافلة كانت أسرع من أفكاري، فقد غادرت مكانها، وفكرت: اللعنة، تبا لهذا ~~المشرد! (ابتعدت عن الكرسي الذي انقلب جراء اندفاعي للوقوف بسرعة.) # وبسرعة حملت حقيبتي وركضت خلفها، كان يجب أن أغادر المكان، وركضت مدة لم ~~تكف السائق ليلتفت إلى المرآة الجانبية ليراني، لم يهتم بفعل ذلك، لم يكن يعي ~~أنه بتوقفه لي سيساعد طبيبا على إنقاذ شخص ما، أو أنه سيكون السبب الأساسي في ~~إنقاذ العجوز، لم ألمه على ذلك، فنحن البشر لا نعي أن خلف كل رجل يركض ~~كالمجنون سببا ما، لا نعي شيئا إن صح القول، توقفت عن الركض ونتاج الخيبة ~~التي تملكتني فتحت يدي أرفعهما أمسح وجهي، لحظتها تركت حقيبتي تسقط أرضا، ~~انفتحت بمجرد ملامستها للأرض، خفضت رأسي ورأيت أدواتي مرمية حول الحقيبة، ~~تذكرني بفشلي، التفت إلى المقهى، وفكرت، سأنتظر نصف ساعة آخر، حافلة أخرى ~~ستتقدم إلى هذا المكان بعد نصف ساعة من الآن، إذا لم يحدث شيء ما، فعلى السائق ~~ألا يتعطل في فعل شيء آخر، ألا يقوم بخطأ ما، هو على الأرجح في المحطة ~~الرئيسية الآن، ينتظر ركوب الراكبين، سيتجه لإشعال سيجارته، فقد كره عمله ~~كسائق وتلك السيجارة تنسيه ما يكره، وأنا من مكاني هذا أشعر أن هناك بعض الحركة ~~للرياح، مع أن الجو ساخن إلا أن الهواء لم يكن ساكنا، والمحطة الرئيسية في ~~مكان مرتفع، لذا سيشعر بقوة الرياح هناك أكثر، الرياح التي تتسبب فيها فراشات في ~~أستراليا، ربما لن تشتعل سيجارته لسبب أو لآخر، ربما بسبب الرياح، لذا سيتأخر ~~في ركوب حافلته ومغادرة المكان، سيغضب، وسينشغل بمحاولة إشعال السيجارة، أو حتى ~~تدخينها، وبينما هو يفعل ذلك ستغادر فتاة على بعد 4 كيلومترات منزلها، ستخرج من ~~المنزل فتاة في مقتبل العمر ولم تكن تهتم سوى بمظهرها في يوم حار كهذا، ms16 أو ~~هذا ما سيبدو عليه الأمر لمن سيلتقيها بالشارع، تحاول أن تثير اليوم أحد الشبان ~~بينما تتجه إلى صالونها الخاص، لكنها ستتأخر بدورها عن الخروج، فبتفكيرها في ~~إثارة شاب ما ترددت بخصوص أناقتها، ستتوقف قبل أن تبلغ الباب، ستعود إلى ~~غرفتها، تعيد ترتيب ملابسها، ربما بعض من التزيين سيفي بالغرض، والأهم، ربما قبعة ~~كبيرة بيضاء ستتم الأمر، قبعة تضفي إلى سمرتها شيئا من الجاذبية، ربما ~~ستتأخر لسبب آخر، أو لألف سبب أجهله، لكن الأهم، تأخر السائق وتأخرت ~~الفتاة، ولو لم يتأخر أحدهما لما حدث ما سيحدث، مع أنه كان لما حدث من إمكانية ~~عدم الحدوث نصيب، فلو أن السائق لم ينشغل بسيجارته، لقطعت الفتاة الشارع على ~~بعد 4 كيلومترات و700 متر، لو أنها فكرت أن الشبان في الشاطئ في هذا اليوم ~~الحار، لو حتى رضيت بما كانت عليه من جمال، أو ربما هي واجهت مشاكلها دون فرار، ~~لو ربما توقفت قبل خروجها، لو هي استدارت إلى والدها، لو هي تشجعت على قبول ~~قدرها، والأهم لو لم يغادر والد بيته قبل ثلاثين سنة، لو لم يغادر فرنسي ~~فرنسا إلى ممتلكاته بالجزائر، والأفضل من ذلك كله، لو لم يحدث ما حدث قبل مائة ~~سنة، لاستمر العالم فيما يفعل، لما حدث شيء، لما ضحك القدر، لكنهما تأخرا ~~كلاهما (الفتاة والسائق) وبزمن دقيق لدرجة أنني تأكدت أن هناك قوة علوية حرصت ~~على دقة ما يجري، لذا كان من المقدر وبسبب تأخرهما أن يصطدم بها، سيجتمع حشد ~~من الناس حولها، سيحملونها ميتة ثم سيتوقف السائق وسيشعل سيجارة أخرى لينسى ~~بها كعادته، سيجلس القرفصاء وهو يدخن السيجارة، سيلوم نفسه، سيلوم نفسه على ~~المغامرة التي قام بها قبل مدة، وسيفعل كل ذلك معطلا بذلك رحلتي، سوف أتأخر ~~لنصف ساعة أخرى ولن أبلغ العجوز سوى متأخرا، وستموت مربية طفلتي، ستحزن هذه ~~الأخيرة، وسيهزمني القدر بلعبة، لعبة تحكم في شروطها تحكما تاما، وقطعت ~~تفكيري أبواق السيارات المتوقفة، شتمني البعض من السائقين، حتى أنني رددت بنفس ~~الشتم، نظر إلي السائرون ms17 بوقاحة، حتى إن إحدى النساء قالت لصديقتها إنه على ~~النبلاء ألا يشبهوني، أخرى قالت إنها تكره الرجال لعجرفتهم، ما اهتممت للأمر ~~وكما ذكرت سابقا، مازال البشر يجهلون البشر، لذا وأنا أقف متوجها بنظري إلى ~~المقهى، تمنيت ألا يحدث شيء مما سيحدث، ألا يعطلني شيء ما مثلما فعل هذا ~~المشرد، انخفضت أجمع لوازمي في سرعة، أغلقت حقيبتي وتوجهت إلى المشرد، حتما ~~ستغضب ابنتي، فقد وعدتها أن أصل بالوقت، هي اتصلت بي صباحا تخبرني بحالة ~~مربيتها الحرجة، كنت بالمكتب منشغلا بعض الشيء بتلك الفواتير التي يجب دفعها، ~~انشغالا لا يخصني على وجه الخصوص، فأنا أدفع المال لأشخاص ليهتموا بهذه الأمور ~~عادة، وها أنا أدفع لهم المال وأقوم بعملهم، حتى إنهم أخذوا عطلة أغسطس جميعا، لذا ~~توجب أن أشتغل لوحدي في العيادة، وها أنا تأخرت بسبب ذلك المشرد، وبسبب ~~انشغال السائق في الحديث. لن يصدقني أحد إن قلت إن السائق لم يرني عبر مرآته فقد ~~كان يتحدث إلى الشرطيين اللذين دفعا المشرد جانبا، سيكون ذلك مجرد تكهن ~~جميل لذكره في سهرة ما حينما يتحدث الجميع عن الأمور الغريبة التي حدثت معهم ~~ويثملون جميعا بعدها، لكن ماذا لو اعترفت أنني عرفت أن ما حدث توجب حدوثه؟ ~~وبما أنني أعلم ذلك فإنني أعلم صفة حدوثه؛ كان الشرطيان يتحدثان إلى السائق ~~بخصوص المشرد العربي، وكيف يجب على فرنسا أن تبيد هذه الأشكال من الحياة، كانا ~~قد انتهيا من مناوبتهما وتوجها إلى الحافلة بعد أن دفعا المشرد عن الطريق، ~~كانت عنصريتهما تجاه العربي، تفوق عنصريتي تجاهه؛ فعلى الأقل أرى أنه ما زال ~~بشريا كبقيتنا، إلا أن ارتباطاتي بقوميتي الأوروبية، وانتمائه إلى العرق العربي، ~~جعل مني شخصا غريبا عنه، جعله أدنى من أن يكون إنسانا، وجعلني أكون أكثر من ~~مجرد ذلك، امتيازات منحت لي بتقسيم غبي، قام به فرد من أجدادي نتاج نشوة تافهة، ~~نتاج أنانية حيوانية، ونسي الجميع أن الفرنسيين والعرب وبقية البشر من رحم ~~واحد. # لكن يجدر الذكر أنه لو أن المشرد لم يتقدم إلى الطريق ms18 ولم يتوقف هناك ~~يتأمل السماء، لما دفعه الشرطيان، لما منحهما موضوعا للتحدث بشأنه، لما ~~تعطلت عن الركوب، والأهم، لتمكن السائق من رؤيتي من خلال مرآته الجانبية، ~~ولجلس الشرطيان دون أن يزعجا هذا الأخير، لكن ها هو المشرد يجلس هناك، وبعدما ~~تسبب في كل ذلك ها هو لا يدري أنه وعن غير قصد، ومن دون وعي قد يكون أفسد يومي. ~~على كل تقدمت نحوه ووضعت الحقيبة جانبا، كان قد تفاجأ لفعلي هذا، وصرخت عليه ~~قائلا: لقد جعلتني أتأخر عن مهمتي. (صرخت حتى إنني جعلت الجميع يسمع ذلك) ~~كيف لك أن تجلس هنا غير مبال؟ اللعنة! ~~(أخذت نفسا ونظرت من حولي، ثم وبصوت هادئ يخفي الانفجار بداخلي): لم أنت؟ ~~لم أحدثك الآن وكأنني أعرفك؟ أنا لا أعرفك! ما تكون أنت؟ ~~(وضعت يدي على الطاولة أسند جسمي المنحني باتجاهه.) # اللعنة! (ولكمت الطاولة.) # واكتشفت أنه لن يجيبني، لم يفهم شيئا مما أقول، كان خائفا من المحاولة حتى، ~~فقد التصق بالكرسي الذي كان يستند إليه، وشعرت بيديه ترتجفان ولم يحاول قول ~~كلمة، بل ثبت نظره نحوي، التصقت عيناه السوداوين بي واتسعتا، وكأنه ينتظر ~~موتا محتما، أو يحاول توقع ضربة أوجهها إليه - تخيلت للحظة أنني لكمته ~~بيدي اليمنى، سيتراجع جراء القوة التي أثرت على ثقله، يرتفع رأسه إلى الخلف ~~في بادئ الأمر ويتجه إلى الخلف، ثم يستمر ما تبقى من جسده في أخذ نفس الحركة، ~~وينتهي به الأمر على الأرض. لحسن الحظ كانت فكرة فقط - كنت قد هدأت والتفت إلى ~~الطاولة التي كنت أجلس إليها سابقا، لمحت فنجان القهوة، جلبته ثم جلست بالقرب ~~من المشرد، وأنا أضع رأسي بين يدي أفكر في طريقة ما للتوجه إلى ~~العجوز. # ومن دون وعي رفعت يدي وأنزلتها بسرعة أضرب الطاولة. # اللعنة! # ثم رأيت يدا تتمدد نحوي وهي تحمل مائة فرنك، رفعت رأسي ورأيت العربي وهو ~~يقدم لي المال محاولا شراء هدوئي، لم ينبس ببنت شفة ولكنه قال الكثير ~~بعينيه. # أذكر أنني ابتسمت ساخرا وقلت له مع أنه لم يفهم ما ms19 قلت: أتعتقد حقا أن مائة ~~فرنك ستشتري زمنا لي ، أو أنها ستوقف أفعال القدر؟ # قبل أشهر من الآن، من جلوسي قرب المشرد. # تقدمت زوجتي إلى طائرتها؛ طائرة بمحرك واحد، كانت قد رسمت على بدنها صورة ~~ابنتنا وأسمت الطائرة باسمها. ~~«صوفيا». # كانت ترتدي زوجتي معطفها الجلدي البني، معطفا جلديا بجيبين، على أحدهما شعار ~~صقر الكندور - النسر الأمريكي - كانت تمسك بخوذتها، وهي تحمل حقيبتها الجلدية ~~تجرها إلى الطائرة، ركضت ابنتي نحوها. ~~- ماما، لا تغادري (تركض). # كنت أقف بعيدا عن الطائرة أراقب ابنتي تركض إلى والدتها، تقدمت صوفي إليها ~~وهي تصرخ: ماما، ماما خذيني معك (لم تلتفت، واصلت الركض نحو والدتها). ~~- عزيزتي، أحبك، ربما حينما أعود (قالت ذلك بينما عانقت صوفي التي تمسكت بها، ~~تنغمس في حضنها). ~~- أرجوك ماما، لا تغادري (دفعت برأسها إلى أعلى صدر والدتها تتمسك ~~بشدة). ~~- عصفورتي، الطائرة لا تتسع لنا جميعا (تنظر إلي محاولة أن تطلب مني ~~مساعدتها في إقناع صوفي)، والدك يحبك (خفضت رأسها إلى صوفي)، سيرعاك ريثما أعود، ~~الرحلة ستكون شاقة، وحينما تجهزين سنذهب في واحدة. ~~- خذيني معك (رفعت رأسها)، سأركب رفقة أنطونيو. # وناديتها: صوفي (استدارت في عجل إلي)، أنت تعطلين والدتك (نظرت أنا بعدها ~~إلى أنطونيو الذي كان يبتسم لي، رفعت يدي أشير إليه). # التفتت إلي ولم تعرني انتباهها ثم سرعان ما التفتت إلى كلمات والدتها: ~~عزيزتي، أنطونيو ميكانيكي، وله عدة يحملها معه. عصفورتي، أتعلمين أن أهم ما في ~~الطيران هو تدوين المعلومات؟ خذي مدونتي هذه واكتبي بها، حينما أعود ستملئينها ~~بشيء جيد (التفتت مجددا صوفي نحوي) سنقرؤه في رحلتنا إلى مراكش، سآخذك معي، ومن ~~هناك سنرى العالم بأسره، لدي صديق هناك ووعدني بطائرة أكبر. ~~- ماما، هل هذا وعد؟ (أمسكت بالمذكرة تنظر إليها.) ~~- أجل صوفي، أنا أعدك (تقبلها على جبينها). ~~- انتظري أنت لم تعقدي أصابعك. ~~- حسنا حياتي (تعقد سبابتها بالوسطى)، هي بهذا الشكل صحيح؟ ~~- أجل. ~~- أعدك عصفورتي، جهزي نفسك لمراكش، أراك بعد ثمانية عشر شهرا. # واستدارت طفلتي تعود إلي وهي تعانق مدونتها الزرقاء. ~~- أنطونيو أدر المحرك، ms20 دعنا نغادر. # وأشارت لي زوجتي بيدها، أذكر أنني لوحت لها أيضا، أرسلت لي قبلة، ولبست ~~خوذتها، أثناء ذلك اقتربت مني ابنتي، عانقتني وهي تبكي، ما كان لي كلمات من ~~أجلها، سوى أنني قلت لها: ستعود، هي دائما تعود، ثقي بي (حككت شعرها أدللها ~~وأنا أنظر إلى الطائرة). # قبل لحظات من جلوسي قرب المشرد ~~«بأحد المنازل الفرنسية بالجزائر» # أنا أشعر بالغضب، والدتي تخبئ عني شيئا ما، لا يجب على الوالدة أن تخفي عن ~~ابنتها أي شيء، بل يجب أن تكون أعز صديقة لها، أن تكون مجرة أسرارها، لكنها ~~تخفي شيئا، شيئا بعظمة وحجم المجرة التي توجب أن تكونها، وقد سمعت ~~أخبارا من ابنتي عمي، تخبراني بشيء تخفيه عني والدتي، ما حاولت استفسار الأمر ~~فقط، أنا حملت حقيبتي فقد كان يجب أن أخرج الآن لأتجه إلى الصالون، سأتجه ~~إليه فأنا لا أشعر أنني بخير، ثم إنه الوقت الذي يجب فيه أن أغادر المنزل، ~~وانخفضت وبلغت الباب الخارجي، كانت والدتي رفقة والدي، تقف عند الباب، توقفت وسط ~~السلالم، نظرت إلى كليهما، كان والدي يبتسم لي، ابتسامة مصطنعة تخفي توترا ~~أظهرته وقفته الغريبة، بينما والدتي تنظر إلي وعيناها تظهران حزنا عميقا، ثم ~~وخز والدي والدتي يدفعها إلى الكلام، قالت والدتي بكلمات متقطعة: سيلين، عزيزتي، ~~يجب أن نتحدث (متوترة بشكل واضح). ~~- ماما، أنا متأخرة (انخفضت عبر السلم)، يجب أن أتجه إلى الصالون الآن، ~~نتحدث فيما بعد. # قال والدي: عزيزتي (بجدية مخيفة)، أنصتي لوالدتك، الأمر مهم. ~~- لكن أبي ... (حركت يدي بحثا عن منفذ لتفادي الحديث) ألا يمكن تأجيل ~~الأمر؟ ~~- سيلين، والدتك ليست بخير (وقف خلفها يمسك بكتفيها)، يجب أن تتحادثا، الآن ~~عزيزتي. # واتجهنا جميعا إلى المطبخ، جلست كلتانا على الطاولة، بينما وقف والدي عند باب ~~المطبخ يحمل فنجان القهوة، كان ينظر إلي بحزن، كنت أعرف نظرات والدي، ما كان ~~يجب أن يتحدث أبدا لطالما طلبت أن ينظر إلى عيني لأعرف ما يشعر به، وبعد ~~صمت طويل قالت لي والدتي: عزيزتي، ماذا سمعت من ابنة عمك؟ (عينان ms21 حمراوان) ماذا ~~كتبت لك في الرسالة؟ ~~- ماما، أهو أمر يجب أن نتحدث عنه؟ (أنظر في تناوب سريع إلى كليهما) لا شيء ~~يهم، كانت تستفزني. # ثم قال والدي: عزيزتي، أخبري والدتك (نبرة حزينة). ~~- هو لا شيء يهم (خفضت رأسي أنظر إلى خاتم الخطوبة الذي أحركه بإصبعي). # وأردف يقول: عزيزتي (الكثير من الحزن والجدية). ~~(تملكني أثناء ذلك غضب شديد وبكيت لشدة الغضب ثم صرخت أضرب الطاولة): ~~أخبرتني أنكما لستما والدي. ~~(استمررت في ضرب الطاولة بقبضتي يدي.) ~~- هذا صحيح؟! ماما هل هذا صحيح؟ ~~(وبسرعة نظرت إليهما في تناوب.) ~~- استفزتني، حتى إنها قالت إنها تملك أدلة على ذلك، وأنني لست بفرنسية؛ أنني ~~ابنة همجية من إحدى القرى العربية. هل ما ذكرته صحيح؟ أجيبا. # حتى إن والدتي شاركتني البكاء، كانت قد أخفت وجهها بيديها، لا تفعل شيئا سوى ~~أنها شرعت تبكي في صمت، لم تقل شيئا. اقترب والدي بشدة وأنا أستمر بالبكاء، ~~أصرخ عليهما: ماذا أكون؟ هل هذا ... بابا، قل شيئا، هل أنا ابنتكما؟ # قال والدي: سيلين، تعلمين أننا نحبك، أنت ابنتنا لا تنسي ذلك، حتى وإن ~~... # نظرت إلى والدتي موجهة إليها الكلام: حتى ماذا؟ ماما، تكلمي (بكت من دون أن ~~يبتعد نظرها عني). ~~- عزيزتي، والدتك تشعر بالاستياء، لكنها تحبك، أنا أقسم أنها لن تعيش من ~~دونك. # ثم وخزها قائلا: عزيزتي أخبريها. ~~- تخبرني ماذا؟ # رفعت والدتي رأسها ببطء، أمسكت بكلتا يدي وقالت: ما أخبرتك به ابنة عمك ~~ساذج ومن دون معنى (توقفت ثم أضافت)، أنت ابنتي ولن يأخذنك مني بشر. ~~- ماما (صرخت). ~~- الأمر ... (وبتردد نتج عنه كلمات متقطعة) الأمر صحيح. # أذكر أنني لم أنبس ببنت شفة، ركضت إلى غرفتي، كنت أبكي بشدة، كان الأمر ~~صحيحا، لست سوى فتاة متبناة، ثم تذكرت كل تلك السنوات، لست سوى عربية ~~بحياة فرنسية، تذكرت جلول الشاب العربي الذي هزأنا منه أنا وصديقاتي حينما كنا ~~نرفع تنانيرنا له، وحينما يخفض عينيه نشتمه ونحتقر بدائيته وهمجيته، تذكرت ~~حينما نظر إلي بوقاحة، بكره وبغضب، تذكرت فرحتي لما كنت أسمع اعتقال رجل ~~عربي، ms22 أو لما ينكلون بعائلة عربية، وأنا أشجعهم من الشرفة ، تذكرت كل شيء، ~~تذكرت كل شيء إلا انتمائي الوحيد، وها أنا أبلغ أشدي ولا أعرف من أنا أو لمن ~~أنتمي، حملت قبعتي وخرجت راكضة من المنزل، لحقني والدي وهو يصرخ: سيلين، ~~سيلين، توقفي لحظة، سيلين. # لما ابتعدت التفت للمرة الأخيرة، رأيته يجلس على ركبتيه يبكي أشبه بصبي ~~صغير، ما كان يجب أن أغادر المنزل، كنت أحبهما، كانا والدي، وركضت أبكي ~~متجهة إلى الصالون، وأخفيت ملامحي بقبعتي، أركض في سرعة، وبعد مدة بلغت ~~شارعا، قطعته بسرعة، لكنها كانت أبطأ في لحظة واحدة، سمعت صراخ البشر من حولي، ~~أصواتا كثيرة لم أفهم منها سوى ... # احذري. # ورافق الصراخ، أبواق السيارات، رفعت قبعتي بسرعة والتفت إلى جانبي، كانت ~~الحافلة أقرب بكثير، وخلف الزجاج، يفعل السائق كل ما في مقدوره ليوقفها، وبتباطؤ ~~الزمن، فكرت في كل شيء، ما كان يجب أن أغادر المنزل وتمنيت لحظتها أن أعود إلى ~~ماما، أن أخبرها أنني أحبها، أن أعود إلى والدي، أن أساعده في الوقوف، أن أمسح ~~دموعه وأعانقه، لكن فجأة تسارع الزمن. # قبل 42 سنة من جلوسي قرب المشرد، # أراضي «فارم دو شيلون» # اقترب العربي من القرية بعد مسيرة أيام رفقة ابنه محمد، كانوا قد قطعوا أميالا ~~قبل أن يبلغوا الحدود الشمالية لتلك الهضاب الخضراء، صنعت زراعة الكروم معظم تلك ~~الخضرة. أراض شاسعة يملكها الفرنسيون، ويقيمها العرب ويحفظون استمرارها، وقد ~~انتقل العربي وابنه لسبب وجيه، سبب اكتشفه ابنه بعد سنوات، فلن يتنقلا للنزهة في ~~أرض كهذه تتسع لتبلغ كل الأماكن، فتختلف الحرارة في كل مكان، وباختلاف الحرارة، ~~يختلف تساقط الأمطار، ونسبة المطر والحرارة، تخلقان نوعا من الانتقاء الطبيعي، ~~فتتقسم الطبيعة نفسها إلى أنواع عديدة، فتتغير الموجودات والكائنات وحتى البشر، ~~وبتغير البشر تتغير الطباع والعادات والمفاهيم. هذا العربي قدم من الجنوب، ~~والشمال يخالف الجنوب في كل شيء، إلا أن سببا وجيها دفعه ليسير كل هذا المسير؛ ~~معرفته أن من طلبه سيتجه جنوبا مجددا، جنوبا إلى مدى بعيد، مدى ربما لم ms23 ~~يبلغه قط العربي وابنه، وقد كان ذلك أشبه بتحد له ؛ ماذا يوجد إن تعمق أكثر ~~جنوبا؟ ماذا يوجد خلف هذا الجنوب؟ كان السيد الفرنسي يجلس عند مدخل بيته الشاسع، ~~المشيد على الطريقة الإسبانية، كان قد شيد قبل مائة سنة، مائة سنة من مولد ~~السيد الفرنسي. اقترب العربي ودنا من السيد الفرنسي الذي أحاط به بعض العرب ~~يتقدمهم مترجم، وكلبة تجلس في هدوء. جلس الجميع عند المدخل، وكان أشبه ~~بحديقة صغيرة. رفض العربي أن يأكل شيئا مما عرضه السيد الفرنسي، كان يتعجل ~~إنهاء الأمر، وقد سأل عن إمكانية التعجيل في الذهاب جنوبا، كان الفرنسي رجلا ~~لبقا، وقد اشترط أن يجلس الجميع معا لوجبة العشاء قبل التحدث، ثم إنه من الجيد ~~التحدث والبطون ممتلئة. فكر العربي بذلك، كان على ابنه أن يأكل شيئا، وقد ~~وافق على ذلك من أجله فقط، لم يكن معتادا على البقاء بالبيوت لوجبة العشاء ~~وللسمر، فمكانه في الخارج وسط الصحراء، إلا أن الضرورة هذه المرة ستدفعه إلى ~~التريث قليلا. ليس سيئا أن يجلس الجميع لتناول الطعام والتحدث، ربما سيتعلم ~~ابنه كيف يكون الحديث وسط الكبار ووسط النبلاء، ربما سيتعلم كيف يعامل ~~الفرنسيين، بعد الأكل. تكلم الرجل الفرنسي، كان قد أخبرهم أنه يجب التوجه إلى ~~الجنوب الغربي، ستحمل القافلة بكل اللوازم، سيتسلح الرجال، ربما البعض فقط، ~~فلا حاجة لهم لكل ذلك الحذر. وتساءل العربي عن سبب التوجه إلى الجنوب الغربي، لا ~~شيء هناك سوى الصحراء التي تنتهي إلى البحر الكبير (المحيط الهادئ) كان قد ذهب عدة ~~مرات إلى هناك ولا شيء هناك سوى بعض البدو والكثير من الحديد، وكان السيد الفرنسي ~~يود اكتشاف مكان ما بالجنوب به قبيلة محلية عرف عنها قدرة استرجاع الموتى، ~~أسطورة أخبره بها أحد البرتغاليين الذين ينقلون الماس من الجنوب، حتى إنه أقسم أنه ~~رأى صديقه يعود إلى الحياة، وقد فكر الفرنسي أن الجنوب الغربي هو الوجهة، أن تلك ~~القبيلة بمكان هناك، ربما ستتيح له فرصة استرجاع زوجته المنتحرة. اعتبر العربي ~~أن ذلك مضيعة للوقت، ms24 ونصح بالتوجه إلى الجنوب دون التفات أو ما شابه ذلك ، ~~التوغل إلى قلب القارة هو أفضل وجهة، لأنه حينما تتسع اليابسة وتبتعد عن ~~البحر ستجد كل شيء، أخبره أن المعجزات لا تقبل الضيق ولا ترضى بالبحار، الأساطير ~~تولد بقلب اليابسة، بأعمق نقطة فيها، كما ولد الإسلام بقلب الصحراء، تعالت ~~أصوات العرب تلك الليلة، مجدوا الرب لكنهم اعتبروا ذلك خطيرا، الجنوب يحوي باب ~~الجحيم (وهي أسطورة العرب عن كون الجنوب بابا للجحيم) وأنه لا يمكن لأحد أن ينجو ~~هناك، وحتى قبل أن يقترب من باب الجحيم، فإن قطاع الطرق يستقرون هناك هربا من ~~الحكومة الفرنسية ومن المقاومة. كانت تلك رحلة انتحارية فكر بها العربي، لكن السيد ~~الفرنسي أعجبه ما سمع منه؛ سيسيرون إلى الجنوب، سيتوغلون إلى قلب القارة، سيبلغون ~~باب الجحيم، وسيتجاوزونه إلى ما خلف ذلك. وكان للعربي فكرة غريبة تخالف ما عرفه ~~باقي العرب، فكرة أن ما خلف الجنوب يوجد الشمال، وقد اتجهت القافلة إلى وجهتها، ~~لم تبتعد كثيرا؛ حوالي 340 ميلا جنوبا عن القرية، قبل أن تدفعهما المقاومة إلى ~~العودة، توفي العربي في تلك الرحلة وعاد الفرنسي بابنه (ابن العربي وكان اسمه ~~محمد) إلى القرية، مرت سنوات وجلس الرجل الفرنسي قبالة باب بيته الإسباني مرة ~~أخرى، جلس قرب كلبة أخرى، فقد توفيت تلك الكلبة التي توجهت معه جنوبا. كان ~~أعجز من أن يقوم بمغامرة أخرى وحده، حتى إنه قام بنشر تلك الأسطورة وسط كل ~~الأثرياء الفرنسيين، ما يوجد بجنوب الصحراء أغلى من كل الأراضي، أغلى من الذهب ~~والألماس، واجتمع العديد من الرجال ببيته في عدة مناسبات للتحدث عما يوجد ~~بالجنوب. كبر الصبي (ابن العربي) في العمل هناك رفقة السيد الفرنسي، ورافقه في كل ~~ما قام به من الأعمال، واستمروا على تلك الحال إلى أن اقترب رجل مرة أخرى من باب ~~الفرنسي، اقترب رجل جريء، ومثلما كنت أسرد، كان السيد الفرنسي يجلس بمدخل منزله، ~~تجلس إلى جانبه كلبة أخرى. دنا السيد منه، وقام أحد الخدم بتقديمه. # قال السيد الفرنسي: أرجو ms25 ألا أكون قد أطلت عليك، ميسيو جاك (وجلس إليه لشرب ~~الشاي ). # قال صاحب البيت: لا، لا، ميسيو جوناثان (أشار له باحترام)، إنه يسعدني أنك ~~بلغتنا سالما، هل سنتحدث بخصوص الرحلة؟ # أجاب السيد في سرعة: أجل، أكيد، لا أود أن نضيع مزيدا من الوقت. إذن هل تم ~~الأمر؟ ~~- آسف، أعتقد أن هناك مشكلة. ~~- أي نوع من المشاكل؟ (بجدية.) ~~- أقصد أن فتانا تزوج. ~~- وسيمنعه ذلك من مرافقتنا؟ ~~- ربما. ~~(فكر وهو يضع يده على فمه.) ~~- إذن (تساءل صاحب البيت وهو يرتشف مزيدا من الشاي). ~~- حسنا دع الأمر لي، سيكون من الجيد لو ألتقيه شخصيا. ماذا لو استضفته ~~هنا؟ ~~- سأعمل على ذلك (فكر قليلا)، وهل ستخبره بهدف الرحلة؟ ~~- أعتقد أنه يجب أن نبقي ذلك لأنفسنا، لتفادي الأقاويل، أنت تعرف العرب وباب ~~الجحيم الخاص بهم. ~~- هناك شيء إضافي. ~~- أجل، تفضل رجاء، كلي أذان صاغية ميسيو جاك. ~~- سأرافقكم. ~~(لم ينبس السيد ببنت شفة.) ~~- حسنا لن أتوجه أكثر من نصف الطريق. ~~- آه، وما الهدف؟ (في تعجب واضح.) ~~- لنقل إنني سأستقر بمكان هناك، في انتظار عودتكم، يجب أن أكون أول من يرى ما ~~جلبتموه. ~~- جيد، ربما (فكر قليلا)، حسنا سيكون لك ذلك. # قبل 70 سنة من جلوسي قرب المشرد # مكان ما بالحدود الفرنسية الإسبانية # وفي ليلة مظلمة، لم يظهر شيء من كل تلك الأشياء المحيطة، ولم يسمع شيئا سوى ~~صوت أرجل وهي تضغط على العشب جراء الركض، لم ير شيئا ولم يسمع شيئا حتى ~~اقتربت تلك الفتاة العشرينية في صعوبة إلى باب الدير، وقبل أن تبلغه سقطت أرضا. ~~ليس من السهل أن تسير لأميال بعد أن تفقد حصانك الذي أنهكه السفر، تمسكت بمسكة ~~الباب الدائرية، كانت تتألم، ومن دون قدرة صرخت صرخة مدوية، كانت تلك الصرخة ~~كفيلة بإيقاظ كل قاطني الدير، التفتت خلفها في ألم، تمسك بطنها المنتفخ، ~~وبيدها الأخرى تتمسك بالمسكة الحديدية تمسكا. نظرت إلى الخلف، لا شيء هناك ~~سوى الظلام، لكنه يمكن أن يحوي كل أشكال الخوف والألم بسواده ذلك، نفس أشكال الخوف ~~التي واجهتها خلال ms26 رحلتها، وكالعادة لا يمكن أن تثق في ذلك السواد. تنقلت ~~لثمانية أشهر تبحث عن هذا الدير، لقد فقدت كل شيء، وليس لها ملجأ سوى رجل يقطن ~~بهذا الدير، رجل تلا العهود ليلة زفافها، وهو دليلها الوحيد على أنها زوجة اللورد، ~~لن يصدقها أحد - خاصة وإن كانت تظهر أشبه بعاهرة ببطن منتفخ تسبب فيه أحد ~~الجنود - ليس وهي على هذا الشكل، يجب أن تستعيد كل شيء، وهذا الرجل خلف سور الدير ~~هو منقذها، إنه الشخص الوحيد الذي تذكرته، والسعادة تجعلك تتذكر كل شيء، هي ~~تذكر أنها وقفت أمامه في سعادة يتلو عليها العهود، تذكر كلماته المقدسة: اشبكا ~~أيديكما معا، وانظرا إلى قلبيكما، فبعد الآن لن يؤذيكما المطر، أنتما مأوى هذا ~~الحب، بعد الآن لن تشعرا بالبرد فكلاكما لباس دافئ للآخر، بعد الآن لن تشعرا ~~بالوحدة، فسيكون كل واحد منكما رفيقا للآخر، أنتما الآن جسدان، لكن بروح واحدة، ~~وستجمعكما حياة واحدة، ولتكن حياتكما طويلة، أيامكما مديدة، وليبسط عليكما الرب ~~بركته الأبدية. # أيها اللورد قبل زوجتك، أيتها السيدة قبلي زوجك. # علمت الفتاة أن الأب هو أصدق رجل قد رأته على الإطلاق، على الأقل هو الوحيد ~~الذي آمن بحبها للورد، وأن ما جمعهما كان من أقدس قدسيات الحياة، كان يجب ألا ~~تموت هذه الليلة، ليس بعد، ليس قبل أن تنجب هذه الفتاة بداخلها. ارتفعت في صعوبة ~~تامة، تألمت بفعلها لذلك، ليس هناك فرصة أخرى، صرخت جراء الألم، نظرت إلى ~~الأسفل، يخفي بطنها مستقبلا رائعا، ثم وبعد ألم شديد أمسكت قبضة الباب ~~الدائرية بكلتا يديها، وبقوة قامت بدق الباب في سرعة، لم تود أن تتوقف فقد خافت ~~فكرة أن تتوقف فتعجز عن دق الباب مرة أخرى، كان يجب ألا تتوقف عن دق الباب ~~حتى يستيقظ الجميع، ودقت الباب عدة مرات، صرخت بكل ما أوتيت من قوة: آآآآآآآه ~~(تألمت)، رجاء ... # التفتت وهي تقف في انحناء تستند على الباب متمسكة بتلك الحلقة ~~الحديدية. ~~- رجاء (بصوت يكاد يسمع)، أوف ... أوف ... أوف (أخرجت الكلمات بسرعة تنفسها الذي ~~ساير الكلمات)، ms27 آآآآآآآه (صوت يكاد يسمع). نظرت مجددا إلى النوافذ، لا نور هناك، ~~كانت قد فشلت في إيقاظ الجميع، وكان ألمها يمنعها من فعل أي شيء، تشجعت، وفكرت ~~أنه يجب أن تنقذ الفتاة في بطنها، ثم بقوة دقت الباب مرات عديدة، وسقطت أرضا ~~بعد ذلك، كانت تنظر إلى السماء، وقد رأت النجوم هناك، تخيلت وجه زوجها، ثم أغمضت ~~عينيها جزئيا. أنار ضوء ما المكان عند وجهها، يخفي خلفه وجه رجل طاعن في ~~السن، ولما أزاح الرجل مصباحه الزيتي، علمت الفتاة أنها أنقذت ابنتها. لم تخبره ~~بشيء، لم تشرح له ماهيتها، لم تعد مهمة، لم يعد شيء مهما غير ابنتها، وقال ~~الرجل في ذهول: ج... (قاطعته الفتاة تضع يدها على شفتيه تمسك كلامه.) # وقالت وهي تتنفس بسرعة: صوفي، سيكون اسمها صوفي (بصوت متقطع). # | القسم الثاني # في مساء ذلك اليوم توفيت تلك العجوز، لم تأت الحافلة الثانية قط وتأخرت ~~بالفعل، وفي طريق العودة كنت أجلس بالباص إلى جانب ابنتي حينما فكرت بذلك، كرهتني ~~ابنتي بسبب ما فعلت، ولم يكن هناك من طريقة لأخبرها كم أنا متأسف، لكنني كنت حتما ~~سأكذب بخصوص ذلك، وكنت أكره أن أفعل ذلك، فأنا لم أشعر بالأسف، ليس بشكل رئيسي، بل ~~بالغبطة، الإحساس الوحيد الذي يتملكني في هذه الأثناء هو غضبي تجاه القدر، هزمني ~~مرة أخرى، وأخذ مني إنسانا آخر، التفتت إلي ابنتي، وأخبرتها أن أمها بالصحراء ~~وهي تشتاق إليها في آخر رسالة منها - كانت تسند رأسها تنظر عبر النافذة - لم تكلمني ~~ابنتي حول الأمر، هي تشتاق إليها أيضا، وهي تفكر على الأرجح أن والدتها كانت ستنقذ تلك ~~المربية العربية، أو على الأقل ستفعل ما بوسعها، تعتقد أنني لم أفعل ما يكفي، كنت ~~مجرد حقير آخر، بل ربما أول حقير تلقاه بحياتها، حقير تتصل به في رباط أرغمت عليه ~~يوم أطلت على هذا الوجود، وأنا متأكد أنها تفضل أن يكون لها والد غيري، فأنا حسبها ~~من سيئ، وهي لا تذكر أنني أمضيت وقتا إلى جانبها، وهي محقة، حتى إنني لا ms28 أذكر ذلك، ~~فقد كان يجب على أحدنا أن يحصل على مال لتغطية تكاليف حياتنا المترفة، لكنها أصغر من ~~أن تعي ذلك، عدا أنني وفرت لها كل شيء وهي على الأقل لم تنكر ذلك، كانت تحب هذا ~~المكان برغم حرارته العالية، وقد فهمت ذلك الحب، هي ولدت هنا وهي تشارك العرب ~~حبهم لهذا الوطن، حب لا يمكن أن يشعر به أحد آخر، كانت تحن على العرب، وكانت ~~تقدر تلك العجوز العربية، لدرجة أنها لم تتوقف عن البكاء عند وفاتها، حتى إنها ~~ألحت على مرافقة العرب إلى المقبرة، وكان للعرب عادة تمنع سير النساء معهم إلى ~~الدفن، وقد أجاز لها أحد شيوخ العرب أن ترافقهم من دون دخول المقبرة، لا أعتقد أنها ~~ستبكي بذلك القدر يوم وفاتي، فلست سوى والد بيولوجي بالنسبة لها، وكنت أمقت حالتي ~~هذه، لكنني فطرت على هذا، حتى إن والدتي أخبرتني أن جدي كان بمثل طباعي وأنني ~~أشبهه لدرجة مخيفة. لم تصدق والدتي كيف تكرر حدوث ذلك، كيف يمكن أن أكون أنا ~~ووالدها بوجه واحد وفكر واحد وبروح واحدة، جعلها ذلك تفقد رشدها وكانت تقول لوالدي ~~أن جدي لم يمت قبل زمن وإنما هو يعيش بجسدي، وكانت تسألني دوما إن كنت أذكر ~~الحروب النابليونية، كان ينعتها والدي بالمجنونة، كان يأخذني بعيدا وهو يقول: لا ~~تعر والدتك اهتماما، إنها مريضة بعض الشيء (يحضنني). ~~- بابا (أمسح دموعي)، لم والدتي مريضة؟ (أفعل ذلك وأنا أحمل رسمة لجدي.) ~~- لا تقلق، ستكون بخير، إنها تشتاق إلى جدك. ~~(يشير إلى الرسمة.) # لكنك أنت وحدك، أنت فريد من نوعك. ~~(بإصبعه على جبيني.) # ربما تشبه جدك قليلا، لكن الأمر طبيعي، إنها الوراثة، كان جدك رجلا حاسما، لكنك ~~فريد من نوعك، لم يكن بإمكان أحد أن يدفع جدك عن تحريك رأيه. # حتى إنه خسر 100 رجل في إحدى المعارك جراء صرامته ... وقد لقب بالرجل الذي لا يمكن ~~تحريكه، لكنك واحد في هذا العالم، أنت فريد بني. بعد مدة طلق والدي والدتي، كانت ~~مريضة وازداد مرضها حينما أصبحت ms29 تناديني بوالدي، ما تحمل والدي ذلك الأمر، واتجه ~~يعاقر الخمر لينسى، كنت قد جعلت والدتي مجنونة، لسبب ما كنت أنا من دفعها إلى ~~الجنون، وجعلنا ذلك نخسر والدي، توفيت والدتي بعد أن انتحرت بغرفتها، فعلت ذلك حينما ~~منعها الجميع من مقابلتي، ما تحملت فقداني، أو فقدان والدها - حسب ما اعتقدت - ~~واتجه والدي ليختبئ بمكان ما في هذا العالم، تخلى عن كل شيء، واختفى فقط، وعشت رفقة ~~جدتي بفرنسا، ولسبب ما كانت تعي ما أنا عليه، لم تحدثني يوما عما حدث لنا، لم ~~تحدثني عن جدي بشكل مفصل، بل اكتفت ببعض الأمور، قالت فقط إنني وإن كنت أشبه ~~جدي، فالأهم أن أعيش حياتي بكل ما تحمله كلمة الحياة من معنى، إن كنت حقا جدي، ~~فإنه إن حدث ذلك، فيجب أن أعيش أيضا الحياة، وبأخطاء أقل، كنت قد جهلت كجهل الأطباء ~~مرض والدتي، صدقتها جدتي بطريقة خفية، صدقت أنني زوجها كذلك، لكنها كانت ~~ولغاية ما تخفي ذلك التصديق لنفسها، أما البقية فصدقوا قول الأطباء بخصوص مرض ~~والدتي، لم أصدق أنا ذلك، وشاركت والدتي وجدتي ما تصدقان، ليس لأنني كنت أعرف ~~شيئا، وكيف لي أن أعرف شيئا وأنا بالخامسة؟ لكنني آمنت أن والدتي كانت على حق، ~~وفعلت ذلك لإنقاذها، أو هذا ما وددته، وأعتقد أن هذا السبب في اختياري للطب، أردت ~~دوما أن أفهم ما حدث لوالدتي؛ لذا لم يكن لي اليوم حيلة ما، لا أحد يمكنه أن يتفهم ~~وضعي، فأنا لا أكره البشر بل أكره القدر، هو يعاقبني بالبشر فكرهتهم ليس إلا ~~لأنهم العقاب، مثلما يكره العبد أداة السوط فيشمئز عند رؤيتها. # الكولونيل دي لا بوت # كثيرا ما قصت لي جدتي عن الكولونيل دي لا بوت، أو المعروف بالرجل الذي لا يمكن ~~تحريكه، وهو مثل العديد من الرجال الذين لن يذكرهم التاريخ، سيندثر اسمه من بعدي؛ ~~فأنا لا أود أن أذكره لابنتي أو لأي شخص آخر، وسيبقى مجرد شخص خيالي بذاكرتي ~~مثلما كان في طفولتي، كانت روايتها مركبة بعض الشيء؛ ذلك أنها ms30 كانت تجهل زوجها، ~~أشبه بجهلي له، وأخذت زمنا قبل أن أفهم شخص دي لا بوت، جدي الكولونيل المجنون. ~~كانت تجلسني إلى جانبها، ثم تقص لي أعظم إنجازاته، لم تكن عظيمة إلى ذلك الحد، ~~لكن جدتي رأت ذلك نتاج الشهامة التي عرف بها دي لا بوت، احترام رجاله له مكنه من ~~الحصول على منزلة رفيعة بقلب جدتي، مع أنه لم يكن يعر الأمر اهتمامه، وأحبته ~~جدتي بعد مدة، جدتي التي تزوجته كخطة خاطتها كلتا العائلتين، أضافت جدتي ~~أنها اختارت ذلك أيضا مع أنها كانت تحب شخصا آخر، لكن مغرية هي فكرة الزواج ~~من كولونيل مرموق، لورد دي لا بوت كان صفقة جيدة لتأمين مستقبل العائلتين. اعترفت ~~جدتي خلال حكاياتها بخيانة ما أحست به مع الرجل الآخر، اعترفت بتمردها على ~~الحب الذي جمعها بعاشقها الأول وعلمتني بذلك درسا عن الحب، أن تتحدث لطفل ~~في الخامسة عن أشياء أشبه بالخيانة والحب والأنانية أمر غريب ونادر الوجود، لكن ~~جدتي تلونت ببعض من طباع دي لا بوت الرجل الذي لا يهمه سوى ما يؤمن به، حتى ~~إنها أخبرتني بأنه فقد 100 رجل في إحدى معاركه من أجل فتاة أخرى أحبها أيام ~~زواجه بجدتي، لو لم تخبرني جدتي بأن ارتباطهما كان خطة لا أكثر، لتساءلت كيف ~~لها أن ترضى بما فعل. أذكر أنني سألتها إن كانت حزينة، فضحكت وأخبرتني أنها ~~أحبت دي لا بوت لدرجة دفعتها إلى تقبل كل الخطايا التي ارتكبها. إن تلك الخطة ~~تحولت بعد سنوات إلى حكاية حب. من المؤكد أن جدي دي لا بوت ما كان يشعر بمثل ~~ما شعرت به جدتي، إلا أنه سايرها في تلك العملية حفاظا على كلمته، أن ينهي ~~حياته إلى جانبها وأن يشيخ معها. كان من أعظم وأقدس القرارات التي اتخذها، والرجل ~~الشهم بعقل جدي دي لا بوت هو رجل لا يتراجع عن قراراته وإن اختلفت النتيجة عما ~~توقع. أعتقد دوما أن القوة تكمن في تحمل نتائج الاختيار، وحسبه أن يتحمل ~~نتائج اختياراته على اختلافها فهو رجل ms31 قوي، لذلك تحمل دي لا بوت وفاة 100 من ~~رجاله، تحمل كذلك وفاة تلك الفتاة منتحرة في غرفتها بقلعة زوجها، بعد أن ~~حاصرهم جدي ورجاله لمدة 20 يوما، تحمل كذلك فكرة أنه قتل على يد مزارع ~~شاب بعد سنوات حينما اتجه إلى دير في الجنوب. # ذكرت لي جدتي أن والدة دي لا بوت حكت لها هذه الحادثة بعد أن سمعتها من شخص دي ~~لا بوت نفسه؛ معركة جوانا. # ثم تجهز الكولونيل للمعركة بعد أن استعجل التخطيط لها وتحرك إلى قلعة رجل آخر ~~كان قد أحب دي لا بوت إحدى زوجاته (جوانا) وعلى رأس جيش صغير كان قد بلغ ~~الكولونيل القلعة وأحاط بها يحاصرها لأيام، كان قد طلب من اللورد أن يسلمه جوانا، ~~وأن تلك هي الوسيلة الوحيدة لبقاء سكان القلعة في أمان، ومنح دي لا بوت اللورد ~~أياما قبل أن يهجم، أخبره أنه رجل له كلمته، وأنه إن قال أنه سيسمح له بالعيش فإنه ~~سيحدث ذلك، وإن هو قرر قتل الجميع فإنه لم يخلق الرب بعد شخصا سيمنعه من ~~فعل ذلك. كرامة اللورد دفعته إلى الامتناع عن تلبية طلب الكولونيل، فكيف له أن ~~يقدم زوجته جوانا كثمن مقابل حياته، وكان له رجال من حوله يدفعونه إلى مجابهة ~~الكولونيل، يملئونه شجاعة وقوة للتصدي لهذا المجنون الذي أتى ليأخذ جوانا، بعد ~~أيام رأى اللورد أنه لا مجال للبقاء خلف الأسوار وأنه يجب أن يخرج إلى دي لا بوت، ~~كانت النساء داخل القلعة قد اخترن أن ينتحرن إن هو انهزم اللورد، واعتزمن أنه ~~لن يبلغهن الكولونيل وهن على قيد الحياة، وقد شهد سكان القرية القريبة من ~~القلعة على حدث المعركة، حتى إنهم ذكروا أنهم لم يروا يوما جثثا تملأ المكان من ~~قبل على نحو مخيف مثلما حدث في معركة جوانا، خسر دي لا بوت 100 رجل قبل أن يتمكن ~~من قطع رأس اللورد، واتجهوا يبيدون كل حياة خلف أسوار القلعة، وفي المساء دلف دي ~~لا بوت إلى داخل القلعة وسط صيحات الرجال، الكل ms32 ينادي بعظمة اللورد، يتحرك بعضهم ~~لجمع الجثث بينما اشتغل الآخرون في حمل ممتلكات اللورد المهزوم، وتبع الكولونيل ~~بضعة من خيرة رجاله إلى داخل القصر ودلفوا جميعا، بعد مدة اقترب الجميع من غرفة ~~الفتاة، إحدى زوجات اللورد المهزوم، الفتاة التي أحبها دي لا بوت، مع أنها لم ~~تلتقه من قبل سوى أنها سمعت في كثير من الأحيان أن الكولونيل المجنون قادم من ~~أجلها، كان الجميع يقف قبالة الباب الخشبي المزدوج، شهروا أسلحتهم وصرخوا صرخة ~~واحدة يخبرون الكولونيل باستعدادهم لكسر الباب، وغرابة القصة تكمن فيما حدث بعد ~~الصرخة، جدتي كانت دوما ما تقص لي الحكاية بنفس الشكل، مع أنني تخيلت دوما ~~أن ما حدث مغاير لذلك، وكأنه حدث معي، رأيت ما حدث بعد الصرخة، حتى أنها وفي كل ~~يوم تكرر قص الحادثة، أسمع تلك الصرخة، صرخة