######OpenITI# #META# URI: 1450ImanJamalDinFarmawi.BertrandRussellMuqaddimaQasira.Hindawi41693695 #META# Tags: biographies #META# ID: 41693695 #META# Title: برتراند راسل: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 93738649 #META# Author: إيه سي جرايلينج #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 69037363 #META# Translator: إيمان جمال الدين الفرماوي #META# Related_books: 1450ACGrayling.BertrandRussellShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - حياته وعمله‏ # 2 - المنطق والفلسفة‏ # 3 - الفلسفة والعقل والعلم‏ # 4 - السياسة والمجتمع‏ # 5 - تأثير راسل‏ # الأعمال المقتبس منها داخل النص‏ # قراءات إضافية‏ # تمهيد‏ # 1 - حياته وعمله‏ # 2 - المنطق والفلسفة‏ # 3 - الفلسفة والعقل والعلم‏ # 4 - السياسة والمجتمع‏ # 5 - تأثير راسل‏ # الأعمال المقتبس منها داخل النص‏ # قراءات إضافية‏ # | برتراند راسل # | برتراند راسل # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # إيه سي جرايلينج # ترجمة # إيمان جمال الدين الفرماوي # | تمهيد # عاش برتراند راسل حياة مديدة وحقق الكثير من الإنجازات، وهو من بين قلة من الفلاسفة ~~أصبحت أسماؤهم معروفة للعامة، وأصبحوا - في حياتهم وعملهم - تجسيدا للتراث الفكري العظيم ~~الذي يمثلونه. وقد قامت السمعة التي تمتع بها راسل بين معاصريه على تعدد ~~إسهاماته - وكثيرا ما كانت تلك الإسهامات ~~خلافية للغاية - في النقاشات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والتعليمية. ولكن سبب تمتعه ~~بشهرة باقية يستند على إسهاماته الفنية المدهشة في مجالي المنطق والفلسفة. وفيما يلي ~~سأقدم عرضا لما أنجزه من عمل في كلا المجالين على مدى حياته. والهدف من ذلك العرض هو ~~تقديم سرد واضح لهذين المجالين حسبما تسمح به ضرورة الإيجاز. ولما لم يكن هذا مقام ~~التقييم المفصل للمناقشات الفلسفية، ولا مقام التفاصيل الفنية المتعلقة بالمنطق الرياضي، ~~فإني أخصص معظم المساحة للعرض؛ وإن كنت سأجازف بتقديم شيء من المناقشة كذلك. ويمكن ~~الاستزادة من موضوعات المناقشة بالرجوع إلى المؤلفات المذكورة في قسم القراءات الإضافية، ~~وهو القسم الذي يرشد كل من قد يود التبحر في موضوع ما بعد أن يتعرف على نبذة سريعة ~~عنه في هذا الكتاب. ومع ذلك يتسنى للقراء غير المهتمين على وجه الخصوص بنطاقات المنطق ~~والفلسفة المتخصصة أن يغفلوا الفصلين # الثاني # و # الثالث ~~، ويمكنهم أن يركزوا بدلا من ذلك على سيرة حياة راسل ~~وإسهاماته في المناقشات العامة، كما يرد في الفصلين # الأول # و # الرابع ~~. # أشكر كيث توماس ومصحح البروفات المطبعية لدى مطبعة جامعة أكسفورد الدقيق الملاحظة لما ~~قدماه من تعليقات، وكين بلاكويل لمساعدته الفورية وما قدمه من مستندات من مؤسسة سجلات ~~راسل، وأليكس أورينشتاين وراي مونك لما شاركا ms001 به من مناقشات ذات صلة. والشكر موصول أيضا ~~للينا موخي لما بذلته من جهد في الفهرس. # إهداء إلى سو: «أمرتني ربة الشعر أن أمتدح صوت خليلتك ليسيمنيا العذب.» # إيه سي جرايلينج # لندن # 1996 # الفصل الأول # | حياته وعمله # يعد راسل من أشهر فلاسفة القرن العشرين. ويرجع ما يتمتع به من شهرة أساسا - ومن ~~سوء سمعة أحيانا - إلى مشاركته في الجدل الاجتماعي والسياسي. ظل راسل من الشخصيات ~~العامة المألوفة على مدى نحو 60 عاما؛ إذ كان يظهر في الصحافة الشعبية أحيانا كموضوع ~~للفضائح، وأحيانا أخرى في الفترات التي حظي فيها بالاحترام كمثقف حكيم؛ وأثناء تلك ~~الفترات ظهر كمذيع أيضا. كان يدلي بدلوه كثيرا في شئون الحرب والسلام والأخلاق ~~والجنسانية والتعليم وسعادة البشر. ونشر الكثير من الكتب والمقالات الرائجة، وجلبت عليه ~~آراؤه مجموعة متنوعة من ردود الأفعال تراوحت بين أحكام بالسجن وجائزة نوبل. # ولكن أعظم إسهاماته والأسس الحقيقية التي قامت عليها سمعته تكمن في النطاقات الفنية ~~المتخصصة لمجالي المنطق والفلسفة؛ فقد كان تأثيره شديدا على مضمون الفلسفة وأسلوبها في ~~البلدان الناطقة بالإنجليزية في القرن العشرين، حتى إنه أصبح يمثل اللحن الأساسي للفلسفة في ~~تلك الفترة. صار الفلاسفة يستخدمون الأساليب والأفكار الناشئة من عمله دون أن يشعروا ~~بالحاجة إلى ذكر اسمه - بل وأحيانا دون إدراك وجود تلك الحاجة - مما يوضح مدى تأثيره. ~~وبهذه الطريقة قدم راسل إسهاما أهم بكثير في الفلسفة مقارنة بتلميذه لودفيج فيتجنشتاين. ~~لقد تعلمت الفلسفة دروسا قيمة من فيتجنشتاين، ولكنها اكتسبت إطار عمل كاملا من راسل، ~~يشكل ما صار يطلق عليه حاليا «الفلسفة التحليلية». # ويقصد بكلمة «التحليل» الاستقصاء الدقيق للمفاهيم الفلسفية المهمة، وكذلك للغة التي ~~تجسدها، وذلك باستخدام طرق وأفكار مشتقة من المنطق الصوري. لم ينشئ راسل الفلسفة ~~التحليلية بالطبع من دون مساعدة؛ إذ تأثر بعلماء المنطق جيوسيبي بيانو وجوتلوب فريجه ~~وبزملائه في جامعة كامبريدج جي إي مور وإيه إن وايتهيد. وكان من بين مصادر التأثر الأخرى ~~مفكرو القرنين السابع عشر والثامن عشر رينيه ديكارت وجوتفريد لايبنتس وجورج بيركلي وديفيد ~~هيوم. ms002 كان أول كتاب فلسفي ألفه عبارة عن دراسة تحمل طابعا متعاطفا لثاني هؤلاء ~~الفلاسفة. ولكنه جمع بين مصادر التأثر هذه بحيث أصبحت تقدم نهجا جديدا للمشكلات الفلسفية؛ ~~مما ساعد في إيضاحها بضوء منطقي كاشف جديد؛ وبهذه الطريقة أدى دورا محوريا في ~~تغيير فلسفة القرن العشرين تغييرا جذريا في التراث الفلسفي الناطق بالإنجليزية. # إذن كان راسل فيلسوفا بالمعنى الشعبي؛ أي كحكيم ومعلم للبشرية، وبالمعنى الأكاديمي ~~المهني. في الفصول التالية سأقدم وصفا لإسهاماته في هذين الوجهين الفلسفيين. أما في ~~الفصل الحالي فأقدم صورة وصفية لحياته الطويلة الثرية، المضطربة أحيانا، والتي تشكل في ~~مجملها وتنوعها إحدى أهم السير الملحمية في العصر الحديث. # ولد برتراند آرثر ويليام راسل في 18 مايو 1872 في أسرة شهيرة، هي الفرع الأصغر من نبلاء ~~بيدفورد. وكان جده لأبيه هو اللورد جون راسل الشهير الذي استحدث قانون الإصلاح في عام 1832، ~~وكانت تلك هي الخطوة الأولى نحو إضفاء الطابع الديمقراطي على البرلمان. وشغل اللورد جون ~~منصب رئيس الوزراء مرتين - من 1846 إلى 1852 ومن 1865 إلى 1866 - ومنحته الملكة فيكتوريا ~~لقب إيرل. وكان جد راسل لأمه - اللورد ستانلي أوف ألديرلي - من الحلفاء السياسيين للورد ~~جون. # كان والدا راسل زوجين غير عاديين ومثيرين للجدل؛ إذ كانا ملتزمين بالقضايا التقدمية مثل ~~تنظيم الأسرة وحق التصويت للنساء. واختار أبوه ~~- الفيسكونت أمبيرلي - جون ستيوارت مل ليكون أباه بالمعمودية بالمعنى غير الديني. وتوفي ~~مل قبيل عيد ميلاد راسل الأول؛ لذا كان تأثيره عليه غير مباشر، مع أنه كان كبيرا. # شكل 1-1: عائلة راسل في عام 1863، ويظهر في الصورة دكتور فاجنر، وهو معلم خصوصي، ~~وويليام راسل عم برتراند راسل، وليدي راسل، ورولو راسل (عم آخر) وجورجي ~~(ابنة اللورد جون من زواجه الأول)، ولورد أمبيرلي، ولورد جون راسل، وأجاثا ~~راسل (عمة برتراند راسل). # 1 # كان أمبيرلي عضوا بالبرلمان لمدة قصيرة، ولكن مسيرته السياسية تهاوت حين أصبح معروفا عنه ~~تأييده لفكرة منع الحمل. ومن أمثلة آراء آل أمبيرلي التقدمية حالة دي إيه سبولدينج، وهو ~~عالم بارع شاب كان ms003 يعمل معلما خصوصيا لشقيق راسل الأكبر فرانك؛ إذ كان سبولدينج مصابا ~~بمرض السل؛ ولذا لم يكن وضعه يسمح له بالزواج وتكوين أسرة. وقرر آل أمبيرلي أن هذا ليس ~~مبررا لكي يصير متبتلا؛ لذا فإن أم راسل «سمحت له بالعيش معها» - على حد تعبير راسل في ~~سيرته الذاتية - ويضيف قائلا: «مع أنه على حد علمي ليس هناك دليل على أنها كانت تستمد أي ~~متعة من تلك العلاقة» (السيرة الذاتية لبرتراند راسل، ص12). # توفيت أم راسل وأخته بمرض الدفتيريا في 1874 حين كان في الثانية من عمره، وتوفي ~~أبوه بعد ذلك بثمانية عشر شهرا. كان أمبيرلي قد خصص اثنين من اللاأدريين أوصياء على ~~أبنائه - كان سبولدينج أحدهما - ولكن جديه، الإيرل راسل وزوجته، رفضا رفضا قاطعا، ورفعا ~~دعوى لإسقاط وصية أمبيرلي، وأخذا أحفادهما ليقيموا معهما في منزلهما في «بيمبروك لودج»، وهو ~~منزل ملكي يقع في حديقة ريتشموند بارك. أحس فرانك ~~- وكان يكبر راسل بسبع سنوات - أن الإقامة هناك ~~غير محتملة؛ فراح يسلك سلوكا متمردا. فأرسلوه إلى مدرسة داخلية. أما بيرتي - وكان لين ~~العريكة ودمث الطباع - فقرروا أن يظل مقيما في المنزل. توفي جده بعد ذلك بثلاث ~~سنوات فقط، وأصبح خاضعا تماما لتأثير جدته المتزمتة التي تعتنق مذهب الكنيسة المشيخية ~~الاسكتلندية، وكانت ابنة إيرل أوف مينتو الثاني. وغالبا ما يمكن تفسير شخصية راسل، بل ~~تبريرها - حين تستدعي المناسبة ذلك فيما يبدو - بالرجوع إلى أصوله الأرستقراطية؛ ولكن ~~التكوين الأولي لشخصيته جاء نتيجة المذهب البيوريتاني المتشدد الذي كانت تعتنقه جدته، وهو ~~المذهب الذي كان يميز الطبقة الوسطى أكثر مما كان يميز الطبقة العليا الأرستقراطية في العصر ~~الفيكتوري. وقد كتبت له جدته على الصفحة البيضاء في مقدمة الكتاب المقدس الذي أهدته إياه في ~~ذكرى ميلاده الثانية عشرة نصا من أهم النصوص المفضلة لديها: «لا تتبع الكثيرين إلى فعل ~~الشر.» وظل هذا النص من المبادئ التي ظل يتبعها راسل طوال حياته. # شكل 1-2: الصورة المصدرة لكتاب «العناصر»، وهو أشهر بحث لإقليدس عن ~~الرياضيات. # 2 # بادئ ذي بدء، كانت ms004 طفولة راسل طفولة موحشة ولكنها لم تكن تعيسة. كان لديه مربيات ألمانيات ~~وسويسريات، فبدأ يتحدث الألمانية مبكرا بطلاقة تضارع تحدثه بالإنجليزية. وكان يهيم ~~حبا بالمساحات الشاسعة المحيطة بمنزل «بيمبروك لودج»، وهي مساحات تتميز بمناظرها الجميلة ~~المطلة على الأراضي الريفية المحيطة. وجاء فيما كتبه: «كنت أعرف كل ركن من الحديقة، وكنت ~~أبحث كل عام عن زهور الربيع البيضاء في مكان ما، وعن عش طائر الحميراء في مكان آخر، وعن ~~برعم زهرة الأكاسيا وهو يخرج من خميلة من اللبلاب» (السيرة الذاتية لبرتراند راسل، ص26). ~~ولكن مع دخوله مرحلة البلوغ، أخذت عزلته - الفكرية والعاطفية - تزداد ألما. كان وحيدا بين ~~أسرة من كبار السن متباعدين عنه من كل النواحي. وكان الرابط الوحيد الذي يربطه بالعالم ~~الأكبر هو مجموعة متعاقبة من المعلمين الخصوصيين. ومع ذلك أنقذته الطبيعة والكتب - وفيما ~~بعد الرياضيات - من الإحساس بتعاسة جارفة. كان أحد أعمامه يكن اهتماما بالعلوم، وهو ما ~~نقله إلى راسل؛ مما ساعد على تحفيز يقظته الذهنية. ولكن اللحظة الفارقة الحقيقية جاءت حين ~~بلغ 11 عاما وبدأ أخوه يعلمه الهندسة. صرح راسل أن التجربة كانت «مبهرة مثل تجربة الحب ~~الأول» (السيرة الذاتية لبرتراند راسل، ص30). وبعد أن أتقن النظرية الخامسة بسهولة النظريات ~~نفسها التي تسبقها، أخبره فرانك أنها عادة ما يجدها الآخرون صعبة، وهذه النظرية الخامسة هي ~~«جسر إقليدس» الشهير الذي يضع حدا للكثير من الناشئين في دراسة الهندسة. وكتب راسل: «كانت ~~تلك المرة هي أول مرة يتبادر لذهني أنني قد أمتلك شيئا من الذكاء.» ولكن ما أفسد الأمر هو ~~أن إقليدس يبدأ ببدهيات، وحين طلب راسل إثباتها، رد عليه فرانك بأنه لا بد أن يقبلها كما ~~هي، وإلا تعذر استمرار المسألة الهندسية. فقبل راسل ذلك على مضض، ولكن الشك الذي ساوره في ~~تللك اللحظة ظل يلازمه، وهو ما حدد سياق عمله اللاحق الذي قام على أسس ~~الرياضيات. # عام 1888 التحق راسل كتلميذ داخلي بمعهد تابع للجيش مخصص لحشو أدمغة الطلاب بالمعلومات ~~في مدة قصيرة؛ وذلك للاستعداد لاختبارات منحة جامعة ms005 كامبريدج. وكانت من المنغصات التي تخللت ~~مدة إقامته هناك ما رآه سلوكا فظا بين بعض من الشباب الآخرين. ومع ذلك نال منحة ~~للالتحاق بكلية ترينيتي، والتحق بها في أكتوبر 1890 لدراسة الرياضيات. # شعر وكأنه قد دخل الجنة. وكان ألفريد نورث وايتهيد - الذي تعاون معه فيما بعد في كتابة ~~كتاب «مبادئ الرياضيات» - قد نظر في أوراق إجابة راسل في المنحة الدراسية التي حصل عليها، ~~وأوصى به عددا من الطلاب والمحاضرين الموهوبين؛ ومن ثم وجد نفسه بين رفاق يشابهونه إلى ~~حد كبير، فلم يعد منعزلا فكريا، ووجد أخيرا سبيلا إلى الصداقة؛ إذ كون صداقات ~~قوامها الاهتمامات المشتركة والمستوى الذهني المتجانس. # وفي أول ثلاث سنوات أمضاها راسل هناك، درس الرياضيات. وفي السنة الرابعة أصبح منكبا على ~~دراسة الفلسفة، ودرس على يد هنري سيدجويك وجيمس وارد وجي إف ستاوت. وكان الفيلسوف الذي ~~يعتنق المذهب الهيجلي، جيه إم إي ماك تاجارت، في ذلك الحين مؤثرا بين الطلاب والمحاضرين ~~الشباب في كامبريدج. وهو الذي حفز راسل على اعتبار الفلسفة التجريبية البريطانية - ويمثلها ~~لوك وبيركلي وهيوم وجون ستيوارت مل - فلسفة «غير مكتملة»، وشجعه بدلا من ذلك على دراسة ~~فلسفة كانط وخصوصا هيجل. وبدافع تأثير ستاوت، أصبح راسل معجبا بالفيلسوف المعتنق للمذهب ~~الهيجلي القادم من جامعة أكسفورد، إف إتش برادلي، فأخذ يدرس أعماله بعناية، وكانت أعماله ~~تروج لصورة من الرأي الفلسفي المعروف باسم «المثالية». # ولكن أكثر من أثر في راسل أشد التأثير كان أحد معاصريه الشباب، وكان ذلك هو جي إي مور، ~~وقد بدأ كمعتنق للفلسفة الهيجلية شأنه شأن راسل، ولكنه سرعان ما نبذها، وأقنع راسل أن ~~يحذو حذوه. كان برادلي يرى أن كل ما يصدقه المرء بدافع المنطق السليم - مثل التعددية ~~والتغير في عالم الأشياء - ليس إلا مظهرا خارجيا، وأن الواقع ما هو إلا حقيقة ذهنية ~~مطلقة. رفض كل من راسل ومور هذا الرأي من منطلق حس عنيد بالتحرر. ومع أنهما تطورا بعد ~~ذلك بطريقتين مختلفتين، ومع أن راسل بالتحديد حاول بكل جهده البحث عن بدائل مرضية، ms006 فإن ~~العمل الفلسفي الذي أنجزه كل منهما كان يسلم بالواقعية والتعددية (انظر الفصل # الثاني # للاطلاع على توضيح لهذين المصطلحين). # ولكن التمرد الذي تزعمه مور جاء لاحقا. نجح راسل وصنف بين المتفوقين في امتحانات ~~درجة الشرف بجامعة كامبريدج «ترايبوز» في الرياضيات لعام 1893، وكان ترتيبه السابع في ~~امتحانات الرياضيات بجامعة كامبريدج، وصنف بين المتفوقين مع مرتبة الشرف في امتحانات ~~العلوم الأخلاقية «ترايبوز» في العام التالي (كانت العلوم الأخلاقية الاسم الذي يطلق على ~~مواد مثل الفلسفة والاقتصاد في جامعة كامبريدج). ثم بدأ يكتب أطروحة الزمالة على أسس ~~الهندسة، وذلك على خطا كانط الذي كان له التأثير الأكبر على آرائه في ذلك الحين. وإبان ~~تلك الأحداث الحافلة، بلغ سن الرشد، وأصبح لذلك حرا ليقدم على فعل كان ينتويه على ~~الرغم من المعارضة الشديدة التي أبدتها عائلته، وكان ذلك هو الزواج من أليس بيرسول سميث، ~~وهي فتاة أمريكية من طائفة الكويكرز تكبره بخمس سنوات، كان قد التقاها وهام بها حبا على ~~الفور في 1889، مع أنها لم تبادله المشاعر إلا بعد ذلك بأربع سنوات. ورأت عائلة راسل أنها ~~غير مناسبة على الإطلاق، وأخبرته أنه يستحسن على أي حال من الأحوال ألا ينجب منها لأن ~~بعض أفراد عائلته كانوا يعانون من الجنون، وبرهنوا على ذلك بالإشارة إلى كل من عمه ~~ويليام، وكان مقيما في مصحة للمرضى العقليين، وعمته أجاثا، وكانت تنتابها تهيؤات ~~وتزداد غرابة أطوارها كلما تقدمت في السن. # شكل 1-3: كانت أليس بيرسول سميث - وهي أمريكية من طائفة الكويكرز - أول حبيبة ~~لراسل، التقى بها حين كان في السابعة عشرة من عمره، وتزوجها بعد ذلك بأربع ~~سنوات في ~~1894. # 1 # في محاولة لإبعاده عن أليس، اتخذت عائلة راسل ترتيبات لتعيينه ملحقا شرفيا في السفارة ~~البريطانية في باريس. ومما لا شك فيه أنهم كانوا يأملون أن تلبي المغريات التي كانت تعج ~~بها باريس في تسعينيات ذلك القرن الدوافع التي كانت تدفعه نحو الزواج. ولكن التربية ~~البيوريتانية المتزمتة التي فرضتها عليه جدته كانت مؤثرة فيه إلى أقصى حد؛ وأحبطت تلك ms007 ~~التربية الخطة، وذلك كما يتضح من الرسائل - وهي نماذج للتزمت - التي كان راسل يرسلها ~~إلى عائلته ويشكو فيها من الحياة الباريسية؛ فجاء في رسالة كتبها: «في باريس وجدت الجميع ~~يسلكون مسلكا بذيئا، وكلما تلفت المرء حوله يرى نماذج لتدنيس الحب، إنهم يجعلونني أرتجف ~~اشمئزازا.» وما إن أصبح راسل يتحكم في أحواله المالية (كان يتلقى ميراثا طيبا قدره 600 ~~جنيه إسترليني سنويا، وكانت عروسه ميسورة الحال أيضا) حتى تزوج من أليس، وفي البداية ~~كانا سعيدين. # نال راسل بفضل أطروحته زمالة بحثية بمدة ثابتة في كلية ترينيتي دون أي واجبات مفروضة ~~عليه؛ مما ترتب عليه أنه لم يكن مضطرا للتدريس في جامعة كامبريدج أو الإقامة فيها؛ ومن ~~ثم سافر راسل مع أليس إلى برلين حيث درس الديمقراطية الاجتماعية الألمانية وألف ~~كتابا عنها. كان هذا أول كتاب يؤلفه، وهو الأول بين كتبه وكتيباته الكثيرة إلى حد ~~استثنائي؛ إذ بلغ عددها 71 كتابا وكتيبا (دون احتساب المقالات التي لا تحصى) نشرت ~~إبان حياته. وأثناء وجوده في برلين، خطرت له فكرة إنشاء مشروع بحثي كبير، يضم خطين للبحث - ~~أحدهما يتناول العلوم الطبيعية، والآخر يتناول المسائل الاجتماعية والسياسية - كان من ~~المزمع أن يتضافرا في نهاية المطاف ليكونا «عملا موسوعيا هائلا». كان راسل لا يزال ~~متأثرا آنذاك بالفلسفة الهيجلية، والتي كان مشروع كهذا يتوافق معها؛ ولكن الخطة صمدت أمام ~~التغير الجذري الذي اعترى رأي راسل الفلسفي - وإن لم تتخذ شكلا منهجيا - إذ كتب راسل ~~الكثير فعلا عن المسائل النظرية والتطبيقية من بين أعماله الكثيرة. # وبعد نشر كتاب «الديمقراطية الاجتماعية الألمانية» بعام، ظهرت النسخة المنشورة من أطروحة ~~الزمالة التي أعدها، وعنوانها «مقال عن أسس الهندسة». ثم نشر راسل في عام 1900 كتاب «عرض ~~نقدي لفلسفة لايبنتس». جاء تأليفه لهذا الكتاب بدافع صدفة، ولكنها كانت صدفة مهمة له؛ إذ ~~كان لراسل زميل من كامبريدج ألقى عدة محاضرات عن لايبنتس، وطلب منه ذلك الزميل أن يحل ~~محله لمدة عام واحد، فرحب راسل بالفكرة، مع أنه لم يحظ بفرصة لدراسة أعمال ms008 لايبنتس ~~بالتفصيل. ونشأ الكتاب من المحاضرات التي كان يلقيها. كان راسل يختلف مع العقائد الأساسية ~~لفلسفة لايبنتس، ومع ذلك ظلت جوانب منها مؤثرة في فكره. # إبان الفترة التي كان راسل يلقي خلالها محاضرات عن لايبنتس، أقنعه مور بالتخلي عن مذهب ~~المثالية. وبعدئذ بمدة وجيزة اكتسب اهتمامه بفلسفة الرياضيات - وخصوصا بمسألة ما إذا كان ~~من الممكن إضافة أسس منطقية للرياضيات - قوة دفع كبيرة بفضل لقائه مع عالم المنطق ~~الإيطالي جيوسيبي بيانو في المؤتمر العالمي للفلسفة في باريس في يوليو عام 1900. كان بيانو ~~قد أنجز تطورات فنية معينة في المنطق، وهو ما أوحى لراسل بطرق لتنفيذ الخطوة المرجوة، ~~وهي إخضاع الرياضيات للمنطق. وأخذ يقرأ أعمال بيانو بنهم، ثم بدأ يحسن المناهج ~~الواردة فيها ويوسعها ويطبقها. وفي فورة اهتمامه، وفي غضون بضعة أشهر فحسب، كتب مسودة ~~كاملة للنقاط التي من المقرر أن تبرهن على أولى أطروحاته الكبرى؛ كتاب «مبادئ ~~الرياضيات». وانشغل بالمراجعات والتحسينات لمدة عام آخر، ثم نشر الكتاب في عام 1903. وحين ~~كتب راسل تمهيدا لطبعة جديدة في عام 1937، ذكر أنه ظل مقتنعا بصحة الفرضية الأساسية ~~للكتاب؛ وهي «أن الرياضيات والمنطق متطابقان». # إن النشوة الفكرية التي شعر بها راسل في عام 1900 لم تعاوده بعدها قط؛ وذلك لأن الأحداث ~~التي وقعت في حياته الشخصية أثناء السنوات اللاحقة ألقت بسحب سوداء على عمله؛ إذ اكتشف أنه ~~فقد حبه لزوجته، وأخبرها بذلك. كتب فيما بعد: «كنت أرى في تلك الفترة (لست واثقا من ~~ماهية التجربة التي علمتني أن أفكر بهذه الطريقة) أن المرء يجب أن يصرح بالحقيقة في ~~العلاقات العاطفية.» (السيرة الذاتية لبرتراند راسل، ص151). وتسبب ذلك في بؤس جارف لكل ~~منهما في غضون السنوات التسع اللاحقة التي عاشا فيها تحت سقف واحد. وفي الوقت نفسه تقريبا ~~كانت تعتمل ثورة في حياته العاطفية حين شهد معاناة المرض التي تعرضت لها إيفيلين وايتهيد ~~زوجة معلمه السابق ألفريد نورث وايتهيد؛ فحين رآها في العزلة الشديدة التي يكابدها من يعاني ~~الجزع، تغيرت نظرته للعالم فجأة؛ وكانت تلك هي ms009 اللحظة التي أخذ يؤرخ منها لاحقا بدء ~~مناهضته للحروب وتوقه للأطفال، وبدايات ارتفاع إحساس مرهف من حيث تذوق الجمال، وظهور إحساس ~~عميق بأن كلا منا قدره أن يكون وحيدا في نهاية المطاف. وقد أورد في سيرته الذاتية ~~وصفا مؤثرا لتلك التجربة. # وعلى صعيد عمله في مجال الرياضيات - الذي كان من الممكن أن يمنحه السلوى - حدث تغير ~~جذري خطير مشابه، وهو أن راسل اكتشف تناقضا في صلب المشروع الذي كان يحاول تنفيذه. يأتي ~~وصف للتناقض وأهميته في المكان المناسب في الفصل # الثاني # أدناه. ~~وبسبب تأثير ذلك التغير توقف عمل راسل لمدة تزيد على عامين، كان يحدق خلالها في صفحة ~~بيضاء وهو لا يدري كيف يبدأ. وفي هذه الفترة كان منشغلا بكتاب «أصول الرياضيات»، وهو كتاب ~~ألفه بقصد أن يكون جزءا ثانيا لكتاب «مبادئ الرياضيات». وكان من المقرر أن يحتوي هذا ~~الجزء الثاني المفترض على التفاصيل الفنية للأفكار الواردة باختصار في كتاب «مبادئ ~~الرياضيات»، إضافة إلى معالجة أشمل لعدد من الصعوبات التي لم يتناولها الكتاب الأول؛ ~~ولكن سرعان ما اتضح أن راسل يحتاج لما هو أكثر من ذلك لإنجاز هدف المشروع، وهو «إثبات أن ~~كل الرياضيات البحتة تنبع من مقدمات منطقية بحتة ولا تستخدم إلا المفاهيم القابلة للشرح ~~بالحدود المنطقية» (تطوري الفلسفي، ص57). ولذلك طلب راسل تعاون وايتهيد معه في الكتاب، ومنذ ~~ذلك الحين وحتى عام 1910 كرس راسل جل طاقاته الذهنية لإنتاج هذا العمل البارز. كان ~~راسل مسئولا عن الجوانب الفلسفية للكتاب وصياغته الفعلية انطلاقا من المادة الفنية؛ ~~وقدم وايتهيد إسهامات مهمة من حيث استخدام مجموعات الرموز، وأسهم بقدر كبير في استنباط ~~البراهين، وذلك من بين نواح أخرى. # يروي راسل أنه كان يعمل في كتاب «أصول ~~الرياضيات» لمدة ثمانية أشهر كل عام، بمعدل يتراوح بين عشر ساعات واثنتي عشرة ساعة ~~يوميا. وعند تسليم المخطوطة أخيرا لمطبعة جامعة كامبريدج كانت هائلة الحجم، حتى إنه كان ~~لا بد من نقلها إلى هناك على عربة حصان بأربع عجلات. واحتسب موظفو المطبعة أن الكتاب ~~سينزل ms010 بهم خسارة قدرها 600 جنيه إسترليني، وقالوا إنهم مستعدون لتحمل نصف ذلك المبلغ ~~فقط. فأقنع راسل ووايتهيد الجمعية الملكية بمساعدتهما بالتصويت لصالح منحة مقدارها 200 جنيه ~~إسترليني، ولكن كان لا بد من دفع المبلغ المتبقي من جيبيهما. وهكذا، كانت المكافأة المالية ~~التي عادت عليهما بعد سنوات من العمل في هذا المشروع الهائل هي تكبد خسارة قدرها 50 ~~جنيها إسترلينيا لكل منهما. # ولكن المكافآت الحقيقية كانت عظيمة؛ ففي أثناء إنجاز هذا الكتاب، وانطلاقا منه، نشر راسل ~~بعض الأبحاث الفلسفية المهمة للغاية. وانتخب زميلا للجمعية الملكية وهو لم يتجاوز الخامسة ~~والثلاثين، وكان ذلك أمرا استثنائيا. ورسخ مكانته في تاريخ المنطق والفلسفة. وتحقق ~~الكثير مما باشره وأنجزه راسل فيما بعد في مجالات أنشطته الكثيرة بفضل نيله للمنزلة ~~الرفيعة التي منحه إياها تأليفه لكتاب «أصول الرياضيات». # لم يستسلم راسل للخمول في المناحي الأخرى ~~إبان سنوات الكدح الفكري هذه؛ إذ ظل اهتمامه بالسياسة نشطا؛ فكان يدافع عن حرية التجارة، ~~ورشح نفسه للبرلمان متبنيا قضية منح حق التصويت للنساء في الانتخابات الفرعية في دائرة ~~ويمبلدون لعام 1907. وكانت قضية منح حق التصويت للنساء قضية لا تحظى بقبول على الإطلاق، ~~وكان المدافعون عنها يتعرضون للإساءة بل والعنف بصفة دائمة. وكان من الممكن أن يدخل راسل ~~البرلمان في آخر الأمر لو لم يقف إلحاده في طريق ذلك؛ إذ كان في سبيله إلى الترشح عن ~~دائرة بدفورد في انتخابات عام 1911، ولكن حال دون ذلك معرفة منظمي حملته الانتخابية بأنه ~~يرفض إخفاء إلحاده عن الناخبين، وأنه يرفض التوجه إلى الكنيسة؛ ومن ثم اختاروا مرشحا ~~آخر. # ولكن سنحت فرصة تناسبه أكثر بكثير بعد ذلك؛ إذ عينته كلية ترينيتي في وظيفة محاضر لمدة ~~خمس سنوات؛ فسلك راسل حياة المحاضر، ووجه انتباهه إلى تأليف كتاب صغير أصبح من الكتب ~~المرموقة، وهو كتاب «مشكلات الفلسفة»، ويظل هذا الكتاب حتى اليوم من أفضل المقدمات القصيرة ~~إلى هذا الموضوع. # كانت العلاقات العاطفية من النتائج غير المتوقعة لأنشطة راسل السياسية؛ ففي عام 1910 ~~وأثناء إقامته بالقرب من جامعة ms011 أكسفورد، كان يساعد في حشد تأييد الناخبين للمرشح المحلي ~~فيليب موريل، وكانت زوجة موريل الليدي أوتولين موريل من معارف راسل في طفولته. وتطورت ~~علاقتهما على مر العام التالي، وتحولت إلى علاقة غرامية. كان راسل يتمنى الزواج منها، ~~وهو ما كان يستلزم طلاقه من أليس وطلاق أوتولين من فيليب. ولكن أوتولين لم تكن ترغب في ترك ~~فيليب؛ ولذا ظلت علاقتهما علاقة زنا، وتقبل فيليب علاقتهما، ولكن العلاقة لاقت معارضة ~~شديدة من أليس وأسرتها. انفصل راسل وأليس في أوائل عشرينيات القرن العشرين، مع أنهما كانا ~~منذ وقت سابق على هذا في حكم المطلقين، ولم يلتقيا ثانية طوال 40 عاما. # كانت أوتولين مناسبة لراسل قطعا. وكتب ~~عنها راسل: «كانت تضحك علي حين كنت أتصرف كمحاضر جامعي أو متزمت، وحين كنت أستبد ~~برأيي في الحديث. وشفتني تدريجيا من الاعتقاد بأنني أفيض بفجور شنيع لا يمكن كبحه إلا ~~بقبضة حديدية من ضبط النفس. وساعدتني على أن أقلل من أنانيتي واعتدادي بنفسي وبآرائي» ~~(السيرة الذاتية لبرتراند راسل، ص214). # شكل 1-4: الليدي أوتولين موريل (1873-1938)، رسمها أغسطس جون عام 1926؛ لوحة زيتية ~~على قماش. # 3 # وهكذا وفرت له إشباعا لدوافع تذوق الجمال لديه، سواء بذاتها أو بالجمال البديع لكل ~~ما يحيط بها. كان راسل يبلغ حينئذ نحو 40 عاما؛ أي إنها كانت صحوة متأخرة ولكنها عميقة ~~الأثر. # وفي عام 1914 زار راسل الولايات المتحدة، وألقى محاضرات في جامعة هارفرد، وذلك من بين ~~أماكن أخرى. ونشرت محاضراته فيما بعد في كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي». وكان تي إس ~~إليوت من بين تلاميذه في جامعة هارفرد، وكتب إليوت قصيدة عنه بعنوان «السيد أبوليناكس»، ~~وصوره فيها على أنه كائن أسطوري غريب بل ومفزع، قد يتدحرج رأسه المزين بأعشاب البحر فجأة ~~تحت مقعد أو يقفز وهو يبتسم فوق حجاب مصباح؛ صوره على أنه يضحك - حسبما يقول إليوت: «مثل ~~جنين مستهتر.» ومع ذلك فإن «حديثه القوي الحماسي» يستهلك كل فترة بعد الظهيرة، مذكرا إليوت ~~بوقع حوافر وحش القنطور الخرافي فوق أرض صلبة. ترك لقاء ms012 إليوت براسل انطباعا قويا عليه؛ ~~أما عن غيره من الحاضرين، فلم يتذكر إلا أنهم كانوا يأكلون شطائر الخيار. # أثناء زيارة راسل لشيكاجو أحب ابنة مضيفه - ولا يرد اسمها في السيرة الذاتية - وكانت ~~آنذاك طالبة في كلية برين مور. وأعدا العدة كي تلحق به في إنجلترا حتى يتمكنا من الزواج ~~بعد أن يطلق أليس. وقد سافرت الفتاة فعلا، ولكن الحرب العالمية الأولى كانت قد اندلعت في ~~ذلك الحين؛ مما أصاب راسل بصدمة نفسية، لكن مشاركته الحماسية في الأنشطة المناهضة للحرب ~~أدت إلى محو مشاعره تجاهها. وتفاقمت كارثة زيارتها إليه بإصابتها بالجنون. ويسرد راسل في ~~سيرته الذاتية هذه القصة القصيرة المحزنة بندم ملؤه الألم. # شكل 1-5: كتب تي إس إليوت (1888-1965) - أحد طلاب راسل في جامعة هارفرد - قصيدة ~~عنه بعنوان «السيد أبوليناكس»، ويظهر فيها كمخلوق أسطوري رأسه مزين ~~بالأعشاب البحرية وله حوافر قنطور. # 4 # كان رد فعل راسل على اندلاع الحرب معقدا؛ إذ كانت سنه كبيرة؛ فلم يكن من الممكن أن ~~يصبح محاربا؛ لذلك لم يكن قط في موقف الرافض للخدمة العسكرية لأسباب أخلاقية. (ترك عدد من ~~معارفه ممن اتخذوا هذا الموقف - مثل ليتون ستارشي - واجباتهم الزراعية الإجبارية وراحوا ~~يمضون وقتهم في عزبة أوتولين في جارسينجتون.) وشأنه شأن الكثير من المثقفين الذين عاصروا ~~عهد الملك إدوارد، كان راسل يكن ضعفا تجاه ألمانيا والثقافة الألمانية. كان يتحدث ~~الألمانية بطلاقة، وكان يقرأ الكتب الألمانية بحكم الطبع، وسبق له أن أقام هناك وكتب عن ~~السياسة الألمانية. ولكنه كان أيضا وطنيا متحمسا؛ إذ كتب ذات مرة أن «حب إنجلترا يكاد ~~يكون أقوى عاطفة أمتلكها.» ولم يكن كذلك من مناهضي الحروب مناهضة مطلقة؛ إذ إنه أيد ~~الحرب ضد النازية أشد التأييد بعد ذلك بربع قرن. وكان يرى أن اندلاع الحرب في عام 1914 لم ~~يكن بدافع مبدأ معين، وأن الحرب لم تكن تبشر بأي فوائد، بل إن حماقة السياسيين هي التي ~~تسببت فيها، وإنها تهدد بالزج بالحضارة في فوضى عارمة تضيع فيها حياة الشباب سدى. ~~وكتب في ms013 رسالة موجهة إلى الأمة عقب اندلاع القتال: «كل هذا الجنون وكل هذا الغضب وكل هذا ~~الموت المشتعل الذي أصاب حضارتنا وآمالنا، تسببت فيه مجموعة من المسئولين الرسميين الذين ~~يعيشون حياة مرفهة، ومعظمهم أغبياء، وكلهم مجردون من سعة الخيال والعاطفة، واختاروا أن ~~تندلع الحرب بدلا من أن يتحمل أي منهم أي انتقاص ولو بسيطا من كرامة بلاده.» # كانت بصيرة راسل بشأن الحرب ثاقبة في ذلك الوقت، تماما مثلما كانت حيال حرب فيتنام التي ~~اندلعت بعد ذلك بنصف قرن. لم تكن المجازر الفظيعة التي راح ضحيتها الجنود في الخنادق قد ~~بدأت بعد، ومع ذلك رأى راسل أنها محتومة، وأن عواقبها بشعة على المدى الطويل. لم يستطع سوى ~~القليلين حينئذ أن يتنبئوا بأن هناك عملية عسكرية قد بدأت ومقدر لها أن تستدرج معظم ~~العالم في حرب فعلية أو كامنة لبقية القرن، وسينتج عنها سقوط عشرات الملايين من الضحايا، ~~وتوجيه الموارد الهائلة توجيها خاطئا إلى تطوير التكنولوجيا العسكرية، كل خطوة جديدة في ~~تطويرها أخطر وأشد فتكا من التي تسبقها. لم يستطع راسل بالطبع أن يتنبأ في عام 1914 ~~بالبلشفية والنازية والمحرقة النازية (الهولوكوست)، والأسلحة النووية والحرب الباردة، ~~والنزعة القومية التي زادت من غلوائها تجارة الأسلحة العالمية، والأصولية التي حفزتها ~~الفجوة المسببة للغيرة القائمة بين الدول الغنية والفقيرة. ولكن كان لديه حس يقظ أوحى له ~~بأن اندلاع الحرب معناه أن الأبواب انفتحت على مصاريعها لكارثة من نوع ما؛ وأتت عقود ~~طويلة من الكوارث كما توقع تماما. # روعه أيضا الدعم الشعبي للحرب في البلدان المشاركة في الحرب، وما اتسمت به من طابع ~~«البربرية البدائية» وإطلاق العنان «لغرائز الكراهية والتعطش للدماء»، وهي العناصر نفسها - ~~كما أشار هو - التي جبلت الحضارة على مناهضتها. وكان أسوأ ما في الأمر هو ظهور هذه ~~الانفعالات نفسها على غالبية أصدقائه ومعارفه. لم يستطع راسل الوقوف مكتوف الأيدي؛ فطوال ~~سنوات الحرب كان يكتب مقالات ويلقي خطبا، يؤيد فيها المعارضة المنظمة للحرب في صورة ~~اتحاد القيادة الديمقراطية وجماعة لا للتجنيد. وفي بداية الحرب أخذ ms014 يؤدي أنشطة خيرية فيما ~~بين الألمان المقيمين في إنجلترا ممن أصبحوا معوزين بعد أن تقطعت بهم السبل عن بلادهم. ولم ~~تستمر الحاجة إلى أداء هذه الأنشطة الخيرية طويلا؛ نظرا لأن مواطني البلدان المعادية ~~سرعان ما جرى اعتقالهم ووضعهم رهن الإقامة الجبرية. # كان قائد جماعة لا للتجنيد شابا يدعى كليفورد ألين (وأصبح فيما بعد اللورد ألين أوف ~~هيرتوود)، وكان قد سجن أكثر من مرة لرفضه التخلي عن نشاطه في مجال مناهضة الحرب. وفي ~~إحدى محاكمات ألين، التقى راسل بالليدي كونستانس ماليسون، وهي ممثلة كان اسم شهرتها هو ~~كوليت أونيل، وكانت تشارك في النشاط المناهض للحرب هي الأخرى، وكانت تقضي أمسياتها في ~~المسرح وتقضي ساعات النهار في ملء المظاريف في مكاتب الجماعة. أصبح الاثنان عشيقين؛ إذ ~~وجد راسل في هدوئها ملاذا يهرب إليه من قسوة الصراع إبان زمن الحرب. # وقع راسل عدة مرات تحت طائلة القانون لنشاطه المناهض للحرب؛ ففي عام 1916 رفعت عليه دعوى ~~قضائية بسبب مقال كتبه، وحكم عليه بدفع غرامة قدرها 100 جنيه إسترليني. ولكنه رفض الدفع؛ ~~فقضت المحكمة بالحجز على متعلقاته، ولكن أصدقاءه كانوا كرماء فاشتروها وأعادوها إليه؛ مما ~~أبطل تأثير الموقف الذي اتخذه. وبعدئذ منع من دخول أي منطقة عسكرية في بريطانيا، وخصوصا ~~أي منطقة ساحلية (وافترض هو ساخرا أن السبب في ذلك هو منعه من إرسال إشارات للغواصات ~~المعادية). ورفضت السلطات منحه جواز سفر حين حاول السفر إلى أمريكا في عام 1916. وفي عام ~~1918 سجن لمدة ستة أشهر بسبب مقال كتب فيه أن القوات الأمريكية القادمة إلى أوروبا قد ~~تستخدم في فض الإضرابات، وهي مهمة سبق أن نفذتها القوات الأمريكية في بلادها. وبفضل ~~علاقاته الاجتماعية (أقر متهكما أنه من المفيد أن يكون المرء أخا لإيرل) وضعوه في ~~الشعبة الأولى من السجن؛ أي إنه كان يقيم في زنزانة مخصصة له وحده، وكان يسمح له بالاحتفاظ ~~بكتب؛ ومن ثم كان يقرأ ويكتب، وأنتج كتابا واحدا - «مدخل للفلسفة الرياضية» - وبدايات ~~كتاب آخر - «تحليل العقل» - إضافة إلى عدد من العروض ms015 النقدية والمقالات. وأطلق سراحه في ~~سبتمبر من عام 1918، وذلك حين أصبح من الواضح أن الحرب شارفت على أن تضع أوزارها. # تسببت أول معركة قصيرة خاضها راسل مع القانون في إنزال عقوبة إضافية به. كان كل المحاضرين ~~الشباب في كلية ترينيتي قد ذهبوا للمشاركة في الحرب؛ فتولى مسئولية شئون الكلية حفنة من ~~الرجال الأكبر سنا. وكان هؤلاء يشعرون بعداء شديد تجاه نشاط راسل المتعلق بالحرب. وحين ~~علموا بإدانته، أجروا تصويتا لحرمانه من منصبه كمحاضر. وشعر عالم الرياضيات جي إتش ~~هاردي بالاستياء من معاملة راسل بهذه الطريقة؛ فكتب فيما بعد سردا لما حدث. وحين عاد ~~المحاضرون الشباب بعد أن وضعت الحرب أوزارها، أجروا تصويتا لإعادة راسل إلى منصبه، ولكن ~~بحلول ذلك الوقت كانت اهتمامات راسل توجهه إلى خارج البلاد. # من بين التغيرات الجمة التي انتابت راسل ~~بسبب الحرب اتساع مدى نشاطه الأدبي؛ فقد أنتج كتابين غير فلسفيين إبان هذه السنوات، ~~وهما: كتاب «أسس لإعادة البناء الاجتماعي» (وكان عنوانه في الولايات المتحدة «لماذا يحارب ~~البشر؟») ونشر في عام 1916، وكتاب «الطريق إلى الحرية»، ونشر في عام 1918، وكان هذان ~~الكتابان باكورة كتبه الأخرى الرائجة التي تتناول مسائل اجتماعية وسياسية وأخلاقية. كان ~~راسل يلقي محتويات كتاب «مبادئ إعادة الإعمار الاجتماعي» كسلسلة من المحاضرات في عام 1916، ~~وفي تلك الأثناء التقى راسل بدي إتش لورانس وبدأ معه في ما كان يفترض أن يصبح مشروع تأليف ~~كتاب مشترك، ولكن سرعان ما أصبح أسلوب لورانس عدائيا. في البداية انزعج راسل انزعاجا ~~شديدا من اتهامات لورانس الموجهة إليه بأن نشاطه المناهض للحرب كان قناعا يخفي مشاعر ~~عنيفة من كراهية البشر؛ لأنه كان يظن أن لورانس كان يتمتع بفهم عميق للطبيعة البشرية، ولكن ~~رسائل لورانس ذات اللهجة المسعورة واللاذعة، والتي أخذت تتزايد حدتها، جعلت راسل يكتشف ميول ~~لورانس السياسية الفاشية وعبادته للفلسفة اللاعقلانية، وانقطعت الصلة بينهما. # حين كان راسل في السجن في عام 1918، عكف - كما ذكرت - على تأليف كتابين فلسفيين. ولكن ~~عودته إلى الفلسفة كانت قد بدأت قبل ذلك؛ إذ إنه ألقى ms016 سلسلة من المحاضرات في الشهور الأولى ~~من عام 1918 بعنوان «فلسفة مذهب الذرية المنطقية»، ونشرت بعد ذلك بمدة قصيرة في أعداد ~~متعاقبة من دورية اسمها ذا مونيست. وبكرمه المفرط المعروف عنه، نسب راسل أفكاره للودفيج ~~فيتجنشتاين، الذي تتلمذ على يديه لمدة قصيرة في كامبريدج قبل الحرب. في الواقع، فإن معظم ~~الأفكار الواردة في محاضرات راسل كانت واضحة في الأعمال التي أنتجها قبل أن يلتقي ~~بفيتجنشتاين بمدة طويلة؛ ولكن كما نلاحظ من كتاب فيتجنشتاين «دراسة منطقية فلسفية» - وهو ~~كتاب ألفه فيتجنشتاين حين كان مجندا على الجبهة في الجيش النمساوي - فإن الاثنين قد ~~ناقشا هذه الأفكار بشيء من الاستفاضة قبل الحرب. تلقى راسل رسالة من فيتجنشتاين من محبسه ~~في معسكر للأسرى في إيطاليا، يطلعه