######OpenITI# #META# URI: 1450InasMaghribi.TarikhIslamiMuqaddimaQasira.Hindawi53649271 #META# Tags: history #META# ID: 53649271 #META# Title: التاريخ الإسلامي: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 48370604 #META# Author: آدم جيه سيلفرستاين #META# EditorID: 83703904 #META# Editor: شيماء عبد الحكيم طه #META# TranslatorID: 27363642 #META# Translator: إيناس المغربي #META# Related_books: 1450AdamJSilverstein.IslamicHistoryShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - قصة التاريخ الإسلامي‏ # 2 - شعوب وثقافات‏ # 3 - المؤسسات‏ # 4 - المصادر‏ # 5 - مناهج متضاربة‏ # 6 - الأهمية الدينية للتاريخ الإسلامي‏ # 7 - الأهمية السياسية للتاريخ الإسلامي‏ # خاتمة‏ # مراجع وقراءات إضافية‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - قصة التاريخ الإسلامي‏ # 2 - شعوب وثقافات‏ # 3 - المؤسسات‏ # 4 - المصادر‏ # 5 - مناهج متضاربة‏ # 6 - الأهمية الدينية للتاريخ الإسلامي‏ # 7 - الأهمية السياسية للتاريخ الإسلامي‏ # خاتمة‏ # مراجع وقراءات إضافية‏ # | التاريخ الإسلامي # | التاريخ الإسلامي # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # آدم جيه سيلفرستاين # ترجمة # إيناس المغربي # مراجعة # شيماء عبد الحكيم طه # تخليدا لذكرى # مايكل فوكس (1934-2009) # | شكر وتقدير # يعكس هذا الكتاب إلى حد كبير محتوى المحاضرات التي ألقيتها عن التاريخ الإسلامي في ~~جامعتي كامبريدج وأكسفورد. وعلى الرغم من أن التدريس في مثل هذه الجامعات المرموقة لا شك ~~ميزة، فالتجربة أيضا يمكن أن تكون «مدرسة حياتية» لمحاضر شاب يجرب أفكارا جديدة. ولم يكن ~~طلابي - الذين كانوا دائما أكثر ذكاء وأفضل استعدادا مني - ليسمحوا بمرور أي شيء غير واضح ~~أو غير واف مرور الكرام. أشعر ببالغ الامتنان لهم جميعا لكل ما استقيته منهم على مدار ~~السنوات، وأخص بالذكر إيموجين وير التي أعدت فهرس الكتاب. # أود أيضا أن أتوجه بجزيل الشكر لزملائي آنا أكاصوي، وباتريشيا كرون، وديفيد باورز، وتشيس ~~روبنسون الذين طالعوا بكل ترحاب المسودات الأولى للكتاب، وجنبوني أخطاء عديدة تقترن ~~بالأحكام والحقائق المغلوطة. # أود أيضا أن أشكر لوشيانا أوفلاهرتي وآندريا كيجان اللتين أوكلتا لي مهمة تأليف الكتاب، ~~وكذلك إيما مارشانت، وكيريستين ديماتا، وكيرا ديكنسون لمتابعة الكتاب أثناء عملية النشر، ~~وإريكا مارتن لما قدمته من مساعدة في إعداد الصور التوضيحية. # وأخيرا، قرأ والداي وزوجتي صوفي إحدى مسودات الكتاب، وقدموا لي الكثير من التعليقات ~~المفيدة، لكنهم أمدوني أيضا بكل ما له أهمية في الحياة، ولا أستطيع التفكير في ~~كيفية توجيه الشكر لهم جميعا عن كل ذلك. إذا ~~بدا لهم في أي وقت أني مستغرق في التفكير، فلا بد أن يعلموا أني أجهد تفكيري في السبل التي ~~يمكنني بها تعويضهم، أو أني أفكر ms001 في العمل. # | تمهيد # في السنوات الأخيرة، يزداد وضوحا يوما بعد يوم لأهل الغرب من غير المسلمين أن الإسلام ~~دين شديد الأهمية. ولا يزال الحديث عما إذا كان هذا الأمر جيدا أم غير ذلك يحتل مكانة ~~بارزة في المنتديات العامة ووسائل الإعلام. يبدو الأمير تشارلز من المؤيدين، بينما لا يبدو ~~البابا بينيديكت السادس عشر كذلك، استنادا إلى بعض التصريحات التي أدليا بها مؤخرا. وقد ~~أثارت رؤية المسلمين المتزايدة في العناوين الرئيسية للصحف وفي شوارع مدن أوروبا وأمريكا ~~الشمالية قضايا مهمة تتعلق بالتكامل والتعددية الثقافية والعلاقات بين الأديان، بل امتد ~~الأمر إلى حد التساؤل عما يعنيه أن يكون المرء «بريطانيا» أو «أمريكيا» أو «غربيا» ~~إجمالا. هل للحجاب والنقاب مكان في المجتمعات الغربية المعاصرة أم أنهما - على حد قول أحد ~~وزراء الخارجية البريطانيين وكذلك الحكومة الفرنسية - يعيقان مسألة التواصل، ويهددان ~~«قيمنا الأساسية» وأمننا؟ # بصرف النظر عن آراء المرء بشأن هذه الموضوعات، من الواضح للكثيرين أن ثمة صراعا يختمر ~~بين «الإسلام» والثقافة المسيحية اليهودية التي يعتقد بأنها الأساس الذي تقوم عليه الحضارة ~~الغربية. لكن لم ينبغي أن يكون الوضع كذلك؟ في النهاية، الإسلام هو شكل من التوحيد ظهر في ~~مجتمعات كانت تهيمن عليها الديانتان المسيحية واليهودية في الشرق الأدنى. وحينما انتشر ~~المسلمون الأوائل خارج حدود شبه الجزيرة العربية، افترض بعض المسيحيين المعاصرين أنهم يهود، ~~بينما اعتقد بعض اليهود أنهم مسيحيون. كيف نفسر إذن الفجوة الثقافية الهائلة التي يبدو أنها ~~تفصل بين المجتمعات الغربية اليهودية المسيحية وبين المجتمعات الإسلامية؟ # كي نجيب عن هذا السؤال لا بد أن نتحول إلى التاريخ الإسلامي. فالدور الذي يلعبه التاريخ ~~الإسلامي في المجتمعات الإسلامية المعاصرة دور بالغ الأهمية، وإن كان يهمل عادة، إذ ليس ~~له نظير في الغرب الحديث. لهذا السبب، فإن فهم ملابسات ظهور الإسلام وما شهده من تطور لاحق ~~ربما يتيح لنا فهم المجتمعات الإسلامية المعاصرة وفهم صلتها - وعلاقتها - بالمجتمعات ~~الغربية. # | مقدمة # يدور هذا الكتاب حول وقائع التاريخ الإسلامي ودراسته وأهميته. سنحاول في الفصول التالية ~~أن نجيب عن ms002 ثلاثة أسئلة ذات صلة، وهي: ماذا حدث؟ (من الفصل # الأول # حتى الفصل # الثالث ~~)؛ كيف عرفنا ذلك؟ (الفصلان # الرابع # و # الخامس ~~)؛ وما أهميته؟ ~~(الفصلان # السادس # و # السابع ~~). لكن لا ~~بد أن نفكر أولا في سؤال أعم: ما التاريخ الإسلامي؟ هل هو تاريخ تلك الأماكن التي تبوأ ~~فيها المسلمون الحكم؟ أم هو تاريخ المسلمين أينما كانوا وأينما يكونون؟ ربما يكون التاريخ ~~الذي يمثل أهمية للمسلمين؛ فلو طلبنا من أحد مسلمي ما قبل الحداثة أن يعين حدود التاريخ ~~الإسلامي، لتملكته الحيرة على الأرجح من فكرة أن للتاريخ الإسلامي حدودا زمانية أو ~~مكانية من الأساس. فطبقا للموروث الإسلامي كان آدم ونوح وإبراهيم وموسى والإسكندر الأكبر ~~ويسوع جميعا مسلمين؛ والواقع أنهم جميعا يعدون أنبياء (أجل، هذا ينطبق أيضا على ~~الإسكندر). # بدأ المؤرخون المسلمون أمثال الطبري (توفي عام 923) - الذين انشغلت أذهانهم بالقضايا ~~الدينية دون غيرها - دراستهم للتاريخ بخلق الله للعالم فيما قبل مولد محمد بنحو 6500 عام ~~وفقا لتقديرهم. وثمة منهج «إسلامي» آخر اتخذ من هجرة محمد من مكة إلى المدينة عام 622 نقطة ~~البداية؛ وهي التي - على نحو ما سنرى - سجلت بداية التقويم الإسلامي، وإن كان يصعب القول ~~بأنه لا يعتد إلى حد ما بالسنوات بين 610 و622 ~~ميلادية حيث نزول الوحي على محمد (وتحول الكثيرين إلى الدين الجديد). فوفقا للتقدير ~~المتبع فيما يلي، بدأ التاريخ الإسلامي في القرن السابع. لكن ينبغي أن يوضع في الاعتبار من ~~البداية أن الإجابة - كما هي الحال مع معظم الأسئلة المطروحة في هذا الكتاب - هي: «الأمر ~~يتوقف على من يطرح عليه السؤال». فالتاريخ الذي يعد «إسلاميا» بدءا من القرن السابع ~~فصاعدا هو ذلك الذي كان فيه الإسلام قوة مهيمنة سياسيا أو دينيا أو ثقافيا. # شكل 1: الإسكندر الأكبر يزور الكعبة في مكة. # 1 # التاريخ الإسلامي هو نتاج الشعوب وأفعالها، لكن الشعوب في عالم ما قبل الحداثة كانوا نتاج ~~بيئتهم. فلم يكن بمقدورهم أن يتجاهلوا الخلفية الطبيعية التي تكشفت في إطارها أحداث التاريخ ~~الإسلامي، وهكذا حالنا أيضا. # التقسيم الجغرافي # في الوقت ms003 الحاضر، يوجد الإسلام في كل مكان، لكنه حتى بداية العصر الحديث كان موجودا ~~في «مكان ما»، وعلى وجه التحديد في الأراضي الواقعة ما بين المحيط الأطلسي في الغرب ~~وآسيا الوسطى في الشرق. يشار إلى هذه المنطقة أحيانا باسم «المنطقة القاحلة الكبرى»؛ ~~إذ اتحد بمرور الوقت الهواء (السيبيري) البارد القادم من شمال المنطقة وشرقها مع الهواء ~~(الصحراوي) الساخن القادم من الجنوب والغرب ليكونا منطقة داخلية شديدة الحفاف. وتشكل ~~الصحراء جزءا كبيرا من شبه الجزيرة العربية وسوريا وإيران وغيرها، أما «المنطقة ~~القاحلة الكبرى» ففي الأغلب قاحلة أو شبه قاحلة. # ثمة حلان رئيسان للمشكلات التي يسببها المناخ الجاف، هما: إيجاد موارد مائية بخلاف ~~الأمطار، أو إيجاد سبل حياة لا تعتمد كثيرا على المياه. وقد طبق كلا الخيارين في ~~التاريخ الإسلامي. فكانت مياه الأمطار غير الكافية في المنطقة تكملها نظم للري تشمل ~~النظم الطبيعية مثل الفيضان السنوي لنهر النيل، علاوة على القنوات والأحواض والأقنية ~~الأرضية التي شقها الإنسان، والتي وجهت مسار نهري دجلة والفرات وأنهار إيران ~~(بالإضافة إلى مياه الأمطار في المنطقة) إلى الأماكن الخصبة منذ العصور القديمة. وهذه ~~النظم تفرض مجموعة من المشكلات المرتبطة بها والمتمثلة في صعوبة الحفاظ عليها وسهولة ~~إعاقتها. # شكل : خريطة العالم الإسلامي. # أما الحل الثاني لقحول المنطقة - الذي أفاد المناطق التي تفتقر إلى وجود الأنهار مثل ~~شبه الجزيرة العربية - فهو الجمل الذي كان محل اعتماد وله تأثير كبير على المجتمع ~~العربي في القرن السادس، وعلى انتشار الإسلام في القرن السابع، وشكل المدن والقرى ~~الإسلامية فيما بين القرنين الثامن والحادي عشر. إن ما يميز الجمال هو قدرتها المذهلة ~~على التكيف مع الموارد الشحيحة على مدار فترات طويلة؛ لذا فهي تتميز بالكفاءة من ~~الناحية الاقتصادية، فضلا عن أن إعالتها لا تتطلب الكثير. أما ما يعيبها فهو أن ~~أقدامها الحساسة لا يمكنها التكيف مع الأرض الباردة أو غير المستوية. ربما أوى محمد إلى ~~الجبل، لكن خلفاءه لم يفعلوا ذلك - في البداية على الأقل - وعلى مدار التاريخ الإسلامي ~~أثبتت سلاسل الجبال - بطريق الصدفة ms004 أم قصدا - أنها ملاذ آمن لأولئك الذين يسعون ~~لمقاومة الضغوط التي تمارس عليهم كي يتحولوا عن دينهم أو يبدوا التزاما بالأعراف أو ~~تعاونا أكبر بوجه عام. وبسبب ما تتصف به الجبال من وعورة نسبية، فإنها ساعدت السكان ~~المحليين وكذلك الوافدين الجدد الباحثين عن ملجأ يحتفظون فيه بتقاليدهم الدينية ~~(المسيحيون في شمال إسبانيا، والأناضول، وأرمينيا، ولبنان، ومرتفعات إثيوبيا؛ ~~والزرادشتيون وغيرهم من مؤيدي مذهب الثنائية في شمال إيران) وموروثاتهم الثقافية ~~(الفارسيون في إيران؛ والبربر في شمال أفريقيا؛ والأكراد في شمال العراق)، مثلما كانت ~~مأوى للهاربين من السلطات المركزية بوجه عام (الإسماعيليون في سوريا وشمال إيران؛ ~~والزيدية في اليمن؛ وطالبان في أفغانستان). ولسبب وجيه أشارت السلطات السياسية المغربية ~~إلى مناطقها الجبلية باسم أراضي العصيان. أدركت القوات السوفييتية ومن بعدها القوات ~~الأمريكية في أفغانستان هذه الحقائق بالتجربة العملية، في حين عرفها المسلمون المحليون ~~منذ البداية. # على الرغم من ذلك لم تكن الجبال ~~عائقا أمام جميع الجمال؛ فالجمال ذات السنامين أكثر قدرة على التحمل من الجمال العربية ~~أحادية السنام. عندما شقت أعداد كبيرة من البدو الترك طريقها - بداية من القرن الحادي ~~عشر - من آسيا الوسطى متجهة غربا إلى الشرق الأدنى، لم تقف الجبال في شمال إيران ~~والأناضول (وأيضا المناخ البارد نسبيا في هذه المناطق) حجر عثرة في طريقها، ولهذا ~~السبب يطلق اسم «تركيا» الآن على ما كان يعرف آنذاك باسم «الأناضول». على الرغم من ~~ذلك بزغ الإسلام بين العرب في القرن السابع، وبدأ انتشاره أول الأمر بواسطة العرب ~~وبعيرهم. لذا فإن فتوحات العرب - حاملين لواء دين جديد - لمعظم المناطق القاحلة وشبه ~~القاحلة في العالم القديم ليست أمرا غريبا، ومثلها حقيقة أن الظروف المناخية وضعت ~~حدا أمام تقدمهم؛ إذ ربما كانت الظروف الجوية الرطبة في أوروبا عائقا فعالا أمام ~~تقدم الإسلام بقدر ما كانت الجيوش المحلية للبلاد. # لكن لماذا لم يمكث العرب في شبه الجزيرة العربية؟ الحقيقة أنهم فعلوا ذلك على مدار ~~فترة طويلة للغاية، والشعر الجاهلي يصف مجتمعا كان يعرف عن حضارات جيرانه الراسخة، وإن ms005 ~~كان لا يطمح إلى اللحاق بركبها؛ إذ كان العرب يشيدون بالرجولة والشدة، بينما يرون أن ~~الملابس الحريرية والخواتم تناسب الضعاف الجبناء. لم يكن لأحد في عام 600 أن يتوقع أنه ~~في غضون قرن من الزمان سيحكم العرب الغلاظ آكلي السحالي (على حد وصف المسلمين غير العرب ~~لهم بعد قرون لاحقة) إمبراطورية هائلة من القصور في دمشق وبعدها بغداد. وعلى الرغم من ~~أن تعداد المسلمين في العالم اليوم يفوق مليار مسلم، لم يكن هناك مسلم واحد عام 600؛ ~~وما حدث في غضون هذه الفترة هو موضوع الفصل التالي. # | هوامش # الفصل الأول # | قصة التاريخ الإسلامي # 600-800 ميلادية # بدأ الإسلام في شبه الجزيرة العربية طبقا لما جاء في الموروث الإسلامي وما ورد عن ~~معظم المؤرخين المعاصرين، ويؤمن المسلمون بأن الإسلام لم يبدأ مع محمد، بل مع إبراهيم ~~الذي بنى - مع ابنه إسماعيل، الجد الأعلى للعرب - الكعبة في مكة التي يتوافد إليها ~~ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج حتى اليوم. يتجاهل المؤرخون المعاصرون هذا الأمر، ~~ويبدءون بسيرة محمد في مكة، ونحن أيضا سنبدأ من هذه النقطة. # شبه الجزيرة العربية مكان شاسع اتصف بالتنوع العرقي والطوبوغرافي والثقافي، بل ~~والديني قبل ظهور الإسلام. والمنطقة التي نخصها بالاهتمام في شبه الجزيرة العربية هي ~~المنطقة الغربية المعروفة باسم الحجاز، التي تقع بها مدينتا مكة والمدينة. ولد محمد في ~~مكة نحو عام 570 في قبيلة قريش صاحبة الزعامة بالمدينة، وإن كان ينتمي لفرع أقل مكانة ~~نسبيا في القبيلة، وتيتم في سن صغيرة. وفي عام 610، بينما كان محمد يناهز من العمر ~~40 عاما نزل عليه الوحي الذي اتخذت منه آيات القرآن التي عرضها على أصحابه وأهله، ~~وأخيرا على أهل مكة. كانت رسالة التوحيد التي دعا إليها تتعارض مع ثقافة تعدد الآلهة ~~السائدة في مكة، وفي عام 622 أجبر على الفرار من مكة مع أنصاره. استقر محمد في ~~المدينة، وهي واحة يقطنها - إلى جانب آخرين - عدد كبير من اليهود، وفيها كانت رسالته عن ~~الله، والأنبياء السابقين، ويوم القيامة، والصيام، والصدقة، وما شابه مألوفة ms006 لا تشكل ~~أي تهديد أو خطر. لاقى محمد الترحيب في المدينة، وفيها قام بدور الحكم للفصل في بعض ~~النزاعات التي كانت سببا في الشقاق بين أهلها. هذه الهجرة هي نقطة البداية لسيرة محمد ~~كرجل دولة وأيضا للتقويم الإسلامي. # شرع محمد - من القاعدة التي اتخذها في المدينة - في تأسيس مجتمع جديد (أمة) تألف ~~من رفاقه المهاجرين معه من مكة ومن أنصاره في المدينة. وعلى مدار السنوات العشر التالية ~~ظل الوحي ينزل على محمد بآيات وثيقة الصلة باحتياجات الأمة وظروفها، وبما يعكس نفوذها ~~وثقتها المتزايدتين. تحتل معاملات محمد مع وثنيي مكة ويهود المدينة جزءا كبيرا من ~~الروايات المنقولة عن حياته في المدينة؛ ومع تدهور علاقاته باليهود، طردت قبائلهم ~~تدريجيا من المدينة، بل وقتل بعضهم في إحدى المرات. وأخيرا هزم أهل مكة عام 630، ~~وعلى مدار العامين التاليين استطاع محمد أن يوحد قبائل شبه الجزيرة العربية تحت لواء ~~الأمة. اتخذت نجاحاته دليلا على تأييد الله له، ولا بد أن هذا الأمر شجع القبائل ~~في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية على الانضمام إليه واعتناق الدين الجديد. وبعيدا ~~عما تردد عن تأييد الله لمحمد، فقد وصف في المصادر الأولى بأنه بشر فان عاش حياته ~~شخصا عاديا بل وغير معصوم من الخطأ (إذ عاتبه الله أكثر من مرة في القرآن مع أن ~~الموروث الإسلامي لاحقا سيعتبره معصوما من الخطأ). وفي عام 632 وافته المنية كغيره من ~~البشر. # أدت وفاة محمد إلى بدء سلسلتين من الأحداث أسفرتا عن نتائج مهمة للغاية؛ إذ أسفرت ~~إحداهما عن ظهور الطوائف الإسلامية، في حين أسفرت الأخرى عن ظهور إمبراطورية إسلامية. ~~في سلسلة الأحداث الأولى، اعتبرت جماعات بعينها وفاة النبي بداية عهد جديد، بينما نظرت ~~مجموعات أخرى في سلسلة الأحداث الثانية إلى وفاته على أنها نهاية عهد قائم. كانت بداية ~~عهد لأولئك المسلمين الذين خضعوا لحكم الخليفة الذي تولى قيادة الأمة بعد وفاة محمد ~~بوقت قصير. قضى الخليفة الأول أبو بكر (الذي امتدت خلافته من عام 632 وحتى عام 634) ~~أغلب فترة حكمه في ms007 التعامل مع سلسلة الأحداث الثانية. # كانت وفاة محمد نهاية عهد لتلك القبائل التي كان تحولها إلى الإسلام وثيق الصلة ~~بمحمد نفسه، فلما مات محمد ذهبت تلك القبائل إلى أن مبايعتها له لاغية. احتفظت بعض ~~القبائل بهويتها الدينية الجديدة (وهو ما كان أمرا جيدا) لكنها امتنعت عن دفع الزكاة ~~وحجبت ولاءها عن الأمة (وهو ما لم يكن بالأمر الجيد). ارتدت قبائل أخرى أيضا إلى ~~الديانات التي كانت تعتنقها قبل الإسلام (كان تغيير الولاءات الدينية شائعا في شبه ~~الجزيرة العربية الوثنية آنذاك). اعتبرت هذه المجموعات في تعداد المرتدين سياسيا ~~ودينيا، وكان لا بد من عودتهم إلى صفوف المسلمين. ولم تنجح «حروب الردة» التي نشبت ~~إثر ذلك في تحقيق أهدافها الأساسية فحسب، بل نجحت أيضا في خلق الزخم والحاجة لخوض غمار ~~الفتوحات فيما وراء شبه الجزيرة العربية. كان الكثيرون من سكان شبه الجزيرة العربية ~~بدوا رعويين، ومن ثم اعتمدوا إلى حد كبير على الإغارة على الآخرين من أجل توفير أسباب ~~العيش. وغرس توحد القبائل العربية العديدة تحت لواء ديني جديد فيهم إحساسا جديدا ~~بالترابط الاجتماعي، وأوجد غاية روحانية كبحت جماح رغبة البدو في الإغارة على الآخرين ~~(وهو ما أدغم في مفهوم «الجهاد» الذي سنعود لمناقشته في الفصل # الثالث ~~)، بينما جردهم أيضا من الخصوم الواضحين؛ ولما لم يكن بوسع ~~المسلمين الإغارة بعضهم على بعض، فقد أغاروا على جيرانهم في سوريا ومصر وشمال أفريقيا ~~والعراق وإيران. # غير أن تلك الغارات اتسمت بطابع مختلف. فللمرة الأولى، بدلا من نهب الشعوب المستقرة ~~في الشرق الأدنى وسلبها، جلب البدو معهم شيئا خاصا بهم، وهو رسالة دينية جديدة. لم ~~تكن هذه الرسالة محل ترحاب من الحكام البيزنطيين في الغرب، ولا الحكام الساسانيين في ~~الشرق (وفقا للموروث الإسلامي، أرسلت الرسائل بالفعل في عهد محمد إلى القادة ~~الإمبراطوريين تدعوهم للدخول في الإسلام)، أما رعاياهم فكانوا أكثر تقبلا؛ إن لم يكن ~~للدين نفسه، فللهيمنة الإسلامية على الأقل. # شكل : الفتوحات الإسلامية الأولى. # والدليل على أن الفتوحات الإسلامية في الشرق الأدنى تركت أثرا قويا ms008 في نفوس من ~~عاصروها مثلما هي لنا الآن أن من قاموا بتلك الفتوحات ومن فتحت بلادهم كانوا على يقين ~~من أن إرادة الله هي التي توجه الأحداث ؛ فالمسلمون فسروا نجاحهم على أنه مكافأة الله ~~لهم على خضوعهم لمشيئته، بينما كان المسيحيون على يقين من أن هزيمتهم عقاب من الله لهم ~~على خطاياهم، وبعض اليهود نظروا إلى الإسلام على أنه جزء من المخطط الإلهي لنشر التوحيد ~~بين الوثنيين في أقاصي الحجاز، أو أنه تحقق لنبوءات مسيحية. (لا نعلم يقينا كيف نظر ~~الزرادشتيون في إيران إلى صعود الإسلام، لكن لا بد أنهم لم يكونوا راضين عن ذلك بسبب ~~فقدانهم الرعاية والدعم اللذين كانت الإمبراطورية الساسانية تقدمهما إليهم حتى ذلك ~~الوقت.) # بحث المؤرخون المعاصرون عن تفسيرات أخرى لتلك الفتوحات، وخلصوا إلى ثلاث نظريات ~~أساسية. أولا، كانت القوى الإمبراطورية واهنة بسبب محاربة بعضها لبعض حتى وصلت إلى ~~طريق مسدود مضن وباهظ التكاليف على مدار القرون السابقة. ثانيا، كان الكثيرون من سكان ~~الشرق الأدنى يتلهفون لأن يستبدلوا بحكامهم حكاما أحسن خلقا بعدما عانوا من مظالم ~~عديدة ومتراكمة على مدار قرون بسبب سياسات مستهجنة دينيا واقتصاديا. ولا بد أن كون ~~الأراضي التي فتحت في أول الأمر مأهولة بشعوب سامية موحدة (مسيحيين ويهود يتحدثون ~~اللغة الآرامية في سوريا البيزنطية، وفلسطين، والعراق الساساني) قد مثل أهمية كبرى في ~~هذا الصدد. ثالثا، تفوق العرب عسكريا على الجيوش الساسانية والبيزنطية، وتمكنوا من ~~استغلال حماسهم الديني، وعنصر المفاجأة، ومعرفتهم باستراتيجيات الحرب لدى الساسانيين ~~والبيزنطيين (حيث نهض بعض العرب بأدوار عسكرية من قبل في هذه الإمبراطوريات) علاوة على ~~قدرتهم على التقهقر إلى الصحراء على صهوات خيولهم. # يعيدنا هذا الأمر ثانية إلى الجمال. أيا كانت مسوغات نجاح العرب، فقد وصلوا إلى ~~الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في الفترة من منتصف وحتى أواخر القرن السابع، ومكثوا هناك، ~~وأقاموا ثكنات عسكرية في شمال أفريقيا ومصر والعراق وشرق إيران. سوريا هي الدولة ~~الوحيدة التي استقر فيها الفاتحون في المدن القائمة بالفعل (إذ انضموا إلى عرب آخرين ~~كانوا ms009 قد استقروا هناك في أزمان سابقة لظهور الإسلام). وبحلول نهاية القرن الثامن صارت ~~الثكنات مدنا متطورة تماما، وغامر العرب بالخروج في مدن الشرق الأدنى وقراه تاركين ~~وراءهم علامة دائمة؛ فانتشار تربية الجمال في جميع أنحاء البلاد المفتوحة عجل ~~باستبدال الجمال العربية الأبسط والأكثر توفيرا للمال بالمركبات ذات العجلات غير ~~الفعالة والأكثر تكلفة التي تتطلب توفير طرق ممهدة. وفي الأقاليم التي فتحت من ~~الإمبراطورية البيزنطية، استبدلت بالطرق الرومانية الواسعة المستقيمة الشوارع الضيقة ~~المتعرجة التي لا تزال ترى في الأحياء القديمة في مدن الشرق الأدنى التي تأثر تصميمها ~~بانعدام حيز عام مميز في المدن الإسلامية الأولى وأيضا بانتشار هذه «التقنية» ~~العربية الفريدة من نوعها. صارت حاميات المدن نفسها مراكز اقتصادية مهمة جذبت إليها غير ~~المسلمين من المستوطنات المجاورة وأعادت رسم خريطة الشرق الأدنى. # غير أن انتشار اللغة العربية والإسلام كان أهم نتائج الفتوحات الإسلامية الأولى. ومع ~~أن الانتصارات الجوهرية على الإمبراطوريات تحققت أثناء فترة حكم الخليفة الثاني عمر (من ~~عام 634 حتى عام 644)، فإن عهد الخلفاء الأمويين (من عام 661 وحتى عام 750) هو الذي شهد ~~انتشار الثقافة العربية والحكم الإسلامي - بدرجة أو بأخرى - من شبه الجزيرة الأيبيرية ~~حتى البنجاب؛ الأمر الذي أسفر عن تثبيت حدود العالم الإسلامي إلى حد ما على مدار قرون ~~قادمة. # يرى بعض المسلمين في أواخر القرن السابع، وكل المسلمين تقريبا منذ ذلك الحين، أنه ما ~~كان ينبغي للأمويين أن يكونوا خلفاء. كان أسلافهم الأربعة - أبو بكر وعمر وعثمان (الذي ~~امتدت خلافته من عام 644 وحتى عام 656) وعلي (الذي امتدت خلافته من عام 656 وحتى عام ~~661) يرتبطون بمحمد إما برباط النسب أو الدم (أو كليهما معا كما في حالة علي)، ~~علاوة على أن حكم هؤلاء الخلفاء الأربعة الذين عرفوا (بين أهل السنة في القرون ~~التالية) بالخلفاء الراشدين كان عصرا ذهبيا حكمت فيه الأمة طبقا للمبادئ ~~الإسلامية. (الشيعة هم الذين يؤمنون بأن عليا كان الأحق بخلافة محمد.) وعلى النقيض، ~~لم يكن للأمويين صلة مباشرة بالنبي، بل قيل إنهم جاهروا بمعارضته، ms010 ولم يدخلوا في ~~الإسلام إلا اضطرارا، وفي وقت متأخر نسبيا من حياة محمد. ومع أن عثمان نفسه كان ~~ينتمي للأسرة الأموية، فقد اعتنق الإسلام وهو بعد صغير، وكان صهر محمد، ويحسب له أنه ~~أمر بجمع نسخة موثوقة من القرآن (مع أن البعض أخذوا عليه ذلك في هذا الوقت) إلى جانب ~~أفعال أخرى حميدة. ساءت الأوضاع عندما قتل عثمان، وظهر اثنان يدعيان الحق في تولي ~~الخلافة: علي، الذي كان أنصاره يرشحونه للخلافة منذ عام 632، ومعاوية، أحد أقرباء ~~عثمان الأمويين الذي طالب بالثأر لمقتل عثمان. تولى علي الخلافة عام 656، وحاول ~~جاهدا بسط نفوذه على نطاق واسع؛ وبحلول عام 657، دخل في مفاوضات مع معاوية. رأى ~~الكثيرون من أنصار علي أنه ما كان ينبغي لأمر كهذا أن يحدث - إذ كان شعارهم «إن الحكم ~~إلا لله» - وانشقوا عن معسكره؛ ولهذا السبب عرفوا باسم «الخوارج». دفعتهم آراؤهم ~~المتعنتة بشأن أحقيتهم في الحكم إلى اعتبار المنشقين كفارا يستحقون الموت. وكان أشهر ~~ضحاياهم هو علي نفسه عام 661، على الرغم من أن الخوارج ظلوا يعارضون الخلفاء طوال ~~القرن التالي وما تلاه. # انتهى عصر «الخلفاء الراشدين» بوفاة علي، وعرف الصراع الدموي الذي أدى إلى وصول ~~معاوية إلى الحكم بأنه أول حرب أهلية أو «فتنة» في التاريخ الإسلامي، وهي التي حددت ~~نهاية فترة من التآلف الملموس داخل نسيج الأمة. لذا استهل الأمويون خلافتهم ببداية ~~حافلة بالأخطاء، واستمرت الأوضاع في التدهور وفقا للمصادر المكتوبة على أيدي المعادين ~~لهم. نقل معاوية عاصمة الدولة الإسلامية إلى دمشق، واختار ابنه يزيد (الذي امتدت خلافته ~~من عام 680 حتى عام 683) خلفا له؛ مما أرسى مبدأ توريث الخلافة، وهو ما أخذ على ~~الأمويين (من قبل أشخاص أنشئوا هم أنفسهم سلالات حاكمة). وسرعان ما تورط يزيد في ~~القلاقل عندما قتل الحسين بن علي في كربلاء (العراق) عام 680؛ وهو ما رسخ سوءاته في ~~أذهان الشيعة، فضلا عن أن نفوذه قد لاقى مجابهة من خليفة آخر في الحجاز. لم يدم حكم ~~يزيد أو ابنه معاوية الثاني (الذي تولى الخلافة عام ms011 683) طويلا. وتسببت أحداث فتنة ~~ثانية في حالة خلل شديد في تلك الفترة (680-692)، ولم تسترد سلطة الأمويين إلا مع ~~تولي عبد الملك بن مروان (692-705) الخلافة. ومن هنا عرف عام 692 باسم «عام الوحدة»، ~~واتخذت تدابير إدارية لتشديد سلطة الخليفة على رعاياه بهدف الحيلولة دون وقوع أي ~~تحديات مستقبلية لسلطته. # يعترف لعبد الملك وخلفائه بالفضل على مضض لما قدموا من إسهامات دام أثرها على ~~الحضارة الإسلامية، وإن عابت عليهم مصادرنا أنهم كانوا ملوكا لا يعرفون الورع (وليس ~~خلفاء ورعين). لقد فرضوا اللغة العربية لغة إدارية رسمية في الأراضي الإسلامية، وعملوا ~~على توسيع رقعة تلك الأراضي غربا وصولا إلى إسبانيا والمغرب، وشرقا وصولا إلى ~~باكستان وآسيا الوسطى. شدد نفوذ الخليفة على الأقاليم الخاضعة لحكمه، واستبدلت ~~بالتقاليد القبلية اللامركزية تقاليد إمبراطورية أفضل تنظيما، وتشكلت عن وعي هوية ~~عربية وإسلامية فرضت على مؤسسات الخلافة. سكت العملات «الإسلامية»، وحلت اللغة ~~العربية محل اللغات اليونانية والفارسية والقبطية في المكاتب الإدارية (مما أفسح المجال ~~أمام مشاركة المسلمين). وأكثر ما يلفت النظر أن «قبة الصخرة» شيدت فوق جبل الهيكل في ~~القدس في تحد لنبوءات اليهود عن المسيح (أو في توافق معها وفقا لآراء بعض ~~الباحثين)، علاوة على أنه حفر عليها نقش يتعارض مع العقائد الأساسية للمسيحية. كان ~~المغزى واضحا بما يكفي لأن يدركه الجميع؛ وهو أن الإسلام قد وصل. # لكن ماذا كان يعني «الإسلام» في هذه ~~الفترة؟ كبرى مشكلات الأمويين أن إجابتهم عن هذا السؤال اختلفت اختلافا جوهريا عن ~~تلك التي قدمها علماء الدين (المنصبون ذاتيا) الذين حظوا بتأييد شعبي في ذلك الوقت، ~~والذين وضعوا كتب التاريخ فيما بعد. اعتبر الأمويون وفاة محمد نهاية عهد. فلما كان ~~محمد خاتم الأنبياء، فلن تبلغ إرادة الله بعد الآن من خلال بشر يحملون الكتب المقدسة. ~~بدلا من ذلك كان الخلفاء ممثلي الله في الأرض. ذاك هو عهد الخلفاء، وهم مالكو السلطة ~~الدينية. أما علماء الدين، فاعتبروا هذا الكلام محض هراء. فقد أمد الله الأمة بكل ما ~~تحتاج إلى معرفته؛ ويمكن ms012 استنباط كل ما لم يرد ذكره في القرآن من السنة النبوية. ولأن ~~العلماء هم الأكثر دراية بتلك الأمور، كان ينبغي أن تترك السلطة الدينية لهم. # شكل 1-2: قبة الصخرة في القدس. تضم النقوش المحفورة على قناطر المبنى مثمنة ~~الأضلاع آيات قرآنية تتحدى بعض العقائد الأساسية للديانة ~~المسيحية. # 1 # من سوء حظ الأمويين أن قطاعا كبيرا من رعاياهم المسلمين أيدوا العلماء، فضلا عن أن ~~عددا كبيرا من المسلمين الآخرين كانت لديه اعتراضات لاهوتية على ادعاء الأمويين ~~بأحقيتهم في الخلافة. وعلاوة على ذلك فإنه طوال الجزء الأكبر من حكم الأمويين (فيما ~~عدا استثناء واحد أو اثنين) كان الخلفاء سببا في إثناء الشعوب المفتوحة بلادها عن ~~الدخول في الإسلام، وهو ما يعني أمرين: أن عددا كبيرا من الأشخاص كانوا يمقتونهم (وهم ~~غير المسلمين المطالبين بدفع ضرائب أكثر)، وأن أغلب رعايا الخلفاء كانوا من غير ~~المسلمين. بذا كان لدى المسلمين العرب، والمسلمين غير العرب، وغير المسلمين العرب، وغير ~~المسلمين غير العرب سببا لمعارضة الخلفاء في دمشق. وفي عام 750 أطاحت ثورة شيعية من ~~الشرق بالأمويين، ووصلت بالأسرة العباسية إلى الحكم. # زعم العباسيون (750-1258) أنهم ينتسبون لأحد أعمام محمد، وتعهدوا - بالأقوال والأفعال ~~المنتقاة - بالبعد كل البعد عن الظلم الذي مارسه الأمويون. نقل العباسيون مركز السلطة ~~من سوريا إلى الشرق، وأسسوا عاصمة جديدة في بغداد عام 762، واتخذوا ألقابا مسيحية بغرض ~~الإشارة إلى اختلاف الوضع عما كان عليه. وبالتأكيد كان الوضع مختلفا في نواح عدة؛ فهم ~~أيضا - مثلما فعل الأمويون قبلهم - أراقوا دماء القادة المسلمين الذين يتمتعون بحضور ~~لدى العامة (فقد نفذوا أعمال القتل الوحشي في مهندسي الثورة العباسية)، وأقاموا سلالة ~~حاكمة، وادعوا الحق في السلطة الدينية. وعزز العباسيون أيضا الانتقال من دولة مفككة ~~قائمة على القبلية إلى إمبراطورية متشابكة. وكان عبد الملك بن مروان قد بدأ في تنفيذ ~~هذا الأمر قبل نصف قرن، لكن في دمشق وهي مدينة لم تكن قط مركزا لأي إمبراطورية على ~~الرغم من عراقتها الهائلة. وفي بغداد كان العباسيون قريبين من العاصمة ms013 الساسانية ~~القديمة قطيسفون، ومع أن حياة الخمر والنساء والغناء التي سادت شبه الجزيرة العربية قبل ~~ظهور الإسلام بدت شبيهة بحياة الخمر والنساء والغناء في البلاط العباسي، فإنه مع تولي ~~هارون الرشيد (786-809) الحكم، كان الشرق الأدنى قد شهد تحولا جذريا من نواح ~~عديدة. # 800-1100 # يعزى وجود الإسلام إلى الأحداث التي وقعت في الفترة ما بين عامي 600 و800، أما ~~الصورة التي يظهر بها الإسلام الآن فتعزى في المقام الأول إلى الأحداث التي وقعت في ~~الفترة ما بين عامي 800 و1100. ومثلما ميزت الجمال الفترة الأولى، يمكن القول إن ~~القوافل ميزت الفترة الثانية. تتكون القافلة من عدة جمال (أو حيوانات نقل أخرى) تقودها ~~مجموعة من المسافرين، وهو ما يعكس أحد الاختلافات الرئيسية بين الأمويين والعباسيين ~~الأوائل؛ فقد أنشأ الأمويون ما يشبه إمبراطورية «عربية» حصرية، بينما أسس العباسيون عن ~~وعي إمبراطورية شاملة غير محلية تمنح سلطات لغير العرب (ممن يحملون الثقافة الفارسية في ~~الأساس، حتى إن كلمة قافلة هي كلمة فارسية الأصل)، وضموهم تحت راية الإسلام. لعبت ~~القوافل أيضا دورا محوريا في هذه الفترة؛ إذ كانت تذرع الطرق التي تربط الأقاليم ~~العباسية المنتشرة من أجل نقل الحجاج والرسل والتجار وطلبة العلم والجنود عبر شبكة من ~~الطرق التي شجعت على ظهور مستوى من الدولية والتعددية الثقافية والترابط قد يربطه ~~معظم أبناء الغرب بالحداثة. # تتشابه أسس هذا الإنجاز تمام الشبه مع تلك الأسس التي ينسب إليها ظهور الغرب الحديث. ~~لكن بدلا من ثورة في عالم الطباعة، شهد العالم الإسلامي في هذه الفترة ثورة في تصنيع ~~الورق أدت إلى استبدال هذه الوسيلة الأقل تكلفة بأكثر وسائل الكتابة تكلفة واقتصارا ~~على النخبة (أوراق البردي والبرشمان على سبيل المثال). ويعتقد أن الإلمام بالقراءة ~~والكتابة زاد آنذاك بمعدلات هائلة؛ مما أدى إلى ظهور جمهور جديد من القراء استهلك ~~(وأيضا أنتج) ألوانا جديدة من الأدب. دون كل شيء بدءا من الشعر الجاهلي وحتى ~~المؤلفات التي تناولت التوحيد والفلسفة والطب والعلم والأدب والتاريخ. نتج عن ذلك ثورة ~~متكافئة في الثقافة ms014 والحضارة الإسلامية أدت إلى ظهور نخبة مدنية متنوعة في العالم ~~الإسلامي بحلول القرن التاسع. # انتعشت حركة السفر والتجارة أيضا في هذه الفترة متأثرة بهذا التطور الثقافي ومؤثرة ~~فيه. لم يقتصر الأمر على أن أدب الرحلات (سواء الحقيقي أم الخيالي)، والخرائط، ~~والمؤلفات الجغرافية قد أنتجت على أساس تجارب جديدة في أراض بعيدة - وإن كان هذا قد ~~حدث بلا شك - ولكن تجار الشرق الأدنى زادوا أيضا من نطاق تعاملاتهم إلى ما وراء حدود ~~الدولة العباسية. يحدثنا أحد كتاب القرن التاسع عن اليهود العراقيين متعددي اللغات ~~الذين جابوا أوراسيا متنقلين بين فرنسا والصين (مرورا بالأراضي الإسلامية، وجنوب ~~روسيا، والهند في طريقهم)، كما أن اكتشاف الآلاف من عملات الدولة العباسية في ~~إسكندنافيا يشهد باتساع نطاق هذا النشاط التجاري. حتى انتشار صناعة الورق من الصين إلى ~~الشرق الأدنى يفيدنا في هذا السياق؛ فالمصادر المتاحة لدينا تخبرنا بأن المسلمين هزموا ~~أحد الجيوش الصينية عام 751، وأسروا صانعي الورق في تلك الأثناء، وتعلموا منهم تقنيات ~~الصناعة. ما يثير الاهتمام أن مثل هذه الظروف العدائية - حيث نشوب حرب دموية في آسيا ~~الوسطى - لم تمنع التفاعل الثقافي بين الشعوب، وانتشار السلع والأفراد والأفكار. كان ~~لدى المسلمين في هذه الفترة مناطق حدودية قائمة في كل من إسبانيا، وجنوب أوروبا، ~~وآسيا الوسطى والهند، وأفريقيا؛ وهو ما أتاح للحكام والأفراد فرصة لاستقاء المجد من رفع ~~راية الجهاد. تذكرنا قصة صانعي الورق الصينيين (وهي بلا شك مجرد قصة) أن مثل تلك ~~المواجهات من وجهة نظر مؤلفي القصة كانت تتيح مزيدا من الفرص للتفاعل الثقافي بقدر ما ~~قد تعيقه. # تحقق هذا «العصر الذهبي» للحضارة الإسلامية (حسبما يسميه البعض) بفضل وجود توازن ~~دقيق بين ظروف ملائمة، وخصوصا التدفق الثابت للدخل في خزينة الخلافة معززا بالإمساك ~~الكفء للدفاتر، وكذلك وجود استقرار نسبي داخل أراضي الدولة العباسية. اختل هذا التوازن ~~بدءا من النصف الثاني من القرن التاسع فصاعدا، ولم يكن ممكنا أبدا تحسن الظروف ~~اللازمة لعولمة الدولة العباسية. وبدأت الثروة الناجمة عن التجارة وفرض الضرائب تتضاءل ~~لعدد من ms015 الأسباب. فقد انخرط إقليم «السواد» في جنوب العراق - الذي كان مصدرا لجزء كبير ~~من الحاصلات الزراعية للعباسيين - في حالة من الفوضى بسبب تمرد قام به عبيد شرق أفريقيا ~~العاملين في البصرة بتحريض من الخوارج («ثورة الزنج» 869-883)، كذلك بدأ الحكام في ~~المناطق البعيدة استثمار إيرادات الضرائب محليا بدلا من إرسال الأموال إلى العاصمة؛ ~~إذ عادة ما كان يعقب الاستقلال الاقتصادي استقلال سياسي. علاوة على ذلك، هذه هي الفترة ~~التي أدى فيها اعتناق غير العرب الواسع لدين الإسلام إلى نتيجة محمودة هي انتشار ~~الإسلام، لكنه أدى أيضا إلى نتيجة غير محمودة هي تضاؤل إيرادات الجزية. وما زاد الأمور ~~سوءا أن ما تبقى في خزانات البلاد كان يبدده سريعا بلاط مسرف ازداد اتساعا على نحو ~~فاق قدراته واحتياجاته؛ مما أدى إلى ظهور نخب حاكمة جديدة كثيرا ما كانت مكلفة أكثر من ~~كونها فعالة. هذه الفترة هي التي فقد فيها العباسيون سلطتهم السياسية والعسكرية ~~والدينية كما سيتضح فيما يلي. # من الناحية السياسية، ناضل العباسيون للإبقاء على وحدة أقاليم دولتهم الواسعة؛ ففي ظل ~~وجود إمبراطورية امتدت نحو 6500 كيلومتر من الشرق إلى الغرب، ودون التمتع بمزايا سبل ~~الاتصالات الحديثة، كان واردا أن يسعى بعض رعاياهم للحصول على قدر من الاستقلال. ربما ~~كان باستطاعة الرسل السراع، والحمام، والمنارات وغيرها من سبل الاتصال أن تغطي إلى ~~حد ما الاتساع الهائل للإمبراطورية، لكن التفتت السياسي كان في الأغلب مسألة وقت ~~فحسب. والواقع أنه في حالة الأندلس لم يكن الأمر حتى كذلك؛ فأثناء خضوعها لحكم ~~العباسيين، فر أحد الأمراء الأمويين إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، وأقام ولاية مستقلة ~~أصبحت فيما بعد - تحت حكم عبد الرحمن الثالث (الذي امتد حكمه من 912 إلى 961) وخلفائه - ~~خلافة ومركزا جليلا لثقافة راقية. وحينما نقل العباسيون السلطة والاهتمام إلى الشرق، ~~انفصلت الأقاليم الغربية للخلافة تدريجيا؛ المغرب تحت حكم الأدارسة (789-926)، وبقية ~~دول شمال أفريقيا تحت حكم الأغالبة (800-909)، ومصر تحت حكم الطولونيين (868-905) ~~والإخشيديين (935-969)، يليه حكم الفاطميين في شمال أفريقيا ومصر وسوريا (909-1171). ms016 ~~وحتى الأقاليم الشرقية سعت إلى الحصول على قدر من الاستقلال، حيث حكم الطاهريون خراسان ~~(821-873)، وخلفهم في حكمها السامانيون (874-1005) والغزنويون (977-1186) الذين اتخذوا ~~من شرق أفغانستان قاعدة لهم. ومع استثناء واحد أو اثنين (مثل الصفاريين في شرق إيران، ~~861-900)، مالت تلك السلالات الحاكمة في الأقاليم الشرقية إلى التعاون مع السلطات ~~العباسية والاعتراف الرسمي بها، على عكس السلالات الحاكمة في الأقاليم الغربية مثل ~~الأدارسة، والأمويين الأندلسيين، والفاطميين. وعلى الرغم من ذلك، فإنه على أرض الواقع ~~ولأسباب جغرافية محضة، غالبا ما كان للعباسيين قدر من التفاعل - الإيجابي والسلبي على ~~حد سواء - مع كل من مصر وسوريا اللتين لا تدينان لهم بالولاء أكبر مما كان عليه الوضع ~~مع شرق إيران وآسيا الوسطى المخلصتين لهم اسما. # من الناحية العسكرية، بدأ العباسيون في بداية القرن التاسع يستبدلون بالجيش الذي جاء ~~بهم إلى الحكم جنودا عبيدا أتراك («المماليك» أو «الغلمان») جرى شراؤهم أو أسرهم من ~~آسيا الوسطى. تمتع هؤلاء الأتراك بثلاث مزايا جذبت إليهم الخليفة المعتصم (الذي امتدت ~~فترة حكمه من عام 833 حتى عام 842)، والذي كان أول من جلبهم بأعداد كبيرة. أولا، نظرا ~~لأنهم كانوا من خارج البلاد، لم يكونوا مهتمين بالولاءات الداخلية أو الضغوط الشعبية؛ ~~بل كان ولاؤهم للخليفة نفسه. ثانيا، كانوا رماة سهام راكبين بارعين تفوقوا عسكريا ~~على قوات خراسان التي حلوا محلها. ثالثا، على الرغم من اعتناقهم الإسلام وإعتاق رقابهم ~~في كثير من الأحيان، فإن وضعهم كعبيد أتراك لن يمكنهم أبدا من ادعاء الحق في ~~الخلافة. من الناحية النظرية، كان اختيار الجنود العبيد فكرة رائعة، لكنهم - عمليا - ~~سرعان ما خرجوا عن نطاق السيطرة. في البداية أسست عاصمة جديدة في سامراء (838-883) ~~لتأويهم وتبعدهم عن سكان بغداد الذين كانوا يصطدمون بهم. وفي النهاية وصل بهم الأمر إلى ~~حد انتزاع القوة المؤثرة من المسلمين أحرار المولد في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ~~ليتصرفوا بوصفهم صناع ملوك من منتصف القرن التاسع فصاعدا (حينما اغتالوا الخليفة ~~المتوكل وخلفاءه الثلاثة). كذلك جردوا الخزانة من أموالها ليزيدوا من ms017 تقويض حكم ~~الخليفة ويتسببوا في نزف موارد الخليفة ونفوذه على نحو خارج عن نطاق السيطرة. # ومن الناحية الدينية، كما حدث مع الغلمان، وقع الخلفاء العباسيون ضحايا لإحدى ~~مبادراتهم. وفي هذه الحالة، كان تركيزهم على مركزية محمد للإسلام عامة ولمنصب ~~الخلافة خاصة هو ما أضعفهم. لقد برروا إطاحتهم بالأمويين عن طريق التأكيد على بعد صلة ~~الأمويين بمحمد، بينما بالغوا في إظهار صلتهم الضعيفة به؛ فكون أحد أسلاف المرء واحدا ~~من أعمام النبي محمد لا يتساوى مع كون المرء سليلا مباشرا للنبي نفسه على نحو ما ~~أوضح الشيعة الساخطون. ومع ذلك كانوا هم من نجحوا في تولي السلطة، وذلك في حد ذاته ~~أمر يستحق الاهتمام. ومشكلة استمداد الشرعية والهيبة من محمد هي أن الخلفاء العباسيين ~~- عندما فعلوا ذلك - كانوا يرفعون النبي إلى منزلة أعلى مما كان يتمتع به في السابق؛ ~~وهو ما ترك مجالا ضئيلا أمام ادعاءات العباسيين بالحق في السلطة الدينية. لقد منح ~~محمد العباسيين الحق في الحكم، لكنه أيضا منح العلماء الحق في تحديد المعتقد ~~التقليدي؛ إذ كان يعتقد أن العلماء - لا الخلفاء - هم من احتفظوا بسجل دقيق لسلوكه ~~النموذجي (السنة). تقبل الخلفاء في النهاية مكانة العلماء ولكن بعد مقاومة؛ فقد ~~حاول المأمون (الذي امتدت فترة خلافته من عام 813 حتى عام 833) التأكيد على النفوذ ~~الديني لمنصبه عن طريق إخضاع العلماء لتحقيق (عرف باسم «المحنة»)، وفيها كان يفرض ~~رأي الخليفة بشأن مسألة لاهوتية على جميع العلماء مع التحقق الدوري من آراء العلماء ~~كل على حدة. ظلت هذه «المحنة» سياسة للخلافة حتى تخلى عنها الخليفة المتوكل عام ~~848، وعندها بات واضحا أن الخلفاء خسروا المعركة والحرب كلها؛ والمثير للدهشة أنه ~~سرعان ما أيد الخلفاء العلماء بعد ذلك عن طريق شمولهم بالرعاية الفائقة في كثير من ~~الأحيان. # بحلول منتصف القرن العاشر، لم يكن لدى الخلفاء العباسيين سوى أثر من النفوذ في ~~العراق نفسه. وحتى هناك، تعرضوا للإهانة مع وصول البويهيون الشيعة العاصمة، وهم غزاة ~~غلاظ من شمال إيران أحيوا بعض التقاليد الساسانية لكنهم ms018 أبقوا العباسيين على عرش ~~الخلافة. منذ ذلك الوقت - ومع القليل من الاستثناءات - كان الخلفاء العباسيون في أفضل ~~الأحوال رؤساء روحانيين للعالم الإسلامي. حكم البويهيون العراق وغرب إيران لما يزيد عن ~~قرن (945-1055)، ليطيح بهم السلاجقة السنة (1037-1157 تقريبا) الذين مثلوا أولى ~~موجات عدة من الأتراك تدخل العالم الإسلامي طواعية. # مع أن كل هذا يبدو سلبيا للغاية - وهو ما كان حتما كذلك من منظور الخلفاء ~~العباسيين والعراق بصورة عامة - كان «الإسلام» بوصفه دينا وحضارة في أزهى صوره بنهاية ~~هذه الفترة. ففي ظل التقسيم السياسي للخلافة ووجود خلافتين أخريين متمركزتين في قرطبة ~~والقاهرة، انتقلت ملامح السلطة العباسية والحضارة الإسلامية بصورة عامة إلى البلاطات ~~المتعددة التي ظهرت في كل أنحاء العالم الإسلامي، بما لذلك من تبعات دينية وثقافية مهمة ~~حقا. فوجود مراكز إقليمية للثقافة الإسلامية - تشكل العديد منها عن قصد على شاكلة ~~البلاط العباسي - كان يعني إمكانية تركيز الطاقات السياسية على مناطق كانت بعيدة للغاية ~~بحيث لم تكن تسترعي اهتمام الخليفة في قرون سابقة. تحقق انتشار الإسلام فيما وراء حدوده ~~التقليدية في المنطقة القاحلة الكبرى بفضل الإجراءات التي اتخذها الحكام الإقليميون؛ إذ ~~شن الفاطميون والبربر في شمال أفريقيا غارات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مثلما فعل ~~الغزنويون في الهند، حيث شن السلطان محمود (الذي امتدت فترة حكمه من عام 997 حتى عام ~~1030) ما لا يقل عن 17 غارة في شبه القارة. وهكذا لانت شوكة أفريقيا والهند وجنوب شرق ~~آسيا تمهيدا لاعتناق شعوبها الإسلام على نطاق واسع في القرون التالية. # جدير بالذكر أن هذه الفترة هي أيضا التي وضع فيها أهل السنة والشيعة بعضهم البعض ~~داخل القوالب التي تميز كل جماعة منهم حاليا. كان للصراع بين البويهيين والفاطميين ~~الشيعة من ناحية، والسلاجقة والغزنويين السنة من ناحية أخرى طابع طائفي أيديولوجي. فقد ~~أيد كلا الجانبين العلماء، وشيد المكتبات، ومدارس القانون ابتداء من القرن الحادي ~~عشر، وأرسل المدرسين والإرساليات في جميع أنحاء الأراضي الإسلامية وما وراءها. حكمت ~~الخلافة الفاطمية في ذروة مجدها مصر، وشمال أفريقيا، وصقلية، ms019 وسوريا، واليمن، والحجاز، ~~وأجزاء من شرق أفريقيا، وامتد نفوذ الدولة الفاطمية أيضا إلى مجتمعات في الهند. وكان ~~المذهب الشيعي الذي نشره الفاطميون مختلفا عن ذلك الذي اعتنقه البويهيون (أو الذي ~~اعتنقه معظم الشيعة في العالم الحديث). اتبع كل الشيعة مبدأ الإمامة - أي زعامة الأمة ~~- بدءا من الإمام علي مرورا باثنين من أبنائه ونسلهم. وبعد وفاة الإمام السادس جعفر ~~بن محمد الصادق عام 765، انقسمت الحركة إلى مجموعتين؛ فتبع البعض ابنه إسماعيل (ومن ~~هنا أطلق عليهم الشيعة الإسماعيلية) في حين تبع آخرون ابنا آخر اسمه موسى. واصلت ~~المجموعة الأخيرة اتباع الأئمة حتى عام 874 حينما اختفى الإمام الثاني عشر (ومن هنا ~~أطلق عليهم الشيعة الاثني عشرية) أو مات حسبما يقول معارضوهم. وفي ظل الرعاية الفاطمية ~~خضعت الشيعة الإسماعيلية (والشيعة الاثني عشرية تحت حكم البويهيين) لتنظيم دقيق، وتحدى ~~الفاطميون منافسيهم السنة ناحية الشرق على جميع المستويات. كان رد فعل أهل السنة ~~لتحدي الشيعة مذهلا؛ إذ جمعت كتب الأحاديث النبوية الست الأعلى مقاما في الفترة من ~~عام 800 حتى 1100، وتوافقت الاتجاهات الفلسفية واللاهوتية والصوفية في الإسلام مع ~~المذهب السني، وظهرت المذاهب الإسلامية الأربعة. وبحلول نهاية القرن الحادي عشر، اعتقد ~~أن المذهب السني قد تبلور أخيرا، مع تأكيد العلماء أن باب الاجتهاد قد أغلق من الآن ~~فصاعدا. # في التسعينيات من القرن الحادي عشر أغلقت أيضا الأبواب التي انتقلت عبرها سلطة ونفوذ ~~السلاجقة والفاطميين؛ فبوفاة الخليفة الفاطمي عام 1094 انقسمت الحركة الفاطمية إلى ~~مجموعتين عرفت إحداهما في أوروبا باسم «الحشاشين» الذين شرعوا في هزيمة أعدائهم ليس عن ~~طريق التغلب على جيوش هؤلاء الأعداء ولكن عن طريق استهداف قادتهم (واسم الحركة مشتق من ~~استخدامهم المشتبه فيه للحشيش لتثبيت أعصاب منفذي الاغتيالات قبل أن يندفعوا إلى موت ~~شبه مؤكد). ومن أشهر ضحاياهم الأول الوزير السلجوقي نظام الملك الذي كان المحور ~~الذي تدور حوله سلطة دولة السلاجقة. بعد ذلك ضعف الحكام الفاطميون والسلاجقة في إيران ~~والعراق واحدا تلو الآخر. لكن بحلول ذلك الوقت كان أهل السنة والشيعة قد استقروا ms020 على ~~دروبهم، وصار اعتمادهم على رعاية الدولة أقل من ذي قبل. علاوة على ذلك، فإنه بانتهاء ~~تلك الفترة، فاق المسلمون غيرهم عددا في الأراضي الإسلامية؛ فبلغ الإسلام سن الرشد ~~بكلا المعنيين. # 1100-1500 # كثيرا ما يشار إلى الفترتين الأوليين على أنهما الفترتان «التأسيسية» و«الكلاسيكية» ~~من التاريخ الإسلامي، وهما القرون الأكثر أهمية لدى معظم المسلمين (الذين يجدر الإشارة ~~إلى أنهم لا يميلون إلى استخدام هذه المصطلحات أو التقسيمات المرتبة زمنيا). لكن من ~~شبه المؤكد أن الأغلبية الساحقة من المسلمين في العالم كانت ستظل على إلحادها لولا ~~الأحداث التي وقعت في الفترة ما بين عامي 1100 و1500. ومع أن الإسلاميين المعاصرين ~~(الذين يرون الإسلام نظاما سياسيا ودينيا أيضا) يسلطون الضوء على عهد النبي ~~والخلفاء «الراشدين»، فإن الحركات الإسلامية لم تظهر إلا استجابة لأحداث هذه الفترة. من ~~منظور أوروبي، تلك هي الفترة التي لولاها لما كانت لتركيا حجة للانضمام إلى الاتحاد ~~الأوروبي (ولا لأن تكون هناك «تركيا» من الأساس)، ولولاها لما كانت لروسيا «مشكلات» مع ~~المسلمين في الجنوب. وإليك ما حدث. # في ظل هيمنة المسلمين على جيرانهم طيلة قرون وتحديدهم مسار تاريخهم، كثيرا ما وجد ~~المسلمون أنفسهم بدءا من نهاية القرن الحادي عشر فصاعدا يستجيبون لأفعال الآخرين - ~~مسلمين وغير مسلمين - الذين عاشوا خارج حدود الإسلام السياسية. وهؤلاء الأجانب اتخذوا ~~ثلاث صور: الأتراك المسلمون، والغزاة غير المسلمين (المسيحيون في الغرب والمغول في ~~الشرق)، وأخيرا الغزاة المسلمون (التيموريون). # في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، واصلت موجات من القبائل التركية الهجرة غربا ~~متخذين طريق المراعي التي اعتمدوا عليها عبر شمال إيران وفي أذربيجان والأناضول. ومن ~~هناك شنوا غزوات (كثيرا ما كانت ذات دوافع دينية) داخل الأراضي البيزنطية، مما أثار رد ~~فعل عسكريا. هزم الأتراك القوات البيزنطية في معركة «ملاذ كرد» عام 1071، وفي غضون ~~عقدين كانت معظم أجزاء سوريا وفلسطين والأناضول تحت سيطرتهم. وبحلول القرن الثالث عشر، ~~صارت الأناضول تضم عددا كبيرا من السكان المسلمين، وساهم وصول موجات متتابعة من ~~الأتراك في القضاء على انتشار الثقافة اليونانية ms021 في المنطقة. كان الحكم التركي في ~~الأناضول لامركزيا تحكمه - كما كان من قبل - سلالات حاكمة متنافسة لا ينتسبون إلا من ~~بعيد إلى السلاجقة الكبار في إيران. أدت الغزوات المستمرة للأتراك داخل الأراضي ~~البيزنطية إلى سعي الإمبراطور لطلب المساعدة من المسيحيين الغربيين؛ الأمر الذي ينقلنا ~~إلى الصورة الثانية من التدخل الخارجي في الأراضي الإسلامية. # لم تكن الحروب الصليبية استجابة لطلب الإمبراطور البيزنطي العون ضد الأتراك فحسب؛ ~~فامتدادها على نطاق ثلاث قارات طيلة خمسة قرون يمثل الكثير للعديد من الأشخاص. حتى ~~الحملة الصليبية الأولى التي شنت عام 1095 كان ارتباطها بالنزاعات التركية البيزنطية ~~أقل من ارتباطها بالسياق الأعم للاعتداءات المسيحية على الإسلام وبالطبع استعادة القدس ~~والأرض المقدسة. فسر المؤرخون المسلمون - على حد اهتمامهم بالحملات الصليبية (وكثيرون ~~منهم لم يكونوا مهتمين) - في ذلك الوقت الحملات الصليبية في سياق المكاسب المسيحية ضد ~~المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية وإيطاليا وفي أماكن أخرى. أعيد غزو صقلية التي كانت ~~خاضعة للحكم الإسلامي منذ منتصف القرن العاشر على يد قوة مشتركة من النورمان من إيطاليا ~~والجنود الإيطاليين فيما بين عامي 1061 و1091 على الرغم من أن رحيل آخر المسلمين منها ~~لم يحدث إلا في الأربعينيات من القرن الثالث عشر. كذلك أعيد غزو الأندلس تدريجيا: ~~فبقدر ما كانت مقاومة المسيحيين الكبيرة للحكم الإسلامي في الشمال والغرب منذ القرن ~~الثامن، استغرقت «حروب الاسترداد» نحو 800 سنة إجمالا، لتكتمل فقط بسقوط غرناطة على يد ~~فرديناند وإيزابيلا عام 1492. ومع ذلك لم يستطع المسيحيون إحراز تقدم حقيقي في المنطقة ~~إلا بدءا من نهاية القرن الحادي عشر مع عودة طليطلة إلى الحكم المسيحي عام 1085. # شكل : العالم الإسلامي نحو عام 1100. # زادت وتيرة «حروب الاسترداد» وزخمها في القرن الحادي عشر في ظل الاختلال السياسي ~~للمسلمين. ففي عام 1013 استولى بعض البرابرة على قرطبة ونهبوها، وفي عام 1031 انتهت ~~الخلافة الأموية وانقسمت أراضيها إلى دول-مدن إقليمية صغيرة حاربت بعضها البعض بلا ~~توقف. وأمام عجز الحكام المسلمين عن التصدي لتقدم القوات المسيحية، ناشدوا المرابطين ~~الذين كانوا يحكمون شمال ms022 أفريقيا أن يقدموا لهم المساعدة. كان المرابطون بربرا ~~«متزمتين» هدفهم الأول نشر رؤيتهم عن مذهب سني إسلامي أكثر صرامة ليحل محل ما اعتبروها ~~أشكالا سطحية وزائفة من الإسلام في ذلك الوقت. حكم المرابطون الأندلس من عام 1086 حتى ~~عام 1147 حينما حلت محلهم سلالة حاكمة أخرى من البربر هم الموحدون. تراجع الموحدون ~~أنفسهم إلى شمال أفريقيا بحلول منتصف القرن الثالث عشر حينما سقطت معظم أجزاء الأندلس ~~في يد المسيحيين (قرطبة عام 1236، وإشبيلية عام 1248). أثارت المذاهب الدينية المتشددة ~~لهذه السلالة الذعر في نفوس المسلمين المحليين (الذين لم يطلبوا مجيئهم) وأيضا قوات ~~«حروب الاسترداد». وكانت المعاناة الأكبر من نصيب اليهود والمسيحيين الأصليين الذين ~~ترعرعوا في ظل الحكم الأموي؛ فمع قدوم السلالات الحاكمة البربرية المسلحة، كثيرا ما ~~كان هؤلاء اليهود والمسيحيون يجبرون على الاختيار بين اعتناق الإسلام أو الهجرة أو ~~الموت. فر البعض إلى مناطق مسيحية في إسبانيا والبرتغال أو إلى أراض أخرى في دول ~~البحر الأبيض المتوسط. # إلى جانب إشعال الأتراك المنتسبين من بعيد إلى السلاجقة بقدر ما فتيل الحملات ~~الصليبية، فإنه ينسب إليهم أيضا الفضل في مقاومة الحروب الصليبية والانتصار عليها في ~~نهاية الأمر. ففي أوج نفوذهم، عهد السلاجقة الكبار بأراضيهم إلى أمراء من العائلة صغار ~~السن إلى حد لا يستطيعون معه إدارة حكم مستقل. لذا كان يرافق هؤلاء الأمراء أوصياء ~~(أتابكة) يمارسون السلطة الحقيقية؛ لفترة مؤقتة نظريا وعلى نحو دائم عمليا. ومن بين ~~هؤلاء «الأتابكة» زنكي حاكم الموصل وحلب (امتدت فترة حكمه من عام 1128 حتى عام 1146) ~~الذي استطاع أن يلحق أول هزيمة منكرة بالصليبيين حينما انتزع منهم مدينة الرها عام ~~1146. ووحد ابنه نور الدين سوريا، واستولى أحد مرتزقة نور الدين الأكراد على مصر من ~~الفاطميين عام 1169. وبعد ذلك وحد كردي سني آخر - معروف لدى الأوروبيين باسم صلاح ~~الدين - مصر وسوريا؛ ليضع بذلك نهاية للسلالة الشيعية للفاطميين عام 1171 (محققا بذلك ~~أهدافه المعلنة) ويعيد القدس للمسلمين عن طريق هزيمة الصليبيين في معركة حطين عام 1187 ~~(محققا بذلك الشهرة). # شغل النزاع ms023 المستمر خلفاء صلاح الدين في السلالة الأيوبية التي أوجدها (1174-1250)؛ ~~ولهذا السبب كانوا كثيرا ما يعقدون هدنات استراتيجية مع الصليبيين، ويحيطون أنفسهم ~~بجنود عبيد أتراك تابعين لهم (يسمون المماليك). أطاح هؤلاء المماليك (الذين امتدت فترة ~~حكمهم من عام 1250 حتى عام 1517) بالأيوبيين، وحكموا منطقة كبيرة شملت مصر، وسوريا، ~~وأجزاء من العراق، وشبه الجزيرة العربية، وشمال أفريقيا وشرقها. أنشأ ارتباطهم بنظام ~~جلب الجنود العبيد - الذي كان يستلزم الاستجلاب الدائم لدفعات جديدة من الأتراك - ~~مجتمعا قويا ومستقرا عسكريا قادرا على التصدي للتحديات الخارجية . وبدلا من عقد ~~هدنات مع الفرنجة (مثلما فعل السابقون)، طردوا الصليبيين من فلسطين بحلول عام 1291، ~~بعد أن كانوا قد هزموا المغول في معركة عين جالوت عام 1260، وهي انتصارات وضعت نهاية ~~لذلك التهديد الثنائي الذي كان يواجهه المسلمون في الشرق الأدنى. # على الرغم من ذلك لم ينج المسلمون في أماكن أخرى من غزوات المغول، وحتى وقت حديث ~~نسبيا - ووقتها لا شك - حاز المغول وليس الصليبيين على انتباه المسلمين في جميع أنحاء ~~العالم. ومثلما فعل النبي محمد، حقق «تيموجن» (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1206 حتى ~~عام 1227) القوة عن طريق توحيد عدة قبائل بدوية تحت حكمه، وسلطت عليه الأضواء في سن ~~الأربعين تقريبا حينما أعيد تسميته باسم جنكيز خان (الحاكم الأعلى). ومثل محمد ~~أيضا، لم يعش جنكيز خان حتى يشهد اتساع دولته إلى إمبراطورية عالمية؛ فمع وفاته، كان ~~المغول قد غزوا جزءا كبيرا من آسيا الوسطى، لكن كان لا يزال أمامهم ضم أجزاء من ~~الصين، وكوريا، وأوروبا الشرقية، والقوقاز، والعالم الإسلامي، وكلها ستشكل في النهاية ~~الإمبراطورية المغولية. وفي وقت سابق كان المغول قد غزوا أجزاء مهمة من شمال إيران ~~وآسيا الوسطى المسلمة، وهو ما كان له تبعات مدمرة؛ فالروايات المتداولة عن الدمار الذي ~~أحدثه المغول تثير الفزع حتى وإن نقحت بغية تجنب المغالاة. كان غزو المغول لإيران ~~والعراق في الخمسينيات من القرن الثالث عشر من أكثر الغزوات التي ألحقت دمارا ~~بالمسلمين؛ إذ دمر نظام الري الضعيف الذي كانت تقوم عليه ms024 الزراعة في العراق، وحدث ~~الشيء نفسه مع المكتبات والمساجد، وشعوب كاملة في مدن وقرى بارزة. لكن الحدث الأبرز في ~~الذاكرة الإسلامية هو نهب بغداد عام 1258 الذي وضع نهاية للخلافة العباسية بعد 500 عام ~~من قيامها. وفي النهاية اعتنق حكام إيران والعراق المغول (الإيلخانيون 1265-1335) ~~الإسلام، وحاولوا كسب ود المسلمين المحليين عن طريق رعاية الفنون، وتعيين مدراء من ~~الفرس، وخفض الضرائب. لكن وقتها - مثلما هو الآن - كان ينظر إلى المغول على أنهم أوغاد ~~لئام لدورهم في القضاء على الخلافة العباسية. # على الجانب الآخر، ظهر المماليك في صورة الأبطال. لقد كان السبب وراء الاستعانة ~~بالعبيد الأتراك في الفترات الأولى من الخلافة العباسية أن وضعهم كعبيد كان يحول دون ~~ادعائهم الحق في تولي الخلافة. وعلى الرغم من أنهم لم يدعوا الحق في الخلافة، ظلت ~~خلفيتهم القائمة على العبودية مشكلة للسلاطين المماليك؛ ولهذا الغرض قدموا أنفسهم على ~~أنهم دعاة جهاد ضد الكفار، وجاءوا بأحد أعمام آخر خليفة عباسي إلى مصر حيث منح وجوده ~~الشرعية للحكم المملوكي. شمل السلاطين أيضا العلماء برعايتهم، وقدموا الدعم لعدد من ~~المؤسسات الدينية ومشروعات البناء. وكتب العلماء الذين عينوهم كتب التاريخ وقالوا خير ~~الكلام عنهم. لكن حتى المماليك - المدافعون عن الإسلام ضد المغول والصليبيين - عجزوا عن ~~مقاومة الطاعون الأسود في الأربعينيات من القرن الرابع عشر، وهو الذي ساعدوا دون قصد في ~~نشره، ولم يتعافوا منه تماما. # على الصعيد السياسي ونحو نهاية هذه ~~الفترة كانت الأراضي الإسلامية المركزية تعاني حالة من الفوضى. لم يقتصر الأمر على ضعف ~~المماليك، لكن الحاكم المغولي التركي تيمور (تيمورلنك 1336-1405) شن حملة مدمرة من بلاد ~~ما وراء النهر في الشمال الشرقي على غرار الغزوات المغولية الأولى. كان تيمور يعتنق ~~الإسلام، لكن ثقافته وهويته كانتا مغوليتين عن وعي (حتى الإسلام الذي كان يمارسه هو ~~وأتباعه كان متأثرا بالعادات المغولية)، ويبدو أنه لم يستهدف سوى الأراضي التي غزاها ~~جنكيز وخلفاؤه. ومع أنه هزم الجيوش الإسلامية في دلهي (عام 1398)، وحلب (عام 1400)، ~~ودمشق (عام 1401)، والأناضول (عام 1402) وأماكن أخرى، فإنه ms025 لم يؤسس إمبراطورية دائمة. ~~وفور وفاته عام 1405، قسمت الأراضي التي كان يحكمها بين أربعة أبناء لم يكن لدى أي ~~منهم طموح عسكري مثل والدهم. # تفيد الغزوات التي شنها تيمور في إبراز مواطن القوة والضعف لدى نظم الحكم الإسلامية ~~المختلفة في بداية القرن الخامس عشر. وإنه لأمر كاشف أن نعرف أن ما اكتسبه من غنائم من ~~غزواته في الهند المسلمة تفوق بكثير ما حققه من أي مكان آخر، علاوة على أنه في الهند ~~والمناطق المجاورة حقق الحكم والدين الإسلاميين تقدما مبهرا في هذه الفترة. كانت ~~الهند محل استهداف ممنهج من قبل الحكام المسلمين منذ عهد الغزنويين، لكن لم يتمتع ~~المسلمون بالحكم المستقل فيها إلا بدءا من أواخر القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث ~~عشر؛ أولا تحت حكم الغوريين من أفغانستان (1148-1218) ثم السلالتين التركية والأفغانية ~~اللتين شكلتا سلطنة دلهي (1206-1526). ومثلما حدث كثيرا في التاريخ الإسلامي، انشق أحد ~~الجنود العبيد من إحدى السلالتين عن أسياده وأسس سلالة حاكمة لنفسه. وفي هذه الحالة، ~~كان هذا الجندي هو أيبك - أحد غلمان الغوريين - الذي غزا دلهي عام 1206 وأسس دولة ~~المماليك في الهند. ومع أنه مات بعد خمس سنوات في حادث غريب أثناء اشتراكه في أحد ~~سباقات الضرب بالصوالجة، فقد خلفه أحد غلمانه الذي أسس سلالة حاكمة من الجنود العبيد ~~استمرت حتى عام 1290. وعلى مدار القرنين التاليين تشكلت ثقافة إسلامية هندية في ~~المنطقة، وانتشر الإسلام في شبه القارة وما وراءها فيما يعرف الآن بماليزيا ~~وإندونيسيا. # على الرغم من أن المغول وتيمور نشروا ~~الدمار في جميع أنحاء الأراضي الإسلامية، أدت غزواتهم أيضا إلى انتشار كل شيء بدءا من ~~الأدب الفارسي حتى أوراق اللعب. والنقطة المهمة أن ضعف الخلافة العباسية - والمؤسسات ~~والهياكل السياسية بوجه عام - وسقوطها سارا في تواز (وترابط) مع تأسيس هياكل سياسية ~~واجتماعية بديلة داخل المجتمعات الإسلامية، وأبرزها المؤسسات الصوفية. والصوفية - ~~بوصفها منهجا روحيا للوصول إلى الله - قديمة كقدم الإسلام في بعض النواحي، مع أن ~~مذاهبها الرسمية لم تظهر إلا في القرن التاسع، ولم ms026 تكتسب الفروع المحددة للصوفية طابعا ~~مؤسسيا إلا بدءا من القرن الثالث عشر. تلك «المؤسسات» (أو الطرق)، بمقراتها ~~(الخوانق أو الرباطات أو الزوايا حسب المنطقة المقامة فيها)، ورؤسائها (ممن يحملون لقب ~~شيخ أو بير أو غيرها من الألقاب)، وطقوس الانتماء إليها، وشعائرها الغريبة ربما تحيي في ~~أذهان الغرب صور الماسونية في اتخاذها من الروحانية أساسا لها. لكن على عكس الماسونية، ~~فإن للصوفية تأثير اجتماعي وسياسي وديني حقيقي، وينسب الكثير من الفضل إلى شيوخ الصوفية ~~المؤثرين في تعريف أجزاء كبيرة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب آسيا وجنوبها ~~الشرقي بالإسلام. # نجح الإسلام أولا في كسب معتنقين بين شعوب الشرق الأدنى الذين كانوا على علاقة وطيدة ~~بعقيدة التوحيد السامية؛ فلم يكن الانتقال من اللغة الآرامية إلى العربية ومن «أبراهام» ~~إلى «إبراهيم» كبيرا. كانت علاقة اليهودية والمسيحية بالإسلام علاقة وثيقة للغاية ~~حتى قيل إن اليهودية والمسيحية كانتا في الأصل الدين الإسلامي نفسه، لكنه حرف بمرور ~~الوقت؛ ولهذا السبب أراد الله أن يذكر البشرية بالصراط المستقيم بأن يبعث إليها ~~محمدا وينزل عليها القرآن. ولا يمكن أن يتسع نطاق هذا القول ليشمل الهندوسية، أو ~~البوذية، أو الأديان الوثنية في أفريقيا وجنوب شرق آسيا، لكن شيوخ الصوفية أثبتوا عكس ~~ذلك. باختصار، أقنعت الدعوات التبشيرية الصوفية الوثنيين والمشركين أنهم مسلمون ~~«بالفعل» في الأساس، لكن آلهتهم وطقوسهم تختلف في مسمياتها في لغة الإسلام. ولكن لكي ~~ينجح هذا المنهج لا بد من نشر نسخة سطحية للغاية من الإسلام، ولا بد من ملاءمة العناصر ~~الخاصة بالأديان السابقة للإسلام التي لا نظير لها في الإسلام مع الدين الجديد ~~للمتحولين (مثلما وجد عيد القديس فالنتين، وعيد القديسين، وأشجار عيد الميلاد طريقها ~~إلى الثقافات المسيحية). حدث هذا بسلاسة بين المتحولين الموحدين؛ فإعادة رواية قصص ~~الإنجيل - المعروفة باسم «الإسرائيليات» - وجدت طريقها إلى كتب التراث الإسلامية دون أن ~~يلحظها أحد في كثير من الأحيان. أما في حالات الوثنيين والمشركين، كانت النتيجة حدوث ~~توفيق ديني اعتبر إهانة بالغة للمسلمين السنة. وقد تعرفنا على حالة سابقة تعكس هذا ms027 ~~الأمر متمثلة في رد فعل المرابطين تجاه إسلام البربر، ولمعظم الحركات الإسلامية الحديثة ~~تاريخ من محاولات مماثلة لتطهير المجتمعات الإسلامية من النماذج التوفيقية للعقيدة ~~والعبادة وغيرها من النماذج الزائفة. # في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كانت الحركات الصوفية فاعلة ومؤثرة بين الأتراك ~~في الأناضول وأذربيجان (وفي معظم المناطق الأخرى). وتدريجيا في نهاية القرن الخامس ~~عشر وبداية القرن السادس عشر، تفككت العناصر المختلفة للسنة والشيعة والصوفية ~~الابتداعية وغيرها من الأفكار التي كانت قد تضافرت بعضها مع بعض في هذه المنطقة؛ ليظهر ~~العثمانيون السنة والصفويون الشيعة الذين تشكل الشرق الأدنى الحديث من إرث ~~إمبراطورياتهم وخلفائهم. # 1500 إلى الآن # متى ينتهي التاريخ الإسلامي؟ على الرغم من أن نهايته لا تظهر بأي حال في بعض أجزاء ~~العالم، ثمة ثلاث وجهات نظر مهمة يمكن من خلالها القول بأن التاريخ الإسلامي قد انتهى ~~في الفترة «من عام 1500 إلى الآن». أولا، وكما سيتضح في الفصلين # السادس # و # السابع ~~، فإن الوقائع التي تشكل المخزون ~~التاريخي لدى جميع المسلمين تخص الفترات الثلاث التي تعرضنا لها سابقا. ثانيا، ~~التاريخ الذي يخص الإسلام والمسلمين في هذه الفترة هو تاريخ «عالمي» لعب فيه الإسلام ~~والمسلمون دورا أكثر من كونه تاريخا «إسلاميا». ولأن هذا الدور كثيرا ما يكون ~~ثانويا، فإن النظر للأحداث التي شهدتها هذه الفترة على أنها جزء من التاريخ ~~«الإسلامي» يمنح الإسلام والمسلمين قدرا من السيطرة على مجريات الأمور، وهي فكرة ~~مضللة على أحسن تقدير. وهكذا، فإنه عندما احتل الفرنسيون مصر عام 1798، كان ~~البريطانيون هم من طردوهم؛ المصريون أنفسهم اكتفوا بالمشاهدة. ثالثا، تلك هي الفترة ~~التي شهدت تلاشي العديد من السمات البارزة للتاريخ الإسلامي وللمجتمعات الإسلامية فيما ~~قبل العصر الحديث، بما في ذلك الاعتماد واسع النطاق على الجنود العبيد (وسلاح الفرسان ~~بوجه عام)، والتمييز القانوني بين المسلمين وغيرهم في الأراضي الإسلامية، ومحورية الحج ~~(والشبكات الدينية الأخرى) فيما يتعلق بترابط الأمة، وسيطرة العلماء على السلطة ~~الدينية وغيرها من الأمور الأخرى. # بسبب كل هذه العوامل، فإن نسبة كبيرة من مسلمي اليوم تنحدر ms028 أصولهم من أولئك الذين ~~اعتنقوا الإسلام في تلك الفترة، وكما ذكر أحد المؤرخين فإنه «في القرن السادس عشر من ~~زمننا، كان يمكن لزائر من المريخ أن يظن أن عالم البشر على وشك أن يصبح مسلما». ربما ~~توصل ضيفنا القادم من كوكب المريخ إلى هذه النتيجة بسبب الوجود المعاصر للحضارات ~~والإمبراطوريات الإسلامية الكبرى التي أقامها العثمانيون (1300-1922)، والصفويون ~~(1501-1722)، والمغول (1526-1858). وإليك صورة لما بدا عليه الحال. # كانت الإمبراطورية العثمانية أول دولة إسلامية عظمى يبزغ نجمها في هذه الفترة وآخر ~~دولة يأفل نجمها أيضا؛ إذ استمرت بشكل أو بآخر من بداية القرن الرابع عشر وحتى بداية ~~القرن العشرين. بزغ نجمها نحو عام 1300 عندما استطاع قائد طموح لمجموعة من المحاربين ~~على الحدود التركية في الأناضول الغربية أن يؤسس دولة إسلامية مستقلة في المنطقة. اتسعت ~~الدولة - التي سميت باسم مؤسسها عثمان - سريعا على حساب الإمبراطورية البيزنطية. وفي ~~عام 1453 فتح العثمانيون القسطنطينية (وتنطق بالتركية إسطنبول). وعلى مدار القرن ~~التالي، انتزعوا القدس ومكة والمدينة من سلطنة المماليك (التي فتحوها عام 1517)، ~~وانتزعوا بغداد من الصفويين عام 1534، إلى جانب التوسع غربا في أوروبا ليضيفوا إلى ~~أراضيهم بلجراد والمجر ويحاصروا فيينا عام 1529. سارع السلاطين العثمانيون بالاستفادة ~~من مكاسبهم ليحققوا النفوذ والثروة والهيبة، فاستجلبوا الأموال والمكتبات والمحفوظات ~~والعلماء إلى إسطنبول من المناطق التي فتحت مؤخرا في مصر وسوريا، وادعى السلاطين ~~وراثتهم لسلطة الحكام الذين فتحت بلادهم ولأراضيهم أيضا، وأطلقوا على أنفسهم ألقاب ~~«قيصر» و«شاهنشاه» و«خليفة»؛ بل و«خليفة الله» في بعض الأحيان. وكالمتوقع، تولى ~~السلاطين أو «الخلفاء» أدوارا دينية، فأصدروا المراسيم الدينية، وعينوا القضاة، ~~وضموا العلماء إلى السلطة الحاكمة. وفي هذه الفترة، اشتهر السلطان سليمان (الذي امتدت ~~فترة حكمه من عام 1520 حتى عام 1566) لدى الأوروبيين بفضل نجاحاته العسكرية باسم ~~«سليمان العظيم»، واشتهر بين المسلمين باسم «سليمان القانوني» بسبب دمجه القانون العرفي ~~في الشريعة. # بحلول منتصف القرن السادس عشر، أسس ~~العثمانيون إمبراطورية قوية مركزية عالمية ضمت بعض أهم المدن والموارد الإسلامية - ~~والعالمية أيضا - لها مرتكز في كل من ms029 أوروبا وآسيا وأفريقيا. لكن عالمية هذه ~~الإمبراطورية كانت لها نتائج إيجابية وأخرى سلبية؛ فمن ناحية نشطت التجارة والثقافة في ~~المدن العثمانية عن طريق استيعابها عشرات الآلاف من اللاجئين اليهود من محاكم التفتيش ~~الإسبانية. وتكونت الآلة العسكرية العثمانية في جزء منها من شباب مسيحيين ~~(«الإنكشاريين» أو «الجنود الجدد» في اللغة التركية). ولأن العثمانيين قد انتقل إليهم ~~حكم مجموعات متباينة من التركمان الذين سكنوا الأناضول بين القرنين الثالث عشر والخامس ~~عشر، فقد حكموا عددا كبيرا من الشيعة والصوفيين (الذين كانوا أحيانا يعتنقون معتقدات ~~غير تقليدية) وكذلك مجموعات متنوعة من المسيحيين. ولم يكن التكوين العرقي للإمبراطورية ~~أقل تنوعا. ومن الناحية الأخرى، بات واضحا بنهاية القرن التاسع عشر أنه ليس هناك ~~الكثير مما يمكن فعله لتوحيد هذا النسيج المتنوع من السكان. علاوة على ذلك فإنه على ~~الرغم من أن العثمانيين اتخذوا ألقابا دينية، وسيطروا على العلماء، وأظهروا الفخر بما ~~لهم من نفوذ على المدن المقدسة، فالحقيقة أنه حتى في ذروة مجد الإمبراطورية العثمانية ~~كان نصف الرعايا بالكاد من المسلمين وأقل من نصف مسلمي العالم عثمانيين. وتوحيد الأمة ~~على النحو الذي حققه الخلفاء الأوائل (وإن كان سياسيا فحسب) كان يمكن أن تكون جدواه ~~لحاكم مسلم أكبر من جدوى السيطرة السياسية على ألبانيا وكرواتيا. علاوة على ذلك فإن ~~التطورات التي شكلت أهمية حقيقية للإسلام والمسلمين كانت تقع أيضا في أماكن أخرى؛ أي ~~في الأراضي الصفوية والمغولية. # قريبا من الوقت الذي كان عثمان يؤسس ~~فيه دولته في الأناضول، أسس أحد أبناء أذربيجان واسمه صفي الدين (1252-1334) رابطة ~~صوفية في أردبيل عرف أتباعها باسم الصفويين. وبحلول نهاية القرن الخامس عشر، تطورت هذه ~~الرابطة إلى حركة صوفية-شيعية مقاتلة آمنت بأن قائدها إما الإمام المختفي أو الله ~~نفسه. ومع نهاية القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر، خرج قائد الجماعة الصفوية - ~~وهو مراهق يدعى إسماعيل - من مخبئه وشرع في غزو إيران. وبحلول عام 1501 كان قد أصبح ~~شاه المنطقة متخذا من تبريز عاصمة له. مع ذلك هزمت القوات الصفوية عام ms030 1514 على أيدي ~~العثمانيين في معركة جالديران التي ترتب عليها ثلاث نتائج مهمة. أولا، رسمت الحدود ~~الإيرانية التركية المعاصرة. ثانيا، لما خسر شاهات الصفويين المعركة (وادعاءهم ~~الألوهية) أمام استخدام العثمانيين البارود، فإنهم استجلبوا البارود هم أيضا. ثالثا، ~~نقل الشاهات اللاحقون عاصمتهم شرقا بسبب تعدي القوات العثمانية على أقاليمهم ~~الغربية؛ ليستقر الصفويون في النهاية في أصفهان تحت حكم الشاه عباس الأول (الذي امتدت ~~فترة حكمه من عام 1587 حتى عام 1629). # بالانتقال شرقا، كان الصفويون يبعدون أنفسهم عن مركز قوتهم التركماني الأصلي، ~~ويثبتون أقدامهم في قلب الأراضي الإيرانية. تخلصت الشخصية الدينية للدولة من أفكارها ~~الراديكالية التي حلت محلها الشيعية الاثنا عشرية (بينما حلت النخبة الفارسية محل ~~النخبة التركية). فرض هذا الشكل من أشكال المذهب الشيعي قسرا على قطاع كبير من أهل ~~السنة، واستقدم العلماء الشيعة من البحرين والشام والعراق إلى أصفهان حيث ازدهرت ~~الثقافة الدينية والدنيوية. نقل عباس أيضا إلى عاصمته أصفهان سكانا من المدن ~~الإقليمية لينشئ مركزا ثقافيا واقتصاديا. وهكذا، فإنه في ظل حكم الصفويين سلطت ~~الأضواء على الحدود الحديثة لإيران وعلى هويتها الثقافية والدينية؛ وذلك في تناقض واضح ~~مع التنوع المتسم بقبول الآخر الذي كان يميز الإمبراطورية العثمانية. وصل الأدب الفارسي ~~ذرى جديدة؛ وعلى قدر استخدام العثمانيين والمغول اللغة الفارسية لغة للثقافة الرفيعة ~~(في الأناضول قبل الحكم العثماني والهند قبل الحكم المغولي)، كان الصفويون في قلب ~~الحضارة الإسلامية. مع ذلك بدأ أفول نجمهم بعد وفاة عباس الثاني (الذي امتدت فترة حكمه ~~من عام 1642 حتى عام 1666)؛ إذ اجتمعت الكوارث الطبيعية (المجاعات والزلازل وانتشار ~~الأمراض) مع وجود حكام ضعاف، مما خلف فراغا سياسيا ملأه العلماء الشيعة أو ~~الملالي الذين أحكموا قبضة الشيعة على المجتمع. وفرض الدين بالقوة ليس بأي حال سبيلا ~~لكسب الأصدقاء والتأثير في الناس، وهكذا أطاح رجال القبائل السنة الحانقون من ~~أفغانستان بالصفويين عام 1722، ووضعوا نهاية لحكمهم. وعادت الوحدة السياسية - والمذهب ~~الشيعي - إلى إيران على أيدي القاجاريين (1794-1925) الذين قادوا إيران إلى ~~الحداثة. # من مكان آخر في أفغانستان وفي ms031 أوائل القرن السادس عشر، شن أحد الأمراء ويعرف باسم ~~بابر غارة ناجحة على الهند. ومع ادعاء بابر أنه ينتسب لكل من جنكيز خان وتيمور، كان ~~مؤكدا أنه سيحاول غزو بلد ما. وهذا ما فعله عام 1526 حينما هزمت قواته سلطان دلهي ~~وأسست سلالة حاكمة في الهند. ومع ذلك، لم تؤسس الإمبراطورية المغولية إلا تحت حكم حفيده ~~أكبر (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1556 حتى عام 1605)، وعلى مدار قرن ونصف قرن ~~تاليين، ازدهر حكم أكبر وخلفائه واتسعت أراضيهم. وبحلول الفترة التي حكم فيها أورنكزيب ~~(1658-1707)، كاد المغول يحكمون جميع أجزاء شبه القارة الهندية وأجزاء من إيران وآسيا ~~الوسطى بلغ عدد سكانها نحو 100 مليون نسمة. ومع أن الغالبية العظمى من هؤلاء الرعايا لم ~~يكونوا مسلمين، فإنهم اندمجوا بالكامل داخل المجتمع على كافة مستوياته، وتمتعوا بدرجة ~~غير مسبوقة من التسامح؛ إذ أعفوا من دفع الجزية، وتزوج الأباطرة المغول زوجات ~~هندوسيات، واستبدل السلطان أكبر بالتقويم القمري الإسلامي تقويما شمسيا. كذلك مزجت ~~الثقافة المغولية العادات الإسلامية بالعادات الهندية لتوجد أشكالا جديدة وترسي ~~معايير جديدة في الرسم، والشعر، والعمارة. ويمكن رؤية إرث إنجازاتهم اليوم في عظمة «تاج ~~محل» واستخدام لفظة «المغول» إشارة إلى من يملكون النفوذ والثروة. # على الرغم من ذلك، لم يطبق خلفاء السلطان أكبر جميع أفكاره عن طيب خاطر. ففي عام ~~1581، وضع أكبر ما أطلق عليه اسم «الدين الإلهي» الذي يهدف إلى التوفيق بين الحقائق ~~العديدة لجميع الأديان المعروفة له داخل منظومة واحدة. حتى الدعوات التبشيرية الصوفية ~~لم تفلت من ذلك المخطط، وجاءت المعارضة الأعلى صوتا لهذه الهرطقة من قبل الزعيم الصوفي ~~أحمد سرهندي (1564-1624). ولم تستمر تجربة السلطان أكبر بعد وفاته، وفي النهاية أثار ~~فرط التسامح مع غير المسلمين تعصبا زائدا؛ إذ شن أورنكزيب الجهاد ضد الهندوس وهو ما ~~كان له تبعات متنوعة. وصلت حدود الإمبراطورية إلى أقصى مدى يمكن الوصول إليه؛ لكن في ~~ظل وجود الكثير من الأراضي الخاضعة للحكم وعدد أقل من السكان المستعدين لإبداء التعاون، ~~انهار حكم المغول ms032 سريعا؛ إذ فقدوا نفوذهم المؤثر في وقت مبكر يعود إلى عام 1725 (مع أن ~~الدولة استمرت حتى عام 1857). وفي عام 1803، وفي ظل انقسام المنطقة بين الحكام ~~البريطانيين والهندوس المحليين، أعلن أحد قادة العلماء في دلهي أن الهند لم تعد دولة ~~مسلمة. # لكن ما الذي كان يفعله البريطانيون - وغيرهم من الأوروبيين - في آسيا من الأساس؟ ~~الإجابة السريعة - آنذاك والآن أيضا - هي «شراء السلع». فبدءا من القرن السادس عشر، ~~سعت دول صغيرة لديها سفن كبيرة (هولندا والبرتغال) ولاحقا دول كبيرة لديها سفن كبيرة ~~(بريطانيا وفرنسا) إلى بسط نفوذها على الطرق التجارية الممتدة إلى الشرق الأقصى التي ~~يمكن منها شراء التوابل والسلع الأخرى مباشرة (ومن ثم بأسعار زهيدة ). لقد استفادت ~~الدول والمجتمعات الإسلامية طيلة قرون من موقعها الاستراتيجي الذي كان يشكل جسرا بين ~~أوروبا وآسيا. وفيما قبل العصر الحديث، اجتمعت مركزية العالم الإسلامي جغرافيا مع ~~ثقافته الرفيعة، وتنظيمه السياسي، وقوته العسكرية، وهو ما أتاح للمسلمين الهيمنة على ~~أجزاء كبيرة من أفرو-أوراسيا في وقت كان فيه الأوروبيون - بشكل نسبي - يتسلقون الأشجار ~~ويعيشون حياة بدائية. لكن في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تحديدا تزامن أفول ~~نجم الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى مع بزوغ نجم الإمبراطوريات الأوروبية. # نتيجة للثورة الصناعية، حظي الأوروبيون بمزايا مهمة في مجالي الإنتاج والاتصالات؛ ~~ووجهت الحروب النابليونية (1793-1815) الجهود الصناعية لخدمة الأغراض العسكرية؛ وحشدت ~~الثورة الفرنسية قطاعات كبيرة من السكان عن طريق تشجيع الحس الوطني والأفكار الخاصة ~~بخدمة البلاد؛ وقدم عصر التنوير تبريرا علميا لوجود تسلسل هرمي من الحضارات (يقبع ~~الأوروبيون على قمته لا شك). ولما كانت الإمبراطوريات الإسلامية الثلاث الكبرى مكونة ~~في الأغلب من اليابسة، فقد كانت عاجزة عن محاربة السفن الأوروبية، حتى وإن كانت في ذروة ~~قوتها، وهي لم تكن كذلك. فقد المغول والصفويون قوتهم في بداية القرن الثامن عشر، ولم ~~يستمر العثمانيون إلا بإعادة تنظيم إمبراطوريتهم على غرار الإمبراطوريات الأوروبية. ~~حرر الحصار العثماني الفاشل لفيينا عام 1683 والهزائم المخزية في الحرب الروسية ~~العثمانية (1768-1774) السلاطين العثمانيين من وهم الاعتقاد بأنهم ms033 متفوقون عسكريا على ~~القوى الأوروبية، أو حتى مساوين لها. وساهمت لامركزية الإمبراطورية، والشقاق الحزبي ~~داخل البلاط العثماني، وانعدام الاستقرار الداخلي في تعزيز الانطباع بأن الإمبراطورية ~~العثمانية هي «رجل أوروبا المريض». واستجابة لذلك، سعى السلاطين بدءا من عهد سليم ~~الثالث (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1789 حتى عام 1807) إلى إعادة التأكيد على نفوذهم ~~عن طريق اتخاذ تدابير داخلية أدت إلى «إعادة تنظيم» الإمبراطورية فيما عرف باسم ~~«التنظيمات» (1839-1876)، وفيها حل القانون المدني محل الشريعة، وتساوى غير المسلمين مع ~~المسلمين، وجرى تحديث الإدارة العثمانية في معظم جوانبها. أدخل الحاكم المستبد (أو ~~«الخليفة» كما كان يرى نفسه) عبد الحميد الثاني (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1876 حتى ~~عام 1909) شبكة خطوط سكة حديدية إلى الإمبراطورية [المتقلصة]، وكثف الاستثمار في ~~مشروعات البناء. وجدير بالملاحظة أنه بينما كان السلاطين السابقون يتباهون بتكفلهم ~~إقامة المساجد وغيرها من المنشآت الدينية الأخرى، كادت مشروعات عبد الحميد تكون كلها ~~دنيوية بحتة. كان التحديث واسع النطاق باهظ التكلفة؛ ولذا وجدت الدول الإسلامية نفسها ~~مدينة بمبالغ كبيرة إلى الدول الأوروبية، وسرعان ما وجد الأوروبيون أنفسهم يتولون ~~السلطة السياسية على الأراضي الإسلامية. # غير أنه لم يكن هناك مفر من كل ذلك، وفي بعض المناطق في العالم الإسلامي تحركت ~~الأوضاع في اتجاه مختلف تماما. ففي القرن السادس عشر، تحرك البدو من الصحراء الكبرى ~~نحو الشمال ليسيطروا على قلب الأراضي المغربية مؤسسين سلالة من «الأشراف» (هؤلاء الذين ~~زعموا انتسابهم إلى النبي) تولوا حكم البلاد من مراكش؛ ومن يومها وهم يحكمون المغرب. ~~استطاعت سلالة السعديين (التي امتدت فترة حكمها من عام 1554 حتى عام 1659) أن تجتاز ~~الصحراء التي كانت تعتبر في السابق منيعة عسكريا، ودمرت دولة سنغاي في غرب ~~أفريقيا وعاصمتها الشهيرة تمبكتو عام 1591. قادت هذه السلالة أيضا حركة المقاومة ضد ~~القوات الإسبانية والبرتغالية عام 1578، وصمدت أمام التحديات العثمانية جزئيا عن طريق ~~تأليب البريطانيين والإسبان ضد بعضهم البعض، وجميعها عوامل ساعدتهم على البقاء دولة ~~إسلامية مستقلة. نجحت الدول الخاضعة لحكم الأشراف في درء خطر ms034 الأوروبيين حتى أواخر ~~القرن التاسع عشر، وكان الأشراف العلويون (الذين امتدت فترة حكمهم من عام 1666 حتى ~~الآن) أول من يعترف بدولة الولايات المتحدة الأمريكية حين نالت استقلالها. مع ذلك، حتى ~~هذه السلالة لم تسلم من الاستعمار في النهاية؛ ففي عام 1912 فرض الفرنسيون وصايتهم على ~~المغرب، ولم ينل المغاربة استقلالهم إلا عام 1956 في عهد السلطان محمد الخامس (الذي ~~امتدت فترة حكمه من عام 1927 حتى عام 1961). # خضعت معظم المجتمعات الإسلامية للحكم الأجنبي على مدار الألفية السابقة عندما حكم ~~الأتراك، والمغول، والبرابرة، وكذلك العرب - في بعض الفترات والمناطق - بوصفهم أجانب، ~~وعادة ما كان يصاحب ذلك عدم مراعاة للعادات والاهتمامات المحلية. الاستعمار الأوروبي ~~على وجه التحديد لاقى مقاومة لثلاثة أسباب. أولا، كانت القوى الاستعمارية - مثلها مثل ~~الصليبيين - غير مسلمة، وكثيرا ما كانت في تنافس مباشر مع المسلمين لنشر عقيدتها (وهي ~~منافسة عادة ما كان يفوز فيها المسلمون). لكن على عكس الصليبيين، كانت هذه القوى تتمتع ~~بحضور دائم وعلى علاقة بجميع المسلمين تقريبا. ثانيا، كانت المجتمعات الإسلامية في ~~هذه الفترة قد أصبحت على دراية بآليات مقاومة الاستعمار وبدائله، وذلك بعيدا عن مفهوم ~~الجهاد الذي ناصره البعض. حذت الحركات المنادية بالوحدة الإسلامية والوحدة العربية ~~والوحدة التركية حذو حركات التحرير الوطنية في أماكن أخرى؛ الأمر الذي زاد من تطلع ~~المسلمين إلى التغلب على الحكم والنفوذ الأجنبيين. ثالثا، في ظل انتشار وسائل الإعلام ~~والاتصالات الحديثة ذاعت الحقائق المرتبطة بالنقطتين السابقتين في كل مكان. # بداية من القرن التاسع عشر (وقبل ذلك)، بزغ في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي نجم ~~عدة حركات تهدف إلى إعادة تمكين الإسلام وتطهيره، واستهدفت تلك الحركات القوى الخارجية ~~(الاستعمار) والقوى الداخلية (ما أطلق عليه الممارسة السطحية أو التوفيقية للإسلام، ~~وكذلك علمنة المجتمعات الإسلامية وحكامها). وعلى الرغم من أن الحركات الفردية عادة ~~ما كانت لديها شكاية معينة، فإنه مع الوقت أصبح عدد كبير من هذه الجماعات - ومعظم ~~أتباعها - يجمع بين عدد مختلف من صرخات الحرب أو يختصر الشكايات في مجرد شعور عام ms035 بأن ~~«الأمور ليست على ما يجب أن تكون عليه»، وأن الحل هو التغيير على خطى إسلامية متشددة. ~~وما أثار حنق هذه الجماعات على وجه الخصوص أنها كانت ترى أن القيادة الإسلامية تساهم في ~~المشكلة بدلا من حلها. وقد مال هؤلاء المفكرون والناشطون إلى تسمية أنفسهم باسم ~~«المجددين»، بينما نميل إلى تسميتهم باسم «الإسلاميين» (وهو مصطلح يشمل مجموعات أخرى ~~عديدة أيضا). ومع أن جذور الإسلام السياسي غالبا ما تعود إلى محمد بن عبد الوهاب ~~(الذي توفي عام 1787)، فإنه قد شهد تحولا في القرن العشرين بتأسيس حسن البنا (الذي ~~توفي عام 1949) جماعة الإخوان المسلمين (مصر 1928) وتأسيس أبو الأعلى المودودي (الذي ~~توفي عام 1979) الجماعة الإسلامية (الهند 1941). استهدفت الجماعة الأولى المستعمرين ~~الأجانب والعلمانيين من أهل البلاد، بينما انصب تركيز الجماعة الثانية على البريطانيين ~~وحلفائهم الهندوس. وسرعان ما اتسع نطاق هذه الحركات دوليا، وأصبحت لها فروع عديدة؛ ~~فقد أثرت أفكار المودودي في المفكر الإسلامي المصري البارز سيد قطب (الذي توفي عام ~~1966) الذي ينتمى هو نفسه لجماعة الإخوان المسلمين (التي أسس أعضاؤها حركة حماس عام ~~1987). # يقال إن أساس فهم المجتمعات الإسلامية في القرن التاسع عشر هو الاستعمار، مع أن ثمة ~~عاملا آخر لا يسلط الضوء على أهميته الكبرى، هو انتشار الطباعة في جميع أنحاء ~~الأراضي الإسلامية في هذه الفترة. لقد أدت الطباعة - وأشياء أخرى - إلى انتشار الصحف، ~~فظهرت الصحف الحكومية في مصر (1824)، وتركيا والأقاليم العثمانية الأخرى (1831)، وإيران ~~(1837)، وأماكن أخرى في سنوات لاحقة. والجدير بالذكر أن الرواد من الإصلاحيين ~~الإسلاميين أشرفوا على تحرير الصحف، ونشروا أفكارهم عبرها. أصدر الأيديولوجيون أمثال ~~محمد عبده (الذي توفي عام 1906) وجمال الدين الأفغاني (الذي توفي عام 1897) صحيفة دينية ~~مجانية اتخذت منبرا لبث الأفكار الإسلامية والمناهضة للبريطانيين، ووصلت إلى القراء ~~في أنحاء العالم الإسلامي (فيما عدا مصر والهند حيث حظرها البريطانيون). أيضا أشرف ~~رشيد رضا (الذي توفي عام 1935) - وهو أحد تلاميذ محمد عبده - على تحرير المجلة ~~الإسلامية «المنار» لمدة تصل إلى 40 عاما قام خلالها بنشر أفكار أستاذه على نطاق واسع ~~بالإضافة إلى ms036 مقترحاته بشأن تأسيس خلافة إسلامية موحدة. # أسفرت الطباعة أيضا - وإن كان بغير قصد - عن إضفاء طابع الديمقراطية على السلطة ~~الدينية. ففي الماضي، كانت التعاليم الإسلامية تنتشر من خلال التفاعلات الشخصية مع ~~العلماء أو الزعماء الصوفيين. وحدهم الزعماء المبجلون الذين يستطيعون - بفضل تعليمهم ~~الديني وسمعتهم - اجتذاب جماعة من الأتباع هم من كانوا يتركون تأثيرا لدى الناس. أما ~~في ظل انتشار وسائل الإعلام الحديثة (بدءا بالطباعة وليس انتهاء بها)، كان بوسع أي ~~شخص يستطيع الوصول إلى التقنية المطلوبة أن يؤثر في ملايين الأشخاص. لم تعد السمعة ~~المحلية والشهادات الدينية تحظى بأهمية وسائل الاتصال. وكثيرا ما تسبب هذا التطور في ~~اختلال التوازن المتحقق بين العلماء والسلطات السياسية؛ وهو توازن كان بقاؤه يعتمد على ~~السيطرة على العلماء أو مساندة المذعنين منهم على حساب الطرق الصوفية الشهيرة. وهكذا ~~تعقدت المصفوفة بظهور الإسلاميين الذين كان لديهم وقت قليل لمعظم الصوفيين وللسياسيين ~~المسلمين المتغربين (أو العلماء الذين ~~تنازلوا لهم عن كل شيء). # كل هذا يوضح بلا شك أنه من السطحية اعتبار الإسلام السياسي رفضا تفاعليا للغرب ~~ولمناهجه. لقد سعد الإسلاميون بحصولهم على معدات الحضارة الغربية الحديثة وبرامجها ~~والاستفادة منها في خدمة قضيتهم. ولا يخفى على أحد أن آية الله الخميني نشر رسالته ~~الثورية من خلال شرائط التسجيل المسموعة، واستفاد تنظيم القاعدة أقصى استفادة من ~~تكنولوجيا الاتصالات في بث رسائله إلى القنوات الإعلامية، والتواصل عبر غرف الدردشة ~~المتاحة عبر شبكة الإنترنت، واستغلال الاهتمام الإعلامي الذي يثار حول عملياته في ~~اجتذاب أعضاء جدد. ومن الأمثلة الأخرى على هذا الاستعداد للاستفادة من مثل هذه التقنيات ~~رسائل الاستشهاد ومقاطع قطع الرءوس المروعة المتداولة على المواقع الإلكترونية. أما ~~فيما يتعلق بالبرامج، فقد استغلت الأفكار الغربية حتى من قبل من يسعون إلى التحرر من ~~تأثير الغرب؛ ومع أنه قد يقال إن الوحدة الإسلامية تمتد جذورها إلى ما قبل العصر ~~الحديث، فإن حركات التحرير الوطنية - بدءا من الشيشان إلى فلسطين وشينجيانج - منقولة ~~من الغرب. وبالمثل، فإن النظريات المعادية للسامية المؤيدة على نطاق واسع من ms037 قبل ~~المسلمين بهدف التصدي لآثار الاستعمار (التي يسأل عنها اليهود على حد زعم هذه ~~النظريات) هي نفسها منتجات غربية إمبريالية؛ إذ لم تظهر مثل هذه النظريات في المجتمعات ~~الإسلامية إلى أن استجلب العرب [المسيحيون] الأفكار من أوروبا إلى الأراضي الإسلامية في ~~القرن التاسع عشر. وفيما يتعلق بالغالبية العظمى من المسلمين الذين يرفضون أيديولوجيات ~~الإسلاميين، فإنهم يستخدمون التقنيات الحديثة ويعتنقون الأفكار الغربية على نحو يتزايد ~~يوما بعد يوم، مما أدى إلى ظهور نتائج مثيرة للاهتمام؛ فقد أوضح البعض (على نحو مقنع) ~~دور الإسلام في نشأة العلم الحديث والطب والتكنولوجيا، بينما حاول آخرون (على نحو أقل ~~إقناعا) بيان أن أفكار الغرب من ديمقراطية وحقوق إنسان ومساواة بين البشر ترجع أصولها ~~إلى الإسلام. ومع أن هذا الأمر قد يشير إلى عملية التغريب المتزايدة للمسلمين، فإنه ~~يوضح أيضا مدى سهولة تكيف التغريب مع الإسلام. # شكل : العالم الإسلامي نحو عام 1700. # ملخص # إذن ذلك هو ما حدث بوجه عام. وكما يتوقع من أي استعراض لفترة تساوي 1400 عام من ~~التاريخ على نطاق ثلاث قارات، فقد تطرقنا إلى قدر كبير من الحكام، والمعارك، والتواريخ، ~~والأسماء التي تبدو متشابهة. ولقد حاولت أن أوازن بين ذلك وبين بيان كيفية تطور الإسلام ~~نفسه في كل فترة، وسوف أقتصر هنا على استنتاج واحد يرتبط بالتطورات السياسية والدينية ~~المشار إليها أعلاه. # فور قيام إمبراطورية في أعقاب الفتوحات الإسلامية الأولى، لم يكن يحدث تداخل بين ~~انتشار الإسلام بوصفه دينا من ناحية وبين القوة السياسية من ناحية أخرى؛ فالواقع أنه ~~في حالات عديدة كان الإسلام يبلي بلاء حسنا حين كان أداء الحكام المسلمين سيئا ~~للغاية. ولذا اعتنق الإسلام الكثيرون أثناء الحكم الاستعماري الأوروبي بخلاف أي فترة ~~أخرى، وفي فترة ما بعد الاستعمار ازداد التوزيع الجغرافي للمسلمين زيادة هائلة؛ فبدون ~~وجود البريطانيين في الهند والفرنسيين في شمال أفريقيا، لكان هناك قلة من الباكستانيين ~~في بريطانيا وقلة من الجزائريين في فرنسا. ومع أن حركة الديوبندية قد بدأت كرد فعل تجاه ~~الحكم البريطاني في الهند، فإن ذراعا ms038 تبشيريا للحركة يتحكم الآن فيما يقرب من نصف ~~المساجد في المملكة المتحدة، ويقدر عدد أفرادها بأكثر من ثلاثة أرباع رجال الدين ~~المسلمين المدربين داخليا، وتخطط لإقامة أكبر مسجد في أوروبا بجوار الموقع الذي أقيمت ~~فيه دورة الألعاب الأوليمبية عام 2012 في لندن. ومن التبعات المثيرة للاهتمام لذلك أنه ~~حتى لو نجحت محاولات إقامة خلافة إسلامية عالمية - على افتراض دوام الاتجاهات التاريخية ~~- فلن يصاحبها بالضرورة انتشار للإسلام نفسه. والواقع أنه لو دامت الاتجاهات ~~الديموغرافية والإحصائية، فإن ثلث البشر قد يكونون من المسلمين - حتى دون قيام خلافة - ~~قبل مرور وقت طويل. # | هوامش # الفصل الثاني # | شعوب وثقافات # على نحو ما ذكرنا آنفا، يخضع جزء كبير من قصة التاريخ الإسلامي للعوامل نفسها التي تشكل ~~تاريخ المجتمعات الأخرى، وهي الحقائق الجغرافية وانتشار التكنولوجيا ؛ من الجمال إلى ~~السيارات ومن البردي والبرشمان إلى الورق ثم الطباعة. الحج مثلا تطور من كونه طقسا ~~دينيا يعتمد على القوافل إلى عمل تجاري تخدمه الطائرات. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا ~~الحديثة مكنت عددا غير مسبوق من المسلمين من الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج، فإنها قللت ~~أيضا من دور الحج كوسيلة لنشر الأفكار، والسلع، والأخبار، والإحساس بوجود أمة موحدة. ~~قد يكون مشوقا أن نتعرف على كيفية تأثير التطورات «المحايدة» على التقاليد «الإسلامية» مثل ~~الحج، لكن هذا في حد ذاته لا يشكل تاريخا «إسلاميا» على وجه الخصوص؛ إنه مجرد تاريخ ~~عالمي عبر نماذج إسلامية. أما ما يقترن بالتاريخ الإسلامي بصورة خاصة فهو تلك الشعوب - ~~العرب والفرس والأتراك - التي شكلته عن طريق توجيه الجغرافيا والتكنولوجيا (من بين عوامل ~~أخرى) في اتجاهات محددة للغاية. # العرب # عام 2003، كتب روبرت كيلروي-سيلك - وهو سياسي وإعلامي بريطاني بارز - مقالا في مجلة ~~«ذا صنداي إكسبريس» بعنوان «نحن لا ندين للعرب بأي شيء»، وفيه ذكر أن العرب ليسوا سوى ~~«منفذي عمليات انتحارية، وباتري أطراف، وقامعي نساء». جاءت إدانة المقال ومؤلفه سريعة ~~كالمتوقع، وقاد المجلس الإسلامي البريطاني الاحتجاجات. ليس غريبا على الإطلاق أن تسفر ~~الأفكار البغيضة عن اعتراضات. ولكن الغريب في ms039 هذه الحالة أن يأتي الاعتراض على مقال عن ~~«العرب» من مسلمين «غير عرب». وعلى الرغم من أنه معروف على نطاق واسع أن معظم المسلمين ~~ليسوا عربا، فمن الواضح أن العرب لعبوا دورا محوريا للغاية في الحضارة والتاريخ ~~الإسلاميين حتى إن مؤيدي الإسلام ومعارضيه على حد سواء يجمعون دائما بين «العرب» ~~و«المسلمين». # على نحو مثير للاهتمام، تكشف المتابعة الدقيقة للتاريخ الإسلامي منذ بدايته الأولى أن ~~الجمع بين العرب والمسلمين ليس أمرا غير عقلاني تماما. يمكن القول إن الإسلام بدأ ~~دينا لأشخاص مصطفين وإنه استهدف العرب على وجه القصر. يذكر القرآن (سورة يوسف: الآية ~~2، وسورة الزخرف: الآية 3) أنه أنزل باللغة العربية # لعلكم ~~تعقلون ~~، وهي عبارة تفترض أن من يخاطبهم يتحدثون اللغة العربية. علاوة ~~على ذلك، كان اعتناق غير العرب للإسلام في عهد الخلفاء الأمويين يلقى تثبيطا عادة، ~~وأولئك الذين اعتنقوا الإسلام أصبحوا «تابعين» للقبائل العربية. بعبارة أخرى، كي تكون ~~مسلما لا بد أن تكون عربيا؛ أو على الأقل تكون عضوا فخريا. وطيلة قرون قال اليهود ~~في الأراضي الإسلامية (عادة في بلاد فارس) إن محمدا كان حقا نبيا صادقا أرسله ~~الله لنشر التوحيد، لكن بين العرب الوثنيين الذين احتاجوا إليه فحسب. (لم يعد اليهود ~~الفرس يؤيدون هذا الرأي.) يأتي تأييد مثل هذه الفكرة من القرآن ذاته (سورة الأحقاف: ~~الآية 12) الذي يقول: # ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ~~... # على الرغم من ذلك، من الواضح أن هذه ليست الطريقة الوحيدة التي ينظر بها للأمور، ~~وليس ذلك بالطبع ما آلت إليه الأمور. غير أن العرب وثقافتهم كانت لهم أهمية لدى كل ~~المسلمين في عدد من النواحي. إن الربط الأولي بين الإسلام والعرب - علاوة على الاعتراض ~~الأزلي (والبائد حاليا) على ترجمة القرآن ~~- أسفرا عن أنه حتى المسلمين غير العرب كان لديهم سبب لتعلم أساسيات اللغة العربية على ~~الأقل. ولا ضير في النظر إلى اللغة العربية - حتى بين الفرس - على أنها لغة ~~الله (على الرغم من أن معظم المؤرخين ~~المسلمين يعتقدون أن آدم ms040 وحواء تحدثا اللغة الآرامية). لابد لمن يريد قراءة الأعمال ~~المهمة في الفقه الإسلامي وعلم اللاهوت والدراسات القرآنية وعلم الحديث والتاريخ وما ~~إلى ذلك أن تكون لديه معرفة شاملة باللغة العربية. ولأن الإسلام انتشر في الأغلب في ~~مناطق وفترات كان فيها الإلمام بالقراءة والكتابة محدودا للغاية، كثيرا ما تتضمن أولى ~~تجارب المسلم في الإلمام بالقراءة والكتابة تعلم قراءة لغة الله وكتابتها. # نتيجة لذلك، حتى اللغات غير العربية صارت تكتب في صورة من الخط العربي جرى تعديلها ~~لتلائم الطبيعة الخاصة للغات المنطوقة. فاللغات الفارسية والأردية (الهندية بالخط ~~العربي) والتركية - حتى وقت حديث نسبيا - علاوة على مجموعة من اللغات الأخرى تستخدم ~~الحروف الأبجدية العربية وتحتوي على كلمات عربية عديدة. لهذه الأسباب كان كل المؤلفين - ~~بصرف النظر عن انتمائهم العرقي - في القرون القليلة الأولى من التاريخ الإسلامي يكتبون ~~أعمالهم باللغة العربية. لذا قد تقارن اللغة العربية باللغة الصينية التي أتاح ثباتها ~~على مدار آلاف السنين للدارسين الصينيين الاطلاع على أفكار من سبقوهم واتخاذها أساسا ~~لأفكارهم؛ مما أدى إلى أن العديد من الابتكارات التي غيرت العالم قد نشأت هناك؛ بدءا ~~من الورق، والطباعة، والبوصلة، والبارود إلى الألعاب السحرية والكونغ فو. وكلغة ~~أكاديمية يتشاركها المتحدثون غير الأصليين لها، تستدعي اللغة العربية إلى الأذهان أيضا ~~استخدام اللغة اللاتينية في أوروبا قبل الحداثة وأثناء العصر الحديث المبكر. لقد سمح ~~انتشار اللغة العربية كلغة أكاديمية للدارسين - مسلمين وغير مسلمين على حد سواء - بنقل ~~أفكارهم عبر الحدود والأجيال، ونتج عن ذلك نتائج مبهرة حقا في العديد من المجالات. ~~فقد ترجم على سبيل المثال قدر كبير من المؤلفات اليونانية القديمة إلى اللغة العربية ~~تحت رعاية الخلفاء في القرن التاسع، وذلك في وقت فقد فيه معظم أهل الغرب القدرة على ~~الاستمتاع بهذا التراث؛ ومن خلال ترجمات هذه النسخ العربية من اليونانية إلى اللاتينية، ~~أعادت أوروبا اكتشاف الكثير من هذه الأعمال والأفكار التي تتضمنها. ومن ثم قيل (إن لم ~~يكن قد أقر على نطاق واسع) إن «عصر النهضة» كما نعرفه ما كان ليحدث ms041 إن بقي العرب ~~ولغتهم في شبه الجزيرة العربية. # لا شك أن تأسيس حضارة إسلامية لم يكن ليحدث إن بقي العرب في شبه الجزيرة العربية، ~~والعرب هم من فتحوا الشرق الأدنى، وشمال أفريقيا، وشبه جزيرة أيبيريا، وآسيا الوسطى. ~~علاوة على ذلك، أرسى العرب الأسس السياسية والأيديولوجية التي بنيت عليها ~~الإمبراطوريتان العباسية والأموية. لكن في حين احتفظت اللغة العربية وثقافتها بأهميتهما ~~للإسلام في الأزمان الحديثة، تخلف العرب أنفسهم في بعض النواحي؛ فحتى في ذروة الثقافة ~~الإسلامية العربية في القرنين التاسع والعاشر، كانت معظم الشخصيات الثقافية اللامعة من ~~غير العرب. عرف الكندي (الذي توفي عام 873) باسم «فيلسوف العرب»؛ ليس لأن معظم ~~الفلاسفة كانوا من العرب ولكن لأنهم لم يكونوا كذلك تحديدا. وبدءا من القرن العاشر ~~فصاعدا، كثيرا ما وجد العرب أنفسهم خاضعين لحكم آخرين؛ عادة ما كانوا إخوة في الدين ~~من الفرس أو البربر أو الأتراك. # شهد انقسام الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى إعادة تشكيل عام ~~للعناصر الدينية والعرقية في الشرق الأدنى مع تسابق جماعات مختلفة للتأسيس لهويات قومية ~~وفوق قومية. ومع أن البحث عن هوية اجتماعية بدأ مع الإسلام - الذي قدم عامل توحيد ~~جاهز من خلال فكرته عن الأمة - كان العديد من المفكرين العرب مسيحيين، وسعوا لتعزيز ~~الهوية «العربية» بدلا من الهوية «الإسلامية». لذا كانت القومية العربية والوحدة ~~العربية عن قصد حركتين علمانيتين (وكثيرا ما كانتا اشتراكيتين). لكن بسبب فشل تجربة ~~الوحدة العربية التي تبناها عبد الناصر (1958-1961)، وعجز الدول العربية عن هزيمة ~~إسرائيل، وعوامل أخرى كثيرة، بزغ نجم الأيديولوجيات الإسلامية مجددا لتحل محل الوحدة ~~العربية كعامل توحيد في الشرق الأدنى وما وراءه. # في هذا السياق كانت الحدود الفاصلة بين الحركات المتمركزة حول العرب وتلك المتمركزة ~~حول الإسلام أحيانا غير واضحة؛ فقد أكد ميشيل عفلق (الذي توفي عام 1989) - أحد دعاة ~~القومية العربية البارزين - أن الإسلام هو الإنجاز الأعظم للعرب، وأن محمدا أعظم ~~أبطاله؛ هذا مع أنه كان مسيحيا سوريا. علاوة على ذلك، استطاع أفراد وأمم كاملة في ~~الوقت ذاته تشجيع ms042 هويات متعددة؛ فقد ناصر معمر القذافي كلا من الوحدة العربية ~~والأفريقية، واستكشف بعض اللبنانيين جذورهم الفينيقية، وكذلك استكشف الفلسطينيون ~~خلفيتهم الكنعانية وذلك على سبيل المثال لا الحصر. والمثير للاهتمام أنه على الرغم من ~~أن «الإسلام» و«العرب» كانا متلازمين في البداية - كي تكون مسلما لا بد أن تكون ~~عربيا - فبحلول منتصف القرن العشرين كانت الأيديولوجيات العربية والإسلامية في صراع ~~مباشر من أجل اجتذاب قلوب وعقول شعوب الشرق الأدنى. ففي العالم العربي كانت الهيمنة ~~للحركات الإسلامية، لكن صوب شرق هذا العالم - في إيران - نجد السباق بين الولاءات ~~الدينية والعرقية سباقا حامي الوطيس. # الفرس # يدين العرب والأتراك - كما سنرى - للإسلام بالفضل في تصدرهم للمسرح العالمي. أما ~~الفرس، فليسوا كذلك. للفرس تاريخ طويل باعث على الفخر من الاستقلال يرجع إلى حكم ~~الأخمينيين (559-330 قبل الميلاد)؛ وحينما هزم الفاتحون العرب الإمبراطورية الساسانية ~~(التي حكمت من 224-651)، كانوا يضعون نهاية لنحو 12 قرنا من استقلال سياسي وحكم ذاتي ~~فارسي كاد يكون متواصلا. لذا، بينما كان ظهور الإسلام نجاحا تاما للعرب والأتراك، ~~كان أشبه بنعمة ونقمة للفرس الذين فازوا بالتوحيد والدين الحنيف لكنهم خسروا ~~إمبراطوريتهم واستقلالهم. ومع أن المسلمين الأوائل أقاموا دولتهم في الأراضي البيزنطية ~~والساسانية سابقا، فالساسانيون هم من تكبدوا تكلفة باهظة؛ إذ كان بإمكان الرعايا ~~البيزنطيين الذين فتحت أراضيهم أن يفروا إلى أجزاء أخرى من الإمبراطورية لم تخضع للفتح ~~الإسلامي، وكان بإمكان أي ثقافة مسيحية أو يونانية اجتثتها يد الفتوحات أن يعاد غرسها ~~من جديد في الأراضي البيزنطية الباقية. على النقيض، فتح المسلمون الإمبراطورية ~~الساسانية بالكامل، ومع أن بعض الزرادشتيين فروا إلى الهند (حيث عرفوا باسم ~~«البارسيين» منذ ذلك الحين)، فلم يكن أمام الثقافة الفارسية سوى الاندثار. وكان لكل هذا ~~تبعات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. # على المدى القصير، تصدى الشعب الفارسي (وأراضيه) للجيوش العربية بشراسة، وهو ما كان ~~يعني أن الخضوع لحكم الخلافة، والتحول إلى الإسلام، واستيطان العرب، والتعريب في بعض ~~الأقاليم كانت أمورا ظاهرية. وفي معظم المناطق سمح لشخصيات فارسية بارزة بأن تحتفظ ~~بقدر ms043 من السلطة، ولذا بقيت العادات الإدارية الفارسية. وعلى نحو غريب، نظر الكثيرون من ~~الفرس إلى الفتوحات الإسلامية على أنها تحول مؤقت يمكن الرجوع عنه. وعلى مدار القرنين ~~التاليين ظهر عدد كبير من «المخلصين» هدفهم المعلن استعادة الوضع الديني والاجتماعي ~~والسياسي الذي كان قائما قبل الفتح الإسلامي. وقد نظر بعض المؤرخين المعاصرين وحتى بعض ~~المراقبين آنذاك (على نحو خاطئ) إلى أحداث مختلفة في التاريخ الإسلامي على أنها أمثلة ~~لحركات تحرير الفرس، ومن بينها الثورة العباسية، وتأسيس بغداد، وظهور البويهيين ~~والسامانيين والصفويين، وتبني الحكام الصفويين ورعاياهم للمذهب الشيعي. ومثل هذا ~~التفسير للأحداث غير صحيح في كل حالة، لكنه دقيق في إدراكه العام للتأثير المربك الذي ~~خلفه ظهور الإسلام على كثير من الفرس. # على المدى المتوسط، وبدلا من القضاء على الآثار التي ترتبت على مجيء الإسلام، تأسلم ~~الفرس وثقافتهم الفارسية. حدث هذا على نحو أكثر وضوحا تحت حكم العباسيين الذين أسسوا ~~قاعدتهم السياسية من أنقاض المؤسسات الساسانية، عن طريق الانتقال إلى العراق. لم يقتصر ~~الأمر على أخذ العباسيين التنظيم الحكومي والسياسي من التقاليد الفارسية (مثلما أخذ ~~الأمويون في سوريا أشكال التنظيم البيزنطي)، بل إن جوانب كثيرة من الحضارة العباسية - ~~بما في ذلك الأدب والتاريخ والعلوم الدينية والدراسات القرآنية بل والشعر العربي ~~واللغويات - تشكلت وتأثرت بأشخاص ألفوا الكتب باللغة