######OpenITI# #META# URI: 1450KhalidGharibCali.CalamIskandarAkbar.Hindawi27973748 #META# Tags: history #META# ID: 27973748 #META# Title: عالَم الإسكندر الأكبر #META# AuthorID: 47283097 #META# Author: كارول جي توماس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 14163505 #META# Translator: خالد غريب علي #META# Related_books: 1450CarolGThomas.WorldOfAlexander (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - حقائق أساسية متفق عليها عموما في حياة الإسكندر‏ # 2 - أصله المقدوني‏ # 3 - نسبه الأرغي‏ # 4 - مجاورة اليونان‏ # 5 - البقاء بالقوة‏ # 6 - ملاقاة التهديد البعيد‏ # 7 - إعادة بناء شخص الإسكندر‏ # المراجع‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - حقائق أساسية متفق عليها عموما في حياة الإسكندر‏ # 2 - أصله المقدوني‏ # 3 - نسبه الأرغي‏ # 4 - مجاورة اليونان‏ # 5 - البقاء بالقوة‏ # 6 - ملاقاة التهديد البعيد‏ # 7 - إعادة بناء شخص الإسكندر‏ # المراجع‏ # | عالم الإسكندر الأكبر # | عالم الإسكندر الأكبر # تأليف # كارول جي توماس # ترجمة # خالد غريب علي # | تمهيد # ينجذب المعلمون والكتاب المعنيون بتاريخ منطقة البحر المتوسط القديم إلى موضوع الإسكندر ~~الثالث المقدوني؛ إن لم يكن بإرادتهم، فبفعل اهتمامات تلاميذهم وقرائهم؛ فرغبة الناس ~~عارمة في معرفة كل ما تسعهم معرفته عن هذا الرجل الذي غير مسار التاريخ في عمره ~~القصير. وقد احتل الإسكندر مكانة بارزة في المقررات التي درستها، وأعترف أنني وضعت ~~مؤلفين صغيرين يتناولان جوانب معينة من سيرته، غير أنني لا أنتمي إلى كادر المتخصصين في ~~الإسكندر الأكبر، ولم تكن نيتي وضع مؤلف يتناول سيرته وطبيعته. أعني أن هذا لم يكن حتى ~~مجرد خطة دفينة، حتى لعبت الصدفة السعيدة دورها. # فمنذ بضع سنين تعرفت على آل برتراند - الذي يشغل الآن منصب محرر التكليف في دار نشر ~~بلاكويل ببلشنج - في إطار تقييم عدد من المقترحات تمهيدا لنشرها المحتمل، وكان بعضها ~~يتناول مسائل مقدونية؛ مما أثار في النهاية سؤالا طرحه آل علي: أيمكنني التفكير في نهج ~~جديد لوضع سيرة للإسكندر تضم إلى سلسلة سير بلاكويل؟ كان سؤاله يلتمس اقتراحات لا ~~مؤلفين. أحد التوجهات المغرية أن تتناول سيرة الإسكندر من المنظور الفارسي، لكننا ~~لم نمض في هذا الطريق لأن المصادر اللازمة لهذا النهج أقل حتى من المصادر الإغريقية ~~والرومانية التي تتناول الإسكندر. # بعد استنفاد كل الاحتمالات التقليدية، ذكرت اتجاها أتبعه دوما في مجالي البحثي، وهو ~~اليونان فيما قبل التاريخ وفي فجر التاريخ؛ إذ تستلزم طبيعة الشواهد فهم السياق الأكبر. ~~فهل من شأن تناول العالم الذي ولد فيه الإسكندر وترعرع أن ms001 يقدم لمحة عن طبيعة هذا ~~الشخص ذاته؟ سبق أن اتبعت هذا المسار في حلقاتي الدراسية المعنونة «فتوحات الإسكندر: ~~لماذا؟» التي كان الطلاب يستقصون فيها مجموعة منوعة من «تفسيرات» نجاح الإسكندر، كهويته ~~المقدونية، وطبيعة مقدونيا ذاتها، وانتمائه إلى السلالة الملكية، وبنوته لفيليب ~~وأوليمبياس، وعلاقاته مع الشعوب المجاورة، وحالة الإمبراطورية الفارسية أثناء حياته. فطرحت ~~على آل إمكانية أن يوظف أحد المؤلفين هذا النهج لوضع سيرة من إصدار بلاكويل. # بعد ذلك بنحو أسبوعين دعاني آل إلى كتابة سيرة مختصرة للإسكندر تتمحور حول موضوع ~~مقرري الدراسي. وبالرغم مما في هذه الدعوة من إطراء، فإنني اعترضت محتجة بأنني لست ~~«متخصصة في الإسكندر»، فرد علي آل بقوله إن تناول الموضوع دون وجود فكرة محددة عن دوافع ~~الإسكندر وشخصيته وأمانيه وأحلامه ربما يكون نقطة إيجابية. # وهكذا أقدم هذه الدراسة مصحوبة باعتذار أسوقه إلى كل «المتخصصين في الإسكندر»، ~~الذين لا غنى عن أبحاثهم ومنشوراتهم للتوصل إلى أي فهم للإسكندر الثالث المقدوني. ~~تسعى الدراسة إلى النظر بعمق في ظروف عالمه، إيمانا بعدم إمكانية فهم الأفراد بمعزل عن ~~الثقافات التي تشكل حياتهم، دون الدخول في نقد المصادر، أو محاولة حل قضايا محددة تتعلق ~~بالحقائق أو التفسيرات. # سيرا على خطى الكتب الأخرى في هذه السلسلة، لا يحتوي هذا الكتاب على حواش سفلية، وكل ~~الأعمال المذكورة في المتن متضمنة في ثبت المراجع. وتشير الاستشهادات من قبيل «الكتاب ~~السابع، 56» من «تاريخ هيرودوت»، إلى مؤلفين قدامى لا يلزم ذكر طبعة معينة عند النقل ~~عنهم؛ بما أن الاستشهاد يقدم للقراء معلومات للعثور على مصدر الاقتباسات في أي طبعة. أما ~~الإسنادات إلى مجموعات الشواهد الأكاديمية من قبيل «النقوش الإغريقية، المجلد الثاني، الجزء ~~الثاني» فيتم نقلها بصيغة أتم بين قوسين في قلب المتن. # كانت قراءتي الشواهد وفي نفسي هدف مختلف، واستكشافي الأرض التي ولد فيها الإسكندر من ~~سلسلة جبال بيندوس في الغرب إلى الخليج الثيرمي وما وراءه شرقا؛ مغامرة مثيرة؛ إذ تمخضت ~~تنقلاتي بإرشاد من الخبيرين ثيو أنتيكاس ولورا وين أنتيكاس عن أفكار جديدة أساسية عن ~~مقدونيا، ms002 وكيف كانت أرضها هدفا للفتوحات ونقطة انطلاق للفتوحات في آن واحد، ففتحت ~~معرفتهما بالمنطقة وبالباحثين الذين يعكفون على تعزيز الشواهد التاريخية على ماضي مقدونيا ~~أبوابا كثيرة، فكرية ومادية على السواء. ويعود الفضل في أكثر الأشكال التوضيحية إلى ~~صداقاتهما مع سكان أرض الإسكندر الحاليين، وذلك على نحو ما ستكشفه مصادر هذه ~~الأشكال. # ساهم أشخاص كثر بمساعدات لا غنى عنها في هذا العمل، فقرأ ثيو أنتيكاس مخطوطة الكتاب ~~ثلاث مرات، مقدما اقتراحات وتصحيحات مشكورة؛ وقام زوجي وزميلي ريتشارد ريجبي جونسون بدور ~~المصور الفوتوغرافي أثناء مغامرتنا المقدونية؛ وأدى لانس جينوت، طالب الدكتوراه بجامعة ~~برنستون حاليا، مهمة إنشاء الخرائط؛ وأجرى ريان بوهلر، طالب الدكتوراه في التاريخ ~~القديم، تعديلات على هذه الخرائط وأعد الكثير من الأشكال؛ وتبرع زميلي وصديقي دانيال ~~وا بخبرته ووقته الثمينين لتحرير غالبية هذه الأشكال؛ وأتاحت منحة قدمها لي صندوق ~~العوائد للبحوث التابع لجامعة واشنطن إعفائي من مهام التدريس لمدة ثلاثة أشهر قضيتها في ~~استقصاء أرض مقدونيا، وتخصيص الوقت اللازم للبحث والكتابة. ومن جديد أعرب لشريكي في تأليف ~~كتابين آخرين عن شكري على إعداد الفهرس، وهو عمل يستمتع به ويتقنه بحق. وأشكر آل ~~برتراند وآخرين في بلاكويل ببلشنج لتعاونهم وتسامحهم طوال العملية برمتها. # | مقدمة # يوجد موضوعان استحوذا على اهتمام غير عادي منذ القدم وحتى يومنا هذا في عالم اليونان ~~القديمة، وهما هوميروس والإسكندر الثالث المقدوني، ويجدر بنا أن نذكر وجه الصلة بينهما؛ إذ ~~زعم الإسكندر أنه ينحدر من نسل آخيل، ويقال إنه كان ينام وفي متناول يده نسخة من الإلياذة ~~(ومعها سيفه بالطبع). هذان الموضوعان مترابطان من وجه آخر يساعد على تفسير جاذبيتهما على ~~مر العصور؛ إذ يطرح كلاهما تساؤلات جادة يبدو كثير منها بلا جواب نظرا لطبيعة الشواهد ~~التي وصلتنا. وربما تستحيل معرفة هوية هوميروس أو الإسكندر الحقيقية؛ إذ رأى بعضهم أن ~~هوميروس لقب لا اسم شخص حقيقي، بمعنى أن هوميروس هو المغني الملحمي الأول الخيالي الذي ~~تصوروه على رأس فرق الغناء الملحمي الإغريقية؛ ومن ثم كان هناك أكثر من هوميروس ms003 واحد ~~جمعت حكاياتهم في النهاية كقصيدة طويلة واحدة، لكن كثيرين غير مقتنعين بهذا الطرح ، وهكذا ~~يستمر الجدال. وتعزى الصعوبة في اكتشاف طبيعة الإسكندر إلى طبيعة ما وصلنا من شواهد ~~تسبغ عليه شخصيات مختلفة متعددة؛ فمع أن حقيقة وجود فرد يعرف باسم الإسكندر الثالث ~~المقدوني ليست محل شك، فإننا نجد أنفسنا في مواجهة أكثر من إسكندر واحد؛ ومن ثم ~~فالجدل الأكاديمي المحيط بهوميروس والإسكندر له جذور عميقة وأثار نقاشا محتدما. # موضوع هذه الدراسة هو الإسكندر، فلا نأتي على ذكر هوميروس إلا هامشيا؛ وبهذا نكون ~~اجتنبنا الوقوع في الأحبولة المعروفة باسم «المسألة الهوميرية»؛ ف «مسألة الإسكندر» عويصة ~~بما يكفي، وهي ليست مجرد شاغل أكاديمي؛ فبفضل قوة شخصية الإسكندر يجري تقديمها لجماهير ~~شعبية فيما لا يحصى من الكتب والمقالات والقصص المصورة والوثائقيات والأفلام الطويلة، ~~التي كلف إنتاج أحدثها، وعنوانه «الإسكندر» وأخرجه أوليفر ستون، مئات الملايين من ~~الدولارات، وستنتج أفلام أخرى يقينا في محاولة لاكتشاف الإسكندر الحقيقي. ونتيجة لذلك، ~~توجد بالفعل صور مختلفة كثيرة جدا لهذا الملك المقدوني، وتواصل هذه الصور ~~الازدياد. # يصعب استيعاب هذا الموقف في البداية؛ بما أننا نعرف أسماء 20 من معاصريه نشروا كتابات ~~عنه، لكن جزءا كبيرا من المشكلة منبعه أن هذه الكتابات ذاتها لم يكتب لها البقاء؛ فلم ~~يكتب البقاء إلا لجزء من عمل معاصر واحد تضمنه عمل نشر فيما بعد، ونعني التقرير ~~الرسمي الذي أعده قائد أسطول الإسكندر الذي أبحر عائدا من الهند إلى الخليج الفارسي، ~~والذي كتب له البقاء ضمن سرد أوفى لحياة الإسكندر وضعه آريانوس في أواخر القرن الثاني ~~بعد الميلاد. أما سائر الأعمال الكبرى التي كتب لها البقاء فتعود إلى القرن الأول قبل ~~الميلاد والقرنين الأول والثاني بعد الميلاد؛ ومن ثم فقد وضعت بعد موت الإسكندر بثلاثة ~~قرون أو أكثر. توجد أيضا مواد مقتبسة من أعمال أخرى - لم تصلنا - ضمنت أعمالا متأخرة؛ ~~إذ كتب بطليموس، أحد ضباط الإسكندر وأصدقائه، قبل موته سنة 283 قبل الميلاد، تأريخا لقائده ~~اعتبر من بين مصدرين أساسيين، مشهورين بموثوقيتهما، اعتمد ms004 عليهما آريانوس في مؤلفه. ~~ما يدعو للأسف أن الجودة الظاهرية لكثير من الأعمال الأصلية الأخرى لم تكن عالية بالقدر ~~نفسه، وهو ما يفسر عدم الحفاظ عليها؛ فعن أحد واضعي هذه الأعمال قال الخطيب ورجل الدولة ~~الروماني شيشرون: «كان موضوعه سيئا، شأنه شأن أسلوبه في الحديث.» ونذكر مثلا أنه في معرض ~~تفسير احتراق معبد أرتميس يوم ميلاد الإسكندر، ذكر كاتب العمل الذي احتقره شيشرون ~~قراءه بأن أرتميس كانت بعيدة عن معبدها تساعد في وضع هذا الوليد غير العادي. # مثلما كشف ليونيل بيرسون في دراسته هذه «التأريخات الضائعة»، تخلط الروايات التي كتب ~~لها البقاء ملخصات التأريخات السابقة بكتابات متأخرة؛ ومن ثم يشدد بيرسون على ضرورة ~~فصل الإضافات الجديدة عن الكتابات القديمة للوقوف على هوية المؤلف المسئول عن أجزاء ~~معينة من القصة. ولا يصدر أي حكم بالإجماع على عملية فرز الكتابات ونسبتها. وهكذا نجد ~~باحثا حديثا - وهو دبليو دبليو تارن - يصف بطليموس بأنه «موثوق فيه» كمصدر، بينما نجد ~~آخر لا يتفق مع هذا التوصيف، مؤكدا أن مصدر هذه المعلومة أحد التأريخات «غير الموثوق ~~فيها». وسيؤثر هذا التباين على الصورة التي تبرز لنا؛ لأن معقولية أي إعادة بناء للشخصية ~~تعتمد دون شك على موثوقية الشواهد. # لا يقتصر الجدل على البيانات الواقعية بشأن الموضوع الرئيس، والحقيقة أنه يمكن تجميع ~~تسلسل زمني لا اختلاف عليه عموما للتواريخ والأحداث الأساسية في حياة الإسكندر القصيرة؛ ~~غير أن إنجازاته كانت من العظمة بحيث تجعلنا نريد التعرف على دوافعه وأهدافه ومشاعره، ~~بمعنى أننا باختصار نريد التعرف على الكينونة الداخلية والشخصية اللتين وجهتا حياة ~~الملايين في اتجاهات جديدة بعد إنهاء حياة ملايين غيرهم. وفي هذه الناحية تحديدا تخذلنا ~~المصادر. وصف أحد كبار الباحثين المحدثين الإسكندر بأنه حالم يرجو إقامة أخوية بين البشرية، ~~ووصفه بلوتارخس - الذي عاش في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني بعد الميلاد - بأنه ~~أعظم الفلاسفة. وسيقت حجج قوية دعما لتوصيف مناقض لهذا تماما؛ إذ يرى البعض أن ~~الإسكندر برع في سفك دماء الملايين من البشر، أما صورته الذائعة ms005 الصيت كقائد فذ ~~فتلطخها صورة أخرى له كسكير. ويعتقد أنه كان يرى نفسه بطلا هوميريا، أو ربما ابن ~~الإله زيوس، أو من الجائز أنه كان مدفوعا بمكائد أمه أو بنرجسيته. ويرى بعضهم أن الصداقة ~~كانت السبيل إلى نجاحه، بينما يعتقد آخرون أنه كان ببساطة يستغل الناس ويتخلى عنهم ~~تبعا لنزواته المشوبة بالغضب، وذهب بعضهم إلى أن الإسكندر أدرك حكمة اعتناق عادات الفرس ~~ما إن ألحق هزيمة بقواتهم، بينما تقول الحجج المعارضة إنه كان يرى نفسه بحق كملك شرقي. ~~انطلق الإسكندر: (1) لمواصلة خطط أبيه. (2) أو للانتقام للإغريق من الفرس. (3) أو لأنه كان ~~مدفوعا بحماس المستكشفين. هذا مجرد عدد ضئيل من التقييمات، لكنها تبرهن على صحة اعتراف ~~برادفورد ويلز (الذي جاء في مراجعته كتاب «الإسكندر الأكبر: الحصافة والقوة» لمؤلفه فريتس ~~شاخرماير، المنشورة في «أمريكان جورنال أوف أركيولوجي» 55 (1951) 433-436): «من الأمانة أن ~~نعترف بأننا في النهاية نقدم الإسكندر بالصورة التي نريدها أو نراها معقولة.» # يبدو لي أنه يوجد متسع لنهج آخر في تناول هذا الشاب الإشكالي، الذي وصفه ويل كابي في ~~كتابه «اضمحلال وسقوط الجميع تقريبا» وصفا موجزا وبدقة بالغة فقال: «لا أستطيع في ~~الحقيقة أن أقول بالضبط ماذا كان هذا الشاب المزعج يظن نفسه فاعلا، ولماذا. ولست على يقين ~~من أنه كان يستطيع تفسير هذه النقطة تفسيرا معقولا. كان من عادته تقطيب حاجبيه، ولا ~~غرو» (الصفحة 48). # وأعترف - شأني شأن كابي، لكن على النقيض ممن وجدوا مفتاحا سريا إلى كينونته ~~الداخلية - بأنني لا أستطيع قول ماذا كان الإسكندر يظن نفسه فاعلا. لكن توجد سبل لفهم ~~الشخص الذي صار إليه الإسكندر، والأسلوب الذي تعامل به مع ظروفه؛ إذ توجد معلومات لا ~~بأس بها معروفة عن عالمه؛ فالقرن الرابع قبل الميلاد موثق جيدا في الروايات التاريخية ~~المكتوبة وفيما وصلنا من شواهد آثارية؛ وهذا مرجعه نوعا ما إلى أن الأحداث المضطربة التي ~~شهدتها فترة حياة الإسكندر أثارت التعليقات، ونوعا ما إلى أن الحضارتين الإغريقية ~~والفارسية قد صارتا آنئذ على مستوى عال من معرفة القراءة والكتابة ms006 بالمقارنة بالفترات ~~السابقة. ومع أن هذا النوع من الشواهد موجود، فإنه محدود. من حسن الحظ، توجد أبواب أخرى ~~تقود إلى الماضي؛ ذلك أن الناس يولدون في بيئات اجتماعية ومادية معينة، وينشئون كأطفال ~~في مجتمعهم ويتعلمون قيمه وتقاليده، ومع بلوغهم النضج يمضون لمواكبة عالمهم وتعلم ~~الاستراتيجيات التي يغلب نجاحها في ضوء أعراف تلك الجماعة وبيئتها الاجتماعية والمادية. ~~لا شك أن البشر لديهم موروث بيولوجي جيني يحدد قدرا معينا من سماتهم الفردية البدنية ~~والعقلية، أو يفسر افتقارهم إليها؛ ومن ثم توجد فرصة للقصدية الفردية، لكن حتى تلك ~~القصدية تتأثر - دون أن تتحدد بالضرورة - بفعل قوى خارجة عن الفرد. وتقدم الشواهد ~~المادية التي وصلت إلينا معلومات عن هذه البيئات؛ وفي حالة مقدونيا، يشهد السجل الآثاري ~~والمعرفة بالطبيعة المادية للمملكة أثناء فترة حياة الإسكندر تناميا مستمرا، وأكثر ما ~~كان ذلك في فترة الثلاثين سنة الماضية أو نحوها. # إيمانا بصحة هذه الرؤية بشأن التفاعل بين الفرد وعالمه، فإن استقصاء دور القوى ~~التكوينية الفاعلة في القرون التي تطورت فيها مقدونيا إلى المملكة التي عرفها الإسكندر ~~وحكمها؛ سيقربنا إلى الإسكندر ذاته. ربما لن نتمكن أبدا من الولوج إلى دواخل عقله، ~~لكننا سنفهم العوامل التي أدت إلى سيرته المتألقة. وسيتناول هذا الكتاب، بعد تقديم نبذة ~~مختصرة عن التسلسل الزمني الأساسي لحياته، ست قوى رئيسة شكلت تلك الحياة. # سنبدأ بمقدونيا التي ولد الإسكندر فيها وترعرع؛ حيث حددت الأوضاع المادية للمنطقة ~~طبيعة الحياة الممكنة داخلها. كان ذلك البلد، وفقا لرؤية القدماء بشأن الفروق بين ~~المناطق، بلدا «صعبا» لا «سهلا»، وهكذا فالأرجح أن يكون سكانه أقوياء لا ضعفاء. وعندما ~~نأخذ الموارد الطبيعية بعين الاعتبار، يتسنى لنا توسيع فهم دور مقدونيا إزاء الآخرين. فهل ~~كانت هناك موارد طبيعية اجتذبت الآخرين إلى المنطقة؟ ولو كان الأمر كذلك، فما العلاقات التي ~~تطورت بين المقدونيين وغيرهم؟ وهل أتاحت تلك الموارد ميزة داخلية للأطراف الفاعلة ~~المستقبلية في منطقتي بحر إيجة وشرق البحر المتوسط الأوسع، سواء في دور شركاء تجاريين ~~أم كفاتحين؟ # سكان مقدونيا هم الجانب الثاني ms007 من جوانب دلالة مقدونيا في حياة الإسكندر. فمن المقدونيون ~~القدماء؟ ومن أي صنف كان الجيران الذين وجدهم المقدونيون على حدودهم؟ وكيف ارتبط مختلف ~~تلك الجماعات البشرية بعضها ببعض؟ بمعنى هل تمخض الجوار عن استعارات ثقافية، أم عداوة ~~متواصلة، أم انصهار جماعات كانت ذات يوم مستقلة؟ معروف أن أبا الإسكندر أنشأ مملكة ~~موحدة امتدت من البحر الأدرياتي مرورا بشمال بحر إيجة وحتى الأراضي الواقعة على ساحل ~~البحر الأسود الشمالي وعلى نهر الدانوب. والطريقة التي ضمت بها هذه الأراضي إلى المملكة ~~عامل آخر له دور في العالم الذي ولد فيه الإسكندر ونشأ حتى صار رجلا. وتكشف عملية ~~التوحيد التي اتبعها فيليب عن «الأدوات» التي يحتاج إليها الموحد المستقبلي الذي صار إليه ~~الإسكندر لدى «وراثته» الملك، وتكشف التوترات التي تمخضت عنها. إذن فطبيعة الحياة في ~~مقدونيا منتصف القرن الرابع تقرر معلمين أساسيين في قصة أي فرد عاش في مملكة مقدون ~~(مقدونيا القديمة) في ذلك الوقت، وتحديدا البيئة المادية والبشر الذين شكلوا حياة ~~تناسب موقعهم. # سنلتفت بعد ذلك إلى نسبه، الذي سيعيد تركيز الاهتمام من مقدونيا ككل إلى مقدونيين ~~أفراد؛ ففيليب الثاني - أبو الإسكندر - كان متألقا في إنجازاته؛ فما الميراث (البدني ~~والمزاجي وعلى وجه الخصوص الإنجازات) الذي تركه لابنه؟ وماذا عن أمه أوليمبياس ونسبها ~~وشخصيتها؟ وهل يبرز دورها كابنة الأسرة المالكة في مملكة إبيروس وفيما بعد كزوجة للملك ~~المقدوني بقوة في تكوين الإسكندر؟ بالإضافة إلى أبويه، سيكون من المفيد أن نلقي نظرة ~~أوسع على نسبه؛ لأن الإسكندر كان أحد أبناء السلالة المالكة، بمعنى أنه كان أرغيا. فما ~~الذي كان متوقعا من ابن ملك حاكم؟ وكيف درب كوريث محتمل للملك؟ وهل نشأت مشكلات عن ~~انتمائه إلى السلالة الأرغية؟ ولو كان الأمر كذلك، فما مدى خطورة تلك المشكلات؟ # ترتبط قصة مقدون القديمة ارتباطا لا ينفصم بقصة اليونان، وكان ذلك في البداية من خلال ~~القرب الجغرافي الذي أدى إلى استعارات ثقافية من أنواع كثيرة. وطبيعة تلك الرابطة هي ~~العنصر الثالث الأساسي في عالم الإسكندر. يكتمل وصف التفاعل ms008 من فترة الحروب الفارسية في ~~أوائل القرن الخامس، أثناء حكم فيليب الذي ضم الدول الإغريقية تحت الهيمنة المقدونية ~~عسكريا وسياسيا على السواء؛ فهل يمكن تفسير هذا النجاح انطلاقا من عوامل تضاف إلى ~~القوة العسكرية المقدونية؟ لا ننس أن الإغريق والمقدونيين استشعروا من قبل آثار ~~المحاولات الفارسية للتوسع في غرب بحر إيجة في أواخر القرن السادس وأوائل القرن الخامس، ~~وربما كان الإحساس بوجود عدو مشترك رابطة أخرى محورية؛ مما جعل من «انتقام» الإغريق من ~~الفرس مجهودا مشتركا لذلك الاتحاد الرسمي. وكان للتفاعل بين اليونان ومقدون دلالته أيضا ~~من الناحية الثقافية، وكان مصدر أحد جوانب هذا التأثير الثقافي على الإسكندر معلمه الفيلسوف ~~أرسطو المولود في مدينة أسطاغيرا الإغريقية في شمال بحر إيجة؛ فهل سيعطينا فهم احتكاك ~~الإسكندر بهذا الفيلسوف الموسوعي الإغريقي لمحة عن طبيعة الإسكندر نفسه؟ # تلعب ضرورة وجود القوة العسكرية دورا بارزا في العلاقات مع الآخرين، لكنها تستحق أيضا ~~استقصاء مستقلا في الفصل الخامس، وخصوصا لأن سلامة تراب المملكة كانت تقتضي قوة عسكرية ~~فعالة دائمة التأهب. فما ركائز المملكة فيما يخص هيكل مقدونيا الاجتماعي وتنظيم ~~جيشها ومتطلبات نجاحها العسكري؟ وكيف لعب الملك المقدوني دورا في هيكل مملكته ~~العسكري؟ # رأت مقدون واليونان رأي العين قوة الإمبراطورية الفارسية التي كان ملكها أحشويرش من ~~القوة بمكان - كما روى هيرودوت - حتى إن شخصا عاديا عجب لأمره بقوله: «لماذا اتخذت يا ~~زيوس هيئة رجل فارسي واسم أحشويرش بدلا من زيوس لكي تدمر اليونان، ومن خلفك كل هؤلاء ~~الرجال؟ كان بإمكانك فعل هذا دون كل هذه الجهود» (الكتاب السابع، 56). فلماذا يتوقع ملك ~~مقدوني بأي حال أن يهزم مثل هذا الحاكم القوي الذي يتربع على عرش أكبر إمبراطورية قامت في ~~تاريخ الشرق الأدنى القديم حتى ذلك الزمان؟ يجب أن تشمل الإجابة عن هذا السؤال معرفة ~~بالهيكل الإقليمي والإداري لتلك الإمبراطورية، وحالة ذلك الهيكل في منتصف القرن الرابع؛ ~~فإلى أي مدى كان الملوك المقدونيون يعرفون طبيعة بلاد فارس معرفة جيدة؟ وهل وجدت بين ~~المملكتين أوجه تماثل معينة من شأنها ms009 تيسير فهم إحداهما الأخرى؟ وبما أن الإسكندر نجح في ~~إلحاق هزيمة بالفرس، صارت قوة التقاليد الفارسية وتأثيرها على الإسكندر عاملا آخر في ~~عالمه. # يمكننا تكوين صورة أوضح للإسكندر الثالث المقدوني، المعروف منذ القدم باسم الإسكندر ~~الأكبر، على أساس التوصل إلى فهم للظروف والقوى والأعراف السائدة في منطقة بحر إيجة في ~~القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد. وسيتألف الفصل الأخير من «صورة» لذلك الشخص؛ إذ نبين ~~كيف أن مقدونيا ونسبه الأرغي وتفاعله مع اليونان والزخم العسكري للمملكة الأصلية ~~والعلاقات مع الإمبراطورية الفارسية قد شكلوا الرجل ومسيرته على السواء. قد يقول قائل إن ~~انحرافه عن تلك التأثيرات هو بالضبط ما جعله «الأكبر»، لكن سيتضح أنه لم يكن بوسعه أن ~~يتخلى عن إرثه قصدا أو دون قصد. وفي الوقت نفسه، فإنه لم يكن طرفا سلبيا في عالمه؛ إذ ~~استخدم منصبه الموروث في ظروف لم يشهدها أرغي سابق. ومع ذلك، فمن دون الأدوات والمنصب ~~اللذين حصل عليهما الشاب لدى المناداة به خليفة للملك فيليب الثاني، ما كان ليفوز بلقبه ~~هذا. # الفصل الأول # | حقائق أساسية متفق عليها عموما في حياة الإسكندر # على الرغم من أن طبيعة الشواهد المتعلقة بالإسكندر الثالث المقدوني يصعب معها - إن لم يكن ~~يستحيل - اكتشاف كينونته الداخلية، فثمة ما يكفي من أوجه الاتفاق بين المصادر القديمة لرسم ~~سيرة حياته بدرجة معقولة من اليقين فيما يخص الأحداث الكبرى وتواريخها. # تختلف المصادر الأساسية المعنية بالإسكندر من نواح مهمة عديدة، فهي تغطي الفترة من حياة ~~الإسكندر إلى القرن الثاني الميلادي، ويضمر مؤلفوها أغراضا متباينة من وراء كتابتها، ~~ومعظمها ناقص، وبعضها لا يوجد إلا على هيئة شذرات متناثرة في مصادر أخرى، والشهادة التي ~~تقدمها غالبا ما تختلف مع المصادر الأخرى. أهم أسباب هذا الخلاف المستمر هو طبيعة ~~المصادر التي وصلت إلى أيدينا؛ إذ إن أقدم الروايات التاريخية الموثوق فيها ضاعت، أو في ~~أحسن الأحوال لم تحفظ إلا على هيئة شذرات متناثرة، وأما التي كتب لها البقاء فهي كتابات ~~متأخرة، وغالبا ما يتضارب بعضها مع بعض، وتنطوي على ms010 أهدافها الخاصة. # لكن هناك فعلا بعض المصادر، ومن خلال العمل الصبور الدءوب الذي بذله الباحثون تسنى لهم ~~تحديد المواد الأسبق التي اعتمد عليها المؤلفون المتأخرون. وتتيح «شجرة النسب» هذه ~~بدورها للقراء استبانة موثوقية العديد من الروايات التاريخية أو عدم موثوقيتها؛ فأتم ~~الروايات التاريخية مثلا اعتمدت على اثنين من صحابة الإسكندر، بينما يوجد مؤلف آخر متهم ~~بتأليف رواية خيالية. وأظهرت مقارنة الروايات التاريخية أوجه الاتفاق والاختلاف فيما ~~بينها؛ ومن ثم قدمت شيئا أشبه بموقف مشترك تجاه جوانب معينة من سيرة الإسكندر. # تتراوح أهم المصادر الموجودة من حيث تاريخها بين أواخر القرن الرابع قبل الميلاد والقرن ~~الثاني بعد الميلاد، وأبكرها هو التقرير الرسمي الذي أعده نيارخوس عن الرحلة البحرية من ~~مصب نهر السند إلى الخليج الفارسي. وفد نيارخوس، الكريتي المولد، على مدينة أمفيبوليس في ~~مقدونيا أثناء حكم فيليب الثاني، ويوجد رأي معقول يقول إنه كان واحدا من المستشارين الأكبر ~~سنا للإسكندر الشاب، وقد أسندت إليه مناصب مهمة أثناء حكم الإسكندر، منها على سبيل ~~المثال مرزبان ليقيا وبامفيليا، لكن المنصب الذي سجل وقائعه هو أميرال المهمة الاستطلاعية ~~البحرية من جنوب الهند إلى رأس الخليج الفارسي، وكتب لهذا الوصف البقاء لأنه كان الأساس ~~الذي قام عليه فيما بعد تقرير آريانوس المتأخر المعروف باسم «إنديكا». # سرد تاريخ العالم الذي وضعه ديودورس الصقلي بعنوان «مكتبة التاريخ»، والواقع في 40 ~~كتابا؛ أحداثا يعود زمانها إلى منشأ العالم ويمتد إلى فترة حياته هو شخصيا، وتحديدا ~~سنة 60 قبل الميلاد. ولم يكتب البقاء إلا لخمسة عشر كتابا منها، لكن من حسن حظ ~~الباحثين المعنيين بمقدونيا أن من بينها الكتابين 16 و17 اللذين يتناولان فيليب ~~والإسكندر. # يرقى مؤلف كورتيوس روفوس عن الإسكندر إلى القرن الأول أو مطلع القرن الثاني بعد ~~الميلاد. ضاع الكتابان الأولان من كتبه الأصلية العشرة، وتوجد ثغرات في الأجزاء المحفوظة، ~~التي تتناول الأحداث حتى تاريخ توزيع الإسكندر مناصب الولاة سنة 324 قبل الميلاد. وعلى ~~الرغم من دعوة بعض الباحثين إلى إعادة تقييم دقيقة لهذا المصدر، يوجد تقييم ms011 عام لجدارته ~~أورده معجم أكسفورد الكلاسيكي (الإصدار الثاني، الصفحة 416): «لا يوجد إلا قليل من ~~الاتساق ... ومقتضيات البلاغة هي التي تقرر اختيار المادة المصدرية . ومن ثم، يتنقل ~~المؤلف تنقلا عشوائيا من مصدر إلى مصدر، وأحيانا يمزج هذه المصادر في خليط عديم ~~المعنى، وكثيرا ما اتهم بتعمده كتابة الخيال.» # يكاد يتزامن مع كورتيوس روفوس، مستريوس بلوتارخس، ابن مدينة خيرونية بمقاطعة بويطية في ~~وسط اليونان - التي ألحق فيها فيليب وجنوده المقدونيون الهزيمة بالجيش الإغريقي سنة 338 ~~قبل الميلاد - وعاش في الفترة ما بين عامي 50 و120 تقريبا بعد الميلاد. كان بلوتارخس ~~مؤلفا غزير الإنتاج؛ إذ تعدد قائمة وضعت في فترة لاحقة 227 مؤلفا من وضعه، من ~~أشهرها «السير المقارنة لعظماء اليونان والرومان» الذي اشتمل على سير 23 من العظماء ~~اليونانيين، ومثلهم من العظماء الرومانيين، مع مقارنة كل واحد منهم بنظيره، ومن بينها ~~سيرة الإسكندر الأكبر وسيرة قرينه يوليوس قيصر. ألف بلوتارخس أيضا، ربما في مرحلة مبكرة ~~من مشواره التأليفي، مقالا بعنوان «عن حظ الإسكندر» ضمنه كتابه «الأخلاق». وصف دبليو ~~دبليو تارن، وهو من الباحثين البارزين المتخصصين في الإسكندر في منتصف القرن العشرين، ~~الفرق في العملين قائلا: «وضع بلوتارخس الجزء الأول من «عن حظ الإسكندر» في شبابه ~~وبكل حماس الشاب المنكب على تصحيح ما اعتبره خطأ كبيرا، لكن بحلول الوقت الذي وضع فيه ~~بلوتارخس المسن، أثناء اشتغاله بوظيفته السهلة المريحة في دلفي، كتاب «حياة الإسكندر»، ~~كانت جذوة الحماس قد فترت، وكان الرجل متأثرا بفعل قراءاته الوفيرة» (1948: ~~296إف). # ينسب ماركوس جونيانيوس جوستينوس - أو جوستين - على وجوه مختلفة إلى القرن الثاني أو ~~الثالث أو الرابع الميلادي، وجاءت مساهمته في دراسة الإسكندر على هيئة ملخص للدراسة ~~الطويلة التي وضعها مؤلف سبقه، وهو بومبيوس تروجوس، بعنوان «التواريخ الفيليبية» في 44 ~~كتابا. وعن هذا العمل قال تارن: «لكن الإسكندر كما يصوره تروجوس - أو لعل الأحرى أن ~~نقول: كما يصوره جوستين - شديد السوء، عدا في نقطة واحدة، لدرجة أن الأمر لا يكاد ~~يستحق استقصاء المصادر بالكلية» (1948: 122). # على النقيض من ذلك، ms012 فإن الدراسة التي وضعها آريانوس - أو لوكيوس فلافيوس آريانوس - في ~~القرن الثاني كتب لها البقاء كاملة أو تكاد، وتعتبر بوجه عام التأريخ الأكثر ~~موثوقية من بين ما وصل إلى أيدينا من تأريخات. وتعزى هذه الموثوقية إلى اثنين من مصادر ~~آريانوس؛ إذ اعتمد آريانوس أولا على السجل الذي أعده أرسطوبولوس، الذي صاحب الإسكندر في ~~حملته كخبير فني؛ ومن ثم نجد تفاصيل كثيرة تعكس اهتماماته غير العسكرية كبناء السفن ~~والجسور. وأما المصدر الثاني فهو الذي وضعه صديق الإسكندر وخليفته بطليموس، الذي شارك ~~أيضا في تلك الحملة. من المعقول أن نعتقد أن بطليموس وضع مؤلفه في أواخر حياته (مات سنة ~~283 قبل الميلاد) بعد تعزيز سيطرته على مملكته المصرية. ما يتساوى في أهميته في الحكم على ~~جدارة «أنباسة الإسكندر» لآريانوس كشفه عن نيته السير في كتابته التاريخية على خطى ~~ثلاثي المؤرخين الإغريق الكلاسيكيين: هيرودوت وثوكيديدس وزينوفون. # وصلت إلى أيدينا بقايا مصادر كثيرة وجدت ذات يوم وتناولت الإسكندر؛ فكانت الحملة تضم ~~مؤرخا رسميا هو كاليسثينيس، تلميذ أرسطو وأحد أقربائه؛ وعندما فقد كاليسثينيس حظوته ~~لدى الإسكندر، انتهى أيضا دوره كمؤرخ. معروف أن حاجب الإسكندر كاريس الميتيليني كتب ~~«قصصا» عن الإسكندر في 10 كتب، كما فعل آخرون من ضمنهم أونيسيكريتوس، الفيلسوف الذي ~~شارك في الرحلة البحرية مع نيارخوس. استحوذ فيليب والإسكندر على اهتمام كبير. وينسب ~~إلى مؤرخ مقدوني يسمى مارسيا البيلي كتابة تاريخ لمقدونيا في 10 كتب، بالإضافة إلى ~~رسالة بعنوان «عن تعليم الإسكندر». ويستمر النقاش حول وجود عدد من التأريخات الأخرى، التي ~~تتراوح بين وصف للمرتزقة الإغريق الذين يخدمون مع ملك الفرس، و«وصية» تخص الإسكندر، ~~وشذرات من «يوميات» (روزنامة) للحملة ذاتها. ما يفاقم هذه المشكلة وجود حوالي 80 نسخة ~~مختلفة من «رومانسية الإسكندر» بأربع وعشرين لغة، وهي عبارة عن مجموعة أساطير تقدم ~~الإسكندر باعتباره الجد الأعلى الذي تحدرت منه العائلة المالكة الملايوية، وكقاتل ~~تنانين، وكرجل يكلم الأشجار، وكمؤمن برب اليهود والنصارى، وفي هيئات أخرى كثيرة. ~~الحقيقة أنه يوجد أكثر من إسكندر واحد. ويقدم ريتشارد ستونمان ms013 عددا من هذه الأساطير، ~~وجمع الباحث الألماني فيليكس ياكوبي شذرات الأعمال الضائعة. ويتمخض التوفيق بين هذه الشواهد ~~المتباينة عن السرد التقريبي التالي. # ولد الإسكندر في صيف عام 356ق.م لفيليب الثاني، ملك المقدونيين آنذاك ، وأوليمبياس، ~~التي تزوجها فيليب قبل ذلك بسنة على الأرجح. كان محل ميلاده مدينة بيلا، التي صارت ~~المركز الرئيس في مقدونيا في أوائل القرن الرابع وباتت آنذاك بمنزلة القلب السياسي ~~للمملكة. قام على تعليم الإسكندر العديد من المعلمين؛ إذ كان ليونيداس - أحد أقرباء ~~أوليمبياس - وإغريقي يسمى ليسيماخوس قوتين مهمتين في سنواته الأولى، وعندما استهل ~~الإسكندر العقد الثاني من عمره، استعين بالفيلسوف الإغريقي أرسطو لتعزيز نضجه الفكري ~~ومعه العديد من رفاقه وأصدقائه. عاش التلاميذ ومعلمهم منفصلين عن بيلا في موضع يعرف ~~باسم نمفايون، أو مكان حوريات الماء. وتوجد خيوط تلقي بعض الضوء على الموضوعات التعليمية ~~التي تناولها أرسطو، وسنتناول ما نرجحه منها في الفصل الرابع. جاءت المعرفة الضرورية ~~الأخرى، بطريق مباشر أو غير مباشر، من أبوي الإسكندر، وهذا موضوع الفصل الثالث. يتجلى ~~لنا أن التدريب البدني كان يشكل جزءا كبيرا من تلك المعرفة من واقع قدرة الإسكندر على ~~ترويض جواد بري لم يقدر حتى الرجال المتمرسون الأسن منه على امتطاء صهوته. صار هذا ~~الجواد، المسمى بوسيفالوس، جواد مروضه الأثير، فسافر معه إلى نهر السند ومات هناك. ~~وتضمنت صور التدريب الأخرى جميع المهارات التي كان يحتاج إليها ابن الملك فيليب ~~وخليفته المحتمل. وتتضح الشواهد الدالة على نجابته كتلميذ في حكم الأب فيليب على الإسكندر، ~~وهو في السنة السادسة عشرة من عمره، بأنه كفء لحكم مقدون في غيابه (340)، وبعد ذلك بعامين ~~بأنه مؤهل لقيادة ميسرة الجيش المقدوني في خيرونية، التي ألحق فيها الجيش المقدوني، ~~بقيادة فيليب والإسكندر المشتركة، هزيمة بالإغريق (338). شاب السنة التالية خلاف خطير ~~بين الأب وابنه بسبب زواج فيليب من زوجته السابعة كليوباترا، وكان من خطورة هذا الخلاف أن ~~رحل الإسكندر وأمه عن بيلا قاصدين مملكتها الأصلية إبيروس؛ ثم عقدت مصالحة سنة 336 ~~عادا على إثرها إلى مقدونيا، وفي ms014 تلك السنة اغتيل فيليب الثاني. # وهكذا كانت سنة 336 مستهل حكم الإسكندر. طالب خلفاء محتملون آخرون من أبناء الأسرة ~~الأرغية أيضا بأحقيتهم في الحكم، ومنهم ابن آخر لفيليب الثاني، وابن شقيق فيليب، الذي ~~لم يكن يقدر - بينما كان طفلا سنة 359 - على مواجهة الاضطراب الذي تمخض عنه موت أبيه. ~~على النقيض من ذلك، ففي سنة 336 كان الإسكندر قد برهن بالفعل على قدرته برهانا كافيا لكي ~~تنادي به جمعية الجيش ملكا، ولكي يضمن دعم ضباط والده وأصدقائه، وكلاهما حيوي للوصول ~~إلى الملك. استهلت فترة حكمه التي دامت 13 سنة بانتفاضات في شمال مقدونيا وفي اليونان، ~~حيث حنت كلتا المنطقتين إلى استقلالها السابق. وفي سنة 335 كان الجيش يشن حملة بقيادة ~~الإسكندر فيما يعرف اليوم باسم ألبانيا، عندما استدعي للتعامل مع ثورة قامت في وسط ~~اليونان، وتحديدا في طيبة. وعندما تم الاستيلاء على طيبة ونهبها، خضعت بقية اليونان ~~مجددا للهيمنة المقدونية التي سبق أن بسطها فيليب. تحقق آنذاك الهدف من وراء «الحلف ~~الكورنثي» الذي أقامه فيليب بعد انتصاره في خيرونية؛ إذ كان أعضاء الحلف قد وافقوا على ~~تحالف هجومي ودفاعي بقيادة الملك المقدوني بهدف محدد، هو شن حملة ضد بلاد فارس. ~~والحقيقة أن فيليب أرسل قبل موته قوة متقدمة إلى آسيا الصغرى، وبعد أن استتبت الأوضاع ~~للإسكندر في اليونان وعلى حدوده الشمالية، صار بإمكانه الالتفات إلى الحملة الكبرى التي ~~أشعل فتيلها أبوه، ونعني العملية ضد الفرس. # شكل 1-1: رأس عاجي من زينة حامل التابوت المطعم بالذهب والعاج في الغرفة الرئيسة ~~بالمدفن الملكي الثاني في فيرجينا، ويعتقد أنه رأس الإسكندر الثالث. ~~بإذن من السيدة أوليمبيا أندرونيكو-كاكوليدو. # كانت معظم التحضيرات الأساسية للحملة جاهزة؛ وهكذا، بعد أن عين الإسكندر أنتيباتروس، ~~أحد كبار ضباط والده، وصيا على العرش، قاد جيشه المؤلف من نحو 30 ألفا من المشاة و5 آلاف ~~من الخيالة عبر الدردنيل في ربيع سنة 334. لم تكن وجهته الأولى ساحة قتال لتحدي السيطرة ~~الفارسية على آسيا الصغرى، بل ساحة القتال الأسطورية طروادة. وعلى الرغم ms015 من أن هذا الاختيار ~~مدهش في أعين دارسي الإسكندر في العصر الحديث، فإنه كان قرارا طبيعيا من رجل من نسل آخيل ~~مقدم على الانتقام من محاولة الفرس السيطرة على مقدونيا واليونان. غير أن المقدونيين ~~تحدوا في الخطوة التالية السيطرة الفارسية على آسيا الصغرى في معركة دارت عند نهر ~~جرانيكوس، ولم يكن الجيش الفارسي بقيادة ملك فارس بل بقيادة مرازبة الأناضول. وما من شك ~~بخصوص المحصلة، التي كانت انتصارا مقدونيا كبيرا فتح الباب إلى الأناضول؛ فاستسلمت ~~سارديس، أقصى عاصمة فارسية في الغرب، وعمل الإسكندر على إحلال السلام في المنطقة طوال ما ~~تبقى من تلك السنة وغالبية السنة التالية. وفي خريف سنة 333 مضى قدما تاركا ضابطا آخر ~~من كبار ضباط فيليب، وهو أنتيغونوس، ليقود العملية الجارية لتعزيز السيطرة المقدونية على ~~الأناضول. # التقى الجيشان من جديد في موقعة إيسوس في شمال سوريا، وكان الجيش الفارسي - الذي يقدر ~~قوامه بستمائة ألف رجل - في هذه المواجهة بقيادة ملكهم داريوس الثالث؛ ومع أن هذا القوام ~~مشكوك فيه بشدة، فإن الفرس كانوا يفوقون المقدونيين عددا، لكن تبين أن كثرة عدد الفرس ~~«عديمة الفائدة لضيق المكان» (آريانوس، الكتاب الثاني، 8، 11). بعد الانتصار المقدوني في ~~الميدان، تمكن داريوس من الفرار، لكن من اصطحبهم معه من أفراد أسرته وقعوا في ~~الأسر، ولتأمين إطلاق سراحهم عرض التنازل عن الأراضي الفارسية الواقعة غرب نهر الفرات، ~~فرد الإسكندر على ذلك بطريقتين؛ إذ رفض العرض، وراح يفتح منطقة سوريا وفلسطين. استسلمت ~~مدن كثيرة للمقدونيين، وبعضها تم الاستيلاء عليه دون صعوبة كبيرة، لكنهم اضطروا إلى ضرب ~~حصار دام سبعة أشهر للاستيلاء على مدينة صور الحصينة، التي كانت موقعا حيويا للسيطرة ~~على القوة البحرية. وبعد أن تمكن الإسكندر وجيشه من فتح صور في النهاية، واصلوا مسيرتهم ~~جنوبا إلى غزة، آخر مدن جنوب فينيقيا، وكانت محاطة بأسوار حصينة شأنها شأن صور، ~~ويتطلب الاستيلاء عليها إقامة استحكام مضاد بارتفاع 250 قدما (75 مترا) وآلات حصار ~~وحفر أنفاق تحت سورها. # في أعقاب الاستيلاء على المدينة وقتل سكانها أو استرقاقهم، ms016 واصل المقدونيون مسيرتهم نحو ~~أقصى أقاليم الإمبراطورية الفارسية غربا وهو مصر، فوصلوها في أواخر خريف سنة 332. لم ~~يتطلب تغيير تبعية مصر أي قتال. ظل الإسكندر على مدى أشهر مشغولا بالمسائل الإدارية، ~~فوضع الخطط لإقامة عاصمة جديدة هي الإسكندرية، وفي جولة أخرى مفاجئة، سار نحو 370 ميلا ~~(600 كيلومتر) عبر الصحراء الغربية لاستشارة عرافة آمون الشهيرة. على خلاف محصلة المعارك، ~~يتركز قدر كبير من النقاش على سبب هذه الرحلة الطويلة الشاقة، وكذلك على السؤال الذي ~~يطرحه الإسكندر والإجابة التي تقدمها العرافة؛ فهل علم فعلا أن أباه الحقيقي ليس فيليب ~~بل آمون-زيوس؟ وسنعود إلى هذه المسألة وأفعال أخرى مماثلة في الفصل الختامي. # شهد ربيع سنة 331 عودة الإسكندر إلى سوريا مستأنفا التعامل مع مسائل إدارة مملكته ~~المتسعة، قبل مواصلته طريقه نحو بلاد ما بين النهرين، وبعد عبوره نهري دجلة والفرات دون ~~مقاومة، أراح جنوده استعدادا للمعركة المقبلة التي كان الفرس يتأهبون لها. كانت تلك ~~المعركة، التي دارت رحاها خريفا عند جاوجاميلا في شمال بلاد ما بين النهرين، مجهودا ~~هائلا من جانب الفرس؛ إذ ربما كانوا يفوقون المقدونيين عددا بما يصل إلى ستة أمثالهم، ~~لكن لم تستطع الأعداد ولا العجلات الحربية ذات المناجل، التي نشرت لبث الفوضى بين الجنود ~~المقدونيين، تحقيق النصر في المعركة. وعلى الرغم من فرار الملك داريوس من جديد، ضمن النصر ~~المقدوني الكنوز الفارسية الموجودة في المدينة القريبة من ساحة المعركة، وفتح طريقا عبر ~~بلاد ما بين النهرين، ثم آخر إلى العاصمتين الفارسيتين شرق دجلة. استسلمت بابل وحذت شوشان ~~حذوها. وبعد إجراء تعيينات رسمية وإحداث بعض من إعادة التنظيم في صفوف الجيش، سار ~~الإسكندر صوب الجنوب الشرقي نحو العاصمتين الفارسيتين تخت جمشيد وباسارجاد. كان يقوم على ~~حماية الأولى مرزبان وتحت يده قوة قوامها 40 ألفا من المشاة (آريانوس، الكتاب الثالث، 18، ~~2)، متخذين مواقع استراتيجية لوقف الزحف المقدوني، وتطلب الاستيلاء عليها الالتفاف ~~حول مواقع العدو بالسير عبر تضاريس وعرة. أما باسارجاد فلم تتطلب مجهودا مماثلا. ~~تمخض الاستيلاء على المدينتين عن ثروة طائلة ms017 على هيئة كنوز، لكنه تمخض أيضا عن ~~الوصول إلى مركز السلطة الفارسية، فصار بإمكان الإسكندر إعلان انتزاعه عرش الأسرة المالكة ~~الأخمينية. وفي تخت جمشيد، أعفى الفرقة الإغريقية من المزيد من المشاركة في مهمة الحلف ~~الكورنثي، ثم أحرق المدينة؛ وهذا فعل آخر يتطلب دراية بعقل الإسكندر وعواطفه، وبما أننا ~~لا نعرف كينونته الداخلية، يظل سبب تدمير المدينة محل جدل شديد. # ثم راح الإسكندر يطارد داريوس، سائرا شمالا صوب ميديا. وبينما كان يؤكد السيطرة ~~المقدونية على ميديا، وصلت إليه أنباء مرور داريوس عبر بوابات قزوين في طريقه إلى ~~الأقاليم الشرقية بالإمبراطورية الفارسية. وعندما وصل المقدونيون إلى جنوب منطقة قزوين، ~~اكتشفوا مقتل الملك السابق داريوس على أيدي رفاق سفره. واصل الإسكندر طريقه شرقا في صيف ~~سنة 330 سعيا وراء المطالبين الجدد بالملك، ولفتح ما تبقى من أرض الإمبراطورية على ما ~~يبدو. # تبين أن الهدف الأول أصعب من الثاني؛ فبينما شق الجيش المقدوني طريقه عبر ~~المرزبات الشرقية في عامي 330 و329، عرض كثير من المرازبة استسلامهم بينما واصل ~~آخرون القتال. ولم يتحقق إعدام بيسوس، وهو أول من أعلن خليفة لداريوس على عرش البلاد، ~~إلا سنة 328؛ فواصل الوريث المعلن الثاني، وهو سبيتامينيس، حشد القوات ومحاربة ~~المقدونيين لمدة نصف سنة أخرى أو نحو ذلك. وواصل الإسكندر وقواته تهدئة الأوضاع ~~واستتبابها في سوقديانا وباخترا لسنة أخرى، وتحديدا حتى صيف سنة 327. # هذه السنوات الثلاث جديرة بالملاحظة لأسباب هي أكثر من مجرد توسيع السيطرة المقدونية ~~والقضاء على المطالبين بعرش فارس بخلاف الإسكندر نفسه. وأخيرا اتخذ قرار الزواج، فوقع ~~اختياره على رخسانة ابنة وخش آراد، أحد أعيان سوقديانا، لتكون زوجته الأولى. كانت رخسانة ~~- بجانب زوجة وخش آراد وابنتين أخريين له - قد وقعت في الأسر في حصار ناجح، ومع أن قرار ~~الزواج بها كان من ثمرته كسب دعم أبيها، يقال أيضا إنها كانت ثاني أجمل امرأة في آسيا ~~كلها، ولم تفقها جمالا إلا زوجة داريوس الثالث، وإن الإسكندر وقع في غرامها من أول ~~نظرة. # ثمة نتيجة أخرى أقل سرورا بكثير لكن ms018 تتساوى في الأهمية، وهي أن المقدونيين بدءوا ~~يعبرون عن عدائهم لملكهم، على المستوى الفردي وربما في صورة مؤامرات على حد سواء؛ ~~فتورط بارمنيون، أحد كبار ضباط الإسكندر والشخص الذي اختاره فيليب لقيادة القوة المتقدمة ~~التي زحفت إلى آسيا الصغرى سنة 337، في مؤامرة شهيرة حاكها ابنه فيلوتاس، وهو الآخر شخصية ~~مهمة في حاشية الإسكندر. ولدى علم الإسكندر بالمؤامرة المحاكة ضده، أمر باستدعاء فيلوتاس ~~أمام جمعية الجيش، فدافع فيلوتاس عن نفسه في مواجهة اتهامه بالتورط، لكن ثبت أنه مذنب لعدم ~~مبادرته إلى إبلاغ الإسكندر بالمؤامرة على الرغم من الاتصال اليومي بينهما. قتل فيلوتاس ~~والمتآمرون الآخرون برماح رماها مقدونيون، وابتعث آخر من أصحاب الإسكندر بأوامر إلى ~~القادة الذين تركوا في ميديا بقتل بارمنيون أبي فيلوتاس على أساس أنه كان ضالعا في ~~المؤامرة، ولو لم يكن ضالعا فيها فعلى أساس أنه كان عنصر استقطاب محتمل للغضب ضد الملك ~~لما يتمتع به هو وأسرته من احترام كبير لدى الجنود المقدونيين والمرتزقة. # وفي السنة التالية، قتل كلايتوس الأسود - الذي تذكر المصادر التي وصلت إلينا أنه ~~أنقذ حياة الإسكندر في معركة نهر جرانيكوس - أثناء ندوة شهدت إسرافا في الشراب؛ فبينما ~~كان أصحاب الإسكندر يتملقونه، ذكر كلايتوس الصحبة بأهمية العون الذي قدمه المقدونيون ~~الآخرون، فنشبت مجادلة صاخبة انتهت بتناول الإسكندر رمحا أو حربة من أحد الحراس، ~~وقتله الرجل الذي حماه أثناء معركة جرانيكوس. شهدت السنة ذاتها مؤامرة أخرى مزعومة، ~~وأثارها هذه المرة عدد من غلمان الإسكندر الصغار، وضلع فيها مؤرخ الحملة الرسمي كاليسثينيس، ~~وكان قد فقد حظوته لدى الإسكندر لسببين: أولهما اقتراحه ضرورة التخفيف من التسبيح بحمد ~~الملك، وثانيهما رفضه السجود للإسكندر الذي استحدثه على الطريقة الفارسية. أسفرت ~~المؤامرة المزعومة عن موت كاليسثينيس رجما أو شنقا أو بسبب إنهاكه نتيجة جرجرته في ~~أغلاله بصحبة الجيش الزاحف. # بعد أن حل الإسكندر - على المدى القصير على الأقل - القضايا المقدونية الداخلية وحقق ~~السيطرة الاسمية على معظم المنطقة الشرقية من الإمبراطورية الفارسية، استعد لمواصلة الزحف ~~شرقا في الهند. أقيمت مستوطنات جديدة بكثرة ms019 في المرزبات الشرقية للإمبراطورية الفارسية ~~التي كان معظمها قد أخضع آنذاك، وأقيم العديد من المدن الجديدة التي حملت اسم الإسكندرية ~~(في فرادا، وهيرات، وقندهار، وغزني، وميرف، وترمذ، وعلى جبال هندوكوش وعلى نهر سيحون)، ~~وأعيد تأسيس مدينة باخترا باسم الإسكندرية. بالإضافة إلى ذلك، أنشئت حاميات في خوجند وفي ~~المنطقة الواقعة بين خوجند والحد الشمالي للحملة عند نهر سيحون. # وفي ظل وجود خط للمواصلات، شقت قوة قوامها نحو 35 ألف رجل طريقها عبر جبال هندوكوش ~~إلى وادي نهر السند في صيف 327. ثم فتحت الهزيمة التي وقعت بجيش الملك الهندي بوروس سنة 326 ~~عند نهر هايداسبيس طريقا إلى شبه القارة الشاسعة؛ فسار الجيش المقدوني شرقا حتى بلغ نهر ~~بياس (أقصى نقطة شرقا في شبكة الأنهار الكبيرة)، وعندئذ ظهر على السطح رد فعل مقدوني ~~آخر؛ إذ رفض رجال الإسكندر مواصلة الزحف (تقدر عملية حسابية أجراها الكونت يورك فون ~~فارتنبورغ أن المقدونيين كانوا قد قطعوا 12 ألف ميل أو أكثر من 19 ألف كيلومتر في ثماني ~~سنوات ونصف سنة)، فاضطر إلى موافقتهم والعودة إلى الغرب. عادت القوة أدراجها غربا إلى نهر ~~هايداسبيس الذي كان يجري بناء أسطول فيه، ثم شقت طريقها جنوبا برا وبحرا حتى وصلت ~~إلى دلتا نهر السند في صيف 325. وضع الإسكندر الأسس لإدارة الأقاليم المستولى عليها ~~حديثا، ثم نظم عملية العودة، فواصل جزء من القوة سيره بحرا بهدف استكشاف الطريق ~~من مصب نهر السند إلى مصبي نهري دجلة والفرات في الخليج الفارسي، على أن يواصل جزء ~~من القوة البرية مسيره متخذا طريقا شمال صحراء جيدروسيا، وأما الإسكندر فسار على رأس بقية ~~الجيش عبر الصحراء ذاتها مباشرة. شهدت المجموعات الثلاث صعوبات بالغة، لكن من كتبت لهم ~~النجاة من الجيشين التأموا مجددا غرب الصحراء الكبرى، والتقى الأسطول الإسكندر داخل مضيق ~~هرمز بالضبط، فواصل الأسطول إبحاره شمالا، وأما الجيش فسار نحو باسارجاد التي بلغها مطلع ~~324. وفي ربيع ذلك العام، توجه الإسكندر إلى العاصمة الفارسية شوشان، وفي الربيع التالي ~~إلى بابل. # كان الإسكندر، خلال آخر سنة ms020 ونصف سنة من حياته، أكثر انشغالا بنتائج حملته الناجحة منه ~~بتجريد حملات أخرى، وإن كانت ثمة مصادر تروي أنه كان يخطط لحملات جديدة كالإبحار حول شبه ~~الجزيرة العربية. أسس الإسكندر أيضا المزيد من المستوطنات. كان شاغله الأكبر محاربيه ~~القدامى والرجال الذين أسند إليهم مهمة العمل على استتباب الأوضاع والحكم، وكان بعضهم غير ~~كفء للمهمة أو غير مخلص للملك أو الاثنين معا. وأثناء الإقامة في شوشان، توجت ~~العلاقات الغرامية التي جمعت كثيرين من جنوده بنساء آسيويات (يذكر آريانوس أنهم كانوا أكثر ~~من 10 آلاف) بالزواج، وكان الإسكندر نفسه يقدم هدايا الزفاف. وقدم أيضا شكلا آخر من ~~الهدايا بسداده ديون الجيش التي بلغ مجموعها 20 ألف وزنة. تزوج الإسكندر أيضا وأصحابه ~~المقربون بنات عائلات فارسية كبيرة؛ إذ تزوج الإسكندر نفسه ابنة داريوس الكبرى، ~~والابنة الصغرى لنبيل فارسي من فرع آخر من فروع الأسرة المالكة الفارسية. ويذكر ~~آريانوس زيجات هفايستيون وكراتيروس وبيرديكاس وبطليموس ويومينس ونيارخوس وسلوقس، ويفيد بعقد ~~نحو 80 زيجة مماثلة بين أصحاب آخرين وبنات نبلاء الفرس والميديين. # لكن شوشان شهدت التئاما آخر بوصول 30 ألف شاب آسيوي بعد تدريبهم على الطريقة المقدونية؛ ~~إذ أسفرت تداعيات هذا الوصول عن مزيد من التمرد في صفوف جيشه المقدوني، عندما أعلن الإسكندر ~~أنه بصدد تسريح عدد كبير من محاربيه القدامى وإعادتهم إلى مقدونيا. استقبل كثيرون من ~~المقرر تسريحهم هذا الإعلان بغضب ساخر، مطالبين إياه بتسريح جميع المقدونيين ومواصلة الحرب ~~بمساعدة أبيه «الحقيقي» الإله آمون. ولم يكونوا أيضا راضين كل الرضا عن صحبه الآسيويين ~~الجدد. كان أول رد للإسكندر أن أمر باعتقال رءوس التحريض وقتلهم، ثم ألقى خطابا غاضبا ~~وبخ فيه البقية، واختتمه بكلمة «انصرفوا!» وذهب عنهم. أبدى قدامى المحاربين ندمهم ~~واسترحموا مليكهم، فصولحوا بمأدبة ضخمة، وبعدها كان نحو 10 آلاف محارب قديم متأهبين ~~للعودة إلى مملكة مقدونيا تحت قيادة أحد كبار قواد الإسكندر، وهو كراتيروس. # كان تدبير إدارة الإمبراطورية التي ظفر بها الإسكندر حاجة أخرى ملحة؛ إذ كان كثيرون ~~ممن تركهم وراءه في مواقع السلطة ms021 يعتقدون على ما يبدو أنه لن ينجو من حملته الشرقية، ~~فحوسب عدد منهم وعوقبوا واستبدلوا. لم يكن الأفراد وحدهم بحاجة إلى ترتيب، بل كانت ~~أقاليم بأكملها خارج نطاق الإمبراطورية الفارسية السابقة تحتاج إلى ترتيب أوضاعها، وخصوصا ~~اليونان؛ ففي أواخر ثلاثينيات القرن الرابع، جمع الملك الإسبرطي أجيس بين هدف استعادة قوة ~~إسبرطة وهدف ثان هو القضاء على السيطرة المقدونية على اليونان، ولتحقيق هاتين الغايتين، ~~نجح في حشد جيش من المشاة قوامه 20 ألف رجل، بالإضافة إلى 10 سفن وأموال من بلاد فارس. وكان ~~في أثينا جندي محترف يشغل منصب القائد العسكري منهمكا في حشد ائتلاف ضد المقدونيين سنة ~~324. وعلى مبعدة أكبر من ذلك، يروى أن وفودا من شعوب منطقة البحر المتوسط والشعوب ~~الأوروبية جدت في التماس هذا الفاتح الشاب المذهل. # تدخل الموت ليختصر هذه الجهود ويربكها. في البداية جاء موت الرجل الذي صار أقرب صديق ~~ومعاون له، وهو هفايستيون، في أواخر 324، مما أحزن الإسكندر حزنا عظيما. وسرعان ما ~~أصابت الإسكندر نفسه حمى في ربيع 323، فمات في يونيو (الثالث عشر من الشهر هو التاريخ ~~المقبول عموما) قبيل عيد ميلاده الثالث والثلاثين. ~~••• # كان الإسكندر الثالث المقدوني شخصا لافتا للأنظار خلال حياته، وأسبغت عليه إنجازاته ~~لقب الإسكندر الأكبر منذ القدم، وهو لقب مرتبط دوما باسمه. كان بطلا في أعين الكثيرين ~~من الطامحين إلى محاكاته، بداية من خلفائه ذاتهم، إلى الإمبراطور الروماني تراجان الذي عاش ~~في القرن الثاني الميلادي، إلى نابليون بونابرت الذي كتب يقول: «غزا الإسكندر ثلاثمائة ألف ~~فارسي بعشرين ألف مقدوني، وقد حققت نجاحا مشهودا في مساع جريئة.» ويمكن القول بأن ~~الوصف الذي أورده المؤرخ إف إيه رايت للإسكندر هو الأروع؛ إذ بعد أن قال إن الإسكندر ~~ويوليوس قيصر وكارل الكبير ونابليون «أعظم بكثير من المستوى العادي للقدرات البشرية، حتى ~~إنه قلما يمكن الحكم عليهم بالمعايير العادية»، أكد رايت أن الإسكندر في عمله وفي ~~شخصيته «يستحق المرتبة الأولى» (1934: 1). # إننا نتوق إلى ما هو أكثر من بعض التواريخ والأحداث فيما يخص شخصا كهذا. فما ms022 الذي كان ~~يدفعه؟ وماذا كانت أهدافه الحقيقية؟ وماذا كانت خواطره وردود أفعاله ومخاوفه، هذا إن كانت ~~انتابته مثل هذه الانفعالات التي لا تليق بالأبطال؟ هذه هي أنواع الأسئلة التي يثيرها ~~الإسكندر، والتي لا تتسنى لنا الإجابة عنها إجابة واضحة. لكن عندما ننظر إلى عالمه، ~~سنقترب من التوصل إلى فهم ما. # الفصل الثاني # | أصله المقدوني # ثمة رأي ينسب إلى أبقراط، الطبيب الشهير الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يقول ~~إن موضع نشأة الثقافة يحدد طبيعتها. ومن بين العدد الكبير من الكتابات المنسوبة إلى أبقراط ~~دراسة تحمل عنوان «المدن والماء والهواء» تربط الصحة البشرية بغذاء الفرد وبيئته وطريقة ~~حياته، ويؤكد المؤلف أن اختلاف سمات الشعوب الآسيوية والأوروبية مرتبط بالمناخ، فانعدام ~~الأحوال المناخية الشديدة التقلب في آسيا يتمخض عن شعب لين، وأما مناخ أوروبا الأشد ~~تطرفا وتقلبا فينتج شعبا صلبا. وقال أرسطو مثل قوله في القرن الرابع (السياسة، ~~الكتاب السابع، 7، 1327بي20إف): الشعوب الآسيوية ذكية لكنها تفتقر إلى النشاط، أما ~~الأوروبيون فنشيطون وإن كانوا يتسمون بقدر أقل من الذكاء الفطري. والمنازل التي بين ~~هذين الطرفين هي الأوفر حظا؛ يرى أرسطو وأبقراط أن الإغريق يحتلون المنزلة الوسط؛ ومن ~~ثم كانوا على درجة عالية من الذكاء والنشاط. لكن من نواح كثيرة يستحق المقدونيون - بل ~~يستحقون أكثر من الإغريق - وصفهم بأنهم أصحاب منزلة وسط وافرة الحظ. والحقيقة أن ثمة ~~حكاية تقول إن أبقراط شخص حالة الملك بيرديكاس الثاني المقدوني (454-413)، تدل - إن ~~صدقت - على أن أبقراط خبر بيئة مقدونيا خبرة مباشرة. ويقينا كان أرسطو على دراية ~~جيدة بمقدونيا والمقدونيين؛ إذ نشأ طفلا صغيرا في العاصمة بيلا، ثم اشتغل فيما بعد كمعلم ~~للإسكندر الثالث الشاب. يسمح لنا استقصاء طبيعة مقدونيا المادية بأن ننظر كيف كان من شأن ~~الأحوال الطبيعية هناك أن تحدد طريقة حياة سكانها؛ المقدونيين بوجه عام وأفراد الأسرة ~~الأرغية الحاكمة والإسكندر الثالث بوجه خاص. إذن ففي صحبة أبقراط وأرسطو، يمكننا تحري ~~الأشخاص الذين شكلتهم تلك البيئة. # مرت الأرض المعروفة باسم مقدونيا بالعديد من الهيئات على ms023 مر الزمن؛ إذ كان يتحدد مداها ~~الإقليمي إلى حد كبير بقدرة إحدى جماعاتها البشرية الكثيرة على بسط السيطرة على ~~الجماعات الأخرى. ومن أزمنة العصر الحجري القديم حتى وقتنا الحاضر، اجتذب موقع هذه المنطقة ~~إليه بشرا متنوعين، سواء أكانوا مهاجرين عبره، أم مهاجرين إليه يلتمسون الاستقرار، أم ~~تجارا، أم غزاة فاتحين. لكن الهيئة الجغرافية للمنطقة تحول دون الوحدة الواسعة النطاق، ~~وتشجع بدلا منها حدوث وحدة إقليمية أصغر نطاقا بين سكانها؛ وما زالت هذه النزعة ~~الإقليمية قائمة حتى في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد. # بوجه عام نقول إن مقدونيا هي المنطقة الانتقالية بين شبه الجزيرة اليونانية والقارة ~~الأوروبية. ومقارنة بهاتين المنطقتين المجاورتين، نجد مناخها وهيئتها يشبهان القارة ~~الشمالية لا البلدان المتوسطية؛ فالأمطار أغزر في شهور الشتاء، وأقل في الصيف، وفصول ~~الشتاء أشد وطأة، مع جليد يغطي الجبال، وأما فصول الصيف - وخصوصا في السهول - فتشهد ~~ارتفاعا في درجات الحرارة يتجاوز 40 درجة مئوية (104 درجات فهرنهايت). يحد مقدونيا من ~~الشرق الخليج الثيرمي، الذي يشكل جزءا من بحر إيجة، ويوفر سهلا ساحليا كبيرا، لكن ~~معظم المنطقة المعروفة عموما باسم مقدونيا ليس ساحليا. ومن السهل الساحلي، يمتد نهران ~~كبيران (هالياكمون وأكسيوس وروافدهما) بمنزلة طريقين موصلين إلى المناطق الداخلية، فيمتد ~~هالياكمون إلى الغرب، ثم ينعطف جنوبا إلى الحدود مع ألبانيا الحديثة، ويمتد أكسيوس (فاردار ~~حديثا) شمالا إلى سكوبيه وغربا إلى الحدود الجنوبية لكوسوفو الحديثة. # يرسم النهران والساحل البحري حدودا واضحة المعالم لهذا الإقليم من منظور جغرافي، إن لم ~~يكن سياسيا. علاوة على ذلك، فالنهران بمنزلة موانع طبيعية أمام الدخلاء المحتملين؛ فممر ~~ريندينا مثلا على نهر أكسيوس بالقرب من مدينة أمفيبوليس القديمة؛ حيث يبدأ في النزول إلى ~~البحر، يتسم بالضيق الشديد؛ ومن ثم يسهل الدفاع عنه. وتوجد ممرات ضيقة مماثلة شقتها ~~الأنهار في أماكن أخرى، مما يقلل أيضا من العمل الدفاعي، لكن توجد ممرات يمكن ~~استخدامها كنقاط دخول. # من الفوائد الإضافية للأنهار أنها أنهار دائمة، وهي في طريقها إلى البحر تملأ البحيرات، ~~التي توفر بدورها الأسماك؛ وهي ms024 في بعض الأماكن - كما يروي هيرودوت عن بيونيا في الشمال - ~~«وفيرة حتى إنه عندما يفتح باب الشرك وتغوص السلال في قاع البحيرة المغطى بأعشاب ~~الأسل، يسحبها المرء مليئة بالأسماك بعد انتظار قصير» (الكتاب الخامس، 16، 4). وحتى في ~~يومنا هذا، يحتوي نهر هالياكمون على 33 نوعا من الأسماك. وبالإضافة إلى ما تمده هذه ~~الأنهار من كميات وفيرة من الأسماك تقتات بها الخيول ودواب الحمل الأخرى، فهي مصدر للمياه ~~اللازمة للاستهلاك والري حتى أثناء شهور الصيف، وتتيح هذه المياه الوفيرة، مقرونة بتراكم ~~الجليد على الجبال العالية، موسم زراعة أطول مما يمكن أن يتوقعه جنوب اليونان. ويروي ~~هيرودوت أن مياه نهر واحد فقط في المنطقة نضبت عندما حاول الجنود الفرس ري ظمئهم ~~(الكتاب السابع، 127). ولإدراك حجم المياه المطلوب، من المهم أن نتذكر أن هيرودوت قدر ~~عدد الجيش الفارسي بأكثر من خمسة ملايين، وإن كنا نرى أن الأعداد الفعلية كانت نحو 250 ألف ~~فرد لم يكن كلهم من المحاربين. علاوة على ذلك، تتمتع البلدات والمدن الواقعة على الروافد ~~بطريق وصول إلى البحر مع تمتعها في الوقت نفسه بميزة الأمن التي تتيحها المناطق ~~الداخلية؛ فعلى سبيل المثال: كانت مدينة بيلا - العاصمة المقدونية أثناء حكم الإسكندر - تقع ~~على أحد أفرع نهر لودياس، الذي كان صالحا للملاحة بطول مسافته البالغة نحو عشرين ميلا إلى ~~البحر. # الجبال هي ثاني الملامح المميزة لمقدونيا؛ فغالبية الأرض التي تتكون منها المملكة التي ~~أنشأها فيليب الثاني يزيد ارتفاعها عن 1800 قدم (600 متر)، ويشمل هذا المنطقة المنخفضة ~~الواقعة شرق نهر إكيودوروس (جاليكو حديثا). وكان مدى الأرض الواقعة أقصى الغرب التي ~~ضمت في النهاية إلى مملكة مقدونيا، تحدده سلسلة جبال بيندوس الطويلة المارة عبر ~~منطقة البلقان وصولا إلى خليج كورنثة. كثير من القمم الجبلية الفردية في مقدونيا شاهق ~~الارتفاع، فينافس بعضها جبل الأوليمب البالغ 9461 قدما (2917 مترا) لكن لا يفوقه؛ إذ تصل ~~إحدى قمم سلسلة جبال برنوس (كايماكتسالان) إلى 8203 أقدام (2524 مترا)، بينما تصل إحدى قمم ~~سلسلة جبال بابونا إلى 8255 قدما ms025 (2540 مترا). ومع أن الفروج الطبيعية في الجبال بمنزلة ~~بوابات إلى السهول المنخفضة، فإنها توفر أيضا وسيلة دفاع طبيعية قوية؛ لأن بعض هذه ~~الفروج - كما سبق أن نوهنا - شديد الضيق على نحو تسهل معه السيطرة عليها. وفي أجزاء ~~من المنطقة، تعمل السلاسل الجبلية كساتر؛ إذ توفر جبال مقدونيا الدنيا غرب أكسيوس ~~«درعا متصلا» كما وصفها نيكولاس هاموند (1972: 162). # شكل 2-1: الضفة العليا من نهر هالياكمون. صورة بعدسة ريتشارد آر جونسون. # كانت الغابات هبة الجبال، وفي الزمن القديم كانت مقدونيا تحتوي على الكثير من غابات ~~الأشجار الدائمة الخضرة والنفضية على السواء، ويقدر أن نحو خمس المنطقة تكسوه ~~الغابات حتى في وقتنا هذا. تسود نظم جبال الألب الإيكولوجية بالقرب من القمم الجبلية، وكانت ~~أشجار الصنوبر تنمو فوق المنحدرات، أما أسفل منها فكانت تسود فيه أشجار البلوط والشوح ~~والأرز. لم يكن الخشب الذي توفره الغابات ثمينا للاستخدامات المنزلية فحسب، بل كان أيضا ~~مرغوبا من جانب دول اليونان الفقيرة بالخشب. واستخدمت الأنهار لتعويم أشجار الخشب ~~المقطوعة إلى السهول، وفي النهاية كان الساحل يسهل نقلها إلى قلب المملكة، الذي كان يشهد ~~معظم نشاط التبادل التجاري مع الآخرين. # شكل 2-2: مقدونيا العليا. صورة بعدسة ريتشارد آر جونسون. # توفر الأشجار أيضا الغذاء والمأوى للحيوانات، ولم تكن الأشجار المقدونية استثناء من هذا ~~في الزمن القديم؛ إذ كانت تسكن الغابات طائفة واسعة من الحيوانات البرية. ويوجد في الآونة ~~الأخيرة حوالي 32 جنسا من الثدييات و108 أجناس من الطيور تسكن الحديقة الوطنية فوق جبل ~~الأوليمب، وتوجد تشكيلة كبيرة من بينها مشهود لها بالقدم أيضا، كان بعضها - من قبيل ~~الأيل واليحمور - لا يشكل خطورة كبيرة على البشر، لكن كانت هناك حيوانات أخرى مخيفة ~~بحق، كالخنازير البرية والدببة البنية والذئاب والأوشاق والفهود والنمور والأسود، وكلها ~~كانت تسكن الغابات الجبلية. ويروي هيرودوت واقعة غريبة تعرض لها الفرس وهم في طريقهم ~~إلى مقدونيا سنة 480 قبل الميلاد؛ حيث كانت الأسد «تترك عرنها وتنزل دوما أثناء الليل ~~... تقتل الإبل دون غيرها، فلا تهاجم أي حيوان آخر ms026 أو إنسان» (الكتاب السابع، 123، ~~3). # شكل 2-3: ما زالت الأيائل تستوطن مقدونيا العليا. صورة بعدسة ريتشارد آر ~~جونسون. # استفادت الحيوانات المستأنسة أيضا من السلاسل الجبلية، التي كانت توفر مراعي صيفية من ~~الطراز الأول لقطعان الضأن والمعز. كان معظم سكان مقدونيا العليا - بمعنى المناطق ~~الشمالية والغربية من البلاد - يشتغلون بالرعي منذ أزمنة ما قبل التاريخ وحتى القرن الرابع، ~~وعندما وقف الإسكندر خطيبا في محاربيه القدامى الغاضبين بعد العودة إلى بلاد ما بين ~~النهرين، وبخهم لنكرانهم نعمة التغيرات الهائلة التي أحدثها أبوه في حياة كثير من ~~المقدونيين. لقد ورثهم رعاة رحلا أغلبهم لا تكسو أجسامهم إلا جلود الحيوانات، يرعون ~~بضع شياه على الجبال، وبعد أن أنزلهم فيليب من الجبال إلى السهول، أبدلهم أردية كاسية ~~بجلودهم وجعلهم خصوما أندادا لجيرانهم البرابرة (آريانوس، الكتاب السابع، 9، 2). وعلى ~~الرغم من احتمال مبالغة الإسكندر في وصف الحالة السابقة، تعضد الشواهد الآثارية الحقيقة ~~الأساسية لصفة حياة الكثيرين من ساكني الجبال، لا في الأزمنة القديمة فحسب، بل في الأزمنة ~~الحديثة أيضا نوعا ما. وعندما نتذكر أن الغالبية العظمى من مقدونيا، وخصوصا المناطق ~~العليا أو الغربية، يزيد ارتفاعها عن 1800 قدم (600 متر)، يزداد إدراكنا دور الجبال في ~~الحياة المقدونية. # كانت الثروة المعدنية أيضا موجودة بوفرة، والمنطقة في الأزمنة الحديثة مصدر للذهب ~~والفضة والرصاص والقصدير والنحاس وركاز الحديد وكربونات المغنسيوم والزنك والأسبستوس ~~والكروم والبيريت والموليبدنوم الذي يستخدم في صنع سبائك الفولاذ. ومن غير المؤكد أنه ~~كان يجري استخراج كل هذه المعادن في الأزمنة القديمة، لكن كلا من الذهب والفضة كان ~~ينتج بنشاط في عهدي فيليب والإسكندر، وأيضا على أيدي خلفائهما. وتدل كمية ونوعية ~~المشغولات التي كشفت عنها أعمال التنقيب والتي صنعت من معادن أقل قيمة؛ على أن سكان ~~مقدونيا كانوا يعرفون هذه الموارد وطوروا مهارات لاستغلالها. ومن الجائز تماما أن ~~المعادن كانت عاملا في الاتصال بين الميسينيين في يونان العصر البرونزي والشعوب المقدونية. ~~علاوة على ذلك، تظهر الكشوفات الحديثة في مدينة بدنا أن المستوطنين الإغريق اكتشفوا هذه ~~الموارد المعدنية في أواخر ms027 العصرين المظلم والعتيق. ومن مكونات الجبال الأخرى التي كانت لها ~~قيمة كبيرة في الإنشاء الرخام الفاخر والحجر الجيري اللذان كانا يستخدمان في إقامة ~~التحصينات والطرق والأبنية. # يتناثر بين السلاسل الجبلية الكثير من السهول الواسعة التي حبيت بنعمة الأنهار ~~والأمطار مع التربة الخصيبة، وعندما يتجه المسافر غربا من بحر إيجة، يصادف طبقات من ~~الوديان التي تدعم - على الرغم من تفاوت أنواعها النباتية - الرعي وتربية المواشي أسهل ~~مما تدعمه السهول الجبلية الواقعة في جنوب اليونان. وتبين أن مقدونيا شديدة الانفتاح ~~على جهود المزارعين المستقبليين في زمن مبكر يعود إلى تاريخ نشأة الزراعة. والحقيقة أنه ~~توجد مواقع في مقدونيا وفي جزيرة كريت من بين أولى مناطق القرى المستقرة في غرب بحر إيجة، ~~وقد وثقت زراعة نوعين من القمح فضلا عن الشعير والعدس والحمص والدخن منذ العصر الحجري ~~الحديث. ويقينا كانت الأعناب منذ زمن فيليب والإسكندر، إن لم يكن قبلهما، أيضا عنصرا ~~مهما من عناصر الزراعة المقدونية. وتمكنت بعض أشجار الزيتون، إن لم يكن الكثير منها، ~~من البقاء في المناطق الأقرب إلى الساحل من ذلك الإقليم. وتوجد في الأزمنة الحديثة أحواض ~~معينة يمكنها زراعة ثلاثة محاصيل سنويا. تضمنت سبل عيش الفلاحين المقدونيين في ~~السهول، ومن يعيشون في الأعالي، تربية الحيوانات كالمعز والضأن والخنازير والأبقار ~~والخيول، وتوفر السهول الساحلية مراعي ممتازة للأبقار والخيول ومراعي شتوية للمعز ~~والضأن. وتمكنت الخيول التي تركها الجيش الألماني في الأيام الأخيرة من احتلاله ~~اليونان، من البقاء دون رعاية بشرية حتى يومنا هذا على ضفاف نهري أكسيوس ~~وهالياكمون. # شكل 2-4: النظر غربا عبر جبال بيندوس. صورة بعدسة ريتشارد آر جونسون. # هذه السهول الفسيحة منفصلة أحدها عن الآخر بمعالم المنطقة الطبيعية الأخرى، وتمخض ~~صعود سطح الأرض وهبوطه في الفترات السحيقة عن تغيرات في المناسيب داخل المناطق، وأيضا ~~فيما بينها. وكل واحد من هذه السهول مقسم إلى أجزاء بفعل ما يجري فيه من أنهار أو ~~روافدها؛ إذ يشتمل السهل الأوسط، الذي يلتف حول الخليج الثيرمي، على ثلاثة أجزاء من هذا ~~القبيل، وكذلك الحال ms028 مع المناطق الواقعة في مقدونيا العليا. ويمكن لكل منطقة من هذه ~~تحقيق الاكتفاء الذاتي بفضل مزيج من الأحواض والبحيرات والغابات والأنهار والجبال؛ لكن ~~على الرغم من الفواصل الطبيعية، نجد المناطق الأصغر مترابطة من حيث اتصالها بالطرق الرئيسة ~~التي تمتد من البحر إلى وسط البلقان وإلى البحر الأدرياتي. وإليكم الوصف الذي ذكره هاموند ~~لإحدى الطرق المؤدية من إبيروس إلى مقدونيا: # لا يشكل الطريق من إبيروس إلى كاستوريا، ثم شمالا إلى أوخريد، أو شرقا إلى ~~مقدونيا؛ صعوبات خطيرة، وذلك بمجرد عبور نهر أوس عند ميسويفيرا، فيمضي المرء ~~صاعدا إلى ليسكوفيك، ثم يلتف حول أنف الجبل وعبر الوديان ليدخل منطقة إرسيكا ~~الخصبة على صغرها، ومنها يعبر جبل لوفكا عن طريق ممر تشاره، وينزل إلى سهل ~~كستوريا [في منتصف الطريق تقريبا بين البحر الأدرياتي والخليج الثيرمي ببحر إيجة]. ~~(1972: 102) # ما يبرهن أيضا على إمكانية الربط طريق فيا إجناسيا الروماني، الذي شق ~~قرب نهاية القرن الثاني على امتداد مسار تجاري كان مصدرا رئيسا للترحل في الأزمنة ~~السابقة، وهو اليوم الأساس الذي يقوم عليه إنشاء طريق سريع حديث. # شكل 2-5: ساحل بدنا المطل على الخليج الثيرمي. صورة بعدسة ريتشارد آر ~~جونسون. # وهكذا يمكن وصف المنطقة المعروفة باسم مقدونيا بأسرها كمنطقة وسط؛ فهي تقع عند تقاطع ~~الطرق الواصلة بين المناطق الواقعة في الشمال والجنوب من ناحية، وإلى الغرب والشرق من ~~ناحية أخرى. دخل البشر الأوائل اليونان قادمين من أوروبا ومن الأناضول، والواضح أن مسار ~~هجرة السلالة الأوروبية كان بالبر من خلال البلقان إلى مقدونيا ثم جنوبا. وعلى الرغم من أن ~~معظم الهجرة الوافدة من الأناضول حدث عن طريق البحر، يبدو أن المستوطنات التي تعود إلى ~~العصر الحجري الحديث في مقدونيا وتيساليا نشأت بالحركة التدريجية رحيلا عن الأناضول وعبر ~~شمال بحر إيجة. كانت تجارة الإغريق الميسينيين في العصر البرونزي ومنتجاتهم تتجه شمالا إلى ~~مقدونيا، وسارت على خطاها الجهود الاستيطانية من جانب إغريق البر الرئيس في القرنين التاسع ~~والعاشر. ظلت غزوات الشعوب العدوانية غرب جبال بيندوس، التي كانت شائعة في ms029 أزمنة ما قبل ~~التاريخ، على كثرتها في عصر فيليب والإسكندر. # شكل 2-6: عرش زيوس على قمة جبل الأوليمب. صورة بعدسة ريتشارد آر جونسون. # أوحى موقع مقدونيا المغري للأجنبيين عنه بالتعاون لما قد ينتج عنه من قوة، وعندما ~~وحدت المناطق المجزأة تحسن الموقف الجماعي من حيث القدرة على صد الغزوات. وأفادت ~~المداومة على حراسة طرق الدخول القليلة المفتوحة عن طريق البر وعلى امتداد الخط الساحلي ~~للخليج الثيرمي؛ في الدفاع عن أمن المناطق المجزأة طبيعيا، وأفادت كذلك في تحسين فعالية ~~الطرق المتشعبة إلى الخارج في جميع الاتجاهات. # خلاصة القول أن مقدونيا أتاحت لسكانها تشكيلة من الموارد: # تربة خصبة للزراعة ومراع ممتازة للحيوانات المستأنسة، وهما ركيزتا الاقتصاد ~~القديم. # ثروة وفيرة من الحيوانات البرية والأسماك. # موارد خشبية ومعدنية ممتازة للاستخدام الداخلي وللتجارة الخارجية. # درجة معقولة من الأمن بفضل شكل الجبال والأنهار. # إمكانية الوصول إلى البحر مقرونة بمنطقة داخلية شاسعة. # موقع جمع بين الخصائص المتوسطية والأحوال المناخية والطبوغرافية ~~الأوروبية. # منطقة كانت على الأرجح مغرية للآخرين؛ ومن ثم ففي توحدها فائدة. # ولو قبلنا ما قال به أبقراط وأرسطو عن دور البيئة في طبيعة سكانها، لجاز لنا أن نذهب إلى ~~أن طبيعة مقدونيا نمت سمات معينة في أهلها. إنها يقينا ليست بالبيئة «السهلة»؛ إذ لا بد ~~أن يكون المقدونيون أهل جلد وشدة لكي يستفيدوا من موارد الجبال؛ فيصطادوا الأيائل ~~والأسد، ويستخرجوا المعادن الخام، ويرتحلوا بالقطعان من المراعي الصيفية إلى المراعي ~~الشتوية، ويحرسوا الممرات الجبلية الضيقة من الغزاة. وبما أن مقدونيا كانت محاطة بالغزاة ~~المحتملين، كان الحفاظ على استقلالها سيفشل من دون تنسيق فعال للأمن. وكان لا بد لأي قائد ~~مستقبلي لهذا الشعب أن يكون مدربا على إدارة إقليم ينطوي على إمكانيات عظيمة وأخطار ~~دائمة في الوقت نفسه. ~~(1) السكان # أكدنا على الانقسامات الطبيعية داخل الإقليم الذي وسع أثناء حكم الإسكندر الأول ~~في القرن الخامس، بل ووسع أكثر أثناء حكم فيليب الثاني، وأفضت هذه الانقسامات إلى ~~فروق بين التجمعات السكانية. تعود التجمعات السكانية المتنقلة إلى العصر البرونزي كما ~~يتبين ms030 من الثقافة المادية، كطبيعة المواقع، وتقاليد دفن الموتى، وطرق صناعة الفخار. ~~وأثناء العصر البرونزي سادت الشعوب الهندية-الأوروبية في الغرب والشمال الغربي، ويمكن ~~أن تعزى التأثيرات الخارجية إلى التراقيين في الشرق، والميسينيين في الجنوب، وشعب ~~يعرف باسم البريجيين (أو الفريجيين) تنم أساليبه في صنع الخزف عن أصل أوروبي أوسط. ~~وتشير الشواهد إلى استمرار الشعوب الأولى، على الرغم من هجرة جماعات جديدة صغيرة ~~نسبيا في أعدادها الكلية إلى المنطقة. تمخضت الغزوات عن تحركات سكانية، لكنها ~~لم تغير هيكل الحياة الأساسي الذي تطور من العصر الحجري الحديث؛ ومن ثم كانت ~~مقدونيا العليا والدنيا تتمتع بإرث هندي-أوروبي في أزمنة ما قبل التاريخ وفي عصر ~~فيليب والإسكندر. وجدت هذه الرابطة المشتركة ذاتها بين شعوب مقدونيا الأساسية ومعظم ~~جيرانها؛ إذ كان التراقيون والبيونيون والإبيروسيون، بل الإليريون أيضا، من أصل ~~هندي-أوروبي. # ومع ذلك توجد فروق كبيرة بين مختلف الشعوب الهندية-الأوروبية؛ فعلى الرغم من انتمائها ~~إلى لغة أساسية مشتركة، تفرعت هذه اللغة التي كانت ذات يوم واحدة لتصبح شجرة ~~متعددة الفروع على مدى ألف سنة من التطورات بين الأفراد الناطقين باللغة ~~الهندية-الأوروبية. إن فروع هذه اللغة الاثنا عشر الرئيسة هي: الأناضولية، والبلطيقية، ~~والجرمانية، واليونانية، واللاتينية (أو الرومانسية والإيطاليقية)، والإليرية (أو ~~الألبانية)، والهندية، والإيرانية، والسلتية، والسلافية، والتراقية، والطخارية. ~~وانبثقت من كل واحد من هذه الفروع فروع أصغر على هيئة فروق في اللهجة. ومن حيث ~~اللغات المستخدمة حاليا، يصل عدد الفروع إلى 77 فرعا، ويوجد حوالي 36 شكلا من أشكال ~~اللغة الهندية-الأوروبية لم يعد مستخدما استخداما عاما. وكما يكشف مدى هذه ~~الفئات، ربما يكون تنوع أشكال اللغة الهندية-الأوروبية غير واضح أو حتى غير مفهوم ~~للناطقين بالأشكال الأخرى لهذه اللغة الأم. علاوة على ذلك، تنتج البيئات المختلفة ~~أساليب حياة مختلفة تتمخض بدورها عن مفردات جديدة لا توجد بالضرورة بين الشعوب ~~الهندية-الأوروبية الأخرى. # خلاصة القول أن توحيد الشعوب الهندية-الأوروبية العديدة في منطقة جنوب البلقان، على ~~نحو يعززه إحساس بالإرث واللغة المشتركين؛ كان مستبعدا؛ لأن التنوع اللغوي كان ~~جاريا منذ ما يتراوح بين ms031 ثمانية وتسعة آلاف سنة بحلول القرن الخامس قبل الميلاد. ~~والحقيقة أنه لم تكن الشعوب كلها على الأرجح ناطقة بالهندية-الأوروبية؛ إذ إن هويات ~~بعض التجمعات القبلية على امتداد جانبي جبال بيندوس ليست مؤكدة. كتب تشارلز إدسون، ~~الباحث المتخصص في التاريخ المقدوني، في ملخصه المتزن المعنون «مقدونيا المبكرة»، عن ~~«مجموعات من القبائل البربرية» في الأجزاء الشرقية والوسطى مما سيصبح مملكة مقدونيا ~~الموحدة تحت قيادة فيليب الثاني. ربما كانت العناصر الثقافية المشتركة عاملا يسر ~~التعاون، لكن ربما كان الأهم من ذلك حتى هو التهديدات المشتركة. # كذلك لن يفيد الأصل المشترك في ربط المقدونيين بجيرانهم الهنود- الأوروبيين الموجودين ~~جنوبا على الخليج الثيرمي، وتحديدا الفرع الإغريقي من الأصل الهندي- الأوروبي. ~~والحقيقة أن الآراء التي وصلت إلينا وقال بها بعض إغريق القرن الرابع قبل الميلاد، تكشف ~~عن ضعف الآصرة المشتركة بين الإغريق والمقدونيين؛ فوفقا للخطيب الأثيني ديموستيني، لم ~~يكن فيليب إغريقيا ولا حتى تربطه صلة قرابة بالإغريق، بل كان رجلا من أسوأ ~~البرابرة، ينتمي إلى مكان يستحيل حتى شراء عبد صالح منه (الخطب الفيليبية، الخطبة ~~الأولى، 4). # لم تكن مسألة الإثنية مسألة جدلية في الأزمنة القديمة فحسب، بل ظلت هكذا إلى اليوم، ~~وليس بين الباحثين فحسب، بل في أعين بعض اليونانيين المحدثين. ترجع معظم الصعوبة في ~~معرفة طبيعة العلاقة إلى غياب أنواع معينة ضرورية من الشواهد؛ فعلى سبيل المثال: اللغة ~~مفتاح أساسي من مفاتيح الهوية (معرفة هل كانت لغة شعب ما - سامية أو هندية-أوروبية أو ~~آسيوية - مؤشرا مهما على الإثنية)، لكن هذه الشواهد تكاد تنعدم فيما يخص التاريخ المقدوني ~~المبكر. وعندما تبدأ النقوش في الظهور في السجل الأثري، نجد روابط تجمع سكان مقدونيا ~~باليونان، وتتجلى في كتابة النقوش بالألفبائية الإغريقية. غير أن استخدام الحروف ~~الإغريقية ربما لم يكن أكثر من طريقة ملائمة لهذه النقوش المعينة، أو ربما استخدمت ~~هذه الحروف، كما في حالة النقوش الألفبائية الإغريقية في تراقيا، لأنه لم يكن هناك بعد ~~نظام كتابة أصلي. وهناك احتمال آخر، وهو أن اللغة الإغريقية كانت آخذة في التحول إلى ~~نظام ms032 الكتابة السائد أو المشترك في مناطق تتجاوز حدود المناطق الإغريقية الأولية قبل ~~مجيء الفترة الهلنستية. بل إن المعلومات عن لغة المقدونيين المنطوقة أشح؛ حيث وجد ~~«لوح لعنة» وحيد في بيلا ربما يكون مكتوبا بلهجة «مقدونية» من لهجات اللغة الإغريقية. ~~الاستنتاج الوحيد اليقيني هو أن المقدونية المنطوقة تختلف أحيانا عن الإغريقية. # من ناحية أخرى، تدعم أسماء الأعلام المقدونية ~~التي توجد في القصائد الهوميرية الرابط بين المقدونية والإغريقية، ومن بينها اسم السلالة الملكية «الأرغية». وتشير مصادر ~~متأخرة إلى أن فيليب والإسكندر، بل ملوك أرغيون أبكر منهما أيضا، كانوا يتحدثون ~~بسهولة مع كل من المقدونيين والإغريق. بالطبع يمكن تعلم لغات أخرى، لكن كما سنرى، ~~تشي تأريخات السلالة الأرغية الواردة في المصادر الإغريقية بأصلها الإغريقي. # يروي هيرودوت حكاية ثلاثة إخوة مضوا في طريقهم - بعد طردهم من أرجوس في بيلوبونيز - ~~إلى مقدونيا حيث صار أصغرهم، وهو بيرديكاس الأول، في النهاية وفيما يشبه المعجزة، ~~زعيما لجماعة من المقدونيين تعرف باسم الأرغيين، وهم السلالة المالكة (الكتاب ~~الثامن، 136-139). ربما تكون هناك حقيقة في نمط التنقل (بل في الواقع التنقلات) من ~~اليونان إلى مقدونيا؛ إذ في زمن متأخر، وتحديدا في القرن الخامس، اتخذ مواطنون من ~~مدينة مسينيا الإغريقية، التي كانت ذات يوم متألقة، من مقدونيا موطنا جديدا لهم ~~عندما دمرت أرضهم على يد مدينة أرجوس؛ وعندما استولى الأثينيون على مدينة هيستيايا ~~في جزيرة وابية وطردوا سكانها، أعيد توطين اللاجئين في مقدونيا أثناء حكم بيرديكاس ~~الثاني. وعلى نحو ما أسلفنا، فإن موقع مقدونيا ملائم تماما للانتقال إلى المنطقة، ~~وكان المقدونيون يعتبرون أنفسهم مهاجرين. الشيء غير المؤكد هو المكان الذي جاء منه ~~الأرغيون، وقبول حقيقة الارتحال إلى مقدونيا الدنيا لا يقدم تفسيرا نهائيا ~~للهوية المقدونية. # الخريطة 1: أقاليم مقدونيا ومعالمها الطبيعية ومواقعها. # المنتجات المادية خيط آخر يقودنا إلى هوية أي شعب بعينه؛ إذ يمكن أن تكشف الأساليب ~~المعينة في صناعة الفخار والعمارة والنحت والقطع النقدية والمشغولات المعنية الأخرى عن ~~تراث ثقافي مشترك. مما يؤسف له أن إقليمية مقدونيا تمخضت عن مزيج ms033 من الأساليب ~~التي تأثرت غالبا بمختلف الجيران، كالإغريق في الجنوب، والتراقيين في الشرق، ~~ومختلف الشعوب البلقانية في الشمال والغرب. ولم يتمخض التحليل الأنثروبولوجي للبقايا ~~البشرية عن إجابة قاطعة عن هذا السؤال بعد، وإن كان تحليل الحمض النووي يبشر ~~بتقديم أدلة أتم في المستقبل. # ريثما تتوافر أدلة جديدة، يبدو من الأوفق أن نستخدم المصطلح الذي استخدمه هيرودوت ~~لتصنيف سكان مملكة مقدون، وهو المكدونيون (الكتاب الأول، 56، 3)، وأن نصنفهم أيضا ~~كهنود-أوروبيين. ومن الجائز تماما أن المهاجرين الذين وفدوا على مقدونيا الدنيا كانت ~~تجمعهم صلة قرابة. وقاد الانتقال إلى المناطق الشرقية بعض المكدونيين، بقيادة عشيرة ~~تسمى الأرغية، إلى السهل الساحلي على الشاطئ الغربي للخليج الثيرمي، ويوما بعد يوم ~~بسط الوافدون الجدد سيطرتهم على المنطقة الممتدة شمال جبل الأوليمب إلى رأس الخليج؛ ~~أما الجماعات الأخرى فظلت تسكن العديد من المناطق الأخرى الأبعد من ذلك شمالا وغربا، ~~التي كانت منفصلة بعضها عن بعض كما رأينا بفعل المعالم الطبيعية التي تميز جنوب ~~إقليم البلقان. لكن استنباط شواهد من طبيعة لغات هذه الجماعات يظل أمرا صعبا. # تزداد مسألة اللغة والإثنية تعقيدا بما أن الشواهد على الإثنية المقدونية تأتي في ~~المقام الأول من مصادر إغريقية، ولم تكن هناك رؤية إغريقية موحدة. الأكثر من ذلك أن ~~تصور الإثنية المقدونية تغير على مر الزمان؛ إذ تغير الأساس السابق لتعريف ~~الهوية الإغريقية على أساس الإثنية والانتساب إلى جد مشترك مفسحا المجال ~~أمام المعايير الثقافية. علاوة على ذلك، كان حكم أي كاتب على انتماء المقدونيين إلى ~~أصل إغريقي يعتمد على المعايير التي ينتقيها هذا الكاتب بعينه. وفي ضوء الشواهد ~~الإشكالية في كل فئة من فئات الأدلة، لا نستغرب أن للنقاش حول «المسألة المقدونية» ~~تاريخا طويلا ولم يوجد له حل. # وإذ نضع هذا التضارب في اعتبارنا، من المهم أن نقدر كلا من القربى والاختلافات مع ~~الإغريق في فهم الإسكندر وعالمه. لقد تغلغلت التأثيرات الثقافية الإغريقية بدرجة ~~متزايدة في التقاليد المقدونية حتى من قبل أن يضم فيليب اليونان إلى ملكه؛ ومن ناحية ~~أخرى، فإن «آخرية» ms034 مقدونيا في نظر الإيجي الإغريقي تلعب دورا كبيرا في مسيرتي ~~فيليب وابنه، وسوف نستجلي مسألة الروابط المقدونية باليونان على نحو أكثر استفاضة في ~~الفصل الرابع. ~~(2) إنشاء مملكة من مجموعة من القبائل # يوحي استخدام كلمة «مقدونيا» الأحادية بوجود كيان موحد، وهذا استنتاج غير دقيق فيما ~~يخص جزءا كبيرا من تاريخ هذه المنطقة القديم، إن لم يكن معظمه؛ فلم تتسع السيطرة ~~اتساعا كبيرا فيما وراء السهل الأوسط المطل على الخليج الثيرمي ببحر إيجة إلا في عهد ~~فيليب الثاني، وسرعان ما تقوضت تلك الوحدة في إطار التنافس على السيطرة بعد موت ~~الإسكندر. وعلى الرغم من نجاح الملوك السابقين على فيليب في إضافة أراض إلى الشمال من ~~المستوطنة الأولى الصغيرة التي استوطنها المكدونيون في بيريا، فقد شهد استحواذهم على ~~السلطة تحديا مستمرا وشديدا من كل الاتجاهات. # ويخص أقدم تأريخ موثوق فيه وصل إلى أيدينا حكم الملك أمينتاس الأول (540-498 قبل الميلاد)، الذي أقر له بالملك حتى الملوك الفرس فأقاموا علاقات دبلوماسية معه. لكن ~~العلاقة لم تكن علاقة بين ندين متساويين، والواقع أنه يجوز تماما وصف مملكة ~~مقدون بأنها كانت خاضعة للسلطة الفارسية أثناء تلك الفترة، حتى ولو لم تخضع رسميا ~~تحت سيطرتها كولاية فارسية (مرزبة) أو إقليم. بعد ذلك بسنوات استغل أحشويرش مقدونيا ~~كنقطة انطلاق لانقضاضته على الدول الإغريقية في 480-479. وعلى نحو ينطوي على شيء من ~~التناقض، ربما يكون إعلاء مكانة التحالف الفارسي هو الذي سمح لأمينتاس بأن يضوي ~~إيليميا وأوريستيس ولينكيستيس وبيلاجونيا تحت لواء تحالف اسمي مع مقدونيا. وأما ابنه ~~وخليفته الإسكندر الأول، الذي يصفه هيرودوت بأنه كان على درجة عالية من الذكاء والقوة، ~~فاستطاع ضم إقليم إضافي جهة الغرب تلقاء جبال بيندوس ويمتد شمالا بمحاذاة نهر ~~أكسيوس، عند رأس الخليج الثيرمي، أثناء حكمه الممتد من 498 إلى 454. يصف ثوكيديدس، في ~~معرض وصفه الحرب البيلوبونيزية في الثلث الأخير من القرن الخامس، اللنكستيين ~~والإيليميين وغيرهما من الإثنيات في عمق الإقليم كرعايا للمقدونيين وحلفاء لهم (الكتاب ~~الثاني، 99، 2). تعزى أيضا إلى الإسكندر الأول بعض الابتكارات ms035 المهمة في تكتيكات ~~المشاة وعلاقة جنود المشاة بالملك المقدوني. كان الإسكندر قد شهد نجاح المشاة الثقيلة ~~الإغريقية في مواجهة القوات الفارسية، وكانت مقدون يقينا في حاجة إلى قوة عسكرية قوية ~~لبناء التحالف ثم الحفاظ عليه، ولدرء الجيران الآخرين العدوانيين، وللتصدي للأطماع ~~الإغريقية المتزايدة، وخصوصا أطماع أثينا، في شمال المنطقة الإيجية أثناء عهد الإسكندر ~~الأول وما بعده. # لدى موت الإسكندر الأول، تنازع على خلافته أبناؤه الكثيرون، وهذه واقعة متكررة في ~~مقدون في القرنين الخامس والرابع، بل أثناء الفترة الهلنستية أيضا بعد موت الإسكندر ~~الأكبر. نجح بيرديكاس الثاني في وراثة العرش، لكن هذا لم يحدث إلا بعد القضاء على اثنين ~~من إخوته، وربما أبناء أحدهما، وامتد حكمه إلى 414 / 413، وتجسدت أثناء هذا الحكم كل ~~التهديدات المحتملة السالفة الذكر. والحقيقة أن بيرديكاس عانى من أطماع أكبر حتى مما ~~عرفها أبوه من جانب الجهات الخارجية في الإقليم المقدوني والموارد المقدونية، وهو ما ~~يعزى إلى حد كبير إلى الوضع في اليونان؛ حيث تصادفت بداية حكمه مع تحويل التحالف ~~الطوعي بين الدول الإغريقية بزعامة أثينا إلى حلف إجباري. أسفر هذا التحويل بدوره عن ~~انقسام متزايد بين الدول الإغريقية، أدى إلى 27 سنة من الحرب الأهلية (431-404) بين ~~أثينا وحلفائها/رعاياها من ناحية، وإسبرطة كزعيم للحلف البيلوبونيزي من ناحية ~~أخرى. # كان موقع مقدونيا الاستراتيجي ومواردها من الخشب اللازم لبناء السفن والأسلحة ~~حيويين لكلا طرفي الصراع الإغريقي. أسس الأثينيون حضورا دائما في أمفيبوليس ~~على أسافل نهر سترايمون سنة 437. واستجاب الإسبرطيون لطلبات المساعدة من بيرديكاس ~~الثاني في نضاله ضد الغزوات التراقية في إقليم أكسيوس. وانتهزت مملكة لنكستيس ~~الكونفيدرالية الفرصة لكي تنفصل عن الائتلاف المقدوني الهش وتصبح أقوى دولة قبلية في ~~المنطقة أثناء النصف الثاني من القرن الخامس. وأثبت اللنكستيون، في عهد ملكهم ~~أرهابايوس، أنهم جيش قوي في مواجهة جيش موحد يتألف من المقدونيين بزعامة بيرديكاس ~~والقائد الإسبرطي براسيداس على رأس قوة قوامها 3 آلاف من المشاة الثقيلة وألف من ~~الفرسان، بالإضافة إلى قوة من الجنود الخالكيذيكيين. وعلى الرغم من هذه ms036 المشكلات ~~العويصة، ظل قلب المملكة المقدونية دون مساس. # استفاد ابن بيرديكاس وخليفته أرخيلاوس (414-400 / 399) من التطورات الحادثة في اليونان، ~~التي حولت اهتمام الدول المنافسة إلى أجزاء أخرى من المنطقتين المتوسطية والإيجية، ~~وينسب إليه الفضل في تقوية قلب المملكة بإنشاء حصون حدودية لحماية سلامة أراضيها، ~~وطرق تربط أجزاءها بعضها ببعض. ربما كان أرخيلاوس أيضا مسئولا عن إنشاء ~~مدينة على أبواب نهر أكسيوس، وعن إنشاء برج مراقبة داخل سور دائري ضخم فوق تل شديد ~~الانحدار على الضفة المقابلة. كما أن له مساهمة أخرى كبيرة هي نشر الثقافة الهيلينية في ~~العاصمة المقدونية؛ فمثلما كان الإسكندر الأول يستضيف الشاعرين الغنائيين ~~الإغريقيين بندار وباكيليديس، وكان بيرديكاس الثاني يتلقى زيارات من أبقراط والشاعر ~~ميلانيبيديس، كان أيضا من بين مشاهير الزوار في زمن أرخيلاوس الشاعران الأثينيان ~~يوربيديس وأجاثون، والرسام زيوكس، والموسيقار والشاعر الغنائي تيموثيوس، ودعي سقراط ~~إلى زيارة بيلا لكنه رفض على أساس أنه لا يستطيع رد واجب الضيافة. كان هذا الحاكم ~~الأرغي أول مقدوني يفوز بإكليل في سباقات الكدريجة (عربة تجرها أربعة خيول) في ~~أوليمبيا سنة 408 قبل الميلاد. وسع أرخيلاوس أيضا المستوطنة الموجودة في بيلا، التي ~~صارت العاصمة أثناء حكم فيليب الثاني إن لم يكن قبل ذلك. جاءت نهاية أرخيلاوس ومساعيه ~~على يد نبيل مقدوني حانق قتله، تاركا وريثا طفلا. وفي العقود الأربعة التي تلت ~~ذلك، تمكنت المملكة بمشقة من النجاة من التحديات الداخلية والخارجية التي واجهت ~~حكامها السبعة أو الثمانية خلال تلك الفترة. # في أقل من عقد من الزمن، تنقل العرش بين أبناء ثلاثة أفرع من السلالة الأرغية؛ ~~ففي البداية، اعترف بابن أرخيلاوس الصغير أوريستيس ملكا على البلاد، مع تولي ~~أيروبوس - ربما كان عمه - منصب الوصي على العرش؛ ثم صار أيروبوس نفسه ملكا لمدة ~~أربع سنوات بعد أن تخلص من ابن أخيه. وبموته، حكم البلاد أمينتاس الثاني الذي ~~ينتمي إلى فرع الإسكندر الأول لفترة وجيزة إلى أن قتل على يد درداس الإيليمي في ~~مقدونيا العليا، فخلفه على العرش بوسانياس، أحد أبناء أيروبوس، لبضعة أشهر ms037 إلى أن ~~أزيح بتهمة الخيانة. لا تهم الأسماء بقدر ما يهم التعاقب على الحكم وما صاحبه من ~~تآمر وقتل؛ فكون الشخص أكبر أبناء الملك الأرغي الحاكم لم يكن ضمانة لوراثته ~~أباه وراثة سلمية، وإن نجح الشخص في اعتلاء العرش والمناداة به ملكا، فليس في هذا ~~ضمانة لبقائه على العرش طويلا أو بلا منازع. # كان أحد أبناء فرع أمينتاس - يمتد نسبه إلى الإسكندر الأول - قد تمكن من النجاة من ~~الصراع على السلطة، وصار ملكا للبلاد متخذا لقب أمينتاس الثالث سنة 393. وعلى ~~الرغم من استمرار عهده حتى 370 / 369، شابته القلاقل الداخلية والخارجية. دفع اجتياح ~~إليري لمقدون سنة 388 / 387 أمينتاس إلى التخلي عن العرش، فتولى الحكم في هذه الأثناء ~~ولفترة وجيزة شخص يسمى أرغايوس، وربما كان أحد أبناء الملك أرخيلاوس. وبمساعدة ~~الإغريق التيساليين في حملة دامت ثلاثة أشهر، استعاد أمينتاس الملك في 387 / 386. ~~وبالإضافة إلى الغزاة الإليريين، واجه اجتياحا على أيدي الإغريق من مدينة أولينثوس ~~في شبه جزيرة خالكيذيكي في 383 / 382، وهي الحملة التي أسفرت عن الاستيلاء على بيلا؛ ~~فاتجه أمينتاس إلى إسبرطة لإقامة تحالف وطلبا للعون في الصراع بين مقدون وأولينثوس، ~~الذي لم يحل حتى حكم فيليب الثاني. # ينسب الفضل إلى أمينتاس مرتين: أولاهما لقدرته على البقاء في السلطة في مثل هذه ~~الظروف، والأخرى لذريته؛ إذ أنجب الإسكندر الثاني الذي خلفه لمدة سنتين (369-368)، ~~وبيرديكاس الثالث الذي صمد لنحو سبع سنوات (368-359)، وفيليب الثاني الذي أسس مملكة ~~مقدونيا الضخمة خلال حكمه الذي دام 23 سنة (359-336). واجه الإسكندر الثاني حربا ~~أهلية في الديار، وجر إلى الأحداث الإغريقية المستمرة في تيساليا المجاورة، ومات ~~قتيلا، فخلفه أخوه الذي يصغره بيرديكاس الثالث، مع وجود وصي على العرش مارس ~~السلطة لعدة سنوات. بالإضافة إلى التهديدات الداخلية لسلطة بيرديكاس، كانت أهم ~~التهديدات الخارجية التي تطلبت قيادته الأنشطة الأثينية في شمال منطقة بحر إيجة، ~~وغزوات الإليريين الذين كانوا يزحفون بنجاح من منطقة البحر الأدرياتي. ثم هلك ومعه نحو ~~4 آلاف مقدوني في ميدان المعركة في 360 / 359 ms038 في إطار تصديه لتهديد الإليريين. # نظرا للتاريخ الحافل بالمنافسة على السلطة السالف الذكر، ربما كانت هوية الشخص ~~الذي سيختار خليفة غير يقينية. كان لبيرديكاس ابن صغير ربما أعلن ملكا، وكان ~~له أيضا أخ وهو فيليب الثاني، وكان من بين المنافسين الآخرين بوسانياس وأرغايوس من ~~فروع أرغية أخرى، وكلاهما سبق أن ولي الملك فترة وجيزة في تسعينيات ذلك القرن وأوائل ~~ثمانينياته على الترتيب. بعد التعامل مع بوسانياس وأرغايوس، ربما وقع الاختيار على ~~فيليب كوصي على عرش ابن أخيه القاصر، أو ربما أعلن ملكا في حد ذاته. ثمة نقاش ~~حافل يحيط بهذه المسألة، لكن ما يهمنا هو المحصلة؛ حيث صار فيليب الثاني الزعيم التالي ~~للدولة المقدونية الهشة. وإليكم الكلمات القوية التي كتبها تشارلز إدسون: # كانت لحظة الكارثة واليأس تلك هي التي شكلت من الشعب المقدوني أمة. صار ~~بمقدور جميع عناصر المجتمع آنذاك أن تدرك أن مجرد البقاء يتوقف على الطاعة ~~الإرادية للسلطة الملكية ... يظل صعود مقدونيا الفائق السرعة إلى مرتبة قوة ~~عظيمة في ظل سماحة حكم أخي بيرديكاس الأصغر، فيليب الثاني الشهير؛ مثالا ~~حيا على الاستجابة الشجاعة والناجحة للضغوط الخارجية التي يبدو أنها لا تقهر. ~~(1970: 43) # لم يستطع فيليب أن يظل سمحا باستمرار في محاولة استعادة سلامة أراضي ~~المنطقة الشاسعة، التي كتب عنها ثوكيديدس يقول: «الكل بأكمله يسمى مقدونيا» (الكتاب ~~الثاني: 99، 6). كان جزء كبير من ذلك الكل في مقدونيا العليا قد انفصل عن التحالف الذي ~~أقامه الإسكندر الأول أو الذي طالب آخرون، كالإليريين والتراقيين والإغريق، بأحقيتهم ~~فيه. واجه فيليب أيضا منافسة على السلطة من خمسة مطالبين بها، وكانت مهمته ~~الأولى لكي يقود جيشا هي اكتساب الشرعية، ومعنى هذا باختصار التعامل مع المنافسين ~~وترسيخ حقه في القيادة؛ فأبرم في تلك الأثناء معاهدات بدلا من خوض حروب مع الملك ~~الإليري والشعب الأثيني، وبحلول عام 358، كان فيليب قد استبدل بالعمل العسكري ~~الدبلوماسية في تعاملاته مع القوى الخارجية؛ إذ أدت حملة ناجحة في إليريا، ~~أعقبها زواج بابنة الملك الإليري المهزوم، إلى تخفيف وطأة ذلك التهديد، على الأقل ms039 ~~مؤقتا، واستهل اجتياح تيساليا وزواجه بامرأة من عائلة تيسالية نبيلة ولوج مقدونيا ~~إلى الشئون الإغريقية. وفي السنة التالية تمخض تحالف - عززه من جديد الزواج ~~بابنة الملك - عن روابط مقدونية قوية مع إبيروس. وأقرب من ذلك إلى قلب مقدونيا، أنه ~~أعيد توحيد مقدونيا العليا مع المملكة سنة 358، وبدأ فيليب يستخدم القوة في محاولة ~~لعرقلة الوجود الإغريقي، وخصوصا الأثيني، في الأرض الواقعة شمال غرب بحر إيجة. وفي عام ~~357، هاجم مستوطنة أمفيبوليس الأثينية المجاورة لنهر سترايمون واستولى عليها، تلك ~~المستوطنة التي ظلت شوكة في الجنب المقدوني الشرقي لمدة 80 سنة. # اتبع فيليب طوال حكمه خطة تحالف مماثلة يتممها الزواج والدبلوماسية والحملات. ~~كانت القوة العسكرية عنصرا أساسيا في أي أمل في النجاح؛ ومن ثم، على الرغم من ~~تعذر تحديد التواريخ الدقيقة للتطورات، فالأرجح أن إعادة بناء وإصلاح الجيش الذي ~~دمر سنة 359 كانت من أولويات فيليب العاجلة. كان قد حظي برؤية الإصلاح الكبير الذي ~~أدخلته مدينة طيبة اليونانية على تشكيل المشاة الثقيلة «الفلنكس» رأي العين، بينما ~~كان رهينة في طيبة (367-364) في مستهل شبابه (بين 15 و18 سنة من عمره). وتتجلى أهمية ~~هذه المعرفة في نجاحها في مساعدة طيبة على إنشاء إمبراطورية خاصة بها بعد هزيمة الجيش ~~الإسبرطي سنة 371، وكان حتى ذلك الحين صاحب اليد العليا. ونناقش التغيرات التي طرأت ~~على الجيش المقدوني مناقشة أتم في وصف ميراث الإسكندر من فيليب في الفصلين الثالث ~~والخامس، بينما سنكتفي هنا ببيان ملامحه الرئيسة، كإنشاء قوات مشاة أخف حركة ومسلحة ~~برماح أطول، والتوسع في الخيالة، وإنشاء سرايا خاصة من المشاة الخفيفة والخيالة ~~الخفيفة، وتطوير آلات للحصار. ومع اتساع رقعة المملكة، سواء أكان ذلك من خلال الفتوحات ~~أم التحالفات، توافر المزيد من الجنود. وبالاستخدام الكفء للموارد، تسنى لهم الوجود ~~دائما في الميدان، سواء في حملات أم لأغراض التدريب. # خدم فيليب قضيته لكنه استفاد أيضا من أفعال أعدائه ومواقفهم، وكان العون الذي ~~قدمه له أعداؤه هو التفرق؛ فباستثناء التحالفات التي كانت تنطلق من مقدونيا بمعدل ~~متزايد، لم يكن يوجد ms040 إلا قليل من الوحدة بين مختلف شعوب البلقان أو التراقيين أو ~~الإغريق، الذين كانت الحرب فيما بينهم ضد بعضهم بعضا حقيقة من حقائق الحياة. أدرك ~~فيليب الصراعات الداخلية واستغلها لمصلحته في توسيع نطاق نفوذه بدرجة أكبر جنوبا في ~~اليونان، وشرقا ضد الدول الإغريقية في شبه جزيرة خالكيذيكي، ثم داخل تراقيا وصولا ~~إلى البحر الأسود، وغربا إلى شاطئ البحر الأدرياتي، وشمالا في بلاد البلقان. # ظلت تيساليا والدول الخالكيذيكية تشغل باله خلال عقد الخمسينيات. وبحلول سنة 352، ~~كانت الحملات التي جردت في تيساليا قد حققت نجاحا كافيا، وإن لم يكن نصرا ~~كاملا، لدرجة توليه منصب «تاجوس» التيسالي، بمعنى قائد القوات العسكرية التابعة ~~لمناطق تيساليا الأربع جميعها. أدى استيلاء فيليب على مركز الحلف الخالكيذيكي في ~~أولينثوس سنة 348، وما تلا ذلك من تدمير لتلك المدينة، ربما بالإضافة إلى 30 مستوطنة ~~أخرى؛ إلى ضم خالكيذيكي فعليا إلى المحيط المقدوني. وبما أن الإغريق الجنوبيين، ~~وخصوصا الأثينيين، كانوا ناشطين في شمال بحر إيجة؛ آذن عمل فيليب فعليا بمواجهة ~~مستمرة مع المدن الإغريقية الكبرى. وفي الوقت نفسه كان هؤلاء الإغريق الأقصاء يقدرون ~~قوة الجيش المقدوني، الذي كان يمكن استخدامه لخدمة قضية أحد الطرفين في الحروب التي لا ~~تنتهي بين الدول-المدن الإغريقية أينما وجدت. # شهد النصف الأخير من القرن الرابع استمرارا للحرب الأهلية المدمرة بين أثينا وإسبرطة ~~وحلفائهما من 431 إلى 404. وفي عدد لا نهائي من محاولات التسيد من جانب الدول ~~الكبيرة والصغيرة على السواء، انتقل المشاركون من مراكز السلطة إلى وضع الرعايا ~~المهزومين. وفي تلك الأثناء صار الأعداء السابقون حلفاء، وخرج الحلفاء السابقون إلى ~~الميادين بعضهم في مواجهة بعض. وبينما كان الإغريق يحارب بعضهم بعضا، كان انتباههم ~~أول الأمر مصروفا عن مقدونيا، وفيما بعد اتجهوا إلى فيليب وجيشه كأداتين في إطار ~~جهودهم، فاستغل فيليب هذا الموقف ببراعة، وعندما دعي إلى تسوية الحرب المستعرة ~~بين فوكيس والدول الأخرى في وسط اليونان، لبى الدعوة؛ فهزمت فوكيس سنة 346 واكتسب ~~فيليب منصبا رسميا آخر، وهو عضوية المجلس الحامي لحرم دلفي. # لم يكن ms041 بوسع فيليب تجاهل الأعداء التقليديين الآخرين، فسارت الجيوش المقدونية ضد ~~الإليريين في الشمال، وزحفت إلى إبيروس في الغرب وعبر تراقيا ثم سكيثيا في الشرق. ~~أبرمت اتفاقيات جديدة، كالتحالف الذي أقيم مع ملك جيتاي، الذي كان يسكن المنطقة ~~الواقعة بين تراقيا والدانوب، وأنشئت مستعمرات جديدة. وأما مع جنوب اليونان، فلم تكن ~~العلاقات عسكرية، على الأقل مؤقتا. أرسل فيليب السفراء واستقبلهم، وخصوصا إلى ~~أثينا ومنها، وساند العناصر الموالية للمقدونيين في مختلف أصقاع اليونان، فدعيت ~~دولتا ميسينيا وميجالوبوليس في بيلوبونيز، على سبيل المثال، إلى الانضمام إلى الحلف ~~الأمفكتيوني الدلفي بجانب الدول الإغريقية الأخرى وفيليب. # على الرغم من هذه الدبلوماسية، كان الخوف من نوايا فيليب في ازدياد، ومن جديد كان ~~هذا سائدا بالأخص في أثينا، التي كانت مصالحها في البحر الأسود معرضة للهجمات ~~المقدونية. لكن المواجهة ستجر أرجل دول أكثر من مقدون وأثينا، ولن يكون مكانها في ~~بحر بروبونتيس. بدلا من ذلك، عندما اشتعل فتيل الحرب في وسط اليونان مجددا في مطلع ~~ثلاثينيات القرن الرابع، قاد فيليب المقدونيين عائدا بهم إلى اليونان كملك مقدوني ~~ومسئول إغريقي في آن واحد. تمخض القلق المتنامي إزاء نوايا فيليب النهائية عن ~~قيام تحالف بقيادة أثينا وطيبة، مع مشاركة حلفاء طيبة البيوتيين وفرق عسكرية من ~~الدول الآخية، وفي موقع خيرونية في بيوتيا التقى ما بين 30 و35 ألف جندي إغريقي عددا ~~مقاربا من المقدونيين بقيادة فيليب على رأس الجناح الأيمن، وابنه الإسكندر - الذي كان ~~يقود الخيالة - على رأس الجناح الأيسر. كان النصر المقدوني حاسما، وفر الناجون من ~~الإغريقيين إلى ديارهم على أمل الانتقام. # بدلا من الانتقام، سويت شئون الدول الإغريقية بتأسيس الحلف الكورنثي لأغراض ~~هجومية ودفاعية، وانضم إليه الجميع باستثناء حليف بارز هو إسبرطة. ولغياب إسبرطة عن ~~الحلف دلالته؛ إذ إن وجود الدولة - التي كانت ذات يوم الأعلى كعبا من حيث المشاة ~~الثقيلة بين كل دول اليونان - لم يعد ضروريا لتسيير أمور مملكة صارت رقعتها بحلول ~~سنة 336 تمتد من إليريا في الشمال الغربي إلى ساحل البحر الأسود الغربي ms042 في الجنوب ~~الشرقي، ومن جنوب البلقان في الشمال إلى البر الرئيس الإغريقي في الجنوب. وتقدر ~~الرقعة الجغرافية للملكة بمساحة 16680 ميلا مربعا (43210 كيلومترات مربعة)، كان أكثر ~~من 12000 ميل مربع (31500 كيلومتر مربع) منها مملوكا فعليا، و4500 ميل مربع (11710 ~~كيلومترات مربعة) منها تحت السيطرة المباشرة. في نهاية الحرب البيلوبونيزية كانت ~~المساحة قد صارت 8400 ميل مربع (21750 كيلومترا مربعا)، بينما كانت أثناء حكم ~~الإسكندر الأول 6600 ميل مربع (17200 كيلومتر مربع). كان أعضاء الحلف ينتمون إليه ~~بالفتح، وبالتحالف الذي يعززه الزواج بالملك المقدوني، وبالاجتماع على أهداف ~~مشتركة يجري التخطيط لها في اجتماعات مجلس المندوبين الموفدين من لدن جميع الأعضاء. ~~في قلب كل حلقة كان هناك فيليب الثاني، الذي كان يتشعب بطرق مختلفة وفي اتجاهات ~~متنوعة انطلاقا من عاصمته في بيلا. ~~••• # لم يكد النظام الجديد يبدأ حتى اغتيل فيليب سنة 336. وما يبرهن على صحة تخطيط فيليب ~~أن ابنه وخليفته الإسكندر الثالث استطاع إعادة تأكيد ترتيبات أبيه أثناء السنتين ~~الأوليين من ملكه. قامت ثورتان؛ إحداهما في إليريا، قاد إليها الإسكندر جيشه ~~المقدوني سنة 335، والأخرى في اليونان حيث تمحورت حول طيبة. فتعامل الملك الجديد مع ~~كلتيهما بسرعة وفعالية، فدمرت طيبة. كانت مملكة مقدونيا تحت السيطرة، وكانت ~~الأوضاع على حدودها الشمالية قد استتبت عندما استهل حملته ضد الفرس سنة ~~334. # غير أنه من المهم أن نتذكر أن التوحيد كان حديث عهد، وأن التوترات لم تتواصل فحسب بل ~~اشتدت في خضم إنشاء المملكة المترامية الأطراف، التي اتسعت في عهد فيليب اتساعا كبيرا ~~في رقعتها الجغرافية وتعداد سكانها، حتى صارت آنذاك تضم فئات كثيرة من البشر وحدتها ~~الفتوحات أو التحالفات بعد أن كانت كيانات منفصلة تفرق بينها معالم الأرض الطبيعية ~~والثقافة على حد سواء. كان معظم هذه الفئات، إن لم يكن كلها، يحن إلى استقلاله، ~~وستظل الحركات الانفصالية التي كانت مشكلة تواجه الحكام الأرغيين الأوائل تقض ~~مضجع الإسكندر. علاوة على ذلك، كانت أنماط الحياة لا تزال متباينة في عموم المملكة؛ ~~إذ كان الرعي المترحل هو ms043 النشاط السائد في بعض المناطق، وكانت الزراعة المستقرة تشغل ~~اهتمام معظم الناس في بعضها الآخر. وقد لاقى الرعاة والمزارعون على امتداد معظم التاريخ ~~صعوبة في استيعاب أحدهما الآخر. كانت الاختلافات الإقليمية تتمخض عن توتر آخر؛ إذ ~~تعرضت مواقع معينة لتشكيلة من الشعوب الأخرى، فساد التأثير البلقاني والصراع ~~المحتمل في مقدونيا العليا، وأما على امتداد الخليج الثيرمي فتعرض المقدونيون للتأثير ~~والاجتياح الإغريقي والتراقي. # كان معظم الملوك الأرغيين قد سعوا دأبا إلى إدماج عناصر من الثقافة الإغريقية؛ إذ ~~برهن الإسكندر الأول في القرن الخامس على حقه في المشاركة في الألعاب الأوليمبية، وجلب ~~أرخيلاوس بضائع ورجالا إغريقا إلى عاصمته في آيجي وأقام دورة ألعاب في ديون، واعتمد ~~فيليب الثاني على الابتكارات الإغريقية كالإصلاح العسكري الطيبي، وكذلك على البضائع ~~وعلى الأشخاص مثل أرسطو. عزز فيليب أيضا روابطه باليونان بإحراز ثلاثة انتصارات في ~~الألعاب الأوليمبية في السنوات 356 و352 و348. كان هذا الاقتراض الثقافي عمليا من ~~منظور معين، لكنه كان سببا للصدام من وجهة نظر أخرى. والراجح أن كثيرين من رعايا ~~أرخيلاوس وفيليب لم يكونوا راضين بالكلية عن «أغرقة» الثقافة المقدونية. ومع قيادة ~~الإسكندر جيشه وزحفه شرقا أكثر فأكثر، واجه ما يعرف شيوعا باسم ردود الأفعال ~~المقدونية ضد ممارساته غير المقدونية المكتسبة حديثا. # كان توسيع المملكة قد تطلب قدرا أكبر من المركزية، وكانت هناك مراكز تأسست من ~~قبل (في آيجي وبيلا)، لكن تعين اتخاذ المزيد من الخطوات مع ضم أقاليم جديدة إلى ~~المملكة؛ فوسعت المراكز القائمة، وأقيمت حصون ومستعمرات كلما اتسعت حدود المملكة، ~~وتعين شق طرق لربط المناطق. كان لزاما أيضا وجود قوة عسكرية كبيرة مرنة، ومع ~~امتداد جهود فيليب إلى بحر بروبونتيس والبحر الأسود، تعين إقامة قوة بحرية. كانت كل ~~هذه التطورات تحتاج إلى موارد، وكانت هذه الموارد موجودة يقينا، لكن تعين آنذاك ~~قيام سلطة مركزية على أمر إنتاجها بكميات كافية واستغلالها، وتطلبت تلك المركزية ~~بدورها توسيع الأجهزة الإدارية فيما وراء هيكل السلطة المقدونية الأصلي البسيط نوعا ~~ما. حتى الإنشاء الفعلي لهذه الأجهزة كان ms044 من الجائز تماما أن يثير نفور العناصر ~~المحافظة من السكان، وخصوصا العائلات النخبوية الأخرى. # وأخيرا كانت هناك توترات مستمرة في قلب الدولة، وتحديدا داخل السلالة الأرغية ~~الحاكمة. كان عدد من الفروع الجانبية قد تفرع من الأسرة بحلول القرن الرابع، وعلى ~~الرغم من أن الملك كان ينتقل من الأب إلى الابن، كان من الجائز أن ينتقل - كما في ~~حالة وفاة أرخيلاوس التي أسلفنا بيانها - من الأخ الأكبر إلى الأخ الأصغر أو إلى أحد ~~فروع العائلة الجانبية؛ فأبو فيليب نفسه، وهو أمينتاس الثالث، كان ينتمي إلى فرع جانبي ~~من فروع السلالة. كانت الأحقية بالملك تتعرض للطعن دوما لدى موت الملك ~~الحالي. # خلاصة القول أنه مع التوسع الذي كان مثار الإعجاب وأواصر المركزية داخل المملكة، ظلت ~~المملكة هشة وعرضة دائما للتهديدات الآتية من وراء حدودها. ~~(3) طبيعة الحياة في مقدونيا القرن الرابع قبل الميلاد # عندما عنف الإسكندر رجاله على نكرانهم الجميل سنة 324، كان يصف التغير الهائل ~~في طبيعة الحياة في مقدونيا على عهد أبيه. # تولى فيليب أمركم وكنتم رحلا لا تملكون موارد، وكان معظمكم يرتدي ~~الجلود، ويرعى قليلا من الغنم على جانب الجبل ولا يحسن القتال لحماية نفسه ~~في مواجهة الإليريين والتريباليين والتراقيين على حدودنا، فأبدلكم بجلود ~~الحيوانات أردية كاسية، وأنزلكم من الجبال إلى السهول، وجعل منكم محاربين ~~أولي بأس في مواجهة الجيران البرابرة، حتى يمكنكم الاعتماد على أنفسكم ~~بدلا من الأمن الذي يوفره إقليمكم. جعل منكم سكان مدن، وسن قوانين ~~وأعرافا نافعة. وعلى البرابرة الذين كانوا يحكمونكم وينهبونكم ذات يوم جعلكم ~~سادة لا عبيدا لهم ولا رعايا. (آريانوس، الكتاب السابع، 9، 2-3) # لو قبلنا بصحة هذا التوبيخ، يكون فيليب هو الذي حول المقدونيين ~~من الهيئة البربرية إلى الهيئة المتمدنة. وتستدعي الشواهد، على الرغم من ضآلتها، بعض ~~التعديل لفجائية عملية التمدين؛ إذ يمكن تتبع تاريخ عملية مستمرة قوامها التحول ~~إلى الاستقرار وسكنى الحضر في تيساليا ومقدونيا وإبيروس إلى نهاية العصر البرونزي وحتى ~~القرن الرابع قبل الميلاد. وعلى الرغم من أن جهود فيليب حفزت هذه العملية ms045 بشدة، ~~كانت حياة القرية قد اتسعت قبل ذلك في أجزاء من مقدونيا، وخصوصا المناطق الواقعة في ~~مقدونيا الدنيا المتأثرة بالمستعمرات الإغريقية التي أنشئت قبل ذلك في العصر الحديدي، ~~وبدأت تتكاثر عددا في القرن الثامن وما تلاه. كانت القرى صغيرة من حيث المساحة وعدد ~~السكان على حد سواء في معظم مناطق مقدونيا، وكانت المواقع التي تزيد على نحو 7,5 إلى ~~10 آكر (3-4 هكتارات) نادرة في غربي مقدونيا. على النقيض من ذلك، كانت بيلا أكبر ~~مستوطنة، وبمساحة 74 آكر (27 هكتارا) مع أكروبول على مساحة 4,5 آكر (1,8 ~~هكتار). # تباينت أيضا الوظائف والأشغال بين المناطق؛ إذ كانت الزراعة بالإضافة إلى تربية ~~المواشي وسيلة كسب الرزق للكثيرين في المناطق ذات السهول الخصيبة، أما المناطق ~~الواقعة في النجود والمرتفعات فكان يكثر فيها الرعي المترحل كسبيل للعيش، وهذا هو صنف ~~العيش الذي يذكره آريانوس من خلال خطاب الإسكندر في رجاله. كانت موارد تلك النجود ذاتها ~~تشجع على القنص وصيد الأسماك، ومع ازدياد الطلب على الخشب المقدوني، احتاج حصاد ~~منتجات الغابة إلى أيد عاملة من السكان. اشتغل آخرون باستخراج الموارد المعدنية؛ إذ ~~يسجل هيرودوت أنشطة تعدين من زمن الإسكندر الأول، منوها إلى منجم كان ينتج كل ~~يوم وزنة من الفضة لذلك الملك (الكتاب الخامس، 17). كانت الحرب - وهي كما رأينا حاجة ~~مستمرة - مهنة أخرى اعتيادية يمتهنها الذكور البالغون، وتبين الحسابات المستندة إلى ~~عدد المقدونيين الأحرار معين الرجال الذي كان يمكن تعبئته: # قبل حكم فيليب: # 80 ألفا-100 ألف # أثناء حكم فيليب: # 160 ألفا-200 ألف # أثناء حكم الإسكندر: # 240 ألفا-300 ألف # يقدر عدد السكان في زمن فيليب بسبعمائة ألف نسمة، مقارنة ~~بمائتين وخمسين ألف نسمة قبل ذلك بما يزيد عن قرن بقليل. # استخدم بعض أثينيي القرن الرابع ألفاظا قاسية لوصف المقدونيين. وسبق أن ذكرنا رأي ~~الخطيب الأثيني ديموستيني، الذي قال إن فيليب بربري من مكان مهين (الخطب الفيليبية، ~~الخطبة الأولى، 4)؛ أما التقييمات الحديثة فهي أرفق بوجه عام. ولعل خطبة ديموستيني، ~~التي وظفت لتحريض الأثينيين ضد فيليب، كانت تضمر ms046 تقييما شخصيا؛ لأن فيليب - ~~بحسب وصف أحد معاصريه - كان «أعظم الرجال موهبة» (إيسخينيس، «عن السفارة» 2، 41). كان ~~سيحتاج إلى مواهب خاصة ليتعامل مع مقدونيا، التي كانت تتسم بسمات المجتمع الحدودي الخشن ~~المشاكس. وتتحدث المصادر المكتوبة عن ممارسة الثأر، وضرورة أن يقتل الرجل عدوا قبل أن ~~يتسنى له استبدال جلد حيوان بالرسن الذين يرتديه، وأن يقتل خنزيرا بريا برمح دون ~~استخدام شبكة قبل أن يتسنى له الجلوس في الندوات (كان كلاهما على الأرجح من طقوس البلوغ ~~والمنزلة الاجتماعية)، والولع بصيد الحيوانات البرية، والرقصات التي تحاكي سرقة ~~المواشي، وتمثيل معركة صورية في حفل افتتاح موسم الحملات العسكرية، وحفلات الشراب التي ~~كان يمكن فيها أن تتسبب الخمر الصرفة في موت شاربها. ألف الشاعر يوربيديس ~~مسرحيته «الباخوسيات» أثناء إقامته في العاصمة المقدونية؛ ومن ثم يعتقد أنه استلهم ~~جو هذه التراجيديا من طبيعة الحياة المقدونية . ربما يكفي أن نتذكر أن الجوقة مؤلفة ~~من نساء هائجات من عبدة باخوس/ديونيسيوس، وإحداهن أم الملك، الذي لم يكن من عبدة ~~ذلك الإله. تمزق النساء الملك الشباب إربا إربا ظنا منهن أنهن اصطدن حيوانا ~~فارا يقدمنه قربانا للإله. # شكل 2-7: الرعي حرفة باقية، وخصوصا في النجود، كما هو الحال قرب جريفينا. ~~صورة بعدسة ريتشارد آر جونسون. # يجب أن نتذكر أن معظم شواهدنا مستمدة من روايات تاريخية غير مقدونية، فلا يوجد إلا ~~القليل من الشواهد المقدونية المكتوبة، ويقينا لا يوجد عمل كتب له البقاء من وضع ~~مؤرخين أو شعراء تراجيديين مقدونيين معاصرين لفيليب والإسكندر، لكن الشواهد المادية ~~تشير فعلا إلى إرث فني راق. كان اكتشاف مدافن فيرجينا/آيجي الملكية، التي يعود ~~تاريخها إلى القرن الرابع، دليلا مذهلا على هذا الرقي. يشتمل أحد هذه المدافن، ~~وربما يخص فيليب نفسه، على غرفتين، تضم كبراهما أواني وأسلحة برونزية (من ضمنها درع ~~برونزية تحمل تصميمات زخرفية مذهبة، مع شرائط من الذهب مثبتة رأسيا) مكدسة في أحد ~~الأركان، مع مشغولات فضية تقبع في ركن آخر. وعثر في الغرفة الرئيسة على خمسة رءوس ~~صغيرة منحوتة من العاج ومصورة تصويرا ms047 واقعيا، والأرجح أنها تعود لفيليب وأبويه ~~وزوجته أوليمبياس وابنهما الإسكندر. أما التابوت الذي وضع فيه رفات المتوفى ~~المحروق، فصنع من ذهب زنة أكثر من 24 رطلا. ويقبع بالقرب من الرأس تاج جميل مشغول من ~~الذهب. # شكل 2-8: الثروة المعدنية: إكليل لبلاب ذهبي من مدفن أحد الذكور في مقبرة ~~سيفاستي، تل باباس، إقليم بييريا، حوالي 350 قبل الميلاد. يوجد الآن في ~~متحف الآثار في سالونيك. صورة بعدسة ريتشارد آر جونسون. # تشير الشواهد المادية، عند النظر إليها فيما يتصل بجهود الملك فيليب الثاني، إلى سمة ~~أخرى «خفية» من سمات المجتمع المقدوني؛ فأي ملك، مهما كان ناجحا، يحتاج إلى ما هو أكثر ~~من مجلس يتألف من عمداء العائلات الكبرى، وجمعية جيش تتألف من الجنود المقدونيين كافة، ~~لكي يسيطر على مملكة كبيرة. وقد اكتسب الموظفون الإداريون والأجهزة الإدارية أهمية ~~متزايدة مع اتساع رقعة المملكة وازدياد تعقيدها وقوتها في مواجهة الدول الأخرى ~~المجاورة. قال البعض إن وظائف البلاط المقدوني الداخلية في الأزمنة الأولى تحولت ~~إلى مناصب إدارية؛ ووفقا لهذا التفسير على سبيل المثال، ولي «الدايتس»، الذي كان ذات ~~يوم مشرفا على طعام الملك، مسئوليات مالية إدارية. # عندما صارت المناطق التي كانت مستقلة سابقا أقاليم إدارية، احتاجت إلى إشراف، وفي ~~بعض الأحيان إلى جمع الضرائب. كان يتعين الإشراف على موارد المملكة الطبيعية الأساسية ~~تحت سيطرة مركزية، وكان التعامل مع الرسل وإرسال الرسل في المقابل يحتاجان إلى تنسيق. ~~وكان يتعين إحلال الاستقرار في المناطق الحدودية، وصياغة المعاهدات، وإرسال الكشافة ~~لاستجلاء الموقف في الأركان القاصية التي تحظى باهتمام فيليب. وما يدعو للأسف أنه لا ~~يوجد لدينا دستور للمقدونيين، مقارنة بالدستور الذي وضعه أرسطو للأثينيين، ليكشف عن ~~طبيعة الآليات التي برزت إلى الوجود لإدارة هذه المسئوليات. غير أن نجاح فيليب لم يكن ~~ليتصور من دون نظام إداري كفء، وتدل إنجازات الملوك السابقين كالإسكندر الأول ~~وأرخيلاوس على أن جذور ذلك النظام غرست قبل حكم فيليب بقرن على الأقل؛ ومن ثم فمن ~~المنطقي أن نتصور أن المملكة المترامية أنتجت تنظيما ذا ms048 طابع رسمي أكبر، على الأقل ~~في قلب هذه المملكة. ~~(4) الإسكندر في سياق مقدونيا والمقدونيين # هدفنا فهم طبيعة الإسكندر الأكبر. فكيف تلقي معرفتنا بالأرض التي شهدت مولده ~~وشبابه، وبالناس الذين ولي حكمهم سنة 336، وبالطريقة الحياتية المستقرة؛ الضوء على هذا ~~الهدف؟ # لعل الشيء الأكثر وضوحا هو الموارد الطبيعية التي كانت تحتوي عليها مقدونيا؛ أي ~~معادنها وأخشابها وأمطارها وأنهارها وسهولها الخصيبة وأسماكها وطيورها وحيواناتها ~~البرية. ذهب جاريد دايموند إلى أن سكان المناطق التي تتمتع بوفرة في الموارد الطبيعية ~~يملكون ميزة كبيرة في إنشاء ثقافات ناجحة. لكن الهيمنة على هذه الموارد في مقدونيا لم ~~تتأت دون مجهود جاد، وكما رأينا فإن طبيعة المنطقة المادية تمخضت عن أناس أشداء. ~~كان استغلال الموارد الطبيعية والسكان، وإنشاء دولة مستقلة ثم صيانتها، يعني الهيمنة ~~على الأراضي الجبلية والمياه الوفيرة الجارية في الأنهار الطويلة، وكل من هذه الجبال ~~والأنهار كان يقسم المنطقة إلى قطع أصغر. كانت القدرة على تحويل هذه الملامح إلى ~~مزايا ضرورية لبزوغ دولة فعالة، وسيعرف القائد الناجح أهمية هذه القدرة، ليس فيما ~~يتعلق بالقوة الاقتصادية فحسب، بل أيضا فيما يتعلق بتحسين مهارة جيشه العسكرية. ~~وسنمحص قيمة هذه القدرة في الفصل الأخير. # دارت رحى المعارك التي خاضها المقدونيون وانتصروا فيها تحت قيادة الإسكندر عند أنهار؛ ~~فكانت المواجهة الأولى عند نهر جرانيكوس، الذي عبره المقدونيون ثم ارتقوا الضفة ~~المقابلة للاشتباك مع العدو. وفي المواجهة الثانية، وتحديدا في إيسوس، قاد الإسكندر ~~قواته عبر نهر بيناروس للاشتباك مع الجيش الفارسي. وأوقع الهزيمة بالزعيم الهندي بوروس ~~وجنوده على ضفاف نهر هايداسبيس (نهر جيلوم حاليا) المترع بمياه الأمطار الموسمية. ~~وبعد ذلك النصر، شق المقدونيون طريقهم جنوبا على ضفاف نهر السند ثم استكشفوا ~~مصبيه والخط الساحلي في قوارب أمر الإسكندر ببنائها لهذا الغرض. كانت المعرفة ~~بأهمية الممرات المائية لأغراض الاتصال والتوحيد ناتجا ثانويا ثمينا من نواتج إرث ~~الإسكندر المقدوني. # علمته مقدونيا أيضا أحسن تعليم كيف يتعامل مع الجبال، وهو ما كان ضروريا ~~للحملة التي شنها في آسيا الوسطى؛ فبتعليمات من الإسكندر، استولى المقدونيون ms049 على ~~قلاع يفترض أنها حصينة كسوقديانا في باخترا (آريانوس، الكتاب الرابع، 18، 5-19، 4) وصخرة أرونوس، وهي موقع اشتهر بصد محاولات هرقل (آريانوس، الكتاب الرابع، 30، 1-4). # كان الزعماء المقدونيون يثمنون قيمة من استطاعوا إنجاز هذه المآثر، وهم قلب ~~قواتهم المسلحة. كانت الضغوط على نواة المملكة مستمرة وموجودة على كل الحدود، وكان ~~الجنود المدربون لصد الإليريين والتراقيين والإغريق والغارات الأخرى - المأمول ~~التغلب عليهم - مفتاح سلامة أراضي المملكة. نشئ هؤلاء الجنود الواعدون في ظروف ~~صقلت لياقتهم البدنية، كرعاة يسوقون قطعانهم من مراعي الشتاء الوطيئة إلى المراعي ~~الصيفية في الجبال، وصيادي وحوش برية، ومزارعين؛ ومن شأن أمثال هؤلاء الرجال أن يكونوا ~~محاربين أشاوس، والملك الحكيم يقدر قيمة هؤلاء الجنود. # سيكون حريا به أيضا أن يقدر موقع مقدونيا الوسط؛ أي قربها من الآخرين ومواطن ~~جذبها إياهم. كانت العزلة مستحيلة؛ ومن ثم فاكتساب دراية بالأعداء المحتملين سيكون ~~ميزة مهمة. وعلى نحو ما أسلفنا البيان، شاهد الإسكندر توسع رقعة مقدونيا وتفاعلها ~~المتزايد مع الشعوب الأخرى. ويروي بلوتارخس حديثا دار بين الإسكندر الصبي ورسل ~~الملك الفارسي أثناء غياب الملك فيليب (الإسكندر، الكتاب الخامس، 1-3)، وعنيت أسئلته ~~بشبكات الطرق وشخصية الملك وعدد الجنود الفرس. وحتى إن كانت هذه الرواية غير دقيقة، فإن ~~بيلا كانت قد تحولت إلى خلية للنشاط الدولي أثناء طفولة الإسكندر، وهكذا امتد ~~عالمه إلى ما وراء النطاق المقدوني التقليدي. # لا شك أن هذه معرفة ضرورية لشخص يجب عليه التعامل مع ثقافات أخرى. ومن ناحية أخرى، ~~المبالغة في البعد عن «طريقة الحياة المقدونية» كانت تنطوي على خطورة محتملة، ~~ولتنظر إلى مشاعر كلايتوس صاحب الإسكندر؛ فوفقا لرواية آريانوس، اغتم كلايتوس ~~لتبني الإسكندر طرقا أجنبية، وفي مرحلة معينة عندما كان الثناء يكال للملك، أبدى ~~رفضه ذلك الثناء، إيمانا منه بأن «أفعال الإسكندر لم تكن عظيمة ومعجزة إلى الدرجة ~~التي كان يصفها بها البعض، وأنها لم ينجزها رجل واحد بمفرده، بل كانت في أغلبها أعمال ~~المقدونيين» (الكتاب الرابع، 8، 4-5). بل أبدى بلوتارخس أيضا صراحة أكبر حين روى ~~عن كلايتوس قوله بخطأ ms050 السخرية من المقدونيين في حضور البرابرة والأعداء؛ لأن المقدونيين ~~يظلون رجالا أرقى بكثير من الأعداء الأجانب على الرغم من تفوق هؤلاء الأعداء على بعض ~~المقدونيين (الإسكندر، 50). وقتل كلايتوس بسبب هذه الاتهامات على يد الإسكندر ~~نفسه. # كان استخدام الموارد الطبيعية التي حبيت بها المنطقة يتطلب معرفة معينة وحكمة في ~~تخصيصها، مثلما كان يتطلب التفاعل بين المقدونيين وغيرهم نوعا آخر من التوازن الدقيق ~~من جانب الملك المقدوني. # الفصل الثالث # | نسبه الأرغي # كان ملك مقدونيا مستقرا في أفراد سلالة واحدة وهي الأرغيون. وينتسب الإسكندر إلى ~~ملوك أرغيين يمكن تتبع نسبهم بشيء من الدقة إلى أواخر القرن السادس. كان أبوه فيليب ~~أرغيا، وانتمت أمه أوليمبياس إلى هذه السلالة بالزواج؛ ومن ثم كانت الصلة بالميلاد ~~عاملا جوهريا في تحديد كل من يتولى عرش البلاد. كان منصب الملك، بمجرد أن يضمن، ~~يجلب مزايا غير متاحة للآخرين، لكنه كان يتمخض أيضا عن تهديدات خطيرة تحيق بالاحتفاظ ~~بالسلطة. وإذ نستهل بتاريخ العشيرة الأرغية وطبيعتها، سنلتفت إلى الطريقة التي استعمل بها ~~فيليب الثاني السلطة الملكية ودلالة إنجازاته لابنه وخليفته، ثم إلى الشق الآخر من نسبه؛ ~~إذ بحلول زمن أمينتاس الثالث أبي فيليب، لم يكن دور الملكة الأم بالشيء الهين، ولم تكن ~~أوليمبياس استثناء من هذا. ~~(1) السلالة الأرغية # ينتمي الإسكندر، من ناحية أبيه، إلى السلالة الأرغية، وهي العشيرة الحاكمة ~~للمكدونيين. ومع أن أمه أوليمبياس كانت إبيروسية، فلم يكن النسب من جهة الأم على ما ~~يبدو عاملا يفقد ابن الملك أهليته كوريث محتمل لأبيه؛ إذ كانت أم فيليب نفسه تنتمي ~~إلى أصول إليرية ولنكستية، ونودي بكل من أبنائها الثلاثة ملكا. # كان لدى هيرودوت سبب وجيه، في وصفه الحروب الفارسية، لإيراد إشارات إلى مقدون ~~وملكيها: أمينتاس الأول الذي حكم حتى 497/498، وابنه الإسكندر الأول الذي خلفه في ~~الملك وتمتع بفترة حكم طويلة حتى حوالي سنة 454. وإذ يصف هيرودوت مهمة الإسكندر، ~~وهي إقناع الأثينيين بالانضمام إليه في قضيته الفارسية، يسرد أصل السلالة الأرغية ~~ومنزلة الإسكندر منها. # كان الإسكندر الأول ابن أمينتاس الأول ابن ms051 ألكيتاس، وكان أبو ألكيتاس يسمى ~~أيروبوس، وكان أبو أيروبوس يسمى فيليبوس، وكان أبو فيليبوس يسمى أرغايوس، ~~وكان أبو أرغايوس يسمى بيرديكاس، وهو أول من ولي الملك. (الكتاب الثامن، ~~139) # ولاقتفاء أثر هذه السلالة، يمضي أبو التاريخ قائلا إن بيرديكاس الأول: # ولي أمر المقدونيين على هذا النحو: فر ثلاثة من الأشقاء، وهم جفانيس ~~وأيروبوس وبيرديكاس أبناء تيمينوس، من أرجوس [في اليونان] إلى إليريا، ومن هناك ~~عبروا إلى مقدونيا العليا واستقروا في مدينة ليبايا. عملوا هناك في خدمة الملك ~~مقابل أجر؛ فكان أحدهم يعتني بالخيول، وآخر بالثيران، وأصغرهم وهو بيرديكاس ~~ببقية القطيع ... كانت زوجة الملك تطهو لهم الطعام، وعند الخبز، كان الخبز ~~المخصص للصبي بيرديكاس يختمر حتى يصير مثلي حجمه الطبيعي. ولما رأت هذا ~~يتكرر دائما، أخبرت زوجها بالأمر، فخطر ببال الملك فور سماعه القصة أن هذا ~~أمارة شيء مهم، فاستدعى الخدم وأمرهم بالرحيل عن بلده، فطلبوا منه - ~~محقين - أن يعطيهم أجرهم ليرحلوا. وبينما كان الملك يستمع إلى مطالبتهم ~~بأجرهم، كانت أشعة الشمس تتخلل مدخنة المنزل، فقال باستهتار مشيرا إلى ~~الشمس: «أعطيكم هذه أجرا لكم.» فوقف الأخوان الكبيران جفانيس وأيروبوس مبهوتين ~~لدى سماعهما هذا، وأما الصبي، الذي صادف أن كان ممسكا بسكين، فقال: «أيها ~~الملك، إننا نقبل ما تعطينا إياه.» ورسم خطا على الأرض بسكينه، وبعد أن اغترف ~~في حجره ثلاث غرفات من أشعة الشمس، رحل هو والآخران. (الكتاب الثامن، 138، ~~1-5) # استيقن الملك وجود شيء غريب في هذا كله، فأرسل رجالا على ظهور ~~الجياد لوقف الإخوة، وكان في الطريق نهر تمكن الإخوة من عبوره، لكن مياهه ارتفعت ~~بعدئذ بشدة على نحو حال دون قدرة مطارديهم على التقدم. وفي النهاية وصل الشباب ~~إلى جزء آخر من مقدونيا يسمى حدائق ميداس، كانت وروده البرية التي تخرج زهورا ~~بها 60 بتلة تبعث بأذكى عبير في الدنيا. # تحمل هذه الحكاية كثيرا من أمارات الحكايات الفولكلورية، لكنها تكشف في الوقت نفسه ~~عن وجهة النظر المقدونية بوجود صلة قرابة قديمة باليونان. وربما توحي أيضا ببعض الشكوك ~~المحيطة بأصول السلالة ms052 الأرغية نظرا لوجود روايات بديلة تتحدث عن الجد الأول لهذه ~~السلالة؛ إذ توجد رواية أخرى تقول إن مؤسس الأسرة كارانوس، الذي يوصف أحيانا بأنه ~~شقيق طاغية أرغوس في القرن السابع؛ غير أن كلمة كارانوس الإغريقية تحمل معنى «حاكم» ~~عموما. وأما نسب المكدونيين كما يورده هيسيودوس فيجعل من مكدون الجد الأول ~~للسلالة. كان مكدون ابن زيوس وحفيد ديوكاليون - من جهة أمه ثيا - ومن ثم هو ابن عم ~~دوروس وأيولوس وكوتوس الذين كانوا الجدود الأوائل للدوريين والأيوليين والأيونيين ~~(قصيدتا «قائمة النساء» و«إيواي»، شذرة 3). ربما تعكس كلتا الروايتين محاولات للربط ~~بين المقدونيين والإغريق، ويتفق الكثيرون مع وجهة نظر يوجين بورزا أن هذه الروايات التي ~~تتحدث عن أصل الأرغيين في أرجوس برزت في القرن الخامس، وتمحورت حول الإسكندر الأول ~~الذي كان يلقب بمحب الإغريق. # على الرغم من أن أصل أسرة مقدون المالكة يظل غير مؤكد، لا يمكن إنكار أهمية ~~الانتماء إليه في الحكم المقدوني؛ إذ كان لزاما أن يكون المرء من أبناء هذه السلالة ~~لكي يطمح إلى ولاية الملك. وفي الوقت نفسه تمخضت الظروف المرتبطة بحجم السلالة ~~المتزايد عن فروع جانبية وتوترات بين هذه الفروع، وكثيرا ما تمخضت عن صعوبات ~~بالغة في وجه أرغيين بعينهم. # شكل 3-1: النسب الأرغي. أسماء الحكام مكتوبة بخط سميك. # ثمة ميزة تتجلى فورا للعيان، وهي أن انتماء المرء إلى هذه السلالة كان يمنحه فرصة ~~لتولي الملك، وهو ما كان عاملا بالغ الأهمية. المعتاد أن ابن الملك يخلف أباه على ~~نحو ما يتبين من رواية هيرودوت عن العلاقة بين الملوك الستة الأوائل، غير أن هذا لم يكن ~~هو الحال دائما؛ إذ إنه لدى موت أمينتاس الثالث، آل الملك إلى ابنه الإسكندر ~~الثاني، لكن من خلف الإسكندر كان أخاه. توجد ممارسة أخرى معتادة هي أيلولة الملك إلى ~~أول مولود ذكر يولد للملك الحالي، لكن من جديد كانت هناك استثناءات، وخصوصا عند ~~حدوث شجارات بين أبناء الملك المتوفى. علاوة على ذلك، فإن طبيعة ما لدينا من شواهد ~~حول شئون مقدون الداخلية تحول ms053 دون التيقن من تواريخ الميلاد، فمن الجائز على سبيل ~~المثال أن الإسكندر الثالث كان الابن الثاني لفيليب. # زاد تكاثر فروع الأسرة الحاكمة الخلافة تعقيدا على تعقيدها؛ ففي الصراع الذي أعقب ~~موت بيرديكاس الثاني، والذي أسلفنا وصفه في الفصل الثاني، ولي الملك لفترات وجيزة ~~أبناء ثلاثة أفرع أرغية. وفيما بعد لدى موت فيليب الثاني، كان من الجائز أن يعود ~~الملك إلى ذرية أخيه بيرديكاس الذي سبقه على العرش؛ إذ كان لبيرديكاس ابن هو أمينتاس، ~~وتخطي لصغر سنه لمصلحة عمه فيليب، وبحلول سنة 336 كان أمينتاس هذا رجلا يحق له ~~المطالبة بالملك. وفيما بعد لدى موت الإسكندر الثالث سنة 323، وقع اختيار جمعية ~~الجيش على ابن فيليب، وهو فيليب أريدايوس، وأما قواد الإسكندر فوقع اختيارهم على طفل ~~الإسكندر، وكان لا يزال جنينا في بطن أمه، شريطة أن يكون ذكرا. وهكذا، فعلى الرغم ~~مما يبدو من انحصار الاختيار في أبناء السلالة الأرغية لعدة قرون قبل زمن الإسكندر، ~~كان المرشحون الأرغيون لوراثة العرش كثيرين. ~~(1-1) طبيعة الحكم الأرغي # كانت هذه الآصرة بين الملك الأرغي وجمعية الجيش ضرورية لوراثة العرش ومن بعدها ~~حكم المملكة. ولم يصف هيرودوت الإسكندر ك «بازيليوس» (بمعنى حاكم) المقدونيين ~~فحسب، بل أيضا ك «استراتيجوس» (بمعنى قائد) جيش المملكة (الكتاب التاسع، 44). ولا ~~يسعنا تمييز الفرق بين معنيي الكلمتين في أذهان المقدونيين، بل من غير المؤكد أن ~~المقدونيين أنفسهم كانوا يلقبون زعيمهم «بازيليوس»؛ لأن المسكوكات النقدية التي ~~ضربها فيليب الثاني لا تحمل هذا اللقب، ولا نجد إلا قرب نهاية حكم الإسكندر ~~الثالث مسكوكة نقدية منقوشة تجمع بين كلمتي ألكساندرو وبازيليوس. ومن ناحية ~~أخرى، من المؤكد أن الواجبات والامتيازات المرتبطة بالقيادة كانت جزءا لا يتجزأ ~~من ولاية حكم المقدونيين. # كان مجمل صلاحيات الملوك المقدونيين وامتيازاتهم من نواح كثيرة مماثلا لصلاحيات ~~أبطال هوميروس وامتيازاتهم؛ إذ اكتسب كل من أبطال الملاحم والحكام المقدونيين ~~السلطة واحتفظوا بها بفضل مقدرتهم الشخصية، لا بصفتهم شاغلين لمنصب رسمي. كان ~~الملوك المقدونيون دائما ناجحين بصورة أو بأخرى وفقا لقدراتهم الفردية، وبفضل ~~التهديد ms054 المستمر بالغزو من الشعوب المجاورة، كانت القيادة العسكرية المجربة ~~متطلبا جوهريا على الدوام. ومثلما رأينا، فإن تاريخ مقدون قبل حكم الإسكندر ~~وبعده على السواء يبرهن تماما على الأخطار المتأصلة في موقع المملكة «الوسيط» بين ~~أوروبا القارية وشبه الجزيرة اليونانية؛ ما كان يجتذب دوما دخلاء من كل حدب ~~وصوب. # تجسدت هذه الحاجة إلى قوة عسكرية للحفاظ على المملكة في المؤسسات المقدونية؛ ~~فبمجيء عهد فيليب الثاني، وربما في وقت مبكر من ذلك في عهد الإسكندر الأول، كان كل ~~الرجال الأحرار القادرين على حمل السلاح ذوي أهمية بالغة في الحفاظ على كل من ~~الدولة وسلطة أي حاكم بعينه بالتبعية. كانت تسمية الملك حقا مكفولا لجمعية ~~الجيش ومسئولية منوطة بها، وبما أن الرجل المختار سيقود الجيش إلى النصر أو ~~الهزيمة، فلا بد من أن يحوز بوضوح خصال القيادة في الميدان؛ لأن المتوقع من الملك ~~أن يقود رجاله لا بمعرفته باللوجستيات والاستراتيجيات فحسب، بل أيضا ببراعته ~~الشخصية في المعركة، فيقاتل في الطليعة مثلما فعل آخيل وديوميديس وكل قادة ~~الفرق الآخرين في طروادة. # ما زاد الحاجة إلى القوة العسكرية طبيعة الشئون السياسية الداخلية في المملكة؛ ~~إذ وجدت عائلات نبيلة أخرى حتى في مقدونيا الدنيا قبل توسع المملكة إلى مقدونيا ~~العليا، لكن هذا التوسع أضاف إلى الدولة عددا من السلالات «الملكية» التي كان ~~لكل منها في مملكتها ما للأرغيين في مقدون. كانت الدبلوماسية في التعامل مع هذه ~~العائلات مهمة، لكن الجنود المقدونيين تحت قيادة ملكهم كانوا الأساس الذي تنبني ~~عليه الدبلوماسية الناجحة. تمتعت نخب المملكة الموسعة بمنزلة صحابة الملك أو ~~«هيتايروي»، وبمرور الزمن اكتسبت أواصر الولاء قوة تجاوزت حدود تهديد ~~الانتقام البدني إذا ما قطعت هذه الأواصر. وسنبحث هذه التطورات بحثا أتم في ~~الفصل الخامس. # جاء أحد سبل إقامة روابط أقوى مع اتساع رقعة المملكة؛ مما أتاح فرصة إقامة آصرة ~~اقتصادية بين الملك والصحابة الجدد. وقيل إن الأرض التي اكتسبت بالفتح صارت بيد ~~الملك يمنح من يشاء حق استخدامها مقابل التزامات معينة تؤدى إليه. ومع ~~توسيع الملوك ms055 المقدونيين من أمثال فيليب نطاق ملكهم، زادوا مقدار الأراضي ~~المتاحة لتخصيصها لأغراض كثيرة من ضمنها إقامة مستوطنات مقدونية جديدة. ربما كان ~~من بين شاغلي الأراضي المضمومة إلى المملكة حديثا محاربون صحابة استقطبوا من ~~أصقاع أخرى من محيط بحر إيجة؛ إذ استقر نيارخوس الكريتي في مستعمرة أثينا السابقة ~~أمفيبوليس أثناء حكم فيليب. كان نيارخوس واحدا من صحابة (هيتايروي) فيليب ومن بعده ~~الإسكندر؛ إذ شغل منصب مستشار كبير لهذا الأخير. وكان الأخوان إريجيوس ولاوميدون ~~ينتميان إلى ميتيلين في جزيرة ليسبوس الإغريقية، واستقرا هما أيضا في أمفيبوليس ~~وصارا من صحابة فيليب ثم الإسكندر. # من ضمن وسائل توثيق الأواصر مع العائلات النبيلة الأخرى ابتكار ينسب إلى فيليب ~~الأول، وهو سياسة إرسال أبناء العائلات المهمة بمقدونيا العليا إلى بيلا لتلقي ~~التدريب كحاشية (حراس شخصيين ثم ضباط مستقبليين) للملك ورفاق لأبنائه. كان هذا ~~الترتيب يحقق غايات عدة، فيوفر العناصر اللازمة للإدارة المدنية والعسكرية ~~الفعالة في الحاضر وفي المستقبل القريب على السواء، ويضع بين أيدي الملك الأرغي ~~رهائن لضمان حسن سلوك آبائهم. كان من بين أبناء كبار النبلاء من أجزاء المملكة ~~الأخرى كراتيروس وبيرديكاس وفيلوتاس، الذين سيكونون ضباطا مهمين في جيش الإسكندر. ~~ونشأ أيضا هفايستيون، الشهير بأنه أقرب المقربين إلى الإسكندر، في هذه المنظومة في ~~بيلا. # كان يقام منتدى لتبادل وجهات النظر بين عمداء العائلات النخبوية، ويبدو أنه كان ~~بعدا آخر من أبعاد الآصرة بين الملوك الأرغيين ومن يدانونهم في المنزلة. وتذكر ~~المصادر التي تتحدث عن حكم الإسكندر اجتماعاته المنتظمة مع كبار معاونيه. ~~وعندما أحيط الإسكندر علما بتحركات داريوس وجيشه قبل معركة إيسوس على سبيل ~~المثال، جمع أصحابه لينبئهم بالأمر، فشجعوه على المضي قدما، وبعدها فض ~~الاجتماع (وكان يسمى «سيلوجوس» بمعنى النادي) (آريانوس، الكتاب الثاني، 6، 1). ~~وفي وقت لاحق عندما ضرب المقدونيون الحصار حول صور، جاء رسل من لدن داريوس عارضين ~~10 آلاف وزنة والتخلي عن الأرض الممتدة من نهر الفرات إلى ساحل البحر الهيليني، ~~فدعا الإسكندر ناديه لمناقشة العرض (آريانوس، الكتاب الثاني، 25، 1-2). وكما هو ~~متوقع، كانت ms056 المرونة سمة عضوية هذه الاجتماعات وحضورها؛ إذ كان الضباط ~~يبتعثون لتنفيذ مسئوليات بعيدا عن فسطاط الملك أو كان الموت يغيبهم نهائيا. ~~والراجح أن فيليب وظف ناديا مماثلا للنقاش بين كبار أصحابه، لكن يبدو ~~مستبعدا وجود هيئة ثابتة تشكل مجلسا رسميا في مقدون قبل الفترة ~~الهلنستية. بدلا من ذلك وعلى الطراز الهوميري، كان الملك يستشير، كما يهوى، من ~~حضر من أصحابه من ذوي الحظوة. # شكل 3-2: هرقل، جد الأرغيين الأول، يظهر في المنتصف ترافقه أثينا (في ~~المقدمة) وهرمس (في المؤخرة) لتعريفه بالأوليمب. حقوق الطبع محفوظة ~~لأمناء المتحف البريطاني. # شكل 3-3: آخيل جد الإسكندر الأعلى لأمه يسوق فرسيه إلى «ديفروس» (عربة ~~يجرها الخيل). المصدر: آي كاكريديس، «الميثولوجيا الإغريقية»، ~~إكدوتيكه أثينون للنشر. # كانت في صميم هذا الهيكل المؤلف من القيادة العسكرية وأواصر الولاء مع العائلات ~~المهمة ملامح أخرى من ملامح السلطة الملكية، وأحدها المسئولية عن العلاقات مع ~~الآلهة. يصعب تأكيد هوية الآلهة المقدونية وخصوصا في فترة ما قبل حكم أرخيلاوس ~~(413-399)؛ فمن ناحية، كانت الصلة بين الأرغيين والآلهة سلسلة نسب طويلة؛ إذ ~~كان الأرغيون يدعون أن هرقل، وهو من نسل زيوس، جدهم لأبيهم. ومن خلال العائلة ~~الأياكيدية التي تنتمي إليها أم الإسكندر أوليمبياس، كان نسبه ينتهي إلى آخيل، الذي ~~كانت أمه حورية البحر ثيتس. لكن ثمة ما يسوغ اعتقادنا أن ملل الأوليمبيين ازدادت ~~أهمية في المملكة في ظل الأغرقة التي اتبعها أرخيلاوس، الذي استحدث مهرجانا لزيوس ~~وألعابا على شرف زيوس وربات الفنون (آريانوس، الكتاب الأول، 11، 1). كان ~~المقدونيون يدمغون نقودهم بصور أبولو وزيوس وديونيسيوس وهرقل، ولنا أن نستنتج أن ~~ديونيسيوس كان مألوفا لدى المقدونيين بما أن الكاتب التراجيدي يوربيديس ألف ~~مأساته «الباخوسيات» وهو في بيلا. بحلول سنة 336، كان آخر احتفال يقام في عهد ~~فيليب يشتمل على تماثيل 12 إلها (الأولمبيين الاثني عشر لا شك) وتمثال ثالث عشر ~~لفيليب (ديودورس، الكتاب السادس عشر، 92، 5). وكان الإسكندر يحرص على تقديم ~~القرابين بانتظام إلى الأولمبيين مثلما كان يحرص على تقديمها إلى أثينا في إليوم ~~(آريانوس، الكتاب الأول، 11، 7). وتبرهن ms057 المعابد المكرسة للآلهة التي عبدت في ~~العالم الإغريقي أيضا على العلاقات بين الممارسات الدينية في الثقافتين. # لكن توجد آثار ممارسات أخرى ترتبط بجوانب جوهرية للملك؛ إذ كان الملك يطهر ~~الجيش بتقديم قربان على هيئة كلب، وكان يقود موكب الجنود وهم يسيرون بين شطري هذه ~~الأضحية. علاوة على ذلك، ظلت ملل الأبطال من الطراز العتيق أمثال من وصفهم ~~هوميروس جزءا من الممارسة المقدونية؛ إذ استحدث الإسكندر لتمجيد صاحبه هفايستيون ~~طقوسا تليق بالأبطال (آريانوس، الكتاب السابع، 23، 6-7)، وكان يسعى جاهدا للتفوق ~~على إنجازات الأبطال المعروفين كهرقل. ودفن جده الإسكندر الأول في ضريح للأبطال ~~(هيرون) في آيجي، وهي لا شك ممارسة ارتبطت باليونان العتيقة، لكنها كانت إلى حد ~~كبير قد أبطلت بحلول القرنين الخامس والرابع. # خلاصة القول أنه كانت هناك على الراجح عناصر عديدة في مفهوم الآلهة عند ~~المقدونيين. ومع ذلك فأيا ما كانت الهيئة الإلهية التي يتوسل إليها، فلا ريب ~~في أهمية دور الملك في هذا التوسل. وفي الاحتفال الكبير الذي خطط له فيليب وسبق ~~أن ذكرناه مثال واضح على محورية الحاكم الأرغي في مناحي الدين. ويظهر ما كتبه ~~آريانوس عن نهاية حياة الإسكندر اضطرار الإسكندر إلى تقديم أضحيات لائقة حتى وهو يحتضر: # في اليوم التالي اغتسل وقدم القرابين ... وفي اليوم الذي تلاه اغتسل من ~~جديد وقدم قرابين لائقة على الرغم من الحمى الشديدة التي ألمت به. ~~واغتسل في المساء، وبعد اغتساله كان في أشد حالات المرض. وفي اليوم التالي ~~حمل إلى الحمام، ومن جديد قدم قرابين لائقة. لكن في اليوم التالي ~~حملوه إلى البقعة المقدسة فلم يقو على تقديم القرابين إلا بمشقة بالغة. ~~(الكتاب السابع، 25، 4-5) # كان الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع الآلهة مسألة تهم أشخاصا أكثر من الملك؛ إذ كان ~~هناك طاقم من العرافين يشكل جزءا من جهاز الحكم في بيلا أثناء حكم فيليب الثاني، ~~ورافق الإسكندر في حملته واحد على الأقل من هذا الطاقم. # لهذه السمات العديدة التي اتسم بها الملوك الأرغيون جذور عميقة، وكانت هناك سمة ~~أحدث من ذلك ms058 برزت مع التطورات في أواخر القرن الخامس والقرن الرابع؛ إذ تمخضت ~~السيطرة المتزايدة على رقعة متسعة من الأراضي وسكانها عن حاجات إدارية. كانت بيلا ~~قد تحولت إلى مركز إداري منذ عهد أرخيلاوس، ونال أرخيلاوس ذاته من الأثينيين منزلة ~~الضيف-الصديق والمعطاء. لم تكن بيلا مقر إقامة الملك الأرغي وآل بيته فحسب، بل كانت ~~آنذاك أيضا مركز دواوين الدولة، فكانت تضم أمانة السر وسجلاتها، ومديري الموارد، ~~ووحدات من قبيل ديوان المعدات الحربية، وأماكن إقامة الرسل. كانت تجبى ضرائب على ~~الأرض واستخدام المرافئ والمناجم، وكانت الأراضي الملكية تدار بتأجيرها لمن ~~يفلحها. على الرغم من عدم وضوح وسائل جمع الضرائب أو الإشراف على استغلال الموارد، ~~إلا أن الأرغيين كانت لديهم يقينا هذه الوسائل، وخصوصا على عهدي فيليب ~~والإسكندر، اللذين احتفظا بجيشين كبيرين وشقا الطرق وأقاما الحصون والقلاع، ~~وبنيا السفن واتخذا حاشية كبيرة من أفراد الأسرة والشباب الذين يجري تدريبهم ~~ليصيروا صحابة وزوار بيلا، فضلا عن الموظفين اللازمين لتلبية حاجاتهم ~~اليومية. ~~(1-2) تبعات النسب الأرغي # كان الانتماء إلى السلالة الأرغية يحمل في طياته مزايا وتوقعات رفيعة، وخصوصا ~~للذكران؛ فالذكر الذي يولد لهذه الأسرة سيدرب في سن الشباب ليبرهن بوضوح على ~~امتلاكه السمات التي تنبغي لزعيم مقدوني، وسيكون لزاما عليه - كحال تيليماخوس بن ~~أوديسيوس - تقوية قدراته العقلية والنفسية لكي يقضي على التهديدات التي تحيق به هو ~~ذاته وبآل بيته، إما بالمكر والحيلة وإما في ساحة القتال. وفي غضون ذلك سيبرهن ~~كملك على قدرته، كحال أوديسيوس، على القيام «بآلاف الأعمال المجيدة، بعقد ~~اجتماعات مفيدة، وقيادة معارك مسلحة» (الإلياذة، 2، 272-273). وحتى في زمن الصبا، ~~سيكون بمقدوره ركوب فرسه بمثل كفاءة أبناء العائلات النخبوية الأخرى إن لم تكن أفضل ~~منها، وسيكون بإمكانه قطع مسافات شاسعة مع جنود أبيه. وعندما يصل إلى سني المراهقة، ~~سيدعى إلى ممارسة تلك المهارات في ساحة القتال؛ إذ استدعي فيليب وهو في هذه ~~السن لمساعدة أخيه الأكبر، وتولى الإسكندر قيادة الخيالة الثقيلة في خيرونية سنة ~~338 ولم يكن له من العمر إلا 18 سنة. # شكل ms059 3-4: رأس عاجي من زينة حامل التابوت المطعم بالذهب والعاج في الغرفة ~~الرئيسة بالمدفن الملكي الثاني في فيرجينا، ويعتقد أنه رأس ~~أمينتاس الثالث. بإذن من السيدة أوليمبيا ~~أندرونيكو-كاكوليدو. # ولكي يكون هذا الشاب من المنافسين على العرش، أي يكون وريثا محتملا، لا بد من ~~أن يتمتع بالمقدرة البدنية؛ ومن ثم فلا غرو أن التدريب البدني الذي يتلقاه ~~سليل الأسرة الأرغية سيكون شاقا لكي يصنع قائدا على الطراز الهوميري بين الرجال. ~~وكانت ممارسة قتل خنزير بري دون شبكة شيئا من شأن أي وريث للعرش أن يفعله في سن ~~مبكرة من حياته. وسيكون لزاما عليه استيفاء متطلب قتل رجل بسرعة أكبر مما ~~يفعله معظم الآخرين. كان الإعداد للقيادة يستلزم المشاركة في فعاليات حقيقية لا ~~مجرد تدريبات مرتبة. وتبرهن إحدى القصص الشهيرة عن الإسكندر الشاب على قدراته وهو ~~في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره؛ إذ أتي فيليب بحصان على أمل شرائه، فأبى ~~الحصان أن يعتلي أحد صهوته، فأمر فيليب صاحبه بالانصراف به. عندئذ قال الإسكندر: ~~«يا له من حصان هذا الذي سيخسرونه، وكل هذا لأنهم لا يعرفون كيف يسوسونه أو لا ~~يجرءون على المحاولة!» فتساءل فيليب عما إذا كان الإسكندر يرى أنه يستطيع سياسة ~~الحصان خيرا من غيره، فعرض الإسكندر عندئذ أخذ الحصان ودفع ثمنه الكبير؛ فضحك من ~~كانوا بصحبة فيليب: # لكن الإسكندر أسرع إلى الحصان وأمسك بلجامه وأداره نحو الشمس بعد أن ~~لاحظ أنه يجفل من مرأى ظله أمامه يصاحبه أينما تحرك. ركض بجوار الحصان ~~مسافة قصيرة، مهدئا من روعه بالتربيت على جسمه، ولما رآه مفعما ~~بالحيوية والعزم، ألقى رداءه جانبا في هدوء وبوثبة خفيفة امتطى صهوته في ~~أمان. ظل لفترة وجيزة يتلمس الشكيمة باللجام، دون أن يشد على فمه أو ~~يوجعه، حتى أذهب روعه. وأخيرا لما رأى الحصان وقد ذهبت عنه مخاوفه ويتلهف ~~على إظهار سرعته، أرخى له العنان وحثه على الانطلاق قدما، مستخدما ~~صوته الآمر ولمسة من قدمه. (بلوتارخس، الإسكندر، 6) # بحلول أواخر القرن الخامس وبداية القرن الرابع قبل الميلاد، ms060 كان ابن الملك ~~يدرب أيضا على مهارات الحكم بالتعليم ذي الطابع الرسمي، وسنناقش أهمية التعليم ~~الإغريقي للمقدونيين مناقشة أتم في الفصل الرابع. أما الآن فنقول إن تمتع الملوك ~~الأرغيين، وخصوصا في القرنين الخامس والرابع، بمهارات القراءة والكتابة أمر لا شك ~~فيه؛ إذ إن المعاهدات المبرمة بين الحكام الأرغيين والدول أو الشعوب أو الأحلاف ~~الأخرى كانت مسجلة، ومن ذلك مثلا المعاهدة بين بيرديكاس الثاني والأثينيين سنة 422 ~~قبل الميلاد (النقوش الإغريقية، المجلد الأول، الإصدار الثاني، 71ب). وكتب فيليب ~~الثاني خطابات إلى الأثينيين وتلقى خطابات جوابية من أعيان الأثينيين. ومارس ~~الإسكندر مجموعة متنوعة من المراسلات أثناء سيره شرقا. # كان الوريث المحتمل للعرش، الذي ينشأ في بيلا، يحصل على تصور لموارد المملكة ~~ويدرك إدراكا متزايدا أهمية السيطرة عليها. كانت بيلا تحتوي على أنواع كثيرة من ~~الموارد بالإضافة إلى الدواوين الإدارية الكائنة هناك. وأحد الموارد الحيوية بوجه ~~خاص شباب العائلات النبيلة من عموم المملكة، الذين كانوا ينشئون في بيلا ~~ويدربون كحاشية للملك وليخدموا فيما بعد كأصحاب له وضباط ومستشارين. كان آباء ~~هؤلاء الصبيان يفدون بين الحين والآخر لحضور المجالس أو الندوات مع أبيه، وكان ~~أبناء الملك يشهدون وفود الرسل من الدول البعيدة ورحيلهم بمعدل متزايد. سيكون وجود ~~أشخاص في أجزاء أخرى من القصر يحتفظون بسجلات أو يخططون أدوات حربية جديدة أمرا ~~معروفا. كان الوريث المرتقب يسافر من بيلا إلى موقع آيجي القديم مع أهله، وخصوصا ~~لحضور المناسبات الطقسية، كدفن جدة في أحد التلال الترابية، أو تطهير الجيش، ~~أو المباريات الرياضية، أو قربان كبير يقدم إلى أحد الآلهة، أو احتفال كبير. ~~خلاصة القول أنه سيبدأ في إدراك مكانته المميزة، وهي مكانة تناسب سليل هرقل ~~وآخيل. # لكن كانت هناك عقبات تقف في طريق الوصول إلى تلك المكانة؛ إذ كانت ممارسة تعدد ~~الزوجات تتمخض غالبا عن أكثر من وريث محتمل للحكم؛ ففيليب كان واحدا من ستة ~~أبناء أنجبهم أمينتاس الثالث، وكان للإسكندر الثالث منافسون من بينهم ابن آخر ~~لفيليب من زوجته فيلينا، وأمينتاس ابن عمه. وستكون المكائد ms061 التي تدبرها زوجات ~~فيليب لتقديم أبنائهن خطرا مصيريا في مساكن الأرغيين في بيلا. وكانت هناك ~~تهديدات أخرى تنبع من أبناء فروع العشيرة الأرغية الأخرى الذين كانوا يزدادون ~~عددا، وذكرنا أن أبناء ثلاثة أفرع من العشيرة الأرغية تناوبوا على الملك في أقل ~~من عقد واحد من الزمن لدى موت أرخيلاوس؛ ففي البداية، اعترف بابن أرخيلاوس ~~الصغير أوريستيس ملكا على البلاد، بينما تولى أيروبوس - ربما كان عمه - منصب ~~الوصي على العرش، لكنه لم يقنع بالوصاية على العرش، فتخلص من ابن أخيه ليصير ~~ملكا، ودام حكمه أقل من أربع سنوات؛ ثم ولي الحكم أمينتاس الثاني من نسل ~~الإسكندر الأول لفترة ما حتى قتل على يد أحد الإيليميين؛ فخلفه على العرش ~~بوسانياس بن أيروبوس لبضعة أشهر إلى أن أزيح بتهمة الخيانة. ومن وتيرة الأحداث ~~وكثرة الأسماء الملكية يتضح لنا تماما عدم استقرار الحكم. # كان نظام الحاشية الذي ينتج حراسا خصوصيين للملك وصحابة لأبنائه، على مزاياه، ~~ينطوي أيضا على تداعيات كارثية؛ إذ لو قررت الأسرة المالكة لإحدى الممالك التي ~~ضمت إلى مقدونيا العليا تأكيد استقلالها عن بيلا، فمن الجائز تماما أن يتآمر ~~سليلها، الذي صار آنذاك يعيش في المدينة الملكية، ليقضي على أفراد السلالة الأرغية. ~~كان درداس الإيليمي، قاتل الملك أمينتاس الثاني الذي سبقت الإشارة إليه، ينتمي ~~على الراجح إلى هذه الفئة من الأسر النبيلة التي تنتمي إلى ممالك كانت ذات يوم ~~مستقلة؛ ومن ثم ستكون الريبة في الآخرين وعداوتهم - وخصوصا الصحابة الذين هم ~~على اطلاع على حياة المرء الخاصة - خطرا آخر معروفا جيدا لأفراد الأسرة ~~المالكة. # في ظل كل هذه التهديدات الحقيقية، سيكون لزاما على الابن الناجح للملك المتربع ~~على العرش أن يطور وعيا ثاقبا بحاجته إلى حماية نفسه من الأخطار المتصورة. ~~كانت تلك الأخطار حقيقية ومستمرة، ومن دأبها أن تحل دون سابق إنذار كبير. كان من ~~شبه المستحيل أن يصبح المرء ملك مقدون دون انتماء إلى السلالة الأرغية؛ لكن كما ~~رأينا، فإن كون المرء سعيد الحظ بأن يكون أكبر أبناء الملك الحاكم لم ms062 يكن كافيا ~~لضمان وراثته الملك؛ ففي البداية كان يتعين على هذا الابن أن يبرهن على امتلاكه ~~السمات المطلوبة لقيادة شعبه، وثانيا أن يستبين أي تحديات تواجه مطالبته بالحكم ~~ويتصدى لها. ~~(1-3) فيليب الثاني # على الرغم من أن انتساب المرء إلى السلالة الأرغية كان شرطا شبه حتمي، كان عامل ~~الأبوة والأمومة أيضا حاسم الأهمية في الخلافة؛ فمنذ أن ولي أبناء هذه العشيرة ~~الحكم، تكاثرت عشيرتهم وانتشرت؛ ومن ثم أتى الملوك من مختلف فروع هذه الأسرة ~~الواحدة. وفوق ذلك كان لإنجازات الملك الحاكم - أو افتقاره إلى الإنجازات - دور ~~حاسم في نجاح خليفته أو إخفاقه. وكثيرا ما نجح أرغيون من فروع أخرى غير الفرع الذي ~~ينتمي إليه الملك في تولي الحكم أثناء فترات التحديات الخطيرة التي واجهت ~~سلامة أراضي المملكة، على نحو ما يتبين لنا من حالة أمينتاس الثالث. ومن ناحية ~~أخرى، فالنجاح العظيم الذي قد يحققه الأب ربما يتمخض عن طفرة تأييد لابنه؛ ~~لكن في هذه الأحوال، كان يمكن أن يشكل النجاح الذي حققه أب نشيط صعوبات ~~حقيقية أمام ابنه وخليفته من حيث البناء على هذه النجاحات والتوسع فيها. كان ~~للإسكندر الثالث أب غير عادي؛ فكان المؤرخ ثيوبومبوس، الذي عاش في القرن الرابع ~~وألف تاريخا لفيليب في 58 كتابا (لم تصلنا منها إلا شذرات)، يؤمن بأن «أوروبا ~~لم تعرف قط رجلا مثل فيليب بن أمينتاس». # ولد فيليب الثاني سنة 382، وكان ثالث أبناء أمينتاس الثالث ويوريديكا وأصغرهم. ~~وينتهي نسب أمينتاس إلى الإسكندر الأول، الذي ضاعف كما رأينا رقعة المملكة ~~المقدونية وارتقى على الراجح بالدور المنوط بجنود المشاة في غضون ذلك. لكن بعد حكم ~~الإسكندر، انتقل الملك إلى فرع آخر من فروع العائلة الملكية. استفاد أمينتاس ~~نفسه من ازدياد التنافس على العرش الذي رافق اغتيال أرخيلاوس سنة 399، وإذ ~~تمكن ببراعة من النجاة من ست سنوات من التهديدات المستمرة التي واجهت مطالبته ~~بالعرش، والتي كانت تنبع من أرغيين آخرين ومن أعداء خارجيين على حد سواء؛ وطد ~~دعائم حكمه في 393-392. # لم يكن عهده عهد سلام، ms063 ففي بداية حكمه، أطيح من السلطة بفعل غزو إليري ~~لمقدونيا أقام على العرش ملكا آخر سهل الانقياد. فاستطاع أمينتاس تأمين عون ~~الدول المجاورة التي كانت في حد ذاتها قلقة من عدوان الإليريين على أراضيها، ~~وأعني مدينة أولينثوس الإغريقية القوية في جنوب شبه جزيرة خالكيذيكي، وربما ساعده ~~التيساليون في استعادة العرش؛ إذ إنه بالإضافة إلى استخدام القوة، وافق على دفع ~~جزية سنوية إلى الإليريين في مقابل انسحابهم. كان أمنه الشخصي وأمن مملكته أيضا في ~~خطر مستمر مصدره الدول الإغريقية الكبرى، والقوى الأخرى المجاورة غير الإغريقية، ~~والتنافس الداخلي بين المناطق المضمومة حديثا إلى المملكة، والتنافس بين ~~الأرغيين أنفسهم. # من الجائز تماما أن يوريديكا أم فيليب كانت تمثل في نسبها نفوذ القوى غير ~~الإغريقية والنزعة الإقليمية التي كنت تفت في تلاحم المملكة المقدونية، بما أن ~~المصادر تصفها بأنها تجري في عروقها دماء إليرية ولنكستية. وربما يمثل زواجها من ~~أمينتاس التحالفات التي كان الملك المقدوني يسعى إلى تقويتها. نسب تاريخ هذا ~~الزواج إلى حوالي سنة 390 على أساس أن الابن الأكبر الذي جاء ثمرة القران ولي ~~الملك سنة 369 كقائد نشط، لا كبيدق غر في أيدي الآخرين. واتخذ أمينتاس ~~بالإضافة إلى يوريديكا زوجة ثانية وهي جايجيا، التي كانت على الراجح أرغية وأنجبت ~~له أيضا ثلاثة أبناء. لم يكن تعدد الزوجات بين الأرغيين بالممارسة الجديدة؛ إذ ~~أنجب بيرديكاس الثاني أولادا من ثلاث نسوة، ومثله أرخيلاوس، ومن الجائز تماما أن ~~أبناء الإسكندر الأول الخمسة كانوا ينتمون إلى أكثر من أم واحدة. وتوحي حقيقة أن ~~ثلاثة فقط منهم شاركوا في الحكم في حياة أبيهم، وأن اثنين فقط منهم كانا مرشحين ~~لخلافته بعد موته، بتساوي النسب من جهة الأم والنسب من جهة الأب في الأهمية. # تحتل يوريديكا مكانة بارزة في المصادر القديمة، وخصوصا التأريخات المتأخرة، ~~وتكشف الشواهد التي تعود إلى عهد زوجها عن مكانتها المرتبطة بالدين؛ إذ يوجد بين ~~أطلال معبد صغير في آيجي نقش يعود إلى أوائل القرن الرابع يقول: «يوريديكا ابنة ~~سيراس من أجل يوكليا.» ويستخدم ms064 «يوكليا» لقبا للربات الإغريقيات، كأرتميس، أو ~~ربما يمثل اسم ربة معينة. # إن نجاح يوريديكا في التعامل مع الشئون السياسية العائلية والنجاة من مكائدها كشف ~~عن دهائها في الحفاظ على نفوذها، وأيضا حياتها، بعد موت أمينتاس الثالث. والحقيقة ~~أنها عاشت بعده عشرين سنة أخرى أو أكثر، وهي سنوات تطلبت منها يقظة مستمرة حفاظا ~~على حياتها وحياة أبنائها الثلاثة، الذين قتل أكبرهم، وهو الإسكندر الثاني، بعد ~~ولايته الحكم لمدة سنتين أو نحو ذلك. من الجائز أنه قتل على يد رجل يدعى ~~بطليموس ربما كان ابن أمينتاس الثاني، الذي حكم لفترة وجيزة في 395-394. ولأسباب ~~غير واضحة - لعلها تكون الضرورة - تحالفت يوريديكا سياسيا وغراميا مع بطليموس، ~~الذي ربما شغل منصب الوصي على عرش ابنها الثاني بيرديكاس لدى إعلانه ملكا سنة 365. ~~وفي غضون سنة، قرر بيرديكاس أن يحكم البلاد حكما مباشرا فقتل بطليموس، ثم قتل ~~هو نفسه في معركة مع الإليريين بعد ذلك بخمس سنوات؛ عندئذ صار المطالبون بالعرش ~~المقدوني هم: أمينتاس الرابع ابن بيرديكاس الصغير، وفيليب الثاني أخا بيرديكاس، وابنا ~~أمينتاس الثاني المتبقيان على قيد الحياة من زوجته جايجيا، ومنافسون عديدون من فروع ~~العائلة الأرغية الأخرى. وعاشت يوريديكا حتى عهد ابنها الثالث فيليب الثاني. # إن مجرد بقاء فيليب على قيد الحياة لكي يتنافس على العرش في حد ذاته يعتبر ~~إنجازا. كان أخواه الشقيقان قد قتلا، وصار آنذاك بمقدور إخوته الثلاثة غير ~~الأشقاء أن يطالبوا بالعرش خلفا لأبيهم. وفضلا عن التهديدات النابعة من المطالبين ~~الآخرين بالعرش، ربما لم يكن ليستطيع النجاة مما تعرض له في سنوات صباه؛ إذ ~~تعرض للخطر في سنوات استبقائه كرهينة ملكية في طيبة بين عامي 369 و367، وبعد ~~إرساله لتولي منصب في مكان بعيد عن بيلا كان يمكن أن يودي بحياته، خصوصا أن ~~وجوده هناك كان يهدف إلى ضمان ولاء منطقة إيليميا، التي كانت لا تزال مصرة على ~~الاستقلال عن السيطرة المقدونية. لكن كما يتبين من الأحداث، من الجائز تماما أن ~~إبعاد فيليب عن بيلا أعفاه من الانضمام إلى أخيه ms065 بيرديكاس عندما قاد الجيش المقدوني ~~ضد الجيش الإليري سنة 359. # نجا فيليب من هذه المجموعة المتشابكة من التهديدات؛ إذ رأى اثنان من إخوته غير ~~الأشقاء أن من الحكمة الرحيل عن مقدونيا، وعمد إلى القضاء على المطالبين الآخرين ~~بالعرش من فروع السلالة الأرغية الأخرى، لكنه ترك ابن أخيه يعيش. نادت جمعية الجيش ~~بفيليب وصيا على عرش ابن أخيه الصغير أو ملكا بالطريقة التقليدية. لم يكن أمامه ~~وقت للقضاء على جميع منافسيه على السلطة لوجود خطر آخر أشد من هؤلاء وهو ~~الإليريون، الذين قد يستغلون ميزتهم بالعودة إلى اجتياح الأراضي المقدونية. لكن ~~الغريب أنهم لم يقوموا بمحاولة ضد هذه المملكة الهشة. # يتضح ضعف فيليب وجيشه في تعاملاته الأولى مع الإليريين، فهو لم يقد جيشا ~~ضدهم، وهذا منطقي بالنظر إلى شدة ضعف الجيش المقدوني، بل آثر التفاوض على تسوية ~~مؤقتة، وسيرا على خطى أبيه غير المسبوقة، اتخذ زوجة إليرية تسمى أوداتا لتوطيد ~~هذا التحالف، وربما تزوج قبل ذلك بفيلا ابنة حاكم إيليميا لترسيخ اتحاد إيليميا ~~مع مقدونيا الكبرى. في نهاية المطاف أقام فيليب سبعة تحالفات وطدها بالزواج، ~~وسنعود إلى الوضع الذي تمخضت عنه هذه الزيجات المتعددة عند تمحيص دور أوليمبياس ~~أم الإسكندر في موضع لاحق من هذا الفصل. من المهم أن ننوه في هذه المرحلة إلى أن ~~العامل الأهم في كل حالة كان دبلوماسيا؛ إذ أقام فيليب تحالفات أو عززها مع ~~أسر مهمة في أجزاء أخرى من مقدونيا، ومع زعماء الممالك أو الدول المنافسة، ومع ~~فرع آخر من فروع السلالة الأرغية. وربما لعب الغرام الحقيقي دورا في بعض الأمثلة، ~~لكنه لم يكن الدافع الأولي. # شكل 3-5: رأس عاجي من زينة حامل التابوت المطعم بالذهب والعاج في الغرفة ~~الرئيسة بالمدفن الملكي الثاني في فيرجينا، ويعتقد أنه رأس فيليب ~~الثاني. بإذن من السيدة أوليمبيا أندرونيكو-كاكوليدو. # كان كثير من التهديدات التقليدية يلوح منذرا بالخطر؛ فالمطالبون بالعرش ظلوا ~~موجودين؛ إذ عاود أرغايوس - ولعله الشخص الذي خلف أمينتاس الثالث على العرش لفترة ~~وجيزة في ثمانينيات ذلك القرن - الظهور بمساندة ms066 من أثينا لاستعادة العرش، فتعامل ~~فيليب مع هذا المدعي وجيشه دون صعوبة. كانت أقاليم مقدونيا العليا مهيأة دائما ~~للانفجار، زد على ذلك ضغوط التراقيين في الشرق والبيونيين في الشمال والدول ~~الإغريقية على حدود مقدونيا ذاتها، وكذلك الدول-المدن القوية الأبعد شقة، ~~وخصوصا أثينا وطيبة. تمخضت المفاوضات المقرونة بالهدايا النقدية عن تسويات مع ~~البيونيين والتراقيين، وأبرمت معاهدة مع أثينا سنة 359، وعقد زواج بامرأة ~~تيسالية على الراجح سنة 358. وشهدت تلك السنة ذاتها استخدام القوة بنجاح ضد ~~البيونيين ومن بعدهم الإليريون. كان هذا المزيج من الدبلوماسية والقوة النمط الذي ~~وسم بقية عهد فيليب. # يوجد من الشواهد ما يكفي لأن نستعرض سنوات حكم فيليب الثلاثة والعشرين بالتفصيل؛ ~~إذ تظهر خارطة لحدود المملكة سنة 336 بوضوح انخراط مقدونيا في جميع الاتجاهات. ~~لكن لرسم صورة أعم، سنتتبع علاقات فيليب وهي تتسع من التعاملات مع الشعوب ~~المجاورة إلى أعداء بعيدين كدولة فارس الأخمينية، لكي نميز الطبيعة العامة لمهام ~~فيليب ومسوغات نجاحه أخيرا في إقامة مملكة واسعة مهيبة. من المهم أن ننوه إلى ~~ضرورة أن يكون الجيش المقدوني ناشطا في اتجاهات عديدة في آن واحد للتعامل مع ~~أعداء لم يكونوا مجرد أعداء خطرين في حد ذاتهم، بل كان دأبهم إقامة تحالفات فيما ~~بينهم ضد مقدونيا. # ففي الشمال الغربي، ظل الإليريون يشكلون تهديدا مستمرا طوال حكم فيليب. وعلى ~~الرغم من أن الحملة التي شنتها مقدونيا في إليريا سنة 358 أسفرت عن هزيمة الملك ~~الإليري وجيشه البالغ 7 آلاف رجل، تحالف الإليريون بعد ذلك بسنتين مع أعداء ~~مقدونيا الشماليين الآخرين، وأعني التراقيين والبيونيين، وانضمت أيضا إلى هذا ~~التحالف أثينا من المحيط الإغريقي. وبعد ذلك بأكثر من عشرين سنة، شهدت السنة التي ~~مات فيها فيليب شن حملة ضد الإليريين. وعلى الرغم من أنهم لم يهدءوا، فمن الجائز ~~تماما أن احتواء فيليب تهديد اجتياحاتهم المستمرة لمقدونيا العليا والدنيا، كان ~~شديد الأهمية في تلاشي العداء طوال عهده من جانب أقاليم مقدونيا العليا التي كانت ~~ذات يوم مستقلة. استقطبت إبيروس، الواقعة أيضا جهة الغرب، بسهولة ms067 أكبر إلى المحيط ~~المقدوني سنة 357 بالتحالف مع العائلة الأياكيدية الحاكمة والزواج بأوليمبياس، ابنة ~~ملكها. وأما على الجبهة الشرقية، فستشغل تراقيا الجنود المقدونيين دوما حتى أواخر ~~أربعينيات ذلك القرن. من التضليل أن نتحدث عن تراقيا ككيان واحد، بل كان التراقيون ~~جماعات عديدة يقودها شيوخ عشائر وتحارب بعضها بعضا، وأحيانا تتحالف ضد عدو أجنبي، ~~أو ترى نفعا في إقامة روابط مع شعوب قاصية. ولم يستطع فيليب الاتجاه بأنظاره إلى ~~ما وراء تراقيا، وتحديدا إلى سكيثيا، إلا قرب نهاية عهده. # في إطار التعامل مع الدول الإغريقية، شن فيليب غزواته ضد المنطقة الأقرب إلى حدود ~~مملكته وهي تيساليا سنة 358. ويمكن ربط اثنتين من زيجاته بهذه الغزوات المبكرة، هما ~~زواجه سنة 358 بفيلينا التي تنتمي إلى الأسرة الحاكمة في لاريسا الواقعة شمال ~~تيساليا، ثم بنيكيسيبوليس ابنة مدينة فيراي في جنوب تيساليا بعد ذلك بست سنوات. ~~وعلى الرغم من هذه التحالفات، تطلبت تيساليا مزيدا من الحملات في أربعينيات ذلك ~~القرن. وفي 357 وجه فيليب أيضا اهتمامه إلى الدول الإغريقية شمال بحر إيجة، وهي ~~الدول-المدن العريقة الواقعة في شبه جزيرة خالكيذيكي والمستعمرات الأثينية، أو ~~الحلفاء الأثينيون الموجودون على الساحل المقدوني ذاته، وكذلك شرق شبه جزيرة ~~خالكيذيكي. تدريجيا جر الصراع المقدوني-الأثيني فيليب وقواته أكثر صوب الشرق إلى ~~شرق بحر إيجة ومنطقة بحر بروبونتيس؛ حيث كان الأثينيون يتمتعون بوجود قوي. # في البر الإغريقي الرئيس، نال فيليب بفضل نجاحه المتزايد في تيساليا قرب نهاية ~~الخمسينيات منصبا رسميا آخر وهو «تاجوس»، بمعنى قائد جيوش مناطق تيساليا الأربع ~~جميعها؛ مما مكنه من التصرف رسميا في شئون تيساليا. وجرت الأعمال العدائية ~~من جانب الدول-المدن الشرقية أرجل المقدونيين إلى الشئون الإغريقية في خالكيذيكي؛ ~~إذ استولى فيليب على مركز الحلف الخالكيذيكي في أولينثوس سنة 348. وتمخضت انتصارات ~~مماثلة في أجزاء أخرى من شمال منطقة بحر إيجة عن ضم خالكيذيكي فعليا إلى المحيط ~~المقدوني، فلا غرو أن هب الإغريق الجنوبيون ممن لديهم مصالح في شمال بحر إيجة ~~لحماية تلك المصالح. # في الوقت نفسه أيقنت بعض الدول-المدن ms068 الإغريقية أن قوة الجيش المقدوني يمكن أن ~~تكون أداة تستعمل نيابة عنها، فينصر قضية طرف من الأطراف في الحروب التي لا ~~تنتهي أبدا بين هذه الدول. وفي مطلع الأربعينيات جرت أرجل الجيش المقدوني إلى ~~الحرب الأهلية الإغريقية في وسط اليونان بدعوته إلى خوضها؛ دارت رحى هذه الحرب ~~المعروفة باسم «الحرب المقدسة» بين أعضاء الكيان العريق المسمى الحلف الأمفكتيوني ~~الدلفي، وهم حماة حمى موقع دلفي المقدس؛ إذ أقدمت المشاة الثقيلة التابعة لدولة ~~فوكيس، بمساعدة من مرتزقة، على الاستيلاء على دلفي وكنوزه سنة 356 ردا على غرامة ~~باهظة فرضها أعضاء الحلف الأمفكتيوني الآخرون؛ مما أشعل فتيل حرب في عموم وسط ~~اليونان دامت عقدا من الزمن. أتت الدعوة التي تلقاها فيليب للمساعدة على التعامل ~~مع الدولة الآثمة بالجيش المقدوني إلى وسط اليونان سنة 347، وفي العام التالي ~~استسلمت فوكيس؛ فاكتسب المنتصر، وهو فيليب، دورا رسميا في الشئون الإغريقية من ~~خلال عضويته في مجلس الأمفكتيونية الدلفية العريق. # وجه فيليب خلال ما تبقى من ذلك العقد اهتمامه إلى إليريا من جديد، فشن ~~حملة ضد الملك الإليري، ورتب لتسوية سياسية في تيساليا، وقاد جيشه إلى إبيروس ~~في الغرب وتراقيا في الشرق، زاحفا إلى سكيثيا، ودخل في أحلاف جديدة كالاتفاق الذي ~~أبرمه مع ملك جيتاي، وأسس مستعمرات جديدة. توافد السفراء من جنوب اليونان للتفاوض ~~على اتفاقيات، ودعيت ميسينيا وميجالوبوليس في بيلوبونيز، كمثال، إلى الانضمام إلى ~~الحلف الأمفكتيوني الدلفي بجانب الدول الإغريقية الأخرى وفيليب. # لكن فيليب جد في الوقت نفسه لتقوية الوجود المقدوني في البحر الأسود، فضرب سنة ~~340 حصارا على بيرينثوس وسيليبريا، وهما اثنتان من الدول-المدن الإغريقية المجاورة ~~لبيزنطية، التي لم تنج هي ذاتها من هجماته. أعلنت أثينا الحرب وطفقت تمارس الضغط ~~لدى الإغريق الآخرين لاتخاذ موقف منسق ضد مقدونيا. وعندما اشتعل فتيل القتال في وسط ~~اليونان من جديد في مطلع الثلاثينيات، قاد فيليب جنوده المقدونيين عائدا إلى ~~اليونان بصفته ملك مقدونيا ومسئولا إغريقيا في المجلس الأمفكتيوني الدلفي على حد ~~سواء. فتزعم الأثينيون - إيمانا منهم بأن أهداف فيليب ms069 تتجاوز مجرد إلحاق هزيمة ~~بدولة واحدة صغيرة نسبيا - تشكيل ائتلاف برئاسة أثينا وطيبة بالإضافة إلى ~~الوابيين والآخيين والكورنثيين والميغاريين والليفكاديين والكوركيريين، فالتقى ~~جيشان متقاربان في العدد قوامهما بين 30 ألف رجل و35 ألفا، أحدهما إغريقي والآخر ~~مقدوني، في سهل خيرونية وسط اليونان في صيف 338. # كان النصر المقدوني حاسما بما يتجاوز حدود النتيجة العسكرية؛ إذ أتاح لفيليب ~~إعادة تنظيم طبيعة الحكم في اليونان، فأبرم أولا معاهدات رسمية مع أعدائه في ~~خيرونية تبعا لتاريخ علاقاتهم المختلفة مع مقدونيا، وأقام حاميات في بعض هذه الدول ~~كطيبة، وعمد إلى تغيير الحكومات في بعضها الآخر، ومنح بعضها الثالث استقلالا ~~اسميا كأثينا. ثم اتجه فيليب إلى التسويات السياسية الطويلة الأجل، فمهدت ~~الترتيبات مع الدول والمناطق المنفردة الساحة لتنظيم جماعي جديد لليونان. وحددت ~~الحدود بين الدول استنادا إلى أسس يقال إن أرسطو أعدها لفيليب، فتسنى إزالة ~~دواعي الحرب بين هذه الدول في ظل وجود حدود معترف بها. يتساوى مع هذا في دلالته ~~التوازن الدقيق الذي أقيم؛ إذ أضعفت القوى الكبرى وقويت الدول الضعيفة؛ ~~وعندئذ اتحدت كل هذه الدول، كبيرها وصغيرها، في حلف جديد يسمى الحلف الكورنثي، ~~وكان حلفا هجوميا ودفاعيا على السواء. وبهذا ستظل الدول تتمتع بالاستقلال ~~الذاتي، لكن مع القضاء على الصراعات على السلطة التي شهدها القرنان السابقان؛ إذ ~~سيتشكل مجلس عام يشارك فيه مندوبون عن كل عضو في الحلف يتوقف عددهم على أهمية ~~دولتهم، وسيكون فيليب القائد الأعلى للحلف. ولضمان القوة العسكرية في مواجهة ~~الأعداء الخارجيين، لم يسمح لمواطني الدول الأعضاء بالخدمة لدى قوة أجنبية ضد ~~فيليب أو الحلف، وهو عنصر كان جوهريا في الحملة الهجومية التي شنت ضد دولة فارس ~~وأرسل فيليب تحضيرا لها قوة متقدمة سنة 336. # إن محصلة معركة خيرونية، عسكريا ودبلوماسيا على السواء، مقارنة بهزيمة ~~الجيش المقدوني بقيادة بيرديكاس أخي فيليب الأكبر على أيدي الإليريين سنة 359؛ ~~لهي من أمارات عبقرية فيليب. ثمة أمارة أخرى على عبقريته تمثلت في توسيع رقعة ~~المملكة التي فاقت 16600 ميل مربع (أكثر من 43 ألف كيلومتر مربع)؛ ms070 أي أكثر من ~~مثلي رقعتها في نهاية الحرب البيلوبونيزية. وثمة أمارة ثالثة هي توحيد ما كانت ~~ذات يوم أقاليم مستقلة شديدة التباين تحت قيادة رجل صار آنذاك يحمل العديد من شارات ~~السلطة. ~~(1-4) أسس نجاح فيليب # لم تكن إمكانية التعامل مع التهديدات المستمرة بالغزو والتمرد تتطلب إعادة بناء ~~قدرات القوات المسلحة المقدونية فحسب، بل توسيعها أيضا. كان الجيش الذي ورثه فيليب ~~يشتمل على مشاة وخيالة، وقلنا إن مهارات الفئة الأولى صقلت قبل ذلك بقرن على يد ~~الإسكندر الأول، وأما الفئة الثانية فظلت حكرا على النخبة، لكن قوام أي من الفئتين ~~لم يكن كبيرا. كان بيرديكاس قد فقد 4 آلاف رجل في قتاله ضد الإليريين سنة 359، مما ~~اقتضى من فيليب تعويض تلك الخسارة، بل اقتضى أيضا حشد قوة أكبر استباقا لغزو ~~إليري جديد، واستباقا كذلك للتهديدات النابعة من الشعوب الأخرى المجاورة. وعلى ما ~~يبدو كانت بين يديه سنة 358 قوة قوامها نحو 10 آلاف رجل. وكما رأينا قاد جيشا ~~قوامه بين 30 ألف رجل و35 ألفا في خيرونية سنة 338، وهذه زيادة صارت سهلة المنال ~~مع ضم المزيد من الأقاليم والسكان إلى المملكة المقدونية؛ فمن ذلك الرقم على سبيل ~~المثال، كان عدد خيالته قد ازداد من نحو 600 في بداية حكمه إلى 3 آلاف بنهايته، ~~ويعود بعض الفضل في ذلك إلى نجاحه في تيساليا، الذي أتى بقوة الخيالة اليونانية ~~الأشد فعالية إلى الجيش المقدوني. # ليست الأعداد وحدها هي التي تغيرت في بداية حكم فيليب، بل تغير أيضا التدريب ~~والتنظيم على ما يبدو. لا نستبعد احتمال أنه كان يضع نصب عينيه التغييرات التي ~~سيحدثها، حتى من قبل توليه الملك؛ إذ تزامنت إقامته الجبرية في طيبة مع نجاح ~~تشكيل «الفلنكس» الطيبي بعد إصلاحه في إقامة إمبراطورية مترامية الأطراف. كانت ~~أوجه التشابه واضحة بين جيش فيليب وجيش المشاة الثقيلة الطيبي في القرن الرابع ~~عشر الذي أنشأه بيلوبيداس وإبامينونداس؛ إذ كان أفراد المشاة الثقيلة في كلا ~~الجيشين يحملون حربة أطول لكن يحملون درعا أخف من المشاة ms071 الثقيلة التقليدية، ~~وربما ساعد تخليهم عن أحد دروع منطقة الصدر على جعلهم أسرع وأخف حركة. وأثناء ~~المعارك كانت تتموضع وحدات تتراوح بين 250 و300 رجل على هيئة صفوف بعمق 16 رجلا. ~~وكانت لقوات النخبة أهميتها في التشكيلات الطيبية والمقدونية على السواء؛ ففي طيبة ~~كانت «العصابة المقدسة»، المؤلفة من 150 زوجا من الذكور المتحابين، تشكل وحدة ~~من القوات الخاصة، وأما في مقدون فكانت قوات مشاة النخبة تتألف من 3 آلاف جندي مشاة ~~ملكي. وبالإضافة إلى الابتكارات التي سبق أن رآها فيليب في سني مراهقته وهو رهينة ~~في طيبة، استخدم عناصر أخرى موروثة بأساليب جديدة؛ إذ كان ينشر أفضل الجنود في ~~الجناح الأيسر، ويحميهم بالخيالة على الجنب، وتوسع في استخدام المشاة الخفيفة ~~(رماة السهام ورماة المقاليع والمناوشون) مع استخدامه أيضا بعض الخيالة ~~ككشافة. # هناك شواهد على تشجيعه الترقي في مراتب الجندية من خلال الحوافز؛ إذ كان ~~الترقي من جندي مشاة عادي إلى جندي مدرع (أحد حراس الملك المدرعين) مثلا ~~يجلب راتبا أكبر وشرفا أعظم. كان الحافز الآخر هو قيادة الملك جيشه بنفسه في ~~الميدان، فتلك كانت مسئولية لا تفوض إلى الغير، لكن ازدياد الانخراط في أعمال ~~عسكرية في اتجاهات مختلفة اقتضى إسناد بعض السلطة في ساحة القتال إلى معاونين. ~~كانت الرابطة الثنائية بين جنود المشاة والملك تحقق غاية سياسية وتلبي حاجة ~~عسكرية في آن واحد؛ إذ ورث فيليب - شأنه شأن جميع الملوك المقدونيين - هيكلا ~~اجتماعيا اقتصاديا تتمتع فيه الأسر الأرستقراطية بجانب السلالة الأرغية ~~بمنزلة وثروة كبيرتين. كان يحق لعمداء تلك الأسر، وخصوصا في أقاليم مقدونيا ~~العليا التي كانت ذات يوم ممالك مستقلة، المطالبة بمنزلة تضاهي منزلة الملك ~~الأرغي، وكان الظفر بتعاون هؤلاء الشخصيات مهمة تتطلب جهدا عظيما لم يتسن ~~لكثير من الملوك الأرغيين إنجازها، وذلك على نحو ما يكشف لنا حكم أمينتاس ~~الثالث أبي فيليب. ومن الجائز تماما أن زيادة فيليب عدد الجنود المشاة ورفعه ~~مكانتهم كانا عنصري تعزيز للسلطة الملكية في مواجهة تطاول ~~الأرستقراطيين. # وربما اكتسب فيليب وسيلة أخرى لبناء قاعدة ms072 دعم ملكية تقوم على أصحاب المناصب ~~القيادية في ظل إضافة أراض جديدة إلى المملكة المقدونية؛ إذ قال بعض الباحثين إن ~~الأراضي المفتوحة صارت أرضا ملكية يمنح الأفراد إمكانية استخدامها في مقابل ~~أداء التزامات عينية، وكان هذا يقينا منظور الإسكندر الثالث وخلفائه. وتوجد شواهد ~~على منح الأراضي بغرض اجتذاب الأجانب الراغبين في الاحتراف في الجيش - مثل نيارخوس ~~الكريتي - إلى مقدونيا. لكن لم يكن جميع صحابة فيليب وضباطه من المستجدين، بل ظل ~~يعتمد، مضطرا، على عمداء الأسر النبيلة لتولي المسئوليات الكبيرة. وتتضح ~~حقيقة أنهم أحسنوا خدمته في مقابل حوافز مماثلة للمستجدين من بقائهم حتى صاروا ~~أنصارا للإسكندر، ثم صاروا بعد ذلك مباشرة من رجالات الإسكندر لدى موت ~~فيليب. # عززت الأراضي المكتسبة حديثا قاعدة موارد فيليب من نواح أخرى مهمة؛ إذ ~~أضافت إلى المملكة مزيدا من السكان والمواشي والموارد الطبيعية، وتسنى استخدام ~~الأرض المكتسبة لتأسيس أو إعادة تأسيس مستوطنات بالقرب من الموارد الثمينة ~~لتوفير الرقابة عليها والعمال لاستغلالها. كما كان للمستوطنات الجديدة للمقدونيين ~~ميزة إضافية أيضا بوصفها مراكز ولاء في أقاليم لم تكن من قبل مقدونية. في زمن ~~مبكر وذلك سنة 356، دمج فيليب مستوطنات عدة لإنشاء مدينة فيليبوي في شمال بحر إيجة، ~~غرب الأملاك التراقية مباشرة. كانت المعادن الخام المستخرجة من منطقة جبل ~~بانجايو تدر 1000 وزنة كل سنة للخزانة الملكية، وأما المستوطنة نفسها فكانت ~~بمنزلة دعاية للوجود المقدوني في المنطقة التي كانت آنذاك غير مأهولة بين مقدون ~~وتراقيا. وعندما شن المقدونيون غارات على الأراضي التراقية ذاتها، أقيمت ~~حاميات في المناطق النائية، وصارت المستوطنات الكائنة في بيروي وفيليبوبوليس مراكز ~~سيطرة ونفوذ مقدونية مهمة. بعد ثلاث سنوات أو أربع من إنشاء فيليبوي الأولى، ~~تمخضت أنشطة فيليب في تيساليا عن المستعمرة الكائنة في جومفوي، التي غير اسمها ~~إلى فيليبوي أو فيليبوبوليس. وفي اتجاه الغرب أيضا، زرعت حصون عسكرية في الممرات ~~الجبلية. وإدراكا من فيليب لقيمة المستعمرات من خلال وجود مستعمرات إغريقية في ~~المنطقة المتاخمة للمملكة مباشرة، استولى على المستوطنات القديمة لأغراض مماثلة. ~~ومع استيعاب نجاحاته ms073 للمستوطنات الإغريقية الكائنة على الساحل المقدوني في شبه ~~جزيرة خالكيذيكي، صار فيليب حرا في مزاولة التجارة البحرية مباشرة دون ~~الاستعانة بوسطاء، وباستحواذه على المرافئ أضاف رسوم مرافئ إلى خزانته. # مع اتساع ضلوع فيليب في مناطق جديدة ومختلفة من بحر إيجة، أدرك أهمية ~~التكنولوجيا. وجلبت الصلات المبكرة بين المملكة وتيساليا خدمات بولييديس، الذي ~~ينسب إليه الفضل في وضع تصميمات ميكانيكية جديدة ومبسطة. وربما أنشئت في بيلا ~~ما وصفت بأنها «دائرة فيليب للهندسة الميكانيكية»؛ حيث كان بولييديس ينفذ ~~تصميماته ويدرب أيضا طلابا سيخدمون الإسكندر فيما