فيها على كتابه «دراسة منطقية فلسفية». وبعد أن أطلق ~~الإيطاليون سراح فيتجنشتاين، حاول أن ينشر كتابه، ولكنه فشل في ذلك؛ لذا قدم راسل له ~~المساعدة، وأقنع أحد الناشرين بنشر الكتاب بعد أن اتفق معه على كتابة مقدمة له. قدم راسل ~~مساعدات مهمة إلى فيتجنشتاين عدة مرات - ومن أهمها تدبير حصوله على زمالة بحثية في كلية ~~ترينيتي بعد ذلك بعشر سنوات - ومع ذلك انقطعت الصلة بين الرجلين بسبب خلافات مزاجية وفلسفية ~~شديدة. # وقع راسل في الحب مرة أخرى، وكانت من أحبها هذه المرة شابة تخرجت في كلية جيرتون تدعى ~~دورا بلاك. وفي عام 1920 زار كل منهما الاتحاد السوفييتي وحده، وعادت دورا من الاتحاد ~~السوفييتي وهي متحمسة له، فيما عاد راسل وهو يشعر بالعداء حياله. ألف راسل كتابا لاذعا ~~عن البلاشفة، وتشاجر هو ودورا بسببه. ولكن ذلك لم يمنعهما من السفر معا إلى الصين في عام ~~1921؛ إذ تلقى راسل دعوة لقضاء عام هناك كأستاذ زائر في بكين. # شكل 1-6: كانت دورا بلاك (1894-1986) شابة متخرجة في كلية جيرتون. التقت براسل في ~~عام 1916، وأحب كل منهما الآخر، ولكن دورا لم تقبل عرضه بالزواج إلا ~~في سبتمبر عام 1921. وأنجبا طفلين، هما جون راسل وكاثرين ~~راسل. # 1 # أحب راسل الصين، شأنه في ms017 ذلك شأن الكثيرين ممن يقضون أي مدة في الصين. وشأنه شأن أغلب ~~هؤلاء الكثيرين، كان يميل إلى إضفاء طابع شاعري على الصينيين أنفسهم. وأشاد بحس الفكاهة ~~الذي يتمتعون به وبحكمتهم وقدرتهم على الاستمتاع بكل ما هو جميل وحبهم الشديد التحضر ~~للثقافة والعلم. ولكنه على نحو ما لم يدرك مدى قسوة حياة غالبية الناس في ذلك البلد ~~الكبير، ولا كيف كانت التقاليد العتيقة تقهر الصين وتعيقها. وأثناء إقامته هناك رفض أن ~~ينصب نفسه كناصح للكثيرين الذين طلبوا نصحه بشأن طريقة حياتهم وتفكيرهم، وعن الكيفية ~~التي يتسنى بها للصين الخروج من فقرها والاضطراب الإقطاعي الذي كانت تعاني منه. كان ~~الفيلسوف الأمريكي جون ديوي يزور الصين في الوقت نفسه، ولم يتردد أن يتحدث في كل هذه ~~الموضوعات؛ مما نتج عنه أن ذكراه لا تزال ذات تأثير أقوى من ذكرى راسل. إن ميراث الحكماء ~~شديد القوة في الصين؛ ومن ثم ضاعت من راسل فرصة لإفادة هذا البلد. ألف راسل كتابا ~~يعرض فيه آراءه عن الصين ومستقبلها، بيد أن هذا الكتاب الذي نشر في وقت لاحق في بلد ~~بعيد عن الصين مثل إنجلترا لم يصلح بديلا عن النبوءات التي كان ضيوفه يأملون أن يسمعوها ~~منه. بدلا من ذلك، ألقى عليهم راسل محاضرات عن المنطق الرياضي. # وقرب نهاية إقامة راسل في بكين، مرض مرضا شديدا؛ إذ أصيب بنزلة شعبية وكاد يموت. ~~وبسبب التحمس الزائد لبعض الصحفيين اليابانيين أعلن خبر وفاة راسل؛ وهكذا أتيح له أن ~~يقرأ نعيه بنفسه، وقرأ أيضا نعيا من سطر واحد ظهر في دورية تبشيرية أضحكه بصفة خاصة، ~~وكان يقول: «ها قد سنحت الفرصة للبعثات التبشيرية ليتنفسوا الصعداء لسماع خبر وفاة السيد ~~برتراند راسل.» # كانت أليس قد وافقت أخيرا على الطلاق؛ لذا تزوج راسل ودورا في سبتمبر عام 1921 عند ~~عودتهما إلى إنجلترا، وسرعان ما رزقا بعدئذ بمدة وجيزة بابنهما الأول جون كونراد، ورزقا ~~بعد ذلك بسنتين بابنة أطلقا عليها كيت. ترشح راسل مرتين لعضوية البرلمان كمرشح عن حزب ~~العمال في منطقة تشيلسي، ms018 وذلك في عامي 1922 و1923، ولكنه لم يفز. كان ينوء تحت إلحاح ~~المسئوليات الأسرية؛ وكان بحاجة إلى كسب رزقه؛ مما دفعه إلى التخلي مرة أخرى عن فكرة ~~المشاركة السياسية البرلمانية، والانكباب على الكتابة والتدريس في الجامعة. وكانت أكثر ~~أوساط التدريس الجامعي ربحا موجودة في الولايات المتحدة، فزارها أربع مرات خلال ~~العشرينيات من القرن العشرين. وكان من بين الكتب الرائجة التي نشرها كتب «ألف باء النسبية » ~~و«ألف باء الذرات» و«ما أومن به» و«عن التربية» و«مقالات متشككة» و«الزواج والأخلاق» ~~و«الفوز بالسعادة». وحققت بعض هذه الكتب نجاحا ماليا، وتسبب بعضها في التشهير به، وكان ~~ذلك غالبا بسبب ما تحتويه من آراء ليبرالية عن الأخلاقيات الجنسية. لم يهمل راسل الفلسفة ~~أيضا؛ إذ ظهر كتابه «تحليل العقل» - الذي بدأ تأليفه وهو في السجن - في عام 1921؛ وقد ~~وجهت إليه الدعوة لإلقاء «محاضرات تارنر» في كامبريدج عام 1925، ونشرت في عام 1927 بعنوان ~~«تحليل المادة». وأنتج كذلك كتابا دراسيا تمهيديا بعنوان «موجز للفلسفة». # أشبع مجيء الأطفال توقا طالما كان يراود راسل. أمده طفلاه ب «محور عاطفي جديد» ~~استغرقه في الاهتمامات الأبوية لبقية عقد العشرينيات من القرن العشرين. اشترى بيتا في ~~كورنوول حتى تقضي فيه الأسرة العطلات الصيفية، وحين بلغ جون وكيت سن المدرسة، قرر راسل ~~ودورا إنشاء مدرسة تخصهما حتى يتعلم الأطفال على النحو الأفضل من وجهة نظرهما. واستأجرا ~~القصر الريفي الذي يملكه أخو راسل في التلال الجنوبية، وأسسا مدرسة يرتادها 20 طفلا كلهم ~~في السن نفسها تقريبا. كان القصر كبيرا، ويقع على مساحة 200 فدان من أراضي الغابات البكر، ~~والتي تعج بأشجار الزان وأشجار الصنوبر، وكانت تجوبها كائنات من مختلف أشكال الحياة ~~البرية، بما فيها الغزلان. وكان المنظر من القصر نفسه جميلا. # ومع كل هذه المثاليات والموقع الريفي الساحر الذي تتمتع به المدرسة، فشلت التجربة في ~~النهاية؛ إذ لم تتمكن المدرسة قط من تغطية تكاليفها، وكان الهدف الذي يسعى إليه راسل من ~~تأليف الكتب والمقالات الصحفية الرائجة، والسفر عبر المحيط الأطلنطي ذهابا وعودة في جولات ~~لإلقاء محاضرات ms019 - مع أنه كان يكره الرحلات البحرية - هو دعم المدرسة في المقام الأول. قامت ~~دورا أيضا بجولة لإلقاء محاضرات في أمريكا، ولكن مسئوليتها الأساسية كانت إدارة المدرسة. ~~واتضح أنه من بين الصعوبات التي واجهت المدرسة طاقم موظفي المدرسة؛ إذ لم يعثر راسل ودورا ~~على معلمين يمكنهم تطبيق مبادئهما باستمرار، وكانت تلك المبادئ تشمل السماح بالحرية التي ~~يحكمها الانضباط؛ إذ لم تكن مدرسة راسل مكانا فوضويا للصغار، وذلك بالرغم من ادعاءات ~~كانت تقول عكس ذلك؛ وكتب راسل فيما بعد: «السماح للأطفال بالانطلاق من شأنه أن يفسح المجال ~~لمكان يسوده العنف، يرعب فيه الأقوياء الضعفاء؛ فأي مدرسة هي أشبه بالدنيا؛ لا يمنع ~~العنف الوحشي فيها إلا وجود حكومة.» # ومن الصعوبات الأخرى أن المدرسة كانت تجتذب نسبة مرتفعة من الأطفال المشاغبين، الذين حاول ~~أولياء أمورهم إرسالهم إلى مدارس أخرى، ولكن اضطروا في النهاية إلى تجربة المدارس ~~التجريبية. ولما كان راسل وزوجته بحاجة إلى المال، قبلوا هؤلاء الأطفال، ولكنهما اكتشفا أن ~~وجودهم تسبب في صعوبة شديدة في إدارة المدرسة. # ومع ذلك كان أسوأ ما في الأمر هو تأثير ذلك على أطفال راسل. كان التلاميذ الآخرون يظنون ~~أن طفليه يتلقيان معاملة تفضيلية دون وجه حق لأن والديهما يديران المدرسة، ولكن راسل ~~ودورا حاولا أن يعاملاهما على قدم المساواة مع الآخرين، في محاولة منهما ليكونا عادلين، ~~وتسبب ذلك في حرمان جون وكيت من والديهما في واقع الأمر، وكم تألما لذلك. وعلى حد وصف ~~راسل، فإن أول فرحة في حياة الأسرة «تبددت وحل محلها الإحراج» (السيرة الذاتية لبرتراند ~~راسل، ص390). # في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى سادت العالم آمال معقودة على التعليم كطريقة ~~لتغيير وجه العالم؛ ففي النمسا، على سبيل المثال، حيث كان لسقوط الإمبراطورية النمساوية ~~المجرية تأثير مدمر، امتهن الكثير من المثقفين الشباب التدريس في المدارس أملا في بناء ~~البشر من جديد. وكان كارل بوبر ولودفيج فيتجنشتاين من بينهم. كان راسل منتميا إلى هذا ~~الاتجاه بطريقة غير مباشرة. ولكن التفاصيل الواقعية للتدريس ومدى تعقيد الطبيعة البشرية ms020 ~~سرعان ما جعلت معظمهم يفيق من وهمه، وتخلوا عن مهنة التدريس. # وفي عام 1931 توفي شقيق راسل - فرانك - فجأة، وورث راسل عنه لقب إيرل، وورث أيضا ديون ~~أخيه والتزاما يقضي بأن يدفع 400 جنيه إسترليني سنويا كنفقة لثاني زوجات أخيه الثلاث ~~السابقات. كان موقفه من لقب إيرل ساخرا بعض الشيء، ولكنه لم يكن يمانع في استغلاله بعدة ~~طرق، كان أهمها استغلال ما منحته إياه من حق الدخول تلقائيا إلى منابر دوائر أهل الحل ~~والعقد؛ فهناك كان من الممكن لآرائه المستقلة التي تنتقد الأفكار والمعتقدات الراسخة ~~السائدة أن يكون لها أكبر الأثر. ولكنه لم يكن يكثر من حضور جلسات مجلس اللوردات، وكان ~~يكن شيئا من الاحتقار للنظام الطبقي البريطاني. # وفي هذا التوقيت تقريبا كان زواج راسل ينوء تحت وطأة التوتر بسبب المدرسة والعلاقات ~~الغرامية المتعددة التي كان كلا الزوجين ينغمسان فيها. ولم يكن راسل يعارض في أن يكون لدورا ~~علاقات غرامية، ولكنه لم يكن يرغب في أن يكون مسئولا عن أي أطفال يأتون ثمرة لتلك ~~العلاقات. حملت دورا بطفلة من عشيق أمريكي، وسجلت الطفلة في البداية باعتبارها ابنة راسل؛ ~~ولكنه حين وجدها فيما بعد مسجلة باسمه في كتاب ديبريتس الذي يشتمل على أسماء النبلاء، اتخذ ~~إجراءات قانونية لشطب اسمها من الكتاب. كان راسل إذن يملك دوافع تتعلق بالحفاظ على نقاء ~~السلالة. # وفي أعقاب ما حل براسل من نكبات بسبب المدرسة وانفصاله عن دورا، فضلا عن الأعباء ~~المالية الإضافية التي ورثها عن أخيه، كان راسل لا يزال بحاجة إلى كسب عيشه من نتاج قلمه. ~~انتهت علاقة العمل المجزية التي جمعت راسل بصحف هيرست في أمريكا - وكان راسل يكتب عمودا ~~فيها - في أوائل ذلك العقد؛ ولذا اضطر إلى تكريس كل طاقته لتأليف الكتب. وفي عام 1932 نشر ~~كتاب «الاستشراف العلمي»، وفي عام 1934 نشر كتابا من أفضل كتبه، وهو يتناول التاريخ ~~السياسي، وهو بعنوان «الحرية والتنظيم 1814-1914». ونشر في عام 1935 كتاب «في مديح الكسل»، ~~وفي عام 1936 كتاب «أين الطريق إلى السلام؟» ms021 وفي هذا الكتاب أعاد التأكيد على اتجاهه ~~المناهض للحرب مع بعض التحفظات والتزامه بفكرة الحكومة العالمية. ولكن بحلول توقيت نشر هذا ~~الكتاب كان قد أدرك من قبل ضرورة وجود تحفظات أكبر على حركة مناهضة الحرب، وخصوصا - كما ~~تبين من الأحداث التي شهدتها ألمانيا على مدى العامين أو ثلاثة الأعوام السابقة - في ~~مواجهة خطر رأى أنه «منفر للغاية» مثل النازية. وبحلول وقت اندلاع الحرب العالمية ~~الثانية كان قد قرر أن مقاومة هتلر يجب أن تكون بلا تحفظات. # في عام 1937 نشر راسل كتاب «أوراق أمبيرلي»، وهو سيرة لحياة والديه يتألف من ثلاثة ~~أجزاء. كان يرى أن هذا العمل «مريح»؛ لأنه كان معجبا بالآراء الجريئة التي كان يعتنقها ~~والداه وكان متفقا معها تماما، وكان يشعر بالحنين إلى العالم الرحب والمفعم بالأمل - هكذا ~~كان يبدو لراسل - الذي كانا يناضلان فيه دفاعا عن آرائهما. كانت تعاون راسل في هذا الكتاب ~~وفي كتاب «الحرية والتنظيم 1814-1914» امرأة شابة - كانت تعمل معلمة في مدرسته سابقا، ثم ~~أصبحت عشيقته، ثم زوجته الثالثة في عام 1936 - تدعى باتريشا سبينس (وكانت تدعى عادة ~~«بيتر»). وفي عام 1937 رزقا بابن، سمياه كونراد. وانتقلا إلى منزل بالقرب من جامعة ~~أكسفورد حيث كان راسل يدرس مقررا من المحاضرات ويعقد مناقشات مع مجموعة من الفلاسفة ~~الشباب، من بينهم إيه جيه آير. ثم نشر كتاب «القوة، تحليل اجتماعي جديد» في عام 1938، ~~وتحولت محاضراته التي ألقاها في جامعة أكسفورد - التي كانت بعنوان «كلمات وحقائق» في ~~البداية - إلى كتابه الفلسفي التالي، بعنوان «ما وراء المعنى والحقيقة»، ونشر عام ~~1940. # عام 1938 سافر راسل مع زوجته بيتر وكونراد إلى أمريكا لتسلم منصب أستاذ زائر في جامعة ~~شيكاجو. وعقد مناقشات منشطة هناك مع طلاب وزملاء أذكياء - كان من بين الزملاء رودولف كارناب ~~- ولكنه لم يكن على وفاق مع رئيس قسم الفلسفة، وكان يكره شيكاجو، ووصفها بأنها «مدينة بغيضة ~~ذات طقس سيئ.» وفي أواخر العام انتقلت أسرة راسل إلى كاليفورنيا؛ حيث وجد طقسها ألطف ~~بكثير. كان راسل يدرس في جامعة ms022 كاليفورنيا في لوس أنجلوس. وفي صيف عام 1939 جاء جون وكيت ~~لقضاء عطلة في كاليفورنيا، ولكن اندلاع الحرب حال دون عودتهما إلى إنجلترا؛ لذلك أدخلهما ~~راسل في جامعة كاليفورنيا. # وبرغم الطقس المشرق في كاليفورنيا، كان راسل يشعر بقدر أقل من الرضا في جامعة كاليفورنيا ~~عما كان عليه شعوره في شيكاجو؛ لأن الموظفين والطلاب لم يكونوا مؤهلين، وكان رئيس الجامعة ~~سيئ الطبع إلى حد كبير من وجهة نظر راسل؛ ولذلك، بعد عام واحد، قبل عرضا لشغل منصب ~~أستاذ في كلية سيتي كوليدج أوف نيويورك. ولكن قبل أن يتمكن من تسلم منصبه، ثارت حوله ~~فضيحة بسبب الإلحاد والفجور. وكان أول من فجر شرارة الفضيحة هو أسقفا من الكنيسة ~~الأسقفية، ونقلها الكاثوليكيون بكل حماس، وذاعت أنباؤها بسبب دعوى قضائية رفعتها أم طالبة ~~كانت ستدخل الكلية. وقالت الأم - وتدعى السيدة كاي - إن وجود راسل في الكلية سيكون خطيرا ~~على عفة ابنتها. ولم يتمكن راسل من الدفاع عن نفسه في المحكمة؛ لأن الدعوى كانت مرفوعة ضد ~~بلدية نيويورك ولم يكن هو طرفا فيها. ووصف محامي السيدة كاي أعمال راسل بأنها «فاسقة، ~~وداعرة، وشهوانية، وشبقة، ومثيرة للشهوة، وماجنة، وتتسم بضيق الأفق، وكاذبة، ومجردة من ~~القيمة الأخلاقية.» وكان من أسباب هذا الوصف أن راسل ذكر في كتاب له أنه لا ينبغي عقاب ~~الأطفال الصغار على الاستمناء. وتفوق القاضي الأيرلندي الكاثوليكي في سب وذم راسل على ~~محامي السيدة كاي وهو يوجز الاتهام الموجه لراسل. وربحت القضية السيدة كاي طبعا. # ولم تتسبب القضية في تأليب مدينة نيويورك وولاية نيويورك بأكملها ضد راسل فحسب، بل تسببت ~~في تأليب البلاد بأكملها ضده. وبعد طرده من وظيفته في نيويورك، لم يستطع في البداية أن يجد ~~أي مكان آخر يقبل بمنحه وظيفة في مجال التدريس، ولم يستطع كذلك أن يجد أي جريدة تعرض عليه ~~كتابة عمود فيها، ونظرا لظروف الحرب كان من المستحيل الحصول على المال من إنجلترا؛ وهكذا ~~تقطعت به السبل خارج بلاده دون مورد للرزق، وهو مسئول عن أسرة عليه أن ms023 يعولها. # أنقذ راسل من هذه المعضلة جامعة هارفرد أولا؛ إذ وجهت إليه دعوة كريمة للتدريس فيها في ~~عام 1940، ثم أنقذه مليونير من مدينة فيلادلفيا، يدعى د. بارنز، وكان من هواة جمع القطع ~~الفنية وصاحب مؤسسة مخصصة في المقام الأول لدراسة تاريخ الفنون. منح بارنز راسل عقدا مدته ~~خمس سنوات للتدريس في المؤسسة. ومن الأمور التي وجدها راسل مسلية أن القاعة التي كان يلقي ~~فيها محاضراته كانت معلقة على جدرانها لوحات فرنسية تصور أشخاصا عراة، بيد أنه كان ~~يعتقد أن ذلك لا يتناسب مع الفلسفة الأكاديمية. كان بارنز غريب الأطوار ويشتهر بالتشاجر ~~مع الموظفين العاملين لديه؛ فأصدر فجأة إخطار فصل بعد أقل من نصف مدة عقد راسل؛ لأن محاضرات ~~راسل كانت - في رأيه - سيئة الإعداد. نشرت هذه المحاضرات بعدئذ ككتاب بعنوان «تاريخ ~~الفلسفة الغربية»، وأصبح أكثر كتب راسل نجاحا بفارق كبير على المستويين الشعبي والمالي. ~~ورفع راسل دعوى على بارنز لخرق العقد، وأعطى المخطوطة للقاضي ليقرأها، وربح القضية. ومن ~~نافلة القول أنه توجد أجزاء من هذا الكتاب الشهير مختصرة إلى حد يجعل المرء يشعر بشيء من ~~التعاطف مع مليونير فيلادلفيا. ولكنه من نواح أخرى عبارة عن دراسة شاملة رائعة تتناول ~~الفكر الغربي تتسم بأسلوب ممتع سهل القراءة، ويتميز الكتاب بوضع الفكر الغربي في سياقه ~~التاريخي على نحو مفيد. من الواضح أن راسل استمتع بكتابته، ويظهر هذا الاستمتاع في الكتاب، ~~كما تظهر تعليقاته اللاحقة عن الكتاب أنه كان يدرك مواطن القصور فيه. # استكمل راسل العمل في كتاب «تاريخ الفلسفة الغربية» في مكتبة كلية برين مور بعد انفصاله ~~عن بارنز. ويعود الفضل في ذلك إلى كرم الأستاذ الجامعي بول فايس، الذي وجه الدعوة لراسل ~~للعمل في الكلية، وذلك حين كان راسل ينتظر الحصول على إذن من السفارة البريطانية في واشنطن ~~للعودة إلى إنجلترا. عرضت كلية ترينيتي على راسل فرصة الحصول على درجة الزمالة؛ مما أنقذ ~~راسل من الصعوبات التي كان يواجهها، وأنقذه كذلك التقدم الهائل الذي كان يحرزه كتاب ~~«تاريخ الفلسفة الغربية». وقبل ms024 عودة راسل بحرا وسط أخطار الغواصات الألمانية التي كانت ~~تجوب المحيط الأطلنطي، أمضى راسل مدة قصيرة في جامعة برينستون، حيث كانت له مناقشات مع ~~أينشتاين وكيرت جوديل وفولفجانج باولي. وعلى مدى السنوات القليلة التالية، درس راسل في ~~جامعة كامبريدج، ونشر كتاب «تاريخ الفلسفة الغربية» في عام 1945 وكتاب «المعرفة الإنسانية: ~~نطاقها وحدودها» في عام 1948. كان هذا الكتاب هو آخر الأعمال الفلسفية لراسل، وقد أصيب ~~بخيبة أمل حين تلقى الكتاب اهتماما محدودا من الأوساط الفلسفية. ونسب ذلك إلى الشعبية ~~الهائلة التي كانت تحظى بها أفكار فيتجنشتاين آنذاك ولفترة بعد ذلك. وفي عام 1949 - وهو عام ~~وصفه بأنه «أوج الرفعة» التي نالها - تغيرت الزمالة التي حصل عليها في كلية ترينيتي إلى ~~زمالة مدى الحياة دون تحمل واجبات تدريس، واختير للحصول على زمالة شرفية للأكاديمية ~~البريطانية، ودعته هيئة الإذاعة البريطانية لإلقاء أول سلسلة من محاضرات رايث، ومنحه الملك ~~جورج الخامس وسام الاستحقاق، وفي العام التالي فاز بجائزة نوبل للآداب، ووصله نبأ نيله ~~الجائزة وهو في زيارة جديدة للولايات المتحدة. # سر راسل لمنحه وسام الاستحقاق، وتوجه إلى قصر باكنجهام لحضور حفل تقليد الوسام. وشعر ~~الملك جورج بالحرج لاضطراره إلى التعامل بلطف مع رجل ارتكب الزنا وسبقت إدانته ويميل إلى ~~انتقاد الأفكار والمعتقدات الراسخة، وفضلا عن ذلك - على حد وصف الملك - عجيب المظهر؛ فقال ~~له الملك: «لقد كنت تسلك أحيانا مسلكا لن يكون من اللائق أن يكون مسلكا شائعا.» وكان ~~الرد الذي كاد يفلت من بين شفتي راسل، ولكنه تمكن من كبحه: «مثل أخيك.» وكان يقصد الملك ~~إدوارد الثامن الذي تنازل عن العرش؛ لكنه قال بدلا من ذلك: «يتوقف السلوك الذي ينبغي على ~~المرء أن يسلكه على مهنته؛ فساعي البريد، مثلا، ينبغي أن يدق على كل الأبواب في شارع ~~معين ليسلم الخطابات، ولكن إذا دق أحد غيره على كل الأبواب، فسيعتبر ذلك من قبيل ~~الإزعاج.» وعندها غير الملك الموضوع بسرعة (السيرة الذاتية لبرتراند راسل، ~~ص516-517). # وبفضل المكانة الرفيعة الجديدة التي اكتسبها راسل، ولا سيما معارضته ms025 الطويلة الأمد ~~للشيوعية في الاتحاد السوفييتي، استعانت به الحكومة البريطانية في زيادة برودة الحرب ~~الباردة. وفي سبيل تحقيق هذه المهمة زار ألمانيا والسويد لإلقاء محاضرات. وأثناء زيارته ~~للسويد سقطت الطائرة المائية التي كان يستقلها في ميناء تروندهايم، واضطر عندئذ إلى ~~السباحة في مياه شديدة البرودة لينجو؛ أما خلال زيارته لألمانيا فقد أصبح مؤقتا فردا من ~~أفراد القوات الجوية البريطانية، وهو ما أسعده كثيرا. # كان راسل كثير السفر في خمسينيات القرن العشرين - إلى أستراليا والهند وأمريكا مرة أخرى، ~~وكذلك أوروبا والبلدان الإسكندنافية - وكان يلقي محاضرات هناك طوال الوقت، وكان يحظى بشهرة ~~كبيرة هناك. وبعد انفصال راسل عن بيتر سبينس بثلاث سنوات تزوج من صديقته الأمريكية ~~التليدة إيديث فينش، وأمضيا شهر العسل في باريس؛ ولكن حتى حينما كان راسل يتجول بأرجاء ~~المدينة لمشاهدة معالمها - ولم يكن أي منهما قد تجول فيها كسائح قط؛ لأن كلا منهما ~~سبقت له الإقامة فيها - كان الناس يتعرفون عليه ويتجمعون حوله. # تحولت الأسفار وجولات إلقاء المحاضرات إلى كتب، كدأب راسل دوما. وظهرت محاضرات رايث ~~ككتاب بعنوان «السلطة والفرد». وفي عام 1954 نشر كتاب «المجتمع البشري في الأخلاق ~~والسياسة»، وهو الكتاب الذي أدرج فيه الخطبة الرسمية التي ألقاها بمناسبة تسلمه جائزة ~~نوبل. ولما كان راسل قد نال جائزة نوبل في الآداب (ورد في خطاب التنويه كتاب «الزواج ~~والأخلاق»)، حفزه ذلك على الكتابة القصصية. وفي عام 1921 كتب رواية ولكن لم يحاول نشرها، ~~وكتب مجموعتين من القصص القصيرة - أو إن شئنا الدقة قلنا الحكايات الرمزية القصيرة - وكلها ~~ذات مغزى فلسفي أو جدلي، بعنوان «الشيطان في الضواحي» و«كوابيس المرموقين». وفي عام 1956 ~~نشر كتاب «صور من الذاكرة»، وهو سلسلة من المقالات الوصفية لأشخاص مرموقين تعرف عليهم، وفي ~~عام 1959، قدم للعالم سيرته الذاتية الفكرية، وعنوانها، «تطوري الفلسفي»، وتلخص التقدم ~~الذي شهدته آراؤه منذ الطفولة فصاعدا. # لكن أي فكرة مفادها أن راسل قد تمكن أخيرا من الدخول إلى دوائر أهل الحل والعقد - وأنه ~~سيخفف من غلوائه ويركن إلى الشيخوخة الهادئة المكللة بالجلال ms026 والاحترام - كانت خاطئة؛ إذ ~~إن راسل كان يرى أن العالم يحدق به خطر داهم ومتزايد بسرعة، وكان يرى أنه من المحتم ~~مقاومته. وكان هذا الخطر هو انتشار أسلحة الدمار الشامل. وبدءا من منتصف خمسينيات القرن ~~العشرين وحتى وفاته في فبراير عام 1970، ظل يناضل ضد الأسلحة والحرب بحماس شاب في مقتبل ~~العمر؛ مما أدى إلى الحكم عليه بالسجن مرة أخرى، وذلك فضلا عن عواقب أخرى - خفف الحكم ~~بسبب تقدمه في السن (كان آنذاك في التسعينيات من عمره)، بحيث أصبحت العقوبة أسبوعا في ~~مستشفى السجن - وجلب عليه موقفه ذلك الكراهية والعداوة في سنواته الأخيرة، خاصة بسبب ~~معارضته الطائشة المفرطة بل والمسعورة - فيما كان يبدو - للأفعال الأمريكية في حرب فيتنام. ~~اتضح فيما بعد أن اتهاماته للولايات المتحدة بارتكاب جرائم حرب كانت قائمة على معلومات ~~صحيحة في معظمها. وفي إطار هذه المساعي أصبح راسل أول رئيس للحملة المعنية بنزع السلاح ~~النووي، ونشر كتابين - «المنطق السليم والحرب النووية» و«هل يوجد مستقبل للبشر؟» - وأدى ~~دورا مهما في تأسيس مؤتمر بوجواش وفي تأسيس المحكمة الدولية لجرائم الحرب تعبيرا عن ~~المعارضة لحرب فيتنام، وذلك بمشاركة جان بول سارتر. # ترد مناقشة للصراعات السياسية التي شهدها راسل إبان السنوات الخمس عشرة الأخيرة من ~~حياته في الفصل # الرابع ~~. كان راسل يبدو وكأنه يزداد شبابا مع ~~الزمن عند خاتمة حياته، رغم شيخوخة الجسد وشيء من الوهن (ولكنه كان نشطا ومتيقظا حتى ~~النهاية، حين توفي وهو في عامه الثامن والتسعين)؛ إذ قدمته جدته إلى العالم على صورة كهل ~~فيكتوري، لكنه غير من نفسه إلى فارس مطوف دائم الشباب؛ فارس صادق وصارم ذي فكر مهيب ~~ومقدرة هائلة ككاتب، يستخدم مواهبه - ولعل من أهمها قدراته الفريدة المتعلقة بالمنطق وخفة ~~الظل - للتصدي للقوى الغاشمة. # إن منظور الزمن من شأنه إما أن يضخم من شأن من شغلوا المشهد العام وإما أن يقلل منه. ~~ويتضاءل السواد الأعظم من هؤلاء ويظلون في السفوح، فيما يسمو قلائل إلى قمم الجلال. ويظهر ~~راسل صرحا منيفا بين القمم. # | هوامش # الفصل الثاني # | المنطق ms027 والفلسفة # مقدمة # كان الحافز الفلسفي الأساسي الذي يدفع راسل - على حد تعبيره - هو اكتشاف ما إذا كان ~~من الممكن معرفة أي شيء معرفة يقينية. وقد راوده هذا الطموح - الذي يطابق طموح ديكارت ~~- بسبب أزمتين فكريتين مبكرتين: فقدانه الإيمان الديني، وخيبة أمله في الاضطرار إلى ~~تقبل البديهيات كأساس للهندسة. وكان أول مسعى فلسفي حقيقي يتولاه هو إثبات أن ~~الرياضيات تعتمد على المنطق؛ فنجاحه في هذا المسعى كان من شأنه أن يقدم أساسا من ~~اليقين للمعرفة الرياضية. فشل المشروع، لكن انطلقت من المحاولة عدة تطورات فلسفية مهمة. ~~واتجه راسل بعد ذلك إلى مشكلات الفلسفة العامة؛ حيث يصبح العثور على اليقين أصعب. ومع ~~ذلك أخذ يعمل في بناء نظريات كان يأمل أن توفر حلولا مرضية، بصرف النظر عن الطابع ~~المراوغ لليقين. وراح يعود إلى هذه المشكلات مرة بعد مرة، ويطور آراءه ويغيرها وهو يؤمن ~~بالأساليب التحليلية المستمدة من عمله المنطقي. وقد شعر في آخر الأمر أن بإمكانه أن ~~يقول إنه حقق درجة من النجاح، مع أنه كان يدرك أنه لم يكن يتفق معه إلا قلة من أقرانه ~~الفلاسفة. # حين يدرس المرء الأعمال الفلسفية لراسل، ويتجاهل حقيقة أنها تطورت على مدى فترة ~~زمنية طويلة للغاية - إذ كانت كثيرا ما تتخللها أنشطة كثيرة أخرى تدوم لفترات طويلة - ~~فإنه يندهش لمدى استمرار ومنطقية التطور الذي تمثله. وحسب وصف راسل لتطوره الفلسفي، ~~يقول إن حياته الفلسفية انقسمت إلى قسمين: القسم الأول تمثل في التجريب المبكر ~~والقصير الأمد للمثالية، أما القسم الثاني - وهو مستلهم من اكتشافه لأساليب منطقية ~~جديدة - فظل يسيطر على رأيه منذ ذلك الحين فصاعدا: # هناك قسم مهم في عملي الفلسفي ~~- في عامي 1899-1900 - أخذت فيه ~~أعتنق فلسفة مذهب الذرية المنطقية وأسلوب بيانو في المنطق الرياضي. كان هذا ~~تغيرا جذريا هائلا بحيث إنه يجعل عملي السابق - فيما عدا ما كان رياضيا ~~بحتا - غير ذي صلة بكل ما أنجزته فيما بعد. كان التغير في هذه السنوات بمنزلة ~~تغير جذري؛ أما التغيرات اللاحقة فكانت تتسم بأنها بمنزلة تطور. ms028 ~~(تطوري الفلسفي، ص11) # كان التطور الذي أعقب التغير الجذري كبيرا، ولكن كانت تحفزه في كل مرحلة حاجة إلى ~~حل المشكلات التي تأتي بها المراحل السابقة، أو - إذا كانت المشكلات أكبر من اللازم - ~~إلى اكتشاف طرق بديلة للتقدم للأمام. وتوضح هذه المتوالية الجدلية من المشكلات أن ~~الطرفة التي أطلقها تشارلز برود «ينتج السيد برتراند راسل نظاما فلسفيا جديدا كل ~~عام أو نحو ذلك، أما السيد جي إي مور فلا ينتج أي نظام فلسفي على الإطلاق.» مع أنها ~~تنطبق على مور، فإنها لا تنطبق على راسل، ولا سيما في تلميحها إلى الطابع المتقلب الذي ~~تتسم به خطوات رحلة راسل الفلسفية. # وخلال السنوات التي تفصل بين حصوله على شهادته واكتشافه لبيانو - وهي تقريبا عقد ~~التسعينيات من القرن التاسع عشر - كان راسل خاضعا لتأثير المثالية الألمانية كما كان ~~يفضلها أساتذته في كامبريدج. وكانت النسخة المنشورة من أطروحة حصوله على الزمالة عبارة ~~عن سرد عن الهندسة بالأسلوب الكانطي، ولكن ولاءه الأساسي كان لهيجل؛ إذ كتب سردا عن ~~الرياضيات بالأسلوب الهيجلي، وأعد جدلية مثالية كاملة للعلوم يهدف منها إلى إثبات أن كل ~~الواقع أصله تصور ذهني، وذلك بأسلوب هيجل. # تبرأ راسل من هذا العمل فيما بعد، بصرامته المعهودة، واصفا إياه بأنه «ليس إلا محض ~~هراء» (تطوري الفلسفي، ص32). لقد طرأ التغير الجذري في أسلوبه الفلسفي - كما رأينا - ~~نتيجة لثورته المشتركة مع مور على المثالية، ونتيجة لاكتشافه للعمل الفلسفي الذي ~~أنجزه بيانو. وكان عمل بيانو مهما للغاية؛ لأنه حفز من رغبة راسل لاشتقاق الرياضيات ~~من المنطق، وقدم له الوسيلة اللازمة لتنفيذ ذلك. وكرس راسل السنوات ما بين عام 1900 ~~و1910 لهذه المهمة أساسا، ونتج عن ذلك قدر كبير من الإنجاز الفلسفي القيم. يناقش ~~كتاب «مبادئ الرياضيات» (1903) هذا المشروع، ويتألف كتاب «أصول الرياضيات» (1910-1913) ~~من وصف تفصيلي لمحاولة تنفيذه. ومن بين الأبحاث الفلسفية القيمة التي أنجزها راسل ~~أثناء ذلك كتاب «عن التدليل» (1905)، وبعض الأفكار الواردة فيه صار لها تأثير هائل على ~~تاريخ الفلسفة لاحقا. # واستمر العمل الفلسفي إبان ms029 هذه السنوات بعد أن انتهى العمل المنطقي المشترك بإصدار ~~كتاب «أصول الرياضيات». وشرع راسل في تطبيق أساليب التحليل التي توصل إليها في هذا ~~العمل على مشكلات الميتافيزيقا (الاستقصاء عن طبيعة الواقع) والإبستمولوجيا (الاستقصاء ~~عن طريقة حصولنا على المعرفة واختبارنا لها). ويصف كتابه القيم القصير الخالد «مشكلات ~~الفلسفة» (1912) الآراء الميتافيزيقية والإبستمولوجية التي كان يعتنقها آنذاك. كان ينوي ~~أن يتناول هذه الآراء بمزيد من التفصيل في كتاباته اللاحقة، وبدأ في عام 1913 في كتابة ~~مسودة لكتاب كبير، نشر بعد وفاته بعنوان «نظرية المعرفة» (1984). ولكنه كان غير راض ~~عن بعض جوانب الكتاب؛ لذلك قرر تفكيكه ونشره كجزء من سلسلة من الأبحاث، بدلا من نشره ~~في كتاب. وفي الوقت نفسه بدأ يطبق الأساليب المنطقية على تحليل الإدراك بناء على ~~اقتراح من وايتهيد؛ وأسفر ذلك عن مجموعة من المحاضرات ألقاها في جامعة هارفرد ونشرها ~~لاحقا في كتاب بعنوان «معرفتنا بالعالم الخارجي» (1914). ويمثل هذا الكتاب - إضافة ~~إلى بحث بعنوان «صلة البيانات الحسية بالفيزياء» نشر في العام نفسه - استطرادا من ~~راسل ناقش فيه شيئا مثل مذهب الظواهر. ومذهب الظواهر هو الرأي القائل بأن المعرفة ~~الإدراكية يمكن تحليلها في إطار معرفتنا بالمعلومات الأساسية للتجربة الحسية. (وأقول ~~«شيئا مثل مذهب الظواهر» لأنه مع أن راسل وصف هذه الآراء بعد ذلك بنصف قرن بأنها تابعة ~~لمذهب الظواهر، فإنها في الكتابات الأصلية ليست واضحة هكذا؛ وأناقش هذه النقطة في ~~مكانها المناسب أدناه.) وبعد ذلك بأربع سنوات، في سلسلة أخرى من المحاضرات، طبق راسل ~~منهجه التحليلي على الأشياء وطريقة حديثنا عنها. وأطلق على هذا المنهج «فلسفة مذهب ~~الذرية المنطقية». وفي الوقت نفسه نشر كتابا كان في الواقع نسخة شعبية من كتاب «أصول ~~الرياضيات»، وعرض فيه الأفكار الأساسية لفلسفة الرياضيات. والكتاب بعنوان «مقدمة إلى ~~الفلسفة الرياضية» (1918). # وفي عشرينيات القرن العشرين سعى راسل إلى تحسين تطبيق أساليبه التحليلية على فلسفة ~~علم النفس والفيزياء والتوسع في ذلك. وكانت أول ثمرة لهذا السعي هي كتاب «تحليل العقل» ~~(1921)، ويطبق فيه فهمه لمبدأ يشبه مذهب الظواهر على تحليل ms030 الكيانات العقلية. وكان ~~الكتاب الثاني هو «تحليل المادة» (1927)، وفيه يسعى راسل إلى تحليل المفاهيم الأساسية ~~للفيزياء، مثل القوة والمادة، من منظور الأحداث. وحجة هذا الكتاب تتبع مذهب الواقعية ~~تماما؛ فقد كان راسل يرى أنه من غير الممكن تحليل المفاهيم الأساسية للفيزياء دون ~~الإقرار بوجود كيانات معينة يستحيل إدراكها؛ وبهذا انتهت علاقة راسل مع مذهب الظواهر. ~~ومن الممكن أيضا وصف الكتاب بأنه عودة إلى الواقعية؛ لأن راسل كان ملتزما بشكل صارم ~~بعض الشيء من الواقعية قبل أن يؤلف كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي». # شكل 2-1: الصورة المصدرة لكتاب «مبادئ الرياضيات »، المنشور عام 1900، ~~والقائم على افتراض أن لا فارق بين الرياضيات والمنطق. # 1 # بعد رحلة العودة من شكل من أشكال مذهب ~~الظواهر أو ما يشبهه، أعاد راسل التفكير في المشكلات التي أصبح يرى أنها لم تكن محل ~~معالجة مناسبة في ظل افتراضاته المبنية على مذهب الظواهر. ونتج عن ذلك كتاب «ما وراء ~~المعنى والحقيقة» (1940) حيث يناقش فيه ثانية علاقة التجربة بالمعرفة المشروطة، وكتاب ~~«المعرفة الإنشائية» (1948) ويعود فيه - من ضمن أمور أخرى - إلى موضوع تركه دون أن ~~يناقشه مناقشة مناسبة في الكتابات السابقة؛ وهو الموضوع المهم المتعلق بالاستنتاج غير ~~البرهاني (غير الاستدلالي)، من النوع الذي يفترض عموما أنه يستخدم في العلوم. # تستحق كل مرحلة من هذه المراحل على مدى تطور فكر راسل مناقشة مستفيضة، ويمكن ~~الاطلاع عليها في الأعمال المذكورة في قسم القراءات الإضافية في نهاية الكتاب. وفي ~~الأقسام التالية أقدم سردا موجزا لهذه المراحل. # رفض المثالية # تتخذ المثالية عددا من الصور المتباينة، ولكن عقيدتها الأساسية مفادها أن الواقع في ~~جوهره له طابع ذهني. ولعل مصطلح «الفكرية» من الممكن أن يكون تسمية أفضل من المثالية، ~~فمصطلح «المثالية» من المصطلحات الفنية في الفلسفة، وليس له علاقة بالمعاني العادية ~~لكلمة «مثالي». والمثالية - في إحدى صورها، وفي رأي بيشوب بيركلي - هي الفرضية القائلة ~~بأن الواقع يتألف جوهريا من مجموعة من العقول وأفكارها. وأحد هذه العقول غير متناه، ~~وتنشأ منه معظم الأفكار؛ ويعتبره بيشوب هو الذات الإلهية. وفي ms031 آراء لاحقة من النوع الذي ~~يعتنقه تي إتش جرين وإف إتش برادلي ~~- وكلاهما تأثر تأثرا كبيرا بالمثالية الألمانية - تكون الفرضية هي أن الكون يتألف ~~جوهريا من عقل واحد يستشعر نفسه، إذا جاز التعبير. وهما يؤكدان أن خبرتنا المحدودة ~~والجزئية والفردية، والتي تخبرنا أن العالم يتألف من مجموعة متعددة من الكيانات ذات ~~الوجود المنفرد - والكثير منها، إن لم يكن معظمها، مادية أكثر منها ذهنية - متناقضة، أو ~~على أقل تقدير مضللة. وتعددية الأشياء هذه ليست إلا «مظهرا»، يخفي الطبيعة الحقيقية ~~للواقع بدلا من أن يصورها. ويشي هذا بفكرة مهمة ملازمة للمثالية ، تعلم راسل أن ~~يتقبلها؛ وهي أنه نظرا لأن التعددية عبارة عن مظهر مضلل، فإن الحقيقة هي أن كل شيء ~~متصل بكل الأشياء الأخرى في الكون؛ ولذلك فإن الكون عبارة عن شيء واحد، وكل شيء هو ~~عبارة عن كيان واحد. وهذا الرأي يعرف بمذهب «الأحادية». # حين رفض مور وراسل المثالية في عام 1898 (وكان نشر مقال مور في ذلك العام، وعنوانه ~~«طبيعة الرأي»، علامة على ذلك الرفض) اعترض كل منهما على الفرضيات الأساسية التي ~~تقوم عليها المثالية، وهي أن التجربة ومكوناتها تعتمد بعضها على بعض اعتمادا متبادلا ~~ومعقدا، وأن كل شيء عبارة عن كيان واحد. وبهذه الطريقة التزما بمذهب «الواقعية»، وهي ~~الفرضية التي تقول بأن مكونات الخبرة منعزلة عن الخبرة ذاتها، والتزما بمذهب ~~«التعددية»، وهي الفرضية القائلة بأنه يوجد الكثير من الأشياء المستقلة المنفردة في ~~العالم. # كان راسل يرى أن المثالية والفكرة الملازمة لها - الأحادية - تنشآن من نظرة «للروابط» ~~تفسح، فور دحضها، المجال للواقعية التعددية. والروابط تعبر عنها تعبيرات مثل «أ تقع ~~على يسار ب»، و«أ موجودة قبل ب»، و«أ تحب ب». كان راسل يرى من وجهة النظر المثالية أن ~~كل الروابط «داخلية»، بمعنى أنها عبارة عن صفات للأطراف التي تصل بينها، وتظهر - في ~~وصفها الكامل - كصفات للكل الذي تؤلفه بما فيها من أطراف. يكون هذا أحيانا قابلا ~~للتنفيذ؛ ففي «أ تحب ب» فكرة محبة «أ» ل «ب» عبارة عن صفة ل ms032 «أ» - بمعنى أنها عبارة عن حقيقة ~~عن طبيعة «أ» - والحقيقة المعقدة التي تدل عليها «أ تحب ب» تحمل صفة المحبة التي يتلقاها ~~«ب» من «أ». ولكن إذا كانت كل الروابط داخلية، يترتب على ذلك فورا أن الكون يتألف مما ~~يطلق عليه الفيلسوف المثالي هارولد جواكيم «الكل ذو المعنى»؛ لأنه يعني أنه من طبيعة ~~أي شيء أن يكون متصلا بكل شيء آخر؛ وبناء على ذلك، فإن أي وصف كامل لأي شيء سيطلعنا ~~على كل شيء عن الكون بالكامل، وبالعكس. يعبر برادلي عن هذه الجزئية كما يلي: «الواقع ~~واحد. ويجب أن يكون مفردا لأن التعددية - في حالة الإقرار بأنها حقيقية - تناقض نفسها؛ ~~فالتعددية تفترض ضمنا وجود الروابط، وهي تفرض دائما كرها وجود وحدة عليا، وذلك من ~~خلال روابطها» (المظهر والواقع، ص519). # رد راسل معترضا على هذا الرأي بقوله إن أتباع مذهب المثالية يرتكبون خطأ جوهريا، ~~وهو أنهم يفترضون أن كل القضايا تتخذ صيغة الموضوع والمحمول. فلنأخذ عبارة «الكرة ~~مستديرة». يمكن استخدام هذه العبارة للتعبير عن قضية تسند فيها صفة الاستدارة إلى كرة ~~معينة («تسند» معناها: تنطبق على، تقال عن). ففي رأي راسل، أخطأ أتباع مذهب المثالية ~~حين ظنوا أن كل القضايا - حتى الارتباطية - تتخذ شكل الموضوع والمحمول؛ مما يعني أن كل ~~قضية يجب أن تؤلف في التحليل النهائي إسنادا عن الواقع ككل، وأن الروابط في حد ذاتها ~~غير واقعية. على سبيل المثال: من وجهة النظر المثالية، ينبغي فهم القضية «أ موجودة إلى ~~اليسار من ب» على أنها تقول: «الواقع يتصف بصفة أن أ تبدو إلى اليسار من ب» (أو نحو ~~ذلك). # ولكن إذا رأى المرء أن الكثير من القضايا ارتباطي في الشكل على نحو يتعذر فصمه، ~~فإن المرء هكذا يرى أن الأحادية زائفة؛ فقولنا إن الكثير من القضايا ارتباطي على نحو ~~يتعذر فصمه يساوي قولنا إن الروابط حقيقية أو «خارجية»؛ فهي لا تقوم على الأطراف التي ~~تصلها؛ فالرابطة «إلى اليسار من» لا تنتمي في حد ذاتها إلى أي شيء مكاني، بمعنى أنه ms033 ليس ~~من الضروري أن يوجد شيء مكاني إلى اليسار من أشياء أخرى. وذهب راسل إلى أنه لكي نضمن ~~صحة أن «أ على يسار ب»، يجب أن يكون لدينا «أ» وكذلك «ب» «على نحو منفصل» حتى تصبح الأولى ~~طرفا في رابطة مع الثانية، وهي رابطة «إلى اليسار من». وبالطبع فإن قولنا بوجود