######OpenITI# #META# URI: 1450IbrahimSanadAhmad.CamilSirri.Hindawi58257393 #META# Tags: novels #META# ID: 58257393 #META# Title: العميل السري: حكاية بسيطة #META# AuthorID: 39190742 #META# Author: جوزيف كونراد #META# EditorID: 51613802 #META# Editor: محمد حامد درويش #META# TranslatorID: 48097460 #META# Translator: إبراهيم سند أحمد #META# Related_books: 1343JosephConrad.SecretAgent (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # | العميل السري # | العميل السري # | حكاية بسيطة # تأليف # جوزيف كونراد # ترجمة # إبراهيم سند أحمد # مراجعة # محمد حامد درويش # إلى # إتش جي ويلز # مدون وقائع حب السيد لويشام # وكاتب سيرة كيبس ومؤرخ العصور المقبلة # أهدي، مع حبي وتقديري، هذه الحكاية البسيطة من القرن التاسع عشر. # | الفصل الأول # خرج السيد فيرلوك في الصباح وترك متجره ظاهريا في عهدة صهره. لم يواجه صهره صعوبة؛ ~~لأن المتجر ما برح يشكو من قلة زبائنه، بل إن اليوم كان يخلو من العمل تماما حتى ~~يدخل المساء. لم يكن السيد فيرلوك يكترث كثيرا بعمله الظاهري. بل إنه عهد برعاية صهره ~~إلى زوجته. # كان المتجر صغيرا وكذلك المنزل. كان المنزل واحدا من تلك المنازل المبنية باللبنات ~~ذات اللون القاتم التي غطت مساحة شاسعة قبل أن يبزغ فجر حقبة إعادة الإعمار على لندن. ~~اتخذ المتجر شكلا مربعا وكانت الواجهة مزججة بألواح زجاجية صغيرة. كان الباب يظل ~~مغلقا في فترة النهار، وفي المساء يوارب بحذر، ولكن على نحو يثير الشكوك. # احتوت النافذة على صور فوتوغرافية لفتيات راقصات عاريات أو شبه عاريات؛ وعبوات لا ~~تحمل وصفا لمحتوياتها وملفوفة وكأنها أدوية مسجلة ببراءات اختراع؛ ومظاريف ورقية ~~صفراء مغلقة من نوع رديء للغاية ومكتوب عليها الرقم اثنان والرقم ستة ببنط عريض أسود؛ ~~وبضعة منشورات قديمة فرنسية ساخرة معلقة في خيط، وكأنها معلقة كي تجف؛ وطبق ~~صيني بلون أزرق قاتم، وبرميل من الخشب الأسود، وزجاجات حبر غير قابل للمحو وأختام ~~مطاطية؛ وبضعة كتب بعناوين تشير إلى محتوى غير لائق؛ وبضعة نسخ قديمة من جرائد غير ~~معروفة ذات طباعة رديئة تحمل عناوين مثل «ذا تورتش»، «ذا جونج»؛ عناوين ms001 مثيرة. وفي الجهة ~~الداخلية من الألواح الزجاجية كان يوجد موقدا غاز منخفض ضوءهما على الدوام؛ إما ~~توفيرا للنفقات أو إرضاء للعملاء. # كان هؤلاء العملاء إما شبانا صغارا في السن يقفون أمام النافذة لمدة من الوقت قبل ~~الدخول فجأة؛ أو رجالا ناضجين، ولكن يبدون عموما مفلسين. كان البعض من هذا النوع ~~الأخير يرفعون ياقة المعطف بحيث تصل إلى شواربهم، وتلتصق آثار الطين في أسفل ~~سراويلهم التي تبدو مهترئة جدا وليست ذات قيمة كبيرة. وكانت السيقان بداخل تلك ~~السراويل تبدو عموما وكأنها جلد على عظم. وكانوا يدخلون من الباب بالورب، وقد أدخلوا ~~أيديهم في جيوب معاطفهم، وكأنهم يتفادون الجرس ويخشون صلصلته. # كان يصعب تفادي الجرس المعلق على الباب في طوق مقوس من الفولاذ. كانت في الجرس ~~تصدعات لا علاج لها؛ ولكن في المساء، عند أدنى حركة بجانبه، كان يصلصل من خلف العميل ~~وكأنه صلصلة الرعد. # صلصل الجرس؛ وعند تلك الإشارة، ومن خلال الباب الزجاجي المكسو بالغبار، ومن خلف منضدة ~~البيع، يخرج السيد فيرلوك مسرعا من غرفة المعيشة في الخلف. كان من الطبيعي أن يرى النعاس ~~في عينيه؛ فقد كان يبدو وكأنه بات يتمرغ على سرير غير مرتب طوال اليوم بملابسه ~~كاملة. لو كان رجلا آخر، كان سيشعر أن الخروج بهذا المظهر نقيصة لا اختلاف عليها. يعتمد ~~نجاح معاملات البيع بالتجزئة اعتمادا كبيرا على طريقة جذب العملاء والتودد من جانب ~~البائع. ولكن السيد فيرلوك كان يجيد عمله، ولم يكن يهتم البتة بشأن مظهره الجمالي. ~~بنظرات عابسة وثابتة، بدا أنها تخرس ألسنة بعض المزعجين وتمنع توعدهم له، كان يباشر، من ~~وراء منضدة البيع، بيع منتجات لا يختلف اثنان على أنها لا تساوي قيمة الأموال التي ~~تدفع فيها؛ ومنها على سبيل المثال، صندوق صغير من الورق المقوى فارغ المحتوى على ما ~~يبدو، أو مظروف من تلك المظاريف الصفراء ذات الجودة الرديئة والمغلقة بعناية، أو عدد ~~مجلة ذو غلاف يحمل عنوانا واعدا. ومن وقت لآخر، كانت صور فتيات الرقص ذوات الأصل الآسيوي ~~تباع إلى أحد الهواة ms002 ، وكأنها فتاة حقيقية تنبض بالحيوية والشباب. # في بعض الأحيان، كانت السيدة فيرلوك هي التي تخرج عند سماع صلصلة الجرس. كانت ويني ~~فيرلوك شابة ممتلئة الصدر، ترتدي صدرية ضيقة، وذات فخذين عريضتين. كان شعرها مهندما. ~~وبنظرات ثابتة مثل زوجها، كانت تقف خلف حاجز المنضدة وعلى وجهها تعبيرات لا مبالاة يستعصي ~~فهم كنهها. حينئذ ربما كان الارتباك يتملك فجأة زبونا غضا بسبب اضطراره إلى التعامل ~~مع امرأة، فيتقدم والغيظ يملأ قلبه ويطلب زجاجة حبر غير قابل للمحو؛ قيمة بيعه ~~بالتجزئة ستة بنسات (السعر في متجر فيرلوك شلن وستة بنسات) وبمجرد أن يخرج من المتجر، ~~يكون قد أنفق في صمت آخر بنس بحوزته. # كان زوار الليل - الرجال ذوو الياقات المرفوعة والقبعات الناعمة المائلة إلى الأمام - ~~يأتون ويحيون السيدة فيرلوك بإيماءة فيها ألفة، وبعد التحية الصامتة يرفعون الحاجز ~~القلاب في نهاية منضدة البيع من أجل المرور إلى غرفة المعيشة الخلفية، التي توصلهم إلى ~~ممر ثم إلى درج شديد الانحدار. كان باب المتجر هو الوسيلة الوحيدة للدخول إلى المنزل ~~الذي كان السيد فيرلوك يمارس أعماله فيه سواء باعتباره بائع سلع مشبوهة أو باعتباره حامي ~~حمى المجتمع ومن يغرس فيه الفضيلة. وكثيرا ما كان يزعم الأمرين الأخيرين. كان يقضي جل ~~وقته في بيته. لم تكن احتياجاته الروحية أو العقلية أو البدنية من النوع الذي يتطلب منه ~~المكوث خارج البيت كثيرا. بل وجد في البيت راحة بدنه وسلامة عقله، إلى جانب الاعتناء من ~~زوجته والاحترام من والدتها. # كانت والدة ويني امرأة بدينة، أنفاسها مصحوبة بصفير، ولها وجه بني كبير. كانت تضع ~~شعرا أسود مستعارا تحت قلنسوة بيضاء. تسبب تورم ساقيها في خمول حركتها. كانت ~~تعتبر نفسها من أصل فرنسي، وربما كان ذلك حقيقيا؛ وبعد سنوات عديدة من الحياة الزوجية ~~مع بائع مرخص للمواد الكحولية من النوع المنتشر، انغمست في حياة الترمل بتأجير شقق ~~مفروشة لرجال بالقرب من طريق جسر فوكسهول في ميدان كان - ولا يزال - ينطوي على بعض ~~الرقي، في منطقة بلجرافيا. قدمت لها هذه السمات الطبوغرافية ms003 بعض المزايا في إعلانها عن ~~شققها؛ ولكن زبائن الأرملة ذات الوجاهة لم يكونوا بالضبط من النوع العصري. ومع ما كانوا ~~عليه من علات، ساعدت ابنتها ويني في الاعتناء بهم. تجلت سجايا الأصول الفرنسية، التي كانت ~~الأرملة تتفاخر بها، في ويني أيضا. كانت بادية في تسريحة شعرها الأسود اللامع المنمقة ~~والمتقنة. كانت ويني تتحلى بصفات جمالية أخرى، منها شبابها وقوامها الممتلئ والملفوف ~~وبشرتها الصافية؛ وتفضيلها للتحفظ الذي يستعصي فهم ما وراءه، والذي لم يحملها على ~~الامتناع عن محادثة المستأجرين، الذين كانوا يحادثونها بحماس، بينما تحادثهم بلطف وود ~~مكافئ. لا بد أن السيد فيرلوك وقع في براثن سحرها. كان السيد فيرلوك من الزبائن الذين ~~يأتون على فترات متقطعة. كان يأتي ويذهب من دون أي سبب واضح. وبوجه عام، وصل إلى لندن ~~(مثل الأنفلونزا) من القارة الأوروبية، غير أنه وصل من دون أن تعلن الصحف عن مجيئه؛ وكان ~~ينطلق في زياراته بعزيمة جبارة. كان يتناول إفطاره على السرير ويظل يتقلب فيه ~~باستمتاع هادئ حتى ظهيرة كل يوم، بل ويتأخر حتى بعد الظهيرة في بعض الأحيان. ولكن عندما ~~كان يخرج، كان يبدو أنه يواجه صعوبة كبيرة في أن يجد طريق عودته إلى منزله المؤقت الكائن ~~في ميدان بلجرافيا. كان يغادر المنزل في وقت متأخر ويعود إليه في وقت مبكر - في حوالي ~~الساعة الثالثة أو الرابعة صباحا - وعندما يستيقظ في الساعة العاشرة، ينادي على ويني لكي ~~تحضر له الإفطار ممازحا ومتلطفا بصوت أجش وواهن وبنبرات متعبة وكأنه ظل يتحدث ~~بصوت عال لساعات متواصلة. كانت عيناه البارزتان المثقلتان بالنوم تدوران في ~~محجريهما والتعب والغرام باديان فيهما، وأغطية السرير مشدودة حتى ذقنه، وشاربه الأسود ~~الناعم يغطي شفتيه السميكتين اللتين لا تتوقفان عن المزاح المعسول. # من وجهة نظر والدة ويني، كان السيد فيرلوك رجلا لطيفا للغاية. من خبرات حياتها التي ~~جمعتها من «بيوت عمل» مختلفة، وضعت المرأة الطيبة بعد تقاعدها مثالا في اللطف كما تتسم ~~الزبائن في حانات الصالونات الخاصة. وكاد السيد فيرلوك أن يصل إلى ذلك المثال ms004 ؛ بل إنه، في ~~الواقع، وصل إليه. # كانت ويني قد أوردت ملاحظة قائلة: «بالطبع سنتولى أمر أثاثك يا أمي.» # كان من المزمع أن يخلي المنزل. يبدو أنه لم يكن من الممكن الاستمرار في استئجاره. ~~ربما كان ينطوي على الكثير من المتاعب للسيد فيرلوك. لم يكن المنزل ملائما لأعماله ~~الأخرى. لم يقل ما هي أعماله الأخرى؛ ولكن بعد ارتباطه بويني تحمل عناء الاستيقاظ قبل ~~الظهيرة، والنزول إلى الطابق السفلي، ورسم ابتسامة على وجهه من أجل والدة ويني القابعة ~~دون حراك في غرفة الإفطار بالطابق السفلي. كان يداعب القطة ويحرك نار المدفأة، ~~ويقدم له الغداء في تلك الغرفة. لم يخف تردده في مغادرة السرير الوثير، ولكن، ~~على الرغم من ذلك، كان يبقى بالخارج حتى وقت متأخر من الليل. لم يعرض قط على ويني أن ~~يصحبها إلى المسارح، مثلما كان يجب على رجل لطيف مثله أن يفعل. فقد كانت أمسياته مشغولة. ~~أخبر ويني ذات مرة أن عمله له علاقة بالسياسة. ومن ثم، نبهها إلى ضرورة التلطف مع ~~أصدقائه السياسيين. # وبنظرتها الحادة، التي لا يعرف ما وراءها، أجابته بأنها ستفعل ذلك بالطبع. # استعصى على والدة ويني أن تكتشف كم المعلومات التي ذكرها لزوجته عن عمله. تولى ~~الزوجان أمرها مثلما توليا أمر أثاثها. ولكنها فوجئت بالمظهر القبيح للمتجر. أثر ~~الانتقال من ميدان بلجرافيا إلى شارع ضيق في سوهو سلبا على ساقيها. أصبح حجمهما هائلا. ~~ولكن من الناحية الأخرى، أزاحت عن كاهلها تماما الأعباء المادية. منحتها طيبة زوج ابنتها ~~شعورا بالأمان المطلق. كان من الواضح أن مستقبل ابنتها صار مضمونا، وحتى بالنسبة إلى ~~ابنها ستيفي، لم تعد بحاجة لأن تشعر بالقلق. لم تستطع أن تتغافل عن أنه عبء ثقيل، ذلك ~~المسكين ستيفي. ولكن نظرا لولع ويني بأخيها الحساس، ونظرا للطف وكرم السيد فيرلوك، ~~أحست بأن الصبي البائس في مأمن في هذا العالم القاسي. وفي صميم قلبها ربما لم تكن ~~مستاءة من أن فيرلوك لم يكن لديه أطفال. نظرا لأن السيد فيرلوك لم يكترث لذلك الظرف، ~~ولأن ويني ms005 وجدت نزعة تشبه نزعة الأمومة تجاه شقيقها، فربما كان هذا أيضا جيدا للمسكين ~~ستيفي. # كان من الصعب التخلص من هذا الصبي. كان مرهف الحس، وكان حسن المظهر أيضا، بطريقة ~~هشة، باستثناء تدلي شفته السفلية. وبفضل نظام التعليم الإجباري الذي يمتاز به مجتمعنا، ~~تعلم القراءة والكتابة، على الرغم من مظهر شفته السفلية غير المحبب. ولكن عندما عمل ~~مرسالا، لم يحقق نجاحات كبيرة. إذ كان ينسى رسائله؛ وكان يسهل أن يحيد عن مسار واجبه ~~بالانجذاب إلى القطط والكلاب الضالة، التي كان يتبعها في الأزقة الضيقة إلى ساحات تعج ~~بالقمامة؛ أو إلى العروض الكوميدية في الشوارع، التي كان يمكث لمشاهدتها فاغرا فاه، ومن ~~ثم ينسى مصالح صاحب العمل؛ أو إلى العروض الدرامية التي تدور حول خيول تسقط مجندلة، حتى ~~تدفعه الشفقة والعنف في بعض الأحيان إلى إطلاق صرخة مدوية وسط الحشود التي لم يكن يروقها ~~أن تزعجها أصوات الحزن التي تخرب عليها استمتاعها الهادئ بالمشهد الوطني. وعندما كان ~~يقتاده شرطي فظ يحميه بإبعاده، فغالبا ما كان يتضح أن ستيفي البائس قد نسي ~~عنوانه، لمدة من الوقت على الأقل. كان سؤال بأسلوب فظ يتسبب له في التأتأة لدرجة الاختناق. ~~وعندما يتملكه الذهول من أي شيء محير، كان يحدق بشكل مرعب. ومع ذلك، لم يكن قد عانى من ~~أي نوبات في حياته (وكان هذا أمرا مشجعا)؛ وفي أيام طفولته، اعتاد أن يجري للاحتماء ~~خلف أخته ويني قبل أن يصب والده نوبات غضبه الطبيعية عليه عندما ينفد صبره. ومن ناحية ~~أخرى، ربما شك الآخرون في أنه كان يخفي قدرا من الطيش المتهور. عندما كان قد بلغ ~~الرابعة عشرة من عمره، بعد أن منحه أحد أصدقاء والده الراحل، الذي كان وكيلا لشركة ألبان ~~محفوظة أجنبية، فرصة العمل بوظيفة ساع، شوهد عصر أحد الأيام الضبابية، في غياب رئيسه، ~~مشغولا بإطلاق ألعاب نارية على الدرج. في تتابع سريع، أطلق مجموعة من الصواريخ الشعواء ~~والألعاب النارية المعروفة باسم عجلات كاثرين ومفرقعات عالية الصوت، وربما باتت المسألة ~~بالغة الخطورة. انتشر هلع ms006 شديد في المبنى بكامله. أخذ موظفون انتابهم الهلع والاختناق ~~يفرون عبر الممرات المليئة بالدخان، وتدحرج رجال أعمال مسنون يرتدون قبعات حريرية على ~~السلم دون أن يلمسهم أحد. لم يبد أن ستيفي حصل على أي متعة شخصية مما فعله. ولذا استعصى ~~التعرف على كنه دوافعه وراء هذا الذعر الذي تسبب فيه. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، أخذت منه ~~ويني اعترافا اتسم بالغموض والتشويش. يبدو أن اثنين من موظفي البوفيه قد لعبا على ~~مشاعره بسرد حكايات عن الظلم والقمع مما أثار تعاطفه إلى حد الجنون. ولكن بالطبع طرده ~~صديق والده لأنه باختصار قد يخرب عمله. بعد هذا الاستغلال الإيثاري، أصبح عمل ستيفي هو ~~المساعدة في غسل الأطباق في المطبخ الكائن بالطابق السفلي، وتلميع أحذية السادة مستأجري ~~المنزل الكبير في بلجرافيا. لم يكن خافيا أن هذا العمل لم يكن له مستقبل. كان السادة ~~يعطونه شلنا بقشيشا بين آن وآخر. كان السيد فيرلوك هو أكرم المستأجرين. ولكن كل هذا ~~لم يبلغه الكثير سواء من حيث المكسب أو الفرص المستقبلية؛ ومن ثم لما أعلنت ~~ويني خطبتها إلى السيد فيرلوك لم تتساءل الأم عما سيحل بستيفي البائس الآن، وأخذت ~~تتنهد وهي تنظر صوب غرفة غسل الأطباق. # اتضح أن السيد فيرلوك كان عازما على تولي أمره وأمر أم زوجته وأمر الأثاث الذي كان ~~يمثل كامل الثروة الواضحة للأسرة. اتسع صدر السيد فيرلوك لكل شيء إذ كان من طبيعته ~~سعة الصدر والطيبة. وزع الأثاث بأفضل ما يكون في أرجاء المنزل، ولكن إقامة والدة ويني ~~انحصرت في غرفتين خلفيتين بالطابق الأول. اتخذ ستيفي التعيس الحظ واحدة منهما كي ينام ~~فيها. بحلول ذلك الوقت، كان نمو الشعر الأصفر الرقيق قد بدأ على نحو غير واضح، وأصبح ~~يشكل خطا دقيقا كقطرات ندى ذهبية على فكه السفلي الصغير. ساعد أخته بحب مطلق ~~وطاعة في أداء واجباتها المنزلية. فكر السيد فيرلوك في أن انشغاله بعمل ما سيكون جيدا ~~له. لذا شغل وقت فراغه برسم دوائر باستخدام فرجار وقلم رصاص على قصاصة ورق ms007 . شغل نفسه بتلك ~~التسلية ولم ينقطع عنها وهو جالس على طاولة المطبخ ومرفقاه مفرودان وظهره منحن ~~عليها. عبر الباب المفتوح لغرفة المعيشة الكائنة في الجزء الخلفي من المتجر، اعتادت ~~أخته ويني أن تراقبه من وقت إلى آخر بيقظة الأم. # | الفصل الثاني # هكذا كان حال المنزل والأسرة والأعمال التي خلفها السيد فيرلوك وراءه وهو في طريقه ~~غربا في الساعة العاشرة والنصف صباحا. كان الوقت مبكرا على نحو غير معتاد له؛ وكانت ~~تنبعث من جسده كله نضارة الندى الساحرة؛ وارتدى معطفا أزرق من دون أن يربط أزراره؛ ~~وكان حذاؤه لامعا؛ وحلق ذقنه في الصباح، وكانت لامعة نوعا ما؛ وحتى عيناه المثقلتان ~~بالنوم انتعشتا بعد نوم هادئ وكانتا تبعثان نظرات تنم عن يقظة غير معهودة. عبر سياج ~~الحديقة، وقعت هذه النظرات على رجال ونساء يركبون الخيول في طريق رو، وأزواج يتجولون في ~~انسجام، وآخرين يتنزهون في هدوء، ومجموعات مكونة من ثلاثة أفراد أو أربعة يتسكعون، ~~وفرسان منعزلين يبدون منطوين على أنفسهم، ونساء يمشين بمفردهن ويتبعهن على مسافة بعيدة ~~رجل يربط عقدة بشريط على قبعته ويرتدي حزاما جلديا فوق معطفه الضيق. مضت عربات بسرعة ~~وسلاسة، معظمها عربات خفيفة يجرها حصانان، وهنا وهناك كانت ترى عربة فيكتوريا مكشوفة ~~مكسوة بجلد حيوان بري من الداخل ويظهر من فوق الغطاء المطوي وجه امرأة وقبعة. وشمس لندن ~~المميزة - التي لا يمكن أن يقال فيها شيء سوى أنها بدت مشربة بالحمرة - تمجد كل هذا ~~بنظرتها. ارتفعت إلى كبد السماء فوق حديقة هايد بارك كورنر وسطعت بأشعتها في يقظة دقيقة ~~وحميدة. وكان للرصيف نفسه تحت أقدام السيد فيرلوك مسحة ذهبية في ذلك الضوء المنتشر، في وقت ~~لم يكن فيه ظل لحائط أو شجر أو حيوان أو إنسان. كان السيد فيرلوك ماضيا غربا عبر مدينة ~~لا ظلال فيها في جو تنشر فيه الشمس أشعتها الذهبية. انعكست الأشعة ذات اللون النحاسي ~~الأحمر على أسقف المنازل وزوايا الجدران وألواح العربات وسروج الخيول وعلى ظهر المعطف ~~العريض الذي كان يرتديه السيد فيرلوك؛ حيث أعطت ms008 تأثيرا باهتا كالصدأ. ولكن السيد فيرلوك ~~لم يدرك بأي حال أن ملابسه تعكس ذلك اللون الصدئ. أخذ ينظر بعين الرضا من فوق سياج ~~الحديقة إلى ترف المدينة ورفاهيتها. لا بد من توفير الحماية لكل هؤلاء الناس. الحماية هي ~~الضرورة الأولى من أجل الترف والرفاهية. لا بد من توفير الحماية لهم؛ ولا بد من توفير ~~الحماية لخيولهم وعرباتهم ومنازلهم وخدمهم؛ ولا بد من توفير الحماية لمصدر ثروتهم وينبغي ~~أن يدرك المسئولون في المدينة والدولة ذلك؛ ولا بد من توفير الحماية للنظام الاجتماعي ~~بالكامل الملائم لبطالتهم ذات الآثار الصحية الإيجابية من الغيرة السطحية للعمالة غير ~~الصحية. كان لا بد من حمايتها؛ ولو لم يكن السيد فيرلوك ساخطا من الناحية الدستورية على ~~كل مجهود غير ضروري، لفرك يده تعبيرا عن الرضا. لم يكن خموله صحيا، ولكنه أتى على ~~هواه. كرس حياته لتلك المعيشة بشيء من التعصب الخامل أو بالأحرى الخمول المتعصب. ولد من ~~أبوين كادحين في الحياة، ولكنه آثر التراخي من دافع في أعماقه لا يمكن تفسيره ولا يمكن ~~نكرانه مثل نبض القلب الذي يفضل امرأة معينة على باقي النساء. بلغ الكسل منه مبلغا لا ~~يبلغه حتى زعيم حركة لا سلطوية أو خطيب عمال أو قائد حركة عمالية. كانت هذه مشكلة كبيرة ~~للغاية. سعى إلى حياة من الدعة الكاملة؛ أو ربما وقع ضحية عدم إيمان فلسفي بفاعلية كل ~~جهد بشري. هذا الشكل من التراخي يتطلب، بل ينطوي على قدر من الذكاء. لم يكن السيد فيرلوك ~~منعدم الذكاء، وردا على فكرة وجود نظام اجتماعي مهدد، ربما كان سيغمز بعينه لنفسه ~~لو لم يكن ثمة جهد في إتيان تلك العلامة الدالة على التشكك. لم تكن عينه الكبيرة ~~والبارزة متكيفة جيدا على الغمز. كانت بالأحرى من النوع الذي يغلق بوقار وكأنه يهجع إلى ~~النوم مع تأثير مهيب. # كان السيد فيرلوك يتصف بالغموض وضخامة البنية وكأنه حيوان ضخم؛ ومن دون أن يفرك يديه ~~تعبيرا عن الرضا أو يغمز تعبيرا عن الشك في أفكاره، تقدم في طريقه. أخذ ms009 يدب على الرصيف ~~متثاقل الخطى بحذائه اللامع، ومظهره العام يوحي بأنه ميكانيكي موسر ماض في عمل خاص. ربما ~~كان يمتهن أي مهنة بداية من صانع إطارات صور وحتى صانع أقفال؛ أو صاحب عمل في مشروع صغير. ~~ومع ذلك، كان يكتنفه أيضا مظهر لا يوصف لم يكن من الممكن أن يكتسبه أي ميكانيكي في ~~ممارسة مهنته مهما كان يمارسها بطرق غير سوية؛ المظهر المشترك بين الرجال الذين يعيشون على ~~الرذائل، أو الحماقات، أو المخاوف الأساسية لدى البشرية؛ مظهر العدمية الأخلاقية الشائع ~~بين رعاة صالات القمار وبيوت الدعارة؛ الشائع بين أفراد البوليس السري ووكلاء التحقيقات؛ ~~بين بائعي الخمور، ويمكن القول، بين بائعي الأحزمة الكهربائية المنشطة ومبتكري الأدوية ~~المسجلة ببراءات اختراع. ولكني لست متأكدا من هذا الأخير؛ لأنني لم أتعمق في تحقيقاتي ~~في ذلك الأمر حتى الآن. وعلى حد علمي، قد تكون سحنة هؤلاء الأشخاص الأخيرين شرا ~~مستطيرا. لا ينبغي أن أتفاجأ. ما أريد التأكيد عليه هو أن سحنة السيد فيرلوك كانت بلا ~~جدال سحنة شيطانية. # قبل الوصول إلى نايتسبريدج، انعطف السيد فيرلوك إلى اليسار بعيدا عن الطريق العام ~~المزدحم وعن صخب سيارات النقل العام المترنحة وعربات النقل السريعة، ودخل بين عربات ~~الخيول السريعة التي لا تكاد تسمع لها صخبا. تحت قبعته، التي كان يرتديها مائلة قليلا ~~إلى الخلف، كان شعره ممشطا بعناية حتى صار ناعما؛ لأن الشأن الذي كان ماضيا إليه هو مع ~~إحدى السفارات. وفي ذلك الوقت كان السيد فيرلوك يسير، راسخا كصخرة - صخرة من نوع ناعم - في ~~شارع من الملائم للغاية وصفه بأنه شارع خاص. تجلت فخامة الشارع في عرضه وعدم ازدحامه ومدى ~~عظم طبيعته الجامدة المصنوعة من مادة لا تموت. كان التذكير الوحيد للموت هو عربة طبيب ~~تجرها الخيول واقفة في عزلة مهيبة بالقرب من الرصيف. التمعت مقارع الأبواب المصقولة بقدر ~~ما أمكن للعين أن تصل إليه، والتمعت النوافذ النظيفة ببريق معتم داكن. وكان كل شيء ساكنا. ~~لكن قطعت هذا الهدوء ضوضاء عربة حليب لاحت من مسافة بعيدة؛ وانطلق ms010 صبي جزار، يقود ~~بالتهور النبيل لقائد عجلة حربية في ألعاب أولمبية، وانعطف عند ناصية الشارع وهو جالس ~~مرتفعا على عجلتين حمراوين. خرجت قطة، تبدو وكأنها ارتكبت جرما، من تحت الصخور وركضت ~~لبعض الوقت أمام السيد فيرلوك، ثم اختفت في قبو آخر؛ شرطي سمين بدا أنه لا يتحرك البتة، ~~كما لو كان هو الآخر جمادا، لما خرج من خلف عمود الإنارة، لم يلحظ السيد فيرلوك البتة. ~~تابع السيد فيرلوك طريقه منعطفا إلى اليسار في شارع ضيق بجانب حائط أصفر، ولسبب غامض، كان ~~يوجد على الجدار لوحة مكتوب عليها بحروف سوداء «رقم 1 ميدان تشيشام». كان ميدان تشيشام ~~يبعد مسافة لا تقل عن ستين ياردة، ولأن السيد فيرلوك كان واسع الاطلاع بحيث لم يكن من ~~الممكن أن ينخدع بألغاز لندن الطبوغرافية، فقد تابع سيره بثبات، دون أن تبدر منه إشارة على ~~المفاجأة أو السخط. وفي النهاية، وبإصرار جاد، وصل إلى الميدان وقطع الطريق إلى البناية ~~رقم 10. تضمنت هذه البناية بوابة تحميل ضخمة مثبتة في جدار نظيف بين منزلين يحمل أحدهما ~~الرقم 9، وهو شيء منطقي، والآخر الرقم 37؛ ولكن الحقيقة أن هذا المنزل الأخير كان يقع في ~~شارع بورتهيل، وهو شارع معروف في الحي، عرفه من خلال نقش فوق نوافذ الطابق الأرضي كتبته ~~سلطة ذات كفاءة عالية ومسئولة عن تتبع المنازل الشاردة في لندن. من الألغاز التي تحوم حول ~~إدارة البلدية لماذا لا يطلب من البرلمان صلاحيات (قرار مقتضب سيفي بالغرض) لإجبار تلك ~~الصروح على العودة إلى حيث تنتمي. لم يشغل السيد فيرلوك رأسه بتلك الأمور، فمهمته في ~~الحياة هي حماية النظام الاجتماعي، وليس الوصول به إلى المثالية أو حتى انتقاده. # في وقت مبكر، خرج الحارس من السفارة على عجل من مأواه وهو لا يزال يحاول ارتداء كم ~~معطفه الأيسر. كان يرتدي صدرية حمراء وسروالا يصل إلى الركبة، لكنه بدا مضطربا. لما كان ~~السيد فيرلوك مدركا للمندفع الذي مر من جانبه، لم يصعب عليه أن يدفعه بعيدا لما أمسك ~~مظروفا عليه خاتم السفارة وناوله ms011 إياه . أخرج التعويذة نفسها إلى الخادم الذي فتح الباب ~~وتراجع كي يسمح له بدخول القاعة. # اتقد لهب نظيف في مدفأة طويلة، ونظر رجل مسن، كان يقف موليا ظهره للمدفأة، ويرتدي ~~ملابس الليل والسلسلة في رقبته، من فوق الجريدة التي كان يمسكها بيديه كلتيهما أمام وجهه ~~الهادئ الذي لم تكن تظهر عليه أي انفعالات. لم يتحرك؛ ولكن خادما آخر يرتدي سروالا ~~بنيا ومعطفا له ذيل مثبت في حافته حبل أصفر رفيع اقترب من السيد فيرلوك واستمع إليه وهو ~~يتمتم باسمه، واستدار في صمت وبدأ يمشي من دون أن ينظر خلفه. ومن ثم اقتيد السيد ~~فيرلوك في ممر في الطابق الأرضي إلى يسار السلم المفروش بالسجاد، وأشير إليه فجأة أن ~~يدخل غرفة صغيرة جدا تحتوي على مكتب ثقيل وبعض المقاعد. أغلق الخادم الباب، وبقي السيد ~~فيرلوك بمفرده. لم يجلس. أمسك قبعته وعصاه بإحدى يديه ونظر فيما حوله، وأخذ يمرر يده ~~المكتنزة فوق شعره الناعم المكشوف. # فتح باب آخر من دون صوت، وتجمد نظر السيد فيرلوك في هذا الاتجاه ورأى للوهلة الأولى ~~ملابس سوداء ورأسا أصلع من الأعلى وسالفا رماديا داكنا يتدلى على كل جانب في يدين ~~متجعدتين. كان الرجل الذي دخل لتوه يمسك حزمة أوراق أمام عينيه ومشى إلى المكتب بخطى ~~هادئة وقلب الأوراق بين الحين والآخر. كان المستشار الخاص وورمت، مستشار السفارة، مصابا ~~بقصر النظر. بعدما وضع هذا المسئول رفيع المستوى الأوراق على المكتب، كشف عن وجه أبيض ~~البشرة ويعلوه قبح الكآبة وتكسوه شعيرات رمادية ناعمة وطويلة وفوق عينيه حواجب كثيفة ~~الشعر. ارتدى نظارة أنفية ذات إطار أسود فوق أنف حاد وعديم الشكل، وبدا مصدوما من مظهر ~~السيد فيرلوك. ومن تحت الحواجب الكثيفة الشعر وعبر النظارة، رمشت عيناه الضعيفتان بطريقة ~~مثيرة للشفقة. # لم يبد أي علامة على التحية، وكذلك لم يفعل السيد فيرلوك، الذي كان يعرف مكانته ~~بالتأكيد، ولكن تغييرا طفيفا في حواف كتفي السيد فيرلوك وظهره أوحى بانحناء طفيف في ~~عموده الفقري تحت معطفه الواسع. كان لهذا التأثير اعتبار غير ms012 بارز . # قال الموظف البيروقراطي بصوت ناعم ومتعب على نحو غير متوقع: «لدي هنا بعض من ~~تقاريرك»، وأخذ يضغط بطرف إصبعه بقوة على الأوراق. توقف عن الكلام؛ وانتظر السيد فيرلوك، ~~الذي كان قد تعرف على خط يده على نحو جيد للغاية، في صمت وكأن على رأسه الطير. أردف ~~الآخر، وقد بدت عليه جميع مظاهر الإرهاق العقلي: «لسنا راضين جدا عن موقف الشرطة ~~هنا.» # بدا أن السيد فيرلوك هز كتفيه، ولكنه لم يفعل ذلك في الواقع. وفتح شفتيه للمرة ~~الأولى منذ أن خرج من منزله في ذلك الصباح. # قال بطريقة متفلسفة: «كل بلد لديه شرطته.» ولكن موظف السفارة تابع النظر إليه بثبات ~~وهو يرمش مما أشعره بأنه ملزم بأن يضيف قائلا: «اسمح لي أن أنوه إلى أنه ليس لي سبيل ~~على الشرطة هنا.» # قال الرجل حامل الأوراق: «المطلوب هو وقوع حدث محدد يستثير يقظتهم. وذلك ضمن نطاق ~~عملك، أليس كذلك؟» # لم يجب السيد فيرلوك بأكثر من تنهيدة، أفلتت منه عن غير قصد، مما حمله على رسم تعبير ~~مرح على وجهه على الفور. نظر الموظف إليه متشككا وهو يرمش، وكأنه تأثر بضوء الغرفة ~~الخافت. ثم كرر عبارات غامضة. ~~«يقظة الشرطة؛ وصرامة القضاة. الهوادة العامة في الإجراءات القضائية هنا والغياب التام ~~للتدابير القمعية، عار على أوروبا. ما نرغب فيه الآن هو التركيز على الفوضى، على حالة ~~الهياج التي هي بلا شك موجودة.» # قاطعه السيد فيرلوك بنبرة جهورية تراعي سمات الخطابة؛ ومن ثم باتت تخالف تماما ~~النبرة التي تحدث بها من قبل، حتى إن مخاطبه ظل مشدوها للغاية: «بلا شك، بلا شك. إنها ~~موجودة ووصلت إلى درجة خطيرة. إن تقاريري عن الاثني عشر شهرا الماضية توضح الأمر بالقدر ~~الكافي.» # شرع مستشار الدولة السيد وورمت في الحديث بنبرته اللطيفة والهادئة: «لقد قرأت تقاريرك عن ~~الاثني عشر شهرا الماضية. ولقد عجزت تماما عن اكتشاف السبب الذي دفعك لكتابتها.» # ساد صمت كئيب لفترة. بدا أن السيد فيرلوك ابتلع لسانه وما انفك الآخر يحملق في الأوراق ~~على المكتب. في ms013 النهاية دفعها قليلا. ~~«من المفترض أن يكون الوضع الراهن الذي تعرضه في التقارير هو الحالة الأولى في توظيفك. ~~ليست الكتابة هي المطلوبة في الوقت الحالي، وإنما إلقاء الضوء على واقعة محددة وضرورية، ~~يمكنني القول إنها واقعة تنذر بخطر.» # قال السيد فيرلوك بعد تعديلات مقنعة في نبرة صوته الأجش: «لست بحاجة إلى أن أقول إنني ~~سأوجه كامل جهدي إلى تلك الغاية.» لكنه انزعج من التحديق إليه من خلف عدسات النظارة ~~اللامعة على الجانب الآخر من المكتب. توقف لفترة قصيرة وأبدى إشارة تدل على التفاني ~~المطلق. بدا على موظف السفارة المفيد والجاد في العمل - غير أنه غامض - أنه قد تأثر ببعض ~~الأفكار الوليدة. # قال: «إنك بدين للغاية.» # وخزت هذه الملاحظة، ذات الطبيعة الفلسفية التي تلفظ بها مسئول على دراية بالحبر ~~والأوراق أكثر من متطلبات الحياة العملية، قلب السيد فيرلوك إذ قيلت بأسلوب فظ. فتراجع ~~خطوة إلى الوراء. # صرخ بصوت أجش ومستاء: «عذرا، ما الذي أردت قوله؟» # بدا أن هذه المقابلة أرهقت كثيرا مستشار السفارة المنوط به إجراؤها. # قال: «أظن أنه من الأفضل أن تقابل السيد فلاديمير. نعم، بالتأكيد أظن أنه يجب أن تقابل ~~السيد فلاديمير. من فضلك انتظر هنا.» وخرج بخطى هادئة. # على الفور مرر السيد فيرلوك يده على شعره. تناثرت حبات عرق خفيفة على جبهته. تأفف وأخرج ~~هواء من فمه وكأنه ينفخ في ملعقة ممتلئة بحساء ساخن. ولكن عندما ظهر الخادم الذي يرتدي ~~سروالا بنيا عند الباب صامتا، لم يكن السيد فيرلوك قد تحرك قيد أنملة من مكانه الذي ~~كان واقفا فيه طيلة المقابلة. ظل ساكنا، وشعر وكأن شراكا تحوطه من كل جانب. # مشى في الردهة المضاءة بمصباح غاز وحيد ثم صعد سلما دائريا ومر عبر رواق مزجج وفخم في ~~الطابق الأول. فتح الخادم الباب، وتنحى جانبا. وطئت قدما السيد فيرلوك سجادة سميكة. ~~كانت الغرفة كبيرة وبها ثلاث نوافذ؛ وجلس شاب له وجه كبير حليق الذقن في كرسي كبير ~~بذراعين أمام مكتب عريض من خشب الماهوجني، وقال بالفرنسية لمستشار السفارة الذي ms014 كان يخرج ~~والأوراق في يده: ~~«أنت محق تماما يا عزيزي. إنه بدين؛ ذلك الحيوان.» # كان السيد فلاديمير، الأمين العام الأول، معروفا بعذوبة اللسان واللباقة. كان محبوبا ~~نوعا ما في المجتمع. تمثل ذكاؤه في اكتشاف الروابط اللطيفة بين الأفكار المتناقضة؛ ولما ~~تحدث في ذلك الموضوع، تقدم برأسه وهو جالس على كرسيه، ورفع يده اليسرى وكأنه يعرض إثباتاته ~~المضحكة على الورق بين إبهامه وسبابته، بينما اكتسى وجهه المستدير الحليق بتعبير ارتباك ~~مرح. # ولكنه لم يظهر تعبير المرح أو الحيرة وهو ينظر إلى السيد فيرلوك. لما استلقى في الكرسي ~~العميق ذي الذراعين وفرد مرفقيه مستقيمين ووضع ساقا على ركبته السمينة وعلت وجهه نعومة ~~وبشرة متوردة مثل بشرة الأطفال التي تنبض بالحيوية، بدا أنه لن يحتمل أي هراء من أي ~~شخص. # قال: «أنت تفهم الفرنسية، أليس كذلك؟» # أجاب السيد فيرلوك بصوت أجش بأنه يفهمها. أمال جسمه الضخم إلى الأمام. وقف على السجادة ~~في وسط الغرفة ممسكا قبعته وعصاه في إحدى يديه؛ ووضع اليد الأخرى في جانبه بلا حراك. ~~تمتم خفية بكلام لم يكد يخرج من حلقه بأنه أدى خدمته العسكرية في المدفعية الفرنسية. وفي ~~لحظة وبمشاكسة غير ملائمة، غير السيد فلاديمير اللغة وبدأ يتحدث بالإنجليزية العامية من ~~دون أدنى أثر للكنة أجنبية. ~~«آه! نعم. بالطبع. لنر. ما الوقت الذي حبسته من أجل الحصول على تصميم مجموعة المغلاق ~~لمدفعهم الميداني الجديد؟» # أجاب السيد فيرلوك فجأة ولكن من دون أن يظهر عليه أي انفعالات: «خمس سنوات من الحبس ~~المشدد في قلعة.» # علق السيد فلاديمير: «لقد خرجت بسهولة. وعلى أية حال، الإمساك بك أفادك. ما الذي دفعك ~~إلى هذا العمل؟» # سمع صوت السيد فيرلوك الأجش وهو يتحدث عن الشباب وعن الافتتان المميت بامرأة لا تستحق ~~... # قاطعه السيد فلاديمير من غير أن يغير رأيه: «أها! فتش عن المرأة.» ولكن دون تلطف، ~~بل على العكس، كانت ثمة مسحة من التجهم في تنازله. سأله: «كم المدة التي عملت فيها لدى ~~السفارة هنا؟» # أجاب السيد فيرلوك: «منذ وقت تولي الراحل بارون ms015 ستوت فارتنهايم.» وقال ذلك بنبرات خافتة ~~والحزن يتطاير من بين شفتيه إشارة إلى أسفه على الدبلوماسي الراحل. بثبات لاحظ الأمين ~~العام الأول لعبة الفراسة تلك. ~~«آه! منذ ذلك الوقت. حسنا!» ثم سأل بنبرة حادة: «ما الذي جئت لتقوله؟» # أجاب السيد فيرلوك ببعض الدهشة بأنه لم يدرك أن لديه شيئا خاصا يقوله. وردت رسالة ~~تستدعيه؛ وأدخل يده يبحث في جيب معطفه، ولكنه قرر ألا يخرجها من جيبه أمام السيد ~~فلاديمير اليقظ والساخر. # قال السيد فلاديمير: «هراء. ما الذي تعنيه بالخروج من حالة كهذه؟ إنك لا تتمتع حتى بجسم ~~يليق بمهنتك. أنت ... واحد من طبقة العمال الجائعة ... هذا يستحيل! أنت ... لا سلطوي أو اشتراكي ~~قانط ... أيهما أنت؟» # قال السيد فيرلوك بنبرة خافتة: «لا سلطوي.» # أردف السيد فلاديمير من دون أن يرفع صوته: «هراء! لقد أفزعت وورمت العجوز نفسه. ما كنت ~~لتخدع أحمق. كل هذه الأمور وقعت عرضا، ولكن يبدو لي أن الأمر مستحيل عليك. لذا بدأت ~~علاقتك بنا بسرقة تصميمات البنادق الفرنسية. ومن ثم قبض عليك. لا بد أن حكومتنا ~~انزعجت من هذا الأمر كثيرا. لا يبدو أنك تتمتع بذكاء كبير.» # بصوت أجش، حاول السيد فيرلوك أن يبرئ نفسه. ~~«بحسب ما ذكرت من قبل، افتتان مميت بامرأة لا تستحق ...» # رفع السيد فلاديمير يده الكبيرة المكتنزة البيضاء. «آه، نعم. الارتباط غير الموفق؛ في ~~شبابك. وضعت يدها على المال ثم باعتك للشرطة؛ أليس كذلك؟» # أكد التغيير المأساوي الذي اعترى ملامح السيد فيرلوك وطأطأة رأسه أن تلك كانت هي الحال ~~المؤسفة. شبك السيد فلاديمير يديه على كاحله الموضوع فوق ركبته. كان جوربه من الحرير ~~الأزرق الداكن. ~~«كما ترى، لم يكن هذا التصرف فطنة منك. ربما أنت سريع التأثر.» # تحدث السيد فيرلوك وعبر بصوت مبحوح وخفي عن أنه لم يعد صغيرا. # أشار السيد فلاديمير بنبرة خبيثة معهودة: «أوه! ذلك فشل لا يداويه العمر. ولكن لا! أنت ~~بدين للغاية لكي تكون كذلك. لم يكن ممكنا أن تبدو هكذا لو كنت سريع التأثر إلى هذه ~~الدرجة. سأخبرك ما ms016 أظنه بشأن هذه المسألة؛ أنت شخص كسول. منذ متى وأنت تأخذ أجرا من هذه ~~السفارة؟» # بعد لحظات من التردد المتجهم، كانت الإجابة: «إحدى عشرة سنة. أوكلت إلي مهمات عديدة ~~في لندن لما كان معالي السفير بارون ستوت فارتنهايم لا يزال السفير في باريس. ثم بناء على ~~تعليمات معاليه، استقررت في لندن. أنا إنجليزي.» ~~«أنت إنجليزي! أليس كذلك؟ هل أنا محق؟» # قال السيد فيرلوك متشددا: «مواطن بريطاني مولود في بريطانيا. ولكن أبي كان فرنسيا، ~~وكذلك ...» # قاطعه الآخر: «لا حاجة للشرح. يمكنني القول إنه كان بإمكانك - من الناحية القانونية - أن ~~تتولى منصب مشير في الجيش الفرنسي وعضو في البرلمان بإنجلترا؛ وعندئذ، ربما كان سيصبح لك ~~بالفعل بعض النفع لسفارتنا.» # استحثت هذه الصورة الذهنية شيئا وكأنه شبح ابتسامة على وجه السيد فيرلوك. احتفظ السيد ~~فلاديمير برزانته وهدوئه. ~~«ولكن كما قلت لك، أنت شخص كسول؛ أنت لا تستغل الفرص التي تسنح لك. في عهد البارون ~~ستوت فارتنهايم، عمل في هذه السفارة كثيرون ممن يفتقرون إلى الفطنة. ومن ثم تسببوا ~~في أن يبني من هم على شاكلتك تصورا خاطئا عن طبيعة تمويل جهاز الخدمة السرية. ومن شأني ~~تصحيح هذا الفهم الخاطئ بإخبارك عما لا يمثله جهاز الخدمة السرية. إنه ليس مؤسسة للأعمال ~~الخيرية. ولقد دعوتك إلى هنا بغرض أن أخبرك بهذا.» # لاحظ السيد فلاديمير التعبير القسري للحيرة الذي ظهر على وجه السيد فيرلوك، فابتسم ~~ابتسامة ساخرة. ~~«أرى أنك فهمتني فهما تاما. يمكنني القول إنك تتمتع بالذكاء اللازم لعملك. ما ~~نريده الآن هو النشاط ... النشاط.» # لما كرر السيد فلاديمير هذه الكلمة الأخيرة، وضع إصبع السبابة الكبيرة والطويلة على حافة ~~المكتب. اختفى أثر الصوت الأجش لدى السيد فيرلوك تماما. صار قفاه ذا لون قرمزي من فوق ~~ياقة معطفه المخملية. ارتجفت شفتاه قبل أن ترتسم عليهما ابتسامة عريضة. # انطلق بصوته الجهوري الخطابي الرائع والواضح: «لو أنك فقط اطلعت على تقريري، لرأيت أنني ~~قدمت تحذيرا منذ ثلاثة أشهر فقط بشأن مناسبة زيارة الدوق الكبير روموالد إلى باريس، ~~وأرسل هذا ms017 التحذير تلغرافيا من هنا إلى الشرطة الفرنسية، كذلك ...» # قاطعه السيد فلاديمير بتجهم عابس: «صه، صه! لم تستفد الشرطة الفرنسية من تحذيرك. لا ~~تزمجر هكذا. ما الذي تعنيه بحق الشيطان؟» # بنبرة فيها تواضع وفخر، اعتذر السيد فيرلوك عن نسيان نفسه. قال إن ~~صوته - الذي اشتهر به لسنوات في الاجتماعات المفتوحة ~~واجتماعات العمال في القاعات الكبيرة - ساهم في سمعته باعتباره رفيقا طيبا وجديرا ~~بالثقة. ومن ثم بات وجها من وجوه نفعه. وكان سببا في الثقة في مبادئه. صرح السيد ~~فيرلوك بنبرة تنطوي على رضا واضح: «لقد كنت دوما مستعدا لأن يحدثني القادة في لحظة ~~حرجة.» وأضاف أنه لم تحدث ضجة لم يسمع فيها صوته؛ وفجأة قدم بيانا عمليا على ~~قوله. # قال: «اسمح لي.» طأطأ رأسه ومن دون أن ينظر إلى أعلى، عبر الغرفة بسرعة وعلى نحو تعوزه ~~الرشاقة إلى إحدى النوافذ ذات الطراز الفرنسي. فتح النافذة قليلا وكأنه أفسح المجال لدافع ~~لا يمكن التحكم فيه. قفز السيد فلاديمير منذهلا من فوق الكرسي ذي الذراعين ونظر ~~وراءه؛ وفي الأسفل عبر فناء السفارة، بعد البوابة المفتوحة بمسافة، كان يمكن رؤية شرطي ~~عريض الظهر يراقب بتراخ عربة أطفال رائعة لطفل ثري تجر في فخامة عبر الميدان. # قال السيد فيرلوك بصوت لا يكاد يعلو عن الهمس: «شرطي!» وانطلق السيد فلاديمير ضاحكا لما ~~رأى الشرطي يدور وكأن أحدا نخسه بآلة حادة. أغلق السيد فيرلوك النافذة بهدوء وعاد إلى وسط ~~الغرفة. # اكتسى صوته بنبرة مبحوحة، قال: «بصوت مثل هذا، حظيت بالثقة بصورة طبيعية. وعرفت ما ينبغي ~~قوله أيضا.» # أخذ السيد فلاديمير يعدل ربطة عنقه وراقبه في الزجاج فوق رف الموقد. # قال بازدراء: «يمكنني القول إنك تحفظ مصطلحات الثورات الاجتماعية عن ظهر قلب.» «الأصوات ~~و... لم تدرس اللاتينية قط، أليس كذلك؟» # قال السيد فيرلوك متذمرا: «كلا. لم تتوقع أني أعرفها. أنا أنتمي إلى عامة الشعب. من ~~يعرف اللاتينية؟ لا يعرفها سوى بضع مئات من المعاتيه ممن ليسوا قادرين على الاعتناء ~~بأنفسهم.» # ظل السيد فلاديمير لمدة ثلاثين ثانية أخرى يدرس ms018 في المرآة شكل الرجل الضخم الجثة الذي يقف ~~خلفه. وفي الوقت نفسه، كانت لديه ميزة رؤية وجهه هو، الحليق والمستدير، والمشرب بالحمرة، ~~ذا الشفتين الرفيعتين الرقيقتين اللتين خلقتا من أجل التلفظ بتلك الدعابات الرقيقة التي ~~جعلته مفضلا في أوساط الطبقات الاجتماعية العليا. بعد ذلك استدار، وتقدم في الغرفة بتصميم ~~بالغ لدرجة أن طرف ربطة عنقه ذات الطراز القديم والغريب بدا مليئا بتهديدات لا توصف. كانت ~~الحركة سريعة وعنيفة لدرجة أن السيد فيرلوك تراجع قليلا باستنكار. # بادره السد فلاديمير قائلا: «أها! تجرأت وأصبحت وقحا.» قال ذلك بنبرة تنم عن ذهول لا ~~تصدر إلا من شخص غير إنجليزي، بل من غير أوروبي تماما، وكانت مباغتة حتى لخبرة السيد ~~فيرلوك في الأحياء الفقيرة خارج البلاد. أضاف، بحزم شديد اللهجة في وجه السيد فيرلوك ~~مباشرة: «تجرأت على ذلك! حسنا، سأتحدث بإنجليزية خالصة معك. الصوت لن يفيد، لن يفيدنا ~~صوتك. لا نريد صوتا. نريد وقائع - وقائع غير عادية - عليك اللعنة.» # كان السيد فيرلوك ينظر إلى السجادة وهو يدافع عن نفسه بصوت أجش: «لا تحاول التأثير في ~~بالأساليب التي تتبعها شعوب الشمال.» في هذه اللحظة، حول محاوره، وهو يبتسم بسخرية من ~~فوق ربطة عنقه الجامدة البارزة، المحادثة إلى اللغة الفرنسية. ~~«أنت تمنح نفسك لقب «عميل محرض». العمل الملائم «للعميل المحرض» هو التحريض. وبقدر ما ~~أستطيع أن أحكم من سجلك المحفوظ هنا، أنت لم تفعل شيئا لتستحق الأموال التي حصلت عليها في ~~السنوات الثلاث الأخيرة.» # قال فيرلوك متعجبا: «لم أفعل شيئا!» دون أن يحرك ساكنا ودون أن يرفع عينيه، ولكن ~~بشعور صادق في نبرة صوته. وواصل كلامه: «لقد منعت عدة مرات ما كان يمكن أن ...» # قاطعه السيد فلاديمير وهو يرتمي على الكرسي ذي الذراعين: «يوجد مثل في هذا البلد يقول ~~إن الوقاية خير من العلاج. هذا غباء بوجه عام. لا نهاية للوقاية. ولكنها سمة قائمة. إنهم ~~يكرهون الحسم في هذا البلد. لا تكن إنجليزيا أكثر من اللازم. وفي هذه الحالة بعينها، لا ~~تكن أحمق. الشر كائن هنا ms019 بالفعل . نحن لا نريد الوقاية، بل نريد العلاج.» # توقف برهة عن الكلام، واستدار إلى المكتب وأخذ يقلب في بعض الأوراق الموضوعة عليه، وتحدث ~~بنبرة تشبه نبرة رجال الأعمال من دون أن ينظر إلى السيد فيرلوك. ~~«تعرف، بالطبع، بأمر المؤتمر الدولي المنعقد في ميلان، أليس كذلك؟» # ألمح السيد فيرلوك بصوت خفيض إلى أنه معتاد على قراءة الصحف اليومية. وردا على سؤال ~~آخر كانت إجابته أنه بالطبع يفهم ما يقرأ. عندئذ تمتم السيد فلاديمير، مبتسما ابتسامة ~~خفيفة وهو ينظر إلى الوثائق التي كان لا يزال يتفحصها واحدة تلو الأخرى: «ما دامت غير ~~مكتوبة باللاتينية، على ما أظن.» # أضاف السيد فيرلوك بتبلد: «أو الصينية.» # أسقط السيد فلاديمير بازدراء ورقة رمادية بها كتابة مطبوعة: «اممم، بعض انفعالات أصدقائك ~~الثوريين مكتوبة بلغة «عامية» غير مفهومة وكأنها صينية ... ما معنى ترويسة المنشورات التي ~~تحمل الحرفين # F. P. # ومطرقة وقلما وشعلتين متقاطعتين؟ ما ~~معنى # F. P. ~~؟» اقترب السيد فيرلوك من المكتب الفخم. # شرح، وهو يقف متململا بجانب الكرسي ذي الذراعين: «يعني مستقبل طبقة العمال. إنها ~~جماعة، ليست لا سلطوية من ناحية مبادئها، ولكنها منفتحة على جميع أطياف الآراء ~~الثورية.» ~~«هل أنت عضو فيها؟» # أخرج السيد فيرلوك أنفاسا متثاقلة وقال: «أحد نواب الرئيس.» ورفع الأمين العام الأول ~~للسفارة رأسه ونظر إليه. # قال بنبرة حادة: «إذن يجب أن تخجل من نفسك. ألا تستطيع جماعتك فعل شيء آخر غير طباعة هذه ~~الخطب الرنانة بنمط فظ على هذه الورقة القذرة؟ لماذا لا تفعلون شيئا؟ انظر هنا. أنا ~~أتولى هذه المسألة الآن، وأقول لك بوضوح إنك يجب أن تعمل مقابل المال الذي تتقاضاه. ~~انتهى زمن ستوت فارتنهايم العجوز الطيب. إن لم تعمل، فلن تتقاضى أجرا.» # أحس السيد فيرلوك بضعف غريب في ساقيه القويتين. تراجع إلى الوراء خطوة، وتمخط من ~~أنفه بصوت عال. # في الحقيقة، كان مذهولا ومرعوبا. أطلت الشمس بأشعتها الذهبية لينقشع الضباب عن مدينة ~~لندن وسطع بريق فاتر داخل غرفة الأمين العام الأول الخاصة؛ ووسط الصمت، سمع السيد فيرلوك من ~~خلف ms020 زجاج النافذة الأزيز الخافت لطائر - أول طائر يسمع صوته هذا العام - مبشرا باقتراب ~~الربيع على نحو أفضل من أي عدد من طيور السنونو. تسبب الصخب غير المجدي الذي أحدثه هذا ~~الكائن الحي الصغير المفعم بالحيوية في تأثير مزعج على الرجل الضخم المهدد بسبب ~~تراخيه. # في فترة الصمت تلك، صاغ السيد فلاديمير سلسلة من الملاحظات المهينة فيما يتعلق بوجه ~~السيد فيرلوك وشكله. كان الرجل على نحو غير متوقع سوقيا، وثقيل الظل، وغبيا بوقاحة. بدا ~~على نحو غير مألوف وكأنه رئيس عمال سباكة أتى كي يقدم فاتورته. كان الأمين العام الأول لدى ~~السفارة قد شكل، من شطحاته العرضية في مجال الفكاهة الأمريكية، فكرة خاصة عن تلك ~~الفئة من الميكانيكيين بأنهم تجسيد للكسل المعتمد على الاحتيال ولعدم الكفاءة. # كان هذا إذن هو العميل السري المشهور والموثوق فيه، كان سريا لدرجة أنه لم يشر ~~إليه إلا بالرمز «دلتا» في المراسلات الأخيرة الرسمية، وشبه الرسمية، والسرية للبارون ~~ستوت فارتنهايم؛ العميل المحتفى به «دلتا»، الذي كان لتحذيراته القدرة على تغيير مخططات ~~وتواريخ رحلات الملوك، والأباطرة، والدوقات الكبار، وكانت أحيانا تتسبب في إلغائها ~~تماما! هذا الشخص! وانغمس عقل السيد فلاديمير في نوبة ابتهاج هائلة ومثيرة للسخرية؛ لعل ~~من أسبابها ذهوله، الذي اعتبره سذاجة منه، ولكنها كانت راجعة في أغلبها إلى سخرية من ~~البارون ستوت فارتنهايم الذي اعتبرت وفاته خسارة للعالم. كان صاحب الفخامة الراحل، الذي ~~كانت حظوته لدى صاحب الجلالة قد فرضته سفيرا على العديد من وزراء الخارجية الرافضين له، قد ~~اشتهر طوال حياته بسذاجة تشاؤمية، باعثة على التطير. كان صاحب الفخامة يفكر في الثورة ~~الاجتماعية طوال الوقت. تخيل نفسه دبلوماسيا منفصلا لديه امتياز خاص يتيح له مراقبة ~~نهاية الدبلوماسية، وربما نهاية العالم، في ثورة ديمقراطية مروعة. كانت مراسلاته التنبؤية ~~والكئيبة محط سخرية في وزارات الخارجية لسنوات. قيل إنه صرخ وهو على فراش الموت (عندما ~~زاره صديقه وسيده صاحب الجلالة): «يا لأوروبا التعيسة! ستموتين جراء الفساد الأخلاقي ~~الذي دب في أوصال أبنائك!» وحسب ظن السيد فلاديمير، فقد ms021 قدر له أن يقع ضحية أول وغد خسيس ~~أتى، كان يفكر في ذلك وهو يبتسم ابتسامة غامضة في وجه السيد فيرلوك. # هتف فجأة: «يجب عليك أن تبجل ذكرى البارون ستوت فارتنهايم.» # عبرت ملامح وجه السيد فيرلوك المكتئبة عن انزعاج كئيب ومجهد. # قال: «اسمح لي أن أنوه لك بأنني أتيت إلى هنا لأنني استدعيت بناء على خطاب فيه ~~أوامر قاطعة. لم آت إلى هنا سوى مرتين في الإحدى عشرة سنة الأخيرة، وبالتأكيد لم آت ~~مطلقا في الساعة الحادية عشرة صباحا. ليس من الحكمة أن تستدعوني بهذه الطريقة. ثمة ~~احتمال أن يراني أحد ما. وذلك أمر يجب أن يؤخذ موضع الجد من جانبي.» # هز السيد فلاديمير كتفيه. # أردف الآخر بحدة: «من شأن هذا ألا يجعلني مفيدا.» # تمتم السيد فلاديمير بشراسة ناعمة: «هذا شأنك. عندما لا تصبح لك فائدة، ستتوقف عن العمل. ~~نعم. على الفور. هذا هو المختصر المفيد. سوف ...» عبس السيد فلاديمير، وأمسك عن الكلام لحظات ~~وهو يبحث عن تعبير اصطلاحي كاف، وعلى الفور أشرق وجهه بابتسامة براقة وجميلة. وقال بنبرة ~~فظة: «سوف تخنق.» # اضطر السيد فيرلوك مرة أخرى إلى أن يقاوم بكل ما أوتي من قوة إحساس الضعف الذي كان ينخر ~~ساقيه الذي ألهم يوما ما شيطانا بائسا هذا التعبير الموفق: «سقط قلبي في قدمي.» ~~مدركا لهذا الإحساس، رفع السيد فيرلوك رأسه بشجاعة. # لاحظ السيد فلاديمير تعبير التساؤل الثقيل ولكنه تقبله بهدوء تام. # قال بجدية: «ما نريده هو بث روح التوتر في المؤتمر المنعقد في ميلان. يبدو أن ~~المداولات الجارية في المؤتمر بشأن التحرك الدولي لقمع الجريمة السياسية لا تؤتي ثمارها. ~~إن إنجلترا متخلفة عن الركب. هذا البلد يثير اشمئزازي بسبب مراعاته العاطفية للحرية ~~الفردية. إنه أمر لا يطاق أن تعتقد أن كل أصدقائك لم يأتوا إلا من أجل ...» # قاطعه السيد فيرلوك بصوت أجش: «بتلك الطريقة سأضعهم جميعا تحت ناظري.» ~~«الأمر سيفوق كثيرا مجرد وضعهم جميعا تحت المراقبة. يجب جعل إنجلترا تذعن للأمر. إن ~~البرجوازيين الحمقى في هذا البلد يجعلون من ms022 أنفسهم شركاء لنفس الأشخاص الذين يهدفون إلى ~~إخراجهم من منازلهم كي يموتوا جوعا في الخنادق. كما أنه لا تزال لديهم القوة السياسية، ~~وليتهم استطاعوا استغلالها من أجل الحفاظ على أنفسهم. أظن أن أفراد الطبقات الوسطى أغبياء، ~~ألا تتفق معي؟» # أبدى السيد فيرلوك موافقته بصوت منخفض. ~~«نعم، هم كذلك.» ~~«ليس لديهم قدرة على التخيل. لقد أعماهم الغرور الأحمق. ما يحتاجونه الآن هو أن يدب ~~بينهم ذعر يخدم مصالحنا. حانت اللحظة النفسية كي تهيئ أصدقاءك للعمل. لقد استدعيتك إلى هنا ~~كي أوصل إليك فكرتي.» # ولقد وصل السيد فلاديمير فكرته من منطلق التكبر، إذ تصرف بازدراء وسخرية وفي الوقت ~~نفسه أظهر قدرا من الجهل بالأهداف الحقيقية، والأفكار، والأساليب التي يتبعها عالم الثوار ~~والتي ملأت عقل السيد فيرلوك الصامت بذعر دب في أوصاله. لقد خلط بين الأسباب والنتائج أكثر ~~مما هو مطلوب؛ خلط بين أصحاب الدعوات البارزين ورماة القنابل المندفعين؛ افترض وجود تنظيم ~~لا يمكن بطبيعة الأمور أن يكون موجودا في الواقع؛ تحدث في لحظة عن حزب ثوري اجتماعي وكأنه ~~جيش نظامي بامتياز، حيث كلمة القادة هي العليا، وفي لحظة أخرى كأنه رابطة ضعيفة للغاية تضم ~~مجموعة من قطاع الطرق البائسين الذين اتخذوا من مضايق الجبال مأوى لهم. في إحدى المرات فتح ~~السيد فيرلوك فمه معترضا، ولكن أوقفه رفع اليد البيضاء الكبيرة الحسنة المظهر. وسرعان ما ~~أصيب بالذهول لدرجة أنه لم يحاول الاحتجاج. كان يستمع في جمود نابع من فزع كان يشبه جمودا ~~نابعا من انتباه شديد. # أردف السيد فلاديمير بهدوء: «سلسلة من الاعتداءات تنفذ هنا في هذا البلد؛ ليس فقط يخطط ~~لها هنا - ذلك لن يجدي نفعا - إنهم لا يجدون ضيرا في ذلك. يمكن لأصدقائك أن يضرموا النار ~~في نصف القارة دون أن يؤثر ذلك في الرأي العام هنا لصالح تشريع قمعي عالمي. لن يهتموا بما ~~يحدث خارج باحتهم الخلفية.» # تنحنح السيد فيرلوك ولكن خذله قلبه ولم ينطق ببنت شفة. # تابع السيد فلاديمير وكأنه يلقي محاضرة علمية: «ليس من الضروري أن تكون هذه ms023 الاعتداءات ~~دموية، ولكن يجب أن تثير الرعب في القلوب؛ أن تكون مؤثرة. دعها تكون موجهة نحو المباني على ~~سبيل المثال. ما هو الصنم الذي يتبعه جميع البرجوازيون حاليا، يا سيد فيرلوك؟» # فتح السيد فيرلوك يديه وهز كتفيه قليلا. # علق السيد فلاديمير على هزة الكتف تلك قائلا: «أنت أكسل من أن تفكر. انتبه إلى ما أقوله. ~~الصنم هذه الأيام ليس ملكا ولا دينا. لذا يجب عدم المساس بالقصر والكنيسة. هل تفهم ما ~~أعنيه يا سيد فيرلوك؟» # وجد السيد فيرلوك متنفسا لانزعاجه والازدراء منه في محاولة للهزل. # فبادر قائلا: «فهمت تماما. ولكن ماذا عن السفارات؟ سلسلة هجمات على عدة سفارات.» ولكنه ~~لم يستطع تحمل النظرات الباردة والمترقبة من الأمين العام الأول. # علق الآخر من دون اكتراث: «أرى أنك تتمتع بروح الدعابة. حسن إذن. هذه الروح قد تضفي ~~الحيوية على مؤتمراتك الاشتراكية. ولكنها ليست مناسبة لتلك الغرفة. سيكون أكثر أمانا لك أن ~~تتبع ما أقوله بحذافيره. بما أنك استدعيت لتقديم حقائق وليس قصصا لا أصل لها، فالأفضل لك ~~أن تجني أموالك مما أتكبد عناء أن أشرحه لك. الصنم المقدس في هذه الأيام هو العلم. لماذا ~~لا تجعل بعض أصدقائك يوجهون جهودهم نحو هذا الكيان السلطوي ذي الوجه المتخشب؟ أليس جزءا ~~من هذه المؤسسات التي يجب إزالتها قبل أن يبزغ نجم حركة «مستقبل طبقة العمال»؟» # لم يتفوه السيد فيرلوك بكلمة. خشي أن يفتح فمه لئلا تفلت منه همهمة تذمر. ~~«هذا ما ينبغي أن تحاول فعله. إن محاولة اغتيال ملك أو رئيس مثيرة بما فيه الكفاية ~~بطريقة ما، ولكن ليس بالقدر الذي كانت عليه من قبل. لقد أصبحت ضمن المفهوم العام لوجود ~~رؤساء الدول. لقد باتت أمرا شبه تقليدي، وبخاصة لكون العديد من الرؤساء قد اغتيلوا. والآن ~~ماذا إذا نفذنا هجمة على، ولنقل، كنيسة مثلا؟ إنه حدث مروع للوهلة الأولى، بلا شك، ولكنه ~~ليس مؤثرا كما قد يتبادر إلى ذهن شخص من العوام حسب ظني. بصرف النظر عن مدى التغيير الجذري ~~والفوضوية في البداية، فسيضفي ms024 العديد من الحمقى الصبغة الدينية على هذا الاعتداء. وذلك من ~~شأنه أن ينتقص من الأهمية المقلقة الخاصة التي نرغب في إضفائها على هذا الفعل. ربما تلقى ~~أي محاولة قتل في مطعم أو مسرح بنفس الطريقة تفسيرا نابعا من عاطفة غير سياسية؛ كأن ~~تعتبر سخطا من رجل جائع، أو عملا من أعمال الانتقام المجتمعي. كل هذه الأساليب ~~استهلكت؛ ولم تعد تجدي نفعا مثل درس عملي في اللاسلطوية الثورية. كل صحيفة لديها ~~عبارات جاهزة تقدم تفسيرات تنأى بتلك التعبيرات عن جوهرها. إنني على وشك أن أشرح لك فلسفة ~~إلقاء القنابل من وجهة نظري؛ من وجهة النظر التي تتظاهر بأنك كنت تخدمها طيلة الإحدى عشرة ~~سنة الماضية. سأحاول ألا أتحدث عن أشياء يستعصي عليك فهمها. سرعان ما تخمد مشاعر الطبقة ~~التي تهاجمها. تبدو الممتلكات لهم أشياء غير قابلة للتدمير. لا يمكنك الاعتماد على مشاعرهم ~~لفترة طويلة سواء كانت مشاعر شفقة أو خوف. من أجل أن يكون لتفجير أي تأثير في الرأي العام ~~اليوم، لا بد أن يتجاوز نية الانتقام أو الإرهاب. لا بد أن يكون بدافع التدمير الخالص. لا ~~بد ألا يكون لذلك، ولذلك وحده، دون أدنى شك في وجود أي مأرب آخر. أنتم أيها اللاسلطويون ~~يجب أن توضحوا أنكم عازمون تماما على نسف النظام الاجتماعي بالكامل. لكن كيف ندخل ~~تلك الفكرة السخيفة المروعة في رءوس الطبقات الوسطى حتى لا يكون ثمة شك؟ هذا هو السؤال. ~~والإجابة هي بتوجيه ضرباتكم إلى شيء بعيد عن المشاعر العادية التي ألفتها الإنسانية. ~~بالطبع، يمكن توجيهها إلى الفن. ربما يحدث انفجار في المعرض الوطني بعض الضجيج. ولكنه ~~لن يكون خطيرا بالقدر الكافي. لم يكن الفن صنمهم قط. إن هذا أشبه بتكسير بضع نوافذ خلفية ~~في منزل رجل ما؛ ولكن إذا أردت أن تجعله يرتعب حقا، فلا بد أن تحاول رفع السقف على ~~الأقل. سيسمع بعض الصراخ بالطبع، ولكن من سيصرخ؟ الفنانون ... نقاد الفن ومن على ~~شاكلتهم ... أفراد عديمو القيمة. لن يهتم أحد بما يقولونه. ولكن يوجد التعليم ms025 ... العلوم. أي ~~معتوه له دخل يؤمن بذلك. إنه لا يعرف السبب، ولكنه يؤمن أن الأمر مهم بطريقة ما. إنه ~~الصنم المقدس. كل الأساتذة البغيضين راديكاليون في صميم قلوبهم. دعهم يعرفون أنه لا بد ~~من التخلص من كيانهم السلطوي العظيم أيضا، لإفساح المجال لجماعة مستقبل طبقة العمال. لا ~~بد أن العواء الذي سيصدر من كل هؤلاء الأغبياء المفكرين سيساعد في تعزيز جهود مؤتمر ~~ميلان. سيكتبون إلى الصحف. سيكون سخطهم فوق مستوى الشبهات، ولن تكون ثمة مصالح مادية على ~~المحك بشكل علني، وسيوقظ غريزة الأنانية في الطبقة التي ستتأثر. إنهم يعتقدون أن العلم ~~بطريقة ما هو مصدر ازدهارهم المادي. إنهم يعتقدون ذلك. وستؤثر الوحشية العبثية لذلك ~~البيان العملي عليهم بشكل أعمق من تدمير شارع بأكمله ... أو مسرح ... يعج بأمثالهم. بشأن ذلك ~~الحدث المذكور آنفا، يمكن دائما أن يقولوا: «أوه! إن هذا محض كراهية طبقية.» ولكن ما ~~الذي يمكن أن يقوله المرء بشأن عمل وحشي مدمر يبلغ درجة من السخف بحيث لا يمكن فهمه ~~أو تفسيره أو تصوره؛ في الحقيقة، إنه في الحقيقة فعل جنوني؟ إن الجنون وحده مرعب حقا، فلا ~~أحد يستطيع تهدئته سواء بالتهديد أو الإقناع أو الرشاوى. علاوة على ذلك، فأنا رجل متحضر. ~~لا أتصور أبدا أن أوجهك إلى تنظيم مجزرة محضة، حتى لو توقعت أن تؤتي أفضل النتائج. ~~ولكني لا أتوقع من مجزرة النتيجة التي أريدها. القتل دائما عامل مشترك معنا. يكاد أن يكون ~~حدثا مؤسسا. يجب أن يناهض البيان العملي التعليم ... والعلم. ولكن ليس كل علم سيفي ~~بالغرض. يجب أن تجتمع في تلك الهجمة كل معاني الرعونة الصادمة للاستخفاف بالمقدسات الذي لا ~~مبرر له. وبما أن التفجيرات هي وسيلتك للتعبير، فسيتضح حقا هل يمكن نسف علم الرياضيات أم ~~لا. ولكن هذا مستحيل. أنا أحاول أن أعلمك؛ لقد شرحت لك الفلسفة العليا للمنفعة ~~المرجوة منك، واقترحت عليك بعض الأطروحات التي تخدم أهدافنا. أما التطبيق العملي لما أمليته ~~عليك فهو شأنك «أنت» أكثر من أي شخص آخر. ولكن منذ اللحظة ms026 التي تعهدت فيها بإجراء مقابلة ~~معك، أوليت أيضا بعض الاهتمام للجانب العملي من السؤال. ما رأيك في أن توجه جهودك إلى ~~علم الفلك؟» # لبعض الوقت، كان وقوف السيد فيرلوك بجانب الكرسي ذي الذراعين من دون حراك يشبه رجلا في ~~حالة انهيار غيبوبة؛ نوع من عدم الإحساس السلبي الذي تقطعه نوبات تشنج طفيفة، تشنجات مثل ~~التي تلاحظ على كلب أليف يحلم بكابوس وهو نائم فوق السجادة أمام المدفأة. وكرر ~~الكلمة في زمجرة غير مستقر مثل زمجرة الكلب: ~~«علم الفلك.» # لم يكن قد تعافى بعد بالكامل من حالة الحيرة التي نجمت عن الجهد الذي بذله لمتابعة كلام ~~السيد فلاديمير القاطع السريع. لقد فاق قدرته على الاستيعاب. ولقد أثار غضبه. وزاد عدم ~~التيقن من هذا الغضب. وفجأة اتضح له أن كل هذا كان مزحة متقنة. بدت نواجذ السيد ~~فلاديمير وهو يبتسم، وظهرت الغمازتان في وجنتي وجهه المستدير المكتنز من فوق ربطة عنقه ~~الجامدة البارزة. كانت المرأة المفضلة بين نساء سلك الاستخبارات قد حذت حذوه في مسلكه الذي ~~أبداه في غرفة الاستقبال فيما يتعلق بإلقاء بعض النكات الطريفة. جلس متجها بجذعه إلى ~~الأمام، ويداه البيضاوان مرفوعتان، وبدا وكأنه يمسك اقتراحه بلطف بين إصبعيه الإبهام ~~والسبابة. ~~«لا يمكن أن يوجد ما هو أفضل من ذلك. يجمع هذا الاعتداء بين أكبر قدر ممكن من الاحترام ~~للإنسانية والعرض الأكثر مدعاة للقلق للحماقة الوحشية. وأنا أتحدى براعة الصحفيين في ~~إقناع جمهورهم بأن أي عضو في طبقة العمال يمكن أن يكون لديه مظلمة شخصية ضد علم الفلك. ~~لا يمكن الزج بالمجاعة نفسها إلى تلك الدائرة، ألا تتفق معي في الرأي؟ كما أن للأمر ~~مزايا أخرى. لقد سمع العالم المتحضر أجمع عن بلدة جرينتش. إن ماسحي الأحذية في الطابق ~~السفلي لمحطة تشيرينج كروس أنفسهم يعرفون شيئا عنها. أترى؟» # كانت ملامح السيد فلاديمير، المعروفة جيدا في أفضل المجتمعات بالدماثة الفكاهية، تنبض ~~بالرضا الذاتي الساخر، الأمر الذي كان من شأنه أن يذهل النساء الأذكياء اللاتي استمتعن ~~بذكائه بشكل رائع. أردف بابتسامة ازدراء: ms027 «نعم، لا بد أن يثير تفجير خط الطول الرئيسي ~~أصوات عويل ناجمة عن الكراهية لذلك الفعل.» # تمتم السيد فيرلوك: «عمل صعب.» شاعرا أن هذا هو القول الوحيد المأمون. # تابع السيد فلاديمير بنبرة تهديد: «ما الأمر؟ أليست العصابة كلها في قبضتك؟ ألا يمكنك ~~اختيار أفضل من في المجموعة نفسها؟ ذلك الإرهابي العجوز يوندت موجود بينهم. أراه يسير في ~~بيكاديللي مرتديا قبعته الخضراء الواقية لرقبته من أشعة الشمس كل يوم تقريبا. وميكايليس ~~- صاحب الإفراج المشروط - لا تقصد أن تقول إنك لا تعرف أين هو، أليس كذلك؟ لأنك إن لم تكن ~~تعرف، فسأخبرك بمكانه. إذا كنت تتخيل أنك الوحيد المدرج ضمن قائمة تمويل العملاء السريين، ~~فأنت مخطئ.» # كان هذا الافتراض من دون أي مسوغات مما دفع السيد فيرلوك إلى أن يحرك قدميه قليلا بدافع ~~السأم. ~~«وماذا عن عصابة منطقة لوزان بكاملها؟ ألم يندفعوا إلى هنا مع أول تلميح عن مؤتمر ميلان؟ ~~هذا البلد غير معقول.» # قال السيد فيرلوك بطريقة غريزية: «هذا سيكلف الكثير من المال.» # رد السيد فلاديمير بلكنة إنجليزية أصيلة لدرجة تثير الدهشة: «هذا الادعاء لا أساس له.» ~~«ستتقاضى راتبك كل شهر، ولن تحصل على أي أموال أخرى إلى أن يحدث شيء ما. وإذا لم يحدث ~~شيء في القريب العاجل، فلن تحصل حتى على راتبك. ما هي وظيفتك الصورية؟ كيف تكسب عيشك في ~~الظاهر؟» # أجاب السيد فيرلوك: «لدي متجر.» ~~«متجر! أي نوع من المتاجر؟» ~~«أدوات مكتبية، صحف. زوجتي ...» # قاطعه السيد فلاديمير بنبرة يتسم بها سكان آسيا الوسطى: «من؟» # رفع السيد فيرلوك صوته الأجش قليلا: «زوجتي. أنا متزوج.» # صاح الآخر بدهشة غير مفتعلة: «تلك حكاية بغيضة. متزوج! وتدعي أيضا أنك لا سلطوي! ما هذا ~~الهراء المقيت؟ ولكني أفترض أنه مجرد أسلوب في الحديث. اللاسلطويون لا يتزوجون. إنه أمر ~~معروف. لا يمكنهم ذلك. وإلا تعتبر ردة.» # تمتم السيد فيرلوك بصوته الأجش: «زوجتي ليست لا سلطوية. إضافة إلى ذلك، هذا ليس ~~شأنك.» # قال السيد فلاديمير غاضبا: «بل هو كذلك. بدأت أقتنع بأنك لست أهلا مطلقا ms028 للعمل الذي ~~أوكل إليك. عجبا ، لا بد أنك فقدت مصداقيتك بالكامل في عالمك بسبب زواجك. ألم يكن ~~بوسعك أن تتدبر أمرك من دون زواج؟ هذا رباطك العفيف، أليس كذلك؟ بوجود ارتباطات من هذا ~~القبيل، لا يرجى منك نفع.» # نفخ السيد فيرلوك خديه، ونفث الهواء بقوة، ولم يفعل أكثر من هذا. تحلى بالصبر. لم ~~يتبق الكثير في هذه المحاكمة. فجأة، صار الأمين العام الأول فظا وموضوعيا وقاطعا ~~جدا. # قال: «يمكنك الذهاب الآن. لا بد من تنفيذ اعتداء بالديناميت. أمهلك شهرا من أجل هذه ~~المهمة. إن تجهيزات المؤتمر معلقة الآن. لا بد من حدوث شيء ما قبل استئنافه مرة أخرى، ~~وإلا فستنقطع صلتك بنا.» # غير نبرة صوته مرة أخرى إلى نبرة توحي بتجرده من المبادئ. # قال بنبرة تعال وهو يشير بيده نحو الباب: «فكر في فلسفتي، يا سيد ... يا سيد ... فيرلوك. ~~نفذ مهمة خط الطول الرئيسي. أنت لا تعرف الطبقات الوسطى كما أعرفها. لقد تلاشت أحاسيسهم. ~~خط الطول الرئيسي. لا شيء أفضل، ولا شيء أسهل من ذلك، حسب ظني.» # كان قد نهض، وبينما كانت عبارات الدعابة والفكاهة تخرج من شفتيه الرفيعتين؛ راقب في ~~الزجاج فوق رف الموقد السيد فيرلوك وهو يخرج من الغرفة متثاقل الخطى، ممسكا بقبعته ~~وعصاه في يده. ثم أغلق الباب. # ظهر الخادم ذي السروال فجأة في الردهة، وأوصل السيد فيرلوك إلى مخرج مختلف وأخرجه من باب ~~صغير في زاوية الفناء. تجاهل الحارس الذي يقف على البوابة خروجه تجاهلا تاما؛ ثم عاد ~~السيد فيرلوك أدراجه من الطريق الذي قصده في الصباح وكأنه في حلم، حلم مزعج. كان هذا ~~الانفصال عن العالم المادي كاملا لدرجة أنه مع أن السيد فيرلوك لم يسرع بإفراط في مشيته ~~ببدنه الفاني في الشوارع، بدنه الذي سيكون من الوقاحة على نحو غير مبرر أن يرفض الخلود، ~~وجد نفسه في الحال على أعتاب المتجر، وكأن ريحا عظيمة حملته على أجنحتها ونقلته من الغرب ~~إلى الشرق. مشى إلى خلف منضدة البيع مباشرة وجلس على الكرسي الخشبي القابع خلفها. ms029 لم يظهر ~~أحد كي يقطع عليه خلوته. حينئذ كان ستيفي، مرتديا مئزرا أخضر، عاكفا على كنس الطابق ~~العلوي ونفض الغبار عنه، بعزم وإخلاص، وكأنه كان يلعب؛ وانتبهت السيدة فيرلوك وهي في المطبخ ~~لما دق الجرس؛ ومن ثم أتت إلى الباب المزجج لغرفة المعيشة الخلفية وأزاحت الستارة ~~قليلا ونظرت في المتجر ذي الإضاءة الخافتة. لما رأت زوجها جالسا في المتجر شارد الذهن لا ~~يتحرك، وقبعته مائلة إلى الخلف فوق رأسه، عادت على الفور إلى الفرن. بعد ساعة أو أكثر، ~~أخذت المئزر الأخضر من أخيها ستيفي، وأمرته أن يغسل يديه ووجهه بنبرة آمرة اعتادت أن ~~تستخدمها معه طيلة خمس عشرة سنة أو نحو ذلك، في الواقع، منذ أن توقفت عن الاعتناء بغسل ~~يدي الصبي ووجهه بنفسها. الآن، انشغلت قليلا عن غرف الطعام كي تتفقد ذلك الوجه وهاتين ~~اليدين، إذ لما اقترب ستيفي من طاولة المطبخ، تقدم إليها كي ينال رضاها عن نظافة يديه ~~ووجهه بمشية تنم عن ثقة تخفي بقايا قلق لم تنفك عنه. في السابق، كان غضب الأب هو العقاب ~~الفعال على عدم الالتزام بتلك الطقوس، ولكن هدوء السيد فيرلوك في المنزل كان من شأنه أن ~~يجعل أي ذكر للغضب أمرا لا يتصور حتى تجاه عصبية المسكين ستيفي. تكمن العلة من ~~التأكيد على النظافة في أن السيد فيرلوك كان سيصيبه ألم وصدمة لا توصف لو لم تكن النظافة ~~وقت الوجبات على الوجه الذي يريد. وجدت ويني بعد وفاة والدها عزاء كبيرا في شعورها بأنها ~~لم تعد بحاجة إلى القلق بشأن المسكين ستيفي. لم تكن تحتمل أن ترى الفتى يتألم. كان هذا ~~الأمر يصيبها بالجنون. وعندما كانت طفلة صغيرة، كثيرا ما كانت تواجه بعينين يتطاير منهما ~~الشرر بائع الكحوليات المرخص دفاعا عن أخيها. أما الآن، فلا شيء في مظهر السيدة فيرلوك ~~يمكن أن يدفع المرء إلى افتراض أنها كانت قادرة على أن تظهر عاطفتها يوما. # انتهت من غرف الطعام. وضعت الطاولة في غرفة المعيشة. مشت إلى أسفل درج السلم وصاحت ~~تنادي «أمي!» ms030 ثم فتحت الباب المزجج المؤدي إلى المتجر، وقالت بهدوء «أدولف!» لم يبرح ~~السيد فيرلوك مكانه؛ وبدا أنه لم يحرك أي طرف من أطرافه لمدة ساعة ونصف. صعد بتثاقل إلى ~~الطابق العلوي وجلس لتناول العشاء مرتديا معطفه وقبعته، من دون أن ينبس ببنت شفة. لم يكن ~~صمته في حد ذاته شيئا غير عادي على نحو مذهل في هذا المنزل، الكامن في ظلال شارع قذر لا ~~تسقط عليه أشعة الشمس إلا نادرا، خلف المتجر خافت الضوء وبضاعته الرديئة سيئة السمعة. إلا ~~أنه في ذلك اليوم كان صمت السيد فيرلوك عميقا بوضوح لدرجة أثارت استغراب المرأتين. جلستا ~~صامتتين، تراقبان المسكين ستيفي، خشية أن يدخل في واحدة من نوبات ثرثرته. جلس في مواجهة ~~السيد فيرلوك على الطاولة، وظل ساكنا وهادئا جدا، محملقا في الفراغ. لم تقلق المرأتان ~~كثيرا بشأن محاولة الحيلولة دون نبذ ستيفي بأي شكل من الأشكال من طرف سيد المنزل. كان ~~«ذلك الفتى»، كما كانتا تشيران إليه بهدوء فيما بينهما، مصدرا لذلك النوع من القلق منذ ~~يوم ولادته تقريبا. تجلى الخزي الذي شعر به بائع الكحوليات المرخص لأنه ولد له صبي ~~غريب الأطوار في نزعة إلى معاملة وحشية؛ إذ كان رجلا مرهف الأحاسيس، ومن ثم باتت ~~آلامه ومعاناته كرجل وأب أمرا طبيعيا لا غرابة فيه. بعد ذلك، كان لا بد من منع ستيفي من ~~أن يصبح مصدر إزعاج للمستأجرين غير المتزوجين، إذ كانوا هم أنفسهم قوما غريبي الأطوار، ~~ويسهل أن يتضرروا من تصرفاته. وكان عليهما دوما أن تواجها القلق من مجرد وجوده. كانت ~~رؤية دخول ابنها إلى إصلاحية الأحداث تطارد المرأة العجوز في غرفة الإفطار بالطابق الأرضي ~~في المنزل المتهالك في بلجرافيا. اعتادت أن تقول لابنتها: «لو لم تتزوجي بهذا الرجل ~~الطيب يا بنيتي، فلا أعرف ما الذي كان سيحل بهذا الصبي البائس.» # منح السيد فيرلوك قدرا كبيرا من التقدير لستيفي مثل القدر الذي قد يمنحه رجل غير مولع ~~بالحيوانات للقط الذي تحبه زوجته؛ وكان هذا التقدير نفسه نابعا من طبيعة خيرة ms031 ودون ~~تكلف. وباعتراف المرأتين كلتيهما ، كان العقل يقتضي عدم توقع ما هو أكثر من ذلك. كان ذلك ~~كافيا لأن يكتسب السيد فيرلوك امتنان المرأة العجوز وتوقيرها. في الأيام الأولى، بدافع من ~~تشككها بسبب تجارب الحياة الخالية من الأصدقاء، كانت أحيانا تسأل بقلق: «ألا تظنين، يا ~~عزيزتي، أن السيد فيرلوك قد سئم من رؤية ستيفي في المكان؟» اعتادت ويني أن ترد على هذا ~~السؤال بهز رأسها نفيا. ولكن في إحدى المرات، ردت بأسلوب سليط ومتجهم: «سيكون عليه أن ~~يسأم مني أولا.» ساد صمت طويل. أسندت الأم قدميها على كرسي، وبدا أنها تحاول أن تفهم ما ~~وراء هذه الإجابة، التي جعلها حسها الأنثوي تذهل منها تماما. لم تكن في الحقيقة قد فهمت ~~السبب الذي دفع ويني للزواج من السيد فيرلوك. كان أمرا منطقيا جدا بالنسبة إليها، ومن ~~الواضح أنه تبين أنه كان خيرا لها، ولكن ربما كانت ابنتها تأمل في العثور على شخص سنه ~~أكثر ملاءمة لها، وهذا طبيعي. كان ثمة شاب يعتمد عليه، وهو الابن الوحيد لجزار يقطن في ~~الشارع المجاور، وكان هذا الشاب يساعد والده في عمله، وتكرر أن خرجت ويني معه من دون أن ~~تخفي سرورها بذلك. لم يكن خافيا اعتماده على أبيه في كسب عيشه؛ ولكن العمل كان يدر ~~دخلا جيدا، وكان مستقبله مبشرا. اصطحب ابنتها إلى المسرح في عدة أمسيات. ثم ما إن بدأت ~~تخشى أن تسمع بأمر خطبتهما (إذ ما الذي كان يمكن أن تفعله في هذا المنزل الكبير بمفردها، ~~وستيفي في رعايتها)، انتهت هذه العلاقة الرومانسية فجأة، وبدأ الضجر يكسو وجه ويني. ولكن ~~عندما أتت العناية الإلهية بالسيد فيرلوك وشغل غرفة النوم الأمامية في الطابق الأول، انقطع ~~سيل الأسئلة بشأن الجزار الشاب. كان من الواضح أن الأمر من عمل العناية الإلهية. # | الفصل الثالث # «... كل أشكال المثالية تزيد من بؤس الحياة. ولإضفاء الجمال على الحياة، فينبغي أن تزيل ~~عنها سمة التعقيد، فالتعقيد يدمر الحياة. دع هذا الأمر لدعاة الأخلاق يا بني. التاريخ ~~يصنعه الرجال، ولكنهم لا ms032 يصنعونه في أدمغتهم. تلعب الأفكار التي تتولد في وعيهم دورا ~~ضئيلا في مسيرة الأحداث. إن التاريخ يكتبه ويسطره أصحاب العمل والإنتاج، بدافع من الظروف ~~الاقتصادية. الرأسمالية صنعت الاشتراكية، والقوانين التي صنعتها الرأسمالية لحماية ~~الممتلكات هي المسئولة عن اللاسلطوية. لا يمكن لأحد أن يتنبأ بالشكل الذي سيتخذه النظام ~~الاجتماعي في المستقبل. ثم ما الداعي للانغماس في الأوهام التنبؤية؟ أفضل ما يمكنها فعله ~~هو تفسير ما يجول في عقل المتنبئ، ولا يمكن أن يكون لها قيمة موضوعية. دع تلك التسلية لدعاة ~~الأخلاق يا بني.» # كان ميكايليس - صاحب الإفراج المشروط - يتحدث بصوت معتدل، صوت فيه أزيز وكأن صدره مثقل ~~ومرهق بسبب طبقة الدهون التي عليه. كان قد خرج من سجن تتوفر به جميع مقومات النظافة ~~والصحة مستديرا مثل حوض استحمام، ببطن ضخمة ووجنتين مكتنزتين ضمن بشرة شاحبة، تكاد تصبح ~~شفافة من بياضها، كما لو كان خدام المجتمع الغاضب ظلوا يعلفونه بأطعمة تسمين طيلة خمس ~~عشرة سنة في زنزانة رطبة ومنعدمة الإضاءة. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن من إنقاص وزنه ولو ~~بمقدار أونصة واحدة. # قيل إنه على مدى ثلاثة مواسم كانت سيدة عجوز ثرية ترسله للعلاج في مارينباد، وهناك كاد ~~يشارك العامة فضولهم ذات مرة بشأن ملك متوج، ولكن الشرطة في تلك المرة أمرته بأن يغادر في ~~غضون اثنتي عشرة ساعة. استمر عذابه الشديد بحرمانه من الوصول إلى المياه الشافية. ولكنه ~~توقف عن العمل الآن. # من دون مفصل ظاهر في كوعه، الذي كان أشبه بانحناء ~~في أحد أطراف دمية، منطرحا على ظهر كرسي، انحنى إلى الأمام قليلا فوق فخذيه القصيرين ~~والضخمين ليبصق في موقد المدفأة. # أضاف من دون تأكيد: «نعم! لقد توفر لدي الوقت للتفكير في الأمور قليلا. منحني ~~المجتمع الكثير من الوقت للتأمل.» # على الجانب الآخر من المدفأة، على كرسي بذراعين ~~مكسو بشعر الخيل كانت والدة السيدة فيرلوك تحظى بامتياز الجلوس عليه عادة، أطلق كارل يوندت ~~ضحكة أخفت وراءها عبوسا وتكشيرة خافتة وغامضة من فم خال من الأسنان. كان الإرهابي - كما ~~أطلق على ms033 نفسه - عجوزا وأصلع وله خصلة من شعر أبيض مدلاة من ذقنه. تكشف تعبير غير ~~عادي من حقد خفي في عينيه المطفأتين. عندما نهض متألما رسم اندفاع مقدم يد نحيفة ~~تتلمس طريقها ومشوهة بتورمات النقرس صورة جهد قاتل محتضر يستجمع كل ما تبقى ~~لديه من قوة من أجل طعنة أخيرة. اتكأ على عصا سميكة، ارتعشت تحت يده الأخرى. # تكلم بشراسة: «لقد حلمت دوما بعصبة من رجال لا يحيدون عن عزمهم في نبذ كل تورع في ~~اختيار الوسائل التي يتبعونها، أقوياء لدرجة أن يطلقوا على أنفسهم صراحة اسم ~~«المدمرين»، ومتحررون من وصمة ذلك التشاؤم المستكين الذي يفسد العالم. لا يرحمون أي ~~شيء على وجه الأرض - ولا حتى أنفسهم - ويجندون الموت من أجل الخير وكل ما يخدم البشرية، ~~هذا ما أحببت أن أراه.» # اهتز رأسه الأصلع الصغير، مضفيا اهتزازا مضحكا على خصلة العثنون البيضاء. كان من شأن ~~نطقه أن يكاد يكون غير مفهوم على الإطلاق لأي شخص غريب. لم يسعف حماسه المنهك - الذي ~~يشبه في قوته الواهنة إثارة شهواني عجوز - حلق جاف وفم خال من الأسنان بدا وكأنه ~~يمسك بطرف لسانه. أطلق السيد فيرلوك، الذي كان يجلس بثبات في ركن الأريكة في الطرف الآخر ~~من الغرفة، همهمتين تنمان عن موافقته من صميم قلبه. # أدار الإرهابي المسن رأسه ببطء على رقبته الضامرة من جانب إلى آخر. ~~«ولم أتمكن من أن أجمع ما يصل عدده إلى ثلاثة رجال من هذه النوعية. لقد اكتفيت من ~~تشاؤمكم العفن.» أضاف مزمجرا في وجه ميكايليس، الذي فصل ساقيه المكتنزتين باللحم، ~~اللتين كانتا تشبهان وسادتين أسطوانيتين، بعضهما عن بعض وزلق قدميه فجأة تحت كرسيه ~~علامة على سخطه. # هو متشائم! أخرق! صاح قائلا إن هذه التهمة كانت شائنة. كان بعيدا للغاية عن التشاؤم ~~لدرجة أنه رأى بالفعل أنه من المنطقي، ومما لا مفر منه، أن تكون نهاية كل الملكيات الخاصة ~~أمرا وشيكا بمجرد ازدياد الخبث المتأصل فيها. لم يكن على أصحاب الممتلكات مواجهة ~~طبقة البروليتاريا التي تيقظت فحسب، بل كان عليهم ms034 أن يتقاتلوا فيما بينهم. أجل . صراع، ~~وحرب، كان ذلك هو حال الملكية الخاصة. كانت حربا مهلكة. آه! إنه لم يعتمد على الحماس ~~العاطفي للحفاظ على إيمانه، فلا مكان للتصريحات ولا مكان للغضب ولا مكان للتلويح بأعلام ~~حمراء قانية أو شموس متوهجة ترمز إلى الانتقام فوق أفق مجتمع محكوم عليه بالهلاك. ليس هو! ~~كان يتفاخر بأن التفكير المتجرد من المشاعر هو أساس تفاؤله. نعم، تفاؤله ... # توقف أزيز تنفسه المرهق، ثم، بعد لهثة أو اثنتين، أضاف قائلا: ~~«أتعتقدون أنني، لو لم أكن متفائلا كما هو حالي، ما كنت سأجد وسيلة لجز عنقي طيلة خمس ~~عشرة سنة؟ وفي الحالة الأخيرة، كان يمكنني دوما أن أضرب رأسي في جدران زنزانتي.» # سلب ضيق تنفسه صوته من الحماس والحيوية؛ وتدلت ~~وجنتاه الضخمتان الشاحبتان مثل كيسين ممتلئين، بلا حركة، وبلا اهتزاز؛ ولكن في عينيه ~~الزرقاوين، اللتين ضاقتا وكأنهما تحدقان فيما أمامهما، كانت توجد نفس النظرة التي كانت تنم ~~عن ذكاء واثق، وعن شيء من الجنون في ثباتها، لا بد أنها كذلك وقت أن قبع المتفائل مفكرا ~~في زنزانته ليلا. ظل كارل يوندت واقفا أمامه، ملقيا إحدى جانبي معطفه الهافلوك الباهت ~~المخضر خلف كتفه بعجرفة. أمام المدفأة، جلس الرفيق أوسيبون، طالب الطب السابق، والكاتب ~~الأساسي لمنشورات حركة مستقبل طبقة العمال، مادا ساقيه القويتين، وأبقى نعل حذائه ~~متجها نحو لهب موقد المدفأة. اكتست رأسه بأجمة من شعر أصفر مجعد فوق وجهه الأحمر ~~المليء بالنمش، الذي ضم أنفا أفطس وفما بارزا تقولبا في قالب يشبه تقريبا ملامح ~~الزنوج. كانت عيناه اللتان تشبهان اللوزتين تتألقان بهدوء فوق عظام الوجنتين ~~المرتفعة. ارتدى قميصا خفيفا رماديا، وتدلت نهايتا ربطة عنق حريرية سوداء إلى أسفل ~~صدر معطفه المزرر المنسوج من السيرج؛ وإذ استقر رأسه على ظهر كرسيه، برزت حنجرته ~~كثيرا، ورفع إلى شفتيه سيجارة وضعها في مبسم خشبي طويل، وأخذ ينفث نفثات من الدخان ~~مباشرة نحو السقف. # تابع ميكايليس فكرته - فكرة عزلته الفردية - الفكرة التي كانت منحة أسره وظلت تتنامى ~~مثل إيمان تكشف في ms035 رؤى. تحدث إلى نفسه، غير مبال بتعاطف مستمعيه أو عدائيتهم، ~~وغير مبال حقا لوجودهم، وكان ذلك نابعا من عادة التفكير بصوت عال التي كان قد اكتسبها ~~في عزلة جدران زنزانته الأربعة المطلية باللون الأبيض، وفي الصمت الموحش الذي كان يخيم ~~على كومة الطوب الصماء القريبة من نهر، يفوح منها الشؤم والقبح كأنها مستودع جنائزي ضخم ~~لجثث الذين أغرقهم المجتمع. # لم يكن جيدا في المناقشات، ليس بسبب أن إيمانه كان يمكن أن يتزعزع بأي قدر من الحجج، ~~ولكن لأن مجرد سماع صوت آخر كان يربكه إرباكا شديدا، مشتتا أفكاره في الحال؛ هذه ~~الأفكار التي ظلت لسنوات كثيرة في عزلة عقلية أكثر جدبا من صحراء قاحلة، بلا أي صوت لأي ~~أحد يقاوم تلك الأفكار أو يعلق عليها أو يوافق عليها. # لم يقاطعه أحد حينئذ، وأعاد الاعتراف بإيمانه، الذي كان يسيطر عليه سيطرة طاغية ~~وتامة كأنه نعمة أنعم بها عليه؛ إنه سر القدر الذي اكتشف في الجانب المادي من ~~الحياة؛ الحالة الاقتصادية للعالم المسئولة عن الماضي وعن صياغة المستقبل؛ مصدر جميع ~~أحداث التاريخ، وجميع الأفكار، المرشدة للتطور العقلي للبشر والدوافع الحقيقية لعاطفتهم ~~... # قطعت ضحكة قاسية أطلقها الرفيق أوسيبون الخطبة العصماء لصاحب الإفراج المشروط وتلعثم ~~لسانه، وظهر تردد مذهول في عينيه المهيبتين قليلا. أغمضهما ببطء للحظة، وكأنه ~~يستجمع شتات أفكاره. خيم صمت على المكان؛ ولكن بسبب مصباحي الغاز فوق المنضدة وتوهج ~~موقد المدفأة أصبحت الحرارة في غرفة المعيشة خلف متجر السيد فيرلوك لا تطاق. نهض السيد ~~فيرلوك من فوق الأريكة متململا، وفتح الباب المؤدي إلى المطبخ لإدخال مزيد من الهواء، ~~فظهر ستيفي البريء جالسا في اعتدال تام وهدوء شديد على مائدة من خشب الصنوبر، يرسم ~~دوائر، دوائر، دوائر؛ دوائر لا حصر لها، متحدة المركز؛ وغير متحدة المركز؛ دوامة متداخلة ~~من الدوائر، أوحت كثرة تشابكها في منحنيات، واتحادها في الشكل، والتشويش الذي يحدثه تقاطع ~~الخطوط، عن فوضى كونية، رمزية فن مجنون يسعى إلى المحال. لم يحول الفنان رأسه مطلقا؛ ~~وفي مثابرته التامة في عمله على ms036 المهمة كان ظهره يرتعش، وبدت رقبته الرفيعة، الغارقة ~~في تجويف عميق في قاعدة الجمجمة، متهيئة لأن تنكسر. # بعدما أصدر السيد فيرلوك صوت نخير استنكارا للمفاجأة، عاد إلى الأريكة. نهض ألكسندر ~~أوسيبون، الذي بدا طويل القامة في بذلته الزرقاء الرثة من نسيج السيرج تحت السقف ~~المنخفض، ونفض عن نفسه تصلب جمود طويل، ومشى إلى المطبخ (المنخفض بمقدار درجتي سلم) ~~ليلقي نظرة من فوق كتف ستيفي. عاد وقال بنبرة فيها تنبؤ: «جيد جدا. مميز للغاية، نموذجي ~~تماما.» # تساءل السيد فيرلوك بتذمر: «ماذا تقصد بجيد جدا؟» بعدما عاد للاستقرار في ركن الأريكة. ~~فسر الآخر ما يقصده بلا مبالاة وبشيء من التعالي وهو يدير رأسه ناحية المطبخ. ~~«نموذجي لهذا الشكل من الانحطاط، أقصد هذه الرسومات.» # تمتم السيد فيرلوك: «تقول إن هذا الفتى منحل، هل هذا ما تقصده؟» # التفت الرفيق ألكسندر أوسيبون - الملقب ~~بالطبيب؛ إذ كان يدرس الطب ولكنه لم يكمل دراسته؛ وبعد ذلك ظل يتجول ويلقي محاضرات لدى ~~الجمعيات المهتمة بشئون العمال عن الأنماط الاشتراكية في الصحة؛ وكذلك ألف دراسة شهيرة ~~شبه طبية (في شكل كتيب رخيص ولكن الشرطة صادرته على الفور) بعنوان «الرذائل التي تأكل ~~الطبقات المتوسطة»؛ وعمل مفوضا خاصا لدى «اللجنة الحمراء» الغامضة نوعا ما، جنبا ~~إلى جنب مع كارل يوندت وميكايليس لعمل الدعاية الأدبية - إلى هذا المتردد الغامض على ~~سفارتين على الأقل ونظر إليه نظرة استعلاء لا تحتمل لا تنم إلا عن أنه قامة في علم ~~يقدمه لعامة الناس. ~~«هذا ما يمكن أن يطلق عليه علميا. إنه نموذج جيد جدا أيضا، من ذلك الانحطاط. ~~يكفي النظر إلى شحمتي أذنيه. إذا قرأت ما كتبه لومبروزو ...» # استمر السيد فيرلوك - متقلب المزاج والذي كان متمددا شاغلا جزءا كبيرا من ~~الأريكة - في طأطأة رأسه ناظرا إلى أزرار صدريته؛ ولكن وجنتيه توردتا بعض الشيء. ~~مؤخرا، كان أبسط اشتقاق من كلمة علم (مصطلح في حد ذاته ليس مسيئا وليس له معنى محدد) ~~له قدرة غريبة على استحضار صورة ذهنية عدائية تماما للسيد فلاديمير، بشحمه ولحمه، بوضوح ~~شبه ms037 خارق. وهذه الظاهرة - التي تستحق بإنصاف أن تصنف ضمن عجائب العلم - استحثت في السيد ~~فيرلوك حالة عاطفية من الرهبة والسخط عادة ما كانت تظهر في صورة سباب عنيف. ولكنه لم ~~يتفوه بكلمة. كان من تكلم هو كارل يوندت، الذي كان عنيدا حتى النفس الأخير. ~~«لومبروزو هذا أحمق.» # قابل الرفيق أوسيبون صدمة هذا التجديف بنظرة مخيفة خالية من التعبير. وتمتم الآخر - ~~بعينيه غير اللامعتين ذواتي الرموش الطويلة أسفل الجبهة الكبيرة البارزة - وهو يمسك طرف ~~لسانه بين شفتيه في كل كلمة وكأنه يمضغها غاضبا: ~~«هل رأيتم من قبل أبله كهذا؟ من وجهة نظره أن المجرم هو السجين. أمر بسيط، أليس كذلك؟ ~~ماذا عن أولئك الذين قمعوه هناك، أجبروه على الدخول إلى هناك؟ بالضبط. أجبروه على الدخول ~~إلى هناك. وما هي الجريمة؟ هل يعلم، هذا الأبله الذي شق طريقه في هذا العالم من الحمقى ~~المتخمين عن طريق النظر إلى آذان وأسنان الكثير من الأشرار البؤساء العديمي الحظ؟ هل ~~الأسنان والآذان هي ما يوسم به المجرم؟ هل هي كذلك حقا؟ وماذا عن القانون الذي يسمه على ~~نحو أفضل، أداة الوسم الجميلة التي اخترعها المتخمون كي يقوا أنفسهم من الجوعى؟ مرات وضع ~~الأداة المتقدة على جلودهم البغيضة؛ أليس كذلك؟ ألا يمكنك أن تشم وتسمع من هنا صوت ~~احتراق جلد الناس السميك وطشيشه؟ هكذا يصنع المجرمون ليكتب عنهم أتباع نظرية لومبروزو ~~كتاباتهم السخيفة.» # ارتعش مقبض عصاه وساقاه انفعالا، بينما ظل جذعه، المغطى بجناحي معطفه الهافلوك، ~~ثابتا على موقف التحدي الذي يتخذه دوما. بدا وكأنه يستنشق الهواء الملوث بقسوة ~~المجتمع، ويجهد أذنه لسماع أصواته البشعة. كان ثمة قوة غير عادية من الإيحاء في هذا ~~الموقف. كان المعلم المخضرم في حروب الديناميت ممثلا عظيما في زمنه، ممثلا على ~~المنصات وفي التجمعات السرية وفي اللقاءات الخاصة. لم يسبق للإرهابي الشهير قط في حياته ~~أن رفع شخصيا ولو حتى إصبعه البنصر في مواجهة الصرح الاجتماعي. لم يكن رجل أفعال؛ لم يكن ~~حتى خطيبا مفوها يكتسح الحشود وسط الضجيج الصاخب وفورة ms038 الحماس الكبير. وبنية ماكرة ~~إلى حد كبير، لعب دور محرض خبيث ووقح ذي دوافع خبيثة كامنة في الحسد الأعمى والتكبر ~~الساخط النابع من الجهل، في المعاناة وبؤس الفقر، في جميع الأوهام المتفائلة والنبيلة ~~النابعة من الغضب والشفقة والثورة. كان ظل موهبته الشريرة لا يزال ملتصقا به مثل ~~رائحة مخدر مميت في قارورة سم قديمة، فارغة الآن، وعديمة الجدوى، وجاهزة للتخلص ~~منها فوق كومة قمامة الأشياء التي انقضت مدة صلاحيتها. # ابتسم ميكايليس - صاحب الإفراج المشروط - ابتسامة غامضة بشفتيه المطبقتين؛ وتدلى وجهه ~~المستدير الشاحب تحت وطأة موافقة حزينة. كان هو نفسه سجينا. كان جلده قد فح طشيشه تحت ~~وطأة أداة الوسم المتقدة؛ ومن ثم تمتم بصوت منخفض. ولكن الرفيق أوسيبون - الملقب ~~بالطبيب - كان حينئذ قد تجاوز الصدمة. # استهل كلامه قائلا بازدراء: «أنت لا تفهم» ولكنه توقف فجأة، خوفا من السواد المكفهر ~~البادي في العينين الغائرتين في الوجه الذي استدار نحوه ببطء محدقا بنظرة عمياء، كأنما ~~تنقاد بالصوت فقط. توقف عن النقاش، بهزة خفيفة من كتفيه. # كان ستيفي، الذي اعتاد على التحرك من دون أن يأبه له أحد، قد نهض عن مائدة المطبخ، ~~حاملا رسوماته إلى السرير معه. كان قد وصل إلى باب غرفة المعيشة في الوقت المناسب ليتلقى ~~الصعقة الكاملة لتصوير كارل يوندت البليغ. سقطت الورقة المغطاة بالدوائر من بين أصابعه، ~~وظل يحملق في الإرهابي العجوز، وكأن قدميه غاصتا في مكانهما من رعبه المرضي وخوفه ~~من الألم الجسدي. لم يكن يخفى على ستيفي أن وضع الحديد المتقد على بشرة الإنسان مؤلم ~~أشد الألم. تطاير شرر السخط والخوف من عينيه؛ يمكن أن يسبب ألما مروعا. وقف فاغرا ~~فاه. # كان ميكايليس قد استعاد ميله إلى ضرورة العزلة من أجل أن يستمر حبل أفكاره، بالتحديق ~~بشرود ذهن في النار. كان تفاؤله قد بدأ يتدفق من بين شفتيه. رأى أن الرأسمالية محكوم ~~عليها بالفشل من مهدها، فقد ولدت ومعها سم مبدأ المنافسة في نظامها. فكبار الرأسماليين ~~يلتهمون صغار الرأسماليين، وتركيز السلطة وأدوات الإنتاج في أيدي حشود ms039 كبيرة، وإتقان ~~العمليات الصناعية، وجنون تعظيم الذات، كل ذلك لم يكن سوى تحضير للإرث الشرعي لطبقة ~~البروليتاريا الكادحة وتنظيمه وإثرائه وتجهيزه. تلفظ ميكايليس بالكلمة العظيمة «الصبر»؛ ~~واكتست عيناه الزرقاوان، اللتان ارتفعتا إلى السقف المنخفض لغرفة المعيشة في منزل السيد ~~فيرلوك، بمسحة من صدق ملائكي. على عتبة الباب، بدا ستيفي هادئا وغارقا في بلاهته. # ارتعش وجه الرفيق أوسيبون غضبا. ~~«إذن، لا فائدة من فعل أي شيء؛ لا فائدة على الإطلاق.» # اعترض ميكايليس بلطف: «لا أقول ذلك.» كانت رؤيته للحقيقة قد اتضحت لدرجة أن تردد صوت ~~غريب عجز عن أن يقطع حبل أفكاره هذه المرة. ظل ينظر أسفل إلى الفحم المتأجج. كان ~~التحضير للمستقبل ضروريا، وكان مستعدا للاعتراف بأن التغيير الكبير ربما يأتي في صورة ~~اضطراب ثورة. ولكنه قال بأن الدعاية الثورية عمل يتطلب دقة وضميرا حيا. كانت بمثابة ~~التثقيف لسادة العالم. لا بد من توخي الحذر مثلما هو الحال مع التثقيف الذي يمنح ~~للملوك. كان يريد أن تقدم مبادئها بحذر، بل بوجل؛ إذ نجهل التأثير الذي قد يحدثه أي ~~تغيير اقتصادي في سعادة البشرية وأخلاقياتها وتفكيرها وتاريخها. فالتاريخ تصنعه أدوات ~~الإنتاج، ولا يصنع بالأفكار؛ وكل شيء تغيره الظروف الاقتصادية - الفنون والفلسفة والحب ~~والفضيلة - والحقيقة نفسها! # قبع الفحم في قاع موقد المدفأة مصدرا صوت تحطم طفيف؛ ونهض ميكايليس مندفعا؛ ميكاليس ~~الذي غرق كالنساك في الرؤى وهو في غياهب السجن. فتح ذراعيه السميكتين القصيرتين مثل ~~بالون منتفخ، وكأنه كان يحاول عبثا أن يضم إلى صدره عالما يتجدد ذاتيا. وأخذ يلهث ~~بحماس. ~~«المستقبل مؤكد مثل الماضي، العبودية، الإقطاعية، الفردية، الجماعية. هذا نص قانون، ~~وليس نبوءة فارغة.» # أظهر بروز شفتي الرفيق أوسيبون السميكتين بازدراء السمة الزنجية لوجهه. ~~«هراء.» قال ذلك بهدوء كاف. «لا يوجد قانون ولا توجد حقيقة مؤكدة. يمكن تأجيل الدعاية ~~التثقيفية. ما يعرفه الناس لا يهم، فمعرفتهم بالأمور ليست دقيقة على الإطلاق. الأمر الوحيد ~~الذي يهمنا هو الحالة العاطفية لدى الجماهير. فلا أفعال من دون استثارة العواطف.» # توقف قليلا، ثم أردف بإصرار معتدل: ms040 ~~«أنا أتحدث إليكم بطريقة علمية ... علمية ... ماذا؟ ماذا قلت يا فيرلوك؟» # قال السيد فيرلوك بصوت أجش من فوق الأريكة: «لا شيء.» وكانت قد استثارته الكلمة البغيضة ~~إليه، فتمتم بكلمة «اللعنة». # سمعت الهمهمة الخبيثة الصادرة من الإرهابي العجوز عديم الأسنان. ~~«هل تعرف التسمية التي يمكنني أن أطلقها على طبيعة الظروف الاقتصادية الحالية؟ يمكنني أن ~~أطلق عليها اسم آكلة لحوم البشر. هكذا هي! إنهم يغذون جشعهم بلحوم الشعوب المرتعبة ~~ودمائها الدافئة، ولا شيء غير ذلك.» # تلقف ستيفي العبارات المرعبة وسمع وهو يبلع ريقه، وعلى الفور، وكأنما ابتلع سما سريع ~~المفعول، خر جالسا على عتبة باب المطبخ. # لم يظهر ميكايليس ما يدل على أنه سمع أي شيء. بدت شفتاه وكأن التصاقهما لم ينفك قط؛ ~~ولم تهتز وجنتاه المكتنزتان اهتزازة واحدة. نظر بعينين مضطربتين إلى قبعته الدائرية ~~الصلبة، ووضعها فوق رأسه الدائري. بدا وكأن جسده المستدير والسمين يطفو على ارتفاع منخفض ~~بين الكراسي تحت كوع كارل يوندت المدبب. رفع الإرهابي العجوز يده التي تشبه المخالب ~~مترددا، فأمال متبخترا قبعته المكسيكية السوداء التي غطت تجاويف وبروزات وجهه المنهك. ~~مشى متباطئا وهو يضرب الأرض بعصاه مع كل خطوة. كان إخراجه من المنزل مسألة صعبة، إذ كان ~~يتوقف، بين الفينة والأخرى، وكأنه يفكر في أمر ما، ولا يبدي استعدادا للحركة مرة أخرى ~~حتى يدفعه ميكايليس إلى الأمام. أمسك صاحب الإفراج المشروط ذراعه بعناية أخوية؛ وخلفهما، ~~تثاءب أوسيبون القوي، وهو يضع يده في جيوبه، تثاؤبا غامضا. منحته قبعة زرقاء، ذات قمة من ~~جلد لامع، استقرت على نحو جيد فوق شعيراته الشقراء، مظهر بحار نرويجي سئم من العالم بعد ~~مرح صاخب. رافق السيد فيرلوك ضيوفه في طريقهم إلى خارج المبنى حاسر الرأس، ومعطفه الثقيل ~~مفتوح الأزرار، وعيناه تنظران إلى الأرض. # أغلق الباب خلفهم بقوة منضبطة، وأدار المفتاح، وأغلق بالمزلاج. لم يكن راضيا عن ~~أصدقائه. ففي ضوء فلسفة السيد فلاديمير عن إلقاء القنابل، بدوا بلا جدوى على الإطلاق. كان ~~دور السيد فيرلوك في السياسات الثورية هو المراقبة؛ ومن ثم لم ms041 يستطع أن يتخذ مبادرة ~~الفعل دفعة واحدة، سواء في بيته أو في التجمعات الأكبر. كان عليه أن يتوخى الحذر. متأثرا ~~بسخط رجل تجاوز الأربعين، مهددا فيما هو الأعز عليه - راحته وأمنه - سأل نفسه بازدراء ما ~~الذي كان يمكن أن يتوقعه من مجموعة مثل كارل يوندت وميكايليس وأوسيبون. # انتوى السيد فيرلوك أن يطفئ مصباح الغاز المتقد في وسط المتجر، لكنه توقف إذ انحدر في ~~هاوية التفكير في الأخلاق. ببصيرة نابعة من حالة مزاجية مشابهة، أعلن حكمه. جماعة كسولة؛ ~~كارل يوندت هذا، كان رجلا تعهدته امرأة عجوز، امرأة كان قد أغراها منذ سنوات وأبعدها عن ~~صديق، وبعد ذلك حاول أكثر من مرة أن يتخلص منها. لحسن حظ يوندت أن تلك المرأة ما برحت ~~الإتيان إليه بين الفينة والأخرى، وإلا لما وجد أحدا يساعده على الخروج من الحافلة بجانب ~~سياج جرين بارك، حيث كان هذا الشبح يبدأ جولة رياضة المشي في كل صباح يكون فيه الجو ~~معتدلا. عندما ماتت تلك الحيزبون العجوز، كان من الممكن أن يختفي ذلك الشبح المتعجرف ~~أيضا، عندها كانت ستصبح نهاية كارل يوندت متقد الحماس. كذلك تثبطت الروح المعنوية لدى ~~السيد فيرلوك بتفاؤل ميكايليس، الذي احتوته السيدة العجوز الثرية التي كانت قد أخذت على ~~عاتقها في الفترة الأخيرة أن ترسله إلى بيت لها في الريف. كان بوسع السجين السابق أن ~~يتجول في الأزقة الظليلة لأيام في خمول حلو وشاعري. أما أوسيبون، فكان ذلك المتسول ~~واثقا من أنه لن ينقصه شيء طالما أنه توجد في العالم فتيات ساذجات معهن دفاتر مدخرات ~~بنكية. واستوعب السيد فيرلوك، الذي يتفق في مزاجه مع رفاقه، فروقا دقيقة في عقله حول قوة ~~اختلافات غير مهمة. استوعبها بقناعة تامة لأن غريزة الاحترام الفطري كانت قوية بداخله ~~ولم يتغلب عليها إلا بغضه لجميع أنواع العمل المعروفة، وهي نقيصة مزاجية تقاسمها مع نسبة ~~كبيرة من الإصلاحيين الثوريين من وضع اجتماعي معين. فمن الواضح أن المرء لا يثور على ~~مزايا ذلك الوضع والفرص التي يوفرها، وإنما على الثمن الذي ms042 يجب دفعه مقابل ذلك على هيئة ~~أخلاق مقبولة وضبط للنفس وكد. غالبا ما يكون أكثر الثوريين ~~أعداء الانضباط والكدح. يوجد أناس أيضا لديهم إحساس بأن ~~ثمن العدالة يبدو باهظا للغاية ولا يخلو من القبح والقمع والقلق والمهانة والابتزاز وعدم ~~التسامح. أولئك هم المتعصبون. النسبة الباقية من المتمردين على المجتمع يسوقهم ~~التكبر؛ وهو أصل كل الأوهام سواء النبيلة أو الحقيرة؛ وهو رفيق الشعراء والمصلحين ~~والدجالين والقادة الملهمين والمخربين. # هوى السيد فيرلوك لمدة دقيقة كاملة في هاوية التأمل، ولكنه لم يصل إلى عمق تلك الأفكار ~~المجردة. ربما لم يكن قادرا على ذلك. لم يكن لديه الوقت على أية حال. خرج من تلك الهاوية ~~بطريقة مؤلمة لما تذكر فجأة السيد فلاديمير، وهو رفيق آخر من رفاقه، والذي تمكن، بحكم ~~التقارب المعنوي الكبير، من الحكم على الأمور حكما صحيحا. اعتبره خطيرا. تسلل شيء من ~~الحسد إلى أفكاره. كان التسكع حسنا لهؤلاء الرجال، الذين لم يعرفوا السيد فلاديمير، وكان ~~لديهم نساء يلجئون إليهن؛ أما هو فكان لديه امرأة يعولها ... # عند هذه المرحلة، وبترابط بسيط بين الأفكار، واجهت السيد فيرلوك ضرورة أن يأوي إلى ~~الفراش في وقت ما في ذلك المساء. فلماذا لا يخلد إلى النوم الآن وفورا؟ خرجت من صدره ~~تنهيدة. لم تكن تلك الضرورة عادة ممتعة له كما ينبغي أن تكون لرجل في عمره ومزاجه. خشي من ~~شيطان الأرق؛ إذ شعر بأنه يختص به لنفسه اليوم. رفع ذراعه، وأطفأ مصباح الغاز المتوهج فوق ~~رأسه. # دخل بصيص نور من خلال باب غرفة المعيشة إلى جزء من المتجر خلف منضدة البيع. أتاح هذا ~~البصيص للسيد فيرلوك أن يتأكد من نظرة واحدة من عدد العملات الفضية في الصندوق. كانت بضع ~~عملات فحسب؛ ولأول مرة منذ افتتح متجره أجرى معاينة لقيمته التجارية. لم تكن هذه المعاينة ~~إيجابية. فلم يكن قد دخل مجال التجارة من أجل أسباب تجارية. لقد دخل في هذا الدرب الغريب من ~~الأعمال نتيجة ميل غريزي تجاه المعاملات المشبوهة التي يسهل فيها كسب الأموال. علاوة على ms043 ~~ذلك، لم تبعده هذه الأعمال عن عالمه، العالم الذي تراقبه الشرطة. على النقيض من ذلك، منحه ~~هذا المتجر موقفا معروفا ومعلنا في ذلك العالم، ولما كانت للسيد فيرلوك علاقات غير ~~معروفة جعلته معروفا لدى الشرطة ولكن من دون أن يأبه لذلك، فقد منحه هذا ميزة واضحة في هذا ~~الوضع. ولكن المتجر في حد ذاته لم يكن وسيلة كافية لكسب الرزق. # أخرج صندوق النقود من الدرج، واستدار كي يغادر المتجر، وعندئذ أدرك أن ستيفي كان لا ~~يزال في الطابق السفلي. # ماذا يفعل هناك بحق السماء؟ تساءل السيد فيرلوك بينه وبين نفسه. ما معنى هذه التصرفات ~~الغريبة؟ نظر بارتياب إلى صهره، ولكنه لم يسأله عن شيء. اقتصر تواصل السيد فيرلوك مع ستيفي ~~على التمتمة المعتادة في الصباح بعد الإفطار، بأن يطلب «حذاءه» وحتى هذا كان عموما طلبا ~~أو أمرا مباشرا أكثر من كونه تواصلا. أدرك السيد فيرلوك ببعض الدهشة أنه لم يعرف حقا ~~ماذا يقول لستيفي. وقف ساكنا في وسط غرفة المعيشة ونظر إلى المطبخ في صمت. كذلك لم يعرف ما ~~الذي قد يحدث لو تلفظ بأي شيء. وبدا هذا للسيد فيرلوك غريبا جدا في ضوء الحقيقة التي ~~أدركها فجأة وهي أنه كان يجب أن ينهض بأعباء هذا الفتى أيضا. وحتى ذلك الحين، لم يكن قد ~~فكر لحظة في ذلك الجانب من وجود ستيفي. # في الحقيقة لم يكن يعرف كيف يتحدث إلى الفتى. شاهده وهو يأتي بحركات بيديه ويتمتم في ~~المطبخ. كان ستيفي يحوم حول الطاولة مثل حيوان هائج في قفص. لما بادره السيد فيرلوك قائلا: ~~«أليس من الأفضل أن تأوي إلى الفراش الآن؟» لم يبد أي تأثر بسؤاله؛ ولما أقلع السيد فيرلوك ~~عن التفكير المتحجر في سلوك صهره، عبر غرفة المعيشة مضجرا وصندوق النقود في يده. كان ~~سبب التعب العام الذي شعر به أثناء صعوده الدرج عقليا بحتا، وانزعج من طابعه الذي لا ~~يمكن تفسيره. تمنى ألا يكون مريضا بأي مرض. وقف على البسطة المظلمة كي يتفقد حواسه. ~~لكنه سمع صوت ms044 شخير خافت ومستمر اخترق الظلام وتعارض مع صفائه. أتى الصوت من غرفة حماته. ~~فكر في نفسه، شخص آخر ينبغي الاعتناء به؛ ولما بدرت هذه الفكرة إلى ذهنه تابع سيره إلى ~~غرفة النوم. # كان النعاس قد غلب السيدة فيرلوك والمصباح (لم يكن يوجد مصباح غازي في الطابق العلوي) ~~متقد لأقصى حد فوق الطاولة بجانب السرير. سقط شعاع المصباح مكونا ظلا فوق الوسادة ~~البيضاء الغاطسة بفعل وزن رأسها وهي مغمضة العينين وشعرها الأسود مضفور في عدة ضفائر من ~~أجل النوم. أيقظها صوت يهمس باسمها في أذنيها ورأت زوجها يقف عند رأسها. ~~«ويني! ويني!» # في البداية لم تتقلب، وظلت مستلقية في هدوء تام وهي تنظر إلى صندوق النقود في يد ~~السيد فيرلوك. ولكن لما فهمت أن أخاها «لا يكف عن اللعب في كل مكان بالطابق السفلي» نهضت في ~~حركة مفاجئة وجلست على حافة السرير. تلمست السجادة بقدميها الحافيتين بحثا عن النعل ~~وهي تنظر إلى أعلى إلى وجه زوجها. # شرح السيد فيرلوك متذمرا: «لا أعرف كيف أسيطر عليه. ليس مقبولا على الإطلاق أن يترك ~~وحده في الطابق السفلي مع المصابيح.» # لم تقل شيئا، وعبرت الغرفة مسرعة، وأغلق الباب خلف ردائها الأبيض. # وضع السيد فيرلوك صندوق النقود فوق المنضدة بجانب السرير، وبدأ في خلع ثيابه بأن رمى ~~معطفه على كرسي بعيد. ثم خلع سترته وصدريته. أخذ يسير في أنحاء الغرفة وهو يرتدي ~~الجورب في قدميه، وظل يروح ويجيء - بجسده الضخم والقلق ينخر فيه وهو يضع يديه على حلقه - ~~أمام المرآة الطويلة في باب خزانة ثياب زوجته. ثم بعدما أنزل الحزام من فوق كتفيه، رفع ~~ستارة التهوية بقوة وأسند جبهته على زجاج النافذة البارد، طبقة رقيقة من الزجاج امتدت ~~بينه وبين بشاعة تراكم بارد، ومظلم، ومبلل، وطيني كريه من الطوب والألواح والحجارة، أشياء ~~غير محببة في ذاتها ويأنفها الإنسان. # شعر السيد فيرلوك بالعدائية الكامنة في كل شيء خارج الأبواب وبشدة تقارب كربا جسديا ~~حقيقيا. لا توجد مهنة تخذل الرجل أكثر من مهنة عميل سري لدى الشرطة. ms045 إنها أشبه بسقوط ~~حصانك من تحتك ميتا فجأة وسط سهل غير مأهول وليس فيه ماء. خطر التشبيه على عقل السيد ~~فيرلوك لأنه كان سابقا قد امتطى عديدا من خيول الجيش، وكان لديه الآن إحساس بأنه على وشك ~~السقوط. كان المستقبل أسود مثل زجاج النافذة التي أسند عليها جبهته. وفجأة، لاح وجه ~~السيد فلاديمير، الحليق والذكي، متوهجا ببريق بشرته الوردية وكأنه ختم وردي، منطبع على ~~الظلمة القاتلة. # كانت هذه الرؤيا المضيئة والمشوهة مروعة ماديا حتى إن السيد فيرلوك جفل مبتعدا عن ~~النافذة، تاركا ستارة التهوية تسقط محدثة صوتا قويا. ووسط ارتباكه وذهوله لخشيته من أن ~~يرى المزيد من تلك الرؤى، أبصر زوجته تعود إلى الغرفة وتدخل إلى الفراش في سكينة وهدوء ~~جعلاه يشعر ببؤس وبأنه وحيد في هذا العالم. أعربت السيدة فيرلوك عن دهشتها لرؤيته ~~مستيقظا حتى هذا الوقت. # تمتم وهو يمرر يديه فوق جبهته المتعرقة: «أشعر أنني لست على ما يرام.» ~~«هل تشعر بدوار؟» ~~«أجل. لست على ما يرام على الإطلاق.» # بهدوء الزوجة المحنكة، أعربت السيدة فيرلوك عن رأيها واثقة في السبب، واقترحت ~~العلاجات المعتادة؛ لكن زوجها، الواقف وسط الغرفة وكأن قدمه غاصت فيها، هز رأسه المنكس ~~حزنا. # قالت: «ستصاب بنزلة برد لو ظللت واقفا هناك.» # بذل السيد فيرلوك جهدا وأكمل خلع ملابسه ودخل إلى الفراش. في الأسفل بالشارع الضيق ~~الهادئ، سمع وقع أقدام يقترب من المنزل ثم تلاشى رويدا رويدا، وكأن المار قد بدأ يبتعد ~~إلى الأبد، من مصباح غازي إلى آخر في ليل بلا نهاية؛ ثم أصبح صوت دقات الساعة القديمة عند ~~بسطة الدرج مسموعا بوضوح في غرفة النوم. # استلقت السيدة فيرلوك على ظهرها وأخذت تحملق في السقف، وأبدت ملاحظة. ~~«الإيرادات قليلة جدا اليوم.» # سعل السيد فيرلوك، مستلقيا في الوضعية نفسها، وكأنه سيقول شيئا مهما، ولكنه لم يفعل ~~شيئا سوى أن استفسر قائلا: ~~«هل أطفأت مصباح الغاز في الطابق السفلي؟» # أجابت زوجته بانتباه: «أجل، فعلت.» بعد صمت دام ثلاث دقات للساعة، تمتمت قائلة: «ذلك ~~الفتى البائس في حالة ms046 من الاضطراب الشديد الليلة.» # لم يهتم السيد فيرلوك على الإطلاق باضطراب ستيفي، ولكن شعر بأرق شديد، وخشي من مواجهة ~~الظلام والصمت اللذين سيعقبان إطفاء المصباح. دفعته هذه الخشية إلى القول بأن ستيفي تجاهل ~~اقتراحه بالخلود إلى الفراش. بدأت السيدة فيرلوك، بعدما وقعت في الفخ، توضح لزوجها ~~باستفاضة أن هذا التصرف لم يكن «وقاحة» من أي نوع، وإنما مجرد «اضطراب». وأكدت أنه لا يوجد ~~في لندن شاب، في عمر ستيفن، أكثر وداعة وطاعة منه؛ ولا يوجد شاب أكثر حنوا ولا استعدادا ~~لإرضاء غيره منه ولا حتى مفيدا أكثر منه، ما دام لم يبلبل أحد رأسه البائس. استدارت السيدة ~~فيرلوك إلى زوجها المستلقي إلى جوارها، ورفعت جسدها على مرفقها، وأزعجته بحديثها إذ استولى ~~عليها القلق من أن يصدق أنه ينبغي أن يكون ستيفي عضوا مفيدا في الأسرة. ذلك الولع ~~بعاطفة الحماية الذي تعاظم لديها بإفراط في طفولتها، بسبب بؤس طفل آخر، جعل وجنتيها ~~الشاحبتين تصطبغان بحمرة داكنة خفيفة، والتمعت عيناها الكبيرتان تحت رموشها السوداء. ~~حينئذ بدت السيدة فيرلوك أكثر شبابا؛ بدت شابة مثلما كانت تبدو عندما كانت الآنسة ويني، ~~ومفعمة بالحيوية أكثر من ويني أيام ما كانت تعيش في منزل بلجرافيا وتسمح لنفسها بأن تظهر ~~للمستأجرين. كانت مخاوف السيد فيرلوك قد منعته من إضفاء أي معنى على ما كانت تقوله ~~زوجته. بدا الأمر وكأن صوتها كان يصدر من الجهة الأخرى من جدار سميك جدا. وكانت تعبيرات ~~وجهها هي ما جعله يستجمع شتات نفسه. # كان يقدر تلك المرأة، ولم يضف الشعور بهذا التقدير - الذي حركه إظهار شيء يشبه ~~العاطفة - إلا وجعا آخر إلى معاناته التي كانت في غمار عقله. لما توقف صوتها، تحرك ~~متململا، وقال: ~~«لم أكن على ما يرام في الأيام القليلة الماضية.» # ربما كان يقصد بهذا أن يكون مدخلا إلى أن يوليها ثقة تامة؛ لكن السيدة فيرلوك عادت ~~ووضعت رأسها على الوسادة، وأخذت تحدق في الأعلى، وتابعت قائلة: ~~«ذلك الفتى يسمع أكثر مما ينبغي من الأحاديث التي تدور هنا. لو أنني ms047 كنت أعلم أنهم ~~قادمون الليلة ، كنت سأحرص على أن يخلد إلى النوم في الساعة التي نمت فيها أنا أيضا. لقد ~~أثار جنونه شيء سمعه بالصدفة عن أكل لحوم البشر وشرب دمائهم. ما النفع من التحدث بتلك ~~الطريقة؟» # كانت ثمة نبرة احتقار وسخط في صوتها. عندئذ أصبح السيد فيرلوك متجاوبا تجاوبا ~~تاما. # تذمر قائلا بعنف: «فلتسألي كارل يوندت.» # قالت السيدة فيرلوك، بحسم كبير، إن كارل يوندت «رجل مسن يثير الاشمئزاز». وأعلنت ~~صراحة عن ميلها إلى ميكايليس. أما عن أوسيبون الضخم، الذي لم تشعر بالارتياح مطلقا أثناء ~~وجوده متحصنة بموقف متحفظ شديد، فلم تقل شيئا على الإطلاق. واستمرت تتحدث عن أخيها ~~الذي ظل لسنوات عديدة محل رعاية وخوف: ~~«إنه ليس مؤهلا لأن يسمع ما يقال هنا. فهو يعتقد أن كل ما يقال حقيقي. إنه لا يفقه غير ~~ذلك. ومن ثم فهو يتأثر بما يقال.» # لم يعلق السيد فيرلوك بشيء. ~~«أخذ يحدق في، وكأنه لا يعرفني، عندما نزلت إلى الطابق السفلي. كانت دقات قلبه ~~عالية كالمطرقة. إنه لا يستطيع التحكم في انفعالاته. أيقظت أمي وطلبت منها أن تجلس معه ~~حتى يخلد إلى النوم. هذا ليس ذنبه. إنه لا يحدث مشاكل عندما يكون بمفرده.» # لم يعلق السيد فيرلوك بشيء. # أردفت السيدة فيرلوك بأسلوب فظ: «ليته لم يذهب إلى المدرسة. دائما ما يأخذ تلك الجرائد ~~من فوق النافذة كي يقرأها. يحمر وجهه عندما ينكب على قراءتها. إننا لا نتخلص من ~~عشرات الأعداد في الشهر. وتشغل حيزا في النافذة الأمامية فحسب. وكل أسبوع يحضر السيد ~~أوسيبون كومة من نشرات حركة مستقبل طبقة العمال هذه كي يبيعها بنصف بنس للنشرة الواحدة. ~~ما كنت لأدفع نصف بنس في الكومة كلها. إنها نشرات سخيفة، نعم إنها كذلك. لا أحد يشتريها. ~~منذ بضعة أيام، وقعت يد ستيفي على إحداها، وكانت فيها قصة عن جندي ألماني قطع أذن أحد ~~المجندين، ولم يعاقب على فعلته تلك. يا له من متوحش! ولم أستطع السيطرة على ستيفي عصر ~~ذلك اليوم. كانت القصة وحدها كافية ms048 لجعل دم المرء يغلي. ولكن ما الفائدة من طباعة قصص كهذه؟ ~~لسنا عبيدا ألمانيين هنا، حمدا للرب. هذا ليس شأننا، أليس كذلك؟» # لم يجب السيد فيرلوك بشيء. # أردفت السيدة فيرلوك بعدما تسلل إليها النعاس قليلا: «كان يجب أن آخذ سكين النحت من ~~الفتى. لم يكف عن الصياح والنبش والبكاء. إنه لا يحتمل أي فكرة تنطوي على قسوة. ولو رأى ~~ذلك الضابط حينها، لذبحه بالسكين كالخنزير. هذا حقيقي أيضا! بعض الناس لا يستحقون الكثير ~~من الرحمة.» انقطع صوت السيدة فيرلوك، وأصبح التعبير البادي في عينيها الساكنتين متأملا ~~ومحتجبا أكثر فأكثر أثناء الصمت الطويل. سألت بصوت ضعيف وشارد: «هل أنت مرتاح يا عزيزي؟ هل ~~أطفئ النور الآن؟» # قناعة السيد فيرلوك المخيفة بأن النوم سيجافيه أسكتت لسانه وجعلته هامدا بيأس وسط خوفه ~~من الظلام. بذل جهدا كبيرا. # وأخيرا قال بنبرة جوفاء: «نعم، أطفئيه.» # | الفصل الرابع # كان غالبية الطاولات - وعددها ثلاثون أو نحو ذلك - المغطاة بمفارش حمراء عليها نقش ~~أبيض تقف متراصة بزوايا قائمة مع الجدران الخشبية البنية للقاعة الكائنة تحت الأرض. تدلت ~~ثريات برونزية بها العديد من الكريات من سقف منخفض مقوس بعض الشيء، وامتدت اللوحات ~~الجدارية مسطحة ورتيبة على جميع الحوائط التي خلت من النوافذ، تعرض مشاهد الصيد واللهو ~~الصاخب في الهواء الطلق بأزياء من العصور الوسطى. ويلوح خدم، يرتدون سترات جيركين خضراء ~~من دون أكمام، بسكاكين صيد ويرفعون عاليا أكواب البيرة ذات الرغوة. # قال أوسيبون الضخم، متكئا على الطاولة، ومرفقاه متباعدان عليها وقدماه مطويتان بالكامل ~~تحت كرسيه: «إن لم أكن مخطئا جدا، فأنت الرجل الذي يعرف ما تنطوي عليه هذه القضية ~~المحيرة.» كانت عيناه تحدقان بحماس شديد. # فجأة، عزف بيانو كبير نوعا ما، يقبع بالقرب من الباب، ووضع على كلا جانبيه نخلة في ~~أصيص، بمعزوفة فالس ببراعة حماسية. كان الضجيج الذي أحدثه يصم الآذان. وحينما توقف، فجأة ~~كما بدأ، بدر بهدوء من الرجل القصير العبوس الذي كان يرتدي نظارة طبية ويجلس أمام أوسيبون ~~على الطاولة وأمامه كوب زجاجي كبير مليء بالبيرة ms049 ما بدا أنه رأي عام . ~~«من حيث المبدأ، ما قد يعرفه أو لا يعرفه أحدنا فيما يتعلق بأي حقيقة معينة لا يمكن أن ~~يكون مسألة تستدعي التقصي لدى الآخرين.» # وافقه الرفيق أوسيبون بصوت هادئ ومنخفض: «بالتأكيد لا. من حيث المبدأ.» # استمر في تحديقه الحاد ووجهه الكبير المشرب بالحمرة بين راحتيه، بينما ارتشف الرجل القصير ~~ذو النظارة الطبية من البيرة بهدوء وعاد ووضع الكوب الزجاجي على الطاولة. برزت أذناه ~~الكبيرتان المسطحتان على جانبي جمجمته، التي بدت ضعيفة بما يكفي لأن يسحقها أوسيبون بين ~~إبهامه وسبابته؛ وبدت جبهته كأنها تستند إلى حافة النظارة؛ ولم يكن بالوجنتين المسطحتين، ~~المتسمتين ببشرة دهنية غير صحية، سوى قلة من شعيرات رفيعة داكنة. ما جعل الدونية المؤسفة ~~لبنية الجسم بكامله مثيرة للسخرية هو الثقة الفائقة بالنفس لدى هذا الشخص. كان حديثه ~~مقتضبا، وكان له أسلوب يثير الإعجاب في التزام الصمت. # تحدث أوسيبون مرة أخرى متمتما ورأسه لا يزال بين راحتيه. ~~«هل أمضيت وقتا طويلا بالخارج اليوم؟» # أجاب الآخر: «لا، ظللت في السرير طيلة فترة الصباح. لماذا؟» ~~«أوه! لا شيء» قال أوسيبون، محدقا باهتمام وتعتصر قلبه الرغبة في اكتشاف شيء ما، لكن ~~كان من الواضح أن مسحة عدم الاكتراث التي كانت تكتنف الرجل القصير قد أرعبته. عندما كان ~~أوسيبون الضخم يتحدث مع هذا الرفيق - وهو الأمر الذي لم يحدث إلا نادرا - كان يعاني من ~~شعور بالضآلة المعنوية وحتى المادية. ومع ذلك، تجرأ وطرح سؤالا آخر: «هل أتيت إلى هنا ~~سيرا؟» # أجاب الرجل القصير بكل بساطة: «كلا، بل أتيت في الحافلة العامة.» كان يسكن بعيدا في منزل ~~صغير بمنطقة إزلنجتون، في شارع رديء، مليء بالقش والأوراق المتسخة، وكان يركض فيه مجموعة ~~من الأطفال في غير ساعات المدرسة ويتشاجرون بأصوات ولغط صاخب. استأجر غرفته الخلفية ~~المفردة، التي كانت تمتاز بوجود خزانة كبيرة للغاية، مؤثثة من خياطتين عانستين مسنتين ~~متواضعتين أغلب زبائنهما من الخادمات. كان يضع قفلا ثقيلا على الخزانة، ولكن بخلاف ذلك ~~كان نزيلا مثاليا ولا يتسبب في أي مشاكل، ms050 ولا يتطلب أي عناية تقريبا . من تصرفاته ~~الغريبة أنه كان يصر على الوجود وقت كنس غرفته، ويوصد بابه عندما يخرج، ويأخذ المفتاح ~~معه. # تخيل أوسيبون تلك النظارة ذات الإطار الأسود والعدسات المستديرة تتقدم في الشوارع في ~~مقدمة حافلة نقل جماعي، وبريق الثقة بالنفس يسقط هنا وهناك على جدران المنازل أو فوق رءوس ~~المارة غير الواعين على الأرصفة. لما شرد أوسيبون بعقله، غير شبح الابتسامة الممتعضة ~~التعبير الذي ارتسم على شفتيه السميكتين عندما جالت بخاطره فكرة الجدران وهي تتهاوى والناس ~~يفرون هربا بحياتهم من مرأى تلك النظارة. لو كانوا يعلمون! يا له من هلع! تمتم متسائلا: ~~«هل أنت جالس هنا منذ مدة طويلة؟» # أجاب الآخر من دون اهتمام: «منذ ساعة أو أكثر»، وارتشف رشفة من البيرة الداكنة. كل حركاته ~~- الطريقة التي أمسك بها الكوب وطريقة ارتشاف البيرة وطريقة وضع الكوب الزجاجي الثقيل على ~~الطاولة وطي ذراعيه - كانت تنطوي على انضباط حازم ومؤكد، جعل أوسيبون الضخم مفتول العضلات ~~ينحني إلى الأمام وهو يحدق بعينيه ويمد شفتيه إلى الخارج، وينظر إليه في تردد ~~شغوف. # قال: «ساعة. إذن، ربما لم تسمع الأخبار التي وصلت إلى مسامعي للتو ... في الشارع. هل ~~سمعتها؟» # هز الرجل القصير رأسه نفيا. ولكن لما لم يبد أي إشارة تدل على الفضول، بادر أوسيبون ~~وأردف أنه سمع هذه الأخبار قبل أن يدخل المكان مباشرة. صاح فتى يبيع الجرائد بالأمر أمام ~~عينيه، ولما لم يكن مستعدا لأي شيء من ذلك القبيل، شعر بالدهشة والانزعاج الشديد. ثم ~~دخل إلى هنا وهو لا يكاد يستطيع الكلام. أضاف، هو يتمتم بثبات، واضعا مرفقيه على الطاولة: ~~«لم أعتقد قط أنني سأجدك هنا.» # قال الآخر، محافظا على هدوء مستفز: «آتي إلى هنا في بعض الأحيان.» # أردف أوسيبون الضخم: «من المدهش أنك من بين الناس كلهم لم تسمع شيئا عن الأمر.» كان يرمش ~~بجفنيه بعصبية وهو ينظر إلى العينين اللامعتين. كرر مترددا: «أنت من بين الناس كلهم.» ~~كان هذا التحفظ الواضح ينم عن جبن هائل ولا يمكن تفسيره ms051 من ذلك الشخص الضخم أمام الرجل ~~الضئيل الهادئ، الذي رفع الكوب الزجاجي مرة أخرى، وشرب منه، ووضعه بحركات جافة وواثقة. ~~وكان هذا كل شيء. # بعدما انتظر أوسيبون شيئا ما - كلمة أو إشارة - لم يأت، بذل جهدا ليتصنع عدم المبالاة ~~نوعا ما. # قال مخفضا صوته أكثر: «هل تعطي أغراضك لأي شخص يطلبها منك؟» # أجاب الرجل الضئيل بحسم: «القاعدة الأساسية لدي هي ألا أرد طلب أي شخص؛ ما دام في ~~إمكاني.» # علق أوسيبون: «هل هذا مبدأ؟» ~~«إنه مبدأ.» ~~«وهل تظن أنه صحيح؟» # واجه الرجل أوسيبون بنظارته الكبيرة ذات العدستين الدائريتين، التي أضفت مظهرا يوحي ~~بالثقة في النفس على وجه مرتديها الشاحب، مثل محجري عينين يقظتين، تلمعان بنار ~~باردة. ~~«تماما. دائما. تحت أي ظرف. ما الذي يمكن أن يوقفني؟ ولماذا لا أفعل؟ لماذا أعيد ~~التفكير في الأمر؟» # شهق أوسيبون شهقة أخرجها، إن جاز التعبير، بتكتم. ~~«هل تعني أن تقول إنك ستعطي أغراضك لأي «شخص» من الشرطة السرية إن أتى وطلبها ~~منك؟» # ابتسم الآخر ابتسامة خفيفة. # قال: «دعه يأتي ويجرب وسترى. إنهم يعرفونني، ولكني أيضا أعرف كل واحد منهم. لن ~~يقتربوا مني، لن يفعلوا ذلك.» # أطبق شفتيه الرفيعتين الشاحبتين بقوة. بدأ أوسيبون يجادل. ~~«ولكن ربما يرسلون أحدا؛ يحتالون عليك بأن يزرعوا عميلا. ألا ترى ذلك؟ يأخذون منك ~~الأغراض بتلك الطريقة، ثم يلقون القبض عليك وفي أيديهم الدليل.» ~~«الدليل على ماذا؟ التعامل في المتفجرات من دون ترخيص ربما.» قصد من تلك العبارة ~~سخرية تهكمية، على الرغم من أن ملامح الوجه النحيل المريض لم تتغير، وانطوى الكلام على ~~عدم مبالاة. ثم أردف: «لا أظن أن أحدا منهم حريص على اعتقالي. ولا أظن أن أحدا منهم ~~سيتقدم بطلب للحصول على مذكرة اعتقال. أعني لا أحد من أفضلهم. لا أحد.» # سأل أوسيبون: «لماذا؟» ~~«لأنهم يعرفون جيدا أنني حريص على ألا أتخلى أبدا عن آخر حفنة من أغراضي. إنني أحملها ~~دوما معي.» تلمس سترته من عند منطقة الصدر برفق. وأردف: «في قنينة زجاجية سميكة.» # قال أوسيبون وفي صوته مسحة ms052 من تعجب: «ذلك ما قيل لي، ولكني لا أعرف إذا ...» # بحدة قاطعه الرجل الضئيل، مستندا على ظهر الكرسي المستقيم الذي كان يعلو رأسه الهش: ~~«هم يعرفون. لن يقبض علي أبدا. الفريسة ليست جيدة بما يكفي لأي شرطي منهم جميعا. ~~التعامل مع رجل مثلي يتطلب جسارة خالصة ومجردة ولا تنتظر منها مجدا.» مجددا أطبق ~~شفتيه بثقة في النفس. كظم أوسيبون حركة تنم عن نفاد صبره. # رد بسرعة: «أو تهور ... أو ببساطة جهل. كل ما عليهم فعله لإنجاز تلك المهمة هو العثور على ~~شخص لا يعرف أنك تحمل متفجرات في جيبك تكفي لأن تنسفك وتنسف أي شيء من حولك على مسافة ~~ستين ياردة وتحولك إلى أشلاء.» # أجاب الآخر: «لم أؤكد مطلقا أنه لا يمكن القضاء علي. ولكن ذلك لن يكون اعتقالا. ~~علاوة على ذلك، الأمر ليس سهلا كما يبدو.» # اعترض أوسيبون: «هراء! لا تبالغ في الثقة في ذلك. ما الذي يمنعهم من أن يرسلوا خمسة ~~أفراد منهم ينقضون عليك من الخلف في الشارع؟ عندما يثبتون ذراعيك على جانبيك فلن تستطيع ~~فعل شيء، هل تستطيع؟» # قال الرجل الضئيل بلا انفعال: «نعم؛ أستطيع. نادرا ما أخرج إلى الشارع بعد حلول الظلام، ~~ولا أبقى لساعة متأخرة أبدا. ودائما أمشي ويدي اليمنى تحيط بالكرة المصنوعة من المطاط ~~الهندي التي أحملها في جيب سروالي. الضغط على هذه الكرة يشغل مفجرا داخل القنينة التي ~~أحملها في جيبي. إنه مبدأ المصراع الهوائي الفوري لعدسة الكاميرا. الأنبوب يؤدي إلى ~~...» # بحركة سريعة، سمح لأوسيبون بإلقاء نظرة خاطفة على أنبوب مصنوع من المطاط الهندي، ويشبه ~~دودة صغيرة بنية، ويمر من فتحة كم صدريته ويصل إلى الجيب الداخلي للسترة في منطقة الصدر. ~~كانت ملابسه، المصنوعة من نسيج بني لا يمكن وصفه، رثة وملطخة بالبقع، ويملأ الغبار ~~طياتها وثقوب أزرارها مهترئة. شرح، بتعال عفوي: «المفجر جزء منه ميكانيكي، وجزء منه ~~كيميائي.» # تمتم أوسيبون، بارتعاشة خفيفة: «إنها تنفجر فورا بالطبع، أليس كذلك؟» # اعترف الآخر، بامتعاض بدا أنه تسبب في انحراف فمه بحزن: «على العكس. يجب ms053 أن تمر عشرون ~~ثانية كاملة من اللحظة التي أضغط فيها على الكرة حتى يحدث الانفجار.» # صفر أوسيبون، مرتعبا تماما: «فيو! عشرون ثانية! يا له من رعب! تعني أن تقول إنه ~~يمكنك أن تواجه ذلك؟ سوف أجن ...» ~~«لا يهم إن فعلت. بالطبع، هذه نقطة الضعف في هذا النظام الخاص، وهو لاستخدامي الشخصي فقط. ~~الأسوأ أن كيفية الانفجار هي دوما نقطة الضعف لدينا. إنني أحاول اختراع مفجر يعدل نفسه ~~حسب جميع ظروف العمل، وحتى حسب التغيرات غير المتوقعة في تلك الظروف. آلية متغيرة ~~ولكنها دقيقة في الوقت نفسه. مفجر ذكي حقا.» # تمتم أوسيبون مرة أخرى: «عشرون ثانية. يا إلهي! ثم ...» # لما استدار برأسه قليلا، بدا وكأنه يقيس، من خلف نظارته، مساحة صالون البيرة في الطابق ~~السفلي لمطعم سيلينوس الشهير. # تلفظ بنتيجة ذلك المسح: «لا أحد في هذه القاعة يمكن أن يأمل في الهرب. ولا حتى هذان ~~الاثنان اللذان يصعدان الدرج الآن.» # تغيرت موسيقى البيانو القابع أسفل الدرج وجلجل بمعزوفة رقصة المازوكا بضجيج صارخ، كما ~~لو أن شبحا سوقيا وماجنا كان يتباهى بعزفه. كانت مفاتيح البيانو تنخفض وترتفع بغموض. ~~ثم ساد سكون تام. للحظة تخيل أوسيبون أن المكان المضاء تحول إلى ثقب أسود مخيف يقذف ~~بأبخرة مروعة تختنق بنفاية شنيعة من طوب محطم وجثث مشوهة. كان لديه تصور واضح في مخيلته عن ~~الخراب والموت لدرجة أنه ارتجف مرة أخرى. راقب الآخر بشيء من السكون والرضا: ~~«في النهاية، شخصية الفرد وحدها هي التي تكفل سلامته. يوجد عدد قليل جدا من الناس في ~~العالم ممن لديهم شخصية مستقرة مثل شخصيتي.» # تمتم أوسيبون: «أتساءل كيف اكتسبت تلك الشخصية.» # قال الآخر من دون أن يرفع صوته: «قوة الشخصية»؛ وإذ صدر هذا الزعم من فم ذلك الكائن الذي ~~لا يخفى بؤسه، عض أوسيبون الضخم شفته السفلى. كرر، بهدوء متفاخر: «قوة الشخصية. أمتلك ~~الوسيلة التي تجعلني فتاكا، ولكن ذلك في حد ذاته، كما تفهم، لا قيمة له على الإطلاق فيما ~~يتعلق بطريقة الحماية. الأمر الفعال هو الاعتقاد الذي لدى ms054 أولئك الناس بأنني أمتلك إرادة ~~استخدام هذه الوسيلة. ذلك هو انطباعهم. إنه قطعي. ولذلك أنا فتاك.» # تمتم أوسيبون بتشاؤم: «يوجد أفراد يمتلكون شخصية قوية من بين تلك المجموعة ~~أيضا.» ~~«ربما. ولكن من الواضح أن المسألة هي مدى قوة هذه الشخصية، لأنني، على سبيل المثال، لست ~~منبهرا بهم. ولذلك هم تابعون. ولا يمكنهم أن يكونوا غير ذلك. شخصيتهم مبنية على ~~الأخلاقيات التقليدية. إنها تركن إلى النظام الاجتماعي. أما شخصيتي فمتحررة من أي شيء ~~مصطنع. إنهم مقيدون بجميع أنواع الأعراف. إنهم يركنون إلى الحياة، وهي، في هذا الصدد، ~~عبارة عن حقيقة تاريخية محاطة بجميع أنواع القيود والاعتبارات؛ حقيقة منظمة ومعقدة ومعرضة ~~للهجوم من كل نقطة فيها؛ في حين أعتمد أنا على الموت، الذي لا يعرف قيودا ولا يمكن ~~مهاجمته. إن تفوقي جلي.» # قال أوسيبون، وهو يراقب لمعان النظارة ذات العدستين المستديرتين: «هذه طريقة متعالية ~~في توضيح المسألة. لقد سمعت كارل يوندت يقول الشيء نفسه تقريبا منذ وقت ليس ~~ببعيد.» # همهم الآخر بازدراء: «لقد كان كارل يوندت - مفوض «اللجنة الحمراء الدولية» - ظلا ~~تابعا طوال حياته. يوجد ثلاثة مفوضين من بينكم، أليس كذلك؟ لن أذكر الاثنين الآخرين، ~~لأنك واحد منهما. ولكن ما تقوله لا يعني شيئا. أنتم المفوضون المؤهلون للدعاية ~~الثورية، ولكن المشكلة لا تكمن فقط في عدم قدرتكم على التفكير باستقلالية مثل أي بقال أو ~~صحفي محترم فحسب، وإنما أنتم لا تمتلكون أي شخصية على الإطلاق.» # لم يستطع أوسيبون كبح جماح غضبه. # صاح بصوت مكتوم: «ولكن ماذا تريد منا؟ ما الذي تسعى إليه أنت نفسك؟» # أجاب على الفور: «مفجر مثالي. لماذا ظهر على وجهك هذا التعبير؟ كما ترى، لا يمكنك حتى ~~أن تتحمل ذكر شيء حاسم.» # انزعج أوسيبون وتمتم بأسلوب فظ: «لم يظهر على وجهي أي تعبير.» # أردف الآخر بروية نابعة من ثقته بنفسه: «أنتم الثوريون عبيد للأعراف الاجتماعية، التي ~~تخشاكم؛ عبيد لها شأنكم شأن الشرطة التي تقف مدافعة عن تلك الأعراف. من الواضح أنكم كذلك، ~~لأنكم تريدون الثورة عليها. إنها تحكم أفكاركم، ms055 بالطبع، وأفعالكم أيضا، ولذا لا يمكن أن ~~تكون أفكاركم ولا حتى أفعالكم حاسمة.» توقف عن الحديث، هادئ البال، وبدا وكأنه سيصمت ~~تماما، ثم تابع حديثه على الفور. وقال: «أنتم لستم أفضل، ولو قليلا، من القوى المحتشدة ~~ضدكم؛ لستم أفضل من الشرطة على سبيل المثال. منذ بضعة أيام قابلت بالصدفة كبير المفتشين ~~هيت عند ناصية طريق توتنهام كورت. أخذ ينظر نحوي بثبات شديد. ولكني لم أنظر إليه. لماذا ~~أوليه أكثر من نظرة؟ كان ذهنه منشغلا بالعديد من الأمور - بمديريه، وبسمعته، وبالمحاكم، ~~وبراتبه، وبالصحف - بمئات الأمور. ولكن لم أكن منشغلا إلا بالمفجر المثالي الذي أسعى إليه. ~~لم أكترث به. رأيته تافها مثل ... لا يمكنني أن أستحضر إلى ذهني أي شيء تافه بما يكفي لأن ~~أقارنه به ... ربما باستثناء كارل يوندت. إنهما صنوان. الإرهابي والشرطي كليهما يأتيان من ~~المعين نفسه. الثورة، الشرعية، حركات متضادة في اللعبة نفسها؛ أشكال من الخمول متماثلة في ~~جوهرها. إنه يمارس لعبته الصغيرة؛ وكذلك تفعلون أنتم أيها القائمون على الدعاية الثورية. ~~لكنني لا ألعب؛ إنني أعمل أربع عشرة ساعة في اليوم، وأجوع في بعض الأحيان. وبين الفينة ~~والأخرى، تكلفني تجاربي بعض المال، ومن ثم أضطر إلى أن أبقى دون طعام لمدة يوم أو ~~يومين. أنت تنظر إلى البيرة التي أحتسيها. نعم. تناولت كوبين، وسأشرب آخر بعد قليل. هذه ~~عطلة قصيرة، وأنا أحتفل بها وحدي. ولم لا؟ أمتلك الجرأة على أن أعمل وحدي، وحدي تماما، ~~من دون مساعدة من أحد البتة. أعمل وحدي منذ سنوات.» # استحال وجه أوسيبون إلى اللون الأحمر الداكن. # قال ساخرا بصوت منخفض للغاية: «على المفجر المثالي، أليس كذلك؟» # رد الآخر بسرعة: «نعم. إنه تعريف جيد. لن تجد أي شيء بهذا القدر من الدقة لتعريف طبيعة ~~نشاطكم بكل لجانكم ومفوضيكم. أنا هو المروج الحقيقي.» # بمسحة من الترفع على الاعتبارات الشخصية، قال أوسيبون: «لن نناقش تلك النقطة. ومع ذلك، ~~أخشى أن أضطر إلى تعكير صفو عطلتك. لقد فجر رجل نفسه في جرينتش بارك هذا ~~الصباح.» ~~«كيف علمت؟» ~~«إنهم ms056 يصيحون بالخبر في الشوارع منذ الساعة الثانية. اشتريت الصحيفة وأسرعت إلى هنا. ثم ~~رأيتك تجلس على هذه الطاولة. الصحيفة في جيبي الآن.» # أخرج الصحيفة من جيبه. كانت ورقة وردية بحجم كبير نوعا ما، وكأنها توردت بدفء ما كانت ~~تحويه من القناعات، التي كانت متفائلة. أخذ يتصفحها سريعا. ~~«آه! ها هو الخبر. قنبلة في جرينتش بارك. لا يوجد الكثير حتى الآن. الساعة الحادية عشرة ~~والنصف. صباح ضبابي. شعر الناس بآثار التفجير حتى رومني رود وبارك بليس. حفرة هائلة في ~~الأرض تحت شجرة امتلأت بالجذور المهشمة والأغصان المكسورة. في كل مكان حولها أجزاء من جثة ~~رجل انفجرت إلى أشلاء. هذا كل شيء. الباقي مجرد هراء من الصحيفة. يقولون إنه لا شك في أنها ~~محاولة شريرة لتفجير المرصد. هممم. ذلك غير قابل للتصديق.» # نظر إلى الصحيفة لمدة أطول صامتا، ثم مررها إلى الآخر، الذي، بعد التحديق في المطبوعة ~~بشرود ذهن، وضعها جانبا من دون تعليق. # كان أوسيبون هو من تحدث أولا، وكان لا يزال مستاء. ~~«أشلاء رجل «واحد» فقط، كما تلاحظ. بناء على ذلك: «هو» من فجر نفسه. ذلك يفسد يوم ~~عطلتك، أليس كذلك؟ هل كنت تتوقع تحركا كهذا؟ لم تكن لدي أدنى فكرة، ولا حتى طيف فكرة ~~عن أي شيء من هذا النوع يجري التخطيط لفعله هنا، في هذا البلد. وفي ظل الظروف الحالية، لا ~~يمكن أن يوصف إلا بأنه مجرم.» # رفع الرجل الضئيل حاجبيه الأسودين بازدراء فاتر. ~~«مجرم! ما الذي يعنيه ذلك؟ ما «معنى» كلمة جريمة؟ ما الذي يمكن أن يعنيه هذا ~~التوكيد؟» # قال أوسيبون بنفاد صبر: «كيف يمكنني أن أعبر عن نفسي؟ لا بد للمرء من استخدام الكلمات ~~الدارجة. معنى هذا التوكيد أن هذا العمل من شأنه أن يؤثر على وضعنا سلبا في هذا البلد. ~~أليست تلك جريمة كافية من وجهة نظرك؟ أنا متأكد من أنك قد تخليت عن بعض من أغراضك ~~مؤخرا.» # حملق فيه أوسيبون بشدة. أما الآخر، فمن دون أن يجفل، أخفض رأسه ورفعها ببطء. # انفجر محرر منشورات ms057 حركة «مستقبل طبقة العمال» بنبرة هامسة شديدة اللهجة: «لقد فعلت! ~~كلا! وهل حقا تمنحها دون قيد هكذا لمن يطلبها، لأول أحمق يأتي إليك؟» ~~«بالضبط! لم يبن النظام الاجتماعي المدان بالحبر والورق، ولا أتصور أن كومة من الحبر ~~والورق ستضع حدا يوما ما لهذا الأمر، بصرف النظر عما قد تحسب. أجل، أسلم هذه الأغراض ~~طوعا لكل رجل أو امرأة أو أحمق يود أن يأتي إلي. أعرف ما تفكر فيه. ولكني لا أتلقى ~~توجيها من «اللجنة الحمراء». ربما أراكم جميعا مطاردين من هنا، أو معتقلين، أو ضربت ~~أعناقكم من أجل ذلك الأمر، من دون أن تهتز لي شعرة. ما يحدث لنا نحن الأفراد ليس له أدنى ~~أهمية.» # كان يتحدث من دون اكتراث، ومن دون انفعال، وربما من دون مشاعر، وحاول أوسيبون - الذي ~~تأثر كثيرا من طرف خفي - أن يحاكي هذا التجرد من المشاعر. ~~«لو أن رجال الشرطة هنا كانوا يعرفون عملهم، لأطلقوا عليك الرصاص وملئوا جسدك ثقوبا ~~بمسدساتهم، أو لحاولوا أن يضربوك من الخلف ويفقدوك وعيك في وضح النهار.» # بدا أن الرجل الضئيل كان قد فكر بالفعل في وجهة النظر تلك بطريقته الرزينة ~~الواثقة. # بأقصى درجات الاستعداد، وافقه قائلا: «نعم. ولكن من أجل أن يفعلوا ذلك سيكون عليهم ~~مواجهة مؤسساتهم. أترى؟ ذلك يتطلب جرأة غير عادية. جرأة من نوع خاص.» # طرفت عينا أوسيبون. ~~«أتصور أن ذلك ما من شأنه أن يحدث بالضبط لك لو كنت أنشأت مختبرك في الولايات المتحدة. ~~إنهم لا يصرون على اتباع الإجراءات الرسمية مع مؤسساتهم هناك.» # أقر الآخر قائلا: «ليس من المحتمل أن أذهب إلى هناك وأرى. ومع ذلك فإن ملاحظتك منصفة. ~~إنهم يتمتعون بشخصية أقوى هناك، وشخصيتهم في المقام الأول لا سلطوية. إن الولايات المتحدة ~~أرض خصبة لنا، أرض جيدة جدا. تمتلك تلك الجمهورية العظيمة جذور الدمار في داخلها. المزاج ~~العام هو مخالفة القانون. ممتاز. قد يقتلوننا رميا بالرصاص، ولكن ...» # تذمر أوسيبون بقلق واضح: «إنك متعال علي للغاية.» # قال الآخر معترضا: «منطقي. المنطق له عدة أنواع. ويندرج ms058 هذا ضمن النوع التنويري. لا ~~بأس بأمريكا. تتمثل الخطورة في هذا البلد، بمفهومه المثالي عن الشرعية. الروح الاجتماعية ~~لهذا الشعب تكتنفها أحكام مسبقة صارمة، وذلك يضرب عملنا في مقتل. تتحدث عن إنجلترا ~~باعتبارها ملاذنا الوحيد! وهذا أمر بالغ السوء. كابوا! ما حاجتنا إلى ملاذات؟ هنا، أنت ~~تتحدث وتطبع وتحيك المؤامرات ولا تفعل شيئا. أعتقد أن هذا ملائم لشخص مثل كارل ~~يوندت.» # هز كتفيه قليلا، ثم أردف بنفس القناعة والتروي: «يجب أن يكون هدفنا تفكيك الخرافات ~~وعبادة الشرعية. لا شيء سيسرني أكثر من رؤية المفتش هيت ومن هم على شاكلته وهم يردوننا ~~قتلى في وضح النهار بمباركة العامة. عندئذ، نكون قد ربحنا نصف المعركة؛ وربما يحدث تفكك ~~الأخلاقيات القديمة في معبدها نفسه. ذلك ما يجب أن تستهدفوه. ولكنكم أنتم أيها الثوريون لن ~~تفهموا ذلك أبدا. إنكم تخططون للمستقبل، وتضيعون أنفسكم في أحلام الأنظمة الاقتصادية ~~المستمدة مما هو قائم؛ في حين أن المطلوب هو النسف التام وإرساء مفهوم جديد للحياة على أسس ~~جديدة. سيعتني هذا المستقبل بنفسه لو أنكم فقط أفسحتم له المجال. لذلك لو كان لدي ما يكفي ~~من المتفجرات، لزرعتها في أكوام على نواصي الشوارع؛ وبما أنني لا أمتلك ما يكفي، فإنني أبذل ~~ما بوسعي بإتقان صنع مفجر يمكن الاعتماد عليه حقا.» # تمسك أوسيبون، الذي كان قد غرق في أفكاره، بالكلمة الأخيرة وكأنها طوق نجاة. ~~«نعم. المفجرات التي تصنعها. لن أستغرب أن تكون واحدة من المفجرات التي تصنعها هي التي ~~نسفت الرجل في الحديقة.» # اكفهر غضبا وجه الرجل النحيل الحازم الجالس في مواجهة أوسيبون. ~~«تكمن الصعوبة التي أواجهها على وجه التحديد في إجراء التجارب العملية لمختلف الأنواع. ~~لا بد من تجربتها في نهاية المطاف. علاوة على ذلك ...» # قاطعه أوسيبون. ~~«من هذا الشخص يا ترى؟ أؤكد لك أننا في لندن لم نكن نعرف أي شيء، ألا يمكنك أن تصف ~~الشخص الذي أعطيته المتفجرات؟» # استدار الآخر بنظارته إلى أوسيبون وكأنها زوج من الكشافات. # كرر ببطء: «أصفه. لا أظن أنه سيكون ثمة أي ms059 اعتراض الآن. سأصفه لك في كلمة واحدة؛ ~~فيرلوك.» # انتاب الفضول أوسيبون فقام عن كرسيه بضع بوصات، ثم خر جالسا، وكأن أحدا ضربه على ~~وجهه. ~~«فيرلوك! مستحيل.» # أومأ الرجل الضئيل رابط الجأش برأسه مرة واحدة. ~~«نعم. إنه هو. لا يمكنك أن تقول في هذه الحالة إنني كنت أعطي متفجراتي لأول أحمق يأتي ~~إلي. لقد كان عضوا بارزا في جماعتك حسب فهمي.» # قال أوسيبون: «أجل. عضو بارز. كلا، ليس بالضبط. كان مركز الاستخبارات العامة، وعادة ما ~~كان يستقبل الرفاق الذين يأتون إلى هنا. إنه مفيد أكثر من كونه مهم. رجل بلا أفكار. منذ ~~عدة سنوات كان يتحدث في الاجتماعات؛ في فرنسا، حسبما أظن. ولكنه لم يكن جيدا جدا. وثق ~~فيه رجال مثل لاتور وموسير وكل تلك المجموعة القديمة. الموهبة الوحيدة التي أظهرها حقا ~~كانت قدرته على التملص من انتباه الشرطة بطريقة ما. هنا، على سبيل المثال، لم يبد أن أحدا ~~كان يراقبه كظله. كان متزوجا زواجا قانونيا، كما تعلم. أظن أنه أنشأ ذلك المتجر من ~~مالها. وعلى ما يبدو أنه كان مربحا أيضا.» # توقف أوسيبون فجأة وتمتم في نفسه: «يا ترى ما الذي ستفعله هذه المرأة الآن؟» وغرق في ~~أفكاره. # انتظر الآخر وهو يتظاهر بعدم الاكتراث. لم يكن أحد يعرف من أبويه، وكان يعرف عموما ~~بلقبه وهو «البروفيسور». اكتسب هذا اللقب لأنه كان في السابق يعمل معيدا مساعدا في ~~الكيمياء في أحد المعاهد الفنية. ثم تشاجر مع السلطات على خلفية تلقيه معاملة غير عادلة. ~~بعد ذلك شغل وظيفة في معمل يتبع مصنع أصباغ. وفي تلك الوظيفة أيضا، عومل بظلم شديد. كفاحه ~~وعوزه واجتهاده في العمل من أجل أن يرتقي بنفسه في السلم الاجتماعي، كل ذلك ملأه بقناعة ~~راسخة في قدراته، التي صعبت على من حوله أن يعاملوه معاملة عادلة؛ يعتمد معيار هذه ~~الفكرة اعتمادا كبيرا على صبر الفرد. كان البروفيسور عبقريا، ولكنه كان يفتقر إلى ~~الفضيلة الاجتماعية الكبرى وهي الخضوع. # أفاق أوسيبون فجأة من تأمله العميق حول فقد السيدة فيرلوك لزوجها وعملها، ms060 وجاهر بقوله: ~~«إنه تافه فكريا . صاحب شخصية عادية تماما.» ثم أردف بنبرة توبيخ: «أنت مخطئ في عدم ~~الاستمرار في التواصل مع الرفاق أيها البروفيسور. هل قال لك أي شيء، أو أعطاك أي فكرة عن ~~نواياه؟ فأنا لم أره منذ شهر. يبدو أنه من المستحيل أن يكون قد هلك.» # قال البروفيسور: «أخبرني أنه ستقام مظاهرة أمام مبنى. كان علي أن أعرف ذلك القدر ~~لتحضير القنبلة. أوضحت له أنني لا أكاد أمتلك كمية كافية من أجل الحصول على تفجير مدمر ~~كليا، ولكنه ضغط علي بشدة كي أبذل قصارى جهدي. وإذ أراد شيئا يمكن أن يحمله علانية ~~في يده، اقترحت عليه أن نستخدم عبوة ورنيش قديمة بسعة جالون واحد تصادف أنها كانت معي. سر ~~بالفكرة. واجهت بعض الصعوبات، لأنني اضطررت إلى قطع القاع أولا ولحمه مرة أخرى بعد ~~ذلك. عندما كانت العبوة معدة للاستعمال، احتوت العبوة على وعاء من الزجاج السميك له ~~فوهة واسعة ومحكم الغلق بالفلين وملئ ما حولها ببعض الطين الرطب واحتوت على ست عشرة ~~أوقية من مسحوق «إكس تو» الأخضر. وصل المفجر بالقمة الملولبة للعبوة. كان ابتكارا ~~عبقريا، يجمع بين ضبط الوقت وإحداث صدمة. شرحت له عمل النظام. احتوت العبوة على أنبوب ~~رفيع من القصدير يلتف حول ...» # كان انتباه أوسيبون قد تشتت. # قاطعه: «ما الذي تظن أنه قد حدث؟» ~~«لا يمكنني أن أخمن. ربما أحكم ربط الجزء العلوي، وهو ما من شأنه أن يحدث التوصيل، ~~ثم نسي الوقت. كان الوقت مضبوطا على عشرين دقيقة. وعلى الجانب الآخر، بانتهاء عداد الوقت، ~~تؤدي صدمة حادة إلى حدوث الانفجار على الفور. إما أنه ضبط الوقت على توقيت أقل مما ينبغي أو ~~ببساطة ترك القنبلة تسقط. لقد حدث التوصيل كما يجب، ذلك واضح لي على أي حال. لقد عمل ~~النظام كما ينبغي تماما. ومع ذلك قد تظن أنه من الأرجح أن أحمق عاديا في عجلة من أمره ~~قد ينسى تماما أن يجري التوصيل. غالبا ما كنت أنشغل بهذا النوع من الفشل. ولكن هناك ~~أنواع ms061 حمقى أكبر مما يمكن للمرء أن يحترز منهم. لا يمكنك أن تتوقع أن يكون المفجر ~~محصنا من الحمقى.» # أشار إلى النادل. كان أوسيبون يجلس جامدا، تعلو وجهه نظرة شاردة توحي بعناء ذهني. بعد ~~أن ذهب الرجل بالنقود نهض وعليه أمارات استياء شديد. # قال متأملا: «هذا لا يسرني البتة. لقد كان كارل طريح الفراش بسبب الالتهاب الشعبي ~~طيلة أسبوع. بل إنه ثمة احتمال ألا يشفى من مرضه أبدا. ميكايليس يعيش مترفا في مكان ما ~~في البلد. عرض عليه ناشر عصري خمسمائة جنيه مقابل كتاب. سوف يفشل الكتاب فشلا ذريعا. ~~لقد فقد عادة التفكير المتسلسل في السجن كما تعلم.» # وقف البروفيسور على قدميه، وزرر معطفه، ناظرا فيما حوله بلا مبالاة تامة. # سأل أوسيبون بضجر: «ماذا ستفعل؟» كان يخشى من لوم اللجنة الحمراء المركزية، وهي هيئة لم ~~يكن لها مقر دائم، ولم يكن محيطا بجميع المعلومات المتعلقة بعضويتها. إذا تسببت هذه ~~الحادثة في وقف الإعانة المتواضعة المخصصة لنشر كتيبات حركة مستقبل طبقة العمال، عندئذ ~~سيندم أشد الندم على حماقة فيرلوك التي لا يمكن تفسيرها. # قال بنبرة خشنة نوعا ما: «التضامن مع أقصى الأفعال تطرفا شيء، والتهور السخيف شيء ~~آخر. لا أعرف ما الذي حدث لفيرلوك. ينطوي الأمر على لغز. ولكنه رحل. يمكنك تفسير المسألة ~~كما يحلو لك، ولكن في ظل الظروف الحالية، فإن السياسة الوحيدة للجماعة الثورية المسلحة هي ~~إنكار أي صلة بهذا الأرعن. ولكن ما يؤرقني هو كيفية جعل الإنكار مقنعا بما ~~يكفي.» # انتصب الرجل الضئيل واقفا على قدميه، ومعطفه مزرر ومستعد للذهاب، ولم يكن أطول من ~~أوسيبون الجالس. ضبط نظارته بمستوى وجه الأخير مباشرة. ~~«يمكنكم أن تطلبوا من الشرطة شهادة حسن سير وسلوك. إنهم على علم بالمكان الذي أمضى فيه ~~كل واحد منكم ليلة أمس. وربما لو طلبتم منهم، فسيوافقون على نشر بيان رسمي.» # همهم أوسيبون بمرارة: «لا شك في أنهم على دراية بأنه لا يد لنا في ذلك. ما سيقولونه شيء ~~آخر.» ظل مستغرقا في التفكير، متجاهلا الشخص القصير، الجاد ms062 الذكي ذي النظارة، رث الثياب ~~الواقف بجانبه. «يجب أن أعثر على ميكايليس في الحال وأجعله يتحدث من أعماق قلبه في أحد ~~اجتماعاتنا. فالعامة يكنون نوعا من التقدير الوجداني لذلك الرجل. اسمه معروف. وأنا على ~~اتصال ببعض الصحفيين في الصحف اليومية الكبرى. ما سيقوله سيكون كلاما فارغا تماما، ولكن ~~له طريقة مميزة في الحديث، تجعله مقبولا للغاية.» # قاطعه البروفيسور، بصوت منخفض نوعا ما، وتعبير عدم المبالاة لا يزال على وجهه: «مثل ~~العسل.» # واصل أوسيبون المتحير في التحدث مع نفسه بصوت مسموع نوعا ما، على طريقة رجل يتأمل في ~~عزلة تامة. ~~«أحمق ملعون! ترك عملا أحمق بين يدي. ولا أعرف حتى إن كان ...» # جلس وهو يضغط على شفتيه في توتر. لم تكن فكرة الذهاب إلى المتجر مباشرة والحصول على ~~الأخبار بالفكرة الجذابة. تصور أن متجر فيرلوك ربما يكون قد تحول بالفعل إلى فخ من صنع ~~الشرطة. سيكونون ملزمين بالقيام ببعض الاعتقالات، فكر في ذلك بطريقة تنطوي على سخط يتسم ~~بالاستقامة؛ لأن مسار حياته الثورية كان مهددا بخطأ لم يرتكبه. ومع ذلك، إذا لم يذهب إلى ~~هناك، فإنه يخاطر بالبقاء على جهل بما قد يكون من المهم جدا له أن يعرفه. ثم فكر في أنه ~~إذا كان الرجل في الحديقة قد انفجر إلى أشلاء كما قالت الصحف المسائية، فلن يكون ممكنا ~~التعرف على هويته. ولو كان الأمر كذلك، فلن يكون لدى الشرطة أي سبب خاص يدعوها لمراقبة متجر ~~فيرلوك عن كثب أكثر من أي مكان آخر معروف أنه يتردد عليه اللاسلطويون المرصودون؛ مثلما ~~لا يوجد سبب، في الواقع، لمراقبة أبواب سيلينوس. ستنشر الشرطة أعينها في كل مكان، بصرف ~~النظر عن المكان الذي يذهب إليه. ولكن ... # تمتم، وهو يتشاور مع نفسه: «يا ترى ما أفضل شيء أفعله الآن؟» # قال صوت أجش من عند مرفقه، بازدراء هادئ: ~~«وطد علاقتك مع المرأة فهي تستحق.» # بعد التفوه بتلك الكلمات، سار البروفيسور مبتعدا عن الطاولة. أجفل أوسيبون، الذي باغتته ~~تلك الفكرة، وظل ساكنا، تعلو وجهه نظرة توحي بانعدام ms063 الحيلة، وكأنه تسمر في الكرسي الذي ~~كان جالسا عليه. عزف البيانو الوحيد، من دون مقعد عازف يساعده، بعض الألحان الحماسية، ~~وبدأ بمختارات من ألحان وطنية، وفي النهاية عزف له لحن «بلو بيلز أوف سكوتلاند». أخذت ~~الألحان الموسيقية غير المترابطة تتلاشى من خلفه وهو يصعد الدرج ببطء، ويعبر القاعة، ويخرج ~~إلى الشارع. # أمام الباب الكبير، اصطف عدد من بائعي الجرائد بعيدا عن الرصيف يوزعون بضاعتهم من ~~صحف تافهة. كان يوما باردا وقاتما من أيام أوائل الربيع؛ وتوافقت السماء الملبدة ~~بالغيوم والشوارع المبتلة بالطين والرجال ذوو الأسمال البالية تمام الاتفاق مع اندفاع ~~أوراق الصحف الرطبة المليئة بهراء ملطخ بأحبار الطباعة. كانت الملصقات، الملطخة ~~بالأوساخ، تزين حجارة الرصيف مثل بساط حائط. كان بيع صحف بعد الظهيرة منتعشا، ولكن ~~بالمقارنة بالحركة السريعة المتواصلة لسير المارة، كانت النتيجة هي عدم الإقبال عليها، وقلة ~~التوزيع. نظر أوسيبون بتعجل إلى كلا الاتجاهين قبل أن ينخرط مع تيارات المارة عبر الشارع، ~~ولكن البروفيسور كان قد اختفى بالفعل عن الأنظار. # | الفصل الخامس # كان البروفيسور قد انعطف في شارع يسارا، وسار فيه، ~~رافعا رأسه بصرامة، وسط حشد من الناس كان كل واحد منهم يفوق قامته القصيرة طولا. لم يكن ~~مجديا أن يتظاهر أمام نفسه بأنه لم يكن محبطا. ولكن ذلك كان مجرد شعور؛ إذ لم يكن من ~~الممكن أن تضطرب رزانة تفكيره من فشل كهذا أو من أي فشل آخر. في المرة القادمة، أو التي ~~تليها، ستوجه ضربة قوية، شيء مذهل حقا، ضربة مدوية لدرجة أن تحدث أول تصدع في الواجهة ~~المهيبة للصرح العظيم للمفاهيم القانونية التي تحمي الظلم السافر للمجتمع. وإذ كان ينحدر من ~~أصل متواضع، ويتسم بمظهر رذيل وقف عقبة أمام قدراته الطبيعية الكبيرة، اتقدت مخيلته ~~مبكرا بحكايات رجال ارتقوا من أعماق الفقر إلى مواقع السلطة والثراء. كانت نقاوة فكره ~~الشديدة والتي كادت تصل إلى درجة الزهد، ممتزجة بجهل مذهل بما يجري في العالم، قد وضعت ~~أمامه هدفا، هو الوصول إلى السلطة والمكانة، أراد تحقيقه من دون حيلة ms064 أو حظوة أو لباقة أو ~~ثروة؛ وإنما بجدارته وحدها. ومن ذلك المنظور، اعتبر نفسه مستحقا لنجاح مفروغ منه. كان ~~والده - الذي كان رجلا متحمسا رقيقا أسمر اللون ذا جبهة فيها ميل - مبشرا متجولا ~~ومؤثرا بإحدى الطوائف المسيحية الغامضة والمتزمتة؛ كان رجلا واثقا تمام الثقة في فضائل ~~صلاحه. ما إن حلت في الابن، الذي كان ذا نزعة فردية بطبعه، علوم الجامعات حلولا تاما محل ~~الإيمان الكنسي، ترجم هذا الموقف الأخلاقي من تلقاء نفسه إلى نزعة تعصب محموم تجاه ~~طموحه. ورعا هذه النزعة وكأنها شيء مقدس بطريقة علمانية. فتحت رؤيته محبطا عينيه على ~~طبيعة العالم الحقيقية، الذي كانت أخلاقياته مصطنعة وفاسدة وتقود إلى الكفر. إن طريق حتى ~~أكثر الثورات قابلية للتبرير تمهده الدوافع الشخصية المخفاة تحت غطاء العقائد. وجد سخط ~~البروفيسور في ذاته علة غائية أحلته من خطيئة الركون إلى التدمير واتخاذه عاملا للوصول ~~إلى طموحه. كان تدمير إيمان العامة بالشرعية هو التركيبة غير الكاملة لتعصبه المتحذلق؛ ~~ولكن الاقتناع اللاواعي بأن إطار نظام اجتماعي قائم لا يمكن تحطيمه فعليا إلا ببعض أشكال ~~العنف الجماعي أو الفردي كان اقتناعا دقيقا وصحيحا. استقر في عقله أنه شخص لديه القدرة ~~على تمييز الصواب من الخطأ وتحمل المسئولية عن أفعاله. بممارسة تلك القدرة بتحد مستميت، ~~تحصل لنفسه على مظاهر القوة والهيبة الشخصية. كان لا يمكن إنكار أن ذلك كان راجعا إلى ما ~~كان يشعر به من مرارة ونزعة إلى الانتقام. هدأ هذا من اضطرابها؛ وربما لا يسعى أكثر ~~الثوريين تحمسا، بطريقتهم الخاصة، إلا إلى تحقيق سلام مشترك مع باقي البشر، السلام الذي ~~يكتنفه سكون الغرور، أو إشباع النزعات الغريزية، أو ربما استرضاء الضمير. # ضائعا وسط الزحام، بائسا وضئيل الحجم، تأمل واثقا في قدرته، مبقيا يده في الجيب ~~الأيسر لسرواله، وقابضا برفق على الكرة المصنوعة من المطاط الهندي، الضمان الأمثل لحريته ~~المهددة لمن سواه؛ ولكن بعد فترة، انتابه شعور بالاستياء من مشهد الطريق الذي يعج ~~بالسيارات والرصيف المزدحم بالرجال والنساء. كان في شارع طويل مستقيم لا يشغله ms065 سوى قلة من ~~البشر؛ ولكن كلما نظر من حوله وجال ببصره إلى الأفق الذي تحجبه المباني العملاقة، أحس أن ~~قوة الكتلة البشرية تكمن في أعدادها. كانوا مثل الجراد في انتشارهم، ومثل النمل في كدهم، ~~ومثل قوى الطبيعة في طيشهم، يواصلون اندفاعهم دون ترو وبنظام وانهماك، لا يتأثرون بعاطفة، ~~ولا منطق، ولا حتى بإرهاب. # كان ذلك هو مظهر الشك الذي كان يخشاه أكثر من غيره. عدم التأثر بالخوف! في كثير من ~~الأحيان عندما كان يتجول خارجا، حينما يتصادف أيضا أن يخرج من قوقعته، كانت تنتابه تلك ~~اللحظات من انعدام الثقة المخيف والمعقول في البشر. ماذا لو لم يتمكن أي شيء من أن يؤثر ~~فيهم؟ تنتاب لحظات كتلك جميع الرجال الذين يطمحون إلى فهم مباشر للطبيعة البشرية؛ ~~للفنانين، أو السياسيين، أو المفكرين، أو المصلحين أو القديسين. إن هذه حالة عاطفية ~~دنيئة، تحصن منها العزلة شخصية سامية؛ وبابتهاج شديد، فكر البروفيسور في الملاذ ~~المتمثل في غرفته، وخزانتها المقفولة بقفل، الضائعة في قفر من المنازل الفقيرة، صومعة ~~اللاسلطوي المثالي. من أجل الوصول إلى أقرب مكان يمكنه أن يستقل منه حافلة المواصلات ~~العامة، انعطف بسرعة وخرج من الشارع المكتظ بالناس إلى زقاق ضيق ومظلم مرصوف بالحجارة. ~~على أحد الجانبين، كانت المنازل المنخفضة المبنية من الآجر بنوافذها المغبرة تحمل ~~المظهر الخفي والفاتر لاضمحلال لا يمكن إصلاحه، هياكل خاوية تنتظر هدمها. أما الجانب الآخر ~~فلما يكن خاويا تماما من مظاهر الحياة بعد. في مواجهة مصباح الغاز الوحيد، كانت توجد ~~فتحة مغارة تاجر أثاث مستعمل، وفي أعماق ظلمة درب ضيق ومتعرج وسط غابة عجيبة من ~~خزانات تتشابك فيها أرجل طاولات، كانت تتلألأ مرآة مستطيلة عمودية طويلة مثل بركة ماء في ~~غابة صغيرة. وفي العراء، كانت تقبع أريكة بائسة منبوذة، وبجوارها كرسيان من طرازين مختلفين. ~~أما الإنسان الوحيد الذي سلك الزقاق، بالإضافة إلى البروفيسور، والذي كان رجلا قوي ~~البنية يمشي منتصبا آتيا من الاتجاه المعاكس، فتوقف فجأة ولم يكمل خطواته ~~المتمايلة. # وقف قليلا على أحد الجانبين مترقبا وقال: «مرحبا!» ms066 # كان البروفيسور قد توقف بالفعل ، واستدار نصف استدارة جعلت كتفيه على مقربة شديدة من ~~الجدار الآخر. سقطت يده اليمنى برفق على ظهر الأريكة المنبوذة، وتعمد ترك اليسرى في جيب ~~سرواله، وأضفت العدسات المستديرة ذات الإطار السميك طابعا متجهما على وجهه ذي المزاج ~~المتقلب والبارد. # كان الأمر مثل لقاء في رواق جانبي لقصر ينبض بالحياة. كان الرجل قوي البنية يرتدي معطفا ~~داكن اللون مزررا، ويحمل مظلة. كشفت قبعته، المائلة إلى الوراء، جزءا كبيرا من جبهته، ~~التي بدت بيضاء جدا في العتمة. وفي البقعتين الداكنتين وسط المحجرين، التمعت عينان ~~ثاقبتان. شكل طرفا شارب طويل متدل، بلون الذرة الناضجة، إطارا للمساحة المربعة ~~لذقنه الحليق. # قال باقتضاب: «أنا لا أبحث عنك.» # لم يتحرك البروفيسور قيد أنملة. انخفضت الضوضاء المختلطة للمدينة الكبيرة فصارت همهمة ~~خفيضة غير مفهومة. غير كبير المفتشين هيت من إدارة الجرائم الخاصة من نبرته. # سأله ببساطة ساخرة: «ألست في عجلة للذهاب إلى منزلك؟» # بصمت ابتهج الوكيل الأخلاقي للتدمير القصير ذو المظهر البغيض لامتلاكه لمكانة شخصية، وظل ~~يراقب هذا الرجل المسلح بتفويض الدفاع عن مجتمع مهدد. كان أسعد حظا من كاليجولا، الذي ~~تمنى لو كان لمجلس الشيوخ الروماني زعيم واحد فقط من أجل إشباع شهوته الوحشية إشباعا ~~أفضل؛ فقد ارتأى في ذلك الرجل جميع القوى التي وضعها موضع التحدي؛ قوة القانون وقوة ~~الملكية وقوة القمع وقوة الظلم. رأى أمامه جميع أعدائه ودون خوف واجههم جميعا في إرضاء ~~فائق لغروره. وقفوا جميعا أمامه في حيرة من أمرهم وكأنهم أمام نذير شؤم مروع. سر في ~~نفسه بشماتة لأنه سنحت له فرصة هذا اللقاء الذي يثبت تفوقه على كل البشر. # كان في الحقيقة لقاء بالصدفة. كان هيت كبير المفتشين قد مر بيوم مزعج حافل بالعمل منذ ~~أن تلقت إدارته البرقية الأولى من جرينتش قبل الساعة الحادية عشرة صباحا بقليل. بادئ ذي ~~بدء، كانت حقيقة أن الاعتداء جرى بعد أقل من أسبوع من تأكيده لمسئول رفيع المستوى أنه لم ~~يكن ثمة اندلاع لنشاط لا سلطوي يخشى منه، ms067 مزعجة بما فيه الكفاية. كان مطمئنا ~~لإدلائه لهذا التصريح مثلما لم يكن في أي وقت مضى. كان قد أدلى بهذا التصريح برضا متناه ~~عن نفسه؛ لأنه كان من الواضح أن المسئول رفيع المستوى كان يرغب بشدة في سماع خبر كهذا. كان ~~قد أكد له أنه لا يمكن حتى التفكير في شيء من هذا القبيل من دون أن تكون الإدارة على علم ~~به في غضون أربع وعشرين ساعة؛ وكان قد تفوه بتلك الكلمات مدركا أنه الخبير الكبير في ~~إدارته. كان قد تمادى إلى حد أنه تفوه بكلمات ينأى الحكيم الحق عن التفوه بها. ولكن هيت ~~كبير المفتشين لم يكن حكيما جدا، على الأقل لم يكن كذلك في الحقيقة. إن الحكمة الحقة ~~- التي تدعو إلى عدم التيقن من أي شيء في هذا العالم المليء بالتناقضات - كانت ستمنعه ~~من الوصول إلى مكانته الحالية. كانت ستثير قلق رؤسائه، وتقضي على فرصه في الترقي. فقد ~~كانت ترقيته سريعة جدا. # كان قد صرح قائلا: «يا سيدي، إذا أردنا العثور على أي واحد منهم، لوجدناه في أي وقت من ~~الليل أو النهار. إننا نعرف ما يفعله كل واحد منهم ساعة بساعة.» وتلطف المسئول رفيع ~~المستوى بابتسامة. كان من الواضح للغاية أن هذا هو القول الصواب إذا كان صادرا من ضابط ~~بسمعة كبير المفتشين هيت التي كانت مرضية تماما. صدق المسئول الكبير التصريح، الذي ~~توافق مع فكرته عما تقتضيه صحة الأمور. كانت حكمته تنبع من منطلق خلفيته الرسمية، وإلا ~~لما فكر في مسألة ما من منطلق التنظير بل من منطلق الخبرة، بأنه في النسيج المتداخل ~~للعلاقات بين المتآمر والشرطة تظهر حلول غير متوقعة في الثغرات المستمرة والمفاجئة في ~~المكان والزمان. يمكن مراقبة لا سلطوي معين شبرا بشبر ودقيقة بدقيقة، ولكن دائما ما تأتي ~~لحظة يفقد فيها أثره بطريقة ما ويختفي عن الأنظار بضع ساعات، وفي تلك الساعات يحدث شيء ~~(عادة انفجار) تقل أو تزيد نتائجه الكارثية. لكن المسئول الكبير، منقادا بإحساسه بما ~~تقتضيه صحة الأمور، ابتسم، والآن كان ms068 تذكر تلك الابتسامة مزعجا جدا لكبير المفتشين ~~هيت، الخبير الأول في نهج اللاسلطويين. # لم يكن هذا هو الظرف الوحيد الذي كدرت ذكراه الصفو المعتاد للاختصاصي البارز. كان يوجد ~~ظرف آخر يرجع توقيته إلى صباح ذلك اليوم. كانت فكرة أنه عندما استدعي إلى المكتب الخاص ~~للمفوض المساعد، لم يتمكن من إخفاء ذهوله، مثيرة للحنق من غير ريب. علمته غريزة الرجل ~~الناجح منذ وقت طويل قاعدة عامة مفادها أن السمعة تبنى على الأسلوب بقدر ما تبنى على ~~الإنجاز. وشعر أن أسلوبه لما أخبر بأمر البرقية لم يكن محل إعجاب. كان قد فتح عينيه ~~على اتساعهما وصاح: «مستحيل!» معرضا نفسه بذلك إلى الرد الذي لا إجابة عليه المتمثل ~~في طرف إصبع وضع بقوة على البرقية التي كان المفوض المساعد قد طرحها على المكتب بعد أن ~~قرأها بصوت عال. لم تكن تجربة سارة أن يسحق، إن جاز التعبير، تحت طرف سبابة. يا له ~~من أمر مدمر أيضا! إضافة إلى ذلك، أدرك كبير المفتشين هيت أنه لم يصلح الأمور عندما سمح ~~لنفسه بالإعراب عن قناعة لديه. ~~«شيء واحد يمكنني أن أخبرك به على الفور؛ لم يكن لأي أحد في مجموعتنا أي علاقة بهذا ~~الأمر.» # كان قويا في نزاهته باعتباره محققا كفئا، ولكنه رأى الآن أن لو كان قد احتاط ~~وانتبه انتباها شديدا بشأن هذا الحادث، كان ذلك سيفيد سمعته إفادة أفضل. من ناحية أخرى، ~~اعترف أمام نفسه أنه كان من الصعب أن يحافظ المرء على سمعته إذا كان دخلاء سيشاركون في ~~المسألة. الدخلاء لعنة على الشرطة كما هو الحال في المهن الأخرى. كانت نبرة المفوض ~~المساعد لاذعة لدرجة توغر صدر المرء. # منذ الإفطار، لم يدخل في جوف كبير المفتشين هيت أي طعام. # شرع على الفور في فحص مكان الحادث، متلقيا قدرا كبيرا من الضباب البارد الكريه في ~~الحديقة العامة. ثم ذهب إلى المستشفى؛ وعندما توصلوا إلى نتائج التحقيقات في جرينتش في ~~النهاية، فقد شهيته للطعام. لم يكن معتادا على فحص الأشلاء البشرية عن كثب مثل ms069 الأطباء، ~~لذا صدم من المشهد الذي انكشف له عندما رفع غطاء مقاوم للماء عن طاولة في جناح معين ~~داخل المستشفى. # كان منشورا على الطاولة غطاء آخر مقاوم للماء ~~كأنه مفرش مرفوع من الأركان فوق شيء كأنه كوم رماد، كومة من الخرق، محترقة وملطخة ~~بالدماء، تخفي بعضا من لحم بشري وكأنه وليمة لحم نيئ. تطلب الأمر قدرا كبيرا من ~~الثبات كي لا يتراجع أمام ذلك المشهد. كان كبير المفتشين هيت وضابط كفء في إدارته، فلم ~~يتقهقر، إنما ظل في مكانه لمدة دقيقة كاملة. ألقى شرطي محلي في زي رسمي نظرة ~~جانبية، وقال ببساطة متبلدة الحس: ~~«هذه كل أشلائه. كل قطعة منه. كانت مهمة شاقة.» # كان أول الحاضرين إلى المكان بعد الانفجار. ذكر الواقعة مرة أخرى. كان قد رأى شيئا ~~يشبه ومضة برق كثيفة وسط الضباب. في ذلك الوقت، كان يقف عند باب فندق كينج ويليام ستريت ~~يتحدث إلى الحارس. جعله الارتجاج يرتجف بكل كيانه. جرى من بين الأشجار باتجاه المرصد. ~~كرر مرتين: «بأقصى سرعة تتحملها قدماي.» # انحنى كبير المفتشين هيت فوق الطاولة بحذر ورعب شديدين، وتركه يستمر في الكلام. أزال ~~الحمال ورجل آخر في المستشفى أطراف القماش وتنحيا جانبا. بحثت عينا كبير المفتشين في ~~التفاصيل المروعة لكومة الأشياء المختلطة، التي بدت وكأنها جمعت في محل خردة وخرق ~~بالية. # لما لاحظ القطع المتناثرة من الحصى الصغير والأجزاء البنية الصغيرة من اللحاء وجزيئات ~~الخشب المشقوقة مثل الإبر، علق قائلا: «لقد استخدمت مجرفة.» # قال الشرطي متبلد المشاعر: «اضطررت إلى استخدامها في مكان واحد. أرسلت حارسا لجلب ~~مجرفة. لما سمعني وأنا أحفر الأرض بها، أسند جبهته على شجرة، وأصابه إعياء شديد.» # انحنى كبير المفتشين بحذر فوق الطاولة، وقاوم الإحساس المزعج الذي غص به حلقه. دفعه ~~العنف الممزق الذي أحدثه هذا التدمير، والذي حول ذلك الجسم إلى أشلاء لا يعرف ~~صاحبها، إلى الإحساس بنوع من القسوة الوحشية، على الرغم من أن عقله حدثه بأنه لا بد أن ~~التأثير كان سريعا كومضة برق. أيا كان هذا الرجل، ms070 فقد لقي حتفه على الفور ؛ ومع ذلك كان ~~يبدو من المستحيل تصديق أن جسدا بشريا سيصل إلى هذه الحالة من التمزيق من دون أن يمر ~~بألوان من عذاب لا يمكن تصوره. وإذا لم يكن كبير المفتشين هيت اختصاصيا في ~~الفسيولوجيا، ولا حتى عالم ميتافيزيقا، ارتقى بقوة التعاطف، وهو أحد أشكال الخوف، فوق ~~المفهوم المبتذل للوقت. على الفور! تذكر كل ما قرأه في الكتب الشهيرة عن الأحلام الطويلة ~~والمرعبة التي يحلم بها الشخص لحظة استيقاظه؛ عن شريط الحياة المرعب الذي يعيشه غريق ~~ورأسه تظهر من تحت الماء للمرة الأخيرة ثم تغطس مرة أخرى. حاصرت الألغاز غير المفهومة عن ~~الوجود الواعي كبير المفتشين هيت حتى امتلأ عقله بفكرة مرعبة؛ وهي أن عصورا من الألم البشع ~~والعذاب العقلي يمكن اختزالها بين رمشتي عين. وفي تلك الأثناء، تابع كبير المفتشين النظر ~~إلى الطاولة بوجه هادئ وانتباه قلق بعض الشيء كانتباه زبون معوز ينحني فوق ما يمكن أن ~~يطلق عليه بقايا عظام ولحم من متجر جزار من أجل عشاء غير مكلف في أحد أيام الأحد. ~~طوال الوقت، كان يتتبع، بقدراته المدربة التي كان يمتلكها بصفته محققا ممتازا، لا ~~يستخف بأي فرصة للحصول على المعلومات؛ ثرثرة الشرطي الواثقة في موضوعات غير ~~مترابطة. # قال الأخير ملاحظة بنبرة هادئة: «شخص ذو شعر أشقر»، ثم توقف. «المرأة العجوز التي ~~تحدثت إلى الرقيب لاحظت شخصا ذا شعر أشقر يخرج من محطة ميز هيل.» ثم توقف. ثم أردف ~~ببطء: «وكان شخصا ذا شعر أشقر. لاحظت المرأة رجلين يخرجان من المحطة بعد أن غادر القطار ~~الذي أقلهما.» «لم تستطع أن تتبين إن كانا بعضهما مع بعض أم لا. لم تلق بالا للشخص ~~الضخم منهما، ولكن الآخر كان رجلا نحيلا ذا بشرة شاحبة، يحمل عبوة ورنيش من القصدير في ~~إحدى يديه.» توقف الشرطي عن الكلام. ~~«هل تعرف المرأة؟» تمتم كبير المفتشين، وعيناه مثبتتان على الطاولة، وفي عقله فكرة ~~غير واضحة بشأن تحقيق سيجرى عما قريب عن رجل ربما يظل مجهولا إلى الأبد. # قال ms071 الشرطي بجدية: «نعم. إنها خادمة لدى صاحب حانة متقاعد، وتذهب إلى الكنيسة في بارك ~~بليس أحيانا.» ثم توقف وألقى نظرة غير مباشرة أخرى على الطاولة. # ثم فجأة: «حسنا، إنه ... كل ما أستطيع أن أراه منه. بشرة شاحبة. نحيل ... نحيل جدا. انظر ~~إلى تلك القدم هناك. التقطت الساقين أولا، واحدة تلو الأخرى. كان ممزقا إلى أشلاء ~~لدرجة أنني لم أعرف من أين أبدأ.» # توقف الشرطي؛ وارتسمت على وجهه المستدير ابتسامة طفولية تنم عن ومضة بريئة من الإشادة ~~بالنفس. # قال بثبات: «تعثر. تعثرت أنا نفسي مرة، ووقعت على رأسي أيضا وأنا أركض. جذور الأشجار ~~هذه تبرز في المكان كله. تعثر في جذر شجرة وسقط، ولا بد أن ذلك الشيء الذي كان يحمله قد ~~سقط تحت صدره مباشرة، حسبما أتوقع.» # انزعج كبير المفتشين انزعاجا شديدا من تردد كلمة «شخص مجهول» التي أخذت تتكرر في ~~وعيه الداخلي. ود لو تتبع هذه القضية إلى منبعها الغامض حتى يصل إلى المعلومات التي ~~يريدها. كان فضوليا باحتراف. وأمام العامة، رغب في أن يدافع عن كفاءة إدارته بالكشف عن ~~هوية ذلك الرجل. كان يمتاز بالإخلاص في عمله. لكن تلك المهمة بدت مستحيلة. بداية ~~القضية كانت لغزا يصعب حله؛ إذ لم تكن توجد أي احتمالات باستثناء تلك التي تتسم ~~بالقسوة الشنيعة. # متغلبا على نفوره مما يراه، مد كبير المفتشين هيت يده دون اقتناع بأن هذا سيريح ~~ضميره، ورفع أقل قطعة متسخة من الخرق. كانت شريطا مخمليا صغيرا مع قطعة أكبر ~~مثلثة الشكل من قماش أزرق داكن تتدلى منه. رفعها حتى مستوى عينيه، وتحدث ~~الشرطي. ~~«ياقة مخملية. المضحك أن المرأة العجوز لاحظت الياقة المخملية. معطف أزرق داكن له ياقة ~~مخملية، هي أخبرتنا بذلك. إنه الرجل الذي رأته، بلا شك. وها هو كل ما تبقى منه، الياقة ~~المخملية وكل شيء. لا أظن أنني أغفلت قطعة واحدة حتى لو كانت بحجم طابع بريد.» # في هذه اللحظة، توقف كبير المفتشين صاحب القدرات المتمرس عن الاستماع إلى صوت ~~الشرطي. تحرك تجاه إحدى النوافذ من ms072 أجل إضاءة أفضل. أشاح بوجهه عن الغرفة، وارتسم عليه ~~تعبير ينم عن اهتمام مذهول بالغ وهو يتفحص عن كثب قطعة القماش الكبيرة ذات الشكل ~~المثلث. بحركة مفاجئة جذبها وفصلها، وبعد أن وضعها في جيبه استدار إلى الغرفة، ورمى الياقة ~~المخملية على الطاولة مرة أخرى ... # أمر الحاضرين باقتضاب قائلا: «غطوه.» دون أن ينظر مرة أخرى، وبعدما ألقى الشرطي عليه ~~التحية، حمل ما أخذه وانطلق على عجل. # أقله قطار قريب إلى المدينة؛ إذ سافر بمفرده مستغرقا في التفكير، في مقصورة في الدرجة ~~الثالثة. كانت قطعة القماش المحترقة تلك ذات قيمة كبيرة للغاية، ومن ثم لم يستطع أن ~~يمنع نفسه من أن يندهش من الطريقة العرضية التي أصبحت بها في حوزته. بدا وكأن القدر قد رمى ~~هذا الدليل بين يديه. وبطريقة الرجل العادي، الذي يطمح إلى الإمساك بدفة الأحداث، بدأ ~~يفقد الثقة في هذا النجاح غير المبرر والعرضي، لمجرد أنه بدا مفروضا عليه. تعتمد ~~القيمة الفعلية للنجاح، بقدر ليس بالقليل، على منظور الفرد. ولكن القدر ليس له منظور. إنه ~~لا يمتلك قدرة على التمييز. لم يعد يعتبر أنه من المرغوب فيه بقدر كبير من كل النواحي ~~إعلان هوية الرجل الذي كان قد فجر نفسه في ذلك الصباح بتلك الطريقة المروعة. ولكنه لم يكن ~~واثقا من وجهة النظر التي ستتبناها إدارته. تمثل الإدارة لأولئك الذين توظفهم ~~شخصية معقدة تتمتع بأفكارها وحتى نزعاتها الخاصة. إنها تعتمد على التفاني المخلص من ~~موظفيها، والإخلاص المتفاني من الموظفين الموثوق فيهم مرتبط بقدر معين من الاحتقار ~~الودود، مما يبقي الأمر محببا، إن جاز التعبير. وبناء على بند خير في الطبيعة، لا ~~يوجد رجل يراه خادمه بطلا، وإلا لاضطر الأبطال إلى غسل ملابسهم بأنفسهم. وبالمثل، لا توجد ~~إدارة حكومية تبدو حكيمة تماما في العلاقة مع العاملين بها. لا تعرف الإدارة الحكومية بقدر ~~ما يعرف بعض الموظفين لديها. ولكونها كيان نزيه، فلا يمكن أبدا أن تكون على إلمام كامل بكل ~~شيء. فالإلمام بمعلومات أكثر من اللازم لن يكون جيدا لكفاءتها. نزل ms073 كبير المفتشين هيت من ~~القطار وهو في حالة تأمل لا تشوبها الخيانة على الإطلاق، ولكنها لم تخل من انعدام الثقة ~~النابع من الغيرة الذي غالبا ما ينبع من التفاني التام، سواء تجاه النساء أو تجاه ~~المؤسسات. # كان في هذه الحالة العقلية، التي فصلته عن الواقع، ولكنه كان لا يزال يشعر بالغثيان ~~مما رآه، عندما لاقى البروفيسور. في ظل هذه الظروف التي تدخل الغضب إلى قلب أي ~~رجل سليم وطبيعي، لم يكن هذا اللقاء مرحبا به من جانب كبير المفتشين هيت على وجه ~~الخصوص. لم يكن يفكر في البروفيسور؛ بل إنه لم يفكر في أي فرد من جماعة اللاسلطويين ~~على الإطلاق. كانت طبيعة تلك القضية قد فرضت عليه بطريقة ما فكرة عامة عن عبثية الكائنات ~~البشرية، التي هي من الناحية المجردة مزعجة كثيرا لمزاج غير فلسفي، وفي حالات محددة ~~تصبح مثيرة للسخط بدرجة تفوق تحمله. لما خطا كبير المفتشين هيت أولى خطواته في ~~مسيرته المهنية، اهتم بالقضايا المعنية بأشكال السرقة الرائجة في ذلك الوقت. وأثبت مهارته ~~في هذا المجال، وبطبيعة الحال لازمه نحوه، بعد ترقيته إلى إدارة أخرى، إحساس ليس بعيدا ~~كل البعد عن المودة. السرقة ليست عبثا محضا. السرقة شكل من العمل البشري، عمل منحرف ~~بلا ريب، لكنه يظل عملا يمارس في عالم كادح؛ فالسارق يسرق من أجل الأسباب نفسها التي ~~يستند إليها عامل الفخار، والعامل في المناجم، وفي الحقول، وفي ورش الحدادة. إنها عمل ~~يختلف عن أشكال الأعمال الأخرى في طبيعة المخاطرة فيه، التي لا تكمن في الإصابة بتصلب ~~المفاصل، أو بتسمم الرصاص، أو بغاز المناجم، أو بالغبار الرملي، ولكن فيما يمكن تعريفه ~~بإيجاز بلغته الخاصة في عبارة «سبع شداد». بالطبع، لم يكن يخفى على كبير المفتشين هيت خطورة ~~الاختلافات الأخلاقية. ولكنها لم تكن تخفى أيضا على اللصوص الذين كان يلاحقهم فيما مضى. ~~فقد خضعوا لعقوبات صارمة جراء أخلاقيات كان كبير المفتشين هيت يألفها بقدر من ~~التنازل. # كان كبير المفتشين هيت يعتبر هؤلاء مواطنين سلكوا مسلكا خاطئا بسبب تعليم ms074 معيب؛ ولكن ~~مع مراعاة هذا الاختلاف، أمكنه فهم عقلية السارق؛ لأن عقلية السارق وغرائزه، في حقيقة ~~الأمر، مماثلة لعقلية رجل الشرطة وغرائزه. كلاهما يعرف الأعراف نفسها، ولديهما معرفة ~~عملية بأساليب الآخر وطريقة العمل التي دأب عليها. إنهما يفهمان بعضهما بعضا، وتلك ميزة ~~لكل منهما، وتنشئ نوعا من الارتياح في العلاقات بينهما. إنهما ينطلقان من منبع واحد، ~~ولكن أحدهما يصنف على أنه مفيد والآخر يصنف على أنه ضار، ويأخذان المنبع الذي ~~ينبعان منه باعتباره أمرا مسلما به بطريقتين مختلفتين، ولكن بالجدية نفسها ~~بالأساس. تعذر على عقل كبير المفتشين هيت أن يستوعب الأفكار الثورية. ولكن اللصوص لم ~~يكونوا ثوارا. ضمنت له قوته الجسدية، وطريقته الباردة الحازمة، وشجاعته، وإنصافه، احتراما ~~كبيرا وقدرا من التملق في المجال الذي حقق فيه بعض النجاحات في البداية. شعر بأنه يحظى ~~بالتقدير والإعجاب. وبينما كان كبير المفتشين هيت واقفا على بعد ست خطوات من اللاسلطوي ~~الملقب بالبروفيسور، راوده إحساس بالأسف على عالم اللصوص؛ عالم متعقل، بلا مثل ~~سقيمة، يعمل وفق روتين محدد، ويحترم السلطات القائمة، ولا يحمل في قلبه كراهية أو يأسا ~~من أي شكل. # بعد هذه الإشادة بما هو طبيعي في دستور المجتمع (لأن فكرة السرقة بدت لغريزته طبيعية مثل ~~فكرة التملك)، شعر كبير المفتشين هيت بغضب شديد من نفسه لأنه توقف وتحدث وسلك هذا الطريق ~~على أساس أنه طريق مختصر من محطة القطار إلى المقر الرئيسي للشرطة. وتحدث مرة أخرى بصوته ~~الآمر الجهير، الذي، عندما أخفضه، اتسم بنبرة تهديد. # كرر: «قلت لك إنك لست مطلوبا.» # لم يحرك اللاسلطوي ساكنا. ضحك ضحكة ساخرة مكتومة لم تبد نواجذه فحسب، بل لثته ~~أيضا، وجعلت جسده كله يهتز، ولكن من دون أن يصدر منه أي صوت. دفع ذلك كبير المفتشين ~~هيت إلى أن يضيف، مخالفا ما تمليه عليه نفسه: ~~«ليس بعد. عندما أريدك، سأعرف أين أجدك.» # كانت تلك كلمات مناسبة تماما؛ إذ كانت في إطار التقاليد وملائمة لشخصيته بصفته ضابط شرطة ~~يخاطب فردا من قطيعه. ولكن التلقي الذي حظيت به ms075 خرج عن التقاليد واللياقة. كان تلقيا ~~مهينا. وأخيرا، تحدث الرجل الضعيف الجسم الواقف أمامه. ~~«ليس لدي شك في أن الصحف ستمنحك عندئذ خبر نعي. وأنت أدرى بقيمة ذلك لك حينها. أظن ~~أنه لن يصعب عليك تخيل العبارات التي ستكتب. ولكن قد يحالفك سوء الحظ وتدفن معي، على ~~الرغم من أنني أظن أن أصدقاءك سيحاولون قدر استطاعتهم ألا ندفن معا في مكان ~~واحد.» # مع كل ازدرائه المستحق للشخص الذي يدلي بهذه العبارات، كان للتلميحات المرعبة التي ~~تنطوي عليها أثرها على كبير المفتشين هيت. كان لديه نفاذ بصيرة وإلمام بمعلومات كثيرة ~~أيضا، مما منعه من أن يتجاهلها ويعتبرها هراء. استمد الغسق في ذلك الزقاق الضيق مسحة ~~شريرة من هيئة الرجل اللئيم الضعيف الضئيل، الذي كان يقف موليا ظهره للحائط، ويتحدث ~~بصوت منخفض واثق. أحس كبير المفتشين، القوي والمفعم بالحيوية، بأن الحالة الجسدية ~~الوضيعة التي يرثى لها لذلك الكائن، الذي كان من الواضح أنه لم يكن جديرا بأن يحيا، ~~كانت نذير سوء؛ إذ بدا له أنه إن كان سوء طالع هذا الكائن قد جعله بهذه الحالة التي يرثى ~~لها، فإنه ما كان سيأبه بتوقيت موته. كانت الحياة تسيطر عليه بشدة لدرجة أن موجة جديدة ~~من الغثيان ظهرت على هيئة عرق طفيف على جبينه. تناهى إلى سمعه عبر منعطف الزقاق القذر ~~همس حياة المدينة، وقعقعة العجلات الخافتة في الشارعين غير المرئيين على اليمين ~~والشمال، بألفة غالية وعذوبة جذابة. كان إنسانا. ولكن كبير المفتشين هيت كان هو الآخر ~~إنسانا، ولم يكن بوسعه أن يترك كلمات كهذه تمر. # قال: «كلماتك هذه كلها مفيدة لتخويف الأطفال. سأنال منك حينها.» # قيلت تلك الكلمات بنبرة جيدة جدا، دون ازدراء، وبهدوء كاد أن يكون صارما. # كان رده: «لا شك عندي في ذلك؛ ولكن لا وقت أفضل من الآن، صدقني. بالنسبة لرجل ذي قناعات ~~حقيقية، هذه فرصة رائعة للتضحية بالنفس. قد لا تجد فرصة أخرى سانحة ولا إنسانية كتلك ~~الفرصة. لا توجد حتى هرة بالقرب منا، وهذه البيوت القديمة البغيضة ستتحول ms076 إلى كومة ~~عالية من الطوب حيث تقف. لن تنال مني مجددا بهذه التكلفة القليلة جدا من الأرواح ~~والممتلكات، التي تتقاضى راتبك مقابل حمايتها.» # قال كبير المفتشين هيت بنبرة حازمة: «أنت لا تعرف مع من تتكلم. لو أمسكت بك الآن، ~~فلن أكون أفضل منك.» ~~«آه! إنها اللعبة!» ~~«كن متأكدا من أن النصر سيكون حليفنا في النهاية. ومع ذلك قد يكون من الضروري أن نقنع ~~الناس بأنه يجب إطلاق النار على بعضكم مثل الكلاب المسعورة. عندئذ، ستكون تلك هي اللعبة. ~~ولكن لتحل علي اللعنة لو كنت أعرف ما لعبتكم. لا أعتقد أنكم أنفسكم تعرفون. لن تظفروا ~~بأي شيء منها.» ~~«في الوقت الحالي أنتم من يظفر بشيء منها، حتى الآن. وتظفرون به بسهولة، أيضا. لن أتحدث ~~عن راتبك، ولكن ألم تصنع اسمك بمجرد عدم فهم ما نسعى نحن إليه؟» # سأله كبير المفتشين هيت، بسرعة تتسم بالتهكم، مثل رجل في عجلة من أمره يدرك أنه يهدر ~~وقته: «وما الذي تسعون إليه إذن؟» # كان جواب اللاسلطوي المثالي ابتسامة لم تفارق شفتيه الرفيعتين الشاحبتين؛ وشعر كبير ~~المفتشين بتفوقه مما دفعه إلى أن يرفع إصبعه محذرا. # قال بنبرة محذرة، لكن لم تتسم باللطف كما لو كان يتنازل بإعطاء نصيحة جيدة للص ذائع ~~الصيت: «توقفوا عما تفعلونه؛ أيا كان. توقفوا عما تفعلونه. ستجدون أننا كثيرون جدا ولا ~~يمكنكم أن تتغلبوا علينا.» # اضطربت الابتسامة التي لم تفارق شفتي البروفيسور، وكأن الروح الساخرة بداخله قد فقدت ~~الثقة في نفسها. تابع كبير المفتشين هيت قائلا: ~~«ألا تصدقني؟ حسنا، ليس عليك سوى أن تنظر حولك. إننا كثر. وعلى أي حال، أنت لا تجيد ~~ما تفعل. إنك دائما ما تفسد الأمر. عجبا، لو كان اللصوص لا يحسنون عملهم، كانوا ~~سيتضورون جوعا.» # التلميح إلى الكثرة التي لا تقهر وتقف في ظهر ذلك الرجل أوغر صدر البروفيسور بسخط نكد. ~~اختفت الابتسامة الغامضة والساخرة عن شفتيه. كانت قوة الأعداد المقاومة، والصلابة ~~المنيعة لكثرة عظيمة، هما منبع الخوف الذي يطارده في وحدته المشئومة. ارتجفت شفتاه قليلا ~~قبل ms077 أن يتمكن من الحديث بصوت مختنق: ~~«إنني أؤدي عملي أفضل من أدائك لعملك.» # قاطعه كبير المفتشين هيت بتعجل: «هذا يكفي في الوقت الحالي.» وضحك البروفيسور بصوت عال ~~هذه المرة. بينما كان لا يزال يضحك، انطلق في طريقه، ولكنه لم يضحك لفترة طويلة. كان من ~~خرج من الممر الضيق إلى صخب الطريق الواسع رجل ضئيل الحجم حزين الوجه وبائس. انطلق في ~~طريقه مقتصدا ومن دون انفعال يمشي مشية متشرد متابعا سيره، ولا يزال يتابع سيره، غير ~~مبال بمطر أو شمس، شارد الذهن عن ظواهر السماء والأرض. وعلى الجانب الآخر، بعد أن ظل ~~كبير المفتشين هيت يراقبه لفترة من الوقت، وخرج يمشي بنشاط رجل لا يبالي حقا بقسوة ~~الطقس، ولكن نصب عينيه مهمة رسمية أوكلت إليه على هذه الأرض والدعم المعنوي ممن هم على ~~شاكلته. كل قاطني تلك المدينة الضخمة، وسكان البلد كله، وحتى الملايين الحاشدة من الناس ~~الذين يكافحون على هذا الكوكب كانوا معه؛ وصولا إلى اللصوص والمتسولين أنفسهم. نعم، لا ~~ريب في أن اللصوص أنفسهم كانوا بالتأكيد معه في عمله الحالي. شجعه وعيه بأن العالم ~~يسانده على أن يتصدى لتلك المعضلة الخاصة. # كانت المعضلة التي واجهها كبير المفتشين تتمثل في إقناع المفوض المساعد في إدارته، ~~أي رئيسه المباشر. هذه هي المعضلة التي دائما ما يواجهها الموظفون الموثوق فيهم ~~والمخلصون؛ وأضفت عليها اللاسلطوية طابعا خاصا، لا أكثر. وحقيقة القول، لم يفكر ~~كبير المفتشين هيت كثيرا في حركة اللاسلطوية. لم يولها أهمية لا داعي لها، ولم يستطع ~~أن يحمل نفسه على التفكير فيها بجدية. كان الطابع الغالب عليها هو السلوك غير المنضبط؛ ~~غير منضبط دون وجود عذر بشري مثل السكر، الذي ينطوي على أي حال على شعور جيد ~~وميل محبب إلى اللهو الصاخب. ومثلما هو الحال مع المجرمين، كان من الواضح أن اللاسلطويين ~~لم يمثلوا طبقة اجتماعية معينة؛ لم ينتموا إلى أي طبقة على الإطلاق. لما تذكر كبير ~~المفتشين هيت البروفيسور، دون أن يدقق في خطواته المتمايلة، تمتم عبر أسنانه ~~المطبقة: ~~«معتوه.» ms078 # كان القبض على اللصوص مسألة مختلفة تماما. كانت له تلك النوعية من الجدية التي ~~تندرج ضمن كل شكل من أشكال الرياضة المفتوحة حيث يفوز الأفضل وفق قواعد مفهومة تماما. ~~لم تكن توجد قواعد للتعامل مع اللاسلطويين. وكان كبير المفتشين يعتبر هذا أمرا ~~مقيتا. كانت كلها حماقة، ولكن تلك الحماقة هيجت الرأي العام، وأثرت على أفراد في مناصب ~~مرموقة، ومست العلاقات الدولية. ارتسم على وجه كبير المفتشين ازدراء شديد وصارم بينما كان ~~يتابع سيره. راجع في عقله كل اللاسلطويين الذين يعرفهم. لم يكن أي أحد يمتلك نصف الشجاعة ~~التي لمسها في هذا أو ذاك من اللصوص الذين عرفهم. لا نصفها ولا حتى عشرها. # في المقر الرئيسي للشرطة أدخل كبير المفتشين على الفور إلى المكتب الخاص للمفوض ~~المساعد. وجده ممسكا قلما بيده ومنحنيا فوق مكتب كبير تتناثر عليه الأوراق، وكأنه ~~يتعبد لمحبرة مزدوجة كبيرة من البرونز والكريستال. كانت أنابيب التواصل بين الغرف التي ~~تشبه الثعابين مثبتة من رءوسها خلف الكرسي الخشبي ذي الذراعين الذي يجلس عليه المفوض ~~المساعد، وبدت أفواهها الفاغرة وكأنها مستعدة للدغ مرفقيه. وفي هذا الوضع، لم يرفع سوى ~~عينيه، اللذين كان جفناهما أغمق من وجهه ومجعدين جدا. كانت التقارير قد وردت إليه؛ ~~كان قد تلقى حصرا بكل لا سلطوي. # بعدما تلفظ بتلك الكلمات، أخفض عينيه، ووقع بسرعة ورقتين، وعندئذ فقط وضع قلمه، ~~واعتدل في جلسته، موجها نظرة متسائلة باتجاه مرءوسه ذائع الصيت. تفهم كبير المفتشين ~~جيدا تلك النظرة، وأظهر الاحترام، إلا أنه ظل غامضا. # قال المفوض المساعد: «أظن أنك كنت مصيبا لما قلت لي منذ البداية إن اللاسلطويين ~~في لندن لم يكن لهم صلة بهذا الأمر. إنني أقدر كثيرا مراقبة رجالك اليقظة لهم. وعلى الجانب ~~الآخر، هذا لا يرقى، لدى العامة، إلى أكثر من اعتراف بالجهل.» # كان المفوض المساعد مترويا في حديثه، وحريصا في الوقت نفسه. بدا وكأنه يفكر في ~~الكلمة قبل أن يلفظها وينتقل إلى أخرى، وكأن الكلمات كانت هي الأحجار التي يخطو عليها عقله ~~في طريقه لعبور ms079 نهر الزلات. ثم أردف: «إلا إذا كنت قد جلبت شيئا مفيدا من ~~جرينتش.» # بدأ كبير المفتشين على الفور في عرض تحقيقه بطريقة واضحة وعملية. استدار رئيسه ~~بكرسيه قليلا، ووضع إحدى رجليه الرفيعتين فوق الأخرى، واتكأ جانبا على مرفقه، ~~وظلل عينيه بإحدى يديه. اتخذت جلسته وهو يستمع شكلا مائلا وحزينا. تحركت خصلات ~~تبدو وكأنها من فضة مصقولة ولامعة على جانبي رأسه المكسو بشعر شديد السواد حينما أماله ~~ببطء في نهاية الأمر. # انتظر كبير المفتشين هيت وكأنه يقلب في عقله كل ما قاله، ولكنه كان في الحقيقة ~~يفكر في مدى ملاءمة أن يضيف شيئا آخر. اختصر المفوض المساعد تردده. # سأله من دون أن يكشف عينيه: «هل تعتقد أنه كان يوجد رجلين؟» # اعتقد كبير المفتشين أن الأمر مرجح. حسب رأيه، افترق الرجلان عن بعضهما على بعد مائة ~~ياردة من أسوار المرصد. وشرح أيضا الكيفية التي ربما يكون الرجل الآخر قد تمكن بها من ~~الخروج من الحديقة بسرعة من دون أن يلاحظه أحد. فمع أن الضباب لم يكن كثيفا جدا، إلا ~~أنه كان في صالحه. يبدو أنه أرشد الرجل الآخر إلى موقع الحادث، ثم تركه هناك كي ينفذ ~~المهمة بمفرده. آخذا في الاعتبار الوقت الذي رأت فيه المرأة العجوز هذين الرجلين ~~يخرجان من محطة ميز هيل، والوقت الذي سمع فيه الانفجار، ارتأى كبير المفتشين أن الرجل ~~الآخر ربما كان في محطة جرينتش بارك بالفعل، مستعدا لركوب القطار التالي، في اللحظة التي ~~كان فيها رفيقه يدمر نفسه تدميرا. # تمتم المفوض المساعد ويده فوق فمه: «دمر نفسه تدميرا؛ أليس كذلك؟» # وصف كبير المفتشين ببضع كلمات قوية، شكل الرفات. وأردف بوجه عابس: «ستتلقى هيئة الطب ~~الشرعي شيئا مميزا.» # رفع المفوض المساعد يده من فوق عينيه. # قال بفتور: «لن يكون لدينا ما نخبرهم به.» # رفع ناظريه، ولبعض الوقت راقب سلوك كبير مفتشيه الذي كان واضحا أنه لا يعبر عن رأي ~~صريح. كان من طبيعته عدم الانقياد بسهولة إلى الأوهام. كان يعرف أن الإدارة تحت رحمة ~~الضباط الذين يرأسهم، ms080 الذين كانت لديهم مفاهيمهم الخاصة عن الولاء. كانت حياته المهنية ~~قد بدأت في مستعمرة استوائية. وكان قد أحب عمله هناك. كان عملا شرطيا. كان ناجحا ~~للغاية في تعقب بعض الجماعات السرية الشنيعة وسط السكان الأصليين وتفكيكها. ثم أخذ ~~إجازة طويلة، وتزوج باندفاع نوعا ما. كانا يشكلان ثنائيا جيدا من وجهة نظر ~~دنيوية، لكن زوجته كونت رأيا سلبيا عن المناخ الاستعماري استنادا إلى أدلة قائمة على ~~أقوال مرسلة. ومن ناحية أخرى، كانت لديها علاقات مع أطراف من ذوي النفوذ. كانا يشكلان ~~ثنائيا ممتازا. ولكنه لم يكن يحب العمل الذي كان عليه القيام به الآن. شعر بأنه كان ~~معتمدا على عدد أكثر من اللازم من المرءوسين والرؤساء. أثقل كاهل روحه وجوده عن قرب من تلك ~~الظاهرة العاطفية الغريبة المسماة بالرأي العام، كما أقلقته طبيعتها غير العقلانية. لا ~~شك في أنه عن جهل منه بالغ في قوتها في الخير والشر، خاصة في الشر؛ وزادت الرياح ~~الشرقية العاصفة للربيع الإنجليزي (متوافقا مع زوجته في ذلك) من فقدان ثقته عموما في ~~دوافع الرجال وفي كفاءة تنظيمهم. أفزعه عدم جدوى العمل المكتبي بخاصة في تلك الأيام ~~المرهقة جدا لكبده الحساس. # نهض، ووقف منتصبا، وبخطى متثاقلة يمكن ملاحظتها في رجل بمثل نحوله، مشى عبر ~~الغرفة إلى النافذة. انهمرت زخات المطر على الألواح الزجاجية، وكان الشارع القصير الذي نظر ~~إليه مبتلا وخاليا من المارة، وكأن فيضانا عظيما اجتاحه فجأة. كان يوما عصيبا جدا؛ ~~إذ بدأ بضباب خانق وانتهى الآن بمطر بارد غامر. بدت ألسنة اللهب الوامضة والخافتة التي ~~تشعها مصابيح الغاز وكأنها تذوب في هذا الجو المطير. وظهرت الحجج المتغطرسة للبشر الذين ~~قمعهم إذلال سوء الطقس وكأنها غرور هائل وعديم الجدوى يستحق السخرية والعجب ~~والشفقة. # فكر المفوض المساعد بينه وبين نفسه، ووجهه قريب من زجاج النافذة: «رهيب، يا له من أمر ~~رهيب! إننا نكابد هذه الحال منذ عشرة أيام؛ كلا، بل منذ أسبوعين، نعم أسبوعين.» توقف عن ~~التفكير تماما لبعض الوقت. استمر هذا السكون التام لدماغه قرابة ثلاث ms081 ثوان. ثم قال ~~بملل: «هل أجريت تحقيقات سيرا على الأقدام لتتبع آثار ذلك الرجل الآخر من بداية الأحداث ~~وحتى نهايتها من أجل تعقبه؟» # لم يكن لديه شك في أن جميع الإجراءات اللازمة قد اتخذت. بالطبع، كان كبير المفتشين ~~هيت يعرف جيدا كيفية مطاردة رجل. وكانت هذه أيضا هي الخطوات الروتينية التي يتبعها حتى ~~المبتدئون في سياق عملهم. يمكن لبضع تحقيقات مع صرافي التذاكر والحمالين في محطتي القطار ~~الصغيرتين أن تعطي تفاصيل إضافية عن مظهر الرجلين؛ وسيظهر على الفور فحص التذاكر التي ~~جمعت من أين جاءا صباح ذلك اليوم. كانت هذه إجراءات بديهية، ولا يمكن تجاهلها. وبناء على ~~ذلك، أجاب كبير المفتشين بأن كل هذه الإجراءات قد تمت مباشرة بعد أن تقدمت المرأة ~~العجوز وأدلت بشهادتها. كذلك ذكر اسم المحطة. وأردف: «تلك هي المحطة التي جاءوا منها، يا ~~سيدي. الحمال الذي أخذ التذاكر في محطة ميز هيل تذكر شابين تتطابق أوصافهما مع ما ~~ذكر ورآهما وهما يجتازان الحاجز. أوحى له مظهرهما بأنهما عاملان محترمان يعملان عملا ~~راقيا، رساما لافتات أو مصمما ديكورات منازل. خرج الرجل الضخم من مقصورة الدرجة الثالثة ~~من الباب الخلفي، وفي يده عبوة من القصدير اللامع. وعلى الرصيف، أعطاها للشاب ذي الشعر ~~الأشقر والبشرة الشاحبة الذي حملها وتبعه. كل هذه الأوصاف تتفق اتفاقا تاما مع ما ذكرته ~~السيدة العجوز لرقيب الشرطة في جرينتش.» # أعرب المفوض المساعد، الذي كان لا يزال موليا وجهه تجاه النافذة، عن شكه في أن ~~لهذين الشابين علاقة بالاعتداء. كانت هذه النظرية كلها تستند إلى أقوال امرأة عجوز كادت ~~أن تسقط لما اصطدم بها رجل في عجلة من أمره. بالتأكيد لم تكن تلك حجة قوية، إلا إذا ~~استندت إلى إلهام مفاجئ، وهو ما كان يصعب الأخذ به. # تساءل بسخرية لاذعة: «والآن بصراحة، هل يمكن أن يكون قد نزل عليها إلهام حقا؟» وظل ~~موليا ظهره للغرفة، كما لو كان مفتونا بصروح المدينة الهائلة التي اختفى نصفها في عتمة ~~الليل. لم ينظر حوله حتى عندما سمع تمتمة ms082 تتلفظ بكلمة «العناية الإلهية» من أكبر الموظفين ~~لديه في إدارته، الذي كان اسمه يكتب في بعض الأحيان في الصحف، ويعرفه الناس باعتباره ~~واحدا من حماة الوطن الغيورين والكادحين. رفع كبير المفتشين هيت صوته قليلا. # قال: «رأيت رأي العين قطعا وأجزاء من القصدير اللامع. ذلك دليل جيد للغاية.» # فكر المفوض المساعد متسائلا بصوت عال: «وهذان الرجلان أتيا من محطة ريفية ~~صغيرة.» كان قد قيل له بأن هذا هو الاسم الذي كان على تذكرتين من ثلاث تذاكر قدمها ~~أصحابها الذين نزلوا من ذلك القطار في محطة ميز هيل. الشخص الثالث الذي نزل من القطار كان ~~بائعا متجولا من جريفسيند معروف للحمالين. نقل كبير المفتشين تلك المعلومات بنبرة حاسمة ~~يتخللها بعض الجفاء، كما يفعل الموظفون المخلصون المدركون لإخلاصهم مع الإحساس بقيمة ~~جهودهم المتفانية. وكان المفوض المساعد لا يزال لم يحول نظره عن النافذة المطلة على ~~الظلام بالخارج، الذي كان يشبه البحر في اتساعه. # قال وهو لا يزال ينظر إلى زجاج النافذة: «اثنان من اللاسلطويين الغرباء أتيا من ذلك ~~المكان.» «هذا أمر غير قابل للتفسير نوعا ما.» ~~«نعم يا سيدي. وسيظل غير قابل للتفسير لو لم يكن المدعو ميكايليس يقطن في بيت صغير في ~~الجوار.» # عندما سمع المفوض المساعد ذلك الاسم، يأتي ذكره على نحو غير متوقع في هذه القضية ~~المزعجة، صرف بعنف عن ذهنه الذكرى الضبابية عن تجمعه اليومي الذي يقام في ناديه للعب ~~الويست (إحدى ألعاب ورق اللعب). كانت أكثر عادة تريحه في حياته؛ إذ كانت في المقام الأول ~~عرضا ناجحا لمهارته دون مساعدة من أي من مرءوسيه. كان يدخل إلى ناديه ليلعب من الساعة ~~الخامسة إلى السابعة، قبل أن يذهب إلى المنزل لتناول العشاء، متناسيا في هاتين الساعتين ~~أي هموم في حياته، وكأن اللعبة كانت مخدرا مفيدا لتخفيف آلام الاستياء الأخلاقي. كان ~~شركاؤه كاتب فكاهة ساخرا في مجلة مشهورة؛ ومحاميا مسنا كتوما ذا عينين صغيرتين ~~تشيان بخبث؛ ورجلا عسكريا رفيع المستوى، كولونيل عجوزا بسيطا ذا يدين بنيتين ~~متوترتين. كانوا مجرد معارف ms083 له من النادي. لم يقابلهم في أي مكان إلا على طاولة ~~اللعب. ولكن على ما يبدو أن جميعهم كانوا يتعاملون مع اللعبة بروح من يتقاسمون المعاناة، ~~وكأنها مخدر حقيقي لتخفيف أسقام الوجود الخفية؛ وفي كل يوم بينما تنحسر الشمس عن أسطح ~~أبنية المدينة التي لا تعد ولا تحصى، كان تلهفه عذب ممتع، يشبه الاندفاع نحو صداقة ~~أكيدة وعميقة، يخفف من أعباء عمله. والآن، خرج منه هذا الإحساس الممتع بشيء يشبه ~~الصدمة الجسدية، وحل محله نوع خاص من الاهتمام بعمله في حماية المجتمع؛ نوع غير مناسب ~~من الاهتمام، الذي يمكن تعريفه على أفضل نحو بأنه انعدام ثقة مفاجئ وحذر في السلاح الذي ~~في يده. # | الفصل السادس # كانت السيدة الراعية لميكايليس - صاحب الإفراج المشروط، ونصير الآمال الإنسانية - واحدة ~~من أكثر المعارف تأثيرا وتميزا لدى زوجة المفوض المساعد، التي كانت تدعوها آني، وكانت ~~لا تزال نوعا ما تعاملها على أنها فتاة غير حكيمة وعديمة الخبرة تماما. ولكنها كانت قد ~~وافقت على أن تقبل المفوض المساعد صديقا، وهو ما لم يكن عليه الحال على الإطلاق مع جميع ~~معارف زوجته النافذين. وإذ تزوجت في سن صغيرة وفي ريعان شبابها في حقبة بعيدة من الماضي، ~~كانت قد أمضت فترة من الزمن كانت فيها على مقربة من شئون عظيمة، وحتى من بعض الرجال ~~العظماء. كانت هي نفسها سيدة عظيمة. والآن مع تقدمها في العمر، كانت محتفظة بذلك المزاج ~~الاستثنائي الذي يتحدى الزمن بازدراء واستخفاف، كما لو كان بالأحرى عرفا مبتذلا يخضع له ~~من هم دونها منزلة. للأسف، لم تحظ أعراف كثيرة أخرى، كانت أيسر في تنحيتها جانبا، ~~باهتمامها، أيضا بناء على أسباب مزاجية، إما لأنها سئمت منها، أو لأنها وقفت عائقا أمام ~~استخفافها وتعاطفها. كان الإعجاب شعورا لم تجربه (كان هذا واحدا من دواعي حزن زوجها ~~شديد النبل منها، والتي كان يخفيها عنها)؛ أولا، لكونه دوما مشوبا بصورة أو بأخرى ~~بالضعف، ثم لكونه بطريقة ما اعتراف بالنقص. وكلا الأمرين كانا في الحقيقة، مستبعدين من ~~طبيعتها. كان سهلا ms084 عليها أن تكون صريحة بلا خوف في التعبير عن رأيها؛ لأنها لم تكن تحكم ~~على الأمور إلا من منظور وضعها الاجتماعي. كانت بنفس القدر غير مقيدة في تصرفاتها؛ ولما ~~كانت لباقتها نابعة من إنسانية متأصلة فيها، وحيويتها لا تزال مدهشة، وتفوقها لا يزال ~~صافيا ومتقدا، ظلت محط إعجاب بلا حدود على مدى ثلاثة أجيال، وفي آخر جيل كان من ~~المحتمل أن تعاصره كان يقال عنها إنها امرأة رائعة. كانت في الوقت الحالي امرأة ذكية، ~~تتمتع بقدر من البساطة النبيلة، وفضول متأصل فيها، ولكن على خلاف كثير من النساء اللواتي ~~لم يكن يشغلهن سوى النميمة الاجتماعية، كانت تتسلى في سنها هذه بأن تجتذب إلى نطاق ~~معرفتها، بفضل قوة مكانتها الاجتماعية العظيمة، التي كادت أن تكون تاريخية، كل شيء كان ~~يسمو فوق مستوى البشر، بطريقة قانونية أو غير قانونية، من خلال المكانة، أو الذكاء، أو ~~الجرأة، أو الحظ، أو سوء الحظ. كانت تستقبل في ذلك المنزل أصحاب السمو الملكي، ~~والفنانين، ورجال العلم، ورجال الدولة الشباب، والدجالين من جميع الأعمار والظروف، الذين ~~كانوا يظهرون على السطح من دون أن يكون لهم وزن، فيظهرون على أحسن وجه اتجاه التيارات ~~السطحية، وكانت تستمع إليهم، وتسبر أغوارهم، وتفهمهم، وتقدرهم، من أجل تثقيف نفسها. ~~على حد تعبيرها، كانت تحب أن ترصد إلى أين يتجه العالم. وبما أنها كانت تمتلك عقلية ~~عملية، فإن حكمها على الرجال والأمور، على الرغم من استناده إلى تحيزات خاصة، نادرا ما كان ~~خاطئا تماما، ونادرا ما كانت تتشبث بحكم خاطئ. ربما كانت غرفة الاستقبال لديها هي ~~المكان الوحيد في العالم الذي يمكن للمفوض المساعد أن يقابل فيه مدانا أخلي سبيله ~~بموجب إفراج مشروط لأسباب غير مهنية أو رسمية. لم يكن المفوض المساعد يتذكر جيدا من الذي ~~كان قد أحضر ميكايليس إلى هناك بعد الظهيرة في أحد الأيام. كان يظن أن من أحضره لا بد أنه ~~كان عضوا برلمانيا ينحدر من أسرة عريقة ولديه مشاعر تعاطف غير تقليدية، واعتادت الصحف ~~الساخرة أن تتخذه أضحوكة ms085 في مواضيعها. كان أصحاب الوجاهة وحتى ذوو الشهرة البسيطة في ذلك ~~الوقت يجلبون رفاقهم بحرية إلى ذلك المزار الخاص بسيدة ذات فضول نبيل. لا يمكنك أبدا ~~تخمين من الذي من المحتمل أن تقابله عند استقباله ببعض الخصوصية بين ثنايا الحاجز الحريري ~~الأزرق الباهت ذي الإطار المذهب، الذي كان يشكل خلوة مريحة فيها أريكة وعدد من ~~الكراسي ذات الذراعين في غرفة الاستقبال الكبيرة، التي تختلط فيها الأصوات ومجموعات من ~~الأفراد الجالسين أو الواقفين في ضوء ست نوافذ طويلة. # كان ميكايليس محل اشمئزاز من الشعور الشعبي، وهو نفس الشعور الذي كان قد استحسن منذ ~~سنوات ضراوة عقوبة بالسجن المؤبد صدرت في حقه لتورطه في محاولة جنونية لإنقاذ بعض ~~السجناء من إحدى عربات الشرطة. كان المتآمرون قد خططوا لإرداء الخيول صرعى وإخضاع الحرس. ~~ولكن لسوء الحظ، أردي أيضا أحد أفراد الشرطة صريعا بطلق ناري. خلف الشرطي زوجة ~~وثلاثة أطفال صغار، وأثار موت ذلك الرجل، في أرجاء مملكة يموت رجال كل يوم من أجل الدفاع ~~عنها وعن رفاهيتها ومجدها بداعي الواجب، موجة غضب مستعرة، وشفقة عارمة من أجل الضحية. ~~أعدم ثلاثة من زعماء العصابة. لم يكن ميكايليس، الشاب النحيل، وصانع الأقفال المتمرس، ~~وكثير التردد على المدارس المسائية، يعرف حتى أن أحدا قد قتل؛ إذ كان دوره هو وحفنة ~~آخرون فتح الباب الخلفي لوسيلة النقل الخاصة عنوة. عندما ألقي القبض عليه، كان يحمل ~~مجموعة من المفاتيح الهيكلية في جيب، وإزميلا ثقيلا في آخر، وعتلة قصيرة في يده؛ مما كان ~~يعني أنه كان لصا لا أكثر ولا أقل. ولكن لم يكن أي لص قد حكم عليه بتلك العقوبة ~~المغلظة من قبل. أصابه مقتل الشرطي بحزن شديد، ولكن فشل المؤامرة أحزنه أيضا. لم يخف ~~أيا من هذه المشاعر عن مواطنيه المحلفين، وكان صادما أن هذا الندم لم يظهر بصورة كاملة ~~للحاضرين الذين عجت بهم قاعة المحكمة. وعند إصدار الحكم علق القاضي، معبرا عن ~~شعوره، على فسوق السجين الشاب وقسوته. # أدى ذلك إلى ذيوع الصيت غير المبرر لإدانته؛ ms086 وكان ذيوع الصيت، غير المبرر هو الآخر، ~~للإفراج عنه، صنيعة أناس رغبوا في استغلال الجانب العاطفي لسجنه إما لأغراض خاصة بهم أو ~~لغرض غير واضح. سمح لهم بذلك لبراءة قلبه وبساطة عقله. لم يكن يأبه لأي شيء يحدث له على ~~المستوى الفردي. كان مثل أولئك القديسين الذين تضيع شخصيتهم في التأمل في إيمانهم. لم تكن ~~أفكاره تمثل قناعات. كان يصعب الوقوف على منطقها. شكلت لديه، بكل تناقضاتها وغموضها، ~~عقيدة إنسانية صلبة، اعترف بها ولم يبشر بها، بدماثة عنيدة، وابتسامة واثقة مسالمة على ~~شفتيه، وكان يخفض عينيه الزرقاوين الصادقتين لأن مرأى الوجوه كان يكدر صفو إلهامه الذي ~~تشكل في عزلته. في هذا الموقف المميز، رأى المفوض المساعد صاحب الإفراج المشروط وهو ~~يشغل كرسيا بذراعين من خلف الحاجز، بمظهره المثير للشفقة بسبب البدانة الفظيعة التي لا ~~شفاء منها لجسد كان عليه أن يجرجره مثل ثقل يجرجره عبد كتب عليه العمل على مجداف ~~سفينة حتى نهاية حياته. جلس هناك بالقرب من رأس أريكة السيدة العجوز، معتدل الصوت وهادئا، ~~وبثقة في نفسه لم تكن تزيد عن ثقة طفل صغير جدا، وكان فيه بعض من جاذبية الأطفال، السحر ~~الجذاب للثقة في الآخرين. واثقا من المستقبل الذي كانت أسراره قد تكشفت له داخل الجدران ~~الأربعة لسجن معروف، لم يكن لديه ما يدعو للنظر بعين الريبة إلى أي شخص. إن لم يستطع أن ~~يعطي هذه السيدة العظيمة والفضولية فكرة محددة للغاية عما سيئول إليه مصير العالم، فقد ~~نجح دون جهد في أن يثير إعجابها بإيمانه الذي لا يتزعزع وبتفاؤله الفائق. # يشيع نوع من بساطة التفكير بين الأشخاص الذين يتمتعون بسكون الروح على طرفي السلم ~~الاجتماعي. كانت السيدة النبيلة بسيطة بطريقتها الخاصة. لم يكن في آرائه ومعتقداته ما ~~يصدمها أو يدهشها؛ لأنها حكمت عليها من منطلق مكانتها الرفيعة. في الحقيقة، كان يسهل على ~~رجل من ذلك النوع أن ينال تعاطفها. لم تكن هي نفسها رأسمالية مستغلة؛ بل كانت، إذا جاز ~~التعبير، متسامية عن لعبة الظروف الاقتصادية. وكانت تتمتع ms087 بقدرة كبيرة على الشفقة تجاه ~~الأشكال الأوضح للمآسي الشائعة بين البشر، والسبب في ذلك على وجه التحديد أنها لم تجربها ~~قط حتى إنها اضطرت إلى ترجمة مفهومها عنها إلى مصطلحات عن المعاناة العقلية قبل أن ~~تتمكن من فهم فكرة شناعتها. تذكر المفوض المساعد جيدا الحديث الذي دار بين هذين الاثنين. ~~كان قد أخذ يستمع في صمت. كان الحديث مثيرا بطريقة ما، بل إنه كان مؤثرا في عبثيته ~~القدرية، مثل الجهود التي تبذل من أجل التواصل الأخلاقي بين سكان كواكب بعيدة. لكن هذا ~~التجسيد الغريب للعاطفة الإنسانية كان يستهوي خيال المرء بطريقة ما. في النهاية، نهض ~~ميكايليس، وأمسك يد السيدة النبيلة الممدودة، وصافحها، وظل ممسكا فيها لبرهة في راحته ~~الضخمة اللينة بود غير محرج، وأدار للركن الخاص الذي يتمتع ببعض الخصوصية في غرفة ~~الاستقبال ظهره، الواسع والمربع، وكأنه منتفخ تحت سترته القصيرة من قماش التويد. نظر حوله ~~بلطف هادئ، وتبختر متجها إلى الباب البعيد بين مجموعات من زوار آخرين. توقفت همهمات ~~المحادثات عند مروره. ابتسم ببراءة إلى فتاة طويلة وجميلة تلاقت عيناها بعينيه بالصدفة، ~~وخرج غير منتبه إلى النظرات التي كانت تتابعه عبر الغرفة. كان الظهور الأول لميكايليس ~~على الملأ ناجحا؛ نجاح تقدير لا تشوبه همسة سخرية واحدة. استؤنفت المحادثات التي ~~كانت قد قطعت بنبرتها السابقة، عالية كانت أو منخفضة. لم يعلق بصوت مسموع سوى صوت رجل ~~صحيح البنية، طويل الأطراف، بادي النشاط في الأربعين من عمره، متحدثا إلى سيدتين ~~بالقرب من النافذة، بتأثر شديد غير متوقع: «وزنه ثمانية عشر ستونا، على ما أظن، وطوله لا ~~يصل إلى خمس أقدام وست بوصات. يا له من بائس! هذا مريع؛ مريع.» # بدت سيدة المنزل، التي كانت تحدق بشرود في المفوض المساعد، الذي بقي وحده معها في ~~الجانب الخاص من الحاجز، وكأنها تعيد ترتيب انطباعاتها الفكرية وراء جمود وجهها المسن ~~الجميل، الدال على الاستغراق في التفكير. اقترب رجال بشوارب رمادية، ووجوه ممتلئة، متمتعة ~~بالصحة، تبتسم بغموض، متحلقين حول الحاجز؛ وانضم إليهم امرأتان ناضجتان يعلوهما ms088 وقار ~~حزم لطيف؛ وشخص حليق الذقن غائر الوجنتين، ويعلق نظارة ذات إطار مذهب في شريط أسود ~~عريض معطيا انطباعا محافظا أنيقا. للحظة ساد صمت ينطوي على مراعاة واحترام، لكنه مليء ~~بتحفظات، ثم صاحت السيدة النبيلة، ليس باستياء، وإنما بنوع من السخط المحتج: ~~«ومن المفترض، وبشكل رسمي، أن يكون ذلك الشخص ثوريا! يا له من هراء.» بنظرة محتدة ~~رمقت المفوض المساعد، الذي تمتم مبررا: ~~«ربما ليس خطرا.» # قالت السيدة النبيلة بنبرة حازمة: «ليس خطرا؛ لا أظن ذلك حقا. إنه مجرد مؤمن بتلك ~~الأفكار. طباعه طباع قديس. وأبقوه محبوسا مدة عشرين سنة. إن بدن المرء ليقشعر من الغباء ~~الذي ينطوي عليه ذلك. والآن بعد أن أطلقوا سراحه، كل من له صلة به إما أنه رحل بعيدا إلى ~~مكان ما أو مات. لقي والداه نحبهما؛ والفتاة التي كان سيتزوجها ماتت وهو في السجن؛ ~~وفقد المهارة اللازمة لحرفته اليدوية. أخبرني بهذا كله بنفسه بصبر جميل؛ ولكنه بعد ذلك، ~~كما قال، صار لديه متسع من الوقت للتفكير في أمور تخصه. يا له من تعويض جميل! إذا كانت ~~تلك هي الطريقة التي يصنع بها الثوار، فربما سيركع البعض منا أمامهم.» تابعت بنبرة ~~مازحة بعض الشيء، بينما تحولت نحوها ابتسامات المجتمع التافه المتصلبة على الوجوه، ~~المتشبثة بالأمور الدنيوية، باحترام تقليدي. «من الواضح أن هذا المخلوق البائس لم يعد ~~في وضع يسمح له بالاعتناء بنفسه. سيتعين على شخص ما أن يرعاه قليلا.» # سمع الصوت العسكري للرجل بادي النشاط وهو ينصح بجدية من مسافة بعيدة: «ينبغي أن يوصى ~~باتباع نظام علاجي ما.» كان في حالة صحية ممتازة مقارنة بعمره، وحتى نسيج معطفه الطويل ~~المشقوق الذيل كان يتسم بمتانة مرنة، وكأنه نسيج حي. أردف بتأثر جلي: «الرجل عاجز ~~فعليا.» # تمتمت أصوات أخرى بتعاطف سريع، وكأنها سعدت بذلك التمهيد. «مفزع جدا»، «ضخم للغاية»، ~~«من المؤلم رؤيته.» تلفظ الرجل النحيل الذي يرتدي نظارة معلقة في شريط عريض بكلمة «مشوه»، ~~التي لاقت، كونها كانت منصفة، تقديرا ممن كانوا يقفون بالقرب منه. ابتسم كل ms089 منهم ~~للآخر. # لم يبد المفوض المساعد أي رأي لا في ذلك الوقت ولا بعد ذلك؛ إذ كان منصبه يمنعه من أن ~~يجاهر بأي رأي مستقل عن سجين مدان خرج بإطلاق سراح مشروط. ولكنه، في الحقيقة، كان يشاطر ~~صديقة زوجته والراعية الرأي القائل بأن ميكايليس كان عاطفيا محبا للخير، مجنونا بعض ~~الشيء، ولكنه بوجه عام لا يستطيع أن يؤذي ذبابة عن قصد. لذا عندما ظهر ذلك الاسم فجأة في ~~قضية التفجير المحيرة هذه، أدرك كل مخاطرها على صاحب الإفراج المشروط، وعلى الفور خطر على ~~ذهنه افتتان السيدة العجوز الراسخ به. ما كان عطفها غير المبرر سيصبر على احتمال أي ~~تعرض لحرية ميكايليس. كان افتتانا عميقا وهادئا وواثقا. لم تشعر بأنه مسالم فحسب، ~~بل إنها قالت ذلك، وهو ما صار أخيرا بفعل تشوش في عقلها المستبد ضربا من البراهين التي ~~لا جدال فيها. بدا وكأنها افتتنت بضخامة الرجل، ذي العينين الطفوليتين البريئتين ~~والابتسامة الملائكية لوجهه البدين. كان قد بلغ بها الحال أنها كادت أن تصدق نظريته عن ~~المستقبل؛ إذ إنها لم تكن تتعارض مع تحيزاتها. كرهت عنصر البلوتوقراطية الجديد في ~~التركيبة الاجتماعية، وعلى نحو شخصي بدا لها النظام الاقتصادي القائم على التصنيع، ~~باعتباره سبيلا لتطور البشر، مثيرا للاشمئزاز بسبب طابعه الآلي والخالي من المشاعر. لم ~~تكن الآمال الإنسانية لميكايليس المعتدل تميل إلى الدمار الكامل، وإنما إلى مجرد الخراب ~~الاقتصادي الكامل للنظام. وهي في الحقيقة لم تتبين مكمن الضرر الأخلاقي في ذلك. كان من شأنه ~~أن يقضي على جميع الحشود من «محدثي النعمة» الذين كانت تكرههم ولا تثق فيهم، ليس بسبب ~~وصولهم إلى مكانة مميزة (فقد أنكرت ذلك)، وإنما بسبب جهلهم الشديد بالعالم، الذي كان ~~السبب الرئيسي لقسوة قلوبهم وغلظتها. بزوال فكرة رأس المال سيختفون هم أيضا؛ ولكن الخراب ~~الشامل (شريطة أن يكون شاملا، وفقا لما تكشف لميكايليس) لن يمس القيم الاجتماعية. لن ~~يؤثر اختفاء آخر حفنة من المال على أصحاب المناصب. لم تتصور كيف يمكن أن يؤثر ذلك على ~~وضعها، على سبيل ms090 المثال. كانت المرأة العجوز قد أوصلت هذه التصورات إلى المفوض المساعد بكل ~~الجرأة الهادئة التي تليق بامرأة كانت قد تحررت من آفة اللامبالاة. كان قد وضع لنفسه ~~قاعدة لتلقي كل شيء من ذلك القبيل بصمت تعلمه من السياسة ومن ميله إلى عدم الإساءة. ~~كانت لديه عاطفة تجاه راعية ميكايليس المسنة، عاطفة معقدة تعتمد قليلا على هيبتها ~~وعلى شخصيتها، ولكنها تعتمد في المقام الأول على غريزة الامتنان المجاملة لديها. شعر ~~بأنه محبوب حقا في منزلها. كانت تجسيدا للطف. وكانت أيضا حكيمة من الناحية العملية، ~~على غرار النساء ذوات الخبرة. جعلت حياته الزوجية أسهل بكثير مما كانت ستصبح عليه لو غاب ~~اعترافها السخي الكامل بحقوقه باعتباره زوج آني. كان تأثيرها رائعا على زوجته، وهي امرأة ~~كانت نهبا لكل أنواع الحسد والحقد والغيرة مهما كانت صغيرة. مع الأسف، كان لكل من عطفها ~~وحكمتها طابع غير معقول، طابع أنثوي متأصل، ويصعب التعامل معه. ظلت امرأة مثالية طيلة ~~سنوات عمرها، ولم تتغير إلى حال يتغير إليه بعضهن؛ اللواتي يتحولن إلى رجل عجوز مزعج ~~يرتدي تنورات نسائية. وكان يفكر فيها كامرأة؛ باعتبارها التجسيد المنتقى للأنوثة، ~~الذي يجند حارسا يجمع بين الرقة والبراعة والشراسة كي يحرسه من كل أنواع الرجال الذين ~~يتحدثون تحت تأثير العاطفة سواء كانت حقيقية أم مزيفة؛ من الواعظين والعرافين والقادة ~~الملهمين والمصلحين. # تقديرا للصديقة المميزة والمقربة لزوجته، وله، بتلك الطريقة، أصبح المفوض المساعد قلقا ~~بشأن المصير المحتمل للمجرم المدان ميكايليس. بمجرد إلقاء القبض عليه للاشتباه في كونه ~~بطريقة ما، مهما كانت مستبعدة، طرفا في هذا الاعتداء، فربما لا يستطيع الرجل أن يهرب من ~~أن يزج به إلى السجن مرة أخرى لإنهاء مدة عقوبته على الأقل. وذلك قد يودي بحياته؛ ~~فلن يخرج حيا أبدا. فكر المفوض المساعد بأسلوب لا يليق بمنصبه الرسمي وإن كان ~~أسلوبا مشرفا حقا لإنسانيته. # فكر في نفسه: «لو ألقي القبض على الرجل مرة أخرى، فلن تسامحني أبدا.» # لم يكن من الممكن أن تمر صراحة هذه الفكرة التي كانت تجول سرا ms091 في رأسه من دون بعض ~~الانتقاد الساخر للذات. لا يمكن لرجل يمارس عملا لا يحبه أن يحتفظ بالعديد من الأوهام ~~التي يتصور فيها نفسه في شخصية المنقذ. يمتد النفور وغياب الرونق من المهنة إلى الشخصية. لا ~~نتذوق طعم الراحة النابعة من خداع النفس التام إلا عندما تتوافق الأنشطة المنوطة بنا ~~بالصدفة مع جدية مزاجنا. لم يحب المفوض المساعد عمله داخل وطنه. كان العمل الشرطي الذي ~~كان منخرطا فيه في بقعة بعيدة من العالم قد تضمن شخصية المنقذ في أعمال غير منتظمة أو ~~على الأقل كان ينطوي في بعض الأحيان على المخاطرة والإثارة التي تنطوي عليها بعض الأنشطة. ~~امتزجت قدراته الحقيقية، التي كانت في المقام الأول من نوع إداري، مع ميل للمغامرة. مقيدا ~~إلى مكتب يرتبط نشاطه ارتباطا كبيرا بأربعة ملايين رجل، اعتبر نفسه ضحية مصير مثير ~~للسخرية؛ هو المصير نفسه، بلا شك، الذي أدى به إلى الزواج من امرأة حساسة للغاية تجاه ~~مسألة المناخ الاستعماري، إلى جانب أوجه قصور أخرى تدل على رقة طبيعتها؛ وعلى رقة حسها. ~~ومع أنه حكم على قلقه بطريقة ساخرة، لكنه لم يطرد الفكرة غير اللائقة من عقله. كانت غريزة ~~الحفاظ على الذات قوية بداخله. وعلى النقيض من ذلك، ظل يكررها في ذهنه بتأكيد مقيت ~~ودقة كاملة: «اللعنة! إن مضى هيت اللعين في فعل ما يريده، فسيموت الرجل في السجن مختنقا ~~ببدانته، ولن تغفر لي هي ذلك أبدا.» # ظل من دون حراك، في بدلته السوداء التي تستر جسما نحيلا، وشريط الياقة البيضاء تحت بريق ~~الشعر الفضي القصير المقصوص في مؤخرة رأسه. كان الصمت قد ساد لمدة طويلة لدرجة أن كبير ~~المفتشين هيت تجرأ وتنحنح. أتى هذا الصوت الذي أصدره بأثره. تلقى الضابط الغيور والذكي ~~سؤالا من رئيسه الذي ظل موليا ظهره له من دون أن يتحرك: ~~«هل تقول إن ميكايليس له صلة بهذه القضية؟» # كان كبير المفتشين هيت متأكدا جدا، لكنه كان حذرا. # قال: «في الواقع، يا سيدي، لدينا ما يكفي لنعتمد عليه في المضي قدما. ms092 وعلى أي حال، ~~المصلحة تقتضي عدم ترك رجل كهذا طليقا.» # أتاه التعليق بهمهمة: «ستحتاج إلى بعض الأدلة الدامغة.» # رفع كبير المفتشين هيت حاجبيه ناظرا إلى الظهر النحيل ذي السترة السوداء الذي ظل ~~صاحبه يعاند ذكاءه وحماسه. # قال بثقة تامة: «لن تكون ثمة صعوبة في الحصول على أدلة كافية ضده.» ثم أضاف من ملء قلبه ~~إضافة لا حاجة إليها: «يمكنك أن تثق بي في ذلك الأمر يا سيدي»؛ إذ بدا له أنه أمر طيب ~~للغاية أن يكون ذلك الرجل في قبضتهم لتقديمه إلى الشعب في حالة إذا ما أبدى أي سخط بشأن ~~تلك القضية. كان من المستحيل في ذلك الوقت معرفة ما إذا كان سيبدي سخطا أم لا. كان ذلك، ~~بالطبع، يعتمد في نهاية الأمر، على الصحافة. ولكن على أي حال، كان كبير المفتشين هيت، ~~الذي كان بحكم وظيفته رجلا يقدم إلى السجون احتياجاتها من السجناء، ورجلا ذا مواهب ~~قانونية، بحكم المنطق يعتقد أن السجن هو المصير المناسب لكل شخص يعتبر عدوا للقانون. ~~متأثرا بتلك القناعة، ارتكب خطأ يدل على عدم لباقة. سمح لنفسه بضحكة خفيفة تنطوي على بعض ~~الغرور، وكرر قائلا: ~~«ثق بي في ذلك الأمر يا سيدي.» # كان هذا يفوق طاقة المفوض المساعد على الهدوء القسري الذي ظل لمدة تصل إلى ثمانية عشر ~~شهرا يخفي تحته غضبه من النظام ومن مرءوسيه. لم يكن يصلح على الإطلاق للعمل المسند إليه ~~ولا كان ذلك المكان يتناسب مع طبيعته بأي حال من الأحوال، فكان يشعر بما يشبه غضبا ~~يوميا لمحاولة إجبار نفسه على التأقلم على ذلك المكان الذي كان يمكن لرجل آخر ذي طبيعة ~~أنسب أن يتأقلم عليه، برضوخ مبهج للنفس، بعد محاولة أو اثنتين. أكثر ما كان يستاء منه ~~هو ضرورة أن يعتمد بقدر كبير على الثقة. عندما ضحك كبير المفتشين هيت تلك الضحكة الخفيفة، ~~استدار بسرعة على عقبيه، وكأن صدمة كهربية أبعدته عن زجاج النافذة. لم يلمح على وجه الأخير ~~الشعور بالرضا عن النفس المناسب للموقف يتوارى على شفتيه فحسب، ms093 بل لمس آثار تيقظ فاحص ~~في عينيه المستديرتين، اللتين كانتا، بلا شك، محدقتين في ظهره، والآن التقتا بنظرته ~~للحظة قبل أن يأخذ الطابع المقصود من تحديقهما الوقت ليتبدل إلى مجرد مظهر دال على ~~الدهشة. # في واقع الأمر، كان المفوض المساعد يتحلى ببعض المؤهلات التي كانت تناسب منصبه. ~~فجأة، انتابه الشك. ومن الإنصاف القول إن شكوكه في أساليب الشرطة (ما لم تصبح الشرطة مؤسسة ~~شبه عسكرية ينظمها هو بنفسه) لم يكن من الصعب إيقاظها. ولو هجعت يوما بداعي السأم ~~الشديد، فإن ذلك كان قليلا ما يحدث؛ وجعله إدراكه المعقول لحماس وقدرة كبير المفتشين ~~هيت يستبعد فكرة الثقة الأخلاقية تماما. قال محدثا نفسه: «إنه ينوي فعل شيء ما»، ~~وعلى الفور انتابه الغضب. سار إلى مكتبه بخطوات مسرعة، وارتمى على الكرسي بعنف. قال ~~مفكرا باستياء غير معقول: «ها أنا عالق بين كومة من الورق، بينما من المفترض أن أمسك كل ~~الخيوط بيدي، ومع ذلك لا يسعني إلا الإمساك بما يوضع في يدي، ولا شيء آخر. ويمكنهم ربط ~~الأطراف الأخرى للخيوط حيثما يشاءون.» # رفع رأسه، والتفت إلى مرءوسه بوجه طويل هزيل ذي ملامح بارزة نشيطة مثل ملامح دون ~~كيخوتي. ~~«الآن، ما الذي تخفيه في جعبتك؟» # حدق الآخر في وجهه. ظل يحدق دون أن يرمش بثبات تام بعينيه المستديرتين، مثلما ~~اعتاد على التحديق في وجوه المجرمين بأنواعهم عندما يدلون بأقوالهم، بعد تحذيرهم على ~~النحو الواجب، بنبرة تنطوي على براءة مجروحة، أو سذاجة زائفة، أو استسلام متجهم. ولكن ~~خلف هذا الثبات المهني والمتحجر كان يوجد أيضا بعض الاندهاش، إذ لم يعتد كبير ~~المفتشين هيت، الذراع اليمنى للإدارة، أن يخاطب بتلك النبرة التي تجمع على نحو واضح ~~بين الاحتقار ونفاد الصبر، لم يعتد كبير المفتشين هيت، الذراع اليمنى للإدارة في ~~الإدارة، على مخاطبته بتلك النبرة. بدأ بطريقة تتسم بالمماطلة، مثل رجل بوغت على حين غرة ~~بتجربة جديدة وغير متوقعة. ~~«هل تقصد، يا سيدي، ما لدي ضد المدعو ميكايليس؟» # تأمل المفوض المساعد الرأس المستدير؛ طرفا ذلك الشارب الذي ms094 يشبه شوارب القراصنة ~~الإسكندنافيين، اللذان يتدليان تحت خط الفك الكبير؛ كل ملامح الوجه الممتلئ والشاحب، الذي ~~أفسد تراكم الجلد طابعه الحازم؛ واستقى من التجاعيد الماكرة التي تبرز من زوايتي عينيه ~~الخارجيتين، ومن ذلك التأمل المتأني في الضابط القدير والموثوق فيه، استقى قناعة كانت ~~مفاجئة جدا حتى إنها دفعته كما لو كانت إلهاما. # قال بنبرة مدروسة: «لدي سبب يدعوني إلى أن أظن أن من كان في ذهنك عندما دخلت إلى هذه ~~الغرفة لم يكن ميكايليس؛ لم يكن هو في المقام الأول، وربما لم يكن هو على الإطلاق.» # تمتم كبير المفتشين هيت، وقد اعترته كل مظاهر الذهول، الذي كان حقيقيا إلى حد ما: ~~«لديك سبب يدعوك إلى أن تظن ذلك، يا سيدي؟» كان قد اكتشف في هذه القضية جانبا حساسا ~~ومحيرا، يفرض عليه قدرا معينا من المراوغة، ذلك النوع من المراوغة الذي يظهر في مرحلة ~~معينة في معظم الشئون الإنسانية، مندرجا تحت اسم المهارة أو الحصافة أو التحفظ. شعر في ~~هذه اللحظة بما قد يشعر به بهلوان يمشي على حبل مشدود لو خرج فجأة مدير قاعة الموسيقى، ~~في وسط العرض، عن نطاق عمله الإداري المنوط به وبدأ في هز الحبل. من شأن السخط المبرر، ~~الشعور بانعدام الأمان الأخلاقي الناجم عن مثل هذا التصرف الغادر المقترن بخوف فوري من ~~كسر في الرقبة، أن يوقعه، حسب المصطلح العامي، في حيص بيص. وسينتابه كذلك بعض القلق المروع ~~على الفن الذي يؤديه أيضا؛ لأنه يتعين على أي رجل أن يميز نفسه بشيء ملموس يتجاوز ~~شخصيته، وأن يثبت اعتداده بنفسه بطريقة ما، إما بوضعه الاجتماعي، أو بإتقانه لعمله الذي هو ~~ملزم بأدائه، أو بمجرد ميزة التبطل الذي قد يحالفه الحظ في أن يستمتع به. # قال المفوض المساعد: «نعم، لدي. لا أقصد القول بأنك لم تفكر في ميكايليس على ~~الإطلاق. ولكنك تمنح الحقيقة التي ذكرتها أهمية كبيرة يدهشني أنه ينقصها الصراحة، أيها ~~المفتش هيت. إذا كان ذلك هو حقا مسار استنتاجك، فلماذا لم تتعقبه على الفور، إما بنفسك ms095 ~~أو بإرسال أحد رجالك إلى تلك القرية؟» # سأل كبير المفتشين بنبرة سعى إلى أن يجعلها تأملية ببساطة: «هل تظن، يا سيدي، أنني ~~أخفقت في واجبي في ذلك الأمر؟» مجبرا على نحو غير متوقع على تركيز قدراته على مهمة ~~الحفاظ على توازنه، استغل تلك النقطة، وعرض نفسه للوم؛ إذ أدرك المفوض المساعد، ~~مقطبا جبينه قليلا، أن هذه الملاحظة التي أبداها كانت غير ملائمة جدا. # تابع ببرود: «ولكن بما أنك أثرت هذه النقطة، فدعني أخبرك بأن هذا ليس المقصود من ~~كلامي.» # توقف قليلا عن الكلام، ونظر إليه نظرة مباشرة من عينيه الغائرتين كانت معادلا ~~تاما للتتمة التي لم ينطق بها: «وأنت تعرف ذلك.» كان لدى رئيس ما يسمى بإدارة ~~الجرائم الخاصة، المحروم بسبب منصبه من الخروج بنفسه سعيا وراء الأسرار الحبيسة في صدور ~~المذنبين، ميل إلى ممارسة مواهبه الكبيرة في اكتشاف الحقيقة التي تدين مرءوسيه. لا يمكن ~~أن نطلق على تلك الغريزة المميزة نقطة ضعف. بل كانت فطرية فيه. فقد ولد كي يكون ~~محققا. كانت هذه الغريزة قد تحكمت في اختياره لحياته المهنية من دون أن يعي ذلك، ~~وإذا كانت قد خذلته في حياته يوما ما، فربما حدث هذا في ظرف استثنائي وحيد هو زواجه؛ وهو ~~وما كان طبيعيا أيضا. لقد تغذت هذه الغريزة الفطرية لديه على المادية البشرية التي كانت ~~تأتيه في عزلته الرسمية، بما أنه لم يكن بوسعه أن يستخدمها خارجها. لا يمكننا أبدا أن ~~نتوقف عن أن نمارس طبيعتنا. # مسندا كوعه على المكتب، ومريحا وجنته على راحة ~~يده الهزيلة، أخذ المفوض المساعد المسئول عن إدارة الجرائم الخاصة يمسك بزمام القضية ~~باهتمام متزايد. إن لم يكن كبير مفتشيه خصما جديرا تماما بذكائه، فعلى أي حال كان ~~الأجدر بين كل من كانوا تحت إمرته. كان انعدام الثقة في أصحاب السمعة الراسخة يتوافق ~~توافقا تاما مع قدرة المفوض المساعد على التحري. استحضرت ذاكرته زعيما محليا مسنا ~~سمينا وثريا في المستعمرة البعيدة التي دأب حكامها الاستعماريون المتعاقبون على أن ~~يثقوا به ويستفيدوا منه ms096 باعتباره صديقا حميما وداعما للنظام والشرعية التي أنشأها ~~الرجال البيض؛ ولكن استقصي أمره بارتياب، اكتشف أنه في الأساس صديق لنفسه فحسب، وليس ~~لأي أحد آخر. لم يكن خائنا على وجه التحديد، ولكنه كان لا يزال رجلا عليه تحفظات ~~خطيرة حول إخلاصه، مردها مراعاة واجبه لمصلحته الخاصة وراحته وسلامته الشخصية. كان ~~رجلا يتصف ببعض البراءة في نفاقه الساذج، لكنه مع ذلك كان خطيرا. استخلص من ذلك بعض ~~النتائج. كان هو الآخر رجلا ضخم البنية و(باستثناء الفرق في اللون بالطبع)، كان مظهر كبير ~~المفتشين هيت يذكره بذلك الذي كان يفوقه. لم يكن ما يذكره به هو العينين ولا الشفتين ~~تحديدا. كان ذلك غريبا. ولكن ألم يرو ألفريد والاس في كتابه الشهير عن أرخبيل الملايو ~~كيف اكتشف في همجي مسن وعار وله بشرة قاتمة، من سكان جزيرة آرو، تشابها غريبا مع ~~صديق عزيز له في وطنه؟ # لأول مرة منذ أن تولى المفوض المساعد منصبه، شعر وكأنه سيؤدي عملا حقيقيا نظير ~~راتبه. وكان ذلك شعورا سارا. فكر المفوض المساعد في نفسه، وعيناه تنظران بجدية إلى ~~كبير المفتشين هيت: «سأجعله يفصح عن كل ما يخفيه.» # عاد للحديث مجددا: «لا، لم يكن ذلك ما أفكر فيه. لا شك في درايتك بعملك؛ لا شك على ~~الإطلاق؛ وذلك بالتحديد السبب في أنني ...» توقف لبرهة، ومغيرا نبرته قال: «ما الأدلة ~~الحاسمة التي يمكنك تقديمها ضد ميكايليس؟ أعني بصرف النظر عن حقيقة أن الرجلين المشتبه ~~فيهما - أنت متأكد من أنهما كانا رجلين - أتيا من محطة سكك حديدية تبعد ثلاثة أميال من ~~القرية التي يعيش فيها ميكايليس الآن.» # استعاد كبير المفتشين رباطة جأشه، وقال: «هذا في حد ذاته كاف لنا، يا سيدي، كي ~~نتحرى حول رجل كهذا.» نجحت حركة الموافقة الطفيفة التي أبداها المفوض المساعد برأسه ~~بقدر كبير في تهدئة الدهشة المتسمة بالاستياء البادية على الضابط الشهير. وذلك لأن كبير ~~المفتشين هيت كان رجلا لطيفا، وزوجا وفيا، وأبا مخلصا؛ وكانت ثقة العامة وإدارته ~~اللتان كان ينعم بتعاملهما معه باستحسان بناء على ms097 طبيعة ودية، قد جعلته يشعر بالود تجاه ~~المفوضين المساعدين المتعاقبين الذين كان قد شاهدهم يمرون عبر تلك الغرفة تحديدا. كان ~~ثلاثة قد تعاقبوا عليه خلال فترة عمله. كان يمكن تدبر الأمر مع الأول، الذي كان يتصف ~~بأنه ذو طبيعة عسكرية، وطبع حاد، ووجه أحمر وحواجب بيضاء ومزاج سريع الانفعال، بالتعامل معه ~~بحذر شديد لتجنب إثارته. غادر منصبه عندما وصل إلى سن التقاعد. أما الثاني، الذي كان ~~رجلا محترما للغاية، يحفظ مقامه ومقام الآخرين بدقة، فعند استقالته لتولي منصب أعلى ~~خارج إنجلترا، حصل (بالفعل) على وسام بناء على خدمات المفتش هيت. كان العمل معه مدعاة ~~للفخر والسرور. أما الثالث، الذي كان غامضا إلى حد ما من البداية، فكان لا يزال بعد ~~ثمانية عشر شهرا غامضا نوعا ما للعاملين بالإدارة. إجمالا اعتقد كبير المفتشين هيت ~~أنه غير مؤذ بوجه عام، غريب المظهر، لكنه غير مؤذ. كان يتحدث الآن، وكان كبير ~~المفتشين يستمع إليه بإجلال ظاهري (وهذا لا يعني شيئا، كونه أمرا واجبا) وبصبر جميل في ~~قرارة نفسه. ~~«هل أبلغ ميكايليس الشرطة قبل أن يغادر لندن إلى الريف؟» ~~«نعم يا سيدي. فعل ذلك.» # تابع المفوض المساعد، الذي كان على علم تام بتلك النقطة: «ترى ماذا يفعل هناك؟» كان ~~ميكايليس، الذي كان يجلس على مقعد خشبي قديم ذي ذراعين ضيق لا يكاد يسعه، أمام طاولة ~~من خشب البلوط نخرها السوس في غرفة علوية في كوخ من أربع غرف له سقف من قرميد نمت عليه ~~الطحالب، عاكفا على الكتابة ليل نهار بيد مرتعشة مائلة «السيرة الذاتية لسجين» التي كان ~~من المفترض أنها ستكون مثل سفر رؤيا في تاريخ البشرية. كانت ظروف المساحة الضيقة والعزلة ~~والوحدة في كوخ صغير من أربع غرف مواتية لإلهامه. كان الأمر يشبه كونه في سجن، عدا أن ~~المرء لم يكن يتعرض البتة للإزعاج من أجل الغرض البغيض المتمثل في أداء تمرينات وفقا ~~لما تمليه اللوائح التعسفية لمقر إقامته القديم في السجن. لم يكن بوسعه أن يميز إن كانت ~~الشمس لا تزال ms098 تلقي بأشعتها على الأرض أم لا. كان جبينه يتصبب بعرق جهد العمل الأدبي. ~~وحثته حماسة مبهجة على المتابعة. كان بمثابة تحرير لنفسه الداخلية، وإطلاق لعنان روحه نحو ~~عالم واسع. وبدا حماس الغرور البريء (الذي اتقد بداية بعرض بقيمة خمسمائة جنيه ~~إسترليني من ناشر) قدرا مقدورا وأمرا مقدسا. # ألح المفوض المساعد إلحاحا غير صريح، قائلا: «سيكون من المستحسن للغاية، بالطبع، أن ~~أطلع على المجريات بدقة.» # قال كبير المفتشين هيت، دون أن يخفى عليه الغضب الذي تجدد مع هذه المطالبة بالدقة، ~~إن شرطة المقاطعة قد أخطرت على الفور بوصول ميكايليس، وأنه يمكن الحصول على تقرير ~~كامل في غضون ساعات قليلة. برقية إلى رئيس الشرطة ... # قال ذلك، ببطء نوعا ما، بينما بدا أن عقله كان في الوقت نفسه يقدر العواقب. كان ~~انعقاد خفيف لحاجبه هو العلامة الظاهرية على ذلك. لكنه قوطع بسؤال. ~~«هل أرسلت هذه البرقية بالفعل؟» # أجاب، وكأنه فوجئ بالسؤال: «كلا يا سيدي.» # أنزل المفوض المساعد ساقه من فوق الأخرى فجأة. تناقضت خفة تلك الحركة مع الطريقة ~~العرضية التي طرح بها سؤاله. ~~«هل تظن أن ميكايليس له أي علاقة بتحضير تلك القنبلة، مثلا؟» # تظاهر كبير المفتشين بالتفكير. ~~«ما كنت لأقول ذلك. لا حاجة لقول أي شيء في الوقت الحالي. إنه على صلة برجال مصنفين ~~بأنهم خطرون. اختير ممثلا للجنة الحمراء بعد أقل من سنة من الإفراج المشروط الذي حصل ~~عليه. نوع من المجاملة، على ما أظن.» # وضحك كبير المفتشين بقليل من الغضب، وقليل من الازدراء. مع رجل من ذلك النوع، كان ~~التدقيق تصرفا في غير موضعه، بل حتى شعورا غير قانوني. كان صدره قد ضاق من الشهرة التي ~~حظي بها ميكايليس عند خروجه من السجن منذ عامين بسبب بعض الصحفيين العاطفيين بداعي ~~الحاجة إلى إصدار طبعات خاصة. كان القبض على ذلك الرجل استنادا إلى أدنى شبهة قانونيا ~~تماما. كان قانونيا ومناسبا في ظاهره. كان رئيساه السابقان سيفهمان المغزى على ~~الفور؛ أما هذا فجلس في مكانه، دون أن يؤيد ذلك أو يعارضه، وكأنه ms099 غارق في أحلامه. علاوة ~~على ذلك، بالإضافة إلى كون القبض على ميكايليس قانونيا ومناسبا، فقد حل مشكلة شخصية ~~صغيرة أقلقت كبير المفتشين هيت بعض الشيء. أثرت هذه المشكلة على سمعته وعلى راحته ~~وحتى على كفاءته في أداء واجباته. وذلك لأنه إذا كان ميكايليس يعلم دون شك شيئا عن هذا ~~الانفجار، كان كبير المفتشين متأكدا تماما من أنه لا يعرف الكثير. كان هذا أمرا جيدا، ~~حتى إن لم يكن ما توقعه. كان كبير المفتشين متيقنا من أنه كان يعرف أقل بكثير من ~~أفراد معينين آخرين كان يضعهم في حسبانه، ولكن القبض عليهم بدا غير مناسب من وجهة ~~نظره، بالإضافة إلى كونه مسألة أعقد، بناء على قواعد اللعبة. لم توفر قواعد اللعبة ~~الكثير من الحماية لميكايليس، الذي كان مدانا سابقا. سيكون من الحماقة عدم استغلال ~~التسهيلات القانونية، والصحفيون الذين كانوا قد كتبوا عنه بفيض من العاطفة سيكونون على ~~استعداد للكتابة عنه بسخط نابع من العاطفة. # كان لهذا الاحتمال، الذي كان كبير المفتشين هيت واثقا من حدوثه، جاذبية نصر شخصي له. ~~وفي أعماق صدره المنزه عن اللوم بصفته مواطنا عاديا متزوجا، كان للكراهة غير ~~المدركة تقريبا، ولكنها قوية، لكونه مجبرا بداعي الأحداث إلى التعامل مع الضراوة ~~اليائسة للبروفيسور، تأثيرها عليه. كانت هذه الكراهة قد تعززت باللقاء العارض في الزقاق. ~~لم يخلف هذا اللقاء لدى كبير المفتشين هيت ذلك الشعور المرضي بالاستعلاء الذي يناله ~~أفراد الشرطة من الجانب غير الرسمي والودي لتعاملهم مع فئات المجرمين، والذي به يهدأ غرور ~~السلطة، وينال الحب المبتذل للهيمنة على إخوتنا من بني البشر التملق بالقدر الذي ~~يستحقه. # لم يعترف كبير المفتشين هيت باللاسلطوي المثالي باعتباره من بني البشر. كان لا يطاق؛ ~~كلب مسعور يجب أن يترك وشأنه. لم يكن ذلك ما كان يخشاه كبير المفتشين؛ بل كان على ~~النقيض ينوي الإمساك به يوما ما. ولكن لم يحن ذلك اليوم بعد؛ كان ينوي الإمساك به في ~~الوقت الذي يحدده هو، حسب إجراءات سليمة وفعالة وفق قواعد اللعبة. لم يكن ms100 الوقت ~~الحاضر هو الوقت المناسب لمحاولة إنجاز هذا العمل البطولي، لم يكن الوقت المناسب ~~لأسباب كثيرة، شخصية، ومتعلقة بالعمل العام. كان هذا هو الشعور القوي الذي أحس به ~~المفتش هيت، فقد بدا له أن العدل والمصلحة يقتضيان تحويل القضية بعيدا عن مسارها الغامض ~~وغير المريح، الذي لا يعلم إلا الرب إلى أين سيؤدي، إلى مسار فرعي هادئ (وقانوني) يدعى ~~ميكايليس. وكرر، وكأنه يعيد التفكير في السؤال بوعي: ~~«القنبلة. كلا، ما كنت لأقول هذا بالضبط. قد لا نتمكن من اكتشاف ذلك مطلقا. ولكن من ~~الواضح أن له علاقة بهذا بطريقة أو بأخرى، وهو ما يمكننا اكتشافه من دون عناء ~~كبير.» # ارتسمت على ملامحه نظرة اللامبالاة الجسيمة والخطيرة، التي كان أعتى اللصوص فيما مضى ~~يعرفونها حق المعرفة ويخشونها كثيرا. لم يكن كبير المفتشين هيت، كثير الابتسام. لكنه ~~كان راضيا في داخله عن السلوك السلبي المتقبل الذي أبداه المفوض المساعد، الذي ~~همهم برفق: ~~«وهل تظن حقا أن التحقيق ينبغي أن يمضي في ذلك الاتجاه؟» ~~«نعم يا سيدي.» ~~«هل أنت مقتنع تماما؟» ~~«نعم، مقتنع يا سيدي. هذا هو المسار الصحيح الذي ينبغي أن نسلكه.» # سحب المفوض المساعد يده التي كان رأسه يتكئ عليها بحركة فجائية، لدرجة أنه، نظرا ~~لوضعيته الجسمانية الضعيفة، بدا أن جسده كله كان مهددا بأن يخر على الأرض. ولكنه، على ~~النقيض، اعتدل في جلسته، منتبها تماما، خلف المكتب الكبير الذي سقطت يده عليه محدثة صوت ~~ضربة عنيفة. ~~«ما أريد معرفته هو ما تجبر نفسك على عدم التفكير فيه حتى الآن.» # كرر كبير المفتشين ببطء شديد: «ما أجبر نفسي على عدم التفكير فيه.» ~~«نعم. حتى استدعيت إلى تلك الغرفة، كما تعلم.» # شعر كبير المفتشين وكأن الهواء الذي بين ملابسه وجلده قد صار ساخنا على نحو مزعج. كان ~~ذلك هو الإحساس بتجربة غير مسبوقة ولا يمكن تصديقها. # قال، مبالغا في التروي في نطقه للكلمات إلى أقصى حد ممكن: «بالطبع، إذا كان ثمة ~~سبب، لا أعرف عنه شيئا، يدعو إلى عدم اعتراض طريق المجرم ms101 المدان ميكايليس، فلعله من ~~الجيد أنني لم أجعل شرطة المقاطعة تلاحقه.» # استغرق هذا وقتا طويلا حتى إنه يمكن القول إن الاهتمام الدءوب من جانب المفوض المساعد ~~بدا عملا بطوليا في القدرة على التحمل. جاء رده سريعا دون تأخير. ~~«لا يوجد أي سبب على الإطلاق على حد علمي. هيا، يا كبير المفتشين، هذه المراوغة معي ~~غير لائقة للغاية من جانبك؛ غير لائقة للغاية. كما أنها أيضا غير عادلة، كما تعلم. لا ~~ينبغي أن تتركني حائرا أحاول التوصل إلى حل للأمور بنفسي هكذا. حقا، إنني ~~مندهش.» # توقف قليلا، ثم أردف بنعومة: «لست بحاجة إلى إخبارك بأن هذه المحادثة برمتها غير ~~رسمية.» # لم تهدئ هذه الكلمات كبير المفتشين على الإطلاق. كان الشعور بالسخط قويا بداخله ~~كالذي يشعر به البهلوان الذي يمشي على الحبل المشدود عندما يتعرض للخيانة. بداع من ~~اعتزازه بنفسه كونه موظفا موثوقا فيه، تضرر نتيجة قناعته بأن الحبل لم يهز بغرض ~~كسر عنقه، وإنما إبداء لمزاح وقح. وكأن هذا سيخيفه! إن المفوضين المساعدين يأتون ~~ويذهبون، ولكن كبير المفتشين المهم ليس ظاهرة سريعة الزوال في المكتب. لم يكن يخشى من كسر ~~عنقه. كان إفساد أدائه أكثر من كاف لتبرير احتدام سخطه العميق. ولما كان التفكير لا يلقي ~~بالا للأشخاص، اتخذ تفكير كبير المفتشين هيت شكلا تهديديا وتنبؤيا. قال في سريرته، ~~دون أن تتوقف عيناه المستديرتان والهائمتان كعادتهما عن التحديق في وجه المفوض المساعد: ~~«أنت، أيها الفتى، أنت أيها الفتى، لا تعرف مكانتك، وأراهن على أن مكانتك لن تبقيك ~~لفترة طويلة أيضا.» # ارتسم ما يشبه طيف ابتسامة ودودة، مرت سريعا، على شفتي المفوض المساعد، وكأنها ~~إجابة مستفزة على تلك الخاطرة. كان أسلوبه بسيطا وعمليا في مثابرته على هز الحبل ~~المشدود مرة أخرى. # قال: «لنتحدث الآن عما توصلت إليه على الفور، يا كبير المفتشين.» # ظلت سلسلة الأفكار التنبؤية تتوالى على رأس كبير المفتشين هيت: «أحمق سيفقد عمله ~~قريبا.» لكن تبعها على الفور تأمل مفاده أن أي مسئول أعلى، حتى عند «طرده من العمل» ~~(كانت ms102 هذه هي الصورة الدقيقة ) لا يزال لديه الوقت وهو ينطلق من الباب ليركل مرءوسا في ~~ساقه ركلة سيئة. من دون أن يخفف من تحديقه الذي كان يشبه كثيرا تحديق أفعى البازيليسق، ~~قال بهدوء: ~~«سنأتي إلى ذلك الجزء من تحرياتي يا سيدي.» ~~«هذا صحيح. حسنا، ما المعلومات التي توصلت إليها منها؟» # عاد كبير المفتشين، الذي كان قد عقد العزم على القفز من فوق الحبل، إلى أرض الواقع بصراحة ~~كئيبة. # قال، وهو يخرج من جيبه دون تعجل خرقة محروقة باللون الأزرق الداكن: «توصلت إلى عنوان.» ~~«هذه الخرقة من المعطف الذي كان يرتديه الشخص الذي مزقه الانفجار إلى أشلاء. بالطبع، ربما ~~لا يكون المعطف ملكا له، وربما يكون قد سرق. لكن ذلك سيكون غير محتمل على الإطلاق لو أنك ~~نظرت إلى هذا.» # تقدم كبير المفتشين نحو المكتب، وبسط بعناية الخرقة المصنوعة من قماش أزرق. كان قد ~~أخذها من الكومة البغيضة في المشرحة؛ لأنه في بعض الأحيان يكون اسم الخياط موجودا تحت ~~الياقة. غالبا ما لا يكون ذلك ذا أهمية كبيرة، ولكن مع ذلك، توقع على الأقل أن يجد أي شيء ~~مفيد، لكنه بالتأكيد لم يتوقع أن يجد، ليس تحت الياقة على الإطلاق، ولكن مخيط بعناية على ~~بطانة طية صدر السترة، قطعة مربعة من نسيج الكاليكو مكتوب عليها عنوان بحبر أسود. # سحب كبير المفتشين يده المبسوطة. # قال: «حملتها معي من دون أن يلحظ أحد ذلك. ظننت أن هذا هو الأفضل. يمكن دوما إخراجها ~~إذا لزم الأمر.» # ارتفع المفوض المساعد قليلا من فوق كرسيه، وسحب قطعة القماش إلى جانبه من المكتب. ~~جلس ينظر إليها صامتا. لم يكن مكتوبا على قطعة قماش من نسيج الكاليكو، أكبر قليلا من ~~ورقة سيجارة عادية، سوى العدد 32 واسم «شارع بريت» بالحبر الأسود. لقد فوجئ حقا. # قال وهو ينظر إلى كبير المفتشين هيت: «لا أستطيع أن أفهم السبب الذي دفعه إلى التجول ~~مرتديا ملابس عليها علامة هكذا. إنه أمر في غاية الغرابة.» # قال كبير المفتشين: «قابلت ذات مرة في غرفة ms103 المدخنين في فندق رجلا عجوزا كل معاطفه ~~خيط عليها اسمه وعنوانه تحسبا للتعرض لحادث أو مرض مفاجئ. زعم أن عمره أربعة وثمانون ~~عاما، ولكن مظهره لم يكن يدل على عمره. أخبرني إنه كان أيضا يخشى من فقدان ذاكرته فجأة، ~~مثل الأشخاص الذين كان يقرأ عنهم في الصحف.» # فجأة قطع سؤال من المفوض المساعد، الذي أراد أن يعرف ما معنى 32 شارع بريت، تلك ~~الذكريات. اختار كبير المفتشين، مدفوعا إلى أرض الواقع بحيل ملتوية، أن يسلك طريق ~~المصارحة من دون تحفظ. إن كان يعتقد اعتقادا راسخا بأن معرفة أكثر مما يلزم من المعلومات ~~لم يكن في صالح الإدارة، فإن حجب ما يعرف بحكمة، بقدر ~~ما يسمح به ولاؤه، كان في صالح العمل. وإذا أراد المفوض المساعد أن يسيء إدارة هذه القضية، ~~فلا يمكن بالطبع لشيء أن يمنعه. لكنه، من جانبه، لم يكن يرى الآن أي سبب لإظهار الهمة. ~~ومن ثم أجاب بإيجاز: ~~«إنه متجر يا سيدي.» # انتظر المفوض المساعد، ناظرا إلى خرقة القماش الأزرق، مزيدا من المعلومات. لما لم ينل ~~ما كان يرنو إليه، بدأ في الحصول على تلك المعلومات بطرح سلسلة من الأسئلة بصبر جميل. ومن ~~ثم سأل عن طبيعة تجارة السيد فيرلوك، وعن مظهره الشخصي، وفي النهاية سمع اسمه. في فترة ~~تخللها الصمت، رفع المفوض المساعد عينيه، ولمح قدرا من النشاط على وجه كبير المفتشين. ~~نظر كل منهما إلى الآخر في صمت. # قال الأخير: «بالطبع، لا تملك الإدارة سجلا عن ذلك الرجل.» # سأله المفوض المساعد، واضعا مرفقيه على المكتب وهو يرفع يديه المضمومتين أمام وجهه، ~~وكأنه يتهيأ للصلاة، غير أن الخشوع لم يكن باديا في عينيه، سأل: «هل كان لدى أي ممن ~~سبقوني أي علم بما أخبرتني به الآن؟» ~~«كلا يا سيدي؛ بالتأكيد لا. ماذا كان يمكن أن تكون الغاية؟ لا يمكن مطلقا الإفصاح علنا ~~عن رجال من نوعية ذلك الرجل لأي غرض نافع. كان يكفيني أن أعرف هويته، وأن أستفيد منه ~~بطريقة يمكن استخدامها علنيا.» ~~«وهل تعتقد أن ms104 ذلك النوع من المعلومات الخاصة يتوافق مع المنصب الرسمي الذي ~~تشغله؟» ~~«توافقا تاما يا سيدي. أظن أنها مناسبة تماما. لا أخفيك قولا يا سيدي أنها ~~تشكل ما أنا عليه؛ وأنا ينظر إلي باعتباري رجلا على دراية بعمله. إنها شأن خاص بي. ~~لمح لي صديق شخصي في الشرطة الفرنسية بأن ذاك الرجل كان جاسوسا لدى السفارة. صداقة خاصة، ~~معلومات خاصة، استخدام خاص لتلك المعلومات؛ هكذا أنظر إلى المسألة.» # بعدما ذكر المفوض المساعد في نفسه ملاحظة مفادها أن الحالة الذهنية لكبير المفتشين ~~الشهير بدت أنها تؤثر في شكل فكه السفلي، وكأن إحساسه القوي بتميزه المهني العالي ~~استقر في ذلك الجزء من جسده، نبذ تلك الملاحظة في الوقت الراهن بأن قال بهدوء: «فهمت.» ثم، ~~مسندا وجنته على يديه المضمومتين، قال: ~~«حسن إذن، لنتحدث بسرية إذا وددت؛ منذ متى وأنت على اتصال خاص بذلك الجاسوس لدى ~~السفارة؟» # ردا على هذا السؤال، أتت الإجابة السرية من كبير المفتشين، سرية لدرجة أنها لم تتألف ~~من كلمات مسموعة: ~~«منذ فترة طويلة، قبل حتى التفكير في أن تشغل منصبك هنا.» # كان الكلام العلني، إن جاز التعبير، أدق بكثير. ~~«رأيته للمرة الأولى في حياتي منذ ما يزيد على سبعة أعوام، عندما كان اثنان من أصحاب ~~السمو الإمبراطوري ومستشار إمبراطوري في زيارة هنا. أوكلت إلي مهمة اتخاذ جميع الترتيبات ~~من أجل الاعتناء بهم. كان البارون ستوت فارتنهايم هو السفير وقتها. كان رجلا عجوزا وشديد ~~العصبية. وفي إحدى الأمسيات، وقبل ثلاثة أيام من مأدبة جيلدهول، أرسل لي مرسالا بأنه يريد ~~أن يقابلني للحظة. كنت في الطابق السفلي، وكانت العربات عند الباب كي تقل أصحاب السمو ~~الإمبراطوري والمستشار إلى الأوبرا. صعدت على الفور. وجدت البارون يروح ويجيء في غرفة نومه ~~في حالة يرثى لها من التوتر، وأخذ يعتصر يديه. أكد لي أن لديه ثقة كاملة في شرطتنا وفي ~~قدراتي، ولكن كان معه هناك رجل كان قد قدم للتو من باريس بمعلومات يمكن الوثوق في صحتها ~~تماما. أراد مني أن أسمع ما يقوله ms105 ذلك الرجل. أخذني على الفور إلى غرفة تغيير ملابس ~~مجاورة، ورأيت فيها رجلا ضخم الجثة يرتدي معطفا ثقيلا ويجلس بمفرده على كرسي ويمسك قبعته ~~وعصاه في يد واحدة. قال له البارون «تحدث يا صديقي» باللغة الفرنسية. لم تكن الإضاءة جيدة ~~جدا في تلك الغرفة. تحدثت إليه لمدة خمس دقائق تقريبا. بالتأكيد قدم لي بعض الأخبار ~~المفزعة جدا. ثم أخذني البارون جانبا بعصبية ليثني لي عليه، وعندما استدرت مرة أخرى ~~اكتشفت أن الرجل كان قد اختفى وكأنه شبح. أظن أنه نهض وتسلل إلى الأسفل على سلم خلفي. ~~لم يكن لدي وقت لألاحقه؛ إذ اضطررت إلى الإسراع خلف السفير على السلم الكبير، وأن ~~أطمئن على أن الحفل قد بدأ بأمان في الأوبرا. ومع ذلك، تصرفت في تلك الليلة بناء على ~~المعلومات التي بلغتني. سواء كانت صحيحة تمام الصحة أم لا، لكنها بدت خطيرة بما يكفي. ومن ~~المرجح جدا أنها أنقذتنا من مشكلة بشعة في يوم الزيارة الإمبراطورية إلى المدينة.» # وتابع: «في وقت لاحق، بعد شهر أو نحو ذلك من ترقيتي إلى منصب كبير المفتشين، استرعى ~~انتباهي رجل ضخم قوي البنية، ظننت أنني رأيته في مكان ما من قبل، يخرج مسرعا من متجر ~~مجوهرات في شارع ستراند. مضيت خلفه، حيث إنه كان في طريقي صوب تشيرينج كروس، وهناك رأيت أحد ~~مخبرينا السريين على الجانب الآخر من الطريق، وأومأت ~~إليه بأن يأتي إلي، وأشرت له نحو الرجل، مع تعليمات بأن يراقب تحركاته لمدة يومين، وأن ~~يبلغني بعدها. لم يمر عصر اليوم التالي إلا وقد أتاني رجلنا كي يخبرني بأن الرجل قد ~~تزوج من ابنة صاحبة المنزل الذي يسكنه وعقد الزواج في مكتب أمين السجل في ذلك اليوم في ~~الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا، وأنه قد غادر معها إلى مدينة مارجيت لمدة أسبوع. كان ~~رجلنا قد رأى الأمتعة وهي توضع في سيارة الأجرة. كانت توجد بعض ملصقات أمتعة قديمة من ~~باريس على إحدى الحقائب. لسبب ما، لم أستطع أن أتوقف عن التفكير في هذا الشخص، ms106 وفي المرة ~~التالية التي تعين علي فيها أن أذهب إلى باريس في مهمة عمل، تحدثت عنه مع صديقي ذاك في ~~شرطة باريس. قال صديقي: «بناء على ما أخبرتني به، أظن أنه لا بد أنك تتحدث عن طفيلي ~~معروف نوعا ما ومبعوث للجنة الثورية الحمراء. يقول إنه إنجليزي المولد. نعرف أنه عميل ~~سري منذ بضع سنوات لإحدى السفارات الأجنبية في لندن.» أنعش هذا ذاكرتي تماما. إنه الشخص ~~الذي رأيته يختفي والذي كان يجلس في غرفة تغيير الملابس عند البارون ستوت فارتنهايم. قلت ~~لصديقي إنه محق تماما. تأكد لدي أن الشخص كان عميلا سريا. بعد ذلك، تكبد صديقي ~~عناء أن يحضر لي السجل الكامل لهذا الرجل. ارتأيت أنه من الأفضل أن أعرف كل ما يمكنني ~~معرفته؛ ولكنني لا أظن أنك تريد سماع قصته الآن يا سيدي، أليس كذلك؟» # هز المفوض المساعد رأسه موافقا. أغلق عينيه الغائرتين المرهقتين ببطء، ثم فتحهما بسرعة ~~بنظرة منتعشة للغاية، وقال: «ما يهمني الآن فحسب هو معرفة قصة علاقاتك بتلك الشخصية ~~المفيدة.» # قال كبير المفتشين بمرارة: «لا يوجد شيء رسمي بشأنها.» «ذهبت إلى متجره ذات مساء، ~~وعرفته بنفسي، وذكرته بأول لقاء بيننا. لم يفعل شيئا أكثر من رفع حاجبه. قال إنه ~~متزوج وحياته مستقرة الآن، وأن كل ما يريده ألا يعترض أحد مشروعه التجاري الصغير. ~~تعهدت له بأنه ما دام لم يتورط في أي عمل شائن بوضوح، فإن الشرطة ستدعه وشأنه. قدر ذلك ~~الصنيع، لأن كلمة منا إلى رجال الجمارك كانت كفيلة بأن تجعل بعض الطرود التي تأتيه من ~~باريس وبروكسل تفتح في دوفر، ثم تصادر بالتأكيد، وربما ينتهي به الأمر أيضا إلى رفع ~~دعوى ضده.» # همهم المفوض المساعد: «تلك تجارة محفوفة بالمخاطر جدا. لماذا أقحم نفسه في ذلك؟» # رفع كبير المفتشين حاجبيه ازدراء بفتور. ~~«على الأرجح له علاقات بأشخاص يتعاملون في هذه السلع، أصدقاء في أوروبا. إنهم بالضبط من ~~النوع الذي يمكن أن ينسجم معه. إنه نذل كسول أيضا؛ مثل بقيتهم.» ~~«ما الذي تحصل عليه منه مقابل ms107 الحماية التي وفرتها له؟» # لم يكن كبير المفتشين يميل إلى الإسهاب في توضيح قيمة خدمات السيد فيرلوك. ~~«لن يكون له كثير نفع لأحد سواي. يجب أن يكون المرء على دراية بكثير من الأمور مسبقا ~~ليستفيد من رجل كهذا. أستطيع أن أفهم نوع التلميح الذي يمكن أن يقدمه. وعندما أريد منه ~~تلميحا، يمكنه عموما أن يزودني به.» # غرق كبير المفتشين فجأة في حالة تأمل حذر؛ وكتم المفوض المساعد ابتسامة رسمتها فكرة ~~عابرة بأن الفضل في ذيوع صيت كبير المفتشين هيت ربما كان راجعا بقدر كبير إلى العميل ~~السري فيرلوك. ~~«ولتكون الفائدة منه أعم، لدى جميع رجالنا في إدارة الجرائم الخاصة في تشيرينج كروس ~~وفيكتوريا تعليمات بأن يولوا عناية حذرة بأي شخص قد يرونه معه. إنه يلتقي وافدين ~~جددا باستمرار، وبعد ذلك يقتفي أثرهم. يبدو أنه تلقى توبيخا بسبب ذلك النوع من العمل. ~~عندما أريد عنوانا على عجل، يمكنني دوما أن أحصل عليه منه. بالطبع، أعرف كيف أدير ~~علاقاتنا. لم أره كي أتحدث معه ثلاث مرات في آخر عامين. تركت له رسالة قصيرة، غير موقعة، ~~وأجاب على رسالتي بالطريقة نفسها على عنواني الخاص.» # من حين لآخر، كان المفوض المساعد يومئ برأسه إيماءة لا تكاد تلاحظ. أضاف كبير ~~المفتشين أنه لا يظن أن السيد فيرلوك محل ثقة كبيرة لدى الأعضاء البارزين في المجلس ~~الثوري الدولي، ولكن لا شك في أنه كان محل ثقة بوجه عام. اختتم حديثه قائلا: «كلما ~~كان لدي سبب للاعتقاد في وجود شيء يفوح في الأجواء، فدائما ما أجد أنه يمكنه أن يخبرني ~~بشيء يستحق المعرفة.» # أبدى المفوض المساعد ملاحظة مهمة. ~~«لقد خذلك هذه المرة.» # رد كبير المفتشين هيت: «وكذلك لم أشتم رائحة أي شيء في الأجواء بأي طريقة أخرى. لم ~~أسأله عن شيء؛ ومن ثم لم يكن بوسعه أن يخبرني بأي شيء. إنه ليس أحد رجالنا. ليس ~~الأمر وكأنه يتقاضى راتبا منا.» # همهم المفوض المساعد: «كلا. إنه جاسوس ويتقاضى أجرا من حكومة أجنبية. لا يمكن أن نثق ~~به أبدا.» ms108 # قال كبير المفتشين: «يجب أن أنجز عملي بطريقتي الخاصة. وعندما يتعلق الأمر بذلك، ~~فسأتعامل مع الشيطان نفسه، وأتحمل العواقب. ثمة أشياء ليس من المناسب أن يعرفها ~~الجميع.» ~~«يبدو أن فكرتك عن السرية تتلخص في إخفاء المعلومات عن رئيس إدارتك. ربما تكون تلك ~~مغالاة فيها أكثر مما ينبغي، أليس كذلك؟ هل يقطن فوق متجره؟» ~~«من، فيرلوك؟ أوه نعم. إنه يقطن فوق متجره. أظن أن والدة زوجته تقطن معهما.» ~~«هل المنزل تحت المراقبة؟» ~~«أوه، يا إلهي، كلا. ما كنت لأفعل ذلك. بل نراقب أشخاصا بعينهم يترددون على المكان. ~~ورأيي أنه لا يعلم شيئا عن تلك المسألة.» ~~«وما تفسيرك لهذه؟» أشار المفوض المساعد برأسه إلى خرقة القماش المرمية أمامه على ~~المكتب. ~~«ليس لدي تفسير لها على الإطلاق، يا سيدي. ببساطة لا يمكن تفسيرها. لا يمكن تفسيرها ~~بناء على ما أعرفه.» أبدى كبير المفتشين تلك الاعترافات بصراحة رجل بنيت سمعته على ~~أرض صلبة. «على أي حال، لا يمكن تفسيرها في الوقت الحاضر. أظن أنه سيثبت لاحقا أن الرجل ~~الذي كان له أكبر صلة بها هو ميكايليس.» ~~«أتظن ذلك؟» ~~«نعم يا سيدي؛ لأنه يمكنني أن أقدم أجوبة شافية عن الآخرين كلهم.» ~~«ماذا عن الرجل الآخر الذي من المفترض أنه هرب من الحديقة؟» # خمن كبير المفتشين قائلا: «أظن أنه بعيد جدا الآن.» # رمقه المفوض المساعد بنظرة حادة، ونهض فجأة، وكأنه رتب أفكاره تجاه مسار معين من ~~الإجراءات. في الحقيقة، كان قد خضع في تلك اللحظة تحديدا إلى إغراء ساحر. تلقى كبير ~~المفتشين الأمر بالانصراف مع تعليمات بمقابلة رئيسه باكرا في الصباح التالي لمزيد من ~~التشاور حول القضية. استمع بوجه لا يبدي أي تعبيرات، وخرج من الغرفة بخطوات ~~معتدلة. # أيا كانت خطط المفوض المساعد، فإنه لم يكن لها أي صلة بالعمل في هذا المكتب، الذي ~~كان لعنة عليه بسبب طبيعته المقيدة والافتقار الواضح للحقائق. ما كان يمكن أن يكون لها أي ~~صلة، وإلا لتعذر تفسير حالة النشاط العامة التي حلت على ~~المفوض المساعد. بمجرد أن أصبح بمفرده، ms109 بحث عن قبعته مندفعا ووضعها على رأسه. بعد أن ~~فعل ذلك، جلس مرة أخرى ليعيد التفكير في المسألة برمتها. ولكن بما أنه كان قد اتخذ ~~قراره بالفعل، لم يستغرق هذا طويلا. وقبل أن يمضي كبير المفتشين هيت بعيدا في ~~طريقه إلى المنزل، كان هو الآخر قد غادر المبنى. # | الفصل السابع # مشى المفوض المساعد في شارع قصير وضيق وكأنه خندق موحل رطب، ثم عبر طريقا واسعا ~~للغاية ودخل إلى مبنى عام ضخم، وسعى للحديث مع سكرتير خاص شاب (بلا أجر) لشخصية ~~كبيرة. # قابل هذا الشاب الأشقر نضر البشرة، الذي أضفى عليه شعره الممشط بتماثل مظهر تلميذ ضخم ~~وأنيق، طلب المفوض المساعد بنظرة متشككة، وتحدث بأنفاس متقطعة. ~~«هل سيوافق على مقابلتك؟ لا علم لي بذلك. لقد غادر دار المجلس التشريعي منذ ساعة ~~للتحدث مع الوكيل الدائم، وهو الآن مستعد لأن يمضي في طريقه عائدا. ربما أرسل في طلبه؛ ~~لكنه يفعل ذلك من أجل قليل من التريض حسب ظني. هذا كل التريض الذي يمكن أن يجد له وقتا ~~أثناء مدة انعقاد هذه الجلسة. أنا لا أتذمر، بل إنني أستمتع بتلك النزهات البسيطة. إنه ~~يستند إلى ذراعي، ولا ينبس ببنت شفة. ولكني أرى أنه متعب جدا، كما أنه ... حسنا ... ~~ليس في أفضل حالاته المزاجية الآن.» ~~«للأمر صلة بالحادث الذي وقع في جرينتش.» ~~«أوه! يا إلهي! إنه يشعر بمرارة شديدة منكم أيها القوم. ولكني سأذهب وأتحقق، إن كنت ~~مصرا.» # همهم المفوض المساعد: «افعل. أنت رجل صالح.» # أعجب السكرتير المتطوع بهذه الجرأة. متخذا وجها تكسوه البراءة، فتح بابا ودخل ~~بثقة طفل لطيف ومميز. وبعد فترة وجيزة عاود الظهور، وأومأ برأسه إلى المفوض المساعد، الذي ~~عبر من الباب نفسه الذي ترك مفتوحا له، ووجد نفسه في حضرة الشخصية العظيمة في غرفة ~~كبيرة. # بدا الشخص العظيم رجلا هائلا، بجسده الضخم في الحجم والقامة، ووجه أبيض طويل، عريض من ~~الأسفل، إذ كان له ذقن كبيرة تحته ثنية من الدهون، فبدا الوجه على شكل بيضة يعلوها شعر ~~رمادي. لسوء الحظ ms110 من وجهة نظر أي خياط، أن الطيات المتقاطعة في منتصف معطفه الأسود المزرر ~~زادت من انطباع أن أزرار المعطف قد ربطت بعناء شديد. ومن الرأس، المستقر فوق رقبة مكتنزة، ~~حدقت العينان، ذاتا الجفنين السفليين المنتفخين، بنظرة متغطرسة متعالية من جانبي أنف ~~معقوف بارز بشكل ملحوظ وسط وجه شاحب كبير. وكذلك بدت الضخامة على قبعة من الحرير اللامع ~~وزوج من القفازات القديمة موضوعة على طرف مكتب طويل. # وقف على بساط المدفأة مرتديا حذاء ذا مقاس كبير وواسع، ولم يتفوه بأي عبارات ~~تحية. # سأل على الفور بصوت منخفض وناعم للغاية: «أود أن أعرف إن كانت هذه بداية حملة ديناميت ~~أخرى. لا تستغرق في التفاصيل. ليس لدي وقت لذلك.» # بدا المفوض المساعد أمام ذلك البدن الضخم الريفي وكأنه قصبة نحيلة وضعيفة تخاطب شجرة ~~بلوط. وبالفعل فإن السجل المتصل لنسب ذلك الرجل تجاوز في عدد القرون عمر أقدم شجرة بلوط ~~في البلاد. ~~«كلا. بقدر ما يمكن للمرء أن يكون إيجابيا حيال أي شيء، يمكنني أن أضمن لك أن الأمر ~~ليس كذلك.» # قال الرجل الضخم وهو يلوح بيده ازدراء باتجاه نافذة تطل على الشارع الواسع: «نعم. ~~ولكن يبدو أن فكرتك عن الضمانة في ذلك الأمر تتمثل في المقام الأول في جعل وزير الخارجية ~~يبدو أحمق. سبق أن قيل لي على نحو لا يقبل الجدل في هذه الغرفة نفسها منذ أقل من شهر أنه ~~لا يمكن حتى حدوث عمل من هذا القبيل.» # نظر المفوض المساعد في اتجاه النافذة بهدوء. ~~«اسمح لي أن أعلق، أيها السير إثيلريد، بأنه لم تتح لي حتى الآن أي فرصة لأن أعطيك ~~ضمانات من أي نوع.» # عندئذ تركزت نظرة العينين المتعجرفة على المفوض المساعد. # قال صاحب الصوت العميق الناعم: «صحيح. أرسلت أطلب هيت. أنت لا تزال غرا في منصبك ~~الجديد. وكيف تتدبر أمورك هناك؟» ~~«أعتقد أنني أعرف شيئا جديدا كل يوم.» ~~«بالطبع، بالطبع. أتمنى أن تتدبر أمورك.» ~~«أشكرك، أيها السير إثيلريد. لقد عرفت شيئا اليوم، بل في غضون الساعة الماضية أو نحو ms111 ~~ذلك. هذا أن هذه القضية تنطوي على كثير من الأمور من النوع الذي لا يلاحظه المرء في عمل ~~لا سلطوي عنيف معتاد، حتى لو أمعن المرء النظر فيها قدر الإمكان. ولهذا السبب جئت إلى ~~هنا.» # وضع الرجل الضخم ظاهري يديه الكبيرتين على وركيه، بحيث برز مرفقا ذراعيه إلى ~~الخارج. ~~«حسن جدا. استمر. ولكن أرجوك دون أن تسهب في التفاصيل. أعفني من التفاصيل.» # بدأ المفوض المساعد حديثه بنبرة توكيد هادئة وواثقة: «لن أزعجك بالتفاصيل يا سير ~~إثيلريد.» أثناء حديثه، كانت عقارب الساعة خلف الرجل الضخم، التي كانت عبارة عن شيء ثقيل ~~ولامع، ذات حلية ضخمة من نفس الرخام الأسود المصنوع منه رف الموقد، قد تحركت حيزا ~~يشير إلى مرور سبع دقائق. تحدث بإخلاص متناه مستخدما جملا اعتراضية، أدخل فيها كل ~~الوقائع الصغيرة - أي كل التفاصيل - بسهولة ممتعة. لم تصدر همهمة ولا حتى حركة تشير إلى ~~مقاطعة حديثه. بدا صاحب الشخصية العظيمة وكأنه تمثال لأحد أسلافه الأمراء خلعت عنه عدة ~~محارب في الحروب الصليبية، وألبس معطفا بمقاس غير ملائم. شعر المفوض المساعد وكأنه ~~منح حرية الحديث لمدة ساعة. ولكنه حافظ على هدوئه وفي نهاية الوقت المذكور آنفا، أنهى ~~حديثه بخاتمة مفاجئة، أعاد فيها جملته الافتتاحية، أدهشت السير إثيلريد وسرته بسلاستها ~~وقوتها الجليتين. ~~«إن ما نواجهه تحت السطح في هذه القضية، مع أنه لا ينطوي على خطورة، فإنه أمر غير عادي ~~- بهذا الشكل الدقيق على الأقل - ويتطلب تعاملا خاصا.» # صارت نبرة صوت السير إثيلريد عميقة، ومليئة بالاقتناع. ~~«أظن ذلك فعلا ... ما دام سفير دولة أجنبية متورطا في الأمر!» # اعترض الآخر، ذو الجسد المنتصب النحيل، وسمح لنفسه بابتسامة خفيفة: «يا إلهي! السفير! ~~ستكون حماقة مني أن أقترح أي شيء من هذا القبيل. وهذا غير ضروري على الإطلاق، لأنه إن ~~كنت محقا في تخميناتي، فإن كون الشخص سفيرا أو حمالا في فندق هو مجرد تفصيلة.» # فتح السير إثيلريد فما واسعا، ككهف، بدا الأنف المعقوف متلهفا لأن يمعن النظر فيه؛ ~~ومنه خرج صوت رنان خافت، كأنه ms112 صادر من أرغن بعيد، يدل على سخط وازدراء. ~~«كلا! تصرفات هؤلاء الناس بغيضة إلى أقصى حد. ماذا يعنون باستجلاب أساليبهم المماثلة ~~لأساليب تتار القرم إلى هنا؟ إن الترك يتحلون بلياقة أكثر من ذلك.» ~~«لقد نسيت، يا سير إثيلريد، أننا بالمعنى الدقيق للكلمة لا نعرف شيئا على وجه اليقين ... ~~حتى الآن.» ~~«كلا! ولكن كيف يمكنك تعريف الأمر؟ باختصار.» ~~«جرأة سافرة، تصل إلى حد تصرفات صبيانية من نوع غريب.» # قال الشخص العظيم الضخم، متضخما أكثر قليلا، إن جاز القول: «لا يمكننا أن نتحمل سذاجة ~~تصرفات صبيانية بغيضة.» أصابت سهام النظرة المتغطرسة المتعالية الساحقة السجادة عند قدمي ~~المفوض المساعد. «لا بد أن يتلقوا ضربة شديدة على خلفية هذه القضية. يجب أن نكون في وضع ~~يسمح لنا بأن ... ما فكرتك العامة باختصار؟ لا حاجة إلى الخوض في التفاصيل.» ~~«لا، يا سير إثيلريد. من حيث المبدأ، لا بد أن أؤكد بحسم أن وجود عملاء سريين أمر لا ~~ينبغي التهاون معه؛ لأنهم يميلون إلى تضخيم المخاطر الحقيقية التي تكمن في الشر الذي ~~يستخدمون لمحاربته. إن فكرة تلفيق الجاسوس لمعلوماته هي أمر اعتيادي تماما. ولكن في مجال ~~العمل السياسي والثوري، الذي يعتمد جزئيا على العنف، يمتلك الجاسوس المحترف كل الوسائل ~~لتلفيق الحقائق الواضحة نفسها، وسينشر الشر المزدوج المتمثل في المساجلة من جهة، وفي ~~بث الذعر، وسن التشريعات من دون روية، والكراهية المندفعة من الجهة الأخرى. ومع ذلك، ~~فهذا عالم غير مثالي ...» # دون أن تصدر حركة من صاحب الصوت العميق الواقف على بساط المدفأة، ومرفقاه الضخمان ~~بارزان إلى الخارج، قال بسرعة: ~~«كن واضحا من فضلك.» ~~«نعم يا سير إثيلريد؛ عالم غير مثالي. ولذلك فور أن اتضحت لي طبيعة تلك القضية، فكرت ~~في أنه يجب التعامل معها بسرية خاصة، وغامرت بالمجيء إلى هنا.» # وافقه الشخص العظيم، وهو ينظر إلى أسفل، راضيا عن نفسه، من فوق ذقنه المتخم بالشحم، ~~قائلا: «هذا صحيح. أنا مسرور أنه يوجد شخص في إدارتك يظن أنه يمكن الوثوق في وزير ~~الخارجية بين الحين والآخر.» # ارتسمت ms113 ابتسامة مبتهجة على شفتي المفوض المساعد . ~~«في الحقيقة كنت أفكر أنه قد يكون من الأفضل في هذه المرحلة أن نستبدل بهيت شخصا ~~...» # صاح الرجل صاحب المقام الرفيع بنبرة تنم عن عدائية واضحة: «ماذا! هيت؟ أحمق هو ... أليس ~~كذلك؟» ~~«مطلقا ... على الإطلاق. من فضلك يا سير إثيلريد، لا تفسر ملاحظاتي هذا التفسير ~~الجائر.» ~~«ماذا إذن؟ داهية، ولكن تعيبه عجرفته؟» ~~«ولا ذاك ... على الأقل ليست قاعدة. فكل أسباب تخميناتي مأخوذة منه. الشيء الوحيد الذي ~~اكتشفته بنفسي هو أنه كان يستغل ذلك الرجل لصالحه هو. من ذا الذي يستطيع أن يلومه؟ إنه ~~رجل شرطة قديم. قال لي تقريبا إنه يجب أن يكون لديه أدوات للعمل بها. خطر لي أن تلك الأداة ~~يجب أن تخضع لقسم الجرائم الخاصة ككل، بدلا من أن تظل في حوزة كبير المفتشين هيت ~~بمفرده. يمتد تصوري للواجبات المنوطة بالإدارة التي أرأسها إلى إخضاع العميل السري. ولكن ~~كبير المفتشين هيت يعمل في الإدارة منذ زمن طويل. وربما اتهمني بإفساد أخلاقيات العمل ~~والتحامل على فاعليته. وربما عرف الأمر تعريفا بغيضا بأنه حماية امتدت إلى الفئة ~~الإجرامية من الثوريين. قد يعني الأمر له ذلك فحسب.» ~~«نعم. ولكن ما الذي تقصده؟» ~~«ما أقصده هو، أولا، أنه لا يوجد سوى قدر ضئيل من التعزية في القدرة على التصريح بأن أي ~~عمل من أعمال العنف - إتلاف الممتلكات أو إزهاق الأرواح - ليس عملا لا سلطويا على ~~الإطلاق، وإنما شيء مختلف تماما؛ ضرب من النذالة المصرح بها. وأظن أن هذا يتكرر أكثر مما ~~نتوقع. ثانيا: من الواضح أن وجود هؤلاء الأشخاص الذين يتقاضون أجورا من حكومات أجنبية ~~يقلص من كفاءة رقابتنا. يمكن لجاسوس من هذا النوع أن يكون أكثر تهورا من أكثر المتآمرين ~~تهورا. فعمله خال تماما من جميع المعوقات. إنه لا يملك وازعا من إيمان من شأنه أن ~~يدفعه إلى الرفض التام، ولا من قانون حسبما ينطوي عليه الخروج على القانون. ثالثا: وجود ~~هؤلاء الجواسيس بين الجماعات الثورية - التي نلام على إيوائها هنا - يقضي على كل ms114 يقين. لقد ~~سمعت عبارات طمأنة من كبير المفتشين هيت منذ مدة. لم يكن لها أي أساس على الإطلاق؛ ومع ~~ذلك وقعت هذه الحادثة. أسميها حادثة؛ لأنني أجرؤ على القول بأن هذه القضية عرضية؛ ~~إذ لا تمثل جزءا من أي مخطط عام، رغم همجيتها. نفس الخصائص التي تفاجئ كبير ~~المفتشين هيت وتحيره هي التي تحدد طبيعتها في تصوري. إنني أنأى عن التفاصيل يا سير ~~إثيلريد.» # كان الشخص العظيم الواقف على بساط المدفأة يستمع بانتباه شديد. ~~«بالضبط. أوجز قدر المستطاع.» # أشار المفوض المساعد بلفتة احترام جادة إلى أنه كان حريصا على الإيجاز. ~~«تنطوي إدارة هذه القضية على غباء غريب وأوجه ضعف مما يمنحني آمالا كبيرة في سبر ~~أغوارها والتوصل إلى شيء آخر غير كونها نزوة تعصب فردية. لأنها بلا شك عمل قائم على تخطيط. ~~يبدو أن العقل المدبر قد اقتاد الجاني الفعلي إلى مكان التفجير، ثم غادر مسرعا تاركا له ~~حرية التصرف. واستنتاجي أنه قد جلب من خارج البلاد بغرض ارتكاب هذا الاعتداء. وفي الوقت ~~نفسه، لا مفر من استنتاج أنه لم يكن يعرف من الإنجليزية ما يكفي لأن يطلب أن يدله أحد ~~على طريقه، ما لم نقبل بالنظرية الخيالية القائلة بأنه كان أصم وأبكم. إنني أتساءل الآن، ~~ولكن هذا مضيعة للوقت. من الواضح أنه لم يقصد أن يقتل نفسه. ليس حادثا غير عادي. ولكن ~~تبقى حقيقة صغيرة غير عادية؛ ألا وهي العنوان المدون على ملابسه الذي اكتشف بمحض ~~الصدفة أيضا. إنها حقيقة صغيرة غير معقولة، غير معقولة لدرجة أن التعليل الذي سيفسرها ~~لا بد أن يصل إلى عمق هذه القضية. وبدلا من إصدار أوامر لهيت بأن يستمر في تلك القضية، ~~فإنني أنوي أن أبحث عن هذا التعليل شخصيا - أعني بنفسي - في المكان الذي يمكن التوصل ~~إليه فيه. وذلك في محل معين في شارع بريت، وعلى شفتي عميل سري معين كان يوما ما ~~الجاسوس السري والموثوق فيه لدى البارون ستوت فارتنهايم، السفير لدى دولة عظمى في بلاط سانت ~~جيمس الملكي.» # توقف المفوض ms115 المساعد قليلا ثم أردف قائلا: «هؤلاء الناس آفات ضارية.» من أجل أن يرفع ~~الشخص العظيم الواقف على بساط المدفأة ناظريه الموجهين إلى الأرض نحو وجه المتحدث، ~~أمال رأسه إلى الخلف رويدا رويدا، ما أعطاه مظهرا متعاليا غير عادي. ~~«لماذا لا تتركها في يد هيت؟» ~~«لأنه رجل له باع طويل في القسم. ولديهم أخلاقياتهم الخاصة. ومن ثم قد تبدو له ~~طريقتي في التحري إفسادا بشعا ينال الواجب. من وجهة نظره، الواجب الواضح هو إلصاق ~~الجرم بأكبر عدد ممكن من اللاسلطويين البارزين بناء على بعض المؤشرات الضئيلة التي ~~كان قد جمعها في سياق تحقيقه في مسرح الحادث؛ بينما أنا، على حد قوله، عازم على إثبات ~~براءتهم. إنني أحاول أن أكون واضحا قدر الإمكان في عرض هذه القضية الغامضة عليك من دون ~~تفاصيل.» # تمتم السير إثيلريد من علوه الشاهق: «سيقول ذلك، هل سيفعل؟» ~~«أخشى ذلك ... بسخط واشمئزاز لا نستطيع أنت ولا أنا أن نتصوره. إنه موظف ممتاز. ويجب ~~ألا نضع قيدا غير ضروري على إخلاصه. تلك طريقة خاطئة دائما. علاوة على ذلك، أريد حرية ~~مطلقة؛ أكثر حرية مما قد يكون من المستحسن منحه كبير المفتشين هيت. ليس لدي أدنى ~~نية في أن أرحم هذا الرجل المدعو فيرلوك. أظن أنه سيندهش غاية الاندهاش عندما يجد أن صلته ~~بهذه القضية، مهما كانت تلك الصلة، قد اتضحت لنا بهذه السرعة. لن يكون تخويفه صعبا جدا. ~~ولكن هدفنا الحقيقي يكمن وراءه في مكان ما. أحتاج إلى سلطتك لمنحه ضمانات بسلامته الشخصية ~~حسبما أرى مناسبا.» # قال الشخص العظيم الواقف على بساط المدفأة: «بالتأكيد. توصل إلى أكبر قدر يمكنك التوصل ~~إليه من المعلومات؛ توصل إليها بطريقتك الخاصة.» # قال المفوض المساعد: «يجب أن أبدأ فورا دون إضاعة للوقت، هذا المساء.» # نقل السير إثيلريد إحدى يديه تحت ذيل معطفه، وأمال رأسه إلى الخلف، ناظرا إليه ~~بثبات. # قال: «ستكون لنا جلسة في وقت متأخر الليلة.» «تعال إلى دار المجلس التشريعي بما ~~اكتشفته إذا لم نكن قد عدنا إلى منازلنا بعد. سآمر تودلز ms116 أن ينتظر قدومك. سيأتي بك إلى ~~غرفتي.» # كانت العائلة الكبيرة والعلاقات الواسعة التي يتمتع بها السكرتير الخاص الشاب قد جعلته ~~يتعلق بالأمل في أن يصل إلى مرتبة جلية وسامية. وفي الوقت نفسه، اختار المحيط الاجتماعي ~~الذي كان هو زينته في ساعات فراغه أن يلاطفه باسم التدليل المذكور آنفا. وكان السير ~~إثيلريد، الذي كان يسمعه كل يوم (غالبا وقت الإفطار) على شفاه زوجته وبناته، قد أضفى عليه ~~مهابة أن يناديه به بجدية. # كان المفوض المساعد متفاجئا وممتنا للغاية. ~~«سأحضر بالتأكيد المعلومات التي سأتوصل إليها إلى دار المجلس التشريعي إذا كان لديك ~~الوقت كي ...» # قاطعه الشخص العظيم: «لن يكون لدي الوقت. ولكني سألقاك. ليس لدي وقت الآن ... وأنت هل ~~ستذهب بنفسك؟» ~~«نعم يا سير إثيلريد. أظن أنها الطريقة الأفضل.» # أمال الشخص العظيم رأسه إلى الخلف أكثر، كي يبقي المفوض المساعد تحت ناظريه، حتى كاد ~~يغلق عينيه. ~~«هممم، أها! وكيف تقترح أن ... هل ستتنكر؟» ~~«ليس تنكرا بالمعنى الدقيق! سأغير ملابسي بالطبع.» # كرر الرجل صاحب المقام الرفيع، بنوع من التعالي المتسم بشرود الذهن: «بالطبع.» أدار رأسه ~~الكبير ببطء، ومن فوق كتفه رمق الساعة الرخامية الثقيلة، التي تتحرك عقاربها بدقات مسترقة ~~وخافتة، بنظرة غير مباشرة. كان العقربان المطليان بلون الذهب قد اغتنما الفرصة وسرقا ما لا ~~يقل عن خمس وعشرين دقيقة دون أن يلاحظ. # ازداد قليلا توتر المفوض المساعد، الذي لم يستطع أن يراهما في تلك الفترة القصيرة. ولكن ~~الرجل المهم توجه إليه بوجه هادئ وثابت الجأش. # قال: «جيد جدا»، ثم توقف، وكأنه يتعمد ازدراء الساعة الرسمية. «ولكن ما الذي دفعك ~~بداية في هذا الاتجاه؟» # بادره المفوض المساعد قائلا: «لدي دائما رأيي الخاص.» ~~«آه. نعم! رأي. بالطبع هو ذا. ولكن ماذا كان الدافع الفوري؟» ~~«ماذا بوسعي أن أقول، يا سير إثيلريد؟ عداء رجل جديد للأساليب القديمة. رغبة في معرفة شيء ~~مباشرة. بعض من نفاد الصبر. إنه عملي القديم، ولكن روتين العمل مختلف. لقد كان يزعجني ~~قليلا في مكان أو مكانين حساسين.» # قال الرجل صاحب المقام ms117 الرفيع بلطف، وهو يمد يده، الناعمة الملمس، على الرغم من كبر ~~حجمها وقوتها مثل يد مزارع أصيل: «آمل أن تتدبر أمورك هناك.» صافحه المفوض المساعد ~~وانصرف. # في الغرفة الخارجية قابله تودلز، الذي كان ينتظر جالسا على حافة المكتب، وهو يكبح شعور ~~المرح المتأصل في طبعه. # سأل باهتمام مرح: «ماذا إذن؟ هل أنت راض؟» # أجاب المفوض المساعد: «تمام الرضا. سأظل ممتنا لك على الدوام.» بدا وجهه الطويل متجهما ~~بالمقارنة مع الآخر الذي كانت الجدية غريبة عليه، إذ بدا دوما على وشك القهقهة ~~والضحك. ~~«حسن إذن. ولكن بجدية، لا يمكنك أن تتخيل مدى غضبه من الهجمات على مشروعه لتأميم ~~مصايد الأسماك. إنهم يطلقون عليه بداية الثورة الاجتماعية. لا شك في أنه إجراء ثوري. ~~ولكن هؤلاء الناس يفتقرون إلى اللياقة. الهجمات الفردية ...» # قال المفوض المساعد: «لقد قرأت الصحف.» ~~«مشينة؟ ها؟ وليس لديك فكرة عن كم العمل الذي عليه أن ينجزه كل يوم. إنه يؤديه كله ~~بمفرده. يبدو أنه ليس بوسعه أن يثق في أي شخص بشأن هذه المصايد.» # تدخل المفوض المساعد بقوله: «ومع ذلك، فقد منحني نصف ساعة كاملة للنقاش حول قضيتي ~~الصغيرة.» ~~«صغيرة! أهي كذلك؟ أنا سعيد لسماعي ذلك. ولكن من المؤسف إذن أنك لم تنأ به عنها. هذا ~~الصراع يأخذ قدرا كبيرا للغاية من طاقته. بدأ الرجل يشعر بالإنهاك. أشعر بذلك عندما ~~يتكئ على ذراعي في أثناء سيرنا. ولكن، هل يشعر بالأمان في الشوارع؟ أمر مولينز رجاله ~~بالمسير إلى هنا بعد ظهر اليوم. يوجد شرطي يقف عند كل عمود إنارة، وكل شخص نلتقي به بين ~~تلك البقعة وبالاس يارد هو «محقق» بلا شك. سيؤثر الأمر على أعصابه عما قريب. أود أن ~~أقول، من المستبعد أن يلقي هؤلاء الأنذال الأجانب شيئا عليه، هل يمكن ذلك؟ ستكون ~~كارثة وطنية. لا يمكن للدولة أن تستغني عنه.» # اقترح المفوض المساعد بجدية: «ولا عنك. إنه يتكئ على ذراعك. ستموتان معا.» ~~«أليست طريقة سهلة لشاب حتى يخلده التاريخ؟ لم يتعرض كثير من الوزراء البريطانيين ~~للاغتيال لدرجة تجعلها ms118 حادثة بسيطة. ولكن جديا الآن ...» ~~«يؤسفني القول إنه إن كنت تريد أن يخلد اسمك في التاريخ، فسيكون عليك تحقيق إنجاز ما. ~~في الحقيقة، لا يوجد أي خطر على كليكما سوى الإرهاق.» # احتفى تودلز المتعاطف بهذا المنفذ بضحكة مكتومة. # قال بمزاح عفوي: «مصايد الأسماك لن تقتلني. أنا معتاد على العمل حتى وقت متأخر.» ~~ولكن لما شعر بندم فوري، بدأ يتظاهر بمظهر رجل الدولة المتقلب المزاج، وكأنما يرتدي ~~قفازا. «سوف يستوعب ذكاؤه المتقد أي قدر من العمل. لا أخشى سوى انفلات أعصابه. فتلك ~~العصابة ذات الفكر الرجعي، وعلى رأسها المدعو تشيزمان البذيء والهمجي ذاك، تهينه كل ~~ليلة.» # تمتم المفوض المساعد: «إذا كان سيصر على تفجير ثورة!» # استشاط تودلز الثوري غضبا أمام نظرة المفوض المساعد الهادئة والتأملية، واحتج ~~قائلا: «لقد حان الوقت، وإنه الرجل الوحيد العظيم بما يكفي لهذا العمل.» في مكان ما على ~~مسافة بعيدة في الردهة دق جرس باستعجال، وبيقظة متفانية أصغى الشاب بانتباه إلى ~~الصوت. صاح همسا: «إنه مستعد للذهاب الآن.» واختطف قبعته، واختفى من ~~الغرفة. # خرج المفوض المساعد من باب آخر بطريقة أقل مرونة. عبر الطريق العريض مرة أخرى، ومشى في ~~الشارع الضيق، وعاود الدخول إلى مبنى إدارته مسرعا. ظل يمشي بهذه الخطى الحثيثة حتى ~~وصل إلى باب غرفته الخاصة. وقبل أن يغلق الباب خلفه، وقعت عيناه على مكتبه. تصلب في ~~مكانه للحظة، ثم سار إليه، ونظر إلى الأرضية من حوله، وجلس على كرسيه، ورن جرسا، ~~وانتظر. ~~«هل غادر كبير المفتشين هيت؟» ~~«نعم يا سيدي. غادر منذ نصف ساعة.» # أومأ المفوض المساعد برأسه. وقال: «حسنا.» وبينما كان جالسا من دون حراك، وقبعته ~~منحسرة عن جبهته، فكر في أن هذه هي صفاقة هيت اللعينة المعهودة للفوز بهدوء بالدليل ~~المادي الوحيد. لكنه فكر في هذا من دون عدائية. سيسمح الموظفون الكبار وذوو القامات ~~لأنفسهم بذلك. إن قطعة قماش المعطف المخيط عليها العنوان لم تكن بالتأكيد شيئا يمكن ~~تركه. بعد أن طرد من عقله هذا المظهر من مظاهر عدم الثقة من جانب ms119 كبير المفتشين هيت، كتب ~~ملاحظة إلى زوجته وأرسلها إليها، طالبا منها أن تبلغ اعتذاره إلى السيدة العظيمة التي ~~ترعى ميكايليس، والتي كانا على موعد عشاء معها في تلك الأمسية. # ارتدى السترة القصيرة والقبعة المستديرة المنخفضة في تجويف في جدار الغرفة تغطيه ~~ستارة، ويحتوي على حوض لغسل الأيدي وصف من المشاجب الخشبية ورف، مما أظهر على نحو عجيب ~~طول وجهه الأسمر المتجهم. عاد إلى الغرفة ذات الإضاءة الكاملة وهو يبدو مثل صورة دون ~~كيخوتي الهادئ المتأمل ذي العينين الغائرتين السوداوين المتحمستين والأسلوب ~~الحريص. غادر مسرح عمله اليومي بسرعة وكأنه طيف خفي. كان نزوله إلى الشارع يشبه النزول إلى ~~حوض سمك لزج فرغ منه الماء. أحاطت به رطوبة موحشة ضبابية. كانت جدران المنازل مبتلة، ~~والطين يلمع في الطريق المعبد مثل الفوسفور، ولما خرج إلى شارع ستراند من شارع ضيق ~~بجانب محطة تشيرينج كروس، اندمج في عبقرية المكان. ربما لم يكن سوى شخص أجنبي غريب آخر من ~~الأشخاص الذين يمكن رؤيتهم في إحدى الأمسيات يحومون هناك حول الزوايا المظلمة. # وصل إلى حافة الرصيف ووقف منتظرا. كانت عيناه المتمرستان قد تبينتا وسط الحركات ~~المربكة للأضواء والظلال المتدفقة في الطريق حنطورا يتقدم ببطء مقتربا. لم يشر إلى ~~سائق الحنطور؛ ولكن عندما وصلت الدرجة المنزلقة بطول الرصيف إلى قدمه، ركب في العربة ~~بمهارة أمام العجلة الكبيرة الآخذة في الدوران، وتحدث مفصحا عن وجهته من خلال نافذة ~~صغيرة تشبه بابا خفيا قبل أن يدرك الرجل الذي ينظر أمامه بثبات على كرسيه أن ~~راكبا بأجرة قد صعد إلى حنطوره. # لم تكن رحلة طويلة. انتهت بإشارة مفاجئة، في مكان غير محدد، بين عمودي إنارة أمام ~~مبنى كبير للأقمشة، صف طويل من المحلات كانت أبوابها مغطاة بالفعل بألواح من الصاج ~~المتعرج طوال الليل. عندما دفع عملة معدنية من النافذة الصغيرة، انزلقت الأجرة من ~~يد السائق، مما خلف شعورا غريبا وغير مألوف في ذهنه. لكن حجم العملة المعدنية كان ~~مرضيا عندما لمسها، وإذ لم يكن يعرف القراءة والكتابة، ظل مطمئنا، لا ms120 يكدره ~~الخوف من أن يجد أنها تحولت إلى ورقة عديمة القيمة في جيبه. ولأنه لم يكن له علاقة بقضية ~~الأجور بسبب طبيعة عمله، لم يفكر كثيرا في انعكاساتها. تكشفت فلسفته لما شد بحدة ~~لجام حصانه ليحول اتجاهه. # في تلك الأثناء، كان المفوض المساعد يبلغ طلبه لنادل في مطعم إيطالي صغير عند ~~الناصية، أحد تلك الفخاخ المنصوبة للجياع، مكان طويل وضيق، يصطاد زبائنه بمنظر المرايا ~~والشراشف البيضاء؛ ليس فيه فسحة، ولكن له جوه الخاص، جو من فن الطبخ القائم على الغش ~~الذي يستهزئ بالجنس البشري الذليل في أشد احتياجاته البائسة إلحاحا. في هذا الجو غير ~~الأخلاقي، فكر المفوض المساعد في مغامرته، وبدا له أنه يفقد المزيد من هويته. ~~تملكه شعور بالوحدة، وبحرية آثمة. ولكنه كان شعورا ممتعا إلى حد ما. بعدما دفع ~~ثمن وجبته الصغيرة، ووقف منتظرا الباقي، رأى نفسه في لوح من الزجاج، وأذهله مظهره ~~الغريب. تأمل صورته بنظرة حزينة وفضولية، ثم بإلهام مفاجئ رفع ياقة سترته. بدا له ~~هذا التعديل جديرا بالثناء، وأكمله بفتل طرفي شاربه الأسود إلى الأعلى. سر بهذا التعديل ~~المتقن في مظهره الشخصي الذي أحدثته هذه التغييرات الصغيرة. قال مفكرا: «هذا سيؤدي ~~الغرض جدا.» «سأبتل قليلا، بعض الماء ...» # أدرك وجود النادل عند مرفقه ووجود كومة صغيرة من العملات المعدنية على حافة الطاولة ~~أمامه. راقب النادل النقود بعين، أما عينه الأخرى فتتبعت فتاة طويلة، ليست شابة جدا، ~~من ظهرها، وهي تمر وصولا إلى طاولة بعيدة في مكان بعيد عن الأنظار ومنعزل تماما. بدت ~~زبونة معتادة. # في طريق خروجه، لاحظ المفوض المساعد بينه وبين نفسه أن مرتادي المكان قد فقدوا في ~~اعتيادهم على تلك الأكلات المغشوشة كل خصائصهم الوطنية والخاصة. وكان هذا غريبا؛ لأن ~~المطعم الإيطالي هو مؤسسة بريطانية بطريقة غريبة. لكن هؤلاء الأشخاص تجردوا من جنسيتهم ~~مثل الأطباق الموضوعة أمامهم بحالة من الاحترام الذي لم يكن يحمل طابعا معينا. كذلك ~~بطريقة ما لم تحمل شخصياتهم أي طابع معين، سواء كان مهنيا أو اجتماعيا أو ~~عرقيا. بدا الأمر ms121 وكأنهم خلقوا من أجل المطعم الإيطالي ، هذا إن لم يكن المطعم الإيطالي ~~قد أنشئ من أجلهم بالصدفة. لكن هذه الفرضية الأخيرة كانت مستبعدة؛ لأنه لا يمكن للمرء ~~أن يضعهم في أي مكان خارج تلك المؤسسات الخاصة. فلم يكن المرء يلتقي بهؤلاء الأشخاص ~~الغامضين في أي مكان آخر. استحال عليه أن يكون فكرة دقيقة عن أعمالهم التي يمتهنونها ~~نهارا وعن الأماكن التي يأوون إليها ليلا. وكان هو نفسه قد أصبح في موضع غير موضعه. ما ~~كان لأحد أن يخمن مهنته. وفيما يتعلق بذهابه إلى النوم، كان ثمة شك حتى في عقله هو. ليس ~~فيما يخص مكان إقامته نفسه بالتأكيد، ولكن كان الأمر يتعلق إلى حد كبير بالوقت الذي ~~سيعود فيه إلى هناك. استحوذ عليه شعور ممتع بالاستقلالية عندما سمع صوت الأبواب الزجاجية ~~وهي تتأرجح خلف ظهره بنوع من الجلجلة المختلة المرتبكة. تقدم في الحال إلى كتلة ضخمة من ~~الطين الموحل والجص الرطب المرصع بالمصابيح، والمغلف بسواد ليل لندن الرطب الذي تغمره ~~قطرات الماء. # لم يكن شارع بريت ببعيد جدا. كان يتفرع ويضيق من جانب فسحة مفتوحة مثلثة الشكل محاطة ~~بمنازل مظلمة وغامضة، ومنشآت تجارية صغيرة يهجرها أصحابها في الليل. لم يكن يوجد سوى متجر ~~فاكهة على الناصية، يصدر وهجا ساطعا من الضوء والألوان. وراءه كانت العتمة مخيمة، ويخلو ~~الشارع إلا من قلة من الناس اختفوا بعد خطوة لما تجاوزوا أكوام البرتقال والليمون التي يسطع ~~عليها الضوء. لم يكن ثمة صدى لوقع أقدام. لن يسمع صوتها مجددا. باهتمام، ومن بعيد، ~~راقب رئيس إدارة الجرائم الخاصة المغامر هؤلاء المارة وهم يختفون. شعر بفرح، وكأنه تعرض ~~لكمين وحيدا تماما في غابة على بعد آلاف الأميال من المكاتب الإدارية والمحبرات ~~الرسمية. يبدو أن هذا الفرح وتشتت الأفكار قبل مهمة على قدر من الأهمية يثبت أن هذا ~~العالم في نهاية الأمر ليس شأنا ذا بال. إذ لم تكن التركيبة النفسية للمفوض المساعد تميل ~~إلى التهور. # ظهر شرطي الدورية وهو يمر بجدية وحيوية أمام أكوام البرتقال والليمون ms122 البراقة، ودخل ~~شارع بريت دون إسراع . ظل المفوض المساعد متواريا عن الأنظار، يترقب عودته، وكأنه فرد من ~~الفئة الإجرامية. ولكن بدا أن هذا الشرطي قد انضم إلى قوة الشرطة التابع لها ولن يعود ~~أبدا. لم يعد مطلقا؛ لا بد أنه خرج إلى الطرف الآخر في شارع بريت. # بعد أن توصل المفوض المساعد إلى هذا الاستنتاج، دخل بدوره إلى الشارع، ووجد عربة كبيرة ~~لنقل البضائع تجرها خيول متوقفة أمام النوافذ الزجاجية المضيئة بإضاءة خافتة لمطعم رخيص ~~يقدم الطعام لأصحاب العربات التي تجرها الخيول. كان الرجل يجدد نشاطه بالداخل، وكانت ~~الخيول خافضة رءوسها الكبيرة إلى الأرض، وتتناول غذاءها بثبات من أكياس العلف المثبتة إلى ~~رءوسها. وهناك على الجانب الآخر من الشارع، توهم أنه رأى بقعة أخرى من ضوء خافت ينبعث ~~من واجهة متجر السيد فيرلوك، المعلقة عليها صحف، وتمتلئ بأكوام غير محددة المعالم من ~~صناديق مصنوعة من الورق المقوى وأشكال من الكتب. وقف المفوض المساعد يراقب واجهة المتجر من ~~الناحية الأخرى للطريق. لا يمكن أن يكون ثمة خطأ على الإطلاق. إلى جانب النافذة الأمامية، ~~المثقلة بظلال أشياء يتعذر وصفها، سمح الباب الموارب بانبعاث شعاع واضح وضعيف من مصباح غازي ~~بالداخل إلى رصيف الشارع. # خلف المفوض المساعد، أصبحت العربة والخيول كتلة واحدة، بدت وكأنها شيء حي، وحش أسود ~~مربع الظهر يسد نصف الشارع، بأصوات خطى مفاجئة لحدوات حديدية، وجلجلة قوية، وأنفاس ~~ثقيلة تنفث الهواء. واجه الوهج الاحتفالي الصاخب المشئوم لحانة كبيرة وعامرة في الطرف الآخر ~~من شارع بريت عبر طريق واسع. بدا أن هذا الحاجز من الأضواء المتوهجة، الذي تباين مع ~~الظلال المتجمعة حول المسكن المتواضع الذي كان يضم سعادة السيد فيرلوك الأسرية، زاد ~~من غموض الشارع، وجعله أكثر تجهما وكآبة وشؤما. # | الفصل الثامن # بعد إلحاح متواصل من جانب والدة السيدة فيرلوك على العديد من أصحاب الحانات المرخصين ~~(الذين كانوا يوما ما معارف زوجها الراحل المنكود) تحول اهتمامهم الفاتر إلى نوع من ~~الحماس، وضمنت أخيرا قبولها في إحدى دور المسنين التي أسسها صاحب ms123 حانة ثري لإيواء ~~الأرامل المعوزات المنتميات إلى المهنة. # كانت المرأة العجوز قد سعت بسرية وتصميم إلى هذه الغاية التي تراءت لها بفطنة نابعة من ~~قلبها المهموم. كان ذلك عندما لم تستطع ابنتها ويني أن تمنع نفسها من أن تبدي للسيد فيرلوك ~~ملاحظة عابرة هي أن «أمي أنفقت في الأسبوع الماضي نصف كرونة وخمسة شلنات كل يوم تقريبا ~~على أجرة عربات الأجرة.» لكنها لم تصدر هذه الملاحظة عن كره أو ضيق من أمها. كانت ويني ~~تحترم شيخوخة والدتها. ولكن كل ما في الأمر أنها اندهشت قليلا من هذا الهوس المفاجئ ~~بالرغبة في التنقل. أما السيد فيرلوك، الذي كان عظيما، فقد تذمر بنفاد صبر من الملاحظة ~~لأنها قطعت حبل أفكاره. كانت هذه الأفكار متكررة وعميقة وطويلة؛ إذ كانت تتعلق بأمر ~~أهم من خمسة شلنات. لا ريب أنها كانت أهم، وبعيدا عن كل المقارنات، وأصعب، على نحو لا ~~يقارن، في تناولها من جميع الجوانب بصفاء ذهن فلسفي. # بعد أن وصلت العجوز القوية إلى غرضها في سرية وذكاء، أفصحت عما في جعبتها للسيدة فيرلوك. ~~شعرت في روحها بنشوة النصر وبخوف في قلبها. ارتجفت من داخلها لأنها شعرت بخشية وإكبار ~~للطبيعة الهادئة والمتحفظة التي كانت تتسم بها ابنتها ويني، التي كان استياؤها رهيبا ~~ويتخذ أشكالا متنوعة من الصمت المخيف. ولكنها لم تسمح لمخاوفها الداخلية أن تسلبها ميزة ~~الهدوء المهيب البادي على مظهرها الخارجي بسبب ذقنها التي تراكمت فيها الدهون وضخامة جثتها ~~وشلل ساقيها. # لم تتوقع السيدة فيرلوك الخبر الصادم، مما دفعها إلى قطع الأعمال المنزلية التي كانت ~~عاكفة عليها، ولم تكن هذه عادتها عند مخاطبتها. كانت تنفض الغبار عن الأثاث في غرفة ~~المعيشة خلف المتجر. وأدارت رأسها باتجاه أمها. # صاحت في ذهول مصدوم: «لأي سبب تريدين فعل ذلك؟» # لا بد أن الصدمة كانت شديدة لدرجة جعلتها تحيد عن ذلك القبول المتحفظ وغير الفضولي ~~للحقائق الذي كان مصدر قوتها ومنجاتها في الحياة. ~~«ألم يتوفر لك ما يكفي من سبل الراحة هنا؟» # كانت قد انغمست في تلك ms124 الأسئلة، ولكن في اللحظة التالية حافظت على ثبات سلوكها بأن عادت ~~إلى نفض الغبار، بينما جلست المرأة العجوز مرتعبة وصامتة مرتدية قبعتها البيضاء وشعرها ~~المستعار الأسود الباهت. # انتهت ويني من نفض الغبار عن الكرسي، ومررت منفضة الغبار على الأريكة المصنوعة من خشب ~~الماهوجني وشعر الخيل التي يحب السيد فيرلوك أن يرتاح عليها وهو يرتدي قبعته ومعطفه. ~~كانت عازمة على العمل، ولكنها سمحت لنفسها حينئذ بأن تطرح سؤالا آخر. ~~«كيف استطعت بحق الرب أن تجدي تلك الدار يا أمي؟» # كان مبدأ السيدة فيرلوك هو التجاهل، ولكن لم يكن ثمة ضير من هذا الفضول، بما أنه لن ~~يؤثر في حقيقة الأمور. لم يصبها الفضول إلا بشأن الوسائل. رحبت المرأة العجوز ~~بالسؤال بلهفة إذ كان يطرح شيئا يمكن التحدث عنه بقدر كبير من الصدق. # منحت ابنتها إجابة مستفيضة تزخر بالأسماء وثرية بالتعليقات الجانبية عن نوائب الزمان ~~التي ظهرت آثارها في تغير ملامح البشر. كانت الأسماء في المقام الأول عبارة عن أصحاب ~~حانات مرخصين «أصدقاء والدك البائس يا عزيزتي.» أسهبت في الإطراء على لطف واحد من صانعي ~~البيرة الكبار وعلى كرمه، وعلى بارونيت وأحد أعضاء البرلمان، ورئيس مجلس محافظي المؤسسة ~~الخيرية. عبرت عن نفسها بتلك الحرارة؛ لأن سكرتيره الخاص سمح لها بموعد لإجراء مقابلة ~~«إنه رجل شديد التهذيب، وكل ملابسه سوداء، وله صوت رقيق وحزين، لكنه رفيع وهادئ جدا. كان ~~يبدو وكأنه طيف يا عزيزتي.» # أطالت ويني عملية نفض الغبار إلى أن انتهت القصة، وخرجت من غرفة المعيشة إلى المطبخ (الذي ~~تنزل إليه درجتين) بطريقتها المعتادة ومن دون أدنى تعليق. # ذرفت والدة السيدة فيرلوك بعض الدموع علامة على ابتهاجها للطف ابنتها في هذه المسألة ~~المروعة، ثم ألمحت إلى ذكائها فيما يتعلق بأثاث المنزل لأنه كان ملكها في الأساس؛ ولكنها ~~كانت تتمنى في بعض الأوقات أن لو لم يكن كذلك. إن البطولة أمر حسن جدا، ولكن ثمة ظروف ~~ربما يكون عندها التخلص من بعض الطاولات والكراسي والأسرة النحاسية، وما إلى ذلك، ~~أمرا ضخما وله عواقب ms125 وخيمة وكارثية. طلبت بعض الأثاث لنفسها ، لأن المؤسسة الخيرية التي ~~ضمتها إلى كنفها الرحيم بعد كثير من الإلحاح لم تكن توفر للمشمولين برعايتها سوى ~~أرضية خشبية وجدران مغطاة بورق رخيص. مرت طيبة قلبها، التي قادتها إلى اختيار أقل ~~الأغراض قيمة وأكثرها تداعيا، دون ملاحظة من ويني لأن فلسفة الأخيرة كانت تتمثل في ~~تجاهل باطن الحقائق؛ وافترضت أن أمها قد أخذت أفضل ما يناسبها. أما السيد فيرلوك، فقد ~~عزله تأمله الشديد عزلا تاما، مثل سور صيني، عن ظواهر هذا العالم المليء بالجهد الذي ~~لا طائل منه وبالمظاهر الوهمية. # بعدما حددت اختياراتها، بات التخلص من الباقي مسألة محيرة بطريقة ما. بالطبع كانت ~~ستتركه في شارع بريت. ولكن كان لديها ولدان. تأمنت لويني سبل العيش الكريم بزواجها ~~العقلاني من ذلك الزوج الرائع، السيد فيرلوك. أما ستيفي فكان معدما، كما كان غريب الأطوار ~~بعض الشيء. كان لا بد من النظر في موقفه قبل مزاعم عدالة القانون وحتى قبل دعوات الإجحاف. ~~لن تكون حيازة الأثاث إعالة بأي حال من الأحوال. ينبغي لهذا الصبي البائس أن يحصل عليه. ~~ولكن إعطاءه له سيكون بمثابة عبث مع وضعه القائم على التبعية الكاملة. كان استحقاقا كانت ~~تخشى إضعافه. علاوة إلى ذلك، قد تتسبب مشاعر السيد فيرلوك في أن تجعله لا يطيق أن يعترف ~~بالفضل لصهره على الكراسي التي كان يجلس عليها. في تجربتها الطويلة مع المستأجرين، كانت ~~والدة السيدة فيرلوك قد كونت فكرة سيئة عن الطبيعة البشرية وأخرجت من رأسها فكرة وجود ~~جانب طيب لها. ماذا لو قرر السيد فيرلوك فجأة أن يأمر ستيفي بأن يأخذ عصيه التي ~~يحبها ويخرجها من المكان؟ من ناحية أخرى، فإن التقسيم، مهما أجري بعناية فقد يعطي ~~مبررا للإساءة إلى ويني. كلا، يجب أن يبقى ستيفي معدما ومحتاجا إلى من يعوله. وعندما ~~حانت لحظة مغادرتها لشارع بريت، قالت لابنتها: «لا حاجة إلى الانتظار حتى يحين أجلي، أليس ~~كذلك؟ كل شيء أتركه هنا هو ملك لك الآن بالكامل يا عزيزتي.» # استمرت ويني، وهي واقفة صامتة ms126 خلف أمها، وقبعتها فوق رأسها، في ترتيب طوق عباءة المرأة ~~العجوز. حملت حقيبة يدها ومظلة بوجه خال من التعبير. كان الوقت قد حان لإنفاق مبلغ قدره ~~ثلاثة شلنات وستة بنسات على ما قد يفترض أن يكون آخر سيارة أجرة تستقلها والدة السيدة ~~فيرلوك في حياتها. وخرجوا إلى باب المتجر. # كان من شأن العربة التي تنتظرهم أن تكون تعبيرا عن المثل القائل: «قد تكون الحقيقة أقسى ~~من الرسوم الساخرة» لو كان يوجد مثل كهذا. زحفت عربة متهالكة يجرها حصان ضعيف على ~~عجلات مترنحة وجلس على المقصورة سائق مشوه الخلقة. تسببت هذه الصفة الأخيرة في بعض ~~الإحراج. لما وقعت عين والدة السيدة فيرلوك على الخطاف الحديدي المعقوف البارز من كم ~~المعطف الذي يرتديه الرجل، فقدت فجأة شجاعتها البطولية في تلك الأيام. لم تستطع حقا ~~أن تثق في نفسها. قالت، مترددة في المضي قدما: «ما رأيك يا ويني؟» بدت الاعتراضات ~~الانفعالية لسائق العربة ذي الوجه الكبير وكأنها تخرج عنوة من حلق مسدود. انحنى من المقصورة ~~التي يجلس عليها، وهمس بسخط مستتر. ما المسألة الآن؟ هل يمكن معاملة رجل بتلك الطريقة؟ ~~احمر وجهه الكبير الوسخ من شدة الغضب وعربته متوقفة في الحيز الموحل من الشارع. واستفسر ~~باستماتة، هل يمكن أن يمنحوه رخصة، إذا ... # أسكته شرطي الدرك بنظرة ودية؛ ثم موجها حديثه إلى السيدتين من دون احترام ملحوظ، ~~قال: ~~«إنه يسوق عربة أجرة منذ عشرين عاما. ولم أعرف عنه أنه تسبب في حادث قط.» # صاح السائق بنبرة هامسة محتقرة: «حادث!» # حسمت شهادة الشرطي الأمر. وتفرق التجمع الصغير المكون من سبعة أشخاص، كان معظمهم من ~~الأطفال. تبعت ويني والدتها إلى العربة. صعد ستيفي وجلس على المقصورة. كان فمه المفتوح ~~وعيناه الحزينتان يعبران عن حالة عقله بشأن التعاملات التي كانت قيد الحدوث. في الشوارع ~~الضيقة، كانت سرعة تقدم الرحلة معقولة لمن هم داخل واجهات المنازل القريبة التي كانت تمر ~~ببطء وترنح، مع اهتزاز وجلجلة عظيمين للزجاج، وكأنه يوشك على السقوط مع مرور العربة؛ ~~وبدا الحصان الضعيف، بعدة ms127 جره الموضوعة فوق عموده الفقري البارز مصطفقة بغير إحكام حول ~~فخذيه، وكأنه يتراقص متبخترا على حوافره بصبر متناه. لاحقا، في النطاق الأوسع من طريق ~~وايتهول، أصبحت جميع الشواهد البصرية على الحركة غير محسوسة. استمر اهتزاز الزجاج وجلجلته ~~بلا توقف أمام مبنى وزارة الخزانة الطويل، وبدا أن الوقت نفسه قد توقف. # أخيرا، قالت ويني: «هذا ليس حصانا جيدا جدا.» # لمعت عيناها، اللتان كانتا تحدقان إلى الأمام بثبات، في ظلمة العربة. وعلى المقصورة، أغلق ~~ستيفي فمه الفاغر أولا، من أجل أن يصيح بجدية: «لا تفعل.» # لم ينتبه له السائق، وهو يرفع عاليا اللجام الملفوف حول الخطاف. ربما لم يسمعه. ارتفعت ~~أنفاس ستيفي. ~~«لا تضربه بالسوط.» # أدار الرجل ببطء وجهه المنتفخ والمتبلد المتعدد الألوان الذي يعج بشعيرات بيضاء ~~خشنة. التمعت عيناه الصغيرتان الحمراوان بالرطوبة. اصطبغت شفتاه الكبيرتان بصبغة أرجوانية. ~~ظلتا مطبقتين. وبظهر يده القذرة الممسكة بالسوط حك الشعر النابت على ذقنه ~~الضخم. # قال ستيفي بعنف متلعثما: «يجب ألا تضربه. هذا يؤلمه.» # همس الآخر متشككا بتفكر: «يجب ألا أضربه بالسوط»، وعلى الفور ضرب الحصان بالسوط. فعل ~~هذا، ليس بسبب قسوة في روحه أو شر في قلبه، وإنما لأنه كان عليه أن يجني أجرته. ولفترة ~~من الوقت، أطلت جدران كنيسة سانت ستيفن، ذات الأبراج والقباب، في جمود وسكون عربة تمضي ~~محدثة قعقعة. ولكنها أيضا كانت تمضي متمايلة. ولكن على الجسر كان ثمة فوضى. بدأ ستيفي ~~فجأة في النزول من المقصورة. تعالت أصوات صياح على الرصيف، واندفع أناس يجرون إلى ~~الأمام، وأوقف السائق العربة، وهو يهمس بلعنات السخط والذهول. أنزلت ويني النافذة، وأخرجت ~~رأسها، بوجه شاحب كشبح. في داخل العربة، كانت والدتها تصيح بنبرة معاناة: «هل تأذى ذلك ~~الصبي؟ هل تأذى ذلك الصبي؟» # لم يتأذ ستيفي، ولم يسقط حتى، ولكن الانفعال المعتاد كان قد سلبه القدرة على الكلام ~~المترابط. لم يستطع فعل شيء إلا الحديث بتلعثم عند النافذة: «ثقيل للغاية. ثقيل للغاية.» ~~وضعت ويني يدها على كتفه. ~~«ستيفي! اصعد إلى المقصورة مباشرة، ولا تحاول النزول مرة ms128 أخرى.» ~~«كلا. كلا. سأمشي. لا بد أن أمشي.» # لما حاول أن يذكر طبيعة تلك الضرورة، تلعثم بكلام غير مترابط. لم يكن لديه عجز جسدي ~~يحول دون نزوته المفاجئة. كان يمكن لستيفي بسهولة أن يواكب خطوات الحصان الضعيف المترنح ~~من دون أن تنقطع أنفاسه. ولكن أخته أبت بحسم أن تبدي موافقتها. «الفكرة! من سمع بشيء كهذا! ~~تجري خلف العربة!» قبعت أمها، خائفة من غير حول منها ولا قوة، في داخل العربة، وتوسلت ~~قائلة: «أوه، لا تدعيه يذهب يا ويني. سيتوه. لا تدعيه يذهب.» ~~«بالتأكيد لن أدعه. ماذا بعد! سوف يأسف السيد فيرلوك لو سمع بهذا الهراء يا ستيفي ... أنا ~~واثقة من ذلك. لن يكون سعيدا إطلاقا.» # أثرت فكرة أسف السيد فيرلوك وحزنه بقوة كالمعتاد على مسلك ستيفي سهل الانقياد بالأساس، ~~وجعلته يتخلى عن كل مقاومة وعاود الصعود إلى المقصورة واليأس يعتلي وجهه. # استدار إليه سائق العربة بوجهه الضخم المستشيط غضبا بنظرة عدوانية. وقال: «لا تقدم ~~على تجربة هذه اللعبة السخيفة مرة أخرى، أيها الشاب.» # بعدما أفصح عما بنفسه هكذا بهمس عابس، مجهدا إلى حد الخمود، تابع المضي بالعربة غارقا ~~في التفكير بجدية. في عقله، ظلت الحادثة غامضة بعض الشيء. لكن عقله، على الرغم من أنه كان ~~قد فقد حيويته الفطرية في سنوات خدر الجلوس الطويل متعرضا لتقلبات الطقس، لم يكن يفتقر ~~إلى الاستقلالية أو الرجاحة. نبذ بشدة فرضية أن يكون ستيفي شابا مخمورا. # في داخل العربة كان الصمت المخيم، الذي عانت خلاله المرأتان الجالستان جنبا إلى جنب من ~~الارتجاج والصخب والجلجلة التي كانت تحدثها العربة، قد قطع باهتياج ستيفي. رفعت ويني ~~صوتها. ~~«لقد فعلت ما أردت يا أمي. لا تلومي إلا نفسك إن شعرت بعدم السعادة بعد ذلك. ولا أظن ~~أنك ستكونين سعيدة. لا أظن ذلك. ألم تكوني مرتاحة معنا في المنزل؟ أيا كان ما سيظنه ~~الناس بنا، أترمين نفسك هكذا في مؤسسة خيرية؟» # صاحت المرأة العجوز بجدية وعلا صوتها فوق صوت الضوضاء: «يا بنيتي، كنت أبر البنات بي. ~~أما السيد ms129 فيرلوك ... فلا يوجد ...» # لم تسعفها الكلمات لما أتت على ذكر فضائل السيد فيرلوك، فرفعت عينيها الهرمتين ~~الدامعتين إلى سقف العربة. ثم حولت رأسها بحجة النظر من النافذة، وكأنما تريد أن تستنتج ~~مدى تقدم العربة بهم. كان تقدمها طفيفا، وتابعت مسيرها بالقرب من الرصيف. كان غسق الليل، ~~ليل جنوب لندن القذر، والمشئوم، والصاخب، والقانط، والقاسي قد حل عليها في آخر رحلة لها ~~بعربة أجرة. في ضوء مصابيح الغاز للمتاجر ذات الواجهات المنخفضة، توهجت وجنتاها بمسحة من ~~لون برتقالي تحت قلنسوتها ذات اللونين الأسود والبنفسجي. # كان لون بشرة والدة السيدة فيرلوك قد اصفر بسبب أثر التقدم في العمر ومن قابليتها ~~الطبيعية للإصابة بالصفراء، وساعد على ذلك تجارب حياة صعبة وقلقة، في البداية كزوجة، ثم ~~أرملة. كانت بشرتها من النوع الذي تعلوه مسحة من لون برتقالي حينما تتورد وجنتاها خجلا. ~~وكان وجه هذه المرأة، المتواضعة حقا ولكنها صلبة أمام لهيب الشدائد، قد توردت وجنتاه ~~أمام ابنتها، في عمر لا تتوقع فيه حمرة الخجل. في عزلة عربة ذات عجلات أربع، وفي ~~طريقها إلى دار خيري (واحد من صف من الأبنية) ربما يكون، بصغر مساحته وبساطة تجهيزاته، ~~قد صمم بلطف كي يكون مكانا من أجل التدريب على أوضاع القبر الأكثر ضيقا، اضطرت إلى أن ~~تخفي عن ابنتها تورد وجنتيها ندما وخجلا. # ما الذي سيظنه الناس؟ كانت تعرف جيدا جدا ما يظنون، الناس الذين كانت ويني تقصدهم؛ ~~أصدقاء زوجها القدامى، وآخرين غيرهم، الذين كانت قد استجدت اهتمامهم بنجاح باهر. لم تكن ~~تعرف من قبل كم هي جيدة كمتسولة. لكنها أحسنت تخمين الاستنتاج الذي استوحي من طلبها. بناء ~~على تلك الحساسية الآخذة في التقلص، التي كانت موجودة جنبا إلى جنب مع وحشية عدوانية في ~~الطبيعة الذكورية، لم يتماد كثيرا في الاستفسارات حول ظروفها. كانت قد كبحتها بضغط ظاهر ~~على شفتيها وإظهار لبعض الانفعال عاقدة العزم على الصمت البليغ. ومن شأن الرجال أن يصبحوا ~~فجأة غير فضوليين تبعا للأسلوب المتبع في جنسهم. هنأت نفسها أكثر من مرة على ms130 عدم تعاملها ~~في هذا الأمر مع النساء، اللواتي من طبيعتهن أنهن أكثر قسوة وشغفا بالتفاصيل، وكن ~~سيحرصن على أن يطلبن منها أن يعرفن بدقة أي نوع من السلوك غير الطيب من قبل ابنتها وزوج ~~ابنتها دفعها إلى تلك النهاية الحزينة. لم يحدث ذلك إلا أمام سكرتير صاحب مصنع البيرة ~~الكبير وعضو البرلمان ورئيس المؤسسة الخيرية، الذي شعر، وهو يؤدي دور مديره، بأنه يتعين ~~عليه أن يكون فضوليا حسبما يمليه ضميره حيال الظروف الحقيقية لمقدمة الطلب، فانهمرت ~~دموعها بالنحيب على الفور وبصوت عال وكأنها امرأة في موقف حرج. بعدما أخذ الرجل الرفيع ~~المهذب يتأملها بشيء من «الارتباك الشديد»، تخلى عن موقفه تحت ستار عبارات مهدئة. يجب ~~ألا تشعر بالكرب. لم تنص وثيقة المؤسسة الخيرية على «الأرامل من دون أطفال» مطلقا. في ~~الواقع، لم تستبعدها بأي شكل من الأشكال. ولكن السلطة التقديرية للجنة لا بد أن تكون ~~مستنيرة. يمكن للمرء أن يفهم جيدا عدم رغبتها في أن تكون عبئا على أحد، وما إلى ذلك. ~~عندئذ، ذرفت والدة السيدة فيرلوك مزيدا من الدموع بقوة أكبر، مما أصابه بخيبة أمل ~~شديدة. # كانت دموع تلك الأنثى الضخمة، التي كانت تضع شعرا مستعارا أسود مغبرا وترتدي ~~فستانا حريريا قديما مزينا بدانتيل قطني ذي لون أبيض متسخ، تنم عن كرب حقيقي. لقد ~~بكت لأنها كانت امرأة شجاعة ومنعدمة الضمير ومفعمة بالحب لولديها. كثيرا ما يضحى ~~بالفتيات من أجل رفاهية الأولاد. في هذه الحالة، كانت تضحي بويني. وبطمس الحقيقة، كانت ~~تفتري عليها. بالطبع، كانت ويني مستقلة ولم تكن بحاجة لأن تهتم بآراء أناس لن تراهم ولن ~~يروها أبدا؛ في حين أن ستيفي البائس لم يكن يملك من حطام الدنيا سوى شجاعة والدته وانعدام ~~ضميرها. # تلاشى بمرور الوقت الشعور الأول بالأمان الذي أعقب زواج ويني (فلا شيء يدوم)، وفي عزلة ~~والدة السيدة فيرلوك في غرفة النوم الخلفية، تذكرت ما تعلمته من انطباعات تلك التجربة التي ~~يفرضها العالم على امرأة أرملة. لكنها تذكرته من دون مرارة لا جدوى منها؛ إذ ms131 كان ما لديها ~~من استسلام يوازي تقريبا ما كانت تملكه من كرامة. تدبرت بصبر أن كل شيء في هذا العالم ~~يضمحل، ويتلاشى؛ وأن طريق الإحسان ينبغي أن يمهد لمن لديهم النية الحسنة؛ وأن ابنتها ~~ويني كانت أختا مخلصة جدا وزوجة واثقة من نفسها حقا. فيما يتعلق بتفاني ويني ~~باعتبارها شقيقة، ذبل فتورها. استثنت ذلك الشعور من قاعدة الاضمحلال التي تؤثر على كل ما هو ~~بشري وبعض الأشياء الإلهية. لم تستطع ألا تفعل، وكان عدم فعلها ذلك سيخيفها إلى أقصى حد. ~~ولكن بالنظر إلى ظروف زواج ابنتها، نبذت كل الأوهام المغرية نبذا قاطعا. تبنت وجهة نظر ~~بعيدة عن المشاعر وعقلانية مفادها أنه كلما قل الضغط على لطف السيد فيرلوك، كان من ~~المرجح أن يمتد أثره لفترة أطول. أحب هذا الرجل العظيم زوجته، بالطبع، ولكنه، بلا شك كان ~~من شأنه أن يفضل أن يبقي أقل عدد ممكن من أقربائها بما كان يتسق مع الإظهار المناسب ~~لتلك المشاعر. سيكون من الأفضل لو ركز كل تأثير تلك المشاعر على ستيفي البائس. وصممت ~~المرأة العجوز الجسور على الابتعاد عن ولديها معتبرة ذلك عملا من أعمال التفاني وخطوة ~~نابعة من تخطيط عميق. # تمثلت «فضيلة» هذا التخطيط (كانت والدة السيدة فيرلوك بارعة في طريقتها)، في أن هذه ~~الخطوة سوف تعزز ذريعة ستيفي الأخلاقية. لم يكن الصبي البائس - الطيب والمفيد، حتى لو ~~كان غريب الأطوار بعض الشيء - يمتلك اعتبارا كافيا. كان قد استحوذ عليه على يد ~~والدته، بطريقة تماثل نوعا ما الطريقة التي استحوذ بها على الأثاث في منزل بلجرافيا، ~~كما لو كان ذلك على أساس أنه ينتمي إليها حصريا. سألت نفسها ما الذي سيحدث (إذ كانت ~~والدة السيدة فيرلوك خيالية إلى حد ما) عندما أموت؟ وارتعبت عندما سألت نفسها هذا السؤال. ~~كانت ترتعب أيضا عندما تفكر في أنها لن تمتلك وسيلة لمعرفة ما حدث لذلك الفتى البائس. ~~ولكن بنقل تبعيته إلى أخته، بالرحيل بتلك الطريقة، منحته ميزة أن يكون في وضعية تبعية ~~مباشرة. كان ذلك أدق تصديق ms132 على جسارة والدة السيدة فيرلوك وانعدام ضميرها. في الحقيقة كان ~~هجرها للمكان ترتيبا من أجل استقرار ولدها طيلة حياته. قدم آخرون تضحيات مادية من أجل ~~غايات كتلك، وقد فعلت هي الأخرى بتلك الطريقة. كانت الطريقة الوحيدة. إضافة إلى ذلك، ستكون ~~قادرة على أن ترى كيف سارت الأمور. وسواء خيرا أم شرا، فستتجنب الشكوك الرهيبة وهي على ~~فراش الموت. ولكن الأمر كان صعبا، صعبا، صعبا للغاية. # كانت العربة تهتز وتحدث جلبة؛ في الحقيقة، كانت جلبتها استثنائية تماما. بسبب عنف ~~اهتزازها وضخامتها، زال كل إحساس بتقدمها إلى الأمام؛ وكان التأثير هو أن يتعرض المرء ~~للاهتزاز في أداة ثابتة تشبه أداة من العصور الوسطى للمعاقبة على جريمة ما، أو مثل اختراع ~~حديث للغاية لعلاج كسل في الكبد. كان الأمر مؤلما للغاية؛ وبدا علو صوت والدة السيدة ~~فيرلوك وكأنه عويل من الألم. ~~«أعرف يا بنيتي أنك ستأتين لزيارتي كلما سنحت لك الفرصة. أليس كذلك؟» # ردت ويني باقتضاب وهي تحملق أمامها مباشرة: «بالطبع.» # واهتزت العربة أمام متجر مشبع بالبخار والزيوت من لهيب الغاز ورائحة السمك المقلي. # علا نحيب المرأة العجوز مرة أخرى. ~~«ويجب يا بنيتي، أن أرى هذا الفتى البائس كل يوم أحد. لن يمانع في قضاء اليوم مع أمه ~~العجوز ...» # صرخت ويني بتبلد: ~~«يمانع! لا أظن ذلك. سيفتقدك هذا الفتى البائس كثيرا. أتمنى لو أنك كنت فكرت في ~~ذلك قليلا يا أمي.» # لم تفكر في ذلك! ابتلعت المرأة الجسور شيئا هزليا ومزعجا وكأنها ابتلعت كرة بلياردو ~~كانت تحاول أن تخرج من حلقها. جلست ويني صامتة عابسة لفترة من الوقت، في مقدمة العربة، ثم ~~قطعت صمتها، وتحدثت بنبرة غير معتادة منها: ~~«أتوقع أنني سأعاني الأمرين معه في البداية، سيكون مضطربا إلى درجة ...» ~~«مهما فعل، لا تدعيه يزعج زوجك يا عزيزتي.» # ومن ثم تناقشتا نقاشا متقاربا حول احتمالات وضع جديد. واهتزت العربة. أعربت ~~الوالدة عن بعض الشكوك لديها. هل يمكن الوثوق في أن يمشي ستيفي كل ذلك الطريق وحده؟ أكدت ~~ويني على أن «شرود ذهنه» بات ms133 أقل بكثير الآن. اتفقتا على ذلك . لا يمكن إنكار هذا. بات أقل ~~بكثير، نادرا جدا. كانت كل واحدة منهما تخاطب الأخرى هتافا في جلجلة العربة بمرح نسبي. ~~ولكن فجأة اندفع قلق الأم من جديد. كان يتعين عليه استقلال حافلتين بينهما مسافة سير ~~قصيرة على الأقدام. كان هذا أمرا بالغ الصعوبة! استسلمت المرأة العجوز للحزن ~~والذعر. # حملقت ويني أمامها. ~~«لا تزعجي نفسك هكذا يا أمي. بالطبع لا بد أن تريه.» ~~«كلا يا بنيتي. سأحاول ألا أفعل.» # مسحت عينيها المغرورقتين بالدموع. ~~«ولكن ليس بوسعك أن تجدي فسحة من الوقت كي تأتي ~~معه، وإذا نسي نفسه وضل طريقه وتحدث إليه أحد بنبرة حادة، فربما ينسى اسمه وعنوانه، ~~وسيظل تائها لأيام وأيام ...» # اعتصر قلبها ألما تصور وجود ستيفي البائس في إصلاحية الأحداث، حتى لو دخلها وقت ~~التحقيقات فقط. لأنها كانت امرأة معتدة بنفسها. زادت حدة حملقة ويني وقلقها ~~وتفكيرها. # صاحت: «لا أستطيع الإتيان به إليك كل أسبوع بنفسي.» «ولكن لا تقلقي يا أمي. سأحرص على ~~ألا يضل الطريق لفترة طويلة.» # شعرتا بارتطام غريب؛ طال مشهد أعمدة الطوب أمام نوافذ العربة المهتزة؛ أذهل المرأتين ~~توقف مفاجئ للاهتزازات العنيفة والجلجلة الصاخبة. ما الذي حدث؟ جلستا بلا حراك ومذعورتين ~~إلى أن فتح الباب، وسمعتا همسا من صوت خشن ومرهق: ~~«ها قد وصلنا!» # مجموعة من منازل صغيرة ذات أسقف جملونية، وبكل واحد منها نافذة واحدة صفراء وقاتمة، في ~~الطابق الأرضي، وتحيط بمساحة مظلمة مفتوحة عشبية مزروعة بالشجيرات، ومفصولة بحاجز عن مزيج ~~الأضواء والظلال في الطريق الواسع، الذي تدوي فيه جلبة حركة المرور المملة. كانت العربة ~~قد توقفت أمام باب أحد هذه المنازل الصغيرة، منزل من دون ضوء في النافذة الصغيرة بالطابق ~~السفلي. خرجت والدة السيدة فيرلوك أولا، بظهرها، وفي يدها مفتاح. ظلت ويني واقفة على ~~الدرب الحجري كي تدفع الأجرة لسائق العربة. بعدما ساعد ستيفي في حمل الكثير من الحزم ~~الصغيرة إلى الداخل، خرج ووقف تحت ضوء مصباح غاز يخص المؤسسة الخيرية. نظر سائق العربة ~~إلى القطع الفضية، ms134 التي بدت صغيرة جدا في راحة يده الضخمة والمتسخة، والتي كانت ترمز ~~إلى الحصيلة التافهة التي يجازى بها إنسان، أيامه قصيرة على هذه الأرض المليئة بالشر، على ~~شجاعته وطموحه وكدحه. # كان قد حصل على أجر معقول - أربع قطع من فئة شلن واحد - وتأملها في سكون تام، كما لو كانت ~~تمثل تعبيرا باعثا على الدهشة عن مشكلة عويصة. تطلب الانتقال البطيء لتلك الثروة إلى ~~الجيب الداخلي جهدا كبيرا لتلمس أعماق الملابس البالية. كانت هيئته بدينة ولا تتحلى ~~بالمرونة. وقف ستيفي النحيف عابسا على قارعة الطريق وكتفه مرفوعة إلى الأعلى قليلا ويداه ~~متوغلتان بعمق داخل الجيوب الجانبية لمعطفه الدافئ. # بعد أن توقف سائق العربة مؤقتا عن حركاته المتعمدة، لمعت في ذهنه ذكرى ضبابية. # قال هامسا: «أوه! ها هو أنت أيها الشاب. سوف تعرفه مرة أخرى، أليس كذلك؟» # كان ستيفي يحدق في الحصان، الذي بدا الجزء الخلفي منه مرتفعا على نحو غير متسق بسبب ~~الهزال. بدا الذيل القصير المتصلب وكأنه مخلوق كي تصاغ عليه نكتة قاسية؛ وفي الطرف الآخر، ~~تتدلى الرقبة الرفيعة المسطحة، مثل لوح خشب مغطى بجلد حصان عجوز، إلى الأرض تحت ثقل رأس ~~عظمي ضخم. كانت الأذنان متدليتين بزوايتين مختلفتين بإهمال؛ وتصاعد البخار من ضلوع ذلك ~~المخلوق الأبكم البائس الذي يعيش على سطح الأرض ومن عموده الفقري في سكون الهواء ~~الرطب. # ضرب سائق العربة صدر ستيفي ضربا خفيفا بالخطاف الحديدي البارز من كم رث ~~ومزيت. ~~«انظر أيها الشاب. هل تريد المكوث خلف هذه المؤخرة حتى الساعة الثانية صباحا، ~~ربما؟» # رمق ستيفي العينين الصغيرتين الشرستين بجفنين طرفيهما محمرين بنظرة خالية من ~~التعبير. # أردف الآخر وهو يهمس بحيوية: «ليس أعرج. ليس مصابا بألم في أي مكان من جسمه. ها هو بين ~~يديك. وإذا كنت تود ...» # أضفى صوته الخافت المجهد طابعا من السرية الشديدة على حديثه. ببطء تحولت نظرات ستيفي ~~الخالية من التعبير إلى خوف. ~~«فلتنظر جيدا! حتى الساعة الثالثة والرابعة صباحا. البرد والجوع. البحث عن ركاب ~~تنقلهم لتنال الأجرة. السكارى.» # انتشرت في وجنتيه ms135 الأرجوانيتين شعرات بيضاء؛ ومثل سايلينوس، المذكور في كتابات فيرجيل، ~~الذي، بينما كان وجهه ملطخا بعصير التوت، حدث رعاة صقلية الودعاء عن آلهة الأولمب، ~~تحدث إلى ستيفي عن شئون منزلية وأمور رجال يعانون معاناة عظيمة وخلودهم أكيد لا ~~محالة. # همس بسخط متبجح: «أنا سائق على عربة أجرة بالليل.» «يتعين أن آخذ أي عربة لعينة يتفضلون ~~بإعطائي إياها في ساحة عربات الأجرة. لدي زوجة وأربعة أطفال في المنزل.» # بدا وكأن الطبيعة الفظة لذلك التصريح عن الأبوة قد ألقمت العالم حجرا. ساد صمت تصاعد ~~أثناءه البخار من فرائص الحصان العجوز، جواد البؤس المروع، في ضوء مصباح الغاز التابع ~~للمؤسسة الخيرية. # نخر سائق العربة، ثم أردف بنبرته الهامسة غير الواضحة: ~~«الحياة ليست سهلة في هذا العالم.» ظل وجه ستيفي يرتعش لبعض الوقت، وفي النهاية انفجرت ~~مشاعره بعبارات مختصرة كالعادة. ~~«سيئ! سيئ!» # لم ينزل عينه من ضلوع الحصان، بنظرة خجولة ومكتئبة، وكأنه يخشى من أنه لو نظر حوله ~~فسيبصر الشر الذي يعج به العالم. وأضفت عليه نحافته وشفتاه الورديتان وشحوب بشرته وصفاؤها، ~~مظهر صبي رقيق، على الرغم من ظهور بعض الشعرات الذهبية على وجنتيه. عبس وجهه خوفا وكأنه ~~طفل صغير. نظر إليه سائق العربة القصير والسمين بعينيه الصغيرتين الشرستين اللتين كانتا ~~تبدوان وكأنهما تتألمان بشدة في سائل شفاف وفاسد. # أصدر صدره أزيزا مسموعا وهو يتكلم: «شاقة على الخيول، ولكنها أشق على رجال فقراء ~~مثلي.» # تمتم ستيفي: «فقير! فقير!» وهو يدفع يده أعمق إلى داخل جيوبه بتعاطف مرتجف. لم يستطع أن ~~يتفوه بكلمة؛ لأن إحساسه بكل الآلام والبؤس، ورغبته في إسعاد الحصان وسائق العربة، كان قد ~~بلغ حد توق غريب إلى أن يأخذهما معه إلى الفراش. ولكنه كان يعلم أن هذا مستحيل. لأن ~~ستيفي لم يكن مجنونا. يمكن القول، إن جاز التعبير، إنه كان توقا رمزيا؛ وفي الوقت نفسه ~~كان واضحا جدا، لأنه كان نابعا من تجربة، والتجربة هي مصدر الحكمة. لهذا عندما كان ~~طفلا، كان ينكمش في زاوية مظلمة، خائفا وتعيسا وحزينا وبائسا، يحيط بروحه ms136 حزن ~~سوداوي، وكانت أخته ويني تأتي إليه، وتحمله إلى السرير معها، وكأنها تحمله إلى جنة سلام ~~وعزاء. وعلى الرغم من أن ذاكرة ستيفي كان يمكن أن تنسى الحقائق المجردة، مثل اسمه وعنوانه، ~~إلا أنه كان لديه ذاكرة لا تخونه فيما يتعلق بالأحاسيس. كان العلاج الأمثل له هو أخذه ~~إلى السرير بتعاطف، ولم يكن يعيب هذا العلاج سوى صعوبة تطبيقه على نطاق واسع. ولما نظر إلى ~~سائق العربة، أدرك حاله على الفور لأنه كان عاقلا. # واصل سائق العربة استعداداته على مهل كما لو أن ستيفي لم يكن موجودا. تحرك وكأنه سيصعد ~~على المقصورة، ولكنه بدافع خفي توقف في اللحظة الأخيرة، ربما لمجرد الاشمئزاز من قيادة ~~العربة. بدلا من ذلك اقترب من شريكه في شقائه الذي كان واقفا بلا حراك، وانحنى ليمسك ~~اللجام، ثم رفع الرأس الكبير المرهق حتى وصل إلى مستوى كتفه بجهد من ذراعه الأيمن وكأنه ~~أمر صعب يتطلب قوة. # همس بصوت خافت: «هيا.» # سار بالعربة مبتعدا، وهو يعرج. لم يخل هذا الرحيل من بعض القسوة؛ إذ كان الحصى ~~المتناثر على الطريق يئن تحت العجلات التي كانت تدور ببطء، وأخذ فخذا الحصان الهزيلتان ~~تتحركان بتأن زاهد بعيدا عن الضوء إلى ظلام الساحة المفتوحة المتاخمة لبعض الأسقف ~~المدببة والنوافذ الخافتة الضوء لملاجئ الفقراء الصغيرة. ظل الحصى يئن من بطء سير العجلات ~~عليه طوال المسيرة. بين مصابيح بوابة المؤسسة الخيرية، عاود الموكب البطيء الظهور تحت ~~الإضاءة للحظة، الرجل القصير السمين يعرج بهمة، رافعا رأس الحصان بقبضته، والحيوان ~~النحيف يمشي في وقار متصلب وبائس، والمقصورة المنخفضة فوق العجلات تتدحرج تدحرجا هزليا ~~مع شيء من التمايل. انعطفت العربة جهة اليسار. كانت توجد حانة في نهاية الشارع، على بعد ~~خمسين ياردة من البوابة. # ترك ستيفي وحده بجانب عمود الإنارة الخاص بالمؤسسة الخيرية، ويداه مدسوستان بعمق في ~~جيوبه، يحملق بعبوس أبله. في قعر جيوبه قبضتان غاضبتان، ضمت يداه الضعيفتان العاجزتان ~~بشدة في هيئة قبضتين غاضبتين. في مواجهة أي شيء كان يؤثر تأثيرا مباشرا أو غير مباشر ms137 في ~~خوفه المرضي من الألم، كان الأمر ينتهي بستيفي إلى أن يصير عدوانيا. تعاظم السخط الحانق ~~في صدره الضعيف إلى حد الانفجار، وجعله يغضي عينيه المفتوحتين. لم يكن ستيفي حكيما ~~للغاية في إدراك ضعفه، ولم يكن حكيما بما يكفي لكبح جماح عواطفه. اتخذت رقته في محبة ~~الجميع وجهين لا ينفصم أحدهما عن الآخر، ومتصلين مثل وجهي عملة واحدة. فمعاناة التعاطف ~~المفرط كان يعقبها ألم نابع من غضب بريء لكنه لا يرحم. وإذ كانت هاتان الحالتان تعبران عن ~~ذاتيهما ظاهريا بنفس علامات الانفعال الجسدي العقيم، كانت أخته ويني تهدئ من روعه من دون ~~أن تستوعب طبيعتها المزدوجة. لم تكن السيدة فيرلوك تضيع أي قدر من هذه الحياة العابرة في ~~البحث عن معلومات جوهرية. هذا نوع من التدبير يتسم بجميع مظاهر الحكمة وبعض مزاياها. من ~~الواضح أنه قد يكون من الجيد ألا يعرف المرء أكثر مما ينبغي. ووجهة النظر تلك تتفق مع سمة ~~الخمول الجسدي. # في تلك الأمسية التي يمكن أن يقال إن والدة السيدة فيرلوك بمفارقتها لولديها فيها للأبد ~~قد فارقت هذه الحياة أيضا، لم تستطلع ويني فيرلوك حالة أخيها النفسية. بالطبع كان الفتى ~~البائس منفعلا. بعدما طمأنت المرأة العجوز مجددا على عتبة الباب بأنها ستعرف كيف تحمي ~~ستيفي من خطر أن يضل طريقه لفترة طويلة في رحلاته للبر بأمه، أمسكت ذراع أخيها كي ~~يغادرا. لم يتمتم ستيفي في نفسه حتى، ولكن بفضل الشعور الخاص بالتفاني الأخوي الذي نما ~~لديها في طفولتها المبكرة، شعرت أن الفتى كان بالفعل منفعلا جدا. عندما تمسكت بذراعه ~~بقوة، متظاهرة بأنها تتكئ عليها، فكرت في بعض الكلمات التي تناسب الموقف. ~~«الآن، يا ستيفي، يجب أن تعتني بي جيدا عند تقاطعات الشوارع، وأن تصعد إلى الحافلة ~~أولا، مثل أخ بار.» # استقبل ستيفي هذه المناشدة بالحماية النابعة من الرجولة بطاعته المعتادة. أرضى هذا ~~غروره. رفع رأسه ودفع صدره إلى الأمام. # أجاب بتلعثم مدغم خشن يجمع بين خجل الطفل وحزم الرجل: «لا تقلقي يا ويني. يجب ألا ~~تقلقي! لا ms138 بأس بالحافلة.» تقدم بلا خوف والمرأة ممسكة بذراعه، ولكن شفته السفلية كانت ~~متدلية. ومع ذلك، على رصيف الطريق القذر والواسع، الذي كان افتقاره إلى جميع مرافق الحياة ~~مفضوحا بسخافة بفعل إسراف جنوني في أضواء مصابيح الغاز، كان التشابه بينهما واضحا لدرجة ~~أذهلت المارة العابرين في الشارع. # أمام أبواب الحانة على الناصية، حيث بلغ انتشار ضوء مصابيح الغاز ذروة شر متيقن، كانت ~~عربة أجرة بأربع عجلات، واقفة بجانب الرصيف بلا أحد على المقصورة، تبدو وكأنها نبذت على ~~حافة الطريق جراء خراب مستعص فيها. تعرفت السيدة فيرلوك العربة. كان مظهرها يبعث على ~~الأسى الشديد، ببؤس بشع تام وغرابة تفاصيل مروعة، كما لو كانت عربة الموت نفسها، حتى إن ~~السيدة فيرلوك صاحت، بذلك الميل من امرأة لإبداء الشفقة على حصان (عندما لا تكون جالسة ~~خلفه)، بنبرة غير واضحة: ~~«حيوان بائس!» # توقف ستيفي فجأة، وهز أخته هزة ملفتة للانتباه. # هتف فجأة بتفهم: «بائس! بائس!» «سائق العربة بائس أيضا. أخبرني بنفسه.» # سيطر عليه التفكير في الجواد الضعيف والوحيد. تدافع وسط الناس بمنكبيه، ولكنه كان ~~حرونا؛ إذ ود لو بقي هناك، محاولا أن يعبر عن وجهة النظر التي تبدت حديثا ~~لعواطفه عن الارتباط الوثيق بين بؤس الإنسان وبؤس الخيل. ولكن الأمر كان في غاية الصعوبة. ~~كان كل ما استطاع أن يردده: «حيوان بائس، أناس بائسون!» لم تبد مؤثرة كفاية، فتوقف ~~فجأة وهو يتمتم غاضبا: «عار!» لم يكن ستيفي يتقن صياغة العبارات، وربما لذلك السبب بعينه ~~كانت أفكاره تفتقر إلى الوضوح والدقة. ولكنه شعر بقدر أكبر من الإحاطة وبعض العمق. اشتملت ~~تلك الكلمة البسيطة على كل ما كان يشعر به من سخط ورعب تجاه نوع من التعاسة قائم على معاناة ~~الآخرين، تجاه ضرب سائق عربة الأجرة البائس للحصان البائس، إن جاز القول، نيابة عن أطفاله ~~البائسين الذين يعولهم. وكان ستيفي يعرف شعور من يتعرض للضرب. كان يعرفه من واقع تجربة. ~~يا له من عالم سيئ! سيئ! سيئ! # لم يكن بوسع السيدة فيرلوك، أخته الوحيدة، والوصية عليه، وحاميته، ms139 أن تتظاهر بهذا القدر ~~من التعمق في بصيرتها. علاوة على ذلك، لم تكن قد خبرت بلاغة سائق عربة الأجرة. كانت تجهل ~~مدى عمق كلمة «عار». وقالت بهدوء: ~~«هيا بنا يا ستيفي. لا يمكنك فعل شيء حيال ذلك.» # مشى ستيفي المطيع؛ ولكنه أضحى يمشي بلا تفاخر، متثاقلا، ويتمتم بكلمات غير مكتملة، بل ~~حتى بكلمات ربما كانت ستصبح مكتملة لو لم تتركب من أنصاف كلمات لم تكن تنتمي لبعضها. بدا ~~الأمر كما لو أنه كان يحاول أن يجعل كل الكلمات التي يمكنه أن يتذكرها تنسجم مع مشاعره من ~~أجل أن يتوصل إلى فكرة منسجمة نوعا ما. وفي الحقيقة، توصل إليها في النهاية. فتوقف من أجل ~~أن يلفظها على الفور. ~~«عالم سيئ للفقراء.» # وفورا بعد أن عبر عن فكرته تلك، صار يدرك أنه يألف هذا العالم بكل ما فيه من عواقب. ~~عزز هذا الظرف قناعته إلى حد كبير، لكنه أيضا زاد من سخطه. شعر أنه لا بد من عقاب شخص ما ~~على ذلك، لا بد أن يلقى عقابا شديدا. ولأنه لم يكن إنسانا متشككا، وإنما أخلاقي، ~~فقد كان بطريقة ما خاضعا لعواطفه النابعة من أخلاقه. # أردف باقتضاب: «وحشية!» # لم يخف على السيدة فيرلوك أنه كان منفعلا انفعالا شديدا. # قالت: «لا يمكن لأحد فعل شيء حيال ذلك. هيا تعال. أتلك هي طريقتك في الاعتناء ~~بي؟» # أطاعها ستيفي وعدل وتيرة خطواته. تفاخر بأنه أخ بار. ذلك ما أملته عليه أخلاقه، التي ~~كانت مكتملة جدا. ولكنه تألم من المعلومة التي نقلتها له أخته ويني التي كانت أختا بارة. ~~لا يمكن لأحد فعل شيء! مشى عابسا، لكنه ابتهج بعد قليل. مثل بقية البشر، الذين تحيرهم ~~ألغاز الكون، كانت لديه لحظات من المواساة النابعة من الثقة في السلطات المنظمة على ~~الأرض. # اقترح واثقا: «الشرطة.» # علقت السيدة فيرلوك بسرعة، وهي تسير متعجلة: «ليس ذلك دور الشرطة.» # استطال وجه ستيفي كثيرا. انشغل عقله بالتفكير. وكلما فكر بعمق أكثر، ازداد تدلي فكه ~~السفلي. # وتخلى عن مبادرته الفكرية وعلى وجهه خواء قانط. ms140 # تمتم مستسلما إلا أنه كان مندهشا : «ليس ذلك دورها؟» «ليس ذلك دورها؟» كان قد صاغ لنفسه ~~مفهوما مثاليا عن شرطة العاصمة باعتبارها مؤسسة خيرية نوعا ما، معنية بقمع الشر. كانت ~~فكرة حب الخير على وجه الخصوص مرتبطة لديه ارتباطا وثيقا بمعنى السلطة التي يتمتع بها ~~أصحاب الزي الأزرق. كان قد أحب كل رجال الشرطة حبا جما، ويثق فيهم ثقة ساذجة. واعتصر ~~الألم قلبه. انزعج، أيضا، من شك نخر قلبه بشأن ازدواجية في أعضاء قوات الشرطة. وذلك لأن ~~ستيفي كان صريحا وواضحا كالشمس في كبد السماء. ما الذي يقصدونه بالتظاهر إذن؟ على النقيض ~~من أخته، التي وضعت ثقتها في القيم الظاهرية، رغب في أن يتعمق في أصل المسألة. واصل ~~استفساره باعتراض غاضب. ~~«ما دورهم إذن، يا ويني؟ ما دورهم؟ أخبريني.» # كانت ويني تكره الجدال. ولكن بدافع أولا من خوف شديد من أن يدخل ستيفي في نوبة اكتئاب ~~حاد ناجمة عن افتقاده لأمه كثيرا، لم ترفض المناقشة بالكلية. دون أي تهكم، أجابت بطريقة ~~ربما لم تكن غريبة على زوجة السيد فيرلوك، مفوض اللجنة الحمراء المركزية، والصديق الشخصي ~~لبعض اللاسلطويين ونصير الثورة الاجتماعية. ~~«ألا تعرف دور الشرطة، يا ستيفي؟ إنهم موجودون من أجل ألا يأخذ من لا يملكون شيئا أي ~~شيء ممن يملكون.» # تجنبت استخدام فعل «يسرق» لأنه دائما ما كان يزعج أخاها. لأن ستيفي كان أمينا للغاية. ~~كانت قد غرست فيه بعض المبادئ البسيطة بحرص بالغ (بسبب «غرابة أطواره») لدرجة أن مجرد ~~ذكر أسماء بعض التجاوزات كان يملؤه رعبا. كان دائما يتأثر بسهولة بالأحاديث. كان متأثرا ~~ومذهولا الآن، وكان عقله متنبها جدا. # سأل على الفور بقلق: «ماذا؟ ولا حتى لو كانوا جوعى؟ ألا يتعين عليهم ذلك؟» # كان الاثنان قد توقفا عن المشي قليلا. # قالت السيدة فيرلوك، برباطة جأش شخص لا تقلقه مسألة توزيع الثروات، وهي تستكشف الطريق ~~بحثا عن الحافلة العامة ذات اللون الصحيح: «ولا حتى لو كانوا جوعى. بالتأكيد لا. ولكن ما ~~الفائدة من الحديث عن كل تلك المسائل؟ أنت لم ms141 تكن جائعا من قبل.» # رمقت الفتى بنظرة خاطفة وكأنه شاب يمشي بجانبها. رأته لطيفا وجذابا وحنونا، ولم ~~تره غريب الأطوار إلا بقدر ضئيل، ضئيل جدا. ولم تستطع أن تراه خلاف ذلك؛ لأنه كان ~~مرتبطا بما كان ملح العاطفة في حياتها التي لا طعم لها، عاطفة الغضب والشجاعة والرأفة وحتى ~~التضحية بالنفس. لم تردف قائلة: «ولا يحتمل أن تكون كذلك ما دمت أنا على قيد الحياة.» ~~ولكن ربما فعلت ذلك بالفعل؛ لأنها اتخذت خطوات فعالة من أجل تحقيق تلك الغاية. كان السيد ~~فيرلوك زوجا صالحا جدا. وكان انطباعها الصادق أنه لا أحد يمكنه ألا يحب الفتى. صاحت ~~فجأة: ~~«أسرع يا ستيفي. أوقف تلك الحافلة الخضراء.» # ورفع ستيفي، الذي كان مضطربا ومهتما بأخته الممسكة بذراعه، ذراعه الأخرى فوق رأسه ~~مشيرا إلى الحافلة، ونجح في إيقافها. # بعد ساعة، رفع السيد فيرلوك عينيه من الجريدة التي كان يقرؤها - أو ينظر إليها على أي ~~حال - خلف منضدة البيع، وبعد أن توقفت جلبة جرس الباب، رأى زوجته، ويني، تدخل وتعبر ~~المتجر في طريقها إلى الطابق العلوي، يتبعها صهره ستيفي. كان مرأى السيد فيرلوك لزوجته ~~باعثا على الرضا في نفسه. كانت هذه هي طبيعته. ظل السيد فيرلوك غير مدرك لوجود صهره بسبب ~~التفكير الكئيب الذي كان قد خيم على عقله في الفترة الأخيرة وحجب عنه مظاهر العالم ~~الحسية. تابع زوجته مثبتا ناظريه عليها، من دون أن يتفوه بكلمة، وكأنها كانت شبحا. كان ~~صوته في المنزل أجش وهادئا، ولكنه الآن لم يكن يسمع على الإطلاق. لم يسمع صوته على ~~العشاء، الذي دعته إليه زوجته بطريقتها المختصرة المعتادة: «أدولف.» جلس يتناول عشاءه من ~~دون شهية وهو يرتدي قبعته المتراجعة كثيرا إلى الخلف على رأسه. لم يكن هذا انكبابا على ~~الحياة خارج المنزل، ولكن التردد على المقاهي الأجنبية كان مسئولا عن تلك العادة، مغلفا ~~ولاء السيد فيرلوك الثابت لحياته المنزلية بطابع من عدم استقرار معتاد. نهض مرتين عند ~~صلصلة الجرس المتهالك، دون أن يتفوه بكلمة واختفى داخل المتجر وعاد صامتا. ms142 أثناء هاتين ~~المرتين اللتين غاب فيهما فيرلوك، تنبهت السيدة فيرلوك بشدة إلى المكان الخالي على ~~يمينها، وافتقدت أمها كثيرا، وأخذت تحدق في شرود؛ بينما ظل ستيفي، للسبب نفسه، يحرك ~~قدميه، وكأن الأرض تحت الطاولة كانت ساخنة على نحو غير مريح. عندما عاد السيد فيرلوك وجلس ~~في مكانه، وكأنه تجسيد للصمت نفسه، تغيرت طريقة تحديق السيدة فيرلوك تغييرا طفيفا، ~~وتوقف ستيفي عن التململ بقدميه، بسبب احترامه الكبير ومهابته لزوج أخته. وجه إليه نظرات ~~تعاطف تنم عن الاحترام. كان السيد فيرلوك حزينا وأسفا. كانت أخته ويني قد أفهمته (في ~~حافلة المواصلات العامة) أنه سيجد السيد فيرلوك بالمنزل في حالة من الحزن، وأنه يجب ألا ~~يقلق من ذلك. كان غضب والده وحدة طباع المستأجرين وجنوح السيد فيرلوك إلى الحزن المفرط، هي ~~الرادع الرئيسي الذي كان يجعل ستيفي يكبح جماح نفسه. من بين هذه المشاعر، التي كان يمكن ~~استثارتها بسهولة جميعها، ولكن لم يكن يسهل دوما فهمها، كان للأخيرة أكبر أثر أخلاقي لأنها ~~كانت «طيبة». كانت والدته وأخته قد أقرتا بهذه الحقيقة عن أخلاقه بناء على أساس لا ~~يتزعزع. أقرتا بها وأثبتتاها وعظمتاها من دون علم السيد فيرلوك؛ لأسباب لم يكن لها ~~علاقة بالأخلاق المجردة. ولم يكن السيد فيرلوك على دراية بذلك. من الإنصاف التام للسيد ~~فيرلوك القول إنه لم يكن لديه أي فكرة عن مظهره الصالح في عيني ستيفي. لكن هكذا كان الحال. ~~بل إنه كان الرجل الوحيد المؤهل لفهم حالة ستيفي، والسبب أن المستأجرين كانوا نزلاء ~~عابرين كما أنهم كانوا بعيدين كل البعد عن أن يكون لهم أي أثر واضح سوى ربما أثر أحذيتهم؛ ~~وفيما يتعلق بتدابير أبيه التأديبية، فإن شعور أمه وأخته بالوحشة جعلهما تحجمان عن صوغ ~~نظرية عن صلاحه أمام الضحية. كان هذا سيصبح في غاية القسوة. بل كان من المحتمل أيضا أن ~~ستيفي ما كان سيصدقهما. وفيما يتعلق بالسيد فيرلوك، لم يكن يمكن لأي شيء أن يقف في وجه ~~اعتقاد ستيفي. من الواضح أن السيد فيرلوك كان «صالحا» على ms143 نحو غامض. وحزن الرجل الصالح ~~حزنا جليلا. # رمق ستيفي صهره بنظرات تنم عن تعاطفه وتبجيله له. كان السيد فيرلوك حزينا وأسفا. لم ~~يشعر شقيق ويني من قبل بهذا القدر من التشارك الوثيق من سر طيبة ذلك الرجل. كان حزنا ~~مفهوما. وكان ستيفي نفسه حزينا وأسفا. كان حزينا جدا. كان نوع الحزن نفسه. ولما ~~انجذب انتباه ستيفي إلى هذه الحالة غير السارة، أخذ يحرك قدميه. كان معتادا أن تظهر ~~مشاعره في انفعالات أطرافه. # قالت السيدة فيرلوك بنبرة آمرة وعطوفة: «أبق قدميك ساكنتين، يا عزيزي.» ثم استدارت إلى ~~زوجها بنبرة غير مبالية، تمثل فيها أداء بارعا للباقة غريزية، وسألته: «هل ستخرج ~~الليلة؟» # بدا التلميح البسيط مستقبحا للسيد فيرلوك. هز رأسه بكآبة، ثم جلس ساكنا منكسا ~~عينيه، ناظرا لدقيقة كاملة إلى قطعة الجبن الموضوعة في الطبق أمامه. في نهاية ذلك الوقت، ~~نهض وخرج، خرج في صلصلة جرس باب المتجر. يتصرف هكذا على نحو غير متسق، ليس بسبب أي رغبة ~~منه في أن يكون مستهجنا، ولكن بسبب قلق لا يقهر. لم يكن ثمة نفع على الإطلاق من ~~خروجه. لم يكن يستطيع أن يجد في أي مكان في لندن ما كان يريده. لكنه خرج. أخذت تراوده ~~مجموعة من الأفكار الكئيبة وهو يمشي في شوارع مظلمة، وعبر شوارع مضيئة، ودخل حانتين وخرج ~~منهما بسرعة، وكأنه يحاول دون حماسة أن يمضي الليل كله خارج البيت؛ وأخيرا عاد إلى بيته ~~المهدد بخطر وشيك، حيث جلس متعبا خلف منضدة البيع، واحتشدت الأفكار في رأسه بإلحاح، مثل ~~مجموعة من كلاب صيد سوداء جائعة. بعدما أقفل باب المنزل وأطفأ مصباح الغاز، أخذها معه إلى ~~الطابق العلوي، ويا لها من رفقة مخيفة لرجل ذاهب إلى الفراش. كانت زوجته قد سبقته ببعض ~~الوقت، وبهيئتها الكبيرة المحددة بغير وضوح تحت اللحاف، ورأسها على الوسادة، وإحدى يديها ~~تحت خدها أوحت لذهنه الشارد بمشهد نعاس مبكر يبرهن على امتلاكها لروح وادعة. حدقت عيناها ~~الواسعتان المفتوحتان على اتساعهما، والخامدتان والداكنتان مقارنة ببياض اللحاف المصنوع من ~~الكتان. لم ms144 تتحرك. # كانت روحها وادعة. شعرت في أعماقها بأنه من غير المستحسن التنقيب عن بواطن الأمور. ~~تشكلت قوتها وحكمتها من تلك الغريزة. ولكن صمت السيد فيرلوك أثقل صدرها لأيام كثيرة. وفي ~~الحقيقة، كان صمته يؤثر في أعصابها. لما كانت مستلقية، بهدوء قالت، وهي مضطجعة ~~وساكنة: ~~«ستصاب بنزلة برد إذا ظللت تتمشى بجوربك هكذا.» # هذا الكلام، الخليق باعتناء زوجة وحيطة امرأة، باغت السيد فيرلوك. كان قد ترك حذاءه في ~~الطابق السفلي، لكنه نسي أن يرتدي خفه، وظل يغدو ويروح في غرفة النوم على الألواح من ~~دون صوت مثل دب محبوس في قفص. عند سماعه صوت زوجته، توقف وحدق فيها طويلا بنظرة خالية ~~من التعبير كنظرة رجل مصاب باضطراب المشي أثناء النوم، مما جعل زوجته تحرك أطرافها ~~قليلا تحت اللحاف. لكنها لم تحرك رأسها ذا الشعر الأسود الغارق في الوسادة البيضاء وإحدى ~~يديها تحت خدها وعيناها الكبيرتان السوداوان لا ترمشان. # بتأثير من حملقة زوجها الخالية من التعبير، وتذكرها لغرفة أمها الخالية على بسطة ~~الدرج، شعرت بانقباض وحدة كئيب. لم تكن قد افترقت عن أمها من قبل. كانت إحداهما ~~تعضد الأخرى. شعرت أنهما كانتا كذلك، وقالت لنفسها إن أمها الآن قد رحلت ... رحلت إلى ~~الأبد. لم تكن السيدة فيرلوك تتوهم ذلك. ولكن ستيفي بقي على أي حال. قالت: ~~«فعلت أمي ما أرادت. ولا يمكنني أن أرى أي منطق فيما فعلته. أنا متأكدة من أنه لم يخطر ~~على بالها أنك قد سئمت منها. من الغريب للغاية أن تتركنا بتلك الطريقة.» # لم يكن السيد فيرلوك شخصا واسع الاطلاع؛ كان ما يعرفه من عبارات التلميح محدودا، ولكن ~~كان ثمة توافق غريب في الظروف جعله يفكر في الفئران التي تهرب من سفينة على وشك الغرق. ~~كاد أن يقول هذا. كان قد تزايد لديه الشعور بالتشكك والمرارة. هل من الممكن أنه كان لدى ~~المرأة العجوز ذلك الحدس الذي لا يخيب؟ لكن انعدام معقولية ذلك الشك كان واضحا، ومن ~~ثم أمسك السيد فيرلوك لسانه. ولكن لم يمسكه عن الحديث تماما. ms145 تمتم بتثاقل: ~~«ربما يكون ذلك أمرا طيبا.» # بدأ في خلع ملابسه. ظلت السيدة فيرلوك ساكنة، دون حراك تماما، وعيناها تحملقان بنظرة ~~حالمة وهادئة. وبدا أن قلبها قد توقف أيضا لجزء من الثانية. في تلك الليلة «لم تكن على ~~سجيتها» كما يقال، كان الأمر يثقل كاهلها حتى إن جملة بسيطة يمكن أن تحمل معاني متعددة، ~~أغلبها بغيض. كيف يكون ذلك أمرا طيبا؟ ولماذا؟ ولكنها لم تسمح لنفسها بأن تسقط في هوة ~~التكهنات العقيمة. وبالأحرى تأكدت في أعماقها من أنه من المستحسن عدم التنقيب عن بواطن ~~الأمور. ولأنها كانت تفكر بطريقة عملية ودقيقة، أبرزت موضوع ستيفي دون إضاعة للوقت؛ لأن ~~وحدة القصد لديها كانت ذات طبيعة لا تخطئ وقوة غريزية. ~~«لا أعلم حقا ما الذي سأفعله كي أسري عن ذلك الفتى في الأيام القليلة القادمة. سيظل ~~قلقا من الصباح حتى المساء قبل أن يعتاد على غياب أمه. كما أنه فتى طيب. لا أستطيع ~~الاستغناء عنه.» # تابع السيد فيرلوك خلع ملابسه مع تركيز داخلي غير ملحوظ وكأنه رجل يخلع ملابسه في عزلة ~~صحراء شاسعة وقاحلة. لأن هكذا كان التصور الذي رآه السيد فيرلوك في مخيلته لتلك الأرض، ~~إرثنا المشترك، أنها موحشة ومقفرة. كان كل شيء ساكنا في الخارج والداخل حتى إن صوت دقات ~~عقارب الساعة على بسطة الدرج تسلل إلى داخل الغرفة وكأنه يبحث عن صحبة. # بعدما أوى السيد فيرلوك إلى جانبه المعتاد من الفراش، بقي مستلقيا وصامتا خلف ظهر ~~السيدة فيرلوك. استقرت ذراعاه الضخمتان بإهمال على اللحاف مثل أسلحة ملقاة أو أدوات ~~مهملة. في تلك اللحظة، أمسى على قيد شعرة من أن يفصح لزوجته عن كل ما كان ينوء به صدره. ~~بدت اللحظة مواتية. لما نظر بطرف عينيه، رأى كتفي زوجته العريضتين ملتحفتين بالبياض، ~~ومؤخر رأسها وشعرها مضفور من أجل الليل في ثلاث ضفائر مربوطة بأشرطة سوداء من الأطراف. لكنه ~~أحجم عن ذلك. أحب السيد فيرلوك زوجته كما ينبغي أن تحب الزوجة؛ أو بعبارة أخرى، من ~~منظور الحياة الزوجية، بالمراعاة الواجبة لأهم ms146 ما يمتلكه المرء. كان لهذا الرأس ذي الشعر ~~المضفر من أجل الليل وهاتين الكتفين العريضتين مظهر قدسية مألوفة؛ قدسية السلام المنزلي. ~~كانت ساكنة وضخمة وبلا شكل محدد لقوامها مثل تمثال راقد في العراء؛ تذكر نظراتها بعينيها ~~الواسعتين إلى الغرفة الفارغة. كانت غامضة، ويكتنفها غموض الكائنات الحية. لم يكن العميل ~~السري الشهير «دلتا» وأخطر مبعوث لدى بارون ستوت فارتنهايم الراحل، هو الرجل الذي يخترق ~~تلك الألغاز. كان من النوع الذي يسهل تخويفه. كما كان كسولا، ذلك الكسل الذي غالبا ما ~~يكون سر طبيعة طيبة. أحجم فيما يخص ذلك الغموض بدافع الحب والخجل والكسل. سيكون لديه ~~دائما ما يكفي من الوقت. ولعدة دقائق، تحمل معاناته بصمت، في سكون الغرفة الباعث على ~~النعاس. ثم كسر ذلك الصمت بإعلان حازم. ~~«سأسافر إلى أوروبا غدا.» # ربما كانت زوجته قد غطت في النوم بالفعل. لم يكن بوسعه أن يتبين ذلك. في الحقيقة، ~~كانت السيدة فيرلوك قد سمعته. ظلت عيناها مفتوحتان على اتساعهما، وظلت راقدة بلا حراك، ~~وأكدت على قناعتها الغريزية بأنه من المستحسن عدم التنقيب كثيرا عن بواطن الأمور. ومع ذلك، ~~لم يكن من غير المألوف أن يسافر السيد فيرلوك في رحلة كتلك. كان يجدد مخزونه من باريس ~~وبروكسل. وعادة ما كان يذهب لشراء حاجياته بنفسه. كانت جماعة سرية صغيرة منتقاة من ~~الهواة تتشكل حول المتجر الكائن في شارع بريت، جماعة سرية مناسبة جدا لأي عمل يضطلع ~~به السيد فيرلوك الذي - بتوافق سري بين الطبع والضرورة - كان قد تميز بأن يكون عميلا ~~سريا طيلة حياته. # انتظر بعض الوقت ثم أردف: «سأظل في سفري أسبوعا أو ربما أسبوعين. اطلبي من السيدة نيال ~~أن تأتيك نهارا.» # كانت السيدة نيال هي خادمة شارع بريت. كانت ضحية زواج فاشل من نجار فاسق، وأرهقتها ~~احتياجات أطفال صغار كثيرين. كانت ترتدي مئزرا بأكمام حمراء مخيط من قماش خشن يصل إلى ~~الإبطين، كانت تنفث عن معاناة الفقر بالعمل في غسل الملابس في المياه والصابون واحتساء ~~شراب الرم المسكر، وفي ضجة الدعك وقعقعة الدلاء ms147 المصنوعة من الصفيح. # تحدثت السيدة فيرلوك من أعماقها بنبرة تنم عن أقل درجات اللامبالاة. ~~«لا حاجة إلى أن تمكث المرأة هنا طوال النهار. سأعتني بالعمل على نحو جيد جدا مع ~~ستيفي.» # تركت الساعة الوحيدة على بسطة الدرج تعد خمس عشرة دقة في هاوية الأبدية، ثم ~~سألت: ~~«هل أطفئ المصباح؟» # رد السيد فيرلوك على زوجته بسرعة بصوت مبحوح. ~~«أطفئيه.» # | الفصل التاسع # بعدما عاد السيد فيرلوك من أوروبا بعد عشرة أيام، رجع بعقل لا يظهر عليه أنه انتعش بعجائب ~~السفر إلى خارج البلاد وبطلعة لا تظهر عليها مسرات العودة إلى الديار. دخل مع صوت صلصلة ~~جرس المتجر تعلوه كآبة وإرهاق متكدر. مشى منكسا رأسه وحقيبته في يده إلى خلف منضدة ~~البيع مباشرة، وخر على الكرسي، وكأنه قطع الطريق من دوفر كله سيرا على قدميه. كان ذلك ~~في الصباح الباكر. استدار ستيفي نحوه، وهو ينفض الغبار عن البضائع المعروضة في النوافذ ~~الأمامية، وحدق فيه بنظرة تنم عن الوقار والرهبة. # قال السيد فيرلوك: «خذ!» وهو يركل حقيبة الجلادستون على الأرض ركلة خفيفة؛ ثم ألقى ستيفي ~~نفسه عليها وأمسكها وحملها بتفان وكأنه حصل على غنيمة منتصر. كان سريعا لدرجة أن ~~المفاجأة ظهرت على ملامح السيد فيرلوك. # في الوقت نفسه الذي تعالى فيه صوت صلصلة جرس المتجر، نظرت السيدة نيال، التي كانت ~~تلمع موقد المدفأة في غرفة المعيشة بشحم الجرافيت، عبر الباب، وبعدما رفعت ركبتيها عن ~~الأرض، ذهبت، وهي ترتدي مئزرها، ومتسخة من الكدح الملازم لحياتها، كي تخبر السيدة فيرلوك ~~في المطبخ بأن «السيد قد عاد». # جاءت ويني ولم تتخط الباب الداخلي للمتجر. # قالت من مسافة: «لعلك بحاجة لتناول إفطار.» # حرك السيد فيرلوك رأسه قليلا وكأنه فرض عليه اقتراح مستحيل. ولكن بمجرد أن ولج إلى ~~غرفة المعيشة لم يرفض الطعام الذي وضع أمامه. أكل وكأنه في مكان عام، بقبعته المدفوعة ~~إلى الخلف بعيدا عن جبهته، وطرفي معطفه الثقيل المعلقين على شكل مثلث على جانبي الكرسي. ~~وعبر الطاولة المغطاة بفرش مشمع بني اللون، تحدثت إليه زوجته ويني ms148 بحديث أزواج، يماثل ~~- في تأقلمها البارع ، بلا شك، مع ظروف عودته - حديث بينيلوبي عند عودة زوجها أوديسيوس من ~~ترحاله. ومع ذلك لم تكن السيدة فيرلوك تنسج الغزل في فترة غياب زوجها. لكنها كانت قد نظفت ~~جميع الغرف في الطابق العلوي جيدا وباعت بعض السلع ورأت السيد ميكايليس عدة مرات. كان قد ~~أخبرها في آخر مرة أنه سينتقل إلى العيش في كوخ في الريف، في مكان ما بين لندن وتشاتام ~~ودوفر. كان كارل يوندت قد أتى هو الآخر، مرة واحدة، متأبطا ذراع «مدبرة شئون منزله ~~الغريبة الأطوار تلك». كان «رجلا مسنا مقززا». أما عن الرفيق أوسيبون، الذي كانت قد ~~استقبلته في زيارة مقتضبة، وهي متحصنة خلف منضدة البيع بوجه متحجر ونظرة شاردة، فلم تقل ~~شيئا، واتسم تذكرها لللاسلطوي القوي بصمت قصير وتورد خفيف للغاية لوجنتيها. ومقحمة ~~ذكر شقيقها ستيفي فور استطاعتها إلى مجرى الحديث عن الأحداث المنزلية، أشارت إلى أن الصبي ~~قد اكتأب كثيرا. ~~«السبب في ذلك هو ترك أمي لنا بتلك الطريقة.» # لم يقل السيد فيرلوك «اللعنة!» ولا حتى «فليذهب ستيفي إلى الجحيم!» وإذ لم يدع السيدة ~~فيرلوك تطلع على سريرته، عجزت عن تقدير فضيلة الضبط للنفس هذا. # أردفت: «لا يعني هذا أنه لا يعمل جيدا مثلما هو شأنه دائما. إنه يحاول دائما أن يكون ~~مفيدا جدا. يجعلك تظن أنه يشعر أنه لا يفعل ما يكفي من أجلنا.» # توجه السيد فيرلوك بنظرة عفوية وهادئة نحو ستيفي، الذي كان جالسا على يمينه، بوجه رقيق ~~شاحب وشفاه وردية وفم فاغر كالأبله. لم تكن نظرة انتقاد. ولم يكن لها مقصد ما. وحتى إن ظن ~~السيد فيرلوك للحظة أن شقيق أخته كان يبدو عديم النفع تماما، فما كان ذلك أكثر من ظن خفي ~~وعابر، ويخلو من تلك القوة والدوام اللذين يجعلان فكرة تغير العالم في بعض الأحيان. مال ~~السيد فيرلوك بظهره إلى الخلف، وخلع قبعته. وقبل أن تضع ذراعه الممدودة القبعة، وثب ستيفي ~~نحوها وحملها بتوقير إلى المطبخ. ومجددا ظهرت المفاجأة على ملامح السيد ms149 فيرلوك. # قالت السيدة فيرلوك بأفضل نبرة تنم عن هدوء رصين: «يمكنك فعل أي شيء مع ذلك الصبي يا ~~أدولف.» «سيرمي نفسه في النار من أجلك. إنه ...» # توقفت منصتة، وأدارت أذنها تجاه باب المطبخ. # كانت السيدة نيال تحك الأرضية هناك. لما ظهر ستيفي، تأوهت بحزن؛ إذ لاحظت أنه يسهل ~~استثارة عاطفته وتأخذ منه الشلن، الذي كانت أخته ويني تعطيه له من وقت إلى آخر، لمنفعة ~~أطفالها الصغار. بينما كانت جاثية على أربع فوق البلاطات المبتلة والمتسخة، مثل حيوان ~~برمائي أو مستأنس يعيش في عشة ومياه متسخة، تلفظت باستهلالتها المعتادة: «كل أحوالك على ما ~~يرام، ظللت لا تفعل أي شيء وكأنك رجل نبيل.» واستتبعتها بالشكوى الأزلية من الفقر، بعبارات ~~كاذبة تثير الشفقة تؤكدها الرائحة الكريهة لشراب الرم الرخيص في أنفاسها والصابون مما ~~يبرهن على بؤسها. ظلت تجد في الحك، وهي تخنفر من أنفها طيلة الوقت، وتثرثر بصوت عال. ~~وكانت مخلصة. وعلى كلا جانبي أنفها الرفيع الأحمر، تذرف عيناها المتعبتان الضبابيتان ~~الدموع؛ لأنها كانت تشعر باحتياج حقيقي إلى بعض المنبهات في الصباح. # في غرفة المعيشة، علقت السيدة فيرلوك بدراية قائلة: ~~«ها هي السيدة نيال لا تبرح مجددا تسرد حكاياتها المروعة عن أطفالها الصغار. لا يمكن ~~أن يكونوا جميعا صغارا كما تحكي عنهم. لا بد أن بعضهم كبروا الآن بما يكفي لأن ~~يحاولوا فعل شيء لأنفسهم. إن هذا يغضب ستيفي.» # تأكدت تلك الكلمات بضربة وكأن قبضة تضرب طاولة المطبخ. وفي سياق التطور الطبيعي للعاطفة ~~لدى ستيفي، كان قد صار غاضبا عندما اكتشف أنه لم يكن يمتلك شلنا في جيبه. لما لم يستطع ~~أن يخفف عن السيدة نيال عوزها من أجل «أطفالها الصغار»، شعر بأن شخصا آخر لا بد أن ~~يعاني من أجل ذلك. نهضت السيدة فيرلوك وذهبت إلى المطبخ كي «توقف ذلك الهراء». وأوقفته ~~بحزم، ولكن بلطف. كانت تدرك جيدا أنه فور أن تتلقى السيدة نيال أجرتها، كانت تذهب إلى ~~مكان قريب لتناول مشروبات روحية في حانة عامة وضيعة وقذرة، المحطة التي لا مفر ms150 منها على ~~«طريق الآلام» الذي تقطعه في حياتها. كان لتعليق السيدة فيرلوك على هذه الممارسة أثر عميق ~~غير متوقع لأنه يأتي من شخص لا يرغب في النظر إلى ما تحت ظاهر الأمور. «بالطبع، ما الذي ~~يمكنها أن تفعله كي تصمد؟ لو أنني كنت في مكان السيدة نيال، أتوقع أنني كنت سأتصرف بطريقة ~~لا تختلف عنها.» # في عصر ذلك اليوم نفسه، بعد أن استيقظ السيد فيرلوك فزعا من آخر سلسلة طويلة من ~~الإغفاءات أمام مدفأة غرفة المعيشة، أعلن عن نيته في التنزه سيرا على الأقدام، قالت ويني ~~من المتجر: ~~«أرجو أن تأخذ هذا الصبي معك يا أدولف.» # فوجئ السيد فيرلوك للمرة الثالثة في ذلك اليوم. حدق في زوجته غير مصدق. تابعت حديثها ~~بطريقتها الثابتة. كان الاكتئاب يصيب الصبي في المنزل عندما لا يكون مشغولا بأي شيء. ~~اعترفت بأنه أزعجها وأصابها بالتوتر. وبدا هذا الكلام مبالغة من ويني الهادئة. ولكن، ~~إحقاقا للحق، كان ستيفي مكتئبا بطريقة لافتة للنظر وكأنه حيوان أليف غير سعيد. كان يصعد ~~على البسطة المظلمة ويجلس على الأرض تحت الساعة الطويلة ضاما ركبتيه وواضعا رأسه بين ~~يديه. كان أمرا مزعجا أن يرى وجهه الشاحب ذو العينين الواسعتين اللتين تلمعان في ~~الظلام؛ ولم يكن التفكير في جلوسه بتلك الهيئة يدعو إلى الراحة. # تقبل السيد فيرلوك هذه الفكرة الجديدة المباغتة. كان مولعا بزوجته كما ينبغي لرجل أن ~~يكون؛ بعبارة أخرى، كان يحبها كثيرا. ولكن اعتراضا مهما بدر إلى ذهنه، وصاغه ~~بالكلمات. # قال: «ربما يغيب عن ناظري، ويتوه في الشارع.» # هزت زوجته رأسها واثقة. ~~«لن يفعل. أنت لا تعرفه. ذلك الفتى يوقرك كثيرا. ولكن إذا فقدته ...» # توقفت السيدة فيرلوك للحظة؛ ليس أكثر من لحظة. ~~«تابع سيرك فحسب، واستمتع بنزهتك. لا تقلق. سيكون بخير. لا شك أنه سيعود بأمان قبل أن ~~يمر وقت طويل.» # هذا التفاؤل جعل السيد فيرلوك يتفاجأ للمرة الرابعة في ذلك اليوم. # تذمر متشككا: «حقا سيفعل؟» ولكن ربما لم يكن صهره بهذا الحمق الذي كان يبدو عليه. ~~من شأن زوجته ms151 أن تعرف أفضل منه. أشاح عينيه الناعستين بعيدا وقال بصوت أجش: «حسنا، دعيه ~~يأتي معي إذن.» وعاد للوقوع في براثن القلق السوداوي، فربما كان صهره يفضل الجلوس خلف ~~فارس، لكنه يعرف أيضا كيف يتعقب عن كثب أناسا ليسوا أثرياء بما يكفي لامتلاك خيول؛ مثل ~~السيد فيرلوك على سبيل المثال. # عند باب المتجر لم تر ويني هذا المرافق القاتل (القلق السوداوي) يمشي في أعقاب السيد ~~فيرلوك. وإنما شاهدت السيد فيرلوك وستيفي يسيران في الشارع القذر، أحدهما طويل وضخم الجثة، ~~والآخر نحيف وقصير وله رقبة نحيفة وترتفع كتفاه الهزيلتان قليلا أسفل الأذنين الكبيرتين ~~شبه الشفافتين. كان المعطفان من الخامة نفسها، وقبعتاهما سوداوين وذاتي شكل دائري. أطلقت ~~السيدة فيرلوك العنان لخيالها من وحي التشابه في ملابسهما. # قالت لنفسها: «كأنهما أب وابنه.» فكرت أيضا في أن السيد فيرلوك كان أقرب تجسيد للأب في ~~حياة ستيفي البائس. كانت تدرك أيضا أن هذا جهدها. وبفخر مطمئن، هنأت نفسها على قرار ~~معين سبق أن اتخذته قبل بضع سنوات. كان القرار قد كلفها بعض الجهد، وأيضا بعض ~~الدموع. # هنأت نفسها أكثر لما لاحظت بمرور الأيام أن السيد فيرلوك بدا متقبلا برحابة صدر لرفقة ~~ستيفي. والآن عندما كان السيد فيرلوك يستعد للخروج لنزهته، كان ينادي على الفتى بصوت ~~عال، على الوجه الذي ينادي به رجل على كلبه الأليف ليرافقه، على الرغم من اختلاف الأسلوب ~~بالطبع. وفي المنزل، كان يمكن ملاحظة السيد فيرلوك وهو يحملق باهتمام في ستيفي لفترة ~~طويلة. كان سلوكه قد تغير. كان لا يزال قليل الكلام، ولكنه لم يكن فاترا جدا. اعتقدت ~~السيدة فيرلوك أنه كان عصبيا نوعا ما في بعض الأحيان. وربما كان ذلك يعتبر بمثابة تحسن. ~~أما ستيفي، فلم يعد يجلس مغتما تحت الساعة، ولكنه بدلا من ذلك كان يتمتم لنفسه في ~~الأركان بنبرة تهديدية. عندما سئل: «ما الذي تقوله يا ستيفي؟» لم يفعل شيئا سوى أنه فتح ~~فمه وحدق في أخته بعينين نصف مغمضتين. وفي أوقات نادرة، كان يضم قبضتي يديه من دون سبب ms152 ~~واضح، وعندما يكتشف في عزلة، فربما يرى عابسا بجانب الحائط ومعه ورقة وقلم رصاص أعطيا ~~له كي يرسم دوائر فارغة على طاولة المطبخ. كان هذا تغيرا، ولكنه لم يكن تحسنا. أدرجت ~~السيدة فيرلوك كل هذه التقلبات ضمن التعريف العام للانفعال، وبدأت تخشى أن ستيفي كان ~~يسمع أكثر مما يناسبه من محادثات زوجها مع أصدقائه. أثناء «نزهاته»، كان السيد فيرلوك، ~~بالطبع، يقابل العديد من الأشخاص ويتحدث معهم. لا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك. كانت ~~نزهاته جزءا لا يتجزأ من أنشطته خارج البيت، التي لم تكن زوجته قد تمعنت فيها بعمق ~~مطلقا. شعرت السيدة فيرلوك أن الموقف كان حساسا، لكنها واجهته بنفس الهدوء المستغلق ~~الذي كان يثير إعجاب زبائن المتجر واندهاشهم أيضا، وجعل الزوار الآخرين يتجنبونها قليلا ~~متعجبين. كلا! أخبرت زوجها أنها كانت تخشى من أن ستيفي يسمع أشياء لا ينبغي أن يسمعها. كانت ~~هذه الأشياء تثير انفعال الصبي البائس لأنه لم يكن يمكن ألا يثار منها. لا أحد يمكنه ~~ذلك. # دار هذا الحديث في المتجر. لم يعلق السيد فيرلوك بشيء. لم يرد بشيء، ومع ذلك كان ~~الرد واضحا. ولكنه امتنع عن أن يشير إلى زوجته بأن فكرة اصطحاب فيرلوك في نزهاته كانت ~~فكرتها هي ولا أحد غيرها. في تلك اللحظة، ومن وجهة نظر محايدة، كانت ستتجلى شهامة السيد ~~فيرلوك الفائقة. أنزل صندوقا صغيرا من الورق المقوى من فوق أحد الأرفف، ونظر بداخله نظرة ~~خاطفة وتأكد من أن المحتويات كانت على ما يرام، ثم وضعه برفق على منضدة البيع. حتى تلك ~~اللحظة، لم يكسر حاجز الصمت إلا بعد أن فعل ذلك، قائلا ما مفاده أن ستيفي على الأرجح ~~سيستفيد استفادة كبيرة بإرساله خارج المدينة لبعض الوقت؛ إلا أنه كان يتوقع أن زوجته لن ~~تستطيع الاستغناء عنه. # كررت زوجته ببطء: «لا أستطيع الاستغناء عنه! لا أستطيع الاستغناء عنه إن كان ذلك لصالحه! ~~عجبا مما تقول! بالطبع أستطيع الاستغناء عنه. ولكن لا يوجد مكان يذهب إليه.» # أخرج السيد فيرلوك ورقة بنية اللون وبكرة ms153 خيط؛ وفي تلك اللحظة تمتم بأن ميكايليس كان يقطن ~~في كوخ صغير في الريف. لن يمانع ميكايليس في أن يمنح ستيفي غرفة ينام فيها. لم يكن ثمة ~~زائرون ولا أحاديث هناك. كان ميكايليس عاكفا على كتابة كتاب. # صرحت السيدة فيرلوك بميلها إلى ميكايليس؛ وأعربت عن اشمئزازها من كارل يوندت بقولها ~~«رجل مسن بغيض»؛ ولكنها لم تذكر شيئا عن أوسيبون. أما ستيفي، فلا يمكن إلا أن يكون ~~سعيدا جدا. كان السيد ميكايليس دوما لطيفا وعطوفا جدا معه. بدا أنه يحب الصبي. وفي ~~الحقيقة، كان الصبي مطيعا. # بعدما توقفت قليلا، أردفت بثقة راسخة: «أرى أنك أنت أيضا قد ازددت حبا له في الفترة ~~الأخيرة.» # بينما كان السيد فيرلوك يربط الصندوق الورقي في طرد كي يرسله عبر البريد، جذب الخيط ~~عفويا وقطعه، ثم تمتم بعدة شتائم بينه وبين نفسه. بعد ذلك رفع صوته وتكلم بصوته الأجش ~~المعتاد، وأعرب عن استعداده لأن يأخذ ستيفي بنفسه إلى الريف، وأن يتركه في أمان تام مع ~~ميكايليس. # نفذ هذا المخطط في اليوم التالي مباشرة. لم يبد ستيفي اعتراضا. بل بدا متحمسا ~~نوعا ما بطريقة تثير الحيرة. توجه بنظراته المحدقة المليئة بالفضول إلى السيد فيرلوك ذي ~~الوجه الكبير على فترات متقطعة، خاصة عندما كانت أخته تحيد بنظرها عنه. عبرت ملامحه عن ~~الفخر والتخوف والتركيز، مثل ملامح طفل صغير يعهد إليه لأول مرة بعلبة ثقاب ويؤذن له بأن ~~يقدحه. شعرت السيدة فيرلوك بالرضا عن سلاسة أخيها، وأوصته بألا يوسخ ملابسه من دون داع ~~في الريف. عندئذ، رمق ستيفي أخته - راعيته وحاميته - بنظرة بدت للمرة الأولى في حياته ~~أنها تفتقر إلى صفة الثقة الطفولية التامة. كانت نظرة متجهمة بغطرسة. فابتسمت السيدة ~~فيرلوك. ~~«يا إلهي! لا داعي للاستياء. أنت تعرف أنك بالفعل توسخ نفسك كثيرا عندما تتاح لك ~~الفرصة لذلك، يا ستيفي.» # كان السيد فيرلوك قد قطع بعض المسافة في الشارع. # وهكذا نتيجة لتصرفات والدتها البطولية ولغياب أخيها في الريف، وجدت السيدة فيرلوك ~~نفسها وحيدة أكثر من المعتاد، ليس في المتجر ms154 فقط، وإنما في المنزل أيضا. وذلك لأن السيد ~~فيرلوك كان لا بد أن يخرج في نزهاته. كانت وحيدة لفترة أطول من المعتاد في يوم التفجير ~~المدبر في جرينتش بارك؛ لأن السيد فيرلوك خرج في وقت مبكر جدا من صباح ذلك اليوم ولم ~~يرجع حتى وقت الغسق تقريبا. لم تمانع كونها وحيدة. فلم تكن لديها رغبة في الخروج. كان ~~الطقس سيئا للغاية، وكان المتجر أدفأ من الشوارع. جلست خلف منضدة البيع عاكفة على بعض ~~أعمال الخياطة، ولم ترفع عينيها عن عملها عندما دخل السيد فيرلوك مع جلجلة الجرس المزعجة. ~~كانت قد تعرفت على خطواته وهو على الرصيف بالخارج. # لم ترفع عينيها، ولكن بينما كان السيد فيرلوك يتوجه، صامتا ومنزلا قبعته على جبهته، ~~مباشرة إلى غرفة المعيشة، قالت بنبرة هادئة: ~~«يا له من يوم سيئ جدا! لعلك ذهبت لرؤية ستيفي؟» # قال السيد فيرلوك بنعومة: «كلا! لم أفعل.» وأغلق باب غرفة المعيشة الزجاجي بقوة غير ~~متوقعة. # لبعض الوقت ظلت السيدة فيرلوك ساكنة والأشغال التي تخيطها في حجرها، ثم وضعتها جانبا ~~تحت منضدة البيع ونهضت كي تشعل مصباح الغاز. بعدما فعلت، مرت بغرفة المعيشة في طريقها إلى ~~المطبخ. سيرغب السيد فيرلوك في كوب شاي بعد قليل. مع ثقة ويني في جمالها، لم تتوقع من زوجها ~~أن يبدي لها حفاوة في الخطاب أو لطفا في الأسلوب في تعاملهما اليومي في حياتهما ~~الزوجية؛ كانت طرقا عديمة الجدوى وقديمة في أفضل الحالات، وربما لم يعد أحد يحرص عليها ~~حرصا تاما، بل صارت مهملة في هذه الأيام حتى في أرقى الطبقات الاجتماعية، ودائما ما ~~كانت غريبة على أعراف طبقتها. لم تكن ترجو مجاملات منه. ولكنه كان زوجا صالحا، وكانت ~~تحترم حقوقه حق الاحترام. # كانت السيدة فيرلوك ستمر عبر غرفة المعيشة في طريقها لإنجاز واجباتها المنزلية في المطبخ ~~بهدوء تام يليق بامرأة واثقة من سحر جمالها. ولكن نما إلى سمعها صوت رنان ضعيف، ضعيف ~~للغاية، وسريع. كان غريبا وغير مفهوم، حتى إنه استحوذ على انتباه السيدة فيرلوك. ثم عندما ms155 ~~أصبح طابعه واضحا للأذن، توقفت فجأة ، مندهشة وقلقة. بعدما أشعلت عود الثقاب من العلبة ~~التي كانت تحملها في يدها، استدارت وأنارت أحد مصباحي الكيروسين على طاولة غرفة المعيشة؛ ~~ولأن المصباح كان به عيب، صدر منه في البداية صفير كأنه صوت اندهاش، ثم مضى يصدر صوت قرقرة ~~ناعمة كقطة. # كان السيد فيرلوك قد خلع معطفه وألقاه على غير عادته. كان ملقى على الأريكة. استقرت ~~قبعته - التي لا بد أنه رماها هي الأخرى - مقلوبة تحت حافة الأريكة. كان قد سحب كرسيا ~~أمام المدفأة ومد قدميه داخل المصد ووضع رأسه بين يديه، شاردا في أفكاره فوق موقد ~~المدفأة المتوهج. كانت أسنانه تصطك بعنف لا يمكن التحكم فيه، مما جعل ظهره العريض كله ~~يرتعش بنفس الدرجة. تملك الذهول من السيدة فيرلوك. # قالت: «لقد أصابك البلل.» ~~«ليس كثيرا»، استطاع السيد فيرلوك أن يتلفظ بتلك الكلمات متلعثما، بارتعاشة شديدة. ~~بجهد جهيد أخمد اصطكاك أسنانه. # قالت بقلق حقيقي: «سأجعلك تستلقي مستريحا على يدي.» # علق السيد فيرلوك وهو يتنشق بصوت مبحوح: «لا أظن ذلك.» # كان بالتأكيد قد أصيب بنزلة برد شديدة بين الساعة السابعة صباحا والخامسة مساء. نظرت ~~السيدة فيرلوك إلى ظهره المقوس. # سألته: «أين كنت اليوم؟» # أجاب السيد فيرلوك بصوت مختنق ومنخفض أخنف: «لم أذهب إلى أي مكان.» أوحى سلوكه هذا ~~باستياء وامتعاض أو بصداع حاد. لم يخف اقتضاب إجابته وغموضها في هذا الصمت الذي خيم على ~~الغرفة. تنشق معتذرا، ثم أردف: «ذهبت إلى البنك.» # تنبهت زوجته. # قالت بدون انفعال: «حقا! ما السبب؟» # تمتم السيد فيرلوك، وأنفه فوق موقد المدفأة، برغبة واضحة في ألا يجيب. ~~«كي أسحب المال!» ~~«ما الذي تقصده؟ كله؟» ~~«أجل. كله.» # فرشت السيدة فيرلوك بعناية مفرش الطاولة الخفيف، وأخرجت سكينتين وشوكتين من درج ~~الطاولة، وتوقفت فجأة عن أعمالها الرتيبة. ~~«لماذا فعلت ذلك؟» # بغموض، وهو يتنشق، أجاب السيد فيرلوك، الذي كان على وشك الوصول إلى نهاية تصرفاته ~~الطائشة العديدة: «ربما أحتاجه عما قريب.» # علقت زوجته بنبرتها المعتادة، ولكنها كانت تقف من دون حراك بين الطاولة ms156 والخزانة: «لا ~~أعرف ما ترمي إليه .» # علق السيد فيرلوك بصوت أجش وهو ينظر إلى موقد المدفأة: «كما تعرفين، يمكنك أن تثقي ~~في.» # توجهت السيدة فيرلوك بخطى متثاقلة نحو الخزانة وهي تقول بتأن: ~~«أوه نعم. يمكنني أن أثق فيك.» # ثم تابعت أعمالها الرتيبة. وضعت طبقين وأتت بالخبز والزبد وظلت تغدو وتروح بهدوء بين ~~الطاولة والخزانة في سلام وسكينة منزلها. عندما كانت تخرج المربى، فكرت بطريقة ~~عملية: «سيشعر بالجوع لأنه ظل غائبا طوال اليوم»، ثم عادت إلى الخزانة مرة أخرى كي ~~تحضر لحم البقر البارد. وضعته تحت مصباح الكيروسين ذي صوت القرقرة، وبنظرة عابرة إلى ~~زوجها الساكن الملتصق بالمدفأة، نزلت (درجتين) إلى المطبخ. لم تتحدث مرة أخرى إلا ~~عندما عادت وفي يدها سكين لتقطيع اللحم وشوكة. ~~«لو لم أكن أثق فيك، ما كنت تزوجتك.» # انحنى تحت رف المدفأة، ممسكا رأسه بين كلتا يديه، وبدا وكأنه قد غلبه النعاس. أعدت ~~ويني الشاي، ونادت عليه بصوت خافت: ~~«أدولف.» # نهض السيد فيرلوك في الحال، وترنح قليلا قبل أن يجلس إلى الطاولة. تفحصت زوجته ~~الحافة الحادة لسكين تقطيع اللحم، ووضعتها على الطبق، واسترعت انتباهه إلى لحم البقر ~~البارد. ظل غير منتبه إلى إشارتها، وذقنه على صدره. # قالت زوجته بنبرة جازمة: «يجب أن تأكل لتتخلص من البرد الذي أصابك.» # رفع بصره وهز رأسه. كانت عيناه محتقنتين ووجهه أحمر. كانت أصابعه قد نكشت شعره وجعلته ~~أشعث وغير مهندم. كان مظهره سيئا بوجه عام ويدل على عدم الراحة والتهيج والاكتئاب ~~الذي يعقب الانغماس في فسوق كبير. لكن السيد فيرلوك لم يكن فاسقا. كان محترما في سلوكه. ~~ربما كان مظهره قد تأثر بحمى مصاحبة للبرد. احتسى ثلاثة أكواب من الشاي، ولكنه امتنع ~~تماما عن تناول الطعام. نكص عنه بنفور متجهم عندما ألحت السيدة فيرلوك، التي قالت في ~~النهاية: ~~«أليست قدماك مبتلتين؟ من الأفضل أن ترتدي خفك. لن تخرج مرة أخرى هذا ~~المساء.» # ألمح السيد فيرلوك بهمهمات وإشارات عابسة إلى أن قدميه ليستا مبتلتين، وأنه غير مهتم ~~على أي حال. تجاهل ms157 اقتراح ارتداء خفه وكأنه أمر لم يكن جدير باهتمامه. ولكن مسألة عدم ~~الخروج في المساء قوبلت بتطور غير متوقع. لم يكن الخروج في المساء هو ما كان يفكر فيه ~~السيد فيرلوك. تبنت أفكاره مخططا أوسع. من العبارات المزاجية وغير المكتملة، بات واضحا ~~أن السيد فيرلوك كان يفكر في جدوى الهجرة. لم يكن واضحا جدا إن كان يفكر في الهجرة إلى ~~فرنسا أم إلى كاليفورنيا. # عدم التوقع التام لوقوع هذا الحدث، وعدم احتماليته وعدم تصوره سلب هذا التصريح الغامض كل ~~تأثيره. قالت السيدة فيرلوك، بهدوء وكأن زوجها كان يهددها بنهاية العالم: ~~«عجبا!» # صرح السيد فيرلوك بأنه تعب وسئم من كل شيء، وعلاوة على ذلك ... فقاطعته. ~~«أنت مصاب بنزلة برد حادة.» # كان واضحا بالفعل أن السيد فيرلوك لم يكن في حالته الطبيعية، جسديا وحتى عقليا. ~~تملكت منه حيرة كئيبة وأبقته صامتا بعض الوقت. ثم همهم بكلام مبهم نكد عام حول موضوع ~~الضرورة. # كررت ويني، وهي جالسة هادئة، عاقدة ذراعيها، في مواجهة زوجها: «ستضطر إلى ذلك.» «أود ~~أن أعرف من الذي يزعجك. أنت لست عبدا. لا أحد بحاجة إلى أن يكون عبدا في هذه البلاد، ولا ~~تجعل من نفسك عبدا.» توقفت قليلا، ثم عادت للحديث بصدق كئود وراسخ. أردفت: «العمل ليس ~~سيئا جدا. ولديك بيت مريح.» # نظرت في أرجاء غرفة المعيشة، من الخزانة في الزاوية إلى النيران المشتعلة في موقد ~~المدفأة. هذا المنزل، الذي كان محتجبا على نحو مريح خلف المتجر الذي يبيع سلعا تحوم ~~حولها التساؤلات، بنافذته المعتمة بغموض، وبابه الموارب بطريقة تثير الريبة في الشارع ~~المظلم والضيق، كان منزلا لائقا وفقا لكل أساسيات الملاءمة والراحة المنزلية. افتقدت ~~عاطفتها المخلصة أخاها ستيفي، الذي كان حينئذ يستمتع بجو ريفي رطب في حارات كينتيش تحت ~~رعاية السيد ميكايليس. افتقدته بشدة، بكل قوة عاطفة الحماية لديها. كان هذا بيت الصبي ~~أيضا، السطح، والخزانة، وموقد المدفأة المتأجج. نهضت السيدة فيرلوك، وعقلها منشغل بتلك ~~الخاطرة، وسارت إلى الجانب الآخر من الطاولة، قائلة من أعماق قلبها: ~~«وأنت لم ms158 تسأم مني.» # لم ينبس السيد فيرلوك ببنت شفة. استندت ويني على كتفه من الخلف، وقبلته على جبهته. ~~وأطالت هكذا. لم يصل إليهما أي همس من العالم بالخارج. # تلاشى صوت وقع الأقدام على الرصيف في ظلمة المتجر المعتمة. لم يكن ثمة صوت سوى صوت قرقرة ~~مصباح الكيروسين على الطاولة في الصمت الكئيب الذي خيم على غرفة المعيشة. # أثناء تلامس تلك القبلة الطويلة غير المتوقعة، ظل السيد فيرلوك، متمسكا بكلتا ~~يديه بحافة كرسيه، في حالة جمود كهنوتي. عندما رفعت شفتيها من فوق جبهته، تخلى عن ~~تمسكه بالكرسي، ونهض ومشى حتى وقف أمام المدفأة. لم يكن حينئذ موليا ظهره للغرفة. ~~بتورم ملامحه ومظهره الذي يوحي بأنه مخدر، تابع بعينيه حركات زوجته. # مضت السيدة فيرلوك بهدوء في تنظيف الطاولة. علقت بصوتها الهادئ على الفكرة المطروحة بنبرة ~~عقلانية وأليفة. لم يكن ثمة ما يدعو للتمحيص فيها. استهجنت الفكرة من جميع النواحي. لكن ~~همها الحقيقي الوحيد كان مصلحة ستيفي. بدا لها في تفكيرها في هذا الصدد أنه «غريب» بما يكفي ~~ولا يصح التسرع في السفر به إلى الخارج. وكان ذلك كل ما في الأمر. ولكن في حديثها الذي ~~تجنبت فيه تلك النقطة الحيوية، وصلت في لهجتها إلى درجة الحدة الطاغية. وفي تلك الأثناء، ~~بحركات حادة، ارتدت مئزرا من أجل أن تغسل الأطباق. وكأنها مولعة بوقع صوتها الذي لم ~~يدحض حديثه، تجرأت أن تقول بنبرة كادت أن تكون لاذعة: ~~«إذا كنت ستسافر إلى الخارج، فسيكون عليك أن تذهب بدوني.» # قال السيد فيرلوك بصوت مبحوح، وارتعش صوته المنخفض في حديثه مع زوجته بعاطفة مبهمة: ~~«تعرفين أنني لا يمكن أن أفعل هذا.» # كانت السيدة فيرلوك قد ندمت على ما تفوهت به من كلمات. فقد بدت أقسى مما كانت تقصد. ~~كما أنها كانت كلمات طائشة عن أمور غير ضرورية. في الواقع، لم تكن تقصدها على الإطلاق. كانت ~~من نوعية العبارات التي يوحي بها شيطان الوحي المنحرف. ولكنها كانت تعرف طريقة تنسيه بها ~~ما قالته. # استدارت برأسها من فوق كتفها ورمقت ms159 ذلك الرجل المنزرع أمام المدفأة بنظرة تحوي بعضا من ~~المكر وبعضا من القسوة من عينيها الواسعتين، نظرة كانت ويني تعجز عنها أيام كانت تعيش في ~~منزل بلجرافيا بسبب احترامها وجهلها. ولكن الرجل زوجها الآن، ولم تعد جاهلة. أبقت عينها ~~عليه لثانية كاملة، بوجهها الجاد الجامد مثل قناع، بينما قالت بنبرة مرحة: ~~«لا تستطيع. ستفتقدني كثيرا.» # بدأ السيد فيرلوك يمشي إلى الأمام. # قال بصوت أعلى: «بالضبط.» وفرد ذراعيه ومشى خطوة نحوها. انطوى تعبير وجهه على شيء من ~~الجموح والريبة فبدا غير واضح إن كان يقصد خنق زوجته أم احتضانها. ولكن انتباه السيدة ~~فيرلوك انصرف عن استجلاء ذلك بسبب صلصلة جرس المتجر. ~~«المتجر يا أدولف. اذهب أنت.» # توقف وأنزل ذراعيه ببطء. # كررت السيدة فيرلوك: «اذهب أنت. أنا مرتدية مئزري.» # أطاع السيد فيرلوك أمرها بطريقة جامدة وعينين متحجرتين مثل إنسان آلي طلي وجهه باللون ~~الأحمر. وكان هذا التشابه بينه وبين الإنسان الآلي غريبا إلى حد أنه كان مدركا للطبيعة ~~الميكانيكية بداخله. # أغلق باب غرفة المعيشة، وتحركت السيدة فيرلوك بخفة وهي تحمل الصينية إلى المطبخ. غسلت ~~الأكواب وبعض الأشياء الأخرى قبل أن تتوقف عن العمل كي تستمع. لم يصل أي صوت إلى أذنيها. ~~ظل الزبون في المتجر لفترة طويلة. كان زبونا؛ لأنه لو لم يكن كذلك، كان السيد فيرلوك ~~سيصطحبه إلى الداخل. فكت خيوط مئزرها بشدة قوية، ورمته على كرسي، ورجعت إلى غرفة المعيشة ~~بخطى بطيئة. # في تلك اللحظة بالتحديد، دخل السيد فيرلوك من المتجر. # كان قد ذهب ووجهه أحمر. وعاد بشحوب غريب كبياض الورق. كانت ملامح وجهه - التي فقدت ~~ذهولها المخدر المحموم - قد اكتست في ذلك الوقت القصير بتعبير ينم عن الارتباك والضيق. مشى ~~إلى الأريكة مباشرة، ووقف وهو ينظر إلى معطفه الموضوع عليها، وكأنه يخشى أن ~~يلمسه. # سألت السيدة فيرلوك بصوت خافت: «ما الأمر؟» عبر الباب الذي كان مواربا، استطاعت أن ترى ~~أن الزبون لما يذهب بعد. # قال السيد فيرلوك: «أجدني مضطرا للخروج هذا المساء.» لم يحاول أن يلتقط معطفه. # دون أن ms160 تنطق بكلمة، مضت ويني إلى المتجر وأغلقت الباب خلفها، ودخلت ووقفت خلف منضدة ~~البيع. لم تنظر مباشرة إلى الزبون حتى استقرت على الكرسي بجلسة مريحة. ولكن مع الوقت ~~كانت قد لاحظت أنه كان طويلا ورفيعا وله شارب مبروم إلى أعلى. في الحقيقة، برم أطراف ~~شاربه المدببة في تلك اللحظة. ظهر وجهه الطويل ذو العظام الناتئة فوق ياقة مرفوعة إلى أعلى. ~~كان متناثرا عليه قليل من قطرات الماء، ومبتلا قليلا. كان رجلا ذا بشرة داكنة، ونتوء ~~عظم وجنته محدد جدا تحت صدغ مجوف قليلا. لم تكن قد رأته من قبل. لم يكن زبونا ~~أيضا. # نظرت إليه السيدة فيرلوك في هدوء. # بعد مدة قالت: «هل أنت آت من أوروبا؟» # لم يجب الغريب الطويل النحيف، الذي لم ينظر إلى السيدة فيرلوك مباشرة، إلا بابتسامة ~~باهتة وغريبة. # لم تنزل السيدة فيرلوك نظرتها الثابتة والفضولية عنه. ~~«أنت تفهم الإنجليزية، أليس كذلك؟» ~~«أوه نعم. أفهم الإنجليزية.» # لم تكن لكنته أجنبية، عدا أنه بدا أنه كان يبذل مجهودا في نطقه البطيء. وكانت السيدة ~~فيرلوك، من خلال تجربتها الواسعة، قد توصلت إلى استنتاج مفاده أن بعض الأجانب يمكنهم ~~التحدث بالإنجليزية على نحو أفضل ممن كانت الإنجليزية هي لغتهم الأم. قالت، ناظرة بثبات ~~إلى باب غرفة المعيشة: ~~«ألا تفكر في المكوث بإنجلترا بشكل دائم؟» # مجددا لم يجبها الغريب إلا بابتسامة صامتة. كان له فم لطيف وعينان ثاقبتان. وهز رأسه ~~بقليل من الأسف، أو هكذا بدا. ~~«سوف يعتني بك زوجي جيدا. في غضون ذلك، إن كانت إقامتك لأيام قليلة، لن تجد أفضل من أن ~~تقيم عند السيد جيوجلياني. الفندق اسمه كونتيننتال. يتسم بالخصوصية. إنه مكان هادئ. ~~سيأخذك زوجي إلى هناك.» # قال الرجل الأسمر الرفيع، الذي كانت نظرته قد تصلبت فجأة: «فكرة جيدة.» ~~«أنت تعرف السيد فيرلوك من قبل، أليس كذلك؟ ربما في فرنسا؟» # أقر الزائر بنبرته البطيئة المتثاقلة، التي كان لها قصد معين: «سمعت عنه.» # صمت قليلا. ثم تحدث مجددا، بطريقة أقل بطئا بكثير. ~~«ربما يكون زوجك قد خرج كي ms161 ينتظرني في الشارع؟» # كررت السيدة فيرلوك مندهشة: «في الشارع! لا يمكنه ذلك. لا يوجد باب آخر للمنزل.» # للحظة جلست صامتة، ثم غادرت مقعدها كي تذهب وتلقي نظرة سريعة من الباب المزجج. فتحته ~~فجأة واختفت في غرفة المعيشة. # لم يكن السيد فيرلوك قد فعل شيئا سوى أنه ارتدى معطفه. لكنها لم تفهم لماذا بقي مستندا ~~على الطاولة بذراعيه وكأنه يشعر بدوار أو مرض. نادت عليه بصوت عال بعض الشيء: «أدولف»؛ ~~ولما اعتدل، قالت: ~~«هل تعرف ذلك الرجل؟» سألته بسرعة. # همس السيد فيرلوك منزعجا، وهو ينظر إلى الباب بنظرة حادة: «سمعت عنه.» # لمعت عينا السيدة فيرلوك الجميلتان الهادئتان بوميض من الاشمئزاز. ~~«أحد أصدقاء كارل يوندت؛ الرجل المسن البغيض.» # اعترض السيد فيرلوك وهو منشغل بالبحث عن قبعته: «كلا! كلا!» ولكن عندما التقطها من تحت ~~الأريكة، أمسكها وكأنه لا يعرف نفع القبعة. # قالت السيدة فيرلوك في النهاية: «حسنا؛ إنه ينتظرك. أدولف، أليس هذا أحد رجال السفارة ~~الذين انزعجت بسببهم مؤخرا؟» # كرر السيد فيرلوك باختلاجة قوية نابعة من المفاجأة والخوف: «انزعجت بسبب موظفي السفارة. ~~من الذي أخبرك عن موظفي السفارة؟» ~~«أنت.» ~~«أنا! أنا! تحدثت معك عن السفارة!» # بدا السيد فيرلوك مرتعبا ومتحيرا إلى حد يفوق الوصف. أوضحت زوجته: ~~«كنت تتحدث قليلا وأنت نائم في الفترة الأخيرة، يا أدولف.» ~~«ماذا ... ماذا قلت؟ ما الذي تعرفينه؟» ~~«لا أعرف الكثير. بدا أغلب الكلام هراء. ولكنه يكفي كي يجعلني أخمن أن أمرا ما كان ~~يقلقك.» # ضغط السيد فيرلوك قبعته على رأسه بقوة. اجتاح فيضان قرمزي من الغضب وجهه. ~~«هراء؛ أليس كذلك؟ رجال السفارة! سأقتلع قلوبهم واحدا تلو الآخر. ولكن فليحذروا. ~~يمكنني أن أفصح عن أمور كثيرة.» # تملكه الغضب وظل يروح ويغدو بين الطاولة والأريكة، ومعطفه المفتوح يمسك في الزوايا. ~~انحسر فيضان الغضب الأحمر من وجهه، وتركه شاحبا تماما، وفتحتا أنفه ترتعشان. وكي تحافظ ~~السيدة فيرلوك على أسلوب الحياة العملي، أرجعت هذه الظواهر إلى إصابته بالبرد. # قالت: «حسنا، تخلص من الرجل، أيا من كان، بأسرع ما تستطيع، وعد إلي. أنت ms162 بحاجة إلى ~~الرعاية ليوم أو يومين .» # هدأ السيد فيرلوك، وكان قد فتح الباب بالفعل، والتصميم منطبع على وجهه الشاحب، عندما ~~دعته زوجته للعودة همسا: ~~«أدولف! أدولف!» رجع إليها مندهشا. فسألته: «ماذا عن ذلك المال الذي سحبته؟ هل هو معك في ~~جيبك؟ ألم يكن من الأفضل أن ...» # حملق السيد فيرلوك ببلاهة في راحة يد زوجته التي ظلت ممدودة لبعض الوقت قبل أن يصفع ~~جبهته. ~~«المال! أجل! أجل! لم أعرف ماذا تقصدين.» # أخرج من جيب الصدر محفظة جيب جديدة من جلد الخنزير. أخذته السيدة فيرلوك من دون أن ~~تتكلم بكلمة أخرى، ووقفت دون حراك حتى هدأت صلصلة الجرس بعدما خرج السيد فيرلوك وزائره. ~~عندئذ فقط، ألقت نظرة على مبلغ النقود، مخرجة الأوراق النقدية لذلك الغرض. بعد هذا ~~التفحص، نظرت حولها بتفكير، وبشيء من عدم الثقة في الصمت والعزلة اللذين كانا يخيمان ~~على المنزل. بدا لها منزل الزوجية منعزلا وغير آمن وكأنه مقام وسط غابة. بدت لها كل ~~حاوية، استطاعت أن تفكر فيها وسط الأثاث الصلب الثقيل، سهلة الكسر وتمثل إغراء خاصا ~~للص المنازل حسب تصورها له. كان تصورها عنه مثاليا، تمتع فيه بقدرات عظيمة وبصيرة خارقة. ~~لم يكن من الوارد البتة التفكير في درج النقود. كان الموضع الأول الذي سيعمد إليه أي لص. ~~فكت السيدة فيرلوك مشبكين على عجل، ودست المحفظة تحت صدرية ثوبها. بعد أن خبأت بذلك رأس ~~مال زوجها، أسعدها إلى حد ما سماع صلصلة جرس الباب معلنة وصول زائر ما. متصنعة نظرتها ~~الثابتة السافرة وتعبير الوجه المتحجر المخصص للزبائن العارضين، سارت ووقفت خلف منضدة ~~البيع. # كان رجل واقف وسط المتجر يتفحص أرجاء المكان بنظرات سريعة وهادئة. ألقت عيناه نظرة ~~سريعة على الجدران، ثم توجهت إلى السقف، ومنه إلى الأرضية؛ كل هذا في لحظة. تدلت حواف ~~شارب طويل أشقر إلى تحت خط فكه. ابتسم ابتسامة شخص كان يعرفها منذ زمن بعيد، وتذكرت ~~السيدة فيرلوك أنها رأته من قبل. لم يكن زبونا. لطفت من «التحديقة الخاصة بالزبائن» ~~وجعلتها مجرد نظرة لا ms163 مبالاة، وواجهته من خلف منضدة البيع . # أما هو فاقترب منها بحميمية، لكن ليس على نحو ملحوظ جدا. # سألها بنبرة هادئة وواثقة: «هل زوجك في المنزل يا سيدة فيرلوك؟» ~~«كلا. لقد خرج.» ~~«يؤسفني ذلك. جئت في زيارة قصيرة لكي أحصل منه على القليل من المعلومات الخاصة.» # كانت هذه الحقيقة بعينها. كان كبير المفتشين هيت قد وصل إلى المنزل، وكان حتى قد وصل ~~إلى حد التفكير في ارتداء خفه؛ لأنه كان عمليا، كما قال لنفسه، قد أجبر على ترك تلك ~~القضية. انغمس في بعض الأفكار الكريهة والقليل من الأفكار الغاضبة، ووجد الانهماك في ~~التفكير غير مناسب لدرجة أنه عقد العزم على أن يبتغي التفريج عن نفسه خارج المنزل. لم ~~يمنعه شيء من إجراء زيارة ودية إلى السيد فيرلوك، بشكل عرضي، إن جاز القول. استخدم وسائل ~~انتقاله المعتادة بصفته مواطنا عاديا خرج في نزهة خاصة. وقادته إلى بيت السيد فيرلوك. ~~احترم كبير المفتشين هيت خصوصيته بصفته مواطنا عاديا بشدة لدرجة أنه بذل جهدا خاصا ~~لتجنب جميع رجال الشرطة في النقاط والدوريات القريبة من شارع بريت. كان هذا الاحتياط ~~ضروريا لرجل في مكانته أكثر بكثير من كونه ضروريا للمفوض المساعد غير المعروف. دخل ~~المواطن العادي هيت إلى الشارع، مناورا بطريقة ربما لو فعلها أحد أفراد الطبقات ~~الإجرامية لوصم بأنه يتسلل خلسة. كانت قطعة القماش التي التقطها في جرينتش في جيبه. لم ~~يكن ذلك يعني أنه كان لديه أدنى نية في إخراجها بصفته مواطنا عاديا. وعلى النقيض، كان ~~يريد أن يعرف بالضبط ما سيقوله السيد فيرلوك طواعية. كان يأمل أن يكون لحديث السيد فيرلوك ~~طبيعة تدين ميكايليس. كان أملا مهنيا بدقة ولكنه كان يخلو من قيمته الأخلاقية. وذلك لأن ~~كبير المفتشين هيت كان خادما للعدالة. عندما وجد أن السيد فيرلوك لم يكن في المنزل، أحس ~~بخيبة أمل. # قال: «يمكنني أن أنتظره قليلا لو كنت متأكدا من أن غيابه لن يطول.» # لم تتطوع السيدة فيرلوك بأي تأكيد من أي نوع. # كرر: «المعلومات التي أحتاجها خاصة للغاية. ms164 هل تفهمين ما أعنيه؟ يا ترى هل بإمكانك أن ~~تعطيني فكرة إلى أين ذهب؟» # هزت السيدة فيرلوك رأسها. ~~«ليس بوسعي أن أقول.» # أدارت ظهرها كي ترتب بعض الصناديق على الرفوف خلف منضدة البيع. ظل كبير المفتشين ~~هيت ينظر إليها بتفكير بعض الوقت. # قال: «أظن أنك تعرفينني، أليس كذلك؟» # نظرت السيدة فيرلوك من فوق كتفها. استغرب كبير المفتشين هيت من هدوئها. # قال بنبرة حادة: «هيا! تعرفين أنني أعمل في الشرطة.» # قال السيدة فيرلوك: «لا أشغل بالي كثيرا بهذه الأمور»، ثم عادت إلى ترتيب ~~الصناديق. ~~«اسمي هيت. كبير المفتشين هيت من إدارة الجرائم الخاصة.» # عدلت السيدة فيرلوك بإتقان صندوقا صغيرا من الورق المقوى في مكانه، واستدارت وواجهته ~~مرة أخرى، بعينين منهكتين ويدين خاملتين متدليتين. ساد صمت لبعض الوقت. ~~«إذن خرج زوجك منذ ربع ساعة! ولم يقل متى سيعود؟» # قالت السيدة فيرلوك سهوا في غفلة منها: «لم يخرج بمفرده.» ~~«مع صديق؟» # تلمست السيدة فيرلوك الجزء الخلفي من شعرها. كان في هندامه الكامل. ~~«شخص غريب زاره.» ~~«فهمت. هل يمكنك أن تصفي لي ذلك الرجل الغريب؟ هل لديك مانع من أن تخبريني؟» # لم تمانع السيدة فيرلوك. وعندما سمع كبير المفتشين هيت أن الرجل أسمر ورفيع وله وجه ~~طويل وشارب له حواف مبرومة إلى الأعلى، ارتسمت على ملامحه علامات الاضطراب وصاح: ~~«اللعنة، لم أفكر في ذلك! إنه لم يضيع أي وقت.» # شعر في قرارة نفسه باشمئزاز كبير من المسلك غير الرسمي من رئيسه المباشر. ولكنه لم يكن ~~غير عملي. ومن ثم فقد أي رغبة في انتظار عودة السيد فيرلوك. لم يعرف السبب وراء ~~خروجهما، ولكنه تصور أنهما من الممكن أن يعودا معا. فكر بمرارة، قائلا في نفسه إنه لم ~~تتبع الأصول المرعية في القضية، وثمة تلاعب يجري فيها. # قال: «يؤسفني القول إنه ليس لدي وقت كي أنتظر زوجك.» # استقبلت السيدة فيرلوك هذا التصريح بفتور. كان انعدام مبالاتها قد ترك انطباعا لدى كبير ~~المفتشين هيت منذ البداية. أثار فضوله في هذه اللحظة بالتحديد. كان كبير المفتشين هيت ms165 في ~~مهب الريح، تهيمن عليه عواطفه مثل معظم المواطنين العاديين. # قال، ناظرا إليها بثبات: «أظن أنه يمكنك أن تعطيني فكرة جيدة جدا عما يجري إذا ~~أحببت.» # تمتمت السيدة فيرلوك، وهي ترغم عينيها الجميلتين الخاملتين على مبادلته نظرته: ~~«ما يجري! ما الذي يجري؟» ~~«عجبا، القضية التي جئت كي أتحدث فيها قليلا مع زوجك.» # في ذلك اليوم، كانت السيدة فيرلوك قد ألقت نظرة سريعة على الجرائد الصباحية كالمعتاد. ~~ولكنها لم تخرج خارج البيت. لم يكن موزعو الصحف يدخلون إلى شارع بريت مطلقا. لم يكن ~~هذا الشارع ضمن نطاق عملهم. وكانت أصداء صيحاتهم التي تتردد في الشوارع المكتظة بالمارة ~~تتلاشى بين الجدران القذرة دون أن تصل إلى عتبة المتجر. لم يكن زوجها قد أحضر الصحيفة ~~المسائية معه إلى البيت. لم تكن قد رأتها على أي حال. لم تكن السيدة فيرلوك تعرف أي شيء ~~عن أي قضية. وقالت ذلك، بنبرة تعجب حقيقية بصوتها الهادئ. # لم يصدق كبير المفتشين هيت للحظة هذا الكم من الجهل. وذكر الحقيقة المجردة باقتضاب ~~وفظاظة. # أشاحت السيدة فيرلوك بناظريها. # قالت متثاقلة: «إنني أعتبر هذا سخافة.» ثم توقفت قليلا. «لسنا عبيدا مضطهدين ~~هنا.» # انتظر كبير المفتشين بترقب. لم تضف شيئا آخر. ~~«ألم يذكر زوجك لك أي شيء عندما عاد إلى البيت؟» # لم يكن من السيدة فيرلوك إلا أن أدارت وجهها من اليمين إلى اليسار علامة على النفي. ساد ~~صمت متراخ محير في المتجر. شعر كبير المفتشين هيت باستفزاز يفوق احتماله. # قال بنبرة خالية من التعبيرات: «ثمة مسألة صغيرة أخرى أردت أن أتحدث مع زوجك بشأنها. وصل ~~إلى أيدينا شيء ... شيء نعتقد أنه ... معطف مسروق.» # برفق تلمست السيدة فيرلوك، التي كان عقلها يقظا للصوص ذلك المساء على وجه الخصوص، ~~ثوبها عند منطقة الصدر. # قالت بهدوء: «لم نفقد معاطف.» # أردف المواطن العادي هيت: «ذلك غريب. أرى أنكم تحتفظون بالكثير من حبر الطباعة هنا ~~...» # أخذ زجاجة صغيرة ونظر إليها أمام مصباح الغاز في وسط المتجر. # علق، وهو يضعها مرة أخرى: «أرجواني، أليس كذلك؟ كما ms166 قلت، إنه غريب. لأن المعطف فيه ~~علامة مخيطة من الداخل تحمل عنوانكم ومكتوبة بحبر الطباعة.» # اتكأت السيدة فيرلوك على منضدة البيع وعلى ملامح وجهها تعجب خافت. ~~«ذلك أخي، إذن.» # بسرعة سألها كبير المفتشين هيت: «أين أخوك؟ هل يمكنني رؤيته؟» اتكأت السيدة فيرلوك على ~~طاولة البيع أكثر قليلا. ~~«كلا. إنه ليس هنا. أنا كتبت تلك العلامة بنفسي.» ~~«أين أخوك الآن؟» ~~«يسكن بعيدا مع ... صديق ... في الريف.» ~~«أتى المعطف من الريف. وما اسم الصديق؟» # اعترفت السيدة فيرلوك بهمس ينم عن خوف: «ميكايليس.» # أطلق كبير المفتشين زفيرا من شفتيه المضمومتين. طرفت عيناه. ~~«هكذا إذن. ممتاز. والآن فيما يتعلق بأخيك، كيف يبدو ... شاب قوي البنية مائل إلى السمرة ~~... هاه؟» # صاحت السيدة فيرلوك بحرارة: «أوه كلا. لا بد أنه اللص. ستيفي نحيف وأشقر.» # قال كبير المفتشين بنبرة موافقة: «جيد.» وبينما كانت مشاعر السيدة فيرلوك تتأرجح بين ~~القلق والتساؤل، محدقة فيه، سعى إلى الحصول على معلومات. لماذا خيط العنوان بهذه الطريقة ~~في المعطف من الداخل؟ وسمع أن البقايا المحترقة التي كان قد تفحصها في ذلك الصباح باشمئزاز ~~كبير كانت لشاب عصبي شارد الذهن وغريب الأطوار وأيضا أن المرأة التي كانت تتحدث إليه ~~كانت ترعى ذلك الفتى منذ أن كان طفلا. # اقترح قائلا: «يمكن استثارة عواطفه بسهولة؟» ~~«أوه نعم. هو كذلك. ولكن كيف فقد معطفه ...» # فجأة أخرج كبير المفتشين هيت جريدة وردية اللون كان قد ابتاعها منذ أقل من نصف ساعة. كان ~~مهتما بالخيل. مدفوعا بداعي مهنته إلى اتباع مسلك يتسم بالشك والريبة تجاه مواطنيه، ~~تحرر كبير المفتشين هيت من غريزة السذاجة المتأصلة في صدور البشر بغرس إيمان غير محدود ~~بالمتكهنين بنتائج مراهنات سباقات الخيل في تلك الجريدة المسائية على وجه الخصوص. بعدما وضع ~~الإصدار الخاص الإضافي للجريدة على طاولة البيع، أدخل يده مرة أخرى في جيبه، وأخرج قطعة ~~القماش التي كان القدر قد أهداها إليه من بين كومة من الأشياء التي بدت وكأنها كانت قد ~~جمعت في مجزر شامبلز ومتاجر الخردة، وأعطاها للسيدة فيرلوك كي تتفحصها. ms167 ~~«أظن أنك تعرفين هذه، أليس كذلك ؟» # وضعتها من دون تفكير بين راحتي يديها. بدت عيناها وكأنما تزدادان اتساعا وهي تنظر ~~إليها. # قالت هامسة: «بلى»، ثم رفعت رأسها وترنحت متراجعة قليلا. ~~«لأي سبب هي ممزقة هكذا؟» # مد كبير المفتشين يده عبر منضدة البيع وانتزع قطعة القماش من يديها، وجلست على الكرسي ~~بتثاقل. فكر في نفسه: تحديد الهوية مثالي. وفي تلك اللحظة، اتضحت له الحقيقة المذهلة ~~بأكملها. كان فيرلوك هو «الرجل الآخر». # قال: «يا سيدة فيرلوك، يبدو لي أنك تعرفين عن مسألة التفجير هذه أكثر مما تدركين أنت ~~نفسك.» # جلست السيدة فيرلوك دون أن تتحرك مذهولة وتائهة في استغراب لا حد له. ما هي الصلة؟ ~~وأصابها تصلب في سائر جسدها حتى إنها لم تكن قادرة على أن تلتفت برأسها إلى صلصلة الجرس، ~~التي جعلت المحقق الخاص هيت يلتف على عقبيه. كان السيد فيرلوك قد أغلق الباب، ونظر كل من ~~الرجلين إلى الآخر للحظة. # مشى السيد فيرلوك - من دون أن ينظر إلى زوجته - إلى كبير المفتشين، الذي ارتاح لرؤيته ~~عائدا بمفرده. # تمتم السيد فيرلوك متثاقلا: «أنت هنا! عمن تبحث؟» # قال كبير المفتشين هيت بنبرة خافتة: «لا أحد. اسمع، أود أن أتحدث معك قليلا.» # كان السيد فيرلوك، دون أن يزول شحوب وجهه، قد عاد مع انطباع بالتصميم مرتسم على ملامحه. ~~كان ما زال لم ينظر إلى زوجته. قال: ~~«ادخل هنا، إذن.» وتوجه به إلى غرفة المعيشة. # لم يكد الباب يوصد حتى هرعت إليه السيدة فيرلوك، وثبا من على الكرسي، وكأنها تهم ~~بفتحه على مصراعيه، ولكن بدلا من أن تفعل ذلك جثت على ركبتيها، ووضعت أذنها على ثقب ~~المفتاح. لا بد أن الرجلين توقفا بعد أن عبرا من الباب مباشرة، لأنها سمعت صوت كبير ~~المفتشين بوضوح، على الرغم من أنها لم تستطع أن ترى إصبعه وهو يضغط به على صدر زوجها ~~جازما. ~~«أنت الرجل الآخر يا فيرلوك. شوهد رجلان يدخلان إلى الحديقة.» # وسمع صوت السيد فيرلوك يقول: ~~«حسنا، اقبض علي الآن. ما الذي يمنعك؟ لديك ms168 الحق في ذلك.» ~~«أوه كلا! أنا أعلم تمام العلم لمن سلمت نفسك. سيتعين عليه أن يتولى هذه المسألة ~~الصغيرة بنفسه. ولكن كن متأكدا، أنا الذي اكتشفت أمرك.» # ثم لم تسمع إلا همهمة. لا بد أن المفتش هيت كان يطلع السيد فيرلوك على قطعة القماش من ~~معطف ستيفي لأن أخت ستيفي، الوصية عليه وحاميته، سمعت زوجها يتحدث بصوت أعلى ~~قليلا. ~~«لم ألاحظ قط أنها كانت قد اهتدت إلى تلك الحيلة.» # مرة أخرى، لبعض الوقت لم تسمع السيدة فيرلوك شيئا إلا همهمات، كان غموضها أقل كارثية ~~على عقلها من الإيحاءات المروعة للكلمات المسموعة. ثم رفع كبير المفتشين هيت صوته على ~~الجانب الآخر من الباب. ~~«لا بد أنك كنت مجنونا.» # أجاب صوت السيد فيرلوك وفي نبرته شيء من الغضب الحزين: ~~«كنت مجنونا لشهر أو أكثر، ولكنني لست مجنونا الآن. انتهى الأمر. سوف أكشف عن كل شيء، ~~ولا تهمني العواقب.» # ساد صمت، ثم تمتم المواطن العادي هيت: ~~«ما الذي سوف تكشفه؟» # علا صوت السيد فيرلوك، ثم انخفض جدا، قائلا: «كل شيء.» # بعد قليل علا صوته مرة أخرى. ~~«أنت تعرفني منذ عدة سنوات، وقد وجدتني مفيدا، أيضا. تعرف أنني كنت رجلا شريفا. ~~نعم، شريفا.» # لا بد أن هذا الاستعطاف بالاستعانة بالمعرفة الشخصية القديمة كان مستهجنا لدى كبير ~~المفتشين إلى أقصى درجة. # انطوى صوته على نبرة تحذيرية. ~~«لا تثق كثيرا في الوعود التي تلقيتها. لو كنت مكانك، لغادرت فورا. لا أظن أننا ~~سنلاحقك.» # سمع السيد فيرلوك يضحك قليلا. ~~«أوه نعم؛ تأمل أن يتخلص مني الآخرون نيابة عنك؛ أليس كذلك؟ لا، لا؛ لن تتخلص مني ~~الآن. كنت رجلا شريفا مع هؤلاء الناس لمدة أطول من اللازم، والآن لا بد أن ينكشف كل ~~شيء.» # وافقه كبير المفتشين هيت بنبرة غير مبالية: «فلينكشف إذن. ولكن أخبرني الآن كيف ~~هربت.» # سمعت السيدة فيرلوك صوت زوجها وهو يقول: «كنت في طريقي إلى ممشى تشيسترفيلد ووك عندما ~~سمعت صوت الانفجار. عندئذ بدأت أجرى. ضباب. لم أر أحدا حتى تجاوزت نهاية شارع جورج. ms169 لا ~~أظن أنني صادفت أحدا حتى ذلك الحين.» # سمع صوت كبير المفتشين هيت متعجبا: «بهذه السهولة! صوت الانفجار أفزعك، أليس ~~كذلك؟» # اعترف صوت السيد فيرلوك المغتم الأجش: «بلى، جاء قبل الأوان.» # ضغطت السيدة فيرلوك أذنها في ثقب الباب؛ كانت شفتاها مزرقتين، ويداها باردتين كالثلج، ~~وشعرت وكأن وجهها الشاحب، الذي بدت فيه عيناها مثل ثقبين أسودين، كان مطوقا بألسنة ~~اللهب. # وعلى الجانب الآخر من الباب، انخفضت الأصوات جدا. كانت تلتقط كلمات بين فينة وأخرى، ~~أحيانا بصوت زوجها وأحيانا أخرى بنبرات كبير المفتشين الناعمة. سمعت هذا القول ~~الأخير: ~~«نعتقد أنه تعثر في جذع شجرة، أتظن ذلك؟» # كانت ثمة تمتمة من صوت أجش، استمرت لبعض الوقت، ثم تحدث كبير المفتشين بطريقة جازمة، ~~وكأنه كان يجيب على بعض الاستفسارات. ~~«بالطبع. تمزق إلى أشلاء: الأطراف، الحصى، الملابس، العظام، الشظايا؛ كلها مختلطة بعضها ~~ببعض. لا أخفيك أنهم قد اضطروا إلى استخدام مجرفة كي يجمعوا أشلاءه.» # انتفضت السيدة فيرلوك فجأة من وضعية القرفصاء التي كانت عليها، وسدت أذنيها، وظلت تروح ~~وتجيء بين منضدة البيع والرفوف على الحائط خلف الكرسي. لاحظت عيناها المذعورتان الصحيفة ~~التي تركها كبير المفتشين، وبينما كانت تصطدم بمنضدة البيع اختطفتها، وهوت على الكرسي، ~~ومزقت الصحيفة الوردية التي تبعث على التفاؤل، وهي تحاول فتحها، ثم ألقتها أرضا. على ~~الجانب الآخر من الباب، كان كبير المفتشين هيت يقول للسيد فيرلوك، العميل السري: ~~«إذن، سيتشكل دفاعك عمليا من اعتراف كامل؟» ~~«سيكون كذلك. سأحكي القصة كلها.» ~~«لن يصدقوك بالقدر الذي تتخيله.» # وأخذ كبير المفتشين يفكر. كان المنعطف الذي كانت تتخذه هذه القضية يعني الكشف عن أشياء ~~كثيرة، إهدار حقول من المعرفة، زرعها رجل بارع، وكان لها قيمة مميزة لدى الفرد والمجتمع. ~~كان تدخلا مؤسفا للغاية. لن يؤدي الأمر إلى أن يمس ميكايليس بأذى؛ وسيلقي الضوء على ~~معمل البروفيسور المنزلي؛ ويفسد نظام المراقبة بالكامل؛ وسيؤدي إلى صخب لا ينتهي في الصحف ~~التي، من وجهة النظر تلك، بدت له بفعل استنارة خاطفة أنها دائما ما تكتب بأقلام حمقى من ~~أجل ms170 أن يقرأها بلهاء. اتفق عقله مع الكلمات التي أفصح بها السيد فيرلوك أخيرا دون قصد ~~ردا على تعليقه الأخير. ~~«ربما لن يفعلوا. ولكنها ستزعزع أشياء كثيرة. كنت رجلا شريفا، وسأبقى شريفا في هذه ~~...» # قال كبير المفتشين ساخرا: «إن سمحوا لك بذلك. لا شك في أنك ستتلقى نصحا قبل أن يضعوك ~~في قفص الاتهام. وفي النهاية، ربما تنال عقوبة ستفاجئك. ما كنت لأفرط في الثقة في الرجل ~~الذي كان يتحدث إليك.» # استمع السيد فيرلوك مقطبا جبينه. ~~«نصيحتي لك هي أن تغادر بسرعة ما دام بإمكانك ذلك. ليس لدي أي تعليمات.» وأردف كبير ~~المفتشين: «يوجد بعض من يظنون أنك قد فارقت الحياة بالفعل.» مشددا تشديدا خاصا على كلمة ~~«بعض». # دفع ذلك السيد فيرلوك إلى أن يقول: «حقا!» على الرغم من أنه منذ عودته من جرينتش كان قد ~~أمضى جل وقته جالسا في غرفة المشروبات الكحولية في حانة صغيرة غير معروفة، لم يكن يأمل ~~في مثل هذه الأخبار السارة. ~~«ذلك هو الانطباع عنك.» أومأ إليه كبير المفتشين. «اختف. غادر بسرعة.» # زمجر السيد فيرلوك: «إلى أين؟» رفع رأسه، ومحملقا في باب غرفة المعيشة المغلق، تمتم من ~~أعماقه: «كل ما أتمناه أن تصطحبني معك الليلة. سأذهب معك بهدوء.» # وافقه كبير المفتشين ساخرا، ومتتبعا اتجاه نظرته: «أظن ذلك.» # ابتل جبين السيد فيرلوك بعرق خفيف. أخفض صوته الأجش وكأنه يقول سرا أمام كبير المفتشين ~~غير المبالي. ~~«كان الفتى أبله، أي إنه كان غير مسئول عن أفعاله. وأي محكمة سترى هذا الرأي من فورها. ~~لم يصلح له إلا المكوث في مستشفى الأمراض العقلية. وذلك كان أسوأ ما كان يمكن أن يحدث له ~~إذا ...» # واضعا يده على مقبض الباب، همس كبير المفتشين في وجه السيد فيرلوك: ~~«ربما كان أبله، ولكن لا بد أنك جننت. من الذي غيب عقلك هكذا؟» # مفكرا في السيد فلاديمير، لم يتردد السيد فيرلوك في اختيار كلماته. # همس بقوة: «حقير من الشمال. شخص يمكن أن تدعوه ... سيدا.» # بعينين ثابتتين، عبر كبير المفتشين بإيماءة قصيرة عن فهمه، ms171 وفتح الباب. ربما سمعت السيدة ~~فيرلوك ، القابعة خلف منضدة البيع، ولكنها لم تر رحيله، الذي استتبعه صوت صلصلة الجرس ~~الشرسة. جلست في مكان عملها خلف منضدة البيع. جلست منتصبة بجمود على الكرسي وقطعتين ~~متسختين من ورق الصحف الوردي مفرودتين عند قدميها. ضغطت براحتي يديها على وجهها بتشنج ~~وأطراف أصابعها متقلصة عند جبهتها، وكأن الجلد كان قناعا تستعد لتمزيقه بعنف. عبر ~~الجمود التام في وضعيتها عن فورة الغضب واليأس، وكل العنف المرتقب النابع من عواطف مأساوية، ~~تعبيرا أفضل من الصراخ الحاد، وضرب الرأس المذهول في الحائط. لم يرمقها كبير المفتشين هيت ~~إلا بنظرة خاطفة، وهو يعبر المتجر بخطواته المتسارعة المتمايلة. وعندما توقف الجرس ~~المتصدع المعلق في الطوق المنحني المصنوع من الفولاذ عن الصلصلة، لم تتحرك السيدة ~~فيرلوك، وكأن وضعيتها كانت قوة تعويذة محكمة. حتى شعلتا لهب الغاز، اللتان كانتا على ~~هيئة فراشة على طرفي حامل مصباح معلق على شكل حرف # T ~~، ~~احترقتا دون أن تهتزا. في متجر السلع المشبوهة هذا، المزود برفوف توزيع مطلية بلون بني ~~باهت، بدا وكأنه يمتص لمعان الضوء، تلألأت الحلقة الذهبية لخاتم زواج السيدة فيرلوك، الذي ~~ترتديه في يدها اليسرى، بشدة بالفخامة النقية لقطعة مجوهرات ثمينة، سقطت في صندوق ~~قمامة. # | الفصل العاشر # بعدما استقل المفوض المساعد عربة تجرها خيول مضت به بسرعة من حي سوهو في اتجاه ~~وستمينستر، ترجل منها في قلب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. حياه بعض رجال الشرطة ~~الأقوياء البنية، الذين لم يبد عليهم أنهم منبهرون على نحو مميز بحراستهم لهذا الموضع ~~المهيب. بعدما مر عبر بوابة غير فخمة على الإطلاق إلى حرم دار المجلس التشريعي التي ~~تعتبر «المكان» الأهم «بلا منازع» في عقول الملايين من الرجال، التقى أخيرا بتودلز ~~السريع الانفعال والثوري. # أخفى ذلك الشاب الأنيق والمهندم اندهاشه من الحضور المبكر للمفوض المساعد، الذي كان قد ~~قيل له أن يتوقع حضوره في حوالي منتصف الليل. استنتج أن حضوره المبكر جدا كان علامة ~~على أن الأمور، مهما كانت، قد اتخذت منعطفا خاطئا. بتعاطف ms172 حاضر دائما، يتماشى مع روح ~~المرح المتأصلة غالبا في الشباب اللطفاء، شعر بالأسى تجاه تلك الشخصية المهيبة التي كان ~~يطلق عليها اسم «الرئيس» وأيضا تجاه المفوض المساعد، الذي بدا له وجهه أكثر تبلدا ~~وتشاؤما من أي وقت مضى، وكئيبا على نحو عجيب. قال في نفسه: «يا له من رجل غريب أجنبي ~~المظهر.» مبتسما من بعيد بمرح ودي. وما إن التقوا حتى بدأ يتحدث بنية طيبة تهدف إلى دفن ~~الحرج من الفشل تحت كومة من الكلمات. بدا وكأن الهجوم الكبير الذي كان منذرا بالحدوث في ~~تلك الليلة سوف يفشل. كان أحد أتباع «تشيزمان الغاشم ذاك» منصبا على إضجار أعضاء المجلس ~~التشريعي، قليلي العدد جدا، بلا رحمة ببعض الإحصائيات المغلوطة. كان تودلز يأمل أن ~~يضجرهم وصولا إلى أخذ تصويت بالرفض كل دقيقة. ولكنه ربما كان يضيع الوقت فحسب حتى يسمح ~~لتشيزمان الشره بأن يتناول عشاءه على مهل. على أي حال، لم يكن من الممكن إقناع الرئيس ~~بالذهاب إلى المنزل. # قال تودلز مستنتجا بجدية: «أظن أنه سيقابلك على الفور. إنه يجلس وحده تماما في غرفته ~~يفكر في جميع أنواع الأسماك التي في البحر. تعال معي.» # وعلى الرغم من لطف تصرفات السكرتير الخاص (المتطوع)، كان عرضة للأخطاء التي يرتكبها ~~عامة الناس. لم يرغب في إيذاء مشاعر المفوض المساعد، الذي بدا له على نحو غير اعتيادي مثل ~~رجل أفسد عمله. لكن فضوله كان أقوى للغاية من أن يكتمه مجرد التعاطف. وأثناء سيرهما، لم ~~يستطع أن يمنع نفسه من أن يطرح بلطف سؤالا، وهو يدير رقبته نحوه: ~~«وماذا عن سمكتك؟» # أجاب المفوض المساعد بإيجاز لم يكن يقصد منه أي نفور من الحديث: «أمسكت بها.» ~~«جيد. لا تتصور كم يكره هؤلاء الرجال العظام خيبة الأمل في الأمور الصغيرة.» # بعد هذه الملاحظة العميقة، بدا أن تودلز المحنك يفكر. على أي حال، لم يقل شيئا ~~لثانيتين كاملتين. ثم قال: ~~«أنا سعيد. ولكن ... أقول ... هل هي مسألة تافهة جدا حقا كما تصفها؟» # سأله المفوض المساعد بدوره: «هل تعرف ما الذي ms173 يمكن فعله بسمكة صغيرة؟» # بضحكة مكتومة قال تودلز، الذي كانت معرفته بصناعة صيد الأسماك حديثة العهد، وهائلة ~~مقارنة بجهله بجميع المجالات الصناعية الأخرى: «أحيانا توضع في علبة سردين. توجد مصانع ~~تعليب سردين على الساحل الإسباني وهي ...» # قاطع المفوض المساعد رجل الدولة المبتدئ. ~~«نعم. نعم. ولكن أحيانا أيضا نرمي السمكة الصغيرة من أجل اصطياد حوت.» # صاح تودلز، حابسا أنفاسه: «حوت. أوف! أنت تسعى إلى اصطياد حوت إذن؟» ~~«ليس بالضبط. ما أسعى إلى اصطياده أشبه بكلب البحر. ربما لا تعرف شكل كلب البحر.» ~~«بلى؛ أعرفه. إننا غارقون حتى أعناقنا في كتب متخصصة - تعج بها رفوف كاملة - وألواح ... إنه ~~حيوان مقيت وبغيض المنظر تماما ومقرف للغاية، وله وجه ناعم الملمس نوعا ما ~~وشوارب.» # علق المفوض المساعد: «وصف دقيق. عدا أن ما أسعى وراءه حليق الوجه تماما. لقد رأيته. إنه ~~سمكة ذكية.» # قال تودلز وهو لا يكاد يصدق: «أنا رأيته! لا أستطيع أن أتصور أين يمكن أن أكون قد ~~رأيته.» # أخفض المفوض المساعد صوته وقال بهدوء: «أظن في نادي «المستكشفين».» لما سمع تودلز اسم هذا ~~النادي الحصري للغاية، بدا عليه الخوف وتوقف عن الحديث فجأة. # احتج، ولكن بنبرة تملؤها الرهبة: «غير معقول. ماذا تقصد؟ هل هو عضو في النادي؟» # تمتم المفوض المساعد وكأنه يتحدث إلى نفسه: «عضو فخري.» ~~«يا إلهي!» # بدا تودلز مذهولا لدرجة أن المفوض المساعد ابتسم ابتسامة خفيفة. # وقال: «ذلك الحديث فيما بيننا فقط.» # قال تودلز بضعف وكأن المفاجأة سلبته قوة المرح التي لديه في لحظة: «هذا أشنع خبر سمعته ~~في حياتي.» # رمقه المفوض المساعد بنظرة متجهمة. حتى وصلا إلى باب غرفة الرجل صاحب المقام الرفيع، لزم ~~تودلز صمتا نابعا من صدمة وهيبة، وكأن المفوض المساعد أهانه لما كشف له تلك الحقيقة ~~البغيضة والمقلقة. أحدثت تلك الحقيقة ثورة في أفكاره عن الإجراءات الصارمة التي يتخذها ~~نادي «المستكشفين» في اختيار أعضائه وعن طهارته الاجتماعية. لم يكن تودلز ثوريا إلا في ~~السياسة؛ وتمنى أن يحافظ على معتقداته الاجتماعية ومشاعره الشخصية دون تغيير طوال سنوات ms174 ~~حياته المقسومة له على هذه الأرض، التي كان يعتقد أنها، في مجملها، مكان جميل للعيش ~~فيه. # تنحى جانبا. # قال: «ادخل من دون أن تطرق الباب.» # أضفت أغطية من حرير أخضر وضعت على جميع المصابيح على الغرفة شيئا من كآبة غابة ~~عميقة. عينا الرجل صاحب المقام الرفيع المتغطرستان كانتا نقطة الضعف في جسده. غلفت هذه ~~النقطة بالسرية. وعندما كانت تسنح الفرصة، كان يريحهما بأن يغمضهما مستيقظا. # عند دخول المفوض المساعد، لم ير في البداية سوى يدين كبيرتين شاحبتين تسندان رأسا ~~كبيرا، وتخفيان الجزء العلوي من وجه شاحب كبير. قبع صندوق مراسلات مفتوح على المكتب ~~بالقرب من بضعة أوراق مستطيلة وحفنة متناثرة من ريش الكتابة. لم يكن يوجد أي شيء آخر على ~~الإطلاق على سطح المكتب باستثناء تمثال صغير من البرونز ملفوف بشملة، يراقب بغموض في جموده ~~المريب. جلس المفوض المساعد بعدما دعي للجلوس. في الضوء الخافت، جعلته الملامح البارزة في ~~شخصيته - الوجه الطويل، والشعر الأسود، وطوله مع نحافته - يبدو أجنبيا أكثر من أي وقت ~~مضى. # لم يظهر الرجل صاحب المقام الرفيع أي مفاجأة أو شغف أو أي نوع من المشاعر على الإطلاق. ~~كانت الوضعية التي أراح بها عينيه المنهكتين تنم عن التأمل العميق. لم يغيرها ولو ~~قليلا. ولكن نبرة صوته لم تكن حالمة. ~~«حسنا! ما الذي اكتشفته حتى اليوم؟ لقد صادفت شيئا غير متوقع في الخطوة ~~الأولى.» ~~«ليس غير متوقع بالضبط يا سير إثيلريد. ما صادفته في المقام الأول كان حالة ~~نفسية.» # تململ صاحب الشخصية العظيمة قليلا. «يجب أن تكون واضحا من فضلك.» ~~«نعم يا سيد إثيلريد. لا يخفى عليك أن معظم المجرمين يشعرون في بعض الأحيان بحاجة لا ~~تقاوم في الاعتراف - بأن يفصحوا عن مكنونات صدرهم لشخص ما - لأي شخص. وغالبا ما يفعلون ~~هذا مع الشرطة. وقد وجدت ذلك المدعو فيرلوك الذي تمنى هيت كثيرا إخفاءه في تلك الحالة ~~النفسية تحديدا. ألقى الرجل، مجازا، بما في جعبته في صدري. كان يكفي من جانبي أن أهمس ~~إليه بهويتي وأن أضيف «أعرف ms175 أنك متورط في صميم هذه القضية». لا بد أن معرفتنا بالأمر ~~بالفعل بدت له معجزة، لكنه تقبل كل شيء بهدوء. لم يلجمه التعجب ولو للحظة. عندئذ لم ~~يتبق لي إلا أن أوجه إليه سؤالين هما: من الذي أوعز إليك بفعل هذا؟ ومن الذي نفذ التفجير؟ ~~أجاب على السؤال الأول بتركيز ملحوظ. وفيما يتعلق بالسؤال الثاني، أستخلص أن الشخص الذي ~~نفذ التفجير هو صهره؛ شاب صغير ضعيف العقل ... إنها واقعة غريبة نوعا ما؛ ولا يتسع المقام ~~لذكرها كاملة الآن.» # سأل الرجل صاحب المقام الرفيع: «ما الذي عرفته إذن؟» ~~«أولا: عرفت أن المدان السابق ميكايليس لم يكن له أي علاقة بالقضية، على الرغم من أن ~~الفتى كان بالفعل مقيما معه في الريف مؤقتا حتى الساعة الثامنة من صباح هذا اليوم. ومن ~~المرجح جدا أن ميكايليس لا يعرف شيئا عن الأمر حتى هذه اللحظة.» # سأل الرجل صاحب المقام الرفيع: «هل أنت متأكد من ذلك؟» ~~«متأكد تماما يا سير إثيلريد. ذهب المدعو فيرلوك إلى هناك هذا الصباح وأخذ الفتى بحجة ~~الخروج في نزهة في الأزقة. بما أنها لم تكن المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك، لم يكن لدى ~~ميكايليس أدنى شك في أي شيء غير عادي. أما عن البقية، يا سير إثيلريد، فإن غضب هذا ~~المدعو فيرلوك لم يترك شيئا للشك، لا شيء على الإطلاق. لقد فقد عقله تقريبا جراء تمثيلية ~~رائعة، قد يصعب علي أو عليك أن نأخذها على محمل الجد، لكن من الواضح أنها تركت انطباعا ~~هائلا عليه.» # بعد ذلك، نقل المفوض المساعد باختصار إلى صاحب المقام الرفيع، الذي جلس ساكنا، يريح ~~عينيه بين راحتي يديه، تقدير السيد فيرلوك لإجراءات السيد فلاديمير وشخصيته. لم يبد أن ~~المفوض المساعد يستنكف أن يمنحها قدرا معينا من الجدارة. ولكن صاحب المقام الرفيع علق ~~قائلا: ~~«كل هذا يبدو غريبا جدا.» ~~«أليس كذلك؟ ربما يظن المرء أنها مزحة شريرة. ولكن رجلنا أخذ المسألة على محمل الجد، على ~~ما يبدو. شعر بأنه مهدد. في السابق، كما تعلم، كان ms176 على اتصال مباشر مع ستوت فارتنهايم ~~العجوز نفسه، وكان قد أصبح يعتبر خدماته لا غنى عنها. كانت صدمة عنيفة للغاية. أتصور أنه ~~فقد عقله. صار غاضبا وخائفا. وأقول بصدق، انطباعي أنه ظن أن رجال السفارة هؤلاء ليسوا ~~قادرين على طرده فحسب، بل أيضا على التخلص منه بطريقة أو بأخرى ...» # قاطعه صاحب المقام الرفيع من خلف يده الكبيرة: «كم بقيت معه؟» ~~«نحو أربعين دقيقة يا سير إثيلريد، في فندق سيئ السمعة يسمى كونتيننتال، جلست معه في ~~غرفة، بالمناسبة، استأجرتها لليلة. وجدته تحت تأثير ردة الفعل تلك التي تعقب الجهد المبذول ~~في ارتكاب جريمة. لا يمكن تصنيف الرجل على أنه مجرم عتيد. من الواضح أنه لم يخطط لموت ~~ذلك الفتى البائس؛ صهره. تلك كانت صدمة له؛ كان بوسعي أن أرى ذلك. ربما يكون رجلا مرهف ~~الأحاسيس. وربما حتى كان يحب الفتى؛ من يعلم؟ ربما كان يأمل في أن ينجو الشاب بطريقة ما؛ ~~وفي هذه الحالة يكاد يكون من المستحيل على أي أحد التوصل إلى جوهر الأمر. على أي حال، ~~لم يخاطر بشكل واع بشيء أكثر من إلقاء القبض على ذلك الفتى.» # توقف المفوض المساعد عن تكهناته من أجل التفكر مليا للحظة. ~~«على الرغم من ذلك، في تلك الحالة الأخيرة، ربما كان يأمل إخفاء دوره في الأمر، ولكن لا ~~أستطيع الجزم بذلك» أردف، عن جهل منه بإخلاص ستيفي البائس للسيد فيرلوك (الذي كان ~~«صالحا»)، وصمته الغريب حقا، والذي، في مسألة الألعاب النارية القديمة على درجات السلم، ~~كان قد ظل لسنوات كثيرة عصيا على التغيير رغم توسلات أخته الحبيبة، وملاطفتها وغضبها، ~~ووسائل استنطاق أخرى استخدمتها. لأن ستيفي كان مخلصا ... «كلا، لا يمكنني أن أتصور ذلك. من ~~المحتمل أنه لم يفكر في ذلك على الإطلاق. تبدو هذه فكرة مبالغا فيها، يا سير إثيلريد، ~~ولكن حالة الفزع التي كان يعانيها أوحت لي بأنه رجل مندفع، بعدما حاول الانتحار متخيلا ~~أنه سوف يضع نهاية لكل متاعبه، اكتشف أنه لم يؤد إلى أي شيء من هذا القبيل.» # قدم ms177 المفوض المساعد هذا التوضيح بنبرة دفاعية. ولكن في الحقيقة، ثمة نوع من الوضوح يتلاءم ~~مع لغة مغالى فيها، ولم ينزعج صاحب المقام الرفيع. بدت حركة تشنجية بسيطة من الجسم الضخم ~~المختفي جزئيا في ظلمة أغطية المصابيح الحريرية الخضراء، ومن الرأس الكبير الذي يتكئ على ~~اليد الكبيرة، صاحبها صوت مخنوق متقطع، ولكنه قوي. كان صاحب المقام الرفيع قد ~~ضحك. ~~«ماذا فعلت معه؟» # أجاب المفوض المساعد بسرعة شديدة: ~~«تركته يذهب، يا سير إثيلريد، لأنه بدا حريصا جدا على العودة إلى زوجته في ~~المتجر.» ~~«حقا فعلت؟ ولكن ذلك الرجل سيختفي.» ~~«عذرا يا سيدي. لا أظن ذلك. أين يمكن أن يذهب؟ إضافة إلى ذلك، يجب ألا يغيب عن بالك أنه ~~يتعين عليه أن يفكر في الخطر الكامن في رفاقه أيضا. إنه هناك، لم يبرح مكانه. كيف سيستطيع ~~أن يبرر سبب تركه له؟ ولكن، حتى لو لم تكن ثمة عقبات تعوق حريته في التصرف، لن يفعل شيئا. ~~في الوقت الحالي، ليس لديه طاقة معنوية كافية لاتخاذ قرار من أي نوع. اسمح لي أن أوضح أيضا ~~أني لو كنت اعتقلته، كنا سنصبح ملزمين بمسلك معين وددت أن أعلم نواياك فيه أولا.» # نهض صاحب المقام الرفيع متثاقلا، بجسده المهيب غير واضح المعالم في عتمة الغرفة المائلة ~~للخضرة. ~~«سأقابل النائب العام الليلة، وسأرسل في طلبك في صباح الغد. هل لديك أي شيء آخر ترغب في ~~أن تخبرني به الآن؟» # كان المفوض المساعد قد وقف هو الآخر، بجسمه النحيف والمرن. ~~«لا أظن يا سير إثيلريد، إلا إذا سمحت لي بأن أخوض في التفاصيل التي ...» ~~«لا، لا تفاصيل، من فضلك.» # بدا أن صاحب الشخصية المهيبة والغامضة ينأى عن التفاصيل وكأن لديه خوفا ماديا منها؛ ~~ثم تقدم، بجسده المتضخم الهائل الجسيم، وهو يمد يده. «أتقول إن هذا الرجل له ~~زوجة؟» # قال المفوض المساعد، وهو يضغط باحترام على اليد الممدودة: «نعم يا سير إثيلريد. زوجة ~~حقيقية، وعلاقة زوجية حقيقية ومحترمة. أخبرني أنه بعد مقابلته في السفارة، كان ينوي ~~التخلي عن كل شيء ms178 ويحاول بيع متجره، ومغادرة البلاد، لولا أنه كان متأكدا من أن زوجته ~~ستأبى حتى أن تسمع فكرة السفر إلى الخارج.» بمسحة من التجهم، أردف المفوض المساعد، الذي ~~كانت زوجته هي الأخرى قد رفضت أن تسمع فكرة السفر إلى الخارج: «لا شيء يمكن أن يميز الرابطة ~~المحترمة أكثر من ذلك.» وتابع: «نعم، زوجة حقيقية. والضحية كان صهرا حقيقيا. من وجهة نظر ~~معينة، نحن هنا أمام مأساة منزلية.» # ضحك المفوض المساعد قليلا؛ ولكن بدا أن أفكار صاحب المقام الرفيع قد شردت بعيدا، ربما ~~مسائل السياسة الداخلية لبلاده، وساحة معركته المقدسة الباسلة في مواجهة الكافر تشيزمان. ~~انسحب المفوض المساعد بهدوء، دون أن يلاحظه، وكأنه نسيه بالفعل. # كان لديه غرائز قتالية هو الآخر. بدت له تلك القضية، التي أثارت، بطريقة أو بأخرى، ~~اشمئزاز كبير المفتشين هيت، نقطة انطلاق، قدمتها له العناية الإلهية، لمسيرة جهاد. حظيت ~~المسألة بقدر كبير في قلبه كي ينطلق منها. سار ببطء إلى المنزل، متأملا تلك المغامرة ~~المقبلة، وأخذ يفكر في الحالة النفسية للسيد فيرلوك بمزاج اختلط فيه الاشمئزاز والرضا. سار ~~حتى وصل إلى البيت. وجد غرفة الاستقبال مظلمة، فصعد إلى الطابق العلوي، وأمضى بعض الوقت ~~بين غرفة النوم وغرفة الملابس، يغير ملابسه، ويروح ويغدو وكأنه شخص يمشي أثناء النوم ~~متفكرا. ولكنه تخلص من تلك الأفكار قبل أن يخرج مرة أخرى كي ينضم إلى زوجته في ~~منزل السيدة العظيمة راعية ميكايليس. # علم أنه سيكون موضع ترحيب هناك. عندما دخل إلى الغرفة الصغرى من غرفتي الاستقبال، رأى ~~زوجته وسط مجموعة صغيرة بالقرب من البيانو. كان ملحنا حديث السن، في طريقه إلى أن ~~يصبح مشهورا، يتحدث، وهو يجلس على كرسي البيانو، مخاطبا رجلين بدينين بدا من ظهريهما ~~أنهما مسنان، وثلاث سيدات نحيفات بدا من ظهورهن أنهن شابات. خلف الحاجز كان بصحبة ~~السيدة العظيمة شخصان فقط؛ رجل وامرأة، جلسا جنبا إلى جنب على كرسيين بذراعين عند طرف ~~أريكتها. مدت يدها لتصافح المفوض المساعد. ~~«لم أكن أتوقع مطلقا أن أراك هنا الليلة. أخبرتني آني ...» ~~«نعم. ms179 لم أكن أعلم أن عملي سينتهي مبكرا .» # أردف المفوض المساعد بنبرة صوت منخفضة: «يسعدني أن أخبرك أن ميكايليس لا علاقة له على ~~الإطلاق بهذه ...» # تلقت راعية السجين السابق هذا التأكيد بسخط. ~~«لماذا؟ هل كان رجالك أغبياء لدرجة أن يربطوا بينه وبين ...» # قاطعها المفوض المساعد مبديا اعتراضه بتوقير: «ليسوا أغبياء. أذكياء بما يكفي؛ يتمتعون ~~بالذكاء الكافي لذلك.» # ساد الصمت. توقف الرجل الجالس عند طرف الأريكة عن الحديث مع السيدة، ونظر إليهما ~~بابتسامة باهتة. # قالت السيدة العظيمة: «لا أعلم إن كنتما قد تقابلتما من قبل.» # بعد أن تعرف السيد فلاديمير والمفوض المساعد أحدهما على الآخر، تبادلا التحية بأسلوب ~~مجاملة حذر متمسك بالشكليات. # فجأة، صرحت السيدة الجالسة بجوار السيد فلاديمير، وهي تميل برأسها تجاه ذلك السيد: ~~«إنه يخيفني.» كان المفوض المساعد يعرف السيدة. # بعدما تفحصها بتمعن بنظرته المتعبة والجادة، قال: «لا يبدو عليك أنك خائفة.» في ~~الوقت نفسه، كان يفكر في أنه في هذا المنزل يتقابل المرء مع الجميع عاجلا أم آجلا. ~~كان وجه السيد فلاديمير الوردي تعلوه الابتسامات؛ لأنه كان مرحا، لكن عينيه ظلتا ~~جادتين مثل عيون رجل واثق. # صححت السيدة: «حسنا، لقد حاول على الأقل.» # قال المفوض المساعد، وقد انتابه إلهام لا يقاوم: «ربما بحكم العادة.» # أردفت السيدة التي كانت تنطق الكلمات بتدلل وبطء: «إنه يرهب المجتمع بجميع أنواع ~~الفظائع، ومنها هذا الانفجار الذي وقع في جرينتش بارك. يبدو أنه سيتعين علينا جميعا أن ~~ترتعد فرائصنا مما هو آت إذا لم يقمع هؤلاء الأشخاص في جميع أنحاء العالم. لم أكن ~~أتصور أن هذه القضية خطيرة إلى هذه الدرجة.» # مال السيد فلاديمير، تجاه الأريكة، متظاهرا بأنه لا ينصت، متحدثا بطريقة ودية بنبرة ~~خافتة، ولكنه سمع المفوض المساعد يقول: ~~«ليس لدي شك في أن السيد فلاديمير لديه فكرة دقيقة للغاية عن الأهمية الحقيقية لتلك ~~القضية.» # سأل السيد فلاديمير نفسه عما يلمح إليه ذلك الشرطي المقيت والمتطفل. كونه كان ~~منحدرا من أجيال وقعت ضحية لأجهزة السلطة التعسفية، كان يخشى الشرطة من منظور عنصري ~~وقومي ms180 وفردي. كان ضعفا موروثا، منفصلا تماما عن تقديره للأمور ومنطقه وخبرته. كان ~~فطريا لديه. لكن ذلك الشعور، الذي يشبه الرعب غير العقلاني لدى بعض الناس من القطط، لم ~~يقف عائقا في طريق ازدرائه الشديد للشرطة الإنجليزية. أنهى العبارة التي كان وجهها إلى ~~السيدة العظيمة، واستدار قليلا في كرسيه. ~~«تقصد أن لدينا خبرة كبيرة مع هؤلاء الناس. نعم؛ بالفعل، فنحن نعاني كثيرا من نشاطهم، ~~بينما أنتم ...» تردد السيد فلاديمير للحظة، بابتسامة متحيرة، «بينما أنتم تتحملون ~~وجودهم بينكم بسرور.» أنهى حديثه، وظهرت غمازة على كل خد من خديه الحليقين. ثم أردف بجدية ~~أكبر: «يمكنني حتى القول ... لأنكم تفعلون ذلك.» # عندما توقف السيد فلاديمير عن الحديث، أخفض المفوض المساعد طرفه وتوقفت المحادثة. بعد ~~ذلك مباشرة تقريبا غادر السيد فلاديمير. # وبمجرد أن أولى ظهره للأريكة، نهض المفوض المساعد هو الآخر. # قالت السيدة راعية ميكايليس: «ظننت أنك ستبقى وتأخذ آني معك إلى المنزل.» ~~«اكتشفت أن لدي بعض العمل الذي علي أن أنجزه الليلة.» ~~«على صلة ب...؟» ~~«حسنا، نعم ... نوعا ما.» ~~«أخبرني، ما الأمر حقا ... هذا الرعب؟» # قال المفوض المساعد: «يصعب أن أخبرك بالأمر، ولكنها قضية «رأي عام».» # غادر غرفة الاستقبال على عجل ووجد السيد فلاديمير لا يزال في الصالة، يلف وشاحا ~~حريريا حول رقبته بعناية. انتظر خادم خلفه، ممسكا معطفه. ووقف آخر مستعدا لفتح ~~الباب. ساعد الخادم المفوض المساعد في ارتدائه لمعطفه حسب الأصول المرعية، وفتح له الباب ~~ليخرج على الفور. بعدما نزل الدرجات الأولى توقف، وكأنه يفكر في الطريق الذي ينبغي ~~أن يسلكه. عندما نظر من خلال الباب المفتوح، رأى السيد فلاديمير يتريث في الصالة ليخرج ~~سيجارا وطلب عود ثقاب. زوده به رجل مسن من كبار الخدم بمسحة من اعتناء هادئ. ولكن ~~عود الثقاب انطفأ؛ عندئذ أغلق الخادم الباب، وأشعل السيد فلاديمير سيجاره الهافانا الكبير ~~باعتناء وتمهل. # عندما خرج أخيرا من المنزل، رأى باشمئزاز «الشرطي المقيت» لا يزال واقفا على ~~الرصيف. ~~«ترى هل ينتظرني» فكر السيد فلاديمير، وهو ينظر يمنة ويسرة بحثا عن عربة ms181 أجرة تجرها ~~خيول. لم ير أي عربة . كانت عربتان تنتظران بحذاء الرصيف، ومصابيحهما تتقد بثبات، ~~والخيول تقف ساكنة تماما، وكأنها منحوتة من حجارة، والسائقان جالسان من دون حراك تحت ~~أغطية الفراء الكبيرة، دون حتى اختلاجة تحرك السيور البيضاء المثبتة في سياطهما ~~الكبيرة. تابع السيد فلاديمير سيره، وبدأ «الشرطي المقيت» السير بجواره بنفس سرعته. لم ~~يقل شيئا. بعد الخطوة الرابعة، شعر فلاديمير بالغضب وعدم الارتياح. لا يمكن لهذا أن ~~يستمر. # زمجر غاضبا: «طقس سيئ.» # قال المفوض المساعد دون انفعال: «إنه معتدل.» ظل صامتا لبعض الوقت. قال بلا مبالاة: ~~«أمسكنا برجل يدعى فيرلوك.» # لم يتعثر السيد فلاديمير ولم يترنح إلى الوراء ولم يغير خطوته. ولكنه لم يستطع أن ~~يمنع نفسه من الصياح قائلا: «ماذا؟» لم يكرر المفوض المساعد جملته. تابع بالنبرة ذاتها: ~~«أنت تعرفه.» # توقف السيد فلاديمير وأصبح صوته أجش. «ما الذي يجعلك تقول ذلك؟» ~~«ليس أنا من قال. فيرلوك هو الذي يقول ذلك.» # قال السيد فلاديمير بطريقة تعبير شرقية نوعا ما: «إنه كلب كاذب.» لكن من أعماقه، كاد ~~يشعر بالرهبة من الذكاء الخارق للشرطة الإنجليزية. كان تغيير رأيه في الموضوع قويا لدرجة ~~جعلته يشعر بقليل من الغثيان للحظة. رمى سيجاره وتابع سيره. # أردف المفوض المساعد، متحدثا ببطء: «أكثر ما يسرني في هذه القضية هو أنها تمثل ~~نقطة انطلاق ممتازة لعمل شعرت أنه لا بد أن أتولاه؛ وأعني بذلك تنظيف هذا البلد من جميع ~~الجواسيس السياسيين الأجانب، والشرطة، وذلك النوع من ... من ... الكلاب. وفي رأيي، إنهم مصدر ~~إزعاج مروع، كما أنهم يشكلون خطرا. ولكن لا يمكننا أن نلاحقهم واحدا واحدا. الطريقة ~~الوحيدة هي أن نجعل عملهم غير سار لمستخدميهم. أصبح الأمر غير لائق. وخطيرا أيضا، علينا، ~~هنا.» # توقف السيد فلاديمير مرة أخرى للحظة. ~~«ما الذي تقصده؟» ~~«ستظهر محاكمة هذا المدعو فيرلوك للعامة مدى الخطر وكذلك الفحش.» # قال السيد فلاديمير باستخفاف: «لن يصدق أحد ما يقوله رجل من ذلك النوع.» # رد المفوض المساعد بلطف: «إن ثراء التفاصيل ودقتها سيقنعان غالبية العامة.» ~~«إذن ذلك ms182 جديا ما تنوي فعله.» ~~«الرجل في قبضتنا ؛ ليس لدينا خيار.» # احتج السيد فلاديمير: «لن تنال من ذلك سوى تغذية روح الكذب لدى هؤلاء الثوريين الأوغاد. ~~ما الغرض الذي من أجله تريد أن تحدث فضيحة؟ بدافع أخلاقي ... أم ماذا؟» # كان قلق السيد فلاديمير جليا. بعد أن تأكد المفوض المساعد بهذه الطريقة بأنه لا بد أن ~~ثمة بعض الحقيقة في التصريحات الموجزة التي أدلى بها السيد فيرلوك، قال بلا مبالاة: ~~«يوجد جانب عملي أيضا. لدينا حقا ما يكفي فعله للاعتناء بالقضية الأصلية. لا يمكنك أن ~~تقول إننا لا نعمل بكفاءة. لكننا لا ننوي أن ندع أي أباطيل تزعجنا بأي ذريعة من ~~الذرائع.» # صارت نبرة السيد فلاديمير متعالية. ~~«من جهتي، لا يمكنني أن أتفق معك في وجهة نظرك. هذه أنانية. إن حبي لبلدي أمر ليس ~~محل شك؛ ولكني، إلى جانب ذلك، أشعر دوما بأنه ينبغي أن يجمعنا حسن الجوار باعتبارنا ~~أوروبيين، أعني الحكومات والشعوب.» # قال المفوض المساعد ببساطة: «نعم. أنت فقط تنظر إلى أوروبا من طرفها الآخر. ولكن ...» وتابع ~~بنبرة ودية: «الحكومات الأجنبية لا يمكنها أن تشكو من كفاءة الشرطة لدينا. انظر إلى هذا ~~الانفجار؛ قضية تتسم بصعوبة خاصة في تتبعها نظرا لأنها كانت مفتعلة. في أقل من اثنتي ~~عشرة ساعة، حددنا هوية الرجل الذي تمزق حرفيا إلى أشلاء، وعثرنا على مدبر الاعتداء، ~~ولدينا لمحة عن المحرض الذي يقف وراءه. وكان بوسعنا المضي قدما إلى ما هو أبعد من ذلك؛ ~~غاية ما هنالك أننا توقفنا عند حدود أراضينا.» # قال السيد فلاديمير بسرعة: «إذن، هذه الجريمة الموجهة خطط لها في الخارج. أنت تقر ~~بأنها خطط لها بالخارج؟» ~~«من الناحية النظرية. من الناحية النظرية فقط، على أرض أجنبية؛ افتراضا فقط، خطط لها ~~بالخارج.» قال المفوض المساعد، في تلميح إلى طبيعة السفارات، التي من المفترض أنها جزء لا ~~يتجزأ من البلد الذي تنتمي إليه. «ولكن تلك مجرد تفصيلة. تحدثت إليك بشأن هذه المسألة ~~لأن حكومتك هي أكثر حكومة تتذمر من شرطتنا. وها أنت ترى أننا لسنا ms183 بهذا السوء. أردت على ~~وجه الخصوص أن أطلعك على نجاحنا.» # تمتم السيد فلاديمير من بين أسنانه: «أنا بالتأكيد ممتن لك جدا.» # أردف المفوض المساعد، وكأنه يقتبس قول كبير المفتشين هيت: «يمكننا أن نضع أيدينا على كل ~~لا سلطوي هنا. كل ما نريده الآن هو التخلص من العميل المحرض كي يستتب الأمن.» # رفع السيد فلاديمير يده كي يشير لعربة مارة. # قال المفوض المساعد: «لن تدخل إلى هنا» ناظرا إلى مبنى له أبعاد كبيرة ومظهر محبب، ~~وأنوار القاعة الكبيرة تسطع عبر أبوابه الزجاجية على درجات سلم رحبة. # ولكن السيد فلاديمير، بعدما جلس، بعينين خاليتين من التعبير، داخل الحنطور، مضى به ~~مغادرا دون أن يتفوه بكلمة. # أما المفوض المساعد نفسه فلم يتوجه إلى المبنى الفخم. كان هذا المبنى هو نادي ~~«المستكشفين». كانت الفكرة التي تسللت إلى عقله أن السيد فلاديمير، العضو الفخري، لن ~~يرى كثيرا هناك في المستقبل. نظر إلى ساعته. كانت الساعة لم تتجاوز العاشرة والنصف. كان ~~مساؤه حافلا جدا. # | الفصل الحادي عشر # بعدما غادر كبير المفتشين هيت، ظل السيد فيرلوك يتجول في غرفة المعيشة. # من آن إلى آخر كان ينظر إلى زوجته عبر الباب المفتوح. «الآن باتت تعرف كل شيء عن الأمر» ~~هكذا فكر في نفسه بإشفاق على حزنها وببعض الرضا فيما يتعلق بنفسه. كانت روح السيد ~~فيرلوك خليقة بالمشاعر المرهفة، حتى إن كانت تفتقر إلى السمو. كان احتمال أن يضطر إلى نقل ~~الخبر إلى زوجته بنفسه قد أوجفه. كان كبير المفتشين هيت قد خلصه من تلك المهمة. كان ذلك ~~جيدا إلى حد ما. بقي عليه الآن أن يواجه حزنها. # لم يكن السيد فيرلوك يتوقع قط أن يضطر إلى مواجهة حزنها بسبب الموت، الذي لا يمكن ~~مناقشة طبيعته الكارثية بمنطق معقد أو بلاغة مقنعة. لم يقصد السيد فيرلوك قط أن يهلك ~~ستيفي بتلك الطريقة العنيفة المفاجئة. لم يكن يقصد أن يتسبب في هلاكه على الإطلاق. كان ~~موت ستيفي أكثر إزعاجا بكثير من وجوده على قيد الحياة. كان السيد فيرلوك قد تكهن ms184 بنتيجة ~~مرضية لمغامرته، دون أن يعتمد على ذكاء ستيفي، الذي كان في بعض الأحيان يخدع الناس ~~بغرابة، ولكن على الطاعة العمياء والتفاني الأعمى اللذين كان يتسم بهما الفتى. على الرغم ~~من أن السيد فيرلوك لم يكن يعرف الكثير عن علم النفس، كان قد قدر عمق تفاني ستيفي ~~المفرط. جرؤ على أن يتعلق بالأمل في أن يبتعد ستيفي عن جدران المرصد كما كان قد أمره ~~أن يفعل، بأن يأخذ الطريق الذي سبق أن أراه إياه عدة مرات، وأن يلتحق بصهره، السيد فيرلوك ~~الحكيم والطيب، خارج حدود الحديقة. خمس عشرة دقيقة كان يجب أن تكون كافية لأغبى أحمق لأن ~~يضع القنبلة ويبتعد. وكان البروفيسور قد ضمن أكثر من خمس عشرة دقيقة. ولكن ستيفي تعثر في ~~غضون خمس دقائق من تركه وحده. واهتز السيد فيرلوك معنويا اهتزازا عنيفا. كان قد توقع ~~كل شيء عدا ذلك. كان قد توقع بأن يتشتت انتباه ستيفي ويتوه، وبعد أن يبحث عنه، يجده في ~~نهاية الأمر في أحد أقسام الشرطة أو إصلاحية أحداث إقليمية. كان قد توقع أن يلقى القبض ~~على ستيفي، ولم يكن خائفا من ذلك؛ لأن السيد فيرلوك كان يثق ثقة كبيرة في ولاء ستيفي، الذي ~~لقن بعناية ضرورة التزام الصمت أثناء نزهات كثيرة. مثل فيلسوف متجول، تجول السيد ~~فيرلوك في شوارع لندن، وعدل وجهة نظر ستيفي تجاه الشرطة من خلال محادثات مليئة بمنطق ماكر. ~~لم يسبق لأي حكيم أن كان له تابع أكثر انتباها وإعجابا. كان الإذعان والتبجيل واضحين ~~لدرجة أن السيد فيرلوك كان قد صار يشعر بشيء يشبه الحب نحو الصبي. على أي حال، لم يكن قد ~~توقع سرعة التوصل إلى صلته بالأمر. كان آخر شيء يمكن أن يفكر فيه السيد فيرلوك أن تصل زوجته ~~إلى فكرة أن تتخذ احتياط خياطة عنوان الصبي داخل معطفه. لا يمكن للمرء أن يفكر في كل ~~شيء. ذلك ما كانت تقصده عندما قالت إنه لا داعي لأن يقلق إذا ضاع منه ستيفي خلال نزهاتهما. ~~كانت قد أكدت له ms185 أن الصبي سيعود سالما. حسنا، ها هو قد عاد بأعنف طريقة ممكنة! # تمتم السيد فيرلوك متعجبا: «حسنا، حسنا.» ما الذي كانت تعنيه بذلك؟ إعفاءه من مشقة ~~مراقبة ستيفي والقلق عليه؟ أغلب الظن أن نيتها كانت حسنة. فقط كان عليها أن تخبره بالاحتياط ~~الذي كانت قد اتخذته. # سار السيد فيرلوك إلى خلف منضدة البيع بالمتجر. لم تكن نيته أن ينهال على زوجته بعتاب ~~مرير. لم يشعر السيد فيرلوك بالمرارة. كان سير الأحداث غير المتوقع قد جعله يتحول إلى ~~الإيمان بعقيدة القدرية. لم يكن ممكنا فعل أي شيء الآن. قال: ~~«لم أكن أقصد أن يصاب الفتى بأي أذى.» # اختلجت السيدة فيرلوك لما سمعت صوت زوجها. لم تكشف وجهها. نظر العميل السري الموثوق فيه ~~لدى بارون ستوت فارتنهايم الراحل إليها لبعض الوقت بنظرة صفيقة ثابتة مبهمة. كانت الجريدة ~~المسائية الممزقة ملقاة عند قدميها. لم يكن من الممكن أن تعرف منها الكثير. شعر السيد ~~فيرلوك بالحاجة إلى التحدث مع زوجته. # قال: «إنه ذلك اللعين المدعو هيت ... أليس كذلك؟» «لقد أغمك. إنه شخص فظ لدرجة أن ~~يفشي خبرا كهذا لامرأة دون تفكير. لقد أعياني التفكير في كيفية إخبارك بالأمر. جلست ~~لساعات في ردهة حانة شيشاير تشيز أفكر في أفضل طريقة. تعلمين أنني لم أكن أقصد قط أن يصاب ~~ذلك الفتى بأي أذى.» # كان السيد فيرلوك، العميل السري، يقول الحقيقة. كانت عاطفته الزوجية هي التي تلقت ~~الصدمة الأكبر من الانفجار الذي وقع قبل أوانه. أضاف قائلا: ~~«لم أشعر بأي نوع من السعادة وأنا أجلس هناك وأفكر فيك.» # لاحظ اختلاجة أخرى خفيفة من زوجته، أثرت في شعوره. لما استمرت في إخفاء وجهها بين ~~يديها، فكر أنه من الأفضل تركها بمفردها لبعض الوقت. بهذا الدافع المرهف، ارتد السيد ~~فيرلوك إلى غرفة المعيشة مرة أخرى، حيث كان مصباح الكيروسين يصدر صوت قرقرة مثل قطة راضية. ~~بحكمة الزوجة، كانت السيدة فيرلوك قد تركت لحم البقر البارد على الطاولة مع سكين تقطيع ~~وشوكة ونصف رغيف خبز لعشاء السيد فيرلوك. عندئذ لاحظ ms186 كل هذه الأشياء للمرة الأولى، وقطع ~~لنفسه قطعة من الخبز واللحم وبدأ يأكل. # لم تكن شهيته نابعة من قسوة. لم يكن السيد فيرلوك قد تناول أي إفطار في ذلك اليوم. كان قد ~~غادر المنزل في الصباح دون أن يأكل. ولأنه لم يكن رجلا مفعما بالحيوية، فقد وجد الحل في ~~انفعاله العصبي، الذي بدا أنه استولى على مشاعره جدا. لم يكن سيستطيع أن يبتلع أي شيء ~~صلب. كان كوخ ميكايليس يفتقر إلى المؤن مثل زنزانة سجين. اقتات صاحب الإفراج المشروط على ~~قليل من الحليب وكسرات من خبز بائت. علاوة على ذلك، عندما وصل السيد فيرلوك، كان قد صعد ~~إلى الطابق العلوي بعد تناول وجبته الهزيلة. كان منغمسا في عناء وسعادة التأليف الأدبي، ~~حتى إنه لم يجب على صيحة السيد فيرلوك من فوق الدرج الصغير. ~~«سآخذ هذا الشاب إلى البيت ليوم أو يومين.» # وفي الحقيقة، لم ينتظر السيد فيرلوك جوابا، ولكنه خرج من الكوخ على الفور، يتبعه ستيفي ~~المطيع. # والآن بعدما انتهت الأحداث كلها وانتزع مصيره من بين يديه بسرعة غير متوقعة، شعر ~~السيد فيرلوك بخواء جسدي مروع. قطع اللحم إلى شرائح، وقطع الخبز، والتهم عشاءه واقفا ~~بجانب الطاولة، وبين حين وآخر كان يلقي نظرة نحو زوجته. أقلق جمودها الطويل راحته أثناء ~~تناوله لوجبته الخفيفة. عاد إلى المتجر مرة أخرى، ودنا منها كثيرا. هذا الأسى على وجهها ~~الذي أخفته بيديها أصاب السيد فيرلوك بالاضطراب. توقع، بالطبع، أن تكون زوجته في تعاسة ~~شديدة، لكنه أرادها أن تتمالك نفسها. لقد احتاج إلى كل مساعدتها وكل ولائها في هذه الأوضاع ~~الجديدة التي كان بالفعل قد تقبلها بإيمانه بالقدرية. # قال بنبرة تنم عن تعاطف حزين: «ما حصل قد حصل. هيا يا ويني، ينبغي أن نفكر في الغد. ~~ستحتاجين إلى كل قواك بعدما يلقون القبض علي ويذهبون بي.» # توقف عن الحديث. تنفست السيدة فيرلوك بتشنج. لم يكن هذا مطمئنا للسيد فيرلوك، الذي كان ~~من وجهة نظره أن الوضع الجديد كان يستلزم من صاحبي الشأن فيه كليهما الهدوء ms187 والحسم وصفات ~~أخرى لا تتوافق مع الاضطراب العقلي الذي يحدثه الحزن العميق. كان السيد فيرلوك رجلا ~~رحيما؛ وكان قد عاد إلى المنزل مستعدا لأن يسمح بأن تعبر زوجته عن حبها لأخيها بكل ~~حرية. # كل ما في الأمر أنه لم يكن يفهم طبيعة تلك المشاعر ولا مداها الكامل. وفي هذا كان ~~معذورا، لأنه كان مستحيلا عليه أن يفهمها دون أن يفقد طبيعته. انتابته الحيرة والإحباط، ~~وظهر هذا في حديثه بنبرة فيها قدر من الخشونة. # بعدما انتظر لبعض الوقت، قال: «أرجو أن تنظري إلي.» # أتى الرد، بصوت مكتوم، ويكاد يكون مثيرا للشفقة، كما لو كان مدفوعا عنوة عبر اليدين ~~اللتين كانتا تغطيان وجه السيدة فيرلوك. ~~«لا أريد أن أنظر إليك طوال حياتي.» ~~«ماذا تقولين؟ عجبا!» ذهل السيد فيرلوك للغاية من المعنى الظاهري والحرفي لهذا القول. ~~من الواضح أنه لم يكن قولا عقلانيا، مجرد صرخة خرجت من رحم حزن مبالغ فيه. ألقى عليه ~~عباءة تسامحه مع زوجته. افتقر عقل السيد فيرلوك إلى العمق. في ظل الانطباع الخاطئ بأن ~~قيمة الأفراد تكمن فيما هم عليه بحد ذاتهم، لم يستطع أن يفهم بأي حال من الأحوال قيمة ~~ستيفي في نظر السيدة فيرلوك. ظن في قرارة نفسه أنها متأثرة بالأمر تأثرا عميقا ~~ومضطربا. كان كل هذا بسبب هيت اللعين. ماذا أراد من إثارة استياء زوجته؟ ولكن من أجل ~~مصلحتها، يجب ألا يسمح لها بأن تستمر هكذا حتى تصل إلى حالة من الهياج الشديد. # قال بقسوة متصنعة، انطوت على قدر من الانزعاج الحقيقي؛ لأن المسائل العملية العاجلة ~~يجب التناقش بشأنها حتى لو اضطرا إلى السهر طوال الليل: «اسمعي! لا يمكنك الجلوس هكذا ~~في المتجر.» وأردف: «ربما يأتي أحد في أي وقت.» ثم انتظر مرة أخرى. لم تصدر منها أي ردة ~~فعل، وخطرت فكرة حتمية الموت على بال السيد فيرلوك أثناء توقفه عن الكلام. غير نبرته. ~~شاعرا أنه يريد أن يأخذها بين ذراعيه ويضمها إلى صدره، حيث يقبع نفاد الصبر والرحمة ~~جنبا إلى جنب، قال بلطف: «هيا. هذا ms188 لن يعيده.» ولكن، عدا اختلاجة بسيطة، ظلت السيدة ~~فيرلوك على ما يبدو غير متأثرة بقوة تلك الحقيقة البديهية المرعبة. كان السيد فيرلوك هو من ~~تأثر. تأثر ببساطته ليحثها على الاعتدال من خلال تأكيد المزاعم المرتبطة ~~بشخصيته. ~~«كوني عقلانية، يا ويني. تخيلي ما الذي كان سيحدث لو كنت فقدتني!» # كان قد توقع نوعا ما أن يسمع صراخها. ولكنها لم تتزحزح. مالت قليلا إلى الخلف، وهدأت ~~إلى حد سكون تام لا يفهم ما وراءه. بدأت ضربات قلب السيد فيرلوك تتسارع بحنق وما ~~يشبه الذعر. وضع يده على كتفها، قائلا: ~~«لا تكوني حمقاء، يا ويني.» # لم تبد أي بادرة. كان من المستحيل التحدث حديثا يتناسب مع الموقف مع امرأة لا يمكن ~~للمرء رؤية وجهها. أمسك السيد فيرلوك زوجته من رسغيها. ولكن يديها بدتا وكأنهما ~~ملتصقتان بإحكام. مالت بجسدها إلى الأمام مع جذبه إياها، وكادت تسقط من فوق الكرسي. ~~مرتاعا لشعوره بالارتخاء الشديد لجسدها الواهن، كان يحاول إعادتها إلى الكرسي حينما ~~تصلب جسدها كله فجأة، وتخلصت من يديه، وجرت خارجة من المتجر، وعبرت غرفة المعيشة، ~~ومنها إلى المطبخ. حدث هذا بسرعة شديدة. لم يكن قد رأى من وجهها إلا لمحة وقدرا كبيرا من ~~عينيها علم منه أنها لم تنظر إليه. # بدا الأمر كله وكأنه صراع على حيازة كرسي؛ لأن السيد فيرلوك أخذ على الفور مكان زوجته ~~عليه. لم يغط السيد فيرلوك وجهه بيديه، ولكن تفكيرا كئيبا حجب ملامحه. لن يكون من ~~الممكن أن يفلت من عقوبة بالسجن. لم يكن حينئذ يرغب في أن يفلت منها. كان السجن مكانا ~~آمنا من بعض عمليات الانتقام غير المشروعة مثل القبر، مع ميزة هي أنه في السجن ثمة فسحة ~~للأمل. ما رآه أمامه كان قضاء عقوبة سجن، وإفراج قبل نهاية المدة، ثم عيش في بلد ما خارج ~~وطنه، مثلما كان قد فكر بالفعل، في حالة فشل العملية. وعلى أي حال، فقد باءت بالفشل، ~~وإن لم يكن بالضبط نوع الفشل الذي كان قد شعر بالخشية منه. لقد كانت العملية ms189 قاب قوسين أو ~~أدنى من النجاح لدرجة أنه كان سيصبح بوسعه بالتأكيد أن يخيف السيد فلاديمير ليكف عن ~~استهزائه الشديد به بالاستعانة بهذا الدليل على كفاءته المستترة. هكذا على الأقل بدا الأمر ~~للسيد فيرلوك في الوقت الحالي. لو لم تطرأ لزوجته الفكرة غير المواتية بأن تخيط العنوان ~~داخل معطف ستيفي، كان سيحظى بمكانة مرموقة لدى السفارة. كان السيد فيرلوك، الذي لم يكن ~~أحمق، قد أدرك سريعا الطبيعة الاستثنائية لتأثيره غير العادي على ستيفي، على الرغم من أنه ~~لم يفهم تحديدا مصدره؛ وهو عقيدة حكمته السامية وطيبة قلبه التي غرستها امرأتان قلقتان. في ~~جميع الاحتمالات التي كان قد توقعها، كان السيد فيرلوك قد خطط ببصيرة سديدة معتمدا على ~~ولاء ستيفي الغريزي وتقديره الأعمى للأمور. كانت قد أفزعته العاقبة التي لم يتوقعها؛ إذ كان ~~رجلا عطوفا وزوجا محبا. من كل وجهات النظر الأخرى، كان هذا نافعا إلى حد ما. لا ~~يمكن لأي شيء أن يوازي التقدير الأبدي للموت. بينما كان السيد فيرلوك جالسا في ارتباك وخوف ~~في الردهة الصغيرة لحانة شيشاير تشيز، لم يكن بوسعه إلا أن يقر بذلك لنفسه، لأن إدراكه لم ~~يكن يقف عقبة أمام تقديره. على الرغم من أن التفكير في التطاير العنيف لستيفي إلى أشلاء كان ~~أمرا مزعجا، كان فحسب ضمانا للنجاح؛ لأنه، بالطبع، لم يكن الهدف من تهديدات السيد ~~فلاديمير هو هدم الجدار وإنما إحداث تأثير معنوي. مع هذا القدر الكبير من المتاعب والألم من ~~جانب السيد فيرلوك، يمكن القول إن التأثير قد حدث. ومع ذلك، عندما، على غير المتوقع على ~~الإطلاق، انقلب السحر على الساحر في شارع بريت، تقبل السيد فيرلوك، الذي كان يجاهد مثل رجل ~~يحلم بكابوس من أجل الحفاظ على مكانته، الكارثة بروح مؤمنة بالقدرية. ضاعت المكانة ولم ~~تكن خطأ أحد في الحقيقة. كان قد تسبب في ذلك حدث غاية في الصغر. كان الأمر يشبه أن ~~تنزلق على قشرة موز صغيرة في الظلام وتنكسر ساقك. # التقط السيد فيرلوك نفسا كليلا. لم يكن يضمر أي ms190 كراهية تجاه زوجته. فكر: سوف يتعين ~~عليها أن تعتني بالمتجر بينما أقضي مدة السجن. وعندما فكر أيضا بشأن كم ستفتقد ستيفي بشدة ~~في البداية، شعر بقلق بالغ على صحتها ومعنوياتها. كيف ستتحمل وحدتها، وحدها تماما في ذلك ~~المنزل؟ ألن يجعلها هذا تنهار وهو في السجن؟ ما الذي سيحدث للمتجر عندئذ؟ كان المتجر ~~ركيزته. على الرغم من أن إيمان السيد فيرلوك بالقدرية جعله يتقبل نهايته كعميل سري، لم يكن ~~يستحسن أن يلحق به خراب تام، ويجب الإقرار أن ذلك في المقام الأول كان نابعا من مراعاة ~~لزوجته. # أخافه صمتها وابتعادها عن مجال رؤيته في المطبخ. ليت أمها كانت معها. لكن تلك العجوز ~~السخيفة ... تملك فزعا حانقا من السيد فيرلوك. لا بد أن يتحدث مع زوجته. كان بوسعه أن ~~يخبرها بالتأكيد أن أي رجل يقع في براثن اليأس في ظل ظروف معينة. ولكنه لم يتماد إلى ~~درجة أن يطلعها على تلك المعلومة. أولا وقبل كل شيء، كان واضحا له أن لا وقت للعمل هذه ~~الليلة. نهض كي يقفل الباب المؤدي إلى الشارع ويطفئ مصباح الغاز في المتجر. # بعدما تأكد السيد فيرلوك من عدم وجود أحد حول بيته، دخل إلى غرفة المعيشة، وألقى نظرة في ~~المطبخ. كانت السيدة فيرلوك جالسة في المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه ستيفي البائس في ~~المساء ومعه أوراق وقلم رصاص كي يروح عن نفسه برسم هذه الومضات العقلية من دوائر لا حصر ~~لها توحي بحالة من الفوضى والأبدية. كانت ذراعاها مطويتين على الطاولة، ورأسها ملقى على ~~ذراعيها. تأمل السيد فيرلوك ظهرها وتسريحة شعرها لبعض الوقت، ثم ابتعد عن باب المطبخ. ~~انعدام الفضول العقلاني والذي كاد أن يكون مزعجا من جانب السيدة فيرلوك، أساس انسجامهما في ~~الحياة المنزلية، جعل من الصعب للغاية أن يتواصل معها، بعدما طرأت هذه الضرورة المأساوية. ~~شعر السيد فيرلوك بهذه الصعوبة بشدة. أخذ يدور حول الطاولة في غرفة المعيشة بطريقته ~~المعتادة مثل حيوان كبير محبوس في قفص. # لأن الفضول أحد أشكال البوح الذاتي، فالشخص الذي ms191 يتخذ عدم اكتراثه شكلا منهجيا يبقى ~~دوما غامضا إلى حد ما. في كل مرة كان السيد فيرلوك يمر بالقرب من الباب، كان ينظر إلى ~~زوجته بقلق. لم يكن هذا بسبب أنه كان خائفا منها. تصور السيد فيرلوك أن تلك المرأة تحبه. ~~لكنه لم يكن قد اعتاد منها الاستماع لما يجول بصدره. والسر الذي كان عليه أن يبوح به هذه ~~المرة كان ذا طابع نفسي عميق. فكيف له مع افتقاره إلى الخبرة أن يتمكن من أن يخبرها بما ~~كان هو نفسه يشعر به ولكن بغير وضوح: بأنه توجد مؤامرات نهايتها كارثية، وبأنه أحيانا ما ~~تنمو فكرة في العقل حتى تكتسب وجودا ماديا، قوة مستقلة بذاتها، بل صوتا دالا عليها؟ ~~لم يستطع أن يخبرها بأنه يمكن لرجل أن يطارده وجه سمين ذكي حليق الذقن حتى تكون الوسيلة ~~الأكثر وحشية للتخلص منه فكرة سديدة. # لما بدر إلى عقل السيد فيرلوك السكرتير الأول الذي لدى سفارة عظمى، توقف في المدخل، ونظر ~~إلى داخل المطبخ بوجه غاضب وقبضتين مضمومتين، وخاطب زوجته. ~~«لا تعلمين مع أي شخص غاشم اضطررت للتعامل.» # بدأ جولة أخرى حول الطاولة؛ ثم عندما كان قد أتى إلى الباب مرة أخرى، توقف ونظر من ~~ارتفاع درجتين. ~~«شخص غاشم سخيف، مستهزئ، خطير، إحساسه لا يزيد عن ... بعد كل هذه السنوات! رجل مثلي! وكنت ~~أخاطر بحياتي في تلك اللعبة. لم تكوني تعرفين. كان هذا هو التصرف الصحيح أيضا. ماذا كان ~~النفع من أن أخبرك أنني كنت أواجه خطر التعرض لطعنة غادرة في أي وقت طيلة السنوات السبع ~~لزواجنا؟ لست الرجل الذي يقلق امرأة تحبه. لم تكوني بحاجة لمعرفة ذلك.» طاف السيد ~~فيرلوك في غرفة المعيشة مرة أخرى، غاضبا. # عاد يقول من المدخل: «وحش قاتل. دفعني إلى حفرة كي أموت جوعا على سبيل المزاح. يمكنني أن ~~أرى أنه كان يظنها مزحة لعينة جيدة. رجل مثلي! اسمعيني! بعض من أعظم الناس في العالم ~~يدينون لي بفضل أنهم على قيد الحياة حتى يومنا هذا. ذلك هو الرجل الذي ms192 تزوجته، يا ~~فتاتي!» # لاحظ أن زوجته قد اعتدلت في جلستها. بقيت ذراعا السيدة فيرلوك رابضتين ممدودتين على ~~الطاولة. راقب السيد فيرلوك ظهرها وكأن بوسعه أن يكتشف منه تأثير كلماته. ~~«لا توجد مؤامرة اغتيال واحدة طيلة الإحدى عشرة سنة الماضية لم يكن لي صلة بها مخاطرا ~~بحياتي. يوجد عشرات الثوريين ممن أرسلتهم، بقنابلهم في جيوبهم اللعينة، ليقبض عليهم ~~على الحدود. عرف البارون العجوز أهميتي لبلده. وفجأة يأتي خنزير ... خنزير جاهل ~~متعجرف.» # بعدما نزل السيد فيرلوك درجتي السلم متثاقلا، دخل إلى المطبخ، وأخذ قدحا من خزانة ~~المطبخ وسار إلى الحوض، ممسكا به، دون أن ينظر إلى زوجته. «ما كان البارون العجوز ~~سيقدم على الحماقة الشريرة المتمثلة في أن يستدعيني للحضور في الساعة الحادية عشرة ~~صباحا. يوجد رجلان أو ثلاثة في هذه المدينة، لو رأوني أدخل إلى هناك، ما كانوا سيترددون ~~في قتلي عاجلا أو آجلا. كانت مكيدة سخيفة قاتلة لفضح رجل مثلي من أجل لا شيء.» # فتح السيد فيرلوك الصنبور فوق الحوض، وصب ثلاثة أكواب من الماء، واحدا تلو الآخر، في ~~حلقه لإخماد نيران سخطه. كان سلوك السيد فلاديمير مثل وسم بحديد ساخن أضرم النار في بنيته ~~الداخلية. لم يستطع أن يستوعب تلك الخيانة. كان هذا الرجل، الذي لم يكن يقبل أن يعمل في ~~المهام الصعبة المعتادة التي يفرضها المجتمع على أفراده الأدنى، قد مارس نشاطه السري بتفان ~~لا يعرف الكلل. كان السيد فيرلوك يتمتع بقدر كبير من الولاء. كان مخلصا لمستخدميه، ~~ولقضية الاستقرار الاجتماعي، وأيضا لعواطفه، كما اتضح بعدما وضع الكوب في الحوض؛ إذ ~~استدار قائلا: ~~«لو لم أفكر فيك، لأمسكت هذا الغاشم المتنمر من رقبته ورطمت رأسه في المدفأة. كنت سأكون ~~ندا قويا لذلك الرجل ذي الوجه المتورد الحليق ...» # أهمل السيد فيرلوك إنهاء الجملة، وكأنه لا يمكن أن يوجد أي شك في ماهية الكلمة الأخيرة ~~فيها. كانت هذه المرة الأولى في حياته التي يولي فيها ثقته لتلك المرأة غير المبالية. أدى ~~تفرد الحدث وقوة المشاعر الشخصية التي نشطت في سياق ms193 هذا الاعتراف وأهميتها، إلى طرد التفكير ~~في مصير ستيفي من عقل السيد فيرلوك. كانت حياة الصبي المتلعثم المتسمة بالخوف والسخط، ~~وكذلك النهاية العنيفة لحياته، قد غابت عن الإدراك العقلي للسيد فيرلوك لبعض الوقت. لذلك ~~السبب، عندما رفع ناظريه، أذهله الطابع غير المحمود العواقب لتحديق زوجته. لم يكن تحديقا ~~جامحا ولم يكن شاردا، ولكن كان انتباهه غريبا وغير مرض لدرجة أنه بدا وكأنه يركز ~~على نقطة ما خلف شخص السيد فيرلوك. كان الانطباع قويا لدرجة أن السيد فيرلوك نظر وراءه. ~~لم يكن يوجد شيء خلفه؛ لم يكن يوجد سوى الحائط الأبيض. لم ير الزوج الطيب لويني فيرلوك أي ~~كتابة على الحائط. التفت إلى زوجته مرة أخرى، مكررا، ببعض التأكيد: ~~«كنت سأمسكه من رقبته. أصدقك القول، لو لم أفكر فيك لكنت خنقت ذلك النذل قبل أن ~~أدعه ينهض. ولا تظني أنه كان سيغدو حريصا على الاتصال بالشرطة أيضا. ما كان سيجرؤ على ~~ذلك. تفهمين السبب، أليس كذلك؟» # غمز لزوجته عن قصد. # قالت السيدة فيرلوك بصوت منخفض ومن دون أن تنظر إليه على الإطلاق: «كلا. عم ~~تتحدث؟» # شعر السيد فيرلوك بإحباط كبير بسبب الإعياء. كان قد مر بيوم مليء بالأحداث، وكانت ~~أعصابه قد أرهقت إلى أقصى حد. بعد شهر من القلق الذي يبعث على الجنون، انتهى بكارثة غير ~~متوقعة، كانت روح السيد فيرلوك التي عصف بها القلق تتوق إلى الراحة. كانت حياته العملية ~~كعميل سري قد انتهت بطريقة لم يكن يمكن أن يتوقعها أحد؛ الآن فقط ربما يتمكن أخيرا من ~~أن ينام ليلا. ولكن عندما نظر إلى زوجته، شك في ذلك. ارتأى أنها كانت متأثرة جدا بما ~~حدث، لم تكن على طبيعتها على الإطلاق. بذل جهدا في الحديث. # قال بنبرة تعاطف: «عليك أن تستجمعي شتات نفسك، يا فتاتي. لقد سبق السيف ~~العذل.» # أصدرت السيدة فيرلوك حركة خفيفة، على الرغم من أنها لم تحرك عضلة واحدة من وجهها ~~الأبيض على الإطلاق. أردف السيد فيرلوك بضجر، من دون أن ينظر إليها. ~~«اخلدي إلى النوم الآن. ms194 ما تحتاجين إليه هو بكاء كثير.» # هذا الرأي لم يكن له ما يزكيه سوى توافق بشري عام عليه. من المفهوم على جميع الأصعدة ~~أن كل عاطفة لدى المرأة لا بد أن تنتهي بسيل من الدموع، كما لو أنها لا تعدو في جوهريتها ~~عن أن تكون بخارا يسبح في السماء. ومن المحتمل جدا أنه لو كان ستيفي قد مات على فراشه ~~تحت ناظري السيدة فيرلوك البائسة وبين ذراعيها الواقيتين، كان حزنها سيجد الراحة في سيل ~~من الدموع المريرة والنقية. كانت السيدة فيرلوك، شأنها شأن باقي البشر، مزودة برصيد من ~~الاستسلام اللاواعي الكافي لمواجهة التجلي الطبيعي لمصير الإنسان. دون أن «تتعب رأسها ~~بالأمر»، كانت تدرك أنه «لم يكن يحتمل التفحص فيه كثيرا». ولكن الظروف المؤسفة التي انتهت ~~بها حياة ستيفي، التي اعتبرها السيد فيرلوك ذات طبيعة عرضية فحسب، كونها جزءا من كارثة ~~أكبر، جعلت دموعها تجف من منبعها. كان الأمر يماثل تأثير تمرير مكواة ساخنة للغاية أمام ~~عينيها؛ وفي الوقت نفسه، أبقى قلبها، الذي كان قاسيا ومتجمدا حتى أصبح كتلة من الثلج، ~~جسدها في حالة ارتعاش داخلية، وأبقى على جمود ملامحها المتأملة من دون حراك في الحائط ~~الأبيض الخالي من الكتابة. متطلبات الحالة المزاجية للسيدة فيرلوك، التي عندما جردت من ~~تحفظها العقلاني، صارت نابعة من منطلق الأمومة والعنف، أجبرتها على أن تجيش سلسلة من ~~الأفكار في رأسها الساكن. دارت هذه الأفكار في مخيلتها من دون أن تعبر عنها. كانت السيدة ~~فيرلوك امرأة قليلة الكلام للغاية، سواء في حياتها العامة أو الخاصة. بغضب وارتياع امرأة ~~تعرضت للخيانة، استعرضت سياق حياتها الماضية في رؤى متعلقة غالبا بالحياة الصعبة التي ~~عاشها ستيفي منذ نعومة أظفاره. كانت حياة ذات هدف واحد ومصدر إلهام نبيل واحد، مثل حياة ~~أولئك الأشخاص النادرين الذين تركوا بصمتهم على الأفكار والمشاعر الإنسانية. لكن افتقرت ~~رؤى السيدة فيرلوك إلى النبل والبهاء. تخيلت نفسها تضع الصبي في الفراش على ضوء شمعة واحدة ~~في الطابق العلوي المهجور من «منزل تجاري»، مظلم في الأعلى ومتلألئ ms195 على نحو مبالغ فيه ~~بالأضواء والزجاج البلوري في مستوى الشارع مثل قصر خيالي. ذلك البهاء الزائف كان هو البهاء ~~الوحيد البادي في رؤى السيدة فيرلوك. تذكرت تمشيطها لشعر الصبي وربط مريلته - هي نفسها لا ~~تزال ترتدي مريلة؛ وكلمات المواساة التي يتلقاها مخلوق صغير ومرتعد من مخلوق آخر صغير ~~مثله تقريبا إلا أنه ليس مرتعدا مثله؛ تراءى لها مشهد الضربات التي اعترضتها (غالبا ~~برأسها)، وباب موصد باستماتة في مواجهة غضب رجل (ليس لفترة طويلة)، وقذف محراك نار ذات مرة ~~(ليس لمسافة بعيدة) مما أسكن تلك العاصفة وحولها إلى صمت بغيض ومريع كالذي يعقب دوي ~~الرعد. وكل مشاهد الرعب تلك راودتها مصحوبة بضوضاء شتائم صاخبة صادرة من رجل جرح في ~~كبريائه الأبوي، وهو يقول بأن اللعنة حلت عليه بلا شك لأن أحد أولاده كان «أحمق يسيل ~~لعابه والأخرى شيطانة شريرة.» كان هذا ما قيل عنها من سنوات عديدة. # سمعت السيدة فيرلوك الكلمات مرة أخرى كأن طيف نطق بها، ثم هبط ظل منزل بلجرافيا الكئيب ~~على كتفيها. كانت ذكرى ساحقة، مشهد مرهق لأواني إفطار لا حصر لها تحمل صعودا وهبوطا ~~على سلالم لا تعد ولا تحصى، ومساومات لا تنتهي من أجل بنس، وكدح لا ينتهي من كنس ونفض ~~غبار وتنظيف، من القبو إلى العلية؛ بينما كانت الأم العاجزة، التي تترنح على ساقين ~~متورمتين، تطهو في مطبخ متسخ، وستيفي المسكين - الروح الهائمة في المكان غير المدرك لكل ~~تعبهما - يلمع أحذية السادة في حجرة غسل الأطباق. ولكن هذا المشهد تخلله نسيم صيف لندن ~~الحار، والشخصية المحورية فيه كانت شابا يرتدي ملابس الأحد المفضلة لديه، وقبعة من القش ~~على شعره الأسود، وغليون خشبي في فمه. كان حنونا ومرحا، وكان رفيقا رائعا في رحلة في ~~مجرى الحياة المتلألئ؛ ولكن قاربه كان صغيرا جدا. كان يتسع لفتاة تشاركه التجديف، ~~لكنه لم يكن يتسع لركاب. سمح له بالانجراف بعيدا عن عتبة منزل بلجرافيا بينما كانت ويني ~~تتحاشى النظر بعينيها الدامعتين. لم يكن أحد النزلاء. كان النزيل هو السيد فيرلوك، ms196 رجل ~~كسول، ويسهر لساعات متأخرة من الليل ، ويمازح ناعسا في الصباح من تحت أغطية فراشه، ولكن ~~مع بريق إعجاب في عينيه الناعستين، ولا تخلو جيوبه من بعض الأموال. لم يكن يوجد بريق من ~~أي نوع في مجرى حياته البطيء. كان يسري عبر أماكن سرية. ولكن مركبه الشراعي بدا مركبا ~~فسيحا، وبشهامته المتحفظة تقبل بطبيعة الحال وجود ركاب. # تابعت السيدة فيرلوك رؤاها عن سبعة أعوام من الأمان لستيفي، دفع ثمنها بإخلاص من ~~جانبها؛ وعن أمان تنامى حتى صار ثقة، ثم شعورا أسريا، راكدا وعميقا مثل بركة هادئة، ~~نادرا ما اهتز سطحها المحمي عند المرور العارض للرفيق أوسيبون، اللاسلطوي القوي البنية ذي ~~العينين الجذابتين الجريئتين، اللتين كان في نظرتهما فساد لا يخفى على أي امرأة ليست ~~معتوهة تماما. # لم تكن قد مرت إلا ثوان قليلة على آخر كلمة نطقت جهرا في المطبخ، وكانت السيدة ~~فيرلوك تحملق شاردة وفي مخيلتها مشهد حدث لم يكن قد مر عليه أكثر من أسبوعين. بعينين ~~كانت حدقتاهما متسعتين عن آخرهما حدقت شاردة وفي مخيلتها مشهد زوجها وستيفي البائس ~~وهما يمشيان في شارع بريت جنبا إلى جنب مبتعدين عن المتجر. كان آخر مشهد صورته مخيلة ~~السيدة فيرلوك حول كيان؛ كيان بلا أي رونق أو سحر، وبلا جمال وبلا تهذيب تقريبا، ولكنه ~~جدير بالإعجاب فيما يتعلق بثبات الاعتقاد والمثابرة على الهدف. كان لهذا المشهد الأخير ~~تجسيد طيع، وقرب في الشكل، ودقة في التفاصيل الموحية لدرجة أنه انتزع من السيدة فيرلوك ~~همهمة حزينة وخافتة، وهي تعيد تجسيد التخيل الأهم في حياتها، همهمة هلعة تلاشت على ~~شفتيها الشاحبتين. ~~«كان يمكن أن يكونا أبا وابنا.» # توقف السيد فيرلوك ورفع وجها يكسوه القلق. سأل: «ماذا؟ ماذا قلت؟» إذ لم يأته رد، ~~استأنف تسكعه بكدر. ثم بتلويحة متوعدة من قبضة غليظة سمينة، انفجر قائلا: ~~«نعم. رجال السفارة. كثيرون جدا، أليس كذلك! قبل أن ينقضي أسبوع، سأجعل بعضهم يتمنون ~~لو كانوا على عمق عشرين قدما تحت الأرض. ماذا؟ ماذا؟» # نظر نظرة جانبية، منكسا رأسه. حدقت ms197 السيدة فيرلوك في الحائط الأبيض. حائط فارغ ، فارغ ~~تماما. فراغ يدفعك إلى أن تجري وترطم رأسك فيه. ظلت السيدة فيرلوك جالسة من دون أن ~~تتحرك. ظلت ساكنة مثلما قد يبقى نصف سكان العالم ساكنين في ذهول ويأس، لو خسفت الشمس فجأة ~~من السماء صيفا بسبب غدر العناية الإلهية الموثوق فيها. # بعدما تجهم السيد فيرلوك في خطوة تمهيدية مكشرا عن أنيابه، عاد يقول: «السفارة. ليت ~~بوسعي أن أمضي بحرية هناك ومعي هراوة لمدة نصف ساعة. كنت سأستمر في الضرب حتى لا تبقى ~~فيهم جميعا عظمة غير مكسورة. ولكن لا بأس، يوما ما سوف أعلمهم ما الذي تعنيه محاولة طرد ~~رجل مثلي كي يتعفن في الشوارع. لدي الكثير مما سأقوله. سيعرف العالم أجمع ما فعلته من ~~أجلهم. لست خائفا. لم أعد آبه لشيء. سينكشف كل شيء. كل شيء لعين. فليحذروا!» # بهذه العبارات، أعلن السيد فيرلوك عن تعطشه للانتقام. كان انتقاما مستحقا جدا. ~~كان متناغما مع محفزات التفكير في عقل السيد فيرلوك. كان أيضا يتميز بكونه ضمن نطاق ~~قدراته وبسهولة تكيفه مع طريقة حياته، التي كانت قائمة على وجه التحديد على الإفشاء عن ~~التحركات السرية وغير القانونية لرفاقه. كان اللاسلطويون والدبلوماسيون كلهم سواء في ~~نظره. كان السيد فيرلوك بطبيعته لا يحترم الأشخاص. كان احتقاره موزعا بالتساوي على مجال ~~عملياته كله. ولكن كونه كان منتميا إلى طبقة العمال الثورية - وهو ما كان عليه بلا شك - ~~نما لديه شعور عدائي إلى حد ما تجاه التمييز الاجتماعي. # أردف: «لا شيء على ظهر الأرض يمكن أن يوقفني الآن.» ثم توقف، محدقا في زوجته، التي كانت ~~تحدق في حائط فارغ. # طال الصمت في المطبخ، وشعر السيد فيرلوك بالإحباط. كان قد توقع من زوجته أن تتفوه بأي ~~شيء. ولكن شفتي السيدة فيرلوك - المطبقتين على هيئتهما المعتادة - ظلتا ساكنتين في جمود ~~تمثال كبقية وجهها. وشعر السيد فيرلوك بالإحباط. ولكن الظرف، كما أقر، لم يكن يتطلب أن ~~تقول شيئا. كانت امرأة قليلة الكلام جدا. ولأسباب متعلقة بالتكوين النفسي لدى السيد ~~فيرلوك، ms198 كان يميل إلى أن يمنح ثقته لأي امرأة أعطته نفسها. ولذلك كان يثق في زوجته. كان ~~اتفاقهما مثاليا، ولكنه لم يكن محددا. كان اتفاقا ضمنيا ومتناسبا مع لا مبالاة ~~السيدة فيرلوك ومع عادات السيد فيرلوك الذهنية، التي كانت تتسم بالكسل والغموض. كانا ~~يمتنعان عن الخوض في أصل الوقائع والدوافع. # هذا التحفظ، المعبر، بطريقة ما، عن الثقة العميقة بين كل منهما للآخر، أدخل في نفس ~~الوقت عنصرا معينا من الغموض في علاقتهما الحميمة. لا يوجد نظام مثالي في العلاقات ~~الزوجية. افترض السيد فيرلوك أن زوجته كانت قد فهمته، ولكنه كان سيسر لو سمعها تقول ما ~~يجول في خاطرها في تلك اللحظة. كان هذا سيريحه. # كانت توجد أسباب عديدة لحرمانه من هذه الراحة. كان يوجد عائق جسماني: لم تكن السيدة ~~فيرلوك تتمتع بالتحكم الكامل في صوتها. لم تكن ترى أي بديل بين الصراخ أو الصمت، وغريزيا ~~آثرت الصمت. كانت مزاجية ويني فيرلوك تميل إلى الصمت. كذلك كانت فظاعة الأفكار التي كانت ~~تشغل عقلها تشل حركتها. شحب لون وجنتيها، وتحول لون شفتيها إلى الرمادي، وكان جمودها ~~مذهلا. ومن دون أن تنظر إلى السيد فيرلوك، جال في خاطرها: «هذا الرجل أخذ الصبي كي يقتله. ~~أخذ الصبي بعيدا عن بيته كي يقتله. أبعد الصبي عني كي يقتله!» # تعذب كيان السيدة فيرلوك بكامله بتلك الفكرة غير المؤكدة والتي تقود إلى الجنون. كانت في ~~عروقها، وفي عظامها، وفي جذور شعرها. ذهنيا اتبعت طريقة الحداد حسب الكتاب المقدس، الوجه ~~المغطى، والملابس الممزقة؛ امتلأ رأسها بأصوات النحيب والنواح. لكن أسنانها كانت مطبقة ~~بعنف، وعينيها الخاليتين من الدموع اتقدتا بنيران الغضب؛ لأنها لم تكن مخلوقا خنوعا. ~~كانت الحماية التي كانت قد بسطتها على أخيها في أصلها ذات طبيعة عنيفة وغاضبة. كان قد ~~تعين عليها أن تحبه حب مقاتل. لقد حاربت من أجله؛ حتى في مواجهة نفسها. كان لفقدانه ~~مرارة الهزيمة، ومعاناة عاطفة مرتبكة. لم تكن صدمة وفاة عادية. علاوة على ذلك، لم يكن الموت ~~هو الذي أخذ ستيفي منها. بل ms199 كان السيد فيرلوك هو الذي اختطفه. لقد رأته. لقد شاهدته وهو ~~يأخذ الصبي، دون أن تفعل شيئا. لقد تركته يأخذه ويذهب وكأنها ... وكأنها حمقاء ... حمقاء ~~عمياء. ثم بعد أن قتل الصبي، عاد إلى البيت إليها. عاد إلى البيت كأي رجل آخر يعود إلى ~~البيت لزوجته ... # عبر أسنانها المطبقة، تمتمت السيدة فيرلوك وهي تنظر إلى الحائط: ~~«وظننت أنه أصيب بنزلة برد.» # سمع السيد فيرلوك تلك الكلمات ووعاها. # قال باستياء: «لم يكن شيئا يذكر. كنت منزعجا. كنت منزعجا من أجلك.» # تحولت السيدة فيرلوك بتحديقها، وهي تدير رأسها ببطء، من الجدار إلى شخص زوجها. كان السيد ~~فيرلوك ينظر إلى الأرض، واضعا أنامله بين شفتيه. # تمتم، تاركا يده تسقط: «لا بد من تقبل الأمر.» وأردف بحنان: «يجب أن تستجمعي شتات ~~نفسك. ستحتاجين إلى كل ذكائك. أنت من جلب الشرطة إلينا. لا بأس، لن أضيف أي شيء عن ذلك ~~الأمر مطلقا. لم يكن بوسعك معرفة ذلك.» # زفرت السيدة فيرلوك قائلة: «لم يكن بوسعي.» بدا الأمر كما لو أن جثة تحدثت. تابع السيد ~~فيرلوك حديثه من حيث انتهى. # تابع حديثه باهتمام صادق: «أنا لا ألومك. سوف أفاجئهم. بمجرد أن أكون خلف القضبان، سيكون ~~مأمونا لي أن أتكلم؛ أنت تفهمين. يجب أن تضعي في حسبانك أنني سأكون بعيدا عنك لمدة ~~عامين. سيكون الأمر أهون عليك مني. سيكون لديك ما تفعلينه، بينما أنا ... اسمعي، يا ويني، ما ~~يجب عليك فعله هو الحفاظ على استمرار هذا العمل لمدة سنتين. أنت تعرفين ما يكفي لذلك. ~~تتمتعين بعقل راجح. سأبعث لك برسالة عندما يحين وقت محاولة البيع. يجب أن تتوخي الحذر ~~للغاية. سيراقبك الرفاق طوال الوقت. يجب أن تكوني بارعة قدر ما تستطيعين، وأن تكوني ~~كتومة كالقبر. يجب ألا يعرف أحد ما تنوين فعله. لا أريد أن تأتيني ضربة على رأسي أو طعنة ~~في ظهري فور خروجي من السجن.» # هكذا تحدث السيد فيرلوك، مستخدما عقله بذكاء وتنبؤ بالمشاكل المستقبلية. كان صوته ~~حزينا، لأنه كان لديه إحساس صائب بالموقف. كان كل شيء ms200 لم يرغب في حدوثه قد حدث. كان ~~المستقبل قد صار محفوفا بالمخاطر. ربما كان تقديره للأمور قد أصابه التشويش مؤقتا بسبب ~~خوفه من حماقة السيد فلاديمير وعدوانيته. قد يكون من المبرر أن يزج برجل جاوز ~~الأربعين بقليل في فوضى عارمة، نتيجة لاحتمال فقدانه لوظيفته، خاصة إذا كان الرجل عميلا ~~سريا لدى الشرطة السياسية، مسهبا في الحديث باطمئنان وعيا منه بقيمته العالية ~~وتقدير الشخصيات رفيعة الشأن له. كان لديه ما يبرر تصرفه. # الآن، كان الأمر قد انتهى بانهيار فجائي. كان السيد فيرلوك هادئا؛ لكنه لم يكن مبتهجا. ~~إن العميل السري الذي يلقي بسريته أدراج الرياح رغبة في الانتقام، ويتباهى بإنجازاته في ~~العلن، يصبح هدفا لسخط يائس متعطش للدماء. دون تهويل لمدى الخطر، حاول السيد فيرلوك أن ~~يجعله واضحا لعقل زوجته. وكرر أنه لا ينوي أن يدع الثوريين يتخلصون منه. # نظر في عيني زوجته مباشرة. تلقت حدقتا عيني المرأة المتسعتان تحديقه في أعماقها التي لا ~~يمكن سبر أغوارها. # قال بضحكة عصبية بعض الشيء: «أنا متيم بك لأجل ذلك.» # اكتسى وجه السيدة فيرلوك الشاحب والساكن بتورد خفيف. بعدما انتهت من رؤى الماضي، لم تكن ~~قد سمعت الكلمات التي تفوه بها زوجها فحسب، بل فهمتها أيضا. بسبب الاختلاف المفرط لهذه ~~الكلمات مع حالتها العقلية، أحدثت فيها تأثيرا خانقا قليلا. كانت السيدة فيرلوك تتمتع ~~بحالة عقلية تتميز بالبساطة؛ ولكنها لم تكن في حالة سليمة. كانت تتحكم فيها على نحو مفرط ~~فكرة ثابتة. امتلأت كل زاوية وكل ركن في دماغها بفكرة أن هذا الرجل، الذي كانت قد عاشت معه ~~دون كراهية لمدة سبع سنوات، قد أخذ «الولد المسكين» بعيدا عنها من أجل أن يقتله، الرجل ~~الذي كانت قد اعتادت عليه قلبا وقالبا؛ الرجل الذي كانت قد وثقت به، أخذ الصبي بعيدا ~~ليقتله! في شكلها وجوهرها وتأثيرها، الذي كان شاملا، يبدل حتى مظهر الأشياء الجامدة، كانت ~~فكرة تدفع المرء إلى الجلوس ساكنا والتعجب منها إلى الأبد. جلست السيدة فيرلوك ساكنة. وعبر ~~تلك الفكرة (ليس عبر المطبخ) أخذ ms201 جسد السيد فيرلوك يغدو ويروح، على نحو مألوف بقبعته ~~ومعطفه، وقرع حذائه يدق في دماغها. ربما كان يتحدث أيضا؛ ولكن تفكير السيدة فيرلوك غالبا ~~ما كان يحجب صوته. # ومع ذلك، من وقت لآخر، كان صوته يصير مسموعا. برز العديد من الكلمات المترابطة في بعض ~~الأحيان. كان مضمونها تفاؤليا بوجه عام. وفي كل مناسبة من تلك المناسبات، كانت حدقتا ~~السيدة فيرلوك المتسعتان، اللتان فقدتا ثباتهما الذاهل، تتبعان حركات زوجها باهتمام ~~شرير وانتباه لا يمكن سبر غوره. تفاءل السيد فيرلوك بنجاح خططه وتحضيراته، كونه على ~~اطلاع جيد بجميع المسائل المتعلقة بمهنته السرية. كان يعتقد حقا أنه سيسهل عليه ~~إجمالا الهروب من سكين الثوريين الغاضبين. كان قد بالغ في قوة غضبهم ونفوذهم بعيد النطاق ~~(لأغراض متعلقة بمهنته) في كثير من الأحيان لدرجة أنه صنع حولهم الكثير من الأوهام بطريقة ~~أو بأخرى. لأنه من أجل أن يبالغ المرء في الحكم على الأمور، لا بد أن يبدأ بتقديرها بدقة ~~أولا. كان يعرف أيضا كم الفضيلة وكم الخزي الذي ينسى في غضون سنتين؛ سنتين ~~طويلتين. كان حواره السري الفعلي الأول مع زوجته متفائلا عن قناعة. ارتأى أيضا أن عرض كل ~~الضمانات التي يمكنه حشدها سياسة تؤتي ثمارها. فمن شأنه أن يجعل المرأة المسكينة تبذل قصارى ~~جهدها. وعند إطلاق سراحه، الذي سوف يكون سريا، بالطبع، متوافقا مع طبيعة حياته كلها، ~~سوف يختفيان معا دون إضاعة للوقت. وفيما يتعلق بمحو كل أثر لهما، توسل إلى زوجته أن تثق ~~به في تلك النقطة. كان يعرف كيف يفعل ذلك بحيث لا يستطيع الشيطان نفسه ... # لوح بيده. بدا أنه يتفاخر. لم يتمن سوى أن يجعلها تبذل قصارى جهدها. كانت نية طيبة، ~~ولكن من سوء حظ السيد فيرلوك أنه لم يجد أذنا مصغية. # ازدادت نبرة الثقة بالنفس في أذن السيدة فيرلوك مما جعل معظم الكلمات تذهب سدى؛ فما ~~قيمة الكلمات عندها الآن؟ ما الذي يمكن أن تصنعه معها الكلمات، سواء بالخير أو الشر، في ~~مواجهة الفكرة الراسخة في عقلها؟ تتبعت نظراتها السوداوية ms202 ذلك الرجل الذي كان يؤكد على ~~إفلاته من العقاب، الرجل الذي أخذ ستيفي المسكين من البيت كي يقتله في مكان ما. لم تستطع ~~السيدة فيرلوك أن تتذكر المكان بالتحديد، ولكن قلبها بدأ يدق على نحو مدرك جدا. # بنبرة حنونة من زوج محب، كان السيد فيرلوك يعبر الآن عن إيمانه الراسخ بأنه ما زال ~~أمامهما بضع سنوات من الحياة الهادئة. لم يتطرق إلى مسألة الوسائل. لا بد أنها ستكون حياة ~~هادئة، في عش ظليل، إن جاز القول، مستترة وسط أناس بسطاء قنوعين؛ حياة بسيطة لا تعقيد ~~فيها، مثل حياة أزهار البنفسج. كانت الكلمات التي استخدمها السيد فيرلوك هي: «نختفي عن ~~الأنظار بعض الوقت.» وبالطبع بعيدا عن إنجلترا. لم يكن واضحا إن كان السيد فيرلوك يفكر في ~~الذهاب إلى إسبانيا أم إلى أمريكا الجنوبية؛ ولكنه مكان خارج البلاد على أي حال. # عندما سمعت السيدة فيرلوك هذه الكلمة الأخيرة، تركت فيها انطباعا محددا. كان هذا الرجل ~~يتحدث عن السفر إلى الخارج. كان الانطباع منفصلا انفصالا تاما؛ وكذا سلطان العادة ~~العقلية حتى إن السيدة فيرلوك سألت نفسها على الفور وبطريقة تلقائية: «وماذا عن ~~ستيفي؟» # كان ضربا من النسيان؛ ولكن على الفور أدركت أنه لم يعد يوجد أي داع للقلق بشأن تلك ~~النقطة. لن يوجد أي داع لذلك بعد الآن على الإطلاق. لقد أخذ الفتى المسكين خارج المنزل ~~وقتل. لقد مات الفتى المسكين. # حفزت هذه الحالة المزلزلة من النسيان عقل السيدة فيرلوك. بدأت تستوعب نتائج معينة ~~كانت ستفاجئ السيد فيرلوك. لم تعد بحاجة الآن إلى البقاء في مكانها، في ذلك المطبخ، ولا ~~في ذلك المنزل، مع ذلك الرجل، ما دام الفتى قد رحل إلى الأبد. لم تعد ثمة حاجة على ~~الإطلاق. ومن ثم نهضت السيدة فيرلوك وكأن شيئا نخسها. ولكنها كذلك لم تستطع أن ترى أي ~~سبب يدعوها للبقاء في هذا العالم على الإطلاق. وهذا العجز أعاقها. راقبها السيد فيرلوك ~~باعتناء الزوج. # قال بنبرة محرجة: «إنك تبدين على طبيعتك أكثر من قبل.» شيء غريب في ms203 سواد عيني زوجته ~~عكر تفاؤله. في تلك اللحظة بالتحديد، بدأت السيدة فيرلوك تنظر إلى نفسها باعتبارها ~~متحررة من كل القيود الدنيوية. # لقد نالت حريتها. أشرفت رابطتها بالوجود، التي كان يمثلها ذلك الرجل الواقف هناك، على ~~الانتهاء. صارت امرأة حرة. لو أن السيد فيرلوك أدرك تلك النقطة بطريقة ما، لكان سيصدم ~~صدمة هائلة. في المسائل العاطفية، كان السيد فيرلوك دائما كريما بتهور في العطاء، ولكن ~~دوما دون أي فكرة أخرى سوى فكرة أن يكون محبوبا لذاته. في هذا الشأن، لكون مفاهيمه عن ~~الأخلاق تتفق مع غروره، كان عنيدا تماما. وإذ كان الأمر كذلك، ففيما يتعلق بمسألة علاقاته ~~الأخلاقية والقانونية، كان متأكدا من ذلك تمام التأكد. كان قد تقدم به العمر، وازداد ~~بدانة، وزاد وزنه، اعتقادا منه بأنه لم يكن يفتقر إلى الجاذبية التي تجعله محبوبا ~~لذاته. لما رأى زوجته قد بدأت تمشي من المطبخ من دون أن تنبس ببنت شفة، تملك الإحباط من ~~السيد فيرلوك. # نادى عليها بنبرة حادة بعض الشيء: «إلى أين أنت ذاهبة؟ إلى الطابق العلوي؟» # التفتت السيدة فيرلوك تجاه الصوت وهي عند الباب. حفزتها غريزة الاحتراس المولود من رحم ~~الخوف، الخوف المفرط من أن يقترب منها ذلك الرجل ويلمسها، على أن تومئ إليه إيماءة خفيفة ~~(من علو درجتين) بحركة من شفتيها فهمها السيد فيرلوك، الزوج المحب المتفائل، على أنها ~~ابتسامة باهتة وذاهلة. # شجعها بأسلوب جاف: «هذا صحيح. ما تحتاجين إليه هو الراحة والهدوء. اذهبي. سألحق بك بعد ~~فترة وجيزة.» # أما السيدة فيرلوك، المرأة الحرة التي في الواقع لم تكن تعرف إلى أين هي ذاهبة، فأطاعت ~~الاقتراح بثبات راسخ. # راقبها السيد فيرلوك. أخذت تصعد درجات السلم حتى اختفت. أما هو فكان يشعر بخيبة الأمل. ~~كان لديه شعور بداخله بأنه كان سيصبح مرضيا أكثر لو أنها اتجهت إليه وارتمت على صدره. ~~ولكنه كان كريما ومتسامحا. كانت ويني دوما متحفظة وصامتة. كذلك لم يكن السيد فيرلوك ~~نفسه مفرطا في عبارات التحبب وفي الكلام عموما. ولكن هذه لم تكن أمسية عادية. كانت ms204 ~~ظرفا يحتاج فيه الرجل إلى الدعم والمؤازرة ببراهين واضحة على التعاطف والمودة. تنهد السيد ~~فيرلوك، وأطفأ مصباح الغاز في المطبخ. كان تعاطف السيد فيرلوك مع زوجته صادقا وقويا. ~~كادت الدموع تسيل من عينيه عندما كان واقفا في غرفة المعيشة يفكر في الوحدة التي كانت ~~تقض مضجعها. في هذه الحالة، افتقد السيد فيرلوك ستيفي كثيرا في هذا العالم الصعب. فكر ~~بحزن في نهايته. يا ليت هذا الشاب لم يهلك نفسه بغبائه! # مرة أخرى، تغلب عليه مجددا الإحساس بجوع لا يهدأ، وهو إحساس معروف لمغامرين أشد بأسا ~~من السيد فيرلوك بعد إجهاد بسبب مغامرة محفوفة بالمخاطر. شدت انتباهه للغاية قطعة اللحم ~~البقري المشوي، المسجاة وكأنها لحوم مطهية جنائزية من أجل مأتم ستيفي. ومجددا التهمها ~~السيد فيرلوك. التهمهما بشراهة، دون ضبط للنفس ولياقة، مقطعا الشرائح السميكة بسكين ~~التقطيع الحاد، وابتلعها من دون خبز. أثناء تناوله لتلك الوجبة الخفيفة، تبادر إلى ذهن ~~السيد فيرلوك أنه لم يكن يسمع زوجته تتجول في غرفة النوم كما كان من المفترض أن يسمع. ~~فكرة أنه ربما يجدها جالسة في مخدعها في الظلام لم تسد شهية السيد فيرلوك فحسب، بل انتزعت ~~منه الرغبة في أن يتبعها إلى الطابق العلوي في ذلك الوقت. بعدما وضع السيد فيرلوك سكين ~~التقطيع على الطاولة، أنصت بانتباه جزع. # استراح لما سمع خطواتها وهي تتحرك أخيرا. مشت فجأة عبر الغرفة وفتحت النافذة على ~~مصراعيها. بعد فترة من السكون هناك بالأعلى، تخيلها خلالها وهي تخرج رأسها من ~~النافذة، سمع صوت إطار النافذة وهو ينزل ببطء. بعدها مشت بضع خطوات وجلست. كان كل صوت في ~~المنزل مألوفا للسيد فيرلوك، الذي كان مولعا تماما بالحياة المنزلية. عندما سمع بعدها ~~خطوات زوجته فوق رأسه، أدرك، وكأنه كان قد رآها بعينيه، أنها كانت ترتدي حذاءها. التفت ~~السيد فيرلوك بكتفه قليلا عند هذه العلامة المنذرة بسوء، وبعدما ابتعد عن الطاولة، وقف ~~وظهره إلى المدفأة، ورأسه مائلة على أحد الجانبين، وأخذ يقضم أطراف أصابعه بتحير. ظل يتتبع ~~تحركاتها معتمدا على الصوت. ظلت ms205 تروح وتجيء بعنف، مع توقفات مفاجئة، مرة أمام ~~الخزانة ذات الأدراج، وأخرى أمام خزانة الملابس. سلب عبء هائل من التعب، حصاد يوم من ~~الصدمات والمفاجآت، السيد فيرلوك من كل قواه. # لم يرفع عينيه حتى سمع زوجته تنزل على السلم. كان الأمر كما خمن. كانت قد ارتدت ملابس ~~الخروج. # كانت السيدة فيرلوك امرأة حرة. كانت قد فتحت نافذة غرفة النوم على مصراعيها إما بنية ~~أن تصرخ قائلة جريمة قتل! ساعدوني! أو بنية أن ترمي بنفسها من النافذة. وذلك لأنها لم تكن ~~تعلم بالضبط ما الفائدة من حريتها. بدت أن شخصيتها قد انشطرت إلى نصفين، والعمليات العقلية ~~فيهما لم ينسجم بعضها مع بعض. ثبط الشارع، الصامت والمهجور من أقصاه إلى أقصاه، عزيمتها ~~بالانحياز إلى جانب ذلك الرجل الذي كان على ثقة كبيرة من أنه سيفلت من العقاب. كانت خائفة ~~من أن تصرخ ولا يأتي أحد لنجدتها. من الواضح أن لا أحد سيأتي. أحجمت غريزة الحفاظ على ~~النفس لديها بسبب عمق السقطة في ذلك النوع الزلق والعميق من الحفر. أغلقت السيدة فيرلوك ~~النافذة، وارتدت ملابسها للخروج إلى الشارع بطريقة أخرى. كانت امرأة حرة. كانت قد ارتدت ~~ملابسها بالكامل حتى إنها وضعت حجابا أسود على وجهها. عندما ظهرت أمام السيد فيرلوك في ~~ضوء غرفة المعيشة، لاحظ أنها كانت معها حتى حقيبة يدها الصغيرة معلقة في رسغها الأيسر ... ~~بالطبع كانت ستهرب إلى أمها. # تراءت لعقله المنهك فكرة أن النساء مخلوقات متعبة بأي حال. لكنه كان كريما جدا ~~لدرجة أنه لم يحتفظ بها في عقله أكثر من لحظة. ظل هذا الرجل، الذي جرح بقسوة في ~~كبريائه، سمحا في سلوكه، ولم يرض من نفسه أن تبدر منه ابتسامة مريرة أو لفتة ازدراء. ~~بسمو نفس حقيقي، لم يفعل شيئا سوى أن نظر إلى الساعة الخشبية على الحائط، وقال بهدوء ~~تام، ولكن بأسلوب مقنع: ~~«الساعة الثامنة وخمس وعشرون دقيقة يا ويني. لا معنى للذهاب إلى هناك في هذا الوقت ~~المتأخر. لن تتمكني مطلقا من العودة الليلة.» # توقفت السيدة فيرلوك ms206 فجأة قبل يده الممدودة. أردف متثاقلا: «ستكون أمك قد خلدت إلى ~~النوم قبل أن تصلي إلى هناك. وهذا النوع من الأخبار يمكن الانتظار عليه.» # لم تكن السيدة فيرلوك تفكر على الإطلاق في الذهاب إلى أمها. اشمأزت من مجرد الفكرة، ~~وإذ شعرت بوجود كرسي خلفها، استجابت إلى الإيعاز المتولد عن تلامسها مع الكرسي، وجلست. ~~كانت نيتها ببساطة هي الخروج من الباب بلا رجعة. وإذا كان هذا الشعور صحيحا، فقد اتخذت ~~صورته الذهنية شكلا مبدئيا يتوافق مع أصلها ووضعها. فكرت في نفسها: «سأظل أمشي في ~~الشوارع طوال أيام حياتي.» ولكن هذه المخلوقة، التي تعرضت معنوياتها لصدمة، قد تكون أعنف ~~الزلازل في التاريخ، مقارنة بها، من ناحية الوضع المادي، مجرد رد فعل واهن وضعيف، كانت تحت ~~رحمة مجرد تفاهات وأفكار طارئة. جلست. بقبعتها ووشاحها، بدت وكأنها زائرة جاءت تزور السيد ~~فيرلوك لبعض الوقت. شجعه انقيادها الفوري، بينما استفزه قليلا إذعانها الذي كان مؤقتا ~~فقط وصامتا. # قال بنبرة آمرة: «دعيني أقل لك يا ويني إن مكانك هنا الليلة. اللعنة على كل شيء! بسببك ~~أتت الشرطة اللعينة من كل حدب وصوب إلى هنا. أنا لا ألومك ... ولكن هذا صنيعك على أي حال. ~~من الأفضل أن تخلعي تلك القبعة المقيتة.» أردف بصوت ناعم: «لا يمكنني أن أدعك تخرجين، ~~أيتها الفتاة الكبيرة.» # استوعب عقل السيدة فيرلوك تلك العبارات بعناد رهيب. الرجل الذي أخذ ستيفي بعيدا عن ~~عينيها ليقتله في مكان لم يكن اسمه حاضرا في ذاكرتها في تلك اللحظة لن يدعها تخرج. بالطبع ~~ما كان ليدعها تخرج. # بعد أن قتل ستيفي لن يدعها تذهب أبدا. يريد أن يبقيها دون سبب. وبناء على هذا ~~الاستنتاج المميز، الذي ينطوي على كل قوة المنطق المجنون، بدا أن عقل السيدة فيرلوك المشوش ~~يعمل بطريقة عملية. كان بإمكانها أن تنسل من جانبه وتفتح الباب وتفر هاربة. ولكنه سيندفع ~~خلفها ويمسك بها من جسدها ويسحبها مرة أخرى إلى داخل المتجر. يمكن أن تخربش وتضرب وتعض ... ~~وأن تطعن بسكين أيضا؛ ولكنها بحاجة إلى سكين ms207 كي تطعنه به. جلست السيدة فيرلوك ساكنة تحت ~~حجابها الأسود، وفي منزلها الخاص، مثل زائرة مقنعة ومجهولة لها نوايا مبهمة. # لم يكن السيد فيرلوك، مع رحابة صدره، إلا بشرا. لقد أغضبته في النهاية. ~~«ألا يمكنك أن تقولي شيئا؟ لديك حيلك الخاصة من أجل مضايقة رجل. أوه نعم! أعرف حيلة ~~الصمم والبكم خاصتك. رأيتك تفعلينها قبلئذ. ولكنها لن تجدي نفعا الآن. وبداية، اخلعي ~~هذا الشيء الملعون. لا يمكن للمرء أن يعرف إن كان يتحدث إلى دمية أم إلى امرأة ~~حية.» # تقدم نحوها ومد يده وسحب الوشاح، كاشفا عن وجه متبلد لا يمكن تخمين ما تفكر فيه ~~صاحبته، تحطم عليه سخطه العصبي مثل زجاجة قذفت على ~~صخرة. قال: «هذا أفضل.» من أجل أن يخفي ارتباكه المؤقت، ~~ثم عاد إلى مكانه القديم بجانب رف المدفأة. لم يخطر على باله قط أن زوجته يمكن أن تتخلى ~~عنه. شعر بالخجل قليلا من نفسه؛ لأنه كان محبا وكريما. ماذا باستطاعته أن يفعل؟ كل شيء ~~قيل بالفعل. احتج بقوة. ~~«بحق السماء! تعلمين أنني لم أدخر جهدا في البحث. عرضت نفسي لخطر افتضاح أمري لأجد ~~أحدا ما لهذه المهمة اللعينة. وأقول لك مرة أخرى إنني لم أستطع أن أجد أي شخص مجنون بما ~~يكفي أو تواق بما يكفي. ماذا تعتبرينني ... قاتلا أم ماذا؟ لقد مات الصبي. هل تظنين أنني ~~رغبت في أن يفجر نفسه؟ لقد مات. انتهت مشاكله. وأقول لك إن مشاكلنا ستبدأ تحديدا لأنه ~~فجر نفسه. أنا لا ألومك. ولكن حاولي أن تفهمي أن ما حدث كان مجرد حادثة؛ بقدر ما كانت ~~ستصبح حادثة لو كانت حافلة دهسته وهو يعبر الشارع.» # لم يكن كرمه بلا حدود؛ لأنه كان إنسانا ... وليس وحشا، كما كانت تظن السيدة فيرلوك. صمت ~~قليلا، وزمجر فارتفع شاربه فوق أسنان بيضاء لامعة منحته مظهر وحش مفكر، ليس وحشا شديد ~~الخطورة؛ وحش متكاسل له رأس أملس، أكثر تجهما من الفقمة، وصوت أجش. ~~«وفيما يخص ذلك، فإنه صنيعك بقدر ما هو صنيعي. أصدقك القول. يمكنك أن ms208 تحملقي ~~بقدر ما تريدين. أعرف ما يمكنك فعله في ذلك الشأن. فلترديني صاعقة صريعا لو كنت قد ~~فكرت يوما في الفتى من أجل ذلك الغرض. أنت من استمر في دفعه إلى طريقي عندما كنت ~~مشتتا بعض الشيء بداعي القلق على إبقائنا جميعا بعيدا عن المشاكل. ما الذي جعلك ~~تفعلين ذلك بحق الشيطان؟ قد يظن المرء أنك كنت تفعلين ذلك عن قصد. وليلعني الرب لو ~~كنت أعلم أنك لم تكوني تقصدين ذلك. من المستحيل على المرء أن يعرف مقدار ما يدور بداخلك ~~وما تحتفظين به في سريرتك بطريقة «لا أهتم على الإطلاق» اللعينة التي تنتهجينها بعدم النظر ~~إلى مكان بعينه، وعدم قول شيء على الإطلاق ...» # توقف صوته الأجش المألوف لفترة. لم ترد السيدة فيرلوك بشيء. قبل ذلك الصمت، شعر بالخجل ~~مما كان قد قاله. ولكن كما يحدث غالبا للرجال المسالمين في المشاجرات الزوجية، دفعه الخجل ~~إلى إثارة نقطة أخرى. # استهل حديثه من جديد دون أن يرفع صوته: «لديك طريقة شيطانية في إمساك لسانك أحيانا. ~~إنها كافية لجعل بعض الرجال يصابون بالجنون. ومن حسن حظك أنني لا أستفز بسهولة مثل بعض ~~الرجال الذين يسهل إثارتهم بعبوسك الأصم والأبكم. أنا أحبك. ولكن لا تتمادي. هذا ليس ~~الوقت المناسب لهذا. يتعين علينا أن نفكر فيما يجب علينا فعله. ولا يمكنني أن أدعك ~~تخرجين الليلة، راكضة إلى أمك بحكاية مجنونة أو أي أشياء أخرى عني. لن أسمح بذلك. كوني ~~واثقة مما أقول: إن كنت تزعمين أنني قتلت الفتى، فقد قتلته أنت أيضا مثلي ~~تماما.» # فيما يتعلق بصدق المشاعر والصراحة في القول، تجاوزت هذه الكلمات بكثير أي شيء كان قد ~~قيل من قبل في هذا البيت، الذي حوفظ على استمراريته بأجور نشاط سري دبرت نفقاته من بيع ~~سلع سرية بشكل أو بآخر؛ وسائل بائسة ابتكرها بشر متواضعو الحال من أجل الحفاظ على ~~مجتمع ذي نقائص من أخطار الفساد الأخلاقي والمادي، وكلاهما من نوع سري أيضا. قيلت هذه ~~الكلمات لأن السيد فيرلوك كان قد شعر بالغضب حقا؛ ms209 ولكن على ما يبدو أن آداب السلوك ~~المتحفظة للحياة في هذا البيت، الذي يختبئ في شارع قذر خلف متجر ولم تدخله الشمس قط، ~~ظلت نقية. بلياقة تامة سمعته السيدة فيرلوك حتى انتهى من كلامه، ثم قامت من فوق كرسيها ~~وهي ترتدي قبعتها وسترتها وكأنها زائرة في نهاية زيارتها القصيرة. تقدمت تجاه زوجها ومدت ~~إحدى يديها وكأنها تودعه في صمت. أضفى وشاحها الشبكي، المتدلي من أحد طرفيه على الجانب ~~الأيسر من وجهها، مظهرا شكليا مضطربا لحركاتها المحدودة. ولكن عندما وصلت إلى بساط ~~المدفأة، لم يعد السيد فيرلوك واقفا هناك. كان قد مشى مبتعدا تجاه الأريكة، دون أن يرفع ~~عينيه كي يرى تأثير حديثه المسهب. كان متعبا، ومستسلما بروح زوج صادق. ولكن أوجعته نقطة ~~ضعفه السري الحساسة. إذا كانت ستستمر في عبوسها بذلك الصمت المروع المغالى فيه، فإنه لم ~~يفهم السبب في وجوب ذلك. كانت متمرسة في تلك الحيلة المنزلية. رمى السيد فيرلوك نفسه ~~بتثاقل على الأريكة، متجاهلا كعادته مصير قبعته، التي وجدت ملاذا آمنا تحت الطاولة، ~~وكأنها اعتادت على أن تهتم بحالها. # كان متعبا. كان آخر جزء من قوة أعصابه قد استنفد في عجائب وويلات هذا اليوم ~~المليء بالخيبات المفاجئة التي أتت في نهاية شهر مزعج من التآمر والأرق. كان متعبا. لم ~~يكن الرجل مخلوقا من حجر. اللعنة على كل شيء! رقد السيد فيرلوك في وضعية مميزة، مرتديا ~~ملابس الخروج. كان أحد جانبي معطفه المفتوح طريحا جزئيا على الأرض. تقلب السيد فيرلوك ~~على ظهره. لكنه كان يتوق إلى راحة أفضل، إلى النوم، لبضع ساعات من النسيان الهانئ. هذا ~~سيأتي في وقت لاحق. استراح مؤقتا. وفكر في نفسه: «ليتها تكف عن هذا الهراء اللعين. إنه ~~مستفز.» # لا بد أنه كان يوجد ما ينتقص من شعور السيدة فيرلوك باستعادتها حريتها. فبدلا من أن ~~تمضي إلى الباب، مالت إلى الوراء، واستندت بكتفيها على رف المدفأة، وكأنها عابر سبيل ~~يستريح على سياج. كان ثمة مسحة من الوحشية في مظهرها مستمدة من الوشاح الأسود المتدلي ~~مثل ms210 خرقة على وجنتها، ومن ثبات تحديقتها السوداوية التي امتص فيها ضوء الغرفة وضاع دون ~~أثر لأي بريق. هذه المرأة، القادرة على مساومة كان مجرد الظن في وجودها سيشكل صدمة ~~كبيرة لفكرة السيد فيرلوك عن الحب، ظلت مترددة وكأنها مدركة بتحليل مدقق لوجود شيء ~~ناقص من جانبها من أجل الإنهاء الرسمي للاتفاق. # على الأريكة، لوى السيد فيرلوك كتفيه في وضعية مريحة تماما، ومن أعماق قلبه عبر عن ~~أمنية كانت بالتأكيد مخلصة بقدر أي شيء يمكن أن ينبع من هذا المصدر. # دمدم بصوته الأجش: «ليتني لم أر جرينتش بارك ولا أي شيء يتعلق بها على الإطلاق.» # ملأ الصوت المكتوم الغرفة الصغيرة بجهارته المعتدلة، متكيفا جيدا مع الطبيعة المتواضعة ~~للأمنية. تدفقت موجات الهواء ذات الطول المناسب والمنتشرة وفق الصيغ الرياضية الصحيحة، حول ~~جميع الأشياء الجامدة في الغرفة وارتطمت برأس السيدة فيرلوك كما لو كانت رأسا من حجر. ومما ~~لا يصدق أن عيني السيدة فيرلوك بدتا وكأنهما تزدادان اتساعا على اتساعهما. تدفقت ~~الأمنية المسموعة الصادرة من قلب السيد فيرلوك المفعم إلى موضع فارغ في ذاكرة زوجته. ~~حديقة جرينتش بارك. حديقة! ذلك هو المكان الذي قتل فيه الصبي. حديقة؛ فروع مهشمة، أوراق ~~أشجار ممزقة، حصى، قطع من لحم أخيها وعظامه، تقذف إلى أعلى معا مثل الألعاب النارية. ~~تذكرت الآن ما كانت قد سمعته، وتذكرته وكأنها تراه أمام عينيها. لقد اضطروا إلى جمع ~~أشلائه بمجرفة. وإذ ارتعد سائر جسدها بقشعريرة لا يمكن السيطرة عليها، رأت أمام عينيها ~~الأداة نفسها وحمولتها المروعة التي فتتت متطايرة من فوق الأرض. أغلقت السيدة ~~فيرلوك عينيها آيسة، وأسدلت ستار جفنيها على ذلك المشهد، حيث بعدما انهمرت الأطراف المشوهة ~~كالمطر، ظل رأس ستيفي المقطوع معلقا بمفرده، وأخذ يتلاشى رويدا رويدا مثل آخر نجم في ~~عرض ألعاب نارية. فتحت السيدة فيرلوك عينيها. # لم يعد وجهها متحجرا. كان يمكن لأي أحد أن يلاحظ التغيير الطفيف على ملامحها، في ~~حملقة عينيها، مما منحها تعبيرا جديدا ومحيرا؛ تعبيرا نادرا ما يلاحظه الأشخاص ~~الأكفاء في ظل ظروف ms211 توافر سبل الراحة والأمان اللازمة لتحليل واف ، ولكن لا يمكن أن تخطئ ~~العين معناه بمجرد نظرة واحدة. لم تعد شكوك السيدة فيرلوك بشأن نهاية المساومة موجودة؛ لم ~~يعد عقلها مشوشا، وكان يعمل تحت سيطرة إرادتها. ولكن السيد فيرلوك لم يلاحظ شيئا. كان ~~راقدا في تلك الحالة المثيرة للشفقة النابعة من تفاؤل ناجم عن إرهاق مفرط. لم يكن يريد ~~المزيد من المشاكل، وبالمثل مع زوجته، من بين كل الناس الذين في العالم. كان دفاعه مفحم. ~~كان محبوبا لذاته. وفسر المرحلة الحالية من صمتها تفسيرا إيجابيا. كان هذا هو الوقت ~~المناسب للتصالح معها. كان الصمت قد ساد لفترة طويلة. قطع هذا الصمت بأن نادى عليها بصوت ~~منخفض. ~~«ويني.» # أجابت السيدة فيرلوك، المرأة الحرة، بطاعة: «نعم.» كانت تتحكم في عقلها الآن، وفي أعضاء ~~الكلام لديها؛ شعرت بأنها في حالة سيطرة تامة شبه خارقة للطبيعة على كل ألياف جسدها. كانت ~~متمالكة لنفسها تماما لأن المساومة كانت في نهايتها. كانت تتمتع بوضوح الرؤية. لقد ~~صارت ماكرة. اختارت أن ترد عليه بسرعة كبيرة لغرض في نفسها. لم ترغب في أن يغير ذلك الرجل ~~وضعيته على الأريكة التي كانت ملائمة جدا للظروف. ونجحت في ذلك. لم يتحرك الرجل. ولكن ~~بعدما ردت عليه، بقيت مستندة بلا مبالاة على رف المدفأة وبطريقة عابر سبيل يستريح. ~~كانت متمهلة. لم تكن قلقة. كان رأس السيد فيرلوك وكتفيه مخفيين عنها بالجانب المرتفع ~~من الأريكة. ومن ثم أبقت عينيها مركزتين على قدميه. # بقيت ساكنة بغموض هكذا وفي رباطة جأش مفاجئة حتى سمع صوت السيد فيرلوك بلهجة الزوج ~~الآمرة، وتحرك قليلا كي يفسح لها مكانا لتجلس على طرف الأريكة. # قال بنبرة غريبة: «تعالي هنا.» ربما كانت تنم عن قسوة، ولكن كانت مألوفة جدا ~~للسيدة فيرلوك على أنها نبرة التودد. # بدأت تتحرك نحوه على الفور، كما لو كانت امرأة مخلصة مرتبطة بذلك الرجل بعهد وثيق. ~~مررت يدها اليمنى برفق على طرف الطاولة، وعندما كانت قد تجاوزتها تجاه الأريكة، كان سكين ~~التقطيع قد اختفى دون أدنى ms212 صوت من مكانه على جانب الطبق. سمع السيد فيرلوك صرير خشب ~~الأرضية، وغمرته السعادة. انتظر. السيدة فيرلوك آتية. وكأن روح ستيفي المشردة كانت قد طارت ~~ووجدت مباشرة ملاذا في صدر أخته الوصية والحامية، كان التشابه بين وجهها ووجه أخيها ~~يزداد مع كل خطوة تخطوها، حتى في تدلي الشفة السفلية، وحتى في الحول الطفيف للعينين. ~~ولكن السيد فيرلوك لم يلاحظ ذلك. كان مستلقيا على ظهره ويحملق في السقف. رأى الظل ~~المتحرك المنقسم بين السقف والحائط بذراع يدها مقبوضة وممسكة بسكين تقطيع. اختلج ~~الظل صعودا وهبوطا. كانت حركاته متمهلة. كانت متمهلة بما يكفي لأن يلاحظ السيد ~~فيرلوك الذراع والسلاح. # كانت متمهلة بما يكفي لأن يستوعب المعنى الكامل لنذير الشؤم، وأن يتذوق طعم الموت وهو ~~يتصاعد في حلقه. كان قد تملك زوجته جنون جامح؛ جنون قاتل. كانت متمهلة بما يكفي لأن ~~يزول التأثير الأول الذي يشل الحركة والناجم عن هذا الاكتشاف أمام عزم ثابت على أن يخرج ~~منتصرا من الصراع المروع مع تلك المعتوهة المسلحة. كانت متمهلة بما يكفي لأن يضع ~~السيد فيرلوك خطة دفاع اشتملت على اندفاع إلى خلف الطاولة، وطرح المرأة أرضا باستخدام كرسي ~~خشبي ثقيل. لكنها لم تكن متمهلة بما يكفي لأن تتيح للسيد فيرلوك الوقت لأن يحرك يده ~~أو قدمه. كانت السكين قد غرست في صدره. لم تقابل أي مقاومة في طريقها. يتسم الخطر بتلك ~~الدقة. في تلك الطعنة الغائرة، المسددة من فوق جانب الأريكة، كانت السيدة فيرلوك قد ~~وضعت كل ما لديها من ميراث أصل موغل في القدم ومبهم، والشراسة الساذجة لعصر الكهوف، ~~والغضب الشديد المهتاج غير المتزن لعصر الحانات. مستديرا قليلا على جنبه من قوة الطعنة، ~~لفظ السيد فيرلوك، العميل السري، نفسه الأخير دون أن يحرك ساكنا، متمتما بكلمتين ~~«لا تفعلي» على سبيل الاعتراض. # كانت السيدة فيرلوك قد تخلت عن السكين، وتلاشى شبهها غير العادي بأخيها، وصارت طبيعية ~~جدا الآن. أخذت نفسا عميقا، أول نفس هادئ منذ أن عرض عليها كبير المفتشين هيت قطعة ~~القماش المعنونة من ms213 معطف ستيفي. انحنت إلى الأمام مستندة على ذراعيها المطويتين على جانب ~~الأريكة. لم تتخذ هذه الوضعية المريحة من أجل مشاهدة جثة فيرلوك ولا من أجل الشماتة ~~منه، وإنما لأنها شعرت وكأن غرفة المعيشة تتموج وتتمايل بها، وظلت تفعل هذا لبعض الوقت ~~وكأنها كانت في عاصفة في عرض البحر. شعرت بالدوار، ولكنها كانت هادئة. كانت قد أصبحت ~~امرأة حرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى فلم تعد ترغب في شيء ولا شيء لتفعله على ~~الإطلاق الآن؛ إذ لم يعد استحقاق ستيفي العاجل لحبها الشديد موجودا. لم تعد الرؤى ~~تقلق السيدة فيرلوك، التي كان تفكيرها تصويريا، لأنها لم تفكر على الإطلاق. ولم ~~تتحرك. كانت امرأة تتمتع بانعدام كامل للمسئولية وراحة لا متناهية، وكأنها جثة هامدة ~~تقريبا. لم تتحرك ولم تفكر. وكذلك كان حال الجسد الفاني للسيد فيرلوك المتوفى الممدد ~~على الأريكة. لولا أن السيدة فيرلوك كانت تتنفس، لأصبح هذان الاثنان على اتفاق تام؛ ذلك ~~الاتفاق المتسم بالتحفظ الحصيف من دون التفوه بكلمات لا حاجة لها، والاستغناء عن الإشارات، ~~التي كانت أساس حياتهما المنزلية المحترمة. وذلك لأنها كانت حياة أسرية محترمة، غلفت ~~بتكتم متحفظ المشكلات التي قد تنشأ من ممارسة مهنة ~~سرية والتجارة في سلع مشبوهة. وحتى النهاية، لم يتعكر صفو لياقة حياتها المنزلية ~~بصرخات غير لائقة، وغير ذلك من سلوكيات صادقة لا تليق بهذا المقام. وبعد الطعنة، استمر هذا ~~الاحترام في جمود وصمت. # لم يتحرك شيء في غرفة المعيشة حتى رفعت السيدة فيرلوك رأسها ببطء ونظرت إلى الساعة ~~بتساؤل غير واثق. كانت قد أصبحت واعية لصوت دقات في الغرفة. أصبح واضحا أكثر فأكثر في ~~أذنيها، مع أنها كانت تذكر بوضوح أن الساعة على الحائط لم تكن تصدر صوتا، ولم يكن لها ~~دقات مسموعة. ما الذي كان يعنيه أن تبدأ في الدق بصوت مرتفع جدا فجأة هكذا؟ كانت ~~تشير إلى التاسعة إلا عشر دقائق. لم تكن السيدة فيرلوك تأبه للوقت، واستمر صوت الدقات. ~~استنتجت أن الصوت لا يمكن أن يكون آتيا من الساعة، ms214 واضطربت نظراتها الكئيبة التي تحركت ~~على طول الحائط وصارت بلهاء، بينما أصغت سمعها كي تحدد مصدر الصوت. تيك، تيك، ~~تيك. # بعد الإنصات لبعض الوقت، خفضت السيدة فيرلوك نظرها عن عمد إلى جثة زوجها. كانت وضعية ~~الجثة المضطجعة مستريحة ومألوفة حتى إنها استطاعت أن تفعل ذلك دون شعور بالحرج من أي ~~تغيير ملحوظ في مظاهر حياتها المنزلية. كان السيد فيرلوك يأخذ رويحته المعتادة. كان يبدو ~~مرتاحا. # بسبب وضعية الجسد، لم يكن وجه السيد فيرلوك مرئيا للسيدة فيرلوك، أرملته. عيناها ~~الجميلتان الناعستان، اللتان كانتا تتجولان نزولا تتعقبان مسار الصوت، صارتا متأملتين ~~عندما تلاقتا مع شيء مسطح عظمي برز قليلا فوق حافة الأريكة. كان هذا هو مقبض سكين ~~تقطيع اللحم المنزلية ولا شيء غريب فيها سوى وضعيتها التي تتخذ زاوية قائمة على صدرية ~~السيد فيرلوك وأن شيئا كان يتقاطر منها. أخذت قطرات داكنة اللون تسقط واحدة تلو الأخرى، ~~على بساط الأرضية، وصوت دقات يتسارع ويحتد مثل دقات ساعة مجنونة. في أعلى سرعة لها، تبدل ~~صوت الدقات هذا متحولا إلى صوت تقاطر مستمر. راقبت السيدة فيرلوك هذا التحول وآثار قلق ~~تظهر وتختفي على وجهها. كان تقطرا قاتما سريعا رفيعا ... كان دما! # في ذلك الظرف غير المتوقع، نفضت السيدة فيرلوك عنها حالة الكسل وانعدام ~~المسئولية. # بمسكة مفاجئة لتنورتها وصرخة خافتة، ركضت نحو الباب، وكأن التقطر كان أول بادرة على ~~فيضان مدمر. عندما اعترضتها الطاولة، دفعتها بكلتا يديها ~~وكأنها كائن حي، بقوة حركتها مسافة على أرجلها الأربع، ~~مصدرة ضوضاء احتكاك عالية، بينما سقط الطبق الكبير مع قطعة اللحم مصطدما بقوة ~~بالأرضية. # ثم سكن كل شيء. كانت السيدة فيرلوك قد توقفت عندما وصلت إلى الباب. ظهرت قبعة مستديرة، ~~في منتصف الأرضية، نتيجة تحرك الطاولة، وأخذت تهتز قليلا على قمتها بفعل الهواء ~~الناتج عن هروبها. # | الفصل الثاني عشر # لم تركض ويني فيرلوك، أرملة السيد فيرلوك وشقيقة البار الراحل ستيفي (الذي تفجر إلى ~~أشلاء في حالة من البراءة وبقناعة بأنه كان يشارك في عمل إنساني)، أبعد من عتبة باب ms215 غرفة ~~المعيشة. كانت بالفعل قد هربت بعيدا جدا لمجرد قطرات دم، ولكن تلك كانت حركة نفور ~~غريزية. وهناك كانت قد توقفت، بعينين محدقتين ورأس منكس. وكأنها كانت قد أخذت تركض ~~لسنوات طويلة في هروبها عبر غرفة المعيشة الصغيرة، كانت السيدة فيرلوك عند الباب شخصا ~~مختلفا تمام الاختلاف عن المرأة التي كانت منحنية فوق الأريكة، وكانت تشعر بدوار طفيف ~~في رأسها، ولكن فيما عدا ذلك كانت لديها حرية الاستمتاع بالهدوء العميق بكسل وعدم مبالاة. ~~لم تعد السيدة فيرلوك تشعر بالدوار. استعاد رأسها اتزانه. وعلى الجانب الآخر، لم تعد ~~هادئة. كانت خائفة. # إن تحاشت النظر في اتجاه زوجها الممدد، فلم يكن السبب أنها كانت خائفة منه. لم يكن ~~النظر إلى السيد فيرلوك يبعث على الخوف. كان يبدو مرتاحا. إضافة إلى ذلك، كان ميتا. لم ~~تكن السيدة فيرلوك تضمر أي أوهام عبثية بشأن الموتى. لا شيء يعيدهم إلى الحياة، لا الحب ~~ولا الكراهية. لا يمكنهم فعل أي شيء لك. إنهم لا شيء. كان يشوب حالتها العقلية نوع من ~~الازدراء الشديد لذلك الرجل الذي كان قد قبل بأن يقتل بتلك السهولة. كان رب منزل، ~~وزوجا لامرأة، وقاتل شقيقها ستيفي. والآن، لم يعد له أي اعتبار من جميع النواحي. كان أقل ~~قيمة من الملابس التي على جثته، ومن معطفه، ومن حذائه، ومن تلك القبعة الملقاة على ~~الأرضية. كان لا شيء. لم يكن حتى يستحق النظر إليه. لم يعد حتى قاتل ستيفي المسكين. كان ~~القاتل الوحيد الذي سيجده الناس في الغرفة عندما يأتون بحثا عن السيد فيرلوك هو ... هي ~~نفسها! # كانت يداها ترتعش لدرجة أنها أخفقت مرتين في إعادة تثبيت حجابها. لم تعد السيدة ~~فيرلوك امرأة هادئة ومسئولة. كانت خائفة. الطعنة التي طعنتها للسيد فيرلوك لم تكن سوى ضربة. ~~كانت قد خففت من الألم المكبوت لصرخات مختنقة في حلقها، ولدموع جفت في عينيها ~~المتقدتين، ولغضب مجنون وناقم على الدور الفظيع الذي لعبه ذلك الرجل، الذي صار الآن أقل من ~~لا شيء، في حرمانها من الصبي. # كانت ms216 طعنة مبهمة الدوافع. كان الدم الذي يقطر على الأرضية من مقبض السكين قد حول ~~الأمر إلى حادثة قتل عادية. كانت السيدة فيرلوك، التي دوما ما كانت تنأى عن التمعن ~~بتعمق في الأمور، مجبرة على التعمق في هذا الأمر. لم تر وجها يطاردها، ولا ظلا ~~مؤنبا، ولا رؤيا تدفعها إلى الندم، ولا أي ضرب من ضروب التصورات المثالية. رأت شيئا ~~يلوح في الأفق. ذلك الشيء هو حبل المشنقة. كانت السيدة فيرلوك خائفة من حبل ~~المشنقة. # كانت مرتعبة منها رعبا تصوريا. وإذ لم تكن عيناها قد وقعت من قبل على ذلك البرهان ~~الأخير على عدالة البشر (في إشارة إلى المشنقة) إلا في رسوم توضيحية طبعت بقوالب خشبية ~~لنوع معين من الحكايات، رأتها الآن لأول مرة منصوبة قبالة خلفية مشهد مظلم عاصف، مزينة ~~بسلاسل وعظام بشرية، تحوم حولها طيور تنقر أعين الموتى. كان هذا المشهد كفيلا بإخافتها، ~~ولكن على الرغم من أن السيدة فيرلوك لم تكن واسعة الاطلاع، فقد كانت لديها معرفة ~~بمؤسسات بلدها كافية لأن تعرف أن المشانق ما عادت تنصب بطريقة مثيرة للعاطفة على ضفاف ~~أنهار موحشة ولا على رءوس بحرية تعصف فيها الرياح، وإنما في ساحات السجون. هناك بين أربعة ~~جدران عالية، وكأنما داخل حفرة، في وقت الفجر، كان يؤتى بالقاتل كي يعدم، في هدوء مريع، ~~وكما ذكرت تقارير الصحف دوما «في حضور السلطات المختصة». بعينيها المحدقة في الأرضية، ~~بينما كانت فتحات أنفها ترتجف غضبا وخزيا، تخيلت نفسها وحيدة تماما وسط جمع من رجال ~~غرباء يرتدون قبعات حريرية يؤدون في هدوء مهمة تنفيذ حكم الإعدام فيها. ذلك ... لن يحدث ~~أبدا! لن يحدث أبدا! وكيف يتم ذلك؟ أضافت استحالة تخيل تفاصيل ذلك الإعدام الهادئ ~~شيئا جنونيا زاد من رعبها المجرد. لم تذكر الصحف أي تفاصيل باستثناء تفصيلة واحدة، ولكن ~~تلك التفصيلة كانت دائما ما تذكر في نهاية تقرير هزيل مع إضافة بعض عبارات التكلف. ~~تذكرت السيدة فيرلوك ماهيتها. تذكرتها بألم حارق قاس في رأسها، وكأن الكلمات «كان عمق ~~السقطة أربع عشرة ms217 قدما» كانت قد نقشت في دماغها بإبرة ساخنة. «كان عمق السقطة أربع عشرة ~~قدما.» # أثرت هذه الكلمات عليها جسديا أيضا. صار حلقها متشنجا في موجات لمقاومة الاختناق؛ ~~وكان خوفها من السقطة المفاجئة شديدا لدرجة أنها أمسكت رأسها بكلتا يديها وكأنها تنقذها ~~من أن تنفصل من فوق كتفيها. «كان عمق السقطة أربع عشرة قدما.» كلا! لن يحدث هذا أبدا. ~~لم تستطع أن تتحمل «ذلك». بل إنها لم تتحمل حتى التفكير فيه. لم تتحمل التفكير فيه. ~~ولذا عزمت السيدة فيرلوك على أن تذهب من فورها وترمي بنفسها في النهر من فوق أحد ~~الجسور. # استطاعت هذه المرة أن تعيد تثبيت حجابها. بوجهها الذي بدا مثل قناع، متشحة بالسواد من ~~رأسها وحتى أخمص قدميها إلا بعض الزهور في قبعتها، رفعت ناظريها إلى الساعة بتلقائية. ظنت ~~أنها قد توقفت لا محالة. لم تستطع أن تصدق أنه لم يكن قد مر إلا دقيقتان منذ آخر مرة ~~كانت قد نظرت فيها إليها. طبعا لا. لقد كانت متوقفة طوال الوقت. في الحقيقة، لم يكن قد مر ~~إلا ثلاث دقائق من اللحظة التي أخذت فيها نفسا عميقا وهادئا بعد الطعنة، وحتى هذه اللحظة ~~التي عزمت فيها السيدة فيرلوك على أن ترمي نفسها في نهر التايمز. ولكن السيدة فيرلوك لم ~~تستطع أن تصدق ذلك. يبدو أنها سمعت أو قرأت أن الساعات تتوقف دوما في لحظة القتل من ~~أجل أن يتراجع القاتل. لم تأبه بذلك. «إلى الجسر ... ومن فوقه سأقفز.» ... ولكن حركاتها كانت ~~بطيئة. # جرجرت قدميها بصعوبة عبر المتجر، وكانت قد اضطرت إلى أن تتمسك بمقبض الباب قبل أن ~~تستجمع قواها اللازمة لفتحه. أخافها الشارع؛ لأنه كان يؤدي إما إلى المشنقة أو إلى ~~النهر. تعثرت بعتبة الباب ورأسها متجه إلى الأمام، وذراعاها مفرودتان، مثل شخص يسقط من ~~فوق حاجز جسر. كان هذا الخروج إلى الهواء الطلق منذرا بالغرق؛ غلفتها رطوبة لزجة، دخلت ~~من فتحتي أنفها، وعلقت بشعرها. لم يكن الجو مطيرا في الواقع، ولكن كان لكل مصباح غاز هالة ~~باهتة صغيرة ms218 من الضباب. كانت الشاحنة والخيول قد ولت ، وفي الشارع الأسود شكلت نافذة ~~مطعم سائقي العربات المنسدلة الستار رقعة مربعة من ضوء أحمر دموي وهجه خافت قريب جدا ~~من مستوى الرصيف. بينما كانت السيدة فيرلوك تجرجر نفسها ببطء نحوه، فكرت في إنها امرأة ~~وحيدة جدا بلا أصدقاء. كان هذا صحيحا. كان صحيحا جدا حتى إنها، في اشتياق مفاجئ لأن ~~ترى وجها مألوفا، لم يخطر على بالها أحد غير السيدة نيال، الخادمة. لم يكن لها معارف. لن ~~يفتقدها أحد على المستوى الاجتماعي. يجب ألا نتخيل أن الأرملة فيرلوك قد نسيت أمها. لم ~~يكن الأمر كذلك. كانت ويني ابنة بارة لأنها كانت أختا مخلصة. دائما ما كانت أمها تعتمد ~~على مساندتها. لا يمكن توقع أي مواساة أو نصيحة من أمها. والآن بموت ستيفي بدا أن الرابطة ~~قد انقطعت. لم تستطع أن تواجه المرأة العجوز بالحكاية المروعة. إضافة إلى ذلك، كان المكان ~~بعيدا جدا. كان النهر هو وجهتها الحالية. حاولت السيدة فيرلوك أن تنسى أمها. # كل خطوة كلفتها عناء من إرادة وبدت أنها آخر خطوة ممكنة. جرجرت السيدة فيرلوك نفسها ~~متجاوزة الوهج الأحمر لنافذة المطعم. كررت لنفسها بعناد شرس: «إلى الجسر ... ومن فوقه ~~سأقفز.» مدت يدها في الوقت المناسب كي تستند على عمود إنارة. فكرت: «لن أصل إلى هناك ~~أبدا قبل الصباح.» شل الخوف من الموت جهودها للهرب من المشنقة. خيل إليها أن ساعات مضت ~~وهي تمشي مترنحة في ذلك الشارع. فكرت: «لن أصل إلى هناك أبدا.» «سيعثرون علي وأنا أتخبط ~~بين الشوارع. المسافة بعيدة للغاية.» توقفت، وأخذت تلهث تحت حجابها الأسود. ~~«كان عمق السقطة أربع عشرة قدما.» # دفعت عمود الإنارة مبتعدة بعنف، واستعادت قواها لتمشي. لكن اجتاحتها موجة أخرى من الضعف ~~مثل بحر هائج، جرفت قلبها بعيدا خارج صدرها. توقفت فجأة، وهي تترنح قليلا في مكانها، ~~وتمتمت: «لن أصل إلى هناك أبدا. أبدا.» # وإذ أدركت السيدة فيرلوك الاستحالة المطلقة لأن تمشي إلى أقرب جسر، فكرت في السفر إلى ~~خارج البلاد. # خطرت الفكرة على ms219 ذهنها فجأة. كان القتلة يهربون. كانوا يهربون إلى خارج البلاد. إلى ~~إسبانيا أو كاليفورنيا. مجرد أسماء. الكون الفسيح المخلوق من أجل مجد الإنسان لم يكن يمثل ~~للسيدة فيرلوك إلا فراغا شاسعا. لم تكن تعرف أي طريق ينبغي أن تسلكه. كان للقتلة أصدقاء، ~~وعلاقات، ومعاونون ... كان لديهم المعرفة. أما هي فلم تكن تمتلك شيئا. كانت الأكثر وحدة ~~على الإطلاق من بين القتلة الذين سددوا ضربة قاتلة. كانت وحيدة في لندن: وكانت مدينة ~~العجائب والطين، بشوارعها التي تشبه المتاهة وأضوائها الكثيرة، غارقة بكاملها، في ليلة ~~يعوزها الأمل، مستقرة في قاع هاوية سوداء لا تستطيع امرأة لا حول لها ولا قوة أن تهرب ~~منها دون عون. # ترنحت إلى الأمام، وانطلقت من جديد من دون ترو، مع خوف شديد من السقوط؛ ولكن بعد بضع ~~خطوات، على غير المتوقع، شعرت بإحساس بالدعم والأمان. رفعت رأسها، فرأت وجه رجل يحدق ~~عن كثب في حجابها. لم يكن الرفيق أوسيبون يخشى النساء الغريبات، ولا يمكن لتأدب زائف أن ~~يمنعه من أن يتعرف على امرأة من الواضح أنها ثملة جدا. كان الرفيق أوسيبون ميالا إلى ~~النساء. أمسك هذه المرأة بين راحتي يديه الكبيرتين، ناظرا إليها بطريقة احترافية حتى ~~سمعها تقول بصوت خافت: «السيد أوسيبون!» ثم كاد أن يدعها تسقط أرضا. # صاح: «سيدة فيرلوك! أنت هنا!» # بدا له مستحيلا أن تكون قد احتست مشروبات كحولية. ولكن لا أحد يعلم. لم يخض في تلك ~~المسألة، ولكن حرصا منه على ألا يعادي الحظ السعيد الذي قدم إليه أرملة الرفيق فيرلوك، ~~حاول أن يضمها إلى صدره. أدهشه أنها أتت بسهولة تامة، حتى إنها استراحت على ذراعه ~~للحظة قبل أن تحاول أن تخلص نفسها من بين يديه. لن يكون الرفيق أوسيبون فظا مع الحظ ~~السعيد. سحب ذراعه بطريقة طبيعية. # قالت متلعثمة، وهي واقفة أمامه، ثابتة إلى حد ما على ساقيها: «لقد عرفتني.» # قال أوسيبون بسرعة تامة: «بالطبع عرفتك. خشيت أن تسقطي. انشغلت بالتفكير فيك في الفترة ~~الأخيرة لدرجة أنه يمكنني أن أتعرف عليك في ms220 أي مكان، وأي وقت. إنني أفكر فيك دوما ... ~~منذ أن وقعت عيناي عليك لأول مرة.» # بدا أن السيدة فيرلوك لم تسمعه. قالت بعصبية: «هل كنت آت إلى المتجر؟» # أجاب أوسيبون: «نعم؛ على الفور. بعد أن قرأت الصحيفة مباشرة.» # في الواقع، ظل الرفيق أوسيبون يتوارى ساعتين كاملتين في محيط شارع بريت، دون أن يقدر ~~على أن يتخذ قرار خطوة جريئة. لم يكن اللاسلطوي القوي مبادرا جسورا. تذكر أن السيدة ~~فيرلوك لم تكن قد استجابت قط لنظراته بأدنى علامات التشجيع. علاوة على ذلك، ظن أن المتجر ~~ربما يكون تحت مراقبة الشرطة، ولم يرغب الرفيق أوسيبون في أن تشكل الشرطة فكرة مبالغا ~~فيها عن عواطفه الثورية. وحتى الآن لم يكن يعرف بالضبط ما يتعين عليه فعله. مقارنة ~~بمجازفاته الغرامية المعتادة، كانت هذه مبادرة كبيرة وخطيرة. تجاهل مقدار ما تنطوي عليه ~~وإلى أي مدى عليه أن يتعمق فيها من أجل أن يحصل على ما يمكنه الحصول عليه منها؛ بافتراض ~~أنه كانت ثمة فرصة على الإطلاق. هذه الأمور المحيرة، التي كبحت نشوته أضفت على نبرته ~~رزانة تتلاءم جيدا مع الظروف. # سأل بصوت خافت: «هل لي أن أسألك إلى أين أنت ذاهبة؟» # صاحت السيدة فيرلوك بعنف مكبوت اهتز له جسدها: «لا تسألني!» بكل إرادة الحياة القوية ~~لديها تراجعت عن فكرة الموت. «لا يهم إلى أين كنت ذاهبة ...» # استخلص أوسيبون أنها منفعلة كثيرا إلا أنها كانت متزنة تماما. ظلت صامتة إلى جانبه ~~للحظة، ثم فجأة فعلت شيئا لم يكن يتوقعه. دست يدها تحت ذراعه. أذهله هذا التصرف في حد ~~ذاته بالتأكيد، وبنفس القدر تقريبا أذهلته سمة العزم الجلية في هذه الخطوة. ولكن نظرا ~~لحساسية تلك المسألة، تصرف الرفيق أوسيبون بتأدب. كان قانعا بضغط يدها قليلا على ضلوعه ~~القوية. وفي الوقت نفسه شعر بأنه يدفع للمضي قدما، واستسلم لهذا الاندفاع. عند نهاية ~~شارع بريت، أدرك أنه كان يوجه يسارا. وأذعن لذلك. # كان بائع الفاكهة على الناصية قد أخمد الضوء الذي كان وهجه يضفي بهاء على البرتقال ~~والليمون، وخيم ms221 ظلام تام على شارع بريت بليس، تخللته هالات ضبابية من بضعة مصابيح تحدد ~~شكلها المثلثي، إذ كانت مجموعة من ثلاثة مصابيح على حامل في المنتصف. ببطء انسابت على ~~الجدران الهيئتان الداكنتان للرجل والمرأة المتشابكي الذراعين وكأنهما عاشقان مشردان في ~~ليلة بائسة. # سألته السيدة فيرلوك، متأبطة ذراعه بقوة: «ماذا تقول إذا أخبرتك أنني كنت عازمة على أن ~~أبحث عنك؟» # أجاب أوسيبون، متخيلا أنه أحرز تقدما هائلا: «سأقول إنك لن تجدي أحدا أكثر استعدادا ~~لمساعدتك في مشكلتك مني.» في الحقيقة، كاد التقدم في هذه المسألة الحساسة يذهله. # كررت السيدة فيرلوك ببطء: «في مشكلتي!» ~~«نعم.» # همست بتشديد غريب: «وهل تعرف ما مشكلتي؟» # شرح أوسيبون بحماسة: «بعد عشر دقائق من الاطلاع على الصحيفة المسائية، تقابلت مع شخص ~~ربما تكونين قد رأيته مرة أو مرتين في المتجر، وتبادلت معه حديثا، لم يترك لدي أي شك ~~فيما يدور في ذهني. ثم انطلقت إلى هنا، متسائلا إن كنت ... إنني مولع بك إلى حد تعجز ~~الكلمات عن وصفه منذ أن وقعت عيناي على وجهك لأول مرة.» قال ذلك صائحا، وكأنه عاجز عن ~~التحكم في مشاعره. # افترض الرفيق أوسيبون، مصيبا، أنه لا توجد امرأة بوسعها أن تكذب مثل هذا القول. لكنه ~~لم يكن يعلم أن السيدة فيرلوك قبلته بكل القوة التي تبثها غريزة التشبث بالحياة في قبضة ~~إنسان يغرق. كان اللاسلطوي القوي لأرملة السيد فيرلوك مثل رسول حياة بهي. # مشيا ببطء بإيقاع واحد. تمتمت السيدة فيرلوك بصوت خافت: «ظننت ذلك.» # ألمح أوسيبون بثقة كبيرة: «قرأته في عيني.» # همست في أذنه المائلة نحوها: «نعم.» ~~«لا يمكن إخفاء حب مثل حبي عن امرأة مثلك.» أردف، محاولا أن يبعد عن عقله الاعتبارات ~~المادية مثل قيمة المتجر، والمبلغ المالي الذي ربما يكون السيد فيرلوك قد تركه في البنك. ~~كرس نفسه للجانب العاطفي للمسألة. وفي أعماق قلبه، كان مصدوما قليلا من نجاحه. كان ~~فيرلوك رجلا طيبا، وبالتأكيد زوجا محترما جدا بقدر ما يمكن للمرء أن يرى. ومع ذلك، ~~لم يكن الرفيق أوسيبون سيعاند حظه ms222 من أجل رجل ميت. بحزم، قمع تعاطفه مع شبح الرفيق فيرلوك ~~وتابع حديثه. ~~«لم أستطع إخفاءه. كنت مغرما بك بكل كياني. يمكنني القول بأنه لم يكن بوسعك إلا أن ~~تري ذلك في عيني. ولكنني لم أستطع أن أخمن ذلك. كنت دوما بعيدة جدا ...» # صاحت السيدة فيرلوك: «وما الذي كنت تتوقعه غير ~~ذلك؟ لقد كنت امرأة محترمة ...» # توقفت عن الكلام، ثم أضافت، وكأنها تتحدث إلى نفسها باستياء نكد: «حتى جعلني ما ~~أنا عليه الآن.» # تجاوز أوسيبون ذلك، وأمسك بدفة الحديث. استهل حديثه، تاركا الإخلاص يذهب أدراج الرياح: ~~«لم يبد لي قط أنه كان جديرا بك. كنت تستحقين مصيرا أفضل.» # قاطعته السيدة فيرلوك بنبرة فيها مرارة: ~~«مصيرا أفضل! ظل يخدعني لمدة سبع سنين من حياتي.» ~~«كنت تبدين سعيدة جدا معه.» حاول أوسيبون أن يبرئ فتور سلوكه السابق. أضاف: «وهذا ما ~~جعلني خجلا. كان يبدو أنك تحبينه. كنت متفاجئا ... وغيورا.» # صاحت السيدة فيرلوك في همس مليء بالسخرية والغضب: ~~«أحبه!» «أحبه! كنت زوجة صالحة له. أنا امرأة محترمة. كنت تظن أنني أحبه! كنت تظن ذلك! ~~اسمع، يا توم ...» # ابتهج الرفيق أوسيبون فخرا لما سمع اسمه. وذلك لأن اسمه كان ألكسندر، وكان يدعى توم ~~اتفاقا مع أقرب المقربين منه. كان الاسم الدارج بين أصدقائه ... اسم لحظات التبسط. لم يكن ~~لديه أي فكرة عن أنها كانت قد سمعت أي شخص يستخدمه من قبل. كان واضحا أنها لم تكن قد ~~التقطته فحسب، بل خزنته في ذاكرتها ... وربما في قلبها. ~~«اسمع يا توم! كنت فتاة صغيرة. كنت مستنزفة. كنت متعبة. كان لدي شخصان يعتمدان على ما ~~يمكنني فعله، وبدا بالفعل أنني لم أكن أستطيع أن أفعل أكثر مما كنت أفعل. شخصان؛ أم وصبي. ~~كان ابنا لي أكثر مما كان ابنا لأمي. سهرت ليالي وليالي وهو في حضني بمفردنا في الطابق ~~العلوي حينما لم يكن عمري قد تجاوز ثمانية أعوام. وبعد ذلك؛ كان ابنا لي ... لا يمكنك أن ~~تفهم ذلك. لا يوجد رجل بوسعه أن يفهم ذلك. ما الذي ms223 كان يمكنني فعله؟ كان ثمة فتى صغير ~~...» # انتعشت ذكرى الرومانسية المبكرة مع الجزار الشاب وظلت حاضرة مثل صورة مثالية خاطفة في ~~ذلك القلب الذي يئن في مواجهة الخوف من المشنقة ومليء بالتمرد على الموت. # أردفت أرملة السيد فيرلوك: «ذلك كان الرجل الذي أحببته في ذلك الوقت.» «أظن أنه استطاع ~~أن يرى ذلك الحب في عيني أيضا. خمسة وعشرون شلنا في الأسبوع، وهدده والده بأن يطرده من ~~العمل لو تصرف بتلك الحماقة وتزوج بفتاة ترعى أما مقعدة وصبيا أحمق مخبولا. لكنه ~~ظل يحوم حولي، حتى واتتني الشجاعة في إحدى الأمسيات أن أغلق الباب في وجهه. كنت مضطرة ~~إلى فعل هذا. أحببته كثيرا. خمسة وعشرون شلنا في الأسبوع! كان ثمة ذلك الرجل الآخر؛ ~~نزيل طيب. ما الذي يمكن لفتاة فعله؟ هل كان يمكن أن أتيه في الشوارع؟ بدا لطيفا. كان ~~يريدني على أي حال. ما الذي كان علي أن أفعله مع أمي ومع ذلك الفتى البائس؟ ماذا؟ ~~وافقت. بدا طيب القلب، وكان سخيا، ويملك المال، ولم يقل شيئا على الإطلاق. سبع سنوات ~~... سبع سنوات ظللت فيها زوجة وفية له، ذلك العطوف، الطيب، الكريم، ال... كما أنه أحبني. أوه ~~نعم. أحبني حتى تمنيت لنفسي في بعض الأحيان ... سبع سنوات. سبع سنوات زوجة له. وهل تعرف ~~ماذا كان، صديقك العزيز ذاك؟ هل تعرف ماذا كان؟ كان شيطانا!» # العنف الفائق في ذلك البيان الهامس صعق الرفيق أوسيبون. استدارت ويني فيرلوك نحوه وأمسكته ~~من كلتا ذراعيه، وواجهته تحت رذاذ المطر المتساقط في ظلمة شارع بريت بليس ووحشته، الذي بدت ~~فيه كل أصوات الحياة مفقودة وكأنهما في بئر مثلثة الشكل من الأسفلت والطوب، ومن بيوت ~~مبهمة وأحجار جامدة. # بنوع من الغباء الواهن، الذي كان جانبه الفكاهي غائبا عن امرأة يطاردها الخوف من حبل ~~المشنقة، قال: «لا، لم أكن أعرف. أنا ... أنا أفهم.» تخبط في الحديث وأخذ عقله يتكهن نوع ~~الفظائع التي يمكن أن يكون فيرلوك قد مارسها في ستر المظاهر الخاملة والهادئة لزواجه. ~~كانت مريعة بالتأكيد. كرر: ms224 «أفهم.» ثم بإلهام مفاجئ تلفظ بعبارة «امرأة تعيسة!» بمواساة ~~نبيلة بدلا من القول الأكثر حميمية «عزيزتي المسكينة!» كما اعتاد أن يقول. لم تكن هذه حالة ~~عادية. أدرك أن شيئا غير طبيعي يجري، بينما لم يغب عن ناظره قط عظم الرهان. «امرأة ~~تعيسة شجاعة!» # سره أنه اكتشف ذلك الاختلاف، ولكنه لم يستطع أن يكتشف أي شيء آخر. ~~«آه، ولكنه ميت الآن.» كان أفضل ما استطاع فعله. وأضفى قدرا كبيرا من العداء في هتافه ~~المتحفظ. أمسكت السيدة فيرلوك بذراعه بنوع من الجنون. # تمتمت، وكأنها ذاهلة: «لقد خمنت إذن أنه قد مات. أنت! خمنت ما اضطررت إلى فعله. ~~اضطررت إلى ذلك!» # كان ثمة إيحاءات بالانتصار، والارتياح، والامتنان في النبرة الغامضة التي قيلت بها هذه ~~الكلمات. استحوذت على كل انتباه أوسيبون على حساب المعنى الحرفي المجرد. تساءل ما خطبها، ~~ولماذا أقحمت نفسها في هذه الحالة من الانفعال الجامح. بدأ حتى يتساءل عما إن كانت الأسباب ~~الخفية لواقعة جرينتش بارك تلك كامنة في الظروف التعيسة لحياة فيرلوك الزوجية. ذهب به ~~التفكير إلى حد الشك في أن السيد فيرلوك قد اختار الانتحار بتلك الطريقة غير العادية. يا ~~إلهي! ذلك من شأنه أن يفسر التفاهة المطلقة والتوجه الخاطئ بشأن الأمر. لم تتطلب الظروف ~~مظهرا لا سلطويا. على النقيض تماما؛ وكان فيرلوك على علم تام بذلك مثل أي ثوري آخر في ~~منزلته. يا لها من مزحة هائلة لو كان فيرلوك ببساطة قد استغفل أوروبا بأكملها، والعالم ~~الثوري، والشرطة، والصحافة، والبروفيسور المغرور أيضا. في الحقيقة، فكر أوسيبون في نفسه، ~~بذهول، أنه بالفعل يبدو أنه من شبه المؤكد لأنه قد فعل! يا له من رجل بائس! خطر له أنه من ~~المحتمل جدا أن في تلك الأسرة المكونة من فردين لم يكن الرجل هو الشيطان على وجه ~~التحديد. # كان ألكسندر أوسيبون، الملقب بالطبيب، يميل بطبعه إلى أن يفكر بتساهل بشأن أصدقائه من ~~الرجال. رمق السيدة فيرلوك وهي متعلقة بذراعه. كان يفكر بشأن صديقاته من النساء تفكيرا ~~عمليا بوجه خاص. لم يشغله ms225 كثيرا السبب وراء تعجب السيدة فيرلوك من علمه بموت فيرلوك، ~~الذي لم يكن تخمينا على الإطلاق. كثيرا ما يتحدثن كالمجانين. ولكن انتابه فضول لأن يعرف ~~كيف علمت بذلك. لم يكن ممكنا للصحف أن تخبرها بأي شيء أكثر من الحقيقة المجردة: الرجل ~~الذي تفجر إلى أشلاء في جرينتش بارك لم يتعرف على هويته بعد. ولا يمكن تصور، بناء ~~على أي فرضية من الفرضيات، أن فيرلوك قد ألمح لها عن نيته، مهما كانت. هذه المشكلة أثارت ~~اهتمام الرفيق أوسيبون للغاية. توقف فجأة. كانا عندئذ قد سارا في الجهات الثلاث لبريت ~~بليس، وكانا قريبين من نهاية شارع بريت مرة أخرى. # تساءل، بنبرة حاول أن يجعلها مناسبة لطبيعة ما كانت قد باحت به المرأة الواقفة بجانبه: ~~«كيف وصل الأمر إلى مسامعك لأول مرة؟» # انتفضت بعنف لبرهة قبل أن تجيب بصوت فاتر. ~~«من الشرطة. أتى كبير مفتشين، قال إنه كبير المفتشين هيت. أراني ...» # اختنقت السيدة فيرلوك. «آه يا توم، اضطروا إلى جمع أشلائه بمجرفة.» # علا صدرها ببكاء من دون دموع. بعد هنيهة، تمكن أوسيبون من الكلام. ~~«الشرطة! هل تقصدين أن الشرطة أتت بالفعل؟ أن كبير المفتشين هيت أتى بنفسه ~~وأخبرك.» # أكدت بتلك النبرة الفاترة: «نعم. أتى ببساطة هكذا. أتاني. لم أكن أعلم. أراني قطعة قماش ~~من معطف، و... هكذا ببساطة. هل تعرفين هذا؟ هذا ما قاله.» ~~«هيت! هيت! وماذا فعل؟» # طأطأت السيدة فيرلوك رأسها. تمتمت بنبرة مفجوعة: «لا شيء. لم يفعل شيئا. ذهب إلى حال ~~سبيله. كانت الشرطة في جانب ذلك الرجل. أتى واحد آخر أيضا.» # سأل أوسيبون، بانفعال كبير، وبنبرة تشبه كثيرا طفلا مرعوبا: «آخر ... هل تقصدين ~~مفتشا آخر؟» ~~«لا أعلم. أتاني. بدا أنه أجنبي. ربما كان أحد رجال السفارة.» # كاد الرفيق أوسيبون أن يخر تحت وقع هذه الصدمة الجديدة. ~~«سفارة! هل أنت مدركة لما تقولين؟ أي سفارة؟ بحق السماء ما الذي تقصدينه ~~بالسفارة؟» ~~«إنها ذلك المكان في ميدان تشيشام. الأناس الذين كان يلعنهم كثيرا. لا أعلم. ما أهمية ~~ذلك!» ~~«وما الذي فعله أو ms226 قاله ذلك الشخص معك؟» # توسلت بصوت ضجر : «لا أتذكر ... لا شيء ... لا يهمني. لا تسألني.» # وافق أوسيبون برقة: «حسنا. لن أفعل.» وكان يعني هذا أيضا، ليس لأنه تأثر بالتأسي في ~~الصوت المتوسل، ولكن لأنه شعر بأنه ينزلق في أعماق هذه المسألة المبهمة. الشرطة! ~~السفارة! أوف! خوفا من أن يغامر بذكائه في طرق قد تقصر ومضاته الطبيعية عن أن ترشده ~~فيها بأمان، طرد بحزم من عقله جميع الافتراضات والتكهنات والنظريات. المرأة بين يديه، ~~ترمي بنفسها بين ذراعيه بكل معنى الكلمة، وكان ذلك هو الاعتبار الرئيسي. ولكن بعد الذي ~~سمعه، لم يعد يمكن لأي شيء أن يدهشه. وعندما بدأت السيدة فيرلوك، وكأنما استفاقت فجأة ~~مرتاعة من حلم بالأمان، تلح عليه بشدة بضرورة الهروب فورا إلى أوروبا، لم يبد اندهاشه ~~على الإطلاق. قال ببساطة وبأسف غير متكلف إنه لا توجد قطارات حتى الصباح، ووقف يمعن ~~النظر في وجهها المحجوب بشبكة سوداء في ضوء مصباح غاز محجوب بطبقة شفافة من الرذاذ. # بالقرب منه، اندمجت هيئتها القاتمة مع ظلمة الليل، مثل جسم منحوت جزئيا من كتلة من ~~حجارة سوداء. كان من المستحيل أن يخمن ما كانت تعرفه، ومدى تورطها مع رجال الشرطة ~~والسفارات. ولكن إن أرادت أن تهرب، لم يكن من شأنه أن يعترض. كان هو نفسه متلهفا إلى ~~الهروب خارج البلاد. شعر أن العمل - المتجر المألوف بغرابة شديدة لكبار المفتشين وأعضاء من ~~سفارات أجنبية - لم يكن المكان المناسب له. لا بد من إسقاط ذلك من حساباته. ولكن كان يوجد ~~بقية الأمور. تلك المدخرات. الأموال! # قالت بصوت مفزوع: «يجب أن تخبئني حتى الصباح في مكان ما.» ~~«الحقيقة، يا عزيزتي، أنني لا أستطيع أن آخذك إلى حيث أقطن. فأنا أتشارك الغرفة مع ~~صديق.» # كان هو نفسه يشعر بالفزع نوعا ما. لا شك في أن المخبرين المباركين سينتشرون في جميع ~~محطات القطارات في الصباح. وإن أمسكوا بها لسبب أو لآخر، فستضيع من بين يديه ~~بالتأكيد. ~~«لكن يجب أن تفعل. ألا يهمك أمري على الإطلاق ... على الإطلاق؟ ما ms227 الذي تفكر ~~فيه؟» # قالت تلك العبارات منفعلة ، ولكنها تركت يديها المتشبثتين به تسقطان بإحباط. خيم الصمت، ~~وبينما كان رذاذ المطر يسقط، وساد الظلام التام على بريت بليس. لم يدن أي مخلوق، ولا حتى ~~قطة شريدة وجامحة ومتوددة من الرجل والمرأة اللذين كانا يقف أحدهما في مواجهة الآخر. # تكلم أوسيبون أخيرا: «ربما يكون من الممكن أن أعثر على مأوى آمن في مكان ما. ولكن ~~الحقيقة، يا عزيزتي، أنا لا أملك ما يكفي من المال من أجل أن أذهب وأحاول ... بضعة بنسات فقط. ~~نحن الثوريين لسنا أغنياء.» # كان معه خمسة عشر شلنا في جيبه. أضاف: ~~«وثمة رحلة أمامنا أيضا ... هذا أول شيء سنفعله في الصباح.» # لم تتحرك ولم تصدر أي صوت، وشعر الرفيق أوسيبون بخيبة الأمل قليلا. ظاهر الأمر أنها ~~لم تكن تملك أي اقتراح لتعرضه. وفجأة، قبضت على صدرها، وكأنها شعرت بألم حاد فيه. # شهقت قائلة: «ولكن أنا معي. أنا أملك المال. أملك مالا كافيا. توم! لنذهب من ~~هنا.» # سألها، دون أن يتحرك استجابة لشدها له؛ لأنه كان رجلا حذرا: «كم معك من ~~المال؟» ~~«قلت لك إنني أملك المال. كل المال.» # سأل بارتياب، ولكن بميل إلى ألا يندهش من أي شيء يأتي عن طريق الحظ: «ما الذي تعنينه ~~بذلك؟ هل تقصدين كل المال الذي كان في البنك، أم ماذا؟» # قالت بعصبية: «أجل، أجل! كل ما كان فيه. كله معي.» # سأل متعجبا: «كيف بحق السماء تمكنت من الحصول عليه بهذه السرعة؟» # ارتعش صوتها وخفت فجأة، وتمتمت: «هو أعطاني إياه.» أخمد الرفيق أوسيبون دهشته المتصاعدة ~~بصرامة شديدة. # وقال ببطء: «عجبا، إذن ... فقد نجونا.» # مالت إلى الأمام، وارتمت على صدره. تلقاها عليه بترحيب. كان معها المال كله. كانت ~~قبعتها تقف في طريق مشاعر متدفقة واضحة جدا؛ وكذلك حجابها. كانت تعبيراته عن مشاعره ~~كافية، ولكن لا أكثر من ذلك. استقبلتها دون مقاومة ودون استسلام، بسلبية، وكأنها شبه متزنة. ~~حررت نفسها من عناقه الفاتر دون صعوبة. # تراجعت، ولكن ظلت متمسكة به من طيتي صدر معطفه الرطب، ms228 وانفجرت تصرخ: «أنقذني يا توم. ~~أنقذني. خبئني . لا تدعهم يمسكون بي. يجب أن تقتلني أولا. لا أستطيع أن أفعل ذلك بنفسي ... ~~لا أستطيع، لا أستطيع ... ولا حتى من أجل ما أخشاه.» # قال لنفسه إنها غريبة بطريقة محيرة. بدأت تثير فيه قلقا غير محدود. قال بفظاظة، لأنه ~~كان منشغلا بأفكار مهمة، قال مؤكدا: ~~«ما «الذي» تخشينه بحق الشيطان؟» # صاحت المرأة: «ألم تخمن ما الذي دفعت إلى ارتكابه!» متشتتة تحت تأثير واقعية ~~مخاوفها المروعة، ورأسها يعج بكلمات مدوية، جعلت الرعب من وضعها لا يغيب عن عقلها، كانت قد ~~تخيلت أن عدم ترابط كلامها هو الوضوح نفسه. لم تكن تعي مدى قلة ما كانت قد قالته بكلمات ~~مسموعة في العبارات المفككة التي لم تكتمل إلا في ذهنها. كانت قد شعرت بارتياح الإدلاء ~~باعتراف كامل، وأعطت معنى خاصا لكل جملة تفوه بها الرفيق أوسيبون، الذي لم تكن معرفته ~~تضاهي ما كانت تعرفه على الإطلاق. انخفض صوتها: «ألم تخمن ما دفعت إلى ارتكابه!» ~~أردفت بتمتمة مريرة وحزينة: «لا تحتاج إلى التفكير طويلا كي تخمن ما أخشاه. لن تلف ~~حول عنقي. لن يحدث. لن يحدث. لن يحدث. يجب أن تعدني بأن تقتلني أولا!» هزت طيات معطفه. ~~وأردفت: «يجب ألا يحدث ذلك!» # أكد لها باقتضاب أنه لا ضرورة لأن يقطع لها وعودا من جانبه، لكنه حرص على ألا ~~يعارضها بعبارات محددة؛ لأنه كان لديه باع طويل في التعامل مع النساء المنفعلات، وكان ~~يميل في العموم إلى أن يدع خبرته توجه سلوكه مفضلا أن يستخدم حكمته مع كل حالة خاصة. ~~كانت حكمته في هذه الحالة مشغولة في اتجاهات أخرى. كانت كلمات النساء تسقط في البحر، ولكن ~~أوجه الخلل في جداول المواعيد باقية. الطبيعة المنعزلة لبريطانيا العظمى بحكم كونها جزيرة ~~فرضت نفسها على ملاحظته بطريقة بغيضة. فكر بانفعال، وحيرة وكأن أمامه جدارا عليه أن ~~يتسلقه بتلك المرأة على ظهره: «قد يكون من الجيد أن أخبئها في مكان آمن كل ليلة.» فجأة ~~صفع جبهته. كان قد تذكر بعدما اعتصر ذهنه ms229 في خدمة ساوثهامبتون، سانت مالو. غادر القارب في ~~منتصف الليل تقريبا. كان يوجد قطار في الساعة العاشرة والنصف. أصبح مبتهجا ومستعدا ~~للتصرف. ~~«من ووترلو. متسع من الوقت. اتفقنا أخيرا ...» واعترض قائلا: «ما الخطب الآن؟ هذا ليس ~~الطريق.» # حاولت السيدة فيرلوك، بعدما تأبطت ذراعه بذراعها، أن تسحبه مرة أخرى إلى شارع ~~بريت. # همست، منفعلة للغاية: «نسيت أن أقفل باب المتجر عندما خرجت.» # لم يعد الرفيق أوسيبون يهتم بالمتجر وبكل ما كان فيه. كان يعلم كيف يكبح رغباته. أوشك ~~أن يقول «وماذا في ذلك؟ فليكن» ولكنه امتنع عن ذلك. كان يكره الجدال حول تفاهات. بل إنه ~~عدل سرعة خطوه كثيرا ظنا منه أنها ربما تكون قد تركت المال في الدرج. ولكن همته كانت ~~أبطأ من نفاد صبرها المحموم. # بدا المتجر مظلما تماما للوهلة الأولى. كان الباب مواربا. قالت السيدة فيرلوك لاهثة، ~~وهي تستند على الواجهة: ~~«لم يدخل أحد. انظر! الضوء؛ الضوء في غرفة المعيشة.» # مد أوسيبون رأسه إلى الأمام، فرأى ضوءا خافتا وسط ظلام المتجر. # قال: «موجود.» # أتى صوت السيدة فيرلوك من خلف حجابها خافتا: «نسيته.» وإذ انتظر أن تدخل هي أولا، قالت ~~بصوت أعلى: «ادخل وأطفئه ... وإلا فسأجن.» # لم يبد أي اعتراض فوري على هذا الاقتراح، بدافع غريب جدا. سأل: «أين كل ذلك ~~المال؟» # صاحت، ممسكة بكتفيه من الخلف: «معي! اذهب يا توم. بسرعة! أطفئه ... ادخل!» # غير مستعد لاستعراض قوته الجسدية، تعثر الرفيق أوسيبون وقطع شوطا داخل المتجر بسبب ~~دفعتها. دهش من قوة المرأة وصدم مما فعلته. لكنه لم يعد أدراجه من أجل أن يعنفها ~~محتجا في الشارع. كان قد بدأ يتولد لديه انطباع سيئ بسبب سلوكها الغريب. علاوة على ذلك، ~~كان هذا هو الوقت المناسب كي يلاطف المرأة، وإلا فلن تحين الفرصة ثانية أبدا. بسهولة ~~تحاشى الرفيق أوسيبون حافة منضدة البيع، واقترب بهدوء من باب غرفة المعيشة المزجج. وإذ كانت ~~الستارة على الألواح الزجاجية متراجعة قليلا، بدافع طبيعي جدا، نظر إلى الداخل، في ~~اللحظة التي كان يستعد فيها لإدارة مقبض ms230 الباب. نظر إلى الداخل دون تفكير، ودون قصد، وفضول ~~من أي نوع. نظر إلى الداخل لأنه لم يستطع أن يمنع نفسه من النظر إلى الداخل. نظر إلى ~~الداخل، واكتشف أن السيد فيرلوك كان ممددا في هدوء على الأريكة. # تلاشت صرخة خرجت من أعمق أعماق صدره دون أن يسمعها أحد وتحولت إلى طعم دهني غث على ~~شفتيه. في الوقت نفسه نفذ الرفيق أوسيبون ذهنيا قفزة جنونية إلى الوراء. ولكن جسده - ~~الذي ترك هكذا من دون توجيه من عقله - ظل ممسكا مقبض الباب بقوة غريزية ذاهلة. لم ~~يترنح اللاسلطوي القوي البنية على الإطلاق. ووقف يحملق، ووجهه قريب من زجاج الباب، ~~وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما. لو كان الأمر بيده لقدم أي شيء مقابل أن يهرب، ~~ولكن عقله الذي كان قد عاد إليه أنبأه بأنه ليس من التعقل أن يترك مقبض الباب. ماذا كان ~~هذا، جنون، أم كابوس، أم فخ خدع ليقع فيه بمهارة شيطانية؟ لماذا؛ ما السبب؟ لم يكن يعرف. ~~دون أي شعور بالذنب في صدره، وبكامل سلامة ضميره فيما يخص هؤلاء الناس، لم تمر بعقله فكرة ~~أن يقتله فيرلوك وزوجته لأسباب لا يعرفها بقدر ما مرت بتجويف معدته، وتلاشت، مخلفة ~~أثر شعور بالغثيان؛ وتوعك. شعر الرفيق أوسيبون على نحو خاص جدا بأنه لم يكن على ما ~~يرام للحظة؛ لحظة طويلة. وأخذ يحملق. في هذه الأثناء، كان السيد فيرلوك مستلقيا بلا ~~حراك، متظاهرا بالنوم لأسباب تخصه، بينما كانت تلك المرأة المتوحشة تحرس الباب؛ غير ~~مرئية وصامتة في الشارع المظلم والمهجور. هل كان كل هذا ترتيبا مرعبا من نوع ما اخترعته ~~الشرطة للإيقاع به؟ خجل تواضعه من ذلك التفسير. # لكن المعنى الحقيقي للمشهد الذي كان أوسيبون يراه جاءه من خلال التأمل في القبعة. بدت ~~قبعة غير عادية، نذير شؤم، علامة. كانت تقبع، سوداء وحافتها نحو الأعلى، أمام الأريكة ~~وكأنها مستعدة لاستقبال المساهمات بالبنسات ممن سيأتون بعد قليل لمشاهدة السيد فيرلوك في ~~كامل راحته المنزلية مضطجعا على الأريكة. ومن القبعة، جالت عينا اللاسلطوي القوي ms231 إلى ~~الطاولة المزاحة من مكانها ونظر إلى الطبق المكسور لبعض الوقت، وأصيب بنوع من الصدمة ~~البصرية لما لاحظ ومضة بيضاء من تحت الجفنين غير المغلقين تماما للرجل الممدد على الأريكة. ~~لم يبد السيد فيرلوك نائما الآن بقدر ما كان مستلقيا ورأسه منحنية وينظر بإصرار إلى ~~الجهة اليسرى من صدره. وبعدما كان الرفيق أوسيبون قد لاحظ مقبض السكين، استدار مبتعدا عن ~~الباب المزجج، وشعر برغبة شديدة في التقيؤ. # الاصطدام بباب الشارع الذي اندفع نحوه قذف الرعب في صدر الرفيق أوسيبون. كان لا يزال من ~~الممكن أن يكون هذا المنزل وساكنه غير المؤذي فخا؛ فخا مروعا. لم يستقر الرفيق أوسيبون ~~حينئذ على تصور لما كان يحدث له. ارتطمت فخذه بحافة منضدة البيع، فاستدار وترنح مطلقا ~~صرخة ألم، وشعر مع صلصلة الجرس المزعجة بذراعيه تشل حركتهما على جانبيه بعناق متشنج ~~بينما تحركت شفتا امرأة باردتان برعب أمام أذنه تصيغان هذه الكلمات: ~~«شرطي! لقد رآني!» # توقف عن المقاومة؛ لم تطلق سراحه مطلقا. تشابكت يداها بانثناء لا يمكن فصله للأصابع ~~على ظهره القوي. بينما كانت الخطوات تدنو، تسارع تنفسهما، وصدراهما متقابلان، بأنفاس ~~عسيرة مجهدة، وكأنهما كانت وضعيتهما هي وضعية صراع مميت، بينما كانت، في الحقيقة، وضعية ~~خوف مميت. وكان الوقت طويلا. # كان شرطي الدورية قد لاحظ في حقيقة الأمر شيئا بشأن السيدة فيرلوك؛ لما كان آتيا للتو ~~من الطريق المضاء في النهاية الأخرى لشارع بريت، لم يكن قد رآها أكثر من شيء يتحرك في ~~الظلام. ولم يكن حتى متأكدا تمام التأكد من أنه كان قد رأى حركة. لم يكن لديه أي داع ~~للاستعجال. عندما أصبح في مواجهة المتجر، لاحظ أنه كان قد أغلق في وقت مبكر. لم يكن يوجد ~~شيء غير عادي في ذلك. كان لدى رجال الشرطة المنوطين بالخدمة تعليمات خاصة بشأن ذلك المتجر؛ ~~كان يجب عدم التدخل فيما كان يجري هناك ما لم يخل بالنظام تماما، ولكن كان يجب ~~الإبلاغ عن أي ملاحظات هناك. لم تكن توجد أي ملاحظات يتعين الإبلاغ عنها؛ ولكن ms232 بدافع من ~~حس الواجب وسلامة الضمير، وأيضا بسبب تلك الحركة المريبة في الظلام، عبر الشرطي الطريق ~~وحاول فتح الباب. كان المزلاج الزنبركي، الذي كان مفتاحه قابعا خارج الخدمة للأبد في جيب ~~صدرية السيد فيرلوك الراحل، مغلقا بإحكام كالمعتاد. بينما كان الشرطي يقظ الضمير يهز ~~المقبض، أحس أوسيبون بشفتي المرأة الباردتين وهما تتحركان برعب مرة أخرى أمام ~~أذنه: ~~«إذا دخل اقتلني ... اقتلني يا توم.» # تحرك الشرطي مبتعدا، مسلطا بينما كان يمر ضوء فانوسه المعتم، في مجرد إجراء روتيني، ~~على نافذة المتجر. للحظة أطول، وقف الرجل والمرأة بالداخل دون حراك، يلهثان، وصدراهما ~~متقابلان؛ ثم فكت تشابك أصابعها، وسقط ذراعاها بجانبها ببطء. مال أوسيبون مستندا على ~~منضدة البيع. كان اللاسلطوي القوي بحاجة إلى معاونة عاجلة. كان هذا مروعا. كان يشعر ~~باشمئزاز شديد كاد يمنعه من الكلام. ولكنه تمكن من صياغة فكرة حزينة في كلمات، مبينا على ~~الأقل أنه أدرك موقفه. ~~«دقيقتان أخريان وكنت ستجعلينني أرتكب غلطة شنيعة في حق الرجل الذي يدور مفتشا حول ~~المكان هنا بمصباحه المعتم اللعين.» # بإصرار قالت أرملة السيد فيرلوك، الواقفة بلا حراك في وسط المتجر: ~~«ادخل وأطفئ ذلك المصباح يا توم. سيقودني إلى الجنون.» # رأت بغير وضوح إيماءته العنيفة الدالة على الرفض. لم يكن يوجد شيء في الكون يمكن أن يغري ~~أوسيبون بالدخول إلى غرفة المعيشة. لم يكن يؤمن بالخرافات، ولكن كان يوجد الكثير جدا من ~~الدماء على الأرضية؛ بركة بغيضة من الدماء حول القبعة. قرر أنه كان قد اقترب بالفعل من ~~تلك الجثة أكثر مما ينبغي لسلامة عقله ... وربما أكثر مما ينبغي لسلامة عنقه! ~~«عند العداد إذن! هناك. انظر. في ذلك الركن.» # بخطى حادة خطا جسد الرفيق أوسيبون القوي عبر المتجر تكسوه الظلال، وجثم في الركن ~~بخضوع؛ لكن هذا الخضوع كان دون رشاقة. تلمس متخبطا بعصبية؛ وفجأة بصوت تمتمة مصحوبة ~~بلعنات، انطفأ المصباح خلف الباب المزجج يرافقه تنهد امرأة لاهث هستيري. كان الليل، ~~المكافأة المحتومة للرجال الكادحين المخلصين على هذه الأرض؛ قد أرخى أستاره على السيد ~~فيرلوك، ms233 الثوري الخبير - «أحد قدامى الثوريين» - وحامي حمى المجتمع المتواضع؛ العميل السري ~~فائق القيمة «دلتا» لإرساليات البارون ستوت فارتنهايم؛ خادم القانون والنظام، المخلص، ~~الموثوق فيه، الدقيق، والمثير للإعجاب، ربما مع نقطة ضعف لطيفة وحيدة: الإيمان المثالي ~~بكونه محبوبا لذاته. # تحسس أوسيبون طريقه عائدا إلى منضدة البيع عبر الجو الخانق الذي صار الآن أسود كالحبر. ~~ارتعش خلفه صوت السيدة فيرلوك، الواقفة في وسط المتجر، في تلك العتمة باحتجاج مستميت. ~~«لن أشنق يا توم. لن ...» # توقفت فجأة عن الكلام. أصدر أوسيبون من عند منضدة البيع تحذيرا: «لا تصيحي هكذا.» ثم ~~بدا أنه أخذ يتأمل بعمق. تساءل بصوت عميق، ولكن مع تظاهره بهدوء متسلط ملأ قلب السيدة ~~فيرلوك بثقة متسمة بالامتنان في قدرته على حمايتها: «ارتكبت هذه الفعلة بمفردك ~~تماما؟» # همست، غير مرئية في الظلام: «نعم.» # تمتم: «ما كنت لأصدق أن هذا ممكن. لا أحد سيصدق.» سمعته يمشي في المكان وسمعت صوت ~~طقطقة قفل في باب غرفة المعيشة. كان الرفيق أوسيبون قد أدار المفتاح وأقفل باب الغرفة على ~~جسد السيد فيرلوك الراقد؛ ولم يفعل هذا احتراما لطبيعته الأبدية ولا لأي اعتبارات عاطفية ~~مبهمة أخرى، ولكن لسبب محدد هو أنه لم يكن متأكدا تمام التأكد من عدم وجود شخص آخر مختبئ ~~في مكان ما بالمنزل. لم يصدق المرأة، أو بالأحرى لم يكن قادرا حينئذ على الحكم على ما ~~يمكن أن يكون صحيحا، أو ممكنا، أو حتى محتملا في هذا الكون المذهل. كان مرتعبا إلى ~~حد أنه لم يكن لديه أي قدرة على تصديق أو عدم تصديق أي شيء بخصوص هذه القضية غير العادية، ~~التي بدأت بمفتشي الشرطة والسفارات ولا يعلم إلا الله أين ستنتهي، ربما بأن يوضع شخص ما ~~على منصة الإعدام. كان مرتعبا من فكرة ألا يستطيع إثبات كيف أمضى وقته منذ الساعة ~~السابعة؛ لأنه كان يتسكع في شارع بريت. كان مرتعبا من هذه المرأة المتوحشة التي جلبته ~~إلى ذلك المكان، وربما تورطه في تهمة التواطؤ في تلك الجريمة، على الأقل إن لم يكن ms234 حذرا. ~~كان مرتعبا من السرعة التي صار بها متورطا في تلك المخاطر، ومن الوقوع في شركها. كان قد ~~مر على مقابلته لها نحو عشرين دقيقة، لا أكثر. # زاد خفوت صوت السيدة فيرلوك، متوسلة بطريقة مثيرة للشفقة: «لا تدعهم يشنقونني يا توم! ~~أخرجني من البلاد. سأكون خادمة لك. سأكون مستعبدة لك. سأحبك. ليس لي أحد في العالم ... من ~~سينظر لي إن لم تفعل أنت!» توقفت للحظة؛ ثم في أعماق الوحدة التي أحاطت بها بسبب قطرات دم ~~تافهة تتقاطر من مقبض سكين، راودها وحي أفكار مروعة، هي من كانت الفتاة المحترمة في منزل ~~بلجرافيا، والزوجة المخلصة المحترمة للسيد فيرلوك. همست بنبرة يشوبها الخزي: «لن أطلب منك ~~أن تتزوجني.» # تقدمت خطوة إلى الأمام في الظلام. كان مرتعبا منها. ما كان سيفاجئه أن تخرج فجأة ~~سكينا أخرى وتغمدها في صدره. ما كان سيبدي أي مقاومة بالتأكيد. في ~~الواقع، لم يكن لديه الجرأة الكافية ليطلب منها أن تبقى ~~بعيدة عنه. ولكنه تساءل بنبرة عميقة وغريبة: «هل كان نائما؟» # بكت، وأردفت بسرعة: «كلا. لم يكن نائما. لم يكن. كان يقول لي أن لا شيء يمكن أن يصيبه. ~~بعدما أخذ الولد من تحت ناظري كي يقتله؛ ذلك الفتى المحب البريء العديم الأذى. فتاي، قلت ~~لك. كان يضطجع على الأريكة مطمئنا تماما ... بعدما قتل الفتى ... فتاي. كنت سأمضي في الشوارع ~~كي أغرب عن وجهه. وقال لي ببساطة هكذا: «تعالي هنا»، بعدما قال لي إنني ساعدته في قتل ~~الفتى. أتسمع يا توم؟ قال لي ببساطة هكذا: «تعالي هنا»، بعدما انتزع قلبي مني ومعه الفتى ~~ليرميه في الوحل.» # توقفت، ثم كررت مرتين بنبرة ذاهلة: «الدم والوحل. الدم والوحل.» سطع نور قوي في عقل ~~الرفيق أوسيبون. لقد كان الفتى المخبول هو من لقي حتفه في الحديقة. وبدا خداع الجميع من ~~كل النواحي أكثر اكتمالا من ذي قبل، بدا هائلا. صاح مدركا، في قمة دهشته: «المخبول ... يا ~~للسماء!» # ارتفع صوت السيدة فيرلوك مرة أخرى: «تعال إلى هنا.» وتابعت: «من ماذا كان يظنني ms235 أنني ~~خلقت؟ قل لي يا توم. تعال إلى هنا! أنا! هكذا! كنت أنظر إلى السكين، وفكرت في نفسي قائلة ~~سآتي إذن إذا كان يريدني إلى هذه الدرجة. أوه نعم! أتيت ... للمرة الأخيرة ... ومعي ~~السكين.» # كان مرتعبا منها للغاية ... شقيقة مخبول العقل ... هي نفسها مخبولة من نوع قاتل ... أو من ~~النوع الكاذب. يمكن القول بأن الرفيق أوسيبون كان مرتعبا بطريقة إدراكية بالإضافة إلى ~~جميع أنواع الخوف الأخرى. كان خوفا غير محدود ومركب، من شدة إفراطه أضفى عليه في الظلام ~~مظهرا زائفا من الهدوء والتفكير العميق. ولذلك كان يتحرك ويتكلم بصعوبة، وكأن إرادته ~~وتفكيره شبه متجمدين، ولا يمكن لأحد أن يرى وجهه المرتعب. شعر كأنه شبه ميت. # وثب بارتفاع قدم. على نحو غير متوقع، كانت السيدة فيرلوك قد انتهكت آداب السلوك المتحفظ ~~الثابتة لبيتها بصرخة حادة ومرعبة. ~~«ساعدني يا توم! أنقذني. لن أشنق!» # اندفع إلى الأمام، وأخذ يتحسس بحثا عن فمها ليسكتها بيده، وخمدت الصرخة. ولكن في ~~اندفاعه كان قد أطاح بها أرضا. شعر بها الآن متشبثة بساقيه، ووصل رعبه إلى ذروته، وصار ~~نوعا من الثمالة، أضمر أوهاما، واكتسب سمات الهذيان الارتعاشي. ~~كان متيقنا من أنه يرى ثعابين الآن. رأى المرأة ملتفة ~~حوله مثل ثعبان، لا يمكن نفضه عنه. لم تكن مميتة. كانت الموت نفسه ... رفيق الحياة. # وكأن الصرخة أراحتها، لم تعد السيدة فيرلوك الآن تتصرف بطريقة صاخبة. كانت جديرة ~~بالشفقة. # تمتمت وهي على الأرض: «توم، لا يمكنك أن تتخلص مني الآن. إلا إذا سحقت رأسي بكعب ~~حذائك. لن أتركك.» # قال أوسيبون: «انهضي.» # كان وجهه شاحبا لدرجة أنه كان يمكن رؤيته بوضوح في ذلك الظلام اللجي المخيم على ~~المتجر؛ بينما لم يكن يرى وجه السيدة فيرلوك، المتشحة بالحجاب، وكاد لا تكون له هيئة ~~يمكن تمييزها. تحدد مكانها وحركاتها باهتزاز شيء صغير وأبيض، هو زهرة في قبعتها. # ارتفعت الزهرة في الظلام. كانت قد نهضت من فوق الأرضية، وندم أوسيبون على أنه لم يهرب من ~~فوره إلى الشارع. ولكنه أدرك بسهولة أن هذا لن ms236 يجدي نفعا. لن يجدي نفعا. كانت ستجري ~~خلفه. كانت ستلاحقه وهي تصرخ صراخا حادا حتى تدفع كل شرطي على مرمى السمع إلى مطاردته. ~~وعندئذ، الرب وحده يعلم ما الذي ستقوله عنه. كان خائفا لدرجة أنه راودته للحظة فكرة ~~مجنونة بأن يخنقها في الظلام. وصار خائفا أكثر من أي وقت مضى! لقد تمكنت منه! رأى نفسه ~~يعيش في رعب يائس في قرية مجهولة في إسبانيا أو إيطاليا؛ حتى يجدوه في صباح أحد الأيام ~~ميتا هو الآخر، وسكين مغمدة في صدره، مثل السيد فيرلوك. تنهد بعمق. لم يجرؤ على ~~الحركة. وانتظرت السيدة فيرلوك صامتة على أمل أن تسمع ما يسرها من مخلصها، مستمدة ~~العزاء من صمته التأملي. # فجأة، تحدث بنبرة صوت طبيعية تقريبا. كان قد انتهى من تأملاته. ~~«هيا نخرج، وإلا فلن نلحق بالقطار.» # سألت على استحياء: «أين سنذهب يا توم؟» لم تعد السيدة فيرلوك امرأة حرة. ~~«لنذهب إلى باريس أولا، أفضل طريقة ممكنة لنا ... أولا اخرجي، وانظري إن كان الطريق ~~خاليا.» # أطاعته. أتى صوتها خافتا من خلال الباب المفتوح بحذر. ~~«كل شيء على ما يرام.» # خرج أوسيبون. على الرغم من محاولته التحرك بخفة، صلصل الجرس المتصدع خلف الباب المغلق في ~~المتجر الفارغ، وكأنه يحاول عبثا أن يحذر السيد فيرلوك الراقد برحيل زوجته النهائي، برفقة ~~صديقه. # في العربة التي تجرها خيول التي أقلتهما توا، أخذ اللاسلطوي القوي يقدم ~~إيضاحاته. لا يزال شاحبا شحوبا فظيعا، وبدت عيناه غائرتين نصف بوصة كاملة في وجهه ~~المتوتر. لكن يبدو أنه فكر في كل شيء بطريقة غير عادية. # خاطبها بنبرة غريبة ورتيبة: «عندما نصل، يجب أن تدخلي المحطة قبلي وكأننا لا يعرف بعضنا ~~بعضا. سأشتري التذاكر وأدس تذكرتك في يدك وأنا أمر من جانبك. ثم ستدخلين صالة انتظار ~~الدرجة الأولى المخصصة للسيدات، وتجلسين هناك حتى يتبقى على قيام القطار عشر دقائق. ثم ~~تخرجين. سأكون بالخارج. ستصعدين على الرصيف أولا وكأنك لا تعرفينني. ربما تكون هناك عيون ~~تراقب وتعرف كل ما يجري. بمفردك، فأنت مجرد امرأة تسافر بالقطار. ms237 أنا شخص معروف. معي، ~~ربما يخمن أنك السيدة فيرلوك الهاربة.» أضاف بصعوبة: «هل تفهمينني يا عزيزتي؟» # قالت السيدة فيرلوك، وهي تجلس قبالته في العربة جامدة تماما ومرتعبة من المشنقة ومن ~~الخوف من الموت، قالت: «نعم. نعم، يا توم.» وأردفت تقول لنفسها، مثل لازمة مروعة: «كان عمق ~~السقطة أربع عشرة قدما.» # قال أوسيبون، دون أن ينظر إليها، وبوجه يشبه قالب جص مصبوب حديثا لوجهه بعد مرض مهلك: ~~«بالمناسبة، يجب أن آخذ المال من أجل التذاكر الآن.» # أخذت السيدة فيرلوك تفك بعض أزرار صدريتها، بينما كانت تحدق إلى الأمام خلف حاجبة ~~العربة، وناولته محفظة جيب جديدة من جلد الخنزير. تلقاها دون أن يتفوه بكلمة، وبدا أنه ~~يدخلها في مكان عميق في صدره. ثم ضرب بكفه على معطفه من الخارج. # كل هذا حدث دون أن يتبادلا نظرة واحدة؛ كانا مثل شخصين يترقبان أول لمحة لهدف منشود. ~~لم يفتح أوسيبون شفتيه مرة أخرى إلا حينما انعطفت العربة واتخذت وجهتها نحو الجسر. # سأل، وكأنه يخاطب ببطء عفريتا جالسا بين أذني الحصان: «هل تعرفين كم من المال داخل ~~ذلك الشيء؟» # قالت السيدة فيرلوك: «لا. هو أعطاني إياه. لم أعد. لم أفكر في أي شيء في ذلك الوقت. بعد ~~ذلك ...» # حركت يدها اليمنى قليلا. كانت تلك الحركة، من تلك اليد اليمنى التي كانت قد ضربت ~~الضربة القاتلة في قلب رجل قبل أقل من ساعة، معبرة لدرجة أن أوسيبون لم يتمكن من قمع ~~ارتجافة. ومن ثم بالغ في الأمر عن عمد، وتمتم: ~~«أشعر بالبرد. أنا أرتجف من البرد.» # نظرت السيدة فيرلوك أمامها مباشرة متخيلة مشهد هروبها. من وقت إلى آخر، مثل راية سوداء ~~تطير مع الريح عبر طريق، اعترضت الكلمات «كان عمق السقطة أربع عشرة قدما» طريق تحديقها ~~المتوتر. ومن خلال حجابها الأسود، كان بياض عينيها الكبيرتين يلمع مثل عيني امرأة ~~مقنعة. # كان في جمود أوسيبون شيء عملي، تعبير رسمي غريب. سمع مجددا فجأة، وكأنه قد أزاح ~~مزلاجا عن شفتيه كي يتحدث. ~~«اسمعي! هل تعرفين إن كان زوجك ms238 ... إن كان احتفظ بحسابه في البنك باسمه أم باسم ~~آخر.» # استدارت إليه السيدة فيرلوك بوجهها المقنع واللمعان الأبيض الكبير لعينيها. # قالت في تفكير: «اسم آخر؟» # قال لها أوسيبون محذرا أثناء السير السريع للعربة: «كوني محددة فيما تقولين. هذا أمر ~~بالغ الأهمية. سأوضح لك. البنك لديه أرقام هذه الأوراق المالية. وإذا كانت قد دفعت له ~~باسمه هو، فعندئذ عندما يصبح ... عندما يصبح موته معروفا، ربما تستخدم النقود في تعقبنا ~~بما أنه ليس معنا أموال أخرى. أليس معك أموال أخرى؟» # هزت رأسها بالنفي. # ألح قائلا: «لا شيء على الإطلاق؟» ~~«بضع بنسات.» ~~«سيكون الأمر خطيرا في تلك الحالة. يجب إذن التعامل مع المال بطريقة خاصة. خاصة جدا. ~~ربما نفقد أكثر من نصف المبلغ من أجل تغيير هذه الأوراق النقدية في مكان آمن أعرفه في ~~باريس. في الحالة الأخرى، أقصد إن كان حسابه باسم آخر ودفعت له النقود بذلك الاسم - ~~ولنقل سميث على سبيل المثال - فالمال آمن تماما للاستخدام. أتفهمين؟ لا يملك البنك وسيلة ~~لمعرفة أن السيد فيرلوك وسميث، مثلا، هما نفس الشخص. أترين كم هو مهم ألا تخطئي في الإجابة ~~على سؤالي؟ هل لديك إجابة على ذلك السؤال أصلا؟ ربما لا. هل أنا محق؟» # قالت بتأن: ~~«أتذكر الآن! لم يتعامل مع البنك باسمه هو. أخبرني ذات مرة أنها مودعة باسم ~~بروزور.» ~~«هل أنت متأكدة؟» ~~«متأكدة.» ~~«ألا تظنين أن البنك لديه علم باسمه الحقيقي؟ أو أي شخص في البنك أو ...» # هزت كتفيها. ~~«كيف لي أن أعرف؟ هل هذا محتمل، يا توم؟» ~~«لا. لا أظنه محتملا. كان سيغدو مريحا أكثر لو كنا نعرف ... ها قد وصلنا. اخرجي أولا، ~~وامشي إلى المحطة مباشرة. تحركي بسرعة.» # تخلف عنها، ودفع لسائق العربة أجرته من فكة نقوده. نفذ البرنامج الذي وضعه ببصيرته ~~الدقيقة. عندما دخلت السيدة فيرلوك إلى غرفة انتظار السيدات وفي يدها تذكرة إلى سانت ~~مالو، دخل الرفيق أوسيبون إلى الحانة، وفي غضون سبع دقائق احتسى ثلاثة أكواب من البراندي ~~اللاذع والماء. # أوضح للساقية بإيماءة ودودة وابتسامة مضطربة: ms239 «أحاول أن أتخلص من البرد.» بعد ذلك خرج، ~~مبديا من ذلك الفاصل الاحتفالي وجه رجل شرب من ينبوع الأحزان. رفع عينيه ونظر إلى الساعة. ~~حان الوقت. انتظر. # في الوقت المحدد، خرجت السيدة فيرلوك وقد أرخت حجابها ويكسوها السواد، سواد مثل الموت ~~المبتذل نفسه، وتوجت رأسها ببعض الزهور الرخيصة والذابلة. مرت بالقرب من مجموعة صغيرة ~~من رجال كانوا يضحكون، ولكن ضحكاتهم كان يمكن إسكاتها بكلمة واحدة. كانت مشيتها متثاقلة، ~~ولكن ظهرها كان مستقيما، وراقبها الرفيق أوسيبون في رعب قبل أن يبدأ هو نفسه في ~~السير. # وصل القطار، ولم يكن يوجد أي أحد تقريبا بالقرب من صف أبوابه المفتوحة. نظرا لذلك الوقت ~~من السنة والطقس السيئ لم يكن يوجد مسافرون تقريبا. مشت السيدة فيرلوك ببطء بمحاذاة صف ~~من المقصورات الفارغة حتى لمس أوسيبون مرفقها من الخلف. ~~«ادخلي إلى هنا.» # دخلت، وبقي هو على الرصيف ينظر من حوله. مالت إلى الأمام، وقالت هامسة: ~~«ما الأمر يا توم؟ هل يوجد أي خطر؟ انتظر لحظة. هناك حارس.» # رأته يقترب من الرجل ذي الزي الرسمي. تبادلا الحديث لبعض الوقت. سمعت الحارس يقول: «حسنا ~~يا سيدي» ورأته يلمس قبعته. ثم عاد أوسيبون، قائلا: «أخبرته ألا يدع أحدا يدخل إلى ~~مقصورتنا.» # كانت تتكئ إلى الأمام على مقعدها. «أنت تفكر في كل شيء ... ستساعدني على الهرب، يا توم؟» ~~سألته في فورة من الحزن، رافعة حجابها بحدة كي تنظر إلى مخلصها. # كانت قد كشفت عن وجه مثل الصخر. ومن هذا الوجه، نظرت العينان الكبيرتان الجافتان ~~المتسعتان المظلمتان، اللتان اختفى ضوءهما مثل ثقبين سوداوين في الكرتين البيضاوين ~~البراقتين. ~~«لا يوجد خطر» قال، محملقا فيهما بجدية شبه شاردة، بدت للسيدة فيرلوك، الهاربة من حبل ~~المشنقة، مليئة بالقوة والحنان. أثر هذا الإخلاص فيها تأثيرا عميقا، وفقد وجهها الصلب ~~جموده الشديد النابع من الرعب. حدق الرفيق أوسيبون فيه كما لم يحدق عاشق في وجه معشوقته. ~~كان ألكسندر أوسيبون، اللاسلطوي، الملقب بالطبيب، مؤلف كتيب طبي (وغير لائق)، ~~المحاضر السابق في الجوانب الاجتماعية للنظافة في نوادي ms240 العاملين، متحررا من القيود ~~الأخلاقية التقليدية، ولكنه تقيد بقواعد العلم. كان علميا، وحدق في تلك المرأة بطريقة ~~علمية، شقيقة الفتى مخبول العقل، وهي نفسها مخبولة، من نوع قاتل. حدق فيها، واستحضر ~~لومبروزو، مثل فلاح إيطالي يفوض أمره إلى قديسه المفضل. حدق بطريقة علمية. حدق في ~~وجنتيها وفي أنفها وفي عينيها وفي أذنيها ... سيئ! ... مميت! تباعدت شفتا السيدة فيرلوك، ~~واسترختا قليلا تحت تأثير نظراته المهتمة والشغوفة، وحدق أيضا في أسنانها ... لم يبق ~~مجال للشك ... من نوع قاتل ... إذا لم يفوض الرفيق أوسيبون أمر روحه المرتعبة إلى لومبروزو، ~~فهذا فقط لأنه لم يستطع على أسس علمية أن يصدق أنه كان يحمل في داخله شيئا يدعى الروح. ~~ولكن كان يحمل في داخله الروح العلمية، التي دفعته إلى أن يشهد على رصيف السكك الحديدية ~~بعبارات عصبية متشنجة. ~~«كان فتى غير عادي، أخوك ذاك. مشوق للدراسة. نوع مثالي بطريقة ما. مثالي!» # تحدث بطريقة علمية في خوفه الخفي. لما سمعت السيدة فيرلوك كلمات الثناء هذه التي تعطف ~~بها على فقيدها المحبوب، مالت إلى الأمام وفي عينيها القاتمتين وميض ضوء، مثل شعاع شمس ~~يؤذن بزوبعة مطر. # همست بنعومة، بشفتين مرتعشتين: «كان كذلك حقا. كنت تلاحظه بكثير من الاهتمام يا توم. ~~أحببتك لهذا.» # تابع أوسيبون، معربا عن خوفه المستمر، ومحاولا أن يخفي نفاد صبره العصبي والمضني في ~~انتظار أن يتحرك القطار: «لا يكاد يصدق الشبه الذي كان بينكما. نعم، إنه ~~يشبهك.» # لم تكن تلك الكلمات مؤثرة أو متعاطفة على نحو خاص. ولكن حقيقة ذلك التشابه الذي أكد ~~عليه كانت كفيلة بأن تؤثر على مشاعرها بقوة. ببكاء خافت قليل، فاردة ذراعيها، انهمرت ~~دموع السيدة فيرلوك أخيرا. # دخل أوسيبون المقصورة، وبسرعة أغلق الباب ونظر إلى الخارج كي يرى الوقت في ساعة المحطة. ~~تبقت ثماني دقائق. في الثلاث الدقائق الأولى، انتحبت السيدة فيرلوك نحيبا شديدا ويائسا ~~دون توقف أو انقطاع. ثم تحسنت نوعا ما، وبكت بكاء هادئا بدموع غزيرة. حاولت الحديث مع ~~مخلصها، مع الرجل الذي كان مبعوث الحياة. ~~«آه يا ms241 توم! كيف لي أن أهاب الموت بعد أن أخذ بعيدا عني بتلك القسوة! كيف لي ذلك! ~~كيف أكون بذلك الجبن!» # رثت جهرا حبها للحياة، تلك الحياة الخالية من البهجة أو الجمال وتكاد تخلو من الفضيلة، ~~ولكنها تزخر بإخلاص فائق للهدف، حتى إن كان هو القتل. وكما يحدث عادة في رثاء البشرية ~~البائسة، الزاخرة بالمعاناة ولكنها فقيرة في الكلمات، فإن الحقيقة - صرخة الحقيقة عينها - ~~كانت موجودة في شكل مبتذل ومصطنع في مكان ما وسط عبارات عاطفة زائفة. ~~«كيف لي أن أهاب الموت! لقد حاولت، يا توم. ولكني خائفة. حاولت التخلص من نفسي. ولكن لم ~~أستطع. هل أنا قاسية؟ أظن أن كأس الأهوال لم يكن ممتلئا بالقدر الكافي لشخص مثلي. ثم ~~عندما أتيت ...» # توقفت عن الكلام. ثم في فورة من الثقة والامتنان، قالت باكية: «سأعيش كل أيامي من أجلك، ~~يا توم!» # قال أوسيبون باهتمام: «انتقلي إلى الركن الآخر من المقصورة، بعيدا عن الرصيف.» سمحت ~~لمخلصها أن يجلسها بارتياح، وراقب مجيء نوبة نحيب أخرى، ولكنها أعنف من الأولى. راقب ~~الأعراض بشيء من الحس الطبي وكأنه يعد الثواني. سمع صافرة الحارس أخيرا. كشف انقباض لا ~~إرادي لشفته العليا عن أسنانه عن مظهر تصميم شرس تام عندما شعر بأن القطار يبدأ في التحرك. ~~لم تسمع السيدة فيرلوك شيئا ولم تشعر بشيء، ووقف أوسيبون، مخلصها، ساكنا. شعر بالقطار ~~يزيد من سرعته، ويقرقع بقوة مع صوت نحيب المرأة العالي، ثم عبر المقصورة بخطوتين واسعتين ~~وفتح الباب، وقفز خارجا. # كان قد قفز من المقصورة في نهاية الرصيف بالضبط؛ وكم كان تصميمه على الالتزام بخطته ~~اليائسة كبيرا حتى إنه تمكن بأعجوبة، وهو يكاد يطير في الهواء، من أن يضرب باب المقصورة ~~بقوة. عندئذ فقط، وجد نفسه يتدحرج رأسا على عقب مثل أرنب أصابته طلقة صياد. عندما نهض، ~~كان مصابا بكدمات، ويرتجف، وشاحبا كالموتى، ومنقطع النفس. ولكنه كان هادئا، وقادرا ~~تماما على مواجهة الحشد المتحمس من رجال السكك الحديدية الذين كانوا قد تجمعوا حوله ~~في لحظة. بنبرة لطيفة ومقنعة، أوضح ms242 أن زوجته كانت قد غادرت من فورها إلى بيرتاني من أجل ~~أمها المحتضرة؛ حتى إنها، بالطبع، كانت منزعجة كثيرا، وكان قلقا بشدة على حالتها؛ وكان ~~يحاول أن يسري عنها، ولم يلاحظ على الإطلاق أن القطار كان يتحرك خارجا من المحطة. تساءل ~~الجمع باستغراب: «ولماذا لم تستمر إلى ساوثهامبتون، إذن، يا سيدي؟» تذرع بشقيقة زوجته ~~قليلة الخبرة التي كانت وحدها في المنزل مع ثلاثة أطفال صغار، وبقلقها من غيابه، وبأن ~~مكاتب التلغراف مغلقة. كان قد تصرف غريزيا. قال في النهاية: «ولكن لا أظن أنني سأجرب ~~تلك الفعلة ثانية قط.» وابتسم لمن حوله، ووزع بعض قطع النقود الصغيرة، ومشى من دون أن يعرج ~~إلى خارج المحطة. # بالخارج، رفض الرفيق أوسيبون، الذي كان معه وفرة من الأوراق النقدية الآمنة مثلما لم ~~يحدث من قبل في حياته، عرض ركوب عربة أجرة. # قال، بابتسامة لطيفة صغيرة إلى السائق المهذب: «يمكنني أن أمشي.» # كان يمكنه أن يمشي. مشى. مشى عابرا الجسر. وفي وقت لاحق كانت أبراج الدير في ثباتها ~~الهائل شاهدة على شعره الأشقر وهو يمر تحت المصابيح. شهدته أضواء فيكتوريا أيضا، وميدان ~~سلون، وأسوار الحديقة. ومجددا وجد الرفيق أوسيبون نفسه على جسر. أسر انتباهه بالنهر، ~~أعجوبة مشئومة من ظلال ساكنة وومضات متدفقة تختلط أسفله في صمت كئيب. وقف ينظر من فوق ~~الحاجز لفترة طويلة. هدر برج الساعة بدوي دقات معدنية حادة فوق رأسه المتدلي. نظر إلى ~~عقارب الساعة ... كانت تشير إلى الثانية عشرة والنصف في ليلة موحشة في القنال ~~الإنجليزي. # ومجددا استأنف الرفيق أوسيبون سيره. شوهد بمظهره القوي في تلك الليلة في أجزاء بعيدة من ~~المدينة الكبيرة الغافية مثل وحش على بساط من الطين تحت ستار من ضباب شديد. شوهد يجتاز ~~الشوارع الخالية من الحياة والصوت، أو وهو يختفي تدريجيا في منظور رؤية مستقيمة لا ~~نهائية من منازل مظللة متاخمة لطرق خالية تصطف فيها سلاسل من مصابيح الغاز. سار عبر ~~ميادين وساحات وطرق بيضاوية ومتنزهات عامة، وعبر شوارع رتيبة مجهولة الأسماء حيث يستقر ~~غبار الإنسانية ms243 خاملا ويائسا خارج مجرى الحياة. مشى. وفجأة ، انعطف إلى شريط حديقة أمامية ~~وبها قطعة أرض عشبية جرباء، ودخل إلى منزل صغير قذر بعد أن فتح بمفتاح مزلاج أخرجه من ~~جيبه. # ارتمى على سريره بكامل ملابسه، واستلقى من دون حراك لمدة ربع ساعة كاملة. ثم جلس منتصبا ~~فجأة، مجتذبا ركبتيه إليه ومحتضنا ساقيه. عندما ظهر الخيط الأول من الفجر، كان مفتوح ~~العينين، في تلك الوضعية نفسها. هذا الرجل الذي كان يمكنه أن يمشي وقتا طويلا، مسافات ~~بعيدة، على غير هدى، دون أن تظهر عليه أي أمارة للإرهاق، يمكنه أيضا أن يظل جالسا ~~ساكنا لساعات دون أن يحرك ساكنا أو يطرف له جفن. ولكن عندما أرسلت شمس آخر النهار ~~أشعتها إلى داخل الغرفة، فك تشابك يديه وعاد يرتمي على الوسادة. حدقت عيناه في ~~السقف. وفجأة أغلقتا. نام الرفيق أوسيبون تحت أشعة الشمس. # | الفصل الثالث عشر # القفل الحديدي الكبير على أبواب خزانة الحائط كان الشيء الوحيد في الغرفة الذي يمكن أن ~~تستقر عليه العين من دون أن تتضايق بالقبح البائس للأشكال والافتقار إلى المواد. إذ لم يكن ~~من الممكن بيعها في السياق المعتاد للتجارة بسبب أبعادها الهائلة، تنازل عنها تاجر معدات ~~سفن في شرق لندن إلى البروفيسور مقابل بنسات قليلة. كانت الغرفة كبيرة، ونظيفة، ولائقة، ~~وفقيرة ذلك الفقر الموحي بالافتقار الشديد إلى كل حاجة بشرية عدا مجرد الخبز. لم يكن يوجد ~~على الجدران سوى الورق، مساحة من اللون الأخضر الزرنيخي، متسخة بلطخات لا تمحى هنا وهناك، ~~وببقع تشبه خرائط باهتة لقارات غير مأهولة. # على طاولة مستديرة بالقرب من نافذة، جلس الرفيق أوسيبون ممسكا برأسه بين قبضتيه. كان ~~البروفيسور قد أدخل يده بعمق في الجيوب المهترئة لسترته، مرتديا بدلته الوحيدة من التويد ~~الرديء، لكنه ظل يقرع بخفه المتهالك بشدة، وهو يروح ويجيء في الغرفة، على الألواح الخشبية ~~العارية. كان يحكي لضيفه القوي عن زيارة قام بها مؤخرا إلى المصلح ميكايليس. حتى اللاسلطوي ~~المثالي كان ميالا إلى الاسترخاء قليلا. ~~«لم يعرف الرجل أي شيء عن ms244 موت فيرلوك. بالطبع! لا يطلع على الجرائد البتة. يقول إنها ~~تجعله حزينا للغاية. ولكن لا يهم. دخلت إلى كوخه. لم يكن يوجد أي مخلوق. تعين علي أن ~~أنادي عليه ست مرات قبل أن يرد علي. ظننت أنه كان مستغرقا حينها في النوم، في سريره. ~~ولكنه لم يكن كذلك على الإطلاق. كان عاكفا على كتابة كتابه منذ أربع ساعات. جلس في تلك ~~الحجيرة الصغيرة وسط كومة من المخطوطات. كان يوجد جزر نيئ مأكول نصفه على الطاولة ~~بالقرب منه. إفطاره. إنه يعيش على نظام غذائي يتكون من الجزر النيئ وقليل من الحليب ~~الآن.» # سأل الرفيق أوسيبون بفتور: «كيف ينظر إلى الأمر؟» ~~«تراوده أفكار ملائكية ... التقطت حفنة من أوراقه من فوق الأرضية. فقر المنطق مذهل. لا يوجد ~~لديه منطق. لا يمكنه أن يفكر بترابط. ولكن ذلك لا شيء. قسم سيرته الذاتية إلى ثلاثة أقسام، ~~عناوينها «الإيمان، الأمل، الأعمال الخيرية». إنه يطور الآن فكرة عالم مصمم مثل ~~مستشفى كبير وجميل، له حدائق وزهور، وفيه يكرس الأقوياء أنفسهم من أجل رعاية ~~الضعفاء.» # توقف البروفيسور عن الكلام قليلا. # تابع بثقته الكئيبة: «هل تتصور هذه الحماقة يا أوسيبون؟ الضعفاء! مصدر كل الشرور على هذه ~~الأرض! قلت له إنني أحلم بعالم مثل المذبح يباد فيه الضعفاء على بكرة أبيهم.» # وتابع: «هل تفهم يا أوسيبون؟ مصدر كل الشرور! إنهم سادتنا الأشرار؛ الضعفاء، أصحاب الهمم ~~الضعيفة، والسخفاء، والجبناء، وأصحاب القلوب الواهنة، وأصحاب العقول الخاضعة. إنهم يتمتعون ~~بالسلطة. إنهم الأكثرية. مملكة الأرض هي مملكتهم. الإبادة، الإبادة! ذلك هو السبيل الوحيد ~~للتقدم. ذلك هو السبيل! تابعني، يا أوسيبون. أولا يجب التخلص من الأكثرية الكبيرة من ~~الضعفاء، ثم الأقوياء نوعا ما فقط. هل تفهمني؟ أولا العميان، ثم الصم ثم البكم، ثم العرج ~~والمقعدون، وهكذا. لا بد من التخلص من كل شائبة ومن كل رذيلة ومن كل تحيز ومن كل ~~عرف.» # سأل أوسيبون بصوت مختنق: «وماذا يبقى؟» ~~«أبقى أنا ... إذا كنت قويا بما يكفي.» أكد البروفيسور، الذي اكتست فجأة أذناه ~~الكبيرتان، والرقيقتان مثل الأغشية، ms245 والبارزتان على جانبي جمجمته الضعيفة، بلون أحمر ~~داكن. # تابع بنبرة قوية: «ألم يكف ما عانيته جراء اضطهاد الضعفاء؟» ثم ربت على جيب الصدر في ~~سترته وتابع قائلا: «ومع ذلك، «أنا» القوة نفسها. ولكن الوقت! الوقت! أعطني وقتا! آه! ~~تلك الأكثرية، إنهم أغبى من أن يشعروا بالشفقة أو الخوف. أحيانا أظن أن كل شيء إلى ~~جانبهم. كل شيء - حتى الموت - سلاحي.» # قال أوسيبون القوي، بعد فترة من الصمت تخللها القرع السريع للخف الذي كان يلبسه ~~اللاسلطوي المثالي: «تعال واشرب معي البيرة في سيلينوس.» قبل الأخير الدعوة. كان مرحا ~~في ذلك اليوم بطريقته الخاصة. ربت على كتف أوسيبون. ~~«البيرة! فليكن! لنشرب ونمرح، لأننا أقوياء، وغدا نموت.» # انشغل بارتداء حذائه، وتحدث في أثناء ذلك بنبرته الفظة الحازمة. ~~«ما خطبك يا أوسيبون؟ تبدو حزينا لدرجة أنك تسعى إلى صحبتي. نما إلى سمعي أنك شوهدت ~~مرارا في الأماكن التي يتلفظ فيها الرجال بكلمات حمقاء وهم يشربون كئوس الخمر. لماذا؟ هل ~~اعتزلت مجموعتك من النساء؟ إنهن الضعيفات اللواتي يغذين الأقوياء؛ أليس كذلك؟» # ضرب الأرض بإحدى قدميه وأخذ فردة الحذاء الأخرى، المزود برباط، الثقيل، السميك النعل، غير ~~المصقول بالورنيش، المرتوق مرات كثيرة. ابتسم لنفسه ابتسامة عابسة. ~~«أخبرني يا أوسيبون، أيها الرجل السيئ، هل سبق أن قتلت واحدة من ضحاياك نفسها من أجلك ~~أم أن انتصاراتك حتى الآن غير مكتملة؛ لأن الدم وحده هو الذي يضع ختم العظمة؟ الدم. ~~الموت. تأمل التاريخ.» # قال أوسيبون من دون أن يلتفت برأسه: «فلتحل عليك اللعنة.» ~~«لماذا؟ دع هذا يكون رجاء الضعفاء الذين ابتدع لاهوتهم جهنم للأقوياء. أوسيبون، أشعر نحوك ~~بازدراء ودي. لا يمكنك أن تقتل ذبابة.» # لكن في طريقهما للاحتفال، يستقلان سطح حافلة مواصلات عامة، فقد البروفيسور روحه المعنوية ~~العالية. أخمد تأمل الحشود المزدحمة على الأرصفة ثقته تحت وطأة الشك والقلق اللذين لا ~~يستطيع التخلص منهما إلا بعد فترة من العزلة في الغرفة التي فيها الخزانة الكبيرة المغلقة ~~بقفل ضخم. ~~«وهكذا إذن» من فوق كتفه قال الرفيق أوسيبون، الجالس على المقعد ms246 الذي خلفه. «إذن ميكايليس ~~يحلم بعالم يشبه مستشفى جميلا ومبهجا.» # أكد البروفيسور بنبرة تهكمية: «بالضبط هكذا. جمعية خيرية هائلة لعلاج الضعفاء.» # أقر أوسيبون: «تلك سخافة. لا يمكنك علاج الضعف. ولكن على كل حال، قد لا يكون ميكايليس ~~مخطئا للغاية. في غضون مائتي عام، سيحكم الأطباء العالم. العلم هو السائد بالفعل. إنه ~~سائد في الخفاء ربما ... ولكنه سائد. وكل العلوم يجب أن تتوج في النهاية بعلم الشفاء، ليس ~~شفاء الضعفاء، بل الأقوياء. البشرية تريد أن تحيا ... أن تحيا.» # أكد البروفيسور ببريق ثقة بالنفس من نظارته ذات الإطار الحديدي: «البشرية، لا تعرف ~~البشرية ماذا تريد.» # قال أوسيبون بتذمر: «لكنك تعرف. للتو كنت تصيح أنك بحاجة إلى الوقت ... الوقت. حسنا. ~~الأطباء سيقدمون لك الوقت ... إذا كنت بصحة جيدة. أنت تفتخر بأنك واحد من الأقوياء ... ~~لأنك تحمل في جيبك مواد كافية لأن ترسلك، ولنقل، عشرين آخرين إلى الخلود. ولكن الخلود ~~حفرة لعينة. إن الوقت هو ما تحتاج إليه. أنت نفسك ... لو قابلت رجلا بوسعه أن يمنحك على ~~وجه اليقين عشرة أعوام إضافية، ستدعوه سيدك.» # قال البروفيسور بطريقة فيها ميل للوعظ، وهو يترجل من الحافلة: «شعاري هو: لا إله! لا ~~سيد.» # تبعه أوسيبون. رد وهو يقفز من موطئ القدم بعد الأخرى: «انتظر حتى تستلقي على ظهرك في ~~نهاية وقتك.» أردف وهو يعبر الشارع ويثب إلى الرصيف: «وقتك القصير الحقير البالي ~~الرث.» # قال البروفيسور وهو يفتح أبواب سيلينوس الشهير: «أوسيبون، أظن أنك مخادع.» ولما جلسا على ~~طاولة صغيرة، توسع أكثر في هذه الفكرة اللطيفة. «أنت لست طبيبا حتى. ولكنك مرح. فكرة عن ~~بشرية جمعاء تخرج ألسنتها وتتناول حبة الدواء من القطب الشمالي إلى الجنوبي بأمر من بعض ~~المهرجين الوقورين فكرة جديرة بنبي. نبوءة! ما نفع التفكير فيما سيكون؟!» رفع نظارته. قال ~~بهدوء: «فليحل الدمار على ما هو كائن.» # احتسى شرابه ثم غرق في حالة من الصمت الغريب. أغمته فكرة أن البشرية كرمل البحر الذي ~~لا يعد لكثرته؛ ومن ثم لا يمكن تدميرهم، ويصعب التحكم فيهم. ضاع ms247 صوت القنابل المتفجرة ~~دون أن يحدث صدى وسط الكثرة الهائلة لحبيباته الخاملة. ومنها على سبيل المثال، قضية ~~فيرلوك هذه. من الذي يفكر فيه الآن؟ # وكأن قوة غامضة أجبرته فجأة، سحب أوسيبون صحيفة مطوية طيا كثيرا من جيبه. رفع ~~البروفيسور رأسه لما سمع حفيف الورق. # سأل: «ما تلك الصحيفة؟ هل فيها أي شيء؟» # ذهل أوسيبون مثل سائر أثناء النوم أفزع من نومه. ~~«لا شيء. لا شيء على الإطلاق. إنها قديمة، منذ عشرة أيام. نسيتها في جيبي، على ما ~~أظن.» # لكنه لم يرم الصحيفة القديمة. قبل أن يعيدها إلى جيبه، استرق النظر إلى آخر سطور إحدى ~~الفقرات. كان مكتوب فيها ما يلي: «لغز لا سبيل إلى سبر أغواره يبدو مقدرا له أن يظل ~~عالقا إلى الأبد إثر هذا الفعل النابع من الجنون أو اليأس.» # تلك كانت الكلمات الأخيرة لخبر بعنوان: «انتحار مسافرة من إحدى البواخر العابرة للقناة». ~~كان الرفيق أوسيبون معتادا على جماليات أسلوبها الصحفي. «لغز لا سبيل إلى سبر أغواره يبدو ~~مقدرا له أن يظل عالقا إلى الأبد ...» حفظ كل كلمة عن ظهر قلب. «لغز لا سبيل إلى سبر ~~أغواره ...» # تدلى رأس اللاسلطوي القوي على صدره، وغرق في حلم يقظة طويل. # هذا الشيء كان يهدد حياته. لم يستطع أن يندفع لملاقاة من أغواهن من النساء العديدات، ~~أولئك اللواتي كان يتودد إليهن على المقاعد في حدائق كنسينجتون، وأولئك اللواتي كان ~~يقابلهن بالقرب من سياجات المنطقة، دون الخوف من الحديث معهن عن لغز لا سبيل إلى سبر ~~أغواره مقدر له ... بات من منظور علمي خائفا من جنون يتربص له بين تلك السطور. «عالق ~~إلى الأبد.» كان هوسا، بل عذابا. كان قد عجز في الفترة الأخيرة عن أن يفي بالعديد من تلك ~~المواعيد، التي كانت السمة الغالبة عليها فيما مضى هي الثقة المتناهية في لغة العواطف ~~والحنان الذكورية. النزعة إلى الثقة من جانب نساء من طبقات اجتماعية مختلفة أشبعت لديه ~~احتياجات حبه لذاته، وأمدته ببعض الوسائل المادية. كان يحتاجها للعيش. كانت موجودة. ~~ولكن إن ms248 لم يعد بوسعه الاستفادة منها، فسيكون معرضا لخطر أن تتضور مثالياته وجسده ~~جوعا ... «هذا الفعل النابع من الجنون أو اليأس.» # كان من المؤكد أن «لغزا لا سبيل إلى سبر أغواره سيظل عالقا إلى الأبد» فيما يخص ~~البشرية كلها. ولكن ماذا سيحدث لو لم يستطع هو وحده من بين كل الرجال أن يتخلص قط من تلك ~~المعلومات اللعينة؟ والمعلومات التي عرفها الرفيق أوسيبون كانت تتساوى في دقتها مع تلك ~~التي بوسع الصحفي أن يتوصل إليها، وصولا إلى أعتاب «اللغز المقدر له أن يظل عالقا إلى ~~الأبد ...» # كان الرفيق أوسيبون مطلعا على نحو جيد على الأمر. كان يعرف ما رآه حارس ممشى الباخرة: ~~«سيدة ترتدي ثوبا أسود وحجابا أسود، تتجول في منتصف الليل، على رصيف الميناء. كان قد ~~سألها مشجعا إياها: «هل ستسافرين بالباخرة يا سيدتي؟ من هنا.» بدا أنها لم تكن تعرف ما ~~يتعين عليها فعله. ساعدها كي تصعد على متن الباخرة. بدت واهنة القوى.» # وكان يعرف أيضا ما رأته المضيفة: «سيدة ترتدي ملابس سوداء ذات وجه أبيض تقف في منتصف ~~مقصورة السيدات الفارغة.» حثتها المضيفة على أن تستلقي هناك. بدت السيدة غير راغبة في ~~الكلام تماما وكأنها واقعة في مشكلة مريعة. بعد ذلك، علمت المضيفة أنها خرجت من مقصورة ~~السيدات. بعد ذلك، صعدت المضيفة إلى سطح المركب لتبحث عنها، وعلم الرفيق أوسيبون أن المرأة ~~الطيبة وجدت السيدة التعيسة مستلقية على أحد المقاعد المزودة بمظلة. كانت عيناها ~~مفتوحتين، ولكنها لم تكن ترد على أي شيء يوجه إليها. بدت مريضة للغاية. أحضرت المضيفة ~~رئيس طاقم المضيفين، ووقف هذان الاثنان بجانب المقعد ذي المظلة يتشاوران في أمر تلك ~~الراكبة غير العادية والبائسة. كانا يتحدثان بهمسات مسموعة (إذ يبدو أنها قد سمعتهما) عن ~~سانت مالو والقنصل هناك، وعن التواصل مع أهلها في إنجلترا. بعد ذلك، سارا مبتعدين كي ~~يرتبا إنزالها إلى الأسفل؛ لأنه بالفعل مما كان بوسعهما أن يرياه من وجهها بدت لهما على ~~وشك الموت. ولكن الرفيق أوسيبون علم أنه خلف هذا القناع ms249 الأبيض من اليأس، كانت توجد قوة ~~حيوية تصارع الرعب واليأس، حب للحياة يمكنه أن يقاوم الكرب الشديد الذي يقود إلى القتل ~~والخوف، ذلك الخوف الأعمى الجنوني من حبل المشنقة. كان يعلم. لكن المضيفة ورئيس طاقم ~~المضيفين لم يعلما شيئا، سوى أنهما عندما عادا من أجلها بعد أقل من خمس دقائق، لم تعد ~~السيدة ذات الملابس السوداء موجودة على المقعد ذي المظلة. لم تكن موجودة في أي مكان. ~~كانت قد ذهبت. كانت الساعة وقتها الخامسة صباحا، ولم تكن حادثة أيضا. بعد ساعة، وجد أحد ~~العمال على الباخرة خاتم زواج متروكا على المقعد. كان قد التصق بالخشب الذي كان رطبا ~~قليلا، ولفت بريقه انتباه الرجل. كان محفورا بداخله تاريخ، 24 يونيو 1879. «لغز لا ~~سبيل إلى سبر أغواره مقدر له أن يظل عالقا إلى الأبد ...» # ورفع الرفيق أوسيبون رأسه المنكس، المحبوب من نساء متواضعات مختلفات في هذه الجزر، ~~الذي يشبه رأس أبولو في إشراق شعره. # في ذلك الوقت، كان البروفيسور قد ازداد تململا. ونهض. # قال أوسيبون بسرعة: «فلتبق. قل لي، ما الذي تعرفه عن الجنون والقنوط؟» # مرر البروفيسور طرف لسانه على شفتيه الجافتين الرفيعتين، وتحدث وكأنه طبيب: ~~«لا وجود لمثل هذه الأشياء. المشاعر كلها مفقودة حاليا. العالم عادي، واهن، بلا قوة. ~~والجنون والقنوط قوة. والقوة جريمة في أعين الحمقى والضعفاء والمغفلين الذين يمسكون ~~بزمام الأمور. أنت عادي. فيرلوك - الذي تمكنت الشرطة من إخماد قضيته ببراعة شديدة - عادي. ~~ورجال الشرطة الذين اغتالوه. كانوا عاديين. الجميع عاديون. الجنون والقنوط! أعطني ~~أداة، وسأحرك العالم. أوسيبون، أنا أحتقرك من قلبي. أنت حتى غير قادر على تصور ما ~~يسميه المواطن السمين جريمة. أنت لا تملك أي قوة.» توقف قليلا عن الكلام، وارتسمت على ~~شفتيه ابتسامة ساخرة تحت البريق الشديد لنظارته السميكة. ~~«واسمح لي أن أقول لك إن هذا الإرث الصغير الذي يقولون إنه آل إليك لم يحسن ذكاءك. أنت ~~تجلس تحتسي البيرة مثل دمية. إلى اللقاء.» # رفع أوسيبون ناظريه بابتسامة حمقاء، وقال: «هلا أخذته؟» ~~«آخذ ماذا؟» ~~«الإرث. كله.» ms250 # ابتسم البروفيسور النزيه فحسب. كانت ملابسه تكاد تسقط منه، وحذاؤه عديم الشكل بسبب ~~الترقيعات، وثقيل مثل الرصاص، ويسمح للماء بالدخول مع كل خطوة. قال: ~~«سأرسل إليك بالمناسبة فاتورة صغيرة بمواد كيميائية معينة سأطلبها غدا. أحتاج إليها ~~بشدة. مفهوم؟» # طأطأ أوسيبون رأسه ببطء. كان بمفرده. «لغز لا سبيل إلى سبر أغواره ...» بدا له أنه يرى ~~عقله معلقا في الهواء أمامه وينبض على إيقاع لغز لا سبيل إلى سبر أغواره. من الواضح أن ~~عقله صار مريضا ... «هذا الفعل النابع من الجنون أو اليأس.» # عزف لحن فالس صاخب على البيانو الميكانيكي القريب من الباب، ثم صمت فجأة، وكأنما صار ~~نزقا. # خرج الرفيق أوسيبون، الملقب بالطبيب، من حانة سيلينوس. عند الباب تردد، وأخذ يرمش في ~~ضوء الشمس غير الساطع بشدة، والجريدة التي تحتوي على تقرير انتحار سيدة كانت في جيبه. كان ~~قلبه يدق تحتها. انتحار سيدة، «هذا الفعل النابع من الجنون أو اليأس». # سار في الشارع من دون أن ينظر إلى موطئ قدمه؛ ومشى في اتجاه لن يقوده إلى مكان اللقاء ~~مع سيدة أخرى (مربية حضانة تضع ثقتها في رأس طيب يشبه رأس أبولو). كان يبتعد عنه. لم يستطع ~~أن يواجه أي امرأة. كان هذا خرابا. لم يستطع التفكير، ولا العمل، ولا النوم، ولا الأكل. ~~ولكنه بدأ يشرب بابتهاج، بترقب، بأمل. كان هذا خرابا. مسيرته الثورية - المدعومة بمشاعر ~~الكثير من النساء وثقتهن - كان يهددها لغز لا سبيل إلى سبر أغواره؛ لغز دماغ بشري ينبض ~~بطريقة خاطئة على إيقاع عبارات صحفية. «... «سيظل عالقا إلى الأبد إثر هذا الفعل» ... كان ~~آخذا في الانحراف إلى الحضيض ... «النابع من الجنون أو اليأس».» # تمتم لنفسه ببصيرة علمية: «أنا مريض للغاية.» بالفعل كان جسده ~~القوي - بالإضافة إلى أموال الخدمة السرية للسفارة (التي ~~ورثها من السيد فيرلوك) في جيوبه - يتجه إلى الحضيض وكأنه يتدرب على مهمة مستقبلية لا ~~مفر منها. كان بالفعل قد أحنى منكبيه العريضين ورأسه ذا الخصل الذهبية، وكأنه جاهز ~~لتلقي النير الجلدي للوحة إعلانات مزدوجة، على صدره وظهره. ms251 في مثل تلك الليلة، منذ أكثر ~~من أسبوع ، مشى الرفيق أوسيبون من دون أن ينظر إلى موطئ قدمه، دون إعياء، ودون أن يشعر بشيء، ~~ودون أن يرى شيئا أو يسمع صوتا. «لغز لا سبيل إلى سبر أغواره ...» سار دون أن يلتفت إليه ~~أحد ... «هذا الفعل النابع من الجنون أو اليأس.» # مشى البروفيسور النزيه أيضا، وهو يصرف بصره عن حشود البشر البغيضة. لم يكن له مستقبل. ~~كان يزدريه. كان قوة بذاته. داعبت أفكاره مشاهد الخراب والدمار. سار ضعيفا، تافها، ~~رثا، بائسا ... ومفزعا في بساطة فكرته التي تستحضر الجنون والقنوط لتجديد العالم. لم ~~ينظر إليه أحد. تابع سيره غير مثير للشكوك وحاملا الموت معه، مثل وباء في شارع يعج ~~بالناس. ms252