######OpenITI# #META# URI: 1450IbrahimSanadAhmad.WahidMinna.Hindawi37573972 #META# Tags: literature #META# ID: 37573972 #META# Title: واحد منا #META# AuthorID: 86908205 #META# Author: ويلا كاثر #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 48097460 #META# Translator: إبراهيم سند أحمد #META# Related_books: 1366WillaCather.OneOfOurs (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - على ضفاف لافلي كريك‏ # 2 - إنيد‏ # 3 - شروق الشمس في البراري‏ # 4 - رحلة السفينة أنخيسيس‏ # 5 - «الرهان على استمرار تحليق نسور الغرب»‏ # 1 - على ضفاف لافلي كريك‏ # 2 - إنيد‏ # 3 - شروق الشمس في البراري‏ # 4 - رحلة السفينة أنخيسيس‏ # 5 - «الرهان على استمرار تحليق نسور الغرب»‏ # | واحد منا # | واحد منا # تأليف # ويلا كاثر # ترجمة # إبراهيم سند أحمد # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # الكتاب الأول # | على ضفاف لافلي كريك # 1 # فتح كلود ويلر عينيه قبل أن ترتفع الشمس في كبد السماء، وهز ~~شقيقه الأصغر بقوة؛ إذ كان يناصفه السرير الذي ينام ~~عليه. ~~«رالف، رالف، استيقظ! قم وساعدني في غسل السيارة.» ~~«ولماذا تغسل السيارة؟» ~~«عجبا، ألن نذهب إلى السيرك اليوم؟» ~~«السيارة نظيفة. دعني وشأني.» أدار الفتى جسده وسحب اللحاف ~~حتى غطى به وجهه كي يحجب الضوء الذي بدأ يتسرب من خلال النوافذ ~~الخالية من الستائر. # نهض كلود وارتدى ملابسه، وهو عمل بسيط لم يستغرق كثيرا من ~~الوقت. نزل سلما يتكون من مجموعتين من الدرجات، وتحسس طريقه ~~في الظلام وشعره الأحمر واقف منتصب مثل عرف الديك. عبر من ~~المطبخ إلى الحمام المتاخم له الذي به حوضان من البورسلين ~~بصنبورين من المياه الجارية. من الواضح أن الجميع اغتسل قبل ~~الخلود إلى النوم، وكان الحوضان بهما رواسب داكنة لم يذبها الماء ~~العسر والقلوي. ولما أغلق الباب على هذه الفوضى عاد إلى المطبخ ~~وأخذ حوضا من القصدير يخص ماهيلي، وغمس وجهه ورأسه في الماء ~~البارد، وبدأ يسرح شعره المبلل. # أتت ماهيلي العجوز من الفناء ومئزرها مليء بقلوب أكواز الذرة ~~لتشعل فرن المطبخ. رمته بابتسامة محب أبله؛ إذ كثيرا ما ~~كانت ترميه بتلك الابتسامات عندما يكونان بمفردهما. ~~«ما الذي أيقظك بهذا النشاط أيها الفتى؟ هل ستذهب إلى السيرك ~~قبل الإفطار؟ لا تحدث ضوضاء، وإلا ستجدهم كلهم هنا قبل أن أشعل ~~النار.» ~~«حسنا يا ماهيلي.» ارتدى كلود قبعته واتجه للخارج راكضا، ~~ونزل إلى جانب التل باتجاه الحظيرة. أطلت الشمس فوق حافة المرج ~~كأنها وجه ترتسم عليه ابتسامة عريضة، تدفق ms001 الضوء على مراعي ~~شهر أغسطس المحصودة وعلى ثنيات نهير لافلي كريك ذات التعرجات ~~المتحدرة التي تحوطها الأشجار، وهذا النهير كان عبارة عن ~~جدول صغير صاف ذي قعر رملي يتعرج ويستدير مبتهجا عند القسم ~~الجنوبي من مزرعة ويلر الشاسعة. كان يوما رائعا للذهاب إلى ~~السيرك في فرانكفورت، كان يوما رائعا للقيام بأي نشاط؛ ويوم ~~كهذا لا مناص من أن يسير كما خطط له بنحو أو بآخر. # أخرج كلود السيارة الفورد الصغيرة من مكان انتظارها، وقادها إلى ~~حوض شرب الخيول، وبدأ في إلقاء المياه فوق الطين الملتصق ~~بالعجلات والزجاج الأمامي. بينما كان يعمل، رأى الأجيرين - دان ~~وجيري - يأتيان بخطى متثاقلة من أعلى التل كي يطعما الماشية. ~~جيري كان يتذمر ويقسم على شيء ما، ولكن كلود عصر الخرق ~~المبللة الخاصة به ولم يهتم لأمرهما فيما عدا إيماءة. ~~وبطريقة ما، دائما ما كان والده يتمكن من استئجار أكثر الرجال في ~~الريف فظاظة وقذارة كي يعملوا عنده. كان كلود حينها غاضبا من ~~جيري بسبب معاملته لأحد الخيول. # كانت مولي فرسة عجوزا وفية، وهي أم للعديد من المهور؛ ~~تعلم كلود وشقيقه الأصغر ركوب الخيل عليها. وعندما أخذها ذاك ~~الرجل جيري من أجل العمل في صباح أحد الأيام، تركها تخطو على لوح ~~خشب به مسمار. انتزع المسمار من حافرها ولم يقل شيئا لأي أحد، ~~وقادها إلى العمل في الحراثة طوال اليوم. إنها كانت الآن تقف في ~~مكانها في الحظيرة منذ أسابيع وهي تتألم صابرة، وقد هزل جسدها ~~حتى أصبحت جلدا على عظم، وتورمت ساقها حتى أصبحت تشبه ساق ~~الفيل. قال الطبيب البيطري إن عليها ألا تخرج للعمل حتى يسقط ~~حافرها ذاك وينمو مكانه حافر جديد، وبعدها ستكون لديها مشكلة ~~دائمة في الحركة. لم يسرح جيري من العمل، وكان يتحدث عن الفرسة ~~المسكينة كأنه أنقذها. # خرجت ماهيلي إلى قمة التل ودقت جرس الإفطار. وبعدما صعد ~~الأجيران إلى المنزل، انسل كلود إلى الحظيرة كي يطمئن أن مولي ~~حصلت على قسمتها من الشوفان. رآها تأكل في هدوء منكسة رأسها ~~ورافعة ms002 قدمها قليلا عن الأرض؛ إذ كان جلدها جافا وكأنها ماتت ~~دون بقية جسدها. عندما ربت على رقبتها وتحدث إليها، توقفت ~~عن مضغ الطعام وحملقت فيه حزينة. لقد كانت تعرفه؛ ومن ثم جعدت ~~أنفها وسحبت شفتها العليا كي تظهر أسنانها المتآكلة؛ كي تقول ~~له إنها تحب أن يداعبها. تركته يلمس قدمها ويفحص ~~ساقها. # عندما وصل كلود إلى المطبخ، كانت والدته تجلس عند أحد طرفي ~~مائدة الإفطار وتسكب قهوة خفيفة، وكان شقيقه ودان وجيري يجلسون في ~~مقاعدهم، وماهيلي تخبز فطير الصاج في الفرن. بعد لحظة، نزل السيد ~~ويلر على السلم المسيج ومشى بطول المائدة حتى وصل إلى ~~مكانه. كان الرجل يتصف بضخامة الجسم الشديدة؛ إذ كان أطول وأعرض ~~من أي أحد من الجيران. ونادرا ما كان يرتدي معطفا في الصيف، ~~وكان يخرج قميصه المجعد من فوق حزام سرواله من دون أن يأبه ~~لذلك. وكان وجهه المشرب بالحمرة حليقا تماما، وكثيرا ما كان ~~يظهر على فمه آثار تبغ، وكان وجهه يوحي بكل من الطيبة وروح ~~الفكاهة الفظة، وكذلك بالرزانة الشديدة. لم ير أحد في المقاطعة ~~البتة نات ويلر قلقا بشأن أي شيء، ولم يسمعه أحد البتة وهو ~~يتحدث بنبرة جادة بالكلية. لقد كان يحافظ على لينه ودماثة ~~أخلاقه المازحة حتى مع عائلته. # بمجرد أن جلس، مد يده إلى وعاء السكر الذي كان يسع ربع كيلو، ~~وبدأ في إضافة السكر إلى القهوة. سأله رالف إن كان سيذهب إلى ~~السيرك. غمز السيد ويلر بعينه. ~~«ربما لو حدث أن كنت في المدينة قبل أن ينتهي عرض الفيلة.» ~~تحدث بتأن شديد، بلهجة سكان ولاية مين، وكانت كلماته سلسة ~~ومفهومة. «ولكن من الأفضل أيها الفتية أن تذهبوا في وقت مبكر. ~~يمكنكم أخذ العربة والبغال، ونقل جلود البقر. فقد وافق الجزار ~~على أخذها.» # وضع كلود سكينه جانبا. «ألن نأخذ السيارة؟ لقد غسلتها من أجل ~~ذلك.» ~~«وماذا عن دان وجيري؟ إنهما يريدان مشاهدة السيرك كما تريدان ~~تماما، وأريد أن أبعث بالجلود؛ فأسعارها جيدة الآن. لا مانع ~~لدي من غسلك للسيارة؛ ms003 يقولون إن الطين يحافظ على الدهان، ~~ولكن لا بأس هذه المرة يا كلود.» # ضحك الأجيران ضحكة خفيفة وقهقه رالف. واشتعل وجه كلود المليء ~~بالنمش غضبا. وتيبست قطعة الفطير، وأصبحت ثقيلة في فمه ~~واستصعب ابتلاعها. كان يعلم والده كرهه لقيادة البغال إلى ~~المدينة، ويعلم مدى كرهه للذهاب إلى أي مكان بصحبة دان وجيري. ~~بالنسبة إلى الجلود، فقد كانت لأربعة عجول مخصية هلكت بسبب ~~العاصفة الثلجية في الشتاء الماضي نتيجة لإهمال مستهتر من نفس ~~هذين الأجيرين، وما كان الثمن الذي تجلبه يبلغ نصف مقابل الوقت ~~الذي قضاه والده في سلخها ودباغتها. كانت تلك الجلود توجد في ~~سقيفة علوية طوال الصيف، وذهبت العربة إلى المدينة عشرات ~~المرات. ولكن لما أراد أن يذهب إلى فرانكفورت اليوم مهندما ومن ~~دون مسئوليات، بات لزاما عليه أن يأخذ هذه الجلود ذات الرائحة ~~الكريهة ورجلين بلسان بذيء، ويقود زوجا من البغال لا يكفان ~~عن النهيق والوقوف فجأة والتصرف بحماقة وسط حشود الناس. على ~~الأرجح، نظر والده من النافذة ورآه يغسل السيارة؛ ومن ثم قرر أن ~~يوكل إليه هذه المهمة لما كان يرتدي ملابسه. هكذا كان مفهوم ~~المزحة بالنسبة إلى والده. # نظرت السيدة ويلر إلى كلود متعاطفة، وشعرت أن خيبة الأمل ~~تملكت منه. ربما ساورها الشك هي أيضا بأن هذه مزحة. إنها ~~تعلم أن الفكاهة يمكن أن تأخذ أي شكل. # بينما كان كلود في طريقه إلى الحظيرة بعد الإفطار، ذهبت تهرول ~~إلى الممر ونادته بصوت خافت؛ دائما ما تجعلها الهرولة تلهث. لما ~~وصلت إليه، رفعت بصرها إليه بحرص، واضعة يدها على جبهتها بلطف ~~كي تظلل على عينيها. وقالت بنبرة حزينة: «إذا أردت، فسأجهز ~~معطفك الكتاني يا كلود، إذ يمكنني كيه ريثما تنتهي من ربط ~~العربة.» # وقف كلود يركل كومة من الريش المنقط الذي كان يوما ما ~~دجاجة صغيرة. رأت والدته أن كتفيه كانتا غير محنيتين، وكان ~~يوحي شكله بأنه مفعم بالحيوية ولديه تحكم راسخ بالنفس. ~~«لا عليك يا أمي.» تحدث بسرعة متمتما بالكلمات. «الأفضل ~~أن أرتدي ملابسي القديمة ما ms004 دمت سآخذ الجلود. إنها مليئة ~~بالدهون، وستصبح رائحتها أسوأ من رائحة السماد عندما تتعرض ~~للشمس.» ~~«أظن أن الرجلين سيهتمان بأمر الجلود. ألا تشعر بأنه من ~~الأفضل أن ترتدي ملابس تليق بالمدينة؟» كانت لا تزال تنظر لأعلى ~~نحوه. ~~«لا تشغلي بالك. جهزي لي قميصا ملونا نظيفا إذا أردت. ~~سيكون هذا مناسبا.» # استدار متجها إلى الحظيرة، وعادت والدته أدراجها عبر الممر ~~إلى المنزل بخطى بطيئة. كانت جسورة ومحنية الظهر جدا، تلك ~~الأم العزيزة! قال في باله إنها ما دامت تتحمل هؤلاء الرجال وتطهو ~~وتغسل لهم، فلا ضير من أن يأخذهم إلى المدينة! # بعدما غادرت العربة بنصف الساعة، ارتدى نات ويلر معطفا من صوف ~~الألبكة، وانطلق في عربته ذات الجرس التي كان يستخدمها للتجول في ~~أنحاء البلدة على الرغم من أن لديه سيارتين. لم يقل شيئا ~~لزوجته؛ فمن شأنها أن تخمن هل سيعود إلى المنزل على العشاء أم ~~لا. كان أمامها هي وماهيلي وقت كاف للتنظيف والكنس طوال اليوم؛ ~~إذ لا يوجد رجال حولهما يعطلون عملهما. # السنة كانت تتخللها بضعة أيام لا يذهب فيها ويلر بعربته إلى ~~أي مكان، لا إلى مزادات البيع أو المؤتمرات السياسية أو اجتماع ~~مديري شركة فارمرز تليفون، وحينها كان يتفقد الجيران ويرى مدى ~~تقدمهم في عملهم، إن لم يكن لديه شيء آخر يقوم به. كان يفضل ~~عربته على السيارة لأنها خفيفة، ويسهل التنقل بها على الطرق ~~غير المستوية أو المزدحمة، ومتهالكة جدا لدرجة أنه لم يفكر ~~قط في أن يقترح على زوجته أن ترافقه فيها. بالإضافة إلى ذلك، ~~كان يستطيع أن يرى الأنحاء أفضل عندما لا يكون على ذهنه الانشغال ~~بالطريق. أتى إلى هذا الجزء من نبراسكا عندما كان الهنود الحمر ~~والجواميس لا يزالون يتجولون بحرية في المكان، وكان يتذكر عام ~~غزو الجراد والإعصار الكبير، ورأى المزارع وهي تظهر واحدة تلو ~~الأخرى بعد أن كان المكان مقفرا، وكانت الريح وحدها تسكنه. ~~شجع مستوطنين جددا على أخذ مساكن لهم في المكان، وحثهم على ~~الود فيما بينهم، وأقرض الشباب الأموال ms005 من أجل الزواج، ورأى ~~العائلات وهي تكبر، حتى شعر بأن هذا كله مشروعه الخاص. كانت تثير ~~اهتمامه التغييرات التي كان يراها، ولم تهمه التغييرات التي ~~أحدثتها السنون فحسب، بل أيضا تلك التي كانت تحدثها ~~الفصول. # كان الناس يتعرفون على نات ويلر وعربته وهي على بعد ميل. كان ~~يجلس مرتاحا بجسده الضخم، ويتثاقل على أحد طرفي المقعد ~~المائل، ويده التي تقود العربة موضوعة على ركبته. حتى جيرانه ~~الألمان - آل يودر - الذين كانوا يكرهون التوقف عن العمل لمدة ربع ~~ساعة لأي سبب من الأسباب، كانوا يسعدون برؤيته قادما. كان ~~يفتقده التجار في البلدات الصغيرة المنتشرة في المقاطعة إذا ~~لم يزرهم مرة على الأقل في الأسبوع أو نحو ذلك. لقد كان ناشطا ~~في مجال السياسية، ورغم أنه لم يسبق له الترشح لمنصب ما، فإنه كان ~~غالبا ما يناصر أي صديق له يفعل ذلك ويقود له حملته. # يتجسد المثل الفرنسي «فرحة الشارع حزن المنزل» في السيد ويلر، ~~وإن لم يكن بالطريقة الفرنسية على الإطلاق. كانت شئونه الخاصة ذات ~~أهمية ثانوية بالنسبة إليه. في بداية حياته، استوطن واشترى وأجر ~~أراضي كثيرة بالقدر الكافي، وكان هذا سببا في ثرائه. والآن، كان ~~عليه ألا يؤجر تلك الأراضي لغير المزارعين الجيدين الذين ~~يحبون العمل، ولكنه لم يفعل ذلك، ولم يخف ذلك. ولما كان يمكث ~~في المنزل، فعادة ما كان يمكث في غرفة المعيشة بالطابق العلوي ~~ويقرأ الجرائد. كان لديه اشتراك في 12 جريدة أو نحو ذلك - تضمنت ~~القائمة جريدة أسبوعية مخصصة للفضائح - وكان على اطلاع واسع ~~بما يجري في العالم. لقد كان يتمتع بصحة جيدة، ويأخذ المرض الذي ~~يصيبه أو يصيب غيره على سبيل المزاح. ومن المؤكد أنه لم ~~يعان البتة من أي مرض صعب أكثر من ألم الأسنان أو الدمامل أو ~~نوبة صفراوية عرضية. # كان ويلر يجود بما لديه للكنائس والجمعيات الخيرية، ولا يبرح ~~يقرض الأموال أو الآلات لجار يفتقر إلى أي شيء. كان يحب أن ~~يضايق الأشخاص الخجولين ويصدمهم، ولا تخلو جعبته من القصص ~~المضحكة. كان ms006 يندهش الجميع من حسن العلاقة بينه وبين ابنه ~~الأكبر بايليس ويلر. لم يكن بايليس خجولا بالمعنى الحرفي للكلمة، ~~ولكنه كان غير متفتح؛ من نوع الشباب الحذر الذي لا يتوقع أن ~~يحبه نات ويلر. # كان بايليس يمتلك متجرا ~~خاصا بتجهيزات المزارع في فرانكفورت، وعلى الرغم من أنه لم يبلغ ~~الثلاثين بعد، فقد أحرز نجاحا ماليا كبيرا. على الأرجح، كان ~~يفخر ويلر بفطنة ولده في العمل. على أي حال، كان يذهب إلى المدينة ~~عدة مرات في الأسبوع كي يرى بايليس، ويذهب إلى أسواق السلع ~~والماشية معه، ويجلس في متجره ساعات متواصلة دون أن يفعل شيئا ~~سوى المزاح مع المزارعين الذين يأتون إليه. كان يعاقر ويلر ~~الخمر في النهار بشراهة، ويأكل كميات كبيرة. كان يتصف بايليس ~~بالنحافة ويعاني عسر الهضم، كما أنه كان من أنصار تحريم الخمر ~~المتزمتين؛ كان يود لو أنه ينظم لكل فرد نظامه الغذائي ~~حسب قانونه الواهن. حتى السيدة ويلر - التي ترضى بما قسمه الله ~~لها فيما يتعلق بنصيبها من الرجال - كانت تتعجب من انسجام ~~العلاقة بينه وبين والده، وكيف يذهبان إلى المؤتمرات معا ~~ويستمتعان بوقتهما، رغم أن كلا منهما كان لديه مفهوم مختلف عن ~~الاستمتاع بالوقت. # مرة كل بضع سنوات، كان السيد ويلر يشتري بدلة جديدة ودزينة ~~قمصان خشنة، ويذهب إلى ولاية مين لزيارة أشقائه وشقيقاته الذين ~~كانوا أفرادا هادئين وتقليديين للغاية. ولكنه دائما ما كان ~~يسعد بالعودة إلى المنزل، وإلى ملابسه القديمة، ومزرعته الكبيرة، ~~وعربته وابنه بايليس. # جاءت السيدة ويلر من ولاية فيرمونت لتصبح مديرة مدرسة ثانوية ~~لما كانت فرانكفورت بلدة حدودية، وكان نات ويلر عازبا ثريا. لا ~~بد أنه أعجب بها للسبب نفسه الذي أحب ابنه بايليس من أجله؛ إذ ~~كانت مختلفة عنه تمام الاختلاف. يقال عن نات ويلر إنه يحب كل ~~أصناف البشر؛ يحب الطيبين والمخلصين، ويحب الأوغاد ~~والمنافقين، ولكنه كان يحب الصنف الأخير أكثر. إذا سمع أن أحد ~~الجيران دبر مكيدة مفجعة أو ارتكب فعلا لا ينكر أحد ~~وضاعته، فإنه يحرص على أن يذهب إليه ms007 كي يراه على الفور كأنه لم ~~يقدره قدره قبل ذلك. # كان يحظى والد كلود بوقار كبير بين ربوع البلاد. كان يحب أن ~~يستفز الآخرين لإثارة ضحك شديد، ولكنه لم يضحك البتة على نحو ~~صاخب. عندما يروي الناس القصص عنه، غالبا ما كانوا يحاولون تقليد ~~صوته المهيب الناعم الذي كان قويا، ولكنه لم يعل قط. وحتى ~~عندما يدخل إلى قلبه فرح كبير من أي شيء - مثل الوقت الذي تخلع ~~فيه ماهيلي المسكينة ملابسها في ليلة من ليالي الصيف المظلمة، ~~وتجلس على ورق لاصق لإبادة الحشرات - فإنه لا يحدث صخبا. إنه ~~أب مرح وسهل الإرضاء حقا بالنسبة إلى فتى لم يكن مرهف الحس ~~جدا. # 2 # وصل كلود وبغلاه إلى فرانكفورت في الوقت الذي بدأت فيه آلة ~~الكاليوبي العزف في الشارع الرئيسي عند مدخل السيرك. وبمجرد أن ~~تخلص من الحمولة البغيضة والرفيقين غير الملائمين، شق طريقه ~~وسط الزحام على الرصيف، وأخذ يبحث عن بعض فتيان الجيران. كان ~~السيد ويلر يقف على ناصية بنك المزارعين، وقد كان أطول من الجميع، ~~وقد أخذ يمزح مع رجل أحدب نحيل كان يجهز لعبة من ألعاب الحظ. ~~وكي يتحاشى كلود والده، انعطف ودخل إلى متجر أخيه. اكتظت نافذتا ~~العرض الكبيرتان بأطفال البلدة، وكانت أمهاتهم يقفن خلفهم ~~لمشاهدة العرض. كان بايليس يجلس في صومعته الزجاجية الصغيرة عاكفا ~~على الكتابة وإمساك الحسابات. أومأ إلى كلود وهو جالس على ~~مكتبه. # دخل كلود مهرولا وكأنه في عجلة شديدة من أمره، وقال: ~~«مرحبا. هل رأيت إرنست هافل؟ ظننت أنني قد أجده هنا.» # استدار بايليس بكرسيه الدوار كي يعيد كتالوج المحاريث إلى ~~الرف. «ما الذي سيأتي به إلى هنا؟ الأفضل أن تبحث عنه في الحانة.» ~~لا أحد يستطيع أن يرمي تلميحات وضيعة ضمن ملاحظات غامضة ~~ومملة أكثر من بايليس. # استشاط كلود غضبا. وبينما كان يستدير ليذهب، لاحظ شيئا غير ~~عادي في وجه أخيه، ولكنه ما كان ليبلغه مراده بسؤاله عن سبب ~~الكدمة الموجودة حول إحدى عينيه. إرنست هافل كان بوهيميا، ~~وعادة ما كان يحتسي ms008 كأسا من الجعة عندما يأتي إلى المدينة، ~~ولكنه كان يتسم بالرزانة وبعد التفكير أكثر من أقرانه الشباب. ~~وانطلاقا من تعليق بايليس، قد يعتقد المرء أن الفتى كان يتسكع ~~ويعاقر الخمر. # في تلك اللحظة، رأى كلود صديقه على الجانب الآخر من الشارع خلف ~~عربة من الكلاب المدربة كانت تلحق بمؤخرة الموكب. ركض بين حشد ~~من الفتية الذين كانوا يتحدثون بأصوات عالية، وأمسك إرنست من ~~ذراعه. ~~«مرحبا، إلى أين أنت ذاهب؟» ~~«ذاهب لتناول غدائي قبل أن يبدأ العرض. تركت عربتي بجانب ~~محطة الضخ عند النهير. ماذا عنك؟» ~~«ليس عندي برنامج معين. هل لي أن أذهب معك؟» # ابتسم إرنست. «توقعت ذلك. لذا، لدي غداء يكفي ~~فردين.» ~~«نعم، أعرف. إنك دائما ما تفعل ذلك. سألحق بك بعد قليل.» # أحب كلود أن يأخذ إرنست إلى الفندق ليتناول العشاء معه. كان ~~لديه مال كثير في جيوبه؛ فوالده مزارع ثري. في عائلة ويلر، كان ~~لا يناقش أمر شراء آلة درس حبوب أو سيارة جديدة، ولكن يعتبر ~~الذهاب إلى الفندق لتناول العشاء إسرافا. إن سمع والده أو ~~بايليس أنه ذهب إلى هناك وعرف بايليس كل شيء، فسيقولان إنه ~~يتصرف بغرور وسيعاقبانه. حاول أن يبرر جبنه بقوله إنه كان ~~متسخا وإن رائحة الجلود طالته، ولكنه كان يعلم في أعماق قلبه ~~أنه لم يطلب من إرنست الذهاب إلى الفندق معه لأن طريقة تربيته ~~تصعب عليه القيام بهذا الأمر البسيط. اشترى بعض الأشياء من ~~متجر الفاكهة وكشك السيجار، ثم أسرع على طول الطريق المترب ~~باتجاه محطة الضخ. كانت عربة إرنست تقف في ظل بعض أشجار الصفصاف، ~~على قاع رملي صغير محاط نصفه بجانب من النهير منحن مثل حدوة ~~الحصان. رمى كلود نفسه على الرمال بجانب النهير، ونفض الغبار عن ~~وجهه المتعرق. شعر الآن كأنه طوى صفحة ذلك الصباح ~~البغيض. # أخرج إرنست سلة غدائه. # قال: «لقد وضعت زجاجتي جعة في النهير كي أبردهما. أعلم ~~أنك لن ترغب في دخول أي حانة.» ~~«أوه، انس الأمر!» تمتم ~~كلود بتلك الكلمات وهو يرفع غطاء جرة ms009 من المخللات. لقد كان ~~يبلغ عمره تسعة عشر عاما، ويخشى الذهاب إلى الحانات ، ويعلم ~~صديقه أنه يخشى ذلك. # بعد الغداء، أخرج كلود بعض السيجار الجيد التي سبق أن أحضرها ~~من كشك السيجار. وابتهج إرنست؛ إذ لم يكن بإمكانه شراء هذا النوع ~~من السيجار. أشعل واحدة وظل وهو يدخنها ينظر إليها بشيء من ~~العجب ويلفها بين أصابعه. # وقفت الخيول ورأسها أعلى صندوق العربة، وأخذت تمضغ الشوفان. ~~تدفق ماء النهير تحت جذور شجر الصفصاف محدثا خريرا هادئا ~~يبعث على التأمل. استلقى كلود وإرنست في الظل ووضعا معطفيهما تحت ~~رأسيهما وتحدثا قليلا جدا. ومن حين لآخر، كانت تمر سيارة ~~في الطريق باتجاه المدينة وتنفجر سحابة من الغبار، وتنتشر رائحة ~~الوقود فوق قاع النهير، ولكن لم ينقطع - معظم الوقت - الصمت الذي ~~كان يسود في وقت الظهيرة في هذا اليوم من أيام الصيف الدافئة ~~والهادئة. عادة ما يكون بإمكان كلود نسيان أسباب انزعاجه ~~وامتعاضه عندما يكون بصحبة إرنست. لم يكن الفتى البوهيمي ~~مترددا على الإطلاق، ولم يتحير بين طريقين أو ثلاثة في الوقت ~~نفسه. كان بسيطا ومباشرا. كان لديه عدد من الاهتمامات غير ~~الشخصية؛ إذ كان مهتما بالسياسة والتاريخ والاختراعات الجديدة. ~~شعر كلود أن صديقه يعيش في جو يوفر له حرية الفكر، لم يحلم ~~هو قط أن يحظى بمثله. بعدما تحدث مع إرنست بعض الوقت، بدت ~~الأشياء التي لم تسر على ما يرام في المزرعة أقل أهمية ~~بالنسبة إليه. تكاد والدة كلود تحب إرنست مثلما يحبه ابنها. لما ~~كان الفتيان في المدرسة الثانوية، غالبا ما كان إرنست يأتي في ~~المساء كي يذاكر مع كلود؛ وفي أثناء المذاكرة على طاولة المطبخ ~~الطويلة، كانت السيدة ويلر تحضر الأشياء التي ترفوها، وتجلس ~~بجوارهما وتساعدهما في دراسة اللغة اللاتينية والجبر. حتى ماهيلي ~~العجوز كانت تتعلم من عبارات الحكمة التي يدرسونها. # قالت السيدة ويلر إنها لن تنسى أبدا الليلة التي وصل فيها إرنست ~~من بلده الأم. ذهب أخوه جو هافل إلى فرانكفورت كي يقابله، وحينها ~~كان عليه أن يتوقف في ms010 طريق عودته إلى المنزل ويترك بعض أغراض ~~البقالة لعائلة ويلر. تأخر القطار القادم من الشرق؛ أعلنت ~~الساعة عن العاشرة مساء عندما كانت السيدة ويلر تنتظر في المطبخ ~~في تلك الليلة، وسمعت صوت عربة هافل وهي تحدث صوتا على الجسر ~~الصغير الذي يمر من فوق نهير لافلي كريك. فتحت الباب الخارجي ~~ودخل جو من فوره وفي يده سلة تحوي بعض الأسماك المملحة ~~وجوالا من الدقيق على كتفه. وبينما كان ينزل السمك إلى القبو، ~~ظهر شخص آخر في المدخل؛ فتى صغير قصير ومحني الظهر ويرتدي ~~قبعة مسطحة على رأسه، ويحمل على ظهره حقيبة كبيرة من القماش ~~الزيتي مثل التي يحملها الباعة الجائلون. غط في النوم في العربة، ~~ولما استيقظ ووجد أن أخاه قد ذهب، ظن أنهما في المنزل واندفع ~~يبحث عن حقيبته. وقف في المدخل يرمش بعينيه لما رأى النور، وبدا ~~مندهشا، ولكنه كان مستعدا لإنجاز ما هو مطلوب منه أيا كان. ~~نظرت السيدة ويلر إليه واعتبرته أحد أولادها. ثم ذهبت إليه ~~وحاوطته بذراعها، وابتسمت وقالت بصوتها الهادئ وكأن بإمكانه أن ~~يفهمها: «عجبا، لا تزال فتى صغيرا على أي حال، أليس ~~كذلك؟» # قال إرنست بعدئذ إن هذه كانت هي المرة الأولى التي يرحب فيها ~~به في هذا البلد، على الرغم من ترحاله مسافة بعيدة، وقد دفع ~~وصيح في وجهه أياما لا يعلم عدتها. في تلك الليلة، تصافح مع ~~كلود ونظر بعضهما إلى بعض بارتياب، ولكنهما أصبحا صديقين حميمين ~~منذ ذلك الوقت. # بعد النزهة، ذهب الفتيان إلى السيرك والسعادة تغمرهما. في خيمة ~~الحيوانات، قابلا ليونارد دوسن الضخم - الابن الأكبر لأحد جيران ~~عائلة ويلر المقربين - وجلس ثلاثتهم من أجل مشاهدة العرض. قال ~~ليونارد إنه أتى إلى المدينة بمفرده في سيارته، وسأل كلود إن كان ~~يريد الركوب معه. ابتهج كلود كثيرا لترك مسألة قيادة البغلين ~~إلى رالف؛ حيث إن اصطحاب الأجيرين ليس مشكلة بالنسبة إليه مثل ~~كلود. # كان ليونارد يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما وهو فتى يتصف ~~بضخامة الجسم وميول البشرة إلى اللون البني، ms011 وكانت له يدان ~~كبيرتان، وقدمان كبيرتان، وأسنان بيضاء، وعينان لامعتان مليئتان ~~بالحيوية. كان لا يعمل هو ووالده وأخواه في مزرعتهما الكبيرة فحسب، ~~بل كانوا يستأجرون قطعة أرض مساحتها 160 فدانا من نات ويلر. ~~لقد كانوا مزارعين بارعين. وإذا مر صيف جاف من دون محصول ~~جيد، فما يكون من ليونارد إلا أن يضحك ويبسط ذراعيه الطويلتين ~~ويبذل جهدا كبيرا حتى يحصل على محصول أكبر في السنة التالية. ~~ودائما ما كان كلود متحفظا قليلا تجاه ليونارد؛ إذ يشعر بأن ~~الشاب كان يكره الطريقة العشوائية التي تسير بها الأمور في مزرعة ~~ويلر، ويظن أن الالتحاق بالجامعة مضيعة للوقت. لم يلتحق ليونارد ~~حتى بالمدرسة الثانوية في فرانكفورت، ولكنه حقق بالفعل نجاحا ~~أكثر من النجاح الذي يمكن أن يحققه كلود يوما ما. يعتقد ~~ليونارد أن تلك الأشياء متساوية في نظره، ولكنه كان يحب ~~كلود. # عند غروب الشمس، كانت السيارة تسرع فوق طريق عريض ومعبد ~~يمتد عبر الأرض المستوية التي تقع بين فرانكفورت والأرض الوعرة ~~الأكثر التي تمتد بطول نهير لافلي كريك. أظهر ليونارد إعجابا ~~شديدا بأداء محرك سيارته الذي لا يتعطل. وفي ذلك الوقت، ~~ضحك في نفسه والتفت إلى كلود. ~~«هل تنزعج لو قلت مزحة عن بايليس؟» ~~«أظن أنني سأنزعج.» لم تنم نبرة كلود عن أي حماسة لديه. ~~«هل رأيت بايليس اليوم؟ هل لاحظت فيه شيئا غريبا، مثل كدمة ~~صغيرة حول إحدى عينيه؟ هل أخبرك بالسبب؟» ~~«كلا. لم أسأله.» ~~«حسن إذن. ولكن سأله كثيرون وقال إنه كان يبحث عن شيء في ~~متجره في الظلام، واصطدم بآلة حصاد. حسنا، أنا آلة ~~الحصاد!» # نظر كلود باهتمام. «هل تريد القول إن بايليس دخل في ~~شجار؟» # ضحك ليونارد. «يا إلهي، كلا! ألا تعرف بايليس؟ ذهبت إلى هناك ~~البارحة كي أدفع فاتورة، ثم أتت سوزي جراي وفتاة أخرى كي تبيعا ~~التذاكر من أجل عشاء رجال الإطفاء. كان مروج للسيرك يتسكع في ~~المكان، وبدأ يتحدث بنبرة جريئة بعض الشيء، لم يتفوه بحديث ~~فظ، بل تحدث بالطريقة المعتادة لدى هؤلاء الأشخاص. ردت ms012 عليه ~~الفتاتان بالطريقة نفسها، وباعتا له ثلاث تذاكر وقطعا الحديث ~~معه. لم أفهم كيف فكرت سوزي بسرعة فيما قالته. وفي اللحظة التي ~~خرجت فيها الفتاتان، بدأ بايليس في انتقادهما؛ وقال إن كل فتيات ~~الريف يصبحن وقحات جدا في التعامل مع الآخرين، ويعرفن أكثر ~~مما ينبغي فيما يتعلق بالتعامل مع الرجال العابثين، وفي هذه اللحظة ~~ذهبت إليه ولكمته. وصلت اللكمة بقوة أكبر مما قصدت. قصدت أن ~~أصفعه، لا أن أضربه بقوة على عينه. ولكن لا تسير الأمور كما ~~خطط لها دائما، وعندها أصبحت متحفزا بشدة. انتظرت أن ~~يرد لي الضربة. أنا أضخم منه، ورغبت أن أرضيه. ولكنه ظل ~~في مكانه ولم يتحرك. وقف هناك ولم يتوقف وجهه عن الاحمرار، ~~ودمعت عيناه. لا أقول إنه بكى، ولكن دمعت عيناه. قلت: «حسنا يا ~~بايليس. احفظ يديك عن الرد إذا كان هذا مبدأك، ولكن احفظ لسانك ~~أيضا، خاصة إذا كانت الأطراف المعنية غير موجودة.»» # لم يعلق كلود إلا بقوله: «لن يتجاوز بايليس هذا الأمر ~~مطلقا.» # حرك ليونارد رأسه إلى أعلى. «ليس عليه أن يفعل ذلك! أنا عميل ~~جيد، يمكن أن يتقبل الأمر أو لا، ولكني لن أتزعزع عن ~~موقفي!» # في البضع الدقائق التالية، كان الشاب منشغلا بمحاولة صعود ~~تل وعر بسرعة عالية. كان يستطيع فعل هذا في بعض الأحيان، ولا ~~يستطيع ذلك أحيانا أخرى، ولكنه لم يستطع تبين السبب. بعد أن ~~حرك ناقل الحركة إلى النقلة الثانية ببعض الاشمئزاز، وترك ~~السيارة تسير ببطء كما تشاء، لاحظ الارتباك على رفيقه. # تحدث كلود بصوت متوتر: «أتعرف، يا ليونارد، أعتقد أن ~~العدل يقتضي أن ننزل هنا من السيارة وتمنحني فرصة كي ~~ألكمك؟» # لف ليونارد عجلة القيادة بحدة كي يتفادى عربة على الجانب ~~السفلي من التل. «ما هذا الهراء الذي تتفوه به يا فتى؟» ~~«تظن أنك تستطيع هزيمتنا دون شك، ولكن عليك أن تعطيني فرصة ~~أولا.» # نظر ليونارد مندهشا إلى يديه الكبيرتين ذاتي اللون البني ~~المستقرتين على عجلة القيادة. «أيها الأحمق الهالك، لماذا كنت ~~سأخبرك بكل هذا لو ms013 لم أعلم تمام العلم أنك جبان آخر؟ لم أظن ~~قط أنك على وفاق تام مع بايليس.» ~~«لست على وفاق معه، ولكن لا تظن أنه يمكنك أن تصفع أي أحد ~~من عائلتي وقتما تشاء.» علم كلود أن تفسيره بدا أحمق، وكان صوته ~~ضعيفا وغاضبا، على الرغم من الجهود التي بذلها كي يخفي ~~ذلك. # علم الشاب ليونارد دوسن أنه جرح مشاعر الفتى. «يا إلهي، أعلم ~~أنك مقاتل يا كلود. بايليس لم يكن كذلك قط. كنت في المدرسة ~~نفسها معه.» # انتهت الرحلة بسلام، ولكن كلود ما كان سيترك ليونارد يوصله إلى ~~المنزل. لذا، نزل من السيارة بسرعة شديدة ورمى عليه تحية المساء ~~بنبرة فظة، وركض عبر الحقول المظلمة باتجاه الضوء الساطع من ~~المنزل أعلى التل. وعلى الجسر الصغير على النهير، توقف كي ~~يلتقط أنفاسه ويحرص على أن يظهر بمظهر هادئ قبل أن يدخل المنزل ~~ويرى أمه. # تمتم بصوت عال وأغلق قبضته: «اصطدم بآلة حصاد في ~~الظلام!» # لما استمع إلى نقيق الضفادع العميق، وإلى نباح الكلاب البعيدة ~~في المنزل، بدا هادئا أكثر. مع ذلك، تساءل في نفسه ما الذي يجعل ~~المرء مسئولا في بعض الأحيان عن سلوك أشخاص لهم طبيعة مخالفة ~~لطبيعته كليا. # 3 # أقيم عرض السيرك يوم السبت. وفي الصباح التالي، كان كلود يقف ~~عند التسريحة وأخذ يحلق. طال شعر ذقنه، وكان أغمق من شعر رأسه ~~قليلا، ولكنه ليس بنفس حمرة بشرته. حاجباه ورموشه الطويلة كان ~~لها لون أصفر فاتح؛ مما جعل عينيه الزرقاوين تبدوان أفتح مما ~~هي عليه في الحقيقة، وبحسب ظنه كان الجزء العلوي من وجهه يوحي ~~بأنه خجول وضعيف. كان مظهره ليس بالمظهر الذي يريده على ~~الإطلاق. كان يكره رأسه على وجه الخصوص؛ إذ كان له رأس كبير على ~~نحو جعله يواجه صعوبة في شراء القبعات، وكان رأسه يتخذ شكلا ~~مربعا واضحا؛ وهو ما جعله يبدو كشخص أبله على نحو مثالي. ~~كان يحمل اسمه مصدرا آخر للشعور بالخزي. كلود اسم يعني «الأبله» ~~مثل إلمر وروي، وهو اسم يعني الريفي الذي ms014 يحاول أن يرتقي. في ~~مدارس الريف، كان هناك دائما صبي أحمر الشعر ذو يدين ~~مغطاتين بالبثور وأنف لا ينفك عن السيلان يسمى كلود. منحه ~~الله جسما قويا؛ ذراعاه وساقاه متناسقتان ويكتنزان بالعضلات، ~~وكتفاه قويتان، وهي الصفات الجسمانية التي تليق بفتى مزارع. ~~مع الأسف، لم يتصف بالرزانة التي كان يتمتع بها والده، وغالبا ~~ما تبرز قوته من تلقاء نفسها على نحو غير ملائم. في بعض ~~الأحيان، تتسبب العواصف التي تدوي في رأسه في نهوضه أو جلوسه ~~أو رفع شيء بقوة أكبر مما تستدعيه الأسباب التي دفعته إلى القيام ~~بذلك. # نام أهل البيت حتى وقت متأخر في صباح يوم السبت، حتى ماهيلي ~~لم تستيقظ حتى الساعة السابعة. الإشارة العامة إلى موعد الإفطار ~~كانت رائحة قلي كعك الدونت. في هذا الصباح، نزل رالف عن سريره ~~في اللحظة الأخيرة، وارتدى ملابس داخلية نظيفة على عجل من دون ~~استحمام. لم يأبه لذلك على الإطلاق، على الرغم من أنه استغرق ~~بعض الوقت في تلميع حذائه الجديد الملون بلون دم الثور بلطف ~~باستخدام منديل جيب. وصل إلى المائدة بعدما أكل الآخرون نصف ~~وجبتهم، وعبر عن اعتذاره بسؤال والدته بنبرة لطيفة إن كانت لا ~~تريده أن يوصلها بالسيارة إلى الكنيسة. # نظرت إلى الساعة متشككة وقالت: «أود الذهاب معك إن كان ~~لي أن أنجز أعمال المنزل في وقتها.» ~~«ألا تستطيع ماهيلي إنجازها بدلا منك هذا الصباح؟» # ترددت السيدة ويلر. «يمكنها إنجاز الأعمال كافة ما عدا ~~استخدام فرازة اللبن. ولكنها لا تستطيع تجميع كل الأجزاء بعضها ~~مع بعض. إنه قدر كبير من العمل، كما تعلم.» # بينما كان يفرغ رالف محتويات إبريق الشراب السكري على ~~كعكاته، قال بخفة دم: «والآن يا أمي، أنت متعصبة لرأيك. لا أحد ~~يفكر في خض اللبن هذه الأيام. المزارعون المسايرون للزمن ~~يستخدمون الفرازة.» # رمشت عينا السيدة ويلر الشاحبتان. وقالت: «لن أكون أنا وماهيلي ~~قط مسايرتين للزمن يا رالف. إننا لا نعلم غير الطرق ~~القديمة، ولا أريد سوى أن تدعنا كذلك. أستطيع تبين ميزات ~~الفرازة إذا كنا ms015 نحلب ست بقرات. إنها ماكينة عبقرية للغاية. ~~ولكن تنظيفها بالماء الساخن وتركيبها يحتاج إلى جهد أكبر بكثير ~~مما يتطلبه التعامل مع اللبن بالطريقة القديمة.» # طمأنها رالف: «لن يكون الأمر كذلك عندما تعتادين عليها.» رالف ~~هو كبير الميكانيكيين في مزرعة ويلر، وعندما لا يجد ما يفعله مع ~~أدوات المزرعة والسيارات، كان يذهب إلى المدينة ويشتري آلات من ~~أجل المنزل. وبمجرد أن تعتاد ماهيلي على استخدام غسالة أو ~~ممخضة ما، كان يحضر رالف إلى المنزل واحدة أخرى أحدث كي ~~يواكب مسيرة الاختراعات المتسارعة. لم تتمكن قط من استخدام ~~غسالة الأطباق الميكانيكية، والمكاوي المسطحة والأفران التي ~~تعمل بالزيت ذات العلامات التجارية كانت تدفعها للجنون. # طلب كلود من والدته أن تصعد إلى الطابق العلوي وترتدي ملابسها؛ ~~كان سينظف الفرازة ريثما يجهز رالف السيارة. كان لا يزال ~~يعمل على ذلك عندما أتى أخاه من المرآب كي يغسل يديه. # صاح غاضبا: «يجب ألا تثقل كاهل والدتك بأعمال مثل تلك يا ~~رالف. هل جربت من قبل أن تغسل هذه الآلة اللعينة بنفسك؟» ~~«بالطبع فعلت ذلك من قبل. إذا كان بإمكان السيدة دوسن فعل ذلك، ~~فأعتقد أن أمي تستطيع.» ~~«السيدة دوسن أصغر في السن. على أي حال، لا جدوى من تدريب ~~ماهيلي وأمنا على استخدام الآلات.» # رفع رالف حاجبيه ردا على فظاظة كلود. وقال محاولا الإقناع: ~~«اسمعني، لا تشجعها أنت على الاعتقاد بعدم إمكانية تغييرها ~~لطرقها. بإمكان والدتنا التعامل مع كل ما نحضره من أجهزة ~~موفرة للجهد والوقت.» # ضرب كلود الأقماع المعدنية المتدرجة التي يزيد عددها عن ~~الثلاثين، التي كان يحاول تركيبها بتسلسلها الصحيح. «لا بأس، إن ~~كان هذا سيوفر الجهد والوقت حقا.» # قهقه الفتى الأصغر وركض ~~إلى الطابق العلوي كي يجلب قبعة بنما الخاصة به. لم يتشاجر مع ~~أخيه البتة. في بعض الأحيان، كانت تتعجب السيدة ويلر من تحمل ~~رالف لكلود. # بعدما انطلق رالف ووالدته بالسيارة، ذهب السيد ويلر كي يرى ~~جاره الألماني جاس يودر الذي اشترى لتوه ثورا غير مهجن. كان ~~دان وجيري يلعبان لعبة رمي ms016 حدوات الخيول على أحد الأوتاد خلف ~~الحظيرة. كلود أخبر ماهيلي أنه ذاهب إلى القبو لوضع الرف ~~المعلق الذي كانت تريده؛ حتى لا تستطيع الفئران الوصول إلى ~~خضراواتها. ~~«شكرا لك سيد كلود. لا أعلم ما الذي يجعل الفئران بهذا السوء. ~~إن القطط تمسك تقريبا بواحد كل يوم.» ~~«أظن أنها تأتي من الحظيرة. لدي لوح عريض ومتين في المرآب ~~ينفع لعمل الرف.» القبو كان مغطى بالأسمنت ورطبا وجافا، ~~ويحتوي على خزانات عميقة لتخزين الفاكهة المعلبة والدقيق ~~وأغراض البقالة، وصناديق للفحم وأكواز الذرة، وغرفة مظلمة ~~مليئة بمعدات التصوير الفوتوغرافي. أخذ كلود مكانه على منضدة ~~النجارة تحت إحدى النوافذ المربعة. أشياء غامضة كانت منثورة ~~من حوله في الشفق الرمادي؛ بطاريات كهربائية، دراجات قديمة ~~وآلات كاتبة، ماكينة لصناعة أعمدة السياج الخرسانية، فرن لتصليد ~~المطاط، ستريوبتكون بعدسة مكسورة. كانت تخزن في هذا المكان ~~الألعاب الميكانيكية التي لا ينجح رالف في تشغيلها، وكذلك تلك ~~التي سئم منها. إذا تركت هذه الألعاب في الحظيرة، كان يراها ~~السيد ويلر كثيرا، وفي بعض الأحيان كان يبدي عليها تعليقات ~~ساخرة إن اعترضت طريقه. توسل كلود إلى والدته كي تسمح له أن ~~يجمع هذه الأشياء المبعثرة في عربة ويدفنها في حفرة عميقة على ~~امتداد النهير، ولكن السيدة ويلر نهرته وقالت له إنه يجب ألا ~~يفكر في ذلك؛ لأنه بهذا كان سيؤذي مشاعر رالف. وتقريبا في كل ~~مرة كان يذهب فيها كلود إلى القبو، كان يأخذ قرارا منفعلا بأن ~~يخلي المكان في يوم ما، ويقول في نفسه بمرارة بأن الأموال التي ~~تنفق على هذا الحطام كان يمكن أن تكفي مصاريف الجامعة لأي ~~فتى. # لما كان كلود يسوي بالفأرة اللوح الذي أراد أن يدليه من ~~الروافد، تركت ماهيلي عملها ونزلت كي تشاهده. تظاهرت قليلا ~~بأنها أتت لتأخذ بعض البصل المخلل، ثم جلست على صندوق بسكويت، ~~وعلى مقربة منها كانت توجد «أرجوحة بزنبرك» منجدة بنسيج قطيفة ~~ومكسورة منها إحدى ذراعيها، ولكنها لم تظن أنه من الأدب أن ~~تجلس عليها. كان في عينيها شيء من الرضا ms017 الناعس بينما كانت تتبع ~~حركات كلود. راقبته كأنه طفل صغير يلعب. استقرت يداها على ~~نحو مريح على حجرها. ~~«لم يزرنا السيد إرنست منذ مدة طويلة. لا أظنه متضايقا من ~~شيء، أليس كذلك؟» ~~«أوه، كلا! إنه مشغول للغاية هذا الصيف. رأيته في المدينة ~~أمس. ذهبنا إلى السيرك معا.» # ابتسمت ماهيلي وأومأت. «جميل. يسعدني أن تحظيا بوقت طيب ~~معا. السيد إرنست فتى طيب، طالما أحببته بشدة. إنه فتى ~~صغير مع ذلك. إنه ليس كبيرا مثلك، أليس كذلك؟ أظن أنه لا يبلغ ~~حتى السيد رالف في طول القامة.» # قال كلود بين ضربات تثبيت الرف: «هذا صحيح. ولكنه قوي وينجز ~~قدرا كبيرا من العمل.» ~~«أوه، أعلم! أعلم أنه كذلك. أعلم أنه يعمل بجد. كل الأجانب ~~يعملون بجد، أليس كذلك يا سيد كلود؟ أعتقد أنه أحب السيرك. ربما ~~ليس لديهم سيرك مثل الذي عندنا، في المكان الذي أتى منه.» # بدأ كلود يخبرها عن الفيل الذي يقوم بحركات كوميدية والكلاب ~~المدربة، وجلست تستمع إليه وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ~~سعيدة بلهاء، وكان يوجد أيضا وراء ابتسامتها شيء ينم عن ~~حكمة وبعد نظر. # أتت ماهيلي للعمل لديهم منذ وقت طويل، وحينها لم يكن يتجاوز ~~عمر كلود أكثر من بضعة أشهر. أتت إلى الغرب مع عائلة من ~~فيرجينيا لا تحسن التدبير؛ ومن ثم تشتت وتفرق أفرادها تحت ~~وطأة حياة المزارع الجديدة. وعندما ماتت الأم في تلك العائلة، لم ~~تجد ماهيلي أي مكان تذهب إليه؛ ومن ثم استأجرتها السيدة ويلر. لم ~~يكن لدى ماهيلي أحد يعتني بها، ولم يكن لدى السيدة ويلر أحد ~~يساعدها في العمل؛ ولذا لقي العون بعضهما في بعض. # عاشت ماهيلي أياما صعبة في شبابها؛ إذ تزوجت من إنسان همجي ~~يعيش في منطقة جبلية، أساء معاملتها في أغلب الأحيان، ولم ينفق ~~عليها على الإطلاق. كان بإمكانها أن تتذكر أوقاتا كانت فيها ~~تجلس في الكوخ وبجانبها برميل وجبات فارغ ووعاء حديدي بارد ~~تنتظر «إياه» كي يحضر سنجابا اصطاده أو دجاجة سرقها. وفي كثير ~~من الأحيان كان لا ms018 يدخل إلا بإبريق من ويسكي جبلي وقبضتين ~~وحشيتين يضربها بهما. الآن، كانت تعتقد أنها في رغد من العيش؛ ~~إذ لا تتوسل من أجل الطعام ولا تضطر إلى التوغل في الغابات من ~~أجل جمع الحطب؛ ومن ثم فهي تضمن الحصول على سرير دافئ وحذاء ~~وملابس جيدة. كانت ماهيلي ابنة لأبوين أنجبا ثمانية عشر ابنا، ~~نشأ معظمهم بإعاقة ذهنية أو في حياة الجريمة، وأنهى اثنان من ~~إخوتها - مثل زوجها - حياتهما في السجن. لم تلتحق بالمدرسة ~~البتة؛ ولذا فهي لا تستطيع القراءة والكتابة. ولما كان كلود فتى ~~صغيرا، حاول أن يعلمها القراءة، ولكن ما تتعلمه في ليلة ~~كانت تنساه في الليلة التي تليها. كان يمكنها العد ومعرفة ~~الوقت من الساعة، كما أنها تفخر بشدة بمعرفتها الحروف ~~الأبجدية، وبقدرتها على تهجي الحروف المكتوبة على جوالات الدقيق ~~وعبوات القهوة. كانت تتمتم: «هذا حرف # A # كبير، وذاك حرف # a # صغير.» # كانت ماهيلي تتمتع بفطنة في تقدير الناس، وكان يعلم كلود أنها ~~تصدر أحكاما ملائمة بشأن الكثير من الأشياء. واتضح له أنها ~~تدرك جميع أطياف المشاعر الشخصية، ومواطن الاتفاق والاختلاف بين ~~أفراد المنزل، تماما كما كان يفعل، وما أحب أن يفوته رأيها ~~السديد. لقد كانت تستشيره في جميع الصعوبات الصغيرة التي كانت ~~تواجهها. فإذا تعرضت ساق طاولة المطبخ إلى الخلخلة، فإنها ~~كانت تعلم أنه سيثبتها لها ببراغي جديدة. وعندما كسرت يد ~~مرقاق العجين، وضع له يدا أخرى، وركب مقبضا لسكين تقطيع ~~اللحم التي تفضلها بعد أن قال الجميع إنه يجب رميها. حظيت ~~تلك الأشياء بقيمة جديدة في نظرها بعد إصلاحها؛ ومن ثم أحبت ~~العمل بها. وعندما كان يساعدها كلود في رفع شيء أو حمله، فإنه ~~كان لا يتحاشى قط ملامستها، وكانت تشعر بذلك في أعماقها. كانت ~~تشك بأن رالف ربما لا يحبها، وأنه يفضل أن تتولى المطبخ ~~امرأة شابة ونشيطة. # في مثل الأيام هذه التي لا يوجد فيها الآخرون في المكان، كانت ~~ماهيلي تحب أن تتحدث مع كلود عن الأشياء التي فعلاها معا ~~عندما كان صغيرا؛ عن ms019 تجولهما بالقرب من النهير يوم الأحد، حيث ~~كانا يقطفان العنب البري ويراقبان السناجب الحمراء، أو ~~يتسكعان معا عبر المراعي العالية حتى يصلا إلى أجمة من ~~البرقوق البري في الطرف الشمالي من مزرعة ويلر. بإمكان كلود أن ~~يتذكر أيام الربيع الدافئة لما كانت أشجار البرقوق مزهرة ~~كلها، وكانت ماهيلي معتادة على الاستلقاء تحت ظلها والغناء ~~لنفسها، وكأن حلاوة العسل الشهية للبرقوق جعلتها تشعر ~~بالنعاس؛ أغاني من دون كلمات في معظمها، ولكنه كان يتذكر ~~أغنية رثائية جبلية لم تنفك عن التغني بها تقول: «وأدخلوا ~~جيسي جيمس إلى قبره.» # 4 # كان يقترب وقت رجوع كلود إلى الكلية الدينية المتشددة، ~~الواقعة على أطراف عاصمة الولاية التي قضى فيها شتاءين موحشين ~~وغير مثمرين. # لما سنحت له الفرصة أن يتحدث مع والدته بمفردهما في صباح أحد ~~الأيام، قال: «أمي، ليتك تسمحين لي بترك كلية تمبل والانتقال إلى ~~جامعة الولاية.» # انتقلت ببصرها إليه من كتلة العجين التي كانت عاكفة على ~~عجنها. ~~«ولكن لماذا يا كلود؟» ~~«حسنا، أحد الأسباب أن بإمكاني تعلم المزيد. كما أن الأساتذة ~~في تمبل ليسوا جيدين. ومعظمهم واعظون لا يكفيهم الوعظ بصفته ~~مصدر دخل لهم.» # ارتسمت ملامح الألم التي ~~دائما ما كانت تجعل كلود يلين على وجه والدته على الفور. «يا ~~ولدي، لا تقل هذا الكلام. لا أصدق سوى أن اهتمام المعلمين ~~بطلابهم يزيد عندما ينشغلون بتلبية احتياجاتهم الروحية ~~والعقلية على حد سواء. يقول القس ويلدون إن العديد من الأساتذة ~~في جامعة الولاية ليسوا مسيحيين، حتى إنهم يتباهون بذلك في بعض ~~الأحيان.» ~~«أوه، أظن أن معظمهم أناس جيدون دون شك؛ على أي حال، إنهم ~~متمكنون من مادتهم العلمية. هؤلاء الواعظون الصغار الحمقى ~~من أمثال ويلدون يتسببون في كثير من الأذى؛ إذ لا يفعلون شيئا ~~سوى التجول في البلاد والحديث. إن مهمته جذب الطلاب إلى ~~كليته. وإذا لم يأت بهم، فسيخسر وظيفته. ليته لم يصل إلي ~~قط. ومعظم الطلاب المطرودين من جامعة الولاية يأتون إلينا، تماما ~~كما فعل.» ~~«ولكن من أين يمكن أن ~~تأتي الدراسة ms020 الجادة إن كانوا يخصصون وقتا كبيرا من أجل ~~الألعاب الرياضية والملهيات؟ إنهم يدفعون لمدرب كرة القدم ~~لديهم راتبا أعلى من رئيس الجامعة. كما أن مساكن الطلبة تلك ~~أماكن يتعلم فيها الفتيان كل أنواع الشرور. لقد سمعت عن بعض ~~الأشياء المريعة التي تحدث داخلها في بعض الأحيان. وبجانب هذا ~~كله، إنها تتكلف أموالا أكثر، ولا يمكنك العيش بقليل من المال ~~كما هو الحال في منزل آل تشابين.» # لم يرد كلود بشيء. وقف أمامها عابسا، وأخذ يفرك بقعة خشنة ~~في راحة يده. نظرت إليه السيدة ويلر بحزن. وقالت: «أنا متأكدة من ~~أنك ستستطيع الدراسة على نحو أفضل إذا كانت البيئة المحيطة بك ~~هادئة وجادة.» # تنهد وابتعد عنها. لو كانت والدته مداهنة ولو بقدر أقل ~~من القس ويلدون، لاستطاع إخبارها بحقائق عديدة توضح لها ~~الأمور. ولكنها كانت تركن إلى حسن الظن والبساطة، وكانت ~~مستقيمة بشدة بطبيعتها، ولا تعلم شيئا عن الحياة كما علمها ~~هو؛ ولذا كان لا فائدة من النقاش معها. كان بإمكانه أن يصدمها ~~ويجعلها تخشى العالم حتى أكثر مما كانت تخشاه الآن، ولكنه لم ~~يستطع أن يفهمها ذلك قط. # كانت والدته غير مسايرة للعصر. كانت تظن أن الرقص ولعب ~~الأوراق من المسليات الخطيرة - إذ لم يقم بتلك الأشياء سوى ~~الأشقياء وهي فتاة في فيرمونت - وأن «أهل الدنيا» ما هو إلا مرادف ~~للأشرار. ووفقا لمفهومها عن التعليم، يجب على المرء أن يتعلم، لا ~~أن يفكر؛ وفوق كل هذا، ما ينبغي للمرء أن يسأل. تاريخ البشرية لا ~~يخفى على أحد - حيث إنه السبب في وجودهم - ومصيرها كذلك لا يخفى ~~على أحد؛ لأنه محتوم أمامهم. كما يجب ألا يحيد العقل عن المفهوم ~~اللاهوتي للتاريخ. # نات ويلر لم يكن يشغله أي مؤسسة تعليمية يتعلم فيها ولده، ~~ولكنه - هو الآخر - كان يسلم بأن الكلية الدينية أرخص من جامعة ~~الولاية، ويسلم بأنه نظرا إلى أن الطلاب هناك يبدون أقل ~~هنداما، فإنه يقل احتمال أن يعرفوا الكثير وأن يمارسوا ذكاءهم ~~بطريقة بغيضة في المنزل. وعلى الرغم من ذلك، ms021 أخبر بايليس عن تلك ~~المسألة لما كان في المدينة في أحد الأيام. ~~«يريد كلود أن ينتقل إلى جامعة الولاية هذا الشتاء.» # وعلى الفور، أظهر بايليس على وجهه ذلك التعبير الحكيم الذي يبدو ~~منه أنه مستعد للأسوأ، الذي جعله يبدو حصيفا ومتمرسا منذ ~~طفولته. «لا أرى أي فائدة من التغيير ما لم تكن لديه أسباب ~~وجيهة.» ~~«حسنا، يعتقد أن مجموعة القساوسة الموجودة في تمبل لا ~~يعدون أساتذة مميزين.» ~~«أعتقد أن بإمكانهم مع ذلك تعليم كلود الكثير. وإذا التحق ~~بفريق كرة القدم الفاجر هذا في جامعة الولاية، فلن يستطيع أحد ~~السيطرة عليه.» كان يمقت بايليس كرة القدم الأمريكية لسبب أو ~~لآخر. «وهذا النشاط الرياضي عمل مضر بشدة. وإذا أراد كلود ~~التدريب فيمكنه زراعة القمح في فصل الخريف.» # في تلك الليلة، فتح السيد ويلر الموضوع على العشاء وسأل كلود، ~~وحاول أن يعرف سبب سخطه. كان أسلوبه مازحا كالعادة، ولكن كلود ~~كان يكره أي مناقشة لأموره الشخصية على الملأ. خشي فكاهة والده ~~عندما كانت تقترب بشدة منه. # ربما كان سيستمتع كلود بالعروض الهزلية الكبيرة والوقحة إلى ~~حد ما التي يثري بها السيد ويلر الحياة اليومية، لو لم يكن هو ~~مؤلفها. ولكنه رغب من أعماق أعماقه أن يكون والده هو الأكثر ~~احتراما، كما هو بلا شك الأوسم والأذكى في المجتمع. إضافة إلى ~~ذلك، كان كلود لا يتحمل التهكم كثيرا. إنه كان يحس به قبل أن ~~يصيبه؛ أي إنه عندما كان يراه قادما كان يستبقه. لاحظ السيد ~~ويلر هذه السمة فيه لما كان صبيا يافعا، ونعتها بالفخر ~~الزائف، وتعمد أن يثير حفيظة مشاعر كلود كي يقوي قلبه، كما ~~فعل مع والدته التي كانت تخشى كل شيء إلا الكتب المدرسية ولقاءات ~~الصلاة لما تزوجها في البداية. كانت لا تزال متحيرة بنحو أو ~~بآخر، ولكنها تغلبت على أي مشاعر خوف منه، أو من العيش معه منذ ~~زمن بعيد. لقد تقبلت كل شيء في زوجها باعتبارها جزءا من ~~ذكوريته الخشنة، وكانت تفخر بذلك بأسلوبها الهادئ. # لم يغفر كلود لوالده ms022 قط بعضا من مداعباته السمجة. ففي يوم ~~حار من أيام الربيع حينما كان صبيا مشاغبا في الخامسة من ~~عمره، وكان يلعب داخل المنزل وخارجه، سمع والدته تتوسل إلى السيد ~~ويلر أن ينزل إلى البستان ويقطف عناقيد الكرز من شجرة محملة ~~بالثمار. تذكر كلود أنها استمرت في التذمر قائلة إن عناقيد ~~الكرز عالية ولا تستطيع الوصول إليها، وحتى لو حصلت على سلم ~~فسيؤلم ظهرها استخدامه. كان السيد ويلر ينزعج دائما إن أشارت ~~زوجته إلى أي ضعف جسدي تعاني منه، خاصة إذا اشتكت من ظهرها. ~~نهض وخرج. ثم عاد بعد برهة. نادى مبتهجا وهو يمر من المطبخ: ~~«كل شيء على ما يرام الآن يا إيفانجلين. لن يسبب لك الكرز ~~أي مشكلات. يمكنك أنت وكلود الذهاب وجمع ثماره بمنتهى ~~السهولة.» # ارتدت السيدة ويلر قبعتها الشمسية واثقة، وأعطت كلود دلوا ~~صغيرا، وأخذت هي واحدا كبيرا، ثم ذهبا إلى البستان عبر تل ~~المراعي، وكان هذا البستان مسيجا في الأرض المنخفضة بجانب ~~النهير. لقد حرثت الأرض في ذلك الربيع كي تحتفظ بالرطوبة، وظل ~~كلود يركض سعيدا في أحد الأخاديد عندما نظر إلى أعلى، ورأى مشهدا ~~لن يستطيع أن ينساه أبدا. رأى شجرة الكرز الجميلة ذات القمة ~~الدائرية المليئة بالأوراق الخضراء والثمار الحمراء، وقد قطعها ~~والده بالمنشار! كانت تقبع على الأرض بجانب جذعها النازف. وبصرخة ~~واحدة، تحول كلود إلى شيطان صغير. رمى دلوه المصنوع من ~~القصدير بعيدا، وأخذ يقفز في المكان وهو يصرخ ويضرب الأرض ~~الرخوة بحذائه ذي المقدمة النحاسية، حتى قلقت والدته عليه ~~أكثر من قلقها على الشجرة. # صاحت: «يا ولدي، يا ولدي، إنها شجرة والدك. له الحق الكامل في ~~قطعها إن أراد. وكثيرا ما قال إن الأشجار كثيفة هنا. ربما هذا ~~أفضل للأشجار الأخرى.» # صاح كلود: «إنها ليست كذلك! إنه أحمق لعين، أحمق لعين!» ~~وزمجر وظل يقفز ويركل، وكاد أن يخنقه الغضب والكراهية. # جثت والدته على ركبتيها بجانبه. «كلود، توقف! أفضل أن ~~تقطع كل أشجار البستان على أن أسمع منك هذه الكلمات.» # بعد أن هدأته، ms023 جمعا الكرز وعادا إلى المنزل. وعدها كلود ~~بألا يتفوه بكلمة، ولكن لا بد أن والده لاحظ نظرات الغضب التي ~~كان يوجهها الصبي الصغير تجاهه طوال العشاء، وكذلك تعبير ~~الاحتقار البادي على وجهه. وحتى ذلك الحين، كان يعرف كيف يكبح ~~شفتيه المرنتين عن التعبير عن الصورة المكنونة بداخله. لعدة ~~أيام بعد ذلك، كان يذهب كلود إلى البستان ويشاهد الشجرة وهي تضعف ~~أكثر وتذبل وتموت. قال في نفسه لا بد أن الله سيعاقب من تجرأ ~~وفعل بها ذلك. # المزاج الحاد والاضطراب الجسدي كانا من أبرز الصفات في كلود ~~عندما كان صبيا صغيرا. كان رالف مطيعا، وبدت حنكته في ~~الابتعاد عن المشكلات في وقت مبكر. وحيث إنه كان هادئا في ~~أسلوبه، فقد كان بارعا في إثارة المتاعب، ولا يصعب عليه إقناع ~~أخيه الأكبر - الذي كان لا يتوقف عن البحث عن شيء يفعله - لتنفيذ ~~خططه. وعادة ما كان يمسك كلود لا غيره متلبسا بالجرم. ~~ولما كان رالف يجلس على بساطه على الأرض هادئا ومتأملا، كان ~~يهمس إلى كلود بأنه ربما يكون من المبهج الصعود وأخذ الساعة من ~~فوق الرف، أو تشغيل ماكينة الخياطة. ولما كبرا وبدآ يلعبان خارج ~~المنزل، كان يكفيه أن يلمح إلى كلود أنه خائف كي يحرضه على ~~لمس فأس مغطاة بالثلج بلسانه، أو القفز من أعلى سطح ~~السقيفة. # لم تكن متاعب الطفولة المعتادة في الريف كافية بالنسبة إلى ~~كلود؛ فكان يفرض على نفسه عقوبات واختبارات جسدية. فكلما أحرق ~~إصبعه اتبع نصيحة ماهيلي وقرب يده من الموقد حتى «يخرج النار ~~من إصبعه». وفي أحد الأعوام، ذهب إلى المدرسة طوال الشتاء بسترته ~~بغية أن يشد من عضده. كانت أمه تحكم أزرار معطفه، وتضع ~~وعاء العشاء في يده وتجعله ينطلق في طريقه إلى المدرسة. وبمجرد ~~أن يبعد عن أنظار من في المنزل، كان يخلع معطفه ويلفه تحت ~~إبطه، وينطلق مسرعا بطول حافة الحقول المغطاة بالثلوج حتى ~~يصل إلى سور المدرسة لاهثا ومرتجفا، ولكنه كان سعيدا بنفسه ~~بشدة. # 5 # انتظر كلود من الكبار أن يغيروا ms024 رأيهم بشأن المكان الذي يجب ~~أن يذهب إليه للدراسة، ولكن يبدو أن لا أحد اهتم كثيرا بالأمر، ~~حتى والدته . # منذ عامين، أتى الشاب الذي تدعوه السيدة ويلر باسم «القس ~~ويلدون» من لينكن، وعمل في الوعظ في المدن الصغيرة والكنائس ~~الريفية، وسعى لجذب الطلاب إلى المؤسسة التي كان يدرس بها في ~~فصل الشتاء. أقنع السيدة ويلر أن الكلية التي يعمل بها هي آمن ~~مكان يمكن أن يذهب إليه فتى يغادر المنزل للمرة الأولى. # لم تكن والدة كلود تضمر تحاملا ضد الواعظين. كانت تعتقد أن ~~جميعهم مختارون وطاهرون، وأسعد لحظات حياتها كانت عندما أتى ~~أحدهم إلى منزلها وأخذت تطهو له وتعمل على خدمته. لقد وفرت كل ~~سبل الراحة للسيد ويلدون الشاب؛ مما دفعه إلى البقاء في منزلها ~~عدة أسابيع، شاغلا الغرفة الشاغرة حيث كان يقضي وقت الصباح في ~~الدراسة والتأمل. لم يتخلف عن مواعيد الوجبات، وحينها كان يطلب ~~البركة على الطعام ويجلس، وترتسم على عينيه ملامح الورع والخجل ~~أثناء تقطيع الدجاج تمهيدا لتوزيعه. كان رأسه المدبب من الأعلى ~~مائلا إلى أحد الجانبين قليلا، وكان شعره الخفيف مفروقا بالضبط ~~فوق جبهته البارزة، وممشطا بتموجات بسيطة. كان لين القول ~~ومتواضعا في تعامله، وكان لا يشغل مكانا كبيرا عندما يجلس. ~~حلمه أثار إعجاب السيد ويلر الذي كان يحب أن يغدق عليه ~~بالطعام، ولا ينفك يسأله بجدية: «ما الجزء الذي تفضله في ~~الدجاجة؟» كي يسمعه وهو يتمتم: «قليل من لحم الصدر إذا سمحت»، ~~وحينها كان يسحب مرفقيه بالقرب منه، وكأنه ينزلق ببراعة من فوق ~~مكان خطير. فيما بعد الظهيرة، اعتاد القس ويلدون أن يرتدي ربطة ~~عنق جديدة مصنوعة من قماش رقيق، وقبعة خشنة ولامعة من القش كانت ~~تترك خطا أحمر على جبهته، ويمسك الكتاب المقدس الخاص به ~~تحت ذراعه ويخرج داعيا للناس. وإذا ذهب إلى مكان بعيد، كان يأخذه ~~إليه رالف بالسيارة. # كره كلود هذا الشاب منذ اللحظة الأولى التي رآه فيها، ~~ونادرا ما كان يرد عليه بطريقة مهذبة. السيدة ويلر التي ~~كانت شاردة الذهن دائما، ms025 والتي كانت حينها مشغولة بشدة بواجب ~~الضيافة للزائر، لم تلاحظ صمت كلود النابع من الازدراء حتى همست ~~إليها ماهيلي - إذ لا تفوتها هذه الأشياء مطلقا - فوق الموقد ~~يوما ما قائلة: «السيد كلود لا يحب الواعظ. إنه فقط لا يحترمه، ~~ولكن لا تقولي لأحد.» # بسبب المدة التي أقامها القس ويلدون في المزرعة، أرسل كلود ~~إلى كلية تمبل. بدأ كلود يعتقد أن أبغض الأشياء والأشخاص إلى قلبه ~~هم من سيحددون له مصيره. # لما اقترب الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر، وضع بعض الملابس والكتب ~~في صندوقه وودع والدته وماهيلي. أوصله رالف إلى فرانكفورت كي ~~يلحق بالقطار المتجه إلى لينكن. وبعدما جلس كلود في عربة القطار ~~العادية القذرة، أخذ يفكر في مستقبله. كانت هناك عربة فاخرة في ~~القطار، ولكن الركوب في العربة الفاخرة في رحلة نهارية لم يكن من ~~الأشياء التي يفعلها أحد من آل ويلر. # كان كلود يعلم أنه عائد إلى الكلية الخطأ، وأنه كان يهدر ~~الوقت والمال معا. سخر من نفسه بسبب ضعف عزمه. قال لنفسه ما ~~دمت مضطرا إلى التعامل مع الغرباء، فبإمكاني أن أحدد ما ~~أريده وأحارب من أجله. ربما لم يكن باستطاعته مواجهة والده أو ~~والدته، ولكنه كان يستطيع أن يتحلى بالجرأة مع بقية الخلق. ولكن ~~إذا كان هذا صحيحا، فلماذا استمر في العيش مع آل تشابين ~~المزعجين؟ بيت آل تشابين كان يعيش فيه أخ وأخت. كان إدوارد ~~تشابين رجلا في السادسة والعشرين من عمره ذا وجه رجل عجوز ~~منهك، وكان لا يزال يدرس كي يصبح قسيسا. أخته أنابيل كانت ~~تعتني بشئون المنزل؛ هذا يعني أنها كانت تقوم بواجبات المنزل كلها. ~~كان الأخ يحصل على قوت يومه له ولأخته من العمل في وظائف غريبة في ~~الكنائس والجمعيات الدينية؛ فقد كان يلقي «الخطبة» وقت مرض القس، ~~ويقوم بأعمال السكرتارية في الكلية وجمعية الشبان المسيحيين. ~~وعلى الرغم من قلة المبلغ الذي كان يدفعه كلود للإقامة والوجبات ~~في هذا البيت، فإن هذا المبلغ كان يسهم كثيرا في ~~راحتيهما. # التحق تشابين بكلية تمبل ms026 ~~منذ أربع سنوات، وربما كان سيستمر سنتين أخريين حتى يكمل ~~دراسته. اعتاد أن يذاكر دروسه في عربات الترولي، وفي أوقات ~~الانتظار بجانب السكك الحديدية في الأماكن الخالية، وكان يذاكر ~~حتى وقت متأخر من الليل. لا بد أن غباءه الفطري كان خارجا عن ~~المألوف؛ فبعد سنوات من الدراسة المهيبة لم يستطع قراءة العهد ~~الجديد باللغة اليونانية من دون معجم وكتاب قواعد. لقد كان ~~يخصص وقتا كبيرا من أجل التدريب على الخطابة والإلقاء. وفي ~~بعض الأوقات، كان بيتهم القديم - المبني من جدران رفيعة من أجل ~~الطلاب الفقراء، والمستقر على كتل خرسانية بدلا من الأساس - ~~يردد صدى صوته الأجش والمنهك أثناء تدريبه على خطبة من ~~إعداده أو إعداد ويندل فيليبس. # أنابيل تشابين كانت من زملاء كلود في الفصل. لم تكن غبية مثل ~~أخيها؛ فلم يصعب عليها تعلم تصريف الأفعال والتعرف على أشكالها ~~عندما ترد عليها مرة أخرى. ولكنها كانت فتاة سخيفة وذات عواطف ~~فياضة، تتشكك في جمال كل شيء في حياتهم الوضيعة، كما أنها كانت ~~مغرمة بكلود للأسف. كانت تتغنى أنابيل بدروسها مرارا ~~وتكرارا لنفسها وقت الطهي والتنظيف. وكانت ممن يجعلون أفضل ~~الأشياء تبدو مملة فقط بالإشارة إليها. في الشتاء الماضي، ظلت ~~تتلو قصائد هوراس الغنائية في أنحاء المنزل - إذ كانت هذه هي ~~فكرتها بالضبط عن الأشياء التي يجب أن يفعلها الطلاب - حتى خشي ~~كلود أن يربط على الدوام ذلك الشاعر بسوء وجبات الغداء المعدة ~~على عجل. # أحبت السيدة ويلر فكرة أن كلود كان يساعد هذين الأخوين ~~المستحقين للمساعدة في كفاحهما من أجل إكمال رحلة تعلمهما، ~~ولكنه رأى منذ أمد بعيد أنه ما دامت لم تثمر أي من جهود ~~الأخوين عن نتائج كبيرة، فقد يكون من الأفضل أن يتخليا عن هذا ~~الكفاح منذ البداية. لقد كان يعتني بغرفته الخاصة إذ يحافظ على ~~نظافتها وصلاحيتها للسكن وخلوها من محاولات التودد من جانب ~~أنابيل. ولكنه كان يمقت بشدة الادعاءات الواهية بالتدبر الخفيف ~~لشئون المنزل. فقد ولد وهو يحب النظام، تماما مثلما ولد ~~بشعر أحمر. إنها ms027 سمة شخصية فيه. # كان يشعر الفتى بالمرارة ~~من الطريقة التي ربي بها، وحيال شعره والنمش الموجود في وجهه ~~وارتباكه . وعندما كان يذهب إلى المسرح في لينكن، كان يأخذ مقعدا ~~في البلكون؛ لأنه كان يعلم بأنه يبدو كفتى ريفي ساذج. لم يرتد ~~ملابس مناسبة البتة. لقد اشترى ياقات طويلة جدا وربطات عنق ~~براقة للغاية، وأخفاها في صندوق ملابسه. ولم تنجح تجربته ~~الوحيدة في الاستعانة بخياط. لاحظ الخياط من فوره أن زبونه ~~المتلعثم لم يكن يعرف ما يريد؛ ومن ثم قال له ما دام أنه في فصل ~~الربيع، فإنه بحاجة إلى سروال فاتح بمربعات، وصدرية ومعطف ~~أزرقين من قماش السيرج. وعندما ارتدى كلود ملابسه الجديدة للمرة ~~الأولى وهو ذاهب إلى كنيسة سانت بول في صباح يوم الأحد، أخذ كل ~~إنسان يقابله ينظر إلى سرواله المميز. وفي الأسبوع التالي، ~~ظل ينظر إلى سيقان الرجال والشباب، وعلم أنه لا يوجد سروال ~~بمربعات في لينكن غير الذي يرتديه. ولذلك علق ملابسه الجديدة ~~في دولابه ولم يرتدها مطلقا مرة أخرى، على الرغم من نظرة ~~أنابيل تشابين الحزينة إليها. وعلى الرغم من ذلك، ظن كلود أن ~~بإمكانه تمييز الرجل الأنيق عندما يراه. حتى إنه ظن أن بإمكانه ~~فعل الشيء نفسه مع النساء. وإذا ركبت امرأة جذابة عربة ~~الترام وهو في طريقه إلى الجامعة ذهابا أو إيابا، كان يتشتت ~~ما بين الرغبة في النظر إليها والرغبة في أن يبدو غير ~~مبال. # كلود الآن في طريق عودته ~~إلى لينكن، ومعه مصروف كبير إلى حد ما، لكنه لن يسهم كثيرا ~~في راحته أو سعادته. إنه ليس لديه أصدقاء أو أساتذة يمكن أن ينظر ~~إليهم نظرة إعجاب، على الرغم من أن الحاجة إلى الإعجاب هي الحاجة ~~الأهم بالنسبة إليه الآن. إنه مقتنع بأن الأشخاص الذين يمكن أن ~~يعنوا له شيئا دوما سيخطئون في الحكم عليه ولن يأبهوا له. ~~إنه لا يخشى كثيرا الوحدة بقدر ما يخشى قبول البدائل الرخيصة؛ ~~كأن يختلق أعذارا لنفسه بشأن أستاذ يتزلف إليه، أو يستيقظ في ~~صباح ms028 يوم ما ويجد نفسه معجبا بفتاة لمجرد أن الوصول إليها ~~سهل. إنه يخاف بشدة من البدائل السهلة، ويخاف كثيرا من أن ~~ينخدع. # 6 # بعد ثلاثة أشهر وفي يوم ~~غائم من أيام ديسمبر، كان كلود جالسا في عربة الركاب بقطار ~~شحن به عربات للركاب، عائدا إلى المنزل لقضاء الإجازة. كان ~~يضع كومة من كتبه على المقعد المجاور له، وكان مستغرقا في ~~القراءة عندما توقف القطار بهزة قوية تسببت في سقوط تلك ~~المجلدات على الأرض. رفعها من الأرض ونظر في الساعة. كان الوقت ~~وقت الظهيرة. وكان قطار الشحن سيتوقف هنا ساعة أو أكثر حتى ~~يمر قطار الركاب المتجه إلى الشرق. نزل كلود من العربة ومشى ~~ببطء على الرصيف باتجاه المحطة. وضعت مجموعة من شجر التنوب ~~الصغير بالقرب من مكتب الشحن، وأرسلت عبق عيد الميلاد بين ذرات ~~الهواء البارد. كانت تقف بعض عربات الجر بالقرب من المكتب، وكانت ~~الخيول مغطاة لحمايتها من البرد. تصاعد بخار بنفسجي قاتم ~~من القطار، وانتشر في السماء الملبدة بالغيوم. # ذهب كلود إلى مطعم في ~~الجهة المقابلة من الشارع، وطلب يخني محار. ومن رحلة إلى أخرى، ~~دائما ما كانت تتذكره مالكة المطعم، وهي امرأة ألمانية قصيرة ~~بدينة، ذات قصة متغضنة منسدلة على الجبين. ولما كان يأكل ~~المحار، أخبرته أنها انتهت لتوها من شواء دجاجة مع البطاطا، ~~وإذا أحب فيمكنه الحصول على أول قطعة مشوية من الصدر قبل أن ~~يأتي قائدو القطار من أجل الغداء. وبعدما طلب منها إحضارها على ~~الفور، جلس منتظرا على مقعد عال، وحذاؤه على مسند القدمين ~~المصنوع من الرصاص، ومرفقاه على طاولة البيع البنية اللامعة، ~~وأخذ يحملق في هرم السندوتشات التي تبدو صلبة تحت كرة ~~زجاجية. # لما أحضرت السيدة فوكت الطبق، قالت له: «أنا أبحث عنك كل يوم. ~~لقد وضعت قدرا كبيرا من المرق الجيد على البطاطا.» ~~«شكرا لك. لا بد أن رواد مطعمك يحبونك.» # قهقهت. وقالت: «نعم، كل قائدي القطارات أصدقاء لي. في بعض ~~الأحيان، يحضرون لي قليلا من الجبن السويسري من أحد المتاجر ~~الكبرى ms029 في أوماها التي يتردد عليها الألمان. ليس لدي أطفال؛ ~~ومن ثم اعتدت أن أعد بعض الأشياء من أجل أطفالهم، أليس هذا ~~جيدا؟» # وقفت تنظف يديها القصيرتين والبدينتين تحت مئزرها، ~~وتراقب كل لقمة يأكلها بشغف وكأنها تتذوقها هي. دخل قائدو ~~القطار ونادوا عليها وسألوها ماذا أعدت من أجل الغداء، وركضت ~~إليهم مثل دجاجة صغيرة مبتهجة، وأخذت تضحك وتثرثر معهم. تساءل ~~كلود هل العمال لطفاء مع النساء العجائز في جميع أنحاء العالم ~~كما هو الوضع هنا. لم يكن يظن ذلك. أحب أن يعتقد أن هذا اللطف ~~لا يشيع إلا بين من يسميهم ب «أهل الغرب». اشترى سيجارا كبيرا ~~وظل يتجول على الرصيف ذهابا وإيابا مستمتعا بالهواء ~~المنعش حتى انطلقت صافرة قطار الركاب. # بعدما انطلق قطار الشحن باعثا كومة من البخار، لم يفتح كتبه ~~مرة أخرى، ولكن جلس ينظر إلى المنازل القاتمة وهي تمر أمامه ومن ~~حولها حقول الذرة الجافة والمحصودة، وقطع الأراضي المحروثة ~~الكبيرة حيث يستقر القمح الشتوي. كان يمتد بعض الجليد اللامع ~~مثل بلورات الصقيع بطول الحواف العالية الهشة بين ~~الأخاديد. # اعتقد كلود أنه يعرف تقريبا كل مزرعة تقع على الطريق من ~~فرانكفورت إلى لينكن؛ فهو يقوم بتلك الرحلة كثيرا مستخدما ~~القطارات السريعة والبطيئة. كان يقضي كل الإجازات في المنزل، كما ~~أنه كان يعود مرارا وتكرارا إليه لأسباب مختلفة؛ في وقت مرض ~~أمه، أو عندما انقلب رالف بالسيارة وكسرت كتفه، أو عندما رفس ~~والده حصان شرس. ولم يكن من عادة آل ويلر أن يأتوا بممرضة؛ ~~فإذا مرض أي فرد في المنزل، فمعروف أن فردا آخر في المنزل كان ~~سيتولى المهمة. # جلس كلود يتفكر في حقيقة أنه لم يسبق له قط أن عاد إلى ~~المنزل بتلك المعنويات المرتفعة. حدث له شيئان مبهجان من وقت ~~أن ذهب في هذا الطريق منذ ثلاثة أشهر. # بمجرد أن وصل إلى لينكن في سبتمبر، سجل في جامعة الولاية من ~~أجل برنامج دراسي خاص في التاريخ الأوروبي. في العام السابق، سمع ~~محاضرة ألقاها رئيس هذا القسم أمام إحدى ms030 الجمعيات الخيرية، وقرر ~~وقتئذ أن يدرس تحت إشراف ذلك الرجل حتى لو لم يتمكن من تغيير ~~الجامعة. البرنامج الدراسي الذي اختاره كلود كان من البرامج ~~الدراسية التي يمكن للطالب أن يخصص لها الوقت الذي يختاره. ~~وكان يعتمد على قراءة المصادر التاريخية، وكان الأستاذ معروفا ~~بشرهه إلى دفاتر الملاحظات الممتلئة بالكتابة. وكان دفتر كلود ~~واحدا من تلك الدفاتر. كان كلود يظل يدرس في مكتبة الجامعة ~~أوقاتا طويلة، وغالبا ما كان يتناول عشاءه في المدينة ويعود ~~للقراءة حتى وقت إغلاق المكتبة. للمرة الأولى كان يدرس موضوعا ~~بدا حيويا بالنسبة إليه؛ إذ يتعلق بالأحداث والأفكار بدلا من ~~المعاجم وكتب القواعد. كم تمنى أن يقابل إرنست في المحاضرات! ~~كان يستطيع أن يرى إرنست وهو يستوعب كامل محتوى تلك المحاضرات، ~~ويتفق معه أو يعارضه بطريقته المستقلة. كان عدد الطلاب كبيرا ~~للغاية، وكان يتحدث الأستاذ من دون ملاحظات أمامه؛ كان يتحدث ~~بسرعة كبيرة وكأنه يتحدث مع مكافئين له، ولا يتخلل العرض ~~طريقة الإقناع المتزلفة التي كان معتادا عليها طلاب كلية ~~تمبل. كانت محاضراته مكثفة وكأنها مذكرة قانونية، غير أن صوته ~~كانت تتخلله حماسة واهنة، وعندما كان يقاطع عرضه من حين لآخر ~~لإبداء تعليق شخصي بحت، كان يبدو أنه تعليق قيم ومهم. # عادة ما كان يخرج كلود من هذه المحاضرات بشعور أن العالم مليء ~~بالمحفزات، وأنه محظوظ لأنه حي وبإمكانه العثور على تلك ~~المحفزات. وبفضل القراءة في ذلك الخريف، بدا المستقبل بالفعل ~~أكثر إشراقا في عينيه؛ إذ بدا أنه يبشره بشيء. من الصعوبات ~~الأساسية التي كانت تواجهه دوما أنه لم يستطع أن يجعل نفسه يؤمن ~~بأهمية كسب المال أو إنفاقه. كان يرى أنه إن كانت تلك هي الحياة، ~~فإنها لا تستحق العناء. # الشيء الجيد الثاني الذي ~~حدث له هو أنه تسنى له التعرف على بعض الأشخاص الذين أحبهم. ~~حدث هذا التعارف من غير ترتيب، بعد مباراة كرة قدم أمريكية بين ~~فريق كلية تمبل وفريق جامعة الولاية؛ كانت مجرد مباراة تجريبية ~~للفريق الأخير. كان كلود يلعب في مركز ms031 الظهير المساعد في فريق ~~كلية تمبل. وقرب نهاية نصف الشوط الأول من المباراة، أتم ~~تدخله في الطرف الأيمن بسلام، وأوقف هجمة كادت أن تنهي ~~اللعبة، وانفرد بالكرة مسافة تسعين ياردة، وأخذ يعدو حتى وصل ~~إلى منطقة الجزاء. واستطاع أن يساعد فريقه على تقديم عرض جيد في ~~المباراة. هنأه أعضاء فريق جامعة الولاية بحرارة، حتى إن ~~مدربهم لمح له بأنه لو أراد يوما تغيير فريقه، فسيجد مكانا ~~له ضمن فريق جامعة الولاية. # حظي كلود بلحظة فخر، ولكن حتى وقت حديثه مع المدرب بالينجر، ~~اندفع طلاب كلية تمبل من المدرج وهم يصيحون، ورمت أنابيل تشابين ~~- التي كانت تظهر بمظهر مضحك لما ارتدت بدلة رياضية من ~~تصميمها، كانت مزينة بألوان كلية تمبل، وأخذت تنفخ في بوق لعبة ~~- بنفسها في أحضان كلود. خلص نفسه ولكن ليس بلطف بالغ، ومشى ~~بعيدا مكتئبا إلى غرفة تغيير الملابس؛ فما الفائدة إذا كنت ~~دائما مع الأشخاص الخطأ؟ # أخذه جانبا يوليوس إرليش - الذي لعب نصف شوط مع فريق جامعة ~~الولاية - وتحدث إليه بود قائلا: «تعال إلى المنزل كي ~~تتعشى معي هذا المساء يا ويلر وتقابل أمي. تعال معنا وارتد ~~ملابسك في المبنى العسكري. لديك ملابس في حقيبتك، أليس ~~كذلك؟» # رد كلود مترددا: «إنها ملابس لا تكاد تصلح للزيارة.» ~~«أوه، هذا لا يهم! إننا جميعا فتية في المنزل. لن تمانع أمي ~~إن أتيت بملابسك الرياضية.» # وافق كلود قبل أن يتوفر له الوقت كي يخيف نفسه بالتفكير في ~~الصعوبات. كثيرا ما كان يجلس بجواره الفتى إرليش في محاضرة ~~التاريخ، وكان قد تحدث بعضهما إلى بعض عدة مرات. حتى ذلك ~~الحين، كان يشعر كلود أنه «لا يستطيع فهم إرليش»، ولكن لما كان ~~يرتديان ملابسهما بعد الاستحمام بعد ظهر ذلك اليوم، أصبحا ~~صديقين مقربين في غضون بضع دقائق. على الأرجح، لم يشعر كلود ~~بالتقييد في تفكيره وحركاته مثلما هو معتاد. وذهل بشدة لما ~~وجد نفسه على وفاق وعلاقة ودية مع إرليش، حتى إنه لم يشغل ~~باله بقميصه الذي كان يرتديه لليوم الثاني على ms032 التوالي، وبياقته ~~ذات الحافة المتهالكة؛ وهي من الأمور البائسة التي اعتاد أن ~~يشغل باله بها. # لم يمشيا أكثر من مربعين سكنيين بعد المبنى العسكري حتى ~~دخل يوليوس إلى منزل خشبي كبير غير مخطط جيدا يضم حديقة غير ~~مسيجة ومدرجة. قاد كلود إلى الجناح ودخلا من باب زجاجي إلى ~~غرفة كبيرة، كانت ثلاثة جدران منها عبارة عن نوافذ بأعلى ~~المنجور. وجد الغرفة ممتلئة بالفتيان والشباب الذين كانوا ~~جالسين على أرائك، أو جاثمين على أذرع مقاعد كبيرة منجدة، ~~ويتحدثون جميعا في وقت واحد. وعلى واحدة من تلك المقاعد، كان ~~يضطجع شاب يرتدي سترة تدخين، ويقرأ بهدوء كما لو كان ~~بمفرده. # قال المضيف: «خمسة من هؤلاء إخوتي، والباقون أصدقاء.» # تعرف الجمع على كلود وأشركوه في الحديث معهم عن المباراة. ~~ولما ذهب الضيوف، قدم يوليوس إخوته إليه. اعتقد كلود أن جميعهم ~~فتيان لطفاء، وأنهم مؤدبون ومرحون. كان الثلاثة الكبار ~~يعملون، ولكنهم أيضا ذهبوا إلى المباراة التي أقيمت بعد ظهر ذلك ~~اليوم. لم يسبق لكلود أن قابل إخوة يتحدثون هكذا بصراحة وانفتاح ~~شديدين بعضهم مع بعض. لقد وجدهم ودودين جدا؛ تقدم إليه الأخ ~~المضطجع كي يصافحه، وحافظ على المكان الذي توقف عنده في الكتاب ~~بإصبعه. # كان يوجد على طاولة في منتصف الغرفة غلايين وصناديق تبغ، ~~وسيجار في جرة زجاجية، ووعاء صيني كبير ممتلئ بالسجائر. بدا ~~هذا الأمر هو الأبرز بالنسبة إلى كلود؛ لأنه في منزله كان يضطر ~~إلى التدخين في حظيرة الأبقار. أذهله عدد الكتب تقريبا بالقدر ~~نفسه؛ فجميع المنجورات في الغرفة كانت مصممة بحيث تكون أرفف ~~كتب مفتوحة، وكانت ممتلئة بالمجلدات الكبيرة والصغيرة، التي ~~بدت جميعها مثيرة للاهتمام ومستخدمة بكثرة. كان أحد الإخوة ~~في حفل الليلة الماضية، ولما عاد إلى المنزل وضع ربطة عنقه حول ~~رقبة تمثال صغير من الجص للشاعر بايرون الذي كان يقبع على رف ~~الموقد. لم ينجذب انتباه كلود إلى شيء في الغرفة أكثر من ذلك ~~الرأس، وربطة العنق تلك الموضوعة على نحو جذاب، ولسبب ما جعلاه ~~على الفور يتمنى لو ms033 كان يعيش هناك. # أحضر يوليوس والدته، وعندما ذهبوا لتناول العشاء أجلس كلود ~~بجانبها على أحد طرفي الطاولة الطويلة. بدت السيدة إرليش صغيرة ~~السن جدا على أن تكون على رأس تلك العائلة. لم يفقد شعرها ~~البني لونه، وكان ينساب على أذنيها ويلتف في ضفيرتين ~~صغيرتين مثل السيدات التي تظهر في الصور الداجيرية القديمة. وجهها ~~كذلك كان يوحي بأنها سيدة من عصر تلك الصور؛ إذ كان به شيء غريب ~~وعتيق الطراز. بشرتها كانت بيضاء ناعمة مثل الزهور البيضاء ~~التي بللها المطر. كانت تتحدث بإيماءات سريعة، وكانت إيماءتها ~~البسيطة المقصودة غريبة وغير مفهوم كنهها. كانت تنظر بترقب ~~بعينيها ذات اللون البندقي من فوق النظارة المستقرة على ~~أنفها، وتراقب دائما الأمور حتى تتأكد من سيرها على نحو جيد، ~~وتبحث دائما عن جنية ألمانية طيبة في الخزانة أو وعاء الكعك، ~~أو في البخار الصاعد في يوم الغسيل. # كان الأولاد يناقشون أمر خطبة أعلن عنها للتو، وبدأت ~~السيدة إرليش تحكي لكلود قصة طويلة عن الطريقة التي أتى بها ذلك ~~الشاب الألمعي إلى لينكن وقابل تلك الفتاة الجميلة التي كانت ~~مخطوبة بالفعل لشاب متبلد المشاعر وتقليدي، وكيف فسخت الفتاة ~~خطبتها من الرجل الخطأ بعد عديد من الخلافات الشديدة، وخطبت إلى ~~الرجل المناسب، وباتت السعادة تغمرهما الآن، وطلبت من كلود أن ~~يصدقها في أن الجميع كانوا سعداء بالقدر نفسه! في منتصف القصة، ~~ذكرها يوليوس مبتسما أنه ما دام كلود لا يعرف هذين الشخصين، ~~فلا يرجى اهتمامه بقصتهما الرومانسية، ولكنها نظرت إليه من فوق ~~نظارتها الأنفية، وقالت: «هكذا إذن، يا سيد يوليوس!» لا ريب ~~أنها كانت ندا لهم. # أخذ الحوار ينتقل من موضوع إلى آخر. وبدأ النقاش يحتد بين ~~الأولاد حول فتاة جديدة كانت تزور المدينة؛ هل هي جميلة، وما ~~مقدار جمالها، وهل هي ساذجة؟ رأى كلود الحديث وكأنه مشهد في ~~مسرحية. إذ لم يسبق له من قبل أن سمع إنسانا يتم تناوله ~~وتحليله بتلك الطريقة. لم يسبق أن سمع حوارا عائليا بهذا ~~القدر، أو بهذا القدر من الحماسة. ms034 هنا اختفى كل التحفظ البغيض ~~الذي دائما ما كان يكتنفه في التجمعات العائلية، ولم يكن هناك ~~حرج من أن يجلس أفراد العائلة واضعين أيديهم في حجرهم، وينظر ~~بعضهم إلى بعض، ولا يحاول أي منهم أن يخفي مكنونات قلبه، سواء ~~من سر أو شك، مع السعي إلى الانتقال إلى موضوع لا يثير البلبلة. ~~ذهل أيضا من وفرة الكلام؛ فكيف لأناس أن يجدوا هذا الكم من ~~الكلام عن فتاة واحدة؟ لا ريب أن قدرا كبيرا منه بدا بعيد ~~الاحتمال بالنسبة إليه، ولكنه اعترف آسفا أنه ليس حكما في تلك ~~المسائل. ولما عادوا إلى غرفة المعيشة، بدأ يوليوس في العزف على ~~الجيتار، وبدأ أخوه الملتحي في القراءة. ولما رأى أوتو - الأخ ~~الأصغر - مجموعة من الطلاب يمرون من جانب المنزل، هرع إلى ~~الحديقة ونادى عليهم كي يدخلوا؛ كانوا فتيين وفتاة متوردة ~~الخدين ترتدي شالا من الفرو. عمد كلود إلى زاوية، وكان سعيدا ~~بشدة بأن يكون في موقف المشاهد، ولكن سرعان ما أتت السيدة إرليش ~~وجلست بجانبه. ولما فتحت الأبواب المؤدية إلى الصالة، لاحظت أن ~~عينيه كانت تشردان إلى صورة منقوشة معلقة أعلى البيانو ~~لنابليون، ودفعته إلى الذهاب عندها والنظر إليها. أخبرته أنها ~~صورة منقوشة نادرة، وأرته بورتريه لجدها الأكبر الذي كان ~~ضابطا في جيش نابليون. أما عن قصة كيفية الحصول على هذه الصورة، ~~فيطول شرحها. # بينما كانت تتحدث السيدة إرليش إلى كلود، اكتشفت أن عينيه ~~ليستا شاحبتين في حقيقة الأمر، ولكنهما كانتا تبدوان كذلك بسبب ~~رموشه ذات اللون الفاتح. كان بإمكانهما قول الكثير عندما كانتا ~~تنظران مباشرة إلى عينيها، وهي أحبت ما كانتا تقولانه. وسرعان ~~ما اكتشفت تعاسته؛ مدى كرهه لكلية تمبل، ولماذا رغبت والدته في ~~أن يلتحق بها. # لما غادر الطلاب الثلاثة الذين دعوا إلى الدخول وهم يمرون من ~~جانب المنزل، نهض كلود هو الآخر. من الواضح أنهم كانوا معتادين ~~على ارتياد المنزل، وخروجهم غير المكترث وأسلوبهم المرح لما ~~قالوا «ليلة سعيدة على الجميع!» لم يعطياه أي اقتراحات عملية ~~بشأن ما ينبغي له ms035 قوله الآن أو الطريقة المثلى للخروج. يوليوس ~~صعب الأمور أكثر لما طلب منه أن يجلس لأنه لم يحن وقت الذهاب ~~بعد. ولكن السيدة إرليش أخبرته أن هذا الوقت قد حان لأن المسافة ~~إلى كلية تمبل بعيدة. # كان الأمر في الواقع غاية في البساطة. مشت معه إلى الباب، ~~وأعطته قبعته وربتت على ذراعه على نحو مودع. وقالت: ~~«ستأتي كثيرا لزيارتنا. وسنصبح أصدقاء.» اقتربت جبهتها التي ~~تنسدل عليها خصلات شعرها البني المنمق من أسفل ذقن كلود، ~~وحدقت فيه وفي عينيها هذا التعبير الغريب المفعم بالأمل، ~~وكأن ... وكأنه قد يحقق نجاحا في حياته! بالتأكيد، لا أحد رمقه ~~بنظرة كتلك من قبل. # تمتم إليها من دون حرج تماما: «كانت أمسية جميلة»، وفي ~~سعادة لف مقبض الباب الزجاجي وخرج منه. # بينما كان قطار الشحن يمشي متباطئا في الريف ذي الجو الشتوي، ~~مخلفا وراءه خطا أسود معلقا في الهواء الساكن، استرجع ~~كلود تلك التجربة بكل ما فيها، وكأنه كان يخشى أن ينسى شيئا منها ~~عندما يصل إلى منزله. كان بإمكانه أن يتذكر بدقة كيف عاملته ~~السيدة إرليش والأولاد في تلك الليلة الأولى، وأن يكرر تقريبا ~~كل كلمة وردت في الحوار الذي كان يعد جديدا للغاية بالنسبة ~~إليه. ظن حينها أن آل إرليش أثرياء، ولكنه اكتشف بعد ذلك أنهم ~~فقراء. لقد توفي الأب، واضطر كل الأولاد إلى العمل، حتى الذين ~~لا يزالون في المدرسة. اكتشف أنهم كانوا يعرفون كيف يكسبون عيشهم، ~~وأنهم كانوا ينفقون أموالهم على أنفسهم بدلا من الآلات التي ~~تنجز الأعمال والآلات التي تروح عن الناس. كان يرى كلود أن ~~الآلات لا تستطيع أن تصنع السعادة مهما كانت الأمور التي كانت ~~تنجزها. كما أنها لا تستطيع خلق أناس لطفاء. وبحسب ما كان ~~يرى، فإن الأمر الأخير يتحقق من خلال الممارسة الحصيفة تقريبا ~~لكل شيء تعلم أن يتجنب الخوض فيه. # منذ الزيارة الأولى تلك، بالتأكيد لم يذهب كلود إلى منزل آل ~~إرليش بالقدر الذي تمناه، وإنما ذهب بالقدر الذي كانت تسمح به ~~جرأته. يبدو أن بعضا ms036 من طلاب الجامعة كانوا يذهبون هناك في الوقت ~~الذي يريدونه وكأنهم أفراد من العائلة، ولكن مظهرهم كان أفضل من ~~مظهره ، وصحبتهم أفضل من صحبته. بالتأكيد كان باومجارتنر الطويل ~~القامة صديقا مقربا من تلك العائلة، وقد كان فتى أخرق ذا ~~يدين حمراوين كبيرتين ويلبس حذاء به بقع ملونة، ولكنه على ~~الأقل كان يستطيع التحدث بالألمانية مع الأم، ويعرف كيفية العزف ~~على البيانو، ويبدو أنه كان يعرف الكثير عن الموسيقى. # لم يرد كلود أن يبدو مملا. فعندما كان يغادر المكتبة في ~~بعض الأحيان في المساء كي يدخن سيجارا، كان يمشي متباطئا ~~بالقرب من منزل آل إرليش، وينظر إلى النوافذ المضيئة لغرفة ~~الجلوس، ويتساءل عما يدور بالداخل. وقبل أن يذهب إلى هناك ~~لزيارتهم، كان يفكر في أشياء يتحدث عنها. وبالطبع كان يساعده في ~~ذلك إذا كانت هناك مباراة كرة قدم أو مسرحية جيدة في ~~المسرح. # تقريبا من دون أن يدرك ما كان يفعله، حاول أن يفكر مليا ~~في الأشياء ويبرر آراءه لنفسه؛ حتى يجد ما يقوله عندما يسأله ~~أولاد إرليش عنها. لقد نشأ على قناعة أنه ليس من مقامه أن يبرر ~~آراءه، تماما كما يجب عليه الاهتمام بملبسه أو ألا يضبطه أحد ~~وهو يحاول جاهدا فعل شيء ما. كان إرنست هو الشخص الوحيد الذي ~~يعرفه، والذي كان يحاول أن يذكر بوضوح سبب اعتقاده بشأن هذا أو ~~ذاك؛ ولذا كان يعتقد الناس في المكان الذي يعيش فيه أنه مغرور ~~وغريب جدا. لم يكن من طابع الأمريكيين أن يبرروا آراءهم؛ ~~ليس عليك أن تفعل ذلك! في المزرعة، يمكن أن تعبر عن رأيك بشأن ~~أي شيء؛ تقول مثلا إن روزفلت محق أو مجنون. لكن لا يفترض أن ~~تقول المزيد ما لم تكن خطيبا سياسيا؛ أي إذا حاولت أن تقول ~~المزيد، فهذا لأنك تحب أن تسمع نفسك وأنت تتحدث. وما دمت لم تقل ~~شيئا قط، فأنت لم تنم عادة التفكير لديك. وإذا أحسست بقدر ~~كبير من الملل، كان عليك أن تذهب إلى المدينة وتشتري شيئا ~~جديدا. # لكن ms037 كل الناس الذين قابلهم في منزل إرليش كان يمكنهم التحدث. ~~إذا سألوه عن مسرحية أو كتاب وقال إنه «ليس جيدا »، فسيسألونه على ~~الفور عن السبب. ظن أفراد آل إرليش أنه شخص هادئ، ولكن كلود ~~يظن نفسه مذهلا في بعض الأحيان. هل يمكن لكلود أن يعبر عن ~~آرائه بهذا الأسلوب الفظ؟ لاحظ في نفسه أنه كان يستخدم كلمات لم ~~تمر من بين شفتيه من قبل، ولم يصادفها عقله في غير الأعمال ~~المطبوعة. عندما كان يدرك فجأة أنه يستخدم كلمة ما للمرة ~~الأولى، وربما يخطئ في نطقها، كان يرتبك بشدة وكأنه يحاول أن ~~يشتري بعملة مزيفة من الرصاص؛ إذ كان يحمر وجهه ويتلعثم، ~~ويترك أحدا غيره يكمل الجملة له. # لم يستطع كلود في بعض الأحيان مقاومة الذهاب إلى منزل آل ~~إرليش فيما بعد الظهيرة؛ وفي ذلك الوقت كان لا يوجد الأبناء في ~~المنزل، ويمكن أن يجلس مع السيدة إرليش بمفردهما لمدة نصف ~~الساعة. عندما كانت تتحدث معه، كانت تعلمه الكثير جدا عن ~~الحياة. أحب أن يسمعها وهي تغني أغاني ألمانية عاطفية وهي ~~تعمل، مثل «اغزلي، اغزلي، يا ابنتي العزيزة». لم يعرف السبب، ~~ولكنه ببساطة أحب الأمر بشدة! في كل مرة كان يخرج من عندها، كان ~~يشعر بالسعادة وتغمره الطيبة، وكان يفكر في الغابات التي تنتشر ~~بها أشجار الزان والمدن المسيجة أو في كارل شورز والثورة ~~الرومانسية. # ذهب كي يرى السيدة إرليش قبل أن يذهب إلى المنزل لقضاء الإجازة، ~~ووجدها تعد كعك عيد الميلاد الألماني. أخذته إلى المطبخ وشرحت ~~له التقاليد شبه المقدسة التي تحكم طريقة تحضير هذه الأكلة ~~المعقدة. رأى كلود أن حماستها وجديتها وهي تخفق ~~المكونات وتقلبها كانتا رائعتين بشدة. عددت له على أصابعها ~~المكونات الكثيرة للكعك، ولكنه اعتقد أن هناك مكونات لم تذكرها؛ ~~وهي رائحة الصداقات القديمة، ووهج الذكريات الأولى، والإيمان ~~بالقصائد والأغاني القادرة على فعل العجائب. لا ريب أن هذه أشياء ~~جيدة تستحق أن توضع في الكعك الصغير! بعدما تركها كلود، فعل ~~شيئا لم يفعله أحد من عائلة ويلر؛ ms038 ذهب إلى شارع أوه وأرسل إليها ~~باقة من أكثر الزهور حمرة. وكان يحتفظ في جيبه برسالة الشكر ~~القصيرة التي كتبتها من أجله. # 7 # أوشك الظلام أن يرخي أستاره عندما وصل كلود إلى المزرعة. ~~وبينما توقف رالف كي يركن السيارة، مشى هو بمفرده إلى المنزل. ~~لم يسبق أن عاد من دون أن تسكنه العواطف، رغم أنه حاول مرارا ~~وتكرارا أن يتغاضى عن مرات المغادرة والرجوع هذه التي كانت ~~جميعها معتادة بالنسبة إليه. عندما كان يصعد إلى التل بتلك ~~الهيئة متجها إلى البيت العالي ذي النوافذ المضيئة، دائما ما ~~كان ينقبض قلبه. كان يحب العودة إلى المنزل ويكرهها في الوقت ~~نفسه. كان محبطا على الدوام، ولكن دائما ما كان يستشعر صواب ~~العودة إلى منزله. وحتى عندما كان يثبط معنوياته ويحطم ~~كبرياءه، كان يشعر أن الصواب في أن يظل متواضعا هكذا. لم ~~يشك في أن أسوأ الحالات المزاجية هي أصدقها، وأنه كلما نأى ~~الإنسان عن التفكير في نفسه، زاد احتمال أن يكون مصيبا في ~~تقديره. # لما اقترب كلود من الباب، توقف لحظة ونظر إلى الداخل من نافذة ~~المطبخ. رأى الطاولة معدة للعشاء وماهيلي واقفة عند الموقد ~~تقلب شيئا في قدر حديدي كبير؛ على الأرجح عصيدة دقيق ~~الذرة؛ فهي كثيرا ما تطهو هذه الأكلة لنفسها؛ لأن أسنانها بدأت ~~في السقوط. لقد كانت تقف محنية تمسك بإحدى يديها القدر، ~~وتضرب باليد الأخرى المكونات الصلبة، وتومئ برأسها بنفس ~~إيقاع هذه الحركة الدوارة. تصاعدت عواطف مضطربة داخل كلود. ~~ودخل مسرعا واحتضنها بقوة. # تجعد وجهها وهي تبتسم الابتسامة الساذجة التي كان يعرفها ~~جيدا. وقالت: «يا إلهي، كم أرعبتني يا سيد كلود! لو زدت قليلا ~~لسقطت مني العصيدة كلها على الأرض. تبدو بخير، أيها الفتى ~~اللطيف!» # كان يعرف أن ماهيلي تسعد بعودته إلى المنزل أكثر من أي أحد ~~آخر عدا والدته. ولما سمع وقع خطوات والدته المتنقلة وغير ~~الواثقة على السلم المسيج، فتح الباب وجرى كي يقابلها في ~~منتصف السلم واحتضنها بقوة بعض الشيء، ولكن بحنان كان يشعر ~~به ms039 دوما، ولكن نادرا ما كان يستطيع إظهاره. مدت كلتا يديها ~~باتجاهه وربتت على شعره للحظة، وأخذت تضحك كما يفعل المرء مع ~~الصبي الصغير، وتخبره بأنها تظن أن حمرة شعره تزداد في كل ~~مرة يعود فيها. ~~«هل حصدنا كل الذرة يا أمي؟» ~~«كلا يا كلود، لم نفعل. تعلم أننا دائما متأخرون. كان ~~الطقس جيدا، ومناسبا للتقشير أيضا. ولكننا على الأقل تخلصنا ~~من هذا البائس الذي يدعى جيري، وهذا شيء محمود. ما حدث أنه لما ~~كان في المدينة في أحد الأيام، دخل في نوبة غضب شديدة وهو عائد إلى ~~المنزل، ورآه ليونارد دوسن وهو يضرب أحد خيولنا بمقرن الرقبة. ~~أخبر ليونارد والدك وعبر عن رأيه بصراحة، وعليه طرد والدك ~~جيري. لو أخبرته أنت أو رالف بالأمر، فعلى الأرجح ما كان يرجى أن ~~يتخذ أي إجراء. ولكني أظن أن كل الآباء على هذا المنوال.» ~~انطلقت منها ضحكة خافتة على نحو واثق، وأخذت تتكئ على ذراع ~~كلود وهما ينزلان على السلم. ~~«أظن ذلك. هل تأذى الفرس كثيرا؟ أي فرس كان يضربه؟» ~~«الفرس الصغير الأسود، ~~بومبي. أعتقد أنه فرس سيئ بعض الشيء. يقول الناس إن إحدى ~~العظام الموجودة فوق عينه قد كسرت، ولكنه على الأرجح سيتعافى ~~ويصبح بحال جيدة.» ~~«بومبي ليس سيئا؛ إنه عصبي. كل الخيل يكره جيري، ولديهم الحق ~~في ذلك.» هز كلود كتفه كي يطرد صور هذا النذل المثيرة ~~للاشمئزاز التي استرجعها عقله. سبق أن رأى أشياء تحدث في ~~الحظيرة ولم يستطع أن يخبر والده عنها على الإطلاق. دخل السيد ~~ويلر إلى المطبخ، وتوقف في طريقه وهو صاعد إلى الطابق العلوي ~~بعض الوقت ليقول: «مرحبا يا كلود. تبدو بصحة جيدة ~~جدا.» ~~«نعم يا أبي. أنا بخير، شكرا لك.» ~~«أخبرني بايليس أنك كنت تلعب كرة القدم كثيرا.» ~~«ليس أكثر من المعتاد. لعبنا ست مباريات، واستطعنا الفوز ~~فيها بوجه عام. ولكن جامعة الولاية لديها فريق رائع.» # رد السيد ويلر متشدقا وهو يصعد السلم: «توقعت ~~ذلك.» # مر العشاء كالمعتاد. ظل دان يبتسم ابتسامة عريضة ويغمز ~~إلى ms040 كلود؛ إذ كان يحاول أن يعرف إن كان قد علم بالفعل بما آل ~~إليه مصير جيري أم لا. أخبره رالف بما جرى في الجوار؛ جارهم ~~الألماني جاس يودر رفع قضية ضد مزارع أطلق النار على كلبه. ~~كما أن ليونارد دوسن كان يعتزم الزواج من سوزي جراي. تذكر كلود ~~أنها الفتاة التي صفع ليونارد بايليس بسببها. # بعد العشاء، خرج رالف والسيد ويلر بالسيارة لحضور احتفال بعيد ~~الميلاد في مبنى مدرسة البلدة. جلس كلود وأمه كي يحظيا بحديث ~~هادئ بجانب المدفأة التي تعمل بالفحم الصلب في غرفة المعيشة ~~بالطابق العلوي. كان كلود يحب هذه الغرفة، خاصة عندما يغيب ~~والده عن المنزل. السجادة القديمة والكراسي الباهتة اللون ~~وطاولة الكتابة والنقش المهترئ البادي على الأريكة، والمستمدة ~~كافة المشاهد البادية عليه من كتاب «رحلة الحاج»؛ كانت تشعره ~~هذه الأشياء بالراحة الشديدة. كثيرا ما كان رالف يقترح إعادة ~~تأثيث الغرفة باستخدام خشب البلوط، وأسلوب التصميم القائم على ~~البساطة وقلة الزخرفة، ولكن كلود ووالدته حافظا عليها بشكلها ~~الحالي حتى ذلك الحين. # جلس كلود على كرسيه المفضل وبدأ يخبر والدته عن أولاد ~~إرليش وأمهم. استمعت إليه ولكنه لاحظ أنها كانت مهتمة أكثر ~~بأحوال آل تشابين، وهل تحسن حلق إدوارد أم لا، وأين يعظ هذا ~~الخريف. كانت تلك واحدة من الأشياء التي كانت تثبط رغبته في ~~العودة إلى المنزل؛ كان لا يمكنه قط أن يثير اهتمام والدته بأي ~~أشياء جديدة أو أشخاص جدد إلا إذا كانوا مرتبطين بالكنيسة ~~بنحو أو بآخر. كان يعلم أيضا أنها دائما ما تتمنى أن تسمع ~~أنه في النهاية شعر بالحاجة إلى أن يكون قريبا أكثر من الكنيسة. ~~إنها لم تكن تلح عليه فيما يتعلق بهذه الأشياء، ولكنها أخبرته ~~مرة أو مرتين أن لا شيء يمكن أن يحدث في العالم ويسعدها ~~أكثر من أن تراه قريبا من الرب. ولما تحدث معها عن آل إرليش، ~~أدرك أنها كانت تتساءل عما إذا كانوا من «أهل الدنيا» بشدة أم ~~لا، وخشيت من تأثيرهم عليه. لم تسر الأمسية على ms041 النحو المطلوب؛ ~~ومن ثم ذهب إلى الفراش مبكرا. # كان كلود يمر بوقت عصيب؛ إذ كان يعتصره الشك والخوف عندما ~~يفكر كثيرا في الدين. ظل عدة سنوات - من سن الرابعة عشرة ~~إلى الثامنة عشرة - يعتقد أنه سيضيع إذا لم يتب ويخضع لهذا ~~التغيير الغامض المسمى بالهداية. ولكن كان بداخله شيء عنيد ~~يحول دون استفادته من هذا العفو المقدم. كان يشعر بالذنب، ~~ولكنه كان لا يريد أن يزهد في عالم لا يعرف عنه شيئا حتى الآن. ~~كان يريد أن يخوض غمار الحياة بكل قوته، مطلقا العنان لكل ~~ملكاته. لم يرد أن يكون مثل الشباب الصغير الذين يقولون في ~~اجتماعات الصلاة إنهم يعتمدون على مخلصهم. لقد كان يكره ~~طريقتهم في القبول الخانع للمتع المباحة. # في تلك الأيام، كان لديه خوف جسدي شديد من الموت. كانت أي ~~جنازة - مشهد أحد الجيران وهو راقد متيبس في نعشه الأسود - ~~يملأ أوصاله بالرعب. اعتاد أن يستلقي مستيقظا في الظلام ~~ويفكر في الموت، ويحاول أن يضع خطة للهروب منه، ويتمنى ~~غاضبا لو لم يولد من الأساس. ألا توجد طريقة للخروج من ~~العالم غير تلك؟ عندما كان يفكر في ملايين المخلوقات الوحيدة ~~المتحللة تحت الأرض، لا يرى الحياة سوى فخ يصيد الناس وينهي ~~حياتهم نهاية مروعة. لم يظهر على الأرض إنسان مهما بلغ من ~~القوة والصلاح استطاع الهروب من الموت. ولكنه كان يتسلل إليه ~~شعور أكيد في بعض الأحيان بأنه هو - كلود ويلر - سيستطيع الهروب ~~من الموت؛ كان يعتقد في واقع الأمر أنه سيبتكر تحولا ذكيا ما ~~كي ينقذ نفسه من التحلل. وعندما يعثر عليه فلن يخبر أحدا؛ ~~سيكون ماكرا وسيبقي الأمر طي الكتمان. التعفن، التحلل ... ~~كان لا يستطيع أن يسلم جسده الجميل الذي ينبض بالحياة إلى هذا ~~الفساد! ما الذي تعنيه تلك الآية الواردة في الكتاب المقدس ~~التي تقول: «لن تدع تقيك يرى فسادا»؟ # إن كان هناك شيء يمكن أن يشفي صدر فتى ذكي من المخاوف الدينية ~~المرضية، فإنه كلية دينية مثل تلك التي أرسل إليها كلود. ~~لقد ms042 نبذ الآن كل اللاهوت المسيحي لأنه يراه مليئا بالمراوغات ~~والمغالطات، بحيث يصعب الاعتماد عليه. كان متأكدا أن من وضعوه ~~لا يختلفون عمن يدرسونه. ووفقا لنظريتهم، يمكن أن يذهب ~~للجحيم أنبل الناس، في حين يمكن أن ينقذ أي إنسان وضيع ~~الأخلاق بسبب إيمانه. «الإيمان» - كما رآه يتجسد في أعضاء هيئة ~~التدريس بكلية تمبل - يستعاض به عن معظم الصفات الإنسانية التي ~~يعجب بها. كان يريد الشباب أن يصبحوا قساوسة لأن الخجل أو ~~الكسل دربهم، ويريدون للمجتمع أن يقوم على رعايتهم، ولأنهم ~~يريدون أن تدللهم نساء لطيفات وبريئات، مثل والدته. # على الرغم من أن كلود لم يهتم باللاهوت وعلماء اللاهوت، فإنه ~~كان سيقول إنه مسيحي. إنه كان يؤمن بالرب وبقدسية الأناجيل ~~الأربعة وبعظة الجبل. اعتاد أن يتوقف ويتأمل آية «طوبى ~~للودعاء»، حتى إنه فكر في أحد الأيام أن تلك الآية نزلت تحديدا ~~في أناس مثل ماهيلي، ولا ريب أنها كانت مباركة! # 8 # في يوم الأحد الذي تلا عيد الميلاد، كان كلود وإرنست يتمشيان ~~على ضفاف نهير لافلي كريك. مشيا إلى نهاية أرض الغابة التي ~~كانت تتبع السيد ويلر وعادا. بدا الوقت وكأنه عصر يوم خريف؛ إذ ~~كان الجو دافئا جدا لدرجة أنهما تركا معطفيهما على أحد ~~الأغصان الكبيرة لشجرة دردار ملتوية بجوار سياج المراعي. بدت ~~الحقول وقمم الأشجار العارية وكأنها تسبح في الضوء. كانت لا تزال ~~بعض الأوراق الذابلة معلقة في الأشجار الكثيفة على طول ~~النهير. في المرعى العلوي الذي يقع على مسافة تزيد على ميل ~~من المنزل، وجد الفتيان كرمة ثمارها ذات مذاق حلو ولاذع، ~~تلتف حول شجرة قرانيا صغيرة وتغطيها بالتوت القرمزي. كان الأمر ~~أشبه بإيجاد شجرة عيد ميلاد تنبت على نحو طبيعي خارج المنزل. ~~كانا يتحدثان عن بعض الكتب التي أحضرها كلود إلى المنزل، وعن ~~مقرر التاريخ الذي يدرسه. لم يستطع كلود أن يخبر إرنست عن ~~المحاضرات بالقدر الذي أراده، وشعر أن الجزء الأكبر من الخطأ في ~~هذا الشأن يقع على عاتق إرنست؛ إذ لم يكن ذا عقلية واسعة الخيال. ms043 ~~وعندما وصلا إلى الكرمة التي ثمارها ذات مذاق حلو ولاذع في الوقت ~~نفسه، نسيا مناقشتهما واندفعا إلى الضفة كي يتأملا ~~العناقيد الحمراء المتدلية من شجرة الكرم ذات اللون الرمادي ~~وأوراقها الذهبية الذابلة التي لا تحتاج إلى أكثر من لمسة كي تسقط ~~على الأرض. كانت تختفي الكرمة والشجرة الصغيرة التي تظللها في ~~شق واد؛ ومن ثم نجتا من الرياح العاتية ومن أعين التلاميذ ~~الذين كانوا يأخذون طريقا مختصرا إلى المنزل عبر المراعي في ~~بعض الأحيان. وعند جذورها، كان النهير يتهادى ببطء وقد تحول ~~ماؤه للون الأسود بين طبقتين متعرجتين من الجليد ~~الذائب. # لما غادرا المكان وصعدا مرة أخرى وأصبحا على الأرض ~~المستوية، شعر كلود مرة أخرى بضرورة أن يخرج إرنست من ~~مزاجه المعتدل والعقلاني. ~~«ما الذي ستفعله بعد ذلك يا إرنست؟ هل ستبقى مزارعا طوال ~~حياتك؟» ~~«هذا طبيعي. لو كنت قد تعلمت مهنة أخرى لسبقت إليها منذ ~~زمن. ما الذي جعلك تسأل عن ذلك؟» ~~«أوه، لا أعلم! أعتقد أن المرء يجب أن يفكر في المستقبل ~~أحيانا. وأنت عملي للغاية.» ~~«أتتحدث عن المستقبل؟» وأغلق إرنست إحدى عينيه وابتسم. «هذه ~~كلمة كبيرة. بعدما أمتلك مكانا خاصا بي وأبدأ بداية جديدة، ~~سأعود إلى دياري كي أرى أهلي يوما ما. ربما سأتزوج فتاة جميلة ~~وأعود بها إلى هنا.» ~~«هل هذا كل شيء؟» ~~«هذا كاف، إذا تم ذلك على خير، أليس كذلك؟» ~~«ربما. قد يختلف الأمر بالنسبة إلي. لا أظن أنني يمكن أن ~~أستقر يوما على أي شيء. ألا تشعر على هذا النحو أنه لا يوجد ~~الكثير فيها؟» ~~«في ماذا؟» ~~«في الحياة بوجه عام، التي تجري على النحو الذي نعيشه. ما الذي ~~نخرج به منها؟ لأضرب لك مثلا بهذا اليوم؛ إنك تستيقظ في الصباح ~~سعيدا لأنك على قيد الحياة، إنه يوم مناسب للقيام بأي شيء وأنت ~~متأكد من أن شيئا سيحدث. وسواء كان اليوم يوم عمل أو ~~إجازة، فالأمر سيان في النهاية. تخلد إلى النوم في الليل، ولم ~~يحدث أي شيء.» ~~«ولكن ما الذي تنتظره؟ ما ms044 الذي يمكن أن يحدث لك إلا ما يدور في ~~عقلك؟ إذا انتهيت من عملي، وفي العصر ذهبت كي أزور أصدقائي كما ~~هو الآن، فهذا كاف بالنسبة إلي.» ~~«حقا؟ ما دمنا نعيش الحياة مرة واحدة، فيبدو أنه من ~~المفترض أن يكون هناك شيء ... حسنا، شيء رائع في الحياة، ~~أحيانا.» # أصبح إرنست متجاوبا معه ~~الآن. اقترب من كلود أكثر وهما يتمشيان، ونظر إليه من طرف ~~عينيه باهتمام. وقال: «أنتم، الأمريكيين، دائما ما تبحثون عن ~~شيء خارج أنفسكم كي يمنحكم السعادة، ولكن لا سبيل إلى ذلك. في ~~البلدان القديمة حيث لا يمكن أن يحدث لنا الكثير، نحن نعلم ذلك ... ~~ونتعلم كيف نخرج بأقصى استفادة من الأشياء البسيطة.» ~~«لا بد أن الشهداء عثروا على شيء خارج أنفسهم. وإلا لكان ~~بإمكانهم الاكتفاء بالأشياء البسيطة.» ~~«عجبا، يمكنني القول إنهم هم الأشخاص الذين لا يمتلكون شيئا ~~إلا فكرتهم! من السخف أن يعدم المرء حرقا من أجل فكرة. أعتقد ~~أحيانا أن الشهداء كان لديهم أيضا قدر كبير من الغرور ليساعدهم ~~في المضي قدما في طريقهم.» # اعتقد كلود أنه لم يسبق أن رأى إرنست مملا هكذا. نظر بعينين ~~نصف مغمضتين في شيء براق عبر الحقول، وقال بنبرة حادة: ~~«إرنست، الحقيقة هي أنك تعتقد أن الإنسان ينبغي أن يرضى عن سكنه ~~وملبسه وإجازات الأحد، أليس كذلك؟» # ارتسمت على وجه إرنست ضحكة حزينة. «فكرتي عن الحياة لا تهم ~~كثيرا؛ الأشياء لا تتغير. أعتقد أنه لن ينزل شيء من السماء ~~ويعلو بإنسان إليها.» # تمتم كلود بشيء لنفسه ولوى ذقنه من فوق ياقته وكأن في فمه ~~لجاما. # غابت الشمس، ولما رأت السيدة ويلر الفتيين من نافذة المطبخ، ~~بدوا وكأنهما يمشيان بجانب حريق كبير في أحد المروج. ابتسمت ~~لما رأت خيالهما يتحرك بطول قمة التل تحت السماء الذهبية؛ حتى ~~من تلك المسافة بدا أحدهما متكيفا جدا والآخر متمردا ~~جدا. كانا يتجادلان على الأرجح، وعلى الأرجح أخذ كلود الجانب ~~الخطأ. # 9 # بعد الإجازة، عاد كلود مرة أخرى إلى القراءة في مكتبة ~~الجامعة. لقد كان يجلس ms045 على طاولة بجوار الكوة الموجودة في الجدار ~~التي توجد فيها الكتب الخاصة بالرسم والنحت. كانت طالبات الفنون ~~الجميلة - إذ كان كل طلاب هذا القسم من الفتيات - يقرأن ~~ويهمسن بعضهن مع بعض في هذا المكان، وكان هو يستمتع بصحبتهن من ~~دون أن يكون عليه التحدث إليهن. كانت هؤلاء الفتيات يتمتعن ~~بالحيوية واللطف؛ وغالبا ما كن يطلبن منه أن يرفع لهن الكتب ~~والمجلدات الثقيلة من الرفوف، ويبادلنه التحية بمرح عندما ~~يقابلنه في الشارع أو في الحرم الجامعي، وكن يتحدثن معه ~~بالأسلوب الودي المعتاد بين الأولاد والفتيات في مؤسسة ~~تعليمية مشتركة. واحدة من هؤلاء الفتيات، وهي الآنسة بيتشي ~~ميلمور، كانت مختلفة عن الأخريات؛ كانت مختلفة عن أي فتاة أخرى ~~عرفها كلود من قبل. كانت من جورجيا، وكانت تقضي الشتاء مع عمتها ~~القاطنة في شارع بي. # على الرغم من أن الآنسة ميلمور كانت قصيرة وبدينة، فإنها كانت ~~تمشي بخطوات رشيقة، وكانت تتمتع بأدب وتحفظ أكثر من الفتيات ~~الغربيات. كان شعرها أصفر ومجعدا؛ الخصلات القصيرة القريبة ~~من أذنيها كانت بلون الفرخ الصغير. كانت عيناها الزرقاوان ~~البراقتان جاحظتين قليلا، وخداها متوردين بشدة. بدا أن ~~خديها كانا ينبضان بالحيوية لدرجة تدفع المرء إلى الرغبة في ~~لمسهما؛ كي يرى هل هما ساخنان أم لا. كان يطلق عليها أبناء ~~إرليش وأصدقاؤهم اسم «خوخة جورجيا». كانت الفتاة تعد غاية في ~~الجمال، وقد لفتت أنظار فتيان الجامعة عندما أتت إلى المدينة ~~للمرة الأولى. ولكن منذ ذلك الحين، قلت شعبيتها بعض ~~الشيء. # كثيرا ما كانت الآنسة ميلمور تتلكأ في مغادرة الحرم الجامعي ~~كي تذهب مع كلود إلى المدينة. ومهما حاول أن يضبط طريقة مشيه ~~التي كانت بخطوات طويلة مع مشيتها الرشيقة، فكان لا بد لها أن ~~تلهث وهي تحاول اللحاق به. دائما ما كانت تسقط قفازها أو ~~كراسة الرسم خاصتها أو حقيبة يدها، وأحب هو أن يلتقطها لها وأن ~~يساعدها في لبس الجرموق المطاطي الذي كان ينزلق من عند ~~الكعب. كان يعتقد أنها كانت طيبة جدا بحيث تخصه بالاهتمام ~~وتكون ودودة جدا ms046 معه. أقنعته حتى أن ترسمه بملابسه الرياضية ~~كعارض في محاضرة الرسم المخصصة لذلك صباح يوم السبت، وأخبرته ~~أنه يمتلك «جسدا رائعا»، وهي مجاملة أربكته تماما. ولكنه فعل ~~بالطبع ما أرادته. # كان كلود يتطلع دائما لرؤية بيتشي ميلمور، وكان يفتقدها إذا ~~لم يجدها في المكان الخاص بطالبات الرسم في المكتبة، ولا يرى ~~غضاضة في ضرورة أن تشرح له سبب غيابها، وتخبره كم مرة كانت ~~تغسل شعرها وطوله عندما كانت تفكه. # في أحد أيام الجمعة من شهر فبراير، قابل يوليوس إرليش كلود في ~~الحرم الجامعي، واقترح عليه أن يذهبا للتزلج في اليوم ~~التالي. # رد كلود: «حسنا، سأذهب. لقد وعدت الآنسة ميلمور أن أعلمها ~~التزلج. ألن تأتي كي تساعدني؟» # ضحك يوليوس بلطف. «أوه، كلا! في وقت آخر. لا أريد أن أقحم ~~نفسي في ذلك.» ~~«هراء! يمكنك أن تعلمها أفضل مني.» ~~«أوه، لا أمتلك الشجاعة!» ~~«ما الذي تقصده؟» ~~«أنت تعرف قصدي.» ~~«كلا، لا أعرف. على أي حال، لماذا دائما ما تضحك عندما ترى تلك ~~الفتاة؟» # عبس يوليوس قليلا. «لقد كتبت بعض الرسائل العاطفية إلى فيل ~~بوين، وقرأها هو بصوت عال في مساكن الطلاب في إحدى ~~الليالي.» # سأل كلود بعدما استشاط غضبا: «ألم تصفعه؟» # رد يوليوس مبتسما: «حسنا، فكرت أن أصفعه، ولكني لم أفعل. ~~كانت الرسائل سخيفة جدا لدرجة جعلتني لا أود إثارة ضجة ~~حولها. أصبحت متحفظا تجاه خوخة جورجيا منذ ذلك الحين. وإذا ~~تعاملت برقة مع هذا النوع من الشخصيات، فربما يبقى ملتصقا ~~بك.» # رد كلود بغرور: «لا أعتقد ذلك. كل ما هنالك أنها طيبة ~~القلب.» # رد يوليوس معترفا: «ربما أنت على حق. ولكني أخاف كثيرا من ~~الفتيات الطيبات القلب بشدة.» لقد أراد أن يحذر كلود بشأنها ~~منذ وقت طويل. # لم يقطع كلود علاقته بالآنسة ميلمور. أخذها إلى بركة التزلج ~~عدة مرات، رغم أنه عبر لها في البداية عن خوفه من أن يكون ~~كاحلاها ضعيفين للغاية. قضيا نزهتهما الأخيرة في ضوء القمر، وبعد ~~ذلك المساء تحاشى كلود مقابلة الآنسة ميلمور قدر الإمكان من ~~دون ms047 أن يكون فظا معها. لم تعد جذابة بالنسبة إليه. كانت ~~طريقتها في إخضاع أي شخص تتمثل في التقرب منه وجعله يتعلق ~~بها. يكاد أن نسمي هذا تخطيطا، ولكنه درجة أقل من ذلك. ~~سبق أن أوقعت بهذه الطريقة ابن عم لها شاحب البشرة في أتلانتا؛ ~~ولهذا السبب أرسلت إلى الشمال. اعترف كلود غاضبا بأن لا يوجد ~~تحفظ لديها، على الرغم من أن مظهرها كان يوحي بأنها تتمتع بقدر ~~كبير منه عند رؤيتها للمرة الأولى. لم يغره فرط المشاعر لديها ~~ولو بأقل قدر. لقد كان فتى لديه غرائز قوية، وكان يمقت فكرة العبث ~~بها. حكايات والده التي لا تنضب عن الرجال ذوي السمعة السيئة لم ~~تفسده، وإنما جعلته يمقت بشدة الشهوانية. في الحقيقة، كان لديه ~~فخر شديد بالعفة. # 10 # كان آل إرليش يحبون حفلات الذكرى السنوية وأعياد الميلاد ~~والمناسبات. في ذلك الربيع، أتت ابنة عم السيدة إرليش - فيلهلمينا ~~شرودر شاتس - التي كانت تغني لصالح شركة شيكاجو أوبرا إلى لينكن ~~لتقدم عرضا غنائيا منفردا في مهرجان مايو. ولما كان قد اقترب ~~موعد حفلها، بدأ أقاربها الترتيب من أجل الاحتفاء بها. خطط أن ~~تقدم فرقة ماتينيه ميوزيكال حفل استقبال رسميا لها؛ ومن ثم ~~قرر آل إرليش إقامة مأدبة عشاء لها. دعا كل فرد في العائلة ~~ضيفا واحدا؛ ولذا واجهوا صعوبة كبيرة في تحديد الصديق الذي ~~يستحق أن يحظى بهذا الشرف. كان الرجال سيصبحون أكثر من النساء؛ ~~إذ تذكرت السيدة إرليش أن ابنة عمها فيلهلمينا لم تكن قط تميل ~~إلى صحبة من هن من نفس جنسها. # لما كان أولادها يراجعون القائمة في إحدى الأمسيات، ذكرتهم ~~السيدة إرليش أنها لم تسم ضيفها بعد. قالت بحسم: «أما عن ضيفي، ~~فيمكنكم كتابة اسم كلود ويلر.» # قوبل هذا القول بتذمر وضحك. # احتج الابن الأكبر قائلا: «أنت لا تقصدين ذلك يا أمي. كلود ~~الطويل البائس لن يعرف الغرض من كل ما يدور حوله، ويمكن أن يفسد ~~شخص ممل واحد مأدبة العشاء.» # أشارت السيدة إرليش إليه بإصبعها باقتناع. «سترى؛ ستهتم ابنة ms048 ~~عمك فيلهلمينا بذلك الفتى أكثر من أي من الآخرين!» # فكر يوليوس أنها لو عارضها أحد بشدة، فلربما تنازلت عن ~~رأيها. تمتم: «أحد الأسباب يا أمي أن كلود لا يمتلك ملابس تناسب ~~حفلات العشاء.» أومأت إليه. وقالت: «بل لديه، سيد يوليوس. إنه ~~يخيط بعض الملابس. وعندما تحدثت معه، أخبرني أن لا صعوبة ~~لديه في هذا الشأن.» # قال الأولاد ما دامت الأمور قد وصلت إلى هذا الحد، فعليهم ~~تقبل الأمر والتعامل معه على أفضل نحو متاح، وكتب كبيرهم ~~«كلود ويلر» متحمسا. # إذا كان أولاد إرليش متخوفين، فقلقهم لم يضاه قلق كلود. ~~كان عليه أن يأخذ السيدة إرليش إلى الحفل الغنائي الخاص بالسيدة ~~شرودر شاتس، وفي مساء يوم الحفل جرجره الأولاد إلى الداخل وقت ~~ظهوره عند الباب كي يروا مظهره. أضاء أوتو الأنوار كافة، ودخلت ~~السيدة إرليش - بحزامها الأسود الجديد فوق الفستان المصنوع من ~~الستان الأبيض - إلى الصالة كي ترى مظهر رفيقها. # خلع كلود معطفه كما أمر، وظهر بملابس سوداء جديدة مصنوعة من ~~قماش الجوخ. نظرت السيدة إرليش إلى ساقيه الطويلتين، وكتفيه ~~الناعمتين، وأخيرا رأسه المربع ذي الشعر الأحمر، المائل ~~باتجاهها بتودد. ثم ضحكت وصفقت. ~~«ستلتف جميع الفتيات وهن في مقاعدهن كي ينظرن ويتساءلن ~~من أين جئت به!» # بدأ كلود يضع متعلقاتها في جيبي معطفه؛ منظار الأوبرا في ~~جيب، ومروحة يد في الجيب الآخر. وضعت نظارة الأوبرا في حقيبتها ~~الصغيرة إلى جانب عبوة مسحوق تجميل ومنديل ونشادر، حتى إنها وضعت ~~عبوة فضية صغيرة من قطرات النعناع الفلفلي تحسبا أن تصاب ~~بالسعال. لبست قفازها الطويل وهندمت وشاح دانتيل على ~~شعرها، وفي النهاية أصبحت جاهزة أن ترتدي معطف السهرة الذي ~~كان يضعه كلود على كتفيها. عندما مدت يدها وأمسكت بذراعه ~~وانحنت إلى أولادها، ضحكوا وأحبوا كلود أكثر. كانت طريقته ~~المنظمة الحامية تمثل إطارا للصورة الصغيرة المبهجة التي ~~كانت ترسمها. # أقيمت مأدبة العشاء في مساء اليوم التالي. ضيفة الشرف - السيدة ~~فيلهلمينا شرودر شاتس - أصغر ببضعة أعوام من ابنة عمها أوجوستا ~~إرليش. كانت قصيرة وقوية البنية وذات ms049 صدر ممتلئ وشعر جميل ~~وحضور قوي. صوتها الأنثوي الرنان القوي الذي لا تتحفظ في ~~استخدامه رائع حقا، ويمنح الناس متعة كبيرة لا تقل عن متعة ~~الطعام والشراب. ولما أتى العشاء، جلست عن يمين الابن الأكبر. ~~جلس كلود بجانب السيدة إرليش على الطرف الآخر من المائدة، وأخذ ~~يراقب باهتمام السيدة التي تلبس ملابس مخملية خضراء، ~~وأحجارا لامعة شبيهة بالماس. # بعد العشاء، وبينما كانت السيدة شرودر شاتس تخرج من غرفة ~~الطعام، أفلتت ذراعها من ذراع ابن عمها وتوقفت أمام كلود الذي ~~وقف منتبها خلف كرسيه. # قالت: «أرجو أن تسمح ابنة عمي أوجوستا لي بمحادثة قصيرة معك. ~~كانت هناك مسافة كبيرة بيننا.» # أخذت كلود إلى مقعد بجانب النافذة في غرفة المعيشة، ومن فورها ~~اشتكت من وجود تيار هواء، فأرسلته كي يأتي لها بوشاحها ~~الأخضر. أحضر الوشاح ووضعه برفق حول كتفيها، ولكن بعد بضع لحظات ~~أنزلته وعلى وجهها لمسة انزعاج وكأنها لم ترده مطلقا. ~~ذكرها كلود بقلق بأمر تيار الهواء. # رفعت ذقنها وقالت: «تيار الهواء؟ لا يوجد تيار هواء هنا.» # سألت كلود عن المكان الذي أتى منه ومساحة الأرض التي يمتلكها ~~والده، والمحاصيل التي يزرعونها، والطيور والماشية التي ~~يربونها. في صغرها، عاشت في مزرعة في منطقة بافاريا، وبدا ~~أنها كانت تعرف الكثير عن الزراعة والماشية. استنكرت لما أخبرها ~~كلود أنهم يؤجرون نصف أرضهم لمزارعين آخرين. قالت: «لو كنت ~~في شبابي لبدأت في امتلاك الأراضي وما توقفت حتى أمتلك ~~مقاطعة كاملة.» قالت إنها عندما كانت تقابل أناسا جددا، ~~فإنها تحب أن تعرف شيئا عن طرق عيشهم؛ فطريقتها في العيش ~~صعبة. # في وقت لاحق من الأمسية، تكرمت السيدة شرودر شاتس ووافقت أن ~~تغني لأبناء عمومتها. عندما جلست على البيانو أشارت إلى كلود ~~وطلبت منه أن يلتفت إليها. هز رأسه وابتسم بحزن. ~~«آسف، ولكني جاهل ولا أعرف النغمات الموسيقية بعضها من ~~بعض.» # ربتت على كمه. «حسنا، لا تقلق. قد أرغب في تحريك البيانو؛ ~~يمكنك أن تفعل ذلك من أجلي، أليس كذلك؟» # لما دخلت السيدة شرودر شاتس إلى ms050 غرفة نوم السيدة إرليش، ووضعت ~~مسحوق تجميل على أنفها قبل أن ترتدي دثارها، أشارت قائلة: «يا ~~للأسف، يا أوجوستا، ليس لديك ابنة لتزويجها من كلود ميلنوت هذا. ~~كان سيصبح زوج ابنة صالحا.» # تنهدت السيدة إرليش قائلة: «آه، لو كانت لدي ~~واحدة!» # أردفت السيدة شرودر شاتس وهي تلبس بنشاط حذاء سفر كبيرا: ~~«أو لو أنك أصغر ببضع سنوات، فلربما لم يكن الوقت قد تأخر ~~كثيرا. أوه، لا تكوني حمقاء يا أوجوستا! لقد حدثت هذه الأشياء ~~من قبل، وستحدث مرة أخرى. ولكن أفضل لي أن أبقى أرملة على ~~أن أرتبط برجل مريض، وكأنه غصة في حلقي! إن زوجي مريض وأنا ~~امرأة بكامل قوتي. [ثم أضافت بالألمانية] جاس هو العبء الذي ~~يجب أن أتحمله!» وضربت صدرها، على الجانب الأيسر. # لما لبست السيدة شرودر شاتس معطفا مخمليا ثم عباءة من ~~الفرو، مشت وكأنها سفينة شراعية كبيرة إلى غرفة المعيشة، ~~وقبلت جميع أبناء عمومتها وكذلك كلود ويلر، وتمنت لهم ليلة ~~سعيدة. # 11 # في عصر يوم دافئ في شهر مايو، جلس كلود في غرفته بالطابق ~~العلوي في منزل تشابين، وعكف على كتابة بحثه الذي كان سيحل ~~محل عقد اختبار في التاريخ. كان البحث عبارة عن نقد لشهادة جان ~~دارك في جلسات التحقيق الخاصة التسعة خاصتها والمحاكمة في المحكمة. ~~أعطاه الأستاذ هذا الموضوع بمرح. وعلى الرغم من كثرة الأقلام التي ~~تناولت هذا الموضوع منذ القرن الخامس عشر، من أصحاب الكتابات ~~المحايدة والمهاجمة وأصحاب الملاحم والمتشككين، فإنه شعر ~~أن ويلر لن يبخس الأمر حقه. # في الحقيقة، بذل كلود قدرا كبيرا من الوقت والجهد في هذا ~~الموضوع، وبدا بالنسبة إليه في ذلك الوقت أهم شيء في حياته. عمل ~~من ترجمة إنجليزية لوقائع التحقيق والمحاكمة، ولكنه أبقى بجواره ~~النص الفرنسي، ولكن بعض الردود صعب عليه فهمها باللغة التي ~~لفظت بها. بدا له أن تلك العبارات كانت تشبه كلام القديسين ~~الذين قالت عنهم جان «الصوت جميل وعذب ومنخفض، ويتحدث باللغة ~~الفرنسية». أقنع كلود نفسه أن دراسته مجردة من أهوائه وميوله؛ ~~وبذلك ms051 فهي تقييم محايد لدوافع الفتاة وشخصيتها حسبما تشير ~~مواطن الاتساق والتضارب في ردودها، وكذلك للتغيير الذي أحدثه ~~فيها السجن و«الخوف من الحرق». # عندما انتهى من كتابة الصفحة الأخيرة في بحثه وجلس يتأمل كومة ~~الأوراق المكتوبة، أحس بعدما انكب على هذه الدراسة أن ~~معلوماته في حقيقة الأمر عن عذراء أورليان زادت فقط بقدر ضئيل عن ~~تلك التي سمعها من والدته عنها لما كان صبيا صغيرا. تذكر ~~أنه حينها لزم البيت بسبب نزلة برد، وعثر على صورة لها بملابس ~~عسكرية في كتاب قديم، فأخذها ونزل إلى المطبخ حيث كانت تعد ~~والدته فطائر تفاح. نظرت إلى الصورة، ولما كانت تبسط العجين كي ~~تضعه في المقالي، أخبرته بالقصة. نسي ما قالته - إذ لا بد أن ~~القصة كانت مجتزأة جدا - ولكن منذ ذلك الحين، علم الوقائع ~~الأساسية عن جان دارك، وظلت شخصية راسخة في عقله. بدت له حينها ~~واضحة مثل الآن، ورآها أعجوبة الآن مثلما رآها في ذلك ~~الوقت. # فكر متعجبا من قدرة هذه الشخصية على الرسوخ في العقل على ~~هذا النحو؛ فبصورة أو كلمة أو عبارة، بإمكانها أن تظل متجددة ~~في عقول كل جيل وتعلق مرارا وتكرارا بأذهان الأطفال. في ذلك ~~الوقت، كان لم يسبق له أن رأى خريطة لفرنسا، وكان لديه نفور شديد ~~جدا من أي مكان أبعد من شيكاجو، ولكنه كان مستعدا بشدة ~~لتقبل أسطورة جان دارك، وكثيرا ما كان يفكر فيها عندما يدخل ~~خيوله في المساء، أو عندما يرسل إلى طاحونة الهواء من أجل إحضار ~~الماء، ويقف يرتجف في البرد بينما ترفعها المضخة الباردة ببطء. ~~ظل يتخيلها كثيرا في ذلك الوقت كما كان يفعل الآن؛ تجمعت حول ~~هيئتها في مخيلته سحابة مضيئة تشبه الغبار، وبداخلها جنود ... ~~وراية بها زنابق ... وكنيسة عظيمة ... ومدن لها أسوار. # في ذلك العصر الربيعي الجميل، شعر كلود أنه في تناغم وتوافق مع ~~العالم. أسف على إنهاء عمله مثل إدوارد جيبن، ولم يستطع رؤية أي ~~شيء آخر مثير للاهتمام يمكنه فعله في الآونة القادمة. كان لا بد ~~أن ms052 يعود إلى المنزل بعد مدة وجيزة. كان سيخضع لبضعة اختبارات في ~~كلية تمبل، وسيمضي بضع أمسيات أخرى مع آل إرليش، وسيذهب في ~~رحلات إلى المكتبة كي يعيد الكتب التي كان يستخدمها؛ وبعد ذلك ~~سيفاجأ بأنه لن يبقى أمامه سوى أخذ القطار إلى ~~فرانكفورت. # قام متنهدا وبدأ تجليد أوراق بحثه التاريخي. ولما نظر من ~~النافذة، قرر أن يذهب إلى المدينة مشيا ومعه بحثه الذي يجب ~~تسليمه اليوم؛ كان الجو لطيفا لدرجة تصعب معه الجلوس والتعرض ~~للاهتزاز في عربة ترام. الحقيقة هي أنه رغب في إطالة الاحتفاظ ~~ببحثه أطول مدة ممكنة. # مضى في طريقه، الذي يمكن تسميته بصعوبة شارعا؛ إذ يمر من وسط ~~أرض البراري المفتوحة حيث تزهر ثمار البرقوق. مشى كلود بوتيرة ~~أبطأ من المعتاد، واندفعت قبعته المصنوعة من القش إلى خلف ~~رأسه، وامتلأ وجهه بوهج الشمس. شعر جسده بأنه خفيف وسط الريح ~~المعطر، واستمع على نحو ناعس إلى زقزقة عصافير القنبر على ~~الأعشاب الجافة وسيقان دوار الشمس. في هذا الفصل، تكاد ألحانها ~~توجع سامعها من عذوبتها الشديدة. كان يتذكر أحيانا هذه المسيرة ~~بعد ذلك بمدة طويلة؛ فهو لم ينسها على الرغم من أنه لم يكن يعرف ~~السبب في ذلك. # لما وصل إلى الجامعة، ذهب مباشرة إلى قسم التاريخ الأوروبي كي ~~يترك بحثه على طاولة طويلة كانت توجد عليها كومة من الأبحاث ~~الأخرى. خشي فعل ذلك بشدة، وسعد لما دخل ووجد الأستاذ يخرج من ~~مكتبه الخاص ويأخذ بحثه المجلد في يديه، ويومئ له بود. ~~«هل هذا بحثك؟ أوه نعم، جان دارك. إجراءات المحاكمة. لقد نسيت. ~~إنه موضوع مثير للاهتمام، أليس كذلك؟» فتح الغلاف وتصفح ~~الصفحات. «أظن أنك برأتها بناء على الوقائع؟» # توردت وجنتا كلود. «نعم يا سيدي.» ~~«والآن، قد تحتاج إلى قراءة ما قاله عنها ميشليه. توجد ترجمة ~~قديمة لعمله في المكتبة. هل استمتعت بالبحث؟» ~~«استمتعت كثيرا.» تمنى كلود من أعماقه لو أسعفه ~~الكلام. ~~«لقد تعلمت الكثير والكثير من هذا البرنامج الدراسي، بوجه عام، ~~أليس كذلك؟ سأحرص على أن أرى ما ms053 ستفعله في العام القادم. سررت ~~ببحثك كثيرا.» عاد الأستاذ إلى غرفته، وسر كلود لما رآه يأخذ ~~بحثه معه ولم يتركه على الطاولة مع الأبحاث الأخرى. # 12 # في الآونة ما بين الحصاد وتجهيز الدريس في ذلك الصيف، ذهب السيد ~~ويلر ورالف إلى دنفر بالسيارة الكبيرة، وتركا كلود ودان من أجل ~~زراعة الذرة. ولما عادا، قال السيد ويلر إن لديه سرا. وبعد عدة ~~أيام من التكتم التي لزم فيها غرفة الجلوس يكتب خطابات، وكان ~~يرمي فيها بكلمات وغمزات غامضة إلى رالف على الطاولة، أعلن عن ~~مشروع أطاح بكل خطط كلود وأهدافه. # في رحلة العودة من دنفر، عرج السيد ويلر إلى مقاطعة يوكا ~~بولاية كولورادو كي يزور صديقا قديما يعاني من بعض المشكلات. ~~كان توم ويستد من أهل ولاية مين، ومن بلدة السيد ويلر. فقد الرجل ~~زوجته منذ عدة سنوات. وتدهورت صحته، وقال الأطباء في دنفر إنه ~~يجب أن يتقاعد عن العمل ويعيش في مكان على ارتفاع منخفض. أراد ~~أن يعود إلى ولاية مين ويعيش بين أحبائه، ولكنه كان لديه يأس ~~وخوف شديدان من أن تسوء حالته لدرجة جعلته لم يسع حتى لبيع ~~مزرعته وماشيته. استطاع السيد ويلر أن يساعد صديقه، وفي الوقت ~~نفسه عقد صفقة أعمال جيدة لنفسه. إنه كان يمتلك مزرعة في ولاية ~~مين - وهي نصيبه من إرث والده - وظل يؤجرها سنوات مقابل ~~أجرة زهيدة لا تكاد تزيد على تكاليف صيانتها. نقل السيد ويلر ~~ملكية هذه الأرض للرجل مع أخذ قرض عقاري قابل للتحويل إلى طرف ~~ثالث، وحصل في المقابل على مزرعة ويستد الرائعة التي تروى على ~~نحو جيد. دفع له مبلغا جيدا مقابل الماشية، ووعد بأخذ الرجل ~~المريض إلى مين مرة أخرى والحرص على استقراره هناك. شرح السيد ~~ويلر كل هذه الأمور لعائلته عندما دعاهم إلى غرفة المعيشة في ~~ليلة شديدة الحرارة بعد العشاء. نادرا ما تشغل السيدة ويلر ~~بالها بشئون أعمال زوجها، ولكنها سألت غير مبالية عن سبب شراء ~~المزيد من الأراضي، وهم يمتلكون بالفعل مساحات كبيرة ولا ~~يستطيعون ms054 حتى زراعة نصفها. # رد السيد ويلر دون غضب: «شأنك شأن كل النساء يا إيفانجلين، ~~شأنك شأن كل النساء!» كان يجلس في الوهج الكامل للمصباح ~~الأسيتيليني وطوق عنق قميصه مفتوح، وياقته وربطة عنقه بجانبه على ~~الطاولة، ويهوي على نفسه بمروحة من سعف النخل. «ربما ستسألينني ~~أيضا لماذا أسعى إلى كسب مزيد من المال ما دمت لم أنفق كل ما ~~لدي.» # قال إنه ينوي أن يترك مزرعة ~~كولورادو تحت إمرة رالف و«يعطي الفتى بعض المسئوليات». رالف كان ~~سيساعده رئيس العمال الذي يعمل لدى ويستد؛ حيث إن له باعا كبيرا ~~في أعمال خدمة الماشية، وأبدى موافقته على البقاء في العمل مع صاحب ~~المزرعة الجديد. طمأن السيد ويلر زوجته بأنه لم يستغل ظروف ~~ويستد البائسة؛ الأشجار في مزرعة مين تستحق بالفعل مبلغا ~~كبيرا، ولكن لأن والده كان دائما يتفاخر بشدة بأشجار الصنوبر ~~الكبيرة الخاصة به، فإنه - على حد قوله - لم يشعر قط بالرغبة ~~في العبث بتلك الأشجار وإتلافها. والآن، كان يقايض مزرعة قديمة ~~خصبة لم تكن تدر أي ربح بمزرعة من عشب الجراما من المفترض أن ~~تدر ربحا لا يقل عن عشرة أو اثني عشر ألف دولار في سنوات ~~الرعي الجيدة، ولا تتسبب في خسائر كبيرة في سنوات الرعي السيئة. ~~توقع أن يقضي نصف وقته في تلك المزرعة مع رالف. ثم علق بمرح: ~~«عندما أكون هناك، فلن تكون هناك أعمال كثيرة أمامك أنت وماهيلي. ~~ويمكنكما تكريس وقتكما للتطريز، إن جاز القول.» # تمتمت السيدة ويلر وهي لا تزال في الظلام قائلة: «إذا كان رالف ~~سيعيش في كولورادو وأنت لن تكون هنا نصف الوقت، فلا أعلم ماذا ~~سيحل بذلك المكان.» # رد زوجها وهو يمدد جسده الكبير حتى طقطق الكرسي الهزاز ~~من تحته: «لا يهم أن تعلمي يا إيفانجلين. سيتولى كلود مسئولية ~~الاعتناء بالمكان.» ~~«كلود؟» مررت السيدة ويلر يدها على خصلة من شعرها، وأزاحتها ~~عن جبهتها الرطبة في فزع غريب. ~~«بالطبع.» نظر بعينين لامعتين إلى هيئة ولده الصامتة والواقفة ~~في ركن الغرفة. «أظن أنك تعلمت ما يكفي ms055 عن علم اللاهوت، أليس ~~كذلك؟ أنت لا تطمح إلى أن تصبح واعظا؟ في هذا الشتاء، أنوي ~~تسليم زمام المزرعة لك وإعطاءك الفرصة كي تصوب الأمور فيها. ~~لم تكن راضيا عن طريقة إدارة المكان في وقت ما، أليس كذلك؟ ~~انطلق وطوره. يمكنك تطبيق أفكار جديدة إذا أردت، لا اعتراض ~~لدي. إنها مكلفة ولكن لا بأس. يمكنك طرد دان إذا أردت ~~والحصول على المساعدة التي تريدها.» # شعر كلود وكأن فخا يلتف من حوله. ظلل عينيه بيده. وقال ~~بنبرة مترددة: «لا أظن أنني أتمتع بالكفاءة كي أدير المكان ~~على النحو الصحيح.» ~~«حسنا، أنت لا تظن أنني أيضا أتمتع بتلك الكفاءة يا كلود؛ ~~ولذا نحن في موقف صعب. دائما ما كنت أعتقد أن الأرض خلقت من ~~أجل الإنسان، على عكس دوسن العجوز الذي يرى أن الإنسان خلق كي ~~يعمر الأرض. لا أمانع تحيزك إلى آل دوسن في اختلاف الآراء ~~ذاك، إذا استطعت الحصول على نتائجهم.» # نهضت السيدة ويلر وخرجت مسرعة من الغرفة، وأخذت تتحسس ~~طريقها عبر السلم المظلم إلى المطبخ. كان المكان مظلما ~~وهادئا هناك. جلست ماهيلي في ركن هناك تخيط حواشي مناشف ~~الأطباق على ضوء مصباح نحاسي قديم متسخ كانت تفضل الجلوس على ~~ضوئه. ظلت السيدة ويلر تسير جيئة وذهابا في الغرفة الطويلة ~~في انفعال هادئ وصامت، وتضغط بكلتا يديها بقوة على صدرها الذي ~~كانت تشعر بألم فيه بسبب التعاطف مع كلود. # تذكرت توم ويستد الطيب. سبق أن بات معهم في المنزل عدة ~~مرات، وأتى من أجل أن يواسوه بعد موت زوجته. بدا لها أن تدهور ~~حالته الصحية وفقدانه الشغف، ورحلة السيد ويلر غير المتوقعة ~~إلى دنفر، ومزرعة أشجار الصنوبر في ولاية مين؛ عناصر تجمعت ~~بعضها مع بعض، وشكلت شبكة كي تحيط بابنها غير المحظوظ. كانت ~~تعلم أنه كان ينتظر بنفاد صبر قدوم الخريف، وأنه للمرة الأولى ~~كان يتطلع بشدة للعودة إلى الكلية. كان يشعر بالاشتياق إلى ~~أصدقائه - آل إرليش - وانشغل عقله طوال الوقت بمقرر التاريخ ~~الذي كان ينوي دراسته. # لكن كل ذلك ms056 ما كان ليزن شيئا في اجتماعات الأسرة؛ ولذا على ~~الأرجح لن ينطق حتى بأي منه، كما أنه لم يكن لديه اعتراض واحد ~~جوهري يبديه على رغبات والده. لذا سيكون إحباطه مريرا. تمتمت ~~بصوت عال: «يا إلهي، هذا سيجعل قلبه ينفطر.» ماهيلي كانت ضعيفة ~~السمع ولم تسمع شيئا. جلست رافعة عملها أمام الضوء، وأخذت تدفع ~~إبرتها بكشتبان نحاسي كبير، وتومئ برأسها ناعسة بين الغرز. ~~وعلى الرغم من أن السيدة ويلر لا تكاد تكون واعية بوجود المرأة ~~العجوز، فإن هذا الوجود كان يريحها وهي تمشي ذهابا وإيابا ~~بخطوات عشوائية وغير واثقة. # غادرت غرفة الجلوس خشية أن يغضب كلود ويتفوه بكلام فظ ~~أمام والده، ولأنها لا تتحمل رؤيته على هذا الوضع. دائما ما كان ~~كلود يجد الحياة صعبة العيش؛ كان يعاني بشدة حتى فيما يتعلق ~~بالأشياء البسيطة، وكانت هي تعاني معه. من جهتها، لم تشعر بأي ~~إحباط من قبل. لم تنزعج من قرارات زوجها المتهورة. وإن قال إنه ~~لن يزرع الحديقة على الإطلاق هذا العام، فما كانت لتعترض. ماهيلي ~~هي التي كانت تتذمر. إذا أراد أكل لحم عجل مشوي وذهب وذبح ~~عجلا، فستفعل ما بوسعها كي تجيد طهي اللحم جيدا، وستحاول ~~ألا تقلق إن أفسدت بعضه. عندما لا تستغرق في التأمل الديني، ~~فربما تفكر في أحد الكتب القديمة التي قرأتها مرارا وتكرارا. ~~حياتها الشخصية كانت منفصلة تماما عن أنشطتها اليومية، لدرجة أن ~~الرجال المندفعين والعنيفين لا يمكن أن يقتحموها. ولكن فيما ~~يتعلق بكلود، فقد عاشت في مستوى آخر ينحدر إلى درجة أدنى ~~يشوبها الانفعال البشري، وتنبض بالمشاعر الإنسانية البائسة ~~والعشوائية والغاضبة. # هكذا كانت الحال دوما. والآن رغم تقدمها في العمر وجسدها الذي ~~لم يعد يهتم بالألم أو المتعة مثل صور الشمع المذاب في ~~الكنائس القديمة، فإنها كانت لا تزال تهتز لمشاعره وتصبح سريعة ~~الانفعال مرة أخرى من أجله. أحزانه أوهنت قواها. وكانت تتألم من ~~داخلها عندما يتأذى أو يعاني. وعلى العكس، عندما يكون سعيدا، ~~تسري موجة من الرضا في جسدها. وإذا استيقظت في ms057 الليل وتصادف ~~أن اعتقدت بأنه كان سعيدا في الأوقات الأخيرة، فستنام في هدوء ~~وسكينة في سريرها الدافئ. # عندما كانت تستيقظ على هذا الوضع وتفكر فيه، كانت في بعض ~~الأحيان تهمس له في عقلها: «استرح، استرح، حبيبي القلق.» كانت ~~عيناه تلمعان بضوء فريد عندما يبتسم إليها في أحد أيامه الطيبة، ~~وكأنه يخبرها أن الأمور على ما يرام في مملكته الداخلية. سبق أن ~~رأت هذه النظرة مرارا وتكرارا، وكانت دائما تستطيع تذكرها ~~في الظلام؛ توهج سريع أزرق، رقيق وجامح بعض الشيء، وكأنه رأى ~~رؤية أو لمح طموحا غير محدد. # 13 # كثر العمل في المزرعة في بضعة الأسابيع التالية. وقبل الانتهاء ~~من حصاد القمح، حزم نات ويلر صندوقه المصنوع من الجلد، وارتدى ~~«ملابسه الجاهزة»، وانطلق كي يعود بتوم ويستد إلى مين. في المدة ~~التي غاب فيها، بدأ رالف يتهيأ للعيش في مقاطعة يوكا. أحب رالف ~~أن يكون رجلا ذا شأن بين تجار فرانكفورت، ولم تسنح له من قبل ~~فرصة كتلك. اشترى بندقية جديدة، وسروجا وألجمة، وأحذية عالية ~~الرقبة، ومعطفين أحدهما طويل والآخر قصير؛ للوقاية من العواصف، ~~وقطعا من الأثاث لغرفته، ووعاء حافظا للحرارة، وآلة ~~فونوجراف، وشحن تلك الأغراض إلى كولورادو. لا تحب والدته موسيقى ~~الفونوجراف، وتكره مونولوجات الفونوجراف؛ ولذا توسلت إليه أن ~~يأخذ آلة الفونوجراف الموجودة في المنزل، ولكنه أكد لها أن ~~المنزل سيكون مملا من دونها في أمسيات الشتاء. أراد شراء واحدة ~~ذات أحدث العلامات التجارية الموسومة باسم مخترع أمريكي ~~كبير. # بعض المزارع القريبة من مزرعة ويستد كان يمتلكها أناس من ~~نيويورك أتوا مع عائلاتهم إلى هناك في الصيف. سمع رالف عن حفلات ~~الرقص التي يقدمونها، وكان يعول على أن يكون واحدا من ~~ضيوفهم. طلب من كلود أن يعطيه بدلة السهرة الخاصة به؛ لأنه لن ~~يحتاج إليها بعد الآن. # قال كلود غير مبال: «يمكنك أخذها إن أردت. ولكنها لن تكون ~~على مقاسك.» # رد أخوه بهدوء: «سآخذها إلى فريتس وأقصر السروال قليلا ~~وأضيق الكتفين.» # لم يبال كلود. «خذها. ولكن إن قص هذا العجوز ms058 الألماني شيئا ~~منها، فسيصبح شكلها قبيحا.» ~~«أظنني سأجعله يحاول. لن يقول أبي شيئا عما طلبته من أجل ~~المنزل، ولكنه لا يحبذ ملابس المناسبات الخاصة، كما تعلم.» من دون ~~مزيد من اللغط، رمى ملابس كلود السوداء في المقعد الخلفي للسيارة ~~الفورد، وانطلق إلى المدينة كي يذهب إلى الخياط الألماني. # لما عاد السيد ويلر، ظن أن رالف أطلق يده في الصرف، ولكن ~~رالف أخبره أنه لا يستقيم أن يتولوا مسئولية المكان الجديد ~~بإمكانيات متواضعة. «أصحاب المزارع هناك كلهم يعيشون حياة ~~مرفهة. وإذا أمسكنا أيدينا، فسيعتقدون أننا لا نريد ~~العمل.» # الجيران في البلدة، الذين كانوا دائما ما يعجبون بما يفعله آل ~~ويلر، سروا بشدة ببذخ رالف بقدر ما سر هو به. قال أحدهم ~~إن رالف أرسل بيانو جديدا إلى مقاطعة يوكا، وسمع آخر أنه طلب ~~طاولة بلياردو. سأل جارهم الألماني الثري أوجست يودر متجهما ~~إن كان بإمكانه استئجار قطعة أرض في المزرعة التي سيديرها رالف. ~~ليونارد دوسن - المزمع زواجه في شهر أكتوبر - نادى على كلود في ~~المدينة ذات يوم، وقال له: ~~«يا إلهي، يا كلود، لم يتبق شيء في متجر الأثاث كي أشتريه ~~أنا وسوزي! اشترى رالف كل شيء ما عدا النعوش. لا بد أنه سيعيش ~~عيشة الأمراء هناك.» # أجاب كلود بهدوء: «لا أعلم شيئا عن ذلك. كل ذلك لا ~~يخصني.» ~~«كلا، أعتقد أن عليك أن تبقى في المكان القديم وتصلحه من أجل ~~سداد الديون.» وقفز ليونارد إلى سيارته؛ ومن ثم لم تسنح الفرصة ~~أمام كلود كي يرد. # لما لاحظت السيدة ويلر أيضا حجم هذه التجهيزات، بدأت تشعر أن ~~الترتيب الجديد لم يكن عادلا بالنسبة إلى كلود الذي يعد هو ~~الابن الأكبر والأعقل بكثير. دائما ما كان كلود يعمل بجد عندما ~~يكون في المنزل، وكانت يده في العمل أكثر من رالف الذي لم يكن يفعل ~~شيئا سوى العبث بالآلات، والقيام بمشاوير بالسيارة. لم تستطع ~~فهم لماذا وقع عليه الاختيار لإدارة مشروع استثمر فيه مبلغ ~~كبير جدا من المال. # في أحد الأيام، قالت على ms059 نحو حالم: «عجبا يا كلود، لو كان ~~أبوك أكبر في العمر، لظننت أنه بدأ يفقد عقله. ألن نغرق في بحر ~~عميق من الديون لو استمر الأمر بهذه الوتيرة؟» ~~«لا تقولي شيئا يا أمي. إنها أموال أبي. لن يعتقد أني أريد ~~أيا منها.» ~~«ليتني أستطيع التحدث إلى بايليس. هل قال أي شيء؟» ~~«لم يقل لي شيئا.» # سافر رالف والسيد ويلر مرة أخرى في رحلة سريعة إلى كولورادو، ~~ولما عادا بدأ رالف يحث والدته كي تعطيه غطاء سرير ومفرش ~~طاولة. قال إنه لن يعيش عيشة البرابرة، حتى في مناطق التلال ~~الرملية. غضبت ماهيلي لما رأت المفرش الذي ظلت تغسله وتكويه ~~وتعتني به عدة سنوات يؤخذ في الصناديق المسافرة. كانت كثيرا ما ~~تغضب الآن، وذهبت وهي تتفوه ببضع كلمات لنفسها. # لم تحضر ماهيلي معها أي أغراض لما أتت كي تعيش مع آل ويلر ~~سوى مرتبة محشوة بالريش وثلاثة ألحفة مرقعة ومبطنة بصوف ~~من ظهور شياه فرجينيا، ومغسولة وممشطة يدويا. الألحفة صنعتها ~~أمها العجوز وأعطتها لها مهرا. كل لحاف كان له تصميم ترقيع ~~مختلف عن الآخر؛ الأول بنمط «الكوخ» الشهير، والثاني بنمط «ورقة ~~نبات الغار»، والثالث بنمط «النجم المتوهج». اعتقدت ماهيلي أن ~~اللحاف الأخير رائع جدا بحيث لا يجب استخدامه، وأخبرت السيدة ~~ويلر أنها تحافظ عليه «كي تعطيه للسيد كلود عندما ~~يتزوج». # كانت تنام على مرتبتها المحشوة بالريش في الشتاء، وفي الصيف ~~تضعها في العلية. يمكن الوصول إلى العلية عن طريق سلم، ~~نادرا جدا ما كانت تصعد عليه السيدة ويلر بسبب ضعف ظهرها. كانت ~~ماهيلي ترتب الأشياء بطريقتها الخاصة في العلية، وكثيرا ما ~~تصعد إلى هناك من أجل تهوية أغطية السرير المخزن فيها، أو للنظر ~~إلى الصور الموجودة في أكوام المجلات القديمة. كان يمزح رالف ~~ويطلق على العلية «مكتبة ماهيلي». # ذات يوم بينما كانت الأغراض تحزم إلى المزرعة الموجودة في ~~الغرب، ذهبت السيدة ويلر إلى بداية السلم لتنادي على ماهيلي، ~~ونجت من أن يصاب رأسها بسبب سقوط مرتبة كبيرة محشوة بالريش من ~~باب العلية. ms060 وبعد لحظات، نزلت ماهيلي وهي تمسك بدرجات السلم ~~بإحدى يديها، وتمسك بالألحفة الخاصة بها في اليد الأخرى. # قالت السيدة ويلر لاهثة: «عجبا يا ماهيلي. لم يحن الشتاء ~~بعد، فلماذا تحضرين مرتبتك وألحفتك؟» # ردت: «أنا سأستلقي على مرتبتي، وإلا فلن يتبقى لي شيء لأنام ~~عليه. لن أدع السيد رالف يحمل ألحفتي التي حاكتها أمي من ~~أجلي.» # حاولت السيدة ويلر أن تتفاهم معها، ولكن المرأة العجوز حملت ~~أغراضها بين ذراعيها ومشت بتعثر وهي تحملها في الصالة، وظلت ~~تتمتم وتحرك رأسها مثل حصان في وقت انتشار الذباب. # في عصر ذلك اليوم، أحضر رالف برميلا وحزمة من القش إلى المطبخ، ~~وطلب من ماهيلي إحضار بعض الفاكهة المحفوظة والمعلبة لأنه ~~سيحزمها. أطاعته وذهبت إلى القبو، وخلع رالف معطفه، وبدأ في ~~تبطين البرميل بالقش. استغرق بعض الوقت في فعل ذلك، ولكن لم تعد ~~ماهيلي. ذهب إلى رأس سلم القبو وصفر لها ليستدعيها. ~~«أنا آتية، يا سيد رالف، أنا آتية! لا تستعجلني، لا أريد أن ~~أكسر شيئا.» # انتظر رالف بضع دقائق. ثم قال غاضبا: «ما الذي تفعلينه عندك يا ~~ماهيلي؟ لو كنت أنا لأفرغت القبو بالكامل في ذلك الوقت. أظن ~~أنني سأحضرها بنفسي.» ~~«أنا آتية. سيغطى جسدك بالغبار إذا نزلت إلى هنا.» أتت إلى ~~رأس السلم لاهثة وهي تحمل سلة كبيرة مليئة بالجرار، ويداها ~~ووجهها ملطخان بالسواد. # زمجر رالف: «حسنا، لا بد أنه مترب! عليك تنظيف خزانة ~~الفاكهة كل آونة يا ماهيلي. ينبغي أن تتعلمي من السيدة دوسن ~~كيف تعتني بخزانتها. والآن، لنر.» فرز الجرار على الطاولة. ~~«أرجعي مربى العنب. إن كان هناك طعام لا أحبه، فهو مربى ~~العنب. أعلم أن لديك الكثير منها، ولكن لا يمكنك التخلص منها من ~~خلالي. وعندما تصعدين، لا تنسي الخوخ المخلل. قلت لك، على وجه ~~التحديد، الخوخ المخلل!» ~~«ليس لدينا أي خوخ مخلل.» وقفت ماهيلي بالقرب من باب القبو ~~ممسكة بطرف مئزرها إلى ذقنها، وارتسمت على وجهها نظرة عناد ~~غريبة ومخيفة. ~~«لا يوجد خوخ مخلل؟ يا له من هراء يا ماهيلي! ms061 رأيتك وأنت ~~تحضرينه هنا، منذ بضعة أسابيع فقط.» ~~«أعلم أنك رأيتني يا سيد رالف، ولكن لا يوجد أي منه الآن. لا ~~حظ لدي مع الخوخ هذه السنة. كان يجب أن أهويه. ولكني أخطأت، ~~واضطررت إلى رميه.» # انزعج رالف بشدة. «لم أسمع عن شيء كهذا من قبل يا ماهيلي! ~~إهمالك يزيد كل سنة عن سابقتها. فكري في إهدارك لكل تلك ~~الفاكهة والسكر! هل أمي على علم بذلك؟» # اكفهر وجه ماهيلي. وتمتمت: «أظن أنها تعرف. أنا لا أهدر ~~سكر والدتك. ولم أهدر أي شيء قط.» كانت تزيد غرابة حديثها ~~عن المعتاد عندما تغضب. # نزل رالف على سلم القبو وأضاء المصباح، وفتش خزانة الفاكهة. ~~بات متأكدا من عدم وجود خوخ مخلل. لما عاد وبدأ يحزم فاكهته، ~~وقفت ماهيلي تراقبه بعين ماكرة تشبه كثيرا نظرة ذئب براري ~~مقيد بالسلاسل يعرضه صبي لزائريه ويقول إنه لن يهرب منه حتى ~~لو سنحت له الفرصة. # زمجر رالف: «اذهبي إلى عملك. لا تقفي تراقبينني هكذا!» # في ذلك المساء، كان يجلس كلود على منصة طاحونة الهواء بالقرب ~~من الحظيرة، بعد يوم عمل شاق في الحرث من أجل القمح الشتوي. كان ~~يواسي نفسه بتدخين غليونه. وبغض النظر عن مقدار حب والدته له أو ~~مقدار أسفها عليه، فإنها لم يكن بإمكانها قط أن تخبره أن ~~بإمكانه التدخين في المنزل. كانت تلمع الأضواء من غرف الطابق ~~العلوي في المنزل على التل، وتخرج أصوات الغناء الصاخبة من ~~الفونوجراف من النوافذ. كان هناك شخص يسير بخطى حذرة أسفل ~~الممر. ولما كانت الخطوات بطيئة وخفية عرف أن القادم ماهيلي؛ ~~إذ كان مئزرها مرفوعا على رأسها. أتت إليه ولمسته على كتفه ~~بطريقة تعني أنها ستبوح له بسر. ~~«سيد كلود، حزم السيد رالف برميلا من مربى والدتك ومخللاتها ~~كي يأخذها معه.» ~~«لا بأس يا ماهيلي. السيد ويستد أرمل، ولا أظن أن مزرعته بها ~~أي شيء من تلك الأطعمة.» # ترددت ومالت باتجاهه أكثر. «طلب مني الخوخ المخلل الذي ~~أعددته لك، ولكني لم أعطه شيئا. أخفيته في موقدي القديم ms062 الذي ~~وضعناه في القبو عندما أحضر السيد رالف موقدا جديدا. كذلك لم ~~أعطه فاكهة والدتك المحفوظة الجديدة. أعطيته ما تبقى من ~~منتجات العام الماضي، وهكذا أصبح لديك أنت ووالدتك الكثير.» ضحك ~~كلود. «أوه، لا يهمني إن أخذ رالف كل الفاكهة الموجودة في ~~المكان، يا ماهيلي!» # تراجعت قليلا وقالت مرتبكة: «كلا، أعلم أنك لا تهتم يا ~~سيد كلود. أعلم أنك لا تهتم.» # لما لمس كلود الإحباط في صوتها، قال في نفسه: «ما كان لي أن ~~أعاملها بذلك الأسلوب الفظ.» نهض وربت على ظهرها. «لا بأس يا ~~ماهيلي. على أي حال، أشكرك على الاحتفاظ بالخوخ لي.» # أشارت إليه بإصبعها محذرة. «لا تخبر أحدا!» # وعدها، وراقبها وهي تعود أدراجها على الممر المتعرج أعلى ~~التل. # 14 # انتقل رالف ووالده إلى ~~المزرعة الجديدة في آخر أيام شهر أغسطس، وأرسل السيد ويلر خطابا ~~يقول إنه في أواخر فصل الخريف سيرسل حمولة سيارة من العجول التي ~~تتغذى على الحشائش إلى المنزل من أجل تسمينها في فصل الشتاء. ~~بذلك، علم كلود أنه ستكون هناك حاجة إلى العلف. كان لديهم حقل ~~بمساحة خمسين فدانا من الذرة غربي النهير؛ على مرمى ~~البصر عندما ينظر المرء من النوافذ الغربية للمنزل. قرر كلود أن ~~يزرع هذا الحقل بالقمح الشتوي، وفي بداية شهر سبتمبر بدأ يحصد ~~الذرة المزروعة ويحزمها من أجل العلف. وبمجرد جمع الذرة، حرث ~~الأرض وبذر القمح في وقت زراعة القمح في الحقول الأخرى. # كان هذا أول ابتكار من كلود، ولكنه لم يلق استحسانا. لما جاء ~~بايليس ليقضي يوم الأحد مع والدته، سألها عما يظن كلود أنه ~~يفعله على أي حال. إذا كان يريد تغيير المحصول في ذلك الحقل، ~~فلماذا لا يزرع الشوفان في الربيع ثم يزرع القمح في الخريف ~~التالي؟ كان يرى أن حصاد العلف وإعداد الأرض في ذلك الوقت لن ~~يؤدي إلا إلى تعطيله عن عمله. وعندما أتى السيد ويلر إلى المنزل ~~في زيارة قصيرة، أشار إلى تلك القطعة مازحا باسم «حقل قمح ~~كلود». # شرع كلود فيما نوى فعله، ms063 ولكنه ظل قلقا وخائفا طوال شهر ~~سبتمبر من الطقس. إن هطلت أمطار غزيرة فستجعله يتأخر في زراعة ~~القمح، وبالتأكيد سيلقى انتقادا على ذلك. في الحقيقة لم يأبه ~~أحد لتأخر موعد الزراعة ولا لتقدمه، ولكن كلود كان يظن ~~أنهم يأبهون، وكان يستيقظ في بعض الأحيان مذعورا من تباطؤ ~~تقدمه. جعل دان وواحد من أبناء أوجست يودر الأربعة يساعدونه، ~~وظل يعمل ليل نهار. حرث الحقل الجديد وبذر البذور فيه بنفسه. ~~ووضع فيه قدرا كبيرا من طاقة الشباب، ودفن قدرا كبيرا من السخط ~~في أخاديده المظلمة. ويوما بعد يوم، كان يرمي بنفسه في أحضان ~~الأرض ويزرعها بما يختمر في نفسه، ويسعد بالتعب الشديد في الليل ~~لأنه يمنعه عن التفكير. # عاد رالف إلى المنزل كي يحضر زفاف ليونارد دوسن في الأول من ~~أكتوبر. حضرت كل عائلة ويلر حفل الزفاف، حتى ماهيلي، وحضر جمع ~~غفير من أهل البلدة وأهل المدينة. # بعدما غادر رالف، امتلك ~~كلود زمام المكان مرة أخرى، وسار العمل كالمعتاد. الماشية كانت ~~ترعى على ما يرام، ويخلو العمل من المعوقات المزعجة. استمر ~~الطقس المعتدل، وفي كل صباح يستيقظ فيه كلود كان يرى يوما ~~جديدا تتناثر فيه أشعة الشمس الذهبية وكأنها سجادة متلألئة. ~~ولما كان يصعقه السؤال عما تطويه له الأيام على طرف سريره كان ~~يسرع كي يرتدي ملابسه وينزل في الوقت المناسب؛ كي يحضر ~~الخشب والفحم من أجل ماهيلي. غالبا ما كانا يصلان إلى المطبخ في ~~وقت واحد، وتشير هي إليه بإصبعها قائلة: «لقد نزلت كي ~~تساعدني، أيها الفتى الطيب!» على الأقل، كان يقدم لماهيلي بعض ~~المساعدة. بإمكان والده أن يوظف أحد أبناء يودر كي يعتني ~~بالمكان، ولكنها لن تدع أي أحد آخر يساعدها. # استمتعت السيدة ويلر، كما هو الحال بالنسبة إلى ماهيلي، بذلك ~~الخريف. كانت تنام حتى وقت متأخر في الصباح، وتقرأ وتأخذ بعض ~~الراحة فيما بعد الظهيرة. حاكت لنفسها بعض الملابس المنزلية ~~الجديدة من قماش رمادي اختاره كلود. كانت تقول أحيانا: «يبدو ~~الأمر وكأن عروسا ترعى المنزل من أجلك أنت يا ms064 كلود.» # سرعان ما ابتهج كلود لما رأى الخضرة تنمو في حقول القمح ~~البنية الخاصة به؛ إذ رآها أول ما رآها في النقر والتجاويف ~~الصغيرة، ثم بدت تتلألأ فوق الأجزاء البارزة والأجزاء المستوية ~~وكأنها ابتسامة سريعة. شاهد الأنصال الخضراء وهي تنمو كل يوم ~~لما كان يذهب مع دان إلى الحقل ومعهما العربات من أجل جمع ~~الذرة. كلود أرسل دان كي يقشر الأكواز في القطعة الشمالية، ~~وعمل هو في القطعة الجنوبية. كان دائما يحضر حمولة إضافية فوق ~~ما يحضره دان، وكان هذا متوقعا. بحسب ظن كلود، وضح دان ~~السبب في ذلك على نحو منطقي جدا في عصر أحد الأيام لما كانا ~~يربطان حيوانات الجر في عربتيهما. ~~«لا عجب في أنك تنقض على حقل الذرة وكأنك تنقض سجادة يا ~~كلود؛ فهو في النهاية حقلك، أو تحت إمرتك على أي حال. ستحول تلك ~~الحقول دائما بينك وبين المتاعب. ولكن الأجير لا يملك إلا صحته، ~~وعليه أن يحافظ عليها. أظن أنه لم يتبق لي سوى قدر صغير من ~~الصحة، ولن أضيعها في نقل حمولات ذرة تخص شخصا آخر.» ~~«ما الأمر؟ لم ألمح إلى ضرورة أن تجد أكثر في نقل الذرة، ~~أليس كذلك؟» ~~«نعم أنت لم تفعل، ولكني أردت فقط أن تعلم أن لكل شيء سببا.» ~~وحينها، ركب دان عربته وغادر. وعلى الأرجح ظل يتفكر فيما قاله ~~بعض الوقت. # بعد ظهر ذلك اليوم، توقف كلود فجأة عن طرح الأكواز البيضاء ~~داخل العربة التي بجانبه. كانت الساعة الخامسة تقريبا، وهي تعد ~~أصفى ساعة في نهار أيام الخريف. وقف تائها وسط غابة من أوراق ~~الذرة الخفيفة والجافة، التي يصدر منها صوت خشخشة، ~~منزويا تماما عن العالم. ولما خلع قفازات التقشير مسح ~~العرق من جبينه، وصعد إلى صندوق العربة واستلقى على الذرة ذات ~~اللون العاجي. تقدمت الخيول بحذر خطوة أو خطوتين، وقضمت ~~برضا كبير أكواز الذرة التي قطعتها من السيقان ~~بأسنانها. # استلقى كلود ساكنا واضعا ذراعيه تحت رأسه، وأخذ ينظر إلى ~~السماء الزرقاء اللامعة المتماسكة، ويراقب أسراب الغربان وهي ms065 ~~تمر من فوق الحقول حيث تتغذى على الحبوب المتناثرة، ثم ~~تعود إلى أعشاشها فوق الأشجار النامية بطول نهير لافلي كريك. ~~كان يفكر فيما قاله دان وهما يرتبطان حيوانات الجر إلى ~~عربتيهما. لا شك أن كلامه ينطوي على قدر كبير من الحقيقة. ولكن ~~بالنسبة إليه، كثيرا ما كان يشعر أن السفر وكسب لقمة العيش ~~بين الأغراب خير له من الكد في ظل تلك المسئولية الجزئية عن ~~حقول ومحاصيل ليست ملكا له. كان يعلم أن سكان البلدة يطلقون ~~على والده في بعض الأحيان اسم «خنزير أراض»، وهو نفسه بدأ يشعر ~~أنه ليس من الصواب أن يمتلكوا هذه المساحة الكبيرة من الأراضي؛ ~~سواء من أجل الزراعة أو الإيجار أو تركها مهملة حسبما يختارون. ~~الغريب أنه على مر القرون والعصور، لم تتغير مسألة امتلاك ~~الثروات إلى الأفضل. الثروة تستعبد أصحابها، وأصحابها يستعبدون ~~من هم أفقر منهم. # نزل من العربة كي يكمل حمولتها تحت أشعة الشمس الذهبية. خيم ~~صمت دافئ على حقل الذرة. كان يهب للحظات نسيم خفيف في بعض ~~الأحيان، ويذر أوراق الذرة اليابسة والجافة، وهو نفسه كان ~~يحدث صوت خشخشة وقرقعة عاليا وهو ينزع القشر من ~~الأكواز. # كانت لا تزال الغربان الجائعة تحوم فوق الحقول قبل أن تعود ~~إلى أعشاشها. عندما خرج إلى الطريق السريع، كانت الشمس تشرف على ~~المغيب، وكان يمكنه أن يرى كل ما هو قريب وبعيد من مقعده ~~فوق الحمولة. رأى من بعيد العربة التي كان يقودها دان، والتي كانت ~~آتية من القطعة الشمالية؛ ويظهر من ورائها سقف منزل ليونارد دوسن ~~الجديد وطاحونة الهواء الخاصة به؛ إذ تقف بلونها الأسود في يوم ~~أوشك على الانتهاء. وكانت أمامه منحدرات المراعي والأشجار ~~الصغيرة ذات الأغصان شبه العارية التي يراها متجمعة في ظل ~~بنفسجي على طول النهير، ومنزل مزرعة ويلر على التل بنوافذه ~~التي كلها متوهجة بفعل آخر أشعة حمراء ترسلها ~~الشمس. # 15 # كان يخشى كلود من هدوء الشتاء الذي عادة ما يتطلع إليه ~~المزارعون مبتهجين. تذرع بمباراة كرة القدم التي تقام في ms066 ~~عيد الشكر كي يذهب إلى لينكن؛ ذهب وهو ينوي المكوث ثلاثة أيام، ~~ولكنه مكث عشرة. في الليلة الأولى، عندما طرق الباب الزجاجي في ~~غرفة المعيشة لمنزل آل إرليش وفاجأهم، ظن أنه لن يستطيع العودة ~~إلى المزرعة مرة أخرى. ولما اقترب من المنزل في ذلك المساء ~~الخريفي الصافي والبارد، وعبر المرج الممتلئ بالأوراق الجافة ~~التي يصدر عنها صوت خشخشة، قال لنفسه إنه يجب ألا يأمل في أن ~~يجد الأشياء على حالها. ولكنه وجدها على حالها. وجد الأولاد ~~يتمددون ويدخنون حول المائدة المربعة التي عليها المصباح، ~~والسيدة إرليش تجلس على البيانو تعزف واحدة من معزوفات مندلسون ~~التي بعنوان «أغاني من دون كلمات». ولما طرق الباب، فتح له أوتو ~~وصاح قائلا: ~~«مفاجأة لك يا أمي! خمني من الطارق.» # يا له من ترحيب حار ذلك الذي استقبلته به! ويا لكثرة ما كان ~~لديها لتقوله له! وبينما كان الجميع يتحدثون في وقت واحد، نزل ~~هنري - الابن الأكبر - إلى الطابق السفلي مرتديا ملابس مناسبة ~~لحفلة رقص خاص بالقرن الثامن عشر؛ حيث تتضمن سروالا من الستان ~~وجوربا وسيفا. بدأ إخوته في الإشارة إلى مواطن عدم التناسق في ~~زيه؛ إذ أخبروه أنه ربما لا يمكنه أن يطلق على نفسه ~~مهاجرا فرنسيا حتى يلبس شعرا مستعارا باللون الأبيض. ~~أخذ هنري كتاب سير من الرف كي يثبت لهم أنه في وقت قدوم ~~المهاجرين الفرنسيين إلى فيلادلفيا، كانت موضة الشعر المستعار ~~الأبيض في طريقها للاندثار. # في أثناء المناقشة، أخذت السيدة إرليش كلود جانبا، وهمست إليه ~~بحماسة قائلة إن ابنة عمها المطربة فيلهلمينا أعلنت أخيرا عن ~~انفصالها عن زوجها المريض الذي ظلت تدعمه سنوات عديدة، وأنها ~~ستتزوج الآن من العازف المرافق لها؛ وهو رجل أصغر منها ~~بكثير. # بعدما انطلق المهاجر الفرنسي إلى حفلته أتى محاضران من ~~الجامعة، وقدمت السيدة إرليش كلود على أنه من «أصحاب الأراضي» ~~الذي يدير مزرعة كبيرة في إحدى المقاطعات الغربية. غادر ~~المحاضران مبكرا، ولكن كلود مكث. ما الذي كان يجعل الحياة ~~تبدو هنا أمتع وأروع بكثير من أي ms067 مكان آخر؟ لا يوجد شيء رائع ~~بشأن تلك الغرفة؛ هناك كتب كثيرة، ومصباح، وأثاث مريح لكنه ~~مستعمل، وبضعة أناس ليست حياتهم مميزة بأي صورة من الصور؛ ~~وعلى الرغم من ذلك، كان يشعر بأنه يوجد في جو دافئ ولطيف، جو ~~مفعم بحماسة قوية، ويسمو بسبب الصداقات الحميمة. سره أن يرى ~~الصور ذاتها على الحائط، وأن يجد قاطع الخشب السويسري على رف ~~الموقد؛ إذ يقبع مقوسا تحت عبء حمولة حزم الأخشاب خاصته، ~~وأن يمسك مرة أخرى بقطاعة الورق النحاسية الثقيلة التي في ~~زمنها قطعت الكثير من الصفحات المثيرة للاهتمام. أخذها من ~~غلاف كتاب أحمر موضوع هناك، كان أحد مجلدات تريفيليان التي ~~تتحدث عن جاريبالدي، وقد أخبره يوليوس بضرورة الاطلاع عليه قبل ~~أن يمر أسبوع آخر من عمره. # في اليوم التالي فيما بعد الظهيرة، أخذ كلود السيدة إرليش إلى ~~مباراة كرة القدم، ورجع إلى المنزل مع العائلة من أجل العشاء. ظل ~~يتلكأ في الرحيل يوما بعد الآخر، ولكن بعد مرور أول بضع ~~أمسيات، بدأ الحزن يثقل قلبه بعض الشيء طوال الوقت. فأولاد ~~إرليش كان لديهم العديد من الاهتمامات الجديدة التي لم يستطع ~~التماشي معها؛ إنهم كانوا يتقدمون وهو لا يزال واقفا في محله. ~~لم يكن ذكيا بالقدر الذي يجعله ينتبه لهذا. الشيء المؤلم كان ~~هو الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم؛ الشعور بالضياع في عالم ~~آخر لا تسهم الأفكار فيه بقدر كبير. كان غريبا دخل وجلس ~~هناك، ولكنه كان ينتمي إلى الريف الكبير المنعزل الذي يجد ~~أناسه في العمل حتى يكلوا ويتعبوا مثل الخيول، ويناموا بسرعة في ~~الليل دون أن يفكروا في شيء ليتحدثوا بشأنه. إذا صنعت له ~~السيدة إرليش والمرأة المجرية التي تعمل لديها حساء العدس وفطائر ~~البطاطس وطبق الفينر شنيتسل، فهذا يجعل الوجبات البسيطة في المزرعة ~~تبدو أثقل. # لما أتت الجمعة التالية، ذهب كي يودع أصدقاءه ويوضح لهم ~~أنه يجب أن يعود إلى المنزل في اليوم التالي. ولما غادر المنزل في ~~تلك الليلة، نظر مرة أخرى إلى النوافذ الضاربة إلى الحمرة، ms068 وقال ~~لنفسه إنه كان بالفعل وداعا، وليس موعدا باللقاء كما قالت ~~السيدة إرليش بلطف. لم يزده المجيء إلى هذا المكان إلا سخطا من ~~قدره، لقد توقفت رغبته في الانتماء لهذا النوع من الحياة. كان ~~لا بد أن يستقر في عالم مناسب له، ويتمسك به بكل قوة، بغض ~~النظر عن مدى بؤسه. في اليوم التالي، في أثناء رحلته في الريف في ~~الشتاء البارد، شعر أنه يتعمق أكثر وأكثر داخل الواقع. # لم يرسل كلود خطابا يحدد فيه وقت عودته، ولكن كانت المدينة ~~لا تخلو من بعض الجيران في يوم السبت. عاد مع واحد من أبناء يودر، ~~ومشى بقية الطريق من منزلهما حتى منزله. أخبر والدته أنه سعيد ~~بعودته. كان يشعر في بعض الأحيان بأنه غير مخلص تجاه أمه بسبب ~~السعادة التي تغمره عندما يكون مع السيدة إرليش. لقد انزوت والدته ~~في المزرعة وانعزلت عن العالم لسنوات عديدة؛ وحتى قبل ذلك لم تكن ~~فيرمونت بحسب ظنه مكانا جيدا للتنشئة. لم تتوفر لها الفرصة - ~~كما لم تتوفر له - لتجربة الأشياء التي تزيد من مرونة ~~التفكير وحيوية المشاعر. # في صباح اليوم التالي الذي صادف يوم الأحد، كانت الثلوج تهطل ~~بالخارج وحظوا بإفطار طويل ومبهج. قالت السيدة ويلر إنهم لن ~~يذهبوا إلى الكنيسة اليوم؛ لأن كلود لا بد أنه متعب. ظل يعمل في ~~المكان حتى الظهيرة، وقام بشئون الماشية، وأنجز الأعمال التي تركها ~~دان في غيابه. بعد العشاء، جلس في المكتب وكتب خطابا طويلا ~~لأصدقائه في لينكن. ومتى كان يرفع عينيه للحظات، كان يرى منحدرات ~~المراعي والثلوج المتساقطة بخفة. كان يرى جمالا في انقياد ~~البلدة وهي تستقبل الشتاء. وكان هذا يشعر المرء بالسعادة، والحزن ~~أيضا. أغلق الخطاب واستلقى على الأريكة كي يقرأ الجريدة، ولكنه ~~سرعان ما نام. # لما استيقظ، اكتشف أنه فات على ما بعد الظهيرة وقت طويل. كان ~~المنبه الموجود على الرف يدق بصوت عال في الغرفة الساكنة، ~~ويبعث موقد الفحم وهجا دافئا. بدت النباتات المزهرة في ~~النافذة البارزة الجنوبية أينع وأنضر من المعتاد بسبب ms069 الضوء ~~الأبيض الناعم الذي يأتي من الثلوج المتساقطة. كانت السيدة ويلر ~~تقرأ بالقرب من النافذة الغربية، وتحيد بنظرها بعيدا عن كتابها ~~بين الفينة والأخرى كي تحملق في السماء الملبدة بالغيوم ~~والحقول الكئيبة. صنع النهير فجوة بنفسجية متعرجة عبر ~~المراعي ومن بعده الأشجار في أجمة سوداء كانت يعلوها طبقة غريبة ~~من الثلوج. استلقى كلود بعض الوقت من دون أن يتحدث وهو يشاهد ~~مظهر أمه المنعكس في الزجاج، ويفكر في كيف سيكون تساقط ~~الثلج الخفيف هذا الذي يتشبث بالأشياء جيدا بالنسبة إلى حقول ~~القمح الخاصة به. # سأل من فوره: «ماذا تقرئين يا أمي؟» # التفتت برأسها إليه. «لا شيء جديد جدا. بدأت لتوي في قراءة ~~قصيدة «الفردوس المفقود» مرة أخرى. لم أقرأها منذ مدة ~~طويلة.» ~~«هلا قرأتها بصوت عال؟ من مكانك. أحب أن أسمعها.» # كانت تتأنى السيدة ويلر في القراءة دوما بحيث تعطي لكل ~~مقطع حقه. صوتها الذي كان بطبيعته ناعما وحزينا بعض الشيء ~~كان يتناغم مع الأوزان الشعرية الطويلة وأسماء الشخصيات الشريرة ~~المأخوذة من الكتاب المقدس، التي كانت كلها مألوفة لها ~~وزاخرة بالمعاني. ~~«قبو موحش مخيف، من كل الجهات، # وفرن عظيم يلتهب، ومع ذلك فإن اللهب # لا يضيء، بل ظلام واضح # لا يفيد إلا في اكتشاف مناظر الكرب.» ~~[ترجمة حنا عبود] # اضطرب صوتها وكأنها كانت تحاول أن تفهم شيئا. أخذت الغرفة ~~تظلم أكثر وأكثر وهي تتوغل أكثر وأكثر في الاستعراض المنمق ~~للآلهة الوثنية الذي يزخر بالقصص والصور المهيبة لأسباب غير ~~معلومة. اختفى النور في النهاية، وأغلقت السيدة ويلر ~~الكتاب. # علق كلود وهو على الأريكة: «هذا رائع. ولكن لا يستطيع ميلتون ~~الاستغناء عن التحدث عن الأشرار في أعماله، أليس كذلك؟» # نظرت إليه السيدة ويلر. وسألته بمكر: «أهذه مزحة؟» ~~«أوه، كلا على الإطلاق! ما أدهشني فقط أن هذا الجزء مثير ~~للاهتمام أكثر بكثير من الأجزاء التي تتحدث عن السعادة التامة في ~~الجنة.» # قالت السيدة ويلر ببطء وكأن الشك دخلها: «ومع ذلك، أعتقد أنه ~~لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك.» # ضحك ولدها ونهض، وأخذ يملس ms070 على شعره المجعد. «تبقى ~~الحقيقة أنه كذلك يا أمي العزيزة. وإذا حذفنا كل مرتكبي الكبائر ~~من الكتاب المقدس، فستحذف كل الشخصيات المثيرة للاهتمام، ~~أليس كذلك؟» # تمتمت قائلة : «باستثناء المسيح.» ~~«نعم باستثناء المسيح. ولكن أظن أن اليهود كانوا على حق لما ~~اعتقدوا أنه من أخطر المجرمين.» # سألته والدته بنبرة فيها عتاب ودعابة: «هل تحاول ~~توريطي؟» # مشى كلود إلى النافذة التي كانت تجلس عندها ونظر إلى الحقول التي ~~يهطل عليها الثلج، والتي بدأ لونها يتحول إلى اللون الأزرق ~~وتصبح موحشة مع زيادة الظلال. «أقصد فقط أنه حتى في الكتاب ~~المقدس الناس غير المذنبين ليسوا كثيرين.» # ضحكت السيدة ويلر ضحكة خافتة برقة: «آه، فهمت! أنت تحاول أن ~~تعود بي إلى قضية الإيمان والعمل. هذا هو الموضوع الذي كنت دائما ~~ما تعترض عليه عندما كنت طفلا صغيرا. اسمعني يا كلود، لا أعلم ~~الكثير عن تلك المسألة كما كنت حينذاك. كلما تقدمت في العمر، لا ~~أفكر في أشياء أخرى أكثر وأتركها للرب. أعتقد أن الرب يريد أن ~~ينقذ أي شيء نفيس في هذا العالم، وأنه أعلم مني بكيفية فعل ~~ذلك.» نهضت ومسحت خدها في كم قميصه المصنوع من الفانيلا وتمتمت ~~قائلة: «أعتقد أن الرب أحيانا ينزل في الأماكن التي لا نتوقع ~~نزوله فيها، حتى في القلوب المتمردة والمتكبرة.» # تعانقا للحظات أمام النافذة الغربية المربعة ذات الزجاج ~~الشاحب والنظيف، مثلما أحيانا تتلاقى طبيعتان في شخص واحد ~~وتتعانقان في ساعة مقدرة. # 16 # عاد رالف ووالده إلى المنزل لقضاء الإجازات، وفي عيد الميلاد أتى ~~بايليس من المدينة من أجل العشاء. وصل مبكرا، وبعد تحية ~~والدته في المطبخ، صعد إلى غرفة الجلوس المتأنقة بتجهيزات ~~الإجازة التي بدت له هذه المرة دافئة بالقدر الكافي؛ حيث إنه ~~كان يشعر دائما بالبرد بسبب تباطؤ الدورة الدموية لديه. ظل يروح ~~ويجيء والمفاتيح تصلصل في جيوبه، وكان معجبا بزهور الأقحوان ~~الشتوية التي زرعتها والدته التي لا تزال يانعة. توقف عدة ~~مرات أمام غرفة المكتب العتيقة الطراز، وأخذ ينظر من الباب ~~الزجاجي إلى المجلدات الموجودة ms071 بالداخل. رؤية بعض هذه الكتب ~~أيقظت فيه ذكريات بغيضة. عندما كان صبيا في الرابعة عشرة أو ~~الخامسة عشرة، كانت الغيرة المريرة تتقد بداخله لما يسمع والدته ~~تحث كلود على أن يقرأ عليها بصوت عال. لم يحب بايليس الكتب ~~مطلقا. حتى من قبل أن يتعلم القراءة لما كانت والدته تحكي له ~~القصص، كان يحاول من فوره أن يثبت لها إلى أي مدى قد تكون ~~غير صحيحة. في وقت لاحق، اكتشف أن الحساب والجغرافيا كانا ~~يستهويانه أكثر من رواية «روبنسون كروزو». وإن جلس ومعه كتاب، فإنه ~~كان يريد أن يشعر أنه يتعلم شيئا. دائما ما كانت تتحدث والدته ~~مع كلود عن شخصيات في الكتب والقصص لا يعرف عنها شيئا. # على الرغم من حب بايليس للمجيء إلى المنزل، فإنه كان يرى أنه عاش ~~طفولة منعزلة. في مدرسة البلدة، لم يكن سعيدا؛ كان دائما ما ~~يستطيع حل مسائل الاختبارات في الوقت الذي لا يستطيع الآخرون ~~فيه فعل ذلك، وكان يحتفظ بأوراق اختبارات الحساب في جيب معطفه ~~الصغير الداخلي حتى يسلمها بتواضع للمعلم، ولم يمنح الفرصة قط ~~لأي أحد من الجيران كي يستفيد من ذكائه. ليونارد دوسن والفتيان ~~الأقوياء الآخرون من نفس عمره بذلوا ما في وسعهم كي يحولوا ~~حياته إلى جحيم. اعتادوا في الشتاء أن يرموه في ركام ثلجي ثم ~~يذهبوا ويتركوه وحيدا. وفي الصيف، كانوا يرغمونه على أكل جراد ~~حي خلف مبنى المدرسة، ويضعون ثعابين ثور كبيرة في وعاء العشاء ~~الخاص به كي يفاجئوه. وحتى في الوقت الحالي، كان يحب أن يرى أي ~~أحد من هؤلاء الفتية واقعا في مشكلات لا يمكن لأحد مهما بلغت ~~قوته أن يخرجه منها. # السبب في ذلك أن بايليس ~~كان سريعا في التعامل مع الأعداد، وصغير الحجم بالنسبة إلى ~~مزارع؛ ولذا أرسله والده إلى المدينة كي يتعلم مجال تجهيزات ~~المزارع. ومنذ اليوم الذي ذهب فيه إلى العمل، تمكن من العيش ~~براتبه الصغير. كان يحتفظ في جيب صدريته بدفتر يومية صغير يسجل ~~فيه كل النفقات - مثل المليونير الذي لم ms072 يمل الواعظون ~~المعمدانيون قط من الحديث عنه - وقد كان إسهامه في صندوق التبرعات ~~يبدو كبيرا في حسابه الأسبوعي. # كان صوت بايليس تتخلله نبرة حزينة بعض الشيء حتى عندما ~~يستخدم أسلوبه التلميحي الماكر ويتلفظ بكلمات بغيضة؛ إن هذا ~~تعبير عن إحساس عميق بالألم. كان يشعر دائما بأن الآخرين يسيئون ~~فهمه ويقللون من قدره. وبعدما أصبح له لاحقا عمله الخاص، لم ~~يطلب منه شباب فرانكفورت قط أن يشاركهم في مسراتهم. لم يطلب ~~منه أحد الالتحاق بنادي التنس أو نادي لعبة الويست. كان يحسد ~~كلود على بنيته القوية وحيويته المندفعة والمتهورة وكأنهما ~~أعطيا لأخيه جورا، وكان الأجدر أن يعطيا له. # بينما كان بايليس ووالده يتحدثان معا قبل العشاء، دخل كلود ~~وفتح باندفاع إحدى النوافذ، على الرغم من علمه أن أخاه يكره ~~التعرض لتيارات الهواء. خاطبه بايليس من فوره من دون أن ينظر ~~إليه: ~~«علمت أن أصدقاءك، آل إرليش، اشتروا شركة جينكينسون في لينكن؛ ~~على الأقل كتبوا كمبيالات.» # قطع كلود وعدا لأمه بألا يتعصب ذلك اليوم؛ لذا قال: «نعم، ~~قرأت ذلك في الجريدة. أتمنى لهم النجاح.» # هز بايليس رأسه وعلى وجهه مظهر التعقل: «أشك في ذلك. ~~علمت أنهم رهنوا منزلهم. تلك العجوز ستجد نفسها من دون مأوى ~~يوما ما.» ~~«لا أعتقد ذلك. طالما كان يريد الأولاد التشارك في عمل منذ مدة ~~طويلة. يتمتع جميعهم بالذكاء والجد في العمل؛ فلماذا لا ينجحون ~~في عملهم؟» أعجب كلود بنفسه لأنه تحدث بطريقة متأنية ~~وواثقة. # أغمض بايليس عينيه نصف إغماضة. «أظن أنهم مغرمون بطيب ~~الحياة. سيدفعون الفائدة التي عليهم وينفقون ما تبقى على إبهاج ~~أصدقائهم. لم أر اسم ذلك الفتى في عقد التأسيس، يوليوس، أليس هذا ~~هو اسمه؟» ~~«يوليوس مسافر إلى الخارج من أجل الدراسة هذا الخريف. إنه يريد ~~أن يصبح أستاذا بالجامعة.» ~~«ماذا به؟ أيعاني من اعتلال في صحته؟» # في تلك اللحظة، دق جرس العشاء وأسرع رالف إلى الطابق السفلي ~~من غرفته التي كان يرتدي بها ملابسه، ونزل الجميع إلى المطبخ كي ~~ينظروا إلى الديك الرومي الذي ms073 سيأكلونه. مر العشاء على ما يرام. ~~تحدث بايليس ووالده في السياسة، وحكى رالف قصصا عن الجيران في ~~مقاطعة يوكا. سر بايليس لأن والدته تذكرت أنه يحب حشو ~~المحار ، وأثنى على فطائر اللحم المفروم التي أعدتها. لما رآها ~~تصب كوبا آخر من القهوة لنفسها ولكلود في نهاية العشاء، قال ~~بنبرة لطيفة وحزينة: «أخشى أن يصيبك ضرر من احتساء كوبين من ~~القهوة يا أمي.» # نظرت إليه والدته من فوق وعاء القهوة بابتسامة لطيفة تنم عن ~~الشعور بالذنب. «لا أظن القهوة تضرني بأي نحو يا ~~بايليس.» ~~«إنها مضرة بالطبع؛ فهي من المواد المنبهة.» كانت توحي ~~نبرته بأنه يقصد: أي شيء أسوأ منها! عندما ينعت المرء أي شيء ~~بأنه «مادة منبهة»، فهو يهاجمه بلا ريب؛ إذ لا يوجد وصف ~~أمقت من ذلك. # كان كلود في الصالة بالطابق العلوي يرتدي معطفه كي ينزل إلى ~~الحظيرة ويدخن سيجاره، عندما خرج بايليس من غرفة الجلوس واعترضه ~~بملاحظة مبهمة. ~~«أعتقد أنه سيقام عرض موسيقي في هاستنجز ليلة السبت.» # قال كلود إنه سمع شيئا من هذا القبيل. # تصنع بايليس نبرة عدم مبالاة وكأنه يفكر في تلك الأشياء ~~كل يوم: «كنت أفكر في الذهاب معا إلى هناك ونأخذ معنا جلاديس ~~وإنيد. حالة الطرق جيدة للغاية.» # احتج كلود قائلا: ~~«القيادة إلى المنزل ستكون صعبة، في ذلك الوقت المتأخر من ~~الليل.» بالطبع قصد بايليس أن يقود كلود الجمع في سيارة السيد ~~ويلر الكبيرة ذهابا وإيابا. لم يستخدم بايليس سيارته الكاديلاك ~~اللامعة مطلقا على الطرق الوعرة وفي الرحلات الطويلة. ~~«أظن أن أمي ستوفر لنا مكانا نبيت فيه، ولا حاجة إلى ~~العودة بالفتاتين إلى منزلهما حتى صباح الأحد. سأحصل على ~~التذاكر.» ~~«الأفضل أن ترتب الأمر مع الفتاتين. بالطبع سأوصلك ~~بالسيارة إذا أردت الذهاب.» # تملص منه كلود وخرج متمنيا أن يهتم بايليس بشأن أمر ~~تودده بنفسه ولا يقحمه فيه. كان بايليس لا يستطيع التمييز بين ~~النغمات المختلفة، ولا شك أنه كان لا يرغب في الذهاب إلى ~~الحفل، وكان لا يعرف هل إنيد رويس ستهتم بالذهاب ms074 إليه أم لا. ~~جلاديس فارمر كانت أفضل موسيقية في فرانكفورت، وعلى الأرجح كانت ~~سترغب في الذهاب إلى الحفل. # كان كلود وجلاديس صديقين قديمين - منذ أيام المدرسة الثانوية - ~~على الرغم من أنهما لم ير أحدهما الآخر كثيرا لما كان يذهب إلى ~~الكلية. وفي هذا الخريف، طلب بايليس من كلود عدة مرات أن يذهب ~~معه إلى مكان ما في يوم الأحد ثم كان يتوقف كي يأخذ جلاديس. لم ~~يحب كلود ذلك. وعلى أي حال، اشمأز لما علم بنية بايليس في ~~الزواج من جلاديس. كانت تعيش جلاديس ووالدتها في فقر مدقع؛ ~~ولذلك كان بايليس على الأرجح سينجح في إتمام مشروع الزواج في ~~النهاية، رغم أنه يبدو حتى الآن أنها لا تبدي ترحيبا كبيرا ~~بذلك. كان يرى أن الزواج من بايليس لن يكون أمرا سهلا بالنسبة ~~إلى أي امرأة، ولكن جلاديس كانت الفتاة الوحيدة في المدينة التي ما ~~كان ينبغي له الزواج منها. إنها شديدة التبذير رغم فقرها الشديد. ~~وعلى الرغم من أنها كانت تدرس في مدرسة فرانكفورت الثانوية ~~مقابل ألف ومائتي دولار في العام، كانت تلبس ملابس أجمل من ~~الفتيات الأخريات فيما عدا إنيد رويس التي كان والدها ثريا. ~~كانت المناقشات والانتقادات توجه إلى قبعاتها وأحذيتها ~~المصنوعة من الجلد المدبوغ الجديدة عاما بعد الآخر. قال الناس ~~إنها إن تزوجت من بايليس ~~ويلر، فسرعان ما ستصدم من الواقع المر. تمنى البعض لها ~~التعرض لتلك الصدمة، في حين لم يتمن البعض الآخر ذلك. بالنسبة ~~إلى كلود، توقف عن زيارة منزل السيدة فارمر المبهج منذ أن بدأ ~~بايليس الذهاب إلى هناك. لقد أصيب بخيبة أمل في جلاديس. وعندما ~~كان يستاء من شخص، نادرا ما كان يتوقف كي يفكر في شعوره. لقد كان ~~يتحاشى الشخص والتفكير في الشخص، وكأنه مصدر إزعاج بالنسبة ~~إليه. # 17 # نوى السيد ويلر أن يبقى في المنزل حتى الربيع، ولكن أرسل رالف ~~خطابا يقول فيه إنه يواجه مشكلات مع رئيس العمال؛ ولذا اضطر ~~والده إلى أن يعود إلى المزرعة في شهر فبراير. بعد ms075 مغادرته ~~بأيام قلائل، هبت عاصفة جعلت يتحدث الناس عنها لمدة عام ~~قادم. # بدأ الثلج يهطل قرب الظهيرة في يوم عيد الحب؛ إذ كان ثلجا ~~ناعما وكثيفا ورطبا يتدفق على هيئة موجات، ويعلق بكل ما ~~يقابله. في وقت لاحق من العصر، هبت الرياح وبدأت تيارات ~~الهواء في اقتلاع كل سقيفة أو شجرة أو سياج أو حتى أجمة من ~~الأعشاب الطويلة. ولما نظرت السيدة ويلر بقلق من خلف نوافذ غرفة ~~الجلوس، لم تر غير موجات من الثلج الأبيض الناعم التي حجبت ~~المنزل المرتفع عن بقية العالم. # وجد كلود ودان، اللذان كانا في الحظيرة يقومان ببعض التدابير ~~لحماية الماشية من سوء الأحوال الجوية، الهواء كثيفا جدا ~~لدرجة يصعب معها التنفس، وامتلأت آذانهما وفاهاهما وأنفاهما ~~بالثلج، الذي التصق أيضا بوجهيهما. كان الثلج يذوب باستمرار على ~~ملابسهما، ولكنه كان يغمرهما من أخمص قدميهما إلى رأسيهما بينما ~~كانا يعملان؛ فلم ينفضاه من عليهما. لم يكن الهواء باردا، بل بلغ ~~درجة أقل قليلا من التجمد. عندما دخلا من أجل العشاء، تدافعت ~~تيارات الثلج على المنزل حتى غطت الإطارات السفلية لنوافذ ~~المطبخ؛ وبينما كانا يفتحان الباب، سقط حائط هش من الثلج من ~~خلفهما. هرعت ماهيلي ومعها المقشة والدلو كي تكنسه. ~~«أهي عاصفة مروعة يا سيد كلود؟ أعتقد أن السيد إرنست المسكين ~~لن يأتي الليلة، أليس كذلك؟ لا تشغل بالك يا عزيزي؛ سأنزح تلك ~~المياه. أسرع وارتد ملابس جافة واستحم، وإلا ستصاب بنزلة ~~برد. خزان السخان مليء بالمياه الساخنة من أجلك.» دائما ما ~~كانت تبتهج ماهيلي بالأحوال الجوية الاستثنائية. # قابلت السيدة ويلر كلود أعلى السلم. سألت قلقة: «أثمة خطر ~~من تعرض العجول الموجودة بطول النهير للتجمد؟» ~~«لا، فكرت في ذلك. سقناها جميعا إلى الحظيرة مباشرة وأغلقنا ~~البوابات. لا أعلم ما يجري عند النهير الآن. ملابسي كلها ~~مبتلة. أظن أنني سأتبع نصيحة ماهيلي وأستحم إذا أمكن تأخير ~~العشاء قليلا من أجلي.» ~~«ضع ملابسك أمام باب الحمام وسأحاول أن أجففها لك.» ~~«نعم، من فضلك. سأحتاج إليها غدا. لا أريد أن أتلف ms076 سروالي ~~المصنوع من القماش المضلع. عليك كذلك، يا أمي، أن تطلبي من دان ~~تغيير ملابسه. فملابسه مبتلة ومشبعة بالبخار بشدة، ولا تصلح ~~للجلوس على الطاولة بها. أخبريه إن اضطر أحد إلى الخروج بعد ~~العشاء، فسأخرج أنا.» # أسرعت السيدة ويلر في النزول على السلم. كانت تعلم أن دان ~~يفضل الجلوس في ملابس مبتلة طوال المساء على أن يتكبد ~~عناء تغيير ملابسه. حاول التسلل من خلفها إلى مسكنه خلف غرفة ~~الغسيل، وبدا حزينا عندما سمع ما أرادته منه. # قال معترضا: «ليس لدي ملابس خروج أخرى غير التي أرتديها في ~~يوم الأحد.» ~~«حسنا، يقول كلود إنه سيخرج إن اضطر أحد إلى الخروج. أظن أن ~~عليك تغيير ملابسك على الفور يا دان، وإلا ستنام من غير عشاء.» ~~ضحكت بهدوء من الحزن الذي بدا على وجهه وهو ينسل بعيدا. # همست ماهيلي قائلة: «سيدة ويلر، هلا أنزل إلى القبو وأحضر ~~لهما بعض الفراولة المحفوظة الجميلة؟ السيد كلود يحبها مع ~~البسكويت الساخن. لم يعد يأكل العسل لأنه سئم منه.» ~~«حسن جدا. سأحضر قهوة حلوة ومركزة؛ فتلك القهوة ستبهجه ~~أكثر من أي شيء.» # نزل كلود وهو يشعر بأنه نظيف ودافئ وجائع. وبينما كان يفتح باب ~~السلم، اشتم رائحة القهوة ولحم الخنزير المقلي؛ ولما فتحت ~~ماهيلي الفرن، اندفعت منه الرائحة الدافئة للبسكويت البني مع ~~الدخان. بددت هذه الروائح جميعها، بعض الشيء، حزن دان لما عاد ~~في حذاء يوم الأحد الخاص به الذي كان يصدر صريرا، ومعطف طويل ~~الذيل وواسع. لم يلزمه ارتداء المعطف، ولكنه ارتداه ~~انتقاما. # في أثناء العشاء، أخبرتهما السيدة ويلر مرة أخرى كيف أنه لم تكن ~~هناك طرق أو سياجات في غرب فرانكفورت في بداية زواجها. وحكت ~~أنها، في إحدى ليالي الشتاء، جلست على سطح أول مخبأ لهما طوال ~~الليل تقريبا، وهي تمسك مصباحا معلقا في عمود كي ترشد ~~السيد ويلر إلى المنزل في عاصفة ثلجية مثل تلك. # بينما كانت ماهيلي تتحرك بالقرب من الموقد، راقبت الجالسين ~~على الطاولة. وأحبت أن ترى الرجلين وهما يملآن بطنيهما ~~بالطعام ms077 - على الرغم من أنها كانت لا تعد دان رجلا بأي حال من ~~الأحوال - وركزت انتباهها كي تتأكد من أن السيدة ويلر لم تغفل عن ~~الأكل؛ إذ إنها كانت معتادة على ذلك وقتما تتذكر الأشياء التي ~~حدثت منذ وقت طويل. كانت ماهيلي في حالة مزاجية سعيدة؛ لأن ~~توقعاتها بشأن الأحوال الجوية تحققت؛ فبالأمس فقط أخبرت السيدة ~~ويلر أن الثلج سيهطل؛ لأنها رأت طيور الثلج. كانت تعتبر العشاء ذا ~~أهمية غير عادية عندما ترى كلود يرتدي «بنطاله المخملي»، كما ~~تطلق على سرواله البني المصنوع من القماش المضلع. # بعد العشاء، استلقى كلود على الأريكة في غرفة الجلوس، وجلست ~~والدته تقرأ عليه بصوت عال من رواية «البيت الموحش»؛ حيث إنها ~~من الروايات المفضلة لديها. كان جو البائس يقترب من نهايته لما ~~انتصب كلود فجأة جالسا. «أمي، أعتقد أنني أشعر بالنعاس بشدة. ~~سأخلد إلى النوم. هل تعتقدين أن الثلوج لا تزال تهطل بشدة؟» # نهض وذهب كي ينظر للخارج، ولكن النوافذ الغربية كانت مغطاة ~~بشدة بالثلوج لدرجة أنه كان لا يرى ما خلفها. لم يستطع أن يرى ~~شيئا للحظة حتى من النافذة الجنوبية، ولكن لا بد أن ماهيلي حملت ~~مصباحها أمام نافذة المطبخ بالأسفل؛ إذ أضاء من فوره شعاعا أصفر ~~عريضا في الهواء الخانق، وعبره كانت تسير بسرعة ملايين ندف ~~الثلج مثل الجيوش في حركة بلا توقف، وأخذت تتجمع قدر إمكانها ~~من دون أن تشكل كتلة صلبة. ضرب كلود عضادة النافذة ~~المجمدة بقبضته، ورفع الإطار السفلي، وأخرج رأسه وحاول النظر ~~إلى الخارج في الليل المدلهم. كان هناك نوع من الجلال في عاصفة ~~بهذا الحجم؛ إذ تعطي المرء شعورا باللانهاية. بدا أن الجزيئات ~~البيضاء التي لا حصر لها، والتي كانت تعبر أشعة ضوء المصباح لها ~~هدف محدد؛ وهو التحرك السريع إلى نهاية محددة. نقاء خافت، ~~مثل رائحة عطر تدغدغ أحاسيس الإنسان، كان ينبعث منها وهي ~~تتجمع حول رأسه وكتفيه. ولما نظرت والدته من تحت ذراعه ~~المرفوعة، حاولت بصعوبة النظر وسط تلك الحركة الحاشدة، وتمتمت ~~بصوت هادئ ومرتعش ms078 قائلة: ~~«أكثر فأكثر، أخذ يزيد تجمد سطح البحيرة والنهر؛ وأكثر فأكثر، ~~أخذ سمك الثلج على كافة الأنحاء.» # 18 # كانت غرفة نوم كلود تواجه جهة الشرق. في صباح اليوم التالي، ~~عندما نظر من نوافذه، لم ير إلا قمم أشجار الأرز في الساحة ~~الأمامية. ارتدى ملابسه على عجل وجرى إلى النافذة الغربية في ~~نهاية الصالة؛ لقد اختفى نهير لافلي كريك والوادي العميق الذي ~~يتدفق فيه وكأنهما لم يكونا موجودين. تحولت المراعي الوعرة ~~إلى واد منبسط، باستثناء الروابي والتلال التي أصبحت تشبه ~~أكوام القش، حيث كان ينجرف الثلج فوق أحد الأعمدة أو أجمات ~~الأشجار. # على سلم المطبخ، قابلته ماهيلي في حالة انفعال كبير. ~~«ليرحمنا الرب يا سيد كلود، لا أستطيع فتح باب العواصف. الثلج ~~يحيط بنا ويمنعنا من الخروج من المنزل.» بدت كأنها امرأة ~~متشردة إذ كانت سترتها مرقعة برقع ذات ألوان كثيرة، وعلى ~~رأسها وشاح خفيف أسود قديم، تتدلى منه خيوط على وجهها وكأنها ~~خصلات شعر جامحة. كانت تحتفظ بهذا الزي للمناسبات المأساوية؛ ~~كانت ترتديه عندما تتجمد أنابيب المياه وتنفجر، أو عندما تغمر ~~عواصف الربيع المحاصيل وتغرق أفراخها. # كان باب العواصف ينفتح للخارج. دفعه كلود بكتفه وفتحه قليلا. ثم ~~باستخدام مجرفة مدفأة أحضرتها ماهيلي، أزاح كمية كافية من ~~الثلج تمكنه من دفع الباب وفتحه. أتى دان يتهادى لابسا جوربه ~~عبر المطبخ حتى وصل إلى حذائه العالي الرقبة، الذي كان لا يزال ~~يجف خلف الموقد. علق وهو يرمش بعينيه: «إنها حقا عاصفة ~~شديدة يا كلود.» ~~«نعم، أظن أننا لن نحاول الخروج إلا بعد الإفطار. سنضطر ~~إلى شق طريقنا إلى الحظيرة، ولم يخطر ببالي أن أحضر المجارف ~~ليلة أمس.» ~~«مجارف الثلج في القبو. سأحضرها.» ~~«ليس الآن يا ماهيلي. أحضري لنا الإفطار قبل القيام بأي شيء ~~آخر.» # نزلت السيدة ويلر واضعة شالها الصغير حول كتفيها ومغلقة ~~إياه بدبوس، وكتفاها محنيتان أكثر من المعتاد. قالت في خوف: ~~«كلود، أشجار الأرز في الساحة الأمامية غطتها الثلوج بالكامل. هل ~~تظن أن الماشية يمكن أن تدفن تحت الثلج؟» # ضحك. ms079 «كلا يا أمي. أعتقد أن الماشية كانت تتحرك في المكان ~~طوال الليل.» # عندما بدأ الرجلان في إزاحة الثلج بمجاريف الثلج الخشبية، وقفت ~~السيدة ويلر وماهيلي في المدخل تراقبهما. على مسافة قصيرة من ~~المنزل، أصبح الممر الذي ~~حفراه أشبه بنفق، وكانت الجدران البيضاء على الجانبين أعلى من ~~رأسيهما. في بداية التل، لم يكن الثلج عميقا، وحققا تقدما ~~أفضل. كان عليهما المجاهدة أكثر مع ركام ثلجي آخر كبير قبل أن ~~يكون بإمكانهما الوصول إلى الحظيرة؛ ولما وصلا أدفآ أنفسهما بين ~~الخيول والأبقار. وذهب دان إلى جوار بقرة دافئة وبدأ في ~~حلبها. # كلود: «ليس بعد. أريد أن ألقي نظرة على الخنازير قبل أن نفعل ~~أي شيء.» # بنيت حظيرة الخنازير في ~~واد ضيق خلف الحظيرة. لما وصل كلود إلى حافة الوادي الضيق ~~ووجده مكشوفا تقريبا، استطاع أن ينظر فيه. كان الوادي مليئا ~~بالثلج الناعم إلا في المنتصف، حيث كانت توجد حفرة وعرة تشبه ~~كومة كبيرة من أغطية السرير المتساقطة. # شهق دان. «يا إلهي! لقد سقط السقف يا كلود! ستختنق ~~الخنازير.» ~~«ستختنق إن لم نلحقها بسرعة. أسرع إلى المنزل وأخبر والدتي. ~~ستقوم ماهيلي بالحلب هذا الصباح، وعد إلى هنا بأسرع ما ~~يمكنك.» # كان السقف مصنوعا من القش المنبسط، وضغط الثلج عليه كان ~~ثقيلا جدا. تساءل كلود في نفسه هل كان من الواجب عليه وضع قش ~~جديد هذا الخريف أم لا، ولكن القش القديم لم تكن به فجوات، وبدا ~~قويا للغاية. # لما عاد دان تبادلا الأدوار؛ كان أحدهما يتقدم ويرمي أكبر قدر ~~ممكن من الثلج، والآخر يتعامل مع الثلج المتبقي. بعد ساعة أو ~~أكثر من هذا العمل، اتكأ دان على مجرفته. ~~«لن ننجح أبدا يا كلود. لا يستطيع رجلان جرف كل هذا الثلج ~~حتى في أسبوع. أنا شبه منهك.» # صاح كلود بحدة: «حسنا، يمكنك العودة إلى المنزل والجلوس ~~بجانب المدفأة.» خلع معطفه، وكان يعمل لابسا قميصه وسترته. ~~كان العرق ينحدر من وجهه، وآلمه ظهره وذراعاه، وتقرحت يداه ~~إذ لم يحافظ على جفافهما. كان يوجد في حظيرة ms080 الخنازير سبعة ~~وثلاثون خنزيرا. # جلس دان في الحفرة. وقال مغتما: «ربما إن حصلت على بعض الماء ~~أستطع إكمال عملي.» # استطاعا الدخول إلى الحظيرة بعد الظهر، وارتفعت سحابة من ~~البخار، وسمعا خنخنة الخنازير. وجدا الخنازير متكومة بعضها ~~على بعض في أحد أطراف الحظيرة؛ ~~ومن ثم سحبا الخنازير الموجودة بالأعلى وهي تصرخ. اختنق اثنا عشر ~~خنزيرا كانت في قاع الكومة. كانت أجسامها مبتلة وسوداء في ~~الثلج؛ وعلى الرغم من دفئها وخروج البخار منها، فإنها بلا شك كانت ~~ميتة. # لبست السيدة ويلر حذاء زوجها المطاطي العالي الرقبة ~~ومعطفا قديما، ثم نزلت مع ماهيلي كي ترى تلك الكارثة. # صاحت ماهيلي في الرجلين: «يجب عليكما البدء فورا في ذبحها ~~وتقطيع لحمها اليوم.» كانت تقف على حافة الوادي الضيق لابسة ~~سترتها المرقعة وغطاء رأسها ذا الخيوط المنسلة. كلود، الذي ~~كان في الحفرة، مسح وجهه الذي يتصبب عرقا في كم سترته. ~~وصاح غاضبا: «أذبحها؟ لن أذبحها حتى وإن لم أر اللحم مرة ~~أخرى.» # ردت ماهيلي متوسلة: «لن تترك كل لحم الخنازير الطيب هذا ~~يذهب هباء، أليس كذلك يا سيد كلود؟ إنها غير مصابة بمرض أو ما ~~شابه. ما عليك سوى أن تبدأ من فورك في ذبحها، وإلا لن يكون لحمها ~~صحيا.» ~~«لن يكون صحيا بالنسبة إلي على أي حال. لا أعلم ما سأفعل ~~بها، ولكني واثق تمام الثقة بأنني لن أذبحها.» # حذرتها السيدة ويلر قائلة: «لا تزعجيه يا ماهيلي. إنه ~~متعب، وعليه أن يهيئ مكانا صالحا من أجل الخنازير ~~الحية.» ~~«أعلم أنه كذلك يا سيدتي، ولكني أستطيع ذبح أي من تلك ~~الخنازير بنفسي. فقد ذبحت خنزيرا صغيرا لدي عندما كنت في ~~فيرجينيا. على أي حال، أستطيع حفظ لحم الأفخاذ والضلوع. لن يكون ~~لدينا لحم من ضلوع الخنازير لمدة طويلة.» # كان كلود يشعر ببؤس شديد بسبب ألم ظهره واغتمامه من فقدان ~~الخنازير. صاح: «أمي، إن لم تأخذي ماهيلي إلى المنزل فسيجن ~~جنوني!» # في مساء ذلك اليوم، سألته والدته عن القيمة المالية لتلك ~~الخنازير الاثني عشر. بدا متحيرا قليلا. ms081 ~~«أوه، لا أعلم بالضبط؛ ربما ثلاثمائة دولار.» ~~«هل تساوي هذا المبلغ حقا؟ لا أعلم كيف كان بإمكاننا منع ~~تلك المصيبة، هل تعلم أنت؟» بدت الحيرة على وجهها. # خلد كلود إلى النوم بعد العشاء مباشرة، ولكن لم يكد يمدد ~~جسده المتألم تحت الغطاء حتى بدأ يستيقظ. شعر بالخزي من فقدان ~~الخنازير لأنها تركت في عهدته؛ ولكن لم يبد أنه كان يأبه ~~لخسارة المال؛ وهو الأمر الذي حزنت عليه حتى والدته. تساءل في ~~نفسه عما إذا كان طوال هذا الشتاء لم ينم لديه ازدراء طفوليا ~~تجاه القيم المالية. # لما كان رالف في المنزل وقت عيد الميلاد، كان يرتدي خاتما ~~ذهبيا ثقيلا في خنصره، وكانت في فصه ماسة بحجم البازلاء، ~~محاطة بنقوش لامعة. أخبر كلود أنه ربحه في لعبة بوكر. لم ~~تخل يدا رالف قط من شحم السيارة - لقد كانتا من النوع ~~المتورد المكتنز الذي لا يمكن الحفاظ على نظافته. تذكر كلود ~~صورته وهو يحلب في الحظيرة على ضوء الفانوس، وجوهرته ترمي بشعاع ~~براق، وأصابعه تشبه حلمات البقرة إلى حد كبير. ظهرت تلك ~~الصورة أمامه الآن باعتبارها رمزا على النجاح في مجال ~~المزارع. # كان يستيقظ المزارع ويأخذ إلى السوق الأشياء ذات القيمة العالية؛ ~~يأخذ القمح والذرة اللذين بجودة يمكن أن تضاهي نظيرهما على ~~مستوى العالم، وأخذ أفضل الخنازير والماشية. في طريق العودة، كان ~~يشتري بعض الأغراض المصنعة ذات الجودة الرديئة؛ قطع أثاث ~~براقة مكسرة، سجاجيد وستائر بهت لونها، ملابس تجعل الوسيم ~~الذي يرتديها مثل المهرج. وكان ينفق معظم أمواله على الآلات ~~- وهذه أيضا تحطمت. لم تكن تصمد آلة الدرس البخارية مدة ~~طويلة، ويعيش أحد الأحصنة مدة تجاوزت العمر الافتراضي لثلاث ~~سيارات. # أحس كلود لما كان صغيرا، وكان جميع الجيران فقراء، أنهم ~~ومنازلهم ومزارعهم حظوا بشخصية فريدة أكثر. كان المزارعون ~~حينها يستغرقون وقتا أطول في زراعة بساتين أشجار الحور القطني ~~البديعة في مزارعهم، وفي عمل سياجات بزراعة أشجار برتقال أو ساج ~~بطول حدود حقولهم. قطعت كل هذه الأشجار الآن واقتلعت من ~~أماكنها. لم يكن ms082 أحد يعلم السبب؛ تسببوا في انخفاض خصوبة ~~الأرض، تسببوا في الركامات الثلجية، لم تعد توجد لدى أحد ~~أي من هذه الأشجار. تولد نوع من قسوة القلب من رحم الرخاء؛ ~~إذ يريد كل امرئ أن يدمر الأشياء القديمة التي اعتاد أن يفخر ~~بها. البساتين التي رعيت وحوفظ عليها طيلة عشرين سنة باتت ~~متروكة الآن كي تموت من الإهمال. بات الذهاب إلى المدينة ~~بالسيارة لشراء الفاكهة أسهل من زراعتها. # تغير الناس أنفسهم. إنه يتذكر وقت أن كان جميع ~~المزارعين في هذه البلدة يكنون الود بعضهم تجاه بعض، أما ~~الآن فلا تنتهي المنازعات القضائية فيما بينهم. أبناؤهم إما ~~يتصفون بالبخل والجشع أو الإسراف والكسل، ولا ينفكون عن إثارة ~~المشاكل. من الواضح أن إنفاق المال يحتاج إلى فطنة أكبر من ~~كسبه. # عندما تأمل كلود هذا الاستنتاج، فكر في آل إرليش. بإمكان ~~يوليوس أن يسافر إلى الخارج ويدرس كي يحصل على درجة الدكتوراه، ~~ويعيش على دخل أقل مما ينفقه رالف في العام. لن يكون أبدا ~~لرالف مهنة أو تجارة، ولن يقوم أبدا بشيء يحتاج إليه ~~العالم. # لم يجد حاله أفضل من حال ~~أخيه. كان يبلغ واحدا وعشرين عاما ولا يمتلك مهارات ولا ~~تدريبا، ولا قدرة على الوجود وسط الناس الذين يحب أن يكون ~~بينهم. إنه فتى مزارع أخرق وغبي، وحتى بدا أن السيدة إرليش كانت ~~تعتقد أن المزرعة أفضل مكان بالنسبة إليه. ربما كان هذا صحيحا؛ ~~ورغم ذلك لم يجد تلك الحياة تستحق عناء الاستيقاظ كل صباح. ~~إنه لا يستطيع رؤية فائدة العمل من أجل المال ما دام المال لا ~~يحقق له ما يريد. كانت تقول السيدة إرليش إن المال يجلب الأمن. ~~كان يظن أحيانا أن هذا الأمن هو سبب تعاسة الجميع؛ فالأمان ~~التام لا يؤدي إلا إلى قتل أفضل الصفات لدى الناس وإظهار أسوأ ~~ما فيهم. # إرنست أيضا كان يقول: «إنها الحياة الأفضل على وجه الأرض يا ~~كلود.» # لكن إن ذهبت إلى السرير مهزوما كل ليلة وخشيت الاستيقاظ في ~~الصباح، فمن الواضح أنها ليست ms083 الحياة المثلى بالنسبة إليك. ~~بالنسبة إلى شخص في عمره، عدم الخوف من فوات ثلاث وجبات في اليوم ~~والنوم لمدة كافية لا يقل عن الاطمئنان إلى الحظوة بمدفن ~~لائق. الأمان، الأمن ؛ إذا اتبع المرء هذا المنطق، فالذين لم ~~يولدوا بعد والذين لن يولدوا مطلقا يحظون بأكبر أمان؛ إذ ~~لا يمكن أن يحدث لهم شيء. # بدا أن كلود كان يعلم - كما كان يعلم الجميع - أن هناك شيئا ~~خطأ فيه. لم يستطع إخفاء شعوره بالسخط. كان يخشى السيد ويلر أن ~~يكون من أصحاب الرؤى الحالمة الذين يتسببون في متاعب غير ضرورية ~~لأنفسهم ولغيرهم. كانت تظن السيدة ويلر أن مشكلة ابنها تكمن ~~في عدم قربه من الرب حتى الآن. كان بايليس مقتنعا أن أخاه ~~متمرد أخلاقي، وأنه خلف تحفظه وحذره كان يخفي أخطر ~~الآراء. الجيران كانوا يحبون كلود، ولكنهم كانوا يسخرون منه، ~~ويقولون إن ثراء والده أتى في صالحه. كان يدرك كلود أنه بدلا من ~~أن يستفيد من طاقته في تحقيق شيء، فإنه يبددها في مقاومة ظروف ~~لا تتغير، وفي محاولات لا تجدي نفعا لقمع طبيعته. عندما كان يظن ~~أنه استطاع التحكم في نفسه في النهاية، فلحظة كفيلة بأن ~~تبدد جهود أيام كاملة؛ كان يتحول في لمح البصر من عمود ~~خشبي إلى فتى مفعم بالحيوية. كان ينهض على قدميه، أو يتقلب ~~بسرعة على السرير، أو يتوقف عن المشي؛ لأن الاعتقاد القديم ~~يتقد في عقله، ويشعل الأمل والألم فيه؛ إنه الاعتقاد بوجود شيء ~~جميل في الحياة، لو يستطيع فقط العثور عليه. # 19 # بعد العاصفة الشديدة، حدثت تقلبات في الأحوال الجوية. حدث ~~ذوبان جزئي أنذر بحدوث طوفان، ثم تجمد الثلج مرة أخرى. ~~تلألأت البلدة بكاملها بطبقة من الثلج، وتجول الناس على أرضية ~~من الثلج المتجمد، كانت في مستوى أعلى بكثير من مستوى الحياة ~~العادية. أخرج كلود مركبة الجليد الزوجية القديمة الخاصة بالسيد ~~ويلر من بين كومة من الأشياء غير المتجانسة التي ظلت قابعة ~~فوقها لسنوات، وأحضر الأجراس الصدئة الخاصة بها إلى المنزل كي ~~تلمعها ماهيلي باستخدام ms084 غبار الطوب. نظرا إلى أن معظم ~~المزارعين أصبح لديهم سيارات الآن، فقد تركوا مركبات الجليد ~~الخاصة بهم حتى تحطمت. ولكن آل ويلر كانوا دائما ما يحافظون ~~على أشيائهم. # أخبر كلود والدته أنه ينوي أخذ إنيد رويس في جولة بمركبة الجليد. ~~إنيد كانت ابنة تاجر الحبوب الذي يدعى جايسون رويس، الذي يعد ~~من أوائل مستوطني المنطقة، والذي ظل عدة سنوات يدير طاحونة ~~الحبوب الوحيدة في مقاطعة فرانكفورت. إنها وكلود كانا رفيقين ~~قديمين؛ كان يقوم بزيارة رسمية إلى منزلها الذي كان يسمى ~~بالطاحونة في كل صيف أثناء إجازته، وكثيرا ما كان يذهب لزيارة ~~السيد رويس في مكتبه في المدينة. # بعد العشاء مباشرة، ربط كلود الحصانين الأسودين الصغيرين ~~القويين - بومبي وساتان - في مركبة الجليد. في ذلك اليوم، ظهر ~~القمر قبل أن تغيب الشمس بوقت طويل، وبقي في السماء شاحبا معظم ~~وقت ما بعد الظهيرة، وبات الآن يغمر الأرض المغطاة بالثلج ~~بنوره الفضي. لقد كانت إحدى ليالي الشتاء المنيرة التي يحس ~~فيها الفتى أن العالم لا يسعه على الرغم من كبره؛ أنه لا يوجد ~~تحت قبة السماء الزرقاء المتلألئة أحد سعيد ومرهف الحس ~~مثله، وأن كل هذه العظمة مخلوقة من أجله. دوت أجراس مركبة ~~الجليد بموسيقى مبهجة، وكأنها سعدت بالعمل مرة أخرى بعدما ~~ظلت صدئة ومختنقة بالغبار عدة فصول من الشتاء. # إن الطريق إلى الطاحونة الذي يمكن الوصول إليه من الطريق السريع ~~ويمتد إلى النهر كانت له ذكريات سعيدة مع كلود. لما كان فتى ~~صغيرا، كان يتوسل إلى والده كي يأخذه معه في كل مرة يذهب فيها إلى ~~الطاحونة. كان يحب الطاحونة وصاحبها وابنة صاحبها الصغيرة. لكنه ~~لم يحب منزل صاحب الطاحونة مطلقا، وكان يخاف من والدة إنيد. ~~حتى الآن، بينما كان يربط فرسيه في الحاجز الطويل بجوار غرفة ~~المحركات، قرر ألا يسمح لأحد بأن يحمله على الدخول إلى غرفة ~~الاستقبال الرسمية، تلك المليئة بالأثاث الحديث والغالي؛ إذ في تلك ~~الغرفة كانت تتخلى عنه دائما شجاعته، ولا يستطيع التفكير في ~~أي شيء يتحدث فيه. ms085 وإذا تحرك، كان يصدر من حذائه صرير وسط ~~الصمت، وكانت السيدة رويس تجلس وتطرف بعينيها الصغيرتين ~~الحادتين تجاهه؛ وكلما طالت مدة جلوسه، زادت صعوبة ~~خروجه. # أتت إنيد بنفسها إلى الباب. # صاحت متعجبة: «عجبا، إنه كلود! ألن تدخل؟» ~~«كلا، أريد أن تخرجي معي في جولة. أخرجت مركبة الجليد ~~القديمة. هيا، الطقس جميل هذه الليلة!» ~~«أظن أنني سمعت الأجراس. ألن تدخل وترى والدتي ريثما ~~أتجهز؟» # قال كلود إنه يجب عليه البقاء مع الفرسين، وعاد مهرولا إلى ~~الحاجز. لم تتأخر عليه إنيد؛ إذ لم تكن من هذا النوع من الأشخاص. ~~أتت بسرعة عبر الممر وعبرت البوابة الأمامية لابسة معطف ~~قيادة عليه شعار ولاية مين الذي كانت تلبسه عندما تقود سيارتها ~~الكوبيه في الطقس البارد. # لما اندفع الفرسان إلى الأمام، وبدأت الأجراس تجلجل، سأل ~~كلود: «والآن، أي طريق سنسلكه؟» ~~«أي طريق. يا لها من ليلة جميلة! وأنا أحب أجراسك يا كلود. لم ~~أسمع أجراس مركبة جليد منذ الوقت الذي اعتدت فيه أن تأخذني أنا ~~وجلاديس من المدرسة إلى المنزل في الجو العاصف. ما رأيك أن نمر ~~عليها ونأخذها معنا الليلة؟ لديها، كم تعلم، أكثر من فراء ~~الآن.» وهنا، ضحكت إنيد. «كل النساء العجائز متحيرات بشدة ~~بشأنها؛ إنهن لا يعرفن هل أعطاها أخوك لها في عيد الميلاد أم لا. ~~إن كن متأكدات من أنها اشترتها بنفسها، فأعتقد أنهن سيعقدن ~~اجتماعا عاما.» # ضرب كلود الحصانين الصغيرين المتحمسين بالسوط. «ألا ~~تسأمين من الطريقة التي يتحدثون بها على جلاديس دوما؟» ~~«سأفعل إذا كانت تبالي هي. ولكني أعجب من هدوئها! لا بد أن ~~هناك شيئا يتحدثون بشأنه، وبالطبع تتراكم الضرائب المتأخرة ~~على السيدة فارمر المسكينة. بالتأكيد أشك في أن بايليس هو الذي ~~اشتراها لها.» # لم يعد كلود متحمسا للمرور على جلاديس، وأخذها معهما كما ~~كان منذ بضع لحظات. لقد كانا يقتربان من المدينة الآن، وكانت ~~النوافذ المنيرة تشع بنور خافت عبر بياض الثلج المنعكس ~~باللون الأزرق. حتى في فرانكفورت المتقدمة، كانت مصابيح الشوارع ~~تطفأ في ليلة منيرة كتلك الليلة. ms086 كانت السيدة فارمر وابنتها ~~تعيشان في كوخ أبيض صغير في الجزء الجنوبي من المدينة، حيث لا ~~يعيش سوى أصحاب الدخل المتواضع. لما اقتربا أمام السياج، ~~قالت إنيد: «يجب أن نتوقف لنرى والدة جلاديس ولو حتى لدقيقة. ~~إنها تحب الصحبة كثيرا.» ربط كلود فرسيه في شجرة وصعدا إلى ~~المدخل الضيق والمنحدر الذي تحيط به نباتات متسلقة مغطاة ~~بالثلج المتجمد. # قابلتهما السيدة فارمر؛ إنها امرأة ضخمة متوردة الوجه في ~~الخمسين من عمرها، ولها صوت جميل مثل أهل ولاية كنتاكي. أمسكت ~~بذراع إنيد بود واصطحبتها للداخل، وتبعهما كلود إلى غرفة ~~الجلوس الطويلة ذات السقف المنخفض وذات الأرضية غير المستوية ~~التي بها مصباحان، واحد في كل طرف، وبها بضع قطع أثاث متهالك ~~من خشب الماهوجني. هناك، بجانب مدفأة الفحم الصلب، كان يجلس ~~بايليس ويلر. لم ينهض عندما دخلا، ولكنه قال: «مرحبا يا رفاق»، ~~بصوت يتخلله بعض الإحراج. على طاولة صغيرة، وبجانب سلة أدوات ~~الخياطة الخاصة بالسيدة فارمر، كان يوجد صندوق الحلوى الذي أخرجه ~~من جيب معطفه قبل قليل، والذي كان لا يزال مربوطا بشريط ذهبي. ~~كان يوجد مصباح طويل بجانب البيانو الذي من الواضح أن جلاديس ~~كانت تتمرن عليه. تساءل كلود في نفسه هل بايليس يزعم أنه مهتم ~~بالموسيقى حقا! في تلك اللحظة، قالت السيدة فارمر إن جلاديس في ~~المطبخ تبحث عن نظارة والدتها التي نسيت أين وضعتها لما كانت ~~تكتب وصفة طهي خاصة بسوفليه الجبن. # سألتها إنيد: «أما زلت تحصلين على وصفات طهي جديدة يا سيدة ~~فارمر؟ أظن أن بإمكانك طهي كل الأكلات في العالم.» ~~«أوه، هذا ليس صحيحا تماما!» ضحكت السيدة فارمر بتواضع، ~~وأظهرت أنها تحب المجاملات. وقالت للشخص المتصلب عند الباب: ~~«تفضل بالجلوس يا كلود. ستأتي ابنتي خلال لحظات.» # في تلك اللحظة، ظهرت جلاديس فارمر. # قالت وهي ترحب بالموجودين: «عجبا، لم أعلم أن لديك رفقة ~~يا أمي.» # في ظن كلود، كان كلامها يعني أن بايليس لم يكن رفيقا. لم يكد ~~ينظر إلى جلاديس وهو يصافح يدها التي مدتها إليه. # أتى أحد ms087 أجداد جلاديس من مدينة أنتويرب، وكانت جلاديس لديها ~~الهيئة الرزينة والشفتان الحمراوان الممتلئتان والعينان ~~البنيتان واليدان البيضاوان التي بها نقر تظهر غالبا في ~~الصور الفلمنكية للفتيات. يعتقد البعض أنها بدينة قليلا ، وناضجة ~~وواثقة جدا من نفسها، بحيث لا يمكن أن توصف بأنها جميلة، على ~~الرغم من أنهم يعجبون ببشرتها الجميلة المشربة بالحمرة التي ~~يشبه لونها لون زهرة التوليب. لم يبد قط أن جلاديس على دراية ~~بأن مظهرها وفقرها وبذخها موضع جدال دائم، بل إنها كانت تذهب ~~إلى المدرسة وتعود منها كل يوم وكأنها شخص له مكانة لا تهتز. ~~تعلمها للموسيقى منحها ثقلا في فرانكفورت. # شرحت إنيد الغرض من زيارتهما. «أخرج كلود مركبة الجليد ~~القديمة الخاصة به وأتينا كي نأخذك معنا في جولة. أظن أن بايليس ~~سيأتي معنا، أليس كذلك؟» # قال بايليس إنه يظن ذلك، على الرغم من أن كلود كان يعلم أنه لا ~~يكره شيئا أكثر من أن يخرج في البرد. هرولت جلاديس إلى الطابق ~~العلوي كي تلبس ملابس ثقيلة، ورافقتها إنيد، وتركتا السيدة ~~فارمر كي تجري محادثة ودية مع ضيفيها غير ~~المتوافقين. # قالت متعاطفة: «أخبرني بايليس لتوه كيف فقدت الخنازير في ~~العاصفة يا كلود. يا له من حدث مؤسف!» # قال كلود في نفسه إن بايليس لن يتكتم على تلك الحادثة على ~~الإطلاق! # كانت السيدة فارمر تتمتع بصوت منخفض وهادئ مثل ابنتها، وهو ~~مختلف عن صوت أهل الغرب العالي والعصبي؛ ولذا قالت بأسلوبها ~~المؤدب: «أظن أنه لم تكن هناك أي طريقة لإنقاذها. لذا، ~~أرجو ألا تتضايق بشأن تلك الحادثة.» # رد كلود بجرأة: «لا، أنا لا أزعج نفسي بأي شيء مات مثل تلك ~~الخنازير. فما الفائدة من ذلك؟» # تأرجحت السيدة فارمر في كرسيها قليلا، وتمتمت قائلة: ~~«صحيح. تقع تلك الأمور أحيانا، وما ينبغي لنا أن ننزعج بشأنها ~~بشدة. إنها ليست مهمة مثل إصابة إنسان بسوء، أليس كذلك؟» # اهتز كلود في كرسيه، وحاول أن يرد على كلامها الطيب، ~~ويتكيف مع الراحة البسيطة التي توفرها غرفة الاستقبال ~~الطويلة خاصتها، التي كان من الواضح ms088 أنها تحاول جاهدة أن تكون ~~جذابة لأصدقائها. لم توجد أربع أرجل ثابتة في أي من الكراسي ~~المنجدة أو الطاولات الصغيرة القابلة للطي التي أحضرتها من ~~الجنوب، والأطر الذهبية الثقيلة كانت نصف مكسورة في صورة والدها ~~القاضي الزيتية. لكنها لم تكن تهتم بمسألة الفقر - كدأب أهل ~~الجنوب بعد الحرب الأهلية - ولا تشغل بالها كثيرا بالضرائب ~~المتأخرة كما يفعل جيرانها. حاول كلود أن يكون ودودا في ~~الحديث معها، ولكن شتته صوت الضحك المكبوت الذي كان يأتي من ~~الطابق العلوي. على الأرجح كانت جلاديس وإنيد تتمازحان بشأن وجود ~~بايليس هناك. يا لهما من فتاتين وقحتين! # عندما كانت مركبة الجليد تنطلق مسرعة وأجراسها تجلجل في ~~شوارع القرية ذهابا وإيابا، أتى الناس إلى النوافذ الأمامية ~~لمنازلهم لإلقاء نظرة عليها. عندما غادروا المدينة، اقترح بايليس ~~أن يذهبوا إلى ما هو أبعد من منزل تريفور. بدأت الفتاتان تتحدثان ~~عن الشابين اللذين كانا من نيو إنجلاند - تريفور وبرويستر - ~~اللذين كانا يعيشان هناك لما كانت فرانكفورت لا تزال مستوطنة ~~حدودية صغيرة ووعرة. كان الجميع يتحدثون عنهما الآن؛ إذ منذ بضعة ~~أيام وصل خبر أن أحد الشريكين، وهو أموس برويستر، سقط ميتا في ~~مكتب المحاماة الخاص به الكائن في هارتفورد. مر ثلاثون عاما ~~منذ أن حاول هو وصديقه بروس تريفور أن يصبحا من أكبر مربي ~~الماشية بمقاطعة فرانكفورت، وبنيا المنزل فوق التل الدائري ~~الموجود شرقي المدينة، وأنفقا عليه مبلغا كبيرا بسعادة ~~كبيرة. كان والد كلود يقول دائما إن المبلغ الذي يبددانه على ~~الشراب ضئيل مقارنة بخسائرهما بسبب مساعيهما المحمودة في مجال ~~الأعمال. قال السيد ويلر إن البلدة لم تبق قط على حالها بعدما ~~غادرها هذان الشابان. سره أن يخبرهم عن الوقت حينما دخل ~~تريفور وبرويستر في مجال تربية الأغنام. استوردا كبشا للتكاثر من ~~اسكتلندا بتكلفة كبيرة؛ ولما وصل لم يصبرا وأرادا الاستفادة منه؛ ~~ومن ثم أطلقاه مع النعاج بمجرد أن خرج من قفصه. وكانت ~~النتيجة أن ولد كل الحملان في الفصل الخطأ؛ إذ ولدت في ~~بداية شهر مارس - في عاصفة ms089 ثلجية شديدة - وماتت كل الأمهات من ~~البرد. امتطى تريفور المغوار حصانه وطاف بجميع أرجاء المقاطعة، ~~بين كل المستوطنات الصغيرة؛ كي يشتري زجاجات وحلمات إرضاع من ~~أجل إطعام الحملان التي ماتت أمهاتها . # استؤجرت الأرض الفيضية الخصبة القريبة من منزل تريفور من قبل ~~مزارع كان يزرعها من أجل بيع محصولها منذ سنوات حتى الآن، أما عن ~~المنزل المريح الملحق به مبنى فرعي للعب البلياردو - وهو شيء ~~لم يكن مألوفا في ذلك الجزء من الريف حينذاك - فقد ظل ~~مغلقا ونوافذه مغطاة بألواح خشبية. كان يقع المنزل أعلى ~~تل صغير مستدير، وكان يوجد خلفه بستان جميل من أشجار الحور ~~القطني. ولما اتجه كلود نحوه في تلك الليلة، بدا التل بأشجاره ~~الطويلة المستقيمة وكأنه قبعة كبيرة مصنوعة من الفراء موضوعة ~~على الثلج. # علقت إنيد: «لماذا لم يشتر أحد هذا المنزل منذ مدة طويلة ~~ويصلحه؟ لا يوجد مكان في تلك الأنحاء يمكن أن يقارن به. يبدو ~~أنه المكان الذي يجب أن يعيش فيه أكابر المدينة.» # قال بايليس بنبرة متحفظة: «سرني أنه أعجبك يا إنيد. طالما ~~كنت أضمر إعجابا لهذا المكان. لكن لم يرغب هذان الشخصان في ~~بيعه مطلقا. ولكن هذا الأمر انتهى الآن. فقد اشتريته بالأمس. ~~والعقد في طريقه إلى هارتفورد من أجل التوقيع.» # التفتت إنيد إليه وهي في مقعدها. «يا إلهي، يا بايليس، هل أنت ~~جاد؟ لقد اشتريت منزل تريفور على الفور وكأنه عقار عادي! هل ~~ستنهي إجراءات تملكه وتعيش فيه يوما ما؟» ~~«لا أدري هل سأعيش فيه أم لا. إنه بعيد جدا بحيث لا يمكن أن ~~أذهب منه إلى مكان عملي سيرا على الأقدام، والطريق المار عبر ~~هذه الأرض يغمره الطين بشدة في الربيع بحيث يصعب أن تسير عليه ~~السيارة.» ~~«ولكنه ليس بعيدا، تبلغ المسافة أقل من ميل. لو امتلكت هذا ~~المكان، فبالتأكيد لن أدع أحدا آخر يعيش فيه. حتى إن كاري ~~تتذكره. وكثيرا ما تسأل في خطاباتها هل اشترى أحد منزل تريفور ~~حتى الآن أم لا.» # كاري رويس - أخت إنيد الكبرى - في بعثة ms090 تبشيرية ~~بالصين. # اعترف بايليس قائلا: «حسنا، أنا لم أشتره من أجل الاستثمار. ~~دفعت قيمته بالكامل.» # التفتت إنيد إلى جلاديس؛ إذ بدا واضحا أنها لم تكن تنصت ~~إليهما. «أنت الشخص الذي يستطيع التخطيط لبناء قصر على تل ~~تريفور يا جلاديس. لا يخلو عقلك من مثل هذه الأفكار المبتكرة عن ~~المنازل.» # قالت جلاديس بهدوء: «نعم، فمن لا يملكون المنازل يبدو في الغالب ~~أن لديهم أفكارا مبتكرة عن البناء. ولكني أحب منزل تريفور ~~على وضعه الحالي. وأحزن عندما أفكر في أن أحدهما قد مات. يقول ~~الناس إنهما أمضيا أوقاتا طيبة في هذا المكان.» # نخر بايليس. «أسميها أوقاتا طيبة إن أحببت. لما أتيت لأول ~~مرة إلى المدينة، كان الأطفال يسعون لسرقة زجاجات الويسكي من ~~القبو. وبالطبع إذا قررت العيش في هذا المنزل، فسأهدم ذلك الفخ ~~القديم وأشيد شيئا حديثا.» كثيرا ما كان يتحدث بتلك النبرة ~~الفظة مع جلاديس أمام الناس. # حاولت إنيد أن تشرك ~~السائق في الحديث. «يبدو أن هناك اختلافا في الآراء هنا ~~يا كلود.» # قالت جلاديس غير آبهة: «أوه، إنه ملك بايليس، أو سيصبح كذلك ~~قريبا. سيبني ما يريد. كنت أعرف دائما أن أحدا سيأخذ هذا ~~المكان مني يوما ما؛ ولذا فأنا مستعدة.» # تمتم بايليس باندهاش: «يأخذه منك؟» ~~«نعم. ما دام لم يشتره أحد ويغير ملامحه، فهو ملك لي ولأي ~~أحد آخر.» # قالت إنيد مازحة: «كلود، أصبح لكل واحد من أخويك منزل. فأين ~~سيكون منزلك؟» # رد ساخرا: «لا أعرف إن كنت سأمتلك واحدا يوما ما أم لا. ~~أظن أنني سأرتحل حول العالم قليلا قبل أن أحدد ما ~~سأفعله.» # قالت جلاديس بنبرة تنم عن ضجر مفاجئ: «خذني معك يا كلود!» ~~من تلك التمتمة الحزينة، شكت إنيد أن بايليس أمسك بيد جلاديس ~~تحت غطاء جلد الجاموس الذي كانا يضعانه على أرجلهما. # خيمت الكآبة على رحلة التجول بمركبة الجليد. حتى إنيد التي ~~لا تتمتع بحساسية كبيرة تجاه العواطف المكبوتة، رأت أن هناك ~~كبحا غير مريح للعواطف. هبت ريح شديدة. اقترح بايليس ~~مرتين أن يعودوا، ولكن ms091 أخاه رد عليه قائلا: «سنعود قريبا ~~جدا»، وتابع طريقه. قصد أن يحصل بايليس على ما يكفي من الأمر. ~~وإلى أن همست إليه إنيد موبخة: «أعتقد حقا أنه ينبغي أن ~~نعود؛ بدأت برودة الجو تقرسنا»، أدرك أنه حول رحلة التجول ~~بمركبة الجليد إلى عقاب! لم ترتكب إنيد بالتأكيد فعلا تعاقب ~~عليه؛ فقد فعلت ما بوسعها، وحاولت أن تغطي على أسلوبه السيئ. ~~تخبط في اعتذاره إليها حينما ساعدها في الخروج من مركبة الجليد ~~عند الطاحونة. وفي طريق عودته الطويل إلى المنزل، راودته أفكار ~~مريرة عن الصحبة. # كان غاضبا بشدة من جلاديس لدرجة أنه لم يودعها. اغتاظ من كل ~~كلمة قالتها في تلك الجولة. إن كانت تنوي الزواج من بايليس، فلا ~~بد أن تنفض عنها هذا التظاهر بالحرية والاستقلال. وإن كانت لا ~~تنوي الزواج منه، فلماذا تقبل المجاملات منه، وتتركه يعتاد ~~على الذهاب إلى منزلها، ويضع علبة الحلوى الخاصة به على ~~الطاولة، مثلما يفعل كل أهل فرانكفورت عندما يحاولون التودد ~~لشخص ما؟ بالتأكيد لم تستطع أن تقنع نفسها بأنها تحب ~~مجتمعه! # لما كانا زميلين في مدرسة فرانكفورت الثانوية، كانت جلاديس ~~بمنزلة مرآة لمظهر كلود الجمالي. لم تجر العادة أن يتحلى أي ~~فتى بالنظافة الشديدة والاهتمام البالغ بملبسهم وأسلوبهم. ولكن ~~إذا اختار فتاة لا تشوبها شائبة في هذه النواحي، وكان يحضر دروس ~~اللغة اللاتينية والأنشطة المعملية معها، فكل عوامل الجذب ~~الشخصية فيها تحسب له. بدا أن جلاديس كانت تقدر الشرف الذي ~~منحه لها كلود، وما كانت هي السبب بالكامل في أن تلبس تلك ~~الفساتين الجميلة المكوية المخيطة من الموسلين عندما كانا ~~يذهبان في رحلات استكشافية عن النباتات. # في طريق العودة من هذه الجولة التعيسة بمركبة الجليد، قال كلود ~~لنفسه إنه فيما يتعلق بجلاديس يستطيع أن يعتقد أنه تعرض ~~«للخداع» طوال الوقت. لقد صدق مشاعرها الراقية؛ صدقها ~~ضمنيا. لكنه بات الآن يعلم أنها ليست لديها مشاعر راقية يمكن ~~أن تخفيها إن كان هناك ما يمكن أن تجنيه من ذلك. وحتى بينما ~~كان يقول في نفسه ms092 هذه الأشياء مرارا وتكرارا، ظلت فكرته ~~القديمة الكامنة في أعماق عقله عن جلاديس راسخة لا تتغير. ~~ولكن ذلك ما زاد مشاعره إلا تألما. لقد بلغ جرحه مبلغا ~~عميقا؛ ولسبب ما، يحب الشاب أن يشعر أنه تعرض للخيانة ~~عندما يجرحه أحد. # الكتاب الثاني # | إنيد # 1 # في عصر أحد أيام ذلك الربيع، كان كلود يجلس على مجموعة درجات ~~السلم الطويلة المصنوعة من الجرانيت التي تؤدي إلى مبنى المجلس ~~التشريعي في دنفر. كان يلقي نظرة على بقايا ساكني الجروف ~~الموجودة في هذا المبنى؛ وعندما خرج تحت أشعة الشمس، اخترقت ~~الرائحة الخافتة للحشائش الحديثة الجز أنفه وأقنعته بالبقاء. ~~تلك كانت المرة الأولى التي يجز فيها عاملو البستان الحشائش في ~~تلك الأرض. كانت جميع المروج على التل لامعة بزهور النرجس ~~البري والزنابق. هب ريح خفيف ودافئ فوق الحشائش وجفف قطرات ~~المياه. هطلت أمطار في وقت العصر، وكانت لا تزال السماء زرقاء ~~وتلوح بالأمطار التي تحملها السحب السريعة الحركة. # غاب كلود عن المنزل منذ ما يقرب من شهر. أرسله والده كي يزور ~~رالف والمزرعة الجديدة، وانطلق من هناك إلى مدينتي كولورادو ~~سبرينجز وترينيداد. استمتع بالسفر؛ ولما عاد الآن إلى دنفر شعر ~~بالوحدة التي عادة ما تغمر أبناء الريف عندما يكونون في المدينة؛ ~~الشعور بأنهم لا علاقة لهم بأي شيء يدور حولهم، بأنهم غير مهمين ~~لأي شخص. تجول في أنحاء كولورادو سبرينجز وهو يأمل لو كان يعرف ~~بعض هؤلاء الناس الذين كانوا يخرجون من المنازل ويدخلون إليها؛ لو ~~كان بإمكانه التحدث إلى بعض هؤلاء الفتيات الجميلات اللاتي ~~يراهن يقدن سياراتهن ويجبن الشوارع؛ إذ كان يتمنى لو ~~يبادلهن بعض الكلمات فقط. وبينما كان يتمشى في التلال في ~~صباح أحد الأيام، مرت بجواره فتاة ثم أبطأت سيارتها، وسألته ~~إن كان بإمكانها أن توصله إلى أي مكان. كان كلود سيعتقد أنها ~~ليست أبدا من نوع الفتيات الذي يمكن أن تتوقف لتقله معها، ~~ولكنها فعلت ذلك وتحدثت معه بود طوال طريق العودة إلى ~~المدينة. استغرقت الرحلة عشرين دقيقة أو نحو ذلك، ms093 ولكن كان هذا ~~أفضل ما حدث له في تلك الرحلة. ~~عندما سألته عن المكان الذي سينزل فيه، قال إنه أنتلرز، وتوردت ~~وجنتاه بشدة لدرجة أن الفتاة لا بد أنها عرفت من فورها أنه لم ~~يكن يقيم هناك. # تساءل في عصر هذا اليوم عن عدد الشباب المحبطين الذين جلسوا ~~هنا على أعتاب مبنى المجلس التشريعي، وراقبوا الشمس وهي تغرب ~~خلف الجبال. دائما ما كان الجميع يقولون إنه لشيء جميل أن تكون ~~في مرحلة الشباب، ولكنه كان شيئا مؤلما أيضا. لم يعتقد أن ~~الأشخاص الأكبر سنا مروا قط بمثل هذا البؤس الذي مر به. ~~في ذلك المكان وتحت أشعة الشمس الذهبية، كانت كتل الجبال تنقسم ~~إلى أربع سلاسل جبلية منفصلة؛ وكلما غاصت الشمس، علت قمم ~~الجبال في الأفق، الواحدة تلو الأخرى. كان مشهدا بهيا لم ~~يزد الألم في صدره إلا حدة. سأل نفسه متوسلا الحصول على ~~إجابة عن المشكلة التي يعاني منها. لا بد له من الإجابة على هذا ~~قبل أن يعود إلى المنزل. # كان تمثال كيت كارسون وهو يمتطي صهوة حصانه الموجود في وسط ~~الميدان يشير تجاه الغرب، ولكن اندثر تماما ذلك المعنى عن الغرب. ~~كانت لا تزال هناك أمريكا الجنوبية؛ على الأرجح كان يستطيع أن يعثر ~~على شيء أسفل برزخ بنما. هنا، كانت السماء أشبه بغطاء يغلق ~~على الأرض؛ ربما كان بإمكان والدته رؤية قديسين وشهداء من ~~ورائه. # كان يعتقد أنه سيتجاوز كل هذا في الوقت المناسب. حتى والده ~~كان مضطربا في شبابه ورحل إلى مكان جديد. لقد كانت عاصفة ~~هدأت أخيرا، ولكن يا للأسف أنه لا يمكن فعل شيء حيالها! إنها ~~إهدار للطاقة؛ حيث إنها أحد أنواع الطاقة، نهض على قدميه ووقف ~~عابسا أمام ضوء الشفق، وغاص بعيدا وسط أفكاره المتصارعة لدرجة ~~أنه لم ينتبه إلى غريب صعد إليه من الدرجات السفلية ووقف كي ~~ينظر إليه. # أخذ الغريب يتفحص كلود باهتمام. رأى شابا يقف حاسر الرأس ~~على مجموعة درجات السلم الطويلة، قابضا يديه كأنه موقوف للقبض ~~عليه، وشعره الأصفر ms094 بلون الرمال، ووجهه الضارب إلى السمرة، ~~وهيئته المتوترة ذات لون نحاسي تحت أشعة الشمس المائلة. لو كان ~~بإمكان كلود أن يعلم كيف بدا لذلك الغريب، لصعق. # 2 # في صباح اليوم التالي، ترجل كلود من القطار في فرانكفورت، ~~وتناول إفطاره في المحطة قبل أن تستيقظ المدينة. لم تكن أسرته ~~تتوقع وصوله؛ ولذا قرر أن يمشي إلى المنزل ويتوقف عند ~~الطاحونة كي يرى إنيد رويس. ففي النهاية، الأصدقاء القدامى هم ~~الأفضل. # غادر المدينة من الطريق المنخفض المتعرج بطول النهير. ~~كان لأشجار الصفصاف جميعها أوراق صفراء جديدة، وكانت براعم ~~الحور القطني اللزجة على وشك أن تتفتح. كانت الطيور تغرد ~~في كل مكان، وكان يرى - بين الفينة والأخرى - جناح طائر كردينال ~~رائع عبر أغصان أشجار الصفصاف المتناثرة. # لا تخلو حقول القمح المغبرة والصفراء من مسحة لون أخضر؛ ~~كانت هناك ملايين السنابل التي تشبه الأصابع الصغيرة التي تعلو ~~وتلوح بخفة في ضوء الشمس. وناحية الشمال والجنوب، كان بإمكان ~~كلود رؤية آلات زراعة الذرة وهي تتحرك في خطوط مستقيمة عبر ~~الأفدنة ذات التربة السمراء المحروثة على نحو ناعم جدا، لدرجة ~~أن تذروها الرياح على هيئة سحب من الغبار على جانب الطريق. ~~عندما هبت زوبعة، اجتاحت رياح صغيرة لطيفة الحقول المفتوحة، ~~وتشكلت دوامات من التربة الناعمة التي دارت في الهواء وسقطت ~~ثانية فجأة. بدا كأن كل عمود سياج عنده طائر قنبر يغرد لكل ~~من هو صامت؛ كان يغرد لمساحة الأرض الكبيرة المحروثة، والخيول ~~الثقيلة في المباني المصطفة على طول الطريق، والرجال الذين ~~يوجهون الخيول. # على جانبي الطريق، كانت تطل زهور الهندباء البرية بوجوهها ~~الصافية اليانعة من تحت الحشائش الذابلة وحزم عشب البلوستم ~~الجاف. إذا تصادف وخطى كلود فوق إحداها، فإن رائحتها الحادة ~~كانت تجعله يفكر في ماهيلي التي ربما كانت خارج المنزل هذا ~~الصباح تحفر في المرج بسكين التقطيع المكسورة الخاصة بها؛ لتضع ~~أوراق الهندباء في مئزرها. كانت دائما ما تذهب من أجل الحصول ~~على هذه الأوراق بشيء من السرية كل يوم في الصباح الباكر؛ إذ ~~تتسلل ms095 بطول جانبي الطريق وتنحني قريبا من الأرض كأنها تخشى أن ~~يكشفها أحد ويصرفها بعيدا، أو كأن زهور الهندباء من ~~الحيوانات البرية التي يجب اصطيادها وهي نائمة. # كان كلود يفكر وهو في طريقه كيف كان يحب أن يأتي مع والده ~~إلى الطاحونة. لم يكن يعي شيئا عن عملية الطحن حينذاك؛ كذلك كان ~~منزل الطاحونة وزوجة صاحبه غامضين له، حتى إنيد كانت غامضة ~~قليلا، إلى أن لعب معها في يوم ما بين نباتات التيفا تحت أشعة ~~الشمس الساطعة. اعتادا اللعب في صناديق القمح المدروس، ومشاهدة ~~الدقيق وهو يخرج من القادوس، وتغطية أنفسهما بالغبار ~~الأبيض. # أحب ما في الأمر كان ~~الذهاب إلى مكان الساقية المعلقة وهي تقطر في كهفها ~~المظلم؛ إذ يدخل بصيص متعرج من أشعة الشمس من بين الشقوق ~~ليتراقص فوق الوحل الأخضر ونباتات البلسم المرقطة التي تنمو ~~في الصخور الطينية. الطاحونة كانت مكان التباينات الحادة؛ الشمس ~~الساطعة والظلال المظلمة، الصوت المجلجل والهدوء الشديد لصوت ~~قطرات المياه. تذكر مدى اندهاشه في أحد الأيام عندما رأى السيد ~~رويس لابسا قفازا ونظارة وقد أخذ ينظف أحجار الرحى، ~~واكتشف كم هي أشياء غير مؤذية. أخذ يضرب عليها صاحب الطاحونة ~~بمطرقة حادة حتى تطاير الشرر منها، وكانت لا تزال في يد ~~كلود بقعة زرقاء؛ حيث دخلت رقاقة من الحجر الصوان تحت الجلد ~~عندما اقترب أكثر من اللازم. # لا بد أن استمرار جايسون رويس في تشغيل الطاحونة يرجع إلى حبه ~~لها؛ إذ إنها لم تعد تدر مالا كثيرا الآن. ولكن الطاحونة ~~أول عمل له، وهو لم يعثر على أشياء كثيرة تستحق اهتمامه بها ~~وحبه لها في حياته. في بعض الأحيان، كان يمكن أن يصادفه المرء ~~بملابس عامل الطاحونة المغبرة بالدقيق؛ لأنه أعطى العامل إجازة. ~~ومنذ وقت طويل، لم يعد يعتمد على ارتفاع منسوب المياه وانخفاضه ~~في نهير لافلي كريك من أجل توليد الطاقة؛ لأنه ركب محركا ~~يعمل بالبنزين. أصبح السد القديم الآن «مثل سنة مسوسة»، ~~كما يسميه أحد العمال، ونمت عليه الطحالب وأجمة من أغصان ~~الصفصاف. # لم ms096 تسر قط الشئون العائلية للسيد رويس على نحو جيد مثل ~~عمله. لم يرزق بولد، ولم ينجح إلا في تنشئة فتاتين فقط من بين ~~خمس فتيات. يقول الناس إن منزل الطاحونة رطب وغير صحي . ولم ~~يستطع السيد رويس الإبقاء على العمال في الطاحونة مدة طويلة ~~حتى بنى كوخا ووظف رجلا متزوجا كي يتولى شئونها. إنهم ~~كانوا يشتكون من كآبة المنزل وعدم الحصول على ما يكفي من الطعام. ~~وفي كل صيف، كانت السيدة رويس تذهب إلى مصحة خاصة بنظام الأكل ~~النباتي في ميشيجان، حيث تعلمت العيش على المكسرات والحبوب ~~المحمصة. لا شك أنها كانت تعد طعاما لعائلتها، ولكن لم يحدث ~~أن قدمت وجبة في النهار يمكن أن يتطلع إليها المرء مبتهجا ~~أو يتناولها مسرورا. ولذا، اعتاد السيد رويس أن يتناول العشاء في ~~الفندق في المدينة. ومع ذلك، تميزت زوجته ببعض الإنجازات ~~الرائعة في الطهي. كانت تعد خبزا لا غبار عليه. وعندما كان ~~يقترب موعد عشاء في الكنيسة، فدائما ما كانت تدعى من أجل تحضير ~~صلصة المايونيز الرائعة أو كعكة أنجل فود الخاصة بها؛ لا شك في ~~أنها أخف كعكة إسفنجية بين أي مجموعات من الكعك. # لما كانت السيدة رويس لا ~~تكف عن التفكير بصحتها، فهذا جعلها تبدو كأنها تصارع حزنا ~~خفيا أو يفترسها ندم يهلكها. وولد ذلك لديها نوعا من ~~الانعزال. لقد كانت تعيش بطريقة مختلفة عن الآخرين، وتلك الحقيقة ~~جعلتها متشككة ومتحفظة. كانت لا تشعر أن أحدا يفهمهما ~~ويحوطها بالتعاطف إلا عندما تكون في المصحة تحت رعاية أطبائها ~~المحبوبين. # انتقل تشككها إلى بنتيها، وصبغ مشاعرهن تجاه الحياة بالعديد ~~من الطرق البسيطة. نشأت هاتان الفتاتان وهما يشعران بأنهما ~~مختلفتان؛ ولذا لم تكونا صداقات حميمة. جلاديس فارمر كانت هي ~~الفتاة الوحيدة في فرانكفورت التي تكثر الذهاب إلى منزل ~~الطاحونة. ولم يفاجأ أحد من ذهاب كارولين رويس - الابنة الكبرى ~~- إلى الصين في مهمة تبشيرية، ولا من عدم اعتراض أمها على ~~سفرها. على أي حال، كان الناس يقولون إن نساء عائلة رويس يتمتعن ~~بالغرابة؛ ولما ms097 ذهبت كاري أملوا أن تنشأ إنيد وتصبح أقرب إلى ~~أبناء قريتها في تربيتهم. لقد كانت تلبس ملابس أنيقة، وتأتي ~~كثيرا إلى المدينة بسيارتها، وكانت مستعدة دوما لإنجاز ~~أعمال من أجل الكنيسة أو المكتبة العامة. # إضافة إلى ذلك، كان أهل فرانكفورت يعتقدون أن إنيد بالغة ~~الجمال، وهي صفة تشجع على الاندماج في المجتمع. كانت نحيفة ~~ولها رأس صغير وجميل، وبشرة شاحبة وناعمة، وعينان غائمتان ~~كبيرتان سوداوان برموش كثيفة. الخط الطويل الممتد من شحمة ~~أذنها إلى طرف ذقنها أضفى على وجهها ضربا من الجمود، ولكن ~~النساء العجائز - وهن أفضل النقاد في تلك المسائل - يعتبرن ~~أن هذا المظهر كان ينم عن حزم وكرامة. كانت حركتها سريعة ~~ورشيقة، كأنها تمسح الأشياء بفرشاة بدلا من أن تلمسها؛ بحيث ~~يوحي مظهرها بأنها تحلق بجسدها النحيف وتنزلق بعيدا عن ~~الأشياء المحيطة بها. عندما كانت تقدم مدرسة الأحد مشاهد ~~تمثيلية صامتة أو متحركة، كانت تختار إنيد من أجل تجسيد شخصية ~~نيديا - فتاة بومبي الكفيفة - والشهيدة في لوحة «المسيح أو ديانا». ~~شحوب بشرتها والميل الخانع لجبهتها وعيناها السوداوان ~~الثابتتان، كل ذلك كان يجعل من يراها يظن أنها «من المسيحيين ~~الأوائل». # في صباح ذلك اليوم الذي كان أحد أيام شهر مايو، عندما كان كلود ~~ويلر يسرع الخطى باتجاه الطاحونة، كانت إنيد في الساحة واقفة ~~بجانب تعريشة كروم مقامة بالقرب من السياج، إذ خرجت من تحت ظلال ~~الأشجار الكثيفة. كانت تعزق الأرض التي حرثت بالأمس وتعمل أخاديد ~~لإسقاط البذور فيها. عند منعطف الطريق بالقرب من شجر الصفصاف ~~القديم المتشابك، رأى كلود فستانها الوردي المعالج بالنشا، ~~وقلنسوتها الشمسية البيضاء الصغيرة. فتقدم مسرعا. # نادى وهو يتقدم إلى السياج: «مرحبا، هل تزرعين؟» # إنيد التي كانت محنية في الزراعة في تلك اللحظة استقامت ~~بسرعة، ولكن من دون أن تجفل. «عجبا، كلود! ظننت أنك كنت في ~~مكان ما في الغرب. هذه مفاجأة!» نفضت الغبار عن يديها وصافحته ~~بأصابعها البيضاء اللينة. ذراعاها، العاريتان من أسفل الكوع، ~~كانتا رفيعتين، وبدتا باردتين كأنها ارتدت ملابس الصيف قبل ~~أوانها. ~~«عدت ms098 لتوي هذا الصباح. أنا متوجه إلى المنزل. ماذا ~~تزرعين؟» ~~«زهور بازلاء عطرية.» ~~«دائما ما تزرعين أجود أنواع هذه الزهور في القرية. عندما أرى ~~مجموعة منها في الكنيسة أو في أي مكان، أتعرف عليها ~~دوما.» # اعترفت قائلة: «نعم، أحقق نجاحا كبيرا في زراعة زهور ~~البازلاء العطرية. الأرض خصبة هنا، وتتعرض لقدر كبير من ~~أشعة الشمس.» ~~«ليست زهور البازلاء العطرية فحسب. لا أحد لديه زهور ~~الليلك أو الزهور المتسلقة هذه، وأظن أنك الوحيدة في مقاطعة ~~فرانكفورت التي لديها كرمة ويستاريا.» ~~«زرعت أمي تلك الزهور منذ مدة طويلة، عندما قدمت إلى هنا ~~أول مرة. إنها تحب كرمة الويستاريا كثيرا. أخشى أن تذبل منا ~~في أحد فصول الشتاء القارس هذه.» # تحدث بإعجاب: «أوه، سيكون هذا وصمة عار! اعتني بها جيدا. يجب ~~عليك تخصيص قدر كبير من الوقت للاعتناء بهذه الأشياء على أي ~~حال.» # اتكأت إنيد على السياج، وأزاحت قلنسوتها الصغيرة إلى الخلف. ~~«أظنني أهتم بالزهور أكثر من اهتمامي بالناس. كثيرا ما أحسدك ~~يا كلود؛ لديك العديد من الاهتمامات.» # فوجئ كلود. «أنا؟ يا إلهي، ليس لدي العديد من الاهتمامات! ~~لقد بلغت مني التعاسة مبلغا عظيما. لم أهتم بالذهاب إلى ~~الكلية حتى كان علي التوقف عن الذهاب، ثم شعرت بالأسف لأنني ~~لم أستطع العودة. أظن أن الحزن بشأن ذلك أتعبني طوال ~~الشتاء.» # نظرت إليه باندهاش هادئ. «لا أعرف السبب وراء تعاستك؛ فأنت لك ~~مطلق الحرية.» ~~«حسنا، ألا تتمتعين بالحرية أنت أيضا؟» ~~«لست حرة كي أفعل ما يحلو لي. الشيء الوحيد الذي أريده حقا ~~هو السفر إلى الصين ومساعدة كاري في عملها. تظن أمي أني لا ~~أتمتع بالقوة الكافية. ولكن كاري لم تكن قوية هنا مطلقا. إنها ~~أفضل في الصين، وأظن أنه قد أكون كذلك هناك.» # شعر كلود بالقلق. لم ير إنيد منذ جولة مركبة الجليد؛ إذ كانت ~~حينها أكثر مرحا من المعتاد. وبدا الآن أنها أصبحت فاترة ~~الهمة. «يجب أن تتخلصي من تلك الأفكار يا إنيد. ما ينبغي لك أن ~~تهيمي على وجهك بمفردك هكذا. فهذا ms099 يحولك إلى إنسان غريب ~~الأطوار. ألا يوجد الكثير من أعمال التبشير التي يمكن المشاركة ~~فيها هنا؟» # تنهدت. «هذا ما يقوله الجميع. ولكن لدينا جميعا هنا فرصة ~~لمعرفة الحق، فقط لو استطعنا استغلالها. لكن تلك الفرصة غير متاحة ~~لهم. لا أتحمل التفكير في كل هؤلاء الملايين الذين يعيشون ~~ويموتون في الظلام.» # نظر كلود إلى المنزل الكئيب الكائن خلف أشجار الأرز، ثم نظر إلى ~~الحقول اللامعة الناعمة التربة. شعر كأن له يدا في حزن إنيد. لم ~~يكن نعم الجار لها في العام الماضي. «الناس هنا أيضا يمكن أن ~~يعيشوا في الظلام، إلا إذا حاربوه. انظري إلي. أخبرتك أنني ~~ظللت مكتئبا طوال فصل الشتاء. نشعر جميعا بوجود ود كبير ~~فيما بيننا، ولكننا نتعثر في خطانا ولا نجتمع معا أبدا. أنا ~~وأنت صديقان قديمان، ولكننا نادرا ما يرى أحدنا الآخر. تقول ~~أمي إنك ظللت تعدينها مدة سنتين بأن تجهزي نفسك ~~وتزوريها. لماذا لم تأتي؟ كانت ستسعد بزيارتك.» ~~«سأفعل إذن. ما دامت والدتك أحبت ذلك.» توقفت للحظة، ~~وأخذت تبرم خيوط قلنسوتها وهي شاردة الذهن، ثم انتزعتها من ~~رأسها بحركة سريعة ونظرت إليه في الضوء الساطع مباشرة. «كلود، لم ~~تصبح حقا مفكرا حرا، أليس كذلك؟» # ضحك بملء فيه. «عجبا، ما الذي جعلك تظنين ذلك؟» ~~«يعرف الجميع أن إرنست هافل كذلك ... ويقول الناس إنك وإياه تقرآن ~~ذلك النوع من الكتب معا.» ~~«هل لذلك علاقة بصداقتنا؟» ~~«نعم، له علاقة. تضاءل قدر الثقة الذي أشعر به تجاهك. قلقت من ~~ذلك قلقا كبيرا.» # قال بسرعة: «حسنا، كفي عن هذا القلق. أحد الأسباب أنني لا ~~أستحقه.» # هزت رأسها بلوم وقالت: «أوه، نعم، أعلم ذلك! لو أن للقلق ~~أي منفعة ...» # أمسك كلود بدعامتي ~~السياج اللتين توجدان بينهما بكلتا يديه. «سيكون له منفعة! ~~ألم أخبرك أنه يوجد الكثير من أعمال التبشير التي يمكن المشاركة ~~فيها هنا؟ أهذا هو السبب الذي جعلك متحفظة تجاهي في السنوات ~~القليلة الماضية؛ لأنك تعتقدين أنني ملحد؟» # تمتمت: «تعلم أنني لم أحب قط إرنست هافل.» # لما غادر كلود الطاحونة ms100 متوجها إلى المنزل، شعر أنه عثر ~~على شيء قد يساعده في فصل الصيف. يا لها من فرصة رائعة أن ~~يعرج على إنيد ويتحدثا بمفردهما من دون أن يقاطعهما أحد؛ من ~~دون أن يرى وجه والدتها، الذي تضع عليه دائما المساحيق، ينظر ~~إليه من خلف ستارة منسدلة! كانت السيدة رويس تبدو دائما ~~كبيرة في السن، حتى منذ وقت طويل عندما كانت تأتي إلى الكنيسة مع ~~بنتيها الصغيرتين؛ لقد كانت امرأة نحيلة تلبس حذاء صغيرا بكعب ~~عال وقبعة كبيرة بريش مائل لأسفل، وكان فستانها الأسود ~~مرصعا بالخرز الطويل والكهرمان الأسود الذي يعطي لمعانا ~~ويحدث صوتا؛ مما يجعلها تبدو صلبة من الخارج مثل الحشرة. # كان عليه أن يساعد إنيد على الخروج والاختلاط أكثر بالآخرين. ~~لقد كانت تقضي وقتا طويلا مع أمها، ومع أفكارها الخاصة. الزهور ~~والبعثات الخارجية؛ حديقتها ومملكة الصين العظيمة، كان هناك شيء ~~غير عادي ومثير في اهتماماتها. وشيء رائع للغاية أيضا. يجب أن ~~تكون المرأة متدينة؛ الإيمان كان العطر الطبيعي لعقلها. ~~وكلما زاد عدم معقولية ما تؤمن به، زادت حلاوة الإيمان. لقد كان ~~يعتبر قصة قصيدة «الفردوس المفقود» أسطورة مثل ملحمة «الأوديسة»، ~~ولكن عندما تقرؤها والدته عليه بصوت عال، لم يكن يعتبرها جميلة ~~فحسب، بل حقيقية أيضا. المرأة التي ليس لها أفكار مقدسة عن ~~الأشياء الغامضة البعيدة ستصبح مملة وعادية مثل الرجل. # 3 # في الأسابيع القليلة التالية، كثرت زيارات كلود بالسيارة إلى ~~منزل الطاحونة في الأمسيات الجميلة كي يصطحب معه إنيد إلى ~~فرانكفورت لمشاهدة عرض سينمائي أو الذهاب إلى مدينة مجاورة. ~~الميزة في هذا الشكل من الرفقة أنه كان لا يضع ضغطا كبيرا على ~~قدرات المرء في الكلام. يمكن أن تظل إنيد صامتة على نحو مثير ~~للإعجاب، ولا تتحرج أبدا من الصمت أو الكلام. لقد كانت هادئة ~~وواثقة من نفسها طوال الوقت، وكان هذا أحد أسباب مهارتها في قيادة ~~السيارات؛ لقد كانت أفضل كثيرا من كلود في الحقيقة. # لما تقابلا بعد الكنيسة في أحد أيام الأحد، أخبرت كلود أنها ~~تريد الذهاب ms101 إلى هاستنجز للتسوق، ورتبا بحيث يأخذها يوم ~~الثلاثاء في سيارة والده الكبيرة. كانت تلك المدينة تبعد مسافة ~~سبعين ميلا تقريبا جهة الشمال الشرقي، ومن فرانكفورت، كانت هذه ~~الرحلة غير مريحة في حالة استخدام القطار . # في صباح يوم الثلاثاء، وصل كلود إلى منزل الطاحونة قبيل سطوع ~~الشمس فوق الحقول الرطبة. وجد إنيد تنتظره في الرواق الأمامي ~~لابسة معطفا ثقيلا قصيرا فوق رداء ربيعي. ركضت إلى ~~البوابة وانسلت وجلست على المقعد بجانبه. ~~«صباح الخير يا كلود. لم يستيقظ أحد. سيكون يوما رائعا، أليس ~~كذلك؟» ~~«بلى. إن الطقس أدفأ قليلا بالنسبة إلى هذا الوقت من العام. ~~لن تحتاجي إلى هذا المعطف مدة طويلة.» # وجدا الطرق فارغة في الساعة الأولى. جميع الحقول كانت رمادية ~~من الندى، وكانت تنزل أشعة الشمس المبكرة فوق كل شيء بسطوع ~~شفاف لنار أضرمت لتوها. وبينما كانت السيارة تقطع الأميال ~~من دون ضوضاء، كان عمق السماء وزرقتها يزيدان، وتتفتح الأزهار ~~على جانبي الطريق وسط الحشائش التي يعلوها الندى. والآن، أصبح ~~هناك أناس وخيول على كل تل. وبعد مدة وجيزة، بدآ يمران ~~بأطفال في طريقهم إلى المدرسة، توقفوا ولوحوا بصناديق طعامهم ~~اللامعة تجاه المسافرين. وصلا إلى هاستنجز بحلول الساعة ~~العاشرة. # بينما كانت إنيد تتسوق، اشترى كلود حذاء أبيض وسروالا من ~~القطن المتين. شعر أنه مهتم بملابس الصيف أكثر من المعتاد. ~~تقابلا في الفندق من أجل الغداء؛ إذ كانا جائعين بشدة، وارتضيا ~~بما أنجزاه في الصباح. لما جلس كلود في صالة الطعام وإنيد في ~~المقعد المقابل، جال في خاطره أنهما كانا لا يشبهان بأي حال من ~~الأحوال فتى وفتاة أتيا من القرية إلى المدينة، بل شخصين ~~محنكين يتجولان بسيارتهما. # بينما كانا في انتظار طبق التحلية، سألته: «هل ستأتي في زيارة ~~معي بعد العشاء؟» ~~«هل إلى أحد أعرفه؟» ~~«بالتأكيد. القس ويلدون موجود في المدينة. انتهت زياراته وأخشى ~~أن يسافر، ولكنه سيمكث بضعة أيام مع السيدة جليسون. أحضرت معي ~~بعض خطابات كاري كي يقرأها.» # امتعض وجه كلود. وقال بحزم: «لن يسر لرؤيتي. لم نكن ms102 على ~~وفاق البتة في المدرسة. لعلمك، إنه معلم تقليدي غير ~~بارع.» # نظرت إنيد إليه نظرة متفحصة. «فاجأني سماع ذلك؛ إنه ~~متحدث جيد. ومن الأفضل أن تأتي معي. لا يصح أن توجد تلك ~~الجفوة مع أساتذتك القدامى.» # بعد مرور ساعة، استقبل ~~القس آرثر ويلدون الشابين في غرفة الاستقبال ذات الإضاءة ~~الخافتة في منزل السيدة جليسون، حيث كان يتصرف كأنه يتقاسم ~~ملكية المنزل مع السيدة. بعد محادثة ودية استمرت بضع لحظات ~~بين صاحبة المنزل والزائرين، استأذنت منهما لأن لديها اجتماعا ~~تابعا للمنظمة التعليمية النسوية الخيرية. نهض الجميع لما همت ~~بالرحيل، واقترب السيد ويلدون من إنيد وأخذها من يدها، ووقف ينظر ~~إليها وهو يخفض رأسه وعلى شفتيه ابتسامة غامضة. «إنها لسعادة ~~غير متوقعة أن أراك مرة أخرى يا آنسة إنيد. وأنت أيضا يا ~~كلود»، والتفت قليلا إلى كلود. «هل أتيتما معا من فرانكفورت في ~~هذا اليوم الجميل؟» بدا أن نبرة صوته كانت تقول: «كم هذا رائع ~~بالنسبة إليك!» # كان يوجه معظم كلامه إلى إنيد، وتحاشى - كما هي عادته دائما ~~- النظر إلى كلود إلا عندما يوجه الحديث إليه مباشرة. ~~«هل تزرع هذا العام يا كلود؟ أظن أن هذا يسر والدك أيما ~~سرور. وهل صحة السيدة ويلر على ما يرام؟» # قطعا لا يحمل السيد ويلدون أي ضغينة تجاه كلود، ولكنه لا يبرح ~~يلفظ اسمه وكأنه يقول «كلد»، وهذا يغضب كلود. كانت إنيد تنطق ~~اسمه بتلك الطريقة أيضا، ولكنه إما أنه لم يلاحظ ذلك منها وإما ~~أنه لا يمانع ذلك منها. غاص في أريكة عميقة لونها داكن، وجلس ~~واضعا قبعة القيادة على ركبته، وسحب القس ويلدون كرسيا باتجاه ~~النافذة الوحيدة المفتوحة في الغرفة الخافتة الضوء، وبدأ يقرأ ~~خطابات كاري رويس. ومن دون أن يطلب منه أحد، قرأها بصوت عال، ~~وكان يتوقف من وقت لآخر كي يدلي بتعليقاته. لاحظ كلود ~~بخيبة أمل أن إنيد تستسيغ كل تعليقاته المملة تماما كما تفعل ~~والدته. لم ينظر إلى ويلدون كل هذه المدة من قبل. سقط الضوء ~~كله على رأس الشاب ms103 الذي له شكل الكمثرى، وعلى شعره الخفيف ~~المموج. ما الذي يمكن أن يعجب سيدتين رزينتين مثل والدته ~~وإنيد رويس في رجل صوته يشبه صوت القطط ويرتدي ربطة عنق ~~بيضاء؟ استقرت عينا إنيد السوداوان عليه بتعبير ينم عن احترام ~~عميق. لقد كانت تنظر إليه وتتحدث إليه بإحساس أكثر مما كانت ~~تظهر تجاه كلود. # قالت بجدية: «كما تعلم أيها القس ويلدون، ليس من طبيعتي ~~الاختلاط كثيرا بالناس. وأرى أنه يصعب علي أن أولي الاهتمام ~~اللازم للعمل الكنسي وأنا داخل البلاد. يبدو لي كأنني دائما ما ~~أبقي نفسي على استعداد للعمل في المجال الخارجي؛ أعني بعدم الدخول ~~في علاقات شخصية. إن ذهبت جلاديس فارمر إلى الصين، فالجميع ~~سيفتقدونها. لا يمكن لأحد أن يحل محلها في المدرسة ~~الثانوية. كانت تنعم شخصيتها بجاذبية تجذب الناس إليها. ولكني ~~دائما ما أفكر في فعل ما تفعله كاري. أعلم أن لي فائدة ~~هناك.» # كان كلود يعلم أنه لم يكن سهلا على إنيد أن تقول هذا. بدا ~~الاضطراب على وجهها، واقترب حاجباها الداكنان أحدهما من الآخر، ~~وكونا زاوية حادة وهي تحاول إخبار القس الشاب بما يدور ~~في عقلها تحديدا. استمع منتبها ومبتسما كعادته، وأخذ ~~يرتب صفحات الخطابات المطوية ويتمتم: «نعم، أفهم. حقا ~~آنسة إنيد؟» # عندما ألحت عليه في طلب النصيحة، قال إنه ليس من السهل على ~~الدوام معرفة المجال الذي يمكن أن يكون فيه الإنسان مفيدا؛ ربما ~~منحها هذا الكبح للمشاعر انضباطا روحيا كانت بحاجة إليه على ~~وجه الخصوص. كان يحرص على عدم توريط نفسه في أي شيء، وعدم إبداء ~~نصيحة غير مشروطة سوى الصلاة. ~~«أعتقد أن كل الأمور تتكشف أمامنا في الصلاة يا آنسة ~~إنيد.» # شبكت إنيد يديها؛ الحيرة جعلت ملامحها تبدو أكثر حدة. «ولكن ~~في وقت الصلاة يصبح هذا النداء في أقوى حالاته. يخيل لي أن ~~إصبعا يوجهني إلى هناك. أحيانا، عندما أطلب الهداية في ~~الأشياء الصغيرة، لا تأتيني الهداية ولا أشعر إلا بأن عملي يقع في ~~مكان بعيد، وأنني ربما سأمنح القوة من أجل القيام به. ms104 وإلى أن ~~أسلك ذلك الطريق، يحجب المسيح نفسه عني.» # أجابها السيد ويلدون بنبرة توحي بالخلاص، وكأن شيئا غامضا ~~تجلى أمامه. «إن كان الحال ما تقولين يا آنسة إنيد، فأعتقد أنه ~~لا داعي للقلق. إذا كان النداء يأتي إليك في الصلاة، وهذه رغبة ~~مخلصك، فلا ريب عندنا بأن الطريق وسبل الوصول إليه ستنجلي. ~~يحضرني في هذه اللحظة ما قاله أحد الأنبياء: «هنذا قد جعلت ~~أمامك بابا مفتوحا ولا يستطيع أحد أن يغلقه.» يمكن القول إن ~~هذه البشارة كانت موجهة في الأساس إلى إنيد رويس! أعتقد أن ~~الرب يحبنا أن نرى بعض كلماته وكأنها أنزلت فينا.» تلفظ ~~بذلك التعليق الأخير مازحا، وكأنه دعابة خاصة بجمعية المسعى ~~المسيحي. قام وأعاد الخطابات إلى إنيد. من الواضح أن الحوار ~~انتهى. # بينما كانت إنيد تلبس قفازها، أخبرته أن الحديث معه أفادها ~~كثيرا، وأنه يبدو لها دائما أنها تجد ما ترنو إليه عنده. تساءل ~~كلود يا ترى ماذا تقصد. فهو لم ير من ويلدون سوى التقهقر أمام ~~أسئلتها المتلهفة. على الرغم من كونه «ملحدا»، فإن بإمكانه ~~منحها دعما أقوى. # كانت تقف سيارة كلود تحت أشجار القيقب أمام منزل السيدة جليسون. ~~وقبل الدخول إلى السيارة، نبه إنيد إلى وجود كتلة من الركام ~~الرعدي جهة الغرب. ~~«يبدو لي أنها عاصفة. ربما من الأفضل أن نمكث في الفندق ~~الليلة.» ~~«أوه، كلا! لا أريد ذلك. أنا غير مستعدة لهذا.» # ذكرها أنه لن يستحيل شراء ما قد تحتاج إليه لقضاء تلك ~~الليلة. # قالت بلا تردد: «لا أحب المكوث في مكان غريب من دون ~~أشيائي الخاصة.» ~~«أخشى أننا ذاهبان إلى قلب العاصفة. قد نواجه عاصفة شديدة ~~جدا، ولكن القول قولك في النهاية.» ظل مترددا ويده على ~~الباب. # قالت بعزم هادئ: «أعتقد أن الأفضل أن نحاول.» لم يعلم كلود ~~حتى الآن أن إنيد دائما ما تعارض الظروف غير المتوقعة، ~~ولا ترضى أن تتغير خططها بسبب أشخاص أو ظروف. # قاد السيارة بأقصى سرعة ممكنة لمدة ساعة وهو يراقب السحب ~~بتوجس. كان النجد بين الأفقين يلمع ms105 في ضوء الشمس، وبدت السماء ~~نفسها صافية جدا، ولا يعكرها إلا كتلة أبخرة أرجوانية تلوح ~~جهة الغرب، ذات حافات مشرقة مثل رصاص مقطوع حديثا. وبعدما قطع ~~قرابة خمسين ميلا، زادت برودة الهواء فجأة، وفي غضون عشر دقائق ~~تكدر صفو السماء تماما. قفز من السيارة وبدأ في رفع العجلات ~~بالمرفاع. وكلما كانت إحدى العجلات ترتفع عن الأرض، كانت إنيد ~~تضبط السلسلة عليها. أخبرها أنه لم يركب السلاسل بهذه السرعة من ~~قبل. غطى الأغلفة في المقعد الخلفي بمشمع، وتقدم بالسيارة ~~لمواجهة العاصفة. # هطل عليهما المطر بغزارة كالأمواج التي بدت كأنها كانت تخرج من ~~الأرض وتنزل من السحب في آن واحد. قطعا خمسة أميال أخرى وهما ~~يتخبطان في البرك وينزلقان فوق طرق غارقة في المياه. وفجأة ~~قفزت السيارة الثقيلة، والسلاسل وكل شيء، فوق مطب ارتفاعه قدمان، ~~واندفعت فوق الأرض مسافة اثنتي عشرة ياردة قبل أن توقفها ~~الفرامل، ثم استدارت بمقدار نصف دائرة ووقفت ساكنة. جلست إنيد ~~هادئة وساكنة. # التقط كلود نفسا طويلا. «لو حدث هذا فوق بربخ، لوقعنا في ~~المياه والسيارة فوقنا. ببساطة لا أستطيع التحكم في السيارة. ~~الأرض كلها رخوة، ولا يوجد ما يثبتها. نحن على مقربة من ~~منزل تومي رايس. الأفضل أن نذهب إليه ونطلب منه أن يستضيفنا ~~الليلة.» # اعترضت إنيد: «ولكن سيكون هذا أسوأ من الفندق. إنهم ليسوا شديدي ~~النظافة، ويوجد بالمنزل أطفال كثر.» # تمتم: «الزحام خير من الموت. من الآن فصاعدا، لن تكون المسألة ~~أكثر من مسألة حظ. ربما نضطر إلى التوقف في أي مكان.» ~~«لا يفصلنا عن منزلك سوى نحو عشرة أميال. يمكنني المكوث مع ~~والدتك الليلة.» ~~«هذه مخاطرة كبيرة يا إنيد. وأنا لا أحب تحمل ~~المسئولية. وسيلومني والدك على قيامي بهذا.» ~~«أعلم أنك متوتر بسببي.» تحدثت إنيد بقدر كبير من المنطق. ~~«هل تمانع في أن أقود السيارة لبعض المسافة؟ لم يبق أمامنا سوى ~~ثلاثة تلال وعرة، وأعتقد أنه يمكنني تجاوزها؛ فكثيرا ما ~~فعلت ذلك.» # نزل كلود وتركها تجلس مكانه، ولكن بعدما أمسكت عجلة القيادة ~~وضع يده على ms106 ذراعها. توسل إليها قائلا: «لا تفعلي أي شيء ~~مجنون.» # ابتسمت إنيد وهزت رأسها. كانت ودودة ولكنها غير ~~مرنة. # طوى ذراعيه. وقال: «تقدمي.» # انزعج من عنادها، ولكنه لم يجد بدا من الإعجاب ببراعتها في ~~التعامل مع السيارة. في نهاية أحد أسوأ التلال، كان هناك بربخ ~~أسمنتي جديد مغطى بطين سائب حيث لم تجد السلاسل شيئا كي ~~تمسك فيه. انزلقت السيارة إلى جانب البربخ وتوقفت فوق حافته. ~~ولما كانا يمشيان بتعثر فوق الجانب الآخر من التل، قالت إنيد: ~~«من حسن الحظ أن محرك بدء التشغيل خاصتك يعمل جيدا؛ لولا هو ~~لقلبتنا جرة صغيرة.» # وصلا إلى مزرعة ويلر قبيل الظلام تماما، وأتت السيدة ويلر ~~مهرولة كي تقابلهما وعلى رأسها معطف مطاطي. # صاحت وهي تحضن إنيد: «يا لكما من طفلين بائسين مبتلين! كيف ~~وصلتما إلى المنزل؟ وددت لو بقيتما في هاستنجز.» # رد عليها كلود: «إنيد هي من أتت بنا إلى المنزل. إنها فتاة ~~متهورة بشدة، ولا بد أن يجعلها أحد تفيق، ولكنها سائقة ~~ماهرة.» # ضحكت إنيد وهي تبعد إحدى خصلات شعرها المبتلة عن جبهتها. ~~«كنت على حق بالطبع؛ اقتضى العقل أن نعرج على بيت رايس، ولكني ~~لم أرد ذلك فحسب.» # في وقت متأخر من المساء، سعد كلود أنهما لم يعرجا عليه. ~~سره أن يكون في المنزل، وأن يرى إنيد على مائدة العشاء تجلس عن ~~يمين والده وتلبس رداء من ملابس أمه المنزلية الرمادية الجديدة. ~~كانا سيقضيان وقتا كئيبا في منزل رايس؛ إذ لا توجد أسرة للنوم ~~إلا التي كان ينام عليها أطفال رايس. لم يسبق أن نامت إنيد في ~~غرفة الضيوف الخاصة بأمه، وسره أن يعلم مدى الراحة التي ستحظى ~~بها فيها. # في ساعة مبكرة، أخذت السيدة ويلر شمعة كي تأخذ ضيفتها إلى ~~سريرها، ومرت إنيد بالقرب من كرسي كلود وهي تغادر الغرفة. ~~سألته كي تغيظه: «هل سامحتني؟» ~~«ما الذي جعلك عنيدة هكذا؟ هل تريدين ترويعي؟ أم هل تريدين أن ~~تظهري لي براعتك في القيادة؟» ~~«لا شيء من ذلك. أردت العودة إلى المنزل. تصبح ms107 على خير.» # استراح كلود على كرسيه، وظلل عينيه بيديه. كانت تشعر في ~~ذلك الحين بأنها في بيتها. لم تخف من نكات والده، ولم تنزعج من ~~ابتسامة ماهيلي التي تنم عن معرفتها بشيء ما. شعورها بالراحة ~~بين عائلته منحه سعادة عارمة. أخذ كتابا ولكنه لم يقرأه. كان ~~الكتاب مفتوحا على ركبته حين عادت أمه بعد نصف الساعة. ~~«امش بهدوء عندما تصعد إلى الطابق العلوي يا كلود. إنها ~~متعبة لدرجة أنها ربما غرقت في النوم الآن.» # خلع حذاءه وصعد السلم بأقصى درجات الحذر. # 4 # في صباح أحد أيام الصيف، كان إرنست هافل يحرث حقل الذرة ~~الحديث البراق واللامع، ويصفر لحن أغنية ألمانية قديمة ترتبط ~~بصورة اتقدت في ذاكرته بنحو أو بآخر. إنها كانت صورة أول مرة ~~يتذكر أنه حرث فيها. # رأى نصف دائرة من التلال الخضراء، والثلج لا يزال عالقا في ~~شقوق أعلى قممها، وخلف التلال كان يرتفع جدار من الجبال ~~الشاهقة، المغطاة بغابات صنوبر داكنة اللون. في المروج عند ~~سفح تلك التلال، كان يوجد نهير متعرج على ضفافه شجر صفصاف ~~مقلمة في حقولها الغضة التي يكسوها اللونان الأخضر المصفر ~~والبني. لما كان صغيرا، اعتاد اللعب بجانب النهير وهو يراقب ~~أباه وأمه وهما يحرثان بمساعدة ثورين عظيمين كانا مربوطين بحبال ~~من رأسيهما وقرنيهما الطويلين. كانت أمه تمشي حافية القدمين ~~بجانب الثورين وتقودهما، وأبوه يمشي خلفهما كي يوجه ~~المحراث. كان أبوه ينظر دائما إلى أسفل. كان وجه أمه بنيا ~~ومتشققا مثل الحقول، وكانت عيناها ذات لون أزرق فاتح، بلون ~~السماء في بداية الربيع. كان يغدو الاثنان ويجيئان هكذا طوال ~~الصباح من دون التحدث، إلا إلى الثورين. إرنست هو آخر نسل عائلة ~~طويلة؛ وعندما كان يلعب بجانب النهير، اعتاد أن يتساءل عن السبب ~~في أن والديه كانا يبدوان عجوزين بشدة. # وصل ليونارد دوسن بسيارته إلى السياج، وصاح على إرنست كي يوقظه ~~من أحلام اليقظة خاصته. أمر حيوانيه بالوقوف وركض إلى حافة ~~الحقل. # صاح ليونارد: «مرحبا يا إرنست. هل علمت أن كلود ويلر جرح ~~أول ms108 من أمس؟» ~~«أصحيح ما تقول؟! لا بد أن الجرح ليس كبيرا، وإلا ~~لأخبروني.» ~~«أوه، أظن أنه ليس كبيرا، ولكن السلك جرح وجهه بشدة. إنه ~~أغرب شيء رأيته. كان بالخارج مع بغليه ومحراث ثقيل، يحرث ~~الأرض في ذلك الممر العميق الواقع بين بيتهم وبيتي. مرت ~~شاحنة نقل وقود، وربما أحدثت ضوضاء أعلى من المعتاد. ولكن ~~هذين البغلين كانا يعرفان تلك الشاحنات، وما فعلاه كان مجرد نوع ~~من المشاكسة. بدأ الشب والتحرك لأعلى ولأسفل بعنف داخل هذا ~~الممر العميق. كنت أفحص الذرة خاصتي في الحقل، وناديت على ~~سائق الشاحنة كي يتوقف، ولكنه لم يسمعني. قفز كلود للإمساك ~~برأسي هذين الحيوانين وأمسكهما من شكيمة كل منهما، لكنه حينها ~~تشابك في حبالهما. رفعه هذان البغلان الملعونان وبدآ يركضان. ~~ركضا في الأخدود الضحل وعلى الضفة وعبر الحقول، وشفرة هذا ~~المحراث الكبير كانت ترتفع في الهواء مقدار ثلاث أو أربع أقدام مع ~~كل قفزة. كنت متأكدا من أنها ستجرح أحد البغلين أو ستخترق ~~جسد كلود. لو لم يحكم مسكه لشكيمتي البغلين، لنالت منه تلك ~~الشفرة. ظلا يجريان به مسافة طويلة وهو يتأرجح في الهواء، وفي ~~النهاية رمياه على سياج به أسلاك شائكة؛ مما تسبب في قطع في ~~وجهه ورقبته.» ~~«يا إلهي! هل أصيب بقطع غائر؟» ~~«كلا، ليس قطعا غائرا، ولكني رأيته صباح أمس يحرث الذرة ~~ووجهه مغطى تماما بلصق طبي. أعلم أن ما قام به فعل أحمق؛ ~~يسوء جرح السلك إذا كنت غاضبا بشدة وتركت لتقع في الغبار. ولكنك ~~لا تستطيع أن تقول لأي من آل ويلر شيئا. يقولون إن وجهه تورم ~~ويؤلمه ألما فظيعا، وسافر إلى المدينة كي يستشير طبيبا. الأفضل ~~أن تذهب إليه الليلة وترى هل بإمكانك أن تجعله ينتبه إلى ~~حاله.» # انطلق ليونارد بالسيارة، وعاد إرنست إلى عمله. قال في نفسه: ~~«غريب ذلك الفتى. إنه كبير وقوي ومتعلم، ويمتلك كل تلك الأرض ~~الرائعة، ولكن يبدو أنه عاثر الحظ.» كان يعتقد إرنست أحيانا أن ~~صديقه سيئ الحظ. عندما تخطر هذه الفكرة على باله، كان ms109 يتنهد ~~ويطردها من عقله. يعتقد إرنست أنه لا حيلة في ذلك؛ فإنه شيء لا ~~يفسره عقل. # بعد ظهيرة اليوم التالي، أخذت إنيد رويس سيارتها الكوبيه وذهبت ~~إلى مزرعة ويلر. السيدة ويلر رأت إنيد وهي تترجل من سيارتها؛ ~~ولذا نزلت من التل كي تقابلها وهي مقطوعة النفس وحزينة. «أوه، يا ~~إنيد! هل سمعت عن الحادثة التي تعرض لها كلود؟ إنه لا يعتني ~~بنفسه، وأصيب بالحمرة الآن. إنه يعاني ألما حادا، يا له من ~~فتى بائس!» # أمسكت إنيد ذراعها وبدآ يصعدان التل باتجاه المنزل. «هل لي أن ~~أرى كلود يا سيدة ويلر؟ أريد أن أعطيه تلك الزهور.» # ترددت السيدة ويلر. «لا أعلم هل سيسمح لك بالدخول أم لا يا ~~عزيزتي. لقد صادفت صعوبة شديدة في إقناعه بأن يرى إرنست بضع ~~دقائق ليلة البارحة. يبدو أن معنوياته منخفضة، وإنه حساس من ~~الطريقة التي ضمد بها جراحه. سأذهب إلى غرفته وأسأله.» ~~«كلا، اسمحي لي فقط أن أصعد معك من فضلك. إذا صعدت معك، فلن ~~يكون لديه الوقت كي يغضب من زيارتي. لن أمكث إن لم يرغب في ~~زيارتي، ولكني أريد أن أراه.» # انزعجت والدته من هذا الاقتراح، ولكن إنيد تجاهلت تململها. ~~صعدتا إلى الطابق الثالث، وطرقت إنيد الباب بنفسها. ~~«هذه أنا يا كلود. هل تسمح لي بالدخول للحظات؟» # أجاب صوت مكتوم متذمر. «كلا. يقولون إن هذا المرض معد يا ~~إنيد. وعلى أي حال، لا أحب أن تريني بتلك الهيئة.» # لم تنتظر، وفتحت الباب. وجدت الستائر الداكنة منسدلة، وتنبعث ~~رائحة قوية كريهة من الغرفة. كان كلود يستلقي على السرير ورأسه ~~ووجهه يغطيهما القطن الطبي، ولا يظهر سوى عينيه وطرف أنفه. ~~تسرب المرهم البني الذي دهنت به ملامحه إلى أطراف الشاش، ~~وجعل ضماداته تبدو غير مرتبة. لاحظت إنيد هذه التفاصيل من نظرة ~~واحدة. ~~«هل النور يؤذي عينيك؟ اسمح لي أن أفتح إحدى هذه الستائر ~~للحظات؛ لأني أريدك أن ترى هذه الزهور. أحضرت لك أول زهور أينعت ~~من زهور البازلاء العطرية.» # نظر كلود وهو يطرف بعينيه إلى ms110 باقة الزهور ذي الألوان البراقة ~~التي كانت تحملها أمامه. رفعتها أمام وجهه وسألته إن كان يستطيع ~~شمها من خلف تلك الضمادات. في لحظة، اندثر شعوره بالإحراج. ~~أحضرت والدته زهرية زجاجية، ووضعت إنيد الزهور على الطاولة ~~الصغيرة التي بجانبه. ~~«والآن، هل تريدني أن أظلم الغرفة مرة أخرى؟» ~~«ليس الآن. اجلسي قليلا وتحدثي معي. لا أستطيع التحدث كثيرا ~~لأن وجهي متيبس.» ~~«اعتقدت أنه ينبغي أن يكون كذلك! قابلت ليونارد دوسن البارحة على ~~الطريق، وأخبرني كيف نزلت إلى العمل في الحقل بعد التعرض للجرح. ~~أريد أن أوبخك كثيرا على ذلك يا كلود.» ~~«افعلي إذن. فقد يجعلني ذلك أشعر بتحسن.» أمسك يدها وجعلها ~~بجانبه للحظات. «هل زهور البازلاء العطرية هذه هي تلك التي كنت ~~تزرعينها في اليوم الذي عدت فيه من الغرب؟» ~~«نعم. ألم تنم جيدا لدرجة أن تينع مبكرا هكذا؟» # تنهد قائلا: «أقل من شهرين. هذا غريب.» ~~«غريب؟ ماذا تقصد؟» ~~«أوه، حفنة من البذور ~~يمكن أن تصنع شيئا جميلا كهذا في غضون بضعة أسابيع، ويستغرق ~~الأمر من الإنسان وقتا طويلا كي ينجز أي شيء، وفي النهاية يكون ~~غير ذي بال.» # ردت عليه موبخة: «هذه ليست نظرة صحيحة تجاه ~~الأمور.» # جلست إنيد على نحو ~~مهذب ومستقيم عند طرف سريره. فستانها المزهر المصنوع من ~~قماش الأورجاندي كان يشبه كثيرا باقة الزهور التي أحضرتها، وكان ~~لقبعتها المرنة المصنوعة من القش أنشوطة أرجوانية كبيرة. بدأت ~~تحكي له عن نوبات الحمرة العديدة التي أصابت والدها. استمع إليها ~~لكن بذهن شارد. لم يصدق قط أن إنيد - بمفاهيمها الصارمة عن ~~اللياقة - ستأتي إلى غرفته وتجلس معه هكذا. لاحظ أن اندهاش والدته ~~لا يقل عن اندهاشه. ظلت أمه تحوم حول الضيفة بضع لحظات؛ ولما ~~رأت أن إنيد لا تشعر بأي إحراج، نزلت إلى الطابق السفلي كي تباشر ~~عملها. تمنى كلود لو لم تتحدث إنيد البتة، وأن تجلس في الغرفة ~~وتدعه ينظر إليها. هدأت آلامه بفضل أشعة الشمس التي أدخلتها ~~إلى الغرفة ووجودها الهادئ والطيب الرائحة. وفجأة أدرك أنها ~~كانت تسأله عن ms111 شيء. ~~«ماذا يا إنيد؟ الدواء الذي يعطونني إياه يجعلني أبدو ثقيل ~~الفهم. لا أستوعب الأشياء بسرعة.» ~~«كنت أسأل هل تلعب الشطرنج.» ~~«لست ماهرا فيه.» ~~«يقول أبي إنني أتمتع بقدر معقول من المهارة في لعبه. عندما ~~تتحسن، يجب أن تسمح لي بإحضار قطع الشطرنج العاجية خاصتي التي ~~أرسلتها لي كاري من الصين. إنها منحوتة على نحو جميل. والآن، ~~حان الوقت كي أغادر.» # نهضت وربتت على يده، وأخبرته ألا يكون أحمق فيما يتعلق ~~برؤية الناس. «لم أكن أعلم أنك معتد بنفسك إلى هذه الدرجة. أنت ~~معرض للجروح والضمادات مثلك مثل أي شخص. هل أسدل الستارة ~~الداكنة مرة أخرى؟» ~~«نعم، من فضلك. لن يكون هناك شيء أنظر إليه الآن.» ~~«عجبا لأمرك يا كلود، توشك أن تكون رجلا مولعا ~~بالنساء!» # جفل قليلا من شيء في الطريقة التي قالت بها إنيد هذا. شعر أن ~~الحرارة تزداد في وجهه الملتهب. وحتى بعدما نزلت إلى الطابق ~~السفلي، ظل يتمنى لو لم تتفوه بتلك الكلمات. # أتت والدته كي تعطيه الدواء. وقفت بجانبه حتى ابتلعه. قالت ~~وهي تأخذ الكوب: «إنيد رويس فتاة رقيقة حقا ...» لم يعبر ~~ارتفاع نبرة صوتها في نهاية كلامها عن اقتناع، بل عن ~~حيرة. # كانت إنيد تأتي كل يوم بعد الظهيرة، وتطلع كلود إلى زياراتها ~~بتلهف شديد؛ إنها الشيء المبهج الوحيد الذي حدث له وجعله ينسى ~~الشعور بالخزي بسبب وجهه الملطخ والمشوه. كان يتقزز من ~~نفسه؛ فعندما كان يلمس الكدمات الموجودة على جبهته وتحت شعره، ~~كان يشعر بعدم النظافة والقذارة. عندما كانت تشتد عليه الحمى ~~في الليل، ويبدأ الألم يحتد في رأسه ورقبته، كان يدخل في نوبة ~~اهتياج شديدة. كان يصارع الألم وكأن كلبي بولدوج يتشاجران ~~بعضهما مع بعض. جال بعقله بين أساطير التعذيب الكئيبة؛ كل شيء ~~قرأه يوما عن محاكم التفتيش والمخلعة والعجلة. # عندما كانت إنيد تدخل غرفته هادئة وعذبة بملابسها الصيفية ~~الجميلة، كان عقله ينتفض لمقابلتها. لم يستطع الحديث كثيرا، ~~ولكنه كان يرقد ناظرا إليها ومتنفسا برضا عذب. بعد مدة ~~شعر بتحسن كبير يعينه ms112 على الجلوس نصف عار على كرسي مريح ~~ويلعب الشطرنج معها. # في عصر أحد الأيام، كانا يجلسان بالقرب من النافذة الغربية في ~~غرفة الجلوس ولوح الشطرنج بينهما، واعترف لها كلود مرغما أنه ~~هزم مرة أخرى. # تمتم وهو يمسح قطرات العرق عن جبينه: «لا بد أنك مللت من ~~اللعب معي.» أصبح وجهه الآن خاليا من أي جروح، وكان شديد البياض ~~لدرجة أن حتى النمش الذي كان يوجد به اختفى، وكانت يده واهنة ~~وضعيفة مثل أي رجل مريض. # طمأنته إنيد: «ستزيد مهارتك في اللعب عندما تتعافى أكثر ~~وتستطيع أن تركز في اللعب.» تحيرت من أمر كلود لأنه سريع ~~البديهة في بعض الأشياء، ولكنه ليس كذلك على الإطلاق في الشطرنج، ~~وكان واضحا أنه لن تتحسن مهارته في لعبه أبدا. # اعتدل في كرسيه وتنهد: «نعم، حنكتي تخونني. انظري إلى حقل ~~القمح خاصتي هناك على مرمى البصر. أليس جميلا؟ ولكني الآن لن ~~أستطيع حصده. أتساءل أحيانا هل سأنهي أي شيء بدأته.» # أعادت إنيد قطع الشطرنج إلى صندوقها. «لقد تحسنت صحتك الآن، ~~ويجب أن تتوقف عن الشعور بالحزن. يقول أبي إن كل من يصاب بمرضك ~~يصاب دائما بالاكتئاب.» # هز كلود رأسه ببطء وهو يسندها على ظهر الكرسي. «كلا، ليس ~~الأمر كما تقولين. إن امتلاك وقت طويل جدا للتفكير هو ما ~~يجعلني أشعر بالحزن. كما ترين يا إنيد، لم أنجز أي شيء ~~يجعلني أشعر بأي قدر من الرضا حتى الآن. يجب أن أكون جيدا في شيء ~~ما. عندما أستلقي ساكنا وأفكر، أتساءل هل أحداث حياتي وقعت لي أم ~~لأحد آخر. لا يبدو لي أن لها علاقة كبيرة بي. أنا لم أبدأ ~~بعد أي شيء ناجح في حياتي.» ~~«لكنك لم تبلغ الثانية والعشرين بعد. لديك متسع كبير من الوقت ~~كي تبدأ. أهذا ما تفكر فيه طوال الوقت؟!» أشارت إليه ~~بإصبعها. ~~«أفكر في شيئين طوال الوقت. هذا واحد منهما.» دخلت السيدة ~~ويلر ومعها كوب اللبن الذي يحتسيه كلود الساعة الرابعة؛ إنه أول ~~يوم ينزل فيه إلى الطابق السفلي. # لما كانا ms113 صغيرين ويلعبان بالقرب من سد الطاحونة، رأى كلود ~~المستقبل كأنه ضباب شفاف يفعل فيه دائما هو وإنيد أشياء ~~معا. بعد ذلك أتى الوقت الذي أراد أن يفعل فيه كل شيء مع إرنست ~~وقت أن كانت الفتيات مصدر قلق وإزعاج، وأخرج كل ذلك من رأسه ~~وهو يعلم أنه يوما ما لا بد أن يفكر فيه مرة أخرى. # بات يقول لنفسه الآن إنه ما غاب عن باله قط أن إنيد ستعود، وها ~~هي قد فعلت في عصر ذلك اليوم عندما دخلت إلى غرفته ذات الرائحة ~~الكريهة، وجعلت أشعة الشمس تدخل إليها. ما كانت لتفعل هذا مع ~~أحد غيره. إنها ليست من الفتيات اللاتي يخرجن بلا مبالاة عن ~~الأعراف التي تعرف أنها جازمة. كان يتذكرها لما كانت تسير ~~بخطوات منتظمة إلى المنصة من أجل أنشطة يوم الطفل مع غيرها من ~~الفتيات الصغريات في فصل الأطفال الصغار؛ وهي تلبس فستانها ~~الأبيض الخشن، وشعرها مهندم بشدة، ويخلو جوربها من أي تجعيدة، ~~وتجعل رفيقاتها الصغريات يحافظن على النظام من خلال الجدية ~~البادية على وجهها والميالة للإذعان، التي بدت كأنها تقول: «يا ~~لها من شيء رائع أن نفعل هذا، وأن نفعله على نحو صحيح!» # كان السيد سميث العجوز هو القس في ذلك الوقت - وهو رجل طيب ~~كثيرا ما تزعجه زوجته السريعة الغضب المزاجية - واعتاد أن ~~تستقر عيناه على إنيد رويس الصغيرة؛ إذ كان يرى فيها مثالا ل ~~«الأنوثة المسيحية الفاضلة والجميلة»، على حد تعبيره. كلود الذي ~~كان في فصل الأولاد الذي يوجد عبر الممر، اعتاد مضايقتها ~~ومحاولة تشتيت انتباهها، ولكنه كان يحترم جديتها. # لما كانا يلعبان معا، كانت تتسم بالعقلانية ولا تتذمر إذا ~~تعرضت للأذى، ولم تتقدم البتة بطلب لإعفائها لكونها فتاة من ~~أي نشاط صعب. كانت هادئة، حتى في اليوم الذي وقعت فيه في ماء سد ~~الطاحونة وأخرجها هو منها؛ فبمجرد أن استعادت أنفاسها ولفظت ~~المياه الطينية، مسحت وجهها بتنورة فستانها الداخلية الصغيرة ~~المبتلة، وجلست ترتعش وتقول مرارا وتكرارا: «أوه يا كلود، ~~كلود!» الآن، بات يعتبر ms114 حوادث كتلك مهمة وموحية. # عندما بدأ كلود يسترجع قواه، عادت إليه بقوة بالغة. شعر أن ~~الدم بدأ يتدفق بقوة في عروقه بينما كان جسده لا يزال ضعيفا؛ ~~ولذا صدمه اندفاع الحيوية هذا. غردت الرغبة في العيش مرة ~~أخرى داخل شرايينه، بينما كان جسده غير مستقر بعد. اجتاحته ~~موجات الشباب وتركته منهكا. لما كانت إنيد معه، لم تكن هذه ~~المشاعر قط بتلك القوة؛ ربما وجودها الفعلي أعاد إليه توازنه، ~~تقريبا. تلك الحقيقة لم تربكه؛ إنه يعزوها إلى شيء جميل في ~~طبيعة الفتاة؛ صفة بالغة الجمال والرقة لدرجة أنه لا يجد اسما ~~لها. # في الأيام الأولى من تعافيه، لم يفعل شيئا سوى الاستمتاع بحركة ~~الحياة التي بدأت تدب في أوصاله. أصبح التنفس متعة جسدية ~~رقيقة. وفي الليالي التي كانت طويلة جدا بحيث طال سهره فيها، ~~كان يبتهج بتخيل نفسه مستلقيا على سحابة تسبح على مهل في ~~السماء. في أعماق هذا الاسترخاء، كان يبدأ التفكير في إنيد مثل ~~ألم عذب وحارق، وكان كلود ينجرف بعد ذلك في عمق الظلام خلف مشاعر ~~لا يستطيع ردعها أو التحكم بها. ما دام قادرا على الحرث أو جمع ~~القش أو العمل بجد في حقل القمح، فإنه سيد؛ ولكنه الآن فاجأته ~~نفسه. كان هناك توافق بينه وبين إنيد، وقد جاءت من أجله، وما كان ~~ليدعها تتركه مطلقا. لا ينبغي أبدا أن تعرف كم يشتاق إليها. ~~لن تدرك بسرعة ولو قدرا ضئيلا مما كان يكنه تجاهها؛ إنه كان ~~يعلم ذلك. وسيستغرق هذا وقتا طويلا. ولكن سيصبر عليها صبرا ~~جميلا، ويغدق عليها حنانا فياضا. المفترض أن يتألم هو، ~~لا هي. حتى في أحلامه، لم يوقظها البتة، ولكنه أحبها وهي ~~ساكنة وغير واعية مثل التمثال. كان سيغدق عليها الحب حتى ~~تلين وتتغير من دون أن تعلم السبب. # أحيانا، عندما كانت تجلس إنيد بجانبه من دون ريبة في شعوره ~~تجاهها، تتسلل حمرة سريعة إلى وجهه، ويشعر بالذنب تجاهها، ~~ويصبح وديعا ومتواضعا كما لو أنه يجب أن يستجدي عفوها على ~~فعل اقترفه. كثيرا ms115 ما كان يسعد عندما تذهب وتتركه بمفرده ~~حتى يفكر فيها. حضورها وهبه العقلانية، ومن أجل ذلك ينبغي أن ~~يكون ممتنا. عندما يكون معها، يظن أنها ستكون الشخص الذي ~~ستصحح من مسلكه في هذا العالم وتجعله يتكيف مع الحياة. لقد ~~تسبب في إزعاج والدته وإحباط والده، لكن زواجه سيكون أول شيء ~~طبيعي ونابع من الإحساس بالواجب ومتوقع يقوم به. إنه سيكون ~~بداية رجاء الخير والشعور بالرضا؛ إنه سيعيد إليه روحه، كما يقول ~~المزمور الذي كثيرا ما كانت تكرره أمه. لا يكاد يشك في ~~استعداد إنيد للاستماع إليه. وعلى الأرجح اعتبر أصدقاؤها تفانيها ~~تجاهه في مرضه بمنزلة رغبة من جانبها في الخطبة إليه. # 5 # كانت رحلة كلود الأولى إلى فرانكفورت هدفها قص شعره. وبعد ~~مغادرة صالون الحلاقة، ذهب إلى مكتب جايسون رويس؛ ويفوح منه عطر، ~~مستخلص من أوراق شجرة الميريقة وشراب الرم، وضعه له الحلاق. ~~بعدما أغلق السيد رويس خزنته، التفت وسلم على الشاب. ~~«مرحبا كلود، سررت برؤيتك هنا مرة أخرى! لا يمكن أن يؤثر ~~المرض كثيرا في مزارع شاب قوي مثلك. الأمر يختلف مع كبار ~~السن. كنت سأذهب الآن لألقي نظرة على البرسيم الحجازي المزروع ~~جنوب النهر. تعال معي.» # خرجا إلى السيارة المكشوفة التي تقف بجوار الرصيف؛ ولما كانا ~~يتجولان بالسيارة بين حقول الحبوب اليانعة، كسر كلود حاجز ~~الصمت. «أظن أنك تعرف سبب مجيئي إليك يا سيد رويس، أليس ~~كذلك؟» # هز الرجل العجوز رأسه. كان مشغول البال وعابسا منذ ~~انطلاقهما. # أردف كلود بنبرة يتخللها الخجل: «حسنا، لا أظن أنك ستفاجأ ~~لو قلت إن قلبي منشغل بإنيد. لم أقل لها شيئا حتى الآن، ولكن ~~إذا لم تمانع، فسأحاول إقناعها بالزواج بي.» # رد السيد رويس: «الزواج هو آخر شيء نتحدث فيه يا كلود.» جلس ~~مسترخيا في مقعده يشاهد الطريق أمامه وذهنه شارد بشدة، ~~ويبدو أكثر عبوسا وشيبا من المعتاد. ثم أردف فجأة: «تعلم أن ~~إنيد نباتية.» # ابتسم كلود. «لا أظن أمرا كهذا يمكن أن يحدث فرقا بالنسبة ~~إلي يا سيد رويس.» # أومأ الآخر ms116 قليلا. «أعلم. في عمرك هذا، تظن أنه لا يحدث ~~فرقا. ولكن تلك الأمور تحدث فرقا بالفعل.» أطبقت شفتاه على ~~السيجار الذي دخن نصفه ولم يفتحهما بعض الوقت. # قال أخيرا: «إنيد فتاة طيبة. على وجه التحديد، عقلها يفوق ~~عقل الفتيات الأخريات. لو كان للسيدة رويس ابنة أخرى في المنزل، ~~لأخذت إنيد للعمل معي في مكتبي. إنها تتمتع بعقل راجح. أعتقد ~~أنها ستدير عملا تجاريا أفضل من إدارتها لمنزل.» لما تلفظ ~~السيد رويس بتلك الكلمات، قلل العبوس الذي كان باديا على وجهه، ~~وأخرج السيجار من فمه ونظر إليه ووضعه مرة أخرى بين أسنانه من ~~دون أن يشعله مرة أخرى. # كان كلود يراقبه مندهشا. وصاح قائلا: «لا غبار على إنيد يا ~~سيد رويس. لم آت كي أسألك عنها. أتيت كي أسألك إن كنت تقبلني ~~زوجا لها. أعلم - كما تعلم أنت - أن إنيد بإمكانها فعل أشياء ~~أفضل من الزواج بي. أنا بالتأكيد لم أحرز نجاحا بارزا حتى في ~~حياتي.» # قال السيد رويس: «ها نحن قد وصلنا. سأترك السيارة تحت شجرة ~~الدردار هذه، ونذهب إلى الطرف الشمالي من الحقل ونلقي ~~نظرة.» # مرا من تحت السياج ~~السلكي وانطلقا على الأرض الوعرة مرورا بحقل به أزهار ~~أرجوانية. اندفعت جماعات من الفراشات الصفراء أمامهما. مشيا ~~بخطوات قافزة مخترقين القشرة النباتية التي حمصتها الشمس ~~وصولا للتربة الناعمة تحتها. أشعل السيد رويس سيجارا جديدا، ~~وبينما كان يرمي عود الثقاب جعل يده تسقط على كتف الشاب. «لم ~~أبرح أحسد والدك. أعجبتني منذ أن كنت صبيا صغيرا، واعتدت أن ~~أسمح لك بالدخول لترى الساقية. وعندما توقفت عن استخدام طاقة ~~المياه وركبت المحرك، قلت لنفسي: «لا يوجد سوى شخص واحد ~~سيأسف على إيقاف استخدام الساقية القديمة، وهو كلود ~~ويلر.»» # قال كلود وهما يمشيان بخطى ثقيلة: «أرجو ألا تعتبرني صغيرا ~~على الزواج.» # اعترض السيد رويس بشدة قائلا: «لا، الأصح والأصوب أن يتزوج ~~الشاب. لا أعترض على الزواج. ولكنك قد تجد بعض المعارضة بسبب رغبة ~~إنيد في العمل في مجال التبشير. لا أعلم شعورها إزاء ms117 هذا الأمر ~~الآن. ولا أسأل كذلك. سيسرني أن تخرج هذه الأفكار من رأسها. ~~إنها لا تناسب المرأة على الإطلاق.» ~~«أريد أن أساعدها كي تخرجها من رأسها. وإذا لم تمانع، فأرجو ~~أن أتمكن من إقناع إنيد بالزواج بي هذا الخريف.» # أدار السيد جايسون رويس رأسه نحو رفيقه بسرعة، وتفحص طلعته ~~الساذجة والمفعمة بالأمل للحظة، ثم حاد ببصره عنه ~~عابسا. # كان يميل حقل البرسيم الحجازي لأعلى في أحد الجوانب، وكان يقبع ~~مثل منديل لامع مطرز باللونين الأخضر والأرجواني وملقى على ~~جانب التل. في الزاوية العلوية، كانت تنمو شجرة حور قطني صغيرة ~~ورفيعة بأوراق خفيفة ومتحركة مثل أسراب الفراشات الصغيرة التي ~~تحوم فوق البرسيم. عمد السيد رويس إلى هذه الشجرة، وخلع معطفه ~~الأسود، وطواه ثم جلس عليه تحت ظل الشجرة الخافت. ظهرت على ~~قميصه بقع كبيرة من البلل، وكان العرق يتدحرج بقطرات واضحة ~~بطول التجاعيد في رقبته السمراء. جلس مشبكا يديه فوق ركبتيه ~~وقدميه فوق التربة الناعمة، وأخذ يجول ببصره عبر الحقل. وجد نفسه ~~غير قادر على الإطلاق على أن يأتي على ذكر الخبرة الواسعة التي ~~تمنى أن ينقلها إلى كلود. لقد أطبقت على صدره كأنها هم، وكانت ~~الرغبة في البوح بها تتصارع هناك. ولكن لم تكن لديه كلمات ~~ليقولها، وما من طريقة يمكن أن توصل ما يريد قوله. ولم تكن لديه ~~أي حجة ليعرضها. ما أراد أن يفعله هو أن يعرض الحياة كما ~~وجدها وكأنها صورة لرفيقه الشاب؛ أراد أن يحذره من بعض ~~الإحباطات التي تكسر القلب، ولكن من دون أن يقدم أي تفسير. ~~كان يعرف أنه لا سبيل إلى مراده ذاك. فمحاولة عجوز نقل ~~تجربته إلى شاب تشبه محاولة حديث الأموات مع الأحياء. ~~الطريقة الوحيدة كي يعرف كلود سره هي أن يعيش الحياة. أخذت ~~أسنانه الصفراء القوية تطبق أكثر وأكثر على السيجار الذي انطفأ ~~مثل سابقه. لم ينظر إلى كلود، ولكن بينما كان يشاهد الريح وهو ~~يسير عبر الطرق الناعمة المزهرة في الحقل، رأى وجه الفتى أمامه ~~مباشرة وعليه تعبير الاعتزاز ms118 المتحفظ الممزوج بالرغبة في ~~الإرضاء، ورأى في كتفيه تصلبا طفيفا ينم عن نوع من الولاء ~~الراسخ. جلس كلود على الأرض بجانبه متعبا بعض الشيء بعد المشي ~~في الشمس، وحزينا قليلا على الرغم من أنه لم يكن يعلم ~~السبب. # بعد مدة طويلة، فك السيد رويس تشابك يديه العريضتين ذواتي ~~الأصابع المكتنزة، وأخرج السيجار المبلل من فمه للحظة. وقال ~~بابتهاج مقصود: «حسنا يا كلود، ستجمعنا علاقة صداقة أكبر مما ~~هو مفترض في العلاقة بين الأب وصهره. ستكتشف أن كل معتقداتك ~~تقريبا عن الحياة - وخاصة عن الزواج - خاطئة. لا أعلم السبب الذي ~~يدفع الناس إلى العيش في هذا النوع من العالم، ولكنهم يفعلون ~~ذلك.» # 6 # بعد لقاء كلود بالسيد رويس، قاد كلود سيارته مباشرة إلى منزل ~~الطاحونة. ولما وصل إلى الطريق الظليل، رأى في إحباط وميض ~~رداءين أبيضين بدلا من رداء واحد وهما يمشيان في حديقة الزهور ~~المشمسة. كانت الزائرة هي جلاديس فارمر. لقد كان هذا هو وقت ~~إجازتها. ذهبت إلى الطاحونة في انتعاش الصباح كي تقضي اليوم مع ~~إنيد. بدأتا الآن في جمع أعواد الجرجير، وتوقفتا في الحديقة ~~لشم أزهار رقيب الشمس. في ذلك العصر الحار، أطلقت الزخات ~~الأرجوانية عبقا علق في حوض الزهور ولامس وجنتيهما كأنفاس ~~دافئة. نظرت الفتاتان في وقت واحد ولمحتا كلود. لوحتا إليه ~~وهرعتا إلى البوابة كي تهنئاه على التعافي. أخذ منهما ~~دلويهما الصغيرين المصنوعين من الصفيح، وتبعهما حول رأس السد ~~القديم وصولا إلى واد رملي ضيق يمتد بطول تيار مائي صاف ~~يصب في نهير لافلي كريك أعلى الطاحونة مباشرة. أتوا إلى التل ~~ذي التربة الحصباء حيث ينبع الجدول من عين حفرت من تحت الجذور ~~المكشوفة لشجرتي دردار. أينعت ونضرت أعواد الجرجير في كل مكان ~~حول العين وفي القاع الرملي للتيار الضحل. # كانت جلاديس لديها اهتمام شديد بالأماكن. نظرت حولها برضا. ~~وقالت: «من بين كل الأماكن التي اعتدنا اللعب فيها يا إنيد، كان ~~هذا هو مكاني المفضل.» # قال كلود مقترحا: «أيتها الفتاتان، اجلسا هناك عند جذور ~~شجرتي الدردار. ms119 فأينما وضعتما أقدامكما في هذا الحصى الناعم، ~~تتجمع المياه. إنكما بهذا ستتلفان حذاءيكما الأبيضين. ~~سأحضر أنا لكما الجرجير.» # نادت عليه جلاديس وهما تجلسان: «إذن فاملأ دلوي بأكبر قدر ~~ممكن. أتساءل لماذا تنمو نباتات الخنجر الإسباني بهذه الكثافة على ~~هذا التل يا إنيد؟ كانت هذه النباتات هرمة وجافة عندما كنا ~~صغيرتين. لقد أحببتها هنا.» # أسندت ظهرها على جانب التل الحار المتلألئ. كانت تتسلل ~~أشعة الشمس الحمراء من بين قمتي شجرتي الدردار، ويلمع كل الحصى ~~وأجزاء المرو في الصخور على نحو باهر. وفي قاع الجدول كان للمياه، ~~حين يتخللها الضوء، بريق مثل الذهب المطفي. كانت ترمي أشعة ~~الشمس بقعا على شعر كلود الأشقر وكتفيه المحنيتين وهو يتحرك ~~فوق البقاع الخضراء، وبدا سرواله الذي كان من القطن المتين أكثر ~~بياضا مما كان عليه. كانت جلاديس فقيرة جدا بحيث لا تستطيع ~~السفر، ولكن ساعدها الحظ كثيرا بسفرها إلى مناطق كثيرة على ~~بعد بضعة أميال من فرانكفورت، وساعدها أيضا خيالها الخصب على ~~الاستمتاع بالحياة. أسرت إلى إنيد أنها تريد بالفعل الذهاب إلى ~~كولورادو؛ فقد كانت تخجل من أنها لم تر جبلا من قبل في ~~حياتها. # بعد قليل، صعد كلود إلى الضفة ومعه دلوان لامعان يتقاطر ~~منهما الماء. «والآن، هل يمكنني الجلوس معكما بضع دقائق؟» # تحركت إنيد كي تفسح له مكانا بجانبها، ولاحظت أن وجهه ~~الرفيع يغرقه قدر كبير من العرق. كان منديل جيبه مبتلا ~~ولصقت به الرمال؛ ومن ثم أعطته منديلها الخاص وكأنه ملك له. ~~«عجبا يا كلود، تبدو متعبا للغاية! هل أجهدت نفسك في العمل؟ ~~أين كنت قبل أن تأتي إلى هنا؟» ~~«كنت مع والدك في أرضه نلقي نظرة على حقل البرسيم الحجازي ~~خاصته.» ~~«وأظن أنه مشى معك بطول الحقل تحت أشعة الشمس الحارة؟» # ضحك كلود. «نعم.» ~~«حسنا، سألومه على ذلك الليلة. ابق هنا واسترح. سأرجع جلاديس ~~إلى منزلها بالسيارة.» # اعترضت جلاديس، ولكنهم في النهاية اتفقوا على أن يصحبها ~~كلاهما إلى المنزل في سيارة كلود. لكنهم بقوا لبعض الوقت؛ إذ ~~أخذوا يستمعون إلى بقبقة ms120 ماء العين العذبة واللطيفة؛ إنه صوت ~~هادئ وغير مزعج، يتمتم في الليل والنهار، ولا يبرح يقول ~~الحقيقة إلى من لا يستطيع فهمها. # عندما ذهبوا إلى المنزل، توقفت إنيد وقتا طويلا كي تقطف ~~باقة من أزهار رقيب الشمس للسيدة فارمر، على الرغم من زوال عبقها ~~الفواح مع زوال الشمس. تركا جلاديس ومعها الزهور وأعواد الجرجير ~~عند بوابة الكوخ الأبيض، والذي أصبح الآن نصف ظاهر بسبب نباتات ~~تكوما راديكانس المبهجة. # أدار كلود سيارته وعاد مع إنيد على الطريق في ضوء الشفق الخافت. ~~«أحب كثيرا أن أرى جلاديس، ولكن أصابتني خيبة أمل شديدة ~~للحظات لما رأيتها معك بعد ظهر اليوم. كنت قد تحدثت للتو مع ~~والدك وأردت أن أحضر لكي أراك مباشرة. هل تعتقدين أنه يمكنك أن ~~تتزوجيني يا إنيد؟» # تحدثت بنبرة حزينة: «لا أظن أن هذا القرار هو الأصوب يا ~~كلود.» # أمسك يدها الساكنة. «ولم لا؟» ~~«عقلي منشغل بخطط أخرى. الزواج حلم معظم الفتيات، لكنه ~~ليس حلما لجميعهن.» # خلعت إنيد قبعتها. في ضوء المساء الخافت، تفحص كلود وجهها ~~الشاحب تحت شعرها البني. كان هناك شيء جميل وفاتن في الوضعية ~~التي اتخذها رأسها، شيء يجمع بين الرغبة في الانقياد والحزم ~~الشديد. «أنا أيضا حلمت بتلك الأحلام البعيدة يا إنيد، ولكني لم ~~أعد الآن أفكر في أي شيء سواك. وإن كنت تهتمين بي ولو بقدر ~~ضئيل بحيث أبدأ في مسعاي هذا، فأنا على استعداد للمخاطرة فيما ~~تبقى.» تنهدت. وقالت: «تعلم أني أهتم بك. ولم أخف ذلك ~~البتة. ولكننا سعيدان بوضعنا الحالي، ألا تتفق معي؟» ~~«نعم، لست كذلك. يجب أن تكون لي حياتي الخاصة، وإلا سأجن. وإن ~~لم تتزوجي بي، فسأسافر إلى أمريكا الجنوبية ... ولن أعود حتى أهرم ~~وتهرمي أنت كذلك.» # نظرت إليه إنيد وابتسما. # كان منزل الطاحونة ~~مظلما، ولا تضيء سوى نافذة واحدة في الطابق العلوي. ترجل ~~كلود من السيارة وأنزل إنيد برفق إلى الأرض. تركته يقبل فمها ~~البارد الناعم، ورموشها الطويلة. في الغسق الباهت المغبر الذي ~~لا تضيئه سوى بضعة نجوم بيضاء، ومع ms121 البرد المتطاير في الهواء من ~~النهير، بدت لكلود كأنها شبح صغير يرتعش خرج من نباتات ~~الأسل التي أقيم عندها سد الطاحونة القديم. قبض حزن كبير ~~على صدر الفتى. لم يعتقد أن الأمور ستسير بهذا النحو. عاد بالسيارة ~~إلى المنزل وهو يشعر بالضعف والانكسار. ألا يوجد شيء في العالم ~~يوضح له سبب مشاعره، وهل سيصبح كل منعطف في حياته نقطة ~~إحباط له؟ لماذا الحياة قاسية إلى تلك الدرجة الغامضة؟ لما نظر إلى ~~الريف حوله، ظن أن الحزن يخيم عليه، ولا يمكنك تغيير هذا ~~مثلما لا يمكنك تغيير القصة المرسومة على وجه إنسان غير سعيد. ~~تمنى من الرب أن لو مرض مرة أخرى؛ الدنيا دار شقاء لمن يعيش ~~فيها. # إنسان واحد في تلك الليلة شعر بالأسى من أجل كلود. جلست جلاديس ~~فارمر بجانب نافذة غرفة نومها مدة طويلة، وأخذت تراقب النجوم ~~وتفكر فيما رأته واضحا وضح النهار بعد ظهر ذلك اليوم. لقد ~~أحبت إنيد منذ أن كانتا طفلتين صغيرتين، وكانت تعلم كل ما يمكن ~~معرفته عنها. كان سيصبح كلود أشبه بإنسان ميت يتجول بين شوارع ~~فرانكفورت؛ ستفنى روح كلود، أما جسده فسيعيش - إذ سيغدو ويروح ~~ويأكل وينام - مدة خمسين عاما. لقد درست جلاديس لأطفال العديد ~~من مثل هؤلاء الموتى. لقد خرجت بفلسفة غامضة مليئة بقناعات قوية ~~وشخصيات مشوشة. اعتقدت أن كل الأشياء التي قد تجعل الدنيا ~~جميلة - الحب والطيبة، الترفيه والفن - محبوسة في سجن، وأن مفاتيح ~~هذا السجن بأيدي الناجحين من أمثال بايليس ويلر. أما الكرماء - ~~الذين يمكنهم إتاحة تلك الأشياء من أجل أن يسعد الناس - فضعفاء ~~بعض الشيء، ولا يمكنهم كسر الحواجز. حتى حياتها الصغيرة تغير ~~شكلها إلى شكل مشوه بسبب هيمنة أناس من أمثال بايليس عليها. ~~على سبيل المثال، لم تجرؤ أن تذهب إلى أوماها ذلك الربيع لحضور ~~العروض الثلاثة التي تقيمها شركة شيكاجو أوبرا. هذا البذخ كان ~~سيثير روحا تأديبية داخل كل أصدقائها، وفي القائمين على مجلس ~~إدارة المدرسة أيضا؛ إذ على الأرجح كانوا سيقررون حرمانها من ~~الزيادة الطفيفة ms122 في الراتب التي كانت تركن إليها في العام ~~التالي. # كان عليها أن تعترف بوجود أناس - حتى في فرانكفورت - لديهم ~~خيال ودوافع سامية، ولكنهم جميعا غير أكفاء وفاشلون. من أمثال ~~هؤلاء الآنسة ليفينجستون، الخادمة العجوز العاطفية والسريعة ~~الانفعال التي لا تستطيع قول الحقيقة؛ والسيد سميث العجوز، ~~المحامي الذي ليس لديه زبائن، ويقرأ أعمال شكسبير ودرايدن طوال ~~اليوم في مكتبه المترب؛ وبوبي جونز، عامل الصيدلية المخنث ~~الذي يكتب الشعر الحر وسيناريوهات «الأفلام»، ويقوم على آلة ~~المشروبات الغازية. # كان كلود أملها الوحيد. منذ أن تخرجا من المدرسة الثانوية ~~وطيلة السنوات الأربع التي درست فيها، كانت تتطلع إلى رؤيته ~~وقد سطع نجمه وأثبت نفسه. أرادت أن تراه أنجح من بايليس، «وأن ~~يبقى كما هو دون تغيير». كانت ستقدم أي تضحيات من أجل تسهيل ~~الأمور عليه. وإذا فشل فتى قوي ميسور الحال وجريء جدا مثل ~~كلود، فقط بسبب بعض العصبية في طبيعته، فإن الحياة إذن لا تستحق ~~الحزن الذي تتسبب فيه لقلب رقيق مثل قلبها. # في النهاية، رمت جلاديس نفسها على السرير. إذا تزوج من إنيد، ~~فستكون هذه هي النهاية. سيصبح قويا وحزينا مثل السيد رويس؛ ~~آلة كبيرة زنبركاتها الداخلية مكسورة. # 7 # تعافى كلود بالقدر الكافي، وأصبح بإمكانه الذهاب إلى الحقول ~~قبل أن تنتهي عملية الحصاد. أتى منتصف شهر يوليو ولم ينته ~~المزارعون من حصاد الحبوب. كان محصول القمح والشوفان كبيرا ~~جدا لدرجة أن الماكينات لم تكف لدرسه في المدة المعتادة. ~~اضطر الرجال إلى أن ينتظروا أدوارهم، وتركوا المحاصيل ~~متكومة وكأنها مصدومة إلى أن تأتي ماكينة الدرس السوداء إلى ~~الحقول. لو هطلت الأمطار لحدثت كارثة، ولكن ذلك العام كان من ~~«الأعوام الجيدة» التي يحكي عنها المزارعون عندما تسير كل ~~الأمور على ما يرام. في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى الأمطار، كانت ~~تهطل الأمطار بغزارة، وكانت الأيام حينئذ شديدة الجفاف ~~والحرارة. # كانت تشرق الشمس كل ~~صباح مطلقة حرارة عالية، وسرعان ما تجفف الندى وتبدأ في ~~إحداث إثارة كبيرة لجميع الكائنات الحية. في مواسم الحصاد الكبيرة ~~مثل ms123 هذا الموسم، كانت الحرارة والضوء الكثيف والعمل المهم الدائر ~~تجمع بين قلوب الناس، وتبث فيهم روح الود. كان الجيران يساعد ~~بعضهم بعضا للتعامل مع الحجم المضني للمحصول المهم للغذاء؛ إذ ~~ينزل النساء والأطفال وكبار السن بحماسة إلى الحقول ، ويفعلون ما ~~يستطيعون لحصد الحبوب وتخزينها. حتى الخيول كان لها دور متنوع ~~واجتماعي أكثر من المعتاد؛ إذ كانت تنتقل من مزرعة إلى أخرى كي ~~تساعد خيول الجيران في سحب العربات وماكينات الحصاد الحازمة ~~وماكينات الحصد الرافعة. كانت تلامس أنوف مهور الأصدقاء ~~القدامى، وتأكل الطعام من أيدي معلفين غرباء؛ وتشرب، أو ترفض ~~أن تشرب، من أحواض مياه غريبة. كذلك أدخلت في الخدمة الآن ~~الخيول العاجزة القابعة في الحظيرة، ولا تخرج؛ مثل الفرسة مولي ~~ذات الساق العرجة التي تتبع آل ويلر، وفرس ليونارد دوسن المسمى ~~بيلي المصاب بربو الخيول، الذي يمكن أن يسمع سعاله على بعد ~~ربع ميل. إنه لمذهل أيضا أن تتمكن هذه الحيوانات المريضة مع ~~مواكبة الأفراس والخيول المخصية الشابة القوية؛ لقد كانت ~~تحني رءوسها طواعية وتسحب الأشياء وكأنها يروق لها احتكاك ~~الطوق في رقابها. # كانت الشمس أشبه بزائر عظيم يحفز طاقة الحيوانات جميعها ثم ~~يأخذ حقه منها. وعندما تخلع الشمس عنها عباءتها وتقف متنحية ~~على حافة الحقول في المساء، تخلف وراءها عالما مليئا بالتعب ~~والإرهاق. كانت الخيول والرجال والنساء تصبح أكثر نحولا؛ إذ ~~يغرقون طوال اليوم في عرقهم. وبعد العشاء، كانوا ينامون في أي ~~مكان حتى يبزغ شفق الفجر الأحمر من الشرق مرة أخرى وكأنه نفخ في ~~الأبواق، وتبدأ الأعصاب والعضلات تنتفض مع حرارة الشمس. # لم يقرأ كلود الجرائد عدة أسابيع بسبب ضيق الوقت؛ كانت ~~مكومة في أنحاء متفرقة من المنزل، غير مفتوحة؛ إذ كان نات ~~ويلر في الحقل الآن يعمل كأنه واحد من العمالقة. كان يهرع كلود ~~إلى الطاحونة تقريبا في مساء كل يوم كي يرى إنيد لبضع دقائق؛ لم ~~يكن ينزل من سيارته، وكانت تجلس هي على المرقى الدرجي القديم ~~المتبقي من أيام ركوب الخيل بينما تتحدث معه. قالت ms124 صراحة ~~إنها لا تحب الرجال الخارجين لتوهم من حقل الحصاد، ولم ~~يلمها كلود على ذلك. كان لا يحب نفسه كثيرا بعدما يبدأ عرق ~~جسمه يجف على ملابسه. ولكنه كان لا يستطيع أن يرى أحدا إلا في ~~الساعة أو الساعتين بين العشاء والنوم. إنه كان ينام مثل أبطال ~~العصور القديمة؛ كان يغرق في السرير كأنه نال أمنيته من الدنيا، ~~ويستشعر للحظة مباركة حلاوة النوم قبل أن يغلبه. في الصباح، كان ~~يخيل إليه أنه يسمع رنين المنبه لوقت طويل جدا قبل أن ~~ينهض من المكان العميق الذي غرق فيه. كان يمر بكل ضروب ~~المغامرات غير المترابطة في المدة بين أول رنين للمنبه ~~واللحظة التي يفيق فيها من سباته بالقدر الكافي ليحرك يده كي ~~يوقفه. على سبيل المثال، كان يحلم أن المساء قد حل وذهب كي يرى ~~إنيد كعادته. ولما كانت آتية في الممر من المنزل، اكتشف أنه لم ~~يكن يرتدي أي ملابس على جسده! بعد مدة وبمرونة مذهلة، كان ~~يقفز من فوق السياج ذي الأوتاد، وينزل في أجمة من نباتات ~~الخروع، ويقف في الغسق ويحاول أن يغطي جسده بأوراقها - ~~مثلما فعل آدم في الجنة - ويتحدث إلى إنيد عن أي أمور عادية ~~وأسنانه يصطك بعضها ببعض خشية أن تفضح أمره في أي لحظة. # دائما ما كانت السيدة ~~ويلر وماهيلي تخسران وزنا في أوقات درس الحبوب، مثل الخيول ~~تماما؛ في هذا العام كان يمتلك نات ويلر ستمائة فدان من القمح ~~الشتوي، ويبلغ محصول الفدان الواحد نحو ثلاثين بوشلا. إن حصد ~~مثل هذا المحصول أمر صعب على النساء والرجال على حد سواء. أتت ~~سوزي زوجة ليونارد دوسن كي تساعد السيدة ويلر، ولكنها كانت تنتظر ~~مولودا في الخريف، وكان الحر شديدا عليها. بعد ذلك، أتت إحدى ~~بنات يودر، ولكن الفتاة الألمانية المنظمة شتتتها طرق ~~ماهيلي الغريبة، حتى قالت السيدة ويلر إن الأسهل لها أن تنجز ~~الأعمال بنفسها بدلا من أن تظل تشرح للفتاة الجوانب النفسية ~~لماهيلي. يوما بعد يوم، كان يجلس عشرة رجال شديدي الجوع على ms125 ~~المائدة الطويلة في المطبخ. كانت تخبز السيدة ويلر الفطائر والكعك ~~وأرغفة الخبز بأسرع ما يمكن أن يسعفها الفرن، ويظل الفرن ~~مشتعلا من الصباح حتى المساء مثل حجرة الاشتعال في القاطرة. ~~كانت تظل ماهيلي تدق عنق الدجاج حتى يتورم رسغها، «مثل ~~أفعى نافخة» على حد قولها. # بحلول نهاية شهر يوليو، هدأت عاصفة الإثارة. عادت أجزاء طاولة ~~الطعام المتحركة الإضافية إلى أماكنها، وسكنت خيول ويلر في ~~حظائرها مرة أخرى، وانتهى عهد الرعب في حظيرة الدجاج. # في إحدى الأمسيات، نزل السيد ويلر إلى العشاء وتحت ذراعه حفنة ~~من الجرائد. «كلود، أرى أن الخوف من الحرب في أوروبا قد ضرب السوق ~~في مقتل. حدثت قفزة في سعر القمح. إنهم يدفعون ثمانية وثمانين ~~سنتا مقابلا له في شيكاجو. علينا بيع بضع مئات من البوشلات ~~قبل أن ينخفض السعر مرة أخرى. الأفضل أن نبدأ في نقلها بالعربة ~~غدا. يمكننا أنا وأنت القيام برحلتين في اليوم إلى فيكونت؛ وذلك ~~بالتبديل بين الخيول ... ليس على الخيول صعود أي تلال؛ ومن ثم لن ~~تواجه أي مشقة.» # جلست السيدة ويلر وهي تصب القهوة ممسكة بإبريق القهوة ~~معلقا في الهواء، ونسيت أنه في يدها. تمتمت بنبرة عادية: ~~«إذا كانت هذه المخاوف ليست إلا فرقعة جرائد كما نعتقد، فلا أرى ~~سببا في تأثر السوق بها. لا بد أن أصحاب البنوك الكبيرة في ~~نيويورك وبوسطن لديهم طرقهم في التفرقة بين الشائعات ~~والحقائق.» # قال زوجها بنفاد صبر: «أعطيني بعض القهوة من فضلك. لست مضطرا ~~إلى توضيح حال السوق؛ ما يهمني هو انتهاز الفرص المتاحة ~~فيه.» ~~«ولكن ما لم يوجد سبب لذلك، فلماذا نأخذ محصولنا من القمح إلى ~~فيكونت؟ هل تفترض أن تجار الحبوب يصنعون مخططا ويخفونه ~~وراء شائعة الحرب؟ هل خبراء المال والصحافة خدعوا العامة بهذا ~~النحو من قبل؟» ~~«لا أعلم أي شيء عن ذلك يا إيفانجلين، ولا أظن ذلك. اتصلت ~~هاتفيا بصومعة الغلال في فيكونت منذ ساعة، وقالوا إنهم سيدفعون ~~لي سبعين سنتا، والسعر قابل للتغيير مع التسعير الصباحي.» غمز ~~بعينه وقال: «كلود، ms126 الأفضل ألا تذهب إلى الطاحونة اليوم. نم ~~مبكرا. إذا خرجنا إلى الطريق بحلول السادسة صباحا، فسنصل إلى ~~المدينة قبل أن يشتد حر النهار.» ~~«حسنا يا سيدي. أريد أن أطلع على الجرائد بعد العشاء. لم أقرأ ~~شيئا غير العناوين منذ الوقت الذي قبل موسم درس الحبوب. أثير ~~قلق إرنست لما علم بمقتل ذلك الدوق الكبير، وقال إن النمساويين ~~سيثيرون المتاعب. ولكن لم أعتقد قط أن هذا الأمر سيؤدي إلى ~~أي شيء.» # بينما كان والده يحاول الوصول إلى إحدى قطع البسكويت الساخن، ~~قال: «على أي حال، لقد تسبب هذا في وصول سعر البوشل إلى سبعين ~~سنتا.» # قالت السيدة ويلر بتفكر: «إذا كانت تلك الأحداث قد وقعت، ~~فأخشى ما أخشاه أن يكون هناك المزيد منها في الطريق.» التقطت ~~الفرشاة الورقية الخاصة بطرد الذباب، وجلست تلوح بها بنحو ~~غير منتظم وكأنها تحاول التخلص من سرب من الأفكار ~~المربكة. # اقترح السيد ويلر قائلا: «اتصل بإرنست واسأله عما تقوله ~~الجرائد البوهيمية عن الأمر.» # ذهب كلود إلى الهاتف، ولكن لم يرد عليه أحد من آل هافل. ربما ~~ذهبوا إلى حفلة رقص في بلدة بوهيميا. صعد إلى الطابق العلوي ~~وجلس أمام كرسي ذي ذراعين مليء بالجرائد؛ لم يستطع الخروج بأي رأي ~~عقلاني من البرقيات الملطخة المكتوبة بخط كبير في الصفحة ~~الأولى من جريدة أوماها وورلد هيرالد. الجيش الألماني كان يدخل ~~لوكسمبورج؛ إنه لا يعرف أين تقع لوكسمبورج، وهل هي مدينة أم دولة؛ ~~ربما كانت لديه فكرة مبهمة ترى أنها عبارة عن قصر! صعدت أمه ~~إلى «مكتبة ماهيلي» - العلية - من أجل أن تبحث عن خريطة ~~لأوروبا؛ وهي شيء لا يحتاج إليه المزارعون في نبراسكا كثيرا. ~~ولكن في تلك الليلة باتت النساء في العديد من منازل البراري، سواء ~~الأمريكيات منهن أو ذوات الأصول الأجنبية، يبحثن عن خريطة. # كان كلود يشعر بالنعاس بشدة لدرجة أنه لم يتنظر عودة والدته. ~~مشى بتعثر في الطابق العلوي، وخلع ملابسه في الظلام. اتقدت ~~حرارة الجو في الليل، وامتلأت السماء بالسحب الرعدية، ولاح في ~~الأفق الغربي ms127 بالكامل رعد منبسط متواصل. دخل البعوض إلى ~~غرفته في النهار؛ وبعد أن رمى نفسه على السرير بدأ يحوم فوقه ~~بأصواته العالية والمزعجة. تقلب من جانب إلى آخر، وحاول أن ~~يسد أذنيه بالوسادة. امتزج الصوت المزعج، في دماغه الناعس ، ~~بالخط الكبير في الصفحة الأولى من الجريدة؛ بدت تلك الحروف ~~الكبيرة كأنها تطير حول رأسه، وتصدر صوت أزيز ناعم وعال ~~وممل. # 8 # في وقت متأخر من مساء يوم السادس من أغسطس، كان كلود يتأرجح ~~بعربته الفارغة على طول الطريق المعبد في الأرض المنبسطة ما ~~بين فيكونت ووادي لافلي كريك. قطع رحلتين إلى المدينة في ذلك ~~اليوم. وعلى الرغم من أنه استخدم فريق الخيول الأقوى لديه في رحلة ~~العصر الحارة، فإن الخيول أرهقت لدرجة أنه لا يمكن حثها على ~~السير بسرعة أكبر. تلألأت بقع العرق على رقابها، وعلق على ~~جانبيها الغبار الأبيض الذي يرتفع مع كل خطوة. تدلت رءوسها ~~لأسفل، وبدأت تأخذ أنفاسا عميقة وبطيئة. ارتفعت سخونة خشب مقعد ~~العربة المطلية باللون الأخضر لدرجة أنه لا يتحمل لمسها. جلس ~~كلود على أحد طرفي المقعد، وأبقى رأسه مكشوفا لالتقاط نسمة ~~الهواء التي تجفف رقبته وذقنه في بعض الأحيان، وتنقذه من عناء ~~إخراج المنديل. امتدت جذامات القمح على الجانبين أميالا ~~وأميالا. وقفت أكوام القش بلونها الأصفر منعزلة تحت الشمس، ~~وألقت بظلالها الطويلة. نظر كلود بترقب بطول سياجات أشجار ~~السنط التي تنبئ عن مسار الطريق. وعده إرنست هافل أن يقابله ~~في مكان ما على الطريق المؤدي إلى المنزل. لم ير إرنست منذ ~~أسبوع؛ ومنذ ذلك الحين حدثت عجائب. # في النهاية، تعرف على حيوانات جر عربة عائلة هافل في ~~الطريق، فتوقف وانتظر إرنست بجانب سياج شائك، وأخذ يتأمل ما حوله ~~بتمعن. أوشكت الشمس على الغروب حينئذ. لقد تدلت فوق جذامات ~~الحبوب، التي كانت كلها بيضاء وزهرية اللون بفعل الحرارة، مثل ~~صورة شمس منعكسة في مياه عكرة. ظهر لتوه البدر في الشرق ~~وتوهج سطحه الفضي الرقيق باللون الزهري حتى بدا تماما كأنه ~~شمس في وقت الغروب. لولا أن ms128 لكل جرم منهما مكانه في هذا ~~الملكوت، لما استطاع كلود أن يحدد أي منهما الشمس وأيهما ~~القمر. كل منهما كان يسبح في اتجاه مختلف من العالم، وبدا ~~كدرعين ساطعين ينظر أحدهما إلى الآخر كأنهما تقابلا، أيضا، ~~على موعد بينهما . # ترجل كلود وإرنست من عربتيهما في وقت واحد، وتصافحا كأنهما ~~لم ير أحدهما الآخر منذ مدة طويلة. ~~«حسنا، ما رأيك فيما يحدث يا إرنست؟» # هز الشاب رأسه حذرا، ولكنه لم يرد. ربت على خيوله، ~~وفك الأطواق من رقابها. # تابع كلود بنفاد صبر: «انتظرت في المدينة ريثما تصدر جريدة ~~هاستنجز. أعلنت إنجلترا الحرب ليلة أمس.» # قال إرنست: «دخل الألمان مدينة لييج. أعرف مكانها. أبحرت من ~~أنتويرب لما انتقلت إلى هنا.» ~~«نعم، أعلم ذلك. هل يستطيع أن يفعل البلجيكيون شيئا؟» ~~«أبدا.» اتكأ إرنست على عجلة العربة، وأخرج غليونه من جيبه ~~ببطء وملأه. «لا أحد يستطيع فعل شيء. سيذهب الجيش الألماني إلى أي ~~مكان يريده.» ~~«إذا كان الوضع بهذا السوء، فلماذا يقاوم البلجيكيون؟» ~~«لا أعلم. هذا أمر جيد، ولكن لن يسفر عن شيء في النهاية. ~~دعني أخبرك شيئا عن الجيش الألماني يا كلود.» # ظل إرنست يروح ويجيء بجانب سياج أشجار السنط وهو يتحدث عن هذا ~~الجيش العظيم؛ الإعداد، التنظيم، التركيز، الموارد الهائلة، الرجال ~~الذين لا ينتهون. غابت الشمس وهو يتحدث، وعندها ظهر القمر ~~وتجلى وتصاعد متباطئا في السماء الشاحبة. كانت الحقول لا تزال ~~تلمع بسبب الانعكاس اللطيف المتبقي من ضوء النهار، وبدأ الليل ~~يلوح في الأفق؛ لم تظلم السماء، ولكنها بدت كأنها تبشر بقدوم ~~الليل. # أنهى إرنست كلامه قائلا: «لو كنت في موطني لوجدتني بين صفوف ~~الجيش النمساوي في تلك اللحظة. أظن أن كل أولاد عمومتي وأبناء ~~إخوتي يقاتلون الروس أو البلجيكيين الآن. ماذا ستفعل لو طلب ~~منك الهجوم على بلد مسالم كهذا، في منتصف موسم الحصاد، ~~والبدء في تدميره؟» ~~«ما كنت لأفعل ذلك بالطبع. سأتمرد وأترك الخدمة.» ~~«إذن، ستتعرض عائلتك للاضطهاد. وعندها سيخضع إخوتك، وربما ~~أبوك، للضباط النمساويين ويعاملون معاملة العبيد.» ~~«ما كنت ms129 لأزعج نفسي بذلك. سأترك أقاربي الذكور يقررون ~~لأنفسهم كيف يحبون أن يعاملوا.» # هز إرنست كتفيه. «أنتم أيها الأمريكيون تتباهون بأنفسكم مثل ~~الأطفال الصغيرة؛ تقولون ستفعلون ولا تفعلون! أقول لك لا دخل ~~بإرادة أحد إزاء هذا الأمر. إنه حصاد لكل ما زرع. لم أظن أن ~~هذا الأمر سيحدث في حياتي، ولكني كنت أعلم أنه سيحدث.» # مشى الفتيان بتثاقل بعض الوقت وهما ينظران إلى السطوع الناعم ~~للسماء. خلت السماء تماما من السحب، وتحول الضوء الخفيف في ~~الحقول إلى نور القمر المنير الصافي من دون أن يستشعر أحد ذلك. ~~وسرعان ما بدأت العربتان في التحرك بطول الطريق الأبيض، وجلس ~~كل سائق على مقعده الذي لا ظهر له، وهو منكفئ إلى الأمام ~~وتائه بين الأفكار. ولما وصلا إلى المنعطف حيث ينعطف إرنست جهة ~~الجنوب، تمنى كل منهما للآخر ليلة سعيدة من دون أن يرفعا ~~صوتهما. تابعت خيول كلود السير وكأنها تسير وهي نائمة. حتى إنها ~~لم تنخر من سحابة الغبار الخفيضة التي كانت تثيرها باستمرار ~~خطواتها المتثاقلة؛ التي كان صوتها هو الصوت الوحيد في هدوء ~~الليل الفسيح. # تساءل كلود لماذا لم يكن إرنست صبورا معه. لم يستطع التظاهر ~~بالشعور بما كان يشعر به إرنست. لم تكن لديه أي قناعة يمكن على ~~أساسها أن يشكل آراءه أو يلون مشاعره عما يجري في أوروبا؛ ~~يمكنه أن يصل إليها بمرور الوقت. دائما ما كان يقال له إن ~~الألمان يتمتعون بالفضائل التي يعجب الأمريكيون بها بشدة؛ وقبل ~~شهر كان سيقول إن لديهم المثل كافة التي تستحق أن يحارب من ~~أجلها أي فتى أمريكي محترم. كان يتنافى غزو بلجيكا مع الشخصية ~~الألمانية التي لمسها في أصدقائه وجيرانه. كان لا يزال يرجو أن ~~يكون ما حدث ناتجا عن خطأ فادح، وأن يعتذر هذا الشعب الرائع ~~ويصحح مساره مع العالم. # جاء السيد ويلر إلى أسفل التل من دون قبعة ومن دون معطف عندما ~~وصل كلود إلى ساحة الحظيرة. «أظن أنك متعب. سأريح الخيول. هل ~~لديك أي أخبار؟» ~~«أعلنت إنجلترا الحرب.» # وقف ms130 السيد ويلر متصلبا للحظة وحك رأسه. «أظن أنك لست ~~بحاجة إلى الاستيقاظ مبكرا غدا. إذا كان خبر الحرب مؤكدا ~~فسيرتفع سعر القمح أكثر. كنت أظن أنها شائعة حتى الآن. خذ ~~الجرائد إلى أمك.» # 9 # ذهبت إنيد ووالدتها إلى مصحة ميشيجان حيث كانتا تقضيان جزءا ~~من الصيف كل عام، ولن تعودا حتى شهر أكتوبر. أولى كلود ووالدته ~~كل اهتمامهما إلى الأخبار عن الحرب. يوما بعد آخر وفي أول ~~أسبوعين من شهر أغسطس، تسللت الأخبار المحيرة من المدن ~~الصغيرة إلى البلدات الريفية. # بحلول منتصف الشهر، انتشر خبر سقوط الحصون في لييج؛ إذ ~~تعرضت للقصف مدة تسعة أيام، ولكنها دكت في النهاية في بضع ~~ساعات بمدافع الحصار التي كانت في الخط الخلفي؛ من الواضح أن تلك ~~المدافع بإمكانها تدمير أي تحصينات مهما كانت المواد أو ~~الطريقة التي بنيت بها. حتى بالنسبة إلى المسالمين الذين ~~يزرعون القمح، هددتهم مدافع الحصار التي تمركزت أمام لييج؛ ~~إنها لم تهدد أمنهم أو بضائعهم، بل هددت طريقة التفكير ~~المريحة التي دأبوا عليها. لقد أدخلت القوة الكبرى من القوة ~~البشرية التي بعد ذلك، وعلى نحو متكرر، جعلت هذه الحرب ~~تتسبب في كوارث تشبه الكوارث الطبيعية التي لا يمكن توقعها، ~~مثل موجات المد والجزر أو الزلازل أو ثورات البراكين. # في اليوم الثالث والعشرين من الشهر نفسه، وردت أنباء عن سقوط ~~حصون مدينة نامور؛ وهذا إنذار آخر بأن قوة تدمير غير مسبوقة قد ~~أطلقت في العالم. بعد بضعة أيام، أوضح خبر دك المؤسسة ~~التعليمية العريقة والهادئة في مدينة لوفان أن تلك القوة موجهة ~~نحو غايات غريبة. وحينئذ، أيضا، عجت الجرائد بأخبار عن قتل ~~السكان المدنيين. إن شيئا جديدا، وبالتأكيد شريرا، كان يحوم ~~بين البشر. لا أحد كان يعرف له اسما. بدا أنه لا توجد أي كلمة ~~معروفة تصف السلوك البشري تستطيع أن تصف هذا الشيء. المحاولات ~~التي أجمعت على اسم «أتيلا» كانت كلها اجتهادات فردية ~~مبالغا فيها جدا، وتنم بشدة عن العاطفة البشرية القديمة ~~والمعتادة. # في عصر أحد أيام الأسبوع الأول ms131 من شهر سبتمبر، كانت السيدة ويلر ~~في المطبخ تحضر مخلل الخيار عندما سمعت سيارة كلود عائدة ~~من فرانكفورت. دخل بسرعة وأغلق الباب الشبكي خلفه بقوة، ورمى ~~حزمة بريدية على الطاولة. ~~«ما رأيك يا أمي؟ نقلت فرنسا مقر الحكومة إلى بوردو ! من ~~الواضح أنهم لن يتمكنوا من الحفاظ على باريس.» # مسحت السيدة ويلر وجهها المتعرق الشاحب بطرف مئزرها، وجلست ~~على أقرب كرسي. «هل تعني أن باريس لم تعد عاصمة فرنسا؟ هل يعقل ~~هذا؟» ~~«هذا ما تبدو عليه الأمور. على الرغم من أن الجرائد تقول إن هذا ~~ليس سوى إجراء احترازي.» # نهضت. «دعنا نلق نظرة على الخريطة. لا أتذكر أين تقع بوردو ~~بالتحديد. ماهيلي، لا تتركي الخل حتى يحترق، اتفقنا؟» # تبعها كلود إلى غرفة الجلوس التي كانت تعلق فيها خريطة ~~جديدة على الحائط فوق الأريكة الطويلة التي لا ظهر لها، وهي ~~بتنجيد يشبه السجاد. اتكأت على ظهر كرسي هزاز مصنوع من خشب ~~الصفصاف، وبدأت في تحريك يدها فوق سطح الخريطة اللامع ذي ~~الألوان الزاهية، وتمتمت قائلة: «نعم، بوردو توجد هناك في أقصى ~~الجنوب، وتوجد باريس في ذلك المكان.» # كلود كان خلفها، ونظر من فوق كتفيها. «هل تظنين أنهم ~~سيسلمون المدينة إلى الألمان كأنها هدية عيد الميلاد؟ لا بد ~~أنهم سيحرقونها أولا، كما فعل الروس في موسكو. يمكنهم فعل ما هو ~~أفضل من ذلك الآن؛ يمكنهم تدميرها بالديناميت!» ~~«لا تقل هذا الكلام.» ارتمت السيدة ويلر على الكرسي العميق ~~المصنوع من خشب الصفصاف، وأدركت أنها مرهقة جدا، الآن وقد ~~تركت الفرن وحرارة المطبخ. وبدأت بوهن في تحريك مروحة من سعف ~~النخيل أمام وجهها. «يقال إنها مدينة جميلة. ربما لن يدمرها ~~الألمان مثلما فعلوا في بروكسل. لا بد أنهم سئموا التدمير الآن. ~~أحضر الموسوعة وانظر ماذا تقول. لقد تركت نظارتي في الطابق ~~السفلي.» # أحضر كلود مجلدا من المكتبة وجلس على الأريكة. وقال: «باريس، ~~عاصمة فرنسا التي تعد جزءا من إقليم السين ... هل أتخطى الجزء ~~التاريخي؟» ~~«لا. اقرأ القسم كله.» # تنحنح وبدأ القراءة مرة أخرى: «لما ms132 ظهرت باريس في التاريخ للمرة ~~الأولى، لم يكن هناك ما يوحي بالدور المهم الذي ستلعبه في أوروبا ~~وفي العالم ...» # تأرجحت السيدة ويلر على كرسيها، وروحت على نفسها بالمروحة، ~~ونسيت أمر المطبخ والخيار كأنهما لم يكونا موجودين. كانت تريح ~~جسدها المتعب ، وانشغل عقلها - الذي لم يتعرض للتعب مطلقا - ~~بما ذكر عن المعتقدات الدينية المبكرة للملوك الميروفنجيين. ~~دائما ما كانت عيناها على نحو لطيف لا تغفل عندما تستقران على ~~الرقبة المسفوعة والكتفين العريضتين لولدها ذي الشعر ~~الأحمر. # استمر كلود في القراءة أسرع وأسرع حتى توقف لاهثا. ~~«أمي، توجد صفحات عن الملوك! سنقرأ هذا في وقت لاحق. أريد أن ~~أعرف ماذا بعد كل هذا، وهل سيوجد مزيد من الأمور التاريخية أم ~~لا.» مرر إصبعه على الأعمدة صعودا وهبوطا. «ها هو، يبدو أن هذا ~~العمود يتحدث عما نريد. # الدفاعات: يرى تقرير ألماني حديث عن أعظم الحصون في العالم أن ~~باريس تمتلك ثلاث حلقات مميزة من الدفاعات ...» ثم توقف هنا. ~~«والآن، ماذا تظنين؟ تقرير ألماني، وهذا كتاب إنجليزي! العالم ~~ببساطة أخطأ بشأن الألمان منذ البداية. تبدو المسألة كأننا دعونا ~~أحد الجيران إلى هنا وأريناه الماشية والحظائر، وأنه ظل طوال ~~الوقت يخطط كيف سيأتي في الليل ويهجم علينا ونحن ~~نائمون.» # مررت السيدة ويلر يدها على جبينها. «لكننا كان لدينا العديد ~~من الجيران الألمان، ولم يوجد قط من بينهم من لم يكن طيبا أو ~~متعاونا.» ~~«أعلم ذلك. كل شيء أخبرتني به السيدة إرليش عن ألمانيا جعلني ~~أرغب في السفر إلى هناك. والناس الذين يغنون كل تلك الأغاني ~~الجميلة عن النساء والأطفال ذهبوا إلى قرى بلجيكية و...» # حركت والدته يديها للأمام وكأنها تصد الكلمات التي كانت ~~ستخرج من فمه: «لا تفعل يا كلود. اقرأ عن دفاعات باريس؛ هذا ما يجب ~~أن نفكر فيه الآن. أعتقد أن هناك حصنا لم يذكره الألمان في ~~تقريرهم، وأنه سيظل صامدا. نعلم أن فرنسا مدينة تعج ~~بالرذائل، ولكن لا بد أن فيها العديد ممن يخافون الرب، ولقد ~~حماها الرب طيلة هذه السنوات. لقد ms133 رأيت في الجريدة كيف أن ~~الكنائس تكون ممتلئة طوال اليوم بالنساء المصليات.» مالت ~~للأمام ومنحته ابتسامة لطيفة. «ألا تصدق أن هذه الصلوات ~~ستفيد بشيء يا ولدي؟» # راوغها كلود كما يفعل دائما عندما تتطرق والدته إلى مواضيع ~~معينة. «حسنا، ترين أيضا أني لا أستطيع أن أنسى أن الألمان ~~أيضا يصلون للرب. وأعتقد أنهم أتقى بطبيعتهم من الفرنسيين.» ~~لما أخذ الكتاب بدأ القراءة منه مرة أخرى، فقال: «في الأرض ~~المنخفضة مرة أخرى، في أضيق جزء من المنعطف الكبير لنهر ~~مارن ...» # أصبح كلود ووالدته على دراية باسم هذا النهر وبأهميته ~~الاستراتيجية، قبل أن يبدأ في الظهور في العناوين الرئيسية في ~~الجرائد بعد أيام قليلة. # بدأ حرث الخريف كالمعتاد. قرر السيد ويلر أن يخصص ~~ستمائة فدان لزراعة القمح مرة أخرى. مهما حدث في الجانب الآخر ~~من العالم، فسيحتاجون إلى الخبز. كان يأخذ فريقا ثالثا من ~~الحيوانات ويذهب كل صباح إلى الحقل كي يساعد دان وكلود. قال ~~الجيران إنه لا أحد استطاع أن يجبر نات ويلر على العمل بانتظام في ~~الحقل سوى القيصر. # لأن الرجال جميعهم كانوا ~~في الحقل، أصبحت السيدة ويلر تذهب كل صباح إلى صندوق البريد عند ~~مفترق الطرق، على بعد ربع ميل، كي تحضر جرائد مدينتي ~~أوماها وكانساس سيتي الخاصة باليوم السابق التي تركتها شركة ~~الشحن. ولما كانت في حالة شغف، فقد كانت تفتح الجرائد وتبدأ في ~~قراءتها وهي عائدة إلى المنزل؛ وإذ كانت لا تسير بخطى واثقة، ~~فقد كانت تترنح بين أزهار دوار الشمس ونباتات المغد. وفي صباح ~~أحد الأيام، جلست على ضفة عشب أحمر بجوار الطريق، وأخذت تقرأ ~~كل أخبار الحرب قبل أن تهتاج من قفز الجراد فوق تنورتها وخروج ~~حيوانات الجوفر من جحورها ونظرها إليها بطرف أعينها. في ظهر ذلك ~~اليوم، لما رأت كلود يقود حيواناته إلى خزان المياه، هرعت إليه ~~من دون أن تتوقف كي تلتقط قلنسوتها، ووصلت إلى طاحونة الهواء وهي ~~تلهث. ~~«لم يعد الفرنسيون يتراجعون يا كلود. إنهم صامدون عند نهر ~~مارن. تدور حرب طاحنة هناك. ms134 تقول الجرائد إنها يمكن أن تقرر ~~مصير الحرب. إنها على مقربة شديدة من باريس لدرجة أن بعض أفراد ~~الجيش خرجوا في عربات أجرة.» جلس كلود باعتدال. «إذن، إنها ~~ستقرر مصير باريس على أي حال، أليس كذلك؟ كم عدد الفرق ~~المشاركة ؟» ~~«لا أعرف. التقارير متضاربة للغاية. ولكن لا يوجد هناك سوى ~~عدد قليل من الإنجليز، والفرنسيون يشاركون بأعداد لا تحصى. وصل ~~أبوك قبلك، وهو معه الجرائد في الطابق العلوي.» ~~«لقد صدرت منذ أربع وعشرين ساعة. سأذهب إلى فيكونت الليلة بعد ~~إنهاء العمل، وأحصل على جريدة هاستنجز.» # عندما عاد من المدينة في المساء، وجد أباه وأمه في انتظاره. وقف ~~لحظة في غرفة الجلوس. وقال: «لا توجد أخبار كثيرة باستثناء أن ~~المعركة مستمرة وتشارك فيها فرنسا فعليا بكامل قوتها ~~العسكرية. عدد الألمان يفوقهم بنسبة خمسة إلى ثلاثة، ولا أحد يعلم ~~عدد المشاركين من سلاح المدفعية. يقول الجنرال جوفر إن فرنسا لن ~~تتراجع مرة أخرى.» لم يجلس، وصعد إلى غرفته مباشرة. # أطفأت السيدة ويلر المصباح وخلعت ملابسها، واستلقت على السرير ~~ولكنها لم تنم. بعد مدة طويلة، سمعها كلود وهي تغلق نافذة ~~بلطف وابتسم لنفسه في الظلام. كان يعلم أن والدته تعتقد دائما أن ~~باريس شر مدن الأرض، وأن سكانها من الكاثوليك الماجنين ~~المحبين لشرب الخمر والمسئولين عن مذبحة يوم القديس ~~برثولماوس، وعن دعم الملحد الساخر فولتير. طيلة الأسبوعين ~~الماضيين، منذ أن بدأ الفرنسيون يتقهقرون في لورين، تسلى ~~بملاحظة اهتمامها المتزايد بباريس. # لما كان مستيقظا في الظلام، فكر فيما يجري ووجد الأمر ~~غريبا؛ انتقل مقر الحكومة إلى بوردو منذ أربعة أيام، وبدا ~~فجأة كأن باريس عاصمة العالم وليست عاصمة فرنسا وحدها! كان يعلم ~~أنه ليس الفتى المزارع الوحيد الذي كان يتمنى أن يكون بجانب ~~نهر مارن في تلك الليلة. حقيقة أن النهر كان له اسم يمكن نطقه، ~~بحرف «ر» حلقي في وسطه يعد بمنزلة حجر أساس فيه، كان يعطي ~~لخيال المرء بعض الشيء فكرة أكبر عن الوضع. استلقى كلود ساكنا ~~والأفكار تدور في رأسه، وشعر ms135 أنه حتى هو يستطيع أن يتجاوز مسألة ~~«دماثة الأخلاق» الفرنسية - التي تفوق الرصاص الألماني رعبا - ~~ويتسلل إلى صفوف هذا الجيش الذي لا يحصى عدده من دون أن يلاحظه ~~أحد. لن تكون لأخلاق المرء أهمية عند نهر مارن تلك الليلة، ليلة ~~الثامن من سبتمبر عام 1914. أسعد شيء على وجه البسيطة بالنسبة ~~إليه كان أن يكون ذرة في ذلك الجدار الذي من لحم ودم، الذي كان ~~ينهض ويخر ثم ينهض مرة أخرى أمام المدينة التي كانت تعني الكثير ~~على مر كل القرون، ولكنها لم تكن مهمة هكذا قبل ذلك. أصبح ~~لاسمها صفاء فكرة مجردة. في القارات الكبيرة الهادئة، وفي ~~القرى الريفية غير الساحلية، وفي الجزر الصغيرة المتناثرة في ~~الماء، ظل الناس مدة أربعة أيام يتابعون هذا الاسم كأنه أحد ~~المذنبات أو النجوم الساقطة التي يذهبون ليلا ~~لمراقبتها. # 10 # في عصر يوم أحد، ذهب كلود إلى منزل الطاحونة لأن إنيد ووالدتها ~~رجعتا من ميشيجان في اليوم السابق. كانت السيدة ويلر تقرأ وهي ~~تجلس مسندة ظهرها على كرسي هزاز، وكان السيد ويلر يرتدي ~~قميصا وياقته الرسمية مفكوكة، ويجلس على مكتبه المصنوع من خشب ~~الجوز، ويسلي نفسه بأعمدة من الأرقام. فجأة نهض وتثاءب ومدد ~~ذراعيه فوق رأسه. ~~«يقول كلود إنه يريد البدء في البناء على الفور، في القطعة التي ~~بجانب أرض الغابة التابعة لي. كنت أفكر في تكلفة الخشب. مواد ~~البناء رخيصة الآن؛ لذا أعتقد أن الأفضل أن أتركه يبدأ من ~~فوره.» # رفعت زوجته عينيها من الصفحة التي كانت تقرأ فيها بذهن شارد. ~~«أظن ذلك.» # كان يجلس زوجها على كرسي منفرج الساقين، ويسند بذراعيه على ~~ظهر الكرسي وهو ينظر إليها. «على أي حال، ما رأيك في هذا الزواج؟ ~~لم أعرف رأيك.» ~~«إنيد فتاة مسيحية طيبة ...» استهلت السيدة ويلر كلامها بنبرة ~~حاسمة، ولكن جملتها علقت في الهواء كأنها سؤال. # تحرك بنفاد صبر. «نعم، أعرف. ولكن ما الذي يعجب فتى قوي ~~البنية مثل كلود في فتاة كتلك؟ عجبا يا إيفانجلين، إنها ستصبح ~~نسخة طبق الأصل من أمها ms136 العجوز!» # من الواضح أن تلك الهواجس لم تكن جديدة على السيدة ويلر؛ فقد ~~مدت يدها كي توقفه وهمست في انفعال جاد: «لا تقل شيئا! ~~لا تتفوه بكلمة!» ~~«أوه، لن أتدخل! أنا لا أتدخل أبدا. على أي حال، أفضل أن ~~أتخذها زوجة ابن على أن أتخذها زوجة. كلود أحمق أكثر مما ~~ظننته.» أخذ قبعته ونزل إلى الحظيرة، ولكن زوجته لم تسترد ~~هدوءها بسهولة. تركت الكرسي حيث أملت أن تجلس عليه مرتاحة، ~~وأخذت منفضة ريش وبدأت تتحرك مشتتة الذهن في أرجاء ~~الغرفة، تنظف سطح الأثاث. عندما كانت تسمع أخبارا سيئة عن ~~الحرب أو تشعر بالقلق على كلود، كانت تشرع في تنظيف المنزل أو فحص ~~وإصلاح الخزانات، ممتنة إلى قدرتها على وضع بعض الأشياء ~~الصغيرة في نصابها الصحيح في هذا العالم المضطرب. # بمجرد الانتهاء من زراعة محاصيل الخريف، أحضر كلود عمال حفر ~~الآبار من المدينة كي يحفروا بئرا جديدا له، وبدأ الحفر لإنشاء ~~قبو منزله وهم لا يزالون في العمل. كان يبني منزله على الأرض ~~المستوية بجانب أرض الغابة المملوكة لوالده؛ لأنه في صغره كان ~~يعتقد أن أيكة الأشجار هذه أجمل بقعة في العالم. كانت مساحة هذه ~~الأرض تبلغ نحو ثلاثين فدانا، وتضم أشجار دردار وقيقب وحور ~~قطني، وكان حولها سياج كثيف من أشجار التوت في جانبها الجنوبي. ~~لقد أهملت الأشجار في السنوات الأخيرة، ولكن إذا عاش في ذلك ~~المكان، فسيتمكن من تقليمها والعناية بها في مدة قصيرة ~~جدا. # أصبح في كل صباح الآن يذهب بسيارته الفورد ويعمل في القبو ~~الخاص به. سمع أنه كلما زاد عمق القبو كان ذلك أفضل، ونوى أن يكون ~~هذا القبو عميقا بما يكفي. وفي أحد الأيام، توقف ليونارد دوسن ~~كي يرى التقدم الذي كان يحرزه. وقف على حافة الحفرة، ونادى الفتى ~~الذي كان يتصبب عرقا بالأسفل. ~~«يا إلهي، يا كلود، ما الذي تريده من قبو بهذا العمق؟ عندما ترغب ~~زوجتك فجأة في السفر إلى الصين، يمكنك فتح باب قلاب وإلقاؤها ~~عبره!» # ألقى كلود بمعوله وصعد السلم راكضا. ms137 قال غاضبا: «لن يطرأ ~~على بال إنيد مثل تلك الأفكار.» ~~«حسنا، لا داعي إلى الغضب. سعيد لسماع ذلك. أسفت على سفر ~~الفتاة الأخرى. بدا لي دوما أن إنيد تريد السفر إلى الصين، ولكني ~~لم أرها منذ وقت طويل ... لم أرها من قبل أن تذهب إلى ميشيجان مع ~~السيدة العجوز.» # بعدما ذهب ليونارد عاد كلود إلى عمله، ولكن كان لا يزال مزاجه ~~سيئا. لم يكن سعيدا البتة في قرارة نفسه بشأن إنيد. عندما كان ~~يذهب إلى الطاحونة، فعادة ما كان يسعى السيد رويس - وليس إنيد - ~~إلى عدم رحيله بسرعة، وكان يتبعه إلى الممر المؤدي إلى ~~البوابة، ويبدو عليه أنه آسف على رؤيته ذاهبا. كان يرى أن إنيد ~~مهتمة بما كان يفعله. إنها كانت لا تتحدث ولا تفكر في شيء سوى ~~المنزل الجديد، وأغلب اقتراحاتها كانت جيدة. وكثيرا ما تمنى أن ~~تطلب شيئا غير معقول ومغالى فيه. لكن لم تكن لديها أي نزعات ~~أنانية، وحتى أصرت على أن تصبح غرفة النوم المريحة الموجودة في ~~الطابق العلوي التي اهتم بتخطيطها بشدة غرفة للضيوف. # لما بدأ يظهر شكل المنزل، كانت تأتي إليه إنيد كثيرا بسيارتها ~~كي ترى التقدم الذي يحدث فيه، وكي تري كلود نماذج من ورق الحائط ~~والستائر أو تصميما للأرائك المجاورة للنوافذ اقتصته من مجلة. ~~لا يمكن أن يكون هناك ريب في اهتمامها بكل جزء من التفاصيل. الشيء ~~المحبط هو أن اهتمامها بالمنزل بدا أكثر من اهتمامها به. ورغم أن ~~هذه الشهور كانت فرصة لهما لقضاء الوقت معا كما يحلو لهما، فإنها ~~لم تتعامل معها إلا باعتبارها مدة لبناء منزل. # قال كلود لنفسه إن كل شيء سيصبح على ما يرام عندما يتزوجان. ~~كان يؤمن بقوة التغيير الخاصة بالزواج، كما تؤمن والدته بالآثار ~~الإعجازية للإيمان. الزواج يختزل كل النساء إلى قاسم مشترك؛ إذ ~~يغير الفتاة الباردة المغرورة إلى فتاة رقيقة الفؤاد ومعطاءة. ~~إنه لشيء جيد للغاية ألا تدري إنيد الآن شيئا عن كل ما ~~ستتحول إليه حياتها بعد الزواج. قال في نفسه إنه ms138 ما كان يريد ~~للأمر أن يسير على نحو مختلف. # لكنه كان يشعر بالوحدة على الرغم من ذلك. لقد أخذ يغدق على ~~المنزل الصغير الاعتناء والاهتمام النابعين من الحب اللذين كان ~~يبدو أن إنيد لم تكن تحتاج إليهما. كان يقف على رأس النجارين ~~يحثهم على أقصى درجات الدقة في تشطيب الخزانات والدواليب، وعلى ~~وضع الأرفف في أماكنها الملائمة، والربط الدقيق للعتبات ~~والإطارات. كثيرا ما كان يبقى هناك حتى وقت متأخر في الليل ~~بعدما يذهب العمال بأصوات أحذيتهم المزعجة إلى منازلهم من أجل ~~العشاء. حينها، كان يجلس على رافدة أو على هيكل الشرفة العلوية ~~ويغرق تماما في التفكير؛ تحسبا لأشياء تبدو بعيدة كما كانت في ~~أي وقت مضى. كان يستأنس بأستار الليل وضوء النجوم الهادئ. وفي ~~ليلة، دخل طائر وظل يرفرف منزعجا بين الغرف، وهو يصرخ من ~~الخوف قبل أن يخرج ويطير في الغسق من إحدى النوافذ العلوية ويجد ~~طريقه إلى الحرية. # لما أصبح النجارون مستعدين لوضع السلم، اتصل كلود بإنيد ~~وطلب منها أن تأتي وتخبرهم عن الارتفاع الذي تريده لدرجات ~~السلم. دائما ما كانت تضطر أمه إلى صعود سلم شديد ~~الانحدار. توقفت إنيد بسيارتها أمام مدرسة فرانكفورت الثانوية ~~في الساعة الرابعة، وأقنعت جلاديس فارمر أن تأتي معها. # لما وصلتا، وجدتا كلود يعمل على السياج الشبكي للشرفة ~~الخلفية. ضحكت إنيد قائلة: «كلود يشبه النبي يونس. إنه يريد ~~زراعة معترشات يقطين هنا؛ حتى تتسلق السياج الشبكي وتكون ~~ظلا. أفكر في نباتات معترشة أخرى قد تعطي شكلا جماليا ~~أكثر.» # وضع كلود مطرقته أرضا وقال بلطف: «هل سبق لك أن رأيت معترشة ~~يقطين عندما يكون لديها شيء تستطيع التسلق عليه يا إنيد؟ أنت لن ~~تتخيلي جمالها؛ أوراق خضراء كبيرة، ويقطين وأزهار الصفراء ~~تتدلى حولها في كل مكان في الوقت نفسه. امرأة ألمانية عجوز تقف ~~على كشك طعام في إحدى المحطات الموجودة على الطريق المؤدي إلى ~~لينكن لديها معترشات مثلها تتسلق على الشرفة الخلفية، وأردت أن ~~أزرع بعضها منذ أن رأيتها أول مرة.» # ابتسمت إنيد ابتسامة ms139 لطيفة. «على أي حال، أظن أنك ستدعني ~~أزرع الياسمين البري في الشرفة الأمامية، أليس كذلك؟ أوشك ~~العمال أن يغادروا، والأفضل أن ننظر في أمر درجات ~~السلم.» # بعدما ذهب العمال، أخذ كلود الفتاتين إلى الطابق العلوي عبر ~~السلم الخشبي. دخلوا من مدخل صغير إلى غرفة كبيرة تمتد عبر ~~الردهتين الأمامية والخلفية. يطلق عليها النجارون «صالة ~~البلياردو». كانت توجد نافذتان طويلتان تشبهان الباب تفتحان على ~~سقف الشرفة، وتوجد نافذتان ناتئتان في السقف المنحدر؛ واحدة ~~تطل شمالا على أرض الغابة المملوكة للسيد ويلر، والأخرى تطل ~~جنوبا على نهير لافلي كريك. على الفور، شعرت جلاديس ببهجة ~~فريدة بشأن هذه الغرفة، رغم أنها من دون أثاث وغير مكسوة بالجص. ~~صاحت: «يا لها من غرفة جميلة!» # رد عليها كلود بحماسة. وقال: «ألا تعتقدين ذلك؟ كما ترين، ~~إنها فكرتي أن نخصص الطابق الثاني لنا بدلا من تقسيمه إلى ~~أقسام صغيرة كما يفعل الناس عادة. يمكننا الصعود إلى هنا وننسى ~~أمر المزرعة والمطبخ وكل مشكلاتنا. صنعت خزانة كبيرة لكل منا، ~~ورتبت كل شيء. وبعد كل هذا، تريد إنيد أن تخصص هذه الغرفة من ~~أجل الوعاظ!» # ضحكت إنيد. «ليس من أجل الوعاظ فقط يا كلود. بل من أجل جلاديس ~~لما تأتي لزيارتنا؛ فأنت ترى أنها أحبت تلك الغرفة، وكذلك من ~~أجل والدتك عندما تأتي وتقضي معنا أسبوعا. لا أظن أنه ينبغي أن ~~نأخذ أفضل غرفة لنا.» # جادل كلود غاضبا: «ولم لا؟ أنا أبني هذا المنزل بالكامل لنا. ~~تعالي إلى سقف الشرفة يا جلاديس. أليس هذا جيدا في الليالي ~~الحارة؟ أريد أن أضع سياجا وأحولها إلى شرفة؛ ومن ثم ~~يمكننا وضع كراسي وأرجوحة شبكية.» # جلست جلاديس على عتبة النافذة المنخفضة. «إنيد، ستكونين حمقاء ~~إن خصصت هذه الغرفة للضيوف. لا أحد يمكنه الاستمتاع بها مثلك. ~~يمكنك رؤية البلدة بأكملها من هنا.» # ابتسمت إنيد، ولكن لم تبدي أي علامة على تراجعها عن قرارها. ~~«لننتظر ونر غروب الشمس. كن حريصا يا كلود. يقلقني أن أراك ~~مستلقيا هنا.» # كان ممددا على حافة السطح وإحدى ms140 ساقيه معلقة ورأسه ~~متوسدة ذراعه. خيم الشفق الأحمر على الحقول المنبسطة، ~~وأومضت طواحين الرياح البعيدة باللون الأبيض، وظهرت في السماء ~~فوقهم سحب زهرية صغيرة. # تمتم كلود قائلا: «إذا حولت هذا المكان إلى شرفة، فسترمي ~~قمة السطح عليه بظلها دائما فيما بعد الظهيرة، وستصبح النجوم ~~فوق الرءوس مباشرة بالليل. وسيصبح مكانا جميلا للنوم في وقت ~~الحصاد.» # قالت إنيد بسرعة: «أوه، يمكنك الإتيان إلى هنا دائما للنوم في ~~الليالي الحارة.» ~~«لن يكون الشعور واحدا في كلتا الحالتين.» # جلسوا يشاهدون ضوء النهار يزول من السماء، واقتربت إنيد ~~وجلاديس بعضهما من بعض عندما بدأت برودة ليل الخريف تتسلل ~~إليهما. كان الأصدقاء الثلاثة يفكرون في الشيء نفسه؛ ولكن لو ~~بفعل سحر ما بدأ كل منهم يفكر بصوت عال، لغيمت الدهشة ~~والمرارة عليهم جميعا. أفكار إنيد كانت هي الأنقى بينهم. المناقشة ~~حول غرفة الضيوف ذكرتها بالقس ويلدون. في سبتمبر، لما كانت في ~~طريقها إلى ميشيجان مع والدتها، توقفت يوما في لينكن كي تستشير ~~آرثر ويلدون هل ينبغي أن تتزوج من رجل وصفته له بأنه «رجل غير ~~مخلص للكنيسة». تعامل السيد ويلدون الشاب مع الموضوع بحذر، ~~ولكن لما علم أن الرجل المنشود هو كلود ويلر، طغى عليه التحيز ~~أكثر من المعتاد. رأى أن زواجها من كلود قد يكون الطريقة الوحيدة ~~لإصلاحه؛ ومن ثم لم يتردد في أن يقول لها إن أعظم خدمة يمكن أن ~~تقدمها الفتيات المخلصات للكنيسة هي أن يجذبن الشباب الواعد ~~إليها. كانت إنيد شبه متيقنة من أن السيد ويلدون سيوافق على ~~موضوعها من قبل أن تستشيره، ولكن توافق رأيه مع رأيها دائما ما ~~كان يرضي غرورها. أخبرته أنها عندما تمتلك منزلا خاصا بها، ~~فإنها تنتظر منه أن يقضي جزءا من إجازته الصيفية فيه، ورد ~~عليها بخجل معربا عن استعداده للقيام بذلك. # تاهت جلاديس أيضا بين أفكارها؛ إذ كانت تجلس بسكينة جعلتها تبدو ~~متراخية جدا، وكانت تسند رأسها على إطار النافذة الفارغ في ~~مواجهة الشمس التي كانت تغرب. أضفى الضوء الزهري على عينيها ~~البنيتين وميضا ms141 مثل لون النحاس القديم، وبدت فيهما نظرة ~~حزينة وكأنها كانت تتحدى شيئا ما في عقلها. عندما تصادف ونظر ~~كلود إليها، خطر بباله كم هو صعب أن تصبح شخصا استثنائيا في ~~المجتمع، وأن تصبح أجدر وأذكى من البقية. وبالنسبة إلى فتاة، فلا ~~بد أن الأمر أصعب بكثير. نهض فجأة وكسر حاجز الصمت ~~الطويل. ~~«نسيت يا إنيد، عندي سر لأخبرك به. في مكان ما بأرض الغابة ~~المملوكة لنا، عثرت منذ مدة وجيزة على سرب من طيور السمان. لا ~~بد أنها الوحيدة المتبقية في كل هذه الأنحاء، ولا أظنها خرجت ~~من هذه الأرض. لم تجتز حشائش الكلأ هناك منذ سنوات ... لم تجتز ~~مذ ذهبت إلى المدرسة أول مرة، وربما تعيش هي على بذور الحشائش. ~~بالطبع ينمو التوت في الصيف.» # تعجبت إنيد هل الطيور تعلم هذا القدر عن العالم لدرجة أن ~~تختبئ بين أشجار هذا المكان. كان كلود متأكدا مما قاله. ~~«لا أحد يذهب بالقرب من هناك سوى أبي؛ إنه يتوقف هناك أحيانا. ~~ربما رأى الطيور ولكنه لم يتفوه بكلمة عنها. ربما فعلت مثله ~~تماما.» أخبرهما أنه نثر بعض حبات الذرة في الحشائش حتى لا ~~تسعى تلك الطيور للتحليق فوق حقل الذرة الخاص بليونارد دوسن. «إن ~~رآها ليونارد، فمن المحتمل أن يصطادها.» # اقترحت إنيد: «لماذا لا تطلب منه ألا يفعل هذا؟» # ضحك كلود. «هذا من شأنه أن يكون طلبا صعبا. عندما ترتفع جماعة ~~من السمان من حقل ذرة، فإنها تكون مشهدا مغريا للغاية إذا ~~كان الرجل يحب الصيد. سنأخذك في نزهة عندما تأتين الصيف ~~المقبل يا جلاديس. توجد بعض الأماكن الجميلة في هذا ~~المكان.» # نهضت جلاديس. «يا إلهي، لقد حل الليل! إن المكان جميل هنا، ~~ولكن يجب أن توصليني إلى المنزل يا إنيد.» # وجدوا المكان مظلما في الداخل. كلود ساعد إنيد في النزول ~~على السلم الخشبي وأوصلها إلى سيارتها، ثم عاد من أجل جلاديس. ~~كانت تجلس على الأرض عند قمة السلم الخشبي. مد إليها يده ~~وساعدها على النهوض. # قال ممتنا: «إذن أنت تحبين منزلي ms142 الصغير.» ~~«نعم. أوه، نعم!» كان صوتها يفيض بالمشاعر، لكنها لم تجهد ~~نفسها وتتحدث بأكثر من ذلك. نزل كلود أمامها كي يحميها من ~~الانزلاق. ظلت وراءه وهو يقودها عبر المداخل المربكة، وساعدها ~~في تخطي أكوام الألواح المتناثرة على الأرض. عند حافة مدخل ~~القبو المفتوح، توقفت وانحنت على ذراعه متعبة للحظة. لم ~~تتكلم، لكنه فهم أن منزله الجديد جعلها حزينة، وأنها وصلت هي ~~أيضا إلى المكان الذي يجب أن تخرج فيه عن المسار القديم. تمنى ~~أن يهمس لها ويتوسل إليها ألا تتزوج من أخيه. تباطأ وتردد ~~وهو يتحسس طريقه في الظلام. إنها تعاني نفس النوع اللعين من ~~الحساسية الشعورية؛ كانت ستتوقع الكثير من الحياة وتصاب بخيبة ~~الأمل. لم يرغب في أن يخرج بها إلى الليل البارد من دون كلمة ~~توسل. تمنى أن لو طال طريقهما، وعبرا العديد من الغرف ~~والممرات. ربما لو كان هذا ممكنا، لوجدت القوة الكامنة بداخله ~~ما كانت تسعى إليه، حتى في هذه المدة القصيرة تحركت بداخله ~~وجعلته يشعر بها، وأطلقت نداء محيرا. فوجئ كلود من نفسه ~~كثيرا. # 11 # قررت إنيد أن تتزوج في الأسبوع الأول من يونيو. وفي وقت ~~مبكر من شهر مايو، بدأ عمال الجص والطلاء العمل بجد في ~~المنزل الجديد. بدأت الجدران تلمع، وكان كلود يبقى في المنزل طوال ~~اليوم من أجل تزييت الأرضيات المصنوعة من خشب الصنوبر وتلميعها، ~~وتغطية الجدران بالألواح الخشبية. كره أن يطأ أي أحد على تلك ~~الأرضيات. زرع معترشات اليقطين حول الشرفة الخلفية، وزرع ~~شجيرات الياسمين البري والليلك، وأنشأ حديقة مطبخ. خطط مع ~~إنيد أن يذهبا إلى دنفر وكولورادو سبرينجز لقضاء رحلة شهر العسل، ~~ولكن سيكون رالف في المنزل حينئذ، وقد وعد بالمجيء وسقي الزهور ~~والشجيرات إذا كان الطقس جافا. # كثيرا ما تحضر إنيد أعمال الحياكة والتطريز الخاصة بها وتجلس ~~من أجل العمل في الشرفة الأمامية، بينما كان كلود يصقل المشغولات ~~الخشبية داخل المنزل، أو يحفر ويزرع خارجه. كانت تلك المرحلة هي ~~الفضلى في مدة خطبته. بدا له أنه لم يقض قط ms143 أياما أسعد من ~~تلك الأيام في حياته. وحينما كانت لا تأتي إنيد، كان يظل ينظر إلى ~~الطريق ويترقب مجيئها، ويتنقل من شيء إلى آخر دون أن يتقدم ~~في العمل. كان يشعر بأنه مفعم بالطاقة ما دامت جالسة هناك في ~~الشرفة والدانتيل والشرائط وقماش الموسلين في حجرها. وعندما كان ~~يمر عليها دخولا أو خروجا ويتوقف بالقرب منها للحظة، كانت ~~تبدو عليها السعادة عندما تجعله يبقى بجوارها. كانت تحب أن ~~يبدي إعجابه بأعمال التطريز التي تنفذها، ولم تتردد في أن ~~تريه أعمال الغرز الريشية والتطريز التي كانت تنفذها في ملابسها ~~الداخلية الجديدة. كان يعلم من النظرات التي كان يتبادلها عمال ~~الطلاء أن هذا يعد سلوكا جريئا جدا من فتاة شارفت على أن ~~تصبح عروسا. وهو نفسه اعتقد أنه سلوك جميل جدا على الرغم من ~~أنه ما كان ليتوقعه قط من إنيد. قلبه كان يخفق بقوة لما كان ~~يدرك مدى ثقتها الشديدة به ومدى قلة خوفها منه! كانت تتركه يقف في ~~الشرفة فوق رأسها وينظر إلى أصابعها السريعة، أو يجلس على الأرض ~~عند قدميها ويحملق في قماش الموسلين المعلق عند ركبتها، إلى ~~أن جعله أدبه يعود إلى عمله كي لا يثير مشاعر عمال ~~الطلاء. # في عصر أحد الأيام الدافئة والعاصفة، أوقع نفسه على الأرض ~~بجانبها وسألها: «متى ستذهبين معي إلى أرض الغابة الخاصة بنا؟» ~~كانت إنيد تجلس على أرضية الشرفة وتسند ظهرها إلى عمود، وقدمها ~~على إحدى بقع الرجلة الدائرية التي تنمو في الأرض الصلبة. «وجدت ~~سرب السمان مرة أخرى. إنه يعيش في الحشائش الطويلة بالقرب من ~~حفرة تحتفظ بالمياه معظم أيام السنة. سأزرع بضعة صفوف من البازلاء ~~هناك؛ حتى يصبح لديها أرض فيها غذاء عند موطنها. أعتقد أن حقل ~~الذرة الخاص بليونارد خطر كبير عليها. لا أعلم هل أخبره عن ذلك ~~السر أم لا.» ~~«أظن أنك أخبرت إرنست هافل، أليس كذلك؟» # رد كلود محاولا التغاضي عن الحدة الطفيفة التي بدت في ~~صوتها: «أوه، بلى! أنا أثق فيه ثقة كبيرة. ذلك المكان جنة ms144 ~~للطيور. الأشجار مليئة بالأعشاش. يمكنك الوقوف هناك في الصباح ~~وسماع أفراخ عصافير أبي الحناء وهي تصيح فرحا بالإفطار. تعالي ~~غدا في الصباح الباكر وسأصحبك إلى هناك، هل توافقين؟ ولكن ~~البسي حذاء ثقيلا؛ لأن التربة رطبة في الحشائش ~~الطويلة.» # بينما كانا يتحدثان، هبت زوبعة مفاجئة حول أحد جوانب المنزل، ~~وأطاحت بالكومة الصغيرة من القمصان النسائية الداخلية المطوية ~~التي من الدانتيل، ونثرتها في الفناء الترابي. جرى كلود خلفها ~~وفي يده حقيبة أعمال الإبرة المزهرة الخاصة بإنيد التي كان يضع ~~فيها كل قطعة كان يمسك بها وهو يهرع وسط الحشائش الضارة. ~~لما عاد وجد إنيد أغلقت علبة الإبر الخاصة بها، وكانت تلبس ~~قبعتها. قالت مبتسمة: «شكرا لك. هل وجدت كل شيء؟» ~~«أعتقد ذلك.» هرع إلى السيارة كي يخفي وجهه المذنب. توجد ~~قطعة واحدة من الدانتيل لم يضعها في الحقيبة، ولكنه أخفاها في ~~جيبه. # في الصباح التالي، أتت إنيد مبكرا كي تسمع الطيور الموجودة في ~~أرض الغابة المملوكة لآل ويلر. # 12 # في الليلة التي قبل حفل الزفاف، نام كلود مبكرا. ظل يتنقل ~~بالسيارة مع رالف طوال اليوم من أجل الاستعدادات النهائية، وكان ~~منهكا. غط في النوم من فوره تقريبا. لم يكن سهلا على ~~السيدتين الموجودتين في المنزل تجاهل الحدث الكبير الذي سيقع في ~~اليوم التالي. بعد غسل أطباق العشاء، صعدت ماهيلي إلى العلية كي ~~تأتي باللحاف الذي طالما احتفظت به كي تهديه إلى كلود في ~~زفافه. أخرجته من الصندوق وبسطته، وعدت النجوم المرسومة في ~~نمطه - إذ كان العد من الإنجازات التي تفرح بها - قبل أن تطويه. ~~كان سينقل إلى منزل الطاحونة مع الهدايا الأخرى غدا. ذهبت ~~السيدة ويلر إلى السرير عدة مرات في تلك الليلة. ظلت تفكر ~~في الأشياء التي ينبغي الاعتناء بها؛ فمثلا قامت وذهبت كي ~~تتأكد من وضع ملابس كلود الداخلية الثقيلة في صندوقه؛ خشية أن ~~يصيبه البرد في الجبال؛ وتسللت إلى الطابق السفلي كي تتأكد ~~من أن الدجاجات الست المشوية من أجل العشاء في حفل الزفاف ~~مغطاة جيدا وبعيدة عن القطط. ms145 وبينما كانت تتنقل بين تلك ~~المهام، لم تبرح الصلاة لسانها. لم تصلي كثيرا وبحرارة بتلك ~~الطريقة منذ معركة نهر مارن. # في الصباح الباكر، حمل رالف السيارة الكبيرة بالهدايا وسلال ~~الطعام، وهرع إلى منزل آل رويس. كانت هناك بالفعل سيارتان في ~~ساحة الطاحونة؛ لقد أحضرتا مجموعة من الفتيات اللاتي أتين ومعهن ~~كل زهور شهر يونيو الموجودة في فرانكفورت من أجل تزيين المنزل ~~استعدادا لحفل الزفاف. لما قرع رالف بوق سيارته، خرجت ستة منهن ~~للترحيب به، ووبخنه لأنه لم يحضر أخاه معه. بدأ رالف العمل من ~~فوره. حمل السلم الخشبي إلى أي مكان يقال له أن يحمله إليه، ~~وأخذ يدق المسامير ويقص الغضينات الشائكة للورود المتعرشة حول ~~الأعمدة فيما بين الصالتين الأمامية والخلفية، ويجهز القوس الذي ~~سيقام تحته الحفل. # لم تتمكن جلاديس فارمر من ترك عملها في المدرسة الثانوية كي ~~تساعد صاحبتها في هذا العمل، ولكن في الساعة الحادية عشرة وصلت إلى ~~منزل العروس سيارة محملة بزهور الفاوانيا البيضاء والزهرية التي ~~قطفتها من فناء منزلها الأمامي، والتي أحضرت أيضا صندوقا من ~~زهور المشاتل التي طلبتها من هاستنجز كي تهديها إلى إنيد. ~~أعجبت الفتيات بزهور المشاتل، ولكن قلن إن جلاديس مسرفة ~~كعادتها؛ لو اقتصرت على الزهور التي قطفتها من فناء منزلها ~~لكفت. السيارة قادها فتى هزيل رث الملابس يعمل في مرآب ~~المدينة، وكان يدعى «إيرف الصامت»؛ لأنه لا أحد قط يفهم كلمة ~~منه. لم يكن لديه صوت على الإطلاق؛ لم يكن يصدر منه غير صرير ~~رقيق صغير من أعلى حلقه، مثل الهمس اللاهث الذي يتفوه به الوسيط ~~الروحاني أثناء عمله. لما وصل إلى الباب الأمامي وذراعاه ممتلئتان ~~بزهور الفاوانيا، تمكن من أن يتحدث بصوت فيه أزيز: ~~«هذه الزهور مرسلة من الآنسة فارمر. وتوجد باقات أخرى في ~~السيارة.» # ذهبت الفتيات معه إلى سيارته، وأخرج صندوقا مربع الشكل ~~مربوطا بأشرطة بيضاء وأجراس فضية صغيرة يحتوي على باقة الزهور ~~الخاصة بالعرس. # رالف سأل الفتى الرفيع: «كيف حصلت على هذا الصندوق؟ كان علي ~~الذهاب إلى المدينة كي ms146 أحضره.» # ابتلع المرسال ريقه. «أخبرتني الآنسة فارمر أن أحضر أي زهور ~~في المتجر كانت سترسل إلى هنا.» # دفع رالف يده في جيب سرواله. «هذا لطف منها. كم المقابل؟ ~~سأدفعه لك قبل أن أنسى.» # تسللت حمرة إلى وجه الفتي الشاحب؛ إنه وجه رقيق تحت شعر غير ~~مهندم، وتكسوه تعاسة تعتصر ملامحه. كانت عيناه دائما نصف ~~مغمضتين، وكأنه لا يريد أن يرى ولا أن يرى من قبل العالم من ~~حوله. كان يمشي مثل شخص في حلم. همس قائلا: «الآنسة فارمر دفعت ~~لي الحساب.» # صاحت فتاة: «رائع، إنها تفكر في كل شيء! لقد كنت أحد تلاميذ ~~جلاديس في المدرسة، أليس كذلك يا إيرف؟» ~~«بلى يا سيدتي.» دخل إلى السيارة من دون أن يفتح الباب، وانسل ~~مثل ثعبان الماء إلى المقود وانطلق بالسيارة. # الفتيات تبعن رالف على ممر الحصى باتجاه المنزل. همست ~~فتاة إلى الأخريات قائلة: «هل تظنون أن جلاديس ستأتي الليلة ~~مع بايليس جلاديس؟ أنا عن نفسي طالما اعتقدت أنها تكن في ~~داخلها مشاعر حب شديدة تجاه كلود.» # فتاة أخرى غيرت الموضوع. وقالت: «لا أستطيع تصديق سماعي لإيرف ~~وهو يتحدث بهذا القدر. لا بد أن جلاديس لها تأثير كبير ~~عليه.» # قالت الفتاة التي سألت الفتى الصامت: «كانت دائما تعطف عليه في ~~المدرسة. قالت إنه كان جيدا في دروسه، ولكنه كان يخاف كثيرا من ~~عدم تمكنه قط من القراءة بصوت عال. كانت تجعله يكتب الإجابات ~~على مكتبه.» # مكث رالف حتى الغداء، وأخذ يلهو مع الفتيات إلى أن اتصلت به ~~والدته هاتفيا وطلبت منه أن يعود. «علي الآن أن أذهب إلى ~~المنزل وأعتني بأخي، وإلا سيحضر الليلة بقميص مخطط.» # نادته الفتيات: «أبلغه سلامنا وأخبره ألا يتأخر.» # عندما انطلق رالف بسيارته باتجاه المزرعة، قابل دان الذي كان ~~يأخذ صندوق أغراض كلود إلى المدينة. أبطأ السيارة. وصاح: «هل من ~~أخبار؟» # ابتسم دان. «لا، تركته في خير حال كما هو متوقع.» # السيدة ويلر قابلت رالف على السلم. «إنه في غرفته بالطابق ~~العلوي. إنه يشكو من أن حذاءه الجديد ms147 ضيق بشدة. أظن أن ذلك بسبب ~~التوتر. على الأرجح سيتركك تحلق له؛ أنا متأكدة من أنه ~~سيجرح نفسه. وأرجو ألا يكون الحلاق قد قصر شعره أكثر من ~~اللازم يا رالف. أكره تلك الموضة الجديدة التي يقص فيها الرجل ~~تماما الشعر الموجود خلف الأذنين . مؤخرة عنقه أقبح جزء فيه.» ~~تحدثت بنبرة استياء جعلت رالف يضحك. ~~«عجبا يا أمي، أعتقد أن كل الرجال متشابهون في نظرك! على أي ~~حال، كلود ليس جميلا.» ~~«متى تريد الاستحمام؟ سأضطر إلى تدبر ذلك حتى لا يطلب ~~الجميع الماء الساخن في الوقت نفسه.» استدارت إلى السيد ويلر ~~الذي كان يكتب شيكا في المكتب. «يا أبي، هلا استحممت الآن ~~وأخرجت اسمك من القائمة؟» # صاح السيد ويلر: «أستحم؟ لا أريد أن أستحم! أنا لن أتزوج ~~الليلة. أظن أنه لسنا مضطرين إلى جعل كل من في البيت ~~يستحم من أجل إنيد.» # ضحك رالف ضحكة مكبوتة، وأسرع إلى الطابق العلوي. وجد كلود ~~جالسا على السرير يلبس إحدى فردتي حذائه. كومة من الجوارب كانت ~~مبعثرة على السجادة. وكانت هناك حقيبة كبيرة مفتوحة على كرسي ~~وحقيبة صغيرة سوداء على كرسي آخر. # سأل رالف: «هل أنت متأكد من أن الحذاء ضيق جدا؟» ~~«نحو أربعة مقاسات.» ~~«لماذا لم تشتر حذاء على مقاسك؟» ~~«اشتريت. ذاك المحتال في هاستنجز خدعني وأعطاني حذاء آخر وأنا ~~غافل. حسن إذن»، وانتزع فردة الحذاء التي أمسك بها أخوه كي ~~يتفحصها. «لا يهم، ما دمت أستطيع الوقوف به. الأفضل أن تذهب ~~وتتصل هاتفيا بالمحطة، وتسأل هل سيصل القطار في الوقت ~~المحدد أم لا.» ~~«لن يكون لديهم علم الآن. باق على وصوله سبع ساعات.» ~~«إذن، اتصل بهم في وقت لاحق. ولكن عليك أن تعرف بطريقة ما. ~~لا أريد أن أقف في تلك المحطة وأنتظر القطار.» # صفر رالف. من الواضح أن الشاب سيكون من الصعب التعامل معه. ~~اقترح عليه أن يستحم كي يهدئ نفسه. كلا، لقد أخذ كلود ~~حمامه. هل أغلق حقيبته الكبيرة إذن؟ ~~«كيف لي بحق الجحيم أن أغلقها وأنا لا أعرف ما ms148 ~~سألبسه؟» ~~«ستلبس قميصا وجوربا. سأضع بعضا من تلك الأغراض بدلا ~~منك.» أخذ رالف حفنة من الجوارب وانحنى كي يفرزها. كان في ~~مقدمة العديد منها بقع حمراء. بدأ يضحك. ~~«أعلم لماذا يؤلمك الحذاء، لقد جرحت قدمك!» # نهض كلود وكأن دبورا لسعه. صاح: «هلا خرجت من هنا ~~وتركتني وحدي؟» # اختفى رالف. وأخبر والدته أنه سيرتدي في خلال لحظات؛ لأنهم قد ~~يضطرون إلى استخدام القوة مع كلود في اللحظات الأخيرة. كان حفل ~~الزفاف سينعقد في الثامنة، وينبغي متابعة العشاء، وينبغي أن ~~يغادر كلود وإنيد فرانكفورت في قطار الساعة 10:25 السريع المتجه ~~إلى دنفر. في الساعة السادسة عندما طرق رالف الباب على أخيه، وجده ~~قد حلق ذقنه وصفف شعره وارتدى ملابسه، ولم يتبق سوى المعطف. ~~لم يكن قميصه المطوي مجعدا، وكانت ربطة عنقه مربوطة بطريقة ~~منمقة. وعلى الرغم من الألم الذي كان يخفيه حذاؤه الجلدي، فإنه ~~كان ناعما ولامعا وبراقا ومدببا بشدة. # سأل رالف مندهشا: «هل حزمت أغراضك في الحقيبة؟» ~~«تقريبا. أرجو أن تتفقد كل الأغراض وتجعلها تبدو بنحو أنيق ~~أكثر، إن استطعت. لا أحب أن ترى الفتاة ما بداخل تلك الحقيبة وهي ~~على هذا الوضع. أين سأضع سجائري؟ أينما تكون، ستغير رائحة كل شيء ~~يوضع معها. يبدو أن كل ملابسي تفوح منها رائحة الطهي أو النشا أو ~~شيء من هذا القبيل.» وأنهى كلامه بمرارة قائلا: «لا أعلم ماذا ~~تفعل ماهيلي بها.» # بدا الغضب على وجه رالف. «يا له من جحود! ظلت ماهيلي تكوي ~~قمصانك القديمة اللعينة لمدة أسبوع!» ~~«نعم، نعم، أعلم. لا تزعجني. نسيت أن أضع أي مناديل في ~~صندوقي؛ ولذا عليك أن تضع المجموعة كاملة في مكان ما.» # ظهر السيد ويلر عند المدخل لابسا سرواله الأسود المخصص ~~للمناسبات، المرفوع لأعلى بحمالات فوق قميص أبيض، وتنبعث رائحة ~~فواحة مستخلصة من أوراق شجرة الميريقة وشراب الرم من شعره ~~المتدلي. كان يمسك ورقة مطوية رفيعة بلطف بين أصابعه ~~السميكة. ~~«أين دفتر فواتيرك يا ولدي؟» # تحسس كلود سرواله، وأخرج شيئا مربعا من الجلد من الجيب. ~~أخذه ms149 والده ووضع قصاصة الورق بداخله مع النقود. قال: «قد ترغب في ~~شراء بعض الأشياء لزوجتك. هل تحتفظ بتذاكر القطار هنا؟ ها هو ~~الإيصال الخاص بصندوق أمتعتك الذي أحضره دان. لا تنس أني ~~وضعته مع التذاكر وكتبت عليه الحروف الأولى من اسمك بحيث تميزه عن ~~ذلك الخاص بإنيد.» ~~«نعم يا سيدي. شكرا لك يا سيدي.» # سبق أن سحب كلود كل الأموال التي سيحتاج إليها من البنك. هذا ~~الشيك البنكي الإضافي كان إعرابا من جانب السيد ويلر عن اعتذاره ~~عن بعض الملاحظات الساخرة التي تلفظ بها منذ عدة أيام لما عرف ~~أن كلود حجز مقصورة نوم في قطار دنفر السريع. كان كلود قد أجاب عن ~~تلك الملاحظات باقتضاب قائلا بأن إنيد ووالدتها دائما ما تذهبان ~~إلى ميشيجان في مقصورة نوم، وأنه لن يطلب منها أن تتخلى عن مستوى ~~السفر المريح الذي اعتادته. # في الساعة السابعة، انطلقت عائلة ويلر في السيارتين اللتين ~~كانتا تقفان منتظرتين بجوار طاحونة الهواء. قاد السيد ويلر ~~السيارة الكاديلاك الكبيرة، وأخذ رالف ماهيلي ودان في السيارة ~~الفورد. عندما وصلوا إلى منزل الطاحونة، وجدوا الساحة الخارجية ~~مليئة فعلا بالسيارات، والشرفة وصالتي الاستقبال مكتظة ~~بالناس الذين يتحدثون ويتمشون. # صعد كلود إلى الطابق العلوي مباشرة. بدأ رالف في إجلاس ~~الضيوف، ورتب الكراسي القابلة للطي بحيث تترك ممرا من أسفل ~~السلم إلى قوس الزهور الذي أنشأه في الصباح. كان القس يقف تحت ~~الضوء وفي يده الكتاب المقدس خاصته الذي أخذ يبحث فيه عن ~~الإصحاح المراد. كانت إنيد تفضل أن يأتي السيد ويلدون من ~~لينكن كي يعقد زواجها، ولكن هذا من شأنه أن يجرح السيد سنوبيري ~~جرحا بليغا. ففي النهاية، إنه الكاهن الراعي لها على الرغم من ~~أنه لم يكن مفوها ومقنعا مثل آرثر ويلدون. كانت حصيلته ~~اللغوية الإنجليزية أقل من غيره، حتى إن تلك الحصيلة لم يكتسبها ~~بسهولة. لما كان على منبره، كان يحاول ويجاهد أن يتلفظ بتلك ~~الكلمات حتى تتساقط حبات العرق من جبينه وتقع على لحيته ~~البنية الخشنة والملبدة. لكنه كان ms150 يؤمن بما يقوله، واللغة في ~~نظره إنجاز ضئيل لدرجة أنه لم يكن يميل إلى قول أكثر مما كان ~~يؤمن به. كان فتى يقرع الطبول في الحرب الأهلية - لكن مع الجانب ~~الخاسر - وكان رجلا بسيطا وشجاعا. # كان على رالف أن يكون المرشد والإشبين في آن واحد. لم تتمكن ~~جلاديس فارمر من أن تصبح ضمن وصيفات العروس؛ لأنها كانت ستعزف ~~موسيقى حفل الزفاف. في الساعة الثامنة، نزل كلود وإنيد معا ~~يتقدمهما رالف ويتبعهما أربع فتيات يلبسن فساتين بيضاء ~~مثل العروس. أخذ العريس والعروس مكانهما تحت القوس أمام الكاهن. ~~بدأ الكاهن بإصحاح من سفر التكوين عن خلق الإنسان وعن ضلع آدم، ~~وأخذ يقرأ بصعوبة، وكأنه لم يكن يعلم تمام العلم السبب الذي دفعه ~~إلى اختيار هذا المقطع، وكان يبحث عن شيء ولم يجده. ظلت نظارته ~~الأنفية تسقط وتقع على الكتاب المفتوح. وفي تلك المدة الطويلة من ~~التلعثم، وقفت إنيد هادئة ناظرة إليه باحترام، وتبدو جميلة جدا ~~في غطاء وجهها القصير. كان كلود شاحب الوجه جدا لدرجة أنه بدا ~~غير طبيعي؛ إذ لم يره أحد بهذا النحو من قبل. ووسط الملابس ~~السوداء جدا والشعر الناعم الأصفر، بدا وجهه شاحبا وصارما، ~~وتكلم بصوت غليظ في ردوده. كانت تقف ماهيلي في نهاية الغرفة، ~~لابسة قبعة سوداء عليها عنقود عنب ثعلب أخضر؛ وذلك حتى لا ~~يفوتها شيء. وقفت تراقب السيد سنوبيري كأنها ترجو أن ترى علامة ~~مرئية عن المعجزة التي كان يقوم بها. دائما ما كانت تتساءل عن ~~الذي يفعله القس كي يحول أسوأ شيء في العالم إلى أفضل شيء في ~~العالم. # عندما انتهت مراسم الزواج، صعدت إنيد إلى الطابق العلوي كي ~~ترتدي الفستان الذي ستسافر فيه، وبدأ رالف وجلاديس في إجلاس ~~الضيوف من أجل العشاء. بعد عشرين دقيقة، نزلت إنيد وأخذت مكانها ~~بجانب كلود على رأس الطاولة الطويلة. قام الرفاق وشربوا كأسا من ~~شراب البنش بعصير العنب في نخب العروسين. ولكن ريثما جلس الضيوف، ~~أخذ السيد رويس السيد ويلر إلى قبو تخزين الفاكهة، حيث احتسى ~~الصديقان ms151 القديمان كأس ويسكي كنتاكي معتقا وتصافحا. وعندما ~~عادا إلى الطاولة، وبدا أنهما في عمر أصغر مما بدا عليهما وقت ~~انسحابهما من المكان، اشتم الكاهن رائحة الويسكي، وشعر بأنه جرى ~~تجاهله. نظر بتعاسة إلى كأسه الحمراء وتذكر عرس قانا. حاول أن ~~يطبق تعاليم الكتاب المقدس بحذافيرها في حياته؛ وعلى الرغم ~~من أنه لم يكن بإمكانه أن يفعل ذلك علنا في تلك الأيام، فإنه لم ~~يعلم مطلقا السبب الذي جعله يشعر بأنه أفضل من المسيح فيما ~~يتعلق بشرب الخمر. # حافظ رالف على هدوئه ولم ينس شيئا؛ حيث إنه كان المسئول عن ~~تنفيذ مراسم الاحتفال. وعندما حان وقت البدء، ربت على كتف كلود ~~وقاطع والده وهو يسرد إحدى أفضل قصصه. بخلاف العادة، كان على ~~الزوجين الذهاب إلى المحطة بمفردهما؛ ولذا تركا مكانهما على ~~رأس الطاولة بعد إيماءة وابتسامة للضيوف. أسرع رالف بهما إلى ~~السيارة الخفيفة التي كان قد وضع فيها بالفعل حقيبة السفر الصغيرة ~~المكدسة بالأغراض الخاصة بإنيد. فقط السيدة رويس النحيلة ~~الضعيفة هي من تسللت من المطبخ كي تودعهما. # في ذلك المساء، جاء بعض الفتيان السيئين من المدينة ونثروا ~~الطريق بالقرب من الطاحونة بعشرات الزجاجات المكسورة، وبعدها ~~اختبئوا بين شجيرات التوت البري في انتظار الحصول على بعض ~~المرح. أول سيارة جاءت كانت هي سيارة رالف، وعلى الرغم من وميض ~~الزجاج المكسور أمام أضواء السيارة، لم يكن هناك وقت للتوقف؛ كان ~~يوجد خندق مائي على كل من جانبي الطريق، واضطر أن يسير ~~مباشرة دون توقف، ويذهب إلى فرانكفورت بإطارات فارغة من الهواء. ~~أطلق القطار السريع صافرته ورالف يدخل إلى المحطة. أخذ مع كلود ~~حقائب السفر الصغيرة الأربعة ووضعها في المقصورة. ترك الفتيان ~~إنيد مع الحقائب في المقصورة وذهبا إلى المنصة الخلفية لعربة ~~مشاهدة المعالم للتحدث حتى اللحظة الأخيرة. عد رالف على أصابعه ~~الأشياء التي وعد كلود أن ينتبه إليها. شكره كلود من أعماقه. شعر ~~أنه ما كان ليتزوج قط لولا رالف. لم يكونا قط صديقين حميمين ~~كما كان الحال خلال الأسبوعين الماضيين. # بدأت ms152 العجلات تتحرك. قبض رالف على يد كلود وجرى إلى مقدمة ~~العربة ونزل. لما تجاوزه كلود، وقف يلوح بمنديله؛ كان شكله ~~مضحكا تحت أضواء المحطة بملابسه السوداء، وقبعته الصلبة التي من ~~القش، وساقيه القصيرتين المتباعدتين، والمرح الذي يكسوه من رأسه ~~إلى قدمه. # انطلق القطار في هدوء عبر ليل الصيف بطول وادي النهر المحاط ~~بالأشجار. وقف كلود بمفرده في المنصة الخلفية يدخن سيجارا ~~بعصبية. لما مروا على اللسان العميق حيث يتدفق لافلي كريك إلى ~~النهر، رأى أضواء منزل الطاحونة وامضة للحظة من بعيد. كان لا يزال ~~هواء الليل ساكنا؛ إذ كان مثقلا برائحة نبات إكليل الملك الذي ~~كان ينبت عاليا على طول المسارات، ورائحة أشجار العنب البري ~~المبللة بالندى. أتى مفتش التذاكر كي يسأل عن التذاكر، وقال ~~بابتسامة حكيمة إنه كان يبحث عنه لأنه لم يرد أن يزعج ~~السيدة. # بعدما ذهب الرجل نظر كلود في ساعته، ورمى عقب سيجاره، وعاد عبر ~~عربات النوم. ذهب الركاب إلى النوم؛ دائما ما تضاء المصابيح ~~الرأسية بإضاءة خافتة بعدما يغادر القطار فرانكفورت. شق طريقه ~~عبر الممرات ذات الستائر الخضراء المتمايلة، ونقر على باب ~~مقصورته. فتح الباب قليلا، ووقفت إنيد لابسة ملابس نوم ~~حريرية بيضاء مليئة بالكشكشة، ورابطة شعرها في ضفيرتين ناعمتين ~~تنسدلان فوق كتفيها. # قالت بصوت منخفض: «كلود، هل تمانع في أن تنام في مكان آخر ~~في العربة الليلة؟ يقول عامل القطار إن المقصورات ليست مشغولة ~~كلها. لا أشعر أنني بخير. أظن أن صلصة سلطة الدجاج كانت لا بد ~~دسمة جدا.» # أجاب من دون تفكير. «نعم، بالتأكيد. هل آتي لك بشيء؟» ~~«كلا، شكرا لك. النوم سيريحني أكثر من أي شيء آخر. تصبح على ~~خير.» # أغلقت الباب، وسمع صوت انزلاق القفل. وقف ينظر إلى ألواح الخشب ~~المصقول اللامع للحظة، ثم استدار بلا تردد، وعاد بطول الممر ~~المتمايل قليلا ذي الستائر الخضراء. في عربة مشاهدة المعالم، ~~تمدد على كرسيين من الخيزران وأشعل سيجارا آخر. وفي الساعة ~~الثانية عشرة، دخل عامل القطار. ~~«هذه العربة تغلق في وقت الليل، يا ms153 صاح. هل أنت السيد الذي من ~~المقصورة رقم أربعة عشرة؟ هل تريد سريرا سفليا؟» ~~«كلا، شكرا لك. هل توجد عربة للتدخين؟» ~~«تفتح هذه العربات في وقت النهار، ولا يحتمل أن تكون نظيفة ~~في هذا الوقت من الليل.» ~~«حسن إذن. هل هي في الأمام؟» أعطاه كلود بذهن شارد قطعة نقود ~~معدنية، وأخذه عامل القطار إلى عربة قذرة جدا، أرضيتها ~~منثور عليها الجرائد وأعقاب السجائر، وجلد الكراسي يكسوه الغبار. ~~كانت العربة يستلقي فيها عدد قليل من الرجال اليائسين الذين قد ~~خلعوا أحذيتهم، وتتدلى حمالات سراويلهم على ظهورهم. منظرهم ~~ذكر كلود بأن قدمه اليسرى تؤلمه بشدة، وأن حذاءه لا بد أنه كان ~~يجرح قدميه منذ مدة. خلع حذاءه ورمى قدميه، ذواتي الجورب ~~الحريري، على المقعد المقابل. # في هذه الرحلة الطويلة المليئة بالغبار وغير المريحة، اختلج ~~صدر كلود بعدة مشاعر، ولكن الشعور الطاغي كان هو الحنين إلى ~~المنزل. جرحه كان من النوع الذي يدفعه إلى نوع من الحنين المؤلم ~~إلى الأشياء القديمة المعتادة المؤكدة مثل شروق الشمس. تمنى لو ~~يتبدد السهل العشبي الذي كانت تتلألأ فوقه النجوم، ويتحول إلى ~~تعرجات لافلي كريك التي يوجد معها منزل والده على التل ~~المظلم والصامت في ليالي الصيف! عندما كان يغلق عينيه، كان ~~بإمكانه أن يرى الضوء في نافذة والدته، وتحته وهج مصباح ماهيلي ~~حيث تجلس خافضة رأسها وهي تصلح قمصانه القديمة. قال لنفسه ~~الحب البشري شيء رائع، ويصبح أروع عندما لا ينتظر المحب تحقيق ~~مكسب شخصي. # لما أشرق الصبح، تلاشت عاصفة الغضب والإحباط والشعور بالخزي التي ~~كانت تغلي في صدره لما جلس لأول مرة في عربة مشاهدة المعالم. ~~بقي شيء واحد؛ نبرة صوت زوجته غير المبالية وغير المكترثة على ~~نحو غريب لما أبعدته من المقصورة. كانت عبارة عن النبرة الرتيبة ~~التي يدلي بها الناس تعليقات عادية عن الأشياء العادية. # أشرق نور الصباح ببهائه ~~الفضي على نباتات المريمية الصيفية. تحول لون السماء إلى ~~اللون الوردي والرمال إلى اللون الذهبي. حمل نسيم الفجر ~~رائحة نباتات المريمية النفاذة، وأدخلها من ms154 النوافذ؛ تلك الرائحة ~~التي تكون منعشة على نحو خاص في الصباح الباكر، وتبشر ~~دائما بيوم جديد من الحرية والمساحات الكبيرة والبدايات الجديدة ~~والأيام الأفضل. # كان من المفترض أن يصل القطار إلى دنفر في الساعة الثامنة. في ~~تمام السابعة والنصف، طرق كلود الباب على إنيد ، ولكن هذه المرة ~~بقوة. كانت حينها قد ارتدت ملابسها واستقبلته بوجه منتعش ~~ومبتسم، وهي تمسك قبعتها في يدها. # سأل: «هل تحسنت؟» ~~«أوه، نعم! إنني بخير حال هذا الصباح. أخرجت لك كل أغراضك، هناك ~~على هذا المقعد.» # نظر إلى أغراضه. «شكرا لك. ولكن أخشى أنني لا أملك الوقت ~~لتغيير ملابسي.» ~~«أوه، حقا؟ أنا آسفة لأنني نسيت أن أعطيك حقيبتك ليلة أمس. ~~ولكن يجب أن تغير ربطة عنقك على الأقل. يبدو عليك بشدة أنك ~~متزوج لتوك.» # لوى شفته على نحو لا يكاد يكون مرئيا، وسأل: «حقا؟» # كان كل شيء يحتاج إليه مرتبا بعناية على المقعد الفاخر؛ ~~القميص، والياقة، وربطة العنق، والفرشات، وحتى المنديل. أصبحت ~~المناديل الموجودة في جيوبه سوداء من مسح الرماد الذي ظل يتناثر ~~عليه طوال الليل؛ ومن ثم رماها وأخذ المنديل الجديد. وجد بقعة ~~رطبة فيه، وعندما بسطه تعرف على رائحة عطر كانت تستخدمه إنيد ~~كثيرا. ولسبب ما، تلاشى انزعاجه بعد هذا الاهتمام. شعر باختناق ~~الدموع في عينيه، ولكي يخفي ذلك، انحنى على الحوض المعدني وبدأ ~~يغسل وجهه. وقفت إنيد خلفه تضبط قبعتها في المرآة. ~~«يا لفظاعة رائحة الدخان التي تفوح منك يا كلود. أرجو أنك لم ~~تدخن قبل الإفطار؟» ~~«كلا. ظللت في عربة التدخين مدة. أظن أن ملابسي تشبعت ~~برائحة الدخان.» ~~«أنت مغطى بالتراب والرماد أيضا!» أخذت فرشاة الملابس من ~~الرف، وبدأت تنظف ملابسه بها. # أمسك كلود يدها. وقال بحدة: «أرجوك لا تفعلي! يمكن لعامل ~~القطار أن يفعل ذلك لي.» # راقبته إنيد خفية وهو يغلق حقيبته ويحزمها. كثيرا ما سمعت ~~أن الرجال يغضبون قبل الإفطار. # سأل قبل أن يغلق حقيبتها: «هل أنت متأكدة من أنك لم تنسي ~~شيئا؟» ~~«نعم. لم يسبق أن نسيت شيئا في ms155 القطار، هل سبق لك ذلك؟» # رد بحذر: «أحيانا»، ولم ينظر إليها وهو يفتح المزلاج. # الكتاب الثالث # | شروق الشمس في البراري # 1 # نوى كلود أن يستمر في الزراعة مع والده؛ وبعد عودته من رحلة ~~الزواج، انغمس في العمل من فوره. كان المحصول وفيرا تقريبا مثل ~~الصيف السابق، وكان ينهمك في العمل ستة أيام في الأسبوع. # في عصر أحد أيام شهر أغسطس، رجع إلى المنزل مع فريق الخيل الخاص ~~به، ثم سقاه وأطعمه على مهل، ودخل بعد ذلك المنزل من الباب ~~الخلفي. كان يعلم أن إنيد ليست في المنزل. لقد ذهبت إلى فرانكفورت ~~من أجل اجتماع لجمعية حظر الحانات. كثف حزب حظر الكحوليات نشاطه ~~في نبراسكا ذلك الصيف، وكان واثقا من أنه سيجري التصويت لصالح منع ~~الكحوليات في الولاية في العام التالي، وهو ما نجح في تحقيقه ~~باقتدار. # كان مطبخ إنيد الذي كانت تغمره شمس العصر يلمع بالدهان الجديد، ~~ومشمع الأرضية الذي لا بقع فيه، وأواني الطهي ذات اللونين ~~الأزرق والأبيض. في غرفة الطعام وضع مفرش المائدة، وكانت ~~المائدة معدة بعناية لفرد واحد. فتح كلود صندوق الثلج الذي ~~نظم له فيه عشاؤه، الذي كان عبارة عن طبق من السلمون المعلب، ~~ومعه صلصة بيضاء، وبيض مسلوق مقشر موضوع وسط بعض أوراق الخس، ~~ووعاء من الطماطم الناضجة، وقطعة من بودينج الأرز البارد، وقشدة ~~وزبدة. وضع هذه المأكولات على المائدة وقطع بعض الخبز؛ وبعدما غسل ~~وجهه ويديه بلا عناية، جلس ليتناول الطعام بقميص العمل. أسند ~~الجريدة على إبريق مياه زجاجي أحمر، وقرأ أخبار الحرب وهو يتناول ~~عشاءه. تضايق لما سمع خطى ثقيلة تقترب من المنزل. أدخل ليونارد ~~دوسن رأسه من باب المطبخ، ونهض كلود مسرعا وأخذ قبعته، ولكن ~~دخل ليونارد من دون دعوة وجلس. كان قميصه البني مبللا في ~~موضع التقاء حمالتيه بكتفيه؛ ووجهه، الذي كان تحت قبعة من ~~القش لم يخلعها، لم يكن حليقا، وكان الغبار يكسوه. # صاح: «اذهب وأكمل عشاءك. الزواج بامرأة لديها سيارة لا يختلف ~~مطلقا عن عدم الزواج. عجبا لحب التسكع ms156 لديهن! لاقيت لوما ~~شديدا لأنني أحرص على ألا تتعلم سوزي القيادة مطلقا. اسمعني ~~يا كلود، متى في اعتقادك ستسمحون لي باستخدام آلة الدرس؟ سيبدأ ~~قمحي في الإنبات في الحزم في وقت قريب للغاية. هل تعتقد أن والدك ~~على استعداد للعمل في يوم الأحد - إذا ساعدتكم - بحيث يسمح بإقراضي ~~الآلة في اليوم السابق؟» ~~«أظن أنه غير مستعد لذلك. لن تحب أمي ذلك. لم نفعل هذا من ~~قبل حتى في أيام ذروة العمل.» ~~«حسنا، أظن أنني سأزور والدتك وأتحدث معها. إذا ما عرفت حال ~~حزم القمح لدي، فربما أستطيع إقناعها أن الأمر أشبه بوقوع ثور ~~جارك في حفرة يوم السبت.» ~~«هذه فكرة جيدة. إنها تفكر دائما بعقلانية.» # نهض ليونارد. «ما الأخبار؟» ~~«نسف الألمان سفينة ركاب إنجليزية، تسمى «ذي أربيك»، كانت في ~~طريقها إلى هنا.» # رد ليونارد: «حسن إذن. ربما سيمكث الأمريكيون في منازلهم ~~الآن ويفكرون في شئونهم الخاصة. لا يهمني كيف سيدمر كل ~~منهما الآخر هناك ولو بمقدار ضئيل! أتمنى أن يختفي الطرفان من ~~الخريطة.» ~~«كان أجدادك من الإنجليز، أليس كذلك؟» ~~«كان هذا منذ مدة طويلة. نعم، كانت جدتي ترتدي قبعة وتمتلك ~~شعرا قصيرا أبيض اللون، وأخبرت سوزي أن لا مشكلة لدي إذا ~~تبين أن الطفلة ورثت بشرة جدتي. فبشرتها أنعم بشرة ~~رأيتها في حياتي.» # لما خرجا من الباب الخلفي، ركضت مجموعة من الدجاج الأبيض ذي ~~العرف الأحمر صاخبة باتجاههما. إنها الساعة التي كان يوضع ~~الغذاء للدجاج فيها عادة. وقف ليونارد لينظر إليها بإعجاب. «لديك ~~مجموعة جيدة من الدجاج. دائما ما أحب دجاج الليجهورن الأبيض. أين ~~ذهبت الديكة؟» ~~«لدينا ديك واحد فقط. إنه محبوس في الحظيرة. تقبع الدجاجات ~~الحاضنة فوق بيضها. ستجرب إنيد تربية الأفراخ في ~~الشتاء.» ~~«ديك واحد فقط؟ وهل لي أن أسأل ما الذي تفعله تلك ~~الدجاجات؟» # ضحك كلود. «إنها تضع البيض بالطريقة نفسها، بل على نحو أفضل. ~~إن البيض الملقح يفسد في الجو الدافئ.» # بدا أن تلك المعلومة أغضبت ليونارد. فانفجر غاضبا: «لم أسمع عن ~~هذا الهراء اللعين من ms157 قبل. أنا أربي الدجاج بالطريقة الطبيعية، ~~وإلا فلن أربي الدجاج مطلقا.» وقفز إلى سيارته خشية أن ~~يتفوه بالمزيد. # لما وصل إلى المنزل، وجد زوجته تضع العشاء، وكانت الطفلة الرضيعة ~~تجلس بالقرب منها في عربة الأطفال الخاصة بها، وتلعب بخشخيشة. رفع ~~ليونارد - بقذارته وعرقه - الرضيعة النظيفة ، وبدأ يقبلها ~~ويشتمها ويفرك ذقنه الملتصقة به بقايا الزرع في ثنايا رقبتها ~~الناعمة. كانت الطفلة الصغيرة مهتاجة من الفرح. # نادت سوزي وهي عند الموقد: «اذهب واغتسل من أجل العشاء يا لين.» ~~وضع الطفلة في عربتها، وبدأ يغتسل في حوض القصدير، ويتحدث وهو ~~مغمض العينين. ~~«سوزي، أنا في مزاج سيئ للغاية. لا أستطيع تحمل زوجة كلود ~~اللعينة تلك!» # كانت تخرج عيدان ذرة مشوية من وعاء حديدي كبير، ونظرت لأعلى ~~من وسط البخار. «عجبا، هل رأيتها؟ استمعت خلسة إلى مكالمة ~~هاتفية لها صباح اليوم، وسمعتها تخبر بايليس أنها ستبقى في ~~المدينة حتى وقت متأخر.» رد: «أوه، نعم! لقد ذهبت هي بالفعل ~~إلى المدينة، وها هو هناك يتناول عشاء باردا بمفرده. تلك المرأة ~~متعصبة. إنها لا تكتفي بتحريم الأشياء على البشر، بل بدأت ~~تمارس ذلك على الدجاج الآن.» لما وضع الكراسي ودحرج عربة ~~الطفلة بالقرب من الطاولة، شرح لزوجته طريقة إنيد في تربية الدجاج. ~~قالت إنها حقا لا ترى بأسا في ذلك. ~~«الآن اصدقيني القول يا سوزي، هل علمت من قبل أن الدجاج يمكن ~~أن يستمر في وضع البيض من دون ديك؟» ~~«كلا، لم أسمع عن شيء كهذا، ولكني نشأت بالطريقة التقليدية. ~~تمتلك إنيد كتبا عن تربية الدواجن وكتبا عن البستنة، وما شابه ~~من الأشياء. لا ريب أنها تحصل على أفكار جيدة منها. ولكن على أي ~~حال، كن حريصا. إنها أقرب الجيران لنا، ولا أريد مشكلات ~~معها.» ~~«سأبتعد عن طريقها إذن. إذا حاولت تنفيذ أي أعمال تبشيرية بين ~~دجاجاتي، فسأخبرها ببعض الحقائق المنزلية التي لا يستطيع زوجها ~~إخبارها بها. في رأيي، إنها جعلت ذلك الفتى يخضع لآرائها.» # اعترفت سوزي، وهي تملأ طبق زوجها ثانية: «والآن يا لين، أنت ms158 ~~تعلم أنها لن تزعج دجاجاتك. لذا، فالزم الصمت. ولكن يبدو أن ~~كلود قد بدأ يتجنب الناس نوعا ما. تقول السيدة جو هافل إن ~~إرنست لم يعد يذهب إلى كلود. يبدو أن إنيد ذهبت إلى هناك، ~~وأرادت من إرنست أن يلصق على جدار إصطبله بعض ملصقات لدعم حظر ~~الكحوليات التي تتحدث عن وجود خمسة عشر مليون معاقر للخمر في ~~المنطقة؛ وذلك حتى يكون قدوة للبوهيميين. قالت السيدة هافل إن ~~إرنست لم يكن ليفعل هذا، وأخبر إنيد أنه سيصوت من أجل بقاء ~~الحانات؛ ولذا غضبت منه غضبا شديدا. أحزن بشدة عندما أتذكر ~~الوقت الذي كانا فيه صديقين حميمين. اعتدت أن أراهما معا.» ~~تحدثت سوزي بلطف شديد جعل زوجها يرمقها بنظرة سريعة تنم عن ~~عاطفة خجلة. ~~«هل تظنين أن كلود سرته زيارة ذلك القس لهما قبل مرور ~~شهرين على زواجهما؟ هل سره جلوسه في الشرفة الأمامية بربطة ~~عنقه البيضاء كل يوم بينما كان كلود بالخارج يحصد القمح؟» # كانت سوزي معتادة على النظر إلى الجانب المشرق من الأشياء؛ ~~ومن ثم قالت: «حسنا، على أي حال، أظن أن كلود توفر لديه طعام ~~أكثر لما كان يمكث القس ويلدون في المنزل. لن يطعم القساوسة بناء ~~على حساب السعرات الحرارية، أو أيا كان ما تسميه إنيد. تحتفظ ~~زوجة كلود بمطبخ رائع، ولكن يمكنني فعل ذلك أيضا، إذا لم أطبخ ~~كثيرا مثلها.» # رمقها ليونارد بنظرة ذات معنى. «لا أظن أنك ستعيشين مع رجل ~~يمكنه أن يعيش على الأطعمة المعلبة.» ~~«نعم، لا أعتقد أن هذا سيحدث لي.» دفعت العربة تجاهه. «خذها، ~~أيها الأب. إنها تريد اللعب معك.» # وضع ليونارد الطفلة على كتفه وحملها كي يريها الخنازير. ظلت ~~سوزي تضحك مع نفسها، بينما كانت ترفع الأطباق عن الطاولة وتغسلها؛ ~~لقد سرها بشدة ما قاله لها زوجها. # في وقت متأخر من ذلك المساء لما ذهب ليونارد إلى الحظيرة كي ~~يطمئن أن كل شيء على ما يرام قبل الخلود إلى النوم، لمح شيئا ~~أسود يمشي بطول الطريق السريع تحت ضوء القمر، بضوء ms159 أحمر يومض في ~~الخلف. نادى على سوزي كي تأتي إلى الباب. ~~«انظري، إنها على الطريق؛ ها هي عائدة للمنزل كي تخبر كلود ~~بنجاح الاجتماع. ألن تكون هذه طريقة لطيفة لدخول زوجة ~~مثلها؟» ~~«ليونارد، ما دام كلود يعجبه ذلك ...» # اعتدل ليونارد الضخم في وقفته وقال: «يعجبه ؟ ما الذي يمكنه أن ~~يفعله هذا الفتى البائس؟ إنه مغلوب على أمره!» # 2 # بعدما تركه ليونارد، رفع كلود بقايا العشاء، وسقى معترشة ~~اليقطين قبل أن يذهب إلى الحلب. لم تكن معترشة يقطين على الإطلاق، ~~ولكن قرع صيفي من النوع الملتوي الرقبة، المليء بالثآليل، ~~البرتقالي اللون، وقد أصبح ممتلئا الآن بالقرع الناضج المعلق ~~من خلال السيقان القوية بين الأوراق الخضراء الخشنة ونباتات ~~المحلاق الشائكة. شاهد كلود نموها السريع وتفتح براعمها ~~الصفراء، وشعر بالامتنان لشيء حقق بإخلاص الهدف المرجو ~~منه. كان يكن الشعور نفسه لبقرته الصغيرة الجيرزي التي كانت ~~تعود إلى المنزل كل يوم ممتلئة الضروع، وتعطيه حليبها عن ~~طيب خاطر، وتبقي ذيلها بعيدا عن وجهه؛ وهذا الفعل لا يخرج إلا ~~من بقرة سهلة الانقياد. # انتهى من الحلب، وجلس في الشرفة الأمامية، وأشعل سيجارا. ~~بينما كان يدخن، لم يفكر في شيء إلا في الجو الهادئ ذي البرودة ~~اللطيفة، ومدى حلاوة الجلوس ساكنا. كان القمر يسبح فوق حقول ~~القمح العارية، كبيرا وساحرا مثل زهرة كبيرة. بعد مدة وجيزة، ~~أخذ بعض مناشف الاستحمام، وعبر الفناء إلى طاحونة الهواء، وخلع ~~ملابسه وقفز في حوض المياه القصديري المخصص للخيول. كانت ~~المياه دافئة بفضل أشعة الشمس التي تتخللها طوال وقت ما بعد ~~الظهيرة، ولم تكن أبرد كثيرا من جسمه. تمدد في الحوض، ووضع ~~رأسه على الحافة المعدنية، واستلقى على ظهره، وأخذ ينظر لأعلى ~~إلى القمر. كان لون السماء أزرق داكنا مثل المياه الزرقاء ~~العميقة الدافئة، وبدا القمر كأنه يرقد فيها مثل زنبقة الماء ~~التي تطفو للأمام بفعل تيار غير مرئي. كان المرء يتوقع أن ~~يرى بتلاتها الكبيرة مفتوحة. # لسبب أو لآخر، بدأ كلود يفكر في الأزمان والبلدان السحيقة ~~التي تألق في سماها. ms160 لم يعتقد قط أن الشمس قادمة من أراض ~~بعيدة، أو أنها شاركت في حياة الإنسان في عصور أخرى. ففي نظره، ~~كانت الشمس تدور حول حقول القمح. ولكن القمر بطريقة ما أتى من ~~الماضي السحيق ودفعه إلى التفكير في مصر والفراعنة، وفي بابل ~~والحدائق المعلقة. يبدو أنها أطلت، على وجه الخصوص، فوق ~~حماقات البشر وخيباتهم؛ على مساكن العبيد في العصور القديمة ~~ونوافذ السجون والقلاع التي يعذب فيها الأسرى. # داخل الأحياء أيضا، كان هناك أسرى يعذبون. نعم، بداخل الناس ~~الذين تظلهم الشمس في مشيهم وعملهم، كان هناك أسرى يعيشون في ~~الظلام ولا يرون قط من الولادة حتى الممات. كان القمر يطل ~~بضوئه داخل هذه السجون، ويزحف السجناء إلى النوافذ، وينظرون ~~بالخارج بعيونهم التي يملؤها الحزن إلى الكرة البيضاء التي لا ~~تخفي أي أسرار وتفهم كل شيء. على الأرجح حتى فيمن يشبهون ~~السيدة رويس وأخاه بايليس، كان يوجد بداخلهم شيء من هذا القبيل، ~~ولكن تلك كانت فكرة مخيفة. طرد الفكرة بحركة سريعة من يده في ~~الماء؛ وهو ما عكر صفوها، وجعلها تلمع وتتراقص باللونين ~~الأسود والذهبي كأنها كائن حي فوق صدره. كانت الروح المسجونة ~~في أمه ظاهرة للناس أكثر من ذاتها الجسدية. كثيرا ما كان يشعر ~~بهذا عندما كان يجلس معها في مثل هذا الليلة من ليالي الصيف. ~~ماهيلي أيضا كانت تمتلك واحدة، على الرغم من أن جدران سجنها كانت ~~أشد، وكذلك جلاديس فارمر. أوه، نعم، كم من الضروري أن تتحدث ~~جلاديس عن ذلك إلى كاتم أسرارها؟! يحتاج أصحاب الهمم العالية ~~إلى هذا الوصال؛ هؤلاء الذين تبلغ أمانيهم من الجمال مبلغا لا ~~ترتقي إليه أي تجارب في العالم. حتى أبناء القمر هؤلاء - ~~بتطلعاتهم غير المحققة وأحلامهم العبثية - كانوا أرقى من أطفال ~~الشمس. هذا المفهوم غمر قلب الفتى كأنه بزوغ قمر ثان للقمر، ~~وتدفق في أوصاله قويا وغامضا، بينما كان يرقد ساكنا تماما ~~خشية أن يفقده. # في النهاية، وصل الجسم المكعب الأسود الذي لفت انتباه ~~ليونارد دوسن الغاضب، الذي كان يمشي ببطء على طول ms161 الطريق السريع. ~~انتزع كلود ملابسه ومناشفه ومن دون أن ينتظر استخدام أي منها، ~~جرى بجسده الأبيض وسط الفناء الأبيض الخالي. لما دخل المنزل وجد ~~روب الحمام الخاص به، وصعد إلى الشرفة العلوية، وجلس على ~~الأرجوحة الشبكية. وسرعان ما سمع اسمه ينادى عليه كأن المنادي ~~يلفظه «كلد ». صعدت زوجته السلم وبحثت عنه. كان يجلس ساكنا ~~وعيناه مغمضتان. ابتعدت عنه. ولما ساد السكون مرة أخرى، أطل ~~إلى القرية الساكنة والقمر في السماء ذات اللون النيلي الغامق. ~~كان لا يزال إلهامه يتملكه؛ مما جعل جسده بالكامل حساسا مثل ~~القوس المشدود الوتر. في الصباح نسي أو خجل من الأفكار التي ~~راودته في الليلة السابقة، وبدت حقيقية ونابعة من داخله بشدة. ~~وفي الغالب تصالح مع فكرة أن الأفضل عدم التفكير في تلك ~~الأشياء، وبالفعل تجنب التفكير فيها قدر المستطاع. # 3 # بعد انتهاء العمل الشاق في الحصاد، فغالبا ما كانت تقنع ~~السيدة ويلر زوجها بأن يأخذها إلى منزل كلود الجديد عندما كان ~~يخرج بعربته. وتسعد لأن إنيد لا تظلم صالتها مثلما كانت تفعل ~~السيدة رويس. كانت الأبواب والنوافذ مفتوحة دائما، والمعترشات ~~وزهور البتونيا الطويلة في أصص النافذة يداعبها النسيم، والغرف ~~تملؤها أشعة الشمس، ومرتبة ترتيبا مثاليا. كانت إنيد ترتدي ~~فساتين بيضاء في عملها وحذاء أبيض وجوربا أبيض. وتتدبر شئون ~~المنزل بسهولة وبطريقة منهجية. في صباح يوم الإثنين، يشغل كلود ~~الغسالة قبل أن يذهب إلى العمل، وبحلول التاسعة تكون الملابس ~~منشورة على الحبل. كانت إنيد تحب الكي، ولم يسبق أن ارتدى كلود ~~في حياته هذا الكم من القمصان النظيفة أو لبسها بهذا القدر من ~~الرضا. أخبرته أنه ليس بحاجة إلى التوفير في قمصان العمل؛ فكي ~~ستة قمصان مثل كي ثلاثة. # على الرغم من أن إنيد قطعت ما يزيد على ألفي ميل بالسيارة في ~~غضون بضعة أشهر دعما لقضية حظر الكحوليات، فإنه لا يمكن لأحد ~~اتهامها بالإهمال في بيتها. أما إهمالها لزوجها فهذا يعتمد على ~~تصور المرء لما يستحقه. لما كانت السيدة ويلر ترى حسن إدارة ~~منزلهما الصغير، ms162 وتلاحظ الجمال والجاذبية اللذين كانت تبدو ~~عليهما إنيد عندما يزورهما أحد، كانت تتساءل عن سبب عدم شعور كلود ~~بالسعادة. وكلود نفسه كان يتساءل عن سبب شعوره بهذا. قال لنفسه إن ~~أحبطه زواجه في بعض الأمور، فينبغي أن يكون رجلا، وأن يستفيد من ~~الجانب الجيد فيه. إن لم تكن زوجته تحبه، فالسبب أنه يرى الحب ~~بطريقة وهي تراه بطريقة أخرى مختلفة تماما. كانت تفخر به، ~~ويسرها دخوله عليها بعدما يأتي من العمل، كما كانت تحرص بشدة ~~على راحته. تمقت إنيد بشدة فكرة احتضان الرجال؛ إذ ترى أنها شيء ~~ابتليت به النساء مثل ألم الولادة؛ على الأرجح بسبب خطيئة ~~حواء. # هذا النفور تعدى الجانب الجسدي؛ لقد كرهت الحماسة من أي نوع، ~~حتى الحماسة الدينية. كانت تحب كلود قبل الزواج أكثر مما كانت ~~تحبه الآن، ولكنها كانت ترجو إصلاح ذلك. ربما ستعود إلى حبه مرة ~~أخرى بالدرجة نفسها في وقت ما. حتى القس ويلدون ألمح لها بضرورة ~~التعامل بلطف مع الفتى؛ من أجل أن يهنآ بحياة سعيدة. وكانت تظن ~~أنها كانت تفعل ذلك. لم تستطع فهم حالات الصمت الكئيب التي كانت ~~تتملكه، والملاحظات الساخرة والحادة التي كان يقولها أحيانا، ~~وانزعاجه الواضح إذا ذهبت إلى أرض الغابة المملوكة لوالده لتنضم ~~إليه، ويكون هو مستلقيا هناك ساكنا بين الحشائش الطويلة بعد ~~ظهيرة يوم الأحد. # اعتاد كلود أن يستلقي هناك ويشاهد السحب ويقول لنفسه: «هذه ~~نهاية كل شيء بالنسبة إلي.» لا بد أن هناك آخرين غيره تعرضوا ~~للإحباط، وكان يتساءل إلى أي مدى تحملوا ذلك في حياتهم. كان ~~كلود فتى حسن التصرف لأنه مثالي؛ كان يتطلع إلى أن يكون سعيدا ~~بشدة في الحب، وإلى أن يستحق تلك السعادة. لم يتصور قط أن ~~يكون الأمر غير ذلك. # في بعض الأحيان الآن، عندما كان يخرج إلى الحقول في صباح أحد ~~أيام الصيف المشرقة، كان يبدو له أن الطبيعة لا تبتسم له ساخرة ~~فحسب، بل إنها كانت تضحك عليه بملء فيها. لقد جرح في كبريائه، بل ~~حتى في مثله ms163 العليا وفي مفهومه الغامض لمعنى الجمال. كان بإمكان ~~إنيد أن تحول حياته إلى جحيم من دون حتى أن تعرف. في تلك ~~الأوقات، كان يكره نفسه لأنه يتقبل معاملتها الطيبة معه التي ~~يبدو أنها مكرهة عليها. كان يرى أن هناك شيئا خطأ فيه. # كانت لا تزال هيئة إنيد جذابة بالنسبة إليه. كان يتساءل لماذا ~~لا تتوافق مشاعرها مع جمالها الطبيعي وخفة حركتها، مع الوضعيات ~~الجسدية الناعمة شبه المتلهفة التي يجدها عليها أحيانا عندما ~~يفاجئها. عندما كان يدخل عائدا من العمل ويجدها جالسة في ~~الشرفة، مسندة ظهرها إلى عمود، ومشبكة يديها حول ركبتيها، ~~وخافضة رأسها قليلا؛ يكاد لا يصدق جفاف التعامل الذي يصادفه من ~~جانبها طوال الوقت. هل كان بداخله شيء ينفرها منه؟ هل الأمر خطؤه ~~في النهاية؟ # لاحظ أن إنيد مندمجة مع والده أكثر من أي شخص آخر. كان السيد ~~ويلر يأتي لزيارتها على نحو شبه يومي، حتى إنه كان يأخذها معه في ~~جولة بعربته. كان بايليس يأتي من المدينة كي يقضي المساء في منزل ~~كلود في بعض الأحيان. كان يحب عشاء إنيد النباتي؛ ولما كانت تعمل ~~معه في حملة حظر الكحوليات، كانت تنعقد دائما بينهما مناقشات ~~عمل. كان يرى بايليس أن الكحوليات لها أضرار اجتماعية إلى جانب ~~أضرارها الصحية، وكان يكرهها بسبب المتعة التي تعطيها أكثر من ~~أضرارها الصحية. كان كلود يرفض باستمرار المشاركة في الأنشطة ~~التي تعقدها جمعية حظر الحانات، أو توزيع ما يسميه بايليس وإنيد ~~«مطبوعاتنا». # في البلدان الريفية، لا يطلق مصطلح «المطبوعات» إلا على ~~أنواع معينة من المواد المطبوعة، مثل مطبوعات «حظر الكحوليات»، ~~ومطبوعات الصحة الجنسية، ومطبوعات علاج الحوافر والفم، في وقت ~~تفشي وباء بين الماشية. لم ينزعج كلود من هذا الاستخدام ~~المحدد للمصطلح، ولكن انزعجت والدته منه نظرا إلى أنها كانت ~~معلمة تقليدية. # لم تفهم إنيد سبب عدم مبالاة زوجها بشأن قضية ملحة كالتي ~~تدافع عنها، ولم يسعها إلا أن تنسب رد فعله إلى تأثير إرنست ~~هافل عليه. في بعض الأحيان، طلبت من كلود أن يذهب ms164 معها إلى أحد ~~اجتماعات الجمعية. لما كان يعقد الاجتماع في يوم الأحد، كان ~~يتعذر بتعبه والرغبة في قراءة الجرائد. أما إذا عقد في أحد ~~أيام العمل، فكان يتعذر بالعمل في الحظيرة أو أرض الغابة ~~المملوكة لوالده. لقد أزال بالفعل بعض الغصون الميتة، وقطع شجرة ~~ذبلت بسبب البرق . في غير هذه الحالات، ما كان ليسمح لأحد بقطع ~~أشجار من هذه الأرض؛ إذ كان سيستميت في الدفاع عنها. # لقد كان يتخذ من هذه الأرض ملجأ له. في البقاع العشبية ~~المفتوحة والمحاطة بأجمات من أشجار الدردار الآخذة في الاصفرار، ~~كان يشعر بأنه غير متزوج وحر؛ كان له هناك مطلق الحرية في ~~التدخين كيفما يشاء، وفي القراءة والحلم. لو اطلعت زوجته على ~~بعض أحلامه لتجمد الدم في عروقها رعبا، ولو اطلعت أمه على ~~بعضها لذاب قلبها شفقة عليه. أفضل ما كان يستطيع أن يفعله ~~كلود هو أن ينام هناك تحت الشمس الحارة، وينظر إلى سماء الخريف ~~الزرقاء الصافية، ويسمع حفيف الأوراق الجافة وهي تتساقط، وصوت ~~السناجب الجريئة وهي تقفز من غصن إلى آخر، ويطلق العنان لخياله. ~~كان يقول لنفسه إن أفكاره تخصه. إنه لم يعد صبيا. كان ينطلق ~~إلى هذا المكان كي يقابل شابا يتمتع بخبرة ويثير الاهتمام أكثر ~~منه، ولم يلزم نفسه بأي تنازلات. # 4 # من نافذتها في الطابق العلوي، كان بإمكان السيدة ويلر أن ترى ~~كلود وهو يغدو ويروح في الحقل الغربي وهو يبذر بذور القمح. كانت ~~تشعر بالاشتياق إليه. لم يكن يأتي إلى المنزل كثيرا. بدأت تتساءل ~~إن كان من هؤلاء الذين لا تفارقهم التعاسة، ولكن أيا كانت ~~ماهية إحباطاته، فإنه كان يحبسها بين جنبات صدره. لا بد للمرء ~~أن يتعلم من دروس الحياة. وعلى الرغم من ذلك، كانت تحزن قليلا ~~عندما تراه هادئا وغير مبال بشدة وهو لا يزال في الثالثة ~~والعشرين من عمره. # بعد مشاهدته لبضع لحظات من النافذة، ذهبت إلى الهاتف واتصلت ~~بمنزل كلود، وسألت إنيد إن كانت لا تمانع في أن يتناول كلود ~~الغداء معها أم لا. ms165 وأردفت: «أشعر بالوحدة أنا وماهيلي مع السفر ~~المتكرر للسيد ويلر.» ~~«ولم لا يا أمي، بالطبع لا أمانع.» كانت إنيد تتحدث بابتهاج ~~كما كانت تفعل دائما. «هل لديك من ترسلينه إليه كي يخبره ~~بهذا؟» ~~«أعتقد أنني سأذهب إليه بنفسي يا إنيد. إن الحقل ليس بعيدا إذا ~~أخذت وقتي في السير إليه.» # غادرت السيدة ويلر المنزل قبيل الظهر، وتوقفت عند النهير ~~كي تستريح قبل أن تصعد التل الطويل. عند حافة الحقل، جلست ~~قبالة ضفة مغطاة بالحشائش، وانتظرت حتى وصول الخيول وهي تسير ~~بتثاقل باتجاه خطوط الأرض الطويلة. رآها كلود وأوقف ~~الخيول. # صاح: «هل من خطب يا أمي؟» ~~«أوه كلا! سآخذك كي تتناول الغداء معي، هذا كل ما في الأمر. لقد ~~اتصلت بإنيد وتحدثت معها بشأن هذا الأمر.» فك رباط الخيول، ونزل ~~مع والدته من التل ومشيا خلف الخيول. وعلى الرغم من أنهما لم ~~يكونا بمفردهما على هذا النحو منذ مدة طويلة، شعرت أنه من الأفضل ~~عدم التحدث في مسائل شخصية. ~~«ذكرني أن أعطيك مقالا يتحدث عن إعدام تلك الممرضة ~~الإنجليزية.» # أجاب بفتور: «إيديث كافل؟ قرأت عن الموضوع. لا شيء يثير الدهشة ~~فيه. ما داموا أغرقوا سفينة لوسيتاينيا، فلن يعجزهم إطلاق ~~الرصاص على ممرضة إنجليزية.» # تمتمت والدته: «يساورني شعور أن هذه القضية مختلفة. إنها ~~تشبه شنق جون براون. أتعجب من قدرتهم على إيجاد جنود لتنفيذ ~~الحكم.» ~~«أوه، أعتقد أن لديهم العديد من هؤلاء الجنود!» # نظرت إليه السيدة ويلر. «لا أعلم إلى متى يمكن أن نظل خارج ~~الحرب، هل تعلم أنت؟ أظن أن جيشنا، حتى لو جرى إرساله، لن يكون له ~~دور كبير في الحرب. يقولون لنا إننا يمكن أن نكون مفيدين أكثر ~~بعملنا في الزراعة والصناعة مما لو شاركنا في الحرب. أرجو فقط ألا ~~يكون هذا حديث حملات انتخابية. أنا لا أثق في ~~الديمقراطيين.» # ضحك كلود. «عجبا، يا أمي، أظن أنه لا توجد مسائل حزبية في ~~ذلك.» # هزت رأسها. «لم أجد حتى الآن أمرا عاما لا ينطوي على مسائل ~~حزبية. حسنا، لا يسعنا ms166 إلا أن نقوم بواجبنا حسب ما يملى علينا ~~ونثق في أن الرب سيجزينا خيرا. سينتهي عملك في الخريف بهذا الحقل، ~~أليس كذلك؟» ~~«بلى. سيتوفر لدي الوقت لإنجاز بعض الأعمال في المكان بعدها. ~~سأبني مكانا جيدا لتخزين الثلج، وأكدس منه الذي سأحتاج إليه ~~لهذا الشتاء.» ~~«هل كنت تفكر في السفر إلى لينكن لبعض الوقت؟» ~~«لا أظن ذلك.» # تنهدت السيدة ويلر. كشفت نبرته أنه أدار ظهره لمصادر بهجته ~~القديمة وأصدقائه القدامى. ~~«هل حجزت أنت وإنيد تذاكر لحضور البرنامج التدريبي الذي يعقد ~~في فرانكفورت؟» # أجاب وقد نفد صبره قليلا: «أظن ذلك يا أمي. قلت لها إنها ~~يمكنها حضوره عندما تكون في المدينة يوما ما.» # قالت والدته بمثابرة: «بالطبع، بعض البرامج ليست بالجودة ~~المرجوة، ولكن ينبغي دعمها، وتحقيق أقصى استفادة مما يتاح ~~لنا.» # كان يعلم - وكذلك والدته - أنه ليس جيدا جدا في هذا الأمر. ~~توقفت خيوله عند خزان المياه. «لا تنتظرني. سألحق بك في غضون ~~دقيقة.» ابتسم لما رأى ملامح الانزعاج على وجهها. «لا عليك يا ~~أمي، يمكنني دائما اكتشافك عندما تحاولين الإيقاع بي. على أحدنا ~~أن يكون ذكيا للغاية كي يخدع الآخر.» # نظرت إليه وعلى وجهها تلك الابتسامة التي تكاد تختفي معها ~~عيناها. «أظن أنني كنت ذكية هذه المرة!» # قالت في نفسها، بينما كانت تسرع وتصعد التل، إنه لأمر رائع أن ~~تكون معه ثانية، وأن تجذب انتباهه حتى. # لما كان كلود يغتسل من أجل العشاء، دخلت إليه ماهيلي وفي يدها ~~صفحة من جريدة بها رسوم كاريكاتورية توضح وحشية الألمان. ~~بالنسبة إليها، كانت تلك الرسوم كلها صورا فوتوغرافية؛ حيث إنها ~~كانت لا تعرف طريقة أخرى لصنع الصور غير ذلك. # سألت: «سيد كلود، كيف لهؤلاء الألمان أن يصبحوا بهذه الصورة ~~البشعة؟ عائلة يودر والألمان الذين يعيشون هنا ليسوا بذلك ~~القبح.» # تلطف معها كلود وهو يخمد حماستها. «ربما القبيحون هم من ~~يقاتلون، والقابعون في بيوتهم لطيفون، مثل جيراننا.» # تمتمت بلطف: «إذن لماذا لا يدعون جنودهم يبقون في بلدهم، ولا ~~يحطمون ممتلكات الآخرين، ويتسببون في خروجهم من ms167 منازلهم؟ يقولون ~~إن هناك أطفالا ولدوا وسط الثلوج الشتاء الماضي، ولا تمتلك ~~أمهاتهم نارا للتدفئة ولا أي شيء آخر. في الحقيقة يا سيد كلود، ~~لم يكن الأمر كذلك في حربنا؛ إذ لم يمس الجنود النساء والأطفال. ~~لقد امتلأ منزلنا أكثر من مرة بجنود من الشمال، ولم يحدث قط أن ~~حطموا أيا من أواني أمي الخزفية.» ~~«سنتحدث عن ذلك مرة أخرى في وقت آخر يا ماهيلي. يجب أن أتناول ~~الغداء وأعود إلى العمل. إن لم نزرع القمح في موعده، فكما تعلمين ~~لن يجد هؤلاء الذين في الحرب شيئا يأكلونه.» # الجرائد ذات الصور كانت تعني الكثير لماهيلي؛ لأنها كانت تتذكر ~~الحرب الأهلية بصعوبة. عندما كانت تنكب على صور المعسكرات وساحات ~~القتال والقرى المدمرة، كانت توقظ فيها بعض الذكريات؛ سرايا ~~المشاة التابعة لجيش «الاتحاد» المغبرة التي اعتادت أن تقف كي ~~تشرب من الينبوع الجبلي البارد الخاص بوالدتها. كانت تراهم وهم ~~يخلعون أحذيتهم ويغسلون أقدامهم الدامية في تيار الماء. والدتها ~~أعطت قميصا نظيفا لجندي عانى بشدة من القمل، ولم تنس قط ~~منظر ظهره؛ إذ كان لحمه «أشبه بلحم البقر في الأماكن التي كان قد ~~هرش فيها.» خمسة من إخوانها كانوا بين صفوف الجيش الكونفدرالي. ~~عندما أصيب أحدهم في معركة بول ران الثانية، اقترضت والدتها ~~عربة وخيولا، وقطعت مسافة ثلاثة أيام إلى المستشفى الميداني، ~~وأحضرت الفتى إلى المنزل في الجبل. كان بإمكان ماهيلي أن تتذكر ~~كيف أن أخواتها الكبريات تبادلن الأدوار ليل نهار لصب الماء ~~البارد من الينبوع على ساقه التي أصابتها الغرغرينا. لم يتبق ~~أطباء في الجوار؛ ولما لم يستطع أحد بتر ساق أخيها، مات ميتة ~~مؤلمة. كانت ماهيلي الشخص الوحيد في منزل ويلر التي رأت حربا ~~بأم عينيها، وكانت تشعر أن تلك الحقيقة تمنحها أفضلية ~~كبيرة. # 5 # مر على زواج كلود عام ونصف العام. في صباح أحد أيام ديسمبر، ~~تلقى رسالة هاتفية من حماه يطلب منه القدوم إلى فرانكفورت من ~~فوره. وجد السيد رويس قابعا في كرسي مكتبه يدخن كالمعتاد، ~~وأمامه العديد من ms168 الخطابات المرسلة من دول أجنبية على المكتب. ~~لما كان يخرجها من مظاريفها ويفرز الأوراق، لاحظ كلود مدى ~~ارتعاش يديه. # أحد الخطابات، الذي كان مرسلا من رئيس الفريق الطبي في ~~المدرسة التبشيرية التي تدرس فيها كارولين رويس، كان يعلم ~~السيد رويس بأن ابنته مريضة مرضا شديدا، وأنها ترقد الآن في ~~المستشفى التبشيري. كان سيتعين إرسالها إلى جزء آخر من البلاد ~~مناسب أكثر لصحتها من أجل الراحة والعلاج، وما كانت لتستعيد ~~صحتها بحيث تستطيع الرجوع إلى مهام عملها قبل عام أو أكثر. وإذا ~~استطاع أحد من أفراد عائلتها أن يأتي كي يعتني بها، فسيزيل عن ~~عاتق المسئولين في المدرسة حملا ثقيلا. وورد خطاب آخر من أحد ~~المعلمين وخطاب ثالث غير مترابط من كارولين نفسها. وبعدما ~~انتهى كلود من قراءة الخطابات، دفع السيد رويس علبة السيجار نحوه، ~~وبدأ يتحدث بيأس عن بعثات التبشير. # قال شاكيا: «يمكنني الذهاب إليها، ولكن ما الفائدة من ذلك؟ ~~أنا لست متعاطفا مع أفكارها، ولن أكسب سوى إزعاجها. أنت تعرف ~~أنها عقدت النية على عدم الرجوع إلى الوطن. أعارض فكرة محاولة ~~أحد أن يفرض طريقة تفكيره أو دينه على غيره. لست من ذلك النوع من ~~البشر.» وجلس ينظر إلى سيجاره. وبعد فترة صمت طويلة، انفجر ~~فجأة قائلا: «سمعت أذناي كلمة الصين كثيرا. يبدو أنه مكان ~~بعيد يمكن الذهاب إليه للبحث عن المتاعب، أليس كذلك؟ ليس للمرء ~~تحكم كبير في حياته يا كلود. إذا لم يتعذب بالفقر أو المرض، فإنه ~~يتعذب بسبب بلد على الخريطة. كانت الأمور ستسير على ما يرام لولا ~~سفرها إلى الصين ولولا بعض الأمور الأخرى ... لو كان على كاري ~~التدريس من أجل التكفل بملابسها والمساعدة في سداد ديوني مثل ~~بنات هاريسون العجوز، لكان ذلك سببا كافيا لمكوثها في الوطن. ~~ولكن لا بد دائما أن يحدث شيء. لا أعلم هل أري إنيد هذه ~~الخطابات أم لا.» ~~«أوه، يجب أن تعرف بشأن هذه الخطابات يا سيد رويس. وإذا رأت ~~ضرورة في الذهاب إلى كاري، فلا يصح أن أتدخل ms169 في ~~الأمر.» # هز السيد رويس رأسه. «لا أعلم. لا أرى أنه من العدل أن تتسبب ~~الصين في تكدير صفو حياتك أنت أيضا.» # لما وصل كلود إلى المنزل، قال وهو يسلم إنيد الخطابات: «انزعج ~~والدك انزعاجا كبيرا بسبب هذا الأمر. لم ألاحظ عليه علامات ~~التقدم في العمر كما لاحظتها اليوم .» # أخذت إنيد تطالع محتواها وهي تجلس على مكتبها الصغير المرتب، ~~بينما تظاهر كلود بقراءة الجريدة. # لما انتهت قالت: «من الواضح أنني الشخص الذي يجب عليه الذهاب ~~إلى هناك.» ~~«هل تعتقدين أن على أحد أن يسافر إلى هناك؟ لا أرى ذلك ~~ضروريا.» # ردت إنيد بحماسة: «عدم ذهاب أي منا سيبدو أمرا غريبا ~~جدا.» ~~«كيف سيبدو كذلك؟» ~~«عجبا، سيبدو الأمر لزملائها كأن عائلتها ليس عندهم ~~قلب.» ~~«أوه، هل هذا كل ما في الأمر؟!» ابتسم كلود ابتسامة ماكرة، ~~ورفع الجريدة مرة أخرى. «لا أعرف كيف سيرى الناس هنا سفرك ~~وتركك لزوجك.» ~~«يا لوضاعة ما تقول يا كلود!» نهضت بحدة ثم ترددت وتحيرت. ~~«يعرفني الناس هنا جيدا. يبدو لي أنك قلق بشأن ما ستقوله ~~والدتك.» ولما لم يرفع نظره عن الجريدة، دخلت هي إلى ~~المطبخ. # جلس كلود ساكنا يستمع إلى حركات إنيد السريعة وهي تشغل الموقد ~~لتحضر العشاء. بدأ الظلام يتسلل إلى الغرفة. في الخارج، تلاشت ~~الحدود الفاصلة بين الحقول، وأصبحت كحقل واحد مع حلول المساء. ~~كانت الأشجار الصغيرة في الفناء تنحني وتتمايل بشدة بسبب ريح ~~شمالية قاسية. عادة ما كان يعتقد زهوا أن الشتاء يختفي على ~~أعتاب منزله؛ إذ كان يخلو المنزل من الأركان الباردة والصالات ~~المعرضة للهواء. لقد كان هذا هو عامهما الثاني في هذا المكان. ~~عندما كان يقود سيارته إلى منزل أبيه، كانت فكرة بعده عن ~~منزله لبعض الوقت تثير إحساسا بالبهجة بداخله، ولكنه كان لا يريد ~~تركه الآن. كان هناك شيء يلين بداخله. كان يتساءل هل من فرصة ~~للمحاولة مرة أخرى وتحسين الأوضاع بينهما أم لا. كانت إنيد ~~تغني في المطبخ بصوت خفيض ووحيد بعض الشيء. نهض وذهب لالتقاط ~~معطف ودلو ms170 الحلب. لما مر على زوجته بجوار النافذة، توقف ولف ~~ذراعه حولها على نحو غريب. # نظرت إليه. «هذا جيد. لقد ~~بدأت تستحسن الأمر، أليس كذلك؟ كنت أعتقد أن هذا سيحدث. يا ~~إلهي، يا له من معطف كريه الرائحة يا كلود! يجب أن آتي لك ~~بمعطف آخر.» # كان كلود يعرف تلك النبرة. وإنيد لا تشك في صواب قراراتها ~~البتة. لما تأخذ قرارها، فلا شيء يجعلها تحيد عنه. مشى في ~~الممر المؤدي إلى الحظيرة ويداه في جيبي سرواله، ودلوه ~~البراق معلق على ذراعه. المحاولة مرة أخرى، فيم تعاد ~~المحاولة؟ هل يمكن أن يتخلصا من الرتابة، البخل العاطفي، الكذب ~~...؟ حياته كانت تخنقه، ولم يمتلك الجرأة للفكاك منها. فلتذهب! ~~فلتذهب حين تشاء! ... يا لبشاعة العالم الذي نعيش فيه! أم إنه كان ~~بشعا بالنسبة إليه فقط؟ كل ما كانت تلمسه يده يفسد ... دائما ما ~~كان يحدث ذلك. # لما جلسا على مائدة العشاء في الصالة الخلفية بعد ساعة، بدت ~~إنيد مهمومة كأن قرارها هذه المرة كلفها شيئا ما. استهلت ~~كلامها بابتهاج: «أعتقد أنك قد تقضي شتاء مريحا في منزل والدتك. ~~لن يكون لديك الكثير لتهتم به كما تفعل هنا. لا ينبغي أن نقلق ~~بشأن الأشياء هنا. سآخذ الأواني الفضية إلى أمي، ويمكننا ترك ~~كل شيء في مكانه هنا. هل توجد مساحة لسيارتي في مأرب والدك؟ قد ~~تستفيد منها.» # أجاب وهو يجاهد كي لا يظهر اهتمامه: «أوه كلا! لن أحتاج ~~إليها. سأركنها في منزل الطاحونة.» # بدت جميع الأشياء المألوفة من حولهم تحت ضوء المصباح أكثر ~~سكونا وجدية من المعتاد، وكأنها كانت تحبس أنفاسها. # أردفت إنيد بنبرة هادئة: «أعتقد أن الأفضل أن تأخذ الدجاج إلى ~~منزل والدتك. ولكني لا أحب أن يختلط بدجاج البليمث روك الذي عندها؛ ~~لا يوجد في دجاجي أي ريش أسود الآن. احرص على أن تطلب من والدتك ~~أن تستخدم كل البيض، وألا تدع دجاجي يرقد على البيض في ~~الربيع.» # رفع كلود نظره عن طبقه. «في الربيع؟» ~~«بالطبع يا كلود. لا أظن أنني سأعود قبل الشتاء ms171 القادم، إن كان ~~بإمكاني تقديم أي مساعدة لكاري المسكينة. ربما أحاول أن أعود من ~~أجل موسم الحصاد، إن كان هذا سيناسبك أكثر.» نهضت كي تحضر ~~الحلوى. # تمتم وهو ينظر إليها وهي آخذة في الاختفاء من أمامه: «أوه، لا ~~تتعجلي الرجوع من أجل إرضائي!» # عادت إنيد وفي يدها البودينج الساخن وعدة قهوة العشاء. قالت: ~~«أتانا هذا الظرف فجأة، ويجب أن نضع خططنا المتعلقة به من ~~فورنا. أعتقد أن والدتك ستسعد أن تربي روز من أجلنا؛ إنها بقرة ~~رائعة. وعندئذ يمكنك الحصول على كل القشدة التي تريدها.» # أخذ الفنجان الصغير الذي له حافة ذهبية الذي أعطته إياه. وقال ~~بأسلوب فظ: «إذا كنت ستمكثين هناك حتى الخريف القادم، فسأبيع ~~روز.» ~~«ولكن لماذا؟ قد تستغرق وقتا طويلا حتى تعثر على بقرة أخرى ~~مثلها.» ~~«سأبيعها على أي حال. بالطبع الخيول ملك لأبي؛ فهو دفع ثمنها. ~~إذا كنت ستخلين المكان، فقد يرغب في استئجاره. يمكن أن تجدي ~~مستأجرا هنا عندما تعودين من الصين.» ابتلع كلود قهوته ووضع ~~الفنجان جانبا، ودخل إلى الصالة الأمامية وأشعل سيجارا. ظل يروح ~~ويجيء وعيناه لم تنزل عن زوجته التي كانت تجلس ساكنة على الطاولة ~~في دائرة الضوء التي يبثها المصباح المعلق. أظهر رأسها ~~الذي كان يميل إلى الأمام قليلا الجزء المنمق من شعرها ~~البني. عندما كانت تقع في حيرة، لا يبرح وجهها أن يصبح أرفع ~~وذقنها أطول. # قال كلود من الغرفة الأخرى: «إن لم تعودي تهتمين بالمكان، فلا ~~تتوقعي مني أن أحضر إلى هنا وأعتني به. طوال الوقت الذي كنت ~~تقضينه في حملاتك الخاصة بحظر الكحوليات، كنت أؤدي دور مدبر ~~المنزل هنا.» # ضاقت عينا إنيد، ولكن لم تتورد وجنتاها. لم يسبق أن رأى ~~كلود حمرة تعلو وجه زوجته الشاحب الناعم. ~~«لا تكن كالأطفال. أنت تعلم أنني أهتم بهذا المكان لأنه بيتنا. ~~ولكن لا يمكن لأي اهتمام أن يكون صحيحا إذا منعني من أداء ~~الواجب. أنت بصحة جيدة، ويمكنك الذهاب إلى منزل والدتك. كاري ~~مريضة وتعيش بين أناس غرباء.» # بدأت تجمع الأطباق. ms172 انتفض كلود من فوره إلى النور ووقف أمامها. ~~«المسألة ليست متعلقة بسفرك فحسب. أنت تعلمين ما هي مشكلتي مع ~~الأمر. مشكلتي هي رغبتك في السفر. أنت تسعدين بفرصة الوجود وسط ~~هؤلاء الوعاظ، بزيفهم وكلامهم الناعم.» # رفعت إنيد الصينية. «إن كنت أسعد بذلك، فلأنك لا ترغب في أن ~~نطبق المثل المسيحية في حياتنا. بداخلك شيء لا يتوقف طوال ~~الوقت عن التمرد. ظهرت على الساحة العديد من المسائل المهمة منذ ~~زواجنا، وأنت لم تبال بها أو سخرت منها جميعا. تريد أن تتبع ~~حياة أنانية تماما.» # خرجت من الغرفة بحزم، وأغلقت الباب خلفها. لما عادت بعد فترة، ~~لم تجد كلود فيها. لم تر قبعته ولا معطفه على المشجب؛ لا بد أنه ~~خرج بهدوء من الباب الأمامي. جلست إنيد حتى الساعة الحادية عشرة ~~ثم دخلت كي تنام. # ولما خرجت من غرفة نومها في الصباح، وجدت كلود نائما على ~~الأريكة بملابسه وعليه معطفه. تملكتها لحظة من الرعب وانحنت ~~عليه، ولكنها لم تشم أي رائحة خمر. بدأت تحضر الإفطار وأخذت ~~تتحرك بهدوء. # بمجرد أن عقدت إنيد النية على السفر إلى أختها، لم تضيع ~~وقتا. حجزت في باخرة وأرسلت برقية للمدرسة التبشيرية. غادرت ~~فرانكفورت في الأسبوع الذي يسبق عيد الميلاد. أوصلها كلود ورالف ~~إلى دنفر حتى ركبت قطارا سريعا عابرا للقارات. لما عاد كلود ~~إلى بلدته، انتقل إلى منزل والدته، وباع بقرته ودجاجه إلى ليونارد ~~دوسن. لم يغادر المزرعة إلا نادرا كي يزور السيد رويس، وأصبح ~~يتجنب رؤية جيرانه. شعر أنهم كانوا يتناقشون في أموره الشخصية، ~~وبالطبع هم كانوا يفعلون ذلك. كانوا يقولون إن آل رويس وآل ويلر لا ~~يستطيعون التصرف مثل الآخرين، ولم تكن ثمة فائدة من محاولتهم ~~القيام بذلك. إذا بنى كلود أفضل منزل في المنطقة، فمن الطبيعي ~~ألا يعيش فيه. وإن تزوج فليس من المستغرب أن تسافر زوجته إلى ~~الصين! # في أحد الأيام التي ظل ~~الثلج يهطل فيها، ولم يكن يوجد أحد في الجوار؛ أخذ كلود السيارة ~~الكبيرة، وانطلق إلى منزله لقفله من أجل ms173 الشتاء ولإحضار الخضروات ~~والفاكهة المعلبة المتبقية في القبو. وضعت إنيد أفضل ~~بياضاتها في صندوقها الذي من خشب الأرز، ورتبت خزانات المطبخ ~~والأوعية الخزفية على نحو دقيق قبل أن تنطلق في سفرها. بدأ في ~~تغطية الكراسي المنجدة والمراتب بالملاءات، ولف السجاد، ~~وأحكم غلق النوافذ. بينما كان يعمل على إنهاء هذه المهمة، ~~تزايد خدر يديه وإرهاقهما، وأصبح قلبه مثل قطعة من الثلج. كل ~~هذه الأشياء التي اختارها بعناية، والتي كان يفخر بها بشدة أصبحت ~~الآن لا تعني له شيئا، وكأنها مجموعة من المعروضات المكدسة في ~~محل لبيع الأشياء المستعملة. # كم أصبحت هذه الأشياء كئيبة وقبيحة في حد ذاتها بعد أن اختفى ~~الشعور الذي كان يجعلها تبدو غالية! حطام حياة الإنسان كان أقل ~~قيمة وأكثر قبحا من الأشياء الميتة والمتحللة في الطبيعة. إنه ~~مثل القمامة ... الخردة ... لم يستطع عقله أن يتصور أي شيء يفضح أو ~~يدين هكذا كل الأعمال المحزنة والغريبة والمتكررة باستمرار، ~~التي تستمر بها الحياة يوما بعد يوم. إنها أعمال ليس لها معنى ~~... لما نظر إلى الخارج ورأى المشهد المظلم في ظل هطول الثلج ~~الناعم، لم يستطع منع نفسه من الاعتقاد من أنه سيكون من الأفضل ~~كثيرا إن استطاع أن ينام الناس مثلما تنام الحقول؛ بأن يلتحفوا ~~بالثلج ويستيقظوا وقد التأمت جروحهم ونسيت خيباتهم. تساءل ~~في نفسه كيف سيمكنه قضاء السنوات القادمة ما لم يستطع التخلص من ~~الشعور الذي يمرض روحه. # في النهاية، أغلق الباب ووضع المفتاح في جيبه، وانطلق إلى أرض ~~الغابة كي يدخن سيجارا ويودع المكان. هناك، ظل يتمشى بجدية ~~لأكثر من ساعة تحت الأشجار الملتوية ذات أعشاش الطيور الفارغة ~~بين تشعبات الجذوع. وفي كل مرة كان يصل فيها إلى فجوة في السياج، ~~كان بإمكانه رؤية المنزل الصغير وقد استسلم بخنوع شديد للشعور ~~بالوحدة. لم يعتقد أنه سيعيش في ذاك المنزل مرة أخرى. على أي حال، ~~ما كان سيضيع المال الذي أنفقه أبوه على المكان؛ سيكون بإمكانه ~~دائما تأجير المكان لمستأجر ميسور الحال؛ لأنه كان سيحصل على ~~منزل مريح. ms174 العديد من الفتيان في البلدة كانوا يخططون للزواج ~~في غضون عام. لم يكن هناك خوف على مستقبل المنزل. وماذا عنه؟ ~~توقف عن المشي؛ تركت قدماه أثرا غير محدد الهدف والملامح ~~فوق الثلوج. انزعج لما رأى آثار أقدامه. ماذا كان هذا؛ ما خطبه؟ ~~لماذا - على الأقل - لم يستطع التوقف عن التأثر بالأشياء وعن ~~الأمل؟ ما الذي كان يمكن أن يأمله الآن؟ # سمع صوتا ينم عن بؤس؛ ولما نظر خلفه رأى قطة الحظيرة التي ~~تركت لتلتقط قوتها بنفسها. كانت واقفة داخل السياج، ينفض ~~فراؤها الشديد السواد ندف الثلج وقد رفعت إحدى قدميها، وأخذت ~~تموء على نحو بائس. ذهب كلود إليها وحملها. ~~«ماذا حدث يا بلاكي؟ هل قلت الفئران في الحظيرة؟ ستقول ماهيلي ~~إنك شؤم. ربما هي على صواب، ولكن أنت ليس بيدك شيء، أليس كذلك؟» ~~انسلت إلى جيب معطفه. ولاحقا، بينما كان يدخل إلى سيارته، ~~حاول إخراجها من جيبه ووضعها في سلة، ولكنها تشبثت بمأواها في ~~جيبه، وغرست مخالبها في البطانة. ضحك. وقال: «حسنا، إن كنت نذير ~~شؤم، فأظن أنك ستمكثين معي دوما!» # نظرت إليه بعينيها الصفراوين المتحيرتين ولم تمؤ حتى. # 6 # خشيت السيدة ويلر ألا يشعر كلود بالراحة في بيته القديم بعدما ~~أصبح له منزله الخاص. وضعت أفضل كرسي هزاز ومصباح قراءة في ~~غرفة نومه. غالبا ما كان يقضي كل المساء في غرفته واضعا يديه ~~فوق عينيه ويتظاهر بالقراءة. عندما كان يمكث في الطابق السفلي بعد ~~العشاء، كانت والدته وماهيلي تشعران بالامتنان. بالإضافة إلى جمع ~~صور الحرب، أصبحت ماهيلي الآن تبحث بين المجلات القديمة في ~~العلية عن صور عن الصين. علمت في التقويم الكبير المعلق في ~~المطبخ على اليوم الذي كانت ستصل فيه إنيد إلى هونج كونج. # عندما كانت تقف عند الحوض لغسيل أطباق العشاء، كانت تقول: «سيد ~~كلود، إنه لوضح النهار الآن في المكان الذي توجد فيه السيدة ~~إنيد، أليس كذلك؟ لأن الأرض كروية، وبسبب وجود الشمس فهي مشرقة ~~هناك عند شعوب البشرة الصفراء.» # من وقت لآخر، عندما كانت تتشارك ms175 السيدة ويلر العمل مع ماهيلي، ~~فإنها كانت تخبر ماهيلي عما تعرفه عن عادات الصينيين. لم تنشغل ~~المرأة العجوز بأمرين غير شخصيين في وقت واحد من قبل، وكانت ~~تعرف بصعوبة ما ينبغي فعله في تلك الحالة. كانت تتمتم لكلود ~~ولنفسها في الوقت نفسه قائلة: «لا توجد حرب في المكان الذي توجد ~~فيه السيدة إنيد، أليس كذلك؟ ولن تضطر إلى ارتداء ملابسهم لأنها ~~امرأة بيضاء. ولن تدعهم يئدون بناتهم ولا يرتكبون هذه الأفعال ~~الشنيعة التي دأبوا عليها، كذلك لن تدعهم يصلون لأصنامهم ~~لأنها لا تنفعهم ولا تضرهم. أنا أحترم السيدة إنيد لأنها تعمل ~~الأعمال الصالحة طوال الوقت.» # ولكن خلف هذه المونولوجات ~~الدبلوماسية، كان لدى ماهيلي أفكارها الخاصة، وقد صدمت بشدة بسبب ~~سفر إنيد. خشيت أن يقول الناس إن زوجة كلود قد «هربت وتركته»، وفي ~~جبال فيرجينيا التي تشكلت فيها معاييرها الاجتماعية، يصبح ~~الزوج أو الزوجة اللذان تفرقا هكذا محط سخرية كبيرة. وفي إحدى ~~المرات أوقفت السيدة ويلر في ركن مظلم من القبو، وهمست إليها ~~قائلة: «زوجة السيد كلود لن تمكث هناك مثل أختها، أليس ~~كذلك؟» # إذا صادف أن وجد أحد أبناء آل يودر أو سوزي دوسن في بيت ويلر ~~من أجل تناول العشاء، لا تبرح ماهيلي تذكر اسم إنيد بصوت عال. ~~«زوجة السيد كلود تقطع البطاطس وهي نيئة في المقلاة وتقليها. ~~إنها لا تغليها أولا مثلما أفعل. أعلم أنها طباخة ماهرة، أعلم ~~أنها كذلك.» كانت تشعر أن ذكر اسم الزوجة الغائبة بالخير يلطف ~~الأجواء. # أصبح إرنست هافل يزور كلود ~~الآن، ولكن ليس كثيرا. شعر كلاهما أنه لا يليق تجديد الصداقة ~~الحميمة القديمة. كان لا يزال إرنست يشعر بالحزن لعدم قدرته على ~~تناول الجعة التي كان يحبها، وكأن إنيد انتزعت الإبريق من ~~شفتيه بالإجراء الذي أسهمت في إقراره. كان يعتقد - مثل ليونارد - ~~أن كلود خسر بزواجه، ولكنه بدلا من أن يشعر بالأسف تجاهه أراد ~~أن يراه قد اقتنع بذلك ويلقى عاقبة قراره. لما تزوج كلود إنيد ~~نشز عن المبادئ الليبرالية؛ ومن ثم كان ms176 عليه أن يدفع ثمن ردته. ~~لما أتى إرنست لأول مرة كي يقضي إحدى الأمسيات في منزل آل ويلر ~~بعد عودة كلود للعيش فيه، أخذ على عاتقه توضيح مسوغات اعتراضه ~~على مسألة حظر الكحوليات. هز كلود كتفيه تعبيرا عن ~~اللامبالاة. ~~«هلا أنهينا النقاش؟ بطريقة أو بأخرى، إنها مسألة لا ~~تهمني.» # شعر إرنست بالإهانة، ولم يكرر الزيارة لمدة شهر تقريبا؛ في ~~الحقيقة لم يكررها حتى إعلان ألمانيا أنها ستكمل حرب الغواصات ~~من دون قيد أو شرط؛ وهو ما دفع الجميع إلى النظر بريبة إلى ~~جاره. # دخل إلى مطبخ آل ويلر في الليلة التي تلت وصول تلك الأخبار إلى ~~البلدة الريفية، ووجد كلود وأمه جالسين على المائدة يقرأ كل ~~منهما للآخر من الجرائد بصوت عال أوقاتا قصيرة. لم يكد إرنست ~~يجلس حتى رن جرس الهاتف. رد كلود على المكالمة. # لما وضع السماعة، قال: «إنه عامل الإبراق في فرانكفورت. أبلغني ~~رسالة من أبي أرسلها من مدينة راي يقول فيها: «سأعود إلى المنزل ~~بعد غد. اقرءوا الصحف.» ما الذي يعنيه بذلك؟ ماذا يظن أننا ~~نفعل؟» ~~«يعني أنه يظن أن وضعنا بالغ الخطورة. لا يتوقع منه إرسال ~~برقية إلا في الشدائد.» نهضت السيدة ويلر ومشت إلى الهاتف بذهن ~~شارد، وكأن بإمكانه أن يفصح أكثر عن حالة زوجها ~~المزاجية. ~~«ولكن يا لها من رسالة غريبة! إنها موجهة لك أيضا يا أمي، ~~وليس لي فحسب.» ~~«يعلم شعوري إزاء ذلك. بعض أهل والدك كانوا من معتادي ركوب ~~البحر من بورتسمث. إنه يعلم ما يعنيه إخبار سفننا بالأماكن التي ~~يمكنها أو التي لا يمكنها الذهاب إليها عبر المحيط. لا يمكن أن ~~توجه واشنطن هذه الإهانة لنا. التفكير بتلك الطريقة في هذا ~~الوقت - من بين كل الأوقات - يستدعي أن تئول إدارة البلاد إلى ~~الديمقراطيين!» # ضحك كلود. «اجلسي يا أمي. انتظري يوما أو يومين. امنحيهم ~~وقتا.» # قال إرنست بكآبة: «ستنتهي الحرب قبل أن تستطيع واشنطن فعل شيء ~~يا سيدة ويلر، ستموت إنجلترا من الجوع وستسحق فرنسا وتسوى ~~بالأرض. سينزل كل الجيش الألماني ms177 على الجبهة الغربية الآن. ما الذي ~~يمكن أن يفعله هذا البلد؟ في رأيك، كم يستغرق تكوين جيش؟» # توقفت السيدة ويلر للحظات عن مشيها المضطرب، وتلاقت عيناها ~~بنظرته الكئيبة. «لا أعلم شيئا يا إرنست، ولكني أومن بالكتاب ~~المقدس. أومن أننا سنتغير في طرفة عين!» # نظر إرنست إلى الأرض. كان يحترم الإيمان . وعلى حد قوله، لا بد ~~من احترام الإيمان أو احتقاره؛ لأنه لا يوجد شيء ثالث يمكن ~~فعله. # جلس كلود متكئا بمرفقيه على المائدة. «نعود دوما إلى ~~الموضوع ذاته يا أمي. حتى لو كان بإمكان جيش بدائي أن يفعل أي ~~شيء، فكيف يمكننا الوصول إلى هناك؟ ها هو أحد المسئولين من القوات ~~البحرية يقول إن الألمان يطلقون الغواصات بمعدل ثلاث ~~غواصات في اليوم. من المحتمل ألا ينطلقوا إلى هنا إلى أن يصبح ~~لديهم غواصات كافية للسيطرة على المحيط.» ~~«لا أدعي القول إننا يمكننا تحقيق شيء يا بني. ولكن يجب أن ~~نتخذ موقفا محددا، ولو من الناحية الأخلاقية. ما فتئوا ~~يخبروننا طوال الوقت أنه يمكننا مساعدة قوات الحلفاء خارج ~~ميادين القتال أكثر من داخلها؛ لأنه يمكننا إرسال الذخائر ~~والمؤن. إذا وافقنا على سحب تلك المساعدة، فماذا سيكون موقفنا؟ ~~إننا بمساعدة ألمانيا نبدو طوال الوقت كأننا نهتم بمصلحتنا ~~الخاصة! إن كان البديل الوحيد أمامنا هو الغرق في عمق البحر، ~~فالأفضل أن نكون هناك!» ~~«أمي، اجلسي من فضلك! لا يمكننا حل المسألة الليلة. لم أرك ~~منزعجة بشدة إلى هذه الدرجة من قبل.» ~~«أبوك منزعج بشدة هو الآخر، وإلا لما أرسل قط تلك البرقية.» ~~أخذت السيدة ويلر سلة أدوات الخياطة الخاصة بها على مضض، وتبادل ~~الفتيان أطراف الحديث بروح الصداقة القديمة الهادئة. # لما غادر إرنست، مشى كلود معه مسافة بعيدة حتى وصل إلى منزل آل ~~يودر، ثم عاد عبر الحقول التي يغطيها ركام الثلوج تحت التألق ~~البارد لنجوم الشتاء. لما كان ينظر إلى تلك النجوم، كان يشعر أكثر ~~من أي وقت مضى أن لا بد أن يكون لها علاقة بمصير الأمم، وبالأشياء ~~غير المفهومة التي ms178 كانت تحدث في العالم. في هذا الكون المنظم، ~~لا بد من وجود عقل يمكنه حل لغز هذا الكوكب غير السعيد، ويعلم ما ~~كان يتشكل في الخسوف المظلم الذي كان يحدث في تلك الساعة. كان ~~هناك سؤال معلق في الهواء؛ فوق كل هذه الأرض الهادئة من حوله ~~ومن فوقه، ومن فوق أمه حتى. إنه كان يخاف على بلده، كما كان في ~~تلك الليلة التي كان فيها على درج مبنى المجلس التشريعي في دنفر، ~~في الوقت الذي كان لا يتوقع فيه اندلاع هذه الحرب التي كانت ~~مخفية في رحم الزمان. # لم ينتظر كلود وأمه مدة طويلة. بعد ثلاثة أيام، علما أن سفير ~~ألمانيا طرد واستدعي السفير الأمريكي من برلين. في نظر كبار ~~السن، مثل هذه الأحداث كانت مسائل محل تفكير ونقاش، ولكن كان ~~يراها الفتية أمثال كلود مسائل حياة وموت؛ أي مصيرية. # 7 # في صباح يوم عاصف، أخذ كلود العربة الكبيرة إلى المدينة لإحضار ~~حمولة أخشاب. بدأ الجليد يذوب على الطرق، وتلطخت القرية ~~باللون الأسود، وبدا منظرها متسخا. كانت تقبع قشور الثلج ~~الرمادية هنا وهناك على الطين الأسود، مثقبة مثل قرص العسل، وتبرز ~~من خلالها سيقان الأعشاب الرطبة. لما كانت العربة تجلجل على ~~الأرض المرتفعة التي توجد فوق فرانكفورت تماما، لاحظ كلود علما ~~جديدا لامعا يرفرف فوق قبة المدرسة. لم يسبق أن رأى العلم ~~من قبل، وكان يعني سوى يوم الرابع من يوليو، أو تجمهرا سياسيا. ~~رأى العلم اليوم كأنه يراه للمرة الأولى؛ لا تجمعات، لا ضوضاء، ~~لا خطباء؛ بقعة ذات ألوان مضطربة ترفرف في سماء مارس ~~الماطرة. # حاد عن طريقه من أجل أن يمر بالمدرسة الثانوية، وأوقف ~~الخيول، وانتظر عدة دقائق حتى دق جرس الظهيرة. كان الأولاد ~~والبنات الكبار يخرجون أولا ومعهم حشد من معاطف المطر والشماسي. ~~بعد قليل، رأى جلاديس فارمر - لابسة قبعة ومعطف مطر مصنوعين من ~~المشمع، وكان المعطف أصفر اللون - وأشار إليها. أتت إلى ~~العربة. # قال وهو ينظر تجاه القبة: «أحب تلك الزينة.» ~~«إنه علم من الحرير اشتراه ms179 الأولاد الذين في السنة النهائية من ~~أموال المعونة الرياضية التي يحصلون عليها. نصحتهم ألا يرفعوه في ~~هذا المطر، ولكن أخبرني رائد الفصل أنهم اشتروا ذلك العلم من ~~أجل العواصف.» ~~«اركبي وسآخذك إلى المنزل.» # أمسكت بيده الممدودة، ووضعت قدمها على محور العجلة، وصعدت ~~وتسلقت حتى وصلت للمقعد الذي بجانبه. صاح كلود في الخيول كي ~~تمشي. ~~«إذن، يشعر الأولاد في المدرسة الثانوية كأنهم في حرب هذه ~~الأيام، أليس كذلك؟» ~~«بشدة. ما رأيك؟» ~~«أعتقد أن الفرصة ستتاح أمامهم للتعبير عن مشاعرهم.» ~~«هل تظن ذلك يا كلود؟ يبدو لي أن هذا غير حقيقي إلى حد ~~بعيد.» ~~«لا أرى شيئا آخر يبدو حقيقيا جدا أيضا. أنا ذاهب لأخذ ~~حمولة أخشاب، ولكن لا أتوقع بتاتا أن أدق مسمارا فيها. هذه ~~الأشياء لا تهم الآن. لا يوجد سوى شيء واحد علينا إنجازه، ولا ~~يهم سوى شيء واحد؛ إننا جميعا نعلم ما هو.» ~~«تشعر أنه يقترب كل يوم أكثر من ذي قبل؟» ~~«كل يوم.» # لم ترد جلاديس بشيء. لم تفعل سوى أن نظرت إليه بجدية ~~بعينيها البنيتين الهادئتين الجياشتين بالعاطفة. توقفا ~~أمام المنزل المنخفض التي كانت نوافذه ممتلئة بالزهور. أمسكت ~~بيده وقفزت على الأرض، وظلت ممسكة بها للحظات حتى ودعته. عاد ~~كلود بالعربة إلى مخزن الأخشاب. في مكان مثل فرانكفورت، فتى ~~زوجته في الصين ويذهب لرؤية جلاديس ما كان ليستطيع النجاة من القيل ~~والقال. # 8 # في شهر مارس البارد، كان السيد ويلر يذهب إلى المدينة في عربته ~~كل يوم تقريبا. لأول مرة في حياته، كان يشعر بقلق خفي. لم يكن ~~راضيا عن الفرد الوحيد في عائلته الذي لم يسبب له من قبل أدنى ~~مشكلة، ألا وهو ابنه بايليس. # كان بايليس من دعاة السلام، وما برح يخبر الناس أن لو بقيت ~~الولايات المتحدة خارج الحرب، وجمعت ما كان يهدره الأوروبيون، ~~فسرعان ما ستستحوذ فعليا على ثروة العالم. عبارات بايليس كان ~~يتخللها شيء من المنطق زعزع افتراض نات ويلر الراسخ أن علينا ~~قبول كل وجهات النظر. لما حارب بايليس الكحوليات ms180 والسجائر، ~~اكتفى ويلر بالضحك. إن كون ابنه من أنصار حظر الكحوليات لهو مزحة ~~يمكن أن تثير إعجابه. ولكن موقف بايليس في الأزمة الحالية أزعجه. ~~ويوما بعد يوم، بدأ يجلس في مقر عمل ابنه يقاطع مناقشاته بقصص ~~مضحكة. لم يذهب بايليس إلى المنزل مطلقا في ذلك الشهر. قال ~~لوالده: «لن أذهب؛ فأمي عنيفة جدا. الأفضل ألا أذهب.» # كان كلود ووالدته يطلعان على الجرائد في المساء، ولكنهما كانا ~~لا يتناقشان كثيرا فيما كانا يقرآنه لدرجة أن تساءلت ماهيلي ~~قلقة هل كان لا يزال القتال قائما أم لا. عندما تكون ماهيلي ~~وكلود معا بمفردهما بضع لحظات، فإنها كانت تخرج صور ملاحق يوم ~~الأحد الخاصة بالبلدان المنكوبة وتسأله عما سيكون مصير عائلة ما ~~مصورة وسط أنقاض منزلها، أو امرأة عجوز كانت تجلس على قارعة الطريق ~~ومعها متاعها. «إلى أين ستذهب، على أي حال؟ انظر يا سيد كلود، إنها ~~تحمل معها إناء الطهي الحديدي المثقوب القديم الخاص بها طوال ~~الطريق!» # أربكتها صور الجنود الذين يرتدون الأقنعة الواقية من الغازات ~~السامة، لم تكن الغازات موجودة في أيام الحرب الأهلية؛ ومن ثم ~~توصلت إلى قناعة مفادها أن تلك الأقنعة كان يرتديها الطهاة في ~~الجيش لحماية أعينهم وقت تقطيع البصل! قالت: «عليهم تقطيع كمية ~~كبيرة من البصل؛ وهذا سيتعب أعينهم إن لم يرتدوا شيئا ~~يقيها.» # في صباح الثامن من أبريل، نزل كلود إلى الطابق السفلي مبكرا، ~~وبدأ في تنظيف حذائه العالي الرقبة الذي علق فيه طين جاف. وجد ~~ماهيلي جالسة القرفصاء بجانب موقدها تنفخ وتنفث فيه. كانت ~~النار دائما بطيئة الاشتعال في الطقس البارد. أخذ كلود سكينا ~~قديمة وفرشاة، ووضع قدمه على كرسي بجانب النافذة الغربية، وبدأ في ~~كشط الطين من إحدى فردتي حذائه. قال لماهيلي صباح الخير، دون أن ~~يضيف أي شيء آخر. لم يأخذ قسطا كافيا من النوم وبدا ~~شاحبا. # تذمرت ماهيلي قائلة: «سيد كلود، هذا الموقد ليست نيرانه ~~جيدة مثل الفرن القديم الذي أخذه السيد رالف مني. لا أستطيع طهي ~~أي شيء به. ربما ستنظفه ms181 لي يوم الأحد القادم.» ~~«سأنظفه لك اليوم، إذا أردت. لن أكون هنا الأحد القادم. أنا ~~مسافر.» # شيء في نبرة صوته جعل ماهيلي تنهض، وعيناها ترمشان بسبب الدخان، ~~وترمقه بنظرات حادة. سألت بقلق: «هل ستسافر إلى حيث تعيش ~~السيدة إنيد؟» ~~«كلا، يا ماهيلي.» وضع فرشاة الأحذية جانبا، ووقف وإحدى قدميه ~~على الكرسي ومرفقه على ركبته، وأخذ ينظر من النافذة كأنه نسي ~~نفسه. «لا، لن أسافر إلى الصين. سأسافر للانضمام إلى الحرب ضد ~~الألمان.» # كان لا يزال يحدق للخارج في الحقول الرطبة. وقبل أن يكون ~~بإمكانه أن يوقفها، وقبل أن يعلم ما كانت تنوي فعله؛ أمسكت يده ~~التي لا تستحق التقبيل وقبلتها. # انتحبت قائلة: «كنت أعلم أنك ستنضم إلى الحرب. كنت أعرف ~~دائما أنك ستفعل هذا، يا فتاي اللطيف! ماهيلي العجوز كانت تعلم ~~بذلك!» # بدا على كل ملامح وجهها الناظر لأعلى إليه الانفعال الشديد؛ ~~فمها وحاجباها وحتى التجاعيد على جبهتها من الأسفل بدا عليها ~~الانفعال والتشنج. شعر كلود بضيق في حلقه وهو ينظر إلى ذلك ~~الوجه بحنان؛ خلف العينين الشاحبتين وتحت جبهتها الصغيرة حيث لا ~~يوجد مجال لأفكار عديدة، كانت هناك فكرة تجاهدها وتعذبها. وهي ~~الفكرة نفسها التي كانت تعذبه. # تمتم وهو يربت على ظهرها ويذهب بعيدا: «ستكونين بخير يا ~~ماهيلي. فلتسرعي الآن في إعداد الإفطار.» # همست: «هل أخبرت والدتك عن الأمر؟» ~~«كلا، ليس الآن. ولكنها أيضا ستكون بخير.» أخذ قبعته ونزل إلى ~~الحظيرة كي يعتني بالخيول. # لما عاد كلود وجد العائلة مجتمعة على مائدة الإفطار. تسلل ~~إلى كرسيه وشاهد والدته وهي تحتسي أول كوب من القهوة. ثم خاطب ~~والده. ~~«أبي، لا أرى فائدة من انتظار التجنيد. إن لم يكن لك حاجة ~~إلي، فأود أن أنضم إلى أحد معسكرات التدريب في أي مكان. ~~أعتقد أنني قد أحظى بفرصة تكليفي بمهمة قتالية.» ~~«ربما.» صب السيد ويلر قدرا كبيرا من شراب القيقب على ~~فطائره. «ما رأيك في الأمر، يا إيفانجلين؟» # وضعت السيدة ويلر السكين والشوكة بهدوء. رمقت زوجها بنظرة ~~يشوبها انزعاج غريب، بينما لم ms182 تسكن أصابعها عن الحركة باضطراب فوق ~~مفرش المائدة. # أردف كلود مسرعا: «أعتقد أنني قد أسافر إلى أوماها غدا، وأعرف ~~أين تقع معسكرات التدريب، وأتحدث مع المسئولين في مراكز التجنيد ~~التطوعي.» ثم أضاف بصوت منخفض: «بالطبع قد لا يريدونني. أنا ليس ~~لدي أدنى فكرة عن المتطلبات الخاصة بهذا الأمر.» ~~«ولا أنا أيضا أعرف الكثير عن ذلك.» لف السيد ويلر الفطيرة ~~العلوية ورفعها إلى فمه. بعد لحظات من المضغ، قال: «هل عزمت على ~~السفر غدا؟» ~~«أود ذلك. لن يشغلني أمر الأمتعة؛ لا أريد سوى بعض القمصان ~~والملابس الداخلية في حقيبتي. إن كانت الحكومة بحاجة إلي ~~فستعطيني ملابس.» # دفع السيد ويلر طبقه للخلف. «حسنا، يستحسن أن تخرج معي الآن ~~كي نلقي نظرة على القمح. لا أعلم، ولكن الأفضل أن نحرث القطعة ~~الجنوبية هذه ونزرعها ذرة. لا أعتقد أنها ستجني محصولا أفضل من ~~ذلك.» # لما خرج كلود ووالده من الباب، نهض دان بحماسة أكبر من ~~المعتاد، وخرج وراءهم. لم يرد أن يترك وحده مع السيدة ويلر. ~~ظلت قابعة في نهاية مائدة الإفطار التي كانت عليها أطباق ~~الحلوى. لم تذرف عيناها الدموع. انسدلت غمامة على عينيها. ~~انحنى ظهرها بشدة كأن حملا ثقيلا كان جاثما فوقه. رفعت ~~ماهيلي الأطباق بهدوء. # في الحقول الطينية، أنهى كلود حديثه مع والده. قال إنه يريد ~~الذهاب دون أن يودع أحدا. وقال متوردا: «تعلم أني عادة ~~ما أسير في طريق ولا أكمله حتى النهاية. لا أريد الحديث عن هذا ~~الأمر حتى أتأكد من الالتحاق به. ربما أرفض لسبب أو ~~لآخر.» # ابتسم السيد ويلر. «لا أظن ذلك. وعلى أي حال، سأطلب من دان أن ~~يبقي فمه مغلقا. هلا ذهبت إلى منزل ليونارد دوسن وأحضرت ~~مفتاح الربط الذي اقترضه؟ أوشك الوقت على الظهيرة، وعلى الأرجح ~~ستجده في المنزل.» كلود وجد ليونارد الضخم يسقي خيوله عند طاحونة ~~الهواء. لما سأله ليونارد عن رأيه في خطاب الرئيس، قال من فوره إنه ~~ذاهب إلى أوماها من أجل التجنيد. مد ليونارد يده وسحب الذراع التي ~~كانت تتحكم ms183 في العجلة شبه الثابتة. ~~«يستحسن أن تنتظر بضعة أسابيع وسأذهب معك. سأحاول الانضمام إلى ~~قوات البحرية. إنهم يعجبونني كثيرا.» # وقف كلود على حافة الخزان، وكاد أن يسقط إلى الخلف. «عجبا، ~~من أجل ماذا؟» # رمقه ليونارد بنظرة فاحصة. «يا إلهي، كلود، لست الشخص الوحيد ~~هنا الذي يتخذ القرارات المهمة في عائلته! هل تسأل عن السبب؟ ~~حسنا، سأخبرك»، ورفع ثلاث أصابع حمراء كبيرة مهددا: «بلجيكا، ~~لوسيتينيا، إيديث كافل. هذه القذارة تزعجني. سأزرع الذرة ~~وسيعتني والدي بسوزي حتى عودتي.» # التقط كلود نفسا طويلا. «حسنا يا ليونارد، لقد خدعتني. ~~أنا صدقت كل ذاك الهراء الذي أخبرتني إياه بشأن عدم الاهتمام ~~بمصير أي من القوتين المتنازعتين.» # اعترض ليونارد: «وأنا لا أهتم ولو بمقدار ذرة! ولكن لكل شيء ~~حدا. كنت مستعدا للذهاب منذ حادثة السفينة لوسيتينيا. لم يعد ~~هذا المكان يمنحني أي قدر من الإحساس بالرضا. وتشعر سوزي بالشيء ~~نفسه.» # نظر كلود إلى جاره الضخم. «حسنا، أنا ذاهب غدا يا ليونارد. لا ~~تخبر أهلي بهذا، ولكن إن لم أستطع التجنيد في الجيش، فسأتقدم ~~إلى البحرية. فهم لا يرفضون أبدا أي رجل صحيح وقوي. لن أعود إلى ~~هنا.» مد يده وأخذها ليونارد بقوة. ~~«حظ سعيد يا كلود. ربما نلتقي في أراض أجنبية. ولن تكون هذه ~~مزحة! أرسل تحياتي إلى إنيد عندما تراسلها. دائما ما كنت أعتقد ~~أنها فتاة جيدة، على الرغم من أني لا أوافقها في مسألة حظر ~~الكحوليات.» عبر كلود الحقول شارد الذهن، ومن دون أن ينظر إلى ~~أين يذهب. وتحولت قدرته على الرؤية إلى داخله الذي كان يرى فيه ~~مشاهد وأحداثا خيالية بالكامل حتى الآن. # 9 # في يوم مشرق من أيام يونيو، ركن السيد ويلر سيارته في صف ~~السيارات الواقف أمام مبنى المحكمة الجديد المبني من الطوب المضغوط ~~في فرانكفورت. كان يقبع مبنى المحكمة في ميدان مفتوح، ويحيط به ~~بستان من أشجار الحور القطني. اجتز المرج منذ مدة وجيزة، ~~وكانت الزهور يانعة في أحواضها. عندما دخل السيد ويلر إلى قاعة ~~المحكمة بالطابق العلوي، وجدها ممتلئة ms184 بالفعل حتى نصفها ~~بالمزارعين وأهل المدينة الذين كانوا يتحدثون بنبرة منخفضة، ~~بينما كان يسمع طنين ذباب الصيف داخل النوافذ المفتوحة وخارجها. ~~القاضي، الذي كانت إحدى يديه مبتورة، وشعر رأسه وسالفاه بيضا، ~~كان يجلس على مكتبه يكتب بيده اليسرى. كان من أوائل المستوطنين ~~في مقاطعة فرانكفورت، ولكن لما ينظر المرء إلى معطفه ذي الذيل ~~المشقوق وسلوكياته الدمثة، قد يعتقد أنه أتى من كنتاكي البارحة ~~وليس منذ ثلاثين عاما. في ذلك الصباح، كان عليه أن ينظر في اتهام ~~بعدم الولاء ضد اثنين من المزارعين الألمان. أحد المتهمين كان ~~هو أوجست يودر - أقرب جار إلى عائلة ويلر - والآخر هو ترويلس ~~أوبرليس - وهو ثري ألماني يعيش في الجزء الشمالي من ~~المقاطعة. # كان يمتلك أوبرليس مزرعة جميلة، ويعيش في بيت أبيض كبير مقام ~~على التل، يتضمن بستانا جميلا وصفوفا من خلايا النحل وحظائر ~~ومخازن حبوب وعنابر دواجن. كان يربي الديوك الرومية والحمام ~~البهلوان، وكان عدد كبير من الإوز والبط يسبح في برك الماشية ~~الخاصة به. اعتاد أن يفتخر بأن لديه ستة أولاد «مثل الإمبراطور ~~الألماني». كان يفتخر جيرانه بمنزله، وكانوا يرونه للغرباء. كانوا ~~يذكرون كيف أن أوبرليس أتى إلى مقاطعة فرانكفورت فقيرا وجمع ثروته ~~بالكد والذكاء. لقد عبر المحيط مرتين كي يزور وطنه الأصلي؛ ~~ولما كان يعود إلى منزله في البراري فإنه يحضر هدايا للجميع؛ ~~للمحامي ومدير البنك الخاصين به، والتجار الذين يتعامل معهم في ~~فرانكفورت وفيكونت. كل واحد من جيرانه كان يحتفظ في صالونه ~~بقطعة منسوجة أو منحوتة خشبية أو لعبة ميكانيكية رائعة أحضرها ~~له أوبرليس من ألمانيا. كان أوبرليس ~~يكبر يودر في العمر، وكانت ~~لحيته القصيرة بيضاء ومجعدة مثل شعر رأسه، وعلى الرغم من ~~قصر قامته، فإن وجهه الأحمر المنتفخ وعينيه الشديدتي ~~الزرقة وبعض التبختر البادي على هيئته أعطته هالة من الأهمية. ~~كان يحب التباهي، وكان سريع الغضب، ولكن حتى اندلاع الحرب في ~~أوروبا، لم يدخل أحد قط في مشكلة معه. ولكن بعد اندلاعها، كان ~~دائم الانتقاد والشكوى؛ كان يرى أن كل شيء ms185 كان أفضل في بلده ~~الأم. # أتى السيد ويلر إلى المدينة وهو على استعداد لتقديم يد المساعدة ~~إلى يودر إن احتاج إليها. إنهما كانا يعملان في حقولهما المتاخم ~~بعضها لبعض طيلة ثلاثين سنة حتى الآن. فوجئ عندما وقع جاره في ~~مشكلة. لم يكن متكبرا مثل أوبرليس، ولكنه كان رجلا ضخما ~~وهادئا بوجه جاد وملامح كبيرة، وفم متحفظ لا يفتح إلا ~~نادرا. بدا وجهه كأنه قطع من حجر رملي أحمر؛ إذ بدت عليه ~~علامات الانزعاج والضيق الشديدين. جلس ويلر وأوبرليس على ~~كرسيين خشبيين خارج حدود مكتب القاضي. # الآن، توقف القاضي عن الكتابة، وقال إنه سينظر في التهم ~~الموجهة إلى ترويلس أوبرليس. أدلى العديد من الجيران بشهادتهم ~~بالتناوب؛ كانت شكاويهم متضاربة وشبه مضحكة. قال أحد الشهود ~~إن أوبرليس قال إن الولايات المتحدة ستهزم، وإن هذا سيكون شيئا ~~جيدا؛ فرغم أن أمريكا بلد عظيم فإنها يديرها حمقى، وأفضل ما ~~يمكن أن يحدث لها هو أن تحكمها ألمانيا. وأضاف أن أوبرليس منذ أن ~~كون ثروته في هذا البلد ... # هنا قاطعه القاضي. «أرجو أن تكتفي بالعبارات التي أدلى بها ~~المدعى عليه في حضورك، والتي تعتبرها دليلا على عدم ولائه.» ~~لما كان الشاهد يدلي بشهادته، خلع القاضي نظارته ووضعها على ~~المكتب، وبدأ يلمع عدستيها بمنديل حريري ثم جربهما، ثم مسحهما ~~مرة أخرى كأنه كان يريد أن يرى بوضوح. # شاهد ثان سمع أوبرليس وهو يقول إنه يتمنى أن تغرق ~~الغواصات الألمانية بعض سفن نقل الجنود؛ إذ هذا من شأنه أن يخيف ~~الأمريكان، ويعلمهم البقاء في منازلهم والاهتمام بشئونهم الخاصة. ~~شكا شاهد ثالث أن الرجل العجوز في عصر أيام الأحد كان يجلس في ~~الشرفة الأمامية الخاصة به ويعزف أغنية «حراس نهر الراين» على ~~ترومبون منزلق الأمر الذي كان يتسبب في انزعاج كبير لجيرانه. ~~هنا، ضرب نات ويلر ركبته وانطلق في قهقهة عالية، وسرى ضحك ~~مكتوم في قاعة المحكمة. بدت وجنتا المدعى عليه المنتفختان ~~الحمراوان كأن الخالق خلقهما بهذا الشكل كي تنفخ في هذه الآلة ~~ذات الصوت المدوي. # لما سئل ms186 المتهم العجوز هل لديه ما يقوله بشأن هذه الاتهامات، ~~نهض ورفع كتفيه ورمق قاعة المحكمة بنظرة تحد. وأعلن بصوت ~~عال: «يمكنكم الاستيلاء على أملاكي وسجني، ولكني لن أقول شيئا، ~~ولن أرجع عن شيء قلته.» # نظر القاضي إلى محبرته مبتسما. «أنت لا تفهم طبيعة تلك ~~المناسبة يا سيد أوبرليس. لم يطلب منك التراجع عما قلته. كل ~~المطلوب منك أن تتوقف عن التصريحات التي تعبر عن عدم الولاء؛ وهذا ~~من أجل حمايتك وراحتك تماما، مثل أنه من أجل مراعاة مشاعر جيرانك. ~~سأنظر الآن الاتهامات الموجهة إلى السيد يودر.» # صرح شاهد أنه سمع السيد يودر يتمنى الهلاك للولايات المتحدة ~~بعد أن أصبحت تمشي في ذيل إنجلترا. لما قال الشاهد ليودر إن ~~رصاصة في صدر القيصر من شأنها أن تنهي الحرب، رد يودر أن ~~الأقربين أولى بالمعروف، وتمنى أن لو يطلق أحد رصاصة على صدر ~~الرئيس الأمريكي. # لما نودي على يودر، نهض ووقف مثل الصخرة أمام القاضي. «ليس ~~لدي أقوال. الاتهامات صحيحة. ظننت أن هذا بلد يمكن للمرء فيه ~~أن يعبر عن رأيه.» ~~«نعم، بإمكان المرء أن يعبر عن رأيه، ولكن حتى هنا لا بد أن ~~يتحمل العواقب. اجلس من فضلك.» أسند القاضي ظهره إلى كرسيه، وبدأ ~~كلامه بهدوء وهو ينظر إلى المتهمين الماثلين أمامه: «السيد ~~أوبرليس والسيد يودر، يعلم كلاكما، وكذلك يعلم أصدقاؤكما ~~وجيرانكما، لماذا تمثلان أمامي. لم تراعيا عنصر الملاءمة الذي ~~يجب مراعاته في كل مناحي الحياة تقريبا؛ فالعديد من القوانين ~~المدنية قائمة عليه. غركما شعور ما - نبيل في حد ذاته - ~~وحملكما على الإدلاء بتصريحات مبالغ فيها، أنا واثق أن لا ~~أحد منكما قصدها بمعناها الحرفي. لا يستطيع أحد أن يطلب منكما أن ~~تتوقفا عن حب البلد الذي ولدتما فيه، ولكن بما أنكما تنعمان ~~في خيرات هذا البلد، فلا يصح أن تشوها سمعة حكومته لتمجيد ~~حكومة بلد آخر. اعترف كلاكما بأنه تلفظ بعبارات أرى أنها ~~دليل على عدم الولاء. سأفرض على كل منكما غرامة قيمتها ~~ثلاثمائة دولار، وهي غرامة خفيفة للغاية في ms187 مثل تلك الظروف. وإذا ~~تكرر الأمر مرة أخرى وتوجب علي أن أوقع عقوبة، فستكون أشد ~~كثيرا.» # بعد انتهاء المحاكمة، انضم السيد ويلر إلى جاره عند الباب ~~ونزلا إلى الطابق السفلي معا. # سأل السيد يودر: «حسنا، ما أخبار كلود؟» ~~«لا يزال في حصن آر ... يتوقع أن يحصل على إجازة قبل أن يبحر. ~~جاس، سأحتاج إلى أحد أبنائك كي يساعدني في زرع الذرة. علي ~~التخلص من الحشائش الضارة التي انتشرت بشدة في الأرض.» # قال يودر بمزاج نكد: «بالطبع، يمكنني إرسال أي من أولادي ... ~~إلى أن يصيبهم الدور في التجنيد.» ~~«لن أقلق بشأن ذلك. قليل من التدريب العسكري مفيد للفتى. وأنتم ~~تعلمون ذلك.» غمز السيد ويلر بعينه، وارتعش فم يودر المتجهم من ~~أحد أطرافه. # لما أتى وقت العشاء ذلك المساء، شرح السيد ويلر لزوجته كل ما ~~حدث في المحكمة حتى يمكن أن تنقله إلى كلود عندما تكتب إليه. ~~السيدة ويلر، التي كانت دائما معلمة أكثر من كونها مدبرة شئون ~~منزل، كانت تكتب خطابات بسرعة وسلاسة، وكانت خطاباتها الطويلة إلى ~~كلود تحكي عن كل ما كان يحدث في الجوار. كان السيد ويلر يوفر ~~معظم مادة تلك الخطابات. مثل باقي الرجال المتزوجين من مدة ~~طويلة، بدأ السيد ويلر في حجب أخبار الجيران عن زوجته. ولكن منذ ~~سفر كلود، فإنه كان يخبرها بكل شيء يعتقد أنه سيهم الفتى. وفي ~~هذا الشأن، كتبت على نحو دقيق لكلود في أحد الخطابات تقول: ~~«أبوك يخبرنا بأخبار أكثر كثيرا مما كان يفعل في ~~السابق، وفي بعض الأحيان أعتقد أنه يحاول أن يأخذ ~~مكانك.» # 10 # في الأول من يوليو، وجد كلود ويلر نفسه في القطار السريع ~~المنطلق من أوماها، عائدا إلى البيت في إجازة مدتها أسبوع. لم ~~يكن الزي العسكري مألوفا بعد في يوليو عام 1917. لم تتم عملية ~~التجنيد الأولى بعد، والفتيان الذين هرعوا وجندوا كانوا في ~~معسكرات تدريب بعيدة. ولذلك بدا الشاب، صاحب الشعر الأحمر ~~والساقين الطويلتين المستقيمتين الملفوفة كل منهما بغطاء ساق، ~~والكتفين العريضتين ذاتي المظهر المفعم بالحيوية والنشاط ms188 ~~اللذين برزا في الزي العسكري المجسم المصنوع من قماش الكاكي؛ ~~بارزا بين الركاب. حدق فيه الفتيان الصغار والشابات من فوق ~~مقاعدهم، ووقف الرجال في الممر كي يتحدثوا معه، ولبست السيدات ~~العجائز نظاراتهن، وتفحصن ملابسه وحقيبة أغراضه الضخمة ~~المخيطة من القماش، وحتى الكتاب الذي أبقاه مفتوحا ونسي أن ~~يقرأه. # كانت المناطق الريفية التي كان القطار يمر بها بسرعة على كلا ~~جانبي الطريق مثيرة للاهتمام لعينيه الخبيرتين أكثر من صفحات ~~أي كتاب. سره أن يمر بها في موسم الحصاد؛ الموسم الذي تكون ~~فيه في أبهى صورها. لاحظ أن رقعة زراعة الذرة كانت أكثر من ~~المعتاد؛ ذبل معظم قمح الشتاء الذي زرع بسبب الطقس، وحرثت ~~الحقول في الربيع وزرعت مرة أخرى بالذرة. الحقول كساها اللون ~~البني المحروق، ونما البرسيم الحجازي مرة أخرى بعد حشه للمرة ~~الأولى. ماكينات الحصاد الحازمة والحصاد الدراسة كانت قابعة في ~~حقول القمح والشوفان تحصد الغلال اليانعة بين أذرعها العريضة ~~المغلوبة على أمرها. لما تباطأ القطار كي يشق طريقه على جسر ~~يمر فوق حقل قمح، عمال الحصاد ذوو القمصان وبدل العمل الزرقاء ~~والقبعات العريضة المصنوعة من القش توقفوا عن العمل كي ~~يلوحوا للركاب. التفت كلود إلى الرجل العجوز الجالس في المقعد ~~المقابل له. وقال: «عندما أرى هؤلاء الأشخاص، أشعر وكأنني ~~استيقظت وأنا ألبس الملابس الخاطئة.» # بدا الرجل سعيدا وابتسم. «هل أنت معتاد على هذا الزي؟» # اعترف كلود: «أنا بالتأكيد لم ألبس غيره في شهر يوليو. عندما ~~أجد نفسي راكبا قطارا في وسط موسم الحصاد أحاول أن أتعلم بعض ~~الأفعال الفرنسية، أكون متأكدا من أن العالم انقلب رأسا على ~~عقب!» # قدم له الرجل العجوز سيجارا وبدأ يسأله. مثل بطل الأوديسة وهو ~~عائد إلى وطنه، كثيرا ما كان على كلود التحدث عن بلده وعن ~~أبويه اللذين أنجباه. كان يقاطع بانتظام في مطالعته لكتاب ~~العبارات الفرنسية (المكون من جمل مختارة الهدف منها معاونة ~~الجنود في التواصل، مثل «لا، أنا لا أنظر إلى النساء أبدا») بسبب ~~الأسئلة التي يطرحها عليه الغرباء الفضوليون. جمع الآن ms189 ~~أغراضه، وصافح الرجل العجوز، وارتدى قبعته؛ قبعة ستيتسون ~~القديمة نفسها ذات الحبل الذهبي والشرابتين الصلبتين اللتين ~~تضيفان لتصميمها المخروطي الصلب. «سأنزل في هذه المحطة وأنتظر ~~قطار الشحن الذي يذهب إلى فرانكفورت؛ القطار السريع، كما ~~نسميه.» # تمنى له الرجل العجوز إجازة سعيدة وحظا موفقا في أيامه ~~القادمة. ابتسم له كل من في العربة وهو ينزل على الرصيف حاملا ~~حقيبة السفر في يد والحقيبة القماش في اليد الأخرى. كانت تقف ~~صديقته القديمة الألمانية - السيدة فوكت - أمام مطعمها وتدق ~~الجرس كي تعلن أن الغداء جاهز للمسافرين. تزاحم جمع من الأولاد ~~الصغار حولها على الرصيف وهم يضحكون ويصيحون بكلام سخيف وبغيض. ~~لما اقترب كلود خطف أحدهم الجرس من يدها، وجرى عبر قضبان السكك ~~الحديدية ومعه الجرس، واختفى داخل حقل ذرة. تبعه الأولاد الآخرون ~~وصاح أحدهم: «لا تدخل إلى هناك لتأكل أيها الجندي. إنها جاسوسة ~~ألمانية، وستضع بقايا زجاج في غداءك!» # دخل كلود إلى غرفة الطعام، ورمى حقيبتيه على الأرض. «ما الأمر ~~يا سيدة فوكت؟ هل يمكنني أن أساعدك في شيء؟» # كانت تجلس على أحد كراسيها العالية تبكي على نحو يثير الشفقة ~~وقد انحرفت عن مكانها خصلات شعرها الصغيرة المستعارة. لما نظرت ~~لأعلى، أطلقت صرخة خفيفة تنم عن أنها تعرفت على الشخص الواقف ~~أمامها. «أوه، أحمد الرب أنك أنت الشخص الذي جاء، وأنه لن يوجد ~~مزيد من المتاعب! تعلم أنني لا أتجسس ولا أفعل شيئا مما يقوله ~~هؤلاء الفتية. إن هؤلاء الفتية الصغار يروعونني. أبيع لهم ~~الحلوى منذ أن كانوا أطفالا، وقد انقلبوا علي الآن كما ترى. ~~يطلقون علي هيندنبورج والقيصر بيل!» بدأت تبكي مرة أخرى وتلوي ~~أصابعها الصغيرة البدينة وكأنها ستمزقها. ~~«أحضري لي بعض الغداء يا سيدتي، وبعدها سأذهب وأسوي الأمر مع ~~تلك العصابة. لقد كنت مسافرا منذ وقت طويل؛ ولما نزلت من ~~القطار، ورأيت معترشات توت الحجل الخاصة بك تتسلق على الشرفة ~~كما كانت في السابق، أحسست كأني عدت إلى المنزل.» # مسحت عينيها وقالت: «حقا؟ هل تتذكر ذلك؟ أعددت فطيرة لحم ~~اليوم مع ms190 القليل من البازلاء التي حصلت عليها من حديقتي ~~الخاصة.» ~~«أحضريهما فورا من فضلك. إننا لا نأكل غير الطعام المعلب في ~~المعسكر.» # دخل بعض عمال السكك الحديدية من أجل تناول الغداء. السيدة فوكت ~~دعت كلود للذهاب إلى نهاية طاولة البيع؛ وبعد أن قدمت الطعام ~~لزبائنها، جلست وأخذت تتحدث إليه همسا. # قالت وهي تربت على كمه : «يا عزيزي، تبدو أنيقا في تلك ~~الملابس. أستطيع تذكر بعض الحروب أيضا؛ لما استعدنا بعض ~~المناطق التي أخذها نابليون منا مثل إلساس ولورين. هؤلاء الأولاد ~~هددوا بأن يأتوا ويضعوا القطران علي في ليلة ما، وأنا أخاف ~~أن أذهب للنوم. لذا، أنا أغطي نفسي فقط بلحاف وأجلس في كرسيي ~~القديم.» ~~«لا تعيريهم أي اهتمام. أنت لا تواجهين أي مشكلات مع ~~العمال هنا، أليس كذلك؟» ~~«بلى، ليست مشكلات على وجه التحديد.» ترددت، ثم مالت فجأة ~~باتجاه طاولة البيع وتحدثت في أذنه. «ولكن في بلدي القديم ليس ~~الأمر بهذا السوء كما يقولون. لا يتعرض الفقراء للاستعباد، ولا ~~يطحنون في العمل كما يقولون هنا. دائما ما يسمح المسئولون عن ~~الغابات للفقراء بالدخول إلى الغابات وحمل الأغصان الساقطة ~~والأشجار الميتة. وإذا فاض روث الحيوانات لدى أحد المزارعين ~~الأغنياء عن حاجته، يسمح للشخص الفقير أن يأخذ بعضا منه لأرضه. ~~الفقراء لا يحصلون على أجور مثل التي يحصلون عليها هنا، ولكنهم ~~يحظون بعيشة مريحة. وحتى أحذيتهم الخشبية، التي يسخرون منها ~~هنا، أنظف من الأحذية الجلد، وأفضل عند المشي في الطين وروث ~~الحيوانات. إنها لا تبتل بشدة؛ ومن ثم لا تنبعث منها رائحة ~~كريهة بشدة.» # كان بإمكان كلود أن يلاحظ أن قلبها يزخر بحبها لوطنها، ويعج ~~بالذكريات الرقيقة عن أيام ولت منذ مدة طويلة، وأرض عاشت عليها ~~أيام شبابها. لم تتحدث معه عن تلك الأشياء من قبل، ولكنها الآن ~~باحت بسيل من الأسرار عن مزرعة الألبان الكبيرة التي عملت فيها ~~في صغرها؛ أخبرته كيف أنها كانت تعتني بتسع بقرات، وعن مدى قوة ~~البقرات على الرغم من صغر سنها؛ إذ كانت تجر المحراث طوال ~~النهار، ms191 ومع ذلك تفيض عليهم في الليل باللبن كأنها كانت تتجول ~~طوال النهار في أحد المراعي! لم يضطر قط أهل الريف إلى إنفاق ~~أموالهم على الأطباء، ولكنهم كانوا يعالجون من كل الأمراض ~~بالجذور والأعشاب، وعندما يصاب كبار السن بالروماتيزم، كانوا ~~يأخذون «واحدا من الأرانب الرومية الصغيرة» كي ينام معهم، ~~ويخلصهم هذا الأرنب من كل الآلام . # أحب كلود أن يستمع إليها مدة أطول، ولكنه أراد أن يعثر على ~~من يضايقون المرأة العجوز قبل أن يأتي القطار. ترك حقيبتيه ~~معها، وعبر قضبان السكك الحديدية، واسترشد بطنين جرس غرضه ~~الإغاظة في حقل الذرة، وكان يسمع من وقت لآخر. عثر على مجموعة ~~الأولاد الصغيرة، وكانوا اثني عشر أو نحو ذلك؛ إذ وجدهم مستلقين ~~في أخدود ضحل يمتد من حافة الحقل إلى مرعى مفتوح. وقف على حافة ~~الحقل، ونظر إليهم وهو يقطع طرف سيجار ببطء ويشعله. ابتسم ~~الأولاد له، وحاولوا أن يظهروا عدم المبالاة وعدم ~~الاهتمام. # سأل الفتى الذي كان معه الجرس: «هل تبحث عن أحد أيها ~~الجندي؟» ~~«نعم. أبحث عن ذلك الجرس. عليك أن تعيده إلى صاحبته. كلكم ~~تعلمون أنه لا ضرر يخشى من تلك المرأة العجوز.» ~~«إنها ألمانية، ونحن نحارب الألمان، أليس كذلك؟» ~~«لا أظن أنكم ستقاتلون يوما أحدا منهم. لن تصمدوا أكثر من ~~عشر دقائق في الجيش الأمريكي. أنتم لا تصلحون للانضمام إليه. لا ~~يوجد سوى جيش واحد في العالم يقبل رجالا يتنمرون على امرأة ~~عجوز. يمكن أن تجدوا وظيفة لديه.» # قهقه الفتيان. أشار كلود بنفاد صبر. «تعال ومعك هذا الجرس ~~أيها الولد.» # نهض الفتى ببطء، وصعد الحافة خارجا من الأخدود. لما كانا ~~يمشيان متثاقلين عبر حقل الذرة، التفت إليه كلود فجأة. ~~وقال: «اسمعني يا هذا، ألا تخجل من نفسك؟» # رد الفتى باستخفاف وهو يرمي الجرس لأعلى كأنه كرة ويمسك به ~~ثانية: «أوه، لا أعتقد ذلك!» ~~«أوه، بل عليك أن تشعر بالخجل من نفسك. لا أظن أنني سأرى ثانية ~~أيا من هذه الفعال إلى أن أعود إلى الجبهة. سأعود إلى هنا في ~~غضون ms192 أسبوع، وسأعاقب أي أحد يضايقها.» أوشك قطار كلود أن ~~يدخل إلى المحطة؛ لذا جرى كي يأخذ أمتعته. وبمجرد أن جلس في ~~القطار، بدأ يفكر في بلدته التي كان يعرف فيها كل مزرعة يمر ~~بها؛ كان يعرف الأرض حتى لو لم يعرف صاحبها، ويعرف المحصول الذي ~~أخرجته وكم يساوي ثمنه بالتقريب. لم يبتهج لما رأى تلك المزارع ~~كما توقع؛ لأنه غضب غضبا شديدا بسبب المضايقات التي تعرضت ~~لها السيدة فوكت. كانت لا تزال حماسة الجندي المبدئية تتملكه. ~~كان يعتقد أنه سيسافر إلى الخارج مع قوة استكشافية من شأنها أن ~~تحارب بدون ضغينة، بل بفتوة وشهامة لا هوادة فيهما. # كان العديد من أصدقائه في المعسكر يشاركونه أفكاره الخيالية ~~هذه. لقد جمعهم المعسكر من المزارع والمتاجر والطواحين والمناجم؛ ~~بعضهم أتى من الجامعات، والبعض الآخر من الحانات الرخيصة في المدن ~~الكبيرة؛ كان منهم راعي الأغنام وسائق الترام ومساعد السباك ~~ومدون نقاط مباريات البلياردو. رأى كلود المئات منهم لما دخلوا ~~للمرة الأولى؛ رأى «مقدمي عروض» يرتدون بدلات رياضية رخيصة ~~وصاخبة الألوان، وعمال مزارع كبيرة يرتدون صدريات تريكو، ~~وميكانيكيون لا تزال آثار الشحم توجد على أصابعهم، وعمال مزارع ~~مثل دان يرتدون معاطفهم المخصصة للمناسبات التي لا يملكون ~~منها سوى قطعة واحدة. كان بعضهم يحمل حقائب ورقية مربوطة بحبل، ~~في حين وضع البعض الآخر كل ما يملك في منديل أزرق. ولكن كلهم ~~أتوا من أجل العطاء وليس من أجل الأخذ، وما كانوا يهبونه لم يكن ~~سوى أنفسهم؛ أيديهم الكبيرة الحمراء، وظهورهم القوية، والنظرة ~~الثاقبة والصادقة والمتواضعة في عيونهم. لما كان كلود يساعد ~~مسئول الفحص الطبي في بعض الأحيان، لاحظ القلق البادي على وجوه ~~الصفوف الطويلة من الرجال المنتظرين. بدا كأن لسان حال كل منهم ~~يقول: «إن كنت أصلح فخذني. لن أتخلى عن الأمر.» وجدهم على ~~النحو التالي عندما تعامل معهم؛ مفيدين ولطيفين ومتحمسين ~~للتعلم. إذا تحدثوا عن الحرب أو عن العدو الذي كانوا يستعدون ~~لمحاربته، فعادة ما يكون الحديث بحس الفكاهة؛ كانوا في طريقهم ~~إلى «وضع القيصر ms193 في جوال»، أو جعل ولي العهد يعمل من أجل لقمة ~~العيش. لما أحب كلود الرجال الذين كان يتدرب معهم، لم يجد ما ~~هو أفضل من العيش بصحبتهم. # تأرجح قطار الشحن بسرعة فوق وادي النهر؛ مما يعني أنه وصل إلى ~~بلدته؛ أي المكان الذي دائما ما يتطلع إليه العقل بعد رحلة ~~طويلة. مرت المزارع بسرعة ؛ أكوام القش، حقول الذرة، الحظائر ~~الحمراء المألوفة، ثم مخازن الفحم الطويلة وخزان المياه، وهنا ~~توقف القطار. # على الرصيف، رأى رالف والسيد رويس ينتظرانه للترحيب به. كان ~~بانتظاره بالسيارة بالخارج والده ووالدته، وكان السيد ويلر في مقعد ~~السائق. كان هناك صف من السيارات منتظر في مكان الانتظار. إنه ~~أول جندي يعود إلى البلدة، وأتى بعض أهل المدينة كي يروه بالزي ~~العسكري. لوحت له سوزي دوسن من إحدى السيارات، ولوحت له ~~جلاديس فارمر من سيارة أخرى. لما توقف وتحدث إليهم، أخذ رالف ~~أمتعته. # صاح السيد ويلر: «هيا تعالوا يا ولدي»، وأطلق بوق سيارته، ~~وانطلق بالجندي في السيارة مخلفا وراءه سحابة من ~~الغبار. # ذهب السيد رويس إلى سيارة دوسن العجوز، وقال بطريقة طفولية بعض ~~الشيء: «لا يمكن أن يكون كلود قد أصبح أطول، أليس كذلك؟ أظن أنهم ~~يعلمونهم هناك أن يبدوا هكذا. دائما ما كان الفتى يبدو ~~كرجل.» # قالت سوزي بحماسة شديدة: «أعتقد أن أمه فخورة به. إنه لحظ سيئ ~~ألا تكون إنيد هنا كي تراه. ما كانت لتسافر مطلقا لو علمت أن ~~كل هذا سيحدث.» # لم تقصد سوزي الإساءة، ولكن كلامها كان له تأثير. استدار السيد ~~رويس بعيدا وأشعل سيجارا ببعض الصعوبة. زاد عدم اتزان يديه بشدة ~~في السنة الأخيرة، على الرغم من إصراره على أن صحته العامة جيدة ~~كما كانت في السابق. مع التقدم في العمر، كان يزداد اكتئابه بسبب ~~اعتقاده أن نساءه لم يضفن الكثير من الدفء والراحة إلى عالمه. ~~على المرأة أن توفر جو الدفء والراحة، مهما كان ما تفعله ~~بخلاف ذلك. شعر بالأسف تجاه عائلة ويلر وتجاه أصدقائه القدامى. ~~بدا كأن بنتيه ليس لديهما ms194 قلب. # 11 # استمرت عادات المعسكر. في صباح اليوم الأول بالمنزل، نزل كلود ~~للطابق السفلي قبل حتى أن تستيقظ ماهيلي، وخرج كي يلقي نظرة على ~~الماشية. اشتدت حرارة الشمس وهو نازل من التل باتجاه حظيرة ~~الماشية، وكان في داخله مسرورا من وجوده في بلدته، على أرض والده. ~~ما الذي كان يسره بشدة في أن يقول «تلنا » و«نهيرنا الموجود ~~هنالك»؟ في أن يشعر بسحق الطين الجاف لهذه الأرض على وجه الخصوص ~~تحت حذائه؟ # لما دخل الحظيرة كي يلقي نظرة على الخيول، أول مخلوقين وقعت ~~عيناه عليهما كانا هما البغلين الضخمين اللذين كانا السبب في ~~الحادثة الكبيرة التي تعرض لها؛ وجدهما واقفين في الإسطبل بجانب ~~الباب. خطر على بال كلود أن هذين الحيوانين الضخمين هما اللذان ~~قررا مصيره في واقع الأمر. لو لم يندفعا به ويلقياه عند السياج ~~السلكي في ذلك الصباح، لما أسفت عليه إنيد وأتت كي تراه كل ~~يوم، ولربما اختلفت مجريات حياته. ربما لو كان الكبار أصدق ~~قليلا، ولم يتعلم الفتى تقدير الصفات التي يمكن أن تجعله غير ~~سعيد بالمرة في المرأة ... ولكنه هناك نأى بنفسه عن مشاعر التحسر ~~هذه. ولكن أليس يتناسب مع حاله تماما أن يجره إلى الزواج زوجان ~~من البغال؟! # ضحك لما نظر إليهما. «أيها الشيطانان الكبيران، إنكما قويان ~~بالقدر الكافي كي تحيكا مثل هذه الخدع في حق الأشخاص الأغرار ~~أعواما قادمة. يا للخسة التي تملأ كلا منكما!» # هز أحد الحيوانين أذنه، وأطلق صوتا مهددا من حلقه. ~~تتمتع البغال بعاطفة قوية، ولكنها تكره المتغطرسين، كما أنها ~~أعداء الطبقات الاجتماعية، وبدا دائما أن هذين البغلين اكتشفا في ~~كلود ما اعتاد والده على تسميته ب «كبريائه الزائف». عندما كان ~~فتى صغيرا، كانا مصدر إهانة بالنسبة إليه بسبب النهيق والوقوف ~~فجأة في الأماكن العامة؛ إذ كانا يحاولان جذب الانتباه في مخزن ~~الأخشاب أو أمام مكتب البريد. # في المعلف الأخير، وجد كلود الفرسة مولي العجوز؛ الفرسة ~~الرمادية ذات الساق العرجة التي نما لها حافر آخر مكان حافرها ~~الذي سقط، وهو إنجاز ms195 لا تستطيع العديد من الخيول التفاخر به. كان ~~متأكدا من أنها تعرفت عليه؛ تحسست بأنفها يده وذراعه، ~~وأزاحت شفتها العلوية لتكشف عن أسنانها المتهالكة ~~الصفراء. # قال وهو يربت عليها: «لا يجب أن تفعلي ذلك يا مولي. يمكن ~~للكلب أن يضحك، ولكن هذا يجعل منظر الحصان يبدو مضحكا. يبدو ~~لي أن دان لا ينظفك إلا نحو مرة واحدة في الأسبوع!» أخذ محسة ~~من مكانها خلف إحدى العوارض، وبدأ يحك بها جلدها العجوز. شعرها ~~الأبيض كان مرقطا في كل أنحائه بخطوط صغيرة بلون الصدأ، مثل ~~الحبر الهندي الذي يوضع على فرشاة ناعمة، وتحول لون عرفها ~~وذيلها إلى الأصفر المائل إلى الأخضر. لما كان كلود يحك وركيها ~~الثقيلتين المستديرتين، قال إنه لا بد أنها بلغت الثامنة عشرة من ~~عمرها. اعتاد كلود ورالف أن يمتطياها عند الذهاب إلى عائلة يودر ~~لما كانا طفلين حافيين؛ إذ كانا يوجهانها باللجام الحبلي، ~~ويركلان المهر الطويل الساقين الذي كان يمشي معها دائما. # لما دخل المطبخ وطلب من ماهيلي ماء دافئا كي يغسل يديه، ~~نهرته باستنكار. ~~«عجبا يا سيد كلود، كنت تنظف تلك الفرسة العجوز، والتصق ~~الشعر الأبيض في جميع أنحاء ملابسك العسكرية. الشعر يغطيك ~~بالكامل!» # إذا كان زيه العسكري يثير المشاعر لدى أصحاب العقول الرزينة، ~~فإنه كان بمنزلة تعويذة سحرية ألقيت على رأس ماهيلي. لقد انبهرت ~~به كثيرا لدرجة أنها لم تتمكن، طوال الوقت الذي كان فيه كلود ~~في المنزل، من إمعان النظر فيه بالتفصيل ولو مرة. فقبل أن تجتاز ~~غطاءي الساقين، كانت تتشوش قدرتها على الملاحظة من الذهول، ~~ويبدأ عقلها يهتاج مثل قرد في قفص. توقعت أن يكون زيه أزرق ~~اللون مثل زي الجنود الذين كانت تتذكرهم؛ ولما دخل المطبخ في ~~الليلة الماضية تعرفت عليه بصعوبة. وبعدما شرحت لها السيدة ~~ويلر أن الجنود الأمريكان لا يرتدون الزي الأزرق الآن، قالت ~~ماهيلي لنفسها أكثر من مرة إن تلك الملابس البنية لا يظهر ~~الغبار عليها، وإن كلود لن يشبه أبدا الرجال ذوي الثياب ~~الرثة الذين اعتادوا التوقف والشرب من ms196 ينبوع والدتها. ~~«إنهم يرتدون أغطية الساق الجلدية لمنع الشوك من الالتصاق بهم، ~~أليس كذلك؟ أعتقد أنه يوجد شوك كثير للغاية هناك، مثل معترشات ~~العليق الطويلة في حقول فيرجينيا. تقول والدتك إن الجنود أصابهم ~~القمل الآن، كما حدث في حربنا. ما عليك سوى أن تحمل زجاجة صغيرة ~~من زيت الفحم في جيبك، وتدهن بهذا الزيت رأسك بالليل. إنه يمنع ~~بيض القمل من الفقس.» # فوق برميل دقيق في الزاوية، علقت ماهيلي بمسمار ملصق للصليب ~~الأحمر؛ الملصق كان عبارة عن رسم بالفحم لسيدة عجوز تنقب بعصا ~~في كومة من الجبس والأخشاب الملتوية التي كانت منزلها يوما ما. ~~ذهب كلود كي ينظر إليها وهو يجفف يديه. ~~«من أين أتيت بتلك الصورة؟» ~~«إنها من المكان الذي أنت ذاهب إليه يا سيد كلود. إنها هنا تبحث ~~عن شيء تطهو به؛ لا يوجد موقد ولا أطباق ولا أي شيء ... لقد تحطم ~~كل شيء. أعتقد أنها ستسر بشدة لرؤيتك.» # سمع وقع أقدام ثقيلة على السلم، فهمست إليه ماهيلي على ~~عجل: «لا تنس زيت الفحم، ولا تترك القمل يسرح في جسدك إن كان ~~بإمكانك أن تتخلص منه يا عزيزي.» لقد كانت تعتبر الحديث عن ~~القمل مثل قول النكات البذيئة؛ أي إنه من الأشياء التي يتحدث ~~عنها همسا. # بعد الإفطار، خرج كلود مع السيد ويلر إلى الحقول، حيث وجدا رالف ~~يوجه عمال الحصاد. وقفا يشاهدان ماكينة الحصاد الحازمة لمدة، ~~ثم ذهبا كي يلقيا نظرة على أكوام القش والبرسيم الحجازي، ثم ~~مشيا بطول حافة حقل الذرة، وتفحصا العيدان اليانعة. أرى السيد ~~ويلر كلود المزرعة، وشرح له تفاصيلها كأنه غريب؛ الفتى ساوره ~~شعور غريب، ووالده يعرفه على تلك الأفدنة التي كان يعمل فيها ~~كل صيف منذ أن كبر بالقدر الكافي، واستطاع حمل المياه إلى عمال ~~الحصاد. أخبره والده عن مساحة الأرض التي يمتلكونها وعن قيمتها، ~~وأنها ليست قيد رهن باستثناء رهن بسيط على قطعة واحدة، تم ~~عندما استحوذ على مزرعة كولورادو. # قال: «عندما تعود، لن تضطر أنت ورالف إلى البحث عن شيء ms197 تبدآن ~~به حياتكما. سيكون لديكما ما يكفيكما. والآن، الأفضل أن تعود إلى ~~المنزل من ناحية بيت دوسن العجوز، وتذهب لزيارة سوزي. اندهش الجميع ~~هنا لما ذهب ليونارد إلى الحرب.» مشى مع كلود حتى الزاوية التي ~~تلتقي فيها أرض دوسن مع أرضه. قال وهو يلتفت: «بالمناسبة، لا تنس ~~أن تزور عائلة يودر يوما ما. جاس منزعج بشدة منذ أن أخذوه إلى ~~المحكمة. سل عن أحوال الجدة العجوز. تعلم أنها لم تتعلم أي ~~كلمة إنجليزية. والآن، أخبروها أن التحدث بالألمانية خطر عليها؛ ~~ومن ثم فهي لا تتحدث مطلقا، وتختبئ عن أنظار الجميع. إذا ذهبت ~~في الصباح الباكر وكانت تزيل الحشائش الضارة من الحديقة، فإنها ~~تجري وتختبئ بين شجيرات عنب الثعلب حتى أختفي عن ~~الأنظار.» # قرر كلود أن يزور عائلة يودر في ذلك اليوم، ثم يزور عائلة دوسن ~~في اليوم التالي. لم يشأ أن تكون هناك أي ضغينة تجاهه في منزل ~~قضى فيه الكثير جدا من الأوقات الجيدة، وكثيرا ما كان يلتجئ ~~إليه عندما يضجر مما يحدث في بيته. كان أولاد يودر يمتلكون صندوقا ~~موسيقيا قبل اختراع الفيكترولا بوقت طويل، وفانوسا سحريا، ~~وكانت جدتهم العجوز تنشئ صور ظل رائعة على ملاءة، وكانت تحكي ~~قصصا عنها. اعتادت أن تقلب خريطة أوروبا على طاولة المطبخ، ~~وتوضح للأطفال كيف أنها تشبه الفتاة في تلك الوضعية؛ ثم تتلو ~~قصيدة ألمانية طويلة تصف إسبانيا بأنها رأس الفتاة، وجبال ~~البرانس بأنها طوق رقبتها المصنوع من الدانتيل، وألمانيا بأنها ~~قلبها وصدرها، وإنجلترا وإيطاليا بأنهما ذراعاها، وروسيا، على ~~الرغم من أنها كانت تبدو كبيرة للغاية، بأنها فقط تنورتها ~~المطوقة. ربما تجري إدانة تلك القصيدة باعتبارها دعاية خطيرة في ~~الوقت الراهن! # بينما كان كلود يمشي بمفرده، كان يفكر كيف أن بلدته هذه التي ~~بدت صغيرة ومضجرة له في وقت من الأوقات كانت تبدو الآن كبيرة ~~وغنية بالتنوع. في الشهور التي قضاها في المعسكر، كان قد انشغل ~~بالكلية في عمله الجديد وصداقاته الجديدة، والآن كان ينظر إلى ~~منطقته بالشوق نفسه الذي ينظر به ms198 للأشياء التي نسيت منذ مدة ~~طويلة؛ لقد تجمعت أمام عينيه كأنها كل متناغم. كان سيسافر ~~للخارج، وسيحمل الريف بأكمله في عقله وهو له معان أكثر من ذي. كان ~~نهير لافلي كريك ينساب هناك، حيث اعتاد أن يجلس هو وإرنست ~~ويتحسران على انتهاء التاريخ؛ على أن العالم قد عاد إلى عصور ~~الجشع السحيقة، وماتت كل المساعي النبيلة إلى الأبد. ولكنه كان ~~مسافرا للخارج ... # قضى كلود عصر ذلك اليوم مع والدته. لقد كانت أول مرة تتفرد ~~فيها به. رغب رالف بشدة في المكوث والاستماع إلى حديث أخيه، ولكنه ~~عاد إلى حقل القمح لما أدرك شعور والدته. لم تر السيدة ويلر أي ~~تفاصيل تافهة في حياة كلود بالمعسكر بحيث لا تريد سماعها. سألت عن ~~قاعة الطعام والطهاة والغسيل كما سألت عن واجباته. جعلته يصف كيفية ~~التدريب بالحراب، ويشرح طريقة عمل الرشاشات والبنادق ~~الأوتوماتيكية. # قالت متأملة: «لا أتخيل كيف يمكننا تحمل القلق عندما ~~تبدأ سفننا الحربية في الإبحار. إذا تمكنت من نقلكم جميعا ~~سالمين إلى ساحات القتال فلن أخاف؛ إذ أعتقد أن جنودنا جيدون مثل ~~أي جنود في العالم. ولكن مع وجود الغواصات التي يبلغ عن وجودها ~~قبالة سواحلنا، أتساءل كيف ستتمكن الحكومة من نقل رجالنا بأمان. ~~التفكير في تلك السفن وهي تنقل آلاف الشباب على متنها شيء ~~مرعب للغاية ...» ثم وضعت يديها على عينيها بسرعة. # تساءل كلود، لما كان جالسا أمام والدته، ما الذي كان يجعل يدي ~~والدته مختلفتين للغاية عن يدي أي أحد آخر رآهما. كان دائما ~~يرى أنهما مختلفتان، ولكن لا بد أن ينظر إليهما من كثب الآن ~~ويعرف السبب. كانتا نحيفتين، وبيضاوين دوما، حتى عندما تتسخ ~~أظفارها في وقت حفظ الفاكهة. تقوست الأصابع من عند المفاصل كأنها ~~كانت تتقلص بسبب التلامس. وكانت دائمة الحركة، وعندما تتحدث ~~فكثيرا ما تتحرك عبر شعرها أو تلمس فستانها برفق. عندما تبتهج، ~~تضع يدها على حلقها أحيانا، أو تتحسس رقبة ردائها كأنها تبحث ~~عن دبوس زينة نسيته. يداها حساستان، ولكن بدا أنهما لم تكن لهما ms199 ~~أي علاقة بحاسة اللمس؛ فقد كانت أصابعهما أشبه بالأصابع ~~المتلمسة لإحدى الأرواح. ~~«ما شعوركم أيها الفتيان حيالها؟» # رد كلود: «شعورنا حيال ماذا يا أمي؟ أوه، تقصدين عملية النقل! ~~لسنا قلقين من ذلك. إنها مهمة الحكومة أن تنقلنا إلى المكان ~~المراد. يجب ألا يقلق الجندي بشأن أي شيء إلا ما هو مسئول عنه ~~مباشرة. إذا أغرق الألمان بعض سفن نقل الجنود، فسيكون الأمر ~~مؤسفا بالتأكيد، ولكنه لن يغير شيئا على المدى البعيد. ~~البريطانيون يعكفون على ابتكار سفينة هوائية ضخمة مصممة لنقل ~~العسكريين. إن غرقت سفننا، فهذا لا يعني سوى بعض التأخير. ففي ~~خلال مدة قصيرة، سيطير الأمريكيون إلى ساحات القتال. إنهم لا ~~يستطيعون إيقافنا.» # مالت السيدة ويلر بجسدها إلى الأمام. وقالت: «لا بد أن هذا هو ~~حديث الفتيان يا كلود. أنت بالتأكيد لا تعتقد أن شيئا كهذا يمكن ~~أن يكون عمليا، أليس كذلك؟» ~~«بلى، على الإطلاق. يعتمد البريطانيون على مصممي الطائرات ~~لديهم لإنجاز تلك المهمة، إن فشلت كل الطرق الأخرى. بالطبع ~~لا أحد يعلم حتى الآن مدى فاعلية استخدام الغواصات في ~~حالتنا.» # غطت السيدة ويلر عينيها بيدها مرة أخرى. «لما كنت صغيرة في ~~فيرمونت، طالما تمنيت لو عشت في العصور القديمة لما كان العالم ~~يتقدم بسرعة شديدة. والآن، أشعر كأن بصري لا يستطيع أن يتحمل ~~البهاء الذي يقع عليه. يبدو الأمر كأننا ينبغي أن نولد بملكات ~~جديدة كي نفهم ما يجري في الجو وتحت الماء.» # 12 # كانت شمس ما بعد الظهيرة تلقي بأشعتها القوية على النوافذ ~~الخلفية لغرفة الاستقبال الطويلة غير المستوية في منزل السيدة ~~فارمر؛ مما جعل الغرفة المعتمة أشبه بكهف في أحد أطرافه نار. ~~الأثاث كله مغطى بأغطية صيفية جميلة مزينة بالرسوم مصنوعة ~~من قماش الكريتون. المزهريات الزجاجية القابعة على الطاولات ~~الصغيرة تعكس أشعة الشمس، وتلمع كأنها مصابيح صغيرة. جلس كلود في ~~تلك الغرفة مدة طويلة، وهو يعلم أن عليه الذهاب الآن. من ~~النافذة التي توجد عند مرفقه، كان بإمكانه أن يرى صفوفا من ~~نباتات الخطمي الوردي المزدوجة والأوراق ms200 المسطحة لنباتات الكاتالبا ~~المنتشرة والقمم المستدقة لأجمة النعناع المتشابكة، التي كانت ~~كلها واضحة تحت أشعة الشمس الذهبية. تحدث هو وجلاديس في كل ~~الأمور باستثناء الأمر الذي أتى من أجله. لما نظر إلى الخارج في ~~الحديقة، شعر أنه لن يتحدث عنه مطلقا. كان هناك شيء في الطريقة ~~التي التمعت بها أجمة النعناع وانسابت، يجعل المرء قدريا ؛ ~~يخاف من التدخل. ولكنه كان سيندم بعدما يبتعد؛ عدم اليقين من شأنه ~~أن يضايقه مثلما تضايقه شظية في إبهامه. # نهض فجأة وقال من دون مقدمات: «جلاديس، أتمنى لو تؤكدين لي ~~أنك لن تتزوجي من أخي مطلقا.» # لم ترد، لكن جلست في كرسيها المريح وأخذت تنظر إليه بهدوء ~~غريب. # أردف من فوره: «أعلم كل ميزات هذا الزواج، ولكنها لن تفيدك ~~بشيء. هذا النوع من ... الصفقات سيتسبب لك في تعاسة شديدة. أنا ~~متأكد من ذلك.» # تحدثت جلاديس بصوتها الدافئ المنخفض المعتاد، ولكن تسارع ~~أنفاسها أظهر أن كلامه لمس جرحا بداخلها: «لا أظن أنني سأتزوج ~~بايليس مطلقا. أعتقد أنني استغللته. تحظى المعلمة بمكانة كبيرة ~~إذا اعتقد الناس أن بإمكانها أن تتزوج عازب المدينة الثري ~~متى أرادت ذلك. ولكني أخشى أنني لن أستطيع أن أتزوجه ... والسبب هو ~~أنك الشخص الذي طالما أحببته.» # ابتعد كلود نحو النافذة. وتمتم قائلا: «لقد كنت الشخص المناسب ~~لك!» ~~«حسنا، هذه حقيقة على أي حال. كان الأمر كذلك عندما ذهبنا إلى ~~المدرسة الثانوية، واستمر الأمر. يعجبني دائما كل شيء ~~تفعله.» # شعر كلود بعرق بارد على جبهته. تمنى الآن لو لم يأت قط. ~~«كفى يا جلاديس. ماذا فعلت في حياتي سوى ارتكاب خطأ أحمق تلو ~~الآخر؟» # أتت إلى النافذة ووقفت ~~بجانبه. «لا أعلم، ربما يتعرف المرء على الناس من خلال أخطائهم ~~الغبية ... من خلال ما لا يستطيعون فعله. إذا كنت مثل بقية الناس، ~~فلربما كان بإمكانك القبول بتسويات مثلما يفعلون. هذا هو الشيء ~~الوحيد الذي لا أستطيع تقبله.» # كان كلود ينظر عابسا إلى الحديقة المتوهجة بالشمس. لم يسمع ~~كلمة من ردها. سأل بصوت منخفض: «لماذا لم ms201 تمنعيني من ارتكاب ~~تلك الحماقات؟» ~~«أظن أنني حاولت ... مرة. على أي حال، تسير الأمور على نحو أفضل ~~مما ظننت. إنك لم تعلق هنا. لقد عرفت طريقك. ستركب البحر وتسافر. ~~لقد بدأت رحلتك بالفعل.» ~~«وماذا عنك؟» # أطلقت ضحكة خفيفة. «أوه، سأدرس في المدرسة الثانوية!» # أخذ كلود يديها، ووقفا يمعنان النظر بعضهما في بعض تحت الضوء ~~الذهبي المتموج الذي أوضح معالم كل ما يسقط عليه. لم يعرف ~~مطلقا على وجه التحديد كيف وجد قبعته وخرج من المنزل. لم يكن ~~متأكدا إلا من أن جلاديس لم تصحبه إلى الباب. نظر خلفه مرة ~~ورأى رأسها عبر النافذة التي يسقط عليها الضوء. # ظلت واقفة هناك، في المكان الذي تركها فيه بالضبط، وشاهدت ~~الليل وهو يرخي أستاره، دون أن تتحرك، وهي تتنفس بصعوبة. كانت ~~تفكر كم مرة، عندما تنزل إلى الطابق السفلي، ستراه يقف هنا عند ~~النافذة، أو يتجول في الغرفة المعتمة، وهو يبدو أخيرا كما ~~ينبغي له أن يبدو ... مثل قناعاته والخيار الذي اتخذه. إنها الآن لن ~~تدع أبدا هذا المنزل يباع بسبب الضرائب المتأخرة. ستوفر من ~~راتبها وتسددها. ما كانت لتحب قط أي مكان آخر مثلما تحب ~~هذا المكان. طالما كان هذا المكان بالنسبة إليها ملجأ من ~~فرانكفورت؛ والآن ستكون هناك تلك الشخصية الواثقة المليئة بالحيوية ~~المتمثلة في كلود، وهي صورة مميزة بالنسبة إليها مثل صورة جدها ~~المعلقة على الحائط. # 13 # كان الأحد هو اليوم الأخير لكلود في المنزل، وقام بجولة سير ~~طويلة مع إرنست ورالف. كان إرنست يفضل ألا يذهب رالف معهما، لكن ~~الفتى حين خرج من حقل الحصاد تشبث بأخيه مثل نبتة الشوك. ثمة ~~شيء بشأن زي كلود وأسلوبه الجديد كان يذهل رالف، واختبر حالة ~~من تلك التغيرات المفاجئة في المشاعر التي غالبا ما تحدث داخل ~~العائلات. وبالرغم من تحسن صداقتهما منذ زفاف كلود، فقد ظل رالف ~~حتى الآن يشعر بالخجل منه قليلا. اعتاد أن يسأل نفسه لماذا لا ~~يصبح كلود «شخصا مهندما ذا أهمية»؟ والآن صار في غاية الإعجاب ~~بأنه أصبح ms202 شخصا ذا أهمية. # في صباح يوم الإثنين، استيقظت السيدة ويلر مبكرا وهي تشعر بوهن ~~في صدرها. كان هذا هو اليوم الذي ينبغي أن تبلي فيه بلاء ~~حسنا. فسيكون الإفطار آخر وجبة يتناولها كلود في المنزل. في ~~الحادية عشرة، كان سيأخذه والده ورالف إلى فرانكفورت كي يلحق ~~القطار. استغرقت وقتا أطول من المعتاد في ارتداء ملابسها. حين ~~نزلت إلى الطابق السفلي، وجدت كلود وماهيلي يتحدثان. كان يحلق في ~~الحمام، ووقفت ماهيلي تشاهده وفي يدها قطعة من اللحم ~~المقدد. ~~«أخبرهم هناك أنني في غاية الأسف على العجائز اللاتي تكسر ~~أطباقهن ومواقدهن.» ~~«حسنا. سأفعل.» ثم كشط كلود ما تبقى من ذقنه. # ظلت واقفة معه. اقترحت مستبشرة: «ربما بإمكانك مساعدتهم على ~~إصلاح أغراضهن، مثلما تفعل معي.» # تمتم وهو شارد الذهن: «ربما.» فتحت السيدة ويلر باب الدرج، ~~وعادت ماهيلي إلى الموقد. # بعد الإفطار، خرج دان إلى الحقول مع عمال الحصاد. انشغل رالف ~~وكلود والسيد ويلر في السيارة طوال وقت الصباح. # أسدلت السيدة ويلر مئزرها فوق رأسها، ونزلت على التل كي ترى ما ~~كانوا يفعلونه. لم تعرف إن كان ثمة عطل في المحرك حقا، أم إن ~~الرجال اتخذوه ذريعة للبقاء معا بعيدا عن المنزل. شعرت أن ~~وجودها غير مرغوب فيه نوعا ما، فصعدت في النهاية واكتفت ~~بمشاهدتهم من نافذة غرفة الجلوس. بعد وقت قصير، سمعت رالف يصعد ~~إلى الطابق الثالث. حين نزل وفي يديه حقائب كلود، أقحم رأسه من ~~الباب، وصاح مبتهجا إلى أمه: ~~«لسنا في عجلة. أنا أنزلها كي تكون جاهزة فقط.» # جرت السيدة ويلر خلفه وهي تنادي بصوت واهن: «انتظر يا رالف! ~~هل أنت متأكد من أنه أخذ كل شيء في الحقائب؟ لم أسمعه يضع شيئا ~~فيها.» ~~«كل شيء جاهز. يقول إنه لن يضطر إلى صعود الطابق العلوي مرة ~~أخرى. سيأتي بعد مدة وجيزة. أمامنا متسع من الوقت.» انطلق رالف ~~إلى القبو. # جلست السيدة ويلر على كرسي القراءة. أرادوا أن يبقوها بعيدة، ~~وهذه أنانية منهم بعض الشيء. لماذا لا يقضون تلك الساعات ~~الأخيرة بهدوء ms203 في المنزل بدلا من الهرولة دخولا وخروجا ~~وإخافتها؟ سمعت حينها خرير المياه الساخنة في المطبخ؛ ربما دخل ~~السيد ويلر كي يغسل يديه. شعرت أنها لا تقوى على النهوض إلى ~~النافذة الغربية كي ترى إن كانوا لا يزالون في المرآب أم لا. بات ~~الانتظار مسألة ثوان فحسب، وصار نفسها أقصر ما يكون. # ميزت وقع خطوات بحذاء ثقيل مسمر النعل تتردد على ~~السلم بسرعة. حين دخل كلود حاملا قبعته في يده، علمت من مشيته ~~وكتفيه والطريقة التي يرفع بها رأسه بأن الوقت قد حان، وأنه ينوي ~~ألا يطيل الوداع. نهضت وتقدمت إليه، بينما دنا هو منها ~~واحتضنها بين ذراعيه. ارتسمت ابتسامتها الصغيرة الغريبة ~~الحميمية بعينين مغلقتين بعض الشيء. # تمتمت: «هل حانت لحظة الوداع؟» مررت يديها على كتفيه، ~~وأنزلتها على ظهره القوي وعلى جانبي معطفه الملائم لجسده، ~~وكأنها تحفظ هيكل جسده ومقاساته. لم يرتفع ذقنها عن جيب صدره، ~~وفركته في ملابسه الثقيلة. وقف كلود ينظر إليها من دون أن ~~يتفوه بكلمة. فجأة طوقها بقوة حتى كاد أن يصيبها ~~بأذى. # همس وهو يقبلها: «أمي!» نزل إلى الطابق السفلي، وخرج من ~~المنزل مسرعا من دون أن ينظر خلفه. # بصعوبة نهضت من الكرسي الذي كانت تقبع فيه، وتسللت إلى ~~النافذة؛ كان يثب على التل بأسرع ما يمكنه. قفز إلى السيارة ~~بجانب والده. كان رالف قد تولى عجلة القيادة بالفعل، وما كاد ~~كلود أن يستقر على المقعد حتى انطلقوا بالسيارة. ساروا بجانب ~~النهر، وعبروا الجسر، ثم صعدوا التل على الجانب الآخر. عندما ~~اقتربوا من قمة التل وقف كلود في السيارة، ونظر خلفه إلى المنزل ~~ملوحا بقبعته ذات الشكل المخروطي. مالت إلى الخارج وأمعنت ~~النظر، لكن دموعها جعلت كل شيء ضبابيا. بدا الشكل البني ~~المستقيم كأنه يطفو من السيارة عبر الحقول، وغاب عن ناظريها قبل ~~أن يختفي بالفعل. تراجعت واستندت إلى حافة النافذة، وقد أمسكت ~~صدغيها بكلتا يديها، وانخرطت في حديث عاطفي خانق. انتحبت: ~~«أيتها العينان العجوزتان، لم تخونانني؟ ما لكما تخدعانني في ~~آخر نظرة ألقيها على ولدي ms204 الرائع؟!» # الكتاب الرابع # | رحلة السفينة أنخيسيس # 1 # قطار طويل، عرباته مكتظة بالركاب الذين ينتمون إلى الجنس ~~نفسه والسن نفسها تقريبا، وجميعهم يرتدون الزي نفسه ~~والقبعات نفسها، كان يمشي متباطئا بين المروج البحرية الخضراء ~~في عصر أحد أيام الصيف. في العربات، لم يتوقف الركاب عن تمديد ~~سيقانهم المتشنجة، وتحريك أكتافهم، وإشعال الثقاب، وتمرير ~~السجائر فيما بينهم، وإصدار آهات الملل، وفي بعض الأحيان تشارك ~~الضحك حول لا شيء. فجأة توقف القطار. طلت الرءوس الحليقة ~~والوجوه التي لفحتها الشمس بالسمرة من كل نافذة. بدأ الفتيان في ~~التذمر والصياح؛ ما الخطب الآن؟ # مر مفتش التذاكر بين العربات وهو يقول شيئا عن تحطم قطار ~~شحن أمامهم، وعن صدور التعليمات إليه بالانتظار لمدة نصف ساعة. لم ~~يعره أحد أي اهتمام. ارتفعت تمتمات الدهشة من أحد جوانب ~~القطار. تزاحم الفتيان على النوافذ الغربية. أخيرا وجدوا ما ~~يستحق النظر إليه، وإن كان ما يشاهدونه هادئا للغاية، حتى إن ~~صيحاتهم بالتعجب لم تعل كثيرا. # قبع قطارهم بجوار لسان بحري يمتد داخل الشاطئ الأخضر حتى ~~مسافة بعيدة. على حافة المياه الساكنة، كانت تقف هياكل أربع سفن ~~خشبية في طور البناء. لا توجد بلدة ولا مداخن، لا يوجد سوى بضعة ~~عمال. كانت تقبع أكوام من الأخشاب على الحشائش. وثمة محرك ~~بنزيني تحت مظلة مؤقتة يشغل رافعة طويلة تمتد ذراعها إلى ~~أكوام الألواح والعوارض الخشبية، وترفع الحمولة وتتأرجح بها في ~~صمت، وتعمد بها إلى أحد هياكل السفن، وتضعها في مكان داخل ~~السفينة القابعة من دون حراك. وعلى طول الجوانب الخاوية، كان يعكف ~~عدد من عمال دق المسامير على عملهم؛ إذ يجلسون على ألواح ~~معلقة، وينزلون أنفسهم أو يصعدون باستخدام البكرات مثل عمال ~~طلاء المنازل. كان لا يسمع صوت مطارقهم إلا بالإنصات إليهم عن ~~قرب. وكان لا يسمع صياح بالأوامر، ولا تتردد جلبة الآلات ~~الثقيلة ولا صخب الحفارات الحديدية في الهواء. إن هذه الزوارق ~~الغريبة تبدو كأنها تبني نفسها. # خرج بعض الرجال من العربات، وجروا بطول خطوط السكك الحديدية، ~~وراحوا يسأل بعضهم بعضا ms205 كيف يمكن أن تبنى السفن فوق العشب كما ~~يرون. مدد الملازم كلود ويلر ساقيه على المقعد المقابل، وجلس ~~ساكنا بجوار نافذته، وظل ينظر إلى هذا المشهد الغريب. كان يظن أن ~~بناء السفن يقتضي وجود ضوضاء وأشغال حدادة وصوت المحركات وحشود من ~~الرجال. كان هذا بمثابة حلم. لا شيء سوى المروج الخضراء، ومياه ~~لونها رمادي دافئ، وطبقة طافية من الضباب تعكس شيئا من اللون ~~الوردي الذي اتخذته من الشمس الغاربة، ونوارس كالأشباح تطير على ~~مهل بينما يضفي الوهج الأحمر لونا على أجنحتها، وتلك الهياكل ~~الأربعة المثبتة فوق العوارض في مواجهة البحر كأنها تتباحث ~~بجواره. # لم يكن كلود يعرف شيئا عن السفن ولا عن بنائها، لكن هذه السفن ~~لا تبدو مثبتة بالمسامير، بل تبدو منحوتة من كتل الخشب. ~~ذكرته بالمنازل التي لم تبن باليد؛ كانت كأفكار بسيطة ~~وعظيمة مثل الأغراض التي تتشكل هنا في صمت بجوار لسان هادئ من ~~المحيط الأطلنطي. لم يكن يعرف أي شيء عن السفن، لكنه لم يكن يحتاج ~~إلى ذلك؛ إذ كان شكل تلك الهياكل وما بها من خطوط قوية واضحة يحكي ~~قصتها، بل إنه «هو» قصتها التي تحكي مغامرة الإنسان بأكملها مع ~~البحر. # السفن الخشبية! حين كانت المشاعر العظيمة والتطلعات الكبيرة ~~تحرك بلدا ما، كانت مثل هذه الهياكل تبنى على طول سواحلها كي ~~تحمي بسالتها. ما من شيء قد رآه كلود أو سمعه أو قرأه أو فكر ~~فيه، قد جعل الأمر بهذا الوضوح مثل تلك القيعان الخشبية التي لم ~~تستخدم بعد. كانت تعبر عن الرغبة الخالصة، وعن التصرف ~~المحتمل، وعن «الهجوم»، وعن السهم المنطلق، وعن الصرخة العظيمة ~~المكتومة؛ كانت هي المصير، وهي الغد! ... # انطلقت صافرة القطار لتجمع ركابه المتفرقين، وكأنها دجاجة ~~رومية تنادي على أفراخها. عاد الشباب المجندون جريا على طول ~~الجسر، وقفزوا على متن القطار. صاح مفتش التذاكر بأنهم سيصلون ~~إلى هوبوكين في وقت العشاء. # 2 # كان منتصف الليل قد حل حين تناول المجندون عشاءهم، ~~وبدءوا في فرد الأغطية كي يناموا على أرضيات قاعات الانتظار ~~الموجودة ms206 على المرفأ الطويل، التي كانت تعج في أيام أخرى ~~بالقادمين للترحيب بالأصدقاء العائدين إلى الوطن، أو لوداعهم قبل ~~الذهاب إلى سواحل البلدان الأجنبية. حاول كلود وبعض رجاله ~~استكشاف الأشياء حولهم، لكنهم لم يتمكنوا من رؤية الكثير. ظهرت ~~مقدمة إحدى السفن مطلية بأنماط مربكة باللونين الأبيض والأسود من ~~أحد أطراف السقيفة، لكن المياه نفسها لم تكن ترى. في الشارع ~~المرصوف بالحجارة، ظلوا بعض الوقت يراقبون الصف الطويل من ~~العربات التي تجرها الأحصنة والشاحنات، والتي ظلت طوال الليل ~~تتدافع إلى مخزن مضاء بالكهرباء تخزن فيه الصناديق والبراميل ~~والبضائع من جميع الأنواع، والتي كان مكتوبا عليها ما يأتي: «قوات ~~المشاة الأمريكية»؛ لقد كانت هناك صناديق تحوي آلات كهربائية ~~واردة من مصنع في أوهايو، قطع غيار سيارات، قاطرات مدفعية، أحواض ~~استحمام، مستلزمات طبية، رزم قطن، صناديق من الطعام المعلب، خزانات ~~معدنية رمادية مليئة بالسوائل الكيميائية. عاد كلود إلى قاعة ~~الانتظار، واستلقى وغط في النوم، بينما يشع وهج مصباح قوسي ~~بالكامل في وجهه. # استدعي في الرابعة صباحا، وأخبر بالمكان الذي سيثبت فيه ~~حضوره إلى مركز القيادة. شرح النقيب ماكسي الذي كان يجلس على مكتب ~~يوجد على أحد الأرصفة لملازميه أن سريتهم ستبحر في الساعة ~~الثامنة على متن سفينة أنخيسيس. كانت تلك سفينة شحن إنجليزية ~~قديمة سحبت من التجارة الأسترالية، ولا تسع أكثر من 2500 فرد. ~~كان الطاقم إنجليزيا، لكن جزءا من المؤن، اللحوم والخضراوات ~~والفاكهة الطازجة، مقدم من حكومة الولايات المتحدة. كان النقيب ~~قد صعد على متن السفينة في الليل، ولم تعجبه كثيرا. كان ~~يتوقع أن يبحر الطاقم بإحدى سفن شحن «هامبورج أميركان» ~~المزودة بقاعات طعام بها طبقة من خشب الصندل، ومحطات للتهوية، ~~ومحطات للتبريد، ومصاعد للتنقل بين أعلى السفينة وأسفلها، وكأنها ~~إحدى بنايات المكاتب في نيويورك. قال: «علينا أن نستخدمها على ~~النحو الأمثل بالرغم من هذا. فهم يستخدمون الآن كل ما له ~~قاع.» # تشكل أفراد السرية في طوابير استعدادا لنداء الأسماء في أحد ~~أطراف السقيفة، وأخذوا معهم أمتعتهم وبنادقهم. قدم الإفطار لهم ~~بينما كانوا ms207 ينتظرون. بعد الوقوف لمدة ساعة على الأرض الخرسانية، ~~رأوا إشارات مشجعة. فعند نهاية معبر السفينة، أنزل سلمان ~~منها، وبدأ يتدفق على كل سلم طابور من رجال يرتدون زيا ~~بنيا ويرتدون قبعات خدمة أنيقة. تعرفوا على سرية مشاة ~~كانساس، وبدأ التذمر لأنهم لم يحصلوا على قبعات الخدمة حتى الآن؛ ~~وسيكون عليهم الإبحار بقبعات ستيتسون القديمة الخاصة بهم. سرعان ~~ما وجهوا إلى أحد الطوابير البنية التي استمرت في صعود ~~الممرات، مثل سير يتدفق على إحدى الآلات. على متن السفينة، ~~وجه أحد المضيفين المجندين إلى عنبر الجنود، بينما وجه ~~مضيف آخر الضباط إلى مقصوراتهم. اقتيد كلود إلى غرفة بها ~~أربعة أسرة. كان أحد زملائه في السرية، الملازم فانينج، ~~زميلا له في الغرفة أيضا، ووجده بها بالفعل يرتب أغراضه ~~القليلة. أخبرهما المضيف أن الضباط كانوا يتناولون الإفطار في قاعة ~~الطعام. # بحلول الساعة السابعة، كانت جميع القوات قد صارت على متن ~~السفينة، وسمح للجنود بالصعود على ظهرها. للمرة الأولى، رأى كلود ~~المظهر الجانبي لمدينة نيويورك، وهي ترتفع رقيقة ورمادية على ~~خلفية سماء الصباح التي تتخذ لون الأوبال. طلع النهار حارا ~~وضبابيا. بالرغم من أن الشمس كانت مرتفعة حينذاك، بدت ككرة ~~حمراء تلطخها سحب أرجوانية. وبدت المباني الشاهقة التي سمع ~~عنها الكثير واهية ووهمية؛ محض ظلال رمادية وزهرية وزرقاء قد ~~تذوب مع الضباب وتتلاشى فيه. مني الفتيان بخيبة أمل. لقد نشئوا ~~في الولايات الغربية، حيث ألفوا الإضاءة ذات التباين الحاد ~~المميز للارتفاعات العالية، وكانوا يريدون رؤية المدينة بوضوح، لكن ~~حجبتها عنهم تلك الأبراج التي لا تقف على مستوى واحد، ولا تكاد ~~ترى في الضباب. كان الجميع يطرح أسئلة. أي من تلك المباني ~~العملاقة الباهتة هو مبنى سنجر؟ وأيها مبنى وولوورث؟ وما تلك ~~القبة الذهبية التي تلمع بعض الشيء من بين الضباب؟ لا أحد يعلم. ~~اتفقوا على أنه من المخزي أن لم يتمكنوا من قضاء يوم في ~~نيويورك قبل الإبحار بعيدا عنها، وأنهم سيشعرون في باريس بالحماقة ~~حين يكون عليهم الاعتراف بأنهم لم يتجولوا في برودواي. كانت ms208 ~~القاطرات والعبارات وبوارج الفحم تتحرك ذهابا وإيابا في ~~النهر المغطى بالزيت، وكلها مشاهد جديدة على الرجال. في مراسي ~~فرنسا وكانار، رأوا الأمثلة الأولى على «التمويه» الذي سمعوا عنه ~~كثيرا؛ سفن كبيرة مطلية بأنماط مجنونة تؤذي العين، بعضها ~~بالأسود والأبيض، وبعضها بألوان قوس قزح الناعمة. # انبعث البخار من قاطرة مجاورة للسفينة وثبتتها. بعد بضع ~~دقائق، ظهر رجل على الجسر، وبدأ يتحدث إلى النقيب. تحدث ~~فانينج الذي لم يترك جانب كلود، وأخبره أن ذلك الرجل هو مرشد ~~السفن، وأن وصوله يعني أن الرحلة ستبدأ. تمكنوا من رؤية تجميع ~~الأدوات اللامعة لإحدى الفرق عند مقدمة السفينة. # قال فانينج: «لنذهب إلى الجانب الآخر بالقرب من السياج إن ~~استطعنا. فالفتيان متجمعون هناك لأنهم يريدون مشاهدة تمثال ~~«إلهة الحرية» مع انطلاق السفينة. إنهم لا يعرفون حتى أن تلك ~~السفينة تستدير في اللحظة التي تدخل فيها إلى النهر. يعتقدون أن ~~السفينة ستنطلق بمؤخرتها أولا!» # لم يكن من السهل عليهما عبور ظهر السفينة؛ إذ غطت الأقدام ~~كل بوصة فيه. اكتسى ظهر السفينة بالكامل بالزي البني؛ كان ~~الجنود يتمسكون برافعات القوارب والأوناش والسياجات ووحدات ~~التهوية مثل سرب من النحل. فور أن خرجت السفينة هب نسيم قلل ~~من رطوبة الهواء. انبلجت السماء الزرقاء فوق رءوسهم، وازداد وضوح ~~الصورة الظلية للمباني الممتدة على الجزيرة الطويلة. لمعت ~~النوافذ بلون اللهب في جوانبها الرمادية، وتلألأت أسطح الأبراج ~~الذهبية والبرونزية حيث سقطت أشعة الشمس بصعوبة. كانت السفينة ~~تتقدم ببطء نحو النقطة المنشودة، وعلى الجهة اليسرى رأت العين ~~الشبكة الفضية التي تتشكل منها الجسور التي تبدو للرائي شديدة ~~التشابك. ~~«ها هي!» «مرحبا أيتها الفتاة العتيقة!» «وداعا أيتها ~~الحبيبة!» # اندفع السرب نحو الميمنة. ~~صاحوا وأشاروا إلى الصورة التي كانوا يبحثون عنها جميعا، رأوها من ~~مسافة أقرب كثيرا من تلك التي توقعوها، رأوها بردائها الأخضر ~~ذي الثنايا بينما يتصاعد الضباب متدفقا من خلفها كالدخان. كانت ~~تلك هي المرة الأولى للغالبية العظمى من الجنود الألفين ~~والخمسمائة التي يرون فيها تمثال بارتولدي، كما كانت المرة ~~الأولى لكلود أيضا. على ms209 الرغم من صورة التمثال الواضحة في عقولهم، ~~فإنهم لم يتخيلوه وهو واقف بين البحر والسماء، بينما تمر جميع ~~سفن الشحن من عند قدميه، وتتحرك كتل السحاب من خلفه. لم ~~تعطهم الصور الموجودة على طوابع البريد أدنى فكرة عن الطاقة التي ~~توحي بها إشارة التمثال، ولا عن ثقله الذي يغدو خفيفا بين الضباب. ~~ظل الجنود يحيونها ويقولون: «أعطتنا فرنسا ذلك التمثال.» قبل أن ~~يفيق كلود من أول شعور ينتابه بالإثارة، بدأت فرقة كانساس في ~~مقدمة السفينة تعزف أغنية «هناك». تغنى بها ألفا صوت يدوون ~~فوق المياه بابتهاج وإصرار راسخ ينتشران في تلك الأجواء ~~الجزلة. # مرت عبارة تابعة لجزيرة ستاتين على مقربة من مقدمة ~~السفينة. كان الركاب موظفين ذاهبين إلى العمل، وحين نظروا ~~ورأوا هذه المئات من الوجوه الشابة البرونزية المبتسمة، بدءوا ~~يصيحون ويلوحون لهم بمناديلهم. كان أحد الركاب رجل دين عجوزا، ~~وكان متحدثا مشهورا في عصره، لكنه قد تقاعد الآن، وصار يذهب إلى ~~المدينة كل صباح لكتابة افتتاحيات في جريدة الكنيسة. أغلق الكتاب ~~الذي كان يقرؤه، ووقف بجانب السياج، ورفع قبعته، وبدأ يتلو أبيات ~~شعر لشاعر كان ما يزال معروفا في عصره. تلا بصوت مرتعش: «واصلي ~~المسير»: ~~«أنت أيضا، واصلي المسير أيتها السفينة؛ # فالبشرية بكل مخاوفها # وكل آمالها للمستقبل # تتشبث بمصيرك لاهثة الأنفاس.» # بينما تعمقت السفينة العسكرية داخل البحر، ظل ~~الرجل العجوز يراقبها من العبارة ذات الظهر المحدب. ذلك ~~الحشد الهادر من ذوي الوجوه البنية والقبعات والأذرع بدا كأنه ~~ليس سوى جمع من فتية أمريكيين ذاهبين إلى مباراة كرة قدم في ~~مكان ما. لكن هذا المشهد كان أزليا؛ شباب يبحرون بعيدا للموت ~~من أجل فكرة، من أجل عاطفة، من أجل عبارة فحسب ... وفي رحلة ~~المغادرة، كانوا يقطعون العهود لصورة برونزية في البحر. # 3 # طوال وقت الصباح في اليوم الأول، طاف تود فانينج بكلود ظهر ~~السفينة؛ والحق أن فانينج لم يركب شيئا أكبر من باخرة في بحيرة ~~ميشيجان، لكنه كان يعرف الكثير عن الآلات، ولم يكن يتردد في أن ~~يسأل المضيفين على ms210 متن السفينة عن أي شيء لا يعرفه. فوجئ الفتية ~~بطيبة المضيفين الشديدة، بل الطاقم بأكمله، والتزامهم غير ~~العادي. # لم يظهر الشاغل الرابع للمقصورة رقم 96 التي يقيم فيها كلود حتى ~~وقت الظهيرة، ولم يظهر أيضا أي من متعلقاته؛ فبدأ الثلاثة ~~الذين استقروا فيها يأملون أن تظل المقصورة لأنفسهم. ستكون ~~مزدحمة بما يكفي بالفعل عند هذا الحد. خصص السرير الثالث لضابط ~~من سرية كانساس، وهو الملازم بيرد من فيرجينيا، وكان يعمل في ~~بنك عمه بمدينة توبيكا حين انضم للجيش. جلس هو وكلود معا على ~~مائدة الطعام المشتركة. في وقت الغداء، قال الفيرجيني بنبرته ~~اللطيفة: ~~«أيها الملازم، أرجو أن تخبرني عن الملازم فانينج. إنه يبدو ~~لي أرعن. ظل يخبرني عن اختراعه لجهاز لتدمير الغواصات، لكن ذلك ~~يبدو لي محض حماقة.» # ضحك كلود. «لا تحاول أن تفهم فانينج. امنحه الفرصة كي تعرفه، ~~وسيأتي الوقت وتحبه. لقد كنت أتعجب من أنه حصل على التكليف من ~~الأساس. لا يمكن لأحد أن يتوقع الجنون الذي قد يفعله.» # على سبيل المثال، أحضر فانينج أول سروال قطني أبيض خيط له ~~خصيصى، وهو الوحيد الذي يملكه؛ ذلك أن نفسه قد حدثته بأن ~~السفينة ستمكث في أحد الموانئ، وسيدعى لحضور حفل في حديقة! كان ~~يستخدم الكلمات الكبيرة في غير سياقها؛ وليس ذلك حبا في الظهور، ~~بل لأن الكلمات كانت تبدو في نظره سواء. في الأيام الأولى من ~~تعارفهما في المعسكر، أخبر كلود أن تلك علة لا يستطيع التعافي ~~منها، وهي ما يسمى ب «فقد الإحساس». تصبح هذه العلة مربكة في ~~بعض الأحيان؛ فعندما أعلن فانينج متحمسا أنه سيود أن يصبح في ~~الخدمة عندما حسم ولي العهد مشكلته الصغيرة مع بليتو (أفلاطون)، ~~لم يفهم كلود شيئا حتى اتضح من النكات اللاحقة أن الفتى كان ~~يقصد بلوتو. # في الساعة الثالثة، أقامت الفرقة احتفالا على ظهر المركب. ~~انخرط كلود في حديث مع قائد الفرقة، وسر لما علم أنه هو ~~وأعضاء فرقته الأربعة عشر من مدينة هيلبورت بكانساس، وهي مدينة ~~ذهب كلود إليها ذات ms211 مرة مع والده لشراء الماشية. كانوا هم فرقة ~~المدينة، والتحقوا بالتجنيد دفعة واحدة، وذهبوا إلى التدريب ~~معا، ولم يتفرقوا قط. أحد أفراد الفرقة يعمل في مطبعة، ~~ويساعد في طباعة مجلة «هيلبورت آرجوس» كل أسبوع، وآخر يعمل في محل ~~بقالة، وثالث ابن رجل ألماني يعمل في إصلاح الساعات، ورابع ~~لا يزال في المدرسة الثانوية، وخامس يعمل في دهان السيارات. بعد ~~العشاء، وجدهم كلود متجمعين وشديدي الاهتمام بأول ليلة لهم في ~~البحر، ويتناقشون فيما إن كان غروب الشمس في المياه بالجمال الذي ~~كانوا يرونه عليه كل مساء في هيلبورت، أم لا. كانوا يقضون الوقت ~~معا بهدوء وحزم، وإن تتحدث إلى أحدهم فسرعان ما ستجد البقية ~~قد اشتركت في الحديث. # حين كان كلود وفانينج والملازم بيرد يخلعون ملابسهم في ~~مبيتهم الضيق تلك الليلة، لم يكن صاحب السرير الرابع قد حضر ~~بعد. وحين دخلوا إلى أسرتهم وكادوا يغطون في النوم، دخل الرجل ~~الرابع وأضاء المصباح دون تكلف. اندهشوا حين رأوه يرتدي زي ~~الفيلق الجوي الملكي ويحمل عصا. بدا صغيرا للغاية، لكن الثلاثة ~~الذين اختلسوا النظر إليه شعروا أنه شخص مهم دون شك. خلع ~~المعطف ذا الياقة التي تتخذ شكل جناحين مبسوطين، وخلع ساعته، ~~وأولى تنظيف أسنانه أهمية خاصة. بعد مدة وجيزة أطفأ المصباح، ~~وصعد إلى سريره فوق الملازم بيرد، وانتشرت رائحة نفاذة لشراب ~~الرم في الغرفة. # كان فانينج ينام تحت كلود، ورفس المرتبة المرتخية فوقه، وأخرج ~~رأسه. «مرحبا يا ويلر! ماذا هنالك؟» ~~«لا شيء.» ~~«لا شيء، هذا طيب الرائحة. سأتناول البعض مع أي شخص يدعونني ~~لذلك.» # لم يرد رد من أي سرير. تمتم بيرد الفيرجيني: «توقف عن ~~الصخب»، ثم خلدوا إلى النوم. # في الصباح عندما أتى الخادم المسئول عن الحمام، شق طريقه في ~~المقصورة الضيقة، ومد رأسه إلى السرير الواقع فوق بيرد. «عذرا ~~يا سيدي، لكني بحثت عن أمتعتك بعناية ولم أجدها يا سيدي.» # استشاط الصوت الخشن بالأعلى: «لا بد أن تعثر عليها كما أخبرتك. ~~لقد أحضرتها بنفسي من سانت ريجيس في سيارة أجرة. ms212 رأيت الحقيبة على ~~الرصيف مع حقائب الضباط، إنها حقيبة سفر كبيرة سوداء محفور عليها ~~الحرفان # V.M. # من الطرفين. ابحث ~~عنها.» # ابتسم الخادم سرا. كان يعلم على الأرجح أن الطيار صعد على ~~متن المركب في حالة تحول دون أي ملاحظة دقيقة من جانبه. «حسنا ~~يا سيدي. هل هناك شيء أستطيع القيام به في الوقت الحالي؟» ~~«خذ هذا القميص معك إلى المغسلة وأعده لي الليلة. فليس لدي ~~ملابس كتانية في حقيبتي.» ~~«أمرك يا سيدي.» # خرج كلود وفانينج إلى سطح السفينة بأسرع ما أمكنهما، ووجدا ~~العشرات من زملائهما على ظهرها بالفعل يشيرون إلى بقع من الدخان ~~القاتم على طول الأفق الصافي. كانوا يعلمون أن تلك السفن آتية من ~~موانئ مجهولة، بعضها بعيد، وتبحر إلى أماكن لا يعلم وجهتها ~~سوى القادة. ستصل جميع السفن إلى نقطة محددة على سطح المحيط ~~في أوقات متقاربة. في تلك البقعة، ستقف كل سفينة في مكانها ~~محاطة بمدمراتها، وستتقدم جميعا بتشكيل منظم من دون أي ~~تغيير في مواقعها النسبية. لن تتركها الحاميات حتى تنضم إليها ~~الزوارق الحربية والمدمرات قبالة أي ساحل تتجه إليه، لكن ~~أحدا لا يعرف أي ساحل على وجه التحديد، ولا حتى الضباط. # حدث ذلك اللقاء بالفعل ~~قبيل الظهيرة. كانت هناك عشرة سفن حربية، بعضها زوارق كبيرة، ~~وست مدمرات. وقف الجنود طيلة وقت الصباح تقريبا يحدقون ~~مذهولين بالسفن الشقيقة، ويحاولون معرفة أسمائها، ويخمنون ~~قدراتها الاستيعابية. بعد أن اسمرت جلودهم بالفعل، بدأت شفاههم ~~وأنوفهم في التقرح بفعل أشعة الشمس الحارقة. بعد شهور طويلة ~~من التدريب المكثف، امتن عليهم بوقت من الراحة والسكون. ~~وعلى الرغم من أن حياتهم الماضية لم تكن طويلة ولا متنوعة ~~الأنشطة، فقد شعر معظمهم كما شعر كلود ويلر؛ شعروا بالارتياح ~~للتخلص من جميع ما سبق ومواجهة شيء جديد تماما. قال تود فانينج ~~وهو يقف أمام الحاجز: «يمكن لمن يرغب أن يركض كل صباح للحاق ~~بالقطار، وأن يقضي أيامه في أحد مصانع «ويستنجهاوس»، لكني لم أعد ~~أرغب في القيام بذلك!» # انضم إليهما الفيرجيني. «ذلك الرجل الإنجليزي ms213 لم يخرج من ~~السرير حتى الآن. أعتقد أنه لم يفتأ يسرف في الشراب. رائحة ~~المكان تشبه رائحة الحانة. لقد خرج خادم الغرفة لتوه وغمز لي. ~~رأيته يضع شيئا في جيبه خلسة، وبدا أنها ورقة نقدية.» # شعر كلود بالفضول ونزل إلى المقصورة. حين دخل، وجد رجل القوات ~~الجوية مستلقيا على سريره العلوي مرتديا نصف ملابسه، ونهض ~~مستندا إلى مرفقه، ونظر إلى كلود. كانت عيناه الزرقاوان ~~مقطبتين ومكتئبتين، وشعره المجعد غير مرتب، لكن وجنتيه ~~ورديتان كأنهما وجنتا فتاة، وشاربه الصغير الأصفر مثل الطائر ~~الطنان على شفته العليا مبروما بحدة. # قال كلود متوددا: «تفوت على نفسك طقسا جميلا.» ~~«حسنا، سنستمتع بالطقس كثيرا قبل أن نغادر، وسنستمتع بالقليل ~~من أي شيء آخر!» سحب زجاجة من تحت وسادته. «هل تريد ~~رشفة؟» # مد كلود يده: «حسنا، لن أمانع.» # ضحك الآخر، وعاد مرة أخرى إلى وسادته، وتشدق متكاسلا: «يا ~~لك من فتى شجاع! هيا؛ اشرب في نخب القيصر.» ~~«لماذا نخبه على وجه الخصوص؟» ~~«ليس على وجه الخصوص. اشرب في نخب هيندنبورج أو القيادة العليا ~~أو أي شيء آخر أخرجك من حقل الذرة. هذا هو المكان الذي أخذوك منه، ~~أليس كذلك؟» ~~«تخمين صائب على أي حال. من أين أخذوك؟» ~~«كريستال ليك، آيوا. أعتقد أن هذا هو المكان.» تثاءب وطوى يديه ~~فوق بطنه. ~~«عجبا، ظننا أنك إنجليزي.» ~~«كلا. لكني خدمت في الجيش الملكي لمدة عامين.» ~~«هل كنت تسافر إلى فرنسا؟» ~~«نعم، ظللت أتنقل بين إنجلترا وفرنسا طوال الوقت. الآن، ~~ضيعت شهرين في فورت وورث. وضعوني مدربا هناك. ليس ذلك بمجالي. ~~كان ذلك بمثابة عقاب لي. لا يمكن معرفة ما يدور في عقل العقيد ~~الذي يرأسني على أي حال؛ ربما تكون تلك طريقته في إبعادي عن ~~الخطر.» # نظر إليه كلود مندهشا من فكرة كتلك. # ابتسم له الشاب ابتسامة شفقة فاترة. «حسنا، لا أعني طائرات ~~الألمان! توجد الكثير والكثير من المخاطر. ستعرف أنهم لم يخبروك ~~في معسكر التدريب إلا قدرا ضئيلا للغاية من المعلومات عن تلك ~~الحرب. إنهم لا يقولون أي ms214 تفاصيل مهمة. هل أنت ذاهب؟» # لم يكن كلود ينوي الخروج، لكنه سحب الباب حين سمع ذلك ~~الاقتراح. # نادى الطيار: «انتظر دقيقة. ذلك الأحمق صاحب السيقان الطويلة ~~الذي ينام على السرير أسفلك، هلا أبقيته هادئا؟» ~~«هل تقصد فانينج؟ إنه فتى طيب. ماذا به؟» # فجأة استشاط الآخر غضبا ~~وهو يتقلب: «جهله العام ونبرته المألوفة بدرجة لا ~~تطاق.» # وجد كلود فانينج والفيرجيني يلعبان الداما، وأخبرهما أن الطيار ~~الغامض ريفي مثلهما. بدا أن كليهما قد منيا بخيبة ~~الأمل. # تعجب الملازم بيرد: «سحقا!» # قال فانينج: «حسنا، لا يسعه النظر إلي نظرة دونية بعد ذلك. ~~كريستال ليك! ليست تلك بمدينة أصلا!» # على الرغم من هذا، أراد كلود أن يعرف كيف استطاع شاب من ~~كريستال ليك أن يصبح عضوا في الفيلق الجوي الملكي. ومن بين مئات ~~الغرباء، برز ستة رجال كان يعزم على أن يتعرف عليهم أكثر. وفي ~~مشهد مهيب يجمعهم جميعا وهم يتجولون على ظهور المراكب تحت أشعة ~~الشمس، نسوا الغيرة والمنافسات التافهة التي نشبت بينهم أيام ~~المعسكر. بدا أن شبابهم يتدفق معا، كزيهم البني ~~الموحد. حين رآهم كلود في هذا الحشد، شعر أن النبل يبدو في ~~سيمائهم. بدا الصدق في وجوه العديد منهم، بدا في وجوههم التعبير ~~عن الترقب المستبشر والحماسة الواثقة. # كان من بين الركاب رجل واحد من سلاح البحرية، وعلى معطفه ~~شارات الخدمة في سلاح حرس الحدود. كان مريضا في مستشفى البحرية ~~في بروكلين حين أبحرت سريته، وكان حينذاك في طريقه كي ينضم ~~إليها. كان شاحب البشرة بعض الشيء بسبب مرضه الأخير، لكنه كان ~~يجسد الصورة التي رسمها كلود في ذهنه عما يجب أن يكون عليه ~~الجندي. وظل يتبع بعينيه جندي البحرية طوال اليوم. # كان الشاب يدعى ألبرت آشر، ويأتي من بلدة صغيرة تقع على جبال ~~ويند ريفر بمقاطعة وايومنج، حيث كان يعمل في أحد معسكرات قطع ~~الأخشاب. أخبر كلود بتلك المعلومات حين كان أحدهما واقفا بجانب ~~الآخر على ظهر المركب في ذلك المساء يشاهدان الشمس الأرجوانية ~~وهي تغوص في مياه البحر ذات ms215 اللون البنفسجي. # كان ذلك هو الموعد الذي ~~يبيت مزارعو المنزل فيه ماشيتهم بعد انتهاء عمل اليوم. كان ~~كلود يفكر في أن أمه ستقف كل مساء في النافذة الغربية تشاهد ~~الشمس، وتتبعه بمخيلتها. حين صعد جندي البحرية وانضم ~~إليه، اعترف أنه يعاني ألم الحنين إلى الوطن. # قال ألبرت آشر: «ذلك مرض لن أضطر إلى مصارعته. لقد تركت ~~يتيما في مزرعة منعزلة عندما بلغت التاسعة، وأنا أعتني بنفسي ~~منذ ذلك الحين.» # نظر كلود بطرف عينه إلى رأس الفتى الذي يستقر على رقبة حليقة ~~وقوية، وخطر له أنه قد أبلى بلاء حسنا في الاعتناء بنفسه. لم ~~يستطع معرفة ما كان يعجبه في وجه آشر الشاب على وجه التحديد، لكن ~~بدا له أن ذلك الوجه مر بالعديد من الأحداث التي دربته مثلما ~~درب هو جسده، ونمت فيه شخصية محددة. ما كان كلود يظن أنه ~~يعود إلى الحياة الرجولية المليئة بالمغامرات، كان راجعا في حقيقة ~~الأمر إلى العظام الحسنة التشكيل؛ ذلك أن وجه آشر كان أكثر ~~«تنسيقا» من معظم سماته التي تدل على الصحة. # حين سئل جندي البحرية، قال إنه على الرغم من عدم امتلاكه ~~لبيت خاص به، فإنه دائما ما كان يجد نفسه بين أناس طيبين. وقال ~~إنه يستطيع العودة إلى أي منزل في باينديل أو دو بوا، وسيرحب به ~~ترحيب الأبناء. # قال: «أظن أن النساء الطيبات في كل مكان، لكن وايومنج تتفوق ~~في ذلك الصدد على بقية العالم. لم أشعر قط أنني أفتقر إلى بيت. ~~والآن أصبح سلاح البحرية الأمريكي عائلتي. أينما حل فأنا في ~~بيتي.» # سأل كلود: «هل زرت فيرا كروز؟» ~~«أعتقد ذلك! ظننا أنه حفل صغير في ذلك الوقت، لكني أظن أننا ~~سنجده حدثا غير مهم عندما نصل إلى هناك. أعتقد أننا سنشهد ~~تدميرا من الدرجة الأولى. ما مدة خدمتك في الجيش حتى ~~الآن؟» ~~«مر عام منذ أبريل الماضي. كان حظي سيئا في السفر. ظلوا ~~ينقلوني من مكان إلى آخر لتدريب الجنود.» ~~«سيكون القادم أفضل. هل أنت خريج جامعي؟» ~~«لا، التحقت ms216 بالجامعة ولكني لم أكمل.» # قطب آشر وهو ينظر إلى الخط المعسجد فوق المياه حيث تغرب ~~الشمس، وقد انغمس نصفها كأنها عين كبيرة متيقظة توشك أن تغمض. ~~«كنت أرغب في الالتحاق بالجامعة، لكني لم أتمكن من ذلك. ثمة ~~رجل من لارامي عرض علي المشاركة في دورة تدريبية بالجامعة، ~~لكني كنت قلقا للغاية. أظن أنني كنت خجلا من خط يدي.» توقف ~~كأنه تذكر شيئا مؤسفا قديما. بعد برهة، قال فجأة: «هل تتحدث ~~الفرنسية؟» ~~«لا، أعرف بضع كلمات، ولا أستطيع صياغتها معا.» ~~«أنا أيضا أتوقع أن أتعلم بعضا من الفرنسية. فقد عرفت ~~قليلا من الإسبانية عندما كنت على الحدود.» # في ذلك الوقت، كانت الشمس قد اختفت، واصطبغت السماء في جهة ~~الغرب بلون أصفر موحد بدا كستارة ذهبية قد انسدلت فوق البحر ~~الساكن، الذي بدا كأنه تحول إلى لوح من الحجارة باللون الأزرق ~~الداكن؛ إذ اختفى كل بريق من فوق سطح المياه الساكنة. وعلى ستار ~~الغسق الأملس، ارتسمت بقعتان طويلتان بلون أخضر شاحب مثل بيضة ~~عصفور أبي الحناء. # سأل آشر بنبرة المضيف ~~المؤدب: «هل تحب الماء؟ حين سافرت للمرة الأولى على متن ~~طرادة، أغرمت بالبحر. ولا أزال مغرما به. لكني أحب الجبال ~~الجرداء القديمة في وايومنج أيضا. توجد شلالات يمكن رؤيتها من ~~مسافة عشرين ميلا من السهول؛ إنها تبدو كملاءات بيضاء معلقة ~~في المنحدرات الصخرية، أو شيء من هذا القبيل. وفي الجداول الباردة ~~الموجودة في غابات الصنوبر، توجد أسماك السلمون المرقط التي ~~يبلغ طولها طول ساعدي.» # في ذلك المساء، صعد كلود إلى ظهر المركب، وقضى معظم الوقت ~~بمفرده؛ إذ كان ثمة حفل في جناح تناول الطعام. ظهرت سحب ~~مثقلة في جهة الغرب، وراحت ترفرف فوق المياه على ارتفاع ~~منخفض حتى بدت كأنها ملابس سوداء مغسولة منشورة على حبل. # أتت الموسيقى عذبة من أسفل السفينة. ثمة أربعة فتيان ~~سويديين من المستوطنة الاسكندنافية في ليندسبورج بولاية كانساس ~~كانوا يغنون «لونج، لونج أجو». استمع كلود من بقعة مظللة في ~~مؤخرة السفينة. ما الذي يفعلونه، وما الذي يفعله ms217 هو في المحيط ~~الأطلسي؟ قبل عامين، كان يبدو كفتى انتهت الحياة بالنسبة إليه، ~~وكأنه غرس في الأرض كدعامة أو كهؤلاء المجرمين الصينيين الذين ~~يدفنون واقفين لا يبدو منهم سوى رءوسهم كي تنقرها الطيور وتلدغها ~~الحشرات. انعزل جميع رفاقه في مدن البراري، وانشغلوا في وظائفهم ~~الصغيرة وخططهم البسيطة. لكنهم هنا الآن، أحضروا إلى سفن ~~مجهولة أتت إليها من جميع جهات الأرض. كيف غدوا يستحقون تلك ~~اليقظة والتفاني من العديد من الرجال والآلات، وذلك الاستهلاك ~~الباهظ من الوقود والطاقة؟ عند النظر إلى كل منهم على حدة، فإنهم ~~ليسوا سوى رجال عاديين مثله. ومع ذلك، فهم هنا الآن. وفي تجمع ~~هؤلاء الرجال وحركتهم، لا يوجد شيء عادي أو شائع كان واثقا من ~~ذلك. الأمر كله من البداية إلى النهاية غير متوقع، وربما عصي ~~على التصديق. قبل أربع سنوات حين استولى الفرنسيون على إقليم ~~المارن، لم يتصور أفطن الرجال في العالم أن هذا سيحدث؛ خمنوا ~~كل احتمال إلا هذا. «إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة ~~أولادا لإبراهيم.» # في الطابق السفلي، بدأ الرجال يغنون «آني لوري». أين منه تلك ~~الأمسيات الصيفية التي اعتاد الجلوس فيها صامتا بجانب الطاحونة ~~مفكرا فيما يفعله بحياته؟ # 4 # في صباح اليوم الثالث، استيقظ كلود والضابط الفيرجيني وجندي ~~البحرية مبكرا جدا، ووقفوا في مقدمة السفينة يشاهدونها وهي ~~تعلو فوق تلال المياه المتدفقة باستمرار، وكانت حافتها الأمامية، ~~وهي ترتفع وتنخفض، دائما تبدو كمثلث معتم في مقابل الضوء ~~اللامع. بدت سفن الحراسة المصاحبة للسفينة مثل سفن أحلام ناعمة ~~وقزحية اللون، مثل صدفة في درجات الألوان اللؤلئية للصباح. نفثات ~~الدخان الداكنة وحدها هي من أخبرتهم بأنها آلات ذات وقادات ~~ومحركات. # بينما كان الثلاثة واقفين هناك، أخبر رقيب كلود أنه كان حريا ~~باثنين من رجاله الإعلان عن مرضهما. تعرض العريف تانهويزر ~~لنوبة نزيف أنفي في الليل، لدرجة أن الرقيب ظن أنه قد يموت قبل ~~أن يتمكنوا من إيقاف النزيف. استيقظ تانهويزر الآن، وهو في طابور ~~الإفطار، ولكن الرقيب كان متأكدا من أنه ما ms218 كان ينبغي له فعل ~~ذلك. إن فريتس تانهويزر هذا كان هو الأطول في هذا الجمع؛ إنه رجل ~~أمريكي من أصول ألمانية، وعندما يسأله أحد عن اسمه فعادة ما ~~يقول إن اسمه هو دينيس، وإنه ينحدر من أصول أيرلندية. حتى إنه ~~حاول المزاح هذا الصباح، وأشار إلى وجهه الأحمر الكبير، وأخبر ~~كلود أنه يظن أنه مصاب بالحصبة. قال مؤكدا: «على الأقل إنها ليست ~~حصبة ألمانية أيها الملازم.» # استغرق الفحص الطبي وقتا طويلا في ذلك الصباح. بدا أن هناك ~~تفشيا للمرض على متن السفينة. لما أحضر كلود رجليه إلى الطبيب، ~~طلب الأخير منهما النزول وملازمة الفراش. ولما غادرا التفت إلى ~~كلود. ~~«أعطهما شايا ساخنا، وابسط عليهما كومة من بطاطين الجيش. ~~اجعلهما يتعرقان إن استطعت.» أشار كلود إلى أن عنبر الجنود ليس ~~مكانا مناسبا للجنود المرضى. ~~«أعلم ذلك أيها الملازم، ولكن مرض عدد من الجنود هذا الصباح، ~~والطبيب الوحيد الآخر الموجود على متن السفينة مرضه الأشد من بين ~~المصابين. يوجد طبيب السفينة بالطبع، ولكنه مسئول فقط عن الطاقم، ~~ولم يبد منه أي اهتمام حتى الآن. أمرت بفحص المستشفى والمؤن ~~الطبية هذا الصباح.» ~~«هل يوجد وباء من أي نوع؟» ~~«حسنا، أرجو ألا يكون هناك وباء. ولكن سيكون عندي أعمال كثيرة ~~اليوم؛ ولذا سأسند إليك مهمة الاعتناء بهذين الرجلين.» كان ~~الطبيب من نيو إنجلاند، وقد انضم إليهم في هوبوكين. إنه رجل ~~متناسق القوام ونشيط، له عينان ثاقبتان وملامح جميلة وشعر ~~رمادي له لون وجهه الشاحب نفسه. شعر كلود على الفور أنه علم ~~ما عليه فعله، ونزل إلى أسفل كي ينفذ التعليمات بقدر ما ~~يستطيع. # لما صعد من عنبر الجنود، رأى الطيار - الذي كان يعلم أن اسمه ~~فيكتور مورس - يدخن عند حاجز السفينة. كان لا يزال رفيق ~~المقصورة ذاك يثير فضوله. ~~«هذه هي المرة الأولى التي تصعد فيها إلى ظهر السفينة، أليس ~~كذلك؟» # كان الطيار ينظر إلى ألسنة الدخان البعيدة التي تعلو الأمواج ~~المتلألئة المرتعشة. «الوقت مبكر. وددت أن أعرف وجهتنا. لن ~~يروقني البتة أن ننزل ms219 على شاطئ فرنسي.» ~~«أعتقد أنك قلت إنك ذاهب إلى فرنسا.» ~~«نعم. ولكني أريد الذهاب إلى لندن أولا.» استمر في النظر إلى ~~السفن الزاهية اللون. لاحظ كلود أنه يرفع ذقنه عاليا جدا أثناء ~~وقوفه. بعدما بدت عليه الآن الجدية الشديدة، أصبحت عيناه ~~براقتين وجريئتين؛ إذ بدا أنهما كانتا تزدريان كل ما حوله. من ~~الواضح أنه كان يتحاشى الاختلاط مع الناس، وكأنه بين أناس لا ~~ينتمي إليهم. # رأى كلود أن تصرف هذا الرجل يشبه تصرف طائر كركي أسر ~~وربط من ساقه في حظيرة دجاج ماهيلي؛ إذ كان يضم جناحيه ~~ويحرك رأسه على نحو مستمر وسريع وهو يحملق. # سأله: «أظن أن لك أصدقاء في لندن؟» # رد الطيار ببعض العاطفة: «نعم!» ~~«هل تحبها أكثر من باريس؟» ~~«لا أتصور مكانا أفضل من لندن. لم أزر باريس؛ دائما ما ~~أعود إلى الوطن عندما أكون في إجازة. إنهم يثقلون كاهلنا بعمل ~~كثير. في سلاحي المشاة والمدفعية، لا يحصل رجالنا إلا على أسبوعي ~~إجازة في العام. أعرف أن الأمريكيين استأجروا إقليم الريفيرا ... ~~إنهم يستردون عافيتهم في نيس ومونت كارلو.» وأردف بوجه عابس: ~~«الجولة السريعة الوحيدة التي قمنا بها كانت إلى جاليبولي.» # كان الرفاق هنا يظنون أن فيكتور قطع شوطا كبيرا في اكتساب ~~اللهجة البريطانية. على الأقل لقد بدأ ينطق بعض الكلمات مثل ~~الإنجليز ويستخدم مسمياتهم للأشياء. عرض سيجارة على كلود ~~مشيرا إلى أن علبة سيجاره كانت في حقيبته الضائعة. ~~«خذ سيجارا مني. أرسل لي أخي علبتين قبل أن نبحر مباشرة. ~~سأضع علبة على سريرك عندما أنزل إلى المقصورة المرة القادمة. إنه ~~سيجار جيد.» # التفت الشاب ورمقه بنظرة فاحصة باندهاش. «ما أكرم عرضك! ~~نعم، شكرا لك، سأفعل.» # لما أعار كلود بعض القمصان لفيكتور أمس، حاول أن يحثه على ~~الحديث عن مغامراته الجوية، ولكنه كان شديد الكتمان في هذا ~~الموضوع. اعترف أن الندبة الحمراء الطويلة في أعلى ذراعه تسبب ~~فيها قناص يقود طائرة فوكر ألمانية، ولكنه سرعان ما أردف أنها ~~لم تتسبب في أي عواقب لأنه هبط بطائرته بسلام. والآن، ms220 وبسبب جودة ~~السيجار الذي أعطاه له، اعتقد أنه سيعرف منه المزيد. سأل إن كان في ~~الحقيبة المفقودة أي شيء لا يمكن استبداله؛ أي شيء «له ~~قيمة». ~~«يوجد شيء واحد له قيمة كبيرة للغاية؛ عدسة تسايس، وكانت ~~بحالة مثالية. من وقت لآخر، أشتري العديد من معدات التصوير ~~الفوتوغرافي الجيدة، ولكن دائما ما تتصدع العدسات بسبب الحرارة؛ ~~عادة ما تخرب تلك المعدات من الحرارة. تلك العدسة اقتلعتها من ~~طائرة أسقطتها في مدينة بار لي دوك، ولا يوجد فيها خدش واحد؛ ~~ببساطة إن هذه معجزة.» # سأل كلود متحمسا: «إنك تحصل على كل ما في أي طائرة عندما ~~تسقطها، أليس كذلك؟» ~~«بالطبع. لدي مجموعة جيدة؛ أجهزة قياس ارتفاعات وبوصلات ~~ونظارات. دائما ما أحمل معي تلك العدسة؛ لأنني أخشى أن أتركها ~~في أي مكان.» ~~«أظن أن إسقاط طائرة ألمانية يجعل المرء يشعر بإحساس رائع ~~للغاية.» ~~«أحيانا. أسقطت العديد من الطائرات، ولكني لم أجد الأمر ~~ممتعا.» توقف فيكتور عن الكلام وكان عابسا. ولكن وجه كلود ~~الطيب المستعد للتصديق صعب من سعي فيكتور للتكتم. «أسقطت ~~امرأة ذات مرة. إنها شيطان شجاع؛ إذ كانت تطير بطائرة استطلاع ~~وأزعجتنا بعض الشيء؛ إذ كانت تطير فوق خطوطنا. بطبيعة الحال، ~~إننا لم نعرف أنها امرأة حتى أسقطنا الطائرة. لقد سحقت تحت ~~المعدات. عاشت بضع ساعات وأملت خطابا إلى أهلها. خرجت وأسقطت ~~الخطاب داخل خطوطهم. كان عملا محفوفا بالمخاطر. كدت أموت. ومع ~~ذلك حصلت على إجازة لمدة أسبوعين في لندن.» ثم قال فجأة: «ويلر، ~~ليتني أعلم أننا ذاهبون إلى هناك الآن!» ~~«أتمنى ذلك كثيرا.» # هز فيكتور كتفيه. «أعتقد أن هذا هو ما سيحدث!» التفت بوجهه ~~تجاه كلود. «انظر هنا، يمكنني أن أريك معالم لندن إن أحببت! هذا ~~وعد مني. لم ير معالمها الأمريكيون قط كما تعلم. إنهم يجلسون ~~في أكواخ تابعة لجمعية الشبان المسحيين، ويكتبون إلى معارفهم ~~الغارقين في التفاؤل، أو يبحثون عن برج لندن. سأريك مدينة تنبض ~~بالحياة، هذا إن لم تكن لك رغبة في زيارة المتاحف.» # ضحك المستمع. «كلا، أريد ms221 أن أرى الحياة، كما يقولون.» ~~«أوه! أفكر في أماكن أود أن أريك إياها. حسنا، أدعوك إلى ~~تناول العشاء معي في فندق سافوي في أول ليلة لنا في لندن. ~~سيتجلى هذا العالم أمامك. لا يدخل أحد لا يرتدي ملابس سهرة. ~~ستبهرك المجوهرات. الممثلات، الدوقات، كل النساء الأنيقات في ~~أوروبا.» ~~«ولكنني ظننت أن لندن يخيم عليها الظلام والكآبة منذ اندلاع ~~الحرب.» # ابتسم فيكتور، وداعب شاربه الصغير الأصفر بإصبعيه الإبهام ~~والوسطى. «لا، توجد بضعة أماكن لا تزال على حالها.» بدأ يشرح لكلود ~~كيف هي الحياة الحقيقية على الجبهة. لم يتحدث أحد دخل الخدمة ~~العسكرية عن الحرب، أو يفكر فيها؛ إنها مجرد حالة عاشوا في ظلها. ~~تحدث الرجال عن الكتيبة التي كانوا يودون الانضمام إليها، أو عن ~~الفرقة المفضلة التي تظهر في جميع العروض القتالية. كان الجميع ~~يفكر في لعبته الخاصة، في حياته الخاصة التي تمكن من الحفاظ ~~على استمرارها على الرغم من صرامة الحياة العسكرية، وفي الإجازة ~~القادمة، وكيفية الحصول على شمبانيا من دون أن يدفع ثمنا لها، ~~ومراوغة الحارس، والدخول في علاقات مع نساء دون أن يلاحظه أحد. ~~سأل: «هل لغتك الفرنسية جيدة؟» # ابتسم كلود ابتسامة عريضة. «ليس تماما.» ~~«حري بك أن تستغل كل معرفتك بها إذا كنت تريد فعل أي شيء ~~مع الفتيات الفرنسيات. سمعت أن الشرطة العسكرية لديكم صارمة ~~جدا. يجب أن تكون قادرا على قول ما تريده في اللحظة التي ترى ~~فيها فتاة وتحدد موعدا للقائها قبل أن يراك الحارس.» # أشار كلود بلامبالاة: «أعتقد أن الفتيات الفرنسيات ليس لديهن ~~أي وازع أخلاقي؟» # هز فيكتور كتفيه الصغيرتين. «من واقع خبرتي، ليس للفتيات ~~الكثير من هذا الوازع، في أي مكان. عندما كنا نتدرب نحن ~~الكنديين في إنجلترا، كنا جميعا نقضي عطلة نهاية الأسبوع مع ~~نساء. أعتقد أن الفتيات في كريستال ليك يصعب إرضاؤهن بنحو أو ~~بآخر ... ولكن مضى على ذلك وقت طويل. لن تواجه أي صعوبة.» # لما كان فيكتور في وسط سرده لمغامرة عاطفية له، وكانت مختلفة ~~قليلا عما سمعه كلود ms222 من قبل في حياته، انضم إليهما تود ~~فانينج. لم ينتبه الطيار إلى وجود مستمع جديد، ولكن لما انتهى ~~من قصته، ابتعد بمشية الخيلاء المعروف بها، وعيناه لم تنزل عن ~~هدفه البعيد. # تبعه فانينج بعينيه مشمئزا. «هل تصدقه؟ لا أظن أنه من ~~محطمي قلوب العذارى. تعجبني جرأته؛ إذ ينطق اسم رتبتك بشيء من ~~التكبر على نحو غير صحيح! أما عندما يتحدث إلي فعليه أن ينطق ~~اسم رتبتي على نحو صحيح، وإلا فسأشوه وجهه.» # تذكر الرجال هذا اليوم بعد مدة طويلة من الوقت؛ لأنه كان نهاية ~~الطقس اللطيف والأيام الأولى الطويلة الخالية من الهموم في المحيط. ~~في وقت ما بعد الظهيرة، جلس كلود وجندي البحرية الشاب والفيرجيني ~~وفانينج معا تحت الشمس يشاهدون المياه وهي تنجرف في الفجوات ~~وتتجمع في تلال زرقاء متموجة. كان آشر يحكي لرفاقه قصة طويلة عن ~~رسو قوات البحرية في فيرا كروز. # أنهى حديثه قائلا: «إنها مدينة قديمة وعظيمة. بها شيء لن أنساه ~~ما حييت. أحد السكان أخذ بعضا منا إلى السجن القديم المبني على ~~صخرة في البحر. بقينا هناك طوال اليوم، ولم يكن الأمر بمنزلة جولة ~~سياحية على الإطلاق، صدقني! نزلنا إلى زنازين مبنية تحت ~~المياه كانوا يحتجزون فيها السجناء السياسيين؛ يتركونهم هناك ~~سنوات حتى يذبلوا. رأينا جميع أدوات التعذيب القديمة؛ أقفاصا ~~حديدية صدئة حيث لا يستطيع الرجل الاستلقاء أو الوقوف فيها، ولكن ~~عليه الجلوس منحنيا حتى تعوج قامته. عند الخروج من هذا المكان ~~يرى المرء أنه من الغريب أن يترك الناس حتى يتعفنوا هناك رغم ~~وفرة الشمس والماء بالخارج. يبدو الأمر كأن هناك خطأ كبيرا في ~~البشر حتى يحدث هذا النوع من الأشياء.» لم يتفوه بكلمة أخرى، ~~ولكن من نظرته الجادة، اعتقد كلود أنه وأبناء بلده الذين كانوا ~~يتدفقون للخارج سيساعدون في تغيير كل تلك الأمور. # 5 # في تلك الليلة أصيب الفيرجيني، الذي كان ينام أسفل فيكتور ~~مورس، بنوبة نزيف أنفي شديدة، ولما طلع الصباح أصبح ضعيفا بشدة ~~لدرجة أنه نقل إلى المستشفى. قال الطبيب إن عليهم ms223 أن يعرفوا ~~الحقيقة ويواجهوها؛ وهي تفشي أحد أنواع الأنفلونزا على متن ~~السفينة، وهو نوع خبيث، ويؤدي للإصابة ~~بنزيف. ~~⋆ # ارتعب الجميع قليلا. حبس بعض الضباط أنفسهم في غرفة التدخين، ~~وظلوا يحتسون الويسكي والصودا ويلعبون البوكر طوال اليوم، وكأن ~~بإمكانهم إبعاد العدوى عن أنفسهم. ~~⋆ # إن التفشي الفعلي للأنفلونزا في سفن نقل القوات الأمريكية قد ~~استبق هنا بعدة أشهر. # توفي الملازم بيرد قبيل المساء، وأجريت مراسم دفنه مع شروق ~~شمس اليوم التالي، إذ كفن في قماش مشمع مغلق، وفي قدمه قذيفة ~~مدفعية تزن ثمانية عشر رطلا. انبلج الصباح صافيا وقارس ~~البرودة. تعالت أمواج البحر الزرقاء، وضرب السفينة ريح قارس ~~البرودة مثل الثلج. شهد الجميع، باستثناء المرضى، تأبين الرجل. ~~كانت هذه أول جنازة يشهدونها في البحر على الإطلاق، ووجدوا الأمر ~~مثيرا للاهتمام. أقام القسيس مراسم الجنازة بينما كانوا يقفون ~~عراة الرءوس. عزفت فرقة كانساس لحنا جنائزيا، وتغنت الفرقة ~~السويدية المكونة من أربعة أفراد بإحدى الترنيمات. أشاح العديد ~~من الحضور بوجوههم لما أنزل ذلك الكيس البني في تلك الأمواج ~~العاتية ذات المياه الباردة الزرقاء؛ إذ بدت كأنها لا تعرف أي ~~رحمة تجاه البشر. انتهى الأمر في غضون ثوان، وانطلقوا من ~~دونه. # ظلت الأمواج العالية البراقة يتوالى بعضها خلف بعض بلونيها ~~الأزرق والأرجواني، وزاد بريقها أكثر من أيام الطقس المعتدل. ~~أشعة الشمس الساطعة لم تخفف من البرودة التي كانت تلسع الوجه ~~وتؤلم الصدر. بدأ يتسرب إلى غير معتادي ركوب البحر ذاك الشعور ~~الكئيب بأنهم ليسوا في المكان الملائم لهم البتة. استلقى ~~الجنود على ظهر السفينة وهم يحاولون الحفاظ على دفئهم بالبقاء ~~قرب بعضهم بعضا قدر الإمكان. كان الجميع مصابين بدوار البحر. ~~ذهب فانينج إلى سريره مرتديا ثيابه؛ إذ كان مريضا بشدة بحيث لم ~~يستطع أن يخلع حذاءه. رقد كلود في مؤخرة السفينة المزدحمة يرتجف من ~~البرد وواهن القوى. أطلقت الشمس أشعتها عليهم كأنها لهب، لكن ~~دون أن يجدوا فيها أي مصدر للراحة. عكست الأمواج العاتية التي ~~يعلوها الزبد الضوء وكأنها ملايين من المرايا، ولكن الأعين ~~لم ms224 تكن تستوعب هذا الكم من الألوان. بدت كثافة المياه أكثر من ~~ذي قبل؛ فقد كانت ثقيلة مثل الزجاج الذائب، وبدا الزبد على حواف ~~كل موجة زرقاء حادا مثل البلورات. لو سقط فيه أحد، فربما ~~مزق إلى أشلاء. # بدا المحيط بأكمله كأنه أعيدت إليه الروح فجأة؛ إذ اندلعت ~~الحيوية والقوة والعتو في أمواجه، وكانت تحركها قوة لا تعرف غير ~~القسوة. لم يمر سوى بضع ساعات على ذاك الفتى اللطيف الذي رمي ~~في تلك المياه القارسة البرودة ونسي. نعم، لقد نسي؛ فكل واحد ~~مشغول بما لديه من الكروب. # قبيل الغروب هدأ الريح، وحل عليهم غروب منذر بالشر. ~~فباتجاه الغرب ذي الشفق الأحمر، أتت سحابة سوداء متقطعة صغيرة، ~~ثم توالت بعدها السحب الواحدة تلو الأخرى. خرجت تلك السحب ~~من البحر، وتشكلت بأشكال غريبة كأنها ساحرات شريرة تتحرك ~~بسرعة حتى تتقابل في الغرب، وكأنها استدعيت لاجتماع شرير. ~~علقت تلك السحب في ضوء ما بعد الشفق بأشكال مميزة سوداء ~~اللون، كان يقترب بعضها من بعض كأنها تخطط لشيء. شعر الجنود ~~الذين بقوا على ظهر السفينة أن لا خير يأتي من سماء تتخللها ~~تلك السحب. تمنوا أن لو كانوا في منازلهم أو في فرنسا أو أي ~~مكان غير هذا. # 6 # في الصباح التالي، طلب ~~الطبيب ترومان من كلود أن يساعده في طابور المرضى. وقال: «أصيب ~~مجموعة من الجنود بارتفاع في درجة الحرارة، ولكن يصعب للغاية على ~~رجل واحد أن يفحص هذا العدد. لا أريد أن أطلب أي شيء من أولئك ~~الضباط الذين يجلسون هناك ويلعبون البوكر طوال الوقت. إما أنهم ~~معدومو الضمير، أو لا يعون خطورة الموقف.» # وقف الطبيب على ظهر السفينة مرتديا معطف المطر، وواضعا قدمه ~~على الحاجز كي يحافظ على توازنه، أخذ يكتب مستندا إلى ركبته، ~~بينما كان يتقدم إليه طابور طويل من الرجال. تضمن الطابور ~~أكثر من سبعين رجلا ذلك الصباح، وبدا أنه كان يستحسن أن يقعد ~~بعضهم في أماكن أكثر جفافا. تساقط المطر في البحر كأنه وابل ~~من الرصاص. أخذت سفينة أنخيسيس ms225 العتيقة تمضي بخطى متعثرة من ~~نتوء جبلي رمادي إلى آخر، وحيدة تماما. حجب الضباب مظاهر ~~البهجة في السفن الشقيقة. اضطر الطبيب إلى مغادرة موقعه من وقت ~~إلى آخر، عندما كان دوار البحر يزيد على تحمله. أخذ كلود، ~~مستندا إلى مرفقه، يدون الأسماء ودرجات الحرارة. ووسط ~~انخراطه في عمله، طلب من الجنود أن يتولوا أمرهم من دونه لبضع ~~دقائق. فبالقرب من نهاية الطابور، كان قد رأى أحد رفاقه يسيء ~~التصرف، وينتحب ويبكي مثل الأطفال؛ كان فتى قويا في الثامنة ~~عشرة من عمره ولم يتسبب في مشكلة قط. اندفع كلود تجاهه وربت ~~على كتفه. # وقال: «إن لم تستطع أن تتوقف عن ذلك يا بيرت فولر، فاذهب إلى ~~مكان لا يراك فيه أحد. لا أريد أن يرى كل هؤلاء الفتية ~~الإنجليز الواقفين في المكان جنديا أمريكيا يبكي. لم أسمع عن ~~شيء كهذا من قبل!» # رد الفتى منتحبا: «لا أستطيع أن أتمالك نفسي، أيها الملازم.» ~~وتابع: «لقد كتمت ذلك قدر استطاعتي. لا أستطيع أن أكبحه أكثر من ~~ذلك!» # سأله: «ماذا بك؟ تعال إلى هنا واجلس على هذا الصندوق ~~وأخبرني.» # ترك الجندي فولر كلود يقوده، وجلس على الصندوق. وقال: «أنا مريض ~~جدا، أيها الملازم!» # أجابه: «سأفحصك لأرى مدى مرضك.» وضع كلود مقياس الحرارة في ~~فمه، وبينما كان ينتظر أرسل مضيف سطح السفينة كي يجلب كوبا من ~~الشاي. وقال: «ظني في محله يا فولر. إنك لا تعاني من حمى على ~~الإطلاق. أنت خائف، وهذا كل ما في الأمر. الآن، اشرب هذا الشاي. ~~أظن أنك لم تأكل أي شيء على الإفطار.» ~~«كلا يا سيدي. لا أستطيع تناول المأكولات المقرفة التي تحضر ~~على هذا المركب.» ~~«إنها سيئة للغاية. من أين أنت؟» # بلع الفتى ريقه، وبدأت دموعه تنهمر من جديد وهو يقول: «من ب... ب... ~~بليزنتفيل، شمالي ب... ب... بلات.» ~~«الآن، ما الذي سيظن أهل بلدك بك؟ أظن أنهم أخرجوا فرقة ~~موسيقية خلفك، وأثاروا ضجة وهم يحسبون أنهم يرسلون جنديا ~~شجاعا. وما برحت أرى أنك ستكون جنديا من الطراز ms226 الأول. أظن ~~أنك ستنسى كل ذلك. أنت تشعر أنك أفضل حالا بالفعل، أليس ~~كذلك؟» # أجاب: «بلى يا سيدي. هذا الشاي مذاقه جيد للغاية. أتعبتني ~~معدتي، وأصابني ألم في صدري ليلة أمس. فرقتي بكاملها مريضة، ~~وأنت أخذت تانهويزر - أعني العريف - إلى المستشفى. يبدو أننا ~~جميعا سنموت هنا.» # قال: «أعرف أن ما يحدث يبعث على التطير. ولكن لا تخجلني أمام ~~هؤلاء المضيفين الإنجليز.» # وعده قائلا: «لن أخجلك مجددا يا سيدي.» # عندما انتهى الفحص الطبي، أخذ كلود الطبيب كي يعاين فانينج، ~~الذي ظل يسعل ويصدر صفيرا عند التنفس طوال الليل ولم يبارح ~~سريره. استغرق الفحص وقتا قصيرا. عرف الطبيب العلة قبل أن يضع ~~عليه السماعة الطبية. لما خرجا إلى الردهة قال: «إنه مصاب ~~بالتهاب رئوي في كلتا رئتيه.» وأضاف: «لدي حالة في المستشفى ~~ستموت قبل أن يحل الصباح.» ~~«ما الذي يمكنك فعله من أجله، أيها الطبيب؟» ~~«أنت ترى مدى انشغالي؛ ما يقرب من مائتي مريض وطبيب واحد. ~~المؤن الطبية غير كافية بالمرة. لا يوجد ما يكفي من زيت ~~الخروع على متن هذه السفينة للحفاظ على نظافة أمعاء الجنود. إنني ~~أستخدم عقاقيري الخاصة، ولكنها لن تصمد مع وباء كهذا. لا أستطيع ~~فعل الكثير للملازم فانينج. ولكنك تستطيع، إذا منحته الوقت ~~الكافي. يمكنك أن تقدم له الرعاية هنا، وستكون أفضل من تلك التي ~~يمكن أن يحصل عليها في المستشفى. لا توجد لدينا أسرة شاغرة ~~هناك.» # عثر كلود على فيكتور مورس، وأعرب له عن رغبته في العثور على سرير ~~في إحدى الكبائن الأخرى. عندما غادر فيكتور ومعه متعلقاته، حملق ~~فانينج فيه من ظهره. وقال: «هل هو ذاهب؟» ~~«نعم. سيصبح المكان مزدحما للغاية هنا، إن أنت اضطررت إلى ~~البقاء في السرير.» ~~«يسرني ذلك. فقصصه بالغة السذاجة لي. لست مخنثا، ولكن ~~ذلك الفتى مثل دون كيخوتي.» # ضحك كلود. وقال: «يجب ألا تتكلم. فالكلام يجعلك تسعل.» ~~«أين الفيرجيني؟» # سأله كلود في دهشة؛ فقد كان فانينج واقفا بجانبه في جنازة بيرد: ~~«من، بيرد؟» وأضاف: «لقد رحل هو الآخر. يمكنك النوم ms227 إن ~~استطعت.» # بعد العشاء دخل الطبيب، وشرح لكلود طريقة إعطاء مريضه حماما ~~كحوليا. قال: «تتلخص المسألة ببساطة فيما إذا كان بإمكانك ~~الحفاظ على قوته. لا تجرب أيا من الأطعمة المليئة بالدهون ~~التي تقدم هنا. أعطه بيضة نيئة مضروبة في عصير برتقالة كل ~~ساعتين، ليلا ونهارا. أيقظه من النوم عندما يحين الوقت، ولا ~~تغفل أي مرة من مدة الساعتين. سأكتب أمرا إلى مضيف طاولتك، ~~ويمكنك ضرب البيض هنا في مقصورتك. والآن يجب أن أعود إلى ~~المستشفى. رائع ما يفعله فتية الفرقة أولئك هناك. بدأت أشعر ~~ببعض الفخر تجاه المكان. ذلك الألماني الضخم كان يسأل عنك. إنه في ~~حالة سيئة جدا.» # إذ لم يكن يوجد طاقم تمريض على متن السفينة، كانت فرقة كانساس ~~قد تولت إدارة المستشفى. كانوا قد تلقوا تدريبا على أعمال نقل ~~المصابين والإسعافات الأولية؛ ولما أدركوا ما كان يحدث على متن ~~سفينة أنخيسيس، أتى رئيس الفرقة إلى الطبيب وعرض عليه خدمات ~~رجاله. اختار طاقم التمريض ومساعديهم، وقسمهم على نوبات ليلية ~~ونهارية. # عندما ذهب كلود لزيارة العريف، لم يتعرف عليه تانهويزر ~~الضخم. كان قد فقد عقله تماما إذ كان يتحدث إلى عائلته باللغة ~~التي كان يتحدث بها في طفولته المبكرة. كانت فرقة كانساس قد ~~اختصته برعاية خاصة. وكانت مجرد حقيقة أنه كان يتحدث بلغة ~~محرمة على سطح البحار قد جعلته يبدو بلا أصدقاء له ووحيدا ~~أكثر من الآخرين. # من المستشفى، نزل كلود إلى مخزن السفينة حيث كان يرقد ستة من ~~رفاقه مرضى. كان المخزن رطبا ومنتن الرائحة مثل قبو قديم؛ إذ ~~كان مشبعا بالروائح الكريهة والتسريب من عدد هائل من الحمولات ~~القذرة لدرجة يصعب معها تنظيفه أو الحفاظ على نظافته. كاد العنبر ~~يخلو من التهوية، وكان الهواء فاسدا نتيجة المرض والعرق والقيء. ~~كان اثنان من فتيان الفرقة يعملان في تلك الرائحة الكريهة ~~والقذارة، ويساعدان المضيفين. مكث كلود كي يمد يد العون حتى ~~حان وقت إعطاء فانينج تغذيته. بدأ يرى أن ساعة اليد، التي كان في ~~السابق يحتقرها معتبرا إياها شيئا ms228 مخنثا ويحملها في جيبه، ~~ربما تكون أداة مفيدة جدا. بعدما جعل فانينج يبتلع البيض، ~~بسط جميع البطاطين المتوفرة عليه، وفتح الباب لتهوية العنبر. ~~وبينما كان الهواء المنعش يهب إلى الداخل، جلس على حافة سريره، ~~وحاول أن يستجمع رباطة جأشه. ماذا حل بتلك الأيام الأولى ذات ~~الطقس العليل والراحة والصحبة الطيبة؟ حفلات الفرقة الموسيقية، ~~فرقة ليندسبورج، البهجة الأولى وحداثة العهد بالبحر: كل ذلك ~~تبخر مثل حلم . # في تلك الليلة عندما دخل الطبيب كي يعاين فانينج، رمى سماعته ~~على السرير، وقال بنبرة متعبة: «أتعجب لماذا لا تدخل هذه ~~السماعة في أذني وتكبر بداخلها.» جلس ووضع مقياس الحرارة في فمه ~~بضع دقائق، ثم رفعه ليفحصه. نظر كلود إلى مقياس الحرارة، وقال له ~~إنه يتعين عليه الذهاب للنوم. # فأجاب: «إذن، من الذي سيكون موجودا؟ لا نوم لي الليلة. لكني ~~سآخذ حماما ساخنا في وقت لاحق قريبا.» # تساءل كلود لماذا لم يفعل طبيب السفينة أي شيء، وأضاف أنه لا ~~بد أنه صغير كما هو شكله. ~~«تشيسوب؟ كلا، لن تتوقع مدى طيبته حتى تعرفه. لقد ساعدني ~~كثيرا في تحضير الأدوية، والتناقش معه بشأن الحالات يمثل عونا ~~كبيرا. سيفعل أي شيء من أجلي عدا تقديم التعامل مع المرضى ~~مباشرة. لا يريد أن يتعدى صلاحياته. يبدو أن البحرية الإنجليزية ~~بالغة الدقة في تلك الأمور. إنه كندي، وكان الأول على دفعته ~~عندما تخرج في جامعة إدنبرة. أعتقد أن عمله انحسر في عيادته ~~الخاصة. كما ترى، مظهره لا يدل على شخصيته. إنه عائق مريع أن ~~تبدو مثل طفل، وأن تكون خجولا مثلما هو حاله.» # نهض الطبيب، وشد كتفيه، وأخذ حقيبته. وقال: «تبدو بخير ~~أيها الملازم.» # وأردف: «هل كلا والديك على قيد الحياة؟ هل كانا في ريعان ~~شبابهما عندما ولدت؟ حسنا، ربما كان والداهما كذلك. أنا مهووس ~~بمعرفة ذلك. نعم، سآخذ حمامي قريبا، وأرقد ساعة أو ساعتين. ما ~~دام فتيان الفرقة الرائعون أولئك يسيرون عمل المستشفى، ~~فلدي فسحة قليلة من الوقت.» # تعجب كلود كيف استمر الطبيب في العمل. كان يعرف أنه ms229 لم ينم ~~أكثر من أربع ساعات في الثمانية والأربعين الماضية، ولم يكن رجلا ~~قوي البنية. على حد قوله، كانت راحته عند المضيف المسئول عن ~~الحمام. كان هوكينز رجلا مسنا تولى مناصب أفضل في سفن ~~أفضل، وفي أوقات أفضل أيضا. كان قد ركب البحر للمرة الأولى ~~عندما عمل مضيفا مسئولا عن الحمامات؛ والآن، بسبب أقدار الحروب، ~~عاد مرة أخرى من حيث بدأ؛ ليس مكانا جيدا لرجل مسن. انحنى ~~ظهره بخنوع، وكان يجر ساقيه المقوستين. كان يهتم براحة ~~جميع الضباط، ويعتني بالطبيب كأنه خادمه؛ كما يخرج قماش ~~الكتان النظيف، ويقنعه بأن يرقد ويتناول شرابا ساخنا بعد ~~استحمامه، ويقف حارسا على الباب كي يتلقى الرسائل الواردة إليه ~~في الساعات القليلة التي يستريح فيها. لقد فقد هوكينز اثنين من ~~أبنائه في الحرب، ويبدو أنه يجد عزاء كبيرا في خدمته للجنود. كان ~~يقول لكل واحد منهم: «هون عليك يا سيدي. ستواجه ما يكفي من ~~الصعوبات هناك.» # في الحادية عشرة، أتى واحد من رجال فرقة كانساس كي يخبر كلود ~~أن حالة العريف كانت تتدهور بسرعة. كانت الحمى قد زالت عن ~~تانهويزر الضخم، ولكن كان قد زال عنه كل شيء آخر. كان يرقد في ~~حالة ذهول. غارت مقلتا عينيه المحتقنتين داخل تجويف رأسه، ~~ولم يكن يرى سوى بياضهما المصفر. كان فمه مفتوحا، ولسانه ~~يتدلى منه على أحد جانبيه. من نهاية الردهة، سمع كلود أصواتا ~~مخيفة تصدر من حلقه؛ أصواتا تشبه صوت قيء حاد أو حشرجة ~~مختنقة من رجل يحتضر؛ وبالفعل كان يختنق. أحضر أحد أفراد ~~الفرقة كرسي معسكر لكلود، وقال بلطف: «إنه لا يعاني. بات الأمر ~~ميكانيكيا الآن. كان سيموت بسهولة أكبر لو لم يكن حاله يتمتع ~~بحيوية كبيرة. يقول الطبيب إنه قد يعود إلى وعيه بضع لحظات قبل ~~أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مباشرة، إن أردت أن تمكث.» # قال كلود: «سأنزل وأعطي المريض المسئول مني بيضة، ثم أعود.» ذهب ~~كلود ثم عاد، وأخذته سنة من النوم وهو جالس بجوار السرير. بعد ~~الساعة الثالثة، سكنت ضوضاء الصراع، وعلى ms230 الفور عاد الشخص الضخم ~~النائم على السرير ليصبح عريفه طيب الطباع. أطبق الفم، وعادت ~~الكرتان الهلاميتان الزجاجيتان عينين مبصرتين تشعان ~~ذكاء. فقد الوجه مظهره المنتفخ الفظ، وعاد مرة أخرى وجه صديق. ~~كاد أن يكون من غير المعقول أنه يمكن لأي شيء ولى أن يعود. نظر ~~أسفا إلى الملازم وكأنه يريد أن يطلب شيئا. اغرورقت عيناه ~~بالدموع، وحول رأسه قليلا. # همس بصوت واضح بالألمانية: «يا لأمي المسكينة!» # بعد بضع لحظات، مات ووجهه يعلوه الوقار، ولم يعان وطأة عذاب ~~خروج الروح، بل كان واعيا، حسبما بدا لكلود، مثل فتى شجاع يرد ~~شيئا ما، لم يكن من حقه أن يحتفظ به. # عاد كلود إلى مقصورته، وأيقظ فانينج مرة أخرى، ثم رمى بنفسه على ~~سريره القابل للطي. بدا أن السفينة تتمايل وتترنح وسط الأمواج، ~~مثلما كانت تفعل الحيوانات في المزرعة عندما كانت تنجب صغارا. يا ~~لعجز تلك السفينة القديمة وسط البحار، ويا لهول البؤس الذي كانت ~~تحمله! بينما كان راقدا أخذ ينظر إلى أنابيب المياه الصدئة ~~والوصلات غير المطلية. كانت هذه السفينة هي في الحقيقة «سفينة ~~أنخيسيس القديمة»، حتى إن النجارين الذين أصلحوها كي تدخل الخدمة ~~رأوا أنها لم تكن تستحق عناء الإصلاح، وفعلوا فيها أسوأ ما ~~يمكنهم فعله. كانت العوارض الجديدة معلقة إلى الروافد ~~باستخدام بضعة مسامير. # لقد كان تانهويزر الضخم واحدا ممن يخشون الإبحار كثيرا. ~~اعتاد أن يبتسم ويقول: «فرنسا هي المناخ الوحيد الذي يفيد صحة ~~رجل مثلي.» كان قد لوح بيده مودعا مشهد تمثال الحرية في ميناء ~~نيويورك مع الباقين؛ إذ كان يؤمن بها مثل الباقين. لم يرد غير ~~الخدمة في الجيش. بدا الأمر صعبا. # لما أتى تانهويزر إلى المعسكر للمرة الأولى، كان مشوشا طوال ~~الوقت، ولم يستطع أن يتذكر التعليمات. أخرجه كلود ذات مرة من ~~الطابور ووبخه؛ لأنه لم يعرف يمينه من يساره. عندما بحث في ~~الأمر، وجد أن الفتى لم يكن يأكل شيئا؛ لأن الحنين إلى الوطن ~~أسقمه. كان أحد أولئك الفتية المزارعين الذين يخشون حياة ~~المدينة. كان الطفل ms231 الضخم ينحدر من عائلة كبيرة، ولم يكن مطلقا ~~قد نام ليلة واحدة بعيدا عن البيت قبل أن يدرج في قائمة ~~المجندين. # دفن العريف تانهويزر، ومعه أربعة جنود، مع شروق الشمس. لم توجد ~~فرقة هذه المرة، وكان القس مريضا؛ لذا تلا أحد النقباء ~~الشباب صلاة الجنازة. وقف كلود يراقب حتى رمى البحارة كيسا، ~~أطول من الأكياس الأربعة الأخرى بنصف قدم، في هوة بالبحر لونها ~~مثل لون الرصاص. لم يتناثر حتى رذاذ مياه. بعد الإفطار، دعاه ~~واحد من طاقم تمريض كانساس إلى مقصورة صغيرة كانوا قد جهزوا ~~فيها جثة الميت من أجل الدفن. كانت لوائح الجيش تنص بدقة على ما ~~ينبغي فعله بأمتعة الجندي المتوفى. كانوا يتخلصون من زيه ~~العسكري وحذائه وأسلحته وحقيبته الشخصية، كانوا يتخلصون من كل ~~هذا وفقا للتعليمات. ولكن في كل حالة من الحالات كانت تتبقى ~~مخلفات؛ فرشاة أسنان المتوفى، وأمواس حلاقته، والصور التي كان ~~يحملها معه. كانت هنالك في خمس كومات تدعو إلى الشفقة؛ ما الذي ~~ينبغي فعله بها؟ # أخذ كلود الصور الفوتوغرافية التي تخص العريف؛ إحدى الصور ~~كانت لفتاة سمينة تبدو ساذجة، ترتدي فستانا أبيض ضيقا للغاية ~~عليها وقبعة عريضة، وتضع علما صغيرا مثبتا على صدرها ~~الممتلئ. الصورة الأخرى كانت لامرأة كبيرة جالسة ويدها ~~متقاطعتان على حجرها. شعرها الرقيق مشدود، ويكشف عن وجه ~~متخشب وبارز العظام - لا ريب أنه وجه من العالم القديم - ~~وعيناها مغمضتان في مواجهة الكاميرا. ظن أن وجهها ينم عن ~~صدقها وعنادها وعدم اقتناعها، وكأنها لم تكن تفهم على ~~الإطلاق. # قال: «سآخذ هاتين الصورتين.» وأضاف: «وكذلك الصور الأخرى، ما ~~عليك سوى أن تلقي بهم من السفينة، ألا تظن ذلك؟» # 7 # أصيب النقيب ماكسي - ~~الضابط الأول في السرية «بي» - بنوبة دوار بحر حادة أثناء ~~الرحلة، لدرجة أنه لم يستطع أن يساعد رجاله في هذا الوباء. لا بد ~~أنها كانت بمثابة ضربة مروعة لكبريائه؛ لأنه لم يوجد أحد على ~~الإطلاق أكثر تلهفا منه لأداء واجبات الضابط بأكملها. # كان كلود قد عرف هاريس ~~ماكسي معرفة بسيطة في ms232 لينكن؛ إذ كان قد قابله عند عائلة إرليش، ~~وظل بينهما تعارف داخل الجامعة. لم يكن قد أعجب بماكسي حينذاك، ~~ولم يكن معجبا به الآن، ولكنه اعتبره ضابطا جيدا. كانت عائلة ~~ماكسي فقيرة من المسيسيبي، وقد استقرت في مقاطعة نيماها، وهو ~~يتمتع بطموح كبير، لا يقتصر على تحقيق تقدم في حياته فحسب، بل ~~أن يصبح «شخصا ذا شأن» على حد قوله. حياته الجامعية عبارة عن ~~سعي محموم وراء الامتيازات الاجتماعية والمعارف المفيدين. وشعوره ~~إزاء «الأشخاص المناسبين» يبلغ حد التبجيل. بعد تخرجه، خدم ~~ماكسي على الحدود المكسيكية. كان مدربا عسكريا لا يكل، ~~وانخرط في واجباته بكل ما أوتي جسده الضعيف من قوة. كان نحيلا ~~وشاحب البشرة، وتصلب فكه يجعل أسنانه السفلى تخرج عن أسنانه ~~العليا، وتجعل وجهه يبدو متصلبا. كانت كل تصرفاته، النابعة من ~~التوتر والعصبية، تعبيرا عن رغبته العميقة في التفوق. # شعر كلود أنه يعيش حياة مزدوجة هذه الأيام. عندما كان يقدم ~~الرعاية لفانينج، أو عندما كان في المخزن يساعد في رعاية الجنود ~~المرضى، لم يكن لديه وقت للتفكير؛ إذ كان تلقائيا يفعل الشيء ~~التالي الذي كان يتاح له فعله. ولكن عندما يختلي بنفسه ساعة ~~على ظهر السفينة، كان يعاوده لمحة من الشعور الواخز بالحرية ~~الدائمة الاتساع. كان الطقس بمثابة مغامرة مستمرة؛ إذ لم يكن ~~قد سبق له أن عرف طقسا مثله على الإطلاق. كان الضباب والمطر ~~والسماء الملبدة بالغيوم وامتدادات المحيط الرمادية الموحشة مثل ~~شيء قد تخيله منذ زمن بعيد؛ ربما ذكريات من قصص البحر القديمة ~~التي قرأها في طفولته، وتلك الذكريات أيقظت بقعة دافئة في قلبه. ~~هنا على سفينة أنخيسيس، بدا أنه يبدأ من حيث انتهت طفولته. كانت ~~الثغرة البغيضة فيما بين ذلك قد أغلقت بين الفينة والأخرى. ~~محيت سنوات عمره وسط الضباب. هذا الضباب الذي كان محبطا في ~~البداية صار مأوى؛ خيمة تتنقل في حيز المكان، متخفية من كل ~~الأحداث السالفة، ومعطية للمرء فرصة كي يصحح أفكاره ويخطط ~~للمستقبل. طويت صفحة الماضي حرفيا؛ كان ذلك هو ما توهمه. ms233 لقد ~~قطع أميالا أكثر بكثير مما ينبئ سجل السفينة. عندما طلب منه ~~رئيس الفرقة فريد ماكس أن يلعب معه الشطرنج، تعين عليه أن ~~يتوقف للحظة ويفكر في السبب وراء أنه كان لتلك اللعبة ذلك القدر ~~من التداعيات الممقوتة لديه. نادرا ما تراءى له وجه إنيد الأبيض ~~الخادع إلا إذا ذكره به أحد الأحداث العابرة. إذ تصادف أن مر ~~على مجموعة من الفتية يتحدثون عن محبوباتهم وعرائس الحرب، كان ~~يستمع للحظة ثم يبتعد وشعور السعادة يختلج في قلبه؛ لأنه كان ~~الرجل الأقل حظا في الزواج على متن السفينة. # كان يوجد متسع كبير على ~~سطح السفينة؛ وذلك لأن العديد من الجنود كانوا معتلين إما من ~~دوار البحر أو الوباء، وفي بعض الأحيان كان هو وألبرت آشر ~~يستحوذان لأنفسهما على الجانب المعرض للعواصف على السفينة. كان ~~جندي البحرية أفضل رفيق في هذه الأيام الكئيبة؛ فقد كان ثابت ~~الجنان، وهادئا، ومعتمدا على نفسه. وأيضا ما فتئ يتطلع إلى ~~المستقبل. أما فيكتور مورس، فكان إعجاب كلود به يتزايد. كان فيكتور ~~يحتسي الشاي في ركن خاص في غرفة التدخين الخاصة بالضباط كل ~~يوم بعد الظهر- كان سيهلك من دونه - ودائما ما كان المضيف يقدم ~~له بعض الأطباق الجانبية الخاصة من الخبز المحمص والمربى أو ~~البسكويت المحلى. وعادة ما كان كلود يتمكن من الانضمام إليه ~~في هذه الساعة. # في يوم جنازة تانهويزر، دخل إلى غرفة التدخين في الساعة ~~الرابعة. أشار فيكتور إلى المضيف، وطلب منه أن يحضر كأسين من ~~الويسكي الساخن مع الشاي. قال وهو يضع كأسه: «أتعلم، أنت مبتل ~~للغاية يا ويلر، وينبغي أن تحتسي بعض الشراب. ألا تشعر بحال أفضل ~~مع الشرب؟» ~~«أفضل كثيرا. أظن أنني سأتناول كأسا أخرى. من المستحسن أن ~~أشعر بالدفء من الداخل.» ~~«كأسان أخريان أيها المضيف، وأحضر لي بعض الليمون الطازج.» ~~كان شاغلو الغرفة إما يقرءون أو يتحدثون بصوت منخفض. وأحد ~~الفتية السويديين يعزف بعذوبة على بيانو قديم. بدأ فيكتور يصب ~~الشاي. وله طريقة منمقة في فعل ذلك، واليوم كان حريصا على ms234 ~~نحو خاص. قال: «هذا الضباب الاسكتلندي ينخر في عظم المرء، أليس ~~كذلك؟ بدوت لي متوعكا نوعا ما عندما مررت بك على سطح ~~السفينة.» # تمتم كلود وهو يتثاءب: «كنت مستيقظا أرعى تانهويزر ليلة ~~البارحة. ولم أحظ بأكثر من ساعة من النوم.» # قال: «نعم، سمعت أنك فقدت عريفك الضخم. يؤسفني ذلك. لقد ~~تلقيت أنا أيضا أخبارا سيئة. لقد أفصح صراحة الآن عن أننا ~~سنتوجه إلى ميناء فرنسي . ذلك يحبط كل خططي. على أي حال، هذا ~~هو حال الحرب!» أزاح كأسه وهو يهز كتفيه. وأضاف: «هل لديك نوبة ~~بالخارج؟» # كان كلود كثيرا ما يتساءل في نفسه عن السبب الذي يدفع فيكتور ~~إلى الإعجاب به؛ إذ لم يكن من النوع الذي يفضله فيكتور. قال: «إن ~~لم يكن سرا، أود أن أعرف كيف التحقت بأي حال من الأحوال ~~بالجيش البريطاني.» # بينما كانا يغدوان ويروحان تحت المطر، سرد فيكتور قصته ~~بإيجاز. عندما أنهى المدرسة الثانوية، عمل في بنك والده الكائن في ~~كريستال ليك محاسبا. وبعد ساعات العمل في البنك، كان يتزلج أو ~~يلعب التنس أو يعمل في حوض زراعة الفراولة، حسب الموسم. قال إنه ~~كان يشتري زوجين من السراويل البيضاء كل صيف، ويطلب قمصانه من ~~شيكاجو، ورأى أنه متأنق. بعد ذلك خطب ابنة الواعظ. قبل عامين، ~~في الصيف الذي بلغ فيه العشرين من عمره، أراده والده أن يرى ~~شلالات نياجارا؛ ومن ثم كتب له شيكا بمبلغ متواضع، وحذر ~~ولده من الحانات - إذ لم يكن فيكتور قد دخل واحدة منها مطلقا - ~~ومن الفنادق الباهظة، ومن النساء اللاتي يأتين يسألن عن الوقت من ~~دون مقدمات، ثم ودعه، وأخبره بعدم ضرورة إعطاء بقشيش للحمالين ~~أو الندل. في شلالات نياجارا، تعرف فيكتور على بعض الضباط ~~الكنديين الشباب الذين فتحوا عينيه على أشياء عظيمة كثيرة. سافر ~~إلى تورونتو معهم. كان التجنيد على أشده، ووجده مهربا من ~~البنك ومن حوض زراعة الفراولة. بدت القوات الجوية السلاح الأفضل ~~والأكثر جاذبية في الجيش. وقبلوه فيها، وها هو ذا. # قال كلود واثقا: «لن تعود إلى ms235 ديارك مرة أخرى.» وأضاف: «لا أظن ~~أنك ستستقر في أي بلدة صغيرة في آيوا.» # قال فيكتور بغير اكتراث: «في القوات الجوية، لا نشغل أنفسنا ~~بالمستقبل. إنه لا يستحق عناء التفكير.» أخرج علبة سجائر ذات ~~لون ذهبي باهت قد لاحظها كلود معه من قبل. ~~«هل تسمح لي أن أراها للحظة؟ إنها تعجبني كثيرا. إنها هدية من ~~شخص تحبه، أليس كذلك؟» # بدت اختلاجة عابرة من التأثر، شعور صادق جدا، على وجه رجل ~~القوات الجوية الصبياني، وتقلص فمه الصغير الأحمر بشدة. ~~وأجاب: «نعم، امرأة أريدك أن تقابلها. هاك»، وقرص ذقنه من فوق ~~ياقته المرتفعة، «سأكتب عنوان مايزي على بطاقتي: «أقدم الملازم ~~ويلر، من قوات المشاة الأمريكية»، هذا كل ما ستحتاج إليه. إن ~~وصلت إلى لندن قبلي فلا تتردد. زرها فورا. قدم لها هذه ~~البطاقة، وستستقبلك بترحاب.» # شكره كلود ووضع البطاقة في دفتر جيبه، بينما كان فيكتور يشعل ~~سيجارة. «لم أنس أنك ستتناول عشاءك معنا في فندق سافوي، إذا تصادف ~~وكنا في لندن معا. إن كنت هناك، فستجدني هناك دوما. عنوانها ~~هو عنواني. حقا سيكون أمرا رائعا لك أن تقابل امرأة مثل ~~مايزي. ستكون لطيفة معك؛ لأنك صديقي.» تابع حديثه وقال إنها فعلت ~~كل ما بوسعها لأجله؛ فقد تركت زوجها، وتخلت عن أصدقائها ~~لأجله. وكانت الآن تعيش في شقة صغيرة في تشيلسي، حيث تنتظر قدومه ~~وتخشى ذهابه. عاشت حياة مروعة. بالطبع كانت تستضيف ضباطا ~~آخرين من المعارف القدامى، لكن هذا كله كان تمويها. كان الرجل ~~المفضل عندها. # وصل الأمر بفيكتور أن أخرج صورتها، وحملق كلود دون أن يعرف ما ~~يقوله عن الوجه المستدير كالقمر، والعينين المنهكتين ذاتي ~~الرموش الثقيلة، والرقبة الملتف حولها عقد من اللؤلؤ، والكتفين ~~العاريتين، حتى النهدين المنتفخين اللذين يعبران عن أنوثة ~~ناضجة. لم تكن توجد خطوط أو تجاعيد في تلك الفسحة من البشرة ~~الناعمة، ولكن من الفم الذي لا يبتسم والذقن، من شكل الوجه نفسه، ~~كان من السهل أن يرى أنها كبيرة في السن بما يكفي لأن تكون أما ~~لفيكتور. وعلى ms236 الصورة، كان مكتوبا بخط كبير مبعثر «إلى ~~نسري!» لو كان فيكتور على قدر من رقة المشاعر لدرجة أن يترك ~~كلود واقعا بين الشكوك، لفضل كلود أن يعتقد أن علاقته مع هذه ~~السيدة كانت علاقة بنوة تامة. # تمتم الطيار وهو يغلق صندوق الصور: «النساء من نوعية تلك ~~المرأة لا وجود لهن في عالمك.» وأضاف: «إنها متخصصة في اللغات ~~وموسيقية وأشياء أخرى. معها تغدو الحياة اليومية فنا راقيا. ~~الحياة، على حد قولها، هي كيفما يجعلها المرء. أما الحياة في ~~حد ذاتها، فلا قيمة لها. مسقط رأسك لا قيمة له؛ إنه سقم ~~هامد.» # ضحك كلود. وقال: «لا أظن أنني أتفق معك، ولكني أحب أن أسمعك ~~تتكلم.» ~~«حسنا؛ في ذلك الجزء من فرنسا الذي تمزق إلى أشلاء، ستجد ~~أمورا حياتية تجري في الأقبية أكثر مما يجري في مسقط رأسك ~~أيا كان. أفضل أن أكون عامل تحميل وتفريغ على أحد أرصفة لندن ~~على أن أكون أحد ملوك المصارف في إحدى ولايات البراري في أمريكا. ~~في لندن، إن كنت محظوظا بما يكفي لأن تمتلك شلنا، يمكنك الحصول ~~على شيء مقابله.» # اعترف الآخر: «نعم، الأمور هادئة جدا في الديار.» ~~«هادئة؟ يا إلهي، إنها حياة كالموت! ما الذي سيتبقى في أنفس ~~الرجال إن سلبتهم كل ما بداخلهم من توهج؟ إنهم يخافون من كل ~~شيء. إنني أعرفهم؛ التسلل من دروس الأحد في الكنائس، والتجول في ~~طرقات تلك البلدات الصغيرة بعد حلول الظلام!» انصرف فيكتور عن ~~الموضوع فجأة. وقال: «بالمناسبة، أنت والطبيب صديقان، أليس كذلك؟ ~~أنا بحاجة إلى دواء ما، كان موجودا في حقيبة أمتعتي المفقودة. هل ~~تمانع أن تسأله إن كان بإمكانه توفير هذه الوصفة الطبية؟ لا أريد ~~أن أذهب إليه بنفسي. كل هؤلاء الأطباء ثرثارون، وقد يبلغ عني. ~~لقد حالفني الحظ في التهرب من الفحوص الطبية. كما ترى، لا أريد ~~أن أحبس في أي مكان. بالطبع يمكنك أن تخبره أن الأدوية ليست ~~لك.» # عندما قدم كلود الورقة الزرقاء إلى الطبيب ترومان، ابتسم ~~بازدراء. وقال: «فهمت؛ كتب هذه الوصفة ms237 صيدلي لندني. لا، ليس ~~لدينا شيء من هذا النوع.» أعاد لي الورقة. وأضاف: «تلك الأدوية ما ~~هي إلا مسكنات. إن كان صديقك يريدها، فهو بحاجة إلى علاج، وهو ~~يعلم من أين يحصل عليه.» # أعاد كلود الورقة إلى فيكتور وهما يغادران غرفة الطعام بعد ~~تناول العشاء، وأخبره أنه لم يتمكن من الحصول على أي ~~منها. # قال فيكتور وقد تورد وجهه بغطرسة: «أنا آسف.» وأضاف: «شكرا ~~جزيلا لك!» # 8 # صمد تود فانينج أفضل من كثير من الرجال الأقوى منه؛ وفاجأت ~~حيويته الطبيب. كانت قائمة الوفيات تتزايد باطراد، وأسوأ ما في ~~الأمر أن المرضى الذين ماتوا لم يكونوا معتلين جدا. انقلب ~~حال شباب أقوياء أصحاء، في التاسعة عشرة والعشرين من عمرهم، ~~وماتوا لأنهم فقدوا شجاعتهم، بسبب موت الآخرين، ولأن الموت كان في ~~كل مكان. كانت طرقات السفينة تعج برائحة الموت من حولهم. قال ~~الطبيب ترومان إن الأمر يكون هكذا دائما في حالة الوباء؛ مات مرضى ~~لو عزلت حالاتهم كانوا سيتعافون من المرض. # علق الطبيب في أحد الأيام، عندما صعدا معا من المستشفى ~~لاستنشاق نسمة هواء: «أتعلم يا ويلر، أحيانا أتساءل عما إن ~~كانت كل هذه اللقاحات التي تلقاها الجنود لمكافحة التيفويد ~~والجدري وغيرهما من الأمراض تقلل من نشاطهم. سوف أفقد عقلي إن ~~ظللت أفقد رجالا! ما الذي ستقدمه فداء أن تخرج من كل هذا ~~وتعود سالما إلى المزرعة؟» لما لم يسمع ردا أدار رأسه، ونظر ~~من فوق ياقة معطف مطره، ورأى نظرة ذاهلة ممانعة في عيني ~~الشاي الزرقاوين، تبعها تورد سريع في وجنتيه. ~~«أرى أنك لا تريد العودة إلى المزرعة! لا تريد ذلك على الإطلاق! ~~حسنا، حسنا؛ هذا حال الشباب!» هز رأسه، وارتسمت على شفتيه ~~ابتسامة ربما كانت تعبر عن مواساة، أو ربما عن حسد، وعاد إلى ~~مهامه. # مكث كلود في مكانه يشهق الهواء الرطب الكئيب إلى رئتيه، ويشعر ~~بالضيق وتأنيب الضمير. أدرك أن هذا كان صحيحا تماما؛ لقد أخذه ~~الطبيب على حين غرة. كان يستمتع بحياته في تلك الأثناء، ولم ~~يرد أن ms238 يكون آمنا في أي مكان. يشعر بالأسى على تانهويزر ~~والآخرين، ولكنه لم يشعر بالأسى على نفسه. لم تزعجه المصاعب ~~والمصائب التي وقعت في هذه الرحلة. بالطبع تذمر لأن الآخرين ~~تذمروا. لكن الحياة لم تبد جذابة مثلما كانت تبدو هنا والآن. ~~يمكنه أن يصعد من يوم عمل شاق في المستشفى، أو من رعاية فانينج ~~البائس وبيضه الذي يداوم عليه، وينسى كل ذلك في غضون عشر دقائق. ~~شيء ما بداخله، في مثل رخاوة الأمواج الرمادية الهائجة التي كانت ~~تتقاذفهم، ما فتئ يتلاطم ويقول: «أنا هنا بكل ذاتي. لقد تركت ~~كل شيء ورائي. أنا ماض في طريقي.» # لم يشعر بالبؤس حقا إلا في ذلك اليوم، اليوم البارد الذي ~~أقيمت فيه جنازة الفيرجيني، عندما كان مصابا بدوار البحر. لا ~~بد أن يكون بلا مشاعر، بالتأكيد، كي لا يتأثر بمعاناة رجاله ~~وأصدقائه، لكنه لم يكن كذلك. كان عقله منشغلا بهم، وكان يفعل كل ~~ما بوسعه من أجلهم، ولكن بدا له حينئذ أنه شعر أيضا بنوع من ~~الرضا نتيجة لذلك، وكان نوعا ما مزهوا بكونه ذا فائدة للطبيب ~~ترومان. يا له من سلوك طيب! كان يستيقظ كل صباح وفي قلبه ذلك ~~الشعور بالحرية والاستمرارية، كأن العالم يكبر كل يوم وهو يكبر ~~معه. كان الآخرون يصابون بالمرض ويموتون، وكان ذلك مروعا، ~~لكنه كان ماضيا إلى الأمام هو والسفينة، ودائما إلى ~~الأمام. # كان يحدث نفسه بأن شيئا ما ظل يصارع مدة طويلة، وتحرر ~~أخيرا. من المفترض أن يصل إلى فرنسا منذ معركة إقليم المارن ~~الأولى؛ قد تبع مسارات خاطئة، وأضاع وقتا ثمينا، ورأى ما يكفي ~~من البؤس، ولكنه أصبح على المسار الصحيح أخيرا، ولا يمكن لأي شيء ~~أن يوقفه. لو لم يكن غضا جدا، ويمنعه الحياء والخوف من إظهار ~~مشاعره، وشديد الحمق في العثور على دربه؛ كان سينضم إلى الجيش ~~في كندا، مثل فيكتور، أو يهرب إلى فرنسا ويلتحق بالفيلق الأجنبي. ~~كل ذلك بدا ممكنا تماما الآن. فلماذا لم يفعل؟ # حسنا، لم تكن تلك «طريقة ~~آل ويلر.» كان ms239 آل ويلر يخشون للغاية من إقحام أنفسهم في أماكن ~~ليس مرغوبا فيهم بها، ومن شق طريقهم في حشد لا ينتمون إليه. ~~وكانوا أكثر خشية من فعل أي شيء قد يظهر تأثر مشاعرهم أو ~~«رومانسيتهم». لم يستطيعوا أن يسمحوا لأنفسهم بأن ينتهجوا مسلكا ~~لافتا للنظر، فضلا عن أن يسلكوا مسلكا غريبا، إلا إذا كان في ~~إطار العمل اليومي. حسنا، لقد تعطف التاريخ مع شخص مثله، ~~أصبحت هذه المغامرة الرائعة بكاملها عمله اليومي. لقد خاض غمار ~~هذه التجربة في نهاية الأمر، مع فيكتور وجندي البحرية وأشخاص ~~آخرين يتمتعون أصلا بقدر أكبر من الخيال والثقة بالنفس. قبل ثلاث ~~سنوات، اعتاد أن يجلس مكتئبا عند الطاحونة لأنه لم يكن يعرف كيف ~~لفتى مزارع من نبراسكا أن يتلقى أي «استدعاء»، أو في الواقع، ~~أي طريقة يرمي بها نفسه في أتون الصراع الدائر في فرنسا. اعتاد ~~أن يقرأ، والغيرة تأكله، عن ألان سيجر وأولئك الفتية ~~الأمريكيين المحظوظين الذين كان لديهم الحق في القتال من أجل ~~حضارة عرفوها. # لكن المعجزة حدثت؛ معجزة ~~هائلة حتى إنها تضمنت آل ويلر، جميع أفراد عائلة ويلر، لدرجة ~~أنها شملت ذوي الأسلوب الفظ وعديمي الطموح. نعم، لقد كان ذلك ~~كله معجزة لأصحاب الأسلوب الفظ؛ كانت فرصتهم الذهبية. لقد ~~انخرط فيها، ولم يكن يمكن لأي شيء أن يوقفه أو يثبطه إلا إذا ~~نحي به جانبا، وهو ما كان مجرد مزحة؛ لأن ذلك كان احتمالا لم ~~يفكر فيه جديا مطلقا. كان الشعور بوجود هدف، هدف مصيري، ~~يختلج بقوة في صدره. # 9 ~~«انظر إلى هذه، أيها الطبيب!» التقى كلود بالطبيب ترومان وهو ~~عائد من الإفطار، وسلمه ورقة مكتوبة وموقعة باسم رئيس ~~المضيفين دي تي ميكس. كان مكتوبا في الورقة أنه لا يوجد بيض أو ~~برتقال لتقديمه إلى المرضى لأن المؤن نفدت. # نظر الطبيب شزرا إلى الورقة. «أخشى أن تكون هذه الورقة بمثابة ~~الحكم بإعدام مريضك. لن تتمكن من إبقائه على قيد الحياة بإطعامه ~~أي شيء آخر. لماذا لا تتناقش في الأمر مع تشيسوب؟ إنه شخص ms240 واسع ~~الحيلة. سألحق بك عنده في غضون بضع دقائق.» # كان كلود يتردد كثيرا على مقصورة الطبيب تشيسوب منذ تفشي ~~الوباء، حتى إنه كان يحب الانتظار هناك عندما يذهب من أجل أدوية ~~أو مشورة. كان مكانا مريحا، ويتسم بالخصوصية، ومزودا ~~بستائر من قماش قطني مبهج. الجدران مليئة بالكتب، المثبتة في ~~مكانها بألواح خشبية منزلقة على الجدران، ومزودة بأقفال في ~~الأطراف. وتوجد مجموعة كبيرة جدا من الأعمال العلمية باللغتين ~~الألمانية والإنجليزية؛ وبقية الكتب عبارة عن روايات فرنسية في ~~أغلفة ورقية. هذا الصباح، وجد تشيسوب يزن مسحوقا أبيض على ~~مكتبه. على الرف فوق سريره، يوجد الكتاب الذي كان هو نفسه قد قرأه ~~ليلة البارحة حتى نومه؛ لفت العنوان، «جريمة حب»، المكتوب بحروف ~~باللونين الأسود والأصفر، انتباه كلود. ارتدى الطبيب معطفه، ~~وأشار إلى الزائر أن يجلس على المقعد ذي المفصلات الذي كان يفحص ~~عليه المرضى في بعض الأحيان. شرح كلود مأزقه. # كان من الغريب أن يكون طبيب السفينة من كندا، أرض الرجال الضخام ~~والخشونة. بدا مثل تلميذ، بيدين وقدمين صغيرتين وبشرة وردية. ~~على عظمة وجنته اليسرى، توجد شامة بنية كبيرة، يغطيها ~~شعر حريري، ولسبب ما بدا أن ذلك جعل وجهه أنثويا. من السهل ~~معرفة السبب وراء عدم نجاحه في العمل الخاص. كان مثل شخص يحاول ~~حماية سطح جلدي مسحوج من الحرارة والبرد؛ فهو مبتلى بشدة بعدم ~~الثقة بالنفس، وكان لديه حساسية شديدة فيما يتعلق بمظهره ~~الصبياني، لدرجة أنه اختار أن يحبس نفسه في سجن خشبي متأرجح ~~في البحر. كان طول الرحلة إلى أستراليا قد ناسبه تماما. وخشونة ~~الحياة والتلاطم تحت ظروف الطقس السيئة أهون عليه بكثير من ~~المكوث في مكتب بالمدينة، والتعرض الدائم لشخصيات البشر. # لما أخبره كلود بأن تغذية فانينج مهددة بالنفاد، سأل: «هل ~~جربت أن تعطيه الحليب المملت؟» ~~«لم يتبق لدى الطبيب ~~ترومان زجاجة واحدة. كم من الوقت في تقديرك سنظل في ~~البحر؟» ~~«أربعة أيام، وربما خمسة.» # قال الطبيب ترومان، الذي كان قد دخل لتوه: «سيفقد الملازم ~~ويلر صديقه.» # وقف تشيسوب عابسا ms241 للحظة، ~~ويجذب بعصبية أزرار معطفه النحاسية. أغلق مزلاج بابه والتفت ~~إلى زميله قائلا بحزم: «بوسعي أن أمنحك بعض المعلومات، إذا لم ~~تقحمني في الأمر. يمكنك فعل ما يحلو لك، ولكن لا تذكر اسمي في ~~هذا الأمر. لعدة ساعات ليلة البارحة، ظل أحد مساعدي كبير ~~المضيفين يحمل إلى مقصورة الأخير علب البيض وصناديق البرتقال من ~~مطبخ السفينة. بغض النظر عن الميناء الذي نحن متجهون إليه، ~~يمكنه أن يحصل على شلن عن كل علبة بيض طازج، وربما ستة بنسات ~~عن البرتقال. هذه المؤن مملوكة لكم؛ فحكومتكم أمدتكم بها، ولكن ~~هذه علاوته المتعارف عليها. لقد أمضيت على متن هذه السفينة ست ~~سنوات، ودائما ما كان الأمر كذلك. قبل الوصول إلى أحد الموانئ ~~بنحو أسبوع، يؤخذ أفضل ما يتبقى من المؤن إلى مقصورته، ~~ويصرفها بعد أن نرسو. لا أعلم كيف يصرفها، ولكنه يفعل ذلك. ~~ربما يكون الربان على علم بذلك العرف، وربما يوجد سبب ما وراء ~~سماحه به. ليس من شأني أن يكون لي وجهة نظر في أي شيء. يتمتع ~~رئيس المضيفين بنفوذ على متن السفن الإنجليزية. وإن حدث وكان لديه ~~أي ضغينة نحوي، فعاجلا أو آجلا يمكن أن يجعلني أفقد عملي. ها ~~هي الوقائع بين يديك.» # سأل الطبيب ترومان: «هل تأذن لي أن أذهب إلى رئيس ~~المضيفين؟» ~~«بالطبع لا. ولكن يمكنك أن تذهب دون علمي. إنه رجل فاجر في ~~الخصومة عندما يغضب، ويمكنه أن ينغص العيش عليك وعلى ~~مرضاك.» ~~«حسنا، لن نتحدث عن الأمر أكثر من ذلك. أقدر لك أن ~~أخبرتني، وسأحرص على عدم إقحامك في الأمر. أيمكنك أن تذهب معي ~~لمعاينة تلك الحالة الجديدة المصابة بالتهاب السحايا؟» # انتظر كلود بصبر نافد في مقصورته عودة الطبيب. لم يفهم السبب ~~وراء عدم فضح رئيس المضيفين والتعامل معه مثل أي وغد آخر. كان يكره ~~الرجل منذ سمعه يوبخ المضيف المسن المسئول عن الحمام صبيحة ~~أحد الأيام. لم يحاول هوكينز أن يدافع عن نفسه، ولكنه وقف مثل ~~كلب تعرض لضرب مبرح، وجسده كله يرتعش، ويقول: «نعم ms242 يا ~~سيدي. نعم يا سيدي»، بينما كان رئيسه يسبه ببرود بصوت منخفض ~~مزمجر. لم يكن قد سبق لكلود أن سمع إنسانا أو حتى حيوانا ~~يخاطب بهذا القدر من الاحتقار. كان رئيس المضيفين ذا وجه يوحي ~~بالقسوة؛ أبيض كالجبن، وله شعر منهك رطب ممشط إلى الخلف ~~من أعلى جبهته؛ الشعر الدهني الغريب الذي يبدو أنه لا ينمو إلا ~~على رءوس المضيفين والندل. كانت عيناه تشبهان بالضبط حبتي ~~لوز ، ولكن جفونهما كانتا منتفختين لدرجة أن بؤبؤ العين ذا اللون ~~الباهت لم يكن يرى إلا من خلال فتحة ضيقة. وكان شارب طويل ~~فاتح اللون يتدلى كأنه هداب فوق شفتيه المفتوحتين. # عندما عاد الطبيب ترومان من المستشفى، أعلن أنه مستعد الآن لأن ~~يزور السيد ميكس. «إنه شخص قبيح الخلقة، ولكنه لا يستطيع فعل أي ~~شيء لي.» # ذهبا إلى مقصورة رئيس المضيفين وطرقا الباب. # رد صوت مهدد: «ماذا تريد؟» # رمى الطبيب رفيقه بتكشيرة ودخل. كان رئيس المضيفين يجلس على مكتب ~~كبير مغطى بدفاتر الحسابات. أدار كرسيه. وقال ببرود: «أستميحك ~~عذرا، لا أرى أي أحد هنا. سأكون ...» # رفع الطبيب يده بسرعة. «لا بأس أيها المضيف. أعتذر على تطفلي، ~~ولكن لدي شيء يجب أن أقوله لك على انفراد. لن آخذ من وقتك ~~طويلا.» اعتقد كلود أنه لو كان تردد للحظة، كان رئيس المضيفين ~~سيطرده، ولكنه أردف بسرعة. «هذا هو الملازم ويلر، يا سيد ميكس. ~~أحد زملائه من الضباط يرقد مريضا بالتهاب رئوي في المقصورة ~~96. حافظ الملازم ويلر على حياته برعاية خاصة. إنه لا يستطيع ~~الاحتفاظ بأي طعام في معدته عدا البيض وعصير البرتقال. وإذا ~~توفرت له هذه الأطعمة، فربما نتمكن من الحفاظ على قوته حتى ~~تزول الحمى، ونحمله إلى مستشفى في فرنسا. إن لم نحصل له عليها، ~~فسيموت في غضون أربع وعشرين ساعة. هذا هو الوضع.» # نهض المضيف ووجه المصباح الموضوع على مكتبه إلى الخارج. «هل ~~تلقيت إخطارا بنفاد كمية البيض والبرتقال على متن السفينة؟ ~~إذن يؤسفني القول إنه لا يمكنني فعل شيء لك. لست أنا من ms243 أمد ~~هذه السفينة بالمؤن.» ~~«كلا، أنا أفهم ذلك. أعتقد أن حكومة الولايات المتحدة وفرت ~~الفاكهة والبيض واللحم. وأعلم يقينا أن الأصناف التي أحتاج إليها ~~من أجل مريضي لم تنفد. دون الخوض في مزيد من التفاصيل، أحذرك ~~أنني لن أترك ضابطا من الولايات المتحدة يموت بينما وسائل إنقاذه ~~متاحة. سأذهب إلى الربان، وسأدعو الضباط على متن السفينة إلى ~~اجتماع. سأفعل أي شيء لأنقذ هذا الرجل.» ~~«هذا شأنك، ولكنك لن تتدخل في طريقة أداء واجباتي. هلا ~~غادرت مقصورتي؟» ~~«بعد لحظة، أيها المضيف. أعلم أنه ليلة البارحة حمل عدد من ~~علب البيض والبرتقال إلى هذه الغرفة. إنها هنا الآن، وهي تخص ~~قوات المشاة الأمريكية. إذا وافقت على تقديم المئونة لمريضي، فلن ~~يعرف أحد آخر ما أعرفه. أما إن رفضت، فسأعمل على فتح تحقيق في ~~هذا الأمر. لن أتوقف حتى أفعل.» # جلس المضيف وأخذ قلما. بدت يده الكبيرة الناعمة بيضاء بياض ~~الجبن، مثل وجهه. سأل بعدم اكتراث: «ما رقم المقصورة؟» ~~«ستة وتسعون.» ~~«ما المطلوب بالضبط؟» ~~«دزينة من البيض ودزينة من البرتقال كل أربع وعشرين ساعة، ~~على أن تصل في الوقت الذي يناسبك.» ~~«سأرى ما يمكنني فعله.» # لم يرفع رئيس المضيفين عينه عن لوحة الكتابة أمامه، وخرج ضيفاه ~~بغتة مثلما دخلا. # في نحو الساعة الرابعة من كل صباح، قبل حتى أن يضطلع المضيف ~~المسئول عن الحمامات بمهامه، كان باب مقصورة كلود يطرق طرقا ~~خفيفا، ويترك مرسال لم يغتسل، ونصفه العلوي عار، وعليه ~~إزار مربوط حول خصره، وصدره المشعر ملطخ بالدقيق؛ سلة ~~مغطاة أمام الباب. لم يتكلم مطلقا، وكان لديه عين واحدة ~~فقط، ومحجر عين متورم. عرف كلود أنه شقيق لرئيس المضيفين ~~ومصاب بإعاقة ذهنية، ويعمل في تقشير البطاطس وغسل الأطباق في ~~مطبخ السفينة. # بعد أربعة أيام من محادثتهما مع السيد ميكس، عندما كانوا أخيرا ~~يقتربون من نهاية الرحلة، أوقف الطبيب ترومان كلود بعد فحص طبي كي ~~يخبره أن رئيس المضيفين قد ظهرت عليه أعراض الوباء. «أرسل في ~~طلبي ليلة البارحة، وطلب مني أن أتولى حالته؛ ms244 لن يتعامل مع ~~تشيسوب مطلقا. تعين علي أن أحصل على تصريح من تشيسوب. بدا ~~مسرورا جدا بتسليم الحالة لي.» ~~«هل حالته سيئة جدا؟» ~~«ليس لديه فرصة في الشفاء، وهو يعلم ذلك. ثمة مضاعفات؛ داء ~~برايت المزمن. يبدو أن لديه تسعة أطفال. سأحاول أن أدخله ~~مستشفى عندما نصل إلى ميناء، ولكنه لن يعيش أكثر من بضعة أيام ~~على أقصى تقدير. أتساءل من سيحصل على الشلنات مقابل كل البيض ~~والبرتقال الذي اكتنزه.» تكلم الطبيب بحيوية مفاجئة: «كلود، ~~يا ولدي، إذا وضعت قدمي على اليابسة مرة أخرى، فسأنسى هذا الرحلة ~~كأنها كانت كابوسا. عندما أكون بعافيتي، أنتمي إلى الكنيسة ~~المشيخية، ولكني الآن أشعر أنه حتى الأشرار ينالون أسوأ مما ~~يستحقون.» # أخيرا أتى يوم استيقظ فيه كلود من نومه يكتنفه شعور بالسكون. ~~قفز من سريره شاعرا بخوف مشوش من أن أحدا ما قد مات، لكن ~~فانينج كان راقدا في سريره يتنفس بهدوء. # لفت انتباهه شيء ما عبر الكوة؛ حافة يابسة عريضة رمادية ~~تبرز في ضوء الفجر الوردي، عظيمة ومستقرة بغرابة بعد عدم ~~الاستقرار المزعج للبحر. أشجار باهتة وتحصينات طويلة ومنخفضة ... ~~مبان رمادية قريبة ذات أسقف حمراء ... زوارق صغيرة تبحر نحو ~~البحر ... وفوق الجرف، قلعة كئيبة. # كان ما برح يفكر في أن وجهته بلد ممزق وخرب؛ «فرنسا ~~الدامية»، ولكنه لم يكن قد رأى قط أي شيء بدا في غاية القوة ~~والاكتفاء والثبات من أول مبنى، مثل الساحل الذي كان ماثلا ~~أمامه. كان مثل أحد أعمدة الخلود. تحت قدميه، كان البحر الخضم ~~يقبع خانعا، وفوق رأسه يشرق الصبح هادئا. # هذا الجدار الرمادي الثابت والقوي كان نهاية تحضير طويل؛ إذ ~~كان نهاية البحر. كان سبب كل ما حدث في حياته على مدار خمسة عشر ~~شهرا مضت. كان السبب في أن تانهويزر والفيرجيني اللطيف، وعديدين ~~آخرين ممن انطلقوا معه في الرحلة، لن يحظوا بأي حياة على ~~الإطلاق، أو حتى بميتة جندي. كانوا مجرد نفايات في مؤسسة ~~كبيرة، ألقيت من فوق السفينة مثل حبال بالية. بالنسبة إليهم، لن ~~يكون ms245 لهذا الانعتاق اللطيف - الأشجار والشاطئ الساكن والمياه ~~الهادئة - وجود أبدا. تساءل، إلى متى ستظل أجسادهم مطروحة في ~~تلك المملكة اللاإنسانية التي تكتنفها الظلمة وعدم ~~الراحة؟ # أجفله صوت ضعيف آت من خلفه. ~~«كلود، هل وصلنا؟» ~~«أجل يا فانينج. لقد وصلنا.» # الكتاب الخامس # | «الرهان على استمرار تحليق نسور الغرب» # 1 # في ظهيرة ذلك اليوم، وجد كلود نفسه في شارع به متاجر صغيرة، ~~محتر ومتعرق، حائر تماما ولا يعرف وجهته. أخذ سائقو ~~الشاحنات وصبية على دراجات هوائية بدون أجراس يصيحون فيه بسخط ~~وغضب. استظل بظل شجيرة دلب ووقف عند جذعها، كأنما يمكن أن ~~تحميه. على أي حال، كان أكبر شواغله قد رفع عن كاهله. بمساعدة ~~فيكتور مورس، كان قد استأجر سيارة أجرة مقابل أربعين فرنكا، وأخذ ~~فانينج إلى مستشفى القاعدة، ورآه بين ذراعي معاون تمريض ضخم من ~~تكساس. خرج من المستشفى دون أن يكون لديه أي فكرة عن المكان الذي ~~كان ذاهبا إليه، باستثناء أنه أراد الوصول إلى قلب المدينة. ولكن ~~بدا أنها كانت بلا قلب؛ فقط شرايين طويلة متحجرة، مفعمة ~~بالحرارة والضوضاء. كان لا يزال واقفا هناك، تحت شجرة الدلب، ~~عندما أقبلت مجموعة من أشخاص غير محددين، يبدون تائهين، في ~~ثياب بنية، يتقدمهم الرقيب هيكس، يسيرون على غير هدى في ~~الشارع؛ تسعة رجال لكل منهم همه، وكل واحد منهم يحمل رغيفا ~~طويلا تحت ذراعه. حيوا كلود بابتهاج، واعتدلوا في مشيتهم، ~~وبدوا كأنهم وجدوا طريقهم الآن! رأى أنه لا بد أن تكون شجرة دلب ~~لشخص آخر. # أوضح الرقيب هيكس أنهم كانوا يتسكعون في شوارع المدينة بحثا ~~عن جبن. بعد ستة عشر يوما من الطعام الصعب الهضم، العديم الطعم، ~~كان الجبن هو كل ما يبتغون. كان يوجد متجر بقالة على ناصية ~~الشارع، وبدا أنه تتوفر فيه كافة أنواع البقالة عدا الجبن. كان ~~قد حاول أن يجعل المرأة العجوز تفهمه باستخدام الإشارات. ~~«أيا كان، ألا يأكل هؤلاء الفرنسيون الجبن؟ ماذا تعني كلمة ~~الجبن في لغتهم، أيها الملازم؟ لتحل علي اللعنة لو كنت ~~أعرف، ولقد فقدت ms246 كتاب العبارات. أتظن أنك تستطيع أن تجعلها ~~تفهم؟» ~~«حسنا، سأحاول. تعالوا معي، أيها الفتيان.» # احتشد الرجال العشرة، ودخلوا المتجر. هرعت صاحبة المتجر نحوهم ~~بصيحة قانطة. كان من الواضح أنها قد ظنت أنها انتهت منهم، ولم ~~يسرها أن تراهم عائدين. عندما توقفت لالتقاط أنفاسها، خلع ~~كلود قبعته احتراما، وقام بأجرأ عمل في حياته؛ ألا وهو التلفظ ~~بأول جملة من كتاب العبارات خاطب بها شخصا فرنسيا في حياته. ~~وقف رجاله خلفه، وتعين عليه أن يقول شيئا ما أو أن يهرب، لم يكن ~~يوجد سبيل آخر. نظر إلى المرأة العجوز في عينيها، وقال بنبرة ~~ثابتة بالفرنسية: ~~«هل لديك جبن، يا سيدتي؟» ظن أن إلهاما نزل عليه وجعله ~~يضيف الكلمة الأخيرة؛ وعندما أفلح ذلك أصابه ذهول شديد، وكأن ~~رصاصة انطلقت من مسدسه وهو في حزامه. # صاحت صاحبة المتجر: «جبن؟» صاحت ببضع كلمات إلى ابنتها، التي ~~كانت جالسة إلى المكتب، وأمسكت كلود من كمه، وسحبته خارج ~~المتجر، وجرت في الشارع وهو معها. جرته إلى مكان تغطيه ستارة ~~طويلة، وألقت التحية على صاحبة المكان، ثم دفعت الرجال خلف قائدهم ~~كأنهم جحوش عنيدة. # وقفوا يرمشون في الظلام، ويستنشقون رائحة لاذعة ورطبة وزبدية ~~ولزجة، إلى أن اخترق بصرهم الظلام، ورأوا أن المكان لم يكن يوجد ~~فيه سوى الجبن والزبد. كانت صاحبة المتجر امرأة سمينة، ذات ~~حاجبين أسودين متصلين فوق أنفها، وكانت مشمرة عن ساعديها، ~~ورداؤها القطني مفتوحا فوق رقبتها ونهديها الأبيضين. همت من ~~فورها أن تقول لهم إنه توجد قيود على منتجات الألبان، ولا بد أن ~~يكون مع كل فرد بطاقات، وإنه ليس بوسعها أن تبيع لهم كمية ~~كبيرة. ولكن سرعان ما لم يعد يوجد ما يتنازع عليه. انقض ~~الفتية على مخزونها كالذئاب. اختفت الأجبان البيضاء الصغيرة التي ~~كانت قابعة فوق أوراق خضراء داخل الأفواه الواسعة. قبل أن تتمكن ~~من إنقاذ قطعة جبن كبيرة دائرية الشكل، انقض هيكس عليها، وأخذ ~~يقطعها مثل بطيخة. قالت لهم إنهم خنازير قذرة، وأسوأ من ~~الجنود الألمان، ولكنها لم تستطع أن توقفهم. ~~«ما ms247 خطب تلك العجوز، أيها الملازم؟ علام الجلبة التي ~~تثيرها؟ أليست هنا من أجل بيع السلع؟» # حاول كلود أن يبدو أحكم مما كان عليه. وقال: «بناء على ما ~~فهمت، توجد بعض القيود؛ ليس مسموحا لكم شراء كل ما تريدون. كان ~~علينا أن نفكر في ذلك؛ فهذا بلد في حالة حرب. أظن أننا استهلكنا ~~كل مخزونها.» # قال هيكس وهو يمسح سكين جيبه: «أوه، لا بأس.» وأضاف: «سنحضر ~~لها بعض السكر غدا. أخبرني أحد الأشخاص الذين ساعدونا في تفريغ ~~حمولة السفينة في الميناء أنه يمكنك تهدئتهم بإعطائهم ~~السكر.» # أحاطوا بها وأخرجوا نقودهم كي تأخذ ثمن ما أخذوه. وقالوا: ~~«خذي المال أيها السيدة، ولا تخجلي. ما الخطب؟ أليست هذه النقود ~~صالحة؟» # شتت انتباهها الضوضاء التي أحدثوها، ووجوههم البرونزية ~~وأسنانهم البيضاء وأعينهم الشاحبة، وهم يتزاحمون قريبا جدا ~~منها. عشر أياد كبيرة جيدة الشكل ذات أصابع مستقيمة، وكفوف ~~مفتوحة وممتلئة بالأوراق النقدية المجعدة ... لما أوقفت الرجال ~~بحجة البحث عن قلم رصاص، أجرت حسابات سريعة. لم يكن المال الذي ~~وضعوه في كفوفهم ذا أهمية لهؤلاء الرجال الضخام المتملقين ~~والصاخبين؛ كان محل تندر بينهم، لم يكونوا يعرفون ما يعنيه في ~~العالم. من خلفهم كانت توجد حمولات سفن من الأموال، وخلف السفن ~~... # كان الموقف غير عادل. سواء أخذت الكثير أو القليل من أيديهم، ~~لم يكن يمكن لهذا أن يشغل بال الأمريكيين، ولم يكن يمكن حتى أن ~~يفسد عليهم مزاجهم الجيد. ولكن كان ثمة ضغط على بائعة الجبن، ~~وكانت المعايير التي عاشت عليها طوال حياتها معرضة للخطر. كان ~~عقلها مضبوطا بطريقة آلية على «اثنين ونصف»؛ أي كانت ستتقاضى ~~منهم سعرا أعلى من سعر الجبن في السوق بمقدار مرتين ونصف. لما ~~تشبثت بهذا الداعم الأخلاقي، أجرت تغييرا بدقة أملاها عليها ~~ضميرها، ولم تأخذ من أيهم بنسا أكثر. بعدما أخبرتهم كم هم ~~أغبياء، وأنه من الضروري أن يتعلموا الحساب في هذا العالم، ~~استحثهم على الخروج من المتجر. أعجبت بهم كثيرا، ولكنها لم ~~تحب التعامل معهم. لو لم تأخذ نقودهم، كان سيأخذها غيرها. ms248 ومع ~~ذلك، كانت تمقت القيم الزائفة؛ إذ كانت تجعل كل شيء يبدو رديئا ~~وغير آمن. # وقفت عند المدخل، وأخذت تراقب مجموعة الرجال ذوي الملابس ~~البنية وهم يسيرون على غير هدى في الشارع؛ لما عبروا أمام كنيسة ~~القديس جاك القديمة، تعثر الاثنان اللذان كانا يمشيان في ~~الأمام في درجة غائرة كانت لا تكاد تعلو فوق مستوى الرصيف. ضحكت ~~بصوت عال. نظروا خلفهم ولوحوا لها. ردت عليهم بابتسامة كانت ~~تنم عن الود والغضب في آن واحد. أعجبت بهم، ولكنها لم تحب ~~حكايات التبذير والإسراف التي سبقتهم وشاعت عنهم قبل أن يأتوا ~~وتبعتهم بعدما غادروا. كان هذا متجاوزا للحد ومفسدا في ~~عالم ذي واقع أليم. جيش كان جنوده يأكلون اللحم في الإفطار، ~~ويأكلون كل يوم أكثر مما كان يتحصل عليه الجنود الفرنسيون ~~على الجبهة في أسبوع! كانت مطابخهم المتنقلة وقطارات إمداداتهم ~~أعجوبة فرنسا. في جنوب مدينة آرل، حيث كانت أخت زوجها متزوجة، ~~على سهل كراو المقفر، كانت مؤنهم المعلبة مكدسة مثل سلاسل ~~الجبال، تحت السقائف والخيام. لم يكن قد سبق لأحد أن رأى هذا ~~القدر الهائل من الطعام؛ القهوة، والحليب، والسكر، واللحم ~~المقدد، ولحم الخنزير؛ كل شيء كان العالم يفتقر إليه. أحضروا ~~أيضا حمولات سفن من أشياء عديمة النفع. وكذلك أناس عديمو النفع. ~~أتوا بحمولات سفن من نساء لم يكن ممرضات؛ قال البعض إنهن أتين ~~من أجل الرقص مع الضباط؛ حتى لا يصيبهم الضجر. # كل هذا لم يكن حربا، بقدر ما كان أموالا يدفعها إليك رجال ~~بالغون لا يعرفون العد، كان تجارة. كان غزوا، مثل الغزو الآخر. ~~دمر الأول الممتلكات المادية، وهدد هذا السلامة المعنوية ~~للجميع. خيم النفور من مثل هذه الأساليب والارتياب العميق ~~والتشكك فيها على جبين بائعة الجبن وهي ترمي نقودها في الدرج ~~وتقفل عليها بالمفتاح. # أما جنود المشاة، فبعدما تعثرت أصابع أقدامهم في الدرجة ~~الغائرة، تفحصوها باهتمام، ودخلوا لاستكشاف الكنيسة. كانوا قد ~~عقدوا النية على ألا يدعوا كنيسة تفلت منهم، مثلما عقدوا ~~النية على ألا يتركوا ألمانيا يهرب. داخل الكنيسة، ms249 صادفوا ~~جماعة من رفقائهم على السفينة، ومنهم فرقة كانساس، وتفاخروا ~~أمامهم بأن الملازم «يتحدث الفرنسية مثل السكان المحليين». # ظن الملازم أنه يحرز تقدما جيدا جدا، ولكن بعد بضع ~~ساعات تعرض كبرياؤه للإذلال. كان جالسا بمفرده في حديقة صغيرة ~~مثلثة الشكل بجانب كنيسة أخرى، مبديا إعجابه بأشجار الطلح ~~المقصوصة، ويراقب بعض النساء العجائز اللواتي كن يصلحن ~~أغراضهن في الظل. أقبل عليه طفل صغير يرتدي رداء أسود، حليق ~~الرأس وحاسرها ، وهو يقفز على حبل. قفز بخفة حتى وصل إلى كلود ~~وقال، بالفرنسية، بصوت مقنع وواثق للغاية: ~~«من فضلك يا سيدي الجندي، هلا أخبرتني بالوقت؟» # نظر كلود إلى عينيه اللتين كان يبدو فيهما الإعجاب، وانتابه ~~شعور بالهلع. لم يكن يضيره أن يبدو أحمق في نظر رجل، أو حتى ~~في نظر فتاة جميلة، ولكن هذا الموقف كان مروعا. جف لسانه، ~~واحمر وجهه. تحولت نظرة الترقب في عيني الطفل إلى نظرة ~~ارتياب، ثم خوف. كان قد سبق له أن تحدث إلى أمريكيين لم ~~يفهموه، ولكن لم تحمر وجوههم ويبد عليهم الغضب هكذا؛ لا بد أن ~~الجندي مريض، أو به علة في عقله. استدار الطفل وجرى ~~مبتعدا. # كان الكثير من الحوادث الخطيرة أقل تكديرا لكلود. أصابه ~~الإحباط أيضا. كان ثمة شيء ودود في وجه الطفل ابتغاه ... بل ~~احتاج إليه. بينما كان ينهض، ضغط بكعبه على الحصى. وتمتم ~~محدثا نفسه: «إن لم أتعلم كيفية التحدث إلى «أطفال» هذا ~~البلد، فسأعود إلى دياري!» # 2 # انطلق كلود يبحث عن فندق جراند، حيث كان قد وعد فيكتور مورس أن ~~يتناول العشاء معه هناك. تحدث الناطور هناك اللغة الإنجليزية. ~~نادى صبيا ذا شعر أحمر يرتدي لباسا موحدا متسخا، وأمره ~~أن يأخذ الأمريكي إلى رقم أربعة وعشرين. تحدث الصبي أيضا ~~باللغة الإنجليزية. قال: «أظن أن نيويورك فيها أموال كثيرة! في ~~فرنسا، لا توجد أموال.» قاده عبر ممرات تنبعث منها رائحة العفن ~~وصعودا على درج زلق، لأطول مدة ممكنة، وهو ينظر إلى الزائر ~~بفطنة، ويفرك إبهامه في أصابعه توترا طوال الوقت. # أعلن باللغتين ms250 الفرنسية والإنجليزية: «أربع وعشرون»، وهو يقرع ~~الباب بإحدى يديه ويفتح الأخرى بطريقة موحية. وضع كلود فيها ~~شيئا؛ أي شيء كي يتخلص منه. # كان فيكتور واقفا أمام المدفأة. قال: «مرحبا يا ويلر، تفضل ~~بالدخول. سيقدم عشاؤنا هنا. هذه الغرفة كبيرة جدا، أليس ~~كذلك؟ لم أستطع أن أحصل على شيء وسط بين غرفة بحجم حظيرة ~~الدجاج، وهذه بخمسة عشر دولارا في اليوم.» # كانت الغرفة واسعة بما يكفي لإقامة مأدبة؛ تضم سريرين ~~كبيرين، ونوافذ كبيرة تفتح إلى الداخل على مفصلات، مثل الأبواب، ~~وكان واضحا أنها لم تغسل منذ وقت ما قبل الحرب. كانت الستائر ~~المصنوعة من الديباج القطني الأحمر الثقيل والستائر المصنوعة من ~~الدانتيل متصلبة بسبب ما كانت تحويه من غبار، وأعقاب السجائر ~~وأعواد الثقاب متناثرة على السجادة السميكة. كانت شفرات حلاقة ~~وصناديق ملابس من طراز «كاكي كومفورت» ملقاة حول التسريحة، ~~وشاغلو الغرفة السابقون قد تركوا توقيعاتهم على غبار الطاولة. ~~نام جنود فيها، ورحلوا، ووصل جنود آخرون؛ وبقيت الغرفة على ~~حالها، مثل غابة يخيم فيها المسافرون ويمضوا ليلتهم. لم يأخذ ~~مسئول تجهيز الغرف من الغرفة سوى ما كان يمكنه أن يستخدمه؛ ~~قمصانا مهملة وجوارب وأحذية قديمة. بدا المكان كئيبا نوعا ما ~~ولا يصلح لإقامة حفل. # عندما جاء النادل، نفض الغبار عن الطاولة بمئزره، ووضع مفرشا ~~نظيفا ومناديل وكئوسا. جلس فيكتور وضيفه تحت مصباح كهربي ذي ~~مظلة مكسورة، وتدور حوله هالة صامتة من الذباب دون توقف. لم ~~يصدر الذباب أزيزا، ولم يندفع عاليا، ولم يهبط كي يتذوق ~~الحساء، ولكنه ظل معلقا هناك في مركز الغرفة كأنه جزء من ~~نظام الإضاءة. أحرج الحضور المستمر للنادل كلود؛ إذ شعر بأنه ~~مراقب. # بينما كانت أطباق الحساء ترفع، قال فيكتور: «بالمناسبة، ما ~~رأيك في هذا النبيذ؟ لقد كلفتني الزجاجة ثلاثين فرنكا.» # رد كلود: «يعجبني مذاقه جدا. ولكن مع ذلك، هذه هي المرة ~~الأولى التي أشرب فيها الشمبانيا.» ~~«حقا؟» تجرع فيكتور كأسا أخرى وتنهد. «أنا أغبطك. ليتني ~~أعيد كرة كل شيء من جديد. الحياة قصيرة للغاية كما ~~تعرف.» ~~«يجب ms251 أن أقول إنك بدأت بداية جيدة. نحن بعيدون جدا عن ~~كريستال ليك.» ~~«لسنا بعيدين بما يكفي.» مد مضيفه يده عبر الطاولة، وملأ كأس ~~كلود الفارغة. «أحيانا أستيقظ وبداخلي شعور بأنني عدت إلى هناك. ~~أو تراودني أحلام سيئة، وأجد نفسي جالسا على ذاك الكرسي اللعين ~~داخل القفص الزجاجي ولا أستطيع أن أجعل دفاتر حساباتي متوازنة؛ ~~أسمع الرجل العجوز يسعل في غرفته، الطريقة التي يسعل بها عندما ~~يكون سيرفض أن يمنح قرضا لشخص مسكين يحتاج إليه. لقد نجوت ~~بأعجوبة يا ويلر؛ «كشعلة منتشلة من الحريق». لا ~~أتذكر من الكتاب المقدس غير تلك الآية.» # بدا أن البقع الحمراء البراقة في وجنتي فيكتور، وجبهته ~~الشاحبة، وعينيه اللامعتين، وشاربه الصغير الأنيق؛ تعطي ~~اقتباسة حيوية غريبة. غبطه كلود. لا بد أنه من الممتع جدا أن ~~تستحوذ على دور وتلعبه حتى النهاية؛ أن تؤمن بأن المرء يبني كيانه ~~من جديد، وأن تحب شخصيتك التي بنيتها لنفسك. أعجب هو الآخر ~~بطريقة ما بفيكتور، على الرغم من أنه لم يستطع أن يؤمن به على ~~الإطلاق. # قال: «لن ترجع مرة أخرى، لن أقلق حيال ذلك الأمر.» ~~«صدقني عندما أقول لك إنه ~~يوجد الآلاف ممن لن يرجعوا أبدا! أنا لا أتحدث عن الضحايا. ~~من المحتمل أن يكتشف بعض منكم، أيها الأمريكيون، العالم في هذه ~~الرحلة ... وسيصنع هذا فارقا كبيرا للغاية! لم تحصلوا أيها الفتية ~~على فرصة عادلة. تتآمر عليكم الكنيسة والدولة لإخضاعكم. أنا ذاهب ~~للتسلية مع بعض الفتيات الليلة، هل تأتي معي؟» # ضحك كلود. «لا أظن ذلك.» ~~«ولم لا؟ لن يقبض عليك، أضمن لك ذلك.» # تحدث كلود معتذرا: «لا أظن ذلك. سأخرج لزيارة فانينج بعد ~~العشاء.» # هز فيكتور كتفيه. «ذاك الأحمق!» أشار إلى النادل كي يفتح ~~زجاجة أخرى ويحضر القهوة. «حسنا، هذه فرصتك الأخيرة كي تذهب ~~لمعاشرة الفتيات معي.» نظر بانتباه إلى كلود ورفع كأسه. «في نخب ~~المستقبل، ولقائنا التالي!» عندما وضع كأسه الفارغة، قال: «جاءتني ~~برقية اليوم، سأغادر غدا.» ~~«إلى لندن؟» ~~«إلى مدينة فردان.» # التقط كلود نفسا سريعا. فردان ... كان ms252 وقع الاسم على سمعه ~~كئيبا، مثل القرع على طبول مجوفة. كان فيكتور ذاهبا إلى هناك ~~غدا. هنا يمكن للمرء أن يستقل القطار إلى فردان، أو إلى مكان ~~قريب منها، مثلما يستقل المرء القطار في مسقط رأسه إلى أوماها. ~~شعر أنه «وصل إلى هناك» أكثر مما شعر سابقا، وشعر ببعض ~~الانفعال المحتدم يسري في سائر جسمه. حاول أن يظهر عدم ~~اكتراثه: ~~«ألن تذهب إلى لندن قريبا؟» # أجاب فيكتور بكآبة: «الرب وحده يعلم.» رفع ناظريه إلى السقف، ~~وبدأ يصفر بعذوبة نغمة ساحرة. «هل تعرف تلك النغمة؟ إنها شيء ~~تعزفه مايزي كثيرا؛ «ورود بيكاردي». لن تعرف ما يمكن أن تكون عليه ~~شخصية المرأة حتى تقابلها، يا ويلر.» ~~«أرجو أن أحظى بتلك الفرصة السعيدة. كنت أتساءل إن كنت نسيتها ~~في الوقت الحالي. ألا تعترض على هذه الانحرافات؟» # رفع فيكتور حاجبيه بطريقة الغطرسة القديمة. «لا تطلب النساء ~~ذلك النوع من الإخلاص من رجال القوات الجوية. فارتباطاتنا ~~متقلبة للغاية.» # بعد نصف الساعة، كان فيكتور قد ذهب في مغامرة عاطفية، وكان ~~كلود يتجول وحيدا في شارع مضاء بإضاءة ساطعة، ويعج بالجنود ~~والبحارة من كل الأمم. كان يوجد أناس سود من السنغال، ورجال ~~من مرتفعات اسكتلندا يرتدون تنانير، وسائقو شاحنات صغار من سيام؛ ~~وكلهم يتحركون ببطء بين صفوف الملاهي الليلية ودور السينما. كانت ~~الفروع الطويلة لأشجار الدلب تتلاقى فوق الرءوس، فتحجب الشمس ~~وتشكل سقفا ينفذ منه الوهج البرتقالي. كانت الأرصفة مكدسة ~~بالكراسي والطاولات الصغيرة، التي كانت يجلس عليها جنود البحرية ~~والمشاة يحتسون المسكرات والكونياك والقهوة. من كل مدخل، كانت ~~آلات الموسيقى تصدح بألحان الجاز ومارشات سوزا العسكرية الصاخبة. ~~كانت الضوضاء مروعة. في منتصف الشارع، خرجت مجموعة من ~~الفتيات حاسرات الرأس، ذوات مظهر جريء وقوي؛ كن يتبعن ~~سربا من الأمريكيين المحرجين ويهرولن وسطهم، ويتأبطن ~~أذرعهم، ويطلبن هدايا، ويصحن: «هلا رقصت معي الفوكستروت، ~~يا سام؟» # وقف كلود أمام دار سينما، وحيث كان مكتوبا بالفرنسية على ~~اللافتة المضاءة بالأضواء الكهربائية «الحب، عندما يتملكنا!» ~~ووقف يراقب الناس. في هذا الحشد الذي مر ms253 به، وقعت عيناه على ~~اثنين يسيران وقد تشابكت ذراعاهما ويداهما، ويتحدثان بلهفة غير ~~واعيين بالزحام؛ لاحظ على الفور أنهما كانا مختلفين عن الأزواج ~~المتحابين الآخرين الذين كانوا يتسكعون في الشارع. # كان الرجل يرتدي زيا أمريكيا، وذراعه اليسرى مبتورة من عند ~~الكوع، وكان رأسه مائلا وكأن رقبته كانت متيبسة. وجهه الأسمر ~~النحيل يكتسي بتعبير عن قلق شديد، وحاجباه يختلجان كأنه يعاني ~~ألما لا يفارقه. بدت الفتاة مهمومة هي الأخرى. عندما مرا به، ~~تحت الإضاءة الحمراء للافتة «الحب»، كان بوسع كلود أن يرى أن ~~عينيها كانتا مغرورقتين بالدموع. كانت عيناها واسعتين وزرقاوين ~~وتوحيان ببراءتها، ووجهها أجمل وجه رآه منذ أن وطئت قدماه ~~اليابسة. من شالها الحريري وقلنسوتها الصغيرة ذات الأشرطة الزرقاء ~~والطوق الأبيض، ظن أنها لا بد أن تكون من الريف. بينما كانت تستمع ~~إلى الجندي، وفمها نصف فاغر، رأى فرجة بين ثنيتيها ~~العلويتين، كما في حال الأطفال الذين نمت سنتهم الثانية ~~لتوها. بينما كانا يشقان طريقهما في الزحام، كانت ترفع ~~ناظريها باهتمام شديد إلى الرجل بجانبها، أو تشيح بهما نحو ~~الضوء الذي غشي بصرها؛ حيث كان من الواضح أنها لم تكن ترى شيئا. ~~بدا أن وجهها النضر والناعم كان حديث عهد بالعاطفة، وكانت نظرتها ~~المتحيرة تشعر المرء بأنها لم تكن تعرف أين تتجه. # دون أن يدرك ما كان يفعل، تبعهما كلود حتى خرجا من الزحام ~~إلى شارع هادئ، ثم إلى شارع آخر أكثر خلوا من المارة، حيث ~~بدا كأن قاطني منازله كانوا نياما منذ مدة طويلة. هنا لم توجد ~~مصابيح شوارع، ولا حتى ضوء في النوافذ؛ إذ لم توجد سوى ظلمة ~~طبيعية؛ والقمر فوق الرءوس يلقي بظلاله الحادة على الرصيف ~~المكسو بحجارة بيضاء. انعطف الشارع الضيق، وخرج إلى الكنيسة ~~التي كان قد دخلها هو ورفاقه بعد ظهر ذلك اليوم. بدت أكبر في ~~الليل، ولولا الدرجة الغائرة، ما كان سيصبح واثقا من أنها هي ~~ذاتها. بدت المنازل المظلمة المجاورة مائلة باتجاهها، وسطع ~~ضوء القمر الفضي القاتم على واجهتها البالية. # نزل الاثنان السائران ms254 أمامه الدرجات وانزويا إلى داخل المدخل ~~العميق، وهناك تعانقا عناقا طويلا وساكنا حتى إنه كان كالموت. ~~في النهاية تباعدا وهما يرتجفان. جلست الفتاة على المقعد الحجري ~~بجانب الباب. ألقى الجندي بجسده على الرصيف عند قدميها، ووضع ~~رأسه على ركبتها، وذراعه الوحيدة ممددة في حجرها. # في ظل المنازل المقابلة، ظل كلود يراقب مثل حارس على أهبة ~~الاستعداد لأن يساندهما إن طرأ شيء أفزعهما. مالت الفتاة على ~~الجندي وهي تربت على رأسه بنعومة، حتى إنها ربما كانت تجعله ~~يخلد إلى النوم؛ وأمسكت بيده الوحيدة ووضعتها على صدرها كأنها ~~تسكن ألما ألم به. خلفها مباشرة عند البوابة المنحوتة، ~~وقف أسقف عجوز، يرتدي قلنسوة مدببة ويمسك بصولجان مكسور، ~~رافعا إصبعين إلى أعلى. # 3 # في الصباح التالي عندما ~~وصل كلود إلى المستشفى كي يزور فانينج، وجد الجميع مشغولين ~~للغاية، ولم يكن في وسع أحد أن يوليه اهتماما. كان الفناء ~~ممتلئا بسيارات الإسعاف، وانتظر طابورا طويلا من الشاحنات خارج ~~البوابة. كانت قد دخلت حمولة قطار من الجرحى الأمريكيين، الذين ~~كانوا قد أرسلوا من مستشفيات الإجلاء لينتظروا نقلهم إلى ~~الوطن. # بينما كان الرجال يمرون عليه محمولين، جال في عقله أنهم بدوا ~~كأنهم كانوا مرضى مدة طويلة؛ بالفعل بدا أنهم لم يكن من الممكن أن ~~يتماثلوا للشفاء قط. لم يكن الفتية الذين ماتوا على متن سفينة ~~أنخيسيس بادين مرضى مثلما بدا هؤلاء. كانت بشرتهم صفراء أو ~~أرجوانية، وأعينهم غائرة، وشفاههم متقرحة. كان كل شيء ذي صلة ~~بالصحة الجيدة قد تولى عنهم، وكل سمة من سمات الشباب ولت. لم ~~يتوقف جندي بائس، كان وجهه وجذعه ملفوفين بالقطن، عن الأنين، ~~وبينما كان محمولا في الرواق كانت رائحته كريهة. علق مساعد ~~التمريض من تكساس قائلا لكلود: «في البداية لم يبتر من ذلك ~~الشخص سوى إصبع واحدة؛ هل تصدق هذا؟» # كان هؤلاء أول دفعة من الجرحى يراها كلود. أن تراق دماؤك ~~الزكية، أن تكتسي بشارة الشجاعة الحمراء، فهذا كان أمرا، ولكن ~~أن يصل بك الحال إلى هذا فذاك أمر مختلف تماما. بالتأكيد، ms255 كلما ~~كان موت هؤلاء الفتية أسرع، كان ذلك أفضل لهم. # بينما كان مساعد التمريض ~~من تكساس يمر بحمولته التالية، سأل كلود عن السبب في أنه لم يدخل ~~المكتب وينتظر إلى أن ينتهي التزاحم. نظر كلود إلى الداخل عبر ~~الباب الزجاجي، فلاحظ شابا يكتب على مكتب محاط بسياج حديدي. ~~كان ثمة شيء ما مألوف في هيئته وفي وضعية رأسه. عندما رفع ~~ذراعه اليسرى كي يبقي الصفحة في دفتر اليومية مفتوحة، كانت ~~مبتورة من تحت المرفق. نعم، لم يكن ثمة شك في الأمر؛ الوجه ~~الشاحب الحاد، الأنف المستدق، الجبين العابس المتوتر. بعد ~~لحظات، كأنما أحس بنظرات فضولية ترمقه، توقف الشاب عن ~~كتابته السريعة، ولوى كتفيه ووضع ثقالة ورق حديدية على صفحة ~~دفتره، وأخرج علبة من جيبه وهزها ليخرج منها سيجارة على ~~المكتب. سار كلود إلى السياج، وعرض عليه سيجارا. «كلا، شكرا ~~لك. لم أعد أدخنه. إنه ثقيل على صدري.» أشعل عود ثقاب، وحرك ~~كتفيه مرة أخرى كأنما كان بهما تشنج، وجلس على حافة ~~مكتبه. # سأله كلود: «من أين يأتي هؤلاء الجرحى؟» وأضاف: «جئت على متن ~~سفينة أنخيسيس أمس فقط.» ~~«إنهم يأتون من مستشفيات إجلاء متنوعة. أعتقد أن معظمهم ~~أصيب في معركة بيلو وود.» ~~«أين فقدت ذراعك؟» ~~«في معركة كانتيني. كنت في الكتيبة الأولى. انتهت خدمتي منذ ~~سبتمبر الماضي، وانتظرت حدوث شيء، ثم حظيت بخطبتي ~~الأولى.» ~~«أليس بمقدورك العودة إلى وطنك؟» ~~«بلى، بمقدوري. لكنني لا أرغب في العودة. لقد اعتدت على العيش ~~هنا. لقد كنت على صلة بالقيادة في باريس بعض الوقت.» # استند كلود إلى السياج. «بالطبع قرأنا عن معركة كانتيني عندما ~~كنا في الوطن. انتابنا قدر كبير من الحماسة؛ أظن أنك كنت ~~متحمسا أيضا، أليس كذلك؟» ~~«بلى، كنا منفعلين. لم نكن قد وضعنا تحت النار من قبل، وكنا ~~قد ضقنا ذرعا بكل ذلك الحديث عن أن بناء آلة قتال يستغرق خمسين ~~عاما. كان الجنود الألمان في موضع قوي؛ نظرنا إلى تلك التلة ~~الطويلة، وتساءلنا كيف سنتصرف.» ولما كان الفتى يتحدث، لم ~~تتوقف ms256 عيناه عن الحركة طوال الوقت؛ ربما لأنه لم يكن يستطيع ~~تحريك رأسه على الإطلاق. بعدما نفث سحبا كثيفة من الدخان حتى ~~انتهت سيجارته، جلس إلى دفتر اليومية الذي كان بين يديه، ونظر ~~عابسا إلى الصفحة بطريقة توحي بانشغاله الشديد، وأنه لم يكن لديه ~~وقت للحديث. # رأى كلود الطبيب ترومان يقف في المدخل منتظرا إياه. انتهيا من ~~زيارتهما الصباحية لفانينج، وغادرا المستشفى معا. التفت الطبيب ~~إليه كأنما كان شيء ما يدور في ذهنه. ~~«رأيتك تتحدث إلى ذلك الفتى صاحب الرقبة الملتوية. كيف بدا ~~حاله، بخير؟» ~~«ليس بالضبط. يبدو عصبيا جدا. هل تعرف أي شيء عنه؟» ~~«أوه، أجل! إنه مريض مميز هنا، حالة اضطراب عقلي. كنت ~~أتحدث للتو مع أحد الأطباء عنه، عندما خرجت ورأيتك معه. أصيب ~~برصاصة في عنقه في معركة كانتيني، وفيها فقد ذراعه. التأم ~~الجرح، ولكن ذاكرته تأثرت؛ أظن أنه أصيب بقطع في الأعصاب ~~الموصلة بذلك الجزء من الدماغ. يهتم الطبيب النفسي فيليبس بحالته ~~اهتماما كبيرا، ويبقيه هنا كي يلاحظ حالته. إنه يكتب كتابا ~~عنه. يقول إن الرجل ربما يكون قد نسي كل شيء عن حياته قبل أن ~~يأتي إلى فرنسا. الغريب في الأمر أن أكثر جزء تضرر هو ذكرياته ~~المتعلقة بالنساء. يمكنه أن يتذكر والده، لكنه لا يتذكر ~~والدته؛ لا يعرف أن له أخوات أم لا؛ بوسعه أن يتذكر رؤية فتيات ~~في المنزل، لكنه يظن أنهن بنات عمومته. فقدت صوره الفوتوغرافية ~~ومتعلقاته عندما جرح، كل شيء باستثناء مجموعة خطابات كانت في ~~جيبه. إنها من فتاة كانت مخطوبة له، ويقول إنه لا يتذكرها على ~~الإطلاق؛ لا يعرف كيف شكلها ولا أي شيء عنها، ولا يمكنه أن يتذكر ~~أنه خطبها. الخطابات مع الطبيب. يبدو أنها من فتاة جميلة من ~~مدينته شديدة التوق إلى أن يبذل قصارى جهده لكي يكون ناجحا. ~~فر من الجندية بعد مدة وجيزة من إرساله إلى هذا المستشفى، هرب. ~~عثر عليه في مزرعة في الريف هنا، حيث كان الأبناء قد قتلوا، ~~ونوعا ما تبناه أصحابها. كان قد ms257 خلع زيه، وكان يرتدي ملابس ~~أحد الأبناء الذين ماتوا. ربما كان سيفلت بفعلته، لو لم يكن ~~مصابا بذلك الالتواء في العنق. رآه شخص ما في الحقول، وتعرف ~~عليه، وأبلغ عنه. أظن أن لا أحد اهتم بشأنه كثيرا باستثناء هذا ~~الطبيب النفسي؛ أراد أن يستعيد مريضه المدلل. يطلقون عليه ~~هنا اسم «الأمريكي الضائع».» # علق كلود بصوت منخفض: «يبدو أنه يقوم ببعض الأعمال ~~الكتابية.» ~~«نعم، يقولون إنه تلقى تعليما جيدا. إنه يتذكر الكتب التي ~~قرأها أفضل مما يتذكر حياته الخاصة. لا يتذكر أي تفاصيل عن مسقط ~~رأسه أو بيته. كما محيت النساء من ذاكرته تماما، حتى الفتاة ~~التي كان يعتزم الزواج منها.» # ابتسم كلود. وقال: «ربما حالفه الحظ في تلك النقطة.» # التفت إليه الطبيب بمودة، وقال: «كلود، لا تبدأ في الحديث ~~بتلك الطريقة بمجرد أن وطئت قدمك هذا البلد.» # مر كلود بكنيسة القديس جاك. مرت ليلة البارحة مثل حلم، ~~ولكنها كانت تؤرقه. تمنى لو كان بوسعه فعل شيء لمساعدة ذلك ~~الفتى؛ مساعدته في الهرب من الطبيب الذي كان يريد تأليف كتاب عنه، ~~والفتاة التي أرادت أن تستغله أسوأ استغلال؛ في أن يهرب ويضيع ~~تماما فيما حالفه الحظ كثيرا في العثور عليه. لما كان كلود يروح ~~ويجيء طوال اليوم، كان يبحث بين الحشود عن ذلك الوجه الشاب، بالغ ~~الحنو والرقة. # 4 # أعمق وأعمق في فرنسا الزاهرة! ما فتئ كلود يتفوه بتلك الجملة ~~لنفسه مع ارتجاج العجلات، بينما كان القطار الحربي متجها ~~جنوبا، في اليوم الثاني لمغادرته هو وسريته ميناء الإنزال. ~~حقول من القمح، وحقول من الشعير، وحقول من الشيلم؛ كل التلال ~~المنخفضة والمرتفعات المتموجة كانت مكسوة بالنباتات في موسم ~~الحصاد. وفي كل مكان، في الحشائش والحبوب المصفرة، على طول جانب ~~الطريق، كانت نباتات الخشخاش تنسال وتتدفق. في اليوم الثاني، كان ~~الفتية لا يزالون يتصايحون بشأن الخشخاش؛ لم يكن أي شيء آخر قد ~~فاق توقعاتهم تماما بهذا القدر. كانوا في السابق يظنون أن الخشخاش ~~لا ينمو إلا في ساحات المعارك، أو في أذهان المراسلين ms258 الحربيين. ~~لم يكن أحد يعرف ماهية نبات القنطريون العنبري إلا ويلي كاتز، وهو ~~فتى نمساوي من مصانع تعبئة أوماها، ولم يكن يعرف له سوى اسم ~~يبغضونه؛ لذا لم يتفوه بأي معلومة. ظلوا وقتا طويلا يحسبون ~~أن زهور البرسيم الأحمر هي زهور برية؛ إذ كانت كبيرة مثل الورود ~~البرية. عندما مروا بأول حقل برسيم، انفجر القطار بأكمله في ~~الضحك؛ إذ ظنوا أن البرسيم من النباتات التي لم يسمع عنها إلا ~~في ولايات البراري التي جاءوا منها. # طوال الطريق، ظلت السرية «بي» تعثر على الأشياء القديمة ~~بدلا من الجديدة، أو حسب طريقة تفكيرهم، الأشياء الجديدة بدلا ~~من القديمة. كانت الأسقف المصنوعة من القش التي عدوها بحسب ~~ما رأوا قليلة ومتباعدة. ولكن آلات الحصاد الأمريكية، ذات ~~العلامات التجارية المعروفة، كانت تقف في الحقول التي بدأت تنضج، ~~وكان تشحم وتجهز، ليس على يد «فلاحين»، وإنما مزارعين ~~مسنين تظهر الحكمة على محياهم، وبدا أنهم يعرفون عملهم. لم ~~تذهلهم أشجار الكمثرى، التي كانت تتسلق الجدار مثل الكروم، ~~بقدر مرأى نباتات الحور القطني، التي كانت تنمو في كل مكان. ظن ~~كلود أنه لم يدرك من قبل مدى جمال تلك الشجرة. في الوديان ~~الصغيرة الخضراء، على امتداد الأنهار الصافية، كانت تلوح نباتات ~~الحور القطني وتحدث حفيفا؛ وعلى الجزر الصغيرة، التي كان يوجد ~~منها الكثير في هذه الأنهار، على هيئة كتل مدببة، بدا أنها ~~تغرس جذورها بعمق في التربة وتستقر ثابتة فيها، وكأنها كانت في ~~مواضعها منذ مدة طويلة، وستبقى في مكانها مدة أطول. في الديار، ~~في كل أرجاء فرانكفورت، كان المزارعون يحصدون نباتات الحور ~~القطني لأنها كانت «منتشرة»، ويزرعون أشجار الدردار والقيقب لتشق ~~طريقها معا بدلا منها. لا بأس، كانت نباتات الحور القطني مفيدة ~~لفرنسا، ومفيدة له أيضا! شعر بأنها كانت تمثل رابطا حقيقيا ~~بينه وبين هذا الشعب. # عندما تلقت السرية «بي» لأول مرة الأوامر بالانتقال إلى ~~معسكر تدريب في شمال وسط فرنسا، تسرب الإحباط إلى قلوب جميع ~~الرجال. كانت خبرة القوات أقل بكثير من أن يدفع بها ms259 إلى جبهة ~~القتال، فما الداعي من التخبط أكثر من ذلك؟ لكنهم توافقوا في ~~النهاية على التأجيل. بدا أن قدرا كبيرا من فرنسا لم يكن ~~متعلقا بالحرب، ولم يمانعوا من الترحال قليلا في بلد كهذا. ~~هل كان موسم الحصاد متأخرا شهرا دوما عما كان عليه في الوطن، ~~كما بدا الحال هذا العام؟ لماذا كان المزارعون يزرعون صفوفا من ~~الأشجار على حدود كل حقل؛ ألا تضعف التربة؟ إلام كان المزارعون ~~يهدفون من زراعة بقع من الخردل جنبا إلى جنب مع المحاصيل ~~الأخرى؟ ألا يعرفون أن الخردل يتغلغل في حقول القمح ويعيق نمو ~~الحبوب؟ # كان الفتية سيقضون الليلة الثانية في مدينة روان، وسيستغلون ~~اليوم التالي في التجول في المدينة. كان الجميع يعرفون ما حدث ~~في روان، وإن لم يعرف أحدهم، كان جيرانه متلهفين بشدة لأن ~~يخبروه! كان الأمر قد وقع في السوق، وكان السوق هو المكان الذي ~~كانوا يبحثون عنه. # أتى الغد مكفهرا ~~وباردا؛ إذ هطلت الأمطار غزيرة. بينما كانوا يتجولون عبر ~~الشوارع الضيقة المزدحمة، لم يعثروا في هذه المدينة النورماندية ~~الموحشة على أي مظهر من مظاهر البهجة. ابتهجوا أخيرا عندما عثروا ~~على ضفة النهر؛ ليخرجوا إلى الجسر ويستنشقوا الهواء المنعش في ~~الخلاء الواسع فوق النهر، بعيدا عن جلجلة عجلات العربات والأصوات ~~العالية والوجوه الخادعة لساكني هذه المدينة، الذين بدا عليهم ~~الغلظة وانعدام الود. من الجسر نظروا إلى التلال البيضاء ~~الطباشيرية، التي كانت قممها صورة ضبابية ذات لون أخضر قوي تحت ~~السماء ذات السحب الرصاصية المنخفضة. شاهدوا جحافل المراكب ~~النهرية العريضة والعميقة، وهي تغدو وتروح تحت أقدامهم بمداخنها ~~المائلة. على مسافة قصيرة عبر ذلك النهر كانت تقع باريس؛ المكان ~~الذي كان مقصد كل فرد من جنود المشاة؛ وبينما كانوا يتكئون ~~على السياج وينظرون إلى المياه البطيئة التدفق من تحتهم، كان ~~في عقل كل واحد منهم صورة مشوشة عما كانت ستبدو عليه. كانوا ~~متأكدين في قرارة أنفسهم من أن نهر السين لا بد أن يكون أعرض ~~هناك، وأن جسورا كثيرة تمتد عليه، وكلها أطول ms260 من الجسر فوق ~~نهر ميسوري في أوماها. ستكون هناك أبراج وقباب ذهبية لا حصر لها، ~~والمباني كلها أطول من أي شيء في شيكاجو، ورائعة، روعتها ~~مذهلة، لا شيء فيها رمادي الغبار ومتهالك مثل مدينة روان ~~القديمة هذه. منحوا مدينتهم المنشودة ضخامة بلا حصر، واتساعا ~~مذهلا، وعظمة وجسامة بابلية؛ وهي السمات الوحيدة التي ~~تعلموا الإعجاب بها. # في وقت متأخر من الصباح، وجد كلود نفسه بمفرده أمام كنيسة ~~سانت أوين. كان يبحث عن كاتدرائية، وبدا أن هذه قد تكون المكان ~~المناسب. نفض الماء من على معطف مطره ودخل، وخلع قبعته عند الباب. ~~النهار الذي كان مظلما جدا بالخارج، كان أكثر إظلاما بالداخل ~~... بعيدا، كانت توجد بضع شمعات متفرقة، ومع ذلك كانت نقاط ضوء ~~صغيرة ... أمامه مباشرة، في الشفق الرمادي، أعمدة بيضاء رفيعة في ~~صفوف طويلة؛ إذ تشبه سيقان أشجار الحور الفضية. # كان المدخل إلى الصحن مغلقا بحاجز سلكي؛ لذا مشى في الممر ~~جهة اليمين بخطى خفيفة، مارا بمصليات كان فيها نساء ~~متوحدات راكعات في ضوء بضع شمعات رفيعة. فيما عداهن، كانت الكنيسة ~~خالية ... خالية. كان صوت أنفاسه مسموعا في هذا الصمت. تحرك بحذر ~~خشية أن تحدث خطواته صدى. # عندما وصل إلى مكان المرتلين، التفت ورأى، على مسافة بعيدة ~~خلفه، نافذة زهرية ذات قلب أرجواني. بينما وقف يحملق، والقبعة ~~في يده، ساكنا مثل الأجساد الجامدة في المصليات، بدأ جرس كبير من ~~فوقه يقرع معلنا الساعة بصوته العميق والشجي؛ إحدى عشرة دقة، ~~موزونة ومتباعدة، في مثل ثراء الألوان في النافذة، ثم خيم الصمت ~~... لم يبق في ذاكرته سوى دقات ذات جودة صوت لم يحلم بها أحد من ~~قبل. كان تجليا الزجاج والجرس متزامنين تقريبا، وكأن ~~أحدهما أحدث الآخر؛ وكلاهما كان شيئا فائقا كان عقله يتلمسه ~~دوما، أو هكذا بدا له حينذاك. # أمام مكان المرتلين كان الصحن مفتوحا، ولم يكن يوجد حاجز ~~حبل يحجبه. وضعت عدة كراسي من القش على بلاط الأرضية الحجرية. ~~بعد بعض التردد أخذ واحدا، وأداره إلى الجهة الأخرى، وجلس ~~مواجها النافذة. ms261 إن أتى إليه أحد وقال له أي شيء، أي شيء على ~~الإطلاق، فسينهض ويقول بالفرنسية: «عذرا يا سيدي، لم أعلم أن هذا ~~ممنوع.» كرر هذه الجملة في نفسه حتى يتأكد تماما من أنها ~~جاهزة لديه. # في القطار، عندما كان آتيا إلى المدينة، كان قد تحدث إلى ~~الفتية عن السمعة السيئة التي كان قد اكتسبها الأمريكيون ~~بأنهم يتسكعون في سائر الأنحاء ويتدخلون فيما لا يعنيهم، ~~وحثهم على أن يتحسسوا خطاهم بخفة؛ وعندها تدخل الفتى الذي ~~من بليزنتفيل في الحديث قائلا: «ولكن أيها الملازم، أليست هذه ~~الحملة برمتها تدخل في شئون الآخرين؟ ففي النهاية، هذه الحرب لا ~~تخصنا.» ضحك كلود، ولكن أخبره أنه كان يقصد أن يضرب مثالا ~~بالشخص الذي يدخل في مشاكسات. # إنه مطمئن جدا، حتى إنه لم يكن يفكر حينئذ في رفاقه ~~القلقين. كان يمكنه أن يجلس هنا حتى الظهيرة، ويسمع قرع الجرس ~~مرة أخرى. في الوقت الحالي، لا بد أن يحاول أن يفكر؛ كان هذا ~~بالطبع طرازا معماريا قوطيا؛ قد قرأ بعض الشيء عنه، وينبغي ~~أن يكون بوسعه أن يتذكر بعض ما قرأه. قوطي ... كانت تلك كلمة ~~مجردة، توحي له بشيء رفيع ومدبب، أقواس حادة، أسقف ~~منحدرة. لم يكن لها أي صلة بهذه الأعمدة البيضاء الرفيعة ~~المشيدة باستقامة وارتفاع كبير، ولا بالنافذة المتوهجة هناك ~~بالأعلى في قوسها المظلم ... # بينما كان يحاول عبثا التفكير في الهندسة المعمارية، التمعت ~~في ذهنه ذكرى بعض دروس علم الفلك القديمة؛ شيء ما عن النجوم التي ~~يسافر ضوءها في الفضاء مئات السنين قبل أن يصل إلى الأرض والعين ~~البشرية. لقد ظل الضوء ذو اللون الأرجواني والقرمزي والأخضر ~~الزاهي لتلك النافذة يتوهج طويلا بهذا القدر قبل أن يصل إليه ... ~~شعر بوضوح أنه كان يمر من خلاله، ويظل مستمرا في المضي ~~أبعد من ذلك ... كما لو كانت والدته تنظر من خلفه. جلس في وقار ~~طوال الساعة حتى الساعة الثانية عشرة، ومرفقاه على ركبتيه، ~~وقبعته ذات الشكل المخروطي تتأرجح في يده بينهما، وهو ينظر إلى ~~الأعلى عبر الشفق ms262 بعينين صافيتين غارقتين في التفكير. # عندما التحق كلود بسريته في المحطة، أخذوا يضحكون عليه. ~~كانوا قد وجدوا الكاتدرائية، وتمثال ريتشارد قلب الأسد، فوق البقعة ~~التي دفن فيها قلب الأسد نفسه؛ أكد له الرقيب هيكس السمين ~~قائلا: «العضو ذاته». ولكنهم كانوا جميعا مسرورين لأنهم ~~سيغادرون روان. # 5 # وصلت السرية «بي» إلى معسكر التدريب في المنطقة «إس» ينقصها ~~ستة وثلاثون رجلا؛ كانوا قد دفنوا خمسة وعشرين منهم في الرحلة ~~المنتهية، وترك أحد عشر جنديا مريضا في مستشفى القاعدة. من ~~المقرر أن تلحق السرية بكتيبة قد دخلت إلى الخدمة بالفعل، ~~بقيادة المقدم سكوت. عند وصولهم في الصباح الباكر، أبلغ الضباط ~~القيادة على الفور. لا بد أن النقيب ماكسي صدم عندما نهض العقيد ~~من مكتبه كي يتقبل تحيته العسكرية، ثم أخذ يصافح كل من ~~كانوا حوله وسألهم عن رحلتهم. لم يكن العقيد يتمتع بجسد يليق ~~بعسكري؛ إذ كان قصيرا وسمينا وذا كتفين متراخيتين، وظهر ~~متكتلا مثل كيس بطاطس. ومع أنه لم يكن قد تجاوز الأربعين من ~~العمر بكثير فإنه كان أصلع، ومن السهل أن تنزلق ياقته فوق رأسه ~~دون فك أزرارها. لم يظهر في عينيه اللامعتين أو في وجهه البشوش ~~ذرة تكبر أو وقار رسمي. # قبل سنوات، عندما كان الجنرال بيرشينج، الذي كان وقتئذ ملازما ~~شابا وسيما نحيل الخصر وذا شارب أصفر، معينا قائدا في ~~جامعة نبراسكا، كان وولتر سكوت ضابطا في سرية من طلاب العسكرية ~~أخذها الملازم إلى أماكن متعددة للاشتراك في بطولات عسكرية. ~~أطلق عليهم «بنادق بيرشينج»، وفازوا بالجوائز أينما ذهبوا. بعد ~~تخرجه، استقر سكوت ليدير مشروعا تجاريا للأجهزة المنزلية ~~في بلدة مزدهرة في نبراسكا، وباع مواقد الغاز وخراطيم الحدائق ~~لمدة عشرين عاما. في ذاك الوقت تقريبا، أرسل بيرشينج إلى ~~الحدود مع المكسيك، وتبادر إلى ذهن سكوت أن هناك إرهاصات لحدوث ~~شيء ما، وأنه من الأفضل له أن ينخرط في التدريب. انتقل إلى تكساس ~~مع سلاح الحرس الوطني. وكان قد أتى إلى فرنسا مع الكتيبة الأولى، ~~وترقى في المناصب بفضل صفات الجندية ms263 الراسخة فيه. # أشار العقيد في اجتماعهم: «أرى أنه ينقصكم ضابط، أيها النقيب ~~ماكسي.» وأضاف: «أظن أن لدي هنا رجلا يمكن أن يشغل هذا الموقع. ~~الملازم جيرهارت رجل من نيويورك، أتى مع الفرقة ونقل إلى سلاح ~~المشاة. في الآونة الأخيرة، حصل على علاوة على خدمته الجيدة. كان ~~يتمتع ببعض الخبرة، كما أنه رجل كفء.» أرسل العقيد خادمه خارجا ~~كي يحضر شابا قدمه إلى الضباط باسم الملازم ديفيد ~~جيرهارت. # كان كلود يشعر بالخزي من تود فانينج، الذي ما فتئ يثبت أنه ~~أحمق، وما كان سيحصل على علاوة لو لم يكن عمه نائبا في ~~الكونجرس. ولكن في اللحظة التي تلاقت فيها عينه مع عين الملازم ~~جيرهارت، احتدم في نفسه شيء يشبه الغيرة. في لمح البصر، شعر ~~أنه أقحم في مقارنة مع ضابط جديد؛ ومن ثم لا بد أن يكون على ~~أهبة الاستعداد، وألا يترك أحدا يتعالى عليه. # عندما كانا يغادران مكتب العقيد معا، سأله جيرهارت إن كان قد ~~حصل على مأوى له. رد كلود قائلا إنه سيبحث عن مكان له بعدما ~~يذهب الجنود إلى مقراتهم. # ابتسم الشاب. وقال: «يؤسفني أن أقول إنك قد تواجه صعوبة في ~~ذلك. الناس هنا كانوا يعملون فوق طاقتهم برعايتهم للجنود، وليسوا ~~متحمسين كما كانوا من قبل. أنا أعيش مع زوجين مسنين لطيفين ~~في القرية. أكاد أكون متأكدا من أنه بوسعي أن أدخلك إلى هناك. ~~إذا أتيت معي فسنتحدث إليهما قبل أن يسبقنا إليهما أحد ~~آخر.» # لم يرغب كلود في أن يذهب معه، ولم يرغب في قبول أفضال، ولكنه ~~ذهب معه. مشيا معا على طريق ترابي يمتد بين حقول قمح نصف ~~ناضجة، وتحده أشجار الحور. كانت أزهار مجد الصباح والجزر البري، ~~التي كانت تنمو على جانب الطريق، لا تزال تتلألأ بقطرات الندى. ~~حرك نسيم منعش الغلال ذات السبلات، مفرقا إياها إلى ~~أثلام حقلية ومباعدا بين خطوط من نباتات الخشخاش القرمزية. ~~بالتأكيد لم يكن الضابط الجديد متطفلا. مشى معه وهو يصفر بعذوبة، ~~وبدا مستغرقا تماما في انتعاش الصباح، أو في ms264 أفكاره. لم يكن قد ~~ظهر في أسلوبه حتى ذلك الحين أي شيء يدل على التفضل، وبدأ ~~كلود يتساءل لماذا شعر نوعا ما بعدم الارتياح معه. ربما كان ذلك ~~لأنه لم يشبه بقيتهم. مع أنه كان شابا، فإنه لم يبد ~~طائشا. بدا متمرسا؛ كأنه منتج نهائي وليس شيئا في طور ~~التطوير. كان وسيما، وفي وجهه شيء مميز، كما في أسلوبه ومشيته. ~~كان ذا جبهة بيضاء عريضة يعلوها شعر بني مائل إلى الحمرة، ~~وعينين عسليتين نظرتهما تنم عن الثقة، وأنف معقوف مرسوم ~~بعناية، وفم دقيق وساخر، بطريقة ما لم ينتقص من التعبير اللطيف ~~على وجهه رغم كونه متحفظا قليلا. # لا بد أن الملازم جيرهارت كان يعيش في هذا الحي منذ مدة؛ إذ ~~بدا أنه يعرف أهله. في الطريق، مرا بالعديد من القرويين؛ منهم ~~فتاة ذات مظهر خشن تأخذ بقرة إلى المرعى، ورجل مسن يحمل سلة ~~على ذراعه، وموظف بريد على دراجته الهوائية؛ تحدث جميعهم إلى ~~رفيق كلود كأنهم يعرفونه جيدا. # سأله كلود فجأة وهو يشير إلى كومة بقدمه: «ما هذه الزهور ~~الزرقاء التي تنمو في كل مكان هنا؟» # قال الآخر: «إنها زهور القنطريون العنبري. يطلق عليه الألمان ~~اسم زهرة قيصر.» # كانا يقتربان من القرية التي كانت تقع على حافة غابة؛ غابة كبيرة ~~لا يستطيع أحد أن يرى آخرها، وتلتقي بالأفق بصف من أشجار ~~الصنوبر. لم تكن القرية سوى شارع واحد. وعلى جانبي الشارع، ~~كانت توجد بيوت بلون طيني، وأبواب خشبية مطلية، ومزاليج خضراء. ~~فتح مرشد كلود أحد هذه الأبواب، ودخلا حديقة صغيرة مكسوة ~~بالرمل؛ كان المنزل مبنيا حولها ويحيطها من ثلاث جهات. تحت شجرة ~~كرز، جلست امرأة ترتدي ثوبا أسود، عاكفة على الحياكة، ~~وبجانبها طاولة عمل. # ربما كانت في الخمسين من عمرها، ولكن على الرغم من أن شعرها كان ~~رماديا فإن حيوية الشباب كانت تبدو على محياها؛ إذ كانت لها ~~وجنتان رفيعتان، متوردتان بلون وردي، وعينان هادئتان ~~مبتسمتان ذكيتان. فكر كلود في أنها كانت تشبه نساء نيو ~~إنجلاند؛ مثل صور بنات أعمام ms265 أمه وزميلاتها. قدمه الملازم ~~جيرهارت إلى السيدة جوبيرت. ثبط عزيمته الحديث الذي تلا ذلك. ~~كان من الواضح أن زميله الضابط الجديد كان يتحدث لغة السيدة ~~جوبيرت المعقدة بالسهولة نفسها التي كانت تتحدث هي بها، وشعر ~~بغضب وقهر وهو يستمع. كان يرجو أن يستطيع أن يتعلم التحدث قليلا ~~مع الناس في أي مكان يبقى فيه، لكنه في حضور هذا الشاب البارع، لم ~~يكن سيمتلك مطلقا شجاعة أن يحاول. كان بوسعه أن يرى أن ~~السيدة جوبيرت كانت معجبة بجيرهارت، كانت معجبة به كثيرا؛ وكل ~~هذا أحبطه، لسبب ما. # التفت جيرهارت إلى كلود متحدثا بطريقة أدخلت السيدة جوبيرت ~~في الحديث، رغم أنها لم تستطع أن تفهمه: «ستسمح لك السيدة جوبيرت ~~بالمجيء، على الرغم من أنها فعلت ما عليها، وحقا ليست مضطرة ~~إلى استقبال أي شخص آخر. لكنك ستكون في وضع جيد جدا هنا؛ وهو ما ~~يجعلني سعيدا بموافقتها. سيتعين عليك أن تشاركني غرفتي، ولكن ~~يوجد سريران. ستريك الغرفة.» # خرج جيرهارت من البوابة، وتركه بمفرده مع مضيفته. بدا أن ~~عقلها يقرأ أفكاره. عندما كان يتفوه بكلمة، أو أي صوت يشبه ~~كلمة، كانت بسرعة ويسر تصنع منها جملة، وكأنها كانت معتادة على ~~التحدث بتلك الطريقة، ولا تتوقع سوى الكلمات الأحادية المقطع من ~~الأجانب. كانت لطيفة، بل إنها كانت لعوبا قليلا معه، لكنه شعر ~~أن هذا كله كان نابعا من حسن الخلق، وأنها في باطنها لم تكن ~~تفكر فيه على الإطلاق. عندما كان بمفرده في غرفة النوم ذات ~~الأرضية المكسوة بالبلاط بالطابق العلوي، يبسط بطاطينه ويرتب ~~أدوات الحلاقة الخاصة به، نظر من النافذة ورآها جالسة تحيك تحت ~~شجرة الكرز. رأى أن وجهها كان حزينا جدا؛ لم تكن مرارة ولا ~~شعورا حادا ومحددا مثل الأسى. كان حزنا قديما وهادئا ~~ومبهما، عذبا في تعبيره، مثل حزن الموسيقى. # بينما كان يخرج من المنزل كي يعود إلى الثكنات العسكرية انحنى ~~لها، وحاول أن يقول بالفرنسية: «إلى اللقاء يا سيدتي. سألقاك في ~~المساء.» توقف بالقرب من باب المطبخ كي ينظر إلى ms266 كرمة الورود ~~ذات الفروع المتعددة التي امتدت على الحائط بالكامل، المليئة ~~بورود ذات أوراق قشدية اللون، وردية اللون عند الأطراف، أقوى ~~بمسحة قليلة من ناحية اللون من الجدار ذي اللون الطيني خلفها. أتت ~~السيدة جوبيرت ووقفت بجانبه، ونظرت إليه وإلى الأطراف الأكثر ~~وردية، وقالت: «نعم، إنها جميلة، أليس كذلك؟» أخذت المقص ~~المعلق في حزامها بشريط، واقتطفت وردة وأقحمتها في ثقب ~~الزر. وقالت: «هاك.» ونسقتها قليلا بيدها الرفيعة. # بعدما خطا إلى الشارع، استدار كي يغلق الباب الخشبي خلفه، ~~فسمع حركة خافتة في غرفة الأدوات المظلمة بجانبه. من بين أدوات ~~الجرف والعزق، كان وجه طفلة مرتعب يحملق فيه. كانت جالسة ~~على الأرض وحجرها ممتلئ بالقطط الصغيرة. لم يبصر سوى لمحة من ~~وجهها الباهت والشاحب. # 6 # في الصباح التالي، استيقظ كلود وهو يشعر بعافية لم يشعر بها منذ ~~وقت طويل. كانت الشمس ترسل أشعتها البراقة على الجدران ذات ~~الجص الأبيض وبلاط الأرضية الأحمر. ظللت ستائر خضراء، ~~مزاحة قليلا، الجزء العلوي للنافذتين. ومن بين ألواحهما، كان ~~بوسعه أن يرى فروعا متشعبة من شجرة طلح عجوز نامية على مقربة ~~من البوابة. طار سرب من الحمام فوقها، هابطا وصاعدا، وأجنحته ~~الفضية تتألق بقوة. كان من الجيد أن يقيم مرة أخرى في بيت ~~ترعاه امرأة. لا بد أنه شعر بذلك حتى في نومه؛ لأنه عندما فتح ~~عينيه كان يفكر في ماهيلي والإفطار والصباح الصيفي في المزرعة. ~~كانت السكينة في الصباح الباكر حلوة، وكذلك ملمس الملاءة ~~الجافة النظيفة على جسده. كانت رائحة لافندر تفوح حول وسادته ~~الدافئة. رقد في سكون خشية أن يوقظ الملازم جيرهارت. كان هذا هو ~~السلام الذي يريد المرء أن ينعم به وحده. عندما ارتفع بحذر على ~~مرفقه ونظر إلى السرير الآخر، كان خاليا. لا بد أن رفيقه ارتدى ~~ملابسه وانسل خارجا مع أول ضوء للنهار. ها هو شخص آخر كان ~~يحب أن يستمتع بالأشياء وحده؛ كان هذا يدعو إلى الأمل. ولكن ~~بعدما أصبح المكان له وحده، قرر النهوض. بينما كان يرتدي ~~ملابسه، كان بوسعه ms267 أن يرى السيدة جوبيرت العجوز في الحديقة ~~بالأسفل تسقي النباتات والكرم وتعزق التربة الرملية كي تجددها ~~وتنعمها، وتجمع الأوراق الجافة والزهور الذابلة، وتلقي بها في ~~عربة يد. قد قيل له إن هذين الشخصين فقدا ولديهما كليهما في ~~الحرب، والآن يتوليان رعاية ممتلكات حفيدتيهما، ابنتي ولدهما ~~الأكبر. رأى كلود جيرهارت يدخل إلى الحديقة، ويجلس على الطاولة تحت ~~الأشجار، حيث كانا قد تناولا عشاءهما ليلة البارحة. نزل مسرعا ~~لينضم إليه. أفسح جيرهارت له مكانا على المقعد. ~~«هل تنام دوما هكذا؟ إنه إنجاز. أحدثت جلبة كبيرة وأنا أرتدي ~~ملابسي، وأخذت الأشياء تسقط مني، ولكن لم يصل شيء من ذلك إلى ~~مسامعك.» # خرجت السيدة جوبيرت من المطبخ مرتدية ثوبا صباحيا ~~أرجوانيا زهريا، وشعرها ملفوف في ورق تجعيد تحت قلنسوة من ~~الدانتيل. أحضرت القهوة بنفسها، وجلسوا إلى الطاولة غير ~~المطلية التي لم يكن عليها مفرش، واحتسوا القهوة في فناجين ~~كبيرة من الفخار. تناولوا معها حليبا طازجا - أول حليب يتذوقه ~~كلود منذ مدة طويلة - وسكرا أخرجه جيرهارت من جيبه. احتست ~~الطباخة العجوز قهوتها عند باب المطبخ، وعلى الدرج، وعند ~~قدميها، جلست الفتاة الصغيرة الغريبة الشاحبة. # توجهت السيدة جوبيرت بالحديث بلطف إلى كلود؛ كانت تعرف أن ~~الأمريكيين لهم عادات مختلفة في الوجبة الصباحية، وإن كان يرغب ~~في إحضار اللحم المقدد من المعسكر، فستطهوه له بسرور. كانت حتى ~~قد أعدت فطائر محلاة للجنود الذين أقاموا عندها قبلئذ. ولكن ~~بدا عليها السرور لما علمت أن كلود كان قد سئم من تلك الأشياء منذ ~~مدة. دعت ديفيد باسمه الأول، ونطقته بالطريقة الفرنسية؛ وعندما ~~قال كلود إنه يأمل أن تفعل الشيء نفسه معه، قالت: «أوه، نعم، إنه ~~اسم فرنسي جيد جدا، ولكنه رومانسي قليلا»، وعندها تورد ~~وجهه، ولم يكن يعلم هل كانت تسخر منه أم لا. # سأله ديفيد: «بل هو اسم إنجليزي، أليس كذلك؟» ~~«حسنا، إنه اسم مخنث، إن كنت تقصد ذلك.» # اعترف ديفيد بلا مواربة: «نعم، إنه كذلك، قليلا.» كان عمل ~~اليوم في أرض التدريب العسكري صعبا، والجنود تحت إمرة ms268 النقيب ~~ماكسي ضعفاء، ولم يتحملوا الحرارة، لم يكونوا يضاهون فتيان ~~كانساس الذين كانوا قد اخشوشنوا بالخدمة في الجيش. لم يكن العقيد ~~مسرورا من السرية «بي» وأمرهم ببناء ثكنات جديدة ومد نظام ~~الصرف الصحي. خرج كلود وعمل مع الجنود. حذا جيرهارت حذوه، ولكن ~~كان من السهل ملاحظة أنه لم يكن قد سبق له مطلقا التعامل مع ~~الألواح الخشبية أو التسقيف بالصاج. بدا أن ضربا من التنافس ظهر ~~بينه وبين كلود، ولم يكن أي منهما يعرف السبب. # كان بوسع كلود أن يلاحظ أن الرقباء والعريفين غير واثقين ~~بعض الشيء في جيرهارت. تحيروا من حديثه المقتضب، الذي كان يخلو ~~تماما من الألفاظ العامية الرائعة التي كانوا يستمتعون بها ~~كثيرا، وكذلك جديته، وابتسامته النادرة المرتابة. هل الضابط ~~الجديد رجل متأنق؟ سأل الرقيب هيكس صاحبه ديل آبل. كلا، ليس ~~متأنقا. هل هو مغرور؟ كلا، على الإطلاق، ولكنه لم يكن بارعا ~~اجتماعيا. كان من «الولايات الشرقية»؛ ماذا أيضا بشأن حقيقته ~~يمكن أن يظهر لاحقا. استشعر كلود وجود شيء غير عادي بشأنه. شك ~~في أن جيرهارت كان يعرف أشياء كثيرة جدا بالإضافة إلى معرفته ~~للفرنسية، وأنه كان يحاول أن يخفيها، مثلما يفعل الناس أحيانا ~~عندما يشعرون أنهم ليسوا بين نظرائهم؛ أغاظته هذه الفكرة. كان ~~كلود هو من انتهز الفرصة للتعالي عندما أفصح جيرهارت عن أنه لم يكن ~~يستطيع مطلقا أن يختار ألواحا خشبية بقياسات معينة. # عصر اليوم التالي، أوقف العمل في الثكنات الجديدة بسبب المطر. ~~شرع الرقيب هيكس في إقامة مباراة ملاكمة، ولكن عندما ذهب ليدعو ~~الملازمين، كان كلاهما قد اختفى. كان كلود يسير بتثاقل متجها ~~نحو القرية، عازما على دخول الغابة الكبيرة التي كانت قد استهوته ~~منذ وصوله. # أصبح الطريق السريع شارع القرية، ثم أصبح طريقا غير ممهد ~~مرة أخرى على أطراف الغابة. على مسافة أبعد قليلا، حيث ازدادت ~~كثافة الظل، انقسم إلى ثلاثة طرق للعربات، اثنان منهما غير ~~واضحين ولا يستخدمان إلا قليلا. اتبع كلود أحد هذين الطريقين. ~~كان المطر قد انحسر وأصبح قطرات سريعة ms269 متواصلة، ولكن الأجمات ~~الطويلة التي كانت تنمو على طول الطريق بللته وجعلته يمشي في ~~المنتصف، وغاصت قدماه في الأرض الرخوة المكسوة بالطحالب. ~~اكتسى الضوء من حوله، والجو ذاته، بلون أخضر. كانت جذوع الأشجار ~~مغطاة بطحالب خضراء ناعمة، مثل العفن. بينما كان يتساءل في ~~نفسه عما إذا لم تكن الغابة دوما مكانا رطبا مظلما، نفذت ~~الشمس فجأة، وانتثرت أشعتها الذهبية في الغابة بكاملها. لم يكن ~~قد رأى من قبل أي شيء يشبه لون الطحالب الزمردي المرتعش، ~~اللون الأخضر الحريري لقمم أشجار الزان التي يتقاطر منها الماء. ~~استيقظت جميع الكائنات؛ جرت الأرانب عبر الطريق، وبدأت الطيور ~~تغرد، ودفعة واحدة صارت جميع الأجمات مليئة بحشرات تصدر ~~أزيزا. # انعطف الطريق المتعرج مرة أخرى، وانتهى فجأة إلى جانب تل، ~~فوق فرجة مفتوحة مكدسة بصخور رمادية. على الجانب المقابل من ~~الأرض، كانت تقبع أيكة من أشجار الصنوبر ذات الجذوع الحمراء ~~الخالية من الفروع. كان الضوء من حولها ومن تحتها أحمر بلون ~~أشعة الشمس وقت الغروب. كانت كل الجذوع تقريبا منقسمة من ~~عند المنتصف تقريبا إلى ذراعين عظيمتين، كانا يلتقيان مرة أخرى ~~عند القمة، مثل صور القيثارات الإغريقية القديمة. # في الأسفل في الفرجة العشبية، بين أكوام صخور الصوان، اهتزت ~~الأوراق اللامعة لأشجار البتولا البيضاء الصغيرة بفعل الهواء ~~المتحرك بخفة. وحول كل الصخور كانت توجد رقع من مروج ~~أرجوانية؛ كانت تمتد في الشقوق بينها مثل ألسنة اللهب. على ~~واحدة من هذه الصخور العارية، جلس الملازم جيرهارت حاسر الرأس، ~~في مظهر ينم إما عن إرهاق أو هم شديد، وشبك يديه حول ركبتيه، ~~وظهر شعره البرونزي بلون أحمر تحت أشعة الشمس. بعدما راقبه ~~كلود لبضع دقائق، نزل من على المنحدر، وهو يحف بنباتات السرخس ~~الطويلة. # عندما توقف عند سفح الصخور، سأله: «هل أعيق الطريق؟» # قال الآخر: «أوه، كلا»، وتحرك قليلا وفك تشابك ~~يديه. # جلس كلود على صخرة. وسأل: «هل هذا نبات الخلنج؟» وأضاف: «ظننت ~~أنني تعرفت عليه من رواية «المخطوف». هذا الجزء من العالم ليس ~~جديدا عليك بقدر ما هو ms270 جديد علي.» ~~«كلا، عشت في باريس عدة سنوات عندما كنت طالبا.» ~~«ماذا كنت تدرس؟» ~~«عزف الكمان.» # نظر إليه كلود بتعجب: «هل أنت موسيقي؟» # أجاب الآخر بابتسامة ازدراء، وهو يمد ساقيه بتكاسل في الخلنج: ~~«كنت موسيقيا.» # علق كلود بجدية: «ذلك يبدو سيئا للغاية.» ~~«ما هو؟» ~~«عجبا، تجنيد الأشخاص أصحاب المواهب. البلد مليء بمن لا يملكون ~~أي مواهب.» # استلقى جيرهارت على ظهره، ووضع يديه تحت رأسه. وقال: «أوه، هذه ~~المسألة كبيرة للغاية، ولا تنفع فيها الاستثناءات؛ إنها مسألة ~~عالمية. إن تصادف أنك ولدت منذ ست وعشرين سنة، فلن تستطيع ~~الهرب. وإن لم تقتلك هذه الحرب بطريقة ما، فستقتلك بطريقة أخرى.» ~~أخبر كلود أنه تلقى التدريبات في معسكر ديكس، وأتى منذ أكثر من ~~ثمانية أشهر ضمن أحد الفيالق، ولكنه كره العمل الذي تعين ~~عليه القيام به، ونقل إلى سلاح المشاة. # عندما عادا أدراجهما، كان يعم الغابة ضوء شفق أخضر. كانت ~~العلاقة بينهما قد تغيرت نوعا ما في آخر نصف ساعة، ومشيا ~~صامتين صمتا متسما بالألفة في الشارع الذي كان يشبه شوارع ~~وطنهما حتى وصلا إلى باب حديقتهما. # بما أن المطر كان قد توقف، وضعت السيدة جوبيرت المفرش على ~~الطاولة الفارغة تحت شجرة الكرز، كما كانت تفعل في الليالي ~~السابقة. كان زوجها يحضر الكراسي، وكانت الفتاة الصغيرة خارجة ~~تحمل كومة من الأطباق الثقيلة. أسندتها على بطنها، ومالت إلى ~~الخلف وهي تمشي كي تحافظ على توازنها. كانت تلبس حذاء، ولكن ~~من دون جوارب، وثوبها القطني الباهت يتخبط بين ساقيها ~~البنيتين. كانت لاجئة بلجيكية صغيرة أرسلت إلى تلك القرية ~~مع والدتها. الأم متوفاة الآن، ولم تكن الطفلة حتى تذهب ~~لزيارة قبرها. لم يكن من الممكن إقناعها بأن تخرج من فناء المنزل ~~إلى الشارع الهادئ. وإذا أتى أطفال الجيران إلى الحديقة من أجل ~~مهمة ما، كانت تختبئ. لم يكن لديها أحد تلعب معه غير القطة؛ ~~والآن صارت لديها القطط الصغيرة في مستودع الأدوات. # كان العشاء مبهجا في تلك الأمسية. سرت السيدة جوبيرت لأن ~~العاصفة لم تستمر مدة ms271 طويلة بما يكفي لأن يتضرر القمح. كانت ~~الحديقة منعشة ومبهجة بعد المطر. تساقطت من شجرة الكرز قطرات ~~براقة على مفرش الطاولة عندما هب النسيم. غفت القطة الأم ~~على الوسادة الحمراء الموضوعة على كرسي خياطة السيدة جوبيرت، ورفرف ~~الحمام ونزل كي يلتقط ديدان الأرض التي كانت تتلوى في الرمل ~~الرطب. سقط ظل المنزل على طاولة العشاء، ولكن قمم الأشجار ~~استقبلت ضوء الشمس بالكامل، وأرسلت الشمس أشعتها الصفراء على ~~الجدار الترابي والورد ذي اللون الكريمي . انبعثت من بتلاتها، ~~التي غضنها المطر، رائحة رطبة مثيرة. # لا بد أن السيد جوبيرت كان يكبر زوجته بعشر سنوات. أسلوبه يشي ~~برضا كبير، وفي عينيه بريق يدل على السرور. ويحب الضباط ~~الشباب. كان جيرهارت يمكث معهما منذ أكثر من أسبوعين، وبطريقة ~~ما أضفى بعض الحيوية على المنزل الذي قد اكتنفه الجمود منذ وفاة ~~الابن الثاني في المستشفى. كان الزوجان جوبيرت قد انقطعا عن مباهج ~~الحياة. وقد فعلا كل ما بوسعهما، وقدما كل ما كانا يمتلكان، ~~والآن لم يعد لديهما أي شيء يتطلعان إليه، باستثناء الحدث الذي ~~تتطلع إليه فرنسا بأسرها. كان الأب يتحدث مع جيرهارت عن الميناء ~~العظيم الذي ينشئه الأمريكيون في بوردو، وقال إنه ينوي الذهاب ~~إلى هناك بعد الحرب كي يرى كل شيء بنفسه. # سرت السيدة جوبيرت لما سمعت أنهما كانا يتمشيان في الغابة. ~~هل تفتحت أزهار الخلنج؟ تمنت لو كانوا قد أحضروا لها بعضا ~~منها. ربما عندما يذهبان في المرة القادمة. اعتادت أن تتمشى هناك ~~كثيرا. تصور كلود أن عينيها كانتا تقتربان منهما أكثر وأكثر ~~عندما كانت تتحدث عن الغابة، ولم يكن خافيا أنها كانت تولي ~~اهتماما بالزهور التي كانت تتفتح في الغابة أكبر من اهتمامها ~~بما يفعله الأمريكيون في إقليم جارون. تمنى أن يتمكن من الحديث ~~معها مثلما كان يفعل جيرهارت. أعجبته الطريقة التي كانت تحمس ~~بها نفسها وتحاول أن تثير بها اهتمامهما، وهي تتحدث بلغتها ~~الصعبة بهذا القدر من الحيوية والدقة. إنها لغة لا يمكن الغمغمة ~~بها؛ بل ينبغي أن تنطق بكل ms272 طاقة وحمية، أو لا تنطق على ~~الإطلاق. ارتأى أن مجرد التحدث بتلك اللغة الدقيقة من شأنه أن ~~يجبر الروح الكسيرة. # كانت الفتاة الصغيرة التي كانت تخدمهم تتحرك حولهم دون جلبة. ~~لم يبد على عينيها الخاملتين أنهما كانتا تنظران على الإطلاق، ~~ولكنها لاحظت عندما حان وقت إحضار سلطانية الحساء الثقيلة، وعندما ~~حان وقت رفعها. وقد وجدت السيدة جوبيرت أن كلود يحب البطاطس مع ~~اللحم - عندما يوجد لحم - وليس في طبقين منفصلين. وتعين عليها ~~في كل مرة أن تأمر الفتاة الصغيرة أن تذهب وتحضرهما. كانت الفتاة ~~تفعل هذا بإحجام واضح وبتجهم، وكأنها تجبر على ارتكاب فعل ~~خاطئ. كانت فتاة صغيرة غريبة الأطوار جدا، غريبة الأطوار ~~تماما. عندما غادر الجنديان الطاولة، وانطلقا في طريقهما إلى ~~المعسكر؛ مد كلود يده إلى داخل مستودع الأدوات، وأمسك بإحدى القطط ~~الصغيرة، ورفعها في الضوء ورآها ترمش بعينيها. ما إن خرجت ~~الفتاة الصغيرة من المطبخ، حتى أطلقت صرخة حادة، صرخة مروعة ~~حقا، وجلست القرفصاء وغطت وجهها بيديها. خرجت السيدة جوبيرت ~~كي توبخها. # سألها كلود وهما يهرعان إلى الخروج من البوابة: «ما خطب تلك ~~الطفلة؟» وأضاف: «هل تظنين أنها تعرضت لأذى، أو للإساءة إليها ~~بطريقة ما؟» ~~«إنها مرتعبة. كثيرا ما تصرخ بتلك الطريقة في الليل. ألم ~~تسمعها؟ إنهم يضطرون إلى الذهاب إليها وإيقاظها، لإسكاتها. ~~إنها لا تتحدث الفرنسية مطلقا؛ لا تتحدث سوى اللهجة الولونية. ~~وهي لا تستطيع أن تتعلم أو لن تتعلم؛ ومن ثم لا يمكنهم معرفة ما ~~يدور في رأسها الصغير البائس.» # في الأسبوعين التاليين من التدريب المكثف، اندهش كلود من ~~روح جيرهارت وقوة تحمله. كان الإجهاد العضلي لمحاكاة عمليات ~~الخنادق عبئا عليه أكثر من أي من الضباط الآخرين. كان يضاهي ~~كلود طولا، ولكنه كان يزن مائة وستة وأربعين رطلا فقط، ولم ~~يكن قد نشأ تنشئة خشنة مثل معظم الآخرين. عندما علم زملاؤه الضباط ~~أنه كان عازف كمان محترفا، وأنه كان بإمكانه أن يتولى وظيفة ~~سهلة مثل مترجم أو منظم لحفلات الترفيه في المعسكر، لم ~~يعودوا مستاءين من ms273 تحفظه أو من تكلفه العرضي. احترموا رجلا ~~كان بإمكانه التملص، ولكنه لم يفعل. # 7 # لما أتى يوم الزحف أخيرا؛ على مدار يوم من أيام شهر أغسطس ~~المشمسة، أخذت كتيبة العقيد سكوت تتدفق على طرق ترابية متهالكة ~~شرقي مقاطعة سوم، ومن خلفهم قاعدة السكك الحديدية التابعة لهم. ~~قادهم الطريق عبر منطقة ريفية متعرجة؛ بين حقول وتلال وغابات ~~وقرى صغيرة مدمرة، ولكنها كانت لا تزال مأهولة بالسكان، حيث ~~خرج الناس كي يشاهدوا الجنود وهم يمرون. # مر الأمريكيون عبر كل قرية بخطوة عسكرية، وسط رفرفة الألوان ~~وعزف الفرقة الموسيقية «لإظهار أن الروح المعنوية كانت مرتفعة»، ~~على حد قول الضباط. مشى كلود بتثاقل خارج الصف؛ مرة في مقدمة ~~سريته، وأخرى في مؤخرتها، ووجهه مكتس بالرزانة، خائفا من ~~أن تفتضح قناعته بالرجال والطقس والبلد. # كانوا في طريقهم إلى العرض الكبير، وعلى كل جانب كانت توجد ~~علامات مطمئنة؛ صفوف طويلة من الأشجار العجفاء الميتة ~~المتفحمة والممزقة، وحفر واسعة محفورة في الحقول وسفوح ~~التلال، تكاد تخفيها شجيرات جديدة، ومنخفضات متعرجة في ~~الأرض، وهياكل شاحنات وسيارات محطمة متناثرة بطول الطريق، وفي ~~كل مكان خطوط لا نهاية لها من الأسلاك الشائكة الصدئة ~~والمبعثرة، التي يبدو أنها وضعت في أماكنها تلك بالصدفة، بلا ~~هدف على الإطلاق. # قال الرقيب هيكس، مبتسما وهو يلقي تحيته العسكرية: «يبدو ~~أننا على وشك الوصول، أيها الملازم.» # أومأ كلود بالإيجاب، ومر إلى الأمام. ~~«حسنا، ألا يمكننا الوصول في وقت أقرب يا فتيان؟» نظر ~~الرقيب خلفه، وابتسم الجنود، وظهر بياض أسنانهم في وجوههم ~~الحمراء المتعرقة. لم يتعجب كلود من أن الجميع على طول ~~الطريق، حتى الأطفال، خرجوا لرؤيتهم؛ إذ رأى أنهم كانوا أجمل مشهد ~~في العالم. كان هذا هو أول يوم يرتدون فيه خوذاتهم؛ قد أراهم ~~جيرهارت كيف يحشونها من الداخل بالحشائش والأوراق للحفاظ على ~~برودة رءوسهم. عندما انقسموا إلى مجموعات من أربعة أفراد، ~~وقرعت الفرقة الطبول وهم يقتربون من إحدى البلدات، حاذى بيرت ~~فولر، الفتى من بليزنتفيل على نهر بلات، الذي كان ينتحب في أثناء ~~الرحلة، ms274 جهة اليمين على دليله؛ وكلما مر كلود عليه كان يبدو على ~~لسان حاله أنه يقول: «لن تضبط أي شيء يدينني بسرعة، أيها ~~الملازم!» # عسكروا بعد الظهيرة بوقت قصير، على تل مغطى بأشجار ~~صنوبر شبه محترقة. أخذ كلود كلا من بيرت وديل آبل وأوسكار ~~السويدي، وانطلقوا لعمل مسح وتقرير عن التضاريس. # خلف التل، أسفل الطرف المحترق من الغابة، عثروا على منزل ~~مزرعة مهجور وبئر بدا أن ماءها كان نظيفا. # كان له حاجز من الحجارة الصلبة ، ودلو خشبي معلق بحبل سلكي ~~صدئ. عندما رش الفتية ماء الدلو حولهم، بعثت المياه نسمة هواء ~~نقية وباردة. ولكنهم كانوا فتية عقلاء، وكانوا يعرفون أكثر ~~الأماكن التي يحب أن يختبئ فيها البروسيون الخامدون. حتى القش ~~الموجود في الحظيرة كانوا يرمقونه بنظرات ريبة، ورأوا أن الأصوب ~~ألا يبعثوا بأحد إلى هناك. # عندما توجهوا جهة اليمين ليكملوا جولتهم، دخلوا في وحل؛ حقل ~~منخفض أهملت فيه قنوات الصرف حتى فاضت. هناك أتوا على ~~مجموعة أناس ملطخين بالوحل وحالتهم يرثى لها. جلست امرأة ~~مريضة وذات مظهر بائس على جذع شجرة ساقط في نهاية المستنقع، وفي ~~حجرها طفل رضيع وثلاثة أطفال يتسكعون حولها. كانت طاقتها ~~مستنزفة لأقصى حد، ولم يكن على المرء إلا أن يستمع إلى ~~تنفسها، وأن ينظر إلى وجهها الشاحب المتعرق حتى يعرف مدى ~~وهنها. كانت متسخة، والطين يصل حتى ركبتيها، وتحاول أن ~~ترضع طفلها الذي كان شبه مختف حتى منتصفه تحت شال أسود ~~قديم. لم يكن مظهرها يدل على أنها امرأة متشردة، ولكن كان ~~يوحي بأنها كانت فيما مضى تعتني بنفسها جيدا، وأنها كانت لا تزال ~~شابة. كان الأطفال مرهقين ومحبطين. ارتدى ولد صغير سترة ~~زرقاء غير متقنة، مصنوعة من أحد معاطف الجيش الفرنسي. وارتدى ~~الآخر قبعة ستيتسون أمريكية بالية تغطي أذنيه. وكان يحمل، في ~~كل ذراع من ذراعيه الاثنتين، ساعة وردية من السيلولويد. رفعوا ~~جميعا أعينهم، وانتظروا أن يفعل الجنود شيئا. # اقترب كلود من المرأة، ولمس حافة الخوذة محييا إياها، وقال ~~بالفرنسية: «صباح الخير يا سيدتي. ما ms275 الأمر؟» # حاولت التحدث، ولكنها دخلت في نوبة سعال، ولم يسعها سوى أن ~~تلهث منادية: «توينيت، توينيت!» # تقدمت توينيت بسرعة. كانت في الحادية عشرة من عمرها تقريبا، ~~وبدا أنها قائدة المجموعة. وهي ذات وجه صغير يتسم بالجرأة ~~والصلابة وذقن طويل، وشعر أسود أملس مربوط بقطعة قماش وعينين ~~ماكرتين؛ كان مظهرها أقل لطفا وأكثر خبرة من والدتها. بدأت ~~تشرح، وكانت بارعة جدا في توضيح ما تقوله. كانت معتادة على ~~التحدث إلى الجنود الأجانب، حيث إنها تتحدث ببطء وتوكيد، وبإشارات ~~مبدعة. # كانت، هي الأخرى، قد خرجت للاستطلاع. كانت قد اكتشفت منزل ~~المزرعة الفارغ، وتحاول أن تدخل جماعتها فيه لتمضية الليل. ~~كيف أتوا إلى هنا؟ أوه، كانوا لاجئين. كانوا يمكثون مع أناس على ~~بعد ثلاثين كيلو مترا من مكانهم هذا. كانوا يحاولون العودة إلى ~~قريتهم. أصاب المرض أمها حتى أعياها، وشارفت على الموت، وأرادت ~~أن تعود إلى الديار لتموت هناك. كانوا قد سمعوا أن أناسا لا ~~يزالون يعيشون في القرية، ومنهم عمة عجوز تعيش في قبو بيتهم؛ ~~وبوسعهم هم أيضا أن يعيشوا فيها بمجرد أن يصلوا إلى هناك. المقصد ~~من الحديث، وكررته مرارا وتكرارا، أن والدتها كانت تريد ~~الموت في بيتها، أتفهم؟ لم يكن معهم أوراق، وما كان الجنود ~~الفرنسيون سيدعونهم يمرون، ولكن بعدما أتى الجنود الأمريكيون، ~~كانوا يأملون في أن يمروا؛ إذ كان يقال إن الأمريكيين يتسمون ~~باللطف دوما. # أثناء ما كانت تتحدث بصوت حاد ومطقطق، بدأ الرضيع في ~~النحيب، تعبيرا عن عدم اكتفائه من الرضاعة. هزت الفتاة الصغيرة ~~كتفيها. وتمتمت: «إنه غاضب دوما.» أدارته المرأة إلى الجانب ~~الآخر بصعوبة - بدا طفلا ضخما وثقيلا، لكنه كان شاحبا ~~ومريضا - وألقمته الثدي الآخر. بدأ يرضع بصخب؛ إذ كان ينقب ~~وينفث كأنه كان جائعا جدا. كان من المؤلم للغاية، بل كاد أن ~~يكون غير لائق، مشاهدة هذه المرأة المنهكة وهي تحاول إرضاع ~~طفلها. أشار كلود إلى رجاله أن يبتعدوا ويقفوا في أحد الجوانب، ~~وأمسك بالفتاة الصغيرة من يدها وسحبها خلفهم. # قال لها بالفرنسية، وبتوقف في كلامه ms276 كان يصنعه دوما في وسط ~~الجملة التي كان ينطقها بالفرنسية: «ينبغي أن تستريح والدتك.» ~~فهمته الفتاة. لم يفاجئها أو يحيرها أي اعوجاج بلغتها ~~الأم. كانت معتادة على أن تخاطب بكل الضمائر والأعداد والأجناس ~~والأزمنة؛ من الألمان أو الإنجليز أو الأمريكيين. هي تنصت فقط كي ~~تسمع إن كانت نبرة الصوت لطيفة أم لا، ومع الرجال أصحاب هذا ~~الزي عادة ما كانت لطيفة. # سألها بالفرنسية: «هل معكم طعام لتأكلوه؟» ~~«كلا. ليس معنا طعام على الإطلاق.» # هل كانت والدتها «مريضة جدا ولا تقدر على المشي»؟ # هزت كتفيها؛ بوسع السيد أن يرى بنفسه. # وماذا عن والدها؟ # لقد وافته المنية؛ «مات في معركة مارن، في الرابع عشر من ~~الشهر.» ~~«في معركة مارن؟» كرر كلود تلك العبارة، وهو ينظر بحيرة ~~بالغة نحو الطفل الذي كان يرضع. تبعته عيناها الحادتان، وعلى ~~الفور تكهنت بشكوكه. قالت بسرعة: «الرضيع؟» وأضافت: «أوه، ~~الرضيع ليس أخي، إنه ألماني.» # للحظة لم يفهم كلود. كررت تفسيرها بنفاد صبر، وكان صوتها ~~الصغير الرنان يوحي بنبرة ازدراء وخبث. اعتلت حمرة الخجل ~~جبهته ببطء. # دفعها إلى والدتها وقال بالفرنسية: «انتظري هناك.» # قال للجنود: «أظن أنه يتعين علينا أن نأخذهم إلى تلك المزرعة.» ~~وكرر ما فهمه مما حكته الطفلة. وعندما وصل إلى تصريحها ~~المقتضب عن الرضيع، نظر كل منهم إلى الآخر. خشي بيرت فولر أن ~~يبكي مرة أخرى؛ ولذا ظل يتمتم: «بحق الرب، ليتنا وصلنا إلى هنا ~~في وقت أقرب، بحق الرب، ليتنا وصلنا!» بينما كانوا يجرون عائدين ~~بحذاء الخندق. # صنع ديل وأوسكار مقعدا من أيديهما المتشابكة، وحملا المرأة، ~~ولم يكن وزنها ثقيلا. حمل بيرت الطفل الصغير ذا الساعة الوردية ~~قائلا: «تعال أيها الضفدع الصغير، ساقاك ليستا طويلتين بما ~~يكفي.» # سار كلود في الخلف ممسكا بالرضيع الذي كان يصرخ بين ذراعيه ~~بتصنع. سأل نفسه كيف يمكن لرضيع أن تكون له تلك الشخصية ~~الصارمة، وكيف يمكن أن يكره رضيعا إلى هذه الدرجة؟ أبغضه بسبب ~~رأسه المربع ذي الشعر الأشقر والأذنين الشاحبتين، وحمله ~~باشمئزاز ... ولا عجب من أنه كان ms277 يبكي! عندما لم يجد الصراخ ~~والتصنع نفعا هدأ فجأة، ونظر إليه بعينين زرقاوين شاحبتين، ~~وحاول أن يريح نفسه على معطفه الكاكي. أخرج يدا صغيرة متسخة، ~~وأمسك بأحد أزراره. تمتم وهو ينظر إلى الرضيع: «يا رفيق، ما هذا؟» ~~وأضاف: «اقطعه!» # قبل أن يتناولوا العشاء في تلك الليلة، حمل الفتية طعاما ~~ساخنا وبطاطين إلى العائلة. # 8 # التوقيت: الساعة الرابعة فجرا، أحد أيام الصيف، صباحه الأول ~~داخل الخنادق. # كان كلود قد مر للتو ~~على الصف ليتأكد من أن فرق المدفعية قد اتخذت مواقعها. هذه ~~الساعة، حينما يكون النور آخذا في التبدل، كانت وقتا مفضلا ~~للهجوم. قد أتى في وقت متأخر ليلة البارحة، وعرف كل ما يلزم ~~معرفته. لما صعد على حاجز إطلاق النار، حدق من فوق الحاجز بين ~~أكياس الرمال، في الضباب المنخفض المتشابك. وقتئذ لم ير شيئا ~~سوى تشابك الأسلاك، والطيور تتقافز فوق السلك العلوي، وهي ~~تغرد وتزقزق كما كانت تفعل على السياجات السلكية في الديار. ~~كانت تصدح بتغريدات صافية تشبه صوت الناي تشق الهواء الكثيف، ~~ولم يكن يسمع غير أصواتها. هب نسيم خفيف، وببطء أخذ يقشع ~~الضباب. ظهرت خطوط خضراء من بين ركام البخار المتحرك. زاد اضطراب ~~الطيور. كانت الأرض الممتدة الخامدة ذات اللونين الرمادي والأخضر ~~منطقة محرمة. تلك الروابي المنخفضة المتعرجة، التي تشبه ~~تلال خلد محمية بحواجز سلكية، هي خنادق الألمان؛ ويوجد منها ~~خمسة أو ستة خنادق. بوسعه أن يتتبع بسهولة خنادق التواصل من ~~دون منظار. عند إحدى النقاط، كان خطهم الأمامي لا يبعد أكثر من ~~ثمانين ياردة، وعند نقطة أخرى لا بد أن المسافة كلها كانت ثلاثمائة ~~ياردة. بدأت ألسنة دخان رفيعة ترتفع هنا وهناك؛ كان الألمان ~~يتناولون الإفطار؛ كان كل شيء مريحا وطبيعيا. خلف موقع العدو ~~كان الريف يرتفع تدريجيا لعدة أميال، بوديانه الضيقة وغاباته ~~الصغيرة، حيث، حسب خريطته، أخفوا مدفعية. في الخلف على التلال ~~توجد بيوت ريفية مدمرة وأشجار مكسورة، ولكن لم يوجد في أي ~~مكان مخلوق حي على مرمى البصر. كانت منطقة ريفية خامدة ساكنة، ~~غارقة ms278 في الصمت والكآبة. ومع ذلك، في كل مكان كانت الأرض مليئة ~~بالرجال. لا بد أن خنادقهم، من الجانب الآخر، تبدو ساكنة وخامدة. ~~كانت الحياة سرا، هذه الأيام. # كانت البساطة التي يمكن بها فعل الأشياء مذهلة. قد سارت ~~كتيبته داخلة بهدوء عند منتصف الليل، والصف الذي جاءوا ~~ليحلوا محله قد تحرك بالهدوء نفسه نحو المؤخرة. جرى كل ~~هذا في ظلام حالك. في الوقت نفسه الذي كانت فيه السرية «بي» ~~تتراجع نزولا على منحدر إلى خنادق غير عميقة في المؤخرة، أضاء ~~الريف للحظة جراء قذيفتي إنارة، وسمعت قعقعة مدافع رشاشة، ~~مدافع ماكسيم الألمانية؛ كانت قرقعات متفرقة لم تستمر. بينما ~~كانوا يسيرون متتابعين على طول خنادق الاتصال أنصتوا بوجل؛ إذ ~~كان يمكن لنيران المدفعية أن تلحق أضرارا بالرجال الآخرين الذين ~~كانوا يتحركون إلى المؤخرة. ولكن لم يحدث شيء. مرت ليلتهم هادئة، ~~وعندما أتى الصباح كانوا على قيد الحياة! # توهجت السماء بلوني الزعفران والفضة. نظر كلود في ساعته، ~~ولكن لم يكن بعد يطيق أن يغادر. ما أطول الوقت الذي يستغرقه ~~أحد آل ويلر في اجتياز أي عقبة! أمضى أربع سنوات ماضيا في طريقه، ~~وظن أنه بعدما وصل سيستمتع بالمشهد قليلا. تمنى لو كان بوسع ~~والدته أن تعرف بما كان يشعر هذا الصباح، ولكن لعلها بالفعل كانت ~~تعرف. على أي حال، ما كانت ستجده في أي مكان آخر. قبل خمس سنوات، ~~عندما كان جالسا على درجات مبنى المجلس التشريعي في دنفر، ويعرف ~~أنه لا يمكن أن يحدث له أي شيء غير متوقع ... أيتصور أنه كان ~~بإمكانه للحظة أن يتنبأ بمكانه اليوم؟ ألقى نظرة طويلة على ~~المشهد المائل إلى الحمرة الممتد أمامه، ونزل على المعبر ~~الخشبي. # عاد كلود إلى الملجأ الذي كان هو وجيرهارت قد ألقيا فيه أغراضهما ~~الليلة الفائتة. كان شاغلوه السابقون قد تركوه نظيفا. ويوجد ~~سريران مثبتان في الحوائط الجانبية بمسامير؛ كانا عبارة عن ~~هيكلين خشبيين فوقهما شبكة سلكية مغطاة بأكياس رمل جافة. ~~بين السريرين كانت توجد طاولة صغيرة، عليها شمعة محشورة في زجاجة ms279 ~~خضراء، وموقد يعمل بالكحول، وحمام مائي لحفظ الطعام ساخنا، ~~وكوبان من الصفيح. على الجدار كانت توجد صور ملونة من مجلة ~~«جوجند» الألمانية، مأخوذة من أحد خنادق الألمان. # وجد أن جيرهارت لا يزال نائما في سريره، فهزه حتى ~~استيقظ. ~~«كم أمضيت في الخارج يا كلود؟ ألم تنم؟» ~~«نمت قليلا. لم أكن متعبا كثيرا. أظن أنه يمكننا تسخين ~~ماء الحلاقة على هذا الموقد؛ فقد تركوا لنا نصف زجاجة كحول. إنه ~~وكر صغير مريح جدا، أليس كذلك؟» # علق ديفيد بنبرة جافة: «سيؤدي الغرض منه بلا شك.» وأضاف: ~~«إنك حساس جدا تجاه أي انتقاد لهذه الحرب! عجبا، هذا ليس ~~شأنك؛ فأنت لم تصل إلا توا.» # رد كلود بوداعة، وقد بدأ يطوي بطاطينه: «أعلم ذلك.» وتابع: ~~«ولكن من المحتمل أن تكون الحرب الوحيدة التي سأشارك فيها في ~~حياتي؛ ولذا يحق لي أيضا أن أهتم بها.» # عصر اليوم التالي، كان أربعة شباب، كلهم عراة إلى حد ما، ~~منشغلين بحفرة قذيفة كانت مليئة بمياه بنية عكرة. كان ~~الرقيب هيكس وصاحبه ديل آبل قد أخذا يفتشان طيلة نصف وقت الصباح ~~القائظ الحارق بحثا عن حفرة ليست بالغة القذارة، وفي موضع ~~ملائم، بل رائع، وكانا قد أبلغا الملازمين بهذه الحفرة. قال ~~هيكس إن النقيب ماكسي يمكن أن يرسل الجندي التابع له حتى يعثر ~~على حفرته، ويأخذ حمامه منفردا. أضاف الرقيب: «لن يستحم ~~أبدا مع أي أحد آخر.» وأردف: «يخجل من كشف عورته!» # كان بروجر وهاموند، الملازمان الثانيان، قد انتهيا من ~~استحمامهما، واستندا إلى ما يمكن أن نطلق عليه منحدرا ~~عشبيا، وهما يتفحصان أماكن متفرقة من جسديهما باهتمام. لم ~~يخلعا ملابسهما بالكامل منذ بعض الوقت، وكان المشي لمدة أربعة أيام ~~في طقس حار يجعل الرجل يتلهف إلى النظر إلى نفسه. # قال لهما جيرهارت: «انتظرا حتى الشتاء.» كان لا يزال يستحم في ~~الحفرة، والماء الموحل يصل حتى إبطيه. «عندئذ لن تغتسلا إلا مرة ~~واحدة كل ثلاثة أشهر. أخبرني بعض الجنود البريطانيين أنهم عندما ~~استحموا للمرة الأولى بعد معركة فيمي، تقشرت جلودهم ms280 مثل جلد ~~الثعبان. ما الذي تفعله بسروالي يا بروجر؟» ~~«أفتش عن سكينك. سقط مني سكيني أمس، عندما انفجرت تلك ~~القذيفة في الطريق الفرعي. لقد جفلت حتى كدت أسقط مغشيا ~~علي!» ~~«تبا، لم يكن ذلك أمرا جللا. لا تستمر في الحديث عن هذا ~~الأمر؛ فهذا يظهر أنك غر ساذج.» # خلع كلود ملابسه، ونزل إلى البركة بجانب جيرهارت. قال: «يا ~~للهول، ارتطمت بشيء حاد بالأسفل! لماذا لم تخرجوا الشظايا ~~أيها الفتية؟» # أغمض عينيه واختفى للحظة، ثم صعد وهو يبصق، وألقى على الأرض ~~جسما معدنيا دائريا، مغطى بالصدأ وممتلئا بالوحل. «خوذة ~~ألمانية، أليس كذلك؟ هذا مقرف!» مسح وجهه ونظر حوله ~~بتشكك. # قلب بروجر الجسم بعصا، وقال: «مقرف حقا!» وأضاف: «لماذا لم ~~تخرج بقيته بحق الجحيم؟ لقد أفسدت علي حمامي. أتمنى أن ~~تستمتع به.» # تسلق جيرهارت الجانب وصعد. وقال: «اخرج يا ويلر! انظر إلى ~~هذا»، مشيرا إلى فقاعات كبيرة خاملة، تنفجر صعودا عبر المياه ~~الكثيفة. «لقد أثرت مشكلة، أيعجبك ذلك! شيء بالغ السوء يجري ~~بالأسفل هنا.» # خرج كلود بعده ناظرا خلفه إلى ما يجري في الماء. «لا أفهم كيف ~~يمكن لإخراج خوذة أن يثير القاع بهذه الطريقة. أظن أن المياه ~~تبقي الرائحة تحتها.» # سأله بروجر بسخرية: «هل درست الكيمياء يوما ما؟» وتابع: «لقد ~~فتحت مقبرة لتوك، والآن يصلنا الغاز المنبعث. إن كنت قد ~~ابتلعت شيئا من تلك الكولونيا الألمانية، أوه، يجب أن ~~تقلق!» # كان الملازم هاموند عاكفا على الكتابة في دفتره، بينما كان لا ~~يزال عاري الساقين، وقميصه مربوط على كتفيه. وقبل أن يغادروا ~~وضع لافتة على عصا مفلوجة. # ممنوع الاستحمام للعامة! شاطئ خاص! # سي ويلر، السرية «بي»، كتيبة المشاة الثانية. ~~••• # أتت الخطابات الأولى من الوطن! حملتها عربات الإمداد، وتلقى ~~كل رجل في السرية شيئا عدا إد دراير، مزارع من تلال نبراسكا ~~الرملية، وولي كاتز، الفتى النمساوي ذو الشعر الأشقر الذي كان يعمل ~~في مصانع التعبئة في أوماها. شعر رفاقهم بالأسى لحالهم. لم يكن ~~لإد أي «أهل»، ولكنه مع ذلك قد توقع ورود خطابات ms281 إليه. كان ~~ويلي متأكدا من أنه لا بد أن والدته قد كتبت إليه خطابا. عندما ~~سلم آخر ظرف مهترئ وعاد خاوي الوفاض، تمتم قائلا: «إنها ~~خرقاء من شرق أوروبا، ولا تجيد الكتابة. أظن أن العنوان لم يكن ~~واضحا، وتلقى خطابي جندي آخر في سرية أخرى.» # لم ترسل إليهم أي نشرات دورية، كان الفتية يأملون في ~~جرائد من الوطن كي تطلعهم على القليل من أخبار الحرب؛ إذ لم ~~تصلهم أي أخبار هنا. على الرغم من ذلك ، أرفقت أخت ديل آبل ~~قصاصة من جريدة «كانساس سيتي ستار»، وهي عبارة عن تقرير مطول ~~كتبه أحد مراسلي الحرب البريطانيين في بلاد الرافدين، يصف فيه ~~العناء التي الذي كان يلاقيه الجنود هناك، مثل الدوسنتاريا ~~والذباب والبعوض والحرارة التي لا يمكن تصورها. قرأ هذه المقالة ~~بصوت عال على مجموعة من أصدقائه، وهم يجلسون حول حفرة قذيفة ~~كانوا يغسلون فيها جواربهم. قد انتهى لتوه من القصة التي تقول إن ~~الجنود البريطانيين عثروا على بضعة أكواخ طينية في المكان الذي ~~يزعم أنه البقعة التي كانت فيها جنة عدن؛ كان مكانا مقفرا ~~مليئا بالحشرات اللاسعة، عندما فتح أوسكار بيترسن، وهو فتى سويدي ~~متدين جدا عادة ما يظل صامتا لأيام كاملة، فمه، وقال ~~مستهزئا: ~~«ذلك كذب!» # رفع ديل ناظريه إليه منزعجا من المقاطعة. وقال: «كيف تعرف ~~أنه كذلك؟» ~~«لأن الرب وضع أربعة من ملائكة الكروبيم معهم سيوف لحراسة ~~الجنة، ولن يعثر عليها بشر. ليست من الأماكن التي من المفترض أن ~~يعثر عليها البشر. الكتاب المقدس يقول هذا.» # بدأ هيكس يضحك. «عجبا، ذلك كان منذ ستة آلاف سنة، أيها ~~المضحك! هل تظن أن ملائكة الكروبيم ما زالت هناك؟» ~~«بالطبع. ماذا تمثل ستة آلاف سنة لملاك كروبيم؟ لا ~~شيء!» # نهض السويدي وجمع جواربه بتجهم. # نظر ديل آبل إلى صاحبه. وقال: «ألم تجتمع فيه كل صفات الحمق؟ يا ~~له من متحجر العقل!» # لم يرغب أوسكار في أن يستمر في الاستماع إلى «حفنة أكاذيب»، ~~وأخذ ملابسه المغسولة وسار مبتعدا. ~~••• # كان مقر قيادة الكتيبة نحو ms282 نصف ميل خلف الجبهة، وكان جزء منه ~~عبارة عن مخبأ، وجزء عبارة عن سقيفة، لها سقف خشبي مغطى بطبقة ~~عشب. كان مكتب العقيد مفصولا من أحد الأطراف، وأعطى بقية ~~المكان للضباط ليكون بمثابة غرفة للترويح عن أنفسهم. في إحدى ~~الليالي، عاد كلود كي يقدم تقريرا عن المواقع الجديدة لفرق ~~المدفعية. كان الضباط الشبان جالسين حول طاولات صغيرة يدخنون ~~ويأكلون مقرمشات حلوة يخرجونها من علب صفيح. وكان جيرهارت ~~عاكفا على العمل على طاولة خشبية بأوراق وأقلام تلوين، يرسم نسخة ~~مبيضة من خريطة تقريبية قد تعاونا في رسمها ذلك الصباح، تظهر ~~مدى النيران. لم تربكه الضوضاء؛ إذ كان بوسعه الجلوس وسط عدد ~~كبير من الرجال، والكتابة بهدوء كما لو كان وحده. # كان يوجد ضابط واحد يمكن ~~أن يعلو صوته أثناء الحديث عن الباقين جميعهم، أينما كان، وهو ~~النقيب باركلي أوينز، الملحق من سلاح المهندسين. كان رجلا بالغ ~~القصر؛ إذ كان طوله خمس أقدام وأربع بوصات فقط، وكان عريضا ~~جدا، وشعلة نشاط. قبل الحرب، كان يبني سدا في إسبانيا، «أكبر ~~سد في العالم»، وأثناء عمليات التنقيب التي كان يجريها اكتشف ~~أطلال أحد معسكرات يوليوس قيصر المحصنة. وهذا يفوق قدرة ~~مخيلته السهلة التأثر على التحمل. عكف على تصوير هذه الآثار ~~القديمة، وأخذ قياساتها والاستغراق في تأملها. كان مهندسا في ~~النهار، وأثريا في الليل. لديه صناديق كتب أرسلت من باريس؛ ~~تضم كل ما كتب عن يوليوس قيصر باللغتين الفرنسية والألمانية، ~~فأشرك معه قسا شابا كي يقرأ عليه ترجمة تلك الكتب في المساء. ~~اعتقد القس أن الأمريكي كان مجنونا. # عندما كان أوينز في المرحلة الجامعية، لم يظهر أدنى اهتمام ~~بالدراسات اليونانية والرومانية، ولكن الآن بدا الأمر كأنه سيبعث ~~الحياة في يوليوس قيصر. اندلعت الحرب، وتوقف العمل في السد ~~الذي كان يبنيه. وكذلك أدخلت أفكارا أخرى إلى عقله الذي كان ~~منصرفا إلى الهندسة. عاد مسرعا إلى مسقط رأسه في كانساس كي ~~يشرح الحرب لمواطنيه. سافر في أنحاء الغرب، وأخذ يوضح ما حدث ~~بالتحديد في معركة المارن الأولى، ms283 حتى أتته فرصة الانضمام إلى ~~الجيش. # في الكتيبة، أطلق على أوينز اسم «يوليوس قيصر»، ولم يعرف ~~الرجال البتة إن كان يشرح عمليات القائد الروماني في إسبانيا، ~~أم عمليات جوفر في معركة المارن؛ إذ كان ينتقل من أحد الموضوعين ~~إلى الآخر. كان كل شيء حاضرا في صدارة ذهنه؛ فلم تكن القرون ~~تشكل فارقا. لم يكن لأي شيء وجود حتى يكتشفه باركلي أوينز. ~~الرجال يحبون سماعه وهو يتكلم. في تلك الليلة، ظل يغدو ويروح ~~وعيناه الصفراوان تدوران في محجريهما، وفي يده سيجار كبير، ~~ويلقي محاضرة على الضباط الشبان عن سمات الفرنسيين، ~~ويدربهم ويعدهم. كانت ساقاه هما اللتين تجعلان منه أضحوكة؛ ~~فجذعه كان جذع رجل كبير، محمولا على ساقين قصيرتين. ~~«الآن، لا ينبغي أيها الرفاق أن تنسوا أن حياة الليل في باريس ~~ليست شيئا تقليديا على الإطلاق؛ ذلك عرض أقيم للأجانب. ~~الفلاح الفرنسي شخص مقتصد. هذا النبيذ الأحمر لا بأس به إن لم ~~تسرف فيه؛ تناوله مخففا بالماء حتى الثلثين وسيقيك ~~الإصابة بالدوسنتاريا. لست بحاجة إلى أن تكون فظا معهم، بل كن ~~حازما. عندما تبادرني إحداهن بالكلام لتراودني عن نفسها أتبع ~~خطة معتادة؛ أولا أعطيها خمسة وعشرين فرنكا، ثم أنظر في ~~عينيها وأقول: «يا فتاتي، لدي ثلاثة أطفال، ثلاثة صبية.» فتفهم ~~المقصود على الفور، ولا تفشل تلك الخطة مطلقا. فتبتعد وهي ~~خجلة من نفسها.» # قال الملازم الشاب هاموند ببراءة: «ولكن ذلك باهظ جدا! لا ~~بد أنه يجعلك فقيرا.» زمجر الآخرون غضبا. # كان كلود يعرف أن ديفيد ~~تحديدا يمقت النقيب أوينز من سلاح المهندسين، وتعجب من أنه كان ~~بوسعه أن يستمر العمل بهذا القدر من التركيز، بينما ظلت أجزاء ~~من محاضرات العقيد تقطع صخب الحديث المعتاد وضوضاء الفونوغراف. ~~استرق أوينز، بينما كان يغدو ويروح، النظر نحو جيرهارت. كان قد ~~تناهى إلى سمعه أن ثمة شيئا غير مألوف بشأنه. # أبقى الرجال الفونوغراف دائرا؛ فبمجرد أن ينتهي تسجيل حتى ~~يضع أحد ما تسجيلا آخر. في إحدى المرات، عندما بدأ لحن جديد، ~~لاحظ كلود أن ديفيد رفع ms284 ناظريه عن الورقة التي كان عاكفا عليها ~~والفضول باد على محياه. أنصت لوهلة وعلى شفتيه ابتسامة بها ~~قدر من التهكم، ثم تجهم وجهه وعاد إلى رسم خريطته. شيء ما في ~~نظرته الخاطفة التي كانت تنطوي على التمييز جعل كلود يتساءل عما ~~إن كان اللحن قد أيقظ لديه ذكريات معينة مرتبطة به؛ ظن كلود ~~أنها ذكريات حزينة، ولكنها جميلة. قام من جلسته وذهب كي يغير ~~التسجيل بنفسه هذه المرة. أخرج الأسطوانة ورفعها في النور، وقرأ ~~ما كان مكتوبا عليها: ~~«تأملات تايلندية - عزف كمان منفرد - ديفيد ~~جيرهارت.» # عندما كانا عائدين عبر خندق الاتصال تحت المطر، يخوضان الطريق ~~في صف واحد، كسر كلود حاجز الصمت فجأة. وقال: «ذلك التسجيل الذي ~~شغلوه الليلة كان أحد تسجيلاتك، عزف الكمان المنفرد، أليس ~~كذلك؟» ~~«يبدو كذلك. سنتجه يمينا الآن. فدائما ما أضل الطريق ~~هنا.» ~~«هل توجد لك تسجيلات كثيرة؟» ~~«عدد لا بأس له. لماذا تسأل؟» ~~«أود أن أرسل خطابا لأمي. إنها مغرمة بالموسيقى الجيدة. ~~ستشتري تسجيلاتك، وهذا نوعا ما من شأنه أن يقرب كل شيء منها، ~~ألا ترى ذلك؟» # قال ديفيد متلطفا: «حسنا، يا كلود.» وتابع: «سوف تجدهم في ~~الكتالوج، جنبا إلى جنب مع صورتي بالزي الرسمي. لقد سجلت ~~تسجيلات كثيرة قبل أن أنضم إلى معسكر ديكس. تحصل أمي على ~~دخل بسيط من تلك التسجيلات. ها قد وصلنا.» بينما كان يشعل عود ~~ثقاب، قفز ظلان أسودان من على الطاولة واختفيا خلف البطانيات. ~~فقال: «يوجد الكثير منهم في الجوار، في هذه الليالي الممطرة. هل ~~أمسكت بواحد؟ لا تسحقه هناك. ~~ها هو الكيس.» # فتح جيرهارت فوهة كيس من الخيش، ودفع كلود الزاوية المتلوية ~~من بطانيته داخله، وضغط بقوة على الشيء الذي سقط في القاع. «في ~~ظنك، أين الآخر؟» «سينضم إلينا لاحقا. لا أنزعج من الفئران ~~بقدر ما أنزعج من باركلي أوينز. يا له من منظر وهو متجرد من ~~ملابسه! اخلد إلى النوم، سأذهب في جولة تفقدية.» مشى جيرهارت ~~على المعبر الخشبي المغمور بالماء، والمياه تتناثر من وقع ~~خطواته. خلع ms285 كلود حذاءه وبرد قدميه في المياه الموحلة. تمنى ~~أن يتمكن من إقناع ديفيد أن يتحدث عن مهنته، وتساءل كيف كان يبدو ~~وهو على منصة حفل موسيقي يعزف على الكمان. # 9 # في الليلة التالية، أرسل كلود إلى مقر القيادة في الموقع ~~«كيو» بمعلومات لم يهتم العقيد بتدوينها على الورق. وفي الساعة ~~العاشرة، انطلق مع الرقيب هيكس مرافقا له. كان المطر يهطل منذ ~~يومين، وامتلأت به خنادق الاتصال حتى كادت المياه أن تبلغ ~~الركب. على بعد نصف ميل خلف خط المواجهة، زحف الرجلان ~~خروجا من الخندق، واستمرا في الزحف على سطح الأرض. لم يشهد خط ~~المواجهة في تلك الليلة سوى القليل جدا من القصف. حين اندلع وهج ~~من النيران، انبطحا ورقدا على وجهيهما وهما يحاولان في الوقت ~~ذاته أن يلمحا بنظرة خاطفة ما يوجد أمامهما. # كانت الأرض وعرة والظلام دامسا؛ إذ الوقت قد تجاوز منتصف ~~الليل عندما وصلا إلى الطريق الذي يربط الشرق بالغرب، الذي عادة ~~ما يكون مزدحما، ولا يخلو من المارة تماما حتى في ليلة كهذه. ~~كانت قوافل الخيول تخوض في الوحل بالقذائف على ظهورها، بينما كانت ~~عربات الإمداد في طريق عودتها من الجبهة فارغة. توقف كلود وهيكس ~~بعض الوقت بجانب الخندق؛ أملا في العثور على وسيلة ركوب. بدأ ~~المطر يهطل بغزارة حتى إنهما بحثا عن ملجأ منه. بعدما راحا ~~يبحثان على غير هدى هنا وهناك، عثرا على قطعة مدفعية كبيرة قد ~~غاصت عجلاتها حتى المحاور في حفرة من الوحل. # نادى صوت بنبرة سريعة بريطانية دون شك: «من هناك؟» ~~«جنديان من المشاة الأمريكية. هل يمكننا الدخول إلى إحدى ~~الشاحنات حتى يتوقف المطر؟» ~~«أجل، بالتأكيد! يمكننا أن نفسح لكما مكانا هنا إن لم تكونا ~~ضخمين للغاية. تحدثا بهدوء وإلا ستوقظان الرائد.» سمع صوت ~~قهقهة وضحكات مكتومة، وأومض مصباح يدوي للحظة؛ فبدا في ضوئه ~~صف يتألف من خمس شاحنات قد غطيت الأولى والأخيرة منها بخيام ~~من القماش المشمع. كانت الأصوات تأتي من الملجأ الموجود بجوار ~~المدفع. سحب الجنود الموجودون بالداخل سيقانهم، وأفسحوا ms286 مكانا ~~للغريبين، واعتذروا لعدم وجود شراب قوي يقدمونه لهما سوى قليل ~~من شراب الرم. وقبل الدخيلان هذا العرض بامتنان. # كان البريطانيون كثيري الضحك، واعتقد كلود - بناء على أصواتهم - ~~أنهم جميعا صغار للغاية. يسخرون من الرائد كأنه معلمهم في ~~المدرسة. لم يكن في الشاحنة من مكان يكفي لأن يستلقي أي أحد؛ ~~فجلس كل منهم وقد أسند ركبتيه تحت ذقنه، وراحوا يتبادلون الحديث ~~والأخبار. كان فريق المدفعية ينتمي إلى سرية مدفعية مستقلة ~~أرسلت إلى البلاد لتؤدي الخدمة «أينما كانت الحاجة إليها». ~~وصلت باقي السرية وذهبت باتجاه الشرق، لكن ذلك المدفع الكبير ~~دائما ما يسبب المشكلات، والآن قد تعطلت قاطرته ولم ~~يستطيعوا سحبه وإخراجه. كانوا يطلقون عليه اسم «جيني»، وقالوا ~~إنه يصاب بنوبات الإغماء بين الحين والآخر، وإنه لا بد من ~~الترويح عنه. قال أحد الجنود البريطانيين غير المرئيين إن التعامل ~~معه يشبه تجول المرء مع جدته؛ إذ إنه: «مدفع قديم فخم!» ~~قالوا إن الرائد نائم في الشاحنة الخلفية، وإنه سيحصل على وسام ~~«صليب فيكتوريا» في النوم. فدوت المزيد من أصوات القهقهة. # كلا، لم يكونوا يعرفون وجهتهم؛ كان الضباط يعرفونها بالطبع، لكن ~~ضباط المدفعية لا يقولون شيئا البتة. ما سمات هذا البلد على أي ~~حال؟ إنهم جدد على تلك المنطقة، وقد أتوا لتوهم من ~~فيردور. # قال كلود إن له صديقا من القوات الجوية هناك؛ فهل يتصادف أنهم ~~يعرفون أي شيء عن فيكتور مورس؟ # هل تقصد مورس الطيار البطل الأمريكي؟ ألم يسمع؟ عجبا، لقد ورد ~~ذلك في صحف لندن. أصيب مورس داخل خطوط الهمجيين الألمان منذ ~~ثلاثة أسابيع. كانت مناورة رائعة. طاردته ثماني طائرات ألمانية؛ ~~أسقط ثلاثة منها وأجبر البقية على الفرار، ثم اتجه إلى القاعدة، ~~لكن الطائرات عادت حينها ونالت منه. سقطت طائرته وقد اشتعلت فيها ~~النيران، وقفز هو من ارتفاع ألف قدم أو أكثر. # سأل كلود: «إذن فهو لم يحصل على إجازته قط، أليس كذلك؟» # لم يعرفوا بشأن ذلك. لقد حظي بإشادة حسنة. # جلس الجنود في انتظار تحسن الطقس أو انقشاع الليل. ms287 غفا بعضهم ~~لكن كلود جفاه النوم. كان يفكر في أمر شقة تشيلسي، ويتساءل ~~عما إذا كانت الجميلة الناعسة الطرف لا تزال تشعر بالأسف أم ~~إنها تعزف لحن «ورود بيكاردي» لغيره من الضباط الشباب. راودته ~~أفكار حزينة بأنه لن يعود إلى لندن الآن مطلقا. لقد كان ~~يعول كثيرا على لقاء فيكتور هناك ذات يوم بعد التخلص من ~~القيصر تماما. كان يحب فيكتور بحق. ثمة شيء مميز بشأن ذلك ~~الفتى ... كان أشبه بطفل ماجن ذهب يطلب عدوه بين السحاب. أي عصر ~~آخر كان يمكن أن ينتج شخصية كتلك؟ تلك إحدى تبعات هذه الحرب؛ ~~تأخذ فتى صغيرا من بلدة صغيرة وتمنحه الخيلاء؛ تمنحه حياة ~~كالأفلام، ثم تمنحه موتا كالملائكة المتمردين. # رجل، كجيرهارت على سبيل المثال، عاش عمره في عالم وردي بشكل أو ~~بآخر، لكنه بات ينتمي إلى هنا في الواقع. كيف له أن يعلم الهياكل ~~الصلبة والأراضي التي اخترقتها قذائف المدافع الكبيرة على الجانب ~~الآخر من البحر؟ من يفهمه أنه أصبح بعيدا عن مزرعة الفراولة ~~والصندوق الزجاجي في المصرف وأصبح يحلق في سماء فيردور؟ # توقف المطر بحلول الثالثة. وانطلق كلود وهيكس مرة أخرى وقد ~~صحبهما أحد أعضاء فرقة المدفعية؛ إذ عاد ليحصل على المساعدة ~~من أجل القاطرة. لما بدأ نور النهار في الظهور، زاد تعجب ~~الأمريكيين من المظهر الشبابي الفائق لرفيقهما. عندما وقفوا عند ~~حفرة نتجت عن إحدى القذائف وغسلوا الوحل عن وجوههم، خلع الفتى ~~الإنجليزي خوذته ومسح البقع التي خلفها الطقس، فظهرت على ~~محياه نضارة الشباب، وربما شيء من ملامح الأنوثة؛ إذ كان ~~خداه متوردين بلون التفاح، ورموشه طويلة ناعمة، وانسدلت ~~على جبينه خصل الشعر الأصفر المجعد. # حين انطلقوا في طريقهم مرة أخرى، سأل كلود بنبرة أبوية: «لم ~~تنضم إلى الجيش منذ مدة طويلة، أليس كذلك؟» ~~«انضممت في السادسة عشرة. كنت في سلاح المشاة قبل أن آتي إلى ~~هنا.» # أحب الأمريكيان سماع حديثه؛ إذ كان يتحدث بسرعة كبيرة ~~وبصوت عال رنان. ~~«كيف استطعت تغيير سلاحك؟» ~~«حسنا، كنت في إحدى كتائب الزملاء ومنينا ms288 بهزيمة نكراء. ~~عندما خرجت من المستشفى فكرت في الانضمام إلى سلاح آخر في الجيش ~~بعدما رأيت أصدقائي وقد أخذهم الموت.» # قال هيكس بنبرته البطيئة: «وما كتائب الزملاء؟» كان يكره كل ~~المفردات الإنجليزية التي لا يفهمها، على الرغم من أنه لا يضجر على ~~الإطلاق من الكلمات الفرنسية التي لا يفهمها. # قال الفتى بصوته الرنان: «رفاق انضموا إلى الجيش معا من ~~المدرسة.» # نظر هيكس إلى كلود. كلاهما يفكر أنه ينبغي بهذا الفتى أن ~~يقضي المزيد من الوقت في المدرسة، ويتخيلان هيئته في بداية ~~التحاقه بالخدمة. # سأل متعاطفا: «وتقول إنكم هزمتم؟» ~~«نعم، على نهر سوم. كان حظنا سيئا للغاية. أرسلنا إلى هناك ~~للاستيلاء على خندق، ولم نتمكن من ذلك. لم نصل حتى إلى السلك. ~~كان الألمان الهمجيون على أهبة الاستعداد في تلك المرة، ولم ~~نستطع التغلب عليهم. ذهبنا في عداد ألف جندي، ورجع منا سبعة ~~عشر.» ~~«هل تقصد مائة وسبعة عشر؟» ~~«كلا، سبعة عشر.» # أصدر هيكس صفيرا، وتبادل النظرات مع كلود مرة أخرى. لم يشك ~~أي منهما في كلامه. ثمة شيء مزعج للغاية في فكرة إرسال ألف ~~فتى نضر الوجه لم ينتهوا من دراستهم في مواجهة مع المدافع. ~~علق: «لا بد أنها كانت أوامر غبية. هل تظن أن خطأ قد حدث لدى ~~القيادة؟» ~~«كلا، على الإطلاق، كانت القيادة تعلم حقيقة الأمر! كنا سنستولي ~~على الخندق لو حالفنا أي شيء من الحظ. لكن الألمان الهمجيين ~~كانوا يقاتلون بضراوة شديدة. مدافعهم فعلت بنا ~~الأفاعيل.» # سأله كلود: «هل أصبت في تلك العملية؟» ~~«أصيبت ساقي. كانت القذائف تندفع باتجاهي طوال الوقت، لكني ~~انبطحت على بطني وتقهقرت. عندما خرجت من المستشفى، لم تكن ساقي ~~قوية، والسير على القدمين أقل في سلاح المدفعية.» ~~«أظن أنك كنت قد سئمت.» # قال الفتى بصوته العالي الرنان: «حسنا، لا يمكن للمرء أن ~~يستمر في مكان قتل فيه جميع أصحابه! سيظل يفكر فيهم طوال ~~الوقت كما تعلم.» # وصل كلود وهيكس إلى مقر القيادة، بينما كان الطهاة ~~يستعدون لإعداد الطعام. أخذهما عريف إلى حمام الضباط، ms289 الذي ~~كان عبارة عن سقيفة بها أحواض كبيرة من القصدير، وحمل ملابسهما ~~كي يجففها في المطبخ. قال العريف إن الضباط سيأتون بعد ساعة، ~~وسيكون قد تمكن هو في هذه الأثناء من تنظيف القمصان والجوارب ~~لهما. # تحدث هيكس وهو يفرك جسده بفوطة حمام حقيقة: «اسمع أيها ~~الملازم، لا أريد سماع المزيد عن كتائب الزملاء تلك، ماذا عنك؟ ~~إنها تزعجني. لو أننا اشتركنا فيها لكان من الممكن أن نحظى ببعض ~~الأسبقية. أكره أن أشعر بالضآلة.» قال كلود بنبرة خشنة: «أعتقد ~~أن علينا أن نتجرع دواءنا، لم يكن هناك أي مفر، أليس كذلك؟ ~~كنت أشعر بهذا. فتى لطيف. لا أعتقد أن الفتية الأمريكيين يبدون ~~على هذه الدرجة من حداثة السن أبدا.» # تذمر الرقيب السمين: «عجبا، إذا قابلته في أي مكان آخر، ~~فربما كنت ستخشى استخدام الكلمات البذيئة أمامه، إنه جميل جدا! ~~ما الفائدة من إرسال ملجأ أيتام لكي يقتلوا؟ لا أرى فائدة في ~~ذلك. حسنا، هذا شأنهم. لن أدع هذا الحديث يفسد علي إفطاري. ~~هل سنأكل اللحم المبرد والبيض أيها الملازم؟» # 10 # بعد الإفطار، ذهب كلود إلى مقر القيادة وتحدث مع رائد هناك. ~~أخبره الرائد أن عليه الانتظار حتى الغد كي يرى العقيد جيمس الذي ~~استدعي إلى باريس لحضور مؤتمر عام. لقد سافر بسيارته في الساعة ~~الرابعة من فجر ذلك اليوم استجابة لرسالة هاتفية. # قال الرائد: «لا يوجد الكثير من الأنشطة التي يمكن القيام بها ~~هنا للتسلية. سيعرض فيلم الليلة، ويمكنك الحصول على ما تريد في ~~الحانة الصغيرة؛ تلك الموجودة في الميدان مقابل الدبابة ~~الإنجليزية هي الأفضل. توجد فتاتان فرنسيتان جميلتان في ثكنة ~~الصليب الأحمر الكائنة على التل، في حديقة الدير القديمة. إنهما ~~يحاولان رعاية المدنيين ونحن على وفاق معهما. إننا نحضر المؤن ~~الخاصة بهما مع مؤننا، وقد صدرت الأوامر لضابط التموين والإمدادات ~~بمساعدتهما عندما تنفد مؤنهما. يمكنك أن تذهب وتزورهما. إنهما ~~يتحدثان الإنجليزية بطلاقة.» # سأل كلود إن كان بإمكانه زيارتهما من دون أي نوع من ~~التعريف. ~~«نعم، نعم، إنهما معتادتان علينا! لكني ms290 سأعطيك بطاقة تقدمها ~~إلى الآنسة أوليف. إنها صديقة مقربة لي. ها هي البطاقة: «الآنسة ~~أوليف دي كورسي، أقدم لك ... إلى آخره.» وأنت تفهم الباقي»، ~~وحينها رفع رأسه بسرعة خاطفة ونظر إلى كلود من رأسه إلى قدمه، ثم ~~قال: «إنها سيدة جميلة.» # حتى مع بطاقة التعارف، شعر كلود ببعض التردد بشأن تقديم نفسه ~~لهاتين السيدتين. ربما لا تحبان الأمريكيين؛ وكان دائما ما ~~يخشى لقاء فرنسيين لا يحبون الأمريكيين. وقد عرف أن العديد ~~من رفاقه في الكتيبة يخشون ذلك أيضا؛ إذ كانوا يرتعبون من عدم حب ~~الناس لهم. وفور أن كانوا يشعرون بأنهم غير محبوبين، يهرعون إلى ~~أسوأ التصرفات كي يستحقوا ذلك الشعور بالكراهية؛ فلا يشعرون ~~بأنهم قد خدعوا؛ والخداع هو أسوأ شعور قد ينتاب جندي المشاة ~~الأمريكي! # رأى كلود أنه يستطيع التجول في المدينة بعض الوقت. لقد استولى ~~عليها الجيش الألماني في خريف عام 1914 بعد تراجعه في معركة ~~المارن، وظلت تحت سيطرة الألمان حتى قبل عام تقريبا حين ~~استعادها الجيش الإنجليزي بالاستعانة بفرق المشاة الجبلية ~~التابعة للجيش الفرنسي. تمكنوا من السيطرة على المدينة وإخراج ~~الألمان منها، ولم يحدث ذلك إلا من خلال دكها بالمدفعية حتى لم ~~يبق فيها مبنى واحد قائم. # كان كلود يفكر وهو يسير بين الطرقات الممتلئة بأكوام الطوب ~~والجص أن الخراب بالغ ولا يوجد سواه. لم يكن في المشهد أي ~~جمال على غرار صور الحرب التي كان المرء يراها في الوطن. كان يمكن ~~لإعصار أو حريق أن يقوم بالمهمة نفسها. لم يكن المكان سوى ~~كومة نفايات ضخمة؛ محض صورة مكبرة من أكوام القمامة التي تعيب ~~ضواحي المدن الأمريكية. المناظر نفسها تتكرر في جميع أنحاء ~~المكان؛ أكوام من الطوب المحروق والحجارة المكسورة، وأكوام من ~~الحديد الصدئ الملتوي، وعوارض ودعامات متكسرة إلى شظايا، ~~وبرك آسنة، وحفر أقبية ممتلئة بالمياه الموحلة. لقد خطا أحد ~~الجنود الأمريكيين في إحدى هذه الحفر قبل بضع ليال وغرق ~~فيها. # لقد كانت تلك المدينة ثرية يسكنها ثمانية عشر ألف نسمة، والآن ~~يبلغ سكانها من المدنيين ms291 نحو أربعمائة فحسب. ظل بعضهم صامدين في ~~المدينة طوال سنوات الاحتلال الألماني، وعاد البعض الآخر من ~~الملاجئ التي لجئوا إليها فور سماعهم بإجلاء العدو عن المدينة. ~~كانوا يعيشون في الأقبية أو في ثكنات خشبية صغيرة مصنوعة من ~~الأخشاب القديمة أو صناديق البضائع الأمريكية. وبينما كان يسير ~~قرأ كلود أسماء وعناوين يعرفها مكتوبة على لوحات موضوعة على ~~الجانبين من تلك الملاجئ الهشة: «من إميري بيرد، شركة «ثير»، ~~كنساس سيتي، ولاية ميزوري.» و«دانيلز آند فيشر، دنفر، كولورادو.» ~~سرته هذه النقوش كثيرا حتى إنه بدأ يشعر بالرغبة في الصعود ~~وزيارة السيدتين الفرنسيتين. # سطعت الشمس حارة بعد ثلاثة أيام من المطر. وصدرت عن المياه ~~الراكدة والحشائش التي نمت في الخنادق رائحة كريهة. انتصرت ~~الزهور البرية في النمو فوق أكوام الخشب المتعفن والحديد الصدئ؛ ~~نمت زهور القنطريون العنبري، وزهور الجزر البري، وزهور الخشخاش، ~~بألوانها الزرقاء والبيضاء والحمراء، وكأنما خرجت ألوان العلم ~~الفرنسي من التراب الفرنسي تلقائيا تتحدى ما فعله الألمان ~~بها. # توقف كلود أمام كوخ صغير بني على جدار من الطوب نصفه ~~متهدم. تدلى في المدخل قفص ذهبي اللون، وبداخله طائر كناري ~~يغرد بصوت عذب. وكان في الحديقة امرأة عجوز عاكفة على العمل ~~تلتقط قطع الطوب والجص التي رسبها المطر، وتحفر بأصابعها حول ~~رءوس الجزر الباهتة ورءوس الخس المرتبة. اقترب كلود منها ولمس ~~خوذته على سبيل التحية، وسألها عن الطريق إلى الصليب ~~الأحمر. # مسحت يديها في مئزرها وأخذته من مرفقه. «هل تعرف الدبابة ~~الإنجليزية؟ لا تعرفها؟ ماري، ماري!» ~~(علم فيما بعد أن الجميع كان يوجه لأخذ هذا الطريق أو ذاك؛ ~~بداية من دبابة بريطانية معطلة تركت في موقع مبنى البلدية ~~القديم.) # خرجت فتاة صغيرة من الثكنة، وأخبرتها جدتها أن تذهب من ~~فورها وتأخذ الأمريكي إلى الصليب الأحمر. أمسكت ماري يد كلود، ~~وتوجهت به في أحد الطرق الملتفة فيما بين أكوام القمامة. ~~وخرجت به عن الطريق كي تريه كنيسة من الجلي أنها أحد الأنقاض ~~التي يفتخرون بها كثيرا، حيث السماء الزرقاء تسطع من بين الأقواس ~~البيضاء. ms292 وقفت العذراء على الباب المركزي وذراعاها فارغتان؛ ودلت ~~قدما صغيرة كانت تلتصق بردائها على المكان الذي نسف فيه تمثال ~~يسوع الطفل. # شرحت ماري بلغتها الفرنسية وقد بدا في نبرتها الرضا: «كسر ~~تمثال الطفل، لكنه حمى تمثال والدته.» وبينما استمرا في طريقهما، ~~أخبرت كلود أن لديها صديقا جنديا من الجنود الأمريكيين. «إنه ~~جيد ومرح صديقي هذا»، لكنه يكثر من شرب الكحول في بعض ~~الأحيان، وتلك عادة سيئة. ربما اتعظ صديقها «شارلي» الآن وأصبح ~~أفضل بعدما خطا رفيقه في قبو ليلة الإثنين وهو مخمور وغرق فيه. ~~كان من الواضح أن ماري طفلة طيبة المنبت. قالت إن والدها كان ~~معلما في مدرسة. عند سفح التل الذي يقف عليه الدير، التفتت ~~وعادت إلى المنزل. نادى عليها كلود وحاول مرتبكا أن يعطيها ~~بعض المال، لكنها دفعت يديها خلف ظهرها وقالت مصرة: «كلا، ~~شكرا لك. لست بحاجة إلى أي شيء»، ثم جرت في طريقها. # بينما كان يصعد إلى قمة التل، لاحظ أن الأرض قد نظفت بعض ~~الشيء. كان الطريق خاليا؛ إذ وضعت والطوب والحجارة المنحوتة في ~~أكوام مرتبة، وقلمت السياج المكسورة، وقطعت منها الأجزاء ~~الميتة. عندما وصل إلى الحديقة أخيرا، وقف ساكنا في دهشة؛ فعلى ~~الرغم من أنها محض أنقاض بدت جميلة بعد ما رآه من اضطراب العالم ~~القابع تحتها. # كانت ممرات الحصى نظيفة ولامعة. ووقف جدار من أشجار البقس ~~القديمة نضرا أمام صف من أشجار الحور الميتة. وعلى طول الجانب ~~المحطم من المبنى الرئيسي، كان ثمة شجرة كمثرى تتسلق على ~~أسلاك كأشجار الكروم لا تزال مزدهرة، وتزخر بثمار الكمثرى ~~الحمراء الصغيرة. حول البئر الحجرية، كانت توجد قطعة أرض من ~~الحشائش المقلمة، وانتشرت في كل مكان أشجار صغيرة وشجيرات ~~كانت أقصر من أن تطولها القذائف أو النيران التي اشتعلت في أشجار ~~الحور وأحرقتها. لا بد أن التل قد أحيط بالنيران في مرحلة ما ~~واحترقت الأشجار الطويلة كلها. # كانت الثكنة مبنية على جدران الدير، الذي لا تزال ثلاثة من ~~أقواسه قائمة كأنها جناح حجري يظلل على السقيفة ms293 المصنوعة من ~~ألواح الخشب. على سلم خشبي، وقف شاب بذراع واحدة يدق ~~المسامير بمهارة بالغة بتلك اليد الواحدة. بدا أنه يصنع إطارا ~~يمتد من السقف المائل ليدعم به إحدى السقائف. كان يحمل المسامير ~~في فمه. وحين يريد مسمارا يعلق المطرقة في حزام سرواله ~~ويخرج المسمار من بين أسنانه ويضعه على الخشب، ثم يطرق على رأس ~~المسمار ببراعة. وقف كلود يشاهده برهة، ثم ذهب إلى قاعدة ~~السلم وعرض يديه الاثنين. صاح بالفرنسية: «اسمح لي.» # لفظ الواقف على السلم المسامير في راحة يده، ونظر إلى ~~الأسفل وضحك. كان في مثل سن كلود تقريبا؛ أشقر الشعر والشارب، ~~وعيناه زرقاوان. شاب جميل المحيا. # قال: «تفضل. العمل ليس صعبا، لكني أسلي نفسي به، وسوف تسر ~~به السيدتان.» نزل من على السلم وناول المطرقة للزائر. شرع كلود ~~في العمل على الإطار، وذهب الآخر تحت الأقواس الحجرية، وأحضر لفة ~~من القماش يبدو من شكله أنه جزء من خيمة قديمة. # شرح وهو يبسط القماش على العشب: «لقد تركها الألمان. وجدتها ~~بين القذارة التي خلفوها في القبو، وخطر لي أن أصنع بها جناحا ~~للسيدتين بعدما احترقت الأشجار.» وقف فجأة. «هل أتيت كي ترى ~~السيدتين؟» ~~«سأراهما لاحقا.» # قال الفتى إنه يستحسن ذلك؛ إذ سينتهيان من الجناح ويفاجئان ~~به الآنسة أوليف عندما تعود. كانت في المدينة حينذاك تزور المرضى. ~~انكفأ على القماش مرة أخرى، وأخذ يقيس ويقطع باستخدام مقص ~~حدائق بينما يتحرك حول البقعة الخضراء على ركبتيه، ولا يبرح ~~الغناء. تمنى كلود لو أنه كان يفهم الكلمات التي ~~يغنيها. # بينما كانا يعملان معا، ويربطان القماش في الإطار، رأى كلود من ~~موقعه المرتفع على السلم فتاة طويلة تمشي رويدا على الطريق ~~الذي أتى منه. توقفت قليلا عند القمة بجوار سياج أشجار البقس، ~~وكأن التعب تملك منها، ووقفت تنظر إليهما. اقتربت من السلم ~~وقالت بلغة إنجليزية بطيئة وحريصة: «صباح الخير. أرى أن لويس وجد ~~من يساعده.» # نزل كلود على السلم. ~~«هل أنت الآنسة دو كورسي؟ أنا كلود ويلر. معي بطاقة تعارف لك، ~~أرجو ms294 أن أجدها معي.» # أخذت البطاقة لكنها لم تنظر فيها. «هذا ليس ضروريا. الزي ~~الذي ترتديه كاف. لماذا أتيت؟» # نظر إليها في شيء من الحيرة. وقال بصراحة: «حسنا، لا أعرف ~~تحديدا! أتيت لتوي من الجبهة كي أرى العقيد جيمس لكنه في ~~باريس؛ لذا علي انتظاره يوما كاملا. واقترح أحد الموظفين أن ~~آتي إلى هنا، وأعتقد أن السبب هو أن المكان جميل للغاية!» ~~«إذن، أنت ضيف من على الجبهة، وستتناول الغداء معي أنا ولويس. ~~السيدة بار غادرت هي أيضا ولن تعود اليوم. هلا تتفضل برؤية ~~منزلنا؟» توجهت به من باب منخفض إلى غرفة المعيشة، وهي ~~غرفة غير مطلية وغير مفروشة بالسجاد، وتتسم بالإضاءة الجيدة ~~والتهوية. كانت هناك ملصقات حرب ملونة معلقة على الجدران ~~الخشبية النظيفة، وأغلفة قذائف نحاسية مليئة بالزهور البرية وزهور ~~الحديقة، وكراسي المعسكرات المصنوعة من القماش، ورف كتب، وطاولة ~~مغطاة بمفرش حريري أبيض مطرز بفراشات كبيرة. أشعة الشمس ~~على الأرض، وباقة الزهور النضرة، والستائر البيضاء التي يحركها ~~النسيم، كل هذا ذكر كلود بشيء ما، ولكنه لم يستطع ~~تحديده. # قالت الآنسة دو كورسي: «ليس لدينا غرفة للضيوف. لكنك ستأتي إلى ~~غرفتي، وسيحضر لك لويس الماء الساخن كي تغتسل.» # في غرفة من الخشب في ~~نهاية الطرقة، خلع كلود معطفه وشرع في ترتيب هندامه قدر ~~المستطاع. كان الماء الساخن والصابون المعطر أشياء مبهجة في ~~حد ذاتها. كانت منضدة التزيين عبارة عن صندوق بضائع قديم يرتكز ~~منتصبا على أطول جانب منه، ومغطى بقطعة قماش بيضاء. على ~~منضدة التزيين، يوجد صف من أغراض الحمام المصنوعة من العاج، ~~منها الأمشاط والفرش والمساحيق والعطر، وكذلك كومة من المناديل ~~البيضاء المنعشة من الكي. شعر بأن عليه ألا يطيل النظر في أرجاء ~~الغرفة، لكن أغرته رائحة النظافة والطابع الشخصي الغامض. في أحد ~~الأركان، علقت ستارة على قضيب لتصبح بمثابة خزانة ملابس، وفي ~~ركن آخر سرير حديدي منخفض يشبه أسرة الجنود مغطى بملاءة ~~باللون الأزرق الفاتح ووسائد بيضاء. سار بحذر واغتسل دون إحداث ~~صوت بالمياه. لم يكن بالغرفة شيء قد ms295 يتلف أو ينكسر ولا حتى سجادة ~~على الأرضية العارية، وحتى الإبريق ووعاء الغسيل كانا من الحديد، ~~لكنه شعر مع ذلك أنه يعرض شيئا هشا للخطر. # عندما خرج وجد المائدة الموضوعة في غرفة المعيشة معدة ~~لثلاثة أفراد. لم تعره العجوز البدينة التي كانت تضع الأطباق ~~أي اهتمام، وبدا من تعبيراتها أنها تزدريه هو وجميع من على ~~شاكلته. ابتعد عن طريقها أبعد مسافة ممكنة، وأخذ من على الطاولة ~~كتابا من مؤلفات هاينز رايسبلدر باللغة الألمانية. # قبل الغداء، أرته الآنسة دو كورسي غرفة المخزن الخلفية التي ~~تكدست على رفوفها صفوف من علب القهوة والحليب المكثف ~~واللحوم والخضروات المعلبة، وكلها بأسماء تجارية أمريكية ~~يعرفها جيدا؛ وقد بدت هذه الأسماء مألوفة له و«موثوقة» بدرجة ~~أكبر، هنا بعيدا عن أرض الوطن. أخبرته أن الناس في البلدة لم ~~يكونوا ليتمكنوا من اجتياز الشتاء دون هذه الأشياء. لقد اضطرت ~~إلى الاقتصاد في توزيعها حين كان الاحتياج إليها بالغا، لكنها ~~شكلت الفارق بين الحياة والموت. أما الآن وقد حل الصيف، فقد ~~صار الناس يقتاتون على ما تخرجه حدائقهم، لكن النساء العجائز لم ~~يبرحن المجيء لالتماس بضع أوقيات من القهوة، وتأتي الأمهات أيضا ~~للحصول على زجاجة حليب لأطفالهن. # أضاء وجه كلود من السرور. نعم، لبلده باع طويل. نسي الناس ~~ذلك، لكنه شعر أنه وجد هنا شخصا لم ينس. حين جلسوا على الغداء، ~~علم أن الآنسة دو كورسي والسيدة بار تسكنان هنا منذ عام تقريبا؛ ~~إذ رجعا بعد استعادة البلدة بمدة وجيزة عندما بدأ السكان القدامى ~~ينزحون إليها مرة أخرى. لم يحضر الناس معهم سوى ما يمكنهم حمله ~~بين ذراعيهم. # قالت: «لا بد أنهم يحبون بلدهم كثيرا كي يعودوا إليها بالرغم ~~من هذا الفقر الذي يتحملونه، ألا تعتقد ذلك؟ حتى كبار السن لا ~~يشتكون كثيرا من افتقادهم للأشياء المحببة إلى قلوبهم مثل ~~مفارشهم وأوعية الخزف الصيني وأسرتهم. ما داموا يمتلكون الأرض ~~ويحدوهم الأمل، فيمكنهم تعويض ذلك كله مرة أخرى. هذه الحرب قد ~~علمتنا جميعا مدى هوان هذه الأشياء المصنوعة. لا شيء ms296 أهم من ~~المشاعر.» # هذا بالضبط ما يراه؛ أفلا يحاول قول هذا منذ ولادته؟ ألم يختبر ~~ذلك بنفسه على الدوام وقد أضفى على حياته المرارة مثلما أضفى عليها ~~العذوبة؟ ما أجمل صوتها تلك الآنسة أوليف، وما أنبل تعامله مع ~~اللغة الإنجليزية. كان يرغب في أن يقول شيئا، ولكن ما الذي يقوله ~~في ذلك؟ ومن ثم فقد ظل صامتا، وجلس مضطربا يقطع رغيف الحرب ~~الأسود القابع بجوار طبقه. # رآها تنظر إلى يده، وشعر في ومضة أنها تنظر إليها باستحسان؛ ~~لذا وضعهما فورا على ركبتيه تحت المائدة. # أردفت بنبرة حزن: «ما حدث لأشجارنا هو الأسوأ. ألم تر أشجارنا ~~المسكينة؟ إنها تجعل المرء يشعر بالخجل لأجل هذه البقعة الجميلة من ~~فرنسا. السكان آسفون عليها أكثر من أسفهم على فقدان الماشية ~~والخيول.» # تبادر إلى ذهن كلود حين نظر إلى الآنسة دو كورسي أنها تبدو ~~مثقلة بأعباء الرعاية والمسئولية. بدت واهنة القوى. كان جسمها ~~نحيلا وعيناها رماديتان، ولها شعر أسود وبشرة بيضاء، وتتوهج ~~شفتاها ووجنتاها، كأنما اشتعلت بلهب من الداخل. كانت كتفاها ~~منكفئتين كأن التعب لا يبرحها. لا بد أنها في عمر الشباب على ~~الرغم من خصلات الشعر الرمادي التي انتشرت في رأسها، وقد مشطت ~~وربطت دون اهتمام خلف رأسها. # بعد القهوة، انكبت الآنسة كورسي على العمل في مكتبها، وأخذ ~~لويس كلود كي يريه الحديقة. كانت أعمال التنظيف والتقليم ~~والزراعة من اختصاصه، وقد أداها كلها بذراع واحدة. سيتمكن ~~من إنجاز المزيد في هذا الخريف؛ لأنه صار الآن أقوى، واعتاد على ~~العمل بيد واحدة. لا بد أن يتمكن من قطع الأشجار الميتة لأنها ~~تحزن الآنسة أوليف. كان يوجد أمام الثكنة أربع شجرات قديمة من ~~أشجار السنط قممها كالشوكات العارية قد احترقت إلى حد ~~التفحم، لكن الأغصان السفلية كانت تنبت حزما سميكة من ~~الأوراق باللونين الأخضر والأصفر؛ كانت قوية لدرجة توحي بأن ~~الحياة لا تزال تدب في جذوعها. قال لويس إنه ينوي الاستعانة ببعض ~~الشباب الأمريكيين في هذا الخريف؛ لمساعدته في قطع الأغصان الذابلة ~~وتقليم القمم لتصبح مستوية ms297 فوق الجذوع السميكة. كان كلود يفكر ~~في مدى الحب الجم الذي يكنه رجل لبلده لدرجة أن يحب أشجارها ~~وزهورها، ويرعاها حين تمرض، ويداوي جراحها بذراع واحدة. من بين ~~الزهور التي نمت مرة أخرى من تلقاء نفسها أو من الجذور القديمة، ~~وجد كلود مجموعة من النباتات الطويلة المتشابكة التي تميل سيقانها ~~إلى الحمرة، ولها أزهار بيضاء صغيرة تنتمي إلى فصيلة زهرة الربيع ~~المسائية؛ زهرة الجورا التي كانت تنمو على الضفاف الطينية لنهير ~~لافلي كريك في موطنه. لم يرها بهذا الجمال من قبل، لكنه ابتهج حين ~~وجدها هنا. لقد كان يظن أنها من زهور البراري التي لا يعرف ~~اسمها، وأنها لا تنمو في أي مكان آخر. # عندما عادا إلى الثكنة، وجدا الآنسة أوليف جالسة في أحد ~~كراسي القماش التي وضعها لويس تحت الجناح الجديد. # صاح كلود وهو ينظر خلفه: «يا له من شخص رائع!» ~~«لويس؟ نعم. إنه الجندي الحاجب لأخي. عندما كان إيميل يأتي في ~~إجازة، كان يحضر لويس معه، وأصبح لويس كأنه واحد من العائلة. ~~القذيفة التي قتلت أخي أخذت معها ذراعه. ذهبت مع أمي كي نزوره في ~~المستشفى، وبدا الفتى المسكين خجلا من بقائه على قيد الحياة في ~~حين مات أخي. وضع يده على وجهه، وبدأ في البكاء وقال: «آه ~~يا سيدتي، لقد كان دائما أرقى مني!»» # على الرغم من أن الآنسة أوليف كانت تجيد التحدث بالإنجليزية، ~~رأى كلود أنها لم تكن تفعل ذلك إلا عند تركيز عقلها في الحديث. ~~كانت الجمل الصعبة التي تلفظت بها غريبة على طبيعتها؛ فسبقت ~~تعبيرات وجهها وعينيها ما جرى على لسانها، وجعلت المستمع ينتظر ~~العبارات التالية بتلهف. جلس على كرسي من القماش المرتخي، وراح ~~وهو شارد الذهن يلوي غصنا قطفه من زهرة الجورا. # نظرت إليه وقالت: «هل عثرت على زهرة؟» ~~«نعم، إنها تنمو في وطني، في مزرعة والدي.» # أفلتت القميص الباهت الذي كانت تخيطه. قالت: «أجل، هلا ~~أخبرتني عن وطنك! تحدثت إلى الكثيرين منكم، لكن يصعب علي ~~الفهم. نعم، أخبرني عن وطنك!» # نبراسكا؛ كيف ms298 هي؟ كم يوما يستغرقه الوصول إليها بحرا؟ وما ~~معالمها؟ بينما حاول هو الوصف، استمعت إليه وقد أغمضت عينيها ~~قليلا. «مسطحات مغطاة بأنهار مليئة بالوحل والحصى. أعتقد ~~أنها تشبه روسيا. لكن مزرعة والدك، صفها لي وصفا دقيقا، وربما ~~أتمكن حينها من تخيل البقية.» # أخذ كلود عصا ورسم مربعا على الرمال، وبدأ يشرح؛ أولا في ~~هذا المكان يوجد المنزل والمزرعة، وفي تلك الزاوية المرعى الكبير ~~الذي يمر عبره نهير لافلي كريك، وفي هذا الجانب حقول القمح وحقول ~~الذرة ، وأرض الغابة المملوكة للعائلة، ثم المزيد من القمح ~~والذرة، والمزيد من المراعي. رسمت كل المعالم فوق الرمال الصفراء، ~~وانسدلت عليها الظلال من أشجار السنط نصف المتفحمة. لم يكن ~~ليظن يوما أنه سيخبر غريبا عن تلك المزرعة بتلك التفاصيل. لا ~~شك أن السبب يعود جزئيا إلى المستمعة؛ فقد منحته تعاطفا ~~استثنائيا واتقادا ذهنيا غير عادي. عندما انكفأت على ~~الخريطة وأخذت تسأله، تجمع ندى خفيف من العرق على شفتها ~~العليا، وتسارعت أنفاسها جراء جهدها في رؤية كل شيء وفهمه. ~~أخبرها عن والدته ووالده وعن ماهيلي؛ أخبرها عن معالم الحياة في ~~الصيف والشتاء والخريف، وعن ذلك الصيف المشئوم حين كان الألمان ~~الهمجيون يتحركون دائما تجاه باريس، وعن تلك الأيام الثلاثة ~~التي صمد فيها الفرنسيون في معركة المارن، وأخبرها أيضا عن انتظار ~~والدته ووالده كي يأتي لهما بالأخبار ليلا، وكيف أن حقول الذرة ~~نفسها كانت تبدو مترقبة. # غاصت الآنسة أوليف في كرسيها مرة أخرى وقد بدا عليها التعب. نظر ~~كلود إليها ورأى دموعا تتلألأ في عينيها اللامعتين. تمتمت: «أنا ~~نفسي لم أعلم عن معركة المارن إلا بعد مرور عدة أيام عليها، على ~~الرغم من أن أخي ووالدي شاركا فيها! كنت بعيدة في بريتاني، ~~وتوقفت القطارات عن العمل. فكم هو رائع أنك هنا وتخبرني بتلك ~~الأخبار! نحن، نحن تعلمنا منذ طفولتنا أن الألمان سيأتون ذات ~~يوم، وكبرنا ونحن نعيش في ظل هذا التهديد. لكنك كنت تعيش في ~~أمان وسط حقول القمح والذرة. لم يكن لشيء أن يمسك، لا شيء ms299 على ~~الإطلاق!» # خفض كلود عينيه. تمتم والخجل يعتلي وجهه: «نعم، كان للخزي أن ~~يمسني. وقد كاد أن يفعل. لقد تأخرنا كثيرا.» نهض من كرسيه ~~وكأنه سيحضر شيئا. ولكن من أين سيأتي به؟ هز رأسه. قال بنبرة ~~حزينة: «يؤسفني أني لا أجد كلمات أستطيع قولها كي تفهمي كم أن ~~الأمر بدا بعيدا للغاية، وكم أنه بدا حلما. لم يبد بعيدا من ~~حيث الأميال فحسب، بل بعيدا لقرون أيضا.» ~~«لكنكم تأتون بالفعل، ~~أتى العديد منكم، ومن مكان بعيد ! إنها المعجزة الأخيرة في هذه ~~الحرب. كنت في باريس في الرابع من يوليو عندما تقدمت قوات ~~البحرية الأمريكية من «بيلو وود» بمناسبة يومكم الوطني، وقلت لنفسي ~~وهم آتون «هؤلاء رجال ذوو روح جديدة!» رأيت رءوسهم الدقيقة من ~~خلف آذانهم. ورأيت فيهم الانضباط والعزم. سر الفرنسيون وكانوا ~~ينادون عليهم ويرمونهم بالزهور، لكنهم لم يلتفتوا قط كي ينظروا، ~~بل ظلت عيونهم مثبتة أمامهم. مروا كأنهم رجال أرسلهم ~~القدر.» بسطت ذراعيها بحركة سريعة وأنزلتها في حجرها. بدت ~~مشاعر ذلك اليوم على وجهها. وعندما نظر كلود إلى وجنتيها ~~وعينيها المتوقدتين، أدرك أن ضغوط تلك الحرب قد منحتها بصيرة ~~هي أشبه بهدية النبوءة. # ظهرت امرأة إلى التل وهي تحمل بين يديها رضيعا. ذهبت الآنسة ~~دو كورسي كي تقابلها وتأخذها إلى المنزل. جلس كلود مرة أخرى وقد ~~غمره الشعور بأنه أصبح مفهوما تماما ولم يعد غريبا. وعلى ~~مسافة بعيدة، كانت أصوات المدافع الكبيرة تدوي على فترات. كان ~~لويس جالسا في الحديقة ويغني. وتمنى مرة أخرى لو أنه يعلم ~~الكلمات التي يغنيها لويس. كانت الألحان حزينة، لكنه غناها بصوت ~~في غاية العذوبة. كان صوت الفتى يختلج بالصدق والدفء، ووجهه الأشقر ~~يفصح عن شيء أيضا. صوته رقيق على نحو مميز مثل حقول القمح ~~الصيفية؛ ناضجة تهتز مع النسيم. جلس كلود وحيدا لنصف ساعة أو ~~يزيد، وتذوق نوعا جديدا من السعادة، ونوعا جديدا من الحزن ~~أيضا. رأى أن الحياة تجمع بين الخراب والميلاد الجديد، وتجمع ~~ارتعاد الأمور القبيحة في الماضي والصور المهتزة لأمور ms300 جميلة ~~تلوح في الأفق، وتجمع بين الإيجاد والفقد. # عندما عادت مضيفته، نقل كرسيها بعيدا عن أشعة الشمس التي ~~زحفت عليه. وبينما هي تجلس قال ببساطة: «لم أكن أعرف أنه توجد ~~أي فتيات فرنسيات مثلك.» # ابتسمت. وقالت: «لا أعتقد أنه لا يزال هناك أي فتيات فرنسيات. ~~يوجد أطفال ونساء. كنت في الحادية والعشرين عندما اندلعت الحرب، ~~ولم أكن قد ذهبت إلى أي مكان قط من دون أمي أو أخي أو أختي. ~~وفي غضون سنة، جبت كل أنحاء فرنسا بمفردي؛ أحيانا مع جنود، ~~وأحيانا مع سنغاليين، أو مع أي أحد. تغير كل شيء في حياتنا.» ~~أخبرته أنها كانت تعيش في مدينة فرساي حيث كان والدها يعمل معلما ~~في المدرسة العسكرية. مات والدها مع اندلاع الحرب. وقتل جدها في ~~حرب عام 1870. كانت تنتمي إلى عائلة من الجنود، لكن أحدا من ~~رجالها لم يعش حتى يرى يوم النصر. # بدا عليها الإرهاق الشديد حتى إن كلود أدرك أنه لا يحق له ~~البقاء. كانت الظلال الطويلة تنسدل على الحديقة. وكان من الصعب ~~عليه أن يغادر، لكن ساعة أو قرابتها لن تهم كثيرا. وقد ~~خطر له أنه لا يمكن لشخصين أن يمنح أحدهما الآخر ما هو أكثر ~~من ذلك، وإن كانا معا لسنوات. # قال وهو ينهض: «هلا أخبرتني عن مكان يمكن أن آتي وأزورك فيه ~~إذا نجا كلانا من تلك الحرب؟» # كتب العنوان في دفتره. # قالت وهي تمد له يدها: «سأنتظرك.» # لم يجد بدا من أن يأخذ خوذته ويذهب. على حافة التل وقبل أن ~~ينطلق في طريق العودة، توقف ونظر خلفه على الحديقة التي تكتنفها ~~أشعة الشمس، وعلى الأقواس الحجرية الثلاثة، وعلى زهور الداليا ~~والقطيفة، وعلى السياج الشجري اللامع. كان قد ترك على قمة التل ~~شيئا لن يعثر عليه مرة أخرى مطلقا. # في اليوم التالي بعد الظهيرة، انطلق كلود والرقيب إلى الجبهة. ~~أخبروه في مركز القيادة أنهما يستطيعان اختصار الطريق بأخذ الطريق ~~الكبير إلى المقبرة العسكرية ثم الانعطاف يسارا. ولما كان من ~~غير المحبذ السير في النصف ms301 الآخر من الطريق قبل حلول الليل، ~~فقد تمهلا في السير عبر حزام حقول المحاصيل المتناثرة وحقول ~~القش. # عندما سلكا الطريق، وجدا رجلا ضخما من سكان المرتفعات ~~الاسكتلندية يجلس على طرف عربة إمدادات فارغة ويدخن الغليون، ~~بينما يفرك الطين الجاف من على تنانيره. كانت الخيول تمضغ الطعام ~~في الأكياس المعلقة في رقابها، وكان السائق قد اختفى. لم يقابل ~~الأمريكيان أيا من سكان المرتفعات الاسكتلندية قبل ذلك، وقد ~~انتابهما الفضول. كانا يعتقدان أن هذا الرجل مقاتل جيد لا ~~محالة؛ رجل ضخم مفتول العضلات وبارز الفكين، ووجهه أحمر وبارز ~~كركبتيه. صعد هيكس إلى الرجل، وسأله إن كان قد رأى مقبرة ~~عسكرية على طريق العودة أم لا، والحق أن ذهابه بدافع الإعجاب ~~بمظهر الرجل كان أكبر من ذهابه لحاجته إلى المعلومات. أومأ ~~الاسكتلندي بالإيجاب. ~~«كم تبعد تقريبا على طريق العودة؟» # أجاب باقتضاب وهو يفرك تنورته كأنه يفركها في حوض غسيل: «لا ~~أعرف. لا أهتم بعد الكيلومترات.» ~~«حسنا، ما المدة التي يستغرقها السير إلى هناك؟» ~~«لا أعلم. يقطعها الاسكتلندي في ساعة.» # سأل هيكس بوجه بشوش: «أظن أن الأمريكي يقطعها بالسرعة نفسها ~~التي يقطعها بها الاسكتلندي، ألا تظن ذلك؟» ~~«لا أدري. لقد استغرقت أربع سنوات حتى وصلت إلى هنا، أعلم ذلك ~~جيدا.» # طرف هيكس بعينه كأنه ضرب ~~بشيء. «حسنا، إن كانت تلك طريقتك في الحديث ...» # قال الآخر بحدة: «تلك هي طريقتي في الحديث.» # أشار كلود بيده محذرا: «هيا يا هيكس. لن تجني شيئا من ~~هذا.» سلكا الطريق وهما في حالة من الاضطراب الكبير. ظل هيكس ~~يفكر في أشياء كان يمكن أن يقولها. حين كان الرقيب يغضب، كان ~~جبينه ينتفخ ويتحول إلى اللون الأحمر الداكن كجبين طفل صغير. ~~قال بانفعال: «لماذا أوقفتني؟» ~~«لا أدري ما كان يمكن أن ينتهي إليه هذا النقاش، ولم يكن لك أن ~~تتغلب عليه بالتأكيد.» # انعطفا جانبا عند المقبرة وانتظرا غروب الشمس. لم يكن ثمة ~~سياج حول المقبرة، ولم تكن أرضها مخضرة بالعشب، وكان طريق ~~العربات يمر في منتصفها يقسمها إلى نصفين. قبعت ms302 المقابر ~~الفرنسية في جانب وعليها الصلبان البيضاء، وقبعت المقابر ~~الألمانية على الجانب الآخر وعليها الصلبان السوداء. وانتشرت ~~زهور الخشخاش وزهور الذرة فيما بينها. تمشى الأمريكيان في ~~المنطقة، وأخذا يقرآن الأسماء. وجدا صور بعض الجنود مثبتة هنا ~~وهناك فوق صليب المقبرة قد تركها أحد الرفاق تخليدا لذكراه مدة ~~أطول قليلا. # بدأت الطيور، التي دائما ما تنتعش في وقتي الغسق والفجر، ~~تغرد عائدة إلى أعشاشها من مكان ما. جلس كلود وهيكس بين ~~المرتفعات وشرعا في التدخين بينما تغرب الشمس. كانت صفوف من ~~الأشجار الميتة تحدد جهة الغرب المحمرة بالشفق. كان ذلك ~~الجزء من البلدة مخيفا حتى للأولاد الذين نشئوا في البراري. ~~دخنا السجائر في صمت وظلا يتأملان وهما ينتظران المساء. على ~~صليب عند قدميهما، لم يذكر النقش المكتوب عليه بالفرنسية إلا: ~~«جندي مجهول مات في سبيل فرنسا». # استحسن كلود هذه المرثية المكتوبة على القبر. فمعظم الفتية ~~الذين ماتوا في هذه الحرب كانوا مجهولين حتى لأنفسهم. كانوا ~~شبابا صغارا. ماتوا وأخذوا أسرارهم معهم؛ دفن معهم ما كانوا ~~عليه في الماضي وما كان يمكن أن يصبحوا عليه في المستقبل. أما ~~الاسم الذي صمد فهو «فرنسا». ما مدى الأهمية التي صار هذا الاسم ~~يمثلها له منذ أن رأى للمرة الأولى جانبا من الأرض يزداد وضوحا ~~في وقت الفجر من على متن السفينة أنخيسيس. إنه اسم جميل لأن ~~يردده المرء في عقله؛ إذ يستطيع إبراز المخارج الأنفية كما يحلو ~~له دون خجل. # كان هيكس أيضا غارقا بين أفكاره. وفي النهاية كسر حاجز الصمت ~~وقال: «بشكل أو بآخر أيها الملازم، يبدو لي أن المرادف ~~الفرنسي لكلمة ميت # mort # أكثر ~~تعبيرا عن الموت من نظيره الإنجليزي # dead ~~. صوتها يذكرني بالنعش. ~~وها هو نظيرهما الألماني # tod # يشير ~~إلى الشيء اللعين ذاته. انظر إلى المقابر وقد اصطفت بالأبيض ~~والأسود مثل رقعة الشطرنج. السؤال التالي هو: من السبب في موتهم ~~وما الجدوى من ذلك؟» # تمتم الآخر شارد الذهن: «لا أدري.» # لف هيكس سيجارة أخرى وجلس يدخنها، تجعد وجهه الممتلئ من ~~خطورة ms303 الأفكار التي تختلج في عقله وتضنيه. في النهاية قال: ~~«حسنا، الأفضل أن نسير على أقدامنا. سيستمر هذا الشفق ساعة، ~~هذا ما يحدث دوما هنا.» ~~«معك حق.» نهضا للمسير. كانت الصلبان البيضاء قد تحولت ~~الآن إلى اللون البنفسجي، وذابت الصلبان السوداء كلها تحت ~~الظلام. خلف الأشجار الميتة في الغرب، كانت مسحة طويلة من الشفق ~~الأحمر لا تزال متوهجة. وإلى الشمال، كانت المدافع تدوي ~~كالرعد. «ثمة شخص يتعرض إلى الهجوم هناك. أيصيح البوم دائما ~~في المقابر؟» # قال هيكس: «هذا ما كنت أفكر فيه بالضبط أيها الملازم. لكنها ~~بقعة هادئة فيما عدا ذلك.» وأردف بلطف وهما يغادران المقابر: ~~«تصبحون على خير أيها الفتيان.» # سرعان ما وجدا طريقهما بين الحفر التي أحدثتها القذائف، ~~وحين شرعا في القفز من فوق قمم الخنادق في الظلام، بدآ يشعران ~~بالبهجة لأنهما عائدان إلى أصحابهما وإلى مجموعتهما الصغيرة. انطلق ~~هيكس وأخبر كلود كيف أنه خطط هو وديل آبل للتشارك في عمل تجاري ~~عندما يعودان إلى وطنيهما؛ إذ ينويان افتتاح مرآب وورشة لإصلاح ~~السيارات. وتحت ثنايا الحديث، علقت تلك البقعة الوحيدة ~~والأسطورية في ذهنيهما: جندي مجهول مات في سبيل فرنسا. # 11 # بعد الاستراحة لأربعة أيام في خطوط المؤخرة، عادت الكتيبة إلى ~~الجبهة مجددا في بلدة جديدة تبعد نحو عشرة كيلومترات شرقي ~~الخندق الذي حرروه من قبل. في صباح أحد الأيام، أرسل العقيد سكوت ~~إلى كلود وجيرهارت وبسط خرائطه على الطاولة. ~~«سنخرجهم الليلة من المنطقة «إف 6»، وسنرتب صفوفنا. ما ~~يزعجنا هو وقوع هذه القرية الصغيرة على التل، حيث تتخذ مدافع ~~العدو الرشاشة موقعا قويا. أريد أن أخرجهم منها قبل أن تذهب ~~الكتيبة إلى هناك. لا يمكننا التضحية بعدد كبير من الجنود، ولا ~~أحب أن أرسل من الضباط أكثر مما أضطر إليه؛ إذ لا يمكن ~~تقليص عدد الكتيبة في العملية الأساسية. فهل تظنان أيها ~~الفتيان أن باستطاعتكما تنفيذ هذه المهمة بمائة جندي؟ المهم ~~أن عليكما الذهاب والعودة قبل أن تبدأ مدفعيتنا القصف في ~~الساعة الثالثة.» # تحت التل حيث تقبع القرية، يوجد واد ms304 صغير عميق يمتد منه ~~مجرى مائي ملتو ينتهي على جانب التل. بتسلق هذا المجرى ~~المائي، سيتمكن المهاجمون من الوصول إلى رماة المدافع ~~الرشاشة من الخلف، وأخذهم على حين غرة. لكن سيتوجب عليهم ~~أولا عبور المنطقة المفتوحة التي يبلغ عرضها كيلومترا ونصفا، ~~وتقع بين الجبهة الأمريكية والوادي، من دون لفت الانتباه. كانت ~~تمطر آنذاك، وكان بوسعهم الاعتماد على ظلام الليل. # حل الليل بالعتمة. وعبرت السرية المنطقة المفتوحة من دون ~~التسبب في إطلاق النار، وتسللت إلى الوادي في انتظار ساعة ~~الهجوم؛ كان طبيب شاب من بنسلفانيا حديث الانضمام إلى الفرقة ~~قد تطوع بالذهاب معهم، وأقام مركز إسعاف ميدانيا عند سفح ~~الوادي حيث تركت النقالات. كانوا سيأخذون جرحاهم في طريق ~~العودة. فكل ما سيبقى في تلك المنطقة سيتعرض لنيران المدفعية ~~لاحقا. # في الساعة العاشرة، بدأ ~~الرجال في تسلق الممر المائي زاحفين بين البرك والشلالات ~~الصغيرة؛ فصدر عن اجتيازهم المياه صوت مستمر يشبه صوت ~~الخنازير عند احتكاكها بجدران الحظيرة. كان كلود على رأس الصف يخرج ~~لتوه من الوادي الواقع على جانب التل أعلى القرية حين اندلع وهج ~~وانطلق وابل من النيران من فوق أجمة أعلى المجرى المائي على جانب ~~التل؛ إذ انطلقت المدافع الرشاشة على الطابور الزاحف بالأسفل. ~~تلقى الألمان إنذارات بأن الأمريكيين يعبرون السهل، وتوقعوا ~~طريق وصولهم. حوصر الرجال في الوادي؛ لم يتمكنوا من الرد على ~~الهجوم، وانهال رصاص مدافع ماكسيماس الألمانية على الصخور من ~~حولهم كالسيل. جرى جيرهارت على طول حافة الصف، وراح يحث ~~الرجال على عدم التراجع أو العودة، بل على الخروج من الوادي عند ~~أسفل التل والتفرق بعد ذلك. # بدأ كلود ومجموعته في استجماع أنفسهم مجددا. «فلنختبئ في ~~الأجمة وننل منهم! رجالنا مكبلون أسفل الوادي. سنستخدم ~~القنابل اليدوية حتى تنفد، ثم نستخدم الحراب. اسحبوا سدادة ~~الأمان ولا تبقوها في أيديكم مدة طويلة.» # هرع الرجال بالفعل يقصفون الأجمة. تعرف المدفعية الألمانية ~~كل شبر على التل، وعندما بدأت القنابل تنفجر بينهم، اختبئوا ~~خلف المقطورات والجحور. ظل كلود ينادي: «لا تتبعوهم إلى الصخور. ms305 ~~تقدموا إلى الأمام مباشرة! أخلوا الطريق تماما في ~~الوادي.» # احتمى رجال المدفعية الألمان، فتوقف وابل النيران في الوادي، ~~وتدفق صف الرجال المحاصر في الممر المنحدر خلف ~~جيرهارت. # وجد كلود وفرقته أنفسهم عند سفح التل مرة أخرى، على حافة ~~الوادي الذي بدءوا من عنده. عرفوا من كثافة النيران على التل أن ~~بقية الرجال قد عبروا. كان أسرع طريق للعودة إلى مسرح الأحداث هو ~~الممر المائي ذاته الذي صعدوه من قبل. نزلوا فيه وبدءوا ~~الصعود. شعر كلود الذي كان في المؤخرة بأن الأرض ترتفع من تحته، ~~وجرفه كوم من التربة والصخور إلى الوادي. # لم يعرف قط إن كان قد فقد وعيه أم لا. بدا له أنه ظل يشعر ~~بأحاسيس متواصلة. في البداية، شعر بأنه تمزق إلى أشلاء، ثم ~~شعر بأن جسمه قد انتفخ إلى حجم ضخم للغاية تحت وطأة ضغط لا ~~يحتمل، ثم انفجر. بعد ذلك شعر بأنه ينكمش ويرتعش، كجسد عضه ~~الصقيع قد بدأ في الذوبان. شعر بالانتفاخ مرة أخرى ثم الانفجار. ~~تكررت هذه الأحاسيس، لكنه لم يعرف عدد مرات تكرارها. بعد ~~مدة وجيزة، أدرك أنه ينام تحت وزن هائل من التراب؛ كان جسده هو ~~المغطى وليس رأسه. شعر بالمطر يتساقط على وجهه. كانت يده اليسرى ~~تتحرك بحرية ولا تزال في ذراعه. حركها بحذر إلى وجهه. بدا أنه ~~كان ينزف من أنفه وأذنيه. حينها بات يتساءل عن المكان الذي ~~أصيب فيه؛ أحس أن جسده مليء بشظايا المدافع. كان التراب يغطي ~~جسده بالكامل فيما عدا رأسه وكتفه اليسرى. سمع صوتا ينادي من ~~مكان بالأسفل. ~~«ألا يزال أحد على قيد الحياة أيها الفتيان؟» # أغمض كلود عينيه لئلا يدخلها المطر الذي يضرب في وجهه. سمع ~~الصوت مرة أخرى بنبرة تنم عن صبر مدفوع باليأس. ~~«إن بقي أحد على قيد الحياة في تلك الحفرة، فهلا تحدث بصوت ~~عال؟ فأنا نفسي أعاني إصابات خطيرة.» # لا بد أنه الطبيب الجديد؛ ألم يقم مركز الإسعاف الميداني في ~~مكان قريب من هنا؟ قال إنه جريح. حاول كلود أن يحرك ms306 ساقيه ~~قليلا. إذا استطاع أن يخرج من تحت الرماد، فربما يستطيع التماسك ~~مدة كافية حتى يصل إلى الطبيب. بدأ يتلوى ويسحب نفسه. التصقت ~~به الأرض المبتلة، وكانت محاولة مؤلمة. استند إلى مرفقيه، ~~ولكنه ظل ينزلق إلى مكانه. # قال الصوت الحزين بالأسفل: «أنا الوحيد المتبقي إذن؟» # أخرج كلود نفسه من الجحر أخيرا، لكنه لم يقو على الوقوف. في كل ~~مرة كان يحاول الوقوف تخور قواه، ويهيأ له أنه سينفجر مرة ~~أخرى. أصيب كاحله الأيمن أيضا؛ إذ لم يكن يتحمل وزنه عليه . ~~ربما كان على مسافة قريبة للغاية من القذيفة التي ضربت؛ إذ سمع ~~الفتيان يتحدثون عن حالات كتلك. انفجرت القذيفة تحت قدمه ~~وجرفته إلى الوادي، لكنها لم تترك أي معادن في جسده. لو كانت ~~تركت أجزاء منها في جسده، لأصبح ذلك كثيرا للغاية لدرجة تمنعه ~~من الجلوس في هذا المكان والتكهن. بدأ يحبو وينزل المنحدر على ~~يديه وقدميه. «هل أنت الطبيب؟ أين أنت؟» ~~«هنا على إحدى النقالات. أطلقوا علينا القذائف. من أنت؟ لقد ~~نجا إخواننا، أليس كذلك؟» ~~«أظن أن معظمهم نجا. ما الذي حدث هنا؟» # قال الصوت بنبرة حزينة: «يؤسفني أنني كنت السبب. استخدمت ~~مصباحي اليدوي، ولا بد أنه نبههم إلى مكاننا. لقد ضربوا ثلاث ~~قذائف أو أربعا فوق رءوسنا. وظل الأفراد الذين أصيبوا في الوادي ~~ينسلون إلى هنا، ولم أستطع فعل شيء في الظلام. اضطررت إلى ~~إشعال الضوء لفعل أي شيء. وما كدت أنتهي من وضع جبيرة حتى رميت ~~القذيفة الأولى. أعتقد أن جميعهم قد قتلوا.» ~~«كم كان عددهم؟» ~~«أربعة عشر على ما أعتقد. لم يتعرض البعض لإصابات خطيرة. كانوا ~~سيظلون جميعا على قيد الحياة لو أنني لم أخرج معكم.» ~~«من كانوا؟ لكنك لا تعرف أسماءنا حتى الآن، أليس كذلك؟ ألم تر ~~الملازم جيرهارت بينهم؟» ~~«لا أظن.» ~~«ولا الرقيب هيكس، الشخص السمين؟» ~~«لا أظن.» ~~«أين أصبت؟» # تمتم الطبيب: «في بطني. لا أستطيع تحديد أي شيء دون أن أرى. ~~فقدت مصباحي اليدوي. لم يخطر ببالي قط أنه قد يسبب ~~المتاعب؛ فأنا ms307 أستخدمه في المنزل عندما يمرض الأطفال.» # حاول كلود أن يشعل عود ثقاب، لكن من دون جدوى. «انتظر ~~دقيقة، أين خوذتك؟» خلع خوذته المعدنية وأمسكها فوق الطبيب، ~~وتمكن من إشعال عود الثقاب تحتها. كان الرجل الجريح قد فك ~~سرواله بالفعل، وبدأ يرفع الآن قميصه الملطخ بالدم. وفخذه وبطنه ~~ممزقان من الجانب الأيسر. كان الجرح والنقالة التي يستلقي ~~عليها، يحملان كتلة من الدم الداكن المتخثر شبيهة بكبد بقرة ~~كبيرة. # قال الطبيب لما انطفأ عود الثقاب: «أعتقد أن أمري قد ~~انتهى.» # أشعل كلود عودا آخر. «كلا، هذا غير معقول! سيعود الرفاق ~~قريبا، وسنتمكن من القيام بشيء لأجلك.» ~~«لا فائدة أيها الملازم. أيمكنك أن تخلع معطفا عن أحد هؤلاء ~~الرفاق المساكين؟ أشعر ببرد قارس في أمعائي. كان معي زجاجة من ~~البراندي الفرنسي، لكني أعتقد أنها تحت التراب.» # خلع كلود معطفه الذي كان دافئا من الداخل، وبدأ يتحسس الطين ~~بحثا عن زجاجة البراندي. تساءل في نفسه عما يمنع هذا الرجل ~~البائس من الصراخ من الألم. توقف رمي القذائف على التل فيما عدا ~~أحد مدافع ماكسيماس كانت نيرانه تنزل على الصخور في مكان ما. ~~دقت ساعته الثانية عشرة وعشر دقائق؛ أترى فشلت العملية ~~هناك؟ # فجأة جاءت أصوات من الأعلى، وسمع قرع نعال على الصخر الطيني. ~~بدأ ينادي عليهم. # أجاب صوت: «أنا آت، أنا آت!» وقد عرفه. ركض جيرهارت إلى ~~الوادي مع بنادقه ومجموعة من الأسرى. نادى عليهم كلود أن يتوخوا ~~الحذر. «لا تشعلوا أي ضوء! لقد كانوا يقصفون هنا.» ~~«هل أنت بخير يا ويلر؟ أين الجرحى؟» ~~«لم يتبق أحد غيري ~~والطبيب. أخرجنا من هنا بسرعة. أنا بخير لكني لا أستطيع ~~المشي.» # وضعوا كلود على نقالة وأرسلوه أولا. حمله أربعة ألمان ضخام ~~كان هيكس وديل آبل ينخسانهم حتى أسرعوا إلى درجة الوثب. أخذ أربعة ~~من رجالهم الطبيب وسار جيرهارت بجانبهم. على الرغم من حذرهم، فقد ~~تسببت الحركة في النزيف مرة أخرى، وتمزقت كتل الدم التي ~~تكونت فوق الجروح. بدأ يتقيأ دما ويختنق. وضع الرجال ~~النقالة على الأرض. ms308 رفع جيرهارت رأس الطبيب. وسرعان ما قال: ~~«انتهى الأمر. الأفضل أن نستفيد من الوقت قدر الإمكان.» # حملوا النقالة مرة أخرى. وقال السويدي المتدين أوسكار: ~~«الذين يحملونه الآن لن يهزوه.» # فقدت السرية «بي» تسعة عشر رجلا في تلك الغارة. بعد يومين، ~~أخذت السرية إجازة مدتها عشرة أيام. تورم كاحل كلود الملتوي ~~حتى ضعف حجمه الطبيعي، لكنه اضطر إلى المشي حتى محطة السكة ~~الحديدية كي يتفادى دخول المستشفى. أعطاه الرقيب هيكس حذاء ~~كبيرا وجده معلقا في الأسلاك الشائكة. وسافر كلود وجيرهارت ~~إلى إجازتهما معا. # 12 # في ليلة خريف مطيرة، جلس ~~بابا جوبيرت يقرأ الصحيفة. سمع طرقا ثقيلا على بوابة الحديقة. ~~خلع نعله ولبس قبقابا خشبيا يحتفظ به للسير على الطين، ومشى ~~متثاقلا عبر الحديقة تحت قطرات المطر، وفتح الباب على الشارع ~~المظلم. وجد أمامه شخصين طويلين يحمل كل منهما بندقية وحقيبة ~~أمتعة. وفي غضون لحظة، بدأ يحتضنهما وينادي على زوجته: ~~«يا إلهي، أيتها الأم، إنه ديفيد، ديفيد وكلود، الاثنان ~~معا!» # بدوا كجنديين بائسين وهما يقفان في ضوء الشمعة يغطيهما ~~الطين، وتلمع خوذتاهما المعدنيتان مثل وعاء من النحاس، بينما ~~يقطر الماء من ملابسهما على أرضية المطبخ المبلطة. قبلت زوجة ~~جوبيرت خديهما المبتلين، وعانقهما السيد جوبيرت مرة أخرى ~~بعدما صار يراهما. من أين أتيا وكيف كان حالهما هناك؟ حسن جدا، ~~كما لا يخفى على أحد. ما الذي يريدانه أولا؛ ربما تناول العشاء؟ ~~كانت غرفتهما جاهزة لهما دوما، والملابس التي تركاها كانت في ~~الصندوق الكبير. # أوضح ديفيد أن قمصانهما لم تجف منذ أربعة أيام، وأن ما ~~يريدانه حقا هو أن يرتديا ملابس جافة ويغتسلا. أمرت مارتا ~~العجوز، التي كانت نائمة بالفعل، بتسخين المياه. وحمل السيد ~~جوبيرت حوض الاستحمام الكبير إلى الطابق العلوي. قال إن الغد ~~للحديث، أما الليلة فللراحة. تبعه الفتيان وبدآ يخلعان ~~ملابسهما المبتلة، وتركاها في كومين مبللين على الأرض. ~~يوجد حمام واحد لهما، فاقترعا بعملة معدنية لتحديد أيهما ~~سيدخل إلى المياه الساخنة أولا. لما رأى السيد جوبيرت كاحل كلود ~~المتورم مربوطا بضمادات لاصقة، ms309 بدأ يضحك بهدوء. «أرى أن ~~الألمان جعلوك تتراقص هناك!» # حين ارتديا منامات نظيفة من الصندوق، حمل بابا جوبيرت ~~قمصانهم وجواربهم إلى مارتا كي تغسلها. عاد ومعه طبق التقديم ~~الكبير وقد أعد فيه البيض المخفوق المصنوع من اثنتي عشرة ~~بيضة، المحشو باللحم المقدد والبطاطس المقلية. أحضرت السيدة ~~جوبيرت إبريق قهوة من الخزف ومعه ثلاثة أكواب إلى الباب وهتفت: ~~«بالهناءة والشفاء!» صب صاحب البيت القهوة، وقطع رغيف الخبز ~~بسكين جيبه. جلس كي يشاهدهما وهما يأكلان. كيف الأحوال هناك على ~~أي حال؟ هل الألمان مهذبون ومرحبون كعادتهم؟ ولما لم يتبق ~~أي فتات في النهاية، صب لكل واحد كوبا صغيرا من البراندي ~~«للمساعدة على الهضم»، وتمنى لهما ليلة سعيدة. وأخذ الشمعة ~~معه. # شعر كلود أنه في نعيم تام، بينما كانت الملاءات الباردة تزداد ~~دفئا حول جسده، واستنشق رائحة الخزامى القديمة في الوسائد. كان ~~يشعر بقدر كبير من الدفء والجفاف والنظافة والحب! بدت رحلة ~~العودة جميلة حين راجعها من هنا. فور أن خرجوا من منطقة الأشجار ~~التي أرداها القصف، وجدا فرنسا تتحول إلى اللون الذهبي. ففي ~~الوديان الواقعة على طول النهر، تحول لون أشجار الحور والحور ~~القطني من الأخضر إلى الأصفر، وكانت درجة اللون واحدة كأنها لهب ~~شموع وسط الضباب والمطر. كانت الأشجار تمتد على طول الحقول، ~~ومد الأفق كمشاعل تنتقل من يد إلى يد، بينما تحولت جميع أشجار ~~الصفصاف المجاورة للجداول الصغيرة إلى اللون الفضي. كانت ~~حقول الكرم لا تزال خضراء ومكتظة بالفروع الملتوية ذات ~~اللون الأحمر القاني. رأى كل ذلك بجانب وسادته؛ هذه الأرض الجميلة، ~~وهذا البيض المخفوق اللذيذ، وأشجار الحور الذهبية، وحقول الكرم ~~التي تجمع بين اللونين الأزرق والأخضر، وأوراق الكرم القرمزية ~~المبتلة، وتساقط المطر في الفناء، وانتشار العبير في الظلام، ~~والنوم الذي هو أقوى من ذلك كله. # 13 # تساقطت أوراق الأشجار بكثافة على طريق الغابة حتى غاص تحتها. ~~كان كلود وديفيد مستلقيين على الخلنج الجاف اللين ~~المتناثر بين جلاميد الصوان. وضع جيرهارت قبعته فوق عينيه، ~~وربما كان نائما. كانوا يستمتعون بطقس ms310 عليل في تلك الإجازة. ~~تطل الغابة على تلك الأرض المنفتحة كأنها مسرح مدرج، له ~~شرفات ذهبية من خشب الكستناء والزان. كانت حبوب الجوز الكبيرة ~~تتساقط مخملية وبنية وكأنها كانت منقوعة في الزيت، ثم تختفي في ~~الأوراق الجافة على الأرض. ظهرت أشجار الطقسوس السوداء الصغيرة ~~التي لم تكن واضحة بين اخضرار أشجار الصيف، بين الأجمات الصفراء ~~الملتوية. ومن بين الشبكة الرمادية التي تشكلها أغصان الزان، ~~لمعت أشجار البهشية اليابسة. # كان دأب ويلر أن يرهب السعادة المزيفة، وأن يخشى التعرض ~~للخداع. ظل كلود يتساءل في نفسه أكثر من مرة عما إذا كان يعد ~~الكثير من الأمور على أنها من المسلمات، وأنه يشعر بأنه في وطنه ~~هنا بأكثر مما يحق له أم لا. لاحظ أن الأمريكيين يميلون إلى ~~التصرف وكأنهم في وطنهم، وأن يخلطوا بين حسن السلوك وحسن النية. ~~على الرغم من ذلك، فلم يكن يحق له التشكيك في حب آل جوبيرت؛ إذ ~~كانت تلك العاطفة حقيقية وشخصية، وليست غطاء أملس يخفي تحته ~~أي شكل من أشكال الازدراء والسخرية؛ أي إنه لم يكن - باختصار - ~~ذلك «الأدب الفرنسي» الغادر الذي ينبغي على المرء ألا ينخدع به. ~~إن محض تغير الفصول على المرء في بلد ما، يعطيه إحساسا بأنه ~~يمكث فيه منذ مدة بعيدة. ثم إنه ليس بسائح على أي حال. إنه يمكث ~~لعمل مشروع. # كان كاحل كلود الملتوي لا يزال متورما للغاية. وكانت السيدة ~~جوبيرت متأكدة من أنه لا ينبغي عليه تحريكه على الإطلاق، ~~وتوسلت إليه أن يجلس في الحديقة طوال اليوم ويوفر الرعاية ~~لكاحله. لكن الجراح على الجبهة قد أخبره أنه سيضطر إلى ~~الذهاب إلى المستشفى إن توقف عن المشي. ولهذا، استعان بأفضل ~~أعواد أشجار البهشية في حديقة مضيفه، وراح يستند إليها ويخرج إلى ~~الغابة كل يوم. وبعد ظهر ذلك ~~اليوم، استهواه الابتعاد أكثر. كانت السيدة جوبيرت قد أخبرته عن ~~بعض الكهوف على الطرف الآخر من الغابة، وعن غرف تحت الأرض ذهب ~~السكان كي يعيشوا فيها في أوقات المحنة الكبرى أيام الحروب ~~الإنجليزية ms311 منذ أمد بعيد. لم يستطع أن يتذكر المدة التي انقضت ~~منذ تلك الحروب الإنجليزية، لكنها مدة طويلة بما يكفي لأن يشعر ~~المرء بالارتياح. بالنسبة إليه، ربما لا يعود إلى وطنه مطلقا. ~~وعندما تنتهي تلك الحرب العظمى، فربما يشتري مزرعة صغيرة ويمكث ~~هنا بقية حياته. كان ذلك مشروعا يحب أن يفكر فيه. ففي وطنه، ~~لم تكن هناك فرصة لأن يعيش الحياة التي كان يرغب فيها؛ إذ لا يبرح ~~الناس الشراء والبيع، والبناء والهدم. بدأ يصدق أن ~~الأمريكيين يتسمون بضحالة العواطف. هذا ما وصفهم به جيرهارت ذات ~~مرة، وإن كان ذلك صحيحا فلا علاج منه. الحياة قصيرة، حتى إنها لا ~~تعني شيئا على الإطلاق إلا حين يعززها باستمرار شيء باق؛ إنها ~~لا تعني شيئا ما لم تتحرك ظلال الوجود الفرد على خلفية ~~متماسكة. بينما كان غارقا في أحلام اليقظة عن الزراعة في فرنسا، ~~تحرك رفيقه باتجاهه مستندا إلى كوعه. ~~«تعلم أننا سننضم إلى الكتيبة في النقطة «إيه». سيعيشون ~~كالملوك هناك. سيزيد وزن هيكس لدرجة أنه سيسقط في أثناء المسيرة. ~~لا بد أن مركز القيادة يفكر في شيء بغيض للغاية؛ فدائما ما ~~يسمن جند المشاة قبل المذبحة. لكن خطر ببالي أن لدي أصدقاء ~~قدامى في النقطة «إيه». فماذا لو أننا عدنا قبل الموعد بيوم، ~~وطلبنا منهم أن يسمحوا لنا بالمكوث؟ إنه مكان قديم وجميل، وينبغي ~~أن أذهب وأراهم. كان الابن زميلا لي في معهد الموسيقى. قتل في ~~فصل الشتاء الثاني في الحرب. اعتدت أن أذهب في الإجازات معه، وأريد ~~أن أرى والدته وأخته مرة أخرى. فهل تمانع؟» # لم يرد كلود في الحال. استلقى محدقا في أشجار الزان من دون ~~أن يتحرك. وقال بعد مدة قصيرة: «دائما ما تتحاشى الكلام معي في ~~ذلك الموضوع، أليس كذلك؟» ~~«أي موضوع؟» ~~«أي موضوع له علاقة بمعهد الموسيقى، أو مهنتك.» ~~«ليس عندي أي مهنة في الوقت الحالي. لن أعود إلى عزف الكمان ~~أبدا.» ~~«هل تقصد أنك لا تستطيع تعويض الوقت الذي ستخسره؟» # أسند جيرهارت ظهره على صخرة وأخرج ms312 غليونه. «سيكون هذا صعبا، لكن ~~هناك أشياء أخرى أصعب. خسرت ما هو أكثر من الوقت.» ~~«ألم تستطع الحصول على إعفاء بطريقة أو بأخرى؟» ~~«كان من المحتمل أن أحصل على إعفاء. أراد أصدقائي أن يتولوا ~~القيام بذلك، ويختبروا الأمر في حالتي. لكني لم أتحمل ذلك. لم ~~أشعر أنني عازف كمان جيد بما يكفي لدرجة أن أعترف بأنني لست ~~رجلا. كثيرا ما أتمنى لو أنني كنت في باريس في ذلك الصيف الذي ~~اندلعت فيه الحرب؛ وإذن لالتحقت بالجيش الفرنسي منذ اللحظة ~~الأولى مع الطلاب الآخرين، وكان هذا سيصبح أفضل.» # توقف ديفيد وجلس ينفث دخان غليونه. وعندئذ أثارت حركة ~~خفيفة الأجمات الموجودة على جانب التل. كان ثمة فتاة صغيرة ~~تقف هناك حافية القدمين وتنظر حولها. سمعت أصواتا، ولكنها لم ~~تر في البداية الزي الذي اختلط لونه مع اللونين الأصفر ~~والبني اللذين يكسوان الغابة. بعد ذلك رأت الشمس تشرق فوق ~~رأسين؛ رأس مربعة كهرمانية اللون، ورأس طويلة ورفيعة بلون ~~البرونز المائل إلى الأحمر. لم تشك في أنهما سيكونان ودودين، ~~ونزلت من التل، وراحت تتوقف بين الحين والآخر لالتقاط حبوب ~~كستناء الجبل اللامعة وتضعها في كيس تجره. نادى ديفيد عليها، ~~وسألها عما إذا كان الجوز صالحا للأكل أم لا. # صاحت وعلى وجهها تعبيرات تنم عن رعب شديد: «يا إلهي، لا. هذا ~~من أجل الخنازير!» يمكن لهؤلاء الأمريكيين السذج أن يأكلوا أي ~~شيء. ضحك الفتيان وقدما لها بعض النقود المعدنية: «هذه من أجل ~~الخنازير أيضا.» تحركت بخفة في طرف الغابة تقلب بين أوراق ~~الأشجار بحثا عن الجوز بينما تراقب الجنديين. # أخرج جيرهارت غليونه، وبدأ يعيد ملأه. «عدت إلى المنزل كي ~~أرى والدتي في شهر مايو عام 1914. لم أكن هنا عندما اندلعت ~~الحرب. كان معهد الموسيقى قد أغلق على الفور؛ ولذا نظمت جولة ~~موسيقية في الولايات المتحدة ذلك الشتاء، وحققت نجاحا كبيرا. ~~كان ذلك قبل أن يذهب إليها الأوكرانيون، وقبل أن يصبح المجال ~~مزدحما. حظيت بموسم ثان، وحققت فيه نجاحا أيضا. لكني كنت ~~أزداد توترا مع مرور ms313 الوقت؛ كنت هناك بنصفي فحسب.» بدا غارقا في ~~التفكير وهو يدخن؛ إذ جلس طاويا ذراعيه كأنه يراجع سلسلة من ~~الأحداث أو المشاعر في عقله. «وعندما جاءت قرعتي، ذهبت كي أرى ما ~~يمكنني فعله بشأن الخروج؛ ألقيت نظرة على زملائي الآخرين الذين ~~كانوا يحاولون التملص، فصرفت النظر عن ذلك. لم أشعر بالأسف ~~قط. وبعد مدة ليست بالطويلة، هشم الكمان، وبدا أن حياتي ~~المهنية قد تهشمت معه.» # سأله كلود عما يقصده. ~~«عندما كنت في المعسكر «ديكس»، اضطررت إلى العزف في إحدى ~~الحفلات الترفيهية. كانت آلة الكمان الخاصة بي من طراز ~~«ستراديفاريوس»، وكانت محفوظة بخزينة في نيويورك. لم تكن حاجتي ~~إليه في ذلك الحفل أكثر من حاجتي إليه في هذه اللحظة، لكني ذهبت ~~إلى المدينة وأخرجته من الخزينة. كنت آخذه من المحطة في سيارة ~~عسكرية، واصطدم بنا سائق سيارة أجرة مخمور. لم يصبني أذى، ~~ولكن الكمان القابع على ركبتي، تهشم إلى ألف قطعة. لم أعرف ~~معنى ما حدث حينذاك، لكني شهدت بعد ذلك تدمير العديد من الأشياء ~~الجميلة القيمة ... أصبحت أومن بالقدر.» # راقب كلود رأس الرجل الغارق بين الأفكار، الذي كان يتكئ به ~~على صخرة صوان رمادية. ~~«كان عليك الابتعاد عن كل شيء. أي رجل في الجيش سيقول ~~هذا.» # أرجع ديفيد رأسه وأسندها إلى الصخرة، ورمى واحدة من ثمار ~~الكستناء في الهواء بلطف. «حسنا، عازف كمان أكثر أو أقل لن ~~يهم! ولكن من سيعود إلى أي شيء؟ هذا ما أريد معرفته!» # شعر كلود بالذنب وكأن ديفيد خمن أفكار الارتداد التي كانت ~~تدور في عقله بعد ظهر ذلك اليوم. سأل فجأة: «لا تصدق أننا سنخرج ~~من هذه الحرب بما اشتركنا فيها لأجله، أليس كذلك؟» # رد الآخر بعدم مبالاة هادئة: «بلى، بالطبع.» ~~«إذن، فأنا لا أعرف السبب الذي توجد من أجله هنا!» ~~«لأنه في عام 1917 كان عمري أربعا وعشرين سنة؛ ومن ثم أستطيع ~~حمل السلاح. فرضت هذه الحرب على جيلنا. ولا أعلم السبب؛ ذنوب ~~آبائنا على الأرجح. فليس السبب بالطبع هو جعل العالم آمنا ms314 ~~لإقامة الديمقراطية، أو أي شعارات بليغة من هذا القبيل. عندما كنت ~~أعمل في النقالات، اضطررت إلى أن أقول لنفسي مرارا وتكرارا ~~إننا لن نجني منها شيئا، لكن ذلك لا بد أن يحدث. لكنني أعتقد في ~~بعض الأحيان أن شيئا لا بد أن يحدث ... لن يكون شيئا متوقعا، ~~بل شيئا مفاجئا.» توقف وأغلق عينيه. «ألا تتذكر في حكايات ~~الأساطير القديمة كيف أن الأمهات كن يصارعن سكرات الموت ~~دائما بعد ولادتهم لأبناء الآلهة؟ ربما هي سيميلي فقط التي تخطر ~~على بالي الآن. على أي حال ، كنت أفكر في بعض الأحيان فيما إن كان ~~لا بد من أن يموت شباب عصرنا لإحضار فكرة جديدة في العالم ... شيء ~~أولمبي. أود أن أعرف. أعتقد أنني سأعرف. فمنذ أن جئت إلى هنا ~~هذه المرة وأنا أومن بالخلود. هل تؤمن أنت؟» # ارتبك كلود من هذا السؤال الهادئ. «لا أعلم. لم أتمكن قط من ~~التوصل إلى رأي في هذه المسألة.» ~~«حسنا، لا تشغل بالك. إنما هو يأتي إليك. لست مضطرا إلى ~~السعي خلفه. لقد توصلت إلى هذا الرأي بالطريقة ذاتها التي ~~اتبعتها في فهم أمور الفن، وتكمن تلك الطريقة في التعرف على ~~الشيء والتعايش معه قبل أن أفهمه.» نهض جيرهارت على قدميه وقال: ~~«كانت هذه الأفكار تبدو لي طفولية. والآن، هل أخبرتك بما تريد ~~معرفته عن حالتي؟» نظر إلى كلود بنظرة فضولية تنطق بالأنس والحب. ~~«سأمدد ساقي. الساعة تدق ~~الرابعة.» # اختفى بين سيقان أشجار الصنوبر حيث صنعت أشعة الشمس بحيرة ~~وردية اللون مثلما كانت تفعل في فصل الصيف، وكان كلود يفكر في ~~أنها ستفعل ذلك في كل السنوات القادمة أيضا حين لن يكونا هنا ~~لرؤيتها. سحب قبعته فوق عينيه ونام. # تركت الفتاة الصغيرة الواقفة على طرف غابة الزان كيسها، وسارت ~~بهدوء إلى أسفل التل. جلست الفتاة على نباتات الخلنج جلسة ~~القرفصاء، ومكثت ساكنة مدة طويلة تراقب بفضول جسد الجندي ~~الأمريكي المسترخي الذي يتنفس بعمق. # كان اليوم التالي عيد ميلاد كلود الخامس والعشرين، واحتفالا ~~بتلك المناسبة أخرج بابا جوبيرت ms315 زجاجة نبيذ معتق من القبو، ~~وكانت إحدى الزجاجات التي احتفظ بها فيه من أجل المناسبات العظيمة ~~عندما كان شابا. # في هذا الأسبوع الذي استراح فيه كلود في منزل السيدة جوبيرت، كان ~~كلود يفكر كثيرا في أن آونة سعادة «الشباب» التي كانت صديقته ~~القديمة السيدة إرليش تتحدث عنها، والتي لم يختبرها في حياته من ~~قبل، تعوض له الآن. كان يعيش شبابه في فرنسا. وكان يعرف أن ~~مثل هذه الفرصة لن تأتيه مرة أخرى؛ لن تعود الحقول والغابات ~~مغلفة بهذا السحر الغامض. عندما نزل إلى شارع القرية في المساء ~~وقت الشفق الأرجواني، تصاعدت رائحة دخان الخشب من المداخن إلى ~~رأسه كالمخدر، وفتحت مسام بشرته، وجلبت الدموع إلى عينيه ~~في بعض الأحيان. صارت الحياة طيبة معه بالرغم من كل شيء، وأصبح ~~لكل شيء أهمية نبيلة. بدا التوتر العصبي الذي عاش فيه سنوات ~~أمرا لا يصدق الآن، وصار يبدو له سخيفا وطفوليا، هذا إن ~~فكر فيه أصلا. لم يعذب نفسه بالذكريات. كان يبدأ من ~~جديد. # حلم ذات ليلة أنه عاد إلى وطنه، ووقف بين الحقول المحروثة لا ~~يرى غير الأرض البنية المحروثة تمتد من الأفق إلى الأفق. كان ~~ثمة فتى يتحرك فيها ذهابا وإيابا ومعه محراث وفرسان. ظن في ~~البداية أنه أخوه رالف، لكن حين دنا أكثر رأى أنه هو نفسه، وكان ~~الخوف يملؤه من ذلك الفتى. لن يبتعد كلود المسكين مطلقا؛ كان ~~سيفتقد كل شيء! بينما كان يحاول جاهدا أن يتحدث إلى كلود ~~ويحذره، استيقظ من نومه. # في السنوات التي ذهب فيها إلى المدرسة في لينكن، ظل يبحث دائما ~~عن شخص يعجب به من دون تحفظات؛ شخص يمكن أن يغبطه أو يقلده أو ~~يكون مكانه. صار يعتقد الآن أنه حتى حينذاك، لا بد أنه كان يتخيل ~~صورة باهتة لرجل مثل جيرهارت. ولم يكن من المرجح أن تتلاقى ~~طرقهما إلا في أوقات الحرب، أو ربما إذا جمعهما عمل واحد، أو ~~أي اهتمام مشترك يشكل أواصر الصداقة بين رجلين. # 14 # ترجل جيرهارت وكلود ويلر من ms316 سيارة أجرة أمام بوابات مفتوحة ~~لمنزل ذي سقف مربع موحد اللون، حيث جميع مصاريع النوافذ ~~في الواجهة مغلقة، وتظهر قمم العديد من الأشجار من فوق سور ~~الحديقة. عبرا ساحة مرصوفة ودقا جرس الباب. استقبلهما خادم ~~عجوز، وسار بهما عبر صالة واسعة إلى قاعة الاستقبال التي كانت ~~تطل على الحديقة. أخبرهما الخادم أن السيدة والآنسة ستنزلان بعد ~~مدة وجيزة. ذهب ديفيد إلى إحدى النوافذ الطويلة ونظر بالخارج. ~~«لقد حافظوا على المكان بالرغم من كل ما حدث. ظل هذا المكان ~~جميلا على الدوام.» # كانت الحديقة فسيحة كأنها متنزه صغير. يوجد ملعب التنس على ~~أحد جانبيها، وعلى الآخر نافورة تقع وسط حمام سباحة وزنابق ~~الماء. اختفى الجدار الشمالي خلف أشجار طقسوس عتيقة، أما الجدار ~~الجنوبي فكان أمامه صفان من أشجار الدلب قلمت على شكل ~~مربع؛ فتشكلت منها تعريشة طويلة. في الجزء الخلفي من ~~الحديقة، توجد أشجار زيزفون قديمة وجميلة. كانت الممرات الحصوية ~~تلتف حول أحواض من زهور الخريف الرائعة، وفي حديقة الورد كانت ~~بعض الورود البيضاء الصغيرة لا تزال متفتحة على الرغم من أن ~~أوراقها قد تحولت إلى اللون الأحمر بالفعل. # دخلت سيدتان غرفة الاستقبال. الأم قصيرة ومكتنزة وذات بشرة ~~وردية تتسم بملامح قوية، بل حتى ذكورية، وشعرها أبيض مائل إلى ~~الأصفر. التمعت الدموع في عينيها عندما انحنى ديفيد كي يقبل ~~يدها، وقد احتضنته ولمست خديه بشفتيها. # أخذت تتلمس معطف زيه الرسمي بأصابعها وتقول: «وأنت، أنت ~~أيضا!» كانت تلك لحظة من الرقة الخالصة. وقف كلود يراقب المجموعة ~~من النافذة، وجال بخاطره أنها قد استجمعت شتات نفسها مثل جنرال ~~كبير، ثم قدمت ابنتها وسألت ديفيد إن كان قد عرف الفتاة ~~الصغيرة التي كان يلعب معها أم لا. لم تكن الآنسة كلير تشبه ~~والدتها في شيء؛ فهي نحيفة سمراء، وترتدي زي التنس الأبيض ~~وقبعة خضراء بلون التفاح، وبها أشرطة سوداء، بدت عصرية للغاية ~~وعفوية وغير عابئة بشيء. لقد بدأت تخبر ديفيد بالفعل عن سعادتها ~~بوصوله مبكرا؛ إذ سيسمح لهما ذلك بلعب مباراة تنس قبل الشاي. ms317 ~~قالت إن الأم ستحضر غزلها إلى الحديقة وتشاهدهما وهما يلعبان. ~~هدأ ذلك الاقتراح الأخير مخاوف كلود من أن يترك بمفرده مع ~~صاحبة البيت. عندما نادى عليه ديفيد وعرفه بالسيدتين صافحته ~~الآنسة كلير سريعا، وقالت إنها ستسر أن تجربه على أرض ~~الملعب فور أن تهزم ديفيد. قالت إنهما سيجدان أحذية التنس في ~~غرفتهما، حيث توجد تشكيلة من الأحذية التي تناسب الأقدام من ~~جميع الجنسيات؛ فمنها حذاء أخيها وبعض الأحذية التي نسيها صديقه ~~الروسي حينما هرع كي ينضم إلى الجيش، وزوجان من الأحذية يعودان ~~لضابط إنجليزي أرسل كي يعيش معهما وتركهما منذ مدة وجيزة. قالت ~~إنها ستنتظر مع والدتها في الحديقة. ودقت الجرس طلبا للخادم ~~العجوز. # وجد الأمريكيان أنفسهما في غرفة كبيرة بالطابق العلوي ~~تضم سريرين حديديين على الطراز العصري قد برزا على نحو صارخ ~~بين الطاولات والمكاتب ومنضدات التزيين المصنوعة من خشب الماهونجي ~~الثقيل، والكراسي المحشوة، والسجاد المخملي، وستائر النوافذ ~~المزركشة باللون الأحمر الفاتح. ذهب ديفيد من فوره إلى غرفة ~~الملابس الصغيرة، وبدأ يجهز نفسه لمباراة التنس. وجد على الحائط ~~اثنين من البناطيل البيضاء وصفا من القمصان الناعمة. # لاحظ أن كلود يقف ثابتا تماما عند النافذة، وينظر إلى الحديقة ~~بالأسفل، سأله: «ألن تغير ملابسك؟» علق كلود بسخرية: «ولماذا ~~أغير ملابسي؟ أنا لا ألعب التنس. لم أمسك مضربا في يدي ~~قط.» ~~«هذا مؤسف للغاية. كانت تجيد لعبة التنس على الرغم من أنها لم ~~تكن سوى فتاة صغيرة حينذاك.» كان جيرهارت ينظر إلى ساقيه في ~~السروال الأقصر منها بمقدار بوصتين. «يا للغرابة، لقد تغير كل ~~شيء بالرغم من أن كل شيء لا يزال على حاله! الأمر يشبه العودة ~~إلى الأماكن في الأحلام.» # علق كلود: «ينبغي أن أذكرك أنه لا يوجد كثير من الوقت ~~للأحلام.» ~~«من حسن الحظ!» ~~«هلا شرحت للفتاة أني لا أجيد اللعب؟ سأنزل في وقت ~~لاحق.» ~~«كما تحب.» # وقف كلود في النافذة يشاهد رأس جيرهارت العاري وقبعة الآنسة ~~كلير وذراعها البنية الطويلة تثب في أرض الملعب. # عندما أتى جيرهارت كي يغير ms318 ملابسه قبل تناول الشاي، وجد زميله ~~الضابط يقف أمام حقيبته التي كانت مفتوحة، لكن لم تفرغ ~~محتوياتها. ~~«ما الأمر؟ هل عاودك الشعور بصدمة القذائف؟» ~~«ليس هكذا تحديدا.» عض كلود على شفته. «الحقيقة يا ديف أني لا ~~أشعر بالراحة هنا. الناس جميعهم طيبون. لكني في مكان غير ~~مكاني. سأنسحب من المكان وأمكث في مسكن آخر، وأدعك تزور أصدقاءك ~~في سلام. لماذا عساي أن أمكث هنا؟ هؤلاء الناس لا يفتحون منزلهم ~~فندقا.» ~~«بناء على ما أخبروني به، ~~يكاد أن يكون هذا المنزل فندقا. لقد نزل عليهم مجموعة من الجنود ~~الاسكتلنديين والإنجليز. إنهم يحبون ذلك أيضا، أو هم يدعون ذلك ~~من حسن أخلاقهم. بالطبع ستفعل ما تريد، لكنك ستؤذي مشاعرهم، ~~وستضعني في موقف غير ملائم. والحق أنني لا أعرف طريقة تترك بها ~~المكان من دون أن تكون وقحا وقاحة بينة.» # وقف كلود ينظر إلى محتويات حقيبته على الأرض مترددا. لما وقعت ~~عينه على وجهه في إحدى المرايا الكبيرة، رآه جيرهارت حائرا ~~وبائسا. تلاشت حدة مزاجه، ووضع يده برفق على كتف صديقه. ~~«تعال يا كلود! لا تكن سخيفا. إن زيك يجعلك غير مضطر ~~إلى ارتداء ملابس أخرى، وليس عليك أن تتحدث أيضا بما أنه من ~~المفترض أنك لا تعرف اللغة. كنت أظن أنك ستحب المجيء إلى هنا. ~~لقد مر هؤلاء الناس بوقت صعب للغاية؛ ألا تعجبك ~~بسالتهم؟» ~~«بالطبع، نعم، تعجبني! على الرغم من أنها غريبة عني.» خلع كلود ~~معطفه، وبدأ يمشط شعره بقوة. «أظن أني دائما ما كنت أخاف ~~الفرنسيين أكثر من الألمان. إن المكوث يحتاج إلى شجاعة كما تعرف. ~~أريد أن أهرب.» ~~«ولكن لماذا؟ ما الذي يجعلك تريد ذلك؟» ~~«حسنا، لا أعلم! شيء في المنزل، في الجو العام.» ~~«شيء بغيض؟» ~~«لا، بل شيء طيب.» # ضحك ديفيد: «حسنا، ستتجاوز ذلك!» # شربوا الشاي في الحديقة على الطريقة الإنجليزية، وكان الشاي ~~إنجليزيا أيضا مثلما أخبرتهم الآنسة؛ إذ تركه ضباط ~~إنجليز. # على العشاء، انضم إليهم عضو ثالث من العائلة؛ فتى صغير حليق ~~الرأس ذو عينين كبيرتين وسوداوين. ms319 جلس عن يسار كلود هادئا وخجلا ~~في معطفه المخملي، لكنه كان يتابع الحديث بحماسة، لا سيما عندما ~~تطرق إلى أخيه رينيه الذي قتل في معركة فردان في الشتاء الثاني ~~من اندلاع الحرب. تحدثت الأم والأخت عنه كما لو كان حيا؛ إذ ~~تحدثتا عن خطاباته وخططه وأصدقائه في معهد الموسيقى وفي ~~الجيش. وأخبرت الآنسة كلير جيرهارت عن كل الطالبات اللاتي عرفهن ~~في باريس؛ فحكت له عن فتاة كانت تغني للجنود، وأخرى تعمل ممرضة ~~في مستشفى تفجرت في غارة جوية، وحملت عشرين جريحا من ~~المبنى المحترق واحدا تلو الآخر على ظهرها كأكياس الدقيق. ~~وحكت له عن أليس الراقصة التي ذهبت إلى الصليب الأحمر الإنجليزي ~~وتعلمت الإنجليزية. أما أوديت فقد تزوجت من ضابط نيوزلندي ~~يقال إنه من آكلي لحوم البشر؛ إذ يشيع أن قبيلته أكلت اثنين من ~~مبشري أوفيرنات. لم يستطع كلود فهم جزء كبير من الحديث، لكنه ~~أدرك مما فهمه أن الحرب في نظر هاتين السيدتين كانت هي فرنسا، ~~وهي الحياة وكل ما يحدث فيها. إن حياة المرء وامتلاكه للوعي وجميع ~~ملكاته، يعني أن يخوض المرء حربا. # عندما ذهبوا إلى قاعة الاستقبال بعد العشاء، سألت السيدة فلوري ~~ديفيد إن كان يود رؤية كمان رينيه مرة أخرى، وأومأت إلى الفتى ~~الصغير. خرج الفتى وعاد يحمل صندوقا وضعه على الطاولة. فتحه ~~بحرص وأخرج قطعة قماش مخملية، وكأنما كان ذلك طقسه الخاص، ثم ~~سلم الآلة إلى جيرهارت. # قلبه ديفيد تحت أضواء الشموع، وأخبر السيدة فلوري أنه كان ~~سيعرفه حيثما كان، إنه كمان رينيه من طراز «أماتي» الرائع، ~~أنغامها في غاية العذوبة وسط قاعات الاحتفالات كأنها امرأة آية ~~في الجمال تقف على خشبة المسرح. التفت العائلة حوله، واستمعوا ~~إلى مدحه وقد بدا الرضا على وجوههم. أخبرته السيدة فلوري أن ~~لوسيان كان جادا للغاية في موسيقاه حتى إن معلمه سر به ~~للغاية، وحين تكبر يداه قليلا سيسمح له بالعزف على كمان رينيه. ~~شاهد كلود الفتى الصغير واقفا ينظر إلى الآلة وهي في يدي ديفيد، ~~وقد انعكس في ms320 كل واحدة من عينيه السوداوين الكبيرتين لهب شمعة، ~~وكأنما كانت شعلة من النار تحترق داخل كل منهما بالفعل. # سألت والدته: «ما الأمر يا لوسيان؟» # تمتم متوسلا: «أرجو أن يتكرم السيد ديفيد بأن يعزف لنا قبل ~~أن أذهب إلى النوم.» ~~«لكن يا لوسيان أنا جندي الآن. أنا لم أعزف قط منذ سنتين. ~~سيعتقد كمان الأماتي أنه وقع بين يدي ألماني.» # ابتسم لوسيان وقال: «كلا! إنه أذكى من ذلك. اعزف قليلا من ~~فضلك»، وجلس أمام الأريكة على مسند قدمين في حالة ترقب ~~واثق. # ذهبت الآنسة كلير إلى البيانو. عبس ديفيد وبدأ يضبط الكمان. ~~نادت السيدة فلوري الخادم العجوز، وأخبرته أن يشعل العيدان ~~الموضوعة في المدفأة. أخذت الكرسي ذا الذراعين على يمين ~~الموقد، وأشارت إلى كلود كي يجلس على كرسي موضوع على اليسار. ظل ~~الفتى جالسا على كرسيه في الطرف الآخر من الغرفة. بدأت الآنسة ~~كلير تعزف مقدمة الأوركسترا لكونشرتو سان سانس. # رفع ديفيد ذقنه، ونظر إليها نظرة الحائر: «كلا، ليس هذا ~~اللحن!» # لم ترد عليه، وواصلت العزف وقد انحنى كتفاها إلى الأمام. رفع ~~لوسيان ركبتيه أسفل ذقنه وبدأ يرتعش. عندما حان الوقت، بدأ الكمان ~~بالعزف. وضعه ديفيد تحت ذقنه مرة أخرى تلقائيا، وانطلقت الآلة ~~بألحان حزينة ومكبوتة. # ظلا يعزفان وقتا طويلا. في النهاية، توقف ديفيد ومسح ~~جبينه. «لا أستطيع عزف الحركة الثالثة مع الأسف، حقا.» ~~«ولا أنا. لكنها آخر ما عزفه رينيه على الكمان في الليلة التي ~~سبقت رحيله في آخر إجازة له.» استكملت العزف وتبعها ديفيد. جلست ~~السيدة فلوري بعينين شبه مغلقتين وهي تنظر إلى النيران. أطبق ~~كلود شفتيه ووضع يديه على ركبتيه، وظل يشاهد صديقه من ظهره. ~~كانت الموسيقى جزءا من مشاعره المرتبكة. كان ~~ممزقا بين الإعجاب الكبير ~~والحسد المرير. ما الذي يشعر به المرء حين تكون قادرا على فعل ~~أي شيء بهذه البراعة، وأن تكون يده قادرة على الرقة والدقة ~~والقوة؟ لو كان قد تعلم أي شيء على الإطلاق، لما جلس الليلة ~~متخشبا في مكانه بين أناس ينبضون بالحياة. ms321 شعر أنه كان يمكن ~~أن يصنع منه رجل، لكن أحدا لم يتكلف عناء ذلك؛ فصار معقود ~~اللسان، مقيد القدمين، مكبل اليدين. إذا ولد المرء في هذا ~~العالم على أنه من صغار الدببة أو عجول الثيران، فلن يسعه إلا ~~الضرب ببراثنه وقلب الأشياء، والتكسير والتدمير على مدار ~~حياته. # لف جيرهارت الكمان في قطعة القماش. شكره الفتى الصغير وحمل ~~الكمان. وتمنت السيدة فلوري وابنتها لضيفيهما أن يقضيا ليلة ~~سعيدة. # قال ديفيد إنه يشعر بالحر، واقترح الذهاب إلى الحديقة للتدخين ~~قبل أن يخلدا إلى النوم. فتح إحدى النوافذ الطويلة وخرجا إلى ~~الشرفة. كانت الأوراق الجافة تخشخش على الممرات، ووقفت أشجار ~~الطقسوس جدارا مصمتا أحلك من ظلمة الليل. لا بد أن النافورة ~~اجتذبت ضوء النجوم إذ كانت هي الشيء اللامع الوحيد؛ عمود صغير ~~صاف من الفضة المتلألئة. تمشى الفتيان في صمت إلى نهاية ~~الممر. # تحدث كلود بتلك النبرة غير الطبيعية التي يتحدث بها الناس ~~أحيانا عن أشياء لا علم لهم بها، فقال: «أعتقد أنك ستعود إلى ~~مهنتك.» ~~«كلا. لقد اضطررت إلى العزف لهم بالطبع. إن الموسيقى أشبه ~~بالدين في هذا المنزل. أنصت»، أشار بيده، وكانت الضربات المنتظمة ~~التي تصدر من المدافع الكبيرة البعيدة قد اخترقت سكون الليل. «لنا ~~ما تسمعه، هو كل ما يهم في الوقت الراهن. لقد قتل كل ما ~~سواه.» ~~«لا أصدق هذا.» توقف كلود لحظة عند حافة النافورة محاولا ~~استجماع أفكاره. «لا أصدق أنه قتل أي شيء. وإنما بعثر كل شيء ~~فحسب.» نظر من حوله سريعا إلى حالة النوم التي تخيم على المنزل ~~والحديقة، وإلى السماء الصافية المرصعة بالنجوم التي لا تبعد ~~كثيرا. كسر حاجز الصمت قائلا: «إن أمثالك هم من يرون أسوأ ~~ما في الأمر. أما أنا فلم أعرف قط شيئا يستحق الحياة من أجله ~~حتى اندلعت تلك الحرب. قبل ذلك، كان العالم يبدو لي كعرض ~~عمل.» # قال ديفيد بنبرة خشنة: «عليك الاعتراف أنها طريقة مكلفة ~~لتوفير المغامرة للشباب.» ~~«ربما، على أي حال ...» # تابع كلود النقاش مع نفسه مدة طويلة ms322 بعدما دخلا إلى ~~سريريهما الوثيرين وخلد ديفيد إلى النوم. ما من ساحة معركة أو ~~بلد ممزق كانا بالقبح الذي كان العالم سيغدو عليه إذا تحكم ~~فيه رجال مثل أخيه بايليس. وحتى اندلاع الحرب، كان يظن أنهم ~~يتحكمون في العالم بالفعل؛ ومن ثم تعكر صباه وسلب منه ~~جراء هذا الاعتقاد. يبدو أن البروسيين أيضا يؤمنون بذلك. لكن ~~الحرب قد أوضحت أن عددا كبيرا من الناس لا يزالون يهتمون بشيء ~~آخر. # صارت الفواصل الزمنية بين نيران المدفعية أقصر، وكأنما كانت ~~المدافع الكبيرة تستعد وتملأ جوفها كي تنطلق. جلس كلود على ~~سريره وأنصت. كان صوت المدافع يسره منذ البداية؛ إذ يمنحه ~~شعورا بالثقة والأمان، وقد بات الليلة يعرف السبب. صوت المدافع ~~يقول إن البشر لا يزالون مستعدين للموت من أجل فكرة، وربما ~~يحرقون كل ما صنعوه من أجل الحفاظ على أحلامهم. كان يعلم أن ~~الأمان ينتظر مستقبل العالم؛ لن يتمكن واضعو الخطط الحريصون من ~~تقييده؛ فلن يمكنهم المكر والحذر من الفوز. عجبا، إن ذلك الفتى ~~الصغير في الطابق السفلي الذي التمع ضوء الشموع في عينيه، يمكن ~~أن «يستمر» في الصرخة الأخيرة إلى الأبد، كما يقولون! ليست المبادئ ~~أمورا عتيقة وجميلة، لكنها عاجزة، بل هي المورد الحقيقي للقوة ~~بين الرجال. وما دامت تلك الحقيقة باقية، وقد صار يعلم الآن بعد أن ~~قطع هذه المسافة بأكملها أنها لا تزال باقية، فلا خلاف له إذن مع ~~القدر. ثم إنه لم يعد يحسد ديفيد. هو نفسه لن يتنازل عن مغامرته ~~لأي رجل. على مشارف النوم، التمع له الوجه المشرق للخطر مثل ~~عمود النافورة الصافي، ومثل الهلال؛ مغر ومحجم في الوقت ~~ذاته. # 15 # عندما عاد كلود وديفيد إلى السرية في العشرين من سبتمبر، لم ~~تبد للحرب نهاية على الإطلاق. لم يعرف الجيش الأمريكي بسقوط ~~بلغاريا، وكانت معرفتهم بالشئون الأوروبية ضئيلة للغاية، حتى إن ~~هذا الخبر لم يكن ليهمهم كثيرا إن كانوا قد سمعوا به. وكان ~~الجيش الألماني لا يزال مسيطرا على شمال فرنسا وشرقها، ولم يكن ~~أحد يعرف ms323 مقدار ما تبقى من الحياة في ذلك الجسد المترامي ~~الأطراف. # استقلت الكتيبة القطار في أراس. كانت لدى المقدم سكوت تعليمات ~~بالتقدم إلى رأس السكك الحديدية ثم التقدم إلى أرجون سيرا على ~~الأقدام. # ازدحمت العربات، وكانت الرحلة بالقطار طويلة ومرهقة. نزلوا ~~من القطار في الليل تحت المطر في مكان قال الرجال إنه يبدو نقطة ~~الهجوم. لم تكن هناك مدينة، ومحطة السكك الحديدية قد قصفت أمس ~~على يد سرب من القوات الجوية بهدف تفجير ذخيرة المدفعية. دلت ~~أكوام الطوب والحفر الممتلئة بالماء على المكان الذي كانت تقف ~~فيه. أرسل العقيد كلود مع دورية للبحث عن مكان ينام فيه الجنود. ~~وجدت الدورية حقلا من أكوام قش وعلى طرفه بيت ريفي. # ذهب كلود وطرق الباب. كان الصمت يخيم على المكان. ظل يطرق ~~الباب وينادي: «الأمريكيون هنا!» فتح مصراع نافذة. أخرج ~~المزارع رأسه وسأل بأسلوب فظ عما يريده الطارق: «ماذا تريد ~~الآن؟» # شرح كلود بأفضل ما لديه من اللغة الفرنسية أن سرية أمريكية ~~وصلت لتوها؛ فهل يمكنهم النوم في الحقل ما داموا لن يدمروا ~~أكوام القش؟ # رد المزارع: «بالتأكيد»، وأغلق النافذة. # تلك الكلمة الواحدة التي لفظت في الظلام وفي مكان غير مبشر، ~~كان لها وقع مبهج على الدورية وعلى الجنود عندما كررت عليهم. ~~«قال بالتأكيد، أليس كذلك؟» ظلوا يضحكون عليها وهم يطوفون في أرجاء ~~الحقل ويندسون داخل القش. ومن لم يتمكن منهم من الاندساس داخل ~~القش، رقد على القصب الموحل. غلبهم النوم قبل أن يشعروا بالأسف ~~على حالهم. # خرج المزارع وعرض الحظيرة على الجنود، لكنه توسل إليهم ألا ~~يشعلوا الضوء تحت أي ظرف من الظروف. قال إن البلدة لم تتعرض ~~إلى غارات جوية حتى أمس، ولا بد أن السبب هو قدوم الأمريكان ~~وإرسالهم الذخيرة. # نودي جيرهارت كي يتحدث إلى المزارع، وأخبره أن العقيد يجب أن ~~يدرس الخريطة؛ فأخذهم الرجل إلى القبو حيث ينام الأطفال. وقبل أن ~~يستلقي العقيد على السرير الذي أعده له خادمه من القش، ظل ~~يتفوه بأسماء وكيلومترات يعدها على أصابعه. كانت أسماء ms324 الأماكن ~~تمثل لضباط مثل العقيد سكوت إحدى الصعاب الحقيقية في الحرب. كان ~~يفكر ببطء، لكنه يركز في عمله دوما، ويمكنه المواصلة من دون ~~نوم لعدد من الساعات يزيد عما يطيقه أي من جنوده. لم يكد أن ~~يرقد في تلك الليلة عندما أحضر الحارس رسولا محملا برسالة. ~~اضطر العقيد إلى العودة إلى القبو مجددا كي يقرأها. أخبرته ~~الرسالة بأن يقابل العقيد هارفي في مزرعة الأمير جوشيم في أقرب ~~وقت من صباح الغد. وسيكون الرسول مرشده. # جلس العقيد وعينه على ساعته، وسأل الرسول عن الطريق والوقت الذي ~~يستغرقه حتى يصل إلى المكان. وسأله: «ما وضع الألمان هناك بشكل ~~عام؟» ~~«هذا يتوقف على الظروف يا سيدي. في بعض الأحيان نعتقل دورية ~~ليلية مكونة من اثني عشر أو خمسة عشر جنديا، ونرسلهم إلى ~~مؤخرة الجيش تحت حراسة رجل واحد. وفي أحيان أخرى، تقاتل مجموعة ~~صغيرة منهم قتالا مريرا كالشياطين. يقال إن ذلك يتوقف على ~~الإقليم الألماني الذي أتوا منه؛ البافاريون والساكسونيون هم ~~الأشجع.» # انتظر العقيد سكوت ساعة ثم تجول يهز الجنود ~~النائمين. ~~«أمرك يا سيدي.» انتفض النقيب ماكسي على قدميه وكأنه أمسك على ~~فعل فاضح. نادى على الرقباء وشرعوا يوقظون الجنود من تحت ~~أكوام القش والحفر. وفي غضون نصف الساعة، أصبحوا على ~~الطريق. # كانت هذه هي المسيرة الأولى للكتيبة على طرق سيئة للغاية، حيث ~~كان السير يتطلب الشد والحفاظ على التوازن. سرعان ما دفئوا ~~من ذلك على أي حال، حتى صاروا يتعرقون. ظل وزن معداتهم يرمى ~~في المكان الخطأ على الدوام. أعاقت ملابسهم المبتلة من حركتهم، ~~والتوت حقائبهم على أكتافهم وتكومت. بدأ كلود وهيكس يفكران ~~معا فيما كان عليه الحال في الوحل الحقيقي، في مدينتي إبير ~~وباسيندالي، منذ عامين. كان هيكس يتدرب في أراس الأسبوع ~~الماضي، حيث «يستريح» العديد من الجنود البريطانيين بالطريقة ~~ذاتها، وكان لديه حكايات يرويها. # وصلت الكتيبة إلى مزرعة جوشيم في الساعة التاسعة. لم يكن العقيد ~~هارفي قد أتى بعد، لكن يوليوس قيصر العجوز كان هناك مع مهندسيه، ~~وأعد لهم إفطارا ms325 ساخنا. في السادسة مساء انطلقوا على الطريق ~~مرة أخرى، وظلوا يسيرون حتى مطلع الفجر، ولم يستريحوا إلا ~~أوقاتا قصيرة. وفي الليل أسروا دوريتين من الألمان من ثلاثين ~~جنديا. في استراحة الإفطار، أراد السجناء أن يساعدوا، لكن ~~الطباخ قال إنهم قذرون للغاية لدرجة أن رائحتهم ستفسد الحساء. ~~أبعدوا في مكان بمفردهم على مسافة كافية من خط إعداد ~~الطعام. # كان جيرهارت بالطبع هو من ذهب إليهم واستجوبهم. شعر كلود ~~بالأسف تجاه السجناء؛ إذ كانوا جميعا مستعدين لسرد كل ما ~~يعرفونه، وكانوا حريصين للغاية على أن يحظوا بالقبول ؛ بدءوا في ~~الحديث عن أقاربهم في أمريكا، وقالوا مبتهجين إنهم ينوون السفر ~~إليهم بأنفسهم بعد الحرب، وقد بدوا واثقين من أن الجميع سيسر ~~بزيارتهم! # توسلوا إلى جيرهارت أن يسمح لهم بالقيام بعمل ما. ألا يمكنهم ~~حمل أغراض الجنود في أثناء المسيرة؟ بلى، إنهم ممتلئون بالحشرات، ~~لكنهم يستطيعون مساعدة فرقة الصرف الصحي. حسنا، سيفعلون ذلك بكل ~~سرور، سيدي الضابط! # تتمثل الخطة في الوصول إلى خندق روبرشت والاستيلاء عليه قبل ~~حلول الليل. كان الاستيلاء عليه سهلا؛ إذ خلا من كل شيء عدا ~~الحشرات وبعض البشر المهملين؛ عدد من المعاقين والمرضى تركوا ~~للعدو كي يتخلص منهم، وعدد من الشباب المجانين الذين ينبغي ~~حبسهم في مؤسسة ما. عرف الألمان معنى عدم رجوع دورياتهم. ~~أخلوا المكان مخلفين وراءهم مرضى ميئوسا من حالتهم، وأكبر قدر ~~ممكن من القذارة. كانت المخابئ جافة نسبيا، لكنها تعج ~~بالحشرات لدرجة أن الأمريكيين فضلوا النوم في الوحل وفي ~~العراء. # بعد العشاء، انكب الرجال على أمتعتهم، وبدءوا يخففون ~~أحمالها ويرمون كل ما هو ليس ضروريا، وكثيرا ما كان ذلك. ~~تخلى العديد منهم عن المعاطف الجديدة التي قدمت لهم عند رأس ~~السكك الحديدية، وقطع آخرون التنانير وحولوا المعاطف إلى ~~سترات ممزقة. كان النقيب ماكسي منزعجا للغاية من هذه ~~الخسارة والتلف، لكن العقيد نصحه بإغلاق عينيه. «سيواجه الجنود ~~مسيرة عسيرة؛ فليمشوا خفافا. وإذا كانوا يفضلون تحمل ~~البرد، فلهم حق الاختيار.» # 16 # استراحت الكتيبة لمدة أربع وعشرين ساعة في خندق ms326 روبرشت، ثم ~~استكملت المسير لمدة أربعة أيام وأربع ليال كانوا يسرقون فيها ~~الخنادق ويأسرون الدوريات، ولا ينالون من النوم إلا سويعات ~~يسترقونها على جانب الطريق، بينما يعد لهم الطعام. لقد ~~اندفعوا بجد شديد خلف عدو منسحب، وكادوا يتفوقون على ~~أنفسهم. نفدت مؤنهم في الليلة الرابعة، عندما حلوا على ~~مزرعة اتخذها الألمان مقرا لقيادتهم، لم تكفهم المؤن التي ~~عثروا عليها هناك، وذهبوا إلى النوم من دون عشاء. # لسبب ما، يطلق السجناء على هذه المزرعة اسم «فراو هولدا»، وقد ~~كانت عشا ووكرا للهواتف؛ إذ تمتد مئات الأسلاك على الجدران ~~في جميع الاتجاهات. قطع العقيد كل الأسلاك التي استطاع الوصول ~~إليها، ثم وضع حراسة على مزارع عجوز ترك كي يرعى المنزل؛ إذ ~~كان يشك في أنه يعمل لصالح العدو. # وأخيرا، دخل العقيد سكوت إلى السرير الموجود في مقر القيادة ~~- كان كبيرا وسميكا - ذلك أول سرير يراه منذ أن غادر أراس. لم ~~ينم أكثر من ساعتين، ثم أتاه رسول من عقيد الفوج. كان كلود ~~ينام على سرير علوي بين جيرهارت وبروجر. شعر أن شخصا يهزه، ~~لكنه قرر أن أحدا لن يزعجه، وعاد إلى نومه بهدوء. بعد ذلك، ~~اجتذب أحد ما شعره بقوة جعلته ينهض. كان النقيب ماكسي يقف أمام ~~السرير. ~~«هيا أيها الفتيان. لدينا تعليمات من مقر قيادة الفوج. ستنقسم ~~الكتيبة هنا. سوف تتقدم سريتنا الليلة أربعة كيلومترات، ~~وتستولي على مدينة بوفورت. # نهض كلود. «الرجال منهكون للغاية أيها النقيب ماكسي، ولم ~~يتناولوا طعاما على العشاء.» ~~«لا مفر من ذلك. أخبرهم أننا سنكون في بوفورت لتناول ~~الإفطار.» # خرج كلود وجيرهارت إلى الحظيرة، وأيقظا هيكس وصديقه ديل آبل. كان ~~الرجلان نائمين على قش جاف للمرة الأولى منذ عشرة أيام. كانا ~~منهكين للغاية غير واعيين بمكانهما أو زمانهما. العديد منهم ~~على بعد مسافة أربعة آلاف ميل بالفعل، موزعين بين المدن ~~الصغيرة ومزارع البراري. بدا عليهم البؤس؛ إذ تجمعوا وهم ~~يتخبطون في الظلام. # بعدما اطلع العقيد على الخريطة مع النقيب ماكسي، خرج ورأى ~~السرية متجمعة. أخبرهم أنه لن ms327 يذهب معهم، لكنه يتوقع منهم ~~أن يؤدوا عملهم جيدا. حالما يصلون إلى بوفورت، سيستريحون ~~لمدة أسبوع حيث لا ينامون في العراء ويعيشون بين الناس ~~لفترة. # سلك الجنود الطريق وقد أغمض بعضهم عينيه في محاولة لإيهام ~~أنفسهم أنهم لا يزالون نائمين، واستعادة أحلامهم الجميلة ~~مجددا في أثناء المسير. لم يفيقوا من النوم بالفعل إلى أن ~~قابلوا دورية من الألمان، وأرسلوها أسيرة إلى العقيد تحت حراسة ~~رجل واحد. عندما تقدموا كيلومترين وجدوا الجسر قد نسف. ذهب ~~كلود وهيكس في اتجاه واحد بحثا عن معبر في النهر، وذهب بروجر ~~وديل آبل في اتجاه آخر، واستلقى الرجال على جانب الطريق، وغطوا ~~في سبات عميق. وصلوا إلى أطراف القرية عند الفجر، وجدوها ساكنة ~~وهادئة. # لم يكن لدى النقيب ماكسي أي معلومات عن عدد الألمان ~~المتبقين في البلدة. كان الألمان قد احتلوا البلدة منذ اندلاع ~~الحرب، واستخدموها بمثابة معسكر استراحة. ولم يقع فيها أي قتال ~~قط. # في المنزل الأول على الطريق، توقف النقيب وطرق الباب. لم ~~تأته أي إجابة. ~~«نحن أمريكيون ولا بد أن نرى ساكني المنزل. وإذا لم تفتحوا ~~فسنكسر الباب.» # نادى صوت امرأة: «لا يوجد أحد هنا. ابتعد من فضلك وأبعد ~~رجالك. أنا مريضة.» # نادى النقيب على جيرهارت الذي بدأ يشرح الأمر للمرأة ويطمئنها ~~من خلف الباب. انفتح الباب قليلا، وظهرت منه امرأة عجوز ترتدي ~~قلنسوة نوم. أتى رجل عجوز من خلفها. حدقت في الجنود في دهشة ~~وعدم فهم. إنهم أول جنود تراهم من قوات الحلفاء. قالت إنها سمعت ~~الألمان يتحدثون عن الأمريكيين، لكنها اعتقدت أنها إحدى أكاذيبهم. ~~فور أن اقتنعت، سمحت للجنود بالدخول، وردت على ~~استفساراتهم. # كلا، لم يتبق ألمان في منزلها. أتتهم تعليمات بالمغادرة ~~أول أمس؛ ومن ثم فجروا الجسر. كانوا يتمركزون في مكان ما جهة ~~الشرق. لم تكن تعلم عدد الجنود الذين لا يزالون في البلدة ولا ~~مكانهم، لكنها تستطيع إخبار النقيب بالموقع الذي كانوا فيه. أحضرت ~~خريطة للبلدة وعلى وجهها نشوة النصر، قالت وعلى شفتيها ابتسامة ~~ذات مغزى إن ضابطا ms328 ألمانيا فقدها، وعلى الخريطة علامات ~~لأماكن مساكن الإيواء. # استنادا إلى هذا الدليل؛ سلك النقيب ماكسي ورجاله الشارع. وضعوا ~~ثمانية أسرى في زنزانة وسبعة عشر في زنزانة أخرى. عندما رأى أهل ~~القرية السجناء مقيدين معا في الميدان، خرجوا من منازلهم ~~وتحدثوا بما لديهم من معلومات. قال بيرت فولر إن هذا النصر ~~أشبه باصطياد السمك من نهر بلات وقت انحسار المياه؛ إذ لا يكون ~~عليك سوى نشلها بالدلاء! ولا تسلية في ذلك. # في الساعة التاسعة، كان الجنود واقفين معا في الميدان أمام ~~الكنيسة، ويحددون على الخريطة تلك المنازل التي فتشت. جلس ~~الجنود يحتسون القهوة ويأكلون الخبز الطازج من المخبز. امتلأ ~~الميدان بأهل القرية الذين خرجوا كي يتأكدوا بأنفسهم. اعتقد ~~البعض أن الخلاص قد أتى، وآخرون هزوا رءوسهم وتراجعوا ارتيابا ~~من تدبير خدعة أخرى. كان هناك حشد من الأطفال يلعبون في المكان ~~ويكونون صداقات مع الجنود. ثمة فتاة صغيرة لها شعر أصفر ~~مجعد ترتدي ثوبا أبيض نظيفا ألصقت نفسها بهيكس، وأخذت تأكل ~~الشوكولاتة من جيبه. كان جيرهارت يساوم الخباز من أجل إعداد ~~دفعة أخرى من الخبز. كانت الشمس ساطعة على غير العادة، وكل شيء ~~بهيجا. بدا أن هذه القرية مليئة بالفتيات؛ بعضهن جميلات، ~~وكلهن ودودات. الرجال الذين يبدو في وجوههم الإرهاق والبؤس ~~حين بزغ الفجر عليهم عند حدود القرية، بدءوا يستعدون ويفتحون ~~صدورهم. كانوا مغلفين بالقذارة والوحل، لكن مثلما أشار كلود إلى ~~النقيب، فقد بدوا منتعشين في حقيقة الأمر. # فجأة سمع صوت طلقة غطى على صوت الثرثرة، ثم صرخت امرأة ~~عجوز ترتدي قلنسوة بيضاء، وتعثرت على الرصيف، وراحت تتدحرج ~~وهي تركل بكلتا يديها وقدميها على نحو غير ملائم. سمع صوت ~~فرقعة أخرى، اندفعت الفتاة الصغيرة التي كانت تقف بجانب هيكس ~~وتأكل الشوكولاتة، وركضت بضع خطوات ثم وقعت، وأخذ دمها ودماغها ~~ينضحان من بين شعرها الأصفر. بدأ الناس يصرخون ويركضون. نظر ~~الأمريكيون هنا وهناك في استعداد للتحرك بسرعة، لكنهم لم يعرفوا ~~إلى أين يذهبون. دوت طلقة أخرى، وسقط النقيب ماكسي على إحدى ~~ركبتيه، واحمر ms329 وجهه من الغضب، ولم يكد ينهض حتى سقط مرة أخرى؛ ~~أصبح لونه شاحبا، وتحولت ساق سرواله إلى اللون الأحمر. # صاح هيكس وهو يشير بيده: «هناك، على اليسار!» صاروا يرون الآن. ~~ثمة دخان كان يخرج من منزل مغلق يقع على مسافة قريبة في ~~شارع يتفرع من الميدان. علق الدخان أمام إحدى النوافذ بالطابق ~~العلوي. سحب الحارس النقيب وأدخله إلى حانة. ركض كلود وديفيد ومن ~~خلفهما الجنود إلى الشارع واقتحموا الباب. جال الضابطان بين غرف ~~الطابق الأول، وتقدم هيكس ومن معه مباشرة إلى سلم مسيج في ~~الجزء الخلفي من المنزل. حين وصلوا إلى بداية الدرج، قوبلوا ~~بوابل من طلقات البنادق، وسقط رجلان منهم. كان أربعة ألمان ~~يتمركزون على رأس الدرج. # لم يعرف الأمريكيون إن كانت رصاصاتهم هي التي طالت الألمان ~~أولا أم حرابهم؛ لم يكونوا واعين بصعودهم إلى الأعلى حتى صاروا ~~هناك. عندما وصل كلود وديفيد إلى بسطة الدرج، وجدوا أفراد الفرقة ~~يمسحون حرابهم وأربع جثث رمادية متكومة في الركن. # ركض بيرت فولر وديل آبل عبر الممر الضيق، واقتحما غرفة ~~تطل على الشارع. دوت رصاصتان، وعاد ديل بفك مهشم ودم ~~ينبثق من جانب رقبته الأيسر. أمسكه جيرهارت وحاول أن يسد ~~الشريان بأصابعه. # نادى كلود: «كم عددهم هناك يا بيرت؟» ~~«لم أر. انتبه يا سيدي! لا يمكنكم عبور الباب بأكثر من ~~رجلين في المرة!» # كان الباب لا يزال مفتوحا في نهاية الطرقة. نزل كلود الدرج ~~حتى تمكن من رؤية أرضية الممر حتى الغرفة الأمامية. كانت ~~مصاريع النوافذ مغلقة، وتسللت أشعة الشمس من بين الألواح. في ~~وسط الأرضية بين الباب والنوافذ، وقفت خزانة أدراج طويلة، ولها ~~مرآة مثبتة على قمتها. في المساحة الضيقة بين الجزء السفلي ~~من قطعة الأثاث تلك والأرض، استطاع أن يرى زوجين من الأحذية. ربما ~~لا يوجد في الغرفة أكثر من رجل يطلق الرصاص من خلف حصنه ~~المتحرك، لكن ربما كان هناك آخرون أيضا مختبئون في ~~الأركان. ~~«أعتقد أنه لا يوجد سوى شخص واحد في الغرفة. إنه يطلق النار ~~من خلف ms330 خزانة كبيرة في وسط الغرفة. فليأت أحدكم، علينا أن ندخل ~~وننال منه.» # تقدم ويلي كاتز، الفتى النمساوي الذي كان يعمل بشركة التعبئة ~~في أوماها، ووقف بجانبه. ~~«الآن يا ويلي، سيدخل كلانا في الوقت ذاته؛ ستقفز أنت جهة ~~اليمين، وسأقفز أنا جهة اليسار، وسيطعنه أحدنا. لا يمكنه إطلاق ~~النار في اتجاهين في وقت واحد. هل أنت مستعد؟ حسنا، ~~هيا!» # ظن كلود أنه اتخذ الموضع الأخطر لنفسه، لكن الألماني قد خمن ~~على الأرجح أن الرجل المهم سيكون على اليمين. حين اندفع ~~الأمريكيان من الباب، أطلق النار. طعنه كلود في ظهره بالحربة ~~أسفل لوح الكتف، لكن ويلي كاتز أصيب برصاصة في رأسه دخلت من ~~إحدى عينيه الزرقاوين. سقط جثة هامدة. أطلق الجندي الألماني ~~الرصاص مرة أخرى وهو يخر ويصيح بلغة إنجليزية لا تتخللها ~~لكنة أجنبية: ~~«أيها الحقير، عد إلى شيكاجو!» ثم بدأ يختنق بالدم. # ركض الرقيب هيكس وأطلق الرصاص على الرجل المحتضر في صدغيه. ~~لم يوقفه أحد. # كان الجندي طويلا، ويحمل العديد من الميداليات والأوسمة؛ لا ~~بد أنه كان وسيما للغاية. كانت ملابسه ويداه بيضاء وكأنما كان ~~ذاهبا إلى حفل راقص. وجدوا على الخزانة مبارد ومعجونا ~~وأدوات تلميع كان يستخدمها للحفاظ على أظفاره وردية وناعمة. كان ~~يرتدي في إصبعه الخنصر خاتما به ياقوتة جميلة. خلعه بيرت فولر ~~وقدمه إلى كلود. هز رأسه. تلك الجملة الإنجليزية قد أوهنت ~~ثقته وعزيمته. قدم بيرت الخاتم إلى هيكس، لكن الرقيب رمى ~~مسدسه وانفجر قائلا: ~~«أتظن أني سألمس أي شيء يخصه؟ تلك الفتاة الصغيرة الجميلة ~~وقد لاقى صديقي ما هو أسوأ من الموت؛ لاقى ديل ما هو أسوأ من ~~الموت!» أدار ظهره لرفاقه حتى لا يروه وهو يبكي. # سأل بيرت: «هل يمكنني الاحتفاظ به لنفسي يا سيدي؟» # أومأ كلود. دخل ديفيد وأخذ يفتح النوافذ. كان كلود يفكر في أن ~~ذلك الضابط مختلف تمام الاختلاف عن السجناء البؤساء الذين كانوا ~~يغترفونهم من الأقبية مثل الشراغف. وجد أحد الرجال ثوبا حريريا ~~رائعا على السرير، وأشار آخر إلى حقيبة لأدوات الزينة ms331 مليئة ~~بالمشغولات الفضية المطرقة. قال جيرهارت إنها فضيات روسية؛ ~~لا بد إذن أن هذا الرجل قد أتى من على الجبهة الشرقية. راح بيرت ~~فولر ونيفتي جونز يفتشان جيوب الضابط. شاهدهما كلود وعلم ~~أنهما يقومان بالعمل المناسب. لم يلمسا الميداليات، أما علبة ~~السجائر الذهبية والساعة البلاتينية التي لا تزال تدق في رسغه، ~~فلم يعد بحاجة إليهما. حول رقبته سلسلة رقيقة تتدلى منها ~~علبة صغيرة وبداخلها صورة، لم تكن الصورة لامرأة جميلة مثلما ~~كانت آمال بيرت الرومانسية، بل صورة شاب ذي بشرة بيضاء مثل ~~الثلج، وله عينان زرقاوان باهتتان. # اطلع عليها كلود وقال: «يبدو أنه شاعر أو شيء من هذا القبيل. ~~ربما أخ صغير قتل في بداية الحرب.» # أخذها جيرهارت، ونظر إليها نظرة ازدراء: «ربما. فلتدعه يحتفظ ~~بها يا بيرت.» ربت على كتف كلود كي ينبهه إلى أعمال الترصيع ~~الموجودة على يد مسدس الضابط. # لاحظ كلود أن ديفيد ينظر إليه كأنه مسرور به للغاية، وكأنما قد ~~حدث شيء مبهج في هذه الغرفة التي يشهد الرب أن شيئا ~~مبهجا لم يحدث بها، والتي رأوا فيها حين استداروا سربا من ~~الذباب الأسود يحوم شرها ومبتهجا بالبقع التي خلفتها جثة ~~ويلي كاتز على الأرض. كثيرا ما لاحظ كلود أنه حين كانت تراود ~~ديفيد فكرة مثيرة للاهتمام أو توخزه ذاكرته بقوة، فإن ذلك ~~يجعله قاسيا للحظة. والآن شعر أن معنويات جيرهارت العالية كانت ~~مرتبطة به على نحو ما. أكان هذا لأنه دخل مع ويلي؟ أكان ديفيد ~~يشك في شجاعته؟ # 17 # حين يصير الناجون من السرية «بي» كبارا في السن، ويتحاكون عن ~~أيامهم السعيدة، سيقول بعضهم لبعض: «يا له من أسبوع ذلك الذي ~~قضيناه في بوفورت!» سيغمضون أعينهم ويرون قرية صغيرة تقع عند ~~حافة جبلية لا ترى من بين الغابة؛ إذ غطتها أشجار البلوط ~~والكستناء والجوز الأسود، وتكنفتها أجواء الخريف؛ فالشوارع ~~مغطاة بأوراق الأشجار، وثمة أغصان كبيرة تتشابك فوق أسطح ~~المنازل، وآبار المياه الباردة يتخللها مذاق الطحالب وجذوع ~~الأشجار. في تلك الشوارع، سيرون أشخاصا يسيرون جيئة وذهابا؛ ms332 ~~سيرون أنفسهم شبابا بأجسام رشيقة قد اكتسوا باللون البني، ~~وسيرون رفاقهم الذين ماتوا منذ زمن بعيد لكنهم لا يزالون على قيد ~~الحياة في تلك القرية البعيدة. كم يتمنون لو أنهم يمشون ثانية ~~على مدار الليالي والأيام في الوحل والمطر، وأن يجروا أقدامهم ~~المتقرحة إلى تلك المساكن القديمة في بوفورت! كم يتمنون النوم ~~في تلك الأسرة العريضة ذات المراتب المحشوة بالريش على مدار ~~اليوم بأكمله، بينما النساء العجائز يغسلن ثيابهم ويجففنها ~~لهم، وأن يأكلوا حساء الأرانب والبطاطس المقلية في الحديقة؛ ذلك ~~الحساء المطهو بالنبيذ الأحمر والكستناء. آه، تلك الأيام التي ~~خلت! # فور أن شرع النقيب ماكسي والجرحى في رحلة العودة إلى المؤخرة ~~يحملهم فيها السجناء، استعدت السرية بكاملها للنوم، ونامت لمدة ~~اثنتي عشرة ساعة، نام الجميع ما عدا الرقيب هيكس الذي جلس في ~~المنزل الواقع في الشارع المتفرع من الميدان بجانب جثة ~~صديقه. # في اليوم التالي، استعاد الأمريكيون نشاطهم كأنهم خلقوا ~~لتوهم من جديد في عالم جديد. استعاد أهل البلدة أيضا نشاطهم ... ~~أحسوا بالبهجة والتغيير؛ فأخيرا قد وجدوا ما يتطلعون إليه! ~~فثمة علم جديد مرصع صار يرفرف في الميدان بجوار علمهم ~~الثلاثي الألوان. عند غروب الشمس، اصطف الجنود خلفه، وتغنوا ~~بالنشيد الوطني «ذا ستار سبرانجيلد بانر» («الراية الموشحة ~~بالنجوم») وهم حاسرو الرءوس. وقف كبار السن يشاهدونهم من مداخل ~~الأبواب. كان الأمريكيون هم أول من تغنى بالأغنية الوطنية ~~الفرنسية «لا مادلون» في بوفورت. إن حقيقة عدم سماع القرية بهذا ~~النشيد مطلقا، وتحلق الأطفال حول الجنود يتوسلون إليهم بأن ~~يغنوه مجددا، فيطلبون بالفرنسية: «هلا غنيتم مادلون!» قد ~~جعلت الجنود يدركون مدى الانعزال الشديد الذي اختبره أهل هذه ~~البلدة. كان الاحتلال الألماني بمثابة حاجز من الصمم لم يخترقه ~~سوى أناشيدهم العسكرية المتغطرسة. # قبل أن يغادر كلود السرير بعد أول مدة نوم طويلة، وصل رسول من ~~العقيد سكوت يخبره أنه قائد السرية لحين صدور تعليمات أخرى. دفن ~~الألمان قتيلهم وحفروا مقابر للأمريكان قبل أن يرسلوا إلى ~~المؤخرة. أقام كلود وديفيد على أطراف البلدة مع السيدة ms333 التي ~~قدمت للنقيب ماكسي أول معلومات حين دخلوا عليها بيتها صباح ~~أمس. حين كانا يتناولان إفطارهما في الضحى، أخبرتهما صاحبة البيت ~~أن العجوز التي أصيبت بالرصاص في الميدان والفتاة الصغيرة ~~ستدفنان بعد ظهر اليوم. قرر كلود أنه يمكن إقامة جنازة ~~الأمريكيين أيضا في الوقت نفسه. فكر أنه يمكن أن يطلب من ~~القس تلاوة بعض الصلوات على المقابر؛ ومن ثم انطلق هو وديفيد تحت ~~أشعة شمس الخريف البراقة وحفيف أوراق الأشجار للعثور على بيت ~~القس. كان يقع في الكنيسة التالية التي توجد خلفها حديقة عالية ~~الأسوار. فوق الجرس الموضوع على الجدار الخارجي، وجدا بطاقة ~~مكتوبا عليها «اسحب بقوة». # خرج القس بنفسه إليهما؛ رجل عجوز يبدو عليه الوهن كجرس بابه. ~~وقف متشحا بقلنسوته السوداء وقد وضع يديه على صدره كي لا ~~يصافحهما، بدا طاعنا في السن بالفعل، وكسيرا يائسا، وكأنه ~~سئم هذا العالم وهجره. لم ير كلود في فرنسا وجها حزينا كوجه ~~هذا الرجل. نعم، سيتلو الصلوات. الأفضل أن يدفنوا حسب ~~التعاليم المسيحية؛ ويا لهم من بؤساء سيدفنون بعيدا جدا عن ~~أوطانهم! سأله ديفيد إن كان الحكم الألماني قد مارس القمع الشديد ~~ضدهم أم لا، ولكن العجوز لم يعطه إجابة واضحة، وبدأت يداه ~~ترتجفان بشدة من فوق ثيابه؛ مما دفعهما إلى الابتعاد كي لا ~~يحرجاه. # قال كلود: «يبدو أنه مشوش الذهن قليلا، ألا تعتقد ~~ذلك؟» ~~«أعتقد أن الحرب أنهكت قواه. كيف يحتفل بالقداس ويداه ترتجفان ~~بهذه الشدة؟» حين عبرا درج الكنيسة، لمس ديفيد ذراع كلود وأشار ~~إلى الميدان. «انظر، أصبح لكل جندي من المشاة فتاة بالفعل! ~~يتباهى بعضهم بقبعات العمل غير العسكري! ظننت أنهم تخلصوا منها ~~جميعا!» # ومن لم يرتدوا قبعاتهم، وقفوا ممسكين بخوذاتهم تحت الإبط في ~~تودد كبير، وراحوا يتحدثون إلى الفتيات اللاتي بدا أن لديهن ~~جميعا مهام يقضينها بالخارج. بعضهن سمح للجنود بأن يحملوا ~~سلالهن. وكان أحد الجنود يحمل فتاة صغيرة على ظهره، وقد بدا ~~عليها السرور لذلك. # بعد الجنازة، وجد كل جندي في السرية امرأة متعاطفة كي ~~يتحدث إليها ms334 عن رفاقه الذين فقدهم. حملت جميع زهور الحدائق ~~الموجودة في بوفورت وأكاليل الورد، ونثرت على قبور الأمريكيين. ~~عندما أطلقت الفرقة الرصاص تشييعا لهم وانطلقت الأبواق، ~~انتحبت الفتيات وأمهاتهن. ما كان لويلي كاتز المسكين مثلا أن ~~يحظى بجنازة مثل هذه في جنوب أوماها. # في الليلة التالية، بدأ الجنود يعلمون الفتيات الرقص على ~~أغنية «با سل» وأغنية «فوس ترو». كانوا قد عثروا على كمان قديم ~~في البلدة، وراح أوسكار السويدي يعزف عليه. كانوا يرقصون كل ~~ليلة. رأى كلود أن هناك الكثير يجري أمامه، فألقى على رجاله ~~محاضرة في الموكب العسكري. لكنه أدرك أن توبيخ العصافير قد ~~يكون أولى. فهذه القرية يقطنها عدة مئات من النساء، ولا أزواج إلا ~~للجدات. جميع الرجال كانوا في الجيش، ولم يأخذوا حتى عطلة ~~يعودون فيها إلى منازلهم منذ أن استولى الألمان على القرية. حجبت ~~الفتيات لمدة أربع سنوات مع شباب يرغبوهن باستمرار، وكان ~~عليهن أن يخدعنهم على الدوام. كان الوضع لا يطاق، وقد دام مدة ~~طويلة. وجد الأمريكيون أنفسهم في موقف آدم في جنة عدن. # قال بيرت فولر لاهثا حين لحق كلود في الشرع بعد العرض ~~العسكري: «أتعلم يا سيدي، اضطر هؤلاء الفتيات الجميلات أن ~~يخرجن إلى الحقول ويعملن فيها ويربين الحيوانات من أجل أن ~~يأكل هؤلاء الخنازير القذرة؟ نعم يا سيدي، اضطررن إلى العمل في ~~الحقول تحت رقابة الألمان؛ إذ كانوا يسوقوهن في الصباح ويعودون ~~بهن في المساء مثل المجرمين! لا شك أن علينا الآن أن نمنحهن ~~وقتا طيبا.» # لم يكن المرء يقضي إحدى الأمسيات دون أن يقابل أزواجا من ~~الفتية والفتيات يتسكعون في الشوارع والحواري المظلمة. فقد ~~الفتية كل خجلهم من محاولة التحدث بالفرنسية. قالوا إنه يمكنهم ~~العيش في فرنسا باستخدام ثلاث كلمات فقط، وكلها لحسن الحظ من ~~المصادر، وهي: # manger # بمعنى الأكل، ~~و # aimer # بمعنى الحب، ~~و # payer # بمعنى الدفع، وهذه ~~الكلمات كافية تماما. أطلقوا على بلدة بوفورت «بلدتنا»، وأطلق ~~عليهم «أهلنا الأمريكيون». كانوا ينوون العودة بعد الحرب، والزواج ~~من الفتيات، وإقامة محطات المياه! ms335 ~~«تفضل لدي يا سيدي!» نادى بيل جيتس على كلود وحياه بيده ~~الملطخة بدم الأرنب الذي يسلخه أمام باب مسكنه. ازدادت ضحايا ~~الأرانب في البلدة هذا الأسبوع!» # قال ديفيد لكلود ذات صباح بينما كانا يحلقان: «أتعلم يا ~~ويلر، أعتقد أن ماكسي سيعود إلى هنا بأسرع ما يمكن إذا علم عن ~~هذه الرحلات في الغابة بحثا عن عيش الغراب.» ~~«ربما.» ~~«ألن توقفهم؟» ~~«كلا!» أجاب كلود بسرعة وهو يهندم جانبي فمه بوجه عابس. «إذا ~~تقدمت الفتيات أو أهلهن إلي بالشكوى فسأتدخل. لكني لن أفعل ~~شيئا فيما عدا ذلك. لقد فكرت في الأمر جيدا .» # ضحك ديفيد بهدوء، قال: «أجل، الفتيات ... حسنا، من الجيد أن ~~الجنود يعجبهم مذاق عيش الغراب. إنه لا يوجد في وطنهم، أليس ~~كذلك؟» # بعد ثمانية أيام، أتت التعليمات للأمريكان بالمسير، وعندها ~~خيم الحزن على كل منزل. في آخر ليلة لهم في البلدة، تلقى ~~الجنود دعوات ملحة على حفل راقص في الميدان. شاركهم كلود بضع ~~لحظات ثم جلس مشاهدا. رقص ديفيد كل الرقصات، لكن هيكس لم ير ~~في أي مكان. لم يشارك المسكين في أي شيء. ذهب كلود إلى الكنيسة ~~ليرى ما إن كان يجلس مبتئسا في المقبرة أم لا. # بينما كان كلود يتمشى هناك، توقف كي ينظر إلى قبر يقف ~~منعزلا خلف سياج من تمر حنة ذابل الأوراق، وعليه علم صغير ~~لفرنسا. كانت المرأة العجوز التي أقاما معها قد أخبرتهما بقصة هذا ~~القبر. # إنه قبر ابنة أخي القس. كانت أجمل فتاة في بوفورت، على ما ~~يبدو، وجمعتها علاقة حب بضابط ألماني، وجلبت العار على ~~البلدة. كان شابا من بافاريا، ومكث مع المرأة العجوز ذاتها التي ~~حكت القصة، وقالت إنه كان فتى لطيفا ووسيما ورقيقا اعتاد أن ~~يقضي نصف الليل مستيقظا في الحديقة ورأسه بين يديه يعاني من ~~الحنين إلى وطنه ولوعة الحب. قالت المرأة العجوز إنه لم يبرح ~~السعي وراء ماري لويس، لم يلح عليها قط لكنه ظل هناك، يظهر ~~دوما أمامها حيث تكون. كانت الفتاة تكره الألمان مثل البقية، ~~فازدرته. ms336 أرسل إلى جبهة القتال. وعاد بعد ذلك مريضا وقد أوشك ~~على أن يصبح أصم بعد إحدى المجازر التي وقعت في فردان، ومكث ~~مدة طويلة. في ذلك الربيع، انتشرت قصة أن امرأة قابلته ليلا في ~~المقبرة الألمانية. كان الألمان قد استولوا على قطعة الأرض ~~الواقعة خلف الكنيسة كي يقيموا عليها مقبرتهم، وتلك الأرض ~~متاخمة لسور حديقة القس. عندما كانت النساء يخرجن إلى الحقول ~~من أجل زراعة المحاصيل، كانت ماري لويس أن تنسل من بينهن وتقابل ~~ضابطها البافاري في الغابة. كانت الفتيات قد تثبتن حينذاك من ~~فعلتها تلك؛ فعاملنها بازدراء. لكن أيا منهن لم تجرؤ على ~~قول أي شيء للقس. وفي أحد الأيام، عندما كانت مع الضابط ~~الألماني في الغابة، اختطفت مسدسه من الأرض وأطلقت الرصاص ~~على نفسها. قالت صاحبة البيت إنها كانت امرأة فرنسية من صميم ~~قلبها. # توجه كلود بالسؤال إلى ديفيد في وقت لاحق: «وماذا عن الضابط ~~الألماني؟» ذلك أن القصة قد صارت معقدة للغاية حتى إنه لم ~~يستطع تتبعها. ~~«أقر فعلتها على الفور. أخذ المسدس ذاته، وأطلق ~~الرصاص على نفسه في صدغيه. سمع خادمه الذي كان يقف على طرف ~~الغابة لمراقبة المكان الرصاصة الأولى وجرى تجاههما. رأى الضابط ~~يأخذ المسدس الذي كان الدخان يخرج من فوهته ويصوبه على ~~نفسه. لم يصدق القائد أن أحدا من ضباطه كان يكن كل تلك ~~المشاعر. أجرى تحقيقا، وجر والدة الفتاة وخالها إلى المحكمة، ~~وحاول أن يثبت أنهما تآمرا معها لإغراء الضابط الألماني وقتله. ~~استجوب الخادم كي يقص القصة بكاملها عن كيفية بدء المقابلات ~~بينهما ومكانها. على الرغم من عدم دقة التفاصيل التي سردها، فإنه ~~لم يتزحزح عن شهادته بأنه رأى الملازم مولر يطلق النار على نفسه ~~بيده، ولم يتمكن القائد من إثبات التهمة عليهما. لم يعرف القس ~~العجوز أي شيء عن القصة حتى سمعها تنتشر في أرجاء المحكمة ~~العسكرية. كانت ماري لويس تعيش في بيته منذ أن كانت طفلة، وكانت ~~بمثابة ابنته. أصيب بسكتة دماغية أو شيء من هذا القبيل، وأصبح ~~من حينها ms337 على تلك الحال. أصدقاء الفتاة سامحنها، وعندما دفنت ~~وحدها بجانب السياج، بدأن يأخذن الزهور إلى قبرها. وضع القائد ~~إعلانا على السياج يمنع أي أحد من تزيين قبرها. يبدو أنه لم يحدث ~~في وقت الاحتلال الألماني ما يثير المشاعر أكثر من حكاية ~~المسكينة ماري لويس.» # كان كلود يفكر أنها تثير مشاعر أي أحد. فها هو قبرها الصغير ~~يقبع وحيدا ويظلله سياج الشجيرات. في نهاية حديقة القس، ~~قبعت المقبرة الألمانية بصلبانها الأسمنتية الثقيلة التي حمل ~~بعضها نقوشا طويلة لأبيات من شعرائهم ومقاطع من تراتيل قديمة. ~~ربما كان قبر الملازم مولر في مكان ما في تلك المقبرة. غريب ~~أن قصتهما برزت في عالم غارق في المعاناة. تلك مأساة لم ~~يحدث أن فكر فيها من قبل، لكنها تكررت لا بد مرات ~~ومرات في تلك البقعة المحتلة. لن ينسى أبدا يدي القس ~~وعينيه الناطقتين بالوهن والمعاناة. # رأى كلود ديفيد يعبر الطريق من أمام الكنيسة، فعاد كي ~~يقابله. ~~«مرحبا! ظننت أنك هيكس في البداية. ظننت أنه سيكون هنا.» جلس ~~ديفيد على الدرج وأشعل سيجارة. ~~«وأنا أيضا، أتيت بحثا عنه.» ~~«حسنا، أعتقد أنه وجد كتفا يبكي عليها. أتدرك يا كلود أنه لا ~~يوجد غيرنا في السرية لم يخطب من قبل؟ بعض المتزوجين خطبوا ~~مرتين. من الجيد أننا ننسحب، وإلا فقد كنا سنجد أمامنا ~~إعلانات زواج وحفلات تعميد علينا أن نعتني بها.» تمتم كلود: ~~«على أي حال، تعجبني نساء هذا البلد بقدر ما رأيت منهن.» بينما ~~جلسا يدخنان في صمت، عاد عقله إلى المشهد الهادئ الذي شاهده ~~على درج تلك الكنيسة الأخرى في أول ليلة له في فرنسا؛ تلك الفتاة ~~القروية في ضوء القمر تنحني على جنديها المريض. # عندما سارا مرة أخرى إلى الميدان فوق الأوراق الذابلة، وجدا حفل ~~الرقص بدأ ينتهي. كان أوسكار يعزف لحن «الوطن، ما أحلى الوطن!» ~~لرقصة الفالس الأخيرة. # قال ديفيد: «القبلة الأخيرة. حسنا، سنغادر غدا، ومن غير ~~المرجح أن نعود إلى هنا.» # 18 # عندما جلس الجنود على جانب الطريق لأكل بسكويت جاف وقت ms338 ~~الظهيرة، تذمروا قائلين: «إما أن نجد وليمة أو نقع في مجاعة.» ~~قطعوا ثمانية عشر ميلا ذلك الصباح، وكان لا يزال أمامهم سبعة ~~أميال أخرى. أتتهم التعليمات بقطع الخمسة والعشرين ميلا في ثماني ~~ساعات. لم يسقط منهم أحد حتى الآن، لكن بعضهم بدا عليه الإنهاك ~~الشديد. قال نيفتي جونز إنه يوشك على الموت. كان الرقيب هيكس ~~يحاجج أصحاب القلوب الضعيفة. كان يعرف أنه إذا سقط رجل، ~~فسيتبعه عشرة. ~~«ما دمت أستطيع فأنت تستطيع. الأمر أصعب على رجل سمين مثلي. ~~ليست تلك بالمسيرة التي تتذمر بشأنها. ويحي، لقد تحدثت في ~~أراس إلى جندي بريطاني صغير من كتائب الزملاء تلك التي تعرضت ~~لمجزرة في سوم. زحفت كتيبته خمسة وعشرين ميلا في ست ساعات في ~~حرارة شهر يوليو ليلقوا حتفهم. كانوا جميعا لا يزالون طلابا ~~بالمدارس، ولا يزيد طول الواحد منهم عن خمس أقدام وثلاث بوصات، حتى ~~إنهم لقبوا ب «الأقزام». عليكم الإشادة بهم أيها ~~الرفاق.» # تمتم جونز وهو يداوي قدميه المتقرحتين: «سأشيد بأي شخص ~~على أي شيء، لكني لا أستطيع مواصلة المشي على قدمي ~~هاتين.» ~~«حسنا أنت! سنحملك على الحصان الوحيد في السرية. أما الضباط ~~فيمكنهم السير!» # عندما وصلوا إلى حدود الكتيبة، وجدوا طعاما جاهزا من أجلهم، ~~لكن لم يرده سوى قلة منهم. شربوا واستلقوا بين الشجيرات. ذهب ~~كلود من فوره إلى مقر القيادة، ووجد باركلي أوينز، من سلاح ~~المهندسين، يجلس مع العقيد الذي كان يدخن ويدرس خرائطه ~~كالمعتاد. ~~«سررت برؤيتك يا ويلر. يجدر برجالك أن يكونوا في حال جيدة بعد ~~الاستراحة لمدة أسبوع. دعهم يناموا الآن. سيكون علينا التحرك من ~~هنا قبل منتصف الليل لمساعدة اثنتين من كتائب تكساس في خندق ~~مولتك. استولى الجنود على الخندق بعد أن تعرضوا لخسائر كبيرة في ~~الأرواح وهم منهكون تماما؛ فلن يستطيعوا الصمود إذا شن ~~العدو هجمة مضادة. وتلك نقطة مهمة سيحاول العدو ~~استردادها. أريد أن أصل إلى الموقع قبل طلوع الفجر؛ كي لا يعرف ~~العدو بقدوم قوات جديدة. بصفتك الضابط الأعلى رتبة، فأنت ~~المسئول عن ms339 السرية.» ~~«حسنا يا سيدي. سأبذل قصارى جهدي.» ~~«أنا متأكد من ذلك. سيذهب معنا فريقان من المدفعية الثقيلة، ~~وستأتي في الغد إحدى كتائب ميزوري لدعمنا. كنت أنوي إبقاءك هنا من ~~قبل، لكني لم أتلق التعليمات بالمساعدة سوى أمس. ربما نحتاج إلى ~~التقدم تحت نيران القذائف. ظل العدو يضع الكثير من الأشياء ~~الكبيرة هناك؛ يريد أن يعزل ذلك الخندق.» # دخل كلود وديفيد إلى حفرة أحدثتها إحدى القذائف مؤخرا تحت ~~الأجمة نصف المحترقة، وناما. استيقظا في الغسق على صوت نيران ~~مدفعية ثقيلة قادم من جهة الشمال. # في الساعة العاشرة، بدأت الكتيبة، بعد تناول وجبة ساخنة، في ~~الزحف عبر أرض وعرة للغاية. لا بد أن المدافع ظلت تدك الطريق ~~من المدى ذاته مدة طويلة؛ إذ بدت الأرض كأنها عجنت حتى أصبحت ~~لينة مثل العجين على الرغم من عدم سقوط المطر لمدة أسبوع. كان ~~باركلي أوينز وفريقه من المهندسين يصنعون طريقا من الألواح ~~تسهيلا لعبور الطعام والذخائر. كانت القذائف الكبيرة تنطلق على ~~فترات من اثنتي عشرة دقيقة. وكانت هذه الفواصل الزمنية منتظمة ~~للغاية، حتى إنهم تمكنوا من التقدم من دون التعرض لضرر. بينما ~~كانت السرية «بي» تتقدم في منطقة القذائف، لحق بهم العقيد سكوت ~~وهو يسير على قدميه، وخادمه يسحب حصانه. # سأل: «أتعرف أي شيء عن ذلك الضوء الذي تراه هناك يا ويلر؟ ~~حسنا، لا ينبغي أن يوجد هناك. تعال وانظر.» # لم يكن مصدر الضوء سوى رأس عود ثقاب في الأرض، ولم ينتبه له ~~كلود من قبل. تبع العقيد، وعندما وصلا إلى مصدر الشرارة وجدا ~~ثلاثة جنود من السرية «إيه» رابضين في إحدى حفر القذائف، وتغطيهم ~~بها قطعة من لوح حديدي. # نادى العقيد بحدة: «أطفئوا النار. ما الأمر أيها النقيب ~~بريس؟» # نهض شاب بسرعة. «إننا بانتظار الماء يا سيدي. إنها آتية على ~~البغال في صناديق النفط، ولا أريد الافتراق عنها. الأرض وعرة ~~هنا، وربما يضل السائقون الطريق.» ~~«لا تنتظر أكثر من عشرين دقيقة. يجب أن تنهض وتأخذ موقعك في ~~الوقت المناسب، هذا هو المهم سواء ms340 وجدت المياه أو لم ~~توجد.» # بينما كان العقيد وكلود يسرعان في العودة للحاق بالسرية، ~~دوت خمس قذائف فوقهما في تتابع سريع. صاح الخادم: «أسرع يا ~~سيدي. إنهم يقتربون من مكاننا، وقصروا مدى القذف.» # تمتم العقيد: «كان ذلك الضوء كافيا لأن يدلهم على ~~مكاننا.» # استمرت وعورة الأرض لميل آخر تقريبا، ثم وصلوا إلى مقر ~~القيادة خلف الخندق الثامن من نظام الخنادق الكبير. كان مقر ~~القيادة منزل مزرعة قديما عززه الألمان بالخرسانة المسلحة، ~~وطلوه من الداخل والخارج حتى بلغ سمك الجدران ست أقدام، ~~وصارت مضادة للقذائف بدرجة كبيرة مثل حصن صغير. أرسل العقيد ~~خادمه كي يسأل عن السرية «إيه». أتى ملازم شاب إلى باب منزل ~~المزرعة. ~~«السرية جاهزة لاتخاذ موقعها يا سيدي. أحضرت الجنود.» ~~«أين النقيب بريس أيها الملازم؟» ~~«قتل ومعه كل من ملازمينا الأوائل أيها العقيد. قتلوا في ~~تلك الحفرة. سقطت قذيفة عليهم بعد أقل من خمس دقائق من حديثك ~~معهم.» ~~«هذا مؤسف. هل توجد أي خسائر أخرى؟» ~~«نعم يا سيدي. ضربت عربة طهي في الوقت ذاته؛ إنها العربة ~~الأولى القادمة على طريق جولياس سيزار الجديد. قتل السائق ~~واضطررنا إلى إطلاق الرصاص على الخيول. كاد النقيب أوينز أن ~~يحرق بالحساء.» # نادى العقيد على الضباط واحدا تلو الآخر، وتناقش معهم بشأن ~~مواقعهم. # عندما أتى الدور على كلود، قال: «ويلر، هل تعرف الخريطة؟ لاحظت ~~تلك الحلقة الحادة في الخندق الأمامي في النقطة «إتش 2»، أعتقد ~~أنهم يسمونها «رأس الخنزير». إنها أشبه برأس حربة تمتد تجاه ~~خطوط العدو، وستكون نقطة يصعب الحفاظ عليها. فهل تعتقد أنه يمكنك ~~الاعتماد على كتيبتك في حال حدوث هجوم مضاد إذا وضعتهم ~~فيها؟» # قال كلود إنه يعتقد ذلك. ~~«إنها أصعب نقطة على خط المواجهة، ويمكنك أن تخبر رجالك بأني ~~أثني عليهم عندما أضعهم في تلك النقطة.» ~~«حسنا يا سيدي. سيقدرون ذلك.» # قطع العقيد عقب سيجار جديدا. «ذلك أفضل لو تعلمون! إن تركوا ~~مجالا لدخول مدافع الألمان، فسيسقط خط المواجهة بالكامل. ~~سأعطيك فريقين من المدفعية الجورجية الآلية لتضعهما في تلك ~~النقطة ms341 التي يسمونها «أنف الخنزير». عندما تصل كتائب ميزوري في ~~الغد فسيأتون دعما لك، لكن حتى ذلك الحين فعليكم أن تحرسوا تلك ~~النقطة بأنفسكم. لدي عدد كبير من الخنادق التي ينبغي الحفاظ ~~عليها، ولا أستطيع أن أمنحك مزيدا من الجنود.» # كان جنود تكساس الذين أتت الكتيبة لمساعدتهم يقتاتون منذ ستين ~~ساعة على جرايات الطوارئ وعلى ما يمكن أن يجدوه مع قتلى الألمان. ~~نسفت مؤنهم في الطريق، ولم يصل إليهم أي شيء. عندما اصطحب ~~العقيد كلود وجيرهارت لتفقد الحلقة التي ستتمركز فيها السرية ~~«بي»، وجدوا مكانا أشبه بمقلب نفايات منه بالخندق. لم يقو ~~الرجال الذين اتخذوا المواقع على الوقوف. قتل جميع ضباطهم، ~~وتولى القيادة أحد الرقباء. قدم الرقيب اعتذاره بشأن وضع ~~الحلقة. ~~«أعتذر عن ترك تلك الفوضى لكم كي تنظفوها يا سيدي، لكننا في ~~وضع سيئ هنا. العدو يقصفنا كل ليلة منذ أن أخرجناه من المنطقة. ~~لم يسعني أن أطلب شيئا من الجنود سوى الصمود.» ~~«حسن إذن. لقد تغلبت عليه بسرعة بفضل جنودك! سيقدم لك ~~رجالي بعض الطعام وأنت عائد.» # مر بهم أفراد فريق الدفاع عن «رأس الخنزير» المنهكين ~~يتعثرون في الظلام متجهين إلى خنادق عمليات الاتصال. وعندما ~~خرج آخر جندي منهم، أرسل العقيد إلى باركلي أوينز. حاول كلود ~~وديفيد أن يتلمسا طريقهما ويتعرفا على حالة المكان. كانت رائحة ~~المكان هي أقذر ما اشتماه حتى الآن، لكن الحشرات الطائرة كانت ~~أكثر إثارة للتقزز منها؛ فحين لمسا جثة عن غير قصد، تطايرت ~~سحب من الذباب الرطب الطنان في وجوههما، ودخل في عيونهما ~~وأنفيهما. وتحت أقدامهما، كانت الأرض كأنها أفاع عاصرة تتلوى ~~من تحتهما بأجسامها الناعمة وقد غطاها ساتر خفيف. عندما وصلا ~~إلى منطقة «الأنف»، وجدا كومة من الجثث، ربما اثتني عشرة أو ~~أكثر، ملقاة إحداها فوق الأخرى كأجولة الدقيق، ويصعب تمييزها في ~~الظلام. بينما وقف الضابطان في ذلك المكان، بدأ يصدر من تلك ~~الكومة أصوات قرقرة وارتشاح، سمعت من جثة واحدة في البداية ثم ~~من أخرى؛ كانت تلك أصوات الغازات والانتفاخ في أحشاء ms342 هذه الجثث ~~الآخذة في الميوعة. بدا أنهم كانوا يتذمرون بعضهم إلى بعض بهذه ~~الأصوات. # عاد الشابان إلى العقيد الذي كان واقفا عند مدخل خندق ~~الاتصالات، وأخبراه أنه لا توجد معلومات كثيرة يمكن إبلاغها، ~~باستثناء الحاجة الشديدة إلى فرقة الدفن. # هز العقيد رأسه وقال: «توقعت ذلك!» عندما وصل باركلي أوينز، ~~سأله عما يمكن فعله قبل أن يطلع الفجر. تلمس مهندس المشاة ~~طريقه مثلما فعل كلود وجيرهارت من قبل؛ سمعاه يسعل ويهش ~~الذباب. غير أنه حين عاد كانت البهجة بادية على وجهه أكثر من ~~الإحباط. # أعلن قائلا: «أعطني عصابة من الجنود لإخراج القتلى ، وسأصلح ~~هذه الحلقة بكمية كبيرة من الجير الحي والخرسانة في غضون أربع ~~ساعات.» ~~«لدينا كمية كبيرة من الجير، ولكن من أين نأتي ~~بالخرسانة؟» ~~«ترك الألمان نحو خمسين جوالا في القبو تحت مقر القيادة. ~~يمكنني أن أنجز عملا أفضل بالطبع إذا حظيت ببضع ساعات إضافية حتى ~~تجف الخرسانة.» ~~«فلتبدأ أيها النقيب.» أخبر العقيد كلود وديفيد أن يحضرا ~~جنودهما إلى خندق الاتصالات قبل أن يطلع النهار ويخبراهم ~~بالاستعداد. «امنحوا أوينز الوقت كي ينتهي من الخرسانة، لكن ~~تيقظوا ولا يباغتكم العدو.» # بدأ القصف مرة أخرى عند مطلع الفجر، وكان أعنف على الخنادق ~~الخلفية والأميال الثلاثة التي تقع وراءها. من الجلي أن العدو ~~كان متيقنا من الهدف الذي حظي به في خندق مولتك، فأراد قطع ~~الإمدادات والتعزيزات المحتملة. لم تصل كتيبة ميزوري ذلك اليوم، ~~لكن رسولا قد وصل من عقيدها قبل الظهر ليخبرهم بأن الكتيبة ~~تختبئ في الغابة. ظلت خمس طائرات ألمانية تحوم فوق الغابة منذ ~~الفجر، وترسل الإشارات إلى مقرات قيادة العدو في دوفين ريدج؛ ~~وكانت كتيبة ميزوري واثقة من أنها لم تكتشف بسبب بقائهم بالقرب ~~من الأجمات. سيصلون في المساء. فرجال خطوط الاتصالات كانوا ~~يتبعون الرسول، وسيكون العقيد سكوت على اتصال هاتفي بهم في غضون ~~نصف الساعة. # عندما وصلت السرية «بي» إلى «رأس الخنزير» في الساعة الواحدة ~~بعد الظهر، كان يمكنهم القول بصدق إن الرائحة السائدة حينذاك ~~كانت رائحة الجير الحي. ms343 بني المتراس متساويا، ورممت ~~منصات إطلاق النار جزئيا، مع تجهيز مواضع جيدة للمدافع ~~الرشاشة في منطقة «الأنف». كان لا يزال هناك تذكارات غير سارة ~~ستكتشف إذا بحث أحد عنها. في منطقة «الأنف» وجدوا حذاء عالقا ~~بقوة من جانب الخندق. شرح النقيب أوفنز أن الأرض تبدو جوفاء هنا، ~~ومن المرجح أن هذا الحذاء يؤدي إلى مخبأ دفنت فيه الكثير من ~~جثث الألمان معا. ولما كان في عجلة من أمره، رأى أنه من الأفضل ~~عدم البحث عن المشكلات. في أحد منحنيات الحلقة فوق الجدار ~~الأرضي مباشرة وتحت أكياس الرمل، برزت يد سوداء أصابعها الخمس ~~متباعد بعضها عن بعض، وبدت كجذور حشائش ضارة منتفخة. قال ~~هيكس إن هذا الشيء مقزز، وبعد الظهيرة جعل نيفتي جونز وأوسكار ~~ينبشان بعض التراب ويضعانه في كومة فوق اليد. لكنهم تعرضوا ~~للقصف ليلا، فتساقط التراب من فوقها. # قال جونز عندما أيقظ الرقيب: «انظر، أول شيء أراه عند انبلاج ~~الصبح تلك الأصابع الكبيرة التي تهتز مع النسيم. إنه يريد ~~الهواء، ذلك الوغد الألماني؛ لا يريد أن يبقى تحت التراب.» # نهض هيكس ودفن اليد مرة أخرى بنفسه، لكنه عندما أتى مع كلود من ~~أجل التفتيش قبل الإفطار، وجد الأصابع الخمس بارزة مرة أخرى. ~~انتفخ جبين الرقيب واحمر وجهه، وأقسم إن وجد الرجل الذي يحيك ~~تلك الدعابات القذرة، فسيجعله يأكل تلك اليد. # أرسل العقيد في طلب كلود وجيرهارت كي يفطرا معه. كان يتحدث في ~~الهاتف مع ضباط كتيبة ميزوري، ووافقهم على أنه ينبغي عليهم البقاء ~~في الغابة في الوقت الحالي. ذلك أن استمرار طيران العدو فوق ~~الغابة دليل على قلقه من القوة الحقيقية لخندق مولتك. ربما ~~اكتشفت فرق الاستطلاع الجوي جنود تكساس وهم عائدون، وإلا فما ~~الذي حملهم على الانتظار؟ # بينما كان العقيد والضباط يتناولون الإفطار، أحضر عريف ~~حمامتين اصطادهما عند الفجر. كانت إحداهما تحمل رسالة تحت ~~جناحها. فرد العقيد قصاصة ورق وسلمها إلى جيرهارت. ~~«نعم يا سيدي، إنها بالألمانية، لكنها عبارة مشفرة. إنها من ~~أناشيد الروضة الألمانية. لا بد أن ms344 طائرات الاستطلاع أنزلت فرق ~~كشافة عند خطوطنا الخلفية وهم يرسلون التقارير. يمكنهم بالطبع ~~أن يعرفوا عنا أكثر مما تعرفه جنود القوات الجوية. هل تريد هذين ~~الطائرين يا ديك؟» # ابتسم الفتى وقال: «بالطبع يا سيدي! ربما تسنح لي الفرصة ~~وأطهوهما في وقت لاحق.» # بعد الإفطار، ذهب العقيد كي يتفقد السرية «بي» في منطقة «رأس ~~الخنزير». سر كثيرا بالمواقع المتميزة للمدافع الرشاشة عند ~~منطقة «الأنف». قال للجنود: «أتوقع أن تحظوا بيوم هادئ، لكني ~~لا أعدكم بليل هادئ. عليكم أن تصمدوا في هذا المكان؛ إذا استولى ~~الألمان على تلك الحلقة فقد نالوا منا، وأنتم تفهمون ذلك.» # مر عليهم النهار هادئا بالفعل. لعب بعض الجنود لعبة ~~البطاقات، وقرأ أوسكار في كتابه المقدس. بدأ المساء هادئا أيضا. ~~لكن في الساعة الرابعة وخمس عشرة دقيقة، هب الجنود؛ إذ نبههم ~~إنذار الغاز. استمرت قذائف الغاز تقصف فوقهم لمدة نصف الساعة ~~بالضبط. بعد ذلك اندفعت الشظايا لا بالدوي الطنان المتواصل ~~الذي يصدر عن القذائف الفردية، بل بدوي قذائف المدفعية الثقيلة ~~السريعة الذي يصم الآذان. وكأن مائة عاصفة كهربائية قد استعرت ~~في لحظة واحدة في الجو وعلى الأرض. كانت كرات النار تتدحرج في كل ~~مكان. كان المدى بعيدا بعض الشيء عن «رأس الخنزير»، فلم يصبهم ~~أشده، لكن على مسافة ثلاثين ياردة في الخلف تمزق كل شيء. لم ~~يتخيل كلود أن يبقى أحد على قيد الحياة في الخطوط الخلفية. ذلك ~~أن قذيفة واحدة قتلت ستة من رجاله في مؤخرة الحلقة، حيث كانوا ~~يجرفون للحفاظ على خندق الاتصالات خاليا. كانت أعمال الحفر ~~المتقنة التي قام بها النقيب أوينز تتعرض لقصف شديد. # كان كلود وجيرهارت يتشاوران عندما بدأ الدخان والظلام ينقشعان مع ~~بصيص النور الذي يعلن عن بزوغ الفجر. هرع إليهم رسول من ~~العقيد؛ لم تظهر كتيبة ميزوري حتى الآن، وانقطع الاتصال الهاتفي ~~معهم. كان يخشى أن يكونوا قد ضلوا الطريق تحت القصف. «يأمرك ~~العقيد بأن ترسل رجلين كي يحضروهم؛ رجلين يتحملان المسئولية ~~إذا فروا مذعورين.» # عندما أعلن الرسول هذه التعليمات، نظر ms345 جيرهارت وهيكس أحدهما إلى ~~الآخر سريعا وتطوعا بالذهاب. # تردد كلود. لم ينتظر هيكس وديفيد موافقة أخرى؛ ومن ثم ركضا ~~في خندق الاتصالات واختفيا. # وقف كلود وسط الدخان الذي كان لونه الرمادي يزداد قتامة، وأخذ ~~يراقبهما وفي قلبه أشد شعور باليأس قد اختبره. إن رجلا يدع ~~صديقه المقرب وأفضل ضابط لديه أن يتخذا تلك المخاطرة، لهو ~~رجل مرتبك لا يصلح لقيادة آخرين. فها هو يقف محتميا بينما ~~يجري صديقاه تحت ستار من الفولاذ المشتعل باتجاه آخر مكان كانت ~~فيه الكتيبة قبل انقطاع الاتصال بها. لو كان يعرفهم لما أضاعوا ~~الوقت في تتبع متاهة الخنادق؛ هم على الأرجح لا يزالون في ~~العراء حتى الآن يركضون مباشرة تحت وابل القصف من العدو، ويقفزون ~~من فوق قمم الخنادق. # استدار كلود وعاد إلى الحلقة. حسنا، مهما حدث فقد عمل مع رجال ~~شجعان. إن معرفة هؤلاء الرجال جعلته راضيا عن أنه قد عاش في ~~هذا العالم. كثيرا ما كان الجنود يتوسلون إلى الإله بالنذور ~~السرية حين يقعون في ضائقة، وها هو قد وجد نفسه يقدم هذه ~~النذور؛ إذا أعاد الرب ديفيد فليأخذ المقابل من كلود. إنه ~~مستعد لدفع المقابل. أيتقبل الرب منه؟ # مرت ساعة. الانتظار صعب على الأعصاب. أتى عند مدخل خندق ~~الاتصالات قطار محمل بالذخيرة والقهوة للحلقة. رأى الرجال أن ~~مقر القيادة قد صار في وضع جيد؛ إذ يوصل إليهم طعاما ساخنا تحت ~~وابل القصف هذا. وصلت رسالة إلى يد العقيد مفادها: ~~«كونوا مستعدين عندما يتوقف وابل القصف.» # أخذ كلود تلك الرسالة، وأراها لرماة المدافع الرشاشة في منطقة ~~«الأنف». حين التفت، وجد هيكس أمامه وقد خلع زيه حتى قميصه ~~وسرواله، وكان مبتلا كأنه خارج من نهر ومغطى ببقع الدم. ~~كانت يده ملفوفة في قطعة قماش. وضع فمه على أذن كلود وصاح: ~~«عثرنا عليهم. كانوا قد ضلوا الطريق. إنهم قادمون. أرسل الخبر ~~إلى العقيد.» ~~«أين جيرهارت؟» ~~«إنه آت؛ سيحضرهم إلى هنا. يا إلهي، توقف القصف!» # توقف القصف فجأة على نحو أصابهم بالذهول. شهق الرجال ~~الموجودون في ms346 الحلقة، وجثوا كأنهم كانوا يسقطون من ارتفاع. كان ~~الهواء الأسود الممتلئ بالدخان والخانق برائحة الغازات والبارود ~~المحترق، ساكنا كالموت. وكان الصمت كمخدر قوي. # ركض كلود عائدا إلى «الأنف» ليتأكد من استعداد فرق ~~المدفعية. «استيقظوا أيها الفتيان! ألا تعلمون سبب وجودنا ~~هنا!» # عاد بيرت فولر الذي كان في نقطة المراقبة إلى الخندق بجانبه. ~~«إنهم قادمون يا سيدي.» # أعطى كلود الإشارة إلى المدافع الرشاشة. وأطلقت النيران ~~بطول الحلقة. وفي لحظة هب نسيم فانجرفت سحب الدخان الكثيفة ~~إلى الخلف. صعد على قاعدة المدفع وحدق النظر. رأى العدو ~~يقترب من يسار «رأس الخنزير» في صفوف طويلة متموجة يتسع ~~عرضها لثمانية جنود تتجه نحو الخندق الرئيسي. فجأة توقف ~~التقدم. اختفت صفوف الجنود الراكضة خلف مرتفع في الأرض على ~~مسافة خمسين ياردة إلى الأمام، ولم تظهر ثانية على الفور. خطر ~~لكلود أنهم ينتظرون شيئا ما؛ يجدر به أن يكون ذكيا بما يكفي ~~لمعرفة ما ينتظرونه، لكنه لم يكن كذلك. أتى إليه عامل الخطوط ~~الهاتفية الخاصة بالعقيد. ~~«يوجد بمقر القيادة رسول من كتيبة ميزوري. سيصلون في غضون ~~عشرين دقيقة. سيرسلهم العقيد إلى هنا في الحال. وحتى ذلك الحين، ~~عليكم أن تصمدوا.» ~~«سنصمد. الألمان يتصرفون على نحو غريب. لا أفهم ~~أساليبهم.» # وبينما كان يتحدث، اتضح كل شيء. انشقت «أنف الخنزير» ~~بانفجار فتق الأرض، وتصاعد في بركان من الدخان واللهب. طرح ~~كلود ورسول العقيد أرضا على وجهيهما. عندما نهضا على قدميهما، ~~وجدا «الأنف» قد تحول إلى حفرة من الدخان مليئة بالقتلى ~~والمحتضرين. قتل فريق المدفعية الجورجي بأكمله. # كان هذا هو سبب انتظار الألمان خلف المرتفع. صنع المنجم ~~الموجود أسفل «الأنف» منذ وقت طويل بصورة عشوائية على الأرجح، ~~عندما استولى الألمان الهمجيون على خندق مولتك عدة أشهر من دون ~~مضايقات. وعلى مدار الأربع والعشرين ساعة الماضية ظلوا ~~يدخلون متفجراتهم؛ إذ خمنوا أن أقوى حامية ستتمركز ~~هناك. # ها هم أولاء كانوا يأتون مسرعين. صار الوضع متوقفا على ~~البنادق. كان الرجال الذين صعقوا من الصدمة قد نهضوا على أقدامهم ~~مرة أخرى. نظروا ms347 إلى قائدهم متسائلين وكأن الموقف برمته قد ~~تغير. شعر كلود أن عزيمتهم تخور أمام عينيه. في غضون لحظات ~~سيصبح الألمان الهمجيون فوق رءوسهم ويقتحمون المكان. جرى بطول ~~الخندق وهو يشير من فوق أكياس الرمال ويصيح: «القرار قراركم، ~~القرار قراركم!» # انتظم رماة البنادق في الصفوف مرة أخرى وبدءوا إطلاق ~~الرصاص، لكن كلود شعر أن الجنود أصابهم الوهن والتردد، وأن ~~عقولهم كانت تفكر بالفعل في الانسحاب. إذا كان لهم أن يفعلوا ~~شيئا، فلا بد أن يكون سريعا، ولا بد أن يكون التصويب بالبنادق ~~دقيقا. لا شيء سيجدي نفعا سوى نيران مدمرة ... قفز إلى قاعدة ~~المدفع ومنها إلى الحاجز. حدث شيء في التو واللحظة؛ صار يسيطر ~~على رجاله. ~~«ثابت، ثابت!» نادى فرق البنادق الموجودة خلفه أن تطلق ~~الرصاص بمدى ثابت، ورأى أن الطلقات نجحت في إصابة العدو. ~~فعلى طول صفوف الألمان، كان الجنود يتعثرون ويسقطون. انحرفوا ~~قليلا تجاه اليسار؛ فنادى فرق البنادق أن يتبعوهم، وأخذ ~~يوجههم بصوته ويديه. لم يكن الأمر يقتصر على أنه يستطيع تصويب ~~المدى وتوجيه إطلاق الرصاص من هذا المكان، بل بات الجنود خلفه ~~كالصخر. ذلك الصف من الوجوه بالأسفل؛ هيكس وجونز وفولر وأندرسون ~~وأوسكار ... لم تحد أعينهم عنه قط. مع هؤلاء الرجال، يمكنه ~~القيام بأي شيء. # انحرف الجناح الأيمن في صف الألمان بمقدار لا يزيد عن عشرين ~~ياردة من منطقة «الأنف» المحطمة؛ في محاولة للاحتماء تحت تلك ~~الكومة من الحطام والجثث. أحبط التركيز السريع من فرق البنادق ~~محاولة الاحتماء، وعاد الانتفاخ مجددا باتجاه اليسار. لم يجذب ~~ظهور كلود على الحاجز انتباه العدو في البداية، لكن الطلقات بدأت ~~تتناثر حوله، واصطدمت رصاصتان في خوذته المصنوعة من القصدير، ~~وأصابت واحدة كتفه. تقاطر الدم على معطفه، لكنه لم يشعر بأي ~~ضعف. لم يكن يشعر إلا بشيء واحد، وهو أنه يقود رجالا رائعين. ~~عندما يأتي ديفيد بالدعم، ربما يجدهم موتى، لكنه سيجدهم جميعا ~~هناك. صمدوا في أماكنهم إلى أن حملوا إلى مقابرهم. كانوا بشرا، ~~لكن لا يقهرون. # كان يفكر أن العشرين دقيقة التي ms348 قالها بها العقيد قد أوشكت ~~على الانتهاء. لم يستطع أن يحول بصره عن خط القتال الأمامي مدة ~~طويلة تمكنه من النظر في ساعة يده. رآه الرجال من خلفه وهو ~~يترنح كأنه فقد توازنه ويحاول أن يستعيده. بعد ذلك سقط على ~~وجهه خارج المتراس. أمسكه هيكس من قدمه وسحبه إلى الداخل. وفي ~~اللحظة ذاتها رأوا كتيبة ميزوري تصيح عند خندق الاتصالات. رموا ~~المدافع الرشاشة على أكياس الرمال، واشتبكوا في القتال من دون ~~إصدار أي حركة غير ضرورية. # كل من هيكس وبيرت فولر وأوسكار حملوا كلود واتجهوا به إلى ~~«الأنف» بعيدا عن كتيبة الدعم التي كانت تتدفق إليهم. لم يكن ~~ينزف دما غزيرا. ابتسم إليهم كأنه يريد التحدث، وكانت عيناه ~~تحملان نظرة فارغة واهنة، مزق بيرت قميصه وفتحه، ووجد ثلاثة ~~ثقوب قد اخترقها الرصاص. حين نظروا إلى كلود مرة أخرى، وجدوا ~~الابتسامة قد اختفت من شفتيه، وخبت نظرة عينيه. مسح هيكس ~~العرق والدخان من وجه قائده. قال: «الشكر للرب أنني لم أخبره. ~~الشكر للرب على ذلك!» # كان بيرت وأوسكار يعرفان ما يرمي إليه هيكس. لقد مزق جيرهارت ~~إلى أشلاء بجانبه عندما انطلقا تحت وابل القصف كي يبحثا عن كتيبة ~~ميزوري. كان يركضان معا عبر الخلاء غير قادرين على الرؤية بوضوح ~~بسبب الدخان. تعثرا في جزء من الأسلاك الشائكة كان متروكا فوق ~~خندق كبير. انعطف ديفيد إلى اليمين، ولوح إلى هيكس بأن يتبعه. ~~لم يكن يفصل بينهما أكثر من عشر ياردات عندما سقطت القذيفة. ~~عندئذ ركض الرقيب هيكس بمفرده. # 19 # تغرب الشمس وتختفي تدريجيا في البحر، وثمة سفينة تتحرك ببطء ~~على المخانق مع حركة المد. تعج الأسطح برجال يرتدون الزي ~~البني. تجمعوا على الأجزاء العلوية من السفينة كالنحل في وقت ~~التطريد. بدا عليهم الهدوء والاسترخاء. بينما كانوا يشاهدون ~~اقتراب الشاطئ، بدا بعضهم غارقا في التفكير، وبعضهم مبتهجا، ~~وبعضهم مغتما، وبدا العديد غير مبال. لم يعودوا هم الرجال ~~أنفسهم الذين غادروا الوطن. # كان الرقيب هيكس يقف عند مؤخرة السفينة يدخن ويفكر ويراقب ~~توهج غروب ms349 الشمس الأحمر وهو يلوح فوق المياه التي تعلوها ~~السحب. مرت مدة تزيد على السنة منذ أن أبحر إلى فرنسا. تغير ~~العالم في تلك المدة، وهو أيضا تغير. # شق بيرت فولر طريقه إلى الرقيب. «يقول الطبيب إن العقيد ماكسي ~~يحتضر، لن يعيش حتى ينزل من السفينة، فضلا عن أن يحضر العرض ~~العسكري في نيويورك غدا.» # هز هيكس كتفيه كأن الالتهاب الرئوي الذي أصاب ماكسي لا ~~يعنيه في شيء. «حسنا، ينبغي أن نقلق! لقد فقدنا ضباطا أفضل ~~منه هناك.» ~~«لم أقل إننا لم نفقد أفضل منه. لكن الأمر يبدو سيئا للغاية، ~~حين يكون قويا جدا على التفاخر والمباهاة. لقد ظل يرسل ~~برقيات بشأن هذا العرض العسكري لمدة أسابيع.» ~~«أها!» رفع هيكس حاجبيه ورمقه بنظرة ازدراء بطرف عينه. أخذ ~~يغمغم بالحديث وينظر شزرا إلى المياه المتلألئة: «صار العقيد ~~ماكسي على أي حال! أعتقد أنه ترقى على أكتاف ما فعله كلود ~~وجيرهارت!» كان هيكس وبيرت فولر يساعدان في الحفاظ على قلعة ~~إرينبرايتشتاين العريقة. كانا يساند أحدهما الآخر على الدوام، ~~وعادة ما يتشاجران ويتأفف أحدهما من الآخر عندما يكونان خارج ~~الخدمة. بالرغم من ذلك، فإنهما يدعم أحدهما الآخر. إنهما آخر ما ~~تبقى من مجموعتهما. أما نيفتي جونز وأوسكار، فالرب وحده يعلم ~~سبب ذهابهما إلى البحر الأسود. # مكث بيرت وهيكس عاما في وادي الراين لم يفترقا خلاله سوى مرة ~~واحدة عندما أخذ هيكس إجازة لمدة أسبوعين بسبب السفر المرهق ~~والمتواصل، وذهب إلى البندقية. لم يكن لديه جواز سفر مناسب، ~~وقد توسل إليه القناصل والمسئولون الذين ناشدهم بشأن الصعوبات ~~التي واجهته أن يقنع بمكان أقرب. لكنه قال إنه سيذهب إلى مدينة ~~البندقية لأنه دائما ما كان يسمع عنها. سر بيرت فولر بعودته ~~إلى مدينة كوبلنز، وأقام «حفلة نبيذ» احتفاء بعودته. إنهما ينويان ~~أن يعتني أحدهما بالآخر. وعلى الرغم أن بيرت يعيش على نهر بلات، ~~وهيكس على نهر يبج بلو، فإن طرق السيارات بين هذين النهرين ~~ممتازة. # ظل بيرت على سجيته اللطيفة التي كان عليها منذ غادر مطبخ ms350 أمه، ~~وكانت أكبر مشكلاته تكرار محاولات الخطبة. أما هيكس، فقد ~~ارتسم على وجهه المستدير المكتنز تعبير سخرية طفيف لم يكن ~~ملائما لوجهه البتة. جرحت أحداث الحرب مشاعره، رغم أنه لم ~~يكن يريد شيئا لنفسه على الإطلاق. وعلى حد قوله، فإن منح ~~الأوسمة ووضعها على رءوس غير المستحقين في الجيش، وتألق سعف ~~النخيل والصلبان على الصدور الخاطئة، جعله يغير مفاهيمه عن ~~القيم. # إن أشد ما كان هيكس يرغب فيه في هذا العالم أن يدير مرآب ~~وورشة إصلاح مع صديقه القديم ديل آبل. قضت بوفورت على كل ذلك. ~~بالرغم من ذلك، فهو يخطط لإنشاء متجر لإحياء ذكرى صديقه، ويضع ~~اسميهما: «هيكس وآبل» على بابه. إنه يريد أن يشمر عن ساعديه ~~ويقضي بقية حياته في فحص الأجزاء الداخلية المنطقية والجميلة في ~~السيارات. # مع دخول السفينة إلى نهر الشمال، انطلقت صافرات الإنذار وصافرات ~~البخار بطول الواجهة المائية في تحية حارة إلى الجنود العائدين. ~~استعد الرجال وراحوا يبتسم بعضهم إلى بعض، بينما بدا السأم على ~~بعضهم. أشعل هيكس سيجارة ببطء وأخذ ينظر إلى عقبها بتعبير ~~سيحير أصدقاءه عندما يصل إلى أرض الوطن. # لا تزال قصة كلود ويلر مستمرة من حيث بدأت، على ضفاف نهير ~~لافلي كريك. فبالنسبة إلى العجوزين اللتين لا تزالان تعملان في ~~المنزل الملحق بالمزرعة، ذكراه حاضرة على الدوام تتجاوز كل ما ~~سواها لتقبع عند آخر حدود الوعي، كشمس الغروب وهي ترى في ~~الأفق. # تلقت السيدة ويلر خبر وفاته أحد الأيام بعد الظهيرة وهي في ~~غرفة الجلوس؛ تلك الغرفة التي ودعها فيها. كانت عاكفة على ~~القراءة عندما رن جرس الهاتف. ~~«هل هذه مزرعة ويلر؟ معكم مكتب البرقيات من فرانكفورت. تلقينا ~~رسالة من وزارة الحرب ...» تردد الصوت قليلا ثم قال: «هل السيد ~~ويلر موجود؟» ~~«لا، ولكن يمكنك أن تقرأ علي الرسالة.» # قالت السيدة ويلر: «شكرا لك»، ووضعت سماعة الهاتف. تلمست ~~طريقها إلى كرسيها بهدوء. جلست ساعة بمفردها، لم يكن في الغرفة ~~خلالها سواه، لم يكن فيها سواه هو والخريطة التي ترتسم فيها نهاية ~~طريقه. ms351 في مكان ما بين تلك الأسماء المحيرة، وجد مكانه. # ظلت خطابات كلود تصلها على مدار أسابيع بعد ذلك، ثم توالت ~~الخطابات إليها من رفاقه والعقيد الذي كان تحت إمرته؛ كي تخبرها ~~بكل شيء. # في الشهور المظلمة التالية حين بدت الطبيعة البشرية للسيدة ~~ويلر أقبح كثيرا من ذي قبل، كانت تلك الخطابات سلوى لها. بينما ~~كانت تقرأ في الصحف، راحت تفكر في عبور البحر الأحمر الذي ورد ~~ذكره في الكتاب المقدس؛ بدا كأن طوفان الخسة والجشع قد ~~انحسر بما يكفي لأن يتمكن الفتية من عبوره، لكنه اجتاح بعد ذلك ~~كل ما تبقى في الوطن وابتلعه. حين كانت ترى أن شيئا لم يأت ~~من ذلك كله سوى الشر، كانت تقرأ خطابات كلود مرة أخرى وتؤكد ~~لنفسها أنه رأى النداء واضحا والقضية جليلة. لم تلطخ إيمانه ~~الصافي ذرة شك واحدة قط. إنها تخمن الكثير جدا مما لم ~~يكتبه. إنها تعلم ما تقرؤه بين ثنايا تلك الومضات السريعة من ~~الحماسة؛ كيف أنه وجد حياته على نحو كامل لا بد قبل أن يتحرر ~~منها في مكان بعيد؛ هو الذي كان يخشى من أن يتعرض للخداع! لقد ~~مات وهو يؤمن بأن بلده أفضل مما هي عليه، وأن فرنسا هي أفضل بلد ~~على الإطلاق. وتلك معتقدات جميلة من الجيد أن يموت المرء ~~مقتنعا بها. ربما كان من الجيد أيضا أن يرى المرء تلك الرؤيا ثم ~~لا يرى شيئا بعدها. كانت تخشى تلك اليقظة، حتى إنها تشك أحيانا ~~فيما إن كان قد استطاعت تحمل تلك الخيبة المؤسفة الأخيرة. واحدا ~~تلو الآخر، يغادر أبطال تلك الحرب ورجال الجندية الباسلة ~~العالم الذي عادوا إليه، قبل الأوان. طيارون تروى أفعالهم في ~~الحكايات، وضباط تلهب أسماؤهم الشجاعة في دماء الشباب، ناجون من ~~مخاطر مروعة، يموتون واحدا تلو الآخر بأيديهم بهدوء. البعض ~~يفعلها في منازل إقامة مغمورة الذكر، والبعض في مكاتبه حيث يبدو ~~أنهم يقومون بأعمالهم مثل البقية. البعض ينزلق من جانب سفينة ~~ويختفي في البحر. عندما تسمع والدة كلود عن تلك الحكايات، ms352 تجفل ~~وتضغط بيدها على صدرها وكأنه بين أحضانها. تشعر أن الرب قد أنقذه ~~من آلام مروعة ونهايات مفجعة. فمن خلال ما قرأته، صارت ~~تعتقد أن الذين يقتلون أنفسهم كانوا جميعا مثله؛ أولئك الذين ~~يسرفون في الأمل، ولكي يتمكنوا من القيام مما قاموا به كان ~~عليهم أن يسرفوا في الأمل، وأن يؤمنوا بشغف. وفي النهاية وجدوا ~~أنهم قد أفرطوا في الأمل والإيمان. لكن الشخص الذي تعرفه، والذي لا ~~يطيق الوهم ... هو في أمان. # في بعض الأحيان عندما تكون ماهيلي بمفردها مع السيدة ويلر، ~~تناديها بلقب «الأم» فتقول: «الآن أيتها الأم فلتصعدي إلى الطابق ~~العلوي وتستلقي كي تستريحي». وحينها تعرف السيدة ويلر أنها تفكر ~~في كلود وتتحدث بالنيابة عنه. عندما تعملان على طاولة أو تنحنيان ~~على الفرن، ثمة شيء يذكرهما به ويفكران فيه معا كأنهما شخص ~~واحد؛ تربت ماهيلي على ظهرها وتقول: «لا عليك أيتها الأم، ~~سترين ولدك هناك.» دائما ما تشعر السيدة ويلر أن الرب قريب، ~~ورغم أن ماهيلي لا تهتم بأي معرفة عن الفضاء فيما بين النجوم ~~فالرب أقرب إليها؛ فهي تستشعر وجوده فوقها مباشرة، حتى إنه ليس ~~أعلى كثيرا من موقد المطبخ. ms353