أكثر ~~من شيء واحد معناه رفض الأحادية. # ويشكل رفض الأحادية رفضا للمثالية في رأي راسل؛ لأنه من الضروري في المثالية أن تكون ~~الرابطة التي تربط الخبرة بالأشياء المكونة لها رابطة داخلية؛ وهو ما يساوي بالتبعية ~~أن نقول بعدم وجود رابطة من هذا النوع؛ وهو ما يساوي بالتبعية أن نقول إن الروابط غير ~~حقيقية. ولكن في رأي راسل المخالف القائل بأن الروابط حقيقية، لا يمكن دمج الخبرة مع ~~الأشياء المكونة لها؛ بمعنى أن تلك الأشياء موجودة بمعزل عن كونها أشياء تستشعر. ~~ويصب هذا في صميم ما كان يقصده كل من راسل ومور بالواقعية. # من غير المؤكد ما إذا كان راسل محقا ~~في الظن أن كل أتباع المثالية (بما فيهم لايبنتس) - وقبلهم فلاسفة العصور الوسطى أصحاب ~~فكرة ميتافيزيقا المادة والصفة - كانوا ملتزمين بالرأي القائل بأن كل القضايا تتخذ شكل ~~الموضوع والمحمول. ولكنه قطعا اعتبر أنه اكتشف خللا مهما للغاية في الفلسفة ~~السابقة. وبعد رفض المثالية اتجه لفترة إلى النقيض منها؛ وهو أن يكون واقعيا حيال كل ~~شيء. وكان على حد قوله «تابعا ساذجا لمذهب الواقعية» من حيث إنه كان يؤمن أن كل ما ~~يدركه من صفات الأشياء المادية هي صفات حقيقية لها، وأنه كان تابعا لمذهب الواقعية من ~~الزاوية الفيزيائية؛ لأنه كان يؤمن بأن كل الكيانات النظرية للفيزياء هي عبارة عن ~~«كيانات موجودة فعليا» (تطوري الفلسفي، ص48-9)، وأنه كان تابعا لمذهب الواقعية من ~~الزاوية الأفلاطونية؛ لأنه كان يؤمن كذلك بوجود - أو على الأقل ب «كينونة» (وهي درجة ~~مخففة وربما أقل من الوجود) - «الأعداد والآلهة الإغريقية والروابط والكائنات الخرافية ~~مثل وحش الكمير والأمكنة الرباعية الأبعاد» (مبادئ الرياضيات ص449). ولاحقا شذب راسل ~~هذا ms034 الكون الباذخ بتطبيق قاعدة نصل أوكام، وهو المبدأ القائل بأنه لا ينبغي زيادة عدد ~~الكيانات دون ضرورة. فعلى سبيل المثال، إذا كان من الممكن شرح الأشياء المادية باستفاضة ~~في سياق الكيانات دون الذرية، فينبغي ألا تحتوي القائمة الأساسية لمكونات الكون على ~~الأشجار من جهة وأيضا على اللبتونات والكواركات وغيرها من الجسيمات القياسية التي ~~تتألف منها الأشجار من جهة أخرى. وكانت هذه هي الطريقة التي طبق بها أسلوب التحليل ~~فيما بعد. ولكنه كان لا يزال يؤمن بصيغة شاملة من مذهب الواقعية في كتاب «مبادئ ~~الرياضيات»؛ فعاد إلى الواقعية بعد أن اطلع على أعمال جيوسيبي بيانو في باريس في عام ~~1900. # أصول الرياضيات # كان لايبنتس يحلم بوجود «لغة شاملة»، وهي لغة شاملة ودقيقة تماما، ستحل عند ~~استخدامها كل المشكلات الفلسفية. وأقر راسل - في كتابه الذي يتناول لايبنتس - أن ~~هذا الحلم كان توقا إلى اكتشاف منطق رمزي، كان يقصد به راسل آنذاك الجبر البولياني ~~الذي وضعه جورج بول في منتصف القرن التاسع عشر. ولكنه لم يكن يظن في تلك المرحلة أن ~~لايبنتس كان على الصواب في افتراض أنه يمكن حل المشكلات الفلسفية باستخدام التفاصيل ~~الفنية التي يقوم عليها نظام منطقي استدلالي؛ لأن الأسئلة المهمة حقا في الفلسفة ~~تتعلق بشئون «سابقة على الاستدلال»، وهي المفاهيم أو الحقائق المشار إليها في المقدمات ~~التي ينطلق منها الاستنتاج. وكان راسل يؤكد أنه أيا كانت هذه المشكلات، فإن المنطق لا ~~يقدمها لنا؛ إذ إن المنطق يمكنه مساعدتنا في الاستدلال عليها فقط. # ولكن راسل غير رأيه حين اطلع على أعمال بيانو. واستلهم راسل على الفور من خطوات ~~التقدم التي حققها بيانو في الأسلوب المنطقي (سبقه إليها جوتلوب فريجه، ولكن ذلك لم ~~يدركه أي من بيانو أو راسل آنذاك) طرقا لصياغة المبادئ الأساسية للمنطق، ولعرض ~~شيئين في غاية الأهمية؛ أولا: كيفية تعريف كل مفاهيم الرياضيات من حيث المبادئ ~~الأساسية، وثانيا: كيفية إثبات كل الحقائق الرياضية انطلاقا من تلك المبادئ الأساسية. ~~باختصار، استلهم راسل منها كيفية إثبات أن لا فارق بين المنطق ms035 والرياضيات. وهذا هو ~~الهدف من كل من كتاب «مبادئ الرياضيات»، وصيغته الأكثر استفاضة وهو كتاب «أصول ~~الرياضيات». # ويعرف مشروع اشتقاق الرياضيات من المنطق باسم «النزعة المنطقية». ولم يسع راسل في ~~كتاب «مبادئ الرياضيات» إلى مناقشة هذه الجزئية من البرنامج باستفاضة؛ إذ لم يزد عن ~~تقديم وصف مختصر سطحي. لكنه أدرج المناقشة المستفيضة في كتاب «أصول الرياضيات». وكان ~~من بين أهم الأسباب التي دعت راسل إلى تأجيل المهمة حتى إصدار كتاب «أصول الرياضيات» هو ~~أنه اكتشف وجود تناقض ظاهري؛ مما كان يهدد المشروع بأكمله. # كانت أول مهمة ينفذها راسل هي تعريف مفاهيم الرياضيات باستخدام أقل عدد ممكن من ~~المفاهيم المنطقية البحتة. (فيما يأتي ثلاث فقرات تحتوي على تفاصيل فنية مبسطة، ويجب ~~ألا تعيق القارئ.) إذا جعلنا الحرفين # و # يرمزان إلى القضايا، تكون هذه المفاهيم كما يأتي: النفي (ليس ~~)، والفصل ( # أو ~~)، والربط ( # و ~~)، والتضمين (إذا كان # إذن يكون ~~). وتضاف إلى هذه العمليات رموز لتمثيل البناء الداخلي للقضايا: # تعبير وظيفي يكون فيه # متغيرا يرمز إلى أي فرد، ويكون # بمنزلة محمول يرمز إلى أي صفة؛ وهكذا تعني الصيغة # أن # هو ~~(مثال لما ترمز إليه هو: «الشجرة عالية»). ومن خطوات التقدم المهمة ~~التي تمكن راسل من استخدامها تحديد كمية مثل هذه الدالات. وباستخدام الرموز التي ~~أصبح استخدامها معمما حاليا في المنطق، يرمز إلى تحديد الكمية بهذه الطريقة: # يرمز إلى كل أفراد ~~؛ إذن # تقول إن كل أفراد # هي ~~، و # ترمز إلى « # واحد على الأقل»؛ إذن # يقصد بها أن « # واحد على الأقل» هو ~~. وأخيرا يتبقى مفهوم الهوية؛ فالتعبير # يقصد به أن # و # ليسا شيئين بل شيء واحد. ويصبح من الممكن باستخدام هذه اللغة البسيطة ~~تعريف مفاهيم الرياضيات. # كان علماء الرياضيات الأوائل يستقصون عن الروابط الموجودة ضمن المفاهيم الرياضية ~~وأقروا بأنها كلها قابلة للاختزال إلى الأعداد الطبيعية (الأعداد المستخدمة في العد ~~1، 2، 3 ...) مع أنه لم يكن أحد قد برهن على هذا بدقة حتى ذلك الحين. وكانت الخطوة الأولى ~~في البرنامج إذن هي تعريف الأعداد الطبيعية بمصطلحات منطقية. وهذا ms036 هو ما أنجزه فريجه ~~من قبل، مع أن راسل لم يدرك ذلك آنذاك. # يستخدم التعريف مفهوم الفئات؛ حيث الفئة 2 تعرف على أنها فئة كل الثنائيات، والفئة ~~3 تعرف على أنها فئة كل الثلاثيات، وهكذا. ويعرف «الثنائي» بدوره باعتباره فئة ~~تضم الفردين # و ~~، حيث # و # ليسا متطابقين، وحيث - في حالة وجود أي فرد آخر في الفئة يسمى ~~- يصبح # متطابقا مع أي من # أو ~~. ويصاغ التعريف العام للعدد من حيث مجموعات من الفئات المتشابهة، حيث ~~يكون التشابه مفهوما دقيقا يدل على رابطة بين شيئين؛ حيث تصبح الفئتان متشابهتين ~~إذا أمكن تحديد علاقة فردية تجمع بين أفرادهما. # وفي ظل تطبيق هذه المفاهيم، يتسنى حل مجموعة كبيرة من المشكلات، ومن بينها: كيفية ~~تعريف العددين صفر و1 (أشار راسل إلى أن هذين العددين من أصعب المفاهيم في الرياضيات)، ~~وكيفية التغلب على الأحاجي المستندة إلى «واحد وكثير» (هل الكرسي شيء واحد أم كثير من ~~الأشياء: أهو كيان واحد، أم كثير، إذا أحصيت أجزاءه ومكوناته؟) وكيفية فهم الأعداد غير ~~المتناهية. وفور تعريف الأعداد الكاملة، لا تمثل الأعداد الأخرى (الأعداد الموجبة ~~والسالبة والكسور والأعداد الحقيقية والأعداد المركبة) أي صعوبة تذكر. # ومن ثم يصبح الجزء الأول من البرنامج - وهو تعريف المفاهيم الرياضية في ضوء ~~المفاهيم المنطقية - عموما غير معقد، وذلك بمجرد أن تتوافر التفاصيل الفنية ~~المناسبة. ويتضح أن الجزء الثاني - وهو الجزء المتعلق بالنزعة المنطقية الذي ينطوي على ~~بيان إمكانية إثبات الحقائق الرياضية من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها المنطق - ~~أصعب بكثير. # والسبب الأساسي في ذلك - من وجهة نظر راسل آنذاك - كان اكتشافه لوجود تناقض ظاهري. ~~ويتصل ذلك التناقض الظاهري بمفهوم محوري للمشروع، كما يعرض الوصف المختصر السابق: مفهوم ~~الفئات. ووجد راسل نفسه يتفكر أثناء عمله في حقيقة أن بعض الفئات ~~- وبعضها ليس كذلك - أفراد لأنفسها؛ فمثلا، ~~فئة ملاعق الشاي ليست في حد ذاتها ملعقة شاي؛ ولذلك ليست عضوا لنفسها، ولكن فئة ~~الأشياء من غير ملاعق الشاي هي فرد من نفسها لأنها ليست ملعقة شاي. ماذا إذن بخصوص ms037 ~~الفئة التي تضم كل الفئات التي ليست أفرادا لأنفسها؟ إذا لم تكن هذه الفئة فردا من ~~نفسها، تصبح بالتبعية فردا من نفسها؛ وإذا كانت فردا من نفسها، فلن تصبح بالتبعية ~~فردا من نفسها؛ إذن فهي فرد من نفسها وليست فردا من نفسها في الآن عينه؛ ومن هنا ~~يأتي التناقض الظاهري. # في البداية ظن راسل أن السبب في ذلك يعود إلى خطأ تافه، ولكن اتضح له أن كارثة ~~قد حلت، وذلك بعد أن بذل جهدا كبيرا لتصحيح الأمور، وبعد التشاور مع فريجه ووايتهيد. ~~ونشر راسل «مبادئ الرياضيات» دون أن يجد حلا. ولكن أثناء انكبابه هو ووايتهيد على ~~تأليف كتاب «أصول الرياضيات»، ظن أنه قد وجد الحل، ولكن ثبت أن الاستراتيجية التي وضعها ~~خلافية للغاية. وفيما يلي وصف لمجريات الأمر. # اكتشف راسل أنه يتعذر مواصلة محاولة استنتاج النظريات الرياضية من بديهيات منطقية ~~بحتة دون وجود بديهيات إضافية تتيح إثبات نظريات معينة في علم الحساب ونظرية المجموعات. ~~ويوجد بديهيتان من هذه البديهيات الإضافية (تفاصيلهما غير مهمة؛ أذكرهما على سبيل ~~الاكتمال) هما: «بديهية اللانهائية»، وتقول إنه يوجد مجموعات غير متناهية في العالم، ~~و«بديهية التغير» (وأحيانا يطلق عليها «بديهية التضاعف») وتقول بأن داخل كل مجموعة من ~~المجموعات غير المتوالية غير الفارغة توجد مجموعة تتقاسم عضوا واحدا بالضبط مع كل ~~من المجموعات الفردية الأخرى. توجد حاجة إلى وجود البديهيات حتى يتسنى تعريف الأعداد ~~من حيث الفئات، كما سبق الوصف. ولكن يبدو أن كلتيهما تنطويان على صعوبة ما، وهي أنهما ~~ذواتا طابع وجودي، بمعنى أنهما تقولان «يوجد كذا» - في الحالة الأولى عدد، وفي الثانية ~~مجموعة - وهذه مشكلة لأنه لا ينبغي أن يعنى المنطق بما يوجد أو بما لا يوجد، بل ينبغي ~~أن يعنى بالأمور الشكلية تماما فقط. ولكن راسل وجد حلا، وهو تناول التعبيرات ~~الرياضية باعتبارها جملا شرطية؛ أي باعتبارها جملا بصيغة «إذا ... إذن»، على أن تشغل ~~البديهيات الفراغ الموجود بعد «إذا»: وكأنها تقول، «إذا سلمت بصحة هذه البديهية، إذن ~~...» ونظرا لأن هذه الجمل الشرطية قابلة للاستنتاج ms038 من بديهيات المنطق؛ فلا يهم الاستعانة ~~الظاهرية بالاعتبارات الوجودية. # ولكن نشأت صعوبة أكبر بكثير من بديهية إضافية ثالثة، وهي «بديهية قابلية الاختزال». ~~هذه هي البديهية التي استخدمها راسل للتغلب على مشكلة التناقض الظاهري، ولكن علماء ~~المنطق الآخرين لا يستطيعون تقبلها. # ترتبط بديهية قابلية الاختزال ب «نظرية الأنماط» التي وضعها راسل. توجد طريقة مبسطة ~~لفهم هذه النظرية، وذلك من خلال ملاحظة أن التناقض الظاهري الذي اكتشفه راسل سببه أن ~~صفة «عدم كون الفئة فردا من نفسها» تنطبق على الفئة التي تضم كل الفئات التي تحمل تلك ~~الصفة. لكن إذا أمكن ابتكار قيد يقضي بأن هذه الصفة قابلة للتطبيق على الفئات التي تضم ~~أفرادا فقط وليس على الفئة التي تضم فئات، فلن ينشأ تناقض ظاهري. ويوحي هذا بأنه لا بد ~~من وجود ما يشبه فارقا يتألف من مستويات فيما بين الصفات، بحيث إن الصفات المسندة في ~~مستوى معين يتعذر إسنادها عند مستوى أعلى. # توجد صيغة معدلة من نظرية الأنماط - وهي صيغة أبسط من الصيغة التي وضعها راسل - تحمل ~~هذا المعنى وتبدو جديرة بالتصديق في رأي بعض علماء المنطق. وكان من اقترحها هو عالم ~~الرياضيات والفيلسوف فرانك رامزي، وتعرف هذه النسخة باسم «النظرية البسيطة للأنماط». ~~وهذه النظرية تسير كما يأتي: اللغة التي تنطبق على حقل معين تحمل تعبيرات جبرية من ~~المستوى 1 - الأسماء - وتشير إلى الأشياء الموجودة في الحقل، وتحمل تعبيرات جبرية من ~~المستوى 2 - المحمولات - وتشير إلى صفات تلك ~~الأشياء فقط، وتحمل تعبيرات جبرية من المستوى 3 - محمولات المحمولات - وتشير إلى صفات ~~تلك الصفات فقط ... وهكذا. والقاعدة هي أن كل تعبير جبري ينتمي إلى نمط معين ولا ينطبق ~~إلا على التعبيرات الجبرية من النمط التالي الذي يليه في التسلسل الهرمي. وفي ضوء الوصف ~~المبسط الذي ذكرته، نرى كيف أن هذه الاستراتيجية تقدم حلا لمشكلة التناقض ~~الظاهري. # تعرف النسخة المعقدة من نظرية ~~الأنماط التي وضعها راسل باسم «النظرية المتشعبة للأنماط». (فهم هذه النظرية فهما ~~صحيحا من الأمور الخلافية - انظر، على سبيل المثال، هايلتون ms039 1990، الفصل السابع - ولكن ~~الوصف التالي قد يقدم تقريبا أوليا.) كان السبب الذي دفع راسل إلى ابتكار «التشعب» ~~- ويقصد به التقسيم الداخلي للأنماط إلى «رتب» - هو أنه كان يعتقد أن العثور على حل ~~لمشكلة التناقض الظاهري كان يتطلب ذلك بالتحديد. وكان تصوره أن مشكلة التناقض الظاهري ~~تنشأ من محاولة تعريف الصفات باستخدام تعبيرات جبرية تحتوي على إشارة إلى «كل الصفات»؛ ~~لذلك كان لا بد من التحكم بشدة في الحديث عن «كل الصفات»؛ ومن ثم، يجب تقسيم صفات ~~النمط 1، مثلا، تقسيما فرعيا إلى رتب: رتبة أولى من الصفات لا يرد في تعريفها ~~التعبير الجبري «كل الصفات»؛ ورتبة ثانية من الصفات يرد في تعريفها التعبير الجبري «كل ~~صفات الرتبة الأولى»؛ ورتبة ثالثة يرد في تعريفها التعبير الجبري «كل صفات الرتبة ~~الثانية»؛ وهكذا. وما دام لا ترد إشارة قط إلى «كل الصفات» ولا تنسبها إلى رتبة ~~محددة، فلا تعرف أي صفة بحيث يشار إلى المجموعة الكلية التي تنتمي إليها. وتضمن هذه ~~الطريقة تجنب التناقض الظاهري. # ولكنها تحقق هذه النتيجة على حساب ~~جانب آخر؛ فهي تتسبب في إدخال صعوبات في نظرية الأعداد الحقيقية بحجب أهم تعريفاتها ~~ونظرياتها. وللتغلب على هذه المشكلة ابتكر راسل بديهية القابلية للاختزال، وتحاول هذه ~~البديهية تصميم طريقة لاختزال الرتب الموجودة ضمن نمط ما إلى الرتبة الأدنى. وتخلى ~~راسل عن هذه الخطوة في الطبعة الثانية من كتاب «أصول الرياضيات» (1927) بعد أن شبهها ~~أحد المعلقين باستخدام «القوة المفرطة» لإنقاذ نظرية الأعداد الحقيقية. ولكنه وجد نفسه ~~في مأزق لأنه لم يستطع قبول وجود أي بديل للنظرية المتشعبة للأنماط. وفي رد فعل لهذا ~~الموقف، قدم رامزي النظرية «البسيطة» للأنماط التي سبق وصفها. (تجدر الإشارة إلى أن ~~نظرية رامزي تستدعي المناقشة في حد ذاتها؛ فهي تقدم طرحا خلافيا مفاده أن الطابع ~~الدائري الذي تتسم به التعريفات التي تنسب الصفات إلى نفسها غير ضار؛ وتتطلب ~~النظرية اعتناق وجهة نظر واقعية خلافية بالقدر نفسه عن وجود المجموعات الكلية قبل ~~تعريفها.) # اصطدمت طموحات راسل المتعلقة بالنزعة المنطقية بصعوبات، وهو ms040 ما يرجع في جزء منه إلى ~~طبيعة الطموحات نفسها وفي جزء آخر إلى أن النزعة المنطقية نفسها غير قابلة للتنفيذ، ~~وذلك كما توحي التطورات اللاحقة التي شهدتها الرياضيات، ولا سيما أعمال كيرت جوديل. ~~برهن جوديل على أن أي نظام منهجي يلائم نظرية الأعداد ينطوي على معادلة غير قابلة ~~للتحديد، بمعنى أنها معادلة لا يمكن إثبات صحتها أو إثبات نفيها. ومن النتائج المباشرة ~~لهذه النظرية أن يتعذر إثبات اتساق مثل هذا النظام داخل النظام؛ لذلك لا يستطيع المرء ~~افتراض أن الرياضيات (أو أيا من أقسامها الكبرى) يمكن تزويدها بمجموعة من البديهيات ~~الكافية لإنتاج كل حقائقها. وتبرهن أعماله على أن المنهج القائم على البديهيات ينطوي ~~على عوائق شديدة متأصلة، وأن الطريقة الوحيدة لإثبات اتساق الكثير من أنواع أنظمة ~~الاستدلال هي استخدام نظام استنتاج معقد إلى حد يجعل اتساقه هو نفسه محل شك بالقدر ~~نفسه. # كان ما يحتاج إليه راسل لمواصلة ~~مشروعه المنطقي هو تنظيما منهجيا يستبعد إمكانية التناقض. وتفيد أعمال جوديل أن هذا ~~مستحيل. ولا بد من أن نستنتج من ذلك أن الإنجاز الذي أحرزه كتاب «مبادئ الرياضيات»، ~~وكتاب «أصول الرياضيات» بوجه خاص، لا يكمن في درجة تحقيق كل منهما لأهدافه ~~المعلنة، بل فيما يمكن أن يطلق عليه «النتائج الاشتقاقية» المهمة التي حققاها في ~~مجالي المنطق والفلسفة. # نظرية الأوصاف # كان من أبلغ النتائج الاشتقاقية تأثيرا «نظرية الأوصاف» التي وضعها راسل. وحقق ~~راسل باستنباط هذه النظرية المهمة عددا من الأهداف المختلفة؛ فمن الدروس التي استفادها ~~من انتقاد المذهب المثالي هو أن القواعد النحوية السطحية للغة من الممكن أن تضللنا ~~بخصوص معنى ما نقوله. كما سبق، كان راسل يظن أن السبب الذي كان يدفع الفلاسفة إلى ~~اعتناق ميتافيزيقا المادة والصفة - وهو رأي يتوغل في صعاب عويصة، كما يتبين من الجدل ~~الذي شهده تاريخ الفلسفة - هو أنهم رأوا أن كل القضايا تتخذ صيغة موضوع ومحمول ~~أساسا؛ فقد تناول الفلاسفة عبارتي «الطاولة مصنوعة من الخشب» و«الطاولة تكون إلى يسار ~~الباب» على أن الموضوع في كل منهما ms041 هو كلمة «الطاولة»، وأن المحمول هو الكلمات التي ~~تلي الفعل الرابط «فعل الكينونة» في كلتيهما. ولكن فيما يمكن أن تعد الجملة الأولى قضية ~~من هذا النوع، فإن الجملة الثانية تعبر عن شيء مختلف بعض الشيء؛ قضية ارتباطية، وهي في ~~الواقع تحتوي على موضوعين («الطاولة» و«الباب»)، وهي تؤكد على أن كلا منهما تجمعه ~~رابطة معينة بالآخر. وهكذا فإن الصيغة المنطقية للجملة الثانية مختلفة بعض الشيء عن ~~الصيغة المنطقية للجملة الأولى؛ ومن ثم، كان لا بد - من وجهة نظر راسل - من وجود ~~منهج لكشف الصيغة الكامنة الحقيقية لما نقوله من أجل مساعدتنا على تجنب الأخطاء ~~الفلسفية. # وكانت الخطوة المهمة التالية التي اتخذها راسل هي تطبيق المنطق الجديد على هذه ~~المهمة. ومثلما يفيد المنطق الجديد في تعريف مفاهيم الرياضيات وعملياتها، فهو يفيد ~~أيضا في تحليل ما نقوله عن العالم؛ وبهذا نحصل على صورة صحيحة عن الواقع. # ولعرض كيفية تنفيذ نظرية الأوصاف لهذه المهمة، يمكن وصف كيفية حل هذه النظرية لمشكلة ~~مهمة تتعلق بالمعنى والإسناد. تأتي أصول تناول راسل لهذه المشكلة في أعمال الفيلسوف ~~النمساوي أليكسيوس مينونج، وقد درسها راسل دراسة متأنية؛ ولذلك كانت من المؤثرات ~~المبكرة التي تأثر بها. كان مينونج يرى أن العبارات الدالة - أسماء مثل «راسل» وأوصاف ~~مثل «مؤلف كتاب مبادئ الرياضيات» - لا يمكن أن ترد على نحو ملحوظ في القضايا (تحديدا: ~~في الجمل التي تعبر عن قضايا) إلا إذا كان ما تدل عليه موجودا. وأخذ مينونج يدافع عن ~~رأيه بقوله: فلنفترض أنك تقول «الجبل الذهبي ليس موجودا». من الواضح أنك تتحدث عن شيء ~~- الجبل الذهبي - وأنت تؤكد على أنه غير موجود؛ وما دام ما تقوله له معنى، فلا بد أنه ~~يوجد جبل ذهبي، بمعنى معين. وتقول نظريته إن كل شيء يمكن التحدث عنه - تسميته ~~والإشارة إليه - لا بد أن يكون إما موجودا أو له «كينونة» من نوع ما حتى لو كانت تلك ~~الكينونة لا تساوي الوجود، وإلا صار ما نقوله مجردا من المعنى. # تقبل راسل هذا الرأي في البداية، وطرحه ms042 فعلا في كتاب «مبادئ الرياضيات»؛ وهذا هو ~~السبب - كما ذكرت آنفا - في أنه ذكر في هذا الكتاب اعتقاده بوجود - أو على الأقل ~~بكينونة - «الأعداد والآلهة الإغريقية والكائنات الخرافية مثل وحش الكمير». ولكن سرعان ~~ما أساءت عدم قابلية تصديق هذا الرأي إلى «رؤيته النابضة بالحياة للواقع» - على حد ~~تعبيره - لأنه لم يحشد الكون بكيانات مجردة وأسطورية فقط، بل أيضا بأشياء مستحيلة مثل ~~«المربع المستدير»، ولم يستطع راسل أن يقبل هذا. # استخدم راسل أساليب المنطق لاستنباط ~~حل جميل. لم يكن يرغب في التخلي عن الرأي القائل بأن أي اسم لا يكون ذا معنى إلا إذا ~~كان يوجد شيء يطلق عليه هذا الاسم، ولكنه حاول أن يؤكد أن الأسماء «الصحيحة منطقيا» ~~هي وحدها تلك الأسماء التي تدل على كيانات «محددة» يمكن أن «يتعرف» عليها المرء. وكان ~~راسل يقصد ب «التعرف» صلة مباشرة وفورية بين الذهن والشيء؛ وتشمل الأمثلة الوعي ~~بالبيانات الحسية التي يحيط بها الإدراك (انظر أدناه) ومعرفة مثل تلك الكيانات المجردة ~~على أنها قضايا. الأسماء الصحيحة منطقيا هي وحدها التي يمكنها أن تشغل مكان الموضوع ~~نحويا في الجمل. وأفضل الأمثلة اسما الإشارة «هذا» و«ذلك»؛ لأنه من المؤكد وجود ~~إحالة لهما في كل مرة يستخدمان فيها. وكل عبارات التسمية الظاهرية الأخرى هي في ~~الحقيقة ليست عبارات تسمية على الإطلاق، بل هي - أو عند تحليلها يتضح أنها - «أوصاف ~~معرفة»، بمعنى أنها عبارات معرفة ب «أل». وتكمن أهمية هذا في أنه عند تحليل ~~الجمل التي تحتوي على أوصاف، تختفي العبارات الوصفية؛ ومن ثم لا يتوقف معنى ما ~~يقوله المرء على وجود مفترض أو كينونة مفترضة لكيان ما يبدو أن الأوصاف - وفقا ~~للقواعد النحوية السطحية - تدل عليه. # ويمكن فهم هذا بدراسة مثال؛ فلنأخذ جملة «الملك الحالي لفرنسا أصلع»، على أن تقال في ~~فترة لا يكون لفرنسا فيها ملك. على افتراض أن الجمل دائما إما صحيحة أو كاذبة، فماذا ~~عساه أن يرد المرء إذا سئل: هل هذه الجملة صحيحة أم كاذبة؟ يبدو من الواضح أن الرد ~~سيكون: ms043 «كاذبة»، ليس لأن الملك الحالي لفرنسا شعره غزير، بل لأنه غير موجود. ومنحت هذه ~~الجزئية لراسل مفتاح الحل؛ فأخذ يؤكد أن الجمل التي تحتوي على أوصاف معرفة وتقع في ~~مكان الموضوع/الفاعل نحويا يتضح عند تحليلها أنها اختزال لمجموعة من الجمل التي تؤكد ~~وجود وتفرد وصلع شيء يحمل صفة كونه الملك الحالي لفرنسا؛ وهكذا فإن جملة «الملك الحالي ~~لفرنسا أصلع» تعادل: ~~(1) # لفرنسا ملك. ~~(2) # ليس لفرنسا أكثر من ملك واحد. ~~(3) # ملك فرنسا أيا كان هو أصلع. # الجملة (1) هي ادعاء بالوجود؛ والجملة (2) ادعاء بالتفرد، بمعنى أنها تحتوي على ~~معنى ضمني لأداة التعريف «أل» في الوصف يقضي بأنه لا يوجد إلا شيء واحد نتحدث عنه؛ ~~والجملة (3) هي الإسناد. تكون الجملة الأصلية «الملك الحالي لفرنسا أصلع» صحيحة حين ~~تكون كل العناصر الثلاثة صحيحة؛ وتكون كاذبة إذا كان أي منها كاذبا. وفي الحالة ~~الراهنة تكون الجملة كاذبة لأن العنصر (1) كاذب. # لا يظهر وصف «الملك الحالي لفرنسا» في أي من (1)-(3). وما دامت العبارة الوصفية قد ~~اختفت - جرى التخلص منها بالتحليل - فلا ضرورة لاستحضار ملك حقيقي لفرنسا لجعل الجملة ~~ذات معنى. # نظرا للعيوب التي تنطوي عليها اللغة العادية، ولأن الصيغ السطحية للجمل قد تختلف عن ~~صيغها المنطقية الكامنة؛ فإن التحليل الذي ~~طبق - كما يقول راسل - ما زال غير مناسب ~~بما يكفي، بل لا بد من صياغته ب «اللغة المثالية» للمنطق الرمزي؛ فهذه هي الطريقة ~~الوحيدة التي يمكنها إيضاح المعنى الذي تؤكده جملة «الملك الحالي لفرنسا أصلع» بوضوح ~~«تام». وبالرموز التي أصبحت حاليا مستخدمة ومتعارفا عليها، يصبح التحليل المنطقي ~~للجملة كما يأتي: # يرمز الرمز # في سلسلة الرموز هذه إلى «و»، ويقسم سلسلة الرموز إلى ثلاث ~~معادلات متصلة؛ إذن تكون الجمل الثلاث السابقة (1)-(3) بالترتيب كما يلي: ~~(1) # تنطق «يوجد # على أن يكون # هو ~~». وبفرض أن « ~~» يعني «يحمل صفة كونه ملك فرنسا»؛ ترمز المعادلة إلى «يوجد شيء هو ~~ملك فرنسا». (يربط السور الوجودي # كل حرف # في السلسلة كلها، بالطبع، كما تبين الأقواس المربعة.) ~~(2) # تنطق «لكل ما هو ~~، إذا كان # هو ms044 # إذن يصبح # و # متطابقين». وتعبر عن التفرد الذي تنم عنه أداة التعريف «أل»، بمعنى ~~الشيء الوحيد الذي يحمل الصفة ~~. ~~(3) # تنطق « # هو ~~». وبفرض أن # يعني «أصلع»؛ ترمز المعادلة إلى أن « # هو أصلع». # تتخذ أوجه الاعتراض على نظرية راسل ~~أساسا صورة التصدي لادعائه بأن الأوصاف المعرفة ليست عبارات إحالة مطلقا، ~~والتشكيك في تحليله للجمل التي تحتوي عليها في مكان الموضوع نحويا. وفي العلاقة ~~الأخيرة يذهب البعض إلى الادعاء بأن الأوصاف المعرفة تضم ادعاءي التفرد ~~والوجود. # من الممكن أن نضرب مثالا على مشكلة التفرد بشخص يقول: «الطفل الرضيع يبكي.» يفترض ~~تحليل راسل ضمنا - فيما يبدو - أن هذه الجملة لا يمكن أن تكون صحيحة إلا في حالة وجود ~~طفل رضيع واحد فقط في العالم. والحل هو اشتراط وجود فهم ضمني يجعل سياق الكلام يوضح أي ~~قدر من العالم يندرج في النطاق الذي ينطبق عليه الكلام. لنفترض أن والدي طفل رضيع ~~يقيمان في بناية سكنية يوجد فيها عشرات الأطفال الرضع، وكلهم يبكون، فيبدأ طفلهما ~~يبكي هو الآخر. فإذا قال الأب: «الطفل الرضيع يبكي.» فلن يحدث سوء فهم بالتأكيد لأن ~~السياق يقيد الإحالة إلى الطفل الرضيع الوحيد الذي يهمهما. يبدو الأمر بديهيا، ويقدم ~~طرقا للتخلص من الاعتراض من خلال الاحتكام إلى الحدود الضمنية والصريحة ل «مجال ~~الخطاب». # أما المشكلة المتعلقة بالوجود، فهي أشد ~~تعقيدا بعض الشيء. في مناقشة يكثر الاستشهاد بها لنظرية راسل، يحاول بي إف ستروسون أن ~~يبرهن على أن قول «الملك الحالي لفرنسا أصلع» لا يعادل «التصريح» بوجود ملك لفرنسا ~~حاليا، بل هو افتراض أو افتراض مسبق بوجوده (كتاب «عن الإحالة»، من دورية مايند، ~~1950). ويتضح ذلك من خلال فكرة أنه إذا قال شخص هذه الجملة، فمن غير المحتمل أن يقول ~~محدثوه: «تلك معلومة كاذبة.» بل سيقولون بدلا من ذلك: «ليس لفرنسا ملك حاليا.» وبهذا ~~يصوغون الجزئية التي لم يصغها هو في الواقع كتصريح، بمعنى أنه لم ينجح في أن يقول ~~شيئا صحيحا أو كاذبا. وهذا يساوي القول بأن الأوصاف يجب أن تكون عبارات إحالة؛ ms045 لأن ~~جزءا مهما من إسهامها في قيم الصواب للجمل التي تحتوي عليها هو أن الجمل قيد ~~المناقشة - ما لم تؤد وظيفة إحالة - لا تحمل أي قيمة حقيقة مطلقا. # إن استخدام ستروسون لفكرة «الافتراض المسبق» لشرح كيفية عمل الأوصاف - وذلك في سياق ~~رأيه المعارض - في الجمل؛ قد تسبب في انطلاق قدر هائل من الجدل النقدي، وتسبب ذلك ~~أيضا في استعداده للسماح ب «فجوات قيم الصواب»، بمعنى انعدام قيمة الصواب في جملة ذات ~~معنى؛ وبهذا ينتهك «مبدأ ثنائية التكافؤ» الذي يقضي بأن كل جملة (تقريرية) يجب أن ~~تحتوي على إحدى قيمتي الحقيقة: إما «صحيحة» وإما «كاذبة». ولكن لا شك أن الرد الأهم ~~على النقد الذي وجهه لراسل هو القول بأن الفكرة التي تستند إليها حجته - وهي أنه من ~~المستبعد أن نقول: «هذه معلومة كاذبة.» حين يقول شخص: «الملك الحالي لفرنسا أصلع.» - لا ~~تعني أنه يتعذر اعتبار الوصف بمنزلة إصدار ادعاء يتعلق بالوجود. ربما يكون صحيحا ~~أننا قد نرد على ذلك بإنكار وجود ملك لفرنسا؛ وعلى كل ربما يكون قولنا فقط «هذه ~~معلومة كاذبة» مضللا؛ لأنه قد يلمح إلى شيء مختلف للغاية، وهو أن لفرنسا ملكا غير ~~أصلع. ولكن إذا أجبنا ب «ليس لفرنسا ملك حاليا.» فإننا نكون قد أقررنا في الواقع بأن ~~استخدام الوصف يصدر ادعاء يتعلق بالوجود؛ إذ إن ذلك هو بالضبط ما يتناوله ~~النفي. # من الانتقادات الأخرى أن راسل لم يدرك إمكانية استخدام الأوصاف بطريقتين مختلفتين؛ ~~فلنتأمل الحالتين الآتيتين؛ أولا: تشاهد لوحة فنية تعجبك، فتقول: «إن الرسام الذي رسم ~~هذه اللوحة عبقري.» أنت لا تعرف الرسام، ومع ذلك تنسب العبقرية إليه. ثانيا: اللوحة هي ~~لوحة «العذراء مريم جالسة على الصخور»، وأنت تعلم أن ليوناردو دافنشي هو الذي رسمها. ~~وتتمتم بالجملة نفسها في إعجاب. في الحالة الأولى يستخدم الوصف استخداما «يفيد ~~النعت»، أما في الحالة الثانية فيستخدم استخداما «يفيد الإحالة». وكما يقول كيث ~~دونيلان - وهو الذي وجه هذا الانتقاد - فإن رؤية راسل تتعلق فقط بالاستخدامات التي ~~تفيد النعت. وهذه جزئية مهمة ms046 نظرا لوجود حالات يمكن استخدام الوصف فيها استخداما ~~ناجحا للإحالة إلى شخص ما حتى إذا لم يكن ينطبق عليه؛ فيمكن استخدام جملة «الرجل الذي ~~يحتسي الشمبانيا هناك أصلع» لقول معلومة صحيحة حتى إذا كانت كأس الرجل الأصلع لا تحتوي ~~إلا على ماء فوار. # من المحتمل أن يكون الرد على ذلك عن طريق التفرقة بين مستويات التحليل الدلالية ~~والذرائعية. تصح رؤية راسل في المستوى الدلالي، وتجعل جملة «الرجل الذي يحتسي الشمبانيا ~~أصلع» كاذبة حرفيا؛ لأنه مع أنه أصلع فعلا، فإنه يحتسي الماء. وعلى المستوى الذرائعي ~~نجحت الجملة في الإحالة، وأبلغت عن حقيقة؛ لأن هذا النوع من الاستعمال ينجز المهمة. ~~ولكن ربما يحاول راسل أن يدافع عن رأيه بالقول إنه ما دام أن تحليله يهدف إلى نوع محدد ~~من «التعبير» الذي يفهم عموما على أنه إحالي تحديدا، فإن ما يقوله يصح. أما الأسئلة ~~المتعلقة بالاستعمال فهي موضوع آخر. # ومع ذلك، يطرح هذا الرد فعلا أسئلة عن ~~العلاقة التي تربط الاستعمال بالمعنى. فإذا كان الاستعمال يشغل جزءا كبيرا من المعنى، ~~فلا بد من أخذ الحقائق المتعلقة به في الاعتبار عند شرح كيفية عمل العبارات. والسؤال ~~المتعلق بقدر الأهمية التي يجب أن نوليها للاستعمال من الأسئلة الخلافية؛ إذ تزعم إحدى ~~وجهات النظر أنه يكاد يستنفد المعنى، وترفض وجهات نظر أخرى هذا الادعاء. تتطلب نظرية ~~راسل أن نفكر في دلالات العبارات واستعمالاتها على أنهما موضوعان قابلان للفصل على أقل ~~تقدير. # ولهذا السبب ولأسباب أخرى تتعلق أساسا بموضوع الإحالة المهم من الناحية الفلسفية - ~~عن كيفية تأثير اللغة على العالم - تؤدي نظرية راسل التي تتناول الأوصاف دورا مهما ~~في المناقشات المتعلقة بفلسفة اللغة. وهذه النظرية مهمة لأغراضنا الحالية باعتبارها ~~مثالا للأسلوب التحليلي الذي طبقه على محاولاته لحل المشكلات التي كانت تعتري نظرية ~~المعرفة والميتافيزيقا، كما سنرى الآن. # الإدراك والمعرفة # من أهم أسئلة الفلسفة السؤال التالي: ما هي المعرفة، وكيف نحصل عليها؟ أكد جون لوك ~~ومن جاءوا بعده من أتباع المدرسة التجريبية أن أساس المعرفة المشروطة عن العالم ms047 يكمن ~~في الخبرة الحسية؛ أي استخدام الحواس الخمس، بمساعدة أجهزة مثل مناظير الرؤية المقربة ~~وما شابه ذلك، عند الضرورة. ولكن المدرسة التجريبية تواجه اعتراض الحجج المتشككة التي ~~تهدف إلى إثبات أن مزاعمنا عن التوصل إلى المعرفة ربما كثيرا - بل ربما دائما - ما ~~تكون غير مبررة، وتوجد أسباب كثيرة لذلك؛ فنحن أحيانا ما نرتكب أخطاء في الإدراك أو ~~الاستنتاج، وأحيانا ما نحلم دون أن ندرك أننا نحلم، وأحيانا ما تضللنا حواسنا بسبب ~~تأثير الحمى أو المشروبات الكحولية؛ فكيف يمكننا أن نتيقن أن ما نزعمه لم تضعفه أي ~~من هذه العوامل، في كل مرة نزعم فيها معرفتنا بشيء ما؟ # وضع راسل في كتاب «مشكلات الفلسفة» في عام 1912 أول محاولة منهجية للتصدي لهذه ~~الأسئلة. وسأل راسل: هل توجد أي معرفة يقينية إلى حد يمنع أي إنسان لبيب من الشك ~~فيها؟ ويجيب على ذلك بالإيجاب؛ ولكن يتضح أن اليقين أبعد ما يكون عن اليقين المطلق الذي ~~يعززه الدليل. # على أساس الملاحظات المباشرة المتعلقة بالخبرة الإدراكية - فكرة أن طاولة مثلا تبدو ~~وكأن لها ثلاثة ألوان وأشكال وملامس مختلفة، وذلك حسب تفاوتات توجد إما لدى من يدركها ~~وإما في الظروف المحيطة بإدراكها - يمكننا أن نلاحظ أنه يوجد فارق بين مظاهر الأشياء ~~وحقيقتها. كيف يمكننا أن نكون واثقين من أن المظهر يمثل بأمانة الحقيقة التي نفترض ~~أنها تتوارى وراءه؟ بل قد يثار سؤال - كما تشير نقاط التشكك المتعلقة بالأحلام والأوهام ~~- بشأن ما إذا كان من الممكن أن نكون واثقين من وجود أشياء حقيقية فعلا «وراء» خبراتنا ~~الحسية أساسا. # للرد على هذه الأسئلة يستنبط راسل مصطلح «البيانات الحسية» لتسمية الأشياء التي ~~نعرفها مباشرة عن طريق الحس؛ وهي أمثلة معينة تتعلق بالمعرفة الإدراكية للألوان ~~والأصوات والنكهات والروائح والملامس، وكل فئة من المعلومات تقابلها إحدى الحواس الخمس. ~~ويجب التمييز بين البيانات الحسية وبين أفعال الإحساس بها؛ أي إنها هي ما ندركه مباشرة ~~عن طريق أفعال الإحساس. ولكن يجب أيضا - كما تبين الاعتبارات الواردة في الفقرة ~~السابقة - التمييز بينها وبين ms048 الأشياء الموجودة في العالم خارجنا، تلك الأشياء التي ~~نفترض أنها مترابطة؛ ومن ثم يكون السؤال المهم هو: ما هي علاقة البيانات الحسية ~~بالأشياء المادية؟ # ويأتي رد راسل على من يشكك في حقنا في ادعاء المعرفة بما يقع وراء نقاب البيانات ~~الحسية، أو حتى حقنا في الظن بأن الأشياء المادية موجودة أساسا، فيقول إنه مع أن الحجج ~~المتشككة لا تدحض على وجه التحديد، فإنه «لا يوجد أدنى مبرر» لافتراض أنها صحيحة ~~(مشكلات الفلسفة، ص17). وتقوم استراتيجيته على جمع الاعتبارات المقنعة التي تدعم وجهة ~~النظر هذه. في البداية يمكننا أن نسلم بأن خبراتنا القائمة على البيانات الحسية تتسم ب ~~«يقين بدائي»؛ فنحن نقر بأننا حين نواجه بيانات حسية نعتبرها بطبيعة الحال مرتبطة ~~بطاولة، مثلا، فإننا لم نقل كل ما يجب أن يقال عن الطاولة؛ فمثلا، نحن نظن أن ~~الطاولة تظل موجودة حين نكون موجودين خارج الغرفة، ومن الممكن أن نشتري الطاولة ونضع ~~عليها مفرشا ونحركها من مكان لآخر، ونفترض أن الآخرين يمكنهم إدراك الطاولة «نفسها». ~~كل هذا يوحي بأن الطاولة شيء يسمو على البيانات الحسية التي تظهر لنا. ولكن لو لم يكن ~~هناك وجود لأي طاولة في العالم، لكان لزاما علينا أن نصوغ فرضية معقدة تتعلق بوجود ~~عدة طاولات ظاهرية مختلفة بعدد الأشخاص المدركين، وأن نشرح لماذا نتحدث كلنا وكأننا ~~ندرك الشيء نفسه. # ولكن تجدر الإشارة إلى أنه من وجهة النظر المتشككة - كما يشير راسل - لا ينبغي أن ~~نعتقد بوجود أشخاص مدركين آخرين أيضا؛ فعلى كل، إذا لم نستطع دحض التشكك في وجود ~~الأشياء، فكيف لنا أن ندحض التشكك في وجود عقولنا؟ # ويتغلب راسل على هذه الصعوبة بتقبل صيغة مما يطلق عليه «الحجة التي تقود إلى ~~التفسير الأفضل». ويؤكد أنه قطعا من الأبسط والأكثر تأثيرا بكثير أن نقر بالافتراض ~~القائل بأنه؛ أولا: توجد أشياء مادية لها وجود منفصل عن خبرتنا الحسية، وثانيا: أنها ~~تتسبب في قدراتنا على الإدراك؛ ومن ثم «تطابق» قدراتنا على الإدراك مطابقة موثوقة. ~~ويرى راسل أن الإيمان بهذا الافتراض ms049 مسألة «فطرية»، وهو يتبع في ذلك الفيلسوف ~~هيوم. # وهو يؤكد أنه يمكننا إضافة نوع آخر من ~~المعرفة إلى ذلك، وهي معرفة بديهية بحقائق المنطق والرياضة البحتة (بل وربما القضايا ~~الأساسية لعلم الأخلاق). هذه المعرفة مستقلة تماما عن التجربة، وتعتمد اعتمادا كليا ~~على بديهية الحقائق المعروفة، مثل «1 + 1 = 2» و«أ = أ». ويساعدنا ضم المعرفة الإدراكية ~~والمعرفة البديهية على الوصول إلى معرفة عامة عن العالم وراء نطاق خبرتنا المباشرة؛ لأن ~~النوع الأول من المعرفة يمنحنا معلومات تجريبية، والنوع الثاني يتيح لنا أن نستخلص ~~استنتاجات منه. # وينقسم هذان النوعان من المعرفة إلى نوعين فرعيين، يصفهما راسل بأنهما المعرفة ~~المباشرة والمعرفة الاشتقاقية على التوالي. وهو يطلق اسم «الاطلاع» على معرفة الأشياء ~~معرفة مباشرة. وتنقسم الأشياء القائمة على الاطلاع إلى نوعين: النوع الأول هو ~~«الجزئيات»، بمعنى البيانات الحسية الفردية وربما نحن؛ والنوع الثاني هو «الكليات». ~~وللكليات أنواع مختلفة، وهي تشمل الصفات الملموسة مثل الحمرة والنعومة، والعلاقات ~~المكانية والزمنية مثل «إلى اليسار من» و«قبل»، وبعض الأفكار المجردة المنطقية. # يطلق راسل على المعرفة الاشتقاقية للأشياء مصطلح «المعرفة بالوصف»، وهي معرفة عامة ~~بالوقائع نصل إليها من خلال مزيج من المعرفة التي لدينا والاستنتاج منها. ومعرفة المرء ~~بأن جبل إفرست هو أعلى جبل في العالم مثال على المعرفة الوصفية. # يطلق راسل على المعرفة المباشرة للوقائع مصطلح «المعرفة الحدسية»، ويصف الحقائق التي ~~تعرف بهذا الأسلوب بأنها «بديهية». وهذه عبارة عن قضايا «واضحة وضوحا شديدا، ولا ~~يمكن استنتاجها من أي شيء أكثر وضوحا منها.» على سبيل المثال، نحن نلاحظ أن العبارة «1 ~~+ 1 = 2» صحيحة. ومن بين عناصر المعرفة الحدسية تأتي إفادات من التجربة المباشرة؛ فإذا ~~ذكرت فقط البيانات الحسية التي أدركها الآن، لا يمكن (فيما عدا زلات اللسان التافهة) ~~أن أكون مخطئا. # تتألف المعرفة الاشتقاقية للحقائق من أي شيء يمكن استنتاجه من الحقائق البديهية عن ~~طريق مبادئ الاستدلال البديهية. # يقول راسل إنه على الرغم من المظهر ~~الدقيق الذي يتخذه امتلاكنا لمعرفة بديهية، فعلينا أن نتقبل أن ما لدينا من معرفة عامة ms050 ~~إنما هو صحيح فقط في حدود صحة تبرير «التفسير الأفضل» والغرائز التي تجعله قابلا ~~للتصديق؛ ولذلك تعادل المعرفة العادية - في أفضل الأحوال - «رأيا مرجحا بعض الشيء». ~~ولكن حين نلاحظ أن آراءنا المرجحة تكون نظاما يتسم بالترابط والدعم المتبادل - ~~كلما كان النظام مترابطا ومستقرا، زادت أرجحية الآراء التي تكونه - ندرك لماذا ~~يتاح لنا أن نمنحها ثقتنا. # من السمات المهمة في نظرية راسل سمة تتعلق بالمكان، وبالتحديد الفرق بين المكان العام ~~الشامل الذي تشغله العلوم، والأمكنة الخاصة التي توجد فيها البيانات الحسية التي يحصل ~~عليها الأفراد المدركون. ويتألف المكان العام من الخبرات الكثيرة البصرية واللمسية ~~وغيرها التي ينسقها المدرك في قالب يكون هو في مركزه. ولكن نظرا لأننا ليس لدينا ~~اطلاع على المكان العام للعلوم، فوجوده وطبيعته مسألة تعتمد كليا على ~~الاستدلال. # ومن هنا جاءت الصيغة الأولى من نظرية المعرفة والإدراك التي وضعها راسل، وذلك كما ~~وردت في كتاب «مشكلات الفلسفة». وتتسم النظرية من الوهلة الأولى بحس منطقي بديهي، ~~ولكنها أبعد ما تكون عن البساطة؛ فمثلا يتحدث راسل عن المعرفة «البدائية» ويصفها بأنها ~~حدسية، ولكنه لا يقدم وصفا عن طبيعة مثل هذه المعرفة، فيما عدا القول بأنها لا تتطلب ~~إثبات ما هو أكثر بديهية منها هي نفسها. ولكن هذا التعريف قلما يكون مناسبا، ويصبح ~~أكثر غموضا حين يضيف أنه يوجد نوعان من البديهية، نوع واحد منهما فقط أساسي. هل هذا ~~الفارق منطقي؟ ما هي «البديهة» على أي حال؟ وهو كذلك لا يدرس احتمال أن تتعارض قضيتان ~~كل منهما مع الأخرى رغم أنهما تظهران على أنهما بديهيتان عند النظر إليهما على ~~انفراد. وإذا قدر أن يحدث هذا، فأي منهما هي التي يجب اختيارها؟ وما هي المبادئ ~~البديهية الإضافية التي تحكم اختيارها؟ # ومن الانتقادات الأخرى التي وجهت إلى رأي راسل هو أنه يضع افتراضا مهما، ولكنه ~~موضع شك عن الطبيعة الأساسية للتجربة الحسية. وهذا الافتراض هو أن البيانات الحسية - أي ~~الحدود الدنيا الحسية مثل ألوان أو روائح أو أصوات معينة - نحصل عليها في سياق ms051 الخبرة، ~~وأنها أكثر عناصرها بدائية. ولكن الخبرة الحسية في الواقع ليست «هزيلة» ومباشرة على هذا ~~النحو على الإطلاق، بل هي بالأحرى خبرة وافرة ومعقدة تشمل البيوت والأشجار والناس ~~والقطط والسحب؛ أي إنها «غليظة» وفقا لمذهب الظواهر، والبيانات الحسية لا يمكن الوصول ~~إليها إلا بعملية معقدة تقوم على تفريغ الخبرة الإدراكية العادية من كل ما هو طبيعي من ~~وجهة نظرنا؛ ومن ثم فإننا لا نشاهد مستطيلا ونتستنج أنه عبارة عن طاولة، بل نشاهد ~~طاولة، وحين نبدأ في التركيز على شكلها نرى أنها مستطيلة الشكل. # لا شك أن هذا الانتقاد محق إلى حد ما، ولكن توجد طرق تتيح استيعابه وفي الوقت ~~نفسه تسمح لنا بوصف الجانب الحسي البحت للخبرة بمعزل عن العبء المعتاد من المعتقدات ~~والنظريات الذي تحمله هذه الخبرة. وما دامت الغاية كلها هي أننا نحاول تبرير امتلاك تلك ~~المعتقدات عن طريق البرهنة على أن الخبرة الإدراكية تمكننا من تلك المعتقدات، فمن ~~الواضح أننا بحاجة إلى بيان عن خبرتنا الإدراكية باعتبارها هكذا فقط، حتى نتمكن من ~~تقييم مدى ملاءمتها للمهمة. والهدف الذي يرجوه راسل من الحديث عن البيانات الحسية يقتصر ~~على تنفيذ ذلك فحسب. فضلا عن ذلك، أقر راسل بأن البيانات الحسية ليست «المعطيات» ~~المباشرة الإدراكية؛ ففي كتاباته التي ألفها إبان العقد الذي أعقب كتاب «مشكلات ~~الفلسفة»، يشير أكثر من مرة إلى أن مواصفات البيانات الحسية تأتي في المرتبة الأخيرة في ~~التحليل، وليس في المرتبة الأولى في الخبرة. # ومن الانتقادات الأخرى أن راسل يفترض أن الخبرة المباشرة يمكن أن نرمز إليها بالقضايا ~~- رغم أنها تقتصر على وصف «المعطيات» الذاتية - التي من الممكن استخدامها كأساس لمعرفة ~~العالم. ولكن كيف يمكن أن يكون ما ينطبق فقط على التجربة الخاصة فيما يبدو - ولا يحمل ~~أي إحالة إلى ما يتعدى تلك التجربة - هو الأساس الذي تقوم عليه نظرية للمعرفة؟ ولا يفيد ~~أن يقال إن راسل يسمح بالمعرفة البديهية للمبادئ المنطقية التي تتيح استخلاص ~~الاستنتاجات من هذه القضايا؛ لأنه لن يوجد حافز لاستنتاجها إلا إذا كان ms052 الشخص لديه بعض ~~المعتقدات التجريبية العامة التي تصلح لتكون المقدمات الكبرى في تلك الاستنتاجات، ولديه ~~كذلك بعض الافتراضات التجريبية التي تختبرها الاستنتاجات أو تدعمها في الواقع. ولكن هذه ~~المعتقدات والافتراضات التجريبية لا تتوافر لشخص - حسبما يقدمه راسل - يتعرض لخبرة ما ~~دون أن يكون لديه سوى بيانات حسية وحقائق بديهية منطقية. # أثرت هذه المشكلة في راسل نفسه، وتصدى لها في وقت لاحق (في كتاب «المعرفة البشرية») ~~بقبول شكل من أشكال شيء كان يستنكره في فلسفة كانط، وهو أنه لا بد من وجود بعض ~~الأشياء (بخلاف حقائق المنطق) المعروفة لنا باعتبارها بديهية، هذا إذا كانت المعرفة ~~ممكنة من الأساس. وسأناقش هذه الجزئية المهمة للغاية في المكان المناسب أدناه. # ومن المشكلات الأخرى التي طرحها منتقدو راسل أن الاعتبارات التي يعتمد عليها راسل ~~للبرهنة على وجود فارق بين المظهر والواقع لا تقنع أحدا، بالطريقة التي يعرضها بها؛ ~~فحين يبدو شيء بلون ما أو بشكل ما لشخص مدرك، ولكن يبدو بلون أو شكل آخر لمدرك ~~آخر، أو يبدو بألوان أو أشكال مختلفة للمدرك نفسه في ظروف مختلفة - على سبيل المثال، ~~يتوقف ذلك على ما إذا كان يشاهده في ضوء النهار أو في الظلام، أو من زاوية نظر معينة أو ~~أخرى - فإن ذلك يخبرنا أن مسألة كيفية ظهور الأشياء للإدراك من الأمور المعقدة، ولكنه ~~لا يخبرنا في حد ذاته أن الشيء موضع الإدراك مختلف في كل مرة. # وهذا الانتقاد صحيح في حد ذاته، ولكن يتصادف أنه توجد طرق أخرى ملائمة للغاية لتحديد ~~الفارق بين المظهر والواقع، وذلك كما يتضح في الأعمال الأحدث التي ظهرت في مجال فلسفة ~~الإدراك؛ ومن ثم من الممكن النظر إلى حجج راسل هنا - كما كان ينظر هو إليها - على ~~أنها تشجع على الاكتشاف، بمعنى أنها توضح الجزئية فقط بغرض إطلاق شرارة ~~المناقشة. # ولكن هذا الانتقاد يوحي بانتقاد آخر أهم؛ إذ إن راسل - مثل كل سابقيه منذ ديكارت ~~ومثل بعض من جاءوا بعده مثل إتش إتش برايس وإيه جيه آير - تقبل افتراضا مهما ms053 للغاية ~~من ديكارت، وهو أن نقطة الانطلاق المناسبة لأي بحث عن المعرفة هي تجربة فردية. فلا بد ~~أن يبدأ الفرد بالمعلومات الخاصة المستمدة من الوعي والبحث عن أسباب ضمنها لدعم ~~استنتاجاته - أو عادة معتقداته - عن عالم خارج ذهنه. ومن التغيرات الكبرى التي شهدتها ~~الفلسفة في القرن العشرين رفض هذا الافتراض الديكارتي؛ فمن بين الصعوبات البالغة ~~المتعلقة بهذا الافتراض أنه يصبح من المستحيل تجاهل أو دحض الرؤية المتشككة إذا قبلنا ~~به. ومن الصعوبات الأخرى أنه بناء على أساس بهذا الضعف لا يحق لنا أن نرى في الشخص ~~الراغب في المعرفة - الذي لا يرى وجودا إلا لعقله فقط - شخصا قادرا على تسمية ~~أحاسيسه وخبراته والتفكير فيها، بل لا يحق لنا أن نفكر فيه على أنه شخص يستطيع استنتاج ~~وجود عالم خارجي من هذه الأحاسيس والخبرات. وتدفعنا الفكرتان كلتاهما بثبات نحو فكرة ~~أن المكان المناسب لبدء نظرية المعرفة هو - على نحو ما - المجال العام. # العالم الخارجي والعقول الأخرى # لم يكن راسل راضيا عن الطريقة التي عرض بها الأمور في كتاب «مشكلات الفلسفة»، وهو ~~على كل كتاب كان الغرض منه أن يكون كتابا شعبيا غير موجه للمتخصصين، ولم يقدم ~~عرضا دقيقا لأطروحاته. وعلى مدى العقود الأربعة التالية أخذ يعود إلى مشكلة المعرفة ~~والإدراك بصفة متكررة. وطوال السنوات التي أعقبت نشر كتاب «مشكلات الفلسفة» وسبقت ~~اندلاع الحرب العالمية الأولى، انكب راسل على تلك الأمور بجدية؛ إذ وضع مسودة لمخطوطة ~~كتابه الكبير «نظرية المعرفة»، نشر جزءا منها وتخلى عن جزء آخر، وكتب سلسلة مهمة من ~~المحاضرات ظهرت في عام 1914 في كتاب بعنوان «معرفتنا بالعالم الخارجي». وفي هذا العمل ~~قدم راسل مناقشة أكثر تفصيلا لجوانب النظرية الواردة في كتاب «مشكلات الفلسفة»، ~~وتوصل إلى نتائج مهمة. # ومن الاختلافات بين النظريات الواردة في كتابي «مشكلات الفلسفة» و«معرفتنا بالعالم ~~الخارجي» أن راسل أصبح مقتنعا بأن أساس المعرفة التي يحصل عليها الشخص الذي يتعرض ~~للخبرة - البيانات الحسية التي تظهر له وحده، ومعرفته الحدسية القائمة على قوانين ~~المنطق - هو نقطة انطلاق ms054 أضعف من اللازم. لم يرفض راسل الافتراض الديكارتي الذي ناقشته ~~للتو، بل أصبح أشد حساسية حيال الصعوبات التي يخلقها؛ ولذلك كان يحاول أن يحد منها؛ ~~ومن ثم أخذ يولي أهمية أكبر لامتلاك الشخص لحقائق الذاكرة وفهمه للعلاقات المكانية ~~والزمنية السارية من ضمن عناصر أي خبرة راهنة. ويتسنى للشخص كذلك مقارنة المعلومات، ~~مثلا، من حيث الاختلافات المتعلقة باللون والشكل. لكن أمورا مثل المعتقدات الشائعة ~~والاعتقاد بوجود عقول أخرى لا تزال مستبعدة. # ويصوغ راسل في ضوء هذ الأساس الغني لما أصبح يطلق عليه الآن «المعلومات الواقعية» ~~سؤالا يقول: «هل من الممكن استنتاج وجود أي شيء غير معلوماتنا الواقعية؟» ويقوم نهجه ~~أولا على عرض كيفية إمكاننا - كفرضية - تكوين مفهوم يتعلق بالمكان توضع فيه حقائق ~~التجربة؛ حقائق خبرة الشخص نفسه والحقائق التي يعرف بوجودها من خلال شهادة آخرين. ثم ~~يقدم راسل - في سبيل معرفة ما إذا كان لدينا مبرر للاعتقاد بأن هذا العالم المكاني ~~حقيقي - برهانا يؤيد وجود عقول أخرى؛ لأنه إذا كان يتسنى للمرء حقا أن يصدق هذا، ~~فإذن يمكنه أن يعتمد على شهادة الآخرين - إضافة إلى خبرة المرء نفسه - التي ستقدم ~~دعما قويا للرأي القائل بوجود عالم مكاني، بمعنى حقيقي. # هذه الاستراتيجية مبتكرة. وفي البحث المعنون «صلة البيانات الحسية بالفيزياء»، الذي ~~ألفه راسل في أوائل عام 1914، يضيف راسل أسلوبا مبتكرا أيضا يتعلق بالتفكير في ~~صلة الخبرة الحسية بالأشياء؛ ففي كتاب «مشكلات الفلسفة»، كان قد ذكر أننا نستنتج وجود ~~الأشياء المادية من بياناتنا الحسية؛ والآن يصفها بأنها تابعة للبيانات الحسية، أو على ~~حد وصفه أحيانا، «أبنية» مكونة من البيانات الحسية. وتستخدم هذه الاستراتيجية ~~الأسلوب المنطقي الذي يمكن فيه إثبات إمكانية تحليل الشيء وتحويله إلى أشياء من نوع ~~آخر. ويصف راسل المبدأ القائل بأنه «لا بد من إحلال الأبنية المنطقية محل الكيانات ~~المستنتجة بقدر الإمكان» باعتباره «القاعدة العليا للفلسفة العلمية». ووفقا لهذا ~~المبدأ، يجب تحليل الأشياء المادية بناء على ذلك باعتبارها أبنية مكونة من البيانات ~~الحسية؛ ومع ذلك لا تكون مكونة من البيانات الحسية ms055 الفعلية أو الحالية فقط، بل من ~~«الأشياء المحسوسة» أيضا، والمقصود بتلك الأشياء على حد تعبير راسل «المظاهر أو النحو ~~الذي تبدو عليه الأشياء»، بصرف النظر عما إذا كانت تكون البيانات الحسية التي هي ~~حاليا جزء من خبرة أي شخص مدرك. والغرض من ذلك هو تفسير فكرة وجود الشيء رغم عدم وجود ~~أشخاص يدركونه. # أصبح راسل يرى في هذه المرحلة أن من الجوانب المهمة لهذا الرأي أن البيانات الحسية ~~والأشياء المحسوسة ليست كيانات عقلية خاصة، بل هي جزء من المادة الفعلية للفيزياء. إنها ~~فعلا «المكونات النهائية للعالم المادي»؛ نظرا لأن التحقق من المنطق السليم والفيزياء ~~يعتمد عليها أساسا. وهذا مهم لأننا عادة ما نعتقد أن البيانات الحسية تابعة للأشياء ~~المادية، بمعنى أن وجودها وطبيعتها مرجعهما إلى أن الأشياء المادية هي التي تتسبب ~~فيها؛ ولكن لا يتسنى التحقق إلا إذا كان الأمر على عكس ذلك؛ أي أن تكون الأشياء ~~المادية تابعة للبيانات الحسية. وهذه النظرية «تبني» الأشياء المادية من الأشياء ~~المحسوسة؛ ومن ثم يفيد وجود الأشياء المحسوسة في التحقق من وجود الأشياء ~~المادية. # تخلى راسل عن هذه النظرية المميزة بدلا من تطويرها إلى مستوى أكبر؛ وفي أعماله ~~اللاحقة - وبالتحديد في كتاب «تحليل المادة» في عام 1927 وكتاب «المعرفة البشرية» في ~~عام 1948 - عاد إلى تناول الأشياء المادية، والمكان الذي تشغله، باعتبارها مستنتجة من ~~الخبرة الحسية. وقد دفعه إلى ذلك عدة اعتبارات، وكان من بينها قبوله بالرأي السائد الذي ~~تدعمه علوم الفيزياء وعلم وظائف الأعضاء البشرية الذي يقول بأن الإدراك سببه نشاط ~~البيئة المادية على أعضاء الحس لدينا. ويكتب راسل: «إن كل من يقبل نظرية الإدراك ~~العفوية مضطر لاستنتاج أن المدركات موجودة في أذهاننا؛ لأنها تأتي في نهاية سلسلة عفوية ~~من الأحداث المادية التي تنتقل - مكانيا - من الأشياء إلى دماغ المدرك» (تحليل ~~المادة، ص32). وتخلى راسل أيضا - في كتاب «تحليل العقل» الصادر في عام 1921 - عن ~~الحديث عن «البيانات الحسية»، ولم يعد يفرق بين فعل الإحساس والشيء الذي يحس به الشخص. ~~والسبب الذي ms056 دفعه إلى ذلك يتعلق بنظرية العقل التي وضعها، والمعروضة لاحقا. # كان من أهم الأسباب التي دفعت راسل إلى التخلي عن النظرية هو التعقيد الشديد، وعدم ~~قابلية التصديق الذي كانت تتسم به الآراء التي حاول أن يصوغها عن الأمكنة الخاصة ~~والعامة، والعلاقات بينها، والطريقة التي من المفترض أن تشغل بها الأشياء المحسوسة هذه ~~الأمكنة. وقد ذكر هذه المجموعة من المشكلات عرضيا في كتاب «تطوري الفلسفي»، ويقول فيه ~~إن السبب الأساسي الذي دفعه إلى التخلي عن «محاولة بناء «مادة» من المعلومات المتعلقة ~~بالتجربة وحدها» هو أنه «برنامج مستحيل ... فلا يمكن تفسير الأشياء المادية باعتبارها ~~أبنية مؤلفة من عناصر يتعرض لها المرء فعليا في الخبرة» (تطوري الفلسفي، ص79). هذه ~~المقولة الأخيرة ليست متسقة بدقة مع رأي راسل الذي ذكره في النصوص الأصلية، ومفاده أنه ~~ليس من الضروري إدراك الأشياء المحسوسة فعليا؛ ويقدم كتاب «تطوري الفلسفي» تعليقا ~~على النظرية أكثر التزاما بمذهب الظواهر مقارنة بما يقدمه نصها الأصلي. ولكنه تعرض ~~لمشكلة جسيمة تتعلق بالنظرية؛ وهي أنه يبدو من باب عدم الترابط أن تتحدث عن «معلومة ~~حسية غير محسوسة» لا تتطلب حتى أي صلة جوهرية بالإدراك، بل إن اسمها نفسه يبدو مناقضا ~~لهذا المطلب. # بلا شك كان التخلي عن المشروع الذي تحتوي عليه مخطوطة كتاب «نظرية المعرفة» وكتاب ~~«معرفتنا بالعالم الخارجي» لطمة لراسل؛ لأنه حين وجه اهتمامه إلى أسئلة المعرفة ~~والإدراك بعد أن انتهى من كتاب «أصول الرياضيات»، رأى أن مهمة حل المشكلات المتعلقة ~~بالعلاقة بين هذه المسائل وبين الفيزياء هي إسهامه المهم التالي. وكان ذلك من الطموحات ~~التي كان يفكر فيها منذ أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر. # توجد أسئلة أخرى مهمة في نظرية المعرفة لم يعرها راسل - في إطار هذه المساعي - إلا ~~اهتماما عابرا. وهي تتعلق بنوع الاستنتاج الذي طالما ظل من المفترض أن يكون عماد ~~العلوم، وهو بالتحديد الاستدلال غير البرهاني. ولم يرجع راسل إلى التفكير في هذه ~~الأسئلة إلا بعد عدة سنوات، وترد المناقشة الأساسية التي يقدمها راسل في كتاب «المعرفة ~~البشرية: ms057 نطاقها وحدودها»، وكتبه بعد الحرب العالمية الثانية. بعد ذلك وجه راسل ~~اهتمامه إلى أسئلة معينة تتعلق بموضوع المنهج والميتافيزيقا، والذي كان يرى أنه من ~~الموضوعات المهمة، وذلك أثناء انشغاله بالعمل في مجال الإدراك. وهذه الأسئلة هي موضوع ~~الفصل التالي. # | هوامش # الفصل الثالث # | الفلسفة والعقل والعلم # المنهج والميتافيزيقا # أطلق راسل اسم «مذهب الذرية المنطقية» على الآراء التي طورها من كتاب «معرفتنا ~~بالعالم الخارجي» منذ ذلك الحين فصاعدا. ومذهب الذرية المنطقية هو أساسا عبارة عن ~~منهج، وكان راسل يأمل أن يحل هذا المنهج الأسئلة المتعلقة بطبيعة الإدراك وعلاقته ~~بالفيزياء. وتجدر الإشارة إلى أن الأعمال الفلسفية التي أنجزها راسل خلال العقود ~~الأربعة بعد كتاب «أصول الرياضيات» مخصصة في أغلبها لمناقشة موضوع علاقة الإدراك ~~بالفيزياء؛ ومن ثم فهي في الواقع عبارة عن مسعى لتقديم أساس تجريبي (مع وجود ~~تحفظات) للعلوم، واعتبرت بمنزلة أكثر النظريات التي تبحث في طبيعة العالم تمتعا بفرصة ~~أن تكون صحيحة أو على الأقل في طريقها للوصول إلى الحقيقة. وقدم مذهب الذرية المنطقية ~~هكذا لراسل سبيلا للميتافيزيقا - بمعنى وجهة نظره في طبيعة الواقع - والتي اتضح أنها ~~ليست الخواص المادية الراهنة للمادة، على الأقل بطريقة مباشرة، بل على أنها تمثيل ~~للمادة باعتبارها بنية منطقية. تتخذ نصوص راسل عن آرائه في الميتافيزيقا دائما هيئة ~~عرض سطحي يشغل الأقسام الختامية لمناقشاته الكثيرة للتحليل المنطقي، بينما يوجه معظم ~~اهتمامه لوصف استراتيجية التحليل نفسها. # فلسفة مذهب الذرية المنطقية # يصف راسل مذهب الذرية المنطقية في أكثر من مقام، وأهمها هو الفصل الوارد في كتاب ~~«معرفتنا بالعالم الخارجي» بعنوان «المنطق باعتباره روح الفلسفة»، وفي سلسلة من ~~المحاضرات ألقاها في عام 1918 بعنوان «فلسفة مذهب الذرية المنطقية» (أعيد طبعها في ~~كتاب بعنوان «المنطق والمعرفة» من تحرير مارش). وتحتوي مقالة مذهب الذرية المنطقية ~~(1924) على موجز لمناهج وأهداف مذهب الذرية المنطقية، وأعيد طبعها أيضا في الكتاب ~~نفسه من تحرير مارش. # من أهم سبل فهم منهج مذهب الذرية المنطقية ادعاء راسل أن «المنطق هو جوهر الفلسفة»؛ ~~حيث يقصد ب «المنطق» المنطق الرياضي. ms058 وتكمن أهميته في أنه يقدم وسيلة لإجراء تحليلات ~~قوية وكاشفة فلسفيا للأبنية؛ وهي بالتحديد أبنية القضايا والوقائع. # تبين بالفعل كيف أن تحليل القضايا يثبت أنه من الخطأ تناولها كلها على أنها تتخذ ~~صورة مؤلفة من الموضوع والمحمول، وأن القواعد النحوية السطحية مضللة، كأن نفهم الأوصاف ~~والأسماء العادية على أنها تعني تعبيرات. ولا بد أيضا من إجراء تحليل كاشف للأبنية ~~للعالم الذي نتحدث عنه حين نؤكد هذه القضايا، وإجراء تحليل للقضايا نفسها. # وفي الفصل المعنون «المنطق باعتباره جوهر الفلسفة» يصف راسل هذين البناءين المتصلين ~~بادئا بالبناء الأول. ويقول راسل إن العالم يتألف من أشياء جمة لها صفات وعلاقات ~~جمة. ولن تضم أي قائمة تشمل الموجودات التي يشملها العالم الأشياء فقط، بل أيضا ~~الأشياء التي تحمل هذه الصفات والعلاقات. بعبارة أخرى، من المفترض أن تكون قائمة من ~~الوقائع؛ فالأشياء والصفات والعلاقات هي مكونات الوقائع، ومن الممكن تحليل الوقائع ~~بدورها لتتحول إليها. ويرمز إلى الوقائع بما يطلق عليه راسل «القضايا»، وتعريفها أنها ~~«أشكال من الكلمات يجزم بأنها صحيحة أو كاذبة.» والقضايا التي ترمز إلى الحقائق ~~الأساسية - بمعنى التي تؤكد أن الشيء يحمل صفة معينة أو يحل محل شيء آخر في علاقة ~~معينة - يطلق عليها راسل «القضايا ~~الذرية». وعند الجمع بين هذه القضايا عن طريق كلمات منطقية مثل «و» و«أو» و«إذا ... ~~إذن»، تأتي النتيجة كقضايا معقدة أو «جزيئية». ومثل هذه القضايا مهمة للغاية لأن كل ~~احتمالات الاستدلال تتوقف عليها. # وأخيرا لدينا «القضايا الكلية» مثل «كل البشر فانون» (والعبارات التي تنفيها، وتتألف ~~باستخدام الكلمة «بعض» كما في عبارة «بعض البشر ليسوا فانين»). تتوقف الحقائق التي ترمز ~~إليها إلى حد ما على معرفة بديهية. وتنشأ هذه النقطة المهمة كنتيجة للتأمل في تحليل ~~القضايا والوقائع. فمن الناحية النظرية، إذا عرفنا كل الوقائع الذرية، وأنها كلها هي ~~الحقائق الذرية، لأمكننا استدلال كل الحقائق الأخرى منها. ولكن لا يمكن معرفة القضايا ~~الكلية بالاستدلال من الحقائق الذرية وحدها. لنتأمل عبارة «كل البشر فانون»؛ إذا عرفنا ~~كل إنسان وعرفنا عن فنائه، ms059 فلن يكون بإمكاننا مع ذلك الاستدلال أن كل البشر فانون إلا ~~بعد أن نتحقق من أن هؤلاء هم كل البشر الموجودين؛ وهذه قضية كلية. كان راسل حريصا على ~~أن يشدد على أهمية هذه النقطة. وما دام أنه لا يمكن استنتاج الحقائق الكلية من الحقائق ~~الجزئية وحدها، وما دام أن كل الأدلة التجريبية تتألف من الوقائع الجزئية، يترتب ~~على ذلك أنه لا بد من وجود شيء من المعرفة البديهية إذا أمكن وجود المعرفة أساسا. ~~واعتمد راسل على هذا لدحض حجج أتباع المذهب التجريبي الأقدمين، الذين يرون أن المعرفة ~~كلها تستند فقط إلى الخبرة الحسية. # ويظهر على الفور سؤال يتعلق بالموضع الذي يمكن أن نجد فيه مثل هذه المعرفة الكلية. ~~وتظل إجابة راسل كما كانت في كتاب «مشكلات الفلسفة»؛ وهي أن مثل هذه المعرفة موجودة في ~~المنطق، وتمنحنا قضايا بديهية كلية. لنتأمل القضية التالية: «كل البشر فانون، سقراط ~~بشر، إذن سقراط فان.» تحتوي القضية على حدود تجريبية (سقراط، بشر، فان)؛ ومن ثم ~~فهي ليست قضية قائمة على المنطق البحت. أما القضية القائمة على المنطق البحت فتأتي على ~~الشكل التالي: «إذا كان أي شيء يحمل صفة معينة، وأيا كان ما يحمل هذه الصفة يحمل صفة ~~معينة أخرى؛ إذن فهذا الشيء يحمل هذه الصفة الأخرى.» (والأكثر وضوحا: «كل أفراد # هي أفراد ~~، و # هو ~~، إذن # هو ~~»). هي قضية كلية وبديهية تماما. ومثل هذه القضايا هو الذي يجعلنا ~~نخرج من حدود الخصوصية التجريبية. # وتشرح سلسلة محاضرات «فلسفة مذهب الذرية المنطقية» تفاصيل هذا البرنامج التحليلي ~~بمزيد من الاستفاضة. وتشير كلمة «منطقي» في العنوان إلى أننا نصل إلى الذرات باعتبارها ~~«آخر بقية من التحليل» حيث يكون التحليل منطقيا أكثر منه ماديا (فلسفة مذهب الذرية ~~المنطقية، ص178). فهي جزئيات مثل «بقع لونية صغيرة أو أصوات، وأشياء مؤقتة و... هي ~~محمولات أو علاقات.» والهدف هو الانتقال من المعتقدات العادية عن العالم إلى فهم دقيق ~~عن الكيفية التي يقوم بها العلم على الخبرة؛ بمعنى «الانتقال من تلك الأشياء البديهية ~~المبهمة الغامضة ms060 التي نشعر بأننا على يقين منها، إلى شيء دقيق وواضح ومحدد نكتشف ~~بالتأمل والتحليل أنه متضمن في الشيء المبهم الذي ننطلق منه، وأنه - إن جاز التعبير - ~~الحقيقة الصحيحة التي يكون ذلك الشيء المبهم أشبه بظل لها» (المرجع السابق). والمنهج ~~عبارة عن تحليل للرموز المعقدة - القضايا - وتحويلها إلى الرموز البسيطة التي تتألف ~~منها؛ والمرحلة النهائية لهذا النوع من التحليل هي «الاطلاع المباشر على الأشياء التي ~~هي معاني الرموز البسيطة» حيث «المعنى» هنا يقصد به «الدلالة» (فلسفة مذهب الذرية ~~المنطقية، ص194). وفي «اللغة المثالية من الناحية المنطقية» - مثل تلك التي كان كتاب ~~«أصول الرياضيات» يهدف إلى تقديمها - تتقابل مكونات قضية ما - أي الرموز البسيطة - في ~~علاقة فردية مع مكونات واقعة ما، فيما عدا الرموز المنطقية «أو» و«و» وما شابه ذلك. ~~وكل عنصر بسيط يشار إليه بواسطة رمزه البسيط المختلف. ويقول راسل إن مثل هذه اللغة توضح ~~«في لمحة سريعة البنية المنطقية للوقائع المؤكدة أو المنفية» (فلسفة مذهب الذرية ~~المنطقية، ص198). # ويقدم راسل على هذا الأساس «استطرادا لمناقشة الميتافيزيقا». فمذهب الذرية المنطقية ~~هو الرأي القائل إن التحليل يوصلنا نظريا - إن لم يكن عمليا - إلى العناصر ~~البسيطة الأولية التي يتألف منها العالم. وتعرف العناصر البسيطة على أنها أي ~~عناصر غير مركبة - بمعنى أنها غير قابلة للتحليل إلى حد أبعد - وكل عنصر منها عبارة ~~عن شيء مستقل ومستمر ذاتيا. وهي فضلا عن ذلك قصيرة الأمد للغاية؛ ولذلك فإن العناصر ~~المعقدة المؤلفة منها عبارة عن «أوهام منطقية»، تؤلف لخدمة أغراضنا المعرفية ~~والعملية. # وللعناصر البسيطة أنواع شتى؛ إذ يوجد الكثير من رتب الجزئيات والصفات والعلاقات، ولكن ~~السمة المشتركة بينها أنها تمتلك واقعا لا تشترك فيه مع أي شيء آخر. والأشياء الأخرى ~~الوحيدة في العالم هي الوقائع، وهي الأشياء التي تؤكدها أو تنفيها القضايا. والوقائع ~~مكوناتها ليست لها الطبيعة نفسها، وتختلف معرفة الوقائع بعض الشيء عن معرفة العناصر ~~البسيطة؛ فمعرفة الوقائع هي معرفة بالوصف، أما معرفة العناصر البسيطة فهي ~~بالاطلاع. # يتضمن منهج التحليل الذي يستخدمه راسل مبدأ نصل ms061 أوكام؛ وهو المبدأ القائل بأننا ~~ينبغي أن نعتمد على أكثر النظريات اقتصادا بخصوص كل ما هو موجود. ومن الممكن وصفه بأنه ~~طرح سؤال ملح يقول: «ما هو أقل عدد من الأشياء البسيطة غير المحددة الموجودة في ~~البداية، وأقل عدد من المقدمات غير المبرهن عليها، التي تستطيع من خلالها تعريف الأشياء ~~التي بحاجة إلى تعريف وإثبات الأشياء التي بحاجة إلى إثبات؟» (مذهب الذرية المنطقية، ~~ص271). وعند تطبيق مبدأ نصل أوكام، يكون وصف الشيء المادي العادي - مثل مكتب - على ~~النحو التالي: نحن نفكر في المكتب باعتباره شيئا يستمر وجوده حتى أثناء عدم إدراكه. قد ~~يقول أحد المتشككين إن هذا التصور يستند على مرات إدراك متقطعة للمكتب، وهي في حد ~~ذاتها لا تطلعنا على شيء بخصوص ما إذا كان المكتب يستمر وجوده فيما بين مرات إدراكه. ~~ومع ذلك فإننا نقول إن كل مرات الظهور المختلفة هذه للمكتب هي مرات ظهور للمكتب «نفسه». ~~فما الذي يدفعنا لأن نقول هذا؟ وإجابة راسل هي أننا نعرف سلسلة من مرات الظهور على ~~أنها شيء مفرد مستمر. «وبتلك الطريقة يختصر المكتب ليصبح وهما منطقيا؛ لأن وجود ~~سلسلة من مرات الإدراك هو وهم منطقي. وبتلك الطريقة فإن كل الأشياء العادية في الحياة ~~اليومية تطرد من عالم الموجودات، ويوجد بدلا منها عدد من الجزئيات العابرة من النوع ~~الذي يدركه المرء على الفور بالحس»؛ أي البيانات الحسية (فلسفة مذهب الذرية المنطقية، ~~ص273). إذن فالأشياء التي نسميها أشياء حقيقية «هي أنظمة، سلاسل من فئات الجزئيات، ~~والجزئيات هي الأشياء الحقيقية، وتكون تلك الجزئيات بيانات حسية حين تدركها» (فلسفة ~~مذهب الذرية المنطقية، ص274). # أوحى هذا المنحى الذي اتخذته الأمور لراسل بإجراء تحليل فيزيائي ~~- تفهم الذرات الفيزيائية على أنها ~~أوهام منطقية كذلك - وجعله يميل صوب وجهة نظر ذهنية تسمى «الأحادية المحايدة». ولم ~~يطور أيا من وجهتي النظر باستفاضة في هذه المرحلة؛ ولكن فيما بعد، وعلى أساس بعض ~~التغيرات المهمة التي طرأت على موقفه، وجه إليهما اهتماما واضحا. وظهر ذلك في كتاب ~~«تحليل المادة» (1927) وكتاب «تحليل ms062 العقل» (1921) على التوالي. وسأناقشهما لاحقا ~~بمزيد من التفصيل. # بعض المشكلات في مذهب الذرية المنطقية # من الصعب أن نجد مذهب الذرية المنطقية مقنعا؛ فمن ناحية، جاء عرض راسل له سريعا ~~وسطحيا، ومع ذلك فهو يهدف إلى حل الكثير من المشكلات المختلفة في الوقت نفسه. إنها ~~نظرية تجريبية عن المعنى، بما يعني أنها تتألف من نظريات أخرى عن المعرفة والإدراك ~~والعقل، بالإضافة إلى وصف تجريبي - يقع في صميم تلك النظريات - عن كيفية عمل الكلمات، ~~وكيفية تعلمنا إياها وفهمها. رأى راسل أن هذه المهمة الثانية معقدة؛ لأن - من وجهة ~~نظره - الأشكال السطحية للغة العادية مضللة؛ ومن ثم من شأنها أن تؤدي إلى فلسفة ~~مغلوطة، في حالة تحليلها تحليلا غير صحيح، وعن هذا قال: # أعتقد أن أهمية القواعد النحوية الفلسفية تفوق ما يعتقد عنها عادة. وأعتقد ~~أن معظم الأعمال التقليدية التي تبحث في الميتافيزيقا تعج بالأخطاء بسبب ~~القواعد النحوية السيئة، وأن معظم المشكلات التقليدية في الميتافيزيقا والنتائج ~~التقليدية - النتائج المفترضة - ~~في الميتافيزيقا تعود إلى عجز عن وضع الحدود في ما قد نطلق عليه القواعد ~~النحوية الفلسفية. ~~(فلسفة مذهب الذرية المنطقية، ~~ص269) # إذن يسير التحليل عن طريق الافتراض بوجود بنية لغوية ضمنية، ومن المهم أن تكون ~~مختلفة عن بنيتها السطحية، وهذه البنية الضمنية هي الوحيدة التي تتوافق مع بنية العالم ~~التي تكشفت بالتحليل؛ ولذلك فمن المشكلات الكبرى التي يطرحها هذا الطرح هو ما إذا ~~كان المنطق الذي يقوم عليه كتاب «أصول الرياضيات» هو الطريقة الصحيحة الوحيدة لتمثيل ~~الشكل المنطقي الضمني للغة الطبيعية. # تعمل نظرية راسل على الجمع بين الوصف المنطقي البحت للبنية مع المذهب التجريبي القائم ~~على البيانات الحسية، وذلك عن طريق النظر إلى البيانات الحسية باعتبارها العناصر ~~البسيطة التي تتألف منها بنية العالم. ولكنه يرى أنه من الضروري ألا يكون من بين ~~العناصر البسيطة الأشياء فقط، بل وصفاتها وعلاقاتها - بمعنى الكليات - ويؤدي هذا ~~مباشرة إلى ظهور صعوبة أخرى؛ إذ إنه من غير الواضح أن الكليات تتسم بالبساطة على ~~النحو الذي يفترض أن تكون عليه ms063 الكليات؛ فمن سمات البساطة انعدام القابلية للتحليل ~~والاستقلالية. هل الكليات تتسم بهذه السمات، حتى في ضوء أفضل مثال يسوقه راسل المتعلق ~~ببقع لونية من درجة معينة؟ لا، إذ إن البقع اللونية ليست مستقلة بعضها عن بعض، ~~والتعبيرات التي تشير إليها بإمكانها التسبب في حالات تعارض بين القضايا. # كان راسل يعتقد أنه يمكن التغلب على مثل تلك المشكلات عن طريق إجراء تحليل شامل ~~تماما للخطاب الواقعي العادي. ولكنه لم يتمكن قط من إجراء تحليل من ذلك النوع، ونظر ~~إليه على أنه شيء ينبغي أن تحققه الفلسفة العلمية في المستقبل أو تتناوله بطريقة ~~مختلفة، إذا تمكنت من اكتشاف طريقة لذلك. وتسبب ذلك في إقدامه على الإفصاح عن بعض ~~الاعترافات اللافتة: # حين أتحدث عن العناصر البسيطة، يجب أن أشرح أنني أتحدث عن شيء لا نمر ~~بخبرة عنه في حد ذاته، بل نعرف بالاستنتاج فقط أنه نهاية التحليل؛ فمن الممكن ~~تجنب الحاجة لافتراضها، وذلك بقدر أكبر من المهارة المنطقية. ولن تؤدي ~~اللغة المنطقية إلى الخطأ إذا كانت رموزها البسيطة (أي الرموز التي ليست من بين ~~أجزائها رموز، أو أي بنية ذات معنى) كلها ترمز إلى أشياء من نوع واحد، حتى لو ~~كانت هذه الأشياء غير بسيطة. وموطن الضعف الوحيد لمثل هذه اللغة هو أنها تعجز ~~عن التعامل مع أي شيء أبسط من الأشياء التي تمثلها برموز بسيطة. ولكنني أعترف ~~أنه يبدو من الواضح لي (كما كان من الواضح للايبنتس) أن ما هو مركب يجب أن يكون ~~مؤلفا من عناصر بسيطة، مع أن عدد المكونات قد يكون لا متناهيا. ~~(المنطق والمعرفة، ص337) # في هذه الفقرة يعترف راسل فعليا بمشكلة ربط رؤيته للمذهب التجريبي برؤيته لمذهب ~~الذرية المنطقية - فإذا كانت البيانات الحسية هي العناصر البسيطة، ومع ذلك فإن العناصر ~~البسيطة تستنتج ولا تأتي نتيجة المرور بخبرة، إذن فالنظرية مفككة - ويدحض الربط، ~~الذي كان يصر عليه في أماكن أخرى، بين الرموز البسيطة والكيانات البسيطة؛ لأنه يقول هنا ~~إن الرموز البسيطة من الممكن أن ترمز إلى كيانات مركبة؛ ms064 والشرط الوحيد هو أن تكون من ~~نوع واحد. علاوة على ذلك، إذا كانت العناصر البسيطة لا متناهية في العدد، فإن فرص ~~وجود لغة «مثالية» من الناحية المنطقية تتضاءل بشدة؛ لأنه سيكون من الضروري أن تحتوي ~~على عدد لا متناه من الأسماء، ولن يصبح من الممكن إجراء التحليل نفسه على الوجه ~~الأكمل، باعتباره إجراء من المحتمل أن يكون غير متناه. # يرى بعض المعلقين أن مذهب الذرية ~~المنطقية كان سيحقق نجاحا أفضل إذا روعي فصله عن المذهب التجريبي وتناوله باعتباره ~~نظرية صورية بحتة، كما تناولها فيتجنشتاين في كتاب «رسالة منطقية فلسفية». وبالنظر إليه ~~على هذا الأساس، فإن جوهره هو أن التعبيرات (فيما عدا التعبيرات المنطقية، مثل «و») من ~~نوعين: التعبيرات التي تدل على أشياء موجودة (بسيطة) والتعبيرات التي يمكن تحليلها إلى ~~تلك التعبيرات. وحين نتغاضى عن المذهب التجريبي الذي يقول بأن الأشياء البسيطة هي ~~بيانات حسية ومن ثم تكون أشياء قائمة على الاطلاع، فإننا بهذا نتغاضى عن أي وصف ~~يتناول كيفية تعلم الناس اللغة وفهمهم إياها، وهذا خلل جسيم؛ وقطعا كان من المهم ~~لراسل أن يتوافر مثل ذلك الوصف، ويدل ذلك على أحد أهم أوجه الاختلاف بين رؤيته لمذهب ~~الذرية المنطقية ورؤية فيتجنشتاين. ولكن ما دام أن محاولة إدماج المذهب التجريبي في ~~مذهب الذرية المنطقية تتسبب في مثل تلك الصعوبات، فربما يجب تقبل هذا الخلل، مع أنه ~~سيكون من المعتاد تماما أن يحاول المرء أن يبرهن على أن عدم قابلية توافق مذهب الذرية ~~مع هذه الاعتبارات (ينظر إليها على أنها قيود على أي وصف مناسب للغة) ربما تؤخذ كمبرر ~~للتخلي عن مذهب الذرية نفسه. # ولكن محاولة فصل المذهب التجريبي عن مذهب الذرية يتسبب - من بين أشياء أخرى - في بعض ~~الصعوبات لنظرية الأسماء التي وضعها راسل. حسب هذه النظرية، فإن أسماء الأعلام تشبه إلى ~~حد كبير أسماء الإشارة «هذا» و«ذلك»؛ فهي تخلو من المحتوى الوصفي، ومعانيها هي ~~الجزئيات التي تدل عليها؛ ولذلك لا يمكن التعرف على هذه المعاني إلا في مرات الاطلاع ~~على ms065 الجزئيات التي تدل عليها؛ ولكن فصل الاعتبارات التجريبية معناه أن هذا الجزء من ~~النظرية لم يعد متاحا الآن. ويتسبب هذا في مشكلة؛ إذ إن من التطبيقات الأساسية لهذا ~~الرأي تحليل عبارات اللغة العادية التي يبدو أنها تدل مؤقتا على أشياء مستمرة، مثل ~~المكاتب وما شابه. وتقضي النظرية في صيغتها البحتة أن يكون لكل اسم علم شيء موجود يدل ~~عليه ذلك الاسم. ومن وجهة نظر النظرية التجريبية، فإن مثل تلك المدلولات هي بيانات حسية ~~مؤقتة؛ ومن ثم فإننا إضافة إلى معرفة ما تدل عليه الأسماء، نعرف أنها تشترك مع ~~مدلولاتها في سمة ما؛ وهي أنها مؤقتة أيضا. ولكن على صعيد النظرية البحتة، فإنه من غير ~~الواضح كيف نصف الأسماء؛ لأننا لا نعرف ماهية الموجودات الأولية - الصورية البحتة - غير ~~المعروفة. ورفضنا لوضع نظرية عن ذلك معناه أننا ليست لدينا فكرة عن كيفية عمل علاقة ~~التسمية؛ فمثلا، لا يحدث في مناسبة تعميد - على صعيد النظرية التجريبية - أن يسمي ~~شخص ما معلومة حسية معينة اسم «ذلك» أو أي تسمية مشابهة. وهذا معناه كذلك أننا ليس ~~لدينا ما نقوله فيما يتعلق بالسبب الذي يجعل «هذا» الاسم يسمي «ذلك» الشيء الجزئي، ~~وما إذا كان من الممكن أن يسمي شيئا آخر؛ وهو ما قد يبدو على أي حال بمنزلة مشكلة ~~بسيطة فور أن نسمح لأنفسنا بتذكر وجود أسماء دون أشخاص يسمونها أو دارسي لغة أو ~~مدركين. # توحي هذه المجموعة من الاعتبارات بأن النتيجة المرجوة من فصل مذهب الذرية عن المذهب ~~التجريبي محدودة للغاية. ويتصادف أن هذه الانتقادات لا تمثل في حد ذاتها خطرا على ~~جوانب مذهب الذرية المنطقية التي تقدم وصفا للمعنى؛ إذ توجد طرق أخرى لتطويرها، إلى ~~جانب صلاتها بفهم اللغة. ولكن ينبغي أن يأخذ أي تقييم كامل في الحسبان الأسباب التي دعت ~~راسل لتعديل بعض السمات والتخلي عن سمات أخرى - مهمة بعض الشيء - من مذهب الذرية ~~المنطقية في سياق رأيه اللاحق في العقل والمادة. وسأقدم وصفا سريعا لهذه النقاط على ~~الفور. # العقل والمادة # قال راسل ms066 أثناء عرضه لآرائه المتعلقة ~~بمذهب الذرية المنطقية في عام 1918 إن «الأحادية المحايدة» التي وضعها جيمس قد أغرته ~~ولكنه لم يقتنع بها، و«الأحادية المحايدة» هي نظرية وضعت لحل المشكلات القائمة ~~المتعلقة بالاختلافات والعلاقات بين العقل والمادة. وباختصار، فإن نظرية راسل مفادها أن ~~العالم لا يتألف جوهريا من الأشياء العقلية - كما يعتقد أتباع المذهب المثالي - ولا ~~من الأشياء المادية - كما يعتقد أتباع المذهب المادي - بل من «أشياء حيادية» يتكون منها ~~مظهر العقل والمادة كليهما. ووفقا لما يقوله راسل، فإنه قد تحول إلى اعتناق هذه ~~النظرية عقب الانتهاء من المحاضرات التي تتناول مذهب الذرية المنطقية. وقد كتب عن آراء ~~جيمس في عام 1914، ثم رفضها؛ وفي المحاضرات التي ألقاها عام 1918 أصبح متعاطفا أكثر، ~~ولكنه كان لا يزال مترددا؛ إلا أنه اعتنق النظرية أخيرا في بحث بعنوان «عن القضايا» ~~(1919)، واستخدمها كأساس لكتابه «تحليل العقل» في عام 1921. ونقح راسل النظرية بعض ~~الشيء فيما بعد، ولكنني سأعتمد أساسا على كتاب «تحليل العقل» في هذا العرض ~~السريع. # تقول الفلسفة الشعبية إن العقل ~~والمادة مختلفان اختلافا شديدا، وإن الاختلاف يكمن في حقيقة أن العقول واعية فيما أن ~~الأشياء المادية - مثل الأحجار - ليست واعية. ومن ثم فإن السؤال الذي يطرحه راسل هو: ~~هل الوعي جوهر كل ما هو عقلي؟ وللإجابة عن هذا السؤال، على المرء أولا أن يكون لديه ~~فكرة ما عن طبيعة الوعي. ويوحي التأمل في الأمثلة المعتادة للظواهر الواعية - الإدراك ~~والتذكر والتفكير والاعتقاد - بأن السمة الأساسية للوعي هي أنه «لتكون واعيا» بأي من ~~هذه الطرق يعادل «أن تكون واعيا بشيء ما». ويطلق الفلاسفة اسم «القصدية» على هذه ~~الخاصية، وقد تسمى كذلك بالحيثية أو «حالة التوجيه». وهكذا فإن مفهوم الوعي هو مفهوم ~~ارتباطي أساسا؛ أي إنه فعل من أفعال العقل - فعل إدراك أو اعتقاد أو ما شابه - مرتبط ~~ب «شيء»، وهو الشيء المدرك؛ أي القضية التي تصدق. وفي الواقع، وفق بعض رؤى هذه ~~النظرية - على سبيل المثال رؤية مينونج - تشترك في ذلك ثلاثة عناصر: الفعل والمحتوى ~~والشيء. ms067 فعلى سبيل المثال، لنفترض أننا نفكر في كاتدرائية القديس بول في لندن. لدينا ~~فعل التفكير؛ ولدينا طبيعة الفكرة التي تتناول كاتدرائية القديس بول وليس أي كاتدرائية ~~أخرى، وهذا هو المضمون؛ ثم لدينا الشيء، وهو كاتدرائية القديس بول نفسها. # يرفض راسل هذه الآراء؛ فيقول أولا ~~إنه لا يوجد ما يسمى «الفعل»؛ فحدوث مضمون أي فكرة هو حدوث للفكرة، ولا يوجد دليل ~~تجريبي ولا ضرورة نظرية لوجود «فعل» إضافة إلى ذلك. وتحليل راسل للسبب الذي قد يدفع ~~شخصا للتفكير بخلاف ذلك هو أننا نقول: «أنا» أعتقد كذا، وهو ما يوحي بأن التفكير هو ~~فعل يؤديه فاعل. ولكنه يرفض ذلك لأسباب مشابهة للغاية للأسباب التي قدمها هيوم؛ إذ كان ~~يرى أن مفهوم الذات هو وهم، وأنه من غير المسموح لنا من الناحية التجريبية أن نقول إنه ~~يوجد ما هو أكثر من حزم الأفكار التي نقسمها على سبيل التيسير إلى «أنا» ~~و«أنت». # ثانيا: ينتقد راسل علاقة المضمون ~~والشيء. كان مينونج يرى هو وآخرون أن العلاقة هي علاقة إحالة مباشرة، ولكنها في رأي ~~راسل مركبة وثانوية بقدر أكبر، وتتألف في معظمها من معتقدات عن مجموعة متنوعة من ~~الروابط غير المباشرة بعض الشيء فيما بين المضامين، وبين المضامين والأشياء، وفيما بين ~~الأشياء. أضف إلى ذلك حقيقة أنه - في الخيال والخبرات غير العادية مثل الهذيان - قد ~~تخطر لنا الأفكار دون أشياء ترتبط بها، ونرى أن علاقة المضمون-الشيء تتضمن الكثير من ~~الصعوبات، يقول راسل إن أهمها يكمن في تعضيد الخلاف بين أتباع المذهب المثالي الذين ~~يرون أن المضمون أهم من الأشياء، وأتباع مذهب الواقعية الذين يرون أن الأشياء أهم ~~من المضمون. (استخدام راسل لهذه التسميات، مع أنها معممة، هو استخدام مضلل؛ إذ ينبغي ~~علينا التماسا للدقة أن نستبدل التسمية «التابع للمذهب المثالي» ونستخدم بدلا منها ~~«المناهض لمذهب الواقعية» هنا؛ ويعود ذلك لأنه مع أن مذهب الواقعية ومناهضة مذهب ~~الواقعية هما أساسا أطروحتان مختلفتان حقا فيما يتعلق بعلاقة المضامين بالأشياء - ~~ومن ثم فهما أطروحتان «معرفيتان» - فإن مذهب المثالية أطروحة ms068 «ميتافزيقية» عن طبيعة ~~العالم؛ أي إنه أساسا يتسم بطابع عقلي. وكثيرا ما تخلو المناقشات الفلسفية من هذه ~~النقطة؛ لذلك فلم يكن راسل هو وحده الذي جانبه الصواب في ذلك الرأي.) ويدعي راسل أن ~~كل هذه الصعوبات يمكن تجنبها إذا اتبعنا رؤية ويليام جيمس لنظرية «الأحادية ~~المحايدة». # الأحادية المحايدة # كان جيمس يؤكد أن النوع المنفرد من ~~المادة الخام الأولية من الناحية الميتافيزيقية مرتب في أنماط مختلفة بناء على ~~علاقاتها البينية، ونطلق على بعضها مواد عقلية وعلى بعضها الآخر مواد مادية. وقال ~~جيمس إن رأيه كان مبعثه عدم رضاه عن النظريات المتعلقة بالوعي، الذي هو محض وريث ~~مبهم للحديث العتيق عن «الأرواح». كان يقر بأن الأفكار موجودة؛ أما ما كان يرفضه فهو ~~أنها عبارة عن كيانات؛ إذ كان يرى أنها - بدلا من ذلك - وظائف؛ فلا توجد «أي مادة أو ~~خاصية كينونة أصلية - تتعارض مع المادة ~~التي تتألف منها الأشياء المادية - تتألف منها أفكارنا عن هذه الأشياء؛ ولكن يوجد وظيفة ~~في الخبرة تؤديها الأفكار، وتستخدم خاصية الكينونة هذه من أجل أدائها. وتلك الوظيفة هي ~~«المعرفة».» (جيمس، مقالات عن المذهب التجريبي الراديكالي، ص3، 4). # ففي رأي جيمس، النوع الوحيد من «المادة الأولية» - كما سماها ~~- هو «الخبرة البحتة». فالمعرفة هي علاقة ~~يمكن أن تدخل فيها أجزاء مختلفة من المادة الأولية؛ والعلاقة نفسها هي جزء من التجربة ~~البحتة، كما أن أطرافها جزء من التجربة البحتة. # لم يستطع راسل أن يتقبل كل هذا الرأي؛ فقد كان يرى أن استخدام جيمس لعبارة «التجربة ~~البحتة» تعبر عن تأثر دائم بمذهب المثالية، ورفضه؛ إذ كان يفضل استخدام الآخرين ~~لمصطلح «المادة المحايدة»، وهي خطوة مهمة تتعلق بالتسمية لأنه أيا كانت المادة ~~الأولية، فلا بد أن تكون قادرة على أن تؤدي - في حالة ترتيبها ترتيبا مختلفا - إلى ~~ما لا يمكن أن يطلق عليه على نحو ملائم «خبرة»، كأن تؤدي على سبيل المثال إلى منشأ ~~النجوم والأحجار. ولكن راسل لم يوافق إلا موافقة جزئية على هذا الرأي المعدل. وقال ~~إنه من الصحيح رفض فكرة ms069 الوعي باعتباره كيانا، وإنه من الصحيح جزئيا وليس كليا ~~اعتبار العقل والمادة معا مؤلفين من مادة محايدة. أما في حالة انعزالهما فلا ~~يتألف أي منهما من مادة محايدة؛ لا سيما بخصوص الأحاسيس، وهي نقطة مهمة عند راسل، ~~بالنظر إلى هدفه الأساسي المتعلق بالجمع بين الفيزياء والإدراك. ولكنه أصر بدلا من ذلك ~~على أن بعض الأشياء تنتمي فقط إلى العالم العقلي (الصور والمشاعر) وأن أشياء أخرى ~~تنتمي فقط إلى العالم المادي (كل ما لا يمكن وصفه باعتباره خبرة). وما يفرق بينهما هو ~~نوع السببية التي تحكمهما؛ ويوجد نوعان مختلفان من القوانين السببية؛ أحدهما ينطبق فقط ~~على الظواهر النفسية، والآخر ينطبق فقط على الظواهر المادية. يأتي قانون تداعي المعاني ~~الذي وضعه هيوم كمثال للنوع الأول، ويأتي قانون الجاذبية كمثال للنوع الثاني. ~~والإحساس يطيع النوعين؛ ومن ثم فهو محايد فعلا. # تسبب الإقرار بهذه الرؤية من الأحادية المحايدة في إلزام راسل برفض بعض آرائه ~~الأولى. وكان من التغيرات المهمة أنه تخلى عن مفهوم «البيانات الحسية»؛ وذلك لأن ~~البيانات الحسية هي أشياء ناتجة عن أفعال عقلية، وهي التي أصبح يرفض وجودها الآن؛ ~~ولذلك، ما دام لا يوجد احتمال لوجود علاقة بين الأفعال غير الموجودة والأشياء المفترضة ~~الناتجة عن تلك الأفعال، فلا وجود لتلك الأشياء أيضا. وما دام لا يوجد فارق بين ~~الإحساس والمعلومة الحسية - بمعنى أنه ما دمنا الآن نفهم أن الإحساس الذي نشعر به عند ~~رؤية بقعة لون مثلا هو «فقط» بقعة اللون نفسها - فنحن نحتاج إلى مصطلح واحد فقط هنا، ~~ويطلق عليه راسل اسم «المدرك الحسي». # قبل أن يعتنق راسل الأحادية المحايدة كان قد اعترض عليها لعدة أسباب، ومنها أنها كانت ~~تعجز عن تفسير التصديق. وكما سبق، حتى حين أقر بالنظرية، كانت لديه تحفظات عليها؛ ~~فالعقل والمادة يتداخلان على أساس سمات مشتركة، ولكن لكل منهما جوانب يتعذر ~~رفضها. ومع ذلك كان ما أقنعه أخيرا هو حقيقة - أو هكذا كان يبدو له - أن علم النفس ~~والفيزياء قد اقتربا اقترابا شديدا؛ فقد أسهمت الفيزياء الحديثة ms070 المتعلقة بالذرة ~~والزمكان القائم على نظرية النسبية في استبعاد الطابع المادي عن المادة فعليا، وأسهم ~~علم النفس - لا سيما في شكل المدرسة السلوكية - في إضفاء طابع مادي على العقل. ومن وجهة ~~النظر الداخلية للاستبطان، يتألف الواقع العقلي من أحاسيس وصور. ومن وجهة النظر ~~الخارجية للملاحظة، تتألف الأشياء المادية من أحاسيس وأشياء محسوسة؛ ومن ثم يصبح من ~~الممكن ظهور نظرية موحدة بعض الشيء عن طريق تناول الاختلاف الأساسي باعتباره اختلافا ~~من حيث التنظيم؛ فالعقل هو بنية مؤلفة من مواد منظمة بطريقة معينة، والدماغ بنية مؤلفة ~~من المواد نفسها تقريبا لكنها منظمة بطريقة أخرى. # ومن المدهش أن إحدى السمات اللافتة لوجهة النظر هذه هي مدى اتساقها مع مذهب المثالية. ~~كما ورد آنفا، اتهم راسل جيمس بالتعلق بأسمال مذهب المثالية. ولكنه هنا يعكف على ~~التأكيد على شيء يكاد يكون غير قابل للتفرقة؛ وهو أن العقول مؤلفة من مدركات محسوسة ~~- أي الأحاسيس والصور - وأن المادة وهم ~~منطقي مؤلف من انطباعات مدركة غير محسوسة. وفي هذه المرحلة كان راسل قد أصر ~~(باستخدام مصطلحاته الأولى) كثيرا على أن البيانات الحسية والأشياء المحسوسة هي كيانات ~~«مادية»، تقريبا بالمعنى الذي وفقه من الممكن أن تكون تلك المعلومة حاضرة كنبضات في ~~عصب ما أو نشاط في دماغ، وذلك إذا كنا نتحدث عن معلومة من البيانات الحسية في جهاز ~~عصبي. ولكن الأعصاب والأدمغة - باعتبارها أشياء قائمة على النظرية المادية - يجب أن ~~تفهم في حد ذاتها على أنها أبنية مؤلفة من الأحاسيس والأشياء المحسوسة - وليس من ~~«المواد المادية» حسب الفهم التقليدي - وهو مفهوم أثبتت الفيزياء أنه يتعذر الدفاع ~~عنه. وفي نهاية كتاب «تحليل العقل» يقول راسل وفقا لذلك إن «أي وصف علمي نهائي لما ~~يجري في العالم - إذا كان من الممكن التحقق منه - من الممكن أن يشبه علم النفس أكثر مما ~~يشبه الفيزياء ... (لأن) علم النفس أقرب لكل ما هو موجود» (تحليل العقل، ص305، 308). ~~ويفسر ذلك الادعاء المعروف الذي ينسب إلى راسل بأن «الأدمغة تتألف من أفكار» وأنه ~~حين يتأمل عالم ms071 الفسيولوجيا دماغ شخص آخر، فإن ما «يراه» هو جزء من دماغه هو (شيلب، ~~فلسفة برتراند راسل، ص705). # يصعب على أنصار الرؤى الأكثر تشددا للمذهب المادي تقبل هذا الجانب من رأي راسل. ~~بيد أن هذه ليست الصعوبة الوحيدة التي تتسم بها رؤيته للأحادية المحايدة؛ فمن أهم ~~الصعوبات الأخرى أنه فشل في هدفه الأساسي، وهو دحض وجهة النظر القائلة بأن الوعي ضروري ~~للتفرقة بين الظواهر العقلية والمادية. لم يحاول راسل بالطبع تحليل الوعي بهدف التخلص ~~منه، بل كان هدفه بالأحرى هو تقليص أهميته لمسألة العقل والمادة. ولكن الصور والمشاعر ~~والأحاسيس - التي تؤدي دورا مهما في نظريته - تظل بكل صلابة ظواهر «واعية»، أما ~~الأشياء المحسوسة (وهي غالبا ما تكون غير محسوسة) - وتكون القسم الأكبر من المادة - ~~فليست واعية. تقبل راسل هذا الجانب، ولكنه حاول تحديد معيار للاختلاف لا يستغل هذه ~~الوقائع، وهو معيار العضوية في مناطق سببية مختلفة. ولكن رغم أن ذلك الاختلاف مشكوك في ~~أمره - وحتى إذا كان موجودا فربما يكون مستعصيا في الغالب على الملاحظة - فإن ~~الاختلاف القائم على أساس الوعي واضح للغاية. # وفي سياق متصل، لا يمكن استبعاد القصدية التي يتسم بها الوعي من حسابات المعرفة؛ إذ ~~يتعذر تفسير التذكر والإدراك من دونها. وأقر راسل لاحقا بهذه النقطة، وذكرها في كتاب ~~«تطوري الفلسفي» باعتبارها مبررا لعودته إلى موضوع الإدراك والمعرفة في كتاباته ~~اللاحقة. # انتهى المطاف براسل إلى رفض الفكرة - وهو موقف غير مرض على الإطلاق من وجهة نظر ~~نظرية من المفترض أن تكون «محايدة» و«أحادية» في الوقت نفسه - القائلة بأن الصور ~~والمشاعر هي عقلية بالأساس، بمعنى أنها ليست قابلة للاختزال كليا في المادة المحايدة؛ ~~إذ يقول في مقالة كتبها في فترة متأخرة: «لا يصير الحدث عقليا أو ماديا بفعل أي صفة ~~جوهرية، بل فقط بفعل علاقاته السببية؛ فمن الممكن أن يتسم حدث ما بالعلاقات السببية ~~التي تميز الفيزياء والعلاقات السببية التي تميز علم النفس. وفي تلك الحالة، يصبح الحدث ~~عقليا وماديا في آن واحد» (كتاب «صور من الذاكرة» (1958)، ص152). وهذا ms072 هو ما كان ~~ينبغي أن يحاول أن يبرهن عليه - التماسا للاتساق - في كتاب «تحليل العقل» نفسه، حيث ~~تتسم الأحاسيس فقط بهذا الطابع. ولكن وجهة النظر هذه تؤدي بدورها إلى مشكلة أخرى، وهي ~~أنها تتعارض مع وجهة نظر عاد إليها راسل بعد كتاب «تحليل العقل»، ومفادها أن أسباب ~~المدركات الحسية تستنتج من حدوث المدركات الحسية نفسها. وكما ورد آنفا، كان راسل ~~مترددا بين تناول الأشياء المادية باعتبارها أبنية مؤلفة من الأشياء المحسوسة وبين ~~تناولها باعتبارها كيانات تستنتج على أنها أسباب الإدراك؛ واحتفظ بوجهة نظره الأخيرة ~~هذه في كتاب «مشكلات الفلسفة» ثم عاد إليها بعد كتاب «تحليل العقل». ولكن ظاهريا ~~سيحتاج المرء إلى علاقة دقيقة بين موقفه من الميتافيزيقا وموقفه من نظرية المعرفة لكي ~~يؤمن بأن العقول والأشياء تتألف من مادة واحدة، وأن الأشياء هي المسببات المستنتجة ~~الخارجية المجهولة لما يحدث في العقول؛ ومن ثم فإن تلك الجوانب من الإرث الذي تركه ~~كتاب «تحليل العقل» في فكره تتسبب في معضلات كبيرة تواجهها آراؤه اللاحقة المتعلقة ~~بالموضوع. # مذهب الواقعية والإدراك # كان من أهم الأسباب التي دفعت راسل ليعود إلى وجهة نظر قائمة على الواقعية ~~والاستنتاج بخصوص الأشياء المادية؛ الصعوبة الكامنة في مفهوم البيانات الحسية غير ~~المحسوسة أو - حسب المصطلحات اللاحقة - المدركات الحسية. وكما سبقت الإشارة آنفا، كانت ~~الفكرة تقوم على استبدال الكيانات المستنتجة لتحل محلها الكيانات ذات البنية المنطقية، ~~وذلك تطبيقا للأسلوب التحليلي. فإذا كان من الممكن بناء الأشياء المادية بطريقة منطقية ~~من البيانات الحسية الفعلية والمحتمل حدوثها، يترتب على ذلك تحقيق مطلبين في الوقت ~~نفسه: تصبح النظرية قائمة على أساس تجريبي، وتشذب الكيانات المستنتجة بفعل مبدأ نصل ~~أوكام. ولكن من الواضح - وسبق مناقشة هذه النقطة - أن فكرة البيانات الحسية غير ~~المحسوسة (أو المدركات الحسية غير المدركة) ملتبسة - إن لم تكن متناقضة فعلا - وذلك ~~على أقل تقدير. فمن المنطقي - مع أنه من المشكوك فيه من الناحية الميتافيزيقية، دون ~~وجود تفسير دقيق - أن نتحدث عن وجود «احتمالات» للإحساس؛ ولكن ليس من المنطقي أن نتحدث ms073 ~~عن وجود «أحاسيس محتمل حدوثها» (راجع تعريف الأشياء المحسوسة الذي قدمه راسل ~~باعتبارها كيانات لها «الحالة الميتافيزيقية والمادية نفسها كبيانات حسية دون أن تكون ~~بالضرورة بيانات تدخل لأي عقل»). ولو كان الاختيار ينحصر بين الجزئيات المادية ~~المستنتجة وبين الأفكار المدركة غير الفعلية الموجودة دون أن يدركها أحد، لأصبح من ~~الأفضل فيما يبدو أن نختار الخيار الأول. وهذا هو فعليا ما بدأ يعتقده راسل في نهاية ~~المطاف؛ وهكذا رفض الأحاسيس غير المحسوسة. ولكنه لم يعد إلى الشكل الأبسط من الواقعية ~~القائمة على الاستنتاج التي كان يؤمن بها في كتاب «مشكلات الفلسفة»؛ وكان يدخر شيئا ~~أكثر براعة - وإن كان لم يحقق نجاحا أكبر - سيرد الحديث عنه بعد قليل. # كان من أهم الأسباب التي دفعت راسل للعودة إلى الواقعية هو إقراره بأن مفهوم السببية ~~مبهم من وجهة نظر مذهب الظواهر. تؤثر الأشياء الموجودة في العالم بعضها في بعض فيما ~~يبدو تأثيرا سببيا بطرق يصعب تفسيرها تفسيرا مناسبا من خلال تقارير الخبرات ~~الحسية. فضلا عن ذلك، حين تعتمد نظرية الإدراك على السببية تصبح طريقة طبيعية وقوية ~~لشرح كيفية تنشأة الخبرة نفسها. في فلسفة العلوم الناضجة التي تحدث عنها راسل في ~~كتابه «تحليل المادة» (1948)، لم يختر راسل وجهة نظر لوك التي تقول إن مدركاتنا ~~الحسية تشبه أصولها السببية - ما يسمى نظرية «أصل الصورة» - لأنه يتعذر علينا ~~الاطلاع مباشرة على الأشياء؛ ومن ثم يتعذر علينا أن نعرف صفاتها وعلاقاتها. وأخذ ~~يؤكد في هذه المرحلة أن التغيرات التي تطرأ على العالم وعلى أفكارنا المدركة تترابط - ~~أو تتغاير - على الأقل بخصوص رتب الأشياء الموجودة في العالم التي يستطيع جهازنا ~~الإدراكي تسجيلها (فعلى سبيل المثال، نحن لا ندرك الإلكترونات التي تحتشد في الطاولة؛ ~~لذلك لا يوجد تغاير بين العالم والإدراك في ذلك المستوى). إن التقابل بين المدركات ~~الحسية والأشياء هو تقابل من حيث «البنية» على المستوى المناسب: «أيا كان ما نستنتجه ~~من الأفكار المدركة، فإن البنية هي وحدها ما نستطيع أن نستنتجه استنتاجا صحيحا؛ ~~والبنية هي ما يرمز إليها ms074 المنطق الرياضي» (تحليل المادة، ص254). وهذا معناه أنه يجب أن ~~نتخذ موقفا «لاأدريا» حيال معظم الخواص الرياضية للعالم المادي، وهي الخواص التي ~~تصفها الفيزياء (تحليل المادة، ص270). # أدرك راسل في آخر الأمر أن أكثر شيء أساسي في العالم من الناحية الميتافيزيقية هو ~~على الأرجح «الحدث». تتكون الأشياء من الأحداث على النحو التالي: العالم عبارة عن ~~مجموعة من الأحداث، معظمها يتجمع حول عدد وفير من «المراكز»، وبهذا تكون «الأشياء». ~~وتتشعب كل مجموعة إلى «سلاسل» من الأحداث، فتتفاعل مع السلاسل التي تتشعب من المراكز ~~الأخرى وتؤثر فيها، ومن بين تلك المراكز الأخرى الأشخاص المدركون. وحين تتفاعل سلسلة مع ~~الأحداث التي تكون جهاز الإدراك لأحد الأشخاص المدركين، تصبح الحلقة الأخيرة من ~~السلسلة عبارة عن مدرك حسي . وما دام كل شيء يتكون أساسا من الأحداث، فإنها تكون ~~فعليا «المادة المحايدة» التي تتألف منها العقول والأشياء المادية. والعقول عبارة ~~عن مجموعات من الأحداث تربطها علاقات «عقلية»، وأهمها التذكر؛ بخلاف ذلك لا يوجد أي ~~اختلاف ميتافيزيقي بين العقل والمادة. وأخيرا فإن العلاقات البينية التي تجمع سلاسل ~~الأحداث هي ما تصفه قوانين السببية العلمية. # ساعدت وجهة النظر هذه راسل على صياغة الحجة التي ظل طويلا يحاول عرضها بطريقة مقنعة، ~~وهي أن المدركات الحسية أجزاء من الأشياء. وفق وجهة النظر هذه لا تتألف الأشياء من ~~أحداث، وتكون الأحداث بدورها عبارة عن الأفكار المدركة لتلك الأشياء؛ بل يوجد فقط أحداث ~~تكون الشيء، وبعض هذه الأحداث عبارة عن مدركات حسية؛ وهذه هي الأحداث النهائية ~~للسلاسل المتشعبة من الشيء، وتتفاعل تلك المدركات الحسية مع الأحداث التي تكون الشخص ~~المدرك. # لا تقوم هذه النظرية على الاستنتاج بالمعنى السابق الذي تخمن فيه أسباب المدركات ~~الحسية - التي تقع فيما وراء نقاب من الإدراك على نحو يتعذر الوصول إليها - من طبيعة ~~المدركات الحسية نفسها؛ بل يأتي الاستنتاج من أحداث نهائية معينة، تحديدا المدركات ~~الحسية - والتي هي (للتعبير عن الأمر بطريقة استكشافية) عبارة عن تفاعلات بين الأحداث ~~«العقلية» وذلك المستوى البنيوي الموجود في بقية عالم الأحداث ms075 الذي تستطيع الأحداث ~~«العقلية» أن تتفاعل معه - وصولا إلى مجموعات وسلاسل الأحداث التي تكون العالم ~~بأكمله. # في كتاب «تحليل المادة» يركز صميم النظرية على فكرة أن معرفة العالم معرفة بنيوية ~~بحتة؛ فنحن نعرف صفات المدركات الحسية وعلاقاتها وكذلك بنيتها، ولكننا لا نعرف إلا بنية ~~الأحداث الخارجية، وليس صفاتها. ويذكرنا هذا بعض الشيء - فيما يبدو - بالفارق بين ~~الصفات الأولية والثانوية الذي تحدث عنه لوك، ولكن الأمر ليس كذلك؛ إذ يقول راسل إن ~~كل ما نستطيع استنتاجه من مدركاتنا الحسية هو بنية صفات الأشياء وبنية علاقاتها، وليس ~~الصفات والعلاقات نفسها؛ وإن ذلك هو الحد النهائي للمعرفة. # يعتري هذه النظرية خطأ فادح، سرعان ما تعرف عليه عالم الرياضيات إم إتش إيه نيومان ~~وعرضه في مقال نشره عقب ظهور كتاب «تحليل المادة». ويكمن الخطأ في أنه ما دامت معرفتنا ~~عن بنية الأحداث ليست محض نتيجة لافتراضنا لوجودها، بل هي أساسية بكل وضوح، يترتب على ~~ذلك أنه لا يمكن أن تقتصر معرفتنا القائمة على الاستنتاج على أسئلة البنية فقط؛ وذلك ~~لأنه - كتشبيه تقريبي - من الممكن أن يصبح عدد من العوالم المختلفة قابلا للتعريف على ~~نحو تجريدي باعتبارها تتسم بالبنية نفسها، ولو كانت فعلا هكذا، لعجزت معرفة بنيتها ~~فقط عن الفصل بينها، ولعجزت تحديدا عن تمييز العالم «الحقيقي» من بينها. فإذا كان ~~العلم حقا يتألف من اكتشافات عن العالم تتحقق من خلال الملاحظة والتجربة، فمن ثم ~~لا يمكن تقليص الفارق بين ما نلاحظه وبين ما نستنتجه إلى فارق بين البنية البحتة ~~والصفات. # كتب راسل خطابا يتسم بتسامحه المعهود ووجهه إلى نيومان يقر فيه بهذه النقطة ~~قائلا: «إنك توضح تماما أن عباراتي التي تفيد بأنه لا شيء يعرف عن العالم المادي ~~فيما عدا بنيته هي إما خاطئة أو سطحية، وأشعر بالخجل بعض الشيء لأنني لم ألحظ ذلك ~~بنفسي.» # في هذه المرحلة أصبح من المألوف أن الخيط المشترك الذي يربط بين وجهات نظر راسل ~~الأولى واللاحقة هو رغبته في التوفيق بين العلم والإدراك؛ بهدف تأسيس العلم على اليقين ms076 ~~النسبي الذي يتسم به الإدراك؛ ومن ثم إمداده بالمبررات. وقد رأى راسل أن المشكلة ~~الأساسية في أي مسعى من هذا النوع هي تأمين الانتقال من الإدراك إلى الأشياء الموجودة ~~في النظرية المادية. وحسب وجهة نظره، يجب أن يكون هذا الانتقال إما قائما على ~~الاستنتاج - وفيه يأخذنا من البيانات الحسية الراسخة إلى شيء آخر - وإما أن يكون ~~انتقالا تحليليا، بمعنى أنه عبارة عن عملية تكوين للكيانات المادية من المدركات. ~~وحسب وجهة النظر اللاحقة التي سبقت الإشارة إليها، يتمتع الاستنتاج بمزية خاصة تتفوق ~~على النظريات المألوفة القائمة على الاستنتاج، وهو أنه خلال عملية الاستنتاج لا يتم ~~الانتقال من نوع من الأشياء إلى نوع آخر، بل من جزء داخل الشيء إلى أجزاء ~~أخرى. # في آراء راسل الأولى، وفق بين الواقع الأولي والبيانات الحسية وكون كل الأشياء ~~الأخرى من هذه العناصر. وحسب وجهة النظر اللاحقة، ينتمي الواقع إلى الأحداث باعتبارها ~~الكيانات النهائية، ويظهر تغير مهم في محور التركيز هنا؛ وهو أن المدركات الحسية تظل ~~مباشرة ويقينية مثل أي شيء، ولكنها لا تفسر على أنها يجب أن تمثل العالم المادي ~~بدقة، وهو العالم - في الصورة التي يقدمها العلم باعتبارها أقوى طريقة لفهمه - الذي ~~يختلف على أي حال اختلافا شديدا عن النحو الذي يظهر عليه. # الاستنتاج والعلم # ومع ذلك، وعلى نحو ذي مغزى، تظل لدينا مشكلة مألوفة وكبيرة فيما يتعلق بما إذا كانت ~~الاستنتاجات التي تنتقل من الإدراك إلى العالم آمنة. كان قسم كبير من هدف راسل في كتاب ~~«المعرفة البشرية» هو عرض المبررات التي تكون على أساسها هذه الاستنتاجات آمنة. وطوال ~~تفكيره في العلاقة بين الإدراك والعلم، كان مقتنعا بأن المعرفة العلمية تتطلب معرفة ~~شيء ما معرفة بديهية مسبقة. وكان يعتقد في البداية، كما ذكر فيما سبق، أن المبادئ ~~المنطقية البحتة توفر مثل تلك المعرفة. ولكنه لاحظ في هذه المرحلة أن المنطق وحده غير ~~كاف؛ إذ يجب أن نعرف شيئا أكثر مادية. وكان الحل الذي قدمه هو أن نقول إن الاستنتاج ~~انتقالا من الإدراك إلى ms077 الأحداث مبرر في ضوء «مسلمات» بديهية مسبقة معينة تعرض ~~وقائع مشروطة الحدوث بخصوص العالم. وتذكرنا وجهة نظر راسل فورا بأطروحة كانط القائلة ~~بأن امتلاك «معرفة مسبقة بديهية تركيبية» هو شرط لإمكانية المعرفة عموما، وهي وجهة نظر ~~يرفضها راسل بقوة في مقدمة كتابه «المعرفة البشرية». ويأتي شرح الاختلاف في العرض ~~المقتضب القائم على الاحتمالات الذي رأى راسل - في آخر محاولاته الكبرى لوضع نظرية من ~~نظريات المعرفة - أنه كل ما يمكن أن يأمل في تحقيقه. # يفسر ملمحان للنهج الذي اتبعه راسل في كتاب «المعرفة البشرية» هذه النتيجة: أحدهما هو ~~أنه أصبح يعتقد في هذه المرحلة أنه ينبغي فهم المعرفة في سياق «طبيعي»، بمعنى اعتبارها ~~من مقومات ظروفنا البيولوجية، وأن يجمع بينها وبين طريقة بناء العالم . والآخر هو أنه ~~اضطر إلى استغلال فكرة أن البيانات الأساسية للمعرفة غير مؤكدة على الإطلاق، بل فقط ~~موثوقة إلى درجة ما على أقصى تقدير. وتدخل هذه النقطة الثانية في التطوير التفصيلي ~~لوجهات النظر الواردة في كتاب «المعرفة البشرية». وتظهر النقطة الثانية كلما احتاج راسل ~~إلى تبرير المبررات التي يحاول كتاب «المعرفة البشرية» أن يؤسس عليها المعرفة ~~العلمية. # حين تكون للبيانات مصداقية معينة بمعزل عن علاقاتها بالبيانات الأخرى، يصفها راسل ~~بأنها تتسم بدرجة من المصداقية «الجوهرية». وتقدم القضايا التي تتسم بشيء من ~~المصداقية الجوهرية الدعم للقضايا التي تستنتج منها؛ وعندئذ يصبح السؤال الأساسي هو: ~~كيف تنقل القضايا التي تتسم بدرجة ما من المصداقية تلك المصداقية إلى الفرضيات ~~العلمية؟ ومن الممكن صياغة السؤال بطريقة أخرى؛ وذلك بأن نسأل: إلى أي مدى من الممكن ~~أن تقوم إفادات الملاحظة والتجربة مقام الدليل؟ وهذه هي المرحلة التي تدخل فيها ~~المسلمات التي تحدث عنها راسل. # توجد خمس مسلمات؛ المسلمة الأولى - وهي «مسلمة شبه الدوام» ~~- تهدف إلى أن تحل محل الفكرة العادية ~~القائلة بوجود شيء دائم: «إذا فرضنا أن أي حدث هو أ، يحدث كثيرا جدا - في أي وقت ~~قريب - أن يوجد حدث مشابه جدا ل «أ» في مكان قريب.» وبهذا تحلل الأشياء التي ms078 تتسم ~~بالمنطق السليم إلى سياقات من الأحداث المشابهة. ويعود أصل هذه الفكرة إلى التحليل الذي ~~أجراه هيوم ل «هوية» الأشياء من حيث ميلنا لاعتبار أي تتابع من الأفكار المدركة ~~المتشابهة أنه دليل على كونها شيئا مفردا، ومثال ذلك حينما تنتابك أفكار مدركة عن ~~شجيرة ورد كلما دخلت إلى الحديقة؛ ومن ثم تحسب أنه توجد شجيرة ورد واحدة دائمة، ~~حتى في حالة عدم حضور أشخاص مدركين. # المسلمة الثانية - وهي «مسلمة الخطوط السببية القابلة للتفرقة» ~~- تقول إنه «كثيرا ما يكون من الممكن تكوين ~~سلسلة من الأحداث - من عضو أو عضوين من السلسلة - حتى يتسنى استنتاج شيء ينطبق على كل ~~الأعضاء الآخرين.» على سبيل المثال، يمكننا أن نتابع كرة بلياردو طوال مباراة بلياردو؛ ~~ويرى المنطق السليم الكرة باعتبارها شيئا مفردا يغير مكانه، ويمكن تفسير ذلك وفقا ~~لهذه المسلمة بتناول الكرة وحركاتها باعتبارها سلسلة من الأحداث يمكن عن طريق بعضها ~~استنتاج معلومات عن الأحداث الأخرى. # المسلمة الثالثة هي «مسلمة التتابع المكاني الزماني»، وتهدف إلى نفي وجود «نشاط ~~عن بعد»؛ إذ تقضي المسلمة أنه إذا كانت هناك علاقة سببية بين حدثين ليسا متجاورين، ~~فلا بد من وجود سلسلة من الحلقات الوسيطة بينهما. ويعتمد الكثير من استنتاجاتنا التي ~~تأخذنا إلى أحداث خفية عن الملاحظة على هذه المسلمة. # المسلمة الرابعة هي «المسلمة البنيوية»، وتقول بأنه «عند وجود عدد من العناصر ~~المركبة المتشابهة البنية المصطفة حول مركز في مناطق غير متباعدة، فعادة تنتمي ~~كلها إلى خطوط سببية تنشأ من حدث له البنية نفسها في المركز.» وتهدف هذه المسلمة لفهم ~~فكرة وجود عالم من الأشياء المادية المشتركة لدى كل المدركين. فإذا استمع ستة ملايين ~~نسمة إلى خطبة رئيس الوزراء المنقولة عبر المذياع، وعند مقارنة ملاحظاتهم اكتشفوا أنهم ~~سمعوا أشياء متشابهة للغاية، يحق لهم أن يؤمنوا بأن سبب هذا أمر منطقي؛ وهو أنهم ~~جميعا سمعوا الشخص نفسه يتكلم عبر موجات الأثير. # المسلمة الخامسة والأخيرة هي «مسلمة قياس التشبيه»، وتقول بأنه «بفرض وجود فئتين ~~من الأحداث هي «أ» و«ب»، وبفرض أنه ms079 كلما لاحظنا «أ» و«ب» كلتيهما يوجد سبب يدفعنا إلى ~~الاعتقاد بأن «أ» تسبب «ب»، إذن عند ملاحظة «أ» في أي حالة معينة - لكن دون أن يكون هناك ~~سبيل لملاحظة ما إذا كانت «ب» تحدث أم لا - فمن المرجح الاعتقاد بأن «ب» تحدث، والأمر عينه ~~يحدث عند ملاحظة «ب» دون أن يكون هناك سبيل لملاحظة حضور أو غياب «أ».» وهذه المسلمة ~~واضحة بذاتها (المعرفة البشرية، ص506-512). # يقول راسل إن الغرض من المسلمات هو تبرير الخطوات الأولى التي نتخذها نحو العلم؛ ~~فهي تعرض ما يجب أن نعرفه - فضلا عن الوقائع التي نلاحظها - لكي تصبح الاستنتاجات ~~العلمية صحيحة؛ وبهذا نحن لا نبرر العلم الحديث نفسه، بل مكوناته الأولية، وهي نفسها ~~تستند إلى التجربة المبنية على المنطق السليم. # ولكن ما هو معنى «نعرف» هنا؟ حسب وجهة نظر راسل، فإن المعرفة المتضمنة في عبارة ~~«معرفة المسلمات» هي نوع من «المعرفة الحيوانية»، التي تنشأ بوصفها معتقدات معتادة ~~ناجمة عن خبرة تفاعلنا مع العالم. وهي أبعد ما تكون عن كونها معرفة يقينية. ونظرا ~~لحالة العالم هذه، يقول راسل: # بعض الوقائع تكون أحيانا في الواقع دليلا على وقائع معينة أخرى؛ ونظرا لأن ~~الحيوانات تتأقلم مع بيئتها، نجد أن الوقائع التي هي في الواقع دليل على وقائع ~~أخرى تثير توقع حدوث تلك الوقائع الأخرى. وعند تأمل هذه العملية وتنقيحها، نصل ~~إلى قوانين الاستنتاج الاستقرائي. وتكون هذه القوانين صالحة إذا كان للعالم ~~خصائص معينة نؤمن جميعا بأنه يتسم بها. ~~(المعرفة البشرية، ~~ص514-515) # هذه الخصائص هي الوقائع القائمة على المنطق السليم التي تجسدها المسلمات فعليا، ~~ويتسنى لنا أن «نعرفها» في هذا السياق؛ فهي متضمنة في الاستنتاجات التي نصوغها، ~~وعادة ما تنجح استنتاجاتنا؛ ومن ثم يمكن اعتبار أن المسلمات تثبت نفسها على نحو ~~ما. # ومع أن راسل يرى المسلمات باعتبارها شيئا نعرفه معرفة بديهية مسبقة، فمن الواضح ~~أن وضعها شاذ؛ فهي في حقيقتها تجريبية من أحد النواحي؛ لأنها إما تسجل الخبرة أو توحي ~~بها الخبرة. وما يمنحها وضعها البديهي المسبق هو أنها ms080 «تعامل بوصفها أمورا معروفة» ~~بمعزل عن الإثبات التجريبي (إلا على نحو عملي غير مباشر)، بدلا من أن تعتبر مبادئ ~~عامة بحاجة إلى مبرر من ذلك النوع. وقد اختار راسل فعليا بعض المعتقدات العامة ~~المشروطة التي تفيد خصوصا في أن تكون مقدمات فيما يخص التفكير في العالم، ورفعها إلى ~~منزلة المسلمات. وتبريرها غير المباشر بدوره هو أنها - عموما أو بناء على نتائج ~~تطبيقها - تفلح. وإذا أضفنا ذلك إلى الطموح المتواضع للغاية الذي يكنه راسل لنظرية ~~المعرفة في كتاب «المعرفة البشرية» - لم يعد غرض الكتاب هو البحث عن أساس يقيني للمعرفة ~~بقدر الإمكان، بل يقتصر فحسب على كونه عرضا لأحكام الخبرة التي يضمن اتباعها أن يصبح ~~التفكير العلمي مقبولا - فربما يكون هذا كافيا. كما أن هذه المسلمات لا تدعي أنها ~~رد فعل على الرؤية المتشككة، أو عرض دقيق للاستنتاج غير البرهاني. # هذه الجمل الأخيرة توحي بالسبب في أن حجج راسل في كتاب «المعرفة البشرية» لاقت ~~استجابة فاترة؛ مما خيب أمله كثيرا. كان يدرك جيدا أن قوانين الأدلة والاستنتاج ~~العلمي لا تستحق الاستقصاء إلا إذا كنا واثقين - إذا فهمنا تلك القوانين فهما صحيحا - ~~من أنها ستأتي بمعرفة مشروطة جوهرية عن العالم. ولكن أهم ما تثبته حجة راسل هو أن ~~المبادئ العامة التي يعتمد عليها تفكيرنا التجريبي نجحت - حتى الآن - إلى حد كبير. ~~ولكن هذا يبدو تماما مثل ذلك النوع غير المدعم من الاستنتاج الاستقرائي الذي كان راسل ~~حريصا على التحذير منه، مستشهدا بمثال الدجاجة التي أخذ يزداد رضاها عن العالم لأنها ~~تجد من يطعمها يوميا حتى جاء يوم وقوعها في يد الجزار. يوجد حدود للتبرير العملي؛ ~~تخيل أن هناك شخصا يساعد على نمو الطماطم في حقله بالدعاء فقط، فيحصل على بعض الطماطم ~~كل عام، وأن شخصا آخر يروي الطماطم في حقله ويسمدها، فيحصل على محصول طماطم أوفر كل ~~عام؛ ومع ذلك، ربما يرى المزارع الأول أن حصوله على بعض الطماطم مبرر عملي للدعاء. ~~وعليه، فإن نجاح مبادئنا حتى الآن ليس سببا كافيا للقول ms081 بأنها تفي بالمعايير ~~العلمية. # وتحديدا، ليس هناك ما يضمن ألا يؤدي استخدام المسلمات إلى القول الباطل، إما ~~أحيانا أو بطريقة ما منتظمة تتخفى خلف مواقف من نوعية موقف المزارع الذي يدعو. وهذه ~~الاحتمالية هي التي دعت راسل لئلا يتوقع إلا أقل القليل من نظرية المعرفة. إذن يجب أن ~~تكون الشكوى هي أن الحجة الواردة في كتاب «المعرفة البشرية» هي عبارة عن اعتراف بالفشل، ~~وذلك في ضوء تراث نظرية المعرفة. لقد طرح ديكارت ومن جاءوا بعده في الفلسفة الحديثة ~~أسئلة عن طبيعة المعرفة وكيف نحصل عليها بدقة، وذلك حتى يتمكنوا من التمييز بين بعض ~~المساعي - الخيمياء والتنجيم والسحر، مثلا - ومساع أخرى - الكيمياء وعلم الفلك والطب، ~~مثلا - والتي لم تختلف فقط من حيث عدد التطبيقات المفيدة حقا التي تقدمها، بل من حيث ~~إطلاعنا على شيء صحيح عن العالم؛ فضلا عن ذلك، تفسر الفكرة الثانية الأولى، وتفسح ~~المجال أمام المزيد من التعمق في كلتا الفكرتين. علاوة على ذلك، ربما تتعرض آراؤنا ~~السابقة المتحيزة ومعتقداتنا الحيوانية للتفنيد في أثناء ذلك، وهو ما يحدث فعلا؛ لأن ~~العالم الذي يصوره العلم يختلف اختلافا ملحوظا عن العالم القائم على المنطق السليم. ~~ولكن راسل يقول في كتاب «المعرفة البشرية» إن منفعة التطبيقات وتلك المعتقدات الحيوانية ~~نفسها هي عوامل التبرير النهائية الوحيدة التي يمكن أن نأمل في تحقيقها في نظرية ~~المعرفة. وهذا يقل كثيرا عما يهدف مشروع نظرية المعرفة إلى تحقيقه عادة، وهو يقل ~~كثيرا عما كان راسل نفسه يأمل في تحقيقه حين بدأ يتولى مهمة وضع نظرية المعرفة قبل ذلك ~~بعقود طويلة. # الفصل الرابع # | السياسة والمجتمع # مقدمة # أسهم راسل إسهاما كبيرا في المناقشات التي دارت حول الأخلاق والسياسة والدين ~~والتعليم وقضايا الحرب والسلام. ولم ير هذه الإسهامات باعتبارها إسهامات فلسفية ~~بالمعنى الضيق للكلمة. فكما يوضح الفصل السابق، كان يرى الفلسفة باعتبارها فرعا فنيا ~~من فروع المعرفة يتناول الأسئلة المجردة التي تعنى بالمنطق والمعرفة والميتافيزيقا. ~~وهذه المناقشات الأخرى في المقابل - في رأيه - عبارة عن قضايا تتعلق بالعاطفة والرأي، ~~وترتبط ms082 بالنواحي العملية للحياة. وقد أقر راسل بإمكانية وجود تحليل للخطاب الأخلاقي ~~والسياسي في إطار صوري؛ أي كدراسة منهجية تتناول منطق الخطابات الأخلاقية والسياسية ~~بدلا من جوهرها؛ ولكن ما كان يهمه هو القضايا العملية والمشكلات الواقعية، خاصة بعد ~~اندلاع الحرب العالمية الأولى. # ومع ذلك تصدى راسل في بعض كتاباته لعرض أساس الأخلاق. لم يكن يحاول صياغة نظرية ~~جديدة، بل اكتفى بوجهات النظر الثانوية التي (بعد أن أصبح اهتمامه بالقضايا العملية ~~اهتماما جديا) كانت تتسم بطابع «نظرية العواقبية»؛ أي إنها كانت ترى أنه يجب الحكم ~~على القيمة الأخلاقية لأفعال الناس والحكومات بالنتائج. وفي الوقت نفسه - وليس على نحو ~~متسق مطلقا - كان يكتب وكأنه كان يؤمن بالقيمة الأخلاقية الجوهرية لأشياء معينة، مثل ~~الخصال الشخصية كالشجاعة والشهامة والأمانة. وقدم كذلك - في بعض كتاباته الأولى - وجهة ~~نظر غير متسقة كذلك مع هذه الآراء، مفادها أن الأحكام الأخلاقية عبارة عن أقوال مضمرة ~~معبرة عن الموقف الذاتي. والمشكلة الأساسية التي واجهت راسل هي كيفية التوفيق بين ~~جانبين متعارضين: من ناحية، الإخلاص لمعتقدات أخلاقية يؤمن بها بثبات وحماس، ومن ~~ناحية أخرى، ما يبدو من انعدام وجود مبررات للحكم الأخلاقي. وازدادت الصعوبة التي ~~تواجهه في تحقيق هذا التوفيق بفعل موقفه المتشكك حول ما إذا كانت المعرفة الأخلاقية ~~موجودة أساسا. # لعل أفضل طريقة لوصف إسهام راسل في المجال الأخلاقي هو القول بأنه كان معلما ~~أخلاقيا معنيا برفع مستوى الأخلاق عند الناس أكثر مما كان فيلسوفا أخلاقيا. وكان ~~شأنه شأن أرسطو من قبله يرى الأخلاق والسياسة مستمرين؛ فلا فارق في النوع بين الحكم ~~الأخلاقي أن الحرب شر والمطلب السياسي لتحقيق السلام؛ من ثم نجد أن فكر راسل عن ~~الأخلاق والسياسة والمجتمع يتسم بالسلاسة والاتساق؛ مما يفسر سبب تناولها معا في ~~أشمل كتبه عن هذه المسائل، وهو كتاب «المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة». # وفي السياسة كان راسل طيلة حياته راديكاليا وليبراليا من دون مغالاة. وبعد الحرب ~~العالمية الأولى أصبح عضوا في حزب العمال وترشح في سباقين انتخابيين كمرشح للحزب. ~~وقد مزق بطاقة ms083 العضوية في ستينيات القرن العشرين في استياء من دعم هارولد ويلسون ~~للحرب التي شنتها أمريكا في فيتنام. ولكنه لم يكن اشتراكيا بالمعنى العتيق للكلمة؛ إذ ~~لم تقنعه الماركسية حين درسها في ألمانيا في تسعينيات القرن التاسع عشر أثناء الإعداد ~~لكتابه الأول: «الديمقراطية الاجتماعية الألمانية» (كانت «الديمقراطية