الرجال الواحدة، وأتخيل نهاية ~~الحكاية بما شعرت أنه حدث، كان يتملكني إيمان قوي أن ما حدث لا يعرفه سوى دي لا ~~بوت وحده، ربما ليس وحده، لكنه احتفظ بما حدث لنفسه، وما روي لي كان شيئا ~~آخر. # قد يتساءل الجميع عن السبب الذي دفع بجدتي لتقص علي حكاية الكولونيل، حتى ~~إنني تساءلت بدوري، واكتشفت السبب لاحقا، حدث الأمر في الثالثة من عمري، كنت ~~يومها بإحدى الغرف ألعب ببعض الدمى الخشبية حينما دلفت علي والدتي، كنت أعيد ~~حكاية القصة بواسطة تلك الدمى، يومها كنت أجهل القصة، حكاية دي لا بوت كانت مجرد ~~تخيلات طفل في الثالثة، تخيلت دوما أن بعضا من الدمى هاجمت قلعة لإنقاذ ~~الفتاة المنتحرة، وبلعبة خاطها القدر دلفت والدتي لتسمعني ألعب القصة وعلى لسان ~~دي لا بوت الجبار. جلست إلى جانبي كأي أم عادية، جلست تراقبني، ثم انتبهت إلى ~~أن اللعبة هي ما حدث مع والدها الكولونيل، ثم تساءلت في بادئ الأمر، كانت تسألني ~~في كل مرة أحرك فيها الدمى عن سبب فعلي لذلك، واتضحت لها القصة وكأنها تعيشها ~~من جديد، أو أن والدها يحكي لها الحادثة، أذكر أنها ركضت بعيدا عني، لم ألاحظ ms33 ~~لحظتها مدى تأثرها بلعبي للقصة، مع أنني كنت أجهل يومها أن ما ألعبه كان قد حدث ~~قبل سنوات من مولد والدتي، بعد دقائق امتلأت الغرفة بكل العائلة، حتى إن بعضا ~~من الخدم تسللوا لرؤية الأمر، دنت مني والدتي وطلبت من الجميع أن يصغي للعبي، ~~وأعادت طرح الأسئلة في كل حركة أقوم بها، كان الجميع ينظر في ذهول، استغرب الجميع ~~معرفتي للقصة، وببراءة طفل اعتقدت أنهم يودون اللعب معي، أو أنه يعجبهم ما ~~أفعل، فأكثرت من سرد القصة، أحرك دي لا بوت وجيشه من الدمى، أجعله ينتصر، ~~ويصل إلى غرفة الفتاة المنتحرة، كانت الفتاة دمية رجل خشبي جعلتها تبدو أشبه ~~بأميرة، التفتت والدتي إلى الجميع ثم سألتني من أخبرني بالقصة، أذكر أنني رفعت ~~رأسي أجول ببصري في كل الزوايا، أنظر في وجوه الحضور، أحاول أن أجد شخصا قص لي ~~الحكاية، وما كان بمقدوري أن أخبرها أنها مجرد قصة ألعبها من نسج خيالي، لم يذكر ~~لي أحد قبل هذا اليوم اسم دي لا بوت، ثم اكتفيت بالقول إنني أعرف القصة، التفتت ~~والدتي في حيرة إلى والدي، واتجهت ببصرها إلى جدتي، أنكر كلاهما الأمر، لم يرو ~~لي أحد ما حدث مع الكولونيل، أذكر أن والدتي لم تتجاوز الأمر قط، ثم صرخت في ~~أنحاء المنزل لأيام تخبرهم أنني مجنون، ثم ترسب بعقلها أن المجنون ليس بمقدوره ~~اكتشاف حادثة في الماضي، خاصة وإن لم يكن هناك توثيق لها، ثم فكرت مجددا في كل ~~الاحتمالات، إن كان هناك توثيق لما حدث فأنى لطفل بالثالثة أن يحصل عليه، وأكثر ما ~~أرق والدتي هو تجسيدي لنهاية الحادثة والتي تخيلتها مخالفة لما حدث مع دي لا بوت في رواية الجدة، وتساءلت: كيف لصبي أن يعرف القصة، وأن يروي النهاية بشكل ~~آخر؟ إن أخبره أحدهم عنها فإنه سيعيد قصها بنفس الشكل، ربما سيتخيلها بطريقة ~~طفولية، لكنه لن يغير القصة أبدا، فتغيير القصة، سيحطم سنوات من الاعتقاد بأن ~~جدي رجل لا يمكن تحريكه، بأنه من دون قلب، بأنه عاد إلى جدتي ms34 حينما وجد الفتاة ~~منتحرة. ستتغير نظرة جدتي لدي لا بوت، سيكتشف الجميع حقيقة ما حدث، إذن كيف لي أن ~~أعرف القصة وبنهاية أخرى؟ حملتني جدتي إلى غرفتها وقصت لي القصة، أخبرتني لأول ~~مرة عن دي لا بوت، شعرت هي أنه يجب أن أعرف هذا الشخص، وأنه من واجبها أن تتحقق ~~إن كان ما تقصه لي هو حقا ما حدث. أخبرتني أن رجال دي لا بوت صرخوا جميعا ~~صرخة واحدة، ثم تجهزوا لفتح الباب عنوة، ثم أمرهم الكولونيل بالتريث قليلا. ~~ذكرت أنه نزع سلاحه وقدمه إلى أحد الرجال ولم يبق سوى سكينته إن هو حدث شيء ما ~~ثم أمرهم بالانتظار هنا، وطرق الباب، لم يفتح له أحد، إلا أنه دلف إلى الداخل بعد ~~أن فتحه بنفسه، انتظر الرجال لمدة، أطال دي لا بوت مكوثه بالغرفة، حتى إن الرجال ~~استغربوا ذلك، اعتقدوا أن أحدا قتله بالداخل، أرادوا بشدة الدخول إلى الغرفة، ~~لكنه أمرهم بالبقاء خارجا قبل أن يدخل، وكان الرجال يخافون عدم إطاعة الأوامر، ~~خاصة أوامر رجل مثل دي لا بوت، ثم بعد مدة فتح الباب على مصراعيه، وخرج ببطء وهو ~~يحمل حبلا، خرج في صورة غريبة، شيء ما حدث غير انتحار الفتاة، بدا وكأنه شارد ~~العقل، طأطأ رأسه، وأخذ من الرجل سلاحه ليعيده إلى حوضه، نفس الرجل الذي انتبه ~~للجرح الذي أصيب به دي لا بوت في يده، وخلفه رأى الجميع فتاة معلقة، وبعد صمت ~~غريب تكلم دي لا بوت بصعوبة، كان شارد العقل، لم يطل البقاء وطلب منهم أن ~~يستعدوا للرحيل في الحال، كان قد استدار إلى الباب وأغلقه وذكرهم أنه لن يدخل ~~أحد هذه الغرفة مطلقا، توعد بقطع رأس كل شخص يفكر في فعل ذلك، كان الجميع ~~يفكر أنه يتوجب على دي لا بوت أن يدفن محبوبته، وألا يتركها معلقة بذلك الشكل، ~~لكن من يتجرأ على قول ذلك أو حتى اقتراح الأمر، سيقطع رجليه لأنه قال ذلك وسيقطع ~~رأسه لأنه فكر بذلك، وختمت جدتي القصة بأن الكولونيل والرجال غادروا ms35 القلعة إلى ~~الأبد من دون رجعة، حتى إنها سمعت إشاعات أن سكان القرية القريبة من القلعة قد ~~اتخذوا القصة أسطورة، وأن العديد منهم ما زال يعتقد أن الفتاة المنتحرة معلقة ~~هناك، وأن دي لا بوت الرجل الذي لا يمكن تحريكه يحرس غرفتها بانتظار من يتجرأ ~~على الدخول. # لكن ما حدث لم يحدث يوما برأس ذلك الصبي الذي كنته، وأحسست لسنوات أنه إن ~~حدث ذلك فإنه سيتغير الكثير مما حدث بعد ذلك، ثم اكتشفت شيئا لاحقا؛ بعد ~~سنوات من الآن، حينما سأجلس بتلك المحكمة المعلقة بين السماء والأرض، حينما ~~سأنتظر لتسعة أشهر، سيخبرني أحدهم عن حكاية دي لا بوت، وسأكتشف ما حدث، سأكتشف ~~علاقتي بالفتاة المنتحرة. # بعد خمس ساعات من وفاة العجوز # تمددت إلى الكرسي، ونظرت إلى الطريق، كانت الحافلة تسير ببطء، وابنتي تبكي إلى ~~جانبي، كان الركاب يعتقدون أنني ضربتها، لكن لا يهم ما يعتقد الآخرون، فالبشر ~~يحكمون دوما على ظواهر الأمور بخبايا أنفسهم، وأنا الآن لا يهمني ما يعتقدون، حتى ~~إنني لم أهتم لبكاء ابنتي، جلست وكأن شيئا لم يحدث، التفت إليها مجددا ~~وأخبرتها أننا لن نغادر الجزائر كما كان مقررا، فقد طلبت مني والدتها قبل شهر ~~مبلغا من المال، مبلغا كبيرا، كانت بالجنوب وأخبرتني بأنها في حاجة إليه، لذا ~~أرسلت لها مدخراتنا، لم يكن يجب أن أفعل ذلك، فقد طلقتها ولم يكن على عاتقي ~~نفقات كهذه، لكنها وعدتني أنها ستعيد لي المال بعد ثمانية عشر شهرا، وهكذا كنت ~~قد أغظت ابنتي فهي كانت تود بشدة زيارة جدتها صوفي بفرنسا، وقد أحبت جدتها ~~صوفي أكثر من حبها لي، كانت ترى أن جدتها - ربما حتى جديها - أفضل بمراحل مني ~~ووالدتها؛ ذلك أنها عاملتها دوما بمودة لم تكن لتعامل بها زوجتي، أحبت ابنتي في ~~العائلة الجيل السابق لأمور عديدة، جهلت الكثير منها لانشغالي بمعرفة أمور أخرى ~~غير ما تحبه ابنتي أو ما تكرهه، وأعتقد أن الانشغال عنها هو أحد الأسباب التي ~~دفعتها لتفضل جيل العائلة الذي سبقنا، وتساءلت دوما عن الأفراد ms36 الذين لم ~~تتمكن من الالتقاء بهم، كوالدتي ووالدي، أفراد العائلة الراحلين، من لم تستطع ~~مقابلتهم كشرط وضعه القدر لتتمكن من القدوم إلى العالم، أفراد من العائلة ~~الكبيرة رحلوا عنها قبل أن يكون لصوفي وجود، وكان والدي أحد أفراد العائلة الذين ~~أكثرت صوفي السؤال عنهم، والدي الذي أذكره الآن وأتذكره ما بعد ذلك بأشواط من ~~الزمن، اعتدت أن أتذكره في صفة تساؤلات، كان أشبه بسراب أبلغه في مرحلة معينة ~~من التذكر، ربما كان يشغل بالي بعض الوقت، ليس لأنني أشتاق إليه، لكن لنسمه ~~الفضول في معرفة أين هو، إلى أي مدى قد ابتعد، تساؤلات عن كونه ميتا أو على قيد ~~الحياة. وعلى خلاف الجهد الذي بذلته في التفكير به، لم أفكر يوما في البحث عن ~~أجوبة لتلك الأسئلة، كانت مجرد أفكار مجردة برأسي، وكأنها تمرين لي لتقوية حس ~~الفضول بي، لم أبذل جهدا في البحث عن الأجوبة، وبمثل ذلك لم أبحث عن والدي قط؛ ~~فقد فكرت دوما أن البحث عن الأجوبة لهو جزء من البحث عن والدي، ولم أكن أود أن ~~أبحث عنه، ليس لأنني أكرهه، وكذا ليس لأنه يصعب علي أن أفعل ذلك، لكنني لم أرد ~~أن أفعل ذلك ببساطة، وقد كان مجرد شعور بأنه لا يهم إن أنا بحثت عنه، وفكرت أن ~~والدي ابتعد لأنه لم يرد أن يجده أحد، وإن أنا اعتزمت فعل ذلك فإنني ومن دون ~~وعي سأكون قد جعلته يفقد الهدف من ابتعاده عنا. # أن أجده فعل مخالف تماما لما أراده والدي، ولن أبحث عن والدي إن هو أرادني ~~ألا أفعل ذلك، ولم يكن لي متسع بعقلي لحشوه بكل هذا الاهتمام بما حدث أو حتى بما ~~سيحدث مع والدي، ربما لأنه ترسب بعقلي أنني لا أملك متسعا من الوقت لترجمة ذلك ~~الفضول والاهتمام إلى رحلة بحث ستأخذ كثيرا من الوقت، ثم إنني انشغلت بمحاربة ~~القدر أكثر من اهتمامي بإيجاد الرجل الذي اختار ألا يجده الآخرون، وكنت أتذكره ~~فقط في مناسبات متفرقة، وكانت إحداها حينما أرادت ابنتي ms37 أن تعرف أكثر عن جدها، ~~أكثر قليلا من فكرة أنه أنجبني، أذكر أنها الفكرة الوحيدة التي حصلت عليها عن ~~جدها قبل أن تسأل مرة أخرى، كنت وبسذاجة مني اختصرت وجود الجد في كونه ~~أنجبني، ثم سألتني مرة أخرى، لا أنكر أنني أصبت ببعض من الذهول يومها، لا أنكر ~~كذلك أنني ارتجفت، سرت بجسدي رعشة خوف، لأن ما حدث مع ابنتي كان قد حدث معي ~~سابقا مع والدتي، حينما سألتها عن دي لا بوت، تمالكت نفسي، وفكرت أنه لا طائل ~~من التفكير في كل شيء بخصوص ما حدث أو حتى بخصوص ما سيحدث بعد هذا، لذا أجبتها: ~~ماذا تودين معرفته بالتحديد بخصوص جدك؟ (كانت تلك نفس الإجابة التي حصلت عليها من ~~والدتي.) ~~- ربما البعض من كل شيء. # ثم فكرت، الزمن يعيد نسج نفسه ببطء، ارتعشت مرة أخرى؛ أيمكن أن يحدث ذلك، أم ~~هو مجرد صدفة غريبة؟ ثم خفت أن يحدث ذلك مع ابنتي، وأرهقني التفكير فيما إن كان ~~هناك علاقة خفية بين ما حدث قبل أربعين سنة وما حدث مع ابنتي، لكنني اكتشفت بعد ~~زمن، أن ذلك كان مجرد مصادفة ليس لها معنى سوى أنها حدثت في صورة مخيفة. ~~- حسنا، أول ما يجب أن تعلميه بخصوص شخص جدك، أنه كان أرستقراطيا فرنسيا، ~~أحد الذين أحسنوا استغلال الفرص، وكان جدك جيدا في التعامل مع الفرص، الجزائر ~~كانت فرصة أخرى أحسن استغلالها، عشنا بفرنسا لكنه اعتاد دوما على زيارة ~~الجزائر، حتى إنه كان يدفعني إلى مرافقته في كل مرة يأتي إلى هنا، وإحدى ثمار تلك ~~الفرصة، هو أنه امتلك الكثير من الأراضي بالجزائر، وأحسن التعامل مع كل تلك ~~الممتلكات، حتى إنه كان محبوبا في كل تلك المزارع المنتشرة في حدود المدينة، ~~وأحبه رجال العروش الذين شاركوه تسيير تلك المزارع، كان بدوره يبادلهم ذلك الحب، ~~ربما بادلهم الاحترام والاهتمام، أخبرني في كثير من المرات أنه يجب على السيد ~~المحترم أن يحسن معاملة هؤلاء الرجال، إن هو أراد أن يحافظ على ما يملك من ~~أراضيهم، ms38 أخبرني كذلك أن أولئك الرجال يملكون هذه الأرض وسيخلدون على هذه الحال، ~~حتى وإن تسيدنا عليهم، ففي الأخير نحن خلقنا بفرنسا وهم خلقوا هنا، وأهم ما ~~جهد والدي في بنائه، لم يكن المزارع ولا تلك الممتلكات، امتلك والدي شيئا أقوى من ~~كل تلك الأشياء، امتلك ثقة شيوخ العروش والقرى، وكانت تلك الثقة كنزه الخاص الذي ~~يخلق ما تبقى من كنوز والدي، أذكر أننا اعتدنا المكوث في مسكن أحد الشيوخ كان قد ~~اختاره والدي كرفيق له وفي كثير من المرات كنا نسكن منزلا إسبانيا امتلكه والدي ~~ووالده قبله، ولا زلت إلى يومنا هذا أذكر كل زاوية، كل منعطف، كل رابية من تلك ~~القرية التي تحتاط بها أراضي والدي، أحببت تلك القرية لسبب ما، سابقا بالتأكيد ~~فقد توقفت عن زيارتها بعد اختفاء والدي، سبب فقدته قبل زمن، واعتاد جدك على طبيعة ~~العرب، وأخذ عنهم بعضا من طباعهم، يستيقظ في نفس الوقت لمراقبة تلك الأراضي ~~والتعامل معها مثلما يفعل العرب، كان يشاركهم الأعمال كذلك، وفعل ذلك ربما لأنه ~~كان واحدا منهم، أكثر من كونه أحد أولئك الأرستقراطيين الفرنسيين، كان والدي ~~عربيا في الصميم وقد أحب هذه الأرض أكبر من حبه لأي أرض أخرى، كانت ~~الجزائر المكان الوحيد الذي يجد فيه ضالته من الإنسانية والبساطة، اعتاد القول ~~كذلك. # الرجل الذي لا يتساقط عرقه من أجل أملاكه هو رجل لا يملك شيئا، ثم دفعني في كل ~~تلك العطل التي قضيتها في الجزائر إلى العمل، يعلمني شدة وقوة العرب، بساطة ~~عيشهم، تلاحمهم المقدس. وكانت كل دقيقة في تلك القرية أشبه بدرس أتلقاه، ~~كنت المتعلم الوحيد فيها، وكان البقية جمع المعلمين الذي يرشدني، وكنت أختلف ~~إلى كل مكان هناك، وعرفني جميع العرب، كان والدي يحرص على أن أرافقه في كل ما ~~يفعل، حتى إنني كنت أجلس إلى جانبه حينما يجتمع برجال من القرية، أذكر ذلك وكأنه ~~حدث بالأمس، حينما اقترب أحد الرجال من والدي، كان قد طلب والدي رحالة ليتجه إلى ~~الأراضي الجنوبية ليكتشفها في الشتاء، وقد ms39 أحضر له العرب رجلا عرف القارة كمعرفته ~~لابنه الذي جلبه معه، كان والدي يقف إلى جانب العربي ، وكنت أراقب الشاب، كان ~~يراقبني بدوره، لم ينبس أحدنا ببنت شفة، اكتفينا بالمراقبة، مراقبة بعضنا البعض، ~~وقد علمت من والدي أن اسمه محمد، طلب منهما والدي المبيت بالقرية لليلة أخرى، ~~فإنه لا يجب أن يغادرا حالا، أذكر أنني أمضيت تلك الليلة قرب الشاب محمد، أحاط ~~به رفاقي من العرب يجلسون معنا، نسمع قصص تجوله مع والده. # وقطعت صوفي سلسلة أفكاري حينما وخزتني بيدها، لم يعجبها عدم اهتمامي بما حدث، ~~كيف لشيء ما أن يجعلني (شارد العقل) أفكر؟ كان يجب أن أكلمها على الأقل، أن ~~أسألها عما تشعر به - كان ذلك منطقها. # ولم أعتقد أن سؤالا سيعيد العجوز إلى هذه الحياة، لذا ما كان يجدر بي أن أفعل ~~شيئا سوى أن أفكر في شيء من الماضي، التفتت إلي دامعة وقالت لي بصوت سمعه ~~الجميع: تبا لك، متى ستصبح إنسانا؟ ~~(لم أجبها.) # لا شيء، تبا لك (سرعان ما عادت إلى مراقبة الطريق). # ضحكت رغم أنني لم أظهر ذلك، فكيف لفتاة في الثامنة عشرة أن تعرف معنى الإنسان، ~~أو حتى أن تحكم علي، أو تتهم إنسانيتي فقط لأنني لا أشاركها حزنها، أو لأنني ~~لا أبكي؟ فأخبرتها أنني إنسان، وأنني بعد ذلك أكون والدها، ولا يجدر بها أن ~~تعاملني بحقارة، وأنها يجب أن تحترم طبيعتي. أذكر أنني أخبرتها أنها محظوظة، لأن ~~لها والدا لا يضربها، لكنها فاجأتني حينما أخبرتني أنها تتمنى أن أموت وأن يكون ~~لها والد يضربها، وأن يهتم بها بعد ذلك، ثم أخرجت مدونة زرقاء كانت تكتب فيها ~~ما كان يجول برأسها، وقالت لي وهي تقدم لي تلك المدونة: أتمنى أن تتعلم كيفية ~~الاهتمام بالآخرين، لأنك إن لم تفعل فستخسرني عما قريب. # وفكرت للحظة فيما قالته ابنتي وانتهيت إلى استنباط منطقي؛ ابنتي ستتركني يوما ~~ما، سواء اهتممت أو لم أفعل، سيأتي يوم أتحول فيه إلى آخر اهتماماتها؛ لذا ليس ~~من المفيد أن أفكر بتهديدها لي، ms40 هي لن تتركني الآن فأنا لم أخطئ في شيء، ثم إنها ~~مرغمة على البقاء إلى جانبي، كانت ابنتي قد نامت إلى جانبي، وأنا أمسك بتلك ~~المدونة، أراقبها من دون سبب، استدرت إلى ابنتي ولأول مرة أحسست أنني أجهلها، ~~وقد قلت لها إنني أحبها - بصوت يكاد يسمع - أعتقد أنني أتشجع حينما تنام، ~~بالتأكيد هي لم تسمعني، راقبتها لمدة وأنا أتمسك بمدونتها الزرقاء، ثم التفت ~~إلى المدونة، وفتحتها وقد كتب بأول صفحة فيها: «جليستي امرأة من حديد.» # كان الخط رديئا، مجرد خربشات هنا وهناك، وقد أرفق النص ببعض الرسومات ~~الصبيانية، رسومات وخربشات مراهقة في كل مكان، التفتت إلي ابنتي، كانت قد فتحت ~~عينيها بعد مرورنا على مطب زلزل الباص، سألتها عن المدونة، أخبرتني أنني يجب أن ~~أقرأها، وحاولت إقناعي بأن عدد الصفحات صغير، وأنه سيكفيني الوقت الذي سنقضيه في ~~الحافلة لإنهاء قراءتها، وقد قالت لي: ستنتهي قبل وصولنا إلى المحطة. # ابتسمت لها، نظرت إلى السائق، كان يكثر الحديث إلى أحد الركاب، وفكرت هو لا ~~يركز على الطريق، لذا من المؤكد أننا سنتأخر، إذا وصلنا على قيد الحياة، لذا ~~يبدو أنني إذا أضعت بعضا من الوقت لقراءة ما يجول برأس هذه الصغيرة، فلن أشعر ~~بالرحلة، وسأكتشف على الأقل طريقة تفكيرها، وشرعت في القراءة، تبا، كم كان الخط ~~رديئا! # كانت قد كتبت حتى حوارها مع تلك المربية، وأرفقت الكتابات بتاريخ كتابتها ومكان ~~جلوسها رفقة المربية، حتى إنها رسمت بعض الشخوص لتوضيح ما كتبت، وقد بدا أن لابنتي ~~موهبة في قص الحكايات، أو حتى شرحها، إلا أن خطها كان صعب القراءة، وقد جهدت ~~في فهم ما كتبت، واشتغلت بقراءة ما كتبت كل الطريق. # | القسم الثالث # «عزيزتي، صغيرتي الجميلة، ماذا تكتبين؟ تبتسم وأجبت: نانا أنا أكتب ما تقولين. تضحك ~~وتقبلني. أحب حينما تقبلني، ثم تضيف هي، إنها السنة التي اختفى فيها كل شيء، وفقدت ~~ما كنت أعيش من أجله، إن كان أحد يقرأ ما تكتبين فأتمنى ألا يعيش ما عشته، ما زلت ~~تكتبين؟ أجبت بنعم، أضافت، ms41 إذن أخبريه أنني أحبه، أنني أحب كل من سيقرأ كتاباتك، ~~مهما كان، سأحبه كزوج أو كابن أو كأخ أو كوالد. نانا أنا أكتب لنفسي. تضحك وتضيف: ~~إذن أنا أحبك.» # إحدى الأيام المنسية سنة 1899م # إنها السنة التي اختفى فيها كل شيء، يومها كنت صاحبة الثامنة عشرة، حينما ساءت ~~حياتي، وفتاة بالثامنة عشرة في قريتنا كان يجب أن يرى لها الناس زوجا يكبرها بعشر ~~سنوات وطفلين على الأقل، كدليل على أن الزوج يتحملها، ويتحمل العيش إلى ~~جانبها، ومنزلا طوبيا لا يتداعى في الشتاء لتديره الفتاة، لكنني كنت الاستثناء ~~الوحيد في قريتنا، فقد ولدت بمنزل شيخ القرية، وكان بمنزلنا إضافة إلى الشيخ ~~ووالدتي ذات القلب المتحجر، أخ يكبرنا نحن الفتيات، أخ يستعد لخلافة الوالد، وخمس ~~فتيات يتقاتلن على احتمالية ما للظفر بمودة والدتنا ربة المنزل، والدتنا التي لم ~~تحبني قط، بل كانت تدفعني فقط إلى خدمتها، ولم أكن سوى دابة أخرى تستعملها لربح ~~بعض الوقت والجهد، حتى إنني منعت من الدراسة، على خلاف باقي أخواتي، فقد تحججت ~~والدتي بحاجتها إلي لمجالسة الأخت الصغيرة. أعتقد أنها وعدت والدنا بأيام ~~وردية، إن هو منعني من دخول المدرسة الفرنسية، بينما تمكن الجميع من مزاولة ~~الدراسة، بأمر من والدتي، فقد سمعتها تقول: المرأة الجاهلة دابة فوق ~~الأرض. # وهو ما دفعني إلى التوجه إلى المدرسة خفية، لألحق الفتيات، وأدخل القاعة ~~المدرسية مع صديقاتي، وأنانية صديقاتي أشبه بأنانية والدتي، فبمجرد دخولنا القاعة، ~~يبتعدن عني في صمت رهيب. كنت قبل ذلك وفي الصباح الباكر أستيقظ باكرا ~~وأصفف شعري بنفس الطريقة التي يفعلن، حتى إنني كنت أجلس مثلهن في القاعة، ~~تماما مثلما يفعلن، وقد كان لي مقعد في آخر الصف أجلس إليه كل صباح كي لا تكتشف ~~المعلمة الفرنسية وجودي، وقد كانت تنادي بأسماء الفتيات، وكنت أتمنى أن تذكر ~~اسمي ولو عن طريق الخطأ، بل تمنيت أن يكون لي اسم يمكنها ذكره، حتى إنني ~~تمنيت أن أشارك إحدى الفتيات اسمها فتتمكن كلتانا من حضور المدرسة، لكن لا شيء ~~مما ذكر ms42 قد حصل، وكانت المعلمة تكتشف وجودي، فتدفعني إلى الخارج، كانت تبكي في ~~غالب الأحيان وهي تفعل ذلك، وكانت تقول لي: أنت جميلة، تعجبني تسريحة شعرك، ربما ~~يوما ما، ستتمكنين من مشاركتنا الدروس (تبتسم بصعوبة). # بالطبع لم أتمكن من فهمها، أو فهم لغتها الفرنسية، لكنني تخيلت قولها ذلك، ~~كما تخيلت كثيرا من الأشياء، كنت دوما أتخيلها تقول هذه الكلمات، وكثيرا ما ~~تمسكت بيدها، لم أكن أبكي قط وهي تدفعني إلى الخارج، كنت فقط أراقب عينيها، أصرخ ~~من خلالهما حتى وهي تطردني بتلك اللباقة، اعتقدت أن المعلمة ستحب أن تدرس فتاة ~~لا تبكي، وأن إخراجي من القاعة ليس سوى اختبار لي، وأنه يجب أن أجتازه لأدرس، إن ~~جميع صديقاتي مررن بهذه التجربة، لكنني اكتشفت بعد زمن، بعد وفاة تلك المعلمة ~~بسنوات، وبعد أن ماتت كل صديقاتي في هذه الحياة، أن المشكلة لم تكن يوما في ~~البكاء، فقد توجب على والدي أن يسجلني مثلما فعل مع كل إخوتي، ولم أطلب من ~~والدي أن يسجلني يوما، كنت أخشى أن يضربني إن أنا طلبت منه ذلك، وقد كنت أكتفي ~~بالبكاء عند حائط المدرسة، أجلس وحيدة أنظر إلى السماء، وأتساءل، إن كان هناك إله، ~~فهل هو يحبني حقا، إن كان يفعل ذلك حقا فلم يتسبب في بكائي؟ كنت أتمسك ~~بردائي، أمسح دموعي إن مر أحدهم وأنشغل باللعب بالحجارة مدعية اللعب لكيلا ~~يعتقد أنني أبكي، ما كنت أود أن أشارك أحدا أحزاني، وكنت أعود للبكاء بمجرد ~~رؤيتي لظهره، ثم أستمر في العودة يوميا إلى تلك المعلمة، أبكي في كل مرة تطردني ~~فيها، كانت الفتيات يكبرن في تلك المدرسة على آداب الحياة وعلى أسس العلم، وكان ~~الفرنسيون يجعلون من الفتاة العربية امرأة غربية باسم الحضارة، بينما كنت أكبر ~~عند حائط المدرسة على البكاء، أكبر على رؤية السماء التي لم تحرك ساكنا، أنظر إلى ~~الله، أنتظر منه شيئا ما، أن يمطر لي مدرستي، وكنت أدعوه أن يجعل مني فرنسية، ~~كنت أقول: ~~«إلهي، اجعلني فرنسية في الصباح، واجعلني عربية ما ms43 تبقى من الوقت، ~~إلهي فقط لأخدعهم وألج المدرسة صباحا، وأعدك أنني سأكثر من الصلوات، ~~سأتوقف عن اللعب وسأصلي لك.» # لكن الله لم يكن يحب الخداع، فأبقى على صفتي العربية، في الصباح وفيما تبقى من ~~الوقت، وكنت أعود إلى المنزل، أحمل أختي الصغيرة وأنتظر خروج الفتيات لألعب معهن، ~~كن يسألنني عن عدم دخولي للمدرسة، كنت أتجرأ وأخبرهن أنه على الفتاة أن تكبر ~~لتصبح امرأة، أن تسير العائلة، أن تخدم زوجها، لا أن تتعلم، كنت أكذب عليهن، ~~أكذب على نفسي، وكن يضحكن علي لقولي هذا ثم يسخرن مني بقولهن: «إذن لم ~~تستمرين في القدوم يوميا إلى المدرسة لتطردي مجددا؟ على المرأة أن تمكث ~~بالمنزل، وأن تحمل شقيقتها.» # ويضحكن بعد قولهن، فأتراجع بمجرد سماعي لتلك الكلمات، تمتلئ عيناي حزنا، أنظر ~~إلى السماء أشهدها على ما حدث، ثم أنظر إلى وجوههن الضاحكة، أحفظ كل جزء منها، ~~أنظر إلى عيونهن الغريبة، ثم أخفض رأسي إلى شقيقتي الصغرى، هي تشبههن، سأحملها حتى ~~تكبر، ستدرس بنفس المدرسة، وستبتسم مثلهن، أرتعش رعشة غريبة، أحمل أختي، ~~وأبتعد، كنت أركض باكية إلى مدخل المنزل، أركض وأنا أحمل أختي الصغيرة، أجلس ~~هناك وحيدة بعينين منتفختين، ثم أنكر كل شيء عند مدخل المنزل، أنكر وجودي، ~~أنكر السماء، أنكر الحياة، ثم أكفر بكل شيء، أتمرد على الوجود، وأصدق المدرسة، ~~أومن بالمعلمة، فأراها المخلص الوحيد، وكان ذلك ما يدفعني إلى العودة في ~~الصباح، وعلى خلاف جميع البشر، آمنت فقط بالمعلمة، فكنت أحج إليها كل صباح ~~لترفضني مرة أخرى، وكنت أجلس عند مدخل المنزل وأنا أحمل شقيقتي حتى ألمح أخي على ~~بعد ما يتجه نحوي، وأحب أمر إلى قلبي هو عودة أخي محمد، أخي الكبير، كنت أبلغ ~~يومها الحادية عشرة، وكان محمد يكبرني بسنتين، كان يجلس إلي، يأخذ مني الفتاة ~~ويحملها عني، يمسح دموعي، ويعلمني الحساب، ويذكرني أن الإنسان لا يكبر أبدا عن ~~التعلم، أخبرني أيضا أن المدرسة الفرنسية تافهة وأنه سيقدمها لي بوجه عربي، كان ~~يشبه العمليات بالدجاج وعدد البيض، وإن استعصى علي الفهم، ms44 كان يتجه لإحضار ما ~~تقدر من الأشياء ويمثل لي الحساب في صورة حقيقية، كان المعلمة التي لم أحظ ~~بها، ولا يقطع فرحتي تلك، سوى صرخة والدي على بعد ما في حانوته الخاص، فأرمي كل ~~شيء، أقبل أخي على جبينه الأبيض، آخذ منه الفتاة وأتجه صوب والدي، أركض بسرعة ~~منهكة جسدي، وكأن الله ينادي علي، وليس والدي، كنت أخشاه كخشيته للموت، كان ~~له موت يخشاه وكان هو موتي الوحيد. ولما كنت أبلغ دكانه الواسع، كان يشير إلي ~~عند الباب فأنتظر ما طلب مني أن أنتظره من الزمن، كان رفاقه من الشيوخ يجلسون ~~إليه في حلقة من الشاي يتسامرون حول أمور الحياة، حياة تجاوزتهم قبل زمن، ثم كان ~~يقف في شموخ، يبتسم لأصدقائه، فيغادرون الدكان في عجل، وكان البعض منهم يهنئني، ~~يهنئني كوني فتاة سيد الشيوخ، يمدح جمالي الخلاب، والبعض الآخر يمدح والدي كون ~~الرب من عليه بابنة جميلة، يبتسم لهم يخبرهم أنه لا يعرف كيف يشكر الله على ما ~~أنعم عليه سوى بالتضرع له ليلا. كان والدي ينهي لقاءه بهم بدعاء المباركة لهم، ~~ثم يطلب مني أن أتقدم، كان ينزع حزامه الجلدي يطويه لجعله أقصر إلى النصف، ~~ويشير إلي فأتقدم، كان جزء مني يموت في حضرة تلك العيون الرمادية التي ~~تراقبني وأنا أتقدم، وكثيرا ما اعتقدت أنه سيكون هناك يوم أموت فيه بين يديه، ~~لم أتصور أبدا أن الموت لا يشبه والدي، وتخيلت في كوابيس متفرقة راودتني ~~طوال حياتي، أن سيد الموت يأخذ بيدي، يحملني إلى السماء، وكان أشبه بوالدي في ~~كل تلك الكوابيس، كنت أشبه بسجين ينتظر ساعة إعدامه، كانت كل صرخة ينادي ~~فيها علي، أشبه بموتة أخرى أموتها، كانت لي أرواح كثيرة، وكان في كل نداء يقتل ~~واحدة من تلك الأرواح، لم يعبأ إن كنت مجرد فتاة صغيرة، بل كل ما كان يجيده ~~والدي هو جعلي عبدة لديه. اقتربت منه فصرخ وهو يقول: شريفة، ضعي أختك جانبا (جمع ~~حاجبيه وجعل كل جزء من جسده يتصلب). # كان حمل تلك الفتاة، ms45 هو المانع الوحيد في وجه والدي، كانت الدرع التي أحملها ~~والتي تمنعه من ضربي، سابقا قبل أن ينادي علي كنت أكره حملها، كنت أجعلها ~~تبكي انتقاما على حملها، فأحرمها من اللعب، أقرصها في غالب الأحيان وكنت بفعلتي ~~تلك أحاول رد اعتبار لي، اعتبار أخذ مني غصبا، لكن لحظة حمله لحزامه كنت ~~أتمنى ألا تكبر تلك الفتاة، وأن أخلد ما تبقى من حياتي وأنا أحملها فقط لكيلا ~~يضربني، كنت أتمسك بها بشدة وأبكي، وكانت تبكي بدورها، كانت تشعر أن حاملتها ~~في خطر، كانت تخاف مثلي، وكأنها تشاركني شيئا من الخوف والألم، أو أنها كونت ~~رباطا روحيا بي بعد طول حملي لها، فلا تشعر سوى بما أشعر وكنت أتمنى أن ~~يتثاقل الزمن وأنا أضعها أرضا، وببلوغها الأرض وقبل أن يشرع والدي في توجيه حزامه ~~إلى وجهي الفتي، كنت أقفز وأرتمي إلى رجليه أقبلهما بشدة، أبكي وتبكي الفتاة على ~~الأرض، مناجية إياه. ~~- أنت سيدي، يا والدي الحبيب (أبكي بشدة)، أنا أرجوك، يا سيدي، يا سيدي (أتمسك ~~برجليه). # ما كان يعبأ بكلامي، بل كان يركلني على وجهي، يدفعني عنه بعيدا حتى يتيح لنفسه ~~متسعا يمكنه من توجيه ضربات إلي، يفعل ذلك وهو يقول: يا لقيطة، تتأخرين ~~(يوجه حزامه إلي بقوة)، تتأخرين وأنا أنادي عليك. # ثم يضربني مرارا بحزامه وهو يصرخ: يا لقيطة، متى ستتعلمين الإصغاء؟ (يضرب ~~مرارا دون توقف.) # وكنت أتحرك هربا في كل مكان على تلك الأرضية، وأنا أصرخ مطالبة منه أن يرأف ~~بي، أن يرحمني من طغيانه، أن يسامحني على خطأ لم أرتكبه، أن يسامحني لأنني ولدت ~~ببيته، أن يسامحني لأنه يشعر أنني ثقل على كاهله، أن يسامحني لأنني لم أكبر ~~بسرعة لأتزوج، أو لأنني لم أكبر بسرعة خارقة للعادة كي أموت، والأهم أن يسامحني ~~لأنني لم أولد صبيا كمحمد، بيد أنني لم أتأخر يوما على ندائه، ولكنه كان يفعل ~~ذلك فقط ليظهر لي مدى جبروته، مدى قوته، وفي غالب الأحيان كنت أعتقد أنه يعذبني ~~تعبيرا منه عن حبه لوالدتي التي تكرهني، ms46 فيذكر حبه لها بضربي كل يوم، كان ~~والدي رومانسيا وكان ضربي هو الرومانسية الوحيدة التي يعرفها، كان يضربني وأنا ~~على الأرض أراقب والدتي تقف عند الباب تشجعه على ذلك، كانت تزداد حبا له عندما ~~يفعل ذلك، ترى في ضرباته الرجولة التي لم يريها لها في أي مناسبة أخرى، وكنت ~~أبكي، ليس لأنني أضرب، بل لأن والدي يتشاركان الحب عبر ضربي، وكأن ضربي هو ~~الجنس الخاص بهما، كنت أبكي فرحا، وقد كانت تلك اللحظات الوحيدة التي أشعر فيها ~~أنه لدي والدان يحبان بعضهما، على خلاف ما تبقى من الأوقات، وتذكرت أثناء ~~تلقي تلك الضربات ما أخبرتني به والدتي، أخبرتني يوما أن محمدا كان نتاج حب ~~تشاركته مع والدي، وأن بقية إخوتي كانوا نتاج شهوة رجل متزوج بها، ولما كنت ~~أسألها عني، كانت تجيب وهي تدير رأسها إلى أختي الصغيرة تمشط شعرها: أنت ... أنت ~~نتاج كره جمعنا، ولا تسأليني مرة أخرى (تمشط شعر أختي)، تحركي إلى جدتك ~~أخبريها أنني قادمة (من دون أن تلتفت إلي)، وكنت أصرخ بينما هو يضربني: يا ~~سيدي، يا سيدي (أقبل رجليه)، المغفرة، المغفرة يا سيدي، حتى إنني ولشدة الألم ~~الناتج عن تلك الضربات المتتالية على ظهري كنت أظهر له المودة والحب وأنا أقول: ~~يا والدي، يا سيدي أنا أحبك (يضرب بكل قوة)، يا سيدي الرأفة، بابا أنا أحبك، اغفر ~~لي بابا. ~~(أصرخ): بابا. # وكان ينتهي من ضربي ليتجه فيجلس إلى ركن ما، كان ينهكه ضربي، وهو يقول: ~~أطعمك وألبسك، حقيرة أنت، أتفعلين بي هذا، تفعلين بي ما لا يفعله الحيوان، يا ~~لقيطة أتعتقدين أن أحدا سيطعمك غيري، أو يهتم بك (يتنفس بصعوبة جراء التعب)، ~~أو ... ابنة الزانية، ما كنت أجيبه بل كنت أجلس عند رجليه أقبلهما، وأنا أطلب منه ~~الغفران، أتضرع إليه، أملا في أن يسامحني على خطئي، الخطأ الوحيد الذي ارتكبته، ~~وهو أنني ولدت بهذه الحياة، أنني ولدت كابنة له، وكنت أنظر إليه في خوف ~~ورهبة، وأنا متمسكة بعباءته البيضاء، كان ينظر إلي بعين حاقدة، كانت ms47 تلتهب عيناه ~~غيظا وكان يطفئ نار ذلك الغيظ ببعض الاستغفار، ثم يقول لي وهو يرجع حزامه حول ~~جسمه : توقفي عن تقبيل قدمي (يشير إلى مكان الكنس)، واكنسي الدكان فقد ملأه ~~الغبار. # لم يكن يسمح لي حتى بنسيان تلك الضربات، وكنت أخشى تحسس موضعها، فيعيد ضربي، ~~أو رؤية إن كانت تلك الأماكن من جسدي تنزف، وليس لأنني أهتم بنزيف جسدي بل كنت ~~أخشى أن يلطخ الدم لباسي فأعود إلى المنزل فتمسكني والدتي بحزام آخر، تخرج غضب ~~السنوات التي جمعتها بوالدي على جسمي الهزيل المليء بالكدمات. ~~- أفسدت ثوبك (تصرخ وهي تجهز الحزام). ~~- والدي هو من فعل ذلك (أنكمش في إحدى زوايا المنزل وأرفع يدي لأحمي رأسي)، أرجوك ~~لا تضربيني. ~~- يا حقيرة ما دمت أنا من ينظف ثوبك فلا يجدر بك أن تنزفي (تصرخ)، تعالي هنا ~~يا حقيرة. # وكنت أسارع إلى كنس الدكان بأكمله، أرتب لوالدي كل شيء، بينما كان هو يكتفي ~~باللعب مع شقيقتي الصغيرة، ربما كان ذلك هو الوقت الوحيد الذي كنت أكتشف فيه أن ~~والدي شخص حنون، كنت أحب أن أراقبه وهو يلاعب أختي، أبتسم، أكنس الدكان بمزيد ~~من الحب، وكنت عبر أختي أشعر بحب والدي وهو يقبلها، أشعر أنه يقبلني أنا، ~~وكانت تلك لحظتي، كنت أشاركها الحب، مثلما كانت تشاركني حياتي وأنا أحملها، كانت ~~حجتي الوحيدة أن والدي كان يحبني، على الأقل لما كنت بعمرها، أحببت والدي ~~كثيرا لدرجة أنني بكيت لأسبوع يوم وفاته، بعد سنوات عديدة من آخر ضربة أخذتها، ~~أحببت والدي، حتى أنني بقيت بالقرب من قبره أقص عليه ما يحدث معي، بينما سارع ~~إخوتي ووالدتهم إلى تقاسم كل ما تركه. أذكر أنني طلبت منهم أن يمنحوني عباءته ~~البيضاء التي كنت أتمسك بها في صغري حينما كان يضربني، وأذكر أنني تمسكت بذراعه ~~وهو على فراش الموت لما كنت في الأربعين، كنت بابنة وحيدة أجهل مكانها في هذا ~~العالم، ابنة حرمني منها هذا الوالد الذي يتوجه إلى مكان آخر، مكان ليتعلم ~~الحب فيه، كان قد طلب من الجميع ms48 المغادرة في آخر ليلة له، أخبرهم أنه يود أن ~~يموت بن يدي، أن نبقى وحدنا في آخر لحظاته ، لم يتأسف على ما فعل بي حينما باشر ~~الكلام، كان قد نسي ذلك، لم ينبس ببنت شفة، وكنت أخبره أنني كنت أحبه مهما فعل، ~~أنني أحببت طبيعته، كان يخرج الكلمات بصعوبة، صعوبة تحملي لتلك الضربات، وأخبرني ~~أنه رضي عني طوال حياته، وأنني كنت فتاته المفضلة دوما، أخبرني أيضا أنني ~~سأعيش سعيدة، وأكثر من قوله: اغفري لي، يابنتي، شريفة. # كان يبكي، إلا أن الموت لم يسمح له بإظهار ذلك، حتى إنه كان يقتل فيه كل شيء، ~~لم ينس الموت سوى دموع فرت منه، ووالدي يقول وتتباطأ كلماته: ~~«اغفري ابنتي ... اغف... (يفتح عينيه وكأن الكلمات تحاول اختراقهما) اغفري، ~~شريفة، شري... (يصدر صوت اختناق يليه سكون رهيب وتوقف عن الكلام بمجرد ~~ملامسة الدموع ليدي التي كانت تسند وجهه.)» # لم ألم والدي يوما على شيء، حتى والدتي التي كانت تمقتني بقدر الكره الذي ~~يكنه والدي للفرنسيين، حتى هي توفيت بمنزلي وحيدة، كان قد تخلى عنها بقية ~~إخوتي، إخوتي الذين حرصت هي بشدة على أن يدرسوا، فقد اعتقدت أنهم سيردون إحسانها ~~بإحسان مضاعف، لكن المدرسة الفرنسية علمتهم كل شيء، إلا حب والدتي، ولم يكن ~~العلم سوى حجة أخرى لينفروا منها، وتوفيت بين يدي وهي تخبرني كم كرهت والدي ~~وأنها ما كانت تحب أن يضربني، لقد ماتت وهي تكره والدي، ماتت ميتة غريبة، ماتت وهي ~~تغتاب والدي عند ابنته المفضلة. ما عشت بسلام في ذلك المنزل أين كبرنا جميعا، ~~ولم أكتشف يوما معنى المحبة إلا بعد بلوغي السابعة عشرة، حينما أحبني صبي ~~يكبرني بسنتين، وأحببته فقط لأنه كان يذكرني بأخي محمد، أخي الذي فقدناه في حصص ~~التعذيب، بعدما أمسكه الفرنسيون بمكان ما ينقل رسائل الثوار، كان يحن إلي ~~مثله، وقد قيل لي يوما إن الفتاة تحب شخصا يشبه والدها، لكنني لم أفعل، فقد ~~أحببت صبيا يشبه أخي، وقد أحبني هو بدوره لشيء ما، لا زلت أجهله ليومنا ~~هذا. ms49 # وقد كلل حبنا هذا بزواج غريب، لم أكن أطمع يوما في ذلك، لم أعتقد ولو ~~للحظة أن هذا الحب الذي جمعني بزوجي سيقضي على تلك المحاقد، وفجأة تحول والدي ~~إلى محب، واهتمت والدتي بشئوني، كنت أول ابنة لها تتزوج، ولأول مرة منذ سبع ~~عشرة سنة مضت، اهتم الجميع بي، كانت تزورني مرة في أسبوع، تحمل إلي ما تنوع ~~من الطيبات، وكان والدي يحن على زوجي فيجلسه بقربه، ويحدثه في أمور القرية، لم ~~يكن زوجي حبيبي من عائلة ثرية وما كان نسبه ليطغى على نسبي، لقد كان مجرد عامل، ~~وقد أحبه والدي لذلك، كان يقفز هنا وهناك ليحمل لي سعادة يصنعها بيديه، كان ~~يضحكني على الدوام، حتى حينما أراه في أحلامي، وكنت أسأله دوما لم تحبني، كان ~~يخجل من سؤالي، يخفض رأسه، ويقول لي بأنه لا يعرف الإجابة عن السؤال، كان يكذب، ~~وكنت أعلم أنه كان يخشى أن تكون إجابته غير مقنعة أو أن تكون حجته ضعيفة، أن ~~يخبرني بأنه يحب عيوني البنية، فأرفض حبه، أو أن يخبرني أنه يحب لون شعري ~~الأسود، فأنكر مودته تلك، كان يخشى أن يكون ما يقوله غير كاف لي، لكنه كان يجهل ~~أنني كنت سأكتفي لو هو قال أنه يحبني فقط، وقد أمضيت إلى جانبه أجمل أيام حياتي، ~~ولأول مرة بدا أن الأمور ستسري على ما يرام، كان الجنة التي أخرج منها آدم، ~~جنتي الخاصة، جنة لا تبالي بأحد سواي، وكان لما يعود إلى بيتنا المتواضع يحكي ~~لي عن أصدقائه من اختاروا حياة السلاح، كنت أخبره أنني سأنتظره إن هو ذهب يوما ~~واختار تلك الحياة، وأنني لن أكون عائقا إن هو أراد المجد في يوم من الأيام، أنه ~~سيكون بطلي مهما حدث. كنت أعلم كيفية تفكير الرجال، ورجال العرب يتمسكون ~~بشهامتهم دوما، ومهما عاشوا، فإنهم لا يرضون سوى بالمجد، كان أهم ما يهم رجال ~~قريتنا، كباقي القرى العربية، هو تشريف أسماء العائلات التي ينحدرون منها، لكن ~~زوجي الحبيب كان يرفض ذلك، كان يرفض كل شيء، ms50 كان يقترب مني، يتنفس في وجهي ~~بحب، وكنت استنشق زفيره في حب، يضع يده على بطني المنتفخ ويقول لي في هدوء: ~~هم يحاربون من أجل وطنهم، ولن أحارب أحدا ما دام لم يسلبك مني، أنت الوطن ~~الوحيد الذي أهتم له. # وما كان بمقدوري أن أساير كلماته، كنت فقط أعانقه وأنا أقول باكية: أخشى أن ~~تتركني في يوم من الأيام. # كان بدوره يشاركني ببعض من الدموع، ينخفض ليقبل بطني، الحاجز الوحيد بيني وبين ~~طفلته، وهو يقول: لن أتركك حتى في أحلامي. # وفي إحدى الأيام وبينما أنا جالسة قرب موقد النار الطيني، أتحدث في هدوء إلى ~~الطفلة بأحشائي وأنا أمشط شعري، دخل زوجي الحبيب، اقترب مني، جلس وتحسس ~~وجهي وكأنه سيفعل ذلك للمرة الأخيرة، قبلني بشدة وكأنه لم يقبلني قط، تحدث ~~إلى بطني كالعادة، كان سعيدا بطريقة مخيفة، أخرج كيسا من النقود وقدمه لي، وهو ~~يمسك بيدي بشدة وقال: حياتي، لقد وجدت عملا، إنه عرض جيد لي، سيكفيك هذا كل ~~الشتاء، وحينما أعود سنغادر هذه القرية إلى الأبد، سأعمل بالمدينة لقد وعدوني ~~بمال كثير، سأفتح دكاني الخاص هناك، وسننسى هذه القرية المشئومة، وإلى ~~الأبد. # تملكتني لحظتها رهبة قوية، حتى إن طفلتي حركت قدمها بأحشائي لسماعنا كلمات ~~والدها وقلت: لا تذهب، أرجوك، لا تتركني، لا أعرف ما سيحل بي هنا، سيأكلونني حية، ~~ماذا عن ابنتك؟ # لكنه كان مقنعا جدا، أقنعني بأهدافه، أخبرني أنه على ابنتنا أن تتعلم، وأن ~~العمل الذي سيقوم به سيتكفل بضمان مستقبل الصغيرة، ثم وعدني بأنه سيعود. تقدم ~~مرة أخرى وقبلني بشدة، تمنيت لو أنه لا يترك شفتي، التصقت به، ضحك وقال: ~~سأعود، أنا أعدك حياتي. سأعود، أحبك. ~~- لا تذهب (أمسكته مرة أخرى إلي). ~~- أحبك (قبلني قبلته الأخيرة)، سأعود. # واشتقت إليه قبل أن يغادر حتى، أحسست بوجع يمزقني، ترك شفتي وغادر المنزل، ~~أخبرني حدسي أن مغادرته للمنزل لعنة علي وعلى ابنتي، لعنة سترافقني مدى ~~الحياة، أنه ما كان يجب أن أسمح له أن يغادر، أنه ما كان يجب أن أثق، ms51 أو أن أنتظر ~~عودته، لأنه فقط زوجي الحبيب، هو لم يكن القدر، كان مجرد عامل يجوب الأرض بحثا عن ~~وردة يقدمها لي ليلا، كان حدسي في محله، مر الشتاء وولدت ابنتي الحبيبة، لم ~~يعد والدها قط. اختفى من الوجود، حتى إن رائحة ثيابه اختفت، لطول ما أبقيتها إلى ~~جانبي، أحضنها كل ليلة، أشتم ما تبقى فيها من الذكريات، وساءت أموري مجددا بعد ~~تلك الأيام، فقد تقدم والدي بخطبتي إلى أحد الشبان من القرية، وقد اشترط الشاب ~~وكان ابن شيخ من شيوخ القرية، اشترط ألا تعيش ابنتي معي، ووالدي ما كان ليهتم ~~بشيء من ذلك، لم تهمه حفيدته، فقد كان يذكرني مرارا بقوله: تلك ليست بابنتك، ~~تلك ابنة الشيطان، ولا يجوز لك الاحتفاظ بها، الشيطان الذي ذهب وتركك. # ثم أخذها مني، لم يحتفظ بها بل أخفاها في مكان ما في هذا العالم وهكذا، كان ~~القدر قد سلبني حتى بصمة زوجي علي، لم يترك لي شيئا سوى الزمن لأنساه، وما ~~نسيته، نسيت كل شيء، نسيت الليالي التي كان يلامسني فيها زوجي الثاني دون أن ~~أتفاعل معه، كنت أقدم له جسدي وأطير بروحي بعيدا بحثا عن حبيبي، نسيت أنه ~~توفي في إحدى المعارك، ونسيت أن والدي زوجني مرة أخرى بشيخ يكبرني بأربعين ~~سنة، وقد نسيت وفاة ذلك الشيخ بسكتة قلبية وهو يجامعني في فراش بيته الغريب، ~~نسيت أنني تزوجت للمرة الرابعة من رجل آخر أحبني بشدة، زوج ذكرني بعد ~~سنوات بزوجي الأول، ومع مرور الوقت أحببته ونسيت كيف أحبه حتى، لكنني أحببته، ~~بلون آخر من الحب، ربما أشفقت عليه، كانت حياتي مجرد نحس، تابعتني تلك اللعنة ما ~~تبقى من حياتي، ولم يبق إلى جانبي رجل قط، تزوجت أربع مرات وأتممت حياتي ~~وحيدة، حتى ذلك الزوج الرابع الذي أحبني كان قدره الذهاب، فيوم ضربني فيه، أقسم ~~والدي ألا يبقى هذا الزوج إلى جانبي، التف حوله رجال القرية وأخبروه أنه لا يجب ~~أن يطلقنا، فقط لأن زوجي ضربني، حتى إن بعضهم انخفض ليقبل قدميه فقط ms52 ليتراجع ~~عن قراره، أخبروه أنه من العادي أن يضرب الرجل زوجته، حتى إن أحد الشبان قال: يا ~~شيخنا ألم تضرب امرأتك قط؟ (استهجن الشيوخ تدخل الشاب) كان والدي قد أسقط أسنان ~~ذلك الشاب، وأقسم قسما جعل كل الرجال يتراجعون عن المطالبة بإيقاف قراره وقال: إن ~~لم يطلقها، فإنني سأسجد لله غربا (وأشار بعصاه إلى الغرب). وتنازل الرجال والشيوخ ~~عن المطالبة، وأخبروه أنهم لن يسمحوا بشيء يجعل شيخ القرية يكفر وقالوا: الفتاة ~~ستكبر وستتزوج مجددا (تعالت الأصوات موافقة على القول)، وابننا سيتعلم كيف ~~يعامل النساء وسيتزوج أو يتجه إلى الجبال لحمل السلاح، لكن الأجدر أن يحافظ ~~شيخ القرية على إسلامه. # كانت تلك لعنة زوجي الأول، لعنة حبيبي، وقد رأى والدي أنني بلغت سنا لم يعد ~~فيها تزويجي من رجل آخر يهم، وقد سمعت والدتي تخبره: لا تزوجها، تلك الفتاة ~~لعنة، وكلما اقترب منها رجل يختفي أو يموت، ولا أرى رجلا يود مشاركتها شيئا، ~~إنها لعنة، دعها تساعدك في أمور الدكان، دعها تخدمك، أنت قد كبرت على هذه ~~الأمور، ومحمد أخذته شهامتك وعزتك فمات بعيدا عنك، لقد كان ذلك قدرها من البداية. ~~وأمضيت ما تبقى من الأيام أبكي وحيدة في بيتي البسيط، أبكي زوجي الحبيب، كان قد ~~مضى على زواجي الأول خمس عشرة سنة، تمكنت فيها من قتل تلك الفتاة، تمكنت من قتل ~~تلك الأنثى بداخلي ونسيت ... نسيت الحياة. # | القسم الرابع # أغلقت تلك المدونة والتفتت إلى ابنتي، كانت نائمة، لقد تعلمت ابنتي عن تلك العربية ~~لغتها، وتعلمت لونا من ألوان الشقاء، عرفت أيضا معنى أن يكون الإنسان سعيدا، كانت ~~أحكم مني في أمور البشر وكنت أحكم منها في أمور ما فوق ذلك، هي فهمت ألعاب ~~القدر الغريبة، لكنها لم تكره القدر، ولسبب ما، لم تكره الوجود. كان يجب أن أنقذ ~~تلك العجوز العربية، لكنني الآن علمت أنني أنقذتها بعدم إنقاذها، فهي كانت تفضل ~~الموت على إمضاء دقيقة أخرى على هذا الكوكب، ما كان بإمكاني إتمام تلك القصة، وتساءلت ~~مرارا كيف لها أن ms53 تقبل بكل ذلك؟ كيف لها أن ترضى أن تعيش تلك الحياة؟ والأهم، كيف لها ~~ألا تتمرد على تلك السلطة العليا؟ ثم تذكرت شيئا، أنا أهتم الآن، وبعد أن قرأت ~~قصتها، قبل مدة، حينما كنت أجلس إلى جانب المشرد، لم يكن يهمني أمرها، كنت أود ~~إنقاذها فقط، كانت وسيلة لإغاظة القدر فقط، أن أظهر له أنني قادر على إيقاف ألعابه، ~~لم تهمني كإنسان، على خلاف ابنتي التي اهتمت لها، وها هي كتبت قصتها كلها، كنت أجهل ~~هذه القصة، مثلما أجهل قصص كل هؤلاء الركاب، ومن المؤكد أن بعضا منهم هنا يحاربون من ~~أجل شيء ما، مثلما أفعل أنا، أو أنهم يعانون من شيء ما مثلما عانت تلك العربية، ~~وترسب بعقلي فكر جديد: ~~«إن جهلنا لحقائق الأمور لهو حجة عظيمة لتلك الهيئة العليا في استعبادنا، ~~وما كان يجب أن نتمرد لأننا نجهل الكثير، جهلنا للبشر هو ما جعلنا عبادا لما ~~فوق البشر.» # توقف الباص ونزلت رفقة ابنتي لنتوجه إلى المنزل، كان أقرب بكثير، فما علينا سوى ~~السير خمسة عشر مترا مرورا بالمقهى الذي جلست به صباحا، ركضت ابنتي إلى المنزل، لم ~~تكن تود أن تحدثني أو أن تسير إلى جانبي، أو ربما هي فكرت أنها يجب أن تلج غرفتها ~~وتغلق على نفسها، وتدعي أنها نائمة، حتى لا أزعجها، وهكذا تنقذ نفسها من مجالستي ~~لها ومن الإزعاج الذي أحيطها به. تقدمت في خطوات وأنا أراقب تلك المدونة الزرقاء، ~~والتفت بعد ذلك ومن دون وعي إلى المقهى، كان فارغا هذا المساء إلا من ذلك المشرد، ~~الذي يجلس هناك وحيدا، يراقب تلك الكأس الفارغة، كان يستند إلى الكرسي وعلى الأرجح هو ~~دفع مالا ليجلس هناك كل هذه المدة. بعد تفكير وددت أن أتقدم نحوه، كان شيء ما ~~يدفعني إليه، وتذكرت لحظتها زوجتي، تذكرتها للمرة الثانية، تذكرت تلك الرسالة التي ~~طلبت فيها المال مني، وقد خطتها لي بكلمات غريبة عنها، أحسست عبر كلماتها أنها ~~أوقدت تلك النار مجددا؛ النار التي انطفأت بداخلها لما تزوجنا، لقد عادت ms54 إليها ~~تلك الفتاة التي أحببتها، لم أكن أعلم أن محرك الطائرة سيعيد حياتها، أنه سيحرك ~~الفتاة بداخلها، أنه سيشعل النار الجليلة، وقد ذكرت في رسالتها أن المال الذي ~~طلبته مني، سيغيرني كثيرا، على الأقل في يوم من الأيام، أنه سيجعلني أكتشف الذات ~~بداخلي، لقد كتبت لي أيضا أن بداخلي قدر يجب أن أحاربه، وأن أتخلى عن محاربة ~~قدر الناس، أن بي رجلا لا يمكن لأحد أن يحركه، أن القدر الذي أعرفه لا يغير ~~الرجل الذي يستقر ثابتا بداخلي، ليس لأنه لا يقدر على ذلك، بل لأنه يود أن أفعل ~~بنفسي ذلك، أن أختار ذلك التغيير، القدر يغير البشر الذين يؤمنون به، أنا لا أومن، ~~لذا لن يهتم لي، هو يفضل من يتقرب إليه، أما أنا فمجرد حجرة أخرى بوادي الملوك، أو ~~فراشة على جذع شجرة بغابة في أستراليا، فكيف له أن يهتم ببشري لديه بداخله رجل لا يمكن ~~تحريكه؟ وفكرت بكلامها لوهلة. ~~«هل حقا سأقتل يوما ما الرجل الذي بداخلي؟ هل سأقتل ما أحب؟ هل ~~سأتغير؟» # كل شيء مقدر له التغير، كل شيء فان على هذا الوجود، كل شيء عبد للزوال، هل ~~سأتغير إن أنا أقرضتها المال، كان ذلك قبل شهر من الآن، ربما هي قامت ببناء مدرسة ~~في النيبال، أو رممت ديرا قديما في كوالالمبور، ولم أجد الرابط المقدس بين الدير في ~~كوالالمبور والتغير الذي سيطرأ على حياتي، مع أن السبب الوحيد الذي يجعلني أهتم ~~لهذا التغير هو الفضول الذي يدفعني للتساؤل، إذا تغيرت فماذا سأصبح؟ إلى أي مدى ~~يمكنني أن أتغير؟ وهل سأقبل بكل تلك النتائج؛ كل تلك المخاطر؟ هل سأرضى إن أنا ~~أصبحت شخصا آخر، شخصا يهتم، أو هل سيرضيني إن أنا صرت القدر نفسه؟ وكان التفكير ~~في ذلك مرعبا. تملكتني وقتها رعشة وأنا أقرأ تلك الرسالة، وأعتقد أن تلك الرعشة هي ~~ما دفعتني لأرسل المال لزوجتي، المال الذي جمعته طيلة حياتي، مدخراتنا كلها؛ لأنه ~~وببساطة كان يجب أن أراهن، أن أخاطر بكل شيء، إما أن أصير ms55 مجرد فرد آخر في قطيع ~~هذه الحياة، أو أن أتحول إلى القدر نفسه، القدر الخاص بي، قدري أنا ، فبداخلي رجل ~~لا يمكن تحريكه من طرف أي قدر كان. # اقتربت من المشرد وجلست إلى جانبه، لم يرفض ذلك، بل ابتسم لي، وأخرج مجددا تلك ~~النقود التي رفضتها صباحا، حاول أن يقنعني بأخذها، ما كان بإمكاني أن أفهمه ما ~~أقول وما كان بإمكاني أن أفهم كلامه العربي، وأشرت إلى النادل العربي وطلبت منه أن ~~يجلس إلى جانبنا، وضعت المدونة الزرقاء وطلبت من النادل: أخبره أنني لست بحاجة ~~إلى المال، أنا فقط أود أن أجلس إلى جانبه. # وتكلم النادل بلسانه العربي بما قلت، أرجع المشرد ماله وابتسم لي، ثم تحدث إلى ~~النادل، لم أكن أفهم ما يقول، لكن النادل قام بترجمة حديثه وقال لي: هل تود أن ~~أقدم لك شيئا؟ ~~- لا شكرا، أخبرني فقط بما قاله لك الآن. # ابتسم النادل وقال لي: أخبرني أنه سيدفع لي مبلغا محترما إن أنا قمت بخدمتك هذا ~~المساء، أثناء بقائك هنا. ~~- أنا أود أن أتحدث إليه، وسأحتاج إلى مترجم. # وقف النادل مكانه وقال: حسنا، انتظرني رجاء، سأنتهي من بعض الأمور وأعود، لن تأخذ ~~مني سوى دقائق. # ثم نادى على صبي اسمه عمر وحدثه بالعربية قليلا ثم دخل إلى المقهى، بينما جلست ~~أنا إلى المشرد أراقبه ويراقبني، وكان في كل مرة يهز رأسه مبتسما وكأنه في كل ~~لحظة يرحب بجلوسي إلى جانبه. لم أكن أعرف لم أنا أجلس إلى هذا الغريب، فهو لم يطلب ~~ذلك، ولو كان بمقدوره التساؤل لسألني عن السبب الذي دفع بفرنسي من الطبقة الراقية أن ~~يجلس إلى جانبه، لكنه لم يفعل بل جلس يبتسم لي، وكأن كل تلك الفوارق انضمرت أمام ~~الانتماء الوحيد الذي يشملنا جميعا؛ الإنسانية. # بعد مدة تقدم النادل وهو يحمل صينية الشاي، رتب الأمور على الطاولة، ثم جلس إلى ~~جانبنا، قدم لنا الشاي، ثم عرض علي سيجارة، أخبرته أنني طبيب وأن هذه ستقتله عما ~~قريب، ضحك وهو يشعل سيجارته وقال لي ms56 إن الرب هو الذي يحيي ويميت البشر، وليس ~~سيجارة صغيرة، لم أعبأ بفلسفته تلك بل قلت له: اسأله إن كان مريضا، وأخبره أنني أملك ~~عيادة بالقرب من هنا. # اقترب النادل برأسه إلى المشرد وأخبره بما قلت، ثم أشار ~~إلي، لم أفهم ما قاله له لكنني رأيت المشرد العربي يرفض مبتسما، أشار بيده ~~معبرا عن امتنانه، قال النادل لي: إنه ليس مريضا، ولكنه بحاجة إلى المساعدة، إن ~~أردت ذلك، وهو يعرض عليك المال لقاء ذلك. # نظرت في عيني المشرد جيدا، وأخبرت النادل أنني أصغي لكلامه، وربما إن استطعت ~~فإنني سأساعده من دون مقابل. كان النادل قد ترجم كلامي، وشرع يروي لي ما يقصه ~~المشرد. # قبل زمن من الآن أو في حياة سابقة ~~... كنت سيدا على نفسي، وكنت أملك حياتي هذه، فأنا لم أولد يوما كعبد لأحد، ~~كان في ما مضى، وبأحد الأماكن منزل طوبي لي، كان لي عائلة به، عائلة لم أهتم لها، ~~كان لي اسم أيضا، محمد العلاوي، اسم رجل حر، اسم لم يكن له شأن وسط العرب، لكن ~~على الأقل كان العرب ينظرون إلي كرجل شريف، والرجل الشريف عندنا هو رجل حر، ~~يملك قراره وله كلمة اختياره، وقد كنت أشتغل بكل شيء، فقد من علي الرب بقوة ~~أحسد عليها من قبل أقوى الرجال، فلم يخني جسدي في أي عمل، عملت حمالا، ~~وتجولت في رحلات وكانت تلك مهنة والدي، أخذتها عنه وعملت راعيا أيضا، وقد افتخر ~~سكان العرب بصنيع يدي، وقد اشتهرت صفة الرجولة والمروءة التي أمتلكها بين كل ~~أسياد العرب، وقد تسابقوا للظفر بخدماتي، حتى إن بعض الفرنسيين لجئوا إلي في ~~أيامهم الصعاب، وقد كنت أعلم منذ صغري بخبايا الأراضي كلها، وقد جلت الصحاري مع ~~والدي، كان حمالا بدوره، وقد أمضيت طفولتي إلى جانبه، نتجه إلى الصحراء في ~~رحلات، لم يكن لنا بيت نرتبط به، بل ولم يكن يجب أن يكون لنا واحد، فقد أخبرني ~~والدي أن المنزل من دون ربته ليس بمنزل، علمت منذ طفولتي أن والدتي توفيت ms57 ~~أثناء إنجابي، وأن والدي حزن عليها حزنا جعله ينسى المنزل الذي جمعهما يوما. ~~ولما كنت أسأله عن المنزل الذي عاشا به سابقا، كان يقول: بني، حبيبي، إن ~~منزلنا رفع إلى السماء مع والدتك، هي هناك تنتظرنا به. # وكان يشير بيده إلى أحد النجوم القريبة، كان يخبرني أيضا أننا سنشيخ بعد دهر ~~ونلتحق بها في الجنة أين والدتي والمنزل، وقد طلب مني أن أنسى منازل الدنيا كلها ~~وأن أتنقل رفقته، أن نشيخ معا في رحلاته، أن نحمل الأشياء إلى كل الأراضي، إلى ~~كل المنازل التي لن نعيش بها، أن نساعد الآخرين على الحفاظ على تلك المنازل، أن ~~نحمل الأدوية إليها لحماية ربات المنازل، لكيلا يرفعن رفقة المنازل إلى ~~السماء، وبلغت أشدي وأنا أتنقل إلى جانبه ومضى على ذلك زمن، إلى أن شاءت ~~الأقدار أن يتوفى والدي بإحدى الرحلات، بعد أن سرنا 340 ميلا احتضر بين يدي ~~وهو يقول: إنها أفضل رحلة من بين كل الرحلات. # كنت أبكي عند وجهه أقبل جبينه وأنا أقول: أنت تكذب، كيف تكون أفضل رحلة وأنت ~~لا تستطيع أن تتمها. ~~- بني أنا لا أتحدث عن هذه الرحلة. # أدار وجهي بيده الضعيفة إلى السماء، وجعلني أنظر إلى النجم القريب وقال: أتحدث ~~عن رحلتي إلى هناك، إنها أفضل رحلة. ~~- توقف، أرجوك، أبي. ~~- ششش، كن قويا بني، سأنتظرك ووالدتك بالمنزل. # ضحك والموت يأخذ منه الأنفاس الأخيرة وقبل أن تنطفئ شمعة روحه قال: سنجهز لك ~~غرفتك، ثم سنراقبك تكبر هناك، بيننا. # لم أنس كلماته يوما، وقد دفنته دفنا يليق به، وجلت بعدها البلاد بحثا عن ~~والد آخر، فكل ما تعلمته في هذه الحياة كان من والد لي، وقد رافقت أحد الفرنسيين ~~إلى إحدى القرى التي يعرفها، كان يعرف والدي معرفة جيدة، وقد ارتحل معنا في كثير ~~من المرات، إلى أن توفي والدي في إحدى تلك المرات، كان قد رأى أن شابا مثلي ~~سيختفي وسط فساد العالم الذي أوجده البشر، لذا توجب عليه - حسب ما رآه من المنطق ~~- أن ينقذني، كانت له ms58 فلسفة مخالفة عما عرفته يوما من والدي، بيد أنه اشترك ~~ووالدي في شيء واحد، كان كلاهما يحسن معاملتي، وكأنني أهم بكثير من كوني مجرد ~~حمال أو رحالة، كنت أشبه بنبي يقوم الآخرون بحمايته. واختار الفرنسي أن ~~أخذ نبيه إلى القرية ليساعده في تسيير أموره الخاصة هو أفضل طريق لحمايته، وفي ~~تلك القرية، وهناك فقط، هناك فقط تغير كل شيء، وبذلت من جهدي ضعف ما أقدر، كان يجب ~~أن أظهر للرجل الفرنسي أنه لم يخطئ حينما آمن بنجاتي من هذا العالم، وفي كل مرة ~~كنت أسترجع ما قدمه لي والدي من دروس وعبر، علمني أن أعيش بين الفرنسيين ~~وبين العرب، كان قد جهزني لما هو قادم، كان يعلم أنه سيرفع إلى منزلنا في السماء ~~في يوم ما، وما أراد أن يصعد إليه شارد العقل، كان يجب أن يضمن ضمانا تاما ~~أنني سأكون من بعده الرجل الذي لطالما تخيله، وفعلت ذلك بتذكر ما علمني ~~إياه، تذكرت كل ما علمه لي والدي، وأهم ما علمني والدي هو الحب، أحبني ~~لدرجة جعلتني أحب الحياة بكل أشكالها، ولما كان لاسمي من صفة الرجولة نصيب، ~~زوجني أحد الرجال بابنة له بوساطة من السيد الفرنسي، وعشت إلى جانبها ما تقدر ~~لنا أن نعيشه، وقد أحببتها مثلما علمني والدي، مثلما أحبني، فذلك هو شكل الحب ~~الوحيد الذي عرفته يوما، فرعيتها مثلما رعاني والدي، كنت والدا لها، وزوجا ~~أيضا، وقد عاهدتها أن أعيش الحياة من أجلها، وأنه لا شيء في الحياة يبقيني ~~حيا، غيرها وحدها، فمنزلي ووالداي في السماء، وأنني أنشد الحياة إلى جانبهما، ~~وأن الشيء الوحيد الذي يدفعني إلى التشبث بهذه الحياة إلى جانبها، هو القلب الذي ~~هيأه والدي، قلب ليحبها وحدها، مثلما كان لوالدي قلب هيأه ليحب والدتي ~~وحدها، وقد أخبرتها أن والدي أقام قلبا ليحب فتاة واحدة، وأن هذه الفتاة هي ~~زوجتي، قلب لا يصلح إلا لها، وكأن والدي قد التقى بها في حياة أخرى عاشها الجميع، ~~وخاطني بقلب يليق بها، بقلب لا يتسع إلا لها، ms59 وقد آمنت في تلك القرية بشيء ~~واحد، آمنت بها، كنت قد كفرت بكل شيء، يستيقظ الجميع كل يوم ليعيشوا ما قدر ~~لهم من الحياة، وأستيقظ كل يوم فقط لرؤيتها، أخبرتها أنه سيملك الرب قدري في ~~هذه الأيام وسيملك روحي بعد هذه الأيام، ستأخذ الأرض نصيبها مني لأنها تملك جسدي، ~~سيتسارع الزمن باندثاري بعد أن تأخذني الأرض، سيملك الزمن وقتي، لكنه لا أحد، لا ~~شيء، ولا حتى أنا نفسي كنت لأملك الوجود الذي عرفته يوما، أخبرني والدي يوما أن ~~الإنسان الذي لا يتدبر الوجود لن يكون موجودا، لكنني فكرت مرة أخرى، هل يمكن أن ~~يخطئ والدي؟ استيقظت كل صباح لأتأكد من ذلك، أجلس قبالتها أراقبها أتأملها لمدة ~~طويلة، عادة ما كانت تستيقظ وأنا على تلك الحال، لم يتغير شيء، إنها سبب وجودي، ~~ووحدها فقط ستملك سبب وجودي. أخطأ والدي مرة واحدة، حينما نسي أن يخبرني أنه لم ~~يكن لوجودي معنى من دونها، وأنه لا يجب أن أتدبر في شيء آخر، سوى مراقبتها. ~~زوجتي أحبتني بدورها، كانت تقدس كياني في أبسط صوره، كانت تحب رائحتي، كانت ~~تعشق اللعب بشعري الأشعث، وكنا قد عشنا معا في سلام، وكان ذلك الزمن ليكون ~~النهاية الجميلة لقصتنا، كان ليقول الناس، وعاشا سعداء ما تبقى من عمرهما، لكن لم ~~يحدث شيء من ذلك، فالقدر لم يعجبه قصر القصة وبساطتها، كان له قراء يفضلون ~~القصص المعقدة وأراد أن يتفنن بقصتنا، أن يجعلنا لوحته الأكثر تعقيدا. # وقد كان لي في يوم من الأيام أن التقيت بأحد الفرنسيين الذي كان قد رافق الرجل ~~الذي ساعدني في مرة من المرات التي ارتحلا فيها، فطلب مني أن أرافقه بإحدى ~~رحلاته إلى الجنوب الشرقي، كنت قد رفضت ذلك العرض منه، لكنه رفع السعر ليلامس ~~أحلامي، ثم إنني لم أود أن أخيب ظن السيد الفرنسي الذي ساعدني، فقد كان مشتركا ~~في الرحلة بدوره، وقد أغراني رفيقه بجائزة لم أكن لأنال مثلها في أي رحلة أخرى، ~~وقد خرجنا بعد ليلتين في قافلة محملين بما اختار ms60 السيد الفرنسي أن نحمله إلى ~~الجنوب، كنت قد تركت عائلتي، وارتحلنا جنوبا إلى أقصى ما يمكن أن نبلغه، وقد ~~تغيرت أشكال الحياة حولنا واختفت خضرة الأرض واصفرت السماء، كان أقصى حد وقعت ~~عليه قدماي، وازدادت الأرض سخونة حتى إن بعض الحمالين ادعوا أننا نتجه إلى ~~الجحيم، كان رجال منهم يتحدثون عن لعنة التوجه إلى الجحيم، وكيف أن الرب وضع ~~بابا للجحيم على الأرض، وأنه يلعن من يقترب منه، وبلغنا مرحلة لم تكن العودة ~~فيها ممكنة لأي شخص يقرر الاستسلام، لأي شخص يحاول العودة بمفرده، وقد ~~قدر لهذه القافلة أن تعود إن هي أرادت، فقط إن كانت كاملة دون أن تفقد أي فرد، ~~ولو كان بإمكان أي شخص أن يبلغ ما بلغنا، فإنه كان سيموت لو هو حاول النظر إلى ~~الخلف. لقد كانت طريق عودتنا هي استمرارنا نحو التقدم جنوبا. كنت أعلم أن ~~الجو سيبرد مجددا، على خلاف العديد من الرجال الذين اعتقدوا أن ما ينتظرنا ~~جنوبا هو باب الجحيم في الأرض، أما أنا فعلمت أننا سنتوغل إلى الحر، سيموت كثير ~~منا، أو ربما لن نصل أبدا، لكنه يوجد بمكان ما بالجنوب شيء يشبه الشمال، ~~وقد سرنا لأشهر ندفع تلك الإبل إلى الغوص بأعماق القارة، وكنا نلتف بالتفاف ~~الصحراء، حتى إننا كنا نتجه غربا لأيام بحثا عن مياه للإبل، أو نستقر في ~~انتظار القوافل المحلية، عادة كانت تلك التي تتجه شرقا أو غربا، لم يكن أحد ~~يجرؤ على التوجه إلى الجنوب، ننتظر قافلة تدلنا على الماء، أو تزودنا به إن ~~أمكن، مقابل بعض من حمولتنا، لم تكن مسيرتنا رحلة تجارية كما اعتقدت سابقا، ~~كانت رحلة عقائدية، أشبه برحلة روحانية. كان السيد يؤمن بشيء ما، أنه يوجد ~~شيء ما بالجنوب غير الحر والرمال، غير باب الجحيم الخرافي، غير المكان البارد ~~الذي أعتقد أنه ما بعد هذا الاتساع الحار. كان يعتقد أنه يوجد شيء ما، شيء ~~يستحق العناء، عناء الرحلة، عناء لعنة باب الجحيم، يستحق التوجه جنوبا من ~~أجله، وكان بالقافلة بعض الفرنسيين ms61 من الجنود، وذلك السيد الفرنسي ورفقاؤه من ~~النبلاء، وكان البقية من العرب. كنت أصغر الجميع سنا، كنت صبيا مقارنة ~~بالبقية، بجسم ضخم وإرادة صلبة، ثم مرت علينا الأيام مرورا لم نلحظه، وكنا ~~نتقدم في الصحراء، كأننا لم نفعل قط، وفي كل خطوة نخطوها أو نتقدمها كانت ~~تظهر الصحراء متنامية الأطراف، كانت كل خطوة تبدو وكأنها الخطوة الأولى، لم نكن ~~نشعر أننا نغوص نحو مكان ما، وكأن الصحراء تتمدد بتطاول خطواتنا، فلا تنتهي ~~حتى نكاد نيأس نهايتها، أذكر أننا كنا نتوقف ببعض القرى فلا نشبع فيها من ~~الأيام البشرية حتى نعود مجددا إلى ما كنا فيه، بل نغادرها بسرعة إلى الجنوب ~~مجددا، لم يخبرنا السيد الفرنسي لم نقوم بالرحلة، بل كان يسجل على دفاتره كل ~~شيء، كان يحسب كل شيء وكأنه يعلم كل شيء، وفي غالب الأحيان كان يجلس إلى جانبي، ~~نتحدث ليلا، بينما يحرس الحارسان القافلة حول نار يقيمانها، كان يسألني عن ~~حياتي، كانت تجمعنا علاقة تمردت على سنوات العداء التي جمعت العرب بالفرنسيين، ~~لم أكن أهتم للون عينيه أو لشعره الأشقر أو حتى للكنته الأجنبية، كان يتحدث ~~لغتي، بل يجيدها تماما، ولم يكن يعبأ بعروبتي، كنا أخوين وكان صديقي بل صاحبي، ~~صاحب لم يكن لي في حياتي من قبل. # وكان لنا في ليلة من الليالي، أن جلسنا حول نار الحراسة، نحرس القافلة، وقد طلب ~~السيد من الحارسين أن يناما ويأخذا قسطا من الراحة، مع أنه كان يجب على ~~الجنديين أن يحرسا القافلة ليلا، لكننا رأينا أننا لن ننام الليلة، وجلست ~~أحاوره ويحاورني. تكلمنا حتى رأيت نارا على بعد منا، أشبه بنقط متجمعة، ~~أشبه بنار مخيم أو أشبه بقافلة تستريح في مكان ما في تلك الصحراء، كان يجب أن ~~أخبر السيد عنها، لكنني لم أفعل فقد اختفت بسرعة، حتى كدت أجزم أنها ما كانت ~~موجودة، ثم إنني اعتقدت أنه قد لا يهمه الأمر، بدت أشبه بسراب ما، أو تخيلات ~~تراودني، تكلمنا كثيرا واستهلكنا جراء كلامنا كثيرا من الشاي، شاي منحنا ms62 ~~شعورا باليقظة فازدادت أحاديثنا حلاوة، وكان يقول لي: لم يتوجب علينا القدوم ~~إلى هنا؟ (قدم لي كأس الشاي.) ~~- هل تقصد أنه ما توجب أن نقوم بهذه الرحلة؟ (أنظر إليه في تساؤل.) # كان يبتسم ويقول لي: لا، أنا لا أقصد الرحلة (يتردد بخجل) لكن، ما كان على ~~حكومتنا أن تقوم بالحملة العسكرية. # أخبرته أن الأمر لا يهم، سواء حدث أم لا، وقلت: إنها طبيعة البشر، وحتى إن لم ~~يأت الفرنسيون لفعل ذلك، لقام به آخرون، أو لتسيد علينا سادتنا من العرب، أو ~~ربما كنا سنفعل بكم مثل هذا! إن استعمار الشعوب للشعوب لفطرة إنسانية، ولا أحد ~~مستثنى منها، فإما أن تكون تابعا أو متبوعا؛ لذا أنا لا ألومكم، على الأقل أنا ~~لا ألومك أنت. # ثم سألني قائلا: لم لم يساعدكم إله العرب، أقصد إلهك، أنت متدين، ~~صحيح؟ # ضحكت وقلت: أجل، مسلم. # وأضفت قائلا: وهل تعتقد أن إله الفرنسيين قد بارك هذه الحملة العسكرية. # ضحك وقال: لا، لا أعتقد أن الرب يرضى بقتل الأبرياء، قتلهم لأنهم لا يجيدون ~~الفرنسية. # ضحك كلانا وأضفت: وما الله بأقل حكمة، لكنه يرى أنه لا يغير بنا شيء لا نود ~~تغييره، إنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، إن الله عادل، ولن يدعم ~~جانبا من البشر خلقهم مقابل بشر خلقهم أيضا، لاختلاف ألوانهم، أو كونهم عربا ~~أم عجما، الله يدعم عباده الصالحين من البشر، ثم توقفت، كان السيد يكتب ما ~~أقول. ~~- ماذا تكتب؟ ~~- ما يفعله إله العرب. # ابتسمت وقلت: أعتقد أنه منحنا حق الاختيار، وما آلت إليه الأمور هو خيارنا، لا ~~خياره. # ثم أضفت: خياره الجنة، وليس هذا. # وحملت بعضا من الرمال وتركتها تنسال بين أصابعي لتعود إلى مكانها، أصابعي التي ~~باعدت بينها. # ثم سألته: لم تقوم بهذه الرحلة؟ أقصد إلى أين نتجه؟ ~~- أنت تعلم أن خلف كل رحلة أسطورة (ينظر إلى السماء)، لنقل إنني أومن ~~بواحدة. ~~- حسنا، على الأقل أنت تسير خلف إيمانك. # واستمر حديثنا إلى أن غفونا، في تلك الليلة المظلمة هاجمنا جمع ms63 من الرجال ~~العرب، كانوا ضعفنا، رجال مسلحون بالكراهية والعداء، ضعف تسلحهم بالسيوف ~~والبنادق. قتلوا العديد من الرجال ولم يستثنوا العرب من الفرنسيين. كنت قد ساعدت ~~السيد الفرنسي على الفرار. أطلقوا النار عليه مرارا، لكنهم لم يسقطوه من على ظهر ~~الناقة، كنت قد ساعدته على ركوبها وأنا أقول: أنا أعرف أنك تؤمن أن إلهك ~~سيساعدك، لكنني سأدعو الله أن يحفظك. لم تكن هذه معاركنا يوما، وما كنا لنكون ~~أعداء أبدا، ثم وخزت الناقة فتحركت مبتعدة إلى المجهول، لم يعبأ به المرتزقة، ~~فقد كان همهم الأول الحصول على حمولتنا من الحوائج والبشر، وأمسكوا بنا ~~يجروننا إلى أماكن نجهلها، ثم باعني بشر يتكلمون لغتي، يؤمنون بإله أنا أومن ~~به، إلى مجموعة من الثوار في سوق إحدى القرى، واستعبدني شيخ كان اسمه مبارك، كان ~~قائد جماعة من المقاومة أو هذا ما اعتقدت في بادئ الأمر، أجلسني أمامه، اقترب مني ~~وقال: أنت خنت الإسلام، وقد ولدتك أمك مسلما، وباسم الله الذي خنته، وما كنت ~~لتخون إلا نفسك، فإنني أسلبك باسمه الجليل حريتك التي منحها لك، فأنت لا تستحقها ~~بعد الآن. # لم أنبس ببنت شفة، لكنه التفت إلى رجاله وقال: اقتلوا السيد بداخله، اجعلوه ~~ينسى الرجل الحر بداخله، وسارع الرجال إلي فربطوني بجذع نخلة ونزعوا عني الجلد ~~بسياطهم، يضربون كل جزء من جسدي، وفعلوا ذلك أياما، ولما كان ينتهي النهار، ~~كانوا يتركونني وسط الصحراء ليلا، مع قليل من الماء، ووضعوا حولي صخورا ضخمة ~~أحضروها وكان بينها متسع كبير، اعتقدت في الليلة الأولى أنهم أطلقوا سراحي بفعلهم ~~هذا، ثم اكتشفت أنني مخطئ بعدها، اكتشفت ذلك لما وجدوني صباحا بمكان ما مرمي، ~~فأعادوني إلى جذع النخلة وأشبعوني ضربا بالسياط، ثم تعلمت ألا أتجاوز الصخور، ~~وكانوا يذهبون ليلا إلى مكان ما، كانوا يعلمون أنهم سيجدونني بين الصخور، فلا ~~مكان أتجه إليه، ولا يكفيني الماء إن أنا اكتشفت وجود مكان أذهب إليه، ثم يعودون ~~صباحا، يأخذونني إلى جذع النخلة، يربطونني مجددا. كنت أتوسل لهم ولكن ما كان ~~يكترث الجزء البشري ms64 بداخلهم، ثم يعيدون ضرب الجلد الذي تشكل بتخثر الدماء التي ~~حاولت غلق الجراح، فأخسر من الدماء مقدار ما شربت من الماء ليلا. كانت معادلة ~~سهلة لأحفظها، الماء ليلا مقابل الدم صباحا، وأبقوا على ذلك أياما عديدة، حتى ~~نسيت اسمي، فبدلوه باسم آخر، «زنيم». # ثم حملوني إلى مكان آخر، وجعلوني أخدمهم خير خدمة، وما تكاسلت في فعل شيء، إلا ~~وعادوا إلى تأديبي بالضرب والجلد، يفعلون ذلك حتى يخر ما في من قوة، فيبلغون ~~الروح بسياطهم، ولم أر في حياتي عذابا كعذابهم لي، وبقيت على تلك الحال عددا من ~~السنين أجهله، وما كنت أعلم أنني أكبر في العبودية، إلا بعد سقوط شعري، أو إحساسي ~~بالتعب وأنا لم أعرف له طعما من قبل، أو نسياني لما توجب علي ألا أنساه. ~~وبعد مدة قتلوا ذلك الرجل بداخلي؛ قتلوا محمدا العلاوي، وأنشئوا زنيما العبد ~~القادم من الشمال، ثم نسيت حريتي، نسيت أن لي عائلة، نسيت كل شيء، كانوا ~~يقررون ما أفعل، ما آكل وما ألبس، كانوا يختارون وقت راحتي ووقت عملي، وأصبحوا ~~الملك الذي يجب أن أخشاه، جعلوني أنسى الرب فوقهم جميعا، نسيت إله الفرنسيين ~~ونسيت إله العرب، ثم تذكرت فجأة زوجتي، تذكرت عائلتي، وكنت أتخيلها كل ليلة، ~~كنت أشيخ في الصباح، ثم أنتظر الليل، لأعود صبيا من جديد، أنسى أنني عبد شيخ، ~~أنسى أنني زنيم، أراها ليلا فتاة شابة، وأرى مدخل منزلي الطوبي، هي لم تكبر أبدا ~~في اعتقادي، وتصورت دوما أنني عندما أصير طليقا، يوما ما، فإنني سأتوجه ~~إليها، فأجدها شابة تنتظرني عند المدخل، سأركض نحوها وأنا أصير أثناء ركضي شابا ~~من جديد، أنني سأعود كاليوم الذي اعتقلوني فيه، كانوا قد قتلوا المنطق الذي أعيش ~~به، جعلوا حياتي مجرد كابوس طفل مرعب، حلم لا يمكنني الاستيقاظ منه، وأمضيت ما ~~تبقى من حياتي كعبد اسمه زنيم. # | القسم الخامس # ثم توقف العربي عن الكلام وتوقف النادل بدوره عن الترجمة. التفت إلي النادل وقال ~~لي: هل تصدق أنه يمكن أن يحدث هذا لشخص ما، وأنا اعتقدت ms65 أنه مجرد مجنون يملك بعض ~~المال؟ # كانت حكايته قد دفعتني إلى الصمت، لم يكن بمقدوري أن أتكلم، كل ما فعلته هو أنني ~~نظرت إليه بعينين ذابلتين مدة ثم قلت للنادل: قل له إنني أشعر بالأسف لما حدث ~~معه. # مع أنني أعلم أن قولي هذا لا يعني بالضرورة أنني كذلك، فلن أوفيه من الأسف حقه ~~مهما فعلت، وجلست أنظر إلى كل مكان من حولنا وفكرت: «هل هذا ما أقام مجد ~~البشرية؟» # وكان من المؤكد أن ما حدث له، أو ما حدث قبل آلاف السنين، أو حتى ما سيحدث من القصص ~~الغريبة بعد هذا العصر، كل هذا شارك وسيستمر في بناء هذه الحضارة التي تناشد البشر ~~بالحرية والأخوة والمساواة؛ المساواة التي يمنحونها لي وليس لهذا المشرد العربي، الأخوة ~~التي شعر بها مع ذلك السيد الفرنسي، وفي مكان لا يعرف الأخوة، بينما لم يشعر بها ~~حينما عذبه بنو جلدته، الحرية التي سلبوها منه باسم إله يتبرأ منهم، إله آمنوا به ~~لأنه يحمي أسس الحرية ويصونها على خلاف من آمن به. ثم دنوت من النادل وقلت له: اسأله ~~كيف تمكن من الحصول على حريته. ~~- على الأرجح هو فر منهم. ~~- سيدي أنت لم تصغ جيدا، فقط اسأله كيف أصبح حرا. # وباشر النادل الترجمة بعد طرحه للسؤال. ~~- كان ذلك قبل مدة، التقى الشيخ مبارك بجماعة من الفرنسيين، كان قد جلس معهم رفقة ~~رجال من العرب، خمسة فرنسيين وامرأة ترافقهم، وبلغ العرب من القرى ستة عشر رجلا، ~~حضروا الجلسة حتى إن بعض الأطفال كانوا على بعد يراقبون الاجتماع المهم. كان ~~الفرنسيون بحاجة إلى التزود ببعض المؤن لرحلتهم، وقد طلب مني حمل أشيائهم رفقة بعض ~~العبيد ممن يملكهم مبارك، وقد بدوت عاجزا بعض الشيء، فأنا قد كبرت على حمل ~~الأشياء، وتأسف الفرنسيون على ذلك، حتى إنهم طلبوا من مبارك أن يتركني لأعد الشاي ~~لهم فقط، وقد لبثت أخدمهم حتى تقربت مني المرأة الفرنسية، تعجب بشجاعتي، ترى ~~بداخلي السعادة التي نسيتها، ترى الأمل الذي فقده الآخرون، وكانت تقول لي ms66 بينما جلس ~~معنا مترجمها. ~~- هل لك زوجة تنتظرك في الديار (تمسك بكأس الشاي بكلتا يديها). ~~- مولاتي، أنا لا يجب أن أحدثكم (قدمت الشاي للمترجم)، سأموت إن فعلت ذلك (ترجم ~~المترجم كلامي للفرنسية). ~~- أخبره ما يلي: لا تقلق، فإن مبارك صديقنا، وصداقتنا أهم من حديثي إليك بالنسبة ~~له. # نظرت إلى المترجم، ثم فكرت وأنا أراقبها، أضافت على لسانه: إذن هل لك عائلة، اسمك ~~«زنيم»، هذا اسمك؟ ~~- أجل مولاتي. ~~- وهل هي تنتظرك (ابتسمت لي). ~~- لا أعتقد أنه يهم ذلك، أعتقد أنني شخص لا يجب انتظاره. # أخذت وقتا لتفهم ترجمة المترجم، ثم أشارت بيديها لي لأطمئن. ~~- ربما ستتغير الأمور. # ووعدتني المرأة أن تساعدني، فقد أخبرتها حكايتي تلك الأمسية، كنت أجالسها ~~والفرنسيين ليلا، أطبخ لهم بعضا من الخبز والشاي، وأخدمهم خير خدمة، وقد طلب مني ~~الشيخ مبارك أن أفعل ذلك، وأعتقد أن السيدة الفرنسية قد طلبت منه ذلك، كان يود أن ~~يتحصل منهم على صفقة؛ تزويد رجاله بالذخيرة أمر مهم له، لذا كان قد طلب منهم البقاء ~~لليال أخرى، فيحصلون على المؤن ويزودون بالماء ثم يغادرون بعدها، وقد سألت السيدة ~~عنهم: ألا تخشونهم؟ إنهم ثوار. # كانت قد ضحكت وأردفت: مبارك ورجاله من الثوار، هاهاها، إنهم مجرد مرتزقة وقطاع ~~طرق، هم ليسوا أعداء فرنسا، هم أعداء جميع البشر، ولهم مصالح مع فرنسا تدفعهم إلى ~~القضاء على الثوار الحقيقيين إن تطلب الأمر ذلك. أخبرتني أيضا: سأساعدك على ~~المغادرة، زوجتك تنتظرك وقد طال غيابك عنها، وقد طلبت السيدة الفرنسية من الشيخ مبارك ~~أن يبيعني لها، رفض في بداية الأمر، وتحجج بأنني العبد الأغلى سعرا، وأنه لن يبيعني، ~~أذكر أنه عرض عليها عبيدا آخرين، وقد فعل ذلك فقط ليظهر لها مدى أهميتي، لم تكن لي ~~قيمة، لكنه استعملني لرفع السعر، وقد عرضني للبيع على كل العرب، كان قد أخبرها أن ~~العرب هم الأولى بي، وقد رفض كل الأسعار التي عرضتها، سبعون ألف فرنك لم تكن كافية، ~~وجلس ثلاثة وعشرون شخصا يساومون علي، قال الشيخ مبارك: إن هذا العبد ms67 أشبه بآلة ~~حديدية، وهو قد بنى كل أيامي، ولن أبيعه مقابل سبعين ألفا. # وقد كنت وسط حلقة من البشر ، أجلس على ركبتي، خافضا رأسي. تحسسني الجميع في ~~مزايدة على السعر، قلب البعض منهم أسناني، وتحسس البعض الآخر ما تبقى من جسدي، كنت ~~أشبه ببهيمة يودون الحصول عليها. ~~- يبدو مسنا. ~~- لكنه يخفي يا سيدي خلف هذا الجسد المسن، قلبا حديديا، إنه لا يتوقف عن العمل ~~أبدا. ~~- لن أدفع فوق خمسة وسبعين مقابله. ~~- إذن لن أبيعك هذا العبد، أنا أفضل قتله على أن أبيعه بخمسة وسبعين. # ومكثوا لساعات يساومون على الأسعار، كنت أنتظر بتلهف أن ينطق الفرنسيون، على ~~الأقل بأي ثمن، أن يظهروا أنهم يودون شرائي، فأنا أكره أن يشتريني العرب، على الأقل ~~فإن الفرنسيين لم يتحسسوا جسدي، كانوا يشعرون أنني ما زلت بشرا، ربما في جزء من ~~روحي، ولبثوا يراقبون الأسعار، وبعد مدة كره العرب أن يشتروني من مبارك، ولتعنته، ~~كرهوا أن يشتروا منه عبدا عجوزا بسبعين ألفا، حتى ذكرت الفرنسية على لسان مترجم ~~محلي اسمه عبد القادر: خمسة وتسعين ألفا. ~~- لو قلت مائة ألف لقبلت بيعه لك. # نطق أحد الرجال للشيخ مبارك بينما اندهش الجميع: سيدي بعه لها، لن تجد أحدا يقدم ~~مبلغا كهذا. # فكر الشيخ مبارك، بينما استغرب العرب أمر الشيخ. رفعت رأسي أراقبها، كانت متأكدة ~~أنها ستشتريني، لذا لم تضف كلمة أخرى، كانت تود ذلك بشدة. # لا أدري. # وفكرت: «هل أنا بقيمة مائة ألف فرنك؟ أخلقت لهذا السعر؟» # وقام الرجل بوخز الشيخ مبارك، فقد كان يرى أن بيعي أهم بكثير من تعنته، وقال: ~~اللعنة على هذا العبد، سيموت بعد أيام، وستخسر كل شيء، ستخسره وستخسر التسعين ألفا. ~~بعه بهذا السعر، واشتر للرجال ذخيرة أخرى؛ القوافل تتوغل، والفرنسيون يقتربون منا، ~~حتى الثوار أصبحوا تهديدا لنا. # كان الشيخ قد فكر بقول صاحبه مدة، ثم قال: حسنا، خذيه بخمسة وتسعين ألفا. # وأضاف المترجم: بشرط أن تتم مرافقته إلى أقرب مدينة من هنا، سيدتي ستدفع ألف ~~فرنك لمن يرافقه إلى المدينة. # كانت ms68 تلك الفرنسية قد اشترت حريتي، وقدمت لي المال، طبخت لها الشاي لآخر مرة، ~~وكلمتها مرة أخرى، كان دورها لتقص لي حكايتها، حكاية أخيرة، وجلس معنا المترجم، ~~ككل مرة، جلستنا الأخيرة، قالت لي في آخر كلمات لها، آخر كلمات أذكرها عنها: ابحث عن ~~عائلتك، أنت رجل حر الآن، مثل كل وقت، لا تتوقف عن البحث، ولا تنظر خلفك. # لم أنبس ببنت شفة، انخفضت على ركبتي أبكي، كانت قد وضعت يدها على رأسي تخبرني أن ~~كل شيء على ما يرام، ثم انخفضت بانخفاضي، رفعت رأسي إليها، قبلت جبيني، كانت ~~تبكي بدورها، تبكي مبتسمة وهي تقول: أخبره، اجعل كلماتي حقيقية، أخبره ما يلي: ~~جعلتني أبكي أيها العربي (ترجم المترجم عنها). ~~- آسف سيدتي (بصعوبة ترجم كلامي). ~~- فقط، عد إليها (كان قد قالها بصفة أخرى). # واتجهت تلك الفرنسية رفقة قافلتها نحو مكان ما، وعدت إلى هذا المكان لأبحث عن ~~عائلتي، فقد غادروا قريتنا قبل زمن، وتأكدت أقوال العرب؛ كان ذلك المكان باب الجحيم ~~في الأرض، لكنهم أخطئوا في شيء واحد؛ لم يكن الله من أنزل ذلك الباب، كان الشيطان من ~~أقامه، لم تكن تلك أسطورة باب أنزل من الجحيم أو رفع منه، كانت تلك حقيقة بشر ~~أقاموا بابا للشيطان، وتحدثوا باسم الرب لتغطية أعمالهم، وتصور لهم الشيطان في صفة ~~الرب، والرب غني عن التصور بأي صورة. افترقت عن أصدقائي، ربما مات السيد الفرنسي، ~~أو هو أكمل التوغل في الصحراء وحده يبحث عما يؤمن به، ربما صادف قطاع طرق آخرين، ~~لكنني أعلم أنه على الأقل اكتشف شيئا من هذه الرحلة، لا أعلم إن استمر في رحلته أو ~~هو بدأ رحلة جديدة، وتلك السيدة الفرنسية لا أعلم إن هي لقيت مرادها، وكان مرادها ~~أبسط شيء سمعته، والأكثر تعقيدا، ولا أعلم أين هي عائلتي في هذا العالم، وها أنا ~~أبدأ رحلتي، أعظم رحلة، رحلة كنت لأخبر بها والدي، ولأول مرة فهمت لما قال لي ~~والدي يوم وفاته أن تلك رحلته المقدسة، كان يلاحق حبه، كان يتبع عائلته، وها ms69 أنا ~~اليوم أخوض رحلة أشبه بتلك، ها أنا أبحث عن عائلتي، مثل والدي، ها أنا ألاحق حبي ~~الوحيد. ومرة أخرى صدق والدي فيما علمني، ومرة أخرى أكتشف أن والدي وككل الأيام ~~التي عشتها إلى جانبه، كان والدي على حق، ككل مرة. # | القسم الأخير # في ذلك المساء رافقت ذلك العربي، نحو أرجاء المدينة، بحثا عن عائلته، سألنا عن اسم ~~زوجته ابنة الغزالي، وكنت أراقبه وهو ينظر بحب إلى كل شيء، كان يراقب كل الموجودات، ~~كان يتلهف لرؤية تلك الأمور البسيطة التي لا نراها عادة، اشترى الحلوى لجميع الأطفال ~~الذين صادفناهم أثناء بحثنا، وزع العديد من القطع النقدية على كل شخص، كان أشبه ~~بطفل صغير يلج هذا العالم في دهشة، وما كان بمقدور أحد أن يفسر أفعاله تلك، اعتقد ~~الجميع أنه مجنون آخر، لكنني آمنت بأنه رجل حر، يستمتع بحريته، بكونه سيدا للمرة ~~الثانية، يعيشها كفرصة يعرف قيمتها أكثر من أي وقت مضى، كأنه ولد من جديد، كان ~~متفائلا بإيجاد عائلته، أخبرني أنهم ينتظرونه في مكان ما، كان يثق في ذلك، فقد ~~أخبرني أنه، إن هو قضى كل هذه السنين في العبودية ليتمكن بعدها من اكتساب حريته، إن ~~كان قد تحول ما رآه يوما مستحيلا إلى حقيقة، فإن إيجاد عائلته أبسط من ذلك، وأنه ~~سيجدها إن هو انتظر مرور الوقت، مثلما انتظر في عبوديته، إن هو بحث دون توقف، أخبرني ~~أن مشاكلنا رهينة الزمن، وأنه لا شيء يتمكن من هزيمة الزمن، حتى آلامنا هي فقط ~~ستندثر بمرور الوقت، وبحثنا عن زوجته في كل مكان، كنا نستعمل اسمها للبحث، اسم ~~عائلتها. علم هو من بعض الأشخاص في القرية أنها بالمدينة هنا، أنها غادرت القرية قبل ~~مدة، وبحثنا في كل مكان وبعد مدة، لم نجدها. # لم يتخل ذلك الرجل عن بحثه عن زوجته، غادرته ذلك اليوم إلى ابنتي، لم أتغير ~~معها، أو مع أي شخص آخر. ومرت الأيام، مرت ثمانية عشر شهرا، كانت زوجتي قد عادت ~~رفقة رجل آخر، زوج يشبهني في كل شيء، ms70 إلا طباعي الغريبة، أخذت ابنتنا معها وغادروا ~~الجزائر، كانت قرب طائرة أكبر حصلت عليها من مراكش وخلقت لحظة الوداع ، قالت لي يوم ~~مغادرتها: ستبقى الرجل المفضل لدي (توقفت قليلا لتأخذ نفسا)، سأحبك دوما، ~~حتى إن عشت أنا برفقة رجل آخر، حتى إن كنت تشبه جدك مثلما أخبرتني؛ دي لا بوت. ~~- سأشتاق إليك، لكنني سأنسى ذلك، مثلما نسي دي لا بوت، بعد زمن سأنسى أن أشتاق إلى ~~أحد (نظرت إلى الطائرة في الخلف). ~~- عزيزي (بصعوبة). ~~- نعم عزيزتي (بصوت خشن يخفي خلفه بكاء داخليا قويا). ~~- أنت لن تتغير! صحيح؟ (ابتسمت.) ~~- الأمر خارج عن سيطرتي (بكبرياء غريبة وقوية)، لا للأسف. ~~- تعلم أنني أحببتك (قبلتني قبلة طويلة)، أتمنى لك حياة سعيدة (تكلمت عند ~~شفتي) أتمنى أن تحاول أن تحب القدر (قبلتني للمرة الأخيرة وابتعدت). ~~- غير ذلك (أحرك أصابعي وأرتجف)، متى سأرى ابنتي؟ (محاولا الثبات.) ~~- عزيزي سنجول العالم (ابتسمت) لكنني أعدك أن الجزائر ستكون محطتنا المفضلة، ربما ~~يوما ما سنزورك (نظرت إلى الخلف حيث الطائرة)، وإلى ذلك اليوم، إلى اللقاء. ~~- إلى اللقاء (بصعوبة). # ثم غادر الجميع، وأصبحت الجزائر مكانا فارغا، اختفت فرنسا، اختفى العالم من ~~الجزائر، وأصبحت الجزائر للعرب مرة أخرى، لم أتزوج بعد ما حدث، ونسيت ذلك تماما، ~~مثلما نسيت أن أبحث عن المشرد لأخبره أنني وجدت زوجته، ثم مرت سنوات كنت ~~خلالها ألتقي ابنتي، أو تراسلني إن تعذر ذلك، ثم توفيت أنا في إحدى المزارع ~~البعيدة بسبب العضال وغادرت تلك الحياة. # وها أنا هنا أجلس وحيدا في هذا المكان، أردت أن أبكي بشدة، تشجعت مرة أخرى، ~~وجلست هادئا كنت أنتظر محاكمتي، وقد مر وقت على جلوسي بهذه الغرفة الخشبية ~~المتسعة، كانت محكمة لا أذكر كيف دخلتها أو لأي سبب، دخلتها في يوم من الأيام، ربما ~~في أول مرة أخلد فيها، وكل ما كنت أعلمه أنه ما كان يجب أن أغادر مكاني إلا إذا سمح ~~لي بذلك، مثلما حدث في القاعة الأخرى أين تحدث إلي العديد من الرجال، ثم دخل علينا ~~القاضي ويتبعه قضاة ms71 آخرون، كان الجميع يحمل دفاتر بيضاء يسيرون في انفراد، وبعضهم ~~يتهامس عما كتب في تلك الدفاتر، لم أقف احتراما لهم، بينما فعل الحشد من خلفي ذلك، ~~فلم تكن هذه محكمة تقليدية، فلا يهم إن احترمت القاضي أو لم أفعل، ففي كل الأحوال أنا ~~في نظره، بشر لا يعي معنى الاحترام، بيد أنهم جلسوا بعد أن جلس الحشد من خلفي، نظر ~~القاضي إلي مدة ثم قال: ششششش، هدوء، لو تفضلتم وتوقفتم عن التحدث ~~والضحك. # ثم طرق على الطاولة ونظر يوجه إلي الكلام: أنت تعلم لم أنت هنا، وأنت تعلم ~~ما حدث معك؛ لذا ربما سنمنحك فرصة أخرى، لكن هل تعلم ما حدث معك كما نراه نحن؟ (خفض ~~رأسه ليراني.) ~~- أجل (ترددت قليلا)، أخبروني بذلك في قاعة أخرى. ~~- آه ممتاز، يجب أن تفهم أن ما حدث معك كان أكبر من أن تفهمه يومها. ~~- أجل ربما سأتذكر أن أفعل (التفت إلى كل الزوايا). ~~- استدعيناك لأننا وجدنا لك فرصة جديدة؛ فرصة من نسلك. ~~- وإذا؟ (في تساؤل.) ~~- لا نعلم إن كنت ستستمر في فعل ذلك! استهلكت الكثير من الفرص، والأهم أن تعلم أن ~~ما نفعله هنا جدي، أن تؤمن شرط لنا، يجب أن تؤمن، ليس كآخر مرة، ستؤمن بالقدر فقط ~~... سيد! هل تذكر اسمك الأول؟ # وقبل أن أجيب تذكرت ما أخبروني به في القاعة الأخرى (في حياة كنت قد عشتها، لا ~~أذكرها حقا، فقد عشت الكثير من الحيوات، كانت هذه إحداها، هكذا أخبروني، أنا لا ~~أصدقهم)، حقيقة لا أذكر بداية الأمر، إلا أنني كنت أجلس قرب طاولة حديدية ووضع عليها ~~مدونة بيضاء وقربها يستقر عدد من الأوراق المتناثرة، وأول ما أذكره أنني كنت أنظر ~~إلى تلك الأوراق الغريبة، كانت تذكرني بمكتبي القديم، فقد وضعت بشكل ما، شكل دفعني ~~إلى الإحساس أن هذا قد حدث من قبل، ثم رفعت رأسي إلى الجدران الأربعة التي تحيط بي، ~~جدران بيضاء متماثلة في كل شيء وبكل جدار باب أشبه بالجدار الذي بجانبه وحتى أشبه ~~بالجدار الذي يقابله، فلا يدرك ms72 الداخل إلى الغرفة أي باب دخل منه، فلا بداية للغرفة ~~ولا نهاية، وتماثل كل شيء في الغرفة؛ سقف أشبه بالأرضية، والجدار أشبه بما تبقى من ~~الجدران؛ فصعب علي التفكير في شيء آخر، التفت إلى كل مكان، إلى كل زاوية، ودرت ~~ببطء أراقب كل باب، ولما بلغت آخر حائط وجدت عند الباب رجلا ببذلة سوداء، كان يقف ~~ساكنا ينظر إلي. ~~- أين أنا؟ # ثم أجابني صوت لم يكن صوت الرجل الواقف عند الباب، لكنه كان أقرب بكثير لدرجة أنه ~~خيل لي أنه معنا بالغرفة. ~~- اطرح الأسئلة الصحيحة رجاء، ههههههه (ضحك مستهزئا) ربما، دعني أفكر، ماذا عن: ما ~~الذي تودونه مني؟ هذا سؤال جيد. وقبل أن أجيب، فاجأني صوت مدونة تسقط على الطاولة ~~فاستدرت آليا إليها، ورفعت رأسي إلى رجل آخر ببذلة سوداء، يقف أمامي عند الطاولة ~~يبتسم لي، كان صاحب الصوت، ثم أضاف قائلا: لن تود أن تطرح الأسئلة الخاطئة ~~هنا. ~~- ماذا عن ... (قاطعني يشير بيده لي.) ~~- بعد تفكير، لن تطرح أيا من أسئلتك البشرية، فلا يهم ذلك الآن (ثم دخل رجل آخر من ~~باب آخر، وباشر الحديث وكأنه كان معنا قبل هذه اللحظة). # ما يهم، أن تصغي مثلما أصغينا لك كل هذه السنوات. # التفت إليه بينما اقترب على بعد ما يقف وقفة أشبه بوقفة الآخرين، وقال لي: ~~حسنا، لنقل ... # وانتقل الكلام على يساري فالتفت إلى رجل آخر لم يكن موجودا، يكمل كلام سابقه: ~~لنقل أنك يجب أن تخبرنا بالحقيقة، الحقيقة المطلقة لا غير، لأنك تدرك جيدا مثلما ~~ندرك أن الأمر خرج عن سيطرتك، وأنه يجب إصلاح بعض الأمور. # ما استطعت أن أجيب أحدا منهم، بل استمررت في صمتي أنظر إلى الجميع وهم يتكلمون ~~إلي وكأنهم ذات واحدة، حتى جلس إلي آخر رجل ولج الغرفة من بابها الرابع، كان ~~يشبه شخصا أعرفه، ربما كان يشبه أشخاصا أعرفهم، ربما لن أستطيع شرح كيف حدث ذلك ~~بلغة أملكها، لكنه كان يشبه الجميع، يشبهني، يشبه جدي، يشبه والدتي، يشبه ~~خبازا رأيته مرة واحدة قبل وفاتي، ms73 يشبه فتاة رأيتها تبكي أثناء محاولتي لفحصها، ~~يشبه العجوز التي لم أبلغها يوما لأنقذها، يشبهك أنت من تقرأ هذه الكلمات، يشبه ~~شخصا تكرهه، ويشبه أشخاصا تحبهم، هو يشبه جميع البشر، ورأيت وجوه جميع الناس ~~بوجهه، ثم حدثني يخبرني عن حياتي، وتحدث بقية الرجال بتحدثه، وأخبروني بأمور ~~كثيرة، وأخبروني أنني من فعل كل شيء. كنت قد أنكرت أنني فعلت كل ذلك وأن القدر هو ما ~~حاك القصة، ضحكوا حينما أخبرتهم بذلك، استغربوا كيف لم ألاحظ أنني من فعلت كل شيء ~~وأن القدر كان فقط يجسد اختياراتي فقط، وقال الذي استجوبني قبل أن يخبرني أن أتجه ~~إلى الباب المزدوج: غريب؛ كيف تنكر أن تلك مسئوليتك (ابتسم يرفع أحد جوانب شفتيه إلى ~~الأعلى)، تذكر أنك التقيت محمدا، الفتى العربي، في طفولتك، ابن متجول اسمه علي ~~العلاوي، زوجه والدك بابنة أحد الشيوخ، وفعل ذلك بعد أن ترككم، ولو لم يترككم لما ~~تزوج محمد. ~~- اختار والدي أن يتركنا، لم أدفعه لفعل ذلك. ~~- ههههه (ضحك)، ومن دفع والدتك لتنتحر، ربما أنا من لعب تلك اللعبة، لعبة دي لا بوت، ~~هل تعتقد أن والدك كان ليترككم لو بقيت والدتك على قيد الحياة؟ أو إن هي لم ~~تجن؟ ~~(فكرت دون قول كلمة.) # محمد العلاوي، هههههه، كان ضحية اختياراتك، ككل الضحايا. ~~(نظرت إليه في صمت.) # أنا محتار قليلا، هل علي أن أدعوك بسيدي الطبيب؟ آوه، ماذا عن لورد دي لا بوت، أو ~~شارل، أو قابيل؟ ههههههه، لك أسماء عدة، ولا أعرف أي واحد تفضل. ~~- أخبرني إن أنت انتهيت كي أتوجه إلى القاضي (بجدية تامة). ~~- إذن أنت تعلم أنه يجب أن تتوجه إلى القاضي؟! (نظر إلى البقية.) ~~(نظرت إلى الأوراق على الطاولة دون قول كلمة.) ~~- اتجه إلى الرواق الرمادي مباشرة ستجد الباب المزدوج (ابتسم ثم توقف للحظات ~~ويده على فمه ثم أضاف). لم أخبرك؟ أنت تعلم ذلك مسبقا. # اكتشفت أنه في اليوم الذي توفيت فيه تلك العجوز اتضحت كل القصة، كنت قد تعطلت ~~يومها عن ركوب الحافلة الأولى بسبب المشرد، ms74 محمد العلاوي، وقبل تعطلي بمدة كافية ~~كانت فتاة شابة تنزل من غرفتها، وفي يوم حار، كانت تنزل إلى الطابق السفلي، إلا أن ~~حرارة ذلك اليوم وأهواء تلك الفتاة الغريبة دفعتها إلى التفكير بارتداء قبعة، ربما شيء ~~آخر دفعها إلى التأخر، بل حتى وضع مرهم للشمس أيضا، ربما تخيلت ذلك فقط، لكن الأهم ~~أنه ما كان يجب أن تعود إلى غرفتها لتفعل ذلك، ما كان يجب أن تتأخر لأي سبب من ~~الأسباب، المرهم، القبعة أو حتى خصام عائلي، لكنها فعلت، تأخرت تلك الفتاة العربية. ~~هي وضعت وهي صغيرة عند مدخل منزل فرنسي، وضعها رجل من قرية بعيدة، رجل عربي، لذا من ~~المؤكد أنها عربية، وكبرت بذلك المنزل، كبرت فرنسية، وعلمتها تلك العائلة ارتداء ~~القبعات، علموها عادة ستتسبب في مقتلها، ما كان يجب أن تتأخر لترتدي القبعة، ~~ولو أنها كبرت بمنزل عائلتها العربية، لما حدث ذلك، لما توفيت. كانت ابنة شريفة؛ ~~ابنة العجوز التي لم أستطع إنقاذها؛ ابنة أخذت منها قبل زمن، لكن الفتاة لم تكبر رفقة ~~والدتها؛ ولهذا صدمها سائق الحافلة، السائق الذي أخرج سيجارة ذلك اليوم، سيجارة أشبه ~~بتلك التي جعلت قلبه يتوقف بعد زمن من قتل تلك الفتاة، في إحدى الحانات أصيب بسكتة ~~قلبية حينما كان يلوم نفسه على قتل الفتاة، كان قد تعلم أن يخفي أحزانه خلف ~~السجائر، وكانت تلك عادة سيئة، تعلمها بعد أن فقد كل شيء في غارة تعرض لها ~~بالجنوب في إحدى رحلاته، وقبل ذلك كان قد التقى والدي وطلب منه رجلا يرافقه إلى ~~الصحراء، وقد اختار والدي محمدا العلاوي، فقد كان ابن متجول مرموق، وقد علم من ~~والده سر التجول، وقد شعر والدي أن محمدا يحتاج إلى رحلة إلى الجنوب؛ لذا نصح ~~رفيقه بأخذ محمد معه، حتى أنه عرض عليه أن يتكلم معه شخصيا شرط أن يرافقهم إلى ~~نصف الطريق، وقد أخذ سائق الحافلة معه محمدا العلاوي، ثم عاد إلى هنا بعد أن أنقذه هذا ~~الأخير، عاد على ظهر ناقة باعها ليبدأ من جديد، ms75 عاد ليدخن السجائر، سجائر ستجعله ~~يتأخر فيصدم تلك الفتاة، وعاد ليبدأ من جديد، عمل كسائق للحافلة، فكر أنه مجرد عمل ~~مؤقت، ريثما يستعيد مكانته ليبدأ الرحلة من جديد، بحثا عن أسطورة والدي في الجنوب؛ ~~والدي الذي انتظرهم في نصف الطريق بإحدى المزارع، انتظر طويلا حتى توفي، انتظر ~~عودتهم بالأسطورة؛ الأسطورة التي فكر والدي أنها ستسترجع والدتي، لكن السائق لبث وقتا ~~طويلا في هذا العمل، ثم مر زمن جعله يكره هذا العمل، واعتاد على السجائر لينسى ما ~~يكره، كان يدخن سيجارة قبل أن يركب حافلته لهذا تأخر، ما كان يجب أن يتأخر وبمدة ~~ستكفي تلك الفتاة لتلبس قبعتها، وتنزل إلى الشارع، تسير قليلا، وتقابله في لحظة ~~ومكان اختيرا بدقة، كان قد التفت إلى رجل يبكي على الرصيف، كان قد التفت إلى والد ~~سيلين وعلى بعد ما سيصدم ابنة العجوز؛ ابنة المربية؛ ابنة أخذت منها حينما غادرها ~~محمد العلاوي للقيام بالرحلة؛ رحلة رفقة هذا السائق الذي سيقتل ابنة محمد ويتسبب في ~~تأخري عن إنقاذ زوجته، ما كان على محمد أن يرافق السيد الفرنسي في رحلته تلك، ما كان ~~عليه أن يرافق والدي إلى القرية، ما كان ليتزوج هناك، ثم إنه كانت لتكون تلك القافلة ~~بخير، كانت لتصل إلى وجهتها، ما كان يجب أن يكون محمد هناك ليسهر رفقة السيد الفرنسي، ~~بل توجب على الجنديين أن يبيتا حول نار المراقبة، أن يريا تلك النيران التي رآها ~~محمد، أن يخبرا السيد الفرنسي، كان ليجد حلا، أن تغادر القافلة المكان مثلا وقبل ~~أن يصل قطاع الطرق، لكن محمدا العلاوي كان بتلك الليلة رفقة السيد، نام الجميع ~~وحصل قطاع الطرق على القافلة. كل ذلك لأن محمدا رافق القافلة، كان بإمكانه أن يعيش ~~بسلام رفقة زوجته شريفة، لم تكن لتكون مربية، وما كانت لتفقد ابنتهما، لم تكن ابنتهما ~~لتلبس القبعات التي تقتلها، وما كان بإمكاني أن أتأخر عن كلتا الحافلتين، ما كنت ~~لألتقي به وما كان ليحدث شيء، الأهم ما كان ليحدث شيء. # قد يتساءل الجميع عن ms76 دخلي بالقصة؛ عما حدث حقا، لم يخبروني بذلك في القاعة الأخرى، ~~لكنني اكتشفت ذلك بنفسي، وقبل وفاتي بزمن، راسلت زوجتي، كانت قد أعادت إلي المال، ~~وفي الرسالة أخبرتها أن الأموال التي أخذتها مني لم تغيرني مثلما وعدت، لكنها ~~كتبت لي أن سبب المشكل لم يكن يوما بعيدا عني، وأنني من يجب أن يجد حلا لذلك ~~فالأموال لن تنفع أبدا، وكتبت في جزء من رسالتها: # عزيزي، إن لم تغيرك تلك الأموال التي قدمتها لي، فإنها ساعدت في تغيير ~~إنسان آخر، تغيير قدر رجل آخر؛ أنت اشتريت حرية رجل آخر بتلك الأموال، ~~لقد منحته فرصة ليرى عائلته. # وتذكرت محمدا العلاوي، تذكرت الشاب الذي قابلته في طفولتي حينما حضر عربي إلى منزل ~~والدي الإسباني، حينما وجده قرب كلبة أخرى، هو توفي وهو يبحث عن زوجته، كنا قد ~~استعملنا اسمها للبحث عنها، لكنها سمت نفسها بشريفة العلاوي، اسم لو ذكرناه لتوقف ~~عن البحث. كنت نسيت ذلك، لم أعتقد يوما أن تكون شريفة التي يبحث عنها هي شريفة التي ~~تأخرت عن إنقاذها، وهكذا كان جهلي للقدر أكبر حجة له في استعبادي. # وفي المحكمة # كنت أجلس وحيدا بين ضحكات الحضور خلفي ونظرات القضاة أمامي، كان الرفاق من ~~الموتى يضحكون باستمرار، يضحكون كعادتهم على