العربية لكنهم كانوا يتحدثون اللغة ~~الفارسية في حياتهم اليومية. كان الفرس مدركين كثيرا لتفوقهم الثقافي، وظهرت حركة ~~أدبية تدعم الثقافة الفارسية وتذكر العرب بما يدينون به من فضل لها. حتى العلامة ابن ~~خلدون (الذي توفي عام 1406) - الذي كان يكتب في الغرب الأقصى من العالم الإسلامي - أورد ~~في كتابه «المقدمة» فصلا تحت عنوان «في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم ~~العجم». # على المدى الطويل، اصطبغت الثقافة الإسلامية نفسها بصبغة فارسية، رغم وجود بدائل أخرى ~~ممكنة. بدأت هذه العملية بظهور السلالات الحاكمة الفارسية شبه المستقلة في الشرق ~~العباسي، حيث اتخذ الحكام ألقابا ساسانية، وتتبعوا سلاسل النسب الساسانية لأسرهم ~~الحاكمة، والأهم من ذلك أنهم وفروا الرعاية للأدب باللغة ms044 الفارسية. ربما يكون العمل ~~الأدبي الأكثر شهرة والمكتوب باللغة الفارسية «شاهنامه» («كتاب الملوك») قد كتب ~~أثناء حكم السامانيين وأهدي إلى أحد الحكام الغزنويين. يسرد الكتاب بأسلوب ملحمي كل ما ~~اعتقد أنه ذو أهمية حقيقية في التاريخ الإيراني، بدءا من خلق العالم وانتهاء على نحو ~~مفاجئ وشديد الأثر بهزيمة المسلمين للقوات الساسانية في معركة القادسية (عام ~~637). # علاوة على كل العوامل الأخرى، أدى انتشار الأتراك، والمغول، والمغول الأتراك في ~~الأراضي الإسلامية وداخلها إلى ازدهار الأدب الفارسي حتى - أو خصوصا - خارج إيران. ~~لعبت الدعوات التبشيرية الناطقة بالفارسية دورا محوريا في انتشار الإسلام إلى الشرق، ~~وليس من قبيل الصدفة أن المصطلحات الدينية المستخدمة من جانب المسلمين الصينيين تفضل ~~كلمات فارسية مثل «نماز» (بمعنى الصلاة) على مرادفاتها العربية. وقبل دخول القبائل ~~التركية التي ينحدر منها العثمانيون والسلاجقة إلى العالم الإسلامي في أواخر القرن ~~العاشر، كانت هذه القبائل قد تحولت إلى الإسلام على أيدي الفرس؛ وهكذا غربل الدين الذي ~~وصلهم بفعل مصفاة فارسية. وعندما أقام السلاجقة سلالة حاكمة في إيران/العراق، كانت ~~نماذجها الإدارية والأدبية فارسية، وعندما انتقل أقاربهم غربا لفتح الأناضول وتأسيس ~~الإمبراطورية العثمانية، اتخذت الفارسية هنا أيضا لغة للثقافة. # أيضا ساهمت فتوحات المغول والتيموريين - رغم طبيعتها التدميرية - في نجاح اللغة ~~الفارسية. من ناحية، لما لم يكن للمغول في إيران (الذين استعانوا بإداريين إيرانيين ~~محليين) علاقة باللغة العربية كلغة دينية، فإنهم شملوا برعايتهم المنح التعليمية ~~الفارسية حتى في تلك المجالات التي كانت قاصرة حتى ذلك الوقت على اللغة العربية. ومن ~~الناحية الأخرى، أجبرت الفوضى التي تسببت فيها الفتوحات الباحثين الإيرانيين البارزين ~~على السعي وراء الأمان (والرعاية) في مكان آخر؛ الهند الإسلامية في الأغلب. وفي ظل حكم ~~سلاطين دلهي وسلاطين المغول على وجه الخصوص، كان الأدب الإسلامي الهندي، والفنون (الرسم ~~على وجه الخصوص)، وشئون الإدارة الإمبراطورية فارسية لغة وشكلا، وكذلك شهدت الأراضي ~~المغولية إنتاج بعض أرقى نماذج الثقافة الفارسية. لذا كانت الفارسية اللغة البارزة ~~للثقافة الرفيعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي بدءا من القرن الحادي عشر وحتى ms045 القرن ~~التاسع عشر (بل وحتى وقت متأخر عن ذلك في ~~بعض المناطق). وحتى عندما أفل نجم الفارسية أخيرا على يد اللغة الإنجليزية ثم الأردية ~~والهندية في الهند، وعلى يد اللغة التركية والعربية في الأقاليم فيما بعد الحكم ~~العثماني، كان أثرها لا يزال ملموسا على عدة مستويات؛ فالأدب الأردي لا يزال يقتفي أثر ~~النماذج الفارسية، وأهل الغرب العصريون يقرءون الكتابات الصوفية للرومي (توفي عام 1273) ~~الذي قيل عنه إنه «لم يكن نبيا لكنه أوتي الكتاب». كذلك وجد الأدب الفارسي معجبين في ~~أعمال جوته (الديوان الغربي الشرقي) وبوتشيني (توراندوت) من بين عدة مؤلفين غرب ~~آخرين. # من الواضح أن هناك الكثير من الأمور التي يفخر بها الفرس؛ بوصفهم قادة إمبراطوريين في ~~عصور ما قبل الإسلام ورواد ثقافة وإدارة في العصور الإسلامية. كفل الوصول المتأخر ~~للهيمنة الغربية غير المباشرة إلى إيران عام 1907 (حينما قسمت البلاد إلى مناطق نفوذ ~~على يد بريطانيا وروسيا) عدم ضعف الوطنية الإيرانية قط. وعلاوة على ذلك، ساهمت مقاومة ~~الفرس لانتشار اللغة العربية - بالإضافة إلى الهوية الشيعية لإيران - في نشر مشاعر ~~التفرد القومي طيلة قرون. # الجانب الآخر لكل هذا أنه حينما عجزت مكانة إيران في العالم عن تلبية الطموحات ~~والتطلعات القومية، كان يجري بين الحين والآخر البحث عن المسوغات في مواضع غريبة ~~(وخطيرة). فمنذ بداية القرن العشرين حينما كان التدخل الأجنبي في البلاد في ذروته، شاعت ~~على نحو واسع - حتى بين النخب الدينية والسياسية في البلاد - نظريات المؤامرة التي تربط ~~المحن التي مرت بها إيران بمخططات سرية وضعها الروس، والبريطانيون، والأمريكيون، ~~والصليبيون/المسيحيون، والصهاينة/اليهود، والماسونيون، والبهائيون، بل والشيطان. # شكل 2-1: جدارية على السفارة الأمريكية السابقة في طهران بإيران تشير إلى وجود ~~مؤامرة أمريكية-إسرائيلية-شيطانية للسيطرة على العالم. # 1 # بعض هذه النظريات أقل غرابة من البعض الآخر؛ فجهاز المخابرات الأمريكية أدار انقلاب ~~عام 1953 الذي أطاح بالحكومة الإيرانية، لكن من المنافي للعقل القول إن آية الله ~~الخميني كان عميلا بريطانيا أو أمريكيا، أو أن اليهود والماسونيين تآمروا منذ ~~البداية لنشر الهلينية (!) على حساب إيران. ms046 ومما لا شك فيه أنه كان لإيران والفرس تأثير ~~تشكيلي على حدود الحضارة الإسلامية ومضمونها، غير أنهم - في نواح عدة - ما كانوا ~~ليستطيعوا تحقيق هذا دون مساعدة الأتراك. # الأتراك # تزخر علاقة الأتراك بالتاريخ الإسلامي بالمفاجآت التي يكاد جميعها يكون سارا. ~~المفاجأة الأولى هي أنهم لم يسعوا قط للدخول في تلك العلاقة. فقد أقام الأتراك - في ~~تاريخ ما قبل العصور الإسلامية - سلسلة من الإمبراطوريات (في الفترة ما بين 552-840 ~~تقريبا، وفي القرن العاشر في المناطق الغربية من السهل الأوراسي)، واعتنقوا عددا من ~~الأديان في تلك الأثناء، من بينها المانوية والبوذية والمسيحية النسطورية واليهودية، ~~بالإضافة إلى الإبقاء على الأشكال التقليدية من الشامانية. علاوة على ذلك وعلى عكس ~~العرب والفرس، لم يكن الأتراك سكانا أصليين للشرق الأدنى؛ إذ كانت منغوليا موطنهم ~~الأصلي . ولما كان الأترك بدوا من السهل الأوراسي، فقد عاشوا بالقرب من حضارات مستقرة ~~يذرعون الطرق من الشرق إلى الغرب، وأحيانا يقيمون دولا خاصة بهم. ثمة علاقات وثيقة ~~جمعت بين إمبراطورية الأتراك الأويغور (744-840) - على سبيل المثال - والصينيين، فكانوا ~~يستبدلون بالخيول الحرير (بأسعار مميزة للأتراك) ويقيمون علاقات مصاهرة بين الحين ~~والحين مع الأسر الحاكمة الصينية. وكشعوب الهون في القرون الأولى والمغول في القرون ~~اللاحقة، كانت الحضارة الصينية الهدف الجوهري للأتراك. وإن ترك الخيار للأتراك في هذه ~~المسألة، لانضموا على الأرجح إلى العالم المتوطن في الصين بدلا من الشرق الأدنى. لذا، ~~كان دخولهم العالم الإسلامي أول مرة ضد إرادتهم حينما دخلوه عبيدا عسكريين في ~~العشرينيات من القرن التاسع. # من المهم أن نلاحظ أنه على الرغم من الروابط اللغوية والعرقية التي جمعت ما بين ~~الأتراك، فإنهم يتألفون من مجموعات عديدة غير وثيقة الترابط؛ حتى الشعوب التركية ~~المترابطة اليوم - وإن كانت مستقلة بعضها عن بعض في الأساس - تنتشر انتشارا واسعا عبر ~~آسيا؛ من تركيا عبر جنوب روسيا وإيران وآسيا الوسطى إلى غرب الصين أو «تركستان ~~الشرقية». وبينما دخل الأتراك العالم الإسلامي أول مرة كصغار جنود عبيد، فإن الأتراك ~~اللاحقين دخلوه طواعية بعد أن اعتنقوا الإسلام ms047 في نهاية القرن التاسع على يد التجار ~~والزعماء الصوفيين (الذين لا بد أنهم شابهوا الشامانات في أديانهم). وفي حالة ~~القراخانيون في بلاد ما وراء النهر (992-1212)، فالعالم الإسلامي هو الذي جاء إلى ~~الأتراك، لكن في معظم الحالات الأخرى كان الأتراك هم من ذهبوا إلى العالم ~~الإسلامي. # المفاجأة الثانية هي أن الجنود العبيد (الغلمان) الأتراك الذين أبدوا ولاء شديدا ~~لخليفتهم وافتقروا إلى الطموح السياسي سرعان ما هيمنوا على البلاط العباسي في القرن ~~التاسع وأسسوا في النهاية دولا خاصة بهم، بدءا من المماليك في الغرب (الذين كانوا ~~غلمانا أيوبيين) حتى الغزنويين (الغلمان السامانيين) وسلاطين دلهي (الغلمان الغوريين) ~~في الشرق. وقد نسبت أهمية سياسية كبيرة لأولئك الأتراك الذين جاءوا إلى العالم الإسلامي ~~من موضع قوة - كغزاة حازوا النفوذ والشهرة على الطريقة التقليدية - بالجمع بين ~~الدبلوماسية، والاستراتيجية، وأيديولوجية موحدة، والقوة العسكرية. وإلى هذه الفئة ~~ينتمي السلاجقة والعثمانيون والمغول والصفويون. حينما بدأ الخليفتان المؤمن والمعتصم في ~~جلب الأتراك إلى الأراضي الإسلامية في القرن التاسع لم يتوقعا قط أن الأتراك (الذين ~~ولدوا أحرارا) سيكونون آخر الشعوب التي تتولى منصب الخليفة حينما ألغاه العثمانيون عام ~~1924. # وهكذا عاش معظم المسلمين على مدار ما يزيد عن ألف سنة تحت حكم الأتراك أو في حمايتهم. ~~ولا غرو إذن في أن علم المصطلحات التركية والممارسات الإدارية التركية قد تركتا بصمتهما ~~على التاريخ الإسلامي، وخصوصا في العصور الكلاسيكية والحديثة المبكرة. والواقع أن كلمة ~~«دمغة» - مرادف «طابع» في اللغة العربية الحديثة - هي كلمة تركية قديمة (كانت تنطق في ~~الأصل «تمغة») وتعني «وسما قبليا» في عصور ما قبل الإسلام و«رسما تجاريا» في ~~العصر المغولي. وهذه الرحلة وليدة الصدفة لهذه الكلمة بدءا من منغوليا القديمة إلى ~~العالم العربي الحديث توضح على نحو منظم نطاق نشاط الأتراك ومداه في التاريخ. # والمفاجأة الثالثة (للتاريخ وليس لنا حتى الآن) هي أن الأتراك كثيرا ما كانوا يفضلون ~~نشر اللغة الفارسية وتطويرها بدلا من الأدب التركي. أنتج الأتراك أعمالا أدبية خاصة ~~بهم؛ فالوثائق التركية الأولى يرجع تاريخها إلى القرن الثامن، ms048 وبحلول القرن الحادي عشر، ~~كانت تكتب الأعمال التركية الإسلامية التي حظي اثنان منها - عمل ينتمي لأدب «مرايا ~~الأمراء» أو «الآداب السلطانية» من عام 1068 ومعجم عربي تركي من عام 1077 ~~- بشهرة واسعة. وعلى الرغم من ذلك، اعتمد ~~الأتراك على الفرس في كل الأعمال الأدبية، وتلك حقيقة مسجلة في قول مأثور يعود تاريخه ~~للقرن الحادي عشر، ووفقا لهذا القول فإنه «لا يوجد تركي من دون إيراني مثلما لا توجد ~~قبعة من دون رأس». بدأ تأليف الأدب باللغتين التركية الغربية (العثمانية) والشرقية ~~(الشاغاتية) في البلاط التركي، وزاد في القرن الخامس عشر. لذا كتبت السيرة الذاتية ~~للقائد المغولي بابر باللغة الشاغاتية مع أن الثقافة الرفيعة في البلاط المغولي كانت ~~فارسية اللغة. مع ذلك، فإنها مفارقة أن يكتب أحد مؤسسي الثقافة الأدبية التركية - علي ~~شير نوائي (الذي توفي عام 1501) - عملا جدليا عن تفوق اللغة التركية على الفارسية، ~~وأن يكون نحو ثلثي اللغة المستخدمة في العمل فارسية. # ثمة مفاجأتان أخريان تتعلقان بالثقافة، وهما حقيقة أن رمز «الهلال والنجمة» الذي ~~كثيرا ما يقرن بالإسلام تعود أصوله إلى التركية القديمة (وليس العربية أو الفارسية)، ~~وأن الأتراك غذوا حرفيا الحضارات الإسلامية (وحضارات أخرى) بتأثيرهم فيما يتعلق ~~بفنون الطهي؛ فالزبادي ومحشو ورق العنب (دولمة) والكباب والشاورما والبقلاوة وغيرها ~~الكثير من الأطعمة المعروفة تنسب للأتراك (مع أن القهوة التركية ليست كذلك). وإن ثبتت ~~صحة الرواية القائلة إن خبازي فيينا قد ابتكروا الكعكة الهلالية احتفالا بفشل الحصار ~~العثماني لمدينتهم عام 1683، فإننا ندين لهم - على الأقل بصورة غير مباشرة - بالفضل في ~~معرفة الكعك الهلالي أيضا. # المفاجأة الأخيرة أن شعبا مثل الأتراك المعروفين على مدار زمن طويل بالبسالة ~~العسكرية طالما اتصف بالتسامح الملحوظ تجاه الثقافات والأديان الأخرى والانفتاح عليها. ~~ربما كان ترحال الأتراك عبر طريق السهل الأوراسي سببا في احتكاكهم بثقافات عديدة لا ~~يرتبط بعضها ببعض، على نحو لم يحدث مع بدو آخرين. (على النقيض، احتك العرب أثناء ~~ترحالهم الموسمي بشعوب جاورتهم من الشمال والجنوب والشرق - بينما كان البحر الأحمر ~~يحدهم من الغرب ms049 - وكانت في الأساس شبيهة بهم غير أنها كانت قليلة الترحال.) لهذا السبب ~~فإن للأتراك تاريخ طويل من التضمين الطوعي لعناصر من ثقافات أخرى داخل ثقافتهم، مثلما ~~يتضح من اقتباسهم أدب الآخرين حسبما كان الحال مع الثقافة الرفيعة الفارسية، وأيضا من ~~مرورهم بأبجديات عدة إلى أن استقروا على الأبجدية العربية مثل غيرهم من الشعوب ~~الإسلامية الأخرى. وعلى نحو معبر، فإن قدرتهم على التكيف مع الظروف المتغيرة قد ~~دفعتهم - على النقيض من العرب أو الفرس - إلى استخدام الأبجدية اللاتينية في القرن ~~العشرين؛ وهو تغير لم يمر به الأتراك في تركيا فحسب، ولكن مر به أيضا الأتراك في ~~أوزبكستان وتركمانستان وأذربيجان. نوعا ما، أثبت الأتراك حنكتهم في تحديد الاتجاهات ~~الفائزة ومهارتهم الكبيرة في تكييف مجتمعاتهم معها. يمكن ملاحظة هذا الأمر في اعتناقهم ~~الإسلام، وتبنيهم الحداثة ، واستخدامهم اللغة الفارسية كلغة أدبية والبارود (على عكس ما ~~قد يرتبط بعاداتهم الأصلية). ربما يحتج العرب والفرس بكونهم شديدي الفخر بعاداتهم بما ~~لا يسمح لهم بالتخلي عنها تحت ضغط الغرباء، لكن قد يرد الأتراك بأنهم إلى جانب تبني ~~الثقافة السائدة - وهي الحداثة في هذه الحالة - والتكيف معها، فإنهم أيضا يحافظون على ~~عاداتهم. # ملخص # أشار الفقهاء المسلمون منذ القرن التاسع إلى العالم الإسلامي على أنه دار الإسلام، ~~ومع أن المصادر لا تستطرد في الحديث عن هذا المجاز، فإنني أميل إلى فعل ذلك. وفقا لهذه ~~الصورة المجازية، فالأرض التي بنيت عليها الدار حصل عليها أول الأمر العرب الذين وضعوا ~~أيضا أسس الدار وخططها المعمارية. كان معظم الطوب الذي بنيت منه الدار فارسيا وكذا ~~معظم البنائين؛ وعلى مدار جزء كبير من التاريخ الإسلامي - من ~~القرن التاسع حتى القرن التاسع عشر - كان ~~الأتراك (الذين كانت لهم إسهاماتهم أيضا فيما يتعلق بالطعام المقدم في تلك الدار ~~وبما احتوت عليه من بسط) ملاكها. أما عن الشيعة، فقد اعتقدوا منذ زمن طويل أن ~~الدار بنيت على أسس متزعزعة، واليوم انقسم البناء إلى شقق فردية ذات أحجام متباينة. ~~ومنذ القرن الثامن عشر، هيمنت على التصميم الداخلي ms050 للبناية الطرز الغربية التي تعارضت ~~مع الديكور التقليدي في بعض الشقق؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور بقع قبيحة المنظر. قد يقول ~~الإسلاميون إن الشقق ليست سوى غرف في فندق رديء بحاجة إلى اهتمام عاجل؛ الأمر الذي ~~يجعلهم يتمنون إزالة البناية بأكملها وإعادة بنائها من جديد. تحاول هذه الصورة المجازية ~~الممتدة توضيح كيف أن شعوب التاريخ الإسلامي المختلفة تفاعلت بعضها مع البعض، واتحدت من ~~أجل بناء شيء لكل منهم نصيبه الجوهري وقدره من المساهمة فيه مع اختلاف السبل. # | هوامش # الفصل الثالث # | المؤسسات # نعرف من قصة التاريخ الإسلامي كيف كانت المجتمعات الإسلامية المختلفة على مر العصور، ~~ونعرف أيضا أن مصائر المسلمين والإسلام تأرجحت باختلاف الزمان والمكان؛ بل أحيانا في ~~الزمان والمكان الواحد. وحتى لو قصرنا اهتمامنا على زمان ومكان معينين، ثمة مقاييس متنوعة ~~يمكن في ضوئها قياس المجتمعات الإسلامية؛ فرغم كل ما يقال عن «العصور الذهبية» - تحت حكم ~~الخلفاء الراشدين أو العباسيين الأوائل أو الأمويين الأندلسيين أو في أي وقت آخر - نادرا ~~ما كان اعتناق الإسلام، والإنتاجية الثقافية الإسلامية، والحكم السياسي الإسلامي يتزامن ~~بعضها مع بعض في أي مكان. # إلى حد ما، يمكن تفسير هذا التنوع ~~اللافت للنظر عن طريق التعريف بالشعوب المختلفة التي برزت في التاريخ الإسلامي؛ كل بما ~~يحمله من مخزون ثقافي خاص به. لكن ضيق المساحة يجبرنا على تقديم بعض التعميمات (التي نأمل ~~التماس العذر فيها)؛ فبالطبع ليس كل الأتراك متفتحي الذهن مثلما أنه ليس كل الفرس فخورين ~~أشد الفخر بثقافتهم رفيعة الشأن. ثمة طريقة أخرى لتفسير هذا التنوع وتوضيحه، وهي دراسة ~~المؤسسات التي كانت طابعا مشتركا - من الناحية النظرية - في كل المجتمعات الإسلامية، وإن ~~كانت مختلفة - على أرض الواقع - في الأماكن والأزمنة المختلفة من التاريخ الإسلامي. ودراسات ~~الحالة الثلاثة المختارة هنا هي المسجد، والجهاد، والخلافة (أو الإمامة). الأولى مؤسسة ~~مادية، والثانية دينية قانونية، أما الثالثة فتجمع بين سمات المؤسستين الأولى والثانية ~~معا. # المسجد # في الحلقة الأولى من المسلسل التليفزيوني البريطاني الشهير «الحضارة» الذي يدور حول ~~تاريخ الفن، علق ms051 لورد كلارك على أن المباني الرومانية الإغريقية تميزها: # نفس اللغة المعمارية، ونفس التصوير الخيالي، ونفس المسارح، ونفس المعابد؛ ~~فيمكنك العثور عليها في أي وقت على مدار 500 سنة في جميع أرجاء دول البحر ~~المتوسط - في اليونان، أو إيطاليا، أو آسيا الصغرى، أو شمال أفريقيا، أو جنوب ~~فرنسا ... هذا المبنى ... هو معبد إغريقي صغير ربما وجد في أي مكان في العالم ~~الروماني الإغريقي. # اتصفت بعض المساجد الأولى التي بنيت في الأقاليم المفتوحة بالسمات المعمارية ~~الرومانية الإغريقية أيضا، ولكن بدلا من الإشارة إلى أن الثقافة الإسلامية كانت ~~الوريث للتقاليد الكلاسيكية، أظهرت تلك المساجد العكس تماما. لم يحاول الحكام المسلمون ~~أن يفرضوا طراز بناء (رومانيا إغريقيا) موحدا في كل مكان ذهبوا إليه؛ بل كانت ~~العادات المحلية هي التي تؤثر في المسلمين الذين كيفوا المباني القائمة - ومواد ~~البناء وأساليبه حينما كانوا يبدءون من لا شيء - بما يتلاءم واحتياجاتهم. وفقا لذلك، ~~أثر الموروث الثقافي الروماني الإغريقي على المعمار الإسلامي فقط في الأراضي التي ~~استولى عليها المسلمون من أيدي البيزنطيين. # ما الذي يحتاجه المسجد؟ على وجه التدقيق، ثمة نوعان من المساجد؛ الأول هو المسجد أو ~~«مكان العبادة»، والثاني هو الجامع، وهو مسجد يقام في المدينة، ومثلما يشير الاسم فإنه ~~يجمع المسلمين معا من أجل الصلاة وغيرها من الأمور الدينية الأخرى. ولما كانت المساجد ~~مكانا للعبادة، فإنها تستلزم في المقام الأول وجود متعبدين وأئمة للصلاة. ومع أن بعض ~~المتعبدين يبقون في المسجد بين الصلوات (بل يتناولون الطعام وينامون هناك)، فهؤلاء ~~الأشخاص ربما يمثلون جزءا من أثاث المسجد وليس تصميمه المعماري. يستلزم المكان نفسه ~~وجود مكان للوضوء قبل الصلاة (بما في ذلك المصدر الضروري للمياه النقية)، و«محراب» يحدد ~~مكان مكة التي يتخذها المسلمون قبلة للصلاة، وأيضا - في أغلب الأحيان وليس جميعها - ~~«منبر» تلقى منه الخطب، ومئذنة يدعى من خلالها المسلمون للصلاة خمس مرات يوميا. # شكل 3-1: مسجد في غرب أفريقيا (جينيه، مالي). # 1 # شكل 3-2: المسلمون في مسجد نيوجيه (بكين، الصين). # 2 # شكل 3-3: مسجد الحسن الثاني (الدار ms052 البيضاء، المغرب). # 3 # لا غرو أن أكبر مسجد في العالم هو المسجد الحرام الذي بني حول الكعبة في مكة التي ~~يتوافد إليها ملايين الحجاج كل عام. وعلى نحو غير متوقع إلى حد ما، يقال إن ثاني أكبر ~~المساجد هو مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء بالمغرب. المسجد الذي تم بناؤه على مدار ~~سبع سنوات (1986-1993) على يد أكثر من 6000 شخص (عادة ما كانوا يعملون ليل نهار) يتسع ~~لعدد 25000 شخص، وبه أطول مئذنة في العالم (نحو 213 مترا). إنه مبنى مذهل بكل ~~المقاييس؛ حيث الأرضية الزجاجية (المبنية جزئيا فوق سطح الماء)، والسقف المنزلق ~~الأوتوماتيكي، وأشعة الليزر التي تشير إلى مكة أثناء الصلوات الليلية، والأرضيات ~~الرخامية الدافئة، والأبواب الكهربائية، والأسقف المزينة بالرسوم والنقوش، وأعمدة ~~الجرانيت الأبيض، والثريات الزجاجية المستوردة من إيطاليا. ما لا يقل إثارة للدهشة ~~عما سبق حقيقة أن الشعب المغربي (حتى الفقراء منه) تحملوا بالكامل تكلفة بناء هذا ~~المسجد التي بلغت 800 مليون دولار. # من منظور الشريعة الإسلامية، ليست المساجد ضرورية بالأساس؛ فكل ما يحتاجه المسلم ~~لأداء الصلوات هو سبيل للوضوء، وسطح نظيف للسجود، ودراية بموقع مكة. لذا كثيرا ما يرى ~~زوار العالم الإسلامي مجموعات كبيرة من الرجال يؤدون الصلاة في شوارع المدن ظهر يوم ~~الجمعة. لم تبنى المساجد من الأساس إذن؟ ولم ينفق عليها 800 مليون دولار؟ قدم ~~الفقهاء منذ زمن عددا من الإجابات عن السؤال الأول مؤكدين على التأثير الزائد للصلاة ~~الجماعية والأهمية الخاصة للأماكن المقدسة (مثل مكة والمدينة؛ تماما مثلما يصلي اليهود ~~عند «حائط المبكى» مع أنهم - مثل المسلمين - يؤمنون بوجود الله في كل مكان). أما ~~الإجابة عن السؤال الثاني فأكثر تعقيدا. من الواضح أن المسجد يتعدى كونه قاعة للصلاة؛ ~~فقد لعبت المساجد دورين آخرين لهما أهمية تاريخية كبرى على مر القرون؛ الأول أنها رمز ~~للانتصار والقوة موجه للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، والثاني أنها أداة عملية ~~لتداول الأفكار داخل الأمة. # على مر القرون، عندما كان يفتح المسلمون أرضا، كانت لهم حرية بناء المساجد ms053 أينما ~~شاءوا. والواقع أنه بقدر ما كانت الشريعة الإسلامية تحمي الكنائس والمعابد التابعة لغير ~~المسلمين (ما دامت لا تطغى على دور العبادة الإسلامية)، فإن الأماكن الوحيدة المحظورة ~~على المسلمين في هذا السياق هي دور العبادة القائمة بالفعل. على الرغم من ذلك، يزخر ~~العالم الإسلامي - بدءا من القرن السابع وحتى القرن الحادي والعشرين - بمساجد كانت في ~~وقت من الأوقات كنائس ومعابد. فقد بني المسجد الأقصى وقبة الصخرة المجاورة له فوق جبل ~~الهيكل في القدس، والمسجد الأموي في دمشق كان فيما سبق كنيسة يوحنا المعمدان (وقبلها ~~كان معبدا رومانيا)، وكنيسة آيا صوفيا تحولت على يد السلطان محمد الثاني إلى مسجد ~~آيا صوفيا بإسطنبول (واستكمالا للقصة، فقد حول المسجد مرة أخرى إلى متحف عام 1935). ~~وتوجد مئات الأمثلة على هذه العملية، وكذلك حالات عديدة حدث فيها التحول ولكن في ~~الاتجاه الآخر؛ فأثناء الحملات الصليبية، حولت المساجد (التي كان العديد منها كنائس ~~في الأساس) إلى دور عبادة مسيحية، ولم تعد مساجد مرة أخرى إلا عندما طرد الفرنجة من ~~الأرض المقدسة عام 1291. بالمثل، بني جامع قرطبة في القرن العاشر في مكان كان معبدا ~~ثم كنيسة حتى عاد في الثلاثينيات من القرن الثالث عشر كنيسة (وظل هكذا حتى ~~اليوم). # وهكذا كان بناء المساجد وسيلة فعالة لنقل رسالة مفادها تفوق الإسلام على الأديان ~~الأخرى. فالقضاء على الحضور الأبرز لثقافة منافسة في إحدى المدن يعطي إشارة واضحة بأن ~~ميزان القوى قد انتقل بعيدا عن الموروث الأقدم، ويعيد الحسابات لصالح الإسلام. يريد ~~معظم الناس أن يكونوا على الجانب الفائز من التاريخ، وعادة ما كان فتح الأراضي يتبع ~~بتحول السكان المحليين إلى الإسلام على نطاق واسع. ويمكن أن تكون رسالة الانتصار التي ~~يحملها المسجد موجهة أيضا إلى المسلمين أنفسهم، وثمة أمثلة عديدة لمساجد فريدة من ~~الناحية المعمارية كان الهدف من تشييدها ترك انطباع محدد لدى المسلمين المحليين. لذا من ~~المرجح أن يكون مسلمو العراق الذين شهدوا تشييد مسجد سامراء ومئذنته في القرن التاسع قد ~~ربطوا شكل المبنى - المكون من الطوب اللبن ms054 الرافدي على شكل زقورة بابلية قديمة - ~~بموروثات قديمة من الشرق الأدنى عن ملوك مفوضين من السماء يمكنهم الصعود إليها للحديث ~~مباشرة مع الآلهة. # منذ العصور الأولى، استخدم الحكام المسلمون المساجد لنقل رسائل سياسية مهمة إلى ~~المجتمعات الإسلامية البعيدة. فممثل الخليفة في المدينة كان يستحوذ على انتباه المجتمع ~~حينما يحتشد الناس في الجامع أيام الجمعة وغيرها من الاحتفالات الدينية، وفي مثل هذه ~~الظروف كان بإمكانه أن يذيع الرسائل الرسمية على نحو موثوق به. بالمثل، كانت الجماعات ~~المحلية تتعهد بالولاء لخليفتها في الصلوات الأسبوعية عن طريق ذكر اسمه في الخطبة. كانت ~~أسهل طريقة للتمرد على السلطات عدم ذكر اسم الحاكم في الخطبة أو - الأسوأ من ذلك - ~~محاولة ذكر اسم أحد المنافسين. في عالم اليوم، تخلى في الأغلب القادة السياسيون ~~المسلمون الذين يسعون إلى الوصول إلى أكبر جمهور ممكن عن هذه الوسيلة من وسائل التواصل ~~مع رعاياهم ، ولجئوا بدلا من ذلك إلى وسائل الإعلام الحديثة. وبدلا من انتهاء دور ~~المساجد، آل دورها كمدخل يستخدمه الإسلاميون للوصول إلى المؤمنين، ويتكون جمهور ~~الإسلاميين المعتاد في الأغلب من رواد المساجد على أية حال، وهم يستفيدون أيما استفادة ~~من حرمة المساجد. فما من سياسي - مهما بلغت درجة استبداده - يود أن يظهر بمظهر من يغير ~~على المساجد، وحتى الرسائل المعارضة للمؤسسة الحاكمة يمكن نقلها داخل جدران المساجد مع ~~التمتع بالحصانة. # شكل 3-4: المئذنة الملوية بالمسجد الكبير في سامراء (العراق). # 4 # شكل 3-5: زقورة عقرقوف (دور كريكالزو، العراق). بنيت الزقورة على يد الكيشيين ~~(1531-1155 قبل الميلاد) وأعيدت جزئيا إلى الحكومة العراقية في ~~السبعينيات من القرن العشرين. # 5 # ليس المسجد رمزا لتنوع الإسلام فحسب، وإنما يجسد أيضا مدى «طبيعية» الثقافة ~~الإسلامية. فالمساجد في الصين تبدو «صينية» وليست عربية أو سورية أو عراقية أو رومانية ~~إغريقية. ومن السهل تمييز المساجد التي تنتمي لعهد المغول عن تلك التي تنتمي للعهد ~~العثماني، مع أن كلا النوعين هما - في الظاهر على الأقل - نتاج للثقافة الإسلامية ~~التركية نفسها. الواقع أن مساجد المغول تمزج بين عناصر ms055 إسلامية وهندية، بينما تمزج ~~المساجد العثمانية بين عناصر إسلامية وبيزنطية. وحتى عندما كان بناء المساجد وسيلة ~~لتأكيد انتصار الإسلام على الأديان الأخرى، كان الإسلام ومعالمه تعرف بالارتباط ~~المباشر مع المعالم الخاصة بالموروثات الدينية المحلية. وبينما كان الرومانيون متعنتين ~~في طمس معالم الموروثات المعمارية للثقافات الأخرى، كان المسلمون مدركين دوما للسياقات ~~المحلية، ودمجوا سمات المجتمعات السابقة داخل مجتمعاتهم، فأوجدوا في كثير من الأحيان ~~مزيجا فريدا في نوعه بين الأنماط القديمة والحديثة. بصورة ما، يعد الإسلام أول حضارة ~~«خضراء» (لكن لا بد من الاعتراف أن هذا قد حدث عن غير قصد) بما له من تاريخ طويل من ~~إعادة تدوير المواد الأقدم واستخدام المنتجات والموروثات المحلية في الغالب. وهذا ليس ~~سبب قراءة الهيبيين لشعر الرومي، لكنه لن يضر بالطبع. # الجهاد # الهيبيون القارئون لشعر الرومي أقل ولعا بالجهاد الذي قد يأتي تأييده من جهات أخرى ~~غير متوقعة؛ فقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك وعضو البرلمان البريطاني ~~جيني تونج بأنهما لو كانا قد نشآ في ظل الظروف التي يعيشها الفلسطينيون، لأصبحت تونج ~~«انتحارية» و«لانضم باراك إلى إحدى المنظمات الإرهابية» على حد قولهما. وما لم يكن ~~باراك وتونج مسلمين سرا في ذلك السيناريو الافتراضي الذي تحدثا عنه، فإنهما مخطئان ~~على الأرجح في هذا الشأن. ومع أن دوافع منفذي العمليات الانتحارية معقدة من غير شك، فمن ~~الواضح أن الانضمام إلى صفوفهم يستلزم توافر معيارين: الأول أن يكون مرتكب الجريمة ~~مشتعل غضبا من أمر ما، والثاني أن يكون خيار تهدئة غضب هذا الشخص عن طريق العنف متاحا ~~ومبررا تبريرا قاطعا من وجهة نظره. وفي حالة القضية الفلسطينية، نجد أن الفئة ~~العامة المسماة جهادا - التي يعتقد أن الهجمات الانتحارية تنتمي إليها - هي التي تعطي ~~التبرير المطلوب، وهذا يفسر سبب عدم لجوء آلاف الفلسطينيين المسيحيين لمثل هذه الأساليب ~~مع أنهم يعيشون في ظل الظروف البائسة نفسها (وكذلك ملايين الأفارقة والهنود غير ~~المسلمين الذين يعيشون في ظروف أسوأ بكثير). ولا شك أن الغالبية العظمى من المسلمين لا ~~يؤيدون التفجيرات الانتحارية ms056 - ناهيك عن لجوئهم إليها - (وعادة ما يدينونها أشد ~~الإدانة)، علاوة على أن التفسيرات غير المقترنة بالعنف لكلمة الجهاد انتشرت بين ~~المسلمين طيلة قرون. والحقيقة أن مؤسسة الجهاد مثال رائع على التنوع الشديد للتاريخ ~~الإسلامي في ظل تفسير عدد لا حصر له من الحكام والعلماء والمجموعات الدينية ومجتمعات ~~بأكملها فريضة الجهاد كل على طريقته. # ظاهريا، ينبغي إفساح القليل من المجال لتلك التأويلات المتناحرة لمفهوم الجهاد، لأن ~~القرآن يتحدث عنه (وإن كان ذلك باستخدام كلمات مبهمة، ولأن الجهاد أيضا كلمة عربية ~~قياسية. تتكون الكلمات العربية من جذر ساكن (من ثلاثة حروف عادة)، ومجموعة من الأنماط ~~أو الأشكال اللفظية التي يدخل فيها الجذر. ولكل من جذور الكلمات وأشكالها معان أساسية؛ ~~وفي مثالنا فإن جذر الكلمة وهو (ج ه د) له علاقة بالنضال، وكلمة «الجهاد» نفسها اسم ~~مشتق يعني في الأساس «فعل شيئا من أجل (أو ضد) شخص ما». ومن ثم تعني كلمة «الجهاد» ~~حرفيا «النضال ضد شخص آخر». يخبرنا القرآن ~~أن الجهاد يكون «في سبيل الله» وضد «المشركين» (سورة التوبة: الآية 5) أو «أهل الكتاب» ~~ما لم يفوا بشروط معينة (سورة التوبة: الآية 29). وإجمالا، قد يكون المعنى الأساسي ~~لكلمة «جهاد» «النضال الديني ضد المشركين و[مجموعات معينة] من غير المسلمين». دعونا ~~نركز فحسب على مصطلح «الجهاد». # مع أن هذا التعريف قد يبدو مباشرا، فإن له العديد من التأويلات (المتعارضة عادة)، ~~وذلك لعدد من الأسباب. أولا، نادرا ما يستقي المسلمون التعاليم الدينية مباشرة من ~~القرآن. لقد صيغت الشريعة عن طريق تحليلات العلماء الذين يفهمون الآيات القرآنية ~~ويفسرونها بما يتفق والمصادر الأخرى لأحكام الدين. يرى معظم هؤلاء العلماء أن الجهاد ~~يعني «حربا تهدف إلى نشر الإسلام»، وهي عبارة مفتوحة في حد ذاتها أمام التأويل. هل كان ~~نشر الإسلام يهدف إلى كسب النفوذ السياسي على الآخرين (كما كان الحال مع الرومان ~~والمغول) أم اعتناق الدين (كما الحال مع الإرساليات البوذية والمسيحية)؟ اتفق الجميع ~~على أن الإجابة هي «كلا الأمرين معا» مع إعطاء الأولوية للتحول إلى الدين، واعتبار ~~النفوذ ms057 السياسي حجر الأساس في طريق الاعتناق النهائي. اتفق أيضا على أن «الجهاد» فرض ~~على المجتمع ككل؛ وإن كان للمسلمين الأفراد حرية السعي وراء أشكال الجهاد التي ~~يختارونها لنيل الرضا الإلهي، بصرف النظر عن الجهود الجماعية. وما لم يتفق عليه ~~بالإجماع هي تلك الأسئلة بشأن من يستهدفهم الجهاد والظروف التي يشن فيها (وغيرها من ~~القضايا الأخرى). المرتدون عن الإسلام صيد مباح وفقا لتقدير الجميع، لكن ماذا عن ~~اليهود، والمسيحيين، والهندوس، والوثنيين؛ وأيضا - وهو الأهم في نظر الكثيرين في الغرب ~~- الملحدين والمرتدين عن الأديان الأخرى؟ تتحلى معظم السلطات الحاكمة برؤية سمحة ~~للأمور، وتمنح صفة «غير المسلمين الذين يمكن التعايش معهم» لنطاق واسع من المجموعات. ~~على الطرف الآخر، ينظر بعض المتطرفين إلى غير المسلمين جميعهم وحتى أولئك المسلمين ~~الذين يختلفون معهم بشأن أمور تخص العقيدة أو الشريعة على أنهم زنادقة لا بد من ~~هزيمتهم. ويرى بعض رجال الدين أن الجهاد ينبغي أن يكون مبادرة إسلامية، في حين يرى ~~آخرون أنه لا يجب اللجوء إليه إلا كرد فعل لاستفزاز خارجي. # ثانيا، مثلما يرى أي شخص مرور السيارات في الشوارع، فإن نص القانون لا يطبق دوما ~~على أرض الواقع؛ لذا فإنه حتى لو حدث اتفاق بين كل العلماء المسلمين حول جميع القضايا، ~~فسوف تكشف الحقائق على أرض الواقع عن تنوع (وما إن تنشأ السوابق حتى تجد سبيلها ~~للتكرار). ومن ثم فإنه كان من الأسهل جغرافيا على الحكام في الأناضول وشبه الجزيرة ~~الأيبيرية والهند مثلا بسط حدود الإسلام من الحكام في شبه الجزيرة العربية أو العراق. ~~ومن الناحية السياسية، يمكن ألا يلتزم بإملاءات كتب الشريعة المكتوبة في ظل خلافة قوية ~~حينما يعتري الدولة ضعف، فضلا عن أن حقائق شن الجهاد كثيرا ما تعارضت مع النظرية ~~القانونية. # ثالثا، أفسحت المناهج الدينية ~~المتنوعة على مر القرون المجال أمام ~~التأويلات العديدة لمفهوم الجهاد. فبدءا من القرن التاسع، وتحديدا في القرن العاشر، ~~قسم العديد من المسلمين - الذين تأثروا بالاتجاهات الصوفية (الشيعة الاثني عشرية على ~~سبيل المثال)، والاتجاهات الروحانية ~~(الصوفيين)، وبالهجمات ms058 المسيحية ضد زعم الإسلام بأنه دين سلام ~~- الجهاد إلى نوعين؛ النوع الأول أطلقوا ~~عليه اسم «الجهاد الأصغر» وهو الالتزام المألوف بنشر الإسلام على حساب الأديان الأخرى، ~~ولا يلجأ إليه إلا كإجراء دفاعي. والنوع الثاني هو «الجهاد الأكبر»، وهو واجب عام يقع ~~على عاتق جميع المسلمين لدرء أهوائهم الآثمة. ومع أن هذا التمييز منسوب إلى النبي ~~محمد نفسه، فواضح من السجل التاريخي أن معظم الحكام (والعديد من المسلمين) عارضوا مثل ~~هذه التأويلات. ومع ذلك، فالنقطة المهمة أن هذه التأويلات كانت موجودة ليتبناها أولئك ~~الذين يمقتون العنف حتى وإن كان دفاعيا، ويتبناها - حديثا - المدافعون عن الإسلام ~~الذين يزعمون أن الجهاد كان دفاعيا أو صراعا داخليا طوال الوقت. # وأخيرا، حتى لو استقر المرء على تأويل معين لواجب «الجهاد» - لنقل تأويلا لينا ~~لا يكون الجهاد المادي وفقا له سوى وسيلة دفاعية، ولا ينبغي أن يستهدف مدنيين أبرياء ~~بأي حال - فربما تظل هناك اختلافات كبيرة في فهم المصطلحات ذات الصلة. مما لا شك فيه أن ~~التأويل اللين المستخدم هنا سوف يروق للغالبية العظمى من المسلمين الذين يرون الجهاد ~~معركة شخصية ضد الإغواء، والذين سيجرون إلى الحرب المادية فقط عندما يتعرضون ~~للاستفزاز على يد أولئك الذين يهددون الإسلام نفسه. وحتى عندئذ، لن تزهق أرواح ~~الأبرياء. النقطة المهمة هنا أنه من المرجح أن يكون المتطرفون أمثال الضالعين في ~~الهجمات التي استهدفت شبكة النقل والمواصلات في لندن في السابع من شهر يوليو عام 2005، ~~مؤيدين لهذا التأويل الذي يبدو لينا. لكن المتطرفين يرون أن الإسلام يتعرض للهجوم ~~(بدليل الاستخدام المتسم بقلة التمييز لعبارة «الحرب على الإرهاب» من قبل بعض الحكومات ~~الغربية)؛ ومن ثم يكون الجهاد الدفاعي ضرورة، ولا يكون غير المقاتلين الذين قتلوا في ~~الهجمات أبرياء على الإطلاق؛ ففي الدول الديمقراطية يتحمل الناخبون المسئولية الكاملة ~~عن أفعال حكوماتهم (ويقصد بها في هذه الحالة عداء بريطانيا (حسبما يراه المتطرفون) ~~للمسلمين في العراق وأفغانستان). # هكذا تكون الميزة الرئيسية التي يروج لها المتطرفون الإصرار على أن جهود الجهاد ~~العالمية ذات طابع دفاعي. ms059 وهذا الأمر يجعل الجهاد على الفور مغريا للمسلمين الذين ربما ~~يشعرون بأنهم محاصرون بشيء ما؛ إما الثقافة الغربية، أو المجتمعات غير الإسلامية التي ~~يعيشون فيها، أو مسار التاريخ (الذي يشعرون أنه يتجاوزهم مع أن أسلافهم حكموا العالم في ~~وقت من الأوقات). إذا استشعر المسلمون في المجتمعات الغربية أنهم معرضون لرهاب الإسلام ~~أو ممنوعون من ممارسة الإسلام، فسيكون لزاما عليهم حينئذ إيجاد الظروف الضرورية لتطبيق ~~الشريعة، وذلك عن طريق إقامة دولة إسلامية في مكان لا توجد به بالفعل. يرى بعض ~~الإسلاميين (أمثال أسامة بن لادن وأتباعه) أنه لا توجد دولة إسلامية مقبولة في أي مكان، ~~وأنه لا بد من إقامة الخلافة من الأساس وبالقوة. وهكذا فإنه كي نستوعب مفهوم الجهاد ~~الذي يتبناه تنظيم القاعدة، لا بد أن نعي الطبيعة (المبهمة إلى حد ما) لمفهوم الخلافة ~~نفسه. # الخلافة أو الإمامة # العديد من المجموعات الإسلامية - إن لم يكن معظمها - تحدوها الآمال في إقامة الخلافة؛ ~~أي دولة إسلامية موحدة يقودها خليفة. والبعض (أمثال «حزب التحرير») يرى أن إقامتها هو ~~هدفهم الوحيد. وعلى الأرجح يرحب الكثيرون من المسلمين ممن يتبعون النهج السائد في ~~المجتمع نظريا بتجديد عهد الخلافة، لكنهم يشعرون بأنهم ليسوا هم المسئولين عن تحقيق ~~ذلك. أما الإسلاميون فيعتقدون أنه لزام على المجتمع ككل شن الجهاد من أجل توسيع حدود ~~الدولة الإسلامية. ولكن في ظل عدم وجود دولة إسلامية ولا مجتمع موحد، لا بد أن يكون ~~هدف الجهاد - في الوقت الحالي - هو إقامتهما. وحتى من وجهة نظر أولئك المسلمين الذين ~~يرون الجهاد مجرد امتناع عن تناول الفطائر المعدة باستخدام لحم الخنزير أو عن ألعاب ~~الكمبيوتر غير اللائقة، ثمة الكثير من العوامل التي تزكي فكرة العيش تحت مظلة ~~الخلافة. فحينئذ فقط، سوف تتسنى للمسلمين الحرية الحقيقية لممارسة طقوس الدين دون ~~تقديم اعتذارات عن ذلك. علاوة على ذلك، سوف تعمل الخلافة على توحيد الأمة، ومن ثم ~~سوف تحرر القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية الهائلة في العالم الإسلامي. يقول ~~الإسلاميون إن علل المجتمعات الإسلامية الحديثة ترجع كلية إلى ms060 الانقسامات داخل الأمة؛ ~~حيث الحدود الزائفة التي تفرضها قوى الغرب، والأشكال المتنوعة من الحكومات (الفاسدة ~~كلها) التي يعيش تحت حكمها المسلمون (كجزء من مخطط غربي مرة أخرى)، وغير ذلك. بتوحيد ~~الأمة، سوف تعيد الخلافة المسلمين إلى قيادة العالم. فأي ضير في ذلك؟ # لا شيء بالطبع، وليست المشكلة في رفض المسلمين فكرة الخلافة على مدار التاريخ، وإنما ~~في عدم اتفاقهم على شكلها وتفاصيلها. المفارقة أنه بدلا من توحيد الأمة، تسببت ~~النزاعات بشأن الخلافة في تقسيمها - سياسيا ودينيا - أكثر من أي فكرة أو مؤسسة ~~أخرى. إلى هذا الحد، تكون الخلافة مثالا نموذجيا لتنوع المجتمعات الإسلامية والتاريخ ~~الإسلامي. # توفي النبي محمد عام 632 بعد أن ~~حكم الدولة الإسلامية سياسيا ودينيا منذ قيامها عام 622، وكان لا بد من شخص آخر ~~يتولى مسئولية شئون الدولة في غيابه. لكن من يكون هذا الشخص، وكيف يجري اختياره؟ أشار ~~أحد الحلول المقترحة باجتماع زعماء القبائل معا واختيار المرشح الأنسب من بين قبيلة ~~محمد (قريش). هذا ما يظنه أهل السنة، ومبدأ الشورى هذا هو الأساس الذي اختير وفقه بعض ~~الخلفاء الأوائل. لكن ماذا لو كان محمد نفسه - بوحي من الله - قد رشح بالفعل خليفة ~~مناسبا في حياته؟ يظن الشيعة أن هذا هو ما حدث، وأن عليا هو من وقع عليه الاختيار، ~~ومن ثم يعتقدون أن الخلافة ينبغي أن تنتقل عبر الذرية المباشرة لعلي من جيل لآخر. ~~وكما رأينا في الفصل # الأول ~~، طالما اختلف الشيعة على الخط ~~الفاصل الدقيق لسلالة الإمام؛ الأمر الذي أوجد مزيدا من الانقسامات. وماذا لو اتضح أن ~~عليا قائد مخيب للآمال في ظن أولئك الذين وصفوا بالخوارج؟ هؤلاء يرون أن الخليفة ~~ينبغي أن يكون أكثر المرشحين ملاءمة للمنصب بغض النظر عن نسبه (وعندما اتضح لهم أن ~~عليا ليس الشخص الملائم، قتلوه). رأى آخرون أن الكلمة الفصل ينبغي أن تكون لقدرة ~~القائد على الإمساك بزمام الدولة. وعلى كل حال، إذا كانت كل الأحداث بيد الله، وكان ~~الله هو من يهب السلطة لشخص معين أو أسرة معينة، فمن ms061 ذا سيعترض؟ هذه كانت وجهة نظر ~~الأمويين. يمكن الاستطراد في طرح المزيد من وجهات النظر، لكن لا بد من توضيح أمر؛ وهو ~~أن الخلافة لم تفشل في توحيد الأمة فحسب، بل كانت السبب الرئيسي وراء حدوث الانقسامات ~~داخلها. وبدلا من إطلاق العنان للقوة الجمعية للأمة، أهدر المسلمون على مدار التاريخ ~~الإسلامي جل طاقاتهم الفكرية والجسدية في صراعات نشبت بينهم وبين بعضهم البعض بشأن ~~هذا الأمر. # ثمة تنوع كبير أيضا شهدته الآراء في العالم الإسلامي بشأن طبيعة مؤسسة الخلافة. ماذا ~~كان دور الخليفة (أو الإمام وهو المصطلح المستخدم نظريا لدى أهل السنة وعمليا لدى ~~الشيعة)؟ كان الحكم السياسي للأمة حقيقة مسلما بها، لكن ماذا عن الزعامة الدينية؟ ~~اعتبر البعض ومن بينهم الأمويون والعباسيون الأوائل والشيعة أيضا أن للخليفة/الإمام ~~سلطة دينية. هذا الافتراض تؤيده حقيقة أن الخلاف بشأن مؤهلات الخليفة تسبب في ظهور ~~طوائف وليس أحزابا سياسية. واختلف معهم آخرون مثل العلماء والعباسيين الذين جاءوا بعد ~~«محنة خلق القرآن» (فيما عدا استثناء واحد أو اثنين في القرن الثاني عشر). وما الذي ~~يمكن فعله حينما يعلم الناس من يكون الخليفة/الإمام - مثلما يفعل الشيعة أو مثلما فعلوا ~~- غير أن الحكم السياسي للأمة مخول للشخص غير المناسب؟ هل ينتظرون حتى يعيد الله ~~السلطة إلى إمامه، أم يشرعون في تحقيق ذلك على الفور؟ حلت هذه المشكلة لدى الكثيرين ~~من الشيعة عندما اختفى إمامهم المختار في نهاية القرن التاسع، الأمر الذي حثهم على ~~التصوف. الشيعة الآخرون الذين استمر وجود أئمتهم عادة ما تبنوا مذهب الفعالية، وظهر ~~أشهرهم في ظل حكم الفاطميين. # بدءا من منتصف القرن العاشر تلقت هيبة منصب الخلافة ضربة قاصمة؛ ففي الأراضي ~~العباسية وأثناء حكم البويهيين الشيعة، اختزل الخليفة (السني) إلى شخص يضفي الشرعية ~~على الحكم «الفعلي» لآخرين. وفي الوقت نفسه، ظهر معارضو الخلفاء وذلك في ظل حكم ~~الفاطميين والأمويين الأندلسيين. وبحلول القرن الثالث عشر تدنت مكانة المنصب أكثر بعد ~~قضاء المغول على الخلافة العباسية في العراق، وتنصيب المماليك لخليفة عباسي «صوري» في ~~القاهرة. والغريب ms062 أن هذا الخليفة أجاز بدوره مرتبة الخلافة لآخرين، وأبرزهم العثمانيون ~~(الذين لم يستطيعوا ادعاء انتسابهم إلى سلالة شريفة؛ إذ لا يمتد نسبهم إلى قريش، بل ~~ينتسبون - حسب الأسطورة - إلى أنثى ذئب رمادي، كما كان حال الرومان القدماء). ووصل ~~الأمر إلى حد أن الخليفة العباسي في القاهرة عين خلفاء آخرين توافق منصبهم مع منصبه؛ ~~ففي عام 1484 منح الخليفة العباسي المملوكي لقب «الخليفة» إلى علي جاجي بن دوناما الذي ~~حكم بورنو (في الفترة 1476-1503)، بعد أن كان قد قام بالأمر نفسه قبل سنوات قليلة مع ~~أسكيا محمد الذي حكم سونغاي (في الفترة 1493-1528). # عندما كان يريد معارضو الخليفة القضاء على ادعاءاته بالشرعية، كانوا عادة يطلقون ~~عليه لقب «الملك». في القرآن، الملكية قاصرة على الله، وفي عهد محمد كان الرجال الذين ~~يحملون هذا اللقب كفارا مستبدين مثل القيصر البيزنطي والشاه الساساني. وعلى الرغم من ~~أنه أعيد إحياء الألقاب القديمة - ومن بينها لقب «ملك» - في الأراضي الفارسية بدءا من ~~القرن العاشر، فإن الحكام المسلمين غرب إيران لم يتخذوا هذا اللقب لأنفسهم طواعية إلا ~~تحت التأثير الغربي، وهو ما بدأ مع الشريف حسين («ملك الحجاز» من عام 1916) وابنه فيصل ~~(ملك سوريا ثم العراق). وسرعان ما ظهر الملوك المسلمون في مصر، والحجاز، ومملكة نجد ~~والحجاز المعروفة منذ عام 1932 باسم المملكة العربية السعودية. بعدها حذت المغرب وليبيا ~~والأردن الحذو نفسه. ويرى الإسلاميون أن هذا دليل آخر على هيمنة الغرب على الأراضي ~~الإسلامية؛ فوجود «مملكة» تحكم مكة والمدينة أمر يثير الحنق الشديد، ولا عجب في أن ~~منظمات مثل «حزب التحرير» محظورة في المملكة ~~العربية السعودية. # على مدار التاريخ الإسلامي، زعم بعض الرجال أنهم صنوف أخرى من زعماء الأمة ~~المفوضين من الله. بعض هؤلاء أعلنوا أنهم المخلصون المسيحيون («المهديون»، وهم ~~كثر وربما يكون أشهرهم مهدي السودان في الفترة 1881-1889)، بينما لم يكن الآخرون سوى ~~مصلحين دينيين مثل السلطان المغولي أكبر، وحاكم إيران الأفشاري نادر شاه (الذي حكم ~~البلاد في الفترة 1736-1747). ومع ذلك جمع آخرون سمات زعماء ms063 شتى؛ فقد زعم والاس فارد ~~محمد - مؤسس حركة «أمة الإسلام» - أنه المهدي المنتظر وأيضا نسخ لروح المسيح (وجعل ~~إلايچا محمد نبيا له). وأحيانا كانت الطبيعة الهرطقية لادعاء أحد القادة أكبر ~~بكثير من أن يتحملها حتى كيان مرن كالإسلام، وهو ما كان يؤدي إلى نشأة أديان منفصلة مثل ~~الدرزية والبهائية. # إن كان أحد أهدافك في الحياة أن تقابل خليفة أو إماما، فلا تبتئس؛ إذ الخلفاء ~~والأئمة موجودون حتى في عصرنا اليوم؛ فآغا خان الرابع هو الإمام الحالي للجماعة ~~الإسماعيلية النزارية (وهو الإمام التاسع والأربعون من نسل علي)، والجماعة الإسلامية ~~الأحمدية تتبع الخليفة ميرزا مسرور أحمد (الذي تولى خلافة الجماعة منذ عام 2003 حتى ~~اليوم)، وهو الخليفة الخامس لميرزا غلام أحمد الذي زعم عام 1889 أنه المهدي، والمسيح، ~~ومجدد الإسلام. الأحمدية والنزارية منتشرتان على نطاق واسع، ولهما ملايين من الأتباع في ~~جميع أنحاء العالم. وهناك خلفاء آخرون - مقبولون على نطاق أضيق يظهرون من آن لآخر - من ~~بينهم ميتين كابلان (ولد عام 1952) الذي نصب نفسه «خليفة كولونيا» والذي يقضى عقوبة ~~السجن مدى الحياة في أحد السجون التركية لمحاولته الإطاحة بالحكومة التركية وإقامة ~~خلافة محلها. # حري بنا أن نضع في الاعتبار أنه حتى المحاولات الناجحة لإعادة حكم الأمة إلى ~~الخليفة/الإمام الشرعي تكاد دائما أن تقاد - بفعل مطالب الحكم الفعلي - نحو التخلي عن ~~أهدافها وادعاءاتها الأولى، والرجوع إلى الممارسات نفسها التي استنكرتها في مراحلها ~~الثورية. هكذا كان حال العباسيين، والفاطميين، والمرابطين، والصفويين، وآخرين كثيرين في ~~التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم بصورة عامة (فيما يتعلق بالثورات السياسية). أما عن ~~الدعوات الحالية لإعادة إقامة الخلافة، فهي تتبع نماذج متوقعة؛ وما يصعب توقعه هو ~~الشكل النهائي لأي خلافة مستقبلية. # | هوامش # الفصل الرابع # | المصادر # كيف نعرف ما نعرف من معلومات عن التاريخ الإسلامي؟ نظريا، لما كان التاريخ «الإسلامي» ~~فرع من التاريخ بصورة عامة، فإن الأدوات والوسائل التي يستخدمها مؤرخو المجتمعات الأخرى ~~متاحة أيضا - بدرجة أكبر أو أقل - لمؤرخي الإسلام. وبطبيعة الحال، فإن مصادر كل فرع من ~~فروع التاريخ تكون خاصة ms064 به، ومصادرنا عن بعض الفترات والمناطق أفضل من تلك المتاحة عن ~~غيرها؛ ففي بعض الحالات يكون لدينا عدد قليل من المصادر التي تكشف عن الكثير، وفي حالات ~~أخرى يكشف قدر هائل من المصادر عن معلومات أقل بكثير مما يتوقع منها. # في عامي 1977 و1978 نشرت أربعة كتب خاطبت مؤرخي ~~الإسلام بأن أداءهم دون المستوى؛ فقد انتقد كتاب ~~«الاستشراق» للكاتب إدوارد سعيد الباحثين الإسلاميين على أمور عدة من بينها إيجاد مجال ~~دراسة يتعالى على المجتمعات الإسلامية التي يدرسونها ويوجه النقد لها. أيضا أخبرت كتب ~~«دراسات قرآنية» و«البيئة الطائفية» لجون وانسبرو و«الهاجرية» لكل من باتريشيا كرون ~~ومايكل كوك الإسلاميين بأنهم ليسوا ناقدين بدرجة كافية (بالمعنى البحثي لا التقييمي ~~للكلمة). على مدار العقود الثلاثة الماضية، أجبر الباحثون على الانشغال بالأفكار المطروحة ~~في هذه الكتب، ولو من أجل تفنيدها فحسب. عموما، يعمل المؤرخون على نوعين من المواد ~~المكتوبة: مصادر رئيسية (كتبها أشخاص «تحت» مجهر التاريخ)، ومصادر ثانوية (كتبها أشخاص ~~ينظرون «من خلال» المجهر). يهتم كتاب إدوارد سعيد بالمصادر الثانوية، وسوف نتطرق إليه في ~~الفصل التالي؛ بينما تتعلق أعمال وانسبرو وكل من كرون وكوك بالمصادر الرئيسية، وسوف ~~نناقشها في هذا الفصل. # مصادرنا عن التاريخ الإسلامي بعد عام 1100 (وفقا للتسلسل الزمني الوارد في الفصل # الأول ~~) في الأغلب من النوع الذي سيكون مألوفا لمؤرخي المجتمعات ~~الأخرى. لقد كتب الناس في هذه القرون كتبا عديدة عن العديد من الموضوعات، وما إن نقرأ هذه ~~الكتب حتى يصبح بوسعنا محاولة إعادة بناء وتحليل العالم الذي تصفه. ولا شك أن المؤرخ الحذر ~~سوف يحترز من الروايات المضللة أو المتحيزة (أو مما قد يظنه البعض انحيازا لا مفر منه ~~يصطحبه كل كاتب إلى كتاباته)، لكن فيما عدا ذلك ستكون دراسة التاريخ الإسلامي شبيهة بوجه ~~عام بدراسة التاريخ الأوروبي على سبيل المثال. والواقع أنه بحلول هذه الفترة، وبسبب أحداث ~~أشرنا إليها في الفصل # الأول ~~، فإن بعض مصادرنا عن المجتمعات ~~الإسلامية هي وثائق وتقارير أوروبية. على سبيل المثال، ترك لنا جان شاردان (الذي ms065 توفي عام ~~1713) سردا عن رحلاته من فرنسا إلى الشرق الأدنى وإيران، جاء في عشرة مجلدات. بالمثل، تأتي ~~معرفتنا بالعلاقات الأوروبية-العثمانية من الوثائق الأوروبية والعثمانية أيضا. الأمر نفسه ~~ينطبق على مجتمعات دول البحر الأبيض المتوسط في الفترات السابقة عندما تفاعل المسيحيون من ~~جنوب أوروبا والمسلمون من شمال أفريقيا والشرق الأدنى على نحو متكرر؛ تاركين كما وفيرا ~~من الآثار الأدبية والوثائقية عن هذا التفاعل يمكن للمؤرخين الآن الاستفادة منه. ومن هذا ~~السياق يأتي أحد أهم مصادرنا عن التاريخ الإسلامي، وهي جنيزة القاهرة. يستحق هذا المصدر - ~~الذي لا مثيل لطبيعته ومحتوياته في المجتمعات الأوروبية - تسليط الضوء عليه في هذا ~~الفصل. # تتكون جنيزة القاهرة من نحو 250000 مخطوطة ~~اكتشفت في معبد يهودي مصري في نهاية القرن التاسع عشر. يعارض اليهود (والمسلمون أيضا) ~~التخلص من الوثائق التي يذكر فيها اسم الله. ولهذا السبب، تودع الوثائق الدينية التي لم ~~يعد يرجى منها فائدة (لأنها ممزقة أو غير ذات صلة) في مكان آمن. ويبدو أن اليهود في ~~القاهرة الفاطمية قد وسعوا هذا النطاق ليشمل الوثائق التي تتعلق بالله أو بالقضايا ~~الدينية بوجه عام، بل والوثائق المكتوبة بالأبجدية العبرية (المقدسة في نظرهم). ولأن اليهود ~~الذين عاشوا في الأراضي الإسلامية عادة ما كانوا يكتبون باللغات المحلية (مثل العربية ~~والفارسية) مستخدمين الحروف الأبجدية العبرية، تضم جنيزة القاهرة مجموعة من الوثائق فائقة ~~التنوع تتعلق بكل جوانب الحياة في ظل الإسلام في مصر الفاطمية، وفلسطين، وسوريا، وكذلك جنوب ~~أوروبا، وشمال أفريقيا، واليمن، وأراضي أخرى كان هذا المجتمع اليهودي على صلة بها. ومع أن ~~معظم المصادر الواردة من الأراضي الإسلامية قد كتبتها يد النخبة المثقفة، تضم مصادر الجنيزة ~~بوجه عام سجلا لأحداث الحياة اليومية بين عامة الناس، وتمدنا بعرض سريع ثري بالتفاصيل ~~للتاريخ الإسلامي فيما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر. «في أرض قديمة» رواية تاريخية ~~للروائي أميتاف جوش اعتمدت على هذه الوثائق؛ وكتاب «مجتمع بحر أوسطي» الواقع في خمسة مجلدات ~~للمؤرخ شلومو جويتين هو تحليل وإعادة بناء بارعة لحياة أولئك الذين أسهموا ms066 في تكوين ~~الجنيزة. لذا فالجنيزة هي أهم مصادرنا لتكوين رؤية تصاعدية للتاريخ الإسلامي. # الفترة ما بين عامي 800-1100 التي ترجع إليها العديد من وثائق الجنيزة هي أيضا الفترة ~~التي تنعكس فيها الرؤية التنازلية للتاريخ الإسلامي في مجموعة هائلة من الأعمال الأدبية ~~كادت جميعها تكتب باللغة العربية (الاستثناءات العارضة كانت أعمالا فارسية من الشرق). ~~وبسبب الثورة الورقية المشار إليها في الفصل # الأول # من ناحية، ~~والمسار الممتد حتما الذي تتطورت خلاله مثل هذه الموروثات المركبة والمعقدة، فإن أي عمل ذا ~~أهمية أساسية للفقه الإسلامي، واللاهوت، والدراسات القرآنية وعلم الحديث، والتأريخ - الأكثر ~~أهمية لنا - يرجع إلى هذه الفترة. قبل ذلك الحين، كانت الوثائق الإدارية هي وحدها التي ~~تدون بانتظام. جدير بالملاحظة أنه حتى الأعمال المنسوبة للمؤلفين الأوائل ارتبطت ~~بالكتابة أول ما ارتبطت في هذه الفترة. من المؤكد أن المسلمين كتبوا أعمالا في الفترة من ~~عام 600 إلى عام 800؛ فبعض أجزاء القرآن نفسه وبعض قصائد الشعر الإسلامي الأولى مثلا يمكن ~~القول استنادا إلى دليل داخلي (هو أنه يغلب عليها ألفاظ مهجورة لغويا) أنها كتبت قبل ~~القرن الثامن، لكن لا يوجد الكثير بخلاف ذلك. نقل ابن إسحاق (الذي توفي عام 767) إلى ~~تلاميذه سيرة محمد، وقرأها الناس (في صورة كتاب) وتحدثوا عنها، وأعادوا صياغتها. ونحن نعلم ~~عن هذا الأمر ليس لأن سيرة ابن إسحاق قد بقيت، وإنما لأن إحدى النسخ المنقحة التالية - التي ~~كتبها ابن هشام (الذي توفي عام 838) - باقية. حتى الشعر العربي الجاهلي المعروف لنا هو شعر ~~جاهلي «كما حفظه أدباء القرن التاسع». وهكذا فإن المصادر الأدبية من الفترة 800-1100 ذات ~~أهمية كبيرة لنا، لإعادة تجميعها الأمور التي وقعت في الفترة السابقة لها. يثير هذا الأمر ~~العديد من الأسئلة (التي تؤدي بدورها إلى العديد من الإجابات) المهمة جدا في دراسة ~~التاريخ الإسلامي كما سنرى الآن. # مصادر الفترة 600-800 (وأوجه قصورها) # في عام 1972 اكتشفت «جنيزة» إسلامية ~~في اليمن تحتوي على عشرات الآلاف من المخطوطات القرآنية التي يرجع تاريخ بعضها إلى ~~نهاية القرن السابع وبداية القرن ms067 الثامن. حتى ذلك الحين، كان دليلنا الأول على الآيات ~~القرآنية يأتي من قبة الصخرة في القدس (نحو عام 692)، أما «اللغة» الإسلامية الأولى ~~والثقافة بوجه عام فنقلت إلينا من آلاف الوثائق التي لا تزال باقية (وهي في الأغلب ورق ~~البردي من مصر) والنقود المعدنية من القرنين السابع والثامن. يخبرنا ورق البردي شيئا ~~عن إدارة مصر منذ القرن الأول للحكم الإسلامي، موضحا كيف غير أو لم يغير ظهور ~~الإسلام هناك من الأوضاع القائمة على أرض الواقع. وتوجد النقود المعدنية من مختلف أنحاء ~~الخلافة بأعداد هائلة، وهي تخبرنا بمعلومات عن الخلفاء، والولاة، والمتمردين ضعاف ~~التأثير في الأقاليم البعيدة. تمدنا التواريخ الخاصة بعهد أحد الحكام، والألقاب التي ~~اختارها لنفسه، والنقوش التي حفرها على عملاته بتفاصيل ترتبط بالمشهد السياسي في زمان ~~ومكان معينين. # لكن حتى عند تجميع هذه المصادر، فإنها لا يمكن أن تمدنا بسرد تفصيلي متواصل للقرن ~~الأول أو نحو ذلك من التاريخ الإسلامي. ولهذا السبب لا بد أن نعتمد على السجلات الأدبية ~~الغزيرة والمفصلة إذن لهذه الفترة، والمكتوبة (على الأقل في شكلها الحالي) في الفترة من ~~عام 800 حتى عام 1100. يخبرنا القرآن بالقليل عن محمد وظهور الإسلام؛ وتأتي الأحاديث ~~المروية عن محمد وأصحابه، وسيرة محمد، وأخبار الفتوحات الإسلامية الأولى هي التي ~~تملأ هذه الفجوات. تتميز تسجيلات الأحداث العربية بأنها مفصلة للغاية وتطرح المعلومات ~~الخاصة بتلك المصادر الأخرى ضمن إطارها التاريخي الأعم، فتبدأ غالبا بخلق العالم ~~وتستمر في القرنين التاسع والعاشر. أما من حيث الكم، فإننا نستفيد من المصادر التي تصف ~~هذه الفترة أكثر من مؤرخي غرب أوروبا، أو بيزنطة، أو الهند، أو الصين في الفترة نفسها. ~~وتلك هي الأخبار السارة. أما الأخبار الأقل إثارة للسرور فهي أن هذه المصادر تكتنفها ~~إشكاليات تأريخية على نحو ما حدده (عموما لا حصرا) الباحثون المعاصرون. # شكل 4-1: «تانكا» ذهبية لسلطان دلهي قطب الدين مبارك شاه الأول (الذي حكم ~~البلاد من عام 1317 حتى عام 1321). تعكس فئة «التانكا» وكذلك شكلها ~~المربع التأثير الهندي فيما قبل العصر الإسلامي. أما ms068 النقش العربي على ~~العملة - الذي يوصف فيه السلطان بأنه «أمير المؤمنين» و«الخليفة» - ~~فهو لا شك إسلامي. # 1 # حتى عندما يصف كتاب العصر العباسي النصف الأول من القرن الثامن (الذي ربما قد ~~عاصروه بصورة مباشرة)، لا بد من غربلة رواياتهم من الدعاية المناوئة للأمويين؛ فهذه ~~المصادر ليست تؤيد العباسيين عن وعي فحسب، بل تؤيد الشرق (عن وعي أقل) أيضا، بمعنى ~~أنها تركز على إيران والعراق أكثر من تركيزها على سوريا ومصر وشمال أفريقيا وشبه ~~الجزيرة الأيبيرية (مع أن هذه المناطق الفردية قدمت أعمالا خاصة بها أقل بكثير كما ~~وتأثيرا). ويمكن فهم هذه التحيزات إلى حد ما؛ فلماذا قد يفعل المؤرخون العباسيون ~~المقيمون في العراق والمنحدرون من أصل فارسي (وهذا وصفهم إجمالا) خلاف ذلك؟ في النهاية ~~كلنا نعرف أن التاريخ يكتبه المنتصرون، وهؤلاء المنتصرون لم يحملوا عبء المفاهيم ~~المرتبطة بالصواب السياسي. لكن المصادر العباسية المتاحة عن بداية الإسلام مشكوك فيها ~~أيضا لأسباب أقل وضوحا. # تخيل أنك وجدت ضيفنا المريخي أمام بابك. العقبة الأولى المتمثلة في محاولة فهم من ~~يكون هذا الكائن، ومن أين أتى، ولماذا أتى، هي عقبة لغوية. فما إن نعرف لغته، حتى ~~يمكننا سؤاله أي شيء. لكن ما الذي سنفهمه من إجاباته؟ هل نفترض أن معايير الدقة التي ~~نطبقها في الغرب المعاصر يطبقها أهل المريخ أيضا؟ حتى لو قررنا أنه ملم بمعاييرنا ~~وصادق في محاولاته الوفاء بتلك المعايير، هل نتوقع منه أن يتذكر أي شيء عن مولده ~~وطفولته، أو أن تكون آراؤه عن والديه وأسرته وأصدقائه منصفة (لا تشوبها شائبة)؟ وما ~~الذي نفهمه من التناقضات العديدة التي قد نجدها في شهاداته؟ # في بعض النواحي، يكون التعامل مع المصادر الأدبية لتاريخ الأديان العالمية المبكر ~~أكثر صعوبة من التعامل مع الشهادات التي يدلي بها سكان المريخ. يسوء فهمنا لليهودية ~~الأولى والمسيحية الأولى (إذا أخذنا مثالين) بسبب أوجه القصور التي تضفي غموضا إلى ~~صورتنا عما حدث في الفترة التشكيلية لهاتين الديانتين؛ وأهمها حقيقة أنه لا توجد ~~فعليا مصادر معاصرة يمكن التحقق منها، وأن ms069 هذه أحداث تاريخية مخاطرها اللاهوتية ~~والروحانية والسياسية مرتفعة للغاية (مما يجعلنا نتشكك في الروايات التي قد تفيد ~~سارديها). # ودراسة صدر الإسلام لا تختلف عن ذلك. حتى لو افترضنا أن مصادرنا اللاحقة قد راعت ~~الدقة في نقل رواياتها (وهو افتراض سنعود إليه تفصيلا فيما يلي)، فلا تزال هذه المصادر ~~تطرح مشكلتين مرتبطتين إحداهما بالأخرى. أولا، يمكن أن تكون المصادر متعارضة؛ فتمدنا ~~في بعض الحالات بعشرة روايات متعارضة لحدث واحد. ثانيا، كثيرا ما ترتبط هذه المصادر ~~بموضوعات مثقلة بالمعاني السياسية والدينية مثل حق مجموعة معينة في الحصول على الأموال ~~التي تقدمها الدولة (إذ كانت لأسبقية الدخول ~~في الإسلام، أو المشاركة في الفتوحات الأولى تبعات مالية مباشرة على كثير من المسلمين)، ~~أو الممارسة الصحيحة للشعائر الإسلامية (فإذا أوضحت رواية تاريخية أن محمدا أو ~~أصحابه فعلوا شيئا ما بطريقة معينة، يمكن لتلك الطريقة أن تكون سابقة ملزمة قانونا). ~~لذا، فإن ما قد يبدو لنا تاريخ «دنيوي» تشكله في الواقع وإلى حد كبير قضايا دينية ~~وقانونية. لهذا السبب فإن مؤرخا بارزا مثل الطبري (الذي سنلتقيه لاحقا) قد قدم «عدة» ~~روايات للحدث نفسه، دون أن يعبر عن رأيه بشأنها؛ فلكي يكون مؤرخا نافعا وموضوعيا، ~~كان عليه أن يقصر مهمته على تقديم الخيارات الموجودة لقرائه الذين قد يوظفون واحدة من ~~الروايات دعما لوجهة نظرهم. وقد أوضح الباحثون المعاصرون أن العديد من الأحاديث ~~النبوية أو الأخبار التاريخية المتضاربة تشكلت كجزء من مناظرة فقهية بين المذاهب ~~المحلية وأتباعها؛ وهو ما قد يفسر سبب تعدد روايات الأحداث التي دونها الطبري في عمله ~~الجليل. # علاوة على ذلك، لا ينبغي أن نسلم ~~جدلا بأنه ما إن نتغلب على المعوقات اللغوية، سيصبح معنى النصوص واضحا لنا. قد يكون ~~التشابه بين اللغة العربية في القرنين التاسع والتاسع عشر أكبر من التشابه بين اللغة ~~الإنجليزية المعاصرة والإنجليزية القديمة، لكن الفهم الحرفي للغة رواية ما لا يضمن فهم ~~الحقائق التاريخية. أوضح الباحثون أن الروايات العربية عن هذه الفترة (حياة محمد ~~والفتوحات الأولى على وجه الخصوص) زاخرة ms070 بالمجاز. والمجاز صورة بلاغية أدبية غرضها نقل ~~المعنى دون النظر إلى معناه الحرفي. على سبيل المثال عندما تتباهى طفلة بأن والدها ~~«أقوى عشر مرات من والد بينلوب»، فنحن نعرف أنه في 99٪ من الحالات (وهذا مجاز في حد ~~ذاته) لم تقس هذه الطفلة القوة النسبية لكل من والدها ووالد بينلوب، ولم تجد النسبة ~~10 : 1. «أقوى عشر مرات» هي وسيلة أخرى لقول «كثيرا». ومن الأمثلة على ذلك في المصادر ~~الإسلامية الأولى التأكيد على أن محمدا قد جاءه الوحي في الأربعين من عمره. يتفق ~~الجميع - باستثناء أكثر المنقحين ولعا بالافتراضات - على أن محمدا قد عاش بعد سن ~~الأربعين، لذا لا بد وأنه قد فعل «بعض» الأشياء في ذلك العام. حتى هنا، لا مجال للشك في ~~هذه المعلومة من السيرة. مع ذلك، يدرك الباحثون المطلعون على ثقافات الشرق الأدنى ~~ولغاته من القرون السابقة والتالية لظهور الإسلام أن سن «الأربعين» مجاز عن «النضج ~~الروحي». والقول إن محمدا قد جاءه الوحي في هذه السن تعني القول إنه كان ناضجا ~~روحيا، لا إنه كان في الأربعين من عمره حرفيا. إذا وافقنا على أن «سن الأربعين» ~~مجاز بلاغي، فلن يضيرنا ذلك شيئا لأنه لا علاقة له بالمعتقدات والشعائر الإسلامية. ذكر ~~الباحثون المعاصرون عشرات الصور المجازية في الروايات المنقولة عن حياة محمد وخصوصا ~~الفتوحات الأولى، وحتى لو لم تكن هذه الصور الأساسية هادمة تماما لفهمنا التاريخ ~~الإسلامي نفسه، فإنها تزعزع ثقتنا في جدوى هذه المصادر. بعبارة أخرى، ما «تقوله» هذه ~~المصادر وما «تخبرنا به» ليسا متطابقين دوما، ولكي نفهمها تماما، لا بد أن ندرس ما ~~لدينا من مصادر ضمن سياق لغات الشرق الأدنى وأدبه الوارد من العصور القديمة، وتلك عملية ~~لا تزال في مهدها. # ذكر أيضا أن المصادر العربية الأولى عن القرن الأول من التاريخ الإسلامي لا بد من ~~فهمها ضمن السياق الأعم لهذا اللون الأدبي. فلكي نحدد قيمة رواية أو عمل معين، من ~~المجدي أن نكون ملمين بالروايات السابقة واللاحقة لهذا الموضوع. أظهرت الدراسات في هذا ~~الاتجاه أن ms071 المصادر العربية الأولى المعتمدة على روايات منقولة شفهيا متعلقة بظهور ~~الإسلام تتزايد بمرور الوقت في الحجم والتفاصيل بدلا من أن تتضاءل. وهذا ينطبق على ~~التفاصيل المتعلقة بحياة محمد في كل من السيرة والحديث. لذا قيل إن ابن عباس نقل في ~~أحد أعماله في القرن الثامن ما لا يزيد عن عشرة أحاديث نبوية، وبحلول القرن التاسع قيل ~~إنه نقل 1710 حديث. بعض هذه الأحاديث ربما يكون مجموعة الأحاديث القليلة التي يعتقد ~~أنه نقلها، لكن أيها تحديدا؟ # للإجابة عن هذا السؤال، ابتكر الباحثون وسائل لفصل ما اعتبروه أحاديث صحيحة وروايات ~~تاريخية موثوق بها عن الأحاديث الموضوعة والروايات التاريخية المبتدعة. قبل التطرق إلى ~~هذه الوسائل، يجدر بنا التأكيد على أن الجدال حول موثوقية مصادرنا عن التاريخ الإسلامي ~~الأول كثيرا ما يساء فهمه على أنه جدال ما بين المؤمنين الذين يثقون في تلك المصادر ~~وغير المؤمنين الذين لا يثقون فيها. وهذا خطأ لعدة أسباب. سنرى في هذا الفصل والفصل ~~التالي أنه كان ولا يزال هناك غير مسلمين يقبلون المصادر الأولى كما هي، مثلما أن هناك ~~مسلمين يطبقون أساليب الدراسة النقدية على هذه المصادر. الواقع أن المنهج النقدي في ~~التعامل مع هذه المصادر ابتدأه المسلمون في القرن التاسع؛ فتعريف الكلمات الأجنبية في ~~القرآن - وهو إجراء يرفضه المسلمون المعاصرون باعتباره عملا «استشراقيا» عدائيا - ~~بدأ على يد مؤلفي المعاجم المسلمين في العصر العباسي. والأكثر أهمية أن عملية تمييز ~~القليل من الأحاديث الصحيحة عن الكم الهائل من الأحاديث الموضوعة قد بدأت وتطورت على يد ~~المسلمين. لذا قيل إن البخاري (توفي عام 870) - الذي جمع واحدا من أمهات كتب الحديث ~~الستة (لدى أهل السنة) - اختار مجموعته من الأحاديث الصحيحة البالغة نحو 7400 حديث من ~~بين نحو 600000 حديث. ونحو ثلثي هذه الأحاديث البالغ عددها 7400 حديث هي أحاديث مكررة؛ ~~لذا فالعدد الفعلي للأفعال والأقوال المنسوبة إلى محمد أقل من 3000. وجدير بالذكر أن ~~الباحثين المعاصرين النزاعين إلى الشك يحسبون حسابا أكثر مما ينبغي للإحصائيات الواردة ~~هنا. ومع أن هؤلاء الباحثين يتجاهلون ms072 حقيقة أن العدد «600000» هو مجاز بلاغي استخدمه ~~أهل الشرق الأدنى للتعبير عن «مجموعة هائلة» (راجع سفر الخروج، إصحاح 12: آية 37)، فإن ~~7400 حديث تظل مجرد كسر بسيط من المجموعة الأصلية. كيف فعل البخاري (ورفاقه) ~~ذلك؟ # الأسانيد: الحل التقليدي # للفصل بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، وضع المسلمون واستخدموا علم الإسناد في ~~القرنين الثامن والتاسع. يتكون أي حديث (وهذا ينطبق أيضا على المصادر التاريخية ~~الأولى) من شقين: الأول المتن وهو تصريح عن شيء قاله أو فعله النبي أو أي مرجعية أخرى، ~~والثاني «الإسناد» الذي يعد كحاشية من دول الشرق الأدنى تخبرنا بكيفية وصول كل رواية ~~إلينا (على سبيل المثال: رواه الطبري عن (س) عن (ص) عن (ع) الذي كان شاهدا على الحدث). ~~وقد أخذ تحليل الإسناد على محمل الجد إلى حد أن لونا إضافيا كاملا من أدب السير ~~وجد من أجل تحديد ما إذا كانت الحلقات المختلفة في أحد الأسانيد موثوقا فيها ووارد أن ~~تكون منقولة من وإلى حلقات أخرى في السلسلة أم لا. معاجم السير الذاتية هذه هائلة، ~~واللون نفسه لا مثيل له فعليا في الموروثات التاريخية الأخرى. وهكذا، فإن المشكلات ~~المتعلقة بالمصادر المتاحة عن صدر الإسلام لدى معظم المسلمين قد حلت على النحو ~~التالي: ابتكر أسلوب (تحليل الإسناد)؛ ووضعت أدوات (معاجم السير) لتمكين الباحثين من ~~تطبيق هذا الأسلوب؛ واضطلع باحثون ثقات (بقيادة البخاري وخمسة آخرين في حالة الأحاديث، ~~والطبري وآخرين في حالة الروايات التاريخية) بغربلة جميع المصادر؛ والآن نعلم تحديدا ~~ما فعله النبي محمد وما قاله، وكيف تكشفت بقية أحداث التاريخ الإسلامي. # جزء كبير من هذا العمل ينسب - على الأقل بصورة غير مباشرة - إلى باحث معروف باسم ~~الشافعي (توفي عام 820). كان الفقه الإسلامي قبله متمركزا محليا؛ إذ كان لكل منطقة ~~تراثها وفقهاؤها الموثوق بهم. لذا كان يقتفي أثر الأحاديث الأولى عودة إلى الفقهاء ~~البارزين في كل تراث محلي. وأدرك الشافعي أن هذا التنوع خطر على ترابط الأمة، ووضع ~~قاعدتين وافقت عليهما بوجه عام جميع المذاهب؛ أن الأحاديث المنسوبة إلى النبي محمد نفسه ms073 ~~فحسب هي التي تتبع (ومن ثم إلغاء الأحكام المحلية الذاتية)؛ وأن مثل هذه الأحاديث ~~«لا بد» وأن تتبع (حتى وإن تعارضت مع القرآن، لأن أقوال محمد تؤخذ على أنها «تفسير ~~حي» سماوي للقرآن نفسه). بعد الشافعي، شرعت مذاهب محلية متنوعة في جمع الأحاديث ذات ~~الأسانيد الصحيحة؛ مما أسفر في النهاية عن ست كتب يعتبرها أهل السنة جديرة بالثقة. ~~(جدير بالذكر أن العلاقة بين أحاديث الشيعة والفقه الشيعي أبسط من ذلك بكثير؛ لأن ~~الأحاديث المنسوبة للأئمة كانت تنقل منذ البداية مع وجود تنوع محلي ضئيل ~~نسبيا.) # رصد الباحثون المعاصرون مشكلات مرتبطة بهذه العملية ونتائجها، وبحثوا في متن الحديث ~~(وكذلك إسناده) عن دليل يؤيد صحة الرواية أو ينقضها. وبالفعل ذكر إجناتس جولدتسيهر ~~(الذي توفي عام 1921) في نهاية القرن التاسع عشر أن الأحاديث تخبرنا عن الجدل الفقهي ~~الذي شهده القرن الثامن وأوائل القرن التاسع أكثر مما تخبرنا عن حياة النبي محمد. سار ~~على نهجه جوزيف شاخت (توفي عام 1969) الذي أوضح نقطتين مهمتين. أولا، انتهى جوزيف ~~بدراسة مجموعة كبيرة من الأحاديث الأولى إلى أنه في منتصف القرن الثامن فقط كانت ~~الأسانيد التي تنتهي إلى محمد هي المنتشرة على نطاق واسع. ثانيا، أدرك أنه كلما زاد ~~اتساق سند ما مع قاعدتي الشافعي، زاد احتمال كونه لاحقا في التاريخ لهاتين القاعدتين. ~~وهكذا، فالأمر لا يقتصر على أن الأسانيد التي تنتهي إلى محمد لا تثبت صحة حديث ما، بل ~~إنها تكاد تثبت النقيض (على الأقل فيما يتعلق بالإسناد نفسه؛ فربما يكون هو بدوره ~~مقترنا بنص صحيح). # أثير اعتراضان آخران على علم تحليل الإسناد: أولا، يمكن أخذ أي إسناد جرى التحقق ~~منه بالطرق التقليدية ووضعه على أي حديث أو رواية تاريخية يسعى أحدهم إلى اعتمادها. ~~ثانيا، حقيقة أن بعض الأحاديث «الصحيحة» لم يستشهد بها في خلافات القرنين الثامن ~~والتاسع مع أنها كانت ستقدم لها حلا حاسما تشير إلى أن هذه الأحاديث لم تكن موجودة ~~بعد. وعلى النقيض، سلم الباحثون المعاصرون أن أي حديث يتعلق بمسألة كانت قد أصبحت ms074 ~~مهجورة بحلول نهاية القرن الثامن أو مسألة تتناقض مع عادة أصبحت مقبولة لدى كل المسلمين ~~من المرجح أن يكون حديثا قديما على نحو أصيل، حتى لو كانت أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة ~~(ومن ثم ففي مثل هذه الحالات، يكون الباحثون المعاصرون أكثر تقبلا لموثوقية إحدى ~~الروايات من الباحثين المسلمين القدامى). # يشترك هؤلاء الباحثون مع المسلمين القدامى في الاقتناع بأن الأحاديث والروايات الأولى ~~عن ظهور الإسلام تحتوي على بيانات مفيدة يمكن على أساسها إعادة بناء التاريخ الإسلامي، ~~لكنهم يختلفون في أساليبهم لتحديد الروايات الجديرة بالثقة. ولأنه لا توجد قضايا دينية ~~أو لاهوتية تعتمد على مسألة الموثوقية (بصرف النظر عن أي تحيزات ثقافية أو سياسية قد ~~تنطوي عليها)، يجيز الباحثون المعاصرون لأنفسهم افتراض عدم جدارة الأحاديث بالثقة ما لم ~~يثبت عكس ذلك، بينما يفترض الباحثون القدامى العكس. مع ذلك، يتفق مؤيدو كلا المنهجين ~~على أن الأحاديث والروايات التاريخية الأولى قد تكون مفيدة للمؤرخين غير ضارة. # يتعلق جزء كبير مما طرحناه آنفا بجدوى (أو عدم جدوى) تحليل الإسناد. ولأن الأسانيد ~~استخدمت من قبل جامعي الأحاديث ومعظم المؤرخين الأوائل على حد سواء، فالقضايا ~~المرتبطة بها تتعلق نظريا بكل الروايات المكتوبة عن أول قرنين في التاريخ الإسلامي. ~~لكن عمليا، تعاملت معظم الدراسة الحديثة المرتبطة بهذه المسائل مع الأحاديث على وجه ~~الخصوص، بينما كانت أكثر تقبلا تماما للروايات «التاريخية». وكانت مسألة وقت فحسب قبل ~~أن يحاول الباحثون تطبيق معايير التشكك نفسها على الروايات التاريخية مثلما كانت تطبق ~~على الأحاديث، وهو ما يأخذنا إلى كتابي وانسبرو وكتاب «الهاجرية» لكرون وكوك. الفكرة ~~الأساسية لهذه الدراسات أنه على الرغم من اتخاذ روايات السيرة والأحداث التاريخية ~~للقرون الإسلامية الأولى شكلا يشبه المصادر التاريخية «الحقيقية» - باتباعها تسلسلا ~~زمنيا، واتصافها بالاتساق الداخلي إلى حد كبير، وكونها تزخر بالأسماء والتواريخ ~~والأماكن والأحداث مرجحة الحدوث (فالروايات المنقولة عن حياة محمد تخلو من العناصر ~~التي تبدو في ظاهرها زائفة بدرجة تفوق توقعاتنا) - فإنها عرضة لنفس الاعتراضات المثارة ~~ضد الأحاديث، وهي أيضا وثيقة الارتباط بعضها ببعض في ms075 قضايا تتعلق مباشرة بالمعتقدات ~~والممارسات الإسلامية إلى حد أنه لا يمكن اعتبارها شيئا آخر غير أنها أدب ديني. ومن ثم ~~لا يمكن إعادة بناء التاريخ الإسلامي الأول على أساس هذه المصادر. # يختلف وانسبرو عن مؤلفي كتاب «الهاجرية» في استجابتهم لهذه المشكلة. رأى وانسبرو أننا ~~لا نستطيع معرفة كيفية ظهور الإسلام وتطوره في القرنين السابع والثامن. ويطرح كل عمل من ~~أعماله هذه النقطة عن طريق التركيز على مجموعة مختلفة من المصادر؛ فكتابه «دراسات ~~قرآنية» يبحث في القرآن والأعمال التفسيرية الأولى، بينما يهتم كتاب «البيئة الطائفية» ~~بالموروث التاريخي الإسلامي المبكر. ويرصد الكتاب الثاني العديد من الصور المجازية في ~~السيرة النبوية - على نحو ما بينا أعلاه - ويذكر أن الإسلام ظهر عندما سعى العرب ~~الفاتحون لتمييز أنفسهم عن مسيحيي ويهود البلاد التي فتحوها. يطرح الكتاب الأول عددا ~~من الأسئلة عن القرآن نفسه: لماذا يحتوي القرآن على آيات متعارضة وأجزاء متطابقة؟ ~~ولماذا - على غرار ما ذكرنا عن الأحاديث - لم يستشهد بالآيات القرآنية دليلا في ~~الخلافات الفقهية الأولى التي ترتبط بها بوضوح؟ ولماذا لم يظهر تفسير القرآن إلا بعد ~~مرور قرن أو نحو ذلك على تجميع القرآن في صورته التقليدية؟ (يرفض معظم الباحثين ~~المعاصرين أن ينسبوا إلى مسلمي القرن الثامن الأعمال التفسيرية التي تحمل أسماءهم.) ~~وردا على هذه الأسئلة وغيرها، رأى وانسبرو إجابة واحدة مقنعة، وهي أنه لم تكن هناك ~~نسخة تامة من القرآن قبل نهاية القرن الثامن ومطلع القرن التاسع. بوجه عام، قال إنه ~~مثلما ظهرت الفنون والإدارة والثقافة الأدبية الإسلامية تدريجيا على مدار قرون من ~~الاتصال بين الفاتحين العرب وشعوب الشرق الأدنى الذين فتحت بلادهم، لا بد وأن الإسلام ~~بوصفه دينا قد تطور تدريجيا هو الآخر. # خلص مؤلفا كتاب «الهاجرية» أيضا إلى أن الإسلام والقرآن كما نعرفهما ليسا كما عرفهما ~~مسلمو القرنين السابع والثامن. وافترضا - ~~اعتمادا على المصادر غير الإسلامية عن تلك الفترة - أن مكة ليست المقدس الأصلي ~~للإسلام؛ وأن الفتوحات الأولى حدثت قبل ظهور الإسلام كدين مميز عن أحد أشكال اليهودية؛ ~~وأن «الإسلام» ms076 و«المسلمين» بناء على ذلك لم يكونا المسميين الأصليين للدين وأتباعه. ~~بدلا من ذلك، كان المسلمون معروفين بكلمة مشتقة من الجذر السامي (ه ج ر) الذي كان يشير ~~إلى كل من الهجرة متمثلة في الخروج من شبه الجزيرة العربية إلى الأرض المقدسة (بدلا ~~من الفرار من مكة إلى المدينة)، وإلى انحدار العرب من هاجر أم إسماعيل. لم يلق كتابا ~~وانسبرو أو كتاب «الهاجرية» قبولا واسع النطاق؛ لأن الحجج التي ساقها المؤلفون محل ~~خلاف (وفي بعض النقاط يمكن تفنيدها في الحال على ضوء أدلة جديدة مثل نسخ القرآن ~~اليمنية)، ولأن المناهج المعاصرة تجاه التاريخ الإسلامي تشكلت بفعل مجموعة فريدة للغاية ~~من الاهتمامات والاعتبارات قد تثني عن السعي وراء حجج مؤكدة عن التاريخ الإسلامي المبكر ~~كما سنرى الآن. # | هوامش # الفصل الخامس # | مناهج متضاربة # مع أن كثيرا من مؤرخي الإسلام الغرب ليسوا مسلمين، قد يكون من الصعب تحديد ذلك من ~~كتاباتهم عن القرون الأولى من التاريخ الإسلامي. وهذا يتناقض تناقضا واضحا مع حال مؤرخي ~~اليهودية والمسيحية الذين يميلون إلى تبني موقف الغريب تجاه موضوعهم حينما يكتبون عنه في ~~سياقات أكاديمية (على الرغم من كونهم هم أنفسهم يهودا ومسيحيين في كثير من الأحيان). لم ~~الاختلاف؟ قبل تناول الإجابات، حري بنا أن نسلط الضوء على السؤال أولا. تخبرنا الروايات ~~القديمة عن ظهور الإسلام أنه في منطقة بعيدة ومعزولة من شبه الجزيرة العربية (الحجاز)، وفي ~~مدينة وثنية لم تألف التوحيد (مكة)، بدأ رجل أمي يتلو آيات حافلة بإشارات إلى شخصيات ~~مذكورة في الإنجيل، وأرسى أفكارا توحيدية. إذا قبلنا هذا الملخص الأساسي - ومعظمنا يفعل - ~~فكيف لنا أن نفسر معرفة محمد بهذه الأفكار؟ من وجهة نظر المسلمين ذوي التفكير التقليدي، ~~الإجابة واضحة؛ وهي أن الله قد أوحى له - بواسطة أحد الملائكة - بهذه الآيات. والواقع أنه ~~من الصعب أن تكون مسلما مؤمنا بالمعنى التقليدي دون أن تقبل هذه الرواية. لكن بالمثل قد ~~يرى وانسبرو أنه من الصعب قبول الخطوط العريضة لهذه القصة دون أن تكون مسلما (أو على الأقل ~~دون ms077 أن تقبل أن لله يدا في تلك الأحداث)، ولهذا السبب رأى وانسبرو أن الإسلام والقرآن ~~تطورا في وقت لاحق وفي مكان آخر حيث كانت الأفكار اليهودية والمسيحية سائدة. حاول كتاب ~~«الهاجرية» أن يعيد خلق ظروف هذا التطور الديني اللاحق. ومثلما أشرنا أعلاه، يكاد الجميع ~~يتفقون على أن كلا من وانسبرو وكتاب «الهاجرية» مخطئان في بعض ~~التفاصيل (مع أن النقد الموجه لكتاب ~~«الهاجرية» يكاد يركز فحسب على الجزء الأول منه؛ ويبدو أن عددا قليلا من النقاد يدرك أن ~~الجزأين الثاني والثالث يحتويان نقاطا بارزة عن تطور الحضارة الإسلامية في سياقها في دول ~~الشرق الأدنى ربما تستحق المزيد من التحقيق). ومع أن وانسبرو وكتاب «الهاجرية» لم يقدما ~~إجابات مقنعة تماما عن الأسئلة المتعلقة بظهور الإسلام، فلماذا غض الطرف على وجه العموم ~~عن الأسئلة نفسها؟ # يرى باحثون كثيرون أن الحكم على هذه الكتب يكون على أساس استنتاجاتها، وإذا كانت ~~الاستنتاجات مغلوطة، يكون كل ما يرتبط بهذه الأعمال مغلوطا أيضا. أما المتشككون، ~~فيعولون على المنهجية؛ إذ ربما تكون الإجابات المقترحة مغلوطة ، لكن تظل الأسئلة بحاجة إلى ~~إجابات (وبالأحرى إذا كانت الإجابات السابقة غير مرضية). وهناك أدلة تشير إلى أنه توجد ~~الآن اعتبارات تتخطى حدود النقاش والجدال الأكاديمي المعتاد. ربما لا يجب أن نفاجأ بأن ~~«الهاجرية» لم تشتهر قط بوصفها مصطلحا يشار به إلى «الإسلام»، لكن لماذا هجر مصطلح ~~«المحمدية» في النصف الثاني من القرن العشرين؟ حتى ذلك الحين، كانت الكلمة مقبولة تماما ~~ومتماشية مع «الزرادشتية»، و«البوذية»، و«الكونفشيوسية»، والمصطلح الفارسي «الموسوية» إشارة ~~إلى اليهود. ومع أن هذا الأمر قد يبدو شكليا وغير ذي صلة كبرى، فإنه يمتد إلى أسئلة أعم ~~تتعلق بالتفرد الإسلامي. وبينما يبدأ مؤرخو الأديان الأخرى بالنماذج التاريخية ويقرءون ~~المصادر الرئيسية في ضوئها، يبدأ الكثيرون من مؤرخي الإسلام بالمصادر الإسلامية ثم ينتقلون ~~إلى تنظيمها؛ فيستبعدون المواد التي تتجلى عدم مصداقيتها (مثل الإشارات إلى المعجزات، ~~والأرقام الصحيحة، وما شابه) ويتقبلون المادة الباقية دون تمحيص. لماذا يعفى الإسلام - ~~والتاريخ الإسلامي على وجه الخصوص - من قواعد ms078 التحقيق التاريخي المقررة؟ # إحدى إجابات هذا السؤال أن الإسلام ودراسة التاريخ الإسلامي حديثا العهد نسبيا. وحداثة ~~الإسلام مقارنة باليهودية والمسيحية دفعت إرنست رينان (الذي توفي عام 1892) إلى القول إن ~~محمدا «ولد في وضح التاريخ»، وهو ما عارضه معظم الباحثين (بمن فيهم الباحثون المسلمون ~~فيما قبل العصر الحديث)، وتناقضه أيضا الأدلة الواردة في الفصل السابق. تعد حداثة التاريخ ~~الإسلامي تفسيرا مقنعا للنزوع إلى تصديق الروايات التقليدية يقينا، وهكذا فإن طبعة مهمة ~~من كتاب «تاريخ الطبري» الجامع (الذي لا غنى عنه للتاريخ الإسلامي الأول) قد نشرت أول مرة ~~في نهاية القرن التاسع عشر، واكتملت الترجمة الكاملة لهذا العمل في نهاية القرن العشرين. ~~فالكثير من الأعمال الخاصة بالتاريخ الإسلامي في نهايتي القرنين التاسع عشر والعشرين اشتمل ~~على البحث عن المصادر الرئيسية، وتحريرها، وفك شفراتها، وإعداد تحليلات أساسية لمحتوياتها. ~~أما القلة من الباحثين - أمثال يوليوس ڤلهاوزن (الذي توفي عام 1918) - الذين استطاعوا في ~~هذه المرحلة المبكرة أن يحللوا التاريخ الإسلامي تحليلا نقديا، فقد قدموا إلى الدراسات ~~الإسلامية من الدراسات الإنجيلية أو دراسات الشرق الأدنى بوجه عام، ولا يزال عملهم عن ~~التاريخ الإسلامي المبكر ينزع إلى كونه أكثر تحفظا من عملهم عن الثقافات الدينية الأخرى ~~للشرق الأدنى. # إجابة أخرى أن الروايات الواردة عن صدر الإسلام كالمحفوظة في «تاريخ الطبري» يصعب تجاهلها ~~للغاية في ظل ما تزخر به من أوصاف تفصيلية بالغة التفصيل للأشخاص والأحداث التي تثير اهتمام ~~العلماء والدارسين. إن تجاهل الإجابات الجاهزة عن أسئلة محورية يشكل تحديا بالغا في ظل ~~غياب البدائل المناسبة للروايات التقليدية. ومفهوم أن معظم الباحثين قد يفضلون قبول نسخة ~~معيبة من التاريخ عن ألا تكون لديهم أي نسخة منه على الإطلاق. وما إن تطرح الرواية ~~التقليدية داخل الفصول المدرسية، يحدث الآتي: يصبح الطلاب الذين تعلموا هذه الرواية ~~التقليدية عن التاريخ الإسلامي أنفسهم أساتذة ويخلدون الرواية والمنهج. # إجابة ثالثة هي أن الضغوط المجتمعية والسياسية قد أثنت المؤرخين المسلمين والغرب أيضا - ~~لأسباب مختلفة - عن التشكيك في الروايات التقليدية والمصادر الخاصة بظهور الإسلام وتطوره ms079 ~~قديما. أحيانا ينظر المسلمون إلى المؤرخين المسلمين الذين يثيرون الشكوك حول تراثهم على ~~أنهم يستحقون اللوم أكثر ممن يفعل ذلك من مؤرخي الغرب. فمنذ أن اتهم المسلمون الأوائل ~~اليهود والمسيحيين بالتشويه المتعمد لكتاب الله، كانت مثل هذه الأكاذيب المناهضة للإسلام ~~متوقعة من الباحثين غير المسلمين. لكن يعتقد أن الباحثين «المسلمين» ينبغي حقا أن ~~يكونوا أكثر معرفة. لذا حينما ذكر سليمان بشير (الذي توفي عام 1991) أن الإسلام تطور ~~تدريجيا - كحال الأديان الأخرى - ألقى به طلابه في جامعة نابلس (فلسطين) من نافذة بالطابق ~~الثاني. ولأن الباحث المصري نصر حامد أبو زيد أشار إلى أن القرآن نص أدبي ولا بد من قراءته ~~على هذا الأساس، اعتبر مرتدا، وصدر حكم بالتفريق بينه وبين زوجته (فرا من مصر على ~~إثره). وقبل نحو سبعين عاما - في عام 1926 - قال وزير التعليم والمفكر المصري البارز طه ~~حسين (الذي توفي عام 1973) إن الكثير من الشعر الجاهلي منحول، وهو ما جلب له اتهاما ~~بالردة هو الآخر (مع أن الفكرة لا تحمل سوى صلة طفيفة بالموروث الإسلامي ). مما لا شك فيه ~~أن مواقف التعصب الدراسي هذه نادرة للغاية، لكن مجرد وجود عدد قليل ذائع الصيت من هذه ~~الأمثلة يمكن أن يكون له تأثير مروع على من يعيشون داخل العالم الإسلامي ممن كانوا سيجنحون ~~- لولا وجود تلك الأمثلة - إلى تطبيق منهج الغرباء إزاء دراسة التراث. # كان الباحثون الغرب الذين درسوا التاريخ الإسلامي - خصوصا منذ الحرب العالمية الثانية - ~~منتبهين إلى حساسية المسلمين أيضا. ويرتبط هذا بدرجة ما بالتوجهات الأكاديمية الحديثة التي ~~نشأت في العلوم الاجتماعية، والتي تركز على أهمية فهم «تجربة المؤمن» قبل أي شيء. ويرتبط ~~أيضا بدرجة أخرى بمحاولات الباحثين المعاصرين تدارك الأخطاء التي وقعت فيها الأجيال ~~السابقة من المستشرقين، وهو ما يأخذنا إلى كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد. # إدوارد سعيد وكتاب «الاستشراق» # في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، قال ساطع الحصري (الذي توفي عام 1967) - وهو ~~مفكر سوري ومؤيد بارز للقومية العربية - إن الكتب الغربية عن التاريخ «العربي» «متحيزة ~~و[مستخدمة] كأدوات من ms080 قبل الاستعماريين الذين حاولوا دوما بشتى السبل المتاحة لديهم ~~أن يقمعوا أو يشوهوا الوعي التاريخي من أجل تخليد حكمهم». وهناك رأي ذو صلة ورد في كتاب ~~«الاستشراق»، وهو عمل بالغ الأثر ساعد في إرساء قواعد الدراسات ما بعد الاستعمارية. ومع ~~أن الكتاب يدور في الأساس عن الشرق كما ينعكس في الأعمال الأدبية، فإنه يركز أيضا على ~~السير المهنية لمستشرقين بعينهم (بدءا من نحو عام 1800 فصاعدا)، وتدور نقاطه الرئيسية ~~الثلاثة حول مجال الاستشراق نفسه. النقطة الأولى أن الاستشراق مال لكونه «جوهريا»، ~~مفترضا أن للعرب (والمسلمين بوجه عام، وإن كان سعيد مهتما في الأساس بسكان الشرق ~~الأدنى) طبيعة جوهرية ثابتة يمكن تحديدها ووصفها والتحكم فيها سياسيا. النقطة الثانية ~~أن الاستشراق - وخصوصا كما مارسه الباحثون البريطانيون والفرنسيون - كانت تحركه دوافع ~~سياسية. إذا أمكن إظهار «طبيعة» المجتمعات العربية أو الإسلامية على أنها أقل شأنا من ~~مجتمعات الغرب، حينئذ يمكن تبرير الهيمنة السياسية الغربية على العرب والمسلمين. ~~والنقطة الأخيرة أن هذه الانطباعات الخاطئة عن جوهر «الشرقيين» المتدني والحاجة إلى ~~التفكير في الشرق على قدر ارتباطه بالغرب فحسب قد احتفظت بمكانها داخل مجال دراسة معيب ~~ذاتي التخليد. # على الرغم من أن الكثير مما قاله سعيد لم يكن جديدا في الأوساط الفكرية الغربية ~~والعربية/الإسلامية، فإن كتابه جذب لهذه القضايا اهتمام جمهور أكبر من القراء اشتمل ~~غالبا على مفكرين من مجالات أخرى. أيضا ساهم نشر الكتاب عام 1978 في شهرته؛ إذ كانت ~~هذه فترة دائمة التغير في حقول النظرية الأدبية التي ركزت على دور الثقافة في الهيمنة ~~على عناصر المجتمع الضعيفة أو إخضاعها سياسيا (وفي هذا السياق تبرز على وجه التحديد ~~نظريتا النسوية وما بعد الاستعمار). كان كتاب «الاستشراق» محل ثناء على نحو بارز في ~~مجال الدراسات الثقافية، لكنه على الرغم من ذلك كان مثار جدل على نحو متوقع بين ~~المستشرقين أنفسهم. # أبرز نقاد كتاب «الاستشراق» - ~~والكثيرون منهم باحثون بارزون في التاريخ الإسلامي - عددا من الأخطاء في الكتاب تطعن ~~في صحة كل من تفاصيله وأطروحته الرئيسية. فقد ms081 أشير مثلا إلى أنه في القرن التاسع ~~عشر وفي أوج الهيمنة الاستعمارية الأوروبية على العالم الإسلامي، لم يكن مجال الاستشراق ~~خاضعا لهيمنة باحثين بريطانيين أو فرنسيين، بل متحدثين للغة الألمانية من دول لم تتمتع ~~بحكم مباشر على المسلمين في أي مكان. ذكر أيضا أن الكثيرين من المستشرقين البريطانيين ~~والفرنسيين في ذلك الوقت لم يكونوا مؤيدين لسياسات بلادهم. ومن ثم كان إدوارد براون ~~أستاذ اللغة الفارسية في جامعة كامبريدج - (الذي توفي عام 1926) - ناقدا صريحا ~~للمواقف والسياسات البريطانية تجاه المسلمين، وكانت جهوده وإنجازاته سببا في تسمية أحد ~~شوارع طهران باسمه اعترافا بفضله (ولا يزال هناك تمثال شبيه به). ومن الاعتراضات ~~الأخرى على كتاب «الاستشراق» أنه يتجاهل الإسهامات العديدة الحيوية التي قدمها ~~المستشرقون لمجال الدراسات الإسلامية؛ فإنتاج طبعات نقدية للمخطوطات - على سبيل المثال ~~لا الحصر - مهمة تخدم المسلمين أيضا وليست عرضة سهلة للتحيزات السياسية. مع ذلك لا ~~يمكن للباحثين الغرب المهتمين بالمجتمعات الإسلامية أن يتجاهلوا كتاب «الاستشراق»، وحتى ~~منتقدي الكتاب يوافقون على أن تأثيره على مجال الدراسات الإسلامية كان هائلا ؛ ففي ~~العقود الأخيرة، وجه الدراسات الإسلامية جهد واع للتعاطف مع المجتمعات الإسلامية - ~~في الماضي والحاضر - وأيضا احتراز من تقديم حجج تاريخية قد تسيء إلى المسلمين. ولم يكن ~~من المتوقع أن تجد الأسئلة والأفكار المطروحة في كتابي وانسبرو وكتاب «الهاجرية» مكانا ~~راسخا في مثل هذه البيئة الدراسية القاحلة. # حقيقة أنه ينبغي لأهل الغرب الدارسين للمجتمعات الإسلامية أن يتحلوا بالرقة والحساسية ~~تجاه الشعوب الخاضعة لدراستهم هي محمودة (وبديهية) لا شك. رغم ذلك، فإنه من التبعات غير ~~المتوقعة لتأثير كتاب «الاستشراق» أن محاولات التودد الواعية قد تقضي على النقاش ~~الأكاديمي المفتوح والجاد؛ ومن ثم تحول دون اتخاذ الدراسات الإسلامية للموقف المهني ~~الذي تتمتع به الفروع الأخرى من دراسات الشرق الأدنى. ويتساوى ذلك مع تبني وجهة نظر ~~متعالية تجاه أحد الموروثات الدينية التاريخية التي تستحق أن تعامل بالاحترام نفسه ~~الذي تعامل به موروثات شبيهة؛ فلا يمكن لأحد الباحثين في التاريخ الإنجيلي أن يقدم ~~بحثا أكاديميا عن الدقة ms082 التاريخية لقصة موسى الرضيع في سلة في نهر النيل، ثم ~~يتوقع أن يؤخذ على محمل الجد من قبل زملائه من الجمهور. على الرغم من ذلك وفي العديد ~~من الحالات، يمكن لباحث في التاريخ الإسلامي أن يتحدث عن التفاصيل الأكثر تقليدية في ~~سيرة محمد ويتلقى الابتسامات العذبة والثناء الرفيع. إن معاملة الدراسات الإسلامية بلين ~~استثنائي تشير ضمنا (حتى وإن كان دون وعي) إلى أن الإسلام لا ينبغي أن يتعرض للتحليل ~~الصارم نفسه الذي خضعت له الديانات الأخرى، خشية ألا يكون صلدا بما يكفي لتحمل الفحص ~~الدقيق. والمفارقة أنه على الرغم من أن هذا المنهج في تناول الموروث الإسلامي «لطيف»، ~~فإن افتراضاته المتعالية ترتبط ارتباطا وثيقا بنوع الاستشراق الذي انتقده إدوارد سعيد ~~مع أن هذا المنهج غير النقدي يتبناه عادة مؤيدو الحجج التي طرحها سعيد. # مارشال هودجسون وكتابه «مغامرة الإسلام» # هناك طرق للتلطف يمكن أن يحافظ ~~المرء معها على المعايير الأكاديمية المهنية، وربما يكون المثال الأكثر وضوحا على ذلك ~~أعمال مارشال هودجسون (الذي توفي عام 1968). والكتابان اللذان اشتهر بهما هودجسون هما ~~«مغامرة الإسلام: الوعي والتاريخ في حضارة عالمية» و«إعادة التفكير في تاريخ العالم: ~~مقالات عن أوروبا والإسلام وتاريخ العالم»، وكلا الكتابين نشرا بعد وفاته على أساس بحث ~~أجري في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. أما عن كتاب «مغامرة ~~الإسلام» فهو سجل جامع من ثلاثة مجلدات عن جميع حقب التاريخ الإسلامي ومناطقه، في إطار ~~السياق الأوسع للتاريخ العالمي. على هذا النحو، يوصف الكتاب بأنه حجة دامغة ضد التفرد ~~الإسلامي؛ فظهور الإسلام والحضارة الإسلامية وتطورهما منسوجان داخل بساط من الأبعاد ~~العالمية، وينظر إليهما على أنهما يتماشيان مع اتجاهات التاريخ لا يقاومانها. قادت تلك ~~النظرة العامة للتاريخ هودجسون إلى عدد من الاستنتاجات الأساسية عن التاريخ الإسلامي ~~والحضارة الإسلامية، وعن المنهجية التي ينبغي للمؤرخين دراستهما بها. ومع أن كتابه هو ~~ملخص رفيع للموروث الاستشراقي بأكمله، فهو من عدة جوانب أيضا محاولة لتحديد أوجه ضعف ~~هذا الموروث وتصحيحها. وبينما كان كتاب «الاستشراق» نقدا للموروث من الخارج، ms083 فإن ~~«مغامرة الإسلام» نقد له من الداخل. # شكل 5-1: مارشال هودجسون. # 1 # شكل 5-2: ابن خلدون. # 2 # هناك عدة طرق تنبأ بها هودجسون بانتقادات سعيد (وغريب أن كتاب «الاستشراق» لم يشر ~~إلى كتاب هودجسون). على سبيل المثال، رفض هودجسون مرارا وتكرارا المناهج الجوهرية ~~تجاه الإسلام، موضحا أن «كل جيل يتخذ قراراته». علاوة على ذلك، كان هودجسون منزعجا ~~للغاية من المناهج أوروبية التركيز تجاه التاريخ الإسلامي، حتى إنه شرع في تطهير الحقل ~~من المفاهيم والمصطلحات المستعارة من التاريخ الأوروبي. ولهذا الغرض صاغ مجموعة من ~~الألفاظ الجديدة كي تحل محل الألفاظ التي اعتبرها مثقلة بالمعاني الثقافية، أو معيبة ~~شوهت دراسة المجتمعات الإسلامية. فمصطلح «الشرق الأوسط» الذي يضع أوروبا في مركز ~~العالم أصبح «المنطقة الممتدة من النيل إلى نهر أوكسوس»، و«الثورة الصناعية» أصبحت ~~«التحول الغربي العظيم». وصحيح أن حلوله قد تكون غير متقنة وتصنيفاته مبهمة، لكن وكما ~~يشير العنوان الفرعي للكتاب، كان الضمير والدقة (وليس التنميق) القوتين الموجهتين لمنهج ~~هودجسون تجاه التاريخ الإسلامي. ومع أن التدقيق الإملائي المتاح على أجهزة الكمبيوتر ~~يرفض كل تعبيراته الجديدة، كان الباحثون أكثر تقبلا لبعضها مثل مصطلح «إسلاماتية» في ~~الإشارة لا إلى الإسلام بوصفه دينا بل إلى «العقدة الثقافية والاجتماعية المرتبطة ~~تاريخيا بالإسلام والمسلمين». # بسبب منهج هودجسون الحساس تجاه دراسة المجتمعات الإسلامية وجهده في وضع التاريخ ~~الإسلامي ضمن الصورة الكبيرة للتاريخ العالمي، توصل ألبرت حوراني (الذي توفي عام 1993) ~~إلى أن «مارشال هودجسون أعطانا إطار عمل لفهم ربما لا يقل قيمة عن سلفه الجليل ابن ~~خلدون». # الطبري وابن خلدون # كيف نظر المؤرخون المسلمون أنفسهم إلى التاريخ الإسلامي؟ إن عقد مقارنة موجزة بين ~~حياة وأعمال كل من الطبري (838-923) وابن خلدون (1332-1406) - أهم المؤرخين ~~المسلمين في رأيي - تمدنا بإجابتين مختلفتين تمام الاختلاف لهذا السؤال. في كثير من ~~النواحي، تطرق الاثنان إلى التاريخ الإسلامي من طرفين متعارضين؛ فكان الطبري ~~شرقيا (إيراني من مدينة آمل الواقعة جنوب بحر قزوين)، بينما كان ابن خلدون ~~غربيا (عربي أندلسي ولد فيما يعرف الآن باسم تونس). ms084 عاش الأول وعمل في أوج ~~الحضارة الإسلامية العربية، بينما عاش الثاني في إحدى فترات ركودها (إذ فرت أسرته ~~إلى شمال أفريقيا أثناء حروب الاسترداد). وبينما كان الطبري منعزلا بوعي منه عن ~~الأوساط الحكومية ومستقلا عن التأثير السياسي، قضى ابن خلدون الكثير من حياته في ~~الكبر مستغرقا في الدسائس السياسية والخطط التي تخدم مصالحه الشخصية، وهو ما ~~قربه من أشخاص مثل بيدرو ملك قشتالة (الملقب بالقاسي) وتيمور. # ليس من المدهش إذن أن تكون للظروف المختلفة التي شكلت أعمالهما التاريخية تأثير ~~على منهجيهما تجاه التاريخ. كالمتوقع، ضم الطبري في عمله روايات عن الأقاليم ~~الشرقية أكثر اكتمالا من مثيلاتها عن الأقاليم الغربية، والعكس صحيح في كتابات ابن ~~خلدون. علاوة على ذلك، بذل الطبري - بحكم كونه فارسيا - جهودا مهمة نحو التوفيق ~~بين الروايات الفارسية القديمة والمسيحية اليهودية عن تاريخ ما قبل الإسلام. أما ~~ابن خلدون فلم يكترث من جانبه بهذه الأمور. # الأقل توقعا أن نظرتيهما لمسار ~~التاريخ وكذلك أسبابه ونتائجه كانتا مختلفتين اختلافا جذريا. لو كان للطبري ~~بطاقة عمل لكتب عليها على الأرجح أنه «فقيه » أو «عالم» أو شيء من هذا القبيل لا ~~«مؤرخ». والواقع أن الطبري كان معروفا في زمانه على أنه باحث ديني بارز، بل ويقال ~~إنه أنشأ مدرسة للفكر الإسلامي خاصة به (المذهب الجريري)، وهو مشهور أيضا بين ~~المسلمين بتفسيره الزاخر للقرآن قدر شهرته بكتابه «تاريخ الطبري». وهكذا كانت رؤيته ~~للتاريخ الإسلامي محكومة باهتمامات دينية. فهو يرى أن الله خلق العالم، وأنه بعد ~~نحو 7000 عام (وفق توضيحه للعملية الحسابية في مقدمة كتابه) سيضع نهايته. التاريخ ~~بيد الله، ومساره يتقدم بخطى ثابتة نحو نهاية الأزمان (وهي فكرة ذات أصول إيرانية ~~وسامية). # على النقيض، نظر ابن خلدون للتاريخ على أنه نتاج عمليات ديناميكية معينة يمكن ~~تحديدها، مثل التفاعل بين البربر المفعمين بفكرة التماسك القبلي (العصبية) ~~والحضارات المستقرة التي تاخموها. تقول نظرية ابن خلدون عن التاريخ إن البربر سوف ~~يتحدون من حين لآخر كي يغزوا الحضارات المجاورة ويصبحوا متحضرين هم أنفسهم؛ ~~ليتعرضوا للغزو ms085 بعدها على يد دفعة جديدة من البربر حيث تتوالى العملية بلا توقف. ~~ومن ثم، على عكس رواية الطبري الخطية اللاهوتية الخاضعة لتوجيه الله، نظر ابن خلدون ~~إلى التاريخ على أنه عملية دورية خاضعة للقواعد والأنماط. وهذا هو المنهج الذي ~~يتبناه المؤرخون وعلماء الاجتماع المعاصرون، وبقدر ما ينسب إلى ابن خلدون من وضع ~~هذا المنهج، يمكن اعتباره مؤسس هذه المجالات الأكاديمية (وإن لم يكن هناك دليل على ~~أن مؤسسيها اللاحقين يدينون بالفضل لابن خلدون). قال أرنولد جوزيف توينبي عن مقدمة ~~ابن خلدون (المقدمة النظرية لعمل ابن خلدون التاريخي التي وردت هذه الملاحظات فيها) ~~إنها «فلسفة تاريخ لا شك أنها العمل الأعظم من نوعه الذي يضعه أي عقل في أي زمان أو ~~مكان». وكان رونالد ريجان أيضا من المعجبين المؤكدين بابن خلدون. # لا تقتصر المناهج المتضاربة تجاه التاريخ الإسلامي على الدراسة الغربية الحديثة؛ ~~فقديما نظر أهل السنة والشيعة إلى التاريخ من منظورين مختلفين تماما، وفي العصور ~~الحديثة، لاقت التفسيرات «الإسلامية» و«المعاصرة» (أو «الإصلاحية») للتاريخ التأييد من ~~قبل أنصارها المسلمين. يرى معظم أهل السنة (على الأقل منذ القرن التاسع) أن التاريخ ~~ليس أقل من تنفيذ لإرادة الله على الأرض؛ ومن ثم فالمسار الذي اتخذه التاريخ لا جدال ~~فيه. أما الشيعة فيرون أن التاريخ الإسلامي قد قطعته سلسلة من الأخطاء الكارثية؛ إذ كان ~~ينبغي لعلي أن يخلف النبي، لكنه تعرض للتجاوز (وكانت السنوات الست التي قضاها خليفة ~~قصيرة ومتأخرة للغاية)، ثم استشهد مثلما حدث مع ابنه الحسين. وكان المفترض بالثورة ~~العباسية أن تعيد الشيعة إلى الحكم، لكن زعماء الحركة غيروا آراءهم في آخر لحظة؛ وبعدها ~~سعى الخليفة المأمون لتعيين إمام شيعي خليفة له، لكن الأخير مات في ظروف غامضة (ومعظم ~~الأئمة الاثني عشر - إن لم يكن جميعهم - تعرضوا إما للسجن أو القتل أو كليهما معا). ~~واستطاع البويهيون الشيعة الوصول إلى الحكم في بغداد، لكنهم اختاروا عندئذ الإبقاء على ~~الخليفة العباسي على العرش. والفاطميون والصفويون طبقوا حكما شيعيا، لكنهم سرعان ما ~~تخلوا عن معظم وعودهم ms086 الثورية. وفي معظم أجزاء العالم الإسلامي (والغربي) كانت الهيمنة ~~لرواية أهل السنة عن التاريخ الإسلامي. وفي إيران الحديثة يجتمع الحنين الفارسي للأمجاد ~~الاستعمارية الماضية مع إحساس الشيعة بالاضطهاد ليوجدا شعورا قويا بالظلم ~~التاريخي. # حتى داخل الدوائر السنية، ظهرت على مر القرون مناهج متضاربة تجاه التاريخ الإسلامي. ~~يرى المنهج السني التقليدي أن إرادة الله تقف وراء الأحداث، وأن علينا الاستجابة ~~للحقائق التي تشكلت في الفترة من عام 600 إلى 800 لا أن نوجد حقائق جديدة. وبداية من ~~القرن الثامن عشر أيدت مجموعات ممن قد يطلق عليهم الآن اسم «الإسلاميين» - و«المعاصرين» ~~بداية من القرن التاسع عشر - قراءات متعارضة للتاريخ الإسلامي (المبكر). يرى ~~الإسلاميون أن مياه الإسلام تكدرت على مدار القرون بسبب تراكمات غير مرغوب فيها كتلك ~~المرتبطة بالممارسات والمعتقدات الدينية الشائعة. من وجهة نظرهم، لا بد أن يعود ~~المسلمون لمصادرهم الأولى (القرآن والحديث) ولا يتبعون سوى الضوابط الواردة فيهما. ~~ويتفق المعاصرون في الرأي مع الإسلاميين بشأن المشكلة العامة، لكن يختلفون معهم في حلهم ~~الحرفي لأنه - من وجهة نظر المعاصرين - يركز كثيرا على تفاصيل التاريخ ولا يركز بدرجة ~~كافية على الدروس العامة المستفادة من القرآن ومن محمد وأصحابه وخلفاؤه. يعترض ~~المعاصرون على تركيز الإسلاميين على التفاصيل بدلا من الصورة العامة؛ بينما يؤكد ~~الإسلاميون على أن هذه التفاصيل هي من صنع الله وهو الذي أمرنا بالتركيز عليها. # المربك أن الإسلاميين والمعاصرين يعرفون باسم «السلفيين» (الذين يتبعون أسلاف ~~المسلمين). وما يجمع بينهم هو اهتمامهم بقصة التاريخ الإسلامي المبكر واقتناعهم الأكيد ~~بأنه ذو أهمية للمسلمين المعاصرين. والغريب أن ما يتفق فيه السلفيون - وخصوصا ~~الإسلاميين منهم - مع مستشرقي إدوارد سعيد هو الاعتقاد بأن ثمة إسلاما أصليا أو ~~جوهريا يرغب المستشرقون في وصفه (والتحكم فيه) بينما يرغب الإسلاميون في أن يعيدوه ~~إلى سابق عهده. لكن لماذا تحتل أحداث وقعت على مدار ألف سنة ماضية أي أهمية عملية لأناس ~~يعيشون في القرن الحادي والعشرين؟ هذا هو السؤال الذي سنتناوله في الفصل التالي. # | هوامش # الفصل السادس # | الأهمية الدينية للتاريخ الإسلامي ms087 # يقول إدموند بيرك (الذي توفي عام 1797): «من لا يعرفون التاريخ مقدر لهم أن يكرروه»؛ ~~فهل هذا صحيح؟ قد لا يوافق الجميع على ذلك؛ فربما يقول أنصار الفلسفة التشاؤمية إنه ليس ~~مقدرا لمعظم الناس أن يفعلوا أي شيء ذا أهمية، ناهيك عن تكرار التاريخ (ومن المستبعد أن ~~يشكل الانتباه في فصل تدريس التاريخ فارقا). علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة إن ~~تكرار التاريخ نوع من العقاب على الجهل هي فكرة تفتقر إلى المنطقية في المجتمعات الإسلامية. ~~والواقع أن هناك أجزاء كبيرة من التاريخ لها أهمية مباشرة وحاسمة فيما يتعلق بممارسة ~~الإسلام، والتاريخ الإسلامي بوجه عام لعب (ولا يزال يلعب) أدوارا سياسية مهمة للمسلمين ~~ولمن يتعاملون معهم. لهذه الأسباب، سعى المسلمون على مر القرون إلى تعلم التاريخ الإسلامي ~~حتى يكرروه، أو على الأقل ليستقوا من تفاصيله التوجيه العملي أو فوائد أخرى. وسوف نتطرق إلى ~~الأهمية السياسية للتاريخ الإسلامي في الفصل التالي، بينما نركز فيما يلي على أهميته ~~الدينية. # الأمية التاريخية شائعة للغاية في كثير من دول العالم الغربي؛ فقد كشفت دراسة حديثة أن ~~«ثلثي خريجي المدارس الثانوية [الأمريكية] لا يستطيعون تحديد نصف القرن الذي اندلعت فيه ~~الحرب الأهلية، وثلث آخر لا يستطيعون التعرف على توماس جيفرسون، بينما يعتقد 65 بالمائة ~~منهم أن ستونوول جاكسون كان عازف جيتار في فرقة فانكاديليك الموسيقية». بالمثل، يرى الشباب ~~الأمريكي (وغير الأمريكي) المثالي يرتدون أحيانا أساور منقوش عليها عبارة «لنجعل الفقر ~~تاريخا»؛ وهو هدف رائع تماما فيما عدا أنه يعكس فهما شائعا بأن التاريخ مقلب نفايات ~~تلقى فيه الأشياء غير المرغوب فيها وليس كنزا يمكن العثور فيه على أشياء مرغوب ~~فيها. # فئة أخرى من الشباب الأمريكي يظهرون وعيهم بأهمية الماضي لهم عن طريق ارتداء نوع مختلف من ~~الأساور أحدها يحمل الحروف الأولى من عبارة (ماذا كان المسيح سيفعل؟) والهدف من هذه الأساور ~~تذكير من يرتدونها باتباع تعاليم المسيح حينما تواجههم أزمات أخلاقية. وليس غريبا أن معظم ~~المسلمين لا يريدون أن يعرفوا ماذا كان المسيح سيفعل؛ والأشد غرابة ms088 أنهم لا يريدون أن ~~يعرفوا ماذا كان محمد سيفعل، بل يريد المسلمون أن يعرفوا ماذا فعل محمد، وهو ما جعلهم ~~يبتكرون مصطلح «السنة»، وهو مصطلح يشمل أيضا الأفعال والأقوال المسجلة لبعض الشخصيات ~~النموذجية الأخرى من العصور الإسلامية الأولى. ظاهريا، ثمة تشابه بين «السنة» ومفهوم ~~«محاكاة المسيح» (الذي اقتبست منه فكرة الأساور المشار إليها سلفا)؛ ففي كلتا الحالتين ~~يعتقد أن لسلوك إحدى الشخصيات الرئيسية في أحد الأديان تأثيرا على سلوك المؤمنين ~~المعاصرين. لكن عند التمحيص يظهر فارق مهم بين المفهومين؛ إذ تعتمد «السنة» اعتمادا كاملا ~~على المعرفة التاريخية، فإن كنا لا نستطيع إعادة بناء حياة محمد وليس لدينا سجل لأقواله، ~~نكون قد ضللنا الطريق. على النقيض لا يعتمد مفهوم «محاكاة المسيح» على التاريخ؛ فكل ما ~~يطلبه منا أن نتبع إنجيل الحب الذي جاء به المسيح، وأن نكون صالحين بوجه عام. (وفي ~~نسخته الأصلية التي ظهرت في القرن الخامس عشر، ~~شجع هذا المفهوم أيضا ممارسات زاهدة لم يعد يبتغيها معظم الشباب المسيحي.) # يسعى المسلمون إلى التمثل بمحمد لأسباب ثلاثة. أولا، يخبرهم القرآن مرارا وتكرارا ~~وبطرق مختلفة أن يفعلوا ذلك (مع أنه لم يذكرها صراحة؛ والآية 21 من سورة الأحزاب هي الأقرب، ~~وحتى هذه الآية أبعد ما تكون عن التصريح). ثانيا، ثمة اعتقاد بأن الله أوحى بمعنى آيات ~~القرآن إلى محمد مثلما أوحى إليه بالآيات نفسها؛ وعندئذ ينظر إلى أفعاله على أنها انعكاس ~~لكل ما أراده الله للبشر دون أن يذكر صراحة، أو أنها التفسير القاطع لهذه الآيات. وأخيرا، ~~ما إن وصل الموروث الإسلامي إلى اعتبار محمد معصوما من الخطأ حتى ظهرت عقيدة تقول إنه لا ~~بد من اتباع سنة محمد. وقد رأينا أن هذه الأفكار مرتبطة بالشافعي؛ وعلى هذا النحو فإنها ~~لم تكن ملزمة قبل القرن التاسع. جدير أن نضع في الاعتبار أن ما صدر عن محمد من أقوال ~~وأفعال من المرجح أن تكون له أهمية كبرى منذ البداية، كما هو الحال مع المؤسسين الآخرين ~~للأديان والأمم الكبرى. لقد رفع الثوريون العباسيون ms089 في منتصف القرن الثامن شعار «نطالب ~~بالعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه»؛ وهو شعار غامض على نحو بارع افترض مع ذلك أن سلوك محمد ~~يحتل مرتبة عليا لدى الناس. يشمل نطاق سنة محمد أفعال هؤلاء الذين عرفوا محمدا حق ~~المعرفة والذين من المفترض أنهم تمثلوا به أيضا، وكذلك أجيال المسلمين اللاحقة مباشرة، ~~وجميعهم يعرفون باسم السلف [الصالح]. ويمكن أن يكون السلف نماذج مثالية للأجيال اللاحقة، ~~لكن سنة محمد وحدها هي التي تشكل الشريعة (مرة ~~أخرى، منذ القرن التاسع). # في القرون الأخيرة، ظهرت مشكلتان أمام المسلمين الذين يتوقون إلى الالتزام الصارم بالسنة. ~~أولا، وكما رأينا، أدى تنوع الممارسة الناجم عن انتشار الإسلام بين شعوب ذات خلفيات ثقافية ~~ودينية مختلفة إلى اندماج معتقدات وطقوس داخل الإسلام تتشابه قليلا مع السنة، والأهم أنها ~~أوجدت ما يعتبره السلفيون تنوعا دينيا لا يحتمل بين المسلمين. ثانيا، أسفرت الظروف ~~التاريخية المتغيرة - والحداثة على وجه الخصوص - عن ظهور مواقف ليس لها إجابة واضحة في ~~السنة، كما هو مدون في الأحاديث والسيرة والمصادر التقليدية الأخرى. سعى السلفيون - في ~~صورتيهما الإسلامية والمعاصرة (ولكل نوع منهما فروعه الخاصة) - إلى حل هذه المشكلات عن طريق ~~الاسترشاد بالإسلام الذي كان يمارس في عهد السلف الصالح. يرى الإسلاميون أن أيا ما كان ~~يفعل أو لا يفعل آنذاك ينبغي أن يفعل أو لا يفعل الآن. أما المعاصرون فيتبعون من جانبهم ~~مبادئ مختلفة؛ فهم يرون أن الله ودينه يتصفان بالعدل والرحمة في الأساس؛ وأن أيا ما فرضه ~~في القرن السابع - من خلال القرآن والسنة - يتصف حتما بالعدل والرحمة. لكن الأزمان تتغير، ~~وبعض تفاصيل السنة - وإن كانت مقبولة تماما أثناء الوحي - أقل قبولا هذه الأيام؛ ولهذا ~~السبب لا بد من إعادة قراءة هذه الأحداث في ضوء الظروف المعاصرة. يؤمن المعاصرون بالمساواة ~~بين البشر، والديمقراطية، وحقوق الإنسان تماما مثلما يؤمنون بالقرآن والسنة. ومن ثم، لا بد ~~أن يتوافق القرآن والسنة مع مبادئ المساواة بين البشر، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. ولهذا ~~يلجأ المعاصرون إلى التاريخ الإسلامي - وتحديدا السيرة والوقائع ms090 التاريخية المتعلقة بالسلف ~~لا إلى الأحاديث الأكثر حسما بوجه عام - لكي يثبتوا أن هذه المفاهيم كانت جزءا من الإسلام ~~منذ البداية. ويرد الإسلاميون على ذلك بأن القرآن والسنة هما اللذان يعرفان «العدالة» ~~وليس العكس. # بعبارة أخرى، يرغب كل من الإسلاميين والمعاصرين في معرفة التاريخ الإسلامي المبكر ~~ليكرروه. كونهم يختلفون حول كيفية قراءة التاريخ الإسلامي - إما قراءة حرفية (في حالة ~~الإسلاميين) أو قراءة كل واقعة ضمن سياقها التاريخي - يوضح مدى أهمية التاريخ وتفاصيله ~~للمسلمين [من أهل السنة]. فمعظم المسلمين يوجدون في مكان ما بين المجموعتين، ويتبعون ~~السنة حسبما فسرها العلماء الثقات على مر القرون. وتنعكس مركزية السنة لدى المسلمين ~~المعاصرين في جدول برامج «قناة الإسلام» التي تبث إرسالها من لندن والتي تبث عروضا ~~تليفزيونية مثل برنامج «السنة هي الأفضل» الذي «يهدف إلى تثقيف وتعليم المشاهدين المسلمين ~~أهمية اتباع سنة نبينا محمد»؛ وبرنامج «النبلاء» الذي يستكشف «حياة صحابة النبي محمد ~~النبلاء ... وهم جيل تألق في ورعه وشجاعته ومآثره الدنيوية». # الوهابية # مع أن شبه الجزيرة العربية هي مهد الإسلام، فإنه بدءا من منتصف القرن الثامن - حينما ~~قمع الخليفة العباسي إحدى الثورات التي انطلقت من الحجاز - تعرضت هذه المنطقة للتهميش ~~سياسيا طيلة ألف سنة؛ وهو ما منح النفوذ الديني للحكام الإمبراطوريين من الشمال ~~الغربي أو الشمال الشرقي الذين لم يفكروا قط في التمركز هناك. استعادت شبه الجزيرة ~~العربية الشهرة السياسية في عهد محمد بن عبد الوهاب (الذي توفي عام 1792) وأتباعه الذين ~~اشتهروا (بين معارضيهم) باسم «الوهابيين»؛ بينما هم أنفسهم كان يفضلون مصطلح «الموحدين» ~~بسبب تعريفهم المتشدد للتوحيد. والحركة الوهابية هي التعبير الأكثر تأثيرا عن السلفية ~~ذات الطابع الإسلامي، وذلك لدورها في تشكيل (أو حسبما يقول البعض: «إيجاد») الإسلام ~~السياسي المعاصر، ونشر الأفكار السلفية على أوسع نطاق في العالم الإسلامي. # أكد محمد بن عبد الوهاب من موطنه في إقليم نجد في شبه الجزيرة العربية على تعارض ~~الممارسات الدينية الشائعة - مثل زيارة أضرحة الأولياء وقبورهم، والتمسك الأعمى بطقوس ~~ومعتقدات لا أساس لها في القرآن أو السنة ms091 - مع التوحيد الحق، وأعلن أن من لا تتوافر ~~فيهم معاييره الدينية كفار. وبوصف المسلمين غير الوهابيين كفارا، فإنهم كانوا أهلا ~~لشن الجهاد عليهم، وكانت أضرحة الأولياء وقبورهم التي يتشفع بها هؤلاء عند الله عرضة ~~للهدم. على انفراد، يمكن اقتفاء أثر هذه الأفكار لدى خوارج القرنين السابع والثامن، ~~ومرابطي الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، والموحدين، وكتابات علماء القرن ~~الرابع عشر مثل ابن تيمية (الذي توفي عام 1328) وتلميذه ابن القيم الجوزية (الذي توفي ~~عام 1350). وهكذا تكون إنجاز ابن عبد الوهاب - مثله مثل معظم المصلحين الآخرين في ~~التاريخ - من ابتكار شيء جديد من أفكار قديمة. # في منتصف القرن الثامن عشر، انحاز الوهابيون لمحمد بن سعود حاكم إحدى المدن القريبة، ~~وعلى مدار القرن ونصف القرن التاليين حاربت الأسرة السعودية من أجل بسط نفوذها ونشر ~~الإسلام الوهابي في أنحاء شبه الجزيرة العربية. جاءت المقاومة من السكان المحليين الذين ~~فزعوا من الأساليب العنيفة وعدم احترام الأماكن المقدسة، ومن السلاطين العثمانيين الذين ~~أرسلوا قوات مصرية لمحاربة الحركة محققين في كثير من الأحيان انتصارات ساحقة عليهم. وفي ~~القرن التاسع عشر تعرضت الدولة السعودية الوهابية للضعف أيضا بسبب صراعات داخلية على ~~الإمامة (إلى جانب قضايا أخرى). وعلى الرغم من ذلك فإن التفنيدات العديدة للمذهب ~~الوهابي التي ظهرت في جميع أجزاء العالم الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر تشهد على ~~تأثير الأيديولوجية الوهابية. ومع بداية القرن العشرين شهد المصير السياسي للحركة ~~تحسنا أيضا؛ إذ استطاعت الدولة السعودية الوهابية في ظل قيادة الإمام (ثم «السلطان» ~~ثم «الملك») عبد العزيز آل سعود (الذي حكم البلاد من عام 1902 حتى 1953) السيطرة على ~~معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية، وتأسيس المملكة العربية السعودية عام 1932. وعندما ~~اكتشفت كميات كبيرة من البترول في أراضي المملكة عام 1938، ضمن الإسلام الوهابي السبل ~~التي يمكنه بها نشر رسالته على نطاق أوسع من أي صورة أخرى للإسلام. فيوما بعد يوم، ~~تنتشر المساجد والمدارس والمواد التعليمية الوهابية أينما وجد المسلمون. # هدأت حدة التطبيق الصارم للمذهب الوهابي بفعل الظروف المدنية ms092 المرتبطة بحكم دولة ~~مركبة، وما قد يراه أعداء النظام الحاكم أنه فساد ناجم عن الثراء الهائل المفاجئ، ~~وتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين (الاقتصاديين في الغالب) من مجتمعات إسلامية أخرى يختلف ~~إسلامهم عن الإسلام الوهابي. هذه التهدئة (العرضية) التي شهدتها السلوكيات الوهابية ~~مهدت الطريق أمام تعاون سعودي وثيق مع مجموعات كان محمد بن عبد الوهاب سيعتبرها «كافرة» ~~مثل الإخوة السلفية؛ وهي علاقة جعلت السعوديين الداعم المالي الأكثر سخاء للإخوة منذ ~~الخمسينيات من القرن العشرين. بزغ نجم أسامة بن لادن من وسط المصفوفة الوهابية السلفية، ~~مع أن الطبيعة المحددة لعلاقته بالوهابية تظل موضع خلاف. قد تساهم الوهابية أيضا في ~~فهمنا للفجوة التي تفصل حاليا المجتمعات الإسلامية عن المجتمعات الغربية ~~المسيحية-اليهودية (لكن عليك انتظار خاتمة الكتاب لتعرف كيف). # بوجه عام، تشكل المذهب الشيعي أيضا بفعل التاريخ، ولكن بطرق مختلفة وبقدر مختلف. ~~فبدءا من القرن التاسع وحتى نهاية القرن الثامن عشر، مال الشيعة الاثنا عشرية إلى التصوف ~~بينما سعى شيعة آخرون (وأشهرهم الإسماعيليون) وراء النفوذ السياسي باسم الأئمة الأحياء. أما ~~هذه الأيام فالشيعة الاثنا عشرية المتمركزون في جمهورية إيران الإسلامية هم الذين يمثلون ~~الفاعلية الشيعية (لاحظ السيف الذي يتوسط العلم الإيراني، وأنهم تولوا الحكم عن طريق ثورة ~~اندلعت عام 1979)، بينما الإسماعيليون هم الأكثر تصوفا في الغالب. # هذا التغير في موقف الشيعة الاثني عشرية تجاه النفوذ السياسي يرتبط بمواقف الشيعة من ~~التاريخ الإسلامي المبكر. لقد حاز العلماء الشيعة في أواخر القرن السابع عشر في ظل غياب ~~حكام أقوياء في الأراضي الصفوية قدرا كبيرا من النفوذ فيما يتعلق بشئون الدولة. ومع سقوط ~~الصفويين في القرن الثامن عشر، نشب جدال بين فرعين من الشيعة؛ رأى «الإخباريون» أنه حتى ~~عودة الإمام الثاني عشر يتعين على المسلمين اتباع القرآن والسنة التي تشتمل في نظرهم على ~~سوابق حددها محمد وأئمة الشيعة المعترف بهم (حسبما ورد في أحاديث الشيعة). ومن ثم فهم يرون ~~أن التاريخ الذي يصف أقوال السلطات الشيعية وأفعالها (السلف الشيعة) له علاقة مباشرة ~~بممارسة الإسلام. أما خصومهم فكانوا ms093 الأصوليين الذين قالوا إن ممارسات الشيعة الحالية لا بد ~~أن تعتمد على اجتهاد كبار العلماء. ومع نهاية القرن الثامن عشر، فاز «الأصوليون» في هذا ~~الجدال، والشيعة الأصولية هي المسئولة عن قيام الثورة الإيرانية في نواح عدة؛ فانتشار ~~المجتهدين أدى إلى إيجاد تسلسل هرمي لرجال الدين على رأسه آيات الله العظمى الذين كان من ~~بينهم آية الله الخميني، أشهر رموز الثورة. ويقول البيان غير الرسمي للثورة - وهو كتاب ~~للخميني بعنوان «الحكومة الإسلامية: ولاية الفقيه» - إنه من أجل ضمان ممارسة المسلمين ~~الإسلام الحق، لا بد أن يعيشوا في ولاية إسلامية يحكمها فقيه مجتهد بارز. وبعد نجاح الثورة، ~~صار آية الله الخميني أول هؤلاء الحكام. # إن الاعتماد على المجتهدين الأحياء يقلل بالضرورة من تأثير السنة على الإسلام الشيعي، ~~فضلا عن أن الفهم العام بين الشيعة بأن مسار التاريخ قد تعرض للتضليل منذ أن جرى تخطي ~~علي في مسألة الخلافة بعد وفاة محمد، قد قلل من دور التاريخ الإسلامي في تحديد الممارسات ~~الشيعية. رغم ذلك، ثمة طريقتان ارتبط فيهما المذهب الشيعي والتاريخ من أجل إيجاد ممارسات ~~خاصة بالإسلام الشيعي دون غيره، وهما: التعزية، والعمليات الاستشهادية. # يعتقد جميع الشيعة أن الحسين - الابن الثاني لعلي - كان الإمام الثالث في خلافة محمد ~~(يسبقه علي وابنه الأكبر الحسن). وعندما وصل الأمويون إلى الحكم عام 661، ازداد وضوحا أنه ~~من المستبعد أن يتولى الحسين الحكم بوصفه إماما. وفي عام 680 قاد الحسين وأتباعه ثورة ضد ~~الخليفة الأموي يزيد، لكنهم تعرضوا للقمع الوحشي في كربلاء في يوم العاشر من أول شهور ~~التقويم الإسلامي الذي كان حتى ذلك الحين يوم صيام تطوعي (وهو يوافق يوم الغفران اليهودي ~~الذي يحتفل به اليهود أيضا في اليوم العاشر من الشهر الأول). ولإحياء ذكرى استشهاد الحسين ~~على يد يزيد، ميز الشيعة هذه الذكرى السنوية بإقامة طقوس «التعزية» التي يعاد فيها تجسيد ~~معاناة الحسين ومقتله. والتعزية طقس شهير وشائع في المجتمعات الشيعية، ويتيح للسكان ~~المحليين فرصة التفكر في أمور أخلاقية ودينية، وفي بعض الحالات توجيه النقد المقنع ms094 إلى ~~السلطات عن طريق ذكر بياناتهم السياسية التي لا تلقى رواجا على لسان يزيد أثناء التجسيد. ~~ومن ثم، فإن واقعة في القرن السابع من التاريخ أمدت المذهب الشيعي بواحد من أكثر طقوسه ~~تميزا. # العمليات الاستشهادية أو «المهام الانتحارية» محرمة نظريا في الإسلام السني. معروف أن ~~من يموتون أثناء الجهاد شهداء، لكن تؤكد المصادر القديمة حرمة شروع المرء في القتال عازما ~~على الموت أثناءه (ويستشهد في هذا الصدد بالآية رقم 29 من سورة النساء). # شكل 6-1: التعزية (كراتشي، باكستان). يمثل الحصان جواد الحسين. # 1 # يختلف كثير من الشيعة في الرأي مع ذلك، ويرتبط استشهاد الحسين (ومعظم الأئمة الاثني عشر ~~الآخرين) بإحساس الشيعة بأنهم كانوا ضحايا كما أسلفنا القول ليمدهم ذلك بموروث يغض الطرف عن ~~مثل هذه الممارسات. وليس من قبيل الصدفة أن الجماعة الأكثر اشتهارا بشن الهجمات الانتحارية ~~في التاريخ الإسلامي كانت الشيعة (الحشاشون الإسماعيليون)، وليس من قبيل الصدفة أيضا أن ~~الهجمات الانتحارية في العصر الحديث انطلقت على يد حزب الله الشيعي (الذي وقعت أولى ~~«عملياته الاستشهادية» في بيروت عام 1983). أسهمت فعالية هذه الوسيلة الزهيدة التي لا تحتاج ~~تقنيات عالية في شن الحروب في لفت انتباه الإسلاميين السنة إليها، فتبناها بعضهم منذ ذلك ~~الحين ولكن في تردد. ولا يزال جواز العمليات الاستشهادية محل جدل محتدم بين أولي الأمر من ~~أهل السنة. # ألهمت وقائع من السير الذاتية للنبي والسلف (والأئمة لدى الشيعة) سلوك المسلمين ذوي ~~التوجه الديني، حتى وإن لم يستعن بها بوصفها جزءا من الشريعة. فمولد الإسلام - على سبيل ~~المثال - كان مثالا نموذجيا للثائرين الدينيين على مدار التاريخ الإسلامي. لذا أفتى ~~الخوارج بوجوب الرحيل من الأراضي الخاضعة لحكم غير شرعي (أي حكم يتزعمه غير الخوارج)، وهو ~~رحيل وصفوه باسم «الهجرة» سيرا على نهج النبي عندما هاجر من مكة الوثنية إلى المدينة. نفذت ~~الثورتان العباسية والفاطمية «هجرات» خاصة بهما؛ فالعباسيون غادروا «المركز» إلى خراسان، ~~ليعودوا إلى المركز مرة أخرى ويلحقوا الهزيمة بأعدائهم (مثلما فعل محمد)، بينما هاجر ~~الفاطميون إلى اليمن وشمال أفريقيا ms095 قبل العودة شرقا إلى مصر غزاة يحالفهم النصر. والأكثر ~~لفتا للنظر أولئك المصلحون والناشطون السياسيون المسلمون (عادة في أفريقيا) الذين صاغوا ~~حركاتهم على نهج وثيق الصلة بحياة النبي. فقد قاد عثمان دان فوديو (1754-1817) أتباعه من ~~موطنهم (هجرة) وشنوا جهادا في البلد المعروفة حديثا باسم نيجيريا ضد أهل البلاد المسلمين ~~في بلاد الهوسا الذين عدت ممارستهم للإسلام غير مقبولة (بسبب استيعابها طقوسا شاعت قبل ~~ظهور الإسلام). حث عثمان أتباعه على الجهاد مستعينا بمقطع شعري مقفى (راجع القرآن الذي ~~يضم في الأغلب نثرا مقفى)، وأطلق على من خلفوه اسم «الخلفاء». ومهدي السودان الذي عاش ~~في نهاية القرن التاسع عشر مثال آخر على هذا الأمر؛ فقد باشر الهجرة هو الآخر، وأطلق على ~~مؤيديه اسم «الأنصار» (الاسم الذي أطلق على مؤيدي محمد في المدينة)، وجاء بعده هو الآخر ~~«خليفة». # ثمة مثال آخر على التأثير غير الرسمي للتاريخ الإسلامي المبكر على المسلمين يأتينا من ~~فتوى نشرت على شبكة الإنترنت للشيح يوسف القرضاوي (الذي ولد عام 1926). حينما سئل هل يجب ~~على المسلمين أن يقاطعوا البضائع الإسرائيلية، أجاب: # يجب على العرب والمسلمين حيثما كانوا أن يقاطعوا كل الشركات المنحازة للصهاينة ... ~~إن المقاطعة سلاح فعال من أسلحة الحرب قديما وحديثا. وقد استخدمه المشركون في ~~العهد المكي في محاربة النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه، فآذاهم إيذاء بليغا حتى أكلوا ~~أوراق الشجر. كما استخدمه بعض الصحابة في محاربة المشركين في العهد المدني. # لا يعني رد القرضاوي أن المقاطعة جزء إلزامي من السنة، بل يقول إنها أثبتت فاعليتها ~~تاريخيا. المغزى هنا أن التاريخ الذي يستند إليه هو من سيرة النبي، لأنها المرجع الأول ~~لأولي الأمر السنة الذين يبحثون عن إجابات تقليدية لأسئلة معاصرة، ولأن لها صدى واسع ~~النطاق. على نحو مماثل، حينما سعى الإسلامي البارز سيد قطب إلى نزع الشرعية من أولي الأمر ~~المسلمين والمجتمعات الإسلامية في زمنه، أشار إليها بأنها تمثل «الجاهلية»، في إشارة متعمدة ~~إلى العصر الذي انطلقت منه رسالة محمد وبزغ منه نجم الإسلام. # في بعض ms096 هذه الحالات، يصعب التمييز بين الأهمية «الدينية» و«السياسية» للتاريخ الإسلامي، ~~لأن أي أهمية سياسية نتجت عن حياة محمد والسلف ترتبط ارتباطا مباشرا بمكانتهم الدينية بين ~~شعوب متدينة. لكن هناك وسائل يمكن استغلال التاريخ الإسلامي من خلالها على يد أناس ذوي ~~مؤهلات دينية قليلة أو ذرائع للتأثير على المسلمين الذين لا يكترثون لأمر الدين (أو من ~~ليسوا مسلمين من الأساس) مثلما سنرى الآن. # | هوامش # الفصل السابع # | الأهمية السياسية للتاريخ الإسلامي # كثيرا ما يقال إن أحد أهم الاختلافات بين الغرب المسيحي-اليهودي والإسلام أن الإسلام لم ~~يألف فصل «الدين» عن «الدولة»، على الرغم من أن هناك كتبا كثيرة تتناول مثل هذه القضايا، ~~فهذا الكتاب ليس واحدا منها. كل ما يمكن قوله إن الأمور ليست بهذه البساطة؛ فبدءا من ~~القرن العاشر (إن لم يكن قبل ذلك) كان هناك تمييز فعلي بين الإدارات المعنية بالشئون ~~الدينية على صعيد والمعنية بالشئون الحكومية على الصعيد الآخر، مع وجود مجموعات مختلفة ~~تدعي السلطة وتمارسها على كل صعيد. ربما يتداخل الصعيدان أحيانا - فشن الجهاد مرتبط ~~بالدين والحكومة معا - لكن يظل التمييز بينهما قائما بصورة عامة. والواقع أن هذا الفصل ~~بين «الدين» و«السياسة» هو ما يسعى الإسلاميون إلى إلغائه، وهو أيضا الذي حدد نسق هذا ~~الكتاب؛ فقد تناول الفصل السابق تأثير التاريخ الإسلامي على الشئون الدينية، بينما يتناول ~~الفصل الحالي تأثيره على الشئون السياسية. # جميع الناس يفكرون في علاقتهم بالماضي (حتى لو كان ذلك بدافع رفض الماضي فحسب)، والمسلمون ~~ليسوا استثناء؛ فعندما شبه أسامة بن لادن الغزو الأمريكي للعراق بغزو المغول للمنطقة في ~~الخمسينيات من القرن الثالث عشر، كان يضرب على وتر تاريخي لم يتوقف عن الاهتزاز طيلة 750 ~~عاما مضت. لقد دام تدمير المغول للخلافة العباسية في الذاكرة الجمعية للأمة مثلما هو الحال ~~مع موقعة هاستنجز (1066) لدى البريطانيين، ولا عجب أن الناس يتذكرون الأحداث المهمة. ما ~~يميز وضع التاريخ الإسلامي بين المسلمين ليس فقط أن الأحداث الكبرى واللحظات المحورية في ~~التاريخ مألوفة ومثيرة للذكريات لدى المسلمين في كل مكان، ms097 بل الأمر نفسه يمتد إلى الكثير من ~~تفاصيله (العشوائية غالبا). علاوة على ذلك، فإن التقدير الذي يحظى به التاريخ في ~~المجتمعات الإسلامية قد أدى إلى نشره في سياقات سياسية جمهورها المستهدف من غير المسلمين، ~~وهو ما سنوضحه أدناه. # لا تحظى كل فترات التاريخ الإسلامي ومناطقه بالوقع نفسه لدى المسلمين. والقاعدة العامة ~~تقول إنه كلما كان الحدث في زمن مبكر، زادت احتمالية شيوعه على نطاق واسع؛ فالراويات التي ~~تتعلق بمحمد وأصحابه والفتوحات الأولى واسعة الانتشار للغاية. وفقا لذلك، ومن دون استثناء ~~تقريبا، يتكون المخزون التاريخي الكامل الذي اعتمد عليه المسلمون في الأغراض السياسية من ~~الفترات (600-800) و(800-1100) و(1100-1500). والسبب في ذلك أنه - حتى عهد قريب - متى انتشر ~~الإسلام في منطقة جديدة نزع السجل التاريخي الذي يجلبه المسلمون معهم إلى الثبات، مع تكون ~~الفصول التالية من القصة من الأحداث المحلية بدلا من تلك التي تحدث في أماكن أخرى. في ~~فترات ما قبل العصر الحديث، أتاح الحج للمسلمين من كل مكان إطلاع بعضهم البعض على ~~المستجدات في الأراضي البعيدة، لكن التكنولوجيا الحديثة وحدها هي التي أعادت تحديد العلاقة ~~بين المجتمعات الإسلامية والتاريخ فيما بعد عام 1500 بلفتها انتباه المسلمين في كل مكان إلى ~~آخر الأحداث. # تقول قاعدة عامة أخرى إن الأحداث التاريخية التي وقعت في الأراضي الإسلامية المركزية حظيت ~~بانتشار أوسع من الأحداث التي وقعت في مناطق نائية. فكر في المثال التالي. في جزء متنازع ~~عليه في العالم الإسلامي، أقيم جدار عازل كبير على يد إحدى الحكومات من أجل فرض رؤيتها فيما ~~يتعلق بالحدود الدولية على منطقة متنازع عليها. يطلق معارضو هذا الحاجز الذي يمتد مسافة ~~2700 كيلومتر اسم «جدار العار»، وكثيرون من السكان المحليين الذين يعيشون وراء الجدار ~~يعاملون معاملة اللاجئين. يمتد الجدار المشار إليه هنا عبر الصحراء الغربية، وبني في ~~الثمانينيات من القرن العشرين على يد الحكومة المغربية التي تفضل أن تطلق عليه اسم ~~«الحاجز الترابي» (هل كنت تفكر في جدار آخر؟) حقيقة أن هذا الجدار غير معروف نسبيا - ~~بينما جدار ms098 آخر أقل ارتفاعا بكثير في الأراضي الفلسطينية-الإسرائيلية اكتسب سمعة سيئة - ~~تعكس انعدام التوازن بين المناطق والحقب المختلفة في العالم الإسلامي؛ فبعض المناطق طالما ~~كان لها على ما يبدو تأثير غير متكافئ على الوعي الجمعي في حين يمكن لمناطق أخرى أن تختفي ~~سريعا من بؤرة الأحداث. لقد تأخرت المغرب في الانضمام إلى الخلافة في حين بادرت بالانفصال ~~عنها على عكس الأراضي الإسلامية في الشرق الأدنى التي انبثقت منها القوة والنفوذ والتي بقيت ~~فيها الخلافة قرونا تالية. حتى بين الأراضي الإسلامية المركزية، حازت الأرض المقدسة على ~~أهمية استثنائية بتضمنها الأحداث التاريخية من السيرة، والفتوحات الأولى، وتاريخ الخلافة، ~~وتطرقها إلى الجدل بين الأديان، وكونها موضوع مجموعة هائلة من المؤلفات الدينية على مر ~~العصور. # يمكن تمييز أهمية التاريخ الإسلامي في اللغة السياسية المستخدمة منذ ظهور الإسلام وحتى ~~العصور الحديثة. في بعض الحالات، ربما يقال إن التشابه الملحوظ بين الأشكال القديمة ~~والمعاصرة من اللغة العربية يفسر استخدام المفردات «التاريخية» في السياقات المعاصرة. على ~~سبيل المثال، استخدمت كلمة «فدائي» لأول مرة بمدلول سياسي في وقت مبكر في الفترة من عام ~~1100 حتى عام 1500 عند الإشارة إلى الحشاشين الإسماعيليين، لتعاود الظهور بصيغة الجمع - ~~«فدائيين» - في منتصف القرن العشرين بين الإيرانيين، والفلسطينيين، والمصريين، والعراقيين. ~~لكن في حالات أخرى، يكون استخدام المفردات المحملة بالمعاني التاريخية مقصودا على نحو ~~واضح؛ فقد أشير إلى ثورات البربر ضد الفاتحين الأوائل لشمال أفريقيا باسم «الردة» (في ~~تشابه مع حروب الردة التي أعقبت وفاة محمد)، مثلما قدم المصلحون الدينيون الذين أشرنا ~~إليهم في الفصل السابق سيرتهم بتعبيرات مأخوذة من السيرة النبوية. بالمثل، حاولت دول ~~إسلامية معاصرة - وعلى وجه التحديد مصر في عهد جمال عبد الناصر (الذي توفي عام 1970)، وأنور ~~السادات (الذي توفي عام 1981)، وحسني مبارك (الذي ولد عام 1928) - تشويه سمعة المعارضين ~~الإسلاميين بوصفهم باسم «الخوارج»، ومن ثم ربط هذه المجموعات بإحداث شقاق وبيل (فتنة) كالذي ~~ينسب للخوارج في بداية الإسلام. # أيضا صيغت النزاعات التي شهدتها ~~المجتمعات الإسلامية الحديثة بمصطلحات تشير إلى صراعات قديمة ms099 وقعت في التاريخ الإسلامي. ففي ~~نزاع بين مجموعتين في السودان في القرن التاسع عشر على موارد المياه المحلية، ادعت ~~المجموعتان أنهما تنحدران من سلالة الأمويين والعباسيين على التوالي. وما بين القرنين ~~السابع عشر والعشرين، عندما اندلع النزاع بشأن بسط النفوذ بين الفصائل المتناحرة في لبنان ~~وفلسطين أثناء العهد العثماني، وصف الجانبان أنفسهما باسم «قيس» و«يمن». يقال إن هذين ~~الاسمين مشتقان من أزمان سابقة للعصر الإسلامي حينما انضم مهاجرون من الجنوب (أو اليمن، ومن ~~ثم جاء الاسم «اليمنية») إلى سكان شمال شبه الجزيرة العربية (القيسية)؛ مما أدى إلى ~~تكون اتحادين كبيرين من القبائل العربية. ويعتقد أن أوجه الاختلاف قد أعيدت صياغتها في ~~منتصف القرن السابع عندما استقر أفراد من كلتا المجموعتين القبليتين في ثكنات في الشرق ~~الأدنى، وأعادوا تتبع نسبهم لينعكس ذلك في التحالفات وأنماط الاستقرار الجديدة التي نتجت عن ~~اضطراب المجتمع العربي بسبب الفتوحات. وبدءا من عام 700 تقريبا - عندما وضعت الحرب ~~الأهلية الثانية (680-692) أوزارها - ظهر فصيلان «قيسي» و«يمني» هيمن النزاع بينهما على ~~عالم السياسة في عهد الخلافة الأموية. لا يوجد اتفاق بين المؤرخين على جذور النزاع أو ~~طبيعته أو ثقله؛ وعلى النقيض من ذلك كان الإسناد التاريخي لدى سكان فلسطين ولبنان في الماضي ~~القريب إسنادا عفويا. # لا شك أن مدلول الاعتماد على مفردات التاريخ في السياقات السياسية قد يكون محدودا؛ ~~فعندما يشير متحدثو الإنجليزية إلى الولادة بعبارة «عملية قيصرية»، فإنهم لا يشيرون إلى ~~التاريخ الروماني والأساطير المتعلقة بيوليوس قيصر. من المهم إذن أن نلاحظ أن ثمة قضايا ~~سياسية معاصرة يلعب التاريخ الإسلامي فيها أدوارا مقصودة ومتعمدة من نوعين. في بعض ~~الحالات، يكون ذلك وسيلة لحشد الأمة ككل وراء إحدى القضايا السياسية؛ وفي حالات أخرى يكون ~~لتوضيح وجهة نظر أحد الحكام بشأن قضية سياسية والتنويه إلى الكيفية التي يتوقع أن تحل ~~بها، وذلك بالإشارة إلى أحداث في التاريخ الإسلامي عاقبتها معروفة بالطبع. تكفي دراستا حالة ~~اثنتان ذواتا صلة بالقراء المعاصرين لتوضيح ذلك، وهما: الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الحالي، ~~والحرب العراقية ms100 الإيرانية (1980-1988). # الصراع الفلسطيني الإسرائيلي # يمارس التاريخ الإسلامي نفوذا سياسيا إزاء هذه القضية أكثر من غيرها لسببين يتفقان ~~مع القواعد العامة الموضحة أعلاه. أولا، من السهل ربط الصراع المعاصر بوقائع ذكرت ~~تفصيلا في السيرة، وفيها توصف علاقات محمد باليهود بأنها محورية فيما يتعلق بسيرته ~~في المدينة (وفي المرتبة الثانية في الأهمية ~~فحسب في علاقاته بأهل مكة). وفقا لذلك، يمكن الاستشهاد بالسيرة الذاتية لمحمد ~~(المتأثرة بعدة مئات من الأحاديث ذات الصلة) لتوضيح أن «اليهود» غير جديرين بالثقة، ~~ومخادعون، ومتعجرفون، ومتآمرون، ويستحقون قصاص المسلمين منهم. «اليهود» هو المسمى ~~الأكثر شيوعا عند الحديث عن «الإسرائيليين» في معظم وسائل الإعلام الإسلامية. ومن هنا ~~سمع أعضاء حزب الله وهم يهتفون «خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود»، في إشارة ~~إلى هزيمة محمد لليهود في واحة خيبر عام 628، وتشبيه للإسرائيليين المعاصرين باليهود ~~في عهد محمد. بل وصل الأمر حد إلباس اليهود في إسرائيل ثوب أعداء محمد المكيين ~~المشركين (الذين لا يمكن لنسلهم الحالي أن يجسدوا معارضة للأمة لأنهم، باعتبارهم ~~مسلمين، جزء منها). ومن ثم، أطلق على الهجوم المصري على خط بارليف الإسرائيلي (سلسلة ~~من التحصينات على امتداد قناة السويس) عام 1973 الاسم الرمزي «عملية بدر» في إشارة إلى ~~هزيمة محمد لأهل مكة في غزوة بدر عام 624. وأخيرا، فإن الإصرار المتكرر لياسر عرفات ~~على أن يكون أي اتفاق سلام مع إسرائيل «صلح حديبية» مثال على استناد أحد الزعماء ~~المسلمين إلى التاريخ الإسلامي كتعبير عن نواياه السياسية. ربما فات المراقبون غير ~~الملمين بالتاريخ الإسلامي المعنى الضمني بأن تكون هدنة السلام مع إسرائيل - مثلما ~~كان اتفاق محمد مع أهل مكة في الحديبية عام 628 - عشر سنوات فقط يمكن نقضها إثر أقل ~~استفزاز (أنهى محمد الصلح عام 629). # ثانيا، كانت فلسطين مركزا لعدد من ~~الأحداث المحورية في التاريخ الإسلامي، ومعظمها يعتمد على قدسية المنطقة. وفقا للمصادر ~~القديمة، توجه المسلمون في البداية في صلاتهم نحو القدس، ولم يتغير اتجاه الصلاة ~~(القبلة) إلى مكة إلا بعد عام 624. تقول المصادر العربية الأولى أيضا ms101 إن عبد الملك بنى ~~قبة الصخرة في محاولة منه لتحويل الحج من مكة (التي يتخذ غريمه السياسي الرئيسي منها ~~مركزا له) إلى القدس، ويقال إنه من أجل ذلك أكدت السلطات الدينية في ذلك الوقت على ~~تساوي القدس مع مكة، بل وأفضليتها عليها. ويوضح الباحثون المعاصرون أن فتح القدس قبل ~~عقود مضت كانت له دلالات مسيحية لليهود المعاصرين (وللمسلمين أيضا وفقا للمجازفين من ~~الباحثين). أقامت محاولات البيزنطيين والمحاولات ذائعة الصيت للصليبيين أن يستردوا ~~القدس والأرض المقدسة محققين درجات متباينة من النجاح الدليل على أهمية المنطقة والحاجة ~~إلى المحاربة من أجلها؛ وقد أوجدت الحملات الصليبية لونا من الأدب الإسلامي يلهج ~~بتعداد فضائل القدس ويؤكد على مسئولية الأمة عن حمايتها من المعتدين الملحدين. # شكل 7-1: صدام حسين ونبوخذ نصر (الذي حكم البلاد من عام 605 حتى عام 562 قبل ~~الميلاد). # 1 # وكالمتوقع، أعيدت الانتصارات التاريخية على غزاة فلسطين إلى الذاكرة من قبل سياسيين ~~سعوا إلى تقديم أنفسهم في صورة أبطال مسلمين ذائعي الصيت؛ فكل من الرئيس السوري حافظ ~~الأسد (الذي حكم البلاد من عام حتى عام 2000) والرئيس العراقي صدام حسين (الذي حكم من ~~عام 1979 حتى عام 2003) بنى تمثالين لصلاح الدين في عاصمتي بلديهما. # شكل 7-2: تمثال صلاح الدين (دمشق، سوريا). # 2 # علاوة على ذلك، شبه صدام نفسه علانية بكل من صلاح الدين ونبوخذ نصر (بختنصر)؛ إذ ~~كان الأول من تكريت (شمال بغداد) واشتهر بطرده الصليبيين من الأرض المقدسة، والثاني كان ~~حاكما للعراق (أو بلاد بابل) واشتهر بطرده اليهود من الأرض المقدسة في الأزمان ~~القديمة. كان غرض صدام واضحا: فهو الحاكم الذي سيقدم المساعدة للمسلمين في فلسطين عن ~~طريق هزيمة اليهود، ومن ثم إعادة الأرض إلى الحكم الإسلامي. وهكذا أصبح «اليهود» من ~~جانبهم نظراء «الصليبيين» في الخطابات السياسية، والنقاشات العامة، وحتى كتب الأطفال ~~المدرسية في أجزاء من العالم الإسلامي. ولذا، شبه الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982 ~~في وسائل الإعلام المحلية بحصار الصليبيين لعكا في الفترة 1189-1191؛ وفي هذا المثال ~~(الذي ليس سوى مثال ms102 واحد من بين عدة أمثلة) لا يقتصر الأمر على أن المسلمين عقدوا ~~مقارنة واضحة وسطحية بين الغزاة المعاصرين لفلسطين وغزاة العصور الوسطى، لكن ما حدث أن ~~واقعة ملتبسة نسبيا من تاريخ العصور الوسطى قد استشهد بها عرضا واعتبرت جلية بوجه ~~عام. والانشغال التام للغرب حاليا بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي (الذي يتجاهل في ~~الأغلب صراعات أخرى أكثر عنفا أو تكلفة) هو اعتراف من الدرجة الأولى بأهمية القضية ~~لدى المسلمين. # الحرب العراقية الإيرانية # استغل صدام حسين التاريخ الإسلامي سياسيا على أوسع نطاق أثناء الحرب العراقية ~~الإيرانية؛ وهو ما حدا بآية الله الخميني والإيرانيين أن يردوا بدروس تاريخية متعلقة ~~بهم. اعتبر كلا الجانبين التاريخ الإسلامي أداة دعائية قوية يمكن من خلالها حشد التأييد ~~العسكري والشعبي لحملتيهما، داخل كل من إيران والعراق وداخل الأمة بوجه عام. # وكالمتوقع، ركز شيعة إيران على موقعة كربلاء، واستشهاد الحسين بن علي، وطغيان ~~الخليفة الأموي يزيد الذي استعرضه في هذا السياق الرئيس العراقي. ومن المرجح أن تكون ~~هذه الإشارات التاريخية قد ألهبت مباشرة حماس القوات الإيرانية التي «استشهدت» منها ~~أعداد هائلة أثناء الحرب (إذ فاقت الخسائر في أرواح الإيرانيين مليون شخص ما بين قتيل ~~ومصاب). أطلق اسم «عملية كربلاء» على ما لا