الاجتماعية» تعني ~~الماركسية آنذاك). وكان معارضا بالفطرة للاتجاه للمركزية الذي تنادي به الاشتراكية حسب ~~مفهومها آنذاك - وكانت تلك هي السمة ~~الوحيدة تقريبا للاشتراكية التي طبقت بالكامل في الدول السوفييتية - ولذلك جذبته ~~أكثر الاشتراكية النقابية، وهي شكل لا مركزي من الملكية والسيطرة التعاونية يحكم ~~الناس أنفسهم بموجبه في ظروف - على المستوى المثالي - تدمج حياتهم الاجتماعية ~~والترفيهية والعملية. # شكل 4-1: خاض راسل الانتخابات البرلمانية متبنيا قضية منح حق التصويت للنساء ~~في الانتخابات الفرعية في ويمبلدون عام 1907. # 1 # كان راسل في أفضل حالاته حين انتقد الأحوال الأخلاقية والسياسية المعاصرة. وكانت ~~البدائل الإيجابية التي طرحها تبدو عادة غير مقنعة؛ إذ كانت عادة إما مثالية إلى حد ~~خيالي أو على أقل تقدير - إذا أخذنا بعين الاعتبار الظروف التي قدمها فيها - غير ~~عملية إلى حد ما. ولكن كناقد شديد القسوة لاذع الكلمات، كان في مكانة سقراط وفولتير ~~نفسها. # لا أحد يحتاج إلى عذر أو رخصة للإسهام في المناقشات التي تتناول القضايا المهمة في ~~المجتمع، وهي قضايا السياسة والأخلاق والتعليم. إنه واجب كل مواطن أن يشارك عن معرفة ~~وفهم. إذن فأنشطة راسل في هذه المجالات لا تتطلب أي تبرير. ولكن يوجد سبب وجيه يفسر ~~لماذا تتسم إسهاماته بقوة إقناع معينة. ولم يكن سبب ذلك أنه كان وريثا لتراث جليل ~~تميز به حزب الأحرار البريطاني في المشاركة في الشئون العامة، مع أن هذا بلا شك حفز ~~اهتمامه بالشئون العامة وإحساسه بواجب المشاركة؛ بل كان السبب هو أن اهتمامه وإحساسه ~~بالواجب كان يدعمهما أربع مميزات قيمة: ذكاء نادر، وفصاحة واضحة الأسلوب، ومعرفة واسعة ~~بالتاريخ، وجرأة كبيرة في وجه المعارضة؛ مما جعله مناقشا مهيبا. ولم يبد أسلوبه ~~مفرطا في التذمر وغير ملائم إلا عند ms084 نهاية حياته، حين كان الآخرون من حوله يتحدثون ~~ويكتبون باسمه. # لم تجد بعض أفكاره - مثل الإيمان بالحكومة العالمية - حتى الآن أي دعم يذكر. ~~وساعدت بعض الأفكار الأخرى في تغيير وجه المشهد الاجتماعي في العالم الغربي، كما في ~~مواقفه تجاه الزواج والأخلاق الجنسية، على سبيل المثال. وفي مجالات أخرى أيضا - تتعلق ~~بالدين بالأخص - ساعد راسل على تحرير عقول ~~كثيرة، ولكنه لم يكن ليندهش - عند الأخذ في عين الاعتبار فهمه للطبيعة البشرية - إذا ~~اكتشف أن التفكير الخرافي يزدهر حاليا أكثر مما كان في عصره، وأن المعتقدات ~~الدوجمائية - «الإيمان هو ما أموت من أجله، أما معتقداتي الدوجمائية فهي ما أقتل من ~~أجلها.» - قد عادت بقوة. # الأخلاق النظرية # يتضح من الفكر المبكر لراسل عن الأخلاق أنه كان يؤمن بوجهة النظر الرومانتيكية ~~الهيجلية القائلة بأن الكون خير في حد ذاته وأنه هدف مناسب «للمحبة الفكرية». وكان ~~ماك تاجارت هو من أوحى له بقبول وجهة النظر هذه، ولكنها لم تسيطر عليه لمدة طويلة. ~~وتوضح أول مناقشة جادة للقضايا الأخلاقية يتصدى لها راسل - وعرضها في بحثه المعنون ~~«عناصر الأخلاق» ونشره في عام 1910 - أنه يتبع التعاليم الواردة في كتاب «المبادئ ~~الأخلاقية» من تأليف جي إي مور، ويؤكد فيه مور أن الصلاح خاصية غير قابلة للتعريف وغير ~~قابلة للتحليل ولكنها خاصية موضوعية لوصف الأشياء والأفعال والبشر، وأننا ندرك الصلاح ~~عن طريق فعل قائم على حدس أخلاقي مباشر. كان مور يؤمن بشكل من أشكال مذهب النفعية، ~~ويمكن إيجازه بأنه وجهة النظر القائلة بأن الصواب الذي نفعله في أي حالة معينة هو أي ~~فعل من شأنه أن يؤدي إلى زيادة نسبة الخير على الشر في تلك الحالة. وأثرت آراء مور في ~~أعضاء جماعة بلومزبري، وخصوصا في تعزيز الفكرة الجذابة القائلة بأن الصداقة والاستمتاع ~~بالجمال هما أسمى القيم الأخلاقية. (ادعى الخبثاء ممن انتقدوا الفكرة أن أعضاء جماعة ~~بلومزبري أعجبتهم وجهة النظر هذه لأنها أتاحت لهم فرصة التوفير - إذا جاز التعبير - بأن ~~يكون لديهم أصدقاء يتميزون بالجمال.) # تطرح الصعوبات نفسها على الفور ms085 فيما يتصل بوجهة النظر النفعية. ومن بين هذه الصعوبات ~~أنه يتعذر علينا معرفة العواقب المترتبة على التصرف بطريقة معينة بدلا من طريقة أخرى؛ ~~ومن ثم قد نتسبب دون قصد في عواقب سيئة كنتيجة للتفكير المضطرب أو الأفكار ~~الحدسية الكاذبة. ويقر راسل بهذا في رؤيته لوجهة نظر مور، ولكنه يؤكد أننا نكون قد ~~تصرفنا تصرفا صحيحا حين نشعر بالرضا؛ لأننا أمعنا التفكير في الأمور بعناية، وبذلنا ~~كل ما في وسعنا باستخدام المعلومات المتاحة. ومع ذلك، الادعاء بأن الصلاح أمر موضوعي ~~هو أمر مختلف، ولم يستطع راسل أن يشعر بالرضا عن وجهة النظر هذه لمدة طويلة، فمع أنها ~~- إن شئنا الدقة - ربما يتعذر دحضها، فلا يمكن إثبات صحتها كذلك، وخصوصا في مواجهة ~~شخص يختلف بلا مواربة مع الفكرة الحدسية التي أعلنها غيره، والقائلة بأن الصلاح موجود ~~في فعل بعينه أو موقف بعينه. # دفعت هذه الصعوبة راسل إلى اتخاذ وجهة النظر - التي عبر عنها في كتاب «موجز ~~للفلسفة» (1927) - القائلة بأن الأحكام الأخلاقية ليست موضوعية - بمعنى أنها ليست صحيحة ~~ولا كاذبة - بل إنها جمل دالة على أمر أو جمل دالة على التمني أو جمل دالة على ~~الموقف. والجملة الدالة على الأمر هي أمر، مثل «لا تكذب.» والجملة الدالة على التمني ~~عبارة عن خيار أو أمنية - كما يختار المرء شيئا بدلا من شيء آخر - في الحالة ~~الأخلاقية ترمز إليها جملة «ليت لا أحد يكذب.» أما جملة «أرفض الكذب» فهي قول معبر عن ~~موقف قائلها من الكذب. ومن الواضح أن الجمل الدالة على الأمر والجمل الدالة على ~~التمني تفتقر إلى قيمة الصواب. ومع أن الأمر يكون بخلاف ذلك فيما يتعلق بالأقوال ~~المعبرة عن الموقف، فهذا فقط لأنها عبارة عن أوصاف للحقيقة النفسية ذات الصلة الخاصة ~~بقائليها؛ فلا يقال شيء صادق أو كاذب عن القيمة الأخلاقية للكذب، فما يقال يتعلق فقط ~~برأي القائل في الكذب. # ربما يطلق على هذا الرأي - في مقابل «الموضوعية» التي كان يؤمن بها مور - ~~«الذاتانية». وهذا المذهب يتسم بمشكلات جسيمة هو الآخر، وأهمها ms086 أنه منفر بدرجة كبيرة. ~~فلنتأمل مثلا جريمة المحرقة النازية. فمن غير المقبول القول بأن مبرر المرء للحكم أن ~~المحرقة النازية شر هو أنه يستنكرها فقط. شعر راسل بهذه الصعوبة بشدة؛ ولذلك حاول في ~~مناقشته الأخيرة والمستفيضة لهذه القضايا (في كتاب «المجتمع البشري في الأخلاق ~~والسياسة») أن يصل إلى موقف يمثل حلا وسطا بين الموضوعية والذاتانية يحتفظ بالمميزات ~~ولكن يتجنب الصعوبات الموجودة في وجهتي النظر كلتيهما. # ويؤكد راسل في كتاب «المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة» أن الأحكام الأخلاقية هي في ~~الواقع تتعلق بخير المجتمع وأفراده. وهذه الأحكام تشمل أو تعبر عن الشعور السائد إلى ~~حد ما في مجتمع معين حيال ما يصب عموما في مصلحة الجميع. وهذا موضوع من الممكن أن ~~تدور حوله مناقشة عاقلة بناء على فهم علمي أو على الأقل منطقي للعالم. وكثيرا ما ~~كاد راسل يفقد هذا الإيمان بإمكانية الحلول المنطقية للمعضلات الأخلاقية حين كان يتأمل ~~حماقة الإنسان، ولكنه مع ذلك ظل يتمسك به. # يقول راسل إن البيانات الأساسية للأخلاق هي المشاعر والانفعالات. ووفقا لذلك فإن ~~الأحكام الأخلاقية هي عبارة عن مشاعر متخفية تعبر عن آمالنا أو مخاوفنا أو رغباتنا أو ~~الأشياء التي نكرهها؛ فنحن نحكم على الأشياء بأنها صالحة حين تلبي رغباتنا؛ ومن ثم ~~فإن الخير العام - أي خير المجتمع ككل - يكمن في تلبية الرغبة تلبية كاملة، بصرف ~~النظر عمن يتمتع بها. وعلى المنوال نفسه يكمن خير أي قسم من المجتمع في تلبية رغبات ~~أفراده تلبية كاملة، ويكمن خير الفرد في تلبية رغباته الشخصية. وعلى هذا الأساس يمكن ~~تعريف التصرف الصائب بالقول إنه أي شيء - في أي مناسبة معينة - من المرجح أن يؤدي إلى ~~الخير العام (أو إذا كان يتعلق بفرد واحد فحسب، خير الفرد)؛ وهذا بدوره يمنحنا تفسيرا ~~للواجب الأخلاقي، فكرة أنه يوجد أشياء «يجب» أن يفعلها المرء؛ وهو أنه يجب على المرء أن ~~يفعل التصرف الصائب حسب هذا الفهم (المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، ص25، 51، 60، ~~72). # يقر راسل بالطبع بوجود مشكلات في هذا الوصف، ويناقش عددا ms087 منها. فعلى سبيل المثال: ~~يتسبب تعريف «الخير» بأنه «تلبية للرغبة» في توجيه انتقاد منطقي بأن بعض الرغبات شر، ~~وأن تلبيتها شر أسوأ. ويتأمل راسل مثال القسوة. هل من الممكن أن يكون من الخير أن يتمنى ~~شخص ما أن يتسبب في معاناة شخص آخر؟ وأليس من الأسوأ أن ينجح في تنفيذ أمنيته؟ يقول ~~راسل إن تعريفه لا يقتضي ضمنا أن مثل هذه المواقف من قبيل الخير؛ أولا: لأن ذلك يتضمن ~~إحباط رغبات الضحية؛ لأن الضحية بالطبع ترغب في تجنب المعاناة على أيدي المتسبب ~~فيها، وثانيا: لأن المجتمع ككل لا يريد عموما أن يقع أفراده ضحايا للقسوة، وسيؤدي ~~ذلك إلى إحباط رغباته أيضا في هذا الصدد؛ ومن ثم سيؤدي ذلك إلى زيادة هائلة في ~~الرغبات غير المحققة عند ارتكاب فعل يتسم بالقسوة؛ مما يجعل ذلك الفعل سيئا. # ومن الصعوبات الأخرى التي يتسم بها الوصف الذي يقدمه راسل أن الرغبات قد تتعارض. ~~ويجيب راسل عن ذلك بقوله إن هذا يتطلب منا أن نختار الرغبات التي يقل احتمال ~~تنافسها بعضها مع بعض. ويستعير راسل مصطلحا فنيا من لايبنتس، فيطلق على الاتساق بين ~~الرغبات أنه «التوافق» بينها. إذن يمكن تعريف الرغبات الصالحة والسيئة على أنها ~~الرغبات المتوافقة - بالترتيب - مع أكبر عدد وأقل عدد ممكن من الرغبات الأخرى. # يخصص راسل فصلا يناقش فيه السؤال المتعلق بما إذا كانت الأحكام مثل «القسوة خاطئة» ~~ليست إلا تعبيرات متخفية تعبر عن موقف ذاتي. وكما سبق وذكرنا، هذا السؤال مهم، وقد أزعج ~~راسل بشدة. وتوصل راسل إلى ما قد يطلق عليه إجابته المبنية على علم الاجتماع - أن ~~القيمة الأخلاقية هي نتاج نوع من الإجماع الاجتماعي - بعد دراسة في الاحتمالات ~~البديلة التي تقدمها المناقشة الأخلاقية. # من الممكن عرض المشكلة بأن نذكر أن الاختلاف الأساسي بين الخطاب الواقعي العادي ~~والخطاب الأخلاقي يكمن في وجود مصطلحات مثل «يجب» و«الخير» ومرادفاتها في الخطاب ~~الأخلاقي. هل هذه المصطلحات جزء من «المفردات الأساسية» للأخلاق، بمعنى أنها غير قابلة ~~للتعريف وأساسية لأي فهم للمفاهيم الأخلاقية؟ أم هل ms088 يمكن تعريفها في إطار شيء آخر، ~~كالمشاعر والانفعالات مثلا؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب عن السؤال الأخير، فهل العواطف ~~التي نحن بصددها هي عواطف الفرد الذي يصدر حكما أخلاقيا؟ أم لها مرجعية أشمل، تعود ~~إلى الرغبات والمشاعر البشرية؟ (المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، ص110-111). # يذكر راسل أثناء مناقشة هذه الأسئلة أنه عند دراسة الخلافات الأخلاقية المتعلقة بما ~~يجب فعله في حالة معينة، نجد أن الكثير من تلك الخلافات ينشأ من النزاع حول النتيجة ~~التي ستنشأ من هذا الخيار أو ذاك. ويثبت هذا أن التقييمات الأخلاقية تعتمد على تقديرات ~~النتائج، وأنه لذلك يمكننا تعريف «يجب» بالقول إنه يجب تنفيذ فعل ما - من بين كل ~~الأفعال الممكنة في تلك الحالة - إذا كان هو الفعل الذي من المرجح أن يؤدي إلى أكبر ~~قدر من «القيمة الجوهرية» (وهو تعبير يستخدمه راسل كبديل أدق عن كلمة ~~«الخير»). # هل «القيمة الجوهرية» قابلة للتعريف؟ ~~يعتقد راسل أنها كذلك؛ إذ يقول: «حين ندرس الأشياء التي نميل لأن نرى فيها قيمة جوهرية ~~نجد أنها هي كل الأشياء التي نرغب فيها أو نستمتع بها؛ فمن الصعب أن نصدق أن أي شيء من ~~الممكن أن يحمل قيمة جوهرية في كون مجرد من الوعي الأولي. ويوحي ذلك بأن «القيمة ~~الجوهرية» قد تكون قابلة للتعريف في إطار الرغبة أو المتعة أو كلتيهما» (المجتمع البشري ~~في الأخلاق والسياسة، ص113). وما دام يتعذر أن تكون كل الرغبات ذات قيمة جوهرية لأن ~~الرغبات تتعارض، ينقح راسل المفهوم بحيث تفهم القيمة الجوهرية باعتبارها سمة ل «حالات ~~مزاجية» يرغب فيها من يتعرضون لها. # وبهذا التعديل يقدم راسل الموجز الآتي لوجهة نظره. إن استحساننا أو استقباحنا ~~لأفعال معينة عادة ما يتوقف على العواقب التي نعتقد أنه من المرجح أن تنتج عنها. ~~ونسمي عواقب الأفعال التي نوافق عليها «صالحة»، ونسمي العواقب التي نرفضها «سيئة». ~~ونسمي الأفعال نفسها «صائبة» و«خاطئة» بالترتيب. وما «يجب» أن نفعله هو كل فعل صحيح في ~~هذه الحالة، بمعنى كل ما من شأنه أن يؤدي إلى زيادة نسبة ms089 الخير. # ومن بين هذه النقاط تحمل النقطة الأولى القدر الأكبر من الأهمية. إذا كان التقييم ~~الأخلاقي مسألة تعتمد على ما يوافق عليه الناس وما يرفضونه، أفلسنا عالقين في ~~المعضلة الذاتانية، دون أسس منطقية لتوريط أنفسنا في خطأ العنصرية والتعصب والقسوة ~~وغيرها؟ وإجابة راسل هي أنه في واقع الأمر يوافق الناس موافقة واسعة الانتشار على كل ~~ما هو مرغوب. ويتفق مع هنري سيدجويك في أن الأفعال التي عادة ما يوافق عليها الناس هي ~~الأفعال التي تؤدي إلى أكبر قدر من السعادة أو المتع. وإذا كان هذا يشمل تلبية ~~الاهتمامات الفكرية والجمالية («إذا اقتنعنا فعلا بأن الخنازير أسعد من البشر، فلا ~~ينبغي لذلك السبب أن نرحب بالخدمات التي قدمتها الساحرة سيرسي التي جاء ذكرها في ~~الأساطير الإغريقية.» فبعض المتع مفضلة «فطريا» عن غيرها)، يصبح لدينا وسيلة للإفلات ~~من الذاتانية؛ إذ إن وجهة النظر هذه تمنحنا إفادات عما يجب فعله، وهي ليست جملا دالة ~~على التمني أو أوامر متخفية؛ ومن ثم تحمل قيمة صواب؛ ولكنها تستند إلى وقائع تتعلق ~~بمشاعرنا وبتلبية رغباتنا؛ فالوقائع المتعلقة بمشاعرنا هي أساس تعريف «الصواب» ~~و«الخطأ»، والوقائع المتعلقة بتلبية رغباتنا هي أساس تعريف «القيمة الجوهرية». وهكذا ~~يحقق راسل نجاحا في صياغة موقف وسيط يقع بين الموضوعية والذاتانية، ويحمل نجاحه - في ~~الوقت نفسه - شهادة معتمدة عملية على نحو دقيق إلى حد ما؛ إذ يوفر سبيلا ليس فقط ~~لتقييم الأفعال من النوع الذي يكون عادة محل خلاف في المناقشات الأخلاقية، بل كذلك ~~العادات الاجتماعية والقوانين والسياسات الحكومية. # بالرغم من تفاؤل راسل حيال وجهة النظر هذه، فهي تتضمن عددا من الصعوبات؛ إذ تقول في ~~الواقع إن أساس التقييم هو إجماع الرغبات. ولكن هذا معناه أنه إذا كانت الأكثرية في ~~مجتمع معين مستاءة من المثلية الجنسية - مثلا - فإن المثلية الجنسية إذن تعد ~~سيئة، فيما إذا كانت الأكثرية في مجتمع أكثر تسامحا يسري فيه إجماع مختلف، فلن تكون ~~المثلية الجنسية سيئة. هل النسبية الأخلاقية من هذه الدرجة جديرة بالتصديق؟ وتتصل هذه ~~الصعوبة بصعوبة أخرى، ms090 وهي أنه ما دامت قيمة العواقب تقاس بقدر الرغبات التي تلبيها، ~~فإن درجة الشر التي تتسم بها المحرقة النازية تصبح نتيجة متوقفة على درجة تفوق نسبة ~~إحباط رغبات ضحايا النازيين ورغبات السواد الأعظم من سكان العالم - ممن قد لا يريدون أن ~~يشيع القتل الجماعي (ربما تحسبا لاحتمال أن يقعوا هم ضحايا له) - على نسبة تلبية رغبات ~~النازيين. وكان راسل نفسه يشعر بوجود شيء أكثر إقناعا يكمن خلف الهلع الأخلاقي الذي ~~نشعر به حيال المحرقة النازية، ولكن مبادئه لا تشرحه. # إن أي قدر من الإلمام بالمناقشات المتعلقة بالأخلاق يوضح أن جهود راسل في هذا المجال ~~سطحية؛ فحتى في كتاب «المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة» تتسم المناقشة بطابع نصحي ~~أكثر منه فلسفيا. ويقوم كتاب «المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة» على عموميات ~~سيكولوجية شاملة، ولا يحتوي إلا على إشارة واحدة عن الدقة، وهدف الكتاب هو إقناعنا ~~بقبول منهج عملي للتقييم الأخلاقي بدلا من تقديم الأخلاق مدعمة بأساس نظري. ويعود ~~جزء من سبب ذلك - كما ذكر فيما سبق - إلى أن راسل لم يكن يعتقد أنه يمكن تطبيق الدقة ~~على مناقشة الأخلاق؛ فكان من المقرر في البداية أن تكون الفصول التي تتناول الأخلاق في ~~كتاب «المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة» عبارة عن تكملة لكتاب «المعرفة البشرية»، ~~ولكنه لم يدرجها في الكتاب، لعدم رضاه عنها، ولم ينشرها - مدعمة بفصول عن المسائل ~~السياسية - إلا بعد أن قرر أخيرا أنه لم يستطع عرض الحجج التي تحتويها عرضا منهجيا ~~أكثر. ولكنه لم يشك من ذلك؛ فهدفه الأساسي من الأخلاق - كما هي الحال بخصوص كل المسائل ~~الاجتماعية التي تصدى لها - كان على كل هو الجدل. كان يتمنى أن يكون مؤثرا في ~~طريقة حياة الناس، وكان راضيا لتوريط نفسه في مجال الدفاع عن قضايا معينة والإقناع ~~لبلوغ تلك الغاية. # المثل الأخلاقية العملية # نال راسل جائزة نوبل في فرع الآداب، وكان الكتاب الذي ورد في حيثيات نيل الجائزة هو ~~كتاب «الزواج والأخلاق». ألف راسل الكثير عن المسائل المتعلقة بالمثل الأخلاقية ~~العملية، ونجد ms091 بعض أفضل ما ألفه في هذا المجال في عشرات المقالات القصيرة التي كان ~~يكتبها للصحف، وأهمها المقالات التي نشرتها دار نشر هيرست بريس في أمريكا إبان أوائل ~~الثلاثينيات من القرن العشرين. وفي هذه المقالات (دائما ما كانت لا تزيد عن 750 كلمة، ~~حسبما يتطلب حجم العمود المخصص لها في صفحة الجريدة) يمنحنا راسل انطباعا بأنه سريع ~~الملاحظة ومتسامح وعطوف ومتعقل، ولم يكن يسبق عصره فقط، بل وعصرنا نحن أيضا في الكثير ~~من المسائل. # فلنأخذ مثلا مقاله «عن اللباقة». يقول في هذا المقال إننا نخصص للباقة والصدق ~~مكانين منفصلين تماما، ولكن يأتي هذا على حساب أمر آخر: # كنت أمر أحيانا بجوار أطفال يلعبون في الحديقة العامة، فأسمعهم يقولون ~~بصوت عال واضح: «ماما، من ذلك العجوز المضحك؟» فأسمع من يرد بصوت هامس ~~مرتاع: «اسكت! اسكت!» فيدرك الأطفال إدراكا مبهما أنهم ارتكبوا شيئا خاطئا، ~~ولكنهم يعجزون تماما عن تصور كنه ذلك الخطأ. يتلقى كل الأطفال من آن إلى ~~آخر هدايا لا تعجبهم ويلقنهم آباؤهم أنه يجب أن يبدو عليهم وكأنهم فرحوا ~~بالهدايا. وحين يأمرونهم كذلك بأنه يجب عليهم ألا يكذبوا، يؤدي ذلك إلى تشوش ~~أخلاقي. ~~(«عن اللباقة»، في كتاب «البشر وغيرهم» (ألين وأنوين، 1975) ص158) # تتحدث هذه الفقرة عن التربية القائمة على اللباقة. ويقول راسل إن اللباقة من الفضائل ~~يقينا، ولكن لا يفصلها عن النفاق إلا خيط رفيع للغاية. ويتوقف الفارق بينهما على ~~الدافع. فإذا كان العطف يدفعنا لإرضاء شخص ما في ظروف قد تؤدي الفظاظة فيها إلى ~~إزعاجه، تصبح اللباقة ملائمة؛ ولكنها تصبح أقل لطفا حين يكون الدافع هو الخوف من ~~الإساءة، أو الرغبة في الحصول على ميزة بالتملق. ولا تعجب اللباقة من يتسمون بالجدية ~~الشديدة؛ فحين زار بيتهوفن جوته في مدينة فايمار صعق حين رآه يتصرف بأدب مع مجموعة من ~~المتملقين الحمقى. إن من يواظبون على الصدق ولا يكذبون قط بدافع التهذيب عادة ما ~~يحظون بالتقدير، ولكن يقول راسل إن هذا سببه أن الصادقين الحقيقيين مجردون من الحسد ~~والحقد والتفاهة. «معظمنا يدخل ms092 في تكوينه شيء من هذه الرذائل؛ ولذلك علينا أن نستخدم ~~اللباقة لتجنب الإساءة للغير. وليس من الممكن أن نصبح جميعا من القديسين، وإذا كان ~~بلوغ مرتبة القديسين أمرا مستحيلا، فلنا أن نحاول على الأقل أن نتجنب أن نكون سيئي ~~الطبع.» # شكل 4-2: فاز راسل بجائزة نوبل في عام 1950، ويظهر هنا وهو يتسلمها من ملك ~~السويد. # 2 # ربما تبدو هذه مادة سطحية واهية، ولكنها تتسم بالأثر العميق، وتطرح نقاطا جديرة ~~بالدراسة والتأمل؛ فكتابات راسل الصحفية عن المسائل الاجتماعية ذات طابع ممتع ومسل ~~ومثقف، وهو ما تميز به. # ويتناول كتاب «الزواج والأخلاق» مسائل أكبر وأكثر إلحاحا؛ فهو يركز على الجنس ~~والحياة الأسرية. ومن وجهة نظر راسل، للمثل الأخلاقية الجنسية مصدران أساسيان: رغبة ~~الرجال في التيقن من أنهم حقا آباء الأطفال الذين تلدهم زوجاتهم، والاعتقاد الديني ~~بأن الجنس آثم. كان راسل مستعدا دائما لتلقي الإرشاد من العلم في عصره، وفي هذه ~~الحالة لجأ إلى علم البيولوجيا (الأحياء) للبحث عن تفسير لأصول تلك العادة. وقد دفعه ~~علم الأحياء إلى الاعتقاد بأن المثل الأخلاقية الجنسية في العصور القديمة كان الغرض ~~البيولوجي منها هو توفير حماية الأبوين لكل طفل، وهو دافع يحرص راسل على الموافقة على ~~أنه دافع وجيه. ويقول إن الكثير من الضغوط تهدد الحياة الأسرية في العصر الحديث ويجب ~~التصدي لها؛ فالأطفال بحاجة إلى عاطفة كلا الأبوين؛ أما البديل المتمثل في ترك تنشئة ~~الأطفال جزئيا أو حتى كليا للدولة - كما تمنى أفلاطون - فليس مستحسنا؛ فإذا ~~تولت الدولة تنشئة الأطفال، فسينتج عن ذلك قدر مفرط من التماثل، وربما قدر مفرط من ~~القسوة؛ ومن الممكن استغلال الأطفال الذين يربون بهذه الطريقة ليصيروا أتباعا ~~مخلصين لمروجي الدعاية السياسية ومثيري الفتنة والاضطرابات. # ولكن فيما يتصل بالمثل الأخلاقية الجنسية - من وجهة نظر راسل - فالاتجاه الحديث نحو ~~زيادة حرية التعبير والسلوك أمر طيب؛ فالآراء الأكثر تحررا تنشأ من تراخي قبضة المثل ~~الأخلاقية التقليدية، ولا سيما المثل الأخلاقية الدينية؛ ويصبح السلوك الأكثر تحررا ~~ممكنا بفعل التطورات التي حدثت بخصوص منع الحمل؛ ms093 مما وضع النساء على قدم المساواة مع ~~الرجال من حيث التحكم في حياتهن الجنسية. # في رأي راسل، تسببت العقيدة القائلة بأن الجنس آثم في ضرر فادح، ويبدأ الضرر في ~~الطفولة ويستمر حتى النضج في صورة النواهي وما تسببه من ضغوط. يؤدي كبت الدوافع الجنسية ~~إلى تسبب المثل الأخلاقية التقليدية في إفساد أنواع الشعور الودي الأخرى أيضا؛ مما ~~يجعل الناس أقل تسامحا وعطفا، وأكثر ميلا إلى القسوة والأنانية. لا بد بالطبع من أن ~~يحكم الجنس مبدأ أخلاقي، كما هي الحال مع التجارة أو الرياضة، ولكن لا ينبغي أن ~~يقوم «على محظورات عتيقة يعرضها غير المتعلمين في مجتمع يختلف تماما عن مجتمعنا»، ~~ويقصد راسل بهذا تعاليم آباء الكنيسة القدماء. «ففي الجنس، كما هي الحال في الاقتصاد ~~والسياسة، ما زال مبدؤنا الأخلاقي تهيمن عليه المخاوف التي جعلتها الاكتشافات الحديثة ~~غير منطقية» (الزواج والأخلاق، ص196-197). # لا بد من مثل أخلاقية جديدة قوامها رفض المذهب البيوريتاني المتزمت، على أن تبنى ~~على الاعتقاد بضرورة تدريب الغريزة وليس التصدي لها. ولا ينطوي الموقف الأكثر تحررا ~~تجاه الحياة الجنسية على أنه من المسموح لنا أن نطيع دوافعنا ونتصرف كما نشاء؛ وذلك ~~لأنه لا بد من وجود اتساق في الحياة، ومن بين أهم جهودنا المفيدة الجهود الموجهة نحو ~~الأهداف الطويلة المدى؛ مما يقتضي تأجيل المتع القصيرة المدى. أيضا، لا بد من مراعاة ~~الآخرين و«قواعد الاستقامة». ولكن ضبط النفس - كما يؤكد راسل - ليس غاية في حد ذاته، ~~وينبغي أن تضمن الأعراف الأخلاقية أن تكون ضرورة اللجوء إليه في حدها الأدنى لا الأقصى. ~~ومن الممكن اللجوء إلى ضبط النفس إلى الحد الأدنى في حالة حسن توجيه الغرائز بدءا من ~~الطفولة وإلى المراحل التي تليها. ولأن الغرائز الجنسية قوية للغاية، فإن دعاة علم ~~الأخلاق التقليديين يرون أنه لا بد من كبحها بشدة في الطفولة، خوفا من أن تصير ~~فوضوية وبذيئة. ولكن لا يمكن أن تبنى حياة رغدة على المخاوف والمحظورات. # ومن ثم، فإن المبادئ العامة التي يعتقد راسل بأن المثل الأخلاقية الجنسية ms094 يجب أن ~~تقوم عليها بسيطة وقليلة. أولا: ينبغي أن تقوم العلاقات الجنسية «بقدر الإمكان على تلك ~~المحبة العميقة الجادة بين الرجل والمرأة التي تشمل الشخصية الكاملة لكل منهما، وتؤدي ~~إلى اندماج يثري كلا منهما». وثانيا: إذا نتج أطفال عن تلك العلاقات، ينبغي رعايتهم ~~بدنيا ونفسيا على نحو مناسب. ويعلق راسل متهكما بأن أيا من هذين المبدأين ليس ~~شديد الفظاعة؛ إذ يدرك الخزي الذي لحق به لما عرف عنه من زنا وطلاق ومساكنة دون زواج ~~وبسبب لا مبالاته بإخفاء كل ذلك عن العيون، وكانت كلها سلوكيات فاضحة إلى حد فادح ~~آنذاك. ولكن المبدأين معا يعنيان ضمنا أن مجموعة القوانين الأخلاقية التقليدية قد ~~طرأت عليها تعديلات مهمة معينة. # أحد هذه التعديلات هو أنها تسمح بدرجة مما يطلق عليه عادة «الخيانة». فإذا لم ينشأ ~~الناس وهم يرون أن الجنس تقيده المحرمات، وإذا لم تكن الغيرة تحمل موافقة المعلمين ~~المعنيين بعلم الأخلاق، لاستطاع الناس أن يتعاملوا بعضهم مع بعض بمزيد من الإخلاص ~~والتسامح؛ فالغيرة تدفع الحبيبين إلى حبس كل منهما للآخر في سجن مشترك، وكأنها منحت ~~كلا منهما حقا في السيطرة على كيان الآخر واحتياجاته. كتب راسل يقول: «لا ينبغي ~~تناول الخيانة على أنها أمر فظيع.» إذ إن وجود «ثقة في القوة المطلقة لعاطفة عميقة ~~ودائمة» هو رابطة أفضل بكثير من الغيرة (الزواج والأخلاق، ص200-201). ويؤكد راسل في ~~مواضع أخرى أنه لا يوجد مبرر للاعتراض على الزواج المفتوح - كما يطلق أحيانا على ذلك ~~النظام - بشرط ألا تنجب المرأة أطفالا من عشيق وتتوقع أن يربيهم زوجها. وقد انتهى ~~زواجه هو ودورا جزئيا بسبب هذه المشكلة. # ويختتم راسل كتاب «الزواج والأخلاق» بالقول إن المبدأ الذي يقدمه ~~- رغم هذه التعليقات التي تتناول الخيانة ~~- ليس مبدأ يقوم على الفسق؛ فهو يشمل حقا قدر ضبط النفس عينه تقريبا الذي تطالب به ~~المثل الأخلاقية التقليدية، والفارق الملحوظ هو أن ممارسة ضبط النفس تكون بالامتناع عن ~~التدخل في حرية الآخرين بدلا من كبت حريتنا نحن. وكتب راسل يقول: «من المأمول - في ms095 ~~رأيي - أنه عن طريق التعليم المناسب من البداية يصبح هذا الاحترام للهوية الشخصية وحرية ~~الآخرين سهلا بعض الشيء؛ ولكن من وجهة نظر من نشأ منا وهو يرى أنه يحق لنا أن نعترض ~~على تصرفات الآخرين باسم الفضيلة، فلا شك أنه من الصعب الامتناع عن ممارسة هذا النوع ~~المحبب من الاضطهاد.» إن جوهر الزواج الناجح هو الاحترام المتبادل والألفة العميقة؛ ~~فعند وجود هذه العناصر، يصبح الحب الحقيقي بين الرجل والمرأة هو «أكثر تجربة مثمرة من ~~بين كل التجارب الإنسانية»؛ وهذا هو الهدف الذي ينبغي أن يشجعه كل من يتأملون في الزواج ~~والأخلاق (الزواج والأخلاق، ص202-203). # وقد شعر الكثيرون آنذاك بأن آراء راسل شائنة إلى حد مروع. وتسبب كتاب «الزواج ~~والأخلاق» في فقدانه وظيفته في نيويورك في عام 1940 (مع أنه أدى إلى فوزه بجائزة نوبل ~~بعد ذلك بعشر سنوات - كما ذكر آنفا - وهو ما يوضح كيف من الممكن أن تكون الحياة ~~متقلبة وغير متوقعة)، وأوحى الكتاب - وكذلك سمعته بحب صحبة النساء - إلى الكثيرين للربط ~~بينه وبين شخصية الرجل الشهواني. ولكن ربما يمكن أن نذكر نقطتين عن هذه الآراء؛ أولاهما ~~هي ما تتسم به من عقلانية هادئة ومتسامحة، والأخرى هي أن آراءه لم تنشأ من فراغ؛ فهي في ~~الواقع تعبر عن موقف يشاركه فيه طليعة المثقفين اليساريين إبان عشرينيات القرن العشرين ~~وثلاثينياته؛ إذ كانوا يرون أن حرية العلاقات الجنسية ورفض الغيرة الجنسية بمنزلة ~~مبادئ غير مكتوبة. كان راسل يمتلك الشجاعة والفصاحة المنطقية الجازمة، وهو ما يلزم ~~للدفاع عن هذه الأفكار أملا في تغيير وجه مجال من مجالات الحياة في أمس الحاجة إلى ~~ذلك. ومع التغير الجذري الذي طرأ على الاتجاهات والعادات بعد ذلك بجيل - الذي أسهم فيه ~~جزئيا نشاط راسل - فإن حججه ما زالت تستحق القراءة كعلاج فعال ضد الرجعية. # كثيرا ما تتكرر في آراء راسل عن العلاقات الإنسانية ثلاثة موضوعات؛ أولها: هو ضرر ~~الدين، والثاني: هو ضرورة التعليم الجيد، والثالث: هو الحرية الفردية. وكل منها عبارة ~~عن فكرة رئيسة ثابتة في ms096 فكر راسل الاجتماعي، وقد أولى راسل كلا منها اهتماما كبيرا. ~~وسأعرض لهذه الموضوعات بالترتيب. # الدين # يفاجأ الناس حين يعلمون أن راسل لم يكن ملحدا؛ إذ كان بالأحرى لاأدريا. وقد دفعه ~~الثبات على المبدأ إلى قبول «الاحتمال» القائل بأنه ربما يكون للكون إله، ولكنه كان ~~يعتقد أن وجود شيء من هذا القبيل مستبعد للغاية، وأنه لو كان يوجد شيء من هذا القبيل - ~~خاصة إذا كان أقرب إلى فكرة الله في المعتقد التقليدي للمسيحية - لكان النفور ~~الأخلاقي للكون أكبر مما هو عليه؛ لأنه في تلك الحالة سنضطر إلى قبول فكرة أن ~~كيانا قادرا على كل شيء يسمح - أو يشاء - بوجود الشر الطبيعي والأخلاقي في العالم ~~(«الشر الطبيعي» يعني المرض والكوارث مثل الزلازل والبراكين، وما شابه). ومن وجهة نظر ~~راسل، ينبغي أن تكفي زيارة واحدة إلى عنابر أي مستشفى للأطفال لتجعلنا نشعر إما بأنه ~~من غير المحتمل وجود إله، أو أنه إذا كان يوجد إله فعلا، فإنه قاس. # سئل راسل ذات مرة في واقعة شهيرة عما عساه أن يفعل إذا اكتشف عند موته أن الله ~~موجود على كل؛ فرد أنه سيلوم الله لأنه لم يقدم أدلة كافية على وجوده. وسئل كذلك عن ~~رأيه في «رهان باسكال»، وهو الرأي القائل بأننا ينبغي أن نؤمن بالله حتى لو كانت أدلة ~~وجوده واهية للغاية، لأن فائدة الإيمان بالله - في حالة وجود الله - تفوق بكثير ~~الخسارة في حالة عدم وجوده. ورد راسل بأنه إذا كان الله موجودا لاستحسن موقف غير ~~المؤمنين لأنهم استخدموا عقولهم ووجدوا أن الأدلة التي تدعم الإيمان غير كافية. # وكان من الأساليب التي درج راسل على استخدامها رفض قبول أي قضية إلا في حالة وجود ~~سبب وجيه يقنعه بذلك. ومن أهم أركان الحجة المستخدمة في اللاهوت الطبيعي لدعم قضية وجود ~~الله («اللاهوت الطبيعي» معناه مناقشة مفهوم الإله بمعزل عن أي وحي معين ورد في كتب ~~مقدسة أو تجربة صوفية) مجموعة معروفة من «البراهين على وجود الله». وقد ناقش راسل هذه ~~البراهين في كتابه «لماذا ms097 لست مسيحيا؟» (نشر في عام 1957، وكان عبارة عن مجموعة ~~محاضرات ألقاها للمرة الأولى في عام 1927). # أحد هذه البراهين هو حجة السبب الأول، وتقول بأن لكل شيء سببا؛ إذن لا بد من وجود ~~سبب أول. ولكن هذه الحجة - كما يقول راسل - متناقضة مع نفسها؛ لأنه إذا كان لكل شيء سبب ~~فكيف يمكن أن يكون السبب الأول بلا مسبب؟ حسب بعض وجهات النظر، فإن الله هو السبب ~~المسبب بذاته (حسب أرسطو، المحرك بذاته)، ولكن هذا المفهوم غير مترابط، وإذا دل على ~~شيء ممكن، إذن فإما يكون مبدأ السببية الكلية الذي تستند إليه الحجة بأكملها مبدأ ~~باطلا إذا اتضح أنه لا بد أن تكون الأسباب غير نتائجها (كما يوحي المبدأ فعلا فيما ~~يبدو)، أو إذا كان من المحتمل أن تكون الأسباب هي مسبباتها نفسها، فلماذا يكون من ~~المحتمل وجود سبب واحد فقط؟ # وتوجد حجة ثانية تستنتج من مظاهر التدبير في الكون نتيجة مفادها أنه لا بد من وجود ~~مدبر. ولكن من ناحية، مظاهر الخلق في الأشياء تعللها على نحو أفضل نظرية التطور، ~~وهي نظرية لا تتضمن كيانات إضافية في الكون، وتتفق مع البيانات التجريبية؛ ومن ناحية ~~أخرى، لا يوجد على أي حال أي أدلة على وجود تدبير «كلي» في العالم؛ حيث توحي الوقائع - ~~باتساق مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يخبرنا بأن العالم يتحلل في حقيقة ~~الأمر - بعكس ذلك تماما. # لدينا أيضا حجة ثالثة تقول إنه لا بد من وجود إله كي يوجد مبرر للمثل الأخلاقية. ~~ومع ذلك، فهذه الحجة لا تفيد؛ لأنه كما يؤكد راسل في مكان آخر بإيجاز، قائلا: «لطالما ~~لقننا علماء اللاهوت أن الأحكام التي يقدرها الله خير، وأنه لا سبيل لإنكار صحة ~~هذه الحقيقة؛ إذ يترتب على ذلك أن الخير مستقل منطقيا عن أحكام الله» (المجتمع البشري ~~في الأخلاق والسياسة، ص48). وربما نضيف أنه إذا اعتبرنا أن مشيئة الإله مبرر للمثل ~~الأخلاقية، إذن يصبح السبب الذي يدفعنا إلى التحلي بالأخلاق هو الحذر من عواقب ~~أفعالنا؛ إذ يكمن في الرغبة ms098 في الإفلات من العقاب. ولكن هذا المبرر ليس أبدا أساسا ~~مقنعا لتقوم عليه الحياة الأخلاقية، والتهديدات ليست على أي حال مقدمات مقنعة «من ~~الناحية المنطقية» لأي حجة. # وتقول حجة ذات صلة - استخدمها كانط - إنه لا بد من وجود إله لإثابة الفضيلة وعقاب ~~الشر؛ لأنه يتضح لنا من التجربة أن الفضيلة في هذه الحياة لا تقابل دائما أو حتى ~~كثيرا بالثواب. ولكن هذا - كما يقول راسل - أشبه بالقول إنه ما دام كل البرتقال ~~الموجود أعلى صندوق الفاكهة فاسدا، فلا بد أن البرتقال الموجود تحته في الصندوق طيب؛ ~~وهو استنتاج مناف للعقل. # يهاجم الكثيرون من مناهضي الدين الأثر المضر للدين في العالم باعتباره يتسبب في ~~الاضطهاد والشقاق، ومع ذلك يرون أن المسيح شخصية جذابة، ولكن موقف راسل كان مختلفا؛ ~~إذ كان يعتبره أقل لطفا ورأفة من بوذا وأدنى منزلة بكثير من سقراط فكرا وخلقا. ~~ويرى راسل أن بعض تصرفاته غير لطيفة؛ فمثلا حين أذبل شجرة التين - ولم يكن ليفيد أن ~~تصير الشجرة غير مثمرة، ما دامت في غير أوان التين - وهدد بإصابة من رفضوا أن يؤمنوا به ~~بالكرب الأبدي. ولفت راسل إلى أنه على مدى قرون طويلة ظل الناس يلقنون أن يؤمنوا ~~حرفيا بصحة هذه التحذيرات الوحشية، ما دام ذلك كان يخدم مصالح الكنيسة. ولكن حين أشار ~~المنتقدون في عصر أكثر إنسانية إلى مدى قبحها، بدأت الكنيسة في تغيير موقفها بالقول ~~إنه ينبغي فهم التحذيرات فهما مجازيا. # ولكن راسل كان يوجه معظم انتقاداته ضد المسيحية نفسها كظاهرة «منظمة». وكان يكره ~~الإيمان بالمعتقدات الخرافية - «تعتقد الكنيسة الكاثوليكية أن القس يمكنه تحويل كسرة ~~خبز إلى جسد المسيح ودمه بالتحدث إليها باللاتينية» - وسخفه المطبق؛ فمثلا «هم ~~يأمروننا بألا نعمل في أيام السبت، ويفهم البروتستانت هذا على أن معناه أنه ليس لنا أن ~~نلهو في أيام الآحاد.» يرى راسل أن المسيحية تتميز على الأديان الأخرى بميلها إلى ~~الاضطهاد؛ فالمسيحيون ضايقوا وقتلوا المنشقين واليهود والملحدين وبعضهم بعضا؛ ~~وأغرقوا آلاف البريئات وأحرقوهن وقتلوهن بطرق أخرى بتهمة «السحر»؛ وأزهقوا ms099 حياة مئات ~~الملايين من البشر بناء على عقائدهم المنافية للعقل المتعلقة بالخطيئة والسلوك ~~الجنسي. # استخدم راسل في حربه على الدين أسلحة تتألف غالبا من التهكم والازدراء. كان ملما ~~بالكتاب المقدس على نحو يفوق الكثيرين من خصومه، وكان باستطاعته أن يفحمهم باقتباس ~~مناسب؛ ومثال ذلك حين يقول - وهو يناقش ~~المزايا المقارنة بين الدين والعلم - إن «الكتاب المقدس يخبرنا أن الأرنب الوحشي يمضغ ~~الطعام المجتر»؛ مما يسبب صعوبات للأصوليين عند مواجهتهم بعلم الحيوان. وفعلا لم يكن ~~التباين بين العلم والدين ليكون على نحو أشد وضوحا. يتناول الدين حقائق مطلقة ولا ~~تقبل الجدل تظل سارية إلى الأبد؛ أما العلم فهو أشد حذرا وترددا. يفرض الدين قيودا ~~على الفكر، ويحرم الاستقصاء حين يتعارض مع ما تسنه الكنيسة؛ أما العلم فيتسم بسعة الأفق ~~(الدين والعلم، ص14-16). وهذه اختلافات لافتة؛ ففي مواجهة المنطق العلمي أفضل ما يستطيع ~~الدين أن يفعله - حين لا يحاول أن يظل أصوليا على نحو متعنت - هو إعادة تفسير النصوص ~~المقدسة بأسلوب مجازي، والتخفي خلف الادعاء بأن الحقائق الدينية تتخطى الفهم ~~البشري. # ولكن مع أن راسل كان معاديا للدين، فقد كان رجلا متدينا، وهذا تناقض ظاهري فحسب؛ ~~فمن الجائز أن يكون للمرء موقف متدين للحياة دون الإيمان بوجود كائنات وأحداث خارقة ~~للطبيعة. وفي هذا الموقف يؤدي تذوق الفن والحب والمعرفة إلى تعضيد الروح الإنسانية، ~~وينطوي على شعور بالإجلال حيال العالم وأحبائنا، وينطوي كذلك على شعور مصاحب من الرحابة ~~التي يكون المرء جزءا منها. وفي مقال شهير وإن كان يتسم بأسلوب متكلف - بعنوان «عبادة ~~الإنسان الحر» - كتبه راسل تحت تأثير فشل زواجه الأول وما صاحب ذلك من تغيرات في نظرته ~~للأمور، يعرض هذه الرؤية بعينها. ولكن كلماته تحمل بعض التحفظات المبهمة إذ يقول: # حين يتضح في البداية تعارض الوقائع والمثل العليا، يصبح من الحتمي التحلي ~~بروح يفيض بالتمرد الناري وبكراهية جارفة للآلهة للدفاع عن الحرية. فأن نتحدى ~~عالما معاديا بإخلاص كإخلاص بروميثيوس وأن نراقب شروره دوما، ونظل نكرهه ~~دوما، وأن نرفض الألم الذي قد ms100 ينزله أذى السلطة المتعمد؛ هو فيما يبدو واجب كل ~~من يرفضون الاستسلام للمحتوم. ولكن السخط ما