غرابتي، كان اعتقادهم بأنني مجنون في ~~محله، فقد ضحكوا على الرجل الذي لا يمكن تحريكه، أو هذا ما اعتقدت. # رفعت رأسي، ما كان بإمكاني التحدث، ثم رفع القاضي الأكبر صوته يخاطبني: ~~سنمنحك فرصة أخرى، لكنك ستنسى ما كنت عليه سابقا، ستنسى الرجل الذي لا يمكن ~~تحريكه، ستنسى فلسفتك في الحياة، وستعيش بشرا كباقي البشر، وأن تحترم ما فوق ~~البشر. # وقف في اعتدال وبوقوفه دفع الجميع إلى الفعل بالمثل، ثم قال بجدية: يمكنك ~~المغادرة. # ثم رفع القاضي الجلسة وحملوني لأتجه إلى الباب، وفي ذلك اليوم الذي غادرت ~~فيه تلك الجلسة، فتح الباب لأول مرة وولج ضوء أنار القاعة حتى إنه كاد يختفي كل ~~شيء في بياض ذلك النور. رافقني الرجل الأسود إلى غاية المخرج. ms77 سمعت أثناء ذلك ~~أصواتا غير مفهومة وأحسست بالاختناق وأنا أخرج من المكان، ولشدة خوفي صرخت ولم ~~أفهم صراخي، كان أشبه ببكاء طفل، لكنني نسيت ذلك، ورأيت وسط ذلك البياض، الذي بدأ ~~يندثر ببطء، بشرا عمالقة، أكبر حجما بكثير، أشبه بأطباء عمالقة، وكانوا يحملونني ~~من المخرج، بينما أنا أبكي مغادرتي المحكمة إلى مكان ما، مكان به عمالقة. كان ~~البعض يبتسم، ولم أسمع شيئا سوى صراخي، وكانت شفاههم تتحرك من دون أن أسمع ما ~~يقولون، قبلني الجميع، ضحك آخرون، وجعلتني امرأة أقترب من ثديها لأمسكه بشفتي ~~وقد كنت أتضور جوعا فأنا لم آكل شيئا لتسعة أشهر، وهي كانت تجهل ذلك، إلا أن ~~غريزتها دفعتها إلى فعل ذلك، كما جعلتها تبكي، وفي ذلك اليوم ولدت ابنتي ابنا ~~يشبهني، يشبه جده، ابننا تنتظره حياة غريبة في عالم غريب، سيكبر الصبي بين ~~عائلته وسيلاحظ الجميع مقدار الشبه بينه وبيني. # ما سيحدث من الأحداث سيستمر في الحدوث # كولونيل دي لا بوت # قبل زمن بعيد، زمن نسيه الجميع، اقترب مجموعة من الرجال من إحدى الغرف وحينما ~~بلغهم دي لا بوت صرخوا صرخة واحدة، واستعدوا لفتح الباب المزدوج، إلا أن ~~الكولونيل طلب منهم التريث، ثم طرق الباب، لم يجب أحد فاضطر إلى فتحه بنفسه ~~ثم دلف إلى الداخل، وقبل أن يأخذ نظرة إلى المكان ركض دي لا بوت إلى إحدى ~~الفتاتين المعلقتين وحملها يمنعها من الانتحار، كانت صديقتها الأخرى تتخبط ~~معلقة جراء الاختناق، بينما حمل دي لا بوت محبوبته يمنعها من السقوط، كانت ~~تتحرك ليتركها تسقط، فقد فضلت أن تموت على أن يأخذها دي لا بوت. صديقتها لم ~~تأخذ وقتا قبل أن تتوقف عن التحرك، سرقها الموت بينما ترك جوانا على قيد الحياة ~~يحملها دي لا بوت، كانت تبكي فوز صديقتها في النجاة من دي لا بوت، كانت تبكي بشدة ~~عدم موتها، كانت تبكي لأن ما ينتظرها رفقة الكولونيل الشاب أسوأ من الموت نفسه، ~~كانت تعلم أنه إن حصل عليها حية فستخلد كخادمة له، حتى وإن أحبها كزوجة ms78 له، ~~وفضلت الموت على أن تتزوج به، أخرج الكولونيل سكينته وقطع الحبل، ثم جعل جوانا ~~تجلس أرضا. نظرت إليه وهي تجلس على أرضية الغرفة، نظرت إلى صديقتها المعلقة إلى ~~جانبها، ثم باغتت دي لا بوت وركضت نحوه لتضربه، كان قد أمسك يدها، ثم أدارها ~~بشكل يمنعها من التحرك، قام بشد الخناق عليها، يمنعها من التحرك وهو يقول: ~~ششش، ششششش (كانت جوانا تتحرك في يأس). ~~- اتركني، اتر... (ثم وضع يده يمنعها من التكلم.) ~~- سوف أتركك إن توقفت عن ارتكاب الحماقات (لم تتوقف جوانا عن التحرك ~~محاولة التحرر من قبضته)، ششش، توقفي (بصوت هادئ) إن سمعك الرجال بالخارج ~~سيقتلونك، توقفي، أعدك سيكون كل شيء على ما يرام (تحركت ببطء وكأنها ~~توافق على ما قال)، حسنا، بهدوء، سأتركك الآن. # ترك دي لا بوت الفتاة، ابتعدت عنه أمتارا قليلة ونظرت إليه، ارتكب لحظتها ~~حماقة، لكنه رأى أنه يتوجب عليه أن يفعل ذلك، أخرج سكينته مرة أخرى ورماها ~~بالقرب من جوانا. ~~- خذي، يمكنك أن تحمي نفسك بها. # نظرت جوانا للحظات إلى الكولونيل ثم أسرعت إلى السكينة وأشهرتها بوجهه، أضاف دي ~~لا بوت: قتلي لن يساعدك (ورفع يديه يحاول منعها من التسرع)، يجب أن ~~تصغي. # جوانا كانت تفكر بسرعة، بغضب وبحقد، وما كانت تهتم، ثم وبسرعة وجهت السكينة ~~إلى بطنها، تدافع الكولونيل قافزا إليها ورمى السكينة من يدها. ~~- غبية، ألن تتوقفي عن ارتكاب الحماقات؟ (كانت جوانا تنظر إليه في ذهول) ~~تبا! # أصيب الكولونيل بجرح في يده، واتجه إلى حمل السكينة، والتفت إلى جوانا في ~~صمت، ثم قال: تسمعينني، لن تفعلي شيئا خاطئا ثم إنني ... أعدك أنني لن أسمح لشيء ~~بأن يصيبك بمكروه. ~~- أكرهك، أنت لست سوى وحش آخر. ~~- هههههه، ربما، تذكري إن سمعك الرجال في الخارج ستموتين. ~~- تبا لكم. ~~- غبية أنت. لم تحاولين قتل نفسك؟ ~~- أتعتقد حقا أن ابنتي ستكبر بين أحضانك؟ ~~(تفاجأ دي لا بوت، ما كان بمقدوره أن يفعل شيئا أو أن يقول شيئا ثم نظر حوله ~~يفكر.) ~~- أنت وحش، أتعتقد أن ابنتي ستكبر ms79 بين يدي من قتل والدها، أتعتقد أنني سأحبك ~~في يوم من الأيام، كيف لك أن تعتقد أنني سأحب؟ انظر ماذا فعلت. كيف لك أن تعتقد ~~أنني سأحب وحشا مثلك، سوف أقتل نفسي قبل أن تفكر بلمسي حتى، سوف تمنعني مرة، ~~وسأقتل نفسي آلاف المرات، أكرهك، وسأكرهك إلى أبد الآبدين. # أصيب دي لا بوت بصداع شديد، وتكرر برأسه هذا الكلام، جوانا حامل بابنة الرجل ~~الذي تحبه، ستكرهه كل الأيام، سيستيقظ كل يوم ليحبها، وستموت كل يوم ~~لتكرهه، كانت تلك فاجعة بالنسبة له، ولأول مرة أحس أنه خسر؛ أن الرجل الذي لا ~~يمكن تحريكه له نقطة ضعف، أحس أنه مهزوم آخر. ارتفع بجدية، توجه إلى الحبل ~~وأخذه؛ الحبل الذي سيذكره بأن جوانا تفضل الموت على أن تعيش لحظة إلى جانبه، ~~وأشار إلى الخزانة. ~~- اختبئي هناك (ثم استدار إلى الباب ليفتحه). # ثم غادر الجميع تلك القلعة، بكت جوانا هناك في غرفتها إلى منتصف الليل، ثم قامت ~~بحمل ما تركه الرجال مما تحتاجه في رحلتها، كانت تعلم أنه سيأتي رجال آخرون، كان ~~يجب أن تنقذ ما تبقى من حياتها، هي ما زالت تملك هذه الأراضي، حتى وإن فقدت ~~المجوهرات والذهب، ما زالت الأراضي والقرية ملكا لها، لذا امتطت أحد الأحصنة ~~وتوجهت تبحث عن دير ما بالجنوب. # ما حدث مع جوانا ودي لا بوت جهله الجميع سوانا أنا والكولونيل، واحتفظنا بتلك ~~الذكرى لسنوات، أخبروني بعدها في المحكمة أن جوانا اتجهت إلى مكان آخر، أنجبت ~~فتاة اسمتها صوفيا، الفتاة التي ستكون الدليل على أن جوانا لم تكن مقدرة لدي لا ~~بوت، ستكبر صوفيا وستنجب بنين وبنات وسأتزوج أنا إحدى بناتها، فتاة رائعة سرقت ~~قلبي بحبها للحياة، هكذا سيتكرر دي لا بوت في شخصي، وستتكرر جوانا في زوجتي، ~~وسيتزوج دي لا بوت بجوانا، من خلال زواجي بحفيدتها، وستولد صوفي، الهزيمة ~~الوحيدة التي عرفها القدر منذ أن أوجد الوجود وإلى أبد الآبدين. # سيكون ذلك أشبه بخطة انتقم بها القدر مني، فتركني في حياتي ك «دي لا بوت» ~~لأختار ms80 ما أوده من الخيارات، ثم قدر لي أن تتبعني تلك الخيارات ما تبقى لي ~~من الحيوات التي سأعيشها مجددا . اتجهت في إحدى الحيوات إلى غرفة ما وتركت فتاة ~~لتعيش بعيدا عني، منعتها من قتل نفسها، ومنعت نفسي من الحصول عليها، لكنني لم ~~أمنعها من إنجاب صوفي وتسببت في حياة أخرى في قتل والدتي، فاتجه والدي ~~يبحث عن أسطورته من أجل والدتي، أسطورة تسببت في قتل الكثير، أو ربما أنا من ~~تسبب في قتل الكثير، لو أن والدتي على قيد الحياة، لو لم ألعب لعبة دي لا ~~بوت، لما اتجه والدي إلى أسطورته، لما تشرد محمد، لما توفيت ابنته، لما ~~... إلخ من الأحداث، لما حدث ما حدث، تشابكت نتائج ما فعلته، فارتبطت حياة كنت ~~عشتها بحياة عشتها مرة أخرى، واجتمعت خطايا سابقة بخطايا جديدة، ودفعت بشرا ~~كان يفترض أن أحميهم، دفعتهم إلى الانتهاء، بسبب كل تلك الحيوات التي عشتها ~~ولم أكن سوى كارثة أخرى. ربما سأنكر ذلك يوما ما، مدعيا أنني فعلت كل ذلك من ~~أجل الحب، حب فتاة لم تكن مقدرة لي. سيتعجب العديد مما حدث، لكن، لم يكن ~~الحب يوما بهذا السوء؛ لم يكن مؤلما بهذا الشكل؛ لم يكن أنانيا بهذا الشكل. ~~سيتساءل الجميع: كيف لتصرف رجل واحد أن يؤثر بشكل كبير على أقدار العديد من ~~البشر؟ ثم ستفكر أنت، هل ما ستفعله مستقبلا سيؤثر بشكل ما على الحياة، شخص ما ~~قد يكون بقربك، أو أبعد مما تتصور، أن يكون بهذه الحياة، أو أن يكون الآن مجرد ~~شهوة عابرة، أو هو في العدم منتظرا فرصته في الحياة، أو هو في المحكمة يتحدث ~~إلى الرجل الذي يشبه الجميع. هل ما سيحدث من الأحداث سيتسبب في حدوث المزيد، ثم ~~سأطلب منك أن تتذكر كل تلك القرارات التي قمت بها؛ ألم تؤثر في شيء ما؟ ألم ~~تحدث هزة خفيفة في وتر قيثارة القدر؟ ألا يمكن أن يحدث تصرف منك كما ~~هائلا من التصرفات الأخرى، التي ستنكرها بطبيعة الحال؟ ربما يجب أن تذكر ms81 كل ~~الخطايا، كل الخير، كل الأفعال. ربما سيدفعك ذلك لتفكر من جديد، هل حقا ليس لك ~~تأثير علينا؟ هل أنت حقا موجود لأنك تفكر أو إنك موجود لأنك تؤثر؟ ولن يكون هناك ~~سوى شيء لتأكيده، وهو أنه يجب أن يفكر أحدنا بكل قرار يستقر بداخله؛ أن نفكر ~~بنتائج ذلك على البشرية العظيمة؛ لأنه بداخل كل بشري إنسان لا يمكن تحريكه؛ لا ~~عن قراراته ولا عن مبادئه، لكن الأهم ألا ننسى أنه - وفوقنا جميعا، فوق عدم ~~تحركنا عما نؤمن به، فوق عزيمتنا، فوق ما نوده بشدة - تستقر قوة عظيمة ~~تتحكم في أيامنا، ترسمها ببداية ونهاية نجهلها، وتتجرأ فوق جرأتنا، تتعنت ~~فوق تعنتنا، وليس بمقدورنا سوى الخضوع لها والإيمان بها، وانتظار الآتي البعيد ~~بجزء من الأمل لا أكثر؛ فنحن عبيد لتلك السلطة، والرجل بداخلنا ألد ~~أعدائها. # صوفي شيلون # في إحدى الحدائق بمنزل فرنسي، والد يجلس على كرسي متأرجح يقرأ أحد الكتب ~~القديمة، والدة تقترب من ابن لها، وولد غريب يشبهني بشكل مخيف يتمدد على ~~الأرضية العشبية ومن حوله أوراق رسم تحيط به مبعثرة بطريقة غريبة، اقتربت ~~منه والدته مثلما اقتربت مني والدتي في إحدى الحيوات، جلست ككل أم عادية ~~لتراقب ابنها، وتساءلت مثلما تساءلت والدتي، سؤالا بدا اعتياديا، على الأقل ~~في تلك اللحظة، ما كان يجب أن تلاحظ ذلك، لكنه القدر، وقد دفعها إلى ابنها ~~لتراقبه، سألته: عزيزي، ماذا تفعل؟ (تراقب الرسومات واحدة تلو الأخرى.) ~~- أنا أرسم (لم ينظر إليها). ~~- ماذا ترسم عزيزي؟ (تترك الأوراق جانبا وتتجه بتركيزها إلى ما ~~يرسمه.) ~~- عزيزتي دعيه وشأنه (صوت زوجها على بعد منهما). ~~- أوه، أخبرني بني ماذا ترسم؟ (تبتسم.) ~~- ماما، هذا أنا رجل إطفاء (يرفع الرسمة بطريقة طفولية)، أنا أنقذ هؤلاء، وهذا ~~هو القدر يمنعني (وقد رسم القدر على شكل خربشة سوداء وكأنه يجهل شكله). ~~- آه (تمسك الرسمة وتتأملها)، من أخبرك بذلك صغيري؟ القدر لن يفعل ذلك (تلاحظ ~~شيئا أزرق)، إذا أخبرني ما هذه، هنا في هذه البقعة. ~~- ماما إنها مدونتك الزرقاء (قال ذلك وهو يمسك ms82 القلم بأسنانه). ~~- عزيزتي هل سمعته يقول مدونة زرقاء؟ (يتدخل الوالد في تساؤل من مكانه) هل ~~تقصين عليه طفولتك ليلا ؟ ~~- عزيزي، ششش (تشير بيدها إلى زوجها)، ششش. ~~- أنت وضعتها هنا، وأنا أرسمك، ستساعدينني في التغلب عليه (يبتسم ابتسامة ~~غريبة، ابتسامة شيطانية). ~~- اللعنة (تسقط الورقة)، هذا أبي (وتتراجع في ذهول، كانت تضع يديها على فمها)، ~~إنه أبي وليس ابني (ترتجف في خوف تنظر من حولها غير مصدقة). ~~- عزيزتي تعلمين أنه لا يتوجب أن تشتمي أمام الصغير (قال من دون أن يرى ~~تصرفات زوجته، منغمسا في قراءة الكتاب). ~~- اللعنة! إنه هو، هذا والدي، هو لم يمت. ~~- ماما هل أخبرتك أنني رجل إطفاء. (بصوت مخيف، صوت يشبه ...) ~~- أبي (ترتمي إلى ابنها تهزه بقوة)، هذا أنت، صحيح؟ إنها أنا ابنتك. ~~(ثم تسقط أرضا.) ~~- عزيزتي هل سمعتك تخاطبين ابننا بكلمة أبي (يلتفت فيرى زوجته أرضا، أسرع ~~إليها)، عزيزتي هل أنت بخير؟ عزيزتي ... صوفي ... صوفي. # كبر ذلك الصبي وجنت ابنتي صوفي، وعلى خلاف والدي؛ زوجها لم يتركها أبدا. ~~بعد سنوات توفي كلاهما وأصبح الطفل رجل إطفاء غريبا، وكانت غرابته أشبه ~~بغرابة أسلافه، أشبه بغرابتي، كان نتيجة طريقة الخلود. وقد كان هو وكل أسلافه ~~مجرد فرص لرجل واحد؛ رجل منح هبة الخلود في هذا العالم لأنه تحدى القدر، ~~وقد استهلك الكثير من الزمن، الكثير من الأرواح ليتعلم، وقد عاش كل القصص، لكنه ~~ومن بين كل تلك الحيوات التي عاشها، هو لم ينس تلك المرة التي جرب فيها، وبيأس، ~~أن يفهم القدر، واكتشف أنه لن يفعل وإن خلد الدهر بأكمله. كان جهله للقدر أشبه ~~بجهل الأطفال للغة الكبار، أشبه بجهل الكبار للغة الأطفال، أشبه بالجهل نفسه، جلس ~~مجددا في تلك المحكمة بعد زمن، كان قد التقى ذلك القاضي مجددا، وقد قال له ~~القاضي: هذا أنت مجددا. # وقد تذكر حفيدي المسمى باسمي، تذكرت أنا، تذكر جدي دي لا بوت، تذكر ~~جميع أسلافي، تذكر الرجل الأول الذي قرر أن يخلد في هذه الحياة، تذكر الصبي ~~مجددا وسيتذكر الرجل الذي سنكونه في ms83 نهاية هذا العالم، أننا جميعا كنا شخصا ~~واحدا اكتشف بطريقة ما إكسير الخلود الخاص به، طريقة كان قد نسيها بعد عيشه لكل ~~هذه الحيوات، وقد كان رجلا لا يمكن تحريكه. # والسؤال الذي سأطرحه الآن، ربما سيكون غريبا أن أفكر بشيء كهذا، لكن، فقط فكر ~~للحظة، ماذا لو؟ ماذا لو لم يفعل دي لا بوت ما فعله؟ ماذا لو تأخرت «عن قصد» في ~~الذهاب إلى الغرفة في إحدى الحيوات التي عشتها، ووجدت كلتا الفتاتين معلقتين من ~~دون روح تسكنهما، هل كان ليحدث شيء؟ # | النهاية # الشخصيات # أنطوان دي لا بوت. # جدة الطبيب: # جاكلين دي لا بوت. # الطبيب: # أنطوان شيلون. # جوانا. # الجدة صوفي: # ابنة جوانا. # زوجة الطبيب: # ماري ابنة صوفي. # ابنة الطبيب: # صوفيا شيلون # محمد العلاوي. # سائق الحافلة: # جوناثان فيليسي. # سيلين: # ابنة شريفة ومحمد العلاوي. # والد سيلين. # والدة سيلين. # والدة الطبيب: # ديانا دي لا بوت. # الميكانيكي: # أنطونيو. # الشيخ مبارك بن إبراهيم. # القسيس روبرت. # شريفة الغزالي. # علي العلاوي. # والد الطبيب: # جاك شيلون. # | الكتاب الثاني # | مقدمة الكتاب الثاني # الحياة ما بعد الجسر # لا أعلم إن كانت تلك نعمة أو لعنة، لم أعد أستطيع التفريق، لكنني كنت متأكدا، أنها ~~كانت حياتي، ولم أعرف حياة غيرها، لم يكن بإمكاني الاختيار، فقد تم إخباري من قبل ~~باسمي (أنطوان شيلون) أخبروني أيضا بسبب وجودي هنا، أخبروني كذلك بأمور كثيرة، أنني ~~سبق واخترت ما خصص لي من كل الاختيارات، أنني وافقت على هذا، حتى إنهم حددوا لي ~~كل شيء، لم يكن هناك مجال لي، ولا فرصة للتساؤل، ثم إنني لم أعترض على ذلك؛ فأنا أثق ~~ولهذه اللحظة فيما اخترت. وهذه المرة وعلى خلاف آخر مرة تم منحي وظيفة، وظيفة تليق ~~بالشخص الذي أنا عليه الآن، ما كنت لأعترض عليها، حتى إنه لا يوجد فرصة لفعل ذلك، ~~وإن وددت ذلك، وقد كنت أستيقظ كل يوم لأداء تلك الوظيفة، إلا أنها لم تكن كباقي ~~الوظائف العادية، وغرابة وظيفتي تتجسد في عدم معرفتي: لصالح من أعمل؟ إلى أين ~~اتجه إن حدث شيء ما؟ ms84 بمن أتصل في تلك الحالة؟ كنت الموظف الوحيد في هذا النوع من ~~الوظائف، على الأقل الوحيد في هذا المكان ، وأنا أجهل إن كان هناك أماكن أخرى أشبه ~~بهذا، وقد كنت أعيش بشقة متواضعة في آخر نقطة ببناية مهترئة، كانت بناية محترقة ~~بالكامل، واحتراقها كان أشبه باحتراق كل الضاحية التي أقطن بها، كنت أعيش وسط دمار ~~غريب؛ دمار هادئ بشكل مخيف، والشيء الوحيد الذي شاركني هذا الدمار هو السكون، لم يكن ~~ليوجد أحد آخر في هذا المكان، ولا أذكر أنني رأيت شخصا من قبل، لم يكن ذلك غريبا، ~~فقد فتحت عيني على المكان، وترسب بروحي أن العالم كله أشبه بهذا، كنت أجهل شكل ~~العوالم الأخرى، والأهم أنني كنت أجهل إن كان هناك عالم آخر، وإن وجد فهل سيكون ~~مغايرا عن هذا؟ وقد كان هذا المكان ثابتا مطلقا لا يتغير فيه حال من الأحوال، كان ~~الصفر الذي أعرفه، وبداخل عقلي لم يكن ليكون للصفر شكل آخر أو معنى آخر، كان فريدا ~~وقد شاركه هذا المكان انفراده العظيم. عشت بضاحية أشبه ببقايا حرب ما، حرب بدت ~~وكأنها انتهت قبل زمن بعيد من بروز علامات الحياة هنا، وأنا أول تلك العلامات التي ~~ظهرت فجأة، كنت أعتقد لفترة أنني البذرة الأولى لهذا المكان، بعد سنوات من ~~الاندثار، أزمنة من التحطم والتلاشي الذي تظهره كل تلك الأشياء هنا، وقد كانت أجزاء ~~المكان التي تكونه تتلاشى ببطء إلا أنها لم تكن تنتهي، وكأن الجزء المتساقط منها ~~يعاد إلى مكانه بعد سقوطه، وكان ينتهي هذا الخراب إلى مكان ما، مكان لم أبلغه من قبل ~~ويستمر كذلك من الطرف الآخر إلى غاية جسر حديدي صدئ، تداعت أطراف إسمنتية منه، لم ~~يكن محترقا كالضاحية، بل كان صدئا، جسر حديدي به سكة حديدية تنتهي إلى مكان آخر بعد ~~البحر، مكان أجهله، مكان محترق آخر على ما يبدو، والجسر هو الجزء الوحيد الذي لم أفكر ~~يوما في تجاوزه، ليس لأنني منعت من ذلك؛ فلا أحد هنا يمنعني من فعل أي شيء، لكنه ms85 لم ~~يخطر ببالي يوما أن أفعل ذلك، ولم أعتقد يوما أنه قد يوجد شيء ما هناك، لا شيء بعد ~~الجسر، سوى أنه يمتد وسط البحر إلى ما لا نهاية له، وببساطة كان يبدو أن تجاوز الجسر ~~أمر خاطئ، أشبه بارتكاب ذنب ما، وقد بدا عالمي محصورا بين البناية التي أسكنها ~~والجسر، عالم صغير إن أنا اخترت أن أعيش وسطه، عالم لا متناه إن أنا اخترت أن ~~أكتشف خارجه. وأذكر أن أول ليلة لي هنا، ليلة فتحت فيها عيني على المكان، كانت مرعبة، ~~أكثر رعبا مما يمكن أن أعيشه يوما، كنت قد ركضت عاريا في كل اتجاه، وصرخت أركض ~~لوحدي وسط هذا الدمار، وأذكر أنه لم يكن هناك من مجيب لصوتي. ~~(يتبع ...) ms86