######OpenITI# #META# URI: 1450JamalCumar.AnaNasrAbuZayd.Hindawi49209759 #META# Tags: biographies #META# ID: 49209759 #META# Title: أنا نصر أبو زيد #META# AuthorID: 51939462 #META# Author: جمال عمر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مفتتح‏ # لا‏ # من غرب لشرق‏ # المواطن مفكرا‏ # في الطوفان‏ # قاب قوسين‏ # زهور الرحيق‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # الإهداء‏ # مفتتح‏ # لا‏ # من غرب لشرق‏ # المواطن مفكرا‏ # في الطوفان‏ # قاب قوسين‏ # زهور الرحيق‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # | أنا نصر أبو زيد # | أنا نصر أبو زيد # تأليف # جمال عمر # | الإهداء # «هنا يرقد أحد الحالمين بمستقبل أفضل. # أيها الزائر لقبري لا تكف عن مواصلة الحلم.» ~~••• # إلى # كريم # ورنده وجولي # وإلى الأخ حسيني # من أجلكم هذه العلامات. # جمال # | مفتتح # لأن «آفة حارتنا النسيان» كما كتب عمنا نجيب محفوظ، فمن المهم ~~التعامل مع هذه الآفة، وهذا النص محاولة لمواجهة النسيان في حارتنا. ~~الآفة الأخرى التي أراها هي آفة استبعاد الجماهير من المشهد، ويتم ~~اختصار وجودهم فقط في خلفية المشهد؛ تارة بثنائية الخاصة والعامة ~~عبر «إلجام العوام»، وتارة عبر لا صوت يعلو فوق صوت الجماهير. ~~والجماهير هنا كائن هلامي، لا رأس له ولا جسم ولا هيكل عظميا أو ~~لسان يعبر عنه ويمثله. # فهذا النص خطوة ضد آفة النسيان وآفة استبعاد الجماهير؛ نص يوثق، ~~ولكن ليس التوثيق التقليدي، بل يوثق حياة؛ حياة «نصر» وحياة التفكير ~~عنده، ليس مصدرها كلام «نصر» عن نفسه فقط كما تصور معظم من قرءوا ~~الكتاب من عنوانه؛ ففي الكتاب ثلاثة أصوات؛ صوت «نصر»، وصوت المؤلف، ~~وصوت ثالث عام يسجل واقعا ثقافيا وسياسيا واجتماعيا خلال ~~سبعة عقود. # هذا النص ضد استبعاد الجماهير، ليس من خلال نقد مقولة الخاصة والعامة ~~تطبيقيا فقط، بل نقدها بمحاولة وضع خريطة لمدينة خطاب «نصر أبو زيد»، ~~عبر محاولة تلخيص وتبسيط - بقدر الإمكان في متن الكتاب - كل نص كتبه ~~«نصر أبو زيد» ونشره، سواء مقالة أو بحثا أو كتابا؛ لتكون خريطة ~~لكل باحثة وباحث في خطاب «نصر أبو زيد». # لعل هذا العمل يكون مقدمة يدخل عليها القارئ والقارئة التعديل ~~والتصويب؛ لكي تستطيع الثقافة أن ينقل وعيها من داخله لخطوة تالية، ~~بهضم القديم وما تم فيه، فنصعد على أكتاف القدماء وعلى جهودهم، فنرى ~~أبعد مما رأوا. # يا مسهل # جمال عمر # 20 يونيو 2021 ms001 # بارك سلوب ، بروكلين # امتحت رحيق هذه القصة من خلال تسجيلات صوتية لنصر حامد أبو زيد، ~~يتحدث فيها عن حياته، أجريت هذه التسجيلات عبر حوارات ولقاءات تم ~~توثيقها في نهاية الكتاب. # | لا # 1 # جاءت رسائل الدعم من كل مكان في العالم العربي، واتصل بي معهد ~~الدراسات المتقدمة ببرلين في ألمانيا يعلمني برغبته في تقديم ~~موعد المنحة المقررة لي في أكتوبر العام القادم لتكون هذا ~~العام؛ وجامعة بون عبر رئيس قسم الاستشراق فيها، والذي قال: «يا ~~نصر هات «ابتهال» وتعال.» بل إن الأستاذ «فريد ليمهاوس»، الذي كان ~~مفترضا أن نذهب إلى حفل وداعه مغادرا مصر، اتصل بي وقال: ~~انتظرني سآتي أنا إلى بيتك في السادس من أكتوبر، وعرض علي أن ~~أذهب إلى جامعة «لايدن» بهولندا، التي تمثل حلما لكل دارس في ~~الإسلاميات. وصديقي الشاعر زين العابدين فؤاد هو الآخر يسعى ~~باتصالاته مع بعض طلابه ومعارفه في الخارجية الهولندية لنفس الهدف. ~~ووسائل الإعلام الغربية تتناول ما حدث، وغاب الإعلام الحكومي ~~المصري عن الساحة. طالبت وزير الإعلام أن أشرح في التليفزيون أو ~~الإذاعة وجهة نظري؛ فليس لي منبر مسجد، كما يفعل الآخرون، أخطب ~~عليه، بل اقترحت أن تعقد ندوة تليفزيونية تضم د. محمد عمارة ~~ود. سليم العوا من جهة، ود. محمود علي مكي ود. مصطفى الصاوي ~~الجويني من جهة أخرى؛ فليس من المعقول أن يظل الإعلام المصري هو ~~الوحيد «الأطرش في الزفة». التقارير الصحفية الغربية تجاهلت دور ~~المصريين العاديين المتضامن معنا، وكذلك منظمات المجتمع ~~المدنية المدافعة عن الحريات، والتي تقاوم الإسلاميين الذين ~~يريدون أن يحكموا المجتمع والقضاء. # آلمني أن أحد الأساتذة وبعد الحكم - وفي أول اجتماع لقسم ~~اللغة العربية الذي أنتمي إليه - قدم طلبا لفصلي من القسم بسبب ~~الضغوط التي تمارس على الجامعة؛ وحتى طالب الدكتوراه السوري، ~~الذي قد انتهى منها تحت إشرافي، واعتذر عضو من لجنة مناقشة ~~الرسالة؛ أستاذ في السبعين من عمره، من جامعة عين شمس، وقال إنه ~~خائف على حياته؛ فلم تناقش الرسالة. # بدأت عملية تصحيح أوراق الامتحانات، وفي هذه الظروف ms002 الصعبة كانت ~~رسائل الطلاب المتضمنة دعما - في ورقات الإجابة - بل حتى ~~الإسلاميون منهم. والعجيب أن الكثير منهم اتفق على الاستشهاد ~~بأبيات من قصيدة للشاعر أمل دنقل لم أدرسها لهم، «كلمات ~~سبارتكوس الأخيرة»، تقول: # المجد للشيطان ... معبود الرياح، # من قال لا في وجه من قالوا نعم، # من علم الإنسان تمزيق العدم، # من قال لا فلم يمت، # وظل روحا أبدية الألم. # معلق أنا على مشانق الصباح، # وجبهتي - بالموت - محنية؛ # لأنني لم أحنها حية. # اتصل بي الكاتب والروائي السوري نبيل سليمان ~~وقال: «يا نصر، تليفونك مشغول طول الوقت يا خيي، لكن بدي أقول ~~إنك عملت الشويتين دول من شان (علشان) تتخلص من «ابتهال»، واخترعت ~~حكاية القضية، لكن يا خوي هذي «ابتهال» قالت إنها متمسكة بك، خلاص. ~~وكلنا بدنا نعمل مثلك، لكنك فشلت.» ورسومات الكاريكاتير، في ~~الصحف: واحد جالس ينظر إلى زوجته ويقول لنفسه: «أنا عايز أعرف ابن ~~أبو زيد ده عملها ازاي!» وأتتني د. منى ذو الفقار وزوجها الأستاذ ~~علي الشلقاني يطلبان توكيلا قانونيا بتكوين لجنة دفاع أمام ~~محكمة النقض؛ دفاع عن المجتمع والسلام الاجتماعي وتهديد القيم ~~المصرية. # والغريب أن المحاكم المصرية تمتلئ بقضايا الطلاق التي تستمر ~~سنوات ولا يفصل فيها، «والتي فيها من الإجحاف ما فيها لحقوق ~~السيدة المصرية، إلا أن «ابتهال» هي المرأة الوحيدة التي لم تطلب ~~الطلاق وتطلق رغما عنها»؛ فأرسلت كلمة إلى الندوة العربية ~~التحضيرية للمؤتمر العالمي للأمم المتحدة حول المرأة، التي عقدت ~~في تونس في الخامس والعشرين من يونيو، تحدثت فيها عن هتك ~~عرضها من قبل من رفعوا القضية، وقالت: «زاعمين أنهم قاموا بذلك ~~من أجل مصلحتي ولحمايتي. هل نسوا أني كائن عاقل بالغ كامل ~~الأهلية، وصلت إلى سن الرشد منذ زمن، وأستاذة جامعية أساهم في ~~بناء وتنشئة جيل المستقبل؛ أم إن المرأة ستظل في نظرهم مجرد ~~حيوان من فصيلة الثدييات، مجردا من أي وعي أو عقل أو إدراك، ~~يقتصر دوره فقط على إشباع الرغبات والإنجاب؟» # دخل فرد الأمن الذي يلازمنا إلى شقتنا المليئة بالضيوف ~~يخبرني أن «أتوبيس» ms003 بالخارج. سألته: «أتوبيس ؟ أتوبيس إيه؟» قال ~~والقلق على وجهه: «أتوبيس طلبة، بيقولوا إنهم من تلاميذك وعايزين ~~يسلموا عليك.» قلت: «يسلموا علي؟! الشقة ليس بها ثقب، سأخرج لهم ~~بالخارج.» قال في حدة: «لكن يا دكتور ليكون حد فيهم مخبي حاجة ~~يطعنك بها.» قلت بحسم: «الطلبة؟ لا، هؤلاء ولادي.» خرجت إلى ~~الشارع، وكان «أتوبيس» رقيق الحال، جمعوا نفقاته بأنفسهم ~~ليعبروا عن مساندتهم. أخبرتهم أن شقتي صغيرة، وليس هناك ~~مكان للترحيب بهم، وأنا شاكر وممتن لهم. تفهموا الوضع، ~~ونزلوا من «الأتوبيس»، وسلمت عليهم فردا فردا. وكان ذلك ~~يعطيني الأمل في مواصلة الدفاع عن قيم الحق والعدل والحرية. «جاءت ~~الأخبار يوم السابع والعشرين من يونيو؛ أسبوعان بعد الحكم، ومحاولة ~~اغتيال رئيس الدولة ذاته، في زيارته لأديس أبابا بأثيوبيا. أخبار ~~زادت الاحتقان بالداخل، وتكشف عن المدى الذي وصلت إليه الأمور ~~بمصر» في المواجهة بين سلطة الدولة بأجهزتها القمعية وجماعات ~~العنف الديني المسلحة. # أصبحت حياتي اليومية «مسخرة»، «لست سوى سجين يقف على بابه جنود ~~الشرطة يسألون عن زواره، وأستأذنهم قبل أن أغادر بيتي. لا ~~أستطيع الذهاب إلى أحد أو السهر عند صديق بدونهم؛ فالحكومة تحميني، ~~وتفتح المساجد لمن يطالبون بدمي.» فهل تنتهي القضية بالجنازة ~~الشعبية وبيانات الشجب والإدانة وظهور صورتي في التليفزيون؟ # حاول الأمن أن يثنيني عن مناقشة رسالة جامعية لأحد تلامذتي ~~كنت مشرفا عليها بجامعة القاهرة؛ للدواعي الأمنية، لكني رفضت. ~~ركبت سيارتي ومعي رجال الأمن، وسيارة أخرى تتبعنا. وصلت إلى ~~الجامعة، ففوجئت أن الحرس موجود في كل مكان، وعلمت أن الأمن ~~قد أفرغ الجامعة منذ الثانية ظهرا. «لو أمي كانت عايشة كانت ~~فرحت بما يحدث.» وجدت لواء شرطة وعمداء يحيونني أنا ابن ~~الفقراء الذين يرهبون الغفير. وقد وضعت الشرطة أجهزة أشعة كشف ~~الأسلحة ليمر عليها كل من سيحضر المناقشة، وطلبوا من الطالبة ~~«أسماء» من سيحضر من أهلها للتحري عنهم، «وخصصت للمناقشة ~~حجرة صغيرة» من أجل إحكام تأمينها. # من هذه التجربة أدركت الضغوط والعبء على الجامعة، وعلى طلبتي ~~الذين سيكون الأمن حاجزا بيني وبينهم. هذا ونحن ms004 في الإجازة ~~الصيفية ، فماذا سيكون الوضع عند عودة الدراسة؟ «وإذا اتخذت ~~الجامعة قرارا بإبعادي عن التدريس لصعوبته الشديدة وسط هذا ~~الحصار، وإذا صممت على التدريس فسيمثل هذا ضغطا شديدا على ~~الجامعة»، التي تتعرض لضغوط شديدة من جانب المتطرفين لفصلي، ~~بعد صدور الحكم. شعرت أن حلم الجامعة الذي عشت وكافحت من ~~أجله يتسرب، وأن جزءا كبيرا من فعاليتي ونشاطي بالتدريس في ~~الجامعة قد تم استئصاله. «أنا عمليا محبوس مسجون.» كيف يمكن لي ~~أن أعيش؟ ليكن ما أشعر به مسألة عاطفية أو نوعا من الرومانسية، ~~«لكني لا أستطيع أن أتحمل دخولي الجامعة على هذا النحو من الحصار ~~وإبعاد الطلبة عني بهذه الطريقة.» # في طريق عودتنا بالسيارة من المناقشة، طلبت من «ابتهال» أن نبتعد ~~عن هذا الوضع. فلنأخذ إجازة؛ فنحن تقريبا لا ننام، وهي عندها ~~منحة في إسبانيا في شهري سبتمبر وأكتوبر، فنقضي شهر أغسطس هناك، ~~ونفكر في الخطوة التالية. طلبت إجازة من الجامعة، وأعلنا ~~أننا ذاهبان إلى الساحل الشمالي، ولم يعرف أحد بسفرنا غير والدتها ~~وأخيها والأمن. أخذنا الطائرة المتجهة إلى مدريد، في الحادية ~~عشرة والنصف مساء الرابع والعشرين من يوليو. يعتصرني سؤال داخلي: ~~لماذا حدث ذلك؟ كنت غاضبا جدا، ليس من شخص معين «بل من ~~مصر»، غاضبا من الوطن. لقد عشت حلم الوطن وحلم الجامعة؛ فقد ~~بلغت الثانية والخمسين ولم أملك شيئا. أتخيل أن دوري هو أن ~~أعلم الطلبة كيف يفكرون، ولقد أخلصت في عملي، كفني لاسلكي، ~~أو كأستاذ في الجامعة. وسافرت إلى كل مكان في العالم؛ كي أتعلم ~~وأفيد وطني بهذا العلم كرجل من غمار الموالي. شعرت بشعور النبي ~~محمد، في الطائف، حين قال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة ~~حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، ورب المستضعفين، ~~وأنت ربي، إلى من تكلني؛ إلى قريب يتجهمني، أو إلى عدو ~~ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك ~~هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر ~~الدنيا والآخرة، أن ms005 ينزل بي غضبك ، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ~~ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.» أيقظت «ابتهال» وقلت لها: «لو ~~حدث ومت في أي مكان في العالم فادفنيني مكان ما أموت.» وكعادتها ~~تحاول أن تخفف عني، فقالت: «طيب خلاص.» # وعادت بي ذاكرتي إلى مشواري الطويل؛ منذ أن اشتد عزم الحرب ~~العالمية الثانية وأنا أخرج للوجود في العاشر من شهر يوليو سنة ~~ثلاث وأربعين، بقرية قحافة التي تبعد عشر دقائق مشيا عن مدينة ~~طنطا؛ مركز الصوفي الكبير السيد «أحمد البدوي»، وهي عاصمة مديرية ~~الغربية، على ضفاف فرع النيل. لم تصل الكهرباء ولا الماء النقي ~~إلى قريتنا بعد، نسير في شوارعها مستخدمين مصابيح الجاز ~~والكيروسين؛ شوارع لا تصل بك إلى طريق مسدود، دائما مفتوحة ~~الاتجاهين. بيوت من الطوب اللبن إلا القليل كبيت العمدة. ~~الملكيات الزراعية صغيرة لم تكن بها إقطاعيات كبيرة. بيتنا له ~~بابان، تدخل من أحدهما فتمر على الغرفة البحرية، وقاعة الفرن ~~الشتوية، بمصطبتها، فوق الفرن مفروش حصير، ورزونة السقف التي ~~تفتح وتغلق للتحكم في دفئها بالشتاء، حين ننام جميعا بها، ~~ومبني في الحائط «كتبية» ذات رفوف لحفظ الوثائق المهمة وحفظ ~~المصحف الشريف. # أبي «حامد رزق أبو زيد»، في التاسعة والعشرين من العمر، قصير ~~القامة بدين الجسم، يعرف القراءة والكتابة، ينادى عليه بالشيخ ~~حامد. بدأ حياته مزارعا، لكنه أيقن أن المساحة الصغيرة التي ~~يزرعها لا تكفي لإعاشة أسرته، فباع القراريط الصغيرة وفتح دكان ~~البقالة الثانية بالقرية عند ناصية تقابل الشارعين ~~الرئيسيين. حالته الصحية متعبة. أمي «نعيمة بنت الشيخ محمد ~~لبدة»، مقرئ القرآن المشهور في قحافة وأجوارها، لأسرتها مكانة ~~واحترام حاملي كتاب الله، في الحادية والعشرين من العمر، جميلة، ~~تتميز بين أخواتها بنعومة بشرتها، كانت المفضلة عند أبيها، لا ~~تبرح البيت، حتى إنها حينما انتقلت إلى بيت زوجها كانت تحتاج ~~مساعدة لكي تعرف الطريق إلى بيت أبيها في القرية. # تأخرت أسرتي في تسجيل ميلادي، على ما أظن مثل الكثير من ~~مواليد ذاك الزمان؛ خوفا من موت المولود. كان الجدل دائما ms006 بين ~~أصحاب أبي الذين يتجمعون حول الدكان عن نتائج الحرب، ورغبة الكثير ~~في انتصار جيوش «المحور»، بقيادة زعيم الألمان الذي دخل في ~~الإسلام «محمد هتلر»؛ للتخلص من احتلال الإنجليز. # أنا الثالث بين الأبناء بعد أخي الذي مات طفلا، وبعد أختي ~~«بدرية» التي تكبرني بثلاث سنوات. مع انتهاء الحرب العالمية ~~الثانية، ولد أخي «محمد». حفظت بعض قصار السور، وتعلمت ~~الصلاة في البيت وأنا في الخامسة. أرسلني أبي إلى كتاب الشيخ ~~«المنيسي» في بيته. بجوار غرفته توجد غرفة العريف التي بدأت ~~فيها تعلم القراءة والكتابة والحساب. نذهب إلى الكتاب من طلوع ~~الشمس حتى المساء. أمسك بلوح الإردواز وأكتب عليه بالطباشير. لم ~~أكن أشارك الأطفال في ألعابهم التي تتطلب الجري لبدانة جسمي، ~~فكنت أجتهد في التعلم الذي أظهرت كفاءة فيه على الأطفال. كنت ~~أتألم كثيرا من دفع والدي لي أن أتسلق مثل الأولاد أو أجري ~~مثلهم. # أتشوق إلى اليوم الذي أنتقل فيه من غرفة العريف إلى غرفة ~~الشيخ، للبدء في حفظ القرآن. وبسرعة انتقلت وحملت اللوح ~~المعدني، وأمسكت بالفرشاة البوص ودواة الحبر. بدأنا بتعلم جزء ~~«عم»، نتعلم كتابة الآيات على اللوح ويقرؤها علينا الشيخ عدة ~~مرات، ونذهب لحفظها حتى يأتي وقت التسميع. ينظر إلينا الشيخ ~~«المنيسي» فلا يشاهدنا، ولكنه يرانا جيدا، وضعني أمام كرسيه بين ~~رجليه المدكوكتين، وبيده عصاه التي قدت من الجنة؛ فأنت تقرأ ~~على الشيخ «المنيسي»، وحينما تخطئ تأتيك لسعة - كلسعة دبور من ~~عصاه - خفيفة على رأسك؛ فعليك أن تعيد الآية. ولو أخطأت تأتيك ~~لسعة أخرى، فتعيد ثانية، فيصحح لك الخطأ. حينما أعود إلى ~~أمي أشكو أحيانا، فتقول لي: «عصاة الفقي من الجنة.» # كنت دائم التواجد في دكان أبي لأساعده، خاصة مع ازدياد المرض ~~عليه، وكأنني انتقلت إلى عالم الكبار الذين يتجمعون حول أبي أمام ~~الدكان، فيطلبون مني قراءة الجريدة، وأستمع إلى قصصهم، وحكايات أبي ~~التي كان بارعا في قصها علينا بالبيت. «ومع اشتداد المرض ووجوده ~~لفترات طويلة في البيت، نشأت مشاكل دائمة مع أمي بسبب تواجد ~~زبائنها بالبيت؛ إذ بدأت ms007 تعمل خياطة.» استطعت إتمام حفظ القرآن ~~في الثامنة، وأختي كريمة لم تكمل عامها الأول؛ فكان الاحتفال ~~بمسجد القرية الكبير. ارتدى الشيخ «المنيسي» أجمل ثيابه، وفي حضور ~~الناس وأمام أبي بدأ يمتحنني، فيذكر الآية وأكمل بعده. كنت ~~سعيدا سعادة غامرة. وعلى الرغم من قلقي إلا أنني اجتزت ~~الامتحان، وقبلت يد شيخي. ولأن أبي لم يكن من مزارعي القرية، ~~فقد كانت هديته للشيخ «المنيسي» جبة وقفطانا وعمة ~~ومبلغا من المال. وأصبحت أمام الجميع الشيخ «نصر». كانت أمي في ~~غامر السعادة وهي توزع الشربات على الجيران، تساعدها أختي ~~«بدرية»، وأخي محمد معها في كل أرجاء البيت. وحلم أبي أن أذهب ~~إلى الأزهر، ودعوات أمي أن أكون مثل الشيخ «محمد عبده»، المفتي ~~الشهير الذي درس في المعهد الأحمدي بطنطا. أصبحت أؤذن للصلاة ~~بالمسجد حتى إن بعض المصلين قدموني للإمامة. # في نفس عام واحد وخمسين، افتتحت أول مدرسة حكومية بالقرية، ~~وكان أبي في حيرة بين حلمه في استكمالي التعليم الأزهري واشتداد ~~المرض عليه، حتى أتى صديقه العامل بمصلحة السكة الحديد وقال له: ~~«يا شيخ حامد، الأزهر حباله طويلة، سكن في مصر ومصاريف، و«سنين»، ~~الأزهريون يتزوجون وينجبون وما زالوا طلبة، إحنا نقدم للأولاد في ~~التعليم الحكومي.» وكان لاشتداد المرض على أبي عامل مهم في ~~قراره. والمدرسة تأخذ الأطفال من سن السادسة، فدخلها أخي محمد ولم ~~يذهب إلى الكتاب. وأنا في الثامنة؛ فلا يحق لي دخولها، ويجب أن ~~أدخل مدرسة خاصة بمصاريف لاستكمال تعليمي. # 2 # كان تفكير أبي أن يقدم شهادة فقر للتخفيف من مصاريف المدرسة. ~~وبالفعل ذهبنا إلى مدرسة العبيدية الابتدائية بطنطا، وصاحبها ~~وناظرها الأستاذ أسعد القبطي، بشاربه المفتول وطربوشه المحبوك. ~~أجرى لي اختبارا؛ فلما وجد مستواي في القراءة والكتابة ~~جيدين، قرر إعفائي من نصف المصاريف، وألحقني تلميذا بالسنة ~~الثانية. يدرس فيها ولداه، والأستاذ سامي مدرس العلوم الاجتماعية، ~~والأستاذ أنيس، والأستاذ جرجس يدرس الحساب. ويدرس اللغة العربية ~~والدين الشيخ عيسى. أبناء المدينة ملابسهم «شيك» نظيفة، بشرتهم ~~ناعمة بيضاء. # أقبل علينا رمضان، وأردت أن أبدأ الصيام، وأسرتي ms008 لا توقظني ~~للسحور ، فظللت مستيقظا طوال الليل حتى السحور، وكان السحور ~~كبدة، ونمت. استيقظت متأخرا على موعد المدرسة، وكان بابها ~~مغلقا. طرقت الباب فإذا بحضرة الناظر بنظرته المرعبة ~~يستقبلني قائلا: «ناموسيتك كحلي، وكمان بتخبط على ~~الباب؟!» # كنت في حالة ارتباك، غمغمت ببعض الكلمات؛ من ضمنها رمضان ~~والصيام، فنظر لي وقال: «وعلى كدا انت صايم؟» أجبته «نعم» بكل قوة ~~وعزم. فقال: «طيب أرني لسانك، طيب ادخل، ولا تتأخر مرة ~~أخرى.» # كنت في أشبال الإخوان بشعبة قريتنا. الأخ «إبراهيم رجب»، ناظر ~~مدرسة قحافة، هو مسئول الشعبة، أخبرنا أن شعبتنا ستشارك في حفل ~~استقبال المرشد العام للجماعة بنادي مركز شباب طنطا، وعلينا أن ~~نستعد، وسوف يكون هناك طابوران من الأشبال وطابوران من شباب ~~الجوالة. كنت سعيدا بهذه المشاركة. ويوم العرض اختاروني أن أكون ~~في المقدمة لصوتي الجهوري. وبينما نحن نمر أمام الأستاذ ~~المرشد، حملني أحدهم ووضعني أمام منضدة فضيلته، وقد طبطب على كتفي ~~ودعا لي بالهداية، وأعطاني بوصلة تحدد اتجاه قبلة الصلاة. شعرت ~~بفرحة كبيرة من تقدير المرشد. وافتخارا ببوصلة فضيلته طلبت من ~~الأخ «إبراهيم رجب» أن أرقى من الأشبال إلى الجوالة، فضحك ~~وقال: «لكنك صغير.» وتحت إلحاحي فتح دفتر العضوية وقال: «أي الأسر ~~تريد أن تنضم لها؟» فقلت: «أسرة عمر بن الخطاب.» وكان أبي يدفع ~~اشتراكا شهريا بسيطا لنشاط الشعبة على الرغم من ميوله الوفدية. ~~انضم إلى أسرتنا مولود جديد أسماه أبي «أسامة». # أصبحت قريبا من الأستاذ عيسى مدرس اللغة العربية الذي طلب ~~منا في حصة التعبير أن نكتب رسالة نوجهها لملك الأردن «حسين» ~~نحثه على الوحدة العربية. ووقفت أمام الفصل بصوتي الجهوري ~~أقرؤها. وبعد انتهائي نظر لي الأستاذ عيسى وقال: «لم تخطئ في ~~النحو ولا قواعد اللغة ورسالتك حماسية، لكن هل تعرف النمرة التي ~~تستحقها رسالتك؟» صمت قليلا وأنا أنظر إليه بلهفة وقال: «صفر. ~~تعرف ليه؟ لا ترسل رسالة لواحد تشتمه فيها.» أدركت من كلام ~~الأستاذ عيسى أنني كتبت ما هو شائع ويردده البعض، ولم أكتب ما ~~بداخلي، كنت مدفوعا بما ms009 هو حولي عن مواقف الملك «حسين»، وكان ~~درسا مهما لي بعد ذلك أن أستخدم اللغة ولا أجعلها تستخدمني. ~~وخرجنا معا إلى مصلى مدرسة العبيدية لأداء صلاة الظهر. # قبض علي وعلى أبي؛ لأن أسماءنا كانت في كشوف جماعة الإخوان. ~~ونظر الضابط إلى أبي ولي وقال: «من منكم العضو؛ أنت ولا هو؟» قال ~~أبي: «لا أنا ولا هو، الأطفال يذهبون إلى الجماعة السنية هذه؛ ~~فهي أفضل من وجودهم بالشارع، وكنت أدفع اشتراكا بسيطا كل شهر لكي ~~أساعدهم.» فأفرجوا عني وعن أبي بعد ذلك، لكن ما حدث مع الأخ ~~«إبراهيم رجب» مسئول الشعبة كان كثيرا، ولا أتخيل أبدا أن هذا ~~الرجل كان متآمرا على حياة عبد الناصر الذي ملأ العيون والقلوب ~~بحيويته وزعامته. شعرت أن ما يحدث للأخ «إبراهيم» ظلم. # قررت حكومة الثورة تعديل نظام التعليم من ابتدائي وثانوي فقط ~~إلى ابتدائي وإعدادي وثانوي، فانتقلت إلى مدرسة التوفيقية ~~الحكومية في السنة الأولى الإعدادية، وناظرها الأستاذ «عبد العزيز» ~~من الأزهريين، أنيق الملبس، مثقف في الأدب. انضممت إلى جماعة ~~الخطابة بالمدرسة. وفي مسابقة القراءة الصيفية بدأت أقرأ كتبا غير ~~الكتب المدرسية المقررة؛ رواية إسبانية بعنوان «دون كيشوت»، ~~و«الجريمة والعقاب» وهي تأليف «دوستويفسكي»، وكتب الإنجازات ~~العلمية. وبدأت التعرف على الأدب العربي تحت رعاية الأستاذ «عبد ~~العزيز»؛ الرواية وشعر «البارودي» وأمير الشعراء «أحمد شوقي» وشعر ~~«المتنبي». وفي المسابقة فزت بالمركز الأول. وكانت الجائزة ~~مزيدا من الكتب حتى أصبح لي رفوف في كتبية البيت أضع عليها كتبي. ~~وكان أبي غير سعيد بكثرة الروايات في فترة من الحماسة ازدادت ~~سخونتها مع العدوان الثلاثي الغادر على بلدنا وأنا في السنة ~~الثالثة الإعدادية. # 3 # أختي الكبرى «بدرية» ذبلت نضارتها وحيويتها وحبها للتعلم، بعد ~~رفض أبي أن تستكمل تعليمها؛ فمنذ أن تزوجت وهي في السادسة عشرة ~~وحياتها جحيم؛ تعيش مع أسرة زوجها وحماتها المتسلطة، وكلما ~~اشتكت لأبي يقلل من حجم الموضوع. فأتاه أحد الجيران يلومه على ~~ترك ابنته هكذا، فمال إلى فكرة الطلاق، وتحدث مباشرة مع زوجها ~~وأخبره بتنازله عن كل حقوقها ms010 مقابل أن يطلقها ، فتم الطلاق. ~~واكتشف أنها حامل، فكان في شدة الغضب؛ فلم يكن هناك حكيم مسلم ~~يمكن أن يجري عملية إجهاض، فذهب بها إلى أحد الحكماء الأقباط ~~الذي كتب لها دواء تأخذه، لكن الحمل استمر وأنجبت مولودا ~~ذكرا. ذهب أبي إلى الطبيب القبطي يلومه، والذي نظر إلى أبي وقال: ~~«حامد، أنت فاكر علشان أنا قبطي أقتل مخلوق، مش من حقك ولا حق أي ~~إنسان يقتل طفل خلقه الله، أنا كتبت لها فيتامينات.» ولم ينطق أبي ~~بكلمة. # اشتد المرض عليه فأصبح يمكث بالبيت كثيرا، وأصبح ساعده ~~الأيمن في المحل، وكانت رفوف المحل بدأت تخلو من البضاعة مع اشتداد ~~المرض. تقدم ابن عمي «السيد أبو زيد» طالبا يد «بدرية» للزواج. ~~اعتبره أبي نوعا من الشفقة، فرفض في البداية، لكن كانت هناك مشاعر ~~حب بين «بدرية» «والسيد»، فوافق. وفي كل هذا لم يسأل أحد «بدرية» ~~ماذا تريد هي، سواء في الزواج أو الإجهاض أو التعليم. # ظهرت نتيجة المدرسة الإعدادية، فدخلت على أبي، وسألني: «إيه ~~النتيجة؟» قلت: «نجحت بمجموع كبير يدخلني الثانوية العامة.» نظر ~~لي وقال: «جهز أوراقك لمدرسة الصنايع.» قلت بصوت خافت دون أن ~~أنظر إليه: «أريد أن أدخل الثانوي العام.» قال بحدة: «لم يسألك أحد ~~عن رأيك، يا مدرسة الصنايع أو تقف في الدكان.» لم أعرف ماذا أفعل، ~~فذهبت إلى عمي الكبير، الساكن في مدينة كفر الزيات، بشقته الجميلة ~~وبناته اللائي طالما زرننا ببيتنا في زي أميرات، كان ناظرا، ~~أخبرته فعاد معي إلى القرية. وكان أبي في شدة الغضب، فقال عمي: ~~«مدرسة صنايع إيه يا حامد، الولد مجموعه كبير وله مستقبل في ~~الجامعة.» قال أبي بغضب بعد أن حاول الاتزان بصعوبة في جلسته: «لو ~~أنا مت هتصرف عليه؟ وإن صرفت عليه ودخل الجامعة، هتصرف على ~~أخواته؟» فلم يرد بكلمة. شعرت أني وضعت عمي في موقف صعب. # ولدت أختي «آيات»، وبدأ العام الدراسي. دخلت مدرسة الصنائع ~~لدراسة اللاسلكي، كنت صغيرا بين طلابها، يتبارون في الإجرام ~~والتمرد، فحاولت بقدر الإمكان أن أتكيف مع ms011 الأمر. قال لي أبي وهو ~~في شدة المرض: «إذا مت وكان عندك امتحان اذهب للامتحان.» لم يمر ~~شهر على ميلاد أختي «آيات»، وبداية دراستي في مدرسة الصنائع، وأنا ~~في الرابعة عشرة مات أبي وهو في الثالثة والأربعين، في الرابع ~~والعشرين من شهر أكتوبر. أسرة من ستة أطفال، وأم في الخامسة ~~والثلاثين من عمرها ونضارتها، على الرغم من حالات الإنجاب السبع ~~التي مرت بها. سرت وراء جثة أبي ولم تخرج مني دمعة، الناس ~~يحيطون بي ويحثونني على البكاء، لكني لم أبك، ولم تخرج نساء ~~تنوح وراء جثمانه كما أوصانا. # وضعت يدي في يد أمي، وبمساعدة زوج أختي وابن عمي «السيد أبو ~~زيد»، والذي قام بدور الأب الحامي لنا؛ عرفانا بالجميل الذي أسداه ~~أبي له ولأسرته من قبل، فكنت بين الدراسة والمحل. أمي تغيرت ~~حياتها تماما، وأصبحت الخياطة حرفة تتكسب منها، فتتحرك وتخرج ~~في القرية وحدها. العيون تنهبها لشبابها وجمالها، لكنها نذرت ~~نفسها لأبنائها الستة. أصبحت أقلد أبي، أفعل كما كان يفعل ~~بالبيت، ومرة كنت أتحدث إليها، وعلا صوتي وقذفت بالمقص ~~نحوها، فنظرت إلي دون أن تتكلم، وذهبت تجمع حاجاتي في منديل ~~محلاوي، وألقت بها وبي في الشارع، وأغلقت الباب. أعرف أنها ستفتحه ~~بعد قليل وتبكي ساعات، والناس تمر بي وتستفسر حتى اقترب مني ~~الليل، وتجمع الجيران وأبناء القرية، وطرق بعض أفاضلهم الباب ~~وأنا على مقربة أسمع: يا ست أم نصر، يا ست أم نصر. فقالت: «خير ~~اللهم اجعله خير.» # تتحدث في برود وتؤدة. قال الرجل الفاضل: «إيه اللي حصل؟! هو نصر ~~واقف برا ليه كدا والليل قرب؟!» قالت بنفس الهدوء: «مالوش ~~لازمة عندي، لو عاجبك وعايزه خذه، لساه عيل بأكله ورماني بالمقص، ~~هيعمل إيه بعد سنتين تلاتة؟ وعلى العموم عشان خاطرك وخاطر مجيئك، ~~يدخل البيت على شرط واحد.» وذهبت وأحضرت الكرسي الوحيد بالبيت ~~وجلست عليه كملكة ووضعت قدمها، وقالت: «يبوس رجلي أمامكم جميعا.» ~~ولم يكن مني إلا أن ركعت على الركبتين وقبلت قدميها. # 4 # أتانا ناظر شديد لمدرسة الصنائع، قرر أن ms012 يوقف الفوضى، ضرب بيد ~~من حديد على التسيب في المدرسة. كانت غرفة الطعام تخضع لقانون ~~الغاب، الطلبة الأكبر سنا والأقوى يدخلون أولا ويأكلون الأكل ~~كله وباقي الطلبة لا يأخذون شيئا، فجعل لكل طالب رقما وكوبونا، ~~كما أنه حسن في الوجبة. وفي يوم من الأيام قفز بعض الطلبة من فوق ~~سور المدرسة إلى مدرسة الثانوية العامة خلفنا للهروب منها إلى ~~الشارع، كالعادة، وأمسك بهم ناظرها، واتصل به، فقال لناظر مدرسة ~~الثانوي العام: أنت أمسكت بمجرمين قفزوا عبر سور مدرستك، بلغ ~~البوليس. # أتممت الدراسة وحصلت على دبلوم الصنايع قسم لا سلكي، وجاءني ~~التكليف للعمل بوزارة المواصلات السلكية واللاسلكية، وسيكون لي ~~راتب أساعد به في مصاريف البيت ورفع الحمل الكبير عن أمي التي ~~تفني شبابها على ماكينة الخياطة. وزارة المواصلات أدركت أني لم ~~أبلغ الثامنة عشرة بعد، وأمامي تسعة أشهر، فأخبروني أن أعود بعد ~~تسعة أشهر لاستلام العمل؛ فليس هناك درجة وظيفية في الحكومة قبل ~~بلوغ السن. عدت إلى القرية أجرجر الأمل ورائي، لكني وجدت فرصة ~~للعمل بالمصانع الحربية، وتقدمت إلى الاختبار فيها، وبالفعل بدأت ~~العمل بها براتب مناسب. وما إن علمت وزارة المواصلات بذلك حتى ~~أرسلت للمصانع الحربية تخبرها أن عندي تكليفا ويجب ألا أعين. ~~وكأنه يجب علي أن أظل عاطلا حتى يرضوا. وصلت إلى القاهرة، وفي ~~ميدان رمسيس، ظانا أني سأجد شارع رمسيس بسهولة، فلم أعرف في أي ~~اتجاه أسير لأصل إلى الهيئة المصرية العامة لتعمير الصحاري؛ أسأل ~~عن وظيفة هناك وأعود إلى قحافة في نفس اليوم. لم أجد أمامي إلا ~~فتى صغيرا، سألته عن شارع رمسيس، اقترب مني وأمسك بيدي يدلني، ~~وأدركت أن فتى آخر قد تبعني، فتشاجرا، وشعرت بفقد ربع الجنيه الذي ~~أحمله في جيبي، فجريت وراءهما حتى ألقوا بربع الجنيه على الأرض ~~وفرا هاربين. لم أثق في أي أحد، حتى وجدت عسكريا في الميدان ~~وسألته عن الشارع. # كتبت شكاوى للوزارة وللسيد الوزير أطلب أن يرحموني أو يتركوا ~~رحمة ربنا تنزل، حتى صدر قرار السيد الوزير بأن أعين بيومية ms013 ~~مؤقتة، أربعة وعشرين قرشا ، حتى أبلغ الثامنة عشرة وأحصل على ~~الدرجة الوظيفية في ميزانية الوزارة. فتعلمت ألا أسكت وإلا ضاع ~~حقي. في فبراير «واحد وستين» تم تعييني وتدريبي في القاهرة، فذهبت ~~للسكن مع بعض أبناء قحافة السابقين الساكنين أمام قسم بوليس ~~العباسية، بالقرب من «باب الشعرية». كانوا أكبر مني سنا، ~~أعطوني أحقر غرفة في المسكن، وبدأ استغلالهم لي؛ يكلفونني ~~بأشياء لأنني الأصغر. وعملي كان ليلا. وبدأت أدرك عالم القمار ~~والانحلال الأخلاقي الذي يعيشون فيه. كانوا يتجنبون إدخالي في ~~دائرتهم حتى لا أفسد على حسب رأيهم، وحتى لا تغضب منهم أسرتي. ~~كنت آخذ الترام أو التروللي باص للذهاب إلى العمل، في مبنى وزارة ~~الداخلية بوسط البلد. وقت فراغ كبير لقلة العمل بالليل، شعور فظيع ~~بالوحدة في هذه المدينة الكبيرة. أخرج قرب العمل إلى ميدان ~~التحرير بنافورته الجميلة وشاشات التليفزيون الجديد المنصوبة في ~~الميدان. # 5 # كان العمل في شرطة نجدة مدينة المحلة الكبرى بعد انتهاء فترة ~~التدريب في القاهرة براتب ستة جنيهات وأربعين قرشا؛ موظفا ~~تابعا لوزارة المواصلات، وانتدبت للعمل فني لا سلكي بوزارة ~~الداخلية. أعود في ساعات متأخرة من الليل؛ ثلاثين كيلومترا إلى ~~قحافة. ففكرت في انتقال الأسرة إلى المحلة حتى أستطيع أن أتابع ~~دراسة إخوتي. وكان الأمر صعبا على أمي، حيث زبائنها ومعارفها، ~~فانتقلت الأسرة وبقيت هي بالقرية حتى أقنعها أحد أقاربنا بحاجة ~~الأسرة إليها في المدينة، فانتقلت إلى السكن في المحلة. # تجدد حلمي، فتعرفت إلى المجموعة الأدبية بقصر ثقافة ~~المحلة، والذي انتقل إلى أحد قصور أعيان ما قبل الثورة؛ مجموعة من ~~المهتمين بالأدب والفكر، نلتقي مرة في الأسبوع؛ منا ذو ~~الميول الدينية الإخوانية مثل «زكريا التوابتي»، يكتب القصة ~~القصيرة، يسكن في شقة أمام سور شركة مصر للغزل والنسيج، وقد فاز ~~بجائزة نادي القصة القصيرة. شجع ذلك «سعيد الكفراوي»، ابن قرية ~~كفر حجازي الذي طالما ذهبنا إلى منزلهم العامر فيرعانا والده ~~بأطيب الطعام من خيرات أطيانه، دخل «سعيد» عالم القصة القصيرة. ~~و«محمد صالح» ابن قرية «منية شنتنا عياش» مهتم بالشعر، ms014 متمرد ~~على كل شيء ، أغتاظ من طريقة تعبيره وملامح وجهه وغمزات عينيه حين ~~يتكلم، حتى تعودت عليه. وأصغرنا سنا «جار النبي الحلو»، دخل ~~عالم القصة القصيرة ومن بعدها الرواية، وخله الوفي المنسي ~~قنديل. و«محمد فريد أبو سعدة» يكتب الشعر، في بداياته كان متأثرا ~~بشعر «أمل دنقل»، حتى وجد صوته الخاص. و«أحمد الحوتي» الشاعر، وهو ~~من أوائل من نشروا من مجموعتنا. أما أكبر مجموعتنا سنا فكان ~~«أحمد عسر». وحينما انضم إلى مجموعتنا «جابر عصفور» وهو طالب في ~~كلية الآداب، والذي كان شديد النقد، و«أحمد» يضيق بنقده، و«جابر» ~~لا يبالي؛ متأثرا بالأفكار اليسارية التي يتناولها في الجامعة ~~واهتمامه بعالم النقد الأدبي. و«الأزهري رمضان جميل» الخبير بكتب ~~التراث، وكاتب القصة القصيرة. وكانت قصته «موت عامل نسيج يدوي» ~~جذبت نظر محرر صفحة أدباء الأقاليم بجريدة الجمهورية ~~فنشرها. # كنت شديد التقرب من فكر الثورة وحلم العدالة الاجتماعية، من وجهة ~~نظر دينية، فكتبت مقالا وأنا في التاسعة عشرة، عن أدب العمال ~~والفلاحين، ناقشت فيه قضية هل أدب العمال والفلاحين هو ما يكتبه ~~العمال والفلاحون أنفسهم، أم هو الأدب المعبر عن مشاكل وأحاسيس ~~العمال والفلاحين حتى لو كتبه برجوازي. وأرسلت المقال في خطاب إلى ~~مجلة الأدب التي يصدرها الأستاذ «أمين الخولي»، والذي بدأت ~~أتابع كتاباته. وللمفاجأة وجدت المقال منشورا سنة اثنتين وستين، ~~وبدأت أهتم أكثر بموضوع أدبية القرآن في كتابات «سيد قطب» ~~وكتابات أخيه الأكبر «محمد قطب»، وقرأت رسالة «محمد أحمد خلف الله» ~~عن الفن القصصي في القرآن الكريم؛ فازددت انجذابا للنظرية الأدبية ~~في القرآن. # كنت ممزقا بين إيماني بدور ثورة يوليو وسعيها إلى العدل ~~الاجتماعي، وزعامة «جمال عبد الناصر» الذي تحول إلى رمز، وبين ~~إيماني بالدور الأساسي للإسلام الذي عايشته في القرية، وفي فهم ~~الإخوان المسلمين وحرصهم على قيمة العمل والجدية بعيدا عن ~~الدروشة. كنت ممتلئا بحلم الوطن الناهض بالكرامة والعدل ~~الاجتماعي، فأرسلت خطابا ل «جمال عبد الناصر»، ووصل إلي من ~~الرئاسة خطاب به صورة له. وجدت الحماسة في الأغنية الوطنية ~~والأغنية العاطفية الجديدة، مثل «صافيني ms015 مرة وجافيني مرة» ~~بواقعيتها، ولم تجذبني آهات من يتربعون على عرش الغناء في ذلك ~~الوقت. وجذبني شعر «صلاح جاهين»، وقصيدة العامية. وبدأت أكتب الشعر ~~أيضا حتى حصلت على جائزة الثقافة الجماهيرية في الشعر. وكتبت ~~مقالا آخر عن أزمة الأغنية المصرية أناقش الأغنية الوطنية ~~والأغنية الاشتراكية، ونشر الأستاذ «أمين الخولي» المقالة أيضا في ~~مجلة الأدب (مجلد تسعة، عدد سبعة، سنة أربع وستين). # في شرطة نجدة المحلة مشاكل كثيرة كانت تأتيني من كوني مدنيا ~~أناقش الأوامر، فحولت للتحقيق أكثر من مرة، لكني تعلمت ~~طرقا للمقاومة والحصول على الحق داخل هذه البيئة. كانت مجموعتنا ~~الأدبية غير مرحب بها، وعين الأمن تراقبنا. وذهبت إلى الضابط ~~المسئول وسألته: «إنتو بتراقبوني ليه؟» فقال: «هذا شغلنا.» ضقت ~~بتصرفات الدولة البوليسية وغياب الحريات والديمقراطية وحرية الفرد ~~وكرامة الإنسان التي تهان كل يوم أمامي في قسم الشرطة. وكان القبض ~~على «سيد قطب» في تنظيم القطبيين ومحاكمته ثم إعدامه بعد ذلك، ~~والقبض على زميلنا الرقيق كاتب القصة «زكريا التوابتي»، وحكم ~~عليه بالسجن خمسة عشر عاما. بدأت أدرك استخدام الدولة للدين ~~كوسيلة في فرض سلطانها. # شعرت بالرغبة في الخروج من حالة العسكرة ومن هذا العمل، ومواصلة ~~تعليمي العالي؛ فهذا «جابر عصفور» تخرج في كلية الآداب وأصبح ~~معيدا. والدراسة الجامعية أصبحت مجانية بعد قرارات حكومة ~~الثورة. أعلنت جامعة الأزهر تحت رئاسة د. «محمد البهي» عن افتتاح ~~كلية الدراسات العربية والإسلامية، ضمن مشروع تخريج دعاة، أنها ~~ستقبل جميع الحاصلين على الشهادات المتوسطة لا الثانوية العامة ~~فقط، ومن كل سنوات التخرج. وبالفعل أحضرت الكتب لكي أستعد ~~لامتحان القبول، وبدأت أتعرف على لغة كتب التراث، فقرأت حاشية ~~«الباجوري» على السلم في المنطق، والجوهرة في الفقه، وألفية ~~ابن مالك في النحو، وتفسير النسفي، وكتبا في علم الكلام. وقبل ~~موعد الامتحان بأسبوع، ونظرا لأن آلافا تقدموا، قررت إدارة ~~الكلية قصر القبول على دبلوم المعلمين في أي سنة، وبقية ~~شهادات خريجي هذا العام فقط. فلم أتمكن من دخول الكلية، فقررت ~~أن أذاكر للثانوية العامة «منازل» للدخول للجامعة . # 6 ms016 # بعد عدة أشهر من إعدام «سيد قطب» شنقا، وخلال أزمة إغلاق مضايق ~~«تيران» أمام الملاحة الإسرائيلية، كنت بأحد المقاهي أشاهد كلمة ~~ل «جمال عبد الناصر»، وصحت في وسط الناس: «هو عامل نفسه فريد ~~شوقي، دا مش كلام رئيس دولة.» وكاد الناس في المقهى أن يفتكوا بي. ~~وحدثت الهزيمة، وكنت متوقعها، وليس بأقل مما حدث، لكن ~~أصابتني حالة من الاكتئاب لضياع الحلم. أجلس على الرصيف أمام ~~النجدة حافي القدمين، رأسي يتدلى على صدري. ما إن رأيت «سعيد ~~الكفراوي» قادما في ذهوله حتى انفجرت باكيا، وجلسنا على قارعة ~~الطريق نبكي. أسبوعا ملقى على ظهري أنظر إلى سقف الغرفة بلا ~~نوم. وجاء خطاب «عبد الناصر» بالتنحي عن الحكم، وكنت راغبا أن ~~يتنحى، بل وأن يحاكم، لكن الشعب المصري تحركه العواطف، فخرج ~~الناس إلى الشوارع خروجا عفويا يطلبون من الزعيم، الرمز، الأب، ~~أن يتحمل المسئولية، يطلبون من زعيم مقتول أن يقود. كنت غاضبا ~~جدا من هذا التصرف. كانت فرصة كبيرة أن يتخلص الشعب المصري من ~~عقدة الأب، بل إنها كانت فرصة كبيرة ل «عبد الناصر» أن يحدث ~~تغييرا حقيقيا وجذريا، ولكنه لم يفعل. لم يتزعزع إيماني ~~بالثورة ومبادئها، ولكن يجب أن يحاسبوا، وأولهم «عبد الناصر» ~~الذي ظل داخلي رمزا جميلا على الرغم من غضبي. # أمي في حالة من الفزع الدائم؛ فقد عاد الكثير من الجنود ولم ~~يعد أخي «محمد». أغادر البيت أبحث عن خبر عنه، ذهبت إلى وحدته ~~العسكرية بالقاهرة، لا أحد يخبرنا بشيء. في المستشفيات العسكرية ~~أبحث في كشوف القتلى والجرحى عن اسمه، والكثير من الأهالي لا ~~يقرءون، فأقرأ الكشف عليهم، والكشوف تتغير كل ساعة. ويا لبؤس ~~الجرحى المهملين! بلد لم تكن مستعدة لحرب. وجدت اسم «محمد أبو ~~زيد»، لكن كان مجرد تشابه في الاسم. لم يكن معي مال كاف ولا ~~مبيت، فذهبت إلى جامعة القاهرة أبحث عن «جابر عصفور» كي أبيت ~~عنده، دخلت المكتب فوجدت رجلا يجلس يرتدي قميصا بنصف كم، وفي ~~ذراعه علامات جراحة واضحة، ناظرا للا شيء. سألته عن «جابر ms017 »، قال: ~~«هو انت قريبه؟» فقلت: «صاحبه.» وأتى «جابر» وعرفني به؛ د. «عبد ~~المحسن طه بدر»، مدرس في قسم اللغة العربية. كان «جابر» عائدا ~~شاحب الوجه من مقابلة مع المشرفة على رسالته د. «سهير القلماوي» ~~التي لم يعجبها ما كتب في الرسالة، فكان في حالة مزاجية غير ~~جيدة. تحدثنا عن أخي، وعرض د. عبد المحسن أن يساعد؛ فله من ~~يعرف بالجيش. وذهبت للمبيت في غرفة «جابر»، على سطح منزل قديم ~~في إحدى حواري قلب الجيزة بالقرب من كازينو «الحمام» خلف كوبري ~~الجيزة القديم. # وصل إلي خطاب أمر تجنيدي في القوات المسلحة لحاجة الجيش ~~إلى تخصص إلكترونيات، على الرغم من أني العائل لأسرتي. وكان ~~معنى هذا التكليف هدم الأسرة كلها، وهدم حلمي بالحصول على ~~الثانوية العامة، فسألت الرجل وماذا إذا لم ألب الأمر. قال: ~~«سوف يتم القبض عليك.» فقلت: «دعهم يقبضون علي؛ فلن أذهب ~~بنفسي.» وبمكتب التجنيد بالإسكندرية حاول الضابط أن يبرر ~~استدعائي بأنه ببعض التمرينات أفقد بعض الوزن، لكني أعفيت من ~~التجنيد للسمنة المفرطة، ولأني العائل للأسرة. كنا في حالة ~~بحث دائم عن «محمد»، وفشلت كل محاولاتي أسبوعا أو عشرة أيام في ~~القاهرة، حتى وصل إلينا خطاب منه بعد شهر يخبرنا أنه نقل إلى ~~وحدة بالزقازيق بمحافظة الشرقية، فنهضت مع ابن عمي «السيد أبو زيد» ~~لنزوره. ننتظر مع كل أهالي الجنود خارج الوحدة، مر من أمامي ~~ولم أعرفه، ملامحه مختلفة تماما، كان قليل الكلام، ولم يتحدث عما ~~حدث. قضى تسع سنوات في الخدمة العسكرية. # حصلت على شهادة الثانوية العامة «منازل» بأربعة وسبعين ونصف في ~~المائة «قسم أدبي»، وهو مجموع أكبر من الستين التي حصل عليها ~~«جابر عصفور» قبلها بثماني سنوات. كان عمري خمسة وعشرين عاما، ~~قدمت طلبا إلى رؤسائي في العمل للانتساب إلى كلية الآداب، ~~فقبلت بسخرية شديدة، ورفض طلبي. ولم أعرف ماذا أفعل، فقدمت ~~أوراقي لمكتب التنسيق كطالب منتظم، وخفت أن يعترضوا إن ذهبت ~~أقدم بنفسي لأن سني كبير، فأرسلت أحد الأصدقاء ليقدم لي. ~~وتحقق الحلم، وقبلت كطالب منتظم في ms018 كلية آداب القاهرة، ~~لكني أعمل بالمحلة. كان دخولي الجامعة، في مظاهرات الطلبة في ~~نوفمبر «ثمانية وستين»، اعتراضا على الأحكام المخففة التي صدرت ~~ضد قادة سلاح الطيران عن الهزيمة. كادت عيناي تبكي فرحا بتحقق حلم ~~الوصول إلى كلية الآداب، وفي ذهني قسم الفلسفة حتى أتعلم شيئا ~~جديدا. والأدب العربي يمكنني أن أقرأه بنفسي ولا أحتاج إلى قسم ~~اللغة العربية لذلك. ودخلت مدرج «ثمانية وسبعين» الذي لم يكن به ~~موضع قدم من المئات الموجودة به، وفجعت بمحاضرة الفلسفة العامة. ~~ما إن بدأ الأستاذ المحاضرة بصوته الرتيب يقرأ من كتاب وأنا دخلت ~~في نوم، وليس من عادتي أن أنام في أي مكان، فظننت أن السبب هو ~~وجودي بعيدا عن المنصة، فاقتربت واقتربت حتى وصلت إلى المقدمة، ~~وما إن جلست حتى دخلت في نوم عميق مليء بالأحلام. ولم أجد النقاش ~~ولا الحوار الذي أنتظره وأتصوره عن الجامعة الحلم، فرسخ في ذهني ~~البعد عن قسم الفلسفة. وفي محاضرة تاريخ الأدب العربي وجدت ~~الدكتور «شوقي ضيف» أيضا يملي على الطلاب. # على طالب الانتظام أن يحضر على الأقل خمسة وسبعين في المائة من ~~المحاضرات، ولم أستطع. وفي محاضرة الدكتورة «نادية عيد» للغة ~~الإنجليزية لمحت أني أحضر لأول مرة، فسألتني، فقلت: «هل يمكن أن ~~أحدثك بعد المحاضرة؟» فقلت لها: «رؤسائي في العمل لم يوافقوا ~~على نقلي، وهذا سبب عدم حضوري.» وسببت رئيسي في العمل وضيق ~~أفقه، فأشارت بيدها أن أتوقف عن الكلام والسب، وأخبرتني أن ~~رئيسي في العمل رئيس المصلحة هو والدها. شحب وجهي، وهرولت خارجا ~~من الغرفة. جرت في أعقابي وعادت بي، وقالت: «أنت كنت تسب رئيسك ~~في العمل، وكل واحد من حقه أن يعبر عن مشاعره ضد رئيسه، ولم ~~تعرف أنه والدي، لكن أنت متأكد أن الأمر بيده؟ قلت: «بيده أن يذهب ~~بي إلى وراء الشمس.» فطلبت أن أكتب طلب نقل وأعطيه لها، فكان ~~قرار نقلي من المحلة إلى القاهرة في أربع وعشرين ساعة؛ مما أصابني ~~بحالة من الارتباك لنقل أسرة بكاملها في أربع وعشرين ساعة ms019 ؛ ومدارس ~~«كريمة وأسامة وآيات» وإيجاد سكن؟ وأخبرني «جابر» عن حجرة صديقه ~~«رشاد»، سيتركها، فذهبنا لاستئجارها. # 7 # كنت أعيش فترة من الوحدة والمشقة بعد انتقالي للعمل ~~بالقاهرة، أرسل راتبي لأسرتي في المحلة، وأحاول أن أعيش بأقل ~~القليل، أوفق بين العمل والدراسة في الجامعة. وبينما أنا في ~~وردية الليل بقسم العجوزة، أتأمل وحدتي وأفكر في ديوان «أحمد ~~عبد المعطي حجازي» «مدينة بلا قلب»، الذي يصور شعوري تجاه ~~القاهرة: # بلا نقود، جائع حتى العياء، # بلا رفيق # كأنني طفل رمته خاطئة؛ # فلم يعره العابرون في الطريق # حتى الرثاء. # دخلت قسم الشرطة ~~امرأة بلا ملامح من غزارة الدم ~~المسفوح على ~~وجهها، تشتكي زوجها لأنه «ضربها ضربا شديد الإيذاء»، فأهملها ~~العسكري «النبطشي». وظلت تنتظر وهي مجروحة ضعيفة قليلة الحيلة، ~~فتحدثت إلى العسكري الذي قال بكل برود: «هو انت غضبان ليه؟! هو ~~انت تعرفها؟!» قلت: «وده يغير إيه في الموضوع؟ أنت مفروض عليك ~~تأخذها للمستشفى تتعالج وتبعت تجيب زوجها هنا تستجوبه.» كنت أحاول ~~بلطف التدخل حتى تستطيع المرأة أن تأخذ حقها؛ لمعرفتي بأقسام ~~الشرطة، فخففت من نبرة الحدة، وذهبت أنا بها إلى المستشفى ~~حتى عولجت، وأخذت التقرير الطبي وأودعته القسم. بعد يومين ~~أحضرت الشرطة زوجها، لكني لم أتدخل في شيء. في نفس اليوم حضرت ~~المرأة إلى القسم تحمل لي وجبة ساخنة أعدتها، فقلت لها: «يا ~~ستي أنا أشكرك جدا ودا ذوق منك، لكن لا أستطيع أن أقبل دا ولا ~~آكل في العمل.» قالت ببراءة: «خده معك للبيت، اعتبرها هدية من ~~أختك، والنبي قبل الهدية.» فلم أرد أن أخجلها. بعد يومين ~~أتت تسحب البلاغ ضد زوجها، وأخبرتني أنها كانت تريد من الشرطة أن ~~تلفت نظره، وفي النهاية هو والد أبنائها. سألتها: «إنت بتحبيه؟» ~~وكأنها لم تفهم ماذا أعني، قالت: «أبو عيالي.» قلت: «بيضربك ~~باستمرار؟» أجابت: «لا أبدا هو كان غضبان جدا؛ لأنه بياع ~~سريح، يبيع فاكهة في الشارع والجو الحار تلف له البضاعة.» أردت ~~أن أسألها إن كانت زيارة مني لزوجها يمكن أن تساعد، فقالت: «أنت ~~تشرف وتزدنا ms020 نور .» قلت لها آتي بشرط موافقة زوجك. زرتهم وأحضرت ~~بعض الفاكهة. كانت حالتهم «عدم»، عندهم ثلاثة أطفال، وزوجها إنسان ~~محترم، وقد أخبرته عن أخذي لها للمستشفى، بل وعنفته أنه كان ~~عليه أن يأخذها للمستشفى. # ندرس في السنة الأولى تاريخ الأدب العربي القديم، ويدرسه ~~الأساتذة التقليديون بشرح الظروف العامة، السياسية والاجتماعية، ~~«شرحا سرديا بغير تحليل»، ثم بعد ذلك يتحدث عن السيرة الذاتية ~~للشاعر، وتحليل بعض النصوص وقراءتها قراءة تجزيئية بيتا بيتا ~~دون قراءة وحدة كاملة. حصلت على تقدير «جيد» في السنة الأولى ~~وبكيت؛ لأني كنت أريد «جيد جدا» وما تأتي به من بعض مكافآت ~~التفوق. الحياة في القاهرة كانت صعبة جدا. نقل الأسرة والعيش على ~~«اثني عشر جنيها راتبا»، وأخي «محمد» مجند بالجيش، «وكريمة ~~وأسامة وآيات» في مدارسهم. عدت يوما متأخرا وغضبت على الأكل ~~الذي طبخته أمي ولم آكل، فجاءت بيني وبينها وقالت: «يا نصر، لما ~~تغضب على الأكل قدام اخواتك يتعودوا على كدا ويعملوا زيك وأرمي ~~الأكل في الزبالة، وكله من فلوسك، فشوف أنت عايز تصرف فلوسك ازاي.» ~~كنت أحاول تدبير الأمور بقدر الإمكان فأحدد نفقات كل شيء؛ ~~السجائر ثلاث كل يوم، مصاريف الأتوبيس والإفطار. وشعرت بألم الجوع ~~والحاجة مرات، لكن سعيت بإصرار لتحقيق حلمي. # في السنة الثانية بالجامعة، بعد ما رأيت من محاضرات اللغة ~~العربية والفلسفة، كنت أفكر في قسم اللغة الإنجليزية، ولكني نجحت ~~في الإنجليزية بالكاد، فاخترت قسم اللغة العربية، والظروف بدأت ~~تتغير فأصبحنا ما بين ثلاثين إلى خمسة وثلاثين طالبا في المحاضرة، ~~واكتشفت د. «شوقي ضيف» آخر؛ ففي محاضرته يناقش ويسمح بالاختلاف ~~ويطلب عمل أبحاث. طلب منا بعض أساتذة الأدب العربي القديم أن نعمل ~~بحثا لأعمال السنة، فقدمت بحثا بعنوان «ظاهرة الغزل في العصر ~~الأموي، ثلاثة مناهج في دراستها»، قارنت بين منهج كل من «طه حسين ~~والعقاد وشوقي ضيف». وكان غضب الأستاذ علي جما؛ لوصفي منهج د. ~~«شوقي ضيف» مقارنة بمنهجي «العقاد وطه حسين» أنه منهج تقليدي، ~~لكني فوجئت بالدكتور «شوقي ضيف» يثني على البحث ويعلن موافقته ms021 ~~على أن منهجه تقليدي، بل وأكثر من ذلك يعلن أمام الطلاب جميعا: ~~«ما الفائدة إذا لم تنقدوا أساتذتكم؟ كيف يتقدم البحث العلمي إذا ~~ظل الخلف يردد كلام السلف؟» وبدأت أظهر كطالب مجد ومجتهد، ~~ويعرفني أساتذة قسم اللغة العربية، وحصلت على تقدير عام «جيد جدا»، وفزت بالمركز الثالث في الشعر للسنة الثانية. وبدأت ~~تتوثق علاقتي ب «زين العابدين فؤاد» الذي حصل على الجائزة الأولى ~~في الشعر، ولكن لأننا متقاربان في السن نكبر بقية الطلبة بثماني ~~سنوات، وكان قد حول من كلية الهندسة إلى كلية الآداب بعد أن قضى ~~بها ست سنوات. وكنا نمزح حين نذهب لزيارة «جابر عصفور» الذي ~~يستعد لمناقشة رسالته للماجستير، فنسميه ابننا «جابر»؛ لأننا ~~نكبره في السن. وكان شبه منقطع عن العالم الخارجي من أجل ~~الرسالة والانتهاء منها. # 8 # مع بداية السنة الثالثة أصبحت أذهب إلى الجامعة صباحا، ومنها ~~إلى وردية المساء بقسم شرطة العجوزة، وبدأت الأسرة تتأقلم على ~~الحياة في القاهرة؛ أمي تزداد خبرة في التعامل مع المدينة ~~المزدحمة. كان «جابر عصفور» يدرس لنا تاريخ النقد الأدبي، وكان ~~منخرطا في إعداد رسالته للدكتوراه عن «الصورة الفنية في التراث ~~النقدي والبلاغي عند العرب» بعد رسالته للماجستير عن «الصورة ~~الفنية عند شعراء الإحياء في مصر»، وكنت قريبا منه نتناقش طوال ~~الوقت، ومعجبا بالنظرة الكلية التي ينظر بها لموضوع بحثه عبر ~~مجالات التراث المختلفة. وبدأ د. «عبد المنعم تليمة» يدرس لنا ~~محاضراته المرهقة عن نظرية الأدب من منظور ماركسي، ويدخل بنا في ~~رحاب بعيدة من الفكر الفلسفي للربط بين نظرية الأدب ونظرية ~~المعرفة، وارتباط ذلك بالمنظور الفلسفي. # دخل علينا المدرج د. حسن حنفي، الشاب العائد من فرنسا، والحاصل ~~على الدكتوراه من السوربون، ببدلته الأنيقة، وشاربه المهذب. ومن ~~أول محاضرة تحدث عن الحوار والنقاش، ودور الطالب في المحاضرة، ~~وعن التعلم المتبادل بيننا، يدرس لنا علم الكلام الإسلامي. وبدأ ~~يتحدث عن البنية الهيراركية الموجودة في التراث الإسلامي من الأعلى ~~للأدنى؛ الله، ثم الملائكة فالأنبياء والرسل، ثم المؤمنون المسلم ~~منهم وغير المسلم، فالكفار، ms022 ثم الحيوانات فالنباتات، ثم الصخور. ~~ويربط كل ذلك بالبنية السياسية في العالم الإسلامي بنفس النسق؛ ~~الحاكم، ثم الوزراء فرجال الإدارة، ثم كبار الموظفين فالعمال ~~والفلاحون، ثم الحيوانات. ويربط جوانب التراث المختلفة؛ السياسي ~~والعقدي والنحوي واللغوي والفقهي. ويربط بين الماضي والحاضر بطريقة ~~طازجة جاذبة. # ويخصص وقتا كبيرا للنقاش والحوار. كنت من أول ~~المناقشين، فقلت: «يعني أنت تتصور بهذه البدلة الأنيقة والكرافات ~~المستوردة من باريس أنك هتغير وعيي في المحاضرة؟ وأنا مطلوب مني ~~بعد ذلك أخرج أغير لك المجتمع، هو حضرتك ناسي أني ممكن أتخرج من ~~هنا وأروح أشتغل في التموين، أو مدرس في منطقة نائية، بمرتب لا ~~أستطيع أن أعيش به؟ أنت كأستاذ لك هيبة ومكانة، هتغير مخي وتطلب ~~مني أن أغير الواقع؟ التغيير يحتاج إلى عمل ثوري وليس إلى عمل ~~أكاديمي؟» وجدته يبتسم، وهو قليل الابتسام، وامتدح النقد وقال: «يا ~~صديقي هذه مشكلة، ويجب أن نفكر فيها معا، هل نبدأ بتغيير الواقع ~~ليتغير الوعي، أم نغير الوعي ليتغير الواقع؟ أيهما الأسبق على ~~الآخر؟ أيهما الأصل وأيهما الفرع؟» وسألني عن اسمي فأجبته، فقال: ~~«يا نصر اعمل حزبا من أجل تغيير الواقع وأنا أنضم عضوا ~~مشاركا فيه.» فقلت له: «اعمل أنت الحزب وأنا أنضم.» فضحكنا، ~~وكانت بداية علاقة بأستاذ مختلف له رؤية. وقام بعض زملائنا ~~السلفيين يعترضون على ما جاء في المحاضرة، أعطاهم كامل الحرية. ~~وبعد أن فرغ أحدهم قال له: «يا صديقي أنت لم تقل شيئا، ما قلته ~~هو خطبة عصماء مكانها المسجد، لكن نحن في جامعة، حاورني حوارا ~~فلسفيا.» # في محاضرة النحو كان الأستاذ يشرح لنا الخلاف بين نحاة البصرة ~~ونحاة الكوفة حول ما ينوب عن الفاعل في حالة حذفه. البصريون ~~يقولون إذا وجد في الجملة مفعول به، يكون هو نائب الفاعل، ولا ~~يمكن أن تتجاوزه إلى غيره. نحاة الكوفة يقولون إذا كان الفعل ~~لازما، يجوز في هذه الحالة أن تأتي بالجر والمجرور أو الظرف ~~ليكون نائب فاعل. وأنا في المحاضرة دار في ذهني سؤال: هل لهذا ~~الخلاف أساس معتقدي؟ ms023 وما إن حاولت أن أطرح سؤالي هذا على أستاذ ~~النحو حتى قال «أنت بتقول إيه؟! إحنا في محاضرة نحو، عندك سؤال في ~~النحو قوله.» ولم يعط لنفسه حتى فرصة للنظر فيما أقول. وأصبحت ~~مشغولا بهذه العلاقات والعلائق بين مجالات العلوم العربية ~~والإسلامية المختلفة. وفي محاضرة الأدب المصري، وكان الأستاذ يشرح ~~قصيدة مدح للشاعر تميم بن المعز لدين الله الفاطمي ~~(337ه/948م-373ه/985م) في أخيه الأصغر منه الذي ولاه أبوهم ~~الخلافة متخطيا للشاعر، فمدح الشاعر أخاه الخليفة: # يا ابن الوصي المرتضى يا ابن الإما # م المجتبى يا ابن النبي المرسل # ما بال مالك ليس يرميه الندى # إلا يوافق منه موضع مقتل؟! # والأستاذ يحاول أن يقنعنا أن مدح الشاعر لأخيه أيديولوجيا ~~شيعية من تعظيم الإمام، وأشار إلي وقال: «أنت يا جدع يا تخين أنت ~~واضح أن القصيدة مش عجباك.» قلت: «في الواقع يا دكتور مش عجباني، ~~هذا مجرد نفاق وترديد لكلام سابق، وليس بها عاطفة ولا إحساس.» نظر ~~الأستاذ لي وقال: «وهتكتب دا في ورقة الامتحان؟» قلت: «بالطبع لا.» ~~وبدأت أذكر عليه كل الأحكام التي ذكرها هو على القصيدة. فقال ~~الأستاذ: «طيب إيه رأيك أني قرأت الإلياذة ولم أعجب بها.» تصور ~~الأستاذ أن نقدي هو إهانة للأدب العربي، وليس مناقشة من أجل ~~التعلم. في هذه السنة حصلت على تقدير «ممتاز»، وكان إحساسا لذيذا ~~على الرغم من مشكلات الوطن. # 9 # بدأنا ندرس قضايا ومشكلات ~~معاصرة مع أساتذة تجديديين حداثيين، بخلاف أساتذة التقليد. ~~الجامعة نظمت لي قراءاتي، والحوار والجدل داخلها، والخلافات ~~السياسية والاجتماعية، والتظاهر ضد حالة اللاحرب واللاسلم التي ~~اتبعها الرئيس السادات. في هذه المرحلة بدأت أدرس الخطاب الديني ~~التقليدي، وبالتحديد العلاقة بين الأدب والدراسات الإسلامية في ~~صورة أوسع، وبدأت أدرك البعد السياسي في دعوة الإخوان المسلمين ~~والتيار الديني. البعد السياسي كان على الهامش في الماضي، والحث ~~على العمل والعدل الاجتماعي كان هو المتن، لكن تغيرت الأوضاع، ~~وتحولت النظرة إلى الإسلام من عقيدة وشريعة - بما تحويه من ~~عبادات ومعاملات - إلى أن أصبح الإسلام دينا ودولة. ومع ms024 هزيمة ~~يونيو بدأت أدرك أن أفكار «سيد قطب» في كتابه «معالم على الطريق» ~~لم تكن طارئة من تجربة السجن أو التعذيب في المعتقل، إنما هي ~~موجودة في خطابه منذ البداية، لكنها كانت على الهامش، وكان متن ~~الخطاب ومحتواه العدالة الاجتماعية والإسلام والسلام العالمي، ومع ~~انكسار العهد مع ضباط يوليو أصبح - شعار «الإسلام دين ودولة» - هو ~~المتن، وانتقلت العدالة الاجتماعية إلى الهامش. واتسعت قراءاتي ~~في الفلسفات من الماركسية إلى الوجودية، ولم أتخل عن منظوري ~~الإسلامي العام، والرغبة في تحقيق عدالة اجتماعية، لكن وصلت إلى ~~قناعة أنه لا يتقدم مجتمع أو يتأخر لأنه مجتمع مسلم أو غير مسلم، ~~بل يتقدم أو يتأخر طبقا لقوانين تدرس في علوم أخرى؛ العلوم ~~الاجتماعية والإنسانية بشكل عام، والنظر في بنية المجتمع في ~~تعقيداتها، والعلاقات بين الطبقات ووسائل الإنتاج، والعلاقة بين ~~وسائل الإنتاج وأنماط الإنتاج. نحتاج إلى وسائل وآليات أخرى لبناء ~~مجتمع متقدم. # بدأت تتسع نظرتي للتأثير الأدبي والفني للقرآن أوسع من ~~اهتمامات «سيد ومحمد قطب» التي تعتمد على الانطباعية. بدأت صلتي ~~تتوثق بفكر الشيخ «أمين الخولي»، ومدرسته التي تعود بذور لها ~~إلى فكر الإمام «محمد عبده»؛ من أن القرآن كتاب هداية للبشر، وليس ~~كتابا في التاريخ أو العلوم، الهدف الأول له هو هداية البشر إلى ~~الطريق المستقيم، ويستخدم القرآن اللغة العربية لتوصيل رسالته إلى ~~المؤمنين، والشيخ «أمين الخولي» رأيه أن القرآن الكريم هو كتاب ~~العربية الأكبر، وقبل أن نستخرج منه أحكاما قانونية أو فقهية أو ~~جمالية يجب أن يدرس أدبيا. وبدأت أقرأ في جهود «محمد عبده» ~~والشيخ «علي عبد الرازق» وكتابه «الإسلام وأصول الحكم»، و«طه ~~حسين» وكتابه «في الشعر الجاهلي»، والقضية التي أثيرت حولهما، ~~وكتابات الشيخ «أمين الخولي»، ومحنة مدرسته في نفس قسم اللغة ~~العربية منذ عشرين عاما، حين تقدم تلميذه «محمد أحمد خلف الله» ~~تحت إشرافه برسالة دكتوراه عن «الفن القصصي في القرآن الكريم»، بعد ~~رسالته للماجستير التي كان موضوعها «الجدل في القرآن الكريم»، ~~وصارت ضجة حول رسالة الدكتوراه عام سبعة وأربعين، واضطر «خلف ~~الله» ms025 إلى أن يسحب الرسالة ويكتب رسالة أخرى في أشهر قليلة عن ~~صاحب كتاب «الأغاني»، حصل بها على الدكتوراه وفصل من الجامعة. ~~وحرم الشيخ «أمين الخولي» من الإشراف على رسائل في الدراسات ~~الإسلامية، مع الاكتفاء بتدريس البلاغة والنقد الأدبي، حتى أخرج ~~من الجامعة مع قرارات حكومة ثورة يوليو سنة أربع وخمسين، برفت ~~أكثر من خمسين أستاذا. وكان على تلميذ الشيخ «أمين الخولي» الآخر ~~أستاذي «شكري عياد» أن يختار تخصصا آخر غير الدراسات الإسلامية ~~والقرآنية حتى يستطيع الاستمرار بجامعة القاهرة، فاختار موضوع ~~الدكتوراه عن «تأثير كتاب الشعر لأرسطو في البلاغة العربية» بعد أن ~~درس في الماجستير «تحليل مشاهد يوم القيامة في القرآن تحليلا ~~أسلوبيا»، وتم القضاء على مدرسة التفسير الأدبي للقرآن بكلية ~~الآداب جامعة القاهرة، ولم يعد هناك متخصص في الدراسات ~~الإسلامية بالكلية، وأصبح تدريس الدراسات القرآنية وعلوم الحديث ~~نوعا من البركة، كما رأيت خلال دراستي لعلوم القرآن في الفرقة ~~الأولى، وعلوم الحديث في الفرقة الثانية. اقتربت من فكر «أمين ~~الخولي» الذي أظن أني أتبعه وإن لم أقابله مرة في ~~حياتي. # أنهيت الدراسة بالكلية سنة اثنتين وسبعين بتقدير «ممتاز»، وكنت ~~الأول على كلية الآداب في جميع الأقسام، وكنت في لهفة لقرار تكليفي ~~معيدا بقسم اللغة العربية. وجدت أمي في قمة السعادة، وقالت لي: ~~«ربنا هيوفقك يا نصر، إنت تعبت، بس أنا مش عارفة إيه حكاية ~~التعيين في الكلية دي، ما أنت مهندس أد الدنيا، وبتشتغل شغلة حلوة، ~~على كل حال، أنا نذرت نذر للست العذراء إن اتعينت ونلت مرادك، وهي ~~مش هتخذلني أبدا.» ابتسمت وقلت لها: «العذراء يا أمي عند ~~الأقباط.» ردت علي بحدة: «ما أنا نذرت ودعيت عندهم كلهم ~~السيدة نفيسة والسيدة زينب، والعذراء بركة.» # وصدر قرار الكلية بالتكليف، ولم يكن اسمي موجودا؛ فقد أخذ قسم ~~اللغة الإنجليزية أربعة معيدين، حيث يرأسه د. «رشاد رشدي» صاحب ~~النفوذ الذي ظل في رئاسة القسم عمرا. ذهبت إلى مجلس قسم اللغة ~~العربية أشتكي، أخبرت أن هذا قرار مجلس كلية. وسدت الأبواب. ~~كتبت شكوى لرئيس ms026 الجامعة عن الظلم الذي حدث، وختمتها بعبارة ~~«متظلم بالباب»، وذهبت إلى مدير مكتبه الذي رفض أن أقابله ~~مدعيا أن رئيس الجامعة مشغول، فافترشت الطرقة أمام باب مدير ~~مكتب رئيس الجامعة متظلما بالباب، وعلى أثر الضوضاء خرج رئيس ~~الجامعة الدكتور «حسن محمد إسماعيل»، واستعلم عن الأمر وقال: «هو ~~انت المتظلم بالباب؟» إيه لغة الدواوين دي؟ تعال يا سيدي ادخل.» ~~بالداخل قلت له: «أنا متظلم على باب سيادتك حتى تنظر في مظلمتي، ~~أنا الأول على الكلية كلها ولم يصدر قرار بتكليفي معيدا.» قال: ~~«تبقى شيوعي أو إخوان.» قلت له: «أنا لا شيوعي ولا إخوان، وبعدين ~~هناك موافقة جهة الأمن هي تحدد ونعرف رأيها.» طلب لي كوبا من ~~الماء، وطلب الأوراق من مدير مكتبه وتأكد من التقديرات، وقال: ~~«دا كلام فارغ.» وفي دقائق كتب قرارا يعيد فيه قرارات تكليف ~~المعيدين حسب القواعد والقانون، وإلغاء قرار مجلس الكلية. وصدر ~~قرار تكليفي بوظيفة معيد في قسم اللغة العربية بكلية آداب القاهرة ~~و«أحمد زايد وفيصل يونس»، وكنت في الثلاثين من العمر. # 10 # تركت العمل كفني لا سلكي، وانتقلت للعمل كمعيد بقسم اللغة ~~العربية، فقرر مجلس القسم أن يتخصص المعيد الجديد في الدراسات ~~الإسلامية، في سابقة لم تحدث من قبل؛ فكل معيد يختار تخصصه. وفي ~~ذهني ما حدث مع الشيخ «أمين الخولي» وتلاميذه منذ عقدين في نفس ~~المكان. وفي اجتماع القسم التقى أساتذة قسم اللغة العربية، ولم ~~أكن معيدا صغير السن بل في الثلاثين من عمري، وأعرف ما حدث من ~~قبل، فعرضت تخوفاتي أن يحدث نفس الشيء مرة أخرى، فقال البعض إن ~~ما حدث من عشرين سنة كان سببه خلافات شخصية بين الأساتذة ~~وصراعات داخلية. وقال رئيس القسم: «بص يا نصر يا ابني إحنا عايزين ~~متخصص في الدراسات الإسلامية، يكون من ولادنا من قسمنا، مش من ~~الأزهر، والقسم محتاج متخصص، ووقع الاختيار عليك لهذه المهمة.» ~~وقال أستاذ من التقليديين بعد أن تنحنح: «أنت خايف ليه، هو انت ~~هتجيب شيء جديد، الدراسات الإسلامية وعلوم القرآن من العلوم التي ms027 ~~نضجت حتى احترقت .» فقلت بنوع من الانفعال: «يعني أنا هتخصص علشان ~~أكرر نفس الكلام، أنتم علمتوني أن البحث العلمي لا بد أن يضيف إلى ~~ما قدمه السابقون، وأن آتي بنتائج لم يصلوا إليها.» وقال اتجاه ~~ثالث ما معناه: «إحنا لسنا الأزهر ولا كلية الحقوق ولا دار ~~العلوم، أنت هتتعامل مع القرآن من منطلق بلاغي ونقدي، نوع النص ~~الذي تدرسه ليس له علاقة بما تخشاه، أنت هتدرس البلاغة والنحو ~~واللغة.» كنت متخوفا أيضا أن تخصص الدراسات الإسلامية ~~سيجعلني أعمل مع أحد الأساتذة التقليديين الذين يسيطرون على ~~القسم، وأنا أريد أن أعمل مع أحد الأساتذة الحداثيين ~~التجديديين. # أختي «كريمة» التي تعمل في سكرتارية جامعة القاهرة. كانت منذ ~~الخامسة عشرة تظهر كأنها بنت العشرين، ناضجة الجسم، جميلة، الأنظار ~~تترصدها، حينما وجدنا أنا وأمي خطابات لها من أحد الشبان. وفي ~~يوم من الأيام أتى أحد الأثرياء في مدينة المحلة يحمل العديد من ~~الهدايا، يطلب يد كريمة لابنه الذي أنهى دراسته وسيذهب لتأدية ~~الخدمة العسكرية، لم أكن محبذا لهذه الخطبة؛ فلا بد أن تكمل ~~دراستها، وتعيش تجربة الحياة باتساعها. كانت أمي لا ترى عيبا في ~~الشاب. اتفقنا على أنه بعد أن تتم تعليمها يأتي ابنه «سيد» ~~وسيكون الاختيار لها. لم تتوقف العلاقة بين «سيد» و«كريمة» حتى ~~انتقلنا إلى القاهرة، وكانت أول من انتقل من أسرتي إلى القاهرة ~~بعدي، فقضيت أنا وهي فترة جميلة؛ كنا نذهب معا إلى السينما ~~والمسرح. وفي يوم من الأيام الأخيرة لي بالخدمة في البوليس دخل علي ~~«سيد» وطلب مني أن أفي بوعدي له. لم أكن أتوقعه بعد خمس سنوات. ~~رحبت به، وقلت له: «يا «سيد» سنذهب معا إلى البيت ونسأل ~~«كريمة» عن رأيها، لكن عليك أن تعدني بأن تتقبل قرارها.» # أخذته وعدنا إلى الشقة. كنت أسمع نبضات قلبي بقوة ونحن نصعد ~~سلم البيت، فتحت «كريمة» الباب، وشحب وجهها. جلسنا، وقلت ل ~~«كريمة» عن طلب «سيد»، ونريد أن نعرف رأيها. كانت لحظات وكأنها ~~الدهر، ازدادت طرقات قلبي حدة إلى أن قالت له: ms028 «اسمع يا «سيد» ~~إحنا كنا صغيرين، شبه أطفال.» لم يتركها تكمل وهب واقفا ~~قائلا: «كفاية.» وطالبا منا أن نسمح له بالذهاب. خرجت معه إلى ~~محطة الأتوبيس أريد أن أخفف عنه، فقال: «أنت وفيت بوعدك، وليس ~~هناك نصيب.» حينما عدت إلى الشقة وجدت «كريمة» منخرطة في ~~البكاء، فحاولت أن أخفف عنها بقدر الإمكان، فقلت: أنت أخذت ~~قرارا كان صعبا، ودا شيء كويس. ~~- كان لنا ذكريات جميلة. ~~- الذكريات دي جزء من حياتك وتكوينك وستظل موجودة. ~~- هل أنا ظلمته؟ ~~- والله يا كريمة لا أعرف إن كان ارتباطك به سيسعدك، حياتك ~~أمامك. # درست السنة التمهيدية للماجستير في مناهج البحث. اخترت أن أعمل ~~في البلاغة حتى أعمل مع أستاذ تجديدي. وكان رئيس القسم د. «حسين ~~نصار» وسطا بين أهل التجديد والتقليد في القسم، ولكني أريد أن ~~أعمل مع الدكتور «عبد العزيز الأهواني»، وقد أقاله نظام «عبد ~~الناصر». كان يدرس متبرعا بمكافأته لاتحاد الطلاب، وهو متخصص ~~في الدراسات الأندلسية، يجيد أكثر من ست لغات، وسوف يفيدني ~~كثيرا في المنهج العلمي، ولكن كيف أخبر د. «حسين نصار» بذلك دون ~~أن يغضب. دخلت عليه مكتبه، وقلت له: «يا دكتور حسين، أنت دايما ~~تقول لنا إن المعيد ابن القسم كله وليس تلميذ أستاذه، وأنا عايز ~~أستفيد من كل الأساتذة، فبطلب من حضرتك تساعدني في إقناع الدكتور ~~«عبد العزيز الأهواني» أنه يقبل الإشراف على الرسالة، وأنا مع ~~حضرتك كل يوم في القسم هستفيد من توجيهاتك، لكن الاستفادة الوحيدة ~~من الدكتور «عبد العزيز» هتكون لو أشرف على الرسالة.» وقد كان، ~~وقبل الدكتور «عبد العزيز الأهواني» الإشراف على رسالة ~~الماجستير. # كان لدراسة «جابر عصفور» أثر في الدكتوراه في تمهيد الفصل الثاني ~~عن الأنواع البلاغية للصورة الفنية، وإشارته العامة عن أثر ~~المعتزلة، ودراسة د. «مصطفى ناصف» عن الصورة الأدبية والإشارات إلى ~~المؤثرات الروحية في بحث الاستعارة، وكذلك الاكتشاف الذي قامت به ~~البعثة المصرية لجامعة الدول العربية في نهاية الأربعينيات باليمن ~~بالجامع الكبير في صنعاء، باكتشاف كتاب القاضي «عبد الجبار الأسد ~~أبادي المعتزلي» (359ه/969م-415ه/1025م) ms029 المغني في أبواب التوحيد ~~والعدل، والتي احتفظ بها المفكرون الزيديون في اليمن، وقد خرجت ~~نسخة الكتاب المحققة خلال السنوات القليلة الماضية، ففكرت في أن ~~أدرس نشأة أهم مبحث في البلاغة العربية؛ مبحث المجاز، أدرس ظروف ~~نشأته ومفهومه عند المعتزلة الذين تشير الدراسات السابقة إلى دورهم ~~في تكوين هذا المبحث وإنضاجه، مع دراسة أثر القرآن الكريم في ذلك؛ ~~في تحديد ماهيته ووظيفته في التعبير البليغ. وسجلت عنوان ~~الدراسة للماجستير «قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة»، ومصر ~~تحاول أن تستعد لمسح عار الهزيمة عام ثلاثة وسبعين. # 11 # حجرتي الضيقة اختنقت بكتب ومراجع المعتزلة، في شقتنا ~~المختنقة بنا، أنظر إلى عبارة المفكر المعتزلي «إبراهيم بن سيار ~~النظام» التي وضعتها لوحة معلقة أمامي على الحائط: «العلم ~~لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك؛ فإن أنت أعطيته كلك فأنت من ~~إعطائه لك البعض على خطر.» وأقرأ مصادر المعتزلة التي خرجت للنور ~~منذ سنوات تعد على الأصابع، لكن عملية تحقيق المجلدات اكتفت فقط ~~بنسخ الكتاب دون شرح للمصطلحات أو توضيح للأفكار، ومحاولة القراءة ~~والفهم صعبة جدا؛ ليال أقوم بتقديم الجمل وتأخيرها، وإعرابها ~~كلمة كلمة للتأكد من فهم العبارة. الكتب مكتوبة بالطريقة التراثية ~~من السرد والاستطراد، وزد على ذلك طريقة المعتزلة في جدال من ~~خالفهم، وتصور حججهم للرد عليها؛ مما جعل مفاهيمهم وتصوراتهم ~~اللغوية متناثرة في أنحاء مؤلفاتهم. وموسوعة ~~القاضي «عبد الجبار»، ~~ضخمة بأجزائها العشرين، المفقود منها الأول والثاني ~~والثالث والعاشر والثامن عشر والتاسع عشر، فتوقفت بالبحث عند ~~فترة نضج الفكر الاعتزالي في القرن الرابع الهجري، العاشر ~~الميلادي. # أدرس دور تفسير القرآن وتأويله كمنهج ووسيلة في بلورة مفهوم ~~المجاز، ودور فرقة المعتزلة الكلامية في ذلك. والمجاز وسيلة ~~لغوية لا تنفصل عن تصور عام للغة، فوجدتني أدخل في ثلاثة حقول ~~معرفية؛ تاريخ التفسير القرآني، وتاريخ البلاغة العربية، وعلوم ~~اللغة بشكل عام. والكتابات في علوم اللغة الحديثة بالعربية قليلة، ~~فاعتمدت على المترجم منها، وذهبت للجامعة الأمريكية بالقاهرة لكي ~~أجود لغتي الأجنبية للقراءة في هذه العلوم باللغة ~~الإنجليزية. # بدأت دراستي بجمع ms030 كل الآيات القرآنية التي قام المعتزلة بتأويلها ~~وأجروا عليها فكرة المجاز، فوجدت المجاز عندهم مجرد وسيلة؛ حتى ~~تستقيم معاني الآيات مع مبادئهم الفكرية والعقلية المسبقة، وليس ~~له إلا دور يسير في حجاجهم العقلي، فاتجهت بكل جهدي لفهم ~~الفرق الدينية الإسلامية، وفهم صراع المسلمين الأوائل ودوره في ~~نشأة الفرق والقضايا الفكرية؛ فالفكر لا يأتي من فراغ، بل من صراع ~~في الواقع. وكان كثير من الباحثين قد أرجعوا نشأة الاعتزال إلى ~~مؤثرات خارجية وأفكار وافدة. والمؤثرات الخارجية لا تمارس ~~تأثيرا فعالا ما لم تكن الظروف الداخلية مهيأة لتلقي ~~البذور وإنباتها؛ لذلك ركزت على الواقع ودوره في نشأة ~~الاعتزال. # القول باختيار الإنسان لأفعاله ومسئوليته عنها ضد الدعوة ~~الجبرية التي تستر وراءها النظام الأموي، والتي تقول إنه ليس ~~للإنسان اختيار في أفعاله. وقد تعامل الأمويون بعنف ضد المفكرين ~~الذين قالوا بحرية الإرادة الإنسانية باستثناء الحسن البصري (ت: ~~110ه/728م)؛ فقد قتل الخليفة «عبد الملك بن ~~مروان»(65ه/685م-85ه/705م) المفكر المعتزلي «معبد الجهني» (ت: ~~80ه/700م)، وابنه قتل «غيلان الدمشقي» (99ه/718م)، وذبح الوالي ~~الأموي «خالد بن عبد الله القسري» «الجعد بن درهم» (120ه/738م)، ~~والذي كان مؤدبا ومعلما لآخر الخلفاء الأمويين، أسفل ~~المنبر بعد صلاة العيد. وكان لجدال المعتزلة ودفاعهم عن العقيدة ~~الإسلامية في مواجهة أصحاب الديانات الأخرى باعتمادهم الحجج ~~العقلية، وليس على الأدلة من القرآن والسنة. والعقل عندهم مجموعة ~~من العلوم الضرورية الملازمة للإنسان خلقها الله فيه. # وجدت أن مبادئهم أو أصولهم الخمسة، التوحيد، والعدل، والوعد ~~والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر؛ يمكن ردها إلى مبدأين أساسيين؛ التوحيد والعدل؛ ~~فالله سبحانه عادل، ودليل عدله أن يكون هناك وعد ووعيد للتفريق بين ~~المصيب والمذنب؛ لأن الإنسان مسئول عن أعماله في الدنيا، ومبدأ ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط بمسئولية الإنسان هذه. ~~وللحكم على مرتكب الكبيرة بأنه كافر أو مؤمن فقط فإن عدل الله ~~يتطلب وجود منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، وهو المبدأ الخامس؛ ~~المنزلة بين المنزلتين، وهو جزء من عدل الله. # ومعرفة معنى كلام الله في فهم ms031 المعتزلة تشترط معرفة قصده سبحانه، ~~ومعرفة حالة وقوع الكلام، ومواضعة الكلام. وقد اتفق المعتزلة ~~وخصومهم من الأشاعرة على شرط معرفة مواضعة الكلام؛ أي معرفة دلالة ~~الكلمة في اللغة؛ فقد اختلفا في أصل المواضعة ومصدرها، هل معنى ~~الكلمة توقيف من الله، أم اصطلح عليه الناس؟ فالأشاعرة قالوا إن ~~القرآن قديم؛ أي غير مرتبط بزمن نزوله على النبي، واللغة عندهم ~~أصلها التوقيف من الله؛ استنادا إلى قول القرآن الكريم في سورة ~~«البقرة»: # وعلم آدم الأسماء ~~كلها ~~. وقالوا إن الكلام صفة ذاتية قديمة. على ~~العكس من ذلك قال المعتزلة إن القرآن مخلوق؛ لأن الكلام صفة من ~~صفات الفعل الإلهي وليس صفة من صفات الذات؛ فإذا كان القرآن ~~قديما فهذا معناه أن هناك قديما آخر مع الله، وهذا شرك في نظرهم، ~~وذهبوا إلى أن المواضعة اللغوية اصطلاح بين البشر وليس ~~توقيفا. # وانتهى القاضي «عبد الجبار» إلى أن العلاقة بين الاسم والمسمى ~~علاقة يتعارف عليها الناس، و«ربط بين قصد المتكلم والمعنى الذي ~~يدل عليه». واستخدم المعتزلة كلمة «المثل» الواردة بكثرة في القرآن ~~للتعبير عن مفهوم المجاز، واعتبروا المجاز قرين الحقيقة بدءا من ~~كتابات الجاحظ (ت: 255ه/870م) معتمدين على جهود المفسرين ~~واللغويين في تعاملهم مع كلمة المثل في القرآن. ومع نمو حركة ~~التفسير والتأويل تحددت عناصر المجاز، وأنواعه المختلفة ~~كالكناية والتشبيه والاستعارة والحذف وغيرها، كوسيلة لرفع التناقض ~~الظاهري بين كلام الله، وبين معرفتنا العقلية بعدله وتوحيده. أو ~~بمعنى آخر يصبح المجاز وسيلة للتأويل وأداة رئيسية له. ومن ~~الطبيعي - والحالة هذه - أن يتسع المجاز ليشمل كل ما اندرج تحته ~~من عناصر تصويرية أو أسلوبية. # 12 # داخل قاعة المناقشة، جلست خلف ترابيزة صغيرة عليها كوب من الماء ~~ومعي الرسالة وأوراق لكتابة الملاحظات وخلفي باقة كبيرة من الورد، ~~أرتدي بدلة جديدة ورابطة عنق، عليها الروب الأسود حسب التقاليد ~~الجامعية. وعلى المنصة لجنة المناقشة؛ أستاذي «عبد العزيز ~~الأهواني»، وبجواره الأستاذة الدكتورة «سهير القلماوي» بشعرها ~~القصير، وعلى جانبه الآخر الدكتور «عفت الشرقاوي». حضر المناقشة ~~جمع غفير من الأهل والأصدقاء وطلبة جامعة ms032 القاهرة. بدأ الدكتور ~~«عبد العزيز الأهواني» الحديث بصوته الرخيم الآتي من أعماق بعيدة، ~~فطلب مني تقديم ملخص للبحث. عرضت تلخيصا للدراسة، فالتمهيد؛ ~~درست فيه نشأة الفرق الدينية الإسلامية، ومنها المعتزلة، وفصلا ~~عن المعرفة والدلالة اللغوية. عرضت فيه لنظرية المعرفة ونظرية ~~اللغة عند المعتزلة، وفصلا ثانيا عن نشأة مفهوم المجاز وتطوره ~~عند المعتزلة، وفصلا أخيرا عن المجاز والتأويل؛ أخذت فيه ~~قضيتي توحيد الله ورؤيته وقضية خلق الأفعال والعدل كنموذج ~~للتأويل عند المعتزلة. # مسألة المحكم والمتشابه في القرآن. اتفقت كل الفرق على ~~وجود محكم واضح، ومتشابه غامض يحتاج إلى توضيح؛ اعتمادا على ~~الآية الثالثة من سورة «آل عمران»، لكن الفرق اختلفت فيما بينها ~~حول ما الواضح وما الغامض، واتخذ المعتزلة هذه المسألة وسيلة ~~شرعية لتأويل الآيات التي لا تتفق مع مبادئهم الفكرية من التوحيد ~~والعدل، واستخدموا المجاز كوسيلة لإخراج دلالة نص القرآن من المعنى ~~الظاهر للآيات إلى معنى مجازي، وفي حالة عجزهم عن تأويله استنادا ~~إلى تركيبه اللغوي يلجئون إلى الاستناد إلى الدليل العقلي. # المعتزلة ينفون تماما مسألة رؤية الله؛ لأن الرؤية تعني أنه ~~سبحانه متحيز بالمكان، واستندوا إلى آيات مثل # لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار ~~، واعتبروها محكمة، وأولوا كل الآيات ~~التي تختلف مع ذلك، ونفوا مشابهة الله للبشر، وأكدوا وحدانيته ~~المطلقة وتفرده الكامل. وفي قضية خلق الأفعال، وهي أساس مبدأ ~~العدل، نفوا عن الله فعل القبيح أو إرادة فعله، وأكدوا قيام ~~الفعل الإنساني على الاختيار. وكان الأشاعرة قد ذهبوا إلى إطلاق ~~القدرة الإلهية لتشمل كل المرادات حتى كفر الكافر وكذب الكاذب؛ فإن ~~المعتزلة ميزوا بين ما يريده الله من فعل ذاته وبين ما يريده من ~~فعل غيره، وذهبوا إلى أن إرادة الله للفعل الإنساني إنما هي إرادة ~~على سبيل الاختيار لا الإلجاء. والمعتزلة حاولوا مخلصين رفع ~~التناقض بين العقل والشرع من جانب وبين النصوص المتعارضة ظاهريا ~~للقرآن من جانب آخر. وكانت جهودهم في مجالات المعرفة واللغة ~~والمجاز - لخدمة هذه المهمة - إنجازا له آثاره العديدة على هذه ~~المجالات. ولعل دراستي أن ms033 تكون تمهيدا لرصد هذه التأثيرات التي ~~تركها المعتزلة في غيرهم من أعلام الثقافة العربية وعلومها، كل ما ~~يرجوه الباحث أن يكون قد وفق في كشف جانب مهم من جوانب تراثنا ~~الديني الإسلامي في مجال البحث النقدي والبلاغي. # بدأ المناقشة د. «عفت الشرقاوي» الذي مر ثلاث مرات؛ مر ~~عبر الرسالة مدققا في الكتابة والأسلوب والنحو بالتفصيل، وفي ~~النهاية أثنى على البحث وعلى جهد الباحث، لكني لم أستفد منه في ~~مناقشة المنهج أو القضايا الفكرية المثارة بالبحث. ود. «سهير ~~القلماوي» أثنت أيضا على البحث وعدم التهيب من موضوع البحث، ~~والأمانة في عرض النصوص، وحرصي الدائم على ذكر رأي وليس مجرد ~~جمع، بل هناك أصالة في النظر للأمور. ونظرت لي بحيويتها المعهودة ~~وصوتها الواثق وقالت: لكننا هنا لسنا في مجال ذكر المزايا، ~~الرسالة اسمها قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، أين قضايا ~~المجاز في الرسالة؟ فقلت لها: لقد حاولت أن أطرح فلسفة ~~المعتزلة. ~~- هذه قضايا فلسفية وليست قضايا بلاغية، أين مثلا استعمالات ~~المجاز؟ هل كانت للمعتزلة طريقة معينة في النظر للمجاز، كمجاز ~~الأسماء والأفعال؟ ~~- «القاضي عبد الجبار» المجاز عنده مجرد سلاح للتأويل. ~~- أنت رصدت ما قاله المعتزلة، وليس طريقة المعتزلة. كنت أطمع في ~~فصل يشخص كيف استعمل هذا السلاح. أنت قسمت الرسالة من ~~الناحية الفلسفية وليست البلاغية، عندك ثلاثة مراجع أجنبية فقط، ~~وليس منها كتاب حديث متخصص في المجاز. ما استعمالاتهم للمجاز ~~عندما يردون شيئا من المتشابه إلى المحكم، أو استعمالهم ~~للمجاز عندما يردون على شيء يمس الثابت من العقيدة؟ وأنت أخذت ~~وقتا طويلا في شرح نشأة الفرق والقضايا الفلسفية، وكان يمكن أن ~~تختصرها إلى أقل من ذلك بكثير. يعني مثلا في مسألة مواضعة اللغة، ~~هل كانت هناك مواضعة بين الملائكة والرسل؟ وبعدين أليس غريبا ألا ~~يلتفت إلى السنة النبوية في تأويلات الفلاسفة فيما ذكرته ~~السنة عن ماهية الله في التوحيد والعدل، فهل لرفض المعتزلة ~~للحديث سبب؟ ومسألة المجاز في الأعلام، واستعمالهم السياق والمجاز ~~بالسياق، وهذا مهم جدا. إحنا بدأنا ندخل في صلب ms034 الرسالة في ~~صفحة 157. وكذلك مسألة مصطلحات الفقه التي دخلت البلاغة مثل الخصوص ~~والعموم، وأيضا اشتغال المعتزلة بالرد على تحديات أهل الديانات ~~الأخرى، أليس له دور في استخدامهم للمجاز؟ ~~- أفادهم في الاستدلال وأخذ العقل كمعيار. ~~- وكتاب الشارح «للمغني، عبد الجبار»، هل هناك إضافات للشارح؟ ~~وما هي؟ ~~- محقق الكتاب دخل في نفس الإشكال؛ لأن الشارح للكتاب شيعي، ~~والمؤلف معتزلي. # شربت بعض الماء حينما انتهت الدكتورة سهير من مناقشتها، وأتى ~~الدور على أستاذي «عبد العزيز الأهواني» الذي قال: كوني مشرفا ~~لا يمنعني من طرح بعض النقاط على الباحث ليفكر فيها. أعتقد أن ~~نشأة الاعتزال التي ذكرها الباحث على أنها رد فعل سياسي للنظام ~~الأموي ولمواجهة الظلم كعامل أكبر يجب أن يفكر فيها ثانيا؛ ~~لأن المعتزلة كانوا أصحاب سلطان في زمن المأمون، وجرت على أيديهم ~~محنة خلق القرآن، وكانوا أقرب للسلطة. وظل المعتزلة طوال الوقت ~~نخبة في المجتمعات الإسلامية. وقضية انتشار الإسلام ودخول غير ~~العرب في الإسلام لم تكن أقل أهمية من تحدي السياسة في نشأة ~~الفكر الاعتزالي. ربما لنشاط الباحث السياسي، فحبذ دور السياسة. ~~إذا كان هذا هو موقفهم في السياسة في البداية كموقف من الواقع، ~~لماذا كان خطابهم بهذا التجريد، ومنصبا على ما سيفعله الله في ~~العالم الآخر؟ خطابهم من البداية للخاصة وليس للعامة؛ فلم يتحدثوا ~~عن البديل للحاكم الجائر. أنا أوافقك في أن هناك صلة بين ~~المعتزلة والسياسة، ولكنها ليست الصلة الأولى في النشأة. بعد ~~انتهاء الدكتور «الأهواني» من مناقشته دخلت اللجنة للتداول. # شربت كوب الماء. القاعة حارة جدا. أفكر في دراسة جدل ~~المعتزلة مع أهل الديانات الأخرى وخصوصا في دمشق التي كانت ~~معقلا للفكر المسيحي. عادت لجنة المناقشة، وقرأ الدكتور «عبد ~~العزيز» قرارها بمنحي درجة الماجستير بتقدير «ممتاز». رأيت الفرحة ~~في عيون أمي، وأختي «بدرية» بصحتها العليلة وهي في السادسة ~~والثلاثين، بصحبة أبينا الروحي زوجها وابن عمي «السيد أبو زيد»، ~~وأخي «محمد» الذي قرر العودة إلى قحافة والعمل في شركة طنطا ~~للغزل، و«كريمة» موظفة الجامعة، و«أسامة» الذي أنهى الدراسة ~~بالمعهد ms035 الفني العالي، و«آيات» التحقت بالجامعة لدراسة اللغة ~~اليابانية. # 13 # حصلت على منحة من مؤسسة «فورد» للدراسة بالجامعة الأمريكية ~~بالقاهرة، وكانت الأجواء في مصر تزداد احتقانا يوما بعد يوم، مع ~~قرارات الانفتاح الاقتصادي، واتجاه الحكومة رفع أسعار السلع ~~وإلغاء الدعم امتثالا لأوامر البنك الدولي، وإرهاصات السادات في ~~عمل اتفاق منفرد مع إسرائيل، والحركة داخل الجامعة وبالشارع تزداد ~~التهابا يوما بعد يوم. وكباحث شاب لا أستطيع الحصول على شقة، ~~ولا فرصة للزواج، والارتفاع الجنوني للأسعار، وضيق الشقة علينا. ~~كتبت مقالة «ابن خلدون بين النظرية والتطبيق» التي نشرت في مجلة ~~«الكاتب»، بعددها رقم مائة وخمسة وتسعين، سنة سبع وسبعين. وسجلت ~~موضوعي للدكتوراه، في الثلاثين من أبريل، عن فلسفة تأويل القرآن ~~عند «محيي الدين ابن عربي»، مع أستاذي «عبد العزيز الأهواني»؛ فقد ~~أدركت من الماجستير أن وراء عملية تفسير وتأويل القرآن أن هناك ~~رؤية فلسفية، فأردت أن أدرس ما هذه الفلسفة الكامنة وراء تأويل ~~الصوفي الكبير «محيي الدين ابن عربي» (560ه/1165م-638ه/1240م) ~~للقرآن؛ تواصلا مع جانب آخر من جوانب تراثنا الفكري والديني ~~والفلسفي، ألا وهو الجانب الصوفي الروحي. # أخذتني الحياة بعيدا عن التصوف، فكان أحد أصدقاء أبي، «عم حسن ~~سمك»، الذي استمرت صلتي به بعد وفاة والدي وحتى بعد رحيلنا إلى ~~القاهرة، كان كلما أتى إلى القاهرة زارني في الجامعة. «عم حسن» ~~فلاح، شاعر، وقارئ لشعر التصوف، زائر رحال للأضرحة تبركا ~~ومجاورة لأهل البيت بالقاهرة. في يوم كان مضطربا أشد الاضطراب، ~~يحمل جبلا على ظهره، أحاول أن أعرف سبب هذا الإعياء على وجهه، ~~لكنه صامت متعذبا. قلت له: ما لك يا عم حسن؟ ألست محل ~~ثقتك؟ ~~- والله يا نصر أنت ابني وأعز من أولادي، أنت الحبيب ابن الحبيب ~~رحمه الله. # دمعة ساكنة تترقرق في عينيه، يحاول أن يمسك بها فتأبى، ~~استجمع عزمه وقال: «يا نصر يا ابني، لقد رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في المنام.» # وفرت الدمعة من عينيه تجري على خديه، ونشيجه يعلو: «رأيته ~~والله العظيم.» فقلت له: «أحبك يا رسول الله.» ms036 فرد علي: «وأنا ~~أحبك يا حسن.» كانت عملية فهمي وإدراكي لتجربة وشعور عم «حسن» ~~صعبة، فحاولت أن أهدئ من مشاعره، وسألته: أي عقاب يمكن أن يحدث ~~من إفشائك أمر رؤياك لي؟ ~~- يا ابني أخاف أن يهجرني رسول الله فلا يأتيني مرة أخرى، فلا ~~عقاب أشد من الهجر. # قرر عم «حسن» في نفس العام أن يبيع قطعة الأرض التي يملكها ~~ويقوم بالحج إلى بيت الله الحرام رغم معارضة أبنائه. لم أفهم تجربة ~~عم «حسن سمك»، لكني كنت شغوفا أن أدرس التصوف للمعرفة، وفهم تجربة ~~أمثال عم «حسن سمك». # لم تنفع الساعتان اللتان أوفرهما كل يوم للجلوس إلى كتابات ~~الشيخ؛ ف «ابن عربي» يريد منك التفرغ له حتى تستطيع أن تنال بعضا ~~من جوانبه. عاما كاملا وأنا لا أستطيع عمل شيء. قامت مظاهرات ~~الخبز التي أطلق عليها «السادات» «انتفاضة الحرامية»، ومظاهرات ~~الطلبة داخل الجامعة، فتم تعديل لائحة اتحادات الطلاب بالجامعة ~~التي أطلق عليها «اللائحة المشبوهة»؛ لتجعل الاتحادات تحت سيطرة ~~إدارة الجامعة، وكذلك إقامة الأسوار حول الجامعة، وسيطرة الأمن على ~~أبوابها، وأصبح هناك مكتب للأمن بكل كلية، ومكتب عام للأمن ~~بالجامعة؛ ليصبح وجود أمن وزارة الداخلية وجودا رسميا بالجامعة. ~~الحياة الفكرية داخل الجامعة تختنق يوما بعد يوم. لم يكن لي عزاء ~~في هذه الحياة الجامعية غير التواصل مع الأجيال الجديدة من خلال ~~التدريس والتعامل مع البراعم الفكرية الجديدة، وهي سعادة ما بعدها ~~سعادة. أتت إلى قسم اللغة العربية منحة عامين للدراسة بجامعة ~~«بنسلفانيا» بأمريكا، ولم يتقدم إليها أحد. أردت أن أذهب إلى دولة ~~تتحدث الإنجليزية، فوجدتها فرصة للذهاب، لكن من شروط المنحة أن ~~يكون المتقدم حاصلا على الدكتوراه، والمنحة لدراسة الفولكلور ~~والعمل الميداني، وأنا لم أحصل على الدكتوراه بعد. وحضر الأستاذ من ~~جامعة «بنسلفانيا»، وحاولت أن أقنعه بصلة موضوع التصوف الذي ~~أعد رسالتي للدكتوراه فيه وبين الفولكلور، مثل الموسيقى الصوفية ~~والأناشيد والأوراد والأذكار والاحتفالات الصوفية الشعبية. وسألني ~~الأستاذ: وكيف نضمن أن تعود ولا تمكث في أمريكا؟ وكأنها جنة الله ~~على الأرض. فقلت له: ms037 تأكد تماما أني أفضل وجودي هنا في مدرج ~~ثمانية عشر مع طلابي عن أي مكان في الدنيا، كل ما أريده هو العلم ~~والمعرفة لخدمة هذا الوطن. وافقت اللجنة على حصولي على المنحة، ~~ولكن بشروط أقل؛ لأني لست حاصلا على الدكتوراه، وتحدد موعد ~~سفري أنا والدكتور «أحمد مرسي» المتخصص في الأدب الشعبي ~~بقسمنا. # | من غرب لشرق # 1 # وصلت أنا ود. «أحمد مرسي» إلى مطار كنيدي بنيويورك، وفي انتظار ~~الطائرة التي ستأخذنا إلى مدينة «فيلادلفيا» بولاية «بنسلفانيا»، ~~فتحدثت إلي إحدى السيدات المنتظرات في الصالة. ولم أفهم من ~~كلامها شيئا، فأصابني ذعر، على ما درسته بالجامعة الأمريكية. ~~حاول «أحمد» أن يخفف من ذعري، فقال إنه لم يفهم من كلامها ~~شيئا، وقال إن لهجتها غريبة عليه هو أيضا وقد زار أمريكا من قبل. ~~بالجامعة التقينا الدكتور «توماس نيف»؛ أمريكي من أصل لبناني، ~~وهو المشرف على المنحة من قسم دراسات الشرق الأوسط بالجامعة، ~~والذي أخبرني أن أحصل على دورة لغة إنجليزية بالجامعة، فذهبت ودفعت ~~خمسمائة دولار من جيبي للدورة، ولم أستفد شيئا، كلها مبادئ عامة ~~أعرفها، فطلبت مستوى أعلى. أخبرني المحاضر أن هذا أعلى مستوى ~~للغة الإنجليزية كلغة ثانية. فطلبت أن ترد إلي نقودي؛ فلن ~~أسمح لأحد أن يخدعني في بلاد «العم سام». رفض المحاضر؛ لأن ~~الدورة بدأت وفات موعد استرجاع الاشتراك. شعرت أنني يغرر بي، ~~فذهبت إلى د. «توماس نيف» وقلت له: أنت أخبرتني أن آخذ هذه الدورة، ~~وأنت الأستاذ المشرف، فيجب عليك أن ترد لي نقودي. فقال: أنا ~~تصورت أنك تحتاج إلى الدورة ككل الطلبة، فلماذا أدفع النقود؟ ~~تدخلت زوجته «جين» في الحوار ووجدتها تقول له: «توماس»، هو عنده ~~حق، أنت الذي نصحته بهذا وأنت المشرف، وكلامك يؤثر، فيجب أن تدفع ~~له النقود من جيبك الخاص. ودفع لي الخمسمائة دولار، فشعرت أنني في ~~مجتمع لا يضيع فيه حق إذا سعيت وراءه. # عرفني د. «أحمد» على الكثير من الأساتذة، ومنهم دكتور مصري في ~~الأنثروبولوجي بجامعة قريبة، «عبد الحميد الزيني»، له بأمريكا ~~عمر طويل، وكان ms038 لحواراتي معه أثر كبير في توجيهي لقراءات كثيرة. ~~لم يمكث د. «أحمد مرسي» كثيرا؛ فقد تم اختياره مستشارا ثقافيا ~~لمصر في إيطاليا، وكان مترددا في القبول، لكني ألححت عليه ~~بالقبول حتى قبل، فأصبحت أعتمد على نفسي. أخذت مكانا متواضعا ~~في بيت سيدة عجوز في أجوار الجامعة، وبينما تعطيني صاحبة البيت ~~المفتاح للمسكن سألتني: أنت من أين يا بني؟ ~~- من مصر. ~~- مصر! ودي فين؟ ~~- في أفريقيا - والتجهم على وجهها - هل تعرفين الأهرامات وأبو ~~الهول؟ الحضارة المصرية لها سبعة آلاف عام. ~~- سبعة آلاف عام؟ هذا مستحيل! ~~- مستحيل ليه؟! دا تاريخ. ~~- على حسب «الإنجيل»، الحياة بدأت على الأرض منذ ستة آلاف عام ~~فقط. # شعرت أنه لا طائل من الاستمرار في الحوار. الكثير من الأمريكيين ~~يعتمدون على الإنجيل كمصدر لمعرفتهم التاريخية، كما يفعل كثير من ~~المسلمين مع القرآن. وصدمت من تقوقع الأمريكيين وجهلهم بالعالم ~~وتركيزهم على ما يحدث داخل حدود وطنهم، بل حتى حدود المدينة أو ~~المنطقة التي يعيشون بها. # الهدوء والانتظام في الحياة الجامعية ساعداني أن أقرأ في كتاب ~~«الفتوحات المكية» الذي استعصى علي في القاهرة بزحامها، فظللت ~~عاما كاملا لا أتخطى الصفحات الثلاثين الأولى؛ سحر الخطبة ~~يجذبني للعودة إلى فك طلاسمها الرمزية، فوجدتني أدخل إلى عالم ~~الصوفي الكبير «ابن عربي» بلا معوقات، عالم يستعصي دخوله دون ~~إلمام بمعرفة واسعة بالتراث الإسلامي؛ فكل ثلاثة أسطر تجد آية ~~قرآنية يستشهد بها. كانت تراودني دائما كلمة «تأويل»، وأريد أن ~~أبحث عن معناها بالإنجليزية، فحاولت البحث عن # Super ~~interpretation # أو # Ultra ~~interpretation ~~، حتى اتصلت بأستاذي «حسن حنفي» ~~الذي يجيد عدة لغات، فقال لي: # Hermeneutic ~~. وبدأت أجمع الكتب ~~ذات الصلة، بالهرمنيوطيقا التي استخدمتها بمعنى «التأويلية»، فوجدت ~~تراثا كبيرا من المؤلفات، وكانت القراءة صعبة ومستغلقة، ~~وشعرت بفشل وعجز عن الفهم. كنت لا أبرح المكتبة إلا للتدخين، ومن ~~شدة انجذابي توقفت عن التدخين، وأصبحت أمكث في المكتبة من ~~الصباح حتى الحادية عشرة مساء، لكني في نفس الوقت طالب في قسم ~~الفولكلور، وعلي أن أحضر محاضرات وأكتب أوراقا بحثية. وكان ms039 ~~القسم يتعامل مع الفولكلور بمفهوم واسع؛ محاضرات في تحليل النصوص، ~~وفي اللاهوت، والأنثروبولوجي. وكان الأستاذ يعطي فكرة عن المنهج ~~الدراسي، وبعدها نلتقي في مسكنه للحوار. كان المناخ الأكاديمي ~~والعلمي جميلا، فدخلت في القراءة في اللغويات الحديثة، ~~والسوسيولوجي، والأنثروبولوجي. # ذهبت إلى السوبر ماركت الضخم لقضاء بعض الاحتياجات، وكانت سيدة ~~عجوز تمر بعربة مشترياتها، وبداخل العربة قطتها الجميلة على ~~أهبة القفز من العربة، فأمسكت بها قبل أن تفعل. شكرتني السيدة ~~برقة، وسألتني: من أين؟ فلما أجبتها وجدتها تقول لي: لماذا لا ~~تقبلون اليهود يعيشون معكم؟ فقلت لها: أظن أن اليهود ~~الإسرائيليين هم الذين يرفضون أن يعيش الفلسطينيون معهم. # استمرت السيدة بحدة: إنها «أرض الميعاد» التي ورثها ~~«إسحاق» عن أبيه «إبراهيم». # حاولت أن أتحدث بهدوء: هذا حق، إننا نتحدث عن «أرض ميعاد»، لكن ~~إبراهيم كان له ولدان، «إسحاق» و«إسماعيل»، هل ترين من العدل أن ~~يصطفي «إبراهيم» «إسحاق» فقط ليرثه. # 2 # بعد فترة عسرة بدأت مصطلحات ومفاهيم «الهرمنيوطيقا» تتفتح لي، ~~وازدادت درجة فهمي. قرأت في الفلسفة الوجودية وعن العلاقة بين ~~الأنا والوجود، وأدركت مدى اعتماد العلوم الاجتماعية والإنسانية ~~على التفسير، تفسير الظواهر؛ مما يجعل نظرية التأويل - أي القواعد ~~العامة التي تقوم عليها عملية التفسير - مهمة في هذه العلوم؛ فهذه ~~العلوم تحتاج إلى نظرية تأويلية. وجدت إعلانا في الجامعة عن ~~برنامج تدريسي عن مادة التأويلية (الهرمنيوطيقا)، وكان التسجيل فيه ~~بتصريح خاص من الأستاذ، فذهبت أقابله، وطلبت أن أدرس «الكورس»، ~~فأخبرني أني الطالب الوحيد في الجامعة الذي فهم معنى هرمنيوطيقا ~~وأهميتها. ولم يكن يعرف ماذا يمكن أن يفعل، فسألني لماذا أريد ~~دراسة «الكورس». وبعد حوار طويل قال: أنت عندك أسئلة من ثقافتك؛ ~~أنت من ستجيب عليها، ومعرفتك التي حصلتها هي البدايات التي كان ~~«الكورس» سيساعدك فيها، والآن أنت تعرفها، فاستمر. # أين تكمن الحقيقة؟ هي مشكلة «محيي الدين ابن عربي»، وهي نفس ~~المشاغل والإشكاليات التي تتعامل معها نظرية التأويل. مشكلة «الذات ~~والموضوع» والصلة بينهما. هل الحقيقة تكمن في الذات أم في الخارج ~~أم في العلاقة بينهما؟ «ابن ms040 عربي» يرى أن الحقيقة تتشكل وتتلون ~~كتشكل الماء بشكل الإناء الذي يستقبله، وكتلون جلد الحرباء ~~حسب لون السطح الذي تعيش عليه؛ فالحقيقة ليست خارج الوعي، لكنها ~~نتاج العلاقة بين «الذات» و«الموضوع». وإشكال آخر؛ هل الحقيقة ~~ذاتية بشكل كامل أم يمكن التحدث عن تداخل بين «الذات والموضوع»؟ ~~بدأت أشعر أن الحدود الفاصلة وهمية بين اهتمامات الهرمنيوطيقا أو ~~التأويلية، وما أقرؤه في الثقافة العربية الإسلامية وكتابات «ابن ~~عربي». نعم هناك إجابات مختلفة باختلاف الثقافة واللغة، لكن هناك ~~هموما مشتركة. كلما قرأت في «ابن عربي» وفي تراث الهرمنيوطيقا ~~الغربي، شعرت بالحاجة إلى نقل هذه المفاهيم والأفكار إلى اللغة ~~العربية، وفكرت في الإعداد لأول مقال طويل أو دراسة قصيرة سوف ~~أكتبها عن الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص. # الهرمنيوطيقا أو التأويلية قضيتها الرئيسية هي تفسير النص، ~~بالتركيز على علاقة المفسر بالنص، وهي مصطلح استخدمه ~~اللاهوتيون في تعاملهم مع الكتاب المقدس عام 1062ه/1654م، ~~ويقصدون به القواعد والمعايير التي يتبعها المفسر في تفسير ~~النص، ويفرقون بينها وبين عملية التفسير نفسها؛ عملية تطبيق هذه ~~القواعد والمعايير. واتسع مفهوم المصطلح في تطبيقاته الحديثة، ~~وانتقل من مجال علم اللاهوت إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية ... ~~إلخ. والتأويلية في تركيزها على علاقة المفسر بالنص لا تخص ~~فقط الفكر الغربي، بل لها وجودها في تراثنا العربي القديم والحديث. ~~وعلاقتنا مع الفكر الغربي يجب أن تكون علاقة حوار جدلي؛ فلا نكتفي ~~بالاستيراد والتبني، بل ننطلق من همومنا الراهنة وواقعنا؛ فلا ~~نلهث وراء كل جديد لمجرد أنه جديد. # فعلى مستوى تفسير القرآن في تراثنا القديم كان التفسير بالمأثور ~~والتفسير بالرأي أو التأويل. الأول يهدف للوصول إلى معنى النص كما ~~فهمه المعاصرون لنزوله، بجمع الأدلة التاريخية واللغوية. والتفسير ~~بالرأي نظر إليه على أنه تفسير غير موضوعي؛ لأن المفسر يبدأ ~~من موقفه الراهن يحاول أن يجد سندا في القرآن لموقفه. الاتجاه ~~الأول يتجاهل المفسر ويلغي وجوده لحساب النص، بينما لا يتجاهلها ~~الاتجاه الثاني. وفي واقعنا النقدي الحديث، المعضلة تتمثل في أن ~~كل ناقد يعتقد أن تفسيره هو التفسير الصحيح، ms041 كما قصده المؤلف، ~~وانظر إلى الدراسات عن «نجيب محفوظ»؛ فهو عند ناقد كاتب ~~الاشتراكية الأول، وعند ناقد آخر هو كاتب الإسلامية ~~الروحية. # العلاقة بين الفن والأدب، أو الإبداع والعالم، منذ «أفلاطون ~~وأرسطو» حتى العصر الحديث فيما عرف بالكلاسيكية، تؤكد دور ~~الواقع الخارجي على حساب دور الفنان أو المبدع من خلال ~~المحاكاة. وجاء تيار الرومانسية ليؤكد دور المبدع على حساب ~~الواقع، وركز على العمل الأدبي بوصفه تعبيرا عن عالم الفنان ~~الداخلي، فحولت عملية نقد العمل الفني إلى انطباعية. ومع مرحلة ~~الجزر الرومانسي خطت الدراسة الأدبية على يد «ت. س. إليوت» خطوة ~~جديدة جعلت النص هو محور اهتمامها، منكرة علاقته بمبدعه أو ~~الواقع؛ وذلك بالتركيز على تحليل النص وترك مجال علاقته بالمبدع ~~أو الواقع لمجالات أخرى تدرسها غير النقد الأدبي. وجاءت البنيوية ~~(البنائية) مستفيدة من مناهج علم اللغة، في البحث عن البنية التي ~~تؤدي إلى اكتشاف نظام العمل الأدبي، فيتم تجاوز ثنائية «الذات ~~والموضوع» بإخضاعها إلى فكرة النظام. من هنا دور التأويلية ~~(الهرمنيوطيقا) لتركيزها على علاقة المفسر بالنص، والتي ~~أهملتها كل النظريات. # قرأت عن جهد الألماني «شليرماخر» ~~(1180ه/1768م-1248ه/1834م) بالخروج بالتأويلية من مجال علم اللاهوت ~~ودراساته لتكون علما قائما بذاته. النص وسيط لغوي ينقل فكر ~~المؤلف إلى القارئ؛ ففيه جانب موضوعي مشترك بين المؤلف ~~والقارئ يجعل عملية الفهم ممكنة. وأيضا يشير النص إلى الفكر ~~الذاتي لمبدعه في طريقة استخدام المبدع الخاص للغة. والعلاقة ~~بين الجانبين علاقة جدلية. وهدف القراءة هو فهم النص كما فهمه ~~مؤلفه. ورغم النقلة المهمة للهرمنيوطيقا على يديه ومفهومه ~~عن الدائرة التأويلية، فإنه حرص على وضع قوانين ومعايير لعملية ~~التفسير تحاشيا لسوء الفهم، فطالب المفسر أن يتباعد عن ذاته ~~وأفقه الراهن. # وفيلسوف التاريخ الألماني «ويلهلم ديلثي» ~~(1247ه/1833م-1328ه/1911م) حاول تأسيس منهج موضوعي للإنسانيات ~~بالتركيز على تحليل حقائق الوعي؛ فالتجربة الذاتية هي أساس ~~المعرفة، والتأويلية عنده تدخل في إطار أكبر من النص، تركز على ~~فهم التجربة كما يفصح عنها العمل الأدبي من خلال معايشة التجربة ~~التي يعبر عنها النص؛ فمن خلال المعايشة ms042 يفهم الإنسان نفسه، ~~وليس من خلال التأمل العقلي، بل من خلال التجربة. وتركيزه على ~~تجربة الحياة ودور المفسر في عملية الفهم أثرا في فكر من ~~أتوا بعده. # الفيلسوف «مارتن هيدجر» (1305ه/1889م-1395ه/1976م) حاول إقامة ~~التأويلية على أساس فلسفي، أو يقيم الفلسفة على أساس تأويلي؛ ~~فوعي الإنسان لوجوده يفصح عن نفسه خلال تجربة حية وفهم آني ~~تاريخي يتشكل من تجارب يمر بها الإنسان؛ فالأشياء تتجلى لنا، ~~والعالم يكشف نفسه للإنسان من خلال عمليات مستمرة من الفهم ~~والتفسير، واللغة هي التجلي الوجودي للعالم. ونحن لا نلتقي النص ~~خارج إطار الزمان والمكان، نلتقي به متسائلين هذه الأسئلة التي هي ~~الأساس لفهم النص وتفسيره، لكن «هيدجر» أغفل الخاصية المميزة ~~للفن، وأهدر ذاتية المبدع في سبيل التجربة الوجودية. # و«هانز جادامر» الألماني أيضا (1316ه/1900م-1421ه/2002م) في ~~كتابه الماتع الذي أعجبت به كثيرا # Truth and ~~Method ~~«الحقيقة والمنهج»، الذي أقام عملية ~~الفهم على أساس جدلي، ونقد الهرمنيوطيقا منذ شليرماخر مرورا ب ~~«ديلثي»، وركز على عملية الفهم ذاتها؛ فالتاريخ ليس وجودا ~~مستقلا في الماضي عن وعينا الراهن، وحاضرنا ليس معزولا عن تأثير ~~التقاليد التي انتقلت إلينا عبر التاريخ؛ فالوجود الإنساني تاريخي ~~ومعاصر في نفس الوقت؛ فالتاريخية تراكم لخبرة الوجود في الزمن. ~~واللغة لا تشير إلى الأشياء، بل الأشياء تفصح عن نفسها من خلال ~~اللغة. وقد أقام تأويليته متأثرا بجدلية «هيجل» على أساس جدلي ~~مثالي، لكني أختلف معه بأن «الوجود الإنساني مشروط بلحظة ~~تاريخية معينة، وبإطار اجتماعي يحدد شروط هذا الوجود ~~وآفاقه؛ فالذاتي والموضوعي في حالة علاقة جدلية محكومة بالشروط ~~الاجتماعية المادية والتاريخية التي تتم فيها المعرفة». وتعد ~~إقامة الهرمنيوطيقا عند «جادامر» على أساس جدلي إضافة حقيقية؛ ~~ولكنها تحتاج لتأسيس الجدل على أساس مادي. # وكتابات الإيطالي «بيتي» (1306ه/1890م-1386ه/1968م)، والفرنسي ~~«بول ريكور» (1329ه/1913م-1424ه/2005م)، والأمريكي «هيرش» المولود ~~في 1345ه/1928م، الذين يحاولون إقامة نظرية موضوعية في التفسير؛ ~~وذلك بإقامتها على منهج موضوعي صلب، لكنها لم تعد عندهم فلسفة، ~~بل علم تفسير النصوص، أو نظرية التفسير. «بول ريكور» ركز اهتمامه ~~الأساسي على تفسير الرموز، وفرق ms043 بين طريقتين في التعامل مع ~~هذه الرموز؛ الأولى هي اعتبار الرمز نافذة نطل منها على عالم ~~من المعنى، والثانية التي يمثلها «فرويد وماركس ونيتشه» ~~بالتعامل مع الرمز باعتباره حقيقة زائفة يجب ألا نثق فيها، بل ~~نبحث عن المعنى المختبئ وراءها. ويرفض الفهم البنيوي للغة على ~~أنها نظام مغلق من العلاقات لا يدل على شيء خارجه. وهناك فرق ~~بين اللغة والكلام؛ فاللغة تمثل نظام الثبات، والمتكلم يختار ~~من الإشارات اللغوية واحدة دون الأخرى، ويقيم بين الإشارات ~~علاقات دون علاقات، من هنا يكون الكلام مصدر نظام التغير. والنص ~~المكتوب يشير إلى كاتبه، إلا أن له استقلالية في المعنى. وتصبح ~~مهمة المفسر هي النفاذ إلى عالم النص وحل مستويات المعنى ~~الكامن فيه؛ ظاهرا وباطنا، حرفيا ومجازيا، مباشرا وغير ~~مباشر. لكن «ريكور» أغفل علاقة المفسر بالنص؛ نتيجة لرد فعله ~~للبنيوية (للبنائية). # فرق «هيرش» بين المعنى والمغزى؛ فمعنى النص شبه ثابت يمكن ~~الوصول إليه من خلال تحليل النص، أما المغزى فمتغير، يقوم على ~~العلاقة بين النص والقارئ. وفرق بين المعنى «القصد» الذي أراده ~~المؤلف، والمعنى الكامن في النص. وما يعنينا هو المعنى الكامن في ~~النص، ويمكن الوصول إليه من فحص الاحتمالات العديدة التي يمكن أن ~~يعنيها النص. وهذه مهمة الهرمنيوطيقا التي يتجاذبها اتجاهان؛ ~~اتجاه التركيز على النص والمؤلف عند «بيتي» و«هيرش»، واتجاه يبدأ ~~من موقف المفسر الراهن باعتبار هذا الموقف (الوجودي) هو ~~المؤسس المعرفي لأي فهم عند «جادامر». # 3 # شعرت بدفء العلاقة مع رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط «توم نيف» ~~وزوجته «جين»؛ فقد عاشا في القاهرة سبع سنوات عندما كان «توم» يعمل ~~بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. أول مرة تناولت العشاء في بيتهم، ~~قالت لي: «شوف يا نصر أنا هعاملك مثل معاملة الأسر في مصر، سأضع ~~طعاما في طبق، وإذا قلت كفاية شكرا، سأستمر في وضع الطعام. ~~العادة هنا عندما تقول كفاية، الناس تكف عن وضع الطعام، فلا بد ~~تكون واضح بدون خجل، ولو كان فيه حاجة انت عايزها زي ملح أو ~~«مستاردة» أو صودا ومش موجودة ms044 على الترابيزة، لا تستحي أن تطلبها. ~~إيه الأخبار يا نصر؟ العصفورة قالت لي إنك خرجت للعشاء مع بنت من ~~الجامعة؟» فقلت لها: أبدا ما فيش حاجة بيننا، دا كان عشاء ~~عادي. # فقالت: «هو انت مكسوف؟ إذا كان الموضوع محرج لك ما فيش مشكلة؟» ~~حاولت أن أشرح لها: «لا، أبدا ما في إحراج، خرجنا وكان عشاء ~~عاديا لكن الكلام انقلب سياسة ونقاشا حول مفاوضات السلام في ~~كامب ديفيد، ومعاهدة «السادات وبيجن» الشهر الماضي. ولما عرفت ~~أني ضد سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، وضد تنازلات «السادات» في ~~شروط المعاهدة، المعلنة منها والسرية، وهي كمان «يهودية».» ضحك ~~توم زوجها، وعلا صوته: «خارج على عزومة عشاء مع بنت زي القمر، ~~ورايح تتكلم في السياسية ومصر وإسرائيل، دا أنت طيب أوي يا ~~نصر.» # حاولت أن أدفع ثمن العشاء، فاعتبرت دا تقليل من شأنها، ودخلنا ~~في جدل تاني. # انخرطا الاثنان في الضحك، ووضعت «جين» مزيدا من الطعام على ~~طبقي، وانقلب العشاء حوارا عن الوضع في البلاد العربية بعد معاهدة ~~«السادات وبيجن». # أحاول التعرف إلى الناس، وإلى ثقافة وعادات وتقاليد في المجتمع ~~الأمريكي. لاحظت التقسيم ليس فقط بين شمال «فيلي» - اختصارا ل ~~«فيلادلفيا» - وجنوب «فيلي» بين البيض والسود؛ فالمواصلات ~~العامة: الأتوبيسات تجد البيض يستخدمونها أكثر، والسود أكثر ~~استخداما للمترو تحت الأرض. داخل النوادي الليلية للسود أجد نفسي ~~بينهم، أستمتع بموسيقاهم. خرجت من النادي في طريقي إلى مسكني، وكان ~~الوقت متأخرا، حول مدخل المترو مجموعة من الشباب الزنوج، ولم يكن ~~أحد بالطريق، التفوا حولي في دائرة. شعرت أنها النهاية. اقترب ~~مني أحدهم، في الثامنة عشرة على الأكثر، وقال: أنت من أين؟ # حاولت أن أكون هادئا بقدر استطاعتي، وقلت: «من أفريقيا.» ~~واستكملت: «أنا من بلد اسمه مصر في أفريقيا.» قال: وماذا تفعل ~~هنا؟ # ما إن قلت «معلم» حتى بدأ يضحك بلهجة ساخرة يوجه حديثه ~~إليهم: «معلم، معلم. وماذا تعلم يا معلم؟» قلت بهدوء: «أدرس ~~اللغة العربية.» قال زعيمهم: «طيب يا معلم ادعونا لشراب في ~~بيتك.» ~~- ولم لا؟ لكن الوقت ms045 متأخر، وأنا عندي دروس في الصباح، لكن إذا ~~أحببتم تعالوا نشرب شيئا معا، لكن لازم أذهب للسرير في أقرب ~~وقت. # وجدت نوعا من الاستغراب على وجوههم. ولم أصدق نفسي أني أدعوهم ~~إلى مسكني، لكني كنت مرعوبا أن أقول لهم «لا». أخذنا المترو، ~~وطوال الرحلة وأنا أتصورهم الستة وهم يدخلون مسكني ويقتلونني. ~~وصلنا إلى البيت، دخلنا، سألني أحدهم: «عندك إيه للشرب؟ أنا عايز ~~بيرة.» ~~- في الواقع ليس عندي كحوليات؛ لأني لا أشرب ... وقلت بصوت خفيض ~~متحسسا: لكن ممكن نشرب شاي، وعندي عصير برتقال، أو لبن. # قال أحدهم متسائلا: «ليه لا تشرب الكحوليات؟» وقال آخر بسرعة: ~~«هو انت هوفا وتنس؟» من «شهود جهوفا» - بتعطيش الجيم - حاولت أن ~~أشرح لهم أن شرب الكحوليات ضد المعتقد والتقاليد الإسلامية، وفي ~~النهاية قدمت لهم ستة مشروبات مما عندي. وكانوا في أدب جم ~~داخل الشقة. سألوني بعض الأسئلة عما أدرس، وشكروني على الصحبة ~~وانصرفوا. # وجدت بالمكتبة كتابات أخرى للكاتب الياباني «توشيهيكو إيزوتسو» ~~(1331ه/1914م-1412ه/1993م) غير الدراسة التي قرأتها له وأنا أعد ~~رسالة الماجستير، # Revelation as a Linguistic ~~Concept in Islam # عن مفهوم الوحي من منظور ~~لغوي في الإسلام، فوجدت له دراسات أخرى، وكلها عن القرآن، وأرسلت ~~إلى زميل ياباني كان معي في جامعة القاهرة يدرس اللغة العربية، ~~وطلبت منه أن يصور لي بقية كتبه في اليابان، والتي لم أجدها ~~بمكتبة جامعة «بنسلفانيا». والدور الذي قام به «إيزوتسو» بتطبيق ~~منهج التحليل اللغوي على القرآن، ووجدت له قدرة تحليلية جميلة، ~~وسمعت عن ترجمته للقرآن إلى اللغة اليابانية. وعلمت أنه يدرس في ~~كندا، فقررت أن أقوم بجولة في أنحاء الولايات المتحدة، أزور ~~فيها جامعات ومكتبات أخرى للبحث عن مزيد من الكتب والدراسات عن ~~التأويلية وعن الدراسات القرآنية وعلوم اللغة والنقد والفلسفة. كنت ~~آخذ تذاكر أتوبيس أو قطار أو طائرة ذهابا وعودة، فزرت جامعة ~~«كاليفورنيا» و«بيركلي» وجامعة «برنستون»، وذهبت إلى مكتبات في ~~«نيفادا» و«أروجون»، وأنفقت الكثير من مالي على المواصلات، وعلى ~~تصوير كتب من هذه المكتبات والجامعات، وذهبت لزيارة أستاذ عراقي ~~بجامعة ms046 «هارفارد»، د. «محسن مهدي»، أستاذ الفلسفة الإسلامية ~~بالجامعة، وله كتابات عن «ابن خلدون والفارابي»، وله تحقيق ل «ألف ~~ليلة وليلة». وتحدثنا عن موضوع دراستي للدكتوراه ودراسات ~~الهرمنيوطيقا التي أقوم بها، وأعجب كثيرا بالأفكار التي طرحتها ~~عليه، فعرض علي منحة للدراسة ب «هارفارد» واستكمال الدكتوراه ~~بها، لكن عقلي متعلق بطلابي الجدد بمدرج ثمانية عشر. والحياة في ~~أمريكا لم تجذبني، على الرغم من الزخم الفكري والمعرفي الذي تواصلت ~~معه. ذهبت إلى كندا لمحاولة اللقاء بالأستاذ الياباني «توشيهيكو ~~إيزوتسو» الذي انبهرت بدراسته عن القرآن، لكن لسوء حظي كان في رحلة ~~إلى إيران في ذلك الوقت. عدت بعد شهرين من التجوال والترحال ~~داخل جوانب الولايات المتحدة، فلقيني الأستاذ «توماس نيف»، وأمسك ~~بذراعي وقال: «اختفيت فين يا نصر؟!» ~~- عملت رحلة في أرجاء أمريكا. ~~- هل زرت جامعات؟ ~~- بالطبع، ومكتبات أيضا، وأتيت بأحمال من الكتب التي صورتها ~~وجمعتها. ~~- طيب، سأدفع لك كل تكاليف الرحلة، أحضر لي وصولات التذاكر ~~والفواتير؛ لأن الذي كنت تفعله هو جزء من منحتك الدراسية، ولا ~~أعده مضيعة للوقت. # شعرت بعاطفة ناحية سكرتيرة تعمل في الجامعة اسمها «جانيت» من ~~أصول يونانية، شديدة الفخر بأصولها. كنا نستمتع بالحديث إلى ~~بعضنا بعضا، في الصباح الباكر، في أنحاء الجامعة، حتى إني عرضت ~~عليها الزواج، لكنها قالت: «نصر أنا عارفة مدى ارتباطك ببلادك، ~~ودراستك وأبحاثك، وأنا لا أقدر أذهب معك إلى مصر، موضوع الارتباط ~~دا لا ينفع ولا بد أن نحكم العقل والمنطق، ولو نشأت علاقة بيننا ~~سنتعذب نحن الاثنين.» # 4 # كنت أستعد للخروج إلى الجامعة، حينما فتحت خطاب صديق لي من ~~مصر يعزيني في وفاة أختي الكبرى «بدرية أم علاء» في الأربعين ~~(1940-1980م)، لم أصدق السطور. لقد كنت أتحدث إليهم في قحافة ~~منذ فترة بسيطة وسألت عنها، وقال لي أبناؤها إنها بالسوق. جلست على ~~أقرب مقعد في ساحة الجامعة، ولا أعرف ماذا أفعل. كنت مشدوها، وجرت ~~في ذهني سنواتنا معا، وحبها للمدرسة التي حرمها منها أبونا، ~~وزواجها الأول، حتى زواجها من ابن عمنا «السيد أبو زيد»، وأبناؤها. ms047 ~~اقترب مني أستاذ مصري من جامعة عين شمس، وما إن رأيته حتى ~~انخرطت في البكاء. ذهبت إلى مدير المركز «توم نيف» وحكيت له ما ~~حدث. هدأ من نفسي وقال: «يا نصر ، والدتك أخفت عليك لحمايتك، وهي ~~أقوى منك، ورجوعك سيقلب عليهم الألم. هذا هو التليفون اتصل ~~بهم، واعرف ما حصل. ولو أردت أعطيك التذكرة لتسافر فافعل، لكن ~~سفرك هيعمل إيه؟ زي ما أنت قلت إن الوفاة حدثت من مدة.» اتصلت بأخي ~~في قحافة، وسألته عن أختنا، قال: إنها في السوق. فقلت بحدة: لسه ~~هتكدبوا علي؟! فقال بصوت متأثر: نصر، أمك لم ترد أن ~~تؤلمك لأنها عارفة تعلقك بأم علاء، ولم يحدث شيء، لم تمرض، كانوا ~~بيجهزوا حاجات العيد، وفجأة السر الإلهي طلع، سكتة قلبية، وهي في ~~عز شبابها. الله يكون في عون أولادها وزوجها. وأمك حلفتنا كلنا إن ~~ما أحد يقول لك، وبعدين هتيجي تعمل إيه؟ هتقلب عليها المواجع، أنت ~~كمل دراستك ومذاكرتك، وتعالى، وأنت في غربة، وكنا مش عايزين ~~نزعلك عليها، وأمك منذ الخبر وهي بتبكي طول الوقت. # تبقى لي في المنحة خمسة أشهر، كنت أود أن تمر بسرعة. لم ~~أعد أستطيع ولا أطيق الوجود هنا، وسأضع همي في استكمال العمل ~~في رسالتي للدكتوراه. اتصلت ب «جابر عصفور» أطمئن منه على ~~الأحوال في القسم، فأخبرني بالمجلة الجديدة التي ستصدرها الهيئة ~~العامة للكتاب لتكون مجلة للنقد الأدبي، والتي يدعمها رئيس الهيئة ~~الشاعر «صلاح عبد الصبور» (1931-1981م)، وسيرأس تحريرها د. «عز ~~الدين إسماعيل»، و«جابر عصفور ود. صلاح فضل» نائباه. وطلب مني أن ~~أسهم في العدد الأول الذي سيصدر بنهاية العام. كنت قد بدأت في ~~قراءة كتاب «أدونيس» (1930م) «الثابت والمتحول»، فكتبت مقالي: ~~«الثابت والمتحول في رؤيا أدونيس للتراث.» للعدد الأول من مجلة ~~«فصول» الفصلية، عدد أكتوبر، سنة ثمانين. منذ أن ألقى «طه حسين» ~~حجرا في الشعر الجاهلي، وبدأت النظرة الديناميكية الحية للتراث. ~~ومع هزيمة يونيو (1385ه/1967م) ازداد الاهتمام بالعودة للتراث. ~~والعودة للماضي تبدأ من هموم الواقع؛ فهناك علاقة جدلية بين ~~الباحث ms048 وواقعه وبين التراث. لا شك أن للتراث وجودا، على المستوى ~~الأنطولوجي أو الوجودي، كان منفصلا في الماضي، لكن على المستوى ~~المعرفي الإبستمولوجي هناك تواصل. التراث موجود في حياتنا بأشكال ~~متعددة، والعلاقة بين الماضي والحاضر وبين الباحث والتراث علاقة ~~جدلية. ولا توجد قراءة بريئة؛ بمعنى أنها لا تبدأ من هموم وأسئلة ~~يطرحها الواقع على الباحث. وعلى الباحث الواعي أن يوائم بدقة بين ~~رؤيته وحقائق التراث. ووعيه بطبيعة هذه العلاقة هي العاصم من الشطح ~~أو الوثب بعيدا. من هذا المنطلق قرأت كتاب «أدونيس». وإشكالية ~~التراث عنده رد فعل لتوظيف الثقافة السائدة للتراث؛ خدمة ~~لأهدافها. وبما أنه مفكر «طليعي» فقد فرق بين الثقافة السائدة ~~والثقافة الطليعية التي يمثلها، وهذا الموقف من الواقع شكل ~~نظرته للتراث. وعلى المستوى التطبيقي نفر من الماضي نفوره من ~~الثقافة السائدة. دراسة التراث في هذه الحالة لا تكون علاقة إخصاب، ~~بل علاقة هدم وليس علاقة تجديد. وثنائية «الإبداع والاتباع» ناتجة ~~من كونه شاعرا، فينظر إلى التراث على أنه مادة محايدة يستخدمها، ~~فللمبدع أولوية على التراث؛ فتصورات «أدونيس» للعلاقة بواقعه ~~وبالتراث أوقعته في الانتقائية والتحيز غير المنضبط منهجيا. إن ~~إنجاز هذه الدراسة الحقيقي هو إدراك العلاقة بين عناصر التراث ~~ومستوياته، وإن كانت قد وحدت بطريقة ميكانيكية أحيانا بين هذه ~~المستويات. # 5 # تجدد جرح فقد أختي «بدرية» بعودتي. أمي كانت قد عادت إلى ~~قحافة، لكن لقاء ابن عمي وأرمل أختي «السيد أبو زيد»، ورؤية أوضاعه ~~مع أطفاله، جدد الأحزان وقلب المواجع. ولم يكن يعرف شيئا عن ~~البيت وعن الأطفال؛ فقد كانت تحمل عنه كل شيء. فقرر أن يتزوج، ~~وفاتحني في الموضوع. وكانت أمي في حالة غضب كبير منه لعدم ~~احترامه لذكرى أختي، في نظرها. ربما أمي تقارن نفسها به لرفضها ~~الزواج بعد أبي، وعكوفها على تربيتنا. أمي رفضت تماما حضور مناسبة ~~زواجه، كنت مقدرا وضعه وحاله، فذهبت أهنئه. اقترب مني ~~وقال: «أنت لا تعرف مجيئك دا معناه إيه بالنسبة لي يا «نصر»، ~~«بدرية» تركت فراغا كبيرا في حياتي وحياة الأولاد، واحنا ms049 هنعمل ~~حفل على الضيق كدا احتراما لذكراها.» نظرت إليه وأنا أبتسم وقلت ~~له: «لا يا سيد، دا أول فرحة لعروسك، وهي ذنبها إيه، لازم تفرح ~~ليلة عرسها، ودعواتي لك ولها بالسعادة.» وجدت نظرة امتنان في ~~عينيه. وباركت لعروسه وانصرفت. # بدأت أمي وأخواتي في الإلحاح علي في الزواج؛ فقد بلغت السابعة ~~والثلاثين، وبدأت محاولات أمي وأخواتي في البحث عن عرائس لي، حتى ~~ظهرت «أحلام» زميلة أختي «كريمة» في العمل بجامعة القاهرة، وتم ~~الزواج بسرعة. وكنت قد حصلت على شقة من المساكن الشعبية في الدور ~~السادس؛ مما سهل عملية الزواج، وكانت فرحة أمي كبيرة يوم الفرح، ~~حتى إنها قامت ورقصت، وكانت من المرات القليلة التي رأيتها تضحك، ~~وكأنها تقول لنفسها إنها أدت المهمة، وعبرت بأسرتها إلى بر ~~الأمان. حاولت «أحلام» أن توفر جوا من السكينة والهدوء في ~~البيت، وحاولت بقدر الإمكان أن أشركها في اهتماماتي الفكرية. ~~أنهت أختي الصغرى «آية» دراستها الجامعية، وقررت وخطيبها ~~الزواج مباشرة، والذهاب إلى السعودية للعمل. وبزواجها تمت ~~مهمتي؛ ثلاثة وعشرين عاما منذ وفاة والدي. # بدأت أركز على الانتهاء من كتابة رسالتي للدكتوراه حتى ~~أناقشها. وما إن انخرطت في الكتابة حتى باغتني خبر وفاة أستاذي ~~المشرف على رسالة الدكتوراه؛ «عبد العزيز الأهواني» ~~(1915-1980م). لم يقدم لي يوما إجابة بل سؤالا أدخل به في ~~عالم جديد وأعود إليه بعد مدة بإجابات، فيلقاني بسؤال آخر. رحل ~~بعد سبع سنوات معا، يتركني والرسالة لم تكتمل بعد. لكن الدكتور ~~«محمود علي مكي» (1929م) أخذ مكانه في الإشراف على الرسالة وأصبح ~~خير معين. وبدأت أحضر ندوة الثلاثاء ببيت د. «شكري عياد» ~~(1999-1921م) التي كانت خير معين في كتابة الفصل التمهيدي للرسالة، ~~من مناقشة الأفكار مع مرتادي ندوة الثلاثاء. وقرأت أجزاء من ~~البحث على أستاذي د. «عبد المحسن طه بدر» (1932-1990م) لأخذ ~~رأيه. # هناك فجوة بين المنطلق النظري الذي تقوم عليه دراستي للدكتوراه ~~والتطبيقات التي أقوم بها؛ فعلى المستوى النظري هناك علاقة جدلية ~~بين المفاهيم النظرية والنصوص التي يقوم بتأويلها «ابن عربي»، لكن ~~الإجراءات ms050 التي طبقتها في الرسالة كانت تسلم ضمنيا بهيمنة ~~تصورات «ابن عربي» الفلسفية على تأويله للنصوص الدينية التي تستجيب ~~استجابة سلبية لتنطق بما يريده؛ فقد ركزت على تحليل مضمون خطاب ~~«ابن عربي» دون التركيز على بنية الخطاب؛ مما أدى لإهدار الدلالة ~~الكلية للخطاب. ومما جعلني أهمل سياق حياة وخطاب «ابن عربي»، ~~وأكتفي ببعض عناصر الخطاب السطحية المنتجة للدلالة الأيديولوجية، ~~أني أريد أن أعيد كتابة الرسالة مرة أخرى كي أركز على قضايا ~~التأويل عند «ابن عربي» لتكون هي متن الرسالة، وفلسفته هي الهامش؛ ~~لأني استغرقت في شرح فلسفة «ابن عربي» بالرسالة أكثر من اهتمامي ~~بقضايا التأويل. # دخلت على الدكتور مكي، وما إن رآني قال: «أين الرسالة، لماذا لم ~~تطبع؟ لقد أجزت الرسالة للطبع.» قلت: «لكني لم أجزها بعد.» ~~وحاولت أن أشرح له قلقي وما أفكر فيه. قاطعني قائلا: «اطبع ~~الرسالة، أنا ما صدقت أنك وصلت للشاطئ، لن أتركك تغرق في بحار «ابن ~~عربي» مرة أخرى، اطبع واستفض بدراسات في المستقبل، «ابن عربي» ~~بحاره واسعة، أخذت الكثير ومرت أعمارهم ولم يخرجوا.» وفشلت كل ~~محاولاتي معه، فبدأت بهمة أنهي الفصل التمهيدي. وكنت أحاول أن ~~أعدل بعض الصياغة كلما تناقشت مع زوجتي؛ حتى يستطيع القارئ ~~العادي أن يصل إلى المعنى. وانخرطت في نقاش طويل مع «جابر عصفور» ~~منذ عودتي من الولايات المتحدة. استفدت من نقاشنا في الكتابة. ~~وعاونني الصديق العزيز «سيد البحراوي» في مراجعة العمل وكتابة ~~قائمة بالتصويبات. وقد انتهي «محمود عبد المنعم أبو هشيمة» من نسخ ~~معظم أجزاء الرسالة بخط يده، واستكملت أنا الباقي، وقامت «أحلام» ~~بعبء تصوير نسخها لكي توزع على اللجنة المناقشة. صدر العدد ~~الثالث من مجلة «فصول» في شهر أبريل سنة إحدى وثمانين، وبه دراسة ~~لي بعنوان «الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص» لتكون أول دراسة تعرض ~~لفلسفة «الهرمنيوطيقا» أو التأويلية باللغة العربية. استقبلت ~~الدراسة بترحاب ونقاش كبير في ندوة الثلاثاء في بيت الدكتور ~~«شكري عياد». # 6 # بمدرج واسع في كلية الآداب، عم الحضور من الأهل والأصدقاء، ~~وأمي وزوجتي، وفي ليلة رمضانية حارة ms051 بشهر يوليو، وفي ظل ظروف ~~احتقان سياسية صعبة تمر بها مصر، التقى أعضاء لجنة المناقشة ~~بأروابهم السمراء. بدأ الدكتور «محمود علي مكي» المشرف، بصوته ~~الرخيم وخصلات شعره الجافة التي يمتزج فيها البياض والسواد ~~وبشرته الداكنة، يقول: نجتمع في إحدى الليالي اليتيمات من شهر ~~رمضان المبارك ليلة التاسع والعشرين الموافق الثلاثين من يوليو ~~سنة إحدى وثمانين، ولعلها تكون ليلة القدر، لمناقشة رسالة الطالب ~~نصر حامد رزق عن التأويل عند قطب من أقطاب الفكر الصوفي، «محيي ~~الدين ابن عربي»؛ لنيل درجة الدكتوراه في علوم اللغة العربية. ~~ويسعدني أن يشارك في مناقشة الباحث اليوم الأستاذ الدكتور ~~«شكري عياد» الذي لا أحتاج إلى التعريف به؛ فهو باحث له شأنه ~~المعروف في ميدان الدراسات العربية، وخصوصا ما يتعلق منها بالفن، ~~والتصوف فكر وفن. ويسعدنا أن يكون معنا أستاذ جليل آخر، له في ~~التصوف جولات كثيرة علما وعملا، الأستاذ الدكتور أبو الوفا ~~التفتازاني. وأترك الكلمة للطالب ليقدم تلخيصا للبحث مع مراعاة ~~الوقت، فليتفضل. # بدأت الحديث بقولي: «فليسمح لي الأستاذ الدكتور «مكي» وأساتذتي ~~الأجلاء بالوقوف دقيقة حدادا على أستاذي المرحوم «عبد العزيز ~~الأهواني».» ثم بدأت: إن دراسة الدكتوراه بشكل ما استكمال ~~للماجستير لدراسة جانب آخر من تراثنا في تعامله مع النص الديني، من ~~خلال علاقة المفسر بالنص في التعامل مع الفكر الصوفي؛ فتعرضت ~~لفلسفة «ابن عربي» في جوانبها المتعددة لكي أكشف عن فلسفته في ~~تأويل النص الديني. وانقسمت الدراسة إلى تمهيد وثلاثة أبواب. في ~~التمهيد تعرضت لمغزى دراسة قضية التأويل عامة في ثقافتنا ~~الراهنة، وتطور مفهومي للتأويل من المفهوم العام الذي انطلقت منه ~~بأفضلية التفسير لموضوعيته عن التأويل لذاتيته، وتعرضت ~~للدراسات السابقة عن «ابن عربي». وفي الباب الأول عن التأويل ~~والوجود، حللت مراتب الوجود المختلفة عند «ابن عربي». والوجود ~~عنده خيال، مثل ما يرى النائم. لكل مرتبة من مراتب الوجود فصل من ~~الفصول؛ ففصل عن الخيال المطلق، وفصل عن عالم الأمر، وآخر عن عالم ~~الخلق، ثم الأخير عالم الملك والشهادة، وكل هذه المستويات من ~~الوجود لها ظاهر ms052 وباطن. # الباب الثاني عن التأويل والإنسان. وهناك مستويات ثلاثة في تصور ~~«ابن عربي» لعلاقة الإنسان بالوجود. الأول علاقة الإنسان بالعالم؛ ~~جوانب التشابه والاختلاف بين الإنسان والعالم. والثاني دراسة ~~الجانب الباطن من الإنسان الذي خلق على الصورة الإلهية، وجمع في ~~حقيقته وباطنه حقائق كل الأسماء الإلهية. وفي الفصل الثالث ~~تعرضت لمعضلة المعرفة الإنسانية. وفي الفصل الأخير تحليل ~~للعلاقة بين الحقيقة والشريعة، من خلال رحلة «ابن عربي» التأويلية ~~التي تنتظم الوجود والنص معا. في الباب الثالث والأخير: عن القرآن ~~والتأويل، وهو تحليل للعلاقة بين القرآن والوجود، وتماثل مستويات ~~النص القرآني مع مراتب الوجود الأربعة في الباب الأول وتماثلها ~~مع مراتب العارفين في الباب الثاني. وهذا التماثل عند «ابن عربي» ~~يقوم على أن الوجود هو كلمات الله المرقومة، والقرآن هو كلمات الله ~~الملفوظة. في الفصل الثاني من هذا الباب الأخير خصصته للغة ~~والوجود، فحللت مفهوم «ابن عربي» للغة في جانبيها الإلهي ~~والإنساني. والفصل الأخير من الرسالة كان لقضايا التأويل؛ حللت ~~فيه التنزيه والتشبيه والمحكم والمتشابه والجبر والاختيار ~~والثواب والعقاب، كنماذج لتأويل «ابن عربي». ~~«إن هذا البحث مدين بأجمل ما فيه إلى كل من د. «أحمد مرسي» ~~الذي زاملني في رحلة أمريكا في بدايتها، وكان نعم العون والصديق، ~~والمرحوم د. «عبد الحميد الزيني» أستاذ الأنثربولوجي بجامعة «تمبل» ~~لنقاشي معه وتوجيهه لي، وكذلك الأخ والصديق أستاذي د. «عبد المحسن ~~طه بدر»، وإلى د. «جابر عصفور» والدكتور «سليمان العطار» على ~~نقاشهما الذي أفادت منه الدراسة كثيرا. وأخص بالشكر ندوة ~~الثلاثاء في بيت د. «شكري عياد»، والتي كان للنقاش فيها أكبر الأثر ~~في كتابة تمهيد هذه الرسالة. ولا يفوتني أن أشكر أهلي، وبالأخص أمي ~~- لم أتمالك نفسي وبدأت تخرج مع عيني دمعة وتنهيدة بكاء في صوتي ~~وأنا أذكرها - التي عانت معي الكثير حتى نصل إلى هذا البر؛ فهي ~~الدفء وهي الوطن؛ فإليها أحني رأسي وأهديها هذا العمل، وإلى زوجتي ~~«أحلام» التي قامت بمشقة بتصوير الرسالة، ورضيت أن يشاركنا «ابن ~~عربي» أسرتنا البسيطة. وإلى روح أستاذي الجليل وأبي ms053 المرحوم ~~الأستاذ الدكتور «عبد العزيز الأهواني»، أهدي أجمل ما في هذا ~~العمل إليه. وشكرا.» # ضجت القاعة بتصفيق الحضور، وبدأ د. «شكري عياد» المناقشة، ~~وصوته سعيد متذكرا ما حدث معه ومع زميله «محمد أحمد خلف الله» في ~~أربعينيات القرن العشرين وأستاذهما «أمين الخولي»، حين اضطر ~~«شكري عياد» نفسه إلى تحويل دراساته من الدراسات الإسلامية إلى ~~الدراسات البلاغية - بنظارته السميكة، وضحكته العالية، وروح ~~الدعابة التي لا تفارقه - قال: أخطاء الرسالة المطبعية قليلة، ~~وهذه قائمة بها، لكن أنت في التمهيد هاجمت الباحثين السابقين عليك ~~في فكر «ابن عربي» الذين حاولوا قياس فكره بمقاييس الفلسفة ~~الغربية. ما رأيك في أنك فعلت نفس الشيء؟ فأنت حاولت جذبه إلى ~~فلسفة الهرمنيوطيقا، لا أدري لماذا. # فقلت: معضلة القراءة هي مجال اهتمام التأويلية، حاولت أن أرى ~~الطريقة التي يتعامل بها «ابن عربي» مع النص القرآني، فحاولت دراسة ~~تأثير النص القرآني على مفاهيم «ابن عربي» مثل مفهوم البرزخ ~~مثلا. ~~- أنت كتبت دراسة جميلة عن الهرمنيوطيقا منذ أشهر، وأنا ~~مدين لابننا «جابر عصفور» أن أعارني بعض كتبكم الحديثة التي ~~تختالون بها على الناس - ضجت القاعة بالضحك - في المجلات ~~والندوات، وقلت إن فيها شيئا جليلا، خصوصا ما يدخل في اجتماعية ~~المعرفة، وأنا هنا أنطلق من منطلق اجتماعي معرفي معين، وهذا لم ~~يتم عندك «هرمنيوطيقيا» لكي تعالج تفسير «ابن عربي» لهذا النص ~~الديني. أنت في حاجة لهرمنيوطيقية الكتاب المقدس وليس لهرمنيوطيقا ~~عامة؛ لأن العامة ستدعوك إلى دراسة الكتاب في سياق فكري واجتماعي ~~معين. ولو أنك لم تلفظ المنهج التاريخي بالجملة لكان أمكنك ربط ~~«ابن عربي» بعصره وثقافة عصره. ~~- أعترف أن دراسة «ابن عربي» تحتاج إلى دارسين. ~~- يجب أن تعترف أيضا أن هذا التركيز على فلسفة «ابن عربي» كان ~~أولى أن تنفقه على مسألة التأويل، لكن كتاباته الغزيرة أوقعتك ~~في بحاره؛ فمحور البحث هو منهجه في التأويل، والباقي يكون مكانه ~~في الحاشية. أنا أحاول أن أستعيدك إلى قسم اللغة العربية، فلا ~~أعرف ماذا سيفعلون بك في قسم الفلسفة؛ فأنت معزز مكرم في قسم ms054 ~~اللغة العربية. وعندي نقطتان قد ينفعانك في دراساتك في المستقبل؛ ~~لأن العمر لم يعد يمهلني لدراستيهما؛ أولا: الحيرة؛ حيرة ~~«ابن عربي» أمام النص. الحيرة فكرة ومنهجية عند «ابن عربي». النقطة ~~الثانية: كلامه عن الحروف ودلالات الحروف. # ثم أثنى علي وعلى الدراسة. وبدأ د. أبو الوفا مناقشته، فتحدث ~~بدماثة خلقه وصوته وصوفيته الجمة، وشاربه الخفيف المهندم. ولم ~~يكن يرتدي بدلة كاملة ورابطة عنق مثل د. «شكري»، ود. «مكي». ~~فقال: أتعبتني هذه الرسالة؛ لأنها من الرسائل القليلة التي بذل ~~فيها جهد جدير بالتقدير. الباحث جريء؛ فنحن المتخصصين في ~~التصوف نجد صعوبة في فهم كلام «ابن عربي»، فما بالكم بباحث اقتحم ~~الميدان؟! أعجبت بشخصية الباحث وبجرأته في استخراج النصوص ~~وتحليلها. الموضوع جديد فيما كتبه الباحث عن القرآن والتأويل وعن ~~الألفاظ. لم يتعرض أحد من الباحثين لهذا الجانب؛ ف «ابن عربي» عالم ~~في اللغة، وقد استفدت شخصيا من هذا الفصل الأخير. أنا عندي ~~ملاحظات عامة. أتفق مع أستاذك «شكري عياد» أنك أطلت في ~~الأبواب الأولى، كنت ممكن تضع الجزء الأخير في الأول والباقي تشير ~~إليه في الهامش، أنت اعتمدت على المصادر الأصلية ونتاج «ابن عربي» ~~غزير، وأنت أحضرت نصوصه بدقة شديدة؛ مما جعل صفحات الرسالة تكبر، ~~لكن أنا أعتب عليك موقفك من دكتور أبو العلا عفيفي في التمهيد. أبو ~~العلا عفيفي دا، مصر لم تنجب مثله، وكان ممكن ينفعك جدا في ربط ~~«ابن عربي» بثقافة عصره. أنت وقفت مع «ابن عربي»، ومجلس الشعب ~~حاكم «ابن عربي» أخيرا، ومن حقك تنقده، وإلا حاكمك مجلس الشعب ~~أنت الآخر. مثلا في تعبير تجديد الشريعة، من فضلك بلاش تجديد ~~الشريعة. ~~- العبارة تتحدث عن تجديد الفهم. ~~- وانت أغفلت نقد «ابن تيمية» ل «ابن عربي»، وله نقد كبير، وأنا ~~أتفق مع الدكتور «شكري»، كنا نحتاج تفاصيل أكثر من ذلك في نماذج ~~التأويل عند «ابن عربي»، وأنا أعبر عن إعجابي واكتسابنا اليوم ~~باحثا جديدا ومهما في أدب التصوف. # ثم تحدث الدكتور «مكي» وقال: الفضل في هذا العمل يرجع إلى هذا ~~الغائب ms055 الحاضر العظيم «عبد العزيز الأهواني»، الذي أشرف على رسائل ~~تربط بين الفلسفة والتصوف. الباحث استهواه «ابن عربي»، فأصبح ~~عربيا - نسبة ل «ابن عربي» - وقد أشفقت على «نصر» من غزارة ~~إنتاج «ابن عربي»، لكن «نصر» لم يفقد الرؤية العامة ولم يته في ~~الغابة. # ثم خلت اللجنة لمناقشتها السرية، وعادت وقرأ الدكتور «مكي» ~~القرار: اجتمعت اللجنة المكونة من الأستاذ الدكتور «محمود على ~~مكي» مشرفا، والأستاذ الدكتور «شكري عياد» مناقشا، والأستاذ ~~الدكتور «أبي الوفا التفتازاني» مناقشا، في تمام الساعة التاسعة ~~مساء الثلاثين من يوليو، التاسع والعشرين من شهر رمضان 1981م، وبعد ~~المناقشة العلنية، قررت اللجنة منح الطالب «نصر حامد رزق» درجة ~~الدكتوراه في الآداب من قسم اللغة العربية بمرتبة الشرف الأولى. ~~انفجرت روح جميلة على المكان من فرحة في عيني أمي وأسرتي، وصعدت ~~على المنصة أسلم على أعضاء اللجنة، وأتى المصور الذي أخذ ~~لنا صورة معا، وقال: «الكاميرا تأخذ بعض الوقت حتى تشحن لأخذ ~~الصورة التالية، ممكن تكملوا مناقشة الرسالة.» ابتسمنا حتى التقط ~~الصورة التالية لنا. # 7 # على الرغم من حالة الاختناق السياسي التي تمر بها البلاد، فإن ~~الشعور بلقاء الطلاب الجدد، والدخول إلى مدرج ثمانية عشر، أشعرني ~~بسعادة غامرة. ومن اليوم الأول أوضح للطلبة أن المحاضرة طريق ~~ذو اتجاهين، وأني أتعلم من نقاشهم بقدر تعلمهم مني، إن لم ~~يكن أكثر، ودون نقاشهم وأسئلتهم فالمحاضرة لن تحقق هدفها. ~~وأتذكر شعوري مع الدكتور «حسن حنفي» وأنا طالب مثلهم. وبدأت في ~~ترجمة بعض النصوص المهمة إلى اللغة العربية من الإنجليزية، فترجمت ~~دراسة «هيرش» عن «اتجاهات في التقييم الأدبي»، للعدد الثاني من ~~مجلة ألف للبلاغة المقارنة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة؛ ودراسة ~~«أندرية جبسون» «ملاحظات عن القصة والفكاهة»، للعدد الثاني من ~~المجلد الثاني من مجلة «فصول». وبدأت أعد لبحث عن مفهوم المجاز (من ~~تشبيه وكناية واستعارة) للكشف عن جذوره المعرفية في علم الكلام أو ~~علم أصول الدين عامة، وربطه بالتصورات الدينية عن الله والعالم ~~والإنسان، وبين تصور طبيعة اللغة وعلاقاتها بالعالم، وبين هذا كله ~~وعلم البلاغة العربية، حتى ms056 أتى قرار رئيس الجمهورية رقم 490 لسنة ~~1981م في يوم ثمانية سبتمبر، وقد رفض عميد الكلية د. «حسين نصار» ~~التوقيع على الخطاب الموجه من رئيس الجامعة «حسن حمدي» باستلام ~~الخطاب، بنقل بعض أعضاء هيئة التدريس والمدرسين المساعدين ~~والمعيدين إلى جهات خارج الجامعة: «أبعث إلى سيادتكم بصورة من ~~قرار السيد الأستاذ الدكتور وزير التعليم والبحث العلمي بتحديد ~~الجهات التي ألحقوا بها تنفيذا للقرار الجمهوري سالف الذكر، ~~رجاء التفضل بالإحاطة والعمل بمقتضاه.» فنقل د. «حسن حنفي» إلى ~~وزارة الشئون الاجتماعية، ود. «عبد المنعم تليمة» إلى وزارة ~~التأمينات الاجتماعية، ود. «جابر عصفور» إلى وزارة التأمينات، د. ~~«عبد المحسن طه بدر» إلى وزارة التعمير، «سيد البحراوي» إلى أمانة ~~الحكم المحلي، ود. «نصر حامد أبو زيد» إلى وزارة الشئون ~~الاجتماعية، و«صبري المتولي» إلى أمانة الحكم المحلي. # ثار جدل بين المنقولين: ماذا نفعل؟ فاقترح البعض رفض تنفيذ ~~النقل، فقلت لهم: «كموظف قديم وخبرة في دواوين الحكومة، بعدم ~~تنفيذك النقل تعطي للدولة الفرصة على صينية من ذهب بفصلك من ~~العمل. لا بد أن ننفذ النقل، وبعد ذلك نعمل ما تريد. وأنا ذاهب ~~لتنفيذ النقل.» أكثر من ستين أستاذا صدرت قرارات بنقلهم خارج ~~الجامعة بدعوى إسهامهم في أحداث الفتنة الطائفية. وكان التركيز على ~~كل من له رأي وموقف سياسي في الجامعة من الأحداث الجارية، وأكثر ~~من ثلاثة آلاف من زعماء المعارضة السياسية من كل التيارات قد تم ~~اعتقالهم. بعد يومين ذهبت إلى ديوان عام وزارة الشئون ~~الاجتماعية، إلى شئون الأفراد، لكي يسلمني عملي، فجاء بعد قليل ~~وقال: سيادة الوزيرة آمال عثمان عايزاك تشرف في مكتبها نظرت إلى ~~الموظف وقلت: «لكن أنا مش عايز، سلمني العمل وبعد ما تسلمني ~~العمل أكون موظف تحت رياستها، بعد ذلك تأخذني لها زي ما تحب، لكن ~~أنا مش موظف تحت رياستها.» ابتهج وجه الموظف، وكأنه شعر بنشوة أن ~~يكون هذا تصور موظف تجاه رئيسه، بل الوزير المسئول. أخذ الأوراق، ~~وبدأ يقرأ فيها وقال: ده مكتوب هنا إنك معاك دبلوم صنايع سنة ستين، ~~ودكتوراه. ms057 دبلوم وتذاكر وتنجح وتبقى دكتور ويفصلوا واحد مكافح ~~زيك؟ دي بلد خربانة. ~~- سيبك أنت من الكلام ده، أنا حصلت على الدكتوراه لكن لم تأت ~~الدرجة الوظيفية بعد، هتسوي حالتي على درجة مدرس مساعد ~~بالماجستير، ولا درجة مدرس بالدكتوراه. ~~- لا ماجستير ولا دكتوراه ، أنت أحسن لك تدخل بدبلوم الصنايع، ~~دبلوم سنة ستين، تبقى درجة وكيل وزارة، لا مؤاخذة مع الاحترام ~~للدكتوراه. # سلمني العمل وأعطاني إقرارا، فقلت: «طيب فين مكان عملي؟ فين ~~مكتبي؟» ~~- بقولك إيه، ما توجعشي قلبنا، أنت عارف إنهم جابوك هنا، شوية ~~وتمر الهوجة وترجع المياه لمجاريها، وبعدين يا عم هم اللي فصلوا ~~«طه حسين» كانوا حد افتكرهم، تيجي تاخذ مرتبك وتروح تألفلك كتاب ~~وريح نفسك، وكل ما تيجي الوزارة عدي علي نشرب شاي. # حاولت أن أقنع أمي أن انتقالي إلى وزارة الشؤن نوع من ~~الترقية، ولكي أثبت لها ذلك كنت أعطيها مبلغا كل شهر، فزدته، ~~على الرغم من أن راتبي نزل إلى النصف، وزاد حمل الأعباء. «جابر ~~عصفور» سعى للسفر إلى السويد، وساعده صديقه «محمد عطية عامر» رئيس ~~قسم الدراسات العربية في جامعة استوكهولم. # شهر وتم اغتيال الرئيس «السادات» في ساحة العرض العسكري. بعد ~~حادث الاغتيال وقبل العيد بيومين جاء بعض الأصدقاء لزيارتي، وصاح ~~أحدهم قائلا: «الراجل اللي كان مضايقك في عيشتك مات يا عم.» وما ~~إن سمعت أمي ما قال حتى سألت عمن ضايقني في عيشتي، وكانت حزينة ~~على قتل «السادات»، فلما عرفت بقرار النقل دعت على ~~«السادات». # عدت إلى الجامعة، التي لم تكن نفس الجامعة التي تركتها منذ ~~أشهر أربعة فقط، زرع الخوف في الطلبة، هم نفس الطلبة، لكن ~~تغيروا. ألقي المحاضرة ولا يسأل أحد، ولا يستفسر أحد، ولا يتكلم ~~أحد. الخوف خلق حالة من التوتر. شعرت بحالة عجز عن التواصل مع ~~الطالب؛ فلا قيمة للتدريس داخل الجامعة. شعرت بأن أرجاء المدرج ~~تدور بي، حتى سقطت على أرضيته. أخذت إلى البيت، وأخبرني الطبيب ~~أني أعاني من حالة توتر بشعة. أخذت إجازة شهر، وقررت أن ~~أستقيل؛ فالجامعة لم ms058 تعد مكانا صالحا للتعليم أو للنقاش أو ~~للبحث. فقررت أن أذهب شهرين إلى فرع جامعة القاهرة بالخرطوم، ~~وكانت هذه الخطوة هي وسيلة خروجي من الأزمة التي مررت بها؛ فطلبة ~~السودان على الرغم من فقرهم، وعوز العيش، أعادوا لي الثقة في ~~القدرة على التواصل مع الطلبة؛ كانوا مهتمين بالسياسة، وشغوفين ~~للسؤال والنقاش، طوال الشهرين جعلوني أستعيد نفسي، وقررت أن ~~أقضي شهرين كل عام في فرع جامعة القاهرة في الخرطوم. # انتهيت من كتابة بحث عن الأساس الكلامي - نسبة إلى علم الكلام - ~~لمبحث المجاز في البلاغة العربية، أستكمل فيه الأسئلة التي تولدت ~~من دراسة الماجستير، هذه المرة أركز على لماذا انقسم المفكرون ~~العرب إلى من يثبت المجاز بأشكاله في اللغة أو من ينكره، وما ~~مغزى هذا الاختلاف في تصور كل فريق عن اللغة وأصلها، وما الإطار ~~الفلسفي والفكري. ولن أفعل كما فعلت الدراسات السابقة بالقيام ~~بعملية تقييم لجهود السابقين؛ فسوف أسعى للفهم والتفسير من خلال ~~وجهة نظرهم. انقسم الموقف من وجود المجاز في القرآن إلى ثلاثة ~~اتجاهات؛ اتجاه يعتبر أن المجاز قرين الكذب، ويجب أن ينزه ~~القرآن عن وقوع المجاز فيه. ولأن القرآن الكريم نزل على لغة العرب ~~وطرقهم في التعبير، فنفوا وجود المجاز في اللغة العربية أيضا. ~~ويرفض مثلا «ابن القيم الجوزية» (ت: 751ه/1351م) تقسيم الألفاظ ~~إلى حقيقة ومجاز، وهو يرفض أن تكون اللغة اصطلاحا بين الناس ~~توافقوا عليه، بل هي توقيف من الله ليست نتاجا بشريا، بل هبة من ~~الله للبشر؛ وعلى هذا الأساس فالنقل مقدم على العقل عندهم، ~~والمعرفة مسار هابط من الله إلى الإنسان. # أما المعتزلة فالمعرفة عندهم تسير في اتجاه صاعد من العقل ~~البشري متأملا في ذات الإنسان وفي الكون وصولا إلى معرفة الله ~~بصفاته من التوحيد والعدل، معتمدين بقياس الغائب المجرد، غير ~~المدرك بالحواس على الشاهد المحسوس، بهدف الوصول إلى معرفة الله ~~بصفاته، ثم معرفة أوامره ونواهيه، التي تؤدي بالإنسان إلى الثواب ~~وتنجيه من العقاب. ووسيلتهم لهذه المعرفة العقل الذي يبدأ من ~~المحسوس مستخدما البديهيات ليصل إلى ms059 معرفة ما غاب عنه. ولكي ~~يكون للكلام دلالة، فلا بد من المواضعة المتفق عليها في الكلام ~~قبلا، ويضاف إليها معرفة قصد المتكلم حتى نستطيع فهم رسالته. ~~وهذه المواضعة هي التي تنقل الاسم من معنى إلى معنى آخر، من هنا ~~يأتي المجاز. وقد استفضت في شرح منهجهم في رسالتي ~~للماجستير. # الاتجاه الثالث الأشاعرة، قالوا إن الكلام صفة قديمة لله، ~~وقدموا الشرع على العقل، لكنهم جعلوا للعقل دورا اجتهاديا ~~استنباطيا لفهم الشريعة. # كل هذه الجهود كانت الأساس الذي بنى عليه البلاغيون، حتى صاغ ~~«عبد القاهر الجرجاني» (471ه/1107م) الفارسي التصورات النهائية ~~لمفهوم المجاز وأقسامه؛ فيبدأ بالتفرقة بين أدلة العقول ودلالة ~~اللغة. وهذا الفصل بين الدلالة اللغوية والعقلية يرتد إلى تصور ~~للغة باعتبارها مجموعة من الألفاظ تدل على أشياء ومفاهيم خارج ~~الذهن البشري؛ ولذلك يفرق «عبد القاهر» بين مجاز يقع في ألفاظ ~~مفردة، وهو مجاز لغوي، وبين مجاز يقع في التركيب أو نظم الكلام، ~~وهو مجاز عقلي. وتحدث عن أسبقية الاستخدام الحقيقي للغة على ~~الاستخدام المجازي، ويؤكد على ضرورة وجود علاقة ما بين ~~الاستخدام الحقيقي والاستخدام المجازي لألفاظ اللغة. إن الخلافات ~~بين هذه الفرق حول قضية المجاز واللغة انتهت جميعا إلى إخضاع ~~مفاهيم المجاز واللغة للقضايا العقلية الخلافية بينهم، وأثر «عبد ~~القاهر» في جهود المتأخرين ك «السكاكي والخطيب القزويني»، وبذورها ~~تعود إلى كتب المتكلمين باتجاهاتهم المختلفة. نشرت هذه ~~الدراسة ضمن كتاب تذكاري عن أستاذي «عبد العزيز الأهواني»؛ دراسات ~~في الفن والفلسفة. وبدأت المشاركة في أنشطة أسرة «مصر» بالجامعة ~~التي أخذت مني وقتا ومجهودا في عمل نشاط ثقافي حقيقي مع الطلبة ~~لنقد الأوضاع الفكرية الحالية، وحالة الأمة، فنقرأ قصائد «أمل ~~دنقل»، والتي كأنها كتبت الآن؛ فها هي إسرائيل تحتل عاصمة ~~عربية، ولكن الأسرة حوربت حربا شرسة لنشاطها الفكري المختلف عن ~~الأنشطة الترفيهية للأسر الأخرى. # 8 # عدم الإنجاب وضع ضغوطا كثيرة على زوجتي، وأمي تسأل في كل مناسبة ~~أو غير مناسبة. امتقع وجهها حين أخبرتها أنها لن ترى أبناء لي؛ ~~لأني لا أنجب لضعف الخصوبة عندي. ms060 منذ أن عادت إلى قحافة، بعد زواج ~~أخي الصغير، بدأت صحتها تعتل. أزورها كل أسبوع. وبمساعدة صديقي ~~الحميم «أحمد مرسي»، والذي كان على علاقة بالطبيب «إبراهيم بدران»، ~~أكبر متخصصي القلب في مصر، وقد قبل مشكورا أن يذهب إلى ~~القرية للكشف عليها وفحصها بعناية. قال لي : «شوف يا نصر، الست ~~والدتك ليس عندها حاجة خطيرة، هي صمامات القلب، وممكن نعمل عملية ~~تغيير الصمامات، لكن هذه السيدة كأنها قررت أن تموت، شعرت أن ~~رسالتها قد تمت، فممكن العملية تنجح مائة بالمائة طبيا، لكن ~~الأهم هو رغبة المريض في الحياة. وهي ست تحب النظافة والتطيب؛ فلو ~~دخلت المستشفى، ولم تلق رعاية نظيفة ممكن نفسيا تموت، فأحسن ~~ألا تتبهدل جراحيا.» # دخلت عليها وكان وجهها شاحبا من تأثير المرض، حاولت أن ~~أحييها، فطلبت مني نقودا فقلت: «فيه إيه يا ست أم نصر، كل ما ~~تشوفيني تطلبي فلوس، هو محمد قصر معك؟ ولا أنت نويتي تتزوجي؟» ~~فقالت: «إنت بتغلبني ليه؟ أنا ربيتكم وتعبت، وعادي إني أطلب منكم ~~فلوس.» ~~- ما فيش حاجة لكن هو حد قصر معك، وبعدين أنت لازم تأخذي بالك ~~من أكلك، أنت غالية علينا، ولا أنت زعلتي منا. ~~- أنت أحسن ما تجيش تزورني، خليك في مصر وريحني، هو انت هتمشيني ~~على مزاجك، آكل إيه ولا ما كلشي إيه؟ # تحسبا لأي مكروه مفاجئ، عملت جمعية مع بعض الأصدقاء، أقبضها ~~الأول. وصلت يوم زيارتي الأسبوعية من القاهرة، فوجدت حشدا من ~~الناس يجلسون أمام البيت، توجهت إلى حيث توجد، وحاولت أن أكشف عن ~~وجهها الساكن الآمن، وقبلت جبينها. آه يا أمي، وشريكة مشواري، ~~مشيناه ربع قرن، كنت في الخامسة والثلاثين وأنا في الرابعة عشرة، ~~أنفقت شبابك وجمالك وصحتك حتى تصل المركب إلى شاطئ الأمان، ~~وفارقتنا قبل أن نرد بعضا من عطائك. ماذا أخذت من هذه ~~الحياة؟ أعطيت بلا انتظار لعائد. شعور ليس مثله شعور، حتى يوم ~~فراق أبي. رغبة شديدة في البكاء تمالكت نفسي، وذهبت إلى أخي محمد ~~لأعطيه نقود الجمعية لإجراءات الدفن والعزاء، فقال: «أمك امبارح ms061 ~~بالليل نادت علي، وقالت يا محمد لو مت صلوا علي الجمعة، وعايزة ~~صوان ومقرئين مشهورين وجنازة محترمة.» وأخرجت خمسمائة جنيه ~~وأعطتها لي تكلفة الجنازة. أدركت من حياة هذه السيدة زيف مسألة ~~الرجل والمرأة في ثقافتنا، وفي فهمنا للنصوص الدينية وتأويلها ~~للتمييز بين الرجل والمرأة، وقوامة الذكر على الأنثى؛ فكفاحها بعد ~~موت زوجها، وخروجها للعمل حتى تستطيع العبور - بأسرة من ستة أطفال ~~- إلى شط الأمان، في نموذج يضعف عنه الكثير من الرجال، حتى أدبنا ~~العربي لا يحتفي بهذه الأم المكافحة التي تواجه الحياة، ويكتفي ~~فقط بصورة الأم التقليدية. # 9 # قامت دار التنوير اللبنانية بنشر رسالتي للماجستير في طبعتها ~~الأولى سنة اثنتين وثمانين، تحت عنوان «الاتجاه العقلي في ~~التفسير»، ونشرت سنة ثلاث وثمانين رسالتي للدكتوراه تحت عنوان ~~«فلسفة التأويل»، وقد لاقى الكتابان استحسانا لهاتين الدراستين ~~الأكاديميتين. ونشرت ترجمتي في مجلة «فصول» بمجلدها الثالث، العدد ~~الثالث، لدراسة «إيكيناوم أو هنري» عن «نظرية القصة القصيرة». وكان ~~الروائي «إلياس خوري» قد أصدر كتابه النقدي الثالث «الذاكرة ~~المفقودة» عن مؤسسة الأبحاث العربية بلبنان، عام ثلاثة وثمانين، ~~فقدمت عرضا نقديا للكتاب في مجلة «فصول» بمجلدها الرابع، ~~العدد الأول، سنة أربع وثمانين. المؤلف يطرح قضيته في المقدمة ثم ~~يترك القارئ يعاني البحث عن الإجابة وسط تفاصيل واهتمامات تغطي ~~نشاط المؤلف عشرة أعوام في الصحف والدوريات؛ فيبدأ بتحديد معنى ~~عنوان الكتاب «فقدان الذاكرة» من الواقع العربي المتجسد العيني؛ ~~الحروب اللبنانية التي ليست إلا حالة عربية شاملة تنبئ عن ~~انهيار المشروع الحداثي العربي؛ مشروع تحديث للدولة لا تحديث ~~للمجتمع. وبين النموذج الغربي والنموذج العربي الإسلامي القديم، ~~ضاع الحاضر. والمؤلف يتجاهل أن الثقافة وإن كانت في جوهرها ~~انعكاسا للواقع، إلا أن لها استقلالها الخاص وحركتها الذاتية ~~النابعة من قوانينها، وكذلك الأدب والإبداع. # معضلة المنهج عند «إلياس خوري» في المساواة بين مستويات ~~الواقع/الثقافة/الأدب، وتحليله لأزمة الثقافة، يتجاوز قوانين ~~الثقافة وفعاليتها الخاصة، وتظهر جلية حين يتعرض لأزمة النقد، حيث ~~يساوي بين الكتابة النقدية والكتابة الإبداعية، بل يتجاوز ذلك إلى ~~نفي الوظيفة الثقافية الاجتماعية ms062 للنص الأدبي، كما نفاها عن ~~الممارسة النقدية. كل شيء وصل في وعي المؤلف إلى حالة من الفوضى ~~والعدمية عبر عنها على المستوى السياسي بسقوط النظام، وعلى ~~المستوى الثقافي بفقدان الذاكرة، وعلى المستوى الأدبي بموت المؤلف. ~~والحل الذي يطرحه علينا هو حل مستورد؛ فمفهوم موت المؤلف الغربي ~~واستبقاء الشكل مرتبط بأيديولوجية تبريرية للنظام الرأسمالي ~~الاستعماري. ومما يجعل استيراد هذا الحل وقوعا في أسر التبعية ~~وتجاهلا متعمدا لمعطيات الواقع وظروفه - تكريسا للضياع ~~والتشتت وفقدان الذاكرة الذي وعدنا المؤلف بتحليل أسبابه من أجل ~~تجاوزه - يصعب الحديث عن أزمة واحدة في النقد العربي الحديث؛ ~~فهناك تيارات ومناهج متعددة بتعدد القوى التي تتبنى وتقف خلفها، ~~وحتى المنهج النقدي الواقعي الذي أتبناه يعاني أزمة لا يمكن ~~توحيدها مع أزمة اتجاهات أخرى كالبنيوية مثلا؛ فأزمة منهجه تنبع ~~من حاجته إلى التأصيل والتعميق الذي يمكنه من زيادة فعاليته في ~~التعامل مع النصوص، إنما أزمة تيار البنيوية في غربته عن واقع ~~الإبداع والثقافة العربيين. # فليس للتراث بمجالاته وجود مستقل خارج وعينا المعاصر. أما ~~الوجود الفيزيقي العيني على رفوف المكتبات، فليس هو ما يعنينا، بل ~~وجوده في معرفتنا وفي وعينا الثقافي. هذا الوجود غير مستقل. من هذا ~~المنطلق كتبت دراسة لمجلة «فصول» في مجلدها الخامس، العدد ~~الأول، عن مفهوم النظم عند إمام البلاغيين العرب «عبد القاهر ~~الجرجاني»، المتوفى عام 471ه/1107م، في ضوء الأسلوبية، من خلال ~~قراءة كتابيه «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز». في هذه القراءة ~~أحاول ألا أغفل المنطق الداخلي الخاص بالتراث من جهة، ولا ~~أتعامل معه بمعزل تام عن الوعي المعاصر من جهة أخرى؛ قراءة ~~للبحث عن المغزى الذي يثرى من خلاله وعينا النقدي المعاصر، ~~قراءة لا تقف فقط عند المعنى الذي كان كامنا في عقل «عبد ~~القاهر». وهذا ما فعله «عبد القاهر» نفسه مع التراث البلاغي السابق ~~عليه. # مدارس الأسلوبية تبحث عن خصائص النصوص الأدبية، و«عبد القاهر» ~~قضيته التي تشغله في كتابيه المذكورين هي التفرقة بين مستويات ~~الكلام، من الكلام العادي حتى الكلام المعجز، مرورا على الكلام ~~الأدبي، فنجد ms063 دفاعه عن علم الشعر. لكن علينا أن ندرك أن ~~المحرك ل «عبد القاهر» هو قضية إعجاز القرآن. وهو لا يقنع بأن ~~إعجاز القرآن خارج النص ذاته، أو في صدق إخباره عن الماضي أو ~~الحاضر أو المستقبل، أو الإعجاز في بعض خصائصه الأسلوبية ~~والبلاغية . إعجاز القرآن عند «عبد القاهر» يكمن في النص ذاته؛ في ~~آياته، ويمكن اكتشاف هذا الإعجاز والوصول إليه في كل عصر. ويبدأ ~~«عبد القاهر» بالصفات المشتركة بين الشعر والكلام العادي ~~بانتمائهما إلى مجال اللغة، واللغة مجموعة من القوانين الوضعية على ~~مستوى المفردات (الألفاظ) أو على مستوى التركيب (الجملة). والألفاظ ~~عند «عبد القاهر» دوال على معان جزئية لا تكتسب دلالتها الكاملة ~~إلا إذا دخلت في علاقات تركيبية مع غيرها من الألفاظ. وبالتدقيق ~~نجد عنده مفهوما ضمنيا للتفرقة المعاصرة بين اللغة والكلام؛ ~~النظام اللغوي القار في وعي الجماعة الذي تقوم اللغة على أساسه ~~بوظيفتها الاتصالية، أما الكلام فهو التحقق الفعلي لهذه القوانين ~~في حدث كلامي بعينه. ومفهوم النظم عند «عبد القاهر» يقترب إلى ~~حد كبير من مفهوم الأسلوب، ويصبح النظم الذي يضع علم النحو ~~قواعده هو علم دراسة الأدب أو علم الشعر، وعلم الشعر عنده يقوم على ~~أساس لغوي مكين. # و«عبد القاهر» لا يجعل قوانين النحو المعيارية، من الخطأ ~~والصواب، هي القوانين التي تحدد الفصاحة والبلاغة؛ فالألفاظ هي ~~الخيوط التي تتآلف وفق قواعد خاصة لتصنع ثوبا، وقوانين النحو هي ~~الأصباغ التي تفرق بين ثوب وثوب. والمعنى عنده محصلة تفاعل ~~دلالي بين معاني الألفاظ من ناحية، ومعاني النحو التي أقامها ~~المتكلم بين الألفاظ من ناحية أخرى. مفهوم النظم عند «عبد ~~القاهر» يماثل مفهوم العلاقات السياقية عند علماء اللغة ~~المعاصرين، ومفهومه ل «المعنى» و«معنى المعنى» يماثل مفهوم ~~العلاقات الاستبدالية. وإذا كان علماء اللغة المعاصرون لا يفصلون ~~بين المستويين، وينظرون إلى المعنى الدلالي للنص على أنه محصلة ~~لتفاعل هذين النوعين من العلاقات، فإن «عبد القاهر» يفصل بينهما ~~أحيانا، ويدرك ترابطهما أحيانا أخرى؛ فهو لم يكن ليستطيع - ولا ~~تثريب عليه في ذلك - أن يتجاوز ms064 تجاوزا كاملا حدود ثقافته ~~وعصره. # 10 # الخلافات بدأت تظهر بيني وبين «أحلام» بسبب طبيعة عملي، وبسبب ~~احتفائي الدائم بطلابي والوقت الذي أقضيه معهم، فتشعر أني أفضل ~~الطلاب عليها، وكنت أحاول بقدر الإمكان أن أشركها فيما أعمل وما ~~أهتم به. اقترب مني أحد أساتذة الكلية في تردد، سألني إن كنت ~~أقبل السفر إلى اليابان لتدريس اللغة العربية بجامعة أوساكا. لم ~~أتردد أو حتى أفكر؛ فربما لن تتيح لي الظروف السفر إلى اليابان ~~على نفقتي الخاصة. وكان الأستاذ مستغربا من موافقتي السريعة، في ~~الوقت الذي كان السفر إلى الخليج أفضل لجمع المال. وكانت اليابان ~~قد افتتحت قسما للغة اليابانية بجامعة القاهرة سنة أربع وسبعين، ~~وعلى أثره افتتح قسم للغة العربية بجامعة أوساكا على سبيل التعاون ~~بين الجامعتين. وكان الدكتور «عبد المنعم تليمة» هو أول من ذهب، ~~وبعده أستاذ آخر قرر العودة فورا. كنت أريد أن أتعرف على ~~تجربة الشرق بعد تعرفي على تجربة الغرب في رحلتي إلى ~~أمريكا. # سافرت أنا وأحلام في مارس سنة خمس وثمانين. وأول شيء فعلته هناك ~~هو أن بحثت عن صديقي وزميلي الياباني «محسن أوجاسا وارا» الذي قضى ~~سبع سنوات في القاهرة يدرس اللغة العربية، وجدته يدرس في إحدى ~~الجامعات اليابانية: كيف حالك يا «محسن»؟ ~~- أنا بخير يا «نصر»، كيف حال الأسرة الكريمة، وحال الست أم ~~نصر؟ ~~- لقد توفيت منذ ثلاثة أعوام. ~~- أنا آسف، لم أعرف، كانت ست عظيمة، أنا فاكر زيارتنا لقريتكم، ~~وحزنها الشديد لبعدي عن أهلي. كانت تعاملني كأم. ما رأيك أن نذهب ~~معا إلى قريتي لترى الريف الياباني؟ ~~- الريف الياباني! طبعا دا أنا أتمنى أن أرى اليابان على ~~حقيقتها في الريف. # لم أشعر في اليابان بنفس الغربة التي شعرت بها في المجتمع ~~الأمريكي، على الرغم من حاجز اللغة التي فشلت تماما في تعلمها؛ ~~فالجلوس على الأرض مثل طريقتنا في القرية، وقاعدة الحمام التي ~~تشبه حماماتنا، عجز اللغة جعلني أهتم بالعلامات ودورها في ~~الثقافة اليابانية؛ طقوس الأكل وألوانه الساحرة الجميلة، لكني لم ~~أستسغ الطعم، فتشبع العين ms065 وتجوع البطن، لمن اعتاد الأكلات المصرية ~~التي نتذوقها بكل حواسنا. التقاليد اليابانية في البيت. أما ~~الجامعة فعالم غربي كامل. كان عندي وقت كبير للانخراط في ~~أبحاثي وكتاباتي، والنظر إلى أحوال مصر من بعيد؛ فالبعد يجعل ~~الصورة الكلية أكثر وضوحا، بعيدا عن تقلبات وضجيج ما هو يومي ~~وآني. # فكتبت دراسة بالإنجليزية عن السيرة النبوية؛ سيرة شعبية، نشرت ~~في مجلة جامعة أوساكا، عدد واحد وسبعين، ونشر نصها العربي بعد ~~ذلك بمجلة الفنون الشعبية بالقاهرة، عدد ثلاثة وثلاثين، ديسمبر سنة ~~إحدى وتسعين. حاولت أن أنظر إلى السيرة النبوية من منظور دارسي ~~الأدب الشعبي، رغم الحساسية الدينية المرتبطة بذلك عند دارسي الأدب ~~الشعبي، لكن هذه الدراسة مهمة لدراسة الدين الشعبي في ثقافتنا ~~الذي يقابل مفهوم الدين الرسمي أو الدين النظامي. من هنا ~~تعرضت للسيرة النبوية ليس بوصفها نصا دينيا بل بوصفها سيرة ~~لأهم بطل في تراثنا الديني؛ البطل النبي؛ وذلك من خلال الجزء الأول ~~من سيرة «ابن هشام». والتعامل مع السيرة النبوية بوصفها سيرة ~~يحتاج إلى مهارات بألا نجزئ النص ولا نستبعد منه شيئا، فنتعامل ~~معه في كليته بخلاف تعامل المؤرخ أو عالم الدين. وفصلت في ~~مظاهر التشابه بين السيرة النبوية والسيرة الشعبية، مثل المزاوجة ~~في القص بين الشعر والنثر، ومثل ذكر نسب كل شخصية بغض النظر عن ~~أهميتها في الأحداث، وكذلك ملاحظة أن «ابن هشام» لخص وركز في ~~الروايات التي أخذها عن الراوي الأصلي «ابن إسحاق» الخصيصة ~~الرابعة؛ ألا وهي الإسناد في الروايات. وقسمت السيرة إلى ~~وحداتها القصصية الأولى، ولاحظت دور الحلم - الرؤيا - وتفسيره في ~~السيرة مما يحتاج إلى دراسة مستقلة أتمنى أن أقوم بها في ~~المستقبل. # ودراسة عن نظرية التأويل عند الإمام «أبي حامد الغزالي» ~~بالإنجليزية أيضا، نشرت في نفس المجلة في العدد اثنين وسبعين، ~~ومقالة طويلة لمجلة «فصول» عن مفهوم النص في علوم القرآن، لكنها ~~ضاعت في البريد. وشاركت مع د. «سيزا قاسم» لوضع كتاب يكون مقدمة ~~لعلم السيميوطيقا، أو علم العلامات، يحوي ترجمات لدراسات مختلفة ~~في هذا المجال. وأقوم بترجمة ms066 «مشكلة اللقطة» ل «يوري لوتمان» ~~(1922-1993م)، ولآخرين «نظريات حول الدراسة السيميوطيقية ~~للثقافات». حاولت الاتصال بالأستاذ «توشيهيكو إيزوتسو» ~~(1331ه/1914م-1412ه/1993م)، وكان قد دخل في عملية انعزال وانقطاع ~~عن التواصل مع العالم، فأشار علي البعض أن أرسل له رسالة ربما ~~يستجيب، فأرسلت له رسالة أخبره فيها أني باحث في التراث العربي ~~والإسلامي ومن المعجبين بدراساته وأبحاثه عن القرآن، وأتمنى أن ~~أتواصل معه، لكني لم أتلق أي إجابة منه. ووجدت له كتاب دراسة ~~عن سيميوطيقا العلامات في اللغة والثقافة اليابانية. # لم أنطلق من موقف يقيم الثقافة اليابانية، بل حاولت أن أقترب ~~من منطقها الداخلي، أن أتعلم الحكمة وراء هذه الثقافة والقيمة ~~الجوهرية. ذهبت إلى مسرح «الكابوكي»؛ ممل جدا، لكني حاولت أن ~~أكتشف الدينامية الثقافية ودور العلامات فيها، بل إني قضيت أسبوعا ~~في أحد المعابد البوذية أعرف وأدرس المعتقدات الدينية في اليابان. ~~الغربة جعلتني وزوجتي نتحاشى الصدام بقدر الإمكان. كنت مشغولا ~~بكيفية تعامل المجتمع الياباني مع تراثه، وكيف تعامل مع تحدي ~~الحداثة الغربية، فوجدت كتابا مكتوبا بالإنجليزية عن «البوشيدو، ~~المكونات التقليدية للثقافة اليابانية»، كتبه دبلوماسي كان ~~سفير اليابان في أمريكا «إينازو نيتوبي»، كتبه بالإنجليزية يعرف ~~فيه القارئ الغربي بالتقاليد اليابانية، فقمت بترجمة الكتاب إلى ~~العربية. واكتشفت بعد إتمام الترجمة أن هذا الكتاب قد ترجم من ~~قبل سنة ثمان وثلاثين، وقدمت حفيدة المؤلف الترجمة لي. ولما ~~اطلعت عليها وجدت أن المترجم لم يكن يتحدث الإنجليزية، بل ~~استعان بصديق فرنسي يعرف الإنجليزية، فمضيت في استكمال ترجمتي، ~~لكن ثقافتنا تقف نفس الموقف من التجربة اليابانية؛ فبعد خمسين ~~عاما من الترجمة الأولى تظل تجربة اليابان أسطورة لنا. وهذا ~~يعكس وضع ثقافتنا. # الترجمة ليست عملية نقل، بل هي في الأساس الأول إجراء حوار ~~ثقافي يتجاوب في مضمونه مع إشكاليات ثقافتنا. وهذا الكتاب يتحدث عن ~~علاقة الحاضر بالماضي حيث التواصل الثقافي والفكري في وعي الأمة، ~~وهذا المفهوم يستدعي إلى الذهن نقيضه اللافت في ثقافتنا العربية؛ ~~مفهوم الانقطاع بين الحاضر وتراث الماضي على مستوى الوعي. ومحاولات ~~الوصل بين القديم والجديد في ثقافتنا ms067 ما تزال في بدايتها، لكنها ~~تعاني واقعا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا يكرس التبعية. ~~وأيضا العلاقة بالتراث الغربي الأوروبي عامة والأمريكي بشكل ~~خاص. والكتاب دفاع ضد هجوم المستشرقين من مواطن ياباني تحول ~~إلى المسيحية وتزوج من أمريكية، وكان عضوا في جمعية أصدقاء ~~بعثات التبشير؛ فلا يعد بأي صورة من الصور معاديا للثقافات ~~الغربية، لكنه يدافع عن تقاليد ثقافته اليابانية بدون أي استعلاء ~~أو رفض، لكن موقف المثقف العربي من ثقافة الغرب يميل إلى ~~الإحساس بالنقص بدرجات متفاوتة، بدءا من «الطهطاوي» حتى ~~المثقف المعاصر؛ لذلك كانت الرحلة في ثقافتنا دائما من الداخل ~~إلى الخارج. «الطهطاوي، طه حسين، ثم توفيق الحكيم، ثم لويس عوض، ~~ومحمد مندور» ... إلخ. ونحن نحتاج إلى أن نفتح نافذة على اليابان ~~الحديثة نحاورها ونتفاعل معها لنفتح نافذة أخرى غير نافذة ~~الغرب. # والكتاب أيضا يعالج دور الدين في صنع الحضارة وتشكيل الثقافة؛ ~~فموقف المثقف المنفصل عن تراثه وثقافته لحساب التراث والثقافة ~~الغربيين خلق موقفا نقيضا، متمثلا في التعصب للتراث ~~والتقاليد، لا بالمعنى الثقافي العام بل كما يتمثل في الدين ~~بالمعنى الأخلاقي والشعائري. وهذا الموقف الدفاعي يحول التراث ~~إلى مجموعة من الثوابت التي لا تخضع لأي شكل من أشكال التطور، ولا ~~تتجاوز حدود المكان والزمان؛ وبذلك يختزل التراث في العقيدة ~~والدين بعد أن تحول الدين ذاته إلى مجرد مجموعة من الشعائر، ~~ونسق من الأوامر والنواهي، ونظام للتحليل والتحريم؛ وهو في العمق ~~تجاوب مع مفهوم الاستشراق عن الإسلام، وهو مفهوم استورده ~~المثقف العربي العلماني من الغرب. وقد انحصر اتجاه الإسلام ~~الحضاري بين مطرقة السلطة مستخدمة الأزهر، والجماعات الدينية ~~مستخدمة سلاح التكفير، فأصبح السؤال: ما الدين؟ وما الإسلام؟ لا ~~يجرؤ أحد على طرحه، لكنه سؤال يجب أن يطرح ويسهم الجميع في ~~الحوار إذا أردنا أن نخرج من ورطتنا الراهنة. كلنا نتحدث عن ~~الإسلام وعن التراث الإسلامي وكأننا نتحدث عن مفهوم واضح متفق ~~عليه، وليس الأمر كذلك على الإطلاق. وتجربة اليابان قد تكون ~~مفيدة لنا في ذلك الأمر. والأمر الأخير الذي يمكن أن يفيد ~~ثقافتنا ms068 من هذا الكتاب: الفروسية وتقاليدها كما يعبر عنها ~~«البوشيدو». وقيم الفروسية موجودة في التراث العربي، مثل الشرف ~~والإحساس بالعار أو الخجل وقيم الرجولة والاستقامة والعدل. وهي ~~قيم تنحسر عن واقعنا الذي يسيطر عليه التجار سيطرة شبه ~~تامة. تاجر يتصف بالفجر والخداع والجبن والقسوة ليس التاجر ~~الذي يريد أن يبني وطنا، بل تاجر يريد أن يحقق مكسبا بأي ~~طريقة؛ مما يجعل البعض يتعاطف مع صورة الإقطاعي القديم عند ~~مقارنتها ببشاعة صورة التاجر الذي يحكم مصر. جهود مضنية تبذل ~~لتفريغ ذاكرتنا وتجزيء تاريخنا كأننا نولد كل عقد من الزمان ~~ميلادا جديدا من العدم، فنحيا بلا ذاكرة وبلا تاريخ، ويبدو ~~الواقع الآني دائما ظاهرة فريدة تحتاج إلى تفسير. # كتبت مقدمة طويلة لترجمة تضع هذا الكتاب وتلك التجربة في سياق ~~الثقافة اليابانية، وفي سياق هموم ثقافتنا العربية المعاصرة خلال ~~القرنين الماضيين، تحدثت عن الثقافة وإشكاليات الترجمة، ~~وناقشت مسألة أن الحرب مع إسرائيل هي المسئول الأول والأخير عن ~~تخلف المنطقة العربية، ومسألة أن سبب نجاح وتقدم اليابان هو ~~تبني نموذج التنمية الرأسمالي الغربي؛ التبرير الذي يقدمه ~~دعاة انفتاح السداح مداح. نعم هناك تأثير غربي تكنولوجي واضح على ~~الحياة اليابانية، لكن هناك فرقا بين نمط التأثر باستيراد ~~المنجز المادي وتطويره طبقا للحاجة المحلية، دون أن يتحول ~~الاستيراد إلى حالة إدمان؛ فالمواطن الياباني يرتدي «الكيمونو» ~~جالسا على الحصير «التاتامي»، ينام على الأرض مفترشا ~~«الفوتون»، يأخذ حمامه «الأفورو» بالطريقة التقليدية، وهو نفس ~~المواطن الذي يتعامل مع أعقد منجزات التكنولوجيا الحديثة في ~~عمله وفي حياته الخاصة؛ فالتكنولوجيا أدوات لتسهيل الحياة لا ~~للتظاهر الكاذب أو الوجاهة الفارغة. وكيف انتقلنا في بلادنا من ~~مجتمع البناء والتعمير والكفاح إلى مجتمع الوساطة والانتهازية وبيع ~~كل شيء، حتى التراث والتاريخ، فبدد الخونة كل شيء. بددوا الوطن ~~في اتفاقية الصلح المهين، وبددوا التاريخ بتحويل العدو إلى صديق، ~~والطامع إلى حليف. وبددوا حلم فقراء الوطن من عماله وفلاحيه، ~~وباعوه لسماسرة الانفتاح بأبخس الأثمان. نشرت الترجمة والتقديم ~~بعد ذلك تحت عنوان «البوشيدو، المكونات التقليدية للثقافة ~~اليابانية»، في ms069 بغداد، دائرة الشئون الثقافية، عام اثنين ~~وتسعين. # وكتبت دراسة ضمنتها في كتابي مع د. «سيزا قاسم» لكتاب «أنظمة ~~العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السيميوطيقا»، ~~ودراستي كانت بعنوان «علم العلامات في التراث، دراسة استكشافية»، ~~عرضت فيه أن ثقافتنا الراهنة يتقاسمها اتجاهان، يتعامل أحدهما مع ~~ثقافة الغرب على أنها ثقافة التقدم والحضارة، وعلينا أن نقلدها ~~تقليدا أعمى، واتجاه ثان يأخذ رد الفعل النقيض، فيحتمي بالتراث، ~~يكرر مقولاته ويتبنى بعض مفاهيمه دون الوعي بأن هذه المفاهيم ~~كانت استجابة لهموم الواقع الذي كان يحياه الأسلاف. والاتجاهان ~~يهدران ظروف الواقع ويتجاهلان الحاضر بالتوجه صوب الغرب، أو صوب ~~الماضي. «ولا خلاص من هذا المأزق إلا بأن يكون الحوار النابع من ~~موقفنا الراهن هو وسيلتنا للتعامل مع الغرب وثقافته من ناحية، ~~وللتعامل مع مفاهيم تراثنا وتصوراته من ناحية أخرى»، في عملية ~~تهدف إلى مزيد للفهم للتراث والوعي به واستكشاف جوانبه التي يمكن ~~أن تساعدنا السيميوطيقا على اكتشافه. # علم العلامات يتعامل مع اللغة باعتبارها نظاما من العلامات ~~الدالة، تقارن بينها وبين غيرها من العلامات كإشارات المرور ~~والأزياء؛ فإن مفهوم العلامة وطبيعتها يعد هو المفهوم الأساسي ~~في هذا العلم، ويقابله في التراث مفهوم «الدلالة». درست العلاقة ~~بين الدال والمدلول على مستوى الألفاظ. وعلماء المسلمين اتفقوا على ~~أن العلاقة بين الألفاظ ومعانيها علاقة وضعية؛ أي يتواضع عليها، ~~لكنهم اختلفوا على أصل المواضعة؛ هل هي من الله في البدء، أم هي في ~~الأساس بشرية؟ حتى وصلنا إلى «عبد القاهر الجرجاني» (ت: ~~471ه/1107م) الذي فهم العلاقة بين الدال والمدلول على أنها علاقة ~~بين الصوت والمفهوم الذهني الذي يشير إليه، لكن «عبد القاهر» كان ~~محكوما بعصره، وبالقضية التي تحركه وهي إعجاز القرآن؛ لذلك حين ~~يتحدث عن أن العلامات اللغوية لا تنبئ بذاتها عن المعاني العقلية، ~~بل تدل عليها وتشير بالمواضعة والاصطلاح، بخلاف الفهم المعاصر ~~الذي لا يفصل بين الدال والمدلول، بل يعتبرهما وجهين لعملة ~~واحدة. وعند المتصوفة الوجود من أرقى مراتبه إلى أدناها ليس ~~إلا تجليات ومظاهر لحقيقة واحدة باطنة هي ms070 الحقيقة الإلهية؛ فقد ~~حول «ابن عربي» (ت: 638ه/1240م) الوجود كله إلى نص دال يشير ~~إلى قائله ويدل عليه، واللغة أحد مظاهر تجلي هذا النص. وعلم ~~العلامات يمكن أن يساعد كثيرا في دراسة جوانب التراث المختلفة، ~~مثل كتب تفسير الأحلام في تراثنا ودلالاتها الثقافية. نشرت دار ~~إلياس العصرية الكتاب، وبه ترجمتان لي مع الدراسة. # 11 # دراسة تراثنا من خلال علاقة المفسر بالنص؛ بدراستي تأويل ~~المتكلمين المعتزلة للنص القرآني في الماجستير، ومن خلال دراستي ~~لفكر «ابن عربي» المتصوف وتعامله مع القرآن، لمست دور النص ~~القرآني ذاته في تشكيل مفاهيم «ابن عربي». منذ هذه الملاحظة وأنا ~~مشغول بسؤال عن: هل هناك تصور في الثقافة العربية الإسلامية عن ~~طبيعة النص؟ فقد تم التعامل مع النص القرآني في تاريخنا بأن كل ~~فرقة تجذبه إلى مفاهيمها وتصوراتها، حتى في عصرنا الحديث؛ فمن ~~محاولات جذب الإسلام للمفاهيم الاشتراكية وللعدالة الاجتماعية في ~~الخمسينيات والستينيات، إلى المفاهيم الرأسمالية في السبعينيات في ~~زمن الانفتاح الاقتصادي، وأن الله قد رفع بعضنا فوق بعض درجات، مما ~~يشجع الرأسمالية؛ ومن دين الجهاد والحرب مع العدو الصهيوني، إلى ~~دين وإن جنحوا للسلم فاجنح لها في السبعينيات؛ فلا بد قبل الحديث ~~عن طريقة التعامل مع النص أن نبحث عن مفهوم لهذا النص؛ عن طبيعته. ~~ونقاشي مع طلابي في جامعة القاهرة الأم، في شتاء سنة اثنتين ~~وثمانين، حين أهديت إليهم هذا العمل؛ «اعترافا بأن التعلم في ~~الجامعة ذو اتجاهين». # البحث عن ماهية النص هو بحث عن ماهية القرآن، ولا طريق للتعامل ~~مع التأويلات النفعية الأيديولوجية دون الوقوف على مفهوم الثقافة ~~لطبيعة النص القرآني، والبحث في طبيعة القرآن قد توقف منذ عشرة ~~قرون، لكن لا سبيل للخروج من أزمة ثقافتنا في تعامله النفعي مع ~~نصوص القرآن دون بحث هذا السؤال. وقد تجنبت كل محاولات التجديد ~~التعامل مع هذا السؤال أو الاقتراب منه جزئيا، ولا سبيل للخروج ~~من التطاحن بين السلفية والتجديد الحالي دون تكوين وعي علمي ~~بالتراث؛ فالتجديد على أساس أيديولوجي لا يقل خطورة عن التقليد. ~~والبداية ms071 كما أتصورها من العلوم التي أنتجتها الثقافة الإسلامية ~~حول القرآن. ومن خلال عملية الجمع الذي تم في مواجهة خطر الغزو ~~الصليبي على العالم الإسلامي، في كتابي «البرهان في علوم القرآن» ~~ل «الزركشي» (ت: 794ه/1393م) وكتاب «السيوطي» بعده بأكثر من قرن ~~«الإتقان في علوم القرآن» (ت: 910ه/1505م). وسوف أركز على مفهوم ~~النص بين علوم القرآن المختلفة مما يربط الدراسات الإسلامية، وهي ~~دراسات تنتظم علوما كثيرة محورها النص، سواء كان نص القرآن أو ~~نص الحديث النبوي، ودراسة النص من حيث كونه نصا لغويا في بنائه ~~وتركيبه ودلالته وعلاقاته مع نصوص أخرى في ثقافة معينة مجالها ~~في الفكر المعاصر هو الدراسات الأدبية. # فمع مصدر القرآن الإلهي وقدسيته عندنا كمؤمنين به يظل نصا ~~لغويا؛ فقد درسه اللغويون والنحاة والبلاغيون بحثا عن الإعجاز، ~~وهي مقدمة تمهيدية لعلوم الفقه وأصوله وعلوم القرآن، ودرسه ~~المتكلمون لإثبات النبوة ... إلخ؛ مما يجعل الدراسات الإسلامية ليست ~~علما خاصا، بل مفهوما يتسع لكثرة من العلوم والتخصصات. ~~والبحث عن مفهوم للنص في التراث يساعد في تحديد مفهوم موضوعي ~~للإسلام يتجاوز الطروح الأيديولوجية؛ بحثا عن ماهية الإسلام. ~~انطلقت من الحقائق التي صاغتها الثقافة العربية حول النص القرآني، ~~وأيضا من المفاهيم التي يطرحها النص ذاته عن نفسه من جهة أخرى. ~~والنص القرآني تشكل في الواقع والثقافة خلال أكثر من عشرين ~~عاما، وألوهية مصدره لا تنفي واقعية محتواه ولا انتماءه لثقافة ~~البشر؛ لأن القرآن يتحدث عن نفسه أنه رسالة، والرسالة تمثل ~~علاقة اتصال بين مرسل ومستقبل من خلال شفرة أو نظام لغوي، ~~والدراسة العلمية يكون مدخلها هو الواقع الذي ينتظم المستقبل ~~الأول للنص وهو الرسول عليه السلام، وعرب الجزيرة والثقافة التي ~~تتجسد في اللغة. والنص في هذه المرحلة وبتلك الصورة منتج ثقافي؛ ~~ليصبح بعد ذلك نصا منتجا للثقافة، العربية الإسلامية؛ لكونه ~~النص المهيمن على هذه الثقافة، مستخدما منهج التحليل اللغوي، ~~بادئا بما هو معلوم وصولا لكشف ما هو مجهول؛ من الحسي ~~صعودا. # في الباب الأول من الكتاب بفصوله الخمسة تركيز على دور الواقع ~~والثقافة التي ms072 نزل فيها نص القرآن في تشكيل وجوده، من خلال دراسة ~~مفهوم الوحي وعلاقته بالثقافة العربية، وتقبل العرب لفكرة تواصل ~~البشر مع غير البشر، ثم المتلقي الأول للنص وتجربة حياته ~~وتعامل النص معه، ودور يتمه الذي شعرت به أنا أيضا في فقد أبي، ~~وتعامل نص القرآن مع هذا اليتم. كذلك علما المكي والمدني في علوم ~~القرآن، ثم علم أسباب النزول، ثم علم الناسخ والمنسوخ. ودور هذه ~~العلوم في إبراز صلة النص القرآني مع الواقع وتعامله معه. # في الباب الثاني تناولت دور القرآن وآلياته في علاقته مع النصوص ~~الأخرى في الثقافة العربية، وطرقه في إنتاج الدلالة والمعاني، من ~~خلال خمسة فصول: فصل عن الإعجاز، وفصل عن علم المناسبة بين الآيات ~~والسور، وفصل عن الغموض والوضوح، وفصل عن العام والخاص، ثم فصل عن ~~التفسير والتأويل. # الباب الأخير يحاول الكشف عن التحول الذي تم لمفهوم النص ~~ووظيفته في الثقافة العربية، والتحول الذي ساد هذه الثقافة حتى ~~عصورنا الحديثة، بدراسة فكر «أبي حامد الغزالي» ~~(450ه/1058م-505ه/1111م) الذي قام بدور خطير في صياغة المفاهيم ~~والتصورات التي كتب لها الشيوع والاستقرار في مجال الفكر الديني، ~~في محاولة لكشف أسباب بداية عزل النص عن الواقع وعن حركة الثقافة، ~~والكشف عن جذور كثير من الأفكار والمفاهيم الشائعة في الخطاب ~~الديني والمعاصر. بعد الانتهاء من كتاب مفهوم النص، جمعت الأبحاث ~~والدراسات التي ألفتها خلال السنوات الخمس الماضية، وتقدمت ~~إلى الترقية إلى درجة أستاذ مساعد للجنة الترقيات، وحصلت على ~~الدرجة. وآثرت أن أقضي عامين زيادة باليابان؛ لما أتاحته لي من ~~جو ساعدني على البحث والدراسة، ولأن تدريس اللغة العربية بجامعة ~~أوساكا لم يكن يأخذ من وقتي الكثير. وزرت ماليزيا، والتقيت ~~جماعة «قاسم أحمد» التي تروج لمفهوم أن الإسلام هو القرآن وحده، ~~والتعرف على تجربة المسلمين هناك، وحالة النهوض الاقتصادي ~~عندهم. # 12 # كتبت مقالة لمجلة الفنون الشعبية نشرتها في مارس سنة سبع ~~وثمانين عن «الفوازير، وظيفتها وبناؤها اللغوي». وكتبت دراسة عن ~~الإنسان الكامل في القرآن باللغة الإنجليزية، نشرتها مجلة جامعة ~~أوساكا باليابان بعددها ms073 السابع والسبعين، سنة ثمان وثمانين. وقمت ~~بدراسة لجانب آخر من تراثنا، نشرتها مجلة ألف بالجامعة الأمريكية ~~بالقاهرة في عددها الثامن سنة ثمان وثمانين، عن آليات التأويل في ~~كتاب «سيبويه» (140ه/758م-180ه/797م)؛ التأويل بمعنى كيفية معالجة ~~«سيبويه» في كتابه «الكتاب» للغة بوصفها نصا بالمعنى ~~السيميوطيقي، كيف حاول اكتشاف آليات اللغة كنص وصولا إلى دلالة ~~هذا النص ومغزاه. لقد عاب اللغويون العرب المعاصرون على القدماء ~~معياريتهم وأحكامهم التقييمية في دراسة اللغة؛ فقد وضع النحاة ~~القدماء تعليلات ما هي إلا تأويلات وتفسيرات لشرح الظواهر اللغوية ~~لتصنيفها بهدف الكشف عن نظام اللغة وصولا إلى حكمة واضعيها، لكن ~~يجب علينا أن ندرك أن جهد النحاة القدماء جزء من نظام ثقافي عام ~~تحكمه رؤية للعالم ذات طبيعة غائية، وكان درسهم اللغوي يواجه ~~مشكلات لا تواجه المعاصرين، لكن الإشكال أن اللغويين في محاولة ~~دراستهم للغة يستخدمون اللغة في التعبير عن دراساتهم أيضا؛ ~~فألفاظ مثل الفعل والمفعول والمضارع والفتحة والحزم ... إلخ ~~علامات في اللغة دالة، لكنها في البحث اللغوي تتحول إلى مفاهيم ~~تحليلية؛ أي تمت لها عملية إعادة تفسير أو تأويل نقلتها من ~~مجال الكلام إلى مجال اللغة، بالإضافة إلى أن اللغويين كان عليهم ~~أن يتعاملوا مع القرآن باعتباره النص المعيار الذي يمثل النظام ~~اللغوي بدقة، ولم يكن ممكنا للنحوي منهم أو اللغوي أن يضع قواعده ~~دون أن يكون نص القرآن نصب عينيه. # وقد أخذت مفهوم «العامل» عند «سيبويه»؛ وهو مفهوم ذهني لتفسير ~~ظاهرة علاقة كلمة بكلمة داخل الجملة، وتصنيف الكلمات إلى عوامل ~~ومعمولات أو متأثرات، وهي رؤية تقوم على تصور ذهني أن كل أثر ~~لا بد له من مؤثر، وكل فعل لا بد له من فاعل، وكل معلول لا بد ~~له من علة. وناقشت مفهوم القياس وأركانه الأربعة عند «سيبويه»، ~~واختلافه عن القياس في الفقه؛ فالنحوي لا ينقل حكما من نص بل ~~يستنبط بالتأويل والمقارنة أوجه التشابه وأوجه الاختلاف بين ظواهر ~~اللغة. وتناولت مفهوم الشذوذ في حالة الخروج على القاعدة والنظام. ~~وأدركت أن مفاهيم «سيبويه» في «الكتاب»، خاصة ms074 مفاهيم التقييم، ~~تحتاج إلى دراسة دقيقة متتبعة لكل أحكامه. هذه الدراسة تقف موقف ~~الدفاع عن النحو التقليدي أمام موقف المعاصرين المنادين بالمنهج ~~الوصفي؛ لأن هجومهم «ينبع من نظرة تجزيئية تفصل علم النحو وسائر ~~علوم الثقافة، ومن جهة أخرى ينبع من موقف تأويلي ضمني يتخفى ~~تحت شعارات براقة. والهجوم على تأويلات النحاة دون فهم الدوافع ~~والأسباب يعوق فهم طبيعة القضايا والمشكلات التي ساهمت في بناء ~~العلم، وفي تحديد تصوراته ومفاهيمه؛ وهذا يؤدي إلى نتائج وخيمة ~~يمكن تلمس آثارها في محاولات تجديد النحو العقيمة.» هذا عن ~~التأويل في كتاب «سيوبه» وأهميته، أما التأويل الخفي في كتب ~~الدارسين المحدثين - والذين ينكرون التأويل ويهاجمونه - فله ~~حديث آخر. إن سنواتي الأربع في اليابان كانت سنوات إنتاج فكري، ~~وحان وقت العودة للجامعة الأم. كان انطباعي عن اليابانيين أنهم لا ~~يعبرون بملامحهم عن مشاعرهم، لكني فوجئت في مطار أوساكا بطلاب ~~قسم اللغة العربية الذين درست لهم خلال السنوات الأربع؛ مائة ~~طالب يصطفون صفين، ويرفعون لوحة مرسوما عليها قلب مكتوب به ~~جملة باللغة العربية، وموقع عليها منهم جميعا، وغنوا لي ~~أغنية يابانية جميلة. كانت حفاوة بالغة منهم، ووداعا أحمله في ~~قلبي. وعدت إلى مصر في مارس تسعة وثمانين. # | المواطن مفكرا # 1 # عدت من اليابان أحمل معي الدراسات التي أعددتها في هدوء ~~الحياة هناك، حيث ركزت على الخطاب العربي المعاصر بادئا ~~بالخطاب الديني، فاشتركت في الكتاب السنوي الثامن، قضايا فكرية، ~~والذي يحرره الأستاذ «محمود أمين العالم» (1922-2009م) وكان ~~موضوعه «الإسلام السياسي، الأسس الفكرية والأهداف». كتبت دراسة عن ~~«الخطاب الديني المعاصر، الأسس الفكرية والأهداف العملية»، نشرت ~~بعنوان «الخطاب الديني المعاصر، آلياته ومنطلقاته»، أدرس فيها ~~الظاهرة التي يسميها أتباعها «الصحوة الإسلامية»، ويسميها ~~آخرون «الإسلام السياسي». ويجب دراستها في إطار الخطاب الديني ~~العام بشقيه الرسمي والمعارض، وليس فقط في إطار خطاب الجماعات ~~الإسلامية؛ لأن هذا الفصل يوحي أن هذه الجماعات نبت دخيل على ~~الخطاب الديني؛ مما يجعل الحل هو «قطعها بالفأس». فرد فكر هذه ~~الجماعات إلى فقه الإمام «أحمد بن حنبل» (164ه/780م-241ه/855م)، ms075 أو ~~«ابن تيمية» (661ه/1264م-728ه/1328م)، وتلميذه «ابن القيم ~~الجوزية»، هو عملية قفز وظلم؛ لأن فكر الجماعات يمر عبر الخطاب ~~الديني المعاصر، وعبر الواقع الذي ينكوي به هؤلاء الشباب. ومن هنا ~~ركزت على الخطاب الديني المعاصر بجناحيه الرسمي ~~والمعارض. # وسؤالي كان: هل هناك خلاف بين المعتدلين والمتطرفين في ~~الخطاب الديني؟ بالدراسة وجدت أن الخلاف يكمن في نقطتين؛ تكفير ~~الحاكم والمجتمع، والثانية في تغيير المنكر باليد. فالتكفير واضح ~~عند المتطرفين، وهو ضمني خفي عند المعتدلين، حتى الدولة ~~تستخدم التكفير كجزء من أيديولوجيتها في مواجهة المعارضين. ~~ومسألة تغيير المنكر باليد؛ فيرى المتطرفون أن التغيير يكون ~~بأيديهم وفي الحال، والمعتدلون يؤجلون تغيير المنكر حين تحين ~~الظروف. ورصدت خمس آليات يستخدمها الخطاب الديني في تفكيره وفي طرح ~~مفاهيمه، وإقناع الآخرين واكتساب الأنصار. وقد يعذر مخالفيه في ~~مخالفته في بعضها؛ أولها: التوحيد بين الفكر والدين. توحيد بين فهم ~~الإنسان وتفسيره وبين الإسلام، فيتحدث عن موقف الإسلام ورؤية ~~الإسلام، وليس فهمه أو تفسيره وتأويله لموقف ورؤية الإسلام. على ~~الرغم من أن الفكر الإسلامي من بدايته يدرك أن هناك مجالا للوحي ~~ومجالا للخبرة الإنسانية، فكانوا يسألون النبي إن كان ما قاله ~~وحيا من الله أم هو الرأي والمشورة. والخطاب الديني المعاصر في ~~توحيده بين فكره وبين الدين كأنه ضمنيا يتحدث باسم الله. الآلية ~~الثانية: رد الظواهر إلى مبدأ واحد، أو بمعنى آخر اختصارها في ~~جانب واحد، فيختصر العلمانية مثلا في مناهضة الدين، والماركسية ~~في الإلحاد والمادية، والداروينية في حيوانية الإنسان، والفرويدية ~~في الجنس؛ فيلغي بذلك القوانين الطبيعية والاجتماعية والسياق الذي ~~ظهرت فيه الظواهر. # آلية أخرى للخطاب الديني: أن يعتمد على سلطة التراث والسلف، ~~فيحول السلف واجتهاداتهم إلى نصوص غير قابلة للنقاش وإعادة ~~النظر، ويربطها بالدين ذاته، فتكتسب قداسته، وينتقي من التراث ومن ~~السلف ما يتوافق مع فكره، ويهمل بل ويلغي ما يتناقض مع فكره. ~~وآلية أخرى: اليقين الذهني والحسم الفكري؛ مما يجعله لا يتحمل أي ~~خلاف جذري مع أفكاره، فهو يمتلك الحقيقة الشاملة الواضحة وإن ~~اتسع صدره لبعض الخلافات ms076 الجزئية. الآلية الخامسة التي رصدتها: ~~أن الخطاب الديني المعاصر يهدر البعد التاريخي، فيطابق بين ~~النصوص وفهمه لها، مهملا أن النصوص التراثية لها لغتها وعالمها ~~الذي تنتمي إليه، ويهمل حتى سياق الواقع المعاصر ومشكلاته وهمومه ~~واختلافها عن هموم الماضي ومشكلاته وأسئلته. # الخطاب الديني وإن اختلفت أجنحته، المعتدل منها والمتطرف، ~~يطابق منطلقاتهم الفكرية غير القابلة للنقاش. ورصدت ~~منطلقين : الحاكمية، والنص. والبعض يرجع الحاكمية عند «سيد قطب» ~~(1324ه/1906م-1386ه/1966م) إلى فترة التعذيب داخل السجون المصرية، ~~ويقارن بين كتاباته في نهاية الأربعينيات وما كتب في «ظلال ~~القرآن» و«معالم في الطريق» بعد ذلك، لكن هذا التفسير لا يفسر ~~الحاكمية عند «أبي الأعلى المودودي» (1321ه/1903م-1399ه/1979م) ~~الذي لم يتعرض لما تعرض له «قطب» وأخذ عنه «قطب»، لكن مع ~~تعمقي في دراسة خطاب «قطب» وجدت أن كتاباته الأولى بها الأصول ~~العامة التي سيطرت على الخطاب بعد ذلك. ومفهوم الحاكمية جزء من ~~التجربة الثقافية للمسلمين؛ فالخطاب الديني في تراثنا كان حريصا ~~على نفي أي تعارض بين الوحي والعقل، واتفق الجميع تقريبا على أن ~~النقل يثبت بالعقل، لكن الخلاف فيما بعد، هل يستقل العقل بعد ~~ذلك أم يظل يمارس فاعليته في فهم النصوص وتأويلها؟ والهجوم على ~~التفكير العقلي ورفض الخلاف والتعددية - قديما وحديثا - يمثل ~~أساسا من الأسس التي تقوم عليها الحاكمية. الأساس الثاني لها: ~~المقارنة الدائمة بين المنهج الإلهي ومناهج البشر؛ فوضع الإنساني ~~مقابل الإلهي يؤدي إلى عدمية الجهود الإنسانية. والحاكمية ~~يستخدمها الخطابان الديني وخطاب السلطة السياسي ضد ~~مخالفيهم. # المنطلق الثاني هو النص، والخطاب الديني يهمل البعد ~~التاريخي للنصوص الدينية؛ فهو يتفق على أن النصوص الدينية ~~قابلة لتجدد الفهم واختلاف الاجتهاد في الزمان والمكان، لكنه لا ~~يتجاوز فهم الفقهاء للتاريخية، بقصرها على النصوص التشريعية دون ~~نصوص العقائد أو القصص. وعلى هذا المجال المحدود للاجتهاد، يؤسس ~~الخطاب الديني لمقولة «صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان»، ويعارض ~~إلى حد تكفير الاجتهاد في مجال العقائد أو القصص الديني؛ فالنصوص ~~دينية كانت أو بشرية محكومة بقوانين ثابتة. وكون القرآن ~~منزلا من الله لا يخرجه عن الخضوع ms077 لهذه القوانين؛ فالله ~~سبحانه يخاطب البشر بلغتهم، وبقوانين اللغة العربية الموجودة قبل ~~تنزيل القرآن. هذه النصوص ثابتة في منطوقها، متغيرة في الفهم ~~والقراءة. وحينما قال علماء أصول الفقه بأنه لا اجتهاد فيما فيه ~~نص، فإن مفهوم كلمة نص عندهم تختلف عن مفهوم كلمة نص في لغتنا ~~الآن، لكن الخطاب الديني بكل مستوياته، من معتدل (حكومي ~~ومعارض) ومتطرف ، يقفز على كل ذلك. وإذا كان خطاب الجماعات ~~الدينية يبدو هو الأعلى صوتا، فإنه في الحقيقة مجرد صدى ~~لمعطيات سابقة، من الأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام؛ صدى كان ~~يتردد خافتا طول الوقت، ثم ساعد على تجسيمه واقع مترد يعجز ~~أهل الحكمة فيه عن تحقيق أبسط المطالب الإنسانية للمواطن العادي، ~~بينما يرتع أثرياء الانفتاح ورموز السلطة في كثير من مظاهر الفساد ~~والخطيئة، الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. وإذا كان ثمة شبه ~~بين شباب الجماعات الدينية والخوارج فإنه ينحصر في تلك المثالية ~~التطهرية المفارقة للواقع، والتي تدفعهم للدفاع عن التصور ~~والدعوة إليه حتى الموت/الاستشهاد. # 2 # كان التعرض لقراءة اليسار الإسلامي في ممثله «حسن حنفي»، ~~المولود عام 1352ه/1935م، وكيف تعامل مع التراث كنوع من نقد الذات ~~من خلال نقد قراءة أستاذي، في دراسة نشرت في مجلة ألف بالجامعة ~~الأمريكية، في عددها العاشر، بعنوان «التراث بين التأويل والتلوين، ~~قراءة في مشروع اليسار الإسلامي». والتأويل هو علاقة جدلية بين ~~الدلالة والمغزى، بين الذات والموضوع. والتلوين هو الوثب على ~~المعاني دون مراعاة هذه العلاقة الجدلية. وهذا الوثب ينتج قراءة ~~مغرضة. وليس معنى هذا أن القراءة المنتجة هي قراءة بريئة، ~~إنما هي حركة بندولية بين الدلالة/الأصل وبين المغزى/الغاية. ~~ومشروع «حسن حنفي» سواء في صورته سنة ثمانين، والتي كان يسميها ~~في حواراتنا «المانيفستو» أو في مجلداته الخمسة التي نشرت عام ~~ثمانية وثمانين تحت عنوان «التراث والتجديد». والعدد الوحيد من ~~مجلة اليسار الإسلامي الذي كتب معظمه «حسن حنفي»، واحد وثمانين، ~~هو إعلان عن حسن النوايا يتلفح بالمبدأ الشيعي التراثي؛ التقية؛ ~~تقية في مواجهة الخطر السياسي. وقد اعتمد التوفيقية على المستوى ~~الفلسفي، لكني وجدت أن التوفيقية ms078 هي ركن أصيل في خطابه. ومزجه، ~~ولا نقول خلطه، بين السياسي والفكري والأيديولوجي والإبستمولوجي ~~دون تأسيس للفرع على الأصل، لا يكفي تبريره بالحيرة بين دور العالم ~~ودور المواطن. # نقطة الانطلاق في خطاب اليسار الإسلامي هي توصيفه للمرحلة ~~الراهنة للأمة بأنها تشبه عصر النهضة الأوروبي. من هنا تتحدد ~~الاستراتيجية المناسبة، بالإصلاح الديني والاتجاه الإنساني ونشأة ~~العلم، وأن الخلاف بين جناحي الأمة خلاف جذري فيما يرتبط ~~بعلاقة كل منهما بالتراث؛ فالسلفية تمثل الاتباع، والعلمانية ~~تمثل الابتداع، ويصبح الإبداع الذي يمثله اليسار الإسلامي ~~بتجديد التراث. وهذه نقطة خلاف لي مع الخطاب؛ لأن تعامل جناحي ~~الأمة مع التراث يتركز في طريقة استعمال كل منهما للتراث؛ فهو ~~عند السلفيين إطار مرجعي، وعند العلمانيين غطاء وسند، وفي ~~الحالتين فقد التراث وجوده الموضوعي لحساب التلوين الأيديولوجي ~~والنفعي، وفشل كلا الاتجاهين في تأسيس معرفة علمية بالواقع أو ~~التراث. خطاب «حسن حنفي» في تعامله مع التراث «يتردد بين أن يكون ~~التراث فاعلا والماضي أساس الحاضر، وبين أن يكون التراث مجالا ~~لفاعلية التجديد ويكون الحاضر أساسا لفهم الماضي بمعنى تبادل ~~ثنائية الماضي/الحاضر، التراث/التجديد، مواقعها طبقا لزاوية ~~التناول والتحليل دون أن تتأسس العلاقة بينهما كما ينبغي على ~~أساس جدلي.» # والاختلاف بين اليمين الديني وبين اليسار الإسلامي في نظرتهما ~~للتراث، حيث إن السلفي يربط ميكانيكيا بين الإسلام والتراث ~~بعد اختزال التراث في جانب منه دون جوانب، إلا أن اليسار الإسلامي ~~يرى التراث نتاج الواقع والبشر؛ فهو تاريخي خارج دائرة ~~المقدس. لكن هذا الاختلاف على مستوى السطح، أما على مستوى ~~البنية العميقة فيتفقان على تصور أن حل مشكلات الواقع الراهن ~~يقبع في التراث؛ فاليمين يطرح شعار «الإسلام هو الحل»، واليسار ~~الإسلامي شعاره تجديد التراث هو الحل. واليسار الإسلامي يرى التراث ~~بناء شعوريا. وهذا التصور هو أساس عمليات الوثب التي يقوم بها؛ ~~فهناك اختلاف بين البناء الشعوري والبناء التاريخي، حيث يكون الفكر ~~مستقلا عن الواقع، لكن التصور المثالي للتراث المفارق ~~للتاريخ والواقع يحول التراث إلى مطلق. # لكن المقتل الأساسي لمشروع اليسار الإسلامي لتجديد التراث ms079 ~~«الإبقاء على بنية العلم كما صاغتها العصور المتأخرة على غرار ~~البنية العقدية الأشعرية، مما سجن التجديد في إطار إعادة الطلاء ~~وليس إعادة البناء.» فإن وضع لافتات جديدة ذات دلالة عصرية إلى ~~جانب اللافتات القديمة، جعل التجديد يكمن دوره في المتن، ووضعت ~~النصوص القديمة في الحاشية، فتحول التجديد إلى تلوين. # مشروع اليسار الإسلامي أقرب إلى الإخفاق منه للنجاح؛ لأخذه ~~التراث كمرجعية، واعتباره أن قراءة جديدة للتراث يمكن أن ~~تصلح الواقع، والقراءة ذاتها كانت انتقائية؛ إعادة طلاء. إلا أن ~~له بعض الإنجازات في التعامل مع التراث؛ بأن أعاد تأويل العقائد، ~~وعقيدة الألوهية، خاصة أنها محاولة من الإنسان لتجاوز اغترابه في ~~العالم. وأصر على التعامل معها بوصفها تصورات ذهنية تمثل ~~موجهات للسلوك. وقد ركز على علاقة الوحي بالواقع في بعده ~~الأفقي، وليس كاليمين الديني الذي يركز على البعد الرأسي ~~للعلاقة المتمثلة في أصل الوحي ومصدر الرسالة. إن قراءتي ما كان ~~لها أن تتم إلا بالدور الذي قام به خطاب اليسار الإسلامي، من ~~خلخلة الكثير من الثوابت والمسلمات المستقرة في وعينا ~~الديني. وهذه القراءة هي محاولة لجذبه إلى آفاق إنتاج وعي علمي ~~بالتراث والواقع في نفس الوقت بعيدا عن التلوين وصولا إلى أفق ~~التأويل، في إدراك الواقع والتراث معا. # دخلت علي سكرتيرة قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، تخبرني ~~أن هناك شابا اسمه «أحمد النقيب» في انتظاري، لكنه في حالة من ~~الهلع والدعاء وقراءة القرآن. سألتها: «من أحمد؟» قالت: «طالب ~~الماجستير الذي حول الإشراف على رسالته إلى حضرتك لسفر أستاذه ~~المشرف.» تساءلت: «وخايف من إيه؟» قالت: «مش عارفة، لكنه بذقن ~~طويلة، هو من الجماعات الإسلامية.» تنبأت بسبب خوفه. فسألتني: ~~«هل أدخله؟» قلت: «لا. أذهب إليه بنفسي.» ذهبت إلى مكان الانتظار ~~وتعرفت إليه مباشرة من وصف السكرتيرة له: «أهلا يا أحمد، إيه ~~رأيك نتمشى شوية لأني عايز أمشي رجلي؟» أحمد محسوب على تنظيم ~~الجهاد، ودخل السجن. وعلى الرغم من أنه الأول على دفعته في ~~المنصورة فلم يعين، فرفع قضية ضد الجامعة وكسبها فعين، لكن ~~لضغط العمل ms080 في المنصورة حول إشرافه إلى جامعة القاهرة، ورسالته ~~عن نظرية اللغة عند «ابن تيمية». قلت له إنه من حقه أن يختار ~~المشرف الذي يرتاح إليه، وعليه أن يفكر في أي أستاذ يريد، وأنا ~~أسعى مع إدارة القسم لتلبية طلبه. حاول أن يتكلم، فقاطعته ~~قائلا: هذا حقك، وهذا رقم تليفون بيتي، فكر أسبوعا واتصل ~~بي ، أخبرني بمن تريد. بعد أسبوع طلب لقائي ليخبرني أنه يريدني أن ~~أشرف على رسالته، فقلت: أحمد، أنا ليس لي دخل في فكرك الديني أو ~~السياسي، أنت حر فيما تؤمن به، لكن أنت تحت إشرافي باحث، والباحث ~~لا يبحث عن موقف ما من موضوع البحث، بل هو يبدأ من أسئلة من نتاج ~~بحثه، يعتصر المصادر والمراجع في سياقها التاريخي والاجتماعي بحثا ~~عن الإجابة؛ فإذا كنت تريد أن تكون باحثا فيسعدني الإشراف ~~عليك، وإن كنت تريد أن تكون داعية فابحث عن أستاذ آخر. قال ~~مسرعا: «باحث، أريد أن أكون باحثا.» # 3 # نشرت الهيئة المصرية العامة للكتاب كتابي «مفهوم النص، دراسة في ~~علوم القرآن» في سلسلتها «دراسات أدبية»، ليباع بخمسة جنيهات ~~وأربعين قرشا. وشاركت في الاحتفالية التي أقمناها للذكرى العاشرة ~~لرحيل أستاذي «عبد العزيز الأهواني»، وألقيت فيها بحث «قراءة ~~النصوص الدينية، دراسة استكشافية» في شهر مارس سنة تسعين، ونشر ~~في مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، عدد أربعة ~~وعشرين، سنة تسعين. فبعد دراستي النقدية للفكر الديني يمينه ~~ويساره، سعيت لدراسة أنماط الدلالة أو المعاني في النصوص الدينية، ~~وخاصة القرآن. نشرت بعد ذلك في الكتاب الدوري «قضايا وشهادات» ~~في عدده الثاني، سنة تسعين؛ فالفكر في جوهره حركة لاكتشاف ~~المجهول، نبدؤها مما هو معلوم لنا سعيا وراء المجهول، والفكر ~~الديني أيضا يخضع للقوانين التي تحكم الفكر البشري، وليس له ~~قداسة؛ لأنه يدرس الدين المقدس؛ فهناك فرق بين الدين والفكر ~~الديني؛ فالدين بنصوصه المقدسة الثابتة، أما الفكر الديني فهو ~~الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج معانيها ~~ودلالاتها، لكن السؤال الحقيقي هو: «كيف استطاع الفكر الديني ~~المعاصر أن يخفي هذا الفرق ms081 ويشيع إطلاقية لاجتهاداته وفكره ~~تقارب حدود قداسة الدين؟!» # وصلنا إلى هذا الحال بعد قرنين من محاولة النهوض؛ لأن مشروع ~~نهضتنا مشروع تلفيقي بسبب هشاشة الطبقة الوسطى حاملة لواء ~~النهضة، وتبعيتها الاجتماعية والاقتصادية؛ الأمر الذي أدى بها ~~إلى التبعية السياسية؛ فخطاب النهضة ظل يبارز نقيضه السلفي ~~سجاليا بنفس السلاح، دون أن يسعى إلى تجاوز حالة السجال النفعي ~~بإنتاج وعي علمي بالتراث، من هنا حالات التحول من مفكرين، بتقدم ~~العمر، من اليسار إلى السلفية. وعلى الرغم من النجاحات الجزئية ~~لخطاب النهضة، حيث رفع غطاء القداسة عن الفكر الديني القديم ~~والحديث، مع وضع بذور التعامل مع التراث كظاهرة تاريخية، وبوصفه ~~صراعا بين تيارات واتجاهات، لكن أهل التجديد لم ينتجوا وعيا ~~تاريخيا علميا بالنصوص الدينية، وظلوا مثل أهل التقليد في ~~ظل الرؤية اللاتاريخية للنصوص الدينية. # والوعي العلمي التاريخي يتجاوز أطروحات الفكر الديني قديما ~~وحديثا؛ فعلوم القرآن التي تربط الآيات بالواقع، مثل أسباب ~~النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ ... إلخ. لا بد أن نبني ~~على ذلك باستخدام إنجازات علوم اللغة، خاصة في مجال دراسة النصوص؛ ~~فالنصوص الدينية هي في الأساس نصوص لغوية، الله تعالى استخدم لغة ~~البشر بقواعدها وارتباطها بالثقافة ليخاطب البشر، وهذه اللغة ~~العربية التي استخدمتها النصوص الدينية تنتمي إلى بنية ثقافية ~~محددة تم صياغة النصوص تبعا لها، ولكن للنصوص خصوصا ~~المؤثرة منها فعاليتها وقدرتها الخاصة في التأثير في ~~الثقافة، بل وإعادة تشكيلها. وتفرقة عالم اللغة السويسري «فرديناند ~~دي سوسير» (1272ه/1857م-1330ه/1913م) بين اللغة والكلام؛ فاللغة هي ~~النظام الدلالي للجماعة في كليته وشموليته بمستوياته الصرفية ~~والنحوية والدلالية، وهي المخزون الموجود قبل الفرد الذي يستخدم ~~هذه اللغة للكلام بها. والعلاقة بين اللغة والكلام علاقة جدلية ~~باستمرار. والنصوص لا تنفك عن النظام اللغوي العام للثقافة، ~~لكنها من ناحية أخرى تبدع شفرتها الخاصة التي تعيد بناء عناصر ~~النظام الدلالي من جديد، فيضيف مبدعون بنصوصهم إلى اللغة ~~ألفاظا وتراكيب ومعاني، وتقاس مدى إبداعية النصوص في الثقافة من ~~تطويرها في النظام اللغوي. وهناك منطقة مشتركة بين اللغة والكلام ~~هي التي تجعل ms082 الكلام مفهوما للمعاصرين للنص، وهي المنطقة المشيرة ~~إلى الواقع والتاريخ، وخارج هذه المنطقة تكون دلالات ومعاني الكلام ~~والنصوص مفتوحة وقابلة للتجدد مع كل قراءة جديدة وكل تغير في ~~أفق القارئ وعصره وثقافته. # لكن هل قدسية مصدر نصوص القرآن تجعلها لا تخضع لقواعد كلام ~~البشر؟ فالله سبحانه يرسل رسالة للبشر مستخدما لغتهم ~~بقواعدها. وإلهية المصدر لا تنفي بشرية الوسيلة التي تحمل الرسالة، ~~وفهم البشر لهذه الرسالة هو الهدف لو دققنا في نظرة النصوص ~~الدينية الإسلامية لكل من القرآن الكريم والمسيح عليه السلام؛ ~~فالقرآن كلام الله، وكذلك عيسى، عليه السلام، كلمة الله إلى «مريم» ~~(سورة النساء: 177، آل عمران: 3). والقرآن ألقي على النبي محمد ~~عليه السلام، كذلك عيسى (النساء: 171). وتم الاتصال عن طريق وسيط ~~في الحالتين، هو الملك «جبريل» الذي تمثل للنبي في صورة ~~أعرابي، وتمثل ل «مريم» بشرا (مريم: 17). فكلام الله تجسد في ~~المسيحية مخلوقا بشريا، وفي الإسلام تمثل نصا لغويا؛ أي ~~عبر اللحم والدم في المسيحية، وعبر اللغة العربية في الإسلام. ~~والفكر الديني الإسلامي يؤمن أن كلمة الله عيسى إلهي المصدر لكنه ~~بشر، وينكر على الفكر الديني المسيحي تصور طبيعة مزدوجة إلهية ~~وبشرية للمسيح، ويصر على بشريته في حين أنه ينظر إلى القرآن ~~ذي الطبيعة المزدوجة أيضا؛ فإلهية المصدر لكلام الله لا تنفي ~~بشرية اللغة التي صيغ بها، والهدف هو التواصل مع البشر برسالة ~~وبلاغ وهداية ونور ... إلخ من صفات القرآن لذاته. وموقف المعتزلة ~~بتبني بشرية النصوص الدينية، رغم أهميته، يظل موقفا تراثيا ~~تاريخيا دالا على بواكير وإرهاصات ذات مغزى لتأسيس الوعي ~~بطبيعة النصوص الدينية، لكنه يظل شاهدا تاريخيا. # وجدت ثلاثة مستويات للدلالة في القرآن: دلالات ليست إلا شواهد ~~تاريخية، لا تقبل التأويل المجازي، مثل كل ما يتصل بتجارة ~~الرقيق، وملك اليمين للمعاشرة، إلى جانب الزوجات الأربع، وجعل ~~عقاب الجارية نصف عقاب الحرة في الزنا، والتكفير عن الذنوب بعتق ~~رقبة؛ لسقوط نظام العبودية ذاته. المستوى الثاني: دلالات قابلة ~~للتأويل المجازي؛ فكلمة «عبد» في اللغة جمعها عبيد، لكن القرآن ~~الكريم استخدم صيغة ms083 جمع جديدة، عباد، تاركا صيغة عبيد ~~المتأصلة في ثقافة الجزيرة العربية لتدل على غير المؤمنين، في ~~حين خصصت «عباد» للمؤمنين، بالإضافة إلى إلحاح النصوص على ~~المساواة بين البشر في الجزاء الديني، وألا تكون التفرقة على أساس ~~الإيمان والعمل الصالح؛ فموقف الإسلام يتجه في اتجاه المساواة ~~وإلغاء العبودية؛ فحين يستخدم الخطاب الديني العبودية أساسا ~~للعلاقة بين الإنسان والله لكي يؤسس عليها مفهوم الحاكمية، ~~مهملا أساس الحب والرحمة، حيث يستخدم الخطاب الديني آلية ~~التضييق الدلالي في مفهوم العبودية بالعودة به إلى عبيد ملغيا ~~العباد، والطاعة وليس الحب والرحمة. وكذلك يستخدم آلية التوسيع ~~الدلالي على أساس مجرد التماثل الصوتي، عند تناوله مفهوم الحاكمية، ~~بين «حكم»، وتعني التحكيم والفصل بين متخاصمين اختاروا تحكيمك ~~طوعا منهما، وبين «حكم» كما نستخدمها في عصرنا بمعنى الحكم الشامل ~~في النظام السياسي. # المستوى الثالث من دلالات النصوص الدينية: دلالات قابلة للاتساع ~~على أساس المغزى الذي يمكن اكتشافه من السياق الثقافي/الاجتماعي ~~الذي تتحرك فيه النصوص، ومن خلال اتجاه حركة النص، من خلال علاقة ~~الجدل بين المعنى والمغزى؛ فالمعنى هو المفهوم المباشر الذي ~~يستنبطه المعاصرون للنص من منطوقه، ويمكن الوصول إليه من السياق ~~اللغوي الداخلي والثقافي والاجتماعي، ويكون هذا المعنى ثابتا ~~نسبيا. أما المغزى فينطلق من المعنى، لكنه محصلة القراءة ~~والخبرة بهموم العصر وصراعاته. باغتني خبر وفاة أستاذي الدكتور ~~«عبد المحسن طه بدر» (1932-1990م) ليعلن رحيل جيل من العظام في ~~حياتنا الثقافية وفي الجامعة. # أرسلت مقالتين لمجلة «إبداع» التي تصدرها وزارة الثقافة، بعد ~~تولي الشاعر «أحمد عبد المعطي حجازي» رئاسة تحريرها، نشرتا ~~بشهري أبريل ومايو سنة تسعين، عن مفهوم النص؛ بحثا في جوانب أخرى ~~داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالخطاب الديني المعاصر - حين ~~يتمسك بالمبدأ الفقهي القديم «لا اجتهاد فيما فيه نص» في وجه أي ~~محاولة للاجتهاد الحقيقي - فهو يعمل نوعا من المخادعة الدلالية؛ ~~باستخدام كلمة «نص» للدلالة على كل النصوص الدينية - القرآن الكريم ~~والأحاديث النبوية - بصرف النظر عن وضوح دلالة النصوص وغموضها. ~~عرضت التطور الدلالي لدلالة «نص» لغويا من الحسي إلى ms084 المعنوي، ~~ثم إلى الاصطلاحي. النص هو الواضح وضوحا لا يحتاج معه إلى بيان ~~آخر؛ فكل ما غمض أو احتمل أكثر من معنى ليس بنص. وفي المقالة ~~الثانية حاولت الكشف عن مفهوم الثقافة للنص من خلال تتبع مفهوم ~~التأويل؛ عودة إلى استخدامه قبل الإسلام واستخداماته في النص ~~القرآني، حيث ورد سبع عشرة مرة في القرآن، ولم يذكر الدال «نص» ~~مرة واحدة. ووجدت أن الثقافة العربية تحمل مفهوما للنص أوسع من ~~مفهوم النصوص اللغوية، مفهوما سيميوطيقيا، لكنه مفهوم يجعل ~~السيادة للنصوص اللغوية على غيرها من النصوص. النص بالمفهوم ~~المعاصر سلسلة من العلامات المنتظمة في نسق من العلاقات تنتج ~~معنى كليا يحمل رسالة، سواء كانت العلامات باللغة الطبيعية - ~~الألفاظ - أم كانت علامات بلغات أخرى. وإذا كانت الآية علامة ~~والنص رسالة فإن الكون كله - في الخطاب القرآني - سلسلة من ~~العلامات الدالة - الآيات - على وجود الله وعلى وحدانيته. # أخذنا شقة أنا وأحلام وبدأنا في فرشها. وتجددت خلافاتنا منذ ~~عودتنا من اليابان، شكواها الدائمة من اهتمامي بطلبتي وطول الوقت ~~الذي أقضيه معهم، فتضع نفسها دائما في وضع مقارنة بين اهتمامي بها ~~وبهم، وفشلت كل محاولات أن أشركها فيما أكتب وأفكر، فكانت تنسخ ~~الأوراق على ماكينة الكتابة دون أن تعيرها اهتماما، فوضعت جهدي ~~في الإنتاج الفكري والعلمي. # كتاب «غالي شكري» «الكشف عن أقنعة الإرهاب، بحثا عن علمانية ~~جديدة»، الذي أخذ من مادة ندوة «الدين في المجتمع العربي» التي ~~عقدت في أبريل سنة تسع وثمانين بمشاركات «طارق البشري، وفهمي ~~هويدي، وأحمد كمال أبو المجد» تحت اللافتة الدينية، و«محمد سعيد ~~العشماوي، وميلاد حنا، وأنور كامل، وفرج فودة، وتوفيق حنا» تحت ~~اللافتة العلمانية. قام «غالي شكري» بتحليل الخطاب. نشرت المقال ~~بمجلة «أدب ونقد»، عدد يونيو، سنة تسعين. أردت أن أخطو خطوة أعمق ~~في تحليل هذه المادة التي أشار إليها الكتاب؛ فأنماط الخطاب العربي ~~التي ذكرها، بتحليلها نجد وراءها بنية ذهنية واحدة ناتجة عن ~~سقوط مشروع النهضة بعد سلسلة الأزمات التاريخية التي مر بها، لكن ~~الانهيار سببه أن معادلة النهضة بنيت ms085 على تلفيقية بين التراث ~~والوافد الغربي على أساس نفعي براجماتي؛ لأن النخبة المفكرة ~~هشة، نشأت في أحضان الإقطاع التابع للرأسمالية الغربية؛ فتحولت ~~النهضة إلى تبرير نقل التكنولوجيا الغربية باسم الإسلام. ومع سقوط ~~المشروع الناصري سقطت معادلة النهضة ذاتها، ولم يبق غير السلفية ~~التي عززها الانفتاح، واشتداد ثروة البترول. وكان لقيام دولة ~~إسرائيل دور في تعميق أزمة مشروع النهضة؛ مما عجل بسقوط هذه ~~المعادلة التلفيقية. الخطاب عاجز عن إنتاج وعي علمي بتاريخية ~~النصوص الدينية وتعامل معها من منظور سلفي، وارتفع صوت الراديو ~~بخبر غزو القوات العراقية لدولة الكويت. # 4 # مع سقوط الأقنعة، والتدخل الغربي المباشر في الأراضي العربية، ~~وكشف الإرهاب عن وجهه القبيح في شوارع القاهرة باغتيال رئيس مجلس ~~الشعب رفعت المحجوب في الثاني عشر من أكتوبر سنة تسعين، فأصبح ~~الصراع على أشده بين الجماعات الدينية المسلحة والسلطة، كتبت ~~مقالا نشرته مجلة «القاهرة» في عددها يناير واحد وتسعين تحت ~~عنوان «ثقافة التنمية وتنمية الثقافة»، في ملف للمجلة عن ~~الثقافة. العقل العربي ظل مشدودا طوال تاريخه إلى سلطة النص ~~الديني والسلطة السياسية الحاكمة؛ فمنذ موقعة «صفين» في عهد ~~الإمام «علي بن أبي طالب» وتحول الصراع من صراع اجتماعي سياسي ~~إلى صراع حول معنى النصوص وتأويلها، وأصبح تأويل النص الديني ~~شأنا من شئون الدولة، وصار عالم الدين موظفا في بلاط الخلافة؛ ~~فأصبحت النصوص الدينية الإطار المرجعي الأول والأخير لكل القوى ~~الاجتماعية والسياسية. من ناحية أخرى ظلت عين المفكر ~~والمؤول على اتجاه السلطة السياسية، سواء كان مؤيدا أم ~~معارضا، فأصبح النشاط العقلي تبريرا، وحينما يضاف إليها ~~(النصوص الدينية كمرجعية أولى وأخيرة) الانتماء إلى أيديولوجية ~~السلطة تصبح نوعا من التواطؤ. ومثال ذلك ما حدث أخيرا في عملية ~~الكويت من كل الأطراف. وفي القديم تواطأ المعتزلة - حينما اقتربوا ~~من السلطة - بقمع المخالفين لهم، وتقديم تبريرات دينية وسياسية ~~نتيجة لبنيتهم الفكرية. ولا خلاص من هذا الموقف ولا استعادة ~~للذاكرة إلا بالتعددية السياسية والفكرية، وترسيخ مبدأ الصراع ~~الحر الخلاق لكل الاتجاهات، والتحول من نظام الوثوب على السلطة ~~إلى ms086 نظام التداول الديمقراطي الحق لها. # حقق كتاب «مفهوم النص» توزيعا كبيرا في معرض الكتاب، ~~وخصصت ندوة لمناقشة الكتاب يوم الثامن عشر من يناير واحد ~~وتسعين، الساعة الواحدة، تكلم فيها د. «شكري عياد ود. جابر ~~عصفور»، وكانت ندوة قيمة لي في نقدهم للكتاب. ونشر د. «حسن حنفي»، ~~عرضا ومراجعة للكتاب في مجلة «فصول»، المجلد التاسع، فبراير واحد ~~وتسعين. ونشر «جابر عصفور» مقالة طويلة في مجلة «إبداع»، عدد ~~مارس، بعنوان «مفهوم النص والاعتزال المعاصر»، وضع الكتاب في سياق ~~مدرسة التفسير الأدبي للقرآن في جذورها القريبة من «محمد عبده إلى ~~أمين الخولي وشكري عياد ومحمد أحمد خلف الله»، ووضعها في جذورها ~~القديمة التي تمتد إلى المعتزلة، وأيضا في السياق الثقافي ~~المعاصر بتحدياته حين قراءة التراث. إلا أن «جابر» استطاع أن ~~يقدم نقدا بناء وعميقا للكتاب. # وعد الكتاب مقدمة في الأصول التي ينبني عليها التفسير. وطرح ~~أسئلة مثل ما مفهوم الكتاب للنص، وأن الدراسة داخلة في إطار آليات ~~القراءة التطبيقية وليس أصول القراءة النظرية على نحو يجعل كتاب ~~«مفهوم النص» دراسة في كيفية فهم طائفة من أهل السلف، وسؤال ما ~~الإسلام؛ هل هو الإسلام كنص إلهي أم الإسلام من حيث هو نصوص ~~ثوان بشرية يتم إنتاجها من النص الأول. # زاد انخراطي في النشاط الثقافي العام والتدريس داخل الجامعة من ~~الشقة بيني وبين زوجتي «أحلام»، حتى أصبحنا نعيش معا وكأننا لا ~~نعيش معا، شبه منفصلين في نفس السكن؛ لأزمة المساكن. # كان لتصرفات النخبة المثقفة خلال أزمة احتلال قوات «صدام ~~حسين» للكويت، وبحثها عن المهدي المنتظر، فكتبت مقالة نشرتها ~~مجلة اليسار في عددها الرابع عشر من أبريل واحد وتسعين بعنوان ~~«المهدي المنتظر والعقل المأزوم»، تناولت فيها تطور الفكرة في ~~الفكر العربي الإسلامي، ولها مثيل في اليهودية والمسيحية كفكرة ~~المسايا أو المسيح المخلص المنتظر. وتناولت الفكرة عند الشيعة ~~المغالين والمعتدلين، مثل الإمامية الاثني عشرية والزيدية، ~~وعند الصوفية. وقد أفهم تعلق البسطاء والعامة بالفكرة، لكن ماذا ~~عن المثقف المعاصر الذي انخدع بالنظم الديكتاتورية العربية؛ ~~لأنها ترفع شعارات العدل ms087 والحرية، فأغمض العين عن ممارساتها ~~الفعلية وانخرط في التبرير الذي وصل عند البعض إلى حدود التواطؤ ~~النفعي؛ المثقف الذي يعادي الإمبريالية والصهيونية لكنه يتصور ~~أن قيادة الحرب ضدها يمكن أن تكون ناجزة بالديكتاتورية التي تسحق ~~الإنسان، وتصادر كل حقوقه أو تؤجلها لأجل غير مسمى بدعاوى ~~زائفة نعلم جميعا أنها ترتبط باستقرار النظم الفاشية، وإحكام ~~سيطرتها على رقاب العباد؛ المثقف الذي يزعم أنه يفكر تفكيرا ~~علميا ويسقط في وهدة ميثولوجيا المهدي المنتظر، ويعيد إنتاجها ~~برطانة مسوح علمية تكشف أزمة العقل العربي؟ # نشرت دار «سينا» للنشر كتابا صغيرا لي بعنوان «الإمام الشافعي ~~وتأسيس الأيديولوجية الوسطية»، الذي نشرت جزءا منه في مجلة ~~«الاجتهاد»، بيروت، العدد الثامن، سنة تسعين، تناولت فيه مفهوم ~~الوسطية الذي يذكر على أنه السمة الجوهرية لتجربة المسلمين، وهو ~~مفهوم أصله «الإمام الشافعي» (150ه/768م-204ه/821م) في مجال ~~الفقه والشريعة أو مجال أصول الفقه، وأصله في مجال العقيدة أو ~~أصول الدين «الإمام الأشعري» (ت: 330ه/942م)، واستنادا لهما ~~أصله الإمام «أبو حامد الغزالي» (ت: 505ه/1111م) في مجال الفكر ~~والفلسفة، وهو شافعي المذهب في الفقه، أشعري في أصول الدين. ~~وهذا الكتاب ليس دراسة في أصول الفقه، بل دراسة في نظرية المعرفة ~~كما يطرحها فكر «الشافعي» من خلال علم الفقه؛ أي دراسة الأصول ~~النظرية التي أقام عليها «الشافعي» وسائله الاستدلالية وإجراءاته ~~المنهجية، كدراسة في منهجه في التفكير بالمعنى الفلسفي ~~للمنهج. # بدأت الدراسة من داخل الفكر إلى الواقع الذي أنتجه، بوضع فكر ~~«الشافعي» في السياق الفكري العام للعصر الذي أنتجه، وفي مجال أصول ~~الفقه، من خلال الصراعات الفكرية بين أهل الرأي وأهل الحديث في ~~الفقه والشريعة، وعلى مستوى العقيدة بين المعتزلة وخصومهم من ~~«المشبهة والمرجئة»، والصراع الشعوبي بين العرب والفرس. ~~وطريقة ترتيب الإمام الشافعي للأصول الأربعة للإسلام، وتأسيسه ~~اللاحق منها على السابق؛ فالسنة تتأسس مشروعيتها - أي بوصفها ~~مصدرا ثانيا للتشريع - على الكتاب، وعدهما جزءا عضويا ~~دلاليا واحدا بأدلة نصية منتزعة من المنطوق أو المفهوم، ~~وعليها بنى «الشافعي» الإجماع؛ فأصبح نصا تشريعيا. ويأتي الأصل ~~الرابع القياس/الاجتهاد ليصبح استنباطا ms088 من النص، المركب من ~~الأصول الثلاثة السابقة، فتم تدشين تحويل اللانص إلى نص لا يقل ~~في قوته التشريعية والدلالية عن النص الأساسي الأول، ألا وهو ~~القرآن؛ وما يؤدي إليه ذلك من تضييق مساحة الاجتهاد/القياس بعقله ~~بوثاق النص بإحكام. # أعدت كلية آداب القاهرة مؤتمرا علميا كبيرا عن د. «طه ~~حسين» في ظل مرور مائة عام على ميلاده، وكنت في اللجنة المنظمة ~~للمؤتمر، وقد تعودت على المؤتمرات والتجهيز لها. ولفت نظري ~~دكتورة عضو باللجنة المنظمة للمؤتمر من قسم اللغة الفرنسية، ~~سألها أحد الدكاترة عن الحمام، وآخر عن قلم، فكانت حادة في الرد ~~عليهما. اشتركت في المؤتمر بمحاضرة عن «طه حسين». وبعد إلقائها ~~اقتربت مني هذه الدكتورة، وسألتني إن كان يمكنها أخذ نسخة من ~~المحاضرة، فأعطيتها لها وتعرفت إليها؛ د. «ابتهال يونس»، مدرس ~~حضارة فرنسية وحضارة مقارنة بالكلية. بعد انتهاء المؤتمر أقامت ~~اللجنة المنظمة حفلة عشاء صغير على مركب بالنيل، فكانت فرصة ~~أوسع للتعرف إليها. دخلت علي المكتب في الكلية بعد أن قرأت نص ~~المحاضرة، وكانت لها تعليقات ونقاط كتبتها على الهامش، ودخلنا في ~~نقاش طويل وعميق حول «طه حسين» ودوره في الثقافة المصرية. # ازداد اقترابنا خلال رحلة لمدريد ببداية شهر مارس بجامعة غرناطة ~~للمشاركة في ندوة أخرى عن «طه حسين». أتينا لتناول الغداء، فقالت ~~ابتهال لصديقتها: «المانيو فيه سمك اليوم كمان.» فقلت لها: «هو ~~انتم تشمون السمك عن بعد زي القطط، أمس أيضا قلتما فيه سمك ~~وفعلا طلع سمك، كيف عرفت أنه فيه سمك؟» ضحكت وبلهجة متواضعة ~~قالت: «على الترابيزة سكينة سمك، فهذا معناه أنه هناك سمك.» قلت ~~مباشرة: «سكينة سمك؟هو فيه حاجة اسمها سكينة سمك؟!» شعور جميل ~~بالسعادة والمتعة للقدرة على النقاش والحوار معها في أي ~~شيء. # 5 # أجرت معي الصفحة الثقافية بجريدة «الأهرام» التي يشرف عليها ~~الأستاذ «سامي خشبة»، في سلسلة حواراتها الأسبوعية تحت عنوان «مفكر ~~مصري جديد»، وأجراه معي الصحفي النابه «محمد حربي»، نشر على ~~أسبوعين يوم واحد وثلاثين من مايو والسادس من يونيو سنة إحدى ~~وتسعين. أنا لست ms089 صاحب مشروع فكري بالمعنى المتعارف عليه، أنا ~~باحث أحاول تقديم قراءة علمية للتراث بدراسته في سياقه التاريخي ~~والاجتماعي. وشرحت أن فكرة الوسطية التوفيقية للإسلام هي فكرة نتاج ~~ظروف تاريخية وليست صفة جوهرية للعقل الإسلامي، كما يقول الخطاب ~~الديني المعاصر. ونقدت فكرة الحرية عند المعتزلة كفكرة تاريخية ~~مرتبطة بعصرها؛ فمفهومهم للحرية كان في مواجهة القدر وليس في ~~مواجهة الواقع الاجتماعي، مطورا فكرتي عنهم في رسالة ~~الماجستير؛ فالمعتزلة كانوا يمثلون لي إطارا مرجعيا خلال ~~كتابة مفهوم النص. اتصلت بي د. ابتهال تعلق على حواري في ~~«الأهرام»، وقالت: «أنا فاهمة يا دكتور نصر إن محمد حربي يقول: ~~حوار مع مفكر مصري جديد. مفكر عظيم يا سيدي، لكن يقول مفكر شاب، دي ~~مبالغة لا تقبل.» قالتها بطريقة جعلتنا ننخرط في الضحك. # ذهبت مع «هدى وصفي وجابر عصفور» لزيارة الأب متى المسكين في ~~خلوته، بدير الأنبا مقار على الساحل الشمالي، في حرارة الصيف. ~~كنت مشغوفا للقائه ومعرفة آرائه خصوصا منهجه في التأويل والمدخل ~~الطويل لشرح وتفسير إنجيل «يوحنا» الذي كتبه. تشعب الحوار معه ~~إلى تجربته الروحية من الصيدلة إلى الرهبنة سنة ثمان وأربعين، ~~مرورا بآليات الشرح والتفسير وتأويل الرموز الدينية في الكتب ~~المقدسة، ومشاكله مع «البابا شنودة» في نهاية عصر «السادات»، ~~والحصار الذي مورس ضده، وتجربته في زراعة الصحراء واستصلاح أكثر ~~من ألفي فدان في دير أنبا مقار بوادي النطرون والساحل ~~الشمالي. والرجل محاور من الطراز الأول يجيد الاستماع ~~والإنصات والتعبير عن نفسه بهدوء وثقة وتواضع العلماء وثقة ~~الواصلين وهدوء أهل اليقين. نشرنا جزءا من هذا الحوار في العدد ~~الثاني عشر من مجلة «ألف» عام اثنين وتسعين، بما يتوافق مع موضوع ~~ملف المجلة. وقمت بجمع أبحاثي التي نشرت متفرقة خلال فترة ~~الثمانينيات لتخرج في كتاب تنشره الثقافة الجماهيرية في طبعة ~~شعبية بجنيه واحد، عن سلسلة كتابات نقدية، عدد أغسطس واحد وتسعين، ~~تحت عنوان «إشكاليات القراءة وآليات التأويل». # ساءت الأوضاع في الجامعة، يا لبؤس الحياة الأكاديمية ~~والصراعات، لدرجة صعوبة تسجيل رسالة «علي مبروك» للدكتوراه تحت ~~إشراف ms090 «حسن حنفي» في قسم الفلسفة لعدة دورات، وقال «جابر ~~عصفور»: «لو قسم الفلسفة لا يريد تسجيلها، فلنسجلها نحن في قسم ~~عربي.» التغيرات التي أدخلتها الدولة على الجامعة بوضع نظام ~~الفصلين الدراسيين «الترم» بقرار إداري، دون أن ترتب ~~المؤسسة الجامعية لذلك، فأصبح الأستاذ يقوم بوضع امتحانين ~~وتصحيحهما؛ مما أخذ من وقته وجهده، بل وأدخلت نظام الانتساب الموجه ~~بمصروفات ، فتضاعفت أعداد الطلبة. قبل قسم اللغة العربية ستمائة ~~طالب لقسم يسع مائة، وزادت لتصل لألف، فأصبحت ألقي محاضرة لطلبة ~~الانتظام، وأعيدها لطلبة الانتساب. ولأنني لا ألقي محاضرة ~~مكتوبة فالتفاعل مع الطلبة يضيف إلى المحاضرة، فأصبح الطلبة ~~يحضرون كل محاضرة؛ مما ضاعف الأعداد التي لم تجد مكانا لها ~~لتجلس. في ظل هذا ألغيت مادة البحث، لكني كنت أصر عليها، وكنت ~~سعيدا أن يشترك سبعة عشر طالبا بأبحاث من ضمن ألف. هذا الوضع ~~استنزف الأساتذة؛ مما أدى إلى نوع من الغضب، فهدد الأساتذة ~~بالإضراب، فحذفت الدولة كل الزيادات من رواتب الأساتذة، وقررت ~~إدارة الجامعة تجديد المكتبة، ولم تبدأ أعمال البناء إلا أثناء ~~العام الدراسي وكأننا في ورشة. زد على ذلك الكتاب المقرر، ~~وتحديد حجم الكتاب وعدد الساعات. والطامة في دعم الكتاب الجامعي، ~~طالبت وطالب غيري أن يكون الدعم بوجود نسخ من الكتاب في مكتبة ~~الجامعة، بدلا من دعم كل طالب ببعض الجنيهات. # لقد تحول حلم الجامعة الذي سعيت إليه في الستينيات إلى ~~كابوس. وعلى الرغم من ذلك كنت متحمسا للعمل والكتابة والمشاركة. ~~انفعلت على ابن أختي الذي عاد من السعودية، وفي أول يوم له داخل ~~المدرسة في مصر رفض الجلوس بجوار طالب لأنه مسيحي. وكل ما تعلمه ~~هناك أن المسيحي كافر. قلت له: «لماذا عدت إذن؟ لماذا لا تعود ~~للعيش هناك؟» لقد تم تجريف المجتمع من العقل، ومن تدينه الذي ~~نشأنا عليه، وعلى العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. دخل المجتمع في ~~حالة غيبوبة، ولا سبيل للخلاص إلا بالحرية على كل الأصعدة، من حرية ~~العقل والتفكير مرورا بالحريات الشخصية والسياسية. # كتبت مقالا نشر بمجلة «العربي» الكويتية في ms091 أكتوبر واحد ~~وتسعين، كعرض نقدي لكتاب د. «زكي نجيب محمود» (1905-1993م) بعنوان ~~«حصاد السنين وأمثلة التنوير المكبوتة»، السؤال الذي يشغلني: ما ~~الذي جعل حصاد التنوير فقيرا إلى هذا الحد الذي وصل إليه واقعنا؟ ~~أبحث عن الأسئلة المضمرة والمكبوتة؛ الأسئلة المقهورة إلى حد ~~التحريم. أنقد الخطاب بهدف تجاوزه لتأسيس خطاب تنويري لا يتجاهل ~~هذه الأسئلة، نازعا قناع التحريم، مسلطا عليها ضوء العقل. ~~خطاب التنوير أسير اللحظة التاريخية التي ولد في رحمها في ~~القرن التاسع عشر، محاصر بين تناقضاته مع بعض أطروحات نموذجه ~~الغربي وهجومه وبين نقيضه السلفي الذي يرى في كل ما يأتي من أوروبا ~~قضاء على الذات وانتهاكا للأصالة، لا يستثني إلا الناتج ~~التكنولوجي الميسر لشئون الحياة اليومية. «زكي نجيب محمود» ~~يدرك أن أزمة العقل هي المسئولة عن عثرات التنوير في بلادنا؛ ~~فخطاب التنوير شديد الجرأة في نقد الواقع وفي نقد تاريخنا الثقافي ~~والفكري والأدبي، لكنه يقترب على استحياء من تراث فكرنا الديني. ~~وعجز خطاب التنوير أن يحدث وعيا علميا حقيقيا بالتراث ~~خصوصا التراث الديني، فلجأ إلى موقف تبريري؛ لأنه وقع بين ~~سندان الخطاب السلفي النقيض ومطرقة الخطاب الاستشراقي، فأصبح ~~الدفاع عن التراث الديني لا نقده أو تحقيق وعي علمي بدلالته إحدى ~~مهامه بوضعه في دائرة الوجدان. # سعى خطاب التنوير إلى التلفيق بين الأصالة والمعاصرة؛ مما جعله ~~يبحث دائما عن حلول وسطى لكل التناقضات التي يزخر بها الواقع ~~الاجتماعي والثقافي. خطاب «زكي نجيب محمود» مهتم بقضية المنهج ~~الفكري ووضوح اللغة والمصطلحات، ونظرته ديناميكية للماضي والتراث، ~~ففرق بين المعقول واللامعقول وانحاز للمعقول؛ مما مهد الأرض ~~للوصول إلى تاريخية التراث الديني؛ التاريخية التي تنزع عنه ~~القداسة. ونادى بوضوح الأفكار الذي جعلنا ننتقل من تحليل الفكر إلى ~~تحليل الخطاب؛ فالإنسان وحدة واحدة. # علماء الدين الحكوميون، في نقدهم لشباب الجماعات الدينية، ~~يتحججون بألا يتحدث في الدين من لم يتخصص فيه، كما لا يتحدث ~~في الطب غير طبيب. وعلى الجانب الآخر يتطوعون بإصدار الأحكام في ~~كل شيء، فكتبت مقالا نشر في مجلة «أدب ونقد»، عدد ms092 نوفمبر واحد ~~وتسعين، بعنوان «إعطاء العيش لخبازه أو العودة لمحاكم التفتيش»؛ ~~فاختصاص رجل الدين في شئون العقيدة لا يسمح له أن يزج بنفسه فيما ~~لا يحسن، ويقف عند حدود الرأي ولا يتجاوز ذلك إلى إصدار حكم؛ لأن ~~الناس تتوهم أن ما يصدر عنه من أحكام هي أحكام دينية لا ~~تقبل النقاش ولا المراجعة. # علمت بخبر وفاة والد د . ابتهال، فذهبت أنا وأحلام للعزاء، وكانت ~~قد زارتنا في البيت أكثر من مرة، وتوثقت صداقتنا، وكنت معجبا ~~بالحوار والنقاش والمناقرة المستمرة منها. # 6 # في مجال اهتمامي بالخطاب العربي المعاصر عرضت عرضا نقديا ~~كتاب دكتور مهندس «محمد شحرور» «القرآن والكتاب»، الصادر من دار ~~الأهالي للطباعة في طبعته الثانية سنة تسعين، فكتبت مقالا لمجلة ~~«الهلال» بعنوان «لماذا طغت التلفيقية على كثير من مشروعات تجديد ~~الإسلام؟» في عدد أكتوبر واحد تسعين. وأنا لا أنكر مشروعية ~~القراءة المعاصرة للتراث، لكن لا بد من شروط لمثل هذه القراءة لكي ~~تكون قراءة تأويلية منتجة، وليست تلوينية مغرضة؛ فالقراءة ~~المغرضة تسعى إلى التلفيق بين طرفين؛ أحدهما ثابت راسخ بديهي ~~فكريا، والثاني طرف متحرك قابل للتشكيل وإعادة القراءة ~~والتأويل لينطق بكل ما تريده هذه القراءة. وهي عكس القراءة ~~التوفيقية التي تقوم على حركة بندولية متبادلة، يتبادل فيها ~~الطرفان التفاعل لكي يصلا إلى حالة من التصالح أو التوافق. # فلماذا طغت التلفيقية على كثير من مشروعات تجديد الإسلام؟ وهل ~~الإسلام هو إطارنا المرجعي الوحيد في كل الشئون التي تطرحها علينا ~~حركة الحياة؟ فأين مجال الخبرة الإنسانية؟ وأين فاعلية العقل ~~الإنساني المستقل؟ لقد أصبح هم القراءة العصرية أن تكتشف في ~~النصوص الدينية ما هو معروف سلفا؛ فكتاب «محمد شحرور» يسعى إلى حل ~~إشكالية شمول المعاني الدينية لكل المعارف الإنسانية، وصلاحيتها ~~لكل زمان ومكان، لكن الإسلام ذاته واقعة تاريخية في زمن ومكان ~~معروفين، وسياق اجتماعي وسياسي معروف، ونصوص القرآن نزلت ~~متواترة على بضعة وعشرين عاما؛ فعبر الفهم العميق لتاريخية ~~الكتاب، وكشف ما هو جزئي ولحظي في تعاليمه، وتميزها عما هو مستمر ~~ومتواصل، وليس عبر ms093 أن نكون عالة على عقول الآخرين. هم يكتشفون ~~ويخترعون، ونحن نبحث عن هذه الاكتشافات في نصوصنا الدينية لنتعالى ~~عليهم بوجودها عندنا من مئات السنين. رد د. «محمد شحرور» على ~~المقال في عدد شهر يناير اثنين وتسعين، يشكك في مفهوم ~~التاريخية، وحسنا فعل، فرددت عليه في عدد مارس فصلت فيه مفهوم ~~التاريخي والتاريخية، ومفهومي المعنى والمغزى ودورهما في دراسة ~~التراث والنصوص الدينية، نشر في مجلة «ألف» بعددها الثاني عشر ~~سنة اثنتين وتسعين، مع جزء من حوارنا مع الأب «متى المسكين»، ~~ودراسة لي بعنوان «مركبة المجاز من يقودها؟ وإلى أين؟» صدرتها ~~بمقولة «ابن عربي» التي أراد أن يحل بها إشكاليات الفكر الديني، ~~وليس الإسلامي فقط: «الأمر محصور بين رب وعبد؛ فللرب طريق، وللعبد ~~طريق؛ فالعبد طريق الرب؛ فإليه غايته، والرب طريق العبد؛ فإليه ~~غايته.» أردت أن أتعمق أكثر مما فعلت من قبل في دراسة أساس مبحث ~~المجاز في الصراعات السياسية والاجتماعية والفكرية، خلال دراستي ~~للماجستير، ودراستي عن الأساس الكلامي - نسبة إلى علم الكلام - ~~لمبحث المجاز. هنا درجة أعمق لإشكالية المجاز والنزاع حول ~~الحقيقة، ومن أين تبدأ في الماضي وفي حاضرنا؛ فمن يبدءون من عالم ~~المحسوس المدرك باعتباره عالم الحقيقة الموضوعي، والذي نقيس عليه ~~ما هو غائب وغير مدرك بالحواس، فنقيس الغائب على الشاهد، ويكون ~~العبد طريق الرب وإليه غايته، حسب تعبير «ابن عربي»، وعلى هذا ~~الطريق سار المعتزلة والفلاسفة العقلانيون، فجعلوا الهدف من رسالة ~~الله هو الإنسان والعالم، والله سبحانه وتعالى تنزل برسل ~~وأنبياء، والإنسان هو الغاية؛ فيتم الوحي وفق آليات الإنسان، ~~بلغته ومن خلال ثقافته بما يتضمنانه من مجاز، وتغير في الدلالة ~~من المحسوس إلى المجرد، من المدرك إلى المعقول، من الشاهد إلى ~~الغائب؛ فعالمنا هو الحقيقة، وفي عالم الغيب يكون المجاز. # الطريق الآخر هو طريق من بدءوا من الله، أصل الوجود، فيكون الرب ~~طريق العبد، فإليه غايته؛ فالوجود حركة دائرية تبدأ من أصل واحد ~~هو الله، تخلق عنه الوجود بالتجلي أو بالفيض، أو بالخلق من ~~مادة قديمة عند آخرين، أو ms094 بالخلق من عدم؛ فخلق الله العالم ~~والإنسان. والهدف هو عودة الإنسان إلى الله، وما اللغة إلا وسيط. ~~ويكون عالمنا هو المجاز، والحقيقة هناك. ولكلا التصورين سند من ~~نصوص الكتاب والسنة. ولم تهدأ المحاولات والمشروعات الفكرية التي ~~تسعى لجمع التصورين في منظومة فكرية واحدة، من «أبي الحسن ~~الأشعري» (ت: 330ه/942م) إلى «أبي حامد الغزالي» (ت: 505ه/1111م) ~~إلى «ابن عربي» (ت: 638ه/1240م)، لكن السؤال هو: لماذا أخذ كل طرف ~~بجانب من الظاهرة الدينية؟ # الحياة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية هي ~~المفسرة للخلافات الفكرية، وبالأخص الدينية؛ بين من يصرون ~~على الحياة في العالم، وبين من يرون هذا العالم مجرد معبر أو ~~مجاز للعالم الآخر؛ عالم الحقائق الأزلية الثابتة. حاولت دراسة ~~هذه الإشكالية من أجل الكشف عن امتدادات هذه الرؤى التراثية في ~~الخطاب الديني المعاصر، فوجدت أن ربط مركبة اللغة والمجاز بقاطرة ~~الدين والعقيدة هو المسئول دون شك عن حالة الارتباط والتشوش في فهم ~~الظاهرة جزئيا، لكن المسئولية الشاملة تقع على عاتق ربط مركبة ~~الحياة بمستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ~~والفكرية والاجتهاد فيها، بعجلة الدين والعقيدة. وهو ربط ليس ~~أصلا في العقيدة، بل حدث في ظل صراع اجتماعي وفكري في ~~تاريخنا. # 7 # لم يغادرنا عام واحد وتسعين دون صدور حكم محكمة أمن الدولة ~~طوارئ، بالسجن ثماني سنوات على الكاتب «علاء حامد»، بعد قرار مجمع ~~البحوث الإسلامية ضد روايته، ومصادرة مباحث المصنفات الفنية ~~لها، وحبسه بسجن طرة بعد فصله من وظيفته، ليأتي عام اثنين وتسعين ~~بمطالبة الكاتب «فرج فودة» رئيس الجمهورية في لقائه مع الكتاب في ~~افتتاح معرض الكتاب، بوضع قانون للإرهاب. وشهد المعرض ~~محاولة مصادرة كتب المستشار «محمد سعيد العشماوي» من قبل لجنة ~~أزهرية. شاركت في ندوة «الثقافة العربية والموقف من التراث» التي ~~حاضر فيها «جابر عصفور وحسن حنفي وجمال الغيطاني» يوم سبعة يناير، ~~لتعقد في اليوم التالي مناظرة احتشد لها الآلاف، بعنوان «مصر ~~بين الدولة الدينية والدولة المدنية»، شارك فيها د. «محمد أحمد ~~خلف الله، ود. فرج فودة» ممثلا للتيار المدني، والشيخ «محمد ms095 ~~الغزالي» ونائب المرشد العام للإخوان المسلمين «الهضيبي، ومحمد ~~عمارة»، وأدارها صديقي د. «سمير سرحان» رئيس الهيئة العامة للكتاب. ~~أصبح الجو الثقافي مشحونا جدا بين الجبهتين. ونشر نص ~~المناظرة مع استبدال العنوان إلى: «مصر بين الدولة الإسلامية ~~والدولة المدنية». # أصبحت ممزقا بين مشاعري الدفينة تجاه «ابتهال»، فأكتشف كل ~~يوم ما يقربني إليها، نلتقي يوميا في الجامعة منذ بدء ~~الدراسة. حرصت على أن أخفي مشاعري نحوها؛ فأنا أعتز ~~بصداقتها، ولا أريد لشيء أن يعكر صفوها وسموها العميق. ~~عاتب على نفسي، مجرد التفكير في التصريح لها، فارق السن؛ فهي في ~~سن أختي الصغيرة آيات، لا أقول ابنتي. شابة عذراء وأنا متزوج ~~ولا أنجب. سألتني عن سبب حزني، فتعللت بذكريات من مرحلة ~~الطفولة. مبهور أنا بعزمها وقوة شخصيتها. تأخذني إلى عالم جديد ~~وأماكن مبهرة. في يوم خريفي جميل أمام بوابة الكلية، كنا في ~~انتظار بعض الأصدقاء، متأخرين، في طريقنا إلى مناسبة ثقافية، ~~نتجاذب أطراف الحديث، فقلت لها بصوت طفولي مازح: غريب أوي يا ~~«ابتهال»، مع كل صداقاتك وعلاقاتك ولسه مافيش ارتباط ولا حتى ~~خطوبة؟ قالت بمزاح: ليه عندك عريس؟ ~~- ربما. ~~- هو انت بقيت خاطبة؟! ~~- إيه رأيك في واحد زيي؟ ~~- زيك؟ ولا أنت؟ # قلت بتردد: أنا. فوجئت بصوتها بدون تردد: موافقة. وصمت بيننا ~~الحوار، ولم نعرف أين يذهب بعد ذلك. عدة أيام وتشجعت أن أفتح ~~معها الكلام مرة أخرى: «ابتهال، لما كلمتك عن الزواج لم أكن ~~أمزح.» قالت بنبرة واثقة: «مين قال إنك بتمزح، وتعجبت ليه أخذت ~~منك الوقت الطويل دا كله علشان تقولها؟» ~~- يمكن لأني مستكترك على نفسي، ولا أستاهلك. # لم أصدق أذني، إنها تبادلني نفس المشاعر. شعرت أن صخرة ~~كبيرة بدأت تنزاح عن صدري، كلماتها كانت نجاتي وعوني في أن ~~أتخذ القرار الذي خشيته منذ زمن، فجلست مع «أحلام» لأخبرها أنه ~~من الأفضل لها ولي أن ننفصل، أو بمعنى صحيح أن يصبح انفصالنا ~~رسميا. تركت لها الشقة التي فرشناها، واقتسمت معها مدخراتي ~~النصف بالنصف دون أن تطلب. # بدأت أعرف أكثر عن «ابتهال» وعن ms096 أسرتها، وأكتشف أصولها التركية، ~~ومكانة والدها عليه رحمة الله، كان سفيرا ومستشارا للغة ~~الفرنسية، أحد تلامذة «طه حسين»، ودفعة «نجيب محفوظ». عاشت طفولتها ~~بين فرنسا والنمسا. أخبرتني «ابتهال» بما حدث بينها وبين والدتها ~~حين علمت بموضوعنا، ورفضت فكرة ارتباطنا تماما. طلبت أن أتواصل ~~بوالدتها، والتي كانت مهذبة جدا، لكن حادة كسكين. ~~سألتها عن سبب اعتراضها، قالت: «مقدرش أقولك، لازم تفهم لوحدك.» ~~حاولت الاتصال بأخيها الذي يصغرها، فكان يتكلم معي وكأنه يتحدث عن ~~طفلة وليس عن الدكتورة «ابتهال»، البالغة التي يمكن أن تتخذ ~~قرارها بنفسها في أمور حياتها. # ذهبنا إلى محل المجوهرات واشترينا دبل الخطوبة، ولبستها في ~~المحل، وعادت إلى البيت ورفعت إصبعها بالدبلة إلى والدتها، وقالت ~~إنها خطبت، وإننا سنتزوج بعد انقضاء رمضان. حينما شعرت الأسرة ~~أننا مصممان على الزواج لم يجدوا مفرا، فاقترحت الأسرة أن ~~نقيم فرحا، فقالت «ابتهال»: «اعملوا فرح كبير وادعوا معازيم، لكن ~~مش هنحضر.» فلم يكن معنا نقود. اشتريت لها خاتما، وعقدنا الزواج ~~في الرابع من أبريل. ذهبنا لنتصور صورة الزواج، ومعنا والدتها طوال ~~الطريق لم توجه كلمة لي ذهابا أو إيابا. جلسنا في بيت أسرتها ~~قليلا، ثم توجهنا إلى شقة صغيرة حصلنا عليها من المساكن في ~~ضاحية ستة أكتوبر النائية بالدور الأرضي. حينما اجتمعنا في شقتنا ~~وأغلقنا بابنا، شعرت برغبة جارفة للبكاء، بكاء حبسته داخلي ~~سنوات منذ وفاة والدي، حمل كبير حملته على أكتافي مع والدتي، ~~عليها رحمة الله؛ فالآن تبدأ حياتي، الآن أعيش. # 8 # قبل الزواج انتهيت من مقال نشرته مجلة «أدب ونقد» في شهر مارس ~~سنة اثنتين وتسعين، بعنوان «التراث بين الاستخدام النفعي والقراءة ~~العلمية، سلطة النص في مواجهة العقل»، كنت قد ألقيته في مؤتمر ~~«التراث وآفاق التقدم في المجتمع العربي» بمدينة عدن باليمن في ~~الثالث من فبراير الماضي. شغلني السؤال: لماذا حين يذكر التراث ~~يتبادر إلى الذهن الدين أو الفكر الديني؟ ولماذا يلح علينا هاجس ~~التراث هذا الإلحاح المؤرق، والذي يكاد يجعلنا أمة فريدة في ~~تعلقها بحبال الماضي كلما مررنا بأزمة؟ لقد ms097 قامت ثقافتنا ~~المعاصرة باختزال التراث في الإسلام الذي أصبح هو الهوية التي إذا ~~تخلينا عنها ضعنا. وتم اختزال الإسلام في الفهم الأشعري ~~المسيطر لقرون، والفهم المعتزلي مهمش. وتم اختزال الآخر ~~الغربي في الغرب المعتدي الغازي المحتل، أو الغرب المتقدم ~~المتحضر المعلم؛ فهذه النظرة للتراث وللغرب لا خروج لنا من ~~أسرها إلا بإدراك تاريخية التراث بعمقه إلى ما قبل الإسلام، ~~وتعددية رؤاه وتوجهاته؛ أي بإنتاج وعي علمي بالتراث في سياقه ~~التاريخي، وكذلك بإدراك تركيبة الآخر، وأن الغرب الغازي لا ~~يمثل الإنجاز الحضاري، ولا نحصر الإنجاز الحضاري له في العلم ~~والتكنولوجيا فقط، بل كلاهما ثمرة لشجرة أعمق وأوسع. # كلمة تراث لم ترد في النص القرآني بالمعنى الذي نستخدمه الآن، ~~لكن الكلمة التي وردت تعبر عن معنى التراث كما نستخدمها هي كلمة ~~السنة، وجاءت تعني طريقة حياة الناس أو الشريعة التي ارتضوها ~~في الماضي؛ لذلك فسنة الرسول الكريم هي أقواله الشارحة والمبينة ~~لما ورد مجملا في تعاليم القرآن، وما سواها من أقوال وأفعال يجب ~~أن يدرج في سياق الوجود الاجتماعي؛ أي تفرقة قدمائنا بين سنة ~~الوحي وسنة العادات. والسؤال هو: هل كل ما ورد في كتب السنن ~~والأحاديث مع افتراض صحته جميعا ونسبته للنبي، هل يدخل في جانب ~~الدين المقدس؟ «الإمام الشافعي» هو من بدأ وضع الأسس الفكرية ~~والفقهية لإدماج السنة في الدين، وإعطائها استقلالية التشريع، ومن ~~بعده «الأشعري» الذي ناهض فكر المعتزلة وأسس لسلطة النقل في ~~مواجهة تيارات أخرى تحاول تأسيس سلطة العقل دون إهدار مجال ~~فاعلية النصوص. وأتى «الإمام أبو حامد الغزالي» ليكمل نفس الخطوة ~~في مجال الفكر والفلسفة. تكون موقفان من سنة السابقين أو ~~التراث، يلوذ أحدهما محتميا من تقلبات الزمن والتاريخ ~~وتغيراتهما بالتراث، وآخر يهتم بحاضره وواقعه دون أن يغفل ~~فعالية التراث أو يتجاهلها. لكن الصراع حسم قديما لصالح النقل ~~وضد العقل؛ لأسباب تاريخية وسياسية واجتماعية وليست فكرية. هكذا ~~تحددت قوانين إنتاج المعرفة في الثقافة العربية على أساس سلطة ~~النصوص عبر النقل، وأصبحت مهمة العقل محصورة في توليد النصوص ms098 من ~~نصوص سابقة. هذه الآلية هي المسئولة عن جعل التراث الديني الإطار ~~المرجعي الوحيد للعقل العربي، بالإضافة لمفهوم شمولية ~~الدين. # الجانب الآخر: إشكالية علاقة العقل العربي بالآخر الغربي. ~~فالاستشراق كذراع فكرية للاستعمار رسم صورة لنا بأننا مسلمون ~~دينا ووطنا، وأن سر تخلفنا وانحطاطنا هو الإسلام؛ فشرع ~~المفكرون المسلمون يدافعون عن الإسلام بأن سبب تخلفنا هو البعد عن ~~الإسلام، وما تقدمت أوروبا إلا بقيم الإسلام ؛ فالعقل العربي ~~تقبل رؤية الاستشراق أن الإسلام هو هويته، لكنه رفض ربط ~~التخلف بالإسلام. وانخرطنا في رد فعل ولم نبحث عن أسئلتنا نحن ~~النابعة من قضايانا، بل دافعنا بأن تم الفصل بين الإسلام ~~والمسلمين، وإعادة تفسير تعاليم الإسلام لينطق بقيم التمدين ~~والحضارة كرد فعل لما طرحه الغرب؛ فمارس خطاب النهضة التجديد على ~~أساس نفعي لتحقيق مهمة تقبل المدنية الأوروبية. والخطاب ~~السلفي يعتمد نفس الأساس النفعي في تأويل الإسلام والتراث لرفض ~~المدنية الأوروبية. في كلتا الحالتين تم إنتاج وعي زائف بكل من ~~التراث والحضارة الأوروبية، وبهذا الوعي الزائف أصبح العربي يحيا ~~في الغالب تاريخا غير تاريخه، سواء كان لحظة ماضية في الزمان ~~الأوروبي أو في زمانه التراثي، ولم يبق له في لحظته الراهنة سوى ~~التبعية للغرب على مستوى الحياة المادية، باستيراد التكنولوجيا ~~والاتباع لإحدى لحظات الماضي على مستوى الوعي، دون أن نبحث عن ~~الأسباب الحقيقية للتقدم والتطور والنهوض بردها إلى عملية تحرير ~~الإنسان وتحرير عقله. # شاركت في ندوة بمدينة إشبيلية الإسبانية بعنوان «الأندلس ملتقى ~~ثلاثة عوالم»؛ وذلك لبحث عن دور الأندلس في تشكيل الصبغة الفكرية ~~لفلسفة «محيي الدين ابن عربي» الصوفية. وفي أثناء إعدادي للدراسة ~~تنبهت إلى سيطرة البنية القرآنية كنموذج ونمط سردي على بنية ~~كتاب «الفتوحات المكية». ولا أقصد مجرد الحضور الطاغي للاستشهادات ~~القرآنية المباشرة وغير المباشرة، بل أعني تعمد «ابن عربي» ~~الانتقال من موضوع إلى موضوع آخر تقليدا للبنية القرآنية التي ~~يتحرر فيها السرد من وحدة الموضوع تحررا تاما. وشاركت بها في ~~مؤتمر «الحضارة الأندلسية» بكلية آداب القاهرة في الحادي عشر من ~~شهر يناير اثنين ms099 وتسعين، أعيد فيها النظر إلى خطاب «ابن عربي». ~~وطلبت مني مجلة «الهلال» المشاركة في ملف لها عن التصوف، في عدد ~~شهر مايو اثنين وتسعين، فكتبت «محاولة قراءة المسكوت عنه في خطاب ~~ابن عربي». # في دراساتي السابقة عن «ابن عربي» حللت خطابه بالوقوف عند ما ~~يقوله، لكن لا بد من قراءة تحفر درجة أعمق، تتلمس الدلالات ~~الضمنية الكامنة والمستقرة وراء مستوى المعاني الظاهرة؛ بأن ~~ندرس مستوى المسكوت عنه؛ فقد وقعنا كباحثين بدرجات متفاوتة في ~~شراك القراءة الاستنباطية التأويلية الذاتية، التي تسيطر فيها ~~فلسفة «ابن عربي» على تأويله. وكانت لإشارات الأستاذ «ميشيل ~~شودكيفيكس» المستعرب الفرنسي في نهاية عرضه النقدي لرسالتي ~~للدكتوراه، حافز على الاهتمام ببنية خطاب «ابن عربي»؛ فبينة أي ~~خطاب تتحدد من مستويات أهمها مدى توافق البنية أو مخالفتها ~~لما هو سائد. لا يتوقف تأثر نص «ابن عربي» أو تناصه بالنص ~~القرآني عند حدود البنية الخارجية فقط، بل يندمجان ويتراكبان في ~~مستويات متعددة من السياق، حتى ليصعب على القارئ في كثير من ~~الأحيان فصل صوت «ابن عربي» عن الصوت القرآني في النص. ويبدو أن ~~«ابن عربي» لا يحاول فحسب محاكاة جماليات النص القرآني، بل ~~إبداع نص جديد يدخل القرآن في نسيج بنيته جزءا مؤسسا، هذا ~~الطموح الإبداعي هو الذي أثار وما يزال غيظ الفقهاء ورجال الدين. ~~«ابن عربي» يستحق قراءة شاملة تفصيلية تكشف أبعاد كل ذلك، ~~وأتمنى أن أقوم بها يوما ما. # تقدمت إلى لجنة الترقيات بالجامعة للترقية إلى درجة «أستاذ»، ~~يوم تسعة مايو سنة اثنتين وتسعين، بكتاب «نقد الخطاب الديني»، في ~~طبعة دار الثقافة الجديدة، وكتاب «الإمام الشافعي وتأسيس ~~الأيديولوجية الوسطية»، وبحث «إهدار السياق في تأويلات الخطاب ~~الديني» كنص مكتوب على الآلة الكاتبة على وشك النشر، ودراسة ~~باللغة الإنجليزية: «الإنسان الكامل في القرآن»، ومعه ملخص ~~بالعربية نشر في مجلة جامعة «أوساكا» في اليابان، وبحث «التأويل ~~في كتاب سيبويه» المنشور في مجلة «ألف»، ومقال «سلطة النص في ~~مواجهة العقل»، ومقالان بمجلة «إبداع»: «مفهوم النص، الدلالة ~~اللغوية»، والثاني «التأويل»، وبحث «مركبة المجاز ms100 من يقودها؟ وإلى ~~أين؟» المنشور في مجلة «ألف»، ومقالي عن «ابن عربي» في مجلة ~~«الهلال»، ومقال «قراءة التراث في كتابات أحمد صادق سعد» ألقيته ~~في ندوة «إشكاليات التكوين الاجتماعي»، ومقال مجلة «القاهرة» ~~«ثقافة التنمية وتنمية الثقافة»، والمقدمة التي كتبتها لترجمتي ~~لكتاب البوشيدو. انتهى الطالب أحمد النقيب تحت إشرافي من رسالته ~~للماجستير التي كنت راضيا عنها، وبدأت تذوب تحيزاته مع تطبيقه ~~منهجا نقديا في دراسته ، وشكلت لجنة لمناقشة رسالته من أستاذ ~~في اللغويات وآخر في العقيدة. وفي قاعة كبيرة بالجامعة لكي تكفي ~~الأعداد الكبيرة التي أتت لحضور المناقشة، امتلأت بالسلفيين بلحاهم ~~الطويلة، وسيدات منتقبات، فعلق أحد الأساتذة على المشهد ~~قائلا لي: «أنت أحضرتنا هنا لنغتال ولا إيه؟!» وكانت زوجتي ~~«ابتهال» الوحيدة من النساء الحاضرات بغير غطاء رأس، وتجلس خلفها ~~زوجة أحمد تحمل طفلهما الرضيع. لاحظت «ابتهال» أثناء المناقشة ~~احتياجها لترضع وليدها، فأخذتها إلى أحد المكاتب. # 9 # اشتد الاحتقان في المجتمع المصري، وتفاقم بوصول عمليات العنف ~~الإرهابي لشوارع القاهرة، فسلكت السلطة طريقين؛ طريق التفاوض ~~مع الجماعات الدينية المسلحة بين مجلس شورى جماعة الجهاد، داخل ~~السجن بقيادة عبود الزمر، وكبار ضباط مباحث أمن الدولة، لكن ~~السلطة اتجهت أيضا إلى تجنيد المثقفين في معركتها ضد ~~الإرهاب والتطرف بدعوة من «أسامة الباز»، مستشار الرئيس، لمجموعة ~~من المثقفين والكتاب والمفكرين الذين اشتهروا بروح المعارضة ~~والنقد. وفي هذا السياق حدثت عملية إحلال رؤساء تحرير جدد لمجلات ~~وزارة الثقافة، بهدف استيعاب رموز المعارضة الثقافية في العهدين ~~السابقين لمثقفين تعرضوا للاضطهاد بدرجات في العهد السابق، ~~وكانوا شديدي النقد للمثقفين الذين تعاونوا مع نظام «السادات» ~~بدعوى التغيير من الداخل؛ فها هم أنفسهم تتغير وجهة نظرهم حين بدت ~~لهم مخاطر الإرهاب بمدينة القاهرة. حركة سريعة للمثقف من أجل ~~إطفاء الحريق الذي يكاد يلتهم السلطة؛ فليس لدى المثقف وقت لإنجاز ~~صيغته التنويرية من خلال تحليل واع ونقد خلاق، بل نهلل ~~للتنوير المعلب سابق التجهيز ونرفع أعلامه وشعاراته. وهذا ~~التحرك لا يختلف في بنيته عما يفعله النقيض السلفي، حتى إن «جابر ~~عصفور» بدأ ms101 يكتب: «من التنوير إلى الإظلام، ولماذا ينتكس ~~التنوير؟!» في مجلة «إبداع». ما تفعله السلطة مجرد توجه نفعي ~~للخروج من أزمتها. وها هو ود. «مصطفى هدارة» يرسل رسالة لرئيس ~~الجمهورية كبلاغ في رؤساء تحرير المجلات الثقافية، ونشرتها مجلة ~~«إبداع» عدد أبريل اثنين وتسعين. # بينما يخرج الكاتب «فرج فودة» من مكتبه بمدينة نصر السادسة مساء ~~الثامن من يونيو بصحبة ابنه وصديق، وقد فتح عليهم النار عضوان ~~بالجماعة الإسلامية يركبان دراجة بخارية ليقتل «فرج فودة». لقد ~~استهدف الإرهاب المفكرين أيضا. عكفت على دراسة فكر النهضة في ~~القرنين الماضيين في بحث نشر بمجلة «القاهرة» أكتوبر اثنين ~~وتسعين، بعنوان «مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق». لقد قامت ~~معادلة النهضة عندنا على محاولة التوفيق بين التراث العربي ~~الإسلامي، والذي تم ضمه وتوحيده بجوهر الإسلام، وبين التراث ~~الأوروبي الغربي، والذي تم تركيزه في الاكتشافات العلمية وثمارها ~~التكنولوجية؛ فأصبح الإسلام مرجعا لتقبل الوافد الغربي، ولعب ~~التراث الغربي دور المعيار لسلامة فهم الإسلام ومشروعية تأويله؛ ف ~~«رفاعة الطهطاوي» (1214ه/1801م-1289ه/1873م) كان مشغولا بالتصالح ~~مع أوروبا التي كانت في وقته بمثابة الخصم المتفوق علينا، وليست ~~بعد العدو المستعمر، لكن التعارض بدأ يتبلور مع انكشاف الوجه ~~الاستعماري للاحتلال الأوروبي. # ومع التعارض كانت الحاجة إلى التوفيق بين الطرفين، والذي تم ~~بالتفتيش داخل التراث عن مبررات لقبول ما هو صالح من منتجات ~~الغرب العقلية والفكرية والاجتماعية والسياسية. وهذا ما قام به ~~«جمال الدين الأفغاني» (1252ه/1838م-1313ه/1897م) و«محمد عبده» ~~(1264ه/1849م-1321ه/1905م) بالبحث عن النافع من تراثنا الذي يمكن ~~أن يلتقي مع النافع في نتاج الحضارة الأوروبية، وإن كان مفهوم ~~النافع اتسع قليلا من منافع مادية إلى منافع فكرية وعقلية، لكن ~~ظل مبدأ المنفعة هو المسيطر، مع ازدواجية النظر إلى الغرب كقوة ~~احتلال، وأوروبا القرن الثامن عشر، وعصر الأنوار؛ فوقع العقل ~~العربي بين من ينشدون الاندراج في سياق الثقافة الأوروبية ناظرين ~~إلى أوروبا عصر الأنوار، وبين من ينشدون الانسلاخ عن الشيطان ~~الأوروبي الغربي، محتمين بالهوية الإسلامية ناظرين إلى أوروبا ~~الاستعمارية المتأهبة بجيوشها وأساطيلها لابتلاع العالم ~~الإسلامي عامة، والعربي بصفة ms102 خاصة. # ازدادت الازدواجية تعقيدا؛ لأن التراث الإسلامي العقلاني ~~المؤهل للتواصل مع أوروبا عصر الأنوار هو التراث الاعتزالي، ~~وتراث «ابن رشد» على المستوى اللاهوتي والفلسفي، و«الرازي» و«ابن ~~الهيثم»؛ فهو تراث مهمش في ثقافتنا. من هنا نفهم التردد عند ~~«محمد عبده» بين أخذه بمفهوم الأشاعرة عن التوحيد، وجاوره بمفهوم ~~العدل عند المعتزلة، والذي يتيح تفسير السببية التي يقوم عليها ~~العلم التجريبي الحديث، وتردده في مسألة قدم القرآن وخلقه؛ ~~المفهوم الذي حذف في الطبعة الثانية من كتابه «رسالة التوحيد» ~~نتيجة للتردد بين مفاهيم الأشاعرة والمعتزلة. ونلاحظ التردد في ~~منهجية «طه حسين» (1305ه/1889م-1329ه/1973م)؛ فالقراءة المتعمقة ~~لكتابه «في الشعر الجاهلي» تكشف تجاورا بين منهجين لم يتم ~~التركيب بينهما؛ منهج الشك عند «ديكارت»، ومنهج علماء الحديث في ~~نقد الرواية كما يتمثل في نقد «محمد بن سلام الجمحي» للشعر ~~(139ه/765م-232ه/861م)، لكن التناقض الحقيقي في منهج «طه حسين» ~~تجده في مسألة اعتبار القرآن مرجعا تاريخيا للحياة الجاهلية ~~وإنكار نفس المرجعية بالنسبة لقصص الأنبياء. وحدثت عنده انتقالة ~~لمعادلة النهضة قليلا عن جيل «محمد عبده»، حيث أصبح الغرب عند ~~«طه» أداة منهجية لتحليل التراث وفهمه ونقده. # الدافع النفعي المباشر حول عملية التوفيق بين طرفي معادلة ~~النهضة إلى عملية تلفيق؛ فقد احتفظ كل من الطرفين بتمايزهما، ~~بحيث إذا أمكن إسقاط أحد طرفي المعادلة، احتفظ الطرف الآخر بكل ~~قوته وجبروته، وهذا ما نلمسه الآن من الانحسار بين التبعية الكاملة ~~للغرب اقتصاديا وسياسيا وفكريا بالشروط الاستعمارية، وبين ~~السلفية الرجعية الكاملة؛ فالتبعية تفضي إلى الديكتاتورية ~~والاستغلال ومحاصرة الإنسان باسم التغريب والحداثة، وتفضي السلفية ~~إلى نفس النتيجة لكن باسم الدين والتراث في مجال تحقيق الهوية ~~الخاصة؛ فحين يتبنى السياسي مشروعا فكريا ويطلب من المفكر ~~معاونته في تحقيقه على أرض الواقع، فيبرر المفكر الغايات ~~النفعية المباشرة للسياسي في الحالة الأولى، ويبرر السياسي ~~الوسائل والغايات في الحالة الثانية؛ فإن هذه هي آفة النهضة؛ لأن ~~المشروع الفكري ولد في رحم المشروع السياسي، «فعجز المفكر عن ~~قطع الحبل السري الواصل بين إنتاجه الفكري وممارسة السياسة - ~~سواء كان في صفوف ms103 المؤيدين أو المعارضين - جعل عين الممارسة ~~الفكرية على اليومي والآني والمباشر، ولم تتحرك داخل حدود الفكري ~~الجوهري والعلمي إلا قليلا.» ولهذه التلفيقية في تاريخنا القديم ~~أمد بعيد. # وسواء تحدثنا عن معادلة النهضة في بعدها السياسي من «محمد ~~علي» إلى «جمال عبد الناصر»، أو بعدها الفكري من «رفاعة الطهطاوي» ~~إلى «حسن حنفي»، فهي عملية نخبوية تستبعد الجماهير استبعادا ~~تاما من المشاركة. ولا سبيل إلا بالخروج من حكم النخب العسكرية ~~أو القبلية أو الطائفية المستندة إلى حقوق الوراثة المرتكزة ~~على مبدأي القوة والقهر؛ وذلك بالديمقراطية بمعناها الشامل، ~~ديمقراطية العقل، وديمقراطية الحياة، بحق البشر المتساوي في جني ~~ثمار الناتج القومي، وديمقراطية السياسة بحق تداول السلطة ~~والمشاركة فيها عبر المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية. إن ~~وصاية المثقف والسياسي تنتهي كلتاهما إلى نتيجة واحدة؛ ~~الديكتاتورية السياسية المطلقة من جهة، وكهنوتية الفكر من جهة ~~أخرى؛ فالوصاية تفضي إلى تثبيت الوعي الناقص وتأييده. # 10 # نشرت مجلة «أدب ونقد» في نوفمبر اثنين وتسعين مقالي «قراءة ~~التراث في كتابات أحمد صادق سعد»، و«أحمد» كاقتصادي قام بقراءة ~~كتاب «الخراج» ل «أبي يوسف» (113ه/738م-182ه/809م) تلميذ «أبي ~~حنيفة»، وقراءة «أحمد» تمثل تيار القراءة الواعية للتراث ~~بوصفه استجابة لظروف تاريخية موضوعية لم تعد قائمة، خلافا ~~للمنهج التقليدي الذي يعتمد التراث إطارا مرجعيا شاملا يتحول ~~معه الخطاب إلى ترديد مقولات وعظية إرشادية؛ فالتوصل إلى أن ~~الإنتاج والموارد في مجتمع العصر العباسي - عصر «أبي يوسف» - كانت ~~وقفا على الطبقة الحاكمة والسلطات الاقتصادية مركزة في يد ~~الخليفة. و«أبو يوسف» بعكس أستاذه «أبي حنيفة» تبنى أيديولوجية ~~السلطة، فاختفى من فكره مفهوم التطور الاقتصادي ودور السوق، لكن ~~دراسة «أحمد صادق سعد» لم تستطع تفسير كثير من الظواهر الاقتصادية ~~في مجتمع «أبي يوسف». # عدت إلى دراسة آليات الخطاب الديني المعاصر من خلال الدراسة ~~التي قدمتها في مؤتمر «النص والسياق» بكلية آداب القاهرة في ~~أكتوبر سنة تسعين، ونشرت الدراسة بمجلة «القاهرة» في يناير ثلاثة ~~وتسعين، والذي يأخذ من تأويل نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي ~~الشريف آلية من أهم آلياته على الإطلاق ms104 في طرح مفاهيمه وأفكاره؛ ~~فالتأويل المنتج لدلالة النصوص يتطلب اكتشاف المعاني بتحليل ~~مستويات السياق المختلفة. والخطاب الديني يتجاهل بعض هذه المستويات ~~إن لم يتجاهلها جميعا؛ من أجل بحثه عن دلالة محددة مسبقا، ~~فهل قدسية مصدر النصوص الدينية يجعلها لا تخضع لنفس قوانين ~~التكوين والبناء للنصوص غير الدينية، طبعا دون أن يتطابقا؟ ~~ف «عبد القاهر الجرجاني» ~~(ت: 471ه/1107م) وصل في دراسته لقضية إعجاز ~~القرآن إلى أن دراسة الشعر والنصوص الأدبية عامة، واكتشاف قوانين ~~تشكيلها، وكيفية إنتاجها للدلالة، مدخل ضروري لا غنى عنه لدراسة ~~النصوص الدينية. وإن كان «عبد القاهر» قد وقف في اكتشاف القوانين ~~عند حدود الجملة أو قوانين النظم، فأنا أستلهم مغزى إنجازه ~~بالنسبة لهمومنا المعاصرة. في الدراسات اللغوية الحديثة، حيث ~~المرسل والمستقبل يجمعهما نظام لغوي مشترك مستقل وموجود ~~قبلهما، المرسل يستخدم هذا النظام بطريقة فينتج نصا، ~~والمستقبل له إطار تفسيري يقوم من خلاله تقييم الرسالة، فهل ~~يمكن فهم النصوص الدينية - القرآن خاصة - خارج السياق الثقافي ~~المعرفي للوعي العربي في القرن السابع؟ # المستوى الثاني: السياق الخارجي؛ سياق التخاطب، العلاقة بين ~~المرسل والمستقبل؛ فإذا كان التركيز في النص على المرسل، ~~فإنه يكون نصا أقرب للترجمة الذاتية، وإن كان التركيز على ~~المستقبل يصبح نصا أقرب للتعليمي، وإذا تم التركيز على شفرة ~~النص يكون أقرب للنص الأدبي. # المستوى الثالث: الداخلي. وقد توقف القدماء في علم المناسبة ~~بين الآيات والسور عند حدود اكتشاف علاقات اجتهادية ذهنية أو ~~لغوية. والقرآن ليس نصا موحدا، بل منظومة من النصوص. الجانب ~~الثاني هو سياق الخطاب أو القول؛ فللقص سياق، الأمر/النهي، سياق ~~الترغيب والترهيب، سياق الوعد والوعيد، سياق الجدل والسجال، أو ~~سياق التهديد والإنذار، وسياق الوصف، سواء وصف مشاهد الطبيعة أو ~~وصف الجنة والنار، وسياق العقائد والتشريعات. # المستوى الرابع: السياق اللغوي. ولا يقف عند حدود الملفوظ وحده ~~أو دلالة الفحوى، بل يتسع ليشمل دائرة الصمت والمسكوت عنه في ~~بنية الخطاب. # المستوى الخامس: سياق القراءة التي هي في جوهرها عملية فك شفرة ~~وليست مجرد سياق إضافي خارجي للنص؛ فالنص لا ms105 تتحقق نصيته دون ~~القراءة، من هنا يكتسب القارئ الضمني المتخيل في بنية النص ~~ومشروعيته. # فمثلا، قضية الحاكمية في الخطاب الديني المعاصر في تأويل آيات ~~سورة المائدة 44، 45، 47: # ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون * ... الظالمون ... ~~الفاسقون ~~. فالسياق يفرض النظر إلى الآيات من 41-50؛ ~~فهي تمثل وحدة سردية واحدة دون اجتزاء. الدلالة الثانية من ~~دلالات إهدار السياق هو عملية التوسيع الدلالي لصيغة الفعل «يحكم»، ~~بحيث يدل على المفهوم السياسي الحديث للحكم المرتبط بالدولة ~~الحديثة، في حين أن كلمة «حكم»، بمعنى الفصل بين الخصوم في مشكلة ~~خلافية جزئية، وهناك أيضا تجاهل أسباب النزول، وهو سياق خلاف ~~حدث بين اليهود نتيجة التزييف والفساد والانحراف؛ مما ألجأ البعض ~~منهم إلى الاحتكام إلى النبي، والنص يخير النبي بين أن يحكم ~~بينهم أو يعرض عنهم ويهملهم كما في الآية 42. إهدار السياق ~~يحول النصوص الدينية بالتركيز على جانب المتكلم إلى مرجعية ~~شاملة للحياة، وتصبح كل مجالات الخبرة الإنسانية فاقدة المشروعية، ~~وتتحول كل صراعاتنا ومعاركنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ~~إلى معارك دينية نخوضها على أرض تأويل النصوص. وهذا يزيف الوعي. ~~إن ترسيخ مفهوم الشمولية عن طريق قراءة كل تطورات الوعي الإنساني ~~تولد نوعا من القناعة بامتلاك كتابنا المقدس لكل ما وصل ~~إليه الإنسان، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، مما يرسخ سلطة الماضي ~~وهيمنته على الحاضر؛ وبذلك يرسخ مفهوم الحاكمية، وهي الصياغة ~~الحديثة لمبدأ شمولية النصوص. # أقامت مؤسسة «الهلال» احتفالية كبيرة بمناسبة مئوية مجلتها بدار ~~الأوبرا في الرابع عشر من سبتمبر اثنين وتسعين. وفي المسرح الصغير ~~كانت جلسة «الإسلام والعصر» التي أدارها د. «أحمد هيكل» وزير ~~الثقافة الأسبق، وكان البحث فيها للمستشار «طارق البشري»، ألقت ~~البحث نيابة عنه الصحفية د. «سلوى أبو سعدة»، وكانت بعنوان ~~«الإسلام والعصر ملامح فكرية وتاريخية»، جاء فيها أن الإسلام هو ~~أحكام الله المنزلة، ونصوصه ليست تاريخية. أما الفقه الإسلامي ~~فهو اجتهادات البشر، وهي قابلة للصواب والخطأ. فعلقت وعبرت ~~عن اختلافي مع كثير من الكتاب الإسلاميين؛ أن النصوص الدينية لا ~~تاريخية، وأكدت على تاريخيتها وعلى إنسانية الوحي، ms106 ورفضت الربط ~~بين العلمانية والإلحاد، وقلت إن ورقة المستشار «البشري» تهدر ~~إشكالية النهضة و«تسبب صداما بين العقل الإسلامي والمجتمع»، ~~وإن الإسلام أحد عناصر تراث هذا المجتمع، وليس كل تراثه. فأثنى د. ~~أحمد هيكل على منهجي في التناول. وطبعت طبعة من كتابي «نقد الخطاب ~~الديني» عن دار المنتخب العربي، في بيروت بلبنان، وسعت دار سينا ~~لنشر طبعة أخرى منه. # | في الطوفان # 1 # كانت اللجنة العلمية الدائمة للترقية قد قامت بتوزيع إنتاج نصر ~~أبو زيد، يوم الثامن والعشرين من مايو، وشكلت لجنة من ثلاثة ~~لقراءة الأعمال وتقييمها بعضوية د. «شوقي ضيف»، ود. «محمود علي ~~مكي»، ود. «عوني عبد الرءوف». ومفروض أن تقدم تقريرها خلال ~~شهرين، لكن لم يقدم د. «شوقي ضيف» تقريره، واجتمعت اللجنة ~~للمرة الثانية في الرابع من سبتمبر ولم تقدم التقارير. زار د. ~~«محمود علي مكي» د. «جابر عصفور» في بيته القريب من بيت د. «شوقي ~~ضيف» رئيس اللجنة، وقال له: يا جابر أنا موفد إليك من د. شوقي ضيف. ~~وهو كتب تقريرا سلبيا، ويرفض الترقية. ولأنك رئيس قسم اللغة ~~العربية، أرسلني آخذ رأيك ورد فعلك على التقرير سرا؛ لمعرفته ~~بصداقتنا وأنت عارف مكانته، وهو عايز يحافظ على صورته في القسم. ~~وأنا اختلفت معاه، وحاولت إقناعه بأحقية نصر. # قرأ جابر التقرير. # قال مكي ~~: # إنتاج نصر يستحق الترقية، وإن كانت هناك هفوة هنا أو ~~هناك، فهي لا تقلل من قيمة الإنتاج العلمي على الإطلاق، ~~واللجنة رقت كثيرين أقل قيمة وشأنا بكثير، ود. عوني ~~أوصى بالترقية في تقريره. # عصفور ~~: # يا دكتور مكي أنت أعلم مني أن الترقية العلمية تكون على ~~أساس الجهد والاجتهاد في المنهج، وليس لاتفاقه واختلافه مع ~~آراء لجنة التحكيم ومنهجهم، وإلا لما تقدم البحث ~~العلمي. # مكي ~~: # جابر أنا حاولت كثير معاه وفشلت، رافض هذه المناهج ~~الجديدة. ولم يعجبه ما كتبه نصر عن الشافعي، وأنت عارف ~~أنه كان شافعي المذهب في دراسته الأزهرية. # عصفور ~~: # أنت عارف مدى كتمان أستاذنا «شكري عياد» الشديد، لكنه ~~كان يعرب باستمرار لي عن ضيقه من ms107 مواقف الدكتور شوقي ~~المتعصبة والمنغلقة الفكر، حتى إنه قال إنه كان أحد ~~الذين تسببوا في محنة د. «محمد أحمد خلف الله»، زميل د. ~~«شكري عياد»، وضد أستاذهم «أمين الخولي» في الأربعينيات، ~~ورفض قبول رسالته للمناقشة لخروجها عن المأثور من القواعد ~~المألوفة في معالجة النصوص القرآنية؛ لذلك فموقفي من ~~التقرير دا هيكون الرفض في مجلس القسم، وأنا واثق أن هناك ~~من سيقف معي، إحنا ورثنا أحكام وتقاليد الاختلاف ~~منكم . # مكي ~~: # ما في داعي لكل هذا، لولا أنه حريص على معرفة رأيك ما ~~أرسلني إليك، وسأجد حلا معه أو أقنعه بتغيير ~~التقرير. # ضرب مصر زلزال في الثاني عشر من أكتوبر اثنين وتسعين، خمسة ~~وتسعة من عشرة بمقياس ريختر، توفي على أثره مئات الأشخاص والجرحى ~~في القاهرة فانهارت عقارات. وتمت عملية قتل سائح بريطاني في ~~ديروط على يد الجماعة الإسلامية في الحادي والعشرين من أكتوبر، ~~بعدها بأيام في الثاني والعشرين من أكتوبر، تنحى د. «شوقي ضيف» ~~من لجنة التقييم، وطلب إعفاءه لأن الإنتاج غزير ومتشعب، لا ~~تسعفه عليه ظروفه الصحية، ووضع مكانه د. «عبد الصبور شاهين» في ~~لجنة قراءة وتقييم أعمال «نصر أبو زيد». ~~••• # أمام مبنى البنك الأهلي في جامعة القاهرة، التقيت وجها لوجه ب ~~د. «عبد الصبور شاهين»، فحييته، وأظهر أنه لا يعرفني، فقدمت ~~له نفسي، ودخلنا إلى البنك، وفي طريق خروجه نادى علي: «يا دكتور ~~نصر، أنا عايزك لو سمحت في موضوع.» تركت مكاني في الصف وذهبت إليه ~~وهو خارج من البنك في اتجاه سيارته، وبين الحين والآخر يتقدم أحد ~~المريدين مقبلا يده، وهو يستغفر الله مبتسما، فقال: يا ~~دكتور نصر، إذا أردنا أن نرقيك إلى أستاذ، فعلى أي تخصص تكون ~~ترقيتك؟ ~~- هذا يتوقف على هل هو المعيار القديم لتصنيف التخصصات، أم ~~المعيار الحديث الذي لا يضع فواصل عازلة ويفتح المجال للتخصصات ~~البينية. ~~- وضح أكثر لو سمحت. ~~- بالمعيار الكلاسيكي، فتخصصي هو الدراسات الإسلامية. ~~- تقصد الفلسفة الإسلامية؟ ~~- بل كل ما يحيط بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية من تراث ~~تفسيري يدخل تحت مفهوم ms108 الدراسات الإسلامية بالمعنى المتعارف عليه، ~~في التصنيف الكلاسيكي المأخوذ به في الجامعات العربية. ~~- وما هو التصنيف الحديث؟ ~~- تخصصي يكون علم تحليل الخطاب. ~~- أنا شاكر لك. ~~••• # اجتمعت اللجنة الدائمة اجتماعها الرابع يوم الخميس، الثالث من ~~ديسمبر، بعد سبعة أشهر من تقدم «نصر أبو زيد» لها، مما يخالف ~~القانون. وقد رقت اللجنة كثيرين تقدموا معه وبعده؛ فقدم د. ~~«محمود علي مكي» تقريره عن الأعمال، وختمه: «نرى أن إنتاجه كاف، ~~يؤهله للترقية إلى درجة أستاذ في قسم اللغة العربية بكلية ~~الآداب في جامعة القاهرة.» وتقرير د. «عوني عبد الرءوف» عن أعمال ~~«نصر أبو زيد» ختمه ب: «ترقى به للحصول على درجة أستاذ، والله ~~الموفق وبه نستعين.» ثم تقرير د. «عبد الصبور شاهين» الذي ختمه: ~~«الإنتاج المقدم لا يرقى إلى درجة أستاذ بقسم اللغة العربية ~~بكلية الآداب بجامعة القاهرة. والله ولي التوفيق.» وقبلت اللجنة ~~تقرير د. شاهين بفارق صوت واحد، في الغالب صوت د. «شوقي ضيف». ~~واعترض د. «سيد النساج» بشدة على رفض تقريرين لعالمين جليلين ~~يوصون بالترقية، وقبول رأي تقرير واحد، وانسحب من اللجنة. وكان ~~التقليد أن يوقع كل الحضور على التقرير الذي اختارته الأغلبية، ~~فوقع الجميع بشرط شطب كل العبارات التي تتعرض لعقيدة الباحث أو ~~مهاجمة أفكاره، وأن يعاد كتابة التقرير. # اجتمع مجلس قسم اللغة العربية بآداب القاهرة في اجتماع طارئ، ~~بعد أربعة أيام من تصويت اللجنة العلمية الدائمة، يوم الإثنين ~~السابع من ديسمبر، لمناقشة التقرير على مستوى الأساتذة بعدد ~~مماثل لأعضاء اللجنة الدائمة، فحضر الدكاترة «يوسف عبد القادر ~~خليف»، و«محمود علي مكي»، و«نبيلة هانم إبراهيم»، و«سيد حنفي ~~حسنين»، و«محمود فهمي حجازي»، و«أحمد علي مرسي»، و«جابر عصفور»، ~~و«طه وادي»، و«شوقي رياض»، و«عبد الله التطاوي»، و«أحمد شمس الدين ~~الحجاجي»، و«سليمان العطار». ومنهم أربعة أعضاء في اللجنة العلمية ~~الدائمة للترقيات. ولم يحضر الدكتور «شوقي ضيف» الاجتماع. رفض مجلس ~~أساتذة قسم اللغة العربية بإجماع الحاضرين تقرير اللجنة لمخالفته ~~التقاليد العلمية، وأعدوا تقريرا للرد اشترك في إعداده د. ~~«محمود مكي»، ود. «جابر عصفور» ود. «نصر أبو ms109 زيد». وسجل المجلس ~~التقدير للإنجاز العلمي الذي ينطوي عليه الإنتاج المقدم من ~~الدكتور «نصر حامد أبو زيد»، وبإجماع الحاضرين، إنتاجا جديرا بأن ~~يرقى بصاحبه كما وكيفا إلى درجة أستاذ في القسم، وأرسل رئيس ~~القسم قرار مجلس أساتذة القسم وتقريره العلمي إلى مجلس الكلية، يوم ~~الأربعاء التاسع من ديسمبر. اجتمع مجلس كلية آداب القاهرة في ~~التاسع عشر من ديسمبر، وقرر تشكيل لجنة من «أ.د. مصطفى سويف، ~~أ.د. عبد العزيز حمودة، أ.د. حسن حنفي، أ.د. جابر عصفور». وكتبت ~~اللجنة تقريرها حول الموضوع، فنقدت تقرير د. «عبد الصبور شاهين»، ~~ورفعت الأمر لمجلس الكلية في اجتماعه يوم التاسع عشر من فبراير، ~~ووافق مجلس الكلية بالإجماع على التقرير؛ لينتقل الأمر إلى مجلس ~~الجامعة. # 2 # كتبت تقديما للطبعة العربية لكتاب الكاتب الفرنسي فرانسوا ~~بورجا، الذي صدر بالفرنسية سنة تسع وثمانين، ونشر بالعربي بعنوان ~~«الإسلام السياسي صوت الجنوب»، ونشر تقديمي في مجلة العربي ~~الكويتية كمقال في شهر أكتوبر اثنين وتسعين. عددت مميزات الكتاب ~~من حيادية كمراقب غربي إلى حد كبير، وتركيزه على الظاهرة في ~~المغرب العربي مما يبين خصوصية الظاهرة في بلدان المغرب؛ فلم يكن ~~بحثا في الأيديولوجيا والمفاهيم النظرية، بل الفاعلية السياسية ~~والاجتماعية. واعتماده على شهادات زعماء الحركات؛ مما جعل مادته ~~خصبة لمزيد من البحث. ورده أسباب العنف إلى غياب الديمقراطية ~~الحقيقية في الوطن العربي، وللركود الاقتصادي والاجتماعي. والقارئ ~~للكتاب ينتهي إلى نتيجة مهمة وجوهرية مدرجة في ثناياه؛ أن ~~الإسلام في النصوص المقدسة ليس وحده المولد لظاهرة الإسلام ~~السياسي، كما يحلو لزعماء الاتجاهات الإسلامية أن يقولوا، بل ~~الظاهرة متولدة عن واقع مركب. لكن الكتاب مكتوب للقارئ ~~الفرنسي، ويدخل في حالة سجال للمؤلف مع الصورة السائدة في الإعلام ~~الفرنسي من هجوم، فأخذ موقفا دفاعيا مما جعله يتبنى كثيرا من ~~أطروحات الإسلام السياسي، دون فحص دقيق لمدى مطابقة هذه الأطروحات ~~للواقع، مثل علمانية المشروع القومي، وقضية المرأة وعلاقتها ~~بالإسلام السياسي، وأكدت أن المرأة التي لا يعاديها الإسلام ~~السياسي هي المرأة المنخرطة في نشاطه والمندرجة بزيها ~~وهيئتها ومفاهيمها في ms110 أيديولوجيته، لكن ماذا عن المرأة ~~المتبرجة؟ # بعد اجتماع طارئ لمجلس قسم اللغة العربية بآداب القاهرة للرد على ~~تقرير «عبد الصبور شاهين» بيوم، كتب الأستاذ «فهمي هويدي» في مقاله ~~الأسبوعي يوم الثلاثاء الثامن من ديسمبر اثنين وتسعين عرضا لكتاب ~~فرانسوا بورجا، وفي آخر جزء من المقال وجه النقد لي دون ذكر ~~اسمي، يتهمني بالحساسية الشديدة إزاء الإسلام ذاته والعداء ~~للظاهرة الإسلامية، وأني رافض لأي فهم وتفاهم، وأعتبر الإسلام ~~تاريخا أقرب إلى الفولكلور الذي انتهى زمانه، فكتبت ردا على ~~إشاراته نشرته الأهرام بعد شهر ونصف، يوم الأحد الرابع والعشرين ~~من يناير سنة ثلاث وتسعين، بعنوان «خطاب الإسلام السياسي والعنف ~~المستتر»، حللت فيه مقال «هويدي»؛ فالتطرف هو أخذ طرف في مواجهة ~~طرف آخر، فكيف أكون ضد الكتاب وأنا من أشرفت على مراجعة ترجمته، ~~وكتبت له تقديم، لكن ليس معنى هذا ألا أحلله نقديا. ولم ~~يذكر «هويدي» ميزة للكتاب لم أذكرها، لكن خطاب «هويدي» أنه لا ~~يقبل أقل من الاتفاق التام ومن التسليم المذعن لأطروحاته دون ~~نقاش؛ فالعنف ظاهر في مقاله، فيصفني بالحساسية تجاه الإسلام ~~والعداء الشديد للظاهرة الإسلامية، فهو لم يناقش أيا من الأفكار ~~التي اختلفت فيها مع فرانسوا بورجا، مكتفيا بالأوصاف الموهمة ~~بالانحراف الفكري والزندقة والكفر والإلحاد. وتصورت ذلك ~~لخلفيته الأزهرية. # يوم الثلاثاء السادس والعشرين، وفي مقاله الأسبوعي ضمن «هويدي» ~~«صندوق مباشر» بعنوان «قضية منعدمة ومصارحة واجبة»، يرد على ~~ما كتبت واصفا مقالي بمثابة بلاغ ضده، وذكر تاريخ نشر مقالي ~~خطأ، وقال إنه خريج كلية الحقوق جامعة القاهرة. وقال عني: ~~«حساسيته إزاء الإسلام ذاته هي التي تحتاج إلى وقفة؛ فالرجل مشغول ~~منذ سنوات بمسألة تأويل النص القرآني التي هي في جوهرها عبث ~~بالنصوص وتعطيل لها، وهو القائل في كتابات عديدة بتاريخية النص ~~القرآني، وهي فكرة تتعارض في منطقها مع مقتضى الإيمان الديني. ~~لما قرأت هذا الكلام رثيت للرجل وفهمت لماذا رفضت اللجنة ~~العلمية ترقيته من أستاذ مساعد إلى أستاذ.» # كتبت ردا عليه ولم تنشره «الأهرام»، ونشر بعد ذلك بثلاثة ~~أشهر في مجلة ms111 «القاهرة» عدد أبريل ثلاثة وتسعين، أشرت فيه إلى أن ~~العنف المستتر الذي حللته في خطاب «فهمي هويدي» في مقالي ~~السابق، ها هو يمارس إرهابه في العلن، فيثبت صدق تحليلي، لكن ~~لا أقبل منه التلميح المعرض بشأن جامعي لم يصدر به قرار ولم ~~يتحول بعد إلى أن يكون شأنا عاما، وهو تلميح أخطر ما فيه ~~السعي إلى التأثير في القرار بسلطة الإعلام المخولة له ~~وبالصفحة الأسبوعية التي يستخدمها هنا استخداما شخصيا، ويعلم ~~«هويدي» جيدا - كما تعلم المصادر التي زودته بالمعلومة - أن ~~القرار النهائي كان وما زال هو قرار الجامعة، و«ما هكذا يا سعد ~~تورد الإبل». ~~••• # تناولت جانبا آخر في الخطاب الديني المعاصر، وهو بعد المرأة. ~~وكتبت دراسة نشرت في مجلة «القاهرة»، فبراير ثلاثة وتسعين، تحت ~~عنوان «المرأة؛ البعد المفقود في الخطاب الديني المعاصر»؛ فالخطاب ~~العربي انتقل من خطاب نهضة إلى خطاب أزمة، والحلول المطروحة للخروج ~~من هذه الأزمة تتركز كلها حول التراث الذي ارتبط بجوهر الإسلام، ~~فيذهب السلفيون إلى أن الإسلام هو الحل، ويذهب الإبستمولوجيون إلى ~~أن القطيعة مع التراث هي الحل، والتجديديون يذهبون إلى أن تجديد ~~التراث هو الحل. والحديث عن قضايا المرأة في معزل عن سياق الواقع ~~العام يؤدي للحديث عن الأنثى بما يستدعي المقارنة بينها وبين ~~الذكر، وتدخل المناقشة كلها في إطار المفاهيم البيولوجية وما يترتب ~~عليها من فروق عقلية وذهنية وعصبية، وهو الإطار العام الذي يتحرك ~~فيه الخطاب الديني. ولأنه خطاب أزمة فإنه يلجأ إلى أضعف الحلقات ~~الاجتماعية سعيا لنفي الإنسان، ويتعامل مع المرأة تعامله مع ~~الأقليات الدينية بحبسهم في سجن مفهوم أهل الذمة، وولاية المسلم ~~على الذمي، المساوي لمفهوم ولاية الرجل أو قوامة الرجل على ~~المرأة. وعملية الحضور الظاهري للمرأة في الخطاب الديني هي حضور ~~يؤكد الفقد؛ لأنه حضور مرتهن بالنفي. # 3 # إن موقف مجلس قسم اللغة العربية بأساتذته وتقريرهم أعتبره قد ~~منحني درجة الأستاذية بجدارة، وما قرار مجلس الجامعة إلا قرار ~~إداري لا يتجاوز رفع راتبي بما قيمته وجبة واحدة لأسرة، لكن ~~القضية هي حلم ms112 الجامعة الذي كافحت من أجله، فهل توافق جامعة ~~القاهرة بتراثها وتقاليدها وتاريخها على تقرير تكفير لا صلة له ~~بتقييم علمي ولا تحليل أكاديمي. ولو كان أستاذي د. «عبد المحسن ~~طه بدر» - رحمه الله - موجودا ما حدث هذا. # دعاني د. «مأمون سلامة»، رئيس الجامعة المشهور بورعه ومجاورته ~~الدائمة لمقام السيدة نفيسة، يوم الإثنين الأول من شهر رمضان، ~~الثاني والعشرين من فبراير ثلاثة وتسعين. وبدأت عملية المواءمة؛ ~~فكل تفكيره منحصر في الترقية والتقدم مرة أخرى. وفي حموة الحديث ~~تساءل رئيس الجامعة: «إيه علاقة قسم اللغة العربية ب «الإمام ~~الشافعي»؟ عملكم هو دراسة اللغة والأدب فقط، فلماذا تكتب كتابا عن ~~«الإمام الشافعي»؟!» دار في فكري كيف لأستاذ دكتور رئيس جامعة أن ~~يتصور أن «الإمام الشافعي» مجرد فقيه لا يدرسه إلا متخصصو ~~الشريعة، لكن صديقي د. «أحمد مرسي» حاول أن يشرح لرئيس الجامعة ~~قائلا: «شغل قسم اللغة العربية الأساسي هو تحليل الكلام، وما ~~كتبه «الإمام الشافعي» كلام يهمنا تحليله، وهذا التحليل يندرج ~~تحت مفهوم علم تحليل الخطاب، وهذا لا يتعارض مع دراسات من زوايا ~~أخرى لنفس الكلام.» # ونائبه لشئون الدراسات العليا د. «محمد الجوهري»، بمرحه ومزاحه ~~الدائم، يرى أن الخطر علي كامن في موافقة الجامعة على الترقية. ~~«وما الفائدة إذا تمت ترقيتك ثم اغتالك واحد من إياهم؟ هتنتهي ~~المسألة بجنازة شعبية ومسيرات تندد بالإرهاب وتصبح بطلا شهيدا ~~لفترة من الفترات وتخلدك الأغاني والشعارات ... إلخ.» وخرجت منه ~~قهقته العالية، لكن ما لم يدركه رئيس الجامعة ونائبه أن موافقة ~~الجامعة على تقرير التكفير سيعطي للقتلة فرصة ذهبية للذبح ~~الشرعي. # بدأت وزارة الثقافة في إصدار كتيبات صغيرة رخيصة الثمن باسم ~~«المواجهة»، تنشر فيها تراث مفكري التنوير، فنشرت «الإسلام وأصول ~~الحكم» ل «علي عبد الرازق»، وكتبا ل «طه حسين ومحمد عبده وسلامة ~~موسى»؛ مما أعطى لكثير من الكتاب المنتمين للتيارات الإسلامية ~~مبررا للهجوم على هذه الكتب. وانتدب «جابر عصفور» ليرأس ~~المجلس الأعلى للثقافة. وحدث انفجار أمام مقهى «وادي النيل» في ~~ميدان التحرير بقلب القاهرة، وتفجير مركز التجارة العالمي ms113 بنيويورك ~~في نفس اليوم. كانت أنباء قد تسربت عن وساطة الشيخ «محمد متولي ~~الشعراوي» بين وزارة الداخلية وأعضاء جماعات العنف الدينية ~~المسلحة، وأنه قد التقى «عبود الزمر»، المقدم ~~بالمخابرات الحربية والمسجون في عملية اغتيال «السادات»، في ديسمبر ~~الماضي، في مصلحة السجون بشارع الجلاء بوسط القاهرة. وهو اللقاء ~~الذي يتابعه اللواء عبد الحليم موسى، وزير الداخلية، المشهور بشيخ ~~العرب، ومن مريدي مقام السيدة نفيسة أيضا. # كتبت مقالا لجريدة «الأهرام» نشرته يوم الإثنين الثامن من ~~مارس، بعنوان «الجامعة بين الحفاظ على الثوابت وتحقيق الإبداع»، ~~أوضح فيه أنه لا سبيل أمامنا جميعا لتجاوز أزمتنا الراهنة إلا ~~بنظام تعليمي قادر على تنمية قدرات الفرد الذهنية والعقلية بل ~~والخيالية أيضا، وتنمية حواسه التذوقية للآداب والفنون، وإشاعة ~~مناخ الحرية في الثقافة والمجتمع، وليست الحرية السياسية فقط كحرية ~~التصويت وإنشاء الأحزاب وإصدار الصحف، بل حرية التفكير والنقاش ~~والبحث والحوار دون شروط مسبقة، ودون أهداف بعينها يسعى الباحث ~~أو المفكر للوصول إليها. والجامعة هي نقطة البدء والختام، يشيع ذلك ~~في جنباتها وداخل قاعاتها، فتعكسه في مرآة المجتمع. وفي نفس يوم ~~نشر المقال، كان أول اجتماع لقسم اللغة العربية برئاسة الصديق ~~العزيز «أحمد مرسي»، بعد رئاسة «جابر» للمجلس الأعلى للثقافة. خرجت ~~من الاجتماع لطلب الدكتور «حسن حنفي» لي في شيء مهم، وكان صارم ~~الوجه، وقال: كانت هناك اجتماعات ومشاورات، ليس مهما أن تعرف ~~تفاصيلها، المهم هو ما أفضت إليه من نتائج. ~~- كلي آذان مصغية. ~~- أمامك ثلاثة اختيارات؛ الأول تكتب شكوى إلى رئيس الجامعة في ~~الاتهامات التي يتضمنها التقرير، ويقوم هو بدوره بتحويل المسألة ~~للتحقيق. ~~- سبق ورفضت اقتراح الدكتور «مأمون سلامة» دا في لقائي به من ~~أسبوعين. هو إيه موضوع التحقيق إلا أني أحاول أن أثبت أو أنفي ~~الاتهامات، وكأننا في محاكم تفتيش، وأنا أرفض ذلك داخل ~~الجامعة. ~~- الحل الثاني، نظرا لموقف كلية «دار العلوم» المتشدد، ~~وتهديد رجالها بتحريض الطلاب، نرى من الأفضل أن يكون القرار بعدم ~~الترقية مع وعد أكيد من رئيس الجامعة ومن رجال دار العلوم أن ~~ترقى ms114 المرة القادمة. ~~- وما الضامن ألا يحدث مثل ما حدث الآن؟ ~~- كلمة شرف. ~~- كلمة شرف؟! أنا لا أثق في أي منهم. ~~- يوقع رئيس الجامعة على قرار ترقية بتاريخ قادم، يكون ضمانه ~~أن أضعه في جيبي. ~~- وما الاختيار الثالث؟ # ازدادت علامات الصرامة مشفوعة بالأسى والإحساس بالخطر على وجه ~~الدكتور «حسن حنفي»، وقال: الرفض والمقاومة وترك الموضوع للرأي ~~العام يكتب ما يشاء، لكن عليك أن تكون مدركا للعواقب الوخيمة ~~التي يمكن أن تحدث. ~~••• # تم حجز الموضوع في الأدراج حتى اجتماع طارئ لمجلس الجامعة يوم ~~الخميس الثامن عشر من مارس ثلاثة وتسعين، بسبب استيلاء الحكومة ~~السودانية على فرع جامعة القاهرة بالخرطوم بمعداته، وطرد ~~الأساتذة والعاملين، ووضع موضوع ترقية «نصر أبو زيد» تحت بند ما ~~يستجد من أعمال، وتم عرض موضوعات مشابهة من حيث الشكل، وتم ~~التنبيه على أن مسألة مخالفة قرارات اللجان العلمية أصبحت ظاهرة ~~في قرارات الجامعة، ويجب عدم إهدار تقارير اللجان العلمية. وعرض ~~موضوع «أبو زيد» وأعضاء المجلس منهكون، وقد غادر الكثير منهم ~~الاجتماع لانتهاء الموضوع الأساسي، فينتبه أحد العمداء ويقول: إن ~~هذا الموضوع ليس كالموضوعات السابقة، وعلينا أن نتريث للاطلاع ~~على الأوراق، لكن الإدارة تذكر بالقاعدة التي وضعتها منذ ~~دقائق، وتتم الموافقة على تقرير «عبد الصبور شاهين» بعدم الترقية، ~~فقرر د. «نصر» رفع قضية على الجامعة أمام القضاء الإداري في نفس ~~اليوم. ~~••• # يوم الإثنين الثاني والعشرين من مارس، التقاني عميد كلية ~~الآداب د. «حسنين ربيع»، ووكيلاه «د. حمدي إبراهيم، ود. محمود فهمي ~~حجازي»، لإقناعي ببساطة الأمر، وأنه يجب أن أجهز أوراقي للتقدم ~~للترقية مرة ثانية خلال أشهر قليلة، فلا أحتاج للانتظار عاما، ~~لتأخر اللجنة ستة أشهر في تقديم تقريرها، وأخبرني بأسف رئيس ~~الجامعة حرصه على أن يتابع بنفسه مسألة حصولي على الترقية في ~~الدورة الثانية، حتى أستاذي د. «شوقي ضيف» مقرر اللجنة، حينما ~~تقابلنا قال: لماذا لا تتقدم للترقية مرة أخرى يا دكتور «نصر»؟ ~~ابتسمت وقلت: «إن شاء الله.» # 4 # منذ أن أشار «فهمي هويدي» ~~إلى تقرير اللجنة على صفحات جريدة ms115 «الأهرام» - قبل قرار الجامعة ~~بشهر ونصف - فإنه جذب الأنظار إلى الموضوع؛ فما إن صدر قرار مجلس ~~الجامعة في اجتماعه الطارئ إلا وقد كتب «هويدي»، يوم الثلاثاء ~~الثالث والعشرين من مارس، يتصدى لدعوة أطلقها البعض بتشكيل جبهة ~~وطنية تحت تأثير العمليات الإرهابية، واعتبرها تحالفا علمانيا ~~في مواجهة المد الإسلامي الراهن؛ مما سيكرس الحرب الأهلية ~~الدائرة بين العلمانيين والإسلاميين. واقترح خلق مناطق فكرية آمنة ~~لا يتناولها البحث والنقاش. كتبت مجلة «روز اليوسف» خبر حجب ~~الترقية يوم الإثنين التاسع والعشرين من مارس، تبعته جريدة ~~«الأخبار» بتقرير صحفي كتبته «عبلة الرويني» بعنوان «أزمة في ~~جامعة القاهرة» يوم الأربعاء، وكتب «جمال الغيطاني» عموده «مسألة د. نصر»، ~~و«فريدة النقاش» في جريدة الأهالي «الإرهاب يكفر ~~أستاذا»، و«غالي شكري» في مقاله الأسبوعي بالأهرام «قضية نصر أبو ~~زيد». ويوم الجمعة الثاني من أبريل، صدرت مجلة «المصور» بتحقيق ل ~~«حلمي النمنم» «معركة في جامعة القاهرة حول ترقية أبو زيد». وفي ~~خطبته الأسبوعية بجامع «عمرو بن العاص» - أول مساجد أفريقيا - ~~تطرق الشيخ د. «عبد الصبور شاهين» والأستاذ ب «دار العلوم»، وعضو ~~اللجنة الدائمة للترقيات، وصاحب التقرير، وعضو اللجنة الدينية ~~بالحزب الوطني الديمقراطي، والاستشاري السابق لمجموعة «الريان» ~~لتوظيف الأموال؛ إلى القضية. وفي المساء بأتيليه القاهرة نوقش ~~كتاب «نصر أبو زيد» «نقد الخطاب الديني»، ناقشه «د. فؤاد زكريا، ~~ود. جابر عصفور». # يوم الأحد الرابع من أبريل الثانية ظهرا، اجتمعت لجنة الوساطة ~~بين وزارة الداخلية وأعضاء الجماعات الإسلامية المتطرفة، ~~والتقت وزير الداخلية اللواء عبد الحليم موسى، الذي وافق على ~~الوساطة بشرط ألا تتم بشكل مباشر، وتم تكليف مدير مباحث أمن ~~الدولة بالمتابعة، وتكون مجلس تنفيذي كان من أعضائه د. «عبد ~~الصبور شاهين»، والكاتب «فهمي هويدي»، ووعد الوزير في النظر في طلب ~~اللجنة بالإفراج عن المعتقلين الذين لم تصدر بشأنهم أحكام ~~قضائية. وذكر «إبراهيم عيسى» فيما بعد أن «شاهين» قال: «إنه لا ~~يخشى من إرهاب الشباب المتدين بقدر ما يخشى من إرهاب نصر حامد ~~أبو زيد وروجيه جارودي.» مما ضايق بعض أعضاء اللجنة، فتصدى له ms116 ~~«فهمي هويدي» معلقا: «ليس هذا موضوعنا يا دكتور، خلينا في ~~موضوعنا الأهم.» # يوم الإثنين نشرت مجلة روز اليوسف تقريرا لوائل قنديل، ذكر فيه ~~د. شاهين «أن تلك القضية لو تحولت إلى النائب العام، فربما يصبح ~~مستقبل نصر أبو زيد مهددا بالضياع». وأشار التقرير إلى الحكم ~~القضائي في حق د. رمضان عبد التواب عضو اللجنة العلمية للترقيات، ~~والتي أقرت بسرقاته العلمية، وأشارت إلى د. «مصطفى هدارة» عضو ~~نفس اللجنة، والذي أرسل رسالة شهيرة لرئيس الجمهورية بمثابة بلاغ ~~ضد المثقفين الذين تولوا رئاسة تحرير المجلات الثقافية العام ~~الماضي. وفي نفس العدد نشر د. فاروق عبد القادر مقالا طويلا ~~بعنوان «تكفير الأساتذة في جامعة القاهرة». # يوم الثلاثاء السادس من أبريل، صدرت جريدة «الشعب»، المتحدثة ~~باسم حزب العمل الإسلامي، بمقال ل «ليلى عنان» تدافع فيه عن ~~التقرير، ومجلة «عقيدتي» الجديدة التي تصدر عن دار التحرير ~~تدافع عن التقرير، و«جمال بدوي» رئيس تحرير جريدة «الوفد» ~~المعارضة، يشكك في عملية التضخيم للموضوع، ونشر «حازم هاشم» ~~تقريره بعنوان «المغضوب عليهم في الجامعة»، وفي جريدة المساء كتبت ~~«عزة شلبي» «لجان الترقيات تحولت إلى محاكم تفتيش»، وفي نفس ~~الجريدة كتب د. «فتحي عبد الفتاح»: إنه بالرغم من حصولهم في ~~الجريدة على كل التقارير إلا أنهم آثروا الانتظار حتى تصدر ~~الجامعة قرارها. # يوم الأربعاء، نشر «حنفي المحلاوي» حوارا له مع «عبد الصبور ~~شاهين» بجريدة «الأخبار»، ذكر فيها أن هناك مؤامرة على الجامعة من ~~إثارة هذا الموضوع، وأشار إلى تأييد د. «شوقي ضيف» لتقريره، وأن ~~صوته بصوتين، وأن الذين يتحدثون في الموضوع ليس لهم علاقة ~~بالإسلام، وأن سبب الضجة هو علاقة د. «نصر» بالإعلام. ورد عليه ~~«جمال الغيطاني» في عموده بعنوان «على هامش الحوار». وفي جريدة ~~الأهرام كتب «أحمد عبد المعطي حجازي» مقاله الأسبوعي بعنوان «لكن ~~جهلت فقلت إن جميع من يهوى خلاف هواك ليس بعالم». وكتب «لطفي ~~الخولي» مقالا صفحة كاملة «كتاب سيدنا أو جامعة القاهرة»، عرض ~~للقضية وقرر فتح صفحة الحوار القومي الأسبوعية التي يشرف على ~~تحريرها بالجريدة لتناول ms117 القضية، وسيبدأ بنشر التقارير الثلاثة ~~للجنة القراءة وتقرير مجلس القسم وتقرير مجلس الكلية، وبعدها يفتح ~~الباب للتعليقات. وفي جريدة «الأهالي» كتب تقرير صحفي بعنوان ~~«الإرهاب يهدد أكبر قلاع الفكر في مصر». وكتب د. «إسماعيل صبري ~~عبد الله» في جريدة «الأهالي» مقال «الإرهاب الفكري». ويوم الخميس ~~خرج مجموعة من المثقفين في تظاهرة ضد الإرهاب أثناء إعادة ~~افتتاح مقهى وادي النيل بميدان التحرير الذي فجر بعمل ~~إرهابي. # يوم الجمعة في حديث صحفي بمجلة «المصور»، كشف وزير الداخلية ~~«عبد الحليم موسى» عن اسم «عبد الصبور شاهين» كأحد من اشتركوا في ~~الوساطة. ويوم السبت كتب د. «مصطفى محمود» بجريدة «الأهرام» تحت ~~عنوان «مع عبد الصبور شاهين»، يؤيده ضد هياج الصحافة، وضد قبيلة ~~الشيوعيين القدامى الذين انتهت دولتهم، ولم تبق لهم إلا راية ~~العلمانية يتجمعون تحتها وخيمة الإلحاد يتظللونها، هاجوا ~~وماجوا وملئوا الصحف ضجيجا وعجيجا، وكعادتهم خلطوا الأوراق ~~واتهموا اللجنة واتهموا «عبد الصبور شاهين» بالإرهاب. وهاجم ~~«مصطفى محمود» شباب الجماعات الإسلامية الذين أسماهم «المجرمون ~~الذين يلقون القنابل بالفعل ويخربون البلاد ويقتلون العباد ~~ويردون على الكلمة بالقنبلة.» ورفض دعاوى الحوار معهم. وما ~~يفعلونه هو «الحرابة» وعقوبتها الإعدام. وكأنه يضع «أبو زيد» وشباب ~~الجماعات الإسلامية معا. # يوم الأحد الحادي عشر من أبريل، كتبت جريدة الصحافة التونسية ~~تقريرا عن الموضوع، «هل كان الدين معاديا للعقل؟» يوم الإثنين ~~كتب «مصطفى أمين» في مفكرته عن الموضوع، و«ثروت أباظة» في مقاله ~~الأسبوعي بالأهرام ينتقد «أبو زيد». يوم الثلاثاء كتب «محمود ~~الورداني» بجريدة الحياة الصادرة من لندن «في قضية حامد أبو زيد». ~~ونشرت جريدة الشعب كاريكاتير لشخص مكتوب عليه «نصر أبو زيد» ~~يمسك بخنجر يغرزه في المصحف فتسيل منه الدماء، وعلى اليسار ~~امرأة محجبة ذات ملامح هادئة، وفي الوسط شخص مزدوج الوجه؛ ~~وجه ينظر إلى اليمين قائلا حرية الرأي، ووجه آخر ينظر إلى ~~اليسار عابث ينظر إلى المرأة المحجبة ويقول تطرف. وهذا ~~الشخص مزدوج الوجه مكتوب عليه العلمانيون. وبالصفحة الثانية ~~التقرير الذي كتبه د. «محمد بلتاجي» أستاذ الفقه وأصوله عن كتابي ~~«الإمام ms118 الشافعي»، فقط بدعوى أن هذا تخصصه، معتقدا أن كتابي ~~كتاب في الفقه وأصوله. # يوم الأربعاء نشرت جريدة «الأهالي» تقريرا صحفيا بعنوان ~~«الجامعة تتحول من منارة للعلم إلى إدارة موظفين»، ومقال «فريدة ~~النقاش» «الارتزاق بالدين» تنتقد ركاكة لغة «عبد الصبور شاهين»، ~~ومقالا طويلا للدكتور «محمد أحمد خلف الله» الذي تعرض هو نفسه ~~لنفس موقف «أبو زيد» في الأربعينيات بعنوان «جامعة القاهرة ~~والتقارير العلمية الوهمية»، يحلل بالتفصيل ويرد على تقرير ~~«عبد الصبور شاهين». ونشرت جريدة «الأخبار» حوار «عبلة الرويني» مع ~~د. «محمود علي مكي»، صاحب أحد التقريرين المؤيدين لأحقية «نصر أبو ~~زيد» في الترقية، نشر الحوار بعنوان «لهذا وافقت ولهذا تراجعت»، ~~ذكر أنه جرت العادة أن يوقع كل أعضاء اللجنة على التقرير الذي ~~ينال الأغلبية؛ ولذلك وضع توقيعه على التقرير، مع الاشتراط بحذف ~~عبارات كثيرة في التقرير، وأنه يسحب توقيعه. وكتب «جمال الغيطاني» ~~عموده بعنوان في صميم المسألة. وبدأت صفحة الحوار القومي بجريدة ~~«الأهرام» في نشر التقارير العلمية أسبوعيا. # الخميس الخامس عشر من أبريل، نشرت مجلة «صباح الخير»، جامعة ~~الطرابيش، ل «محمد الرفاعي»، ومجلة «القاهرة» في عدد شهر أبريل ~~ملف «تقرير جامعي يخفي وجه نصر أبو زيد وراء قناع سلمان رشدي»، ~~تضمن تقرير د. «محمود علي مكي» وتقرير د. «عوني عبد الرءوف»، ~~وتقرير د. «عبد الصبور شاهين»، وتقرير مجلس قسم اللغة العربية ~~بآداب القاهرة، وتقرير مجلس كلية الآداب، ونص تصريحات «شاهين» في ~~جامع «عمرو بن العاص» يوم الجمعة إثنين أبريل. يوم الجمعة نشرت ~~جريدة «الشعب» تقرير د. محمد بلتاجي عميد «دار العلوم»، الذي ~~قدمه لرئيس الجامعة عن كتاب «الإمام الشافعي» ل «نصر أبو زيد» ~~وانتقاده للكتاب، اعتمادا على ما ذكره د. «عبد الصبور شاهين» في ~~تقريره عن كتاب «الإمام الشافعي» فقط؛ لأن تخصصه هو الفقه. ~~وأضاف إلى ذلك جهل «أبو زيد» بأبسط الأمور؛ لأنه لا يعرف أن ~~«الشافعي» ولد بعد زوال حكم بني أمية؛ لأن النسخة التي اعتمد ~~عليها لم يكن بها تصويب الأخطاء الذي قدمه «أبو زيد» للجنة ~~الترقيات. إن «أبو ms119 زيد» يدعو للتحرر من سلطة النصوص التي تعني ~~الكفر بما فيها من أحكام، والعداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة، ~~والجهالات المتراكبة بموضوع الكتاب الفقهي. # يوم الأحد تم إقالة شيخ العرب اللواء «عبد الحليم موسى» وزير ~~الداخلية من منصبه بسبب الوساطة التي حاولها بين الدولة والجماعات ~~الإسلامية المتطرفة، وتم تعيين اللواء «حسن الألفي » وزيرا ~~للداخلية؛ مما يشير إلى رفض الدولة سياسة الوساطة والمهادنة مع ~~التطرف والعنف المسلح، ففشلت وساطة الوزير مع الجماعات، كما ~~فشلت وساطة رئيس الجامعة مع «أبو زيد» من قبل. يوم الثلاثاء بجريدة ~~«الأهرام»، كتب «فهمي هويدي» «حذار من النار»، انتقد خروج موضوع ~~ترقية «نصر أبو زيد» خارج إطار الجامعة، «وخارج اللجان العلمية، ~~والمداولات أو التقارير التي يفترض أن تحاط بقدر من السرية». ~~و«في مسلك غير مسبوق في الأوساط العلمية المصرية أقحم الرأي ~~العام»، وقال: «نقرر بوضوح أن العبث بالنصوص الشرعية ~~المتمثلة في القرآن والسنة على وجه التحديد ينبغي أن يظل ~~بمنأى عن الذين يتذرعون بحرية التعبير أو البحث، ويروجون ~~لدعاوى تستهدف تعطيل النصوص وإجهاضها باسم تاريخية النص أو نسبية ~~الأحكام الشرعية أو غير ذلك من مداخل العدوان على عقيدة المجتمع ~~وضميره.» وصدرت «مجلة أدب ونقد» في عدد مايو ملف عنوان ~~«تكفير عالم، قضية د. نصر أبو زيد والإرهاب الفكري في الجامعة»، ~~متضمنا حوارا لي أجراه محمد حسين، نشر بعنوان «فهم النص ~~بالحياة لا فهم الحياة بالنص». وكتب «الشيخ الغزالي» معتمدا على ~~ما كتب «مصطفى محمود»، منتقدا «أبو زيد»، وأسماه الكويفر في ~~جريدة «الشعب» في الرابع من مايو. # 5 # استكمالا لمناقشة قضية المرأة كبعد مفقود في الخطاب الديني، ~~نشرت في شهر مايو بمجلة «أدب ونقد» دراسة بعنوان «المرأة في ~~المجتمع، جراح اللغة وجراح الهوية»، حاولت العودة فيها إلى ~~بنية اللغة العربية ذاتها في التعامل مع المرأة؛ فهي تفرق بين ~~الاسم العربي والاسم غير العربي الأعجمي بعلامة النون الصوتية التي ~~تلحق نهاية الأسماء العربية عند النطق، وهذا لا يحدث مع الأسماء ~~الأعجمية. وكلمة العجم ذاتها تعطي العرب ولغتهم مكانة التفوق وما ms120 ~~سواها بمثابة العجماوات التي لا تفصح ولا تنطق. هناك تحيز آخر ~~ينبع منه التفرقة بين الاسم المذكر والمؤنث، فتساوي اللغة ~~بين الاسم المؤنث والاسم الأعجمي؛ فبالإضافة إلى تمييزه عن الاسم ~~المذكر بتاء التأنيث يمنع التنوين عن الاسم العلم المؤنث؛ فاللغة ~~في بنيتها تمارس نوعا من التفرقة الطائفية، ليس ضد غير العرب ~~فقط بل ضد الأنثى كذلك. وهذه النظرة لها امتدادها من اللغة إلى ~~الخطاب المعاصر السائد؛ فتعامل المرأة معاملة الأقليات من خلال ~~الإصرار على حاجتها للدخول تحت حماية ونفوذ الرجل. فالمذكر هو ~~الأصل الفاعل، والمؤنث فرع ولا فاعلية له؛ فإذا كان ضمن جمع من ~~النساء رجل واحد يشار إلى الجمع بصيغة المذكر دون المؤنث. واللغة ~~العربية من اللغات التي ليس بها أسماء محايدة، ليست مذكرا ولا ~~مؤنثا، كما الشأن في بعض اللغات. # وقد جاءت لغة شعراء الصعاليك ولغة القرآن تخرج عن هذه التقاليد ~~اللغوية، فخاطب القرآن النساء مباشرة كما خاطب الرجال. ولنفهم ~~القرآن يجب أن ننظر لما كان قبله لمعرفة مدى التغيير الذي أدخله ~~على استعمال بنية اللغة، فجرح الهوية الذي تعرضت له الذات ~~العربية الرجولية من الهزائم والتراجعات، وإحساسها بالعار والخجل، ~~فلم تجد دواءها حتى الآن إلا باللجوء إلى الماضي، إلى الهوية ~~الأصلية، إلى الرجولة. وحدث التشرذم بعيدا عن الوحدة، واستيقظت ~~الطائفية بديلا عن القومية، وحل الانتماء للدين محل الانتماء ~~للوطن؛ فأفرخ الثلاثة الإرهاب والعنف على جميع المستويات، المسلم ~~ضد المسيحي والمسيحي ضد المسلم، والسني ضد الشيعي والعكس، والرجل ~~ضد المرأة لتقمع في دارها، تخدم الزوج وتكنس البيت وتربي ~~الأولاد منعا لوجع الدماغ. # تقدم المحامي «محمد صميدة عبد الصمد»، وهو مستشار سابق بمجلس ~~الدولة، ومجموعة من المحامين «عبد الفتاح عبد السلام الشاهد، ~~وأحمد عبد الفتاح أحمد، وهشام مصطفى حمزة، وأسامة السيد بيومي، ~~وعبد المطلب محمد أحمد، والمرسي المرسي الحميدي»، من مكتب «محمد ~~صميدة عبد الصمد»، ثلاثة وثلاثين بشارع جامعة الدول العربية ~~بالمهندسين بالجيزة مقرا لهم، برفع دعوى حسبة للتفريق بين د. نصر ~~أبو زيد وزوجته د. ابتهال يونس، بدعوى ms121 أنه خارج عن الإسلام ولا ~~يجوز زواجه من مسلمة أو غير مسلمة، إلى محكمة الجيزة الابتدائية، ~~دائرة الأحوال الشخصية، يوم الإثنين السابع عشر من مايو ثلاثة ~~وتسعين. # كتبت دراسة نشرت ضمن كتاب عن المرأة بعنوان «هاجر»، نشرته ~~دار «سينا» للنشر سنة ثلاث وتسعين عن «المرأة والأحوال الشخصية ~~نموذج الخطاب التشريعي التونسي »، تناولت فيه النقاط الخلافية التي ~~يناقشها التيار الديني المعاصر ضد بنود قانون الأحوال الشخصية ~~الخاصة بالمرأة في القانون التونسي؛ إلى أي مدى بعد القانون عن ~~اجتهادات فقهاء المسلمين في مجال الشريعة؟ فعند تناول النواحي ~~النصية والفقهية والمنطقية، بصرف النظر عن نوايا المشرع التونسي ~~وعن مقاصده، هل كانت علمانية أو إسلامية؛ فمثلا مسألة منع تعدد ~~الزوجات، النص القرآني # فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ~~فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ~~ملكت أيمانكم ~~. فالخطاب الديني يركز على ~~القسم الأول من الآية، ويتغاضى عن نكاح ملكة اليمين؛ لأن هذا الجزء ~~الثاني كاشف عن هجرة الواقع والمجتمع لنظام الإماء؛ مما يشير إلى ~~ارتباط النص بنظام كان قائما وانتهى، وأن العدد أربعة كان نوعا ~~من التضييق لفوضى امتلاك المرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام. ~~وبوضع هذا النص خلال نصوص القرآن الأخرى التي تناولت الموضوع، نجد ~~أن القرآن كان يقيد ممارسات كانت متاحة، ويتجه للحد منها ~~وتقييدها بقوله # فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة ~~. ودعوته للعدل، وتصريحه بعدم ~~قدرة الإنسان على العدل ولو حرص، في قوله # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ~~ولو حرصتم ~~. وتوصيف مسألة تعدد الزوجات بأنها ~~من المباحات، حسب التقسيم الفقهي القديم لأصناف أحكام الشريعة من ~~واجب يقابله محظور، ومندوب يقابله مكروه، وبينهم المباح، يجعلنا ~~نحتاج إلى إعادة النظر في هذه التقسيمات التقليدية؛ فالتغيير الذي ~~يتجه إليه القرآن من تقييد للممارسة لا يجعلها في نطاق المباحات. ~~وناقشت مسألة الطلاق وحق المرأة في أن تطلق نفسها، وحضانة ~~الأطفال والتبني والميراث، والمغالطة في وسم نظام «بورقيبة» أنه ~~علماني، بالربط بين تصرفاته الشخصية الصبيانية وبعض آرائه، ~~والربط الميكانيكي بين العلمانية والإلحاد. # كتبت ms122 مقالا نشر في مجلة «العربي» الكويتية بمايو ثلاثة ~~وتسعين عن «ابن رشد» (520ه/1126م-595ه/1198م)، «التأويل ~~والتعددية»، قرأت فيها كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة ~~من اتصال»؛ فابن رشد هو عقلنا المهاجر من الثقافة العربية ~~الإسلامية، ونحن في حاجة إلى أن نستقبله بروح جديدة ووعي مغاير ~~لذلك الوعي الذي تسبب في تهميشه ثم طرده من ثقافتنا؛ فالباحثون ~~الذين اهتموا بابن رشد اهتموا في الغالب بثمار فكره دون أن ~~يهتموا بالشجر الذي أنتجها؛ فلم يهتموا بآليات تفكيره. وابن ~~رشد يذهب إلى أن حاجتنا إلى الشريعة لا تقل عن احتياجنا للحكمة ~~ولا تزيد؛ لأنهما نهجان متمايزان في المعرفة تحتاج إليهما البشرية ~~لتعدد طبائع الناس في اكتساب المعرفة؛ فمن الناس من يكتسب ~~المعرفة بالأقاويل البرهانية اليقينية، وأقاويل الفلسفة، والتفكير ~~النظري التجريدي؛ ومن الناس من يكتفي بالأقاويل الجدلية التي يكتسب ~~بها المعرفة، وهي معرفة ظنية؛ وفريق ثالث لا يقبل أقاويل ~~البرهان ولا أقاويل الجدل، ولا يتسع طبعه إلا للأقاويل الخطابية، ~~وهي معرفة تمثيلية؛ ولذلك راعت الشرائع السماوية اختلاف طبائع ~~البشر. # هذه التعددية تجعل خطاب الله إلى البشر منفتحا لآفاق التأويل. ~~وابن رشد يعتمد البرهان أساسا للتأويل ومعياره ومرجعية للمعنى؛ ~~لأن معرفته يقينية. والتأويل لا بد أن يوافق قوانين اللغة ~~العربية في استخدام المجاز ولا يعارضها. ومن الباحثين من ركز ~~على الشرع عند ابن رشد وأهمل الحكمة، ومن ركز على الحكمة وأهمل ~~الشرع، لكن كتابه عن العلاقة بين البرهان - وهو أساس التأويل - ~~والشرع يشير إلى ثلاثة احتمالات؛ أولها: أن يصل البرهان إلى أمور ~~سكت عنها الشرع. والثاني: أن يكون هناك اتفاق بين الحقيقة ~~البرهانية وظاهر الشرع، فلا حاجة إلى التأويل. الاحتمال الثالث: أن ~~يقع اختلاف وتناقض بين الحقيقتين، والحل يكون بالتأويل بإخراج ~~دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، دون ~~الإخلال بعادة لسان العرب في استخدام المجاز. # في عدد شهر يونيو، نشرت عرضا نقديا لكتاب المفكر «محمد جابر ~~الأنصاري» «تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها»، وهو كتاب يتصف ~~بالجرأة في طرح الأسئلة في هذا الزمن الذي ms123 نحتاج فيه إلى الجرأة؛ ~~فللكتاب سؤالان مهمين؛ أولهما: عن سبب التناقض الحاد بين ~~مأساة محاولتنا للنهوض وضعف استجابتنا لهذه الأزمة. وثانيهما: ~~لماذا لم تحسم الأمة مصيرها وتكمل نهضتها وتحقق أهدافها كما ~~فعلت أمم شرقية كثيرة غيرها؟ فعلينا أن نضع معادلة النهضة في ~~سياقها الحقيقي؛ بفهم الذات في تاريخيتها وخصوصيتها، وفهم الآخر في ~~تاريخيته وخصوصيته. ونقد الذات من أهم إنجازات الكتاب، لكن نقد ~~الآخر خارج إطار فهمه تاريخيا أدى إلى تبرئة الذات من باب ~~خلفي. كنت في تونس، عندما علمت أن بعض المحامين رفعوا قضية ~~ضدي بالمحكمة. # 6 # كتبت مقالا نشر في مجلة «القاهرة» عدد مايو ثلاثة وتسعين، ~~كقراءة نقدية في فكر «جابر عصفور»، من خلال كتابه «قراءة التراث ~~النقدي»، وهو من أهم الكتب التي تتناول إشكالية القراءة مطبقة ~~على تراثنا النقدي تحديدا من منظور كلي شامل، تتفاعل فيه ~~الممارسة التطبيقية مع التنظير للقراءة في تفاعل جدلي قلما نجد ~~مثيلا له في الأطروحات التي تمتلئ بها الساحة حول القراءة ~~وإشكالياتها. وبسبب هذا التفاعل الجدلي بين الممارسة والتنظير ~~اقترب الكتاب إلى حد كبير من تخوم حل إشكالية التوفيق بين ~~الأصالة والمعاصرة، أو بين الموروث والوافد، أو بين القديم والحديث ~~... إلخ من ثنائيات في الفكر العربي الحديث. حاول أن يقدم الحل ~~التوفيقي الحقيقي القائم على إدراك عناصر التمايز والخصوصية في ~~كل من القديم والحديث من جهة، وإدراك علاقات الاشتراك والتشابه ~~من جهة أخرى، حيث تصهر عدسة الناقد الحداثي القطبين في كل ~~موحد، يمثل إضافة حقيقية للمعاصرة ذاتها بقدر إدراك القديم ~~موضوعيا متجاوزا إياه. # المقدمات المنهجية التي يبدأ بها الكتاب أعتبرها استنباطات ~~واكتشافات منهجية في علاقة تفاعل مع التطبيقات الواردة في الجزء ~~الثاني من الكتاب؛ ف «جابر» منذ رسالته للماجستير سنة ثمان وستين ~~عن الصورة الفنية عند شعراء مدرسة الإحياء، والتي تولدت منها ~~أسئلة أدت إلى العودة إلى دراسة الصورة الفنية في التراث النقدي ~~والبلاغي في رسالته للدكتوراه عام ثلاثة وسبعين، حيث استفاد من ~~جهود «لطفي عبد البديع»، و«شكري عياد» (1921-1999م)، و«مصطفى ~~ناصف» (1922-2008م)، ms124 بالإضافة إلى قراءته الخاصة في التراث النقدي ~~الأوروبي الرومانسي ومدرسة النقد الجديد؛ فهو ينظر إلى التراث في ~~إطار أوسع، لا يفرق بين مجالاته المختلفة، ومن خلال رؤية حديثة ~~عصرية؛ فقراءاته الحداثية كناقد مركبة من عدسة أسئلة الإحياء، ~~وعدسة القراءات السابقة للتراث النقدي الغربي، وعدسة قراءات التراث ~~الملتهبة بأسئلة النهضة، وسقوط معادلتها بعد هزيمة سبعة وستين؛ ~~فعلى المستوى النظري يتحرك من الجزئي إلى الكلي، وعلى مستوى المادة ~~المقروءة يتحرك حركة بندولية بين القديم والحديث. ومن مفهوم ~~الصورة الفنية في رسالتي الماجستير والدكتوراه، إلى مفهوم الشعر، ~~ثم نظرية الفن أو نظرية النقد؛ ليعود على مستوى المقروء إلى نقد ~~الإحياء ويقترب من طرح مفهوم رؤية العالم عند مناقشته لمفهوم ~~الخيال عندهم. وفي كتابه «المرايا المتجاورة» عن النقد عند «طه ~~حسين»، ودراسته عن تعارضات الحداثة، نقطة تحول حاسمة من النقد ~~الماركسي التقليدي المشبع ببقايا الرومانسية إلى آفاق الحداثة. ~~وظهر وعيه كناقد بأهمية المتوسطات القرائية بين القارئ ~~والمقروء. # وجاءت شهادة الشيخ «محمد الغزالي» في قضية اغتيال المفكر «فرج ~~فودة» في حمية المواجهة بين الشرطة وجماعات العنف الديني ~~المسلح، حين ألقيت قنبلة على أتوبيس سياحي بمنطقة الأهرامات، ~~في الثامن من يونيو ثلاثة وتسعين. وجاءت جلسة المحكمة الأولى لنظر ~~قضية التفرقة بين «نصر أبو زيد» وزوجته، يوم العاشر من يونيو ثلاثة ~~وتسعين، وحضر الجلسة المحامون: «محمد صميدة عبد الصمد، وأحمد عبد ~~الفتاح، وعبد المطلب محمد»، وقدموا خمس حوافظ؛ عدد مجلة ~~«القاهرة» أبريل ثلاثة وتسعين، وتقرير «محمد البلتاجي» عن كتاب ~~«الإمام الشافعي»، وكتاب «مفهوم النص»، وتقرير ل «إسماعيل سالم» ~~الأستاذ المساعد بدار العلوم، وخطيب مسجد نور الإسلام بالهرم، ~~بعنوان «نقد مطاعن نصر أبو زيد في القرآن والسنة والصحابة وأئمة ~~المسلمين»، وكتاب «نقد الخطاب الديني»، وبعض مقالات الصحف ل «فهمي ~~هويدي، ومصطفى محمود، وثروت أباظة». وطلبوا إدخال الأزهر في ~~القضية. أجلت المحاكمة لجلسة الرابع من نوفمبر القادم. ونشرت ~~جريدة «الأخبار» ثلاث مقالات للدكتور «البدراوي عبد الوهاب زهران»، ~~وكان ثالثها يوم الحادي عشر من يونيو ثلاثة وتسعين. وبدأت صفحة ~~الحوار ms125 القومي بجريدة «الأهرام» في نشر تعليقات المثقفين على ~~تقارير اللجنة العلمية وتقرير مجلس القسم ومجلس الكلية، يوم السادس ~~عشر من يونيو. # كتبت ردا على مقالات «البدراوي زهران» في «الأخبار» نشر يوم ~~الخامس والعشرين من يونيو: حاول «البدراوي» في المقالة الأولى عرض ~~ملاحظات في مجال المصطلحات لا قيمة علمية لها، وفي المقالة الثانية ~~انتقل إلى السعي الحثيث لإثبات أنني لا أدافع فقط عن سلمان رشدي بل ~~أدافع عن روايته «آيات شيطانية»، وأتى ببعض أقوالي في كتاب نقد ~~الخطاب الديني، وتساءل «لماذا لم أناقش الرواية؟» في حين أن ما ~~قلته في هذا السياق عن سلمان رشدي أو أولاد حارتنا كان مجرد أمثلة ~~على اندفاع البعض إلى التكفير دون تثبت. وفي مقاله الأخير قفز ~~قفزته نحو التكفير، ويدعي بالباطل أنني أنفي عن القرآن الكريم ~~نسبته إلى الله. # في ختام تناول صفحة الحوار القومي بجريدة «الأهرام» لموضوع طالب ~~الأستاذ «لطفي الخولي» الأطراف في القضية بكلمة ختامية، فأرسلت ~~مقالا نشر في الرابع من أغسطس بعنوان «الإسلام بين الفهم العلمي ~~والاستخدام النفعي». هناك نهجان في التفكير؛ نهج الثبات والتقليد، ~~يحاول أن يقاوم التطور والتغير، فيقدم قراءة وتأويلات ~~للتراث الإسلامي تجعله ينطق بهذه القيم، فيقومون باستخدام التراث ~~الإسلامي بل والإسلام استخداما نفعيا ذا طابع سياسي. وأصبح ~~لهذا النمط قاعدته الاقتصادية وجناحه السياسي والعسكري، فتحول ~~الإسلام في تفكيرهم إلى مجرد وقود يحترق من أجل العراك السياسي ضد ~~خصومهم. وهنا يسهل أن يتولى القيادة الدينية - خصوصا بين ~~الشباب - أقلهم علما ووعيا وأكثرهم حركية سياسية؛ فلم تعد ~~العبرة بفهم الدين بل باستخدامه. ونمط ونهج ثان للتفكير يركز ~~على الفهم واستنباط الجوهري؛ فهم التراث والدين معا نقديا؛ ~~فليس للتراث قداسة بما هو فكر بشري حول الدين، فهم بعيد عن ~~الاستخدام النفعي للدين. # هذان النمطان من التفكير عاشا فترة طويلة في حالة سكينة زائفة، ~~تتخللها بين الحين والآخر بعض المعارك الساخنة التي ما تلبث أن ~~تهدأ دون أثر على الوعي العام بجوهر الخلاف ومغزاه. ولقد حاولت بكل ~~جهدي العمل على ثلاثة محاور؛ ms126 أولا: دراسة التراث دراسة نقدية. ~~وثانيا: نقد خطاب الإسلام السياسي بسبب تحويله الدين إلى وقود في ~~المعارك السياسية. وأخيرا: محاولة تأصيل وعي علمي بدلالة النصوص ~~الدينية. وأصحاب نهج الثبات يخوضون معركتهم ضد خطاب «أبو زيد» من ~~أجل إسكاته إلى الأبد، إن لم يكن بالحرمان من الترقية فبإعلانه ~~كافرا مرتدا بما يترتب على ذلك من نتائج تعرفونها. يوم ~~الأربعاء الثامن عشر من أغسطس ثلاثة وتسعين، وقعت محاولة لاغتيال ~~وزير الداخلية الجديد في إطار المواجهة شبه العسكرية بين الجماعات ~~والدولة. # 7 # دخلت وزارة الثقافة الصراع بطبع سلسلة كتب المواجهة لنشر كتب ~~مفكري النهضة، فدخل الأزهر المعركة أيضا؛ فبعد نقضه لفكر الجماعات ~~في كتاب الملحق الشهري لمجلة «الأزهر» بنشر كتاب «نقض الفريضة ~~الغائبة»، وبه فتوى ومناقشة لشيخ الأزهر «جاد الحق علي جاد الحق»، ~~ورئيس لجنة الفتوى الشيخ «عطية صقر». وفي شهر يوليو نشرت وزارة ~~الثقافة كتاب الشيخ «علي عبد الرازق» «الإسلام وأصول الحكم»، ~~فنشرت مجلة «الأزهر» في ملحقها نقضا لكتاب «علي عبد الرازق»، ~~ونشرت في سبتمبر رد هيئة كبار العلماء على الكتاب، ونشرت كتاب ~~«العلمانية والإسلام» ل «محمد البهي» في الشهر التالي، وسلسلة ~~«قضايا إسلامية» الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ~~وأصدرت «فقه الخلافة وتطورها»، ونشرت مجلة «الأزهر» في ملحقها ~~كتاب «الحسبة»، ودور الفرد فيها في ظل التطبيقات القانونية ~~المعاصرة. وكأن الدولة في صراع داخلها في كيفية مواجهة خطر ~~الجماعات وفكرها. # داخل جامعة القاهرة، ومع بداية العام الدراسي، وزع مجانا ~~طبعة ثانية من كتاب «نقد مطاعن نصر أبو زيد في القرآن والسنة ~~والصحابة وأئمة المسلمين»، كتبه «إسماعيل سالم عبد العال» الأستاذ ~~المساعد بكلية دار العلوم، نشرته دار «المختار الإسلامي»، يشير ~~فيه إلى: «أثبت هنا ما قاله لي أستاذنا د. «أحمد هيكل» وزير ~~الثقافة السابق، وكذلك د. «محمد بلتاجي» عميد كلية دار العلوم، حين ~~علما برفع الدعوى للتفريق بين «أبو زيد» وزوجه، بأن أحرص على ألا ~~يكون هناك أحد من أبناء دار العلوم حتى لا تبدو عداوة بين قسم ~~اللغة العربية بكلية الآداب وكلية ms127 دار العلوم.» # أعادت مجلة «أدب ونقد» نشر مقال للأستاذ «أحمد أمين» «في الثناء ~~على الاجتهاد»، وهو جزء من كتابه «يوم الإسلام»، فكتبت له مقدمة ~~قصيرة عن مشروع الإصلاح الديني؛ ثوابته ومتغيراته، عرضت فيه ~~لجوانب المصالحة ورفع التناقض، واللذين قام بهما تيار الإصلاح من ~~«الأفغاني ومحمد عبده وأحمد أمين» بين العلم والدين، معتمدين على ~~تراث العقلانية الإسلامي، وعلى الاجتهاد في إطار الكليات التي ~~لخصها الشوكاني (1173ه/1795م-1255ه/1834م) في الحفاظ على النفس ~~والعقل والعرض والمال والدين، واستخدام هذه الكليات كمعيار لتصحيح ~~الاجتهاد؛ إيمانا بالسيرورة والتغير والدعوة إلى الاجتهاد المطلق، ~~والفصل بين العلم والدين. لكني أضفت أنه «يجب على مشروع الإصلاح ~~الديني تأسيس عقلانية متجاوزة للعقلانية التراثية من جهة، وتأسيس ~~مقاصد للشريعة على أساس قراءة اجتهادية معاصرة للنصوص ~~الدينية.» # 8 # بمحكمة الجيزة الابتدائية، دائرة الأحوال الشخصية رقم 11 بشارع ~~الربيع الجيزي، يوم الخميس العاشر من يونيو، وبغرفة المشورة، ~~الساعة التاسعة، قدم محامي المدعين مذكرة اعتمدت في حججها ~~على ما كتبه د. «محمد البلتاجي» عن كتاب «الإمام الشافعي»، وما ~~كتبه تلميذه «إسماعيل سالم عبد العال» وما أخذه عن تقرير أستاذه ~~«عبد الصبور شاهين» عن القضية، فاتهم «أبو زيد» ب: # العداوة الشديدة للقرآن والسنة. # الجهالات المتراكبة بموضوع الشافعي الفقهي ~~والأصولي. # دعوته «للتحرر ليس من سلطة النصوص وحدها، بل من كل ~~سلطة تعوق مسيرة الإنسان»، ولا معنى للتحرر من سلطة ~~نصوص القرآن والسنة إلا بالكفر. # عداء «أبو زيد» ل «الشافعي» حين يقول: «الشافعي حين ~~يؤسس لمبدأ تضمن النص حلول كل المشكلات تأسيسا ~~عقلانيا، يبدو وكأنه يؤسس بالعقل إلغاء العقل.» ~~وكأنه يعني أن إبقاء العقل لا بد معه من رفض ~~النص. # يقول إن الإسلام دين عربي وليس دين للناس ~~كافة. # القرآن منتج ثقافي. # والردة هي «جحد شيء من القرآن، أو القول بأن محمدا بعث ~~إلى العرب خاصة، أو إنكار كونه مبعوثا إلى العالمين، أو القول بأن ~~الشريعة لا تصلح للتطبيق في هذا العصر، أو أن تطبيقها كان سبب ~~تأخر المسلمين، أو أنه لا يصلح المسلمين إلا التخلص من ms128 أحكام ~~الشريعة.» لا يحتج علي بأن الدستور يكفل حرية العقيدة؛ لأن ~~إعمال آثار الردة حسبما تقررت في فقه الشريعة الإسلامية ليس فيه ~~ما يخالف أحكام الدستور ... هناك فرق بين حرية العقيدة وبين ~~الآثار التي تترتب على هذا الاعتقاد من الناحية القانونية؛ فكل ~~فرد حر في اعتناق الدين الذي يشاء في حدود النظام العام، أما ~~النتائج التي تترتب على هذا الاعتقاد فقد نظمتها القوانين ووضعت ~~أحكامها. خلاصة القول: هذه من دعاوى «الحسبة»، تدافع عن حق من ~~حقوق الله تعالى، وهي الحقوق التي يعود نفعها على الناس كافة لا ~~على أشخاص بأعينهم. # وقدم عشر حوافظ بنسخ من بعض كتابات «أبو زيد» وتقارير ~~«البلتاجي وعبد العال» وصحف ومقالات، وطلبوا إدخال الأزهر في ~~الدعوة. فأجلت المحكمة الجلسة للرابع من نوفمبر ثلاثة وتسعين، ~~التي حضر فيها المدعون وممثل للأزهر، و«نصر أبو زيد» وزوجته ~~وهيئة دفاع عنهما. وطلب المدعون إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات ~~خروج «أبو زيد» عن أحكام الإسلام. وطلب الدفاع فرصة للاطلاع، ~~وكذلك مندوب الأزهر. فأجلت المحاكمة إلى جلسة الخامس والعشرين ~~من نوفمبر. اقترب «حلمي النمنم» الصحفي بمجلة المصور من المستشار ~~«محمد صميدة عبد الصمد» - وهو نائب سابق لرئيس مجلس الدولة - رافع ~~الدعوة؛ ليجري معه حديثا للمجلة نشره بعدد التاسع عشر من ~~نوفمبر، «كان عبد الصمد مترددا»، ثم قال له: «بصراحة لا أتحدث مع ~~إنسان لا أعرف هويته هل هو مسلم أو شيوعي أو علماني.» ~~- لكنك تحدثت لأحد المراسلين الأمريكيين؛ فالأولى أن تتحدث ~~مع مصري. ~~- الأمريكان أزفت من الشيوعيين والعلمانيين. المسألة في منتهى ~~البساطة أننا نرى في كتابات د. نصر خروجا عن الإسلام ... وأنا لا ~~أعرفه شخصيا، ربما أكون قد حضرت ندوة له في مايو الماضي، ولكني ~~عرفت عنه من كتابات الشيوعيين، لقد فوجئت ب «لطفي الخولي» و«أحمد ~~عبد المعطي حجازي» و«غالي شكري» يكتبون عنه، وهويتهم جميعا معروفة ~~ويعادون الإسلام، وبسرعة اطلعت على كتبه «نقد الخطاب الديني»، ~~و«الإمام الشافعي»، و«مفهوم النص»، ووجدتها جميعا خروجا على ~~الدين، وأصابني الذهول حين علمت أنه يدرس هذه الكتب لشبابنا ms129 ~~في الجامعة، فلجأنا إلى القانون. تقدمت بشكوى إلى رئيس جامعة ~~القاهرة مطالبا إياه بمنع د. نصر من التدريس، ثم تقدمت ببلاغ ~~إلى النائب العام، ووفقا للقانون 161 من قانون العقوبات، والذي ~~يجرم إهانة الأديان في مصر، ثم تقدمت ببلاغ إلى المدعي ~~الاشتراكي ليتدخل طبقا لقانون حماية القيم من العيب، وأخيرا لجأت ~~في 10 يونيو إلى القضاء ... لقد لجأت إلى القانون وأبديت رأيي، ولا ~~شأن بكل ما يقوله الشيوعيون والعلمانيون على أرض مصر، وأنا شخصيا ~~لا أعرف زوجة د. نصر ولا أريد لها الإيذاء ولا الضرر، ولكن لم يكن ~~أمامي غير ذلك من وسيلة لكي أثبت قانونا وبحكم قضائي ارتداد د. ~~نصر لكي نمنعه من التدريس في الجامعة، وأنا قد رفعت قضية حسبة عن ~~المجتمع كله دفاعا عن الإسلام. # في جلسة الخامس والعشرين من نوفمبر حضر المدعي «محمد صميدة عبد ~~الصمد»، وحضر المحامي «خليل عبد الكريم» دفاعا عن «أبو زيد» ~~وزوجته، وقدم مذكرة دفاع دفع فيها أولا: بعدم انعقاد الخصومة ~~لعدم الإعلان في المدة القانونية. ثانيا: لكي تقضي المحكمة ~~بالتفريق يتعين عليها أن تحكم بردة الزوج، ولا يوجد نص في ~~القانون المصري ولا في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، ما يجيز لأي ~~محكمة أن تقضي بصحة إسلام مواطن أو كفره أو ردته. وأحكام ~~التفريق التي صدرت دوائر الأحوال الشخصية كانت فيها ردة الزوج ~~ثابتة بطريقة لا تدع مجالا للشك، مثل اعتناق مذهب البهائية، أو ~~في حالة مسيحي أسلم ثم رجع إلى المسيحية. الدفع الثالث: بعدم جواز ~~طلب إدخال الأزهر؛ لأنه ليس طرفا في الخصومة كما يعرفها قانون ~~الإجراءات المصري، ولا يوجد في قانون الأزهر نص يجيز حضوره في ~~القضايا ليبدي رأيه. الدفع الرابع: الاحتفاظ للمدعى عليهما ~~بالرد في الموضوع بعد ذلك. # وحضر محام متضامنا مع «أبو زيد» وكذلك د. «ليلى سويف» ود. ~~«أحمد حسين الأهواني» بكلية علوم القاهرة، والمحامي «عبد الله ~~خليل» عن نفسه وعن المنظمة الدولية لحقوق الإنسان. فطلب المدعي ~~«صميدة عبد الصمد» مدة للرد على مذكرة الدفاع، فأجلت الجلسة ~~إلى ms130 السادس عشر من ديسمبر سنة ثلاث وتسعين. # عدت من مؤتمر علمي ببرلين بألمانيا حول مشكلات تفسير القرآن ~~الكريم وتأويله في يوم نظر القضية، ولكن لم نحضر جلستها، لكني ~~تألمت كثيرا من أن زميلي في كتاب قريتنا «مصطفى عمران» الذي ~~حفظنا القرآن معا يقف في خطبته بجامع قحافة، ويكرر ما أشيع ~~عني، حتى إن أخي «محمد» ثار عليه قائلا: لقد حفظتما القرآن ~~معا. أصبحت القضية قضية رأي عام تواجهني في أي مكان أذهب إليه، ~~توقفت أنا و«ابتهال» لشراء بعض الاحتياجات من سوبر ماركت للبيت ~~خلال إجازة نهاية الأسبوع، وبينما أتجول بين الرفوف إذا برجل ~~عجوز يشبه الآباء المصريين يراقبني ويدور حولي لمدة دقائق، ~~واقترب مني وقال: «هو انت ...؟» أجبته: نعم، أنا فلان. انفجر الرجل ~~غاضبا حتى تجمع الناس حولي أنا و«ابتهال» في المحل، صاح: «مش ~~مكسوف من نفسك؟ إخص عليك، مولود من أب مسلم وأم مسلمة، وتسمي نفسك ~~مسلم، وأنت جلبت الخزي والعار لهما بالطعن في القرآن وفي حضرة ~~النبي، لعنة الله عليك، لازم أنت مجنون.» أخذ يكرر هذه الأسئلة ~~مع تغيير ترتيبها. # نظرت إليه وقلت: «خلصت؟» فهز رأسه بالموافقة، فطلبت منه أن ~~يسمعني وقلت له: «أنت لك مدة تلاحظني بعينيك، لو لم تكن تعرفني ~~من الجرائد، فهل تحكم من تصرفاتي أني مختل عقليا؟» أجاب بالنفي، ~~فقلت: «لو أحد زيك أو زي ابنك يعمل بجامعة في بلد أغلبيتها مسلمين ~~زي مصر، وعايز يترقى ليزيد دخله لمواجهة غلاء الأسعار في السوبر ~~ماركت دا، هل إنسان عاقل يقدم نفسه على أنه ملحد للجامعة، أم ينتظر ~~حتى يترقى وبعدها يفعل ما يشاء. أنا مثلك في احتياج لمرتبي لمواجهة ~~مصاعب الحياة، وهذه زوجتي.» وقدمت له «ابتهال». بدأ الرجل تهدأ ~~ثورته، وقال: «طيب إيه المشكلة؟ لأن الناس التي اتهمتك ناس مش ~~مغفلين، دول ناس أفاضل ومن أهل الله ...» # قلت: «أتفق معك أنهم من أهل الله. تريد معرفة سر المشكلة؟» هز ~~رأسه بالموافقة. قلت: «أنا نقدت هؤلاء الرجال الأنقياء أهل الله ~~لدعمهم شركات توظيف الأموال التي سرقت ms131 أموال المودعين باسم الدين.» ~~بدأ الرجل بانفعال يصب لعناته على هذه الشركات، وذكر أن ابنه ~~الذي شقي وتعب بالعمل في الكويت لعشر سنوات وضع أمواله في هذه ~~الشركات، وضاعت كل نقوده. قلت له: «هذا هو السبب وراء ضجتهم، ~~وهذا الرجل الذي قاد الحملة ضدي كان يعمل مستشارا لإحدى هذه ~~الشركات، أنا مجرد مصري زيك لم يكن عندي مدخرات أستثمرها عندهم، ~~لكني كنت أدافع عن المصريين مثلك ومثل ابنك وأحفادك، من ناس سرقوا ~~الأموال تحت اسم الدين.» أقبل الرجل نحوي وقال: «يا بني لا ~~تؤاخذني.» واحتضنني في وسط السوبر ماركت. شعرت بالارتياح. وفي ~~السيارة مع «ابتهال» في رحلة الأربعين كيلومترا، عائدين إلى شقتنا ~~بضاحية ستة أكتوبر، قلت لها: «أنا أحتاج أن أجلس مع كل مصري ومصرية ~~حتى أشرح لهم الموضوع.» # 9 # توفي الدكتور «زكي نجيب محمود»، فكتبت مقالة نقدية لمجلة ~~«المصور»، نشرتها في الرابع والعشرين من سبتمبر بعنوان «غربة ~~الروح عن أهلها»، حيث إن معادلة النهضة التي بدأت في القرن التاسع ~~عشر وصلت صيغتها عند «زكي نجيب محمود» إلى: إما أن نختار حياة ~~فكرية حقيقية معاصرة، وإما نلوذ بأصالة الآباء فيما خلفوه من ~~إرث عظيم. ووضع الإشكال بهذه الصورة يجعلها أزمة مثقف بين ~~العاطفة ممثلة في التراث والفكر ممثلا للعصر، وليست أزمة ~~مجتمع. الجانب الثاني هو تصور التعارض بين ثقافة الغرب وثقافة ~~التراث؛ مما جعل من الضروري أن يخضع أحد الطرفين للآخر، فحاول ~~أن يأخذ ما هو نافع من التراث لوقتنا الحاضر؛ ففرق بين الشكل ~~والمضمون، بحيث نأخذ الشكل القديم والقيمة وطريقة النظر، ونترك ~~المضمون القديم؛ أي محاولة التوفيق بين الطرفين التي أدت إلى ~~التلفيق بينهما. ولم ينجح في إنتاج مركب جديد يستوعب الطرفين ~~ويلغيهما في نفس الوقت، فكانت العودة للتراث بعد هزيمة سبعة وستين ~~عودة ملاذ، عودة عاطفية. وانتقل المشروع عند تلاميذه على يد «حسن ~~حنفي» من استخدام قناع التراث إلى تجديد التراث، لكن هذا ليس ~~كافيا، بل لا بد من الانتقال من تجديد التراث عند «حسن حنفي» إلى ~~القراءة ms132 العلمية للتراث عند جيلنا. # إلا أن د. «محمد عمارة» كتب مقالا بجريدة «الشعب» في الرابع عشر ~~من سبتمبر، حاول فيها أن يدافع عن «زكي نجيب محمود» بإبراز ~~الجانب «الإسلامي» في كتاباته، فاتبع «عمارة» طريقته في إمساك ~~العصا من المنتصف لينتهي إلى أن صورة الإسلام لدى «زكي نجيب ~~محمود» قد تعدلت كثيرا لكنه لم يبلغ مرتبة من يلتزم بالمنهج ~~الإسلامي التزاما كاملا. # فكتبت مقالا نشرته مجلة «أدب ونقد» في عدد يناير سنة أربع ~~وتسعين، بعنوان «مات الرجل وبدأت محاكمته»؛ فبدلا من أن يدخلوا في ~~نقاش حقيقي لأفكار وأطروحات «زكي نجيب محمود»، يقومون بتناول ~~الأفكار والأطروحات والإبداعات من منظورهم الخاص وتفسير بعينه ~~للإسلام، ويضعونه على أنه الإسلام الصحيح، وما سواه زيف وإلحاد، ~~ويعتبرون أنفسهم المتحدثين الوحيدين باسم الإسلام، ومن يختلف ~~معهم خارج عن الملة، في حين أنهم جماعة سياسية تستخدم الإسلام ~~كأداة للحشد السياسي. وهذا الخلط يحول السياسة إلى دين، ويجعل ~~الأحكام السياسية أحكاما دينية تفضي إلى التكفير والردة في ~~النهاية، فيأخذون عليه استخدامه البراجماتي للتراث، وأنا أتفق ~~معهم في ذلك، لكنهم يفعلون نفس الشيء. وهناك فرق بين النقد ~~والاختلاف وبين الإدانة ونزع صفة الإسلام عن المفكر، بدليل ~~المناقشة الهزيلة التي قدمها المقال عن «الوضعية المنطقية». إننا ~~نحتاج إلى فتح الحوار ليخرج من إطار النخبة إلى الناس، لكن هل ~~تتحمل أجهزة إعلامنا هذا النوع من الحوار؟ هذا هو السؤال. # في السادس والعشرين من سبتمبر جرت محاولة اغتيال رئيس الوزراء ~~ووزير الإعلام، واغتيلت فيها الطفلة شيماء أمام مدرستها، وهجوم ~~إرهابي على فندق «سميراميس» بعدها بشهر في وسط القاهرة. كتبت ~~مقالا نشرته جريدة «الحياة» في لندن بعدد السابع عشر من أكتوبر، ~~عن «المثقف العربي والسلطة»، وكتبت مقالات عن المعقول واللامعقول ~~في حياتنا، نشرت بجريدة «الأهالي» في أكتوبر ونوفمبر وأول ~~ديسمبر، عن كيف تحولت الأشياء اللامعقولة إلى أشياء معقولة في ~~حياتنا؛ ليس لأن المجتمع تحاور حولها لإزالة غرابتها، بل أصبحت من ~~تكرارها والتعود عليها معقولة، لكنه معقول يخرب الوعي ويسد ~~طريقنا للتقدم. وأخذت من حالة ms133 اللانظام وفوضى المرور في شوارع ~~القاهرة نموذجا؛ فالنظام ليس مسألة شكلية، بل عملية إعادة تركيب ~~للذهن في المجتمع. والحكومة أصبحت إشارة مرور مضيئة؛ أحمر وأخضر ~~وأصفر في نفس الوقت في كل الاتجاهات. وكتبت عن اللامعقول في الحياة ~~السياسية المصرية، وكيف أن العمليات الإرهابية ما هي إلا أعراض ~~للمرض الرئيسي وهو غياب الحريات، ولن تجدي عملية «مقاومة ~~الإرهاب» التي تسعى إلى إسكاته دون الوصول إلى جذر الإشكال، وهو ~~لامعقول التعارض بين الأقوال والسلوك الذهني عندنا، وأخذت من ~~عملية نقل الآراء والأقوال التي تمت في قضية «أبو زيد» دون تفكير ~~أو تثبت، حتى أصبح الحق يعرف بالرجال وليس الرجال هم من يعرفون ~~بالحق. # لم يعد العمال الذين كانوا يعملون بالشقة المجاورة لنا منذ ~~يومين، ربما قد أصيب أحدهم أو أهاليهم في حادث انهيار صخرة ~~المقطم، فسألت جارتنا عنهم، فعلمت أن شقة من الشقق قد سرقت، ~~فقبضت الشرطة على العمال «الشغيلة» واحتجزتهم. ذهبت إلى قسم ~~الشرطة وسألت الضابط عنهم، فأخبرني باحتجازهم حتى يتم الوصول إلى ~~الجاني، ولهم في الحجز عشرة أيام دون أن يعلم عنهم أهلهم وذووهم ~~خبرا؛ فمن خبرتي السابقة في العمل بقسم شرطة، وكسل الضباط أن ~~يقوموا بعملهم بحثا عن الجناة، فيحتجز العمال دون مراعاة لقلق ~~أهاليهم عليهم، وجدت الضابط يقول لي: «يا دكتور أنت عايز إيه؟ لو ~~فيه أحد منهم يهمك نخرجه لك.» # كانت هناك هذه الليلة ندوة في المنظمة المصرية لحقوق ~~الإنسان عن حرية الرأي بسبب قضيتي، فكدت أعتذر عن الذهاب، لكني ~~ذهبت. وقلت إن الحديث عن حريات أكاديمية وفكرية هو نوع من ~~الرفاهية، في وقت أبسط حقوق الإنسان فيه مهدرة، الحقوق التي ~~يشترك فيها مع الحيوان. هل يمكن، في مجتمع مثل هذا، الدفاع عن ~~حرية الرأي والتعبير، بينما حرية المواطن الأولية مهدرة؟ ~~ومهم جدا العمل على تأصيل حقوق الإنسان ثقافيا في المجتمع، ~~وليس فقط تبريرها ثقافيا؛ فالمثقف عندنا هو المؤلف ~~والمخرج والبطل ورافع الستارة، فلا نريده أيضا أن يكون هو ~~الجمهور. وذكرت قصة ما حدث مع العمال. # وحين ms134 أتى الحديث عن دعوى الحسبة المرفوعة ضدي، انتفض المحامي ~~المحسوب على التيار الديني الأستاذ «عادل عيد» غاضبا، وقال إن ~~هذه الدعوى نوع من التهريج الرخيص، لا يصح أن نسكت عليه، إنه ~~تهريج يسيء للإسلام والمسلمين أولا وأخيرا. وأشار إلى أنه كان ~~ضمن هيئة دفاع من المصريين، والتي تطوعت بالدفاع عن المفكر ~~السوداني «محمود طه» في السودان في سابقة مثل تلك. غاب الأستاذ ~~«عادل» عن جلسة المحكمة لانشغاله، فاتصلت به أعلمه بموعد الجلسة ~~التالية، وأذكره بأهمية حضوره، وأرسلت إليه ردي على النقاط ~~المثارة في عريضة الدعوى. وبعد أن تعبت «ابتهال» في جمع النقاط ~~التي طلبها من الكتابات لم يحضر الجلسة. # وصلت إلي خطابات تهديد بالقتل، فعينت لي الدولة حراسة، ~~وأصبحت أدخل محاضراتي في مدرج ثلاثة عشر في حماية حامل سلاح، فلم ~~تعد محاضرة. وكرهت الحال والتدريس في ظل قيد، على الرغم من هذا ~~الجو وتلك الحالة التي تمر بها البلاد؛ من مواجهة مسلحة بين ~~الدولة والجماعات المسلحة، ومحاولة إسكات صوتي بأي وسيلة؛ ~~بداية بمصادرة الأستاذية إلى التكفير، وما يتبعه من تصفية معنوية ~~تعقبها تصفية جسدية، إلى الفصل من الجامعة والاستتابة والتعزير، ~~إلى التحويل للنائب العام، واستعداء الأزهر، ودعوى حسبة للتفريق ~~بيني وبين زوجتي؛ على الرغم من كل ذلك فلهذه الأزمة جوانبها ~~المبهجة عند باحث تكشف الكتابات خلال الأشهر الماضية صدق ~~وقوة النتائج التي توصل إليها في نقد الخطاب الديني. على أن ~~الفارق بين المعتدلين والمتطرفين في التيار الديني هو فارق ~~في الدرجة وليس فارقا في النوع، بل أستطيع أن أضيف أن التعاون ~~بينهما وتوزيع الأدوار واضح على مستوى الخطاب، وأيضا الظهور ~~الواضح لآلية النقل دون تثبت؛ هذا النقل الذي يفضي إلى ~~الاتباع، وكلاهما يناقض النقد والإبداع ويعاديهما؛ فخطابي ~~النقدي يمثل خطرا عليهم. مصدر سعادتي الآخر هو توفر هذه ~~المادة الجديدة وإخضاعها للبحث والتحليل، للوصول إلى مزيد من ~~الدراسة العلمية للخطاب الديني. ويكون سعيهم لتشويه خطابي وإسكاتي ~~مادة للتحليل والاستنباط. # فكتبت دراسة بعنوان «أبو زيد والخطاب الديني»، نشرت في مجلة ~~«قضايا فكرية» ms135 السنوية في عددها الثالث عشر عن «الأصوليات ~~الإسلامية»، وتناولت كل الجوانب التي تناولها تقرير «د. عبد الصبور ~~شاهين» و«د. محمد البلتاجي»، وتلميذهما بدار العلوم، وغيرهم، والتي ~~ملخصها: # العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة، والدعوى إلى ~~رفضها وتجاهل ما أتت به. # الهجوم الشديد على الصحابة وأئمة المسلمين. # الهجوم على القرآن وإنكار مصدره الإلهي، والحديث عن ~~أسطورة الوجود الأزلي القديم في اللوح المحفوظ. # إنكار مبدأ أن الله، سبحانه وتعالى، هو الخالق لكل ~~شيء، وأنه هو العلة الأولى، وإنكار الغيب. # الدفاع عن الماركسية والعلمانية؛ الفكر الغارب، ونفي ~~صفة الإلحاد عنهما. # الدفاع عن «سلمان رشدي» وروايته «آيات ~~شيطانية». # وبينت كيف يخرج «شاهين» الفقرات عن سياقها ليعطيها معاني ~~أخرى من أجل التشويه، وأنه لا بد من التفرقة بين الدين والفكر ~~الديني؛ فالدين هو المرسل من الله، لكن كل محاولة لفهمه أو ~~دراسته واستنباط أحكام منه هي خطاب بشري ليس له قداسة الدين. ~~هناك فارق بين نصوص القرآن وكل سعي إلى تأويل أو تفسير وفهم تلك ~~النصوص، بل أتيت بما كتب «شاهين» نفسه عام ستة وستين في رسالته ~~للدكتوراه الصادرة عن دار القلم «تاريخ القرآن»، عن مسألة الأحرف ~~السبعة في قراءة القرآن، وبين ما يقوله الآن. ونقدت كل ~~انتقاداتهم، ولن أكف أبدا عن النقد حتى تنجلي الظلمة عن ~~العقل وتنفتح نوافذه للنور. # 10 # كان للتغطية الإعلامية الواسعة، ورد فعل كثير من الكتاب ~~المصريين الذين تداعوا للمشاركة كرد فعل على تناول الإعلام ~~الغربي للقضية، ومنهم الكاتب «جلال كشك» من أمريكا، فكتب عدة ~~مقالات في مجلة «أكتوبر» في الأعداد الرابع عشر والواحد والعشرين ~~من نوفمبر، ظل يدور ويجول على خطأ مطبعي عن علاقة «الإمام الشافعي» ~~بالأمويين. وفي الخامس من ديسمبر يتهمني بدور لي في رفع القضية. ~~ولم يتناول جهاز الإعلام الحكومي من إذاعة وتليفزيون القضية، ~~وأعرض عنها، إلا أن إذاعة صوت أمريكا أجرت اتصالا تليفونيا بي ~~لمناقشة الموضوع في وجود «جلال كشك» الذي ظل يدور ويجول على خطأ ~~مطبعي عن علاقة «الإمام الشافعي» بالأمويين، وخلال الجدل اعتذر ~~المذيع؛ لأن ms136 الأستاذ «جلال» توفاه الله في أمريكا، حيث كان ~~يقيم، أثناء النقاش. # أجرت معي الكاتبة الصحفية «عبلة الرويني» حوارا طويلا نشرته ~~مجلة «القاهرة» في عدد شهر نوفمبر، عن مشواري في الحياة وجهودي ~~البحثية، وحاولت إيضاح مسألة قدسية النص وتاريخيته، وأن مصدره ~~الإلهي لا يتنافى مع كونه رسالة من الله للبشر باللغة العربية. ~~ونشرت مقالا شهريا بمجلة «أدب ونقد» تحت عنوان «خطاب الحرية»، ~~بدأته بمقال في عدد شهر ديسمبر «ضد الكتابة المذعنة»، أناقش ~~فيها التكفير الذي ينضح به كتاب تلميذ عبد الصبور شاهين والبلتاجي ~~«إسماعيل سالم»، في كتابه الذي يوزع مجانا بالجامعة، «نقد ~~مطاعن نصر أبو زيد في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمين»، ~~وكيف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، بل ويتحدث باسم الذات الإلهية، ~~وخلطه بين مناداتي بالتحرر من سلطة النصوص؛ السلطة التي يفرضونها ~~في غير ما أنزل الله، وبين «التحرر من النصوص» التي لم أقل بها ~~أبدا، لكنه السعي إلى التشويه من أجل الإقصاء والاستبعاد وإسكات ~~صوتي. شاغلهم الأساسي هو الضجة الإعلامية التي قامت حول حرية ~~البحث العلمي، والتي تختلف عن نمط تفكيره الذي تعود عليه من ~~الإذعان والتسليم بسلطة الأكبر سنا والأعلى درجة ووظيفة؛ سعيا ~~منه إلى الأستاذية. # قبل جلسة المحكمة، وفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من ديسمبر، في ~~مقاله الأسبوعي بجريدة «الأهرام»، كتب «فهمي هويدي» مرة أخرى ~~مقالا بعنوان «عبرة أبو زيد الأول»، يعرض فيه قضية الأستاذ ~~«محمد أبو زيد» الذي رفعت ضده قضية حسبة للتفريق بينه وبين ~~زوجته، أمام محكمة دمنهور الجزئية، وذلك عن آرائه في آدم، عليه ~~السلام، وحكمت المحكمة بالتفريق، ولكن محكمة الاستئناف ألغت ~~الحكم، وكتب القاضي: «أخجلتمونا أمام الناس أعظم خجل؛ فالإفرنج ~~مشغولون بما يفيدهم وأنتم مشغولون بما لا يفيد.» وكأن «هويدي» ~~يعتب على من رفعوا القضية، وأشار إلى عدم نقل الخلافات الفكرية إلى ~~ساحة القضاء، والابتعاد بالقضاء عن وضعه في وضع الانخراط في ~~تحيزات فكرية أو سياسية. فتعجبت من موقفه الآن. # جلسة المحكمة الخميس السادس عشر من ديسمبر، كانت جلسة المرافعة ~~الأخيرة، نظر القاضي ثلاثة ms137 وأربعين قضية، وكانت قضية «أبو زيد» هي ~~الأخيرة، واستمر النظر فيها أضعاف الوقت المستغرق في القضايا ~~الأخرى؛ فهي القضية الوحيدة في الأحوال الشخصية التي يرفعها رجل ~~ضد آخر. وقدم رافع الدعوى «صميدة عبد الصمد» مذكرة بدفوعه عن ~~الجلسة السابقة، وطالب بأن يقدم الأزهر مستندات لديه؛ لأن ~~شيخ الأزهر منوط به المحافظة على الدعوة الإسلامية. وقدم ~~المحامي «رشاد سلام»، الحاضر عن «أبو زيد»، مذكرة دفاع، ودافع ~~ببطلان حضور المدعين للجلسات لانتهاء دورهم برفع الدعوى؛ فهم ~~ليسوا خصوما، لكن النيابة العامة هي الخصم في دعوى الحسبة؛ وعلى ~~ذلك يكون طلبهم - بإدخال الأزهر طرفا - باطلا؛ لأنهم لا يملكون ~~هذا الحق، وطالب برد كل طلباتهم؛ لأنهم لا صفة لهم في الدعوى، ~~وطالب برد الدعوى، وشاركه بقية هيئة الدفاع في ذلك. وقدمت ~~المحامية «أميرة بهي الدين» الحاضرة عن زوجتي مذكرة تطالب ~~برد الدعوى، وكذلك الأستاذة «تهاني الجبالي»، والأستاذ «أحمد سيف ~~الإسلام حمد». وقدم الدفاع خطاب مجلس قسم اللغة العربية بجامعة ~~القاهرة إلى رئيس الجامعة برفضه قرار اللجنة وتقرير القسم وتقرير ~~مجلس كلية الآداب. وحجزت القضية للنطق بالحكم. # في جلسة الخميس السابع والعشرين من يناير، انعقدت المحكمة برئاسة ~~القاضي «محمد عوض الله»، وعضوية القاضيين «محمد جنيدي ومحمود ~~صالح»، ووكيل النائب العام «وائل عبد الله»، وسكرتير الجلسة. ~~واستند الحكم على أن حكم محكمة النقض، الصادر سنة ست وستين، والذي ~~جعل من لائحة المحاكم الشرعية وأرجح الأقوال من مذهب الإمام «أبي ~~حنيفة»، ما لم يرد قواعد خاصة واجبة التطبيق نص عليها قانون ~~المحاكم الشرعية، دون تفرقة بين قواعد موضوعية أو إجرائية؛ فإن هذا ~~المنطوق للحكم يتصادم مع أحكام قانون 462 لسنة خمس وخمسين بإلغاء ~~المحاكم الشرعية، وكذلك يغاير قانون المرافعات لسنة ثمان وستين، ~~وكذلك بعد صدور دستور سنة إحدى وسبعين. # قانون 462 لسنة خمس وخمسين، الذي ألغى المحاكم الشرعية، وضع ~~الأساس للتفرقة بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية التي ~~تحكم مسائل الأحوال الشخصية، والتي أصبحت تخضع لقانون الإجراءات ما ~~لم يرد حكم خاص بها في لائحة المحاكم الشرعية، أو ms138 في أي قانون ~~آخر. وبعد صدور دستور واحد وسبعين، فإن تطبيق قاعدة أرجح الأقوال ~~من مذهب «أبي حنيفة»، فهذا إعمال لأحد المذاهب قضائيا دون أن ~~يصدر بها قانون. ونص المادة الثانية من الدستور بأن مبادئ ~~الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، هو خطاب للمشرع، ~~وليس للقاضي أن يعمله مباشرة بدون صدور تشريع. وبصدور قانون ~~الإجراءات لسنة ثمان وستين، والذي نص في مادته الثالثة على «ألا ~~يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه مصلحة قائمة يقرها ~~القانون، والمصلحة التي يقرها القانون في هذا الصدد هي مصلحة ~~حماية حق من أبدى الطلب أو الدفع أو حماية مركزه القانوني ~~الموضوعي، ويجب أن تكون هذه المصلحة مباشرة.» وهذه الدعوى رفعت ~~بحسبانها دعوى حسبة، لم يدع رافعوها أي مصلحة مباشرة وقائمة ~~يقرها القانون، ولم تكن أحكام لائحة المحاكم الشرعية أو قانون ~~آخر قد أوردت أحكاما تنظم شروط قبولها، وقانون المرافعات لم ~~ينظم أوضاع هذه الدعوى في أحكامه. «حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى ~~بالتفريق بين «نصر أبو زيد» وزوجته، وإلزام رافعيها بالمصاريف ~~ومبلغ عشرة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة.» # 11 # بدأت الأنشطة الثقافية لمعرض القاهرة للكتاب في اليوم التالي ~~لصدور الحكم، وفي يوم السبت الخامس من فبراير سنة أربع وتسعين، في ~~الحادية عشرة، وفي أكبر قاعة للأنشطة، وبحضور جمع غفير، تمت ~~مناقشة كتاب «قضايا فكرية» السنوي الذي يشرف على إخراجه ~~المفكر «محمود أمين العالم»، عن «الأصوليات الإسلامية في عصرنا ~~الراهن»، وشاركت فيه بدراستي «أبو زيد والخطاب الديني»، وكانت ~~ظلال القضية والحكم فيها مخيمين على الندوة، إلا أن السيد ~~«محمد صميدة عبد الصمد» قدم استئنافا للحكم يوم العاشر من ~~فبراير. ونشر د. «حسن حنفي» دراسة في مجلة الاجتهاد اللبنانية عن ~~كتاباتي بعنوان «علوم التأويل بين الخاصة والعامة»، في عدد ربيع ~~سنة أربع وتسعين. في تلافيف الدراسة يبعد نفسه عن اجتهاداتي، ~~فيقول: «ليس المطلوب فرقعات الهواء وبالونات الاختبار، وإلقاء ~~النفس في فم التمساح، ومد اليد للدغ العقرب، وإلقاء النفس إلى ~~التهلكة، ودوس على ألغام الحقل فيضيع المؤلف ويقتل ms139 نفسه بيده؛ لنقص ~~في الخبرة وربما رغبة في الشهادة.» وأشار إلى أن نقد الخطاب ~~الديني لم يعد من اليسار الإسلامي بل اليسار العلماني، واصفا ~~دراستي الأخيرة من كتابي نقد الخطاب الديني. وقال عن اليسار ~~العلماني: «إنه خصيم للفكر الديني وليس أحد تياراته.» لكنه ~~يعبر عن خوفه «أن يتم استبعاد نقد الخطاب الديني وحصار ~~مؤلفه»، ويختتمها بقوله : إن دراسته لكتاباتي أكبر تحية لي. # أخذت في كتابة ردود على ردود الفعل لكتاباتي خلال العام الماضي، ~~ونشرت في مجلة «أدب ونقد» حلقات شهرية، فبراير ومارس وأبريل ومايو ~~ويوليو وسبتمبر. نشرت بعد ذلك في كتابي «التفكير في زمن التكفير»، ~~عن دار سينا للنشر، استكمالا للنقاط التي لم أتناولها في دراستي ~~«أبو زيد والخطاب الديني»، ركزت فيها على «الإمام الشافعي» بين ~~البشرية والقداسة. وكانت ردود الفعل شديدة لمجرد تناول تراث الإمام ~~الكبير نقديا. والإشكال ليس في «الشافعي» ولا التراث، ولكن في ~~طريقة تعاملنا مع التراث، والخطاب الديني التقليدي يرجع للتراث من ~~أجل الفخر والتعظيم، في مواجهة الضعف والتراجع في واقعنا المعاصر، ~~فيكون التراث عباءة للاحتماء، وليس مجالا للدراسة والفهم ~~والتحليل والبناء على إنجازات أجدادنا والإضافة إليها. ولن يحدث ~~هذا بدون نقد ووقوف على مواطن الضعف لنتجاوزها، وبواطن القوة ~~لنأخذها أسسا للبناء عليها. فكتابي عن «الإمام الشافعي» لم يكن ~~دراسة في الفقه وأصوله، كما تصور من انتقدوه، بل هو دراسة في ~~نظرية المعرفة كما يطرحها «الإمام الشافعي» من خلال علم أصول ~~الفقه؛ لذلك ففقه «الشافعي» ليس موضوعي، بل الأصول النظرية ~~وطريقة التفكير التي استخدمها من خلال إجراءاته المنهجية وطرق ~~الاستدلال التي طبقها في بنائه. وكلمة الأيديولوجيا أستخدمها ~~بمعنى: «المنظور الذي يحدد للإنسان الصواب والخطأ والثواب ~~والعقاب، ما المسموح والممنوع.» وفصلت مقصودي بكلمة «نص» على ~~أنه: «كل نسق من العلامات اللغوية وغير اللغوية يؤدي إلى معنى ~~كلي.» وكلمة النص الأصلي، وهو في حالة التراث الإسلامي، هو ~~القرآن. وكلمة النصوص الثانوية هي كل ما يترتب على النص الأصلي، ~~مثل السنة واجتهادات العلماء والفقهاء في الفهم والتفسير؛ لذلك ~~فكلمة ms140 النصوص الدينية السياق هو الذي يحدد معناها. # وتعبير «صياغة الذاكرة» الذي اعترض عليه الكثير يدور حول الخلاف ~~في فترة انتقال الثقافة الإسلامية من الشفهية إلى التدوين في العصر ~~العباسي الأول. فكان السؤال: إذا تعارض العقل مع المنقول عن ~~السلف، فلأيهما تكون الولاية على الآخر؟ فأنصار ولاية العقل على ~~النقل استخدموا التأويل من أجل رفع التناقض، وأنصار أن تكون ~~الولاية للنقل تمسكوا بالدلالة الحرفية للنصوص، وحاولوا توسيع ~~مجال النصوص، وحرصوا على شموليتها لكل جوانب الحياة من جهة ~~أخرى؛ أي ترسيخ سلطة النصوص أو هيمنتها وشموليتها، وهي سلطة ~~تضيفها الجماعة إلى النصوص، فكان المسلمون الأوائل يفرقون بين ~~ما هو مجال للوحي وما هو مجال للخبرة البشرية؛ لذلك حينما ذكرت ~~تعبير «التخلص من سلطة النصوص»، وليس من النصوص، بل من السلطة التي ~~يفرضها البعض على النصوص من أجل فرض تأويلاتهم وتفسيراتهم ~~وقراءاتهم هم للنصوص، ومن يختلف معهم يصبح مهرطقا وملحدا بل ~~وكافرا. # لذلك فالآيات التي ذكرها الدكتور «محمد البلتاجي» ليدلل على ~~شمولية النصوص بالإضافة إلى آيات الحاكمية الثلاث التي ناقشتها في ~~دراسة إهدار السياق، أورد هو الآيات التالية: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ~~(سورة الأحزاب: 26)، # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى ~~الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا ~~(النور: 51)، # فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما ~~(النساء: 65)، # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ~~وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ~~(النحل: ~~89). # اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ~~(المائدة: 3). # وما اختلفتم فيه من شيء ~~فحكمه إلى الله ~~(الشورى: 10). # في الآيات الثلاث الأولى تشير إلى الوجود الفعلي الشخصي للرسول ~~عليه الصلاة والسلام، يحكم بعد استماعه لكل الأطراف بوصفه قاضيا ~~وحاكما. وهو ما ليس حاصلا الآن، وما بين يدي المسلم نصوص تحتاج ~~للفهم بإعمال العقل والاجتهاد. والانصياع والخضوع الذي يتكلم عنه ~~د. «بلتاجي» في تفسيره يرتبط بوجود الرسول حاكما ms141 وقاضيا في شئون ~~العقيدة والدين، وقد خالفه الصحابة في شئون الدنيا في أكثر من ~~مناسبة. والآيات التالية حينما تشير إلى تبيان كل شيء ليست ~~بالمعنى الحرفي، بل هي إشارة إلى كل شيء يخص العقيدة الإسلامية، ~~ولا تمتد إلى ما وراء ذلك من معارف طبيعية واجتماعية حصلتها ~~خبرة البشر في تسيير شئون حياتهم، وهي نفس الدلالة في الآية رقم ~~خمسة. والآية السادسة # وما اختلفتم ~~فيه من شيء فحكمه إلى الله # لا يكشف ~~السياق إلا عن دلالة الاختلاف بين المسلمين وغيرهم؛ أن هذا ~~الاختلاف مردود إلى حكم الله تعالى يوم القيامة؛ وذلك بالنظر إلى ~~الآيتين السابقتين لها في السورة. # مفهوم سلطة النصوص بشموليتها لكل الوقائع هو تأويل بشري للآيات، ~~يؤدي إلى إلغاء تلك المناطق الدنيوية التي تركها الإسلام للخبرة ~~والتجربة والعقل الإنساني، ومفهوم الشمولية هذا يفضي إلى القول ~~بالحاكمية، وتحكيم الفهم الحرفي للنصوص في كل مجالات حياتنا ~~الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ويعتمد على تأويله ~~لآيات الحكم الثلاث، في سورة المائدة، بانتزاعها من سياقها، ~~ويضفي عليها دلالات لا تقولها؛ وذلك من أجل إخفاء سلطتهم التي ~~يسعون لفرضها من وراء تأويلاتهم للنصوص. وهي السلطة التي أناقشها ~~وأدعو للتحرر منها، وليس التحرر من النصوص، كما يحاول أن يصور ~~المغرضون. وكيف تفهم النصوص بدون العقل واجتهاده في الفهم ~~والقراءة؟ وهذا ما يحاربه دعاة السلطة والسيطرة والهيمنة باسم ~~الدين والعقيدة. «إنهم يقدسون الماضي تقديسا أعمى، وينفرون من ~~أية محاولة لإعادة اكتشاف هذا الماضي.» # 12 # الكثير من الناس يتصور أن ما في أذهاننا يتطابق مع الواقع ~~العيني، وكلما كان ما في الذهن قديما اكتسب لقدمه قداسة. ~~والكارثة أن المثقفين والمتخصصين يفكرون بنفس الطريقة. ~~وهذا ناتج عن تصور لطبيعة اللغة قد عفا عليه الزمن؛ تصور أن ~~«العلاقة بين اللفظ والمعنى الذي يدل عليه علاقة تطابق». فنقول ~~«المرض الخبيث» تحاشيا لذكر اسم المرض ذاته؛ اتقاء لشره حتى ~~بعدم استحضار اسمه. وقد صاغ الكثير من المفكرين المسلمين القدماء ~~مفهوما عن اللغة بوصفها نظاما من العلامات، فيشير شيخ البلاغيين ~~العرب والمسلمين «عبد ms142 القاهر الجرجاني» أنه ليس هناك علاقة ضرورية ~~بين اللفظ «ضرب» وحادث الضرب ذاته، بل اللفظ مجرد علامة على الفعل، ~~وكان يمكن أن تدل علامة لفظية أخرى لو توافق عليها الناس؛ أي ~~إنها علاقة اصطلاح مباشرة بين اللفظ والمعنى، أو الاسم ~~والمسمى. # إلى أن أضاف عالم اللغة السويسري «ألفريد دي سوسير» ~~(1272ه/1857م-1330ه/1913م) فقال: إن اللفظ سواء كان مكتوبا أو ~~منطوقا، دال على صورة سمعية. بدليل أننا نتحدث إلى أنفسنا ~~بدون إصدار أصوات أو قراءة كلمات. والمدلول أو المعنى لا يشير إلى ~~شيء في الواقع الخارجي، بل يشير إلى تصور ذهني؛ فمدلول العنقاء ~~لا يشير إلى شيء في الواقع الخارجي، إنما هو مجرد تصور ذهني. ويصل ~~«دي سوسير» إلى أن «العلامة اللغوية عبارة عن وحدة نفسية مزدوجة ~~يترابط فيها العنصران (الصورة السمعية والمفهوم) ارتباطا وثيقا، ~~بحيث يتطلب وجود أحدهما وجود الثاني.» هذا التصور أنهى إلى الأبد ~~التصور الكلاسيكي عن علاقة اللغة بالعالم كتعبير مباشر عن هذا ~~العالم؛ فاللغة لا تعبر عن العالم الموضوعي، بل يعاد إنتاج هذا ~~العالم من خلال التصورات والمفاهيم الذهنية القارة في وعي ~~الجماعة ولاوعيها؛ فحين نقول «مات الخليفة الأول أبو بكر ~~الصديق» هي جملة تشير إلى واقعة في العالم خارج اللغة، لكن ~~قوانين اللغة تكشف عدم التماثل؛ فالجملة تقول إن الفعل «مات» ~~والفاعل هو «أبو بكر الصديق»، وهذا ليس صحيحا في الواقع؛ فأبو ~~بكر، رحمه الله، لم يفعل فعل موته، ونحويا الفاعل هو كلمة ~~«الخليفة»، وهي وفي الواقع الخارجي وصف للشخص، وكلمة «أبو بكر» هي ~~بدل من كلمة الخليفة. # المسألة الثانية: العلاقة بين القدرة الإلهية والفعل الإلهي، ~~وعلاقتهما بالعالم؛ فذات الله الأزلية القديمة لها صفات أزلية، ~~منها قدرة الله المطلقة؛ لأنها صفة من صفات الذات. القدرة بمعنى ~~الإمكانات غير المتناهية للأفعال، وقدرة الله غير متناهية، لكن ~~العالم الذي نعيش فيه متناه؛ حيث بدأ الزمن بخلق العالم، وهو ~~فعل افتتاح التاريخ؛ فهو واقعة تاريخية؛ أي إن العالم محدث، ~~حتى من قالوا بقدم العالم في تاريخ الفكر الإسلامي كانوا يتحدثون ms143 ~~عن المادة التي صيغ منها العالم؛ مما لا يتنافى مع تاريخية إيجاد ~~العالم، سواء كان خلقا من عدم أم كان صنعا من مادة قديمة. ~~التاريخية هنا تعني الحدوث في الزمن، إنها لحظة الفصل والتمييز بين ~~الوجود المطلق المتعالي، الوجود الإلهي، والوجود المشروط ~~الزماني. وإذا كان إيجاد العالم هو فعل افتتاح الزمان، فإن كل ~~الأفعال التي تلته تظل أفعالا تاريخية بحكم أنها تحققت في ~~الزمن والتاريخ، وكل ما هو ناتج عن هذه الأفعال الإلهية محدث ~~حدث في لحظة من لحظات التاريخ. من هنا فقدرة الله أزلية بما هي ~~صفة للذات، غير متناهية، ومن حيث هي إمكانات للأفعال، بينما ~~الأفعال متناهية تاريخية لتعلقها بعالم متناه؛ فليس كل ~~ممكن متحققا. ~~«من هنا فكلام الله يعد فعلا. والالتباس يأتي من عدم التمييز ~~بين صفة العلم وصفة الكلام؛ فعلم الله مثل قدرته، هما مطلقان ~~وأزليان، ولكن حينما يتجلى هذا العلم في كلام يحدث في الزمن ~~فهنا تم الدمج؛ بما أن القرآن كلام الله، والكلام صفة من صفات ~~الذات، وليس فعلا كما ذهب المعتزلة، فكان من السهل استنتاج أن ~~القرآن قديم وليس مخلوقا؛ بناء على اختلاف القدماء في هل كلام ~~الله صفة من صفات الذات الإلهية الأزلية، أم فعل من أفعالها. وتم ~~الاستناد إلى التعبير القرآني «اللوح المحفوظ»، الذي دون فيه ~~القرآن كدليل على قدم القرآن، لكن السؤال هو: هل اللوح المحفوظ ~~مخلوق أم قديم؟ وأكيد أنه مخلوق، وإلا قلنا بتعدد القدماء، وهو ~~التصور الذي رفضه كل المفكرين في التراث الديني الإسلامي، فكيف ~~يكون القرآن القديم مدونا في لوح مخلوق محدث؟! وحتى ~~الاستناد إلى أن الله ابتدأ الخلق بالأمر الكينوني «كن»، فلا بد أن ~~يفهم الأمر الإلهي الكينوني «كن» فهما مجازيا. وهذا لا ينفي ~~كون الكلام الإلهي يدخل في دائرة الأفعال، وليس الصفات الأزلية ~~القديمة المحايثة للذات. ولا يمنع إطلاقا من وصف الله سبحانه بأنه ~~متكلم وسميع وبصير، صفات محايثة للذات لا تظهر إلا في الأفعال، ~~وظهورها في الفعل هو التحقق التاريخي. والفعل الإلهي له شقان ms144 في ~~علاقته بالتاريخ؛ شق أفعال سابقة على الوعي الإنساني - وقعت خارج ~~التاريخ - مثل فعل الخلق والتكوين. الشق الثاني هو الفعل الإلهي ~~في التاريخ، ويتم دون تجاوز قوانين التاريخ.» # والإنسان كائن تاريخي؛ أي يقع فعله في التاريخ ويتشكل به، لا ~~بمعنى تتابع الوقائع في الزمن، بل بمعنى السياق السوسيولوجي العام ~~للوجود الإنساني. و«النصوص الإلهية» هي «رسائل من الله ، سبحانه ~~وتعالى، إلى الإنسان، مهمتها هي تعديل مسار الإنسان؛ لذلك يختار ~~الله لغة الإنسان، واللغة ظاهرة اجتماعية تاريخية ثقافية. وهذا ~~التواصل بين الله والإنسان يتكون من مرسل هو الله، سبحانه ~~وتعالى، ومستقبل هو الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ورسالة هي النصوص الدينية، ويتم ~~هذا التواصل عبر شفرة، وهي لغة القوم الذين نزلت إليهم الرسالة. ~~ولأن الرسالة تهدف إلى سعادة الإنسان، فيكون الإنسان هو المخاطب ~~بها، ويكون الإفهام هو غايتها.» من هنا فكرة تاريخية النص القرآني؛ ~~أي ليست كما يشيع من يسعون لقتل خطابي - بزعم كاذب - بأن القرآن ~~يتحول إلى فولكلور، ويوضع في متحف التاريخ؛ فإذا كانت النصوص ~~البشرية تتجاوز زمنها لتدل في زماننا، فما بالك بنص مقدس. ~~والنص القرآني يستمد مرجعيته من اللغة ومن الثقافة، ومن هنا ~~فهو منتج ثقافي على الرغم من مصدره الإلهي. والنص القرآني ~~منتج ثقافي أنتج الثقافة الإسلامية. # نشر حوار مع عالم دين كبير بمجلة «المصور» في عدد الحادي عشر ~~من فبراير أربعة وتسعين، يناقش «ادعاء الغرب بأن العقل ~~الإسلامي لا يفهم مبدأ السببية المباشرة للظواهر الطبيعية، وأنه ~~ينسب العلة الحقيقية للظواهر كلها إلى المشيئة الإلهية»، فكتبت ~~مقالا هو «انتصار الجهل بملكوت الله»، نشر بجريدة «الأهالي» في ~~عدد الثامن من يونيو أربعة وتسعين، أعرض فيه الصراع بين التيار ~~الديني العلمي العقلاني ممثلا في المعتزلة وابن رشد أساسا، ~~والتيار الديني ذي النزعة الروحية الخالصة المتمثل في ~~الأشعرية كما جسدتها كتابات «أبي حامد الغزالي»، وكيف أن أفكار ~~البشر نحولها إلى عقائد، ولطول سيادتها تصبح أصلا من الدين ولم ~~تعد مجرد أفكار وتصورات. # 13 # كتبت مقالا نشرته مجلة «الطريق» البيروتية، في مايو ms145 سنة أربع ~~وتسعين، عن حالة «الاستقطاب الفكري بين الإسلام العصري وأسلمة ~~العصر في مصر»؛ فالصراع يدور في جوهره على أرض الإسلام بين من ~~يريدون إسلاما عصريا ومن يريدون أسلمة العصر، وعرضت بعض ~~الأمثلة من الكتابات في الصحف المصرية التي تناولت هذه القضية، وهي ~~في جذورها خلاف حول فهم الإسلام، وحول علاقة الدين بالدولة؛ ~~فممثلو الخطاب الديني يوصفون الاستقطاب بأنه بين الإسلاميين ~~والعلمانيين، وخصومهم يتحدثون عن أنه صراع بين ثقافة تقليدية ~~محافظة وثقافة ليبرالية - أو ثقافة التنوير - وفريق ثالث ~~يحاول أن يمثل الوسط المعتدل. وكتبت عدة مقالات لمجلة ~~«الناقد» التي تصدر في لندن، وقد نشرت من أول شهر يوليو، فكتبت ~~عن «عصيان الدين أم عصيان الدولة؟» وعن «أرثوذوكسية معممة»، ~~ومقالا آخر في عددها الرابع والسبعين عن «اللغة الدينية والبحث عن ~~ألسنية جديدة، قراءة في فكر محمد أركون» (1345ه/1928م-1430ه/2010م) ~~وهو يحاول البحث عن خصوصية اللغة الدينية، ومنهجه في بحثه يختلف ~~عن منهج الوضعية الاستشراقية الذي يكتفي بالوصف المحايد ~~المغلف بادعاء الموضوعية والمعتمد على المنهج الفيلولوجي؛ ~~فأركون يسعى من داخل منظومة الفكر الديني عامة والإسلامي خاصة، ~~ولكنه ليس من منطلق الخطاب الإسلامي الشائع المنتشر ~~والمسيطر؛ فهو يسعى لتجاوز عمليات الاستخدام الأيديولوجي للدين ~~من خلال مستويات نقد الخطاب الإسلامي وخطاب الاستشراق معا، ~~معتمدا على العقلانية الأوروبية، وأيضا بنقد الماضي والتراث، ~~ثم ثالثا يحاول أن يقرأ الوحي/القرآن قراءة تزامنية مضادة ~~للقراءة التي تسقط معانيها على النصوص، أو القراءة التجزيئية ~~التي تفتت النصوص لتجعلها تنطق بما تريد هي. وهو يحاول الخروج ~~مما هو سائد بوعي جديد لا يتصادم كليا من أجل التعايش بين ~~الأديان الثلاثة من جهة، وبين خطابه العلمي والخطاب الإسلامي ~~السائد من جهة أخرى، مما جعله يقدم بعض الترضيات حتى لا يحدث ~~الصدام. # حاولت في مقال نشرته مجلة «العربي» الكويتية، في عدد مايو سنة ~~أربع وتسعين، بعنوان «المقاصد الكلية للشريعة، قراءة جديدة»، أن ~~أعمق منهج أسلافنا علماء الأصول في محاولتهم استخلاص مقاصد ~~الشريعة، عبر «القراءة التفصيلية المتأنية والعميقة للنصوص ~~الدينية ذات الطابع التشريعي، من ms146 خلال علاقاتها التركيبية ببعضها ~~بعضا من ناحية، وعلاقاتها بنصوص العقيدة والأخلاق» من ناحية ~~أخرى، باستنباط الكليات من الجزئيات تصاعدا، وإعادة قراءة ~~الجزئيات من خلال هذه الكليات من خلال تفاعل بين الكلي والجزئي. ~~وهذا المنهج قابل للإضافة إليه بتطور أساليب المعرفة في عصرنا؛ ~~فالنص الإسلامي جزأته العلوم الدينية في التراث، فانشغل علماء ~~الأصول بالأحكام والتشريعات، واهتم علم الكلام بالعقيدة ، واهتم ~~التصوف بالأخلاق، وعلم اللغة والبلاغة التقليديين، لكن علوم ~~اللغة الحديثة تهتم بمستويات الدلالة الكلية التي لا تفصل بين ~~التشريعي والعقدي، وبين الدلالة المستنبطة من القصص القرآني ~~والدلالة الكلية للنص الإسلامي في سياق تفاعله مع الواقع الاجتماعي ~~والتاريخي. والقراءة الكلية للنص الإسلامي، في تعامله مع الواقع، ~~أخذت موقفا واضحا ضد الجاهلية، وكانت تعني في هذا السياق الثقافي ~~العصبية والتعصب، فجاء الإسلام بالحلم؛ أي العقلانية في مواجهة ~~الجاهلية، وبالحرية نقيضا للعبودية، وهو متصل ومبني على المبدأ ~~الأول. # المبدأ الثالث: العدل الإلهي. وهذه المبادئ - العقل والحرية ~~والعدل - منظومة متماسكة ومترابطة، وتستوعب المقاصد الخمسة ~~التي وضعها القدماء، في حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال، ~~بالإضافة إلى تضمن هذه المبادئ الثلاثة القواعد الاجتهادية ~~للقدماء مثل الاستحسان والمصالح المرسلة واستصحاب الأصل وإباحة ~~الضرورات للمحظورات وغيرها. إنها جهود تحتاج إلى مؤسسات بحثية ~~جديدة على صلة بمنهجيات العلوم الإنسانية المتطورة، وما يتصل ~~منها بدراسة النصوص وفهمها وتأويلها. # كتب د. «محمد عمارة»، الأستاذ بدار العلوم، مقالا بالمجلة ~~ذاتها، نشر في يوليو بعنوان «ألف باء الحوار»، يرد على مقالي، ~~فكتبت مقالا نشر في عدد شهر أغسطس بعنوان «نحو حوار عقلاني ~~متكافئ: نعم لتحرير مضامين المصطلحات». ود. عمارة انطلق من أن ~~هناك تيار أهل الموروث وتيار أهل الوافد. من هنا يتولد التوجس ~~وتوقع سوء القصد حينما يتصدى باحث ليس محسوبا على أصحاب الحل ~~الإسلامي للكتابة عن الإسلام والتراث. وهو يتساءل ماذا أعني ~~بالعقلانية، وبالحرية وبالعدل، وهل هي عقلانية التنوير الغربية أم ~~العقلانية المؤمنة. وعلى الرغم من أني شرحت في مقالي ماذا أعني، ~~فإنني حددت العقل «بالفعالية الذهنية التي تحول الأدلة - ~~حسية أم ms147 نقلية أم تجارب وجدانية - إلى معرفة تعمق بدورها ~~هذه الفعالية بمزيد من الصقل والصفاء والحدة»، وكذلك فعلت مع ~~المفاهيم الأخرى، لكن «عمارة» وضع مجموعة من المماحكات اللغوية، ~~حينما ذكرت تعبير «سنن التاريخ» على أنه يفضل تعبير «سنن الله»، ~~ولا يسعني إلا تذكيره بمفهوم الدهر في التراث الذي لا يجوز للمسلم ~~أن يسبه لأنه هو الله؛ فالقول بوجود سنن تاريخية لا تعني إنكار ~~الوجود الإلهي، معاذ الله. وكذلك فعل مع تعبير اللحاق بركب ~~الحضارة، ومع مفهوم الحرية. «إن أغلب حواراتنا ضحايا بائسة للفوضى ~~الشائعة في مضامين المصطلحات وللتوجس المتبادل والبدء من افتراض ~~سوء القصد.» # عقدت محكمة استئناف القاهرة أولى جلساتها للنظر في طعن «صميدة ~~عبد الصمد» ضد حكم المحكمة الابتدائية؛ سعيا منه ومن تابعيه ~~للتفريق بيني وبين «ابتهال»، في السادس والعشرين من يوليو أربعة ~~وتسعين. ونشر د. «عبد الصبور شاهين» كتاب «قصة أبو زيد وانحسار ~~العلمانية بجامعة القاهرة»، ولم يكن فيه شيء يذكر سوى مقالات ~~مجمعة من الصحف كتبها بعض المناصرين لموقفه. وطلبت مني مجلة ~~«العربي» أن أجري حوارا مع الأستاذ «محمود أمين العالم» بمناسبة ~~بلوغه السبعين؛ لينشر في عدد شهر سبتمبر سنة أربع وتسعين، ~~فرحبت جدا؛ فالأستاذ «العالم» بنشاطه الضخم الذي يحسده عليه ~~الشباب، وخطابه المفتوح الذي جعله يحظى باحترام خصومه قبل مريديه، ~~وهو خطاب نقيض للخطاب المغلق المتعصب؛ فخطابه يتجدد من داخله ~~بحكم قدرته على نقد ذاته والاستماع إلى نقد الآخرين، في حين أن ~~الخطاب النقيض يتآكل بفعل الصدأ الناتج عن عدم قدرته على التجدد ~~والنمو. وهذا ما حصنه ضد المهاجرة من اليسار إلى أقصى اليمين ~~كما فعل أقران له. # حاولت أن أخرج من أزمة القضية التي عشت فيها خلال العام ~~الماضي ونصفه بالعودة لدراساتي، فكتبت دراسة نشرت بمجلة «فصول» ~~تحت رئاسة «جابر عصفور»، في عدد خريف أربعة وتسعين، في المجلد ~~الثالث عشر، بعنوان «الرؤيا في السرد العربي حافز سردي أم وحدة ~~دلالية؟» فمنذ ملاحظتي لدور الرؤيا في السيرة النبوية حين درست ~~السيرة كسيرة شعبية وأنا أريد دراسة الرؤيا ms148 في السيرة وفي القرآن. ~~«وللرؤيا وتأويلها دور كبير في السرد العربي، وللدال اللغوي أرى ~~عدة دلالات؛ فقد تكون إدراكية بالبصر، مثل قول القرآن الكريم في ~~الآية السادسة والسبعين من سورة «الأنعام»: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ~~. ~~وقد تكون الحلمية بالرؤيا في المنام، مثل الآية الرابعة من سورة ~~«يوسف»: # يا أبت إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين ~~. وقد تكون العلمية بمعنى نعلم/نعتقد، مثل ~~الآية الثامنة والسبعين من السورة ذاتها: # قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا ~~كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من ~~المحسنين ~~.» ونجد أن هناك تفرقة بين رؤية ما هو ~~حسن أو خير، وبين الحلم الذي غلب عليه رؤية الشر والقبيح؛ مما جعل ~~الرؤيا أداة معرفية؛ فالرؤية الصادقة جزء من النبوة، في حين يكون ~~الحلم مصدره الشيطان. # حللت الرؤيا في القرآن الكريم بوصفها نصا سرديا داخل النص ~~السردي الذي ترد فيه، والتفرقة بين توظيف الرؤيا كحافز أو ~~مفتتح للسرد، وبين كون الرؤيا وحدة دلالية في سلسلة الأحداث، ~~مثل رؤيا «يوسف» ورؤيا السجينين ورؤيا الملك. وتحليل دلالة ~~القميص في دلالته الكاذبة على أكل الذئب ل «يوسف»، ودلالة القميص ~~في براءة «يوسف» من الاعتداء على امرأة العزيز، ودلالته الثالثة في ~~عودة بصر والد «يوسف» بقميص البشارة الذي ألقي على وجهه. ودرست ~~الرؤيا في الجزء الأول من كتاب السيرة النبوية برواية «ابن هشام» ~~عن «محمد بن إسحاق»، والتي تمثل وحدة سردية. ورؤيا جد النبي ~~«عبد المطلب»، وكذلك عرضت للرؤيا في الفكر العربي الإسلامي، وكيف ~~انتقلت النبوءة في السرد إلى النبوءة في نظرية المعرفة في جانبيها ~~الإشراقي والصوفي، ومنها إلى الخطابات كأداة أيديولوجية تسعى بها ~~إلى تحقيق مشروعيتها المعرفية في الثقافة، مثل رؤيا «المأمون ~~لأرسطو»، ورؤيا «أبي الحسن الأشعري» للرسول عليه السلام ليعلمه ~~كيف يرد على المعتزلة. ورؤى «الشافعي» وتأكيد الصوفي الكبير ~~«ابن عربي» في كتابيه «الفتوحات المكية» و«فصوص الحكم» ما هي ~~إلا بشارات نبوية أمليت عليه. وفي العصر الحديث لو نظرت إلى نص ~~«نجيب محفوظ» من ms149 كتابه «كفاح طيبة» إلى آخر نصوصه ودور الرؤيا ~~عنده. حاولت تقديم دراسة متواضعة دعوة لمزيد من الدراسات في هذا ~~المجال. # جمعت الدراسات التي كتبتها ردا على ادعاءات التكفير ضد ~~إنتاجي في كتاب صدر عن دار «سينا» للنشر، بعنوان «التفكير في زمن ~~التكفير»، ومقالات عن المرأة في كتاب صغير سوف يظهر في شهر نوفمبر ~~عن دار نشر «نصوص» لمجموعة شابة؛ لتكون إهداء إلى «ابتهال» في ~~عيد ميلادها؛ «فبدونها ما كان ممكنا أن تمر علي محنة الأشهر ~~الماضية كما مرت في وجودها»، بعنوان «المرأة في فكر الأزمة». ~~وجاء - مساء الجمعة الرابع عشر من أكتوبر - خبر طعن الأستاذ ~~«نجيب محفوظ» في رقبته وهو في طريقه من بيته إلى حلقته الأسبوعية، ~~ويطل الإرهاب بوجهه القبيح ويحاول نهش كاتب آخر في هذه الحرب ~~التي تمرح في المدينة، فيا ترى على من الدور؟ # 14 # داخلي طاقة كبيرة ودعم «ابتهال» يزيدونني رغبة في مواصلة البحث ~~والدراسة، فكتبت دراسة نشرتها مجلة «ألف» للبلاغة المقارنة ~~بالجامعة الأمريكية في عدد سنة خمس وتسعين، بعنوان «العالم بوصفه ~~علامة»، حاولت أن أستكمل الدراسة السابقة التي كتبتها في ~~الثمانينيات - من القرن العشرين - عن «علم العلامات في التراث، ~~دراسة استكشافية»، فقمت بدراسة العلامات في القرآن الكريم؛ كيف ~~يحول النص القرآني العالم الخارجي كله إلى مجموعة من ~~العلامات - بالمعنى السيميوطيقي - أو الوحدة الدلالية، ودور النص ~~القرآني في صياغة المفاهيم النظرية والفلسفية اللاحقة عن اللغة ~~والدلالة، وأيضا طبيعة اللغة الدينية وآليات تشكلها من بيئة ~~اللغة الأم، وكيف أعاد تشكيل بيئة اللغة ذاتها فيما بعد. وبدأت ~~بسورة «العلق»، والتي تمثل النص الافتتاحي للنص القرآني ~~الأكبر، وكيف حولت آيات القرآن فيها العالم الخارجي والتاريخ ~~الإنساني وقصص السابقين إلى علامة تجسد الصراع الأزلي بين ~~الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر؛ ثم سورة «الرحمن» التي حدث ~~فيها انفتاح للدلالة الضمنية في سورة «العلق» بتحويل النعم ~~ذاتها إلى علامات تشير إلى المنعم؛ وسورة «القمر» التي حولت ~~الأحداث التاريخية للسابقين إلى علامات دالة كذلك؛ وسورة ~~«النحل» حول فيها النص القرآني العالم إلى نظام ms150 من العلامات ~~الدالة على مطلق كلي واحد، سواء العلامات الكونية أو ~~التاريخ البشري؛ وبهذه السورة ترتفع نبرة التهديد عن السور ~~السابقة، وبها تركيز على علامات خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان، ~~وإلقاء الرواسي في الأرض، وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر ~~والنجوم، وإنزال الماء من السماء. وحللت خلق السموات والأرض ~~والجبال وخلق الإنسان، ثم خلق الليل والنهار. القرآن يحول كل ما ~~يدركه الوعي الإنساني بحسه إلى «علامات/كلمات»؛ فالجبال مثلا ~~رواس تمنع الأرض أن تميد، دلالة على القدرة الإلهية وعلى نعم ~~الله، وهي تحمي الإنسان فيتخذ منها بيوتا، وفي سياق التهديد ~~تتصدع الجبال من خشية الله، والجبال قوة عاقلة؛ فقد أشفقت من ~~حمل الأمانة وحملها الإنسان. الجبال يمكن أن تكون علامات دالة ~~على قرب الساعة، فتصير # كالعهن ~~المنفوش ~~، كالآية «5» من سورة «القارعة». # بالقرآن بذور تطورت في الفكر الإسلامي بعد ذلك عن وجود ~~نصين؛ نص مسطور بين دفتي المصحف، ونص كلمات الله المنشورة في ~~صفحة الوجود. رصدت تلك الجوانب المختلفة عند المتصوفة والمعتزلة ~~وابن رشد، وتوصلت إلى أن اللغة الدينية تحيل العالم إلى ~~علامة، وتحول اللغة الأصل إلى علامات - بالمعنى السيميوطيقي - ~~في محاولة لامتلاك وعي المتلقي. والنص القرآني يبدأ من الدال ~~آية/علامة في اللغة حتى ينفتح الدال آية ليستوعب الأحكام ~~والتشريعات والنصوص، ثم تصبح هذه الدلالة المضافة هي المركز، ~~ويتم إقصاء الدلالة اللغوية السابقة على القرآن إلى الهامش؛ ~~فاللغة العربية ككل يحولها القرآن إلى نسق فرعي في بنائه ~~الدلالي. ونحتاج إلى دراسات كثيرة ومركزة لكشف جوانب طبيعة ~~اللغة الدينية، وما هذه الدراسة إلا إشارة. # في ظل حالة الاستقطاب التي تعيشها ثقافتنا كان لإعادة نشر كتاب ~~الشيخ «علي عبد الرازق» «الإسلام وأصول الحكم» ضجة، فأردت ~~إعادة طبع كتاب قد صدر بالتركية عام أربعة وعشرين، ونقله إلى ~~العربية «عبد الغني سني بك»، لتعيد نشره «دار النهر للنشر ~~والتوزيع» بالقاهرة، وكتبت مقدمة طويلة تضع الكتاب وإشكالية ~~الخلافة وسلطة الأمة في السياق الراهن للقضية، وفي سياق صدور ~~الكتاب في بدايات القرن العشرين، وسياق الخلافة ذاتها ومحتوى ~~الكتاب في ms151 العشرة القرون الأخيرة من تاريخ المسلمين. تعرضت ~~بالتفصيل لموقف د. «محمد عمارة» من قضية الخلافة في بداية ~~السبعينيات - من القرن العشرين - وهو الذي أعاد نشر وجمع تراث ~~التنوير والنهضة، بل ونشر كتاب «علي عبد الرازق» في مجلة ~~«الطليعة» القاهرية اليسارية عام واحد وسبعين، وأعاد نشره في دراسة ~~للظروف والوثائق الأساسية عام اثنين وسبعين في مؤسسة الدراسات ~~العربية بلبنان. وهناك فارق بين «عمارة» السبعينيات - من القرن ~~العشرين - و«عمارة» التسعينيات، والذي نشر سبع مقالات في جريدة ~~«الحياة» اللندنية أعاد نشرها بجريدة «الشعب» في الحادي عشر من ~~يناير سنة أربع وسبعين؛ لتلويث «علي عبد الرازق» وكتابه، فتحول ~~الكتاب عند «عمارة» السبعينيات - من القرن العشرين - من محاولة ~~لمناهضة تحالف الإنجليز والملك «فؤاد» لملء الفراغ الناتج عن ~~إلغاء الخلافة في «تركيا» سعيا لتنصيب الملك «فؤاد» خليفة تحت ~~سيطرة الإنجليز بالكامل؛ ليصبح عند «عمارة» التسعينيات جزءا من ~~المخطط الاستعماري الغربي. يحاول إثبات أن الشيخ «علي عبد ~~الرازق» تراجع عن أفكاره معتمدا على اجتزاء فقرات من محاضرة ~~للشيخ، ألقاها في الجامعة الأمريكية في مارس سنة اثنتين وثلاثين ~~بعنوان «الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة»، نشرتها كجزء من ~~الكتاب كشفا لتزييف «عمارة» التسعينيات. وظهر من تحليل خطاب ~~«عمارة» أن السياسة هي التي توجه الفكر عنده، أو سيطرة ~~الأيديولوجيا على المعرفة. # فبعد الحرب العالمية الأولى، وما حدث للدولة العثمانية - رجل ~~أوروبا المريض - ونجاح أتباع «تركيا الفتاة»، قرر المجلس الوطني ~~الكبير في «أنقرة»، في نوفمبر سنة اثنتين وعشرين، إعلان تركيا ~~جمهورية وإلغاء السلطنة بعد فصلها عن الخلافة. وكان قرار الفصل ~~بين منصب السلطان ومنصب الخليفة يعني الاعتراف بالاستقلال السياسي ~~عن الأتراك، فخرج هذا الكتاب الذي أعيد نشره كدراسة فقهية اعتمد ~~عليها الكماليون للفصل بين الخلافة والسلطنة، وكتب آخرون يرفضون ~~هذا الإجراء مثل الشيخ «محمد رشيد رضا» في المنار، وكتاب ل «مصطفى ~~صبري» أحد المعارضين لحزب «تركيا الفتاة»، حتى ألغي منصب ~~الخلافة ذاته في مارس سنة 1341ه/1924م، فسعت أطراف عديدة للسعي ~~للخلافة. وكان المؤتمر الإسلامي في القاهرة جزءا من هذه الجهود، ms152 ~~فكتب الشيخ «علي عبد الرازق» كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، ليقول ~~به إن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين بل هي اجتهاد بشري ~~للمسلمين، واستعرض تاريخ الخلافة والفصل الفعلي بين الخلافة ~~والسلطنة منذ العصر العباسي حتى القرن العشرين. وهناك دائما فجوة ~~بين النموذج النظري في كتب العقائد والتحقق الفعلي في التاريخ ~~الاجتماعي للمسلمين، وتلك هي الإشكالية التي يتعرض لها الكتاب؛ ~~فمشكلة الخلافة ما زال البعض يناقشها من زاوية الدين لا من زاوية ~~الدنيا، ومن باب العقيدة لا من باب السياسة. # تقدمت في شهر فبراير للترقية إلى أستاذ مرة ثانية بعد تغيير ~~اللجان العلمية، وكنت حريصا على ضم الدراسات التي هاجمها «عبد ~~الصبور شاهين» كجزء من إنتاجي، وأضفت إليها ما أنتجته من دراسات ~~خلال الفترة السابقة، ومن ضمنها كتاب «التفكير في زمن التكفير»، ~~وبه مناقشة لكل ما أثير حول إنتاجي وأفكاري. # 15 # بعض من يتصدون للحديث عن الإسلام يحصرون كل مجالات الحياة ~~الإنسانية بين دائرتي الحلال والحرام فقط، وتوسعوا بطريقة غير ~~مسبوقة في المحرمات؛ فكتبت مجموعة مقالات لجريدة «أدب ونقد» ~~كان أولها «كلام ليس جديدا تماما عن الإسلام والشعر»، نشر في ~~شهر يناير سنة خمس وتسعين، عرضت أقسام الأحكام الخمسة التي وضعها ~~المفكر الأصولي القديم؛ الواجب والمندوب، والمباح وهو أوسع ~~الدوائر، وهو ما يمكن أن نصفه بالحلال، ثم المكروه والمحرم. ~~والفكر الذي يوسع دائرة الحرام مشكلته تكمن في خلطه بين ما هو ~~محرم دينيا وفقهيا وبين المحرم اجتماعيا، فهل الشعر ~~يدخل في دائرة الحرام بالمعنى الديني، أم يدخل دائرة المكروه، أم ~~إنه في الحقيقة يقع في دائرة المباح؟ تناولت تعامل نصوص القرآن ~~مع مسألة الشعر، وفي المقالة الثانية في فبراير بعنوان «الدفاع عن ~~الشعر من أجل تأسيس علم البيان، قراءة في مقدمات عبد القاهر ~~الجرجاني»؛ فآيات القرآن لا تتحدث عن الشعر بل عن الشعراء، و«عبد ~~القاهر» في كتابه «دلائل الإعجاز» وضع علم البيان على رأس العلوم؛ ~~لأنه العلم الذي يدرس الكلام الذي بواسطته توصل المعرفة ~~وتنقل، ومفهومه للبيان لا يقف عند حدود ms153 دراسة الكلام في مستوى ~~التواصل فقط، بل يدرسه في مستواه الفني الرفيع شعرا ونثرا. وعلم ~~البيان يعتمد على دراسة النحو؛ فهو قانون اللغة، ومن جهة أخرى ~~دراسة الشعر حيث تتجلى مستويات البراعة والفصاحة والبيان. ~~والمقالة الثالثة في شهر مايو بعنوان «الدفاع عن الشعر، الحيثيات»، ~~عرضت لحيثيات «عبد القاهر» شيخ البلاغيين العرب عن أهمية دراسة ~~الشعر كضرورة إنسانية دنيوية، «حيث إن الفضائل أساسها العلم، ~~والعلم أساسه اللغة والبيان». وهناك ضرورة أخروية؛ «حيث إن ~~علمي اللغة والبيان هما أداة الكشف عن حجة الله المتمثلة في ~~إعجاز كلامه سبحانه وتعالى. و«عبد القاهر» يناقش هؤلاء الذين ~~يستندون إلى النصوص الدينية في كراهة الشعر، وهو ما سأتعرض له في ~~المقالة التالية.» # منذ أن حصلت على كتاب «وليام جراهام» بعنوان «ما وراء الكلمة ~~المكتوبة، الجوانب الشفاهية للنصوص الدينية في تاريخ الأديان»، في ~~طبعته الورقية الصادرة في مارس سنة ثلاث وتسعين عن منشورات ~~كامبريدج بنيويورك بالولايات المتحدة، وأنا أريد الكتابة عنه، ~~فكتبت عرضا له نشرته مجلة «العربي» الكويتية في عدد مارس سنة ~~خمس وتسعين تحت عنوان «البعد المفقود من الدراسات الدينية»، يبدأ ~~المؤلف بطرح سؤال: ما النص الديني؟ بهدف إعادة النظر في التعريف ~~الشائع في سياق التراث الأوروبي الذي يشير إلى النصوص التي ~~دونت أو طبعت دون ما هو شفاهي/سمعي متداول. والمؤلف يطرح ~~مفهوما للنصوص الدينية لا يتجاهل طبيعة الوظائف الشفاهية/السمعية، ~~ويسميه المفهوم العلائقي؛ الذي يعتمد على العلاقة بين النص أو ~~النصوص المعنية، وبين الجماعة أو الجماعات التي تؤمن بها. ويفرق ~~بين نمطين من دراسة النصوص الدينية؛ أولهما دراسته بوصفه نصا ~~مقدسا، فيركز على المعنى العلائقي السياقي الناتج عن تفاعل ~~الجماعة مع ذلك النص، فيدرس ماذا يعني النص بالنسبة للجماعة التي ~~تؤمن به؛ كيف تفسره وتوظفه في كل جوانب حياتها. ونمط ثان ~~يدرس النص بوصفه وثيقة، فنركز على الخلفيات التاريخية مثل نشأة ~~النص وتطور مراحله المختلفة. ويدرس النصوص المقدسة في التراث ~~الإنساني مركزا على التراث الغربي والهندي والإسلامي. وهذا ~~المفهوم يطرح تحديا علينا - نحن دارسي الظاهرة الدينية ms154 - بعدم ~~التركيز فقط على النصوص المكتوبة في ممارسات الجماعات الدينية ~~بالتركيز على الكتابي وإهمال الشفاهي تماما. واكتشفت خطورة ~~التقصير من جانبنا بإسقاطنا من مجال اهتمامنا ودرسنا البعد ~~الشفاهي ونحن ندرس النصوص الدينية، بل وأسقطنا كل ما يتعلق ~~بالحياة الدينية في تركيزنا على النص المدون المكتوب، وهو ما ~~يجب فورا تداركه بالعودة إلى المفهوم العلائقي الذي وجد ~~أولا، وما زال موجودا في التراث الإسلامي وفي الحياة الدينية ~~الإسلامية. # فشلت الدعوة للحوار الذي دعت إليه السلطة كحوار من أعلى ~~يعتمد على الإقصاء، فجاءت العشر الأواخر من رمضان بدعوة للحوار بين ~~«عادل حسين» الاقتصادي وعضو حزب العمل ممثلا لتيار الحل ~~الإسلامي، وبين «رفعت السعيد» عضو حزب التجمع وممثل اليسار ~~المصري. وقد نشرت جريدة «الأهالي» الصادرة عن حزب التجمع نص ~~الحوار في الأول من مارس سنة خمس وتسعين، فكتبت دراسة تحليلية ~~نشرت ضمن كتاب من كتب سلسلة «الأهالي» عدد اثنين وخمسين عن ~~«المواجهة بين «رفعت السعيد» و«عادل حسين» حول الاعتدال والتطرف»، ~~وكانت مداخلتي بعنوان «مقاربة منهجية، عادل حسين ورفعت السعيد ~~خطابان أم خطاب واحد؟» فحالة الانقسام التي يمر بها المجتمع ~~تجعل من التكاتف من أجل صياغة مشروع للإنقاذ الوطني، أساسه الاتفاق ~~على الحد الأدنى من الأهداف المشتركة، ونتفق على الآليات ~~لتحقيقها؛ فشرحت مجموعة ضوابط منهجية ومنطلقات لعلم تحليل ~~الخطاب، ومستوى المنطوق، ومستوى قراءة الفحوى أو المفهوم، ومستوى ~~الدلالات المضمرة، ثم مرحلة تحليل بنية الخطاب من خلال ما يكون ~~في بؤرة الخطاب وما في هامشه من عناصر. في هذا الحوار نحن إزاء ~~خطابين يعطي كل منهما ظهره للآخر تماما، فافتقد الحوار تحديد ~~الموضوع وتحديد نقاط الاختلاف، واستخدم كل منهم آلية توظيف ~~النصوص لإقصاء الآخر. ولم تختلف لغة الوعظ الديني في خطاب «عادل ~~حسين» عن لغة «رفعت السعيد» الماركسي الداعية، رغم اختلاف ~~المفردات. وخيم على الحوار الطبيعة السياسية لا الفكرية؛ فلم ~~يتحقق حوار بقدر ما هي مواجهة. وسبب ذلك هو غياب الأبعاد المعرفية ~~في كلا الخطابين لحساب الأبعاد السياسية المباشرة، فكان الناتج ~~مجرد مساجلة. # 16 # كان ms155 غبار قضية محاولة منع عرض فيلم المهاجر ل «يوسف شاهين» في ~~المحكمة على أشده، فكتبت مقالة لجريدة «الحياة» بلندن بعنوان ~~«تجديد الفكر الإسلامي أسئلة واقتراحات». # وكتبت دراسة أكثر تفصيلا نشرت بمجلة «القاهرة» في عدد شهر ~~مايو عام خمسة وتسعين، بعنوان «التنوير الإسلامي جذوره وآفاقه»، ~~أدرس فيها إنجاز «ابن رشد» في الفكر الإسلامي ، وفي سياق عقلانية ~~المعتزلة، والتي مهدت له، وكيف كان لهذا الجهد حضور في الفكر ~~الإسلامي الحديث المتأثر بالاحتكاك بعصر الأنوار الأوروبي من ~~خلال نموذج خطاب «الإمام محمد عبده»؛ فالمعتزلة قالوا إن للكلام ~~الإلهي قصدية تستنبط، ليس من داخل الكلام بل نابعة من الفهم ~~العقلي للوجود خارج اللغة، وخارج الكلام الإلهي ذاته. وهناك ~~دلالات عقلية وجوبية لا تختلف من مجتمع إلى آخر أو ثقافة إلى ~~ثقافة؛ فهي دلالات يتفق عليها العقلاء بصرف النظر عن المكان ~~والزمان، مثل دلالة الفعل على الفاعل، وبها علاقة تلازم ~~عقلية. # النوع الثاني من الدلالة هو الدلالة الاتفاقية التي يتفق عليها ~~البشر، مثل اللغات التي تعتمد على الإشارات والحركات الجسدية، أو ~~العلاقة بين الدال والمدلول في اللغات الطبيعية؛ فكلمة «رجل» في ~~اللغة العربية تشير إلى نفس مدلول كلمة # Man # الإنجليزية. من هنا قال ~~المعتزلة بالحاجة إلى العقول لاستنباط الدلالة القصدية للكلام ~~الإلهي. ولا يستقل الكلام الإلهي استقلالا تاما إلا فيما يتصل ~~بالأحكام الشرعية، وهو الجانب الذي ركز عليه علماء الأصول ~~والفقهاء تركيزا أساسيا. # المعرفة الفلسفية عند «ابن رشد» تقوم على التأمل في آيات العالم ~~باعتبارها دالة على الصانع، مستخدما البرهان الفلسفي والمعرفة ~~الدينية بفهم الآيات اللغوية في القرآن. ولأن خطاب الشرع موجه ~~إلى الناس كافة على اختلاف قدراتهم الذهنية، فمنهم من يصدق ~~بالبرهان، ومن يصدق بالجدل، ومنهم من يصدق بالخطابة. والبرهان ~~أساسي وضروري لمعرفة الدين والشرع، وما ظاهره في الشرع مخالف ~~للبرهان العقلي لا بد أن يقبل التأويل. والتأويل يكون «بإخراج ~~دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير ~~إخلال بعادة لسان العرب في التجوز»؛ فالمعتزلة و«ابن رشد» جعلوا من ~~معرفة العالم بالاستدلال ms156 العقلي، أو في عصرنا بمناهج العلم المعاصر ~~وتقنياته، مدخلا أساسيا لفهم كلام الله، ومرجعية اللغة كنظام ~~رمزي يشير إلى العالم من ناحية، وكشفرة للرسالة الإلهية الكلامية ~~من جهة أخرى. # واستجابة لتحدي أوروبا حاول «محمد عبده» التجديد من خلال ~~تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ~~ظهور الخلافات ؛ فأخذ مفهوم التوحيد عند «الأشاعرة»، ومفهوم العدل ~~عند المعتزلة، لكنه تخلى عن الانتقائية بين المعتزلة والأشاعرة، ~~ورتب أصول الإسلام حسب ترتيبها عند المعتزلة، وجعل النظر العقلي ~~هو الأصل الأول للإسلام، ووسيلة الإيمان الصحيح، والأصل الثاني هو ~~تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، والثالث البعد عن ~~التكفير، والرابع الاعتبار بسنن الله في الخلق بمحاولة كشف ~~القوانين الطبيعية والإنسانية في الكون والواقع، والخامس قلب ~~السلطة الدينية. من هنا فمعرفة العالم بقوانينه الطبيعية ~~والإنسانية والاجتماعية أساسية لفهم وتأويل الكلام الإلهي. ~~••• # أصدرت بيانا إلى الأمة نشرته مجلة «روز اليوسف»، في عددها ~~الصادر في السادس عشر من مايو، بعنوان «الحقيقة أو الشهادة»، قلت ~~فيه: لأنني باحث مسلم وهب حياته للدفاع عن الإسلام، وكرس طاقته ~~الذهنية والعملية للكشف عن غايته النبيلة ومعانيه الإنسانية ~~السامية في مناخ يسيء للإسلام، ويعرضه لهجوم الأعداء بسبب بعض ~~الذين يستغلون معانيه الإنسانية النبيلة لتحقيق غايات نفعية ~~دنيوية رخيصة على حساب مصلحة الأمة ومصالح المواطنين مسلمين وغير ~~مسلمين؛ لذلك أدهشني بقدر ما أثار غضبي سعي هؤلاء سعيا حثيثا ~~لقتلي بدلا من مناقشة أفكاري ... والجدال معي بأساليب البرهان ~~العقلي الرشيد ... لقد سمحوا لأنفسهم باتهامي بالردة ... والزيغ عن ~~الإسلام، وطالبوا بالتفريق بيني وبين زوجتي. # ولأن الإسلام الناصع الصفاء لا يسمح لهم بذلك ... فقد حاولوا ~~التخفي وراء عباءة القانون متجاهلين أن دعوى تكفير المسلم بلا ~~برهان ترتد - عند الله سبحانه وتعالى - على المدعي؛ فالله وحده ~~هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ... ولأنني أعتز ~~بإيماني بالله وبرسوله، وإيماني بنبل الإسلام وإنسانية مقاصده، ~~فإنني أعتز كذلك بقيمة اجتهاداتي الفكرية والعلمية ... لذلك لن ~~تنال مني فتاواكم المغرضة، ولا محاولاتكم المستميتة لقتلي، ~~سأظل أناضل ms157 عن الإسلام مسلحا بالوعي العلمي والمنهجية ~~الصارمة ولو كان دمي هو الثمن، ولا سبيل إلا الحقيقة أو الشهادة، ~~أو معانقة النور يضيء عقول المسلمين، ويفتح أمامهم سبيل التقدم، # والله غالب على أمره ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون ~~. # غضبت من تصرف «جابر» بإضافته الشهادتين لنص البيان تحت إلحاح ~~وزير التعليم، ونشره بجريدة «الأخبار »، وكأنني أعترف أني قد خرجت ~~من الإسلام لأعود إليه، وشعرت بمرارة منه رغم تأكيده أن الأمر خرج ~~عن يده في نشر هذا البيان في جريدة الأخبار؛ ليفسره البعض ~~تفسيرا خاطئا كما فعلوا مع نائبة البرلمان الأردنية. # تلقيت دعوة من معهد الدراسات المتقدمة في برلين للعمل ~~لمدة عام، من أكتوبر سنة ست وتسعين. ومنذ عامين كنت انضممت إلى ~~مجلس تحرير الموسوعة القرآنية التي تقوم جامعة «لايدن» الهولندية ~~خلال الأعوام القادمة، جامعة الدراسات الإسلامية العريقة التي ~~أصدرت الموسوعة الإسلامية. وتعرفت على بعض الباحثين الهولنديين، ~~منهم رئيس المعهد العالي للدراسات الآسيوية، والسفير الهولندي ~~بالقاهرة ذاته متخصص في الدراسات الإسلامية، وله كتاب عن سوريا. ~~وكان رئيس المعهد الهولندي بالقاهرة «فريد ليمهاوس» متخصصا في ~~الدراسات الإسلامية، وهو مترجم القرآن إلى اللغة الهولندية، ~~ودراساته كلها عن التفسير، فألقى محاضرة عن أبحاثي ودراساتي. وكنا ~~قد تبادلنا الرأي خلال العام الماضي عبر الهاتف. # جاء قرار مجلس جامعة القاهرة بالموافقة على قرار لجنة الترقيات ~~الجديدة بترقيتي إلى أستاذ، في نهاية شهر مايو، ردا للاعتبار ~~تأخر عامين. وكنت قد جمعت ما كتب في الصحف السيارة عن ~~القضية بمساعدة «ابتهال»، وكتبت مقدمة طويلة لها بعنوان «القول ~~المفيد في قضية أبو زيد»، شرحت فيه خبايا القضية ومواقف الأطراف ~~قبل وأثناء الأزمة. وقامت جريدة الأهالي بنشره في عدد خاص بشهر ~~يونيو، بعنوان «القول المفيد في قضية أبو زيد»، بقلم عقل مصر ~~وضميرها، جمع وتقديم د. «نصر حامد أبو زيد». # 17 # منذ أن قدم الأستاذ «محمد صميدة عبد الصمد» استئناف رقم 287 ~~لسنة 111 قضائية، في العاشر من فبراير سنة أربع وتسعين، ذكر في ~~استئنافه لحكم محكمة الدرجة الأولى التي حكمت لصالح ms158 «نصر أبو زيد»، ~~وزوجته «ابتهال يونس»، أن حكم الدرجة الأولى خالف حكم محكمة النقض ~~المذكور. ثانيا: معنى حكم النقض هو العودة إلى مذهب «أبي حنيفة» ~~عند عدم وجود قوانين بقواعد خاصة، ولائحة ترتيب المحاكم الشرعية؛ ~~هما القانون في الأحوال الشخصية. ثالثا: هذه الدعوى المرفوعة تنبع ~~من ولاية أضافها الشارع سبحانه على كل من أوجبها عليه . رابعا: ~~إشارة حكم محكمة النقض ضمنيا إلى النيابة العامة كدور المحتسب. ~~خامسا: حكم محكمة القضاء الإداري في مسألة خروج الآثار المصرية. ~~سادسا: عرض مجموعة من الأقوال عن الحسبة. # عقدت الجلسة الأولى في السادس والعشرين من يوليو سنة أربع ~~وتسعين، فقدم الأستاذ «خليل عبد الكريم» محامي «نصر أبو زيد» ~~مذكرة دفاع تمسك فيها بكافة الدفوع التي طرحها في محكمة أول ~~درجة، ورد على أسباب الخصوم في الاستئناف، فقال: إن حكم محكمة ~~النقض 30 مارس سنة ست وستين، والذي يستندون إليه، أصبح بعد صدور ~~دستور سنة إحدى وسبعين غير مواكب للبيئة التشريعية الجديدة. ~~ثانيا: إن ما ورد في قوانين الأحوال الشخصية من أحكام هو الواجب ~~التطبيق حتى لو كان يخالف أرجح الأقوال في مذهب «أبي حنيفة». ~~ثالثا: الخصوم يخلطون بين مفهوم الولاية في دعوى الحسبة؛ فهي غير ~~مفهوم المصلحة بالمعنى الحديث. رابعا: حكم محكمة النقض أشار إلى ~~النيابة في مسألة إثبات النسب للمولود، ولم تذكر وجود نيابة ~~مفترضة في الحسبة. خامسا: حكم المحكمة الإدارية الذي يستندون ~~إليه ما دخله في قانون الأحوال الشخصية؟ سادسا: لا يوجد محتسب ~~أو ديوان مظالم كما ورد في الاستشهادات التي كانت حول رفض العلاقة ~~من البداية، وهو ليس في حالة زواج، كما بين د. «نصر» ود. ~~«ابتهال». # فتحت المحكمة الباب لتقديم مذكرات، فقدمت نيابة استئناف ~~القاهرة للأحوال الشخصية مذكرة في 19 يناير سنة خمس وتسعين. ~~وقدم الأستاذ «سيف الإسلام عبد الفتاح حمد» مذكرة دفاع ركزت ~~على الجوانب الإجرائية. وقدمت النيابة في 12 فبراير مذكرة ~~ثانية قالت فيها: إنه لا يمكن القول بارتداد المستأنف ضده الأول ~~بحيث يجب التفريق بينه وبين زوجته. وأما ms159 بالنسبة لتعريض المستأنف ~~ضده بالدين الإسلامي ومقدساته في كتاباته، فإنه يجوز مساءلته ~~قضائيا. عقدت المحكمة جلسة في 18 مايو رد فيها الأستاذ «خليل ~~عبد الكريم» على مذكرة النيابة الأولى، وعقدت المحكمة جلسة في 29 ~~مايو تعذر فيها المداولة، فأجلت المحكمة إلى يوم الأربعاء 14 ~~من يونيو النطق بالحكم. # دخل رئيس المحكمة المستشار «فاروق عبد العليم مرسي»، العائد منذ ~~مدة قصيرة من السعودية، بلحيته الكثة، يرتدي زيا يشبه أزياء ~~أهل الباكستان، وعضوية السيدين «نور الدين يوسف ومحمد عزت ~~الشاذلي»، وبحضور السيد رئيس النيابة «محسن عبد الرحمن»، وأمين ~~السر «أحمد عبد الحميد عبد الجواد». وحضر الجلسة الأستاذ «محمد ~~صميدة عبد الصمد»، والأستاذ أيمن البدري عن المحامية «أميرة بهي ~~الدين» عن د. «ابتهال يونس». استند الحكم إلى أن حكم المحكمة ~~الابتدائية بعدم قبول الدعوى هو حكم في مسألة موضوعية تتعلق بأصل ~~الحق في الدعوى؛ مما يجعل محكمة الدرجة الأولى قد استنفدت ولايتها ~~بالفصل في النزاع؛ ومن ثم تتصدى محكمة الاستئناف في الفصل في ~~الموضوع. وقال في الحيثيات: إن المحكمة الابتدائية تختص بدعاوى ~~الفرقة بين الزوجين بجميع أسبابها؛ ومن ثم فإن دعوى التفريق بين ~~الزوجين بسبب ردة أحدهما تختص بها المحكمة، ويكون البحث في حصول ~~الردة من عدمه مسألة أولية تختص بها المحكمة، والمحكمة تفرق ~~بين الاعتقاد الذي يكون داخل الإنسان وبين الردة التي لها كيانها ~~الخارجي، ولا بد أن تظهر هذه الأفعال بما لا لبس فيه. النيابة ~~العامة في مذكرتها للمحكمة كان عليها أن تقول إن كتابات المستأنف ~~ضده لا تشكل في نظرها ردة، أو تقول إنها تشكل ردة ~~موضحة أسباب الرأي الذي تقول به أو تطلب طرق إثبات، غير أنها ~~لم تفعل. ~~«حكمت المحكمة حضوريا بقبول الاستئناف شكلا وبإلغاء الحكم ~~المستأنف ضده، ورفض الدفوع المبدأة من المستأنف ضدهما بعدم ~~الاختصاص الولائي، وبعدم انعقاد الخصومة، وبعدم قبول الدعوى لرفعها ~~من غير ذي صفة، وباختصاص المحكمة ولائيا بقبول الدعوى. وفي ~~الموضوع بالتفريق بين المستأنف ضده الأول والمستأنف ضدها الثانية، ~~وإلزامهما بالمصاريف عن الدرجتين وعشرين ms160 جنيها مقابل أتعاب ~~المحاماة.» # عدت من الجامعة، وكان آخر يوم في الامتحانات. اتصل بي الصديق ~~«عادل حمودة» يسألني عما سأفعل. لم أكن أعرف ماذا يقصد، وكأنه شعر ~~بذلك مني، وفي نبرة صوت بها بعض الاندهاش سألني إن كنت لم أعرف أن ~~المحكمة قد حكمت اليوم بالتفريق بيني وبين «ابتهال». شعرت أنا ~~و«ابتهال» بنوع من الغضب. أنهيت المكالمة معه واتصلت بالأستاذ ~~الشيخ «خليل عبد الكريم» المحامي لأعرف منه ما حدث، فأكد لي ~~الخبر، وقال بنبرة بها أسى: «أرجو ألا تعتبرنا قصرنا.» عاتبته ~~بشدة؛ فأنا أعرف مدى تعبه وجهده في البحث والتنقيب في المراجع وفي ~~كتب التراث، ما يساوي مجهود رسالة دكتوراه. لم نتوقع هذه ~~المفاجأة، ولا أعرف كيف ينفذ حكم كهذا؛ هل أترك الشقة أم ~~تتركها دكتورة «ابتهال»؟ وهل ينفذ بانتزاعنا من بعضنا بعضا ~~بالقوة؟ حاولنا التغلب على شعور الغضب وهول المفاجأة. على الساعة ~~السابعة كان الخبر قد انتشر، ولم يتوقف التليفون عن الصريخ. المفكر ~~السوري «عزيز العظمة»، ووزير التعليم د. «حسين كامل بهاء الدين»، ~~والذي قال لي: «هذه ليست قضيتك وحدك، هي قضيتنا جميعا، ولن نقف ~~مكتوفي الأيدي، وسوف نتولى أمر إجراءات النقض، ونحن لا ندافع ~~عنك إنما ندافع عن المجتمع.» «ابتهال» تقوم بالرد على التليفونات ~~التي لم تتوقف، لا أعرف كيف مرت هذه الليلة. صباح اليوم التالي ~~الخميس غمر الشقة الصغيرة الأهل والأصدقاء؛ الروائي «عبده ~~جبير»، وصديقي الشاعر «محمد صالح» الذي لم يتوقف عن المزاح كعادته. ~~وحضر «جمال الغيطاني» رئيس تحرير «أخبار الأدب» ومعه الصحفي «محمود ~~الورداني»، و«عزت القمحاوي»، والمصور «يوسف ناروز». واتصل الدكتور ~~«أسامة الباز» الذي عاد للتو من الخارج يعرب عن مساندته. ~~أصبحت الشقة كدوار عمدة، بها ضيوف طوال الوقت. وكان عندي مناقشة ~~لرسالة ماجستير في جامعة طنطا يوم الثلاثاء العشرين من يونيو، ~~فوجئت بدواع أمنية، وخوف أحد الأساتذة من أن تتعرض المناقشة ~~لهجوم إرهابي، وكان وضعا مخجلا. وماذا سيحدث في أربع رسائل ~~أخرى مفروض أن أناقشها هذا الصيف. كانت الدولة قد رفعت الحراسة ~~عني بعد صدور ms161 الحكم السابق. ومع حكم الاستئناف والتهديدات بالقتل ~~التي بدأت تترى، عينت الشرطة حراسة دائمة تقيم معي، ~~وتذهب معي في كل مكان. بدأت أشعر بالاختناق، فاتصلت بعميد الكلية ~~أطلب منه أن يختار أحد الأساتذة ليصحح أوراق الامتحان للوضع ~~الذي أنا فيه، لكنه أصر على أن أقوم بتصحيحها، وحتى لا يتصور ~~الطلبة أن الكلية جزء مما يحدث لك. # | قاب قوسين # 1 # وصلت بنا الطائرة إلى مدريد بإسبانيا في السادسة صباحا، ~~ألقينا حقائبنا بالفندق، واندفعنا إلى الشارع نجمع حريتنا التي ~~خطفت منا خلال الأربعين يوما الماضية، كنا في سجن كبير. قضينا ~~أنا و«ابتهال» وقتا جميلا كنا في حاجة إليه على الرغم من حرارة ~~شهر يوليو. برق الشهر مسرعا، وتوجهت «ابتهال» إلى منحتها ~~الدراسية، وذهبت إلى المكتبة القومية بمدريد أبحث عن المراجع ~~لأكتب ردا فكريا على حيثيات حكم الاستئناف، تاركا الرد ~~القانوني للقانونيين، نشرته مجلة «أدب ونقد» في شهر سبتمبر سنة ~~خمس وتسعين؛ حيث إن القاضي وضع تعريفا للردة بأنه: «الرجوع عن دين ~~الإسلام، والمرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، وركنها ~~التصريح بالكفر، إما بلفظ يقتضيه أو بفعل يتضمنه بعد الإيمان.» ~~والمقصود بالكفر «يلزم أن يكون ما صدر من المدعي بردته ~~مجمعا على أن يخرجه من الملة عند كافة علماء المسلمين وأئمتهم ~~مع اختلاف مذاهبهم الفقهية.» لكن للأسف الشديد لم يلتزم القاضي ~~بالتعريف الذي استقاه؛ فبالعودة إلى المصادر التي أشار إليها الحكم ~~يمكن أن نكتشف أن حدود الأفعال والأقوال التي تدخل في حيز الردة ~~تنحصر في المرتد «فعلا»؛ من أتى بفعل السجود لصنم أو إلقاء ~~المصحف في قاذورة، أما المرتد «قولا» فهو من جرت على لسانه كلمة ~~الكفر بما هو داخل في حيز الإيمان، وهو كل ما لا يحتاج إلى نظر ~~واستدلال. # فالقاضي يقرأ النصوص قراءة حرفية، ويعزلها عن سياقاتها في ~~الماضي؛ فالفقيه القديم حينما قال بمقولة المعلوم من الدين ~~بالضرورة يخرج من منظومة فكرية متكاملة، بها الفقه وعلم الكلام ~~والفلسفة؛ فالعلم الضروري يقصد به: الذي ليس في حاجة في علمه إلى ms162 ~~نظر أو استدلال. بلغة عصرنا البدهيات. والعلم النظري يقصد به: الذي ~~ينتج عن نظر أو استدلال. كما قال الباقلاني المتوفى ~~304ه/917م في كتابه «تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل»، صفحة 35 و36، ~~وفي كتاب «الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به»، صفحة 13؛ ~~فمحتوى الإيمان الذي يعد الارتداد أو الخروج عنه كفرا هو: ما ~~يعلمه المسلم علما ضروريا؛ أي دون حاجة إلى نظر أو استدلال أو ~~تفكير فيه. وليس في كل ما أورده القاضي من أقوال قول واحد ينكر ~~علما ضروريا؛ أي بدهيا في الدين؛ فليس ثمة قول ينكر أن ~~الله واحد، وأن محمدا # صلى الله عليه وسلم # نبيه ورسوله، أو ينكر الصلاة أو ~~الصيام أو الزكاة أو الحج، أو يحرم حلالا أو يحل حراما، ~~وإنما كل ما ورد هو من قبيل الاجتهادات النظرية الاستدلالية، بل إن ~~الحكم انحرف انحرافا واضحا عن التعريفات المستقاة من كتب الفقه، ~~وذلك حين عاد ليدمج فيها تصوراته الشخصية لتمهد له السبيل ~~لإصدار حكم الردة. # وتناولت في موقف الحكم من كتاباتي مسألة مسألة، وعرضت وجهات ~~نظر للشيخ «الإمام محمد عبده» فيها، وبينت عجز القاضي بسبب ~~منهجه الحرفي في فهمه للنصوص، وعن فهم المعاني التي كتبتها؛ ومن ~~ثم انتزاع الاجتهادات من سياق الأدلة في مسائل الميراث وملك ~~اليمين والجزية وعالمية الإسلام. وقدم الحكم قراءة مبتسرة ~~للنصوص تنتزعها من سياقها قصدا ليحملها معاني لا ~~تحتملها. # قبل مغادرتي مصر كنت قد بدأت التحضير لجزء ثان من كتابي ~~«مفهوم النص»، سيكون عن مفهوم النص في السنة، وكان كتاب الإمام ~~الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية هو جزءا منه، لكن أمامي الآن ~~سؤال مهم نتج مما حدث يشغلني، وهو: «لماذا تتعرض شجرة التنوير ~~للذبول بل والموت كلما نمت قليلا؟» فكتبت دراسة نشرتها مجلة ~~«ألف» بالجامعة الأمريكية تحت عنوان «مركزية الغزالي وهامشية ابن ~~رشد»، في عددها السادس عشر سنة ست وتسعين؛ ف «ابن رشد» لم يطق ~~الفقهاء وجود رفاته على الساحل الأفريقي، فجمع الرفات في ناحية ~~على ظهر دابة، وكتبه على الجانب الآخر، لينقل إلى ms163 الساحل ~~الشمالي في الأندلس، وها أنا هنا على نفس الساحل بعد قرون، فكيف ~~استطاع خطاب «الغزالي» الذي أصبح خطاب المركز والمهيمن أن يحصر ~~خطاب «ابن رشد» في الهامش؟! # فحالات تراجع الجديد أمام القديم تسهم في تثبيت القديم في ~~مكانته؛ فالمفكر حين يتراجع موهما نفسه أنه تراجع تكتيكي، ~~لحين تتهيأ الظروف ويتطور وعي العامة، ما هذا إلا وهم. مهمة البحث ~~التحليلي النقدي هو تفكيك الأفكار القديمة ونزع قناع القداسة عنها ~~بردها إلى سياقها الأصلي بوصفها نتاجا بشريا تاريخيا؛ ف ~~«أبو حامد الغزالي» (ت: 505ه/1111م) خطابه ذو بنية مزدوجة؛ فهو ~~خطاب سلطة بامتياز في الشق الأشعري منه كمتكلم، يساند السلطة ~~السياسية، ويبرر سيطرتها وهيمنتها وديكتاتوريتها أيديولوجيا، ~~وهو أيضا خطاب للعامة والخاصة في شقه الصوفي كعزاء تجابه به ~~سطوة السلطة. ويقدم لسلطة الدولة السنية سلاحا في صراعها ضد ~~سلطة الشيعة؛ فوسطية «الغزالي» تلاقت فيها الأنظمة المعرفية ~~الثلاثة التي أشار إليها «محمد عابد الجابري»؛ البيان والبرهان ~~والعرفان، لكنها وسطية أفضت إلى تبرير السياسي بالفكري، وجعلت ~~المعرفي تابعا للسياسي، وهذا كله في سياق انهيار شامل أدى إلى ~~نكوص العقل الإسلامي وتحصنه بالسلفية؛ دفاعا عن وجوده ضد ~~هجمات المغول والتتار. # و«ابن رشد» (ت: 595ه/1198م) رأى أن الخطر هو أن يكفر الناس ~~بالحكمة أو بالشريعة؛ نتيجة لإشاعة التأويل بين الناس بأدلة الجدل ~~والخطابة، «ففعل كما فعل «الغزالي»، وطالب بالنهي عن قراءة كتب ~~الحكمة إلا لمن كان من أهل العلم، فوقع «ابن رشد» في شراك ~~«الغزالي» بحله الوسطي، بأن تحجب المعرفة عن العامة، فلا تطرح ~~عليهم أدلة الجدل أو البرهان. و«الغزالي» يبدأ حركته المعرفية من ~~عالم الملكوت، ومنه إلى النص، ومن النص إلى عالم الحس والشهادة. ~~والتأويل عنده هو فك شفرة النص الديني من أجل فهم العالم الذي ~~تمثل اللغة تعبيره المجازي، لكن منهج الحركة المعرفية عند ~~«ابن رشد» ~~حركة معاكسة، يبدأ من العالم الطبيعي إلى ما وراء الطبيعة ~~أو ما بعدها»، نزولا إلى النص الديني بالتأويل الذي تواصل به «ابن ~~رشد» مع التراث المعتزلي. وخلال رغبته وسعيه ms164 للحركة من موقع الهامش ~~قدم تنازلات، أو بتعبير «محمد أركون» ترضيات، والتي عمقت ~~هامشيته؛ لأن هذه الترضيات بطريقة غير مباشرة كرست مركزية ~~«الغزالي» بما تمثله من دلالات؛ فإذا كان لنا أن نستدعي «ابن ~~رشد»، فليكن استدعاؤنا له ليس من أجل الصراع الأيديولوجي، بل من ~~أجل تعميق فهمنا لأنفسنا ولتراثنا ولعصرنا. # أثناء بحثي عن بعض كتب التفسير بالمكتبة الوطنية في مدريد، عثرت ~~على ترجمة للقرآن، يعود تاريخها لعام 1921م لصاحبها «محمد أحمد ~~علي، هندي»، ينتمي إلى المدرسة الأحمدية، ولم تكن مجرد ترجمة إلى ~~الإنجليزية، بل تفسيرا ضم ما يزيد على ألفين من التفسيرات ~~المرقمة، تعرض لكل المشكلات المطروحة على الفكر الإسلامي في ~~الغرب، سواء المرتبطة بالمسيحية أو بطبيعة السيد المسيح، وقضية ~~الجبر والاختيار والناسخ والمنسوخ من منظور الدفاع عن الإسلام. ~~ووجدت كتابا آخر ل «الطاهر بن عاشور» التونسي ~~(1295ه/1879م-1390ه/1972م) بعنوان «التحرير والتنوير»، وهو كتاب في ~~التفسير، فتركت موضوع السنة، وانشغلت بالبحث في إشكاليات التفسير ~~والتنوير منذ «الطهطاوي ومحمود طه» في السودان، و«محمد شحرور» في ~~سوريا، و«محمد إقبال والسيد أحمد خان وأبي الأعلى المودودي» في ~~الهند، حتى «سيد قطب»؛ لدراسة إشكاليات التأويل في العصر الحديث، ~~ووصلت إلى قرار هو أن أقبل المنحة الدراسية في جامعة «لايدن» وألا ~~أعود إلى مصر. # 2 # لو عدت لمصر سيعطل المعلم بداخلي، ولأصبحت كباحث مشدودا ~~للسجال؛ فلا بد من حماية الباحث «نصر أبو زيد» من القضاء عليه ~~داخليا؛ حتى يتاح للمعلم العودة إلى طلابه أكثر عافية. كان ذلك ~~وراء قبولي منحة جامعة «لايدن»، ولمكانة الدراسات الإسلامية ~~الرصينة فيها. فوصلنا إلى هناك في الخامس والعشرين من أكتوبر عام ~~خمسة وتسعين. «لايدن» تبعد أربعين دقيقة بالسيارة من العاصمة ~~الهولندية، أمستردام. أقمنا في سكن تابع للجامعة، هو استراحة ~~للأساتذة الزائرين؛ شقة صغيرة في الطابق الثاني بمبنى يطل على ~~حديقة عامة. استقبلنا مصريون وعرب مقيمون في هولندا، وفي ~~معيتهم أغنية «أم كلثوم» «على بلد المحبوب وديني»؛ فاللجوء ~~ظاهرة عربية. وسفير مصر في هولندا رجل مهتم بحقوق الإنسان، ~~أصر أن نتناول الغداء ms165 في بيته، وكان بنفسه في انتظارنا في ~~المحطة، وغمرتنا زوجته الكريمة بترحابها. # طالت لحيتي، وازداد وزني أكثر. قمت بتدريس مادة التفسير لطلبة ~~قسم اللغة العربية للسنة الثانية، وحاولت التغلب على التوتر الدائم ~~بالعمل المتواصل، وبدأت أتعلم استخدام الكمبيوتر الذي وفرته لي ~~الجامعة، واكتشفت به عالم السحر المنظم، أحمله معي في كل مكان، ~~وأصبحت قادرا على إنجاز أبحاثي ودراساتي بصورة أسهل وأسرع. بدأت ~~أشارك في تدريس برنامج في مستوى الماجستير في الفكر الديني ~~والمقارن، مقارنة بين إندونيسيا والعالم العربي ومصر، وبدأت ~~الإشراف على رسالة ماجستير، وأخرى للدكتوراه، لطالبين من ~~إندونيسيا. والمشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية تزداد. قام ~~«فريد ليمهاوس» بترجمة مختارات من كتاباتي إلى اللغة الهولندية، ~~نشرت في أمستردام، كان قد عزم عليها حينما كنا في القاهرة. ~~وكذلك الأستاذة «شريفة مجدي» المصرية المقيمة في ألمانيا من عام ~~ستة وسبعين، والحاصلة على دكتوراه في الإسلام السياسي، قامت بترجمة ~~أجزاء من كتاب «نقد الخطاب الديني» إلى الألمانية. وكتب «نافيد ~~كرماني» المقدمة، ونشرتها دار «ديبا» في فرانكفورت. # في إجازة أعياد الميلاد وبداية السنة، سافرت «ابتهال» إلى ~~القاهرة في زيارة، ولم أرد الذهاب. وعملت على دراسة باللغة ~~الإنجليزية عن «الفكر الإسلامي وحقوق الإنسان بين الواقع والمثال»؛ ~~فهناك فجوة دائما بين النصوص، سواء كانت دينية أو دنيوية، ~~والواقع الفعلي كظاهرة إنسانية. وأخذت الفكر الإسلامي كمثال ~~تطبيقي لهذه الظاهرة. والأديان حينما تكرم الإنسان فهي تكرم ~~الإنسان المؤمن بهذا الدين، ويتبع هذا الدين كطريق للخلاص، أما ~~الإنسان غير المؤمن بهذا الدين فإنه يصبح عاصيا، مصيره العذاب ~~الأخروي؛ أي يصبح إنسانا بلا حقوق. والإسلام في نصوصه الأساسية ~~الأصلية يؤكد مفهوم احترام الإنسان؛ من حيث هو إنسان بصرف النظر ~~عن عقيدته أو لونه أو جنسه، لكن حين نتجاوز تلك المبادئ المثالية ~~إلى الحياة الاجتماعية، والممارسات التاريخية في المجتمعات ~~الإسلامية، تجد صورة أخرى لحقوق الإنسان؛ لذلك فالتحليل يتطلب أن ~~ننتقل من النصوص التي تمثل الوحي الإلهي إلى الفكر الإنساني؛ أي ~~إلى الطرائق التي فهم بها الإنسان هذه النصوص. # فتناولت المسألة عند ms166 اللاهوتيين المسلمين (علماء الكلام)، وعند ~~الفلاسفة والمتصوفة، ثم الإنسان في الفكر الفقهي، واكتشفت أنه ~~الإنسان غاب كمفهوم اجتماعي في الفكر الإسلامي. والأصولية ~~الإسلامية الحديثة التي اتخذت من مفهوم الحاكمية مقولة استبعدت أي ~~مرجعية أخرى سوى مرجعية العلماء والفقهاء في مجال تنظيم الحياة ~~الإنسانية، لكن للإنصاف فإن الأصولية صارت نزعة كونية لها ~~تجلياتها الدينية والمعرفية والثقافية والأيديولوجية، وهي في ~~مجملها نزعة تحصر مفهوم الإنسان . وعلينا أن نضع على رأس مهامنا ~~بلورة مفهوم الإنسان الذي يكتسب إنسانيته من الانتماء إلى عرق أو ~~جنس أو ثقافة بعينها، أو من انتمائه إلى طبقة بالمعنى الاقتصادي أو ~~السياسي أو الثقافي. وناديت بأهمية فهم الثقافات الأخرى في إطار ~~إنجازاتها وسياقها دون أن نفرض عليها معايير تقييم من ثقافة أخرى ~~ترى نفسها أعلى وأسمى. # كتبت «ابتهال» «صرخة في ذكرى حزينة، فاعل مفعول به»، نشرتها ~~جريدة «الأهالي»، قالت فيها: إن القضية لم تكن شخصية قصد بها ~~«نصر وابتهال»، بل مقدمة لطابور طويل. اقتربت الذكرى السنوية ولا ~~عزاء للسيدات؛ فليس من حقهن القيام بأي فعل. لقد كرم الله ~~المرأة، فحولها جلادونا إلى أداة ووعاء ومفعول به. هكذا أصبحت ~~كامرأة أداة لعقاب «نصر أبو زيد». إنها النتيجة المنطقية لنظرة ~~جلادينا للمرأة. إذا كانت المرأة مجرد أداة للمتعة، فإنها يمكن ~~أن تتحول إلى مجرد أداة للعقاب؛ بحرمان الرجل الذي يقتنيها من أداة ~~للمتعة ... هل نسي هؤلاء أن الصفات التي يلصقونها بكلمة امرأة، ~~كوعاء وأداة ومتعة، تنطبق على أمهاتهم؟ هل هناك من يرضى أن تطلق ~~مثل هذه الألفاظ والعبارات على أمه، ولا أقول على زوجته أو أخته ~~أو ابنته؟ أم نسي هؤلاء أن الأم امرأة، وبفضل كونها امرأة صارت ~~أما؟ # طلب مني المحامون أن أوثق في القنصلية المصرية البيان الذي ~~أصدرته العام الماضي في مجلة «روز اليوسف»، بعنوان الحقيقة أو ~~الشهادة؛ ليكون وثيقة رسمية بإسلامي، ففعلت. ونشرت دار مدبولي ~~كتابي التوثيقي للقضية «القول المفيد في قضية أبو زيد». وجمع ~~المركز الثقافي العربي - بجهد مديره الصديق «حسن ياغي» - بعض ~~دراساتي في الأعوام السابقة ms167 في كتاب «النص والسلطة والحقيقة»، ذهبت ~~إلى مدينة «هانوفر» في شمال ألمانيا للمشاركة في ندوة تتناول ~~الأدب وحرية الإعلام وحقوق الإنسان في المجتمعات الإسلامية، في ~~مايو سنة ست وتسعين، اشترك فيها باحثون من مصر والمغرب وتونس ~~والأردن وفلسطين وإندونيسيا وبنجلاديش وأمريكا وهولندا وألمانيا. ~~وقدمت ورقة نقدية للفكر الديني التنويري، والعلاقة بين حرية ~~البحث العلمي وحرية الفكر عموما، واستخدام الدين في مواقف سياسية. ~~وفي إحدى جلسات ندوة «لغة الشعر ونصوص القانون» بدأت كاتبة من ~~بنجلاديش اسمها «تسليمة نسرين» تقرأ الإعلان العالمي لحقوق ~~الإنسان فقرة فقرة، وتقارن بين كل مادة من مواده وبين ما جاء في ~~القرآن وفي الأحاديث؛ فحق العمل من حقوق الإنسان، والإسلام يمنع ~~النساء من العمل والتعليم. وإذا كان الغرب يفرق بين الأصوليين ~~والإسلام، فهي تعتبرهما شيئا واحدا. وختمت كلمتها بقراءة عدد من ~~قصائدها بالإنجليزية وقصيدة بلغة بلادها. فطلبت التعقيب وقلت لها: ~~«لا يستطيع أحد أن يتهمني بأنني ضد حريتك؛ لأنني شخصيا ~~مضطهد بسبب حرية الرأي، وأنا الوحيد القادر على أن أقول لك إن ما ~~ذكرته خطأ. لقد تعاملت مع نص إعلان حقوق الإنسان باعتباره نصا ~~مقدسا بل أكثر قداسة من القرآن، فلماذا لم تنتقدي مثلا ~~التطبيق المنحاز من الغرب لمبادئ حقوق الإنسان؟ فهل من المعقول أن ~~«هنتنجتون» يتكلم عن الإسلام باعتباره حضارة وهو القائل بصراع ~~الحضارات، بينما تتكلمين أنت عن الإسلام باعتباره تخلفا، ناسية ~~أن الإسلام أنتج حضارة استمرت لعدة قرون؟ ووضعت النصوص ~~وتفسيرها في سلة واحدة. وليس من المناسب أن ننسج خطابنا ليرضى ~~الغرب عنا. أما القصيدة التي أعجبتني من قصائدك فهي تلك التي لم ~~أفهمها.» # 3 # بعد صدور حكم محكمة الاستئناف بالتفريق بين «نصر أبو زيد» وزوجته ~~بدعوى ارتداده، تقدم فريق من المحامين عنهما بطعنين، 478 و481، ~~وقدمت النيابة العامة طعنا في الحكم إلى محكمة النقض، رقم 475 ~~لسنة 65 قضائية، يوم الثامن من أغسطس سنة خمس وتسعين، طالبت فيه ~~بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه. وتم ~~إعلان المطعون ضدهم؛ المحامي «صميدة عبد ms168 الصمد» وآخرين، الذين صدر ~~حكم الاستئناف لصالحهم يوم الثلاثين من أغسطس، فقدموا دفاعا ~~يوم الحادي عشر من سبتمبر، وطلبوا فيه رفض الطعن. ورأت غرفة ~~المشورة بمحكمة النقض أن الطعون جديرة بالنظر، فحددت لنظرها ~~جلسة الثاني والعشرين من أبريل سنة ست وتسعين، أمام الدائرة ~~المدنية والتجارية والأحوال الشخصية برئاسة المستشار «محمد مصباح ~~شرابية»، وعضوية «فتحي محمود يوسف وسعيد غريان وحسين السيد متولي ~~وعبد الحميد الحلفاوي». # أرسل المحامي العام الأول لنيابة استئناف القاهرة للأحوال ~~الشخصية - المستشار «محمود عبد العال عبد الرسول» - خطابا إلى ~~فضيلة المفتي «محمد سيد طنطاوي»، في الخامس من شهر مارس سنة ست ~~وتسعين، يطلب الإفادة عن الرأي الشرعي في مذكرتين؛ فجاء رد ~~المفتي في السادس من مارس: «حيث إنه لم يحدث أثناء نظر الدعوى أو ~~الاستئناف أن الدكتور «نصر أبو زيد» الذي حكم بالتفريق بينه وبين ~~زوجته، نوقش في مؤلفاته أو معتقداته شخصيا في التهم ~~الموجهة إليه، فإن الفقهاء اتفقوا على أنه يجب قبل الحكم ~~بالتفريق بين إنسان مسلم وزوجته أن يناقش هذا الإنسان مناقشة ~~دينية دقيقة ومتصلة في معتقداته ومؤلفاته وجميع ما صدر عنه ~~أو اتهم به؛ لاحتمال رجوعه عما صدر عنه أو اتهم به، أو ~~لاحتمال أن ما قاله يقبل التأويل الصحيح ولو من بعض الوجوه ... ~~ونظرا لخطورة الحكم بالتفريق بين مسلم وزوجته، نرى أنه لا يكفي ~~صدور الحكم لمجرد قراءة ما كتبه، بل لا بد من إنذاره أكثر من مرة ~~بوجوب حضوره أمام الهيئات القضائية المختصة لمناقشته فيما ~~اتهم به مناقشة علمية متأنية ومفصلة يشترك فيها جميع ~~الأطراف الذين تهمهم أمثال هذه القضايا الخطيرة التي هي قضايا ~~حياة أو موت.» # عقدت جلسة المحكمة في الثاني والعشرين من أبريل سنة ست وتسعين، ~~ودافع عن «نصر أبو زيد وابتهال يونس» المحامون: مكتب «منى ذو ~~الفقار» وزوجها «علي الشلقاني»، و«أحمد الخواجة»، و«عبد العزيز ~~محمد» ود. «عبد المنعم الشرقاوي». وقررت المحكمة حجز القضية ~~للحكم في الرابع والعشرين من يونيو. وكان لحكم الردة تأثير على ~~مستوى العالم في العام الماضي، فسعت ms169 الحكومة إلى تغيير في قانون ~~الإجراءات. بالقانون 81 لسنة 96، والذي أقر في الثاني والعشرين ~~من مايو سنة ست وتسعين في مادته الثالثة؛ يقضى بإلزام جميع ~~المحاكم ومحكمة النقض أن تحيل من تلقاء نفسها ودون رسوم ما يكون ~~لديها من مسائل الأحوال الشخصية على وجه الحسبة، والتي لم يصدر ~~فيها أي حكم، إلى النيابة العامة المختصة وفقا لأحكام هذا ~~القانون، وذلك بالحالة التي تكون عليها الدعوى، وتقضي من تلقاء ~~نفسها واحتراما للنظام العام، بعدم قبول أي دعوى لا يكون لصاحبها ~~مصلحة شخصية مباشرة فيها، وقائمة يقرها القانون ما دام لم ~~يصدر فيها حكم بات. ونظم القانون مسألة الحسبة، وأن تكون عن ~~طريق النيابة العامة. فتقدم دفاع «نصر أبو زيد» بطلب إلى المحكمة ~~في الثاني والعشرين من مايو بفتح باب المرافعة بعد صدور القانون، ~~لكن المحكمة مدت الأجل للحكم إلى الخامس من أغسطس، ورفضت إعادة ~~فتح الباب لمرافعة الدفاع. # يوم الإثنين الخامس من أغسطس، قدمت حكمها بتأييد حكم ~~التفريق وبرفض الطعون فيه، مستندة إلى أنه لا توجد في القانون ~~المصري «قاعدة قانونية خاصة تمنع أو تقيد من إقامة دعوى الحسبة ~~في وقت رفع الدعوى»، وحتى القانون الجديد الذي أدخل نظم إجراءات ~~دعوى الحسبة «مما يعد إقرارا من المشرع بوجودها»، وإن كان ~~القانون الجديد يتطلب أن يكون رافع الدعوى ذا مصلحة، فإنه وقت ~~رفع الدعوى كان صاحب مصلحة في القانون القديم؛ «فقد رفعت الدعوى ~~وصدر حكم نهائي فيها قبل صدور القانون ... فأحكام هذا القانون ~~الجديد لا تنطبق على الدعوى ...» وكانت قد حجزت للحكم قبل القانون ~~المذكور؛ ولذا فإنه لا مبرر للاستجابة له. ~~«الطعن بالنقض لا تنتقل به الدعوى برمتها إلى محكمة النقض، ~~وما يعرض عليها ليست الخصومة التي كانت أمام محكمة الموضوع، بل ~~ينصب الطعن على محاكمة الحكم الذي صدر»، و«لمحكمة الموضوع ~~السلطة التامة في فهم الواقع وتقدير الأدلة، ومنها المستندات ~~المقدمة فيها، والموازنة بينها، وترجيح ما تطمئن إليه منها ~~وتراه متفقا مع واقع الحال في الدعوى». وحكم الاستئناف ~~بالتفريق قدم، مما ورد ms170 بأبحاثه التي لم ينكر صدورها عنه، أن ما ~~عناه بالنصوص على النحو الذي ذكره بها؛ نصوص القرآن والسنة ~~النبوية، وأن آراءه التي ضمنها مؤلفاته وأحصى الحكم بعضا ~~منها هي من الكفر الصريح الذي يخرجه من الملة، بما يعد معه ~~مرتدا عن الدين الإسلامي، ويوجب التفرقة بينه وبين زوجه ... ما ~~دام قد ألم بآرائه التي انطوت عليها مؤلفاته عن بصر وبصيرة، ~~ولا على الحكم إذا لم يأخذ بتقرير مجلس أساتذة كلية الآداب بجامعة ~~القاهرة، وتقرير مجلس قسم اللغة العربية بها؛ إذ لم يتعرضا لما ~~حوته مؤلفاته من آراء تعد مساسا لأصول العقيدة الإسلامية ... ~~إن النص لا يعدو أن يكون جدلا فيما لمحكمة الموضوع من سلطة فهم ~~الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة، وهو ما لا يجوز إثارته أمام هذه ~~المحكمة. «إن حد الردة لم يكن معروضا على محكمة الموضوع، ~~واقتصر الحكم على التفريق بينهما باعتبار أن ذلك من الآثار ~~المترتبة على الردة؛ ومن ثم فإن ما أثير في هذا السبيل ليس ~~له محل من قضاء الحكم؛ ومن ثم فإنه يكون غير مقبول.» ورفضت ~~المحكمة الطعون الثلاثة، وألزمت الطاعنين بالمصروفات، وثلاثين ~~جنيها مقابل أتعاب المحاماة. # كنت بالجامعة حينما اتصلت بي «ابتهال» وطلبت مني ألا أرد على ~~التليفونات، وأن أعود إلى البيت لأمر مهم. لم يكن الأمر يحتاج ~~إلى ذكاء؛ فاليوم كان موعد النطق بالحكم. فكتبت بيانا عنوانه ~~«أنا أفكر فأنا مسلم»، أرسلته إلى مجلة «روز اليوسف»، التي نشرته ~~في عددها في الثاني عشر من أغسطس، كتبت فيه: «لا مفر من الإقرار ~~بأن هذا الحكم الظالم يبدو كأنه يعلن للعالم الذي بدأ بالفعل ~~الدخول في القرن الحادي والعشرين أن المسلمين فشلوا في دخول ~~القرن المنصرم، فهل تبدد بالفعل كل شيء؛ التاريخ والتراث ~~والوطن؟ هل صار شعارنا الآن «أنت تفكر إذن فأنت مرتد»، بعد أن ~~كان في كل عصور ازدهار الفكر الإسلامي «أنا أفكر لأنني مسلم»، أو ~~«لأنني مسلم فيجب أن أفكر»؟» # يا أهل مصر المعمورة لا تصدقوا كلام القاضي أنني مرتد، ولو ~~كان في ms171 النقض؛ لأن المرتد والعياذ بالله لا يتقدم بردته ~~لينال لقب الأستاذية في جامعة في بلد مسلم إلا لو كان مجنونا. ~~وقد عشت بينكم طفلا وصبيا وشابا وكهلا، وخدمت وطني في كل ~~مواقع العمل من «هيئة المواصلات اللاسلكية» إلى الجامعة، ولم تظهر ~~علي أعراض جنون من أي نوع، منذ حوالي ربع قرن وأنا أدرس ~~لأبنائكم في القاهرة والخرطوم وبني سويف، فهل سمعتم أن أحدا من ~~طلابي اتهمني بالكفر، أو كفر بتأثير تدريسي له أو لها؟ كل الذي ~~حدث يا أهلي وعشيرتي أنني رفضت الانصياع للظلم والجهل في أروقة ~~الجامعة العريقة، وقلت «لا» عالية مدوية ... يا أبناء وطني، ~~مسلمين ومسيحيين ... فقد لقيت من مساندتكم ودعمكم ما هو جدير بكم، ~~وعلي أن أرد الجميل فأثبت لكم أنني جدير بدعمكم ومساندتكم، ~~والسبيل الوحيد هو الاستمرار في العمل؛ البحث والكتابة في أي مكان ~~من أرض الله الرحبة الواسعة. صوتي سيكون دائما معكم في كل معارك ~~الحق والعدل والشرف، وستصلكم كتاباتي واجتهاداتي الفكرية من أي ~~مكان أكون فيه؛ فليس الوطن مجرد مكان نعيش فيه، بل هو بالأحرى ~~حلم يعيش فينا. لقد صار الدفاع عن حضارة الإسلام منذ الآن أكبر ~~من أن يكون هما أكاديميا، صار مسألة حياة أو موت، أن نكون أو ~~لا نكون. وإذا كان شعار العالم «أنا أفكر فأنا موجود»، فليكن ~~شعارنا «أنا أفكر فأنا مسلم». # رغم الحالة النفسية من الحكم، سأضع جهدي في أبحاثي وطلابي؛ فهذا ~~هو طريقي، وبخاطرك يا مصر. تقدم الأستاذ «عبد العزيز محمد» نقيب ~~محامي القاهرة دفاعا عن «نصر أبو زيد وابتهال يونس» باستشكال ~~لوقف تنفيذ الحكم. وكانت هناك جلسة في الحادي والعشرين من أغسطس، ~~وجلسة ختامية في الحادي عشر من سبتمبر، لتصدر المحكمة حكمها يوم ~~الأربعاء الخامس والعشرين من سبتمبر سنة ست وتسعين، برئاسة ~~المستشار «سعيد أيوب»، بوقف تنفيذ حكم التفريق بين «ابتهال ونصر»، ~~مستندة إلى أن حكم النقض «لم يتعرض من قريب أو بعيد لخصومة ~~التنفيذ الماثلة، حيث لم تكن معروضة عليه؛ ومن ثم فإن هذه ~~الخصومة تخرج ms172 عن نطاق ما قضت به محكمة النقض» ... «بما لا يحول، وأن ~~تتصدى هذه المحكمة بوصفها قاضيا للتنفيذ للفصل في هذه الخصومة، ~~دون أن تكون قد تجاوزت حدودها بالاقتراب من دائرة الموضوع الذي ~~فصلت فيه محكمة النقض؛ فالحق في التنفيذ هو حق مستقل» ... «وهذا ~~الاختلاف بين الحقين يوجب بحث مدى توافر شروط صحة خصومة التنفيذ. ~~وأول الشروط الواجب توافرها في خصومة التنفيذ هو أن يكون لطالب ~~التنفيذ صفة في طلب التنفيذ ... وحيث إنه صدر القانون رقم 81 لسنة 96 ~~بأن جعل شرط المصلحة الشخصية والمباشرة والقائمة لازما لقبول أي ~~دعوى ...» «فقد حكمت المحكمة بوقف تنفيذ حكم محكمة استئناف القاهرة ~~الصادر بجلسة 14 يونيو 1995م في استئناف رقم 387 لسنة 111ق ~~القاهرة.» وبذلك لم ينفذ حكم التفريق بين «نصر أبو زيد وابتهال ~~يونس»، ولكن ظل حكم الردة قائما. # 4 # نشرت مجلة «أدب ونقد»، في عدد سبتمبر سنة ست وتسعين، نص ورقة ~~كنت قد قدمتها في ندوة التجديد والاجتهاد في فكر «الإمام محمد ~~عبده» عن «مشروع الإصلاح الديني بين التحدي الأوروبي والتخلف ~~الداخلي»، كشفت في هذه الورقة وعي «محمد عبده» رغم سياق السجال ~~الذي فرضته أوروبا على العقل الإسلامي، فإنه لم ينزلق كثيرا ~~للسجال، ويتقوقع داخل سياج دفاعي، يبرئ الذات من كل النواقص، ~~ويلصقها بالآخر الأوروبي. وكان على وعي بأن الصراع معه ليس صراعا ~~دينيا، لكنه في الأساس «صراع قوة ونزاع مغالبة»؛ لذلك ميز ~~الإمام بين الدين من حيث هو وضع إلهي عن طريق الوحي، وبين الدين ~~بوصفه سيرورة اجتماعية؛ أي التفرقة بين المقدس والاجتماعي وبين ~~الدين كوضع إلهي، والدين من حيث هو سيرورة تاريخية إنسانية. ~~وتناول الإمام شأن الحكم والحكومة تفصيلا عن العدل والشورى وعلاقة ~~الحاكم بالمحكوم في المجلدين الرابع والخامس من تفسير المنار، مما ~~يحتاج إلى دراسة أخرى مستقلة. # أنا و«ابتهال» لم نتصور يوما أن ما حدث هو قضية شخصية، وهذا ما ~~ساعدنا على الاستمرار، لكن ما حدث يجعلني أعود دائما للسؤال: ~~لماذا يخفق خطاب التجديد في الفكر الإسلامي؟ لذلك أردت ms173 أن ~~أعمق النظر عن طريق النقد الذاتي لأزمة منهج التفسير الأدبي ~~للقرآن، في دراسة نشرتها مجلة «الكرمل» التي يشرف على تحريرها ~~الشاعر الفلسطيني الكبير «محمود درويش»، في عددها الخمسين سنة سبع ~~وتسعين. والاتجاه الأدبي ممكن أن نعود به إلى القرن الثالث ~~الهجري، التاسع الميلادي، بجهود المعتزلة من جانب، وجهد «عبد ~~القاهر الجرجاني» من خلال مناقشة قضية إعجاز القرآن التي طور ~~فيها أفكار «الجبائي وعبد الجبار» المعتزليين، فقال «الجرجاني» ~~إن الإعجاز في القرآن ليس في المفردات بل في النظم، من هنا فإن ~~معرفة قوانين وطرق البيان في أرقى تجلياتها بدراسة الشعر يكون ~~واجبا دينيا، وهو الأصل والأساس في فهم القرآن ونظمه للوصول إلى ~~إعجازه. # وفي العصر الحديث، كان «محمد عبده» هو من أعاد نشر وتدريس كتابي ~~«عبد القاهر الجرجاني» عن بلاغة وإعجاز القرآن، في دروس البلاغة ~~بمدرسة «دار العلوم»، وكان إسهامه الكبير في أن القرآن ليس كتاب ~~تاريخ، وأن القصص القرآني من أجل العبرة لدوافع أخلاقية، وأيضا ~~أن القرآن خاطب العرب على حسب فهمهم وتصورهم للعالم في القرن ~~السابع. وجاء «طه حسين» الذي بنى على ذلك فقال إن القرآن ليس نثرا ~~ولا شعرا؛ إنه قرآن. وقال إن قصة «إبراهيم» وحضوره وزوجته «هاجر» ~~وابنها «إسماعيل» إلى الحجاز، قصة كانت موجودة قبل نزول الوحي، ~~وإنها خلقت لتسهيل العلاقة بين قبائل اليهود وأهل يثرب. واستخدم ~~القرآن القصة لدعم صلته باليهودية والمسيحية كدين إبراهيمي. وكان ~~«طه حسين» على رأس البعثة العلمية التي اكتشفت كنوز التراث ~~المعتزلي التي كانت مدفونة في المكتبة المتوكلية ~~باليمن. # في ظل سيادة النسخة العربية من التيار الرومانسي على الحياة ~~الأدبية، طبق «سيد قطب» المنهج الأدبي لدراسة القرآن لكن من ~~منطلق انطباعي، لكن «أمين الخولي» (1311ه/1895م-1384ه/1966م) ~~قال إن المنهج الأدبي هو المدخل الوحيد للبدء به في دراسة ~~القرآن؛ لأن العرب تقبلوا القرآن تقديرا لقيمته الأدبية؛ لذلك ~~فقبل دراسة ما هو ديني أو فلسفي أو عقدي أو أخلاقي أو فقهي، لا ~~بد من دراسته أدبيا وبلاغيا ولغويا. وربط «الخولي» بين ~~دراسات اللغة والبلاغة ms174 والدراسات القرآنية، وأن دراسة مسألة إعجاز ~~القرآن في الفكر القديم تقوم على البلاغة القديمة، فعلينا ~~استبدالها بالبلاغة المعاصرة. وفصل «الخولي» منهجه في تعليقه ~~العربي على كلمة «تفسير» في الترجمة العربية للموسوعة الإسلامية، ~~والتي نشرها فيما بعد في كتابه «مناهج التجديد»، وعرضت تفاصيل ~~قضية رسالة دكتوراه تلميذه «محمد أحمد خلف الله» ~~(1333ه/1916م-1417ه/1998م)، الذي أخذ منهج أستاذه «أمين الخولي» ~~وقام بتطبيقه على «قضية الجدل في القرآن» في دراسته للماجستير، وفي ~~الدكتوراه عن الفن القصصي في القرآن الكريم، والتي أشرف عليها ~~الأستاذ «الخولي»، فقام بجمع القصص في القرآن، ورتبها حسب ترتيب ~~نزولها من أجل تحليلها في سياق بيئتها الاجتماعية، وحالة الرسول ~~النفسية، وتطور الرسالة الإسلامية للوصول إلى المعنى الذي فهمه ~~العرب وقت النزول؛ فالقرآن ليس كتابا في العلوم ولا التاريخ أو ~~السياسة، بل دعوة هداية ومرشد أخلاقي. والقصص القرآني قص أدبي ~~يوظف لأهداف خلقية وروحية ودينية، ومن الخطأ التعامل معه على ~~أنه حقائق تاريخية خالصة. وانحصار العقل الإسلامي في سؤال الحقيقة ~~التاريخية للقصة في القرآن لم تجعله يدرك الأبعاد الأخلاقية ~~والروحية للقصة القرآنية. # ورصدت وقائع الأزمة في الجامعة وفي المجتمع، وما حدث مع «خلف ~~الله» من تحويله إلى عمل إداري سنة 1947م، ومنع الشيخ «أمين ~~الخولي» من الإشراف على رسائل الدراسات الإسلامية، وخير تلميذه، ~~أستاذي «شكري عياد»، بين تغيير التخصص أو تغيير الأستاذ، فاختار ~~أستاذه وغير تخصصه من الدراسات القرآنية إلى النقد. ولم ينشر ~~رسالته للماجستير عن يوم الحساب في القرآن إلا بعدها بثلاثة عقود، ~~وإن كانت رسالة «خلف الله» نشرت أربع مرات بتقديم من «أمين ~~الخولي». توصلت إلى نتيجة؛ إن أزمة المنهج الأدبي لتفسير القرآن ~~تعود لغياب أساس لاهوتي/ثيولوجي/عقدي/كلامي متكامل؛ لأن الرؤية ~~اللاهوتية السائدة بشكل عام هي الرؤية الحنبلية التي تعتمد على ~~مفهوم قدم القرآن، وغابت منها التفرقة التي كان يقيمها المسلمون ~~الأوائل بين ما هو إلهي أبدي وما هو مرحلي مرتبط بأسباب نزول ~~الوحي الإلهي. غابت هذه التفرقة في اللاهوت الإسلامي المعاصر. وهذا ~~ما يجعل الاتجاه الأدبي في نظر معارضيه أنه ms175 يقضي على قداسة ~~القرآن، وعلى صلاحه لكل زمان ومكان، وعلى مصدره الإلهي. # الثابت تاريخيا وثقافيا أن القرآن هو رسالة أوحى بها الله ~~سبحانه إلى نبيه الإنسان محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، هذا التواصل تم عبر «كود» أو شفرة ~~لنظام لغوي؛ فالمرسل غير قابل لإخضاعه للدراسة العلمية، والمدخل ~~الطبيعي للدراسة العلمية للنص القرآني من خلال الحقائق اللغوية، ~~بتحليل سياق النص والثقافة التي نزل فيها. والسياق يعني الحالة ~~الاجتماعية السياسية التي شكلت أوضاع من أرسل النص إليهم، بما ~~فيهم المتلقي الأول للنص. والثقافة تعني رؤية العالم ~~المتضمنة في اللغة. والبداية تكون من الحقائق الإمبريقية حول ~~النص. والسؤالان المهمان في هذا السياق هما: السؤال الأول: كيف ~~يمكن التوفيق بين الطبيعة الإلهية للنص وبين مكوناته من الثقافة ~~التي نزل فيها وبلغتها؟ السؤال الثاني: كيف يمكن التوفيق بين ~~الجوانب الثقافية واللغوية للحياة العربية للمتلقين للوحي، وبين ~~صلاحه لكل زمان ومكان وعابر لكل لغة وكل ثقافة أو قومية؟ وتناولت ~~المسألتين بالمناقشة في البحث. لقد كانت محاولة «محمد عبده» ~~قاصرة ومحدودة لتقديم أساس لاهوتي/عقدي للتفسير الأدبي للقرآن ~~الكريم في كتابه «رسالة التوحيد»؛ لأن جهده لم يكن نقديا ولا ~~مبدعا، بل انتقائيا لما يراه نافعا للوقت، فأخذ من مدارس ~~كلامية/لاهوتية مختلفة دون إدراك التناقض، وهذا الغياب للنظرية ~~مؤسسة كلاميا/لاهوتيا هو سر أزمة اتجاه المنهج الأدبي في ~~تفسير القرآن الكريم. # 5 # الندوات والمؤتمرات والكتابة باللغة الإنجليزية والتدريس في ~~«لايدن»، شغلتني عن أبحاثي. كتبت عن «الإسلام وحقوق الإنسان» ~~مقالة نشرت سنة ست وتسعين، ودراسة عن «الصفات الإلهية في ~~القرآن، تحليل للبناء اللغوي» نشرت في ألمانيا، ومقالة عن «قضية ~~أبو زيد» نشرت في لندن، ودراسة باللغة الإنجليزية عن «البنية ~~النصية للقرآن» نشرت ضمن كتاب «أوروبا والإسلام في الماضي ~~والحاضر» بهولندا عام سبعة وتسعين، وكتبت مقالة بالعربية بعنوان ~~«من علمانية بداية القرن إلى أصولية نهايته» نشرتها ~~«عبلة الرويني» ~~بالعدد الثاني من مطبوعاتها «حرية» التي تحررها عن ~~لجنة الدفاع عن حرية الفكر والاعتقاد، من مركز المساعدة القانونية ~~لحقوق الإنسان بالقاهرة، يناير سبعة وتسعون. ms176 وفي المؤتمر السنوي ~~للجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط في شهر يوليو، كان لقائي ~~الأول بابنتي شيرين أبو النجا منذ تركت مصر. وتذكرت حين قالت ~~لي وهي مدرس مساعد: «ممكن أناديك بابا؟» واستمرت علاقة الأبوة ~~والبنوة بيننا، وأثناء القضية كانت نعم السند ونعم الابنة. كان ~~المؤتمر عن إعادة النظر إلى الإسلام، وشاركت بمحاضرة عن «العلمانية ~~ومشروع الإصلاح الديني». # عدت إلى «لايدن» يوم عيد ميلادي، أعطتني «ابتهال» مقالا في ~~جريدة الأهالي، «رسالة إلى د. نصر أبو زيد»، حركت داخلي شجونا ~~أكثر، فكتبت لكاتب الرسالة «مرتد كلمة لن أنساها أبدا»: «أنا ~~غاضب أم حزين، أم هي حالة من الخصام، مع قناع الوطن القاسي، ~~الطارد، القاتل أحيانا، حفاظا في النفس، على وجه الوطن الطيب، ~~الكريم، المتسامح، المعطاء؟ نعم أنا غاضب من هذا القناع ~~المتوحش البربري، وحزين لأنه يخفي الوجه الجميل ... أسعدتني ~~رسالتك؛ فقد ساعدتني، كما ترى، في إظهار كوامن الشجن الرابض في ~~النفس ... هنا أتمتع بمناخ أكاديمي في مجال الدراسات الإسلامية؛ ~~فإما مشغول في الإعداد لمؤتمر، وإما أعد محاضرة، وإما أراجع ~~كتابا بطلب من إحدى المجلات الأكاديمية ... هذا المناخ من ~~المستحيل أن يتوافر في مصر الآن. فهل يمكن أن أعود لأدرس تخصصي؟ ~~لعلهم سيطلبون مني أن ألزم بيتي لأسباب أمنية فأتقاعد قبل سن ~~التقاعد ... أليس من حقي أن أكون غاضبا وحزينا؟ ثم أليس من حقي بعد ~~ذلك كله أن أستثمر غضبي وحزني استثمارا إيجابيا يجعل للغربة ~~معنى وللمنفى الاختياري قيمة؟» نشرتها «الأهالي» في عدد نهاية ~~يوليو. # كتبت عرضا نقديا لكتاب «فاطمة المرنيسي» نشر في مجلة «نور»، ~~ع12، خريف سنة سبع وتسعين، بعنوان «الإسلام والديمقراطية والمرأة، ~~دوائر الخوف عند فاطمة المرنيسي»، والذي سيطرت لفظة الخوف على ~~عناوين فصوله، وإن كانت فاطمة تركز على قضايا المرأة، فهذا ~~الكتاب يدخل بها إلى عمق العلاقة بين الحاكم والمحكومين في سياقها ~~السوسيوتاريخي، للمس أزمة المرأة في الواقع والتاريخ، بحثا عن ~~الديمقراطية والإسلام، وعن الخوف من الحداثة والتحديث، وعن الخوف ~~من العلم الحديث، ويصبح السؤال: ما علاقة ذلك بقضايا المرأة؟ ms177 فإن ~~كانت عملية التحديث تعني إجراءات عملية - ذات طابع سياسي اجتماعي ~~- تفرضها ضرورات نفعية، فإن الحداثة تمثل التأسيس المعرفي ~~للتحديث داخل ثقافة ما؛ أي نقل الخبرة الحداثية من النفعي ~~المباشر إلى مجال الوعي. في تحليلها لإشكالية الحداثة، اتخذت من ~~حرب الخليج نقطة مهمة، في حين أغفل الكتاب حدث إنشاء دولة إسرائيل ~~بالدعم الغربي وهزيمة سنة سبع وستين، واتخاذها من عام 622 ميلادية ~~بداية التاريخ، وكأن العالم لم يكن له وجود قبل ذلك ؛ مما جعل ~~مفهوم الجاهلية عندها مفهوما غير زمني، مفهوما يتلخص في الشرك ~~والوثنية والجهل. ومن الأهمية بمكان أن نفرق بين الإسلام - في ~~نصوصه الأساسية - وبين الفكر الإسلامي، ونكف عن النظر إلى ~~التاريخ بوصفه تاريخ ملائكة أبرار «لا يعصون الله ما أمرهم»، وإلى ~~التراث بوصفه مخزن المعارف والحقائق الثابتة الخالدة. وهي الصورة ~~التي ثبتها في الأوهام نموذج استخراج الثروة العربية - البترول ~~- التي كانت مخبوءة، والتي لم تحتج إلا للحفر لتتحول إلى ملايين ~~بلا عرق أو عمل أو كفاح؛ لأنه حتى الحفر قام به الأجانب نيابة ~~عنا. # نشر البحث الذي عرضته في ألمانيا العام الماضي عن «الاحتمالات ~~النقدية للوصول إلى فكر ديني مستنير»، ودراسة أخرى نشرت في ~~ألمانيا عن «مفهوم حقوق الإنسان، عملية التحديث في سياق الهيمنة ~~الغربية»، وعرض نقدي لكتاب «مايكل ليكر» «عن المسلمين الأوائل ~~واليهود في المدينة المنورة». وأصبحت أتحدث بلسانين، فكتبت ~~لمجلة «سطور» مقالتين؛ الأولى عن «الثقافة بين التجانس والتهجين»، ~~تعرضت فيها للدور الذي تقوم به الثقافة الشعبية المعيشة، وكيفية ~~الاندماج فيها بتركيزها على فعل التواصل، وبين الثقافة الرسمية ~~التي تركز على شكل الخطاب، فتسعى إلى السيطرة والهيمنة. ~~واستعرضت الصراع بين الثقافتين في تجربة المسلمين من القدم حتى ~~العصر الحديث، وكيف أن الثقافة السائدة هي هجين، لا هي ثقافة ~~رسمية تصوغ رؤية نقدية للعالم، ولا هي ثقافة شعبية تحمي ~~بالتواصل البناء الاجتماعي من التفكك، فهجين الثقافة السائد هو ~~نوع من فقر الروح وتخلف العقل. # المقالة الثانية كانت عن «إشكالية التراث، التأويل العلمي ~~والقراءة النفعية»، عرضت باختصار نشأة ms178 مصطلح التأويل في الثقافة ~~العربية والغربية، واتساع المصطلح في العصر الحديث من مجال ~~الدراسات الدينية حتى صارت التأويلية هي جوهر ولب نظرية ~~المعرفة؛ أي قراءة لأي ظاهرة بوصفها بناء معقدا من العلاقات، ~~بين الذات والموضوع، والسياق ونسق المعاملات، والرسالة. وهو ما لم ~~تصل مفاهيمه إلى مفاهيم التأويل والتفسير في ثقافتنا الحديثة ~~والمعاصرة. وتناولت تعامل التيارات المختلفة مع التراث، من ~~تيار القطيعة المعرفية مع التراث إلى تيار «الإسلام هو الحل» ~~أو «التراث هو الحل»، أو تيار التقليد. وأيضا التيار الثالث؛ ~~تيار التوفيق واستلهام التراث. ومشكلته أيضا أن التوفيق عنده ~~يتم على أساس المنفعة الأيديولوجية، وليس بالمعنى المعرفي؛ مما ~~جعل التوفيق يفضي إلى التلفيق. إلا أني وجدت أن لكل من التيارات ~~الثلاثة مفهومه للزمن والتاريخ؛ فعند تيار الانقطاع الزمن ~~ينفصل فيه الحاضر عن الماضي انفصالا تاما، وعند تيار التقليد ~~أو «الإسلام هو الحل» يعتبر الزمن الحاضر نقطة تراجع واضمحلال، ~~وأن الكمال في الماضي الذي يجب أن يعاد بناء الحاضر على مثاله ~~ليصير المستقبل آمنا. أما التيار التوفيقي فالزمن عنده هو الحاضر، ~~وهو نقطة التقاء الماضي بالمستقبل؛ فهو نقطة تفاعل خبرات لا سكون ~~فيها، ومع إدراكه على المستوى النظري للعلاقة الجدلية بين الماضي ~~والحاضر والمستقبل يظل مسكونا بهاجس الماضي؛ فالتراث الأكثر ~~امتلاء بالعافية وبالخبرة، وأيضا ممتلئ بهاجس الآخر الغربي ~~الطامع المستعمر المهدد للهوية. ففي الحالات الثلاث، ~~التراث لا ينطق بل تنطق به الأيديولوجيا، ولا سبيل لتغيير ذلك إلا ~~بتغيير شروط العملية المعرفية للتعامل مع التراث. # لم أصدق أذني حينما اتصل بي من القاهرة صحفي أخبرني أنه ~~ذهب إلى الجامعة يسأل عن كتبي، ففوجئ أنها سحبت من الجامعة، ~~وحاول أن يلتقي عميد الجامعة ولكنه لم يستطع، فنشر الصحفي ~~الموضوع بعنوان «ثقة نصر أبو زيد كاملة في جامعته التي لا تثق ~~فيه». وفي زيارة «ابتهال»، الأستاذة بنفس الجامعة، للقاهرة كانت ~~غاضبة جدا لسحب كتبي من مكتبة الجامعة. أصرت على لقاء العميد، ~~وواجهته بحقيقة سحب الكتب، وسألته عن السبب، وحين أجابها «أنه لا ~~يعرف من فعل ms179 هذا»، فقالت: «إن لم تكن تعرف، فلتأمر بتحقيق لتعرف من ~~قرر هذا القرار؟ أنا لا أتحدث عن «أبو زيد» زوجي، أنا أتحدث ~~عن «أبو زيد» الأستاذ في هذه الجامعة، لو الأمر كذلك فلماذا لا ~~تفصل كل الأساتذة الذين درسوا له وأعطوه الماجستير والدكتوراه، ~~وبالمرة تغلق القسم؟» عملت على تنظيم ندوة علمية بجامعة «لايدن» ~~عن «الدراسات القرآنية على أبواب القرن الواحد والعشرين»، وجعلنا ~~من أحد محاورها محورا عن الدراسات الأدبية، فكنت الوحيد من العرب ~~والمسلمين المشارك في هذا المحور بجوار باحثين من ألمانيا وكندا ~~وجنوب أفريقيا، فقلت إن الدراسات القرآنية ستزدهر خارج الدراسات ~~العربية وخارج العالم العربي. # 6 # دعيت إلى زيارة جامعة بولاية واشنطن عام ثمانية وتسعين. وفي ~~ندوة حضرها بعض المصريين، سألني أحدهم وكان من الدبلوماسيين: هل ~~حقيقي أنك قلت لزوجتك إنك لو مت ألا تعيد جسدك للدفن في مصر؟ قلت: ~~«نعم.» ثار الرجل علي وقال: «لا بد أن يثور المصريون جميعا ~~عليك.» قلت له: «أنت ترى مصر مقبرة، لكني أحب مصر أن تكون ~~وطنا، وليست مجرد مقبرة.» والتقيت جمعا من المصريين في ندوة ~~عامة بجامعة كولومبيا بنيويورك، وأقاموا إجراءات أمنية كموقعة ~~حربية. كان لقاء أعاد لي حميمية الحوار مع جمهور من المصريين. ~~والتقيت «ماري آن ويفر» عن طريق الصديق «فكري أندراوس» التي كتبت ~~مقالا في مجلة النيويوركر العريقة عني، نشر في عدد الثامن من ~~يونيو ثمانية وتسعين. أعددت دراسة للنشر في مجلة «ألف» بالجامعة ~~الأمريكية بالقاهرة، في عدد سنة ثمان وتسعين، بعنوان «قضية المرأة ~~بين سندان الحداثة ومطرقة التقاليد، دراسة في تاريخ النصوص» ~~كتبتها بالعربية؛ لأن سلسة الهزائم العربية المتوالية أججت من ~~جديد طرح أسئلة الهوية والتراث والخصوصية، لكن هذه المرة من ~~منظور عرقي طائفي في الغالب؛ مما ينعكس على المرأة والأقليات. ~~والحالة الدولية تغذي ذلك التوجه. وللأسف، فقوانين الأحوال ~~الشخصية عندنا تستند إلى مرجعية الشريعة دون أن تصاغ الشريعة ~~صياغة قانونية منضبطة، لا تسمح إلا بقدر من الاجتهاد في تنزيل ~~النص القانوني على الواقعة المنظورة أمام القاضي. ودون ms180 تحقيق ~~الصياغة القانونية الدقيقة المنضبطة تلك، سيظل القضاء في مجال ~~الأحوال الشخصية بناء هشا رخوا تخضع الأحكام فيه لاتجاه تفكير ~~القاضي المتأثر حتما بالمناخ الاجتماعي والسياسي العام. # وأخذت نموذج جدل بين اثنين، منهم من يؤيد خروج المرأة من ~~بيتها للعمل وآخر يمانع، وتأويل كل منهما حول الآية الثالثة ~~والثلاثين من سورة «الأحزاب»: # وقرن في ~~بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى ~~، كنموذج للتأويل والتأويل المضاد. نحن نحتاج ~~إلى منهج للقراءة السياقية؛ القراءة التي تنظر للمسألة من منظور ~~أوسع، هو منظور مجمل السياق التاريخي/الاجتماعي - القرن السابع ~~الميلادي - سياق نزول الوحي عبر سياقات أسباب النزول، وترتيب ~~النزول، وسياق السرد القرآني، ومستوى التركيب اللغوي، ومن بعد ~~مستوى التحليل النحوي والبلاغي، وليست البلاغة التقليدية القديمة ~~فقط، بل بتوظيف البلاغة الحديثة بأدوات علم تحليل الخطاب وعلم ~~تحليل النصوص في إنجازاتها المعاصرة، وأيضا سياق المقارنة بين ما ~~كان قبل الإسلام وما بعده من خلال المنطقة المشتركة بينهما التي ~~تمثل منطقة التقاء القديم والجديد. # تتبعت النصوص الدينية المتعلقة بقضايا المرأة في القرآن ~~الكريم، والتي جعلت لها مقصدا أساسيا من مقاصد الخطاب القرآني، ~~وهو المساواة بين الرجل والمرأة، مثل قوله تعالى: # ومن يعمل من الصالحات من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون نقيرا ~~(سورة النساء: ~~آية 124) (وأيضا النساء: 1؛ والنحل: 97؛ والأعراف: 189؛ وغافر: ~~40؛ والتوبة: 71 و72). ثم تناولت النصوص القرآنية التي أتت في ~~سياق سجالي للرد على دعاوى المشركين العرب الذين نسبوا لله ~~الإناث بمقولتهم إن الملائكة بنات الله، مثل آيات سورة النجم ~~(19-28)، والخطاب القرآني يدين ممارسات العرب ضد البنات مثل: # ويجعلون لله البنات ~~سبحانه ولهم ما يشتهون * ~~وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم * يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على ~~هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون ~~(سورة النحل: 57-59) (وسورة الزخرف: ~~15-19؛ والصافات: 149-155؛ والإسراء: 40). ونصوص الآيات التي وردت ~~في سياق وصفي خلال سرد قصصي، ومن شأنه يكون تعبيرا عن ~~المتكلم، مثل ما ورد على لسان ms181 «أم مريم» في سورة آل عمران ~~(35-37). # وتناولت الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء التي تناولت ~~قوامة الرجال على النساء، وطرحت السؤال: «هل الآية تشرع للقوامة ~~أم تصف واقع الحال في عصر ما قبل الإسلام؟» وبالنظر في مجمل ~~السياق القرآني حينما يذكر القرآن التفضيل الإلهي لبعض البشر على ~~بعض، فوجدت أن المقصود هو وصف التفاوت الاجتماعي الاقتصادي الملحوظ ~~بين البشر والذي تحكمه قوانين السنن، وذلك الوصف هو من أجل العظة ~~والاعتبار، كما لاحظ ابن خلدون في استخدام الفعل «انظر » في الآية: # انظر كيف فضلنا بعضهم ~~على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا ~~(الإسراء: 21). فالقوامة إذن ليست تشريعا ~~بقدر ما هي وصف للحال. ثم تناولت النصوص التشريعية بحثا عن ~~معناها الذي فهمه المسلمون الأوائل في فترة نزول الوحي، ومن المعنى ~~ننتقل إلى مغزاها لنا الآن. وقد وردت معظم هذه النصوص في سورة ~~«النساء» التي نزلت في المدينة المنورة بعد هزيمة المسلمين في غزوة ~~أحد في السنة الرابعة من الهجرة، واستشهاد عدد كبير من المسلمين؛ ~~مما نتج عنه وجود عدد كبير من اليتامى والأرامل؛ فجاءت أحكام ~~الزواج والطلاق والمواريث، فناقشت هذه النصوص، وناقشت تعدد ~~الزوجات والميراث والحجاب والعورة. إن التلاعب الدلالي بالنص ~~الديني - قرآنا وسنة - دون اعتبار لطبيعة تلك النصوص، تاريخا ~~وسياقا وتركيبا، لغة ودلالة، هو ما يؤدي إلى التأويل والتأويل ~~المضاد. # كتبت مراجعتين بالإنجليزية لكتاب «الجنة المفقودة، صراع ~~الإثنيات في الشرق الأوسط»، الذي كتبه «كان نيوفهجيذ» نشر في ~~مايو، وعرضا نقديا لكتاب «صورة النبي محمد في الغرب، دراسة في ~~فكر «مرجليوث» و«وات»»، نشر في أغسطس في مطبوعة «ببلو ثيكا ~~لدراسات الاستشراق»، ودراسة بالإنجليزية عن «تحديث الإسلام أم ~~أسلمة الحداثة؟» نشرت في لندن سنة تسع وتسعين. # وكتبت بالعربية مراجعة لعمل «ألفت الروبي وثقافة الاستبعاد ~~... مؤامرة ضد فن القص»، وبجهد صديقي «نافيد كرماني» الذي قابلته في ~~أروقة جامعة القاهرة ببداية التسعينيات، وجهده في ترجمة كتابات لي ~~إلى الألمانية، وجهد الصديقة العزيزة د. «شريفة مجدي»، وأذكر ~~الأيام الأربعة التي قضيناها في بيت «نافيد» بعد ms182 ميلاد مولودته، ~~يسجلون معي تسجيلات صوتية من أجل كتابة كتاب عن سيرتي الذاتية ~~باللغة الألمانية، وها هو الكتاب يخرج هذا العام عن دار نشر ~~«هردر». وفي عشاء بمدينة «فرايبورج» بألمانيا في برد ديسمبر، ~~احتفالا بالكتاب، قال لي الناشر عن رغبة الدار في نشر كتيبات ~~تخاطب القارئ الأوروبي العادي عن أعلام الروحانية في الشرق ~~والغرب. واقترح الدكتور «والتر»، مسئول النشر في الدار، أن أكتب ~~كتابا جديدا عن «ابن عربي» مساهمة مني في هذه السلسلة، ويكون ~~الكتاب باللغة الإنجليزية ليسهل ترجمته إلى الألمانية ~~بسرعة. # ترجمت إلى العربية دراستي المنشورة بالإنجليزية عام ستة وتسعين ~~عن «الفكر الإسلامي وحقوق الإنسان بين الواقع والمثال»؛ لتنشر ~~ضمن كتاب يجمع كتابي الصغير في بداية التسعينيات «المرأة في فكر ~~الأزمة»، إلى كتاباتي التي كتبتها في موضوع المرأة منذ ذلك، في ~~كتاب واحد بعنوان «دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة»، ويصدر ~~هذا العام عن المركز الثقافي العربي ببيروت. كتبت دراسة محببة ~~إلى قلبي؛ لأنها تأخذني إلى عالم التصوف، «اللغة/الوجود/القرآن، ~~دراسة في الفكر الصوفي»، نشرت في العدد اثنين وستين، شتاء سنة ~~تسع وتسعين، من مجلة «الكرمل» التي تصدر من «رام الله» بفلسطين. ~~والتجربة الصوفية في جوهرها محاولة لتجاوز حدود التجربة الدينية ~~العادية؛ التجربة العادية التي تقتصر على مجرد الوفاء بالتكاليف ~~الشرعية والامتناع عن فعل المحرمات، لكن الصوفي يطمح إلى الدخول ~~في تخوم الإحسان الذي قال عنه الملك جبريل عليه السلام: «أن تعبد ~~الله كأنك تراه، وإن لم تكن تراه فإنه يراك.» # وللتعارض بين تجربة التدين العادية وتجربة التصوف على مستوى ~~الفهم والتفسير ليس إلا اهتمام المتصوفة بقضايا اللغة والدلالة؛ ~~فنتيجة للعنف المادي واللغوي الذي مارسه أصحاب تجربة التدين ~~العادية والفقهية ضد المتصوفة، فاستعاض المتصوفة عن اللغة العادية ~~بلغة الرمز والإشارة، سواء في تفسيراتهم للقرآن الكريم أو في ~~تعبيراتهم عن تجاربهم الروحية ومواجدهم في أحوالهم ومقاماتهم. ~~وفرقوا بين مصطلحي الإشارة والعبارة؛ فالإشارة إيحاء بالمعنى ~~دون تعيين وتحديد مما يجعل المعنى منفتحا، أما العبارة فهي تحديد ~~للمعنى يجعله مغلقا ونهائيا. وبنى المتصوفة ms183 هذا التمييز ~~على تمييزهم في الخطاب الإلهي بين المعنى الظاهر وبين الدلالة ~~الباطنية؛ فظاهر الخطاب الإلهي هو ما يدل عليه الخطاب بدلالة اللغة ~~الوضعية في بعدها الإنساني، أما الدلالة الباطنية للخطاب الإلهي ~~فهي مستوى أعمق؛ مستوى اللغة الإلهية؛ لذلك طور المتصوفة مفهوم ~~الأشاعرة عن الكلام الإلهي؛ فقد ميز الأشاعرة بين كلام الله ~~الأزلي القديم أو الكلام النفسي، والذي هو صفة الذات، وبين التلاوة ~~الإنسانية التي تتصف بالحدوث. فطور المتصوفة هذه التفرقة أن ~~هناك البعد الإلهي للخطاب والبعد الإنساني؛ فالبعد الإلهي يتجلى ~~في القرآن وفي الوجود، فالقرآن كلمات الله المسطورة في المصحف، ~~والوجود كلمات الله المسطورة في الآفاق. وأكد المتصوفة على ~~العلاقة بين الظاهر والباطن، أو بين العبارة والإشارة، بل أكدوا ~~أن الظاهر بدونه يستحيل النفاذ إلى الباطن. وبجانب استخدامهم ~~الإشارة والرمز في تفسيراتهم استخدامهما في التعبير عن تجاربهم ~~الروحية، ولكنهم كانوا يتبعون المنهج الإلهي الذي استخدم لغة الستر ~~والإشارة في خطابه سبحانه؛ للتلاؤم مع مستويات العقول، وكذلك فعل ~~المتصوفة؛ اتقاء هجوم أهل الظاهر عليهم. # وحللت مغزى الموازاة بين اللغة والوجود وبين الوجود والقرآن ~~في فكر «ابن عربي»، لكن السؤال هو: هل نجح منهج الستر والرمز في ~~حماية العرفان من هجوم المتهجمين؟ وهل نجحت محاولات الفلاسفة في ~~إخفاء براهينهم عن عقول العامة من حماية الفلسفة؟ فقد اختفت ~~روحانية الدين تحت وطأة الاستخدام السياسي النفعي له من جانب ~~الحكومات والمعارضين على السواء. وبالمثل ضاعت الفلسفة، وتم ~~تجريم الفكر باسم الحفاظ على التراث وحماية المقدسات. لتكن ~~المعرفة كالماء والهواء عبر تعليم ديمقراطي في مجتمعات تعترف بحق ~~كل فرد في المعرفة وبحقه في حرية الفكر والتعبير. إن العالم ~~الإسلامي مهدد بالعودة إلى عصور الفوضى، ما لم يفتح نوافذ ~~مجتمعاته مشرعة لكل مواطنيه - بصرف النظر عن العقيدة والعرق أو ~~الجنس والثقافة - وما لم يفتح نوافذ الحوار الحر الخلاق مع ~~المجتمعات الإنسانية كافة. # 7 # كتبت دراسة باللغة الإنجليزية نشرت عام تسعة وتسعين عن ~~«تفسير القرآن والرؤية للكون في الفكر الإسلامي»، تناولت كيف استقى ~~«أبو حامد الغزالي» ms184 ومن بعده «محيي الدين ابن عربي»، من القرآن ومن ~~غيره، تصور أن الكون نور من نور الله، كما ورد في القرآن، فسؤال ~~كيف نشأ العالم الواسع المتعدد بواسطة خالق واحد، وماذا يعني ~~الخلق، وهل هو خلق من عدم، وكيف، ولو حدث الخلق من مادة ألا يعني ~~هذا قدم المادة أيضا، وهل يتعارض هذا مع مفهوم وحدانية الله. ~~وكتبت دراسة أخرى نشرت في أمستردام بالإنجليزية في يناير ~~ألفين، بعنوان «صورة أوروبا في نماذج من السرد الروائي في مصر ». ~~وكتبت مراجعة بالإنجليزية لكتاب بعنوان «إصلاح العالم الإسلامي». ~~وخرجت الطبعة الأولى لكتابي «الخطاب والتأويل» يجمع بعض دراساتي ~~بالعربية في الأعوام السابقة. # فوجئت بمنحي كرسي «كليفرنجيا» (1892-1980م) من جامعة لايدن، ~~وهو كرسي لمدة عام، فقرأت عن الرجل الذي تماهيت مع مواقفه ~~الإنسانية؛ فعندما أصدر الاحتلال النازي لهولندا قرارا بفصل جميع ~~الأساتذة اليهود من الجامعات الهولندية، ألقى الأستاذ «كليفرنجيا» ~~محاضرة بجامعة لايدن سنة أربعين أعلن فيها استهجانه للقرار، ودعا ~~الطلاب إلى تمزيقه ودوسه بأقدامهم. وبعد المحاضرة جرت تظاهرات في ~~لايدن، وأغلقت الجامعة الوحيدة التي اعترضت على القرار، واعتقل ~~الأستاذ؛ فقررت الجامعة سنة سبعين إنشاء هذا الكرسي الفخري ~~ليمنح كل عام لشخصية عامة في مجال الحريات، وخصوصا الحريات ~~الدينية. بدأت في إعداد محاضرتي، وقررت الكتابة عن الرواية ~~العربية وعن ملحمة «الحرافيش» للأستاذ «نجيب محفوظ». ومع اقتراب ~~موعد المحاضرة اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فسألت نفسي: ~~ماذا سيكون موقف الأستاذ الذي دافع عن اليهود عام أربعين لو طلب ~~منه محاضرة اليوم؟ # وفي أول يوم من شهر رمضان، السابع والعشرين من نوفمبر ألفين، ~~ألقيت محاضرة بالإنجليزية بعنوان «القرآن، التواصل بين الله ~~والإنسان»، قلت في مقدمتها: «هذه لحظة من أعظم لحظات حياتي. ~~الكلمات لا تستطيع التعبير عن مشاعري أو تصور ما أريد أن أقول. ~~منذ ستين عاما كان البروفيسور «كليفرنجيا» رجلا شجاعا مهموما ~~بما هو صواب وما هو خطأ، وقف في نفس القاعة ورفض بشجاعة الظلم ~~الواقع من الاحتلال النازي ضد اليهود الهولنديين بفصلهم من ~~وظائفهم. وتكريمي بالجلوس على كرسي ms185 الأستاذية الذي يحمل اسمه يشير ~~إلى القيم الأكاديمية والإنسانية التي دافع عنها. أشعر من واجبي ~~أن أبدأ محاضرتي بالحديث عن تصوره وتواصلي مع ما دافع هو عنه؛ ~~فالعدل يعتمد على حرية الإنسان الكاملة وعلى المساواة، وهو صلب هذه ~~المحاضرة، لكن هل يمكن الحديث عن العدل دون الحديث عن الوضع في ~~العالم الآن؟ هل تسود العدالة؟ أشير هنا على سبيل المثال بالضرب ~~بالرصاص والقذف بالقنابل الذي تتعرض له المدن الفلسطينية من ~~الجيش الإسرائيلي. مواطنون عزل منهم أطفال يقتلون يوميا . ~~جريمة الفلسطينيين ببساطة أنهم يريدون دولة مستقلة، يريدون ~~بيوتا ومدارس ومستشفيات آمنة. منذ ستين عاما لم يصمت «كليفرنجيا» ~~وهو يرى آخرين يفصلون لمجرد هويتهم. ماذا كان سيقول لو كان ~~بيننا اليوم؟ هل كان سيتردد في الدفاع بوضوح وبشجاعة، لو كان ~~مكاني، عن حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على الأرض ~~المحتلة سنة سبع وستين؟» # بدأت المحاضرة من سؤال: ما القرآن؟ وعرضت ما قاله اللغويون عن ~~أصل كلمة «قرأ»، هل هي بمعنى «جمع» أو هي بمعنى «ردد»؟ وهو الرأي ~~الذي أميل إليه لنزول القرآن شفويا، ولم يجمع في مصحف إلا بعد ~~وفاة الرسول الكريم، بل إن القرآن لم يتعامل معه ككتاب مكتوب في ~~الحياة العامة منذ حياة المسلمين الأوائل حتى أتى عصر الطباعة. ~~والتعريف الذي أجمع عليه المسلمون للقرآن: «أنه كلام الله الذي ~~أوحي به إلى النبي محمد باللغة العربية على مدار ثلاثة وعشرين ~~عاما.» وهذا التعريف له ثلاثة جوانب: كلام الله والقرآن والوحي. ~~ومفهوم كلام الله كما ذكر القرآن أن كلام الله لا نهاية له؛ مما ~~يجعل القرآن كنص يمثل مظهرا خاصا من كلام الله، وحدث خلاف ~~بين المسلمين حول طبيعة القرآن هل هو قديم أبدي أم هو مخلوق ~~محدث، لكن مفهوم أنه قديم هو الذي ساد. الجانب الثاني من تعريف ~~القرآن: هو جانب الوحي، وهو قناة الاتصال التي تنزل من خلالها ~~القرآن على النبي محمد، وهو لغويا «الاتصال في خفاء». وذكر ~~القرآن ثلاثة طرق للاتصال بين الله والعالم: أن يكون من ms186 وراء ~~حجاب، كما حدث مع موسى من وراء الجبل، والثاني أن يرسل رسولا يوحي ~~إليه، والثالث هو الوحي، كما أوحى للنمل. فالقرآن إذن تجل من ~~تجليات الكلام الإلهي، أوحي به إلى النبي محمد بواسطة الملك ~~جبريل. # من هنا يمكننا التمييز بين ثلاثة جوانب من القرآن: محتواه، ~~ولغته، والجانب الثالث تركيبته أو بنيته. وليس هناك تناقض بين ~~إلهية مصدر القرآن وبين محتواه المتصل بتركيب اللغة وتاريخيتها ~~وخلفيتها الثقافية. بتعبير آخر، فالمحتوى الإلهي عبر عنه ~~باللغة الإنسانية. وهذا المدخل اللغوي الإنساني هو المدخل الأصيل ~~والأساسي لفهم النصوص كلها، وكذلك هو المدخل لفهم القرآن وتركيبة ~~القرآن وبنيته، يتجلى فيهما البعد الإنساني؛ فالقرآن نزل ~~منجما (مفرقا) على أكثر من ثلاثة وعشرين عاما، وأيضا ~~خلال عملية جمعه، واختلاف الترتيب الحالي للسور، ترتيب التلاوة عن ~~ترتيب النزول، وليس فقط عملية التنقيط والتشكيل التي دخلت عليه بعد ~~ذلك، بل تركيبة القرآن ذاته، مثل الآيات التي ورد فيها: # يسألونك ~~، خمس عشرة مرة، عن الخمر ~~والميسر واليتامى وعن المحيض والإنفاق والأنفال. # والجانب الثالث: لغة القرآن؛ فللقرآن استخدام خاص للغة العربية ~~كخطاب للتأثير على المتلقي؛ فقد حول القرآن ألفاظ اللغة ~~العربية إلى دلالات بالمعنى السيميوطيقي، دلالات تدل على حقيقة ~~واحدة، وهي الله، تنقل المتلقي من العالم المشاهد إلى عالم ~~الحقيقة الإلهية. وكل الأجزاء ما هي إلا علامات وإشارات وآيات تدل ~~على الله، وليست علامات طبيعية في العالم. وحتى التاريخ الإنساني ~~أيضا ما هو إلا سلسلة من العلامات. وتناولت في القسم الثاني من ~~المحاضرة الدور الذي تقوم به الصلاة وشعائرها، والحج وشعائره، ~~والعلاقة بين الميكرو المتمثل في الصلاة، والماكرو المتمثل ~~في الحج، وما يحققانه من تواصل واتصال بالله. وتناولت في القسم ~~الرابع من المحاضرة دور قراءة القرآن في حياة المسلمين، من ترتيل ~~وتعليم وحفظ وتأثيره في الحياة اليومية من ألفاظ خصوصا في العامية ~~المصرية. وفي الختام فالقرآن لا يمثل للمسلمين أسلمة الحياة، ~~ولا هو أيضا الفصل التام بين الدين والحياة. وإن كان الفصل بين ~~سلطة الدولة والدين ضرورة، فإنها لا تعني ms187 عزل الدين في خلفية ~~الحياة الاجتماعية؛ فالقرآن يقدم نموذجا للتواصل بين الله ~~والعالم، ويعلمنا ليس مجرد قوانين أو سياسات بالمعنى الضيق ~~للكلمتين، إنه يعلمنا أن الفهم الحرفي لنصوصه تسجن كلام الله ~~في اللحظة التاريخية لنزول القرآن، فيجب علينا أن ندرك تلك ~~اللحظة، لكن أيضا ألا نهمل الدور الذي قام به القرآن في تشكيل ~~حياة المسلمين، وإدراك طبيعة اللغة الدينية للقرآن. # وأوجه الشكر لجامعة لايدن، وللأكاديمية الهولندية، والزملاء ~~في الدراسات الإسلامية والدراسات العربية، وإلى قسم المشروعات. ~~والشكر الجزيل لطلابي الذين تعلمت منهم أكثر مما تعلموا مني، ~~والصديقة «منى ذو الفقار» التي جندت نفسها لقضيتي أنا وزوجتي. ~~وأشكر صديقي د. «أحمد مرسي»، والصديق الكريم د. «محمد أبو الغار»، ~~وشكري إلى ابنتي «شيرين أبو النجا»، الذين اكتملت سعادتي بحضورهم ~~من القاهرة ليكونوا هنا، وإلى أمي - رحمها الله - ومعروفها علي. ~~وأشكر رفيقة الدرب «ابتهال» على مساندتها وحبها، والأهم إيمانها ~~بالتحدي. وشكري إلى د. «فريال غزول» وإلى «شيرين» لمراجعة المحاضرة ~~لغويا. # 8 # أدركت صعوبة أن أكتب عن «ابن عربي» (560ه/1165م-638ه/1240م) ~~بلغة ليست لغتي الأولى، وكدت أن أعتذر عن الكتابة عنه للناشر ~~الألماني، لكنه لم يسمح لي بالاعتذار، ووافق أن يتحمل تكاليف ~~الترجمة من العربية إلى الألمانية، وفوجئت أن الأستاذة «آن ماري ~~شميل» وهي من هي في ريادة الدراسات الصوفية قد تفضلت مشكورة ~~بالموافقة على أن تترجم ما أكتب بالعربية إلى الألمانية. وحرص ~~الدكتور سمير سرحان، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، على تقديم ~~بعض كتاباتي للقارئ في سلسلة مكتبة الأسرة. انتهيت من كتابة الكتاب ~~في يونيو ألفين وواحد، فأهديته إلى أهلي في القرى والنجوع؛ فمن ~~أغانيكم تعلمت الغناء. كان عمي حسن سمك - رحمه الله - أول من ~~علمني الشعر في قريتي، وأول من علمني التصوف؛ فإليه ولكم أهدي ~~هذا الكتاب. # فمنذ رسالتي للدكتوراه وأنا أتوق للعودة للسباحة في محيط فكر ~~«ابن عربي» مجددا، لكن يبدو أن خوف الغرق ظل ماثلا في وعيي، ~~فكنت أعود لقراءة بعض أشعاره أو مراجعة فكرة ما، أو للتأكد من ~~صدق استنتاج ما ms188 سبق أن توصلت إليه. في التمهيد ربطت بين عصر ~~«ابن عربي» - القرنان السادس والسابع الهجريان، الثاني عشر والثالث ~~عشر الميلاديان - وبين قرننا الواحد والعشرين. المفكرون الفلاسفة ~~دائما قلقون على مستقبل العالم؛ فالحداثة في أوروبا اعتمدت على ~~عصر التنوير الذي حرر الإنسان من سلطة الكنيسة وقوانينها ~~الإطلاقية؛ مما أدى إلى الطرف النقيض بجعل النسبية مفهوما ~~مطلقا، وحركة المد الاستعماري، وتوظيفها السياسي لتصنيف البشر ~~إلى متحضرين هم أبناء الغرب، وسواهم من البشر همج، وسيطرة ثقافة ~~أهل الشمال التي رأت فيها ثقافات الجنوب المحلية رمزا للظلم ~~والعدوان، والعولمة التي تحولت إلى إله جديد له قوانين لا ~~يجوز مخالفتها، بل لا بد من الخضوع والانصياع لقوانينها الاقتصادية ~~والسياسية والاجتماعية والثقافية. لقد صارت العولمة دينا، ظالما، ~~فسعى البشر لمقاومة هذا الدين الجديد والتصدي للاهوته المضمر ~~باستدعاء الدين في كل الثقافات بلا استثناء، وفي داخل المجتمعات ~~التي أخرجت الحداثة أيضا تم استدعاء الدين، لكن لا يكفي استخدام ~~الأسلحة الدينية التقليدية، بل لا بد من شحذ أسلحة دينية جديدة لم ~~يتحصن ضدها إله العولمة بعد. # في هذا الإطار يأتي فكر «ابن عربي» الذي يعكس بانوراما الفكر ~~الإسلامي في عصره، وهو همزة الوصل بين التراث العالمي والتراث ~~الإسلامي، بل إنه أسهم في إعادة تشكيل التراث الإنساني مؤثرا فيه، ~~بدليل دراسات المستعرب الياباني «تشيكو أوزوتسو»، والمستعرب ~~الإسباني «آسين بلاسيوس»؛ فاستدعاء «ابن عربي» مع غيره من أعلام ~~الروحانية في كل الثقافات قد يجعلنا نجد في تجربته وتجاربهم ما ~~يمكن أن يمثل مصدر إلهام في عالمنا؛ فالتجربة الروحية هي مصدر ~~الإلهام للتجربة الفنية، وهي الإطار الجامع للدين والفن. وفي ~~السياق الإسلامي استعادة ابن عربي من الهامش إلى متن الثقافة مرة ~~أخرى. ونتيجة لسيطرة الرؤى السلفية على الخطاب الإسلامي، والآلة ~~الإعلامية الغربية نجحت إلى حد كبير في جعل الإسلام عدو ~~الحضارة والتقدم، وتجعل من المسلمين مجموعة من الإرهابيين القتلة، ~~فلا تنوع ولا تعدد في الفكر الإسلامي؛ لذا فنحن نحتاج إلى ~~ترسيخ قيمة الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل، محل الصراع ~~والحروب، وهنا يبرز فكر ms189 «ابن عربي» كرصيد ثري لنا ~~جميعا. # اعتمدت في الكتاب على ما قاله «ابن عربي»، فنتعرف إليه من ~~خلال ما أخبرنا هو عن نفسه؛ أي الصورة التي رسمها الشيخ بنفسه ~~لنفسه، والسؤال الأول هنا هو: لماذا اتخذت حياة «ابن عربي» هذا ~~المسار الخاص، رغم انتمائه لأسرة كانت كل ظروفها ترشحه للعمل ~~في الديوان أو الانخراط في سلك الحياة العسكرية؟ والسؤال الثاني ~~هو: إلى أي حد يعد هذا التحول في حياة الشيخ انقلابا؟ وهل كان ~~انقلابا بالفعل أم كان تطورا طبيعيا في بناء الشخصية؟ ~~فتتبعت سيرته من خلال النصوص التي تتضمن وقائع يحكيها الشيخ ~~عن حياته وترتيبها زمنيا وتحليل محتواها. في الفصل الأول تتبعت ~~تحول الفتى «ابن عربي» مما أسماه الجاهلية إلى طريق الولاية، ~~والذي بدأ في فترة مبكرة من حياته بلا شيخ ولا معلم، ~~وعلاقته بالشيوخ الذين يذكرهم بإجلال كبير، وكانت علاقة ~~ندية وتكافؤ. # وسؤال: لماذا رحل الشيخ عن الأندلس والمغرب إلى المشرق بلا عودة؟ ~~وهو ما تعرضت له في الفصل الثاني، ونقدت رؤية «هنري كوربان» عن ~~عدم انتماء خطاب «ابن عربي» إلى عصره وإلى عقيدته، فنظرت إلى الشيخ ~~من جانب التاريخ بما يرتبط به من قيود الزمان والمكان، وتجربة «ابن ~~عربي» من خلال جدلية العلاقة بين الروحي الكوني والتاريخي الثقافي؛ ~~فخطاب «ابن عربي» موزع بين صفاء فكره وتعالي تجربته الروحية، ~~وبين تجربة زمانه وانتمائه الثقافي والحضاري والديني، والتعارض بين ~~سمو خبرة الروح وزمانية الوجود الإنساني. تطورت رؤية «ابن عربي» ~~للواقع الذي رحل من مغربه إلى مشرقه بحثا عن خلاص؛ فلما وجد الأمر ~~في المشرق لا يقل سوءا عنه في المغرب أدرك أن لا خلاص إلا ~~باليقظة الكبرى. وفي الفصل الثالث علاقته بابن رشد، وكان آخر ما ~~شاهده «ابن عربي» في الأندلس قبل تركها نهائيا هو جنازة ابن رشد ~~الفيلسوف والقاضي، صديق والده. فهل كان «ابن رشد» آخر خيط يربطه ~~بالأندلس وبالمغرب؛ فلما انقطع الخيط بوفاة ابن رشد قرر الرحيل ~~بلا عودة؟ وحللت في فصلين اللغة الإشارية وسيطرة البنية ~~القرآنية كنموذج ms190 ونمط سردي على بنية كتاب الفتوحات المكية. وفي ~~النهاية عرضت نموذجا للتأويل عند «ابن عربي» لم أعرضها في رسالتي ~~للدكتوراه منذ عشرين عاما عن التأويل في القضايا اللاهوتية ~~والوجودية والمعرفية، فحللت هنا تأويله للشريعة ~~ومسائلها. # نشرت مقالا بمجلة «الثقافة الجديدة» العراقية عدد 295، عن «هل ~~هناك مفهوم للحكم والسلطة في الفكر الإسلامي؟» تناولت مسألة: هل ~~هناك في النصوص التأسيسية مفهوم للحكم والسلطة؟ وما علاقة هذا ~~المفهوم - إذا كان موجودا - بالتجربة التاريخية؟ فمن دلالة «حكم» ~~في القرآن التي تشير إلى القضاء، ويتم توسيع دلالتها لتضم الحكم ~~بالمعنى السياسي عند المودودي وسيد قطب. وفي التجربة النبوية يمكن ~~أن يقوم بدور تأسيس سلطة سياسية، لكن لا يمكن اعتبار كل تأسيس ~~لسلطة تأسيسا لدولة. وما نسميه بالدولة الإسلامية في حقيقتها ~~لها بنية إمبراطورية، وهي جزء من إمبراطوريات ذلك الوقت. وقد وترك ~~الخلفاء والسلاطين المجال للسلطات المحلية حرية تطبيق القانون. ومع ~~انهيار الإمبراطوريات وظهور الدولة الوطنية الحديثة كان التحدي؛ ~~فمنذ جمع «محمد علي باشا» علماء الأزهر ليحاولوا وضع قانون طبقا ~~للشريعة يحكم به ولم يستطيعوا. والمشكلة تكمن في تحويل الشريعة ~~إلى قانون يفهمه الناس. وإذا تركت الشريعة على بنيتها الحالية ~~فهي إعادة إنتاج إمبراطورية، حيث يقرر كل مفت وكل فقيه وكل ~~واعظ الرأي الذي يراه صوابا. وهذا يتعارض مع الدولة الحديثة التي ~~تعني توحيد البناء القانوني وسيادة القانون. وفي مصر نشأ نظامان ~~قضائيان، وجعلت الشريعة محصورة في الأحوال الشخصية، وأعطيت ~~للقاضي بها وظيفتان متناقضتان؛ وظيفة القاضي الذي يطبق ~~القانون، ووظيفة المشرع الذي يعود بنفسه إلى الفقه الحنفي ~~ويختار، في زمن استقلت فيه السلطة التشريعية عن السلطة ~~القضائية. # نشرت لي مقالة باللغة الإنجليزية في يونيو ألفين وواحد عن ~~مفهوم العدل في القرآن، تناولت فيها مفهوم العدل في القرآن، ~~ومفهوم العدل الإلهي، وعن العدل والمساواة والعدالة الاجتماعية، ~~وعن العدل والقسط، وذلك من خلال مجالات مفهوم العدل في الفقه وفي ~~اللاهوت الإسلامي والفلسفة والتصوف، وقبلها جميعا في التفسير. ~~وخرج في نفس العام المجلد الأول من الموسوعة القرآنية عن جامعة ms191 ~~«لايدن» من مطبعة بريل، والتي أنا عضو في مجلس تحريرها منذ سنوات، ~~وبه مشاركة لي عن التكبر. # 9 # منذ جريمة اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، بنيويورك، أخذت ~~المسائل شكلا بشعا، فإذا انتقدت الفكر التقليدي الإسلامي يقال ~~عنك إنك متحالف مع الغرب ضد الإسلام، وإذا انتقدت الغرب يقال ~~إنك أصولي تدافع عن «أسامة بن لادن»؛ الأمر الذي دفعني للاعتكاف ~~ثلاثة أشهر في مكتبي، وإلى تغيير رقم تليفوني والإيعاز لسكرتيرتي ~~بأنني غير موجود. وقررت أن أجمع أشيائي وأحزمها وأعود إلى ~~مصر. لقد أصبح من المستحيل أن أرجئ مشروعي النقدي وأدخل في سجال، ~~مبارزة هنا وأخرى هناك، لكن في نهاية الأشهر الثلاثة قررت ألا ~~أتخلى عن دوري النقدي؛ لأنني لو تخليت عنه لأصبحت في غربة ~~حقيقية؛ فكتبت مقالا نشرته «السفير» في بيروت في الثالث عشر من ~~يناير ألفين واثنين، بعنوان «النقد والنقض في حرب الكراهية بين ~~الإسلام والغرب». وفكرت في كتابة مجموعة من المقالات عن تجديد ~~الخطاب الديني لجريدة الأهرام، عالجت فيها مسألة علاقة الخطاب ~~الديني بمجمل الخطاب العام، والمسألة الثانية هي معنى التجديد ~~ودلالته وآفاقه ومحاذيره، لكن «الأهرام» نشرت مقالة واحدة في ~~الرابع والعشرين من فبراير ولم تنشر بعدها، إلى أن نشرت مجلة ~~«الزمان» المقالات في سنوية أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعنوان ~~«تجديد الخطاب الديني، ملاحظات واقتراحات»، ونشرته مجلة «سطور» ~~بعد ذلك بعنوان الإصلاح بالقتل. وقد نشرت جريدة الأهرام ويكلي في ~~عدد الثاني عشر من سبتمبر ترجمة له تحت عنوان «الجنة بأي ~~طريق؟» # اتصلت بي باحثة من جامعة أمريكية اسمها «إيستر نيلسون» في مايو، ~~وأتت للقائي بهولندا، والتقينا على مقهى أسفل مترو لايدن، شمرت ~~أكمامي للحوار، طلبت مني أن أكتب كتابا عن حياتي باللغة ~~الإنجليزية يعرض رحلتي الشخصية والفكرية دون التركيز على وقائع ~~القضية، أخبرتها باستخدامي للغة الإنجليزية كلغة علمية، لكن أجد ~~صعوبة في الكتابة بها كلغة قص. واهتماماتي الأكاديمية تجعل كتابة ~~كتاب عملية صعبة. فعرضت علي أن نتحدث وتسجل هي حوارنا، ثم ~~تصوغ الكتاب بالإنجليزية، وأراجعه وأدخل عليه التعديل. # سافرت ms192 إلى دمشق تلبية لدعوة مؤسسة «المدى» الثقافية بمناسبة ~~مئوية «عبد الرحمن الكواكبي» (1264ه/1849م-1318ه/1902م). وفي ~~مداخلة لي تعليقا على محاضرة وجدت مساندة كبيرة، وكتبي مقروءة. ~~تجولت في أحياء دمشق القديمة وصولا إلى مقبرة باب الصغير حيث ~~يرقد جثمان «نزار قباني» الذي كان مات في لندن بعيدا عن وطنه، ~~ورفض بعض المتطرفين إدخال جثمانه للصلاة عليه في الجامع. ~~اهتمت السلطة بجثته، وعرضت طائرة عسكرية من أجل نقله للوطن. ~~وزرت قبر «ابن عربي»، وقبر «صلاح الدين» المتواضع، وتأملت ~~مسألة الموت. تجولت مع «علي الأتاسي» الذي أجرى معي حوارا نشره ~~فيما بعد في السابع عشر من أكتوبر، في ملحق جريدة «النهار» ~~اللبنانية. وبالليل حضرت حفل موسيقى غنى فيه المطرب «محمد ~~منير» أغانيه في فيلم المصير عن «ابن رشد»، وحينما وصل إلى جملة ~~«لسه الأغاني ممكنة» رغم استماعي لها كثيرا من قبل أجهشت في ~~البكاء. # محاضرتي أدارها المفكر «صادق جلال العظم»، وكانت القاعة ~~مكتظة بالناس، الكراسي امتلأت والطرقات والكوريدورات، ففتحوا ~~قاعة أخرى ووضعوا بها مونيتور. كان وضعا مقلقا للسلطات ~~وللمنظمين. واستمرت الندوة - أسئلة وإجابات - حوالي ثلاث ~~ساعات ونصف. شعرت أنه نوع من التضامن معي. كانت محاضرتي بعنوان ~~«إشكالية تأويل القرآن قديما وحديثا»، وهي القضية التي تمتلك ~~علي حياتي الآن؛ فالحياة تتجدد بالحركة والصيرورة، في حين أن ~~النص ثابت في منطوقه؛ ولذلك فالمسلمون يسعون دائما لفض هذه ~~العلاقة بين الواقع والنص، من خلال عمليات التفسير والتأويل، وعرضت ~~سريعا مقولات المعتزلة واعتمادهم على مقولة المجاز اللغوي لفض ~~التناقض بين ظاهر منطوق النص والعقل، واستخدامهم لقياس ما هو غائب ~~عن حواسنا بقياسه على ما نراه في شواهدنا. # وفي العصر الحديث، «الإمام محمد عبده» هو من بدأ يدرس كتابي ~~شيخ البلاغيين العرب «عبد القاهر الجرجاني». وسعى في كتابه «رسالة ~~التوحيد» إلى استعادة علم الكلام الاعتزالي، خصوصا في مبدأ العدل، ~~وإن كان استعاد أيضا مفهوم التوحيد عند الأشاعرة، لكن «عبده» قال ~~إن القرآن كتاب هداية وليس كتابا في التاريخ أو العلم ... إلخ. ونظر ~~إلى القصص القرآني على أنه ليس تاريخا، ms193 وإنما المراد به الاعتبار ~~والعظة من السياق، وليس المهم في القصة صدق ما تحكيه من وقائع ~~وأحداث، بل المهم هو أسلوب السرد ذاته الذي تستنبط منه العظة. ~~وركز «عبده» على أن الله يخاطب الناس على قدر عقولهم وأفهامهم؛ ~~لذلك فعملية التأويل عنده تستند إلى مرجعية اللغة العربية كما ~~استخدمها العرب في عصر النبوة. وجمع بين العقل والنقل، ورفض النقل ~~الذي يتعارض مع العقل. # وعلى الرغم من أن كتاب «طه حسين» في الشعر الجاهلي لم يكن موضوعه ~~التأويل، فإن آراء «محمد عبده» عن القصص القرآني أنها تمثيلات ~~كانت موجودة، وفي بحث «طه حسين» عن مدى انتساب الشعر الجاهلي ~~فنيا للحياة الجاهلية؛ فهو يعتبر أن القرآن هو أصدق مرآة للحياة ~~الجاهلية. وقد اعتمد الكثير على ورود قصة هجرة النبي «إبراهيم» ~~بولده «إسماعيل» والسيدة «هاجر» إلى أرض الحجاز دليلا على أن هناك ~~عربا مستعربة من الجنوب هاجروا إلى الشمال وتعربوا، واكتسبوا ~~لغة أهل الشمال، وتخلوا عن لغتهم الحميرية. وأول «طه حسين» ~~قصة «إبراهيم وإسماعيل وهاجر» معتمدا على اجتهاد «محمد عبده» ~~أنها من القصص الذي كان معروفا عند الناس ومتداولا، وأن القصة ~~القرآنية هي «تمثيل»؛ أي أمثال، وهي من المتشابهات، ولم يتضمن ~~رأيه بأي حال ما توهمه البعض بالتشكيك في صحة القرآن، بل ~~رأيه أن ورود القصة في القرآن ليس دليلا على صحتها التاريخية ~~بقدر ما هو دليل على وجودها في وعي المخاطبين بالقرآن وفي ~~ضمائرهم؛ فمنطلق «محمد عبده» بعدم التطابق بين القصص القرآني ~~والتاريخ، وأن أسلوب القرآن يحدده الغرض الديني الوعظي للقص، ~~ولا علاقة له بالتتابع المنطقي أو التاريخي للوقائع خارج القرآن. ~~أخذ «طه» هذه المقدمة وأضاف إليها مقدمة أخرى هي جدة أسلوب ~~القرآن، ومن هاتين المقدمتين استنبط نتيجة مضمونها أن القرآن ~~أثر فني بالغ مارس تأثيره هذا على المعاصرين لظهوره. # ثم يأتي الشيخ «أمين الخولي» ويركز على «الأثر الفني للقرآن»، ~~ويقول إن القرآن هو كتاب العربية الأكبر وأثرها الفني الأقدس، ~~ويتجه في اختلافه عن «محمد عبده» - والذي ركز على الهداية في ~~القرآن ms194 - إلى أن الغرض الأول هو دراسة البيان كغرض أول لعملية ~~التفسير، وإن كان «محمد عبده» يشير إلى علمي البلاغة التقلديين ~~(المعاني والبيان) باسم علم الأسلوب؛ ف «الخولي» تفهم البيان ~~معتمدا على علوم البلاغة الحديثة، فركز على مشكلة المنهج في ~~كتبه التسعة، وخصوصا كتابه «مناهج التجديد والبيان»، وهو منهج ~~التحليل الأدبي. وخطوات المنهج تتحدد من طبيعة النص ذاته من حيث ~~البنية والتركيب العام؛ فليس هناك منهج واحد وخطوات محددة ~~سلفا للتعامل مع كل أنماط النصوص، ووحدة المنهج لا تنفي تعدد ~~الإجراءات. # ولأن الشيخ «الخولي» خريج مدرسة «القضاء الشرعي»، فإن ~~تأثره بعلماء أصول الفقه واضح في منهجه بجمع الآيات ذات الموضوع ~~الواحد، وترتيبها تاريخيا قبل القيام بالتفسير، لكن هنا مشكلة، ~~وهي أنه يتحدث عن تأثير البيان القرآني على المتلقي، وهذا ~~التأثير تم طوال التاريخ من خلال بنية القرآن كما هي في المصحف ~~الحالي؛ أي من خلال ترتيب التلاوة. فهل هذا نوع من التناقض؟ والشيخ ~~«الخولي» يحتاج منهجه ومفاهيمه للدراسة الأدبية إلى دراسة مستقلة ~~نفهم موقف الشيخ أكثر؛ لأنه أقرب إلى مفاهيم المدرسة الرومانسية ~~المشبعة بمفاهيم الكلاسيكية الجديدة، وهي مفاهيم تتناول النص ~~الأدبي من حيث الموضوعات والمضامين أكثر من تناولها له من حيث ~~الشكل والبنية. وظل تلاميذ الشيخ «أمين الخولي»، «بنت الشاطئ، ~~ومحمد أحمد خلف الله، وشكري عياد»، متمسكين بدرجات متفاوتة ~~بمنهج وحدة الموضوع وترتيب النزول. # وناقشت ردود «الخولي» على الداعين إلى الإعجاز العلمي للقرآن ~~الكريم. ويعتبر «الخولي» هو الامتداد المعرفي والتركيبي لكل من ~~«محمد عبده» ومن «طه حسين» على مستوى المنهج، لكن أضيف إلى ~~التحدي الخارجي الأوروبي - والذي واجه «محمد عبده» و«طه حسين» - ~~تحديا آخر داخليا عند «الخولي»؛ هو المتمثل في نمو التيار ~~السلفي. وعلى مستوى المضمون يضيف «الخولي» إلى وعي «محمد عبده» ~~بالتراث المعتزلي و«ابن رشد» إنجازات علماء أصول الفقه والبلاغيين ~~في مجال التحليل اللغوي؛ لاستثمار الأحكام من النصوص عن طريق وحدة ~~الموضوع وترتيب النزول، ويضيف إلى منهج «طه حسين» «اللغوي الفني» ~~أبعادا من نظرية الأدب عن تأثير البيئة، وعن التأثير ms195 النفسي للأدب ~~في القارئ. وعسى تطوير منهج الأستاذ «أمين الخولي»، وفقا ~~لإنجازات المعرفة المتنامية في مجال المعرفة الإنسانية - وخاصة ~~«الألسنية والتأويلية» - أن يمثل تجاوزا لحالة الركود في مجال ~~الدراسات القرآنية. وهذا هو ما يشغلني. # كنت بالغ السعادة بأنني ما زلت أستطيع التواصل مع الناس؛ فهذه ~~هي أول محاضرة عامة مع جمهور عربي كبير. وكانت سعادتي أكثر ~~بالشباب الذي لم يأخذ فرصته، وناقشت تخوفاتهم على الإسلام من ~~استخدام المناهج الحديثة لدراسة القرآن. وقال أحد المثقفين: ~~«إنك لو كنت بسوريا لما حدث لك ما حدث بمصر.» مشيرا إلى أن ~~السلطة الحاكمة ما كانت لتدع هذا يحدث، فقلت له: أفضل أن أعيش ~~في بلد أناسه لم يعجبهم ما كتبت، ولم يستطيعوا الرد عليه ~~بالكتابة فذهبوا إلى المحكمة، عن العيش في بلد تقمعهم السلطة ~~بعنفها واستبدادها. الشباب حضروا في اليوم التالي إلى الفندق ودار ~~حوار أكبر، ونظموا بعض الأنشطة الثقافية التي دعوني إليها. ~~وكنت أود مقابلة الشيخ «حسين فضل الله» الأمين العام لحزب الله، ~~ولكنه كان ببيروت، فسعى بعض الشباب إلى الاتصال به، وأتى الرجل إلى ~~دمشق لألتقي به في بيت له خارج دمشق، في منطقة «السيدة زينب»، ~~وكان كريما وأهداني كتبه، وكان بصحبته بعض مشايخ الشيعة من ~~البحرين والإمارات، وأخبرني أنهم يعتبرونني من المفكرين ~~المجددين في الإسلام. ودخلنا في نقاش علمي جميل عن فهم النبي ~~للقرآن، ومدى بشرية هذا الفهم. وصدر المجلد الثاني من الموسوعة ~~القرآنية الصادرة باللغة الإنجليزية عن جامعة لايدن، ولي به ثلاث ~~مساهمات عن القرآن في الحياة اليومية، وأخرى عن الصحة والمرض، ~~وثالثة عن العزم. # 10 # اتصلت بصديقي رئيس قسم اللغة العربية لتجديد إجازتي، فأخبرني ~~أنها السنة الثامنة - فالقانون يسمح بخمسة أعوام فقط - شكرته ~~جزيلا، فاستطرد يكلمني عن امتنان كثير من المصريين لعدم صمتي ~~عن الفساد المنتشر في حنايا مصر، وخصوصا داخل الجامعة، وعن ~~امتنانهم لنجاحاتي في الغربة. أعربت عن تفهمي لما يقول، ~~وسألته: هو ليه مستحيل أن أدعى لعضوية مناقشة رسالة ماجستير أو ~~دكتوراه؟ ~~- لا، أبدا، ليس مستحيلا، المسألة ms196 أنه ليس هناك رسائل في ~~تخصصك. ~~- هو دا صحيح؟ واحدة من تلامذتي نوقشت رسالتها من ~~أسبوعين. # رد بسرعة متسائلا: حقيقي؟ قلت له: نعم لقد تواصلت معي، بل ~~وأرسلت رسالتها، هي تلميذتي، على الأقل يدعوني القسم ~~للمناقشة. ~~- أنا آسف يا نصر، الوضع غم في الجامعة وفي القسم، أنت لازم ~~تكون مبسوط جدا إنك رحلت من الهم دا. # قارنت بين قسم اللغة العربية الذي أنتمي إليه وقسم اللغة ~~الفرنسية الذي تنتمي إليه «ابتهال»؛ فهي تسافر إلى مصر كل شهرين ~~منذ انتقالنا إلى هولندا لرؤية والدتها، وتشارك في مناقشة رسائل. ~~وها هي جامعة القاهرة لا تريدني، وربما لن تطأ قدماي أرضها ~~محاضرا أو أستاذا. فإلى متى أظل منتظرا دعوة جامعة القاهرة ~~التي لن تأتي. وها هي جامعة «لايدن» هي الأخرى تتردد في إعطائي ~~درجة أستاذ دائم منذ مساندتي المعلنة للانتفاضة الفلسطينية ودعمي ~~للمقاومة وخطابي النقدي للسيطرة الغربية. إني أعيش في حالة من ~~الانتظار التي تقتلني، لم أمر طوال حياتي بهذا الإحساس؛ ففي أقسى ~~الظروف كان دائما قراري في يدي، الآن أنا في حالة انتظار؛ فمصيري ~~يخرج من يدي، لا أستطيع أن أقرر. المستقبل غامض. كنا في تركيا، ~~حاولت «ابتهال» أن تخفف عني، وكنت في حالة من الضيق الغاضب، ~~لكن تسامحها وحنانها كان أغلب من ضيقي، فقالت: إنت غاضب لأن ~~«لايدن» لم تقرر بعد، لكنك أستاذ معروف في كل العالم، شوفت ~~البشر والامتنان على وجوه من استمعوا إليك في الندوة العلمية، ~~افتح عنيك. إنت بدأت تحول نفسك إلى ضحية، إحنا في أحسن حال، صحتك ~~عال، ووزنك نزل، وتستطيع أن تعطي من أي مكان أنت فيه. إنت ليه ~~غضبان؟ # أتانا خطاب من مؤسسة «أنا ألينور روزفلت» الأمريكية تختارني هذا ~~العام ألفين واثنين للحصول على جائزتها السنوية في حرية العبادة، ~~بالإضافة إلى آخرين، منهم زعيم جنوب أفريقيا الكبير نيلسون ~~مانديلا. فداهمتني الوساوس؛ مؤسسة أمريكية، ولماذا أنا؟ ولماذا ~~هذا العام؟ كان رأي «ابتهال» أنها جائزة محترمة، وتأثيرها خرج عن ~~حدود أمريكا، لكن ماذا يقول عني الناس في ms197 العالمين العربي ~~والإسلامي. اتصلت بصديقي العزيز الشاعر «زين العابدين فؤاد» في ~~القاهرة، وأعرف أنه سيصدقني القول، أسأله عن رأيه. فقال إنه سوف ~~يحضر من القاهرة ليكون معي في تسلم الجائزة إن أردت. فقررت ~~قبول الجائزة، وإن كان الأمريكيون أرادوا أن يرسلوا رسالة من ~~خلالي فسوف أستخدم هذه المناسبة لإرسال رسالة أيضا. احتفال هذا ~~العام سيكون في هولندا حسب التقليد لخلفية عائلة الرئيس الأمريكي ~~روزفلت وأصوله الهولندية، وتعطى الجائزة في السنوات زوجية العدد ~~بهولندا، وفي الأعداد الفردية من السنين في أمريكا. # قبل الحفل بيومين، تقابلت مع الرئيس المساعد للمؤسسة على ~~عشاء، وسألته كيف وصلوا إلى اسمي. أخبرني أن المؤسسة أرادت أن ~~تبحث عن شخص مسلم يعتقد في المبادئ الأساسية التي عاش من أجلها ~~«روزفلت»، وتركنا الأمر للناس في جريدة «زيلاند» الهولندية ورئيس ~~تحريرها، كان في دورة تعليمية بجامعة «لايدن» عام خمسة وتسعين، ~~وهو الذي اقترح اسمك، وأرسلنا إلى جامعة «لايدن» فرشحك رئيس قسم ~~الدراسات الآسيوية بالجامعة. # في يوم الاحتفال، الثامن من يونيو، كان حضور ملكة هولندا وزوجها، ~~و«إليزابيث ومارجريت»، من عائلة الرئيس «روزفلت»، وأعضاء اللجنة. ~~وارتديت أنا و«ابتهال» و«زين العابدين» وزوجته «جوسلين» الكوفية ~~الفلسطينية التي طلبت أن يأتوا بها معهم من القاهرة، وألقيت كلمة ~~قصيرة شكرت فيها المؤسسة، وأثنيت على جهاد الفائز معي الرئيس ~~«مانديلا»، وأشرت إلى الرسالة المزدوجة التي تعنيها هذه الجائزة ~~حينما تعطى لأول مسلم؛ ففيها رسالة للعالم الإسلامي وللعالم ~~الغربي أيضا. # عادت «ابتهال» إلى القاهرة للتدريس بالجامعة في سبتمبر، فقبلت ~~دعوة مؤسسة برلين للدراسات المتقدمة لمدة ستة أشهر للعمل على ~~التأويلية الإسلامية واليهودية. وأصبحت وحيدا، تتخاطفني الهواجس، ~~أكلم «ابتهال» تليفونيا ثلاث مرات يوميا. وفي العاشر من ~~سبتمبر اتصلت بي في الصباح، وقالت: أنا عندي خبر مش كويس. صمتت ~~قليلا، ثم قالت: «السيد ابن عمك تعيش إنت، توفي صباح أمس.» أنهيت ~~المكالمة معها، وخرجت في طريقي للجامعة. في منتصف الليل اتصلت بها ~~وقلت لها: أنا تعبان. ردت بلهفة: أجيلك لايدن فورا. ~~- لا. بس أنا مفتقدك جدا. ~~- نصر، السبب مش ms198 فقدانك لي، دا شيء أكبر من كدا، إنت حاسس ~~باليتم للمرة الثانية بفقد السيد ابن عمك وأبوك الثاني. # ازدادت داخلي الرغبة في العودة؛ فلو كنت في البلاد الآن ربما كنت ~~في عون السيد، سوف آخذ زمام حياتي مرة أخرى، لن أنتظر جامعة ~~القاهرة تدعوني للانضمام الأكاديمي لها، ولن أنتظر «لايدن» تعطيني ~~«أستاذ دائم»، وأنا مقبل على الستين في الثامن عشر من ~~نوفمبر. # سجلنا «المؤسسة العربية للتحديث الفكري» في سويسرا، أنا و«محمد ~~أركون» و«جورج طرابيشي» ومفكرون من العالم العربي ورجال أعمال، ~~كمحاولة لتشكيل كيان يسهم في عملية التحديث الفكري في العالم ~~العربي، ويسعى إلى جذب تبرعات من العرب، من أجل هذا الهدف، بعد ما ~~حدث من عنف العام الماضي. # بعد نهاية الفصل الدراسي في منتصف ديسمبر، اتصلت ب «ابتهال» في ~~القاهرة، وقلت: أنا «جاي عايز أزور السيد» ومش عايز أقابل أحد. ~~قالت: لازم نخبر محاميتك «منى ذو الفقار». ومنى ما زالت طوال كل ~~هذه السنوات تحاول، وقادت العمل في القضية منذ الاستئناف. وحينما ~~عرفت منى أصرت أن نتصل بالأمن. أرسلت لي الباحثة الأمريكية ~~«إستير نيلسون» بالإيميل مخطوطة كتابنا عن حياتي، صوت المنفى قبل ~~ركوبي الطائرة في طريقي إلى القاهرة. في المطار اندهشت من نفسي؛ ~~فلم تتسارع دقات قلبي، ولم يلحظني أحد، وكل الأحاسيس التي كنت ~~أتصورها ستحدث لم تحدث، وكأني تركت البلاد أمس. أخطأت شقتي ~~في السادس من أكتوبر. المكان كما هو، حتى نتيجة الحائط ما زالت على ~~تاريخ يوليو سنة خمس وتسعين. # اتصل بي ضابط أمن كبير يخبرني أنهم يعينون لي حراسة ~~تصحبني، انفعلت ورفضت، كيف أذهب إلى «قحافة» في حراسة؟ فكان الرجل ~~حليما، وقال: كيف ستسافر إلى هناك؟ ~~- بالقطار. ~~- كويس، الحراسة الدائمة لنا في كل قطار، سنخبرهم بوجودك ~~بالقطار، وخذ رقم التليفون دا؛ فإذا شعرت بأي شيء غير عادي ولو ~~بسيط، اتصل بهذا الرقم فورا، وده يا دكتور نصر ليس مجال اجتهاد. ~~أي أحساس بخطر اتصل. # وضحكنا. أصررت أن أذهب إلى «قحافة» وحدي، وكانت «ابتهال» في شدة ~~القلق، لكني ms199 أصررت. زرت بيت ابن عمي السيد، والتقيت ابنته التي ~~حاولت أن تخفف من ألمي لعدم وداعي له، فقالت: «لا تحزن، أيامه ~~الأخيرة كانت مليئة بالألم، لو شوفته لشعرت براحة أنه توفي ~~ورحم من ألمه.» وأنا أسير في الشارع مع أخي محمد، سمعت صوتها ~~من الداخل تقول: «هو دا نصر ابن أبو زيد يا ولاد؟» فقلت: إزيك يا ~~شوقية. ودخلت سلمت عليها، وأخذتني في حضنها. وذهبت للعزاء في ~~زميلي في الكتاب وخطيب مسجد بالقرية، مصطفى عمران. قضيت ثلاثة ~~أيام مع إخوتي وأسرهم في حضن قريتي. # عدت إلى القاهرة، وكانت «ابتهال» في حالة شديدة القلق، حاولت ~~أن أعرف السبب، فقالت بحدة: «يا نصر إنت كل كلامك خلال الفترة ~~الماضية كان عن الموت، ففجأة تقرر العودة، وتقرر زيارة «قحافة» ~~وحدك، فكأنك قررت الموت، وعايز تموت وحدك في هدوء، في حضن قريتك. ~~عايزني أفكر في إيه؟» اعتذرت على ما سببته لها، وقلت إنني فقط ~~أردت زيارة القرية في هدوء. وذهبنا لقضاء بضعة أيام في الساحل ~~الشمالي، وطلبت «منى ذو الفقار» أن تعد حفلة صغيرة في بيتها، ~~تدعو إليها المحامين الذين اشتركوا في الدفاع عني، فلا يصح ألا ~~أقابلهم، فاتفقنا أن تكون الحفلة في ليلة عودتي إلى لايدن. ~~وأخرج من بيتها إلى المطار. وفي اللقاء تكررت الطلبات من ~~الحضور: لماذا لا تعود يا دكتور نصر؟ حتى إن أحدهم أخذته الحمية ~~وقال: «يا رجل إنت لازم ترجع، حتى ولو كان فيها موت، من أجل القضية ~~والوطن.» وما إن سمعته «ابتهال» حتى كادت أن تفتك به، وردت ~~عليه: «وتمشوا في الجنازة وتترحموا على البطل فقيد الإرهاب ~~والشهيد، وأشيل أنا الهم.» فقلت لأنقذه منها: «أنا لا بطل ولا ~~مفكر مستنير، ولا عايز أموت، أنا إنسان أحب الحياة جدا، ما ~~أنا إلا خوجة، باحث، ولا مستعد أبقى شهيد.» وحضر في نهاية اللقاء ~~بزخمه «أسامة الباز» بجسمه النحيل، وفي سياق الجدال قال: «معندناش ~~حرية في بلدنا تستحمل نصر أبو زيد.» كانت هذه الزيارة زادا وقوة ~~نفسية لي عدت بهما إلى ms200 هولندا. # أنشأت جامعة «الإنسانيات» بأوتريخت كرسيا باسم «ابن رشد»، ~~باسمه العربي وليس اسمه اللاتيني «آفريوس»، للدراسات الإسلامية، ~~وأصبحت أول أستاذ لهذا الكرسي، وأصبحت أدرس يوما واحدا بجامعة ~~لايدن. اتصل بي د. «حسن حنفي» - مع اقتراب عيد ميلادي الذي يتقارب ~~مع عيد ميلاد زوجته فريدة - يخبرني بضرورة أن أرجع قبل بلوغي ~~الستين بعشرة أيام لأستلم عملي، وأخرج على المعاش وأنا مستلم ~~عملي؛ حتى لا يسعى أحد إلى حرماني من أن أكون أستاذا متفرغا ~~بجامعة القاهرة. وقال إنهم لم يفعلوها مع أحد من قبل، لكن ممكن أن ~~يعملوها معك، وأن أقدم على إجازة مرة أخرى بعدها بأسبوع. فعدت ~~لمصر في الثامن والعشرين من يوليو ألفين وثلاثة. واتصل بي صديقي ~~د. «السيد البحراوي» يدعوني إلى احتفال القسم بالدكتور «شوقي ضيف»، ~~بمناسبة حصوله على جائزة «مبارك» في الآداب هذا العام، وسألني إن ~~كنت أمانع في الحضور لموقف الدكتور «شوقي» أثناء مشكلة ترقيتي، ~~فتذكرت ما قاله لي د. «إحسان عباس» الباحث الأردني، وزميل دراسة ~~د. «شوقي ضيف»، والذي قال لي: «شوقي ضيف رجل طيب، هو خاف يرقيك ~~وتطلع كافر فيدخل النار، وخاف ألا يرقيك وتكون رجل كويس، فيدخل ~~النار أيضا، فانسحب.» تذكرت ذلك حين دعاني د. «سيد البحراوي»، ~~فوافقت على الحضور. # أخطو في الجامعة لأول مرة منذ ثماني سنوات، سلمت على كل الناس ~~والفراشين الذين أعرفهم، وحينما دخل د. «شوقي ضيف» فاجأني بأن ~~قبل يدي، فبهت من تصرفه، وسعيت إلى يديه أقبلها، لكنه ~~لم يمكني. وفي كلمته ردد اسمي مرات. وفي بيت «زين ~~العابدين فؤاد وجوسلين» الذي سيتولى الطبخ كالعادة في هذه ~~التجمعات الكبيرة، التقينا في احتفال جميل، «أحمد مرسي، محمد ~~صالح، عبد الحميد حواس، أمينة رشيد، رضوى عاشور، سعيد الكفراوي، ~~محمد أبو الغار، سيد البحراوي، وعماد أبو غازي»، والكثير من ~~الأصدقاء، وطوق «زين» عنقي بشال حرير، وهو يغني: يا حرير ~~إسكندرية لبسوك الفلاحين. وذكرنا سعيد الكفراوي بحكايات الشباب، ~~خصوصا مهر عروسته «أحلام» الذي أعطاه والده لي ول «جابر عصفور» ~~الذي لم أره؛ حتى لا ms201 يصرفه سعيد كما فعل مرات من قبل؛ لنعطيه ~~لوالد عروسته. وقال سعيد: «لقد حل نصر الغضب، فهل ثمة مبرر ~~للمنفى؟» ودعاني صديقي محمد أبو الغار إلى لقاء في بيته، حضره «صنع ~~الله إبراهيم، منى ذو الفقار، جمال الغيطاني، عادل حمودة، عدلي رزق ~~الله، منى أنيس، وشيرين أبو النجا، فريدة النقاش، حسين عبد ~~الرازق»، وغمروني بحبهم وعطفهم، وقد دخلت الستين. ونشرت مجلة ~~«ألف» في عددها الثالث والعشرين عام ألفين وثلاثة بالجامعة ~~الأمريكية، الترجمة الإنجليزية لدراستي السابقة عن القراءة الأدبية ~~للقرآن ... إشكالياتها قديما وحديثا، والتي نشرت في مجلة ~~«الكرمل» سنة ست وتسعين. # 11 # منذ مناقشة رسالتي للماجستير، سنة ست وسبعين، وأنا أود دراسة ~~دور الجدل بين المسلمين الأوائل واللاهوتيين المسيحيين في نشأة علم ~~الكلام، بجانب ما تناولته من عوامل سياسية واجتماعية وثقافية في ~~الماجستير، وأيضا لهذه الحالة التي نعيشها، وازدادت بعد اعتداءات ~~الحادي عشر من سبتمبر، والمواجهة العسكرية المباشرة من القوى ~~الغربية في العراق. في هذا السياق، كانت دراستي لعملية الجدل ~~الإسلامي المسيحي التي حدثت في القرن الثاني الهجري، بدايات القرن ~~الثامن الميلادي، وتأثير القراءة والفهم المسيحيين في نشأة قضايا ~~علم الكلام أو اللاهوت الإسلامي. اعتمدت في هذه الدراسة ما كتبه ~~يوحنا أو يحيى الدمشقي (34ه/675م-108ه/749م) باللغة اليونانية، وقد ~~اعتمدت على الترجمة الإنجليزية عن اليونانية من خلال ترجمة «دانيال ~~ساس»، وعلى ما كتبه «ثيودور أبو قرة» (109ه/750م-184ه/825م) الذي ~~سار على طريق «يوحنا الدمشقي»، وسياق هذا الجدل والتحدي الذي ~~مثلته أسئلة المجادل المسيحي بخطابه اللاهوتي المسيحي في ~~ثمانية قرون ضد الدين الجديد، وكيف أخذ المجادلون المسلمون التحدي ~~بجدية، وكيف أثر هذا في تشكيل قضايا علم الكلام ومسائل اللاهوت ~~الإسلامي الذي لم يكن قد استوى على عوده بعد، وكانت مقولاته «غير ~~نضيجة»، فقرأ المجادل المسيحي النصوص الدينية الإسلامية ليرد ~~عليها، وكذلك فعل المجادل المسلم مع التوراة والإنجيل. # كيف تعامل المجادل المسيحي مع خطر الدين الجديد، ويجب أن نضع ~~في حسباننا أن «يوحنا وثيودور» يكتبون للمسيحي الشرقي لتثبيت ~~اللاهوت المسيحي ضد غواية الدين الجديد من ms202 وجهة نظرهم. و«يوحنا» ~~كان أبوه يعمل في بلاط الدولة الأموية كما كان جده يعمل في الدولة ~~البيزنطية، وقد تولى «يوحنا» العمل في بلاط الأمويين بعد والده، ~~ودرس القرآن وتعلم العربية كما يبدو، اعتزل الحياة العامة سنة ~~89ه/730م، وذهب إلى دير «سابا» قرب القدس، وكتب ضد عملية تحريم ~~عبادة الصور وتبجيل الأيقونات، وأدين في مجمع «هيرا» سنة ~~113ه/754م، لكن رد إليه الاعتبار في مجمع «نيقية» الثاني سنة ~~146ه/787م، وعلى نهجه سار «ثيودور أبو قرة» الذي لا نعلم عن حياته ~~الكثير. في هذا المناخ كان الآباء المؤسسون لعلم الكلام من «معبد ~~الجهني» (ت: 80ه/700م)، و«غيلان الدمشقي» (ت: 99ه/718م)، و«الجعد ~~بن درهم» (ت: 120ه/738م). # في كتاب «يوحنا» «نافورة المعرفة» قسم خاص بالبدع، ذكر منها ~~مائة بدعة وواحدة، من ضمنها الإسلام، ولم يكن اللفظ المستخدم ~~للتعبير عن المؤمنين بمحمد بالمسلمين، بل يشار إليهم بأنهم ~~الإسماعيليون؛ نسبة إلى «إسماعيل»، أو السراسيون؛ إشارة إلى ~~أبناء «هاجر» التي طردتها «سارة»؛ أي بتعبير آخر مطاريد «سارة». ~~وقد اعتبر «يوحنا» هذه الدعوة ما هي إلا هرطقة من ضمن الهرطقات ~~المسيحية التي ظهرت من قبل، مثل أتباع آريوس (ت: 336م) الذي قال ~~إن الله واحد وكل ما سواه مخلوق، وأتباع «نسطور» (ت: 450م) الذي ~~نادى بالطبيعة البشرية الكاملة للمسيح. وعرضت لثلاث قضايا محورية ~~تم حولها الجدل، وهي الكلمة الإلهية؛ وعيسى طبقا للقرآن هو كلمة ~~الله المخلوقة، وهذا في نظر اللاهوت المسيحي هرطقة. القضية الثانية ~~هي قضية الصفات الإلهية. والقضية الثالثة الجبر والاختيار. عرضت ~~لجدل القرآن مع النصارى، والإشارات التي لها دلالات تاريخية في ~~القرآن، مثلما جاء في سورة «الروم» عن معركة القدس بين الفرس ~~والروم (615-616م)، واضطهاد «ذو نواس» لنصارى «نجران» في سورة ~~«البروج»، وما ورد في السيرة عن هجرة الحبشة. وتعرضت بعد ذلك ~~لجدل «يوحنا وثيودور» ضد الإسلام. هذا الجدل - حينما أخذه المسلمون ~~مأخذ الجد - كان جدلا منتجا. وأردت أن أقول إن ما نواجهه ~~الآن بما يسمى الخطاب المعادي للإسلام، نعم قد يكون هو خطابا ~~معاديا، وقد نأخذه بانفعال ms203 فنتألم، لكن لو اعتبرناه تحديا ~~ونشتبك معه فكريا، فربما يحدث نوعا من الفعالية المثمرة في ~~جسد الفكر الإسلامي المصاب بفقر الدم الفكري؛ ففي التجربة التي ~~سردتها لم يقتل «يوحنا»، ولم تخرج مظاهرات ضد «ثيودور»، بل تم ~~التعامل معهم فكريا. # ركزت جهدي في المنهج الذي نحتاجه لنتجاوز به الفشل وضعف ~~الثمار التي أثمرها خطاب التجديد خلال القرنين الماضيين ~~باعتمادهم على نفس الأساس اللاهوتي (الأشعري/الحنبلي). وجاءت ندوة ~~باريس التي دعيت إليها حول موضوع السبل العملية لتجديد الخطاب ~~الديني في الثاني عشر من أغسطس ألفين وثلاثة، فقدمت ورقة ~~بعنوان «نحو منهج إسلامي جديد للتأويل»؛ فمنذ عصر الخليفة العباسي ~~«المتوكل» (205ه/847م-247ه/861م) توقف النقاش حول إشكالية ~~تعريف «الكلام الإلهي» وعلاقته بالذات الإلهية، والتي عرفت بقضية ~~«خلق القرآن»، وحسمت بأمر سياسي، وتم تحديد العقائد الصحيحة ~~وتمييزها عن العقائد الباطلة، واعتبرت عقيدة «خلق القرآن» بدعة، ~~وصار تصور القرآن الأزلي القديم هو العقيدة الصحيحة، حتى أتى «محمد ~~عبده» (1849-1905م) في العصر الحديث في كتابه «رسالة التوحيد»، ~~وفتح النقاش حول قضية الوحي وكلام الله. وفي الطبعة الأولى ~~انحاز لموقف المعتزلة، لكن حدث تغيير لهذا الموقف في الطبعة ~~الثانية من الكتاب التي أخرجها تلميذه «رشيد رضا»، منحازا لموقف ~~«الأشاعرة» الذي يميز بين الصفة الأزلية للكلام الإلهي والقرآن ~~المتلو المحكي بأصواتنا البشرية، وهذا هو المخلوق. ومنذ هذا ~~التردد ظلت محاولات التجديد تدور في فلك اللاهوت الأشعري، ~~ورويدا رويدا غاب هذا التمييز الأشعري بين جانبي الكلام ~~الإلهي لحساب الموقف الحنبلي الذي يصر على صفة واحدة بلا ~~تمييز، وهي أن كلام الله أزلي قديم وصفة من صفاته الأزلية ~~القديمة. # وتعرضت لبعض المحاولات الجزئية التي حاولت الاقتراب منها دون ~~أن تتناول السؤال المكبوت من القرن الثالث الهجري، التاسع ~~الميلادي؛ فعرضت ل «محمود محمد طه» (1909-1985م) في السودان، ~~والذي حاول التمييز بين رسالتين في الوحي؛ الرسالة المكية وهي ~~الأصل والجوهر، ورسالة ما بعد الهجرة وهي الرسالة المدنية. ~~والإشكال هو أنه يعطي نفسه الحق في فهم علمي المكي والمدني ~~والناسخ والمنسوخ من علوم القرآن خارج سياق ms204 التاريخ الاجتماعي ~~والسياسي للمسلمين. وقريب من هذه المحاولة محاولة «محمد شحرور» ~~المولود عام 1938م، رغم اختلاف الأسلوب، حيث المصحف يحتوي على ~~جانبين؛ الجانب الأول: جوهر ثابت هو القرآن، ومصدره هو النبي، ~~وهو المتشابه الذي يحتاج إلى الراسخين في العلم لفهمه وتأويله. ~~والجانب الثاني من المصحف هو: الجانب الواضح، وهو الكتاب، وهو ~~التاريخي المؤقت القابل للتطور، ومصدره هو الرسالة والرسول. ~~و«شحرور» يتعامل مع اللغة ككائن هلامي بلا معجم وبلا دلالة ~~استعمالية؛ مما يجعله يستنطق القرآن بمعان ودلالات محددة ~~سلفا. # وتعرضت لمحاولة اثنين من المشاركين في الندوة؛ مشاركة «جمال ~~البنا» المولود عام 1920م، وهو يميز تمييزا حادا بين الإسلام ~~والمسلمين؛ حيث الإسلام جوهر ثابت متعال لوثته الأفهام حين ~~اختلط الإسلام بالحضارات القديمة. ومن جهة أخرى يتعامل مع النصوص ~~التأسيسية كنصوص بلا سياق إنساني مفارقة للتاريخ وللثقافة؛ مما ~~يجعل قراءته تتميز بالانتقائية، ويسهل من ذلك نفيه للثقافة ~~الإسلامية بما فيها الفقه من أفق منظوره التفسيري. وعرضت لتجربة ~~«خليل عبد الكريم» (1930-2002م)، وهو مشغول بالنقد التاريخي، لكنه ~~لا يكاد يتجاوز عنده منهج نقد الرواية في التراث. وفي صراعه مع ~~سلطة التقديس يوظف النقد التاريخي لغايات براجماتية، فيقع في ~~انتقائية واضحة للنصوص التراثية التي تحقق غايته، ويهمل تلك ~~التي تعارض أهدافه. ويمكن أن نستثني من كل هذه المحاولات محاولة ~~«حسن حنفي» المولود عام 1935م، الذي أعاد وأفاد عن العلاقة الجدلية ~~بين الإلهي والإنساني في مفهوم الوحي. وأيضا المفكر الباكستاني ~~«فضل الرحمن» (1919-1988م)، الذي أكد الدور الإيجابي للنبي في ~~عملية الوحي، قائلا إنه لم يكن مجرد ساعي بريد. لكن سؤال كلام ~~الله ظل غائبا عنده. # وحاولت أن أضع بعض النقاط التي أفكر فيها؛ فسؤال القدماء في ~~القرون الأولى من تاريخ الإسلام استجابة للسؤال المسيحي حول تناقض ~~القرآن في فهمه للمسيح، بكونه كلمة الله وروحا منه وبين كونه ~~إنسانا مخلوقا من جهة أخرى. كان السؤال هو ما إذا كان كلام الله ~~قديما أزليا أم محدثا مخلوقا. ومفهوم أن القرآن كلام الله ~~الأزلي القديم، وصفة من صفات الذات ms205 الأزلية القديمة؛ فتصبح اللغة ~~العربية قشرة على معانيه. وبما أنها قشرة فإن علوم اللغة والبلاغة ~~والأسلوب والدلالة هي علوم مهمتها إزالة القشور للبحث عن ~~الدرر الكامنة. وهذا التعريف هو الأساس الذي يسوغ أسلمة ~~العلوم بالقدر الذي يسوغ العنف والقتل والتكفير باسم الله؛ فإذا ~~كان هذا هو سؤال التراثيين فإن سؤالنا الآن في سياق الدرس العلمي ~~والفهم الموضوعي هو: ما معنى أن القرآن كلام الله؟ وتتفرع عنه ~~أسئلة كثيرة عن طبيعة الوحي وكيفيته، وهل كان تواصلا باللغة أم ~~تواصلا بالإيحاء والإلهام. # فإن الله تعالى يقول: # وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشاء # والتراثيون قسموا طرق التواصل من قراءة ~~هذا النص إلى ثلاثة أنماط؛ الأول: الوحي بمعنى الإلهام كما في كلام ~~الله لأم موسى. والثاني: هو كلامه مع موسى من وراء حجاب الجبل. ~~النمط الثالث: هو نمط الوحي في الإسلام عن طريق وسيط هو جبريل. ~~وقالوا عن هذا التواصل بين جبريل ومحمد كان تواصلا لغويا ~~بالعربية، وهو تفسير تتأبى عليه الآية التي تنص على أن ~~«الرسول/الملك» «يوحي» إلى البشر بما يشاء الله، ومعنى ذلك أن ~~الاتصال بين جبريل ومحمد كان اتصالا غير لغوي، اتصالا بالوحي؛ أي ~~بالإلهام. وهناك روايات كثيرة تنسب إلى الرسول أن الوحي كان يأتيه ~~مثل صلصلة الجرس أو طنين النحل. من ذلك ينفتح الباب للنقاش عن ~~معنى التنجيم، ما معنى أن القرآن نزل مفرقا حسب الأحوال ~~والملابسات؟ وسؤال آخر نابع منه هو: هل القرآن نص واحد أم كثرة ~~من النصوص لكل منها سياقه الخاص؟ وسؤال ينبع من ذلك: لماذا حين ~~جمع القرآن في مصحف لم يرتب حسب النزول؟ وهذا ليس تشكيكا في ~~القرآن، بل لفتح النقاش بحثا عن حكمة الترتيب الحالي، سواء كان ~~هذا الترتيب إلهيا أو بشريا كما يذهب البعض. ودراسة عملية ~~الجمع والتدوين في المصحف، كيف بدأت؟ وكيف تطورت من رسم المصحف ~~بلا تنقيط ولا حركات أو فواصل أو علامات وقف؟ وما علاقة كل هذا ms206 ~~بالقراءات المعتمدة؟ ولا نتغافل أو نتجاهل الصحائف الباقية من ~~مصاحف مختلفة، والتي تم العثور عليها بالمصادفة في سقف أحد مساجد ~~صنعاء باليمن بعد سقوط السقف بفعل المطر سنة 1972م، وهي مكتوبة ~~بخط حجازي. # إذا لم يتغلب علينا ضعف الإيمان فنرفض مجرد النقاش وفحص ~~الوقائع، ونصر على أن نجمد عقولنا؛ فإن هذه الأسئلة لن تهدم ~~الدين ولن تزعزع اليقين، بل من المؤكد أنها ستفتح لنا مجالا ~~للفهم لنمتلك تراثنا ونبني عليه من خلال طرح أسئلتنا نحن، بدل أن ~~يكون تراثنا عبئا علينا كما هو الحال الآن. فمتى نبدأ؟ هذا هو ~~السؤال. خرج هذا العام المجلد الثالث من الموسوعة القرآنية، وبه ~~مشاركة لي عن الاضطهاد. # 12 # منذ محاضرتي عام ألفين لكرسي «كليفرنجا» للحريات في جامعة ~~«لايدن»، التي ركزت فيها على تحليل البعد الرأسي في عملية ~~الوحي. عملية التواصل بين الله والنبي محمد هي العملية التي أنتجت ~~القرآن. وكنت وصلت في محاضرة العام الماضي في باريس إلى أن النظر ~~للقرآن كمجموعة من النصوص لكل منها سياقها، لكن ظلت القضية ~~تشغلني. وفي محاضرة كرسي «ابن رشد»، في جامعة الإنسانيات بأوتريخت، ~~كانت محاضرتي كأستاذ للكرسي في السابع والعشرين من مايو ألفين ~~وأربعة، «إعادة التفكير في القرآن، نحو تأويلية إنسانية»، أن ~~النسخة الأولى لرسم المصحف دون تنقيط وإعراب قد تم إنجازها في عهد ~~الخليفة الثالث عثمان بن عفان (23ه/644م-35ه/656م)، والنسخة ~~النهائية للمصحف بعد إضافة علامات التنقيط وعلامات الإعراب قد تم ~~إنجازها في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. وبها تمت عملية ~~التقنين للمصحف الحالي. # أنا هنا أطور أطروحتي حول الجانب الإنساني في الوحي/القرآن، ~~خطوة أبعد بالانتقال من البعد الرأسي الذي ركزت عليه في محاضرة ~~عام ألفين إلى البعد الأفقي. ولا أعني به مجرد عملية التقنين التي ~~أشرت إليها، ولا عملية البلاغ التي قام بها النبي عليه السلام، ولا ~~عملية الانتشار الأفقي الناتجة عن فعل التبليغ، ولا أعني بها أيضا ~~التراث التفسيري الذي حول النص الإلهي إلى فهم إنساني، لكن أعني ~~بها المحايثة لعملية الوحي ذاتها، والمتمثلة في دوال ms207 وإشارات ~~ما تزال ماثلة في بنية النص المدون في المصحف. هذا البعد يمكن ~~إدراكه وتقديره، إذا حولنا منظورنا في التعامل مع القرآن من ~~منظور كونه نصا إلى النظر إليه باعتباره خطابا أو بالأحرى ~~خطابات، لكل منها سياقه الذي لا تستبين دلالة الخطاب إلا ~~به. # وأنا كنت أحد الدعاة للخاصية النصية للقرآن، متأثرا بالمنهج ~~الأدبي عند الشيخ «أمين الخولي»، ومتأثرا بأساليب الدراسات ~~الأدبية الحديثة، لكني بدأت أدرك خطورة التعامل مع القرآن بوصفه ~~نصا فقط؛ من حيث إنه يقلل من شأن حيويته، ويتجاهل حقيقة أن ~~القرآن ما زال يمارس وظيفته في الحياة اليومية للمسلمين بوصفه ~~خطابا لا مجرد نص. وكان القرآن، وما يزال، في الفترة الأولى من ~~تاريخ المسلمين قبل الوصول لمرحلة التقنين النهائي للمصحف، وقبل ~~تحول الإسلام إلى مؤسسات، ينظر إليه بوصفه الخطاب الحي، بينما ~~كان المصحف بمثابة النص الصامت؛ فنسخ القرآن لم تتوفر بشكل واسع ~~إلا مع دخول المطابع الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي، الثالث ~~عشر الهجري، في العالم العربي والإسلامي. ومع انتشار الأمية، فإن ~~تأثير القرآن منطوقا في الحياة اليومية عند المسلمين طوال هذه ~~القرون. وإن التعامل مع القرآن فقط بوصفه نصا سينتج دائما ~~تأويلية شمولية أو تأويلية سلطوية، وكلتاهما تزعم إمكانية الوصول ~~إلى الحقيقة المطلقة. # في رسالة الماجستير رصدت تحول القرآن إلى أرض للمعارك ~~الفكرية والسياسية بين المتنازعين، وتعامل المتكلمون مع ~~القرآن من منظور نص مكنهم من ترسيخ المبدأ التأويلي الأول عن ~~المحكم والمتشابه. ونزاعهم حول المعنى تطور إلى نزاع حول ~~المبنى. ما المحكم وما المتشابه من آيات القرآن؟ وميز ~~الفقهاء وعلماء الأصول مبدأهم التأويلي على أساس التمييز في ~~الخطاب الإلهي بين المتقدم والمتأخر في ترتيب النزول، ~~وتعاملوا مع القرآن بوصفه نصا وباعتباره كتابا بالمعنى ~~القانوني، فتمت صياغة مقولة الناسخ والمنسوخ بأقسامها الأربعة؛ ~~المنسوخ لفظا وحكما، والمنسوخ حكمه وبقي لفظه، والمنسوخ لفظه ~~وبقي حكمه، والقسم الرابع الثابت حكما ونصا. وإذا كان النص ~~البشري يخضع لسيطرة مؤلفه ويعكس قدراته، فإن النص الإلهي - ومصدره ~~الله سبحانه وتعالى - لا بد ms208 أن يقع في أرقى مستويات البناء التي لا ~~يمكن أن تستوعب تناقضا ما؛ فأي تناقض أو اختلاف في الكتاب الإلهي ~~لا بد أن يكون ظاهريا؛ فالهدف عند المتكلمين والفقهاء كان رفع ~~التناقض عن النص الإلهي. ولم يكن من الممكن للمتكلمين أو الفقهاء ~~أن يدركوا أن ما يبدو لهم تناقضا ليس إلا مواقف وترتيبات لا يمكن ~~فهمها إلا بالعودة لسياقها الخطابي؛ أي سياق التحاور والتساجل ~~والجدل والاختيار والرفض والقبول ... إلخ؛ أي يتطلب منا الاهتمام ~~بالطبيعة الخطابية للقرآن، بدلا من تركيز الاهتمام بالكامل على ~~الطبيعة النصية التي أسهمت في إغلاق الاحتمالات، وتثبيت احتمالات ~~موجهة أساسا بأيديولوجيا المؤول السياسية أو الثقافية أو ~~العقدية أو المذهبية. # وبسبب سيطرة مفهوم القرآن بوصفه نصا على مجمل الدراسات في ~~الشرق والغرب، جعل من الصعب تقديم نسق بنيوي دقيق للخطاب ~~القرآني. وكتاب «القرآن بوصفه نصا»، والذي يتضمن بحوث المؤتمر ~~العلمي الدولي الذي عقد في نوفمبر عام ثلاثة وتسعين بقسم ~~الدراسات الشرقية بجامعة «بون» الألمانية، أبرز التحول في الدراسات ~~القرآنية في الأكاديميات الغربية من نموذج البحث عن أصول وجذور ~~القرآن في التراثين اليهودي والمسيحي، إلى نموذج النص كما تم ~~استقباله في تاريخ المسلمين في شكل المصحف. وقد قدمت الموسوعة ~~الإسلامية في الطبعة الثانية تصنيفا للشكل أو الأشكال الأدبية في ~~القرآن، وهي: آيات القسم، والآيات التي تشير إلى الآيات الكونية ~~والقصص وآيات الأحكام، وأخيرا الآيات الدعائية التعبدية. و«محمد ~~أركون» رغم تأكيده على طبيعة القرآن بوصفه خطابا، فهو يتبنى ~~تصنيف «بول ريكور» الفيلسوف الفرنسي، للأشكال الأدبية في العهد ~~القديم، والمبنية على أساس تبني التعريف النصي؛ فالخطاب القرآني ~~عنده يتكون من الخطاب النبوي أو التنبؤ، والخطاب التشريعي، ~~والخطاب القصصي، ورابعا الخطاب التقديسي، ثم الخطاب التعبدي. ~~والنظر إلى القرآن على أنه نص يجعلنا نبحث باستمرار عن مركزية ~~النص، هل مركز القرآن هو الجهاد، والحدود ... إلخ، أم إن مركزية النص ~~القرآني في الصبر والرحمة، وتقبل الآخر ... إلخ؟ وهذا هو المدخل ~~للتأويل والتأويل المضاد. ومفهوم الخطاب يخرجنا من هذا ~~الصراع. # ويمكنني القول إن القرآن لا ms209 يمثل خطابا أحادي الصوت، بل ~~هو خطاب تعدد الأصوات بامتياز؛ بمعنى أن ضمير المتكلم لا يشير ~~دائما إلى المقدس، فصوت المقدس لا يعبر عنه دائما بضمير ~~المتكلم «أنا»، بل كثيرا ما يمثله الضمير الغائب «هو»، وهو ~~دائما «أنت» في الخطاب التعبدي الدعائي. هذا عن الأصوات في ~~القرآن. وإذا نظرنا للحوار في القرآن بداية من حوار السجال ~~فسجال القرآن مع المشركين، والنوع الثاني هو سجال القرآن مع ~~المؤمنين. والحوار التفاوضي مثل الحوار مع النصارى وتطوره من ~~التفاوض إلى الجدل. الصنف الثاني: الحوار التفاوضي كان مع اليهود، ~~والذي تطور من التفاوض والجدل إلى الحرب. ودراسة كل هذه الجوانب ~~في الخطاب القرآني تحتاج إلى فريق بحثي كامل يعمل عليها، وتحتاج ~~إلى مجلدات ترصدها. وقد عرضت في المحاضرة بعض النماذج التي ~~توضح كل هذه الجوانب، من تعدد الأصوات ومن الحوار السجالي ~~والحوار التفاوضي. في القسم الثاني من المحاضرة، والتي نشرت في ~~كتاب، كان عن عملية التجديد في الفكر الإسلامي منذ القرن الثامن ~~عشر والتاسع عشر والعشرين، وكيفية استجابة العقل المسلم لتحديات ~~الاكتشافات العلمية الجديدة وأسئلة العقل والعقلانية، بالإضافة إلى ~~التحديات السياسية. # شاركت بورقة عن «اليسار الإسلامي إطلالة عامة» بمعهد «إبراهيم ~~أبو لغد» للدراسات الدولية، جامعة بيرزيت، بينت فيها أنه لو ~~أخذنا تعريفا عاما جدا لليسار بأنه: الحركات السياسية ~~والفكرية التي تدافع عن حقوق الفقراء والمستضعفين. وهو كل نزوع ~~نحو التقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتحرر الفكري ونحو ~~العقلانية؛ أسلوب حياة ونمطا في التفكير. وأوضحنا اليمين بأنه: ~~الحركات السياسية والفكرية التي تؤيد الحرية الفردية في مجال ~~الاقتصاد، وتقف ضد أي محاولة لتوزيع الثروة أو لتقريب الفوارق بين ~~الطبقات. وهو يتمسك بالتقاليد والمحافظة، والميل إلى تثبيت الواقع. ~~وعرضت لجوانب هذا الفكر في تراثنا منذ القدماء إلى العصر الحديث، ~~حتى هزيمة يونيو سنة سبع وستين. # تمت دعوتي لزيارة إندونيسيا، في السادس والعشرين من أغسطس، ~~أسبوعين من المركز الدولي للإسلام والتعددية، ونظمت لي مجموعة ~~من الأنشطة، وكان عدد من كتبي قد ترجم إلى اللغة الإندونيسية، ~~وبعض تلاميذي الإندونيسيين في ms210 لايدن في الدراسات الإسلامية قد ~~عادوا إلى إندونيسيا، وأصبحوا أساتذة في الجامعات والمعاهد ~~الإندونيسية، وتعرفت إلى أكبر منظمتين إسلاميتين هناك؛ ~~«المحمدية» التي تأسست عام ألف وتسعمائة وثمانية، و«نهضة ~~العلماء» التي أنشئت بعدها بأربع سنوات. والتقيت رئيس «نهضة ~~العلماء» وحفيد مؤسسها الذي أصبح رئيس إندونيسيا فيما بعد «عبد ~~الرحمن وحيد». وأشرفت على ورشة عمل تحت عنوان «نقد الخطاب ~~الديني»، وتم افتتاح مؤسسة «عبد الرحمن وحيد» لغرس بذور ~~التعددية والسلمية في الإسلام، ودعاني لألقي كلمة في الافتتاح. ~~وقضيت يومين في المعهد العالي للفقه. استقبلوني استقبال شيخهم ~~الجليل. واكتشفت أن كتابي «مفهوم النص» المرفوع من مكتبة جامعة ~~القاهرة، يدرس باللغة العربية في المعهد على الرغم من أنه ~~مترجم عندهم. وكتبت مقدمة لكتاب «قراءات نقدية في الفكر ~~المعاصر» ل «عاطف أحمد» الذي نشرته دار المحروسة. وخرج كتابي مع ~~«إيستر نيلسون» بالإنجليزية عن مشوار حياتي تحت عنوان «صوت ~~المنفى». # 13 # أصبحت زياراتي لمصر منتظمة في كل إجازة دراسية، ودعاني د. ~~«حسن حنفي» لإلقاء محاضرة في الجمعية الفلسفية المصرية، وكان ~~لطيفا جدا في الإطراء علي. وألتقي «علي مبروك» منذ لقائنا في ~~لايدن مرة أخرى. وألتقي «جابر عصفور» منذ عمليته في القلب بفرنسا، ~~وباتصالي به عادت علاقتنا، واحتفظ كل منا بموقفه مما يحدث. وفي ~~نوفمبر ألفين وخمسة اتصلت بي لجنة جائزة «ابن رشد» للفكر الحر؛ ~~لأنها اختارتني للتكريم هذا العام. وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين ~~من نوفمبر، بمعهد جوته ببرلين في ألمانيا، حضرت أنا و«ابتهال»، ~~وحضر السفير المصري في ألمانيا وممثل الجامعة العربية وكوكبة من ~~المفكرين. وقالت المؤسسة إنها تمنح جائزتها «لمفكر عربي إسلامي ~~متميز ومجتهد في أصول الدين؛ هو «نصر حامد أبو زيد»، ولكفاحه ~~المتواصل من أجل إعادة قراءة معاني القرآن قراءة مستقلة عن ~~التفسير التقليدي دافعا حريته الشخصية ثمنا لذلك.» ورغم رمزية ~~هذه الجائزة التي تبرعت بقيمتها للمؤسسة نفسها، لكن هذه الجائزة ~~مثلت عندي معنى ربط اسمي ب «ابن رشد» الذي أعتلي أستاذية كرسي ~~باسمه. وهذه الجائزة على الرغم من أنها تأتي من ألمانيا من ms211 مفكرين ~~ونشطاء عرب، فهي تمسح العار الذي لحق بقيمة الحرية - حرية البحث ~~العلمي وحرية العقيدة - في عالمنا العربي والإسلامي، الذي لا توجد ~~به جائزة واحدة لحرية الفكر. وألقيت محاضرة أشرك بها الحضور في ~~همومي الفكرية بعنوان «نحو منهج إسلامي جديد للتأويل»، عرضت فكرتي ~~عن الطريق للخروج من مفهوم النص إلى مفهوم الخطاب. # انخرطت في مشروع كتابة دراسة ل «حركة الإصلاح الديني في العالم ~~الإسلامي، تحليل نقدي تاريخي»، واعتمدت على القسم الثاني من ~~محاضرتي لكرسي «ابن رشد» بتشجيع ودعم الجامعة، وتعاونت معي دكتورة ~~«كاتاجان أمير بور» في الفكر الإيراني، ودكتور «محمد نور كوليس ~~سيتوان» في الفكر الإسلامي الإندونيسي. والسؤال الذي يشغلني هو: ~~إلى أي مدى انخرط الإصلاحيون في تجديد الفكر الإسلامي انخراطا ~~حقيقيا؟ وهل استطاعوا تحدي الصورة السلبية للغرب، والتي ~~يرفعها التقليديون؟ فمنذ القرن الثامن عشر الميلادي وحركة الإحياء ~~الإسلامي في الهند على يد «شاه ولي الله الدهلوي» ~~(1112ه/1702م-1174ه/1762م)، و«محمد بن عبد الوهاب» ~~(1113ه/1703م-1204ه/1791م) في نجد، قبل المرحلة الاستعمارية، وهي ~~محاولة إحياء وإعادة للتقاليد من أجل الوحدة والاستقرار والتضامن، ~~وحاول كل منهما استدعاء سلطة سياسية، وسلطة الفقه لإصلاح حال ~~الأمة. لكن لاختلاف مجتمع المسلمين في الهند عن المجتمع النجدي في ~~الجزيرة العربية؛ فإن المسحة الصوفية كانت واضحة في الهند، فجاء ~~الإحياء قائما على التصوف وعلى الشريعة، وللطبيعة الثقافية ~~الهندوسية والبوذية فقد كان عنده تداخل بين «ابن تيمية» الحنبلي ~~(728ه/1328م) و«ابن عربي» (638ه/1240م) الصوفي، لكن الثقافة في نجد ~~قائمة على التقاليد والأعراف القبلية، فكان الإحياء قائما على ~~«ابن تيمية» فقط. # في القرن التاسع عشر مع الاحتلال الغربي المباشر، تناولت ~~«سيد أحمد خان» (1231ه/1817م-1313ه/1897م) في الهند، «ورفاعة ~~الطهطاوي» (1214ه/1801م- ~~1289ه/1873م) في مصر، و«أحمد فارس الشدياق» ~~(1217ه/1804م-1303ه/1887م) في سوريا، و«جمال الدين الأفغاني» ~~(1252ه/1838م-1313ه/1897م)، و«عبد الرحمن الكواكبي» ~~(1264ه/1849م-1318ه/1902م) في سوريا، و«محمد عبده» في مصر ~~(1264ه/1849م-1321ه/1905م). أصبح السؤال هو: لماذا تقدم الغرب ~~وتأخرنا؟ كانت الاكتشافات العلمية من ناحية، والتقدم التكنولوجي ~~متمثلا في الأسلحة الحديثة من ناحية أخرى، ومن ناحية ثالثة ~~الغرب كتحد سياسي؛ فأعادوا التفكير في السنة ms212 ونقد الأحاديث ونشأة ~~تفاسير جديدة للقرآن؛ فوضع «سيد أحمد خان ومحمد عبده» الأرضية ~~لمفكرين في القرن العشرين لفتح المعنى القرآني؛ فكان «سيد خان» ~~مهموما بتحدي العلم الحديث، و«عبده» مهتما بالعقلانية. وإن ~~كان خط «سيد خان» أوصلنا إلى اتجاه الإعجاز العلمي في القرآن، على ~~أساس احتواء القرآن على كل الحقائق العلمية، فإن «محمد عبده» مهد ~~الأرض للاتجاه الأدبي في تفسير القرآن. وكأن حركة الإصلاح ~~تناولت المصادر الأربعة للشريعة التي وضعها القدماء في القرآن ~~والسنة والإجماع والاجتهاد، فتم نقد حلقاتها حلقة حلقة، بداية ~~من تقليد اجتهادات السابقين والمذهبية الفقهية، ثم نقد الإجماع، ثم ~~نقد السنة، لكن ظل الاقتراب من القرآن - باستثناء محاولة «محمد ~~عبده» - بعيدا عن التفكير فيه أو الاقتراب منه. # ركزت على القرن العشرين؛ قضاياه لا أشخاصه؛ قضايا مثل الشريعة ~~والقانون والديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق المرأة وحرية العقيدة ~~وحرية الفكر وحقوق الأقليات وماهية الكتب المقدسة. وعرضت لبعض ~~التجارب في مصر وإيران والعراق وفي إندونيسيا، وكيف انتقل ~~التوجه من الإصلاح حتى وصلنا إلى السلفية وظهور الإسلام السياسي في ~~بدايات القرن العشرين، وحركة الخلافة في الهند التي حصلت على ~~تأييد حزب المؤتمر، حتى إن المهاتما «غاندي» كان عضوا في اللجنة ~~المركزية للخلافة، وأصدرت اللجنة بيان الخلافة عام عشرين، حتى ~~ألغى حزب المؤتمر هذه العلاقة ولجنة الخلافة في الهند عام اثنين ~~وعشرين. وعرضت لمسألة الدولة الإسلامية وتسييس القرآن، ومسألة ~~الجدل الفكري حول أدبية القرآن، وقضية الإسلام والثقافة. في ~~إندونيسيا، الديمقراطية وحرية التفكير وحقوق الإنسان؛ ونموذج ~~الدولة الإسلامية في إيران. الغرب موجود في هذا الجدل الدائر في ~~العالم الإسلامي بين الإسلام والحداثة، في مصر وتركيا وإندونيسيا ~~والهند وإيران؛ فالغرب الثقافي دفع إلى تبني قيم الحرية، أما ~~الغرب السياسي فوقف حائلا بين تبني قيم الحداثة والحرية، بل ~~ولدت مقاومة للحداثة، والتي نظر إليها على أنها عملية تغريب ~~وجزء من الهيمنة الغربية. ثم عرضت لمجموعة من المفكرين بالتحديد ~~في مسألة الإسلام والشريعة والديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال ~~جهود «محمد أركون» (1928-2010م) عن إعادة التفكير في الإسلام، ~~و«عبد ms213 الله النعيمي» في مسألة الشريعة وحقوق الإنسان، و«رفعت حسن» ~~وآخرين عن التأويلية الأنثوية، وأيضا «طارق رمضان» عن الإسلام ~~وأوروبا. وكلهم - باستثناء «محمد أركون» - محصورون داخل سؤال ~~الهوية الذي واجه حركة الإصلاح الإسلامي في اتجاه واحد من ~~اثنين؛ إما الاتجاه الاعتذاري، وإما الاتجاه السجالي. # في القسم الأخير عرضت جهدي في مسألة الشريعة كمجهود بشري ~~مستنتج من فهم البشر، والمقاصد الكلية للشريعة التي صيغت في ~~حفظ النفس والعرض والمال والعقل والدين. وأرى أن هذه المقاصد ~~مستقاة من عقوبات الحدود التي وردت في الفقه، فحفظ النفس مرتبط ~~بحد القتل وحد الحرابة، وحفظ العرض بحد الزنا، وحفظ المال بحد ~~السرقة، وحفظ العقل بحد شرب الخمر، وحفظ الدين بحد الردة. وبالنظر ~~إلى هذه العقوبات نجد أنها لم يأت بها الإسلام، بل هي مستقاة من ~~القانون الروماني ومن التراث اليهودي؛ فهي كانت موجودة قبل ~~الإسلام. وعرضت كيف يمكن الخروج من حالة السجال هذه؛ بالخروج من ~~مفهوم النص إلى القرآن كالخطاب أو بالأحرى خطابات، وما تأثير ذلك ~~في قضايا الشريعة والديمقراطية وحقوق الإنسان ومكانة المرأة. ~~ونشر الكتاب، وأتاحته الجامعة على النت لكل مستفيد من ~~دراسته. # 14 # لم تنجح فكرة المؤسسة العربية التي حاولنا إقامتها، فلم نجمع غير ~~مليون دولار أنفقت في ترجمة وطبع بعض الكتب المهمة، فقررنا ~~حلها. وبدأت المشاركة الكتابية باللغة العربية في الشأن العام، ~~فكتبت عن الرقابة وتوابعها في البحث العلمي، وكتبت عن تفكيك ~~الاستبداد هل ممكن، وشاركت في مؤتمر بالإسكندرية عن حقوق الإنسان ~~في أبريل ألفين وستة، وقدمت به ورقة «من النص إلى الخطاب»، ~~وكتبت سلسلة مقالات في جريدة «المصري اليوم»، مقالا كل أسبوعين، ~~عن «العقلانية العمياء والليبرالية العرجاء»، وعن «لبنان ~~والمقاومة»، وكتبت عن «الصراع العربي الإسرائيلي هل هو صراع ديني؟» ~~وعن «أمل دنقل يغني في الجامعة، متى تستعيد الجامعة «أمل»؟» ~~وكتبت «درس نجيب محفوظ، الأدب مقاومة فكرية»، وتوفي الرجل ~~فكتبت «رسالة إلى عم نجيب»، و«ملاحظات حول محاضرة البابا بنديكت ~~السادس عشر»، ومرة ثانية «عن العقلانية والليبرالية ثانيا»، ثم ~~كتبت «تجريف التدين وخصاء العقل» ms214 في مقالين، ومقال «أوراق شاهندة ~~مقلد وأسئلة ما يحدث في مصر الآن»، لكن وجدت أن هذه المقالات على ~~الرغم من أنها كل أسبوعين إلا أنها تمتص طاقتي الفكرية، ~~فتوقفت، ولا أعرف كيف يفعلها أصدقاء لي يكتبون مقالا كل ~~يوم. # كنت في زيارة إلى مصر، وقد أرسل معي بعض الطلاب المصريين الذين ~~يدرسون معي في هولندا نقودا لأهاليهم في مصر، وكنا قبل العيد، ~~فآثرت أن أوصلها لأهاليهم لعلهم يحتاجون إليها في العيد، ~~فعجلت بسفري إلى «قحافة». وفي يومي الثاني هناك جاء الخبر أن ~~أخي الذي يصغرني «محمد» قد سقط، وهرولنا إلى الطبيب ، لكن صعدت ~~روحه إلى بارئها؛ فلو تأخرت حتى العيد ربما ما رأيت أخي على ~~قدميه، فأقمنا العزاء، واستأت كثيرا عندما أدخل العامل ترددات ~~صوت للمقرئ، فخرجت كلمة «الرحمن» من الميكروفون «الرحمن ن ن ن ن»، ~~فثرت عليه وقلت له: «ما هذا الهباب الذي تعمله، اقفل، لسنا في ~~ملهى ولا راقصة.» ولم يمر الأربعون حتى سقط أخي الصغير ~~«أسامة»، واحتاج إلى عملية قلب مفتوح. # أقترب من الخامسة والستين؛ سن الخروج على المعاش في هولندا، ~~تلقيت دعوة من جامعة «كولومبيا» بنيويورك في نوفمبر ألفين ~~وسبعة لإلقاء محاضرة، ودعتني جمعية «ألوان» الثقافية العربية في ~~نيويورك لألقي محاضرة في يوم وصولي، وقد تأخرت الطائرة ~~ساعة ونصفا، وكنت مرهقا من فرق التوقيت، لكن ذهبت. كانت ~~القاعة في مقر الجمعية قرب «وول ستريت» تعج بالناس. وكان ~~النقاش مفيدا، ودعاني صديقي الودود «فكري أندراوس» وبعض الأصدقاء ~~على العشاء بعد المحاضرة، والتقيت - من ضمنهم - ذلك الشاب ~~المهتم بكتاباتي، والذي كلمني عنه «فكري». عرفته مباشرة من ~~سؤاله في الندوة، واتفقنا أن يأتيني في الفندق في اليوم ~~التالي. # وسألته: جمال، إيه جعلك تهتم بشغلي؟ فقال: «وأنا في التاسعة عشرة ~~كنت مشغولا بأزمة الفكر العربي، وقرأت عن معظم المشاريع الحضارية، ~~لكن كتابك «مفهوم النص» كان فتحا كبيرا لي، يمزج بين الإيمان ~~والعقل. وبعدها بعام حين نشر الأستاذ «محمد حربي» حوارا معك في ~~الصفحة الثقافية في الأهرام، في سلسلة مفكر مصري ms215 جديد، في نهاية ~~مايو سنة إحدى وتسعين؛ في هذا اليوم فتحت دوسيه وكتبت عليه «نصر ~~حامد أبو زيد»، ووضعت فيه الحوار بجزأيه «وبدأت أترصد كتاباتك في ~~المجلات» «وكتبك»، فجمعت كل ما أمكنني، وحينما حدثت القضية ~~عشتها بتفاصيلها على صفحات الأهرام وروز اليوسف، الشعب، والتي ~~جمعتها في ملفات، بصراحة ملفك كبر جدا يا دكتور، وقد جمعت كل ~~كتبك في طبعاتها الأولى. وحينما اشتدت الأزمة احترمت فيك اختيارك ~~أن من حق الناس أن تعرف في وجه من أرادوا أن تنحصر داخل الجامعة ~~كقضية ترقية.» ثم سألني: «دكتور نصر، ما بين عام اثنين وتسعين ~~وكتابتك لمقال مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق، احتفالا بمرور ~~مائة عام على مجلة «الهلال» القاهرية، وتحليلك لمشروع النهضة ~~وأزمته، وبين محاضرتك أمس باللغة الإنجليزية عن مشروعك الذي ~~أنجزته لدراسة مشروع تيار الإصلاح في العالم الإسلامي، ما بين ~~اثنين وتسعين وألفين وسبعة خمسة عشر عاما، التغيرات التي حدثت في ~~منهج الباحث وأدواته وعدسته البحثية، الجانب الداخلي ~~للمفكر؟» # فقلت: على مستوى مشروع النهضة، أعتقد أن مقال سنة اثنتين ~~وتسعين، كان بداية الوعي بضرورة نقد مشروع النهضة من الناحية ~~الفكرية. ما حدث بعدها أن العدسة اتسعت، أستطيع أن أرى مشروع ~~النهضة على مستوى العالم الإسلامي كله؛ في الهند وجنوب شرق آسيا، ~~في إيران وإندونيسيا، وفي أوروبا. السؤال باستمرار هو: ما ~~معوقات مشروع النهضة من الناحية الفكرية؟ فيه طبعا معوقات ~~سياسية واجتماعية ومعوقات كثيرة، لكني مشغول بالمعوق الفكري. ~~ليه العجز عن إنتاج وعي علمي بالتراث؟ وهنا حدث تطور أني أدركت ~~أنه بالفعل تم مناقشة جميع الأمور تقريبا، وكثير منها أصبح ~~محسوما. وأنا هنا أتحدث عن الخطاب الثقافي وليس الخطاب ~~الإعلامي؛ ف «محمد حسين هيكل» مثلا حاول كتابة سيرة النبي من ~~منظور تاريخي، لكن طول الوقت الهاجس الدفاعي موجود داخله؛ ~~فالاستشراق كمعادل فكري للاستعمار يمثل تحديا، الاستجابة ~~لهذا التحدي أخذ طابعا اعتذاريا، كأن تقول باستمرار إن الإسلام ~~دين المحبة والسلام؛ لأن هناك هجوما على الإسلام. وهذا ما ~~أسميه المنهج الاعتذاري؛ فأنت ترد الهجوم. وهناك ms216 أيضا المنهج ~~السجالي مثل أن تقول له: ما أنت كمان دينك فيه عنف، وكذا وكذا. ~~فأنت تساجله. السجالية والاعتذارية هما وجهان لحقيقة واحدة، هي ~~أن تطور المعرفة لا يتم نتيجة لتطبيق منهج نقدي. # فبدأت أركز في مشروع النهضة من عمومياته إلى مشروع النهضة ~~في تعامله مع القرآن؛ فهناك إنجازات هائلة عملها مشروع النهضة ~~«محمد عبده، والشيخ أمين الخولي، محمد أحمد خلف الله» في تعاملهم ~~مع القرآن؛ هذه الإنجازات مبنية على الأساس اللاهوتي التقليدي ~~باستثناء «محمد عبده»، في محاولة تبنيه مفهوم المعتزلة في خلق ~~القرآن في الطبعة الأولى من كتابه «رسالة التوحيد »؛ فهناك دائما ~~خطورة في تناول هذه القضية، هذه الخطورة ما تزال موجودة، ما يزال ~~مفهوم أن القرآن كلام الله الأزلي القديم مفهوما لم يتم إعادة ~~النظر والتفكير فيه؛ وبالتالي فكل محاولات التفسير تظل مبنية ~~على نوع من حسن النية، لا منهج نافذ، فيمكن الالتفاف حولها والعودة ~~للتفسير القديم، بدليل أننا في القرن الواحد والعشرين نناقش نفس ~~القضايا؛ المرأة، الزواج، الطلاق، ودخلنا في الحجاب والنقاب؛ يعني ~~مشكلات كنا ظننا أنها قد أصبحت في عداد الماضي؛ مما يعني أن ~~الخطاب الإصلاحي في مجال التفسير والتأويل قد حقق هذا الإنجاز، ~~ولكن ليس على أساس منهجي صامد. فأصبح السؤال عندي: كيف نتجاوز هذه ~~الأزمة؟ وأدركت أني أنا في حياتي كلها كنت طرفا في هذا. يعني ~~محاولة فتح معنى النص القرآني بدون أن يكون انفتاح المعنى ~~مؤسسا على إعادة صياغة لماهية مفهوم هذا النص، لطبيعة هذا ~~النص؛ لأن محاولة فتح المعنى دون توسيع أفق لفهم هذا الإطار الذي ~~نسميه القرآن يصبح فتح المعنى معتمدا على النوايا الحسنة، وعلى ~~ردود الأفعال، ومحاولات تركز على جانب من القرآن وتتجاهل جانبا ~~آخر، والمسئولية العلمية تتطلب ألا نتجاهل بعدا من الأبعاد. وهذا ~~ما جعلني في السنوات الأخيرة أن أعيد النظر في المفهوم الذي بدأت ~~العمل به، وهو أن القرآن نص. القرآن كنص سنظل نخوض المعارك ~~كلها على أرضية النص. يصبح النص - كما قلت في دراستي عن المعتزلة، ~~ودراساتي ms217 عن التصوف، وعن حركة الإصلاح الديني، والخطاب الديني ~~المعاصر - إن القرآن أصبح مجالا للصراع الفكري، يمكن ينطق بما ~~يشاؤه المفسر. # فأصبح السؤال: كيف نخرج من هذه الأزمة؟ السؤال إذا لاحظت موجود ~~من سنة تسعين في كتابي «مفهوم النص»؛ أي: كيف نخرج من التأويلات ~~الأيديولوجية للدين؟ فعملي استمر في مجالين؛ مجال تحليل تاريخ ~~التفسير ودراسة إنجازات عصر النهضة وإخفاقاته في العصر الحديث، ~~والوصول إلى اقتراح حلول؛ هذه الحلول فيما يرتبط بالقرآن هي: ما ~~أزعمه أن القرآن ليس نصا، إنما هو مجموعة من الخطابات. وهذا مهم ~~جدا حتى نفهم الإمكانات والاختلافات فيه. قاطعني قائلا: «ممكن ~~نقف وقفة هنا عند ما هو الفرق بين نص وخطاب؟» فقلت: النص نسق ~~متكامل لغوي، له بناء ومؤلف هو الذي بنى النص وأعاد النظر فيه ~~ليجعله خاليا من الاختلافات والتناقضات؛ فأدرس المؤلف وأدرس النص ~~نفسه، وأبحث عما يسمى القارئ الضمني في النص. الخطاب أكثر ~~تعقيدا من النص، طبعا كل مشكلات النص توجد في الخطاب، لكن ليست ~~كل مشكلات الخطاب توجد في النص. الخطاب فيه متحدث وليس ~~مؤلفا، ومخاطب، والمخاطب ممكن أن يكون مخاطبا مباشرا، ~~ومخاطبا غير مباشر. وهناك أيضا نوع (نمط - مود). الجملة الواحدة ~~خطابيا ممكن يكون لها معان كثيرة، كما قال أهل البلاغة؛ لأنهم ~~كانوا يتكلمون عن الخطاب الشفوي. التنغيم يعطي معاني مختلفة؛ ~~فمثلا: تأكل حاجة حلوة فتقول «الله»؛ هذه لها معنى، إنك تكون ~~غضبان وتقول «الله» (بحدة) هنا لها معنى ثان، مع أن الكلمة ~~واحدة في النص، الخطاب يعمل تنغيمات؛ هذه التنغيمات تخلق ~~«مود». # القرآن به أنواع من الخطابات حينما أتعامل معه كنص، لا تلاحظ هذه ~~الخطابات في أماكن معينة من التفسير الكلاسيكي. كان فيه وعي ~~جزئي بهذا بأن الأمر في آية من الآيات ليس أمرا وإنما تهديد، ~~والاستفهام في آية ليس استفهاما وإنما استفهام بلاغي؛ يعني ~~إنكارا. ولكن هذا كان على مستوى الجملة. إنجازات علم البلاغة ~~العربية على مستوى الجملة، وليس على مستوى أوسع؛ مستوى الخطاب. ~~علم تحليل الخطاب يساعدنا في توسيع هذه المجالات، ms218 فنسأل: من ~~المخاطب ومن المخاطب المباشر والمخاطب الضمني؟ ومن ~~المتكلم؟ وما مود الخطاب ونوعه؟ هل هو تهديد أو وعيد، أم سجال؟ ~~هل هو تأييد أم رفض، أو هو خطاب ابتهالي مثل آيات سورة ~~«الفاتحة»؟ وأين يبدأ الخطاب وأين ينتهي؟ وبعد ذلك نعمل أدوات ~~تحليل النصوص على الوحدات الخطابية؛ وبهذا نخرج من دائرة التأويل ~~والتأويل المضاد؛ لأن النظر إلى القرآن كنص له مركز، فنسعى إلى ~~تحديد مركزية النص، فهل مركز النص القتل والجهاد والحدود، أم إن ~~مركزية النص في الصبر والتسامح وتقبل الآخر؟ فمنذ تقسيم ~~المتكلمين أو اللاهوتيين المسلمين القرآن إلى محكم ومتشابه، أي ~~واضح وغامض، وتقسيمات الفقهاء إلى ناسخ ومنسوخ، في محاولة لرفع ~~التوتر الذي يتصورونه داخل القرآن بين التنزيه الكامل للذات ~~الإلهية، «ليس كمثله شيء»، وبين التشبيه «يد الله فوق أيديهم»، ~~وحولنا الصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية إلى صراعات ~~نحاربها على أرضية القرآن. ولا سبيل للخروج من هذا الضيق إلا ~~بالنظر إلى القرآن على أنه مجموعة من الخطابات، وهنا فلكل خطاب ~~مركزيته. # نعطي مثالا يوضح؛ فمثلا الآية السادسة عشرة من سورة ~~«الإسراء»: # وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا ~~، خصوم ~~المعتزلة من الجبريين قالوا إن الله هو الذي يتصرف في كل شيء، فإذا ~~أراد أن يهلك قرية فهو الذي يأمر المترفين أن يفسقوا ~~فيدمرها. وهنا واضح معنى القدرية الحتمية. المعتزلة طبعا ~~ارتبكوا كثيرا، فقالوا إن «أمر» هنا، ليست من «أمر يأمر»، ~~إنما «أمر» يعني أكثر عددهم، وبكثرة المترفين يفسقون. لكنهم ~~بهذا لم يحلوا المشكلة؛ لأن ربنا هو الذي أكثر عددهم. وهناك من ~~قال: «أمرنا» أي جعلناهم أمراء. في النهاية، الله هو الذي جعلهم ~~أمراء. لكن انظر للآية؛ فالمخاطب الضمني هم مشركو مكة، وذلك ~~في استخدام كلمة «قرية»، و«مود» الخطاب تهديد، ولا يمكن أن يؤخذ ~~أنه يطرح قضية لاهوتية عقدية عن قدرة الله، بل هو تهديد لأهل مكة ~~في السجال الدائر مع دعوة النبي محمد. وعن تعدد الأصوات في ~~القرآن، فالصوت المقدس موجود أحيانا ms219 بصيغة المفرد، # إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا ~~، وموجود بصيغة الجمع، وفي معظم الأحيان بصيغة ~~الغائب، وموجود بصيغة المخاطب في الابتهالات، وضمير المتكلم موجود ~~في القرآن. إذن أنا عندي نص هنا متعدد الأصوات؛ صوت المجتمع ~~موجود ليس كنوع من الاقتباس، ولكن كنوع من إعادة الإنتاج. كل ~~اتهامات المشركين وأهل الكتاب التي قالوها ضد محمد موجودة في ~~القرآن. هذا معناه أن هذه البنية بنية خطاب. # السؤال هنا: ألا يجب أن نعود إلى الظاهرة المتداولة؟ الظاهرة ~~التي يسميها «محمد أركون» الظاهرة القرآنية ظاهرة شفاهية، ~~ظاهرة مكونة من خطابات في سياقات مختلفة لمخاطبين مختلفين، ~~ليس فقط المخاطب من مكة والمدينة، لكن حتى داخل مكة في أكثر من ~~مخاطبين، وداخل المدينة فيه أكثر من مخاطبين، ردود أفعال ~~المخاطبين منعكسة في النص. كل هذه الحيوية نفقدها إذا نظرنا ~~للقرآن كنص. أعتقد أن التعامل مع القرآن كخطاب سيكشف درجة عالية ~~من الغنى والخصوبة مفتقدة في التعامل مع القرآن كنص، وسيحرر ~~القرآن من كثير من المعاني التي فرضت عليه طوال تاريخ التفسير من ~~خلال صراعات سياسية واجتماعية بين الجماعات الإسلامية المختلفة؛ ~~فكشف المعنى في سياقه التاريخي؛ وبالتالي يمكن الوصول إلى: هل هذا ~~المعنى في سياقه التاريخي قادر على مخاطبة العصر الذي نعيش فيه؟ ~~وإلى أي حد؟ أي: ما الصلة بين المعنى التاريخي وبين المغزى ~~المعاصر؟ ولا تترك المسألة لمزاج المفسر؛ أي إخضاع القرآن ~~للأيديولوجيا طوال تاريخنا الفكري. # هذا ليس تجزيئا للقرآن، البعض يتصور أنك تحول القرآن إلى ~~أشلاء. الدراسة هنا تجزيء من أجل التحليل. لا تستطيع أن تحلل ~~نصا إلا إذا جزأته إلى أجزائه الطبيعية. المفسر القديم ~~فرق ما بين المكي والمدني، وبين الناسخ والمنسوخ. من حقي كباحث ~~حديث أني أرجع إلى هذا السياق بغرض الدراسة، لكني لا أقول يا إخوان ~~رتبوا القرآن كما كان منزلا، إن محاولات ترتيب سور القرآن ~~محاولات مشروعة للدراسة وليس للتلاوة في المساجد، لكن التمييز بين ~~دراسة القرآن وتلاوة القرآن - للأسف الشديد - ليس مدركا في ~~الوعي العام. هذا ما حصل خلال ms220 هذه السنوات. ~~- في دراستك التي كتبتها سنة اثنتين وتسعين وصلت إلى أن خطاب ~~النهضة مسكون بالآخر الغربي، أنت أقمت الإحدى عشرة سنة الأخيرة في ~~الغرب؛ فكيف نظرتك أنت للغرب كباحث بعد خمس عشرة سنة؟ ~~- من البداية تفكك مفهوم الغرب، لا توجد حاجة اسمها الغرب تقدر ~~تصدر عليه أحكاما، فيه أوروبا وأمريكا الشمالية، داخل أوروبا ~~الغرب السياسي أم الغرب الثقافي، ليس كتلة واحدة. نفس الأمر ~~بالنسبة للإسلام؛ المسلمون يتشاركون في مجموعة من العقائد والشعائر ~~وراء ذلك، المسلمون شعوب وثقافات مختلفة وجنسيات وأعراق مختلفة. ~~نفس الخطأ الذي يرتكبه بعض المفكرين في الغرب عندما يتكلمون عن ~~العالم الإسلامي باعتباره كتلة واحدة. المسألة ليست غربا وشرقا ~~أكثر مما هي عقلية نقدية أم لا. إدراك هذا التنوع والتعدد فيما ~~يسمى الآخر أولا. ثانيا: الآخر ليس خارج الأنا تماما. فلم قلت ~~إن مشروع النهضة مسكون بالآخر. لولا الآخر ما كان تفكير في ~~النهضة أصلا. الآخر هو المرآة التي أنظر فيها فتدرك الأنا ~~عيوبها، حتى وهو يهاجمني وأهاجمه لا توجد الأنا في فراغ؛ فلولا ~~الفكر اليوناني والهندي والإيراني والمصري والفكر القديم كله، ما ~~كنا لنستطيع أن نتكلم عن حضارة إسلامية ولا فلسفة إسلامية، ولولا ~~الفلسفة الإسلامية فما كنا لنقدر أن نتكلم عن النهضة في أوروبا. ~~الفكر الإنساني في حركته التاريخية حضارة تموت، وما يتبقى منها ~~يتسرب في الحضارة التي ترثها. الآن نعيش في حضارة واحدة وفيها ~~ثقافات؛ أي ثقافة معزولة تموت. # السؤال الذي يشغلني جدا: هل يمكن أن نعمل مصالحة بين ~~العقلانية والتدين، أو بين العلمانية والروحانية بشكل عام؟ هذه ~~الأسئلة ناتجة من انخراطي في التدريس والاحتكاك برؤى العالم ~~المختلفة من خلال الجامعة؛ جامعة الإنسانيات. إن الرؤى المختلفة ~~للعالم - سواء لثقافات يهودية أو مسيحية أو إسلامية، أو نتكلم عن ~~«الهيومانيزم»، أو عن الثقافات الهندية البوذية أو الكونفوشيوسية ... ~~إلخ داخل هذه الثقافات على تعددها واختلافها - هو إيمان أو بعد ~~أعلى وأرقى في علاقة الإنسان بالكون والعالم الذي يعيش فيه؛ فالوعي ~~بالجريمة التي ارتكبها الإنسان في حق البيئة، وإلى ms221 أي حد سيؤثر ~~على الإنسان نفسه. إدراك أن الإنسان ليس سيد الكون، وإنما هو جزء ~~من العالم؛ هذا في جوهره فكر ديني، ليس بالمعنى اللاهوتي ولا ~~بالمعنى المؤسساتي، وإنما هو أن الإنسان ليس وحيدا في هذا العالم، ~~وتربطه وشائج عميقة جدا بما هو وراء المنظور تأخذ أشكالا ~~متعددة. الفن شكل من أشكال التواصل مع هذا المنظور. الشكل الفني ~~محاولة للوصول إلى وحدة العالم والإنسان؛ فمثلا المجاز في الشعر؛ ~~فالمجاز يربط عالم الإنسان بعالم الحيوان وعالم الطبيعة؛ فحينما ~~نقول إن «واحدة مثل القمر» احتجت إلى شيء طبيعي من أجل الكلام ~~عن الجمال. دا إدراك لصلة بين الكائنات. روح ما تربط هذا العالم، ~~وكلما أدرك الإنسان هذا الترابط أصبح إنسانا أرقى، وكلما ينكر هذا ~~الترابط ويتصور أنه سيد العالم والمتحكم فيه أو عبد فيه وأشياء ~~أخرى تتحكم فيه تقل مرتبة إنسانيته. الإنسان يكتسب إنسانيته ~~كلما أدرك هذه الروابط. هذا ما يمكن أن نسميه الروحانية، وهي ~~جذر الأديان. والإنسان بطبيعته من حقه أن يعيش في عالم مأنوس، ~~وليس في عالم عدم. هنا العقلانية المتشددة التي أسميتها ~~العرجاء، وأحيانا أسميتها الليبرالية العوراء؛ لأنها تستبعد ~~اتجاهات داخلها؛ فمفاهيم حداثية مثل العقلانية والليبرالية يمكن ~~أن تتحول إلى أديان بالمعنى السلبي لكلمة دين؛ أي تتحول إلى دوجما. ~~المسألة هي الصلح بين العقلانية والدينية، بين العلمانية ~~والإيمانية؛ فالعلمانية التي تستبعد الروحانية هي بالضبط مثل ~~الروحانية التي تستبعد العلمانية. # مشغول بهذه القضية جدا جدا، ورائدي فيها «ابن رشد». أنا في ~~وقت من الأوقات كتبت عن «ابن رشد» أنه تلفيقي. وبعض الناس قالوا ~~عنه إنه كان نصابا. لكن «ابن رشد» كان له ثلاث مسئوليات؛ ~~فيلسوف وطبيب وقاض، وهذه ثلاث مهام صعبة جدا. القاضي يحكم في ~~مصائر الناس، والطبيب يعالج أجسادهم، والفيلسوف يحاول أن ~~ينظر لهذا كله. مسئولية باهظة، غير أن تكون فيلسوفا فقط أو ~~قاضيا أو طبيبا فقط. وهذا أرجعني إلى مسئولية المفكر. فتح ~~باب الحوار مع الإنسان العادي يشغلني جدا، جدا الآن. في ~~مناسبات كثيرة أقول حاجات يبدو أنها ms222 تجرح شعور المؤمن العادي، ~~وليس عندي أية نية أن أجرح شعوره. أنا أريد فتح أفقه من خلال ~~إيمانه وليس من خارج الإيمان؛ فالإيمان انفتاح وليس انغلاقا؛ ~~انفتاح الإنسان على عوالم خارجه. حين يؤمن الإنسان فهو لا يؤمن ~~بشيء داخله فقط، ولكن داخله وخارجه. هذا كله أجري فيه حوارات مع ~~تلاميذي وهم ليسوا مسلمين، وهو حوار مثمر جدا، جدا. فهذا ~~سؤال لا يهم المسلمين فقط، ولكن يهم العالم كله؛ فالعقلانية ~~الأوروبية في فترة من الفترات كانت نوعا من البتر ضد الكنيسة، ضد ~~الغيبيات، ضد الدين؛ وضعت الدين كله في سلة الغيبيات ، ووضعت ~~الغيبيات كلها في سلة الأوهام والأساطير. الآن نحن نعود إلى أن ~~الأسطورة ليست أوهاما وخرافات، بل هي تعبير رمزي عن وعي. كل هذا ~~ينعكس على قراءتي للقرآن؛ فهي ليست قراءة مغلقة، بل قراءة ~~مفتوحة. # الفكر يحاول باستمرار أن يسمو بالواقع، لكن الواقع أحيانا ~~يجذب المفكر إلى الأرض، وهذا التوتر هو نفس التوتر بين العقل ~~والايمان. الإنسان الواضح تماما هو ذو «روبوت»؛ الغموض جزء من ~~نسيج الوعي. لا بد أحيانا أن نحتفل بالغموض. الإيمان بالغيب هو ~~إيمان بأن هناك أسئلة ليس عندك إجابة واضحة تماما عليها، ~~فتتركها في الغموض أو تحاول أن تبحث عنها، كونك في هذا الغموض ~~هذا هو الإيمان. كلنا سنموت، الموت شيء مجهول ومظلم، ولكنك تعيش ~~هذا المجهول أو تتوقعه، أو تتعايش مع احتمال أنه سيزورك ذات يوم ~~ويطرق بابك. وعظمة الإنسان أنه عايش هذه الحالة. الملحد يريح ~~نفسه حتى يصل إلى الوضوح فيقطع على نفسه حالة الغنى الغامضة هذه. ~~المؤمن المنغلق أيضا يفتح على نفسه باب الخرافة. أنا رأيي أن ~~الإيمان الحقيقي هو الذي يعيش حالة الغموض هذه ويحتفي بها. العلم ~~يحاول أن يحل كل هذه المشاكل، لكن يظل العلم كلما يتقدم يترك ~~مساحة المجهول أوسع. هنا الإيمان والمعرفة معا ليسوا متناقضين. ~~وعلى المستوى الشخصي، هذا ما يجعلني أحتفي جدا بالفن وأستمع إلى ~~الموسيقى وأزور المتاحف؛ لأن هذا جزء من إمكانية الفن أن يجيب لك ~~عن ms223 بعض الغموض أو يعمق لك بعض أوجهه. وعندما تقرأ القرآن ~~تستمتع بالخطاب القرآني، وتدخل إلى عوالم يفتحها بشعريته وغموضه ~~أكثر مما تحاول أن تفسر هذا الغموض. وكنت في شبابي من ~~المتحمسين إلى إزالة هذا الغموض، كما فعل المعتزلة، لكني أقول ~~لا، مهمتي كمفسر أن أكشف للقارئ غنى هذه الاستعارات أكثر ~~من أن أقول له هذه معناها كذا وليس كذا؛ لأن الحقيقة ليس لها معنى ~~واحد، بل لها أكثر من معنى؛ فالآية العاشرة من سورة «الفتح»: # إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ~~، ~~المعتزلة قالوا يد الله تعني قدرة الله. وهذا تبسيط للمعنى فظيع. ~~الآية تقول: # إن الذين ~~يبايعونك ~~. هنا مهم تحديد الخطاب، المخاطب ~~هنا محمد، لكن المخاطبين المباشرين الذين بايعوه، والبيعة بوضع ~~يد على يد؛ فلا تستطيع أن تفصلها باعتبارها القدرة تكون سخرية من ~~المبايعين، لكن اليد التي تبايع ليست يدا تمارس سلطة بل يد ~~تتعاون؛ فالاستعارة هنا لا يمكنك أن تحلها بأنها معنى مجرد ~~لاهوتي. الغنى هنا هو غنى الموقف والمخاطب الأول؛ لأنه كانت أول ~~مرة بعد معاناة الرسول في مكة يجد أنصارا يبايعونه على أن يحموه ~~بحياتهم قبل أن يهاجر. لا يمكن أن تفسر هنا بمعنى القدرة فقط، ~~وإلا يكون معنى فقيرا جدا. ~~- بالنسبة لفكرتك أو مشروعك عن تفسير القرآن ومقارباتك الماضية؛ ~~فقد أصلت فكريا من ناحية المنهج وطريقة التناول، لكن المقاربة ~~للكتاب ككل، للنسيج ككل في عمل متكامل؟ ~~- أنا أعتقد أن هناك تحديا في المقاربة، ومتوقع أن أصل للحل ~~من خلال الممارسة نفسها. عندنا بنيتان للقرآن: البنية التاريخية ~~- حسب النزول في التاريخ - وبنية المصحف. ولا أستطيع أن أفضل ~~بنية على الأخرى في عمل كبير للتفسير، لماذا؟ لأن القرآن الذي ~~أثر في الحياة وشكل الثقافات الإسلامية عبر القرون هو القرآن ~~بالشكل والترتيب المكتوب في المصحف، فلا تستطيع أن تهمل هذا ~~التراكم التاريخي وتقول سأرجع للظاهرة القرآنية فقط. الرجوع ~~للظاهرة القرآنية مهم، لكن القضية هي كيف تدرس الظاهرة القرآنية في ~~بعديها التاريخي والآني. هذا هو التحدي؛ ms224 أن أحاول بيان ~~الجزئيات، لكن في نفس الوقت أضع هذا الجزء من الخطاب في سياق الكل ~~القرآني، وهذا هو التحدي الذي لا أستطيع حله، لكن متوقع من خلال ~~عملي في التفسير نفسه أن أصل لحلول فيه. وبهذا الشكل نقارب حل ~~مشكلة التاريخي والكلي، التجزيئي والكلي؛ لأنه في النهاية القرآن ~~فيه رؤية للعالم، لكنها رؤية لا تستطيع أن تصل إليها من خلال ~~بعد واحد من البعدين؛ لا بد أن تربط البعدين بعضهما ببعض. ~~إذا نظرت فقط للبعد التاريخي فلن تصل إلى رؤية للعالم، ستصل ~~لرؤى للعالم. وإذا نظرت إلى البعد الكلي فقط ستصل إلى رؤية ~~للعالم إلى حد كبير عامة، وإلى حد كبير أيديولوجيتك متدخلة ~~فيها. أنا مدرك حجم التحدي، لكن على الأقل أكون عملت خطوة، فتحت ~~الباب لنقاشات. دع جانبا من سيرفض تماما وسيقول هذا كفر، أو من ~~يقبل تماما. أنت تحتاج إلى من سيأخذ هذا مأخذ الجد، لا القبول ~~المطلق ولا الرفض المطلق، كما أخذ المسلمون الأوائل تحديات ~~المسيحيين مأخذ الجد؛ وبالتالي انخرطوا في إنتاج معرفة، فيه ~~تحديات كثيرة في الدراسات الإسلامية والقرآنية، نحن الباحثين ~~المسلمين نخاف أن نقترب منها، وأنا أرى أن هذا الخوف تعبير عن ~~انعدام الثقة في النفس، والخوف من الخطأ، وكلاهما لا يجعلك فاعلا. ~~وقد حان الأوان ألا نترك المجال لغيرنا ونظل نتفرج فقط؛ نرفض أو ~~نقبل. لقد حان الأوان أن ننخرط في إنتاج معرفة خاصة بالتراث الذي ~~ننتمي إليه، ومن حقنا أن نفهمه وأن نناقشه وننقده ونعدله ... ~~إلخ. مشروع التفسير سيكون مركبا جدا، سآخذ القارئ في رحلة ~~قراءة للقرآن في سياقه التاريخي وفي بنيته الحالية في الدلالات ~~التي يشعها. ~~- جهودك النقدية - وأنا كقارئ لست متخصصا في علم تحليل ~~الخطاب (وتمهل «جمال» في الكلام) - مجرد مقدمة، لكن التفسير ~~سيجعلك تركز الأفكار. ~~- أنت عندك حق، دا كلام «مظبوط»، وهو أنه طول الوقت وكأننا نعمل ~~«وصفة» للطبخ. أطبخ «بقى». نعم أنا تكلمت عن المنهج والمقدمات، ~~نص وخطاب، كلها لا بأس بها، لكن خذ المفهوم الذي وصلت إليه ms225 وقدم ~~للقارئ وجبة. وأنا حاسس أني أقدر أعمل هذا، لكن لن يكون عملا ~~كاملا، لكن على الأقل أستطيع وضع الخطوط العريضة، وعندي إجابات ~~كثيرة لكل الآيات الإشكالية التي وقف عندها المفسرون. أنا أرى ~~لها حلولا لو طبقنا منهج تحليل الخطاب. وهذا ليس تبسيطا، ~~والقرآن ليس كتابا في اللاهوت، اللاهوت في القرآن على درجة من ~~الغموض عالية جدا لذيذة جدا؛ ولهذا أصبحت أحتفي بالغموض. فكيف ~~لك أن تتخيل إلها لا يتكلم ولا يغضب ولا يحب، وليس له يد يرعى ~~بها ولا يبطش؟ هل يمكن تخيل إله تخيلا مجردا؟ المحرك الأول ~~مثلا عند «أرسطو»، أو «العقل الفعال» عند الفلاسفة، هذا إله لا ~~يصلح للإيمان، إنه إله يصلح للتفكير. القرآن يقدم إلها ~~للتفكير وإلها للإيمان بالطريقة التي أدركها المتصوفة؛ ف «ابن ~~عربي» حينما يقف عند «ليس كمثله شيء» يقول: هي آية تنفي التشبيه ~~لكن بها تشبيه، إنه جعله شيئا وليس ككل الأشياء. إدراك المتصوف ~~هذه الدرجة العالية من الغموض والاختلاط واحتفاؤه بها، هو ما ~~يميزه. إنه عالم من الغموض. هذا ما أود عمله وبلغة سهلة طبعا ~~ليس بها الأسس النظرية. وأكتب من غير عجمة المصطلحات. أصبحت ~~الأمور واضحة في ذهني. # حل علي التعب، فلاحظ جمال هذا، وقال مشيرا إلى جهاز التسجيل ~~الديجيتال الصغير في يده يمكننا أن نأتي لك بجهاز كهذا، وكل ~~محاضرة أو لقاء صحفي أو تليفزيوني تسجله وترسله لي كملف ~~على النت لتكوين أرشيف صوتي لأفكاري، ووعدته بإرسال نسخة من ~~تسجيلات «شريفة مجدي ونافيد كرماني» عندي، بصوتي عن حياتي، ~~وتسجيلات مناقشات الماجستير والدكتوراه. وعرض علي أنه سينشئ ~~مدونة على النت باسم «رواق نصر أبو زيد». # 15 # أعمل بطاقة كبيرة، ولكن الكتابة لا تسعفني، ظهرت على شاشات ~~التليفزيون بمصر والفضائيات العربية، ونشرت مجلة «الديمقراطية» ~~بالقاهرة مقالتي عن «الفزع من التأويل العصري للإسلام»، في عدد ~~شتاء ألفين وثمانية. وقررت أن أصرف النظر عن التدريس بجامعة ~~«كولومبيا»، وأقبل التعاون مع جمعيات في إندونيسيا، وأقدم ~~دورة تدريبية لمدة ستة أسابيع لمجموعة كبيرة من طلبة الدكتوراه ms226 ~~عن الدراسات القرآنية بالتعاون مع جمعيات هولندية. وشاركني ~~العزيز د. «علي مبروك» الذي عانى مشكلة منع ترقيته ثلاث مرات ~~بقسم الفلسفة في جامعتي الحبيبة. كانت الدورة ستة أسابيع من المتعة ~~والعصف الذهني، خصوصا حواراتي أنا و«علي»، خصصنا كل يوم لعلم من ~~علوم القرآن وعلم الكلام والفلسفة. محاضراتي وحواراتي الخصبة في ~~المساء مع «علي» وقد اقتربنا بعضنا من بعض أكثر، وتجددت فكرة ~~عمل شيء مشترك عن «الشافعي». وبعد الدورة أخذت أنا و«ابتهال» ~~يومين إجازة في سحر الجزر الإندونيسية. # كان عام ألفين وثمانية حافلا، فدعيت لإلقاء محاضرة الربيع من ~~مؤسسة «المورد » في بيروت والقاهرة، وألقيت أول محاضرة كبيرة عامة ~~لي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعد تعذر إيجاد قاعة ~~للمحاضرة. كانت الجموع حاشدة، واخترت موضوع «الفن وخطاب التحريم»؛ ~~خطاب التحريم ليس الديني فقط، بل التحريم بكل أنواعه السياسي ~~والاجتماعي والديني، ولماذا يجابه هذا الخطاب الفن؟ ودعتني ~~مكتبة الإسكندرية لألقي أربع محاضرات كباحث مقيم. وبالفعل ~~ألقيت المحاضرات بداية من السابع عشر من ديسمبر حتى اليوم ~~الثلاثين، ضمنتها أربع مراحل من تفكيري في الظاهرة القرآنية؛ ~~فمن تأويل المتكلمين في المحاضرة الأولى إلى تأويل البلاغيين ~~والتأويل الصوفي، وكان الأمر يحتاج إلى محاضرة خامسة عن جهودي ~~لدراسة التفاسير في العصر الحديث. وفي المحاضرة الأخيرة أشركت ~~الجمهور في همومي وفي مطبخي الفكري الذي أعيش فيه، من النص إلى ~~الخطاب. ثم محاضرة في الجمعية الفلسفية في آخر يوم من زيارتي، ~~وكانت عن الجدل اللاهوتي الإسلامي المسيحي ودوره في نشأة علم ~~الكلام، أو اللاهوت الإسلامي. # دعيت من جامعة «نوتردام» الأمريكية أن ألقي محاضرة الافتتاح ~~لمؤتمر عن «السياق التاريخي للقرآن» في أبريل ألفين وتسعة. ~~والسؤال: لماذا لم يرتب القرآن في المصحف حسب ترتيب النزول ~~تاريخيا؟ وقد تأملت ترتيب القرآن حسب النزول، فوجدته سيصبح ~~وكأنه عملية تأريخ لحياة النبي محمد والمسلمين الأوائل، فهل كان ~~الترتيب الموجود الآن هو محاولة للاختلاف عن ترتيب الإنجيل؟ ربما. ~~وأيضا لماذا سمي «مصحف» ولم يسم «كتاب»؟ على الرغم من وصف ~~القرآن لذاته مرات أنه «كتاب»؟ وعلى الرغم ms227 من وعي المفكرين ~~المسلمين الأوائل للمسألة التاريخية في اجتهادهم، خصوصا الفقهاء، ~~لتحديد الناسخ والمنسوخ؛ لكي تستنتج أحكام تضبط حياة المسلمين ~~من القرآن، لكني ركزت على القرآن في ترتيبه الحالي؛ ترتيب ~~التلاوة. والسؤال الذي يشغلني منذ محاضرة كرسي «ابن رشد» عام ~~ألفين وأربعة هو: هل القرآن يحتوي على رؤية للعالم أم لا؟ وإن ~~كان، فما عناصر هذه الرؤية للعالم؟ فعرضت لرؤية المتكلمين، أو ~~اللاهوتيين المسلمين، للرؤية القرآنية للعالم. وعرضت لرؤية العالم ~~التي حاول استخراجها الفقهاء وعلماء أصول الفقه من القرآن، من ~~تقسيم القرآن إلى ناسخ ومنسوخ، ثم سعوا - بدءا من «الغزالي» - ~~للوصول إلى مقاصد كلية للشريعة، والتي لخصها الشاطبي في خمسة، ~~وأتصور أنها متصلة بالحدود، فهل الرؤية التي يقدمها الفقهاء ~~يمكن أن تكون الرؤية القرآنية للعالم؟ وعرضت لرؤية الفلاسفة من ~~خلال «ابن رشد». و«ابن رشد» يحتاج إلى دراسة متعمقة، خصوصا ~~دراسة التأويلية عنده، وذلك في كتابه «بداية المجتهد ونهاية ~~المقتصد»، وأهمية الغموض ودور عدم اليقين في فهمه، وفي الرؤية التي ~~يقدمها عن الرؤية القرآنية للعالم. واللغة ذاتها تنتقل عبر ~~التاريخ من خلال الغموض؛ فالنص الواضح تماما في عصر يسجن في ~~مرحلته التاريخية. ثم الرؤية الصوفية التي تتعامل مع الظاهر ~~والباطن للحقيقة، والحقيقة كالماء، لا شكل ولا لون لها، وتأخذ لون ~~وشكل الكوب. والإشكال أن كلا منهم أخذ بعدا من أبعاد القرآن، ~~ونحن نحتاج إلى الأبعاد جميعها في رؤية متعددة الأبعاد. ~~وإجابتي عن السؤال هي: نعم ولا؛ فالقرآن يحتوي على رؤية للعالم، ~~ولا يحتوي في نفس الوقت؛ فهو يحتوي على رؤية ليست بالمعنى الفلسفي، ~~بل هي رؤية للعالم تتشكل حسب المجتمع المسلم، مثل الماء حينما ~~يحتويه الإناء. # وانخرطت في دراسة هذه الرؤى للوصول إلى رؤية العالم في القرآن، ~~واستكملت الحوار في الندوة التي أقامتها لي جمعية «ألوان» ~~الثقافية بنيويورك؛ فمصدر تاريخية القرآن هو علوم القرآن ~~المرتبطة بالتاريخ، من المكي والمدني والناسخ والمنسوخ وأسباب ~~النزول ... إلخ، ومن اللغة؛ فاللغة كائن حي يتأثر ويؤثر في ~~التاريخ. والفرق بين دراسة المسلمين للقرآن ودراسة الغربيين للقرآن ms228 ~~أن المسلمين، على الرغم من إدراكهم للتركيب والبنية والتاريخ، إلا ~~أن مركز جهودهم كان استخراج المعنى؛ معنى الحياة، والمعنى من ~~القرآن الذي يضبط حياة المسلمين، لكن جهود الغربيين لدراسة القرآن ~~كانت بدافع محاولة استيضاح الغامض من الإنجيل بالعودة لدراسة ~~اللغات السامية، وكانت العربية اللغة الحية من هذه اللغات. وفي ~~محاولة تعلم اللغة العربية كانت دراسة القرآن حتى القرنين ~~الثامن والتاسع عشر، وقيام المستشرق الألماني «تيودور نولدكه» ~~(1250ه/1836م-1347ه/1930م)، عن تاريخ القرآن في محاولة للوصول إلى ~~الأصول التوراتية والإنجيلية للقرآن. وفي العقد الأخير بدأ ~~الاهتمام في الغرب بالدراسات السياقية للقرآن. وكل هذا الاهتمام ~~ركز على البنية والشكل والتكوين التاريخي للقرآن. فهل يحتوي ~~القرآن على رؤية للعالم؟ هذا هو السؤال الذي يملك علي ~~حياتي. # التقيت «فكري أندراوس» و«جمال» الذي بدأ يكتب محاضراتي العربية ~~المسجلة، وأصبح رواق «نصر أبو زيد» الذي يضع عليه كتاباتي ~~وأخباري ملتقى لمهتمين بأفكاري. كتبت مقالة بالإنجليزية ~~نشرت في مايو، على أن تصرفات «طالبان» وقانونهم ليس قانونا ~~قرآنيا بقدر ما هي تقاليد قبلية. وألقيت في هولندا محاضرة ~~لجمعية من العراقيين المهاجرين إلى هولندا عن الفكر الإسلامي الذي ~~دخلنا به إلى القرن السادس عشر الميلادي وطبيعته ومكوناته. أصبح ~~حلم حياتي قريب المنال؛ حلم وجود مؤسسة في العالم الإسلامي تكون ~~مدرسة ومعهدا لدراسة القرآن؛ فكل جامعاتنا الإسلامية على طول ~~وعرض العالم الإسلامي، هي مدارس لتعليم الدين وللوعظ، وليست ~~للدراسة والبحث في القرآن؛ فبالتعاون مع مؤسسة نهضة العلماء التي ~~يرأسها «عبد الرحمن وحيد» رئيس إندونيسيا السابق، ومؤسسة ~~الليبرالية للجميع، سننشئ هذا المعهد العلمي، وسأتولى الإدارة ~~الفكرية والبحثية فيه بالتعاون مع «علي مبروك»، وجهوده الكبيرة في ~~دراسة العقيدة. وأتى مدير المؤسسة إلى القاهرة، وجلسنا في جلسات ~~عمل طويلة نضع الأسس الفكرية والأكاديمية للمعهد العالمي للدراسات ~~القرآنية، الذي سيكون مجلس أمنائه من باحثين من كل العالم ~~الإسلامي، من العالم العربي ومن إيران وجنوب شرق آسيا، وسنبدأ ~~الدورة الأكاديمية الجديدة في إندونيسيا هذا الصيف مع أربعين من ~~حاملي رسائل الدكتوراه في الدراسات الإسلامية. # طلبت من «جابر ms229 عصفور» أن نجمع كل المحلاوية بزوجاتنا وأولادهم، ~~وكان لقاء جميلا استعدنا فيه ذكريات شبابنا الجميلة ومناكفاتنا ~~الفكرية. كتبت مجموعة من المقالات للمجلة الإلكترونية «الأوان»، ~~بدأت نشرها في الخامس والعشرين من أكتوبر من البدايات إلى تحليل ~~الخطاب، ومن العقل إلى النقل، وشعار النهضة وشعارات الأزمة؛ ثم ~~كتبت عن علاقة المثقف بالسلطة. وكان عندي محاضرتان سوف ~~ألقيهما بالكويت في ديسمبر ألفين وتسعة، ودبت مشكلة لا لزوم ~~لها، ورضخت الحكومة لضغوط السلفيين في مجلس الأمة الكويتي، ~~وتعرضت لقلة ذوق بإعادتي من مطار الكويت بعد وصولي؛ فمن سعوا ~~لمنعي من الدخول يعيشون في العصور الوسطى، فعدت إلى القاهرة، ~~وألقيت المحاضرة نفسها للمجتمعين ولمن انضم إليهم بسبب الضجة ~~بالتليفون، وسمع الناس المحاضرة، بل وخرجت إلى الإعلام وعلقت ~~على ما جرى داخل مقر نقابة الصحفيين المصرية، وكتبت تعليقا على ما ~~حدث نشر في «الأوان»، وفي كل وسائل الإعلام. # حاصرني الموت بوفاة صديقي المرح الشاعر «محمد صالح»، وكتبت: «يا ~~محمد مش إنت لوحدك اللي تعبت.» وكتبت في «المصري اليوم» خواطر بين ~~عامين. في هولندا، أتت «إيستر نيلسون» من أمريكا بعد كتابنا معا ~~عن حياتي، صوت المنفى، عام ألفين وأربعة؛ لكي نعد كتابا ~~جديدا باللغة الإنجليزية، وتقضي أسبوعا تسجل فيه حواراتنا، ~~ثم تعود وتكتب النص. وأتصور أن تكون النقاط الرئيسية للكتاب ~~فترة ما قبل القرآن، ثم فترة نزول القرآن، ويليها فترة ما بعد ~~نزول القرآن حتى العصر الحديث، ثم عصرنا الحديث حتى الآن. وفترة ما ~~قبل القرآن نتحرك فيها من الماكرو؛ أي الجزيرة العربية في ~~العالم، ثم الحجاز ومكة في جزيرة العرب. وفي فترة القرآن تتعامل مع ~~القرآن على مدار ثلاثة وعشرين عاما، حتى وفاة النبي محمد. ثم ~~الفترة التالية من وفاة النبي إلى بدايات العصر الحديث عند ~~المسلمين في القرن الثامن عشر، ثم عصرنا الحديث بمراحله حتى لحظتنا ~~الراهنة، التي تعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر نقطة مفصلية؛ ~~فبعدها ازداد الاهتمام بدراسة الإسلام، ولكن في نفس الوقت ازداد ~~الرفض للمسلمين، خصوصا من يعيش منهم في الغرب، وكأن ms230 الإسلام وضع ~~خلف القضبان بعد الحادي عشر من سبتمبر، وعليه أن يدافع عن ~~ذاته. # زرت لبنان، والتقيت ناشري وصديقي «حسن ياغي»، وأعطيته بعض ~~الأوراق، وعرضت عليه ما أفكر في عمله من ترجمة للموسوعة القرآنية ~~التي كنت من المشرفين على تحريرها في جامعة «لايدن»، وقد استطعت ~~تقريبا إيجاد من يمول ترجمتها إلى اللغة العربية، وعرضت عليه ~~البدء في مشروع تفسيري للقرآن بكتاب أولي أعرض فيه نقدا ~~للتفاسير السابقة، وأعرض نماذج من التفسير، وكيف يمكن التعامل مع ~~القرآن. وقمت ببعض الأنشطة من مقابلات تلفزيونية ومحاضرات. ونشرت ~~مجلة «الأوان» الإلكترونية أربع مقالات في شهر أبريل عن أزمة الفكر ~~الإسلامي المعاصر، كتبت فيها عن «الخوف على الثوابت والقطعيات»، ~~وعن «الحجاب والنقاب»، وعن «الفزع من العلمانية، فصل الدين عن ~~الدولة»، ثم سافرت إلى إيطاليا لإلقاء محاضرتين، ومنها في شهر ~~مايو مباشرة إلى إندونيسيا، لألتقي «علي مبروك»، ونبدأ في تنفيذ ~~ما تناقشنا حوله أكاديميا في المعهد العالمي للدراسات القرآنية، ~~مشروع العمر، على أن أعود إلى هولندا في الخامس والعشرين من شهر ~~يونيو، حيث ستحتفل الجامعة بخروجي إلى المعاش، والذي اختارت له ~~الجامعة عنوان «كيف يمكن أن نقدم إسلاما ذا وجه إنساني؟» كل ~~المسائل قد أصبحت واضحة أمامي، وعندي إجابات لأسئلة كثيرة مما ~~وقف أمامه القدماء والمحدثون في تعاملهم مع القرآن، وأريد أن ~~أضعها على الورق. # السفر إلى إندونيسيا، حيث سألتقي هناك «علي مبروك»، و«ألان ~~تايلور»، و«رافي كرشنا مرثي»؛ فبعد أن وضعنا الأساس الفكري للمعهد ~~الدولي للدراسات القرآنية، سنسعى للتواصل مع المفكرين والباحثين ~~وعلماء الدين الإندونيسيين لطرح الموضوع الفكري عليهم ومناقشته ~~معهم، وعمل مجموعة من المحاضرات خلال الشهر والنصف القادمين. ~~تأخرت رحلتي بسبب سحابة بركانية، فوصلت متأخرا يوما، لكن ~~وجدتهم هناك. وذهبنا لثلاثة أيام إلى أحد مزارع البن، منطقة ~~لوساري بجاوة الوسطى، خلابة الطبيعة؛ للصفاء والاختلاء بالنفس ~~وللتفكير العميق، نسكن في أكواخ بها فريق العمل، أشعر بصفاء غريب ~~واتقاد ذهني وسماح روحي، حتى إن «رافي» علمنا بعض تمرينات ~~لليوجا؛ فها هو حلم ومشروع عمري تبدأ خطوات تحقيقه؛ ms231 معهد دولي ~~للدراسات القرآنية، يكون ساحة للعمل والبحث الأكاديمي بعيدا عن ~~مجرد التكرار والإعادة بلا إفادة التي تعيش فيها جامعاتنا الدينية ~~في العالم الإسلامي. انتهت الأيام الثلاثة لنعود إلى فندق جراند ~~حياة بجاكارتا لمزيد من اللقاءات والمحاضرات. ~~••• # لاحظ «علي مبروك» خلال الفصل الدراسي فترات طويلة من الصمت ~~وعدم المشاركة من «نصر»، بعد أن كان دائم النقاش خلال الأيام ~~الأولى، ولاحظ شروده الطويل، وشعر بقلق عليه، فاتصل ب ~~«ابتهال» بالقاهرة، والتي كانت بدأت تلاحظ بعض التغير في محادثات ~~«نصر» لها. واتفقا على أن يعود «نصر» وعلي إلى القاهرة بأقصى ~~سرعة؛ فعادا إلى القاهرة يوم الخميس السادس والعشرين من أبريل. ~~وكان «نصر» حاضر الذهن، وكان في انتظارهم «ابتهال» بالمطار. دخل ~~«نصر أبو زيد» إلى المستشفى في مدينة السادس من أكتوبر، ولم يكن ~~فاقد الوعي، وتم فحصه فحصا شاملا، وتم تشخيص المرض بفيروس يصيب ~~خلايا المخ، وهو مرض عادي، وبدأت تتحسن حالته نسبيا، لكنه ~~كان يعاني منذ فترة طويلة حساسية في الصدر، فسببت خراطيم ~~التغذية نوعا من الالتهاب الرئوي الذي أدى لرحيله، صباح الإثنين ~~الخامس من يوليو عام ألفين وعشرة، قبل خمسة أيام من عيد ميلاده ~~السابع والستين؛ ليعود إلى قريته «قحافة»، مركز طنطا محافظة ~~الغربية، مرة أخيرة. # إلى لقاء. # بروكلين، أكتوبر 2012م # | زهور الرحيق # امتحت رحيق هذه القصة من: # تسجيلات صوتية # عشرون ساعة تسجيلات صوتية ل «نصر أبو زيد»، يتحدث فيها ~~عن حياته، أجراها معه «شريفة مجدي» و«نافيد كرماني»، ~~لكتابهما عن سيرته الذاتية ليصدر باللغة ~~الألمانية. # وكتاب «إيستر نيلسون» و«نصر أبو زيد» بالإنجليزية عن ~~سيرته الذاتية، بعنوان «صوت المنفى». # تسجيلات صوتية لحوارات «أبو زيد» الصحفية بالعربي، تسع ~~عشرة ساعة. # ثمان وأربعون ساعة بالإنجليزية، منها خمس عشرة ساعة ل ~~«إيستر نيلسون»، للكتاب الثاني لهما معا، شهران قبل وفاة ~~«نصر أبو زيد». # خمس ساعات تسجيلات مناقشة الماجستير ومناقشة ~~الدكتوراه. # اثنتا عشرة ساعة صوتية، محاضرات بالعربية ~~والإنجليزية. # عشر ساعات فيديو، لقاءات تليفزيونية. # أربع محاضرات بمكتبة الإسكندرية وجامعة نوتردام ~~الأمريكية. # تسجيل ساعتين ل «نصر أبو زيد» ms232 و«هدى وصفي» و«جابر ~~عصفور»، مع الأب «متى المسكين». # حوارات أجريتها وسجلتها صوتيا مع كل من: # د. ابتهال يونس. # د. جابر عصفور. # الشاعر زين العابدين فؤاد. # د. علي مبروك. # الأستاذ جمال الغيطاني. # حوارات مختلفة مع د. فكري أندراوس. # مؤلفاته # من سن التاسعة عشرة حتى السابعة والستين، كتب نصر مقالة «أدب ~~العمال والفلاحين»، مجلة الأدب، لم أعثر على نسختها، لكنه ~~نشرها عام 1962م. # أزمة الأغنية المصرية، المجلد التاسع، العدد السابع، ديسمبر ~~1964م. # مقالة ابن خلدون بين النظرية والتطبيق، نشرت في مجلة ~~الكاتب عدد 195، يونيو 1977م. # مقال الثابت والمتحول في رؤيا أدونيس، مجلة فصول، القاهرة ~~عدد أكتوبر 1980م، ونشرت في كتاب «إشكاليات القراءة وآليات ~~التأويل». # دراسة، الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص، مجلة فصول، عدد ~~أبريل 1981م، ونشرت في كتاب إشكاليات التأويل. # كتاب الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز عند ~~المعتزلة، الطبعة الأولى، دار التنوير، بيروت، 1982م. # ترجمة من اللغة الإنجليزية، مقال هيرش، اتجاهات في التقييم ~~الأدبي، نشرت في مجلة «ألف» بالجامعة الأمريكية، العدد ~~الثاني، 1982م؛ ولم تنشر في كتاب. # ترجمة مقال، أندرية جبسون، ملاحظات عن القصة والفكاهة، ~~نشرت في مجلة فصول، المجلد الثاني، العدد الثاني، 1982م؛ ولم ~~تنشر في كتاب. # دراسة الأساس الكلامي لمبحث المجاز، نشرت ضمن الكتاب ~~التذكاري في ذكرى الدكتور عبد العزيز الأهواني «دراسات في الفن ~~والفلسفة»، نشرت في كتاب أبو زيد «إشكاليات القراءة وآليات ~~التأويل». # ترجمة مقال، إيكيناوم أو هنري، نظرية القصة القصيرة، نشرت ~~بمجلة فصول، المجلد الثالث، العدد الثالث، 1983م. # نشر رسالة الدكتوراه، تحت عنوان «فلسفة التأويل، دراسة في ~~تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي»، الطبعة الأولى، دار ~~التنوير العربية، 1983م. # مقال الذاكرة المفقودة والبحث عن النص، نشر بمجلة فصول، ~~المجلد الرابع، العدد الأول، 1983م؛ نشرت ضمن كتاب ~~«إشكاليات القراءة». وأيضا تضمن الكتاب: ~~«دراسة مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني، قراءة في ضوء ~~الأسلوبية»، مجلة فصول، المجلد الخامس، العدد الأول، ~~1984م. # بالإنجليزية # مقالة، السيرة النبوية سيرة شعبية، مجلة جامعة أوساكا ~~باليابان، العدد 71، عام 1986م، ص 1-24؛ ونشر ms233 نصها العربي ~~بمجلة الفنون الشعبية بالقاهرة، عدد 33، ديسمبر 1991م، ص ~~17-36. # مقالة نظرية التأويل عند الغزالي، مجلة جامعة أوساكا ~~للدراسات الأجنبية باليابان، العدد 72، 1986م، ص 1-25؛ ولم ~~تنشر في كتاب. # بالعربية ~~«علم العلامات في التراث، دراسة استكشافية»، نشرت ضمن ~~كتاب «أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى ~~السيميوطيقا»، إشراف مشترك مع سيزا قاسم، دار إلياس العصرية، ~~القاهرة، 1986م؛ ودار عيون، الدار البيضاء، 1987م؛ ونشرت ~~ضمن كتاب «إشكاليات القراءة وآليات التأويل». # ترجمة عن الإنجليزية، مقالة نظريات حول الدراسة السيميوطيقية ~~للثقافات، ليوري لوتمان وآخرين، نشرت ضمن كتاب مقدمة لعلم ~~السيميوطيقا، وأيضا ضمن الكتاب، ترجمة، مقالة. # مشكلة اللقطة، ليوري لوتمان. ونشر كتاب «أنظمة العلامات في ~~اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السيميوطيقا»، إشراف مشترك مع ~~سيزا قاسم، دار إلياس العصرية، القاهرة، 1986م؛ ودار عيون، ~~الدار البيضاء، 1987م. # مقالي «الفوازير، وظيفتها وبناؤها اللغوي»، بمجلة الفنون ~~الشعبية، عدد 18، مارس 1987م. # بحث بالإنجليزية # الإنسان الكامل في القرآن، مجلة جامعة أوساكا للدراسات ~~الأجنبية باليابان، العدد 77، 1988م، ص 111-133. # بالعربية # مقالة آليات التأويل في كتاب سيبويه، بمجلة ألف للبلاغة ~~المقارنة، بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، العدد 8، ~~1988م. # دراسة، «الخطاب الديني المعاصر، آلياته ومنطلقاته الفكرية»، ~~كتاب قضايا فكرية، الكتاب الثامن: الإسلام السياسي، الأسس ~~الفكرية والأهداف، 1989م؛ ونشرت بعد ذلك ضمن كتاب نقد ~~الخطاب الديني. # ترجمة كتاب «البوشيدو، روح اليابان، المكونات التقليدية ~~للثقافة اليابانية»، تأليف إينازو نيتوبي، ط1، دائرة الشئون ~~الثقافية العامة، بغداد، العراق، 1990م؛ ط2، دار سعاد ~~الصباح، القاهرة، 1992م. ومقدمة أبو زيد للكتاب لم تنشر في ~~كتاب من كتبه. # كتاب «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن»، الهيئة المصرية ~~العامة للكتاب بالقاهرة، ط1، 1990م؛ ط2، 1994؛ والمركز الثقافي ~~العربي، بيروت والدار البيضاء؛ ط3، 1996م. ~~«التراث بين التأويل والتلوين، قراءة في مشروع اليسار ~~الإسلامي»، بمجلة «ألف» بالجامعة الأمريكية، القاهرة، عدد 10، ~~1990م؛ ونشرت ضمن كتاب نقد الخطاب الديني. ~~«قراءة النصوص الدينية، دراسة استكشافية لأنماط الدلالة في ~~القرآن»، ألقيت في الذكرى العاشرة لعبد العزيز الأهواني، مارس ~~1990م؛ ونشرت ضمن كتاب نقد الخطاب الديني. # مقالة، مفهوم ms234 النص، (1) الدلالة اللغوية، مجلة إبداع ~~القاهرية، عدد أبريل 1990م. # مقالة، دال التأويل والمفهوم الثقافي للنص، بمجلة إبداع، ~~عدد مايو 1990م، نشر ضمن كتاب «النص، السلطة، الحقيقة» فيما ~~بعد # مقال الكشف عن أقنعة الإرهاب، مجلة أدب ونقد، القاهرة، العدد ~~58، يونيو 1990م؛ ولم ينشر في كتاب. # دراسة، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، مجلة ~~الاجتهاد، بيروت، 1990م. # مقال ثقافة التنمية وتنمية الثقافة، مجلة القاهرة، العدد ~~111، 1990م، ص 23-28؛ ونشر متضمنا بعد حذف المقدمة في ~~كتاب الخطاب والتأويل، فصل العقل العربي بين سلطتين. # كتاب، «إشكاليات القراءة وآليات التأويل»، سلسلة كتابات ~~نقدية، عدد 10، أغسطس 1991م. # مقال، إعطاء العيش لخبازه أو العودة إلى محاكم التفتيش، مجلة ~~أدب ونقد، عدد 75، نوفمبر 1991م. # مقال، قراءة نقدية في كتاب حصاد السنين وأمثلة التنوير ~~المكبوت، مجلة العربي، الكويت، عدد أكتوبر 1991م؛ نشر بعد ~~ذلك في كتاب الخطاب والتأويل. # مقال، حول القراءة المعاصرة للقرآن، مجلة الهلال، القاهرة، ~~يناير 1992م، ص 128-134؛ لم ينشر في كتاب. # المنهج النفعي في فهم النصوص الدينية (رد على شحرور)، مجلة ~~الهلال، القاهرة، مارس 1992م، ص 54-61؛ ولم ينشر في كتاب ~~فيما بعد. # دراسة، إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني، مجلة ~~القاهرة، عدد 122، يناير 1992م؛ نشر في كتاب «النص، السلطة، ~~الحقيقة»، بعنوان النص ومشكلات السياق. # مقال، «المرأة، البعد المفقود في الخطاب الديني المعاصر»، ~~مجلة القاهرة، عدد 123، فبراير 1992م؛ ونشر ضمن كتاب «أبو ~~زيد» «المرأة في فكر الأزمة»، الذي ضمن فيما بعد في كتاب ~~«دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة». # مقال، التراث بين الاستخدام النفعي والقراءة العلمية، مجلة ~~أدب ونقد، عدد 79، مارس 1992م؛ ونشر متضمنا في الفصل ~~الأول من كتاب «النص، السلطة، الحقيقة». # مقال، محاولة قراءة المسكوت عنه في خطاب ابن عربي، مجلة ~~الهلال، القاهرة، مايو 1992م؛ لم تنشر في كتاب فيما بعد. ~~كتاب. # نقد الخطاب الديني، دار الثقافة الجديدة، 1992م؛ ودار سينا ~~بالقاهرة، ط2، 1994م؛ ومكتبة مدبولي بالقاهرة، ط3، 1995م. ~~(ترجم إلى الألمانية بعنوان # Islam und Politik, kritik des Religiosen ~~Diskurses ~~، ترجمة: شريفة مجدي، وتقديم: نافيد ~~كرماني، ms235 دار نشر ديبا # Dipa ~~، ~~فرانكفورت، 1996م.) # بحث، مركبة المجاز من يقودها وإلى أين؟ مجلة «ألف» بالجامعة ~~الأمريكية بالقاهرة، عدد 12، 1992م؛ نشر الفصل الثاني من كتاب ~~«النص، السلطة، الحقيقة». # مقال، مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق، مجلة القاهرة، عدد ~~119، أكتوبر 1992م؛ نشر متضمنا في الفصل الأول من كتاب ~~«النص، السلطة، الحقيقة». # مقال، قراءة التراث في كتابات أحمد صادق سعد، مجلة أدب ونقد، ~~عدد 87، نوفمبر 1992م؛ ولم ينشر في كتاب فيما بعد. # مقال، «الإسلام السياسي في المغرب، نظرة محايدة، عرض كتاب ~~فرانسوا بورجا». وكان ذلك تقديما للترجمة العربية للكتاب، ~~ونشر المقال بمجلة العربي، الكويت، عدد 406، سبتمبر 1992م؛ ~~ولم ينشر في أي من كتب «نصر أبو زيد» فيما بعد. # كتاب الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، ط1، دار ~~سينا بالقاهرة، 1992؛ ط2، مكتبة مدبولي بالقاهرة، ~~1996م. # مقال، خطاب الإسلام السياسي والعنف المستتر، جريدة الأهرام ~~24 يناير 1993م؛ لم ينشر في كتاب بعد ذلك. # الجامعة بين الحفاظ على الثوابت وتحقيق الإبداع، جريدة ~~الأهرام، 8 مارس 1993م؛ نشر في كتاب التفكير في زمن ~~التكفير. # مقال، من العنف المستتر إلى العنف العلني ، لم تنشره جريدة ~~الأهرام، لكن نشر في مجلة القاهرة، عدد أبريل 1993م؛ ولم ~~ينشر في كتاب فيما بعد. # مقال، مات الرجل وبدأت محاكمته، جريدة الأهالي؛ نشرت فيما ~~بعد في كتاب الخطاب والتأويل. # مقال، «ابن رشد، التأويل والتعددية»، مجلة العربي، الكويت، ~~عدد مايو 1993م، نشرت في كتاب الخطاب والتأويل. ~~«المرأة في المجتمع، جراح اللغة وجراح الهوية»، مجلة ~~أدب ونقد، مايو 1993م، نشرت في كتاب «المرأة في فكر الأزمة»، ~~والذي ضمن في كتاب دوائر الخوف. # مقال، قراءة التراث النقدي وعدسة الناقد الحداثي، مجلة ~~القاهرة، عدد 126، مايو 1993م؛ ولم ينشر في كتاب من ~~بعد. # قراءة نقدية في كتاب تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها ~~للأنصاري، مجلة العربي، الكويت، عدد 415، يونيو 1993م؛ لم ~~ينشر بكتاب. # دراسة أبو زيد والخطاب الديني، ضمن كتاب قضايا فكرية، ~~الأصوليات الإسلامية، ع 13-14، 1993م؛ نشرت بعد ذلك في كتاب ~~«نصر أبو زيد» «القول المفيد في قضية أبو ms236 زيد». # مقال، أبو زيد يرد على البدراوي، جريدة الأخبار، 25 يونيو ~~1993م؛ نشرت ضمن كتاب التفكير في زمن التكفير. # مقال، الإسلام بين الفهم العلمي والاستخدام النفعي، جريدة ~~الأهرام، 4 أغسطس 1993م؛ نشرت في كتاب التفكير في زمن ~~التكفير. # مقال، «اللامعقول، كيف يصير معقولا في حياتنا؟» جريدة ~~الأهالي، 1 سبتمبر 1993م؛ لم ينشر في كتاب. # مقال، «زكي نجيب محمود، غربة الروح بين أهلها»، مجلة المصور، ~~24 سبتمبر 1993م؛ لم ينشر في كتاب. # مقال «المعقول واللامعقول في الحياة السياسية المصرية»، ~~جريدة الأهالي، 6 أكتوبر 1993م؛ لم ينشر في كتاب. # مقال، المثقف العربي والسلطة، جريدة الحياة، لندن، 17 ~~أكتوبر 1993م؛ ضمن في كتاب الخطاب والتأويل. # العقل العربي بين سلطتين. مقال، «معرفة الحق بالرجال، الرجال ~~والحق وما بينهما»، جريدة الأهالي، 1 ديسمبر 1993م؛ ونشرت في ~~كتاب التفكير في زمن التكفير. # مقال، «خطاب الحرية، ضد الكتابة المذعنة»، مجلة أدب ونقد، ~~ديسمبر 1993م؛ نشرت في كتاب التفكير في زمن التكفير. # دراسة الإمام الشافعي بين البشرية والقداسة، مجلة أدب ونقد، ~~عدد 102، فبراير 1994م؛ وأعيد نشرها مرة أخرى بنفس المجلة ~~في عدد أبريل لسقوط جزء منها في النشر الأول، نشرت ضمن كتاب ~~التفكير في زمن التكفير، وبعد ذلك في مقدمات الطبعات التالية ~~من كتاب الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية. # مقال، مشكلات البحث في التراث، مجلة أدب ونقد، عدد 103، مارس ~~1994م؛ نشر في الكتاب السابق. # مقال، مفهوم التاريخية المفترى عليه، أدب ونقد، عدد 105، ~~وعدد 106، مايو ويونيو 1994م؛ ونشرتا بكتاب التفكير في زمن ~~التكفير. # مقال، الاستقطاب الفكري بين الإسلام العصري وأسلمة العصر في ~~مصر، مجلة الطريق، عدد مايو 1994م؛ نشر بكتاب التفكير في زمن ~~التكفير، وضمن في كتاب الخطاب والتأويل. # مقال، «المقاصد الكلية للشريعة، قراءة جديدة»، مجلة العربي، ~~الكويت، عدد 426، مايو 1994م؛ ونشر في كتاب الخطاب ~~والتأويل. # مقال، «اللغة والعالم، معضلة القرآن والتاريخ»، مجلة أدب ~~ونقد، عدد 107، يوليو 1994م؛ نشرت بكتاب التفكير في زمن ~~التكفير. # مقال، اللغة والثقافة والمنتج الثقافي، مجلة أدب ونقد، عدد ~~109، سبتمبر 1994م؛ ونشر بكتاب التفكير في ms237 زمن ~~التكفير. # كتاب، التفكير في زمن التكفير، عن دار سينا للطباعة والنشر، ~~الطبعة الأولى، 1994م. # كتاب، المرأة في فكر الأزمة، دار نصوص للطباعة ~~والنشر. # مقال، انتصار الجهل بملكوت الله، جريدة الأهالي، 8 يونيو ~~1994م؛ ونشر بكتاب التفكير في زمن التكفير. # مقال، عصيان الدين أم عصيان الدولة؟ مجلة الناقد، عدد 73، ~~يوليو 1994م. # مقال، «اللغة الدينية والبحث عن ألسنية جديدة، قراءة في فكر ~~محمد أركون»، مجلة الناقد، عدد 74، أغسطس 1994م؛ نشر بكتاب ~~الخطاب والتأويل. # مقال، أرثوذوكسية معممة، مجلة الناقد، عدد أغسطس، 1994م؛ ~~لم ينشر بكتاب. # دراسة، الرؤيا في النص السردي العربي، مجلة فصول، القاهرة، ~~المجلد 13، عدد 3، 1994م؛ لم تنشر في كتاب فيما بعد. # مقالة، العالم بوصفه علامة، مجلة «ألف» بالجامعة الأمريكية، ~~عدد 15، 1995م؛ ونشرت ضمن كتاب «النص، السلطة، ~~الحقيقة». # كتاب، «النص، السلطة، الحقيقة؛ الفكر الديني بين إرادة ~~المعرفة وإرادة الهيمنة»، المركز الثقافي العربي ببيروت ~~وبالدار البيضاء، 1995م. # كتاب، الخلافة وسلطة الأمة، ترجمه إلى العربية عبد الغني سني ~~بك، وقدم له نصر أبو زيد، سلسلة ذاكرة الأمة، دار النهر ~~للنشر والتوزيع، تقديم نصر أبو زيد، تم تضمينه في كتاب الخطاب ~~والتأويل، في الفصل الثالث من القسم الأول، والفصل الثاني من ~~القسم الثاني. # مقال، البعد المفقود في الدراسات الدينية، مجلة العربي، ~~الكويت، مارس 1995م؛ ولم ينشر في كتاب فيما بعد. # مقال، الدفاع عن الشعر من أجل تأسيس علم البيان، مجلة أدب ~~ونقد، عدد 114، فبراير 1995م. ~~«مقال الدفاع عن الشعر، الحيثيات»، مجلة أدب ونقد، عدد 116، ~~أبريل 1995م. وهناك مقال آخر نوه عنه المقال، لكنه لم ~~ينشر في الأعداد التالية. # مقال، «مقاربة منهجية، عادل حسين ورفعت السعيد، خطابان أم ~~خطاب واحد»، كتاب الأهالي، عدد 52؛ ولم ينشر في أي من كتب ~~نصر أبو زيد فيما بعد. ~~«تجديد الفكر الإسلامي، أسئلة واقتراحات»، جريدة الحياة، ~~لندن. ~~«دراسة التنوير الإسلامي، جذوره وآفاقه من المعتزلة وابن رشد ~~إلى محمد عبده»، مجلة القاهرة، عدد 150، مايو 1995م؛ ونشر ~~جزء منها في الفصل الأخير من كتاب «النص، السلطة، ~~الحقيقة». # نشر كتاب «القول المفيد في ms238 قضية أبو زيد»؛ وقد نشر كملحق ~~لجريدة الأهالي، يونيو 1995م، ونشرته مكتبة مدبولي، ~~1996م. # مقال، «رد على حيثيات حكم الردة، مأساة القراءة الحرفية ~~للنص»، مجلة أدب ونقد، عدد 121، سبتمبر 1995م. # دراسة، مركزية الغزالي وهامشية ابن رشد، مجلة «ألف» بالجامعة ~~الأمريكية، ع 16، 1996م؛ نشرت بكتاب الخطاب والتأويل. # مقال، مشروع الإصلاح الديني بين التحدي الأوروبي والتخلف ~~الداخلي، مجلة أدب ونقد، سبتمبر 1996م. # مقال، أنا أفكر فأنا مسلم، مجلة روز اليوسف، 12 أغسطس ~~1996م. # مقال، أنا أفكر فأنا مسلم، روز اليوسف، ع 12 أغسطس ~~1996م. ~~«القراءة الأدبية للقرآن، إشكالياتها قديما وحديثا»، مجلة ~~الكرمل، ع 50، رام الله بفلسطين. # مقال بالإنجليزية، قضية أبو زيد. # الطبعة الأولى من كتاب «النص، السلطة، الحقيقة»، المركز ~~الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 1996م. # مقال، «الصفات الإلهية في القرآن، تحليل للبناء اللغوي»، ~~بالإنجليزية؛ لم ينشر في أي من كتبه. # مقال، من علمانية بداية القرن إلى أصولية نهايته، مطبوعة ~~حرية، لجنة الدفاع عن حرية الفكر والاعتقاد، تحررها عبلة ~~الرويني، 1997م؛ لم ينشر في أي من كتبه. # مقالة، مرتد كلمة لن أنساها أبدا، جريدة الأهالي، 30 ~~يوليو 1997م؛ لم تنشر في كتاب. # مقالة، الإسلام والديمقراطية والمرأة، دوائر الخوف عند فاطمة ~~المرنيسي، مجلة نور، عدد 12، خريف 1997م؛ نشرت بكتاب دوائر ~~الخوف. # مقالة، «إشكالية التراث بين التأويل العلمي والقراءة ~~النفعية»، مجلة سطور، تقريبا ديسمبر 1998م، نشرت بكتاب ~~الخطاب والتأويل. # مقال، الثقافة بين التجانس والتهجين، بمجلة سطور، تقريبا ~~1998م؛ لم ينشر في كتاب. ~~«حقوق المرأة في الإسلام ، دراسة في تاريخ النصوص»، مجلة ~~«ألف» للبلاغة المقارنة، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ع 19، ~~1999م؛ نشرت بكتاب دوائر الخوف. # النشر العربي لدراسة الفكر الإسلامي وحقوق الإنسان بين ~~المثال والواقع، الذي كتب بالإنجليزية سنة ست وتسعين، ونشر ~~ضمن كتاب دوائر الخوف. # صدر كتاب «دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة» عن المركز ~~الثقافي العربي ببيروت والدار البيضاء، عام 1999م، متضمنا ~~كتاب «المرأة في فكر الأزمة»، الصادر سنة أربع وتسعين. # مقالة، «ألفت الروبي وثقافة الاستبعاد، مؤامرة ضد فن القص»؛ ~~لم تنشر في كتاب. # مقال، ms239 هل هناك مفهوم للحكم والسلطة في الفكر الإسلامي؟ مجلة ~~الثقافة الجديدة بالعراق، عدد 295؛ ولم ينشر في كتاب. # نشر كتاب «الخطاب والتأويل» عن المركز الثقافي، عام ~~2000م. # مقال، «فشل التنوير الحكومي»، جريدة أخبار الأدب، ع 397، ~~يناير 2001م؛ لم يصدر في كتاب. # صدور كتاب «هكذا تكلم ابن عربي»، يونيو 2001م، عن الهيئة ~~المصرية العامة للكتاب. # النقد والنقض في حرب الكراهية بين الإسلام والغرب، السفير، ~~بيروت، 13 يناير 2002م. # الفزع من الإسلام بين الحقيقة والأيديولوجيا، 19 يوليو ~~2001م؛ لم يصدر في كتاب. # محاضرة «إشكالية تأويل القرآن قديما وحديثا»، في دمشق، ~~مايو 2002م؛ ونشر بكتاب التجديد والتحريم والتأويل. # مقالة، «تجديد الخطاب الديني، ملاحظات واقتراحات»، جريدة ~~الأهرام، 24 فبراير 2002م؛ ونشرت المقالات كاملة التي لم ~~ينشرها الأهرام بجريدة الزمان، سبتمبر 2002م؛ ونشرت ضمن كتاب ~~التجديد والتحريم والتأويل. # محاضرة «اليسار الإسلامي، إطلالة عامة»، لم تنشر في أي ~~من كتبه فيما بعد. # مقالة الرقابة وتوابعها في البحث العلمي، جريدة المدى، ~~تقريبا 2004م؛ لم تنشر في كتاب. # محاضرة «من النص إلى تحليل الخطاب، نحو تأويلية إنسانوية، ~~النص العربي»، بالإسكندرية، 18 أبريل 2006م، ونشرت بكتاب ~~التجديد والتحريم والتأويل. # محاضرة «الفن وخطاب التحريم»، مايو 2008م؛ ونشرت بكتاب ~~التجديد والتحريم والتأويل. # مقالات نشرت بجريدة المصري اليوم # العقلانية العمياء والليبرالية العرجاء، 30 يوليو ~~2006م. # عن لبنان والمقاومة، 7 أغسطس 2006م. # الصراع العربي الإسرائيلي هل هو صراع ديني؟ 21 أغسطس ~~2006م. # أمل دنقل يغني في الجامعة، متى تستعيد الجامعة «أمل»؟ 28 ~~أغسطس 2006م. # رسالة إلى عم نجيب، 1 سبتمبر 2006م. # ملاحظات حول محاضرة البابا بنديكت السادس عشر. ~~«درس نجيب محفوظ، الأدب مقاومة فكرية»، 12 سبتمبر ~~2006م. # العقلانية والليبرالية ثانيا، 19 سبتمبر 2006م. # تجريف التدين وخصاء العقل، 11 أكتوبر 2006م. # تجريف التدين وخصاء العقل، 17 أكتوبر 2006م. # أوراق شاهندة مقلد وأسئلة ما يحدث في مصر الآن، 2 يناير ~~2007م. # الفزع من التأويل العصري للإسلام، مجلة الديمقراطية، شتاء ~~2008م. # مجلة الأوان الإلكترونية # مقال، من البدايات إلى تحليل الخطاب، 25 أكتوبر ~~2009م. # من العقل إلى النقل، ms240 1 نوفمبر 2009م. # مقال، تعليق على ما حدث، 21 ديسمبر 2009م. # مقال، شعار النهضة وشعارات الأزمة، 29 ديسمبر 2009م. # علاقة المثقف والسلطة، 3 يناير 2010م. # أزمة الفكر الإسلامي المعاصر (1)، 6 أبريل 2010م. # المقال (2) الخوف على الثوابت والقطعيات، 13 أبريل ~~2010م. ~~(3) من الحجاب إلى النقاب، 20 أبريل 2010م. ~~(4) «الفزع من العلمانية، فصل الدين عن الدولة»، 27 أبريل ~~2010م. # مقال، يا محمد مش إنت لوحدك اللي تعبت، جريدة اليوم السابع، ~~30 ديسمبر 2009م. # مقال، خواطر بين عامين، جريدة المصري اليوم، 10 يناير ~~2010م. ونشر كتاب «التجديد والتحريم والتأويل، بين المعرفة ~~العلمية والخوف من التكفير»، المركز الثقافي العربي ببيروت ~~والدار البيضاء، 2010م. # | قائمة المصادر والمراجع # كتابات نصر أبو زيد بالإنجليزية بعد خروجه من مصر 1995م # The Case of Abu-Zaid, Index on ~~Censorship, London, 4, 1996, pp. ~~30-39. ~~“Linguistic Exposition of God in ~~Qur’an” in Fundamentalismus Der-Moderne, Christen ~~und Muslime im Dialog, Evangelische Akademie, ~~Loccum, Germany, 75/94, 1996. pp. ~~97-110. ~~“The Textuality of The Koran” in # Islam and Europe in Past ~~and Present ~~, NIAS (Netherlands ~~Institute for Advanced Study in The Humanities and ~~Social Sciences), 1997, pp. ~~43-52. ~~“Divine Attributes in the Qur’an: Some ~~poetic aspects” in # Islam and ~~Modernity ~~, edited by John Cooper, ~~Ronald Nettler and Mohammed Mahmoud, I.B. Tauris, ~~London, 1998, pp. 120-211. ~~“Inquisition Trial in Egypt”, in # Human Rights in Islam ~~15 ~~, RIMO, Maasstricht 1998, pp. ~~47-55. ~~“Islam, Muslims and Democracy”, in # Religion und Politik ~~, Konrad-Adenauer-Stiffung, ~~intere Studie Nr. 151/1998, pp. ~~103-112. ~~“Literature and Heresy-Literature and ~~Justice: The Critical Potential of Enlightened ~~religion” in # Literatur, ~~Menschenrechte in Islamischen Gesellschaften und ~~Staaten ~~, Evangelische Akademie Loccum ~~22/96, 1998, pp. 18-32. ~~“The Concept of Human Rights, the Process of Modernization and the Politics of Western ~~Domination”, in Politik und ~~Gesellschaft: International Politics and ~~Society ~~, Herausgegeben von der ~~Friedrich-Ebert-Stiftung, 4/1998, pp. ~~434-437. ~~“The Modernization of Islam or the ~~Islamization of Modernity”, in # Cosmopolitanism, identity and ~~Authenticity in the Middle East ~~, ed. ~~Roel ms241 Meijer, Curzon Press, England 1999, pp. ~~71-86. ~~“Islamic Cosmology and Qur’anic ~~Exegesis”, in # Religion ~~Wandel der Kosmologien ~~, edited by ~~Dieter Zeller, Sonderdruk 1999, pp. ~~217-230. # The Image of Europe in Modern Egyptian ~~Narrative, in # Colonizer and ~~Colonized ~~, Eds. Theo D’haen and Particia Krüs, Rodopi, Amsterdam-Atlanta 2000, vol. ~~2, pp. 627-643. ~~“The Quranic Concept of Justice”, Polylog, forum for Intercultural Philosophizing’, ~~No. 3 (June 2001): Website ~~address: # The Qur’an: God and Man in ~~Communication, inaugural lecture for the Cleveringa ~~Chair at Leiden University (November ~~27 # th ~~, ~~2000). ~~“Heaven, Which way?” Al-Ahram Weekly, ~~issue No. 603. 2002. # Spricht Gott Nur Arabisch? (Does God ~~Speak Arabic?), in Michael Thumann (ed), Der Isalm ~~und der Westen, Berliner Taschenbuch Verlag, Berlin ~~2003, pp. 117-126. # The Dilemma of the Literary Approach to ~~the Qur’an, ALIF, Journal of Comparative Poetics, ~~the American University Cairo (AUC), No. 23, ~~Literature and the Sacred, 2003, pp. ~~8-47. # Voice of an Exile (coauthor: Esther R. ~~Nelson). Praeger Publisher, Greenwood Publishing ~~Group Inc 2004. # Rethinking the Qur’an: Towards a ~~Humanistic Hermeneutics, the Humanistic University Press Publication 2004. # Taliban law is not Koranic lawRreset ~~Doc Monday, 25 May 2009. # The “others” in the Qur’an: A ~~hermeneutical approach. Philosophy & Social ~~Criticism, March 2010; vol. 36, 3-4: pp. ~~281-294. # The Qur’an, Islam and Muhammad. Reset ~~DOC, # Filosofia e ~~Religione ~~, JULY 26-AUGUST 23, ~~2012. # مشاركات نصر أبو زيد في الموسوعة القرآنية، ~~الصادرة عن جامعة لايدن، والمطبوعة ~~في دار بريل ~~(1) # Arrogance, Vol. I (2001), pp. ~~158-161. ~~(2) # Everyday Life: Qur’an In, Vol. II ~~(2002), pp. 80-97. ~~(3) # Illness and Health, Vol. II (2002), pp. ~~501-502. ~~(4) # Intention, Vol. II (2002), pp. ~~549-551. ~~(5) # Opression, Vol 111 (2003), pp. ~~583-584. # مراجعات كتب بالإنجليزية # Book Review “Muslim, Jews and Pagans: ~~Studies on Early Islamic Medina”, by Micheal Lecker, # Bibliotheca ~~Orientalis # LV No. 1/2, January-April ~~1998, Column 275-278. # Book Review “Paradise Lost, Reflections ~~on the Struggle for Authenticity in the Middle East” ~~by C.A.O. can Nieuwenhuijze, # Bibliotheca ~~Orientalis # LVI No. 3/4, May-August ~~1999, Column 510-513. # Book Review, “Image of ms242 the Prophet ~~Muhammad in the West, A Study of Muir, Margoliouth ~~and Watt”, # Bibliotheca ~~Orientalis # LVI No. 3/4, May-August ~~1999, Column 518-522. # Book Review, “Reforming the Muslim ~~World”, # Biblitheca ~~Orientalis ~~, LV11 No. 1/2, ~~January-April 2000, Column ~~221-224. # ترجمات كتب أبو زيد # Germany # Books Politik und ~~Islam: Kritik des Religiösen ~~Diskurses ~~, translated by Cherifa ~~Magdi, Dipa-Verlag, Frankfurt, ~~1996. # Leben mit ~~Islam ~~(Life with Islam) autobiography ~~edited by Navid Kirmani, translated by Sharifa ~~Magdi, Herder 1999. # Articles ~~“Islam und Menschenrechte” (Islam and ~~Human Rights)”, # Kas. ~~Auslands- # xInformationen ~~, Konrad Adenauer ~~Stifung, 5, 1996, pp. 51-59. ~~“Die Frauenfrage zwischen ~~Fundamentalismus und Aufkl rung” by Salima Salih, in # Islam-Demkratie-Moderne, ~~Aktuelle Antworten arabicher denker ~~, ~~Verlag C.H. Beck, M nchen, 1998, pp. ~~193-210. # Dutch # Vernieuwing ~~in het islamitisch denken ~~, ~~translated by Fred and Rob Leemhuis, Uitgeverij ~~BULAAQ, Amsterdam, 1996. ~~“Islam en democratie: convergenties ~~of divergenties?” in # Dehamel Opaarde? De gelovige burger in ~~multiculturele democratie ~~, ~~Davidfonds Leuven 1998, pp. 114-128. # English ~~“The Sectarian and the Renaissance ~~Discourse”, translated and introduced by Mona ~~Mikhail, ALIF, # Journal ~~of Comparative Poetics ~~, The ~~American University of Cairo, no 19, 1999, pp. ~~203-222. # French ~~“Le Discourse Religieux ~~Contemporain: M canismes et Fondements ~~Intellectuels”, translated by Nachwa al-Azhari, ~~Edwige Lambert and Iman Farag, In: # CEDEJ-Egypte/Monde ~~Arabe ~~, No. 3, 3e trimestre, 1990 ~~, pp. 73-120. ~~“ # Critique ~~du Discours Religieux ~~”, ~~translated by Mohamed Chairet, Sindbad Actes ~~Sud, 1999. # Turkish ~~“Universal Principles of Sharica: A ~~New Reading”, translated from Arabic to Turkish ~~by Mostafa Unver, # Journal of Islamic Research ~~, ~~Ankara, Turkey, vol. 8, n. 2, 1995, pp. ~~139-143. ~~“The Problem of Qur’anic ~~Hermeneutics, from Classical to Recent Period” ~~by Omer Ozsoy, # Journal of Islamic Research ~~, ~~Ankara, Turkey, vol. 9, no. 1-2-3-4, 1996, pp. ~~24-44. # The Foundation of The Moderate ~~Ideology in Islamic Thought by al-Shâfi`î, ~~translated by M. Hayri Kirbasoglu, in # Sunni Paradigmanin ~~Olusumunda ~~, Kitabiyat, Ankara ~~2000, pp. 89-148. # Indonesian # Imam ~~Syafi’i: Moderatisme-Eklektisime-Arabisme ~~, translated by Khoiron ~~Nahdliyyin, LKIS, 1997. Persian ~~“Mafhum al-Wahy”, by Muhammad Taqi ~~Karmi, in # Naqd wa ms243 ~~Nazar ~~, vol 3, no. 4, fall 1997, ~~pp. 376-433. ~~“Al-Tarikhiyya: al-Mafhum ~~al-Multabis”, by Muhammad Taqi Karmi, in # Naqd wa ~~Nazar ~~, vol 3, no. 4, fall 1997, ~~pp. 328-375. # حوارات أبو زيد الصحفية # هناك بعض الحوارات المهمة: # محمد حربي أجرى مع نصر أبو زيد حوارين؛ الأول نشر ~~على أسبوعين في الصفحة الثقافية للأهرام، ضمن سلسلة ~~مفكر مصري جديد، يومي الجمعة 31 مايو والسادس من ~~يونيو 1991م. # الحوار الثاني بعده بخمسة عشر عاما، في صيف 2006م، ~~بجريدة العربي الناصرية، ونشر على أسبوعين، في ~~عددي 1129 و1130. # حواران لعبلة الرويني؛ الأول في مجلة القاهرة، عدد ~~نوفمبر 1993م، والحوار الثاني بعدها بعشرة أعوام ~~بجريدة أخبار الأدب، في عدد 27، يوليو 2003م. # حوار نصر أبو زيد مع محمود أمين العالم، بمجلة ~~العربي، الكويت، سبتمبر 1994م. # أربعة حوارات لمحمد شعير بجريدة أخبار الأدب؛ أولها: ~~أسامة بن لادن بطل من ورق، بدون تاريخ. حوار بمناسبة ~~حصول أبو زيد على جائزة ابن رشد، 2005م؛ وحوار 16 ~~يوليو 2006م؛ وحوار 18 يناير 2009م. # حوار حسن ياغي مع نصر أبو زيد، ونشر ضمن كتاب ~~الخطاب والتأويل. # حوار محمد حسين، في أدب ونقد، عدد مايو ~~1993م. # حوار مع سمير جريس، في الدويتش فيليه، 1993م. # حوار مع الحسيني البجلاتي، جريدة العربي الناصري، 29 ~~نوفمبر 1993م. # حوار في جريدة العربي الناصري، 26 يونيو ~~1995م. # حوار مع عزت القمحاوي، بأخبار الأدب، يونيو ~~1995م. # حوار نزيه أبو نضال، 1995م. # حوار خالد سالم، مجلة العربي، الكويت، مايو ~~1996م. # حوار وائل عبد الفتاح، 1 يناير 1996م، في روز ~~اليوسف. # حوار مع محمود الورداني، جريدة الحياة، 16 سبتمبر ~~1996م؛ ورسالة محمود الورداني من ألمانيا لجريدة أخبار ~~الأدب المصرية، ع 16، يونيو 1996م. # حوار مع نبيل يعقوب، مجلة اليسار، ع 79، سبتمبر ~~1996م. # حوار إلياس خوري، ملحق مجلة النهار الثقافي، 25 ~~يونيو 2001م. # حوار مجلة نزوى، سلطنة عمان، بدون تاريخ. # حوار محمد علي الأتاسي، ملحق النهار، 17 أكتوبر ~~2002م. # حوار ياسين تملالي، بدون تاريخ. # حوار أمينة عباس، 2003م. # حوار كولي بهنا، بدون تاريخ. # حوار وليد الخشاب، 26 يناير ms244 2004م. # حوار محمد علي خير، 8 يناير 2006م، نص برنامج روافد ~~في قناة العربية، عرض 12 مايو 2006م. # حوار محمد عبد المقصود، مايو 2008م. # حوار حسن سليمان، 20 يوليو 2008م. # حوار منذر الشوفي، الزمان. # حوار عمر عبد العزيز، جريدة المصري اليوم، 13 أبريل ~~2007م. # حوار آيات الميهي، أجرته في 28 من ديسمبر 2008م، ~~وأعيد نشره في الحوار المتمدن بتاريخ 10 يوليو ~~2011م. # حوار رياض الفرطوسي، الأربعاء 16 سبتمبر ~~2009م. # حوار أحمد سيد حسن، جريدة الأهالي. # حوار نادر المتروك، جريدة الوقت البحرانية، 5 فبراير ~~2010م. # حوار جريدة الأوان، أبريل 2010م. # حوار ناظم السيد، جريدة القدس العربي، 7 يونيو ~~2010م. ms245