زال قيدا، إذ يجبر أفكارنا على ~~الانشغال بعالم خبيث؛ وفي خضم ضراوة الرغبة التي ينبع منها التمرد يوجد نوع من ~~توكيد الذات الذي يجب على الحكماء التغلب عليه؛ فالسخط هو خضوع أفكارنا ولكن ~~ليس رغباتنا؛ والحرية المنزهة عن الانفعال بالفرح أو الترح التي تكمن فيها ~~الحكمة نجدها في خضوع رغباتنا، وليس أفكارنا. وتنشأ من خضوع رغباتنا فضيلة ~~التسليم بالقضاء؛ وينشأ من حرية أفكارنا عالم الفن والفلسفة بأكمله، والقدرة ~~على رؤية الجمال الذي من خلاله نتمكن من استعادة العالم النافر. ~~(مقال «عبادة الإنسان الحر»، 1903، ~~أعيد طبعه في كتاب «التصوف ~~والمنطق») # وكما يتضح، كان راسل يرى دائما أن التوق إلى السمو - لحلم الفيلسوف سبينوزا بفهم ~~واضح ونزيه وشامل تماما لكل الأشياء التي من شأنها أن تحرر المرء - تلطفه الوقائع ~~القاسية للمعاناة في العالم. وفي ديباجة سيرته الذاتية يكتب قائلا: كان الحب والمعرفة ~~- بقدر توافرهما - يرفعانني إلى سماء الفردوس. ولكن الشفقة دائما ما كانت تعيدني إلى ~~الأرض. ومن ثم، كان راسل يتوق بأسلوبه اللاأدري إلى الفردوس، وسعى إلى اكتشاف ~~السبل التي من شأنها أن تقود البشر إلى هناك. # التعليم # كان راسل يأمل أن يكون أهم تلك السبل هو التعليم، الذي كان يرى أنه يتناول السؤال ~~المتعلق بالكيفية التي ينبغي بها إعداد البشر للحياة. ولم يتناول راسل التفاصيل ~~الإدارية المتعلقة بإعداد المدارس والجامعات وتدريب المعلمين - مثلما كان من الممكن أن ~~يفعل سيدني وبياتريس ويب - ولكنه تحدث بدلا من ذلك عما قد نسميه الأهداف الروحية ~~(بمعنى علماني) للتعليم. وكتب راسل أن ما يهدف إليه التعليم هو بناء الخلق؛ وأن أفضل ~~خلق هو الحيوية والشجاعة ورهافة الحس والذكاء، على أن تكون كلها «بأعلى مرتبة». وهكذا ~~يعبر عن الموضوع في كتاب «عن التعليم»، الذي نشر في عام 1926، وذلك قبل أن يؤسس هو ~~ودورا مدرسة بيكون هيل بعام واحد. ويتناول هذا الكتاب أساسا سنوات الطفولة المبكرة، ~~ويقر راسل في سيرته الذاتية أنه ms101 كان «مفرطا في التفاؤل حيال علم النفس»، وأنه كان ~~أيضا في بعض النواحي «مفرطا في القسوة» في المناهج التي اقترحها. ومن أمثلة ذلك وجهة ~~النظر - التي اتخذها من مبادئ مونتيسوري - القائلة بأنه إذا كان أحد الأطفال سيئ السلوك ~~فينبغي فصله عن غيره من الأطفال حتى يتعلم أن يصبح صالحا. وبات راسل يرى لاحقا أن هذا ~~نمط قاس من قواعد ضبط السلوك. # ومع ذلك يحتوي الكتاب على بعض النصائح الوجيهة. ويبدأ راسل بالأطفال الصغار في سن ~~مبكرة جدا، فيؤكد بأنه ينبغي وضع روتين منتظم للأطفال الرضع وإمدادهم بأكبر عدد ممكن ~~من فرص التعلم، وأنه ينبغي إخفاء أي قلق يبديه الأبوان حتى لا «ينتقل القلق إلى الطفل ~~بالإيحاء». وتعكس هذه العقيدة إيمان راسل بأنه ما دام القلق ليس فطريا بين الثدييات ~~العليا الأخرى، فلا بد أن ظهوره على الأطفال يأتي نتيجة لتأثرهم بالبالغين. وذكر ~~قراءه في الوقت نفسه بأنه لا داعي لتعذيب أنفسهم في سبيل أداء واجبهم كآباء، بل أن ~~يحرصوا على الموازنة بين مصالحهم ومصالح أطفالهم. # كان راسل يرى أن المعرفة في حد ذاتها تعمل كأداة للتحرير ووسيلة للوقاية من الخوف. ~~والاهتمام بالأشياء الظاهرية - وهو من أهم الأفكار الرئيسة كذلك في كتابه «الفوز ~~بالسعادة» - وسيلة قوية لضمان معيشة تقوم على الشجاعة والسعادة. ويتحدث راسل أيضا عن ~~كيفية تشجيع الصدق والكرم: وذلك ليس بالاعتماد على عقاب أضدادها - ما دام أن ما قد يبدو ~~ظاهريا أنه كذب مثلا ربما يكون في الواقع ممارسة للخيال - بل بتشجيع الخصال ~~الإيجابية عند ظهورها. من هذه الناحية، ربما كان مسرفا في التفاؤل حيال علم نفس ~~الصغار، كما أقر لاحقا. وسرعان ما علمته تجربته كمعلم أن الأطفال قادرون على ~~الأذى، وأن الأذى قد يزداد فظاعة في حالة تركه دون عقاب، كما في رواية «أمير ~~الذباب». # ولكن حتى في هذه الآراء المبكرة لم يكن راسل يؤيد مبادئ «سياسة عدم التدخل»، خاصة ~~فيما لا يتعلق بالدراسة. وكان يرى أن اكتساب عادات الانضباط الذاتي والتركيز سيثبت أنها ~~تدعم تحرير المرء على ms102 المدى الطويل، ومع أنه كان يؤكد أنه ينبغي إشراك الأطفال بجذبهم ~~لأداء المهام المدرسية المطلوبة منهم بدلا من إجبارهم عليها، فلم يكن معارضا لدفعهم ~~لبذل الجهد الشاق عند الضرورة. وقد قال إنه ينبغي أن يصبح الأطفال قادرين على القراءة ~~وهم في سن الخامسة، وينبغي أن يبدءوا في تعلم لغتين مبكرا، وقال إن أساسيات الرياضيات ~~تتطلب التدريب، وإنه ينبغي توفير هذا التمرين على أساسيات الرياضيات للأطفال. وقال ~~إنه من الممكن الاستمتاع بالشعر والمسرحيات في سن المدرسة الابتدائية، ولكن التذوق ~~الحقيقي للأدب لا يأتي إلا في مرحلة لاحقة، وإن تذوق الآداب الكلاسيكية والتاريخ ~~والعلوم يأتي في مرحلة لاحقة أيضا؛ وبحلول هذه المرحلة ينبغي أن يختار التلميذ - بعد ~~تجربة هذه المواد الدراسية - المادة التي تثير اهتمامه أكثر، ويتابع دراستها بنفسه (عن ~~التعليم، ص18، 162). # شكل 4-3: صدم راسل من مدى حدة التنمر الذي تشهده مدرسة بيكون هيل. وكان يرى ~~ذلك كصورة مصغرة من السلوك الوحشي الذي ينتهجه الكبار، وكدلالة على أن ~~الغلو في الوطنية والحرب من الحقائق المحتومة في الحالة ~~البشرية. # 3 # تتسم هذه الآراء المتعلقة بالمقرر الدراسي بطابع تقليدي بما يكفي. أما ما لم يكن ~~تقليديا، وتسبب في فضيحة في ذلك الوقت، فهو ما قاله راسل عن تعليم الجنس. وانطلقت ~~شائعات فورية عن مدرسة بيكون هيل؛ وتقول إحدى تلك الشائعات إن أسقفا وصل عند باب ~~المدرسة فلما رأى طفلا عاريا صاح قائلا: «يا إلهي!» فرد عليه الطفل العاري قائلا: ~~«لا يوجد إله.» ولكن في الواقع كل ما كان يؤكده راسل هو أنه لا ينبغي أن ندفع الأطفال ~~إلى القلق بشأن أجسادهم؛ ومن ثم ينبغي إطلاعهم بهدوء على التفاصيل الأساسية للجنس ~~قبل وصولهم إلى سن البلوغ، وأن أحد الأسباب الوجيهة التي تبرر البداية المبكرة هو منعهم ~~من التعرف على الجنس بطرق غير لائقة ومحمومة. وكان راسل مترددا حول ما إذا كان ~~الاستمناء سلوكا مفيدا أم لا، وذلك في موقف تقليدي إلى حد يدعو إلى الدهشة، وهو ~~موقف يتماشى مع الرأي الطبي السائد في ذلك ms103 العصر؛ لذلك لا يمكن اتهامه بالإدلاء بآراء ~~خطيرة في هذا الموضوع على الأقل. # بعد خمس سنوات، ألف راسل كتاب «التعليم والنظام الاجتماعي» (1931)، وذلك بعد تجربته ~~المباشرة في المدرسة التي أنشأها. وقد حافظ في هذا الكتاب على معظم آرائه الواردة في ~~كتاب «عن التعليم»، ولكنه أصبح يصفها في هذه المرحلة ب «النظرية السلبية» وأقر بأنها ~~بحاجة إلى إضافات. وتقول النظرية السلبية إن مهمة التعليم هي توفير الفرص والقضاء على ~~العقبات حتى يتمكن الأطفال من التطور على طريقتهم هم. وأصبح راسل يرى في هذه المرحلة ~~أن ما هو مطلوب أكثر هو أن يتلقى الأطفال تدريسا إيجابيا من حيث الانسجام مع ~~الآخرين. وقد روعته حوادث التنمر التي شهدتها مدرسة بيكون هيل، واعتبر ذلك كصورة ~~مصغرة من السلوك القاسي الذي ينتهجه البالغون، بل الذي تنتهجه دول بأكملها. وقد زادت ~~التجربة من قلقه بشأن حقيقة أن انعدام التعقل والعدوانية من الصفات الفطرية، وجعلته ~~ييأس من العالم؛ لأنها أوحت له بأن الغلو في الوطنية والحرب من الحقائق المحتومة في ~~الحالة البشرية. # لم يبالغ راسل قط في توقعاته للتعليم. ولكن بالرغم من خيبة أمله بسبب تجربته العملية ~~في التدريس، ظل يحتفظ بإيمانه الليبرالي الذي تميز به بأنه يجب أن تنعقد الآمال على ~~التعليم أساسا من أجل عالم أفضل. كان راسل في كتاباته الموجهة إلى القراء العاديين ~~التي تتناول المسائل الاجتماعية والسياسية يحاول بلا كلل أن يؤدي مهمة واحدة: وهي ~~التعليم، وكان العالم بأكمله هو الفصل الدراسي. وبصرف النظر عن كل شيء، لم يفقد راسل ~~الأمل قط في إمكانية تنشئة أشخاص مفعمين بالحيوية وشجعان ومرهفي الحس وأذكياء، فقط إذا ~~حصلوا على الإرشاد المناسب في الطفولة. # السياسة # كان راسل يرى أننا إذا أردنا أن نفهم ~~السياسة، فلا بد من أن نفهم السلطة؛ فكل المؤسسات السياسية يعود أصلها منذ زمن طويل إلى ~~السلطة؛ في البداية، سلطة زعيم القبيلة أو الملك الذي كان يخضع له الناس بدافع الخوف؛ ~~وفيما بعد، إلى النظام الملكي الذي دان الناس له بالولاء على سبيل العادة. ms104 وكان راسل ~~يختلف مع من يرون أن المجتمع المدني نشأ من «عقد اجتماعي» أصلي تخلى الأفراد بموجبه ~~عن جزء من حريتهم في مقابل فوائد - أهمها الأمن - تمنحها الحياة الاجتماعية. وقال إنه ~~إذا كان يوجد عقد أصلي فهو عقد بين أفراد الصفوة الحاكمة - فهو «عقد بين الفاتحين» ~~قبلوا به بهدف تعزيز وضعهم وامتيازاتهم (السلطة، ص190). # ومن وجهة نظر راسل، يشير التاريخ إلى أن الملكية تشكل أول نمط من النظام السياسي ~~المتقدم. وأخذت السلطة تتسرب تدريجيا خلال النظام التراتبي الاجتماعي من الملك - الذي ~~كان يدعي أنه يتلقاها من الله، وذلك في الكثير من الأنظمة السياسية - إلى طبقة ~~النبلاء والطبقة العليا الأرستقراطية، انتهاء بأقل رجل في كوخه كرب لأسرته. وكانت ~~مزايا النظام - حين فرض ولاء المشاركين فيه - هو الترابط الاجتماعي، وضرره هو أن الحاكم ~~المطلق ليس لديه ما يحفزه للحكم بدافع تحقيق النفع العام؛ ويوجد الكثير من الحالات التي ~~أصبحت فيها تلك الأنظمة أنظمة مستبدة وقاسية (السلطة، ص189). # ويقول راسل إن النظام الذي يخلف الحكم الملكي هو حكم الأقلية؛ ويضم هذا النظام مجموعة ~~متنوعة من الأنماط: الطبقة العليا الأرستقراطية أو طبقة الأثرياء أو جماعات الكهنة أو ~~الأحزاب السياسية. وكان من وجهة نظر راسل أن حكم الأثرياء - ومن أمثلة ذلك المدن ذات ~~الحكم المستقل في العصور الوسطى ومدينة البندقية (فينيسيا) إلى أن استولى عليها نابليون ~~- قد نجح إلى حد ما، لكنه لم يعتقد أن رجال الصناعة في العصر الحديث حققوا النجاح ~~نفسه (السلطة، ص193). وكما هي الحال مع الحكم الملكي حين يفرض الولاء، فإن كلا من ~~الكنيسة وجماعات حكم القلة السياسية الحزبية يمكنها أن تؤدي إلى الترابط الاجتماعي عن ~~طريق تبادل المعتقدات أو الأيدولوجية، ولكن يكمن خطرهما الجسيم في أنهما تهددان الحرية. ~~وجماعات حكم القلة هذه لا يمكنها التسامح مع من يختلفون مع وجهات نظرها، ولا يمكنها ~~السماح بوجود مؤسسات قد تتحدى احتكارها للسلطة (السلطة، ص195-196). # ومع ذلك - كما ذكر راسل - فإنه ثمة فائدة يمكننا أن نحصل عليها من حكم القلة - ~~بشرط إمكانية ضمان ms105 الحصول على الحرية في ظلها - وهي أنه يسمح بوجود طبقة مترفة تنعم ~~بقدر وافر من وقت الفراغ. والسبب في ذلك هو أن التنعم بوقت الفراغ هو حالة تتيح فرصة ~~ازدهار الحياة الذهنية اللازمة للأدب والتعلم والفن. كان هذا في الماضي يتطلب تضحية ~~السواد الأعظم من الناس ممن كانوا مضطرين إلى الكدح لساعات طويلة حتى يتسنى للقلة ~~الاستمتاع بالحريات الضرورية. ولكن من رأي راسل أنه إذا استغلت التكنولوجيا الحديثة، ~~«لأمكننا - في غضون عشرين عاما - القضاء على كل أشكال الفقر المدقع وعلى نصف الأمراض ~~في العالم والرق الاقتصادي بأكمله الذي يكبل تسعة أعشار سكان بلادنا، ولأمكننا أن نملأ ~~العالم بالجمال والسعادة ونضمن أن يسود السلام العالمي» (المثل العليا السياسية، ص27). ~~وأدلى راسل بهذه التصريحات المثالية في عام 1917 - وذلك على سبيل إضاءة شمعة في ظلام ~~الحرب - ولكنها لا تخلو تماما من الصواب؛ فعند الأخذ في الحسبان نجاح العلم واستخدامه ~~بذكاء للأغراض السلمية، لا يوجد مبرر يمنع إتاحة المزيد من وقت الفراغ - ومن ثم ~~المزيد من الظروف اللازمة لحياة من الإبداع والنجاح - للمزيد من البشر. وتؤدي هذه ~~الإمكانية إلى إضعاف الحجة المؤيدة للأبنية الاجتماعية التي تدعم طبقة تتمتع بقدر وافر ~~من وقت الفراغ، ويفسح المجال بدلا من ذلك لدعم حجة قوية مؤيدة للديمقراطية. # ومع ذلك، لا تختلف الديمقراطية عن حكم القلة إلا من حيث الدرجة - حسبما يلاحظ راسل - ~~لأنه حتى في ظل الديمقراطية لا يستطيع الإمساك بزمام السلطة الحقيقية إلا حفنة من ~~الناس؛ مما جعل راسل متشائما حتى بشأن النموذج البرلماني البريطاني العتيد، الذي يكون ~~فيه عضو البرلمان العادي في الواقع ليس إلا أداة للتصويت لحزبه. ولكن الصورة ليست كئيبة ~~تماما فيما يتعلق بالديمقراطية، فمع أنها لا تستطيع ضمان الحكم الرشيد، فإنها تستطيع ~~منع بعض أوجه الفساد، وذلك عن طريق ضمان عدم استمرار أي حكومة سيئة في السلطة بصفة ~~دائمة (السلطة، ص286). # وأفضل ما يميز الديمقراطية في رأي راسل هو ارتباطها ب «مذهب الحرية الشخصية»، الذي ~~كان يقدره تقديرا شديدا. ويتألف المذهب من ms106 سمتين؛ السمة الأولى هي أن الحرية ~~تحميها متطلبات مراعاة الأصول القانونية، وهي التي تحمي المرء من التوقيف والعقاب ~~التعسفي. والسمة الثانية هي أنه توجد مناطق من التصرفات الفردية لا تكون خاضعة لسيطرة ~~السلطات، بما في ذلك حرية التعبير والاعتقاد الديني. وهذه الحريات ليست بلا قيود؛ ففي ~~زمن الحرب - مثلا - قد يكون من الضروري تقييد حرية التعبير لصالح الأمن القومي. وأقر ~~راسل بأنه من الجائز فعلا وجود قدر كبير من التضارب بين مصالح المجتمع ككل ومصالح ~~الفرد الذي يرغب في الحصول على أقصى قدر من الحرية. وقال: «ليس من الصعب على حكومة ~~معينة أن تقر بحرية الفكر حين تستطيع الاعتماد على ولاء الفعل، ولكن حين لا تستطيع ذلك، ~~يصبح الأمر أصعب» (السلطة، ص155). # إن مسائل التنظيم السياسي - في رأي راسل - هي مسائل تتعلق بالتنظيم الاقتصادي بدرجة ~~مهمة. كان راسل في البداية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى يناصر حرية التجارة، وظل ~~مؤيدا لنظام الاقتصاد الحر لسبب وجيه هو أنه كان معارضا للتراكم المفرط للقوة ~~الاقتصادية تحت سيطرة أي جهة واحدة بعينها، سواء أكانت الرأسماليين أو الحكومات. لم ~~يكن راسل يمانع في أن يصبح الناس أغنياء إذا كانوا قد كسبوا المال بكدهم، ولكنه كان ~~يعارض فكرة الثروة التي تئول إلى المرء بالوراثة. ومع أنه كان مؤيدا للاشتراكية طوال ~~معظم حياته، فقد كان ذلك على نحو متحفظ للغاية. وقال إن دور الحكومة في الشئون ~~الاقتصادية هو الحماية من المظالم الاقتصادية. ولكن هذا لا يتحقق على أفضل وجه بأن نعهد ~~بملكية وسائل الإنتاج أو التحكم فيها للسيطرة الحكومية، كما في التجربة الشيوعية في ~~البلدان التي طبقت النموذج السوفييتي. بدلا من ذلك، جذبت راسل ما يطلق عليه في فرنسا ~~مذهب النقابية وفي إنجلترا الاشتراكية النقابية، وهو الرأي القائل بأنه ينبغي أن يتولى ~~إدارة المصانع العمال العاملون فيها، وينبغي تنظيم الصناعات إلى نقابات. ومن المفترض أن ~~تدفع هذه النقابات ضريبة للدولة في مقابل المواد الخام التي تستخدمها، على أن تتمتع من ~~ناحية أخرى بحرية إعداد الأجور وظروف ms107 العمل وبيع منتجاتها. علاوة على ذلك، من المفترض ~~أن تنتخب النقابات فيما بينها هيئة تشريعية، وأن ينتخب مستهلكو منتجات هذه النقابات ~~مجلسا نيابيا، على أن تصبح الهيئتان معا هما الهيئة الوطنية التي تتمتع بسلطة عليا، ~~وهي التي تحدد الضرائب وتقوم مقام أعلى محكمة في البلاد مهمتها الفصل في مصالح العمال ~~والمستهلكين على حد سواء (الطريق إلى ~~الحرية، ص91-92). ولضمان ألا يخل وجود النقابات بالحرية، ولا سيما حرية التعبير، اقترح ~~راسل دفع أجر زهيد كحد أدنى للجميع بصرف النظر عما إذا كان الفرد يعمل أم لا، وذلك ~~حتى يتمكن كل فرد من الاعتماد على نفسه إذا اختار ذلك. أما من يريدون الحصول على أجر ~~يزيد عن أجر الحد الأدنى فمن المفترض أن يعملوا، وكلما زاد عملهم ازداد دخلهم. واستبعد ~~راسل الانتقاد البديهي القائل بأنه سيصعب تنفيذ الخطة إذا اختار الناس ألا يعملوا - ومن ~~ثم لن ينتجوا أي إيرادات ضريبية ومع ذلك سيطلبون الحصول على أجر الحد الأدنى المقرر ~~لهم - وذلك بقوله إن معظمهم سينجذب إلى العمل بفعل حافز الثراء؛ ومن المفترض على أي حال ~~أن تصبح ظروف العمل والحياة عموما أفضل في ظل الاشتراكية النقابية؛ لذلك لن يمانعوا في ~~تقبل ذلك (المرجع السابق، ص119-120). # إن المبدأ الذي يقع في صلب موضوع الاشتراكية النقابية هو تفويض تلك السلعة السياسية ~~الأساسية، ألا وهي «السلطة»؛ ففي رأي راسل، يؤدي تركيز السلطة - وخاصة تحت سيطرة ~~الحكومة - إلى زيادة احتمال الحرب؛ ومن ثم فمن المستحسن نشرها بين الكثير من ~~الجماعات والأفراد. «يجب أن تكون الجهة التي تتولى تنفيذ الأغراض الإيجابية المتطورة ~~للدولة - بالإضافة إلى الحفاظ على النظام - ليست الدولة نفسها، بل بقدر الإمكان ~~المنظمات المستقلة التي ينبغي تركها حرة تماما ما دامت ترضي الدولة من حيث عدم ~~تقصيرها عن الوفاء بحد أدنى ضروري معين» (مبادئ إعادة البناء الاجتماعي، ص75). ~~واستنبط راسل وجهة النظر هذه في وقت مبكر نسبيا في فكره السياسي، وظل مؤمنا بها من ~~ذلك الحين فصاعدا. وفي كتاب «السلطة» أخذ يؤكد أنه ثمة ضرورة ms108 أكثر من أي وقت ~~مضى تحتم اتخاذ إجراءات وقائية للحماية من الاستبداد الرسمي والدعاية السياسية ~~الموجهة والشرطة، وهي العناصر التي قدم بشأنها الاقتراح الأصلي بوضع أمناء على الأمناء ~~فعليا؛ ومفاده أن تتولى قوة شرطية تنفيذ المهام الاعتيادية مثل جمع الأدلة اللازمة ~~لتوقيف من يفترض أنهم مجرمون ومحاكمتهم، فيما تتخصص الأخرى في جمع الأدلة التي ~~تثبت براءة هؤلاء الأشخاص أنفسهم. # ومن الأفكار الملازمة لفكرة إلغاء المركزية في آراء راسل السياسية عداؤه للغلو في ~~القومية؛ فقد هاجم القومية قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية باعتبارها «فكرة سخيفة» ~~و«أخطر نقيصة في عصرنا»، واعتبرها تهدد بالقضاء على أوروبا. وبعد الحرب العالمية ~~الثانية رأى أنها تكرر نفسها في الاتحاد السوفييتي وأمريكا، فيما عدا أنها في هذه المرة ~~- نظرا لأن كلتا الدولتين تمتلك أسلحة دمار شامل - كانت أخطر بكثير. وكان يؤكد أن ~~العلاج الوحيد الموثوق للغلو في القومية والتهديد الذي تمثله هو الحكومة ~~العالمية. # لا يبدو هذا الرأي في ظاهره متسقا مع آراء راسل المتعلقة بإلغاء المركزية، وكان يقر ~~بخطر وضع القوة العسكرية تحت سيطرة سلطة عالمية واحدة. ولكنه كان يرى أن ذلك أفضل بكثير ~~من اندلاع المزيد من الحروب العالمية التي من المحتمل أن تستخدم فيها أسلحة ذات قدرة ~~تدميرية تزداد فتكا، مع احتمال تدمير الحياة على الأرض. كان هذا التصور يبدو لراسل ~~شرا مريعا إلى حد جعله يرى أن أي شيء تقريبا أفضل منه. ولكن ليس من الضروري أن ~~تكون الحكومة العالمية هي فقط أهون الشرور؛ فمن المفترض أن يكون من الوسائل الناجحة ~~للحفاظ على درجة من السيطرة عليها تفويض مقدار السلطة نفسه - في كل الشئون فيما عدا ~~الشئون العسكرية - إلى أصغر الوحدات المحلية. ومع ذلك، ففي النهاية، كما قال راسل: # سيكون لزاما على الدولة العالمية أو اتحاد الدول - إذا أردنا لها أن تنجح - ~~أن تفصل في النزاعات، ليس بالأحكام القانونية التي من المفترض أن تطبقها ~~محكمة جرائم الحرب في لاهاي، بل بقدر الإمكان على النحو نفسه الذي من المفترض ~~أن تحسمه الحرب. وينبغي أن ms109 تكون وظيفة السلطة هي جعل الاحتكام للقوة أمرا غير ~~ضروري، وعدم إصدار أي أحكام تناقض الأحكام التي من المحتمل التوصل إليها ~~بالقوة. ~~(مبادئ إعادة البناء الاجتماعي، ~~ص66) # كيف يمكن إنشاء حكومة عالمية؟ من غير المحتمل أن ترغب الحكومات القومية في التخلي عن ~~سيادتها في سبيل تصور مثالي من هذا القبيل. ومن وجهة نظر راسل، فإن الطريقة الأوفر ~~حظا هي أن قوة واحدة - أو تكتلا من القوى - ستتمكن من السيطرة على العالم في نهاية ~~المطاف، وستتألف منها الحكومة العالمية بحكم الواقع. وفي سياق الحرب الباردة، من ~~الممكن اعتبار منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحلف وارسو - أو على نحو أدق، ~~المسئولين الأساسيين على رأس كل منهما - يتنافسان على تحقيق هذه النتيجة. وشبه راسل ~~هذا الأمر بظهور الحكومة المنظمة في العصور الوسطى؛ إذ يستولي ملك ما على السلطة، ثم ~~يبدأ الحكم الملكي - بحكم عملية التطور - في الخضوع تدريجيا للسيطرة الديمقراطية. ~~ورأى راسل أن مثل هذه العملية قد تحدث في حالة الحكومة العالمية. وقال: «سيتحقق إحلال ~~النظام محل الفوضى في العلاقات الدولية - في حالة حدوثها - عن طريق دولة ما أو مجموعة ~~من الدول تتمتع بقوة عظمى. ولن يتسنى أن تبدأ عملية التطور صوب الشكل الديمقراطي من ~~الحكومة العالمية إلا بعد تأليف هذه الحكومة الموحدة.» كان يرى أن هذه الفكرة قد تستغرق ~~مائة عام، وفي أثناء ذلك ستكون الحكومة العالمية قد بدأت في اكتساب «درجة من الاحترام ~~تمكنها من إرساء سلطتها على القانون والرأي بدلا من القوة» (آمال جديدة لعالم متغير، ~~ص77-78). # من الموضوعات الرئيسة في فكر راسل الذي يتناول السياسة والحكم مشكلة الموازنة بين ~~الحرية الفردية والحاجة إلى تحقيق السلام العالمي. ولكن المنافسة بينهما ظالمة في ~~النهاية. فلا سبيل إلى هذه الحرية، بل إنه حتى إمكانية هذه الحرية تنتفي، في حالة ~~القضاء على البشرية بفعل الحرب. وهكذا كان راسل مستعدا لتقبل الإخلال بالحرية أو ~~إعاقتها لصالح إنقاذ البشرية. كان بالطبع يرجو إمكانية نيل السلام والحرية معا؛ ولكن ~~تجربته مع البشر أجبرته على أن يتقبل ms110 أن الجشع والقسوة وانعدام التعقل وغيرها من الخصال ~~البشرية الشائعة تجعل ذلك أمرا غير مرجح. وكتب راسل أن هذه الفكرة كثيرا ما ألقت به ~~في غياهب اليأس. وهو الإحساس نفسه الذي انتابه إبان الحرب العالمية الأولى، حين سيق ~~مئات الآلاف من الرجال إلى مذبحة مشتركة بلا طائل في أوحال أوروبا. وكم انتابه الإحساس ~~نفسه على نحو أشد بعد الحرب العالمية الثانية، حين لم يعد الضحايا الذين من الممكن أن ~~يلقوا مصرعهم بفعل الأسلحة النووية فقط من الجيوش، أو حتى الدول، بل - على أسوأ ~~الفروض الممكنة - سكان العالم بأكمله. ومن ناحية ما، من المذهل كيف أن قلة قليلة فقط ~~هي التي كانت تملك من الصفاء ما يتيح لها رؤية هذه الحقيقة ومن القدرة على التخيل ما ~~يتيح لها الإحساس بفظاعتها. ويستحق راسل الثناء لأنه كان من بين تلك القلة التي امتلكت ~~الأمرين. # الحرب والسلام # عارض راسل حرب البوير والحرب العالمية الأولى ، وأيد الحلفاء في الحرب العالمية ~~الثانية، وبذل جهودا مضنية في مناهضة إمكانية اندلاع حرب عالمية ثالثة وشيكة وفي ~~مناهضة حرب فيتنام القائمة فعلا. وقد شن حربا على الحرب حتى وفاته وهو يناهز 97 ~~عاما. وقوبلت أنشطته المناهضة للحرب في الفترة المبكرة واللاحقة من حياته بالخصومة، ~~وتسببت في دخوله السجن. ومع ذلك لا أحد يستطيع الآن أن يقول إنه كان مخطئا في اتخاذ ~~المواقف التي اتخذها؛ فحين تتوقف مشاعر الغلو في القومية والشوفينية، ويبدأ إحصاء ~~التكاليف الباهظة ومقارنتها بتقييم أكثر واقعية للأسباب التي أدت إلى تكبدها ~~أساسا، يبدأ الناس في إدراك الحرب بأثر رجعي كما أتيح لراسل إدراكها آنذاك بفضل ~~عبقريته. # شكل 4-4: هذا الرسم الكاريكاتوري من صحيفة إيفنينج ستاندرد يشير إلى حكم السجن ~~لمدة أسبوع الذي صدر ضد راسل في سبتمبر من عام 1961، بعد إدانته بتهم ~~تتعلق بالنظام العام وجهت إليه بعد خروج مظاهرة كبيرة لمؤيدي السلام ~~في وسط لندن إحياء لذكرى ~~هيروشيما. # 1 # لم يغير راسل رأيه قط في أن الحرب العالمية الأولى كانت غير ضرورية؛ فلم يكن ثمة ms111 ~~خلاف فعلا بين ألمانيا وبريطانيا في عام 1914 فيما عدا الكرامة الوطنية وبعض مشاعر ~~الغضب القابلة للحل بشأن خلافات استعمارية. ورأى راسل أنه كان يمكن تجنب القتال ~~بالتفاوض؛ مما كان سيهدئ من انزعاج ألمانيا المبرر بشأن عدم نجاحها في السباق ~~الاستعماري كما كانت ترجو. ولكن كان القائمون على وزارات الخارجية الأوروبية من ~~الأرستقراطيين الذين تحركهم اعتبارات الكرامة الوطنية أكثر من اعتبارات المنطق ~~السليم. # أخذ معارضو رأي راسل بشأن الحرب العالمية الأولى يؤكدون أن ألمانيا كانت مذنبة ~~بالعدوان والنزعة التوسعية، وأنها كانت تسعى إلى الهيمنة على أوروبا؛ مما كان يهدد حرية ~~بريطانيا؛ لأن ألمانيا - إذا انتصرت - كانت ستصبغ كل شيء بطابعها الاستبدادي ~~والبيروقراطي؛ ومن ثم كان لدى بريطانيا دافع شرعي لدخول الحرب. لم يقبل راسل الدافع ~~المتعلق بالتهمة الملصقة بألمانيا ولا النتيجة المرجحة التي كانت ستنشأ عن رفض بريطانيا ~~دخول الحرب؛ وكان يرى أن النتيجة كانت ستصير على الأرجح أشبه بالصراع بين فرنسا وبروسيا ~~الذي نشأ في عام 1871، والذي كان قصير الأمد وحاسما. ولكن حتى لو انتصر القيصر - وهو ~~ما كان سيصير حدثا سيئا، ولكن ليس بدرجة السوء التي تتسم بها الحرب نفسها - لكانت ~~النقطة الأساسية في رأيه هي أن دخول الحرب يتطلب وجود مبرر وجيه جدا، وأن ذلك المبرر ~~لم يكن موجودا في عام 1914. # وفي عام 1939، اختلفت الأمور اختلافا كبيرا. فإبان ثلاثينيات القرن العشرين، أصبح ~~راسل في الواقع ممن يسترضون العدو اجتنابا للعدوان، وذلك كما يشهد كتابه «أين الطريق ~~إلى السلام؟» الذي نشر في عام 1936. وقد رفض راسل السماح بإعادة نشر الكتاب لأنه بحلول ~~الوقت الذي انتهى فيه من الكتاب أصبح يشعر بأنه يتسم بالنفاق، وأن ظروف ثلاثينيات ~~القرن العشرين تختلف اختلافا كبيرا عن ظروف عام 1914: # تقبلت على مضض إمكانية تفوق ألمانيا تحت حكم القيصر. ورأيت أن هذا - مع ~~أنه كان سيصير حدثا سيئا - ما كان سيصبح بدرجة السوء نفسها التي يتصف بها ~~اندلاع حرب عالمية والآثار المدمرة المترتبة عليها. ولكن ألمانيا تحت حكم هتلر ~~كانت موضوعا مختلفا؛ إذ أدركت ms112 أن النازيين كريهون للغاية؛ فهم قساة ~~ومتعصبون وأغبياء. وشعرت بأنهم يتسمون بالشناعة أخلاقيا وفكريا من وجهة ~~نظري. ~~(السيرة الذاتية لبرتراند راسل، ~~ص430) # وذكر راسل أن فكرة الهزيمة على أيدي هؤلاء «غير محتملة»، وقال: «قررت أخيرا عن وعي ~~وبلا ريب أنني يجب أن أؤيد ما هو ضروري لتحقيق الانتصار في الحرب العالمية الثانية، ~~مهما كان تحقيق الانتصار صعبا، ومهما كانت عواقبه مؤلمة» (المرجع السابق). # وأدت النهاية المرعبة للحرب في المحيط الهادي - وذلك بإلقاء قنبلتين ذريتين على ~~مدينتين يابانيتين - إلى تنبيه راسل على الفور أن شيئا جديدا تماما قد دخل إلى ~~المعادلة. وألقى خطبة وجهها إلى مجلس اللوردات في نوفمبر من عام 1945 حذر فيها ~~أقرانه من الأخطار؛ ففي البداية كان يرى أن أمريكا ينبغي أن تستخدم تفوقها في الأسلحة ~~النووية لإجبار الروس على عدم تطويرها. وقد فسر الناس ما قاله على أنه طلب من راسل ~~بأن تشن الولايات المتحدة هجوما وقائيا بالقنابل الذرية على روسيا، ولكنه لم يقصد ~~ذلك؛ إذ كان يرى وجود فرصة أمام الولايات المتحدة لتأسيس حكومة عالمية عن طريق تفوقها ~~العسكري، وحثها على القيام بذلك. ومع أنه كان يرى أن أمريكا قد أخطأت في الكثير من ~~الأمور، فقد كان يفضل موقفها الليبرالي والديمقراطي عموما على استبداد الاتحاد ~~السوفييتي. وفي السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ازداد عداء راسل للاتحاد ~~السوفييتي، والذي كان كبيرا من قبل كنتيجة لزيارته إلى هناك في أوائل العشرينيات من ~~القرن العشرين. ومن دلائل استيائه من حرب فيتنام بعد ذلك بخمسة عشر عاما فحسب أنه أصبح ~~يشجب الأمريكيين بالعبارات العنيفة نفسها التي شجب بها السوفييت. ومع ذلك لم يكن ذلك ~~التغير في موقفه مفاجئا؛ إذ تسببت المكارثية في الولايات المتحدة، والسياسة الخارجية ~~الأمريكية العدوانية المعادية للشيوعية والمتأثرة بالمكارثية، في إقناعه بأن الأمريكيين ~~يمثلون تهديدا أكبر على السلام من الاتحاد السوفييتي. وأسهمت أزمة الصواريخ الكوبية في ~~عام 1961 في تأكيد رأيه. وأصبح منذ ذلك الحين فصاعدا معاديا لأمريكا بكل ~~تصميم. # أدى حدثان إلى تغيير نظرة راسل ms113 حيال موضوع الأسلحة الذرية؛ الأول: اقتناء السوفييت ~~للقنبلة الذرية في عام 1949، ثم التفجير الذري التجريبي الذي أجرته بريطانيا في جزيرة ~~بيكيني المرجانية الاستوائية في عام 1954. وقدم راسل كرد فعل للحدث الثاني برنامجا ~~إذاعيا شهيرا أذيع في عيد الميلاد، عنوانه «خطر الإنسان»، حذر فيه بريطانيا ~~والعالم من الأخطار الرهيبة التي أصبح الجميع معرضا لها في هذه المرحلة. كان هذا ~~البرنامج الإذاعي نقطة تحول؛ إذ أرخ للبداية الحقيقية للحملات المناهضة لأسلحة ~~الدمار الشامل. وصل راسل سيل من الرسائل. واستخدم راسل قوة الدفع التي نتجت عن ~~برنامجه، فنظم عريضة دولية وقع عليها علماء مرموقون. ولم يكف قط عن مطالبة ~~بريطانيا بأن تتخلص من أسلحتها النووية، وأكد أن من أسباب القيام بذلك تقديم ~~مبادرة أخلاقية للدول الأخرى لتحذو حذوها. # في خمسينيات القرن العشرين تغيرت آراؤه المتعلقة بكيفية إدارة الخطر الذي أصبح العالم ~~يواجهه في هذه المرحلة، وذلك حين زاد الموقف الدولي سوءا وباءت مساعيه بالفشل. أخذ ~~راسل يكتب ويقدم برامج إذاعية ، فضلا عن العريضة التي قدمها نظم مؤتمرا جمع فيه ~~علماء من كلا جانبي الستار الحديدي، وشارك في تأسيس «الحملة المؤيدة لنزع السلاح ~~النووي» وأصبح أول رئيس لها. وحين تحطمت هذه الوسائل السلمية والمنطقية أكثر من مرة ~~على صخرة التعنت الحكومي، اشتد يأسه؛ ومن ثم استقال من الحملة المؤيدة لنزع ~~السلاح النووي، وانضم إلى «لجنة المائة» التي تتسم بقدر أكبر من العنف، التي شنت ~~حملة عصيان مدني. وتسببت الحملة في صدور حكم بالسجن عليه للمرة الثانية، بعد الحكم ~~الأول ب 42 عاما. وخلال كل ذلك لم يكن هناك مجال كاف للتنظير؛ لأن راسل شعر أنه لم ~~يكن لديه وقت لذلك؛ بل ما كان ضروريا هو اتخاذ إجراءات فعلية. # في سنوات راسل الأخيرة انصب اهتمامه على حرب فيتنام. وكان في ذلك الوقت يحيط به ~~آخرون استغلوا اسمه ووضعوه على مطبوعات وبيانات صحفية من الواضح - من أسلوبها اللغوي ~~ومن لهجتها - أنها من المستحيل أن تصدر عنه شخصيا، وأخذ يهاجم الولايات المتحدة ~~وتحديدا المنظومة العسكرية الصناعية والمخابرات ms114 المركزية الأمريكية، واتهمهما بالعدوان ~~في فيتنام وبارتكاب جرائم حرب. واشترك راسل مع جان بول سارتر وآخرين في إنشاء محكمة ~~جرائم الحرب الدولية، بهدف محاكمة أمريكا على أنشطتها في فيتنام. رأى الناس آنذاك أن ~~التهم التي وجهتها المحكمة إلى الولايات المتحدة كانت مبالغا فيها. وعند الكشف عن ~~الملفات الحكومية الأمريكية لاحقا، اتضح أن الكثير من التهم صحيح. # يجمع بين معارضة راسل للحرب العالمية الأولى ومعارضته لحرب فيتنام اتساق ملحوظ من ~~ناحية واحدة على الأقل. كان راسل يرى أن أيا من الحربين لم تكن تنطوي على خطر يهدد ~~الخير، وأن الحربين كانتا تدفعهما أحط غرائز في البشر؛ وهي غرائز القسوة والحماقة ~~والعدوانية، التي ما إن تتحكم في البشر حتى تبيح أي شيء: قصف النساء والأطفال بالقنابل، ~~واستخدام المواد الكيماوية السامة، وإطلاق الدعاية السياسية والأكاذيب الموجهة ~~للاستهلاك المحلي. ولا بد أن راسل قد اكتشف في نهاية حياته المديدة كم من المروع أنه ~~فيما بين عام 1914 و1970 ازدادت أسلحة الحرب فتكا وتدميرا أكثر من أي وقت مضى، بينما ~~لم يتبدل البشر مثقال ذرة. # | هوامش # الفصل الخامس # | تأثير راسل # إذا كنت ترغب في رؤية أثر راسل، فتلفت حولك وتأمل الفلسفة الموجهة إلى عامة الناس ~~الصادرة باللغة الإنجليزية منذ السنوات التي تفصل الحربين العالميتين. وتأمل كذلك المنطق ~~وفلسفة الرياضيات والمناخ الأخلاقي المختلف في العالم الغربي في القرن العشرين، والمحاولات ~~الرامية إلى إعاقة انتشار الأسلحة النووية. يجب أن يشير التاريخ الكامل لأي من هذه ~~الموضوعات إلى راسل. # في بعض هذه المجالات يكون راسل مشاركا من بين مشاركين آخرين؛ فعلى سبيل المثال، لم يكن ~~وحده هو المسئول عن إحداث تغيير جذري في الأخلاق في القرن العشرين. لكنه كان أقرب إلى دائرة ~~الأضواء في حملة نزع السلاح النووي؛ إذ كان من المشاركين في حركة مناهضة الحرب التي نشأت ~~إبان الحرب العالمية الأولى. # ولكن مكانته في الفلسفة محورية، حتى إنه - كما ذكرت في الفصل # الأول ~~- أصبح تقريبا السمة المشتركة في تاريخ الفلسفة. ويواصل خلفاؤه من ~~الفلاسفة عملهم الفلسفي بأسلوبه؛ ms115 إذ يتصدون للمشكلات التي حددها أو التي منحها شكلا ~~معاصرا باستخدام الأدوات والأساليب التي ابتكرها، وكلها تنسجم مع الأهداف والافتراضات التي ~~أقرها. ومن دلائل التغلغل غير العادي لتأثيره أن الكثيرين من بين الأجيال الشابة من ~~فلاسفة القرن العشرين نادرا ما يدركون أن الفضل في كل هذا يعود إليه. # قال الفيلسوف جول فييمان إن الفلسفة ~~المعاصرة بدأت بكتاب «مبادئ الرياضيات» من تأليف راسل. والفيلسوف الأمريكي المعروف دبليو في ~~كواين يقتبس هذا القول، ويصوغه في استعارة: فهذا العمل من وجهة نظره هو «جنين فلسفة القرن ~~العشرين» (دبليو في كواين، «تعليقات لندوة تذكارية»، في كتاب «برتراند راسل»، من تأليف ~~بيرز، ص5). وكان كواين نفسه قد انجذب إلى الفلسفة حين قرأ أعمال راسل؛ ففي شبابه تعلم ~~المنطق والعلم والفلسفة لأول مرة من كتب راسل؛ وشعر مثل الكثيرين بقوة الجذب التي تتمتع ~~بها، وأغرته كتبه بدراسة المنطق وفلسفة الرياضيات، ثم بدراسة نظرية المعرفة وفلسفة العلم. ~~كتب كواين: «تردد صدى النبرة العلمية الحقيقية لمنطق راسل في تناوله لنظرية المعرفة فيما ~~يتعلق بالمعرفة الطبيعية. وكان الصدى واضحا لا سيما في عام 1914، في كتاب «معرفتنا بالعالم ~~الخارجي». وأسهم ذلك الكتاب في إشعال حماس بعضنا - وخصوصا رودولف كارناب - بآمال جديدة صوب ~~مذهب الظواهر» (المرجع السابق ص2-3). ويضيف كواين إلى ذلك الكتاب المحاضرات التي تتناول ~~مذهب الذرية المنطقية وكتابي «تحليل العقل» و«تحليل المادة» باعتبارها من الأعمال المشتملة ~~على بذور التطور؛ إنها وثيقة الصلة بالفلسفة العلمية الغربية للقرن العشرين (المرجع ~~السابق). وفلسفة راسل وثيقة الصلة أيضا بالمنطق الذي قدمه - «فاسم راسل ملازم للمنطق ~~الرياضي، الذي يدين له بالكثير» - لا سيما نظرية الأوصاف ونظرية الأنماط. # ابتكر راسل نظرية الأنماط للتغلب على التناقضات الظاهرية التي اكتشفها وهو يحاول إرساء ~~الرياضيات على أسس منطقية. وأثناء جهوده لحل هذه المشكلة ناقش عددا من البدائل، بما فيها ~~بديل كان من قبيل المفارقة له الفضل في تأسيس نظرية المجموعات - في رؤية استنبطها إرنست ~~زيرميلو - التي حلت محل النظرية التي ابتكرها راسل في نهاية الأمر. ولكن نظرية الأنماط ms116 ~~التي وضعها كان لها تأثير هائل في الفلسفة. وفكرتها المحفزة استعان بها أتباع الوضعية ~~المنطقية إبان العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين في شن هجومهم على الميتافيزيقا، ~~وطبق جيلبرت رايل رؤية مختلفة منها للتخلص من «أخطاء الفئات»، ومنها الخطأ الذي يمكن أن ~~يقع فيه الشخص بظنه أن جامعة أكسفورد عبارة عن كيان إضافي لكل الكليات والمؤسسات التي تتألف ~~منها الجامعة. وحسب وجهة نظر كواين، أثرت نظرية الأنماط أيضا في إدموند هوسرل، وفي ~~عالمي المنطق البولنديين العظيمين ستانيسلاف ليشنييفسكي وكازيمييش آيدوكيفيتش (كتاب ~~«راسل»، من تأليف بيرز، ص4)، إضافة إلى جوانب أخرى من منطق راسل. # ولا بد من إضافة أهمية نظرية الأوصاف إلى ذلك. يقول كواين: # كانت نظرية الأوصاف المنطقية التي وضعها راسل مهمة من الناحية الفلسفية بفضل ~~علاقتها المباشرة بالمشكلات الفلسفية المتعلقة بالمعنى والإحالة، وبفضل قيمتها ~~التوضيحية كنموذج للتحليل الفلسفي. أنشأت نظرية راسل عن الأنماط المنطقية اتجاهات ~~جديدة في آن واحد في ميتافيزيقا الفئات الوجودية، وفي الوضعية المنطقية المناهضة ~~للميتافيزيقا علاوة على اللغويات البنيوية ، وذلك في نموذج لتطبيق الفلسفة على ~~مجال بعيد. فهل من عجب أن يرى فييمان أعمال راسل في مجال المنطق باعتبارها تبشر ~~بالفلسفة المعاصرة؟ ~~(كتاب «راسل»، من تأليف بيرز، ~~ص4-5) # حين توفي راسل وجه جيلبرت رايل خطاب ~~تأبين إلى الجمعية الأرسطية - وهي أهم ناد فلسفي بريطاني - التي كثيرا ما قرأ فيها راسل ~~أوراقه البحثية بداية من عام 1896. وأشار رايل فيه إلى النواحي التي منحت أعمال راسل - في ~~رأيه - فلسفة القرن العشرين «مسارها بأكمله» (خطبة «برتراند راسل: 1872-1970»، أعيد طبعها ~~في «مجلد برتراند راسل التذكاري»، من تأليف روبرتس). وكان من تلك النواحي «أسلوب جديد من ~~الأعمال الفلسفية أدخله راسل - أعتقد على نحو فردي - إلى سبل الفكر الفلسفي» (المرجع ~~السابق ص16). كان هذا الأسلوب يقوم على استخدام الحالات الصعبة لاختبار الفرضيات الفلسفية، ~~وهو شكل من التجريب المتعلق بالمفاهيم يهدف إلى إخضاع الادعاءات ومفاهيم الفلسفة للفحص ~~الدقيق. فعلى سبيل المثال، يعرض راسل في بحثه المعنون «المنطق الرياضي على أساس نظرية ~~الأنماط» سبعة ms117 تناقضات تتطلب حلا تقدمه نظرية كفء، ويقدم الحل كاختبار لكفاءة نظرية ~~الأنماط التي وضعها، وينجح ذلك الحل مع المتناقضات كلها. وأصبح هذا الأسلوب الآن منهجا ~~فلسفيا مألوفا. إن الغرض من ابتكار التجارب الفكرية هو اختبار وجهة نظر ما، كما في ~~الأخلاق، مثلا، حيث يطبق مبدأ ما على مجموعة متنوعة من الحالات التي تزداد صعوبتها لمعرفة ~~ما إذا كان المبدأ يلائمها؛ أو في مناقشات المفهوم الجدلي والميتافيزيقي المهم للهوية ~~الشخصية، حيث تبتكر «اختبارات صمود» لمعرفة ما إذا كان علينا أن نعتبر الأشخاص الذين ~~يدخلونها ويخرجون منها هم «الأشخاص أنفسهم». # شكل 5-1: لودفيج فيتجنشتاين (1889-1951)، تلميذ راسل أثناء دراسته في كامبريدج قبل ~~الحرب. # 1 # ولكن - حسب وجهة نظر رايل - الأهم من ذلك ~~هو الطريقة التي أدخل بها راسل فرع المنطق الصوري إلى الفلسفة. «كان الفضل يعود إليه - كما ~~يعود إلى فريجه ووايتهيد بدرجة أقل - في أنه سرعان ما أصبح يعتبر الحصول على قدر من ~~التمرين على المنطق الصوري في فلسفة ما بعد أرسطو من الشروط الضرورية لمن سيصبح فيلسوفا» ~~(المرجع السابق، ص19). وكان وضع رايل يتيح له أن يعرف ذلك؛ إذ كان له دور أساسي في ضمان ~~إتاحة ذلك في المقرر الدراسي في جامعة أكسفورد. ومبرر ضرورة التمرين على المنطق هو أنه يرسي ~~الدقة ويبشر بفرص للفهم من النوع الذي على غرار نظريات راسل عن الأوصاف والأنماط. ومثل ~~كواين، يشيد رايل بالسبب الثاني باعتباره مهما أهمية خاصة في توضيح كيف يمكن التفرقة بين ~~المنطق السليم والهراء، وبهذه الطريقة - حسب وجهة نظره - أثر تأثيرا منفصلا في فيتجنشتاين ~~في بداياته وفي أتباع الوضعية المنطقية. # رشح فييمان أول محاولة مهمة لراسل تهدف إلى إمداد الرياضيات بأسس منطقية لتكون بوتقة ~~الفلسفة التحليلية. ولا شك أن هذا صحيح، بمعنى أن راسل حدد فيها - في شكل مبدئي وأحيانا ~~غير مكتمل - المناهج والمشكلات الأساسية. ولكن كواين على حق أيضا في أن يقول إن الفلسفة ~~التحليلية تعتمد تماما على كل أعمال راسل - كتبه وأوراقه البحثية - في الفترة ما بين عام ms118 ~~1900 وعام 1930 تقريبا. ومع ذلك، تظهر اللبنات الأولى لأعمال لاحقة في بعض هذه المواضع ~~على نحو أوضح؛ فلدينا مثلا الفصل الثاني من كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي»، بعنوان ~~«المنطق باعتباره جوهر الفلسفة». وهذا الفصل بمثابة وثيقة توضيحية بطريقتين؛ أولا: أنه ~~يوضح أشد توضيح أهداف ودوافع ومناهج أسلوب التحليل عند راسل. وثانيا: أنه يحتوي على وصف ~~مختصر للمشروع الفلسفي الذي اتخذه فيتجنشتاين في كتابه «رسالة منطقية فلسفية»، ويشرح كيف ~~تنشأ الأفكار وتتطور. # يبدأ راسل الفصل الثاني من كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي» بالتأكيد على أن مشكلات ~~الفلسفة كلها تختزل - ما دامت فلسفية بحق - في مشكلات المنطق (معرفتنا بالعالم الخارجي، ~~ص42). ويقصد بهذا أنه يمكن توضيح المشكلات الفلسفية وحلها بتطبيق أساليب المنطق الرياضي ~~الأولي؛ مما «يساعدنا على التعامل بسهولة مع المزيد من المفاهيم المجردة بما يفوق قدرة ~~الاستدلال اللفظي على إحصائها؛ وهي تقترح افتراضات مثمرة ما كان لها أن تخطر على بالنا في ~~ظروف أخرى؛ وهي تساعدنا على أن ندرك بسرعة أصغر مقدار من المواد يمكن به بناء صرح منطقي ~~أو علمي» (معرفتنا بالعالم الخارجي ، ص51). وبصفة خاصة، فإن نظريات الإدراك والمعرفة التي ~~يواصل تقديمها في الفصول التالية من كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي» «ألهمها المنطق الرياضي ~~ولم يكن من الممكن تصورها من دونه قط» (المرجع السابق). والعامل المهم هو الفكرة القائلة ~~بأن المنطق يساعدنا على تحديد «صور» الوقائع والقضايا التي تعبر عنها. إن نموذج التحليل ~~الذي يحل مشكلة كبيرة عن طريق الكشف عن صورة القضية هو - بطبيعته - نظرية الأوصاف. وحتى ~~قبل ذلك استخدم راسل التحليل الصوري لإثبات أن ليس كل القضايا تتخذ صورة الموضوع والمحمول، ~~بل إنها تكون ارتباطية؛ وتمكن هذا التحليل وحده - من وجهة نظره - من دحض مذهب المثالية ~~وتبرير الافتراض المتعلق بالتعددية. # وفي سياق مناقشة العلاقات في الفصل الثاني من كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي»، يقول راسل ~~إنه لا يمكن فهم العلاقات جيدا إلا في وجود تصنيف للصور المنطقية للوقائع. وفي هذا الموضع ~~يأتي الوصف المختصر للموضوع الذي تناوله كتاب فيتجنشتاين «رسالة ms119 منطقية فلسفية». وهذا ليس ~~إيحاء بأن راسل استقى الفكرة من فيتجنشتاين، وكان تلميذا لراسل في جامعة كامبريدج لمدة ~~سنتين قبل أن يكتب راسل هذا الفصل؛ بل هو إيحاء بالعكس؛ إذ استقى فيتجنشتاين هذه الأفكار من ~~راسل. ويأتي مبرر هذا الادعاء بعد برهة. أولا: من الضروري أن نذكر أنفسنا بالحجة التي ~~يقوم عليها كتاب فيتجنشتاين «رسالة منطقية فلسفية». باستخدام كلمات فيتجنشتاين نفسه ونظام ~~الترقيم بعد إعادة ترتيبه هنا (لتوضيح بنية الحجة)، فإن الفرضيات الأساسية الواردة في كتاب ~~«رسالة منطقية فلسفية» هي: ~~(1) العالم هو كل الحقيقة الواقعة. ~~(1-1) العالم هو مجموع الوقائع، وليس الأشياء. ~~(2) الحقيقة الواقعة - بمعنى الوقائع - هي وجود حالات. ~~(2-1) أي حالة هي عبارة عن مجموعة من العناصر (الأشياء). ~~(2-2) العناصر بسيطة. # ويوازي هذا الوصف المتقشف لبنية العالم وصف للبنية الفكرية المقابلة كما ترمز إليها ~~القضايا، وهي علاقة يصفها فيتجنشتاين بمصطلح التصور. ~~(4) أي صورة منطقية للوقائع هي عبارة عن فكرة. ~~(3-1) في أي قضية تجد الفكرة رمزا يمكن أن تدركه الحواس. ~~(3-201) في أي قضية يمكن التعبير عن فكرة ما بطريقة تماثل فيها عناصر رمز القضية عناصر الفكرة . ~~(5) أي قضية هي دالة صدق للقضايا الأولية. ~~(4-21) أبسط نوع من القضايا - وهي القضية الأولية - تؤكد وجود حالة ما. # وتسير الحجة على هذا النحو، بمزيد من التفصيل. ومن نافلة القول أن الأفكار المنطقية التي ~~تكمن وراء هذه الفرضيات هي بالطبع مألوفة من الأعمال السابقة لراسل؛ ولكنها تتصل أساسا ~~بفكرة البنية ووسيلة تحليلها، ومثال ذلك نظرية الأوصاف. والمدهش أكثر هو المضمون الفعلي ~~لوجهات النظر التي يعبر عنها بالترتيب كل من فيتجنشتاين في كتاب «رسالة منطقية فلسفية» ~~وراسل في الفصل الثاني من كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي». وفي هذا الفصل يكتب راسل: # يتألف العالم الحالي من الكثير من الأشياء والكثير من الصفات والعلاقات. ومن ~~المفترض ألا يتطلب وصف كامل للعالم الحالي قائمة بالأشياء فحسب، بل أيضا ذكرا ~~لكل صفاتها وعلاقاتها ... فحين أتحدث عن «واقعة» ما، فإني لا أقصد واقعة من الأشياء ~~البسيطة في العالم، بل ms120 أقصد أن شيئا معينا يحمل صفة معينة، أو أن أشياء معينة ~~تحمل علاقة معينة ... وأي واقعة بهذا المعنى ليست بسيطة مطلقا، ولكنها دائما تتألف ~~من مكونين أو أكثر ... وعند وجود أي واقعة، توجد قضية تعبر عن الواقعة، (وهذه ~~القضية) سيطلق عليها قضية ذرية؛ لأنه كما سنلاحظ حالا يوجد قضايا أخرى تدخل فيها ~~القضايا الذرية في قضايا ذرية أخرى بطريقة مشابهة للطريقة التي تدخل بها الذرات في ~~الجزيئات ... ولكي نحافظ على التوازي في اللغة فيما يتعلق بالوقائع والقضايا، سنطلق ~~اسم «الوقائع الذرية» على الوقائع التي ندرسها حتى الآن. ~~(معرفتنا بالعالم الخارجي، ~~ص60-62) # وتستمر الحجة على هذا النحو. # يأتي وصف راسل هنا كوصف مختصر، ويحضر على نحو غير رسمي؛ ففي كتاب «رسالة منطقية فلسفية» ~~يعرض فيتجنشتاين فرضياته بمزيد من التفصيل، في شكلها المرقم ترقيما منظما؛ مما يمنحها ~~مظهر الدقة، مع أنها في الواقع عبارة عن حجة جزئية فقط. ويحرص فيتجنشتاين على فصل وصفه ~~لأبنية اللغة العالمية الموازية عن أي اعتبارات إبستمولوجية، فيما يقدم راسل أمثلة واقعية ~~للوقائع والصفات والعلاقات: مثال على الحقيقة الذرية عبارة «هذا أحمر»، ومثال على الحقيقة ~~الجزيئية عبارة «اليوم هو الاثنين وهي تمطر الآن». # من الممكن إثبات أن الأساس الذي يستند إليه كتاب فيتجنشتاين «رسالة منطقية فلسفية» مستمد ~~من أفكار راسل هذه؛ وذلك لأن الوصف المختصر الوارد في فصل كتاب راسل يلخص وصفا أطول كان ~~يسعى إلى تقديمه في مخطوطة أصبحت تعرف الآن باسم «نظرية المعرفة». (أصبحت المخطوطة تحمل ~~هذا العنوان عند إعادة بنائها ونشرها بعد وفاة راسل.) كان راسل مشغولا في العمل في هذه ~~المخطوطة في عام 1913 حين كان فيتجنشتاين تلميذه. وعرضها على فيتجنشتاين، فانتقد ما بها من ~~مناقشات تتناول الاطلاع والحكم. ف «الاطلاع» - كما سبق وصفه - هو الاسم الذي أطلقه راسل ~~على العلاقات المعرفية الأساسية بين موضوع ما وعناصر من أنواع مختلفة؛ و«الحكم» هو علاقة ~~معقدة يمكن وصفها تقريبيا بأنها تقبل قضية ما باعتبارها صادقة بسبب الاطلاع على ~~مكوناتها. نحن لا نعلم تفاصيل انتقادات فيتجنشتاين؛ وحين ms121 تحدث راسل عنها في رسالة قال: «كان ~~كل منا يشعر بضيق الخلق بسبب ارتفاع حرارة الطقس، وعرضت عليه جزءا مهما مما كنت أعكف ~~على كتابته؛ فقال دون أن يدرك الصعوبات إنه كله كان خاطئا، وإنه كان قد جرب وجهة نظري ~~وتأكد من أنها لن تنجح. لم أستطع أن أفهم وجه اعتراضه - في الواقع كان عاجزا عن التعبير ~~تماما - ولكني ينتابني شعور غامض ينبئني أنه كان محقا بالتأكيد.» ولهذا السبب في المقام ~~الأول لم ينشر راسل إلا جزءا من المخطوطة، وبعد عدة سنوات تخلى عن مفهوم الاطلاع الذي ~~كان في صلب موضوعها. ولكن الخطة الأساسية - التي تتناول القضايا الجزيئية القابلة للتحليل ~~إلى مكونات ذرية، والتي ترمز إلى وقائع توازيها في البنية، على أن تكون العلاقات التي بين ~~الوقائع والقضايا هي أساس فهمنا للقضايا - تظل موجودة في الوصف المختصر الوارد في الفصل ~~الثاني من كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي»؛ وهو الهيكل الذي يكسوه فيتجنشتاين بلحم مختلف ~~بعض الشيء في كتابه «رسالة منطقية فلسفية». # وليس من قبيل المفاجأة أن تكون وجهات نظر فيتجنشتاين مستمدة من راسل على هذا النحو؛ إذ ~~كان راسل فعليا هو معلم الفلسفة الوحيد الذي تعلم منه فيتجنشتاين، كما كانت أعمال راسل ~~- باستثناءات مميزة قليلة - هي قراءاته الفلسفية الأساسية. وقد كتب صديقه ديفيد بينسنت في ~~مذكراته: «من الواضح أن فيتجنشتاين من مريدي راسل ويدين له بالكثير.» إذن من الواضح أن ~~كتاب فيتجنشتاين «رسالة منطقية فلسفية» كان من بين النتائج الفلسفية الأولى التي نشأت من ~~أعمال راسل. ومن الممكن أن يقال إن راسل من بين المؤثرات الأساسية التي أثرت في فلسفة ~~فيتجنشتاين في فترة لاحقة أيضا، لكن على نحو معقد، وسلبي هذه المرة. # إذا لم يزد عدد من تأثروا براسل عن الأسماء التي ذكرتها فعلا ~~- كواين وكارناب وأتباع الوضعية المنطقية ~~وفيتجنشتاين ورايل؛ ومن الممكن أن يضاف إلى القائمة إيه جيه آير، وذلك بإقراره هو شأنه في ~~ذلك شأن كواين - فمن المفترض أن يكون ذلك دليلا يؤكد صحة ادعاء فييمان بأن راسل هو ms122 مؤسس ~~الفلسفة التحليلية في القرن العشرين وزعيمها. ولكن لدينا المزيد مما لا بد أن يقال في ذلك ~~الصدد، ولدينا كذلك فكرة أنه يوجد من ينسبون هذه المكانة إلى غيره. وتستحق النقطتان ~~المناقشة. # للأسف لا يوجد فهرس لمجموعة أوراق راسل البحثية التي حررها آر سي مارش بعنوان «المنطق ~~والمعرفة». والمجموعة تجمع بين بعض من أهم مقالات راسل وأكثرها ترابطا، ومعظمها - بدورها ~~- من المواد المطلوب أن يقرأها الفلاسفة المتخصصون في الفلسفة التحليلية. وتشمل «منطق ~~العلاقات»، و«عن التدليل»، و«المنطق الرياضي بناء على نظرية الأنماط»، و«عن طبيعة ~~الاطلاع»، و«فلسفة مذهب الذرية المنطقية»، و«عن القضايا: ماهيتها ومعناها»، وغيرها. وفي ~~ظل غياب فهرس من المرجح أن يخط الدارس المتأني لهذه الأوراق البحثية فهرسه الخاص بالقلم ~~الرصاص على الصفحات الخالية في مقدمة أو نهاية نسخته من الكتاب. وحين أتصفح نسخي من هذه ~~الكتب أجد إحالات ليس فقط إلى الموضوعات التي من المفترض أن يتوقع المرء وجودها في مجموعة ~~من أعمال راسل - الأوصاف، والتدليل، والأنماط، والأوهام المنطقية، والتحليل، والاطلاع، ~~والبيانات الحسية، والعلاقات، والكليات، والجزئيات، والوقائع، والقضايا، وما إلى ذلك - بل ~~أيضا قائمة بما يبدو أنه بعض الأفكار الملحة في الفلسفة التحليلية: مواقف القضايا والجهة، ~~والعوالم الممكنة، والإبهام، ومذهب الطبيعية، ودالة الصدق، وطبيعة العقل، والتحقق والصدق، ~~والوجود والمعنى، وغير ذلك الكثير. وينشأ قدر كبير من هذا من راسل نفسه؛ ومن ثم تشكل ~~أعماله من حيث الموضوعات محل الاهتمام والمجال تغييرا ملحوظا في مسار تاريخ الفلسفة. وحتى ~~الفلاسفة الخمسة المعاصرون الذين كثيرا ما يشيد بهم راسل في صفحات الشكر في كتبه ~~- وكان كريما إلى حد فريد، بل مفرطا في ~~الكرم، في نسب مصدر إلهامه إلى الآخرين - وهم بالتحديد بيانو وفريجه ووايتهيد ومور وويليام ~~جيمس، يوجد واحد فقط من بينهم يضارعه في مناقشة هذا النوع والمجال (بدرجة أقل) من ~~الموضوعات، وهو فريجه. # ولكن مع أن فريجه أثر في راسل، وأنجز أعمالا بارعة في فلسفة الرياضيات واللغة، فإن ~~تأثيره على راسل كان أقل مما قد يفترض المرء؛ لأن راسل لم يفهم فريجه ms123 حين قرأ أعماله في ~~بادئ الأمر، واضطر إلى إعادة اكتشاف بعض آراء فريجه بنفسه إلى أن فهم معناها؛ وحتى ~~حينئذ - في بعض النقاط المهمة مثل الفارق الذي وضعه فريجه بين الحس والإحالة - لم يتخذ ~~موقف فريجه ووضع فارقا مختلفا وأقل توفيقا. وعلاوة على ذلك كانت الموضوعات محل الاهتمام ~~- مع أنها أشد عمقا - حدودها أضيق من حدود موضوعات راسل؛ لذلك كان تطبيق راسل للأفكار ~~الجديدة في المنطق الرياضي على شئون فلسفية أوسع أمرا غير مسبوق فعليا؛ ولذلك فإن أصالة ~~إسهامات راسل عظيمة. # كان لتأثير راسل صور أخرى أيضا؛ ففي الفصل الثالث من كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي» ~~تناول راسل مشكلة تفسير الإدراك المكاني عن طريق بناء «افتراض نموذجي» كتفسير جائز يعلل كيف ~~أن الأمكنة الخاصة القائمة على المنظور، التي يتعرض لها الأفراد بالرؤية واللمس، يتضح أنها ~~متناسبة مع الأمكنة الخاصة للآخرين في المكان العام. وقد تمكن من تنفيذ ذلك من خلال إنشاء ~~نموذج ثم «التخلص من كل ما هو زائد في الافتراض الذي وضعناه ونترك بقية قد نعتبرها الجواب ~~المجرد على مشكلتنا» (معرفتنا بالعالم الخارجي، ص94). ويأخذنا راسل خطوة بخطوة صوب بنية ~~تثبت كيف يمكن التغلب على تناقض ظاهري مهم بين عالم الحس وعالم الفيزياء. واستخدم بي إف ~~ستروسون لاحقا أسلوبا مشابها في كتابه «الأفراد»؛ حيث استخدمه في بناء عالم يعتمد على ~~حاسة السمع فحسب لاستكشاف مفاهيم الجزئيات الأساسية ومفاهيم إعادة التعرف. واستخدمه إيه جيه ~~آير في كتابه «أسئلة فلسفية مهمة» لتحديد قدر الإمكانيات الإدراكية والمفاهيمية التي يجب أن ~~نسلم بوجودها لدى مدرك ما كأساس يقوم عليه تعرضه لتجربة إدراكية. وتوجد أمثلة أخرى ~~بالإضافة إلى ذلك. # من السمات اللافتة في إرث راسل أنه فلسفي بالكامل تقريبا بدلا من كونه منطقيا أو ~~رياضيا. وتتطلب هذه الفكرة تفسيرا. وقد قال جي تي نيبون: «بفضل الإلهام الذي منحه كتاب ~~«أصول الرياضيات» لعلماء المنطق والفلاسفة في القرن العشرين، وبفضل ما يتسم به من ثراء ~~كمصدر للمفاهيم والوسائل الرمزية، يظل هذا العمل العظيم في أدبيات أصول الرياضيات ms124 أثرا ~~متفردا من الطراز الأول بلا نظير.» هذا التقييم ليس صحيحا في المطلق؛ إذ أدت مجموعة ~~الرموز المنطقية التي أدخلها كتاب «أصول الرياضيات» إلى تشكيل أساس ما أصبح اليوم هو ~~المتعارف عليه، وقد ظهرت رؤى مختلفة لبعض التفاصيل الفنية الواردة في كتاب «أصول ~~الرياضيات»، مثلا رؤية كواين لنظرية الأنماط؛ ولكنه صحيح في العموم، وهذا هو ما يستدعي ~~التعليق. باختصار، شهدت فترة تأليف كتاب «أصول الرياضيات» والفترة التي أعقبت تأليف الكتاب ~~حدوث زيادة مفاجئة في البحث الرياضي والمنطقي. من العدل أن يقال إنه سرعان ما جعل كتاب ~~«أصول الرياضيات» قديما. صيغت مجموعة متنوعة من أنواع المنطق واكتشفت أنظمة صورية للحساب ~~لا تقوم على المنطق، واتضح أن كلا من المنطق ونظرية المجموعات نسبيان (بمعنى أن التطورات ~~التي حدثت في المناهج المختلفة أثبتت عدم وجود منطق فريد «مطلق» أو نظرية للمجموعات مطلقة)، ~~وحلت نظرية المجموعات التي وضعها زيرميلو فرانكل محل نظرية المجموعات القائمة على نظرية ~~الأنماط، وعرقلت النظرية الرياضية التي تتناول عدم الكمال - التي وضعها كيرت جوديل، وتقول ~~في جوهرها إنه لا يمكن اختزال الرياضيات أو المنطق إلى نظام من المسلمات - الأمل القائم ~~على النزعة المنطقية الذي كان يراود راسل لتفسير مصدر ومبررات المعرفة الرياضية بالحدود ~~المنطقية. # ومن ثم، تعود قيمة كل من مشروع كتاب «أصول الرياضيات» ومساعي راسل للتغلب على ~~الصعوبات الفنية وهو ينفذ ذلك المشروع أساسا إلى النتائج التي ترتبت عنه في مجال الفلسفة ~~بدلا من مكانتها في تاريخ الرياضيات. والشيء نفسه ينطبق على أعمال فريجه، فيما عدا أن بعض ~~ابتكاراته الفنية في شكليات المنطق كانت ذات أهمية بالغة لتطوره فيما بعد. # فريجه هو المفكر العظيم الآخر في بداية القرن العشرين الذي يعود إليه الفضل في تأسيس ~~الفلسفة التحليلية. والباحث الذي يضع فريجه في صدارة الخريطة الفلسفية للقرن العشرين - وهو ~~مايكل داميت - يؤكد أن جوهر الفلسفة التحليلية هو الادعاء بأنه لكي نفهم كيف نرى العالم، ~~لا بد أن نفحص اللغة؛ لأن اللغة هي سبيلنا الوحيد نحو الفكر. ويؤدي هذا إلى جعل ms125 فلسفة ~~اللغة محورية، لتحل محل نظرية المعرفة التي - منذ عصر ديكارت على أقل تقدير - كانت تتخذ ~~هذا الموقف. ويقول داميت إن الفضل في إحلال فلسفة اللغة محل نظرية المعرفة يعود إلى ~~فريجه. وكان فريجه قد شرع في المشروع نفسه الذي شرع فيه راسل - وبدأ قبله بعقدين - وهو ~~مشروع بناء الرياضيات على أسس من المنطق. واكتشف أن الأدوات المنطقية المتاحة لديه غير ~~كافية على الإطلاق لتنفيذ المهمة؛ ولذلك بدأ في ابتكار أدوات جديدة ونجح في ذلك. وساعدت ~~ابتكاراته على تبسيط المنطق، وفي الوقت نفسه على توسيع تأثيره إلى حد كبير. ولكنه اكتشف ~~أيضا أنه سيكون مضطرا إلى ضرب أمثلة على مفاهيم الإحالة والصدق والمعنى لتنفيذ مشروعه، ~~وهذه هي المرحلة - كما يقول داميت - التي شهدت بدء الاتجاه إلى فلسفة اللغة. # مما لا شك فيه أن أعمال فريجه ذات أهمية بالغة في الفلسفة. ومما لا شك فيه أيضا أن فريجه ~~قد أثر في راسل، مع أن ذلك كان على النحو المبهم الذي ورد وصف مختصر له فيما سبق قبل بضع ~~فقرات. ولكن من الصعب أن نتفق مع ادعاء داميت الذي ينسب الأولوية التاريخية إلى فريجه، ~~وليس سبب هذا فقط أن مفهوم داميت عن الفلسفة التحليلية مقيد على نحو غير واقعي؛ فالواقع ~~أن أعمال فريجه كانت غير معروفة إلا فيما ندر في حياته (توفي في عام 1925)، وكاد راسل ~~يكون الوحيد الذي حاول جذب الانتباه إليها. وحتى آنذاك، لم يدرك الناس المضمون الكامل ~~لأعمال فريجه إلا في خمسينيات القرن العشرين، وفي الواقع لم يحدث ذلك إلا بعد ظهور الدراسات ~~المهمة الأولى التي أصدرها داميت عن فريجه في ستينيات القرن العشرين. وبخصوص الجانب ~~التاريخي البحت، من المفترض أن يكون من الأصح أن نقول إن القيمة البارزة لأفكار فريجه هي ~~عبارة عن نتيجة متوقفة على أهميتها النظرية وليس التاريخية. أما بخصوص قدر كبير من أعمال ~~راسل - نظريات الإدراك والمعرفة التي وضعها وفلسفات العقل والعلم التي ابتكرها - فمن ~~الإنصاف أن نقول إن العكس صحيح؛ فالأهمية ذات طابع تاريخي ms126 أكثر منه نظريا. ولكن بعض أعمال ~~راسل كما رأينا تجمع بين القيمة النظرية والتاريخية، وهذا يفسر كيف أنها أسهمت في تطور ~~الفلسفة التحليلية. # أحيانا ما تقترح آراء ترى أحقية جي إي ~~مور بلقب مؤسس الفلسفة التحليلية، وذلك ليس من فراغ. نسب راسل - بأسلوبه الكريم - خروجه من ~~مذهب المثالية إلى تأثير مور، ومما لا شك فيه أن مزاج مور الفلسفي ومناهجه الفلسفية كان لها ~~تأثير عليه. وادعى مور أنه فيما أن معظم الفلاسفة بدءوا يعبرون عن آرائهم الفلسفية بدافع ~~الدهشة، كان مبرره في ذلك هو أنه اكتشف أن ما قاله الفلاسفة الآخرون مدهش. وكان الأسلوب ~~الذي اتبعه يقوم على البحث عن تعريفات للمصطلحات أو المفاهيم الأساسية محل النقاش في حقل ~~ما من حقول الاستقصاء الفلسفي. وكان يشترط في أي تعريف أن تكون الجملة أو الكلمات التي ~~يتألف منها التعريف مرادفة للتعبير أو المفهوم المطلوب تعريفه على ألا تحتوي على مصطلحات ~~مشتركة معه. ويكمن خلل هذا المطلب في أنه حتى إذا كانت مثل هذه التعريفات ممكنة - من ~~المشكوك فيه وجود مثل هذه التعريفات، حتى في حالة التعريفات المعجمية مثل التعريفات ~~المألوفة الواردة في القواميس - فهي لا تشكل إلا نوعا واحدا من التعريفات، أما الأنواع ~~الأخرى - مثل التعريفات التحليلية (التي تعرف شيئا بوصف بنيته أو وظيفته) والتعريفات ~~العملية (التي تسمح بأن يشرح شيء ما نفسه عن طريق عرضه وهو قيد الاستعمال) - فغالبا لا ~~تكون فقط عملية أكثر، بل وكاشفة أكثر؛ ومن ثم تكون ذات قيمة فلسفية أكبر. وكان مور يقر ~~بالطبع بوجود ونفع أنواع أخرى من التعريفات، ولكنه اعتبر النوع المفضل إليه هو النوع ~~المثالي؛ وكان يرى أيضا أنه توجد مفاهيم فلسفية أساسية معينة - مثل مفهوم «الصلاح» في علم ~~الأخلاق - ليس من الممكن توفير تعريف لها؛ وهذه الأشياء غير قابلة للتعريف وبدائية، ويجب أن ~~تبدأ النظرية بها بدلا من أن تحاول تفسيرها. # مما لا شك فيه أيضا أن أسلوب مور وشخصيته كانا من العوامل المهمة في السنوات الأولى من ~~الفلسفة التحليلية. وفي مقدمة ms127 كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي»، كتب راسل أن التحليل أدخل ~~إلى الفلسفة ما أدخله جاليليو إلى الفيزياء: «إحلال نتائج تدريجية ومستفيضة وممكن إثباتها ~~محل مبادئ عامة غير مجربة لا يزكيها إلا مخاطبة القدرة على التخيل.» وقد يصلح هذا المقطع ~~أيضا ليكون وصفا لأسلوب مور الدقيق في الفلسفة؛ ففيه يأخذ ادعاء أو فكرة ما ويظل يفكر ~~فيها طويلا بلا كلل حتى يحللها إلى مكوناتها في صياغة منظمة. وهو ليس أسلوبا خلابا، لكنه ~~فعال بطريقته المحدودة. كان لمور عدد كبير من المقلدين، ولكن أهدافه ومناهجه كانت تنزع ~~إلى الانتقاد في المقام الأول؛ فلم يقدم أي اكتشافات فلسفية. ويكمن إرثه الأساسي في أنه منح ~~انتشارا لمفهوم «المغالطة الطبيعية» في علم الأخلاق، وهي تعريف صفة أخلاقية مثل الصلاح من ~~حيث صفة ما طبيعية مثل المتعة. إن مقياس تأثير أي فيلسوف هو مدى الاستفادة من مناهجه ~~وأفكاره بعد أن يقدمها؛ وبهذا المقياس فإن مكانة مور في فلسفة أوائل القرن العشرين لا تضاهي ~~مكانة راسل. ومع ذلك ساعد مور فعلا في تشكيل الجو التحليلي، وقد ساعدت حركته المميزة ~~الشهيرة - شهقة الارتياع التي كان يرد بها على الأقوال الفلسفية التي كانت تبدو له شاذة - ~~في دفع أجيال من التلاميذ والزملاء للتفكير بمزيد من الحرص قبل أن يتكلموا أو ~~يكتبوا. # قد توحي المناقشة السابقة بأن الفلسفة التحليلية ظاهرة حديثة العهد. وهذا صحيح، على صعيد ~~أن الكثير من مصادر إلهام الفلسفة التحليلية وأساليبها مستمد من أسس المنطق الجديد. ولكن ~~على صعيد آخر وعلى القدر نفسه من الأهمية، فإنها تمثل تطورا مباشرا لتراث هيوم وبيركلي ~~ولوك وأرسطو. وقد أسهم أول مفكرين من هؤلاء المفكرين - ولا سيما الثاني - فضلا عن ~~لايبنتس، في تشكيل قدر كبير من توجه راسل الفلسفي. وليس من الصعب أن نلاحظ التشابه بين ~~راسل وأرسطو؛ إذ إن أرسطو أقام تصوره للميتافيزيقا على تصوره للمنطق، وطور تصوره للمنطق ~~لهذا الغرض، تماما مثلما فعل راسل. # لا يمكن أن يغفل أي تقييم لراسل كفيلسوف فكرة أن أعماله كثيرا ما تكون أقل دقة ms128 وحرصا ~~مما كان من الممكن أن تكون عليه إذا كان قد اتبع نصائحه المنهجية. وتتخلل أعماله فعلا ~~مساحات معروفة من الإهمال والسطحية، ومن العجائب الباقية في مجال الفلسفة أن أكثر كتبه ~~نجاحا وانتشارا، وهو كتاب «تاريخ الفلسفة الغربية»، والذي يعد مصدرا لمعظم الناس ~~لمعرفة الفلسفة - مع كل مزاياه الجمة الأخرى - يتسم بنقص فادح كمناقشة فلسفية في عدة ~~مواضع. كانت له أخطاء أصبح الطلاب حاليا يحترسون منها في محاولاتهم الأولى؛ ومن أمثلة ذلك ~~استخدام الفارق بين «الاستخدام والذكر»، والذي يتناول الاختلاف الشاسع بين استعمال تعبير ~~ما فعلا وبين التحدث عنه؛ ففي الجملة السابقة استخدمت كلمة «تعبير»؛ وأنا الآن أذكرها، ~~وأميز هذه الحقيقة من خلال وضع الكلمة بين علامتي تنصيص. وتحفل المناقشات الفلسفية ~~بالمناسبات التي تتضح فيها أهمية الفارق، وهو أمر من الممكن إثباته بأن نذكر أن لكل من ~~جملتي «شيشرون لديه ستة رسائل» و«كلمة «شيشرون» تتألف من ستة أحرف» معاني مختلفة ~~تماما. # غضب البعض من لامبالاة راسل أحيانا بخصوص ضرورة الحرص على الدقة (وهو واجب محتوم في ~~الفلسفة، إذا كان المرء يسعى إلى الدقة والوضوح. وتتطلب الفلسفة أيضا القدرة على التخيل ~~والإبداع، ولكن إذا لم تتحد القدرة على التخيل مع الدقة، فإنها لا تفيد المرء كثيرا). وقد ~~وصف نورمان مالكوم - في سياق العرض النقدي الذي قدمه عن كتاب «معرفتنا بالعالم الخارجي» - ~~هذا بأنه «ثرثرة حواة». ومن المفارقات أن راسل تسبب في رفع معايير المناقشات الفلسفية إلى ~~حد بعيد، ولكن قياسا بالمستويات المتطلبة التي بلغتها تلك المعايير، بات هو نفسه حاليا ~~لا يبلغ المستوى المطلوب أحيانا. # ومع ذلك، فإن هذه الشكاوى غير ذات بال؛ ففي معظم الحالات التي يتجاوز فيها راسل التحفظات ~~والتفاصيل القليلة الأهمية باستخدام نثره البديع، ويسحرنا بخفة ظله وظرفه، تصبح مثل هذه ~~المشكلات التي يتسبب فيها غير فادحة إذا كان القارئ متنبها. وعلى أي حال كان راسل يدرك ~~أنه أحيانا كان يستخدم أسلوبا مفرطا في سرعته. كان يضيق ذرعا بالميل إلى استعراض ~~المعلومات الذي لا يرضى صاحبه إلا إذا ms129 أثقل الكتاب بسيل من الحواشي. كان يتلهف على ~~النتائج العملية وعلى وجهة نظر ثابتة وفعالة تعبر عن أفضل معلومات أساسية عن التجربة يستطيع ~~أن يوفرها العلم. وفي بعض أعماله اللاحقة خصوصا، كان موقفه هو أنه إذا أمكن إيجاز المخطط ~~التمهيدي لنظرية ما، أصبح من الممكن إضافة التفاصيل فيما بعد. وحتى في هذه الحالة نجد أن ~~أفكاره محفزة وأحيانا غير مألوفة. # ولكن يلحظ المرء أن هذه الأقوال لا تنطبق على راسل إلا وهو في عجلة من أمره، وكأنه يرسم ~~بأقلام الفحم بدلا من الألوان الزيتية؛ ففي أفضل حالاته تكون أعماله الفلسفية غنية ~~ومستفيضة وبارعة وعميقة. ويصح هذا بالتحديد على ما كتبه في الفترة ما بين عامي 1900 ~~و1914. والأوراق البحثية المجموعة بين دفتي كتاب «المنطق والمعرفة» واضحة بذاتها في هذا ~~الصدد. إن ما يقوله آر إل جودشتاين عن بعض مضمون كتاب «أصول الرياضيات» - «يمثل كتاب «أصول ~~الرياضيات» من بعض النواحي قمة في الإنجاز الفكري؛ إن مفهوم نظرية الأنماط المتشعبة القائمة ~~على بديهية القابلية للاختزال خصوصا من أدق وأذكى المفاهيم على مستوى كل المؤلفات في مجال ~~المنطق والرياضيات» («ما بعد كتاب أصول الرياضيات»، في كتاب «مجلد راسل التذكاري»، من تأليف ~~روبرتس، ص128) - يمكن أن ينطبق على بعض ~~كتابات راسل الفلسفية الأهم. وهذه إشادة بالغة فعلا. # إن الرسم البياني للشهرة له شكل يكاد يكون ثابتا؛ فهو يرتفع أثناء حياة المرء، وحتى إذا ~~انخفض في سنوات الضعف فإنه يرتفع ارتفاعا شديدا عند نشر إعلانات النعي والكتب التذكارية. ~~ثم ينخفض انخفاضا شديدا ويظل راكدا لمدة جيل واحد. ولكن يعود إلى الارتفاع بعد مدة طويلة ~~ويجد مكانته المناسبة في تقدير أجيال المستقبل. توفي راسل عام 1970؛ وعلى مدى العقود ~~التي أعقبت وفاته لوحظ أن اسمه - وليس تأثيره الحقيقي، كما تعرض الصفحات السابقة - لم يكن ~~حاضرا إلا بما يتصل بالموضوعات الفلسفية التي كانت أساسية في عمله، خصوصا في مناقشة ~~الإحالة والأوصاف، ومساعي تحليل الوجود، وفي التاريخ الحديث لنظرية الإدراك. ومن أسباب هذا ~~التراجع إلى هامش التاريخ هو أن ms130 الفلسفة اللاحقة لفيتجنشتاين (ويستعصي هذا الفيلسوف على ~~قاعدة الرسم البياني التي أشرت إليها؛ فعقب وفاته مباشرة ظهر مريدون متحمسون له على مدى ~~ثلاثة عقود، ولكن مواهبه كفيلسوف - رغم عظمتها - أصبحت الآن تحظى بتقدير أكثر رصانة ~~واعتدالا) كانت تقدم أسلوبا مناقضا تماما لأسلوب راسل في التحليل؛ ففي الواقع ظل معظم ~~المشتغلين في الفلسفة يواصلون عملهم بأسلوب راسل، ولكن شهرة أفكار فيتجنشتاين وحماس مريديه ~~منح الانطباع المعاكس. ويكمن السر في ذلك فيما قاله رايل عن أن راسل لم يكن يسعى أو يرغب في ~~تأسيس مذهب من المريدين: «علمنا راسل ألا نعتنق أفكاره، بل أن يكون لكل منا تفكيره ~~الفلسفي المستقل؛ فمن ناحية لا يوجد أحد الآن يتبع أسلوب راسل ولن يتبع أحد أبدا أسلوب ~~راسل مرة أخرى؛ ولكن من ناحية أخرى كل منا الآن يتصف بشيء من أسلوب راسل.» # شكل 5-2: صورة شخصية لراسل. # 2 # بوجه عام يحظى المفكرون بمريدين حين يقدمون أجوبة جذابة للأسئلة الكبرى للفلسفة (وهي ~~الأسئلة الكبرى للحياة، وذلك في مظهر أكثر تبسيطا). كان راسل متشككا في الأجوبة، مع أنه ~~كان يسعى إليها بكل قوة. وفي خاتمة كتاب «مشكلات الفلسفة»، كتب راسل متحدثا عن قيمة ~~الفلسفة: # لا بد من دراسة الفلسفة، ليس من أجل الحصول على أجوبة محددة على الأسئلة التي ~~تطرحها، ما دام من غير الممكن التيقن عموما من صحة أي أجوبة محددة، بل لا بد من ~~دراستها من أجل الأسئلة نفسها؛ لأن هذه الأسئلة توسع مداركنا لكل ما هو ممكن، ~~وتثري قدرتنا على التخيل الفكري، وتقلل من اليقين الجازم الذي يغلق العقل أمام ~~التفكر؛ بل والأهم من ذلك، لأن العقل يصير عظيما نظرا لعظمة الكون الذي تتفكر ~~فيه الفلسفة، ويصبح قادرا على ذلك الاتحاد مع الكون الذي يؤلف الخير ~~الأسمى. # بأي مقياس يختاره المرء نجد أن راسل من العقول العظيمة؛ إذ كان يتفكر في مجالات كثيرة. ~~لقد أسهم في تغيير مسار الفلسفة ومنحها طابعا جديدا. قلة نادرة من شخصيات التاريخ هي التي ~~يمكن - كل في مجال نشاطه ms131 - أن توصف بهذا الوصف. وحتى في هذه الحالة، حقق بعض هؤلاء ~~مكانتهم بالصدفة أو حقق بعضهم إنجازا وقتيا واحدا، كما هي الحال مع ألكسندر فليمنج ~~وجافريلو برينسيب، وذلك للخير والشر على التوالي. لكن في المقابل، أنجز راسل هذه المكانة ~~بوسيلة بارزة؛ بعدد كبير من الكتب والمقالات والمحاضرات على مدى سنوات طويلة، وفي عدة ~~قارات؛ ومن ثم فهو شخصية ملحمية بحق، شأنه شأن أرسطو ونيوتن وداروين وأينشتاين. # | هوامش # | الأعمال المقتبس منها داخل النص # The Autobiography of Bertrand ~~Russell, # one-volume edn. (Unwin Paperbacks, ~~1975). # The Analysis of Mind ~~(Allen & Unwin, 1921). # The Analysis of Matter, # paperback edn. (Routledge, 1992). # Human Knowledge: Its Scope and ~~Limits ~~(Allen & Unwin, 1948). # Human Society in Ethics and Politics ~~(Allen & Unwin, 1954). ~~'The Philosophy of Logical Atomism’, in # Logic and Knowledge ~~, ed. R. C. ~~Marsh. # Marriage and Morals ~~, ~~paperback edn. (Routledge, 1991). # My Philosophical ~~Development, # paperback edn. (Routledge, ~~1993). # Our Knowledge of the External ~~World, # 2nd edn. (Allen & Unwin, ~~1926). Principia Mathematica, # 2nd ~~edn. (Cambridge University Press, 1925). # The Principles of ~~Mathematics ~~(Allen & Unwin, 1937; first published ~~1903). # The Problems of Philosophy ~~(Oxford University Press, 1912). # An Inquiry into Meaning and ~~Truth ~~(Allen & Unwin, 1940). # The Conquest of Happiness ~~(Allen & Unwin, 1930). # Education and the Social ~~Order ~~(Allen & Unwin, 1931). # Essays in Analysis, # ed. ~~Douglas Lackey (Allen & Unwin, 1973). # Introduction to Mathematical Philosophy ~~(Allen & Unwin, 1919). # Logic and Knowledge, # ed. ~~R. C. Marsh (Allen & Unwin, 1956). # Mysticism and Logic, # paperback edn. (Allen & Unwin, 1963). Power ~~(Allen & ~~Unwin, 1938). Principles of Social ~~Reconstruction ~~(Allen & Unwin, ~~1916). # Religion and Science ~~(Oxford University Press, 1935). # Why I Am Not A Christian ~~(Allen & Unwin, 1957). Political Ideals ~~(Routledge, 1994; first published 1917). # Roads to Freedom ~~(Allen ~~& Unwin, 1918). Portraits from Memory ~~(Allen & Unwin, 1958). # | قراءات إضافية # Russell’s works remain their own best introduction, but there is a large ~~literature on Russell and the various aspects of his philosophy, some of which ~~carries much further the debates he started. A. J. Ayer’s # Bertrand Russell ~~(Fontana, 1972) and # Russell ~~and Moore; ms132 The Analytical Heritage ~~(Harvard University Press, 1971) ~~provide a sympathetic introduction. R. M. Sainsbury’s # Russell ~~(Routledge, 1979) gives an absorbing technical discussion of ~~Russell’s central work. Peter Hylton’s # Russell, Idealism and ~~the Emergence of Analytic Philosophy ~~(Clarendon Press, 1990) is ~~essential reading for any serious study of Russell’s thought. Nicholas Griffin’s # Russell’s Idealist Apprenticeship ~~(Clarendon Press, 1991) is an excellent detailed study of Russell’s early work in ~~philosophy. # There are a number of collections of essays on aspects of Russell’s work. ~~E. D. Klemke (ed.), # Essays on Bertrand Russell ~~(University of Illinois Press, 1971), D. F. Pears (ed.), # Bertrand Russell ~~(Anchor Books, 1972), G. W. Roberts (ed.), # Bertrand Russell Memorial Volume ~~(Allen ~~& Unwin, 1979), P. A. Schilpp (ed.), # The Philosophy ~~of Bertrand Russell, # 3rd edn. (Tudor Publishing, 1951), are to be found in ~~most academic libraries and between them cover much ground. # Alan Ryan’s # Bertrand Russell: A Political ~~Life ~~(Penguin Books, 1988) is excellent on the 'applied’ side of ~~Russell’s activities. # Other works cited in the main text are: Michael Dummett, # Frege: Philosophy of Language, # 2nd edn. (Duckworth, ~~1981); A. J. Ayer, # Central Questions of Philosophy ~~(Weidenfeld & Nicolson, 1973); William James, # Essays in Radical Empiricism ~~(Longmans, ~~1912); P. F. Strawson, 'On Referring’, # Mind ~~(1950), reprinted in Strawson, # Logico-Linguistic Papers ~~(Methuen, 1971), and # Individuals ~~(Methuen, 1959); and F. H. Bradley, # Appearance and Reality ~~(Oxford University Press, ~~1897). ms133