######OpenITI# #META# URI: 1450HusaynMihran.SanawatThaqbAswad.Hindawi50246818 #META# Tags: novels #META# ID: 50246818 #META# Title: سنوات الثقب الأسود #META# AuthorID: 30382579 #META# Author: حسين مهران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # إهداء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # | سنوات الثقب الأسود # | سنوات الثقب الأسود # تأليف # حسين مهران # | إهداء # إلى تلك السنوات الضبابية الغائمة التي لا أذكر ما كنت أفعل فيها. # إلى السنوات الجرداء الخالية من الذكريات وكأنها لم تكن. # إلى السنوات التي لم تضف إلي إلا بعض الشيب والكثير من الدهون. # قد كنت أحذر أن أشقى بفرقتكم # فقد شقيت بها لم ينفع الحذر # المرء في كل يوم يرتجي غده # ودون ذلك مخبوء له القدر # القلب يأمل والآمال كاذبة # والنفس تلهو وفي الأيام معتبر # السهروردي المقتول # شاعر وفيلسوف صوفي (1155-1191م) # | الفصل الأول # يوليو 2018م # تستمر أعمدة الكهرباء في التوالي بسرعة خاطفة عبر زجاج نافذة القطار، متطابقة كلها، ~~متكررة لا نهائيا في إيقاع يثير الملل ويعرقل استغراقه في مراقبة مشهد الحقول ~~المنبسطة في وداعة وخمول من شريط السكك الحديدية حتى تخوم البيوت الريفية البعيدة، ~~لطالما سحرته هذه الأراضي الشاسعة التي لم تزل خضراء رغم أن كل ما حولها قد صار ~~رماديا كالحا. لم تزل سخية خصيبة منذ قديم الأزل، قبل أن تكون هناك بيوت ريفية، ~~وقبل أن تخترق القضبان الحديدية والقطارات الثقيلة صفحتها الهادئة، وقبل أن تشوه جمالها ~~تلك الكتل الخرسانية القبيحة التي تناثرت داخلها في عشوائية وقحة كطفح جلدي لا شفاء ~~منه. كانت تلك الأعمدة المتوالية اللعينة تفسد عليه متعة السكون في حضرة هذا الجمال، ~~وكانت ثرثرة المسافرين وأصوات رنين هواتفهم الفجة تفسد يومه كله، وتثير أعصابه المثارة ~~أصلا من قبل أن يستقل القطار الفاخر الجديد من محطة قطارات العاصمة الرئيسية بميدان ~~رمسيس قاصدا الإسكندرية في مهمة عمل ثقيلة على قلبه. لقد أضحت كل مهام العمل ثقيلة ~~على قلبه منذ زمن لم يعد يتذكر متى بدأ، لكنه يتذكر دائما أنه قد ضاق بهذا العمل، وأنه ~~قد مل أيامه المتطابقة المتوالية في ms001 تكرار سقيم كتلك الأعمدة الغبية على جانب شريط ~~السكك الحديدية. # أخرج هاتفه المحمول من جيبه وفتح غطاءه الجلدي الرمادي ثم أخذ يحرك إبهامه على الشاشة ~~بحركة آلية متنقلا بين تطبيقات التواصل الاجتماعي المزعجة تلك. الكثير من التنبيهات ~~كما هو المعتاد، زملاء عمل، عملاء قدامى، أقارب بعيدون، زملاء دراسة لا يكاد يتذكرهم، ~~جميعهم يرفع الكلفة ويدس أنفه بمنتهى الأريحية في أدق تفاصيل حياته. لا يكاد يكتب ~~خاطرة مرت برأسه أو ينشر صورة هنا أو هناك إلا وتنهال عليه التعليقات؛ هل اشتريت ~~سيارة جديدة؟ لم تقل لي إنك مسافر إلى أوروبا. لماذا يرتدي ولدك سلسلة ذهبية؟ لا تجوز ~~تهنئة غير المسلمين بأعيادهم. لا تترحم على هذا الرجل الذي مات بالأمس؛ ألا تعرف أنه ~~غير مسلم؟ أتعجبك مقالة هذا الإخواني حقا؟ لقد صدمت فيك يا رجل! هل أصبحت تؤيد ~~العسكر الآن؟ ألا ترى إلى أين يذهب هذا الرجل بالبلاد؟ يكره اختراق خصوصيته بهذا الشكل ~~الفج، ويكره المتطفلين ويكره المتطرفين، ولا يحب مناقشة قناعاته وتفاصيل حياته هكذا على ~~الملأ؛ لأنه ببساطة لا يعبأ بما يعتقده الآخرون عنه. في كل مرة ينقر إصبعه على زر ~~الإرسال في أي من تلك التطبيقات اللعينة كان يعرف جيدا أنه سيندم على ذلك. أغلق غطاء ~~الهاتف وأعاده إلى جيبه وعاد إلى تأمل المشهد بالخارج، لم تزل الأعمدة اللعينة تتوالى ~~بلا انقطاع. # لم يعد قادرا على تحمل كل ذلك الإزعاج البصري القادم من الخارج، والإزعاج السمعي ~~الذي بلغ منتهاه بالداخل بهذين المراهقين اللذين لم يتوقفا عن المزاح المبتذل بصوت ~~مرتفع، بينما هما يستمعان لأغان مثيرة للغثيان عبر هاتفيهما المحمولين في ذات الوقت، ~~لم يبد على أهلهما أي مبالاة بما يسببه ولداهما من إزعاج لبقية المسافرين الذين لم ~~تبد عليهم كذلك أي علامة عن الامتعاض، وكأنما هناك اتفاق ضمني غير معلن على حق الجميع ~~في ممارسة الإزعاج. يمكن أن يفقد الناس في هذا البلد كل حق آخر، لكنهم لن يفرطوا قط في ~~حق ممارسة القبح بكل حرية. # نهض من كرسيه وتناول ms002 سترته المعلقة بجوار النافذة، ثم ارتداها معدلا ربطة عنقه ~~متوجها ناحية مؤخرة العربة. كان يحرص دوما على حجز كرسي مفرد بالدرجة الأولى حتى لا ~~يكون بجواره كرسي آخر ربما يجلس عليه من يمكن أن يضايقه، وبما أنه بات مؤخرا يتضايق من ~~غالبية البشر فقد أراد أن يتخلص من ذلك الاحتمال. سار ببطء حتى مؤخرة العربة متأرجحا ~~عبر الممر الضيق الطويل بين صفوف المقاعد مع اهتزازات القطار السريع على القضبان، فتح ~~باب العربة ليفاجئه الهواء الحار المشبع بدخان التبغ الكثيف والضوضاء المزعجة الناتجة ~~عن صرير العجلات الثقيلة وارتطامها الرتيب بين فواصل القضبان الحديدية. كان ذلك الباب ~~يفصل بين ركاب العربة الفاخرة وبين كل ذلك الأذى، لكن ماذا بوسعه أن يفعل إن كان أذى ~~الركاب أنفسهم أشد؟ لم يكن يدخن ولم يكن يحتمل رائحة التبغ بهذه الكثافة، لكنه أراد قتل ~~بعض الوقت والهروب من الملل والإزعاج بالداخل؛ فقرر أن يقضي بضع دقائق في تلك المساحة ~~الشحيحة بين عربتين فاخرتين من قطار سريع يقطع المسافة بين المدينتين الأكبر في البلاد ~~دون التوقف في أي محطات. # سعل مرتين من تأثير الانتقال من هواء العربة المكيف إلى هذه المساحة سيئة التهوية ~~التي تكدس فيها دخان أنواع مختلفة من التبغ، حتى لم تعد الرؤية فيها يسيرة إلا بعد ~~أن تتعود العين على تلك الغلالة الضبابية وتبدأ في تمييز الملامح، حتى الأصوات لم يكن ~~من السهل تبينها وسط الضجيج الهادر للعجلات الثقيلة على القضبان الحديدية. كان الجميع ~~هنا مثله؛ صامتين كأنما هم كذلك هاربون من ضجيج البشر في الداخل إلى ضجيج الآلات ~~الحديدية هنا، لعلهم يفضلون إزعاج الجماد عن إزعاج البشر، أو لعلهم يختطفون فقط تلك ~~الدقائق القليلة للحصول على جرعة من التبغ لعلها تعينهم على مقاومة كل ذلك ~~الصخب. # بات في وسعه الآن التعرف على ملامح وجوه الموجودين بالمكان، وصارت رئتاه متعايشتين مع ~~ذلك الهجوم الخاطف غير المعتاد من الدخان. كان بجوار الباب على الجانب الأيسر رجل أشيب ~~محني الظهر يضيق وجهه بالتجاعيد العميقة، ويرتدي ثيابا ms003 قديمة الطراز يبدو أن جسده قد ~~نحل كثيرا عما كان عليه في الزمن الذي اشتراها فيه. كان الرجل ذاهلا عن الدنيا ~~محملقا في فراغ بعيد عبر النافذة، رافعا يده اليمنى بسيجارة بدا أنه قد نسيها؛ فقد ~~كانت تكاد تسقط منها كتلة من الرماد التهمت أكثر من نصف السيجارة. وعلى الجدار المجاور ~~له يستند بظهره شاب طويل القامة في بدلة رسمية يعبث بيد في هاتفه المحمول ويدخن سيجارة ~~بالأخرى. أما على الجانب الأيمن المواجه للشمس فقد وقف رجل في مثل طوله مواجها للنافذة ~~فلم يتبين وجهه، وإن كان قد بدا له مألوفا لسبب لم يعرفه. أغراه الفضول بالانتظار ~~قليلا؛ لم يكن هناك كذلك ما يفعله بالداخل، وكانت الرحلة لم تزل في بدايتها. # انتبه الشاب الطويل إلى وجوده بعد أن رفع نظره لأول مرة عن شاشة هاتفه، ثم نظر نحوه ~~في فضول؛ بعدها ابتسم في ود وهو يدس الهاتف في جيب سترته ثم يمد يده داخل الجيب الآخر ~~مخرجا علبة سجائر أجنبية. فتح العلبة ووجهها ناحيته قائلا في نبرة مرحة: يبدو أنك ~~نسيت سجائرك؛ تفضل واحدة. # ارتبك للحظة ثم أجاب وقد ابتسم بدوره في امتنان: لا لا، أشكرك على ذوقك. أنا لا ~~أدخن. # أردف الشاب في إصرار: يا «برنس»، إذا لم تكن مدخنا فما الذي جاء بك إلى هذا المكان ~~الضيق المعبق بالدخان؟ تناول سيجارة ولا تخجل! # أجاب في بعض الضجر وقد ساءه هذا الرفع غير المبرر للكلفة: شكرا، أنا فعلا لا ~~أدخن. # كان الرجل الأشيب لم يزل مستغرقا في شروده وإن انتبه أخيرا لسيجارته فسحب منها ~~نفسا شديد العمق ربما ليعوض ما فاته منها، أما الرجل المواجه للنافذة على الجانب الآخر ~~فقد استدار بغتة وكأنما انتبه للصوت. كان قرص الشمس الآن في ظهره تاركا وجهه في ظلمة ~~يصعب معها التحقق من ملامحه، لكنه لم يزل يجد فيه شيئا مألوفا كأنما قد التقاه من ~~قبل في مكان ما. كان الآخر الذي لا تظهر ملامح وجهه جيدا قد وقف متسمرا في مكانه ~~محدقا ms004 ناحيته؛ هنا بدا له كشخص يعرفه جيدا لا كأحد من التقى بهم لقاء عابرا. حاول ~~التذكر، حاول ربط هذه الهيئة والملامح غير الواضحة بأي خيط في عقله لكنه لم يفلح، اقترب ~~الرجل منه ببطء مبتعدا عن النافذة وعن ضوء الشمس الذي كان يحجب ملامحه فبدأ يظهر وجهه ~~رويدا رويدا. كان يعرفه، يعرفه جيدا وهو واثق من ذلك، لكنه لا يدرك من هو. فجأة ~~توقف الرجل الآخر الذي بدا هو الآخر بدوره مذهولا ومتأملا ملامحه. قال الرجل الآخر في ~~صوت مرتجف وإن بدا له مألوفا كذلك: غير معقول! من أنت؟ # أجاب وقد كاد الفضول يقتله: نحن ... نعرف بعضنا البعض بالتأكيد يا أستاذ، لكنني غير ~~قادر على التذكر بالضبط. # قال الرجل الآخر بنبرة مرتعبة وما زال صوته مألوفا: ياسين عمران؟ # أجاب بسرعة: نعم أنا ياسين عمران بالفعل. لكن من أين تعرفني حضرتك؟ هل يمكنك أن ~~تذكرني باسمك؟ # ساد السكون لثوان قليلة مرت عليه كدهر كامل قبل أن ينطق الرجل الآخر دون أن يقل ما ~~في نبرة صوته من رعب: أنا ياسين عمران. # صحراء # حرارة الصحراء قاتلة، وهدوءها قاتل كذلك، كثبان رمالها ساخنة وغزيرة كمحيط لا ~~نهائي، صامتة وغامضة، لا تبوح بأسرارها ولا تكشف دخائلها، تبدو لمن لا يخبرها بحق ~~ميتة منذ دهور، رغم أنها في الحقيقة تموج بالحياة وتتصارع بداخلها كائنات لا يدرك ~~حصرها إلا خالقها. الصحراء كالمحيط، كلاهما ليس كما يبدو على الإطلاق، كلاهما عالم قائم ~~بذاته، كلاهما صامت وغامض، وكلاهما قاتل. # في منتصف اللامكان وقفت منتصبة شامخة رغم ما يظهر عليها من إرهاق يفضحه ذلك الشحوب ~~الواضح، في موضع لا يمكن وصفه إلا بأنه مكان ما وسط الصحراء، لا تميزه علامة، ولا شيء ~~فيه مختلف عن بقية المواضع؛ في الصحراء كل المواقع متشابهة، وكل الرمال متطابقة، لا ~~تتميز حبة رمل عن مثيلاتها، ولا تختلف شجرة بعينها عن بقية الشجر. كانت مستقرة في ~~موضعها المبهم ذاك منذ سنوات طويلة، تمر عليها فصول ومواسم، تلفحها شمس قاسية لشهور ~~طويلة، وتعصف بها ريح ms005 باردة في بعض ليالي موسم الشتاء القصير، يصيبها نزر يسير من ماء ~~السماء المبارك مرة كل شتاءين أو ثلاثة. تتبدل عليها أقمار كثيرة، ليال مضيئة حميمة ~~وأخرى مقفرة حالكة الظلام، تتبدل الأحوال حولها وهي كما هي، لا يتبدل فيها إلا مولد ~~القليل من الأوراق الجديدة على أغصانها بعدما ترتوي ببعض قطرات المطر الشحيح، وتساقط ~~أوراق أخرى عندما لا تحتمل قسوة الجفاف، تظل باسقة في ثبات بجذعها الباهت المتشقق ~~وأغصانها المتعبة وأوراقها الشحيحة، لا يؤنس وحشتها في تلك الأرض المقفرة إلا جاراتها ~~من الأشجار المتناثرة بغير ترتيب كيفما توافقت الظروف. وكائنات الصحراء البائسة من ~~زواحف وقوارض وحشرات حكم عليها - ربما بجريرة خطيئة ما ارتكبها أسلافها القدماء - ~~بالحياة حيث يصبح إيجاد قوت اليوم حلما بعيد المنال، ثم تلك الطيور الهزيلة شاحبة ~~اللون التي تتقافز بين الأغصان لاهثة. كان ذلك الطائر الصغير ذو الريش كاحل السواد، ~~والمنقار الأصفر المنفرج دائما في شهور الصيف ربما من شدة العطش هو أزهى ما في المشهد ~~كله، كان ينشر البهجة في ذلك المشهد المقفر بقفزاته بين الشجيرات وبتغريداته التي ~~تتصاعد عندما تلتقي جماعات منه على أغصان الشجر في نهاية النهار بعد يوم حار، كان هو ~~الكائن الوحيد ذا اللون الواضح بين عناصر كلها صفراء أو مائلة للصفرة أو بلا لون ~~محدد. # | الفصل الثاني # يوليو 2018م # لم يدرك أي من الرجلين كم مر عليهما من الوقت ساكنين، متواجهين، محدقين كل منهما في ~~وجه الآخر. كانا خارج المكان والزمان معا، يجاهد كل منهما لكي يستوعب حقيقة الأمر. كان ~~كل منهما يقف أمام نفسه، كان كلاهما ياسين عمران ذاته، كان كل منهما ينظر إلى نفسه في ~~هيئة رجل آخر. يمكن لكل شخص بالقطع أن يتعرف على صورته عندما يراها في مرآة، لا يمكن ~~لأحد أن يخطئ نفسه؛ لذلك كان كل منهما على يقين كامل بأنه ينظر إلى نفسه، لا إلى شبيه ~~له أو توأم أو مستنسخ، بل إلى نفسه بذاتها. وكان ذلك ما تركهما ذاهلين كأنما كان كل ~~منهما يحدق ms006 في وجه ملك الموت. # لم يكونا متطابقين في الهيئة رغم ذلك لمن ينظر إليهما للوهلة الأولى، كانا في أواخر ~~الأربعينيات من العمر، في نفس الطول وبنفس ملامح الوجه بالضبط، نفس العينين والأنف ~~والشفتين، وكانت علامات الكهولة قد بدأت تظهر على كليهما بدرجات متفاوتة قليلا؛ كان ~~جسد الأول أسمن بعض الشيء وأكثر ترهلا، بينما كان للثاني جسد يبدو عليه أثر الاعتناء ~~والمواظبة على الرياضة، وإن ظل مع ذلك جسد كهل لا جسد شاب. كان للأول كرش واضح وإن لم ~~يكن كبيرا، بينما كان بطن الثاني مشدودا بشكل مقبول بالنسبة لمن هم في مثل عمره. كان ~~الشيب متناثرا في رأس الأول، لكن اللون الأسود ظل هو المسيطر، بينما غزا الشيب رأس ~~الثاني بالكامل تقريبا فلم يتبق من السواد الكثير. كان الأول حليق اللحية والشارب ~~بعناية، قصير الشعر في قصة رسمية وقورة، يضع على عينيه اللتين أحاطت بهما تجاعيد دقيقة ~~وهالات داكنة نظارة طبية أنيقة ذات عدسات رقيقة بلا إطار، بينما كانت للثاني لحية ~~قصيرة غير مهذبة بعناية، وقد بدت أقرب للمسة أناقة منها لرمز تدين، وشارب قصير وشعر ~~لامع متوسط الطول ملتوي الأطراف ومصفف للخلف، وكان جلد وجهه أكثر صفاء ونضارة من ~~الآخر. كان الأول في بدلة عمل رسمية رمادية وقميص سماوي تعلوه ربطة عنق يغلب عليها لون ~~الدم القاني، وحذاء جلدي أسود ملمع بعناية، وفي معصمه ساعة ثمينة كلاسيكية الطراز من ~~المعدن الفضي، بينما كان الثاني يرتدي فانلة قطنية بيضاء غير مكوية جيدا، وعليها ~~شعار كبير لفريق كرة سلة أمريكي شهير، وبنطلونا قطنيا واسعا كثير الجيوب من النوع ~~الذي يرتديه السياح والمغامرون، وحذاء رياضيا خفيفا، وكانت في معصمه ساعة إلكترونية ~~ضخمة تزدحم بالكثير من المؤشرات كما لو كانت تستخدم للتحكم في طائرة. بشكل عام كانت ~~الفروق بينهما شكلية؛ فقد كان الأول مسافرا في مهمة عمل، بينما كان الثاني على ما يبدو ~~في عطلة، كما كان واضحا أن الثاني أكثر اهتماما بصحته ورشاقته، وربما كان يمارس ~~الرياضة ويلتزم بنظام طعام صحي، أما ms007 فيما عدا ذلك فقد كان من السهل ملاحظة الشبه الكبير ~~بينهما. # كان الثاني هو أول من كسر حاجز الصمت الطويل عندما خرج صوته أخيرا وكأنه قادم من ~~أعماق مغارة سحيقة قائلا في مزيج من الدهشة والصدمة والفضول: كيف؟! هل تعني أن كلينا ~~شخص واحد؟! # أجاب الأول بعد أن أطرق برهة ليفكر فيما يمكن أن يرد به على أغرب سؤال وجهه له مخلوق ~~في حياته كلها: لست أفهم شيئا! هل أنت حقيقي أم جن أم ماذا؟! # نظر إليه الثاني في اندهاش - وكأنما لم يدهشه كل ما سبق كما أدهشه هذا السؤال - ~~وأجاب في سخرية وهو يتلمس وجهه بكف يده: والله أنا متأكد تماما من أنني حقيقي، فماذا ~~عنك أنت، هل أنت حقيقي أم أنك جن؟! # عادا للتحديق في وجه بعضهما البعض مرة أخرى، ربما كان كل منهما يحاول استكشاف وجه ~~الآخر للوصول إلى حقيقة تلك الخدعة، كانت التساؤلات الدائرة في ذهن كل منهما في تلك ~~اللحظة متطابقة؛ أين الخدعة؟ أهي مزحة ما؟ هل تكون هذه حلقة من أحد برامج المقالب ~~التليفزيونية السخيفة تلك؟ هل هو حلم؟ أم إيحاء؟ أم هلاوس وضلالات؟ كلاهما كان مرهقا ~~بالفعل لعدة أيام سابقة، ولكن هل يمكن أن يكون قد فقد السيطرة على عقله لتلك الدرجة؟ ~~كانت التساؤلات لا نهائية، وكذلك كانت الاحتمالات، فقط احتمال واحد لم يكن متصورا أو ~~مقبولا لدى أي منهما بأي حال رغم أنه كان - وحده دون سواه - هو الحقيقة، كان كلاهما ~~حقيقيا، وكان كلاهما ياسين عمران بذاته. # نطق الأول هذه المرة حين حلت على رأسه فكرة ظن أنه يمكنها أن تفك هذا الاشتباك فقال: ~~حسنا، ماذا أفطرت هذا الصباح؟ # بوغت الثاني بالسؤال ثم ضحك من الفكرة فأجاب ببساطة: أنا لم أفطر هذا الصباح، فقط ~~أخذت بعض القهوة قبل مغادرتي لكي أستطيع التركيز؛ لأنني استيقظت متأخرا وخفت أن ~~يفوتني القطار إن بقيت لتناول الإفطار. # أجاب الأول في حيرة وهو يطرق إلى الأرض: أما أنا فأفطرت جيدا كعادتي عندما أكون ~~مسافرا! # رد الثاني وقد ms008 لمعت عيناه بفكرة أخرى: أنا كذلك معتاد على أن أفطر جيدا عندما أكون ~~مسافرا، لكنني كما أخبرتك استيقظت اليوم متأخرا ولم يكن لدي الوقت. اسمع، سأسألك عن ~~أحداث قديمة بعض الشيء، فلنحاول الوصول إلى شيء ما مشترك بيننا يفسر هذا الوضع ~~العجيب. # أجاب الأول في فضول وقد بدأ يتحمس لتلك اللعبة: لا بأس. اسأل. # فكر الثاني لثوان قليلة ثم قال في حماس: حسنا. الامتحان الذي ضبطت فيه متلبسا ~~بالغش. # أجاب الأول بسرعة: امتحان إدارة الأعمال في السنة الثالثة بالكلية، مادة الدكتور ~~مصطفى عبد القادر، وقد انتقلت إلى السنة الرابعة وأنا راسب في هذه المادة. # تسمرت حدقتا عيني الثاني واكتسى وجهه بالرعب ثم قال في نبرة منهارة: لا يعلم أي ~~مخلوق شيئا عن هذه الحادثة! لم أحك عنها لأحد قط حتى إنني اعتقدت أنني نسيتها! في ~~البيت أخفيت عن أبي وأمي القصة كلها، حتى الزملاء لم يروا ما حدث لأنني كنت في آخر صف ~~من القاعة ولم تصدر المعيدة التي ضبطتني أي صوت عندما سحبت مني الورقة. لقد تظاهرت ~~يومها بمغادرة اللجنة طواعية كأنني انتهيت من الإجابة. استغرب الزملاء فقط خروجي ~~مبكرا، وأفهمتهم فيما بعد أنني لم أكن أجد ما أكتبه. لكن لم يعرف أي منهم شيئا عن ~~حادثة الغش! # كان الأول يستمع وهو في حالة بين الذهول والحيرة، كان ما يقوله الثاني صحيحا، وكانت ~~التفاصيل التي ذكرها دقيقة ولا يعلمها غيره، أو غيرهما، لا يعلمها إلا ياسين عمران ~~وحده بالتأكيد. ~~- حسنا، وفريدة؟ # قالها الثاني فجأة وكأنما تذكر أمرا هاما. رفع الأول رأسه إليه متطلعا في حيرة ~~بالغة ثم أجاب: نعم صحيح! كيف لم أنتبه لذلك؟! لا يمكن أن تكون أنت أيضا قد تزوجت ~~فريدة! إذن ماذا عن أطفالي هؤلاء! أبناء من يك... # قاطعه الثاني في حدة لا تخلو من عصبية: ماذا؟! أنت تزوجت فريدة؟! # أجاب الأول في حيرة بادية: ما ... ما الذي يعنيه هذا؟ أليس المفترض أننا واحد؟ # أجاب الثاني في نفس الحيرة مع مسحة من الأسى: أنا لم أتزوج ms009 فريدة! بل إنني لم أرها قط ~~منذ آخر لقاء لنا في العجمي! يوم ذلك الحفل على شاطئ بيانكي قبل سنوات طويلة. كيف ~~تزوجتها أنت إذن؟! ومتى؟ # وضع الأول كفيه على رأسه كأنما يمنعه من الانفجار، ثم قال محاولا التمسك بما بقي له ~~من هدوء: أنا تزوجت فريدة بعد لقاء العجمي ذلك بسنتين تقريبا، لا ... سنتان بالضبط. ألم ~~يكن ذلك اللقاء يوم ذكرى مولدها؟ لقد تزوجنا في ذكرى مولدها كذلك لكن بعد ذلك اليوم ~~بسنتين! لكن، كيف يكون ذلك؟ ألم تكن أحداث حياتنا متطابقة؟! ألم تتزوج أنت؟ # رد الثاني وقد تحولت مسحة الحزن في نبرة صوته إلى الصدمة: بلى تزوجت بعد ذلك اللقاء ~~بخمس سنين، لكنني تزوجت امرأة أخرى وأنجبت منها بنتين. # أجاب الأول: أما أنا فطلقت فريدة؛ انفصلنا بعد زواج دام سبع عشرة سنة، أنجبت لي ولدين ~~وبنتا. # قالها بنبرة من الأسى الواضح، بينما ظل الأول ينظر إليه نظرة تحمل الكثير من المعاني ~~لدرجة أنه لا يمكنك تمييز ما تعنيه بالتحديد. صمت الأول لبرهة ثم قال بنبرة معاتبة: ~~طلقت فريدة؟! # فهم الأول مغزى تلك العبارة فواجهه محدقا في عينيه ثم قال ببرود: وأنت، تركت فريدة ~~وهربت؟ # صحراء # كل ما هو غير مرئي أسفل مشهد الصحراء الباهت الظاهر للعيان هو ذاته ما يربط جميع ~~الكائنات بتلك الأرض، كان كل ما يجعل تلك الصحراء وطنا للجميع مختفيا تحت سطحها ~~المرئي، لا تدركه الأبصار؛ فالشجر تضرب جذوره المتشعبة في عمق الرمال كأنما يغرس كيانه ~~داخل الأرض، ليس فقط بحثا عن الماء الشحيح أو عن الدفء، بل بحثا عن الأمان، وتشبثا ~~برفات أسلاف سبقوا في ذات المكان ولم يعد يتبقى منهم إلا ذرات مدفونة في أعماق الرمال ~~تحمل رائحتهم وتبعث الطمأنينة في كيان الأحياء. كان الشجر يمد جذوره في أرضه عميقة ~~قدر المستطاع، يكاد يصل بجذوره إلى نواة الأرض بحثا عن هويته وعن رائحة أسلافه. وكانت ~~الزواحف تحفر جحورها في باطن الأرض بحثا عن المأوى الذي لم تجده على السطح حيث كل شيء ~~معرض ms010 للانجراف مع تيارات الهواء. كان السبيل الوحيد للأمان والاستقرار مدفونا في عمق ~~الأرض. كانت تلك الأرض - وإن رآها من لا يعرفها قاسية جدباء - هي الملاذ والأمان ~~للجميع، كانت مصدر الخير والحياة للجميع، وكان في باطنها كذلك هوية وذاكرة ~~الجميع. # | الفصل الثالث # يوليو 2018م # كانا الآن جالسين على أرضية العربة متقابلين، مجاورين للباب ومستندين بكتفيهما إليه، ~~كانا منفصلين تماما عن العالم الصاخب حولهما، لا يسمعان ضجيج العجلات ولا يشمان رائحة ~~دخان التبغ، ولم يكن يلحظهما أحد كذلك. ظل الكثيرون من المدخنين يجيئون، يختطفون دقائق ~~عابرة مع سجائرهم في صمت، ينفثون دخانها في الهواء ويحملقون بلا اكتراث في التكوينات ~~التي يصنعها الدخان في الهواء ثم يغادرون عائدين إلى الداخل دون أن ينتبه أي منهم إلى ~~الشخصين - أو إلى النسختين من نفس الشخص - الجالسين على الأرض بجانب باب العربة يحدقان ~~في بعضهما البعض أكثر مما يتبادلان الكلمات. لم يلحظ أي من أولئك العابرين الشبه ~~بينهما؛ ربما لاختلاف هيئتهما، أو ربما لأنه ببساطة لم يكن أي من المدخنين العابرين ~~ليشغل نفسه بمقارنة وجوه مسافرين لا يعرفهم في مساحة تدخين ضيقة بين عربات قطار ~~سريع. # كان حديثهما قد تحول إلى ما يشبه الدردشة بين صديقين قديمين التقيا بالمصادفة، كان ~~كل منهما يبحث عند الآخر عن إجابات لأسئلة تخصه هو. قال الأول وهو لم يزل محدقا في وجه ~~الثاني في محاولة دءوبة لاستكشاف شيء ما: ألا زلت تسمع المديح؟ # ابتسم الثاني وقد لمعت عيناه من أثر دفقة الذكريات المفاجئة تلك وأجاب بنبرة فيها بعض ~~الحماس: ليس كما كنت في الماضي، لكن نعم طبعا ما زلت. الحمد لله على نعمة الإنترنت على ~~أي حال؛ أجد فيه كنوزا بالمصادفة من آن لآخر. هل تذكر أيام زمان؟ كان أحدنا يدور ~~بالشهور هنا وهناك بحثا عن شريط عليه تسجيل ليلة أو حفل! # أجاب الأول مبتسما وقد سرح ببصره إلى السماء التي يراها من النافذة الزجاجية في أعلى ~~الباب المقابل: هل تذكر شريط الشيخ التوني الذي سافرت أنا وشاذلي خصيصا لنحضره ms011 من ~~قريبه ذاك في المدينة الجامعية بالمنصورة؟ يا إلهي! أين يا ترى هذا الشريط الآن؟ # ابتسم الآخر بدوره وأجاب: أغلب الظن أنه قد ضاع أو انتهى به الأمر في سلة المهملات ~~مثل غالبية مقتنياتي التي كانت في بيتنا القديم في بولكلي. لم يبق عندي من تلك الأشياء ~~غير حفنة من صور لأبي وأمي، رحمهما الله. # رد الأول رافعا كفيه في الهواء كعلامة على الاستسلام: ثم إنك حتى لو وجدت الشريط، ~~فهل يملك أي شخص جهاز كاسيت في هذه الأيام؟ # أكمل الثاني في بعض الحماس: لقد وجدت تسجيل تلك الليلة للشيخ التوني على ساوند كلاود ~~بالمناسبة. أنا على يقين من أن من رفع هذا التسجيل على الإنترنت كان قد حصل عليه من نفس ~~الشريط الذي كنت قد أحضرته من قريب شاذلي هذا؛ نفس الأجزاء التي يشوبها التشويش، نفس ~~المقاطع التي ينخفض فيها صوت التسجيل، نفس التوقيتات التي يصفق فيها الجمهور، وحتى نفس ~~الأشخاص الذين يتحدثون ويهللون في الخلفية. لقد كنت أحفظ تفاصيل ذلك الشريط كما أعرف ~~اسمي. # أجاب الأول في نبرة حزينة: أما أنا فلم يتبق لدي لا الوقت ولا الطاقة لكي أسمع أو ~~لكي أبحث عن شيء بالمرة. # ثم أردف وقد تغيرت نبرته فجأة إلى المرح: هل تذكر عندما نسخت من ذلك التسجيل شريطا ~~آخر لأشغله في السيارة لكيلا أخرجه من جهاز كاسيت البيت؟ # أجاب الآخر بسرعة وبنفس المرح: أذكر بالطبع! لم يخرج ذلك الشريط من جهاز الكاسيت ~~بالفعل حتى أحضرت الشريط الذي سجلته بنفسي من حفل الشيخ ياسين التهامي في مولد السيدة ~~زينب. # صمت قليلا ثم بدأ ينشد وهو يتطلع إلى الفراغ: # من لامني في الحب يرم بسهمه # يصبح محزون الفؤاد عليل # الحب شهد في البداية يا أخي # آخره سيف نعم مسلول # ليكمل الآخر بنفس النظرة الساهمة: # الحب شهد في البداية يا أخي # آخره سم الأفاعي قليل # الحب عذب لا يذقه مقيد # بحدود شهوته ولا معلول # ساد صمت جميل لدقيقة أو نحو ذلك، صمت حالم، وكأن لم يرد أي ms012 منهما أن يقطع شريط ~~الذكريات الدائر في عقله، أو في عقلهما معا. ثم قال الثاني وقد اتسعت ابتسامته ولمعت ~~عيناه: الانتخابات الرئاسية! لا أقصد الأخيرة بالطبع، ولكن تلك السابقة التي كان فيها ~~عشرة مرشحين. # أجاب الأول في فضول: ماذا عنها؟ آه، صحيح. أتقصد لمن أعطيت صوتي؟ # أردف الثاني: ما زلت أذكر تلك المناظرة الانتخابية التي أذاعها التليفزيون. لقد كان ~~حلما جميلا أفقنا منه على كابوس. # أجاب الأول مجددا وقد أثار الموضوع فضوله: دعني أخمن. لا يمكن أن تكون قد انتخبت ~~أيا من المرشحين الإخوانيين أو أيا من أولئك اليساريين؛ ليس ذلك ياسين عمران ~~بالتأكيد. أحمد شفيق؟ ربما، وإن كنت لا أرجح هذا الاحتمال. # قال الثاني في هدوء وثقة: لقد كان الاختيار واضحا في عقلي منذ البداية. # أجاب الأول بنفس اللهجة الواثقة: وكذلك أنا، حتى إنني لم أذهب للتصويت في جولة ~~الإعادة. # حدق الاثنان في عيني بعضهما البعض لفترة ثم ابتسما وقد فهم كل منهما ما في عقل الآخر ~~وقالا في نفس اللحظة: عمرو موسى! # ضحكا في صوت واحد ضحكا طويلا، ثم عادا إلى الصمت مرة أخرى، كانت تلك اللعبة قد ~~استغرقتهما تماما حتى أخذ كل منهما يبحث في ذاكرته عن موضوع جديد يمكن أن يكمل به ~~اللعبة المشوقة. سأل الثاني بعد برهة: لا تقل لي إنك لا تزال تلعب الكرة! # اتسعت ابتسامة الأول كذلك وأجاب في حماس: هذا هو الشيء الوحيد الذي لا أزال أفعله، ~~وإن لم تعد لياقتي تسمح باللعب لفترات طويلة. يوجد بالقرب من بيتي ملعب كرة قدم خماسية، ~~أذهب أنا ومجموعة من الأصدقاء للعب فيه مساء كل ثلاثاء، ما لم تستجد ظروف أخرى ~~بالطبع. # رد الثاني في عدم اكتراث: أما أنا فنسيت حكاية الكرة هذه تماما؛ لأن دائرة معارفي ~~الآن تهتم برياضات مختلفة ليست كرة القدم من بينها للأسف؛ أحافظ على لياقتي وأواظب على ~~التمرين بالأثقال والجري وبعض التجديف عندما يسمح الطقس، لكن ليس كرة القدم. # ارتسمت على وجه الأول فجأة ملامح الجدية وسأل نسخته الأخرى: لم ms013 تقل لي أين ~~تسكن ؟ # انتبه الثاني فجأة كذلك وأخرجه هذا السؤال من خيالاته وذكرياته فارتسمت على وجهه نفس ~~الجدية وأجاب: لقد هاجرت منذ زمن! تنقلت لسنوات طويلة بين أكثر من بلد؛ عملت في ~~السعودية ثم انتقلت إلى الإمارات، ولكنني أعيش الآن في ضاحية من ضواحي تورونتو بكندا ~~حيث استقر بي المقام أخيرا منذ سبع سنوات! لكن ألا زلت تعيش في الإسكندرية؟ # سرح الأول ببصره خارج النافذة مرة أخرى ثم قال في نبرة تحمل تلالا من الإحباط: ~~كندا! يا رجل! أتعرف أين ذهبت أنا يوم أن قررت الهجرة من الإسكندرية؟ ذهبت إلى ~~القاهرة! # التفت إليه الثاني باستغراب شديد قائلا: لكنك لطالما حلمت بالعيش في كندا، أتذكر؟ ~~بلاد الحرية والديمقراطية وتكافؤ الفرص، لقد كان ذلك هو هدف حياتك منذ كنت في المدرسة ~~الثانوية، ألا تذكر أيام كنت تراسل تلك الفتاة الكندية؟ ماذا كان اسمها؟ لا أذكر اسمها ~~الآن لكنني أذكر أنها كانت تعيش في كيبيك، فقد كانت ترسل صورا كثيرة لمدينتها، وكانت ~~تكتب بعض التعليقات أحيانا بفرنسية معقدة لم أكن أفهمها، كان ذلك أيام المراسلة ~~بالخطابات البريدية! لكن لماذا لم تهاجر إذن؟ ما الذي حدث؟ # كان الأول قد غاص أكثر وأكثر في سرحانه، فأجاب بعد برهة صمت وقد خرج صوته وكأنما كان ~~صادرا من أعماق سحيقة: أتسألني ما الذي حدث؟ يبدو لي أنك أنت الذي حقق أحلامي! أنت من ~~هاجر إلى كندا، أنت الذي يبدو كشاب في الثلاثين بينما يعتقد من لا يعرفونني أنني في ~~الستين. إنك حتى الذي وجد تسجيل الشيخ التوني على الإنترنت! أما أنا فكل ما حققته هو ~~أنني لا أزال ألعب الكرة مع الأصدقاء في الملعب المجاور لبيتي مساء كل ثلاثاء لنصف ساعة ~~على الأكثر، هذا ما لم تستجد ظروف أخرى بالطبع. # صحراء # كان صباحا عاديا، لا يميزه شيء عن أي صباح آخر، تماما ككل ما في هذه الصحراء؛ شمس ~~حارقة وظل مفقود وهواء حار ساكن ورمال ملتهبة، زواحف كسولة وطيور قليلة. لكنه بعد شروق ~~شمس ذلك الصباح ms014 بساعات قليلة لم يعد كمختلف الصباحات؛ كان ذلك هو الصباح الأول في ~~الزمن الجديد، اليوم الذي يمكن أن يؤرخ به تحول تلك الصحراء وتبدل الحال ورحيل الجميع، ~~كان ذلك الصباح تدشينا رسميا لزمن الوحدة والخواء. # تردد في الصحراء الشاسعة صدى أصوات صاخبة، ضوضاء قبيحة ودخيلة على المشهد، لا تشبه ~~حفيف الأغصان ولا تغريد الطيور ولا فحيح الأفاعي، أصوات أزعجت ساكني الصحراء الآمنين في ~~وطنهم فهرعت الزواحف خارجة في ذعر من جحورها ورفرفت الطيور بعيدا، وحده الشجر ~~المتناثر ظل واقفا لا يجد مهربا ولا يعرف لتلك الأصوات المقتربة معنى ولا تفسيرا. ~~لا يملك الشجر سوى الانتظار، يغدو الجميع ويروحون ويبقى وحده الشجر منتظرا، لا يدري ~~ماذا ينتظر، لكنه لا يكف عن الانتظار. # تبزغ في الأفق البعيد بوادر القادمين؛ كائنات ضخمة عجيبة الشكل والألوان، تزحف بسرعة ~~وتصدر ضوضاء مقبضة، تفوح منها روائح كريهة وتملأ السماء بأبخرة داكنة كسحب من رماد. لم ~~تشهد تلك الصحراء من قبل قدوم كائنات كهذه، ربما شهدت على فترات متباعدة ذئبا ضل ~~طريقه أو ناقة شردت خلف قطيعها، لكن كائنات بهذه الضخامة والوحشية لم يسبق لها قط ~~أن وطئت تلك الرمال. # صارت الصحراء الآن خالية من كل مظاهر الحياة فيما عدا الشجر، فمع حط تلك القافلة ~~القبيحة رحالها هرعت البقية القليلة من الزواحف والطيور هاربة، مترقبة ما ستحدثه تلك ~~الكائنات الهائلة في أرضها. لم يكن هناك أمل في قتالها بالطبع؛ فتلك معركة خاسرة لن ~~يفلح فيها كل ما في أفواه الأفاعي من سموم، ولا كل ما على ظهور القنافذ من أشواك. ظل ~~الجميع يتابعون من بعيد، وحدها - كالعادة - كانت الأشجار واقفة على خط المواجهة، في ~~قلب المعركة، وكانت - كالعادة كذلك - أول من دفع ثمن ذلك. # | الفصل الرابع # يناير 1992م # في المبنى المهيب المخصص للقسم الإعدادي بكلية الهندسة، حيث كان مكانهما المفضل على ~~درجات أحد فنائي المبنى الخارجيين المنعزلين عن ضجيج الداخل وصخب الطلبة، كان ذلك ~~الموقع مثاليا إلا حين كانت سماء الإسكندرية تغضب وتنذر بالبرق ثم تمطر بغزارة ms015 لا ~~تجدي معها المظلات، ولا يبقى من سبيل لاتقاء غضبها إلا الهرولة إلى داخل المبنى الذي ~~تدفئه أنفاس مئات الطلبة وملابسهم الشتوية. دقائق قليلة تنفث فيها السماء غضبها على ~~المدينة، ثم تصالحها بشمس رقيقة دافئة تنشر البهجة في أفنية الكلية المفتوحة، وتزيد من ~~سحر رائحة التربة المبللة والزهور الصفراء الصغيرة التي تنبت تلقائيا، وأشجار النخيل ~~المغسولة لتوها بماء السماء المبارك. كان لعينيها تألق ساحر بعد المطر، كانت تبتهج ~~وتمرح كطفلة وجدت حلواها المفضلة، كانت طاقتها الإيجابية تكفي لبهجة كل الكائنات في ~~محيط الكلية وما حولها، كانت ابتسامتها هي النسمة الرطبة التي يشتاق إليها وسط جفاف ~~معادلاته وجداوله ودراسته المرهقة للعقل والروح معا، كانت عيناها طاقتي الأمل اللتين ~~يطل منهما على الدنيا، كانت محور حياته ونور روحه، لكنه لم يقل لها قط شيئا من ~~ذلك! # أمام البهو الكبير لذلك المبنى العتيق رآها لأول مرة، كان قد اعتاد الحضور في أوقات ~~فراغه الكثيرة بين محاضراته في كلية التجارة إلى كلية الهندسة - حيث يدرس بعض رفاقه - ~~لقضاء الوقت معهم حين لا يكونون منشغلين حتى أذقانهم في تلك اللوحات الورقية الكبيرة ~~التي يرسمونها، أو في دروسهم العملية وامتحاناتهم التي لا تنقطع. # قالت له وهي تناوله لفافة ورقية تغلف شطيرة منزلية الصنع من الجبن الأبيض وشرائح ~~الطماطم: أتعرف أن هذا القميص الذي ترتديه اليوم هو نفس القميص الذي كنت ترتديه في أول ~~مرة عرفتنا فيها رحاب إلى بعضنا البعض؟ أتذكر، أمام البهو الرئيسي؟ # أجابها بتقطيب جبهته كمن يحاول التذكر، ثم ابتسم وقال في شيء من اللامبالاة جعلها ~~تشعر بالحرج: أنا لا أذكر ما كنت أرتديه بالأمس يا فريدة، ولكن ربما تكونين محقة؛ فهذا ~~القميص اشتريته من بورسعيد قبل عامين تقريبا. # أجابت وهي تحاول إخفاء حرجها: أنا متأكدة من ذلك بالطبع وأتذكره جيدا، كنت ترتدي هذا ~~القميص ذاته ولكنه بدا عليك بشكل أفضل في تلك الأيام؛ فقد كان جسدك أكثر امتلاء، كنت ~~تبدو رياضيا، وكانت لك ابتسامة رائقة. عرفت منذ النظرة الأولى أنك لا تنتمي لهذه ms016 ~~الكلية؛ لم تكن تبدو عليك سمات البؤس والذعر التي ترتسم على وجوه طلاب السنة الإعدادية ~~هنا. # أكمل ابتلاع آخر قطعة من الشطيرة التي كانت في يده ثم انتصب واقفا وقال في لهجة ~~روتينية: هل تودين شرب الشاي من الكافيتريا أم ربما تفضلين الذهاب لتناول العصير من ~~المحل المجاور للمكتبات في الخارج؟ أنا ذاهب على أي حال من ناحية بوابة المكتبات لأن ~~صديقا لي سيمر علي بسيارته في طريقه للكلية، لدينا اليوم محاضرة مهمة في مادة ~~المحاسبة سيحدد فيها الدكتور الأجزاء الملغية من الكتاب، أمامي نصف ساعة حتى يأتي صديقي ~~حسب اتفاقي معه. # قالت في تسليم ويأس: حسنا. اذهب أنت إذن وسأصعد أنا للقسم فعندي مشروع يجب إنجازه، ~~موعد التسليم الخميس القادم ولا يزال لدي واجهتان وقطاع لم أبدأ في إسقاط أي منهم بعد، ~~ولا يبدو أن الدكتورة ستوافق على تأجيل آخر. # أجاب مبتسما ببعض التعاطف: كان الله في عونك، تعرفين أنني لو كنت أستطيع المساعدة لم ~~أكن لأتأخر، لكنني لا أفهم شيئا من أمور الفنانين تلك التي تصنعونها في الأعلى. في ~~المرة الوحيدة التي حاولت فيها المساعدة بتنقيط بعض الرسمات كما طلبت مني كدت أفسد ~~اللوحة بأكملها. # ضحكت ضحكتها الخجولة المختزلة التي يحبها، واضعة يدها على فمها كما اعتادت أن تفعل ~~لا إراديا في كل مرة وكأنها تخشى أن تضبط متلبسة بجرم الضحك. وقالت وهي تشير ~~بسبابتها نحوه: نعم لقد لطف بنا الله يومها واستطعنا إنقاذ ما أمكن إنقاذه، كانت غلطتي ~~بالطبع فقد كان علي توضيح أن التنقيط يمثل المساحات الخضراء في المسقط الأفقي، وأنه ~~لا يمكنك تنقيط غرفة المعيشة، لو لم تلحق بك رحاب كنت سأضطر إلى إعادة رسم ذلك ~~«الشاسيه» بالكامل. # ضحك هو بحرية وبمرح وأجاب: حسنا، سأذهب أنا إذن إلى أرقامي وجداول ميزانياتي وإلى ~~محاضرة المحاسبة، ما لي أنا والعمارة والتنقيط والشاسيهات وتلك المسميات المضحكة؟ أراك ~~غدا، سلام. # وأشار بكفه مشدودة ومضمومة الأصابع في اتجاه جبهته كالتحية العسكرية وهو يستدير ~~متجها إلى بوابة المكتبات في خطوات سريعة ms017 واثقة لا تخلو من ابتهاج . ابتسم وهو يستعيد ~~كلماتها عن لقائهما الأول، لم يكن يذكر بالطبع ما كان يرتدي ولا ما كانت ترتدي هي يوم ~~التقيا لأول مرة، ليست ذاكرته قوية لهذه الدرجة فيما يخص التفاصيل كما هي ذاكرة ~~الإناث، لكنه يذكر جيدا كم كان جمالها هادئا، وكم كان صوتها دافئا. كانت ملابسها - ~~التي لا يذكر تفاصيلها بالطبع - رقيقة وغير متكلفة، تبرز جمالها بتحفظ. يذكر كيف ~~أخذه شعرها الأسود الفاحم الطويل الذي ربطته في ذيل حصان خلف رأسها، وعيناها الواسعتان ~~الصافيتان، وصوتها ذو النبرة المنخفضة الرقيقة، وهاتان الغمازتان الساحرتان على وجنتيها ~~عندما تبتسم. كان حضورها يغمر المكان بفيض من البهجة. كما أنه يذكر جيدا كيف وقر في ~~نفسه يومها أن لهذا اللقاء حتما ما بعده. كان يومها في السنة الثانية بكلية التجارة، ~~بينما كانت هي طالبة جديدة على الحياة الجامعية في السنة الإعدادية بكلية الهندسة. ~~عرفتهما على بعضهما البعض يومئذ تلك الصديقة المشتركة، ثم قابلها عدة مرات بعد ذلك ~~عندما كان يحضر للقاء أصدقائه، بدأت لقاءاتهما وسط مجموعة الأصدقاء بطرقات مبنى ~~الإعدادي حيث يتجمع الطلبة للمراجعة أو للتسامر بين مواعيد المحاضرات، ثم على الدرج ~~الكبير في بهو المبنى الواسع، ثم انتقلا منفردين بعد ذلك بشهور إلى مكانهما المفضل ~~بالخارج هربا من طرقات المبنى المظلمة حيث الجو المقبض المشبع بأبخرة المعامل ومناقشات ~~مسائل الفيزياء. # صار يعرف أيام مشاريعها الطويلة المرهقة تلك التي تبدو خلالها شاحبة مرهقة إلا من ~~لمعة عينيها الساحرة التي تشرق حين تراه، كانت تبقى في الكلية حتى ساعات متأخرة أثناء ~~فترة إنجاز تلك المشاريع كما تقتضي طبيعة دراستها، وكان باستطاعته لذلك قضاء وقت أطول ~~بصحبتها، حتى أثناء عكوفها على الرسم لساعات متواصلة على إحدى تلك الطاولات الخشبية ~~الكبيرة. كان بإمكانه دائما مساعدتها بشيء ما، حتى ولو بالذهاب لإحضار بعض الطعام أو ~~الأدوات الناقصة أو تصوير الأوراق في المكتبات الواقعة أمام البوابة الخلفية للكلية. ~~أصبح يحضر إلى كلية الهندسة بمعدل أكبر، أصبح يأتي إليها هي على وجه الخصوص رغم ms018 أنه ~~يتحجج أمام الجميع بزيارة أصدقائه الذين صار ربما يأتي ويذهب دون أن يقابل أيا منهم، ~~ودون أن ينتبه حتى لذلك. # كانت فريدة قد أصبحت بالفعل حب عمره، أو كانت قد أصبحت على الأحرى حبه الوحيد، فلم ~~يسبق له أن وقع فيما يسمونه الحب إلا معها هي. ظل ياسين على الدوام شابا محبوبا ~~لوسامته وذوقه، لكنه ظل طوال الوقت يعامل زميلاته كأخوات، لم تكن له مغامرات عاطفية أو ~~جنسية كالكثيرين من زملائه في الجامعة أو من معارفه خارجها؛ ربما بسبب تربيته الملتزمة ~~في المنزل، أو بسبب طبيعته الخجولة. لم يكن ياسين حتى يدخن رغم أن غالبية أقرانه ~~كانوا في تلك الفترة قد ذهبوا بالفعل أبعد كثيرا من مجرد التدخين. ~~••• # في غرفة فريدة الصغيرة ذات الجدران المطلية بلون وردي فاتح، والتي تغطي مساحات واسعة ~~منها ملصقات كبيرة لقلوب حمراء وأطفال ضاحكين وشخصيات كارتونية. كما تحتل مساحة ~~معتبرة من أرضيتها دمى قطنية وإسفنجية متعددة الأحجام والألوان. كانت الغرفة بشكل عام ~~تبدو للوهلة الأولى كغرفة طفلة في العاشرة، لا كغرفة شابة جامعية على مشارف العشرين من ~~العمر، هناك جلست فريدة على طرف سريرها المرتب بعناية، ودون أن تغير ملابسها منذ عادت ~~من الكلية. جلست مطرقة إلى الأرض تضم يديها على صدرها كما لو كانت تهدئ من سرعة ضربات ~~قلبها المتزايدة، أو تكتم صوت خفقانه لكيلا ينتبه إليه من بالبيت. احتاجت إلى بعض ~~الوقت لكي تملك زمام نفسها وتستعيد ما حدث ذلك الصباح بالكلية، استغرقت في التفكير وفي ~~إعادة رسم الموقف في ذهنها حتى لا تهرب منها أي تفصيلة، حتى انتبهت على صوت طرقات ~~والدتها على باب الغرفة تدعوها للحاق بالغداء قبل أن يبرد الطعام. كانت وحيدة ~~والديها، تقيم معهما في الشقة الصغيرة التي تزوجا فيها قبل عقدين من الزمن بالطابق ~~الثاني من بناية متوسطة العمر بالشارع الهادئ القصير الموازي لشارع الترام، ما بين ~~محطتي جليم والفنون الجميلة، واحدة من تلك الشقق التي يسكنها محظوظون ما زالوا يدفعون ~~ستة جنيهات إيجارا شهريا طبقا لقوانين ms019 الإيجارات الموروثة من العهد الاشتراكي ، لم ~~تكن تلك الجنيهات الست تكفي لشراء دجاجة، بينما لم يكن سعر الشقة المماثلة بنفس الشارع ~~ليقل عن مائة ألف من الجنيهات. كان ذلك الوضع يعطي عن سكان تلك الشقق انطباعا كاذبا ~~بالغنى، بما أنهم يقيمون في منطقة راقية مثل هذه، بينما غالبيتهم في الحقيقة مجرد ~~موظفين حكوميين لا يملكون - فيما عدا ما ورثه بعضهم عن أسلافهم - إلا رواتبهم الهزيلة ~~وما تتعطف عليهم به الحكومة من نفحات غير منتظمة لتكسب ولاءهم أحيانا، أو لتمتص غضبهم ~~في أحيان أخرى. # كانت فريدة في تلك الأيام مراهقة خجولة، خلعت للتو زيها المدرسي الأزرق الداكن وبدأت ~~تخطو بتردد إلى عالم الشباب الجامعي المنفتح المتهور. لم تختلط كثيرا بالشباب في ~~الجامعة، ولم تكن تجد الأمان إلا في صحبتها الصغيرة من البنات المتخرجات معها في ذات ~~المدرسة الإنجليزية العريقة ذات التقاليد الصارمة على الجانب الآخر من الشارع الذي ~~يفصلها عن كلية الهندسة حيث صارت تدرس الآن. ظلت تصد الزملاء الراغبين في توطيد علاقتهم ~~بها، وتفضل إبقاء الجميع خارج دائرتها الخاصة ولو مؤقتا؛ حتى تفهم أسرار ذلك العالم ~~الجديد الذي دخلت إليه. مثله كانت، بلا مغامرات سابقة، فقط مجرد إعجاب صامت أو حب ~~مراهقة من آن لآخر ككل المراهقات في عمرها؛ أعجبت بمدرس الكيمياء الوسيم لفترة، ~~وبالجار الرياضي الشاب لفترة أخرى، ولكنها لم تجرؤ على البوح بشيء من ذلك إلا لرحاب؛ ~~صديقتها المقربة التي لم تكن بأشجع منها على أي حال. # ثم كان ذلك اليوم الذي التقت به ياسين؛ كانت صديقتها رحاب قد تعرفت إليه من قبل من ~~خلال زملائها من أصدقائه، ثم عرفتهما بدورها إلى بعضهما البعض. تذكر فريدة جيدا طلته ~~الساحرة وقوامه المنضبط وهو قادم في اتجاههم مرتديا ذلك القميص القطني الأزرق ذي ~~الأكمام الطويلة المشمرة حتى نهاية ساعديه، والجينز السماوي الفاتح. تذكر جيدا ~~ابتسامته الرائقة التي لمحت فيها بعضا من المرح مع القليل من الخجل، والقليل من شيء ~~ثالث لم تستطع تمييزه وقتها، لكنها عرفته لاحقا مع تعدد لقاءاتهما؛ ms020 إنه ~~الارتباك. # مضى أكثر بقليل من عامين على ذلك اليوم، عام وعشرة أشهر وستة أيام بالتحديد، فقد ~~التقيا في العاشر من مارس عندما كانت في السنة الإعدادية - نعم ما زالت تذكر التاريخ - ~~بينما اليوم هو السادس عشر من يناير - وستذكر ذلك التاريخ كذلك - وهي الآن في السنة ~~الثانية بقسم العمارة الذي التحقت به بعد اجتياز السنة الإعدادية رغم محاولات صديقاتها ~~إقناعها بالانضمام إليهن. كانت تدرك أن عقلها ليس رياضيا مثلهن ولا مثله، وأن دراسة ~~هندسة الكهرباء لن تناسبها. كان قد سحرها قسم العمارة منذ دخلته للمرة الأولى بصحبة ~~طالبة كانت بالسنة الثانية في نفس القسم، عندما تعرفت عليها مصادفة وسألتها عن ذلك ~~القسم، وكيف هي طبيعة الدراسة به، كما اعتادت أن تفعل مع من تعرفهن من مختلف الأقسام ~~حتى تستطيع اختيار القسم الذي يناسبها بعد السنة الإعدادية. أجابتها تلك الفتاة يومها ~~بأنها ستأخذها إلى القسم لتتعرف إليه بنفسها، ثم صعدتا معا إلى ذلك المكان السحري الذي ~~يحتل الطابقين الأخيرين أعلى مبنى الإدارة المطل بواجهته العريضة المهيبة ذات التصميم ~~الفرعوني على طريق الحرية. منذ اللحظة الأولى شعرت بأن هذا المكان لا يشبه بقية الكلية؛ ~~الهواء مختلف هناك بالأعلى، الطلبة مختلفون، الأسقف عالية بشكل لافت، والنوافذ كبيرة، ~~والمنظر الخارجي ساحر. أسرتها صالات الرسم الواسعة التي يصدح صوت أم كلثوم في خلفيتها، ~~بينما فتيات وشبان يفترشون الأرض ويتناقشون بصخب في موضوع ما، وهم يتقاسمون طعاما ~~منزليا من أوان معدنية صغيرة. وبينما آخرون منكبون باستغراق تام على طاولات الرسم، ~~واضعين سماعات صغيرة في آذانهم. بينما يتكوم شاب بجوار أحد الجدران غارقا في النوم، ~~ملتحفا بسترة جلدية. كانت الألوان هناك في كل مكان، على الجدران وعلى طاولات الرسم، ~~وعلى اللوحات. كان على بعض الجدران رسمات يدوية كبيرة بأقلام الفحم الخشن لوجوه فنانين ~~ولمبان كلاسيكية. كان ذلك المكان عالما منفصلا بشكل كلي عن عالم الكلية الجاف الكئيب ~~الذي تعرفه بالأسفل. كانت كلمة السر في هذا القسم هي الإبداع. لم تحتج لزيارة أخرى ~~لتعرف أنه يمكنها هنا ms021 أن تطلق لخيالها العنان، لم تكن تريد بالقطع أن تقضي سنوات أربع ~~أخرى بين النظريات الرياضية الجافة والمعادلات الفيزيائية المعقدة في قسم الكهرباء ~~بمبناه البارد الكئيب، بل كانت تريد قضاء سنواتها الدراسية المقبلة في هذا العالم ~~المبهج الملون. كانت في داخلها منطلقة تعشق الحياة، مغامرة وحالمة رغم خجلها الناتج ~~عن تربية محافظة في البيت والمدرسة، أو ربما كانت تلك التربية هي ما أشعل بداخلها تلك ~~الرغبة الدائمة في الانطلاق. ~~••• # ظلا يلتقيان في الكلية بانتظام طوال أيام الدراسة، بينما يتبادلان مكالمات تليفونية ~~خجولة ومتباعدة خلال إجازة الصيف أو منتصف العام. كانت أمها ترمقها بنظرة غامضة حينما ~~كان يطلبها على هاتف المنزل، نظرة ما بين الارتياب والتمني. ظلت علاقتهما تتطور في حدود ~~ما بدا ظاهريا كأنه مجرد صداقة، لم تكن الصداقة هي ما تريد بالطبع، ولكنه لم تفلت منه ~~كلمة أو نظرة تفصح عما بداخله طيلة تلك الشهور، حتى بدأت تتعايش مع ذلك الوضع وتفقد ~~الأمل في أن تنتقل تلك العلاقة إلى المرحلة التي تنتظرها. إلى أن جاءها في ذلك اليوم؛ ~~السادس عشر من يناير عام 1992م، كانت عيناه تلمعان في ذلك الصباح بشيء جديد لم تختبره ~~فيه من قبل، مرتديا سترة جلدية رمادية فوق قميص من القطن السميك بشكل مربعات سوداء ~~وحمراء على طراز قمصان رعاة البقر التي كانت موضة تلك الأيام، كما هو الحال مع حذائه ~~التكساس الجلدي الأسود ذي المقدمة الرفيعة والكعب القصير المدبب. تعلم فريدة مسبقا ~~أنها هي وحدها من ستتذكر كل تلك التفاصيل، وأن ياسين سينسى - كعادته - حتى ما كان ~~يرتديه بالأمس. # تقدم منها بملامح جامدة بعض الشيء وسألها إن كان لديها بضع دقائق ليتحدث معها قليلا، ~~لم يفصح عما يريد التحدث بشأنه، كان عندها الوقت له دائما، وكانت تعرف أنه يعرف أن ~~عندها الوقت له دائما، ولم تكن تفهم لماذا يسألها سؤالا كهذا، لكنها أومأت بالإيجاب ~~فطلب منها الابتعاد قليلا عن صخب الأصدقاء الذين كانوا يتجادلون في حماس بخصوص مباراة ~~كرة القدم التي خسرها المنتخب الوطني ms022 قبل ثلاثة أيام. مشيا متجاورين صامتين عبر الممر ~~المظلل بأشجار النخيل الشاهقة حتى ابتعدا في اتجاه مبنى الإدارة، ثم عبرا من خلاله إلى ~~الحديقة الأمامية الشاسعة التي تنحدر للأسفل، حتى البوابات المغلقة المطلة على طريق ~~الحرية، والتي لم يكن يرتادها الكثير من الطلاب. كان مترددا، تشعر به وتعرف أنه اليوم ~~مختلف، لا تعرف وجه الاختلاف، لكن قلبها يخفق بقوة لإدراكها أن شيئا كبيرا سيحدث ~~اليوم، وأنها ستتذكر تفاصيله لبقية عمرها، وكانت مرتعبة من أن يكون ما سيعلق بذاكرتها ~~سيئا. # توقف عن المشي هبوطا بين الحدائق التي تفتحت فيها أزهار حمراء وصفراء منسقة بعناية ~~ثم استدار إليها، صار في مواجهتها ومن خلفه يقف مبنى الإدارة الشاهق بشموخه الفرعوني ~~وأعمدته الرسمية الكبيرة، وفي أعلاه تبرز نوافذ صالات الرسم بقسم العمارة. توقفت ~~الكلمات على شفتيه لوهلة كما بدا لها، كانت تدرك جيدا أنه لا يعرف كيف يبدأ في قول ما ~~يريد أن يقول، وزاد ذلك من ارتياعها حتى كادت تشرع في النطق بأي شيء تستفسر به عما ~~يريد، فإذا بصوته يأتيها واضحا، قويا، وبكل ثقة وبساطة العالم سألها: هل تقبلين ~~الزواج مني؟ # قالها في لهجة محايدة كأنما كان يسألها إذا كانت تريد شرب الشاي أم العصير، لكنه كان ~~ينظر في عينيها وهو ينطق بتلك الكلمات، كان ينظر في عينيها بعمق هذه المرة، وكانت على ~~شفتيه ابتسامة المرح والخجل فقط، دون ارتباك. ~~••• # في صالة شقة متواضعة جلس ياسين على كرسي خشبي عتيق الطراز يصغي في انتشاء إلى تسجيل ~~قديم عبر جهاز كاسيت رديء، بينما يحتسي الشاي الصعيدي الداكن مع صديقه شاذلي، زميل ~~الدراسة الطيب الذي ألقى به مكتب التنسيق من مدينة إسنا الوادعة في أقاصي الصعيد ليدرس ~~في جامعة الإسكندرية، والذي يتشارك مع سبعة آخرين من الطلبة المغتربين الفقراء القادمين ~~مثله من محافظات بعيدة في الإقامة بتلك الشقة المتواضعة بالطابق الثالث من بناية تخطى ~~عمرها الستين عاما في زقاق متفرع من شارع تانيس، أحد شوارع منطقة كامب شيزار العتيقة، ~~والتي صارت منذ سنوات طويلة ms023 متخمة بالشقق التي تؤجر مفروشة للطلبة المغتربين، لقربها ~~من الجامعة بعد أن رحل سكانها الأصليون من اليونانيين والأرمن والإيطاليين. شقة قديمة ~~بسيطة إلى حد الخواء، أرضيات من بلاط الموزايكو الرخيص الذي اسودت أجزاء كبيرة منه ~~لندرة التنظيف، وهبطت أجزاء أخرى نتيجة تأثير الزمن، نوافذ طويلة غير محكمة الإغلاق ~~استبدلت الأجزاء المتكسرة من زجاجها بورق مقوى من خلفية تقويمات قديمة تحمل شعارات ~~بعض مصانع القطاع العام، جدران عالية ملطخة بآثار الأكف والأقدام واحتكاك قطع الأثاث ~~ونشع رطوبة البحر القريب التي تخترق العظام لا الجدران وحسب. لا يتجاوز ما تحتويه الشقة ~~من أثاث بضعة أسرة معدنية، وخزانات ذات أبواب صدئة ومقاعد متهالكة. كانت الشقة على ~~مبعدة خطوات من محطة ترام كامب شيزار، حيث توجد سينما أوديون المتخصصة في عرض أفلام ~~المقاولات العربية الرخيصة، بجانب أفلام بروس لي وفان دام وما إلى ذلك من تلك النوعية ~~من أفلام المراهقين من طلبة المدارس والمغتربين الريفيين الذين يشكلون السواد الأعظم من ~~رواد تلك السينما. # كان عالم ياسين في تلك الفترة صغيرا ومحدودا، كانت دائرة أصدقائه ضيقة، ولم يكن ~~بطبيعة تكوينه وشخصيته من النوع الذي يسهل عليه إدخال الغرباء إلى مساحته الشخصية ~~بسرعة، كانت اهتماماته تتلخص في كرة القدم والموسيقى، يتابع مباريات الكرة في ~~التليفزيون بشغف، لا يفوته حضور مباراة في الملعب عندما يأتي الزمالك - ناديه المفضل - ~~أو حتى الأهلي لملاقاة الاتحاد أو الأوليمبي أو الكروم على ستاد الإسكندرية. يعرف كل ~~جديد عن أخبار اللاعبين والبطولات، ويمارس كرة القدم بانتظام مع رفاقه، ما بين ملاعب ~~النوادي الشعبية الصغيرة أو الأراضي الفضاء التي تشتهر بتجمع محبي الكرة للعب عليها، ~~وبخاصة الأرض الملاصقة لشريط السكك الحديدية أمام مصنع شركة فورد في مصطفى كامل. ثم ~~يقضي بقية وقته في الاستمتاع بطرب المنشدين والمداحين الذين سحره عالمهم منذ اليوم الذي ~~أدخله إليه فيه شاذلي، الذي كان من المترددين بانتظام على موالد الأولياء وحلقات الذكر ~~وليالي الصوفية. وكان شاذلي يحفظ في ذاكرته عن ظهر قلب جدولا مفصلا لتواريخ «الليالي» ~~كما كان ms024 يطلق عليها؛ وهي موالد أولياء الله الصالحين في طول مصر وعرضها، ما بين ليلة ~~أبي الحجاج في الأقصر إلى ليلة أبي الحسن الشاذلي في الصحراء الشرقية، إلى السيد البدوي ~~في طنطا، إلى عبد الرحيم في قنا، إلى إبراهيم الدسوقي والبوصيري وأبي العباس وابن ~~الفارض والرفاعي، وحتى موالد الإمام الحسين والسيدة زينب وبقية آل بيت النبي الذين ~~تحتضن القاهرة رفاتهم. # بدأ ذلك الهوس يوم كان ياسين جالسا في الشقة ذاتها قبل ما يزيد عن العام مع شاذلي ~~الذي كان عائدا لتوه من إجازة العيد، بعد أن قضاها في مدينته. قال له شاذلي يومها ~~بفخر وسعادة بالغين وهو يضع بحذر صينية بلاستيكية تحمل كوبين من الشاي الصعيدي ~~الثقيل على الطاولة الخشبية خوفا من سقوط الطاولة ذات القائم المكسور: اسمع الشيخ ~~التهامي أيها السكندري. لا تعرفون أنتم يا أبناء المدن الكبيرة شيئا عن هذه ~~الكنوز. # أجابه ياسين وهو يرتشف الشاي وترتسم على وجهه علامات المعاناة من كثرة السكر وثقل ~~الشاي: ومن يكون الشيخ التهامي هذا؟ أهو مقرئ من بلدكم؟ # يرتشف شاذلي شايه بتلذذ ثم يضيف إليه بعض السكر ويجيب وهو يقلبه بملعقة من الصفيح ~~الرديء: الشيخ ياسين التهامي هذا هو أحد كبار المداحين وشيوخ المنشدين، شهرته ذائعة ~~في الصعيد وفي القاهرة وفي كل مكان، يعرفه ويحبه كل أهل الله ويشدون رحالهم ويركبون ~~القطارات لأيام لكي يحظوا بمتعة الاستماع إليه. اسمع ... اسمع ... # ثم يضع شاذلي في جهاز التسجيل الرخيص الذي يلتف حوله شريط لاصق يمنعه من التفكك ~~شريطا بدا أنه منسوخ أو مسجل، وليس من النوعية التي يمكنك أن تشتريها من أحد محلات ~~التسجيلات الأصلية. شغل شاذلي الشريط فانطلق صوت حشرجة وضجيج غير محدد، ثم يبدأ صوت ~~الناي والربابة وما يصاحبهما من إيقاعات وطبول في التصاعد، وتنساب موسيقى جديدة عليه ~~تماما وسط أجواء من الصخب والتهليل، ثم يبدأ الرجل ذو الصوت الرخيم العريض في ~~الإنشاد: # ينادي المنادي باسمها فأجيب # وأدعو ذاتي عن ندائي تجيب # وما ذاك إلا أننا روح واحد # تداولنا جسمان وهو عجيب ms025 # كشخص له اسمان والذات واحد # بأي تنادي الذات منه تصيب # فذاتي لها ذات واسمي اسمها # وحالي بها في الاتحاد عجيب # ولسنا على التحقيق ذاتين لواحد # ولكنه نفس المحب حبيب # شعر عبد الكريم الجيلي (1365-1424م) # كانت جودة التسجيل بالغة الرداءة، كان من سجله - بحسب ما شرح له شاذلي - أحد ~~الهواة من المريدين عبر جهاز تسجيل بسيط وضعه بجانب المنشد، لكن ياسين كان قد انبهر ~~تماما بتلك الأجواء وذلك الشعر الذي لم يسمع مثله من قبل، فسأل صاحبه في اهتمام: هل ~~هذا شعر ذلك الرجل، أم أنه تراث شعبي أم ماذا؟ # اعتدل شاذلي في جلسته، ووضع كوب الشاي على الطاولة وأجاب بنبرة العالم: هذه القصيدة ~~يا صديقي من شعر مولانا عبد الكريم الجيلي؛ وهو أحد كبار أقطاب الصوفية. كل ما يغنيه ~~التهامي والتوني وأقرانهما من المنشدين هو أشعار صوفية لابن الفارض وابن عربي والرومي ~~وغيرهم من الأقطاب. لكن هل أعجبك حقا؟ # أجاب ياسين بنفس الاهتمام: جدا! لقد أبهرتني بحق أيها الصعيدي! هل لديك تسجيلات ~~أخرى مثل هذا أو لمنشدين آخرين؟ # أجاب شاذلي وهو يقوم متجها ناحية الغرفة التي ينام فيها: سأحضر لك إذن كنزي الشخصي ~~من تسجيلات المنشدين لتستمع إليها على راحتك، طالما أعجبك ذلك اللون غير ذي الجماهيرية ~~الكبيرة من الفنون، فلن يمكنك أن تجد الكثير منه هنا على أي حال. # ثم عاد وفي يده كيس بلاستيكي سميك يحتوي على مجموعة من الشرائط المسجلة، وقد كتب على ~~ورقة صغيرة ألصقت على كل منها بخط اليد اسم المنشد ومكان التسجيل ومناسبته. ~~••• # في ظرف أشهر قليلة صار ياسين نفسه يقضي قسطا كبيرا من وقته باحثا وراء أشرطة ~~المنشدين التي لم تكن متوفرة وقتذاك إلا من خلال تسجيلات شخصية لمريديهم، وعندما علم ~~شاذلي بحضور الشيخ التوني لإحياء ليلة ضمن ليالي رمضان التي تقام في حضرة أبي العباس ~~المرسي ومسجده المهيب المطل على بحر الأنفوشي؛ دعا ياسين لحضور تلك الليلة. ذهبا معا ~~مستقلين ترام المدينة الأصفر العتيق الذي سار بهما من محطة الرمل في موازاة ms026 الكورنيش، ~~حتى ألقى بهما إلى ذلك العالم الذي يفيض سحره ليغمر ما حوله على امتداد الأبصار. ليلتها ~~داهم ياسين للمرة الأولى ذلك الشعور الذي ظل يلازمه بعدها كلما دخل إلى ذلك العالم أو ~~اقترب منه، كلما أنصت إلى قصيدة صوفية، كلما تناهى إلى أذنه ذلك الإيقاع الكسول لموسيقى ~~المديح، بل كلما مرت على أنفه روائح البخور والمسك. كانت أقل علامة تذكره بذلك العالم ~~كفيلة بأن تعيد فتح مسام عقله وذاكرته إلى تلك الليلة في رحاب أبي العباس المرسي، تحت ~~الأضواء المتراقصة، وبين الأجساد المتمايلة وجدا وعشقا، تحت رذاذ البحر المنعش الذي ~~يحمل هواء الشتاء ذراته الخفيفة متخللا أبخرة المسك المتصاعدة من المباخر، بينما يغلف ~~ذلك المشهد كله صوت ذكوري شجي وأجش ذو لكنة صعيدية تحمل شجنا واضحا يردد في عذوبة ~~آسرة: # كل القلوب إلى الحبيب تميل # ومعي بذلك شاهد ودليل # أما الدليل إذا ذكرت محمدا # صارت دموع العاشقين تسيل # يا سيد الكونين يا علم الهدى # هذا المتيم في حماك نزيل # يا رب إني قد مدحت محمدا # فيه ثوابي وللمديح جزيل # صلى عليك الله يا علم الهدى # ما حن مشتاق وسار دليل # شعر ابن الخياط (1058-1123م) # ظل ياسين ليلتها يهيم في سماوات التجلي والطرب، كان قد ذاق لذة القرب ونشوة الوصول، ~~وباتت روحه أخف من أن تحتمل السجن داخل صدره فحلقت فوق المكان متمايلة مع رواد حلقة ~~الذكر تارة، ومتراقصة مع رذاذ البحر المتطاير مع الهواء تارة أخرى، متأملة في بدائع ~~المديح حينا، ومسحورة بعذوبة الموسيقى حينا آخر. كان ياسين قد دخل في حالة ما بين ~~الصحو والغفوة، ما بين السكر والإفاقة، ما بين نور التجلي ونشوة العشق، يترك جسده ~~للتمايل وسط الذاكرين ويردد وراء المنشد، ثم يلتقط أنفاسه قليلا لينصت إليه وهو ينتقل ~~في حالة «سلطنة» تامة إلى قصيدة أخرى: # من لامني في الحب يرم بسهمه # يصبح محزون الفؤاد عليل # الحب شهد في البداية يا أخي # آخره سيف نعم مسلول # الحب شهد في البداية يا أخي # آخره سم الأفاعي قليل ms027 # الحب عذب لا يذقه مقيد # بحدود شهوته ولا معلول # شعر ابن الخياط (1058-1123م) # صحراء # بدأت الكائنات الضخمة ذات الألوان الفاقعة المزعجة للعين وسط ألوان الصحراء الباهتة ~~المتناغمة أول ما بدأت بالتهام الشجر وتسوية الرمال، في أيام معدودة اختفت كل الأشجار ~~المجاورة لها، لم تفلت من تلك المجزرة إلا أشجار بعيدة متناثرة؛ في أول صباح اختفت ~~الشجرة الأقرب إليها، تلك التي كانت في مثل عمرها والتي كبرت معها، والتي واجهت ~~بجوارها العاصفة العاتية التي هبت قبل ربيعين حاملة معها رمالا غريبة من أرض ليست ~~كأرضها، لم تزل بقايا تلك الرمال عالقة على بعض أغصان كلتيهما، تكادان تشمان فيها ~~رائحة الأرض البعيدة التي جاءت منها، ثم اختفت الشجيرات الثلاث الوليدات إلى الغرب ~~منها، كانت قد شهدت مولدهن في شتاء قريب بعد أن ابتلت الرمال بمطر كثير تهاوى على ~~الصحراء غزيرا مفاجئا، حتى إن الرمال لم تستطع ابتلاعه؛ فبقي لأيام كبحيرات صغيرة ~~جعلت من تلك البقعة واحة مؤقتة جذبت إليها الدواب والحشرات وملأتها حياة وبهجة، ثم ~~نبت محلها بعدما جفت تلك الشجيرات الوليدة. # اختفت كل الأشجار القريبة، راحت كل رفيقات أمسياتها وصباحاتها، ولم يتبق لها بعدهن ~~أنيس. كانت الأشجار المتبقية بعيدة وغريبة، صارت تتشبث بالأرض أكثر وأكثر كلما اقتلعت ~~إحدى صديقاتها من الشجر، صارت تمد جذورها في عمق الأرض أبعد وأبعد لعلها تحتمي بها. ولم ~~تكن تلك الكائنات تهدأ أو ترتاح، لم تكن تتوقف عن اقتلاع الأشجار من الجذور وإلقائها في ~~كومة بعيدة ظلت تكبر وتكبر كمقبرة مكشوفة. تقتلع كل شجرة في لحظات، يرتفع في الهواء ~~جذعها وأغصانها وشبكة جذورها التي كانت ضاربة في عمق الأرض، تصبح في غمضة عين مجرد ~~قطعة بالية من الخشب المشقق لا أصل لها ولا وطن، لا جذور لها في الأرض. تتطاير ذرات ~~الرمال العالقة بجذورها المقتلعة في الهواء وهي في قبضة تلك الوحوش الغاشمة، يتساقط ~~منها الوطن وهي عاجزة عن لملمة هويتها وتاريخ أسلافها. # | الفصل الخامس # فبراير 1992م # أمام باب شقة فريدة كان ياسين واقفا حسب الموعد ms028 المتفق عليه في ذلك المساء الشتوي، ~~وفي يده علبة كرتونية مغلفة بورق تغليف ذلك المحل الشهير للشوكولاتة، الواقع على ناصية ~~شارع النبي دانيال عند نهايته متعامدا على شارع سعد زغلول، والذي يقدر جودة منتجاته كل ~~السكندريون. فتحت له فريدة الباب فدخل مرتديا معطفا صوفيا بنيا، كان لوالده منذ ~~زمن، لكن موضته عادت إلى الواجهة، فوق بلوفر أبيض رقيق من الطراز ذي الرقبة العالية ~~الذي انتشر في تلك السنوات، وبنطالا صوفيا أسود وحذاء جلديا أنيقا اشتراه خصيصا ~~لهذه المقابلة. ستتذكر فريدة كل تلك التفاصيل لسنوات طويلة قادمة، بينما لن يتذكر هو ~~شيئا من ذلك بالطبع باستثناء الحذاء الذي اشتراه بمبلغ كبير بالنسبة له؛ لأنه لم يكن ~~يملك حذاء رسميا يليق بمقابلة بهذه الأهمية، فاضطر إلى اقتراض جزء من ثمنه من ~~والدته. كان قد اتفق مع فريدة على أن يذهب هو أولا لمقابلة والدتها التي طلبت التعرف ~~عليه بشكل غير رسمي قبل أن يقابل الوالد فور تخرجه، لم يكن هو كذلك يرغب في مقابلة ~~والدها وهو لم يزل طالبا؛ فلم تكن كرامته لتتحمل أن يرفضه الرجل لهذا السبب. دخلت الأم ~~في ثوب طويل فضفاض ووشاح خفيف على شعرها، وصافحته في ود ثم قدمت له الشاي وبعض ~~الفاكهة، وبادلته بعض عبارات الترحيب والمجاملات الروتينية التي كان يضجر منها ولا يعرف ~~كيفية الرد النموذجي على أغلبها، ثم فاجأته بسؤال مباشر طرحته عليه بنبرة هادئة وعلى ~~وجهها ابتسامة ودودة تحمل بعض التواطئ كما لو كانت تريد أن تقول له إنها تعرف كل شيء: ~~حسنا. لماذا تريد الزواج من ابنتي يا أستاذ ياسين؟ # أربكه السؤال بشدة فبدأ يتململ في جلسته ويتعرق رغم الجو البارد، ارتشف بعضا من ~~الشاي ليمنح نفسه القليل من الثواني للتفكير في ذلك السؤال غير المتوقع ثم قال في ~~ارتباك: إن ... إن ابنتك فريدة ... أخلاقها وأدبها ... و... # قاطعته السيدة في شيء من الإشفاق والتعاطف وربتت على كتفه سائلة بابتسامة دافئة ~~وبلهجة مطمئنة: أنا أعرف كل القصة، فريدة لا تخفي عني شيئا؛ إنها تحبك ms029 وقد عرفت ذلك ~~منذ البداية. إنها ابنتنا الوحيدة كما تعرف وقد قضيت أنا وأبوها عمرينا من أجلها، نحن ~~لا نريد من الدنيا غير أن نطمئن على مستقبلها. هل ستعتني بابنتي؟ هل تعتقد حقا أنه ~~بإمكانك إسعادها؟ # أجاب في حماس وهو يسترد أنفاسه مرة أخرى: نعم، نعم أؤكد ذلك لحضرتك. # ردت وعلى وجهها نفس الابتسامة: إذن استعد لمقابلة والد فريدة بعدما تحصل على شهادتك ~~الجامعية بإذن الله، أظن أنه لم يتبق على ذلك إلا شهور قليلة. أتمنى لك التوفيق، ~~وليقدم الله ما فيه الخير. # تمت الخطبة بعد شهرين من تخرجه، في حفل عائلي بسيط اجتمعت فيه الأسرتان في بيت فريدة، ~~لم يكن ثمة داع لإنفاق المال على إحدى تلك القاعات التي انتشرت في المدينة وصارت موضة ~~بين الناس، رغم أن العادة جرت منذ القدم على أن تقام الخطبة في بيت العروس. يتكلف أقل ~~حفل في تلك القاعات الجديدة ما يكفي لشراء غرفتين كاملتين من الأثاث. وكان اتفاقه مع ~~والد فريدة أن لا يتحدثا في توقيت الزفاف قبل تخرجها، وكان يتبقى على تخرجها آنذاك ~~عامان. # يونيو 1993م # على كورنيش سابا باشا حيث كانا يلتقيان في نادي المهندسين خلال إجازاته القصيرة التي ~~يحصل عليها من وحدته العسكرية كل شهر أو نحو ذلك، والتي يضيع نصفها في طريق السفر ~~والعودة ما بين الإسكندرية وبين موقع كتيبته النائي قرب السلوم؛ اشتاق إليها كثيرا، ~~ولكنه كالعادة لم يفلح قط في الإفصاح عما بداخله. تعودت فريدة على طبعه الجاف، لطالما ~~لم يكن يجيد إظهار مشاعره رغم رقته التي تدركها. عملي هو، شخص براجماتي يحركه عقله ~~المنظم كحاسب آلي، لا قلبه ولا مشاعره. كان يفترض فيها أن تفهمه دون كلام، ولكنها ~~كانت تريده أن يتكلم، كانت تحب أن يغازلها وأن تسمع منه كلمات العشق، كانت تغضب منه؛ ~~تظن أنه منشغل عنها وأنها مجرد شخص ثانوي في حياته المتخمة بالعمل وباهتماماته الأخرى، ~~بينما كان هو يستغرب غيرتها من انشغاله بالمشروع العسكري الذي انخرط فيه خلال فترة ~~تجنيده قرب الحدود ms030 الغربية خاصة أنه عمل بدون أجر ولأجل الوطن فقط. # ترقبت هي إجازاته بشغف طوال أشهر التجنيد الطويلة، لم يكن ياسين يشتكي كثيرا من ~~الحياة العسكرية كأقرانه، لم يكن مدللا بطبعه، وكان بإمكانه التكيف مع الحياة الخشنة؛ ~~كانت طبيعة شخصيته تمكنه من أن يتكيف مع أي وضع بشكل عام، كما أنه كان يحب ما يعمل ~~ويشعر بأهميته وبأهمية ما يشارك فيه لوطنه ولجيش بلاده. لم يكن حتى يفصح كثيرا عن ~~طبيعة المهمة التي يؤديها في ذلك المشروع حتى أمامها هي؛ حفاظا على قواعد السرية كما ~~نصت تعليمات قائده في الكتيبة. كان ملتزما بالتعليمات بشكل صارم وبلا تذمر؛ تعليمات ~~المأكل والملبس والمظهر والمواعيد. اشتاق إليها كثيرا في الليالي الباردة الموحشة التي ~~قضاها في الكتيبة الصحراوية النائية، اشتاق إلى صوتها وإلى لمسة يدها، وإلى حبات الترمس ~~التي تلقيها في فمه وهي تتمشى بجواره على رصيف الكورنيش ما بين نادي المهندسين وذلك ~~الكازينو ذي الأشرعة الخرسانية البيضاء عند لسان جليم، وإلى شطائر الجبن الأبيض بشرائح ~~الطماطم التي تصنعها له في المنزل وتلفها في أوراق بيضاء رقيقة. لكنه كالعادة لم يكن ~~يجيد الإفصاح عن أي من ذلك؛ فكانت لقاءاتهما تنتهي في الغالب بعتاب منها، وبابتسامة ~~تجمع بين السخرية والمرارة مع تمتمة خافتة كرد على تبريره لحديثه الطويل عن الكتيبة ~~والجيش والمشروع العسكري بدلا من الحديث عن حبه وأشواقه لها: حسنا، لا يهم. وهل سأكون ~~أنا أكثر أهمية من الوطن؟ # يناير 1994م # خلف مكتب معدني رمادي اللون من النوع الذي كان منتشرا في كل الشركات في تلك ~~السنوات، والذي كان يعرف باسم «مكتب إيديال»؛ جلس ياسين على كرسي معدني مغطى بجلد ~~صناعي أسود رخيص، ومبطن بطبقة رقيقة من الإسفنج يبرز طرفها من أحد جوانب الكرسي ~~المهترئة، وأمامه على سطح المكتب جهاز كمبيوتر من الطراز الأفقي الذي تستقر فوقه شاشة ~~ثقيلة من مقاس الأربع عشرة بوصة. كان قد حصل على هذه الوظيفة في شركة للمحاسبة ~~القانونية بعد انتهاء شهور خدمته العسكرية بوساطة أحد معارف والده، ولأنه كان ms031 أحد ~~القلائل الذين يجيدون استخدام برامج الكمبيوتر المحاسبية التي كانت قد بدأت تجد طريقها ~~للانتشار في السوق كبديل أسرع وأكثر كفاءة لأنظمة المحاسبة اليدوية التقليدية. لم يكن ~~الراتب كبيرا، لكنه كان - في البداية على الأقل - مرضيا له كشاب أعزب؛ لأنه كان ~~يؤمن له الاستقلال المادي عن والده للمرة الأولى في عمره، كما كان يمكنه من دعوة ~~فريدة للخروج من وقت لآخر، أو من شراء هدية بسيطة لها في المناسبات، أو ربما شراء بعض ~~قطع الثياب الجديدة له هو أيضا، لكنه بالتأكيد لم يكن يمثل مصدرا للدخل يصلح ليؤسس به ~~بيتا أو ينفق منه على أسرة. # لم تكن لديه مشكلة كبيرة في الالتزام بمواعيد العمل كما حدث لغالبية أصدقائه الذين لم ~~يكونوا يتصورون أن ينتقلوا من حياة الحرية والانطلاق الجامعية الخالية من الالتزامات، ~~إلى حياة الوظيفة ذات الجدول الأسبوعي الصارم الذي يتضمن ستة أيام عمل، من الثامنة ~~صباحا إلى الخامسة عصرا، مع إجازات شحيحة وصعبة الإدراك. لكن لأنه كان كذلك يعمل ما ~~يحب فلم تكن ساعات العمل تمثل عبئا كبيرا عليه، كان في الحقيقة يستمتع بالعمل كما ~~يستمتع بحياته بعد ساعات العمل وفي يوم الإجازة الأسبوعية، كان يتقدم في عمله مع الوقت ~~ويتعلم ممن هم أقدم منه وتزداد خبرته، وكان على الجانب الآخر يجد الوقت للخروج مع فريدة ~~في الأوقات التي لا تكون فيها منشغلة بمشاريعها في الكلية، وكذلك للقراءة وللعب كرة ~~القدم وللاستماع إلى الموسيقى وللذهاب إلى السينما ولحضور ليالي المديح الصوفية. اعتاد ~~على أن ينتظر أصحابه أيام الخميس بعد انتهاء العمل مساء على رصيف محطة ترام سيدي جابر، ~~حيث يكون بعضهم قد استقل الترام المتجه إلى محطة الرمل من محطات سابقة، ووقف عند ~~النافذة الأولى ناحية اليمين في العربة الأخيرة للترام كما كان اتفاقهم الدائم، فيلوح ~~بيده لياسين عندما يدخل الترام إلى محطة سيدي جابر ليصعد إلى الترام. ثم يستمرون في ~~التقاط أصحابهم من المحطات التالية بنفس الطريقة؛ فيركب من يركب من سبورتنج ومن ~~الإبراهيمية ومن كامب شيزار ومن ms032 الشاطبي. ومن لم يكن موجودا على رصيف محطته المعتادة ~~فإنه ربما غير رأيه أو حدث له طارئ ما، يمكنهم معرفته عبر الهاتف بعد نهاية السهرة. ~~ينزلون جميعا في محطة الرمل حيث يتسكعون بلا هدف أمام المحلات ويتجادلون حول نتائج ~~مباريات الكرة أو حول أحدث الأفلام أو الإصدارات الموسيقية، ربما يدخلون إلى السينما ~~إذا سمحت ميزانياتهم بذلك، ثم يبتاعون إما شطائر الفول والفلافل من المحل الشهير الكائن ~~في أول شارع على جهة اليسار، من بداية شارع سعد زغلول، أو الكبدة على الطريقة السكندرية ~~من ذلك المحل الضئيل المختبئ في شارع خلفي بجوار سينما مترو، ثم ربما يشربون عصير القصب ~~بعد ذلك في طريقهم عائدين لمحطة الترام حيث محل الفشار الأشهر. كان ياسين يعود من تلك ~~السهرات البريئة رائق البال مبتهجا، لكنه كان يعلم جيدا عندما يضع رأسه على الوسادة ~~أنه إنما كان يهرب يختبئ وسط أصحابه هربا من الإجابة على الأسئلة الصعبة التي لا يملك ~~لها إجابة ولا يريد التفكير فيها، أسئلة مثل؛ من أين ستأتي بالمال لتأثيث الشقة التي ~~تكفل والدك بدفع مقدم ثمنها، وستقوم أنت فقط بسداد الأقساط؟ وكيف ستتحمل مصروفات ~~ومسئولية بيت مفتوح؟ ماذا ستفعل في المستقبل؟ هل ستقضي بقية عمرك في تلك الشركة؟ ما هي ~~حدود طموحك؟ أين أحلامك؟ وكيف ستحقق أيا منها؟ ~~••• # على الأريكة الكبيرة في غرفة المعيشة بمنزله كان ياسين مستلقيا أمام التليفزيون. شقة ~~أسرته قديمة، تقع في الطابق الأرضي من بناية كلاسيكية الطراز تعود للنصف الأول من القرن ~~العشرين، وتتكون من أربعة طوابق، وتقع في شارع هادئ من حي بولكلي، تظلله الأشجار ~~المورقة التي تبرز جذوعها العتيقة من خلف الأسوار الحديدية المحيطة بالفيلات والبنايات ~~العائدة إلى الفترة ذاتها، متعامد على شارع الترام حيث يبدأ، وممتد في اتجاه البحر حيث ~~يتصاعد، ثم ينحدر بميل كبير مفضيا إلى شاطئ ستانلي. هي كذلك من شقق قانون الإيجارات ~~القديم. كانت شرفتها الكبيرة تطل على حديقة داخلية مهملة تنتصب في وسطها شجرة ضخمة ~~الجذع، تظلل فروعها وأوراقها كامل مساحة ms033 الحديقة، وتتساقط منها بين حين وآخر ثمار كروية ~~في حجم حبة الحمص لكنها ذات لون داكن ومذاق لاذع، وتطل على طرفها الآخر فيلا صغيرة ~~وقديمة من طابق واحد تسكنها سيدة متقدمة في العمر لدرجة مذهلة، لا يتذكرها إلا وهي ~~عجوز، حتى عندما كانت تنهره بلكنتها الأجنبية أيام كان طفلا يلهو أمام بابها ويعبث ~~بنباتاتها الصغيرة ذات الروائح العطرية؛ كانت كذلك عجوزا، يناديها الجميع مدام كوستا. ~~يقول له صاحب كشك البقالة الصغير المستند إلى سور الفيلا الواقعة على الجانب الآخر من ~~الشارع إنها يونانية، وإن زوجها كان صيدليا تحولت صيدليته بعد وفاته منذ سنوات طويلة ~~إلى محل الخياطة الرجالي الذي يقع على ناصية الشارع. بينما يجزم البعض الآخر من قدامى ~~سكان الشارع أنها إيطالية لأن زوجها كان يتحدث الإيطالية. بينما قالت هي يوما لوالدته ~~إن عائلتها هاجرت إلى الإسكندرية من قبرص، هاربة من اضطهاد الأتراك منذ زمن بعيد، ~~وأنها ولدت في بيت خصصته الكنيسة للاجئين في شارع العطارين، ثم جاءت إلى هذا البيت ~~عندما تزوجت السيد كوستا الذي لم يره ياسين ولم يعرف عنه إلا أنه مات قبل أن ينتقل أبوه ~~وأمه للسكن في هذا الحي. لا تتحدث مدام كوستا كثيرا، لكنها عندما تفعل فإنها تتحدث ~~العربية بطلاقة وبلهجة أولاد البلد السكندرية المميزة، مع لكنة أجنبية لطيفة. وفي ~~أحيان نادرة حينما يكون مزاجها رائقا تردد بفرنسية متقنة ما تغنيه مطربة قديمة يأتي ~~صوتها مشوشا من المذياع، أو ربما من ذلك الفونوجراف الذي يظهر بوقه النحاسي الكبير ~~عندما تفتح السيدة كوستا البوابة الداخلية للفيلا. لم يعرف أحد ما بداخل بيت مدام ~~كوستا، ولا ما تفعله طوال اليوم منذ أن أصبحت لا تغادر البيت إلا في مناسبات معدودة من ~~الأعياد الدينية حين يأتي بعض أقربائها المسنين لاصطحابها في سيارة أمريكية كبيرة ~~وقديمة الطراز؛ إما لحضور القداس في كاتدرائية اليونان قرب ميدان المنشية الصغرى، أو ~~لزيارة الموتى من عائلتها في مدافن طائفة الروم الأرثوذكس قرب الشاطبي. لكن ياسين كان ~~يراها من الشرفة كل صباح ms034 تسقي النباتات في حديقتها الصغيرة، أو تتلو صلوات هامسة أمام ~~أيقونة كبيرة للعذراء، معلقة في غرفتها المطلة نافذتها الطويلة على الحديقة الداخلية ~~المشتركة بين بنايته وبين فيلا مدام كوستا. # انتقل أبوه وأمه إلى هذا الحي بعد أن توظف الأب مدرسا للغة العربية في المدرسة ~~الإعدادية القريبة، وقد تصادف أن كانت إيجارات الشقق فيه مغرية في تلك السنوات؛ نتيجة ~~هجرة غالبية الأسر الأجنبية التي سكنت ذلك الحي لعقود. كانا قد تزوجا قبل ذلك بعامين في ~~شقة صغيرة بحي محرم بك، حيث ولدت وكبرت أمه، وحيث عاشت عائلتها منذ أجيال. بينما قدم ~~الأب نازحا من قريته البعيدة في أقاصي الصعيد، قدم إلى الإسكندرية في منتصف الخمسينيات ~~طالبا في الجامعة، ثم جذبه السحر العجيب لتلك المدينة فاستقر بها وتوظف وتزوج، ثم ~~انتقل أخيرا إلى منطقة بولكلي الراقية. قضى سنوات عمله الرتيبة الطويلة مدرسا ملتزما ~~وقورا يكن له الجميع كل الاحترام، تخرجت على يديه أجيال من الطلبة الذين صار منهم ~~بعد سنوات محامون ومهندسون ودبلوماسيون وأطباء. # لم تكن لوالده علاقات وطيدة بالجيران؛ فقد كان يقضي أغلب وقته بعد ساعات العمل في ~~قراءة الكتب والصحف وتلاوة القرآن، أو في ممارسة هوايته الأثيرة في التمشية من البيت ~~صباح كل يوم جمعة صعودا وهبوطا مع الشارع حتى كورنيش ستانلي، ثم الانعطاف يمينا حتى ~~الشارع الذي يصل إلى الكنيسة الإنجيلية وقصر الضيافة التابع لرئاسة الجمهورية، حيث ~~ينعطف عند نهايته يمينا هابطا مرة أخرى حتى يصل إلى المسجد الكبير ذي الطابقين، حيث ~~يستمع إلى خطبة الجمعة من شيخه المفضل، ويعود بعد الانتهاء من الصلاة سيرا بمحاذاة ~~شريط الترام حتى البيت. ظل الرجل مواظبا على هذه العادة كل جمعة في الصيف وفي الشتاء، ~~لا يقعده عنها حر بئونة وأبيب أو نوات شهر طوبة، كما كان معتادا على تسمية الشهور ~~طبقا للتقويم القبطي الذي تعلمه في قريته لتحديد مواقيت مواسم الزراعة والحصاد، وكما ~~كان يعرف منه في الإسكندرية توقيتات النوات الممطرة على وجه الدقة. لم يتوقف عن هذه ~~العادة إلا بعدما ms035 تمكن منه مرض الروماتيزم بعد إحالته إلى التقاعد؛ فصار إما يستقل ~~الترام لمحطتين حتى مسجده المفضل، أو يصلي مضطرا إذا لم تسعفه حالة مفاصل ساقيه في ~~المسجد القريب، الذي أقامه أحد أولئك المتدينين الجدد من العائدين من البلاد العربية ~~بجلابيب بيضاء ولحى طويلة، أسفل بناية جديدة ذات طوابق عالية، كانت بمثابة أول نغمة ~~نشاز ضربت جمال الشارع المتناغم. أما الضربة القاضية التي أسقطته مستسلما للمرض ~~ومنتظرا للموت في فراشه بهدوء فكانت رحيل زوجته، ربما مرض في البداية بسبب قلة العمل، ~~لكنه ظل يقاوم، لكن المرض انتصر عليه بمساندة الوحدة والفقد. # وبرغم إقامة أبيه لعقود في الإسكندرية وتأقلمه مع الحياة فيها، لكنه لم يقطع صلاته ~~قط بمسقط رأسه، ولم يخلع أبدا جذوره من عمق أرض الجنوب الثملى بالطمي وقشور أعواد ~~القصب. لم يكن يمل من ترديد الحكايات عن صباه وشبابه في القرية، عن سنوات دراسته الأولى ~~في كتاب القرية، ثم في المدرسة الابتدائية التي تقع على مسيرة ساعة من قريته، ثم في ~~المدرسة الثانوية التي تقع في المركز الذي كان أول مدينة يراها قبل أن يعرف كيف تكون ~~المدن بحق حين جاء إلى الإسكندرية. في سنواته الأخيرة وخاصة بعد التقاعد كان يحكي ~~تلك الحكايات بشغف واضح، يسرد التفاصيل الدقيقة بحنين بالغ، يستطرد ويستطرد ويقفز من ~~حكاية لأخرى. كان بإمكانه مواصلة الحكي إلى ما لا نهاية، وكان يجد ضالته وتعود إليه ~~عافيته عندما يطرق بابه طارق قادم من قريته، أو حتى أي شخص يرجع أصله إليها ولو لم يعد ~~يعيش فيها. كان يستعيد مع ذلك الوافد الذكريات والحكايات، وكان يبالغ في إكرامه ويلح ~~عليه في البقاء، كانت تلك الجلسات المتباعدة تضيء وجهه وتنسيه أمراضه وشيخوخته، كانت ~~أحاديث الذكريات تلك تعيد الشيخ إلى صباه حقيقة لا مجازا. ~~••• # كانت سنوات ياسين الأولى بعد استكماله لشهور الخدمة العسكرية حافلة بالمتغيرات، لم ~~تكد ساعات يومه تكفي لاستيعاب ما يتنقل بينه من أفكار وإبداعات وفنون، ظل يقضي ما يتبقى ~~من ساعات يومه بعد العودة من العمل بين ms036 الكتب والموسيقى والسينما، خاصة مع انشغال ~~فريدة في دراستها التي تستغرق جل وقتها، كان قد فتح أبواب عقله أمام مختلف الاتجاهات ~~الفكرية، يستكشف العالم ويسبر أغوارا سحيقة من التاريخ والسياسة والفن. هام على وجهه ~~بين سحر سينما الواقعية الجديدة بمخرجيها المغامرين، والتي كانت في أوج مجدها في ذلك ~~الوقت رغم قلة جماهيريتها. سحره عالم محمد خان عاشق الشارع، وعالم داود عبد السيد عاشق ~~الليل، وعالم عاطف الطيب عاشق الصعيد. انبهر بسينما الفانتازيا الموسيقية التي نبغ فيها ~~خيري بشارة وشريف عرفة، فتح عينيه لأول مرة على عالم اليسار والشيوعيين عندما سحرته ~~أغاني الشيخ إمام، التي اكتشفها بالصدفة بينما هو يستمع في طرب شديد يقارب الجذبة ~~الصوفية إلى محمد منير - الذي لم يكن فقط مطربه المفضل، بل نموذجه الأمثل للفنان - وهو ~~يشدو بأغنية شديدة القسوة من فرط ما تحمل من شجون لا يكاد يفهم مصدرها، كانت الأغنية من ~~فيلم شديد التفرد كذلك، فيلم تليفزيوني جديد عن حرب أكتوبر، لكنه ليس كما اعتاده من ~~أفلام مصرية، حتى تلك التي يصنعها مخرجوه المفضلون. كانت تلك أغنية فريدة في فيلم ~~فريد عن قصة قصيرة كتبها جمال الغيطاني أثناء عمله كمراسل حربي في السويس أيام حرب ~~أكتوبر، يستمع إلى الأغنية للمرة الأولى ويكاد قلبه يتوقف عن الخفقان من فرط ما فيها من ~~متعة غامضة لا يدرك أبعادها، وإن أدرك إلى حد اليقين أنها ستفتح له أبواب عالم فسيح ~~ليست له حدود. كان المطرب الأسمر النوبي يشدو بأسلوبه المتفرد وصوته الدافئ الحزين ~~بالفطرة: # البحر غضبان ما بيضحكش # أصل الحكاية ماتضحكش # البحر جرحه ما بيدبلش # وجرحنا ولا عمره دبل # قللنا فخارها قناوي # بتقول حكاوي وغناوي # يا قلة الذل انا ناوي # ما اشرب ولو في المية عسل # قضى تلك الليلة في غرفة المعيشة أمام التليفزيون، يعيد الأغنية ذاتها مرارا وتكرارا ~~بعد أن سجل الفيلم الذي كان يعرض للمرة الأولى على شريط فيديو جديد اشتراه خصيصا لذلك ~~الفيلم الذي كان ينتظره منذ أن بدأ التنويه عن عرضه قبل شهر، والذي ms037 لم يخيب ظنه. تكفيه ~~تلك الأغنية الساحرة التي ظل يبحث وراءها لأسابيع ، ويسأل كل من يعرفهم عن كاتبها ~~وملحنها، حتى اهتدى إلى عالم ذلك الرجل الضرير ضعيف الجسم أجش الصوت، ورفيقه النحيل ~~الأشعث، وتسجيلاتهما التي كان اقتناؤها في ذلك الزمن جريمة قد تذهب بمرتكبها إلى ما ~~وراء الشمس. استطاع الحصول على بعضها بعد جهد ليس بالقليل، وبدأ يكون مكتبته الخاصة ~~من تسجيلات الشيخ إمام ورفيقه أحمد فؤاد نجم، وبدأ يقرأ عن تلك المرحلة وعن تلك ~~الأفكار، خاصة عندما وقع بصره بالصدفة - بعد ذلك اليوم بعامين - على نعي الشيخ إمام ~~نفسه في صفحة الوفيات بجريدة الأهرام، وفاجأه ذلك العدد الهائل من المثقفين والفنانين ~~- بما فيهم محمد منير نفسه - الذين ينعون ذلك الرجل الغامض الذي لا يكاد يعرفه العامة، ~~ولا يرد ذكره قط في التليفزيون أو الإذاعة أو الصحف، وكأنه لم يكن ولم يوجد يوما. أيقن ~~أن الرجل مشهور ومؤثر بالفعل، ولكن جهة ما - لسبب لم يكن يدركه بعد - لا تريد له أن ~~يبقى كذلك. # صحراء # في الصباح التالي لاكتمال اقتلاع كل الأشجار المجاورة، جاءت قافلة جديدة من تلك ~~الكائنات القبيحة إلى الأرض التي صارت الآن منبسطة بلا كثبان ترمي الظل على بعض الأرض؛ ~~فتسمح ببعض الحياة، وتجعل من الممكن تمييز الوقت بحسب طول الظل واتجاهه. صارت الأرض ~~الآن كلها سواء، صارت أكثر فقدا للتمايز مما كانت، فقدت ورقة التوت الأخيرة التي كانت ~~تحفظ لها النزر اليسير من الهوية، وباتت أخيرا عارية، مستباحة. ما بين غمضة عين ~~وانتباهتها اختفت كل تلك التعرجات والمنحنيات التي أبدعتها الطبيعة على مدار دهور ~~ودهور، محيت تلك الرسوم البديعة التي شكلت هوية الصحراء من قبل أن يوجد الحجر ~~والشجر، وكأنها لم توجد يوما، وكأن لم يكن لهذه الصحراء تاريخ، وكأن لم تمر بها ريح ~~ولم يرطب جفاف جوفها قطرات مطر. # كانت الكائنات الجديدة أشد قبحا من سابقاتها، كانت مفترسة متوحشة، كان لها مخالب ~~وأنياب هائلة كالحيوانات المنقرضة التي عاشت هنا في غابر الدهر، ثم ماتت حين لم ms038 تحتمل ~~قسوة الصحراء وندرة الغذاء. لكن تلك الوحوش الجديدة تلتهم كل شيء ولا تبالي، إنها تلتهم ~~الرمال الصفراء نفسها، تغرس مخالبها في قلب الأرض ثم تخرجها وقد امتلأت بالرمال، وبما ~~بقي من جذور الشجر ورفات الدواب وجحور الزواحف. أي وحوش غاشمة تلك التي تلتهم الرمال ~~وتأكل الأرض! # لم تزل تلك الوحوش تحفر أخاديد في قلب الأرض وتخرج باطنها لتلقي به في جوف وحوش ~~أخرى تجري به بعيدا، وكأنها تهرب بما سرقته من رمال قبل أن تبتلعها الأرض الغضبانة، ثم ~~تعود ثانية كأنما قد تقيأت ما التهمته من رمال الصحراء بعيدا، فعادت لتملأ منها جوفها ~~تارة جديدة. لا تشبع تلك الوحوش قط من التهام الأرض! # | الفصل السادس # أبريل 1994م # خلف المكتب المعدني نفسه بشركة المحاسبة القانونية الواقعة في شقة كبيرة بالطابق ~~الأرضي من بناية جديدة، ضمن كثيرات يماثلنها في الشكل، كلها من سبعة طوابق تختلط فيها ~~مكاتب الشركات بعيادات الأطباء بالشقق السكنية، وتتوسط كل أربع منها مساحة فسيحة من ~~النجيل الأخضر، تتناثر فيها أشجار حديثة الغرس، وزهور منسقة بشكل جيد، وتصل بينها شوارع ~~هادئة مسفلتة بإتقان، ولا يمر بها الكثير من السيارات في معظم الأوقات. لم يكن ياسين في ~~البداية مستريحا للعمل في منطقة سموحة النائية تلك، فلم يكن الوصول إليها يسيرا؛ إذ ~~لم تكن تربطها بمحل سكنه خطوط مواصلات مباشرة، فكان مشواره اليومي يبدأ بأن يستقل ~~الترام إلى محطة سيدي جابر، ثم يعبر النفق المؤدي إلى الجانب الخلفي من محطة السكك ~~الحديدية، حيث يستقل من هناك الميني باص المتجه إلى حدائق النزهة، ثم يهبط منه أمام ~~مبنى السوق التجاري الجديد، الذي لم يزل خاليا إلا من بعض محلات ومقاه متناثرة، حيث ~~تمتد من ورائه على مسافة سير يسيرة عمارات التعاونيات التي يقع مقر شركته في إحداها. ~~كانت رحلتا الذهاب والعودة مرهقتين بعض الشيء، وخاصة فيما يتعلق بالمشي في شهور الصيف ~~الحارة برطوبتها الخانقة وشمسها الساطعة، لكنه اعتاد على تلك الرحلة في وقت قصير كما هو ~~طبعه في