بعد. على الرغم من عدم ~~اكتمال الشواهد، فلا شك أن فيليب استعمل مجانق تطلق السهام، وربما طورت في عهده ~~آلة حصار الأسوار الالتوائية. كان جيش فيليب يستعين لأغراض الحصار بأبراج يصل ~~ارتفاعها إلى 120 قدما (أكثر من 36 مترا) ومدقات وسلالم. # كانت هذه وغيرها من «دوائر» الهيكل الإداري المركزي ضرورية لإنشاء مملكة قوية ~~والحفاظ عليها. والشواهد على طبيعة هذا الهيكل ضئيلة نظرا لندرة المعلومات ~~الكتابية التي وصلتنا من مقدونيا أثناء القرن الرابع عشر حتى عهد فيليب، لكن هناك ~~شواهد آثارية، وتحتوي السجلات الإغريقية التي وصلتنا من تلك السنوات على معلومات ~~مفيدة، وفي الأوضاع المحلية والوطنية المعروفة لنا مؤشرات دالة. # كانت بيلا قد تحولت إلى مركز المملكة، وربما حدث ذلك مبكرا وتحديدا في عهد ~~أرخيلاوس (413-399)، وفي عهد فيليب اتسعت المدينة. وبما أنها ظلت عاصمة المملكة ~~المقدونية حتى الفترة الهلنستية، فإن معظم الموقع الذي يعود إلى القرن الرابع بني ~~فوقه؛ ومن ثم لم يتسن تحديد موضعه والتنقيب فيه. ومع ذلك فمخطط المدينة واضح ~~نسبيا؛ ففي وسط المدينة كانت هناك ساحة عامة تزيد على 17 آكر (7 هكتارات) يقطعها ~~شارع واسع، وهو جزء من الطريق الملكي، وكان يحيط بالساحة العامة رواق، وكان القسم ~~الشمالي من هذا الرواق ذا طابع إداري، وأما الجنوبي الغربي فكان أرشيفا، وكانت ~~الأقسام الأخرى من المجمع تضم حوانيت ومشاغل. كانت الوحدات الإدارية توجد على ~~الراجح في أجزاء من هذا الرواق. وبالإضافة إلى الأرشيف، كان موظفو ms074 أمانة السر ~~يحتاجون إلى مكاتب. كان ينفق مبلغ لا بأس به من أموال الخزانة انطلاقا من ~~العاصمة، وكانت إدارة الخزانة ومخازنها تشغل وحدة أخرى. وربما كانت «الدوائر» التي ~~تنتج وتصمم فيها الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى وآلات الحصار؛ موجودة ~~في منطقة ما بالرواق الضخم. # يغطي القصر، المقام فوق رابية شمال الساحة العامة، نحو 15 آكر (6 هكتارات). كان ~~هناك فناء أوسط كبير تحيط به ثلاثة مجمعات منفصلة يطل كل منها على فناء كبير؛ ~~كانت إحدى هذه الوحدات تضم حمام سباحة، وربما كانت وحدة أخرى تستخدم كمدرسة مصارعة ~~أو قاعة للتمارين الرياضية. ويمكن استنتاج استخداماتها العديدة من الروايات ~~الكتابية عن الحياة في بيلا. استخدم قسم لا بأس به من هذه المساحة كمسكن لفيليب ~~وزوجاته السبع وأطفالهن وأقاربه الآخرين والعدد الكبير من طواقم العمل المنزلية ~~التي تستلزمها هذه الأعداد. كان هناك رسل يفدون بانتظام للقاء الملك ~~المقدوني؛ ومن ثم خصص مكان يلبي حاجاتهم أثناء وجودهم في بيلا، ومكان ~~آخر مناسب لعقد الاجتماعات مع الملك وموظفي ديوانه. كان هناك شطر من طاقم معاوني ~~فيليب يتعين وجودهم أيضا في أي وقت بعينه، بالإضافة إلى شباب العائلات ~~الأرستقراطية الذين أرسلوا إلى عاصمة المملكة لتلقي التدريب كقادة مستقبليين، ~~والذين كانوا في واقع الأمر في خدمة الملك أثناء سنوات تدريبهم هذه. كانت الندوات ~~الشهيرة التي يعقدها المقدونيون تتطلب مفروشات خاصة وغيرها من التجهيزات، فضلا ~~عن مخازن تستوعب كميات الخمور التي يحتسونها. ضم القصر أيضا مكانا مناسبا لإقامة ~~المناسبات الكبرى كالزفاف والاحتفاء بامتيازات الشرف التي يمنحها فيليب بنفسه. ~~وتظهر أرضيات الفسيفساء المنمقة، والرسوم الجدارية التي رسمها الفنان الإغريقي ~~زيوكس (الذي استقطب إلى مقدون أثناء حكم أرخيلاوس)، والمشغولات الأنيقة الموجودة ~~في بيلا وغيرها من مراكز المملكة؛ العناية التي بذلت والثروة التي استثمرت ~~لخلق درجة معقولة من الأبهة. كانت المزارات المقدسة - كالمنطقة الدائرية ~~المكرسة للربة ديميتر - والمقابر أيضا، جزءا من مشهد مدينة بيلا في القرن ~~الرابع. ليس من الواضح هل كانت بيلا محصنة في مراحلها الأولى أم لا؛ فالشواهد التي ~~بين ms075 أيدينا يعود تاريخها إلى الجزء الأخير من القرن الرابع. # تعود بدايات نشأة الكثير من معالم بيلا إلى العاصمة السابقة آيجي، ويوحي مخطط ~~آيجي بأن بيلا كانت محصنة في مطلع القرن الرابع. من المفيد أن ننوه إلى أن المركز ~~السكني والإداري في العاصمة القديمة كان يقع على هضبة تحول دون وصول الزوار غير ~~المرغوب فيهم إليه، وبالإضافة إلى ذلك كان المركز محصنا بسور جيد البناء. كانت ~~هناك بوابة في الجانب الشرقي يحميها برج دائري، وكان القصر يحتوي على مساكن، وغرف ~~كبيرة للفعاليات الرسمية، ومشاغل. ويدل ما وصل إلى أيدينا من فسيفسائيات وملامح ~~معمارية على كل من الثروة والعناية اللتين استثمرتا في إنشائه. كان المسرح ~~المقام عند سفح الأكروبول وحرم يوكليا - التي أسلفنا ذكرها عند الحديث عن أم فيليب ~~- يشغلان جزءا أساسيا من آيجي. تنم المدافن وما اكتشف من قرابين يعود ~~تاريخها إلى الضريح المرتبط بالإسكندر الأول، عن القوة الصاعدة التي كان يتمتع بها ~~الملوك الأرغيون؛ مما كان يستدعي بدوره مركزية الأنشطة واتساع الاتصالات ~~الثقافية. خلاصة القول أنه مع اشتمال بيلا على هذه الملامح ذاتها وإن كانت ~~مكبرة، لم يأت هذا من فراغ. # ومع ذلك وصف شهود عيان السلطة المنبثقة من بيلا أثناء حكم فيليب الثاني. وفي ~~الروايات الإغريقية التي وصلت إلى أيدينا، وخصوصا روايات الأثينيين ديموستيني ~~وإيسقراط وإيسخينيس، برهان على أن فيليب كان بارعا في الفوز بالدبلوماسية ~~وبالقوة العسكرية، وكلتاهما مهارتان كانتا مطلوبتين من الحكام الأرغيين منذ نشأة ~~المملكة الصغيرة. شارك الملوك المقدونيون قبل زمن فيليب في مفاوضات وأبرموا ~~معاهدات وتحالفات بأسمائهم، ويوجد نقش يتناول المعاهدة المبرمة بين بيرديكاس ~~الثاني والأثينيين يقول: «الآن بموجب العهود والمواثيق التي تلزم بيرديكاس هذا نفسه ~~والملوك الحاضرين مع بيرديكاس ...» وفيما بعد: «اتفق أمينتاس بن أريدايوس ~~والخالكيذيكيون على أن يكون كل منهما حليفا للآخر ضد الجميع لمدة خمسين سنة». ~~ودخل فيليب في أحلاف مماثلة منذ سنواته الأولى على العرش. لا ريب أن الملك كان ~~الممثل الطبيعي لمملكته، ويفترض أنه كان يتصرف بما يخدم مصالح المقدونيين ~~ورفاههم؛ ms076 لكن على ما يبدو لم تكن هناك هيئة رسمية غير الملك ترتب مثل هذه ~~المفاوضات؛ ومن ثم كانت هذه السمة من سمات الحكم على ما يبدو امتيازا ملكيا. ~~الأهمية المتزايدة لتقوية التحالفات الجديدة من خلال الزواج عنصر آخر من عناصر ~~الدبلوماسية المقدونية التي اقتصرت فيما يبدو على الحكام الأرغيين؛ وفي ضوء هذا ~~يمكن - ولو جزئيا على الأقل - إدراك الغرض من معظم زيجات فيليب السبع، إن لم يكن فيها ~~كلها. علاوة على ذلك، فإن عدد زيجاته أمارة تنم عن دور مقدون المتنامي بسرعة في ~~محيطها الأكبر، وهو شمال شرق منطقة البحر المتوسط. # بالإضافة إلى المهارات الدبلوماسية واكتساب المناصب الرسمية، كانت هناك سمة أخرى ~~مفيدة يتسم بها الملك الناجح؛ وهي القدرة على المكر. وتشير الروايات إلى أن فيليب ~~كان بارعا بشدة في الحيل؛ إذ كان يستعمل على سبيل المثال رسائل خداعية لكي ~~يعترضها العدو. فلاكتساب موقع مميز لخيالته في المعركة التي وقعت أخيرا في سهل ~~خيرونية سنة 338، «سمح» بأن يعترض العدو الإغريقي كتابا بعث به إلى قواته؛ إذ ~~كشفت المعلومات التي جاءت في الكتاب عن أنه يوشك على الانسحاب من موقعه الحالي، ~~وبتلقي هذه الأخبار السعيدة، تراخت قوات العدو، وفي تلك الليلة ذاتها، اقتحم ~~فيليب وجنوده فرجة ضيقة بين الجبال للاستحواذ على الموقع المنشود. وكان قد أرسل ~~كتابا خداعيا آخر في السنة السابقة عندما سيق أسطوله إلى البحر الأسود، ~~وشلت حركته هناك على أيدي الأسطول المعادي، فساعدت التعليمات التي جاءت في ~~الرسالة على إلهاء قادة أسطول العدو بما يكفي لتتمكن السفن المقدونية من الإفلات. ~~كان فيليب بارعا أيضا في إثارة الفرقة بين أعدائه، وفي دعم الجماعات المؤيدة ~~للمقدونيين في اليونان. وكانت التكتيكات الأخرى تسير جنبا إلى جنب مع القوة ~~العسكرية، وتعززها. # سمح مزيج من هذه المهارات لفيليب بإضافة مناصب رسمية أخرى إلى جانب ملك مقدونيا؛ ~~إذ صار «تاجوس» تيساليا سنة 352، وهو منصب موثق منذ القرن السادس عشر، ويمكن ~~تعريفه بأنه وسيلة للجمع بين مناطق تيساليا الأربعة، التي تتمتع بدرجة كبيرة من ~~الاستقلال، ms077 في عمل تعاوني في المواقف التي تتطلب قوة أكبر مما يمكن لمنطقة ~~منفردة حشده. ونرجح أنه كان يجري في البداية انتخاب تاجوس «فيدرالي» للحالات ~~الطارئة المؤقتة فقط، لكن قيام تحالفات أكبر في اليونان بوجه عام في القرنين الخامس ~~والرابع حول هذا المنصب إلى منصب دائم. وفر منصب تاجوس في يدي فيليب الأساس ~~اللازم لعملية إعادة تنظيم تيساليا سنة 344. وجلبت التسوية المقدونية للحرب بين دول ~~وسط اليونان سنة 346 معها منصبا رسميا آخر للملك المقدوني؛ إذ منح فيليب لدى ~~هزيمته دولة فوكيس المارقة الصوتين اللذين تتمتع بهما في المجلس المؤلف من 12 ~~عضوا المشرف على أمن دلفي. وجهت إليه أيضا الدعوة لتنظيم دورة الألعاب البيثية ~~الجديدة، وشرع في إنشاء نصب فيليبون داخل حرم أوليمبيا. وزيادة على حماية الموقع ~~المقدس، كان بوسع أعضاء المجلس القيام بعمل منسق للحفاظ على أمنه. # غير أن الأكثر إثارة للإعجاب كان إنشاء فيليب حلفا جديدا باسم الحلف الكورنثي ~~مع توليه شخصيا منصب زعيم الحلف أو قائده الأعلى. كان هذا الحلف، الذي جاء في ~~أعقاب الانتصار المقدوني في خيرونية سنة 338، أحد مظاهر السلطة المقدونية على ~~الدول الإغريقية، وكان أيضا محاولة لإنشاء نظام جديد داخل اليونان تكون مقدون ~~وملكها جزءا لا يتجزأ منه. كان ترتيب تسويات مع الدول الإغريقية منفردة خطوة ~~أولى حتمية؛ فرسمت حدود هذه الدول، ربما بمساعدة أرسطو وتلاميذ مدرسته، للقضاء ~~على واحد من أهم أسباب الشقاق في اليونان. وفي إطار عملية تحديد رقعة كل دولة ~~ومكانتها، كافأ فيليب بعضها وعامل بعضها الآخر بقسوة على أساس علاقاتها السابقة مع ~~مقدونيا، فأقيمت حامية في طيبة على سبيل المثال، أما الأيتوليون فأعطوا موقع ~~نافباكتوس الاستراتيجي على الخليجي الكورنثي، وعوملت أثينا بسخاء على الرغم من ~~دورها القيادي في الصراع ضد فيليب، وأما إسبرطة فجرى تجاهلها أساسا. على نحو ما ~~سنبين فيما بعد، كان فيليب على دراية بعقد المعاهدات في العالم الإغريقي، والحقيقة ~~أنه كان بالفعل طرفا في العديد من التحالفات، ومنها الحلف الأمفكتيوني الدلفي ~~العريق، ومعاهدة الهجوم والدفاع المشترك مع ms078 الحلف الخالكيذيكي، واتفاقية السلام ~~المشترك بين فيليب وحلفائه وأثينا وحلفائها المعروفة باسم «سلام فيلوكراتيس». ~~واستخدم فيليب هذه الممارسات المألوفة في بناء حلفه الجديد الذي جمع بين معاهدة ~~للسلام المشترك ومعاهدة للهجوم والدفاع المشترك. # بعد التوصل إلى اتفاقات فردية، أنشئ مجلس حاكم يتألف من مندوبي الدول ~~المتحالفة، وكانت تتخذ قرارات بشأن العمل المشترك في المجلس، الذي كان يقوم ~~أيضا بدور محكمة التحكيم في النزاعات ويتخذ إجراء ضد من ينتهك مراسيم الحلف، ~~وكان زعيمه فيليب يجمع بين منصبي المسئول الأول والقائد الأعلى للقوات المسلحة. ~~التقى مندوبو الدول الأعضاء في كورنثة لحضور مؤتمر في شتاء 338 / 387، ومن بين كل ~~الدول الكبرى لم ترسل إسبرطة مندوبين عنها. وأعلن فيليب عن اتفاقية سلام مشترك ~~تضمنها مقدون. وإدراكا للحاجة إلى قوة للحفاظ على السلام، تأسس مجلس مؤلف من ~~ممثلين من جميع الدول الأعضاء، وكانت الأصوات تخصص تبعا لقوة الدولة العسكرية. ~~ويوجد نقش وصل إلى أيدينا (تود، الطبعة الثانية، 177، 17-22) يصف القسم الذي يؤديه ~~الأعضاء: «إذا تصرف أحد بطريقة تناقض الاتفاقيات، سأقدم مساعدة عسكرية على ~~النحو الذي يحتاج إليه المتضرر، وسأخوض الحرب ضد منتهك معاهدة السلام المشترك ~~على النحو الذي يقتضيه المجلس العام ويأمر به القائد الأعلى.» وهكذا كان الحلف ~~أيضا حلفا للهجوم والدفاع المشترك، ويتولى فيليب باعتباره قائده الأعلى حشد ~~قوة مناسبة لأداء المهمة. كانت الاتفاقية تشتمل أيضا على الاعتراف بالتسويات ~~الفردية التي رتب لها فيليب في أعقاب انتصاره في خيرونية، وهي ترسيم الحدود ~~وتحديد الهيكل السياسي لكل دولة داخل هذه الحدود. كانت هذه الشروط تسري على مقدون ~~كما تسري على اليونان، وهكذا ضمن ملك فيليب وذريته مستقبلا مثلما ضمنت ~~دساتير الدول اليونانية، وعين مسئولون مخصوصون - ربما اختيروا من بين أعضاء ~~المجلس العام - لترصد انتهاكات هذه الاتفاقيات. # كان أحد الإجراءات الأولى التي اتخذها المجلس العام للحلف إعلان الحرب على بلاد ~~فارس في 337 / 336 بناء على أوامر فيليب. وعلى الرغم من إرسال فيليب قوة متقدمة ~~إلى شمال غرب الأناضول، فإنه لم يعش ليجرد الحملة بكامل قوتها، ms079 وكان خليفته ~~هو من اضطلع بهذه المهمة. ~~(1-5) إنجازات فيليب الثاني # يقال إن ديموستيني وصف فيليب بأنه أذكى الرجال أو أعظمهم مهابة؛ لأن كلمة ~~«دينوس» الإغريقية تحمل المعنيين. ويمكننا أن نلخص تلخيصا مباشرا إنجازاته على ~~الأصعدة العسكرية والدبلوماسية والشخصية لنحصل على فهم أتم للرجل الذي ~~سيخلفه. # جعل فيليب من مقدونيا مملكة مستقرة بعد توليه السلطة في أعقاب هزيمة كارثية أودت ~~بحياة أخيه، الذي كان ملك البلاد آنذاك، ومعه 4 آلاف رجل، فاستطاع إعادة تأكيد ~~السيطرة على المناطق التي انفصلت فعليا عن المملكة أثناء العقود الأربعة الأولى ~~من القرن الرابع، ثم إضافة مساحات كبيرة من الأراضي الجديدة. ضاعفت نجاحاته ~~مساحة المملكة إلى أكثر من ضعف ما كانت عليه في نهاية الحرب البيلوبونيزية، ~~وازداد أيضا سكان المنطقة الخاضعة للسيطرة الفعلية زيادة حادة من نحو 228 ألفا ~~في نهاية القرن الخامس إلى نحو 700 ألف أثناء حكم فيليب الثاني. بالإضافة إلى ~~المساحة، عززت آليات السلطة المركزية، فأعيد إصلاح الجيش، وأصل الولاء ~~للملك، وزادت الاستثمارات في الطرق والحصون والمستوطنات الجديدة في الأراضي ~~المفتوحة إمكانية مواصلة السيطرة من بيلا، ووفرت الإدارة الملكية للموارد ~~ما يلزم لتنفيذ هذه الخطوات. # بتوسيع فيليب رقعة مملكته وزيادة قدرتها على البقاء، وسع مجال النفوذ ~~المقدوني ليشمل اليونان وتراقيا وإليريا وإبيروس على الساحل الأدرياتي. ومكنته ~~مهاراته الدبلوماسية الرفيعة من اكتساب الأنصار حتى من بين الإغريق، والأكثر من ذلك ~~أنها جلبت له مناصب رسمية في هيئات مهيبة مهمة. كان فيليب يعرف المؤسسات الإغريقية ~~معرفة جيدة بما يكفي ليقيم الهيئات المقدونية الجديدة على غرار تلك المؤسسات، ~~وفوق ذلك فإن براعته في ترتيب المعاهدات، التي ساندها غالبا الزواج من إحدى ~~بنات الطرف الآخر، خدمته جيدا. # يثني المؤرخ ديودورس الصقلي على مناقب فيليب الشخصية وشجاعته و«تألق شخصيته» ~~(الكتاب السادس عشر، 1، 6). قاد فيليب قواته في الحرب وأثخن بالجراح ليثبت أنه ~~كان يحارب في الطليعة، ومن ذلك فقدانه إحدى عينيه في معركة خاضها في ميثوني. كان ~~يتعامل مع معاونيه مباشرة في مسائل الحرب والإدارة، جامعا الخدمات والموارد ms080 ~~الضرورية من حوله في العاصمة بيلا. ولعب دورا مباشرا في مجالس كبار مسئوليه، ~~وكذلك في الندوات الضخمة المتكررة وفي الاحتفالات التي كانت ترافق المناسبات ~~الكبرى. # ولدى موته سنة 336، كان يهيئ موارد مملكته وحلفائه في الحلف الكورنثي لشن ~~المزيد من الغارات، التي كانت هذه المرة شرقا داخل أراضي الإمبراطورية ~~الفارسية. # من نافلة القول أن فيليب كان أكثر بكثير من مجرد جزء من عالم الإسكندر؛ إذ أضفى ~~على ذلك العالم شكله وهيئته. كانت مقدون مملكة مترامية الأطراف، لديها من ~~القوات المسلحة والتنظيم ما يبشر بالبقاء، وتمكن ملكها من إخضاع أعدائه ~~السابقين من إليريا إلى تراقيا، ومن بيونيا إلى جنوب اليونان. كان النصر العسكري ~~يستند إلى جيش أعيد تكوينه وهيكلته وعزز ولاؤه لزعيمه، وهو الملك المقدوني، ~~باستحداث نظام لتجنيد أبناء الأسر المقدونية الأرستقراطية، والفلاحين الذين ~~تحمسوا لترك الرعي واحتراف الجندية، والجنود المحترفين غير المقدونيين. كانت ~~بيلا آخذة في التحول إلى مركز أنشطة لا غنى عنه لدولة جيدة التنظيم. واستحدث ~~فيليب خارج مقدون ذاتها أشكالا جديدة من التحالف مع الأقاليم التي كانت ذات يوم ~~مستقلة، وصار القوة الموجهة في تلك التحالفات. كان نجاحه آخذا في تحويل بيلا ~~إلى مركز نشاط دولي. # كان فيليب، بالتحول الذي أحدثه في القوة المقدونية، نموذجا لما يمكن أن ~~ينجزه ملك أرغي، وسيكون لزاما على خليفة ذلك الرجل أن يكون رجلا مدهشا بالقدر ~~ذاته. بلور فيليب إرثا للملك الأرغي الذي سيرثه أعظم بكثير من الإرث الذي ناله ~~سنة 359، لكنه رفع بذلك أيضا مستوى المهارات الشخصية والاحترافية الضرورية للحفاظ ~~على نفوذ المملكة. ~~(2) أوليمبياس # كان النصف الآخر من نسب الإسكندر مهما بالقدر نفسه؛ إذ شكلت الأم مستقبل ~~ابنها بطرق تتجاوز تماما حدود كونها الواهبة لحياته. كان زواجها بفيليب عنصرا ~~أساسيا من عناصر التحالف بين إبيروس ومقدون، الذي جمع بين أسرتين حاكمتين بالوسائل ~~السلمية لا العسكرية. لكن كما رأينا، أبرم فيليب ست زيجات دبلوماسية أخرى، مما ~~تمخض عما يمكن رؤيته كبيئة تنافسية تناضل فيها الزوجات ليضمن لأنفسهن المكانة ~~ولأولادهن النجاح في المستقبل. كان ms081 لزاما على الأم أن تحمي نفسها وأبناءها وبناتها ~~أثناء طفولتهم وشبابهم، وتشكل الظروف التي يمكن لأبنائها أن يترعرعوا فيها ويبرهنوا ~~على قدراتهم لكي يرثوا العرش أو ليصير بناتها زوجات لرجال مهمين. لم تكن تلك بالمهمة ~~السهلة في ظل أحسن الظروف، بل كانت أصعب على أم الإسكندر؛ لأنها لم تكن أرغية. # شكل 3-6: رأس عاجي من زينة حامل التابوت المطعم بالذهب والعاج في الغرفة ~~الرئيسة بالمدفن الملكي الثاني في فيرجينا، ويعتقد أنه رأس ~~أوليمبياس. بإذن من السيدة أوليمبيا أندرونيكو-كاكوليدو. # كانت أم الإسكندر تدعى أوليمبياس، لكن من الجائز أن اسمها الأصلي كان ميرتل، ولم ~~تكن مقدونية المولد بل كانت من إبيروس، الواقعة في المنطقة الشمالية الغربية من اليونان ~~في البر الرئيس قبالة كورفو، وهي ملاصقة تقريبا لتيساليا وإن كانت تفصلها عن تيساليا ~~جبال بيندوس. عدد المؤرخ ثيوبومبوس، الذي عاش في القرن الرابع، 14 قبيلة هم سكان ~~المنطقة، وكانت قبيلة المولوسيين إحدى هذه القبائل، ونجحت هذه القبيلة في إقامة دولة ~~قوية بقيادة ملكها نيوبتوليموس بحلول عام 370 تقريبا. كانت أوليمبياس واحدة من ثلاثة ~~أبناء أنجبهم نيوبتوليموس؛ كانت لها أخت تسمى ثواس وأخ يسمى الإسكندر توج ~~ملكا على المولوسيين سنة 342، وبعدها نجح في توحيد إبيروس وتوسيعها أثناء حكمه الذي ~~دام 12 سنة. يمكن تأريخ زواج فيليب بأوليمبياس حوالي سنة 357، وولد ابنهما سنة 356 ~~وابنتهما كليوباترا بعده بنحو سنتين أو ثلاث. ورتب هذا الزواج بين فيليب وعم ~~أوليمبياس الذي خلف أبيها على العرش. # شجع على عقد هذا الزواج الكثير من المنافع المتبادلة، وتوحي الصعوبات ~~المستمرة التي واجهها المقدونيون مع الإليريين شمال إبيروس بأن المنفعة المحققة من ~~اتخاذ حليف مقرب على الحدود الجنوبية للأرض الإليرية كانت عاملا مهما. كانت ~~العلاقة بين مقدون وإبيروس قوامها الود لا العداوة، وازدادت وثاقة بزواج عقد سنة ~~337 جمع كليوباترا ابنة فيليب وأوليمبياس بالإسكندر شقيق أوليمبياس الذي كان آنذاك ~~ملكا على مولوسيا. كان النفوذ الهيليني القوي آصرة أخرى بين المملكتين بحلول ~~خمسينيات ذلك القرن. كان المولوسيون، أو على الأقل النخب منهم، ms082 يتحدثون الإغريقية، ~~ويعود نسبهم إلى نيوبتوليموس بن آخيل، على نحو يشبه الصلة الأرغية بهرقل. والرواية ~~التي ذكرها بلوتارخس عن وقوع فيليب في حب أوليمبياس أثناء تكريسهما في طقوس دينية في ~~جزيرة ساموثراكي الإغريقية؛ قد تنم عن مستوى الأغرقة في كل من إبيروس ومقدونيا ~~الدنيا بحلول منتصف القرن الرابع (الإسكندر، 1). من الواضح، في عيني بلوتارخس على أية ~~حال، أن هذا برهان على أن الزواج الدبلوماسي يمكن أن يشتمل على غرام شخصي. # سواء أكان هذه الزواج يشتمل على عنصر غرامي أم لا، من المهم أن نتذكر أن أوليمبياس ~~لم تكن سوى واحدة من زوجات فيليب السبع. ومع أن ترتيب الزيجات ليس مؤكدا بالكلية، ~~فبحلول وقت زواجه بأوليمبياس كانت تحته ثلاث زوجات أخريات، وهن: أوداتا ابنة الملك ~~الإليري، وفيلا ابنة العائلة الإيليمية الحاكمة في مقدونيا العليا، وفيلينا ابنة إحدى ~~العائلات التيسالية الحاكمة المهمة. وفي مرحلة متأخرة من عهده تزوج بثلاث نسوة، وهن: ~~نيكيسيبوليس ابنة مدينة فيراي التيسالية، وميدا التراقية، وكليوباترا المقدونية، التي ~~ربما كانت أرغية، أو التي إن لم تكن من السلالة الحاكمة فربما كانت من أسرة مقدونية ~~نبيلة. تذكر المصادر أن هذا كان زواجا قائما على حب، لكن كما رأينا فإن الملك يجب أن ~~يضمن عقد علاقات طيبة مع نخب مملكته. # لا يبدو أن نسب الزوجة كان عاملا حاسما في مسألة الخلافة؛ فيوريديكا أم فيليب كانت ~~من أصل إليري ولنكستي، وأما جايجيا زوجة أبيه الثانية، فربما كانت من بنات السلالة ~~الأرغية، وقد خلف أبناء يوريديكا أباهم، وأما أبناء جايجيا فحاكوا المؤامرات للفوز ~~بالعرش لأنفسهم. كذلك كانت أوليمبياس إبيروسية، وأما زوجة فيليب السابعة فكانت من أسرة ~~مقدونية ذات نفوذ. إذن فالقرار بشأن الخلافة كان يتوقف على عوامل أخرى غير الانتماء ~~إلى السلالة الأرغية، وكان نفوذ الأمهات النسبي لدى فيليب يقينا ذا شأن كبير. على ~~الرغم من أن وجود أمارات واضحة على ما يتمتع به ورثة العرش المحتملون من مقدرة ~~سيكون أيضا حاسما، كنت ترى في الوقت نفسه كل زوجة لفيليب لها ابن منه ms083 تسعى جاهدة ~~للارتقاء بمهارات ابنها، وربما كان الإضرار بفرص المنافسين من بين السبل التي ~~استخدمنها. # ليس معروفا في أي مكان من مجمع القصر كانت تعيش أوليمبياس وزوجات فيليب الأخريات، ~~ولعل أحد الأجنحة الثلاثة كان مصمما لاستخدامه كمسكن. وحتى لو كان لكل واحدة من ~~الزوجات العديدات وأولادهن بيت منفصل، فمن المؤكد أن الوضع كان سيتمخض عن منافسة؛ فكما ~~رأينا، كانت الثقافة المقدونية ثقافة تنافسية بعمق من نواح كثيرة. ويدل دور يوريديكا ~~في تأمين وراثة العرش لأبنائها بدلا من أبناء جايجيا، على أن زوجات الأسر النخبوية ~~وبناتها كن يتصرفن بأسلوب مماثل للمقدونيين الذكور. وتبرهن أدوار أوليمبياس ~~وابنتها، وكانت تسمى كليوباترا أيضا، على أن النساء كن يستطعن الحكم في غياب ~~الملوك، ويستطعن قيادة الجيوش وقتل المنافسين. # على الرغم من أن الغرض الأولي من زيجات فيليب والملوك المقدونيين الآخرين المتعددة ~~يكمن في قيمتها في إقامة التحالفات مع الدول الأخرى؛ يوجد غرض ثان صار مساويا لذلك ~~في الأهمية، وهو ضمان سلسلة من ورثة العرش المقدوني. كانت لدى فيليب شواهد قوية على ~~أن أي ملك مقدوني ليس آمنا على حياته؛ إذ مات أبوه وأخواه الكبيران قتلى، وكان له في ~~ابن أخيه منافس محتمل. وكما رأينا فإن من مهامه الأولى كملك القضاء على المنافسين ~~المحتملين الآخرين، وخصوصا إخوته لأبيه من جايجيا. كان يقينا على دراية أيضا بأن ~~أطفالا كثيرين لا يطول بهم العمر أكثر من سنواتهم الأولى لأسباب طبيعية؛ ومن ثم فمن ~~المسئوليات الأساسية المنوطة بزوجات الملك أن يلدن الأبناء ويحافظن على حياتهم. كان ~~الشطر الثاني من هذه المسئولية صعبا حتى لو لم توجد إلا زوجتان، كما في حالة أمينتاس ~~أبي فيليب. وتمخض هذا التنافس بين زوجات فيليب السبع عن وضع أكثر تعقيدا. # علاوة على ذلك، يبرهن هذا على خصلة أخرى من خصال أوليمبياس، فتفانيها في العناية ~~بولديها وإصرارها على تأمين نجاحهما سمة بارزة في قصة حياتها منذ مولد طفلها الأول ~~الإسكندر إلى وفاتها سنة 315. يقال إنها كانت تدس لفيليب أريدايوس، وريث فيليب ~~المحتمل الآخر، عقاقير لتضعف ms084 عقله وجسده (بلوتارخس، الإسكندر، الفصل 77). عند زواج ~~فيليب زيجته السابعة والأخيرة بكليوباترا سنة 337، أدى الشجار الذي نشب بينه وبين ~~الإسكندر إلى رحيل أوليمبياس والإسكندر عن مقدونيا، ثم جرت ترضية في السنة التالية ~~اقترنت بزواج كليوباترا ابنة فيليب وأوليمبياس بخالها أخي أوليمبياس. # بعد مقتل فيليب سنة 336، وإعلان الإسكندر ملكا، مارست أوليمبياس وابنتها نفوذا ~~كبيرا في مولوسيا ومقدون عندما كان الإسكندر على رأس حملته ضد الفرس. وتمكنت أوليمبياس ~~من النجاة من العشر سنوات الوحشية التي تمخض عنها موت الإسكندر؛ إذ كانت تعمل بالتنسيق ~~مع ابنتها كليوباترا وتسعى جاهدة إلى الحفاظ على حياة حفيدها الإسكندر الرابع ابن ~~الإسكندر ورخسانة لكي يخلف أباه، وكان ذلك يتطلب القضاء على المرشحين الآخرين. ~~وتتحمل أوليمبياس المسئولية عن موت زوجة فيليب السابعة ووليدها بعد مقتل فيليب بفترة ~~وجيزة. وفي الفترة التي أعقبت موت الإسكندر، عملت أوليمبياس بالتنسيق مع طامح آخر إلى ~~الخلافة، وهو كاساندروس، لإنهاء حياة فيليب أريدايوس وزوجته، ثم ماتت أوليمبياس أخيرا ~~على يدي شريكها المتآمر هذا ذاته، بينما سمح للإسكندر الرابع وأمه بالعيش خمس ~~سنوات أخرى قبل أن يقضى عليهما. وأما ابنتها فتمكنت من النجاة فترة أطول - وإن كانت ~~رهينة في آسيا الصغرى - حتى سنة 309 تقريبا. # ربما كان النجاح في تنشئة أطفال فطنين وأذكياء مهمة تشغل وقت الأم كاملا، ولا تشير ~~الشواهد إلى لعب النساء دورا رسميا في حكم المملكة. ولعل الواقع أن النفوذ غير ~~الرسمي الذي تتمتع به أم الملك كان يزاد غالبا أثناء حكم ابنها؛ إذ شهد رجل الدولة ~~والخطيب الأثيني إيسخينيس أن يوريديكا، زوجة أمينتاس الثالث وأم فيليب الثاني، أقنعت ~~القائد الأثيني إفيكراتيس بحماية العرش لابنيها اللذين تبقيا على قيد الحياة بعد مقتل ~~ابنها الأكبر الإسكندر (إيسخينيس، «عن السفارة» الكتاب الثاني، 26-9). وربما نستدل على ~~نفوذ أوليمبياس لدى فيليب مما قام به هذا الأخير من رفع أخيها الإسكندر على العرش ~~المولوسي. # لعبت أوليمبياس، شأنها شأن يوريديكا، دورا أبرز أثناء حكم ابنها الإسكندر؛ ففي بداية ~~ذلك الحكم كان قتل زوجة فيليب الأخيرة ورضيعها ms085 مدفوعا، جزئيا على الأقل، برغبة ~~أوليمبياس في تأمين الحكم لابنها. وبمجرد أن سار الإسكندر في حملته ضد بلاد فارس، باتت ~~أوليمبياس وكليوباترا صاحبتي نفوذ باسميهما. ومع أن الإسكندر أسند الوصاية على عرش ~~مقدون إلى أنتيباتروس بعد 334، تحدثنا رواية بلوتارخس عن تآمر أوليمبياس وكليوباترا ~~عليه؛ إذ يقول بلوتارخس إنهما «اقتسمتا المملكة فيما بينهما» (الكتاب الثامن والستون، ~~3). وتشير خطابات يزعم تبادلها بين أوليمبياس والإسكندر - إن صحت نسبتها - إلى آصرة ~~دائمة بينهما، وإن كنا لا نستطيع معرفة ما إذا كانت آصرة حب أم احتياج متبادل. ~~ويقال إن أوليمبياس قدمت قربانا في دلفي من غنائم الحرب التي أرسلها ابنها. ووليت ~~أوليمبياس بجانب ابنتها المسائل العامة باسمها في مقدون وإبيروس على السواء. ويورد ~~نقش (مطبوعة سوبليمنتوم إبيجرافيكوم جرايكوم، المجلد التاسع، 2) أسماء مستلمي الحبوب ~~المجلوبة من قوريني في شمال أفريقيا؛ إذ نجد أن جميع المستلمين دول، لكن أوليمبياس ~~وكليوباترا مسجلتان بالاسم، وهو وضع لا يختلف عن الشواهد المستمدة من المعاهدات التي ~~تأتي على ذكر الملك المقدوني بالاسم كواحد من الأطراف. # حتى من دون مظلة دعم الإسكندر، ظلت أوليمبياس تلعب دورا كبيرا في الأحداث بعد موت ~~غريمها أنتيباتروس سنة 319، ولدى عودتها إلى مقدونيا من إبيروس سنة 317، تولت حماية ~~حفيدها الإسكندر الرابع، محاولة تأمين العرش له وحده بدلا من استمرار تقسيم السلطة ~~الذي استقر عليه في بابل، والذي تمخض عن تقاسم الإسكندر الرابع وفيليب أريدايوس ~~الحكم. يختار المقدونيون صف أوليمبياس والإسكندر الرابع، ربما بدافع العاطفة تجاه ابن ~~الإسكندر الثالث، وإن كان أيضا بفعل الإعجاب بقوة شخصية أوليمبياس ذاتها. ونظرا لأن ~~الملك الصغير الإسكندر كان بالكاد في السادسة من عمره، كانت أوليمبياس تسير الشئون، ~~التي بدأت بمقتل أريدايوس وزوجته حفيدة فيليب الثاني من زوجته الإليرية أوداتا. ويروى ~~أن أوليمبياس كانت أيضا وراء مقتل مائة من أنصار كاساندروس بن أنتيباتروس، ومقتل أشقاء ~~كاساندروس، الذين كانوا خصوما مؤكدين لغريمة أبيهم. وفي 315 أجبرت أوليمبياس على ~~الاستسلام لكاساندروس هذا ذاته، وماتت بعد ذلك بفترة وجيزة. # وفقا للتقدير القائل بأن أوليمبياس كانت تبلغ ms086 من العمر 16 أو 17 سنة عند زواجها ~~بفيليب، تكون قد ناهزت 70 سنة أثناء جهودها نيابة عن حفيدها. وتقدم لنا هذه المعلومة ~~فكرة ثاقبة عن طبيعتها وشخصيتها؛ إذ كانت في كامل قواها البدنية والعقلية، وقد شحذتها ~~لا شك طبيعة الحياة في إبيروس ومقدونيا وكذلك نضالها للحفاظ على حياتها وحياة ولديها ~~وجعلهما مرشحين مناسبين للخلافة كما في حالة الإسكندر، أو لزواج مهم كما في حالة ~~كليوباترا. # ومن الجائز تماما أن معتقداتها الدينية قوت إحساسها بالنفوذ. وتبين الإشارات ~~التي يوردها بلوتارخس إلى أوليمبياس أنها كانت، كحال نساء كثيرات في «هذه المنطقة»، ~~من أتباع الديانتين الأورفية والديونيسية في آن واحد. ولو تذكرنا أن الشاعر يوربيديس ~~استلهم مأساته «الباخوسيات» من الأحداث التي جرت أثناء إقامته في مقدونيا، فربما يؤكد ~~هذا عموما صحة ارتباط أوليمبياس بالطقوس الديونيسية. يمضي بلوتارخس قائلا: «كان من ~~عادة أوليمبياس أن تدخل في حالات من التلبس وتسلم نفسها لإلهام الإله بانفعال أشد ~~جموحا حتى من الآخرين، وكانت تشرك في المواكب الاحتفالية أعدادا من الثعابين ~~الكبيرة التي روضتها بيدها؛ ما كان يرعب المتفرجين الذكور» (الإسكندر، الكتاب ~~الثاني). ويقال إن فيليب اكتشف ذات ليلة أحد هذه الثعابين ممددا بجوار أوليمبياس وهي ~~نائمة (الإسكندر، الكتاب الثاني). ويروى أنها أخبرت الإسكندر بحقيقة حملها به، فقالت: ~~«إن صاعقة أصابت رحمها، فتلا ذلك وميض يخطف الأبصار خرج من نار عظيمة.» # والمنطقي أنها كانت تفخر بانتماء أسرتها إلى نيوبتوليموس ابن آخيل، وتذكر ابنها ~~وبنتها بنسبهما البطولي. ومن الجائز تماما أنها أكدت هذه المعلومات وغيرها ~~كتابيا حتى وهي بعيدة عن ولديها، وتدل الروايات التي تتحدث عن تراسلها والإسكندر ~~فيما كان في حملته؛ على تلقيها تعليما رسميا لمبادئ القراءة والكتابة، وهو شيء يمكن ~~توقعه بين أفراد الأسر الحاكمة في إبيروس ومقدونيا اللتين تطبعتا بالثقافة ~~الإغريقية. # خلاصة القول أن أوليمبياس كانت شخصية قوية في أسرتين مالكتين. وبما أن نساء الأسرة ~~المالكة المقدونية لم يكن يشغلن مناصب سلطة رسمية معترفا بها، كان نفوذها ~~مستمدا من سماتها ومناقبها الشخصية. ومن الجائز تماما ms087 أن النساء كن يمارسن سلطة ~~أكبر، حتى وإن لم يشغلن منصبا رسميا، خصوصا في خضم الاضطراب الذي تمخض عن مقتل ~~فيليب، ثم عند رحيل الإسكندر إلى الشرق، وفي الفوضى التي وقعت في أعقاب موته. كان ~~العالمان السياسيان اللذان عاشت فيهما أوليمبياس وكليوباترا يتيحان فرصا غير عادية؛ إذ ~~تركت كليوباترا كوصية على عرش مولوسيا عند رحيل زوجها لشن حملة منكوبة في إيطاليا، ~~واستمرت في السلطة عندما مات أثناء تلك المغامرة. واكتسبت كليوباترا أيضا أهمية ~~إضافية بعد موت زوجها كزوجة محتملة لأحد خلفاء الإسكندر، لكن لم يعش أي من ~~الأزواج المحتملين طويلا ليتزوجها. # لم تطلب أوليمبياس كزوجة، بل فتح الصراع على العرش المقدوني بابا لنشاطها ما دامت ~~رغبتها قوية في الاحتفاظ بالحكم في ذرية فيليب. ونجحت كما رأينا في القضاء على جميع ~~المرشحين المحتملين سوى ابن الإسكندر، وربما كان مقتلها سنة 315 هو الذي قلل فرص ~~البقاء أمام الإسكندر الرابع. أيقن كثير من الخلفاء الذين كانوا قد وطدوا دعائم ~~سلطتهم الفعلية آنذاك في أجزاء من الإمبراطورية بحلول 310 / 309؛ أن بوسعهم اتخاذ ~~اللقب وولاية الملك حتى من دون نسب أرغي؛ ونتيجة لهذا الإدراك قضي على كل من ~~تبقى من ذرية فيليب والإسكندر. وفي 306 / 305 اتخذ اثنان من الخلفاء لقب بازيليوس أو ~~ملك، وتلاهما آخرون. لكن بنات فيليب ظللن فترة من الزمن يتمتعن بأهمية كزوجات ~~محتملات لخلفاء الإسكندر. كانت الهالة المحيطة بالنساء الأرغيات ما زالت قوية، ومن ~~المعقول أن نتفق مع ما قالته إليزابيث كارني من أن «حياة أوليمبياس السياسية الطويلة ~~كانت أشبه بمرحلة فاصلة؛ إذ كادت نساء الأسرة المالكة المقدونية قبلها يكن عديمات ~~الحضور، وأما بعدها في الفترة الهلنستية، فتولت الملكات غالبا أدوارا مهمة ~~كمشاركات في الحكم ووصيات على العرش» (1987: 38). ~~(2-1) تأثير أوليمبياس على الإسكندر # لعل من الأهمية بمكان أن نتذكر أنه مع ما يقال من أن زيارة الإسكندر إلى عرافة ~~آمون-زيوس في واحة سيوة المصرية كشفت له عن هوية أبيه الحقيقة، وهو تحديدا زيوس، ~~فإن اسم أمه لم يكن قط محل ms088 شك. وبالإضافة إلى أن أوليمبياس واهبة الحياة ~~لابنها، فإنها مكنته من البقاء خلال مرحلة الطفولة، ومن أن يصير الخليفة المرجح ~~لفيليب الثاني. وجاء جزء من هبتها هذه من خلال أفعالها المدروسة، ومن ذلك ربما ~~عملها على إضعاف القدرات العقلية والبدنية لابن فيليب الآخر الوحيد. وهناك جوانب ~~أخرى من هبتها فرضتها الظروف عليها؛ ومن ثم على ابنها. # من هذه الظروف أنه سيقضي غالبية سنوات عمره الأولى في بيئة المجمع الملكي ~~المشحونة بالتوترات في بيلا. لا توجد وسيلة لقياس مقدار ما أدركه الإسكندر من ذلك ~~الجو المشحون في شبابه، لكنه لم يكن منفصلا عن الآخرين من أفراد البيت المالك. ولا ~~نرجح أن أوليمبياس سكتت على ذلك الوضع. ونتبين حقيقة أنها كانت هي والإسكندر ~~ضالعين سويا في منافسة مستمرة من حياتهما في المنفى الاختياري بعيدا عن بيلا ~~إبان زواج فيليب بكليوباترا؛ فمع أن الزواج كان إحدى أدوات الدبلوماسية، لم تكن ~~زوجات الملك مضطرات إلى أن يبقين مخلوقات سلبيات، ولم يكن الموقف يشجع كذلك ~~على السلبية. # أتاح الترعرع في القصر في بيلا فرصا مهمة للإسكندر، كالاتصال بأترابه من أبناء ~~النخبة، ومن ذلك غلمان الملك (صبيان بيوت النبلاء) والأسر التي لجأت إلى بيلا، ~~كأسرة أرتبازوس، أحد مرازبة ملك فارس، الذي كانت ابنته براسين قريبة من عمر ~~الإسكندر. كان القصر أيضا مكان إقامة الندوات التي تحضرها النخبة ومكان استقبال ~~السفراء، وعلى الرغم من عدم مشاركة الإسكندر في هذه الفعاليات ريثما نضج، فلا بد من ~~معرفته بأمرها ومن مشاركته فيها عندما كبر، وفوق ذلك صار على دراية بالأنشطة التي ~~تمارس في وسط بيلا، وبمن يمارسونها. # عززت أوليمبياس نسب الإسكندر البطولي من خلال انتساب أسرتها إلى سلالة آخيل، مما ~~يجعل ابنها وريث أعظم بطل في طروادة وبطل المستحيلات الإغريقي هرقل في آن واحد. ~~وكان انتساب أمه إلى ديانة ديونيسيوس مصدر إلهام قويا آخر طوال حملته. ولنا أن ~~نضيف، مطمئنين، إلى هذه العناصر تأثير أوليمبياس شبه المؤكد على التعليم الرسمي ~~الذي تلقاه ابنها لمعرفة القراءة والكتابة وفهم العناصر الثقافية ms089 الإغريقة، التي ~~كانت ذات شأن في إبيروس وفي مقدونيا على السواء. # نتيجة دور أوليمبياس الأمومي، لنا أن نتأكد من أن الإسكندر كان على بصيرة بنسبه ~~البطولي، وببعض الصعوبات المتعلقة بدور الزواج، وبأن العالم الأرغي مفعم بالتنافس، ~~وبأن الأصدقاء محل ترحيب لكنهم ليسوا موضع ثقة، وبأن وراثة الملك تتطلب ~~يقظة عقلية مقرونة بمقدرة بدنية تتوجهما تشكيلة عظيمة من المهارات. كان يدين ~~بفضل عظيم لأوليمبياس، وربما كان يخشاها بقدر ما كان يحتفي بحرصها على ~~حياته. # الفصل الرابع # | مجاورة اليونان # لم تكن اليونان غير واحد من جيران كثر مزعجين للمقدونيين، لكن الإغريق كان يمثلون مشكلات ~~من نوع خاص، أبرزها طبيعتهم المتعددة؛ إذ اتخذت المجتمعات المحلية الصغيرة منذ العصر العتيق ~~طابع الدول القومية المستقلة ذاتيا. وفي كل واحد من هذه المجتمعات المحلية، التي تسمى ~~«بوليس» أو الدولة-المدينة، كانت الشواغل المشتركة تتغلب على المصالح الخاصة. كانت الآصرة ~~بين الدولة-المدينة وأفرادها قوية؛ إذ كانت حاجات هؤلاء الأفراد ومصالحهم تنبع من العلاقة ~~التي تجمعهم برقعة دولتهم الضيقة وتجمع بعضهم ببعض. # كان هدفهم الدافع جعل الدولة-المدينة مكتفية ذاتيا، وهي مهمة صعبة في اليونان ~~بطبيعتها الجبلية؛ ومن ثم كان اجتياح أرض الدول-المدن المجاورة سبيلا طبيعيا إلى ذلك. ~~وقد وضعت مؤخرا قائمة تعدد 1035 دولة-مدينة تنافست فيما بينها على مزيد من الأرض ~~والنفوذ. ورأينا أن مقدونيا كانت تملك أرضا أحسن وموارد أوفر مما كانت تجود به اليونان، ~~ومن ثم كان متوقعا من الدول الإغريقية، وخصوصا الشمالية، أن تقوم بمغامرات عبر نهر ~~هالياكمون لتوسيع قاعدتها. # لكن الإغريق كانوا يضغطون على مقدونيا من اتجاهات أخرى أيضا؛ فمع ازدياد عدد السكان في ~~القرنين التاسع والثامن، ضاقت الأرض المتاحة في غالبية جنوب اليونان بسكانها؛ فأدى البحث عن ~~سبل لكسب العيش في أماكن أخرى إلى إقامة مستعمرات في بقاع نائية. وفي نهاية المطاف تناثرت ~~الدول-المدن اليونانية على امتداد ساحل آسيا الصغرى الغربي وساحل البحر المتوسط، من شرقي ~~إسبانيا إلى ساحل البحر الأسود الشرقي. تركز معظم أنشطة الاستعمار السابقة بالقرب من ~~الديار، وذلك في شمال بحر ms090 إيجة، وخصوصا في شبه جزيرة خالكيذيكي، وحتى في محيط الخليج ~~الثيرمي؛ فوجد المقدونيون دولا إغريقية مستقلة لا على بوابتهم الأمامية فحسب بل في عقر ~~دارهم. # كان الإغريق يمثلون مشكلة من ناحية أخرى أيضا؛ إذ كانت عناصر الثقافة الإغريقية بثرائها ~~المتزايد جذابة للآخرين. تبنى المقدونيون العناصر الهيلينية قبل عهدي فيليب ~~والإسكندر، وأشرنا إلى أن معرفة الإسكندر الأول المباشرة بنجاح تشكيل الفلنكس الإغريقي في ~~القرن الخامس ربما هي التي دفعته إلى إنشاء قوة «بيزهيتايروي» (بمعنى الصحابة المشاة). وكان ~~أرخيلاوس يدعو أعيان الإغريق إلى عاصمته، مع مداومته على تضمين عناصر هيلينية في مملكته، ~~بما في ذلك الألعاب الأوليمبية والمسابقات الدرامية على شرف زيوس وربات الفنون (آريانوس، ~~الكتاب الأول، 11، 1). ولو كانت هذه التأثيرات عديدة وكبيرة، لكان بوسعها أن تطغى على ~~ملامح طريقة الحياة المقدونية التقليدية. # أثرنا في الفصل الثاني القضايا المحيطة بمسألة الإثنية واللغة المقدونية، والاستنتاج ~~العام نوعا ما الذي أوردناه هناك مفاده أن المقدونيين الذين وضعوا الأساس لمملكة فيليب ~~والإسكندر كانت تربطهم صلة دم بجيرانهم الهنود-الأوروبيين في كل من تراقيا واليونان، ~~فكانوا يتحدثون لغة قريبة أو ربما إحدى اللهجات الإغريقية كما ذهب بعض الباحثين. ومن ~~ناحية أخرى فمن الواضح أن المؤسسات السياسية والاجتماعية كانت شديدة الاختلاف، وخصوصا في ~~تاريخ المكدونيين الأبكر، وأن ثقافة مقدونيا المادية تأثرت بعناصر أكثر بكثير من العناصر ~~الإغريقية. # عندما بدأت الدولة الصغيرة، التي ستصبح المملكة الواسعة التي يحكمها فيليب الثاني ~~والإسكندر الثالث، تتبلور في شريط ضيق من الأرض في بييريا وهيماثيا، يمتد لنحو ستين ميلا ~~(نحو مائة كيلومتر) من الشمال إلى الجنوب في أوائل القرن السابع عشر؛ كان لزاما على ~~المكدونيين تقبل المستوطنات الإغريقية وخصوصا القريبة منها إلى مركز المملكة، ونعني ~~ميثوني وبدنا الواقعتين على الجانب الغربي للخليج الثيرمي، واللتين أسسهما إغريق من وابية ~~قبل نهاية القرن الثامن. لم تكن هاتان المستوطنتان إلا اثنين من شواهد كثيرة على الوضع في ~~اليونان في القرنين الثامن والسابع، الذي أجبر دولا كثيرة على إقامة «وطن بعيد» (بمعنى ~~«أبويكيا» باللغة الإغريقية). تزامنت الزيادة ms091 السكانية مع إحياء السفر بحرا، الذي سبق أن ~~اضمحل في مواجهة تفشي الدمار في أواخر العصر البرونزي. ربما كان المغامرون والتجار ~~ومن يحتاجون إلى أرض لمحض الأغراض الزراعية يرجون النجاح في الإبحار إلى ما وراء مياه ~~جنوبي بحر إيجة. # الخريطة 2: أهم المناطق والمواقع في المحيط الإغريقي. # كان خط بحر إيجة الساحلي الشمالي من أولى المناطق التي لفتت الانتباه، كما توجد محطة ~~تجارية تعود إلى القرن التاسع اكتشفت في سيندوس وترتبط بإريتريا في جزيرة وابية. كانت ~~الرغبة في الأرض، مقرونة بالبراعة في استغلال الفرص التجارية، قوية في تلك الجزيرة ~~الضيقة. وفي القرن الثامن أسس الإريتريون مستوطنات في لسان شبه جزيرة خالكيذيكي الغربي، ~~وأما جيرانهم في جزيرة وابية، وهم سكان خالكيذا، فكانوا منهمكين في إنشاء مستعمرات في ~~لسانها الأوسط، وكان آخرون من جزيرة أندروس يستطلعون بحثا عن مواقع في شرقي شبه الجزيرة. ~~وأبعد من ذلك في اتجاه الشرق، كان سكان جزيرة ثاسوس يعكفون على إنشاء مستوطنات جديدة ~~لأنفسهم على ساحل البر الرئيس؛ ومن ثم كانت مياه بحر إيجة الشمالية آخذة في التحول إلى ~~بحر إغريقي بالتزامن مع عمل المكدونيين على إنشاء مملكة لهم. # خرجت من رحم هذا التعايش ثلاث نتائج مهمة، والنتيجة الأهم هي معرفة كل واحد بثقافة الآخر. ~~لم يكن بوسع المقدونيين تجاهل ميثوني ثم بدنا، الواقعتين في قلب مقدونيا، أو في النهاية ~~المستوطنات الأبعد قليلا، ومع المعرفة ازداد احتمال التأثير الثقافي. في البداية كانت ~~المستوطنات الإغريقية تمتاز بمزايا معينة، كالمعرفة بالسفر بحرا على سبيل المثال والاتصال ~~بالثقافات القاصية التي كانت أكثر تقدما بكثير من الإغريق، وتيسر اكتساب هذه المهارات ~~وغيرها بفعل العلاقة الوثيقة. علاوة على ذلك، كان الصراع على أراضي شمال بحر إيجة وموارده ~~شيئا متوقعا. وقد اختيرت مواقع المستعمرات الإغريقية لكي تستغل المرافئ الجيدة لتيسير ~~التبادل التجاري. ومع تحول المقدونيين أنفسهم إلى تجار أكثر نشاطا صار من المؤكد نشوب ~~نزاعات من أجل السيطرة على المرافئ. وهناك نتيجة ثالثة ارتبطت بأصول المستعمرات باعتبار ~~أنها تأسست على أيدي الدول الإغريقية الجنوبية ms092 العريقة. وهكذا كان الصراع مع دول-مدن جنوب ~~اليونان ممكنا، وسيجر توقع حدوثه أرجل العالم الإيجي الأكبر على الأرجح. # التفاعل بين هاتين المستعمرتين؛ الإريتريين والأرغيين، مقياس لتأرجح السلطة بين ~~اليونان ومقدونيا؛ فكلتا المستعمرتين كانت مركزا استيطانيا إغريقيا أثناء عهدي ~~أمينتاس الأول والإسكندر الأول، لكن انفصالهما عن جنوب اليونان جعل منهما ملجأين مفيدين ~~للقادة الإغريق الذين فقدوا الحظوة لدى مواطني دولهم؛ إذ منح الإسكندر الأول القائد ~~الأثيني ثيميستوكليس حق اللجوء في بدنا في ستينيات القرن الخامس؛ مما يدل على الإشراف ~~المقدوني على الدولة الإغريقية. لكن بحلول ثلاثينيات القرن الخامس، كانت السيطرة على بدنا ~~قد انتقلت إلى أثينا، وبعد ذلك بنحو خمس عشرة سنة، نزلت قوة أثينية عند ميثوني وانطلقت منها ~~للإغارة على الأراضي المقدونية المحيطة. وفي انعكاس آخر للأوضاع، شهدت سنة 410 استيلاء قوة ~~أثينية متحالفة مع الملك المقدوني أرخيلاوس على بدنا التي سبق أن نالت استقلالها؛ إذ أعاد ~~أرخيلاوس تأسيس بدنا كبلدة مقدونية تبعد عن الساحل بمسافة 2,5 ميل (4 كيلومترات). تبخرت ~~المكاسب المقدونية خلال مختلف عقود التاريخ المقدوني من 399 إلى 395؛ فشرع فيليب الثاني في ~~إعادة توطيد دعائم المملكة بالاستيلاء على بدنا سنة 357 وميثوني سنة 354، محولا بعد ذلك ~~اهتمامه إلى الدول الإغريقية في المنطقة الغربية من شبه جزيرة خالكيذيكي. # قادت ضغوط مماثلة على الأرض وفرص التجارة الإغريق في اتجاهات أخرى؛ فمن كورنثة، التي ~~تناقصت فيها الأرض الزراعية المتاحة وكان يوجد على بوابتها الأمامية خليج يمكن التحكم ~~فيه، أبحر المستعمرون في خليج كورنثة ثم اتجهوا شمالا بمحاذاة الساحل الأدرياتي؛ حيث ~~أسسوا مستوطنات طويلة الأمد في جزيرة كوركيرا وفي أبولونيا وإبيداموس على ساحل البر الرئيس ~~بالقرب من أراضي الإليريين والإبيروسيين. بدأ تفاعل ثقافي لا يختلف عما كان يحدث في شمال ~~غرب بحر إيجة في شمال شرق البحر الأدرياتي قبل زمن طويل من ضم إليريا وإبيروس إلى المملكة ~~المقدونية الموسعة. # كان التأثير الإغريقي على مقدونيا أقرب كثيرا، فسلسلة جبال الأوليمب تفصل مقدونيا عن ~~المحيط الإغريقي الجنوبي لكنها لا تمنع الوصول من الجنوب ms093 إلى الشمال. وحتى أثناء العصر ~~البرونزي كانت تجلب إلى مقدونيا منتجات ميسينية؛ مما يشهد على التبادل التجاري والاتصال، ~~إن لم يكن الاستيطان، كما هو الحال في موقع «سباتيس» على ممر بترا. وفيما يخص العصر ~~الحديدي، تمخضت آيجي/فيرجينا المقدونية، المشهورة بمدافنها المترفة التي جاءت فيما بعد، ~~عن شواهد على الاتصال بالعالم الإغريقي في زمن مبكر تعود بدايته إلى القرنين العاشر ~~والتاسع، ربما عبر تيساليا ثانية. تمخض القرب الجغرافي عما هو أكثر من التفاعل ~~الثقافي؛ إذ أسفر مثلا عن تحالفات كالتي شهدتها ثمانينيات القرن الرابع عندما كان العون ~~التيسالي شديد الأهمية في جهود أمينتاس الثالث لاستعادة ملك مقدونيا. وكان يمكن لهذا ~~القرب - بل حدث فعلا - أن أثار محاولات متبادلة من كلا جانبي جبال الأوليمب للهيمنة ~~على أرض الإقليم الأضعف آنذاك أيا كان. # تساعد الجغرافيا أيضا على تفسير العلاقة بين مقدونيا واليونان في العقود الأولى من القرن ~~الخامس، الذي صارت فيه مقدون لاعبا، ربما على غير رغبة منها، في توسع الإمبراطورية ~~الفارسية؛ فأثناء حكم داريوس الأول (522-486)، وجه الفرس أنظارهم شمالا إلى أوروبا. ~~وفي حوالي سنة 513، قاد داريوس جيشا عبر تراقيا؛ حيث دان له كثير من الناس؛ لكن لدى عبوره ~~نهر الدانوب إلى أراضي سكيثيا، لم يلق نجاحا واضطر إلى أن يعود أدراجه عبر تراقيا. ~~وبعد هذه الحملة بزمن ليس بطويل، عين ميجابازوس لإخضاع الخط الساحلي شمال بحر إيجة من بحر ~~بروبونتيس إلى نهر سترايمون. ويروي هيرودوت خبر وفد مكون من سبعة من أكابر الفرس أرسلوا ~~لمناقشة العلاقة بين مقدون وبلاد فارس؛ فخدع الإسكندر الأول، ابن أمينتاس الأول الحاذق، ~~الرسل بأن أوعز إلى شابات مقدونيات - لم يكن في الحقيقة إلا ذكورا مقدونيين ~~مردا مسلحين ويضعون خمرا ثقيلة - فلاطفن الفرس ثم قتلنهم. «تلك كانت نهاية الرسل ~~الفرس إلى مقدون، ونهاية خدمهم أيضا؛ إذ اختفى الخدم والعربات وقدر عظيم من الأمتعة ~~الفخمة، اختفت كلها معا» (الكتاب الخامس، 20). يصف هيرودوت أيضا الحرص في التستر على ~~اختفاء الفرس ومقتنياتهم، بالإضافة إلى دفع مبلغ من المال إلى الفرس، ms094 وترتيب زواج أخت ~~الإسكندر بالضابط الفارسي الذي كان يحقق في المسألة. على الرغم من أن مقدون على ما يبدو ~~لم تضم رسميا إلى الدولة الفارسية، فإنها جرت إلى مجال رؤية داريوس. # وثقت الأحداث الجارية في المنطقة الساحلية شرق بحر إيجة الصلة بين الفرس ومقدونيا. ~~قامت ثورة خطيرة سنة 499 في الجزء الذي سبق أن أخضعه الفرس من الدول الإغريقية في ~~أربعينيات القرن السادس، وظل منذ ذلك الحين تحت سيطرة أحد مرازبة النظام الإداري الفارسي. ~~كانت المفاجأة، أو ربما الغفلة، شديدة في الجانب الفارسي لدرجة أن تم الاستيلاء على العاصمة ~~الفارسية في الأناضول سارديس، وإحراقها على أيدي ائتلاف من الدول الإغريقية في آسيا الصغرى ~~الأيونية، بعون من دولتي أثينا وإريتريا الواقعتين في البر الرئيس. لكن في غضون خمس ~~سنوات قمعت الثورة. لفتت محصلة ذلك انتباه الفرس من جديد إلى شمال بحر إيجة، فأكد ~~القائد الفارسي ماردونيوس السيطرة على تراقيا ومقدونيا سنة 492 تمهيدا للانتقام من ~~الدولتين الواقعتين في البر الرئيس، اللتين أمدتا الثورة في آسيا الصغرى بالسفن والجنود. ~~كانت مقدونيا نقطة انطلاق مفيدة، كما بين هيرودوت في وصفه الحملة الضخمة المتأخرة التي ~~خطط لها وقادها أحشويرش، ابن داريوس وخليفته؛ فأنشئت مخازن للحبوب في كل من تراقيا ~~ومقدونيا، وعسكر الجيش الجرار المؤلف من نحو 250 ألف رجل بمحاذاة نهر أكسيوس بالقرب من ~~سيندوس، ورسا الأسطول على ما يبدو في بدنا. وحتى لو لم يكن الملك المقدوني رسميا تابعا ~~للإمبراطورية الفارسية، فلم يكن أمامه خيار في مسألة استخدام الفرس مملكته أثناء تجريد ~~الحملة البرية والبحرية على اليونان سنة 480-479. وأما على الجانب الإغريقي فمن الجائز ~~تماما أن الإغريق كانوا ينظرون إلى المقدونيين كمتواطئين عن رضا مع الفرس ~~المرعبين. # ومع ذلك، فإن تصوير هيرودوت الإسكندر الأول كمتعاطف مع الإغريق (الكتاب الثامن، 140-143) ~~ربما يجد دليلا ماديا يعضده في إمداده الأثينيين بالخشب قبل ذلك بسنتين أو ثلاث، لإنشاء ~~أسطول قوامه 200 سفينة برهن على أهميته البالغة لتصدي الإغريق للجيش الفارسي. وتسجل ~~النقوش التي تعود إلى ms095 عهدي بيرديكاس الثاني وأرخيلاوس اتفاقيات أبرمت فيما بعد ~~بخصوص حصول الأثينيين على الخشب المقدوني. وكما رأينا فإن الخشب، الذي وصف بأنه الأعلى ~~جودة في منطقة بحر إيجة والبحر الأسود، كان من بين موارد مقدونيا الأشد رواجا. كان الوصول ~~إلى هذا المصدر من مصادر الخشب حيويا لأي دولة تريد امتلاك أسطول، وكان قرار الأثينيين ~~في ظل تهيؤ بلاد فارس لشن هجوم عليهم هو إنشاء أسطول لمواجهة الشق البحري من القوة ~~الفارسية، وهو ما كان يتطلب الحصول على الخشب المقدوني. # مع انسحاب الفرس من اليونان ومقدونيا، وارتباك الأوضاع في جنوب اليونان الذي تسبب فيه ~~الغزو، تمكن الملك الإسكندر الأول المقدوني من توسيع حدود مملكته كثيرا كما سبق أن ~~نوهنا في الفصل الثاني، وينسب إليه الفضل أيضا في تقوية الجيش المقدوني، الذي كان ~~أداة لا غنى عنها في التوسع. اكتسب الإسكندر، بتوغله شرقا ضد التراقيين، ثروة معدنية ~~قيمة استعمل بعضها آنذاك في ضرب النقود المقدونية. وفي هذه النقود الجيدة الصنعة، التي ~~كان بعضها بحجم كبير، مؤشرات جيدة على المكانة التي بدأ الأرغيون يحققونها لا في المحيط ~~الأصغر وهو شمال بحر إيجة فحسب، بل في مواجهة دول وممالك أخرى ذات شأن أبعد مسافة. # شكل 4-1: عملة نقدية تظهر الإسكندر الأول ممتطيا فرسا يخب، ومرتديا عباءة ~~قصيرة، وعلى رأسه قبعة مجنحة، وحاملا رمحين في يده اليسرى، ويتبختر تحت ~~الفرس كلب صيده. الآن في متحف العملات في أثينا. بإذن من د. آي ~~توراتستوجلو . # غير أن الحاكم المقدوني لم يكن إلا إحدى الشخصيات الرئيسة، وفي غضون الجيلين التاليين ~~حقق لاعب جديد في شرقي البحر المتوسط هيمنة تسببت في تغيير العلاقة بين مقدون واليونان ~~وغلبة العداء عليها؛ فعلى الرغم من انسحاب الفرس من الأراضي الواقعة غرب بحر إيجة وشماله، ~~ظلت الدول الإغريقية شمالي بحر إيجة تحت السيطرة الفارسية سنة 479. ولاستعادة حرية اليونان ~~كلها، اجتمع ممثلون من 143 دولة في جزيرة ديلوس في أرخبيل كيكلادس سنة 477 لإنشاء حلف لهذا ~~الغرض سيشارك جميع أعضائه في قراراته، أثناء جمعية سنوية ms096 تتمتع فيها كل دولة بصوت واحد. ~~وستساهم الدول في هذا المشروع بتوفير السفن والرجال، أو بتقديم الأموال عوضا عن القوة ~~البشرية والدعم البحري. وفرت أثينا جزءا كبيرا من الأسطول الذي أنشأته للتصدي للتهديد ~~الفارسي، وتولت منصب الزعيم أو القائد الأعلى للعمليات التي يقررها الأعضاء بكامل ~~هيئتهم. حدد الأثينيون أيضا المساهمات المطلوبة وعينوا مراقبين ماليين للإشراف على ~~الخزانة التي أنشئت في حرم أبولو الآمن في ديلوس. # كانت أحلاف أكبر تضم الدول الإغريقية المستقلة قد سبقت هذا الحلف، وكانت في جوهرها تنتمي ~~إلى صنفين عامين، فهي إما أحلاف لأغراض دينية مشتركة وإما أحلاف لمصالح عسكرية مشتركة. ~~تمخض الاهتمام المشترك بصون حرم أبولو في دلفي عن قيام الحلف الأمفكتيوني الدلفي المؤلف من ~~12 دولة-مدينة. وكان الصنف الثاني من الأحلاف - وهو أحلاف الهجوم والدفاع المشترك - يجمع ~~بين دول مستقلة توافق على أن تصادق من يصادق بقية أعضاء الحلف وتعادي من يعادون، وكان ~~ممثلو الدول الأعضاء يجتمعون في مكان ثابت، وهو عموما أقوى دولة عضو، للتصويت على ما يلزم ~~القيام به من أعمال. ونما الحلف البيلوبونيزي، الذي كانت إسبرطة القوة المحورية فيه، ليشمل ~~معظم دول شبه جزيرة بيلوبونيز، بل اتسع أيضا في القرن الخامس متجاوزا ذلك إلى وسط ~~اليونان. وينم مثل هذا التوسع عن طفرة متزايدة في قيام أحلاف أكبر ذات طموحات أكبر، وهذه ~~الطموحات هي التي تبين أنها تشكل تهديدا أشد خطرا بكثير للمملكة المقدونية مما ~~كانت تشكله المستعمرات الإغريقية فرادى قبل ذلك . وكان دور أثينا في تشكيل طبيعة الحلف ~~الديلوسي ثم تحويرها من أهم شواغل الأرغيين. # حققت جهود الحلف نجاحا مدهشا، وبحلول أوائل ستينيات القرن الخامس انتصر أسطول ~~الحلفاء في معركة بحرية كبرى في يوريميدون قبالة ساحل الأناضول الجنوبي؛ حيث ألحق هزيمة ~~بالأسطول الفارسي/الفينيقي المؤلف من 200 سفينة. كانت السيطرة الفارسية في تراقيا ومضيق ~~الهلسبونت وبحر إيجة قد بلغت نهايتها، غير أن الحلف لم يحل على الرغم من محاولة دول عديدة ~~الانسحاب منه حالما تحقق هدفه. كان الحلف في نظر أثينا ثمينا من ms097 نواح أخرى عديدة، ~~كخفارة البحار ضد القراصنة، وإعادة بناء المعابد التي دمرها الفرس، والاحتفاظ باتحاد ~~كونفيدرالي تحسبا لأي عداءات مستقبلية مع بلاد فارس، وإقامة إمبراطورية تجارية بحرية في ~~عموم بحر إيجة وعبر الهلسبونت. وابتداء من ستينيات القرن الخامس، وخصوصا تحت قيادة رجل ~~الدولة الأثيني القائد بيريكليس، صار الحلف الديلوسي إمبراطورية أثينية متمحورة حول أثينا ~~وتدار انطلاقا منها. ويسمى تأثير الحياة الأثينية وبريقها في ذلك الزمان عصرها ~~الذهبي. # اتسعت عضوية الحلف، التي لم تعد طوعية وباتت تصان بالقوة، حتى بلغت نحو 300 دولة. ~~ازدادت المصالح الأثينية في شمال بحر إيجة، التي سبق أن أسست في القرن السادس، مع اكتساب ~~الوصول إلى بحر بروبونتيس والبحر الأسود أهمية حيوية لتأمين إمدادات الحبوب اللازمة ~~لإطعام سكان الدولة الحضريين الذين صار عددهم آنذاك هائلا. كان الوصول إلى تلك المياه ~~القاصية يتطلب أسطولا كبيرا من السفن المتينة؛ ومن ثم استمرار إمكانية الحصول على ~~موارد الخشب المقدونية. وهكذا كان الحضور القوي في شمال بحر إيجة من أولويات أثينا، ~~وتحقق ذلك باستقطاب بعض الدول العريقة إلى الشبكة الإمبريالية، وكذلك بإقامة مستعمرات ~~جديدة مثل أمفيبوليس في وادي نهر سترايمون الأدنى، بالقرب من موقع «الطرق التسع» الذي سبق ~~أن أخضعه الإسكندر الأول للسيطرة المقدونية. وكان كل من أمفيبوليس و«الطرق التسع» يحتل ~~موضعا مثاليا للاستفادة من التجارة أدنى نهر سترايمون وبمحاذاة الساحل بين شمال اليونان ~~والهلسبونت. وعلى ما يبدو، كانت ثمة تسوية توافقية بين أثينا وملك مقدونيا أثناء حكم ~~الإسكندر الأول. لكن التنافس على البقاء كان محتملا، ولم تسر الأمور على ما يرام مع ~~بيرديكاس