######OpenITI# #META# URI: 1450IslamSamihRiddan.DavidCopperfield.Hindawi62705804 #META# Tags: literature #META# ID: 62705804 #META# Title: ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون #META# AuthorID: 14791716 #META# Author: تشارلز ديكنز #META# EditorID: 35803081 #META# Editor: محمد يحيى #META# TranslatorID: 17358460 #META# Translator: إسلام سميح الردان #META# Related_books: 1286CharlesDickens.DavidCopperfield (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - طفولته السعيدة‏ # 2 - زيارته لمدينة يارمث‏ # 3 - غرباء في المنزل القديم‏ # 4 - السفر بالعربة‏ # 5 - الأسابيع الأولى في مدرسة سيلم هاوس‏ # 6 - جيه ستيرفورث وترادلز‏ # 7 - حياة المدرسة‏ # 8 - زوار من أجل ديفيد‏ # 9 - مثل الأيام الماضية تماما‏ # 10 - عيد ميلاد لا ينسى‏ # 11 - زفاف بيجوتي‏ # 12 - ديفيد يخرج إلى الدنيا‏ # 13 - العسر المالي لأسرة ميكوبر‏ # 14 - ديفيد يتخذ قرارا‏ # 15 - رحلته الزاخرة بالأحداث‏ # 16 - كيف استقبلته الآنسة بيتسي‏ # 17 - الآنسة تروتوود تقرر‏ # 1 - طفولته السعيدة‏ # 2 - زيارته لمدينة يارمث‏ # 3 - غرباء في المنزل القديم‏ # 4 - السفر بالعربة‏ # 5 - الأسابيع الأولى في مدرسة سيلم هاوس‏ # 6 - جيه ستيرفورث وترادلز‏ # 7 - حياة المدرسة‏ # 8 - زوار من أجل ديفيد‏ # 9 - مثل الأيام الماضية تماما‏ # 10 - عيد ميلاد لا ينسى‏ # 11 - زفاف بيجوتي‏ # 12 - ديفيد يخرج إلى الدنيا‏ # 13 - العسر المالي لأسرة ميكوبر‏ # 14 - ديفيد يتخذ قرارا‏ # 15 - رحلته الزاخرة بالأحداث‏ # 16 - كيف استقبلته الآنسة بيتسي‏ # 17 - الآنسة تروتوود تقرر‏ # | ديفيد كوبرفيلد # | ديفيد كوبرفيلد # | أعدتها للأطفال أليس إف جاكسون # تأليف # تشارلز ديكنز # ترجمة # إسلام سميح الردان # مراجعة # محمد يحيى # الفصل الأول # | طفولته السعيدة # لم يعرف ديفيد كوبرفيلد والده مطلقا؛ لأنه توفي قبل أن يولد ~~ديفيد؛ لكن ديفيد لم ينس قط والدته الشابة الجميلة، ولا شعرها ~~الجميل، وعينيها اللطيفتين اللامعتين. # عندما عاد ديفيد بذاكرته إلى الأيام الضبابية لطفولته، كانت أمه ~~هي أول شخص تذكره؛ وكذلك بيجوتي. # كانت عينا بيجوتي سوداوين، ووجنتاها وذراعاها شديدة الحمرة، ~~لدرجة أن ديفيد كان يتعجب لم لم تفضل الطيور نقرها هي على ~~نقر ثمار التفاح. # وفي عصر يوم صحو نشطت فيه الرياح، من أيام شهر مارس، وهو اليوم الذي ~~ولد فيه ديفيد، كانت السيدة كوبرفيلد جالسة بجوار مدفأة ردهة ~~المنزل، وعندما رفعت عينيها إلى النافذة المقابلة لها رأت في ~~الحديقة سيدة غريبة قادمة. # وعلى الرغم من أن الأرملة الشابة لم تكن قد رأتها من قبل قط؛ ~~فإنها شعرت شعورا جازما أنها الآنسة بيتسي تروتوود؛ عمة زوجها ~~المتوفى، التي كثيرا ms001 ما كان يتحدث عنها. لقد كان ابن أخي الآنسة ~~بيتسي أثيرا عندها، لكنها غضبت عليه للغاية عندما تزوج مثل هذه ~~الزوجة الشابة الأشبه ببنت صغيرة. كانت الآنسة بيتسي تسميها «دمية ~~شمعية»، رغم أن عينيها لم تقعا عليها مطلقا قبل عصر ذلك ~~اليوم. # بدلا من أن تدق الآنسة بيتسي الجرس كأي ضيف آخر، جاءت ~~وأخذت تنظر من النافذة إلى داخل المنزل، حيث ألصقت طرف أنفها قريبا ~~جدا من الزجاج لدرجة أنه صار أفطس وشاحبا للغاية من أثر ضغطه ~~بالزجاج؛ وعندما رأت جسد السيدة كوبرفيلد الشابة الشبيهة بالبنات ~~الصغيرات في ثوب الحداد مثل الأرامل، أشارت إليها لكي تأتي وتفتح ~~الباب. # قالت الآنسة بيتسي وهي تقلب النظر فيها بازدراء: «أظنك السيدة ~~ديفيد كوبرفيلد.» # قالت السيدة كوبرفيلد بوهن: «نعم.» # قالت الضيفة: «أنا الآنسة تروتوود، لقد سمعت عني، أظن ~~هذا.» # قالت السيدة كوبرفيلد إنها سمعت عنها بالفعل. # قالت الآنسة بيتسي، وهي تسير خلف مضيفتها إلى الردهة: «الآن ~~ترينني.» # كانت الآنسة بيتسي تبدو مهيبة للغاية، كما أنها راحت تحدق بقوة، ~~لدرجة أن السيدة كوبرفيلد المسكينة بدأت تبكي. # قالت الآنسة بيتسي: «يا إلهي، كفى. لا تفعلي هذا! تعالي إلي! ~~اخلعي قبعتك يا ابنتي، ودعيني أراك.» # كانت السيدة كوبرفيلد خائفة جدا بحيث لم تستطع أن ترفض؛ لذا ~~خلعت قبعة الأرامل التي ترتديها بيدين متوترتين للغاية لدرجة أن ~~شعرها، الذي كان في غاية الجمال، سقط على وجهها. # صاحت الآنسة بيتسي قائلة: «يا إلهي، يا للروعة! إنك صغيرة ~~للغاية!» # نكست السيدة كوبرفيلد المسكينة رأسها خجلا وكأنما كانت هي ~~المسئولة، تلك البائسة، عن هيئتها التي بدت صغيرة للغاية؛ وبينما ~~راحت تبكي وتتحسر بصوت خافت على أنها ليست سوى أرملة شبيهة ~~بالأطفال، وأنها إذا عاشت فلن تصبح سوى أم شبيهة بالأطفال، ~~خيل إليها أنها أحست بالآنسة بيتسي تلمس شعرها في رفق؛ ~~لكنها عندما رفعت رأسها رأت الضيفة جالسة وقدماها على حاجز ~~المدفأة، وقد شبكت يديها فوق ركبتها، وراحت تنظر بعبوس في ~~النيران. # قالت الآنسة بيتسي، عندما رأت مضيفتها وكأنها قد أوشكت على ms002 ~~الإغماء: «تناولي بعض الشاي. بم تنادين خادمتك؟» # قالت السيدة كوبرفيلد: «بيجوتي.» # رددت الآنسة بيتسي الاسم بسخط: «بيجوتي!» ثم قالت: «أتقصدين أن ~~تقولي إن أي إنسانة قد سميت بيجوتي عند تعميدها؟» # قالت السيدة كوبرفيلد بوهن : «إنه اسم عائلتها. كان السيد كوبرفيلد ~~يناديها به؛ لأن اسم معموديتها كاسمي تماما.» # صاحت الآنسة بيتسي وهي تفتح باب الردهة: «يا بيجوتي! أحضري الشاي. ~~إن سيدتك متعبة قليلا. لا تتلكئي.» # كانت بيجوتي قادمة في الدهليز وفي يدها شمعة، لكنها وقفت مشدوهة ~~من الصوت الغريب الذي يصيح معطيا الأوامر وكأنه صوت سيد المنزل. ~~بعد ذلك أغلقت الآنسة بيتسي الباب من جديد، وجلست كما كانت تجلس من ~~قبل، واضعة قدميها على حاجز المدفأة. # ثم سألت الآنسة بيتسي بعد فترة صمت قصيرة: «وهل كان ديفيد يحسن ~~معاملتك يا بنيتي؟ هل كان كل منكما مرتاحا مع الآخر؟» # كانت الإجابة: «لقد كنا سعيدين للغاية. وكان السيد كوبرفيلد طيبا ~~معي للغاية.» # دخلت بيجوتي بعد برهة ومعها الشاي وبعض الشموع، وعندما رأت مدى ~~السقم البادي على سيدتها الصغيرة أوصلتها إلى غرفتها، واستدعت ~~الطبيب، وتركت الضيفة الغريبة جالسة بمفردها في الردهة. # وقد ولد ديفيد في تلك الليلة؛ وبعد إتمام الولادة توجه السيد ~~تشيليب، الطبيب، إلى الردهة ليتحدث إلى الضيفة الغريبة. التي خلعت ~~قبعتها الصغيرة وربطتها بالأشرطة على ذراعها اليسرى. # فسألت الآنسة بيتسي بجفاء وهي تحدق في الطبيب بتجهم شديد ~~جعل أعصابه تتوتر، وقد كان رجلا قصير القامة للغاية: «كيف ~~حالها؟» # أجاب السيد تشيليب بلطف: «بخير يا سيدتي، سوف ترتاح جدا قريبا، ~~أرجو ذلك، ستنعم بالراحة التي نأمل أن تنعم بها أي أم صغيرة. لا ~~مانع من أن تريها الآن يا سيدتي. قد يكون هذا في صالحها.» # قالت الآنسة بيتسي بحدة: «وهي، كيف حالها؟» أمال السيد تشيليب ~~رأسه قليلا على جنب، وراح ينظر إلى الآنسة تروتوود نظرة طائر ~~لطيف. # قالت الآنسة بيتسي: «المولودة، كيف حالها؟» # أجاب السيد تشيليب: «سيدتي، كنت أظن أنك عرفت. إنه صبي.» # لم تنطق الآنسة تروتوود بكلمة واحدة، وإنما أمسكت قبعتها الصغيرة ms003 ~~من الأشرطة، مثلما تمسك مقلاع الحجارة، ووجهت بها ضربة لرأس السيد ~~تشيليب، ثم وضعتها فوق رأسها مائلة، وخرجت؛ ولم تعد بعد ذلك مطلقا. ~~لقد كانت في حالة كبيرة من خيبة الرجاء لأن المولود كان صبيا. # يا إلهي! لقد كانت تلك أياما جميلة، أقصد السنوات الأولى من طفولة ~~ديفيد. وكانوا سعداء ومبتهجين دائما؛ هو والأم الصغيرة الجميلة، ~~والمخلصة بيجوتي. # وقد كان لمطبخ بيجوتي باب يفتح على فناء خلفي؛ يوجد في منتصفه ~~بيت حمام منصوب على سارية، لكن لم يكن فيه أي حمام، كما يوجد بيت ~~صغير للكلب في أحد الأركان، ولم يكن به أي كلب كذلك، وهناك عدد من ~~الدجاج وديك يقف على عمود ليصيح فوقه. # كما توجد حديقة اعتاد أن يلعب فيها؛ حيث كانت ثمار الفاكهة ~~الناضجة تتراكم على الأشجار في فترة الصيف الدافئة؛ وهناك في طرف ~~الحديقة البعيد أشجار دردار طويلة تميل إحداها على الأخرى في ~~النسيم مثل عمالقة يتهامسون بالأسرار، وتتدلى من فروعها العليا ~~أعشاش غربان بالية هجرتها الغربان منذ زمن بعيد. # وفي فترة الشتاء كان ديفيد يلعب في الردهة، ويتعلم دروسه الصغيرة على ~~يدي أمه وهو لا يزال ملازما لها، كما يرقص معها على ضوء المدفأة ~~عندما تنتهي كل الدروس؛ ويمضيان وقتا جميلا سعيدا! # وذات ليلة كان يجلس هو وبيجوتي بمفردهما إلى جوار مدفأة الردهة؛ ~~لأن السيدة كوبرفيلد كانت قد خرجت لقضاء جزء من الليلة في منزل إحدى ~~جاراتها، وكانت متعة كبيرة لديفيد أن يطيل السهر حتى عودة أمه. ~~حيث ظل يقرأ عن التماسيح، حتى شعر بالإرهاق، وأحس أنه نعسان ~~تماما، لكنه لم يكن ليعترف بذلك مهما كانت الأسباب، ~~بالتأكيد. # قال ديفيد فجأة: «بيجوتي، هل تزوجت قبل ذلك قط؟» # أجابت بيجوتي: «يا للعجب، سيد ديفي، ما الذي جعلك تفكر في أمر ~~الزواج؟» ~~«لكن هل سبق لك الزواج قط يا بيجوتي؟ إنك امرأة جميلة للغاية، ~~أليس كذلك؟» ~~«أنا جميلة؟ يا ديفي! يا للعجب، لا، يا عزيزي! لكن ما الذي جعلك ~~تفكر في أمر الزواج؟» ~~«لا أدري! لكنك لا ms004 تستطيعين الزواج بأكثر من شخص في آن واحد، ~~أليس كذلك يا بيجوتي؟» # قالت بيجوتي: «بلى، بالتأكيد لا يمكنني ذلك.» ~~«لكن لو أنك تزوجت شخصا، وهذا الشخص مات، عندئذ، تستطيعين في هذه ~~الحالة أن تتزوجي شخصا آخر، أليس كذلك يا بيجوتي؟» # قالت بيجوتي: «بلى! أستطيع، إذا اخترت ذلك.» ونظرت باستغراب إلى ~~ديفيد. ~~«أنت لست غاضبة، أظن هذا، أليس كذلك يا بيجوتي؟!» هكذا قال ~~ديفيد؛ لأنه في الحقيقة اعتقد أنها غضبت؛ حيث كانت تتكلم ~~باختصار نوعا ما. # وردا على هذا السؤال وضعت بيجوتي الجورب الذي كانت تنسجه ~~جانبا، وفتحت ذراعيها واحتضنت بينهما ذلك الرأس ذا الشعر المجعد، ~~وضمته إليها ضمة قوية. # وقالت: «والآن أخبرني المزيد عن التماسيح، فإن ما سمعته لا يكاد ~~يكفيني.» بدت بيجوتي متأثرة للغاية، وتمنى ديفيد لو يعرف لم بدت ~~غريبة هكذا؛ لكنه واصل القراءة مرة أخرى حتى دق جرس ~~الحديقة. # خرج الاثنان ليفتحا الباب معا، فوجدا والدة ديفيد وقد بدت أجمل ~~من المعتاد، ومعها رجل ذو شعر أسود جميل وسالفين أسودين جميلين، ~~كان ذلك الرجل قد رافقهما وهما عائدان من الكنيسة يوم الأحد الماضي. ~~فانحنت السيدة كوبرفيلد لتمسك ديفيد بين ذراعيها وتقبله، وقال ~~الرجل إنه فتى أكثر حظا من أي ملك. # فسأل ديفيد بينما تحمله: «ما معنى هذا؟» # لم يزد الرجل على أن ربت على رأسه؛ لكن ديفيد بطريقة ما لم ~~يحبه، وحاول إبعاد يده. # اعترضت السيدة كوبرفيلد على ابنها قائلة: «أوه، ديفي!» # قال الرجل: «يا ولدي العزيز! لست مستغربا من حبه الشديد ~~لك.» # تسلل تورد جميل إلى وجه السيدة كوبرفيلد. وعاتبت ديفيد برفق ~~على وقاحته؛ لكنها ضمته قريبا منها وهي تشكر رفيقها على توصيلها ~~إلى المنزل. # قال الرجل بعدما انحنى مقبلا يد الأم الصغيرة: «ليتمن كل ~~منا ليلة سعيدة للآخر يا ولدي الجميل.» # قال ديفيد: «ليلة سعيدة.» # قال الرجل ضاحكا: «هلم! لنصبح أحسن صديقين في الدنيا. ~~فلنتصافح!» # كانت يد ديفيد اليمنى في يد أمه اليسرى، لذا ناول الرجل يده ~~الأخرى. # قال الرجل ضاحكا: «يا للعجب، هذه اليد ms005 الخطأ يا ديفي.» # سحبت السيدة كوبرفيلد يده اليمنى للأمام؛ لكن ديفيد لم يحبه، ~~ولم يرد أن يناوله إياها، وإنما أصر على تقديم يده اليسرى. ~~لكن الرجل صافحها بحماسة، وقال إنه ولد شجاع، وانصرف؛ وبينما هو ~~في طريقه التفت وراءه وهو في الحديقة، وألقى عليهما نظرة أخيرة ~~بعينيه السوداوين الداكنتي السواد قبل أن يغلق الباب. # اندفعت بيجوتي - التي لم تنطق بكلمة واحدة - وأغلقت الباب، ~~ودخلوا جميعا إلى الردهة. قالت بيجوتي وهي واقفة في وسط الغرفة ~~متيبسة كبرميل، وفي يدها شمعدان: «أرجو أن تكوني قد قضيت ليلة ~~ممتعة يا سيدتي.» قالت السيدة كوبرفيلد بابتهاج إنها قضت ليلة ~~بهيجة جدا. قالت بيجوتي: «يبدو أن ضيفا ما أو ما شابه قد أحدث ~~تغييرا سارا.» # أجابت السيدة كوبرفيلد: «تغيير سار جدا في الواقع.» كان ديفيد ~~بين النائم واليقظان؛ لكن شعورا مقلقا خامره بأن بيجوتي كانت ~~تلوم والدته على شيء ما، وأن والدته كانت تحاول أن تبرر خطأها، ~~وأنها كانت تبكي؛ بعد ذلك انفجرت بيجوتي نفسها في البكاء، واستيقظ ~~ديفيد وراح يبكي هو الآخر، وأخذوا جميعا يبكون. # لكن في يوم الأحد التالي أوصلهم الرجل إلى المنزل مرة أخرى وهم ~~عائدون من الكنيسة، وأدرك ديفيد أن بيجوتي لم تكن أكثر حبا منه ~~لذلك الرجل؛ لكن هذا لم يمنع السيد ميردستون من مرافقتهم إلى المنزل ~~مرة أخرى. أما والدة ديفيد فكانت تلبس أجمل ما في خزانتها من ~~الفساتين، حتى لبستها كلها تباعا، وكانت تكثر جدا من زيارة ~~جارتها تلك. # وفي صباح أحد الأيام من فصل الخريف، عندما كان ديفيد في سن الثامنة ~~تقريبا وبينما هو مع والدته في الحديقة الأمامية، أقبل عليهما السيد ~~ميردستون على صهوة حصان، وبعدما شد عنان حصانه ليوقفه قال إنه ذاهب ~~إلى مدينة لويستوفت لزيارة بعض أصدقائه الموجودين هناك على أحد ~~اليخوت، واقترح أن يركب ديفيد على السرج أمامه، إذا كان يرغب في نزهة ~~على ظهر الحصان. # كان الجو صحوا وصافيا للغاية، وبدا أن الحصان نفسه قد أعجب جدا ~~بفكرة الخروج في نزهة، حيث ms006 ظل يصهل وينكت الأرض بحافره وهو واقف ~~عند بوابة الحديقة، لدرجة أن ديفيد أحس برغبة كبيرة في الذهاب. لذا ~~أرسلته أمه إلى بيجوتي في الطابق العلوي كي تهندم مظهره؛ وفي غضون ~~ذلك ترجل السيد ميردستون عن حصانه، وراح، ولجام حصانه يغطي ~~ذراعه، يتمشى ببطء ذهابا وإيابا في الجانب الخارجي من سياج زهور ~~النسرين، بينما راحت السيدة كوبرفيلد تتمشى معه في الجانب الداخلي من ~~السياج. # اختلس ديفيد وبيجوتي النظر إليهما من نافذة ديفيد الصغيرة، وبطريقة ~~ما انزعجت بيجوتي للغاية، وسرحت شعر ديفيد في الاتجاه الخطأ وبشدة ~~كبيرة. # لكن ديفيد أصبح جاهزا بعد قليل، وخلال وقت قصير أصبحا على ظهر ~~الحصان وقد انطلق يعدو بهما فوق العشب الأخضر على جانب الطريق. أمسك ~~السيد ميردستون ديفيد بسهولة كبيرة بذراع واحدة، وأحس ديفيد بشيء ~~ما يجذبه للاستدارة والنظر إلى وجهه؛ ورغم أنه لم يستطع أن يتخذ ~~قرارا بزيادة درجة محبته له بأي صورة، فقد اعتقد أنه رجل وسيم ~~للغاية. # ذهب ديفيد والسيد ميردستون إلى فندق على البحر، وكان في الفندق ~~رجلان يدخنان السيجار في غرفة بمفردهما. # صاح الرجلان قائلين: «مرحبا ميردستون! لقد حسبناك مت.» # قال السيد ميردستون: «ليس بعد.» # قال أحد الرجلين وهو ممسك بديفيد: «ومن هذا الغلام؟» # أجاب السيد ميردستون: «إنه ديفي.» # قال الرجل: «ديفي من؟ ديفي جونز؟» # قال السيد ميردستون: «كوبرفيلد.» ~~«ماذا! ابن الفاتنة السيدة كوبرفيلد؟ الأرملة الصغيرة ~~الجميلة؟» # قال السيد ميردستون: «انتبه لكلامك لو سمحت. ثم شخص حاد الذهن ~~هنا.» # راح الاثنان بعد ذلك يتمشيان فوق المنحدر الصخري، ثم جلسا ~~على العشب، وبعدها نظرا إلى إلى السماء بواسطة أحد التلسكوبات، ثم ~~عادا إلى الفندق ليتناولا غداء مبكرا؛ وبعد ذلك ركبا ~~اليخت. # كان على متن اليخت رجل لطيف للغاية، ذو رأس كبير جدا وشعره أحمر ~~اللون، ويرتدي فوقه قبعة لامعة صغيرة للغاية، كما كان يلبس قميصا ~~أو صديريا مخططا بخطوط عرضية ومكتوبا على صدره بأحرف كبيرة ~~«قبرة السماء». وقد ظن ديفيد أن هذا هو اسمه؛ ولأنه يعيش على ~~متن اليخت وليس لديه ms007 باب على الشارع ليضع اسمه عليه، فقد وضعه ~~على صدره بدلا من ذلك؛ لكنه عندما نادى عليه باسم السيد قبرة ~~السماء، قال الرجل إنه اسم اليخت. # ثم عادا إلى المنزل مع بداية المساء، وراحت السيدة كوبرفيلد والسيد ~~ميردستون يتمشيان مرة أخرى بجوار السياج بينما أرسلت ديفيد إلى داخل ~~المنزل ليتناول شاي الخامسة مساء؛ وعندما رحل السيد ميردستون سألت ~~والدة ديفيد ابنها عما فعله طوال اليوم. # وقد قص عليها ديفيد كل شيء، دون أن ينسى إخبارها أن أحد ~~الرجلين في الفندق نعتها ب«السيدة كوبرفيلد الفاتنة»، و«الأرملة ~~الصغيرة الجميلة»، وهو ما وصفته السيدة كوبرفيلد بالهراء، لكنها ~~راحت تضحك كذلك، وبدت مسرورة قليلا. # قالت السيدة كوبرفيلد بتلعثم: «ديفيد، عزيزي.» ~~«نعم يا أمي.» ~~«لا تخبر بيجوتي؛ فربما تغضب منهما. أفضل ألا تعرف بيجوتي ~~بهذا.» وبالطبع وعدها ديفيد ألا يخبرها. # الفصل الثاني # | زيارته لمدينة يارمث # «سيد ديفي.» هكذا قالت بيجوتي ذات ليلة، بعد حوالي شهرين من نزهته ~~مع السيد ميردستون على متن الجواد - بينما كانا جالسين معا، حيث ~~كانت السيدة كوبرفيلد تقضي الليلة خارج المنزل - «سيد ديفي، ما رأيك ~~في السفر معي لقضاء أسبوعين في منزل أخي بمدينة يارمث؟ ألن يكون هذا ~~ممتعا؟» # سألها ديفيد: «هل أخوك رجل لطيف يا بيجوتي؟» # صاحت بيجوتي قائلة، وقد رفعت يديها للأعلى: «أوه، كم هو لطيف! ثم ~~إن هناك البحر، والقوارب والسفن؛ والصيادين والشاطئ؛ وآم لتلعب ~~معه.» وهي تقصد هام ابن أخيها. # تحمس ديفيد كثيرا للفكرة، وأجاب بأنه سيكون شيئا ممتعا حقا، ~~لكنه تساءل عن رأي أمه في الأمر؟ # قالت بيجوتي: «يا إلهي، إنني في الواقع أراهن على جنيه ذهبي ~~أنها ستسمح لنا بالذهاب. سأطلب منها ذلك، إذا أحببت، حالما تأتي ~~إلى المنزل. ما رأيك الآن!» # سألها ديفيد: «لكن ماذا ستفعل أثناء سفرنا؟ إنها لا تستطيع العيش ~~بمفردها.» # بدت بيجوتي مرتبكة جدا للحظة، وتظاهرت بالبحث عن ثقب آخر في ~~الجورب الذي كانت ترفوه. ~~«أرى يا بيجوتي أنها لا تستطيع العيش بمفردها، كما تعلمين.» # قالت بيجوتي وهي ترفع نظرها إليه ms008 وكأنها تذكرت فجأة: «أوه، باركك ~~الله! ألا تعلم أنها ستمكث مدة أسبوعين مع السيدة جريبر؟ سيكون عند ~~السيدة جريبر الكثير من الضيوف.» # وهكذا، أصبح ديفيد مستعدا تماما للذهاب؛ وراح ينتظر على أحر ~~من الجمر أن تعود أمه إلى المنزل كي ينطلق لتنفيذ هذه الفكرة ~~العظيمة. # لم تتفاجأ أمه ألبتة من دعوة بيجوتي. وفي الواقع، لقد بدا أنها ~~كانت تعلم كل شيء عن الأمر، ووافقت على الخطة في الحال. # وقد تقرر أن يسافرا في عربة أحد الحمالين والتي غادرت قرية ~~بلاندستن في الصباح؛ بعد الإفطار؛ لأنه في تلك الأيام لم يكن يوجد ~~سكك حديدية على الإطلاق. حيث حزمت حقيبة ديفيد، وحزمت حقيبة ~~بيجوتي، وعندما جاء الصباح الزاخر بالأحداث، وقفوا عند البوابة ينتظرون ~~عربة الحمال؛ وراحت أم ديفيد تقبله قبلات الوداع، وتضمه ~~إليها بشدة لدرجة أنه أحس بقلبها يدق على قلبه. وعندما وصلت ~~العربة، ركبها هو وبيجوتي، وبينما هي تبتعد بهما انطلقت أمه تجري ~~من عند البوابة، وراحت تنادي على الحمال ليتوقف كي تقبل ابنها ~~الصغير مرة أخرى. # في النهاية ابتعدا تماما، وتركاها واقفة في الطريق؛ وعندما نظرا ~~وراءهما رأيا أن السيد ميردستون قد جاء إلى حيث هي واقفة، وبدا أنه ~~كان يتجادل معها بشأن تأثرها الشديد هذا؛ وراح ديفيد، وهو ينظر من ~~النافذة الخلفية المظللة في العربة، يتعجب من علاقة السيد ~~ميردستون بهم. # كان الحصان، كما اعتقد ديفيد، أكثر الأحصنة كسلا في الدنيا؛ فهو ~~يسير متثاقلا ورأسه إلى الأسفل، كما نكس الحمال رأسه هو الآخر، ~~مثلما فعل الحصان، وراح يتهدل إلى الأمام تهدل النعسان أثناء ~~القيادة، بينما إحدى ذراعيه ممدودة على كلتا ركبتيه، وأخذ يصفر ~~كثيرا. # كانت بيجوتي تحمل على ركبتها سلة بها وجبة خفيفة، فراحت هي وديفيد ~~يأكلان الأشياء الطيبة من أجل تمضية الوقت؛ لكن الحمال توقف في ~~أماكن كثيرة ليوصل الطرود التي معه، لدرجة أن ديفيد قد أصيب بسأم ~~شديد، لكنه شعر بسعادة كبيرة عندما رأى مدينة يارمث أخيرا. # كان هناك بحارة يسيرون في الشارع، وعربات تجلجل فيه ذهابا ms009 ~~وإيابا، كما فاحت فيه روائح السمك وجدائل الحبال القديمة والقطران ~~و... # صاحت بيجوتي بحماسة قائلة: «ها هو ذا آم ابن أخي! لقد كبر لدرجة ~~أني عرفته بصعوبة!» وذلك عندما خطا شاب قوي ضخم البنية يبلغ ~~طوله ستة أقدام وله وجه صبياني الملامح وشعر متجعد أشقر اللون، ~~خارج باب الحانة التي كان ينتظرهما فيها. # حيث أمسك ديفيد ووضعه على ظهره ليحمله إلى المنزل، بينما حمل حقيبة ~~ديفيد تحت ذراعه. وتبعتهما بيجوتي بالحقيبة الأخرى، وانعطفوا إلى أزقة ~~مكسوة بالرمال وقطع الروث المجفف؛ ثم مروا على ساحات صناع القوارب، ~~ومصانع الحبال، ودكاكين الحدادين، حتى خرجوا إلى أرض قاحلة منبسطة ~~يمكنهم رؤية البحر على جانبها الآخر. # فقال هام: «منزلنا هذا الذي هناك يا سيد ديفي.» # تساءل ديفيد قائلا: «إنه ليس هذا، أليس كذلك؟ هذا شيء شبيه ~~بسفينة.» لأنه لم ير أي منزل على الإطلاق - لا شيء سوى مركب ~~بضائع أسود اللون، لم يكن بعيدا جدا، وهو جاف وثابت على اليابسة، ~~ويخرج منه أنبوب معدني يقوم مقام مدخنة، ينبعث منه الدخان ~~بانسيابية شديدة. # قال هام: «إنه هو يا سيد ديفي.» # أخذ ديفيد يشهق ابتهاجا بالفكرة الرومانسية التي جعلتهم يعيشون في ~~مكان كهذا. حيث يوجد هناك باب مبهج صنعت فتحته في جانب المركب، ~~وهو مسقوف، ويحتوي على نوافذ صغيرة؛ لكن الجميل المدهش فيه أنه ~~كان مركبا حقيقيا وقد نزل من دون شك إلى الماء مئات المرات قبل ~~ذلك، ولم يكن مصمما مطلقا للعيش فيه على اليابسة. # كان المركب نظيفا بصورة مبهجة من الداخل، وفي غاية الترتيب. ~~حيث توجد منضدة، وساعة هولندية، وخزانة ذات أدراج وضعت فوقها ~~صينية شاي، وهي مسنودة بإحدى نسخ الكتاب المقدس كي لا تسقط، مع بعض ~~الفناجين وصحون الفناجين وإبريق شاي حول الكتاب. كما توجد صناديق ~~للجلوس عليها بدلا من الكراسي، ويتدلى من دعائم السقف بعض الخطاطيف ~~التي راح ديفيد يتساءل فيم كانت تستخدم. # وقد رحبت بهم امرأة مهذبة للغاية ترتدي مريلة بيضاء، وبنت ~~صغيرة جميلة ترتدي عقدا من خرز أزرق اللون، ولم ms010 تسمح لديفيد بأن ~~يقبلها، وإنما جرت بعيدا واختبأت. # وبعد ذلك فتحت بيجوتي بابا صغيرا لترشد ديفيد إلى غرفة نومه. وهي ~~تقع في مؤخرة المركب؛ وقد وجدها ألطف غرفة نوم صغيرة رأتها عينه ~~على الإطلاق، وبها نافذة صغيرة في المكان الذي كانت توضع فيه الدفة؛ ~~ومرآة صغيرة، تناسب طول قامة ديفيد تماما، وهي مثبتة على ~~الحائط، ومحاطة بإطار من أصداف المحار؛ وبها كذلك سرير صغير ~~يستطيع المرء بالكاد أن يدخله من ضيق المساحة المتاحة لذلك؛ كما كان ~~في الغرفة باقة زهر من العشب البحري في كوب أزرق اللون على ~~المنضدة. # ثم تناولوا أسماك الداب الصغيرة المفلطحة المسلوقة على الغداء، مع ~~زبد مصهور، وبطاطس، وشريحة لحم من أجل ديفيد؛ وما إن انتهوا من ~~تناول الغداء حتى دخل عليهم رجل كثير الشعر ذو وجه لطيف للغاية، ~~وقدموه لديفيد باسم السيد بيجوتي؛ ربان البيت، وأخو السيدة ~~بيجوتي. # قال السيد بيجوتي: «سررت برؤيتك يا سيدي، سوف تجد أننا خشنو ~~الطبع يا سيدي، لكننا متأهبون للمساعدة.» # شكره ديفيد، وقال إنه متأكد أنه سيكون سعيدا في مثل هذا المكان ~~المبهج. # سأله السيد بيجوتي: «كيف حال والدتك يا سيدي؟ هل تركتها سعيدة ~~بدرجة كبيرة؟» # قال ديفيد: «نعم.» وأضاف أنها ترسل له تحياتها. # قال السيد بيجوتي: «أنا في غاية الامتنان لها بالتأكيد.» ثم قال وهو ~~يومئ إلى أخته، وهام، والصغيرة إميلي: «حسن يا سيدي، إذا كنت ~~ستستطيع الإقامة هنا مدة أسبوعين كاملين معنا، فسنشرف بصحبتك.» ثم ~~خرج السيد بيجوتي ليغتسل بملء قدر من الماء الساخن. # وبعد احتساء الشاي أغلق الباب، وأعد كل شيء ليصبح مريحا ~~ودافئا؛ لأن ليالي تلك الفترة كانت باردة وضبابية. # ثم تغلبت الصغيرة إميلي على خجلها، وجلست مع ديفيد على الخزانة ~~الأقرب إلى الأرض، والتي لم تكن تتسع إلا لشخصين، وكان ركن المدخنة ~~يستوعبها تماما. بينما أخذت السيدة المهذبة ذات المريلة البيضاء ~~تحيك شيئا ما على الجانب الآخر من نار المدفأة؛ وبدت بيجوتي، وهي ~~تعمل بالتطريز، على حريتها تماما وكأنها في بيتها. أما هام فراح ~~يعلم ms011 ديفيد بعض الحيل في لعبة الورق، وجلس السيد بيجوتي في ~~استرخاء يدخن غليونه. # بعد قليل قال ديفيد: «سيد بيجوتي.» # قال السيد بيجوتي: «نعم يا سيدي.» ~~«هل سميت ابنك هام لأنك تعيش في نوع من أنواع الفلك؟» ~~«لا يا سيدي، أنا لم أسمه مطلقا.» ~~«فمن سماه بهذا الاسم إذن؟» ~~«يا إلهي، أبوه يا سيدي هو الذي سماه به.» # قال ديفيد: «كنت أحسب أنك أنت أبوه.» # قال السيد بيجوتي: «لقد كان أبوه أخي جوي.» # سأل ديفيد، بعد فترة صمت معبرة عن الاحترام: «هل توفي، يا سيد ~~بيجوتي؟» # قال السيد بيجوتي: «لقد غرق.» # تفاجأ ديفيد للغاية عندما اكتشف أن السيد بيجوتي لم يكن والد هام، ~~لدرجة أنه بدأ يتساءل بعد ذلك عن طبيعة صلته بالصغيرة إيميلي؛ فبادر ~~ديفيد، وهو يلقي إليها نظرة عجلى، قائلا: «والصغيرة إيميلي، إنها ~~ابنتك أليس كذلك يا سيد بيجوتي؟» ~~«لا يا سيدي. بل كان أبوها توم، زوج أختي.» # سأل ديفيد، بعد فترة صمت أخرى معبرة عن الاحترام: «هل توفي يا ~~سيد بيجوتي؟» # قال السيد بيجوتي: «غرق.» ~~«أما لديك أي أطفال يا سيد بيجوتي؟» ~~«بلى يا سيدي. إنني أعزب.» # صاح ديفيد باندهاش: «أعزب!» وأشار إلى السيدة المهذبة ذات المريلة ~~البيضاء وقال: «يا للعجب، ومن هذه؟» # قال السيد بيجوتي: «هذه السيدة جوميدج.» # بادر ديفيد إلى السؤال: «جوميدج؟» لكن بيجوتي - مربيته بيجوتي - ~~عبست في وجهه ليكف عن الكلام؛ وهكذا ظل ديفيد ساكتا حتى حان ~~وقت النوم. # بعد ذلك، عندما انفردت به في حجرته الصغيرة، أخبرته أن هام وإيميلي ~~يتيمان، وأن عمهما تبناهما عندما فقدا أبويهما؛ وأن السيدة ~~جوميدج أرملة شريكه في أحد القوارب، وقد توفي شريكه هذا فقيرا ~~جدا، فآواها السيد بيجوتي في بيته هي الأخرى عندما أصابها العوز؛ ~~وأن الشيء الوحيد الذي يغضب السيد بيجوتي هو أن يذكره أحد بعمله ~~النبيل معها. # أعجب ديفيد للغاية بطيبة السيد بيجوتي، وظل يفكر فيها قبل أن ~~يأخذه النوم. # ذهبت بيجوتي والسيدة جوميدج والصغيرة إيميلي للنوم في حجرة صغيرة ~~أخرى في الطرف المقابل من المركب، ms012 وعلق السيد بيجوتي وهام لنفسيهما ~~أرجوحتين شبكيتين في الخطاطيف التي كان ديفيد قد رآها معلقة في ~~السقف عند أول دخوله إلى البيت. # استيقظ ديفيد مبكرا في صباح اليوم التالي، وخرج مع الصغيرة إيميلي ~~يجمعان الصخور على الشاطئ. # قال لها ديفيد: «لا بد أنك بحارة ماهرة.» # أجابت إيميلي، وهي تهز رأسها: «لا، أنا أخاف من البحر.» # صاح ديفيد بقوة، وهو ينظر بجسارة إلى الأمواج العظيمة: «تخافين! ~~أنا لا أخاف منه.» # قالت الصغيرة إيميلي: «آه! لكنه قاس. لقد رأيت منه قسوة شديدة ~~على بعض رجالنا. لقد رأيته وهو يمزق مركبا في حجم بيتنا ~~قطعا.» ~~«أرجو ألا يكون هو المركب الذي ...» # قالت إيميلي: «الذي غرق فيه أبي؟ لا. ليس هذا. أنا لم أر ذلك المركب ~~قط.» # سألها ديفيد: «ولا رأيت أباك؟» # هزت الصغيرة إيميلي رأسها. وقالت: «ليس بما يكفي ~~لأتذكره.» # أخبرها ديفيد أنه هو الآخر لم ير أباه مطلقا، وأنه يعيش هو وأمه ~~بمفردهما وينويان أن يكونا كذلك دائما؛ لأنهما سعيدان للغاية. كما ~~أخبرها أن قبر أبيه موجود في فناء الكنيسة قريبا من منزلهم، حيث ~~تظلله إحدى الأشجار. # قالت إيميلي إنه ما من أحد يعرف شيئا عن مكان قبر أبيها، باستثناء ~~أنه في موضع ما في البحر. # وأضافت، وهي تبحث عن الأصداف والحصى: «وفوق ذلك، فقد كان والدك ~~سيدا نبيلا، وأمك سيدة نبيلة؛ أما أبي فكان صيادا وأمي بنت أحد ~~الصيادين، وعمي دان صياد كذلك.» # سألها ديفيد: «دان هو الاسم الأول للسيد بيجوتي، أليس كذلك؟» # أجابت إيميلي وهي تومئ برأسها ناحية البيت المركب: «عمي دان؛ الذي ~~هناك.» # قال ديفيد: «نعم. أقصده هو. لا بد أنه طيب للغاية، أعتقد ~~هذا.» # قالت إيميلي: «طيب؟! لو كان لي أن أصبح من النبيلات يوما لمنحته ~~سترة زرقاء سماوية ذات أزرار ماسية، وبنطلونا من قماش الننكين، ~~وصديريا مخمليا أحمر اللون، وقبعة مرفوعة الحواف، وساعة جيب ~~ذهبية كبيرة، وغليونا فضيا، وصندوقا من المال.» # ظل الاثنان يتمشيان مسافة طويلة، ويلتقطان أشياء غريبة من على ~~الشاطئ، ثم عادا لتناول الإفطار في ms013 البيت المركب ووجهاهما يتوهجان ~~صحة وسعادة. # لقد أصبحا صديقين حميمين للغاية، وصارا يتمشيان في سهل يارمث ~~ذاك بالساعات يبحثان فيه عن أشياء لافتة للنظر، ثم يعودان إلى البيت ~~المركب في أوقات الطعام وهما جائعان مثل طائرين صغيرين من طيور ~~السمنة، هكذا كان يقول السيد بيجوتي. # لقد كان وقتا بهيجا جدا. # أما الإنسانة الوحيدة التي لم تكن على درجة كبيرة من التناغم، الذي ~~كان بإمكانها تحقيقه، مع هذا البيت الصغير الهانئ هي السيدة ~~جوميدج. # كانت السيدة جوميدج تعاني اكتئابا، وتشير إلى نفسها «كإنسانة بائسة ~~وحيدة»؛ وعندما يزيد اكتئابها جدا، كانت تلمح كثيرا بطريقة ~~رآها ديفيد أكثر من المستساغ، إلى أنه كان الأجدر بها أن تذهب إلى ~~الملجأ، وأن تموت، وتنال الخلاص. # وهو ما كان السيد بيجوتي يرد عليه بلطف قائلا: «لا تبتئسي أيتها ~~الفتاة.» # فترد السيدة جوميدج قائلة: «إنني لست كما أتمنى أن أكون، أنا ~~بعيدة جدا عن ذلك. أنا أعلم حقيقتي. إن مشاكلي قد جعلت مني امرأة ~~مناقضة. ليتني أتعود على احتمال صعابها، لكنني لا أستطيع. إنني أبث ~~الضيق في البيت. أنا إنسانة بائسة وحيدة، ويجدر بي ألا أجعل من ~~نفسي امرأة مناقضة هنا. إذا كان لا مفر من أن تناقضني الظروف، وأن ~~أصبح مناقضة أنا الأخرى، فلتدعني أعيش مناقضة في ملجأ أبرشيتي يا ~~دانيال؛ إنه ليجدر بي أن أدخل الملجأ، وأن أموت هناك، وأنال ~~الخلاص.» # ثم تذهب السيدة جوميدج بعد ذلك إلى فراشها، وعندما كان ديفيد ينظر ~~إلى السيد بيجوتي، وهو يتوقع أن يراه مغتاظا أو منزعجا، يجده لا ~~يزيد على أن ينكس رأسه وعلى وجهه نظرة تعاطف عميق، ويهمس ~~قائلا: «لقد كانت تفكر في رجلها.» # وهو يقصد الفقيد السيد جوميدج. وعندما أدخل نفسه في أرجوحته ~~الشبكية ليلا، بعد واحدة من نوبات المشاكسة التي تعتري السيدة ~~جوميدج، سمعه ديفيد وهو يردد بينه وبين نفسه: «المسكينة! لقد كانت ~~تفكر في رجلها.» # يا للعجب! ما أسرع انقضاء هذين الأسبوعين! حيث كان هام في وقت فراغه ~~يمشي مع ديفيد والصغيرة إيميلي، ويريهما ms014 القوارب والسفن، وقد أخذهما ~~مرة أو مرتين في جولة على قارب ذي مجاديف. وبأسرع مما يتمنون حان ~~في نهاية الأمر وقت العودة إلى البيت. # رافقت الصغيرة إيميلي ديفيد إلى الحانة حيث كانت عربة الحمال ~~تنتظر، ووعدها ديفيد، وهو في الطريق، أن يكتب إليها. # لقد حزن الاثنان جدا لافتراقهما؛ وذلك لأنهما صارا صديقين ~~مقربين للغاية؛ لكن كان عليهما أن يودعا بعضهما؛ وعندما بدأت ~~عربة الحمال رحلتها إلى قرية بلاندستن، تذكر ديفيد، وهو يهتز ~~سرورا، أنه سيرى أمه ثانية. # الفصل الثالث # | غرباء في المنزل القديم # عندما اقتربا من البيت العتيق الحبيب إليهما، ومرا بأماكن ~~مألوفة، ازدادت حماسة ديفيد للغاية، وأخذ يلفت انتباه بيجوتي إلى ~~تلك الأماكن، ويبدي مدى توقه للارتماء بين ذراعي أمه. # ولسبب ما، لم تنخرط بيجوتي معه في فرحته العارمة، وإنما حاولت ~~أن تكبحها بهدوء، وبدت مرتبكة غاضبة. # لكنهما وصلا أخيرا إلى منزل روكاري (هو اسم منزلهم، ويعني اسمه: ~~بيت الغربان) بقرية بلاندستن؛ فأوقف الحمال حصانه، ونزل ديفيد ~~وبيجوتي. # انفتح الباب، ورفع ديفيد رأسه، وهو بين ضحك وبكاء، كي يرى أمه؛ ~~لكن لم تكن أمه تلك التي عند الباب. لقد كانت خادمة غريبة. # صاح ديفيد بنبرة حزينة قائلا: «يا إلهي، بيجوتي! ألم تأت أمي إلى ~~البيت؟» # قالت بيجوتي: «بلى، بلى يا سيد ديفي، لقد عادت إلى البيت. انتظر ~~قليلا يا سيد ديفي، وسوف ... سوف أخبرك أمرا.» # كانت بيجوتي في حالة شديدة من القلق. ثم أمسكت ديفيد من يده، ~~وأخذته إلى المطبخ، وأغلقت الباب. # صاح ديفيد في ذعر شديد: «بيجوتي! ما المشكلة؟» # أجابت بيجوتي، وهي تحاول الكلام بنبرة مبتهجة: «ما من مشكلة يا ~~سيدي العزيز ديفي، باركك الله.» ~~«بل هناك مشكلة، أنا متأكد من هذا. أين أمي؟» # رددت بيجوتي كلامه قائلة: «أين أمك، يا سيد ديفي؟» # قال ديفيد: «نعم، لماذا لم تخرج إلى البوابة، ولماذا أتينا إلى هنا؟ ~~آه يا بيجوتي!» وبدأ يرتجف. ~~«بوركت أيها الغالي! ما الأمر؟ تكلم يا حبيبي!» ~~«لم تمت، هي الأخرى! آه، هل ماتت يا بيجوتي؟» # صاحت ms015 بيجوتي قائلة: «لا.» ثم قالت له، وهي تلهث، إنه قد أفزعها ~~للغاية. وأضافت، عندما هدأت: «أتدري يا عزيزي، كان يجدر بي أن أخبرك ~~قبل الآن، لكن لم تتح لي الفرصة. ربما كان ينبغي لي أن أصنع أنا تلك ~~الفرصة، لكنني لم أستطع أن أتذكرها.» # ألح عليها ديفيد قائلا، وقد تملكه الخوف أكثر من ذي قبل: ~~«أكملي يا بيجوتي.» # قالت بيجوتي وهي تحل قلنسوتها بيد مرتعشة: «سيد ديفي، ما رأيك؟ ~~لقد أصبح لديك أب! واحد جديد!» # ردد ديفيد كلامها: «واحد جديد!» # التقطت بيجوتي أنفاسها، وقالت وهي تمد يدها: «تعال لتراه.» ~~«لا أريد أن أراه.» # قالت بيجوتي: «ووالدتك.» # أخذته بيجوتي إلى الردهة، وتركته هناك. # حيث كانت أمه تجلس على أحد جانبي المدفأة؛ وعلى الجانب الآخر يجلس ~~الرجل ذو السالفين الأسودين. # لقد تزوجت السيدة كوبرفيلد السيد ميردستون. # تركت السيدة كوبرفيلد ما كان في يدها من أعمال التطريز، ونهضت ~~مسرعة، ولكن بتهيب، لاستقبال ابنها الصغير. # قال السيد ميردستون: «والآن يا كلارا، يا عزيزتي، تحكمي في أعصابك. ~~أيها الولد ديفي، كيف حالك؟» # صافحه ديفيد. ثم ذهب وقبل أمه. فقبلته أمه هي الأخرى، وربتت ~~برفق على كتفه، وعادت لما كان في يدها من أعمال التطريز ثانية، ~~وكأنما كانت تخشى أن تظهر مدى شدة حبها لابنها الصغير أمام ~~زوجها. # شعر ديفيد بذهول شديد. وهو يعلم أن السيد ميردستون ينظر إلى كل ~~منهما، فاستدار إلى النافذة وراح ينظر خارجها. # ثم انسل ديفيد إلى الطابق العلوي حالما أتيحت له الفرصة. ولم ~~يدخل إلى غرفة النوم القديمة الحبيبة. حيث أصبحت له غرفة نوم غيرها ~~الآن. كم تغير كل شيء! لم يعد المكان يشبه البيت القديم في شيء ~~تقريبا. نزل ديفيد إلى الطابق السفلي، وراح يتجول في الفناء؛ ~~لكن بيت الكلب الخالي أصبح به كلب أسود كبير، وقد ثار غضبه جدا ~~عندما رأى ديفيد، وقفز خارج البيت ليصل إليه. # فعاد ديفيد مسرعا إلى غرفة نومه، وظل طوال المسافة إلى الطابق ~~العلوي يسمع نباح الكلب في الفناء. كان قلبه مثقلا بحزن كبير؛ ms016 يا ~~إلهي! يا لها من عودة إلى المنزل! # جلس ديفيد على طرف سريره وراح يتذكر الصغيرة إيميلي، وتمنى لو أنهم ~~تركوه معها؛ لأنه يبدو ألا أحد يريده هنا. لقد أحس بتعاسة كبيرة ، ~~وفي النهاية غطى نفسه بأحد أطراف غطاء السرير، وراح يبكي إلى أن ~~نام. # استيقظ ديفيد في النهاية على صوت يقول: «ها هو ذا.» وأزال شخص ما ~~غطاء السرير من على رأسه. وحينئذ وجد أن والدته وبيجوتي قد جاءتا ~~تبحثان عنه. # قالت أمه: «ديفي، ما المشكلة؟» # اعتقد ديفيد أنه من الغريب أن تسأله أمه هذا السؤال؛ وأدار وجهه ~~ليخفي شفتيه المرتجفتين. # قالت أمه ثانية: «ديفي، ديفي، يا بني.» # لكن ديفيد خبأ وجهه في كسوة السرير، وأبعد أمه عنه ~~بيده. # قالت والدة ديفيد: «بيجوتي، هذه فعلتك، أنت أيتها القاسية.» هكذا ~~راحت تصيح متهمة إياها بأنها حاولت أن تجعل ابنها يتحامل ~~عليها. # قالت بيجوتي: «سامحك الله يا سيدة كوبرفيلد، وأرجو ألا تندمي أبدا ~~على ما قلته الآن!» # قالت والدة ديفيد: «يكفي ~~تشويشا لي ... في شهر العسل أيضا، بينما كان من الممكن أن أحظى بقليل ~~من راحة البال والسعادة.» ثم صاحت وهي تدير رأسها بينهما بطريقتها ~~العنيدة الشبيهة بتصرفات البنات: «ديفي، أنت أيها الولد السيئ السلوك! ~~وأنت يا بيجوتي!» # فجأة أحس ديفيد بلمسة يد علم أنها لم تكن يد أمه ولا يد ~~بيجوتي، فانزلق واقفا على قدميه بجوار السرير. حيث كانت يد السيد ~~ميردستون، وظل ممسكا ذراع ديفيد بها، وقال: ~~«ما هذا؟ كلارا، حبيبتي، هل نسيت؟ الثبات يا عزيزتي!» # قالت والدة ديفيد بتلعثم: «أنا آسفة جدا يا إدوارد. كنت أريد أن ~~أكون في أحسن حال، لكنني منزعجة جدا.» # قال السيد ميردستون: «فعلا! هذا خبر سيئ وقد جاء قبل أوانه.» ثم ~~جذبها إليه، وهمس بشيء في أذنها، وقبلها، وأضاف قائلا: «انزلي ~~أنت يا حبيبتي؛ سوف أنزل أنا وديفيد معا.» ثم التفت إلى بيجوتي ~~عابسا وقال: «صديقتي، هل تعلمين اسم سيدتك؟» # قالت بيجوتي: «إنها سيدتي منذ وقت طويل يا سيدي. ينبغي أن أكون على ms017 ~~علم به.» # أجابها: «هذا صحيح، لكنني وأنا صاعد على الدرج، سمعتك ~~تخاطبينها باسم غير اسمها. ألا تعلمين أنها قد أصبحت تحمل اسمي، هل ~~ستتذكرين هذا؟» # انحنت بيجوتي، دون رد، ثم خرجت من الغرفة، وهي تنظر إلى ديفيد ~~نظرات خائفة عجلى؛ وعندما أصبح الاثنان بمفردهما، جلس السيد ~~ميردستون على كرسي وأوقف ديفيد أمامه. # وقال: «ديفيد، لو كان علي التعامل مع حصان أو كلب عنيد، ماذا ~~تظنني سأفعل؟» ~~«لا أدري.» ~~«سأضربه.» وهنا شهق ديفيد. «سأجعله يجفل ويتألم ألما شديدا. ما ~~هذا الذي على وجهك؟» # قال ديفيد: «إنه متسخ.» لأن قلبه الطفولي كان سيتفطر حزنا قبل ~~أن يعترف بأن البقع التي على وجهه كانت من أثر الدموع. # ابتسم السيد ميردستون. وقال وهو يشير إلى حوض الاغتسال: «اغسل هذا ~~الوجه أيها السيد، وتعال معي إلى الأسفل.» # ففعل ديفيد ما أمره به، ثم أخذه السيد ميردستون إلى الردهة بالطابق ~~السفلي، ويده لا تزال ممسكة بذراعه. # وقال: «كلارا، عزيزتي، لن يزعجك شيء بعد الآن، أرجو ذلك. قريبا ~~سنحسن من سلوك فتانا.» # كان ديفيد يعلم أن أمه حزينة لرؤيته وهو يبدو خائفا وغريبا هكذا، ~~وعندما انسل إلى أحد المقاعد، أحس بها تتبعه بعينيها بحزن أشد؛ ~~لكنها بدت أكثر تهيبا من أن تضمه بين ذراعيها وتقبله كما كانت ~~تحب أن تفعل. # ثم تناولوا العشاء بمفردهم ... هم الثلاثة معا. وقد بدا السيد ~~ميردستون مغرما للغاية بزوجته الشابة الجميلة، وهي كذلك. لكن هذا لم ~~يزد ديفيد حبا له عن ذي قبل مطلقا. وقد استنتج من كلامهما أنهما ~~كانا يترقبان مجيء أخت السيد ميردستون الكبرى لتقيم معهم تلك ~~الليلة. # وبعد العشاء توقفت عربة أمام الباب، وخرج السيد ميردستون لاستقبال ~~أخته. حينئذ احتضنت ديفيد والدته بين ذراعيها وقبلته بحنان، ~~وقالت له هامسة إن عليه أن يحب أباه الجديد وأن يطيعه؛ ثم مدت ~~يدها وراءها، وأمسكت يده في يدها، وخرجت معه وهما على هذه الهيئة إلى ~~الحديقة. # كانت الآنسة ميردستون سيدة كئيبة المظهر؛ عابسة مثل أخيها، كما ~~تشبهه كثيرا في وجهه وصوته. # سألت ms018 الآنسة ميردستون، بعدما أدخلوها إلى الردهة: «هل هذا هو ابنك ~~يا زوجة أخي؟ أنا لا أحب الصبيان. كيف حالك يا ولد؟» # وكان من الواضح أن الآنسة ميردستون قد جاءت لتمكث إلى الأبد . # وفي صباح أول يوم بعد وصولها مباشرة قالت على مائدة الإفطار: ~~«والآن، كلارا، عزيزتي، لقد جئت إلى هنا لأريحك من كل عناء أستطيع ~~إراحتك منه. إنك أكثر جمالا وطيشا بكثير من أن يفرض عليك ~~أي واجبات أستطيع أنا التكفل بها. إذا تكرمت بإعطائي مفاتيحك يا ~~عزيزتي، فسأعنى بكل هذه الأمور في المستقبل.» # وهكذا تسلمت الآنسة ميردستون المفاتيح، وشرعت في إفراغ محتويات ~~غرفة الخزين وجميع الخزانات، وتنظيم كل شيء على هواها؛ وهمشت زوجة ~~أخيها تماما. # لم يعجب هذا والدة ديفيد كثيرا، وحاولت أن تعترض؛ وفي النهاية ~~تكلمت فجأة ذات يوم وقالت: «إنه أمر صعب الاحتمال للغاية ألا ~~أستطيع وأنا في منزلي أن ...» # ردد السيد ميردستون كلامها: «منزلي؟ يا كلارا!» # قالت متلعثمة، ومن الواضح أنها كانت مذعورة: «أعني منزلنا. إنه لصعب ~~الاحتمال للغاية ألا أستطيع، وأنا في منزلك يا إدوارد، أن أقول كلمة ~~واحدة بشأن الأمور المنزلية. أنا متأكدة أنني كنت أفعل هذه الأشياء ~~جيدا جدا من دون مساعدة قبل زواجنا.» # قالت الآنسة ميردستون: «إدوارد، فلننته من هذا الأمر. أنا راحلة ~~غدا.» # غضب السيد ميردستون للغاية بسبب ذلك، وأخذت والدة ديفيد تبكي، وفي ~~النهاية طلبت من الآنسة ميردستون أن تسامحها، وطلبت منها بتواضع أن ~~تحتفظ بالمفاتيح، وقبلتها، وحاولت أن تصالحها. # شعر ديفيد بحزن كبير على والدته لدرجة أنه ظل يبكي حتى نام. وبعد ~~هذا تركت الزوجة المسكينة الصغيرة إدارة منزلها كله في يدي الآنسة ~~ميردستون، ولم تعد إلى الاعتراض مطلقا. # وقد اعتاد ديفيد أن يتساءل، كلما ساروا إلى المنزل عائدين من الكنيسة ~~- السيد والآنسة ميردستون في المقدمة، والزوجة الصغيرة بينهما، وديفيد ~~نفسه يسير خلفهم متباطئا - إن كان الجيران قد تذكروا قط، مثلما يتذكر ~~هو دائما، كيف كان يسير هو ووالدته عائدين إلى المنزل وكل منهما ~~ممسك بيد الآخر في محبة ms019 وسعادة كبيرتين وهما معا. لقد ولى ذلك ~~الزمن السعيد إلى الأبد! # لقد كان يرى الجيران يتهامسون أحيانا، وينقلون أبصارهم بينها ~~وبينه. وعندما ينظر إليها يجد أن مشيتها لم تعد رشيقة للغاية كما ~~كانت من قبل، وأن وجهها الذي كان يوما ما يشبه وجوه البنات أصبحت ~~تكسوه نظرة قلقة حزينة. # كان ديفيد يتعلم دروسه على يد أمه مثلما يفعلان دائما، لكن لأن ~~السيد والآنسة ميردستون كانا موجودين عادة في الغرفة؛ فقد أصابه ~~وجودهما بالتوتر، وأصبحت دروس الجغرافيا أو التهجئة التي كان يبذل ~~جهدا كبيرا للغاية كي يتعلمهما تطير من رأسه، وأخذ يتلعثم ~~ويخطئ. # كان يجول في خاطره، في تلك الأوقات، أن أمه لو امتلكت الجسارة ~~لأرته الكتاب. وفي الواقع، لقد كانت تحاول أحيانا أن تلمح له ~~بالكلمة عن طريق تحريك شفتيها أمامه دون أن تصدر صوتا. ~~«كلارا!» لكن صرخة الاحتجاج هذه كانت تنطلق من فم السيد ميردستون؛ ~~حيث تنتفض والدة ديفيد فزعا، ويحمر وجهها خجلا، وتحاول أن ~~تبتسم. # حينئذ كان السيد ميردستون يأخذ الكتاب منها، ويرميه على ديفيد، أو ~~يلكم به أذنيه، أو يدفعه في كتفيه ويطرده خارج الغرفة. # جعلت هذه المعاملة ديفيد غاضبا ومتبلدا وعنيدا؛ خاصة لأن السيد ~~والآنسة ميردستون كانا يبعدانه عن أمه كلما سنحت لهما الفرصة. لكنه ~~برغم هذا لديه مصدر سلوان لم يكن السيد ولا الآنسة ميردستون يعرفان ~~عنه شيئا؛ ومنبع سرور، كذلك، ما كانا يستطيعان أن يسلباه ~~منه. # كان الأمر كالآتي. في غرفة صغيرة مجاورة لغرفته، في الدور العلوي، ~~ويستطيع دخولها متى شاء، وجد مجموعة كتب كان يمتلكها أبوه المتوفى. ~~يا إلهي! يا لتلك الكتب البهيجة! فكلما أحس بضيق ينسل إلى الأعلى ~~ويقرأ هذه الكتب؛ يا لها من كتب! «مغامرات رودريك راندوم»، «مغامرات ~~بيراجرن بيكل»، «بعثة هامفري كلينكر»، «روبنسون كروزو»، «ألف ليلة ~~وليلة»، وعدد كبير من الكتب الأخرى التي حفظها عن ظهر قلب. وكان ~~بطريقته الصبيانية يتخيل نفسه رودريك راندوم، أو يحاكي روبنسون كروزو، ~~وقد وجد بهذا قدرا كبيرا من العزاء. # وفي صباح أحد الأيام دخل ms020 ديفيد بكتبه إلى الردهة، فرأى على وجه أمه ~~علامات قلق كبير، بينما راح السيد ميردستون يلوح بعصا في الهواء، ~~وسمعه ديفيد يقول: «لقد ضربت أنا نفسي بالعصا مرارا.» # لا شك أن هذا جعل ديفيد أكثر توترا وبلادة من أي وقت مضى، وبدأ ~~يخطئ أخطاء كثيرة في دروسه. وقد كانت الدروس تدخر له درسا بعد ~~الآخر ليذاكرها من جديد، إلى أن انفجرت أمه في البكاء. # قالت الآنسة ميردستون بنبرة تحذير: «كلارا!» # قالت الأم متلعثمة: «أظن أنني لست على ما يرام.» # قال السيد ميردستون وهو يرفع العصا: «ديفيد، سوف تصعد معي إلى الطابق ~~العلوي، أيها الولد.» # مدت الأم ذراعيها وجرت خلفهما إلى الباب؛ لكن الآنسة ميردستون ~~أوقفتها، ورآها ديفيد وهي تضع أصبعيها في أذنيها، وسمعها ~~تبكي. # أخذ السيد ميردستون ديفيد إلى الطابق العلوي، وعندما وصلا إلى ~~غرفته أمسك برأس ديفيد تحت ذراعه. # صاح ديفيد: «سيد ميردستون! سيدي! لا تفعل! أرجوك لا تضربني! لقد ~~حاولت أن أتعلم يا سيدي، لكنني لا أستطيع التعلم عندما تكون أنت ~~والآنسة ميردستون موجودين. لا أستطيع بالفعل.» # قال السيد ميردستون: «ألا تستطيع حقا يا ديفيد؟ سنجرب ~~هذا.» # حينئذ ارتفعت العصا وهوت عليه بقوة، وفي اللحظة نفسها وضع ديفيد ~~يد السيد ميردستون بين أسنانه، وعضها بشدة. # وعندها ضربه السيد ميردستون وكأنما سيضربه حتى الموت. فراح ديفيد ~~يصرخ، وسمع الآخرين يجرون إلى الدور العلوي. كما سمع أمه وهي تصرخ؛ ~~وبيجوتي كذلك. # بعد ذلك تركه السيد ميردستون وأغلق الباب، وانهار ديفيد على الأرض ~~باكيا متألما غاضبا. # بعد قليل بدأ غضبه يفتر، وبدأ يعتقد أنه كان مؤذيا جدا عندما ~~عض يد السيد ميردستون. فجلس يستمع؛ لكنه لم يسمع أي صوت. ثم أخذ ~~يحبو ببطء حتى نهض من على الأرض، ونظر إلى وجهه في المرآة، فرآه ~~متورما ومحمرا وملطخا للغاية؛ وقد كان جسمه متقرحا ومتيبسا جدا ~~من أثر الضرب لدرجة أن الحركة كانت تؤلمه ألما شديدا؛ لكنه راح يحبو ~~حتى وصل إلى النافذة وأسند رأسه على حافتها، وراح ينظر بخمول خارج ~~النافذة، وظل ms021 يراوح بين البكاء والإغفاء. # كان الظلام قد بدأ يملأ الغرفة عندما أدير مفتاح الباب، ودخلت ~~الآنسة ميردستون بغطرسة ومعها بعض الخبز واللحم واللبن. لم تقل الآنسة ~~ميردستون كلمة واحدة، وإنما نظرت إليه ببرود؛ ثم خرجت مرة أخرى ~~وأغلقت الباب. # ظل ديفيد جالسا في غرفته حتى أظلم الجو تماما، وظل يتساءل إن كان ~~أي أحد آخر سيأتي إليه؛ ثم خلع ملابسه وزحف إلى فراشه. وبدأ يشعر ~~بالخوف، وهو يرقد في فراشه، بسبب ما فعله، وراح يتساءل عما سيفعلون ~~به. # هل كان ما فعله جريمة؟ وهل سيأتي شرطي ليأخذه إلى السجن؟ لم ~~يدر. # في صباح اليوم التالي وقبل نهوض ديفيد من فراشه ظهرت الآنسة ميردستون ~~من جديد، وقالت له بفتور إن بإمكانه أن يتمشى مدة نصف ساعة في ~~الحديقة. بعد ذلك كان عليه أن يعود إلى غرفته مرة أخرى؛ وفي المساء ~~جاءت إليه ورافقته إلى الردهة بالأسفل للمشاركة في صلوات العائلة، حيث ~~كان عليه أن يجثو على ركبتيه من أجل الصلاة بعيدا عن الآخرين، بقرب ~~الباب. ولم يسمح لأمه بالحديث معه؛ بينما كانت يد السيد ميردستون ~~ملفوفة في ضمادة كبيرة من الكتان. # لو أنه رأى أمه بمفردها لكان جثا على ركبتيه راجيا عفوها؛ لكنه ~~لم يرها بمفردها مطلقا. وقد ظل حبيس غرفته طيلة خمسة أيام، وفي ~~الليلة الخامسة، بعدما ذهب إلى النوم، استيقظ على صوت شخص ما يهمس ~~باسمه. فانتفض ديفيد من مكانه، وتلمس طريقه إلى الباب ووضع فمه على ثقب ~~المفتاح، وهمس قائلا: «هل هذه أنت يا عزيزتي بيجوتي؟» # ردت بيجوتي: «نعم يا حبيبي الغالي ديفي. أبق صوتك خفيضا كصوت ~~الفأر وإلا فستسمعنا القطة.» # عرف ديفيد أنها تقصد الآنسة ميردستون. # وقال: «كيف حال أمي، يا عزيزتي بيجوتي؟ هل هي غاضبة علي ~~كثيرا؟» # كانت بيجوتي تتكلم بصوت خفيض على الجانب الآخر من ثقب المفتاح، ~~وقالت: «لا. ليس كثيرا.» ~~«ماذا سيحدث لي يا بيجوتي، هل تعلمين؟» # جاءت همسة بيجوتي من ثقب المفتاح قائلة: «مدرسة. بقرب ~~لندن.» ~~«متى يا بيجوتي؟» ~~«غدا.» ~~«ألن أرى أمي؟» ms022 # همست بيجوتي: «بلى ستراها، في الصباح» ثم قربت فمها من ثقب الباب، ~~وقالت في جمل مفككة: «ديفي، عزيزي. إذا كنت لم أتعامل معك بود. ~~مؤخرا، كما كنت من قبل. هذا ليس لأنني لا أحبك. كما كنت من قبل ~~وأكثر، يا حبيبي الجميل. لكن لأنني ظننت أن هذا أفضل لك. ولشخص آخر ~~كذلك. ديفي، حبيبي، هل تسمعني؟ هل تستطيع سماعي؟» # قال ديفيد وهو يبكي: «نع... نع... نعم يا بيجوتي.» # قالت بيجوتي بحنو عظيم للغاية: «عزيزي، ما أريد قوله هو. عليك ~~ألا تنساني أبدا. لأنني لن أنساك أبدا. وسوف أعتني بوالدتك يا ~~ديفي. كما كنت أعتني بك دائما. ولن أتركها أبدا. وسوف أراسلك يا ~~عزيزي. وسوف ... سوف.» انكبت بيجوتي على ثقب المفتاح تقبله، لأنها ~~لم تستطع تقبيل ديفيد نفسه. ~~«أشكرك يا عزيزتي بيجوتي. آه، أشكرك! أشكرك. هل تعدينني بشيء يا ~~بيجوتي؟ هل تكتبين رسالة للسيد بيجوتي والصغيرة إيميلي، والسيدة ~~جوميدج وهام تخبرينهم فيها أنني لست سيئا للغاية كما قد يظنون، ~~وأنني أبعث لهم جميعا مودتي؛ وخصوصا للصغيرة إيميلي؟ هل تفعلين هذا، ~~لو تكرمت يا بيجوتي؟» # وعدته الطيبة الكريمة بيجوتي أن تفعل، وقبل الاثنان ثقب المفتاح ~~بحب كبير. # وفي الصباح ظهرت الآنسة ميردستون كالمعتاد، وأخبرت ديفيد أنه سيذهب ~~إلى المدرسة. فلم يقل لها ديفيد إنه خبر قديم. # ونزل معها إلى الردهة حيث كان عليه أن يتناول إفطاره؛ وهناك وجد ~~أمه، التي كانت شاحبة للغاية، وعيناها حمراوان. فجرى ديفيد وارتمى ~~بين ذراعيها، وراح يرجوها أن تسامحه. # قالت: «يا إلهي، يا ديفي! لا أصدق أنك تستطيع إيذاء أي شخص ~~أحبه! حاول أن تكون أفضل من هذا. لقد سامحتك؛ لكنني حزينة للغاية يا ~~ديفي لأنك تحمل في قلبك مثل هذه المشاعر السيئة.» # هذا لأن السيد والآنسة ميردستون كانا قد صورا لها ديفيد على أنه ~~ولد مؤذ، لا يستحق رحمتها وحبها. حاول ديفيد أن يتناول إفطاره، ~~لكن الدموع سقطت على شطيرة الزبد، وسالت داخل فنجان شايه. رأى ديفيد ~~أمه تنظر إليه بشفقة، لكن الآنسة ميردستون نظرت إليها، ms023 فحولت ~~أمه عينيها عنه. # بعد قليل سمع صوت عربة أمام البوابة. وسمع ديفيد الآنسة ~~ميردستون تقول: «ضع حقيبة السيد كوبرفيلد هناك!» فجاء باركس، ~~الحمال، ورفعها من على الأرض ووضعها داخل عربته. # قالت والدة ديفيد وهي ممسكة به: «مع السلامة يا ديفي. إنك ذاهب ~~إلى هناك من أجل مصلحتك. مع السلامة يا بني. لقد سامحتك يا ولدي ~~الحبيب. باركك الله.» # قاطعتها الآنسة ميردستون: «كلارا!» فتركته والدته، وأوصلته الآنسة ~~ميردستون إلى العربة وقالت إنها ترجو له أن يتوب قبل أن ينتهي به ~~المطاف إلى نهاية سيئة بسبب أفعاله. لم ير ديفيد بيجوتي في أي ~~مكان، ولم يظهر السيد ميردستون. # ركب ديفيد العربة، وراح الحصان الكسول الذي أوصله في ذلك اليوم ~~البهيج إلى يارمث، يجر قدميه جرا كعادته مبتعدا عن ~~المنزل. # الفصل الرابع # | السفر بالعربة # ربما ساروا مسافة نصف ميل تقريبا قبل أن يتوقف الحمال فجأة. ~~وعندما نظر ديفيد من نافذة العربة ليعرف ما الذي منعه من مواصلة السير ~~رأى بيجوتي تخرج من وراء سياج وتسرع نحوهما، وتصعد إلى ~~العربة. # أخذته بيجوتي بين ذراعيها وقبلته وضمته؛ لكنها كانت تلهث ~~بشدة بحيث لم تستطع قول كلمة واحدة. ثم أفلتت إحدى ذراعيها، ودسته ~~في جيبها حتى مرفقها، وأخرجت بعض الأكياس الورقية المليئة بالكعك، ~~وحشت بها جيوب ديفيد، ومحفظة وضعتها في يده. ثم احتضنته مرة ~~أخرى ونزلت من العربة وأسرعت بالانصراف. # قال الحمال للحصان الكسول: «هيا.» وراح الحصان يسير متثاقلا ~~من جديد. # بكى ديفيد حتى لم يعد يستطيع البكاء، واقترح عليه باركس، عندما نظر ~~إليه، أن ينشر منديله المبلل فوق ظهر الحصان ليجف. أعطاه ديفيد إياه، ~~ونشره الحمال على ظهر الحصان؛ وعندما نظر ديفيد في المحفظة التي ~~أعطتها له بيجوتي وجد بها ثلاثة شلنات لامعة. وفي جزء آخر منها وجد ~~قطعتي نقد من فئة نصف الكراون ملفوفتين في قصاصة ورق كتب عليها ~~بخط والدته: «من أجل ديفي، مع حبي.» # تأثر ديفيد تأثرا شديدا لدرجة أنه بدأ يبكي من جديد، وطلب من ~~الحمال أن يناوله منديله من ms024 على ظهر الحصان. لكن باركس قال إنه ~~يعتقد أنه سيكون أفضل من دونه؛ لذا جفف ديفيد عينيه بكميه بدل ~~المنديل، وتوقف عن البكاء. # بعد ذلك تكلم الاثنان قليلا، وقال باركس إنه ذاهب إلى مدينة ~~يارمث فقط. وقال: «وهناك، سأوصلك إلى عربة السفر العمومية، وستوصلك ~~عربة السفر إلى ... حيثما ستذهب.» # بعد ذلك قدم ديفيد كعكة من الكعك الذي معه لباركس، فالتهمها باركس ~~مرة واحدة، مثلما يفعل الفيل تماما. ثم سأل ذلك الحمال، وهو ~~منحن إلى الأمام انحناءته المترهلة المعتادة: «هل صنعته ~~الآن؟» ~~«أتقصد بيجوتي؟» # قال باركس: «نعم! هي.» ~~«نعم. إنها تصنع جميع معجناتنا وتطهو الطعام كله.» # قال باركس: «هل هي مع ذلك؟» وضم شفتيه ليصفر، لكنه لم يصفر، وراح ~~ينظر إلى أذني الحصان. # ثم سأل بعد فترة ليست بالقليلة: «ما من محبوب، على ما أظن، أليس ~~كذلك؟» # قال ديفيد: «ما من ماذا؟ أتقصد الحلوى يا سيد باركس؟» وكان يظن أنه ~~يريد المزيد من الطعام. # قال باركس: «محبوب، حبيب؛ ما من رجل في حياتها!» ~~«حياة بيجوتي؟» ~~«نعم! هي.» ~~«يا إلهي، لا. لم يكن في حياتها حبيب قط.» # قال باركس: «ألم تكن مع ذلك؟» ومن جديد ضم شفتيه ليصفر، ولم يصفر ~~كذلك، وإنما جلس ينظر إلى أذني الحصان. # وقال: «إذن هي التي تصنع جميع فطائر التفاح، وتطهو الطعام كله، أليس ~~كذلك؟» # قال ديفيد نعم. # قال باركس: «حسنا، اسمع، لعلك سترسل لها رسالة، أليس ~~كذلك؟» # أومأ ديفيد برأسه أنه سيفعل. # قال باركس ببطء، وقد حول عينيه إلى ديفيد: «نعم! حسنا! إذا كتبت ~~لها، فلعلك تتذكر أن تقول لها إن باركس راغب؛ أتسمح؟» ~~«إن باركس راغب. هل هذه هي كل الرسالة؟» # قال باركس وهو يفكر: «نع... عم، نع... عم. باركس راغب.» ~~«لكنك ستعود إلى بلاندستن مرة أخرى غدا يا سيد باركس، وتستطيع ~~إيصال رسالتك بطريقة أفضل من هذا بكثير.» # لكن باركس لم يزد على أن هز رأسه وردد قائلا: ««إن باركس راغب.» ~~هذه هي الرسالة.» # وهكذا أثناء جلوسهما في الفندق في مدينة يارمث ينتظران وصول ms025 عربة ~~السفر، أحضر ديفيد ورقة ومحبرة، وكتب هذه الرسالة لبيجوتي: # عزيزتي بيجوتي. لقد وصلت إلى هنا سالما. إن باركس راغب. ~~أبلغي حبي لأمي. المخلص لك ديفيد. ملحوظة: إنه يقول إنه ~~يريد على وجه التحديد أن تعلمي أن «باركس راغب». # بعد قليل سألت مالكة الفندق إن كان هذا هو السيد الصغير من قرية ~~بلاندستن، وعندما اكتشفت أنه هو، دقت جرسا واستدعت نادلا ليأخذ ~~ديفيد إلى غرفة القهوة. # أدخله النادل غرفة كبيرة مستطيلة، وفرش غطاء مائدة، وأحضر بعض ~~الخضروات وشرائح اللحم، ووضع كرسيا لديفيد عند المنضدة، وقال برقة: ~~«والآن يا فارع الطول! تفضل!» # جلس ديفيد على كرسيه، لكنه كان مرتبكا للغاية من النادل الواقف ~~أمامه والذي راح يحدق فيه، حتى إنه سكب مرق اللحم على نفسه، فاحمر ~~وجهه جدا من الخجل. قال النادل: «هناك نصف لتر من عصير الفاكهة من ~~أجلك. هل ستشربه الآن؟» # شكره ديفيد، وقال: «نعم.» وعلى إثر ذلك صب النادل العصير من دورق ~~كان معه في قدح كبير، ورفعه في ضوء المصباح. # وقال: «يا للعجب! يبدو قدرا كبيرا من العصير، أليس كذلك؟» وافقه ~~ديفيد الرأي، وسر للغاية عندما وجده رجلا لطيفا هكذا. # قال النادل: «كان هنا رجل بالأمس، رجل قوي البنية، يدعى ~~توبسوير؛ لعلك تعرفه؟» # قال ديفيد: «لا.» # قال النادل: «كان يرتدي بنطالا قصيرا من بناطيل ركوب الخيل وحذاء ~~طويلا، وقبعة عريضة الحافة، وربطة عنق منقطة.» # كرر ديفيد إجابته باستحياء: «لا.» # قال النادل: «لقد دخل إلى هنا، وطلب كأسا من هذا العصير - وقد ~~نصحته بألا يفعل - لكنه شربه، وسقط ميتا.» # ارتاع ديفيد للغاية، وقال إنه يظن أنه ينبغي له الحصول على بعض ~~الماء. # قال النادل وهو ينظر إلى قدح الشراب وإحدى عينيه مغلقة: «يا للعجب، ~~أتدري، إن صاحبة الفندق لا تحب أن يطلب الزبائن الأشياء ثم يتركونها. ~~إن هذا يضايقها. لكنني سأشربه إذا أحببت. أنا متعود عليه، والتعود ~~هو الأهم في هذه الأمور. لا أظن أنه سيؤذيني إذا ألقيت رأسي إلى ~~الوراء وابتلعته بسرعة. أتسمح لي؟» # قال له ديفيد ms026 إنه إذا كان متأكدا من أنه لن يؤذيه، فسيكون ممتنا ~~له للغاية. وعندما ألقى النادل رأسه إلى الوراء، وابتلع العصير ~~بسرعة، راح ديفيد يراقبه بشيء من الذعر خشية أن يسقط ميتا هو ~~الآخر. لكن العصير لم يؤذه. # في الواقع، وعلى عكس ما توقعه ديفيد تماما، لقد بدا النادل أكثر ~~نشاطا بعدما شربه. # قال النادل وهو يضع شوكة طعام في الطبق: «ماذا لدينا هنا؟ أليست ~~هذه شرائح لحم؟» # قال ديفيد: «بلى، شرائح لحم.» # هتف النادل قائلا: «يا إلهي! لم أكن أعرف أنها شرائح لحم. يا للهول، ~~إن شريحة اللحم تحديدا هي ما يزيل الآثار السيئة لهذا العصير! أليس ~~هذا من حسن الحظ؟» # وهكذا أمسك شريحة لحم من ضلعها بيد، وقطعة بطاطس في اليد الأخرى، ~~وراح يأكل بشهية مفتوحة جدا. # بعدما انتهت شرائح اللحم، أحضر النادل حلوى البودينج، وعندما وضعها ~~أمام ديفيد، بدا شارد الذهن للحظات. # ثم قال فجأة: «ما رأيك في الفطيرة؟» # قال ديفيد: «إنها حلوى البودينج.» # هتف النادل: «بودينج! يا للعجب، يا إلهي، إنها كذلك بالفعل.» ثم نظر ~~إليها عن قرب أكثر وقال: «ماذا! لا تقل لي إنها حلوى البودينج ~~المخفوقة!» ~~«بلى، إنها هي بالفعل.» # قال النادل وهو يتناول ملعقة من ملاعق المائدة: «يا للعجب، بودينج ~~مخفوق، إنها النوع المفضل عندي من حلوى البودينج! أليس هذا من حسن ~~الحظ! هيا أيها الصغير، لنر من منا سيأكل أكثر من الآخر.» # بالتأكيد أكل النادل النصيب الأكبر. وقد توسل إلى ديفيد أكثر من ~~مرة كي ينخرط في السباق ويفوز، لكن بسبب كبر ملعقة المائدة التي كانت ~~معه مقارنة بملعقة الشاي التي كانت مع ديفيد، وبسبب انفتاح شهيته ~~الكبير مقارنة بشهية ديفيد، فقد جاء الصبي الصغير في ذيل ~~السباق. # بعد قليل دوى نفير عربة السفر في الساحة؛ وبينما يساعد شخص ما ~~ديفيد على صعود العربة من جهتها الخلفية، سمع صاحبة الفندق تقول ~~للحارس: «اعتن بهذا الطفل يا جورج وإلا سينفجر!» وفي تلك اللحظة ~~خرجت بعض خادمات الفندق لينظرن إليه، ويضحكن. # كن يحسبنه هو الذي ms027 أكل كل شرائح اللحم وكل البطاطس التي كانت في ~~الطبق، وحلوى البودينج كلها. # وعندما استحث سائق عربة السفر جياده على المسير بلسعات سوطه ~~وصاروا في الطريق إلى وجهتهم، راح هو والحارس يتندران على ثقل العربة ~~خلفهما، بسبب جلوس ديفيد فيها، ويقترحان أنه كان ينبغي أن يسافر بعربة ~~كبيرة خاصة. # بعد ذلك أمسك الركاب الذين على سطح العربة قصة شهية ديفيد الكبيرة ~~المزعومة، وراحوا يسألونه إن كان سيدفع في المدرسة مصروفات أخوين أو ~~ثلاثة، وكانوا مبتهجين للغاية من القصة في الواقع. # اعترى ديفيد المسكين شعور كبير بالخجل، لدرجة أنه عندما توقفت ~~العربة أمام فندق آخر ليتناول الركاب العشاء، تظاهر بأنه ليس جائعا ~~على الإطلاق، ولم يتناول أي شيء على العشاء، رغم أنه كان يود ~~بشدة أن يتناول بعض الطعام. لكن هذا لم ينقذه من المزيد من النكات، ~~حيث قال رجل عجوز إنه مثل الثعبان العاصر الذي يتناول في وجبة واحدة ~~ما يكفيه وقتا طويلا. # في تلك الأيام، كما أوضحت من قبل، لم يكن هناك سكك حديدية على ~~الإطلاق، وكان من يسافرون من مكان إلى آخر يستقلون العربات ~~دائما. # وهم قد غادروا يارمث في الساعة الثالثة بعد الظهر، ولن يصلوا إلى ~~لندن قبل الثامنة من صباح اليوم التالي. لكن الجو كان صيفيا معتدلا، ~~والمساء صاف للغاية. وقد أحب ديفيد التنقل بالعربة عبر القرى واحدة ~~تلو الأخرى، وحاول أن يتخيل كيف تبدو البيوت من الداخل. وكان بعض ~~الصبية يجرون خلفهم أحيانا ويتعلقون في المركبة قليلا، بينما ~~ديفيد يتساءل إن كان آباؤهم على قيد الحياة، وإن كانوا سعداء في ~~بيوتهم. لقد فكر مدة طويلة كذلك في والدته وفي بيجوتي، لكنه أحس ~~وكأنه قد انقضت دهور على مغادرته قرية بلاندستن. # طلع الصبح أخيرا، وبعد قليل لاحت لأعينهم مدينة لندن العظيمة ~~النشيطة الصاخبة، وفي الوقت المناسب وصلت العربة إلى وجهتها أمام أحد ~~الفنادق، في مكان ما بمقاطعة وايتشابل. # فسأل الحارس عند مكتب الحجز: «هل يوجد أي أحد هنا ينتظر وصول ~~طفل محجوز له في عربة السفر ms028 العمومية باسم ميردستون، من قرية ~~بلاندستن، بمقاطعة سافك، كي أسلمه له؟» # لم يجبه أحد. # قال ديفيد: «لو سمحت يا سيدي، جرب اسم كوبرفيلد.» # أعاد الحارس سؤاله، مضيفا: «لكنه ينتمي لعائلة كوبرفيلد.» # لا ، لم يكن هناك أحد. # واقترح رجل سخيف يرتدي حذاء طويلا أن يضعوا طوقا نحاسيا في ~~رقبة ديفيد، وأن يربطوه في الإسطبل. # بعد ذلك أحضر سلم خشبي، ونزل جميع الركاب، وأزيلت حقائب ~~السفر، وحررت الخيول من العربة. وحتى الآن لم يأت أحد للمطالبة ~~بالطفل المغبر القادم من قرية بلاندستن، بمقاطعة سافك. # فدخل ديفيد مكتب حجز التذاكر، وأجلسه الموظف على الميزان الذي توزن ~~عليه جميع حقائب السفر؛ وجلس الفتى الصغير ينظر إلى الطرود، ويتساءل ~~عما قد يحدث له إذا لم يأت أحد لاصطحابه. # الفصل الخامس # | الأسابيع الأولى في مدرسة سيلم هاوس # أخيرا دخل شاب نحيل شاحب، غائر الخدين، يرتدي بدلة لونها أسود ~~صدئ، وأكمامها وأرجل بنطلونها قصيرة نوعا ما، إلى المكتب وهمس في أذن ~~الموظف، فأمال الموظف ديفيد من على الميزان ودفع به إلى الوافد ~~الجديد. فأمسك الشاب يد ديفيد، وخرج الاثنان معا. # قال الشاب: «أنت الولد الجديد، أنا أحد مدرسي مدرسة سيلم ~~هاوس.» # أحنى ديفيد رأسه محييا إياه وأحس برهبة شديدة تعتريه؛ ~~واستحيا للغاية أن يذكر شيئا شديد الابتذال مثل حقيبته، لواحد من ~~علماء ومدرسي مدرسة سيلم هاوس، لدرجة أنهما سارا بعض المسافة قبل ~~أن يمتلك الشجاعة لكي يلمح إليها. وهكذا رجعا إلى المكتب، وقال ~~المدرس للموظف إن الحمال سيأتي لأخذها في الظهيرة. # سأله ديفيد، بعدما سارا في طريقهما مرة أخرى: «لو سمحت يا سيدي، ~~هل المدرسة بعيدة؟» # قال: «إنها في الجنوب بجوار مقاطعة بلاكهيث.» # سأله ديفيد: «هل هذه المسافة بعيدة يا سيدي؟» # قال: «إنها بعيدة بالفعل، سوف نستقل عربة السفر العمومية. فهي تبعد ~~ستة أميال تقريبا.» # شعر ديفيد بإرهاق ووهن شديدين، فهو لم يأكل شيئا منذ أن ساعده ~~النادل على إنهاء طعامه من شرائح اللحم وحلوى البودينج بالأمس، لدرجة ~~أن تشجع على أن يقول للمدرس ذلك. # حينئذ قال ms029 المدرس إنه يريد أن يزور سيدة عجوزا لا يبعد بيتها ~~كثيرا عنهما، وإنه إذا اشترى ديفيد شيئا ما وهما في الطريق فإن ~~بإمكانه أن يتناوله في بيتها. # وهكذا اشتريا رغيفا صغيرا لذيذا من الخبز البني من محل أحد ~~الخبازين؛ ثم اشتريا بيضة وشريحة من اللحم المملح المقدد من ~~البقال، وحملهم ديفيد حتى وصلا إلى بيت السيدة الفقيرة، والذي أدرك ~~ديفيد في الحال أنه جزء من أحد ملاجئ الفقراء. # رفع المدرس رتاج باب من عدة أبواب صغيرة سوداء متشابهة كلها، ~~ودخلا المنزل الصغير الذي تسكنه امرأة عجوز فقيرة كانت توقد نارا ~~كي تضع فوقها قدرا صغيرة لتغلي. # وما إن رأت المرأة المدرس حتى صاحت بشيء يشبه «ولدي تشارلي!» ~~لكنها عندما رأت ديفيد يدخل هو الآخر، نهضت وانحنت محيية إياه في ~~ارتباك. # قال مدرس مدرسة سيلم هاوس: «أيمكنك أن تطهي لهذا السيد الصغير ~~إفطاره، من فضلك؟» # قالت السيدة العجوز: «أيمكنني؟ نعم، يمكنني، بالتأكيد.» وأنضجته ~~ببراعة حقا. # بينما ديفيد يستمتع بوجبته قالت السيدة العجوز: «هل أحضرت مزمار ~~الفلوت معك؟» # أجابها المدرس: «نعم.» # قالت السيدة العجوز، بنبرة ملاطفة: «فلتعزف به، هيا.» # وهكذا أخرج المدرس مزماره المكون من ثلاث قطع، وربط بعضها ببعض، ~~وبدأ العزف في الحال. # أحس ديفيد أن اللحن الذي عزفه كان كئيبا وسوداويا إلى أبعد ~~الحدود، وفي الحقيقة، لقد أحس أنه مغرق في السوداوية، لدرجة أنه ~~جعله يذرف الدموع في البداية، ثم بعد ذلك ألقى على عينيه أغشية النوم. ~~وبينما ديفيد ينعس خيل إليه أن السيدة العجوز راحت تقترب ببطء من ~~المدرس حتى أصبحت قريبة بما يكفي لتطويق عنقه بذراعيها في ~~حنان. # لكنه استيقظ بعد قليل، وحل المدرس مزماره وأعاد القطع إلى مكانها؛ ~~وقال لديفيد إنه قد حان وقت الذهاب إلى عربة السفر. # لم تكن العربة بعيدة، وركب الاثنان فوق السطح؛ لكن النعاس كان ~~متمكنا جدا من ديفيد حتى إنهم عندما توقفوا في الطريق لاصطحاب شخص ~~آخر، وضعوه داخل العربة التي كانت خالية من الركاب، ونام نوما ~~عميقا. # توقفت العربة بعد قليل، ms030 وأخرجه المدرس منها، ثم سارا لمسافة قصيرة ~~حتى وصلا إلى مكان كئيب المنظر يحيط به سور قرميدي عال من جميع ~~الجهات، وكان مكتوبا على رقعة خشبية وضعت فوق باب في الحائط ~~«مدرسة سيلم هاوس»؛ وعندما دقا الجرس راح وجه مكفهر يحدق ~~فيهما عبر نافذة شبكية في الباب، ثم فتح لهما الباب رجل قصير القامة ~~ذو رقبة غليظة قصيرة، ورجل خشبية، وشعر قصير. # قال المدرس: «الصبي الجديد.» # حدق الرجل ذو الرجل الخشبية في ديفيد، وأغلق البوابة خلفهما، ~~وصاح قائلا: «مرحبا!» بينما اتجها نحو مبنى المدرسة. # ثم نظر الاثنان خلفهما، إذ قال الرجل، الذي كان واقفا عند باب كوخ ~~بواب صغير وفي يده حذاء طويل: «تفضل! لقد جاء الإسكافي، بعد أن ~~غادرت، يا سيد ميل، ويقول لك إنه لا يستطيع إصلاحه بعد الآن. كما يقول ~~إنه لم يعد يوجد فيه حتى ولو جزءا صغيرا من الحذاء الأصلي، وهو ~~يعجب من تمسكك به.» ثم ألقى الحذاء إلى السيد ميل، فالتقطه وراح ينظر ~~فيه بخيبة أمل شديدة. وعندئذ لاحظ ديفيد للمرة الأولى أن الحذاء الذي ~~كان يرتديه أسوأ بكثير من أن يرتديه أحد. # لم يكن هناك أي صوت في المكان. كان هادئا جدا لدرجة أن ديفيد ~~تساءل إن كان الأولاد جميعهم قد خرجوا. # عندئذ أوضح له السيد ميل أنهم كانوا في وقت الإجازة، وجميع الأولاد ~~في بيوتهم، كما أن السيد كريكل، مالك المدرسة، ذهب إلى شاطئ البحر مع ~~السيدة والآنسة كريكل؛ وأن ديفيد أرسل إلى المدرسة في وقت الإجازة ~~عقوبة له بسبب عضه ليد السيد ميردستون. # كانت حجرة الدرس أكثر مكان موحش رآه ديفيد في حياته؛ فهي حجرة ~~مستطيلة بها ثلاثة صفوف طويلة من المكاتب، وستة مقاعد طويلة ~~ملطخة تماما بالحبر. # تركه السيد ميل هناك ريثما يحمل حذاءه إلى الطابق العلوي، وبينما ~~ديفيد يستكشف الحجرة، لمح فجأة لافتة من الورق المقوى موضوعة ~~على المكتب، وكان مكتوبا عليها بخط جميل: ~~«احترسوا منه. إنه يعض.» # عندئذ صعد فوق المكتب في الحال وراح يبحث بعينين قلقتين عن ms031 الكلب، ~~لكنه لم يجده؛ وفي تلك اللحظة دخل السيد ميل، وسأله عما يفعله فوق ~~المكتب. # قال ديفيد: «معذرة يا سيدي، لو سمحت، إنني أبحث عن الكلب.» # قال السيد ميل: «كلب؟ أي كلب ؟» ~~«أليس هذا كلبا يا سيدي؟» ~~«عن أي شيء تتحدث؟» ~~«ذاك الذي ينبغي الاحتراس منه يا سيدي؛ ذاك الذي يعض.» # قال السيد ميل بوقار يشوبه الحزن: «لا، يا كوبرفيلد، ليس هذا كلبا. ~~إنه ولد. إن التعليمات التي لدي، يا كوبرفيلد، أن أعلق هذه اللافتة ~~على ظهرك. أنا حزين أن أبدأ علاقتي معك بمثل هذه البداية، لكنني ~~مضطر لفعلها.» # بعد ذلك مباشرة أنزل ديفيد من على المكتب، وربط اللافتة في كتفيه ~~مثل حقيبة الظهر. هنا موضع صورة، مكتوب تحتها: # شكل 5-1: كل من جاءوا إلى المدرسة ذات صباح، قد قرءوا ~~أنه ينبغي الاحتراس منه لأنه يعض. # مسكين ديفيد! إن ما عاناه من تلك اللافتة لا يستطيع مخلوق أن ~~يتخيله. لقد كان يعلم أن الخدم قرءوها، وأن الجزار قرأها؛ لأن كل ~~من جاءوا إلى المدرسة ذات صباح كان هو قد أمر أن يمشي فيه في ملعب ~~المدرسة - وهو عبارة عن فناء مكشوف مكسو بالحصى في الجزء الخلفي ~~من المدرسة - قد قرءوا أنه ينبغي الاحتراس منه لأنه يعض. وكان الرجل ذو ~~الرجل الخشبية كلما رآه يستند على الحائط ليخفي اللافتة، يصيح ~~عاليا بصوت قاس: ~~«أنت أيها السيد! أنت يا كوبرفيلد! أظهر هذا الشعار وإلا أبلغت ~~عنك!» # وكان ديفيد يستذكر واجبات دراسية طويلة كل يوم مع السيد ميل؛ لكن، ~~نظرا لعدم وجود السيد والآنسة ميردستون معه كي يوترا أعصابه، أصبح ~~يستذكر واجباته دون أن يشعر بأي خزي. # كان هو والسيد ميل يتغديان معا في طرف غرفة طعام مستطيلة ~~خالية من التجهيزات. وبعدها يستذكر المزيد من الواجبات المدرسية حتى ~~موعد تناول شاي الخامسة عصرا، ثم يسير بعد ذلك في ملعب المدرسة، ~~والرجل ذو الرجل الخشبية يراقبه. # لم يكثر السيد ميل من الكلام مع ديفيد مطلقا، لكنه كذلك لم يقس ~~عليه مطلقا. وعندما كان ديفيد ms032 يذهب إلى النوم في الغرف الشاغرة ~~المليئة بالأسرة الخالية، لم يكن يستطيع أن يمنع نفسه من البكاء ~~أحيانا شوقا إلى سماع كلمة مواساة من بيجوتي. # وكان في ملعب المدرسة باب قديم تعود الأولاد أن يحفروا أسماءهم ~~عليه. وهو مغطى بالكامل بأسمائهم. وعندما قرأ ديفيد الأسماء لم يملك ~~إلا أن يتساءل كيف سيقرأ كل ولد اللافتة المعلقة على ظهره: ~~«احترسوا منه، إنه يعض.» # فهناك ولد - يدعى جيه. ستيرفورث - وقد حفر اسمه عميقا جدا، ~~فتخيل ديفيد أن يقرأ اللافتة بصوت جهوري نوعا ما، ثم بعد ذلك ~~يجذبه من شعره. وهناك آخر، يدعى تومي ترادلز، وقد خشي ديفيد أن يجعل ~~منه أضحوكة، ويتظاهر بأنه يرتعد خوفا منه. # كان عدد الأولاد خمسة وأربعين ولدا في المجمل، كما أخبره السيد ~~ميل، ورغم أن نفسه كانت تتوق في أحوال كثيرة لرفقتهم، فقد خشي مما ~~سيحدث عندما يقرءون: «احترسوا منه، إنه يعض.» # الفصل السادس # | جيه ستيرفورث وترادلز # عاش ديفيد هذه الحياة على مدى شهر تقريبا، حيث بدأ يعتاد على منظر ~~الرجل ذي الرجل الخشبية وهو يمشي بتثاقل وجلبة ومعه ممسحة ودلو ~~مليء بالماء، بينما تقوم امرأتان أو ثلاثة بأعمال التنظيف بالفرش ~~وينفضن الغبار عن الأشياء. ثم في يوم من الأيام أخبره السيد ميل أن ~~السيد كريكل سيعود إلى بيته في المساء؛ وفي تلك الليلة قبل موعد نومه ~~جاء الرجل ذو الرجل الخشبية وأخذه للمثول أمام السيد كريكل. # أخذ الرجل ديفيد إلى الردهة، لكنه كان يرتعد للغاية بحيث من ~~المحتمل ألا يكون قد رأى السيدة والآنسة كريكل اللتين كانتا تجلسان ~~هناك، أو أي شيء آخر غير السيد كريكل؛ وهو رجل بدين يحمل مجموعة ~~من سلاسل الساعات والأختام، وكان يجلس على كرسي ذي ذراعين، وإلى ~~جواره قدح وزجاجة. # قال السيد كريكل: «إذن! هذا هو الفتى الذي تحتاج أسنانه أن تبرد! ~~أدره!» # أداره الرجل ذو الرجل الخشبية لكي يظهر اللافتة، ثم أعاد وجهه ~~مرة أخرى في مواجهة السيد كريكل، ووقف هو إلى جوار السيد ~~كريكل. # كان وجه السيد كريكل شديد ms033 الاحمرار، وعيناه صغيرتين وغائرتين في ~~رأسه؛ مع أنف صغير، وذقن عريض؛ لكن أشد ما أثار انتباه ديفيد أن ~~السيد كريكل لم يكن له صوت، لأنه يتحدث بالهمس. # قال السيد كريكل: «والآن، ما هو تقريرك عن حالة هذا الولد؟» # قال الرجل ذو الرجل الخشبية: «لا شيء ضده حتى الآن.» # بدت على السيد كريكل علامات خيبة الرجاء. أما السيدة والآنسة كريكل، ~~واللتان كانتا كلتاهما نحيلتين وهادئتين، فقد بدت عليهما أمارات ~~السرور. فقال السيد كريكل، مشيرا بيده إلى ديفيد: «تعال إلى هنا ~~أيها السيد.» ~~«لقد سررت بالتعرف على زوج أمك،» هكذا قال السيد كريكل بصوته ~~الهامس، وهو يمسك ديفيد من أذنه. وأضاف وهو يقرص أذنه: «وهو رجل ~~فاضل جدا، وقوي الشخصية. إنه يعرفني، وأنا كذلك أعرفه. هل تعرفني ~~أنت؟ أجب؟» # قال ديفيد وهو يتراجع إلى الوراء من الألم: «لم أعرفك بعد يا ~~سيدي.» ~~«ليس بعد؟ أليس كذلك؟ لكنك ستعرفني قريبا، أليس كذلك؟» # ردد الرجل ذو الرجل الخشبية: «ستعرفه قريبا، أليس كذلك؟» واكتشف ~~ديفيد فيما بعد أنه كان في العادة يوضح، بصوته الجهوري، كلام السيد ~~كريكل للأولاد. # ارتعب ديفيد للغاية، وقال إنه يرجو ذلك، إذا سمح له السيد ~~كريكل. # همس السيد كريكل، وهو يترك أذنه أخيرا، بعدما قرصها قرصة أخيرة ~~جعلت عينيه تترقرقان بالدموع: «سوف أخبرك ماذا أكون، إنني رجل ~~تتري.» # ردد الرجل ذو الرجل الخشبية: «رجل تتري.» # قال السيد كريكل: «عندما أقول إنني سأفعل شيئا، فإنني أفعله، وعندما ~~أقول إنني سأنجز شيئا، فسوف أنجزه.» # ردد الرجل ذو الرجل الخشبية، وكأنه صدى الصوت: «... سأنجز شيئا، ~~فسوف أنجزه.» # بعد ذلك أمر السيد كريكل بإخراجه، لكن ديفيد قال فجأة؛ وهو ~~مندهش من تلك الشجاعة التي تحلى بها: «لو سمحت يا سيدي ...» # همس السيد كريكل: «ها؟ ما هذا؟» ~~«بعد إذنك يا سيدي، أنا في غاية الأسف حقا يا سيدي لما فعلته؛ ~~فهل تسمح لي أن أخلع هذه الكتابة، قبل أن يعود الأولاد ...» # اندفع السيد كريكل من كرسيه فجأة، ودون أن ينتظر ديفيد الرجل ذا ~~الرجل الخشبية، فر ms034 خارج الغرفة، ولم يتوقف بتاتا حتى وصل إلى غرفة ~~نومه؛ وعندما رقد على سريره ظل يرتعد فيه طوال ساعتين. # في صباح اليوم التالي عاد السيد شارب إلى المدرسة. كان السيد شارب ~~المدرس الأول ، وكان أعلى منزلة من السيد ميل. حيث يتناول السيد ميل ~~وجباته مع الأولاد، أما السيد شارب فهو يتغدى ويتعشى على مائدة ~~السيد كريكل. وكان رجلا ضعيفا واهن البنية، وله أنف كبير، وشعر ~~ناعم متموج كثيف. # أما أول ولد عاد إلى المدرسة فكان تومي ترادلز. الذي قدم نفسه ~~لديفيد بقوله إنه سيجد اسمه مكتوبا على الركن الأيمن من البوابة، فوق ~~الرتاج العلوي. # قال ديفيد: «ترادلز؟» # قال ترادلز: «هو نفسه.» ثم طلب وصفا كاملا لديفيد وعائلته؛ ~~وأخبره أن شعر السيد شارب ليس حقيقيا، وإنما يضع شعرا مستعارا ~~(مستعملا)، وهو يخرج كل سبت بعد الظهر ليجعده. # كان من حسن حظ ديفيد أن وصل ترادلز إلى المدرسة أولا. فقد استمتع ~~باللافتة كثيرا، وأنقذ ديفيد من الإحراج بتقديمه لكل من عاد إلى ~~المدرسة من الطلاب بصيغة التقديم هذه: ~~«انظر! انظر لهذه المزحة.» # أخذ بعض الأولاد يرقصون حوله كالهنود الهمجيين، وناداه بعضهم ب ~~«الكلب تاوزر»، وراح آخرون يربتون عليه ويقولون «استلق على الأرض يا ~~سيدي.» لكن الجزء الأعظم من الأولاد كانوا مكتئبين للغاية بسبب ~~عودتهم إلى المدرسة، بحيث إنهم لم يمرحوا على حساب إيذاء ديفيد كما كان ~~من الممكن أن يفعلوا في حالة غير هذه. # لم يكن جيه. ستيرفورث قد جاء بعد. لقد قال الأولاد عنه إنه فتى ~~ذكي وحسن المظهر جدا، ولم يعدوا أن ديفيد قد قبل رسميا في ~~المدرسة قبل وصول جيه. ستيرفورث. # ثم جاء ستيرفورث أخيرا؛ وهو أكبر من ديفيد بست سنوات تقريبا، ~~وأخذ الولد الجديد إليه وكأنما أخذ للمثول أمام قاض من ~~القضاة. # وتحت سقيفة في ملعب المدرسة تفحص ستيرفورث اللافتة، واستعلم عن ~~تفاصيل عقوبة ديفيد. # أخبره ديفيد بكل شيء عن السيد ميردستون وعن عضه يده. # وعندئذ قال جيه. ستيرفورث إن اللافتة «عار كبير.» مما وثق صلة ~~ديفيد به ms035 للغاية بعد ذلك. # انفرد ستيرفورث بديفيد وسأله: «كم معك من النقود يا ~~كوبرفيلد؟» # أخبره ديفيد أن معه سبعة شلنات. # قال ستيرفورث: «يجدر بك أن تعطيني إياها كي أعتني لك بها، أو على ~~الأقل يمكنك أن تفعل هذا إذا أحببت. لست مضطرا لذلك إذا لم ترغب ~~فيه.» # فتح ديفيد محفظة بيجوتي في الحال، وقلبها بطنا لظهر في يده. # سأله ستيرفورث: «هل ترغب في إنفاق أي شيء الآن؟» # قال ديفيد: «لا، شكرا لك.» # قال ستيرفورث: «يمكنك هذا إذا أحببت، اطلب فقط.» # أعاد ديفيد رده السابق: «لا، شكرا لك.» ~~«ربما تود أن تنفق شلنين أو نحو ذلك لشراء زجاجة من عصير التوت ~~بعد قليل، لتشربها هناك في غرفة النوم. سوف تنام في نفس الغرفة التي ~~أنام فيها، لقد اكتشفت هذا.» # قال ديفيد إنه يحب ذلك. # قال ستيرفورث: «حسن، سوف يسرك أن تنفق شلنا آخر أو نحو ذلك لشراء ~~كعك اللوز، أليس كذلك؟» # قال ديفيد إنه يعتقد أنه يحب ذلك أيضا. # قال ستيرفورث: «وشلن آخر لشراء البسكويت، وآخر للفاكهة، أليس كذلك؟ ~~أرى أيها الصغير كوبرفيلد أنك ستبددها كلها!» # ابتسم ستيرفورث، ولم يملك ديفيد إلا أن يبتسم هو الآخر. # قال ستيرفورث: «حسن، يجب أن نقتصد غاية الاقتصاد في إنفاق هذه ~~النقود؛ هذا كل ما في الأمر. وسوف أبذل أقصى ما بوسعي من أجلك. إنني ~~أستطيع الخروج متى شئت، وسأهرب الطعام إلى هنا.» ثم وضع النقود في ~~جيبه وقال لديفيد بلطف إنه سيحرص على أن يكون كل شيء على ما ~~يرام. # كان ستيرفورث عند كلمته: فعندما صعدا إلى الطابق العلوي ليناما ~~أخرج جميع ما اشتراه بالشلنات السبعة، وبسطه على فراش ديفيد تحت نور ~~القمر، وقال: ~~«هاك ما طلبت، أيها الصغير كوبرفيلد، وقد حصلت على مأدبة ~~ملكية!» # لم يتصور ديفيد أن يحتفي هو بضيوف الوليمة في وجود هذا الفتى ~~الذكي الوسيم، لذا توسل إلى ستيرفورث أن يترأسها بنفسه. أيد ~~الأولاد الآخرون الذين في الغرفة رغبة ديفيد، فوافق ستيرفورث بلباقة ~~عليها، وجلس على الوسادة، وراح يناولهم الكعك والفاكهة ms036 بنزاهة تامة ~~حقا، ويوزع عصير التوت في كأس صغيرة من دون ساق، كانت كأسه هو؛ ~~بينما جلس ديفيد على يساره، والتف الآخرون حولهما. # كانوا جميعا يتهامسون بالكلام؛ وكان ستيرفورث، إذا أراد أن يبحث عن ~~أي شيء، يقحم عود ثقاب في قداحة فسفور ويشعل وهجا أزرق لا ~~يلبث أن ينطفئ سريعا. # همس الأولاد للولد الجديد بكل شيء عن المدرسة؛ فعرفوه أن السيد ~~كريكل هو أشد المديرين صرامة وقسوة؛ وأنه لم يكف يوما في حياته ~~عن الضرب بعصاه يمنة ويسرة. وأخبروه أنه لجأ إلى العمل في مجال ~~التعليم بعدما أفلس في تجارة نبات حشيشة الدينار (نبات يدخل في صناعة ~~البيرة)، وأنه قد سرق أموال السيدة كريكل. وأخبروه كذلك أن الرجل ذا ~~الرجل الخشبية، والذي يدعى تنجاي، كان يعمل في تجارة نبات حشيشة ~~الدينار هو الآخر، وأن رجله قد قطعت أثناء عمله مع السيد كريكل. كما ~~أخبروه أن السيد كريكل عنده ابن، وأن هذا الابن لم يكن على وفاق مع ~~تنجاي، وأنه طرد بسبب اعتراضه على طريقة أبيه القاسية في التعامل داخل ~~المدرسة؛ وأن الحزن مسيطر على السيدة والآنسة كريكل منذ ذلك ~~الحين. # وقد سمع كذلك أن الأجر الذي يحصل عليه كل من السيد شارب والسيد ميل ~~زهيد جدا؛ وأن السيد ميل لم يكن من نوع الرجال السيئين، لكنه لم يكن ~~يملك نصف شلن ليسعد نفسه به؛ وأن العجوز السيدة ميل، والدته، قد ~~بلغ منها الفقر ما بلغه من النبي أيوب. فتذكر ديفيد فجأة السيدة ~~المسنة التي صاحت قائلة: «ولدي تشارلي!» عندما ذهب لطهي فطوره، لكنه ~~لم يخبر الآخرين بهذا. # كما سمع ديفيد أيضا أن الأولاد كلهم يعتقدون أن الآنسة كريكل تحب ~~ستيرفورث، وهو ما لم يستغربه على الإطلاق؛ وأن ستيرفورث طالب ذو ~~امتيازات، وهو ابن سيدة غنية جدا، وأنه الولد الوحيد في المدرسة ~~الذي لم يجرؤ السيد كريكل قط على أن يمد يده عليه. بعد ذلك تفرق ~~الأولاد وذهبوا للنوم. # فكر ديفيد كثيرا في ستيرفورث بعدما ذهب إلى فراشه، ورفع نفسه ~~مستندا ms037 على كوعه لينظر إليه وهو مضطجع تحت نور القمر ووجهه الوسيم ~~للأعلى، ورأسه معتمد على ذراعه. # كان ستيرفورث قد قال قبل أن ينام: «طابت ليلتك أيها الصغير ~~كوبرفيلد. سوف أعتني بك.» # وفي غمرة إعجاب ديفيد بستيرفورث وعرفانه بجميله راح ينظر إليه ~~بإجلال وكأنه بطل وملك. # الفصل السابع # | حياة المدرسة # بدأت المدرسة جديا في اليوم التالي. # وتحولت جلبة الأصوات المتواصلة التي في حجرة الدرس إلى صمت كصمت ~~القبور بمجرد أن دخل السيد كريكل، ووقف في المدخل يجيل النظر بين ~~الأولاد، ويصيح بهمس شرس: «سكوت!» # كان تنجاي واقفا على مقربة من السيد كريكل، وراح يردد بصوته ~~الجهوري ما قاله السيد كريكل همسا. ~~«والآن أيها الأولاد، ها قد بدأ فصل دراسي جديد. فانتبهوا لما ~~أنتم مقدمون عليه في هذا الفصل الدراسي. واحضروا الدروس بنشاط، اسمعوا ~~نصيحتي، فأنا نشيط في توقيع العقاب. إنني لن أحجم عن معاقبتكم. ولن ~~يفيدكم أن تفركوا آثار الضرب بأيديكم؛ فلن تستطيعوا أن تزيلوا آثار ~~عصاي من على أجسامكم. والآن إلى دراستكم جميعا!» # بعد ذلك خرج تنجاي محدثا جلبة برجله الخشبية، بينما أقبل السيد ~~كريكل إلى حيث يجلس ديفيد، وقال له إنه إذا كان هو مشهورا بالعض، فإن ~~السيد كريكل مشهور بالعض أيضا. ثم أظهر العصا لديفيد، وسأله عما إذا ~~كانت تشبه الأسنان؟ هل هي سنة حادة، أجب؟ هل هي سنة مزدوجة، قل؟ ~~هل هي تعض، تكلم؟ وكان مع كل سؤال يضرب ديفيد بها ضربة تجعله ~~يتلوى من الألم. # لكنه لم يكن الولد الوحيد الذي ضرب بالعصا ذلك اليوم؛ فقبل أن ينتهي ~~اليوم الدراسي كان نصف المدرسة يتلوى من الألم ويبكي، ويبدو أن ~~السيد كريكل يستمتع للغاية بمساهمته في إحداث ذلك. # لقد كان رجلا جاهلا متوحشا، لا مهمة له ولا متعة في غير معاقبة ~~الأولاد. أما التدريس فهو متروك للسيد شارب والسيد ميل. # كان المسكين ترادلز تعيس الحظ إلى أبعد الحدود، وقد ضرب بالعصا في ~~كل يوم من أيام هذا الفصل الدراسي؛ لكنه وإن كان أكثر الأولاد بؤسا؛ ~~إلا أنه ms038 أكثرهم مرحا، وكان، بعد أن يضع رأسه على المكتب قليلا، يبتهج ~~بطريقة ما، ويبدأ في الضحك من جديد، ويأخذ في رسم هياكل عظمية على ~~طول لوح كتابته الأردوازي وعرضه، قبل أن تجف دموعه . # لقد كان جديرا جدا بالاحترام، إن ترادلز هكذا حقا؛ وقد جعل ~~مساندة الأولاد بعضهم بعضا واجبا مقدسا. فذات مرة ضحك ستيرفورث ~~داخل الكنيسة، وظن الشماس أن ترادلز هو الذي ضحك، وأخرجه خارج ~~الكنيسة؛ لكن ترادلز لم يقل مطلقا من الذي انتهك حرمة المكان في ~~الحقيقة، رغم أنه عوقب على هذا الانتهاك في اليوم التالي. لكنه تلقى ~~مكافأته. حيث قال ستيرفورث إن ترادلز ليس واشيا، وقد شعر الأولاد ~~جميعا أن هذا هو أعلى مراتب الثناء. # واصل ستيرفورث حماية ديفيد، وأثبت أنه صديق نافع جدا؛ لأنه ما ~~من أحد كان يجرؤ على إزعاج شخص شرفه ستيرفورث بصداقته. وذات مرة، ~~بينما هما يتكلمان في ملعب المدرسة، تصادف أن قال ديفيد شيئا عن ~~واحد من كتبه الحبيبة، وهو كتاب «مغامرات بيراجرن بيكل»؛ وفي تلك ~~الليلة أثناء ذهابهما للنوم سأله ستيرفورث إن كان هذا الكتاب ~~معه. # أخبره ديفيد أنه ليس معه، وحكى له كيف ساقته الصدفة إلى قراءته، ~~وقراءة كل تلك الكتب اللطيفة الأخرى التي عثر عليها في تلك الغرفة ~~الصغيرة المجاورة لغرفته بالطابق العلوي. # سأله ستيرفورث: «وهل تذكرها؟» # قال ديفيد إنه يعتقد ذلك. ~~«اسمع إذن أيها الصغير كوبرفيلد، سوف تقصها علي. فأنا لا أستطيع ~~النوم مبكرا جدا بالليل، وعادة ما أستيقظ مبكرا نوعا ما في ~~الصباح. سوف تحكيها لي واحدة تلو الأخرى. ولنجعل الأمر يبدو مثل ألف ~~ليلة وليلة.» # أرضى هذا كبرياء ديفيد للغاية، وبدأ يحكي «مغامرات بيراجرن بيكل» ~~في تلك الليلة نفسها، بعدما استلقيا في فراشيهما. لم يكن ديفيد يحب ~~أن يوقظه أحد من النوم في صباح كل يوم ليكمل القصة، لكن ستيرفورث ~~واظب على إيقاظه بنشاط عظيم؛ وقد كان ديفيد يجله كثيرا بحيث إنه لم ~~يكن ليخذله لأي سبب كان. # وذات يوم وصلت أخيرا رسالة بيجوتي التي كانت قد ms039 وعدته أن ترسلها ~~له؛ رسالة مشجعة للغاية، تماما مثل بيجوتي! ووصلت معها فطيرة، ~~وكثير من البرتقال، وزجاجتان من عصير زهرة الربيع. # جاء ديفيد بهذه الكنوز، مثلما يحدث في حالات الالتزام الأدبي، ووضعها ~~بين يدي ستيرفورث، ورجاه أن يوزعها عليهم. # قال ستيرفورث: «اسمع أيها الصغير كوبرفيلد، سوف نحتفظ بالعصير لترطب ~~به فمك عندما تحكي القصص.» # حاول ديفيد أن يعترض؛ لكن ستيرفورث صمم على رأيه. وقال إنه لاحظ ~~أن صوت ديفيد كان «أجش قليلا» وأكد أنه سوف يحتفظ له بكل قطرة من ~~العصير. # وهكذا أغلق ستيرفورث على الزجاجتين في حقيبته هو، وكان كلما أصبح ~~صوت ديفيد «أجش» يصب له قليلا من العصير في قنينة. كما قد يضيف ~~عليه بعض البرتقال من أجل التغيير، أو يمزجه بالزنجبيل، أو يذيب فيه ~~قطرة من النعناع؛ وكان ديفيد يشربه بامتنان كبير، وهو يدرك جيدا ~~جدا اهتمام ستيرفورث به. # كان ديفيد يجيد رواية القصص جدا، لأنه هو نفسه شديد الإيمان بها. ~~كما أنه أصغر الأولاد في حجرة النوم هذه، وربما لهذا السبب تحديدا، ~~كانوا يقدرون هذه المهارة فيه. شيئا فشيئا عرفت المدرسة كلها ~~مهارته تلك، وهكذا اشتهر ديفيد كثيرا. # في هذه الأثناء أزيلت اللافتة القديمة من على ظهره؛ ليس مراعاة ~~أبدا لشعور ديفيد؛ وإنما لأن السيد كريكل وجدها تعترض طريقه عندما جاء ~~فجأة من وراء المقعد الطويل الذي يجلس فيه ديفيد، وأراد أن يضربه ~~ضربة بالعصا أثناء مروره؛ لهذا السبب أزيلت ذات يوم، ولم تعد إلى ~~ظهره بعد ذلك قط. # وقد أحبه السيد ميل كذلك، وبذل أفضل ما لديه كي يتقن تعليمه ~~غاية الإتقان. ولسوء الحظ، أخبر ديفيد - وكان لا يستطيع أن يخفي ~~سرا عن ستيرفورث لأي سبب - بطله ذات مرة بأمر السيدة العجوز التي ~~أخذه السيد ميل لرؤيتها في مأوى الفقراء في صباح ذاك اليوم الأول. ولم ~~يكن يتخيل على الإطلاق كيف ستكون العواقب. # وقد مرض السيد كريكل ذات يوم، ولم يستطع المجيء إلى حجرة الدرس. ~~وابتهج الأولاد بالخبر غاية الابتهاج، لدرجة أنه كان من الصعب ms040 جدا ~~الحفاظ على نظامهم في ذلك الصباح. فجاء تنجاي يسير متثاقلا برجله ~~الخشبية حتى دخل الفصل، ودون أسماء أهم من انتهكوا النظام؛ لكنهم ~~كانوا متأكدين غاية التأكد أنهم سيعاقبون غدا لذا رغبوا في أن ~~يستمتعوا بوقتهم اليوم. # وبعد الظهر أصبح الأولاد أسوء من ذي قبل؛ وقد تصادف أنها كانت فترة ~~بعد الظهر من يوم السبت، وعادة ما كانت تعطى إجازة نصف يوم؛ لكن ~~لأن السيد كريكل لم يستطع احتمال ضجيج الأولاد وهم يندفعون بسرعة في ~~ملعب المدرسة، ولأن الجو كان مطيرا جدا ذلك اليوم بحيث يصعب المشي ~~خارج المدرسة، أمر بإدخالهم إلى حجرة الدرس لأداء قليل من الواجبات ~~المدرسية الخفيفة، تحت رعاية السيد ميل. حيث خرج السيد شارب ليجعد ~~شعره المستعار. # وكان الأولاد مشاكسين جدا بحيث إن المسكين السيد ميل، وهو رجل لطيف ~~هادئ، لقي أشد العناء في المحافظة على النظام. حيث كان الضجيج ~~مخيفا. # أسند السيد ميل رأسه الذي يؤلمه بيده وحاول مواصلة عمله المرهق على ~~أكمل وجه يستطيعه. # بينما أخذ الأولاد يثبون داخل مقاعدهم وخارجها، ويلعبون لعبة «الهرة ~~التي تريد ركنا»؛ وكان بعض الأولاد يضحك، وبعضهم يغني، وبعضهم ~~يتكلم، وبعضهم يصرخ؛ وهناك من يجرون أقدامهم على الأرض، ومن يدورون ~~حوله، وهم يبتسمون، ويرسمون على وجوههم تعابير السخرية، ويقلدونه ~~ساخرين من وراء ظهره وأمام عينيه؛ ويسخرون من فقره، أو حذائه، أو ~~معطفه، أو والدته؛ كانوا يسخرون من كل شيء يخصه بينما الأجدر بهم ~~احترامه. # فجأة نهض السيد ميل من مكانه، وضرب المكتب بكتابه، وصاح قائلا: ~~«سكوت! ما معنى هذا؟ من المستحيل احتمال هذا. إنه شيء يدفع إلى ~~الجنون. كيف تفعلون بي هذا أيها الأولاد؟» # لقد كان كتاب ديفيد ذاك الذي ضرب به المكتب؛ حيث يقف ديفيد إلى ~~جواره. # توقف الأولاد جميعا، وقد اعترت الدهشة بعضهم فجأة، وتمكن الخوف ~~جزئيا من بعضهم، وربما تملك الندم بعضهم. # وكان مكان ستيرفورث في الجزء الأخير من الصف، عند الجانب المقابل ~~للحجرة المستطيلة. وقد استند متهدلا بظهره على الحائط، واضعا يديه في ~~جيبيه، وراح ms041 ينظر إلى السيد ميل وفمه مغلق على هيئة مستديرة وكأنه ~~كان يصفر، وهنا نظر إليه السيد ميل. # وقال: «اصمت يا ستيرفورث!» # قال ستيرفورث، ووجهه متوهج من الانفعال: «اصمت أنت، إلى من ~~تتكلم؟» # قال السيد ميل: «اجلس.» # قال ستيرفورث: «اجلس أنت، ولا تتدخل فيما لا يعنيك.» # أخذ بعض الأولاد يضحك ضحكا مكبوتا مستهزئا؛ وراح بعضهم يصفق؛ ~~لكن السيد ميل اتقد غضبا لدرجة أن الصمت عم الحجرة في ~~الحال. # قال السيد ميل: «إذا كنت تظن يا ستيرفورث أني لا أعلم عن السلطة ~~التي تسيطر بها على أي عقل هنا؛ أو أني لم أرك، منذ قليل، وأنت ~~تحرض الأولاد الأصغر منك على إهانتي بجميع أنواع الإهانة؛ فإنك ~~مخطئ.» # قال ستيرفورث، في غرور بمركزه الاجتماعي، وازدراء للسيد ميل: «أنا ~~لا أشغل نفسي بك مطلقا، وأنا لست مخطئا في هذا، في الحقيقة.» # واصل السيد ميل كلامه، وشفته ترتعش بشدة: «وعندما تستغل ما تتمتع به ~~من محاباة في معاملتك لتهين سيدا ...» # صاح ستيرفورث: «أهين ماذا؟ أين هو هذا السيد؟» # وهنا صاح شخص ما: «عار عليك يا جيه. ستيرفورث! هذا سيئ جدا!» ~~وقد كان ترادلز. # قال السيد ميل وشفتاه تزدادان ارتعاشا: «... لتهين شخصا ليس له حظ ~~في الحياة، يا سيدي، ولم يسئ لك قط أدنى إساءة، فإنك بهذا ترتكب ~~فعلا دنيئا حقيرا. تستطيع أن تجلس أو أن تقف كما تحب يا سيد ~~كوبرفيلد، هيا.» # قال ستيرفورث وهو يتقدم نحوه داخل الحجرة: «أيها الصغير كوبرفيلد، ~~توقف قليلا. اسمع يا سيد ميل، فهذا كلام نهائي. عندما تجترئ على ~~نعتي بالدنيء أو الحقير، أو أي شيء من هذا القبيل، فإنك بهذا تكون ~~شحاذا وقحا. إنك شحاذ على الدوام، كما تعلم؛ لكنك عندما تفعل ~~هذا، فأنت شحاذ وقح.» # فجأة بدا كل من في المدرسة وكأنهم قد تحولوا إلى تماثيل؛ حيث ~~وجدوا السيد كريكل في وسطهم، وتنجاي إلى جواره، والسيدة والآنسة كريكل ~~تنظران من الباب، وكأنما كانتا خائفتين. وضع السيد ميل مرفقيه على ~~مكتبه، ووجهه بين يديه، وجلس صامتا تماما لبعض الوقت. ms042 # قال السيد كريكل وهو يهزه من ذراعه: «سيد ميل، أرجو ألا تكون قد ~~نسيت نفسك.» # أجاب المدرس، وهو يرفع يديه عن وجهه، ويفركهما ببعض من شدة ما ~~يشعر به من الاضطراب: «كلا يا سيدي، كلا. كلا يا سيدي، كلا. ~~أنا لم أنس نفسي. ليتك تذكرتني قبل هذا بقليل يا سيد كريكل. كان ~~هذا ... كان هذا سيصبح أكثر لطفا يا سيدي، وأكثر عدلا يا سيدي. كان ~~هذا سيصون لي شيئا ما يا سيدي.» # أخذ السيد كريكل يحد النظر إليه، ووضع يده على كتف تنجاي، ورفع ~~رجليه على المقعد الطويل القريب منه، وجلس فوق المكتب؛ ثم التفت إلى ~~ستيرفورث وقال: «والآن أيها السيد، حيث إنه لا يريد أن يتعطف ~~ويخبرني، ما الأمر؟» # تهرب ستيرفورث من السؤال قليلا، ثم قال أخيرا: «ما الذي قصده ~~بالحديث عمن يحابون في المعاملة إذن؟» # أعاد السيد كريكل الكلام، وقد انتفخت عروق جبهته سريعا: «من ~~يحابون في المعاملة؟ من تكلم عمن يحابون في المعاملة؟» # قال ستيرفورث: «هو فعل هذا.» # فجأة هاجم السيد كريكل مساعده بغضب، وسأله قائلا: «وماذا قصدت ~~بهذا، من فضلك، يا سيدي؟» # أجابه السيد ميل بصوت خفيض: «كنت أقصد، يا سيد كريكل، كما قلت من ~~قبل؛ إنه ليس من حق أي تلميذ أن يستغل ما يتمتع به من محاباة ~~في معاملته ليحط من قدري.» ~~«ليحط من قدرك أنت؟ يا للعجب! لكن اسمح لي أن أسألك يا سيد ... أيا ~~كان اسمك، إن كنت، وأنت تتكلم عن المحاباة في المعاملة، تحترمني ~~كما ينبغي؟ إن كنت بهذا تحترمني أنا أيها السيد، أنا، مدير المدرسة، ~~وصاحب عملك؟» # قال السيد ميل: «لم يكن هذا تصرفا حكيما مني يا سيدي، أعترف بهذا، ~~ما كنت لأفعل هذا، لو كنت هادئ الأعصاب.» # وهنا قاطعه ستيرفورث فجأة. # وقال: «بعد ذلك قال إنني دنيء، وبعدها قال إنني حقير، وعندئذ نعته ~~بالشحاذ. لو كنت أنا أيضا هادئ الأعصاب، ربما ما كنت لأنعته ~~بالشحاذ. لكنني فعلت، وأنا مستعد لتحمل عواقب ذلك.» # قال السيد كريكل: «أنا متفاجئ يا ستيرفورث ms043 - رغم أن صراحتك تعلي من ~~شأنك. نعم، تعلي من شأنك بالتأكيد - أنا متفاجئ، يا ستيرفورث، من دون ~~شك، أنك تنعت أي شخص يعمل ويتقاضى راتبا من مدرسة سيلم هاوس ~~بمثل هذه الصفة أيها السيد.» # ضحك ستيرفورث ضحكة مقتضبة. # قال السيد كريكل: «ليس هذا جوابا على تعليقي أيها السيد.» # قال ستيرفورث: «فلينكر الأمر إذن.» # صاح السيد كريكل: «ينكر أنه شحاذ يا ستيرفورث؟ يا للعجب، وأين ~~يمارس الشحاذة إذن؟» ~~«إذا لم يكن هو نفسه شحاذا، فإن بعض أقربائه وثيقي الصلة به كذلك. ~~والأمران سيان.» # نظر ستيرفورث نظرة خاطفة إلى ديفيد، وكانت يد السيد ميل تربت ~~بلطف على كتف ديفيد. فنظر ديفيد لأعلى بوجه تكسوه حمرة الخجل وقلب ~~يعتصره عذاب الضمير؛ لكن عيني السيد ميل كانتا مثبتتين على ~~ستيرفورث. # قال ستيرفورث: «بما أنك تنتظر مني، يا سيد كريكل، أن أبرر كلامي، ~~وأن أوضح قصدي؛ فلا بد لي من القول بأن أمه تعيش على الصدقة في أحد ~~ملاجئ الفقراء.» # ظل السيد ميل ينظر إليه، ويربت بلطف على كتف ديفيد، وقال لنفسه ~~هامسا: «نعم، هذا ما ظننته.» # التفت السيد كريكل إلى مساعده بوجه شديد التجهم، وقال: «والآن لقد ~~سمعت ما قاله هذا السيد يا سيد ميل. فلتتفضل، إذا سمحت، بتوضيح ~~الحقيقة له أمام المدرسة كلها.» # أجاب السيد ميل وسط صمت مطبق ساد المكان: «إنه مصيب، دون أن ~~أصحح شيئا، إن ما قاله صحيح.» # قال السيد كريكل: «فلتتكرم وتعلن على الملأ إن كنت أعلم الأمر ~~قبل هذه اللحظة.» # قال السيد ميل: «إن ما أعرفه هو أنك لم تعتقد قط أن وضعي المالي كان ~~على ما يرام، أنت تعرف حقيقة وضعي، وكيف كان هنا في المدرسة طوال ~~الوقت.» # قال السيد كريكل، وعروقه تنتفخ ثانية أكثر من أي وقت مضى: «إن ما ~~أعرفه، في الحقيقة، أنك كنت في وضع خاطئ إجمالا، وأنك كنت تحسب أن ~~هذه مدرسة خيرية. يا سيد ميل، سوف نفترق، إذا سمحت. ومن الأفضل ~~التعجيل بذلك.» # قال السيد ميل وهو ينهض من مكانه: «لا وقت ms044 أنسب لهذا من ~~الآن.» # قال السيد كريكل: «القرار قرارك أيها السيد!» # قال السيد ميل، وهو يلقي نظرة سريعة على من في الحجرة، ويربت ~~على كتف ديفيد من جديد: «الوداع يا سيد كريكل، الوداع جميعا. أما أنت ~~يا جيمس ستيرفورث، فأفضل ما أتمناه لك أن تخجل يوما مما فعلته ~~اليوم. والآن فأنا أفضل أن أراك أي شيء سوى أن تكون صديقا، لي ~~أنا، أو لأي أحد يهمني أمره.» # مرة أخرى وضع يده على كتف ديفيد؛ ثم أخذ مزماره وبعض الكتب من على ~~مكتبه، وترك المفتاح فيه لمن سيخلفه، وخرج من المدرسة وهو يحمل ~~ممتلكاته تحت ذراعه. # بعد ذلك ألقى السيد كريكل، الذي كان ميالا إلى تملق ستيرفورث ~~بسبب مكانته وثروته، خطابا شكر فيه ستيرفورث على رفعه لوجاهة مدرسة ~~سيلم هاوس، وطلب من الأولاد أن يحيوه بالهjاف ثلاث مرات. # بعد هذا ضرب السيد كريكل تومي ترادلز بالعصا؛ لأنه بدلا من الهتاف ~~لستيرفورث راح يبكي عند رحيل السيد ميل؛ ثم عاد السيد كريكل للنوم على ~~أريكته، أو من حيثما أتى. # ترك الأولاد بمفردهم، وراح كل منهم ينظر إلى الآخر في ذهول. وكان ~~ديفيد سيبكي، لولا أنه خشي أن بكاءه ربما يغضب ستيرفورث. حيث غضب ~~ستيرفورث من ترادلز للغاية، وقال إنه سعيد لأنه قد عوقب. # قال ترادلز إنه لا يكترث لهذا، وإن السيد ميل قد ظلم. فرد ستيرفورث، ~~وقد شعر بشيء من الخجل، لكن غروره كان أكبر بكثير من أن يدعه يعترف ~~بخطئه: «ومن الذي ظلمه أيتها الفتاة؟» ~~«يا للعجب، أنت ظلمته.» # قال ستيرفورث: «وما الذي فعلته؟» # فرد عليه ترادلز مبكتا: «ما الذي فعلته؟! لقد جرحت مشاعره، ~~وأفقدته وظيفته.» # قال ستيرفورث: «سوف تتعافى مشاعره قريبا من جرحها، أنا واثق من ~~هذا، إن مشاعره ليست كمشاعرك، يا آنسة ترادلز. أما عن وظيفته - والتي ~~كانت وظيفة غالية، أليس كذلك؟ - أتظنين أني لن أرسل رسالة إلى بيتي، ~~وأحرص على أن يحصل على بعض المال، يا آنسة بولي؟» # رأى الأولاد في هذا نبلا كبيرا من ستيرفورث، الذي كانت ms045 والدته ~~أرملة غنية جدا، وهي مستعدة، كما شاع عنها، لفعل أي شيء ~~تقريبا من أجل ابنها، إذا ما طلبه منها. # لكن في تلك الليلة أخذ ديفيد يفكر في المزمار القديم، ويتساءل إن ~~كان السيد ميل يعزف في مكان ما وهو حزين، وأحس ببؤس شديد في ~~الحقيقة. # وبعد ذلك جاء إلى المدرسة معلم جديد من إحدى المدارس الثانوية؛ ~~وأكد ستيرفورث أنه شخص طيب؛ لكنه لم يبذل قط في تعليم ديفيد ذلك ~~الجهد العظيم الذي كان يبذله السيد ميل. # الفصل الثامن # | زوار من أجل ديفيد # بعد ظهر أحد الأيام، وبينما السيد كريكل يعمل عصاه بشكل مرعب ~~في كل من حوله، أقبل تنجاي، وصاح قائلا: «زوار لكوبرفيلد!» # وقف ديفيد في مكانه، وقد أصيب بدوار شديد من الذهول، وطلب منه أن ~~يذهب عبر السلالم الخلفية لارتداء قميص مكشكش نظيف قبل أن يدخل إلى ~~حجرة الطعام. # وأخذ يتساءل إن كانت الزائرة هي أمه، ثم توجه إلى الباب وهو مضطرب ~~تماما، وتعين عليه أن يوقف بكاء كان قد اعتراه قبل الدخول. # وقد فوجئ بأن السيد بيجوتي وهام هما اللذان أتيا لزيارته. # حيث أمسك كل منهما طرف قبعته بيده وانحنى تحية لديفيد، وحشر ~~أحدهما الآخر في الحائط من الارتباك الذي أصابهما. ضحك ديفيد ابتهاجا ~~برؤيتهما مرة أخرى، وتصافحوا جميعا بمودة شديدة؛ لكن الدموع كانت ~~قريبة جدا من الضحك كذلك، وأخرج ديفيد منديله، رغم أنه ظل يضحك، ~~وراح يجفف به دموعه؛ لقد تأثر تأثرا كبيرا عندما رآهما. # وكز السيد بيجوتي هام بمرفقه برفق كي يقول شيئا. # فبدأ هام قائلا: «فلتبتهج يا صديقي السيد ديفي! يا للعجب، كم ~~كبرت!» # قال ديفيد: «أنا كبرت؟» # قال هام: «كبرت يا صديقي السيد ديفي؟ ألم يكبر بالفعل!» # قال السيد بيجوتي: «لقد كبر بالفعل!» ~~«هل تعلم كيف حال أمي يا سيد بيجوتي؟ وكيف حال عزيزتي ~~بيجوتي؟» # قال السيد بيجوتي: «على خير ما يرام.» ~~«والصغيرة إيميلي، والسيدة جوميدج؟» # قال السيد بيجوتي: «بخير حال.» # سادت فترة من الصمت. ولكي يبددها السيد بيجوتي، قدم لديفيد ~~جرادتين بحريتين ms046 هائلتين، وسلطعونا ضخما، وحقيبة كبيرة مصنوعة ~~من القماش الثقيل مملوءة بالروبيان، وكومها فوق ذراعي هام. # قال السيد بيجوتي: «أتدري، لعلمنا أنك كنت مولعا بالقليل من فواتح ~~الشهية مع طعامك عندما كنت معنا، رفعنا الكلفة وأتينا بهذه الأشياء. ~~لقد طهتها الفتاة الكبيرة.» ولأن السيد بيجوتي لم يجد شيئا آخر يقوله ~~حينها، فقد أضاف: «نعم، صدقني، لقد أنضجتها السيدة جوميدج.» # شكره ديفيد من القلب. # قال السيد بيجوتي: «لقد أتينا، وكانت الرياح والمد يعملان لصالحنا، ~~في واحد من المراكب الشراعية المبحرة من مدينتنا يارمث إلى مدينة ~~جريفزيند. حيث أرسلت لي أختي اسم هذا المكان في رسالة، وقد أرسلتها ~~لي كما لو كنت قد أتيت إلى مدينة جريفزيند في أي وقت من حياتي، ~~وطلبت مني أن آتي إلى هنا وأسأل عن السيد ديفي، وأبلغه أنها تتمنى ~~له - في إخلاص وتواضع - أن يكون على ما يرام، وأنها تخبره أن الأسرة ~~على خير ما يرام من دون شك. وعندما أعود سترسل الصغيرة إيميلي رسالة ~~إلى أختي، وستخبرها فيها أني رأيتك وأنك أيضا على خير ما يرام، وهكذا ~~نجعلها جولة اطمئنان سعيدة.» # شكره ديفيد مرة أخرى، وسأله إن كانت الصغيرة إيميلي قد ~~تغيرت. # قال السيد بيجوتي: «إنها تكبر وستصبح امرأة جميلة، هكذا ستكون. ~~اسأله.» # كان يقصد هام، الذي راح يبتسم، من فوق حقيبة الروبيان، ابتسامة ~~عريضة تنم عن الابتهاج والموافقة. # قال السيد بيجوتي، ووجهه يتألق كالضوء: «فوجهها جميل!» # قال هام: «وهي متعلمة!» # قال السيد بيجوتي: «وخطها! يا لروعته، إنه كالكهرمان الأسود. وهو ~~كبير جدا، يمكنك أن تراه من أي مكان.» # كان على وشك أن يقول المزيد عن محبوبته الصغيرة، لكن ستيرفورث نظر ~~داخل الحجرة فجأة، وقطع أغنية كان يغنيها، وقال: «لم أكن أعلم أنك ~~هنا أيها الصغير كوبرفيلد!» (وذلك لأن هذه لم تكن الغرفة المعتادة ~~للزيارات.) ومضى في طريقه إلى خارج الحجرة. # أراد ديفيد من جهة أن يتباهى بصديقه الأنيق ستيرفورث، ومن جهة أخرى ~~أن يشرح له كيف حدث أن أتاه ضيفان مثل هذين الصيادين الجلفين، فنادى ms047 ~~قائلا: «لا تنصرف يا ستيرفورث من فضلك. هذان صيادان من مدينة يارمث - ~~إنهم أناس طيبون وصالحون للغاية - وهما قريبا مربيتي، وقد جاءا من ~~مدينة جريفزيند لزيارتي.» # قال ستيرفورث وهو يعود أدراجه: «نعم، نعم، سررت برؤيتهما. كيف ~~حالكما؟» # كان يتصرف على طبيعته؛ وبأسلوب مرح ولطيف، كما أنه لم يكن ~~متبجحا، فضلا عن نبرته المبهجة، ووجهه ومظهره الوسيمين، اللذين ~~يبدو أنه كان لهما سلطان طاغ، وما كان يستطيع مقاومتهما الكثيرون. ~~حيث ارتاح له السيد بيجوتي وهام في الحال. وقد أخبرهما ديفيد بكلمات ~~قليلة عن مدى طيبة ستيرفورث معه. # قال ستيرفورث ضاحكا: «إنه يبالغ!» # قال ديفيد: «وإذا حدث يوما يا سيد بيجوتي أن زار السيد ستيرفورث ~~مقاطعة نورفك أو مقاطعة سافك وأنا هناك، فثق أنني سوف آتي به إلى ~~مدينة يارمث، إذا سمح لي بهذا، ليرى بيتك. إنك لم تر قط بيتا في مثل ~~جماله يا ستيرفورث. إنه مصنوع من أحد المراكب.» # قال ستيرفورث: «مصنوع من أحد المراكب، حقا؟ إنه البيت الأمثل ~~لصياد قوي البنية مثلك!» # قال هام وهو يبتسم ابتسامة عريضة: «إنه كذلك يا سيدي، إنه كذلك يا ~~سيدي. أنت محق أيها السيد. يا سيد ديفي، هذا السيد محق. صياد ~~قوي البنية! هه هه! هذه هي حقيقته إلى حد بعيد!» # وقال السيد بيجوتي، وهو يضحك بصوت خافت، ويقحم طرفي منديل عنقه ~~في صدره: «أشكرك يا سيدي، أشكرك! إنني أبذل جهدي في عملي يا ~~سيدي.» # قال ستيرفورث، وكان قد حفظ اسمه بالفعل: «إن أفضل الرجال لا يستطيعون ~~أن يزيدوا على ما تبذله شيئا يا سيد بيجوتي.» # قال بيجوتي: «أنا واثق أن هذا ما تفعله أنت يا سيدي، وهو ما تتقن ~~فعله؛ تتقنه تماما! أشكرك يا سيدي.» # أنهى السيد بيجوتي اللقاء بدعوة ستيرفورث لزيارته يوما ما «مع السيد ~~ديفي.» وتمنى لهما العافية والسعادة. # ردد هام أمنية عمه، وافترق الولدان عنهما بأسلوب غاية في ~~الود؛ ثم عادا وحملا الطعام إلى غرفة النوم دون أن يلاحظهما ~~أحد، حيث أقاما حفلة عشاء عظيمة تلك الليلة. # أفرط المسكين ms048 ترادلز جدا في تناول السلطعون، وأصابه الغثيان فجأة ~~أثناء الليل؛ وكان غثيانا شديدا، لدرجة أنه احتاج إلى أن يعالج ~~بجرعات من شراب أسود وحبوب زرقاء؛ وفي صباح اليوم التالي ضرب ~~بالعصا، وفرض عليه حفظ ستة فصول من نسخة الكتاب المقدس اليونانية ~~لرفضه الاعتراف بما أكله وأصابه بالغثيان هكذا. # وهكذا انقضى الفصل الدراسي الأول من حياة ديفيد في المدرسة، ولاحت ~~الإجازات في الأفق وأخذت تقترب أكثر فأكثر. فبدأ ديفيد يخاف من ألا ~~يسمح له السيد ميردستون بالعودة إليهم؛ لكن خوفه تحول إلى سعادة ~~في نهاية المطاف، وفي يوم مبهج وجد نفسه داخل عربة بريد يارمث، وفي ~~طريقه إلى المنزل. # توقفت العربة في مدينة يارمث؛ لكن ليس أمام الفندق الذي تعرفونه حيث ~~ساعده النادل على إنهاء شرائح اللحم وحلوى البودينج. بل فندق آخر ~~يسمى «ذا دولفن»، وأدخل ديفيد حجرة صغيرة لطيفة ليقضي فيها ~~الليلة؛ وكان المفترض أن يقله الحمال باركس في الصباح. # استقبله باركس وكأنما لم يمر على فراقهما سوى خمس دقائق، وما إن ~~صار ديفيد والحقيبة في العربة حتى سار الحصان الكسول بسرعته ~~المعتادة. # قال ديفيد: «تبدو في حال جيدة جدا يا سيد باركس، لقد أبلغت ~~رسالتك. لقد أرسلت خطابا لبيجوتي.» # قال السيد باركس: «نعم!» وقد بدا فظا، ورد على ديفيد بأسلوب ~~جاف. # سأل ديفيد بعد قليل من التردد: «أما كان مناسبا يا سيد ~~باركس؟» # قال باركس: «يا إلهي، بلى.» ~~«الخطاب؟» # قال باركس: «كان الخطاب مناسبا جدا، ربما، لكنه انتهى عند ~~هذا.» ~~«انتهى، يا سيد باركس؟» # أوضح باركس قصده وهو ينظر إلى ديفيد شزرا: «لم يسفر عن شيء، لا ~~رد.» # سأل ديفيد وهو يفتح عينيه: «كنت تتوقع ردا، أليس كذلك يا سيد ~~باركس؟» # قال باركس: «عندما يقول رجل إنه راغب، فإن هذا يعد كما لو أنه ~~ينتظر ردا.» ~~«حسن يا سيد باركس، وماذا بعد؟» # قال باركس، وهو ينظر إلى أذني الحصان: «حسنا، هذا الرجل ينتظر ~~ردا منذ ذلك الحين.» # شكل 8-1: أخرج السيد بيجوتي من جيبيه جرادتين بحريتين ~~هائلتين، وسلطعونا ضخما، ms049 وحقيبة كبيرة مصنوعة من ~~القماش الثقيل مملوءة بالروبيان. ~~«هل قلت لها هذا يا سيد باركس؟» # قال الحمال مزمجرا، وقد غرق في التفكير: «ل... لا. لم يدعني أحد ~~ألبتة كي أذهب وأقول لها هذا. كما أني لم أكلمها ولو قليلا قبل ~~ذلك قط. لا، لن أقول لها هذا.» # قال ديفيد بتردد: «هل تحب أن أخبرها أنا يا سيد باركس؟» # قال باركس: «فلتقل لها، إذا أحببت، إن باركس كان ينتظر ردا. ~~فلتقل؛ ما هو الاسم؟» ~~«اسمها؟» # قال باركس وهو يومئ برأسه: «نعم!» ~~«بيجوتي.» ~~«هذا اسمها الأول؟ أم اسم عائلتها؟» ~~«أوه! ليس هذا اسمها الأول. اسمها الأول كلارا.» # قال باركس: «حقا؟» ثم راح يفكر مليا في هذه الحال، واستأنف كلامه ~~أخيرا: «فلتقل: «بيجوتي، إن باركس ينتظر ردا.» وربما تقول لك: «رد ~~على ماذا؟» فقل: «على ما قلته لك.» فإذا قالت: «وما هو هذا الذي ~~قلته؟» فقل: «إن باركس راغب».» # في هذه اللحظة وكز سائق العربة ديفيد بمرفقه برفق في جنبه، ثم جلس ~~مترهلا فوق حصانه كعادته، ولم يشر بعدها أي إشارة أخرى إلى ~~الموضوع. لكنه بعد نصف ساعة أخرج قطعة طباشير من جيبه، وكتب داخل ~~غطاء عربته «كلارا بيجوتي.» # وفي هذه اللحظة أصبح البيت القديم على مرأى من راكبي العربة، حيث ~~كانت أشجار الدردار الطويلة تلوح بأغصانها العارية في الهواء ~~البارد، بينما تجرف الرياح بعض القش من أعشاش الغربان ~~العتيقة. # أنزل الحمال حقيبة ديفيد أمام بوابة الحديقة، وتركه؛ وسار ديفيد ~~فوق المسار القديم، بينما يرفع عينيه ويلقي نظرات خاطفة على ~~النوافذ، ويخشى مع كل خطوة يخطوها أن يرى السيد أو الآنسة ميردستون ~~وهما يطلان من واحدة منها. # الفصل التاسع # | مثل الأيام الماضية تماما # وصل ديفيد إلى باب المنزل، وأدار المقبض دون أن ينتظر ليطرق الباب، ~~ومضى إلى الداخل بخطى هادئة متهيبة. وعندما دخل سمع صوتا خافتا ~~يغني في الردهة؛ وقد كان صوت والدته؛ وبدت الأغنية التي تغنيها ~~شبيهة بأغنية قديمة كانت تغنيها له وهو رضيع. # نظر ديفيد داخل الغرفة؛ لكن والدته لم تره؛ ms050 حيث كانت تجلس إلى ~~جوار المدفأة وبين ذراعيها طفل رضيع، بينما تضع يده البالغة الصغر ~~على خدها، وعيناها تنظران إلى وجهه. ولم يكن هناك أي أحد آخر في ~~الغرفة. # تكلم ديفيد، فانتفضت في مكانها، وما إن رأته حتى قالت: حبيبي ~~ديفي، ولدي! ثم مضت إلى منتصف الغرفة لاستقباله، وجثت على ركبتيها ~~وقبلته، ووضعت رأسه على صدرها، قريبا من المخلوق الصغير الذي كان ~~مستقرا هناك، ورفعت يد الرضيع إلى شفتي ديفيد. # وقالت تلاطف ديفيد: «إنه أخوك، يا ديفي، يا ولدي الجميل! يا طفلي ~~المسكين!» ثم راحت تقبله مرة بعد مرة، وتطوق عنقه بذراعيها، وهنا ~~دخلت بيجوتي تجري، ووثبت فجأة على الأرض بجوارهما، واحتفت بهما ~~وعقلها يكاد يطير من الفرح طيلة ربع ساعة. # لقد شعروا وكأن الأيام الماضية الغالية قد عادت من جديد؛ حيث وصل ~~ديفيد مبكرا عما كانوا يتوقعون، وكان السيد والآنسة ميردستون خارج ~~البيت في زيارة، ولن يعودا قبل حلول الظلام. # أوه! لقد كان وقتا سعيدا؛ حيث جلسا لتناول الغداء معا بجوار نار ~~المدفأة بينما تقوم بيجوتي على خدمتهما؛ لكن والدة ديفيد لم تتركها ~~تفعل ذلك، وجعلتها تجلس وتتناول غداءها معهما. كان ديفيد يأكل في ~~طبقه القديم، المرسوم عليه سفينة حربية مبحرة بكامل أشرعتها، والذي ~~كانت بيجوتي قد خبأته بعيدا، وقالت إنها ما كانت لتكسره، ولو في ~~مقابل مائة جنيه. وكذلك كوبه القديم المكتوب عليه «ديفيد»، وسكينه ~~وشوكته الصغيرتان اللتان لا تقطعان. # وبينما هم يتناولون غداءهم مسرورين، بدأ ديفيد يحدث بيجوتي عن ~~السيد باركس، وقبل أن تنهي طعامها، بدأت تضحك، وتغطي وجهها ~~بمريلتها. # قالت والدة ديفيد: «بيجوتي! ما الأمر؟» # لم تزد بيجوتي على أن ضحكت أكثر من ذي قبل، وثبتت مريلتها بقوة على ~~وجهها عندما حاولت أمه أن تزيلها. # قالت والدة ديفيد، وهي تضحك هي الأخرى: «ماذا تفعلين أيتها ~~الحمقاء؟» # صاحت بيجوتي: «يا إلهي! تبا لذلك الرجل! إنه يريد أن ~~يتزوجني.» # قالت والدة ديفيد: «سيكون زوجا مناسبا جدا لك، أليس ~~كذلك؟» # قالت بيجوتي: «يا إلهي! لا أدري. لا تسأليني. لن ms051 أتزوجه ولو كان ~~مخلوقا من ذهب. ولن أتزوج أي أحد.» ~~«إذن فلم لا تخبرينه بهذا، أيتها السخيفة؟» # أجابت بيجوتي، وهي تنظر خارج مريلتها: «أخبره بهذا؟ إنه لم يخبرني ~~قط بكلمة واحدة عن الأمر. إنه أعقل من أن يفعلها. لو أنه تجرأ ~~جدا وقال لي كلمة واحدة لصفعت وجهه!» # كان وجهها محمرا للغاية، وظلت بين الحين والآخر تضحك من ~~قلبها. # نظر ديفيد إلى أمه فرأى أنها أصبحت جادة ومستغرقة في التفكير ~~جدا، رغم ابتسامتها في وجه بيجوتي عندما نظرت إليها. لقد ظل وجهها ~~جميلا، لكنه بدا مهموما واهيا، وراحت تنظر إلى بيجوتي نظرات قلقة ~~مرتبكة؛ ثم مدت يدها، ووضعتها بحنان فوق يد خادمتها الرائعة، ~~وقالت: «عزيزتي بيجوتي، ألن تتزوجي؟» ~~«أنا يا سيدتي؟ باركك الله، نعم لن أفعل!» # قالت الأم في حنان: «ليس الآن.» # صاحت بيجوتي: «أبدا.» # قالت أمه وهي ممسكة بيدها: «لا تتركيني يا بيجوتي. ابقي معي. ~~ربما لا يطول هذا كثيرا. ماذا عساي أن أفعل من دونك؟» # صاحت بيجوتي: «أنا أتركك يا غالية؟ لن أفعل هذا لأي سبب كان. يا ~~إلهي، ما الذي وضع هذه الفكرة في رأسك الصغير السخيف؟» # لم تجب الأم إلا بأن شكرتها، وأكملت بيجوتي كلامها قائلة: ~~«أنا أتركك! أنا أعرف نفسي. لا، لا يا عزيزتي! بيجوتي تبتعد عنك؟ ~~لست أنا من يفعل هذا يا عزيزتي. ليس هذا لأنه لا يوجد بعض الأشخاص ~~ممن سيسعدون غاية السعادة لو فعلت، لكنهم لن يسعدوا، بل سوف يغضبون. ~~سوف أبقى معك إلى أن أصير عجوزا عصبية فظة. وعندما أبلغ من ~~الهرم حدا لا أكون فيه ذات فائدة لأي أحد، فسأذهب إلى حبيبي ~~ديفي، وأطلب منه أن يئويني عنده.» # قال ديفيد: «وسيسعدني حينها أن أراك، وسأستقبلك كما تستقبل ~~الملكات.» # قالت بيجوتي وهي تقبله: «بوركت! يا حبيب قلبي، أعلم أنك ستفعل.» ~~ثم أخرجت الرضيع من مهده وأرضعته؛ وأزالت الأطباق من فوق المائدة، ~~وجاءت بعد ذلك وفوق رأسها قبعة أخرى، ومعها علبة أدوات الحياكة، ~~وجلسوا جميعا حول المدفأة وراحوا يتحدثون في ابتهاج. # أخبرهما ms052 ديفيد كم كان السيد كريكل مديرا قاسيا، وقد شعرتا بالحزن ~~للغاية. وأخبرهما بكل شيء عن ستيرفورث، وقالت بيجوتي إنها تتمنى لو أن ~~تقطع الأميال سيرا على أقدامها كي تراه. وعندما استيقظ الرضيع أمسكه ~~ديفيد بين ذراعيه وأرضعه في حنان؛ وعندما نام الرضيع مرة أخرى، تزحزح ~~ديفيد ببطء إلى جوار أمه وطوق خصرها بذراعه، ووضع خده على كتفها، ~~وأحس من جديد بشعرها الجميل يتدلى فوقه مثل جناح ملك من ~~الملائكة تماما. # لقد بدا الأمر وكأنه لم يغادر المنزل قط؛ وأنه لم يكن هناك من ~~يدعيان السيد والآنسة ميردستون في الدنيا. # لقد كان وقتا سعيدا حقا. # قالت بيجوتي فجأة: «ترى أين عمة ديفي الأرستقراطية وكيف حالها؟» # قالت والدة ديفي، وهي توقظ نفسها من حلم يقظة: «ما هذا الهراء الذي ~~تقولينه يا بيجوتي؟» # قالت بيجوتي: «حسنا، لكنني أتوق حقا إلى أن أعلم يا ~~سيدتي.» # قالت والدة ديفي: «ما الذي جعلك تفكرين في امرأة كهذه؟ إن الآنسة ~~بيتسي منعزلة في بيتها الصيفي الصغير على شاطئ البحر، لا شك في هذا، ~~وسوف تظل هناك. على أي حال، ليس من المتوقع أبدا أن تزعجنا مرة ~~أخرى.» # قالت بيجوتي متأملة: «لا! لا. ليس هذا متوقعا أبدا؛ ترى، لو ~~ماتت، هل ستترك لديفيد أي شيء؟» ~~«يا إلهي، يا بيجوتي! يا لك من امرأة سخيفة! وأنت تعلمين أنها ~~انزعجت من مجرد ولادة الصبي العزيز المسكين!» # إذ لعلكم تذكرون كيف خرجت الآنسة بيتسي من المنزل عندما سمعت أن ~~المولود صبي، ولم تعد بعدها مطلقا. # بعد قليل تناولوا الشاي، وأشعلت نار المدفأة وأطفئت الشموع؛ ~~وأخبرهم ديفيد المزيد عن مدرسة سيلم هاوس، وأخبرهم أكثر عن ستيرفورث؛ ~~وكانت الساعة قد اقتربت من العاشرة قبل أن يسمعوا صوت إحدى ~~العربات. # عندئذ انتفضوا جميعا واقفين، وقالت والدة ديفيد في عجلة إن الوقت ~~قد تأخر جدا وربما يحسن بديفيد أن يذهب إلى فراشه. وهكذا قبلها ~~ديفيد وصعد إلى الطابق العلوي على ضوء شمعته مباشرة، قبل دخول السيد ~~والآنسة ميردستون؛ وبينما يصعد درجات السلم تخيل السيد والآنسة ms053 ~~ميردستون يجلبان معهما إلى المنزل عاصفة من الهواء البارد بددت ~~الشعور العائلي القديم. # لم يكن ديفيد مرتاحا للنزول لتناول الإفطار في صباح اليوم التالي؛ ~~وذلك لأن عينيه لم تقعا البتة على السيد ميردستون منذ أن عضه في ~~ذلك اليوم الذي لا ينسى. # لكن لم يكن هناك بد من النزول، وقد وجد السيد ميردستون واقفا ~~وظهره إلى نار المدفأة، بينما كانت الآنسة ميردستون تعد ~~الشاي. # راح السيد ميردستون ينظر إلى ديفيد وكأنه لا يعرفه؛ لكن نظرته كانت ~~ثابتة وغير ودية. # شعر ديفيد بالارتباك؛ لكنه توجه إليه وقال: «معذرة يا سيدي. إنني في ~~غاية الأسف على ما فعلته، وأرجو أن تسامحني.» # رد السيد ميردستون: «أنا سعيد لأنك شعرت بالأسف يا ديفيد.» وناوله ~~اليد التي كان قد عضها. رأى ديفيد أثر العضة عليها. # احمر وجه ديفيد جدا من الخجل، وقال للآنسة ميردستون: «كيف حالك ~~يا سيدتي؟» # تنهدت الآنسة ميردستون، وقالت وهي تناوله ملعقة علبة الشاي ~~ليصافحها بدلا من أن تناوله أصابعها: «آه، يا إلهي! كم ستستغرق ~~الإجازة؟» ~~«شهرا يا سيدتي.» ~~«بداية من متى؟» ~~«من اليوم يا سيدتي.» # قالت الآنسة ميردستون: «يا إلهي! إذن فهناك يوم غير محسوب.» # غضبت الآنسة ميردستون للغاية عندما رأت ديفيد فيما بعد يحمل الرضيع ~~بين ذراعيه؛ كانت متأكدة أنه سيدعه يسقط؛ وقالت لأمه إنه يجب ألا ~~يحمل الرضيع بعد ذلك أبدا. وقد غضبت أكثر عندما قالت والدة ديفيد إن ~~عيني الرضيع تشبهان عيني ديفيد تماما؛ وخرجت تمشي من الغرفة ~~بعجرفة وصفقت الباب. # لم تكن أيام الإجازة أياما سعيدة جدا بالطبع. وكيف تكون سعيدة ~~في وجود السيد والآنسة ميردستون؟ إذ شعر ديفيد أن أمه كانت تخشى أن ~~تتكلم معه، أو أن تعامله بلطف في وجودهما، مخافة أن يزعجهما هذا ~~بطريقة ما؛ لذا تعود أن ينسل إلى المطبخ ليجلس مع بيجوتي، هناك ~~حيث لم يشعر قط أن هناك عقبة في طريقها. # لكن السيد ميردستون اعترض على هذا. # وقال: «يحزنني أن ألاحظ أن لك صداقة مع رفقة وضيعة من العامة. ~~لا يجب ms054 أن ترافق الخدم. إن المطبخ لن يفيدك.» # يا إلهي! يا للساعات الكئيبة التي قضاها في الردهة، يوما بعد ~~يوم، وهو يخشى أن يحرك رجلا أو ذراعا خشية أن تتذمر الآنسة ~~ميردستون من تململه. # وهكذا اعتاد أن يسير بمفرده في أزقة موحلة في طقس الشتاء الرديء ~~ليتحاشى لقاءهما! وكم كان يفرحه أن يسمع الآنسة ميردستون وهي تنادي ~~مع أول دقات التاسعة في المساء، وتأمره بالانصراف إلى فراشه! # لم يشعر ديفيد بالحزن عندما انتهت الإجازة؛ إذ كان يتطلع لرؤية ~~ستيرفورث مرة أخرى. لذا لم يشعر بالحزن عندما ظهر باركس أمام البوابة ~~ووضع حقيبته في العربة. # قبل ديفيد والدته وأخاه الرضيع، وعندئذ شعر بشيء من الحزن. ~~فضمته والدته إليها؛ لكن الآنسة ميردستون كانت موجودة، لذا ~~اضطرت لتركه يذهب. # لكنه عندما أصبح داخل العربة وراحت تبتعد به، سمع والدته تناديه. ~~فأطل ديفيد من نافذة العربة، ووجدها واقفة بمفردها أمام بوابة ~~الحديقة، وقد رفعت له الرضيع بين ذراعيها كي يراه. # كان الجو باردا خاليا من الرياح؛ فلم تهتز شعرة واحدة في ~~رأسها، ولا ثنية من ثنيات فستانها، عندما وقفت وعيناها مثبتتان عليه، ~~والرضيع مرفوع بين ذراعيها. # لم يرها ديفيد بعد ذلك مطلقا. # الفصل العاشر # | عيد ميلاد لا ينسى # كان ديفيد قد قضى شهرين فقط في المدرسة عندما عادت ذكرى يوم ميلاده ~~من جديد. وقد خيم الضباب على المكان، واكتست الأرض بصقيع فضي؛ ~~في صباح يوم بارد قارس البرودة من أيام شهر مارس. # وعندما انتهى الفطور واستدعي الأولاد للدخول من ملعب المدرسة، دخل ~~السيد شارب حجرة الدرس وقال: «ديفيد كوبرفيلد مطلوب في ~~الردهة.» # قفز قلب ديفيد في صدره. إذ كان يتوقع أن ترسل له بيجوتي سلة هدايا ~~عيد مولده. وطلب منه الأولاد ألا ينساهم عندما تأتي الأشياء الجميلة، ~~لأنهم كانوا يعلمون ما الذي كان يتطلع إليه. وقفز ديفيد من مقعده في ~~الحال. # فقال السيد شارب بنبرة رقيقة غير معتادة منه: «لا تتعجل يا ~~ديفيد، فهناك متسع من الوقت يا بني، لا تتعجل.» # لكن ديفيد أسرع بالدخول ms055 إلى الردهة، حيث كان السيد كريكل جالسا ~~على مائدة الإفطار وأمامه العصا وإحدى الجرائد. ولم ير ديفيد سلة ~~الهدايا. # قالت السيدة كريكل وقد أخذته إلى أريكة وجلست إلى جواره: «ديفيد ~~كوبرفيلد، أريد أن أكلمك كلاما خاصا جدا. إن لدي شيئا أريد أن ~~أخبرك به يا بني.» # هز السيد كريكل رأسه، وسد تنهيدته بقطعة كبيرة جدا من ~~الخبز المحمص المدهون بالزبد. # قالت السيدة كريكل: «إنك أصغر بكثير من أن تعلم كيف يتغير العالم ~~كل يوم، وكيف يموت الناس الذين فيه. لكن علينا جميعا أن نعلم هذا يا ~~ديفيد؛ بعضنا يموت وهو صغير، وبعضنا يموت وهو كبير، وبعضنا يموت في أي ~~وقت من أوقات حياتنا.» # كان ديفيد ينظر إليها بجدية. # قالت السيدة كريكل، بعد فترة صمت قصيرة: «عندما عدت من المنزل في ~~نهاية الإجازة، هل كانوا جميعا على ما يرام؟» ثم بعد فترة صمت أخرى ~~قالت: «هل كانت صحة والدتك على ما يرام؟» # بدا وكأن غشاوة قد ظهرت بين ديفيد والسيدة كريكل. وأحس بدموع ~~حارقة في عينيه. # قالت: «لقد كانت مريضة على نحو خطير.» # فعلم ديفيد ما الذي كان قادما. # قالت السيدة كريكل: «ثم ماتت.» # صرخ ديفيد صرخة حزينة، وشعر أنه قد أمسى يتيما في ذلك العالم ~~الكبير المتسع. # كانت السيدة كريكل طيبة معه للغاية؛ إذ أبقته في الردهة طوال اليوم، ~~وكانت تتركه بمفرده أحيانا. ثم نام من فرط ما أرهق نفسه في البكاء، ~~وعندما استيقظ بكى ثانية؛ حيث كان يشعر بثقل كئيب على صدره؛ وراح ~~يتصور والدته كما رآها آخر مرة؛ ترفع الرضيع بين ذراعيها أمام ~~البوابة. # تصور ديفيد المنزل ساكنا مغلق الأبواب والنوافذ؛ وراح يفكر في ~~الرضيع الصغير، الذي قالت السيدة كريكل إنه ظل يضعف بعض الوقت، ~~والذي يعتقدون أنه سيموت هو الآخر؛ كما أخذ يفكر في العودة إلى ~~المنزل، لأنهم أرسلوا له كي يحضر الجنازة. # وظل ديفيد يتمشى في الملعب بعد ظهر ذلك اليوم بينما كان الأولاد ~~الآخرون في المدرسة؛ ولم يقص عليهم شيئا من القصص في غرفة النوم ms056 ~~تلك الليلة، وأصر ترادلز على أن يعيره وسادته، رغم أنه كانت لديه ~~واحدة. # غادر ديفيد مدرسة سيلم هاوس بعد ظهر اليوم التالي؛ وقد خرج منها ~~خروج من لن يعود إليها للأبد؛ لكنه لم يكن يعلم ذلك حينها. # أخذ ديفيد ينظر حوله بعناية في مدينة يارمث بحثا عن وجه باركس ~~المألوف؛ لكن رجلا عجوزا لطيف المنظر قصير القامة ذا ملابس سوداء ~~أقبل ينفخ دخان سيجاره في نافذة العربة، وسأله قائلا: «السيد ~~كوبرفيلد؟» ~~«نعم يا سيدي.» # قال الرجل وهو يفتح باب العربة: «هلا تتفضل بالمجيء معي يا سيدي ~~الصغير، إذا سمحت، وسأنال شرف إيصالك إلى المنزل.» # ورحل معه ديفيد، وهو يتساءل عمن عساه يكون، إلى محل مكتوب عليه ~~«أومر، تاجر ملابس وخردوات، خياط، مجهز جنازات ... إلخ.» # أخذه السيد أومر إلى هناك ليقيس له بدلة للحداد، ثم بعد ذلك أخذه ~~إلى قرية بلاندستن. # احتضنته بيجوتي بين ذراعيها قبل أن يصل إلى الباب، وأدخلته إلى ~~المنزل. حيث بكت بكاء مريرا، وكانت تتكلم في همس، وتسير برفق، ~~وكأنما تخشى أن تزعج الموتى. وكان الرضيع الصغير قد مات هو الآخر، ~~ووضعوه بين ذراعي أمه. # لم يبال السيد ميردستون بديفيد عندما دخل إلى الردهة، وإنما ظل ~~جالسا بجوار المدفأة وعيناه محمرتان. ناولته الآنسة ميردستون ~~أظافر أصابعها ليصافحها - حيث كانت منهمكة للغاية في كتابة بعض ~~الرسائل - وسألته بهمسة حديدية إن كان الخياط قد أخذ مقاسه من أجل ~~بدلة الحداد. # وقد ظلت تكتب طوال اليوم، ويبدو أنها كانت تستمتع بصرامتها وقوة ~~عقلها؛ كما أنها لم ترخ قط عضلة واحدة من عضلات وجهها، ولا ~~لطفت نبرة صوتها مرة واحدة. # كان السيد ميردستون يتناول كتابا بين الحين والآخر ليقرأه، لكنه يظل ~~ساعة كاملة من دون أن يقلب منه ورقة، ثم يضعه في مكانه، ويسير في ~~اضطراب ذهابا وإيابا. # وفي تلك الأيام السابقة على الجنازة لم ير ديفيد بيجوتي إلا ~~قليلا؛ لكنها كانت تأتي إليه دائما في المساء وتجلس إلى جوار سريره ~~حتى ينام. # وبعد يوم الجنازة - ذلك اليوم الحزين الذي لم ms057 ينسه ديفيد أبدا - ~~صعدت معه إلى غرفته الصغيرة، وجلست معه على سريره الصغير، وأخبرته - ~~وهي ممسكة بيده - بكل ما يريد سماعه. # قالت بيجوتي: «لم تكن أمك في حالة جيدة أبدا، وطوال فترة ~~كبيرة. كما أظن أنها بدأت تصبح أكثر تهيبا، وأكثر خوفا في أيامها ~~الأخيرة؛ إذ إن أي كلمة قاسية كانت كاللطمة بالنسبة لها. لكنها ~~ظلت تعاملني المعاملة نفسها؛ فلم تغير قط معاملتها لخادمتها ~~الحمقاء بيجوتي، لم تفعل فتاتي الجميلة. كانت آخر مرة رأيتها فيها ~~وهي تشبه ما كانت عليه قديما هي تلك الليلة التي عدت فيها أنت إلى ~~المنزل يا حبيبي. وفي اليوم الذي رحلت فيه قالت لي: «لن أرى حبيبي ~~الجميل بعد ذلك أبدا. شيء ما يحدثني بهذا، إنه يحدثني بالحقيقة، ~~أنا متأكدة. فليحفظ الله ولدي اليتيم وليصنه».» # قالت بيجوتي: «لم أتركها بعد ذلك قط. إنها كثيرا ما كانت تتكلم ~~معهما في الطابق السفلي - فقد كانت تحبهما؛ وما كانت تقوى على ألا ~~تحب أي أحد قريب منها - لكن عندما كانا ينصرفان من جانب سريرها، ~~كانت دائما تتوجه إلي، وكأنما كان هناك راحة حيث توجد بيجوتي، ولم ~~تكن تنام قط بأي طريقة أخرى. # في الليلة الأخيرة قبلتني وقالت: «اجعلي ابني العزيز يرافقني إلى ~~قبري، وأخبريه أن أمه، بينما ترقد هنا الآن، لا تباركه مرة واحدة ~~فقط، وإنما تباركه ألف مرة ... بيجوتي، عزيزتي، قربيني منك أكثر.» لأنها ~~كانت تشعر بضعف شديد. وقالت: «ضعي ذراعك الطيبة تحت رقبتي، ووجهيني ~~إليك، فوجهك يبتعد جدا، وأنا أريده أن يكون قريبا مني.» فوضعتها ~~حيث أرادت؛ ويا للألم يا ديفي! لقد جاء الوقت الذي سرها فيه أن تضع ~~رأسها المسكين فوق ذراع خادمتها الحمقاء بيجوتي؛ ثم ماتت وكأنها طفلة ~~خلدت إلى النوم!» # منذ ذلك الحين لم يعد ديفيد يتذكرها إلا في صورة تلك الأم الصغيرة ~~التي كانت تلف عقصات شعرها الزاهية حول أصبعها، وترقص معه ساعة ~~الشفق في ردهة المنزل. لقد عادت أمه بموتها هذا إلى شبابها الهادئ ~~الخالي من الهموم، وألغت كل ما سواه. ms058 # الفصل الحادي عشر # | زفاف بيجوتي # كان أول ما فعلته الآنسة ميردستون بعد انتهاء يوم الجنازة أن أخطرت ~~بيجوتي بالفصل من عملها بعد شهر. أما بخصوص مستقبل ديفيد، فلم تقل ~~كلمة، ولم تتخذ خطوة. ذات مرة تجرأ وسأل الآنسة ميردستون متى سيرجع ~~إلى المدرسة، فقالت له بأسلوب جاف إنها تعتقد أنه لن يعود إلى ~~المدرسة على الإطلاق. # لا السيد ولا الآنسة ميردستون أرادا رؤيته في الردهة، لذا كان يقضى ~~الوقت مع بيجوتي؛ ولم يبد أن السيد ميردستون كان يكترث لهذا ما دام ~~ديفيد لم يزعجه. # قالت بيجوتي ذات يوم: «ديفي، لقد سلكت، يا عزيزي، كل طريق هداني ~~تفكيري إليه لكي أجد عملا مناسبا هنا في بلاندستن، لكن لا وجود ~~لشيء كهذا يا حبيبي.» ~~«وماذا تنوين أن تفعلي يا بيجوتي؟» هكذا سألها ديفيد بنبرة ملأها ~~الحزن والشفقة؛ فقد كانت هي الصديق الوحيد الذي له في الدنيا في هذه ~~اللحظة؛ وقد كان متشبثا بها. # أجابت بيجوتي: «أتوقع أني سأضطر للذهاب إلى يارمث والعيش ~~هناك.» # قال ديفيد وعلامات الابتهاج تبدو على وجهه: «كان من الممكن أن ~~تبتعدي أكثر من هذا، وتصبحي في مكان سيئ بالنسبة لي وكأني فقدتك. ~~سوف أراك هناك بين الحين والآخر يا عزيزتي بيجوتي؛ فلن تكوني في الطرف ~~الآخر من الأرض، أليس كذلك؟» # صاحت بيجوتي: «بالعكس، وأرجو أن يساعدني الله! ما دمت هنا يا حبيبي، ~~فسآتي كل أسبوع طوال حياتي كي أراك. يوم كل أسبوع على مدى ~~حياتي!» # وبعد ذلك أخبرته أنها ستذهب إلى بيت أخيها أولا، إلى أن يتسنى لها ~~الوقت للبحث عن وظيفة أخرى حولها. ثم قالت إنه من المحتمل أن يسمحا ~~لديفيد بالذهاب معها إلى يارمث لبعض الوقت، لأنه يبدو ألا أحد منهما ~~يرغب في وجوده في المنزل؛ وفيما بعد تجرأت بما فيه الكفاية لاقتراح ~~هذا على الآنسة ميردستون. # قالت الآنسة ميردستون وهي تنظر في برطمان مخلل: «سوف يضيع الولد ~~وقته في البطالة هناك، لكنه بالطبع سيضيعه في البطالة هنا ... أو في أي ~~مكان آخر، في رأيي.» وبعد ms059 فترة أضافت: «إن من المهم للغاية ألا ~~يزعج أخي شيء أو يضايقه شيء. أظن أنه يجدر بي أن أوافق.» # شكرها ديفيد، دون أن يظهر أي علامة تدل على الفرح، خشية أن ~~يدفعها هذا إلى سحب موافقتها. وعندما انقضى الشهر، رحل هو وبيجوتي في ~~عربة الحمال. # كانت بيجوتي بطبيعة الحال في حالة من الحزن لمفارقتها ذلك المكان ~~الذي ظل بيتا لها على مدى سنوات عديدة. كما أنها زارت مدفن فناء ~~الكنيسة، مبكرا جدا، لذا فقد جلست في العربة ومنديلها على ~~عينيها. # ظل باركس طوال مدة بقائها على هذه الحال ساكنا سكون الأموات؛ ~~لكنه، عندما بدأت تنظر حولها، راح يبتسم لديفيد عدة مرات. # قال ديفيد: «إنه يوم جميل يا سيد باركس.» # قال السيد باركس: «ليس سيئا.» ~~«لقد هدأت بيجوتي الآن تماما يا سيد باركس.» # قال السيد باركس: «حقا؟» # بعد تفكير جدي في الأمر، نظر لها السيد باركس وقال: «هل هدأت ~~الآن تماما؟» # ضحكت بيجوتي وقالت نعم. # قال السيد باركس بهمهمة، وهو ينزلق مقتربا منها أكثر في المقعد، ~~ويكزها بمرفقه في رفق: «لكن أخبريني، حقا وبصراحة، هل أنت مرتاحة؟ ~~أخبريني؟ هل حقا وبصراحة تشعرين بارتياح كبير؟ حقا؟ أخبريني؟» ثم ~~وكزها ثانية. # كان السيد باركس لطيفا للغاية؛ حيث توقف لأجلهما أمام إحدى ~~الحانات، واشترى لهما لحم ضأن مسلوق وجعة، وكثيرا ما عبر لبيجوتي ~~أثناء ذلك عن تمنيه لها بأن تشعر بارتياح كبير. # كان السيد بيجوتي مع هام ينتظرانهما عند المكان القديم، وحملا ~~الحقائب على أكتافهما ومضوا جميعا، وهنا أشار السيد باركس بسبابته ~~لديفيد بجدية. # وقال في همهمة: «أرى أن الأمر قد سار على ما يرام.» # قال ديفيد: «أوه!» ~~«لم ينته الأمر عند ذلك. لقد سار على ما يرام.» # قال ديفيد مرة أخرى: «أوه!» # قال الحمال: «أنت تعلم من كان راغبا، إنه باركس، وباركس فقط.» ~~ثم صافح ديفيد. وقال: «إنني صديقك المخلص. أنت من بدأت بجعل الأمر ~~يسير على ما يرام. إنه على ما يرام الآن.» # لم يفهم ديفيد شيئا مما عناه السيد باركس؛ وظل ms060 واقفا يحدق فيه ~~إلى أن نادته بيجوتي. وعندئذ سألته ما الذي كان يقوله له باركس، ~~فأخبرها ديفيد. # قالت بيجوتي: «هذا يليق بوقاحته، لكنني لا أكترث لهذا. عزيزي ديفي، ~~ما رأيك لو أنني فكرت في الزواج ؟» # قال ديفيد: «يا للمفاجأة؛ أظن أنك ستحبينني عندئذ بقدر ما ~~تحبينني الآن.» # عانقته بيجوتي في الطريق. ثم سألته عندما سارا: «قل لي ما رأيك يا ~~عزيزي؟» ~~«لو أنك فكرت في الزواج ... من السيد باركس يا بيجوتي؟» # قالت بيجوتي: «نعم.» ~~«أعتقد أنه سيكون شيئا جيدا جدا. لأنك عندئذ يا بيجوتي ستجدين ~~الحصان والعربة دائما ليحضرانك لزيارتي، وستستطيعين المجيء دون أن ~~تدفعي شيئا، وستكونين واثقة من قدرتك على المجيء.» # صاحت بيجوتي: «كم أنت ذكي يا حبيبي! هذا ما ظللت أفكر فيه طوال ~~ذلك الشهر الماضي!» وأضافت أنها ربما ما عادت تصلح للعمل كخادمة عند ~~أحد غريب؛ وتكلمت عن رغبتها في أن يكون لها منزل خاص بها، وألا ~~تكون بعيدة عن قبر ابنتها الحبيبة. # قالت بيجوتي: «إن باركس إنسان بسيط طيب، وإذا ما حاولت أن أفعل ما ~~يتوقع مني وفقا لما يريده، فأظن أنه سيكون من الخطأ ألا ... ألا ~~أشعر بارتياح كبير.» وراحت تضحك من قلبها. # ضحك ديفيد هو الآخر؛ وظلا يتكلمان عن السيد باركس إلى أن لاح ~~البيت المركب لأعينهما. # كانت السيدة جوميدج تنتظر أمام الباب، حيث كل شيء على حاله ~~تماما في البيت المركب القديم الحبيب، حتى العشب البحري الذي في ~~الكوب الأزرق في غرفة النوم. لكن إيميلي الصغيرة لم تكن موجودة ~~ليراها، وقد سأل ديفيد السيد بيجوتي أين هي. # فقال السيد بيجوتي: «إنها في المدرسة يا سيدي.» ثم نظر إلى الساعة ~~الهولندية، وقال: «سوف تعود إلى البيت في ظرف عشرين دقيقة إلى نصف ~~ساعة. إننا جميعا نفتقدها، بوركت.» # أخذت السيدة جوميدج تئن. # قال السيد بيجوتي: «لا تبتئسي أيتها الفتاة.» # قالت السيدة جوميدج: «أنا أفتقدها أكثر من أي أحد آخر، إنني ~~إنسانة بائسة وحيدة، وقد كانت هي الشخص الوحيد الذي لا ~~يشاكسني.» # أخفى السيد بيجوتي فمه ms061 بيده وهمس قائلا: «المرأة العجوز!» # وتوصل ديفيد إلى أن حالتها النفسية كانت سيئة كالمعتاد. # بعد قليل ظهر شكل بشري صغير من بعيد. ثم تبين أنها الصغيرة ~~إيميلي، فذهب ديفيد لاستقبالها. حيث أصبحت قامتها أكثر طولا ، وبدت ~~جميلة جدا لدرجة أن ديفيد شعر فجأة بالخجل، وتركها تمر وكأنه ~~لم يتعرف عليها. # لم تزد الصغيرة إيميلي على أن ضحكت وجرت متجاوزة إياه، ~~وعندئذ اضطر ديفيد للجري وراءها كي يلحق بها. # قالت الصغيرة إيميلي: «أوه، إنه أنت، أليس كذلك؟» # قال ديفيد: «يا للعجب، أنت تعلمين من رأيت يا إيميلي، أليس ~~كذلك؟» # قالت إيميلي: «وأنت، ألم تعلم من رأيت؟» # أراد ديفيد أن يقبلها؛ لكنها قالت إنها لم تعد طفلة الآن، وجرت ~~إلى داخل المنزل. # قال السيد بيجوتي، وهو يربت عليها بيده الكبيرة: «إنها قطة ~~صغيرة.» # صاح هام: «إنها كذلك! إنها كذلك! نعم يا سيد ديفي، إنها ~~كذلك.» # كانوا جميعا يدللون الصغيرة إيميلي؛ وخصوصا السيد بيجوتي، والذي ~~كانت تستطيع أن تنال منه أي شيء عندما تلاطفه فقط بوضع خدها على ~~سوالفه الخشنة. # لكنها كانت رقيقة القلب للغاية؛ وعندما جلسوا جميعا حول المدفأة ~~بعدما شربوا الشاي؛ وتكلم السيد بيجوتي مع ديفيد برفق شديد عن فقدانه ~~والدته، ترقرقت الدموع في عيني الصغيرة إيميلي. # قال السيد بيجوتي، وهو يمسك بعقصات شعرها: «آه! ها هي ذي يتيمة ~~أخرى، أترى يا سيدي؟» ثم سدد ضربة بظهر يده إلى صدر هام وقال: «وها ~~هو ذا واحد آخر منهم، رغم أنه لا يشبههم كثيرا.» # أجابه ديفيد: «لو كنت أنت وصيا علي يا سيد بيجوتي، فلا أظن أني ~~كنت سأشعر كثيرا باليتم.» # صاح هام في ابتهاج غامر: «أوافقك تماما، يا سيد ديفي! مرحى! أتفق ~~معك تماما! لم تكن لتشعر به بعد ذلك! هه! هه!» ورد هام ضربة السيد ~~بيجوتي، ونهضت الصغيرة إيميلي وقبلت عمها. # سأل السيد بيجوتي ديفيد: «وكيف حال صديقك يا سيدي؟» # قال ديفيد: «ستيرفورث؟» # صاح السيد بيجوتي، ملتفتا إلى هام: «هذا هو الاسم! كنت أعلم أنه ~~شبيه بشيء ما في مهنتنا.» ms062 (كلمة ستير تعني حرفيا: يقود ~~السفينة.) # علق هام ضاحكا: «لقد قلت إنه ردرفورد.» (كلمة ردر تعني ~~حرفيا: دفة السفينة.) # أفحمه السيد بيجوتي قائلا: «حسن، وأنت تقود السفينة بواسطة دفة، ~~أليس كذلك؟ فالفرق ليس كبيرا. كيف حاله يا سيدي؟» # قال ديفيد إنه كان في خير حال في آخر مرة رآه فيها، وانطلق يمدح ~~ستيرفورث كالعادة. # وافقه السيد بيجوتي وهام في كل ما قال، وأصغت له الصغيرة إيميلي بأشد ~~ما يكون من الانتباه، وهي تحبس أنفاسها من الدهشة، بينما تلمع عيناها ~~الزرقاوان كالجوهرتين. # مرت الأيام في الأغلب كما مرت من قبل، باستثناء أن الصغيرة ~~إيميلي كان لديها الكثير من الواجبات لتتعلمها، والتطريز لتنجزه، ~~لذا لم تستطع أن تسير كثيرا مع ديفيد على الشاطئ. # وكان السيد باركس يأتي لزيارتهم كل ليلة. حيث أحضر معه في أول ~~زيارة صرة برتقال مربوطة في منديل من أجل بيجوتي؛ وفي اليوم ~~التالي أربعة أزواج من أقدام البقر، ومرة أخرى فخذ من اللحم المنقوع ~~في الخل؛ وكان أحيانا يخرج مع بيجوتي في نزهة على الشاطئ. # في النهاية، وقبل أن يتركهم ديفيد مباشرة، جاء السيد باركس في صباح ~~أحد الأيام في عربة خفيفة، وكان مظهره أنيق جدا وهو يرتدي معطفا ~~جديدا أزرق اللون، ليأخذ بيجوتي كي تقضي معه يوم العطلة. فذهب ديفيد ~~والصغيرة إيميلي معهما، وعندما ركبوا في العربة ناول السيد بيجوتي ~~السيدة جوميدج حذاء قديما لترميه خلفهم كي يجلب الحظ ~~السعيد. # فقالت السيدة جوميدج: «يجدر بغيري فعل هذا يا دانيال، فأنا إنسانة ~~بائسة وحيدة، وكل شيء يذكرني بأشخاص غير وحيدين ولا بائسين يأتي ~~معي بأثر عكسي.» # قال السيد بيجوتي: «هيا أيتها العجوز، خذي الحذاء واقذفيه ~~وراءهم.» # لكن السيدة جوميدج أبت؛ فألح بيجوتي عليها كي تفعل؛ وهكذا رمت ~~السيدة جوميدج الحذاء وراءهم من أجل الحظ السعيد، فانفجرت في البكاء ~~من فورها، وراحت تقول إنها تعلم أنها عبء، وأنه ينبغي أن تنقل إلى ~~الملجأ في الحال. # وقد رأى ديفيد أنها فكرة سديدة جدا، وراح يتساءل لماذا لم ~~ينفذوها. # وهكذا رحلوا ms063 بعيدا بالعربة من أجل نزهة عطلتهم؛ وكان أول ما فعلوه ~~هو أن توقفوا أمام إحدى الكنائس، حيث ربط السيد باركس الحصان في قضبان ~~أحد الأسيجة، ودخل هو وبيجوتي، وتركا الطفلين في الخارج. # وقد بقيا فترة طويلة داخل الكنيسة، لكنهما خرجا في النهاية، ثم ~~انطلقوا بالعربة إلى الريف. # سأل السيد باركس ديفيد بغمزة من عينه: «ما الاسم الذي كتبته على ~~غطاء العربة؟» # قال ديفيد: «كلارا بيجوتي.» # فقال السيد باركس: «أي اسم سأكتب إذا كان هناك غطاء أكتب عليه ~~الآن؟» # قال ديفيد مخمنا: «كلارا بيجوتي مرة أخرى.» ~~«كلارا بيجوتي باركس.» هكذا أجاب الحمال وانفتح في القهقهة. # وهكذا فقد تزوجا، حيث كانا في الكنيسة من أجل هذا الغرض؛ وقررت ~~بيجوتي أن يكون زفافها زفافا هادئا، لأنها كانت لا تزال تلبس ثوب ~~الحداد على روح «ابنتها الغالية.» # قبلت بيجوتي ديفيد قبلة حنونة جدا لتعلمه أن حبها له لا ~~يزال بالقدر نفسه الذي كان عليه دائما؛ وانطلقت المجموعة الصغيرة ~~بالعربة مسافة ليست بالبعيدة حتى وصلوا إلى مطعم صغير تناولوا فيه ~~غداء رائعا، واحتسوا بعده شايا جيدا جدا. وخيم عليهم الظلام ~~عندما ركبوا العربة مرة أخرى، وعادوا بها بينما يدفئهم جو عائلي ~~حميم، وهم ينظرون إلى النجوم ويتحدثون عنها. # حسنا، لقد عادوا مرة أخرى إلى البيت المركب العتيق في توقيت ~~مبكر من الليل؛ وهناك ودعهما السيد والسيدة باركس وانطلقا في ~~جو من الحميمية إلى منزلهما الخاص. عندئذ أحس ديفيد، لأول مرة، ~~أنه فقد بيجوتي؛ لكن هام والسيد بيجوتي، كانا يعلمان بما يدور في ~~خلده؛ لذا فقد تجهزا بشيء أعداه للعشاء، وبوجهيهما المضيافين، ~~لطرد تلك الأفكار. # كان الوقت وقت مد ليلي؛ وما لبث السيد بيجوتي وهام، بعدما ~~استلقيا في فراشيهما، أن نهضا وخرجا للصيد. فأحس ديفيد بشجاعة ~~كبيرة عندما تركوه في المنزل المنعزل ليحمي الصغيرة إيميلي والسيدة ~~جوميدج، وما كان يتمنى سوى أن يهجم عليهم أسد أو ثعبان حتى يفتك ~~به، ويكلل نفسه بالمجد. لكن نظرا لأنه لم يكن شيء من هذه الأشياء ~~يتجول في سهول يارمث ms064 في تلك الليلة، تمنى ديفيد أن تهاجمهم ~~التنانين بدلا من ذلك. # جاءت بيجوتي في صباح اليوم التالي، وبعد الإفطار ودع ديفيد السيد ~~بيجوتي وهام والسيدة جوميدج والصغيرة إيميلي، وعاد مع بيجوتي إلى ~~بيتها؛ وقد كان بيتا صغيرا جميلا. # في تلك الليلة نام ديفيد في غرفة صغيرة فوق السطح، وقد قالت بيجوتي ~~إنها ستكون غرفته دائما، وستظل على حالتها نفسها تماما من ~~أجله. # قالت بيجوتي: «سواء كنت صغيرا أم كبيرا يا عزيزي ديفي، ما دمت ~~أنا على قيد الحياة وما دمت أعيش تحت سقف هذا البيت، فستجدها دائما ~~وكأنني أترقب وصولك إلى هنا كل لحظة. وسوف أعتني بها كل يوم كما ~~كنت أعتني بحجرتك الصغيرة القديمة يا عزيزي؛ ولو أنك ذهبت إلى الصين، ~~فتأكد أنها ستبقى كما هي تماما، طوال مدة سفرك.» قالت له هذا وذراعاها ~~يطوقان رقبته؛ ولم يكن ديفيد في حاجة لمن يخبره بمدى صدقها ~~ووفائها. # حاول ديفيد أن يشكرها، وحاول ألا يبكي؛ لكن قلبه كان مثقلا ~~بالأسى، لأنه سيعود في الصباح إلى بيته؛ بيته في بلاندستن حيث السيد ~~والآنسة ميردستون من جديد، ولن تكون أمه هناك، ولا بيجوتي كذلك ~~للأبد. # وفي صباح اليوم التالي أوصلهما باركس بعربة الحمال، حيث تركاه عند ~~البوابة. وكان غريبا عليه أن يرى العربة ترحل، آخذة بيجوتي معها، ~~وتتركه تحت أشجار الدردار القديمة ينظر إلى البيت الذي ما عاد فيه وجه ~~ينظر إلى وجهه بحب أو اهتمام. # الفصل الثاني عشر # | ديفيد يخرج إلى الدنيا # كان السيد والآنسة ميردستون يكرهان ديفيد. كما واصلا إهماله في ~~عناد وصرامة. وهما لم يكونا في الحقيقة قاسيين عليه؛ وإنما فقط ~~يهملانه. ولم يتكلم أحد عن ذهابه إلى المدرسة، فظل ديفيد يضيع ~~وقته سدى من دون شيء يفعله. وقد كان يفضل أن لو أرسل إلى مدرسة ~~تدار بأقسى الطرق في الدنيا على أن يبقى في هذه الحالة من الفتور ~~وانعدام الأصدقاء؛ ولكن في تلك الفترة أصبح عمل السيد ميردستون - حيث ~~كان يتعامل مع مؤسسة لتجارة الخمر في لندن - غير مزدهر ms065 بالصورة ~~المرضية، وقد اتخذ من هذا مبررا لعدم إرسال ديفيد إلى المدرسة؛ وفي ~~الواقع، لقد حاول إقناع نفسه بأنه ليس للصبي حق في أن يطالبه بشيء ~~على الإطلاق. # كما رفض السيد والآنسة ميردستون أن يصبح له أصدقاء في بلاندستن؛ ~~وأسوأ شيء على الإطلاق أنهما نادرا ما كانا يسمحان له بزيارة ~~بيجوتي. فربما كانا يخافان من احتمال أن يشكو الصبي من معاملتهما؛ ~~لكن بيجوتي، وفاء منها بوعدها، كانت إما تأتي لزيارته، أو تقابله في ~~مكان قريب، مرة كل أسبوع، ولم تأت مرة دون أن تحضر معها شيئا ~~من الطعام الطيب من صنع يدها. # وهكذا ظل ديفيد يعيش حياة الوحدة هذه أسبوعا وراء أسبوع، وشهرا ~~وراء شهر. وفي يوم من الأيام، وبينما هو يتسكع في مكان ما بلا حماس ~~أو هدف، تقابل فجأة مع السيد ميردستون وهو يسير مع أحد الأشخاص. # فضحك الرجل وتكلم مع ديفيد، وعندما نظر ديفيد إليه أحس أنه رآه ~~من قبل، ثم تذكر أنه السيد كوينين، ذلك الرجل الذي كان قد قابله في ~~الفندق في مدينة لويستوفت، عندما أركبه السيد ميردستون أمامه على ~~حصانه ليقضي ذلك اليوم مع أصدقائه. # سأل السيد كوينين: «وكيف حالك في الدراسة، وأين تدرس؟» # لم يعرف ديفيد بم يجيب، ورمق السيد ميردستون بعينه. # قال السيد ميردستون: «إنه في البيت في الوقت الحالي. وهو لا يدرس في ~~أي مكان. لا أعرف ماذا أفعل به. إنه فتى مشاكس.» واكفهرت عيناه ~~وهو يتجهم. # قال السيد كوينين وهو ينظر إلى كليهما: «إنه أمر مؤسف!» ~~«يا له من جو جميل.» # ثم بعد قليل قال: «أعتقد أنك لا تزال فتى حادا للغاية، أليس ~~كذلك؟» # قال السيد ميردستون: «بلى. إنه حاد جدا، يجدر بك أن ~~تتركه.» # رفع السيد كوينين يده من على كتف ديفيد، فانطلق ديفيد مسرعا إلى ~~البيت؛ لكنه نظر خلفه فرآهما ينظران إليه ويتكلمان، وأحس أنهما كانا ~~يتكلمان عنه. # جاء السيد كوينين للمبيت في بيتهم تلك الليلة، وفي صباح اليوم ~~التالي، بعد الإفطار، وبينما ديفيد ينصرف من الغرفة، ناداه ms066 السيد ~~ميردستون مرة أخرى. # وقال: «ديفيد، إن هذه الحياة بالنسبة للشباب حياة نشاط؛ وليست من ~~أجل التسكع وتضييع الوقت في ...» # أضافت الآنسة ميردستون: «كما تفعل أنت.» # نظر السيد كوينين خارج النافذة. # تابع السيد ميردستون كلامه قائلا: «أعتقد أنك تعلم يا ديفيد أنني ~~لست غنيا. وأنت قد تلقيت قدرا كبيرا من التعليم بالفعل. إن ما ~~أنت مقبل عليه هو معركة مع الحياة؛ ومن الأفضل أن تبدأها مبكرا. لقد ~~سمعت ذكر مكتب المحاسبة يتردد أحيانا، أليس كذلك؟» # قال ديفيد: «مكتب المحاسبة يا سيدي؟» # رد السيد ميردستون: «مكتب ميردستون وجرينبي للمحاسبة، في تجارة ~~الخمر.» # قال ديفيد بشرود: «أعتقد أني سمعت كلمة المكتب تذكر أمامي يا ~~سيدي.» # قال السيد ميردستون: «إن السيد كوينين يدير ذلك المكتب، ويقول إنه ~~يوفر وظائف لبعض الأولاد الآخرين، وإنه لا يدري لماذا لا يوفر لك ~~وظيفة أنت أيضا بالشروط نفسها.» # قاطعه السيد كوينين بصوت خفيض، وقد استدار نصف استدارة: «ليس لديه ~~أي مستقبل غير هذا يا ميردستون.» # أومأ السيد ميردستون إيماءة تبرم وغضب، وواصل كلامه قائلا: ~~«تلك الشروط هي أنك ستكسب بنفسك ما يكفي لدفع نفقات طعامك وشرابك، ~~ومصروف جيبك. أما إقامتك (والتي جهزتها أنا) فسأدفع أنا تكلفتها. ~~وبالمثل غسيل ملابسك ...» # قالت الآنسة ميردستون: «وهو ما سيخضع لتقديري أنا.» ~~«وهكذا فإنك الآن ذاهب إلى لندن يا ديفيد، مع السيد كوينين، لتبدأ ~~الحياة على مسئوليتك الخاصة.» # قالت الآنسة ميردستون: «باختصار، إننا نعيلك، وسيكون عليك، من ~~فضلك، أن تقوم بواجبك.» # لم يستطع ديفيد أن يميز أكان مسرورا أم خائفا. لقد كان بالكاد ~~في العاشرة من عمره، ومن الطبيعي أن اضطراره لبدء الحياة على مسئوليته ~~الخاصة في هذه السن المبكرة كان أمرا مروعا نوعا ما. # لكنه لم يحظ بالكثير من الوقت للتفكير في الأمر؛ ففي صباح اليوم ~~التالي مباشرة حزمت حقيبة ملابسه الصغيرة، ووجد نفسه جالسا في ~~عربة البريد التي كانت تحمل السيد كوينين إلى مدينة يارمث حيث العربة ~~المتجهة إلى لندن؛ فأحس بأنه «إنسان بائس وحيد» في الحقيقة، كما ~~كان من ms067 الممكن أن تقول السيدة جوميدج. # كان مستودع ميردستون وجرينبي قريبا من الشاطئ، بجوار منطقة ~~بلاكفرايرز. وهو منزل عتيق للغاية له رصيف خاص به، تمتلئ أقبيته ~~بالجرذان الرمادية الكبيرة. حيث سمع ديفيد أصواتها وهي تتشاجر وتنبش ~~هنا وهناك، عندما ذهب إلى المستودع للمرة الأولى، ويده ترتعش في يد ~~السيد كوينين. # وفي هذا المكان وضعه السيد كوينين في عهدة فتى يرتدي مريلة بالية ~~وقبعة ورقية، يدعى مك ووكر، وأمره بتعليم ديفيد عمله. # وكان عمله هو أن يغسل ويشطف الزجاجات المعدة لأن تملأ بالخمر، ~~وأن يرفعها في الضوء، ويستبعد المكسورة أو التالفة منها. كما توجد ~~سدادات من الفلين تحتاج أن توضع على مقاسها، أو شمع يوضع على ~~السدادات، ولصاقات تعريف تلصق على الزجاجات بعدما تملأ بالخمر، ~~ثم بعد ذلك تعبأ تلك الزجاجات في براميل خشبية. # وقد أخبره مك ووكر أن أباه يعمل على مركب لنقل البضائع؛ وأن الصبي ~~الآخر الذي سيعمل معهما يدعى ميلي بوتيتوز، وهو لقب أطلقه عليه ~~العاملون في المستودع بسبب بشرته الشاحبة. # وكان والد ميلي يعمل سقاء، وإطفائيا أيضا، حسبما قال؛ وكانت أخت ~~ميلي الصغيرة تلعب دور عفريتة صغيرة في المسرحيات الإيمائية، ويبدو ~~أنهم كانوا فخورين جدا بهذا. # فتذكر ديفيد زميليه ستيرفورث وترادلز، وبقية طلاب مدرسة سيلم ~~هاوس؛ وكان كلما خرج مك من الحجرة لإحضار أي شيء، تنحدر الدموع على ~~وجنتي ديفيد، وتمتزج بالماء الذي يغسل فيه الزجاجات، ويبكي وكأنما ~~سينفطر قلبه. # وفي الثانية عشرة والنصف نهض الأولاد ليتناولوا غداءهم، ونقر السيد ~~كوينين على نافذة مكتب المحاسبة، وأشار إلى ديفيد كي يدخل إلى حجرته ~~حيث وجده ديفيد جالسا وراء مكتب. # فدخل ديفيد الحجرة ووجد فيها رجلا بدينا في خريف العمر، يرتدي ~~معطفا طويلا بني اللون وبنطلونا ضيقا أسود اللون وحذاء، ولم ~~يكن يعلو رأسه (الذي كان ضخما وشديد اللمعان) من الشعر أكثر مما ~~يعلو بيضة. كانت ملابسه رثة، لكنه يرتدي ياقة قميص مهيبة المنظر؛ ~~ويحمل عصا أنيقة نوعا ما، وشرابتين بلون الصدأ من أجل العصا؛ ~~بينما تتدلى من معطفه عدسة ms068 مكبرة. # قال السيد كوينين، قاصدا ديفيد: «هذا هو.» # قال الرجل الغريب بصوت عال يتصنع اللطف: «هذا هو السيد كوبرفيلد. ~~أرجو أن تكون بخير يا سيدي؟» # قال ديفيد، الذي كان يشعر بارتباك شديد، إنه على ما يرام، وتمنى ~~للرجل أن يكون بخير كذلك. # قال الرجل الغريب: «أنا، بفضل الله، على خير ما يرام.» وأردف يقول ~~إنه تلقى رسالة من السيد ميردستون يطلب منه فيها أن يستقبل ديفيد في ~~منزله. # قال السيد كوينين: «هذا هو السيد ميكوبر، وقد أرسل له السيد ميردستون ~~بشأن إقامتك، وسوف تقيم عنده في غرفة مفروشة من بيته.» # قال السيد ميكوبر: «عنواني في شارع وندسور تيراس، من طريق سيتي ~~روود.» ثم أضاف بنبرة بدت مهذبة: «إنني، باختصار، أسكن هناك.» ~~وانحنى له ديفيد احتراما. # قال السيد ميكوبر: «لدي انطباع بأنك لم تتجول في هذه العاصمة ~~كثيرا حتى الآن، وأنك ربما تواجه بعض الصعوبة في كشف أسرار مدينة ~~بابليون الحديثة تلك الواقعة في طريق سيتي روود باختصار» قال السيد ~~ميكوبر وقد اعترته ثقة مفاجئة: «إنك ربما تضل طريقك؛ لذا فإنه من ~~دواعي سروري أن أصحبك هذه الليلة، وأدلك على أقصر الطرق المؤدية إلى ~~المنزل.» # رأى ديفيد أن تكبده مثل هذا العناء كان أمرا في غاية اللطف ~~منه، وشكره من صميم قلبه. # قال السيد ميكوبر: «متى أ...» # قال السيد كوينين: «في الثامنة تقريبا.» # قال السيد ميكوبر: «في الثامنة تقريبا، أتمنى لكما يوما طيبا.» ثم ~~لبس قبعته، وخرج متأبطا عصاه؛ حيث سار منتصب القامة للغاية، وراح ~~يترنم بأغنية عندما ابتعد عن مكتب المحاسبة. # بعد ذلك قال السيد كوينين لديفيد إن عليه أن يبذل غاية وسعه لصالح ~~المستودع، وإن مرتبه سيكون ستة شلنات في الأسبوع؛ وناوله مرتب أول ~~أسبوع في الحال. # تولى ميلي بوتيتوز مهمة حمل حقيبته إلى منزل السيد ميكوبر، لأنها ~~كانت أثقل بكثير من أن يحملها ديفيد بنفسه، وأعطاه ديفيد نصف شلن من ~~مرتب أول أسبوع نظير ما تجشمه من عناء حمل الحقيبة؛ ثم خرج إلى مطعم ~~صغير قريب منه واشترى ms069 فطيرة لحم بنصف شلن آخر، ورشف جرعة ماء من ~~مضخة ماء مجاورة. # في الثامنة مساء جاء السيد ميكوبر، وانصرفا معا، وراح صديقه ~~الجديد يؤكد عليه أثناء سيرهما أسماء الشوارع، وأشكال المنازل ~~الواقعة عند ملتقى شارعين ، لعله يستطيع العودة بسهولة في ~~الصباح. # بدا المنزل في شارع وندسور تيراس رث المنظر مثل مالكه؛ الذي حاول ~~جاهدا أن يضفي عليه كل المظاهر الخادعة. وقد قام السيد ميكوبر ~~بمهمة تعريف ديفيد على السيدة ميكوبر، وهي سيدة نحيلة شاحبة، جلست في ~~الردهة لترضع طفلا صغيرا، وكان أحد توءمين. # كان هناك ولدان آخران غير التوءمين؛ السيد ميكوبر بعمر الرابعة، ~~والآنسة ميكوبر بعمر الثالثة. وكذلك امرأة شابة داكنة البشرة، لديها ~~عادة الشخير، وهي خادمة الأسرة، وقد أخبرت ديفيد، بعد نصف ساعة من ~~مكوثه هناك، أنها «فتاة يتيمة داكنة البشرة»، وأنها كانت تعيش في ~~ملجأ سانت لوك. # ثم أخذته السيدة ميكوبر إلى حجرته، التي كانت فوق سطح المنزل، وحملت ~~الرضيعين معها. وهي حجرة ضيقة نوعا ما، وقليلة الأثاث للغاية. # قالت السيدة ميكوبر: «لم أتوقع قط، قبل زواجي، عندما كنت أعيش مع أبي ~~وأمي، أنني سأضطر يوما لتأجير غرفة في منزلي. لكن مع وجود العسر ~~المالي الواقع فيه السيد ميكوبر، كان لا بد أن تتراجع أي أهمية ~~للشعور بالخصوصية.» # قال ديفيد: «نعم يا سيدتي.» # قالت السيدة ميكوبر: «إن العسر المالي الذي يعانيه السيد ميكوبر يكاد ~~يكون خانقا هذه الأيام، ولا أدري إن كان من الممكن إنقاذه ~~منه.» # أخبرته السيدة ميكوبر كذلك أنها حاولت أن تبذل جهدها؛ وأنها، في ~~الواقع، قد غطت الجزء الأوسط من الباب الخارجي بلوحة نحاسية كبيرة ~~منقوش عليها «مدرسة السيدة ميكوبر الداخلية للفتيات»؛ لكن لم تأت ~~أي فتاة للدراسة هناك. # في الواقع، لم ير ديفيد أي زوار هناك سوى الدائنين، الذين ~~كانوا يأتون طوال الوقت؛ وكان بعضهم شرسا للغاية. # ومنهم رجل متسخ الوجه اعتاد أن يسير ببطء داخل الدهليز في السابعة ~~صباحا، وينادي السيد ميكوبر من على السلم قائلا: «اخرج إلي! إنك ~~لم تغادر المنزل بعد. ms070 ألن تدفع لنا ما عليك، ألن تفعل؟ لا تختبئ، هذه ~~دناءة منك. لو كنت مكانك لما تصرفت بدناءة. ألن تدفع ما عليك لنا، ~~ألن تفعل؟ ادفع ما عليك وحسب، هل تسمع؟ اخرج إلي!» # وكان أحيانا يقف في الشارع ويصيح قائلا: «لصوص» و«نصابون» تحت ~~النوافذ التي يعلم أن السيد ميكوبر موجود عندها. # كان هذا يجرح مشاعر السيد ميكوبر إلى أبعد حد. وقد يتظاهر في بعض ~~الأحيان بأنه سيقطع رقبته بشفرة الحلاقة؛ لكنه يعدل عن ذلك بعد قليل، ~~وبعدما يلمع حذاءه بصعوبة بالغة، يخرج من المنزل وهو يدندن ~~بأغنية. # كانت السيدة ميكوبر، هي الأخرى، تصاب بنوبة إغماء في تلك الأوقات؛ ~~لكنها تبتهج بعد ساعة، وترسل ملعقتين من ملاعق الشاي إلى مكتب الرهن، ~~وتشتري بمال الرهن وجبة من شرائح لحم الحمل المكسوة بقطع الخبز، ~~وكوبا من الشاي الدافئ. # ذات مرة، بعد زيارة دائن شرس، سقطت مغشيا عليها تحت شبكة ~~المدفأة وهي تحمل أحد الرضيعين بين ذراعيها؛ لكنها استطاعت في تلك ~~الليلة نفسها أن تتناول شريحة من لحم العجل المشوي بجوار مدفأة ~~المطبخ، وراحت تسلي ديفيد بقصص عن أبيها وأمها، وعن الشركة التي ~~كانوا يمتلكونها. # قضى ديفيد وقت فراغه كله مع أسرة السيد ميكوبر، وبدأ يحبهم جدا. ~~وقد أعطوه غرفة نوم فقط؛ حيث يتوجب عليه أن يشتري طعامه كله بنفسه؛ ~~واعتاد أن يضع الخبز والجبن على رفوف خزانة صغيرة هناك لإعداد عشائه ~~عندما يعود إلى البيت في المساء. # وقد كان طوال اليوم يغسل زجاجات الخمر مع ميلي بوتيتوز ومك ووكر؛ ~~لكن معاناة روحه الخفية كانت تكبر عندما يتذكر ترادلز وستيرفورث، ~~ويتصورهما وهما يكبران ليصيرا رجلين مهذبين متعلمين، بينما ~~رفيقاه الآن في كل يوم غلامان جلفان جاهلان، وهو نفسه لا أمل لديه في ~~أن يصبح أفضل حالا منهما البتة. # وشعر بانحطاط القدر بسبب عمله الوضيع، وأحس أيضا أنه لم يفعل ~~شيئا يستحق عليه هذه الإهانة؛ ورغم أنه يراسل بيجوتي كثيرا، فلم ~~يجرؤ على إخبارها كم كان تعيسا، من ناحية لأنه يحبها، وهذا من شأنه ~~أن ms071 يحزنها، ومن ناحية أخرى لأنه كان يشعر بخزي شديد. # لم يتعرف ديفيد على أي أحد سوى أسرة ميكوبر؛ كما لم يتكلم مع أي ~~أحد من الأولاد الكثيرين الذين كان يراهم يوميا لدى ذهابه إلى ~~المستودع أو رجوعه منه، أو عندما يتجول خلسة في الشوارع أثناء أوقات ~~تناول الطعام. لقد كان يزداد تكتما، واعتمادا على النفس، وفقرا في ~~المظهر كل يوم. # لم يخبر ديفيد الولدين اللذين يعمل معهما قط كيف صار به الأمر إلى ~~العمل هناك في مثل هذه المهنة الوضيعة، كما لم يخبرهما كم يكرهها. لقد ~~كان يؤدي عمله ويحتفظ برأيه لنفسه؛ لكن التفكير في بيجوتي ووالدته ~~وأيام الماضي السعيد كان يكاد يكسر قلبه. # وكان الأولاد والرجال الذين في المستودع يشعرون أنه مختلف عنهم. وقد ~~بدءوا يسمونه «الفتى المهذب»، وأحيانا «الفتى القادم من مقاطعة ~~سافك.» وذات يوم اعترض ميلي بوتيتوز على هذا؛ لكن مك ووكر أسكته في ~~الحال. # وقد كان كبير عمال التعبئة في المستودع، وهو رجل يدعى ~~جريجوري، وسائق العربة، ويدعى تب، يناديانه «ديفيد» أحيانا؛ لكن ~~هذا حدث غالبا بعد أن أمتعهم بأجزاء من «مغامرات رودريك راندوم» ~~وبقية الكتب القديمة الحبيبة. # وكان غرا وصبيانيا جدا لدرجة أنه أحيانا لا يستطيع مقاومة ~~المعجنات البائتة المعروضة للبيع بنصف الثمن على أبواب طهاة المعجنات، ~~وينفق ماله على شراء قطع التورتة الصغيرة، ومن ثم يضطر للاستغناء عن ~~اللحم في غدائه. # وذات مرة أخذ ديفيد خبزه معه وكان ملفوفا في قطعة من الورق - حيث ~~أحضره من المنزل في الصباح - وذهب إلى محل جميل أنيق بقرب مسرح ~~دروري لين، وطلب طبقا صغيرا من لحم البقر ليأكله بالخبز الذي ~~معه. # فحدق النادل بقوة في الفتى الصغير، لكنه أحضر له اللحم، ثم بعد ~~ذلك نادى نادلا آخر ليأتي وينظر إليه. # يا إلهي! آه لو كان لأمه أن تراه الآن! أو بيجوتي! حيث أصبح طفلا ~~بالي الثياب، يعمل من الصباح حتى المساء مع العامة من الرجال ~~والأولاد! ويتسكع في الشوارع في أوقات الوجبات، ولا يكاد يأكل ما ~~يكفيه! ms072 # ما من أحد قط نصح الصبي أي نصيحة؛ وما كان هناك من يعينه أو ~~يشجعه. ولولا رحمة الله لربما كان من اليسير أن يصبح سارقا صغيرا أو ~~متشردا. # الفصل الثالث عشر # | العسر المالي لأسرة ميكوبر # ربما كان من الممكن أن تعتني السيدة ميكوبر بديفيد أفضل من ذلك، ~~لأنها طيبة القلب حقا؛ لكنها مثقلة للغاية بهمومها وعسرها المالي ~~كي توازن بين دخلها ونفقاتها، كما كانت مهمومة جدا بتخوفاتها من ~~دائني السيد ميكوبر، الذين يزدادون شراسة كل يوم، لدرجة أن الوقت لم ~~يسمح لها برؤية ديفيد على أنه ابن صغير عديم الأصدقاء، وأنه ربما ~~يحتاج إلى قليل من النصائح الحانية بين الحين والآخر. # وعلى العكس من هذا، فإن ذهابه إلى المستودع وعودته منه كل يوم، على ~~مسئوليته الخاصة، ليجني قوت يومه وكأنه كان رجلا، جعلها تنظر إليه ~~باعتباره شابا له شيء من التجربة، بدلا من أن تنظر إليه على أنه ~~ولد صغير للغاية في العاشرة من عمره؛ واعتادت أن تفضي إليه ~~بمشاكلها، بدلا من أن تسعى لتخفيف مشاكله هو. # وقد كان ديفيد عطوفا بطبعه، وكثيرا ما يتكدر بمشاكل أسرة ميكوبر ~~أكثر مما يتكدرون هم بها؛ حيث يسير بطريقته شبه اليائسة، ويتأمل وسائل ~~السيدة ميكوبر في تدبير مواردها المالية المعدة لتحمل نفقاتها، وهو ~~مهموم بثقل ديون السيد ميكوبر. # وكثيرا ما كان السيد ميكوبر يعود إلى البيت في ليالي السبت غارقا ~~في دموعه، معلنا أنه لم يعد ينتظره سوى السجن؛ لكنه بعد تناول العشاء ~~يصبح مبتهجا، ويبدأ في حساب كم قد يكلفه تركيب نوافذ قوسية للمنزل «في ~~حال حدث أي شيء على غير توقع»؛ وهي جملته المفضلة. وكثيرا ما كان ~~السيد والسيدة ميكوبر، وبدافع من رقة قلبيهما، يدعوان الصبي للعشاء ~~معهما، لكن ديفيد دائما يعتذر بأمر ما، ولم يكن يقبل الدعوة - رغم ~~أنه كان سيستمتع بها كثيرا - وذلك لعلمه أنهما في الغالب لم يكونا ~~يملكان الكثير لنفسيهما. # وبعد ذلك جاء موعد عيد ميلاده من جديد. لقد قضى عيد ميلاده الفائت في ~~مدرسة سيلم هاوس؛ ms073 وهو عيد ميلاد لا ينسى، فهو يوم أن استدعته السيدة ~~كريكل لتخبره أن والدته قد توفيت. يا لكثرة ما أصابه منذ ذلك الحين! ~~لقد كان بالكاد يشعر أنه لا يزال ديفيد كوبرفيلد نفسه - «الصغير ~~كوبرفيلد»، كما كان ستيرفورث يناديه - الذي يغزل خيوط الحكايات في ~~حجرة النوم في المساء، بينما تومي ترادلز يضحك في الظلام، وستيرفورث ~~ينعشه برشفات من العصير عندما يصبح صوته «أجش» قليلا. # بالطبع لم يخبر ديفيد أي أحد أن اليوم عيد ميلاده؛ فهو أكثر ~~تحفظا من أن يقول هذا؛ لكنه ذهب إلى حانة عامة وسأل صاحبها - حيث ~~كانت تلك مناسبة مميزة - قائلا: «ما ثمن كأس أفضل أنواع العصير عندك؛ ~~أفضلها على الإطلاق؟» # قال صاحب الحانة وهو يحدق فيه: «بنسان ونصف ثمن العصير من نوع ~~جينيوين ستانينج.» # قال ديفيد، وهو يقدم له المال: «إذن، صب لي كأسا من عصير جينيوين ~~ستانينج، من فضلك، ولتكن له رغوة عالية.» # راح الرجل ينظر إليه من فوق المشرب، من رأسه إلى قدميه، وعلى ~~وجهه ابتسامة غريبة؛ وبدلا من صب العصير، نظر وراء الستار وقال ~~شيئا ما لزوجته. # خرجت زوجته من وراء الستار وفي يدها شغل التطريز الذي تصنعه، ووقفت ~~إلى جوار زوجها، وراحت تنظر إلى الصبي الصغير الغريب، ووجهه وأسلوبه ~~المحافظين. # حيث سألاه عن اسمه، وسنه، وأين يسكن، وما مهنته، وكيف أتى إلى ~~هناك. فاخترع ديفيد بطريقته الرجولية الصغيرة إجابات مناسبة. وبعد ذلك ~~أعطاه صاحب الحانة كوب العصير؛ لكن زوجته فتحت الباب النصفي الصغير ~~الذي في المشرب، ثم انحنت وأعادت نقوده في يده، وقبلته قبلة ~~امتزج فيها الإعجاب بالشفقة، لكنها كانت قبلة جيدة ونسائية ~~للغاية. # وهكذا مرت الأسابيع والشهور. بينما ديفيد يتساءل إن كان سينجو أبدا ~~من هذه الحياة البائسة؛ وراح يتخيل في يأس أنه قد لا يصير إلى شيء - ~~عندما يكبر - أكثر من أن يصبح سائق عربة مثل تب، أو كبير عمال ~~تعبئة مثل جريجوري. لقد بدأ ينسى ما تعلمه كذلك؛ وقد أصابه هذا ~~بالحزن، لأنه في الأيام الماضية كان ديفيد ولدا ms074 طموحا، ويعد من ~~الأذكياء البارعين. # وذات يوم قالت السيدة ميكوبر، التي قابلت ديفيد وعيناها محتقنتان ~~للغاية: «يا سيد كوبرفيلد، أنا لا أعدك غريبا، لذا لا أتردد في ~~القول إن عسر السيد ميكوبر المالي يوشك أن يتحول إلى أزمة.» # فأصيب ديفيد بالتعاسة لسماع هذا - وكان قد بدأ يحب أسرة ميكوبر ~~للغاية - ونظر إلى وجهها الملطخ بالدموع بأقصى درجات التأثر. # قالت السيدة ميكوبر: «باستثناء قطعة من قالب جبن هولندي، والتي لا ~~تفي باحتياجات أسرة صغيرة، فإنه لا يوجد حقا فتاتة واحدة من أي ~~شيء في غرفة المئونة. لقد كنت معتادة على الحديث عن غرفة المئونة ~~عندما كنت أعيش مع أبي وأمي، وأنا أستخدم الكلمة من دون قصد تقريبا. ~~ما أقصده هو أنه ليس هناك طعام في المنزل.» # اهتم ديفيد غاية الاهتمام. وكان معه شلنان أو ثلاثة في جيبه، حيث ~~إنهم في منتصف الأسبوع، فأخرجها من جيبه مباشرة، وراح يرجو السيدة ~~ميكوبر أن تأخذها منه قرضا، والدموع تترقرق في عينيه. # لكن السيدة ميكوبر جعلته يردها في جيبه مرة أخرى، وقبلته، ~~وهزت رأسها علامة على الرفض. # وقالت: «لا يا عزيزي السيد كوبرفيلد، لم تقترب هذه الفكرة من رأسي ~~مطلقا. لكن لك إدراكا يتجاوز سنك، وتستطيع أن تقدم لي خدمة ~~من نوع آخر إذا أردت؛ وهي خدمة سأقبلها منك شاكرة.» # رجاها ديفيد أن تخبره ما هي. # قالت السيدة ميكوبر: «لقد تخليت بنفسي عن أدوات المائدة الفضية، ~~وستة من أوعية الشاي، واثنين من أوعية الملح، وزوجين من أوعية السكر، ~~لقد اقترضت المال بضمانها في أوقات متفرقة، فعلت ذلك سرا، بنفسي. ~~لكن احتياجات التوءمين قيد كبير، وبالنسبة لي، وبسبب ذكرياتي مع ~~أبي وأمي، فإن هذه الصفقات مؤلمة للغاية. ولا يزال هناك قليل من ~~الأغراض التافهة التي نستطيع التخلي عنها. لكن مشاعر السيد ميكوبر لن ~~تسمح له أبدا ببيعها؛ كما أن كليكيت» - كان هذا اسم الخادمة القادمة ~~من الملجأ - «وبسبب جلافة تفكيرها، سوف تتجاوز حدودها بطريقة مؤلمة ~~إذا عهد إليها بشيء بالغ الخصوصية كهذا. سيد كوبرفيلد، إذا أمكنني ms075 ~~أن أطلب منك ...» # حزر ديفيد أنها تريد منه أن يبيع لها بعض هذه الأغراض التافهة ~~التي تكلمت عنها، ورجاها أن تسمح له بمساعدتها فيما تريد. وفي صباح ~~اليوم التالي، وقبل ذهابه إلى المستودع، أخذ القليل من الكتب إلى أحد ~~أكشاك الكتب في طريق سيتي روود، وباعها في مقابل أي ثمن قد ~~تساويه. # ثم بدأ بعد ذلك، في صباح كل يوم، وقبل ذهابه إلى العمل، يأخذ شيئا ~~ما ليبيعه أو ليرهنه في مكتب الرهن. # وقد كان صاحب كشك الكتب يترنح سكرا كل ليلة؛ لذا يرافق ديفيد ~~شخص ما إلى غرفة الرجل، ليجده مستلقيا على سرير قابل للثني، بجرح ~~في جبهته أو كدمة حول عينه، ليساوم على ثمن الكتب؛ بينما تقف زوجته ~~إلى جواره، بحذائها بالي الكعبين، تعنفه بشدة طوال الوقت. # وكان الرجل أحيانا لا يتمكن من العثور على ماله، فيطلب من ديفيد أن ~~يمر عليه مرة أخرى؛ لكن زوجته عادة ما تحتفظ ببعض المال في جيبها، ~~وكانت تدفع المال لديفيد سرا أثناء نزولهما معا إلى الطابق ~~السفلي. # بدأ ديفيد يصبح معروفا في مكتب الرهن أيضا؛ وقد رآه الرجل الجالس ~~خلف طاولة المحاسبة مرات عديدة، وكثيرا ما طلب منه أن يصرف له ~~اسما أو فعلا لاتينيا ريثما يقوم بعمله. ودائما ما كانت السيدة ~~ميكوبر تنفق جزءا من المال الذي يحضره إلى المنزل على شيء لذيذ ~~للغاية من أجل العشاء. # وفي النهاية آل عسر السيد ميكوبر المالي إلى أزمة، وقبض عليه في ~~وقت مبكر من صباح أحد الأيام، وأخذ إلى سجن كينجز بينش. وقد قال ~~لديفيد عندما أخذوه إن شمس أمله قد غربت الآن؛ فتذكر ديفيد أنه عندما ~~دخل رودريك راندوم أحد سجون المدينين، كان هناك رجل لا يغطيه ~~شيء سوى دثار غليظ بال، وعندئذ توقع أن يكون قلب السيد ميكوبر قد ~~انسحق حزنا وغما مثلما انسحق قلبه هو حزنا وغما. # وبينما قضى ديفيد يوما كئيبا في المستودع؛ ابتهج السيد ميكوبر داخل ~~السجن، ولعب مباراة بولينج مثيرة في عصر ذلك اليوم. # شكل 13-1: ms076 تناول ديفيد الغداء مع السيد ميكوبر في ~~السجن. # وفي يوم الأحد التالي، ذهب ديفيد لتناول الغداء معه (حيث كان مسموحا ~~لأصدقاء المدينين بزيارتهم). وقد قابله السيد ميكوبر عند البوابة، ~~وصحبه إلى غرفته الصغيرة، وناشده في جدية أن يعتبر من مصيره؛ وقال له: ~~«لو أن دخل رجل ما عشرون جنيها في السنة، وأنفق منها تسعة عشر ~~جنيها وتسعة عشر شلنا وستة بنسات، فسيكون سعيدا، لكنه إذا أنفق ~~واحدا وعشرين جنيها، فسيقع في التعاسة.» # ثم طلب من ديفيد أن يقرضه شلنا، اشترى به إبريقا من مشروب ~~البرتر الثقيل، وأعطى ديفيد أمرا كتابيا يسلمه للسيدة ميكوبر كي ~~تسدد له المبلغ، ثم جفف دموعه، وأعاد منديله إلى مكانه. # وجلس ديفيد والسيد ميكوبر يتحدثان أمام مدفأة صغيرة داخل شبكة صغيرة ~~صدئة، إلى أن عاد مدين آخر، كان مسجونا مع السيد ميكوبر في حجرته، ~~من الفرن ومعه خاصرة من لحم الضأن تناولها الثلاثة على الغداء؛ وفي ~~بداية فترة بعد الظهر، عاد ديفيد إلى البيت ليخبر السيدة ميكوبر عن ~~أخبار زوجها. # أغمي على السيدة ميكوبر في غمرة قلقها عندما رأت ديفيد قادما؛ وما ~~إن أفاقت من إغمائها حتى صنعت ملء إبريق صغير من العصير ليلطف ~~عنهما أثناء مناقشتهما أحوال السيد ميكوبر. # ثم بيع الأثاث كله تدريجيا؛ إلى أن قررت السيدة ميكوبر في ~~النهاية أن تنتقل، هي وأولادها، إلى السجن، حيث كان السيد ميكوبر قد ~~حصل على حجرة لنفسه الآن؛ وأخذ ديفيد مفتاح البيت إلى صاحب البيت الذي ~~سعد غاية السعادة بالحصول عليه. # لقد اعتاد ديفيد على أسرة ميكوبر بدرجة كبيرة حتى إنه لم يحب أن ~~يبتعد عنهم؛ لذا استؤجرت له غرفة صغيرة خارج أسوار السجن، وكان ~~يتناول إفطاره معهم كل صباح، ويدخل إلى السجن كل ليلة، ويسير في ~~الفناء مع السيد ميكوبر. # وقد عاشت أسرة ميكوبر داخل السجن في راحة أكبر من التي كانت تعيشها ~~خارجه؛ حيث جاء بعض أقاربهم من أجل مساعدتهم في هذا الوقت، وقد ~~ساعدوهم كثيرا؛ بحيث ارتاح ديفيد الآن هو الآخر من قدر ms077 كبير من ثقل ~~هموم الأسرة. # لم يسأل السيد ميردستون قط كيف كان ديفيد يقضي وقته، ولم يخبر ~~الصبي قط أي أحد في المستودع. حيث ظل يعيش نفس الحياة في سرية ~~وتعاسة، بينما ثيابه تزداد فقرا في المظهر كل يوم. # ولم يرسل السيد ميردستون له أي رسالة. أما الآنسة ميردستون فأرسلت ~~له مرة أو مرتين، عن طريق السيد كوينين، طردا به ملابس قديمة، وكانت ~~تضع معها قصاصة ورق مكتوب فيها بخط يدها ما معناه: «ترجو ج. م. أن ~~يكون د. ك. مهتما ببذل جهده في العمل، والعناية التامة بمسئولياته.» ~~لا شيء سوى هذا! ولا كلمة واحدة عن أي شيء آخر! ربما لو أصبح الولد ~~مفقودا لما اهتما مطلقا. # الفصل الرابع عشر # | ديفيد يتخذ قرارا # وهكذا انقضت الأسابيع والشهور على الوتيرة الكئيبة نفسها، إلى أن ~~أثمرت مساعدة ومشورة أقرباء السيدة ميكوبر عن إطلاق سراح السيد ~~ميكوبر من السجن؛ وأصبح هناك إمكانية أخيرا لحدوث شيء ما على غير ~~توقع للسيد ميكوبر؛ ولكن ليس في لندن - بل بعيد عن لندن، وبينما ~~ديفيد عائد إلى غرفته المستأجرة تلك الليلة، هبط ثقل على قلبه عندما ~~فكر في ابتعاد أصدقائه الوحيدين عنه. # ولم يستطع ديفيد النوم في تلك الليلة؛ فقد اعتاد على أسرة ميكوبر ~~للغاية، وكان ودودا جدا معهم في محنتهم، كما أنه ليس لديه أصدقاء ~~سواهم، إلى جانب أن إمكانية أن يعيش مرة أخرى وسط أناس مجهولين كانت ~~تمثل تعاسة بالنسبة له. # وراح يتأمل كل الخزي والإهانة اللذين عاناهما في العام المنصرم، ~~وصاح بينه وبين نفسه قائلا إن حياته لا تطاق. ألا يوجد أي أمل في ~~الفرار منها؟ لا أمل. لا أمل على الإطلاق؛ ما لم يفر هو بنفسه ~~منها! # الفرار! خطرت الفكرة بباله وهو مستلق يعاني الأرق في فراشه، ~~ويتساءل ماذا عساه يفعل بعد رحيل أسرة ميكوبر؛ وتدريجيا شكلت ~~الفكرة نفسها في صورة قرار نهائي. # كانت أسرة ميكوبر ذاهبة إلى مدينة بليمث في غضون أسبوع، وطوال تلك ~~المدة استأجروا شقة مع ديفيد في المنزل نفسه، ms078 وذهب السيد ميكوبر إلى ~~مكتب المحاسبة ليخبر السيد كوينين أنه مضطر لأن يتخلى عن عنايته ~~بديفيد في اليوم الذي سيرحل فيه. # فاستدعى السيد كوينين سائق العربة تب، الذي كان متزوجا، وعنده ~~غرفة للإيجار، وسأله إن كان يستطيع أن يسكن ديفيد فيها. فلم يزد تب ~~على أن سر للغاية، وتركهم ديفيد يقررون الأمر هكذا، ولم يقل شيئا. ~~فقد عقد العزم على الهروب فور رحيل أسرة ميكوبر. # وبالطبع لم يتفوه ديفيد مطلقا بكلمة واحدة عن الموضوع لأي أحد؛ ~~وجعله تكتمه يفكر في الأمر أكثر. إلى أين عساه يذهب؟ لقد سأل نفسه ~~هذا السؤال مائة مرة، وهو يتقلب متأرقا في فراشه؛ وظل مائة مرة ~~يكرر تلك القصة القديمة التي قصتها عليه أمه عن يوم مولده (وهي ~~قصة كانت أمه تحب أن ترويها له، وكان هو يحب أن يسمعها) قصة الآنسة ~~بيتسي تروتوود - عمة والده - التي دخلت المنزل في ذلك اليوم من شهر ~~مارس، الذي اشتدت فيه الرياح، ثم وثبت خارجة منه مرة أخرى، وذلك ~~عندما سمعت أن المولود كان صبيا. ~~«اخلعي قبعتك يا ابنتي، ودعيني أراك ...» لقد سمع القصة مرات ~~عديدة؛ وكيف عندما أطاعتها أمه على الفور، ولكن بيدين متوترتين ~~للغاية، انسدل شعرها الجميل كله على وجهها؛ وكيف صاحت الآنسة بيتسي ~~قائلة بصوت يمتلئ بالإعجاب: «يا إلهي، يا للروعة! إنك صغيرة ~~للغاية!» # لم يستطع ديفيد أن ينسى كيف تخيلت أمه أنها أحست بالآنسة بيتسي ~~تلمس شعرها بيد لا توصف بعدم الرقة، ورغم أن هذا ربما يكون فقط من ~~مخيلة والدته، فقد خرج ديفيد بتصور صغير عن الفكرة؛ إذ رقت العمة ~~البغيضة للجمال الطفولي الذي تذكره هو جيدا، وسامحتها تماما على ~~كونها «دمية شمعية.» # لو أن الآنسة بيتسي علمت بأحزانه، أليس من المحتمل أن تسامحه على أنه ~~ولد صبيا؟ # إنه لم يعلم حتى أين تعيش الآنسة بيتسي؛ لذا كتب رسالة طويلة ~~لبيجوتي، وسألها فيها سؤالا ثانويا، إن كانت تتذكر أين مكان بيتها؛ ~~وسألها أيضا إن كانت تستطيع أن تقرضه نصف جنيه، وأخبرها أنه يريده ms079 ~~بدرجة كبيرة. # جاء رد بيجوتي في الحال، وجاء معه نصف الجنيه، وكثير من عبارات ~~الود، كما جاء معه أن الآنسة بيتسي تعيش في مدينة دوفر، لكنها لم تكن ~~تدري أفي دوفر نفسها أم في هايث ، أم ساندجيت، أم في فوكستون. # بعد ذلك سأل أحد الرجال في المستودع إن كان يستطيع أن يخبره أين ~~تقع هذه الأماكن الثلاثة الأخيرة، وعندما أخبره الرجل أنها جميعا ~~قريبة من بعضها البعض قرر ديفيد أن يغادر إلى دوفر في نهاية ذلك ~~الأسبوع نفسه. # كان ديفيد يقضي لياليه مع السيد والسيدة ميكوبر، ومع اقتراب موعد ~~رحيلهم ازدادت محبة كل منهم للآخر. في يوم الأحد الأخير استضافوه ~~على العشاء؛ وتناولوا خاصرة من لحم البقر، وصلصة التفاح، وحلوى ~~البودينج؛ وأعطى ديفيد هدايا الوداع للأطفال - حصانا منقطا اشتراه ~~للصغير ويلكينز ميكوبر، ودمية للصغيرة إيما. # وقد أمضوا يوما ممتعا للغاية؛ لكنهم شعروا بالحزن بسبب الفراق ~~القادم. # قالت السيدة ميكوبر: «لن أسترجع، يا سيد كوبرفيلد، تلك الفترة التي ~~عانى فيها السيد ميكوبر من عسر مالي، دون أن أتذكرك. لقد كان ~~تصرفك من أرق وألطف ما يكون. إنك لم تكن مستأجرا؛ بل كنت ~~صديقا.» # رد السيد ميكوبر: «إن عزيزي كوبرفيلد يمتلك قلبا يرق لآلام ~~أمثاله من الناس عندما تغشاهم سحب الأزمات، وعقلا يدبر، ويدا ... ~~باختصار، إن لديه موهبة شاملة في بيع الأشياء المتاحة وغير ~~الضرورية.» # كما رجا السيد ميكوبر أن يتذكر ديفيد هذه النصيحة دائما: «الدخل ~~السنوي عشرون جنيها، الإنفاق السنوي تسعة عشر جنيها وتسعة عشر شلنا ~~وستة بنسات، النتيجة سعادة. الدخل السنوي عشرون جنيها، الإنفاق السنوي ~~عشرون جنيها ووستة بنسات، النتيجة تعاسة.» # تأثر ديفيد كثيرا، ووعده بتذكر هذه الوصايا؛ وفي صباح اليوم التالي ~~التقى بالأسرة كلها في مكتب حجز عربة السفر، ثم راح ينظر إليهم خارج ~~المكتب، بقلب حزين، وهم يأخذون أماكنهم في الجزء الخلفي من ~~العربة. # قالت السيدة ميكوبر: «سيد كوبرفيلد، ليباركك الله! لن أستطيع أبدا ~~أن أنسى كل ما تعرفه، ولو استطعت فلم أكن لأفعل أبدا.» # قال السيد ميكوبر: ms080 «الوداع يا كوبرفيلد! أتمنى لك كل سعادة ونجاح! ~~وفي حال حدث أي شيء على غير توقع (وأنا واثق تمام الثقة من هذا)، ~~فسيسعدني غاية السعادة - إذا أصبح ذلك في استطاعتي - أن أحسن من ~~إمكانياتك.» # وأثناء جلوس السيدة ميكوبر مع الأطفال في الجزء الخلفي من العربة، ~~ورؤيتها ديفيد في الطريق وهو ينظر بحزن إلى الأعلى، بدا فجأة أنها ~~أفاقت على حقيقة أنه لم يكن سوى صبي صغير للغاية؛ وذلك لأنها أشارت ~~له كي يعتلي العربة، وبتعبير جديد وحنون على وجهها، طوقت عنقه ~~بذراعها، وقبلته بالطريقة نفسها التي كان من الممكن أن تقبل بها ~~أحد أبنائها. # وتمكن ديفيد بصعوبة من النزول مرة أخرى قبل انطلاق العربة، ~~واستطاع بصعوبة أيضا أن يرى الأسرة من وراء المناديل التي كانوا ~~يلوحون بها. # لقد اختفت العربة في لحظة؛ وانصرف ديفيد ليبدأ يومه المرهق في ~~مستودع ميردستون وجرينبي. # ولأنه كان صبيا أمينا للغاية، ولأنه لم يرغب في جعل الذكرى التي ~~سيخلفها وراءه مشوبة بما يشينه، فقد رأى نفسه ملزما أدبيا ~~بالبقاء حتى مساء السبت؛ ولأنه تقاضى أجرة أسبوع مقدما في بداية ~~مجيئه إلى هناك، لم يكن ينوي أن يظهر في مكتب المحاسبة لأخذ راتبه. ~~لهذا السبب الخاص اقترض نصف الجنيه، كي يكون معه بعض المال من أجل ~~نفقات سفره. # وهكذا عندما أقبل مساء يوم السبت، وكانوا جميعا ينتظرون في ~~المستودع لقبض رواتبهم، وعندما دخل تب، سائق العربة، أولا لسحب ~~ماله، صافح ديفيد مك ووكر، وطلب منه أن يخبر السيد كوينين أنه ذهب ~~لنقل حقيبته إلى منزل السيد تب؛ ثم ودع ميلي بوتيتوز وداعا أخيرا، ~~وبعد ذلك هرب. # وأثناء فراره إلى حجرته، أخذ يبحث عن شخص ما كي يساعده في حمل ~~حقيبته إلى مكتب حجز عربة مدينة دوفر، وراح يدقق النظر في شاب طويل ~~الرجلين يركب عربة يجرها حمار وليس عليها حمولة في طريق ~~بلاكفرايرز. # قال الشاب: «حسن، يا عديم الفائدة، لقد حفظت شكلي جيدا، وتستطيع ~~تأكيد هويتي أمام القضاة.» # قال ديفيد إنه إنما نظر إليه لأنه يظنه ms081 ربما يحب أن يؤدي ~~عملا. # قال الشاب الطويل الرجلين: «أي عمل هذا؟» # قال ديفيد: «تنقل حقيبة.» ~~«أي حقيبة؟» # أخبره ديفيد عنها، وأخبره أنها في الشارع المقبل، وأنه سيعطيه ستة ~~بنسات لينقلها له إلى مكتب حجز عربة مدينة دوفر. # قال الشاب الطويل الرجلين: «اتفقنا على ستة بنسات.» وركب عربته ~~مباشرة وانطلق، محدثا خشخشة، بسرعة كبيرة بذل ديفيد معها وسعه كي ~~يواكب سرعة الحمار. # صعد الاثنان إلى حجرته الصغيرة وأنزلا الحقيبة معا، وطلب منه ~~ديفيد أن يتوقف لحظة عندما وصل إلى الحائط المسدود لسجن كينجز بينش، ~~حيث أراد أن يضع بطاقة عنوان على الحقيبة؛ لأنه لم يرد أن يضعها ~~وهو في المنزل، مخافة أن يرى أي من أفراد أسرة صاحب المنزل ~~العنوان، ويخمنوا ما الذي كان ينوي فعله. # انطلق الشاب مرة أخرى، وعانى ديفيد كثيرا كي يلحق به في المكان ~~المحدد. # من شدة ما كان فيه ديفيد من الإثارة والحماس أسقط نصف الجنيه من ~~جيبه وهو يخرج البطاقة؛ لكنه وضعه في فمه ليؤمنه، وما إن ربط البطاقة ~~بيدين مرتعشتين على حقيبته حتى أحس بضربة عنيفة تحت ذقنه ~~يسددها له الشاب ذو الرجلين الطويلتين، ورأى نصف الجنيه يطير من ~~فمه إلى يد الشاب. # صاح الشاب، وهو يمسك ديفيد من ياقة سترته، وعلى وجهه تكشيرة ~~مرعبة: «ماذا! هذه قضية يجب رفعها للشرطة، أليس كذلك؟ سوف تهرب، أليس ~~كذلك؟ هيا إلى الشرطة، أنت أيها المؤذي الصغير، هيا إلى ~~الشرطة!» # قال ديفيد، وهو يشعر بذعر شديد: «أعد إلي مالي، أرجوك، ودعني ~~وشأني.» # أعاد الشاب كلامه قائلا: «هيا إلى الشرطة! يجب أن تثبت للشرطة ~~أنه مالك.» # صاح ديفيد وهو ينفجر في البكاء: «أعطني حقيبتي ومالي، من ~~فضلك.» # رد عليه الشاب بالكلام نفسه: «هيا إلى الشرطة!» ويده قابضة ~~على ياقة ديفيد، لكنه غير رأيه، فقفز إلى العربة، وجلس فوق الحقيبة، ~~وصرخ قائلا إنه سيذهب إلى الشرطة مباشرة، وانطلق بالعربة أسرع من ذي ~~قبل. # جرى ديفيد وراءه بأسرع ما يمكنه، لكن نفسه لم يساعده على ~~النداء. لقد كاد يدهس ms082 عشرين مرة على الأقل في مسافة نصف ميل. وظل ~~مرة يفقده، ومرة يراه، ومرة يفقده من جديد، ومرة يسقط في الطين، ~~ومرة يصطدم بذراعي شخص ما، ومرة يصطدم برأسه في أحد ~~الأعمدة. # أخيرا، وبسبب ما أصابه من ارتباك من الرعب والحر، لم يعد ~~يستطيع أن يجري؛ وظل يلهث ويبكي، لكنه لم يتوقف مطلقا عن الجري، ~~وأثناء ذلك انعطف إلى منطقة جرينيتش، والتي علم أنها كانت في طريق ~~مدينة دوفر، وفي رأسه فكرة جامحة تدعوه لمواصلة الجري حتى يجد ~~عمته. # الفصل الخامس عشر # | رحلته الزاخرة بالأحداث # لكن وعيه الذاهل عاد إليه بعدما وصل إلى طريق كينت روود؛ فجلس ~~ديفيد على عتبة باب منزل من مجموعة منازل متلاصقة هناك، وكان مرهقا ~~ومنهكا للغاية، وراح يتساءل ماذا عساه يصنع. # كان الظلام قد حل في هذا الوقت، ودقت الساعات معلنة تمام العاشرة ~~عندما جلس يستريح على العتبة؛ لكن من حسن الحظ أنها كانت ليلة صيفية، ~~والجو جميل. # ورغم كل ما كان فيه من الأسى لم ينو الرجوع؛ ولم يخطر بباله قط أن ~~يرجع؛ وحالما التقط أنفاسه نهض وواصل السير. # ولم يكن في جيبه سوى ثلاث قطع نقدية من فئة نصف البنس، تبقت من ~~الأجرة التي تقاضاها في الأسبوع الفائت؛ لكنه ظل يمشي مجهدا على ~~نحو بائس، إلى أن مر مصادفة على محل صغير مكتوب فوق بابه أنه ~~يشتري الملابس الرجالية والنسائية المستعملة. فأوحت لديفيد تجربته ~~الصغيرة مع السيد والسيدة ميكوبر أن هذا المكان ربما يكون وسيلة ~~لزيادة نقوده الضئيلة؛ لذا توجه إلى الشارع الجانبي المجاور، وخلع ~~الصديري الذي يرتديه، وطواه بشكل أنيق تحت ذراعه، وعاد إلى باب ~~المحل، حيث كان صاحب المحل جالسا يدخن وهو يرتدي قميصا بلا سترة ~~فوقه. # قال ديفيد: «من فضلك، أريد بيع هذا بسعر مقبول.» # تناول السيد دولوبي - كان دولوبي هو الاسم المكتوب فوق باب المحل - ~~الصديري، وأوقف غليونه على قاعدته مقابل حافة الباب، ودخل إلى المحل، ~~وتبعه ديفيد، حيث أزال السيد دولوبي الجزأين المحترقين من فتيلي ~~شمعتين بأصابعه، وبسط ms083 الصديري على المنضدة، وراح ينظر إليه، ثم رفعه في ~~الضوء، وراح ينظر إليه، ثم قال: ~~«ما السعر الذي تطلبه في هذا الصديري الصغير؟» # رد ديفيد بتواضع: «أوه! أنت أعلم مني يا سيدي.» # قال السيد دولوبي : «لا يمكنني أن أكون مشتريا وبائعا أيضا، حدد ~~سعرا لهذا الصديري الصغير.» # لمح ديفيد بعد شيء من التردد: «هل ثمانية عشر بنسا ...» # طواه السيد دولوبي ثانية، وأعاده له. وقال: «لو دفعت فيه تسعة ~~بنسات حتى فسأكون قد سرقت من قوت أسرتي.» # خاب رجاء ديفيد، لكن لم يكن من الأمر بد؛ وقال إنه سيأخذ تسعة ~~بنسات ثمنا للصديري. فأخرج السيد دولوبي تسعة بنسات، دون أن يمنع ~~نفسه من بعض التذمر. وتمنى له ديفيد ليلة سعيدة، وخرج من المحل ~~والمال في يده، وأغلق أزرار سترته على قميصه. # ظل ديفيد يمشي دون انقطاع وهو مجهد إلى أن وصل إلى مقاطعة ~~بلاكهييث - بلاكهييث، حيث توجد مدرسته القديمة؛ سيلم هاوس - وأحس ~~أنه يريد أن ينام هذه الليلة وراء السور عند الجزء الخلفي من المدرسة، ~~في ركن كانت توضع فيه كومة تبن كبيرة. حيث تصور ديفيد أن قربه ~~الشديد من الأولاد، ومن غرفة النوم التي كان يحكي فيها القصص سيؤنسه ~~نوعا ما. # كان ديفيد قد قضى يوما شاقا في العمل، وأصبح مرهقا للغاية، ~~لكنه أخيرا وجد مدرسة سيلم هاوس. فراح يدور بحذر حول السور القديم، ~~وينظر إلى النوافذ ليرى إن كانت جميع الأضواء مطفأة. وبعد ذلك وجد ~~الركن الذي فيه التبن هناك، واستلقى على الأرض إلى جواره، لأول مرة في ~~حياته، دونما سقف فوق رأسه. # وقد نام ديفيد نوما عميقا؛ إذ كان منهك القوى، ورأى نفسه في الحلم ~~ينام على سرير مدرسته القديم، ويتحدث مع الأولاد في الغرفة؛ واستيقظ ~~فزعا يصيح «ستيرفورث! ستيرفورث!» ووجد نفسه جالسا ممدد الرجلين ~~على الأرض، يحدق في النجوم المضيئة المتلألئة فوقه. # وأحس ديفيد بخوف لا يعرف مصدره؛ إذ إن الليل موحش وساكن للغاية، ~~فنهض وراح يتجول؛ لكنه كان متعبا جدا، وبعد قليل رقد مرة أخرى، ~~ونام ms084 حتى أيقظه رنين جرس الاستيقاظ في مدرسة سيلم هاوس. # كان يود لو أن هناك أملا في رؤية ستيرفورث يخرج من المدرسة، أو حتى ~~ترادلز؛ لكن هذا كان محفوفا بمخاطر كبيرة، فانسل بعيدا بينما طلاب ~~السيد كريكل يستيقظون من نومهم، وانطلق يسير على الطريق الطويل ~~المغبر الذي علم أنه طريق مدينة دوفر عندما كان واحدا منهم. # إنه صباح يوم الأحد، وقد سمع ديفيد أجراس الكنيسة تدق بينما هو يمشي ~~متثاقلا، وقابل في طريقه الناس الذاهبين إلى الكنيسة. فاشترى ديفيد ~~بعض الخبز، وظل يواصل السير، حيث قطع في ذلك اليوم ثلاثة وعشرين ~~ميلا، مر خلالها على كثير من المسافرين سيرا بالأقدام. # وقد أغراه بيت أو بيتان صغيران تتدلى خارجهما لافتة مكتوب عليها ~~«غرف للمسافرين» بالمبيت هناك؛ لكنه كان يخشى أن ينفق البنسات القليلة ~~التي معه، وواصل التقدم بمشقة حتى وصل إلى بلدة تشاتم، وزحف في ~~النهاية فوق شيء يشبه منصة المدفع مكسو بالعشب وبارز من بين أحد ~~الأزقة، حيث كان هناك خفير يسير ذهابا وإيابا. فرقد بقرب أحد ~~المدافع، وهو مسرور برفقة خطى الخفير، ونام نوما عميقا حتى ~~الصباح. # لكن قدمه كانت متيبسة ومتقرحة، وأصيب بدوار شديد من قرع ~~الطبول ومسيرات الجند، وأحس أنه لن يستطيع أن يتقدم كثيرا في رحلته ~~ذلك اليوم. # ولم يتبق معه سوى قليل من البنسات، ورأى أن أفضل شيء يمكنه فعله، ~~قبل ارتحاله عن تشاتم، أن يبيع سترته. لذا خلعها وحملها تحت ذراعه - ~~وهو سعيد أنه كان في الصيف وأن الجو دافئ - وبدأ يبحث عن محل ~~مناسب. # كان يوجد الكثير من محلات الملابس المستعملة في كل مكان؛ لكنه أراد ~~أن يعثر على مكان صغير مثل محل السيد دولوبي؛ وفي النهاية تجرأ ~~ودخل محلا صغيرا متواضعا عند ناصية زقاق قذر. تعين عليه أن ينزل ~~درجتين أو ثلاثة ليدخل إلى هناك، فنزل وقلبه يخفق. # حيث صاح رجل عجوز قبيح: «أوه، ماذا تريد؟» وأمسك ديفيد من ~~شعره. # كان رجلا عجوزا شكله مخيف، ويرتدي صديريا قذرا من الصوف، وتفوح ~~منه رائحة ms085 كريهة جدا بسبب شراب الرم. «آه يا عيناي، آه يا ~~أطرافي، ماذا تريد؟ آه يا رئتاي آه يا كبدي، ماذا تريد؟ أوه، كح، ~~كح!» # كانت الكلمة الأخيرة كالحشرجة في حلقه. # قال ديفيد وهو يرتعد: «كنت أريد أن أعرف إن كنت ترغب في شراء ~~سترة؟» # صاح الرجل العجوز: «حسنا، هات السترة! آه لقلبي الذي تأكله ~~النار، أرني السترة! آه يا عيناي، آه يا أطرافي، أخرج ~~السترة!» # وهنا أخرج يديه المرتعشتين، اللتين كانتا كمخلبي طائر ضخم، من ~~شعر ديفيد، ووضع نظارة على عينيه. # صاح الرجل العجوز، بعدما فحصها: «حسنا، كم ثمن السترة؟ أوه، كح! كم ~~ثمن السترة؟» # رد ديفيد مستجمعا شجاعته: «نصف كراون.» # صاح الرجل العجوز: «آه يا رئتاي آه يا كبدي! آه يا عيناي، لا! آه ~~يا أطرافي، لا! بل ثمانية عشر بنسا. كح!» # كان يتكلم بطريقة رتيبة نوعا ما تنتهي بطبقة صوت ذات درجة عالية، ~~وفي كل مرة يقول «كح» كانت عيناه تبدوان وكأنهما تقفزان خارج ~~رأسه. # قال ديفيد متلعثما، وقد سره أن أنهى الصفقة: «سآخذ الثمانية عشر ~~بنسا.» # صاح الرجل العجوز، وهو يلقي بالسترة على أحد الأرفف: «آه يا كبدي! ~~اخرج من المحل! آه يا رئتاي، اخرج من المحل! آه يا عيناي، آه يا ~~أطرافي - كح - لا تطلب مالا؛ فلنتقايض.» # كان ديفيد مذعورا للغاية؛ لكنه قال له بتواضع إنه يريد مالا، وإنه ~~ما من شيء آخر سيفيده، ولكنه سينتظره، كما أراد، خارج المحل، وإنه لا ~~يرغب في استعجاله. وهكذا خرج من المحل، وجلس في الظل عند ~~الزاوية. # بعد قليل جاء الأولاد الذين في الشوارع يناوشون البائع عند المحل، ~~وراحوا يصيحون قائلين إن الرجل العجوز قد باع روحه للشيطان، ويزعقون ~~قائلين: «إنك لست فقيرا، يا تشارلي، كما تدعي. أخرج ذهبك. هيا! ~~إنه في بطانة الفراش، يا تشارلي. هيا مزقه ودعنا نأخذ بعض ~~الذهب.» # ثم أرادوا أن يعطوه سكينا ليفعل ما طلبوه منه، لكن هذا أسخطه ~~كثيرا لدرجة أنه خرج من المحل مسرعا يجري خلفهم، وجعلهم يهربون ~~بعيدا. # ظل الأولاد طوال ms086 اليوم يضايقونه حينا بعد حين، وظل هو طوال اليوم ~~يهجم عليهم هجمات مفاجئة مسعورة. # حاول الرجل العجوز مرارا أن يقنع ديفيد بالموافقة على المقايضة، ~~وخرج ذات مرة بقصبة صيد، لكن ديفيد رفضها، وتوسل إليه والدموع في ~~عينيه أن يعطيه المال أو السترة؛ بعد ذلك خرج بآلة كمان، ثم بقبعة ~~مرفوعة الحافة، ثم بمزمار؛ لكن ديفيد رفضها جميعا، وجلس في ~~يأس. # في النهاية، وكي يتخلص منه الرجل العجوز، بدأ يدفع له نصف بنس ~~بنصف بنس، حتى وصل المبلغ إلى شلن كامل خلال ساعتين. # شكل 15-1: كان يندفع خارج المحل ويجري خلفهم ويجعلهم ~~يفرون. # وبعد فترة صمت طويلة، راح يختلس النظر خارج المحل وقد بدا منظره ~~بشعا، وصاح قائلا: «آه يا عيناي، آه يا أطرافي! هل ستقبل ببنسين ~~إضافيين؟» # قال ديفيد: «لا أستطيع، لو فعلت هذا فسأتضور جوعا.» ~~«آه يا رئتاي آه يا كبدي! هل ستقبل بثلاثة بنسات؟» # قال ديفيد: «لو كان أستطيع لرضيت من دون أي شيء، لكنني في أشد ~~الحاجة إلى المال.» ~~«يا إلهي، كه ... كح! هل ستقبل بأربعة عشر بنسا؟» # كان ديفيد خائر القوى ومنهكا للغاية؛ فقد جلس هناك طيلة اليوم، لذا ~~قبل بهذا العرض؛ وأخذ المال من مخلبه بيد لم تخل من ارتجاف، وانصرف ~~وهو يشعر بجوع وعطش لم يشعر بمثلهما قبل ذلك قط، وأنفق ثلاثة بنسات ~~على الشاي؛ وعندما أحس بتحسن مزاجه بعد ذلك، راح يسير وهو يعرج حتى ~~قطع سبعة أميال من طريقه، إلى أن وصل إلى جدول ماء صغير غسل فيه ~~قدميه اللتين تؤلمانه، ثم رقد تحت كومة تبن كبيرة ليقضي تلك ~~الليلة. # امتد طريقه في صباح اليوم التالي بين سلسلة متوالية من حقول ~~الجنجل والبساتين. حيث كانت ثمار التفاح الناضجة تتدلى من الأشجار، ~~بينما عمال جني نبات الجنجل منهمكون في العمل. وقد رأى ديفيد المكان ~~جميلا، فقرر أن ينام بين نباتات الجنجل تلك الليلة. لكن المسافرين ~~سيرا على أقدامهم الذين قابلهم في الطريق أخافوه، لأن بعضهم راح ينظر ~~إليه بشراسة شديدة. # إذ التفت رجل ms087 شرس المنظر - يعمل سمكريا - ترافقه امرأة، وحدق ~~في الصبي، ثم صرخ بصوت هائل طالبا منه أن يعود، مما جعل ديفيد يتوقف ~~وينظر وراءه. # قال السمكري: «تعال إلى هنا عندما أناديك، وإلا شققت بدنك ~~الصغير.» # أحس ديفيد أن من الأفضل أن يعود، وبينما يسير لاحظ أن عين المرأة ~~كانت سوداء. # قال السمكري وهو يمسك قميص ديفيد بيده المسودة: «إلى أين أنت ~~ذاهب؟» ~~«أنا ذاهب إلى دوفر.» # سأله السمكري وهو يحكم قبضته على القميص: «ومن أين أنت؟» # قال ديفيد: «من لندن.» ~~«ماذا تعمل؟ هل أنت لص؟» # قال ديفيد: «ل... لا.» # قال السمكري: «لو تباهيت علي بأمانتك سأكسر رأسك. هل معك ثمن ~~كوب من الجعة؟ لو كان معك فأخرجه قبل أن آخذه أنا.» # كان ديفيد سيخرجه على الفور، لولا أن هزت المرأة رأسها له هزا ~~رفيقا وحركت شفتيها دون صوت بكلمة «لا.» # قال ديفيد: «أنا فقير جدا، وليس معي مال.» # قال السمكري، وهو ينظر له بتجهم شديد، لدرجة أن ديفيد كاد يخشى أن ~~يكون قد رأى المال في جيبه: «ماذا! ماذا تقصد؟» # قال الصبي متلعثما: «سيدي.» # قال السمكري: «ماذا تقصد بارتداء منديل أخي الحريري؟ هاته الآن!» ~~وخلعه من على رقبة ديفيد في الحال، ورمى به إلى المرأة. # أخذت المرأة نوبة من الضحك، وكأنها حسبت أن هذه مزحة، وقذفت ~~المنديل مرة أخرى إلى ديفيد، وأومأت برأسها إيماءة خفيفة، مثلما ~~فعلت من قبل، وحركت شفتيها من دون صوت بكلمة «اذهب.» # لكن السمكري جذب المنديل من يد الصبي، وأرخاه على رقبته هو، ~~والتفت إلى المرأة وسبها، وضربها. # أرعبت هذه المغامرة ديفيد كثيرا، لدرجة أنه عندما كان يرى أيا من ~~هؤلاء الناس قادما فيما بعد، كان يرتد راجعا إلى أن يجد مخبأ، ~~فيختبئ فيه حتى يغيبوا عن نظره. # ظل ديفيد يواصل السفر سيرا على قدميه، لكن، رغم كل الصعوبات ~~التي واجهها في رحلته، فقد كان يريحه ويحدوه إلى المواصلة الصورة ~~التي تخيلها لعمته الصارمة وهي تلين تحت تأثير جمال والدته الشابة ~~الفاتنة، وتضع يدها برفق على شعرها ms088 الجميل. # كانت تلك الصورة ترافقه عندما استلقى لينام بين نباتات الجنجل؛ ~~وحتى عندما استيقظ في الصباح؛ وظلت أمامه طوال اليوم. # الفصل السادس عشر # | كيف استقبلته الآنسة بيتسي # أخيرا، وفي اليوم السادس بعد هروبه، وصل إلى مدينة دوفر؛ حيث وقف ~~بحذائه البالي، وجسمه المكسو بنصف الملابس، الذي لفحته الشمس وعلاه ~~التراب، وبدا أن الصورة الخيالية قد تلاشت كما يتلاشى الحلم، وشعر ~~بخوف وتشاؤم. # قابل ديفيد بعض الصيادين وسألهم إن كان بإمكانهم أن يخبروه أين ~~تعيش الآنسة تروتوود. قال أحدهم إنها تعيش في منارة ساوث فورلاند لايت، ~~وإن هذا قد تسبب في حرق سالفيها حرقا سطحيا؛ وقال آخر إنها قد ~~ربطت بإحكام في الشمندورة الكبيرة خارج الميناء، ولا يمكن زيارتها ~~إلا عند المد النصفي؛ وقال آخر إن بعض الناس قد رأوها راكبة على ~~مكنسة عندما هبت الرياح الشديدة الأخيرة، وإنها توجهت مباشرة إلى ~~مدينة كاليه الفرنسية. # بعد ذلك سأل سائقي عربات الأجرة، فسخروا منه أيضا؛ ثم سأل أصحاب ~~المتاجر، لكنهم، ودون أن يسمعوه، قالوا إنه ليس لديهم ما يقولونه ~~له. # لقد نفدت نقوده كلها، ولم يكن يستطيع أن يستغني عن أي ملابس أخرى ~~ليبيعها. وهو يشعر بالجوع والعطش والإرهاق، وكان أكثر تعاسة وحرمانا ~~من أي وقت مضى. # جلس ديفيد ليستريح على عتبة محل خال قرب ساحة السوق، وبينما هو ~~كذلك مر سائق عربة أجرة من أمامه وسقط منه غطاء حصانه. فناوله ~~ديفيد إياه، وكان في وجه الرجل شيء من الود شجع ديفيد على أن ~~يسأله إن كان يعرف مكان سكن الآنسة تروتوود. # قال الرجل: «تروتوود، دعني أتذكر، أنا أعرف هذا الاسم. إنها سيدة ~~كبيرة، أليس كذلك؟» # قال ديفيد: «بلى، كبيرة نوعا ما.» ~~«ظهرها متيبس نوعا ما، أليس كذلك؟» # من جديد قال ديفيد بلى. ~~«وتحمل حقيبة، وهي سيدة فظة، وتعنف الناس بقسوة؟» # وقع قلب ديفيد داخل صدره؛ حيث كانت هذه هي أوصافها التي حدثته ~~عنها بيجوتي ووالدته. # قال الرجل: «اسمع، إذا صعدت بهذا الاتجاه،» وأشار بسوطه إلى ~~المرتفعات، «وظللت تسير حتى تصل إلى ms089 بعض المنازل التي تواجه البحر، ~~فأظن أنك ستعرف مكانها. وبرأيي أنها لن تقبل استضافتك، لذا خذ هذا ~~البنس.» # قبل ديفيد البنس شاكرا، واشترى به رغيفا صغيرا، وبدأ يأكله وهو ~~متوجه إلى حيث أرشده الرجل، حتى وصل إلى المنازل التي تواجه البحر. ~~وهناك دخل محلا صغيرا قريبا منه، وسأل الرجل الواقف خلف طاولة ~~البيع، والذي كان يزن بعض الأرز لإحدى الفتيات، إن كان يعرف أين تسكن ~~الآنسة تروتوود. # أسرعت الفتاة تقول: «سيدتي؟ ماذا تريد منها أيها الصبي؟» ~~«أريد التحدث معها، إذا سمحت.» ~~«لتشحذ منها، هذا ما تقصده.» # قال ديفيد: «لا، في الواقع.» وحينئذ احمر وجهه للغاية من شدة ~~الحياء، ولم يقل شيئا آخر. # وضعت الفتاة الأرز في سلة صغيرة وخرجت من المحل، وقالت لديفيد ~~إنه بإمكانه أن يتبعها إذا كان يريد أن يعرف أين تعيش الآنسة ~~تروتوود. # لم يحتج ديفيد لإذن آخر، وتبعها إلى أن وصلا بعد قليل إلى بيت ~~صيفي صغير جميل جدا له نوافذ قوسية مبهجة؛ وأمامه فناء أو ~~حديقة صغيرة مربعة الشكل مكسوة بالحصى ومليئة بالأزهار، والتي تحظى ~~بعناية دقيقة وتفوح منها روائح مبهجة. # قالت الفتاة: «هذا هو منزل الآنسة تروتوود، الآن قد عرفته، وهذا ~~كل ما أستطيع قوله.» وأسرعت بالدخول إلى المنزل، تاركة ديفيد أمام ~~البوابة ينظر بحزن من فوقها ناحية نافذة الردهة؛ حيث رأى كرسيا ~~كبيرا جعله يتخيل أن عمته ربما تكون جالسة في تلك اللحظة في ~~حالة مروعة. # كانت رجلاه ترتجفان من تحته. وحذاؤه في حالة مثيرة للشفقة. ~~وقبعته متغضنة منحنية. أما قميصه وبنطاله الملطخان بسبب الحر ~~والعرق والعشب - فضلا عن أنهما كانا ممزقين - كانا من الممكن ~~أن يفزعا الطيور فلا تقترب من حديقة الآنسة تروتوود، وقد وقف كأنه ~~فزاعة عند بوابة الحديقة. كما لم يكن شعره قد صفف أو مشط منذ ~~غادر لندن. وتحولت بشرته إلى اللون البني من لفح الشمس. وهو ~~مغطى من رأسه إلى قدميه بغبار أبيض. فأخذت ديفيد رجفة عندما فكر ~~في تقديم نفسه بهذه الحال لعمته المرعبة. # وفي واحدة من ms090 النوافذ العليا رأى ديفيد فجأة رجلا متورد الوجه، ~~حسن المنظر، أشيب الشعر؛ وقد غمز له بعينه، وأومأ برأسه، وضحك، ثم ~~انصرف. # أقلقه هذا التصرف الغريب للغاية لدرجة أنه فكر في أن ينسل ~~بعيدا؛ وفي تلك اللحظة خرجت من المنزل سيدة تعقد وشاحها فوق ~~قبعتها، وفي يديها قفازان من قفازات الحدائق، وقد ربطت حول خاصرتها ~~جرابا يشبه مريلة محصل الضرائب، وهي تحمل في يدها سكينا كبيرة. ~~فأدرك ديفيد على الفور أنها الآنسة بيتسي، لأنها خرجت من المنزل تمشي ~~ببطء واختيال تماما كما وصفتها أمه مرارا بأنها جاءت تمشي ببطء ~~واختيال في حديقة منزل روكاري في قرية بلاندستن. # قالت الآنسة بيتسي، وهي تهز رأسها، وتشق الهواء شقا طويلا ~~بسكينها: «انصرف! ارحل! لا أولاد يأتون هنا!» # فنظر إليها ديفيد وقلبه يكاد يخرج من فمه من شدة الخوف، وذلك عندما ~~سارت إلى أحد أركان حديقتها، وتوقفت لتقتلع جذرا صغيرا لأحد النباتات ~~هناك. حينئذ، دفع اليأس ديفيد إلى التهور، وتقدم برفق حتى وقف إلى ~~جوارها، ولمسها بأصبعه. # وبدأ يقول: «من فضلك يا سيدتي.» # قفزت الآنسة بيتسي من مكانها ورفعت عينيها. ~~«من فضلك يا عمتي.» # صرخت الآنسة بيتسي بنبرة ملأها الدهشة: «ماذا؟» ~~«من فضلك يا عمتي، أنا ابن أخيك.» # قالت الآنسة بيتسي: «يا إلهي، يا رحمن!» وافترشت أرض ممر ~~الحديقة. ~~«أنا ديفيد كوبرفيلد، من قرية بلاندستن، من مقاطعة سافك؛ حيث أتيت، ~~ليلة مولدي، ورأيت والدتي الغالية. إنني في غاية الحزن منذ ماتت. لقد ~~تجاهلونني، ولم يعلموني شيئا، وتركوني أواجه الحياة بنفسي، ووضعوني ~~في عمل لا يناسبني. لقد جعلني هذا أفر إليك. حيث تعرضت للسرقة في ~~بداية رحلتي، ومشيت الطريق كله على قدمي، ولم أنم على سرير قط ~~مذ بدأت الرحلة.» وهنا أخذته نوبة بكاء، وظل يبكي وكأنما قلبه ~~سينفطر. # ظلت الآنسة بيتسي تحدق فيه في ذهول حتى بدأ يبكي، وهنا نهضت ~~مسرعة، وأمسكت به، وأدخلته إلى الردهة، وفتحت خزانة طويلة، وأخرجت ~~منها عدة زجاجات وأخذت تصب من كل واحدة منها في فمه. وبعد ذلك ~~أرقدته، وهو ms091 لا يزال يبكي، على الأريكة، ووضعت شالا تحت رأسه، ~~والمنديل الذي في رأسها تحت قدميه، خشية أن يوسخ الغطاء؛ ثم جلست، ~~وظلت تهتف مرة بعد مرة: «ارحمنا يا الله!» وراحت تطلق تلك الهتافات ~~مثلما تطلق البنادق طلقاتها في الجنازات العسكرية. # وبعد مدة دقت الجرس؛ وقالت للفتاة التي قابلته في المحل: «جانيت، ~~اصعدي إلى الطابق العلوي، واحملي تحياتي للسيد دك، وأخبريه أني أود ~~التحدث معه.» # راحت جانيت تحدق في دهشة إلى ديفيد الممدد على الأريكة متيبس ~~الجسد، لكنها ذهبت تبلغ الرسالة، بينما راحت الآنسة بيتسي تذرع ~~الغرفة ذهابا وإيابا إلى أن جاء الرجل الذي كان قد غمز له من ~~النافذة العلوية ودخل الردهة وهو يضحك. # فقالت الآنسة بيتسي: «سيد دك، لا تتحامق، لأنه ما من أحد يستطيع ~~أن يكون أكثر حكمة منك، عندما تريد هذا. لذا لا تتحامق، مهما ~~حدث.» # أصبح الرجل جادا فجأة. # وقالت الآنسة بيتسي: «سيد دك، لقد سمعتني وأنا أذكر ديفيد ~~كوبرفيلد، أليس كذلك؟ والآن لا تدعي أنه ليست لديك ذاكرة، لأنني ~~أعرف أنك تتذكر كل شيء.» # قال السيد دك: «ديفيد كوبرفيلد؟ ديفيد كوبرفيلد؟ يا إلهي، بلى، ~~بالتأكيد، ديفيد بلا شك.» # قالت الآنسة بيتسي: «حسنا، هذا ولده؛ ابنه. كان سيشبه أباه أشد ما ~~يمكن أن يكون الشبه، إذا لم يكن شبيها جدا بأمه كذلك.» # قال السيد دك: «ابنه؟ ابن ديفيد؟ حقا.» # تابعت الآنسة تروتوود كلامها قائلة: «نعم، وقد تصرف تصرفا ~~رائعا. لقد هرب. والسؤال الذي أطرحه عليك هو، ماذا أفعل معه؟» # قال السيد دك متأملا: «يا للعجب، لو كنت مكانك، لكنت» - ونظر ~~إلى بدن ديفيد المتسخ - «لكنت نظفته.» # قالت الآنسة بيتسي: «جانيت، لقد أرشدنا السيد دك للتصرف السليم. ~~سخني الحمام.» # ذهبت جانيت لتجهز الحمام، وفجأة تجهمت الآنسة بيتسي وبدا عليها ~~السخط، وصاحت: «جانيت! أبعدي الحمير!» # وهنا أسرعت جانيت على السلم وكأنما كان المنزل يحترق، واندفعت ~~كالسهم إلى أرض خضراء صغيرة أمام المنزل، وأخذت تبعد حمارين ~~مسرجين، تمتطيهما سيدتان، وقد تجرأتا على جعل حماريهما يطآن ~~الأرض بحوافرهما؛ بينما اندفعت ms092 الآنسة بيتسي خارج المنزل، وأمسكت لجام ~~حمار ثالث، يركبه طفل، وأخرجته من الأرض، ولطمت أذني الولد صاحب ~~الحمير الذي تجرأ على إحضارها إلى هنا. # لم يعلم ديفيد قط إن كان لعمته أي حق قانوني في المرور دون ~~الآخرين في تلك الأرض؛ لكنها قررت أنها تمتلك ذلك الحق، وكانت تنفق ~~ساعات من وقتها في إبعاد الحمير. وقد تكرر هجوم الحمير المباغت ثلاث ~~مرات قبل أن يجهز الحمام، وتكرر إسراع الآنسة بيتسي وجانيت ~~بالخروج من المنزل لإبعاد الحمير. # وقد أراح الاغتسال ديفيد للغاية، لأن عظامه كانت تؤلمه بسبب النوم ~~في عراء الحقول؛ وبعدما اغتسل، ألبسته الآنسة بيتسي وجانيت قميصا ~~وبنطالا من ملابس السيد دك، ووضعتا حول جسده شالين كبيرين أو ~~ثلاثة؛ وقدمتا له بعض الحساء ليشربه، وأجلستاه على الأريكة، حيث غرق ~~في النوم سريعا. وبينما هو نائم رأى في حلمه فيما يبدو أن الآنسة ~~بيتسي جاءت وانحنت فوقه، وأبعدت شعره عن وجهه، ووضعت رأسه في وضع ~~مريح أكثر، وهمست تقول: «الفتى الجميل!» و«الفتى المسكين!» وهي تنظر ~~إليه. # استيقظ ديفيد أخيرا، وعندئذ جلسوا يتناولون ديكا مشويا وحلوى ~~البودينج على الغداء، حيث جلس ديفيد على المائدة وقد بدا هو نفسه وكأنه ~~ديك مكتف، وهو ملفوف في بنطال وقميص السيد دك، وشيلان الآنسة ~~بيتسي. # كان ديفيد متلهفا جدا لمعرفة ما ستفعله معه الآنسة تروتوود؛ لكنها ~~تناولت غداءها في صمت، ولم تزد على أن ظلت تهتف بقولها «ارحمنا يا ~~الله!» كلما وقعت عيناها عليه. # كانت الآنسة بيتسي امرأة طويلة القامة قاسية الملامح، لكنها جميلة ~~أيضا، رغم ما كانت تبدو عليه من تجهم شديد. ولها عينان متألقتان ~~للغاية وشعرها أشيب اللون، وهي ترتدي فستانا بلون نبتة اللافندر شديد ~~الأناقة، مثل كل شيء آخر في المنزل. # وكان رأس السيد دك الأشيب منحنيا بطريقة لافتة للنظر، وعيناه ~~الواسعتان تنظران نظرات بلهاء حولهما، بينما هو يخشخش بنقوده في ~~جيبيه، وكأنما يفتخر جدا بذلك. فاعتقد ديفيد أنه يبدو مخبولا بعض ~~الشيء. # وفي النهاية أزيل غطاء المائدة، ووضع عليها بعض عصير الكريز، ms093 ~~الذي شرب منه ديفيد كأسا؛ ثم بعد ذلك جعلته الآنسة بيتسي يقص عليها ~~كل ما حدث له، وراحت تسأله أسئلة كثيرة، وتأمر السيد دك بالإنصات ~~لردوده جيدا. # فقالت الآنسة بيتسي، بعدما انتهى ديفيد من سرد قصته: «ما الذي دفع ~~تلك الطفلة المسكينة التعيسة كي تتزوج من جديد! لست أدري.» # قال السيد دك: «ربما وقعت في غرام زوجها الثاني.» # كررت الآنسة بيتسي العبارة: «وقعت في غرامه! ماذا تقصد؟ بأي حق ~~فعلت هذا؟» # قال السيد دك وعلى وجهه ابتسامة متكلفة، بعد قليل من التفكير: ~~«ربما فعلتها من أجل المتعة.» # قالت الآنسة بيتسي: «المتعة، حقا! لقد تزوجت من قبل. لقد رزقت ~~طفلا؛ أوه، كان هناك طفلان عندما ولدت هذا الصبي الجالس هنا! فماذا ~~أرادت أكثر من هذا؟ وها هي ذي تلك المرأة ذات الاسم الوثني، بيجوتي ~~هذه؛ لقد تزوجت بعد ذلك. لأنها لم تر ما فيه الكفاية من الشرور التي ~~تلازم هذه الأمور، لقد تزوجت بعد ذلك هي الأخرى، كما يروي هذا ~~الصبي.» ثم هزت الآنسة بيتسي رأسها، وقالت: «أرجو فقط أن يكون زوجها ~~من أولئك الأزواج الذين تعج بهم الجرائد، الذين يضربون زوجاتهم ~~بقضبان إحماء النار، وأن يبرحها ضربا بقضيب من تلك القضبان.» # لم يطق ديفيد سماع عمته تتمنى مثل هذه الأمنية لعزيزته بيجوتي، ~~وأخبر الآنسة بيتسي كم كانت بيجوتي طيبة، وصادقة، ووفية، ومخلصة؛ ~~وأنها تحبه كثيرا، وأنها أحبت والدته كثيرا؛ وأنه كان سيلجأ ~~إليها لحمايته لولا منزلتها الاجتماعية المتواضعة، والتي جعلته يخشى ~~أنه ربما يسبب لها بعض المتاعب؛ وعندما تذكر ديفيد طيبة بيجوتي، ~~انهار، ووضع وجهه بين كفيه على المائدة وانخرط في البكاء. # قالت الآنسة بيتسي: «حسنا، حسنا، إن الصبي محق في الوقوف بجانب ~~من وقفوا بجانبه.» كانت تضع يدها على كتفه، وقد تشجع ديفيد، وأوشك أن ~~يطوقها بذراعيه ويتوسل إليها أن تحميه، لكنها صاحت فجأة: «جانيت! ~~حمير!» وأسرعت بالذهاب وجانيت في عقبها، وفاتته الفرصة في تلك اللحظة، ~~لأنها لم تتكلم عن شيء، إلى أن حان موعد تناول الشاي، سوى عن ms094 عزمها ~~على إقامة دعاوى تعد على أملاك الغير على جميع أصحاب الحمير في ~~دوفر. # بعد احتساء الشاي جلسوا بجوار النافذة إلى أن أحضرت جانيت الشموع ~~وأنزلت الستائر. # قالت الآنسة بيتسي، وقد بدت عليها ملامح الجد : «والآن يا سيد دك، ~~سوف أسألك سؤالا آخر. انظر لهذا الصبي! ما الذي قد تفعله معه ~~الآن؟» # قال السيد دك، وهو ينظر إلى ديفيد بوجه مرتبك: «ماذا أفعل مع ابن ~~ديفيد؟» # ردت الآنسة بيتسي: «نعم! مع ابن ديفيد.» # قال السيد دك: «يا إلهي، نعم. أفعل معه؛ سوف أجعله ينام.» # قالت الآنسة بيتسي بنبرة المبتهج بالنصر: «جانيت، إن السيد دك ~~يرشدنا للتصرف السليم مرة أخرى. إذا كان السرير جاهزا، فسنصعد به ~~إليه.» # قالت جانيت إنه على أتم الجاهزية، وتقدمتهم الآنسة بيتسي، وتبعها ~~ديفيد، وجانيت في الخلف. # وفي منتصف الطريق إلى الدور العلوي توقفت الآنسة بيتسي وسألت ما ~~رائحة الحريق هذه؛ فأجابتها جانيت بأنها تحرق الملابس البالية التي جاء ~~بها ديفيد إلى المنزل. # أراح ردها ديفيد. # وكانت الغرفة جميلة تطل على البحر الذي يتلألأ نور القمر من ~~فوقه. # وهكذا تلا ديفيد صلواته واستكان في الملاءات الناصعة البياض التي ~~تكسو السرير الصغير ذا الستائر البيضاء، فتذكر كل الأماكن المهجورة ~~التي نام فيها تحت سماء الليل، وراح يدعو من جديد ألا يعود شريدا ~~مرة أخرى أبدا، وألا ينسى المشردين أبدا. # الفصل السابع عشر # | الآنسة تروتوود تقرر # لم تقل الآنسة بيتسي شيئا عندما نزل ديفيد لتناول الإفطار في صباح ~~اليوم التالي، لكنها ظلت مركزة عينيها عليه لدرجة جعلت الارتباك ~~يستبد به. # وفي غمرة ارتباكه وقعت سكينه فوق شوكته، وشوكته فوق سكينه، وراح ~~يقطع قطعا صغيرة من اللحم فتتطاير إلى مسافات مذهلة في الهواء، ~~وشرق وهو يشرب شايه، الذي أصر على النزول في الطريق الخطأ بدلا من ~~الذهاب إلى مكانه الصحيح، وجلس وقد احمر وجهه خجلا تحت نظرات ~~الآنسة بيتسي المتفحصة. # قالت الآنسة بيتسي، بعد فترة صمت طويلة: «مرحبا!» # رفع ديفيد عينيه وتلقى نظرتها الذكية الحادة باحترام. # قالت الآنسة تروتوود: «لقد ms095 أرسلت إليه رسالة.» # قال ديفيد متلعثما: «إلى ...؟» # قالت الآنسة بيتسي: «لزوج والدتك، لقد أرسلت له رسالة أخبره فيها ~~أنني سأسبب له مشكلة إن لم يستجب لي، وقد أتشاجر معه أيضا، ~~وأكدت عليه ذلك.» # سألها ديفيد في ذعر: «هل يعرف مكاني يا عمتي؟» # أجابت وهي تومئ برأسها: «لقد أخبرته.» # قال الصبي متلعثما: «هل س... أسلم له؟» # قالت الآنسة بيتسي: «لا أعرف، سوف نرى.» # صاح ديفيد: «يا إلهي، لا أدري ماذا عساي أفعل إذا توجب علي ~~الرجوع إلى السيد ميردستون!» # قالت الآنسة بيتسي، وهي تهز رأسها: «لا أعرف أي شيء عن الأمر، ~~لا يمكنني أن أخبرك، صدقني. سوف نرى.» # تحطم عزم ديفيد تحت وطأة هذه الكلمات وأصابه اكتئاب شديد وانقبض ~~صدره. # ولم تنتبه له عمته، وإنما واصلت أعمالها اليومية، وبعد قليل وضعت ~~علبة أدوات تطريز على طاولتها، عند النافذة المفتوحة، وجلست تمارس ~~التطريز. # قالت الآنسة بيتسي، بعدما أولجت الخيط في سم الإبرة: «أرجو أن ~~تصعد إلى الطابق العلوي، وتبلغ تحياتي للسيد دك، وسوف يسعدني أن ~~أعرف كيف يتقدم في كتابة المذكرة.» # فصعد ديفيد إلى الطابق العلوي، ووجد السيد دك يكتب سريعا جدا ~~بريشة كتابة في يده، بينما رأسه يلامس الورقة تقريبا. كما توجد كمية ~~كبيرة من الحبر في برطمانات بسعة نصف غالون فوق المنضدة، ورزم من ~~المخطوطات، وعدد من الأقلام؛ كما رأى ديفيد أيضا طائرة ورقية ~~كبيرة في ركن الغرفة. # قال السيد دك، وهو يضع قلمه: «ها! كيف الأحوال؟ اسمع، وأرجو ألا ~~تذكر هذا لأحد، لكنه ...» وهنا أومأ إلى ديفيد، وقرب شفتيه من أذنه ~~«إنه عالم مجنون. مجنون كمستشفى المجانين يا بني!» واستنشق السيد ~~دك بعضا من مسحوق التبغ وراح يضحك من قلبه. # وأبلغه ديفيد رسالة الآنسة بيتسي. # فقال السيد دك: «حسنا، تحياتي لها، وأعتقد ... أعتقد أني قد بدأت. ~~أظن أني بدأت.» وضع السيد دك يده في شعره الأشيب، وسأل: «هل دخلت ~~المدرسة؟» # أجاب ديفيد: «نعم يا سيدي، مدة قصيرة.» # قال السيد دك وهو ينظر بجد إليه: «هل تذكر اليوم الذي قطع ms096 فيه ~~رأس الملك تشارلز الأول؟» # قال ديفيد إنه يظن أن ذلك كان في سنة 1649. # قال السيد دك: «هكذا تقول الكتب، لكنني لا أدري كيف يمكن أن يحدث ~~هذا؛ لأنه إذا كان هذا قد وقع منذ زمن بعيد جدا هكذا، فكيف استطاع ~~الناس الذين حوله أن يرتكبوا هذا الخطأ ويضعوا بعض الاضطراب الذي كان ~~في رأسه بعدما قطع في رأسي أنا؟» # لم يستطع ديفيد أن يجيبه، واندهش جدا من السؤال. كان ديفيد ~~سينصرف، لكن السيد دك لفت انتباهه إلى الطائرة الورقية، وقال: «أنا ~~صنعتها، سوف نذهب ونطيرها، أنا وأنت.» # قالت الآنسة بيتسي، عندما نزل إلى الطابق السفلي: «حسنا أيها الصبي، ~~ما أخبار السيد دك هذا الصباح؟» # قال ديفيد إنه يرسل تحياته، وقد بدأ بداية جيدة جدا في ~~الحقيقة. # قالت: «ما رأيك فيه؟» # بعد قليل من التلعثم، قال ديفيد إنه يظن أن عقل السيد دك غير ~~متزن قليلا. # ردت الآنسة بيتسي: «مطلقا! إذا كان هناك شيء في الدنيا لا يمكن ~~أن يتصف به السيد دك، فهو هذا.» وأضافت: «لقد كانوا ينعتونه ~~بالمجنون.» # وبعد قليل أخبرته أنه أحد أقربائها البعيدين، وأن أقرباءه وثيقي ~~الصلة به، عندما تخيلوا أنه مجنون، وضعوه في مصحة نفسية خاصة، لكنه ~~لم يحظ بمعاملة جيدة فيها؛ وبعد كثير من المنازعات حول الأمر، ~~استطاعت أن تخرجه من هناك، وعاش السيد دك معها منذ ذلك ~~الحين. # قالت الآنسة بيتسي: «إذا كان يحب أن يطير طائرة ورقية في بعض ~~الأحيان، فما الضير في هذا؟ لقد اعتاد فرانكلين أن يطير طائرة ورقية. ~~وقد كان أحد أعضاء طائفة الفرندز المسيحية، أو شيئا ما من هذا ~~القبيل، إذا لم أكن مخطئة. وعندما يطير أحد أعضاء هذه الطائفة طائرة ~~ورقية فإن هذا يبعث على السخرية أكثر بكثير مما لو فعلها أي شخص ~~آخر.» # بعث دفاعها النبيل عن المسكين السيد دك الأمل في صدر ديفيد ~~الصغير؛ وبدأ قلبه يحب الآنسة بيتسي نفسها؛ فقد أحس أنه برغم كونها ~~سيدة كبيرة غريبة الأطوار نوعا ما؛ فإنها تستحق الثقة ~~والاحترام. ms097 # كان ديفيد ينتظر في قلق رد السيد ميردستون على الآنسة بيتسي، ~~ويبذل وسعه في إرضاء عمته والسيد دك؛ وأراد أن يخرج مع هذا الأخير ~~ليطير الطائرة الورقية الكبيرة، لولا أنه لم يكن لديه أي ملابس غير ~~ملابس السيد دك، والتي حبسته في المنزل. # وأخيرا جاء رد السيد ميردستون، حيث أخبرتها الآنسة ميردستون، أن ~~السيد ميردستون قادم للحديث معها بنفسه في اليوم التالي، وقد أرعبه ~~هذا! # فجلس ديفيد في اليوم التالي، تغطيه ملابس السيد دك الدافئة، ~~ويعتريه الغضب والقلق والانفعال، منتظرا رؤية الوجه القاسي الموحش ~~لزوج أمه المفزع. # كما جلست الآنسة بيتسي لتحيك ثوبا بجوار النافذة، وبدت مهيبة أكثر ~~من أي وقت مضى، وفجأة سمعها ديفيد تصرخ بالتحذير: «جانيت! ~~حمير!» # أصاب ديفيد الرعب والدهشة عندما رأى الآنسة ميردستون فوق سرج ~~جانبي على ظهر حمار تتعمد السير به فوق قطعة الأرض الخضراء المقدسة، ~~وتتوقف أمام المنزل، وتنظر حولها. # صاحت الآنسة بيتسي، وهي تهز قبضتها من النافذة: «انصرفي من هنا! ~~لا شيء يخصك هنا. كيف تجرئين على التعدي على أملاك غيرك؟ انصرفي! ~~أوه، أنت يا صفيقة الوجه!» # صاح ديفيد قائلا: إن هذه هي الآنسة ميردستون، وإن الرجل الذي يسير ~~خلفها هو السيد ميردستون. # صاحت الآنسة بيتسي وهي تهز رأسها: «لا يهمني من هما! لن يتعدى ~~أحد على أملاكي؛ لن أسمح بهذا. انصرفا! جانيت، أديريه للجهة الأخرى. ~~أبعديه من هنا!» # أمسكت جانيت اللجام وحاولت أن تدير الحمار، وحاول السيد ميردستون ~~أن يسوقه بعيدا؛ لكن الآنسة ميردستون ضربت جانيت بمظلة خفيفة كانت ~~معها، وراح عدد من الأولاد، الذين جاءوا لرؤية الاشتباك، يصيحون ~~بحماس؛ وفجأة لمحت الآنسة بيتسي الصبي الحمار، الذي كان بينها ~~وبينه عداء قديم، فأسرعت بالخروج إلى مشهد الأحداث، وانقضت عليه، ~~وسحبته، وسترته تغطي رأسه، إلى داخل الحديقة، ونادت جانيت كي تحضر ~~رجال الشرطة حتى يمسكوه في الحال؛ لكن الحمار أفلت من قبضة الآنسة ~~بيتسي سريعا، ومضى بعيدا وهو يهتف، وأخذ حماره معه؛ لأن الآنسة ~~ميردستون كانت قد ترجلت عن ظهر الحمار أثناء إمساك ms098 الآنسة بيتسي ~~بالولد، ووقفت تنتظر الآن مع أخيها عند أسفل درجات سلم الباب، ريثما ~~تفرغ الآنسة بيتسي لاستقبالهما. # مرت الآنسة تروتوود من أمامهما، وكانت منزعجة قليلا بسبب ~~المعركة، ودخلت المنزل في وقار كبير، ولم تكترث لوجودهما، إلى أن ~~أعلنت جانيت حضورهما. # قال ديفيد وهو يرتجف: «هل أنصرف يا عمتي؟» # قالت الآنسة بيتسي: «لا يا سيدي، بالطبع لا.» ودفعته إلى أحد أركان ~~الغرفة، وحبسته بكرسي؛ ودخل السيد والآنسة ميردستون إلى ~~الغرفة. # قالت الآنسة بيتسي: «يا إلهي! لم أدرك في بداية الأمر من الذي ~~تشرفت بالاعتراض على وجوده، لكنني لا أسمح لأي أحد بالسير بدابته ~~فوق هذه الأرض.» # قالت الآنسة ميردستون: «إن قاعدتك مربكة بعض الشيء ~~للغرباء.» # قالت الآنسة بيتسي: «حقا؟» # قاطعها السيد ميردستون قائلا: «الآنسة تروتوود؟» # قالت الآنسة بيتسي، وهي ترمقه بنظرة حادة: «معذرة، أنت السيد ~~ميردستون الذي تزوج أرملة ابن أخي، ديفيد كوبرفيلد.» # قال السيد ميردستون: «نعم أنا.» # ردت الآنسة بيتسي: «سامحني، يا سيدي، عندما أقول إنني أعتقد أنه كان ~~من الأفضل كثيرا والأنسب لو أنك تركت الطفلة المسكينة ~~وشأنها.» # قالت الآنسة ميردستون: «أنا متفقة بقدر كبير مع ما قالته الآنسة ~~تروتوود، فأنا أرى أن فقيدتنا كلارا لم تكن - من كل ناحية - أكثر من ~~مجرد طفلة.» # ردت الآنسة بيتسي: «إن من العزاء لك ولي، يا سيدتي - نحن اللتين ~~تقدم بنا العمر، ولا يتوقع أن نشقى بسبب مفاتننا الشخصية - أن ~~أحدا لا يستطيع قول هذا الكلام نفسه عنا!» # قالت الآنسة ميردستون، دون أن يخلو كلامها من موافقة سريعة جدا: ~~«من دون شك.» وهنا دقت الآنسة تروتوود الجرس، وطلبت من جانيت أن ~~تبلغ تحياتها للسيد دك وأن ترجوه أن ينزل إليهم. # جلست الآنسة بيتسي بثبات كبير، وظلت تنظر بعبوس في الجدار إلى أن ~~دخل السيد دك، وهو يقضم سبابته، وقد بدا مرتبكا بعض ~~الشيء. # قدمته الآنسة بيتسي قائلة: «السيد دك، صديق قديم مقرب، أثق في ~~رأيه.» # أخرج السيد دك أصبعه من فمه، ووقف بين الجمع بوجه رزين ~~جدا. # قال السيد ميردستون: «آنسة ms099 تروتوود، عندما تلقيت رسالتك، وجدت ~~أن من الإنصاف لنفسي أن أرد عليها شخصيا، بدلا من الرد برسالة. إن ~~هذا الولد التعيس، الذي هرب من أصدقائه ووظيفته، كان السبب المباشر في ~~كثير من المشاكل العائلية، خلال حياة زوجتي الحبيبة الراحلة، وبعدها. ~~إنه يتصف بروح مشاكسة ومتمردة، كما أن طبعه عنيف، ولديه نزعة ~~للعناد. وقد أحسست أن من الصواب أن تستمعي لهذا البلاغ الخطير من ~~أفواهنا.» # أضافت الآنسة ميردستون: «وأرجو أن تلاحظي، أنه من بين جميع الأولاد ~~في الدنيا، فأنا أعتقد أن هذا هو الأسوأ.» # قالت الآنسة بيتسي باختصار: «يا للشدة!» ثم سألت السيد ميردستون: ~~«حسنا، أيها السيد؟» # أوضح لها السيد ميردستون، ووجهه يزداد عبوسا أكثر فأكثر، أنه وضع ~~الولد «تحت رعاية صديق، في عمل محترم.» # قاطعته الآنسة بيتسي بحدة وقالت: «بمناسبة العمل المحترم، لو كان ~~ابنك أنت؛ كنت ستضعه في هذا العمل، بنفس الكيفية، حسبما ~~أظن.» # تدخلت الآنسة ميردستون وقالت: «لو كان ابن أخي، لكانت شخصيته ~~مختلفة تماما.» # بعد هذا سألت الآنسة بيتسي السيد ميردستون بحسم عن المنزل ~~والحديقة في قرية بلاندستن، وسألته كيف لم تنتقل ملكيتهما إلى ~~الصبي. # قال السيد ميردستون: «لقد كانت زوجتي الراحلة تحب زوجها الثاني يا ~~سيدتي، وكانت تثق فيه ثقة كاملة.» # ردت الآنسة تروتوود، وهي تهز رأسها أمامه: «زوجتك الراحلة يا سيدي ~~كانت طفلة ساذجة، وحزينة، وتعيسة لأبعد الحدود، هكذا كانت زوجتك. ~~والآن ماذا تريد أن تقول أيضا؟» ~~«ليس غير هذا يا آنسة تروتوود. أنا هنا لأستعيد ديفيد؛ لأستعيده ~~دون شرط، كي أتصرف معه بالطريقة التي أراها مناسبة، ولأتعامل معه ~~بالطريقة التي أظنها صحيحة.» # قالت الآنسة بيتسي: «وما رأي الولد؟ هل أنت مستعد للذهاب معه يا ~~ديفيد؟» # صاح ديفيد: «لا» وتوسل إليها ألا تتركه يذهب، وصرخ قائلا إن ~~السيد والآنسة ميردستون لم يحباه قط؛ وإنهما جعلا والدته، التي ~~طالما أحبته كثيرا، غير راضية عنه؛ وإنه يعلم هذا جيدا، وبيجوتي ~~تعرف هذا جيدا. وتوسل إلى عمته ورجاها أن تساعده وأن تحميه من ~~أجل والده. # قالت الآنسة بيتسي: ms100 «سيد دك، ماذا أفعل مع هذا الصبي؟» # أجابها السيد دك: «اجعلي الخياط يأخذ مقاسه ويفصل له مجموعة من ~~الملابس في الحال.» # قالت الآنسة بيتسي بنبرة المبتهج بالنصر: «ناولني يدك يا سيد دك، ~~فإن تفكيرك السليم لا يقدر بثمن.» # بعدما صافحت يده بحرارة، جذبت ديفيد إليها، وقالت للسيد ~~ميردستون: ~~«يمكنك أن ترحل عندما تحب؛ سآخذ فرصتي مع الصبي. ولو اتضح أن فيه ~~كل هذه الصفات التي تقول إنها فيه، فسيمكنني ساعتها على الأقل أن ~~أفعل معه مثلما فعلت أنت. لكنني لا أصدق كلمة مما قلته.» # قال السيد ميردستون وهو ينهض من مكانه: «آنسة تروتوود، لو كنت رجلا ~~...» # قالت الآنسة بيتسي: «يا للحقارة! هذا هراء وسخافة! لا تتكلم ~~معي! أتظن أنني لا أعرف كم كان يوما تعيسا على تلك الفتاة الصغيرة ~~الرقيقة عندما ظهرت أنت في حياتها؛ حين كنت تتكلف الابتسام وتسبل ~~عينيك لها لتبدو رقيقا كمن لا يستطيع أن يصيح في وجه إوزة! يا ~~إلهي، نعم، فليرحمنا الله! من هذا الذي كان رقيقا وناعما بقدر ما كان ~~السيد ميردستون في البداية! إن البريئة المسكينة لم تر قط رجلا مثله. ~~لقد كان مخلوقا من اللطف. لقد أحبها لدرجة العبادة، كما أحب ~~ولدها، وبشغف! حيث سيصبح أبا ثانيا له، وكانوا جميعا سيعيشون في ~~حديقة زهور، أليس كذلك؟ أمر مقزز! انصرفا من هنا، هيا!» # قالت الآنسة ميردستون: «لم أسمع قط مثل هذه المرأة في حياتي.» # واصلت الآنسة بيتسي كلامها، وهي تهز أصبعها أمامه، ولا تعير ~~أي انتباه للآنسة ميردستون: «يا سيد ميردستون، لقد كنت مستبدا مع ~~الطفلة الساذجة، وقد كسرت قلبها ... نعم، نعم! حتى بدون تكشيرة بسيطة، ~~وأنا أعلم أنك فعلت حتى بدونها.» # وقف السيد ميردستون عند الباب وعلى وجهه ابتسامة، رغم أن حاجبيه ~~الأسودين كانا منعقدين للغاية، وقد هرب الدم من وجهه، وتسارعت ~~أنفاسه وكأنه كان يجري. # قالت الآنسة تروتوود: «طاب يومك يا سيدي. ومع السلامة!» وأضافت وهي ~~تلتفت فجأة للآنسة ميردستون: «طاب يومك أنت أيضا يا سيدتي، دعيني ~~أراك تمتطين حمارا فوق ms101 أرضي مرة أخرى، وتأكدي أني سوف أطيح ~~بقلنسوتك، وأدوس فوقها!» # كان هذا الكلام يخرج منها بانفعال شديد لدرجة أن الآنسة ميردستون، ~~ودون أن تنطق بكلمة، وضعت ذراعها في ذراع أخيها، وخرجت في غطرسة من ~~المنزل الصيفي. # بعد ذلك بدأ وجه الآنسة بيتسي الصارم يهدأ تدريجيا، وأصبحت لطيفة ~~جدا لدرجة أن ديفيد تشجع وطوق عنقها بذراعيه وقبلها وراح ~~يشكرها مرة بعد مرة على حمايتها له. ثم صافح السيد دك، الذي صافحه ~~بدوره عدة مرات، وهو يضحك من قلبه. # قالت الآنسة تروتوود: «سوف تعد نفسك وصيا، بالمناصفة معي، على ~~هذا الصبي، يا سيد دك.» # قال السيد دك: «سوف يسعدني أن أكون وصيا على ابن ديفيد.» # ردت الآنسة بيتسي: «جيد جدا، لقد تقرر هذا. أتعرف، لقد كنت ~~أفكر يا سيد دك أن أناديه باسم تروتوود.» # قال السيد دك: «بالتأكيد، بالتأكيد. فلتناديه تروتوود، بالتأكيد، ابن ~~ديفيد تروتوود.» # ردت الآنسة بيتسي: «تقصد تروتوود كوبرفيلد.» # قال السيد دك: «نعم، من دون شك. نعم. تروتوود كوبرفيلد.» # وقد طرأت على رأس الآنسة بيتسي فكرة أن تكتب بخط يدها، وبحبر لا ~~يمحى، اسم «تروتوود كوبرفيلد» على كل الملابس الجاهزة التي اشترتها ~~من أجل ديفيد في عصر ذلك اليوم. ~~••• # وهكذا بدأ حياته الجديدة، باسم جديد، وبكل شيء حوله جديد، في ~~منزل سعيد جديد، وهنا، في رأيي، يجب أن نتركه. # أما كيف كبر في رعاية صديقته المخلصة الآنسة بيتسي، وكيف أرسلته إلى ~~مدرسة جيدة، وكيف ذهب لزيارة بيجوتي وباركس، وكيف قابل ستيرفورث ~~وترادلز من جديد، وكيف كبر ليصبح رجلا مرموقا؛ فهذا ما ستكتشفونه ~~بأنفسكم عندما تكبرون، وتستطيعون أن تفهموا بطريقة أفضل قصة «ديفيد ~~كوبرفيلد» الجميلة، وهو يحكيها بنفسه. ms102