التأقلم مع أي ms039 ظروف مستجدة، فقط في أيام النوات الممطرة، أو في الأيام التي ~~كان يستيقظ فيها متأخرا كان يضطر لاستقلال سيارة أجرة، وكان ذلك بجانب أنه يفسد عليه ~~ميزانيته الصغيرة التي لا تحتمل أي مفاجآت، فقد كان كذلك يعاني كثيرا ليجد سائق سيارة ~~أجرة يوافق على الذهاب إلى منطقة سموحة؛ حيث كان غالبية السائقين يجدونها صفقة خاسرة ~~بما أنهم سيعودون من تلك المنطقة فارغين على أغلب الظن. # لم يكن والده كذلك سعيدا بتلك الوظيفة التي تضطر ابنه للذهاب يوميا إلى خارج ~~المدينة، فقد كان شريط السكك الحديدية بالنسبة إليه هو حدود الإسكندرية، ولم يكن خلال ~~عودته من أي زيارة لنادي سموحة الرياضي أو لحدائق النزهة يعتبر نفسه قد دخل حدود ~~المدينة قبل أن يعبر بجانب مبنى مصنع فورد - الذي كان قد أغلق - وقبل أن يعبر أسفل ~~شريط السكك الحديدية من نفق مصطفى كامل، وحتى يظهر أمامه على اليسار مصنع المياه ~~الغازية الذي كان في طريقه للإغلاق هو الآخر. لم تكن سموحة في نظر أبناء ذلك الجيل سوى ~~ضاحية على أطراف المدينة لا تحوي إلا النادي الرياضي، ثم المزارع والمصانع التي تمتد ~~حتى حدائق النزهة وأنطونيادس على ضفاف ترعة المحمودية. ~~••• # ثم رحل أبوه بعيدا، رحل إلى وادي الرجال الأقدمين، هناك حيث توجد مدافن العائلة على ~~أطراف الرمال اللانهائية قرب بلدته النائية في أعماق الصعيد، حيث أمضى طفولته وصباه في ~~أزمنة سحيقة مع تلك الشخصيات الغامضة، أولئك الذين كانت تلتمع عيناه بالشغف حين كان ~~يذكر حكاياته معهم، أولئك الذين كان يتحرق شوقا للحاق بهم. فقد ياسين سنده الأول ~~وملاذه الوحيد، لكن لعله خير، لعله الآن مستبشر، لعله الآن يتسامر مع رفاق صباه الذين ~~سبقوه إلى هناك، ويحكي لهم كيف تبدلت الأيام، وكيف عاد إلى رحابهم القديم من دنيا لم ~~تعد تعرفه ولم يعد يعرفها، كيف فارق هواء لم يعد عالقا به من رائحة الأيام الحلوة إلا ~~ذكريات، وكيف أن تلك الجدران ما عادت تذكره، وكيف طمست جدران الأمس بطبقات فوق طبقات ~~حتى لم تعد ms040 تراه، ولم تعد تبتهج لحضوره مثلما اعتادت، وكيف صار له أحباب على الضفة ~~الأخرى أكثر مما له على ضفة الدنيا. لعله الآن يمرح، يتسلق النخل الشاهق على ضفاف النهر ~~كما اعتاد أن يفعل وقت أن كان هناك نخل ونهر. # عندما ذهب ياسين بجثمان أبيه ليدفن بجوار أجداده كما أوصاه في أواخر أيامه، أحب مشهد ~~السماء في ليل قرية أبيه النائية كثيرا، للمرة الأولى في عمره يرى بعينه المجردة هذا ~~الكم المذهل من النجوم في السماء، كان قد رأى ربما مشاهد مشابهة في الأفلام الوثائقية ~~الأجنبية التي يذيعها التليفزيون، لكنه لم يختبر من قبل شعور التحديق بالعين المجردة ~~في سماء شديدة الدكنة تزينها لؤلؤات لامعات تتفاوت في الحجم ودرجة السطوع، كما شاهد في ~~تلك الليلة مستلقيا على ظهره فوق الأرض الزراعية الرطبة المغطاة بالقش وقشور قصب ~~السكر، متطلعا إلى السماء بدهشة طفل يختبر إحساس المشي للمرة الأولى، رأى هناك تكوينات ~~بديعة من النجوم لا بد أن رابطا ما يجمعها كما كان يقرأ في كتبه المدرسية دون أن ~~يفهم، وأنى له أن يفهم وهو فتى المدينة المزدحمة التي لا تسمح سماواتها الصاخبة ~~بالأضواء إلا برؤية القمر متواريا خلف بناية شاهقة، أو بعيدا عند الأفق؟! ومن حوله ~~تبدو على استحياء نجمات شاحبات الضوء. حاول استرجاع ما قرأه في الكتب عن الدب الأكبر ~~والدب الأصغر، وتلك المسميات التي بدت له مضحكة في حصة العلوم بالمدرسة الابتدائية، ~~وإذا بها تظهر أمامه الآن على صفحة السماء الرائقة كشاشة عالية الدقة كما لو كانت من ~~لحم ودم. أخذ يحاول الربط بين تشكيلات النجوم اللانهائية واستنتاج النظريات والتطبيقات ~~في شغف عارم. بعد ليلته الرابعة صارت له صداقات مع نجوم بعينها، يلقي عليها التحية ~~ويسألها عن أحوال جاراتها اللاتي يتصادف شحوب ضوء إحداهن أو انزواء أخريات. أمست له ~~القدرة على مخاطبة تلك النجوم وتتبع أسرارها، أخذته تلك السماء الصافية إلى أجواء ~~الصوفية والصفاء النفسي، فكان في ليلته الأخيرة قبل العودة إلى الإسكندرية مستلقيا على ~~ظهره ينشد مخاطبا النجوم: # سقاني ms041 الراح في ليل التداني # بكأس النور من بحر المعاني # وشاهدت المشاهد وهي تجلي # برنات المثالث والمثاني # وعاينت الجمال الصرف لما # شربت براحتي من الدنان # سكرت وتهت عن حسي ونفسي # وملت برشف راحي عن زماني # وقد كلفت كتم السر حتى # شربت فباح عن سري لساني # ولا لوم علي ولا عتاب # فعشق جمال حسنكمو علاني # شعر محمد ماضي أبو العزائم (1869-1937م) # أتاحت له الأيام القليلة التي قضاها في القرية وقتا كافيا وذهنا صافيا للتأمل، ~~ولتقييم موقفه من الحياة ومن العمل ومن الناس، كان في حاجة إلى الابتعاد قليلا عن ~~الإسكندرية وعن الشركة وعن الأصدقاء وعن روتينه اليومي هذا بأكمله، وحتى عن فريدة ~~ذاتها، لكي يمكنه رؤية مجمل حياته بوضوح كما يرى تلك النجوم البعيدة في ظلام ~~السماء. ~~••• # صار الآن وحيدا في تلك الشقة العتيقة، ينام بمفرده على نفس السرير بنفس الغرفة كما ~~اعتاد أن يفعل طيلة أربع وعشرين سنة هي كل عمره، لكنه منذ تلك الليلة لم يفارقه الشعور ~~بالبرد، مهما تدثر بالأغطية، ومهما أحكم إغلاق النوافذ، ومهما دس الملاءات القديمة تحت ~~عتبات أبواب الشرفة، لم يكن باستطاعته الإحساس بدفء البيت كما كان يعرفه، كانت رطوبة ~~الشتاء تنشع من تربة الأرض تحت قدميه عبر بلاط الأرضية البارد، وكان يلحظ ذلك للمرة ~~الأولى، لم ينتبه طوال سنوات العمر تلك كلها إلى برودة تلك الشقة وإلى وحشة الظلمة فيها ~~أثناء الليل، ربما كانت أنفاس أبويه هي ما يد تلك الشقة العتيقة الباردة، ربما كانت ~~تلاوة أبيه المسائية المعتادة للقرآن هي ما يسكن تلك الوحشة، كان ينسل من فراشه ~~عندما تبلغ البرودة ذروتها قرب بزوغ الفجر ليندس في فراش أبويه، ويدثر جسده ~~بلحافهما الأخضر الأثير ذي الغطاء القطني الزاخز بزهور صفراء كبيرة، فيغرق حتى الصباح ~~في نوم عميق لا تؤرقه برودة أو رطوبة. كان يستيقظ في دفء فراش والديه ليجهز نفسه ليوم ~~عمل جديد، وهو يدرك أنه قد أصبح منذ الآن بمفرده في هذا العالم، وأن عليه أن يتعايش مع ~~هذه الحقيقة، لم يعد لديه ms042 ذلك الجدار الصلب الذي يمكنه أن يستند إليه عندما يترنح تحت ~~ضربات الأيام، ولم يعد لديه ذلك الحضن الدافئ الذي يمكنه أن يلقي فيه بروحه عندما تشتد ~~عليها الجراح. # عندما عاد من القرية كانت مدام كوستا قد ماتت كذلك، لم يجدوا في بيتها حين دخله ~~ورثتها من الأقارب البعيدين أصحاب تلك السيارة الأمريكية الكبيرة قديمة الطراز سوى ~~الكثير من أصص النباتات؛ نباتات متنوعة في أصص مختلفة الأحجام تحتل كل الغرف، كانت ~~كلها في حالة جيدة ومعتنى بها باهتمام بالغ. # مايو 1994م # على طاولتهما الأثيرة بالشرفة الخارجية لنادي المهندسين على كورنيش سابا باشا جلسا ~~صامتين، يرتشفان كوبين من أسوأ نسكافيه يمكن تذوقه في الإسكندرية، بينما يحدقان في ~~البحر الممتد الذي بدأ في الهدوء بعد هياج الشتاء الطويل. شاردا كان ياسين وصامتا، ~~ولم يكن ذلك بغريب عليه أو بجديد، لكن شروده اليوم بدا كما لو كان نتيجة الاستغراق في ~~التفكير في أمر جلل. سألته فريدة في اهتمام: ماذا بك؟ # استدار ليواجهها وهو يبعد بيده كوب النسكافيه دون أن يكمل منه رشفتين، اكتسى وجهه ~~بعلامات جدية واضحة وأجاب كأنما يزيح من فوق صدره حجرا: لقد تلقيت عرض عمل. # تهلل وجهها وأجابت في حماس: عظيم! هذا خبر ممتاز! أهو عرض جيد؟ هل سيدفعون راتبا ~~يستحق أن تترك من أجله وظيفتك الحالية؟ # أجاب بنفس النبرة وهو ينظر في عينيها ليتبين وقع كلماته عليها: من ناحية الراتب نعم، ~~سيدفعون أكثر بكثير، سيدفعون ما يزيد عن ستة أضعاف ما أحصل عليه هنا، ستة أضعاف ما أحصل ~~عليه في مصر. # تبدلت ملامحها بالكامل من الحماس البالغ في بداية الجملة إلى الصدمة والوجوم في ~~مقطعها الأخير، فهمت ما يعنيه بتلك الجملة الأخيرة بسرعة فأجابت في هدوء: أين هو هذا ~~العمل؟ في أي بلد؟ # أجاب بشكل آلي كأنما كان ينتظر هذا السؤال: في جدة، السعودية. # ارتفع صوتها قليلا وهي تجيبه في حدة جعلت رءوس بعض الجالسين في المكان الهادئ تستدير ~~إليهما في فضول: لكن هذا يغير خططنا بالكامل يا ياسين! ms043 السفر إلى خارج البلاد لم يكن ~~أبدا في خطتنا، لم يكن هذا ما اتفقن... # قاطعها قائلا بصوت منخفض أكثر من اللازم لينبهها بشكل غير مباشر إلى ارتفاع نبرة ~~صوتها: لم يكن هذا ما اتفقنا عليه نعم أعرف، لكن ما الذي بيدي لأفعله؟ لم نتفق أيضا ~~على أن أتقاضى تلك الملاليم الزهيدة أليس كذلك؟ لم نتفق على أن يموت أبي وأصبح بلا سند! ~~لدي قسط الشقة الشهري الذي يجب أن أدفعه بانتظام، تعرفين أن هذا القسط يعادل ثلثي ~~راتبي! ما الذي يمك... # خفضت صوتها هذه المرة مقاطعة في نبرة تفهم وتعاطف: يمكننا تدبر أمورنا هنا يا ياسين، ~~يمكننا دائما أن نجد حلا ما؛ أنت تعرف أنني أعد الآن مشروع تخرجي، وسوف أتخرج بعد ~~ثلاثة أشهر، يمكنني الحصول على عمل، لدي أكثر من عرض من أساتذتي في الكلية للعمل في ~~مكتب أحدهم، ويمكنني البدء في العمل قبل ظهور النتيجة، يمكننا مساعدة بعضنا البعض فهي ~~حياتنا ومستقبلنا نحن على أي حال، وسنصنعهما سويا كما اتفقنا، علينا أن نقاوم قليلا ~~يا ياسين، لا يجب أن نهرب عند أول عقبة. # أجاب في نبرة تحمل بعض الاعتذار أو ربما التبرير: أعرف كل ما تقولين يا فريدة وفكرت ~~فيه كثيرا، ألا تعتقدين حقا أنني فعلت؟ لكنني لا أهرب، إنما أجرب طريقا آخر غير ~~الطريق الذي أسير فيه، وأنا أعلم وأنت كذلك تعلمين أنه مسدود. الدنيا واسعة فلماذا ~~نحتجز أنفسنا في هذه المساحة الضيقة؟ عندما نظرت إلى السماء في قرية أبي أحصيت عددا من ~~النجوم لم يكن يخطر ببالي أنه يمكن أن يكون موجودا، لماذا إذن لا نختبر احتمالات ~~أخرى؟ # ثم أردف بلهجة أكثر حيادية كمن يقرأ تقريرا في اجتماع عمل: سأسافر لسنوات قليلة، ~~أربع أو خمس سنوات على أقصى تقدير. لقد أجريت دراسة مالية محكمة للخطة كلها؛ السنوات ~~الأربع الأساسية ستكون كافية لتوفير رأس مال جيد يمكنني العودة به والبدء في مشروع ~~خاص، أو الاستثمار في مجال يضمن لنا عائدا مناسبا لاستكمال حياتنا. أما السنة الخامسة ~~فيمكنها ms044 أن تغطي أية احتمالات لظروف قهرية قد تفسد الخطة. هذا صميم عملي يا فريدة، ~~وأنا أعرف جيدا ما أتحدث عنه، يمكنني حتى أن أريك قائمة التدفقات النقدية التي ~~أعددتها على الكمبيوتر للسنوات الخمس بالكامل؛ لكي تتيقني من دراستي للخطة جيدا ~~وبطريقة علمية، ومن أن ما أقوله ليس محض أحلام. # استمعت إليه بصمت ثم أجابت في تصميم واضح: أنا غير موافقة يا ياسين، لن أترك هذه ~~المدينة، لن أبتعد عن أمي وأبي في عمرهما هذا وأنا وحيدتهما؛ أمي مريضة ومرضها خطير ~~وأنت تعلم ذلك، أنا من تنظم لها مواعيد أدويتها، وأنا من تصطحبها إلى عيادات الأطباء ~~ومراكز الأشعة، فلم يعد أبي يملك العافية الكافية ليقوم بتلك المهام. لم تنفق تلك ~~المرأة وذلك الرجل عمريهما في تربيتي لكي أتركهما عندما يحتاجان لي، ولا لكي أسافر إلى ~~دولة أخرى ليصبح كل ما يربطني بهما مكالمة هاتفية أو بضع خطابات في المناسبات والأعياد، ~~كما أنني كذلك لن أعيش في بلد لا أستطيع الخروج فيه إلى الشارع بمفردي، ولا أستطيع ~~العمل، ولا يمكنني حتى مغادرته إلا بتأشيرة خروج، وبالتأكيد لن أنتظرك هنا لخمس سنوات ~~ربما تمتد إلى سبع أو عشر أو عشرين. أنا أثق بدقة حساباتك بالطبع، ولكنني لا أثق ~~بتقلبات الزمن. لقد أنفقت خمس سنوات من عمري في هذه الكلية الصعبة لكي أعمل وأنجح وأحقق ~~ذاتي بعد التخرج، لا لكي أقبع وحيدة أمام التليفزيون في بلد غريب، ليس هذا ما أريده ~~لحياتي يا ياسين، ليس هذا ما اتفقنا عليه. # ارتبك بعض الشيء من ذلك التصميم الذي لم يتوقعه، أطرق قليلا متطلعا إلى البحر ~~ليفكر، ثم قال بعد برهة: هذه فرصة عمري يا فريدة، أتفهمين؟ أحتاج إلى المال ليمكنني أن ~~أتنفس قليلا، ليمكننا معا أن نتنفس قليلا، لا توجد فرص كثيرة هنا، لقد كنت محظوظا ~~بالحصول على هذه الوظيفة على أي حال، ولا أتوقع أن أحصل على أفضل منها في المستقبل ~~القريب. هذا هو سقف المتاح هنا، هذه المدينة ضيقة جدا يا فريدة، هذه المدينة ms045 أضيق ~~كثيرا مما تتصورين. # عادت نبرتها إلى التفهم والتعاطف فقالت في حنان: فلتذهب إلى القاهرة إذن، الفرص هناك ~~أكثر والقاهرة ليست ببعيدة، ليست في دولة أخرى على أي حال. # هز رأسه كأنما ينفض عنه الفكرة، وقال في نفاد صبر: القاهرة كالإسكندرية، الفرص أكثر ~~نعم، لكن الساعين وراء تلك الفرص أكثر كذلك، الجميع من كل المحافظات يذهب إلى القاهرة ~~ليبحث عن عمل، هذا البلد كله يختنق ويخنقنا معه. أنا بالطبع لا أريد الاغتراب، وأعرف ~~مسبقا أنها ستكون تجربة قاسية، فلست بطفل صغير، ولكنني لن أستطيع الاستمرار في ~~التظاهر بأن كل شيء هنا على ما يرام، وأن المستقبل سيكون مشرقا. لا يا فريدة، يؤسفني ~~أن أبلغك بأنه ليس كل شيء على ما يرام، الحياة ليست وردية، والمستقبل لن يكون مشرقا، ~~لا توجد هنا وظائف كافية، لقد تخطى تعداد هذا البلد الستين مليونا، يتخرج في كل عام ~~خمسة عشر أو ربما عشرون ألفا يحملون نفس شهادتي الجامعية، أي مستقبل يمكننا توقعه في ~~بلد يتنفس هواء ملوثا وينخر الفساد في عظامه؟ يجب علينا أن نواجه أنفسنا بالحقيقة قبل ~~فوات الأوان، هذا البلد سيئ. # ثم أمسك بكوب النسكافيه الموضوع أمامه ورفعه في وجهها وقال بصوت ارتفع قليلا من فرط ~~الانفعال حتى لفت إليهما أنظار الفضوليين ذاتهم مرة أخرى: هذا النسكافيه سيئ يا فريدة، ~~أنا وأنت نعلم ذلك جيدا، ولكننا نتجاهل هذه الحقيقة الواضحة ونواصل المجيء إلى هنا ~~وطلب النسكافيه في كل مرة ودفع ثمن لا يستحقه، يجب أن نتوقف عن فعل ذلك يا فريدة فهذه ~~حماقة، ونحن لا نملك ترف ارتكاب المزيد من الحماقات. # بسطت فريدة كفيها أمامها كتعبير عن العجز، ثم أجابت بعد برهة قصيرة في صوت منخفض ~~محبط: أعرف ما تعنيه وأتفهم دوافعك، لكنني حقا لا أستطيع، عندي دوافعي وأسبابي أنا ~~كذلك، لا أعرف ما يتوجب علي فعله، أنا فقط لا أستطيع ترك هذه المدينة. # أجابها في نبرة يائسة لكنها حازمة في آن واحد: تعرفين أنني تخليت عن حلمي بالهجرة ~~لكندا من أجلك ms046 يا فريدة، ومن أجل أبي كذلك لكي أكون منصفا، فلم يكن باستطاعتي تركه هنا ~~بمفرده ، ولا أظنني أرغب في الهجرة الآن على أي حال حتى بعد وفاته، لم أعد أحلم ~~بالديمقراطية والحرية وتلك الرفاهيات، لم أعد أحلم إلا بدخل يكفيني أنا وأنت لنؤسس ~~بيتا ولنعيش حياة طبيعية كالبشر، لكنني كذلك لم أعد أطيق البقاء في هذا البلد. # أغسطس 1994م # على رمال ذلك الشاطئ الأرستقراطي وقفا متجاورين ذات عصر يوم صيفي شديد الرطوبة، لم ~~يكن التمتع بشرف الدخول إلى العالم السري لشاطئ بيانكي بالعجمي متاحا وقتذاك إلا لقلة ~~محظوظة من الأثرياء وأصدقائهم. كانت الحكايات تنسج عنه وعما يوجد بداخله، وكان الجميع ~~يسمع به ويتداول تلك الحكايات، ولكن لا يدرك الوصول إليه إلا تلك الفئة السعيدة، ولأن ~~لياسين بعض المعارف والأصدقاء من أولئك الذين وقعت كراتهم في لعبة الروليت الكبيرة ~~المسماة بالحياة في خانة الحظ السعيد فولدوا لآباء أغنياء؛ فقد كان باستطاعته من حين ~~لآخر تدبير بعض بطاقات الدخول له ولأصدقائه. كان ذلك اليوم هو موعد الحفل السنوي الذي ~~يحضر فيه المطرب الأشهر عمرو دياب ليغني حصريا لرواد شاطئ بيانكي، وكان بالمصادفة ~~ذكرى مولد فريدة. كان الزحام شديدا، وكان الصخب فوق المعتاد، الكثير من مكبرات الصوت ~~السوداء الضخمة نصبت على قواعد معدنية مرتفعة في كل أرجاء الشاطئ، لتصدح منها موسيقى ~~غربية صاخبة، ينتقيها بعناية منسق الأغاني الشاب، الذي وقف على المنصة الخشبية المرتفعة ~~بشورت فوسفوري لامع ونظارة شمسية من طراز كارتييه ذات عدسات عسلية اللون، وقد لوحت ~~الشمس صدره العاري بحمرة داكنة. ظل الشاب يتقافز مع إيقاع الأغنيات الجديدة للفرق ~~الغربية الشهيرة، وسط ترديد الجمهور المتراقص على الرمال وفي مياه البحر لكلمات ~~الأغنيات بالإنجليزية، وفي بعض الأحيان بالإسبانية والإيطالية، بينما تتصاعد من المشهد ~~الصاخب أدخنة السجائر والروائح النفاذة للبيرة الأجنبية في علبها المعدنية الخضراء، في ~~انتظار قدوم النجم الذي سيغني بالتأكيد - كما تعود في كل صيف - مقطعا من ألبومه الجديد ~~الذي لم يصدر بعد، مانحا بعض التميز للجمهور المحظوظ؛ ليتفاخر به بين ms047 أولئك العاديين ~~ممن هم خارج حدود جنة بيانكي المحرمة. # كان ياسين قد وصل إلى هناك وبصحبته فريدة بعد أن اصطحبها من بيتها مستقلين ترام الرمل ~~رقم 2 إلى محطة الرمل، ثم الميني باص الأزرق الجديد المتجه إلى البيطاش من ميدان سعد ~~زغلول أمام فندق سيسيل في رحلة استغرقت ما يزيد على الساعة ونصف الساعة، حتى نزلا عند ~~سنترال العجمي حيث يبدأ الشارع الرملي المؤدي إلى مداخل شاطئ بيانكي من شارع البيطاش ~~الرئيسي، كان قد وعدها بأن يحتفلا معا بذكرى مولدها هذه السنة في حفل عمرو دياب الذي ~~كانت تحبه كثيرا، بينما كان هو أكثر ميلا لمحمد منير بأغنياته؛ ذلك للمعاني الأكثر ~~صدقا والموسيقى الأكثر جرأة. # لم يحاولا الاقتراب من المنصة الصاخبة؛ حيث لم يكن الزحام هناك محتملا، كما أنهما ~~شعرا منذ الوهلة الأولى بعدم الانتماء لذلك المكان وكأنهما قادمان من عصر آخر، ابتعدا ~~في اتجاه البحر الذي كان مكتظا هو الآخر بالسابحين، فتداخل مع صوتيهما هدير موج البحر ~~وعصف الهواء وصخب الموسيقى وضحكات الراقصين من حولهما، قال لها بحنان وهو يمسك بيدها ~~مطالعا انعكاس أشعة الشمس المائلة إلى المغيب على حدقتي عينيها: كل سنة وأنت ~~بخير. # أجابت فيما بين العتاب والدلال: والعام القادم؟ # ارتبك قليلا ثم أجاب في لهجة مطمئنة: العام القادم أعود إليك، نتقابل هنا في ذات ~~المكان، نحضر ذات الحفل، أعدك بذلك. # ظهر الإحباط عليها وهي تجيب في ضجر: لقد سيطرت عليك فكرة السفر تماما يا ياسين، لا ~~أصدق ذلك. ألم نتناقش مرارا في ذلك الموضوع؟ # أجاب بلهجة اجتهد لتبدو واثقة: لقد قابلت صاحب عرض العمل الذي حدثتك عنه أمس الأول في ~~الفندق الذي يقيم به في القاهرة، كنت سأحكي لك التفاصيل حالا؛ إنها شركة كبيرة ~~للمقاولات لها ثلاثة فروع في جدة والرياض والدمام، لكنني اخترت جدة لأنني أعرف أنها ~~الأكثر انفتاحا. الرجل مهذب ومتعلم كما أنه يقدر كفاءتي، لقد توصلنا إلى اتفاق جيد، ~~تفاوضت معه على زيادة الراتب الذي عرضه في البداية فوافق، كما أنه سيوفر لي ms048 السكن. ~~أتعرفين؟ بعد هذه المستجدات أعدت حساب التدفقات النقدية ووجدت أن أربع سنوات ستكون أكثر ~~من كافية ، لن أحتاج حتى إلى سن... # قاطعته في بعض الحدة: هذا لن يحدث يا ياسين، أظنني كنت واضحة في ذلك. # أجاب في بعض الغضب وهو يتفادى الراقصين المارين بينهما: لماذا تفعلين ذلك بي يا ~~فريدة؟ أريد أن أبني مستقبلنا وأحاول أن أفتح أبوابا جديدة، فلماذا ترفضين حتى مناقشة ~~الأمر؟ إن لم نتعب وإن لم نبذل بعض التضحيات الآن فمتى نفعل؟ # ارتفع الضجيج على رمال الشاطئ فجأة بشكل هيستيري، وانطلق الصفير والصيحات وعلا صوت ~~التصفيق، بينما الرءوس جميعها تستدير ناحية المنصة المرتفعة، حيث ظهر النجم المنتظر في ~~قميص قطني أبيض قصير الأكمام مفتوحة أزراره حتى المنتصف، وشورت برتقالي وحذاء صيفي ~~خفيف، وقد قصر شعر رأسه بدرجة كبيرة أدهشت الحضور، وبدأ يصدح بأغنيته «ضحكة عيون ~~حبيبي» التي كانت حديث العام السابق كله. # كانت فريدة تجتهد في رفع صوتها ليصل إليه، لكن الضجيج كان أعلى من أن تهزمه طبقة ~~صوتها الضعيفة، تداخل الراقصون والسابحون بينهما وقد أصبحا في الماء حتى ما دون الركبة ~~بقليل، انتهت الأغنية الأولى وتصاعد الصياح والصفير والتصفيق من حولهما مرة أخرى، ~~وعندما هدأ الضجيج قليلا في انتظار إعلان النجم عن الأغنية التالية، قالت رافعة صوتها ~~أكثر وهي تقاوم الانجراف وسط الحشد المتحرك الراقص: لن أترك مصر يا ياسين، لقد عرضت ~~علي الدكتورة نجوى أستاذتي في الكلية أن أعمل في مكتبها، سأبدأ العمل من بداية ~~الأسبوع القادم، لم نتحدث بعد عن الراتب ولكنني أعرف متوسط ما تدفعه للخريجين الجدد، ~~وهذه فرصة جيدة لي. # أجابها بصوت مرتفع وقد فرق بينهما الزحام قليلا: سأذهب أنا يا فريدة، لن أطلب منك ~~التضحية بمستقبلك. سأذهب وحدي ثم أعود إليك لنتزوج، فقط أربعة أعوام كما وعدتك، وسأعود ~~في إجازة كل عام بالطبع. # ازداد الضجيج مرة أخرى عندما أعلن النجم أنه سيغني أغنية جديدة للمرة الأولى، حبس ~~الجميع أنفاسهم انتظارا للمفاجأة، ازداد ابتعادهما مع تحرك الجموع خارجة من الماء في ms049 ~~اتجاه المنصة، صار هو في الماء إلى ما فوق ركبتيه، بينما جرفتها الجموع في اتجاه الرمال ~~قليلا . قالت بينما كانت الجموع في نشوة الترقب: لن تعود بعد أربع سنوات يا ياسين، أربع ~~ستجر أربعا ثم أربعا، ستضيع أعمارنا في الانتظار. # انطلق النجم يشدو بأغنية جديدة ستصدر في الألبوم الجديد: # ملهاش حل تاني، ملهاش حل تاني # يا نعيش الحياة أنا وانت، يا وقفت ف مكاني. # يزداد ابتعادهما حتى لا يكاد بمقدوره رؤيتها بوضوح من بين الوجوه والصيحات والأيدي ~~المرفوعة بالتصفيق، يصيح محاولا إيصال كلماته إليها عبر الضجيج الهادر المحيط بكل ~~الأشياء من حولهما: سأعود يا فريدة، سأعود. # لم يعد بإمكانه رؤيتها أو سماع صوتها، ازدادت الأعداد على الرمال وفي الماء إلى أضعاف ~~ما كانت عليه، لم يعد يمكنه تمييزها من بين الجموع الصاخبة، بحث عنها، صاح باسمها، ~~اخترق الحشود طلبا لما يوصله إليها، خرج إلى البوابات ثم عاد إلى الشاطئ، ابتعد عن ~~الحشود الراقصة ثم عاد وألقى بنفسه داخلها، توالت الأغنيات وازداد الصخب حتى أصبح فوق ~~قدرته على الاحتمال. الكل يرقص ويصيح ويرفع ذراعيه عاليا بالتصفيق، كان العالم كله من ~~حوله يسبح في الضجيج، لكن فريدة لم تكن في أي مكان. ~~••• # في صباح اليوم التالي اندفع ياسين داخلا محطة القطار في سرعة يداري بها عصبية ~~وتوترا بالغين؛ كان قد قضى الليلة السابقة منذ عاد من العجمي بدون فريدة بلا دقيقة ~~نوم واحدة، كانت رأسه تغلي بالأفكار وعقله يعالج كل التباديل والتوافيق لكل الاحتمالات ~~الممكنة لأي من القرارين، لكنه فشل تماما في اتخاذ قرار محدد؛ أيبقى من أجلها أم يسافر ~~من أجل مستقبله ومن أجلها أيضا؟ لم يكن يعرف إلى أين هو ذاهب، لكنه توجه مباشرة إلى ~~شباك حجز التذاكر ذي الواجهة الزجاجية على الجانب الأيمن من صالة المدخل الفسيحة لمحطة ~~قطار سيدي جابر، التي يحتل جانبها الآخر بائع الصحف والمجلات والكتب الذي يثبت ~~معروضاته على هيكل معدني كبير بمشابك غسيل خشبية. انتظر طويلا بنفاد صبر في الطابور ~~أمام شباك التذاكر حتى ms050 حان دوره، فطلب حجز تذكرة من الدرجة الثانية في أول قطار مغادر ~~إلى القاهرة، أخبرته الموظفة البدينة ذات النظارات السميكة بلا مبالاة بأن القطار ~~الإسباني موجود بالفعل على رصيف المحطة وأنه سيغادر حالا إن كان يستطيع الركض للحاق ~~به. ناولها بلا تردد من خلال الفتحة الدائرية الصغيرة في الزجاج الفاصل بينهما ورقة من ~~فئة العشرين جنيها، وطلب منها أن تطبع التذكرة بسرعة، ثم خطف التذكرة من يدها بمجرد أن ~~تناولتها من الماكينة وركض دون أن يلتفت لندائها غير الملح ولا لنداءات الواقفين في ~~الطابور له ليستعيد باقي نقوده. اصطدم في ركضه عبر النفق الذي يمر أسفل أرصفة وقضبان ~~المحطة بكتف رجل أشيب يهبط الدرج على مهل، اعتذر له بكلمات مبهمة وهو يواصل الركض، ولم ~~يسمع شيئا من السباب الذي انهال به الأخير عليه وعلى الأجيال التي لم تجد من يربيها، ~~وصل أخيرا للرصيف الذي يقف به القطار فألقى بنفسه داخل أول باب قابله دون أن يعرف أي ~~عربة كانت تلك وأي عربة يقع بها المقعد الذي حجزه، ولولا أنه يعرف المحطة ويعرف جيدا ~~شكل القطار الإسباني والرصيف الذي يقف عنده؛ لكان ربما ألقى بنفسه داخل قطار آخر. التقط ~~أنفاسه داخل العربة وأخذ يبحث عن رقمها وينظر في تذكرته، في حين كان القطار قد بدأ ~~بالفعل في التحرك، أدرك أنه في العربة التاسعة وأنه كان عليه أن يقطع ست عربات حتى يصل ~~إلى حيث مقعده في العربة الثالثة. بدأ في التحرك إلى وجهته مضطرا إلى الانتظار كل بضع ~~خطوات حتى تنتهي فتاة شابة من تعديل وضع حقيبتها التي تعيق الحركة، أو حتى يجلس رجل ضخم ~~بعد أن يصف صناديق كرتونية كثيرة فوق الرف العلوي، أو حتى يفصل مفتش التذاكر ذو الزي ~~الكحلي الباهت والشرائط الذهبية على الأكمام بين ركاب يتنازعون على مقعد. ظل يسير ~~متأرجحا عبر الممر الضيق الطويل بين صفوف المقاعد في كل عربة، ثم يفتح الباب ليخرج إلى ~~تلك المنطقة الصغيرة بين العربات، والتي يفترشها من ركبوا دون أن ms051 يحجزوا تذاكر، أو من ~~يريدون التدخين، ثم يعود ليفتح باب عربة جديدة ويسير من جديد عابرا ممرا ضيقا ~~طويلا آخر بين صفوف مقاعد أخرى ثم يفتح الباب إلى منطقة فاصلة جديدة. وهكذا يتناوب على ~~رئتيه هواء العربات المكيف وهواء المنطقة الفاصلة المعبق بخليط أدخنة التبغ، يتنقل ما ~~بين الهدوء النسبي داخل العربات وبين صخب العجلات الحديدية وضجيج المدخنين في المناطق ~~الفاصلة بينها؛ كان ذلك يضغظ على أعصابه المتوترة سلفا حتى توقف لالتقاط أنفاسه في ~~إحدى المناطق الفاصلة قبل عربتين من موقع مقعده. # سعل مرتين من تأثير الانتقال من هواء العربة المكيف إلى هذه المساحة سيئة التهوية، ~~التي تكدس فيها دخان أنواع مختلفة من التبغ حتى لم تعد الرؤية فيها يسيرة إلا بعد أن ~~تتعود العين على تلك الغلالة الضبابية وتبدأ في تمييز الملامح، حتى الأصوات لم يكن من ~~السهل تبينها وسط الضجيج الهادر للعجلات الثقيلة على القضبان الحديدية. كان الجميع هنا ~~مثله، صامتين كأنما هم كذلك هاربون من ضجيج البشر في الداخل إلى ضجيج الآلات الحديدية ~~هنا؛ لعلهم يفضلون إزعاج الجماد عن إزعاج البشر، أو لعلهم يختطفون فقط تلك الدقائق ~~القليلة للحصول على جرعة من التبغ لعلها تعينهم على مقاومة كل ذلك الصخب. # بات في وسعه الآن التعرف على ملامح وجوه الموجودين بالمكان، وصارت رئتاه متعايشتين مع ~~ذلك الهجوم الخاطف غير المعتاد من الدخان، كان بجوار الباب على الجانب الأيسر رجل أشيب ~~محني الظهر يضيق وجهه بالتجاعيد العميقة، ويرتدي ثيابا قديمة الطراز يبدو أن جسده قد ~~نحل كثيرا عما كان عليه في الزمن الذي اشتراها فيه، كان الرجل ذاهلا عن الدنيا ~~محملقا في فراغ بعيد عبر النافذة، رافعا يده اليمنى بسيجارة بدا أنه قد نسيها فقد ~~كانت تكاد تسقط منها كتلة من الرماد التهمت أكثر من نصف السيجارة، وعلى الجدار المجاور ~~له يستند بظهره شاب طويل القامة في بدلة رسمية يقرأ في كتاب صغير، يمسك به بيد ويدخن ~~سيجارة بالأخرى، انتبه الشاب إلى وجوده بعد أن رفع نظره لأول مرة ms052 عن كتابه ثم نظر نحوه ~~في فضول، بعدها ابتسم في ود وهو يدس الكتاب في جيب سترته ، ثم يمد يده داخل الجيب ~~الآخر مخرجا علبة سجائر أجنبية، فتح العلبة ووجهها ناحيته قائلا في نبرة مرحة: يبدو ~~أنك نسيت سجائرك؛ تفضل واحدة. # ارتبك للحظة ثم أجاب وقد ابتسم بدوره في امتنان: لا لا، أشكرك على ذوقك. أنا لا ~~أدخن. # أردف الشاب في إصرار: «يا برنس» إذا لم تكن مدخنا، فما الذي جاء بك إلى هذا المكان ~~الضيق المعبق بالدخان؟ تناول سيجارة ولا تخجل! # أجاب في بعض الضجر وقد ساءه هذا الرفع غير المبرر للكلفة: شكرا، أنا فعلا لا ~~أدخن. # صحراء # ثم جاءت كائنات جديدة، كل تلك الوحوش الغريبة قبيحة ومزعجة وغاشمة بشكل لم تعرفه تلك ~~الصحراء من قبل في تاريخها الممتد من قبل أن توجد كل الوحوش وكل الأشجار، كانت ~~الكائنات الجديدة - بمساعدة بعض البشر الذين لم تكن الصحراء تشهد وجودهم من قبل إلا ~~نادرا - تتقيأ مادة رمادية كريهة فوق هياكل داكنة كشبكات العناكب، لكنها أكثر سمكا ~~وتعقيدا واستقامة، تظل طوال النهار تفرغ ما في جوفها فوق تلك الخطوط المتطابقة ~~المتراصة بانتظام، بدا شاذا بشكل مستفز في بيئة لا شيء فيها مستقيم أو منتظم. ثم جاء ~~الليل وسطعت معه شموس صغيرة أضاءت الصحراء فصار الليل نهارا، فزعت الكائنات الليلية ~~التي كانت تجد أمانها وحياتها في ظلام الليل وستره، فرت هاربة متخبطة من تلك الأضواء ~~العجيبة غير المعتادة. كانت الصحراء تشهد كل شتاءات كثيرة انطماسا للشمس أو للقمر لوقت ~~قصير كان يربك كل الكائنات ويفزعها، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته سريعا، لكن لم تكن ~~الصحراء مضيئة في الليل بهذا الشكل قط، ولم يسبق لتلك الشموس الصغيرة أن سطعت هنا من ~~قبل. # واصلت الوحوش في الليل وتحت ضوء تلك الشموس الجديدة ما كانت تفعله بالنهار تحت ضوء ~~الشمس الكبيرة، لم تكن تكل أو تمل، كانت تواصل الليل بالنهار وهي تكرر نفس العمل، تتقيأ ~~وتتقيأ ولا يفرغ جوفها أبدا، لا تتوقف عن الضجيج ms053 ولا عن إصدار تلك السحابات الداكنة ~~ذات الروائح المنفرة، حتى تلوثت سماء الصحراء وفسدت أرضها، بل إنه لم تعد هناك صحراء ~~بعد الآن، صار هناك هيكل رمادي هائل الحجم وفارغ من الداخل، كان كطبقات من الأراضي ~~متراصة فوق بعضها البعض تخترقها أشجار طويلة بلا فروع أو أوراق، جذوع رمادية مستقيمة ~~متطابقة الأشكال وحادة الأطراف، كان كل شيء رماديا، الأراضي المتراصة فوق بعضها ~~والأشجار التي تخترقها، كانت كلها باردة صامتة، لم تكن تتحرك، لم يكن الهواء يعبث بها، ~~كأنها ولدت ميتة! # | الفصل السابع # أغسطس 1994م # على رصيف محطة السكك الحديدية في طنطا وضع ياسين قدما في تردد بعد أن قرر اختيار ~~الطريق الأول دون أن يكون على ثقة تامة من صحة قراره ذلك، ثم وضع القدم الأخرى استجابة ~~لدفعة خفيفة لكنها فظة بعض الشيء من الراكب الذي وقف خلفه على باب القطار قائلا في ~~لكنة ريفية: هيا يا أستاذ هل ستنزل أم ماذا؟ # هرول على رصيف المحطة الكبيرة ذات المبنى الكلاسيكي الوقور، والخطوط الحديدية الكثيرة ~~والمتقاطعة في شبكة معقدة باحثا عن المخرج، بعدما اجتاز ردهة المدخل المزدحمة بصفوف ~~الواقفين أمام شبابيك التذاكر تلفت حوله ماسحا ببصره محلات الحلويات المقابلة للمحطة ~~على الجانب الآخر من موقف السيارات والشارع المكتظ بسيارات الأجرة، عبر الموقف والشارع ~~بسرعة إلى أحد تلك المحلات التي تتزاحم على واجهاتها لفافات الحلوى التي تشتهر بها ~~المدينة، اشترى لفافات مختلفة من حلوى السمسم والسوداني والمشبك دونما تركيز، ثم سأل ~~البائع ما إذا كان يمكنه إجراء مكالمة للإسكندرية من هاتف المحل، فأجاب الرجل بطريقة ~~ميكانيكية بأن سعر دقيقة المحافظات عشرون قرشا. أمسك بالهاتف وطلب رقم بيتها وظل ~~منتظرا لثوان قليلة مرت عليه كسنين حتى جاءه صوتها، تكلم مباشرة كأنما يطلق دفعات من ~~الرصاص من بندقية آلية: لن أسافر يا فريدة، سأبقى هنا من أجلك، أنا قادم إليك الآن، ~~فقط مسافة الطريق، ساعة ونصف أو ساعتان على الأكثر وسأكون أمام الباب. # ثم ابتسم وهو يتفحص ما اشتراه من الحلوى، وواصل حديثه منتقلا ms054 إلى نبرة صوت أكثر ~~هدوءا ومرحا: هل تحبين حلوى السمسم أم السوداني؟ # يونيو 2012م # خلف مكتب فخم كلاسيكي الطراز من خشب الأبنوس الداكن المطعم بزخارف دقيقة مشغولة ~~من النحاس، جلس ياسين على كرسي من ذات الطراز ذي ظهر مكسو بالجلد البني الفاخر ~~متصفحا في وجوم ملف الوضع المالي لشركته التي تعمل في مجال النقل بالشاحنات، بين ميناء ~~الإسكندرية والمصانع الكبرى بالمنطقة الصناعية بمدينة برج العرب الجديدة إلى الغرب من ~~الإسكندرية، كان قد أسس هذه الشركة مع شريكين آخرين قبل إحدى عشرة سنة، بعد أن قضى ~~سنواته السابقة في اكتساب الخبرة العملية متنقلا بين وظائف وشركات مختلفة. كانت تلك ~~فكرته وكان قد درسها جيدا واختارها من بين أربعة مشاريع، ظل يفاضل بينها لعدة أشهر ~~معتمدا على ما اكتسبه من خبرات وعلاقات في السوق، لكنه لم يكن يملك رأس المال اللازم ~~لتنفيذها بمفرده. استطاع إقناع اثنين من عملائه بمشاركته، وافق الاثنان دون طول عناء ~~لما سبق لهما من دراية بدقة دراساته وصواب تحليلاته لمتطلبات السوق. تم تأسيس الشركة ~~وبدأت بالعمل على الفور بحسب خطته والدراسات التي وضعها، ظل العمل مزدهرا ومربحا مع ~~تزايد عدد المصانع في المدينة الجديدة وتطور طاقتها الإنتاجية. ينقل بشاحنات مستأجرة ~~مستلزمات الإنتاج المستوردة من الخارج، من رصيف الميناء إلى المصانع المختلفة التي ~~أنشئت في المدينة الجديدة، ثم يعود لنقل المنتجات المعدة للتصدير من المصانع ذاتها ~~إلى رصيف الميناء. مكنه ذلك الازدهار من زيادة رأس مال شركته والاستثمار في شراء المزيد ~~من الأصول؛ فطار إلى الصين في صيف العام 2010م، وعاد بأسطول من الشاحنات الجديدة بسعر ~~جيد، ثم انتقل بمقر الشركة من مكتبها القديم قرب بوابة الميناء بمنطقة رأس التين، إلى ~~شقة كبيرة فاخرة في إحدى البنايات الكلاسيكية ذات الطراز الإيطالي على كورنيش محطة ~~الرمل، حيث تطل شرفة مكتبه على الكورنيش الأثري الممتد حتى قلعة قايتباي التي يمكنه ~~رؤيتها وهو جالس على كرسيه ذي الظهر الجلدي، يرتشف قهوته التي يعدها بنفسه كل صباح من ~~ماكينة فرنسية أنيقة لصنع القهوة ms055 تستقر على الطاولة المجاورة لمكتبه. # أنفق ياسين وشريكاه القسط الأكبر من أرباح الشركة التي تجمعت خلال السنوات السابقة ~~على مشروع التطوير الطموح ذلك، والذي كان هو كذلك نتاج أفكاره، منتظرين طفرة كبرى في ~~حجم أعمالهم تبدأ الشركة في جني ثمارها مع انتصاف العام 2011م على أقصى تقدير، بدت كل ~~المؤشرات إيجابية، فقد انخفضت تكلفة التشغيل بنسبة كبيرة بعد الاستغناء عن تأجير ~~الشاحنات وتعويضها بالشاحنات الجديدة المملوكة للشركة، والتي كانت أفضل كذلك في معدلات ~~استهلاك الوقود؛ مما حقق توفيرا مضاعفا في النفقات. كانت التوقعات للشهور القادمة ~~عالية قبل أن يحدث الزلزال، قبل ذلك الحدث الذي غير وجه الحياة في هذا البلد إلى ~~الأبد، فلم يعد أي شيء هنا كما كان عليه قبل يناير 2011م. # توقف العمل تماما، توقفت الحياة كلها لأيام ثم لم تعد بعدها قط، تحول الكورنيش أسفل ~~مكتبه إلى ساحة دائمة للتظاهرات أو الاعتصامات التي لم تنقطع حتى ذلك التاريخ، ولم يكن ~~ثمة ما ينبئ بإمكانية انقطاعها في المستقبل القريب، كان هناك دائما سبب ما للتظاهر، ~~إما تأييدا لاستفتاء ما أو رفضا له، إما دعما لتطبيق الشريعة أو دفاعا عن قيم ~~العلمانية والمواطنة، إما مطالبة بحقوق الشهداء، أو استعجالا لمحاسبة رموز النظام ~~السابق، أو دعوة لمقاطعة دولة أوروبية ما بسبب نشر رسوم كاريكاتيرية، أو طلبا لإنهاء ~~المرحلة الانتقالية، أو دعما لثورات أخرى اندلعت في بلدان مجاورة. # كان ياسين قد فقد اهتمامه بالشأن العام منذ سنوات، لم يعد يشغله سوى إدارة أعماله ~~ورعاية أسرته الصغيرة، استمر على عزوفه حتى عن التصويت في أي مناسبة من تلك السلسلة من ~~الاقتراعات التي لم تنقطع منذ تخلي ذلك الرجل المسن عن السلطة، فيما عدا الانتخابات ~~الرئاسية التي كانت الحدث الوحيد الذي يفهمه ويمكنه اتخاذ قرار بشأنه. يمكنه بالطبع ~~كرجل ناضج متعلم أن يختار الشخص الأنسب لقيادة البلاد من بين عشرة مرشحين، لكنه لن يجعل ~~من نفسه أبدا مجرد رقم يرجح كفة فريق ما على آخر في تلك المناورات السياسية التي تختلف ~~مسمياتها؛ ما ms056 بين استفتاءات وانتخابات نقابية ومجلس شعب ومجلس شورى، لكنها تتفق جميعها ~~في أهدافها بتمكين فئة ما - لا يمكنه معرفه دوافعها أو أولوياتها - من مفاصل الدولة. ~~كان هناك دائما ما يجمع تلك الآلاف من البشر إلى تجمهر ما على اختلاف المسميات؛ مسيرة ~~أو مظاهرة أو اعتصام أو حتى احتفال، ولأنه شخص متحفظ بطبعه فلم يكن في أي يوم واحدا من ~~تلك الآلاف، لم يمتلك يوما الدافع الكافي للانضمام إليهم، لكن لسبب ما لا يعلمه؛ وجدت ~~كل تلك الحشود من البشر الدافع الكافي والطاقة اللازمة للمطالبة بحل مشكلات الكون كلها ~~الآن، ولم يجدوا مكانا لفعل ذلك إلا أسفل شرفة مكتبه هو بالذات. صارت المشاجرات بين ~~المعتصمين وبين سائقي سيارات الميكروباص الرافضين لقطع طريق الكورنيش جزءا ثابتا من ~~روتين الحياة اليومية، حاول مناقشة بعض المتجمهرين في أكثر من مناسبة، حاول أن يوضح لهم ~~أنهم يعطلون أعماله ويغلقون أبواب الرزق أمام موظفيه دون أن تكون له أو لأي من موظفيه ~~علاقة بأولئك الذين يهتفون ضدهم، لكنه في كل مرة كان يصطدم بحائط صلب من الغوغائية. ~~اقتنع بعد عدة محاولات بأنه ليس بإمكانه إقناع حشود غاضبة بإعمال المنطق؛ يتغير شيء ما ~~في سلوك البشر حينما يكونون ضمن حشد متحمس أو غاضب، تبرز فيهم حينئذ ثقافة القطيع ويصعب ~~التفاهم مع أي منهم بشكل فردي. أيقن تماما بعدم جدوى الحوار حينما نعته أحد أولئك ~~الغاضبين بالفطرة بأنه من «المواطنين الشرفاء»، وكان للمفارقة ينطق تلك العبارة بتهكم ~~واضح وكأنما يصفه بصفة مهينة؛ ألجمته المفاجأة للحظات فلم يدرك أي الصفتين هنا مقصود ~~بها الإهانة، أهي صفة «الشرفاء»؟ ربما صار الناس يعتبرون ذلك إهانة لسبب ما لا يدركه، ~~أم أن صفة «المواطنين» هي المهينة؟ نعم، لعل كون المرء مواطنا في هذا البلد هو سبة ~~بالفعل. # صارت رحلات شاحناته من الميناء إلى برج العرب عبر محور التعمير أو الطريق الصحراوي ~~ضربا من المغامرة التي تتطلب مرافقة حراس مسلحين لكل شاحنة، والتي ربما تنتهي ~~بمطاردة ومعركة بالأسلحة النارية قد تودي بحياة أحدهم، ms057 أو على أقل تقدير تذهب بالشاحنة ~~وما تحمله من بضائع إلى خانة الخسائر، أو خانة الهالك كما يسجلها في برنامجه المحاسبي ~~الدقيق على الكمبيوتر. كانت الفوضى هي القاعدة، الشرطة غائبة عن المشهد بشكل كلي، قوات ~~الجيش تظهر من آن لآخر هنا وهناك، لكنها تترك مواقع التأمين وتنتقل بسرعة لمواجهة ~~الغاضبين أمام مقر جهاز أمن الدولة تارة، وأمام قيادة المنطقة الشمالية العسكرية تارة ~~أخرى. # توقف الكثير من المصانع التي يتعامل معها عن الإنتاج، بعضها بشكل مؤقت لصعوبة الدعم ~~اللوجيستي وتوقف الإمدادات وتردي الوضع الأمني، والبعض الآخر بشكل نهائي لتصفية ~~ملاكه من المستثمرين الأجانب لأعمالهم في مصر بالكامل وخروجهم من السوق، انخفض حجم ~~الواردات والصادرات التي يتم التعامل عليها في الميناء. لم يكن المستقبل القريب مبشرا ~~بالخير، فحتى لو انتهت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بسلام وانتهت معها ~~رسميا تلك المرحلة الانتقالية فلا يمكنه توقع الاستقرار، لقد أوصل الناخبون هذه ~~البلاد إلى طريق مسدود بعد أن قرروا التصويت في صناديق الاقتراع بدوافع انتقامية. ألقت ~~بنا الديمقراطية أمام خيارين يقوم كل منهما على فكرة إفناء الآخر؛ فإذا فاز المرشح ~~العسكري السابق؛ فلن يتركه الإسلاميون ليهنأ بيوم واحد من الهدوء؛ خوفا من أن يعيدهم ~~إلى المعتقلات بعد أن كانوا على بعد خطوة واحدة من تحقيق حلم التمكين الذي يعملون لأجله ~~منذ ثمانين عاما، وإذا فاز المرشح الإسلامي فلن يتركه كذلك لا الثوريون ولا القوى ~~التقليدية في هذه الدولة شديدة العمق؛ خوفا من أن يتخلص منهم واحدا تلو الآخر كما فعل ~~نظراؤه في إيران من قبل، كما أن رفاقه في الجماعة سيتحكمون في مصير البلاد ويوجهونها ~~نحو نموذج الدولة الدينية الذي يسعون إليه، وسيجلب ذلك علينا حتما ويلات لا يعلم ~~عواقبها إلا الله. # كانت أعماله تندفع بسرعة جنونية نحو الانهيار، لم تفلح في توقع ذلك السيناريو كل ~~دراسات الجدوى، وكل حسابات الفرص والمخاطر التي درسها بجدية وأنفق عليها الكثير من ~~الوقت والجهد والمال، ومن كان يمكنه توقع سقوط تلك الدولة العتيدة المعقدة بهذا الشكل ~~المفاجئ؟ ms058 موظفوه الآن جالسون في بيوتهم، يتقاضون رواتبهم الشهرية دون القيام بأي عمل، ~~شاحناته الجديدة التي أنفق عليها كل ما ربح من مال مصطفة بجوار بعضها البعض في مخزن ~~بعيد عن العمران على الطريق الدائري، تحت حراسة مشددة من بلطجية مسلحين استأجرهم ~~لحمايتها من احتمال سرقتها من قبل بلطجية مسلحين آخرين، رغم أنه لا يملك أي ثقة في أن ~~من استأجرهم لحراستها لن يستولوا عليها لأنفسهم، إنهم في النهاية مجرمون على أي حال، ~~ولكن أي خيار كان قد بقي لديه غير ذلك؟ فبدلا من أن تكون تلك الشاحنات الآن على الطريق ~~تعمل وتدر عليه المال ليغطي ما أنفقه على شرائها، إذا به يضع رأس ماله وأصول شركته تحت ~~تصرف مجرمين يحملون السلاح. # يونيو 2013م # في غرفة نومها بالشقة ذات الغرف الثلاث بالطابق العاشر من بناية جديدة مطلة على شارع ~~رئيسي من شوارع منطقة سموحة المكتظة بصفوف متراصة من السيارات التي لم تجد لها مكانا ~~للمبيت في الجراجات التي تتكدس فيها السيارات أسفل البنايات الكبيرة كما تتكدس أسماك ~~السردين في العلب المعدنية، استلقت فريدة في فراشها تعاني الأرق والقلق. انتصف الليل ~~في الإسكندرية وقد نام الجميع أو تظاهر بالنوم، نامت المدينة التي لا تنام، سكنت مقاهي ~~الكورنيش الصاخبة، أغلقت المحلات والشوارع والنوادي أبوابها، أقفرت الميادين التاريخية ~~العتيقة وغاب باعتها الجائلون، وسكتت تماثيلها الباقية من عصور الازدهار والجمال، يطل ~~محمد علي باشا من فوق تمثاله البرونزي البديع على المنشية؛ ميدانه الأثير الذي أراد به ~~أن يجعل الإسكندرية مدينة عصرية يباهي بها كبريات الحواضر الأوروبية. ينظر أفندينا ~~بأسى للميدان، وقد ذبلت وروده واصفرت خضرته وطالته يد الإهمال والقذارة، المباني ~~التاريخية البديعة على جوانب الميدان بدت كشيوخ طاعنين في السن محنية ظهورهم وقد شققت ~~وجوههم التجاعيد. تراكم التراب على هذه الجواهر المعمارية ولم تنظفها يد منذ عقود؛ ~~أسقفية الكاثوليك، معبد اليهود، محكمة الحقانية، شارع فرنسا، كتاب كامل من التاريخ ~~يمثله كل ركن هنا وكل حجر، قاتل الله من نهش لحم التاريخ بهذه البشاعة، ماذا فعلتم ms059 ~~بالميدان؟ ماذا فعلتم بمدينة الرب؟ # كانت تترقب نهارا لا يعلم إلا الله ما سيأتي به، كانت الأيام مخيفة بحق، وكان ~~الترقب ينهك أعصابها المنهكة بالفعل، يؤرقها الوضع المتأزم في المدينة من حولها، تتوقع ~~الجدال اليومي المعتاد مع أبنائها، سيرغبون في لقاء رفاقهم في النادي، بينما ستخاف هي ~~عليهم من الخروج إلى الشارع في تلك الأيام المقلقة. كبر الأولاد وضجروا من الاحتجاز ~~الطويل في المنزل، يريدون الانطلاق والتمتع بإجازتهم الصيفية التي تبعت عاما دراسيا ~~مرتبكا وعامرا بالتوقفات غير المتوقعة؛ تارة بسبب عدم توفر الوقود لحافلات المدرسة ~~نتيجة أزمة الوقود التي لم تزل تضرب البلاد، وتارة لإغلاق الشرطة محيط منطقة المدارس ~~الدولية الواقعة وسط منطقة فقيرة على أطراف المدينة؛ نتيجة مشاجرة ضخمة بالأسلحة ~~النارية بين مجموعات من سكان المنطقة استمرت ليومين وأسفرت عن سقوط قتلى، وتارة ثالثة ~~بسبب التظاهرات التي عمت أرجاء المدن احتجاجا على قرارات رئيس الجمهورية وعلى ~~ممارسات جماعته. تعرض الأبناء لجرعة مكثفة من الضغوط للعام الثالث على التوالي؛ مما ~~أشعل ثورتهم ضد قرارها باحتجازهم في البيت مع بداية الإجازة، فقد كانت أثناء شهور ~~الدراسة ترسلهم إلى المدرسة في كل صباح مضطرة، لو كان الأمر بيدها لاستبقتهم في البيت ~~بدلا من أن ينهش قلبها القلق في كل يوم حتى يعودوا إليها. كان النادي على بعد خطوات ~~قليلة من بيتهم، مسيرة عشر دقائق يجتازون فيها ميدان فيكتور عمانويل فيصبح سور النادي ~~أمامهم، لكن الشارع ليس آمنا. قبل يومين خرجت معهم مساء إلى سوق الكمبيوتر المجاور ~~لشراء بعض المستلزمات ففاجأتهم تلك المجموعات المسلحة بالهراوات والجنازير الحديدية ~~التي خرجت لتثير الرعب في الشوارع، كإجراء استباقي تكرر عدة مرات لتخويف حشود الثائرين ~~التي تستهدف اجتياح مقر جماعتهم الدينية الحاكمة الواقع خلف محطة القطار على بعد أمتار ~~قليلة، في ظرف ثوان كانت كل المحلات الصغيرة المتجاورة في سوق الكمبيوتر قد أغلقت ~~بواباتها الحديدية خوفا من النهب ومن تحطيم واجهاتها الزجاجية. لم يستطع أحد تحديد ~~الاتجاه الذي ستأتي منه تلك المجموعات التي وصلهم فقط ضجيج هتافاتها ms060 الدينية المعروفة، ~~مختلطا بصخب ضرب الجنازير على أسطح معدنية بعيدة. عمت الفوضى، واختلطت صرخات النساء ~~المذعورات بصياح الرجال الخائفين على مصدر رزقهم، فر كل من كان يسير في تلك الشوارع ~~الضيقة هاربا على غير هدى، لم يكن بوسعها بعد أن أحيط بها في هذه المصيدة إلا احتضان ~~أبنائها والركض بهم إلى داخل أقرب محل قبل أن ينزل بوابته الحديدية بلحظات، أغلق الشاب ~~النحيل الذي يعمل في ذلك المحل الضيق بوابته واستند بإحدى قدميه على طرفها الأسفل ~~ليثبتها بثقل جسده إلى الأرض، وهو يلهث ويطلق سبابا فاحشا دون أن ينتبه - أو ربما دون ~~أن يبالي - لوجود سيدات وفتيات داخل المحل، أطفأ الأنوار وبدأ يلعن المظاهرات والثورة ~~والإخوان والأيام التي صار فيها لا يبيع ولا يشتري، ولا يجمع من المال ما يكفي حتى لدفع ~~فاتورة الكهرباء التي تنقطع أكثر مما تعمل، اقترب صخب الحشود وعلا صوت ارتطام الجنازير ~~والهراوات بالبوابات المعدنية المغلقة، ارتعب الجميع وندت عن إحدى الفتيات المحتجزات ~~بداخل المحل المظلم صرخة مكتومة إثر ارتجاج البوابة الحديدية تحت ضربة عنيفة، مما بدا ~~أنها هراوة خشبية ثقيلة. تمسك الشاب بموقعه خوفا من انزلاق البوابة إلى الأعلى حتى ~~اطمأن إلى ابتعاد الصخب، وحتى سمع بأذنه صرير ارتفاع بوابات المحال المجاورة، فرفع قدمه ~~وانحنى ليفتح البوابة؛ كان الشارع بالخارج غارقا في ظلام دامس إلا من أضواء بيضاء ~~خافتة لمصابيح متناثرة هنا وهناك، من النوع الذي يعمل بالبطاريات، لم يكن أحد في الشارع ~~بحاجة إلى تفسير؛ فقد كان جليا أن الكهرباء قد انقطعت كعادتها المتكررة في الشهور ~~الأخيرة في الانقطاع عدة مرات في كل يوم. # خرجت بأبنائها من المحل وقد بدأت في الارتفاع ضوضاء مولدات الكهرباء الصغيرة التي ~~انتشر استخدامها مؤخرا في المحلات التجارية والكثير من المنازل، امتزجت في الهواء ~~الصيفي الحار روائح عادم الوقود المحترق في المولدات بروائح الخوف والترقب للأيام ~~الحاسمة القادمة، وصلوا إلى بنايتهم بعد مسيرة دقائق في الشوارع المعتمة، ثم جلسوا هناك ~~على السلالم الرخامية للمدخل في انتظار عودة الكهرباء لكي ms061 يأخذهم المصعد إلى الطابق ~~العاشر. انتظروا لما يقارب الساعتين متنقلين بأبصارهم في ضجر بين أضواء السيارات ~~العابرة في الشارع المظلم، وبين تلك البوابة الحديدية السوداء القبيحة التي تشبه بوابة ~~زنزانة، والتي اضطروا بالاشتراك مع سكان البناية إلى تركيبها أمام الواجهة الزجاجية ~~الأنيقة التي كانت تميز المدخل الفاخر لبنايتهم، فعلوا ذلك عندما فعله كل سكان البنايات ~~المجاورة أيام الانفلات الأمني واللجان الشعبية، قبل أكثر من عامين خوفا من هجوم ~~البلطجية، الذين لم تكن لتردعهم تلك الواجهة الزجاجية عن اقتحام البناية. # في الصباح بدأ الجدال المتوقع بالأمس بينها وبين الولد الكبير الذي يصر على الذهاب ~~للقاء أصدقائه في النادي، قالت له بحسم: لا يمكنك النزول الآن، ألم تكن معنا بالأمس في ~~سوق الكمبيوتر؟ ألم تشاهد كيف ظللنا محتجزين في ذلك، المحل وكيف كانوا يضربون بوابات ~~المحلات بالجنازير؟ يمكن لهؤلاء المجرمين أن يظهروا في أي وقت. # أجابها المراهق بنفاد صبر: لكنني لن أذهب إلى سوق الكمبيوتر يا أمي، ولن أقترب من ~~مقرهم أو أذهب في اتجاهه. تعرفين أن النادي على مبعدة خطوات، سأركض إلى هناك وسأحادثك ~~من الهاتف المحمول بمجرد دخولي من بوابة النادي. # هزت رأسها يمينا ويسارا في إصرار وقالت: إذا لم تنقطع الكهرباء أثناء نزولك بالمصعد ~~فتنحبس فيه لساعتين كما حدث في الأسبوع الماضي، فيمكن أن يقابلك هؤلاء المسلحون في ~~الطريق، وحتى إذا استطعت الوصول إلى النادي فكيف ستعود؟ من الذي يضمن لي كيف ستكون حالة ~~الشارع في المساء؟ ألا تذكر ما حدث في الأسبوع الماضي كذلك؟ # أجاب الولد وهو يتقافز من الغيظ والضجر: ما الذي حدث يا أمي؟! رأينا المظاهرة في ~~الشارع من داخل بوابات النادي، فعدت أنا وأصحابي للعب تنس الطاولة لبعض الوقت حتى ~~انتهت، وقد اتصلت بك من هناك وأخبرتك بذلك، بعدها أتى والد عمر واصطحبنا في سيارته ~~وأوصلني حتى مدخل البيت، لن يحدث شيء يا أمي أرجوك، لقد مللت من الجلوس في المنزل، إننا ~~في الإجازة الصيفية يا أمي، هل سنقضي الإجازة في المنزل؟! ألا يكفي أننا ms062 لم نذهب إلى ~~الساحل الشمالي هذا الصيف كما نفعل في كل عام؟! # ردت عليه في تصميم: أنت تعرف جيدا أن طريق الساحل الشمالي غير آمن، الكثيرون تعرضوا ~~للسطو المسلح على الطريق، ثم إن تلك لم تكن مجرد مظاهرة، لقد رأيتهم من الشرفة عندما ~~عبروا أمام بنايتنا، لقد كان هؤلاء الرجال الملتحون مسلحين، كانوا يلبسون خوذات متطابقة ~~فوق رءوسهم ويطلقون قنابل الدخان تلك في كل الاتجاهات. هذه ليست مزحة أو نزهة يا بني، ~~لقد عدت لي يومها بعينين ملتهبتين وظللت تسعل لثلاثة أيام نتيجة ما استنشقته من دخان، ~~لقد كسروا الكثير من السيارات عند نفق كليوباترا عندما اشتبكوا مع الشرطة ومع أولئك ~~الشباب المتظاهرين، رأيت ذلك في التليفزيون وعلى فيسبوك. # صممت على موقفها بمنع الولد الكبير وأخته من النزول، بعد جدال طويل انتهى بدخول كل ~~منهما إلى غرفته غاضبا، كانت في داخلها حزينة من أجلهم، وكانت تتمنى لو استطاعت ~~السماح لهم بالخروج والانطلاق لتعويض ضغوط تلك السنة المرهقة، لكنها كأم لم تكن ~~لتغامر بذلك مهما كانت احتمالات الخطر قليلة، عليها أن تحميهم حتى ولو لم يعجبهم ذلك، ~~كان ذلك يؤرقها كثيرا، كما كانت تؤرقها بشكل أكبر علاقتها بياسين التي فترت كثيرا في ~~الشهور الأخيرة، اعتادت طبعه بمرور الزمن، تعايشت مع جفائه غير المقصود، تعرف أنه يحبها ~~وتعرف أنه رقيق القلب برغم أنه لا يظهر لها ذلك، لكنها تريده أن يظهره، إن طباعهما ~~مختلفة؛ هي رومانسية وهو عملي، هي حالمة وهو واقعي، تقدر ما يتحمله من ضغوط، وتتفهم ~~ما يشغل باله طوال الوقت، خاصة بعد أن خسرته الأوضاع الأمنية المتدهورة في البلاد ~~الجزء الأكبر من أعماله ومشروعاته التي ظل يبنيها منذ تزوجا قبل سبعة عشر عاما، لكنها ~~تريد أن تسعد بكلمة غزل أو لفتة يشعرها فيها باشتياقه. يعتبر الرجال الزواج نهاية ~~الحب، بينما تعتبره النساء بدايته، يظن الرجل أنه قد حصل على مراده بالزواج، ويعتقد أنه ~~أدى ما عليه بعقد القران الرسمي، وأنه قد آن له أن يقضي بقية عمره مستقرا وادعا ms063 ~~متفرغا لاستكمال مشواره العملي في دنيا قاسية لا وقت فيها لرفاهية الرومانسية، بينما ~~تنتظر المرأة من الزواج الدفء والحنان، تتوقع صباحات الشغف وليالي العشق، أغنيات الغزل ~~وباقات الزهور، أمسيات الشموع والهمسات الدافئة. ربما يرجع أصل كل المشكلات الزوجية إلى ~~اختلاف التوقعات، ربما يرجع إلى أن الرجال والنساء لا ينظرون إلى مؤسسة الزواج من ~~الزاوية نفسها. ~~••• # قامت من السرير فلم يكن بإمكانها النوم على أي حال، وكان ياسين لم يزل في القاهرة ~~لاستكمال إجراءات تصفية شركته، أخرجت ألبوم صورها من علبته الكبيرة وأخذت تتصفح صور ~~زفافها وتستعيد ذكريات أيام زواجها الأولى، كان سقف توقعاتها عاليا في تلك الأيام، ~~كانت فتاة مثالية بمقاييس المجتمع، حافظت على نفسها طوال السنوات، ادخرت جمالها ~~وحفظت أنوثتها لزوج المستقبل حتى قبل أن تعرفه، انتظرت أن يعوضها، انتظرته فارسا ذا ~~حصان أبيض، أميرا وسيما وفنانا شاعريا، انتظرت فيه كل ما طاف بخيالها وزار أحلام ~~مراهقتها، وكل ما ثرثرت حوله مع صديقاتها في حصص المدرسة الفارغة، أو في المحادثات ~~الهاتفية الطويلة، فعلت ما كان عليها فعله، التزمت بأوامر ونواه الأهل والمجتمع ~~بحذافيرها، لم تقصر ولم تتهاون ولم تبد منها أي هفوة، كانت تلميذة مجتهدة ومراهقة ~~مهذبة، توقفت عن ارتداء الفساتين القصيرة التي تحبها وبدأت تختار ملابسها بتحفظ حين بدا ~~أن «خراط البنات قد خرطها» على حد تعبير عجائز العائلة، كانت شاهدة على مغامرات ~~زميلاتها الغرامية، لكنها لم تتورط أبدا في نصف مغامرة، حاول معها العديد من الشباب ~~ولم تضعف لنصف لحظة. ألم يكن من العدل أن تنال حينذاك مكافأة ذلك الالتزام؟! أليس هذا ~~هو زوجها «وحلالها» الذي انتظرته ثلاثة وعشرين شتاء؟ فليكن هو إذن فارسها، وليأت ~~بحصان أبيض، لا تدري من أين يمكنه أن يأتي به، لكن لا بد له هو أن يدري، أليس هو ~~الرجل؟ فليأت إذن بالحصان الأبيض، وليكن أوسم من كيفن كوستنر، وأرق من كاظم الساهر، ~~وأكثر رجولة من رشدي أباظة، فلن يرضيها أقل من ذلك. # كان ياسين هادئا متزنا، متحفظا في إظهار مشاعره، لم ms064 تكن تميز في أيامهما ~~الأولى بين غضبه وشروده، أو بين سروره واشتهائه، كان غامضا كمخطوطة عتيقة تحتاج للكثير ~~من الوقت والجهد حتى تنفك طلاسمها، ولم تزل هي تفك تلك الطلاسم حتى اليوم. انقضت أعوام ~~طويلة وهي تفعل، ولم تزل تشعر بأنها لم تفهمه تماما بعد، هؤلاء الرجال غامضون وغريبو ~~الأطوار، يبدون لها كأطفال، بلهاء تسوقهم غرائزهم البدائية بعض الأحيان، وكآلات عملاقة ~~لا تكل ولا يصعب عليها شيء أحيانا أخرى، لا تعرف إن كان ذلك حال كل الرجال، أم أنه ~~حال رجلها هي فقط، لا خبرة لها بالرجال على أي حال، فقط كانت تتشكل لديها قناعات غير ~~مكتملة مما تلتقطه من فضفضة الصديقات والقريبات، أو مما يتناثر على صفحات الجرائد ~~وتطبيقات التواصل الاجتماعي من ثرثرة، لكنها خرجت من ذلك كله باستنتاج واحد قاطع؛ لا ~~يأتي الرجال بأحصنة بيضاء، وليس ثمة من هو في رقة كاظم الساهر، بل إن كاظم الساهر نفسه ~~ليس بهذه الرقة على أرض الواقع! ~~••• # كانت قد قررت منذ سنوات طويلة ترك العمل والبقاء في المنزل لرعاية أطفالها وبيتها، ~~بعدما عملت في مكتب أستاذتها الجامعية لسنوات أربع، ثم انتقلت إلى مكتب استشاري أكبر ~~عملت فيه لسنتين، لم تستطع بعدها التوفيق بين العمل المرهق في مجال العمارة، الذي يتطلب ~~ساعات عمل طويلة، ومواعيد غير ثابتة، ويسبب ضغوطا نفسية وعصبية كبيرة، وبين ~~متطلبات تربية أبنائها الذين يحتاجون لرعايتها ولوقتها واهتمامها الكامل. كان ذلك على ~~الأقل هو السبب المعلن لاستقالتها من عملها، هذا هو التبرير الذي ساقته لقرارها ذلك ~~أمام مديرها الذي حزن كثيرا لخسارة كفاءتها وما اكتسبته من خبرات، وأمام ياسين الذي ~~رحب بالقرار بتحفظ مؤكدا على مساندته لها في أي قرار تجد فيه سعادتها، لكن السبب ~~الحقيقي الذي لم تعلن عنه لأحد قط هو أنها انسحبت من معركة حياتها اعترافا بالهزيمة، ~~كانت قد وصلت أخيرا للقناعة بأن طموحها المهني قد اصطدم بالسقف المتاح في هذه المدينة، ~~كانت تعلم أنه لا يمكنها التقدم لما هو أبعد مما هي عليه الآن. هذه ms065 المدينة ضيقة جدا ~~كما قال لها ياسين منذ سنوات في لقاء تذكره جيدا، كان ياسين قد سبقها إلى اكتشاف تلك ~~الحقيقة، لكنها كانت تصر على تجاهلها، أو ربما كانت تصر على اكتشاف الحقيقة بنفسها؛ ~~لذلك لم تسمح لها عزة نفسها بالاعتراف له وقتذاك بأنه كان على حق، وأنها كانت فتاة ~~ساذجة يعميها الطموح والشغف بالمهنة التي ارتضتها عن إدراك قبح الواقع، كانت ناجحة في ~~عملها إلى حد كبير، وكانت قادرة على التوفيق إلى درجة لا بأس بها بين عملها من جهة، ~~وبين بيتها وأبنائها من جهة أخرى، وبين رعايتها لوالديها كذلك من جهة ثالثة، لكن كل فرص ~~الترقي والتقدم في المشوار المهني كانت تقتضي الخروج من هذه المدينة التي ظلت على ~~الدوام محدودة الفرص رغم ضخامة امتدادها الجغرافي واكتظاظها بالسكان. هذا البلد مركزي ~~إلى درجة شديدة الفجاجة، كل الفرص هناك في العاصمة، كل فروع المكاتب العالمية الكبيرة ~~هناك في القاهرة الكبرى، ليست الإسكندرية إلا مجرد إقليم مهمل كأي إقليم مهمل آخر في ~~شمال البلاد أو جنوبها، فكل الأقاليم في هذا البلد سواء. نجح الكثيرون من زملاء وزميلات ~~دراستها الذين انتقلوا إلى القاهرة، أو الذين سافروا إلى أمريكا وكندا، أو إلى دبي ~~والدوحة، والتحقوا بالعمل في المكاتب العالمية الكبرى، بل ولمع نجم بعضهم حتى صاروا من ~~مشاهير المهنة الذين تفرد المجلات المتخصصة مساحات وصفحات لمناقشة أعمالهم والتعريف ~~بهم. عرفت في النهاية وبالطريقة الصعبة أنها لن تحقق أي جديد في مهنتها إذا استمرت على ~~ذلك الوضع، عرفت أنها لو بقيت هكذا لعشرين سنة فلن تتقدم أية خطوة إضافية، لتترك سوق ~~العمل وهي لم تزل مطلوبة، بدلا من أن تضطر إلى تركه عندما تصبح عبئا على أصحاب العمل ~~مع تقدمها في السن وارتفاع راتبها دون تقدم مهني حقيقي، لقد عاصرت خلال سنوات عملها ~~أكثر من زميل وزميلة ممن تقدموا في السن، يضطرون إلى الاستقالة أمام تفضيل أصحاب العمل ~~للبدلاء الأصغر سنا والأقل راتبا، فلتنسحب الآن إذن مرفوعة الرأس، لتترجل عن الفرس ~~وهي منتصرة، ms066 لعل تلك التضحية تحسب لها وتوضع في رصيدها، إن لم يكن أمام ياسين فأمام ~~نفسها على الأقل. # أكتوبر 2013م # على الأريكة العريضة ذات الوسائد التي ترهلت حشواتها بفعل الزمن بغرفة المعيشة في ~~بيت أبيه القديم في بولكلي، جلس ياسين يتناول إفطاره كعادته عندما يكون مسافرا، كان ~~ذلك الصباح هو الأخير له في الإسكندرية، لم تزل مدينة الرب تطل على الدنيا متألقة ~~باهية رغم تكاثر الغبار على ثوبها الأبيض العتيق، تفتح المدينة القديمة عينيها بتعب ~~السنوات الرديئة، وتلقي السلام على البحر القديم الذي ألقى إليها يوما بفارسها الأول ~~القادم من الشاطئ الآخر، ترتشف المدينة قهوة الصباح مترقبة يوما ثقيلا ثقل هواء ~~الخريف الرطب، تدهورت حالتها كثيرا عن أيام عصرها الذهبي، يوم أن كانت قبلة المهاجرين ~~الهاربين من جحيم حروب أوروبا التي لا تنتهي، لم يبق من الإيطاليين واليونانيين ~~والقبارصة والفرنسيين الذين اكتظت بهم شوارعها ومقاهيها لعشرات السنين إلا أسماء مبهمة ~~لمحطات ترام وشوارع ضيقة لا يتذكر أحد أصل تسميتها. يغيب كل يوم مبنى بديع ذو تصميم ~~إيطالي أو إنجليزي بما يحمله من تاريخ وحكايات وذكريات، لتنشق الأرض بعد سويعات عن مسخ ~~خرساني قبيح يحتل مكانه، يخترق قلب السماء ويحجب شمس النهار عن الشوارع الضيقة العتيقة ~~بظله الرمادي الكئيب، وواجهته السوقية الرخيصة، يزحف القبح على وجه هذه المدينة كوحش ~~أسطوري غاشم، يلتهم الجمال والتاريخ ويتقيأ مسوخا بدائية قميئة تكاد تسد شرايين ~~الحياة، وتمنع مدينة الرب من التنفس بعد ثلاثة وعشرين قرنا وهبت فيهن النور ~~للدنيا. # سيبدأ اليوم فصلا جديدا من حياته بعد الانفصال عن فريدة، وبعد أن قرر العودة للعمل ~~موظفا والبدء من الصفر مرة جديدة في مدينة جديدة، القاهرة التي لم يحبها يوما ولم ~~يحتمل زحامها وضجيجها وجوها المغبر على الدوام، شركة كبيرة متعددة الجنسيات تعمل في ~~مجال النقل البحري سعت إلى توظيفه مديرا لعملياتها في مصر للاستفادة من خبرته الطويلة ~~وعلاقاته المتشعبة بالسوق المصري. سيعيش وحيدا من جديد، للمرة الأولى منذ الفترة التي ~~قضاها وحيدا في بيت أبيه قبل الزواج، ms067 فضل أن يبقى الأولاد مع أمهم في شقة سموحة، وأن ~~يستقر هو بعيدا في القاهرة، وأن يأتي لزيارتهم كلما سنحت له فرصة، اجتهد كثيرا ~~ليتقبل فكرة العودة إلى العمل موظفا ينتظر راتبه في نهاية كل شهر، بعد أن كان شريكا ~~في ملكية شركة ناجحة، لكن ذلك كان الخيار الوحيد المتاح أمامه، بعد أن قام هو وشركاؤه ~~بتصفية الشركة التي ظلت تخسر لعدة شهور كانوا يدفعون فيها الرواتب الشهرية لموظفيهم، ~~الذين لم يكن لهم ذنب في خسارة الشركة وعلى أمل انصلاح الأحوال، لكن الأحوال لم تنصلح؛ ~~فاضطروا لبيع أصول الشركة لتغطية ما تراكم عليها من ديون، وخرج كل منهم بمبلغ زهيد ~~هو كل ما تبقى من حلمهم ومن سنوات شقائهم ونحتهم في الصخر. خرج من تلك الأزمة التي ~~تواكبت مع أزمة الطلاق ليجد أن عليه أن يبدأ من جديد في حياته الشخصية والعملية على حد ~~سواء، ولكن بمعطيات جديدة هذه المرة؛ إنه يواجه العالم هذه المرة وحيدا. يعود إلى ~~المنافسة في سوق العمل بعد أن ابتعد عنها لسنوات سبقه فيها الكثير من نظرائه، بينما كان ~~هو منشغلا بإدارة شركته، استغرقه تقبل الوضع الجديد بعض الوقت حتى قرر أنه ليس بإمكانه ~~إلا أن يتفاءل، أدرك أخيرا أن التفاؤل هو خياره الوحيد، لا يمكن أن يترك نفسه فريسة ~~للاكتئاب، لا يمكنه أن يستسلم الآن، ما زال داخل اللعبة ولم يخسر بعد، أنت تخسر فقط ~~عندما تقرر الانسحاب. أراح ظهره على الأريكة الخشبية القديمة، وحاول تصفية ذهنه ~~استعدادا لبدء ذلك الفصل الجديد من عمره، أغمض عينيه وبحث طويلا في ثنايا عقله عما ~~يمكنه أن يصفي ذهنه ويعالج روحه فوجد نفسه ينشد: # أحبك حبين حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاك # وأشتاق شوقين شوق النوى # وشوقا لقرب الخطى من حماك # فأما الذي هو شوق النوى # فمسرى الدموع لطول نواك # وأما اشتياقي لقرب الحمى # فنار حياة خبت في ضياك # ولست على الشجو أشكو الهوى # رضيت بما شئت لي في هداك # شعر رابعة العدوية (713-801م) # يناير 2015م # أمام ms068 طاولة طويلة في قاعة الاجتماعات الرئيسية بمكتب الشركة العالمية التي يعمل بها، ~~جلس يتأمل وجوه الحاضرين وهو شارد الذهن لا يكاد يتبين شيئا مما يتجادلون حوله ، عشرة ~~أشخاص ما بين رجال ونساء في أزياء رسمية جادة يلتفون حول طاولة خشبية فاخرة، يبرز ~~أمام كل من الكراسي الجلدية المتراصة حولها مقبس للكهرباء، ومخرج لتوصيل الأجهزة ~~المختلفة بالشاشة الكبيرة عالية الدقة المعلقة في صدر القاعة، بينما يحتضن الجميع عبر ~~الواجهة الزجاجية التي تحتل كامل المساحة خلفهم مشهد النيل وجسوره المتعددة، ومن ورائه ~~البنايات العالية المطلة عليه، والكتلة العمرانية اللانهائية للقاهرة الكبرى تمتد إلى ~~حدود الأفق. تأمل وجوه الحاضرين العشرة وحركاتهم وانفعالاتهم وردود أفعالهم، ثم فكر ~~كم أن حياته وحياتهم جميعا تشبه فيلما سينمائيا كبيرا، يمثل كل باب منزل فيه عامل ~~الكلاكيت الذي يعلن بدء المشهد التمثيلي لكل يوم، يستيقظ الجميع على صوت المنبه ليبدأ ~~كل منهم في تمثيل دوره الذي حفظه وأتقنه من جراء التكرار اليومي، يهرع الجميع من ~~أسرتهم ليلحقوا بمشاهدهم، يقوم كل ممثل إلى الحمام ليجهز نفسه، يغسل وجهه ويفرش ~~أسنانه ويزيل رائحة النوم من فمه، ثم يرتدي زي الشخصية التي يمثلها؛ إما البدلة ورباط ~~العنق، أو الزي العسكري، أو زي مضيفة الطيران، أو طاقم التدريب الذي يحمل شعار النادي، ~~كل على حسب دوره في الفيلم. ثم يأتي دور المكياج، اللمسات النهائية التي يضعها ~~الممثلون على هيئتهم في غرف الملابس؛ من تصفيف للشعر، ورش للعطر، ورسم للعيون، وطلاء ~~للأظافر، وتهذيب للحية، وضبط للحجاب أو النقاب. ثم الإكسسوارات الضرورية لكل شخصية؛ ~~كالساعة والنظارة وأقراط الأذن. لا بد من مراعاة كل تلك التفاصيل الصغيرة بعناية قبل ~~الظهور أمام الجمهور، ثم يفتح كل منهم باب منزله فيعلن عامل الكلاكيت بداية مشهد جديد ~~من الفيلم. يبدأ الجميع بالتمثيل، يتسابقون في إظهار مواهبهم في تقمص الدور، يقضي كل ~~منهم يومه منهمكا في التظاهر؛ إما التظاهر بالعمل، أو بالتعاطف، أو بالاهتمام، أو ~~بالكفاءة، أو بالإنسانية. يحب معظم الناس أدوار الملائكة والقديسين والأبطال، قليلون هم ~~من يرتضون ms069 بأدوار البشر البسطاء العاديين. يروق لياسين من حين لآخر مراقبة تلك المسابقة ~~التمثيلية اليومية التي يشارك هو ذاته فيها مرغما في معظم الأحيان، أو راغبا في أحيان ~~أخرى، يجاهد ليخفي ابتسامة عندما يتابع أحد تلك المشاهد التمثيلية وهو يدور على مقربة ~~منه. في العمل أو في السوبرماركت أو في إشارة المرور، ممثل يبذل قصارى جهده ليبدو ~~مقنعا في دور الحكيم المتفهم أمام ممثلة لا تبدو متمكنة كثيرا من أدواتها حين تؤدي ~~دور المضطهدة، ممثل تفضحه نظراته الجائعة حين يؤدي دور الزاهد العابد. فريق تمثيل متدرب ~~جيدا على أداء أدوار المريدين المنبهرين بعبقرية ممثل أعلى منهم منصبا يؤدي دور ~~العلامة الخبير باحترافية شديدة تجعلك تكاد تقف مصفقا، ليس فقط لقدرته ولكن لجرأته ~~على ادعاء ما ليس فيه. الجميع يمثلون، ويعلم الجميع أنهم يمثلون، ويدرك الجميع أن ~~الآخرين كذلك يمثلون، لكن ثمة اتفاق غير معلن بين الجميع على التواطئ المتبادل. يتقمص ~~كل منهم شخصيته طالما بقي مرتديا القناع الذي يمثلها، بعض الممثلين بارعون لدرجة ~~النجاح في تقمص أكثر من شخصية، والتبديل بين أكثر من قناع، والغالبية الباقية محدودو ~~الموهبة، يؤدي كل منهم دوره اليومي بالكاد، ثم ينزوي مبتعدا عن موقع التصوير ليعود ~~لشخصيته الحقيقية؛ فيتحول الموظف الروتيني البغيض الذي يتلذذ بتعذيبك بين دهاليز مصلحة ~~حكومية ما، إلى رجل متعب يتابع مباراة محلية في كرة القدم، مستلقيا في ضجر بجانب طبق ~~نصف ممتلئ بحبات الجوافة على أريكة غير مريحة في غرفة جلوس ذات حوائط بنفسجية اللون. ~~وتنقلب موظفة الاستقبال الودودة ذات الابتسامة الدائمة في وجوه الجميع إلى ربة منزل ~~تختبر درجة حفظ طفليها لدروس الدراسات الاجتماعية واللغة العربية مرتدية إسدال الصلاة، ~~وهي تشارك في تعليقات النميمة مع قريباتها على فيسبوك، بينما تلوح أمام وجهي ~~الصغيرين بالملعقة الخشبية الكبيرة التي باتت تستخدمها كعصا أكثر مما تقلب بها ~~الطعام. # لقد سئم هذا الفيلم الذي لا ينتهي، مل من تمثيل الدور ذاته كل يوم منذ أن يفتح باب ~~بيته - لحظة الكلاكيت - حتى يعود في المساء منهكا ms070 من التظاهر والتمثيل، أكثر منه ~~منهكا من العمل ذاته. لكن الجميع يمثلون، فهل يخرج هو وحده عن ذلك الإجماع؟ هل يواجه ~~هؤلاء الجالسين أمامه حول طاولة الاجتماعات بأنهم بائسون ومفتعلون وكاذبون؟ أغلب الظن ~~أنهم يعلمون تلك الحقيقة جيدا، لكنهم متعايشون معها طالما بقيت غير معلنة؛ أنت في مأمن ~~طالما بقيت ضمن القطيع، أنت في مأمن من نظرات الاستهجان ومن أصابع الاتهام ومن مشانق ~~المنافقين، أنت تملك صك النجاة طالما أبقيت فمك مغلقا، وعقلك كذلك، طالما بقيت تضحك ~~على ما يضحك أفراد القطيع، وتستنكر ما يستنكرون، تأكل ما يعجبهم، وترتدي ما يروق لهم، ~~وتنام على الجانب الذي يريحهم، تتبع خياراتهم، وتخضع لأحكامهم، وتصدق خرافاتهم، وتطوف ~~حول أصنامهم، لا تعني شيئا درجة اقتناعك بما هم مقتنعون به، لا جدوى من سؤالك عمن ~~فرض عليهم فروضهم، وعمن سن لهم عاداتهم. إذا رأى القطيع أن هذا نابغة فهو نابغة، ~~وإذا وصموا تلك بأنها عاهرة فهي كذلك، أما مجادلتك إياهم بخصوص المعايير التي يضعون بها ~~أي شخص في أي خانة فلا محل لها؛ لن تستطيع أن تدرك مثلا لماذا اعتبروا من تتاجر بجسدها ~~عاهرة، ومن يتاجر بأرواح الآخرين زعيما. فلتصمت إذن ولتتبع القطيع، لتترك موسيقاك ~~وأحلامك وقصائدك وليلتك المقمرة الساحرة، ولتذهب إلى فراشك مبكرا لتستيقظ مبكرا، ~~فبمجرد أن يدق عامل الكلاكيت، لا بد للمشهد من أن يبدأ، ولا بد لك من أن تؤدي دورك؛ ~~فلا يمكن أن يتوقف الفيلم من أجل ممثل صغير لا يلتزم بالمواعيد التي فرضتها ~~الأغلبية. # صحراء # استمرت تلك الهياكل الرمادية الميتة في النمو، كان غريبا أن تنمو وهي ميتة، لكنها ~~كانت تنمو بسرعة حتى التهمت المكان كله وصارت تحجب نور الشمس أغلب النهار، وتحجب القمر ~~والنجوم طوال الليل، لم تكن تتواصل مع من حولها، لم تكن ودودة كالشجر الذي اقتلع، ~~ولا كالزواحف التي هربت. كانت الشجرة تشعر بالانفصال عن ذلك العالم الذي لم يعد كما ~~تعرفه، ولم يتبق لها فيه أنيس أو صديق، كانت تشعر للمرة الأولى بأنها شاذة في المكان؛ ms071 ~~فلا شيء هنا يشبهها، لا تفهم ما يدور حولها ولا تألف تلك الكائنات الدخيلة ولا الزوار ~~الجدد. حتى رمال الصحراء لم يتبق منها الكثير بعد أن تقيأ أحد تلك الوحوش حجارة ~~سوداء صغيرة وكثيرة جدا، راسما بها خطوطا عريضة ممتدة إلى الأفق، ثم جاء بعض ~~البشر بحجارة أخرى ملساء ومتطابقة، وقاموا برصها بترتيب محكم بجوار بعضها البعض؛ ~~فصارت تشكل أرضا أخرى، سوداء ناعمة لامعة، شكلها يشبه حجارة الجبال، لكنها ليست بجبال، ~~وأي جبال تلك التي لها هذا الملمس الناعم؟ # | الفصل الثامن # أغسطس 1994م # على رصيف محطة السكك الحديدية برمسيس نزل بهدوء واثقا من صحة قراره باختيار الطريق ~~الثاني، مشى في ثبات وفي خط مستقيم وسط زحام العابرين المهرولين إلى القطارات ~~والخارجين منها، متجها إلى أحد أكشاك الهواتف العمومية ذات اللونين الأخضر والأصفر ~~المثبتة على جدار بهو المحطة الكبير، ثم أخرج من جيبه بطاقة الاتصال الخاصة بالشركة ~~التي تتبعها تلك الهواتف، ومعها بطاقة أخرى عليها اسم مكتوب بخط عربي مزخرف قرأ منها ~~رقما وطلبه على أزرار الهاتف. عندما أجابه الطرف الآخر رد في ثقة وهدوء بالغين: ألو ... ~~أنا ياسين عمران يا أستاذ نايف ... نعم بخصوص وظيفة مدير الحسابات التي تحدثنا عنها ... ~~أهلا بك ... بخير والحمد لله ... أشكرك ... حسنا لقد وصلت إلى القاهرة ويمكنني مقابلتك هذا ~~المساء في نفس الفندق، أظن أنني سأكون جاهزا للسفر بعد استكمال توثيق المستندات ~~المطلوبة من وزارة الخارجية ثم من السفارة السعودية، لا أتوقع أن تستغرق تلك الإجراءات ~~أكثر من أسبوعين سأقوم في أثنائهما كذلك باستخراج تصريح السفر من مركز التجنيد. # يونيو 2012م # على كرسي دوار ذي ظهر مرتفع مصمم لتثبيت فقرات الظهر بوضع مريح للجلوس لفترات طويلة، ~~ومغطى بنسيج مسامي يمنع التعرق، جلس ياسين أمام مكتبه ذي الجدران المركبة من قواطيع ~~جاهزة التصنيع من إطارات من الألومنيوم، تتوسطها ألواح من الخشب المضغوط والزجاج ~~المصقول بارتفاع يقل قليلا عن طول الشخص المتوسط، والتي تغطي جانبين فقط من المساحة ~~المخصصة للمكتب، بينما يبقى الجانبان الآخران عن يمينه ومن ms072 خلفه مكشوفين على ممرات ~~داخلية في صالة العمل الضخمة ذات النوافذ الكبيرة على محيط جوانبها، والتي تحتل طابقا ~~كاملا من المبنى المهيب المطل على شارع كوين في وسط تورونتو، كان قد انتقل بالأمس فقط ~~إلى ذلك المكتب الأكبر قليلا من بقية مكاتب الصالة، بعد أن حصل على ترقية جديدة ~~مكنته من ترك مكتبه السابق الذي لم يكن سوى طاولة فوقها شاشة كمبيوتر رقيقة وتحتها ~~بضعة أدراج، وأمامها كرسي دوار من نوع رخيص، ولا تحيط بها أي جدران. فقط مجرد طاولة ~~من عشر طاولات متطابقة ومتجاورة تمثل صفا من ستة صفوف يحتلها موظفو القسم، بينما يجلس ~~المديرون والتنفيذيون في جانب الصالة الأيمن خلف مكاتبهم التي يجمع كل أربعة منها تلك ~~القواطيع المتعامدة على بعضها على شكل حرف إكس. هكذا هي هذه الشركة، كمثيلاتها في هذه ~~البلاد، لا يهتم أصحاب الشركات هنا كثيرا بالمظاهر، ولا ينفقون أموالا فيما لا يعود ~~بالفائدة على سير العمل، كل ما يحتاجه الموظف لكي يؤدي وظيفته هو مكتب عليه شاشة ~~كمبيوتر، وتحته بعض الأدراج وكرسي دوار واتصال جيد بالإنترنت، مع أرضية مغطاة بالكامل ~~بالموكيت، وإضاءة كافية وموزعة جيدا، ونظام صحي للتهوية والتدفئة، ونوافذ كبيرة تسمح ~~لهم برؤية العالم في الخارج، أيام العمل الأسبوعية كلها متشابهة، يكون الجميع على ~~مكاتبهم قبيل التاسعة صباحا، ويغادر الجميع في الخامسة عصرا إلى بيوتهم في ضواحي ~~المدينة المتفرقة، يذهب الجميع كذلك لتناول الغداء أو الوجبات الخفيفة في المطاعم ~~وعربات الطعام المقابلة للمبنى خلال فترة الاستراحة المخصصة لذلك في منتصف الظهيرة، ~~ويسمح للمدخنين باقتناص دقائق لإشباع حاجتهم إلى النيكوتين بالخارج، وعلى بعد لا يقل ~~عن عشرة أمتار من أي من بوابات المبنى، كما تنص اللوحة المثبتة بجوار المدخل، والتي ~~تعلن بوضوح عن قيمة الغرامة المالية الكبيرة لمن يخالف ذلك. # كان منهمكا في ترتيب أغراضه على سطح المكتب الجديد، حيث يمنحه هذان الجداران ~~القصيران على شكل زاوية قائمة بعضا من الخصوصية التي افتقدها في هذه الشركة طوال ~~الفترة التي قضاها أمام الطاولة غير المحاطة ms073 بأية جدران في منتصف الصالة، كان ذلك القدر ~~من الخصوصية بمثابة المكافأة التي حصل عليها نظير اجتهاده لسنوات، ليس فقط في هذه ~~الشركة، بل كذلك في الشركة التي عمل فيها سابقا بعد أن ظل يبحث عن عمل للأشهر الأربعة ~~الأولى له في هذه البلاد، والتي كان راتبها أقل من مصروفاته، لكنها مكنته - بعد أن ~~قضى فيها عامين - من الحصول على وظيفة أفضل بشركته الحالية، أصبح بإمكانه الآن أخيرا ~~أن يضع أمامه إطارا به صورة له مع أسرته أثناء عطلتهم الأخيرة في نيويورك، وأن يلصق ~~على أحد الجدارين أبياتا من الشعر الصوفي، كان قد خطها له على ورقة بيضاء بحرف عربي ~~مزخرف زميل سوداني عمل معه سابقا في دبي، وكان يهوى الخط العربي: # رضي المتيم في الهوى بجنونه # خلوه يفني عمره بفنونه # لا تعذلوه فليس ينفع عذلكم # ليس السلو عن الهوى من دينه # قسما بمن ذكر العقيق لأجله ~~... # قسم المحب بحبه ويمينه # ما لي سواكم غير أني تائب # عن فاترات الحب أو تلوينه # شعر أبي الحسن الشيشتري (1212-1269م) # مرت بجواره في الممر زميلة له في القسم، فتوقفت لتهنئه على الترقية وعلى المكتب ~~الجديد، كانت كندية تقليدية من أولئك الذين هاجر أجدادهم البعيدون من شمال أوروبا إلى ~~هذه البلاد قبل مائة عام أو أكثر، نظرت الزميلة باندهاش إلى الأبيات الشعرية المعلقة ~~وسألته في بعض الانبهار: أوه! هذه كتابة شديدة الجمال يا سيد عمران! هل أحضرت هذه ~~اللوحة البديعة من الهند؟ # نظر ياسين إلى اللوحة مرة أخرى وكأنما ليتأكد مما تنظر إليه تلك المرأة، ثم أجاب في ~~لهجة استغراب: الهند؟! لكن لماذا تعتقدين أنها من الهند يا سيدة ويلموت؟ هذا الخط عربي ~~في الحقيقة. # رجعت بجذعها إلى الخلف وهي تتطلع في وجهه كما لو كانت متفاجئة وأجابت في اندهاش: أنا ~~آسفة! ظننت أن هذا الخط هندي، إنه يشبه ما أراه على لافتات المحلات في منطقة ليتل ~~إنديا. تعود أصولك إلى الهند يا سيد عمران كما يمكن أن أخمن، هل هذا صحيح؟ يوجد ممثل ms074 ~~هندي اسمه عمران كذلك على ما أظن. # أجابها بهدوء تعود عليه من كثرة ما تعرض لذلك النوع من الأسئلة السخيفة في هذه ~~البلد: كلا يا سيدة ويلموت. أنا من مصر، والعربية هي لغتي الأم. # زادت حدة تعبير الاندهاش على وجه المرأة أكثر وأكثر، وبدت عليها الحيرة وهي تجيب فيما ~~يشبه الاعتذار: أوه! ظننت أن مصر تنتمي إلى أفريقيا، كنت أعتقد أنهم يتحدثون اللغة ~~الأفريقية هناك. أليس من يتحدثون العربية هم سكان الشرق الأوسط؟ اعذرني فلا أعرف الكثير ~~عن هذا الجانب من العالم، لم أسافر خارج أمريكا الشمالية إلا إلى البرازيل، وبعض بلدان ~~أوروبا فقط. # لم يرد أن يخوض في هذا الحديث العبثي لأكثر من ذلك فاعتذر لها بأن عليه الانتهاء من ~~ترتيب أغراضه قبل استراحة الغداء، شكرها على التهنئة وتمنى لها الحصول على ترقية مماثلة ~~في أقرب فرصة، استمر في وضع تذكاراته على سطح المكتب، وضع دلة قهوة نحاسية صغيرة تذكره ~~بالسنوات التي قضاها في جدة، ثم وضع مجسما فضيا لبرج العرب يذكره بالفترة التي عاشها ~~في دبي، ثم اختتم مجموعته الصغيرة بنسخة مصغرة من قناع توت عنخ آمون الذهبي، كان قد ~~اشتراها من خان الخليلي صباح يوم مغادرته لمصر قبل ثمانية عشر عاما. ~~••• # عندما وطئت قدماه للمرة الأولى أرض هذه البلاد؛ أدرك مدى اتساع الهوة بينها وبين أي ~~مكان أقام فيه من قبل، هذه بلاد باردة، لا يمكنك أن تخطئ ذلك الانطباع الطاغي منذ ~~اللحظة الأولى، ليست باردة الطقس وحسب، ولكن باردة القلب كذلك، باردة الأسطح والأرضيات ~~والجدران. ربما كان أقرب مثال جعله يدرك طبيعة هذا البلد هو ذلك الهايبر ماركت الشهير ~~ذو الفروع الكثيرة متطابقة الحجم والتصميم، والمنتشرة على أطراف كل المدن في كل ~~المقاطعات، ذلك الفراغ الضخم ذو الممرات العريضة وصفوف الأرفف المعدنية الشاهقة، كل ~~شيء هنا أملس تماما وبارد تماما، الإضاءة بيضاء وساطعة ومحايدة، مجرد بحر من النور ~~الأبيض يغمر كل شيء بالتساوي وكأنه لا شيء هنا متميز عن غيره. هذا المكان المتوحش مصمم ~~بعناية لكي ms075 يشعرك بأن كل شيء بداخله في متناول يدك؛ كل البضائع أمامك، كل الخيارات ~~الممكنة، فلتختر ما تريد، ولتدفع ما في بطاقتك الائتمانية من رصيد ولتذهب في هدوء، ~~فلا وقت لدينا هنا لتدليلك بأرضية أنيقة أو جدران ذات ملمس خشبي دافئ، أو حتى بإضاءة ~~أكثر حميمية. إذا أردت بعض التدليل يا صديقي فلتذهب لتنفق المال في متجر فاخر ذي شريحة ~~عالية من الأسعار. # منذ الأسبوع الأول له في هذه المدينة عرف أن سبعة آلاف سنة من الحضارة لن تغني عنه ~~شيئا، وأن كل مخزونه من أغاني الفخر الوطني عن «أول نور في الدنيا شق ظلام الليل»، وعن ~~«ولا شاف النيل في أحضان الشجر، ولا سمع مواويل في ليالي القمر» لن تغير قيد أنملة من ~~حقيقة أنه هنا مجرد مهاجر شرق أوسطي آخر. لا مجال هنا للتفاخر ببطولات أجدادنا في قادش ~~وحطين وعين جالوت وقونية، ولا بما فعله بواسلنا بالسفينتين بيت شيفع وبات يم على رصيف ~~ميناء إيلات الحربي. هذه بلاد باردة لم تسهر أمام أفلام القناة الأولى في ذكرى ثورة ~~يوليو، ولم تنصت لأغنيات مطرباتنا الشهيرات في حفلات أضواء المدينة، هذه بلاد باردة لم ~~ترقص في الشوارع ابتهاجا بالفوز على الكاميرون في بطولة أفريقية، أو تحية لزعيم خالد ~~يطوف الشوارع بصحبة زعيم شقيق - خالد كذلك - ملوحين بكفيهما للحشود المصطفة على ~~الجانبين من المقعد الخلفي لسيارة أمريكية مكشوفة، هذه بلاد باردة بلا تاريخ، أقدم شيء ~~هنا لا يتعدى عمره المائة عام، وكل شيء هنا يبدأ من الصفر؛ بدءا بدرجة الحرارة على ~~مقياس فهرنهايت، وحتى التراث والرياضة والفنون والعادات والتقاليد. عليك أن تخلع ثقافتك ~~وماضيك وذاكرتك على بوابة القادمين في مطارها الدولي كما تخلع نعليك عند الوادي المقدس، ~~فهنا ستقابل إله الحضارة الغربية، وعلى هذه الأرض الموعودة سينعم عليك بحياة جديدة ~~منزوعة الدسم، وخالية من السكريات والدهون، حياة غربية على طراز العالم المتحضر، تنسيك ~~ما عرفته من حياة بائسة في ذلك الجانب المظلم من العالم الذي أتيت منه، ذلك الجانب ~~الغامض المبهم من ms076 الكرة الأرضية، حيث ما زال البدائيون يمتطون ظهور البعير، ويتعاطون ~~الخرافات، ويقضون نهاراتهم في مطاردة قطعان الأغنام الشاردة وسط كثبان رمال ~~الصحاري. # لم يستطع قط التأقلم مع برودة هذه البلاد، حتى بعدما امتد مقامه بها لسنوات، لطالما ~~كان يشتاق إلى الشتاء أثناء سنوات تنقله بين مدن الخليج العربي الحارة، لكنه كان يشتاق ~~إلى ما عرفه من شتاء في الإسكندرية، إلى ذلك الشتاء الحميم ذي الصباحات المشمسة المنعشة ~~التي تتخللها بضع نوات ممطرة، لم يعرف معنى الشتاء إلا بعد أن جاء إلى هنا، أذهله ~~مشهد تساقط الثلوج حين رآه للمرة الأولى، ابتهج كثيرا وخرج لتجربة هذا المشهد على ~~الطبيعة والتقاط بعض الصور، لكن ابتهاجه كان أقل في المرة التالية، وظلت فرحته بالثلوج ~~تخبو حتى صار بالنسبة له حدثا روتينيا يعيقه عن ممارسة حياته، ويصعب عليه الانتقال ~~إلى عمله وممارسة رياضته اليومية، صار مشهد الثلج المتساقط بلا انقطاع لأيام متتالية، ~~والصقيع المتراكم على فروع الأشجار العارية، وعلى أسطح البيوت والسيارات، وعلى نجيل ~~حديقته الخلفية الصغيرة يصيبه بالكآبة، لم يعتد أبدا على تلك البرودة الباطشة التي ~~تكاد تجمد أهداب العين إن لم تحركها باستمرار، ليس هذا هو الشتاء الذي كان يشتاق إليه، ~~لكن لكل شيء هنا تعريف مختلف. # عرف أنه سيحتاج إلى أن ينسى كل ما تعلمه في مصر، وكل ما اكتسبه من خبرات في مشواره ~~الوظيفي الذي تدرج فيه بين الشركات في مصر ثم السعودية ثم الإمارات؛ لكي يستطيع أن ~~يتكيف مع عقلية أمريكا الشمالية، ومع نموذجها وقواعدها وأصول العمل بها، لن تغني عنك ~~أكثر من خمسة عشر عاما من الخبرة خارج هذه القارة، فطالما لم تمتلك بعد ما يكفي من ~~الخبرة الكندية؛ فليست ثمة قيمة تذكر لكل تلك الشهادات والخبرات والمؤهلات التي ~~اعتمدتها الحكومة الكندية ذاتها، واعترفت بها ومنحتك بموجبها تأشيرة الهجرة إلى هنا. ~~لتجلس إذن لتتعلم من جديد في مقاعد المتدربين، ولتقبل بتقاضي أجر زهيد، ولتتعلم ممن ~~سبقوك في الوصول إلى هذه القارة - وإن كانوا أصغر منك سنا وأقل كفاءة ms077 - حتى يمكنك أن ~~تجد لنفسك بعد سنوات تالية من الكفاح مكتبا مستقلا ذا جدارين قصيرين وسط المديرين ~~والتنفيذيين في الجانب الأيمن من الصالة الكبيرة. # يناير 2015م # على مقعده بجوار النافذة في قطار الضواحي العائد به من عمله بوسط المدينة، إلى منزله ~~على طراز المنازل الكندية التقليدية ذات الطابقين والحديقة الخلفية والسقف المائل، في ~~ضاحية أوك فيل الهادئة على ضفاف بحيرة أونتاريو، والذي اشتراه بقرض بنكي يسدد أقساطه ~~شهريا لمدة عشرين عاما، بينما كان عائدا في رحلته اليومية المعتادة جلس ياسين ~~متأملا كل تلك السنوات، تتداعى على رأسه الذي خطه الشيب بقسوة أطياف الماضي ونسائم ~~الأحلام القديمة، يسرح ببصره طويلا خارج نافذة القطار حيث غطت الثلوج كل شيء؛ ~~الحقول والبيوت والسيارات، لم تظهر الشمس في السماء منذ أشهر، ولم تزل أعمدة الكهرباء ~~اللعينة تتكرر رتيبة مملة لا نهائية، يا الله! كل تلك السنوات! متى ينتهي ذلك التكرار ~~اللعين؟ ماذا أفعل هنا؟ ثم ماذا بعد؟ تخطر بباله تساؤلات وجودية عن ماهية الحياة؛ لماذا ~~على المرء أن يتعايش مع هذه المعاناة التي لا نهاية لها؟ لماذا عليه دائما أن ينتظر؟ ~~ينتظر نهاية الشهر ليحصل على راتبه ثم يبدأ الانتظار للراتب التالي، ينتظر نهاية أقساط ~~السيارة ليبدأ أقساط سيارة جديدة، ينتظر مرور تلك الفترة الصعبة ليجد نفسه في فترة صعبة ~~أخرى، ينتهي من مهمة ليفكر في مهمة جديدة، اكتشف أنه أصبح في حالة انتظار دائم لا يدري ~~له نهاية، رغم أن أشد ما يكره في هذا العالم هو الانتظار. ~~••• # دق جرس هاتفه المحمول وظهر على شاشته وجه زوجته بابتسامتها الهادئة، أجابها ودار ~~بينهما حديث روتيني عن طلبات للبيت، عليه أن يمر بمحل البقالة ليشتريها في طريق سيره ~~القصير من محطة القطار إلى البيت، ينهيان المكالمة بتحيتهما المعتادة، يضع الهاتف في ~~جيب معطفه ثم يفكر بامرأته التي شاركته ذلك العمر، يخطر بباله سؤال بدا له فجأة أنه ~~ينتبه إليه لأول مرة؛ هل يحبها؟ لقد كان زواجهما تقليديا عن طريق بعض المعارف ~~المشتركين، قابلها في مناسبة ms078 عائلية أثناء إجازة له خلال عمله بالسعودية، وجد شخصيتها ~~مناسبة له وارتاح إليها بعد عدة لقاءات، تقاربا وشعرا بالتفاهم بينهما؛ فخطبها ثم عقد ~~القران وتم الزفاف في الإجازة التالية، تنقلت معه من بلد لآخر وكانت دائما سندا له، ~~لم تعد علاقته بها بعد كل تلك السنوات مجرد حب، لا يمكن تقييم ذلك بتلك البساطة، كانت ~~قد غدت منذ زمن لا يدرك قدره جزءا أساسيا من حياته، من تفاصيل يومه، غدت جزءا منه ~~هو ذاته بحيث لا يمكنه تخيل نفسه بدون وجودها، لا يذكر كيف كانت حياته قبل أن يعرفها، ~~كانت حاضرة في كل تفاصيله وذاكرته، كانت تبدو كخلفية ثابتة في شريط ذكرياته، يكاد هو ~~وهي يكونان شخصا واحدا، كيانا مفردا لا يتجزأ، كل ما حولهما صنعاه معا؛ البيت ~~والأبناء والشخصية والثقافة والذكريات، بل والأحزان كذلك، كل تلك التحديات التي واجهاها ~~معا. بعد كل هذا العمر لا يمكنه الحديث عن الحب بسذاجة المراهقين وحديثي العهد ~~بالعلاقات الإنسانية، لا يمكنك اختصار حياة كاملة بكل ما فيها من ضجيج ومعاناة وبهجة ~~وألم ونشوة في مصطلحات لا تكاد تعني شيئا أمام كل ذلك الصخب، هي أشياء لا يمكنك ~~إحاطتها بسياج الألفاظ. ~~••• # يجول ببصره متطلعا إلى ركاب القطار متأملا تلك التشكيلة العجيبة من الأعراق ~~والأجناس والثقافات، إن كان لهذه البلاد ميزة واحدة فهي هذا التنوع، أدهشته فكرة أن كل ~~هؤلاء البشر على اختلاف ظروفهم ومرجعياتهم في بلدانهم الأصلية، اختاروا نفس الطريق ~~وأتوا إلى هنا من كافة بقاع الأرض ليجمعهم قطار ضواحي تورونتو، لا يعرف إذا ما كان هو ~~قد اختار الطريق الصحيح، أم أن حياته كانت لتصبح أقل بؤسا لو أنه اختار طريقا آخر، ~~يفهم تماما بالطبع أن لا معنى لكل تلك الترهات؛ فلا يمكن لأحد إعادة الزمن إلى ~~الوراء ليصلح ما أفسده، أو ليسلك طريقا مختلفا، بل إنه لا يضمن أن ما يظنه الآن ~~الخيار الأفضل كان سيحقق له السعادة أو يقوده إلى مكان أفضل بالفعل، جميع الناس بؤساء ~~بشكل أو بآخر، يمكن لشخص ms079 في عمره أن يدرك ذلك بسهولة، لا أحد سعيد تماما، ولا يوجد ~~طريق مضمون إلى السعادة، لا يوجد طريق مضمون لأي شيء في الحقيقة، فكل طريق خاضع لتقلبات ~~الحياة. إن الطريق الذي اختاره والقرارات التي اتخذها على مدار عمره والتجارب التي مر ~~بها كل ذلك يجعله من هو عليه الآن، بكل محاسنه ومساوئه، بكل ميزاته وعيوبه، ولا يمكن ~~فعل شيء لتغيير ذلك الآن. هذا هو ما قاده إليه مشوار عمره، وهذا هو ما انتهى إليه - حتى ~~الآن على الأقل - بعد تلك الرحلة المجهدة بين ربوع العالم، من الصحاري العربية إلى ~~الأصقاع الكندية، ما بين حرارة متطرفة وبرودة متطرفة، وكأنه ليس مقدرا له الاعتدال قط، ~~بعد ذلك التجوال بين مدن متباينة الملامح والنكهات، حتى إنه فكر ذات يوم أن يضع في ~~سيرته الذاتية تحت بند المهارات الشخصية أنه - بجانب قدرته على العمل تحت الضغوط وضمن ~~فريق عمل - يحفظ عن ظهر قلب كل شارع في تورونتو ودبي والشارقة وجدة، كما أنه يمكنه كذلك ~~التجول في مدن مثل الرياض ومكة وأبو ظبي والقاهرة وأوتاوا وديترويت، دون الحاجة لتشغيل ~~نظام تحديد المواقع الجغرافية، ما بين «لك حبي وفؤادي» مرورا ب «سارعي للمجد ~~والعلياء» و«عاش اتحاد إماراتنا» يتوقف به قطار الرحلة هذه المرة عند محطة # God Save The Queen ~~، ولا يدري بعد إن كانت تلك هي ~~محطته الأخيرة، أم أنه لم يزل للقطار رأي آخر. ~~••• # أخرج هاتفه مرة أخرى من جيب المعطف، فتح ألبوم الصور وأخذ يقلب فيه عائدا إلى ~~الخلف، كان يحتفظ بألبومات صوره كلها على موقع لتخزين الملفات؛ حتى يمكنه الوصول إليها ~~من أي مكان، وكان قد حول كل صوره منذ أن غادر مصر - حتى تلك التي ترجع لفترة ما قبل ~~التصوير الرقمي - إلى أرشيف إلكتروني كبير مقسم حسب المدينة والتاريخ. طالعته من ~~الألبوم صور شخوص متفرقة قابلها وتعامل معها في مراحل متفرقة من حياته، لا يعرف لماذا ~~برزت له تلك الشخوص بالتحديد، رغم أنه لا رابط يستطيع إدراكه يجمع تلك التشكيلة غير ms080 ~~المتجانسة من البشر. # توقف عند صورة تحمل تاريخ يناير 2007م، وتجمعه هو وابنته الكبرى أمام سيارته ~~الأمريكية الكبيرة مع محمد إرشاد، حارس البناية الصغيرة الهادئة التي سكن إحدى شققها ~~لبضع سنوات، كان شخصا طيبا وودودا إلى حد لم يسبق أن رأى له مثيلا، لم يره قط إلا ~~مبتسما، كان شابا مثابرا في عمله لا يكف قط عن التنظيف، ينتهي من غسل سيارات السكان ~~في الصباح الباكر قبل أن يغادر أصحابها إلى أعمالهم، فيبدأ في تنظيف أرضيات الأدوار ~~والمصاعد بالسائل المعقم قبل أن يبدأ في تلميع الحوائط الرخامية للمدخل، ثم ينتهي من ~~ذلك كله ليبدأ في رعاية نبتات الطماطم والنعناع التي كان يزرعها في حوضين رخاميين ~~صغيرين على جانبي مدخل البناية، ليقطف ما ينضج منها ويهديه لطفلة من سكان البناية عائدة ~~في حافلة مدرستها فيرى السعادة في وجهها، لم يكن محمد إرشاد يطلب المال أبدا، لم يكن ~~حتى يطالب بما استحق له من أجر نظير غسل سيارات السكان، إذا أنست ضغوط الحياة أحد ~~السكان أن يدفع له المبلغ الشهري المتفق عليه - والذي لم يكن يفصح عن قدره عند الاتفاق ~~إلا بعد إلحاح شديد - فإنه يظل يغسل السيارة دون أن يلمح إلى شيء، فقط عندما يطول الأمد ~~يتوقف عن غسل السيارة لعدة أيام؛ فإما أن يتنبه صاحبها ويعطيه ماله فيعود لغسلها، أو ~~ينتهي الأمر فحسب. اعتاد ياسين أن يعطيه ثمن ما يشتريه له من أغراض في الحال؛ لأنه عرف ~~بتكرار التجربة أنه إذا نسي دفع ما عليه فلن يذكره محمد إرشاد بذلك، وربما ينسى هو ~~الآخر، ويصبح إقناعه بأنه يدين له ببعض المال مهمة صعبة. # لم يكن محمد إرشاد يعرف شيئا عن المدينة الحديثة الواسعة التي يعيش فيها، حتى في تلك ~~الدقائق التي تنشغل فيها المدينة بأكملها بمتابعة الألعاب النارية التي تنطلق من البرج ~~الشاهق الشهير، لتلون سماء المدينة ليلة رأس السنة، كان محمد إرشاد يغط في نوم عميق ~~ليستيقظ مع أذان الفجر ويمارس طقوس عمله المقدسة، لم يكن محمد إرشاد يعرف ms081 حتى أبعد من ~~حدود الحي الصغير الهادئ الذي تقع به البناية؛ لسبب بسيط ومؤلم في آن واحد هو أنه لم ~~يكن يحصل على إجازات قط، لم يغب عن البناية يوما واحدا منذ سكنها ياسين وحتى غادرها ~~إلى بناية أخرى، حتى إن ياسين سأله يوما من باب الفضول عن بلاده وأهله، ولماذا لا يذهب ~~لزيارتهم قط، فأجابه - بطريقة نطقه التي يجد ياسين صعوبة شديدة في فهمها بقدر ما يجده ~~محمد إرشاد نفسه من صعوبة في جمع ما يعرف من كلمات عربية قليلة ومفردات إنجليزية أقل - ~~بأنه كان في إجازة قبل عامين، وأنه ينوي السفر إلى بنجلاديش مرة أخرى بعد عام ليرى ~~ابنته الوحيدة التي كانت قد بلغت حينئذ عامها الخامس. إن تذكرة الطائرة أغلى من أن ~~يتحمل كلفتها كل عام أو كل عامين؛ فكان يجعل إجازته لذلك كل ثلاثة أعوام؛ ليوفر من ~~راتبه الضئيل الذي يكفي بالكاد لتغطية نفقات معيشته في هذه المدينة ذات تكلفة المعيشة ~~المرتفعة، قدرا من الدراهم يصلح لإرساله إلى عائلته مرة كل ثلاثة أشهر. كان محمد ~~إرشاد يحكي تلك المأساة المؤلمة بثغر باسم وكأنه يلقي دعابة، كان راضيا بدرجة تثير ~~العجب، كانت ابتسامات أطفال البناية - الذين أحبوه جميعهم - له في ذهابهم ومجيئهم تمنحه ~~سعادة تظهر جلية على وجهه البشوش الذي لا يعرف التلون أو الزيف. # لم يحزن ياسين لشيء وهو يغادر تلك البناية إلى أخرى أقل إيجارا بنفس الحي كحزنه على ~~فراق محمد إرشاد، وظل لشهور تالية يمر به في طريقه إلى صلاة الجمعة في مسجد الحي ~~الكبير؛ ليقله معه في السيارة بدلا من السير تحت الشمس الحارقة، حتى غادر محمد إرشاد ~~إلى بلاده لقضاء إجازته تلك التي تأخرت كثيرا، لكن محمد إرشاد لم يعد حتى غادر ياسين ~~نفسه تلك المدينة. ~~••• # قلب في ألبومات الصور مرة أخرى حتى توقف عند صورة بتاريخ أغسطس 2013م تجمعه مع ~~مارسيل؛ صديقه السري في العالم الجديد، حيث الصقيع، والمساحات الشاسعة، والبنايات ~~الشاهقة، والأجناس المتشابكة، حيث كانا يتسليان معا بإحصاء ما يسمعانه ms082 من لغات يتحدث ~~بها المارة أمام كشك الصحف الذي كان يعمل به مارسيل. كان مارسيل خبيرا بتمييز اللغات ~~بالفطرة، رغم أنه لا يتحدث ولا يفهم فعليا إلا بعض الفرنسية التي أتى بها من وطنه ~~الأول ، وبعض الإنجليزية التي تعلمها في هذه البلاد، والكثير من الرطانة القبلية ~~الأفريقية التي تشربها مع حليب أمه، وسط متاهات تجمع سكني عشوائي مشيد من ألواح ~~الصفيح والخشب، على تخوم مدينة كاميرونية فقيرة قرب نهر الساناجا الذي كان يحمل لهم من ~~الأوحال والأوبئة أكثر مما يحمله من ماء، لكن سنوات تعامل مارسيل مع مختلف الأعراق ~~والثقافات عبر ذلك الكشك القائم على الرصيف العريض لشارع تجاري كبير يعج بالحياة في وسط ~~تورونتو، كانت قد صقلت موهبته المذهلة في تمييز اللغات من إيقاعها وموسيقاها، ومن وجوه ~~متحديثها ومن مفرداتها الشائعة، بل ومن شتائمها الدارجة كذلك، حتى صار يمكنه تمييز ما ~~يبدو للغالبية كلغة واحدة كالصينية والكورية أو كالروسية والبلغارية. # أتى مارسيل إلى كندا للمرة الأولى قبل ثمان سنوات مع فريق كرة السلة المحلي، الذي ~~انضم له في مدينته الصغيرة مستفيدا من تكوينه الجسماني الفارع، ومن أجل كسب القليل من ~~المال لإعانة أسرته، كان النادي الصغير قد حصل على منحة ضمن برنامج تدريبي تموله ~~الحكومة الكندية لمساعدة المواهب في الدول الأفريقية على الاحتكاك بالأندية الكندية ~~والتدرب لبعض الوقت في بيئة احترافية، كان مارسيل قد اتفق مع ثلاثة من زملائه في الفريق ~~على الفرار من معسكر الفريق في آخر ليلة لهم في كندا؛ حتى لا يجد المسئولون عن البعثة ~~الوقت الكافي للبحث عنهم، فقد كانوا واثقين من أن بعثة الفريق ستغادر في موعدها دون أن ~~تنتظرهم، فليس من الحكمة على أي حال أن تضيع قيمة تذاكر الطيران لعشرين شخصا - والتي ~~تعادل قيمة ميزانية النادي بالكامل في ستة أعوام - من أجل البحث عن أربعة من الحمقى. ~~كانت بالنسبة لهم فرصة ذهبية لن تتكرر، فلم يعرف أي من الأصدقاء الأربعة شخصا من ~~معارفه أو جيرانه أو أي شخص في المدينة الفقيرة كلها ms083 استطاع أن يضع قدميه على أرض دولة ~~متقدمة، وكان المؤكد أن أيا منهم لن تتاح له فرصة مماثلة مرة أخرى. وبالفعل نجحت ~~خطتهم البسيطة، غادروا نزل الشباب المتواضع الذي كان محل إقامة البعثة دون أي تصور ~~عما سيفعلونه للبقاء على قيد الحياة في هذه البلاد، استقلوا أول قطار قابلهم إلى آخر ~~محطة فيه ليبتعدوا قدر المستطاع عن البعثة ورئيسها وعن أي شيء له علاقة ببلادهم، لم يكن ~~أي منهم يعرف شيئا عن هذه البلاد أو يتحدث الإنجليزية، بل حتى فرنسيتهم لم تكن متقنة ~~بالقدر الكافي، تخبطوا لفترة ليست بالقصيرة ما بين النوم على الأرصفة وفي أكشاك الهواتف ~~العامة، حتى إن أحدهم يئس وقرر تسليم نفسه إلى قنصلية بلاده ليطلب منها ترحيله إلى ~~وطنه، لكنه علم أن بلاده ليست لها قنصلية في هذه المدينة، وأن السفارات موجودة كلها في ~~العاصمة التي تبعد مسافة خمس ساعات بالقطار، ولا يمكنه حتى تحمل تكلفة الوصول إليها. ~~مارس الأصدقاء الأربعة بعض الأعمال غير المشروعة، وشاركوا لفترة طويلة في مباريات كرة ~~سلة قائمة على المراهنات لكسب بعض المال، حتى تعلموا بالاحتكاك مع حياة الشارع ما يكفي ~~من الإنجليزية للحصول على أعمال صغيرة. كان مارسيل أفضلهم حظا بحصوله على هذا العمل ~~المريح في الكشك، بينما تنقل الثلاثة الآخرون بين العمل كحمالين أو كعمال بناء أو ~~نظافة. # اكتشف ياسين هذا الكنز المسمى مارسيل بالصدفة يوم أن توقف عند الكشك ذات صباح في ~~طريقه إلى مقر عمله، الواقع على بعد تقاطعين ليشتري بعض البسكويت المملح ليفطر به، بعد ~~أن كان قد غادر منزله مسرعا دون إفطار على غير عادته، كان مارسيل آنذاك يتلاسن بغضب مع ~~شابة شقراء تعمل مع ياسين في ذات الشركة، لم يعد ياسين يذكر ما كان يغضب مارسيل من ~~الفتاة، لكنه يذكر جيدا كيف قال له بتأفف بعد أن أقنع ياسين الفتاة بنسيان الأمر ~~والانصراف للحاق بعملها: كلهن عاهرات هؤلاء البولنديات، كن على حذر منهن. # التفت إليه ياسين بحدة وأشار إليه بإصبعه علامة التحذير قائلا: انتبه ms084 لألفاظك ~~يا رجل. # ثم تنبه فجأة لخاطر ما، فعاد يلتفت إلى ذلك الشاب الأفريقي النحيل الذي ينطق ~~الإنجليزية بلكنة فرنسية طاغية ليسأله: ثم كيف تيقنت من كونها بولندية بالذات؟ هل ~~تعرفها مسبقا؟ إنها زميلتي في العمل منذ سنة أو أكثر، ولم أعرف قط بلدها الأصلي، كنت ~~أظنها روسية ربما. # ابتسم مارسيل بخبث وثقة قائلا: كلا يا صاحب! يمكنني أن أراهنك على عشرة دولارات أنها ~~بولندية. اذهب واسألها ثم عد لي في استراحة الغداء، وادفع لي الدولارات العشرة. # ثم توقف قليلا وتطلع إلى السماء كمن يفكر ثم أردف: حسنا، أنا واثق من أنها ~~بولندية، لكن هناك احتمال ضئيل أن تكون تشيكية. إذا كانت تشيكية نصبح متعادلين، لكنني ~~أعرف منذ الآن أنك مدين لي بعشرة دولارات. # كانت ماجدالينا بولندية بالفعل، سألها ياسين يومها وفاجأته إجابتها بأنها قدمت من ~~بولندا قبل ثلاثة أعوام فقط، وأنها لم تتأقلم بعد على الحياة خارج مدينتها الصغيرة ~~الهادئة على تخوم الريف، حيث تنبسط السهول الخضراء على مد البصر. عاد إلى مارسيل في ~~استراحة الغداء، ودفع له الدولارات العشرة رغم معارضة الأخير وتأكيده أنها كانت مجرد ~~مزحة لا أكثر. ومنذ ذلك اليوم صارا صديقين، صارت عادة يومية لياسين أن يمر علي مارسيل ~~كل صباح في طريقه إلى العمل ليلقي عليه التحية، ثم يأتي إليه في بعض الأيام خلال ~~استراحة الغداء عندما لا يكون منشغلا فوق العادة ليمارسا معا هواية تمييز اللهجات ~~تلك. التقط ياسين من طول عشرته لمارسيل بعض مفاتيح تلك الفراسة، بالإضافة إلى سابق ~~خبراته في التعامل مع جنسيات مختلفة أثناء إقامته في بلدان الخليج العربي؛ فصار هو ~~بدوره كذلك مرجعا لمارسيل في تمييز البنجالية من الهندية، أو العربية من الفارسية، ~~كانا يشكلان معا ثنائيا فريدا، لم تربطهما قط ثقافة أو لغة أو مهنة، ليس ثمة ما ~~يربط بينهما إلا تلك الهواية. لم يخبر ياسين أحدا قط عن ذلك الصديق العجيب، لا يدري لم ~~أبقاه سرا، لكن مارسيل ظل كذلك وحسب. ~~••• # ثم مرت على أنفه روائح أطباق ms085 برهان الحق بخلطاتها السحرية الغامضة، حينما رأى تلك ~~الصورة الجماعية القديمة نسبيا، كانت بتاريخ مايو 2002م، وكانت تضم معه رجالا كثيرين ~~لا يذكر بعضهم، لكن برهان الحق كان حاضرا بوضوح في منتصف الصورة؛ ذلك الطاهي المبدع ~~القادم من قرية نائية في أحراش الهند الجنوبية، حيث تجود السماء بالمطر الغزير طوال ~~الصيف؛ فتنبت من خيرات الأرض ما أثرى خبرات القرويين المحليين بوصفات وخلطات توارثوها ~~عبر أجيال لا يعرفون لها بداية، موروث بالغ البذخ من النكهات والتجارب، بعضها يعود ~~لأصول عقائدية وثقافية متشابكة الجذور، وبعضها الآخر يرجع فقط لمبدعين قدماء بحثوا عن ~~سر السعادة أو الصحة بين أوراق وجذور تلك التشكيلة الهائلة من النباتات المحيطة بهم. ~~جاء برهان الحق إلى تلك البلاد الصحراوية الجافة التي لا تشبه قريته من قريب ولا بعيد ~~منذ عقود، قبل أن تخلق تلك التشديدات والقوانين الصارمة للدخول والإقامة، جاء عاملا ~~على سفينة للحجاج أبحرت من ميناء تشيناي - الذي كان اسمها آنذاك مدراس - قاصدة جدة، ~~لم يكن ذاهبا للحج؛ فما كان يملك وقتذاك حتى قوت يومه، ولم يكن حتى ينوي الهجرة من ~~وطنه الذي لم يعرف قط غيره قبل تلك الرحلة، إنما ركب السفينة عاملا بسيطا، ينظف ~~أرضياتها ويحمل أمتعة ركابها، أو يساعد في صيانة ماكيناتها إذا اقتضى الأمر، في مقابل ~~قوت يومه وقروش قليلة يعود بها بعد أشهر لتعين عائلته الكبيرة على متطلبات حياتهم ~~البدائية في القرية. لم يكن برهان الحق يدرك وهو يطالع ببصره مودعا تلك المباني ~~الوردية العتيقة لعاصمة ولايته المطلة على ساحل المحيط أن عينيه لن تقعا عليها مرة ~~أخرى. # كانت المصادفة التي غيرت مجرى حياته عندما دلف إلى مطبخ السفينة الكبير الذي لم يكن ~~يطهى فيه غير الأرز مع الكاري وبعض الخضروات، تبادل أطراف الحديث مع بعض الطهاة ثم ~~عرض مساعدتهم في إعداد طعام ذلك العدد الهائل من المسافرين، كنوع من التخفيف من ضغط ~~العمل عليهم فرحبوا بذلك. بدأ برهان الحق يحضر بعض خلطات التوابل التي تعلمها من أمه ~~ونساء قريته عندما كن ms086 يتجمعن لطقوس الطهو المشترك في الأعياد، نثر خلطته على قدور ~~الأرز الضخمة ففاحت منها الروائح الذكية، حتى أقبل الكثير من الركاب على المطبخ يتشممون ~~ذلك الطعام الشهي، ويتعجلون تحضير وجبة الغداء. أبهرت خلطته كل من كان في السفينة؛ حتى ~~طلبته الإدارة للعمل في المطبخ إلى حين رسو السفينة في جدة في مقابل قروش إضافية، ~~فصار في كل يوم يحضر خلطة جديدة من التوابل البسيطة المتاحة في السفينة، ثم التقطه ~~أحد التجار الذي كان يملك مطعما شعبيا في أحد أحياء جدة القديمة، وأقنعه بالعمل في ~~مطعمه بعد أن يصلا إلى هناك، وبمجرد رسو السفينة تركا الحجاج يستقلون الحافلات في ~~طريقهم إلى مكة، ثم ابتلعتهما معا حارات جدة العتيقة. لم يلبث برهان الحق أن صنع سمعة ~~وشهرة كبيرة في أوساط الفقراء من زبائن ذلك النوع من المطاعم الشعبية؛ فصار اسم ~~وعنوان ذلك المطعم هو السر الذي يتداولونه بينهم، ولا يجودون به إلا على البسطاء من ~~أمثالهم، أو على من يثقون به من غيرهم. وهكذا تعرف ياسين على عالم برهان الحق السحري، ~~حين أخذه إليه أحد سائقي الشركة من زبائن المطعم، كانت تجربته الأولى مع أطباق برهان ~~الحق كتجربته يوم الليلة الصوفية في حضرة أبي العباس المرسي، حلق يومها في سماوات ~~النشوة مع مذاقات ونكهات أخذته إلى بلاد برهان الحق البعيدة، مذاقات معقدة وغنية كتلك ~~البلاد، تستحوذ على انتباهك كاملا وتستنفر إحساسك، تداعبك، لا يمكنك أن تجزم إن كانت ~~مالحة أم حلوة أم حارة، إنها ليست بتلك البساطة، إنما تتبادل الأدوار فيما بينها ~~فتتقاذفك من نكهة لأخرى وفق نظام محكم الصنع. طافت به أطعمة برهان الحق في غابات وأنهار ~~وتلال ووديان لم يسمع بها قط، وربما لم يسمع بها برهان الحق ذاته الذي لم يغادر حدود ~~ولايته قبل أن يأتي إلى جدة، وكأن تلك الوصفات القادمة من أحراش جنوب الهند كانت تحفظ ~~بداخلها شفرات عتيقة أخفاها رجال قدماء، فبقيت محفوظة عبر الأجيال حتى التقت به - هو ~~القادم من قارة أخرى - هناك على ضفاف ms087 البحر الأحمر. # قضى برهان الحق في جدة أعواما لم يعد يحصيها، كان يجيب من يسأله عما قضاه هنا من ~~سنين؛ بأنه جاء إلى جدة قبل أن يولد غالبية الرجال الذين يراهم حوله الآن، كان يقول إنه ~~هنا منذ لم تكن في جدة كلها عشرون سيارة، وأن عمره من عمر جدة، فقد كبرت تلك المدينة ~~معه، نمت وترعرعت مع ازدهار شبابه ورجولته؛ يعرف متى أنشأ كل جسر فيها، ويعرف ما كان ~~في موضع كل برج ومركز تجاري قبل أن تكون ثمة أبراج ومراكز تجارية. شاخت جدة كذلك مع ~~شيخوخته، وهنت المدينة فلم تعد بها حيوية الماضي، وضعف بصرها فلم تعد تتعرف على ~~أحبتها القدامى. # ظل برهان الحق يفتن زبائنه بأطعمته الساحرة رغم رخص أسعارها، ظلت الغالبية العظمى من ~~مرتادي مطعمه - الذي صار يعرف منذ زمن بمطعم برهان الحق، لا بمطعم الأصدقاء كما هو ~~مكتوب على اللافتة ذات الأضواء المتحركة قديمة الطراز - من الفقراء، التزم طوال تلك ~~السنوات بعدم تقديم أطباق لا يقدر على ثمنها عامل بسيط، كان يجد سكينة روحه وسط أولئك ~~الكادحين الذين كان يمكنه أن يرى في تجاعيد وجوههم السمراء المنحوتة نسائم قريته ~~البعيدة، فلم يكن في قريته أغنياء أو سيارات أو مراكز تجارية. # ثم رحل برهان الحق في هدوء، فاضت روحه دون أن يعاني من أي مرض بعد أن كان قد عقد ~~العزم على الخروج للحج ثم العودة إلى بلاده، كان قد سئم الغربة ولم يعد سعيدا بالحياة ~~في جدة بعد أن اتسعت وترامت أطرافها ولم يعد يعرفها ولم تعد تتذكره، لم تكتمل أبدا ~~رحلة برهان الحق إلى عرفات، اختطفته نكهات التوابل قديما واختطفه الموت مؤخرا، لكن ~~روائح خلطاته بقيت عالقة في جدران حارات جدة العتيقة. ~~••• # ثم توقف ياسين عند صورة زملاء القسم التي التقطها لهم مصور محترف استعانت الشركة ~~بخدماته لأهداف دعائية، رأى عابدة تقف خلفه مباشرة في الصورة التي تحمل تاريخ أكتوبر ~~2014م؛ إنها بلا شك أصلب امرأة وقع عليها بصره، تلك المقاتلة الشرسة التي لم ms088 تحن ظهرها ~~قط أمام ضربات الزمن، التي وقفت مرفوعة الرأس دوما، بل ردت الصفعة بمثلها، لم تستسلم ~~ولم تتهرب من المواجهة منذ تركت - مرغمة - بيتها الصغير على أطراف البصرة حاملة طفلها ~~على كتف، والصرة القماشية التي جمعت فيها ما استطاعت حمله من متاع على الكتف الأخرى، ~~مخلفة وراءها زوجا تستقر في جمجمته رصاصات ثلاث راقدا على وجهه أمام عتبة البيت، ~~وحياة كاملة عاشتها بين جدران ذلك البيت، وأحلاما عرضها كعرض السماء. # كان الجنون قد عم المدينة منذ أن سقطت في دوامة الصراع بين ميليشيات مجهولة متناحرة ~~خرجت من حيث لا يدري أحد، بعد ثلاث سنوات من الاجتياح الأمريكي للبلاد، خراب ونهب وقتل ~~على الهوية في كل مكان، الجميع يرتدون السواد، الجميع يحاربون من أجل الله، السلاح في ~~يد الجميع، بمنتهى البساطة قد تخترق رصاصة رأس عابر سبيل أعزل لمجرد أن مسلحا ما قرأ ~~في بطاقة هويته اسم «عمر»، أو أن مسلحا في جماعة أخرى أراد أن ينصر الله بقتل زوجها ~~الذي لا يعرفه؛ لأن اسم جده «باقر». ركضت بولدها، ليس فقط هربا من أولئك القتلة، وإنما ~~فرارا من تلك البلاد التي باتت تخيفها، ركضت من ذلك الجنون كله لمدة ولمسافة لا ~~تدركهما، تقاذفتها وصغيرها أيدي المهربين والوسطاء، تنقلا ما بين حافة التجمد داخل ~~صندوق شاحنة مبردة هربتهما عبر الصحاري الشاسعة، إلى حافة الغرق في مياه أنهار موسمية ~~موحلة تجري في أودية حدودية مختبئة بين جبال شاهقة، وحتى حافة الذل بين يدي تجار بشر ~~غليظي القلوب والوجوه، إلى أن انتهى بهما المطاف مستلقيين على سرير حديدي في مأوى ~~للاجئين في جنوب السويد، في انتظار البت في أمر منحهما حق اللجوء إلى بلد ما ستقرره ~~الحصص المتفق عليها بين الدول الكبرى. كانت قد أنفقت كل ما تملك وكل ما استطاعت بيعه ~~على المهربين، الذين عبروا بهما من محطة انتقالية إلى أخرى، ثم أخيرا على رشوة ضابط ~~الجوازات الذي رتب لهما خطة مغادرة مطار إسطنبول متجهين إلى ستوكهولم، دون أن يحمل ~~جواز سفر ms089 أي منهما ما يشير إلى كيفية دخولهما إلى البلد الذي يغادرانه. # عندما استقر المقام أخيرا بعابدة في كندا كوطن بديل تقبلها وصبيها الذي كان قد بلغ ~~السابعة، بدأ فصل آخر من معاناتها في عالم جديد لا تعرفه ولا تفهمه، ولا تمتلك ما ~~يعينها على تكلفة الحياة الباهظة فيه غير المعونة الشهرية الزهيدة التي تتكفل بها ~~وكالة إغاثة اللاجئين، والتي لا تغطي حتى إيجار الغرفة الضيقة داخل شقة أسرة من أصول ~~عراقية قرب وسط ضاحية أوشاوا، على بعد دقائق من محطة الباص التي تركب منها إلى محطة ~~قطار الضاحية المتواضعة، حيث تستقل القطار المكتظ بسكان الضواحي كل صباح خمسة أيام في ~~الأسبوع، إلى محطة يونيون في قلب تورونتو، حيث تلك الأبراج الزجاجية الشاهقة التي تظلل ~~الشوارع فيما بينها بظلمة مخيفة؛ فلا يكاد نور الشمس - في تلك الأيام النادرة التي تسطع ~~فيها الشمس على تلك المدينة الباردة - يصل إلى رءوس المارة المهرولين فيها، حاملين ~~حقائبهم الجلدية، ومرتدين جميعهم تقريبا - رجالا ونساء - سترات رسمية داكنة الألوان، ~~وكأن مؤتمرا عالميا يعقد في الجوار. ظلت عابدة تمارس روتينها الأسبوعي لسنوات خمس، ~~تغادر المنزل مع صغيرها في الخامسة وأربعين دقيقة لكي تلحق بالباص الذي يغادر في ~~السادسة إلا أربع دقائق، ليصل إلى محطة القطار في سبع وعشرين دقيقة، فيهرولان إلى ~~المدرسة القريبة من المحطة حيث ينتظر الصبي بداية يومه الدراسي، الذي يعود في نهايته ~~إلى البيت في سيارة مشتركة قديمة الطراز يقودها مهاجر باكستاني سيئ المزاج على الدوام، ~~ثم تستقل عابدة قطار الضواحي لمدة ساعة ربما تزيد أو تقل في حدود الدقائق الخمس، حتى ~~تصل إلى محطة يونيون في حدود الثامنة والنصف، ثم تسير عبر شارع باي حتى تقاطعه مع شارع ~~كوين مسافة تتراوح ما بين العشر دقائق إلى ربع الساعة على حسب إيقاع خطواتها الذي ~~يعتمد على حالتها المزاجية، وعلى درجة لياقتها البدنية، وعلى حالة الطقس، حتى تصل ~~أخيرا إلى ذلك المبنى العتيق من الطراز الأمريكي الكلاسيكي ذي الطوابق الخمسة بواجهته ~~الحجرية البنية المجددة مؤخرا، ms090 والزخارف المتقنة الغنية التي تحيط بالأفاريز والنوافذ ~~الكبيرة في الطابقين السفليين منه. أحبت ذلك المبنى وأحبت مبنى مجلس المدينة القديم ~~المواجه له والأقدم منه، بقدر ما نفرت مما يحيط بهما من كتل خرسانية شاهقة الارتفاع ~~فاقدة للروح ومكسوة من كل جوانبها بالزجاج، كان جمال عمارة ذلك المبنى وارتفاع أسقفه ~~الذي يمنح الشعور بالاتساع هما عزاؤها الوحيد عن الوظيفة الشاقة ذات العائد الضئيل التي ~~تقضي فيها يومها داخل المبنى من التاسعة صباحا إلى الخامسة عصرا، تتخللها استراحة ~~الظهيرة التي يخرج فيها غالبية الموظفين لتناول الغداء في المطاعم وأكشاك الطعام ~~المتناثرة في الشوارع المحيطة، بينما تبقى هي في الغرفة شديدة الضيق الملحقة بدورات ~~المياه النسائية المجمعة في نهاية ردهة الطابق الثالث؛ لتستريح من عناء تنظيف حمامات ~~وأرضيات الطابق، ولتتناول وجبة منزلية خفيفة تعدها لنفسها في الصباح الباكر. لا تخرج ~~في استراحة الغداء كالجميع لأسباب ثلاثة؛ أولها هو أنها على العكس منهم جميعا لا تسعى ~~إلى تحريك جسدها بعد طول الجلوس أمام مكتب ما، بل تسعى للاستراحة من الحركة المتواصلة ~~طوال اليوم. وثانيها أنها تنتظر تناول وجبة الغداء مع صغيرها بعد أن تعود إلى المنزل ~~قرب السابعة. وثالثها وهو الأهم أنها لا تملك رفاهية إنفاق المال كل يوم على المطاعم ~~ولا حتى على عربات الطعام الرخيصة. # بعد أن أتمت في هذا العمل خمس سنوات وشهرين بالضبط انتقلت عابدة من الغرفة شديدة ~~الضيق الملحقة بدورات المياه النسائية المجمعة في نهاية ردهة الطابق الثالث، إلى طاولة ~~متوسطة الحجم داخل صالة واسعة ذات نوافذ كبيرة مطلة على الشارع في قسم التمويل الواقع ~~في الطابق الأول، حيث يمكنها وهي جالسة متابعة المارة المهرولين في شارع كوين، ~~والمتسكعين أمام عربات الوجبات الخفيفة التي أصبحت منذ ذلك اليوم من زبائنها الدائمين ~~في استراحة الغداء. حصلت عابدة على إحدى الوظائف الثلاث التي أعلنت عنها الشركة مؤخرا، ~~مستفيدة من أفضلية أنها بالفعل موظفة في ذات المؤسسة، ومستندة على الشهادة المعتمدة ~~التي حصلت عليها قبل شهرين من حكومة مقاطعة أونتاريو، بعد أن ms091 اجتازت اختبار اعتماد ~~المحاسبين العموميين بنجاح، سعت إليه لعامين متواصلين درست فيهما أثناء استراحة الغداء ~~وخلال رحلتي القطار اليوميتين ذهابا وعودة؛ حتى تعادل شهادة الليسانس في المحاسبة التي ~~كانت قد حصلت عليها قبل سبعة أعوام من جامعة كربلاء، وحتى تستطيع الحصول على ترخيص ~~بالعمل كمحاسبة في هذه البلاد الجديدة التي لا تعترف بغير معايير أمريكا الشمالية. ~~انتقلت عابدة بعد ستة أشهر في تلك الوظيفة إلى استوديو صغير لكنه يخصها هي وصغيرها فقط، ~~كما أنه مجاور للمحطة التي تستقل منها القطار إلى عملها، وقريب من مدرسة ولدها الذي ~~أصبح يمشي دقائق قليلة إلى المدرسة على رصيف آمن تظلله أشجار ضخمة، بصحبة رفاقه الجدد ~~من صبية وبنات المنطقة الذين تأقلم معهم وصار عضوا أساسيا في فريقهم الصغير لكرة ~~السلة. كان ياسين قد سبقها في الالتحاق بنفس الصالة الكبيرة قبل شهر واحد، وكانا ~~يستعينان ببعضهما البعض للتأقلم مع ذلك العالم الجديد على كليهما؛ حيث كانا الوحيدين في ~~الطابق كله اللذين يتحدثان العربية، وينتميان إلى تلك البقعة البعيدة من العالم التي لا ~~يعرف أي من زملائهما الباقين عنها أكثر من أن اسمها «الشرق الأوسط»، وأنها تموج بحروب ~~طاحنة لا نهائية تمر سريعا على آذانهم في عناوين الأخبار ولا يفهمون لها سببا. ~~••• # انتبه ياسين فجأة عندما توجه ببصره إلى خارج النافذة إلى أن محطته كانت قد مرت منذ ~~زمن، استغرقته التأملات كثيرا حتى أظلمت السماء بالخارج فزادت منظر الثلوج كآبة، ولم ~~يعد في القطار إلا القليلون ممن لم تأت محطاتهم بعد، التفت إلى رجل مسن يجلس في المقعد ~~المجاور له وقد تدثر بمعطف صوفي ثقيل، ولف حول رقبته كوفية وغطى رأسه بقبعة قديمة ~~الطراز. سأله ياسين بنبرة مهذبة: أين نحن الآن يا سيدي؟ أي محطة هي التالية؟ # التفت إليه الرجل ببطء وتطلع بعينيه الزرقاوين اللتين تحيط بهما التجاعيد إلى وجه ~~ياسين، وقال في بطء: لقد تجاوزنا هاملتون منذ دقيقة يا بني، يبدو أننا تخطينا محطتك، ~~لقد كنت تحدق في شاشة جهازك هذا لوقت طويل كما ms092 يفعل الجميع في هذه الأيام على ما يبدو. ~~إلى أين تريد أن تذهب على أي حال؟ # ابتسم ياسين وأجاب في نبرة ودية: كنت سأنزل في محطة أوك فيل أيها السيد، لكن يبدو ~~أنها فاتتني وأنه علي الآن أن أنزل في المحطة التالية. لا أعرف كم من المحطات علي ~~أن أقطع في الاتجاه المعاكس، هذا مؤسف للغاية، لكن أشكرك. # طأطأ الرجل المسن رأسه وأجاب في بطء وبنبرة شعر ياسين بأنها تحمل من المعاني أكثر مما ~~تبدو: لا بأس يا بني، ربما ليس هذا سيئا كما تظن، ربما عليك أن تفوت محطتك من حين ~~لآخر، لا بأس بتجربة محطات أخرى، ربما يمكنك أن تجد ما يثير الاهتمام في الاتجاه ~~المعاكس، بصرف النظر عما سيكون عليك قطعه من محطات. # صحراء # كانت الشجرة تتألم من أعماقها وهي تحاول جاهدة سحب جذورها الضاربة في عمق الأرض، ~~كانت تحاول الانكماش قدر المستطاع، لم يعد يشغلها الوصول إلى الطبقات الرطبة المخفية ~~تحت الرمال بحثا عن بقايا الماء؛ فقد كان الماء يأتيها الآن سهلا؛ يأتي أحد هؤلاء ~~البشر الذين بات يعج بهم المكان ويلقي عليها ببعض الماء كل بضعة أيام، لم تكن تحتاج كل ~~ذلك الماء، ولم تكن تحبه فقد؛ سبب تعفن بعض جذورها، وكاد يزيل كل الغبار العالق على ~~أوراقها وأغصانها، والذي كان كل ما بقي لها من ذكريات الزمن القديم، كانت رائحة الأرض ~~البعيدة التي حملته منها الريح لم تزل عالقة به تذكرها برفيقاتها من الأشجار والكائنات ~~التي كانت ترتع هنا يوما ما في ألفة وحرية، لم يعد لها هنا من شيء. تقلصت رمال ~~الصحراء حتى انحصرت في بقعة صغيرة بقيت هي وحدها فيها كأنما نسيها الزمن هنا، كأنما ~~غفلت عنها تلك الوحوش الكبيرة وهؤلاء البشر الكثيرون، لم تعرف قط لماذا لم يقتلعوها مع ~~رفيقاتها ولماذا لم يلقوا بها معهن، لماذا هي بالذات؟ # لم تكن الآن تتشبث بالأرض، توقفت عن مد جذورها إلى الأعماق، بل صارت تمقت الأرض ~~والرمال والمشهد كله، كانت تريد المغادرة، فقط لو ms093 استطاعت التحرك كالثعابين والقنافذ ~~لهربت من هنا باحثة عن صحرائها المفقودة، بعيدا عن هذا المكان القبيح المقبض الذي ~~تحجب فيه تلك الهياكل العالية الضوء والهواء، تلك الأشياء الضخمة الملساء بأعينها ~~الزجاجية الكبيرة والكثيرة تظل رابضة بلا حراك ، فاتحة فمها للبشر يدخلون ويخرجون وكأن ~~ما بداخلها محض خواء، لا تبتلعهم ولا تتقيأهم، ولا هم يكفون عن الدخول والخروج منها كل ~~صباح ومساء، قادمين في جوف وحوش صغيرة ذات ألوان زاعقة وأصوات مزعجة، يتركون وحوشهم ~~الصغيرة تلك في الخارج كأنها ميتة، تنتظرهم في سكون تام حتى يعودوا فتصحو وتنطلق بهم ~~هاربة إلى الأفق البعيد، وتختفي حتى تعود في الصباح التالي لتلفظهم خارج جوفها مرة ~~أخرى. # صخب وضجيج وحركة دائبة لكن بلا حياة، كل شيء هنا ميت، ولم تكن الشجرة تطيق الموت، ~~كانت تحب الحياة، تحب حياتها التي عرفتها، وأرضها التي لم تعد موجودة، ورفيقاتها اللاتي ~~رحلن إلى حيث لا تعلم، كانت الوحدة تقتلها، وكانت الغربة في وطنها تعتصر قلبها، فحتى ~~تلك الطيور الصغيرة ذات الريش كاحل السواد والمنقار الأصفر لم تعد تأتي إلا بالمصادفة، ~~كما لو أنها ضلت الطريق، لم تعد تتقافز بين الشجيرات أو تتلاقى على الأغصان في نهاية ~~النهار، كانت الشجرة تريد الرحيل من هنا ولو بالموت، ولو بخنق جذورها حتى تتوقف عن ~~التنفس. # ظلت تسحب جذورها من الأرض، ظلت تغادر أرضها بالتدريج وهي لم تزل واقفة في مكانها، ~~ظلت تسلخ عنها تلك الرمال التي لم تعد وطنها، ولم تعد فيها رائحة رفات أسلافها بعد أن ~~دنستها تلك البقايا الرمادية اللعينة، وبعد أن عبثت بها أيدي البشر ووحوشهم ميتة ~~القلوب، ظلت تسعى جاهدة نحو الموت، ربما تجد عنده حياتها المفقودة. # | الفصل التاسع # يوليو 2018م # كان القطار قد اقترب من ضواحي الإسكندرية، حيث بدأت تلك الكتل المكدسة من الخرسانة ~~والطوب الأحمر المكشوف تنتشر بشكل أكبر وتلتهم نسبة أعلى من الخلفية الخضراء التي سادت ~~المشهد لمسافة طويلة، بدأت تظهر تجمعات متلاصقة من البنايات غير متناسقة الارتفاعات، ~~تقطعها شوارع ضيقة ظهرت فيما يبدو ms094 كيفما اتفق دون أي تخطيط مسبق، وباتت تلك الكتل تقترب ~~بالتدريج من مسار القطار حتى حجبت اللون الأخضر بالكامل عن ناظريه. تابع ياسين الثاني ~~ذلك المشهد باستياء ثم تساءل بنبرة متحسرة: ما كل هذه المباني؟ ما كل هذه الكتل ~~الخرسانية الرمادية القبيحة؟ ومتى بنيت؟ ألم تكن تلك المساحات كلها في الماضي حقولا ~~ومزارع؟ # التفت إليه الأول باستخفاف من يدرك كل شيء: لم تعد ثمة حقول هنا؛ توقف الفلاحون عن ~~ممارسة الزراعة منذ زمن طويل، وصاروا إما سائقي توكتوك أو مهاجرين. غدت المزارع كلها ~~مناطق سكنية، عشوائيات سكنية إن أردت الدقة. لا أعرف اسم هذه المنطقة بالذات؛ فقد ظهرت ~~مناطق كثيرة مشابهة مؤخرا، لكنني أضمن لك أنه من الآن وحتى نصل إلى سيدي جابر لن تقع ~~عيناك على أي حقول. # أجاب الثاني - أو ربما لم يجب؛ فقد كان ذهنه في مكان مختلف تماما - في تغيير مفاجئ ~~لمسار الحديث: هل أنت سعيد في حياتك؟ # لم يبد على الآخر كثير من الاندهاش؛ فربما كان يدور في ذهنه السؤال نفسه على نحو ما: ~~هل أنت ... سعيد في حياتك؟ # ابتسم الثاني رغما عنه؛ ربما لأنه توقع أن يجيبه الآخر بنفس السؤال، كان يعرف أن ~~السؤال نفسه يؤرق كليهما. أجاب محاولا امتصاص التحفز البادي على الآخر: أنا فقط أحاول ~~الفهم، أريد أن أعرف إجابة السؤال الذي سهرت ليلة بأكملها منذ سنوات طويلة لأفكر في ~~إجابته، ثم ركبت القطار في الصباح التالي على غير هدى لأرى أين سيوجهني. أينا اختار ~~الطريق الصحيح؟ هل أنا الذي على الصواب أم أنت؟ أينا الأفضل؟ # مط الآخر شفتيه في تعبير واضح عن عدم الاكتراث، أو ربما عدم الرضا، وأجاب في لهجة ~~فيها بعض التهكم والمرارة: ألا ترى أن إجابة هذا السؤال بسيطة للغاية؟ انظر أين أنت ~~وأين أنا، قارن بين ما حققته أنت وبين ما حققته أنا، أنت سافرت ونجحت وأصبحت - بسم الله ~~ما شاء الله - مواطنا من العالم الأول، تحمل جواز سفر كندي أزرق اللون، وكونت أسرة ~~مستقرة، أما أنا ms095 فما زلت قابعا هنا، أتقافز بين القاهرة والإسكندرية لأختطف ساعة ~~أقضيها مع أولادي، ثم أعود إلى دوامة العمل والوحدة والملل. # أشاح الثاني بيديه في عصبية وانزعاج وقال بحدة: أي جواز سفر أزرق، وأي هراء تتحدث ~~عنه؟! إنك لا تفهم شيئا بالمرة، ولكن ليس هذا الوقت المناسب للجدال، سأشرح لك باختصار؛ ~~أنا في كل الأحوال مجرد مهاجر شرق أوسطي، مغترب، والغربة تقتل روحك يا ياسين؛ يمر عمرك ~~أمام عينيك بينما تتفرج عليه، ولن يفيدك كثيرا أن تفعل ذلك وأنت مضطجع أمام جهاز ~~تليفزيون ذكي متصل بالإنترنت فائق السرعة داخل منزل أنيق في العالم الأول! ثم إنه ربما ~~علي أنا أن أسألك؛ ألا ترى أن إجابة هذا السؤال بسيطة للغاية من وجهة نظري كذلك؟ ألم ~~تتزوج أنت فريدة؟ ألا يكفيك هذا؟! # أنهى جملته وهو ينظر في عين الآخر ببعض التحدي كأنما كسب نقطة في تلك المناظرة، أطرق ~~الآخر لبرهة ولاح في عينيه حزن عميق ثم أجاب بلهجة مكسورة: تحدثني عن فريدة؟! ألا يمكنك ~~أن ترى أن زواجي بها قد فشل؟ ألم تلاحظ أننا منفصلان؟! # أجاب الثاني وقد تبدلت نبرته إلى التعاطف: لم تقل لي بالمناسبة، لماذا ~~انفصلتما؟ # رفع الأول كتفيه وأجاب بهدوء: ليس ثمة سبب محدد، لقد ظلت المسافة بيننا تبتعد ~~بالتدريج دون أن نشعر، حتى وصلت الحياة بيننا لطريق مسدود، لم نستطع الاستمرار وحسب، ~~كلانا لم يستطع الاستمرار. # قاطعه الثاني بلهجة استنكار: لكنها كانت حب عمرك! # أجاب الأول بسرعة: ولم تزل حب عمري! لم أحب قبلها ولا بعدها. # واصل الثاني بلهجته المستنكرة: لكن الحب كفيل بحل أي مشكلة. # أجاب الأول بنبرة صوت منخفضة تحمل بعض الأسى: لقد ساعدنا الحب على أن نحتفظ باحترام ~~كل منا للآخر حتى الآن، جعلنا الحب ننفصل بهدوء وبشكل متحضر دون أن نتسبب في الإضرار ~~بأطفالنا، لكن الاستمرار في الحياة الزوجية شيء مختلف، أتفهم؟ # أطرق الثاني وهو يشيح ببصره بعيدا وقال متمتما: نعم، أفهم ... أفهم. # مضت فترة صمت لم يشعر أيهما بطولها حتى قطعها الأول متسائلا في ms096 لهجة تحمل بعض ~~الاستخفاف: إذن فأنت تريد أن تقنعني بأنك لست مرتاحا في كندا؟ لكن، ألم تحقق حلمك؟ ألم ~~تجد هناك ما كنت تبحث عنه؟ ألم تجد هناك الحرية والديمقراطية والعدالة وتكافؤ الفرص وكل ~~تلك المستحيلات التي لا نعرف هنا عنها شيئا؟ # أجاب الثاني وهو لم يزل مطرقا ببصره إلى الخارج: نعم، بالفعل، وجدت الحرية والعدالة ~~والفرص وكل شيء، لا يمكنني إنكار ذلك، ربما لأنني اعتدت على تلك المبادئ فلم أعد ألحظها ~~أو أقدر أهميتها، صارت بالنسبة لي بديهيات، لكن حلمي، لا أعرف يا صديقي! أنا فقط أعيش ~~مثلما يعيش بقية الناس، تأقلمت على الحياة هناك منذ زمن، لكنها، صدقني، مجرد أيام ~~أقضيها وحسب، نعم ليست لدي مشكلات كبيرة، ليس لدي إلا الهموم العادية كأي شخص طبيعي، ~~لكنني قطعا لم أحقق حلمي، أنا أحقق أحلام أشخاص آخرين، أحلام أصحاب الشركة والمساهمين ~~والعملاء، أحلام كل الأطراف ذوي العلاقة، أحلام كل ال # stakeholders # كما يقولون هناك في كندا، لكنني ~~بالتأكيد لا أحقق حلمي أنا! # أكمل الأول بنفس النبرة المستخفة في صوته وكأنه يحاور شخصا يقول كلاما غير منطقي: ~~لماذا لا تعود إذن إلى مصر؟ # التفت إليه وكأنه استيقظ من حلم، ثم فكر للحظة وأجاب: ليت الأمر كان بتلك السهولة! ~~أنا لا أستطيع العيش في مصر يا صديقي. ليس لأن مصر سيئة؛ لكن لأنني نسيت كيفية الحياة ~~فيها، نسيت كيف كان شكل الحياة هنا، ثم إنه حتى شكل الحياة الذي قد أتذكره لم يعد ~~موجودا! لم أعد أعرف الإسكندرية! أسير في شوارع لا أعرفها ولا أتذكر أي شيء مما يحيط ~~بها، ولا أستطيع أن أجد الأشياء التي أتذكرها! هل تعرف؛ منذ أيام كنت أتمشى في كفر ~~عبده، حيث كنت أحب التمشية قديما وسط الفيلات والأشجار في الشتاء، حينما كنت أضع ~~سماعات الأذن وأستمع إلى محمد منير من جهاز الووكمان في جيبي، ثم تذكرت بيشوي صديقي من ~~المدرسة الثانوية، الذي كان يقيم هناك، وكنا نقضي في بيته ساعات طويلة نستمع إلى ~~الموسيقى ونشاهد مباريات ms097 الكرة. أتعرف، حاولت الوصول إلى الشارع الذي كان يقيم فيه ~~بيشوي فلم أستطع! لا شيء هناك كما كان عليه، أتذكر الشارع جيدا، كانت على ناصيته تلك ~~الفيلا إنجليزية الطراز التي تطل شرفة بيشوي على حديقتها، وكان في آخر الشارع محل مكوجي ~~صغير لا أتذكر اسمه الآن، لكنني أتذكر جيدا واجهته الخشبية الزرقاء ذات الزجاج المزخرف ~~المكتوب عليه اسم المحل بالفرنسية، كان هناك كذلك الفكهاني النوبي الذي كان يأتي بأفضل ~~بطيخ يمكنك الحصول عليه في الإسكندرية، والذي اشتريت منه فاكهة البابايا لأول مرة في ~~حياتي، ولم أكن أعرف اسمها وقتذاك. أتعرف، لم أستطع التعرف على الشارع! لم أعثر على أي ~~فكهاني نوبي ولا على محل مكوجي ذي واجهة خشبية زرقاء، لم تعد هناك فيلا إنجليزية الطراز ~~يا ياسين، لم أستطع أن أحدد أي واحدة من تلك البنايات الجديدة قد قامت على أنقاض حديقة ~~الفيلا التي كنا نستمتع بتغريد الطيور على أشجار حديقتها قبيل الغسق من شرفة بيشوي، لم ~~تعد هناك أي أشجار! هل تذكر مثلا محل الفشار في محطة الرمل؟ لعلك تعرف أنه لم يعد ~~موجودا كذلك. هل تذكر بيانكي التي كنا نفعل الأعاجيب لنحصل على تصاريح دخولها؟ لقد ~~تحولت إلى عشوائيات تطفح في شوارعها مجارير الصرف. الإسكندرية التي أعرفها لم تعد ~~موجودة! أصبحت مدينة من الماضي لا يمكنك رؤيتها إلا في أفلام الثمانينيات والتسعينيات. ~~لقد أصبحت أحس بالغربة هنا، لو انتقلت للعيش هنا سيكون ذلك كانتقالي للعيش في بلد جديد ~~أحتاج بعض الوقت للتعرف عليه وفهمه، وما الذي يجعلني أنتقل للعيش في مدينة جديدة في ~~عمري هذا؟ لقد تعبت من الهجرة، كلما انتقلت إلى بلد وفهمته وتأقلمت مع طبيعة الحياة به ~~أجد نفسي مدفوعا إلى هجرة جديدة! يكفيني ذلك، لقد اكتفيت من الترحال. # كان الآخر ينصت إليه باهتمام ويهز رأسه موافقا حتى انتهى من حديثه الطويل، فكر لبرهة ~~ثم أجابه وقد غابت نبرة الاستخفاف وحلت محلها الجدية: لقد تغير البلد فعلا، أنا مثلك ~~في أحيان كثيرة لا أكاد أعرف أين ms098 أنا، لقد صارت الحياة هنا صعبة بحق، هذا البلد يبذل ~~كل جهده لكي يجعل استمرار الحياة فيه مستحيلة. # حدجه الثاني بنظرة استنكار وأجاب: لكنني أشعر أنك تعيش حياة جيدة هنا، يبدو من ~~مظهرك أن حالتك المادية متيسرة إلى حد كبير، ما الذي يضايقك إذن من العيش في بلدك التي ~~تعرفها وسط أهلك وأصدقائك؟ ما الذي يسوءك في أن تشيخ في مدينتك أو حتى في القاهرة؟ ~~أنت تذكر طبعا قول الأبنودي على لسان عمته يامنة: # عجزت يا واد؟ # متى؟ وكيف؟ # عاد اللي يعجز في بلاده، غير اللي يعجز ضيف! # أجاب الأول بابتسامة لا توحي بالسعادة ولا بالسخرية، ابتسامة حزينة بشكل لم يحاول ~~إخفاءه: نعم، لقد أصبحت حالتي المادية الآن جيدة ولله الحمد، لكنها لم تكن كذلك منذ ~~سنوات خمس؛ لقد بنيت نفسي ونجحت، ثم جاءت الثورة وما صاحبها من فوضى فسقط كل ما بنيته. ~~ثم بنيت نفسي مرة أخرى بشكل آخر؛ عدت موظفا ورجعت للدراسة من جديد بعد كل تلك ~~السنوات، حصلت على شهادات كثيرة لم أفكر من قبل في التقدم لامتحاناتها، # MBA # و PMP # والكثير ~~من تلك الشهادات ذات الحروف الإنجليزية الثلاث التي تعجب مديري الموارد البشرية في ~~الشركات متعددة الجنسيات. فعلت ذلك في عمري هذا بعد أن كنت أملك شركة ناجحة، وبعد أن ~~كان يعمل لدي ثلاثون موظفا، يمكنك أن تنجح هنا، لكن لا شيء يضمن أن تستمر في النجاح، ~~لا شيء ولا أحد. # ثم اختفت الابتسامة وأضاف بنبرة جادة إلى درجة التحذير: ثم، ليتها كانت مسألة مال ~~وحسب. ليس بالضرورة أن تعيش بشكل جيد في هذا البلد إذا كنت تملك المال فقط، مهما كان ~~حجم أرصدتك البنكية فأين يمكنك الهروب من الزحام، من التلوث، من التطرف، من موظفي ~~الحكومة، من الطرق؟ لن تستطيع أموالك أن توفر لك العيش في جزيرة منعزلة؛ فليس ثمة جزر ~~منعزلة في هذا البلد. يمكن لخطأ أحمق من موظف حكومي، أو لقرار عشوائي من محافظ أو وزير ~~أو رئيس حي أن يهدم بجرة قلم ms099 كل ما بنيته، أو أن يفسد عليك حياتك للأبد. حتى الناس ~~العاديون، هؤلاء الذين تراهم حولك، يمكنهم أن يقلبوا حياتك إلى جحيم، أولئك الذين ~~انضموا إلى داعش واحترفوا تفجير السيارات وقطع الرءوس مثلا، من أين تظن أنهم أتوا؟ لقد ~~كانوا هنا وسطنا طوال الوقت، كانوا يسيرون معنا في الأسواق ويجلسون بجوارنا في ~~المواصلات، وما زال كثيرون منهم يعيشون بيننا ويتعاملون معنا، بل إن بعضهم كنت أعرفه ~~بشكل شخصي؛ ذلك الطبيب الذي كان قد أجرى لي جراحة في عيادته بشارع سيزوستريس مثلا، لم ~~يكن فيه ما يثير الريبة، مجرد طبيب شاب، ثم رأيته قبل عام على يوتيوب وهو يحمل سلاحا ~~آليا ويتوعد بذبح المشاركين في الانتخابات الرئاسية. هل يمكنك أن تتصور أن الرجل الذي ~~أسلمت له نفسك ليخدرك ويشق لحمك بالمشرط، كان في قرارة نفسه يعتقد أن ذبحك سيوصله إلى ~~الجنة؟ حتى هؤلاء البسطاء والشبان المتحمسون لأي شيء، الذين ظلوا يتجمعون تحت شرفة ~~مكتبي لعامين، يتصايحون ويرددون هتافات لا معنى لها؛ كانوا السبب في أن خسرت كل ما ~~بنيته طوال حياتي، رغم أنني لم أتسبب لهم في أي ضرر. كانوا يريدون أن يسقطوا فلانا أو ~~فلانا؛ فإذا بهم يسقطونني أنا ويغلقون باب الرزق أمام ثلاثين موظفا كانوا يعملون ~~بشركتي، ولا أعلم كيف يدبرون أقوات عائلاتهم الآن بعد موجة الغلاء الأخيرة. ماذا أقول ~~لك عما يمكن للحياة في هذا البلد أن تفعل بك؟ الحياة هنا خطرة يا ياسين، الحياة هنا ~~كالتدخين، ضارة بالصحة وتسبب الوفاة. # أجاب الثاني بنبرة فضول: هل فكرت في الهجرة؟ # ابتسم الأول وقال بلهجة محبطة: لا يمكنني الهجرة في عمري هذا. كما لا تستطيع أنت ~~الحياة هنا، لا أستطيع أنا كذلك الحياة في كندا، لقد سافرت عدة مرات إلى الخارج، ورأيت ~~بعض البلدان العربية والأجنبية، لكنني رأيتها كعابر سبيل يمر بها لعدة أيام ثم يغادر، ~~لا أعرف كيفية الحياة في هذه البلدان، ولا أعرف شيئا عن التفاصيل اليومية الكثيرة التي ~~يتوجب على المرء التعامل معها، ولا أظنني أستطيع في ms100 عمري هذا ترك الحياة التي تعودت ~~عليها لثمانية وأربعين عاما، والبدء من جديد في عالم آخر. كانت الهجرة بالنسبة لي ~~حلما قديما لم يعد صالحا للتحقق الآن، وأنا متعايش تماما مع هذه الحقيقة، بالضبط ~~كما كنت أحلم في طفولتي باللعب لنادي الزمالك، بعض الأحلام يصبح ببساطة غير قابل للتحقق ~~بعد سن معين، أنا باختصار مثبت هنا بالمسامير، وقد قررت منذ سنوات أنني سأنجح هنا مهما ~~كلفني الأمر. # أجاب الثاني في تفهم وتعاطف: معك حق، أفهم ما تعنيه جيدا. يمكن للناس النجاح إذا ~~أرادوا ذلك بالتأكيد، لكنك على الأقل معتاد على الظروف هنا، وتستطيع التعامل معها كما ~~فعلت طيلة تلك السنوات، لكنني أنا لا أستطيع ذلك؛ لقد أصبحت أحضر إلى مصر كالسياح، أقيم ~~لبضعة أيام في فنادق باهرة الجمال في شرم الشيخ أو مرسى مطروح أو الجونة، ألتقط بعض ~~الصور الرائعة حقا، ثم أنشرها على تطبيقات التواصل الاجتماعي لأجد سيلا من التعليقات ~~من الزملاء والمعارف في شتى البلدان، يستغربون كيف أترك بلدا ساحرا كالذي يرونه في ~~تلك الصور؛ لأعيش في مدينة كئيبة لا تشرق عليها الشمس مثل تورونتو، لم أعد أزور ~~الإسكندرية أو القاهرة إلا للضرورة، أما فيما عدا ذلك فقد أصبحت غريبا بالكامل عن هذا ~~البلد، وذلك إحساس بالغ القسوة لو كنت تدرك ما أقصد، أستقل سيارة أجرة فلا يمكنني تخمين ~~حدود ما يجب أن أدفع، لا أعرف سعر زجاجة الماء أو عبوة المياه الغازية، ولا أستطيع حتى ~~أن أخمن ذلك لأنني عندما غادرت هذه المدينة كانت الورقة ذات العشرة جنيهات ما زالت ~~تعتبر مبلغا ذا قيمة! هل تعرف معنى أن تختفي ذكرياتك كلها؟ تاريخك كله يتم مسحه بنفس ~~البساطة التي تمسح بها الصور غير المهمة من هاتفك المحمول، جذورك التي كانت ضاربة في ~~عمق الأرض منذ أعمار وأعمار تجدها فجأة معلقة في الهواء. أنا لست كنديا يا ياسين، ولن ~~أكون في يوم من الأيام! كندا هذه رغم ما فيها من مميزات، ورغم أنني أحمل جنسيتها لكنها ~~ليست وطني مهما ms101 عشت فيها، ربما تكون وطنا لأبنائي أو لأبنائهم بعد ذلك، لكنني لا أريد ~~أن أدفن هناك، وقد سجلت ذلك كتابة في وصية قانونية أطلعت بناتي عليها! أنا الآن بلا ~~وطن، لا أجد نفسي هنا، ولا أجد نفسي هناك، أتفهم؟ # ساد صمت طويل هذه المرة، طال الصمت حتى لم يقطعه أي حديث بعد ذلك، غرق كل منهما ~~تماما في أفكاره، في ذلك العمر الذي مضى وكيف مضى، في تلك السنوات الضبابية الغائمة ~~التي لا يدرك ما كان يفعل فيها بالتحديد، سنوات تبدو منسية، لا يميزها شيء، وكأنما ~~ابتلعها ثقب أسود، تلك الأعوام ما بين صخب الشباب وضجيج الحياة بكل عنفوانها، وبين ~~الركود المميت الذي يقبع فيه الآن، تلك السنوات الجرداء الخالية من الذكريات المميزة ~~وكأنها لم تكن، سنوات لم تضف إليه إلا بعض الشيب والكثير من الدهون، سنوات الثقب الأسود ~~التي لا يكاد يذكر حدثا هاما مر به فيها، بينما لم يزل يحمل تلالا من الذكريات ~~والتفاصيل عن السنوات السابقة لها، وقت أن كان حيا بحق، وقت أن كانت حركته لا تسكن، ~~وعقله لا يتوقف عن التفاعل مع كل صغيرة وكبيرة، وقت أن كان بإمكانه ممارسة الحماقات ~~وارتكاب الأخطاء. هل صنعت تلك السنوات أي فارق يذكر في حياته؟ هل كان شعوره بها سيختلف ~~إن سافر إلى الخارج أو ظل في مصر، إن تزوج فريدة أو تزوج غيرها أو إن لم يتزوج قط، إن ~~عمل في وظيفة ثابتة أو أسس عمله الخاص؟ أليست النتيجة هي ذاتها بشكل أو بآخر كما هو حال ~~ذلك الشخص الآخر الواقف أمامه والذي يبدو مثله كهلا حزينا؟ أليست هي ذات الدوامة ~~وهو نفس الثقب الأسود؟ هل كان له حق الاختيار من الأساس، أم أنه قدر لا مفر منه؟ هل كان ~~سيغير اختياره إن أتيح له ذلك؟ وهل كان القدر ليتغير بالتبعية؟ ما الهدف إذن؟ ما الغاية ~~من كل ذلك؟ أليست هي من الأصل لعبة روليت كبيرة؟ يولد طفل ما لأب سويسري يمتلك مصنعا ~~للشوكولاتة، ويقضي أمسياته في ms102 الاستماع إلى سيمفونيات شتراوس على ضفاف بحيرة هادئة وسط ~~جبال الألب الخضراء، بينما يولد طفل آخر في ذات اللحظة لأب أمي لا يجد قوت يومه في كشك ~~خشبي فوق مستنقع تفتك به الأمراض المعدية في بنجلاديش. لم يختر أي منهما أين يولد أو ~~لأي أبوين، ثم يحاول أحد مرتدي ربطات العنق الأنيقة في قناة فضائية ما إقناعنا بنظرية ~~تكافؤ الفرص، أو يستميت رجل دين ما في إثبات نظرية متهافتة عن أن كل إنسان يحصل على ~~حظه في هذه الحياة على هيئة أربعة وعشرين قيراطا، قد يكون بعضها صحة وبعضها مالا ~~وبعضها ذرية وبعضها ذكاء إلى آخر تلك الترهات. كيف يمكن أن يكون هذان المولودان في ~~ذات اللحظة قد حصل كل منهما على نصيب مماثل للآخر؟ هذه الحياة ظالمة بالتأكيد، عرف ذلك ~~منذ زمن، وأراد أن يعتاد عليه كما يطالبه بيل جيتس في عبارته الشهيرة. لكنه لم يستطع؛ ~~ربما لأنه ليس بيل جيتس، وربما لأنه لا يريد الاعتياد على حياة ظالمة! ~~••• # على رصيف المحطة العتيقة التي تستقبل بصخبها وزحامها القادمين إلى المدينة وكأنما ~~تمهد لهم ما سيكابدونه فيها، كأنما تمنحهم لمحة مبسطة عن صخب وضوضاء تلك البقعة من ~~الأرض التي وطئتها للتو أقدامهم؛ كي لا يباغتهم ذلك دونما تمهيد مسبق، على رصيف تلك ~~المحطة كان يقف ذلك الشاب المتعب رافعا في سأم ورقة بيضاء طبع عليها بحروف واضحة ~~كبيرة اسم «ياسين عمران». كان كلاهما في الحقيقة يتوقع أن ينتظره شخص ما ليصطحبه إلى ~~الوجهة التي يقصدها؛ يتوقع الأول من يصطحبه إلى الميناء حيث مكتب الشركة اليونانية التي ~~حضر لمقابلة مديرها الإقليمي لمناقشة خطة الاندماج المقترحة مع الشركة التي يعمل بها، ~~بينما يتوقع الثاني من يأخذه إلى مطار برج العرب حيث يستقبل زوجته وأبناءه القادمين مع ~~جدهم وجدتهم لأمهم من شرم الشيخ بعد أن قضوا بصحبتهما هناك أسبوعا، قبل أن يصطحبهم ~~عائدين إلى القاهرة التي يطيرون منها في الصباح الباكر إلى تورونتو في رحلة طويلة، ~~يتوقفون خلالها لأربع ساعات في مطار فرانكفورت. ms103 # وقف الاثنان متقابلين، يبدلون ما بين النظر إلى بعضهما البعض، وما بين التطلع في حيرة ~~إلى اللافتة التي يحملها ذلك الشاب، لم يعرف أي منهما ما إذا كان هو المقصود بها أم ~~الآخر، توقفا عن النظر ناحية اللافتة وثبتا نظراتهما تجاه بعضهما البعض، استغرق ~~كلاهما في التحديق في عين الآخر لثوان، بينما تتسارع هرولة المسافرين من حولهما مع ~~تحرك القطار مغادرا المحطة، كانت نظراتهما فارغة وذاهلة، كانت نظراتهما حائرة كيفما ~~تبلغ الحيرة منتهاها، ثم في اللحظة ذاتها، وكأنما كان بينهما اتفاق مسبق؛ التفت كل ~~منهما إلى الاتجاه المعاكس تماما، وسار مبتعدا عن الآخر بخطى سريعة ثابتة دون أن ~~تفلت من أيهما أدنى التفاتة إلى الخلف، لم يكن ذلك الشاب الذي يحمل اللافتة يعرف، ولم ~~يكن أي منهما كذلك يعرف على وجه اليقين أيهما هو ياسين عمران، إلا أن كليهما دارت برأسه ~~تلك الأبيات التي سمعها ذات يوم من منشد ما في حضرة مولد ولي ما: # فؤاد به شمس المحبة طالع # وليس لنجم العذل فيه مواقع # صحا الناس من سكر الغرام وما صحا # وأفرق كل وهو في الحان جامع # هوى وصبابات ونار محبة # وتربة صبر قد سقتها المدامع # ولي طمع بين الأجارع عهده # قديم وكم خابت هناك المطامع # أجر ذيول اللهو في ساحة اللقا # وأجني ثمار القرب وهي أيانع # تصرم ذاك العمر حتى كأنني # أعيش بلا عمر وللعيش مانع # ومذ مر عني العيس وابيض لمتي # تسود صبحي فالدموع فواقع # أيا يوسف الدنيا لفقدك في الحشا # من الحزن يعقوب فهل أنت راجع؟ # أتينا تجار الذل نحو عزيزكم # وأرواحنا المزجاة تلك البضائع # فكل الذي يقضيه في رضاكم # مرامي وفوق القصد ما أنا صانع # غرامي غرام لا يقاس بغيره # ودون هيامي للمحبين مانع # فؤادي والتبريح للروح لازم # وسقمي والآلام للجسم تابع # ولوعي وأشجاني وشوقي ولوعتي # لجوهر ذاتي في الغرام طبائع # هي النفس نعمت مركبا مطمئنة # فليس لها دون المرام موانع # فيا سعد إن رمت السعادة فاغتنم # فقد جاء في نظم البديع بدائع # مفاتيح أقفال ms104 الغيوب أتتك في # خزائن أقوالي فهل أنت سامع؟ # سأنشي روايات إلى الحق أسندت # وأضرب أمثالا لما أنا واضع # وأوضح بالمعقول سر حقيقة # لمن هو ذو قلب إلى الحق راجع # شعر عبد الكريم الجيلي (1365-1424م) ~~(تمت) # دبي، يناير 2019م ms105