خليفة الإسكندر؛ فعزوف أثينا عن استقطاب أعضاء جدد إلى الحلف في الأرض الواقعة غرب ~~أكسيوس أفسح المجال لتوسع نشط في الأراضي المقدونية بعد 431. # لكن تكتيكا مختلفا استخدم ضد بيرديكاس؛ إذ أيد الأثينيون ادعاء أحد إخوته، وهو ~~فيليب، أحقيته في وراثة العرش. وفي 432، استولى ائتلاف بين أثينا وأخي بيرديكاس ودرداس ملك ~~إيليميا على موقع ثيرما في شمال غرب خالكيذيكي من بيرديكاس. كان المرجو أن يؤدي نزاع ~~داخلي، ms098 بالإضافة إلى وجود تهديد قريب من بيلا، إلى إبقاء أعين بيرديكاس مصوبة نحو ~~مملكته وإلهائه عن أنشطة الأثينيين على أطراف تلك المملكة. # كان أمام بيرديكاس ملاذ يلوذ به؛ إذ لما كان على دراية بالانقسامات بين الدول ~~الإغريقية، شجع من هم معروفون بعدائهم للأنشطة الأثينية في شمال بحر إيجة على القيام ~~بعمل بالأصالة عن أنفسهم أو بالنيابة عن المستعمرات السابقة. رد الكورنثيون على التهديد ~~الأثيني لمستعمرتهم بوتيديا بمتطوعين من كورنثة ومرتزقة من أجزاء أخرى من شبه جزيرة ~~بيلوبونيز، قوامهم 1600 فرد مشاة ثقيلة و400 جندي خفيف كما روى ثوكيديدس (الكتاب الأول، ~~60)، وأضاف بيرديكاس 200 فارس، وانضم إلى القوة رجال من دول أخرى أيضا. إن الدور الذي ~~لعبته هزيمة هذه القوات في الأحداث التي جرت في مقدون على مدى ما تبقى من القرن الخامس ليس ~~بالضئيل؛ ففي رواية ثوكيديدس عن نشوب الحرب البيلوبونيزية (431-404)، كان حنق الكورنثيين ~~على تلك الأحداث، بما فيها حصار الأثينيين بوتيديا، عود الثقاب الذي أوقد إعلان الحرب، ~~فمزق هذا الصراع مقدون على الرغم من عدم مشاركتها رسميا فيه. # لم ينجح فيليب والأثينيون المتواطئون معه في إطاحة أخيه بيرديكاس، الذي ظل يحكم حتى 413، ~~لكن من المستبعد أنها كانت فترة حكم مريحة؛ لأن مملكته كانت في أغلب الأحوال محاطة بدول ~~متحاربة، ما جعل مقدون تتحالف في البداية مع أحد الجانبين وفيما بعد مع الجانب الآخر. ففي ~~مرحلة مبكرة من الحرب البيلوبونيزية، كانت مقدون حليفا لأثينا، لكن عندما ضمت أثينا ~~ميثوني (وكانت داخل الأراضي المقدونية) إلى إمبراطوريتها، استنجد بيرديكاس بالإسبرطيين، ~~فعرض عليهم الدعم ونظم لقوة إسبرطية مرورا آمنا للزحف عبر أرض مملكته، وبمجرد أن وصل ~~الإسبرطيون إلى هناك، أمدهم بيرديكاس بفرقة مقدونية، وزحفت القوة المشتركة لإجبار الزعيم ~~اللنكستي على إعادة إقليمه مقدونيا العليا إلى التحالف مع بيرديكاس. لم يتحقق الشيء ~~الكثير قبل أن يعزم القائد الإسبرطي أمره على شن حملة ضد خالكيذيكي وتراقيا، وكلتاهما ~~منطقة تربطها صلات قوية بالأثينيين، فانتقل إليهما آنذاك مسرح الحرب. لاقت الأنشطة ~~الإسبرطية نجاحا عظيما في شمال ms099 بحر إيجة، وعندما عاد الإسبرطيون إلى مقدونيا، جرت محاولة ~~ثانية لتأديب اللنكستيين، فدحر الجيش المشترك على أيدي الإليريين، الذين كان اللنكستيون ~~قد تحالفوا معهم. ولا نستغرب أن التحالف انهار بحلول سنة 423، فتحالف بيرديكاس من جديد مع ~~الأثينيين؛ إذ قدم الدعم العسكري لقائد أثيني سنة 422. والحقيقة أن نيكولاس هاموند قال ~~إن «مقدون كانت آنذاك من كل النواحي العملية عضوا في الإمبراطورية الأثينية» (هاموند ~~وجريفيث، 1979: 133)؛ ففي الفترة من حوالي 424 إلى 416 لم يضرب بيرديكاس نقودا، وهذه من ~~سمات الدول التي كانت ذات يوم مستقلة وأخضعت للسيطرة الأثينية. # تمخضت معاهدة سلام أبرمت بين الأثينيين والإسبرطيين سنة 421 عن استراحة من الحملات ~~العسكرية، وإن لم تحل القضايا التي تسببت في إعلان الحرب. ومع احتدام تلك القضايا من ~~جديد، وجهت الأطراف الإغريقية في الحرب أنظارها من جديد صوب الشمال، فأضافت أثينا ~~المزيد من الدول إلى سيطرتها، وحاول البيلوبونيزيون استقطاب المزيد من الحلفاء إلى صفهم، ~~وأقنع بيرديكاس بالانضمام إلى صفوف البيلوبونيزيين؛ فكان فرض الحصار على الساحل ~~المقدوني لعرقلة التجارة أحد الردود الأثينية على خيانة الملك المقدوني. وجاء رد آخر في ~~البحث في أماكن أخرى عن الموارد المهمة وتحويل انتباه البيلوبونيزيين عن بحر إيجة؛ فانطلقت ~~حملة بحرية كبيرة إلى صقلية سنة 415، وهو مشروع جدد الآصرة بين مقدون وأثينا؛ إذ عاد ~~المقدونيون إلى إمداد أثينا بالخشب عندما بدأ الفرس يعاونون إسبرطة في إنشاء قوة بحرية. ~~علاوة على ذلك، كان بيرديكاس سنة 414 يخدم مع قائد أثيني في هجوم على أمفيبوليس. وبعد أن ~~توفي في السنة التالية ورث ابنه أرخيلاوس أعباء ثقيلة منها الحفاظ على استقلال مملكة موحدة، ~~والتعامل مع الحرب الدائرة بين الدول الإغريقية. # شاء القدر أن تتفادى مقدون التورط بعمق أثناء ما تبقى من تلك الحرب. ربما كان استحضار ~~أرخيلاوس الفوضى التي سادت إبان حكم أبيه هو الذي ألهمه تحصين حدود مملكته وربط مختلف ~~أجزائها بشبكة طرق. أما على الصعيد الخارجي فكادت صلته باليونان تقتصر على أثينا؛ فكما سبق ~~أن ذكرنا، ففي سنة 410 تم الاستيلاء ms100 على بلدة بدنا الساحلية بحصار مقدوني وأثيني مشترك، ثم ~~نقلت المستوطنة إلى الداخل وأعيد تأسيسها كبلدة مقدونية، وبعد ذلك بثلاث سنوات منح ~~أرخيلاوس وأولاده وضعية الضيوف-الأصدقاء لأثينا، وهو وضع شرفي لكنه يسبغ على صاحبه منزلة ~~تشبه منزلة السفير. كان التأثير الأثيني يتجلى أيضا في اهتمامات أرخيلاوس الثقافية؛ إذ ~~صارت بيلا تحت إشرافه عاصمة تثير الإعجاب يدعى إليها ضيوف مهمون. لكن من التطورات ~~الأخرى الجديرة بالاهتمام تأسيس مهرجان أوليمبي في مقدونيا. # لم يكن هذا التشجيع للثقافة الإغريقية وتقديم العون لأفراد من الإغريق بالشيء الجديد، ففي ~~زمن مبكر يعود إلى منتصف القرن السادس، استقر الطاغية الأثيني بيسيستراتوس في المنطقة ~~الشمالية الغربية من خالكيذيكي أثناء إحدى فترات نفيه القسري عن أثينا، واكتسب أثناء وجوده ~~هناك صداقة مقدونيا، وعرض على ابنه وخليفته هيبياس مأوى في مقدونيا عندما نفي من أثينا ~~(هيرودوت، الكتاب الخامس، 96). وتصف روايات هيرودوت عن الإسكندر الأول في «تاريخ هيرودوت» ~~انجذابا مماثلا إلى أثينا؛ إذ يروي المؤرخ أن الإسكندر رغب في التنافس في الألعاب ~~الأوليمبية، وسمح له بالمشاركة في سباق العدو. ويختتم هيرودوت ملحوظته المقتضبة بقوله ~~«حصل على المركز الأول مناصفة» (الكتاب الخامس، 22). على الرغم من تشكيك كثير من الباحثين ~~المحدثين في دقة الرواية، فلا خلاف على أن فيليب الثاني أرسل فرقا مقدونية إلى أوليمبيا ~~أثناء حكمه. ربما برع الإسكندر الأول شأنه شأن فيليب في إظهار تعاطفه الهيليني وانجذابه ~~المزعوم، وخصوصا في أعقاب فظائع الزحف الفارسي في مملكته وفي أراضي الدول الإغريقية. وكما ~~سنرى فإن محبة الإغريق كانت أداة مفيدة لكل من فيليب الثاني والإسكندر الثالث. # لدى اغتيال أرخيلاوس سنة 399، قوض الضعف المقدوني، مقرونا بالصراع السريع الوتيرة بين ~~الدول الإغريقية على الهيمنة، قدرة بيرديكاس على البقاء وجهود أرخيلاوس لإحلال الاستقرار. ~~وبعد هزيمة أثينا سنة 404 وتفكيك الإمبراطورية الأثينية، تمخضت دورة من المحاولات التي ~~بذلتها الدول الكبرى لإعادة إنشاء إمبراطورية إغريقية، عن اضطرابات عارمة صاحبها تدمير ~~الحياة والممتلكات؛ مما أضعف في نهاية المطاف أساس الحياة الإغريقية الكلاسيكية، وهو وضع ~~عضد جهود فيليب الثاني. ms101 لكن في العقود الأربعة الأولى من القرن الرابع، كاد الصراع ينهي ~~وجود مقدونيا المستقل. # كانت إسبرطة وطيبة وتيساليا وأثينا (بعد استعادتها استقلالها وقوتها) أهم المتنافسات على ~~الهيمنة الإمبريالية؛ فاتخذت إسبرطة زمام المبادرة مبكرا بصفتها رأس الحلف البيلوبونيزي ~~المنتصر في محاولاتها القضاء على الهيمنة الأثينية. كانت السياسات الإسبرطية موجهة في ~~جوهرها إلى تحويل الحلفاء/الرعايا الأثينيين السابقين إلى حلفاء/رعايا إسبرطيين. بالإضافة ~~إلى ذلك، لم تظهر إسبرطة إلا قليلا من التقدير لحلفائها أثناء الحرب البيلوبونيزية. ~~استقطب أمينتاس الثالث، الذي خلف أرخيلاوس في نهاية المطاف، إلى المجال الإسبرطي من خلال ~~البلدات الساحلية الإشكالية المطلة على الخليج الثيرمي؛ إذ مع توطد جهود الكونفيدرالية ~~المستقلة في شمال بحر إيجة، استقطبت البلدات والدول الصغيرة في تلك المنطقة إلى تحالف ~~خالكيذيكي متسع مركزه في أولينثوس. رفضت مطالبة أمينتاس بإعادة البلدات الواقعة في ~~مقدونيا الدنيا إلى سيادته؛ ومن ثم اتجه إلى إسبرطة طلبا للعون. نجحت الحرب على ~~التحالف، على الأقل مؤقتا، في هدم روابطه واستعادة مقدونيا الدنيا إلى أمينتاس. # كانت تيساليا أقرب إلى الديار من إسبرطة، وكان شخص يدعى جيسون من دولة فيراي قد وطد ~~نفسه قائدا أعلى، أو «تاجوس»، لتيساليا ومعها إبيروس. ويبدو أن هذا المنصب كان يستخدم ~~عند الحاجة إلى جيوش المناطق الأربع جميعها، وكان التاجوس قائد هذا الجيش الموحد للفترة ~~اللازمة. ومع صيرورة الحرب ضرورة تمارس طوال العام، اكتسب التاجوس التيسالي مكانة أرفع ~~ودائمة. ربما أثار جيش جيسون الهائل - المؤلف من 20 ألف فرد مشاة ثقيلة و8 آلاف فارس و6 ~~آلاف مرتزق فضلا عن المناوشين - إعجاب أمينتاس بدرجة كافية لإقامة تحالف معه، لكن لدى ~~مقتل جيسون سنة 370، انقلب توازن القوى؛ إذ تدخل الإسكندر الثاني، خليفة أمينتاس، في ~~تيساليا مستوليا على مركزين كبيرين فيها. ثم انسحب الإسكندر بدافع عدم ثقته على ما يبدو في ~~القوة المقدونية لدى ظهور جيش طيبي في أحد هذين المركزين، وواجه مشكلات مع أبناء الأسرة ~~الحاكمة في الديار، وكانت خطيرة بما يكفي لتؤدي إلى مقتله سنة 367؛ مما أطلق بدوره العنان ~~لتحالفات معقدة جديدة؛ ms102 إذ كما نوهنا في الفصل الثالث تحالفت أمه مع بطليموس، وهو مقدوني ~~بارز ولعله كان أحد أبناء أمينتاس الثاني. ربما كانت الآصرة بينهما مدفوعة بالغرام أو ~~الطموح إلى النفوذ الشخصي أو جزءا من مؤامرة أجنبية، وكل ما نعرفه أن الثنائي التجأ إلى ~~أثينا طلبا للدعم. # كان كل من أثينا وطيبة عضوا في حلف يثير الإعجاب؛ إذ كانت طيبة قد أسيئت معاملتها ~~في نهاية الحرب البيلوبونيزية على يدي حليفتها إسبرطة، فتمخض فرض حامية إسبرطية عليها ~~سنة 382 عن غضب وتصميم كافيين لتحرير المدينة في 379-378، وتمخضت الحرية بدورها عن قوة ~~أعظم تجلت في الانتصار على الإسبرطيين سنة 371، فدفع ذلك النجاح طيبة إلى طموحات أعظم من ~~بينها مقدونيا؛ فأبرم القائد الطيبي العبقري بيلوبيداس تحالفا مع مقدونيا، ولضمان ~~احترام المعاهدة، أخذ رهائن ضمانا لحسن سلوك الأسرة المالكة المقدونية، ومن أبرز هؤلاء ~~الرهائن فيليب أخو الملك الحاكم. مكث فيليب كرهينة في طيبة نحو ثلاث سنوات في أوج القوة ~~الطيبية التي كان إصلاح تشكيل المشاة الثقيلة عنصرا حاسم الأهمية فيها. # كانت أثينا بالطبع لاعبا في التنافس ذاته على الإمبراطورية؛ فإذ أسست الدولة حلفا ~~بحريا ثانيا يملك سيطرة أوسع على قوى أثينا القسرية، استقطبت تحت مظلة واحدة أعضاء ~~سابقين في الحلف الديلوسي وأعضاء جددا أيضا، وأبرزهم طيبة. كان غرضها القضاء على السيطرة ~~الإسبرطية على الدول-المدن الأخرى للسماح لهذه الدول باستعادة حريتها وحكمها الذاتي. ولا بد ~~أن الأثينيين كانوا يقدرون قيمة التحالف مع أمينتاس الثالث الذي أبرم في منتصف سبعينيات ~~القرن الرابع؛ لأنه أتاح الوصول إلى ذلك المصدر الحيوي للخشب. جدد ذلك التحالف في منتصف ~~الستينيات عندما انتقل ملك مقدونيا إلى بيرديكاس الثالث ابن أمينتاس الثاني، وإن كانت ~~الصداقة بين أثينا ومقدون قد تدهورت في غضون بضع سنوات. # كان على بيرديكاس إذن أن يكون جاهزا للتعامل مع أحلاف خالكيذيكي وتيساليا وطيبة وأثينا ~~القوية، إما بما يكفي من قوة مسلحة وإما بالدبلوماسية الذكية. لم يكن بوسعه كذلك تجاهل ~~التهديدات المستمرة النابعة من الجيران الشماليين والغربيين والشرقيين، لكنه لم ms103 يعش ~~طويلا بما يكفي لمواجهة كل أعداء مقدونيا؛ إذ أدى غزو إليري سنة 360 أو 359 إلى مقتله ~~في ساحة المعركة ومعه 4 آلاف من جنوده. ~~(1) علاقات فيليب مع الإغريق # كان فيليب مرشحا قويا للملك الأرغي لدى موت أخيه بيرديكاس، ورغم أن جمعية ~~الجيش نادت به ملكا ورغم براعته في التخلص من المنافسين الآخرين على السلطة، فقد ~~ورث ضمن ما ورث المجموعة المعقدة من العلاقات مع العالم الإغريقي التي اقتفينا ~~أثر تطورها من أوائل القرن الخامس إلى منتصف القرن الرابع. # نعرف أن فيليب حقق نجاحا غير عادي، لا في تأمين ملك مقدون والاحتفاظ به فحسب، ~~بل في توسيع حدوده من البحر الأدرياتي إلى البحر الأسود. صار العالم الإغريقي خاضعا ~~لهيمنة فيليب، وضم رسميا إلى مقدون في حرب فيليب ضد الفرس قبل موته. يبرهن تحقيق ~~هذه الإنجازات على فهم عميق لأساليب جيرانه من جهة الجنوب، وقدرة على توظيف الأدوات ~~والظروف والطموحات الإغريقية لمصلحة مقدونيا. # في إطار التعامل مع هؤلاء الجيران، لا يدهشنا أن اهتمام فيليب الأول تركز على ~~الأراضي الملاصقة لمقدونيا (تيساليا وشبه جزيرة خالكيذيكي)، وأنه انتهج نهجا مألوفة ~~لدى الدول الإغريقية؛ أي استخدام القوة العسكرية والتحالف. فبعد الاستيلاء على بوتيديا ~~سنة 356 على سبيل المثال، سلمها إلى الحلف الخالكيذيكي الذي كان آنذاك متحالفا معه. ~~لكن كما رأينا كان لدى دول إغريقية أخرى اهتمام قوي بهذه المناطق، وكانت دول وسط ~~اليونان تصوب أعينها إلى تيساليا، وكان الأثينيون ينظرون إلى خالكيذيكي وأجزاء أخرى ~~من شمال بحر إيجة. وعلى الرغم من أن فيليب تحالف اسميا مع أثينا بموجب معاهدة، فإنه ~~استعاد ميثوني من السيطرة الأثينية سنة 354. ولدى اكتسابه موطئ قدم على الأقل خارج ~~الحدود المقدونية الحالية، استخدم أداة أخرى من أدوات الدول الإغريقية بتأسيسه ~~مستوطنات جديدة أو إعادة تأسيسه بلدات قائمة كمراكز مقدونية؛ ففي تيساليا صارت البلدة ~~التي تسيطر على المدخل الشمالي الاستراتيجي المؤدي إلى الممر في تيمبي مستوطنة ~~مقدونية، وأما كرينيدس - التي تتمتع بقيمة عظيمة بفضل ثروتها المعدنية، وكذا موقعها شرق ~~خالكيذيكي ms104 مباشرة - فأعيد تأسيسها باسم فيليبوي، وأقحم فيليب نفسه في المناطق ~~التي يدرك قيمة هيكلها الدستوري لخدمة أغراضه، فاستحوذ في تساليا على منصب التاجوس، أو ~~القائد العسكري الأعلى. # كان لمعرفته بالوضع في اليونان معرفة مباشرة قيمة عظيمة في تشكيل الاستجابة ~~المقدونية لذلك الوضع. كان من أهم أولويات فيليب توسيع الجيش وإعادة تنظيمه، وعلى الرغم ~~من ضرورة استخدامه قواته ضد مجموعة متنوعة من الشعوب بتكتيكاتها المتباينة، كان قد رأى ~~بعينه نجاح الإصلاحات الطيبية أثناء احتجازه ثلاث سنوات هناك. ومن المرجح كثيرا أنه ~~رأى المشاة الثقيلة الإغريقية وقادتهم أثناء العمليات التي جرت قرب الأراضي ~~المقدونية أو حتى داخلها في شبابه إبان حكم أبيه الملك أمينتاس. لا شك أن إصلاحات ~~فيليب العسكرية تجاوزت التطورات الطيبية، ومع ذلك انبنت على أساس سبق أن مكن ~~الطيبيين من هزيمة الجيش الإسبرطي الذي كان يوما لا يقهر، ومن بناء حلف واسع يضم ~~أعضاء يغطون معظم العالم الإغريقي الجنوبي. # شكل 4-2: شمال تيساليا. صورة بعدسة ريتشارد آر جونسون. # لا شك أن فيليب كان يثمن روح إبرام المعاهدات في اليونان؛ فمثلما تحالفت أثينا مع ~~الميسينيين سنة 355 على الرغم من تحالفها منذ 369 مع عدو الميسينيين القديم اللدود ~~إسبرطة، كانت علاقات فيليب تتقلب بالمثل تبعا لما تمليه المصلحة. ومن ناحية أخرى، كان ~~يثمن قيمة الاتفاقيات المتعددة الدول، ووظفها في سيطرته المتنامية على الدول ~~الإغريقية. أقيمت اتحادات كونفيدرالية من خلال معاهدات ثنائية في القرن الرابع، ~~وعندما جمعت شبكة المعاهدات بين عدد كبير من الدول، برزت آليات لاتخاذ القرارات ~~وتنفيذها بأسلوب فيدرالي، كمجلس لممثلي الدول الحليفة. كانت الدولة المسئولة عن الاتحاد ~~الكونفيدرالي تقوم مقام الزعيم، أو القائد الأعلى، لتنسيق ما يلزم من دفاع مشترك وهجوم ~~لكل الأعضاء. وازدادت مقدون نشاطا أكثر فأكثر في عالم التحالفات هذا؛ فلعقود طويلة، ~~كما نوهنا، أبرم الملوك المقدونيون اتفاقات ثنائية تتسم بالطبيعة المائعة ذاتها ~~كحال الاتفاقات المبرمة بين الدول الإغريقية. كان بيرديكاس بارعا في مثل هذه المناورات ~~أثناء فترة الحرب البيلوبونيزية. تعامل الملوك المقدونيون أيضا مع الأحلاف، ms105 وخصوصا ~~الحلف الخالكيذيكي القريب منهم، والاتحاد الإمبريالي الأثيني الذي شكل باسم الحلف ~~الديلوسي. اتفق فيليب وأثينا في سنته الأولى على العرش على شروط معاهدة، وفي السنة ~~التالية أعيد تأكيد التحالف بين مقدون ودولة لاريسا التيسالية، وبعدها بثلاث سنوات ~~تحالف مع الحلف الخالكيذيكي، وسنة 346 أرسل اثنين من كبار ضباطه - أنتيباتروس ~~وبارمنيون - إلى أثينا لتقديم شروط اتفاقية سلام ثنائية، فجرى تصويت في المجلس الأثيني ~~أسفر عن إقرار هذه الاتفاقية باسم «سلام فيلوكراتيس». # كانت بجانب هذه الأحلاف عصب نظمت لرعاية الأحرام الدينية المهمة، وتسمى ~~أمفكتيونيات أو أحلاف تضم الدول المحيطة (وتسمى بالإغريقية «أمفي») بأرض الحرم. ~~وكانت أصول الأمفكتيونية الدلفية في البر الرئيس اليوناني تعود إلى الفترة العتيقة، ~~وبحلول القرن الرابع اتسعت عضويتها إلى دول لم تكن بحال مجاورة لحرم أبولو، كإسبرطة ~~وأثينا. وعلى الرغم من أن العمل العدواني لم يكن الوظيفة الرئيسة لأي أمفكتيونية، فربما ~~كانت حماية الحرم المقدس تقتضيه. بالإضافة إلى تلك العصب المبكرة، أسفر تطور جديد ~~في ثمانينيات القرن الرابع عن استحداث شكل آخر من أشكال الاتحاد يناضل من أجل الاستقلال ~~الذاتي لدول فرادى لا اتحاد فيدرالي؛ سعيا إلى تحقيق السلام المشترك، ولا تعود أصوله ~~إلى اليونان بل إلى بلاد فارس، التي عادت آنذاك كلاعب فاعل في الشئون الإغريقية؛ إذ ~~قرر الملك أرتحششتا الثاني بنود «سلام الملك» سنة 387 لإنهاء الحرب المستمرة، التي ~~كانت آثارها تمتد عادة فتصل إلى آسيا الصغرى. # يرى الملك أرتحششتا أن المدن الواقعة في آسيا وجزيرتي كلازوميناي وقبرص هي ~~وحدها التي تتبعه. وسوى ذلك ستكون كل المدن الإغريقية الأخرى، صغيرها وكبيرها، ~~مستقلة ذاتيا. ولو رفض أحد قبول هذا السلام، فسأشن عليه حربا أنا ومن ~~يشاركونني الهدف ذاته، برا وبحرا، بالسفن والمال على السواء. # كما عقدت مؤتمرات دورية (375 و371 و366 و362) لمناقشة شروط هذا ~~السلام وإعادة التأكيد عليها. # تورط فيليب في شئون الأمفكتيونية الدلفية مع استعار الحرب حول أرض أبولو، من منتصف ~~خمسينيات ذلك القرن إلى منتصف أربعينياته. نتجت هذه الحرب، المعروفة باسم الحرب ~~المقدسة، عن ms106 أفعال دولة عضو وهي فوكيس، عندما فرض عليها مجلس الأمفكتيونية غرامة ~~لإقدامها على زراعة جزء من الأرض المقدسة. وبدلا من أن تدفع فوكيس الغرامة عارضتها ~~وحشدت جيشا يضم في صفوفه مرتزقة، واستولت على معظم الثروة المحفوظة في دلفي. وفي ~~ظل توافر الثروة والقوة الكبيرتين، نقلت فوكيس غضبها إلى أرض دول أخرى في ~~الأمفكتيونية على مدى السنوات التسع التالية. ولوضع حد لقوة فوكيس، دعت ~~الأمفكتيونية الدلفية قوة خارجية للإتيان بجيشها إلى وسط أثينا لتحقيق هذا الهدف؛ فنجح ~~فيليب وجيشه في هزيمة فوكيس سنة 346، وكسروا قاعدة قوتها، وذهبت عضويتها في ~~الأمفكتيونية الدلفية إلى فيليب، وبفضل هذا المنصب ترأس فيليب دورة الألعاب البيثية ~~في دلفي في السنة ذاتها. # جلبت هيمنة مقدون المتزايدة في المجال الإغريقي دعم الكثيرين ممن رأوا فيليب ~~حلا لصراع لا ينتهي بين الدول الإغريقية والأحلاف. من أوضح الأمثلة على ذلك الأثيني ~~إيسقراط الذي عاش 98 سنة (من 436 إلى 338). كانت الحرب هي الحالة الدائمة في تلك ~~السنوات، ووجهت نتائجها جهود إيسقراط نحو البحث عن السلام، فكتب خطبا إلى عدد ~~من الزعماء الأقوياء حاضا إياهم على التوفيق بين الدول الإغريقية، ثم توجيه عدوانهم ~~إلى الخارج؛ أي إلى الفرس. وفي خطبته المعنونة «فيليبوس»، حض فيليب على محاولة ~~التوفيق بين الدول الكبرى: أرجوس وإسبرطة وطيبة وأثينا؛ لأن توحيد هذه القوى سيقلل ~~كثيرا صعوبة ضم الدول الصغرى. ويمضي إيسقراط قائلا إنه ينبغي عندئذ على فيليب ~~توسيع نشاطه في آسيا ضد الفرس البرابرة؛ ليكتسب أرضا يستحبها الإغريق ويقضي على ~~عدو خطير. كان لفيليب أصدقاء آخرون؛ إذ تورد قائمة بأسماء «الخونة» قدمها رجل ~~الدولة الأثيني ديموستيني، الذي لم يغير موقفه الناقد لفيليب، أشخاصا من تيساليا ~~وأركاديا وأرجوس وإليس وميسيني وسيكيون وكورنثة وميجارا وطيبة ووابية وأثينا ~~(ديموستيني، «عن التاج» الكتاب الثامن عشر، 295). وقد اجتذبت هؤلاء «الخونة» وغيرهم ~~إلى فيليب نجاحاته، وكذلك سماته الشخصية. روى الخطيب ورجل الدولة الأثيني إيسخينيس أن ~~مواطنه ديموستيني وصف فيليب بأنه «دينوتاتوس» أثناء عودة جماعة المبعوثين الأثينيين، ~~التي كان كلاهما عضوا فيها، من ms107 مؤتمر مع الملك المقدوني («عن السفارة» الكتاب الثاني، ~~41). وعلى نحو ما بينا آنفا، فإن لكلمة «دينوس» الإغريقية معاني عدة، فمنها ~~الإيجابي كالرائع أو المدهش أو القوي، ومنها المستحسن كالحاذق أو الماهر، لكن معناها ~~الغالب هو المهيب أو الرهيب أو الخطير. وقد يستشعر المرء كل هذه السمات في موقف واحد ~~في حضور مثل هذا الشخص. # برزت تحذيرات من الثقة في فيليب وشعبه المقدوني؛ إذ تحدث ديموستيني بصراحة ودون ~~مواربة إلى الأثينيين في خطبته الفيليبية الأولى، معلنا أن لامبالاتهم تذهب قدرتهم ~~على منع فيليب من جر المزيد من الإغريق إلى أحبولته؛ فبينما كان الأثينيون يراقبون ~~دون حراك، كان فيليب يكد بلا توقف. وفي خطبته الفيليبية الثالثة، كرر تحذيره من ~~أن الأثينيين يكتفون بموقف المتفرج على الرجل وهو يكبر ويكبر. # في نهاية المطاف وعى هذه التحذيرات أناس في دول أخرى؛ إذ لم يكن «حلفاء» فيليب ~~الإغريق على يقين من قيمة انخراطه في الشئون الإغريقية، وبحلول أواخر أربعينيات ذلك ~~القرن، أقنع «حلفاؤه» الأثينيون «حلفاءه» الطيبيين في الأمفكتيونية بتوحيد صفوفهما ضد ~~فيليب وشعبه المقدوني، وانضم إغريق آخرون أيضا إلى هذا الحلف الجديد، كالوابيين ~~والآخيين والكورنثيين والميغاريين والإبيدوروسيين من شبه جزيرة بيلوبونيز ووسط اليونان، ~~والليفكاديين والكوركيريين والأكارنانيين والأمبراسيين من الغرب. واستقطب فيليب تيساليا ~~إلى صفه، وعندما قامت حرب أخرى وشقت صف أعضاء الأمفكتيونية الدلفية، عين ~~فيليب قائدا للقوات المشتركة ضد البغاة. كان وجود الجيش المقدوني في وسط اليونان سببا ~~كافيا للدول المعادية لفيليب لكي تعد العدة للحرب. وكما رأينا فقد التقت أعداد ~~شبه متساوية (ما بين 30 ألفا و35 ألفا على كلا الجانبين) في خيرونية في صيف 338. قاد ~~فيليب الجناح الأيمن في مواجهة المشاة الثقيلة الأثينية، وأما الإسكندر فاحتل موقعه ~~للتعامل مع المشاة الطيبية وكان على رأس الجناح الأيسر، فحقق المقدونيون نصرا ~~تاما. # اتجه فيليب إلى إبرام معاهدات جديدة، في البداية على أساس تسويات ثنائية مع الدول ~~الإغريقية منفردة، ومن الجائز تماما أنه استعان بأرسطو وتلاميذ مدرسته في رسم الحدود ~~الرسمية بين الدول كخطوة على طريق ms108 الحد من النزاعات. ثم تكشف محاولة لإقامة سلام ~~مشترك في عموم اليونان عن تثمين فيليب هذا الشكل الحديث من أشكال التحالف؛ إذ دعا إلى ~~مؤتمر للممثلين من كل أنحاء اليونان في كورنثة سنة 337، مقدما شروطا لتحالف ~~هجومي ودفاعي على السواء بين الدول الإغريقية ومقدون، على أن يتولى فيليب قيادة ~~القوات التي يقدمها كل الأعضاء في حالة الحرب، لكنه لن يكون عضوا في مجلس الحلفاء ~~الذي كان مسئولا عن اتخاذ القرارات بحيث يقوم بدور المحكمة العليا. وفيما عدا شئون ~~الحلف، ستكون كل الدول مستقلة، وأي دولة عضو تنتهك شروط التحالف تعاقب، ويعاقب أي ~~فرد يحدث خللا في سير العمل في دولته أو يعمل مرتزقا لمصلحة الملك الفارسي. ~~تمخضت صياغة هذه الشروط عن قيام الحلف الكورنثي الذي كان لوجوده قيمة كبيرة من ~~نواح كثيرة، إحداها تيسير خطط فيليب الوليدة لشن حملة ضد الفرس. ولو افترضنا ~~مطمئنين أنه قرأ خطبة إيسقراط الموجهة إليه، لجاز لنا وصف حملته آنذاك بأنها ~~حملة بالنيابة عن الإغريق. # خلاصة القول أن الارتباط المديد بين مقدون واليونان مكن فيليب من تحدث ~~الإغريقية بأكثر من مجرد الألفاظ؛ إذ صار يفهم دقائق المعاهدات والتحالفات، ويدرك ~~أهمية التقاليد من قبيل الألعاب الأوليمبية، أو الممارسات من قبيل الاعتبار الديني ~~لحرم أبولو في دلفي. كان يعرف الصراع داخل الدول الإغريقية وفيما بينها حق المعرفة، ~~وتمكن من استغلاله. وما من شك في أن درايته بمختلف أوضاع البلدات الواقعة تحت سيطرته ~~وبالمدن المطالبة باستقلالها، حتى الواقعة منها في أرضه، أثرت على تفضيله الصنف ~~الأول. ومثلما أعاد بيرديكاس تأسيس مدينة بدنا الإغريقية كبلدة تحت هيمنة المقدونيين، ~~أعاد فيليب تنظيم كرينيدس لتصير «فيليبوي»؛ أي مدينة فيليب. كانت الأحلاف، ولا سيما ~~الأحلاف الإغريقية، مثار إزعاج للمقدونيين، وهو ما كان أسلاف فيليب يعرفونه تمام ~~المعرفة؛ لكنها كانت ضرورية، أولا في إنشاء المملكة المقدونية المتأخرة، وثانيا في ~~وضع حد للحرب المستمرة بين الائتلافات الأكبر التي تضم الدول الإغريقية. والواضح أن ~~فيليب كان يقدر جيش المشاة الثقيلة الإغريقي واستند إليه في بناء ms109 جيشه، ومع نجاح ~~جهوده في تراقيا أدرك شخصيا أن فارس تمثل مشكلة للمناطق الواقعة في شمال بحر ~~إيجة وغربه. كان أبوه قد أيد الطيبيين في عونهم الذي قدموه للمرازبة الغربيين ضد ~~ملك الفرس آنذاك، ويبدو أن فيليب كانت له تعاملات مع شخص يدعى هيرمياس أنشأ مملكة ~~صغيرة في شبه جزيرة ترواس (المنطقة الشمالية الغربية من الأناضول حول موقع طروادة)، ~~وكذلك مع بيكسوداروس، حاكم جزء من كاريا في جنوب الأناضول. وكانت لهذه الاتصالات دلالة ~~ثقافية وعسكرية عند المقدونيين. ~~(2) التأثيرات الثقافية # كان الإغريق والمقدونيون جيرانا منذ ثلاثة قرون ونصف قرن على الأقل قبل حكم فيليب ~~الثاني، وكانت العلاقة، على نحو ما بينا، في العادة تنافسا عدائيا على السيطرة ~~على الأرض والوصول إلى الموارد. لكن صاحبت ذلك الصراع معرفة كل منهما بثقافة ~~الآخر، وكانت هاتان الثقافتان في المراحل الأولى من التفاعل مختلفتين اختلافا ملحوظا ~~في نواح كثيرة، إن لم يكن في كل النواحي. وبمرور الوقت ازدادت أوجه الشبه، خصوصا ~~في الدين واللغة والعمارة والفنون والأعراف الثقافية. وبما أن الثقافة الإغريقية كانت ~~الأكثر تطورا من بين الاثنتين، كان تأثيرها على مقدونيا بحلول العصر العتيق (حوالي ~~750-500) هو الغالب. # نوهنا إلى أن زيوس وهرقل كانا الشخصيتين الإلهيتين والبطوليتين الرئيستين عند ~~السلالة الأرغية، وقد ضاع تفسير هذه الآصرة في غياهب الأصول الأرغية، ولا يلزم أن نقبل ~~حكاية رحيل ثلاثة إخوة من أرجوس لكي ندرك فهم الأرغيين أنفسهم صلات نسبهم؛ والمهم هو ~~التماثل مع الفكر الإغريقي الذي ينشأ عن هذا الفهم. علاوة على ذلك، ضمت آلهة ~~هيلينية أخرى بمرور الزمن إلى المهرجانات المقدونية؛ إذ حلت معابد أواخر القرن الرابع ~~التي كرست للربة ديميتر محل منشأتي ميغارون (الميغارون وحدة معمارية تتألف من ~~رواق ذي أعمدة، وغرفة رئيسة بها مجمرة، وفي الغالب غرفة ثالثة في الأمام أو الخلف) ~~تعودان إلى القرن السادس ومرتبطتان بتلك الربة. وتكشف الرسومات، التي تمخضت عنها ~~مدافن آيجي/فيرجينا، عن وجود بيرسيفوني ابنة ديميتر في المعين الفني المقدوني، بينما ~~اكتشف مذبح لديونيسيوس بين أطلال المسرح الكائن ms110 في الموقع ذاته. ولا شك أن ديونيسيوس ~~موضوع مفضل في الفسيفسائيات التي ترقى إلى أواخر القرن الرابع وما بعدها. وصور ~~الإله بان على قطع النقد التي ضربها أمينتاس الثاني، وصور أبولو على قطع النقد ~~التي ضربها فيليب الثاني. وافتتحت المناسبة التي قتل فيها فيليب باستعراض لتماثيل ~~مجموعة الآلهة الإغريقية، مع إضافة تمثال ثالث عشر لفيليب. # أقيم ذلك الاحتفال في مسرح العاصمة القديمة آيجي الذي أنشئ في عهد أرخيلاوس ~~لإقامة المهرجانات على شرف زيوس وربات الفنون، والمسابقات، والعروض المسرحية. ومع أنه ~~كان أصغر من المسارح الإغريقية، إلا أنه أقيم على طرازها. علاوة على ذلك، دعي ~~الكتاب المسرحيون الإغريق إلى مقدونيا، ومنهم الشاعر الأثيني يوربيديس الذي ألف ~~«الباخوسيات» (موجودة) و«أرخيلاوس» (غير موجودة)، ومات في مقدونيا. كان كاتب مسرحي ~~أثيني آخر، وهو أجاثون، ضيفا على الحاكم الأرغي ذاته، ومثله كان الشاعر الكورالي ~~تيموثيوس الملطي والشاعر الملحمي خويريلوس الساموسي. # ومع هذا كانت المسابقات على الطراز الأوليمبي التي استحدثها أرخيلاوس في ديون من ~~الاحتفالات الأخرى الشائعة في عموم العالم الإغريقي. ويكشف العنصر الدرامي في التنافس ~~عن انفتاح المقدونيين على الثقافة الهيلينية، ويتجلى تقدير مشترك للبراعة الرياضية في ~~قيم كلا المجتمعين. وناقشنا التأكيد المقدوني على التدريب البدني في الفصلين الثاني ~~والثالث، وخصوصا لأبناء السلالة الملكية الذين كان يتوقع منهم قيادة الجيش المقدوني ~~بالقدوة. وتبرهن الرواية التي تتحدث عن مشاركة الإسكندر الأول في الألعاب الأوليمبية ~~الإغريقية، سواء أصحت أم لم تصح، على لياقته الشخصية من واقع النتيجة؛ إذ حصل ~~على المركز الأول مناصفة في سباق العدو. # من الممكن طبعا أن نفهم هذه الاقتراضات كدعاية - مفادها: «نحن المقدونيين نشبهكم ~~بحق أيها الإغريق» - أو كجهود لتمدين شعب بدائي بل همجي أيضا. لكن رسوخ هذه ~~الاقتراضات وازديادها قوة وعددا حجة مضادة لهذه الاستنتاجات؛ فكما أن الجسم ~~البيولوجي يلفظ العضو المزروع فيه الغريب عن تكوينه، كذلك سيلفظ الجسم الثقافي ~~العادات الأجنبية غير المتوافقة معه. # صار استخدام الألفبائية الإغريقية العرف المتبع في لغة المملكة المكتوبة، ~~ولندرة الأدلة فيما يخص لغة المقدونيين المنطوقة، ms111 لا يمكن حسم مسألة علاقتها ~~بالإغريقية. ومن ناحية أخرى، توجد أدلة أكثر فيما يخص لغتهم المكتوبة؛ إذ وصلت إلينا ~~نقوش سجلت الاتفاقيات المبرمة بين المقدونيين والإغريق، وخصوصا الأثينيين، وإن ~~كان مصدر هذه النقوش الدول الإغريقية التي كانت طرفا في هذه الاتفاقيات، وربما صيغت ~~النسخ التي كتبت بالمقدونية صياغة مختلفة تماما. وتوحي الأنواع الأخرى من ~~النقوش التي وصلت إلينا بأن الحال لم يكن كذلك؛ إذ تسجل 47 لوحة تذكارية استخرجت من ~~مدافن آيجي/فيرجينا ونسبت إلى النصف الثاني من القرن الرابع أسماء المتوفين وغالبيتها ~~إغريقية. وكما فسر الباحث الذي نقب عن الألواح، فإن تاريخ الوفاة حوالي سنة 330 ~~يوحي بأن تاريخ ميلاد كثير من هؤلاء المتوفين وقع في العقد 370-360 تقريبا. ويوحي ~~اشتمال اسم مركب من اسم الأب أو الجد الأعلى في معظم شواهد القبور بأن تاريخها يعود ~~إلى حوالي سنة 410-400 فيما يخص الأسماء الثانية المسجلة. ولا ينتمي جميع الأشخاص ~~المسجلين على اللوحات التذكارية، ولا حتى غالبيتهم، إلى نبلاء مقدونيا، بمعنى أنهم من ~~عامة المقدونيين، ولا شك أن آيجي/فيرجينا كانت عاصمة المملكة الأصلية؛ ومن ثم ربما ~~كان استخدام أسماء إغريقية بديلة ممارسة متبعة في هذا المكان بعينه فقط. ومع ذلك ~~فهذا الاستنتاج تنفيه النقوش المستمدة من بيرويا في منطقة بيرميون؛ إذ كتبت هذه ~~النقوش - وتشمل أسماء أيضا - بالألفبائية الإغريقية. ويجب أن نعترف بعدم إمكانية أن ~~يكون الإليريون أو غيرهم من الشعوب المجاورة في الشمال أو الغرب أو الشرق وفروا ~~ألفبائية بديلة، وأن اليونان كانت الخيار الوحيد. لكن ما نريد قوله إنه كما في حالة ~~الآلهة الهيلينيين، وجدت الألفبائية الإغريقية مرضية، وصار استخدامها هو القاعدة ~~في النقوش المقدونية، الرسمية منها والشخصية. # شكل 4-3: مخطط المسرح الذي اغتيل فيه فيليب سنة 336 قبل الميلاد في فيرجينا. ~~تشير الأرقام الرومانية من # I # إلى # IX # إلى القطاعات التسعة التي تشتمل ~~عليها قاعة المسرح، ويمثل القطاع 5 أوسطها. والمستطيل الموجود في وسط ~~الأوركسترا حجر كان يقوم عليه المذبح ذات يوم. بإذن من صندوق ~~الإيرادات الآثارية التابع ms112 لوزارة الثقافة اليونانية، أثينا. # كانت المعرفة الإغريقية أيضا تحظى باحترام؛ إذ خططت بيلا على هيئة شبكة متعامدة ~~من الشوارع، وهو التخطيط المرتبط بالإغريقي هيبوداموس، وتضمنت المسارح - وإن كانت ~~أقل حجما من النماذج الإغريقية - خصائص مماثلة للأبنية الإغريقية، وكان الرسام ~~الإغريقي زيوكس ضيفا على الملك أرخيلاوس، وتوحي أشكال الرسومات التي وصلت إلينا في ~~آيجي بالملامح التي تنسب إلى هذا الفنان الذي لم يكتب لأعماله الإغريقية البقاء، ~~ومنها الظل والتجريب بالألوان وبالمنظور ومحاولة التعبير عن الانفعالات. كانت هناك ~~أنواع أخرى من المعرفة يمثلها إغريق آخرون استقطبوا إلى خدمة الحكام، مثل يومينس ~~الكاردي الذي عمل كمدير للسجلات المقدونية، ونيارخوس الكريتي العارف بالبحار. وظف ~~هؤلاء، ويقينا استغلوا، لكن مهاراتهم كانت ضرورية لجهود من عملوا في خدمتهم. وهكذا ~~ساهمت المهارات والأشخاص في تشكيل الحياة المقدونية، وسيكشف أحد الأمثلة البارزة عن ~~درجة التفاعل التي تحققت خلال عهدي أمينتاس الثالث وابنه الثالث فيليب ~~الثاني. ~~(3) علاقة خاصة # سار خلفاء أرخيلاوس على خطاه في دعوة الزوار الإغريق المعروفين والنافعين إلى بيلا، ~~فأوجد أمينتاس الثالث صلة دامت خلال معظم عهده وعهدي فيليب الثاني والإسكندر الثالث، ~~عندما جلب نيقوماخوس وزوجته فايستس الأسطاغيرية إلى عاصمته. كانت أسطاغيرا، الواقعة ~~شمال شرق خالكيذيكي، قد استعمرت أصلا في العصر العتيق على يد قوم من جزيرة أندروس ~~قبالة ساحل أتيكا الجنوبي، وبمرور الوقت انضم إغريق من مناطق أخرى إلى هؤلاء ~~المستوطنين الأصليين. وقد اجتذبها موقعها إلى تحالفات أكبر سبق أن ناقشناها (الحلف ~~الديلوسي والحلف البيلوبونيزي والحلف الخالكيذيكي)، ومع التوسع المقدوني شرقا صارت ~~هدفا للملوك الأرغيين. # يوصف نيقوماخوس بأنه طبيب الملك وصديقه في آن واحد؛ ومن ثم تفسر ممارسته ~~الطب على ما يبدو رحيله إلى مقدونيا مع فايستس وابنهما الصغير أرسطو (المولود سنة ~~384). وتشير الروايات التاريخية إلى موت كلا الأبوين وأرسطو كان لا يزال طفلا صغيرا، ~~فانتقل إلى وصاية قريب له يسمى بروكسينوس. وليس من الواضح ما إن كان أرسطو مكث في ~~بيلا أم عاد إلى أسطاغيرا لدى موت أبويه. ثم رحل إلى أثينا في عامه الثامن ms113 عشر ~~للدراسة في أكاديمية أفلاطون، ومكث فيها 20 سنة. وتكشف كتابات أرسطو اللاحقة تأثير ~~الفكر الأفلاطوني، وجاء تأثير آخر من الخطيب إيسقراط، الذي رأيناه يلتمس من فيليب ~~المساعدة على إحلال السلام في اليونان. # ويمكن تعليل قراره الرحيل عن أثينا سنة 348 / 347 بحدثين، أولهما موت أفلاطون وما ~~تلاه من الاعتراف بابن أخته إسبوزيبوس خليفة له، وتصاعد المشاعر المناهضة للمقدونيين ~~بعد استيلاء فيليب على أولينثوس، وكانت حليفا مهما لأثينا في شبه جزيرة خالكيذيكي. ~~ومن الجائز تماما أن علاقات أرسطو السابقة بمدينة بيلا جعلت الانسحاب من أثينا خطوة ~~منطقية، فأمضى السنوات الثلاث التالية في شمال غرب آسيا الصغرى؛ حيث كان زميل دراسته ~~هيرمياس قد أنشأ مملكة صغيرة في شبه جزيرة ترواس أثناء الصراعات بين المرازبة الغربيين ~~وشاه فارس. كان ثمة تلاميذ آخرون لأفلاطون يعيشون في أتارنيوس في الوقت نفسه وشكلوا ~~دائرة صغيرة من المثقفين، وهو شيء سيتحول يوما بعد يوم إلى ممارسة يداوم عليها ~~الحكام بعد موت الإسكندر الثالث. كانت العلاقات التي جمعت الفلاسفة بهيرمياس وثيقة ~~على ما يبدو؛ إذ كان الحاكم منجذبا لآراء أفلاطون، ويمكن تصور تلاميذ أفلاطون وهم ~~يسيرون على خطى معلمهم الذي كان يقدم المشورة لحاكم سرقوسة. وكانت هناك مودة ~~شخصية في حالة أرسطو تتضح من زواج أرسطو ببثياس، ابنة أخت هيرمياس وابنته ~~بالتبني. # شكل 4-4: تمثال حديث لأرسطو في موطنه أسطاغيرا. صورة بعدسة السيد تي ~~فورينوس. # قال بعضهم، وتحديدا أنطون-هيرمان كراوست، إن صلة أرسطو بهيرمياس ارتبطت بدور أرسطو ~~كعميل ومخبر لفيليب؛ إذ كانت مملكة هيرمياس الصغيرة تحتل مكانا استراتيجيا لشن ~~اجتياح مقدوني للأقاليم الشمالية الغربية التابعة للإمبراطورية الفارسية. والحقيقة أن ~~بيلا كانت تضم بين سكانها أرتبازوس، مرزبان فريجيا في الأناضول، الذي ثار على الشاه ~~وهزم، فسكنها بداية من سنة 353 أو 352، وظل مع أسرته في مقدونيا لنحو عشر ~~سنين. # لكن أرسطو رحل بعد ذلك بثلاث سنوات إلى ميتيلين في جزيرة ليسبوس، ربما داخل نطاق نفوذ ~~هيرمياس، وارتبطت دراسات أرسطو في علم الأحياء بهذه الفترة من حياته. ثم رحل ms114 مجددا بعد ~~سنتين عائدا إلى بيلا هذه المرة؛ إذ تقول الروايات التاريخية إن فيليب استدعاه لتعليم ~~ابنه الإسكندر. ويروي بلوتارخس أن فيليب: # أرسل في طلب أرسطو، أشهر فلاسفة زمانه وأكثرهم علما ... كان أرسطو من أبناء ~~أسطاغيرا، التي دمرها فيليب نفسه، ثم أعاد إسكانها ورد إليها جميع ~~مواطنيها الذين استعبدوا أو نفوا من أرضهم ... وأعطى أرسطو وتلاميذه معبد ~~حوريات الماء بالقرب من ميزا كمكان يدرسون فيه ويتحاورون ... وفي اعتقادي أن ~~أرسطو هو الذي فعل أكثر من كل من سواه ليغرس في الإسكندر اهتمامه بفن ~~الشفاء وبالفلسفة ... كان يعتبر الإلياذة دليلا لفن الحرب، واصطحب معه في ~~حملاته نسخة منها مذيلة بشروح أرسطو. (الإسكندر، الكتابان السابع ~~والثامن) # لا يقتصر الخلاف بين الباحثين على طبيعة هذا التعليم، بل يطول حتى دقة وصف أرسطو بأنه ~~معلم الإسكندر. وربما تعزز صحة هذا الوصف قائمة كتابات أرسطو، التي ضمت كتابا ~~بعنوان «عن المستعمرات»، وآخر بعنوان «عن الملكية» يزعم أنه ألفهما خصوصا ~~للإسكندر، وربما تعززه كذلك سجلات خطابات أرسطو التي أرسلها إلى فيليب وإلى الإسكندر ~~(أربعة كتب)، وإلى أوليمبياس (كتاب واحد)، وإلى هفايستيون (كتاب واحد)، وإلى أنتيباتروس ~~(تسعة كتب)، وهو آخر من جاء ذكر اسمه من معاوني فيليب الأعظم نفوذا، والذي عينه ~~أرسطو كمنفذ لوصيته. ارتبط أرسطو ارتباطا وثيقا بأهم الشخصيات في بيلا في أواخر ~~أربعينيات القرن الرابع، واستند ذلك الارتباط إلى أساس بعينه، وربما أسس ~~متعددة. # ينقل ديوجانس اللايرتي في تأريخه لحياة أرسطو، الذي كتبه على الراجح في القرن الثالث ~~بعد الميلاد، عن الفيلسوف اعتقاده أن الحكيم يقع في الغرام ويشارك في السياسة، بل فوق ~~ذلك أيضا يتزوج ويعيش في بلاط الملوك (سير مشاهير الفلاسفة ومذاهبهم وأقوالهم، ~~الكتاب الحادي والثلاثون). فلا نستغرب اشتغال الفيلسوف بتعليم الآخرين أثناء عيشه في ~~بلاط الملك في ضوء أنشطة الحكماء الآخرين. ويدل حماس الملوك الأرغيين المتصاعد تجاه ~~الثقافة الإغريقية ومعرفتهم بها يقينا على قيمة تعليم ورثة العرش المحتملين ~~العلوم الإغريقية. وربما استندت دعوة فيليب أرسطو إلى معرفة شخصية بين الرجلين ~~تعود قديما ms115 إلى فترة شبابهما، عندما كان أرسطو يعيش في بيلا مع والديه، وحديثا إلى ~~اتصالاتهما الثنائية مع هيرمياس ملك أتارنيوس. # لا نعرف إلا قليلا عن طبيعة طريقة تعليم أرسطو، سواء في مقدونيا أم في مدرسته فيما ~~بعد. ويعطينا ديوجانس اللايرتي فكرة في هذا الشأن بإيراده ما يحدده الفيلسوف من ~~سمات ضرورية للتعليم السليم، وهي الموهبة الطبيعية والدراسة والممارسة المستمرة (سير ~~مشاهير الفلاسفة ومذاهبهم وأقوالهم، الكتاب الحادي والثلاثون). ويقول الكاتب المتأخر ~~أيضا إن أرسطو كان يعلم تلاميذه الحديث عن أطروحة محددة بالإضافة إلى ممارسة القدرة ~~الخطابية. ومن واقع كمية أعمال أرسطو المكتوبة (يعدد ديوجانس 400 عمل كأعمال أصلية)، ~~يمكننا القول مطمئنين إنه كان يدرب تلاميذه أيضا على الكتابة. ومن الجائز تماما أن ~~البحث العلمي كان عنصرا آخر من عناصر هذا التعليم، هذا لو صحت القصة التي تقول إن ~~الإسكندر أمر صيادي الحيوانات والطيور والأسماك المقدونيين بتقديم معلومات عما ~~شاهدوه أو اصطادوه. يمكن إضافة سمة أخرى من سمات طريقة أرسطو في التعليم على أساس طبيعة ~~المدرسة التي أسسها في أثينا في منتصف الثلاثينيات؛ إذ كان اكتساب المعرفة شأنا ~~مدرسيا من حيث المنهج الأكاديمي وفيما يتعلق بالنواحي الاجتماعية. كانت المدرسة ~~الواقعة في بستان مكرس لأبولو ليكيوس تحتوي أيضا على جمنازيوم، ومبنى يضم مكانا ~~للمحاضرات ومجموعات الكتب والخرائط والمقتنيات، ومكان لتناول الطعام. ومن الجائز ~~تماما أن التقليد الذي اتبعه أرسطو بتعليم عدد من الشباب في ميزا كان إرهاصة ~~للممارسات التي اتبعت في الليسيوم في أثينا. # حالت حياة الإسكندر دون انصرافه إلى التعليم بحلول سنة 340، التي عمل فيها كوصي على ~~عرش أبيه. ولا أحد يعرف على وجه الضبط أين عاش أرسطو بين عامي 340 و335، وربما عاد ~~إلى أسطاغيرا، لكنه عاد إلى أثينا بحلول سنة 335 لتأسيس مدرسته التي أسلفنا الحديث ~~عنها. قد لا تكون مصادفة أن عودته جاءت إبان خضوع أثينا للإسكندر؛ إذ كانت طيبة قد ~~استولي عليها مؤخرا وأبيدت بعد ثورتها على الهيمنة المقدونية، وكان الأثينيون ~~يخشون انتقاما مماثلا، لكن جرى التعامل مع أثينا ms116 دبلوماسيا من خلال معاهدة، لا ~~بانتقام عسكري. ظل أرسطو في أثينا حتى 323، وعندها رحل إلى خالكيذا في جزيرة وابية ~~المجاورة. ومرة أخرى، ربما كان الدافع إلى ذلك صلته بمقدون؛ إذ كان ذلك بعد موت ~~الإسكندر واستدعاء وصيه على العرش أنتيباتروس إلى آسيا؛ فالشخص الذي تربطه علاقات ~~قوية بأعداء أثينا التقليديين هؤلاء يحق له كل الحق أن يخشى على حياته. وتروي المصادر ~~المتأخرة أن أرسطو كتب قبل موته بفترة قصيرة إلى أنتيباتروس عن خطر العيش في أثينا لو ~~كان المرء أجنبيا، وسيتضح هذا بوجه خاص في موقف أرسطو بعد أن مات الإسكندر وكان ~~أنتيباتروس على ما يفترض في طريقه إلى الشرق. وليست مفاجأة كبيرة أن نعلم أن المجلس ~~الأثيني صوت لمصلحة الحرب ضد مقدون لدى علمه بموت الإسكندر؛ إذ توافق تحالف جديد ~~أقيم مع أيتوليا وسيكيون وتيساليا وشمال غرب بيوتيا وميسينيا وأرجوس وأجزاء من جزيرة ~~وابية، على تأمين حرية الإغريق. وبعد أن حقق هذا الائتلاف نجاحا أوليا، هزم سنة ~~322 بعد عودة 10 آلاف محارب مخضرم مع القائد المقدوني كراتيروس. ولا شك أن أرسطو كان ~~حكيما في رحيله عن أثينا، وقد مات متأثرا بمرضه في خالكيذا سنة 322. # شكل 4-5: موقع نمفايون في ميزا. بإذن من د. إي كفاليدو، متحف الآثار في ~~سالونيك. # خلاصة القول أن ارتباط أرسطو بمقدونيا يكشف عن العديد من سمات الثقافة المقدونية، على ~~الأقل ثقافة بيلا الأرغية. تباطأ استقطاب إغريق بارزين إلى مقدونيا منذ حكم الإسكندر ~~الأول إلى حكم الملك أرخيلاوس، لكن لم يتوقف أثناء حكم أمينتاس الثالث المضطرب، ~~فوجدت في الطبيب نيقوماخوس الأسطاغيري، الذي رحل إلى بيلا مع زوجته وابنه الصغير ~~أرسطو، خبرة ملائمة تماما لمملكة في حرب دائمة. انتهى هذا الارتباط بموت نيقوماخوس ~~وفايستس في سن مبكرة نسبيا، علما أنه لا يوجد ما ينم عن فعل جنائي. ومع أن أرسطو ~~لم يواصل إقامته في مقدونيا، فإنه عاد إليها بعد سنواته العشرين التي قضاها كتلميذ في ~~أكاديمية أفلاطون في أثينا. التفسير المعتاد لعودة أرسطو سنة 343 / 342 ms117 هو تعليم ~~الإسكندر الثالث، ومع أن دوره كمعلم محل شك من بعض الباحثين المحدثين، يتضح اهتمامه ~~بالتعليم من تأسيسه مدرسة له في أثينا سنة 335. ومن الجائز تماما أن مسئوليات أخرى ~~أسندت إلى هذا الفيلسوف؛ إذ عاش كما نوهنا في مركز مملكة أتارنيوس الصغيرة في ~~الأناضول من 348 / 347 إلى 345 / 343، وعاش على مدى السنتين التاليتين في جزيرة ليسبوس ~~قبالة ساحل الأناضول. ومن المهم أن ننوه إلى اهتمام فيليب ذاته بأتارنيوس مع ازدياد ~~نشاط الملك المقدوني في بحر بروبونتيس والبحر الأسود، وهما الحدود الشمالية ~~للإمبراطورية الفارسية. وخلال هذه الفترة الزمنية ذاتها، سكن مرزبان فارسي متمرد من ~~الأناضول العاصمة المقدونية بأسرته. # كان أرسطو لدى عودته إلى أثينا في وضع يسمح له بمساعدة فيليب في شروط تسوية الشئون ~~الإغريقية في أعقاب الانتصار المقدوني في خيرونية؛ إذ يقال كما أسلفنا أن أرسطو ~~وتلاميذه رسموا حدود الدول الإغريقية دولة دولة. وربما تشير عودته أيضا إلى صلات ~~دائمة بالملك الأرغي الحاكم الإسكندر الثالث. ولدى مقتل فيليب ارتأى أعداء مقدون ~~التقليديون أن الوضع سانح للثورة على السيطرة المقدونية، وباستدراج الإسكندر للتعامل مع ~~الأعداء الشماليين، تمرد العديد من الدول الإغريقية، فسارع الإسكندر لدى عودته إلى ~~التعامل مع المتمردين، فأبيدت طيبة، وأما أثينا فعوملت بسخاء مع مساهمتها في الثورة ~~الطيبية، وربما حدث هذا بشفاعة أرسطو. # الحجة التي تقول بدور أرسطو كمبعوث ووسيط وعميل ليست مؤكدة، لكن يؤيدها دور ~~فلاسفة ذلك الجيل ذاته وما تلاه؛ فمثلا زينوقراط، رئيس الأكاديمية من 339 إلى 314، كان ~~عضوا في وفد سفراء أثيني أرسل للتفاوض مع فيليب، وكان فيما بعد مبعوثا إلى ~~أنتيباتروس لحضه على إطلاق سراح أسرى الحرب التي نشبت لدى موت الإسكندر سنة 323. وكان ~~كاليسثينيس (ابن أخت أرسطو) وأناكساجوراس وتلميذه بيرو، المعروف كمؤسس المدرسة ~~الشكية الفلسفية، ممن صاحبوا الإسكندر في حملته. ودعي ثيوفراستوس ، خليفة أرسطو ~~على رئاسة الليسيوم، إلى مصر من قبل بطليموس الأول، وكان الرواقيون جزءا من بلاط ~~أنتيغونس غوناتاس، ملك مقدون في أوائل القرن الثالث. وفي وقت متأخر من ذلك القرن، ms118 لعب ~~الفيلسوف الرواقي سفايروس دورا في برنامج للملوك الإسبرطيين، وأما الفيلسوف الكلبي ~~كيركيداس فعمل سفيرا إلى الملك المقدوني آنذاك في محاولة لوقف النجاح الإسبرطي. وخدم ~~رياضياتي أبيقوري ثلاثة ملوك سلوقيين في القرن الثاني، وفي منتصف ذلك القرن أرسل وفد ~~سفراء مؤلف من ثلاثة فلاسفة يمثلون ثلاث مدارس مختلفة للتعامل مع مجلس الشيوخ ~~الروماني. # لدور أرسطو أهميته لا في الكشف عن ضلوع المثقفين سياسيا فحسب، بل أيضا في إثبات ~~نباهة الملوك الأرغيين العقلية؛ إذ تفهموا الثقافة الإغريقية جيدا، واستخدموها بقوة ~~بفضل قيمتها ولأغراضهم الخاصة على السواء. وتعطينا الصلات الفردية أيضا أفكارا عن ~~الطبيعة الحقيقية للحياة في الأرض التي لم يكن يستطيع المرء حتى شراء عبد صالح منها، ~~على حد قول ديموستيني. جلب يومينس، ابن أحد ضيوف/أصدقاء فيليب من بلدة كارديا ~~الإغريقية في شبه جزيرة كيرسونيسوس التراقية، إلى بيلا ليعمل رئيسا لأمانة السر لسبع ~~سنوات، واستمر بهذه الصفة في عهد الإسكندر، لكن في الهند عين في منصب قائد عسكري، ~~وفي حفل زفاف الإسكندر وصحبه في شوشان سنة 324 زوج بأخت بارسين محظية الإسكندر. ويدل ~~ارتقاؤه إلى هذه المكانة الرفيعة على الأهمية التي اكتسبها حفظ السجلات في مقدونيا ~~بحلول عهد فيليب إن لم يكن قبل ذلك. ربما كان الإغريق أقدر في مهارات القراءة ~~والكتابة، لكن شخصا يسمى مارسيا البيلي، وهو معاصر للإسكندر الثالث، وضع ~~سردا في 10 كتب لتاريخ لمقدونيا، بداية من نشأة المملكة وحتى صيف 331 قبل الميلاد. ~~كان أي ملك أرغي ينصح بأن يثمن مهارات الإغريق (ومهارات غيرهم بالطبع) ويستقطب ~~هذه المهارات وأصحابها إلى مملكته. كانت الدول الإغريقية مصدر إزعاج، لكن أدوات ~~الإغريق كانت ضرورية للنشاط المقدوني، وفي النهاية صارت تلك الأدوات والأعراف جزءا لا ~~يتجزأ من الثقافة المقدونية. كانت الخطوط الفاصلة بين الثقافتين المقدونية والإغريقية ~~قد بدأت تنطمس قبل العصر الهلنستي بزمن طويل. # الفصل الخامس # | البقاء بالقوة # كشفت أوصاف منطقة مقدونيا ومملكة مقدون في الفصول السابقة عن مواطن ضعف وعن مواطن قوة ~~كامنة في موقعها ومواردها وعناصر ثقافتها. ومثلما يتبين ms119 من الخريطة تتموضع هذه المنطقة ~~بين شبه الجزيرة اليونانية (جزء من حوض البحر المتوسط الأكبر) وقارة أوروبا. لم يكن ~~المقدونيون سوى قوم من أقوام كثيرين سعوا إلى إنشاء دولة آمنة والحفاظ عليها في جزء من هذه ~~المنطقة الكبيرة، ولم تكن مهمتهم سهلة كما رأينا. # كانت ملامح مقدونيا الطبيعية تقدم بعض العون، لكنها لم تقدم الحماية الكاملة؛ إذ ~~كانت الجبال والأنهار الدائمة والخليج الثيرمي ببحر إيجة عناصر ردع لكل من تسول له ~~نفسه التسلل إليها، لكن الممرات الجبلية ومجاري الأنهار والسفن كانت أبوابا مفضية إلى ~~داخل المملكة، داوم الآخرون على استكشافها والاستفادة منها. وفوق ذلك كانت في موارد ~~مقدونيا الوفيرة حوافز قوية للآخرين لكي يستغلوا هذه الطرق لمصلحتهم، ورأينا أن الغارات ~~العدائية كانت متكررة كالمبادلات التجارية السلمية إن لم تكن أكثر. ~~(1) جيران برابرة # كان الجيران البرابرة المحيطون بلب المملكة في مرحلتها المبكرة يتمتعون بميزة كبيرة ~~على المقدونيين من حيث أعدادهم وقوتهم العسكرية المتفجرة التي كانت تثور دوما. وحتى ~~الشواهد الضئيلة المتاحة تدل على وجود كثيرين جدا من هؤلاء الجيران المزعجين في ~~مواجهة طريقة التفكير المقدونية، والحقيقة أن كثيرين منهم كانوا ذات يوم يشغلون أرضا ~~في أجزاء من المنطقة التي ستصبح في النهاية قلب المملكة المقدونية. بدأت القبائل ~~التراقية، التي استقرت في شرق بحر إيجة منذ العصر البرونزي، تتمدد غربا في العصر ~~الحديدي متجاوزة نهر سترايمون إلى وادي نهر أكسيوس. وأقرب من التراقيين إلى قلب ~~مقدونيا كان يوجد قوم (وهم البييريون) كهؤلاء ربما شغلوا منطقة بييريا بين نهري ~~هالياكمون وبنيوس. كان البيونيون أيضا يشغلون الأرض الواقعة بمحاذاة أدنى وادي أكسيوس، ~~إلى أن دفعهم زحف التراقيين غربا إلى الانتقال شمالا في منطقة البلقان. بدأ فيليب ~~يتعامل مع التهديد التراقي في سنوات حكمه الأولى، وبعد مرور 16 سنة كانت قوات فيليب ما ~~زالت تجرد حملات في تراقيا ، حتى آذنت سنة 342 بالمواجهة النهائية التي هزم فيها ~~جيشا ملكين تراقيين وأطيحا من السلطة واستبدل بهما نائب لفيليب. لكن على الرغم ~~من الخضوع اسميا للسيطرة المقدونية، ms120 تطلب الأمر تجريد مزيد من الحملات في منطقة ~~شرق تراقيا. # كانت الشعوب التي دخلت إليريا واستقرت فيها بين القرنين العاشر والثامن تشكل ~~تهديدا مستمرا حيث تمددت جنوبا وشرقا، وأخرج أمينتاس الثالث من مملكته بفعل ~~واحدة من غزواتهم، وقتل ابنه بيرديكاس الثالث مع 4 آلاف من جنوده في معركة مع الغزاة ~~الإليريين، وكانت من أولى مسئوليات خليفته فيليب الثاني حشد قوة قوامها 10 آلاف جندي ~~مشاة و600 فارس لمواجهة قوات الملك الإليري بارديليس، وكان من شواغل الإسكندر العاجلة ~~لدى توليه العرش تجريد جيشه لمواجهة الإليريين وغيرهم من الشعوب الشمالية. لم تكن ~~غاراتهم وقائع مخيفة فحسب، بل كانت تحركاتهم تدفع شعوبا أخرى في اتجاهات جديدة. # من المجانب للصواب طبعا أن نظن أن هذه الشعوب كانت جماعات متلاحمة، بل كانت قبائل ~~كثيرة، تراقية وإليرية وبيونية، وعلى رأس كل منها ملك. وسبق أن نوهنا إلى إلحاق ~~المقدونيين هزيمة بجيشين تراقيين بقيادة ملكين. كان هناك خطر آخر وهو احتمال توحيد ~~أعداء مقدون العديدين صفوفهم ضدها؛ إذ جمع تحالف قام سنة 356 بين جرابوس وشعبه ~~الإليري، وليبيوس وشعبه البيوني، وكتريبوريس وشعبه التراقي، ودولة-مدينة أثينا (تود، ~~الطبعة الثانية، 157 = النقوش الإغريقية، المجلد الثاني، الجزء الثاني، 127). # كان لزاما أن يكون الملك المقدوني مهيأ لطبيعة التهديدات النابعة من أعداء مثل ~~«كيرسوبليبتيس، ملك التراقيين، الذي استمر في إخضاع المدن المحاذية للهلسبونت على ~~حدود تراقيا، وفي الانتقام من تلك الأرض» (ديودورس، الكتاب السادس عشر، 71، 1). وهكذا ~~يجب أن يكون الملك الأرغي مستعدا للتصرف مثلما فعل فيليب بهجومه «على إليريا بقوة ~~عظيمة، وبعد أن دمر الأرض واستولى على بلدات كثيرة، عاد إلى مقدونيا ومعه الكثير من ~~الغنائم» (الكتاب السادس عشر، 69، 7). لكن كان يجب أيضا على أي ملك مقدوني أن يكون ~~مستعدا للاشتباك مع العدو في معركة ضارية استعد لها طرفاها، مثلما فعل بيرديكاس ~~بمحاولته هزيمة الإليريين سنة 359. ~~(2) تهديد الإمبراطورية # كان هناك نوع آخر من مواطن الضعف في المستوى الأعلى من التنظيم السياسي والاقتصادي ~~لبعض جيران مقدونيا. كان قورش ملك الفرس قد فتح بحلول ms121 سنة 530 أقاليم شاسعة تمتد من ~~وسط آسيا إلى البحر المتوسط، وكان الملك داريوس الأول قد نظم خلال حكمه الممتد من 522 ~~إلى 486 هيكلا إداريا يقوم فيه على رأس المناطق المحلية مسئولون تعينهم وتسائلهم ~~سلطة هرمية مركزية، على رأسها الشاه حاكم كل المملكة. كانت إنجازات إمبراطورية فارس، ~~من حيث ثروتها وعدد رعاياها وتنسيق أنشطتها الاقتصادية والعسكرية، تتضاءل بجوارها الدول ~~مثار الإعجاب السابقة لا في الشرق الأدنى القديم فحسب، بل أيضا في عموم العالم ~~أجمع. # كان الفتوحات سريعة على زمن قورش الكبير، الذي وسع في عهده الذي دام 29 سنة ~~حدوده من نهر السند شرقا، مرورا بأفغانستان الحديثة وإيران والعراق، إلى ساحل البحر ~~المتوسط، وإلى الأناضول شمالا. وأضاف ابنه وخليفته قمبيز مصر إلى إمبراطوريته، وبدأ ~~ثالث ملك يحمل لقب شاه، وهو داريوس الأول، زحفه إلى تراقيا عبر الهلسبونت؛ وهنا ~~أحبط السكيثيون محاولات ضم أراض أخرى إلى الإمبراطورية. لكن هيرودوت يروي أن ~~داريوس سعى إلى إقامة روابط مع ملك مقدون بإرسال رسل، ثم بعد ذلك من خلال تحالف ~~زواج بين قائد عسكري فارسي وامرأة من العائلة الأرغية المالكة (الكتاب الخامس، 17-20). ~~تباطأ النشاط الفارسي في شمال بحر إيجة نتيجة الهجوم على اليونان في 480-479، لكنه ~~انبعث من جديد في ظروف القرن الرابع. # كانت للمواجهة المسلحة مع الفرس طبيعة مختلفة عن المواجهات مع الجيران القبليين؛ إذ ~~كان الجيش الفارسي جيشا احترافيا في المقام الأول ويضم أبناء النخبة الفارسية ~~المدربين للخدمة كقادة وضباط. وتمخضت مساحة الإمبراطورية الفارسية وتنوع شعوبها عن ~~أعداد كبيرة من الجنود، فالتقدير المعقول للقوات الفارسية التي زحفت إلى اليونان سنة ~~480 هو 250 ألف رجل، ولم يكن تعداد سكان مقدون بأكملهم داخل المنطقة المستحوذ عليها ~~فعليا إلا 228 ألف نسمة حتى بحلول نهاية القرن الخامس. كانت المواهب العسكرية التي ~~ساهمت بها كل فرقة من الفرق العسكرية الفارسية متنوعة؛ إذ كان الفرس أنفسهم ذوي باع ~~في الفروسية، وكان غيرهم مدربين كرماة مهرة، وكانت بعض الوحدات تقاتل بفئوس حربية، ~~وكانت أخرى تحمل ms122 رماحا ثقيلة ورماحا خفيفة وخناجر. كان الملك الفارسي يملك أسطولا كبيرا ~~وفعالا بالإضافة إلى جيشه، ولو استخدمنا مجددا الأرقام المستمدة من الحروب ~~الفارسية في 480-479، لقلنا إن القوات البحرية ربما تألفت من نحو 1200 سفينة، وأما ~~مقدون فلم