يقل عن عشر عمليات عسكرية إيرانية، وإن كان ~~جديرا بالذكر أيضا أن القضية الفلسطينية اعتبرت جديرة بالاستغلال هنا أيضا؛ فإحدى ~~الهجمات الإيرانية على البصرة سميت «عملية خيبر»، بينما نادى أحد الشعارات الأولى ~~للحرب الإيرانية بأن «الطريق إلى القدس يمر ببغداد». # حتى قبل الحرب، انعكست كراهية صدام لإيران وشعبها في بيانات عامة عن دور «الفرس» في ~~مقتل الخلفاء الراشدين الثاني والثالث والرابع. وعشية الحرب العراقية الإيرانية وطوال ~~فترة الحرب، كان يشار إلى الإيرانيين عادة باسم «الفرس»، وهي اللفظة المستخدمة في ~~التاريخ الإسلامي للإشارة إلى الفارسيين الذين عاشوا قبل ظهور الإسلام والذين فتحت ~~الأمة بلادهم في القرن السابع. وقعت المعركة المحورية في غزو إيران في القادسية عام ~~637؛ وهو ما جعل صدام يطلق على الصراع بأكمله اسم «قادسية صدام»، مؤكدا على ms103 انتصار ~~العرب (العراق) على الفرس (إيران). كانت تلك الإشارة التاريخية من الأهمية بمكان، حتى ~~إن القادة الإيرانيين ردوا على ذلك بأن الحرب العراقية الإيرانية كانت بالفعل قادسية ~~أخرى تصور انتصار إسلامي (إيراني) على قوى كافرة (الحكومة العراقية العلمانية). مع ذلك، ~~كان العراقيون وغيرهم من أهل السنة في المنطقة هم من دأبوا على التفاخر بالانتصار في ~~القادسية، ومن ذلك تسمية جامعات في الأردن والعراق وأندية كرة قدم في الكويت والسعودية ~~باسم الموقعة. كذلك كان التاريخ الإسلامي أيضا مصدر إلهام لفرق كرة القدم الإيرانية ~~المعاصرة؛ فنادي «أبو مسلم» في مدينة «مشهد» سمي باسم المخطط الرئيسي للثورة ~~العباسية (747-750). # المغزى هنا - كما في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي - أن المسلمين لا يستندون إلى ~~اللحظات المهمة من التاريخ فحسب، بل إلى أسماء أشخاص ومدن ومعارك وأحداث أخرى وقعت منذ ~~نحو 13 قرنا. وحقيقة أن الاستخدامات السياسية للتاريخ الإسلامي ربما تتضمن ما يتعدى ~~كونه تعريضا خاطفا لحدث تاريخي من القرون الأولى والأراضي المركزية للإسلام، توضح ما ~~للتاريخ الإسلامي من تأثير حتى في عامة الشعب الذين من بينهم كثر غير مثقفين بل ~~وأميين. يحتل التاريخ بين الشعوب الإسلامية مكانا في مقاهي المجتمع وأزقته وبين ~~النخبة أيضا. # القومية والتاريخ الإسلامي # اتحدت الأهمية السياسية والدينية للتاريخ الإسلامي - مقرونتين بالأفكار الوليدة عن ~~القومية والهوية والتاريخ التي جلبت إلى العالم الإسلامي من الغرب في القرن التاسع عشر ~~- لتوجد روايات «عرقية» متمايزة. بعض هذه الروايات استعمل التاريخ الإسلامي بصورة ~~مباشرة، بينما حرف البعض الآخر رسالته وقصته المتوارثة. وهكذا تكون القراءة العراقية ~~«القومية» للتاريخ الإسلامي التي روج لها أثناء الحرب العراقية الإيرانية - والتي ~~ساهمت عن قصد في تأليب الأبطال العرب ضد الأوغاد الفرس - مدينة لمنهج تبناه القوميون ~~العرب والفرس والأتراك تجاه التاريخ قبل ثمانينيات القرن العشرين بوقت طويل. # يروى عن محمد أنه قال: «حب الوطن من الإيمان.» لكن الواقع أن ولاء المرء لوطنه ~~كثيرا ما يتعارض مع ولائه للأمة. من ناحية، تبنت الحركات القومية أفكارا «إسلامية»؛ ~~فالقوميون العرب مثلا قرروا عدم الانتماء إلى «شعب» ms104 عربي بل إلى «أمة» عربية. من ~~الناحية الأخرى، تطلب التشكيل الواعي لهويات جديدة تسخير التاريخ نفسه لخدمة أحد ~~الشعوب؛ وخصوصا بين الشعوب التي لعب التاريخ دورا تشكيليا في تحديد مكانها في ~~العالم. ومن ثم، أعاد القوميون تفسير التاريخ الإسلامي كي يلائم الروايات الجديدة ~~والأغراض السياسية الجديدة بدلا من التخلي عنه كلية. # بسبب تضارب المصالح المحتمل بين القومية والهوية الإسلامية، ولأن العرب والفرس ~~والأتراك الذين روجوا للحركات القومية كانوا في العادة مسلمين علمانيين أو غير مسلمين ~~على الإطلاق، استبدلت بالنسخ الإسلامية القديمة من التاريخ وجهات نظر تاريخية تجاوزت ~~حدود الدين؛ فمصادر الإلهام والفخر الوطني التمست في الرموز الإسلامية، وأيضا في رموز ~~ما قبل العصر الإسلامي الذين ربما تكون سمعتهم مطعون فيها في المصادر القديمة. وعلى هذا ~~النحو، أصبح نبوخذ نصر والفراعنة المصريون أبطالا عربا وليسوا أوغادا من موحدي ~~الشرق الأدنى؛ وتتبع الأتراك في تباه نسبهم إلى شعوب قديمة (غير موحدة) مثل الحيثيين ~~والسومريين؛ واسترد اللبنانيون تراثهم الفينيقي (حقيقة كان أو خيالا)؛ وتذكر ~~الفلسطينيون أنهم ينحدرون من سلالة الكنعانيين (وهو ما مكنهم بلا عناء من الدفاع عن ~~أحقيتهم في الأرض المقدسة قبل الإسرائيليين). # لم يقتصر الأمر على تعظيم القوميين للشخصيات التاريخية غير الإسلامية (بل والمعادية ~~للإسلام)، لكن التاريخ الإسلامي نفسه انعكس عبر عدسات جديدة. فالقوميون العرب على سبيل ~~المثال مجدوا عن وعي «الجاهلية». وبالمثل، رد بعض مؤيدي الوحدة العربية الاعتبار ~~إلى الخلفاء الأمويين الذين سجل التاريخ الإسلامي انعدام تقواهم واستيلاءهم على منصب ~~الخلافة وفقا للباحثين في العصر العباسي ومن اعتمدوا عليهم. ووفقا لأحد الباحثين ~~السوريين الذين كتبوا في الأربعينيات من القرن العشرين، كانت دمشق في عهد الأمويين: # موطن الملوك والخلفاء ... أهم عاصمة للعالم القديم، ومقر الحضارة والثقافة، ~~والمركز الإداري لإمبراطورية عظمى وجيش عظيم. [كان عهد الأمويين] حينما تلاقى ~~الشعر، والأدب والفن، وقيادة الفكر، والعلم، والحرب، والإدارة على ضفاف أنهارها ~~الصغيرة، وحينما كانت دمشق هي العالم والعالم هو دمشق. # قد لا يرى المسلمون التقليديون هذه النسخة من التاريخ مقبولة، لكن نوع الاستخدامات ~~السياسية ms105 التي يوضع من أجلها التاريخ في هذه الحالة ينبغي أن يكون أكثر شيوعا ~~لديهم. # التاريخ الإسلامي والمجتمعات الغربية # من الواضح أن للتاريخ الإسلامي أهمية دينية وسياسية مباشرة للمسلمين في كل مكان، سواء ~~أكانوا من أهل السنة أم سلفيين إسلاميين، أم سلفيين معاصرين، أم شيعة أم غيرهم. في ~~العقود الحديثة، كانت هناك أيضا محاولات (من قبل أهل الغرب والمسلمين أيضا) لمشاركة ~~بعض دروس التاريخ الإسلامي مع غير المسلمين في الغرب من أجل خدمة أجندات سياسية. # أفضل مثال على هذا الاتجاه الأسطورة والأسطورة المضادة للعصر الذهبي الإسباني. تقول ~~الرواية إن المسلمين والمسيحيين واليهود عاشوا في الأندلس تحت الحكم الإسلامي في مدينة ~~فاضلة تجمع بين مختلف الأديان وازدهروا في ظل الحماية المستقرة للحكم الإسلامي. ~~استخدمت هذه الفكرة من قبل الباحثين اليهود الألمان الذين عرضوها في نهاية القرن ~~التاسع عشر من أجل توبيخ زملائهم المحليين - الذين يفترض أنهم مثقفون - على عدم منحهم ~~اليهود الألمان المستوى نفسه من المساواة الذي أتاحه (حتى) المسلمون قبل العصر الحديث. ~~ومؤخرا، استخدمت فكرة العصر الذهبي الإسباني من قبل الإسلاميين ومعادي الصهيونية ~~ليقولوا إن الصراع الحالي في المنطقة سببه تأسيس دولة إسرائيل، موضحين أن المسلمين ~~واليهود عاشوا جنبا إلى جنب سابقا في سلام ووئام، وأن الحركة الصهيونية هي التي ~~كدرت هذا الوضع الإيجابي. يرى معادو الصهيونية أنه لا بد من تفكيك إسرائيل حتى يمكن ~~استعادة الوئام إلى المنطقة؛ أما الإسلاميون فيرون ضرورة أن يحيا غير المسلمين كافة تحت ~~حكم إسلامي، لأنه لا يمكن لجميع الأديان أن تعيش في سلام إلا تحت مظلة الإسلام. # أثارت هذه الرواية بشأن العصر الذهبي الإسباني رد فعل على نفس الدرجة من السطحية من ~~قبل أولئك الذين أوجدوا أسطورة مضادة (وهم في الأغلب يهود طردوا من الأراضي الإسلامية ~~في الماضي)؛ وتقول تلك الأسطورة المضادة إن اليهود والمسيحيين كانوا دائما يتعرضون ~~لسوء المعاملة من قبل الإسلام والمسلمين على مدار التاريخ في إسبانيا وغيرها من الأماكن ~~أيضا. في ظل الإسلام، كان غير المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية معرضين ms106 لنزوات حكام ~~متعصبين نشروا الإسلام بالسيف ونهبوا ممتلكات رعاياهم الكفار كيفما اتفق. تفتقر أسطورة ~~العصر الذهبي الإسباني والأسطورة المضادة لها إلى أدنى درجات المنطقية من عدة نواح. من ~~ناحية، من الصعب القول إنه كانت توجد بالفعل مدينة فاضلة تجمع بين الأديان المختلفة في ~~الأندلس؛ فحتى موسى بن ميمون (1135-1204) - خير من يمثل الوحدة الإبراهيمية والالتقاء ~~بين الأديان - أجبر على الفرار من موحدي إسبانيا مثلما التمس الكثيرون من اليهود ~~ملجأ من عنف المرابطين في المدن التي أعاد المسيحيون فتحها في أواخر القرن الحادي عشر. ~~وعلى الرغم من أن الثقافة التي أوجدها غير المسلمين في الأندلس مبهرة كما وكيفا، فإن ~~الغرض الذي وضعت من أجله فكرة العصر الذهبي لإسبانيا يتعلق بتسامح سياسي مبالغ فيه، ~~وقلما وجدت هذه الظروف في الأندلس (ربما باستثناء قرطبة في الفترة من منتصف وحتى أواخر ~~القرن العاشر). ومن ناحية أخرى، من الخطأ أيضا الحديث عن غير المسلمين بوصفهم مواطنين ~~من الدرجة الثانية. فحتى مع تجاهل المفارقة التاريخية، من الواضح أن بعض المسيحيين ~~واليهود تمكنوا في معظم المجتمعات الإسلامية على مدار التاريخ من الوصول إلى مناصب ~~إدارية عليا، بينما كان بعض جيرانهم المسلمين يكافحون من أجل امتلاك قوت يومهم. # ما يهمنا هنا ليس الدقة التاريخية لهذه النظريات، وإنما حقيقة توظيفها من الأساس من ~~جانب أهل الغرب ومن أجلهم. ومع أنه واضح أن للتاريخ الإسلامي أهمية دينية ضئيلة لدى غير ~~المسلمين (على الأقل في ظل غياب خلافة عالمية)، فهناك إدراك قد بدأ لتوه لأهميته ~~السياسية، وهي نقطة سنعود إليها في خاتمة الكتاب. # ملخص # ربما وجد المتحولون إلى الإسلام من غير العرب في القرن الأول من ظهور الإسلام أن ~~الطابع العربي للدين غريب إلى حد ما، لكن من اعتنقوا الإسلام منذ العصور العباسية ~~استوعبوا بسلاسة داخل الدين، واستطاعوا على الفور دمج تجاربهم وثقافتهم وماضيهم في ~~شبكة المجتمعات الإسلامية الآخذة في النمو. علاوة على ذلك، ومثلما أشرنا في الفصلين ~~السابقين، استطاع هؤلاء تبني مخزون تاريخي جاهز ومعروف وثري والاستفادة منه في السعي ms107 ~~وراء تحقيق أهداف دينية وسياسية. # لهذه الأسباب، ربما يكون التاريخ ~~الإسلامي هو الموروث الديني الوحيد الذي لا يختص تاريخه التأسيسي والكلاسيكي بقومية أو ~~عرقية. فقليل من الأشخاص هم من يختارون اعتناق اليهودية من الأساس (ناهيك عن تاريخها)، ~~ومع أن هناك كثيرين اعتنقوا المسيحية، فالعلاقة بين الموروث المسيحي وكيان تاريخي مميز ~~هي علاقة ضعيفة. حتى وقائع التاريخ المسيحي التي احتفظت بأهميتها في العصور الحديثة - ~~مثل الحملات الصليبية - لها صدى لدى بعض المسحيين (مثل الأوروبيين الغربيين) أكبر مما ~~لها لدى آخرين (مثل الأمريكيين الجنوبيين). وقد قال جورج بوش في تصريح شهير: «أظن أننا ~~نتفق على أن الماضي قد انتهى.» وهو ليس سوى تصريح واحد من بين عدة تصريحات يختلف معها ~~معظم المسلمين. # | هوامش # | خاتمة # أدين للقارئ ببعض الإجابات عن سؤال طرحته في بداية الكتاب: لماذا تبدو المجتمعات ~~الإسلامية والغربية متجهة نحو الصدام رغم جذورها المشتركة في عقيدة التوحيد السامية لدول ~~الشرق الأدنى؟ يطرح هذا السؤال افتراضات سوف يعترض عليها بعض القراء. قد يقولون إنه لا يوجد ~~مثل هذا التوتر بين المسلمين وأهل الغرب؛ أو أنه ليس هناك «مسلمون» و«غرب» على الإطلاق، بل ~~هم مجرد أفراد أو مجتمعات فردية لا ينبغي تجميعها تحت مسميات عامة؛ أو أن السؤال نفسه يكشف ~~عن تحيز ثقافي، لصالح أو ضد الغرب، أو لصالح أو ضد المسلمين، أو عن سذاجة. (هؤلاء القراء ~~قطعا سينفرون مما سيلي ذكره.) ومع أنها اعتراضات منطقية، ومع أن تنوع المجتمعات الإسلامية ~~كان موضوعا غالبا في هذا الكتاب، علينا أن نعي أنه للإجابة عن أسئلة عامة لا بد أن نلجأ ~~أحيانا إلى تعميمات (معترف بنقصانها). علاوة على ذلك، ثمة أشخاص في مواقع بارزة في كل من ~~المجتمعات الإسلامية والغربية يعتقدون أن صداما قد وقع بالفعل، أو يقع الآن، أو سيقع حتما ~~بين «الإسلام» و«الغرب». ومما لا شك فيه أن التصريحات العلنية لبعض الزعماء في كلا ~~الجانبين، وفي بعض الحالات أفعالهم على أرض الواقع لا تدع مجالا للشك بشأن مشروعية السؤال ~~المهم الذي يطرحه هذا ms108 الكتاب. فكيف يمكن للتاريخ الإسلامي أن يساعد في الإجابة عن هذا ~~السؤال؟ # تقدم الفصول المختلفة من هذا الكتاب إجابات خاصة بموضوع كل منها. فالفصول الثلاثة الأولى ~~تقدم أربع إجابات مقبولة، مركزة على العامل الجغرافي، والمؤثرات الثقافية «الخارجية»، ~~والسجل السابق للعلاقات الغربية الإسلامية، والظروف السياسية المحيطة بتشكل الإسلام. لقد ~~شكلت البيئة الجغرافية التي ظهر فيها التاريخ الإسلامي المجتمعات الإسلامية بطرق مهمة ~~للغاية. فالمنطقة القاحلة الكبرى عرفت المسلمين على حقائق قاسية حددت كل شيء بدءا من ~~التخطيط الحضري وحتى بزوغ نجم الحركات الطائفية وبقائها. ولما كانت للأراضي الإسلامية حدود ~~نشطة مع أفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى وجنوب آسيا، فقد أدى ذلك إلى تعرض المجتمعات ~~الإسلامية لحضارات وتأثيرات متنوعة، بالإضافة إلى التوحيد في الشرق الأدنى. ولقاؤنا مع شعوب ~~التاريخ الإسلامي أكد أيضا على التأثيرات الحاسمة التي خلفها الفرس والأتراك على ~~المجتمعات الإسلامية بدءا من أواخر القرن الثامن فصاعدا. ربما انطلق «الإسلام» و«الغرب» ~~من نقاط بداية متشابهة، لكن سرعان ما «تشعب طريقاهما داخل غابة»، والواقع أن هذا هو ما ~~أدى إلى الاختلاف كله. # ثمة إجابة أخرى معتمدة على التاريخ وهي أن الارتباط «الإسلامي» بالثقافة «الغربية» - ~~حسبما قدمتها أوروبا لأسباب جغرافية - غلبت عليه العداوة التي تعد التوترات الحالية إما ~~امتدادا أو انعكاسا لها. بطبيعة الحال تولدت حالة من انعدام الثقة بين «المسلمين» و«أهل ~~الغرب» نتيجة الصراعات الأولى مع بيزنطة، يليها الحروب ضد دول البحر المتوسط المسيحية، ~~والحملات الصليبية، و«حروب الاسترداد»، والتوسع العثماني في أوروبا ثم الانسحاب منها، ~~وأخيرا الاستعمار. هذه السلسلة من الصراعات والذكريات - الحديثة والقديمة على حد سواء - عن ~~عداء الغرب، والاضطهاد، والاستعمار ربما تثني المسلمين المعاصرين عن «الاستثمار» في الثقافة ~~الغربية، وهو ما كانت له تبعات مهمة؛ فها هو كتاب صدر حديثا عن المائة شخصية المسلمة ~~الأكثر تأثيرا في التاريخ يورد شخصية إسلامية غربية واحدة - مالكوم إكس - بالكاد يمكن ~~اعتبارها إحدى قصص النجاح في التعاون الغربي الإسلامي. والواقع أن مالكوم إكس ليس بطلا من ~~وجهة نظر الكثيرين في الغرب بسبب آرائه السياسية؛ وربما لا ms109 يعتبره كثيرون في العالم ~~الإسلامي مسلما بسبب ارتباطه بحركة «أمة الإسلام». هذا الأمر يشبه الدائرة المفرغة؛ فكلما ~~زاد الشك المتبادل بين الجانبين، تضاءل احتمال «استثمار» المسلمين بأقصى ما يستطيعون في ~~الثقافة الغربية. وهكذا تظل قائمة الأبطال المسلمين تطغى عليها رموز غير غربية غير معاصرة ~~يحتفي بها المسلمون وحدهم؛ وتبعا لذلك ستزداد مشاعر المسلمين بالعزلة عن المجتمعات غير ~~الإسلامية وتدوم إلى الأبد. لكن ما يدعو للتفاؤل أن هشاشة هذه الدائرة المفرغة قد انكشفت ~~على أيدي الأقلية غير المسيحية الأخرى في أوروبا، وهم اليهود. فعلى الرغم مما لأوروبا ~~المسيحية من تاريخ طويل من اضطهاد اليهود وسوء معاملتهم حتى وقت قريب، فقد أنجب يهود أوروبا ~~أينشتاين وفرويد وماركس وغيرهم الكثيرين ممن يحظون بتقدير الأوروبيين يهودا وغير يهود على ~~حد سواء. ومن ثم، فمن المحتمل أن ينجب مسلمو الغرب أبطالا ينالون تقدير الجانبين معا حال ~~توافر الوقت والظروف المواتية. # تنبهنا قصة التاريخ الإسلامي أيضا لاختلاف جوهري بين تشكيل المؤسسات الإسلامية من ناحية، ~~والمؤسسات اليهودية والمسيحية من الناحية الأخرى. فمع أن محمدا وأصحابه واجهوا عقدين من ~~الصعوبات بل والاضطهاد، مات النبي زعيما لمجتمعه بعدما هزم أعداءه في مكة وأرشد قبائل شبه ~~الجزيرة العربية إلى الإسلام. وعلى مدار القرون التالية، انتشر الحكم الإسلامي في الوقت ~~الذي كانت تتطور فيه المذاهب القديمة وكتب الشريعة ومؤسسات الإسلام؛ وذلك في ظل رعاية ~~الدولة غالبا ومن مركز ذي نفوذ سياسي. وعلى النقيض، لم يحقق موسى قط نجاحا مماثلا في ~~الأرض المقدسة، ومات المسيح مصلوبا. وإلى أن اعتنقت القسطنطينية المسيحية دينا رسميا ~~للإمبراطورية الرومانية الشرقية في القرن الرابع الميلادي، كان المسيحيون أقلية مضطهدة منذ ~~قرون (كتبت خلالها الأناجيل وعاش خلالها الآباء المؤسسون للدين). أما اليهودية فهي نتاج ~~مصادر («المشناه» و«التلمود») كتبت في عهد حكم «أجنبي» في أعقاب تدمير المعبد الثاني (نحو ~~عام 70 ميلادي). وهكذا ولدت اليهودية والمسيحية (أو تبلورت في حالة اليهودية) أثناء فترات ~~من الضعف السياسي ودون أي رعاية أو دعم ملكي. وعلى الرغم من أن المسيحيين ومن بعدهم ms110 اليهود ~~قد حازوا النفوذ السياسي، تسلم المصادر اليهودية والمسيحية جدلا بالجوانب العملية للعيش ~~تحت مظلة حكم آخرين؛ وذلك استنادا إلى الخبرات المكتسبة أثناء الفترات «الكلاسيكية» لكلتا ~~الديانتين. وعلى النقيض، عادة ما تشير أهم الأعمال الخاصة بالشريعة الإسلامية - وخصوصا ~~التي كتبت في الفترة من عام 800 إلى 1100 - إلى أحداث وقعت في الفترة من عام 600 إلى 800. ~~لذا لا يتصور الفقهاء المسلمون احتمالية العيش في ظل حكم «أجنبي» (وهو موقف لم يحدث إلا في ~~منتصف القرن الحادي عشر). وبالطبع ثمة مصادر لاحقة كتبت في ظل الحكم المغولي أو الصليبي أو ~~المسيحي في شبه الجزيرة الأيبيرية تضع في الاعتبار الظروف السياسية المتغيرة، وبعضها حظي ~~بالشهرة والتأثير. (والكثير من هذه المصادر ينصح المسلمين الذين يعيشون في ظل حكم أجنبي ~~بالهجرة إلى الأراضي المسلمة التي لا يقلل فيها من شأن ممارسة الإسلام.) الغاية أن أغلب ~~المصادر الفقهية الإسلامية، وأولها ظهورا وأعلاها قدرا، تنصح المسلمين بممارسة دينهم ~~بالتأكيد على ثقافة دينية مهيمنة. لذا، فإن ما قد ينظر إليه الكثيرون من أهل الغرب بين ~~المسلمين الممارسين لعقيدتهم على أنه تعنت يعوق علاقات الجوار، أو على أنه إحجام عام عن ~~تكييف عقيدتهم مع الثقافات الحالية للدول غير المسلمة ربما يمكن تفسيره بالرجوع إلى مسار ~~التاريخ الإسلامي. # يمدنا الفصلان # الرابع # و # الخامس # بإجابتين أخريين تأتيان من طرفي نقيض السلم التأريخي. ترى النظرة الإسلامية التقليدية ~~للتاريخ الإسلامي أن الإسلام مختلف؛ إما لأن اليهود والمسيحيين هم الذين حرفوا الدين ~~الأصلي الإلهي، أو لأن الإسلام ظهر بعد أن تشكل تماما من شبه الجزيرة العربية اعتمادا ~~على ما كان ينزل من وحي على نبي كان في منأى عن تأثير العصور القديمة الأخيرة في الشرق ~~الأدنى. وفقا لذلك، يتميز الإسلام عن الثقافة المسيحية-اليهودية بسبب سياقه العربي الفريد؛ ~~وأي مقارنة بين الموروثين الدينيين (أو الموروثات الثلاثة) مرفوضة بوصفها عملا استشراقيا ~~مضللا. وهناك إجابة معارضة تماما تأتينا من وانسبرو الذي قال - في كتابه «البيئة ~~الطائفية» - إن فاتحي العراق العرب في القرن الثامن ميزوا أنفسهم «عن ms111 وعي» عن اليهود ~~والمسيحيين، موجدين دينا عربيا على نحو مخصص (بتقويم، ومكان مقدس، ونظام لاهوتي جديد) ~~وذلك في تمييز مضاد عن الديانات المحلية التي كانت قائمة من قبل. وعلى عكس المسيحيين ~~الأوائل الذين اعتبروا أنفسهم اليهود الجدد (أو الحقيقيين)، نظر المسلمون الأوائل - على حد ~~رأي وانسبرو - إلى أنفسهم على أنهم اللايهود أو اللامسيحيون الجدد. # أوضح الفصلان # السادس # و # السابع # التناقض الصارخ بين ارتباط العالم الإسلامي بالتاريخ وفقدان الذاكرة النسبي لدى الغرب فيما ~~يتعلق بتاريخهم؛ وهو ما يقودنا إلى إجابة أخرى عن سؤالنا. يمكن القول إن المسلمين ليسوا هم ~~من حادوا عن طريق التوحيد في الشرق الأدنى، بل أهل الغرب هم من فعلوا ذلك. فأثناء عصور ~~النهضة، والإصلاح، والتنوير انفصل الغرب المسيحي اليهودي انفصالا تاما عن الماضي (أو ~~بالأحرى عن ماضيه الحقيقي لصالح ماض كلاسيكي خيالي). فمن ذا الذي يود إحياء فترة معروفة ~~باسم «العصور المظلمة»؟ وهكذا، فإن الإسلام لا الغرب هو الوريث الحقيقي للحضارة ~~المسيحية-اليهودية. # تلك هي النقطة الأساسية تحديدا من وجهة نظر كثير من المحللين؛ فالإجابة عن سؤالنا المهم ~~لا تأتي من شيء حدث في التاريخ الإسلامي، بل من أشياء لم تحدث - ومقصود بها تحديدا ~~«النهضة» أو «الإصلاح» - وكانت ستسمح للمسلمين بالخروج مما ينظر إليه على أنه رجعية مبدأ ~~المحافظين «في العصور الوسطى». إنها إجابة بسيطة لمشكلة معقدة. ولا شك أن المعنى المنسوب ~~لكل من «النهضة» و«الإصلاح» يتوقف عليه الكثير. فإذا كانت النهضة تعني حرفيا «إعادة ~~إحياء» الحضارة الكلاسيكية، فربما نقول إن المسلمين قد شهدوا نهضة كهذه قبل أن تشهدها ~~أوروبا بقرون عديدة، وذلك في بغداد في القرن التاسع. ومن ناحية أخرى، إذا قلنا إن النهضة ~~تشير إلى إحياء «أي» فترة ماضية كانت تعتبر فترة مجيدة ثقافيا، فربما يقال إن هذا هو ~~تحديدا ما ينادي به الإسلاميون طيلة قرون؛ كل ما في الأمر أن «الفترة الكلاسيكية» التي ~~يسعون إلى إحيائها من جديد هي عهد محمد وأصحابه. # نقل أيضا عن المحللين قولهم إن المجتمعات الإسلامية سوف ترتبط مع الغرب على ms112 نحو أفضل ~~إذا مرت بالنسخة الإسلامية من الإصلاح البروتستانتي للكنيسة الكاثوليكية (1517-1648 ~~تقريبا). ينسب إلى «الإصلاح» أنه خفف قبضة الكنيسة على المجتمع ومهد الطريق أمام حرية ~~الضمير في العالم المسيحي الغربي؛ وكلا الأمرين أدى إلى ارتقاء «القيم الأخلاقية» عن كل ما ~~عداها. يستطرد هذا الرأي أن «الإصلاح الإسلامي» سوف يصبغ المجتمعات الإسلامية بأفكار ~~التعددية، والتسامح الديني، والحرية الثقافية والفكرية، وكلها عوامل ستجعل الإسلام يتماشى ~~مع باقي العالم «الحديث». وثمة مشكلتان ترتبطان بهذه الإجابة. أولا، أنها تتجاهل حقيقة أن ~~الإصلاح البروتستانتي قد أعقبه ما يزيد عن قرن من العنف وتفكك المجتمع المسيحي على نحو لا ~~رجعة فيه. لا يمكن لأحد أن يقول إن المسلمين - الذين تحتل وحدة الأمة وتحاشي الفتنة ~~المجتمعية أهمية محورية لديهم - قد يخاطرون بجلب الاضطراب إلى أنفسهم حتى يشعر أهل الغرب من ~~غير المسلمين بارتياح أكبر في تعاملاتهم معهم. ثانيا، يمكن القول إن المسلمين قد شهدوا ~~إصلاحا في صورة الوهابية؛ فكل من الوهابيين والبروتستانت سعوا إلى تطهير الدين الحق من ~~الزوائد مثل الحب الشديد للقديسين والأولياء (في كلتا الحالتين) أو تبجيل مريم (في ~~حالة الديانة المسيحية). وبالمثل، فكما تأثر ~~مارتن لوثر بالمفكرين الأوائل أمثال جون ويكليف ويان هوس، فقد استفاد محمد بن عبد الوهاب من ~~كتابات ابن تيمية وابن القيم الجوزية. ومن ثم، فقد مر المسلمون بتجربة «إصلاح»، لكن بعض ~~الغرب كانوا يفضلون أن تأخذ التجربة شكلا مختلفا وأن تسفر عن نتائج مختلفة. وبقدر ما ~~تواصل الوهابية والأشكال الأخرى من السلفية التنافس مع التفسيرات السنية والصوفية والشيعية ~~التقليدية للإسلام، ربما سنشهد لاحقا حل عقدة الإصلاح الإسلامي. # في بداية هذا الكتاب أشرت إلى أن الإسلام مهم، وآمل أن أكون قد أوضحت أن التاريخ الإسلامي ~~مهم أيضا. لقد رأينا بعضا من الطرق العديدة التي يشكل بها التاريخ الإسلامي السياسة ~~والدين في العالم الإسلامي، وتطرقنا لمساهمته في فهمنا للعلاقة بين العالم الإسلامي والغرب ~~«المسيحي-اليهودي» المعاصر. ولا بد من التأكيد في هذا السياق على أن التاريخ الإسلامي ليس ~~الشيء الوحيد الذي يهم ms113 على الإطلاق. فالمحللون الذين يكرسون أنفسهم لدراسة العلاقات الغربية ~~الإسلامية (من أي من الجانبين أو بعيدا عن أي منهما) يدركون عموما أن المسلمين وأهل الغرب ~~يشتركون في مخاوف الحياة واهتماماتها الأساسية؛ فكلنا نريد السلام، والصحة، والازدهار، ~~والاحترام، ومستقبلا أفضل، ونخشى الاضطرار للعيش في ظل غياب هذه الأشياء. لذا تميل ~~التفاعلات الغربية الإسلامية لأن تقاس وتفسر في ضوء علم السياسة الطبيعية، وعلم الاقتصاد، ~~وغيرها من العوامل «المعتادة» الأخرى، مع إلقاء اللوم في التوتر بين الجانبين على انعدام ~~التوازن في الوصول إلى الموارد الضرورية. حاول هذا الكتاب توضيح أن التاريخ الإسلامي هو أحد ~~أجزاء اللغز التي كثيرا ما يغض الطرف عنها. ولا يدرك غير المسلمين في الغرب هذه النقطة، ~~لأن التاريخ يلعب دورا ضئيلا نسبيا في مجتمعاتهم. وسواء أستمر قراء هذا الكتاب في ~~تجاهل تاريخهم أم لا، آمل أن يقدروا أهمية التاريخ «الإسلامي»؛ ليس فقط للمسلمين وإنما ~~أيضا لمن يسعون للارتباط بهم، وأن يفهموا الإسلام والمسلمين. # | مراجع وقراءات إضافية # مقدمة # X. de Planhol, # The World of ~~Islam ~~(New York, 1959), a translation of # Le Monde islamique: essai de géographie ~~réligieuse ~~(Paris, 1957). # الفصل الأول # مؤلفات عامة # J. L. Esposito (ed.), # The Oxford ~~History of Islam ~~(Oxford, 1999). # F. Robinson (ed.), # The Cambridge ~~Illustrated History of the Islamic World ~~(Cambridge, ~~1996). # W. C. Brice and H. Kennedy, # An ~~Historical Atlas of Islam ~~(Leiden, ~~2001). # دراسات تمهيدية # J. Berkey, # The Formation of ~~Islam: Religion and Society in the Near East, ~~600-1800 ~~(Cambridge, 2003). # A. Hourani, # A History of the Arab Peoples ~~(London, 1991). # B. Lewis, # The Arabs in ~~History ~~(London, 1950, and numerous ~~reprints). # تحليلات مفصلة # M. G. S. Hodgson, # The Venture of ~~Islam: Conscience and History in a World Civilization ~~(Chicago, 1974). # I. M. Lapidus, # A History of ~~Islamic Societies ~~(Cambridge, 1988). # الجمال والحضارة الإسلامية # R. Bulliet, # The Camel and the ~~Wheel ~~(Cambridge, Mass., 1975). # الثورة الورقية في العصر العباسي # J. Bloom, # From Paper to Print ~~(New Haven, 2001). # ثورة الطباعة في الأراضي الإسلامية # R. ms114 Bulliet, # The Case for ~~Islamo-Christian Civilization ~~(New York, 2004), ~~chapter # 2 ~~. # وسائل الاتصال في التاريخ الإسلامي # A. J. Silverstein, Postal Systems ~~in the Pre-Modern Islamic World ~~(Cambridge, ~~2007). # الفصل الثاني # العرب # R. Hoyland, # Arabia and the Arabs: ~~From the Bronze Age to the Coming of Islam ~~(London, ~~2001). # Lewis, # Arabs in ~~History ~~(as above). # Hourani, # Arab Peoples ~~(as above). # الفرس # R. N. Frye, # The Golden Age of Persia: The Arabs in the East ~~(London, ~~1993). # D. O. Morgan, # Medieval Persia: ~~1040-1797 ~~(London, 1988). # R. G. Hovannisian and G. Sabbagh (eds.), # The Persian Presence in the Islamic ~~World ~~(Cambridge, 1998). # الأتراك # C. V. Findley, # The Turks in World ~~History ~~(Oxford, 2004). # S. Soucek, # A History of Inner ~~Asia ~~(Cambridge, 2000). # الفصل الثالث # اللورد كلارك عن العمارة اليونانية-الرومانية # Lord Clark, # Civilisation: A Personal View ~~(BBC, 1969), episode 1: 'By the skin of ~~their teeth’. # المسجد # R. Hillenbrand, Islamic Architecture: # Form, Function, and Meaning ~~(Edinburgh, ~~2000). # M. Frishman and H.-U. Khan, # The ~~Mosque: History, Architectural Development, and Regional ~~Diversity ~~(London, 2002). # الجهاد # M. D. Bonner, # Jihad in Islamic ~~History: Doctrines and Practice ~~(Oxford, ~~2006). # J. Kelsay, # Arguing the Just War ~~in Islam ~~(Cambridge, Mass., 2007). # J. Esposito, # Unholy War: Terror ~~in the Name of Islam ~~(Oxford, 2002). # الخلافة/الإمامة P. Crone, # Medieval Islamic Political Thought ~~(Edinburgh, 2004). # W. Madelung, # The Succession to ~~Muhammad: A Study of the Early Caliphate ~~(Cambridge, ~~1997). # الفصل الرابع # جان شاردان # Jean Chardin, # A Journey to Persia: Jean Chardin’s Portrait of a Seventeenth-Century ~~Empire, # ed. and tr. R. W. Ferrier (London, ~~1996). # قراءات عامة # R. S. Humphreys, # Islamic History: ~~A Framework for Enquiry ~~(London, ~~1991). # C. F. Robinson, # Islamic ~~Historiography ~~(Cambridge, 2003). # F. M. Donner, # Narratives of ~~Islamic Origins: The Beginning of Islamic Historical ~~Writing ~~(Princeton, 1998). # جنيزة القاهرة # S. D. Goitein, # A Mediterranean ~~Society: The Jewish Communities of the Arab World as Portrayed ~~in the Documents of the Cairo Geniza ~~; Vol. I, # Economic Foundations ~~(Berkeley, 1967). # A. Ghosh, # In an Antique ms115 ~~Land ~~(New York, 1994). # دراسات النقد المصدري P. Crone and M. Cook, # Hagarism: ~~The Making of the Islamic World ~~(Cambridge, ~~1977). # A. Noth and L. I. Conrad, # The ~~Early Arabic Historical Tradition: A Source-Critical ~~Study, # tr. M. D. Bonner (Princeton, ~~1994). # J. Wansborough, # The Sectarian ~~Milieu: Content and Composition of Islamic Salvation ~~History ~~(Oxford, 1978). # Idem, # Quranic Studies: Sources ~~and Methods of Scriptural Interpretation ~~(Oxford, ~~1977). # الفصل الخامس # اقتباس ساطع الحصري # A. G. Chejne, 'The use of history by modern Arab ~~writers’, # Middle East ~~Journal ~~, 14 (1960). # الاستشراق # E. Said, # Orientalism ~~(London, 1978). # R. G. Irwin, # For Lust of Knowing: ~~The Orientalists and their Enemies ~~(London, ~~1996). # هودجسون # M. G. S. Hodgson, # The Venture of ~~Islam ~~(as above). # M. G. S. Hodgson, # Rethinking ~~World History: Essays on Europe, Islam, and World ~~History, # ed. E. Burke III (Cambridge, ~~1993). # A. Hourani, # Islam in European ~~Thought ~~(Cambridge, 1992), chapter # 3 ~~. # ابن خلدون # Ibn Khaldun, # The Muqaddimah: An ~~Introduction to History ~~, tr. F. Rosenthal (Princeton, ~~1958). # توينبي عن ابن خلدون # A. J. Toynbee, # A Study of ~~History ~~(London, 1935), III: 322. # الطبري # F. Rosenthal, # The History of ~~al-Tabari: General Introduction and from the Creation to the ~~Flood ~~(New York, 1989). # الفصل السادس # الأمية التاريخية بين الشباب الأمريكي # A. Ferguson, # Land of Lincoln: ~~Advertures in Abe’s America ~~(New York, 2007), Preface. # نظرة تقليدية على السنة واستخدام السلفيين ~~(إسلاميين ومعاصرين) للتاريخ الإسلامي # A. Asfaruddin, # The First ~~Muslims: History and Memory ~~(Oxford, ~~2007). # قناة الإسلام # www.islamchannel.tv # الوهابية # M. Al-Rasheed, # A History of Saudi ~~Arabia ~~(Cambridge, 2002). # N. J. Delong-Bas, # Wahhabi Islam: ~~From Revival and Reform to Global Jihad ~~(Oxford, ~~2004). # التطور الديني في إيران الشيعية # R. P. Mottahedeh, # The Mantle of ~~the Prophet: Religion and Politics in Iran ~~(New York, ~~1986). # الخوميني حول حكم المجتهدين # H. Algar (ed./tr.), # Islam and ~~Revolution: Writings and Declarations of Imam ~~Khomeini ~~(Berkeley, 1981). # الشهادة والمذهب الشيعي # D. Cook, # Martyrdom in ~~Islam ~~(Cambridge, 2007). # فتوى القرضاوي # www.islamonline.net ~~(last accessed ~~February 2009). # الفصل السابع ms116 # قيس/اليمن # J. Hathaway, # A Tale of Two ~~Factions ~~(New York, 2003). # التاريخ والقومية العربية # A. G. Chejne, 'The use of history’ (as ~~above). # التاريخ والقومية التركية # C. Hillenbrand, # Turkish Myth and ~~Muslim Symbol: The Battle of Manzikert ~~(Edinburgh, ~~2007). # الخوارج في الخطاب السياسي المصري المعاصر # J. T. Kenney, # Muslim Rebels: ~~Kharijites and the Politics of Extremism in Egypt ~~(Oxford, 2006). # التاريخ الإسلامي في اللغة السياسية المعاصرة # B. Lewis, # The Political Language ~~of Islam ~~(Chicago, 1991). # العصر الذهبي الإسباني # M. Cohen, # Under Crescent and ~~Cross: The Jews in the Middle Ages ~~(Princeton, 1994), ~~chapter # 1 ~~. # الاستنتاجات # M. M. Khan, # The Muslim 100: The ~~Lives, Thoughts, and Achievements of the Most Influential ~~Muslims in History ~~(Leicester, 2008). # An alternative answer to this book’s big question (widely ~~criticized for its perceived anti-Muslim bias), is provided in: B. ~~Lewis, # What Went Wrong: Western Impact and ~~Middle Eastern Response ~~(Oxford, ~~2001). ms117