تأخذ بناء السفن مأخذ الجد إلا على عهد فيليب الثاني. # كانت اليونان أيضا قد بلغت مبلغا أرفع من التطور مقارنة بإمكانيات المملكة ~~المقدونية الفتية، وكان الاهتمام بمنطقة مقدونيا من جانب العالم الإغريقي أقرب ~~وأدوم بكثير من اهتمام الفرس بها؛ فحتى في العصر البرونزي توجد شواهد فخارية على حدوث ~~اتصال مع العالم الميسيني بحلول القرن الرابع عشر واستمراره حتى القرن الثاني عشر؛ إذ ~~يحاكي الإنتاج المحلي النماذج الميسينية، فضلا عن السلع المجلوبة من اليونان. ولا ~~يبدو أن هذا الاتصال تمخض في مقدونيا عن نظام يتمحور حول القلاع شبيه بنظام ~~اليونان، على الأقل وفقا للشواهد الحالية. ويوضح هذا من ناحية أخرى ميوعة الاتصال ~~بين اليونان ومقدونيا. انتهى التفاعل بانهيار ممالك العصر البرونزي في معظم منطقة شرق ~~البحر المتوسط؛ ونتيجة لذلك، لم يكن هناك إلا اتصال محدود بين اليونان ومقدونيا في ~~أواخر الألفية الثانية والقرون الأولى من الألفية الأولى. # تغير ذلك الوضع في القرن التاسع عندما بدأ إغريق البر الرئيس يغامرون من جديد ~~بركوب البحر. ولا نستغرب أن المحاولات الأولى جرت في المياه المحلية القريبة، كالمنطقة ~~الساحلية شمال بحر إيجة. وفي مرحلة مبكرة من القرن التاسع، كان إغريق من جزيرة وابية ~~يعملون على إقامة مستوطنات تجارية في منطقة مثل سيندوس، بالقرب من سالونيك الحديثة، ~~التي تعود نشأتها إلى القرن التاسع وتمتعت بعمر مديد حتى أواخر الفترة الرومانية. ~~ويتضح ازدهارها المبكر من ثراء قرابين الدفن هناك، التي ضمت حلى ذهبية أنيقة بحلول ~~القرن السادس، والأموال التي سمحت بحلول القرن الرابع بشراء أضحية قوامها خمسة أفراس ~~وكلبان في مقبرة تضم 47 مدفنا، وهو قربان يرتبط عادة بمدافن النخبة. حذا إغريق من ~~مناطق أخرى حذوهم في إقامة مستوطنات ، وخصوصا في شبه الجزيرة ذات الألسنة الثلاثة ~~المعروفة باسم خالكيذيكي، ms123 قبالة المنطقة الصغيرة التي تشكل قلب مملكة الشعب المقدوني. ~~وفي أواخر القرنين السابع والسادس، تغلغلت دول إغريقية أخرى في بحر بروبونتيس ~~وتجاوزته إلى البحر الأسود. وفي النهاية صار ساحل ذلك البحر موقعا للكثير من ~~التجمعات الإغريقية المستقلة. كان يوجد يقينا أناس من غير الإغريق يسكنون وراء الشريط ~~الساحلي، لكن هم أيضا تعرضوا لضغط جيرانهم الإغريق وتأثيرهم الثقافي. # بينما كانت الدول، أو الدول-المدن، الإغريقية صغيرة ومستقلة ذاتيا، كانت ~~ثقافتها المشتركة قد تمخضت عن آلة عسكرية قوية على هيئة تشكيل المشاة الثقيلة ~~«الفلنكس»، الذي استخدمه معظم العالم الإغريقي منذ القرن السابع. كان أفراد المشاة ~~الثقيلة، الذين يرتدون الخوذ ودروع الصدر والساقين ويحملون دروعا مستديرة تسمى ~~«هوبلون» في شمائلهم، ورماحا طويلة في أيمانهم؛ يسيرون إلى ساحة القتال سيرا متناغما ~~في صفوف وأرتال، حامين بعضهم بعضا ومتأهبين للتقدم إلى الأمام لشغل موقع جندي أصيب ~~أو قتل في الصف الأمامي. ألحقت فعالية الفلنكس الهزيمة بجيش الفرس الجرار في ~~ماراثون سنة 490، وأخرى في بلاتايا سنة 479، ومن بعدها ظل الفلنكس الأداة المروعة من ~~أدوات الحرب البرية حتى القرن الثاني. كانت الحرب المتكررة بين الدول- المدن سببا ~~رئيسا، وإن لم تكن السبب الوحيد، لاستدعاء أفراد المشاة الثقيلة من المواطنين، ~~ولفتت المناطق المجاورة اهتمام الإغريق أكثر فأكثر خلال القرنين الخامس ~~والرابع. # نمت القوة البحرية أيضا باطراد بداية من أواخر العصر المظلم؛ إذ كانت ضرورية ~~للتبادل التجاري والاستعمار اللذين دفعا سويا توسيع المستوطنات الإغريقية من أواخر ~~القرن الثامن إلى منتصف القرن السادس. ومن الثابت استخدام السفن الإغريقية لأغراض ~~عسكرية في مرحلة مبكرة من الفترة العتيقة. ويتبين لنا أن التفوق البحري لم يتحقق ~~فورا من واقعة دحر الأسطول الإغريقي قبالة ساحل الأناضول الجنوبي، الذي تقول ~~الروايات أنه حدث سنة 696، لكن ما يهمنا أن المجتمع الإغريقي احتاج إلى السفر بحرا، ~~واهتم به منذ العصر الحجري الحديث. وبحلول أوائل القرن الخامس، عندما التمس الأثينيون ~~نصح أبولو عن أفضل وسيلة للتصدي للهجوم الفارسي ، كانت إجابة عرافة دلفي: «اعتمدوا ~~على الجدار الخشبي.» أصاب الأثينيون في تفسير ms124 هذه الإجابة، فاستغلوا اكتشاف عرق جديد ~~من الفضة في إنشاء أسطول يضم 200 سفينة ثلاثية المجاديف أثبت حكمة أبولو، في معركتي ~~سلاميس وميكالي خصوصا، وفيما بعدهما أيضا. # ما إن تحقق درء التهديد الفارسي، حتى صار الأسطول بمثابة القلب من حلف يتألف ~~في أغلبه من دول إيجية بهدف القضاء على التهديد الفارسي نهائيا. وبتحقق ذلك الهدف، ~~صار الأسطول دعامة الإمبراطورية الأثينية القوية التي نمت انطلاقا من الحلف الذي ~~كانت عضويته ذات يوم طوعية. وكما ناقشنا في الفصل الرابع فإن الخشب المقدوني كان ~~ضروريا لبناء سفن ذلك الأسطول؛ مما مثل أحد الإغراءات القوية للتدخل الأثيني في ~~الشئون المقدونية. وكانت مصالح أثينا في شمال بحر إيجة، التي ربما نشأت مبكرا في أواخر ~~القرن السادس، عنصر جذب آخر؛ إذ ازداد اعتماد أثينا على مصادر الحبوب الخارجية، ~~وعلى رأسها دول البحر الأسود. وفوق ذلك كانت الدولة-المدينة السريعة التوسع تحتاج إلى ~~سفن لإيصال تلك الحبوب، لكن تفتقر إلى الخشب اللازم لبنائها، وكانت مقدونيا من أفضل ~~مصادر الخشب. ~~(3) الموارد المقدونية لمواجهة المنافسين # خلاصة القول أن الحدود المقدونية كانت مائعة بسبب معالم المنطقة الطبيعية وحالة ~~شعوبها الأخرى المزاجية، وكان الحفاظ على الهوية السياسية يتطلب يقظة عسكرية ~~مستمرة. لكن على سبيل المقارنة بقدرة الجيران العسكرية، كانت مقدون في وضع غير مؤات ~~وينذر بالخطر. حشد فيليب كما أسلفنا جيشا ناهز 10600 جندي مشاة وخيالة سنة 359، ~~ونظرا لما كان لتهديد الإليريين من عواقب خطيرة، فالأرجح أن فيليب جمع أكبر قوة ممكنة. ~~وفي المقابل - كما نوهنا من قبل - حشد أحشويرش جيشا قوامه ربع مليون رجل لحملته ~~ضد اليونان، وحتى دولة-مدينة أثينا منفردة لم يكن تعداد سكانها من الذكور البالغين (أي ~~المشاة الثقيلة) يزيد على ما بين 45 ألف رجل و60 ألفا في منتصف القرن الخامس. وكانت ~~مقدونيا تكاد تفتقر تماما إلى قوة بحرية للتعامل مع التحديات الآتية من البحر حتى عهد ~~فيليب. وعلى سبيل المقارنة نجد أن أثينا وحدها ساهمت بمائتي سفينة ثلاثية المجاديف ~~أو أكثر في القوة البحرية الإغريقية المتحدة ضد ms125 الغزو الفارسي سنة 480. # أدى هيكل المملكة المقدونية الاجتماعي المبكر إلى زيادة ضعفها ككيان قوي موحد؛ إذ ~~ألفت غالبية السكان الحياة في قرى متناثرة، يكسبون قوتهم من امتهان الرعي ~~والزراعة وصيد البحر والبر. كانت العائلات الأرستقراطية نظيرة الأرغيين، في المناطق ~~الأصغر التي وحدت في النهاية تحت سيطرة حاكم أرغي، توجه حياة السكان الجماعية في ~~مجال نفوذها، وكان عمداء هذه العائلات يحتاجون إلى ثروة وقوة عسكرية كافيين للاحتفاظ ~~بمراكزهم والحفاظ على استقلال عوالمهم. وتتضح قدرة كثيرين منهم على الاحتفاظ بمتطلبات ~~النفوذ هذه من تاريخ المركزية في المنطقة؛ إذ لم يكن التوحيد عملية طبيعية أو خالية من ~~المتاعب؛ بفضل استمرار الولاءات للعائلات المهمة. وحتى عندما كانت المركزية تجري على ~~قدم وساق، كان بوسع المناطق أن تنشق، وكان هذا يحدث فعلا؛ فأثناء حكم بيرديكاس ~~(454-413)، كانت منطقة لنكستيس في مقدونيا العليا تتمتع بالحكم الذاتي، ولم تفلح ~~جهود توحيدها مع مقدونيا الدنيا، وتمكن قائد الحركة الانفصالية أرهابايوس من حشد ~~قوة مشتركة من المشاة والخيالة تطلبت هزيمتها جيشا قوامه 3 آلاف جندي مشاة ~~إغريقي وجميع الخيالة المقدونيين و1000 رجل خالكيذيكي و«حشد عظيم من البرابرة» ~~(ثوكيديدس، الكتاب الرابع، 124). كان فقدان الفرق الإقليمية سيلحق ضررا خطيرا بقدرة ~~مقدونيا على الدفاع عن نفسها، والحقيقة أنه لو شكل الزعماء الإقليميون ائتلافا، ~~لدمر على الأرجح أي مظهر من مظاهر الوحدة. # في ظل غياب وثائق مقدونية تصف طبيعة المجتمع، غالبا ما يلجأ الباحثون إلى مجتمع ~~هوميروس للمماثلة، فنجد في الإلياذة والأوديسة رجلا واحدا يمارس سلطة أكبر من ~~أقرانه؛ فأجاممنون هو الزعيم المعلن للمجهود الإغريقي للاستيلاء على طروادة، وأما منصب ~~أوديسيوس الرفيع في المملكة الجزرية فسبب الوضع التعيس الذي ساء في غيابه الذي دام ~~20 سنة عن مملكته. لكن لم يكن أجاممنون ولا أوديسيوس يتمتعان بسلطة مطلقة؛ إذ لا ~~يستطيع أجاممنون منع آخيل من التخلي غاضبا عن المجهود الحربي، بينما يضطر أوديسيوس ~~إلى قتل جميع الطامحين إلى منصبه قبل أن يتسنى له استرداده. خلاصة القول أنه يجب أن ~~يكون الملك قادرا على تأكيد ms126 حقه في الحكم بالوسائل البدنية. وقصة الأرغيين مماثلة إلى ~~حد مدهش؛ ففي الظروف التي سادت زمن اعتلاء فيليب العرش، كان منافسوه المطالبون بالعرش ~~ممثلين في ثلاثة إخوة غير أشقاء، وابن شقيقه الأكبر بيرديكاس الرضيع، وأبناء فروع ~~السلالة الأرغية الأخرى. ولم يكن بوسع أي ملك أرغي منع قائد متحالف معه نظريا من ~~الانسحاب من هذا الحلف، شأنه في ذلك شأن أجاممنون، ونراه أزاح منافسيه بالقوة البدنية ~~شأنه شأن أوديسيوس. # كذلك أيضا يشبه دور العنصر غير الأرستقراطي في مقدونيا دور العامة أفراد الجيش ~~الإغريقي المعسكر بالقرب من طروادة، والذين لم يكن ينتظر منهم إلا الانصياع لزعمائهم ~~والهتاف من حين إلى آخر بتأييدهم، على الرغم من وجودهم ضمن تجمعات مؤلفة من أفراد ~~من عموم الجيش. والرجل العامي الوحيد الذي يجاهر برأيه في طروادة، سرعان ما يضرب ~~عقابا له على جرأته. ومع أن رفاق الرجل المضروب يأسون لمحنته، نسمعهم يقولون جماعيا ~~بلسان الحال: «لن يعود بعدها بتفاخره ليتشاجر مع الأمراء بكلمات فيها الشتائم ~~البذيئة» (الإلياذة، الكتاب الثاني، السطران 276-277). وعلى غرار جمهرة الآخيين «الذين ~~لا قيمة لهم في معركة أو مجلس» في طروادة، يؤلف المقدونيون غير الأرستقراطيين ~~مجلسا، هو جمعية الجيش، يتمتع بحقوق معينة، كالمناداة بالقائد الملكي واتخاذ ~~القرارات في محاكمات الخيانة. ومع تشكيك بعض الباحثين المحدثين في أهمية هذه الحقوق وفي ~~ممارستها دوريا، فمن الجائز تماما أنها كانت تباشر في المراحل الأولى من التاريخ ~~المقدوني على هيئة مماثلة للتجمعات العفوية الهائجة ذاتها التي تصفها ملاحم هوميروس. ~~وعلى الرغم من وجود علاقات مع العائلات الحاكمة في مقدونيا العليا، مع هشاشتها في ~~الغالب، لم يكن هناك ما يكفي لإقامة علاقة بين غير النخب الذين يعيشون على مسافة ما ~~من قلب مقدونيا الدنيا؛ فاللنكستيون يثمنون، وربما يخشون، سلطة الأسرة المالكة ~~اللنكستية أكثر مما يثمنون سلطة الأرغي الحاكم ويخشونها بكثير، ويتكرر هذا الوضع ~~في العديد من المناطق الأخرى التي كانت ذات يوم دولا مستقلة. # لو أريد لمملكة مقدون البقاء، بل الأكثر من ذلك لو أريد لها أن ms127 تصبح لاعبا ~~مهما في شئون منطقة البلقان وبحر إيجة، لما كان هناك بد من القضاء على مواطن ~~الضعف هذه. كانت الحاجة الأولى حاجة إلى دفاع قوي عن أراضيها ومواردها، بمعنى إنشاء ~~ذراع عسكري قوي مستقر. ولأن التهديدات كانت تأتي دوما من كل الاتجاهات، فلا بد من أن ~~يكون الجيش كبيرا، وأن تكون القوة البشرية الجاهزة متاحة باستمرار في أوقات متغيرة من ~~السنة. لم يكن قلب منطقة مقدون يكفي في موارده وقوته البشرية للتصدي لتشكيلة التهديدات ~~ولتوفير جيش دائم. وتشير التقديرات إلى أن قوام الجيش المقدوني قبل زمن فيليب الثاني ~~كان يتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف رجل؛ وهكذا، فعندما هاجم التراقيون بزعامة سيتالكيس ~~مقدونيا سنة 429، بجيش قوامه 15 ألف رجل من بينهم 5 آلاف فارس، رفض بيرديكاس الاشتباك ~~معهم بسبب عدم تكافؤ الجيشين (ثوكيديدس، الكتاب الثاني، 98، 3 والكتاب الثاني، 100، 5). ~~كانت الحاجة تدعو إلى إعادة ترسيخ التحالفات على الأقل مع حلقة الممالك الملاصقة لتأمين ~~دعم العناصر الأرستقراطية وغير الأرستقراطية على السواء، فيقدم الأحرار من العامة ~~غالبية أفراد المشاة، وتقدم العائلات الأرستقراطية الفرسان وكادر الضباط. وتتضح ~~صعوبة هذه المهمة في مقدار الوقت المطلوب لتحقيقها؛ فشهد القرن الخامس اتخاذ بعض ~~الخطوات، لكن ولاء العامة والطبقة الأرستقراطية لم يضمن إلا في زمن فيليب ~~الثاني. # وفي شيء من المفارقة، يبدو أن الضعف المتأصل في الحدود المائعة كان المفتاح إلى حل ~~ما. كانت الهجمات الإليرية من الشمال الغربي والغارات البيونية من الشمال، تمر عبر ~~أراضي مقدونيا العليا في طريقها إلى مقدونيا الدنيا، وأما قوات المشاة الثقيلة ~~الإغريقية فكان يمكنها التحرش بشعبي إيليميا وبييريا أثناء سيرها نحو بيلا. ومن ~~الجائز تماما أن استشعار الخطر المشترك، مقرونا بالتحالفات التي أبرمت فيما مضى، ~~تمخض عن إدراك أنه قد يكون في مصلحة المنطقة بأسرها إقامة صورة من صور الاتحاد. ~~زد على ذلك التوحد متباين الدرجات الذي شهدته الفترات السابقة عندما كانت مقدونيا ~~الدنيا منبع قوة المركزية. # ربما كانت في صلة القرابة بين شعوب مقدونيا العليا والدنيا قوة أخرى من قوى ms128 ~~التعاون بحلول القرنين الخامس والرابع؛ فكما وصف هاري ديل جغرافية المنطقة، كان السهل ~~المقدوني قلبها. وفي المنطقة الواقعة وراء الحاجز الطبيعي الأول، ونعني سلسلة جبال ~~بيرميون، أزاح الإليريون فيما بعد الجماعات المكدونية التي سكنت الوديان والجبال ~~أولا؛ فأثار نجاح الغزو الإليري سنة 360 مزيدا من التهديدات في الشمال إذ مضى ~~البيونيون ينهبون أعالي وادي نهر أكسيوس. وربما كان هذا المزيج دافعا إلى توحيد ~~المكدونيين، ولو مؤقتا، وقد يأتي قائد قوي يمكنه إقامة اتحاد أطول أمدا. ~~(4) سبل التوحيد العسكرية # لو أن إدراك الحاجة إلى دفاع مشترك هو الذي بعث على التوحد، لما كان بد من صياغة ~~التزام أطول عمرا من أي أزمة مؤقتة. ونظرا لطبيعة القيادة في مقدون والدول المجاورة، ~~كان النجاح يرتبط ارتباطا وثيقا بمهارات الزعماء الشخصية. # تسمي مصادرنا الملك المقدوني «بازيليوس» والحكم المقدوني «بازيليا»، لكن لا ~~يسعنا تأكيد أو نفي ما إذا كان المقدونيون أنفسهم، قبل حكم فيليب الثاني، يلقبون ~~زعيمهم بازيليوس؛ فالنقود التي ضربها فيليب لا تحمل اللقب، ولا نجد إلا قرب نهاية ~~حكم الإسكندر الأكبر قطعة نقد منقوشا عليها الكلمتين «ألكسندرو» و«بازيليوس». وحتى لو ~~استخدم الحكام الأرغيون السابقون هذا اللفظ، فما كان معناه ليضاهي المعنى المتأصل في ~~الاستخدام الإغريقي الدارج كإطلاق لقب بازيليوس مثلا على «الأركون» (منصب يشغله عدة ~~أشخاص يختارون سنويا لأداء مسئوليات محددة) الأثيني. بدلا من ذلك كان مجمل ~~الصلاحيات والامتيازات المنوطة بالملوك المقدونيين أشبه من نواح كثيرة بما كان منوطا ~~بملوك الملاحم الهوميرية؛ إذ كان الملك طوال حكم الإسكندر الثالث في جوهره قائدا ~~عسكريا، وكانت مسئولياته وما يرافقها من امتيازات تنبع من ذلك الدور. وفي كلتا ~~الحالتين أيضا كان الملوك يحكمون انطلاقا من قدرتهم الشخصية لا بصفتهم تجسيدا ~~اعتباريا عاما للدولة. حقق الملوك المقدونيون دائما نجاحهم، قل أو كثر، بفضل ~~سماتهم القيادية الفردية؛ إذ كانوا يأتون أفعالا عظيمة وينطقون بكلمات مقنعة مثل ~~أوديسيوس، وينبغي أن نضيف إلى ذلك أنهم كانوا نماذج للدهاء وسرعة التصرف، بطبيعة لا ~~تعرف الرحمة غالبا. مع أنه يبدو من شبه ms129 المؤكد أن فيليب الثاني أضاف عناصر إدارية إلى ~~الحكم في عهده، سيكون إنشاء هيكل إداري مدني كامل مهمة خلفاء الإسكندر الأنتيغونيين ~~في القرن الثالث. # كان لزاما على الملك المقدوني أن يمتلك مقدرة قيادية واضحة ليقود ويحكم بنفسه؛ إذ ~~كانت قدرة الملك على اختيار معاونين أكفاء مهمة لكن لا تكفي وحدها. وكما يتبين لنا من ~~تاريخ المملكة المبكر، كانت وظيفة الملك الأولى الدفاع عن المملكة والحفاظ عليها من ~~التهديدات الداخلية والخارجية، ولكي يفعل ذلك كان يقود رجاله في ساحة القتال بنفسه. ~~أدرك بيرديكاس ضرورة التماس تدخل الإسبرطيين حفاظا على سلامة مقدونيا، لكنه أضاف ~~إلى القوة الإسبرطية لدى وصولها فرقة مقدونية تحت قيادته، وسارت القوتان سويا لإجبار ~~الزعيم اللنكستي على الدخول بإقليمه الواقع في مقدونيا العليا من جديد في حلف ~~بيرديكاس. ولو لم يكن بمقدور الملك أن يقود جيشه ببراعة وبنفسه، فلا يليق به أن يكون ~~حاكما مقدونيا. وهكذا فمع أن الملك كان ينتقل غالبا من الأب إلى ابنه، فلا شك أن ~~ابن بيرديكاس الثالث لم يكن لائقا لإظهار المقدرة المطلوبة؛ لصغره، فانتقل الملك ~~من الأخ الأكبر إلى الأخ الأصغر؛ أي من بيرديكاس إلى فيليب. كان يجب أن تكون المكانة ~~رفيعة في أعين الجنود، وخصوصا من ينتمون منهم إلى أقاليم كانت ذات يوم ممالك مستقلة، ~~لا لكسب احترامهم فحسب، بل أيضا لمناداتهم به قائدا أول الأمر. # نظرا لأن الملك المقدوني كان شكلا من أشكال القيادة الشخصية، كانت دعائمه تقوم ~~على الولاء الشخصي لا على قاعدة دستورية. كان الملك يحتل صميم العديد من روابط ~~الولاء التي تعززها منزلته العسكرية والدينية والاقتصادية الخاصة، وكما رأينا فإن ~~مصدر سلطة الملك الأساسي كان قيادته العسكرية، التي لم تكن لتوجد من دونها مملكة ~~يحكمها. كان توطيد دعائم المملكة وتوسيعها، ما إن تتحقق السيطرة على قلبها، يتطلب ~~حضورا عسكريا قويا للتصرف والرد بسرعة. ومع أن كثيرا من عناصر الجيش المقدوني، ~~كما هو معروف من المصادر المعنية بفيليب والإسكندر، طور في القرن الخامس، فإن جهود ~~فيليب أحدثت ما وصف ms130 بأنه ثورة عسكرية. # كان العنصر الأول قوة بحجم كاف. أتينا فيما سبق على ذكر محدودية حجم الجيش ~~المقدوني في عهد بيرديكاس، وربما كانت ترتبط قلة عدد جنوده بتنصل اللنكستيين من ~~ولائهم للحكم الأرغي، ففقد من ثم مصدر مهم للحصول على المجندين. وعند تصدي ~~الملك بيرديكاس الثالث للغزو الإليري سنة 360، فقد 4 آلاف رجل من جيشه، وربما كان ~~هؤلاء جزءا من رقم العشرة آلاف المقبول عموما كحد أقصى لأي جيش مقدوني قبل حكم ~~فيليب الثاني. لا ريب أن مسئولية فيليب الأولى لدى المناداة به ملكا كانت تجنيد جيش ~~آخر للتعامل مع التهديد الإليري، وتقول الروايات إن جيشه بلغ 10 آلاف جندي مشاة و600 ~~فارس. وبعملية حسابية بسيطة لو طرحنا القتلى الذين خلفهم الإليريون، نجد هذا الرقم ~~يزيد بمقدار 4 آلاف رجل عن الحد الأقصى الذي يمكن لقلب مملكة مقدون حشده. ومع أننا لا ~~نعرف حالة التحالفات مع ممالك مقدونيا العليا سنة 360 / 359، فمن المستبعد أنها كانت ~~متينة. ويتبين من حاجة أمينتاس الثالث إلى الالتجاء إلى الدول الإغريقية الكبرى ~~طلبا للمساعدة بسبب افتقاره إلى مصدر عون موثوق فيه أقرب إليه منها؛ أن أحداث العقود ~~الأربعة الأولى من القرن الرابع قوضت الروابط مع هذه الممالك. ومن الجائز تماما أن ~~الانتصار الإليري هو الذي وفر مجندين جددا؛ أمن الشطط أن نقترح أن الأربعة آلاف ~~أو أكثر من الجنود الذين يتطلبهم التصدي لغزوة الإليريين (أو التراقيين أو الإغريق) ~~التالية جاءوا من مناطق مقدونيا العليا استجابة للخطر المشترك الذي لا يخفى على ذي ~~عينين؟ ربما نجد ما يؤيد هذا الطرح في وجود القائد فيليب الموثوق فيه بارمنيون في ~~سنوات حكمه الأولى؛ إذ كان بارمنيون من مقدونيا العليا. # فمن الذي سيقود جيشا مؤلفا من فرق إقليمية؟ على أحد المستويات، سيتولى زعيم كل ~~إقليم قيادة فرقة إقليمه العسكرية باتباع هيكل قيادة شبيه بالموصوف في الإلياذة. ~~ومرة أخرى كما في طروادة، يوجد إدراك على مستوى أعلى في المعركة أن «السيادة للكثيرين ~~ليست لائقة أو مفيدة. ليكن لنا حاكم واحد، ms131 بازيليوس واحد» (الإلياذة، 2، 204-205). ~~والأرجح أن يختص الأرغيون بالقيادة العليا، من واقع هيبتهم وتحالفاتهم السابقة ~~ومساهمتهم بالشطر الأكبر من مجموع القوة. وستمتد آصرة مماثلة للتي بين الملك الأرغي ~~وفرقته، بينه وبين الجنود الذين ينتمون إلى الأقاليم الأخرى لفترة زمنية معينة. # كانت الآصرة قوية بين الحاكم الأرغي ومن لا غنى عنهم للحفاظ على المملكة، فكان كل ~~منهما يعتمد على الآخر. كان يحق لجمعية الجيش أن تنادي بالملك لقائدها، الذي ~~يتولى بدوره مسئولية قيادة جيشه هذا إلى النصر، وسيدر هذا النصر مكافآت (غنائم، ~~منح أراض، ترقيا في المراتب، وحياة أطول في الحقيقة) يمنحها القائد المنتصر. ~~وتروي المصادر إنشاء وحدة من الجنود المقدونيين تسمى صحابة الملك المشاة ~~(بيزهيتايروي) بجانب الصحابة (هيتايروي) الموجودين فعلا من أصحاب المكانة ~~الأرستقراطية، وذلك في مرحلة مبكرة تعود إلى حكم الإسكندر الأول. ومن الجائز تماما أن ~~نجاح المشاة الثقيلة الإغريق في مواجهة القوات الفارسية أثار إعجاب الإسكندر، فاستحدث ~~تشكيلا مماثلا بين جنوده المقدونيين، وإن انقسمت الآراء حول دقة هذه النسبة إليه. ~~لكن كما رأينا فلم تحظ بالديمومة إلا تطورات قليلة في الحياة المقدونية المبكرة، ~~مما استلزم تكرار الابتكارات السابقة على الدوام. # ومن ثم كان لفيليب ابتكاراته في دور المشاة المقدونية، وهو موضوع سننظر فيه في ~~موضع آت. وللإبقاء على تعاون الفرق الإقليمية فيما بعد انقضاء أي أزمة راهنة ~~متصورة، كان على فيليب أن يجني ثمارا ينعم بها على جميع سرايا الجيش، فالمتوقع ~~أن تعزز هذه المكافآت مقرونة بالحوافز آصرة الولاء بين صفوف جيش متنوع ينتمي إلى ~~أقاليم تتجاوز قلب المملكة، وبين قائده الأرغي. وربما يكون احتراف الجندية مسارا ~~مهنيا مفضلا لراع يرعى قطيعه في المرتفعات الجبلية ما دامت توجد حاجة واضحة إلى ~~جيش دائم. # فهل تسنى أيضا إقناع العائلات الأرستقراطية التي تسكن المرتفعات الجبلية؟ ربما كان ~~نجاح فيليب الأولي في درء هجمات الإليريين حافزا قويا لمواصلة التعاون، ويدل منصب ~~بارمنيون القيادي الرفيع الذي تولاه بحلول 356، عندما قاد المقدونيين إلى النصر على ~~الإليريين، على أنه أمكن إقناع شخص واحد على ms132 الأقل. ويوما بعد يوم تطول قائمة ~~المستقطبين من المناطق التي كانت ذات يوم مستقلة، على نحو ما سنرى في التطورات التي ~~شهدتها علاقات فيليب مع العائلات النبيلة الأخرى. # كان أي قائد يحتاج بجانب قوة كبيرة من المشاة والخيالة إلى قادة معاونين، وكانت ~~فروع السلالة الأرغية مصدرا محتملا، لكن فضلت عليها غالبا السلالات الملكية ~~الإقليمية، فبداية لم يكن هؤلاء الملوك يشكلون تهديدات مباشرة للحكم الأرغي، ~~وثانيا كانت هناك آصرة طبيعية تربط بين أبناء العائلات الأرستقراطية والفرق ~~العسكرية التي تنتمي إلى مناطقهم. وقد استحدث فيليب سبلا لتحفيز التعاون، أو أعاد ~~تأسيسها. توجد ملامح معينة تنسب إلى عهد أرخيلاوس، لكن الظروف التي سادت بين موته سنة ~~399 واعتلاء فيليب العرش سنة 359 قلما أثمرت تعاونا أكبر بين المناطق؛ مما استلزم ~~إعادة اتخاذ الخطوات السابقة. كان مفتاح نظام حوافز فيليب هو التمييز بين الوظائف ~~العسكرية المخصصة للنبلاء ولغير النبلاء، والمؤهلات المطلوبة للوفاء بتلك الوظائف. ~~ويتضح التقسيم في أبسط صوره في لفظي هيتايروي وبيزهيتايروي؛ إذ كان النبلاء صحابة ~~الملك، وأما غير النبلاء فكانوا صحابته المشاة؛ فمن الفئة الأولى كان يأتي قواده ~~ومسئولوه الآخرون، بينما كانت الأخيرة تقدم الوحدات الأكبر عددا من المشاة ~~(المعروفة باسم حملة الدروع أو الجنود المدرعين) والخيالة، وكانت الوحدات الخاصة ~~داخل كلا الفرعين وحدات ملكية. ومع أن أي ملك قد يرجو استقطاب معاونيه دوما من أقاليم ~~مملكته التي تدين له بالولاء، فربما يكون من الأحوط أن يستحدث مسارا مهنيا. # وقد فعل فيليب هذا بالضبط، فعله في مستهل حكمه، وعندما مات كان النظام يعمل بكامل ~~طاقته (آريانوس، الكتاب الرابع، 13، 1). كان حجر الأساس تدريب أبناء البيوت ~~النبيلة أثناء سنوات مراهقتهم؛ إذ كانوا يقيمون في بيلا لتدريبهم كغلمان للملك، وبفضل ~~إقامتهم في بيلا صاروا يعرفون في المصادر باسم «بيلايوس»، بمعنى البيلاويين. وربما ~~تراوح عدد هؤلاء الشباب بين 85 و200؛ ومع اتساع رقعة المملكة ازداد عدد المجندين، ~~فتضمنت المجموعة شبابا من مقدونيا العليا والدنيا وإبيروس وأقاليم اليونان. # كان معظم التدريب بدنيا؛ إذ كان هذا النظام يشتمل ms133 على بعض ملامح نظام تعليم الذكور ~~الإسبرطي الصارم، ونظام تعليم أبناء العائلات الأرستقراطية الفارسية، الذي كان غرضه - ~~كما يخلص زينوفون في وصفه هذا التقليد الفارسي - تعريف الصبيان فورا كيف يحكمون وكيف ~~ينقادون للحاكم (الأنباسة، الكتاب الأول، 9، 4). كانوا بصفتهم غلمان الملك يخدمونه ~~ويحرسونه، وهذا دور مهم يقينا لأي ملك مقدوني، والطلاب الذين ينجحون - والمأمول أن ~~يحوزوا الثقة - في هذا التدريب بتفوق ينالون في النهاية منصبا دائما يخدمون فيه ~~ضمن حراس الملك الشخصيين («سوماتوفيلاكيس») السبعة، ساهرين على حمايته على ~~الدوام. # كانت تلك التجربة تشتمل أيضا على مكون فكري فيما يخص بعض الشباب؛ إذ تشير المصادر ~~إلى أن بعض غلمان الملك شاركوا الإسكندر في تلقيه التعليم على يد أرسطو. ويوصف ~~رفاق ابن (أبناء) الملك المقربون هؤلاء بأنهم «سينتروفوي»، بمعنى «نشئوا مع» ذلك ~~الابن. وكان من بين سينتروفوي الإسكندر: هفايستيون، وبطليموس بن لاجوس، وسلوقس، وربما ~~بيرديكاس وليسيماخوس، وكلهم جميعا صاروا ضباطا كبارا تحت الإسكندر، وكلهم كتب له ~~البقاء - عدا هفايستيون - ليعدوا من بين أقوى خلفائه. كان الوقت الذي قضوه في ~~البلاط يهدف أيضا إلى تعزيز أواصر الولاء للبيت الأرغي الحاكم، مما يحد من ثم من ~~الميول الانفصالية الإشكالية التي شابت معظم التاريخ المقدوني. # كان أي ملك يحتاج بجانب الحرس الشخصي إلى رجال على درجة عالية من التدريب يمكنهم ~~الخدمة كقادة عسكريين لفرق جيشه. تطلب الجيش المؤلف من 35 ألف رجل، الذي ورثه ~~الإسكندر عن فيليب، عددا من هؤلاء الضباط. وكانت الحاجة تدعو إلى مزيد من الضباط ~~للحاميات ومتابعة الشئون في بيلا ذاتها؛ لأن الملك الحاكم لم يكن يستطيع الإشراف ~~شخصيا على كل تدريب لغلمان الملك، أو التحقق من استلام الإيرادات وتخصيصها، أو ~~استلام جميع المراسلات وصياغتها. وصارت المناصب ذات الأهمية المتزايدة هدف شباب ~~الأسر الأرستقراطية الذين دربوا في أول الأمر في بيلا. # غير أن الرجال الذين كانت توكل إليهم مسئوليات جسام، كانوا أكثر حنكة من غلمان ~~الملك الحديثي التخرج. ويبدو أن مستوى وسيطا من تدريب غلمان الملك كان يشتمل على ~~الأرجح على قتال فعلي. ms134 وثمة اقتراح منطقي وهو أن الضباط المتدربين كانوا، ببلوغهم من ~~العمر 19 أو 20 سنة، يخدمون في وحدات المشاة الملكية أو الفرسان التي ميزها فيليب عن ~~الوحدات العادية، وكان المشاركون فيها نخبة الهيتايروي الذي يشتبكون مع العدو تحت قيادة ~~الملك شخصيا. وهكذا واصل أولئك الشباب الأرستقراطيون، الذين بدءوا تدريبهم في بيلا، ~~تدريبهم بصفتهم مدرعي الملك وفرسانه تحت عيني الملك ذاته. # بالإضافة إلى التطويرات التي أدخلت على كل من هيكل الجيش وبرنامج استقطاب ~~المعاونين، أحدث فيليب ابتكارات كبيرة في الأسلحة والدروع، وتشكيل الجنود، ~~والتكتيكات، وإسباغ الصفة الاحترافية على وضعية الجيش. # من ناحية الهيكل الأساسي، ظل فيلق المشاة المسلحين عنصرا ضروريا من عناصر ~~الحرب، كحالهم في اليونان منذ العصر العتيق؛ غير أن قوات المشاة المقدونية كانت تختلف ~~عن الإغريق من نواح عديدة؛ إذ استخدم فيليب تشكيلا عميقا استنادا إلى معرفته ~~الشخصية بالتغييرات التي استحدثت في طيبة في ثمانينيات القرن الرابع وسبعينياته، ~~فكانت وحدة الفلنكس المقدونية بعمق 16 صفا وعرض 16 صفا. وعلى سبيل المقارنة نقول إن ~~الفلنكس الإغريقي لم يزد عمقه عن 4-8 صفوف. وكان الرجال الذين يحتلون الصف الأمامي في ~~التشكيل المقدوني قادة من يصطفون من خلفهم. كان الجندي أو فرد المشاة الثقيلة يحتمي ~~بدرعين للساقين وخوذة ودرع معدني للصدر وترس، وكان يحمل رمحا خشبيا («ساريسا») ~~طوله نحو 13-14 قدما (4 أمتار) وسيفا كسلاح ثانوي. كان عتادهم أخف وزنا من عتاد ~~المشاة الثقيلة الإغريقية؛ مما زاد سرعة الجيش في سيره. # كما سبق أن نوهنا كانت قوات المشاة أكثر تنوعا من الفلنكس الإغريقي، وكان ثلاثة ~~آلاف رجل يؤلفون فيلق مشاة نخبويا، وهو فيلق الجنود المدرعين الملكيين. ومع عدم ~~وضوح أصل هذه الوحدة، فالجائز أنها بدأت كقوة حرس شخصي صغيرة للملك. كان الجنود ~~المدرعون النخبويون، بتسليحهم الأخف من جنود المشاة العادية، يتمركزون في الغالب في ~~الجناح الأيمن للجيش بين الفرسان عن يمينهم والفلنكس عن يسارهم. بل كانت ثمة أيضا ~~فرقة أخرى جنودها أخف تسليحا تتألف من رماة سهام ورماة مقاليع، توفر قدرة بعيدة ms135 ~~المدى، وكانت أهدافها في المعركة تختلف أيضا عن أهداف المشاة الإغريقية؛ إذ كانت ~~مهمتها تثبيت القوة المعادية بحيث تتسنى لوحدات الخيالة والمشاة الخفيفة ~~المهاجمة من المؤخرة والأجناب، وكذلك اغتنام الفرص لاختراق الثغرات التي يتم إحداثها ~~في صفوف مشاة العدو. # ما كان ضروريا للنجاح العسكري بالقدر نفسه هو الخيالة المقدونية. سبق أن نوهنا ~~إلى صلاحية الأرض المقدونية والتيسالية لاستيلاد الخيول، وعلى النقيض مما كان عليه ~~الوضع في معظم العالم الإغريقي الجنوبي، كان استخدام المقدونيين الخيل في الحرب شائعا ~~قبل زمن فيليب، وكان لا بد للملك الناجح من أن يكون ماهرا في ركوب الخيل وقائدا ~~يعتمد عليه لجنوده المشاة. تتضح لنا منزلة الخيالة من إطلاق اسم «صحابة الملك» على ~~أفضل عناصرها، وكان الملك يقود هذه الوحدة الخاصة بنفسه. كانت الوحدات تشكل على هيئة ~~سرايا على رأس كل منها قائد، وكانت بمنزلة «قوات صدمة» هدفها اختراق أي ثغرات في صف ~~العدو. كان الخيال يرتدي درعا للصدر ويحمل ساريسا طولها نحو 9 أقدام (3 أمتار) ~~بالإضافة إلى سيف معقوف طويل. كانت الساريسا مسننة بالحديد في كلا طرفيها بحيث يمكن ~~استخدامها كرمح ونصل طاعن في القتال المتلاحم. وكان هناك العديد من الوحدات الراكبة ~~كشأن قوات المشاة. كان بعض الخيالة رماة نبال ركبانا، وكان بعضهم الآخر يسير ~~متقدما الجيش بمسافة على هيئة كشافة. # كان الجيش المقدوني يستعين قبل القتال بالمعلومات الاستخباراتية التي تمده بها ~~الكشافة، وبالتحسينات التي طرأت على خطوط الإمداد والتموين ومكنت الجيش كاملا من ~~السير حوالي 15 ميلا (24 كيلومترا) في اليوم، والقوات الخفيفة من السير بسرعة تزيد ~~على 40 ميلا (65 كيلومترا) في اليوم. ولتسهيل الاستيلاء على المراكز المحصنة كان ~~الجيش يستعين بآلات الحصار التي استحدثها فيليب، كالمجانق الالتوائية التي تستطيع قذف ~~رءوس سهام لمسافة نحو 1600 قدم (500 متر)، وقذف حجارة تزن 50 رطلا (أكثر من 22 ~~كيلوجراما)، وأبراج الحصار الضخمة. كان جميع الجنود يتلقون تدريبا دائما، وهي ~~ممارسة اعتبرها رجل الدولة الأثيني ديموستيني «خداعا» فقال: «الصيف والشتاء سيان ~~عنده ... فلا يوجد ms136 موسم يوقف فيه العمليات» (الخطبة الفيليبية الثالثة، 50). # على صعيد القدرة البحرية، وسع فيليب القوة المقدونية بإنشاء أسطول. كان بناء ~~السفن ممارسا على الأرجح بصورة ما في الأزمنة القديمة، وكما رأينا فإن الدول ~~الإغريقية كانت تتلهف على موارد مقدونيا من الخشب الممتاز لاستخدامه في بناء سفن ~~لأنفسها؛ غير أن الباحثين ينسبون دائما إلى فيليب الفضل في إنشاء أسطول، وخصوصا ~~للاشتباك مع الجيران ذوي القدرات البحرية في شرق بحر إيجة وبحر بروبونتيس والبحر ~~الأسود. كان يدرك أن القوة البحرية ضرورية لأي مجهود يهدف إلى التصدي للوجود الأثيني ~~في تلك المناطق، بجانب امتلاك الموارد اللازمة. وبحلول سنة 340 صار لدى فيليب الأسطول ~~والدافع لدخول تلك المياه، فجرد حملته أولا في شبه جزيرة كيرسونيسوس ثم في بحر ~~بروبونتيس، ومكنه أسطوله من ضرب حصار على كل من بيرينثوس وبيزنطية. وتتجلى ~~حقيقة أن مقدون لم تكن طورت خبرة عظيمة في عالم بوسيدون (إله البحار) في فشل كلتا ~~هاتين المحاولتين؛ إذ تمكن الأسطول الأثيني المؤلف من 40 سفينة فقط من دحر ~~الأسطول المقدوني عن بيزنطية إلى البسفور، وسريعا إلى البحر الأسود؛ لكن ذلك الأسطول ~~نفسه تمكن من الاستيلاء على أسطول الحبوب الأثيني المؤلف من 230 سفينة على بكرة ~~أبيه. وقد تأخر إتقان المقدونيين الحرب البحرية حتى الربع الثاني من القرن الثالث، لكن ~~أهميتها نالت الاعتراف قبل ذلك بقرون. # في الرواية التي تتحدث عن تخليص الأسطول العالق في البحر الأسود دلالة على مظهر ~~آخر من مظاهر النجاح العسكري المقدوني، ألا وهو الاستخبارات المضادة. يبدو أن فيليب ~~كان بارعا في إرسال تقارير إلى ضباطه يرجى من ورائها أن تقع في أيدي العدو؛ فلمساعدة ~~ذلك الأسطول، أرسل فيليب أوامره إلى أنتيباتروس، الضابط المسئول عن الشئون في ~~تراقيا، يأمره بالرحيل فورا عن منطقة بحر بروبونتيس، وعندما تصادف وصول هذه «المعلومة» ~~إلى الأسطول الأثيني المتمركز في البسفور - على نحو ما كان فيليب يرجو بل يتوقع حدوثه ~~أيضا على الأرجح - أبحر الأسطول الإغريقي قاصدا ساحل تراقيا الإيجي، فسمح من ثم ~~للأسطول المقدوني بالإبحار ms137 دونما عائق عبر البسفور إلى بحر بروبونتيس. وتتكرر «حالات ~~اعتراض» مماثلة للمعلومات في مراحل كثيرة حاسمة في مشوار فيليب العسكري. ~~(5) الأفراد العسكريون # كان توسيع الوحدات العسكرية وتنويعها يتطلب عددا أعظم من الأفراد، وقدرا أكبر من ~~التدريب المتخصص لهم. كان النجاح في الميدان في مواجهة الخصوم من شأنه أن يوفر في آن ~~واحد معينا أكبر للتجنيد ومجندين ذوي خبرات خاصة، كالأغريانيين الذين كانوا يسكنون ~~حوض نهر سترايمون واشتهروا ببراعتهم في رماية النبال، والتيساليين الذين كانوا أبرع من ~~ركب الخيل من الإغريق. ولأن التوسع كان متذبذبا كحركة الأكورديون أثناء التاريخ ~~المقدوني، لا نستغرب أن ارتبطت الابتكارات العسكرية، وخصوصا تقوية وحدات المشاة، ~~بفترات التوسع. الشيء اللافت بخاصة هو الزيادات في الرقعة الجغرافية أثناء حكم ~~الإسكندر الأول في القرن الخامس وفيليب الثاني في منتصف القرن الرابع؛ إذ كان لب ~~المملكة الأصلي في القرن السادس ومستهل القرن الخامس أشبه بقوس من الأرض بمحاذاة ~~الساحل الغربي للخليج الثيرمي، مع امتداده لمسافة قصيرة على الساحل الشمالي. وفي عهد ~~الإسكندر الأول، ازدادت المساحة إلى 6600 ميل مربع (17200 كيلومتر مربع) بإضافة أجزاء ~~من مقدونيا العليا؛ وبحلول نهاية عهد فيليب الثاني شملت السيطرة المقدونية 16680 ميلا ~~مربعا (43210 كيلومترات مربعة). يقدر عدد السكان في زمن فيليب بسبعمائة ألف نسمة، ~~مقارنة بمائتين وخمسين ألف نسمة قبل ذلك بما يزيد على قرن بقليل، وسيشكل الذكور ~~البالغون ما بين 160 و200 ألف من هذا العدد، وهؤلاء هم معين التجنيد العسكري. # الخريطة 3: توسيع لب مقدونيا في عهد فيليب الثاني. # كان الأفراد يجندون كمشاة وخيالة على السواء، وكما أسلفنا كانت هناك وحدات خاصة ~~بين كل من المشاة والفرسان، ومع أن الشواهد لا تبين طبيعة التدريب، فإنها تشير إلى ~~أنه كان دائما. وكان مسار الشباب الأرستقراطي المهني الذي يبدأ مبكرا في حوالي سن ~~الثالثة عشرة هو الآخر مسارا دائما؛ إذ كان مصمما لتخريج ضباط يتسمون بالكفاءة ~~والولاء. وتشير الشواهد إلى أنه كان ناجحا بشدة، وإن لم يكن بصورة كلية. ربما كان ~~الارتقاء الأولي تجربة مهينة؛ ms138 إذ كان يضع شابا من النخبة في مرتبة جندي مشاة. ومن ~~ناحية أخرى، كان هؤلاء الشباب جزءا من وحدة مشاة أرستقراطية أصغر تتمتع بارتباط خاص ~~بالملك، وكانوا بهذه الصفة يواصلون مباشرة مسئوليتهم الأصلية، وهي حراسة الملك ~~في ميدان المعركة، وفي أثناء ذلك يمكنهم إثبات جدارتهم بالترقي في سلم القيادة. وصلت ~~إلينا معلومات كافية عن ضباط الإسكندر تبرهن على أهمية التدريب المبكر في الوقوف على ~~الرجال الذي سيعينون في النهاية في المناصب ذات الشأن، وكانت هناك هرمية مماثلة في ~~صفوف الخيالة، التي كانت تضم وحدة نخبوية هي فصيلة الملك؛ وعلى هذا النحو أيضا ~~كانت تختبر همة الرجال الأصغر سنا بغية تكليفهم بمهام مستقبلية. كانت هناك حاجة ~~أيضا إلى غير الأرستقراط كضباط مسئولين عن الجنود المدرعين العاديين. ومع أن غالبية ~~هؤلاء القادة كانوا ينتمون إلى خلفيات مغمورة، يبدو منطقيا أن نتصور وجود سلم ~~للارتقاء هنا، وأيضا فيما يخص الجنود الملكيين. # من المناصب المرموقة بخاصة أن يكون المرء واحدا من حراس الملك الشخصيين السبعة ~~أثناء وجوده في بيلا، وأيضا وهو خارجها على رأس حملة. وكان الفرد يشغل هذا المنصب مدى ~~الحياة ما لم يوجد ما يبرر إقالته. وقد أورث فيليب الإسكندر ثلاثة من حراسه ~~الشخصيين؛ وهم أريباس الإبيروسي الذي ربما كان من أقارب أوليمبياس وارتحل مع الإسكندر ~~حتى وصل مصر ومات فيها متأثرا بمرضه، ورجل يسمى ديميتريوس استمر كحارس ~~للإسكندر حتى أقيل بشبهة الخيانة سنة 327، وبالاكروس الذي خدم مع الإسكندر حتى نهاية ~~معركة إيسوس سنة 333، وعندئذ عين حاكما على قيليقية. بالإضافة إلى الحراس ~~الشخصيين، كان جميع القادة معاوني الملك ذوي أهمية بالغة لنجاح المقدونيين في الحرب، ~~وتدلنا أمثلة ثلاثة من أقوى رجال فيليب على تاريخهم الشخصي وطبيعة مشاويرهم ~~المهنية. # كان أنتيباتروس، المولود بعد سنة 400 بقليل، يكبر فيليب بنحو 17 أو 18 سنة، ومن ثم ~~كان ناشطا في خدمة أبي فيليب وإخوته الذين سبقوه على العرش. كان أنتيباتروس ابن ~~لولاوس وينتمي إلى مكان يسمى باليوريا موضعه غير مؤكد. ما يؤيد انتماء لولاوس إلى ms139 ~~أسرة أرستقراطية تعيين بيرديكاس الثاني إياه قائدا للفرسان سنة 432 (ثوكيديدس، ~~الكتاب الأول، 62، 2)؛ ومنزلة أولاده؛ إذ كان اثنان من أبناء أنتيباتروس (فيليبوس ~~ولولاوس) من حراس الملك الشخصيين، وكان لبناته دور مهم في إقامة التحالفات من خلال ~~الزواج؛ وقد أسند إليه شخصيا أداء مجموعة متنوعة من الخدمات، كقائد في الحملات، ~~وللتفاوض على شروط السلام لدى انتهاء الحرب المقدسة سنة 346، ومع أثينا بعد النصر ~~المقدوني في خيرونية سنة 338، ولتمثيل فيليب في الفعاليات الهيلينية الجامعة المهمة ~~كدورة الألعاب البيثية سنة 342، وللعمل كوصي على العرش في غياب فيليب. خلاصة القول أن ~~أنتيباتروس نموذج يمثل العائلات الأرستقراطية التي تنتمي إلى لب المملكة، والتي كان ~~يمكن الاعتماد عليها كحلفاء للملك الأرغي، على الأقل في هذه الحالة. # أما بارمنيون، الذي تزامن مولده تقريبا مع مولد أنتيباتروس، فهو إن لم يكن يساوي ~~أنتيباتروس في أهميته عند فيليب، فقد كان يدانيه. روى بلوتارخس أن فيليب قال إن ~~الأثينيين ينتقون 10 قواد كل سنة، لكنه لم يعثر على مدى سنوات إلا على قائد واحد ~~وهو بارمنيون (بلوتارخس، أقوال فيليب الثاني = الأخلاق، 177سي). تعود أصول بارمنيون بن ~~فيلوتاس على الأرجح إلى مقدونيا العليا. وبعد أن ساعد بارمنيون فيليب في تثبيت دعائم ~~حكمه في السنوات المضطربة الأولى، قاد حملات ألحقت هزيمة بالإليريين سنة 356، ~~وتفاوض على بنود السلام بجانب أنتيباتروس سنة 346، ووقع عليه الاختيار ضمن قادة ~~القوة المتقدمة في آسيا الصغرى سنة 337. كان ابنه، المسمى أيضا فيلوتاس، من غلمان ~~الملك، وترقى في المناصب المهمة خلال مشواره؛ وكان الابن الذي يصغره، واسمه نيكانور، ~~ضابطا في صفوف الجنود المدرعين الصحابة وعين حاكما في غرب الهند؛ وأما ابنه ~~الأصغر، ويسمى هكتور، فمات أثناء حملة الإسكندر في مصر. تبين هذه الأسرة المهمة ~~أهمية الروابط مع إقليم مقدونيا الأوسع وكذلك أخطارها؛ إذ أعدم بارمنيون وفيلوتاس ~~بعد ثبوت خيانتهما الإسكندر الثالث. # ولد أنتيغونس، الملقب بالأعور، سنة ميلاد فيليب. ويوصف أنتيغونس بأنه رفيق ~~كل من فيليب والإسكندر (جوستين، الكتاب السادس عشر، 1، 12)، وهو ارتباط يفترض ضمنا ~~اكتسابه أهمية في عهدي الملكين ms140 الأرغيين، وإن كنا لا نعرف إلا القليل عن نشاطه ~~السابق؛ ومن ثم فمنزلته بل موطنه الأصلي أيضا غير مؤكدين، وإن كان بعضهم ~~حاول إثبات انتمائه إلى بيرويا شمال نهر هالياكمون في جنوب هيماثيا. لا توجد خيوط ~~تدلنا على منزلته الاجتماعية فيما وصل إلى أيدينا من شواهد على التدريب المهني الذي كان ~~يتلقاه الشباب الأرستقراطي، وأيا ما كانت طبيعة منزلته الاجتماعية، فمن المستبعد ~~تماما أنه كان من بين غلمان الملك نظرا لتاريخ ميلاده، زد على ذلك أن هذا التقليد ~~تبلور رسميا في عهد فيليب. كذلك لم يتلق ابنه الذي عاش حتى بلغ مبلغ الرجال ~~تدريبا في بيلا، بل نشئ بصحبة أبيه في الأناضول التي أرسله إليها الإسكندر سنة ~~333. يمكن أن نجد أمارة أخرى على منزلته الاجتماعية الأصلية في منصبه القيادي وقت ~~عبور الإسكندر إلى الأناضول؛ إذ أسندت إلى أنتيغونس قيادة المشاة الثقيلة الإغريقية ~~الحليفة، وهو منصب رفيع يقينا لكن ليس في رفعة منصب القيادة في وحدات الجنود ~~المدرعين والخيالة الملكية المقدونية. كل هذه التفاصيل ربما تشير إلى منزلة ~~اجتماعية غير نخبوية؛ ومن ناحية أخرى، ربما كانت زوجته قريبة لفيليب كبنت من بنات أحد ~~فروع السلالة الأرغية. وقد يكشف الجمع بين هذه الخيوط القليلة عن فئة ثالثة من ~~المقدونيين الذين استقطبوا إلى الجهاز العسكري للمملكة المتسعة، وهم أفراد الأسر ~~المقيمة في لب المملكة الذين يستبعد تنافسهم على العرش الأرغي. ومع عدم انتمائهم ~~إلى أصل أرستقراطي، استطاعوا الترقي في المناصب والمنزلة بالزواج وبإثبات جدارتهم ~~وولائهم للملك الأرغي الحاكم. كان معين المعاونين ضيقا طوال معظم التاريخ المقدوني ~~السابق، وكان على فليب أن يفكر تفكيرا إبداعيا في صنف الرجال الذين لا يملكون ~~المهارات فحسب، بل الذين لديهم أيضا أسبابهم الوجيهة ليدينوا بالولاء للقائد العام ~~للجيش. ~~(6) نتائج الإصلاح العسكري # خلاصة القول أن فيليب صاغ هيكلا تنظيميا وتدريبيا فعالا لتلبية متطلبات ~~مملكته الأولية، وهي الدفاع عن قلب المملكة، تليه السيطرة على المناطق المحيطة والعمل ~~الهجومي ضد الجيران المزعجين الأبعد موضعا. كانت الأداة الأساسية جيشا كبيرا جيد ~~التدريب ms141 جاهزا للتحرك فور صدور الأوامر. كانت الحاجة تدعو إلى أعداد كبيرة من الجنود، ~~من مشاة عاديين وخيالة متمرسين ووحدات خاصة كرماة النبال، وكانت قيادة هذه الوحدات ~~تحتاج إلى أعداد كبيرة من القادة المدربين جيدا. كانت مركزية القيادة ضرورية لتنسيق ~~الوحدات والمسئولين المعاونين ، ومن دونها كانت المصالح الإقليمية، مدفوعة بطموحات ~~الزعماء المحليين، ستقلص سلطة الحاكم الأرغي الاسمي بسرعة. تحقق أحد جوانب ~~المركزية بتركيز الأنشطة في موضع واحد، فالسفارات وتطوير آلات الحصار وتدريب الضباط ~~المستقبليين وتخطيط الحملات والرقابة على الموارد وحياة الملك وآل بيته الخاصة؛ كلها ~~تركزت في بيلا. وكما تكشف لنا الشواهد الآثارية التي جادت بها بيلا، فإن علينا فيما ~~يبدو إعادة النظر في فكرتنا عن وجود تنظيم سياسي غير مهيكل في جوهره هناك؛ فعلى الرغم ~~من أن التنظيم السياسي المؤسسي لم يكن بعد على شاكلة نظيره الفارسي المعاصر، توجد ~~أمارات واضحة على الهيكلة النظامية، وربما بدأ مسئولو البلاط المقدوني يتولون مناصب ~~إدارية، مثلما جادل بعضهم قياسا على المؤسسات الأوروبية في القرون الوسطى. لكن حتى ~~شواهدنا الضئيلة تشير إلى أن بيلا كانت مقر دواوين الدولة النظامية، كأمانة السر، ~~وتطوير التكنولوجيا العسكرية، والرقابة على تخصيص الموارد. ولا شك أن اتساع الأنشطة في ~~بيلا تطلب إشرافا مستمرا من جانب مسئولين متنوعين مدربين على مهام عملهم، ~~ويملكون الكفاءة لإدارة شئون من تحت أيديهم، ويرجى أن يكون لديهم ولاء. # كان القول الفصل في كل تلك الأنشطة قول الملك، ومع نجاح حملاته صارت لديه الحوافز ~~التي يقدمها للجنود العاديين والقوات النخبوية على حد سواء. وبإنشاء سلم تدريبي ~~للضباط المستقبليين واتخاذ مكان التدريب في بيلا، أقام فيليب أواصر جديدة مع اليافعين ~~الذين يرجون أن يكونوا شخصيات مهمة في أنشطة تبشر بأن تكون مجزية؛ فلم يكن يوجد إلا ~~شخص واحد في أي وقت بعينه يمكنه أن يكون حاكما لدولة لنكستيس أو أوريستيس المستقلة، ~~لكن كان هناك لنكستيون وأوريستيسيون كثيرون يمكنهم التمتع بالترقي في المناصب ~~القيادية المهمة في الدولة المقدونية. كان الملك الأرغي يرجو أيضا ميزة شخصية، وهي ~~أمنه، ms142 الذي كان في أحوال كثيرة جدا عرضة للخطر من خلال الاجتياحات العسكرية ~~للمملكة، ومن خلال المؤامرات التي يحيكها أفراد السلالة الأرغية الآخرون، ومن خلال ~~طموحات حكام المناطق التي كانت ذات يوم ممالك مستقلة. # يتجاهل مثل هذا التأكيد على أهمية القيادة الملكية المؤسسات الإدارية الأخرى ~~الموجودة في معظم الدول؛ ألم تكن هناك هيئة أو مؤسسة سياسية أخرى ذات شأن كبير في ~~حياة مقدون الإدارية بجانب القيادة الشخصية وجمعية الجيش؟ لا يوجد ما ينم عن وجود ~~مدونة قوانين مكتوبة تنظم العدالة وتطبيقها، ويبدو أن القانون العرفي في صورته الشفهية ~~كان يحدد الحقوق والمسئوليات. # ألم يكن هناك مجلس استشاري؟ لا يوجد ما ينم عن وجود مجلس رسمي طوال تاريخها المبكر، ~~وإن كان المرجح أن مجلسا غير رسمي لعب دورا في اتخاذ القرارات. وربما تكون النظائر ~~الهوميرية من جديد مفيدة لنا في هذا الصدد؛ فمثلما تشاور أجاممنون مع مختلف الملوك، ~~كذلك تشاور فيليب مع كبار ضباطه، من أمثال أنتيباتروس وبارمنيون وأنتيغونس، لتنسيق ~~الحملات أو تفويض المسئوليات. وتتحدث المصادر التي بين أيدينا عن مشاورات من هذا القبيل ~~جرت بين الإسكندر وضباطه، ومن أشهرها مناقشة عرض داريوس الذي تضمن تقديم تنازلات ~~بعد النجاحات المقدونية المتكررة: # عندما ذكر أمر هذه التنازلات في ملتقى للصحابة، يقال إن بارمنيون قال ~~للإسكندر إنه لو كان الإسكندر لرضي بتلك الشروط لينهي بذلك الحرب دون مزيد من ~~الخطر؛ فأجاب الإسكندر بارمنيون بقوله إنه لو كان بارمنيون لفعل ذلك بالضبط، ~~لكن لأنه الإسكندر فسيرد على داريوس على نحو ما بين. (آريانوس، الكتاب ~~الثاني، 25، 2) # بمعنى أن الإسكندر لم يقبل الشروط المعروضة. # كان المشاركون في هذه الجلسات ينتمون على الأرجح إلى صحابة الملك المقربين، وإن ~~كان هذا لا يعني أننا نقول بوجود مجموعة ثابتة من الصحابة يشكلون المجلس، فالرجال ~~الأقرب إلى الملك سيكونون غالبا في أماكن بعيدة يؤدون مسئوليات أخرى موكلة إليهم. غير ~~أن الأفراد الذين هم موضع أكبر ثقة من الملك كانوا يشكلون قوة متنفذة، وكان الإسكندر يدين إلى ~~حد كبير بالفضل في توليه ms143 الملك إلى الدعم الذي قدمه له صحابة فيليب. # تكشف نجاحات مقدون أثناء عهدي فيليب والإسكندر عن أحد جوانب مبتكرات فيليب، وقد ~~عبر جاك إيليس عن الجانب الآخر لتلك النتائج تعبيرا دقيقا وجيدا بقوله: # لكن لو كان الجيش أداة الوحدة الجديدة ومظهرها في آن واحد، فمن الضروري ~~أكثر حتى من ذي قبل أن تكون الأهداف العسكرية دائما نصب الأعين، والأهم من ~~ذلك تحقيق النجاحات العسكرية خشية أن يوجه الجيش الطاقات المكتشفة حديثا ~~ليعنى بشئون نفسه وبالدولة. بمعنى أنه بالرغم من أن همة فيليب وفطنته بلورتا ~~تلك الثورة على الأقل، فإنه كان مقيدا - شأنه شأن أي شخص آخر - بالنتائج ~~التي ترتبت عليها، أي كان يمتطي ظهر الوحش الذي أطلق سراحه. (الصفحة ~~9) # كان الجيش الجديد أداة التوحيد والتوسيع والمركزية تحت قيادة ملك ~~يحكم انطلاقا من بيلا، وكان ضروريا لاستقرار المملكة واستتباب سلطة الملوك الأرغيين ~~على حد سواء؛ ومن ثم لزم أن يكون موجودا على الدوام. كانت وظيفته بالطبع صون ~~سلامة أراضي المملكة مهما كانت مساحتها، ومع التوسع وإحلال السلام في المزيد من ~~الأقاليم، دعت الحاجة إلى أهداف جديدة، وهكذا كانت استدامة الملك الفرص المناسبة لجيشه ~~بندا بالغ الأهمية على أجندته. # كان تأمين السلطة الملكية أيضا مرتبطا بالابتكارات العسكرية إيجابيا وسلبيا على ~~السواء؛ فغلمان الملك كانوا حرسه في بيلا، بل كان أيضا حراس الملك الشخصيون السبعة ~~يمارسون وظيفة أشق بحماية ملكهم من الخطر، لكن أفراد كلتا الفئتين كان يمكن أن ~~تحركهم أحقادهم الشخصية؛ إذ قتل فيليب على أيدي أحد «غلمانه»، ويزعم أن أحد حراس ~~الإسكندر السبعة كان متورطا في مؤامرة ضده. كان كثير من جنود فيليب وضباطه من مناطق ~~مقدونيا العليا، وقد أحسن هؤلاء، مثل بارمنيون، خدمته وارتقوا في المناصب القيادية ~~الرفيعة. وكان شخص يدعى الإسكندر من المملكة اللنكستية من أول من أعلنوا تأييدهم ~~الإسكندر الثالث لدى موت فيليب، ورافق الإسكندر في حملته في بلاد فارس، وأسندت إليه ~~مناصب مهمة كقيادة الخيالة التيسالية، لكن اشتبه في تآمره على الإسكندر، فألقي ~~القبض عليه وسجن وفي ms144 النهاية أعدم سنة 330. كان ممكنا لصغار الضباط أيضا أن ~~يخونوا؛ إذ فر رجل يدعى أمينتاس بن أنطيوخوس من خدمة الإسكندر إلى داريوس، وقاد ~~المرتزقة الإغريق في معركة إيسوس. ولو غضب الجنود النظاميون على قائدهم، فالتمرد ~~ممكن دائما على الرغم من يمين الولاء الذي أدوه بمناسبة اعتلاء الملك العرش ~~(بوليبيوس، الكتاب الخامس عشر، 25، 11؛ كورتيوس، الكتاب العاشر، 7، 9). # المغزى أن «الوحش» كان له ذيل قوي يضرب به الملك المقدوني ويضرب به أعداء الملك ~~ومملكته، وكان الأحوط لقائده أن يبقي عينيه مفتوحتين على حركات هذا الذيل. # الفصل السادس # | ملاقاة التهديد البعيد # كتب فرناند بروديل في تأريخه الواسع الذي يحمل عنوان «الذاكرة والبحر المتوسط» عن «خطأ ~~الإسكندر»؛ بمعنى قيادته قواته شرقا لا غربا؛ إذ لو اتخذ قراره بالسير غربا، «أفليس ~~من الجائز أنه كان سيحول دون المصير الذي لاقته روما؟» (الصفحة 250) ومع ذلك فإن ~~معاصرين للإسكندر، بل أيضا ملك آخر يحمل اسم الإسكندر (صهره الذي كان يحكم إبيروس)، ~~وجهوا اهتمامهم نحو إيطاليا، لكن لم يكتب النجاح إلا لقليلين. المدهش أن الإسكندر ~~الثالث المقدوني حقق نجاحا غير عادي في مواجهة الإمبراطورية الفارسية المترامية الأطراف ~~والثرية والقوية، وكل من اختيار الخصم والنجاح في مواجهته يستحق منا التأمل؛ فلماذا ~~كانت بلاد فارس هدف الإسكندر؟ وماذا كانت حالة تلك الإمبراطورية سنة 336؟ بالإضافة إلى ~~ذلك، توجد قضايا أخرى عديدة ستساعدنا على فهم الإسكندر نفسه: إلى أي مدى كانت معرفته ~~عميقة بالإمبراطورية الأخمينية؟ وإلى أي مدى كان هيكلها وثقافتها أجنبيين عليه؟ وهل ~~أثر فتح بلاد فارس على خططه التالية؟ ~~(1) إنشاء الإمبراطورية الأخمينية # خرجت إلى الوجود في أواخر الألفية الرابعة في شرق البحر المتوسط ثقافات معقدة على ~~هيئة دول-مدن فرادى، ومع توسيع دول منطقة ما بين النهرين رقعتها، برزت ممالك أكبر في ~~أواخر الألفية الثالثة والألفية الثانية في مصر وفي الشرق الأدنى؛ كانت تلك الحضارات في ~~الوقت نفسه بمنزلة مغانط تجتذب شعوبا جديدة إلى شبكات نشاطها. وبحلول أواخر الألفية ~~الثانية كانت تهيمن على منطقة شرق البحر المتوسط قوتان كبيرتان؛ مصر في الجنوب ms145 ~~والمملكة الحيثية في الشمال. فتت الانهيار الذي ما زال غامضا واعترى الحضارات في ~~نهاية الألفية الثانية قواعد السلطة لقرون عديدة، لكن في القرن السادس اتحدت الشعوب ~~التي وفدت متأخرا على المنطقة تحت حاكم واحد، وتوسعت توسعا انفجاريا، فصارت ~~الإمبراطورية الوحيدة في عالم شرق البحر المتوسط. كانت هذه التوليفة هي الإمبراطورية ~~الفارسية، التي كانت الدولة الأكبر في امتدادها في تاريخ منطقة البحر المتوسط والشرق ~~الأدنى حتى إقامة الإمبراطورية الرومانية؛ إذ امتدت من تراقيا إلى نهر سيحون في الشمال، ~~ومن الساحل الليبي إلى نهر السند في الجنوب. انعكس تنوع الشعوب التي وحدت بإنشاء ~~هذه الدولة المترامية الأطراف في فلسفة الحكم؛ إذ شجع حكامها الحفاظ على التقاليد ~~الثقافية المحلية تحت هيكل الإدارة الموحدة. # شكلت الإمبراطورية سريعا في القرن السادس قبل الميلاد حينما كانت دول عديدة ~~تتنافس على السيادة في أعقاب انهيار الإمبراطورية الآشورية في الشرق الأدنى سنة 612. ~~كان أهم المتنافسين مملكتي بابل ومصر القديمتين اللتين تحررتا آنذاك من السيطرة ~~الأجنبية، والميديين الهنود-الأوروبيين الذين وفدوا على المنطقة متأخرا وكانت أرضهم ~~تمتد جنوبا من غرب أعالي دجلة إلى الخليج الفارسي. كلل مسعى الميديين بالنجاح، ~~فبسطوا سيادتهم على شعب هندي-أوروبي آخر وهو الفرس الذين كانوا أقل اتحادا من أقاربهم ~~في اللغة؛ ومن ثم كانوا عرضة للاختراق من جانب جيرانهم الأقوى منهم. تمخض زواج ~~ابنة الملك الميدي بقمبيز الأول ملك فارس عن انعكاس أدوار الشعبين؛ إذ تآمر ابن ~~جاء ثمرة هذا الزواج يسمى قورش ضد جده الميدي، الذي استسلم استسلاما مشروطا سنة ~~559. كان قورش أول ملوك السلالة الأخمينية - سميت تيمنا بأخمينس الذي يزعم أنه ~~الجد الأكبر للسلالة - التي استمرت حتى حكم الإسكندر المقدوني. # ظفر قورش بلقب «الشاه» من خلال مشوار عاصف وطد خلاله الحدود الأساسية ~~لإمبراطوريته. وإذ ورث النزاع بين ميديا ومملكة ليديا الأناضولية، زحف بجيشه فألحق ~~هزيمة ماحقة بالجيش الليدي سنة 546، ثم سار إلى ساحل الأناضول، ضاما بذلك دول-مدن ~~آسيا الصغرى الإغريقية إلى ملكه المتسع. وفي بلاد ما بين النهرين دعي إلى تولي ~~إدارة بابل فتولاها ms146 سنة 538 ليكتسب بذلك أرضا غرب نهر الفرات. كان الجنود الفرس ~~ناشطين في الشرق أيضا، وتحديدا في أفغانستان الحديثة وأطراف إيران وما وراء حدود ~~الهند الحديثة. لم يبسط قورش سيادته على ثالث المتنافسين على السلطة؛ إذ ترك مهمة ضم ~~مصر إلى الإمبراطورية إلى ابنه وخليفته قمبيز الثاني (530-522) بعد مقتله في الحرب ضد ~~الماساجيتاي في الجزء الشمالي الشرقي من إمبراطوريته. كان قورش قد عين قبل ذلك قمبيز ~~ملكا على مدينة بابل، التي يبدو أنه مكث فيها طوال معظم حكمه، وفي 526 أعد العدة ~~لغزو مصر فأخضعها للسيطرة الفارسية بحلول صيف 525. وبالإضافة إلى توسيعه الإمبراطورية، ~~تتسم سمعته بالولع بالوحشية في الروايات المصرية والإغريقية والفارسية على السواء، ~~وقد مات سنة 522، إما انتحارا وإما قتلا. # بضم مصر بلغت الإمبراطورية أقصى اتساع لها تقريبا. كان واضحا أن الحكم ~~المباشر على يد ملك مستقر في قلب فارس القديم لن يكفل السيطرة الفعالة. علاوة على ~~ذلك، كان الكثير من الأقاليم التي ضمت إلى الإمبراطورية ذا حدود واضحة المعالم ~~ونظم حكم مستقرة منذ زمن بعيد؛ فاستفاد الأخمينيون من المناطق المعلومة الحدود ومن ~~هياكلها في استحداث هيكلهم الإداري الخاص بهم. كانت الأقاليم مرزبات (ساترابيات)، على ~~رأس كل منها مرزبان (ساتراب، والكلمة أصلها فارسي قديم بمعنى حامي الإقليم)، وكان ~~تعيين هؤلاء من لدن الملك يرمز إلى حقيقة أن السلطة النهائية منوطة به. وجد رابط ~~آخر في الآصرة الشخصية بين المرازبة والملك، ويبدو أن أهمية أواصر الولاء الشخصية بين ~~الأفراد، الشائعة جدا في المجتمعات القبلية، كانت تشكل أساس سلطة المرزبان. كان ~~المرازبة في البداية من أبناء العائلات أو العشائر الفارسية المهمة الذين كان دعمهم ~~ضروريا لاستقرار الحكم الأخميني، لا من أبناء الأسرة الحاكمة ذاتها. وفي بعض أجزاء ~~الإمبراطورية ظل الحكام المحليون في السلطة، مؤدين مسئوليات المرازبة؛ وكان هذا ~~هو الحال في الممالك الجزرية التي ضمت إلى الإمبراطورية، وفي إيفاجوراس ملك قبرص ~~مثال على استمرار أشكال الحكم المحلية، لكنها باتت آنئذ تحت إشراف الهيكل ~~الإمبراطوري. # الخريطة 4: دولة فارس الأخمينية. # في عهدي ms147 قورش وقمبيز، كانت المسئولية العسكرية واجب المرازبة الأول؛ لأنه على ~~الرغم من تمام فتح الأقاليم التي كانت فيما سبق ممالك مستقلة، لم تكن الأوضاع ~~استتبت تماما في كثير منها. وحتى بعد تحقق إحلال السلام، كان الحفاظ على النظام ~~الداخلي مطلبا مستمرا . أضافت إعاشة الجنود بعدا اقتصاديا إلى مسئوليات ~~المرازبة؛ إذ وقع فرض الضرائب وجمعها وتدبير السلع - وربما الأرض - للحاميات، على ~~عاتق حامي كل إقليم. وعلى الرغم من حدوث تغيرات في طبيعة مسئوليات المرازبة على مدى ~~القرنين أو نحوهما، اللذين انقضيا بين موت قمبيز ونهاية الملك الأخميني، بقي الهيكل ~~الأساسي للسيطرة المحلية على الأقاليم في إطار مملكة مركزية كما هو. # نشب صراع خطير على السلطة العليا لدى موت قمبيز لكن تفاصيله غير واضحة، وانتهى سنة ~~522 بنجاح داريوس الأول، أحد أبناء العائلات الفارسية المهمة التي لعبت دورا قويا في ~~تكوين الإمبراطورية في عهد قورش، زاعما أنه الحاكم التاسع من السلالة الأخمينية، وهو ~~زعم إشكالي بسبب الاختلاف في النسب بين قورش وداريوس الأول، لكن ادعاء داريوس نال ~~احترام معاصريه وخلفائه. اتجه اهتمامه في البداية إلى قمع الانتفاضات التي قامت في ~~أجزاء كثيرة من دولته، فقضى بدعم من زعماء الأقاليم الموالية وقواتهم على تمرد معظم ~~المتمردين في غضون سنة، وإن استمرت الثورات في بعض المناطق المشاكسة كبابل. # من الجائز تماما أن القوة العسكرية الكبيرة بإسراف التي كان يتمتع بها بعض حماة ~~الأقاليم هي التي أفضت إلى إعادة هيكلة سلطة المرازبة، فحدت آنذاك سلطتهم ~~العسكرية المستقلة استقلالا كبيرا بتقسيم السلطة بين مسئولين، فكان للمرزبان السلطة ~~المدنية العليا، وأما القادة العسكريون داخل المرزبة فكانوا مسئولين مسئولية مباشرة ~~أمام الشاه. وكان استحداث «كتاب الملك» و«أعين الملك» و«آذان الملك» لأداء الشئون ~~ورصدها في الأقاليم مرتبطا على الأرجح بمحاولات لجم سلطة المرازبة. ويتضح عدم نجاح ~~هذه الابتكارات بالكلية من واقع استمرار صعوبة الحد من سلطة المرازبة المستقلة ومواردهم ~~التي تجلت في أحداث القرنين الخامس والرابع. # يحظى داريوس الأول باحترام كبير لإنشائه هيكلا إداريا متماسكا للأرض المترامية ~~الأطراف الواقعة ms148 تحت السيطرة الفارسية، وهو هيكل ظل يوفر إطار السيطرة على الإمبراطورية ~~التي ظفر بها الإسكندر المقدوني. وثمة نقش موجود في جبل بيستون يعود إلى زمن داريوس يصف ~~الاثنين والعشرين إقليما الخاضعة له. أما من حيث التنظيم المرزباني، فكانت ~~الإمبراطورية تنقسم إلى 20 مرزبة؛ كانت معظم المرزبات تضم عددا من المدن الكبيرة ~~التي وفرت، كالحال في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام، سبلا لمستوى آخر من الإدارة ~~(العسكرية والمالية وأمانة السر)، ومع ذلك كان المسئولون المحليون خاضعين لسلطة ~~المرازبة في أمور معينة. كانت بعض المدن تتمتع بوضعية فريدة؛ إذ وضعت بابل مثلا في ~~بعض الأحيان تحت سيطرة أحد أبناء الملك الكبار، غالبا لاكتساب خبرة لمستقبله عندما ~~يأتي يوم يخلف فيه أباه؛ فهيكل بابل الإداري المفصل الموروث من الألف سنة ونصف الألف ~~السابقة جعل منها مركزا بالغ الأهمية وفرصة تدريب ممتازة. # تصف الألواح التي استخرجت من تخت جمشيد (برسبوليس) سلم السلطة لمرزبة بارس ~~المركزية، وهو هيكل ربما يوحي بترتيبات مماثلة في أماكن أخرى في الإمبراطورية. ويبدو أن ~~شخصا يدعى فرناكيس، وهو أحد أعمام داريوس، كان مكلفا بالشئون المالية والإدارية ~~وشئون آل بيت الملك في المنطقة بأسرها. كان هناك معاون مهم يدير الخزانة بفروعها ~~الإقليمية، وكان آخر فيما يبدو مسئولا عن تنسيق الإنتاج والمؤن، وثالث يمكن الربط ~~بينه وبين الأرشيف المركزي. # توجد ألقاب أخرى مسجلة؛ إذ كان «الهيبارخ» يتولى قيادات خاصة، وكان أحد هؤلاء ~~المسئولين مكلفا بقاعدة أسطول مهمة في آسيا الصغرى في كايمي. ترتبط مسئولية عسكرية ~~جامعة بمنصب «كارانوس» الرسمي، وعندما تناقش المصادر الكارانوس فالحديث عن المسئولية عن ~~قيادة جيش عظيم يجمع بين قوات أكثر من مرزبة واحدة. وشغل هذا المنصب على ما يبدو شخص ~~يدعى أبروكومس بمناسبة ثورة قام بها شقيق ملك حاكم، فوجد الملك نفسه مضطرا إلى ~~الاعتماد على كل ما هو تحت تصرفه من قوة عسكرية دون الاقتصار على قوة المنطقة ~~المركزية وهي بارس. # كان الجيش ضروريا للحفاظ على الإمبراطورية، وحدد تنظيمه بدقة، فشكلت وحدات ~~المشاة على ما يبدو ms149 من مضاعفات العدد 10 إلى 10 آلاف، مع وجود قادة على كل مستوى من ~~المستويات. كانت الوحدة الأعظم شأنا؛ ومن ثم الأعظم امتيازا، وحدة «الخالدون ~~الفرس العشرة آلاف» الذين كانوا يقومون بدور حرس الملك الخاص في ساحة المعركة. كانت ~~القوة البحرية على قدر مساو في الأهمية لأمن الإمبراطورية، وكانت الأقاليم القريبة ~~من البحر، وخصوصا فينيقيا وآسيا الصغرى، تقدم كلا من السفن والبحارة المدربين. ~~كانت الخدمة العسكرية واجبة على كل شعوب الإمبراطورية؛ إذ يعدد هيرودوت 45 شعبا ~~مختلفا في روايته حول الزحف الفارسي إلى اليونان بقيادة أحشويرش. كان هناك مصدر آخر ~~للجنود والضباط فيما وراء حدود الإقليم الفارسي في ظل توافر أعداد كبيرة ومتزايدة من ~~المرتزقة، الإغريق وغيرهم على السواء، للاستئجار في القرنين الرابع والثالث. # كان أحد ملامح الحكم في دول أخرى كثيرة غائبا إلى حد كبير عن الإمبراطورية الفارسية؛ ~~إذ لم تكن توجد بها على ما يبدو هيئة استشارية رسمية. ومع أن مؤرخ الحروب الفارسية ~~الإغريقي هيرودوت يصف مشاورات بين أحشويرش وكبار مسئوليه أثناء الحملة الإغريقية، لم ~~يلعب أي منتدى دائم للنقاش دورا في اتخاذ القرار. وحتى أبناء العائلات السبع الكبرى ~~التي قررت فيما بينها - وفقا لرواية هيرودوت - من يخلف قمبيز على العرش؛ لم تكن ~~تتصرف دوما كمجموعة بعد اتخاذها قرارها بشأن إسناد الملك. والحقيقة أن اثنتين من ~~هذه العائلات تختفيان من السجلات، ويرى أبناء العائلات الأخرى في وظائف بعيدة عن ~~المركزين الملكيين شوشان وتخت جمشيد. # بالإضافة إلى تقسيم الإمبراطورية إلى وحدات إدارية واستحداث هيكل رسمي منظم لها، ~~عمل الملوك على ربط ربوعها القاصية بعضها ببعض، ببناء الطرق والجسور والعبارات ~~وصيانتها، وأبرزها «الطريق الملكي» الذي كان يمتد لمسافة 1600 ميل (2600 كيلومتر) من ~~شوشان إلى سارديس، العاصمة الغربية للإمبراطورية، وكان آمنا نسبيا للمسافرين بفضل ما ~~زود به من مخافر وحاميات. علاوة على ذلك، سمح نظام التتابع المستخدم في نقل ~~الرسائل المهمة بإيصالها في غضون نحو أسبوع، وأما السفر العادي فكان يستغرق 90 يوما ~~أو أكثر. كان تطوير عملة موحدة صورة ms150 أخرى من صور توحيد الإمبراطورية؛ إذ يسر ~~التبادل التجاري في عموم المملكة. # شكل 6-1: ختم داريوس الأسطواني. حقوق الطبع محفوظة لأمناء المتحف ~~البريطاني. # كان يوجد على رأس هذا الهيكل الملك الذي يتمتع بسلطة تكاد تكون مطلقة، على الأقل ~~من الناحية النظرية. كان الملك محصورا في السلالة الأخمينية، وينتقل عادة من الأب ~~إلى ابنه. كان الملك الأخميني يحكم بصفته نائبا عن الإله أهورا مزدا، رب الخير كله، ~~ويقول نقش داريوس الأول في جبل بيستون: «بفضل أهورا مزدا أنا الملك. أهورا مزدا وهبني ~~الملك.» كانت كلمته قانونا، وكل الناس يخضعون له، وكل الأملاك ملكا له، وإن كان من ~~خلال السلم الإداري الذي أسلفنا بيانه. ومع ذلك كان الحكام الأخمينيون يبرهنون على ~~جدارتهم من خلال أفعالهم، وبرهن كثيرون منهم على جدارتهم من خلال سماتهم البدنية؛ فقد ~~وصف أحد أطباء البلاط داريوس بأنه الأجمل بين الرجال. وكان التدريب على الفنون البدنية ~~كركوب الخيل ورمي الرماح والنبال يصقل عودهم ويشد قوامهم، وكان مما يزيدهم بهاء ~~ملابسهم وحليهم؛ إذ يقول بلوتارخس متحدثا عن ملابس أحد ملوك القرن الرابع وحليه ~~إنها قدرت بثلاثة ملايين رطل من الذهب. بل كان أيضا العدد الكبير من الخدم الذين ~~يمسكون بالمظلات أو يهشون الحشرات أو يقدمون الشراب، يضفي مزيدا من الجلال على ~~الملك. كانت هناك شعارات أخرى تنم عن منزلته السامية، ومنها عربة مقدسة يجرها ~~الخيل، وخيمة ملكية مهيبة، وصور منقوشة على جدران القصور الملكية. كان التقليد ~~الفارسي تعبيرا عن تقدير هذه المنزلة عبارة عن انحناءة إجلال، فكان الأقل شأنا ~~يسجدون في حضور الملك. # كانت رفاهية الملك وزوجاته وأولاده مصونة، وكانت ملذاتهم ملباة، وكان من بين ~~الامتيازات الملكية الحريم، وبأعداد كبيرة جدا في الغالب؛ إذ يروى أن داريوس ~~الثالث فقد 329 من حريمه أثناء فراره من الإسكندر بعد معركة إيسوس. كان الخصيان ~~مهمين بالقدر نفسه لآل بيته، وربما نشأت أهميتهم كحشم في جناح الحريم ورعاة لأولاد ~~الملك، لكنهم تولوا بمرور الوقت مناصب رسمية وصاروا مؤتمنين ومستشارين للملك ~~نفسه. # تختلف صورة النظام ms151 الإمبراطوري الفارسي هذه من نواح متعددة بمرور الزمن؛ إذ يصف ~~الباحثون المتخصصون في التاريخ الفارسي تطوره بتجاوزه الروابط الإقطاعية إلى ~~الهياكل الدواوينية. ومع تنامي الهيكل الرسمي، شهدت قيادة الملك الشخصية هي الأخرى ~~تحولا، وفي خضم هذا التحول، بدأت تتبدى صعوبات في الحفاظ على التلاحم عبر المملكة ~~المترامية الأطراف بحلول منتصف القرن الخامس. ~~(2) المزيد من التوسع # قبل أن تتفاقم العيوب عقد داريوس الأول وخليفته أحشويرش العزم على توسيع رقعة ~~المملكة، وبعد التعامل بنجاح مع العديد من الانتفاضات التي قامت في أجزاء متعددة من ~~الإمبراطورية، وربما الشروع في إصلاحات إدارية؛ اتجه داريوس إلى المزيد من التوسع في ~~سكيثيا وتراقيا وربما أيضا في منطقة نهر السند، عن طريق الاستكشاف البحري من الخليج ~~الفارسي إلى مياه خليج عمان. وفي سنة 499 اضطر إلى التعامل مع ثورة أخرى قامت بها ~~هذه المرة الدول الإغريقية في غرب الأناضول؛ إذ نجح المتمردون بمساعدة من دولتين ~~إغريقيتين في البر الرئيس (أثينا وإريتريا في جزيرة وابية) في الاستيلاء على سارديس. ~~وسواء أكان الإغريق غير قادرين على المضي في العمل العسكري أو غير راغبين فيه، فإنهم ~~هزموا وعادوا إلى السيطرة الفارسية بحلول سنة 494، لكن ملابسات هذه الثورة لفتت ~~انتباه الفرس إلى عالم البر الرئيس الإغريقي المزعج، ذلك العالم المنقسم إلى مئات ~~الدول المستقلة المتحاربة على الدوام؛ فنظم داريوس عملين انتقاميين ضد المشاركين ~~في الثورة من البر الرئيس، جاء الأول سنة 492 على هيئة حملة بحرية في شمال بحر إيجة. ~~وعلى الرغم من خضوع تراقيا ومقدون للضغط الفارسي، غرق جزء كبير من الأسطول في عاصفة ~~قوية قبالة شرقي شبه جزيرة خالكيذيكي مع تكبد خسارة فادحة في الرجال. وبحلول سنة 490 ~~كان الأسطول قد جدد، فأبحر عبر جزر كيكلادس قاصدا المضيق الواقع بين جزيرة وابية ~~وأتيكا في البر الرئيس، للتعامل مع المساهمين في الثورة السابقة من البر الرئيس، وبعد ~~الاستيلاء على إريتريا أحرقت معابدها ورحل سكانها إلى قلب الإمبراطورية الفارسية. ~~ثم وجه الفرس اهتمامهم إلى الشريك الثاني في الجريمة، فنزلوا في السهل ms152 الكائن عند ~~ماراثون شرق أتيكا، وهو المكان الذي احتشد فيه 10 آلاف أثيني مع فرقة عسكرية من دولة ~~بلاتايا الصغيرة في وسط اليونان للتصدي لجيش يفوقهم بكثير. ولدهشة الجميع، هزم ~~الجيش الفارسي في ماراثون. # لم يبذل داريوس محاولة ثالثة؛ إذ استحوذت ثورة قامت في مصر على اهتمامه الفوري. ~~والواقع أن داريوس مات سنة 486 دون استعادة المرزبة السابقة إلى السيطرة الفارسية، ~~فخلفه ابنه أحشويرش على العرش. ولم تعد مصر إلى وضعها السابق كمرزبة فارسية إلا في ~~السنة الثانية من حكم الملك الجديد، ومن المهم أن ننوه إلى أن «مرزبانها» الجديد كان ~~أخا لأحشويرش لا أحد أبناء أسرة أرستقراطية أخرى، وسننظر في دلالة هذا التغيير في ~~السياسة المتبعة في موضع لاحق. # تسنى لأحشويرش آنذاك توجيه اهتمامه إلى المهمة غير المكتملة في اليونان، فجرد ~~حملة هائلة لضم البر الرئيس اليوناني إلى الملك الفارسي. حشد جيش قوامه نحو 250 ~~ألف رجل، وفقا للحسابات الحديثة، أثناء التحضير المتأني لحملة برية وبحرية مشتركة، ~~وأقيم جسر مزدوج ضخم عبر مضيق هلسبونت لتيسير عبور الرجال والدواب والمؤن، وأنشئت ~~مستودعات للأغذية على امتداد الطريق، وأقنعت دول إغريقية عديدة بالتحالف مع الفرس، ~~وإن لم يكن التحالف الرسمي فالوعد بالحياد على الأقل. نجح أحشويرش في أول الأمر، ~~فصار الملك المقدوني تابعا فارسيا بحكم الواقع، مع استخدام شمال مملكته كنقطة انطلاق ~~للحملة المتجهة جنوبا. هزمت القوات الإغريقية المسيطرة على الممر الحيوي عند ~~ترموبيلي، وسرعان ما دمرت أثينا بعد ذلك. لكن على الرغم من هذه الانتصارات، كانت ~~الغلبة للإغريق بحرا في معركة سلاميس في الخليج الساروني؛ مما أقنع أحشويرش بضرورة ~~العودة إلى عاصمته، وفي السنة التالية هزمت القوات الإغريقية القوة البرية الفارسية ~~التي تركت في بلاتايا. وفي اليوم ذاته، أو بعده بفترة وجيزة، انتصر الأسطول الإغريقي ~~في معركة حاسمة ضد الأسطول الفارسي قبالة ساحل آسيا الصغرى، وبعد ذلك باثنتي عشرة سنة، ~~ألحق ائتلاف من الدول الإغريقية، بقيادة عليا من أثينا، هزيمة أخرى بالأسطول ~~الفارسي قبالة ساحل الأناضول الجنوبي. آذن هذا النجاح الإغريقي ms153 بالحلقة الأخيرة في ~~محاولة لتحرير الدول الإغريقية بآسيا الصغرى من السيطرة الفارسية؛ ومن ثم تقليص ~~رقعة الإمبراطورية الفارسية، ولن يحتفي الإغريق وحدهم بنصرهم، بل سيشاركهم إياه أيضا ~~المقدونيون، الذين كانوا قد جروا إلى محاولة التوسع الفارسية غربا. # على الرغم من أن هذه الخسائر لم تمزق أوصال الإمبراطورية، أو تستنزف خزانتها، ~~فإنها برهنت على أن التوسع المستمر بعيدا عن قلب الإمبراطورية مجانب للحكمة؛ إذ ~~انتفضت بابل ثائرة من جديد فنشرت تعزيزات عسكرية في آسيا الصغرى في سبعينيات ~~القرن الخامس. وفي العقد التالي، بدأت انتفاضات أوسع انتشارا، وإن كان أحشويرش لم ~~يعش للتصدي لها. غير أن وفاته تبرهن على عيبين خطيرين في هيكل الدولة الفارسية؛ إذ ~~قتل على يد المسئول النبيل المهم أرتبانس بمساعدة أحد الخصيان حراس السرير، وكان ~~هدف أرتبانس - الذي لم يتحقق - على ما يبدو الاستحواذ على الملك لنفسه. كان يوجد ~~مرشحون آخرون لولاية العرش ممثلين في أبناء أحشويرش الشرعيين الثلاثة: داريوس ~~وهستاسبس وأرتحششتا، مرتبين بحسب السن. كان العرف أن يخلف الملك أكبر أبنائه، ~~لكن في حالتنا هذه عمد أرتحششتا إلى قتل داريوس، ثم حاول أرتبانس قتل أرتحششتا، لكنه ~~هو الذي قتل. ولي العرش أرتحششتا، لكن لم يستتب له الملك إلا بعد أن واجه تحدي ~~أخيه الموجود على قيد الحياة هستاسبس، الذي زحف على رأس قواته من مرزبته في باخترا ~~لمنازعة أخيه على العرش، فلقي حتفه في المعركة. واستباقا للأحداث نقول إن قتل ~~الملك الحاكم والصراع بين الخلفاء المرتقبين سيصيران سمة معظم ما تبقى من تاريخ ~~السلالة الأخمينية. ومن نافلة القول أن انعدام الأمن على رأس السلطة المطلقة يحدث ~~خللا في هيكل السيطرة بأكمله. # حكم أرتحششتا بعد رحلته الوعرة إلى العرش 40 سنة (465-424) انشغل خلالها بالاحتفاظ ~~بالأقاليم التي ضمها أسلافه إلى الإمبراطورية بدلا من توسيعها. واصل الإغريق ~~المزعجون هجماتهم على دولة الفرس بإرسال حملة كبيرة إلى مصر، التي كانت ذات يوم مملكة ~~مستقلة، لانتزاع السيطرة عليها من أيدي الفرس. انطلقت الحملة سنة 461 وحققت بعض ~~النجاح الأولي، ولم يهزم ms154 الإغريق إلا سنة 454. ثم أبرمت معاهدة سلام بين فارس ~~وأثينا بعد ذلك بخمس سنوات. في تلك الأثناء، كان الإغريق ناشطين أيضا في إثارة ~~المشكلات في آسيا الصغرى، ولمعالجة الوضع المتقلقل أرسل أرتحششتا ابنه قورش إلى ~~المنطقة برتبة كارانوس، أو قائد أعلى. وفوق ذلك ثار رجل يدعى ميجابيزوس في سوريا ~~بمعونة مرتزقة إغريق، ويبدو أن ثمة أعمالا عدائية جرت في يهوذا. برزت إلى السطح ~~مشكلات أخرى على أطراف الإمبراطورية، فحدثت قلاقل في باخترا، وأما في قبرص فكان لدى ~~الملك الأصلي إيفاجوراس طموحاته الخاصة لتوسيع الإقليم الذي تحت سيطرته، على الرغم من ~~تبعيته الاسمية للشاه الفارسي. # كان تخلي ذلك الملك الأخميني عن اسمه الشخصي (الذي ربما كان «أرشو») مقابل اتخاذ ~~لقب ملكي؛ أمارة على تغيرات أعمق داخل الهيكل الإمبراطوري، ويعني اسم أرتحششتا ~~«السلطة من خلال الإله أرتا». يكشف هذا التطور عن تغير لطيف في طبيعة الملك؛ إذ ~~بينما كان استخدام الملك اسمه الشخصي يؤكد على قدرته على الحكم من واقع سماته الذاتية، ~~يؤكد اتخاذ لقب ملكي على الشرف الموروث الذي يجلبه هذا المنصب. ثمة تذكرة أخرى ~~بالسلطة الملكية تجلت في صور الملوك التي صارت ترى آنذاك على المسكوكات النقدية ~~الفارسية. ويوحي كلا هذين التطورين بإضفاء المزيد من الطابع المؤسسي على الحكم ~~الفارسي. # مات أرتحششتا الأول ميتة طبيعية، وهو شيء لن يناله إلا قليل من خلفائه. والواقع أن ~~ابنه الشرعي وخليفته أحشويرش قتل بعد توليه العرش بخمسة وأربعين يوما على يد أحد ~~أبناء أرتحششتا غير الشرعيين، وهو سغديانوس. حشد ابن آخر من أبناء أرتحششتا غير ~~الشرعيين، وهو أوخوس، جيشا في مرزبته القزوينية وانضم إليه مرزبان مصر في تنافسه ~~على العرش؛ غير أن ثمة مشكلة خطيرة وقعت وتمثلت في ارتكاب قائد فرسان آل البيت في عهد ~~سغديانوس خطأ تنفير جنود القصر. ترك سغديانوس حيا نحو ستة أشهر بعد استسلامه ثم ~~قتل. صار أوخوس ملكا، فاعتلى العرش متخذا لقب داريوس الثاني، ولم يكن عهده الذي ~~استمر حتى 404 عهد سلام، فبعد مواجهته ثورة أخيه الشقيق ms155 آرسيتس، تصدى للمتمردين ~~في ميديا والأناضول ولانتفاضة قوم يسمون القزوينيين يعيشون جنوب بحر قزوين. ما كان ~~إشكاليا بالقدر نفسه ضلوع فارس في الشئون الإغريقية؛ إذ كان انتهاجها سياسة متذبذبة ~~قوامها تأييد إسبرطة وحلفائها، ثم تأييد أثينا، أمرا فادحا في التكلفة المالية وفي ~~التحريض على سياسات مختلفة بين المرازبة المعنيين أشد العناية باليونان، وتحديدا ~~مرازبة الأناضول. # لدى موت داريوس الثاني ، ميتة طبيعية على ما يبدو، خلفه سنة 405 أو 404 ابنه الأكبر ~~أرسيس، الذي اعتلى العرش وتلقب بأرتحششتا الثاني. اضطر الملك الجديد، في مرحلة ~~مبكرة من حكمه، إلى التعامل مع أخيه قورش، الذي كان يحاول خلعه من على العرش. كان ~~قورش قد حشد قوة كبيرة بممارسته الدور العسكري الذي أسنده إليه أبوه في الأناضول، وقد ~~وجهها آنذاك ضد أخيه. ومثلما ينبئنا أحد المشاركين، وهو زينوفون الأثيني، الذي ~~يصف الحملة في أنباسته الشهيرة، كان حوالي 13 ألف رجل من ذلك الجيش من المرتزقة الإغريق ~~الذين ساروا بداية من سنة 401 غربا عبر الإمبراطورية لملاقاة جيش أرتحششتا في كوناكسا ~~شمال بابل، فحسمت النتيجة بمقتل قورش، مما سمح لأرتحششتا بالحكم حتى سنة 359. شابت ~~تلك العقود ثورات وتمردات، فثارت مصر، التي نالت قبل ذلك استقلالها لمدة ستين سنة ~~حتى أعيدت إلى السيطرة الفارسية الجزئية على الأقل بين سنتي 404 و400. مضت حوالي ~~خمس عشرة سنة قبل أن يحشد جيش لاستعادة السيطرة عليها، لكنه أخفق. كان الملك الأخميني ~~مشغولا في موضع آخر؛ إذ وقعت قلاقل في بقاع كثيرة من آسيا الصغرى نتيجة السخط ~~الداخلي ونشاط إسبرطة العسكري في المنطقة على السواء. وكان ملك قبرص الإغريقي إيفاجوراس ~~أيضا منهمكا في توسيع نشاطه، فاستولى على صور الفينيقية مما قوى شوكة الثورة في ~~جنوب الأناضول. يمكن رؤية ما يعرف باسم «سلام الملك» لسنة 386 في ضوء السيطرة على ~~التدخل الإغريقي في أراضي الدولة الفارسية، وذلك بإعلان تبعية المدن الآسيوية ومعها ~~جزيرتا كلازوميناي وقبرص للشاه، وضرورة إنهاء كل التحالفات الكبيرة التي تجمع الدول ~~الإغريقية. لم ينجح هذا السلام؛ إذ شهدت ms156 ستينيات ذلك القرن ثورة كثير من المرازبة ~~الغربيين ضد الملك، وهو وضع استمر حتى الخمسينيات. # كانت علاقاته حتى مع أسرته مشوبة بالصراع؛ إذ أعدم ابنه الأكبر وولي عهده بعد ~~تآمره ضده، وانتحر ابن شرعي آخر، وقتل ابن غير شرعي أثير لديه؛ فخلفه على العرش ~~ابنه الشرعي الذي بقي على قيد الحياة، وهو أخوس، متخذا لقب أرتحششتا الثالث. توحي ~~شهادة من كاتب ينتمي إلى القرن الأول قبل الميلاد بأنه كان قلقا بشأن قدرته على ~~النجاة من التهديدات النابعة من أفراد الأسرة، وللحيلولة دون بعض المحاولات على الأقل، ~~دفن المرأة التي كانت زوجة أبيه وأخته في آن واحد حية، وحبس عمه وأكثر من مائة ~~من أبنائه وأحفاده هو شخصيا في فناء قتلوا فيه بزخات من الأسهم. # وهكذا عاش ليحكم لمدة 21 سنة، أكبر نجاح حققه فيها هو استعادة مصر سنة 342. ~~ولمعالجة الوضع في الأناضول أمر المرازبة الغربيين بحل الجيوش الخاصة التي ~~شكلوها من قبل. ويتضح لنا تمكنه من إعادة توطيد بعض السيطرة المركزية من قرار ~~أرتبازوس، مرزبان فريجيا، التماس اللجوء لنفسه وأسرته بعيدا عن طائلة يد أرتحششتا، ~~وتحديدا في بلاط فيليب الثاني في بيلا. وأخمدت الثورة في قبرص بصعوبة بالغة، بل ~~تمكن أيضا قواده من إنهاء ثورة القزوينيين التي ظلت مستعرة منذ عهد داريوس ~~الثاني. # كانت نهاية أرتحششتا الثالث شبيهة بنهاية معظم أسلافه وكذلك بنهاية خليفته أرتحششتا ~~الرابع؛ إذ قتل سنة 338 على أيدي أبنائه بمساعدة أحد أعظم مسئوليه نفوذا، وهو ~~الخصي باغواس. وبعد أن حكم أرتحششتا الرابع سنتين، تعرض وأبناؤه للتطهير، ومن ~~جديد بتدبير من باغواس. لم يبق على قيد الحياة إلا قليل من الخلفاء، وكان أجدر ~~المرشحين بالعرش واحدا من قواد الحملة ضد القزوينيين ومن أبناء عمومة الملك، كان قد ~~عين مرزبانا في أرمينيا، فصار بمنأى عن الأذى أثناء عملية التطهير، وعندما دعي ~~إلى ولاية الملك أجبر باغواس أولا على احتساء شراب من قدح مسموم كان مهيأ ~~ليحتسيه هو شخصيا. # وهكذا صار كودومانوس آخر ملوك الأخمينيين سنة 336 متخذا لقب ms157 داريوس الثالث. كان ~~فيليب المقدوني بحلول ذلك العام قد شكل الحلف الكورنثي، وأعلن باسمه الحرب ضد ~~الدولة الفارسية. والحقيقة أنه بدأ يقيم قواعد أمامية قبل اغتياله سنة 336، تاركا ~~ملك مقدونيا للإسكندر الثالث؛ ومن ثم لن يكون أمام داريوس وقت طويل لترتيب أوضاع ~~إمبراطوريته قبل التعامل مع المقدونيين على التراب الفارسي. ~~(3) مقارنة الإمبراطورية الفارسية بالمملكة المقدونية # تأتي معظم معلوماتنا عن الإمبراطورية الفارسية من مصادر إغريقية، وتصبغ طبيعة ~~العلاقات بين الفرس والإغريق عموما هذه المصادر بصبغة غير إطرائية بالمرة. يقينا ~~توجد استثناءات؛ إذ يحتوي كتاب زينوفون المعنون ب «كيروبيديا» (بمعنى «تعليم قورش») ~~على تعليقات إيجابية على كثير من ملامح الحياة الفارسية. لكن حتى زينوفون يتحدث عن ~~خيانة الفرس (هيلينيكا، الكتاب الرابع، 1، 32-33)، وهي خصلة رآها رأي العين كواحد من ~~المرتزقة الإغريق الذين استأجرهم قورش الأصغر في محاولته إطاحة الملك، الذي اتفق ~~أن كان أخاه كما رأينا. ووصف أفلاطون سوء إدارة الإمبراطورية الفارسية بفضل إسراف ~~الفرس في الاسترقاق والطغيان (القوانين، الكتاب الثالث، 694 إف إف)، وذم إيسقراط ~~«رخاوة» الفرس (الخطبة المدحية، 138-149). لا تقتصر وجهات نظر الأعداء هذه على حالة ~~الإغريق والفرس، ورأينا أن صورة فيليب الثاني الاعتيادية في المصادر الإغريقية أقل ما ~~يقال عنها أنها غير إيجابية. # في محاولة لتجاوز مثل هذه الأحكام إلى معلومات قد تلقي الضوء على الإسكندر ~~ومسيرته، يتركز اهتمامنا على طبيعة الإمبراطورية الفارسية بحلول منتصف القرن الرابع، ~~حين كان فيليب يعكف على تقوية مملكته المقدونية، وبعد ذلك بقليل حين زحف فيليب ثم ~~الإسكندر ضد الإمبراطورية. فما مدى اختلاف الدولتين؟ وإلى أي مدى كانت معرفة كل ~~منهما بدولة الآخر وتنظيمها تامة؟ إن وجود اختلافات ضخمة بين الدولتين قد يقودنا إلى ~~إدراك مرونة فيليب وقدرته على التكيف بل فوق ذلك أيضا مرونة الإسكندر وقدرته على ~~التكيف، وهو الذي أزاح بحكمه حكم السلالة الأخمينية. ومن ناحية أخرى، فإن وجود عدد ~~كبير من أوجه التماثل قد يوحي بوجود وئام كامن يستطيع أي فاتح طامح ~~استغلاله. # نبدأ بطبيعة الدولتين المادية وحجمهما من حيث ms158 الرقعة الجغرافية والسكان. والسؤالان ~~الوجيهان في هذا الصدد هما: كيف أنشئت كل دولة؟ وكيف حكمت بمجرد أن أنشئت؟ ~~ويتمخض ضم أصناف مختلفة من الشعوب إلى الدولتين عن سؤال ثالث: هل أبقي على ~~التقاليد المحلية لدى الشعوب التي كانت ذات يوم مستقلة أم لا، ولو أبقي عليها، فما ~~تبعات ذلك سياسيا وثقافيا واقتصاديا؟ ولأن المملكة المقدونية والإمبراطورية ~~الفارسية لم تكونا كيانين جامدين طوال تاريخيهما، فمن الضروري أن نتساءل عما إذا كانت ~~تطوراتهما على مر الزمن قد أثارت صعوبات داخلية. # كانت الإمبراطورية الفارسية أكبر دولة موحدة عرفها الشرق الأدنى خلال الألفين ~~والخمسمائة سنة التي شهدت نمو دول بأحجام متزايدة. وكأبعاد تقريبية نقول إن رقعة ~~الإمبراطورية امتدت نحو 2500 ميل (4 آلاف كيلومتر) من غرب الأناضول إلى جبال هندوكوش، ~~وأكثر من 1000 ميل (1600 كيلومتر) من ساحل البحر الأسود الجنوبي إلى ساحل الخليج ~~الفارسي الشمالي في المنطقة التي توجد بها العاصمة الفارسية تخت جمشيد وباسارجاد. ومع ~~صعوبة حساب التقديرات السكانية نقول إن سكان الإمبراطورية الفارسية كانوا يعدون ~~بالملايين؛ فمصر وحدها في الفترة التي تلت موت الإسكندر كان يسكنها ما بين سبعة ~~ملايين وثمانية ملايين نسمة. ونما سكان مدن فردية كبابل حتى وصل عددهم إلى 50 ألف نسمة ~~أو أكثر. كانت هذه الشعوب متنوعة تنوعا فوق العادة من حيث الإثنية وطريقة الحياة؛ ~~ففي قلب الدولة كان يوجد الفرس الهنود-الأوروبيون أنفسهم الذين لم تكن جماعاتهم القبلية ~~وحدت إلا مؤخرا. سمح هذا التوحيد ببسط السيطرة على الشعوب العريقة في بلاد ما بين ~~النهرين وبلاد الشام والأناضول ومصر في الغرب، والشعوب القبلية في شبه الجزيرة العربية ~~في الجنوب، وسكان الجبال في آسيا الوسطى، فضلا عن سكان غربي الهند على الأقل من خلال ~~التحالف. كان التنظيم السياسي للمناطق المفتوحة يتراوح بين سيطرة شخصية على يد شيخ ~~للقبيلة وهياكل إدارية مستحكمة بعمق. وعلى قدر مماثل من التنوع كانت الهياكل ~~الاقتصادية لدى العناصر الفردية المكونة للإمبراطورية؛ إذ تعايش البدو الرحل مع ~~اقتصادات شديدة التخصص مدارة بإحكام. وكانت كثرة اللغات والمعتقدات ms159 والثقافات ~~المادية تجليات ملموسة للاختلافات القائمة بين سكان الإمبراطورية. # ومع ضآلة المساحة الجغرافية التي حققتها مقدون أثناء حكم فيليب الثاني مقارنة ~~بمساحة دولة الفرس، فإن نموها على مر الزمن وسع رقعتها كثيرا؛ إذ تضاعفت أبعادها ~~المادية أكثر من ثلاثة أمثالها منذ حكم الإسكندر الأول، الذي اتسعت المملكة أصلا ~~في عهده اتساعا شديدا. امتدت رقعة المملكة التي تزيد على 16600 ميل مربع (43 ألف ~~كيلومتر مربع) من البحر الأدرياتي إلى ساحل البحر الأسود الغربي، وجنوبا من دول ~~البلقان مرورا بالبر الرئيس اليوناني. لم يكن عدد السكان كبيرا كبر عدد سكان ~~الإمبراطورية الفارسية، غير أن ثمة تقديرا يشير إلى وجود حوالي مليون ساكن عبر المنطقة ~~الواقعة تحت سيطرة فيليب الفعلية برمتها بحلول سنة 336، وهذا الرقم تضاعف أيضا ثلاث ~~مرات منذ نهاية القرن الخامس. كانت مقدون عملاقة مقارنة بحجم الدول الواقعة في غربي ~~بحر إيجة. كان تنوع سكانها لافتا للنظر؛ إذ مع أن معظم الشعوب التي وحدها فيليب ~~كانت هندية-أوروبية، كانت لغاتها وثقافاتها شديدة التباين. كان الإغريق قد ألفوا ~~حياة الدول-المدن منذ قرون، وأما الإليريون والتراقيون فاحتفظوا بوجودهم القبلي، ~~وكان سكان مقدونيا الدنيا يشهدون بأعينهم إنشاء الهيكل الإداري لمملكة متنامية. # تمخض اتساع رقعة الدولتين عن مشكلات في الاتصال. سبق أن نوهنا إلى صد ~~الدول-المدن الشديدة الصغر في البر الرئيس اليوناني محاولات داريوس الأول وابنه ~~أحشويرش الأول، الرامية إلى مزيد من التوسع. كان التمرد يغلب على المناطق القصوى عن ~~العواصم الفارسية منذ حكم أرتحششتا (465-424)، فكانت آسيا الصغرى الإغريقية مصدر قلق ~~دائم في ظل سعي إغريق البر الرئيس إلى تحريرها من الأغلال الفارسية. وكانت مصر هي ~~الأخرى شديدة المراس؛ إذ نالت استقلالها قبل نهاية القرن الخامس واحتفظت بحريتها حتى ~~343. ولربما كان من الممكن استعادتها قبل ذلك عندما انتزع الفرس السيطرة على أحد ~~مصبي النيل في أواخر القرن الخامس؛ مما جعلهم في وضع مؤات لأخذ العاصمة منف على ~~حين غرة، لكن بحلول وقت إحالة القائد العسكري خطته إلى الملك للموافقة عليها، كان ~~المدافعون قد اكتسبوا ms160 اليد العليا. وكانت المناطق التي يصعب الوصول إليها في عموم ~~الإمبراطورية بقاعا ساخنة طوال فترة حكم الأخمينيين، لكن سنة بعد سنة اقتربت ~~الثورات من العواصم الفارسية؛ فكانت ميديا في حالة ثورة في السنوات الأخيرة من حكم ~~داريوس الثاني. وحتى المرازبة، الذين يدينون بمناصبهم للملك، كان بوسعهم حشد جيوش ~~كبيرة؛ ومن ثم نيل الاستقلال عن السيطرة الملكية. تجلى بعض هذه الحرية في ~~التنافس بين مرازبة المناطق الكبيرة. ومن ناحية أخرى، كان المرازبة الغربيون جميعا في ~~حالة ثورة ضد داريوس الثاني في ستينيات القرن الرابع. # ومع اتساع المملكة المقدونية، استحال على الملك قيادة الجيوش بنفسه في مناطق القلاقل، ~~فاضطر إلى الاعتماد على معاونيه. كانت التقارير تستغرق وقتا لكي تصل إلى فيليب من ~~بارمنيون، الذي عينه لقيادة الفرقة المؤلفة من 10 آلاف جندي، التي أرسلها إلى آسيا ~~الصغرى. وكانت أفعال فيليب ذاته تعتمد على نجاح قوات يقودها آخرون أو فشلها. # كانت الدولتان متماثلتين في نشأتهما بحد السيف، وهو ما بيناه باختصار في هذا ~~الفصل فيما يخص بلاد فارس، وفي الفصل الخامس فيما يخص مقدونيا. كان اكتساب وجود ~~مستقل آمن هو الدافع لكل من الحكام الأخمينيين والأرغيين الأوائل. كانت فارس ~~تابعة لميديا قبل حكم قورش، وأما مملكة مقدون الصغيرة فكانت عرضة للتهديد من كل ~~جوانبها من جانب دول أقوى. ومع أن التوسع الفارسي كان أسرع وأعظم بكثير، كان الحفاظ ~~على الإمبراطورية الموحدة يتطلب قوة عسكرية دائمة وتدريبا مستمرا. وكانت الوحدة ~~المقدونية على رقعة جغرافية أوسع تشهد مدا وجزرا في ظل التهديدات المستمرة من ~~الإليريين والتراقيين والإغريق كما رأينا في نهاية القرن السادس من الفرس؛ مما كان ~~يتطلب من ثم تأهبا عسكريا مماثلا. # بالإضافة إلى قوة السلاح، عززت كلتا السلالتين الحاكمتين الوحدة بالدبلوماسية ~~وإقامة إدارة مركزية فعالة. كانت التحالفات والاتفاقات التجارية والمفاوضات التي ~~تجرى من خلال مبعوثين كلها أدوات من أدوات الحكم، شأنها شأن القيام بأعمال لتقليص ~~قوة المنافسين المحتملين داخل الدولتين؛ فقد واجه الملوك الأخمينيون تهديدات من ~~أسر أرستقراطية فارسية أخرى، وثورات من حكام ms161 الدول التي كانت ذات يوم مستقلة. كانت ~~ممارسة إسناد مناصب مهمة، كمنصب المرزبان، إلى أبناء الطبقة الأرستقراطية الفارسية ~~أداة للتخفيف من القلاقل النابعة من هذا الشق، مثلما كان تعيين مسئولين فرس يرجى ~~ولاؤهم في مناصب عسكرية ومدنية في جميع مناطق المملكة استجابة لخطر الانفصالية في ~~أقسام كاملة من الإمبراطورية. دعي أيضا غير الفرس للخدمة في أدوار مهمة. كانت قوة ~~الأرستقراطيين المقدونيين مساوية في خطورتها، ولا نعني أبناء فروع السلالة الأرغية، ~~بل أيضا أسر مقدونيا العليا النبيلة، وهو ما يتبين بوضوح من مسيرة أبي فيليب ~~المتقلبة. كانت صياغة الهيكل الذي سيستقطب معونة هؤلاء المنافسين المحتملين ناجحة في ~~أغلب الأحوال، وأما استحداث نظام غلمان الملك - وهم كما رأينا أبناء الأسر ~~الأرستقراطية الذين ألحقوا بالتدريب المهني في بيلا وأعمارهم 13 أو 14 سنة - فكان ~~حافزا فعالا بالقدر نفسه لضمان حسن سلوك آبائهم. وكان الاعتماد على غير ~~المقدونيين لولاية المناصب الحيوية حلا آخر. # سعي في كلتا الدولتين إلى توازن بين ثقافة الفاتحين وثقافات الأقاليم المفتوحة ~~المحلية، واستفاد الأخمينيون والأرغيون على السواء من كثير من المؤسسات المكينة في عموم ~~دولتيهما؛ إذ برع فيليب الثاني في إقحام نفسه في مناصب موروثة كتاجوس تيساليا، وعضو ~~المجلس الأمفكتيوني، والقائد الأعلى للحلف الكورنثي. ويسر إدماج النظم الإدارية ~~المجربة، كنظم مصر وبلاد ما بين النهرين، إنشاء الإطار الفارسي الذي كان بسيطا ~~نوعا ما في البداية. لم يتمخض قبول مختلف المعتقدات واللغات والتقاليد عن مشترك ~~ثقافي فحسب، بل خفف أيضا من وطأة الفتح على الشعوب المفتوحة. وسمح للشعوب التي ~~هجرها الآشوريون، كبني إسرائيل، بالعودة إلى مواطنها الأصلية التي ربما يمكنها فيها ~~بناء معبد وممارسة الديانة التي عرفوا بها. وأما المقدونيون، فإن قبولهم مهارات ~~الأقوام المفتوحة وثقافتها أثرى ثقافتهم دون أن تحل ثقافتها محلها، وخفف في ~~الوقت نفسه من الشعور بالعداوة لدى كثير ممن ضموا إلى سيطرة بيلا، لكن يقينا ~~ليس كلهم. # كان إنشاء هيكل حكم مركزي يستوعب النظم المحلية في الوقت نفسه الشاغل الأول ~~لأسباب بديهية عديدة. من ناحية أخرى، أمدت ms162 الدولة ملوك كلتا المملكتين بميزة ~~كبيرة على المنافسين المحتملين من حيث الموارد، المالية منها والبشرية، وقوتهم الشخصية. ~~وعلى الرغم من عدم وضوح بعض ملامح الإدارة الأخمينية، تفصح ملامحها الأساسية عن تدرج ~~هيكل السلطة من سلطة الملك المطلقة، إلى سلطة المرزبان، إلى الوظائف الخاصة في الخزائن ~~والأراشيف في عموم الإمبراطورية. وعلى الصعيد المادي أيضا، كانت أصقاع الإمبراطورية ~~متصلة من خلال شبكة الطرق والعملات النقدية والمراكز الشعائرية وإعلان المراسيم ~~الملكية. كما قلنا فيما سبق فقد عمل الأرغيون على ترسيخ السيطرة المركزية على نحو ~~مماثل، لكن بدرجة أقل مما يتضح من الوضع الفارسي، وإن كان هذا يتعارض نوعا ما مع ~~الرؤية السائدة. من المهم أن نتذكر أن قدرا كبيرا من التطور المقدوني تحقق على يد ~~فيليب، وأما الهيكل الفارسي فظل يتطور منذ منتصف القرن السادس. لم يعد الأرشيف ~~المقدوني موجودا، لكن الأدلة على المعاهدات التي أبرمت مع الدول الأخرى حفظت. ~~ويتضح لنا مدى الموارد الملكية من الكنوز التي اكتشفت في فيرجينا، وأما أطلال بيلا ~~فتكشف عن مزيج يثير الإعجاب من المنشآت الإدارية والمسكن الملكي. عرف الأرغيون قيمة ~~شبكة الطرق في مرحلة مبكرة تعود إلى حكم أرخيلاوس، ومضى فيليب قدما في إنشاء هذه الطرق ~~واستخدم تصميمات مسكوكاته النقدية ليبرهن على طبيعة حكمه. # لكن المركز الحقيقي لكل مملكة كان ملكها، فكان الحاكم الأخميني يلقب ب «ملك ~~العالم»، ومع أن الأرغيين لم يحصلوا على هذا اللقب، فإن فيليب وابنه الإسكندر كانا ~~يستحقانه يقينا. كان فيليب ملك مقدونيا الأرغي وتاجوس تيساليا والقائد الأعلى للحلف ~~الكورنثي وحليف المولوسيين الإبيروسيين بالعهد والزواج؛ وكان الإسكندر كل ما سبق ~~وفوقه الكثير عندما وافاه أجله سنة 323. لم تقف في طريق ملوك كلتا الدولتين جمعيات أو ~~مجالس قوية، حتى لو تمتعت جمعية الجيش المقدوني ببعض الحقوق المحددة، ولو كان الحكام ~~الأخمينيون والأرغيون على السواء يتشاورون مع كبار معاونيهم. الأكثر من ذلك أن ترامي ~~أطراف المملكتين وضع مزيدا من العوائق أمام ممارسة السلطة الملكية؛ إذ سبق أن ذكرنا ~~أن تأخر وصول موافقة الملك على ms163 خطة الاستيلاء على العاصمة المصرية تسبب في إخفاق ~~مجهود القوات الفارسية في نهاية القرن الخامس. وتوقفت أفعال فيليب ذاته سنة 356 على ~~أخبار نجاح بارمنيون أو إخفاقه في التعامل مع التهديدات الجديدة التي شكلها الإليريون. ~~وهكذا لم يكن أي من الحاكمين حاكما مطلقا بمعنى الكلمة في ممارسته سلطته، ومن ~~ناحية أخرى كانت سلطتهما أقل قيودا بكثير من سلطة الزعماء في الدول ~~الإغريقية. # من النتائج الأخرى للمركزية نتيجة اقتصادية؛ إذ كانت الثروة الموجودة تحت تصرف ~~الملك طائلة؛ فمن حيث الكمية والثراء والأناقة تشهد مقتنيات المدافن المقدونية على ~~طبيعة الموارد التي كانت تحت سيطرة الأرغيين المتأخرين، فكانت الأرض التي يفتحها جيش ~~الملك تحمل صفة الأرض الملكية، وهذه يمكن تخصيصها لرجالات الملك أو تأجيرها لمستأجرين. ~~وبالإضافة إلى الإيرادات المتحصلة من الأرض، كان الملوك المقدونيون يسيطرون على ما يبدو ~~على الموارد الخشبية والمعدنية؛ إذ كان سك العملة امتيازا ملكيا، وكانت تجبى ~~ضرائب على استخدام المرافق. كانت الثروة الملكية الفارسية تأتي من مصادر مماثلة لكن ~~أكبر، وهي الإيجارات والضرائب والخدمات والسلع والحيوانات والحاصلات الزراعية وبعض ~~الأنشطة الاحتكارية كسك العملة. ويروي آريانوس (الكتاب الثالث، 16، 7) اكتشاف ~~الإسكندر، لدى دخوله شوشان بعد هزيمة داريوس وجيشه في جاوجاميلا، 50 ألف وزنة من الفضة ~~وغيرها من العتاد الملكي. # خلاصة القول أن طبيعة مقدون في عهد فيليب والإسكندر كانت تشترك في سمات كثيرة مع ~~الإمبراطورية الفارسية الأكثر نضجا. علاوة على ذلك، تجمع بين أصول السلالتين ~~الملكيتين أوجه شبه مذهلة. كان الفرس وافدين جددا نسبيا على الشرق الأدنى؛ إذ ~~رحلوا إلى المنطقة الواقعة شرق دجلة في منتصف الألفية الثانية، وتدريجيا شكل هؤلاء ~~المهاجرون الهنود-الأوروبيون ممالك صغيرة يحكمها شيوخ قبائل، وحلت الزراعة ~~المستقرة والرعي محل حياة الترحل. مر نحو ألف سنة قبل أن يدفع الضغط، الذي ~~مارسه الجيران الأكثر اتحادا، إلى المركزية المتنامية بين الجماعات المنفردة. وتنقل ~~لنا رواية هيرودوت عن خلافة داريوس الأول - على الرغم من غلبة الخيال على جوانب عدة ~~فيها - طبيعة الحكم الفارسي المبكر بوصفه تنافسا بين زعماء سبع عشائر ms164 كبرى على ~~العرش الأخميني (الكتاب الثالث، 82-86). ومن سمات تاريخ الإمبراطورية المتأخر ~~استمرار تنافس أعيان الفرس مع الملك، زد على ذلك أن الأسرة الأخمينية ذاتها تكاثرت ~~حتى شكلت فروعا كثيرة. وتدل الرواية التي تتحدث عن إقدام أرتحششتا الثالث على ~~قتل أكثر من مائة منافس من السلالة الأخمينية لكي يحمي نفسه، على مدى خطورة هذا ~~التكاثر. # كذلك كان المقدونيون حديثي عهد بالمنطقة التي ستصير قلب المملكة؛ فبعد أن ارتحلت ~~الشعوب المكدونية القديمة شرق جبال بيندوس، استقرت في شريط اليابسة الذي يعانق الخليج ~~الثيرمي قرب نهاية القرن الثامن، وكانت بقيادة شيخ عشيرة تسمى العشيرة الأرغية. ~~وكما هو الحال مع الفرس، تعايش الوافدون الجدد مع الشعوب الموجودة من قبلهم، وأوجدوا ~~نمط حياة يقوم على الزراعة. وسبق أن نوهنا أن ظروف حكم مماثلة على أيدي شيوخ ~~العشائر كانت تسود بين الشعوب الأخرى في مقدونيا العليا وفيما وراءها من مناطق. وحتى ~~زمن فيليب الثاني والإسكندر، كانت لسلطة هؤلاء الحكام، الذين كانوا ذات يوم مستقلين، ~~هيبتها وعن جدارة. وتشبه السلالة الأرغية الحاكمة السلالة الفارسية في تكاثر فروعها؛ ~~إذ كان لفيليب منافسون لا يقتصرون على إخوته الثلاثة غير الأشقاء، بل يضاف إليهم أيضا ~~أمينتاس ابن أخيه الملك بيرديكاس الثالث، الذي أدى موته أثناء قتاله ضد الإليريين إلى ~~شغور العرش، فضلا عن اثنين من المدعين. هزم هذان المدعيان واختفيا من ~~السجلات، ولجأ الإخوة غير الأشقاء إلى خارج مقدونيا، لكن أمينتاس ترك على قيد الحياة ~~وعاش حتى زمن الإسكندر، لكن هذا الملك رأى أن موت أمينتاس قد يطيل بقاءه. # على الرغم من التهديد المحتمل النابع من العائلات الأرستقراطية وفروع السلالة ~~الملكية الأخرى، اضطرت السيطرة على المملكتين المتسعتين الحكام الأخمينيين والأرغيين ~~إلى الاعتماد على مساعدة أبناء هذه الأسر المتنفذة والثرية كمسئولين معاونين في ~~المناصب المدنية والعسكرية على السواء. ونرى أمارة على أهمية هذا الدعم في القسم ~~(يسمى بالفارسية القديمة «بندكه») المتبادل بين شيخ العشيرة والملك، والذي يهدف إلى ~~توطيد الثقة بين الطرفين والحفاظ عليها. كانت هناك آصرة مماثلة بين المقدونيين؛ ms165 لأن ~~الملك الأرغي اضطر هو الآخر إلى الاعتماد على كبراء العائلات الأخرى المهمة ليتخذ ~~منهم مسئوليه. كانت الرفقة سمة تلك العلاقة؛ إذ كان رجال الملك أصحابه (يسمون ~~«هيتايروي»). وربما كانت للمهرجان الذي يسمى «هيتايريديا» ويقام على شرف زيوس جذور ~~قديمة جدا. ويبدو أن رفاق السلاح اقتصروا في القرن الخامس على العائلات التي يسمح لها ~~ثراؤها بالمساهمة بفرسان نخبويين في الجيوش الجماعية؛ وبمجيء عهد فيليب كان الصحابة ~~المشاة مهمين للجيش ولتعزيز السلطة الملكية على حد سواء. واتخذ الملوك الفرس ~~والمقدونيون أيضا معاونين مؤتمنين، ليسوا بفرس أو مقدونيين بالميلاد، في ممارسة لن ~~توفر مزيدا من المسئولين فحسب، بل ستقلص أيضا الاعتماد الكامل على الأسر النبيلة ~~المحلية. # طور الأرغيون والأخمينيون على السواء سبلا للحد من سلطة الطبقة الأرستقراطية، ~~ومن ذلك توظيف أجانب في المناصب المهمة، وتعليم الشباب النبلاء في بلاط الملك، وإلزامية ~~حضور المناسبات التي تقام في المراكز الملكية، وجواز المحاسبة على خيانة العهد أو آصرة ~~الرفقة المتأصلة، وكلها قلصت قوة من هم دون الملك. لكن حتى مع تقليص هذه القوة ~~كان احتمال إلحاق ضرر خطير بالسلالة الملكية ماثلا على الدوام، سواء أكان ثورة ~~مرزبانية ضد السلطة المركزية أم التهديدات التي تحيق بحياة الملك ذاته. وعلى نحو يشبه ~~علاقة شخصية صعبة، لم يكن بوسع الملك التعايش في وئام مع من يدانونه في المنزلة، ولا ~~كان يستطيع الاستغناء عنهم في الوقت عينه. # من النتائج التي ترتبت على ذلك المأسسة المتنامية للسلطة المركزية؛ ففي حالة بلاد ~~فارس، كان التجميع المتزايد للسلطات مضافا إليه الاتصال بالدول الأكثر تنظيما في ~~الشرق الأدنى القديم، قد تمخض عن درجة من المركزية بحلول منتصف القرن السادس. ~~تطلبت سرعة اتساع السيطرة الفارسية في البداية إلغاء التبعية للميديين؛ وما ~~يروى من أن أم قورش كانت ابنة الملك الميدي ربما يفسر دور قورش نفسه في نيل استقلال ~~الفرس. ومن ناحية أخرى، فإن نجاحه في ساحة القتال عزز على الأرجح مطالبة من جاء ~~بعده من أبناء الأسرة الأخمينية بحكم البلاد، وهو ما يتفق معه ms166 تعريف التنظيم الفارسي ~~المبكر بأنه «ملك حربي». وقعت على عاتق داريوس الأول مسئولية توسيع هيكل الحكم ~~الموروث من قورش وقمبيز كما أسلفنا في هذا الفصل. وكانت آليات الحكم المتطورة، التي ~~ورثت من الممالك التي كانت ذات يوم مستقلة في بلاد ما بين النهرين والأناضول ومصر، ~~نماذج مفيدة لإدارة الإمبراطورية التي صارت آنذاك مترامية الأطراف. من الرموز الأخرى ~~الدالة على طبيعة الحكم الفارسي المؤسسية المتزايدة اتخاذ خليفة أحشويرش لقب ~~أرتحششتا عند توليه العرش، واستحداثه نقش صور الملك على العملة النقدية التي ~~تضربها المملكة، وستستمر كلتا الممارستين حتى نهاية الأسرة الأخمينية. # كانت مظاهر سلطة السلالة الملكية عظيمة الأبهة تكمن في شعاراتها المادية، كالقصور ~~والمدافن والطرق والتماثيل والنقوش، وكانت هذه المظاهر تصاحب الملوك حتى أثناء الحملات؛ ~~إذ يعدد هيرودوت الكنوز التي غنمت من معسكر الفرس بعد هزيمتهم في بلاتايا فيقول: ~~«خيام مليئة بالأثاثات المصنوعة من الذهب والفضة، وأرائك مطعمة بالمعدنين النفيسين ~~ذاتهما، وصحاف وكئوس وأكواب كلها من الذهب، وعربات محملة بأجولة مليئة بقصاع من الذهب ~~والفضة ... فضلا عن الملابس الباذخة الموشاة التي تضاءلت قيمتها بجانب تلك الوفرة ~~من النفائس العظيمة» (الكتاب التاسع، 80). كانت أعداد العاملين في المراكز الملكية ~~أيضا من الرموز المذهلة؛ إذ يبلغ مجموع قائمة خدم المطبخ والمآدب في موكب داريوس ~~الثالث 795 خادما (أثينايوس، الكتاب الحادي عشر، 781إف-782). وقد عثر على هذا الإحصاء ~~في دمشق التي ترك فيها الملك هؤلاء الخدم، ومعهم النساء والأطفال المسافرون مع الجيش، ~~وعجل بالعودة إلى مركز مملكته بعد هزيمة الفرس في إيسوس. # يجسد وصف الحاشية والجهاز المصاحبين لملوك فارس تغيرا آخر عما كانت عليه ~~الحال عند نشأة المملكة في القرن السادس؛ فمع اتساع الهيكل الإداري تراجعت اللياقة ~~الشخصية والنجاح في القيادة العسكرية. كان قورش قد أنشأ مملكة مترامية الأطراف بفضل ~~قيادته الشخصية، وجرد داريوس الأول الحملات بنفسه وإن فوض أيضا السلطة العسكرية ~~إلى الآخرين في ممارسة ستزداد شيوعا بمرور الوقت، ويعزو هيرودوت إلى أحشويرش ~~القرارات التي اتخذت أثناء الهجوم الفارسي على البر الرئيس اليوناني، وأما في ms167 معركة ~~ترموبيلي فكان الشاه يصدر أوامره إلى فرقه العسكرية دون مشاركته هو شخصيا في القتال، ~~وكان يراقب المعركة البحرية التي دارت قبالة سلاميس من موقع على الناحية الأخرى من ~~المضيق قبالة الجزيرة؛ ومن بعد ذلك لم يل ملك فارسي القيادة في الميدان حتى ~~عهد داريوس الثاني. ومع أن داريوس الثالث قاد المعركتين اللتين دارتا ضد المقدونيين في ~~إيسوس وجاوجاميلا بنفسه، فكان قد فوض السلطة إلى المرازبة في المواجهة الأولى مع ~~الإسكندر. # لم يحدث تطور جذري مماثل في مقدونيا، لكن الملك كان يكتسب طابعا جديدا مقارنة ~~بأصله ك «ملك حربي». والحقيقة أن جمعية الجيش كانت كما نوهنا تنادي بالملك ملكا، ~~وأما أجهزة الحكم الأخرى فكانت كأقل ما يكون. ويبدو أنه كان هناك مجلس مستشارين يدعوه ~~الملك تبعا لرغبته أو حاجته. أثار الاتصال بالشعوب المجاورة تطورات سياسية داخلية؛ إذ ~~من الممكن تماما كما أشرنا في الفصل الثاني أن يكون نجاح المشاة الثقيلة الإغريقية في ~~مواجهة الفرس في العقود الأولى من القرن الخامس، قد دفع الإسكندر الأول إلى توسيع ~~قوات المشاة المقدونية، وهي خطوة عززت قوته في مواجهة قوة الأسر النبيلة ~~الأخرى، ووسعت أيضا حجم الدولة المقدونية، مما تمخض من ثم عن الحاجة إلى ~~وسائل للسيطرة على الأرض الجديدة. وأوضح التعامل مع دول تتلهف على الخشب المقدوني ~~قيمة إبرام المعاهدات النافعة. أقيمت الحصون على الحدود لمنع الأغراب الطامعين في ~~الاستيلاء على الموارد لا شرائها، وشقت الطرق لربط الأطراف بالقلب، وركزت ~~الوظائف في العاصمة، وخصوصا على يد أرخيلاوس في أواخر القرن الخامس. ومع أن العقود ~~الأربعة الأولى من القرن الرابع قوضت تطورات القرن الخامس، استعاد فيليب التدابير ~~السابقة وأضاف إليها المزيد من عنده. كانت بيلا مقر إقامة ملكيا فوق تل مشرف ~~على دواوين الحكم المحيطة بساحة عامة كبيرة، مع وجود أماكن مخصصة للأرشيف والرقابة ~~على سك العملة وتصميم الأسلحة، وميادين لتدريب غلمان الملك، ومساكن خاصة يتضح من ~~أطلالها أنها ليست بيوت عمال الطبقة الدنيا ومعابد. وقد اتخذ فيليب، سيرا على خطى ~~أسلافه، صورته على ms168 العملات المعدنية المقدونية ولسان حاله يقول: «أنا الدولة!» توجد ~~نقطة اختلاف مهمة بين الملكين، وهي أنه على الرغم من تنظيم الإدارة المتزايد، واصل ~~الملوك المقدونيون قيادة قواتهم في المعارك بأنفسهم. # عززت استمرارية السلالة الملكية بالتحالفات الزوجية. كانت زيجات الملك وأبنائه ~~غالبا من داخل الأسرة المالكة حتى حكم داريوس الثاني؛ إذ اتخذ داريوس الأول ست زوجات، ~~اثنتان منهما من بنات قورش، وواحدة ابنة بارديا بن قورش، واتخذ داريوس الأول أيضا ~~زوجتين من عائلتين أرستقراطيتين كبيرتين هما ابنتا غوبارو وأوتانيس، وهذه الأخيرة كانت ~~من قبل زوجة لكل من قمبيز وبارديا. # وتشير الشواهد إلى اتخاذ أمينتاس الثالث أبي فيليب زوجتين، إحداهما يوريديكا أم فيليب ~~وهي من أصل إليري ولنكستي، والأخرى جايجيا وهي من بنات السلالة الأرغية. يكشف هذان ~~الاختياران عن دافعي الحفاظ على السلالة المالكة وكذلك إقامة تحالفات مع ممالك أخرى ~~كانت مستقلة؛ ومن ثم منبع خطر محتمل. وتبرهن زيجات فيليب الثاني السبع على الدوافع ~~ذاتها، وإن كان اتساع المملكة تمخض عن ست زيجات بنساء غير أرغيات وزيجة واحدة فقط ~~بأرغية، والمثير للاهتمام أنها كانت زيجته الأخيرة. كانت زوجاته الأخريات من تيساليا ~~(اثنتان من بنات عائلتين مهمتين) وإليريا وإيليميا وإبيروس وتراقيا. لم يتخذ الإسكندر ~~الثالث سوى ثلاث زوجات، وهن رخسانة ابنة أحد أعيان باخترا، واثنتين من بنات داريوس ~~الثالث. # بينما عززت روابط الزواج السيطرة على السلطة في سلالة واحدة؛ مما مكن من إقامة ~~أواصر أوسع مع العائلات المهمة الأخرى داخل حدود المملكة وخارجها على السواء؛ أضفى دور ~~الملك الديني جلالا وهيبة على علاقاته مع العناصر غير الأرستقراطية الأكثر عددا في ~~الإمبراطورية؛ فأعلن داريوس الأول اعترافه الصريح بفضل أهورا مزدا عليه في النقش ~~البيستوني المسجل على وجه أحد الجبال على الطريق المؤدي من بابل إلى إكباتان، ويقف ~~فيه داريوس أمام أسرى في الأغلال، ويقف وراءه شخصان يمسك أحدهما بقوس والآخر برمح، ومن ~~فوق الأسرى شخص متصل بقرص الشمس المجنح يمسك في يده اليسرى بطوق. نرى في الصورة داريوس ~~يمد يمناه نحو الشخص والطوق؛ أي ms169 إن النقش يؤكد أن داريوس ملك نال الملك بفضل ~~أهورا مزدا - قوة الحقيقة في الديانة الزرادشتية - الذي يحمي الملك الفارسي ~~ويمكنه، فيحكم بدوره مملكته ويضمن أن تسود فيها الحقيقة. كانت المهرجانات ~~الإمبراطورية وإقامة المعابد امتيازات ملكية تمتد لتشمل الإذن بإقامة معابد للديانات ~~الأخرى غير الزرادشتية وتمويلها. # على الرغم من اختلاف الآلهة والمهرجانات والأبنية الدينية في أنواعها، فإنها تتماثل ~~في تحديد دور الملوك المقدونيين. كان زيوس وهرقل أهم شخصيتين عند الملوك الأرغيين؛ فكان ~~هرقل الجد الأعلى للعشيرة، وكان زيوس أبا هرقل وأبا مكدون، ومكدون هو أبو المقدونيين ~~ومن اسمه اشتق اسمهم. وتنم عن دور هذا النسب بلدتا ديون وهرقليون المقدونيتان ~~الكائنتان على الطريق الرئيس جنوبا عبر تيساليا، واستخدام صورة لكلتا الشخصيتين على ~~قطع النقد. كانت مراكز تعبد زيوس توجد في ديون والعاصمة الأصلية آيجي، التي أسس ~~فيها أرخيلاوس مهرجانا تكريما ل «الإله الأعظم»، أما هرقل فكان يعبد في آيجي وبيلا. ~~كان الملوك يباشرون مسئوليات خاصة في هذه المهرجانات وغيرها. وتكشف الفسيفسائيات ~~الموجودة في بيلا عن أهمية ديونيسيوس، وهذا متوقع لما كان للخمر من أهمية في الندوات ~~المقدونية. لا يوجد نقش كالموجود في جبل بيستون ينص على أن زيوس وهب الأرغيين ~~الملك، ومع ذلك فهذا الجانب من جوانب الملك المقدوني باد بوضوح من دون نقش ~~هكذا. # تؤكد الشواهد المادية أيضا سلطة الأخمينيين والأرغيين وثروتهما. كانت العاصمتان ~~الفارسيتان شوشان وتخت جمشيد مبهرتين في أبعادهما وما بذل فيهما من عمل؛ إذ أقيمت ~~مدينة شوشان على أساس منحدر من الطوب اللبن ارتفاعه بين 33 و40 قدما (10 و12 مترا)، ~~وكان المار عبر بوابة داريوس إلى القصر يسير عبر الإيوان الأوسط من ثلاثة أواوين ~~لمسافة تزيد على 68 قدما (21 مترا)، ولو نظر إلى أعلى فسيمتد بصره 40 أو 43 قدما ~~(12 أو 13 مترا). وكانت المصطبة التي قامت عليها القصور تغطي نحو 30 آكر (12 هكتارا ~~أو 120 ألف متر مربع)، بل كانت المصطبة التي في تخت جمشيد أكبر، مناهزة 31 آكر (125 ~~ألف متر ms170 مربع). لم تكن بيلا بأبعاد مماثلة، لكنها كانت تثير الإعجاب فورا مقارنة ~~بالمراكز الأخرى في مقدونيا واليونان؛ كانت الساحة العامة تغطي 17 آكر (7 هكتارات أو 70 ~~ألف متر مربع) والقصر 15 آكر (6 هكتارات أو 60 ألف متر مربع). وكبرت الأبنية ~~المحيطة بالساحة العامة رقعة المدينة، ولا شك أن المنطقة الممتدة على مسافة 2300 قدم ~~(700 متر) الفاصلة بين القصر وقلب المدينة كانت أكثر من مجرد أرض غير مأهولة. ويكشف ~~مخطط بيلا الهيبودامي عملية إنشائية مدروسة كالتي اتبعها الحكام ~~الأخمينيون. # كانت هذه العواصم مراكز إدارة يشرف عليها الملوك ويفد إليها المبعوثون الأجانب ~~والضيوف واللاجئون من أماكن أخرى للتعامل مع الملك، فخططت الطرق وأنشئت وفقا ~~للتوجيهات الملكية، وكانت الخزائن المقامة لحفظ الثروة الملكية تدار بمعرفة مسئولين ~~ملكيين، وأقيمت مواقع طقوسية بأمر الملك أو بإذنه، وكرس كثير منها لفعاليات لعب ~~فيها الملوك الأدوار الرئيسة. خلاصة القول أنه بالرغم من أن ملوك الفرس ومقدون كانوا ~~على دراية بالتهديدات المستمرة التي تحيق بسلطتهم، كانوا يتمتعون بمنزلة ميزتهم عن ~~رعاياهم حتى ذوي المنزلة الأرستقراطية منهم. ~~(4) معرفة الدولتين إحداهما الأخرى # يجمع بين مملكتي الأخمينيين والأرغيين عدد من أوجه الشبه، وإن كانت على نطاقات ~~مختلفة. ويبقى أن نتساءل عن معرفة إحداهما الأخرى معرفة فعلية قبل الحملات التي ~~جردها الإسكندر الثالث. # في القرن السادس وأوائل الخامس، كان الاتصال الذي ابتدره الفرس مباشرا، كان مباشرا ~~أكثر مما ينبغي من منظور طريقة التفكير المقدونية؛ إذ أتى توسع الفرس بجيشهم إلى ~~شمال بحر إيجة، وغربا إلى حدود دولة مقدونيا الصغيرة؛ ورغم أن داريوس الأول لم يفرض ~~سيطرته عليها، فربما أقام معها علاقة تابع وسيد. وعندما جدد أحشويرش حملة أبيه ضد ~~اليونان، كانت مقدون نقطة انطلاقه، وانضم ملكها الإسكندر الأول إلى ركب القوة ~~الفارسية. أزال النجاح المبهر الذي حققه جنود المشاة الثقيلة والجدافون الإغريقيون ~~الصلة المباشرة بين فارس ومقدون فعليا حتى حكم فيليب الثاني، الذي مدد توسعه ~~حدود مملكته شرقا عبر تراقيا حتى صارت المملكتان جارتين يفصل بينهما بحر بروبونتيس ~~والبحر ms171 الأسود. والحقيقة أنه يوجد ما يسوغ اعتقادنا أن فيليب كان يعمل على تأسيس موطئ ~~قدم له في شمال غرب آسيا الصغرى سنة 340 من خلال ارتباطه بهيرمياس، الذي تمكن من ~~الاستقلال بمملكته الصغيرة أتارنيوس عن الفرس. بلغت المعرفة المباشرة بالشئون الفارسية ~~الأرغيين المتأخرين من خلال المسئولين الفرس الذين أيقنوا أن حياتهم ستكون أكثر أمنا ~~في مقدونيا. # حالة أرتبازوس مفيدة بوجه خاص لاستقصائنا عالم الإسكندر. أول من عرف باسم أرتبازوس ~~قائد من قواد حملة أحشويرش ضد الإغريق في 480-479، وولي هذا المنصب القيادي الرفيع ~~بفضل نسبه في المقام الأول، فمن الجائز تماما أنه كان ابن أحد إخوة أخي داريوس. مكث ~~الرجل في اليونان بعض الوقت بعد عودة أحشويرش إلى فارس في أعقاب هزيمته في سلاميس، ولدى ~~عودته كوفئ بمرزبة داسكيليون (آشور الأخمينية)، التي يصفها هيرودوت بأنها «المرموقة ~~أكثر من كل ما سواها من المرزبات وبفاصل كبير»؛ إذ كان مرزبانها «يتقاضى إردبا ~~(حوالي خمسة بوشل) من الفضة كل يوم» (الكتاب الأول، 192)، وظلت المرزبة حكرا على ذريته ~~90 سنة. ثم حمل ابن حفيد أرتبازوس الاسم ذاته، لكنه على النقيض من جده الأكبر تورط ~~في كفاحات المرازبة الغربيين ضد الملك في ستينيات القرن الرابع، ولما وجد نفسه في وضع ~~محفوف بالمخاطر، قرر الرحيل. شجعه زواجه بامرأة إغريقية، إخوتها قادة مرتزقة ~~متنفذون، على اختيار منفى في الغرب، فرحل مع أسرته (بما فيها أحد أصهاره) إلى منفاهم ~~في مقدونيا حيث نزلوا فيها ضيوفا-أصدقاء على الملك فيليب. دامت إقامتهم هناك حوالي عقد ~~من الزمان حتى أقنع إغريقي من أصهاره - وكان قد قدم خدمات جليلة لبلاد فارس - ~~الملك أرتحششتا الثاني باستدعاء أرتبازوس وأسرته. لكن أتيحت لفيليب أثناء تلك ~~السنوات العشر فرصة معرفة الشيء الكثير عن الوضع في بلاد فارس، ولأهل أرتبازوس فرصة ~~التعرف جيدا على الحياة والناس في بيلا. ومن شبه المؤكد أن إحدى بنات أرتبازوس، وهي ~~بارسين، عرفت الإسكندر في تلك السنوات وكانت تدانيه سنا. وبعد عودة الأسرة إلى فارس، ~~وقع العديد من أفرادها في أسر المقدونيين ms172 سنة 332 أو 331، لكن الأسرى لم يعدموا، ~~والواقع أن علاقة جديدة بدأت بين بارسين والإسكندر، وأثمرت ابنا يسمى هرقل ولد ~~حوالي سنة 327. # ربما عرف مزيد من المعلومات من خلال مسئول فارسي آخر وهو أمينابيس الفرثي، الذي ~~سافر إلى بيلا عندما نفاه أرتحششتا الثالث. وقد عاد هو الآخر ولحق برئيسه مزاكيس، ~~مرزبان مصر، في استسلامه للإسكندر الثالث سنة 332. # بالإضافة إلى الاتصالات المباشرة، اكتسب الكثير من خلال الإغريق الذين استمرت ~~اتصالاتهم ببلاد فارس منذ نهاية الحروب الفارسية في 480-479. لجأ أرستقراطيون فرس إلى ~~الدول الإغريقية وإلى مقدونيا، وهاجر إغريق بارزون إلى بلاد فارس؛ فقد عمل كتسياس، ~~الذي ينتمي إلى جزيرة كنيدوس، طبيبا لأرتحششتا الثاني، واشتغل أيضا بوضع مصنفه ~~«برسيكا» في 23 كتابا، ومع أنه لم يصل إلى أيدينا منه إلا شذرات، فمن الممكن أنه كان ~~معروفا لمعاصريه، مقدونيين وإغريق على السواء. وكان زينوفون الأثيني من بين المرتزقة ~~الإغريق الذين خدموا قورش الأصغر، الذي سعى لانتزاع العرش من أخيه أرتحششتا الثاني، ~~وكتب عن الحملة في مؤلفيه «الأنباسة» و«هيلينيكا»، ذاكرا تفاصيل بخصوص المنطقة ~~الغربية من الإمبراطورية الفارسية. وجاءت روايات أبكر عن التفاعل الإغريقي والفارسي في ~~«تاريخ هيرودوت»، وفي «تاريخ الحرب البيلوبونيزية» لثوكيديدس. وكان القائدان الأثينيان ~~الشهيران ثيميستوكليس وألكيبيادس يدينان بالفضل للفرس؛ إذ ختم ثيميستوكليس، أحد أبطال ~~الهزيمة التي ألحقها الإغريق بحملة أحشويرش، حياته كمسئول فارسي في آسيا الصغرى؛ وأما ~~ألكيبيادس، في خضم تذبذبه بين الرضا والغضب في أثينا، فختم حياته في آسيا الصغرى التي ~~لجأ فيها إلى جوار مسئول فارسي كبير. # بمجيء عهد فيليب كانت تلك التفاعلات عدائية؛ إذ سمح القتال الدائم بين الدول-المدن ~~الكبرى لفارس بإعادة تأكيد سلطتها في حوض بحر إيجة. وفي 387-386 فرض أرتحششتا الثاني ~~على الدول الإغريقية اتفاقية تعرف باسم «سلام الملك»، الذي أسلفنا الحديث عنه في هذا ~~الفصل باعتباره المطالبة الفارسية بالسيطرة على كل من الأراضي والشئون الإغريقية؛ وقد ~~أعيد التأكيد على تلك الشروط بعد 15 سنة. ولا نستغرب أن هذه الشروط أثارت احتجاجات ~~ونداءات مطالبة بالتغيير من داخل ms173 اليونان؛ إذ جادل إيسقراط الأثيني في خطبته المدحية ~~بأنه لا سبيل إلى سلام دائم بين الإغريق ريثما يتفقوا على شن حرب ضد برابرة آسيا، ~~وكان يدرك فوق ذلك أن العمل المشترك يعتمد على فرد قوي لا دولة-مدينة إغريقية، ومن ~~ثم شجع فيليب في الخطبة التي وجهها إليه حوالي سنة 345 على الاضطلاع بكلا ~~المجهودين، وأعني توحيد اليونان وقيادة جيش لغزو بلاد فارس البربرية. ~~••• # استهل هذا الفصل بالسؤال عما جعل الإسكندر ينظر شرقا لا غربا مثلما فعل أقاربه ~~الإبيروسيون. أحد الأجوبة أن بلاد فارس كانت مألوفة من خلال المعرفة المباشرة وغير ~~المباشرة بتنظيمها، ومن خلال المناطق الغربية من الإمبراطورية، ومن خلال بعض المسئولين ~~المهمين الذين صرحوا يقينا بأسباب لجوئهم إلى بيلا وقدموا يقينا معلومات أخرى، ~~وكان من شأن هذه المعلومات أن تكشف عن وجود «مجال حيوي» وثروة في الشرق. وجواب آخر أن ~~المملكتين كانتا متماثلتين - لم تكونا متطابقتين بالطبع - في نشأتهما وطبيعة حكمهما ~~السياسي ومشكلاتهما. كان إغريق البر الرئيس وآسيا الصغرى يريدون التخلص من التهديد ~~الفارسي، لكنهم بحلول منتصف القرن الرابع لم يكونوا قادرين على تحقيق تلك الغاية ~~لأنفسهم؛ وهكذا كانت في المصادر الإغريقية ذريعة مقبولة في متناول أي حاكم مقدوني، ~~وقبل أن يمضي زمن طويل كان فيليب قد أنجز المهمة الأولى التي حضه عليها إيسقراط وبات ~~بمقدوره أن ينبري للثانية. # الملوك الأخمينيون. # قورش # 559-530 # قمبيز # 530-522 # داريوس الأول # 522-486 # أحشويرش الأول # 486-465 # أرتحششتا الأول # 465-424 # أحشويرش الثاني # 424 # سغديانوس # 424-423 # داريوس الثاني # 423-405 # أرتحششتا الثاني # 405-359 # أرتحششتا الثالث # 359-338 # أرتحششتا الرابع # 338-336 # داريوس الثالث # 336-330 # الإسكندر الثالث # 330-323 # الفصل السابع # | إعادة بناء شخص الإسكندر # قدمنا في الفصل الأول من محاولتنا التعرف أكثر على الإسكندر الثالث المقدوني صورة ~~أولية لمسيرته، برزت لنا من التمحيص المتأني للمصادر الإشكالية والتوفيق فيما بينها. ~~تفادت هذه الصورة الأولية كثيرا من التفاصيل غير اليقينية والمسائل الجدلية، كتاريخ ~~تدمير تخت جمشيد ودافع الإسكندر إلى حرقها. بل الأكثر جدلية شخصية ذلك الشخص الذي ~~أثر على حياة الملايين من ms174 البشر في معظم أرجاء العالم المعروف آنذاك، وفي النهاية امتد ~~تأثيره إلى ما وارء حدود ذلك العالم بكثير. نقلنا في المقدمة رد ويل كابي - وهو رد مدهش ~~لكن منطقي - على الجهود المبذولة لمعرفة دافع الإسكندر؛ إذ لم يعجز كابي عن تقديم تفسير ~~فحسب، بل اقترح أيضا أن الإسكندر نفسه كان سيجد صعوبة في تقديم مثل هذا التفسير. ~~توصلت كلود موسي، المؤرخة البارزة المتخصصة في العالم القديم، إلى استنتاج مماثل ~~في سيرة الإسكندر التي وضعتها حديثا بملاحظتها أنه «سيظل دائما غريبا عنا» (الصفحة ~~211)، ونبهت تحديدا إلى ضرورة الكف عن التكهن بالبعد السيكولوجي في ~~الإسكندر. # مثلما نوهنا في مستهل محاولتنا هذه لدراسة الإسكندر، فإن طبيعة الشواهد التي وصلت ~~إلينا تتحمل جزءا كبيرا من المسئولية في ذلك؛ فكم يؤسفنا مثلا أن ضاعت الكتب ~~الأربعة التي تحوي خطابات أرسطو إلى الإسكندر، أو الكتاب الذي يحوي خطابات هذا الفيلسوف إلى ~~هفايستيون. ولو كان لنا أن نثق في رواية آريانوس في هذا الشأن، فالإسكندر كتب أيضا خطابات ~~إلى أمه أثناء وجود المقدونيين في الهند (الكتاب السادس، 1، 3)، وردا على عرض داريوس في ~~أعقاب هزيمة الفرس في إيسوس (الكتاب الثاني، 14، 4 إف إف). فلا شيء يضاهي الأفكار الشخصية ~~الثاقبة التي كانت ستجود بها تلك الخطابات. وحتى أفضل المصادر التي كتب لها البقاء ~~تظهر المشكلات التي واجهها مؤلفوها؛ إذ يتحدث آريانوس عن وجود العديد من الروايات ~~الكاذبة واحتمال تخليد هذه الروايات، ويذكر أن هدفه من وراء التاريخ الذي وضعه هو التصدي ~~لها (الكتاب السادس، 11، 2). يعترف آريانوس في محاولته تقديم رواية صادقة بوجود تفاصيل ~~معينة لا تشغل باله (الكتاب الخامس، 20، 2)، ويقر بأنه لا يستطيع المساهمة في التوصل ~~إلى فهم لما كان يدور ببال الإسكندر، ولا يليق به أن يستنبط ذلك (الكتاب السابع، 1، ~~4). # توجد أبواب أخرى مفضية إلى طبيعة هذا البطل، تناولنا خمسة منها إيمانا منا بإمكانية ~~معرفة الكثير عن الإسكندر الثالث، من خلال تفاعل هذا الشخص الآسر والغامض في آن واحد مع ~~عالمه؛ فلا شك أن الإسكندر شكل مسار التاريخ ms175 بأفعاله. وفي الوقت نفسه شكلته طبيعة ~~العالم الذي ولد فيه لكي يمضي في مشوار حياته العاصف. كان لزاما عليه أن يتعلم التكيف ~~مع عالمه، موظفا الاستراتيجيات التي غلب على ظنه نجاحها. إن الأبواب التي تقدم أتم ~~الخيوط لفهم الفرد هي مملكته وشعبه، ومنزلته كأحد أبناء السلالة الأرغية ونسبه من جهة ~~أبويه، ومواطن ضعف مقدونيا في مواجهة جيرانها التي تطلبت دائما جيشا لا يلين، ~~والعلاقة بين مقدون واليونان، وطبيعة الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع. ~~(1) شبابه # كانت سنة 356 التي ولد فيها الإسكندر، طيبة نسبيا مقارنة بالعقود الأربعة السابقة ~~من التاريخ المقدوني، والمدهش أن الإليريين المروعين لم يكرروا غزوتهم التي شنوها ~~في 360 / 359 وأودت بحياة الملك المقدوني ومعه غالبا ثلثا جنوده. ولعل توقع وقوع هجوم ~~آخر قوى في الواقع الأواصر الضعيفة التي كانت تربط قلب المملكة، المطل على الخليج ~~الثيرمي ببحر إيجة، والممالك الداخلية العديدة بتاريخها الحافل بالتذبذب بين الانضمام ~~إلى مملكة موحدة والاستقلال بذاتها. بل كانت أيضا هذه الأراضي الغربية أقرب إلى أرض ~~الإليريين، وكان بوسع أهلها استشعار شدة أي غزوة يشنها الإليريون ضد مقدونيا قبل ~~وصول الغزاة إلى هدفهم. تبرهن على حدوث تلاحم أوثق بين مقدونيا الدنيا والعليا أصول ~~الرجال الذين كانوا من أخلص رجالات فيليب، ومن بعده الإسكندر؛ فبارمنيون، الذي ربطته ~~روابط وثيقة بمقدونيا العليا، قاد الجيش المقدوني بنجاح في مواجهة الإليريين سنة 356، ~~وظل قائد فيليب الفعلي المخلص طوال حكمه، وتمتع بمنزلة مماثلة في ظل حكم الإسكندر ~~لمدة ست سنوات. ويتضح ولاء أوريستيس من خلال المناصب الرفيعة التي قلدها كراتيروس ~~وبيرديكاس، وولاء إيليميا من خلال القائد كوينوس، وكان ليوناتوس صديق الإسكندر من ~~أبناء الأسرة المالكة في لنكستيس. من ناحية أخرى، لم يكن هذا التلاحم قد أعيد توطيده ~~إلا حديثا؛ فلنكستيس مثلا كان لها تاريخ حافل بالعداء تجاه السيطرة المقدونية، وكان ~~لعميد الأسرة اللنكستية المالكة أثناء حكم فيليب ثلاثة أبناء بالغون. وكان من الخطأ أن ~~يعتقد المرء أن محاولات استعادة الاستقلال لن تحدث أبدا. # كان الحاكم الأرغي الجديد فيليب ms176 الثاني قد أبرم معاهدة مع الملك الإليري في أعقاب ~~الانتصار الإليري، وتمخضت حملة ناجحة ضد الإليريين سنة 358 عن زواج دبلوماسي بين فيليب ~~وابنة الملك الإليري. وفي السنة التالية وسع تحالف اقترن أيضا بالزواج، هذه ~~المرة بابنة ملك إبيروس، مجال النفوذ المقدوني غربا. كانت المفاوضات مع الجيران في ~~الشمال والجنوب والشرق أيضا في ازدياد في السنوات الأولى من حكم فيليب؛ إذ خففت ~~الدبلوماسية والهدايا وطأة البيونيين والتراقيين، واستحدث الزواج بابنة أسرة ~~تيسالية مهمة في لاريسا وجودا مقدونيا في شمال اليونان، ووافقت أثينا مصدر المتاعب في ~~جنوب اليونان على عقد معاهدة، وأما الدول الإغريقية في شمال بحر إيجة فبدأت تشعر بضغط ~~الجيش المقدوني. كان أي ابن يولد للملك المقدوني سيشهد توسيع السيطرة المقدونية ~~المتواصل؛ إذ تضاعفت مساحة المملكة مرتين مقارنة بما كانت عليه في نهاية القرن ~~الخامس. # وحتى عندما كان قلب المملكة أصغر من هذا بكثير، كانت المنطقة تجود بتشكيلة تحسد ~~عليها من الموارد الطبيعية، منها نهران كبيران وروافدهما بما فيها من ثروة سمكية وفيرة، ~~وتساقط كميات معقولة من الأمطار في الشتاء، وتراكمات جليدية توفر المياه في الصيف، ~~وسهول خصبة من ضمنها سهل ساحلي كبير ملائم للزراعة والرعي، وجبال تكسوها أحراج ~~تستوطنها تشكيلة واسعة من الحيوانات، وإمدادات وفيرة من المعادن. ولم يؤد التوسع ~~إلى حماية الشعب والموارد الموجودين بالفعل فحسب، بل أضاف إليهما أيضا. # كذلك فإن فعالية استخدام الموارد الطبيعية والبشرية كانت في ازدياد أثناء شباب ~~الإسكندر؛ إذ وسع فيليب الثاني المستوطنة المقامة في بيلا، التي وسعت في عهد ~~أرخيلاوس في السنوات الأخيرة من القرن الخامس، لتشمل ما يلزم من منشآت للسيطرة ~~المركزية على المملكة. ومع أن استمرار سكن بيلا والبناء من جديد على موقعها يحجب صورة ~~عاصمة المملكة أثناء حكم فيليب، فقد وصلتنا شواهد كافية تبين أنها لم تكن بلدة صغيرة ~~يسكنها شعب بدائي، بل كانت تضم مسكنا للملك وبيته الكبير، ومسكنا لغلمان الملك ~~والرسل الزائرين، وما يلزم من منشآت للاعتناء بكل هؤلاء. وعلى مسافة بعيدة نوعا ما ~~كانت هناك ms177 دواوين الإدارة الحكومية، كأمانة السر والسجلات، وإدارة الموارد، ووحدات ~~كالمعنية بتطوير المعدات العسكرية. كان مركز المملكة السابق في آيجي - التي ظلت ~~العاصمة المراسمية للمملكة - يضم مسرحا ومدافن ملكية كبيرة تضم رفات الأرغيين ~~السابقين رجالا ونساء، وقد برهنت أعمال التنقيب التي جرت في موقع هذه المدافن على ~~فخامة المشغولات التي كانت تستخدم يقينا في القصر وكرست للموتى. علاوة على ذلك، ~~يجري حاليا اكتشاف المزيد من المدافن وبسرعة لا تستطيع مواكبتها أعمال التنقيب. ~~كان يعاد غالبا تأسيس مستوطنات أخرى كمدن مقدونية عندما توضع تحت السيطرة ~~المقدونية، وأقيمت مستعمرات جديدة، وأنشئت حصون على الحدود المتزايدة الاتساع، ~~وأسفرت جهود الربط بين مختلف أرجاء المملكة عن شق الطرق. # وهكذا كان الابن الصغير لأي ملك على دراية بمملكة مركزية ومتنوعة ومتزايدة الاتساع ~~تدار انطلاقا من عاصمة يعيش فيها داخل القسم المخصص للسكنى من القصر. ولو لم يكن ~~هذا الشاب معاقا بدنيا أو عقليا، كان يتلقى تعليما يليق بوريث محتمل للملك. ~~وفي قلب هذا التعليم ستكون القدرة على الحكم حكما مباشرا في كل الأمور الضرورية ~~لإدارة شئون المملكة. # كان طابع مقدونيا المادي قوة مهمة في تكوين ملك يتعين عليه تجريد حملات طوال ~~السنة، متحملا درجات حرارة تصل إلى حد التجمد شتاء، وخصوصا في الجبال، وقيظ ~~الصيف الذي تتجاوز فيه درجة الحرارة 40°م (104°ف). ونظرا لإمكانية استخدام العدو ~~وديان الأنهار والممرات الجبلية كنقاط يغزو منها المملكة، كان من الحيوي أن يعرف هذه ~~الملامح الطبيعية جيدا. وكان الحفاظ على الأمن في المناطق الجبلية العليا من المملكة ~~يؤدي إلى مواجهات خطيرة مع حيوانات وحشية ورعايا ساخطين. تنضم الشواهد المادية من ~~رسوم وفسيفسائيات إلى المصادر المكتوبة لتبين أهمية البراعة في الصيد البري بين ~~الأرغيين؛ إذ ضلع في «مؤامرة» ضد الإسكندر سنة 330 واحد من غلمان الملك سبق أن ضرب ~~لتفوقه على الإسكندر في قتل خنزير بري أثناء رحلة صيد. كانت الدراية بالأنهار تتطلب ~~القدرة على عبورها عند اللزوم؛ فالملك المقدوني الناجح لا بد أن يكون لائقا بدنيا ~~عند الميلاد، ولا يتعرض ms178 للإعاقة في شبابه، ويصقل هذه اللياقة بالتدريب حتى يكون ~~ندا لأبطال هوميروس من حيث كونهم أشبه بالآلهة إذا ما قورنوا بعامة الرجال. # مع اكتساب مقدون أبعادا جديدة ومزيدا من التعقيد، تطلب الأمر مهارات جديدة لحكمها ~~بنجاح. كان يمكن تفويض مسائل الإدارة إلى آخرين يملكون المهارات المطلوبة، لكن الدواوين ~~كأمانة السر ووحدة تصميم المعدات وديوان سك العملة، كانت تقتضي تزويدها بمن يليق بها ~~من موظفين ومشرفين أكفاء. ومع التوسع الإقليمي جاءت الحاجة إلى تقسيم المسئولية ~~الأساسية عن القيادة العسكرية، فلم يكن بوسع الملك أن يوجد في تراقيا ووسط اليونان في ~~آن واحد، لكن البطء في الاستجابة للانتفاضات أو الاجتياحات كان من الممكن أن تكون له ~~تبعات كارثية. # وفوق ذلك فإن توسيع المملكة بنجاح تمخض عن الحاجة إلى معاملة الرعايا والحلفاء ~~بطريقة يفهمونها. كان معظم جيران مقدونيا من أصل هندي-أوروبي، لكن حتى هذا الإرث ~~المشترك بات آنذاك ينطوي على اختلافات حقيقية في اللغة وأساليب الحياة، وسيتمكن ~~الحاكم من خلال امتلاكه معرفة أعمق ببعض الاختلافات الثقافية على الأقل من اكتشاف ~~العلاقة السليمة. كان هناك من يتقنون لغتين، لكن ليس من المستبعد أن نتصور نمو لغة ~~مشتركة، استنادا إلى القواسم الهندية-الأوروبية المشتركة. فهل يعقل أن فيليب كان ~~يتحدث مع زوجاته الإيليمية والإليرية والإبيروسية والإغريقية والتراقية بواسطة ~~مترجمين؟ # شكل 7-1: ترميم جدارية الصيد في المدفن الثاني في فيرجينا. بإذن من السيدة ~~أوليمبيا أندرونيكو-كاكوليدو. # كانت اليونان الجار الملاصق الأكثر تقدما في الإنجازات الفكرية بحلول منتصف القرن ~~الرابع، وكان التعامل مع عالم الدول-المدن المتحاربة، فضلا عن إيجاد مكان في ذلك ~~العالم، يتطلب معرفة بالأعراف والتاريخ السابق والقيم، ولا غنى عن تحدث الإغريقية ~~وقراءتها لكل ما سبق. إن أي رجل في مكان فيليب كان سيثمن على الأرجح واقع ~~التعامل مع الإغريق بلغتهم وأساليبهم، وبالإضافة إلى إدراكه هذا على المستوى الشخصي، ~~كان سيدرك حكمة إعداد الوريث المحتمل ليكون لديه الفهم ذاته. # وجد في أرسطو - الذي عاش في بيلا في شبابه عندما كان أبوه يشتغل طبيبا للأرغيين - ~~معلم مؤهل على ms179 أعلى مستوى للإسكندر الشاب. والواضح أن أرسطو كان يستطيع التواصل مع ~~الإسكندر والشباب الآخرين الذين تتلمذوا على يديه لأكثر من سنتين، وربما كان هذا ~~التواصل باللسان المقدوني لكن اليقيني أنه كان أيضا باللسان الإغريقي. على الرغم من ~~ضياع متني المؤلفين اللذين يعتقد أن أرسطو وضعهما لأجل الإسكندر، فإن عنوانيهما ~~مكتوبان بالإغريقية، ويقينا كانت محتوياتهما كذلك، وهذان هما: «عن المستعمرات» و«عن ~~الملكية». لم تسجل الموضوعات التي كان يدرسها الشباب، لكن اهتمامات أرسطو الواسعة ~~في العلوم والأدب والخطابة والفلسفة انعكست يقينا في هذا التعليم. يورد وصف آريانوس ~~للإسكندر افتتانه بصور أخرى للفلسفة، ومن ذلك مثلا «الجيمنوسوفيستاي» أو الحكماء ~~العراة في الهند (آريانوس، الكتاب السابع، 1، 4-2، 1). وكان من ضمن خبراء حملة الإسكندر ~~في آسيا مساحون يتمتعون بمعرفة خاصة بعلمي الحيوان والأحياء. وولع الملك بالأدب لا يظهر ~~فحسب من نسخة الإلياذة التي أعدها له أرسطو وحملها معه إلى آسيا، بل يظهر أيضا من ~~المسابقات الأدبية التي كانت فعاليات منتظمة طوال حملته المديدة (آريانوس، الكتاب ~~الثاني، 5، 8، في الأناضول؛ الكتاب السابع، 14، 1، لدى العودة إلى إكباتان). ومع أننا ~~لا نستطيع الوثوق في دقة الخطب التي ينسبها آريانوس إلى الإسكندر، تتجلى قوة منطقه ~~في قدرته على الإقناع لإثارة حماس رجاله للقتال، أو للاستيلاء على حصن حصين، أو عبور ~~نهر مجهول في ظلمات الليل، أو لتحمل مسيرة عبر جبال هندوكوش أو صحراء ~~جيدروسيا. # خلاصة القول أن ابن الملك، سليم البدن والعقل، بدأ يتلقى أنواعا مختلفة من التدريب ~~في سن مبكرة، وكان بعض ذلك التدريب غير مباشر، كالتأقلم مع البيئة المقدونية، ومعايشة ~~الحياة في القصر وفي وسط مدينة بيلا، ومراقبة أبيه وصحابته وكذلك وفود الممالك أو الدول ~~الأخرى. كان معظم التعليم رسميا على أيدي معلمين خصوصيين، والأرجح أنه تضمن نظام ~~اللياقة البدنية ذاته الذي يدرب عليه غلمان الملك. وفي عقده الثاني، أدرج في ~~تدريبه تنفيذ المهام الموكلة إليه من الملك؛ إذ صار الإسكندر وصيا على العرش وعمره ~~16 سنة، وقاد ميمنة الجيش في خيرونية وعمره 18 سنة. # كانت مراقبة فيليب ms180 شيئا مهما لأنه، كما رأينا، أنشأ القاعدة التي سينطلق منها ~~الإسكندر ضد بلاد فارس بعد خلافته أبيه بسنتين فقط. كانت تلك القاعدة عبارة عن مملكة ~~كبيرة تحت حكم ملك قوي واحد، وكانت الأداة التي شكلتها عبارة عن جيش دائم يستند إلى ~~الفلنكس الإغريقي لكنه خضع لإصلاحات في المعدات والتكتيكات والأفراد. طور فيليب ~~جهاز حكم إداريا أو وسعه، شأنه شأن تجنيد الضباط المستقبليين من خلال تدريب ~~أبناء الطبقة الأرستقراطية كغلمان للملك. واجتذبت المكافآت، التي منحت للمنخرطين في ~~السلك العسكري، رجالا لم يقتصروا على مقدونيا بل جاءوا أيضا من مناطق ضمت حديثا ~~إلى المملكة. وعندما امتد نطاق سيطرة فيليب إلى بحر بروبونتيس، شرع يبني أسطولا. كان ~~لدى الإسكندر سنة 334 أسطول من 160 سفينة ثلاثية المجاديف، وغيرها الكثير من السفن ~~التجارية لزوم عبوره إلى الأناضول (آريانوس، الكتاب الأول، 11، 6). # كان فيليب قد اكتسب معرفة وثيقة بجيرانه، وكان بمقدوره أن يقحم نفسه في الهيكل ~~الوطيد الخاص بمن هزمهم هو ورجاله. كان حليفا لبعض هؤلاء الجيران، وبينه وبين العديد ~~من العائلات الحاكمة صهر، ومسئولا في بعض الدول وخصوصا اليونان، كتاجوس التيساليين، ~~وكان الداعي إلى إقامة حلف وزعيمه. كان يلي أدوارا عدة بجانب ملكه مقدونيا، ومع ذلك ~~ظل الفاعل النشيط في جميع جوانب الحكم؛ إذ كانت المجالات العسكري منها والديني والإداري ~~كلها تجتمع في الحاكم الأرغي. وكلما تقدم به العمر وازداد حكمة، أدرك الابن النابه ~~دور أبيه المتعدد الأوجه. # غير أن دور الملك كقائد الجيش هو الأبرز، وأحد مؤشرات ذلك مقدار ما يقضيه الملك من ~~وقت بعيدا عن بيلا على رأس حملة عسكرية. لزم في أحوال كثيرة كما نوهنا تقسيم الجيش ~~للتعامل مع تهديدات في أماكن نائية بعضها عن بعض. في الوقت نفسه كان دور الجيش المقدوني ~~واضحا تماما للعيان في بيلا؛ حيث كان الشباب أبناء العائلات المهمة يتلقون تدريبا ~~ليتبوءوا منزلة نخبوية في الجيش، وكان الصحابة الأكبر سنا يتشاورون مع فيليب بشأن ~~مراكز القيادة المسندة إليهم، وكان العديد من صحابة الملك يعملون حرسا له. كانت ms181 تعقد ~~مجالس مع أهم معاوني الملك في بيلا، وفي غيرها من الأماكن، والجيش في حملة، وكان العتاد ~~العسكري يصمم في بيلا، وفيها خططت قوة بحرية مع اتساع المصالح المقدونية عبر شمالي ~~بحر إيجة وفي بحر بروبونتيس والبحر الأسود. كانت السفارات تفد على بيلا بوتيرة متزايدة ~~مع تصاعد انتصارات الجيش. # إذا كان لدى ابن الملك الأرغي آمال في خلافة أبيه، فسيعترف بقاعدة المملكة العسكرية، ~~مناضلا لتحقيق السمات المطلوبة لضمان قوة هذه القاعدة، وسيحتاج إلى إكبار أبيه وإكبار ~~غلمان الملك الذين يدانونه عمرا، والذين كان دعمهم حاسم الأهمية في المناداة بأي ملك ~~جديد، وسيدرك ضرورة أن يبشر بقيادة سليمة لكي ينال رضا الجيش المقدوني بأسره، من مشاة ~~عاديين وصحابة نخبويين على السواء. كان الأمر يتطلب ما هو أكثر من البشرى؛ إذ لا بد ~~من أن يكون الوريث المحتمل قد برهن على قدرته في الميدان. ولي فيليب الملك في ~~المقام الأول لأن ابن أخيه الملك السابق الذي قتل في الحرب ضد الإليريين كان طفلا. ~~إن من شأن الملك اللبيب أن يمنح ابنه أو أبناءه الفرص لكي يظهر قدراتهم في سن مبكرة ~~نسبيا، وكان فيليب لبيبا فمنح الإسكندر الفرص ليبرهن على قدراته. # إذن كانت هناك سمات شخصية معينة لا بد منها، لكن كان ضروريا بالمثل أن يكون المرء ~~أحد أبناء السلالة الأرغية، التي استحوذت على الزعامة منذ أواخر القرن السادس وفقا ~~للمصادر الموثوق فيها، وقبل ذلك بكثير لو كانت الإشارات المقدونية للملوك الأوائل ~~صحيحة على أي حال. وتتضح قوة الحق الأرغي في الحكم من تردد خلفاء الإسكندر في الخروج ~~على هذا التقليد؛ إذ على الرغم من وجود مجموعة من الرجال الأقوياء الذين يتوقون إلى ~~الحكم لدى موت الإسكندر، فإنهم نادوا بابن الإسكندر ورخسانة الذي لم يولد بعد - إذا ~~ما ولد ذكرا - ملكا على البلاد، وأما جمعية الجيش فنادت بفيليب الثالث أريدايوس، ~~ابن فيليب الآخر من زوجته التيسالية فيلينا، ملكا على البلاد. وبما أنه لم يكن ~~يتوقع لابن رخسانة، الإسكندر الرابع، أن يحكم بنفسه قبل ms182 سنوات عديدة، وأن فيليب ~~الثالث اعتبر ضعيف العقل والجسد، استقرت القيادة الحقيقية في أيدي الآخرين، لكن ~~لم يتسن بسرعة تجاهل أحقية الأرغيين بالحكم. # كان انتماء المرء إلى السلالة الأرغية يشرف نسبه؛ بما أن هرقل كان الجد الأعلى ~~للأسرة. كان يصعب العثور على جد أنسب منه للأرغيين في ضوء ما اتسم به الملك ~~المقدوني من سمة بطولية، وما ترافق مع حكم مقدونيا من مهام تكاد تكون هرقلية. برهن ~~الإسكندر دوما على هذه الصلة (مثلا: آريانوس، الكتاب الأول، 11، 7-8، في بداية ~~الحملة؛ الكتاب الثاني، 24، 6، في صور؛ الكتاب السادس، 3، 2، في الهند). زد على ذلك ~~أنه لم يكتف بمحاكاة ذلك البطل، لكنه كما سجل آريانوس: «كان يستشعر حسا بالتنافس ~~معه ومع البطل بيرسيوس، الذي كان أيضا من أسلافه» (الكتاب الثالث، 3، 2). أضاف نسبه من ~~جهة أمه جدا آخر مثار فخر، وهو نيوبتوليموس بن آخيل الذي كان أقوى محارب في ~~طروادة. قد نقلل من صدق الإيمان بمثل هذا النسب في زمننا هذا، لكن لو فعلنا فسنجحف ~~كثيرا وجهات نظر المقدونيين القدماء ومثلهم الإغريق. # عززت أواصر الأرغيين بالآلهة الدور الملكي في الديانة المقدونية أكثر مما ~~عززه النسب البطولي؛ إذ كان الملوك يقدمون الأضاحي نيابة عن المقدونيين، ~~وأسسوا مهرجانات وألعابا تتطلب أبنية خاصة كالمسارح والمعابد ومواقع ملائمة ~~لاستيعاب المسابقات الرياضية. كان مركز المملكة القديمة في آيجي يضم مسرحا ومعبدا ~~ليوكليا، وكانت ديون تضم حرما لديميتر يعود تاريخه إلى القرن السادس. لا نستبعد أن ~~الملك الحاكم كان يوفر أيضا ما تقتضيه مناسبات تقديم الأضحيات من قرابين ومستلزمات. ~~فأي إله أحسن من زيوس، أبي الرجال والآلهة، يدعي المرء الانتساب إليه؟ كانت أصول ~~الإسكندر كما يروي آريانوس تعود إلى زيوس، كحال الملوك المينوسيين الأسطوريين مينوس ~~وأياكوس ورادامانثيس (الكتاب السابع، 29، 3). وكحالهم ربما كانت تتجلى له آيات من زيوس، كالذي حدث عندما رعدت السماء وأمطرت ~~أمارة للمكان الذي يتخذ فيه معبدا لإله الأوليمب زيوس في سارديس (الكتاب الأول، 17، ~~6). وكما آمنا بانتهاء نسبه إلى سلف بطولي، ينبغي أن نكون مستعدين لقبول الرأي الذي كان ms183 ~~الملوك الأرغيون يؤمنون به، وهو أن الآلهة العظام منوا عليهم بالتمكين. # كان الانتماء إلى نسب مجيد نعمة يتنعم بها الأرغيون، ومن ناحية أخرى كانت المنزلة ~~الأرغية تنطوي على مخاطر حقيقية؛ فعلى مدى مائتي سنة أو نحوها من الحكم الأرغي، ~~انبثقت فروع كثيرة من جذع الشجرة الأصلي، فصار ممكنا أن ينتمي ورثة العرش إلى عائلات ~~عدة، وكان التنافس بين تلك العائلات في أحوال كثيرة دمويا؛ فلدى موت بيرديكاس الثاني، ~~ولي الحكم أبناء ثلاثة أفرع لفترات وجيزة. كان من الجائز تماما أن يفتقر الملك ~~الحاكم إلى الشعور بالأمان، وأن يكون لدى الوريث المحتمل ما يبرر اعترافه بالأخطار ~~التي تحدق بحياته. الزيجات المتعددة سمة أخرى مبكرة تعود إلى زمن الإسكندر الأول؛ ~~إذ اتخذ أمينتاس الثالث أبو فيليب زوجتين، ورزق من كلتيهما الأبناء. وكان من أولى ~~مهام فيليب الثاني لدى ولايته العرش التعامل مع إخوته غير الأشقاء. واتخذ فيليب نفسه ~~سبع زوجات، وكان له ابنان بالغان لدى مقتله هما الإسكندر الثالث وفيليب الثالث، لكن ~~عروسه الأخيرة كانت حبلى. وعلى الرغم من المناداة بالإسكندر ملكا على الفور، فقد كان ~~هناك تهديدان محتملان لاحتفاظه بالعرش منبعهما أهله الأقربون، ويتجلى إدراك الإسكندر ~~التهديد الذي يحيق بفرص خلافته أبيه على العرش في العلاقات المقدونية مع أحد مرازبة ~~كاريا الفارسية وهو بيكسوداروس، الذي عرض سنة 336 دخوله في حلف مقدونيا على أن ~~يكلل هذا الحلف بزواج ابنته بفيليب الثالث أريدايوس ابن الملك فيليب الثاني؛ فبادر ~~الإسكندر لدى بلوغه نبأ هذا العرض بإرسال رسول من تلقاء نفسه إلى المرزبان بيكسوداروس ~~حاضا إياه على النظر فيه هو شخصيا بدلا من أريدايوس كزوج مناسب لابنته؛ فحال غضب ~~فيليب على تدخل الإسكندر دون إتمام هذا الزواج، لكن مضامينه كانت مخيفة في نظر ~~وريثه المرتقب (بلوتارخس، الإسكندر، الفصل 10، 1-3). # سيتجلى وجود النساء ونفوذهن في السلالة الأرغية لأي طفل يترعرع في الجناح السكني ~~بالقصر. كانت النساء المهمات ضمانا للمعاهدات من خلال الزواج بأبناء الأسرة الأرغية؛ ~~لأنهن كن ينتمين إلى أسر متنفذة في ممالك أو دول ms184 أخرى. ومع أن وظيفتهن الرسمية كانت ~~إنجاب أبناء لوراثة العرش وبنات لتأمين التحالفات، كان نفوذهن يمكن أن يقرر مستقبل ~~الحكم المقدوني. ومن الجائز أن يتمتع الإسكندر الثالث بحظوظ أوفر لو اتفق أن كان فيليب ~~الثالث فاقد الأهلية، وهذا ما آل إليه حاله على يد أوليمبياس كما اشتهر عنها. ~~وربما كان الإسكندر بدوره هدفا لأم فيليب الثالث. كان الأمن مشكلة حقيقية لأي رجل ~~أرغي، وخصوصا ابن الملك. وستوازن ردود أفعال الوريث المحتمل على الأرجح بين إعجاب ~~بقدرات أمه وربما اشمئزاز من أفعالها الأنانية التي يغلب عليها انعدام الرأفة. # ومن ثم لم تكن أواصر البنوة ضرورية لنجاح ابن ملك بعينه فحسب، بل كانت تزيد أهمية ~~نسبه. ظل الجدود الأوائل على أهميتهم، لكن الأواصر العائلية الجديدة من خلال الزواج كان ~~يمكنها إضافة أسلاف عظام آخرين. كان الزواج وسيلة بديهية يوسع بها المرء أسرته، ~~لكن التبني كان وسيلة أخرى؛ فعندما استعاد الإسكندر الملكة آدا كملكة شرعية على ~~كاريا، كانت العلاقة بينهما تجسيدا للعلاقة بين الأهل؛ إذ كان الإسكندر يخاطب آدا ~~كأمه، وأما هي فاتخذته ابنا وخليفة (آريانوس، الكتاب الأول، 23، 7-8). # شجعت بيئة القصر في الغالب أي ذكر أرغي شاب على البحث عن صداقة في مكان آخر. ~~وأحد الخيوط التي تقودنا إلى مصدر أصدقاء الإسكندر المقربين فترة التعليم التي ~~قضاها مع أرسطو؛ ففي حرم حوريات الماء بالقرب من ميزا، تلقى الإسكندر تعليمه بصحبة ~~العديد من أقرانه ومنهم بطليموس بن لاجوس، وكاساندروس بن أنتيباتروس، ومارسيا البيلي ~~الذي ألف رسالة في تعليم الإسكندر لكن ضاعت للأسف، وهفايستيون الذي وصفه آريانوس ~~بأنه أحب الرجال إلى الإسكندر (الكتاب السابع، 14، 3)، وربما بيرديكاس وليسيماخوس ~~أيضا. تتجلى إمكانية دوام تلك الصداقة في تعيين بطليموس وهفايستيون كعضوين في حرس ~~الإسكندر، عندما اجتاز المقدونيون مسيرتهم الشاقة عبر صحراء جيدروسيا. وتوجد شواهد أخرى ~~على استمرار علاقة الإسكندر مع أصدقائه من أيام شبابه الذين نفوا بسببه بعد شجاره مع ~~أبيه فيليب الثاني سنة 337، وهم: بطليموس، وهاربالوس، وإريجيوس وأخوه لاوميدون وهما من ~~ميتيلين بجزيرة ليسبوس، ونيارخوس بن ms185 أندروتيموس الذي وفد من كريت لمعاونة فيليب، فقد ~~ولي هاربالوس منصبا ماليا مهما في بابل في عهد الإسكندر ومات بعد ملكه، وارتقى ~~نيارخوس ليتولى إمارة الأسطول الذي أبحر من الهند عبر الخليج الفارسي ومات هو الآخر ~~بعد الإسكندر، وقاد إريجيوس خيالة الحلفاء في جاوجاميلا وقاد فيما بعد قوة أرسلت ~~للتعامل مع الزعيم الفارسي في آريا بآسيا الوسطى، وكان بطليموس واحدا من أنجح من ~~خلفوا الإسكندر، وأما هفايستيون فمات قبل ملكه لكن بسبب المرض لا بأوامر من ملكه ~~لخيانته. # كان الأصدقاء الثقات ضرورة حيوية، وكانت البسالة تنقل الوافدين الجدد إلى دائرة ~~أقرب الرفاق؛ إذ كان إكليلا البسالة اللذان منحا في شوشان سنة 324 من نصيب بوكستاس ~~وليوناتوس، فضلا عن جوائز أخرى كانت من نصيب الأصدقاء الأقدمين (الكتاب السابع، 5، ~~4-6). صار كراتيروس بالمثل موضع ثقة خاصة لدى الإسكندر بعد أن خدم أبيه، وكان ~~الإسكندر يرفعه إلى مكانة تضاهي مكانته شخصيا (الكتاب السابع، 12، 3). وتجلى إخلاص ~~هؤلاء الأصدقاء وتفانيهم في أفعالهم التي نمت عن الشجاعة والفداء نيابة عن ~~الملك. # في الوقت نفسه يمكن للصداقة أن تنتهي؛ إذ راح كلايتوس الأسود، الذي سبق أن أنقذ حياة ~~الإسكندر في معركة نهر جرانيكوس، ضحية اتهامه الإسكندر بادعائه لنفسه من المجد أكثر ~~مما ينبغي له. وأدان الإسكندر، بسبب تهديد التآمر ضد حياته، حارسه فيلوتاس بل أباه ~~بارمنيون أيضا الذي كان فيليب يعتبره أكفأ معاونيه. كانت الصداقات بالغة الأهمية لكن ~~هشة. # بحلول سنة 336 كان الإسكندر الثالث المقدوني قد بلغ عامه العشرين، وقد تلقى تدريبا ~~لائقا لكي يحكم كقائد للجيش المقدوني، الذي كان أهم أداة للحفاظ على مملكة موحدة ~~قوية. كان قد تفادى أخطار الدسائس التي حيكت ضد وراثته العرش، والإعاقة بفعل حادث ~~بدني أو بكيد من شخص آخر، والرفض من فيليب نفسه كوريث له. كانت أمه قد أمنت ~~بقاءه على قيد الحياة وهو طفل، واختط له أبوه مسارا تعليميا لإعداده كوريث محتمل. ~~كان معظم ذلك التعليم بدنيا، وصقلته طبيعة مقدونيا القاسية، والموروثات القديمة ~~كالقدرة على قتل خنزير بري ms186 دون استخدام شبكة، وتدريبه لكي يصير فارسا وجندي مشاة لا ~~يشق له غبار ولا يبزه إلا الملك شخصيا. وهكذا يمكننا تصور الإسكندر كشخص مهيب ~~بدنيا، ولا يعني هذا بالضرورة أنه كان فارع الطول أو ضخما بائن الضخامة، بل كان ~~بالأحرى قويا مشدود البنية وعلى درجة عالية من الرشاقة، وكانت همته بادية في ~~أفعاله وأقواله. كان قد اكتسب عصبة من الأصدقاء الذين صادق بعضهم مصادفة أثناء ~~تلقيهم التدريب في بيلا كغلمان للملك، وبعضهم الآخر بالألفة. ظل معظم أصدقاء ~~الإسكندر الأوائل معاونين له جديرين بالثقة وأصدقاء طوال حياته. ولنا أن نؤمن أنه كان ~~يعرف قيمة هؤلاء الصحابة، وخصوصا مع ازدياد إدراكه المخاطر التي تحيق بشخصه ومنصبه. ~~كان ابن عمه أمينتاس يطالب بأحقيته في العرش من خلال أبيه بيرديكاس الثالث الذي حال ~~صغر سنه دون أن يخلفه عندما قتل في الغزو الإليري في 360 / 359، لكنه بات آنذاك ~~مكتمل النضج؛ إذ كان يكبر الإسكندر بنحو أربع سنوات، ومتزوجا بإحدى بنات فيليب. ~~وكان أخو الإسكندر غير الشقيق فيليب الثالث أريدايوس منافسا آخر. الأكثر من ذلك أن ~~أحدث زوجات فيليب، وهي كليوباترا، كانت حبلى، وبما أنها كانت تنتمي إلى نسب مقدوني مهم، ~~فلو وضعت ذكرا فقد يقع عليه اختيار فيليب كوريث بدلا من الإسكندر؛ بما أن فيليب لم ~~يكن يتوقع بالطبع أن يقتل قبل مولد هذا الطفل، أو حتى قبل بلوغه العقد الثاني من ~~عمره. ومن الممكن تماما أن الإسكندر كان قلقا على مستقبله. # ربما انتقل ذلك القلق إلى أمن مملكة مقدونيا. أتيحت للإسكندر فرص متكررة لاكتساب ~~وعي بهذا؛ إذ كان الجيش ناشطا طوال السنة، وكانت بيلا زاخرة بالتخطيط للحرب، وكان ~~الرسل يفدون دوما للتفاوض. كان توسيع المملكة قد حدث منذ وقت قريب جدا، وكان ~~الإغريق قد هزموا قبل ذلك بعامين فقط، ولم تكن مضت غير سنة واحدة على خروج الحلف ~~الكورنثي إلى الوجود. ولم تستتب الأوضاع قط في الأقاليم التي كانت معادية من قبل، ~~وحتى ممالك مقدونيا العليا كان يمكنها تأكيد استقلالها. # هل لنا أن ms187 نقترح وجود أي انفعالات داخلية كانت تنتاب الإسكندر في هذه المرحلة الزمنية ~~المعينة؟ ربما يمكننا الاعتراف مطمئنين بطموحه إلى خلافه فيليب إيمانا منه بلياقته ~~للاضطلاع بما ينطوي عليه المنصب من مسئوليات. ولا ريب أن علمه أنه من نسل زيوس وهرقل ~~وآخيل، فضلا عن فيليب، زاده إيمانا بلياقته. من المحتمل أن هذا التقييم الإيجابي ~~أضعفه بعض الشيء قلقه على سلامته واعترافه بجسامة المهام التي ستلقى على عاتقه ~~إذا كتب له البقاء. وتمخض يونيو 336 عن هذه الانفعالات المتضاربة؛ إذ اغتيل فيليب ~~أثناء احتفاله بزيجة أخرى ملوكية، طرفاها كليوباترا شقيقة الإسكندر وخالها الملك ~~الإسكندر الإبيروسي؛ ففي اليوم الثاني من الاحتفالات افتتح موكب مهيب تتصدره ~~تماثيل الأوليمبيين الاثني عشر، بالإضافة إلى تمثال لفيليب، دورة الألعاب التي رتب ~~لإقامتها ذلك اليوم، ولدى دخول فيليب نفسه المسرح الكائن في آيجي، طعنه أحد حراسه ~~وسرعان ما لفظ أنفاسه الأخيرة. في أعقاب البلبلة الفورية التي تلت ذلك ، قدم ~~أنتيباتروس - الرجل الثاني بعد فيليب - الإسكندر إلى جمعية الجيش، فنادى به أعضاؤها ~~ملكا عليهم. ~~(2) توطيد دعائم السلطة الملكية أول الأمر # كانت طبيعة الملك المقدوني تشكل تحديين كبيرين أمام أي ملك جديد، فلم تكن ~~الفترات الانتقالية، وخصوصا عند مقتل أحد الملوك، تثير اضطرابات في المملكة وحدها ~~بل في عموم نطاقها، الذي كان قد اتسع بشدة بحلول سنة 336. بادئ الأمر لا بد من أن ~~يثبت الإسكندر أنه الأرغي الأنسب للحكم، وهو ما كان سيسهل تحقيقه لو غاب المنافسون ~~بالكلية، أو لم يوجد إلا القليل منهم. بعد مقتل فيليب بفترة وجيزة، قتلت أحدث زوجات ~~فيليب ورضيعها، ربما بناء على أوامر أوليمبياس، وقتل أمينتاس ابن عمه، الذي ربما كان ~~يداهن الإغريق للفوز بالملك، وأما فيليب الثالث أريدايوس فترك على قيد ~~الحياة. # ثاني الطرق وأهمها ليثبت لياقته للحكم براعته الشخصية كقائد عسكري دون مساعدة أبيه. ~~أشعل موت فيليب انتفاضات في المناطق الحدودية القبلية وفي اليونان، فقاد الإسكندر ~~جيشه صوب تراقيا إلى أرض تريبالي والإليريين، ثم إلى أرض التراقيين المستقلين (آريانوس، ~~الكتاب الأول، 1، 4-7) الذين ms188 أطلقوا عربات تجرها الدواب في وجه المقدونيين أثناء ~~ارتقائهم ممرا جبليا شديد الانحدار. واحتاج الهجوم على جيتاي عبور نهر إستروس ~~(الدانوب)، أكبر الأنهار على الإطلاق (آريانوس، الكتاب الأول، 3، 5)، وكانت الدراية ~~بالأنهار والجبال المقدونية بممراتها الضيقة تدريبا جيدا تلقاه قائد الجيش الذي ~~نودي به حديثا. # استلزم التعامل مع الإغريق أيضا عملا عسكريا؛ إذ استدعت الثورة التي قامت في ~~طيبة أثناء انشغال الجيش في الشمال الشرقي عودته السريعة إلى بيلا، ومنها إلى وسط ~~اليونان؛ فحوصرت طيبة واستولي عليها ودمرت أو كادت. من الجدير بالتنويه أن ~~الإسكندر أعفى منزل بندار (آريانوس، الكتاب الأول، 9، 10) بينما محا الكيان المادي الذي ~~كان يشكل ذات يوم الدولة-المدينة الرائدة في يونان العصر الكلاسيكي. كانت الثقافة ~~الإغريقية ثمينة وينبغي الحفاظ عليها، وأما الدولة المستقلة فكانت جموحا ومن ثم ~~يمكن الاستغناء عنها. صار دور الملك المقدوني في العالم الإغريقي آنذاك يقتضي أيضا ~~لباقة إدارية على اعتبار أن فيليب الثاني كان يشغل منصب التاجوس التيسالي وعضوية ~~المجلس الأمفكتيوني الدلفي والقائد الأعلى للحلف الكورنثي؛ وولي ابنه هذه المناصب ~~بالإضافة إلى الحقوق التي توجبها المعاهدات التي أبرمها فيليب. كان استمرار الحلف ~~يقتضي التزاما - وهو أيضا من إرث فيليب - بخوض الحرب ضد الفرس. # بعد زيارة معبد دلفي وعرافته، عاد الإسكندر إلى بيلا ليعد العدة لذلك الالتزام؛ ~~فأضيفت إلى تدريب جيشه، وتنظيم مؤنه وإمداداته، وتجهيز سفنه للعبور إلى الأناضول، ~~وتعيين وصي على العرش يسيطر على المملكة بكامل نطاقها؛ مسيرة أخرى شمالا صوب ~~الدانوب في غزوة ستكون ممارسة مفيدة للجنود واختبارا للعتاد الحربي، ويرجى أن يخفف ~~النصر فيها مهمة الوصي على العرش. وقد تحققت هذه الأهداف كلها. # كان في تحقيق مزيد من استتباب الأوضاع مع الأعداء التقليديين حافز آخر للاضطلاع ~~بمهمة الحلف الكورنثي. كان إدراك أهمية وجود جيش دائم لوجود المملكة المقدونية ذاته ~~يستلزم إدراك ضرورة توظيف الجيش في دوره الطبيعي. ولو لم تكن المملكة الموسعة تتطلب ~~اهتماما دائما، لكان بإمكان الجيش ممارسة مهاراته في بقاع بعيدة. الأمر الثاني أن ~~استخدام وحدات عسكرية خاصة من الأراضي ms189 التي ضمت حديثا لن يوسع نطاق الجيش ~~المقدوني فحسب، بل سيحرم أيضا أقاليم المملكة التي تحتمل ثورتها من بعض ما في ~~أيديها من وسائل الثورة ضد السيطرة المقدونية؛ فالخيالة التيسالية التي قاتلت ~~باقتدار تحت قيادة الإسكندر ضد الفرس (آريانوس، الكتاب الثالث، 15، 3)، لم يكن بوسعها ~~معاونة انتفاضة تيسالية ضد الوصي على العرش. وبزحف الإسكندر وجيشه ضد الفرس أبعد ~~الجنود الإغريق السبعة آلاف التابعون للحلف الكورنثي عن مصادر النزاع المحتمل في جنوب ~~اليونان. ولم يكن بوسع الرماة الأغريانيين وغيرهم من القوات القبلية تقديم العون ~~لزعمائهم الذين كانوا ذات يوم مستقلين. # شكل 7-2: ممر بترا. صورة بعدسة ريتشارد آر جونسون. # في ضوء هذا الإرث، وخلافته السلسة نسبيا، ونجاحاته الأولية في التعامل مع ~~الانتفاضات التي قامت في أقاليم المملكة، يجوز لنا أن نعزو إلى الملك ذي الاثنين ~~والعشرين ربيعا إحساسا بالثقة بينما كان يعد العدة لمواصلة هجوم أبيه على بلاد ~~فارس. وازدادت ثقته قوة بفضل معرفته بالأحداث الأخيرة في فارس؛ إذ شهدت سنة 338 مقتل ~~الملك الأخميني أرتحششتا الثالث على يد مستشار «ثقة» يدعى باغواس، الذي أقام ~~ابن الملك القتيل على العرش باسم أرتحششتا الرابع، ومضى في طريقه ليقضي على أبناء ~~الأسرة المالكة الآخرين. وبعد ذلك بسنتين قتل أرتحششتا الدمية هو وأولاده على يد ~~المستشار ذاته، فورث العرش أحد أبناء عمومة أرتحششتا الثالث، مرة أخرى بمساعدة ~~باغواس وبفضل قلة المرشحين الآخرين لوراثة العرش. نوهنا في الفصل الخامس إلى أن ~~مناسبات الخلافة على العرش كانت تتمخض دوما عن انتفاضات في بقاع الإمبراطورية ~~المترامية الأطراف، ولا بد أن هذه السنوات الثلاث بما شهدته من عمليات تطهير وعدم ~~استقرار السيطرة المركزية، كان من شأنها أن تتيح فرصة ممتازة للثورة أو لنجاح جيش ~~غاز في مهمته. # كانت المعلومات المباشرة عن طبيعة الفرس متاحة للإسكندر بصور عديدة. تضمنت ~~المصادر الإغريقية سرودا مكتوبة؛ إذ كان هيرودوت قد قضى شبابه في مدينة- دولة ~~هاليكارناسوس الإغريقية في آسيا الصغرى، وزار فيما بعد بعض بقاع الإمبراطورية ~~الفارسية على الأقل في إطار الاستقصاءات اللازمة لمصنفه ms190 «الحروب الفارسية». وضمن ~~زينوفون أنباسته المغامرات والإخفاقات التي حدثت منه هو شخصيا ومن المرتزقة الإغريق ~~الآخرين الذين استعين بهم لإطاحة الشاه أرتحششتا الثاني وإقامة أخيه قورش الذي يصغره ~~مكانه. ووضع طبيب الأخمينيين الإغريقي 23 كتابا عن التاريخ الفارسي ضاعت كلها الآن، ~~ولم يتبق منها غير شذرات، وأما خويريلوس الساموسي فعدد الجماعات القبلية التي ~~عبرت الهلسبونت مع المهاجرين الفرس. وكانت في الكلام المتداول معلومات أخرى؛ إذ هرب ~~أرتبازوس مرزبان المنطقة التي كانت قديما المركز الآشوري خوفا من حاكمه الأخميني في ~~أعقاب انتفاضة فاشلة، وعاش بصحبة أسرته 10 سنوات في بيلا. وجدير بالتنويه أن داريوس ~~الثالث أسند قيادتين بحريتين مهمتين إلى أخوين إغريقيين بينهما وبين أرتبازوس ~~صهر. وكان أرسطو معلم الإسكندر قد قضى بضع سنين في مملكة أتارنيوس الصغيرة في شبه ~~جزيرة ترواس. وكان يشتبه في تواطؤ «الملك الفيلسوف» هيرمياس مع أعداء فارس (اقترحنا ~~أن فيليب المقدوني ربما يكون المقصود)، وأعدم بأوامر من أرتحششتا الثالث . كان الرسل ~~أيضا يتنقلون بين بيلا والعواصم الفارسية، لكن استطلاع الكشافة كان من مصادر ~~المعلومات الأخرى المهمة، وكانت الكشافة عنصرا أساسيا من عناصر الجيش المقدوني منذ ~~زمن فيليب إن لم يكن قبله. أخيرا توجد أوجه تشابه عديدة بين المملكتين، فكلتاهما ~~كانت دولة ملكية مركزية الإدارة، وكلتاهما كانت ضخمة من حيث الرقعة الجغرافية وعدد ~~السكان مقارنة بالدول-المدن الإغريقية، وكلتاهما كانت تحتوي على ثقافات متعددة ~~جمعها الفتح في البداية وحافظ على تماسكها - بإحكام أو بغير إحكام - جيش قوي. ~~تمخضت هذه السمات المتشابهة عن الكثير من المشكلات المتطابقة التي واجهت ملوك ~~كلتا الدولتين، وسنعود إلى أوجه الشبه في تمحيص طبيعة جهود الإسكندر لدمج المملكتين ~~في إمبراطورية واحدة. ~~(3) الحملة # لا خلاف على عبقرية الإسكندر القيادية. يستهل القائد جيه إف سي فولر ملخص دراسته ~~التي تحمل عنوان «قيادة الإسكندر الأكبر العسكرية» بمبحث عنوانه «كعبقري». ولن ننكر ~~هذه العبقرية وإن كنا سنجادل بأنها كانت متوقعة من نواح كثيرة. كان تحت يد ~~الإسكندر إرث ما صنع أبوه، وهو جيش دائم مخلص مشحوذ القدرات، وأركان ms191 جيش من الضباط ~~المخضرمين الرفيعي المستوى. كان استقطاب المعاونين المستقبليين من خلال تدريب شباب ~~الطبقة الأرستقراطية في بيلا قد أثمر بالفعل رجالا في مثل سن الإسكندر، يمكنهم في ~~النهاية أن يحلوا محل من هم أكبر منهم سنا. ومع أن الجيش وقواده كانوا ينتمون إلى ~~خلفيات وتكتيكات عسكرية متنوعة، كانت الوحدات تعمل كوحدة واحدة. وعلى الرغم من اشتمال ~~جيش الإسكندر على مرتزقة، فإنهم لم يشكلوا إلا سبعه (أو ثمنه على حسب عدده ~~الإجمالي). كانت الغالبية العظمى مرتبطة بالإسكندر كملك وكقائد للحلف الكورنثي، ومن ~~خلال التحالفات بموجب المعاهدات المبرمة. علاوة على ذلك، كان فيليب قد توسع في ~~إنتاج العتاد العسكري ليشمل آلات الحصار والمجانق القادرة على قذف حجارة يصل وزنها إلى ~~50 رطلا (أكثر من 22 كيلوجراما). # شكل 7-3: معركة جرانيكوس. المصدر: جيه بي ماهافي، «إمبراطورية الإسكندر»، ~~لندن: تي فيشر أنوين، 1887، 1، الصفحة 13. # ساهم التعليم الذي تلقاه المقدونيون، بمن فيهم الإسكندر، على أرض مقدونيا، في ~~عبقرية الإسكندر. دارت رحى المعارك التي خاضها المقدونيون وانتصروا فيها تحت قيادة ~~الإسكندر غالبا عند أنهار؛ ففي اللقاء الأول عند نهر جرانيكوس في شمال غرب الأناضول، ~~قاد الإسكندر، ممتطيا صهوة جواده الأيقوني بوسيفالوس، جيشه عبر النهر للكر على ~~الجيش الفارسي الذي اصطف على الضفة الأخرى. واندلعت شرارة معركة إيسوس والجيشان على ~~ضفتي نهر بيناروس، فانقض المقدونيون من جديد بقيادة الإسكندر على عدوهم عبر ~~النهر. ومع أن جاوجاميلا افتقرت إلى عنصر النهر، فإن الجيش اضطر إلى عبور نهر دجلة ~~بتياره السريع (آريانوس، الكتاب الثالث، 7، 5). واقتضت الهزيمة التي ألحقها ~~المقدونيون بالجيش الهندي بقيادة بوروس معرفة دقيقة بنهر هايداسبيس المترع بمياه ~~الأمطار الموسمية. ثم سار المقدونيون بعد هذا النجاح الأولي جنوبا بمحاذاة نهر السند ~~حتى مصبه في بحر العرب في قوارب أمر الإسكندر ببنائها. يروي آريانوس أن الإسكندر ~~نفسه استكشف مصبي نهر السند أولا، ثم قضى بصحبة قسم من خيالته ثلاثة أيام في ~~استكشاف الساحل قبل الرحلة البحرية التي أقلت قسما من المقدونيين من الهند إلى رأس ~~الخليج الفارسي. كان ما ms192 اكتسبه من معرفة بأهمية الممرات المائية لأغراض الاتصال ~~والتوحيد ناتجا ثانويا ثمينا لإرثه المقدوني. # شكل 7-4: معركة إيسوس. المصدر: جيه بي ماهافي، «إمبراطورية الإسكندر»، لندن: ~~تي فيشر أنوين، 1887، 3، الصفحة 25. # أحسنت مقدونيا أيضا تعليمه كيف يتعامل مع الجبال، مما كان ضروريا لشن حملة ~~مظفرة في آسيا الوسطى؛ ففي قلعة سوقديانا في باخترا اكتشف الإسكندر أنها شديدة الانحدار ~~من كل جوانبها ومغطاة بالجليد، وأن المدافعين عنها يمتلكون من المؤن ما يكفيهم لحصار ~~طويل، ومع ذلك عقد العزم على مهاجمتها؛ فصاح عدوه قائلا إن عليه العثور على بعض الجنود ~~المجنحين إن كان يرجو الفوز، وقد وجد 300 رجل من هؤلاء، دقوا أوتادا حديدية في ~~الجليد، واستعانوا بها في تسلق المنحدر ليلا، ويقال إن 30 فقط منهم لقوا حتفهم. ~~وعندما رأى محتلو المرتفعات هؤلاء الجنود المجنحين عند الفجر استسلموا (آريانوس، ~~الكتاب الرابع، 18، 5-19، 4). وفيما بعد نجح المقدونيون بقيادته في الاستيلاء على ~~صخرة أرونوس، وهي موقع استطاع ذات يوم الصمود في وجه هرقل الجبار (آريانوس، ~~الكتاب الرابع، 30، 1-4). # شكل 7-5: نهر السند عند ملتقى نهري السند وغلغت. وتظهر في الصورة نهاية جبال ~~الهيمالايا شرقا وجبال قرة قورم شمالا. صورة بعدسة البرفسور دانيال ~~وا وبإذن منه. # بالإضافة إلى المهارات التي طورتها الخدمة في مقدونيا، كان الجنود المقدونيون قد ~~اكتسبوا مهارة كبيرة في الحصار؛ فعندما أشارت حسابات المهندسين إلى أن تحصينات غزة ~~أعلى من أن تجدي معها آلات الحصار نفعا، لم يوافقهم الإسكندر الرأي، واستولي ~~على غزة بمساعدة تلك الآلات (آريانوس، الكتاب الثاني، 25، 2). كان الجنود العاديون ~~أيضا متمرسين على الحصار؛ إذ بدأ المقدونيون في مدينة سانغالا في الهند يقوضون السور ~~حتى قبل قصف أي جزء منه بالآلات (آريانوس، الكتاب الخامس، 24، 4). # كان الزعماء المقدونيون يثمنون قيمة من نادوا بهم ملوكا. كانت الضغوط على نواة ~~المملكة مستمرة وموجودة على كل الحدود، وكان الجنود المدربون لصد الإليريين ~~والتراقيين والإغريق والغارات الأخرى - والمأمول التغلب عليهم - مفتاح سلامة أراضي ~~المملكة. نشئ هؤلاء الجنود الواعدون في ظروف صقلت لياقتهم البدنية، كرعاة يسوقون ~~قطعانهم ms193 من مراعي الشتاء الوطيئة إلى المراعي الصيفية في الجبال، وكصيادي وحوش برية، ~~ومزارعين؛ ومن شأن أمثال هؤلاء الرجال أن يكونوا محاربين أشاوس، والحاكم الحكيم ~~سيقدر قيمة هؤلاء الجنود. وعندما سعى الإسكندر إلى مواصلة الزحف شرقا في الهند، وصف ~~رجاله المقدونيون اشتياقهم المنهك إلى الأهل والوطن (آريانوس، الكتاب السادس، 27، ~~2-9). كان الإسكندر يعتقد أنهم سيغيرون عقلهم الجماعي، لكن لما لم يحدث هذا، أعلن ~~في الجيش بوضوح قراره العودة. # كان موقع مقدونيا المتوسط، بقربها من الآخرين وبما تحتوي عليه من عناصر جذب للآخرين، ~~يقدم المزيد من الأفكار الثاقبة للحملة الفارسية. كان اعتزال الآخرين مستحيلا، ومن ~~ثم فالتعرف على الأعداء المحتملين سيكون ميزة مهمة. سبق أن بينا أن الإسكندر ~~شاهد توسع رقعة مقدون وتفاعلها المتزايد مع الشعوب الأخرى. ويروي بلوتارخس أن ~~حديثا دار بين الإسكندر الصبي الصغير ورسل الملك الفارسي في غياب الملك فيليب، ~~ويفترض أن أسئلته عنيت بشبكات الطرق وشخصية الملك وعدد الجنود الفرس. وحتى إن كانت ~~هذه الرواية غير دقيقة، فإن بيلا كانت قد تحولت إلى خلية للنشاط الدولي أثناء ~~طفولة الإسكندر، وكذا امتد عالمه إلى ما وراء النطاق المقدوني التقليدي. # لا شك أن هذه معرفة ضرورية لشخص كان يلزمه التعامل مع ثقافات أخرى، بل ربما أيضا ~~يلزمه ذلك بطرق تفهمها تلك الثقافات. كان فيليب قد عرف طبيعة المؤسسات الإغريقية ~~وقيمتها مع اتساع سيطرته جنوبا في عمق اليونان؛ إذ لم يل بعض المناصب الإغريقية ~~الرسمية فحسب، بل أنشأ أيضا تنظيمات جديدة على الطراز الإغريقي. ورث الإسكندر هذه ~~المناصب والتنظيمات، ومع نجاحه في الإمبراطورية الفارسية، أقحم نفسه في الهيكل ~~الفارسي أيضا. تتجلى مؤشرات استيعاب الإسكندر هذه المعرفة في حفاظه على المؤسسات ~~القائمة، بمعنى المرزبانات والمرازبة والآلية الضخمة المستخدمة في الخزانة والتسجيل في ~~بابل. وأسند أيضا إلى الأهالي مناصب السلطة في الأقاليم المفتوحة حديثا، ونذكر ~~مثلا أن صداقته مع أرتبازوس، الذي سبق أن لجأ إلى بيلا، أبقت على أرتبازوس وأبنائه في ~~مناصب رفيعة في نظام الحكم الجديد في الإمبراطورية الفارسية (آريانوس، الكتاب الثالث، ms194 ~~23، 7). وبهذا يكون الإسكندر سار على خطى فيليب؛ إذ احتفظت الدول-المدن الإغريقية ~~بطريقتها في الحياة، وإن كانت تحت إشراف مقدونيا، وواصلت العائلة الإبيروسية المالكة ~~حكم المملكة تحت الإشراف ذاته. وربما توقع الفرس الموالون للإسكندر حظوظا ~~مماثلة. # من ناحية أخرى، كانت المبالغة في البعد عن «طريقة الحياة المقدونية» تنطوي على ~~خطورة، على نحو ما تبين حالة مشاعر كلايتوس صاحب الإسكندر؛ إذ عندما اتهم الرجل ~~الذي أنقذ حياة الإسكندر في معركة جرانيكوس ملكه بادعاء فضل أكثر مما ينبغي ~~لنفسه فيما حقق من انتصارات، مات على يده. وفيما بعد أجبر الإسكندر على تغيير خطته ~~للسير شرقا في الهند، عندما رفض رجاله المقدونيون المواصلة. ويجدر بنا أن نتذكر ~~أنه بينما تم تسريح الفرقة الإغريقية في جيش الإسكندر في إكباتان سنة 330، لم يتلق ~~الجنود المقدونيون عرضا مماثلا. # من جديد نقول إن ميراث الإسكندر لا يفسر نجاحه بالكلية؛ فلا شيء في التدريب الذي ~~تلقاه هيأه للتعامل مع الفيلة، وكان الهيكل الإداري في بيلا بسيطا مقارنة بما ~~هو موجود في بابل، ولم يكن في مقدونيا طريق يضاهي الطريق الملكي الفارسي في طوله ~~وملاءمته للسفر السريع. كان تكييف أدواته بقوة وسرعة ضروريا، وكان نجاحه في ذلك ~~مؤشرا على قدراته التي تثير الإعجاب. # فهل يمكننا الاطلاع على عقل الإسكندر بينما كان يتكيف مع ظروف الإمبراطورية ~~المترامية الأطراف أثناء الحملة التي دامت 10 سنوات؟ وهل استبدل بملكه مقدونيا منصب ~~شاه فارس؟ تدل الشواهد على أنه لم يفعل. لا شك أنه أضاف وحدات عسكرية فارسية إلى جيشه ~~تضم مرتزقة هنودا (آريانوس، الكتاب الرابع، 27، 3)، و20 ألف جندي فارسي وتضم كذلك ~~كيشيين وطربوريين (آريانوس، الكتاب السابع، 23، 1)، وفرسانا من أبناء الفرس المهمين ~~(آريانوس، الكتاب السابع، 6، 4-5)، و30 ألف شاب فارسي. كان ضم فيلق أجنبي إلى الجيش ~~ممارسة اعتيادية عند كل من فيليب والإسكندر تحضيرا للحملة. علاوة على ذلك، درب ~~المجندون الجدد على الطريقة العسكرية المقدونية ربما باتباع طريقة مماثلة لتدريب ~~أبناء الأسر الأرستقراطية المقدونية في بيلا (آريانوس، الكتاب السابع، 23، 6، 1 والكتاب ~~السابع، 23، 3-4). ولم ينتقص ms195 احتفاظ الإسكندر بالمسئولين الفرس من دور معاونيه ذاتهم؛ ~~إذ ظل المعاونون المخلصون، الذين ربطتهم بالإسكندر علاقات تعود إلى أيام الطفولة، ~~يرتقون إلى مناصب أعظم أهمية. وفي شوشان سنة 324، ازدادت صلة هؤلاء الصحابة بملكهم ~~الأرغي قوة، بالوسيلة التي وظفها أمينتاس الثالث وفيليب الثاني، وأعني الزواج؛ ~~فبزواج الإسكندر وهفايستيون بشقيقتين، سيكون أولادهما أولاد خالة (آريانوس، الكتاب ~~السابع، 4، 5). لكن يجب التأكيد على كلمة «مخلص»؛ إذ سيخضع المعاونون الخائنون مهما ~~كانت أصولهم للعقاب، وغالبا بالإعدام. كان الإسكندر، كملك مقدوني، على دراية تامة ~~بوضعه المحفوف بالمخاطر قبل زمن طويل من جلوسه على عرش الأخمينيين، الذين كان ينتابهم ~~الخوف ذاته من الخونة والمنافسين. # ينبغي أن ننظر إلى زيجات الإسكندر في ضوء اعتناقه المحتمل للثقافة الفارسية؛ ففي ~~شوشان اتخذ إحدى بنات داريوس الثالث زوجة، ومثلها إحدى بنات الملك السابق أرتحششتا ~~الرابع، وكان قد سبق له الزواج برخسانة، ابنة وخش آراد زعيم باخترا. وتجددت في آسيا ~~صداقة دائمة مع بارسين بنت أرتبازوس التي كانت تماثل الإسكندر سنا، وقضت نحو عشر ~~سنوات في بيلا مع أبيها المرزبان وسائر أسرتها. وتروي بعض المصادر أن الإسكندر وبارسين ~~أنجبا ابنا سمي هرقل. ولم تربط الإسكندر علائق زواج بمقدونيا، لكن استحضار زوجات ~~فيليب يضع دور الزواج الأرغي في نصابه الصحيح؛ إذ لم تكن من بين زيجات فيليب السبع إلا ~~زيجة واحدة بامرأة مقدونية عقدت سنة 337، وكانت الست الأخريات ضمانات لتحالفات، حتى ~~إن تمخض بعضها عن غرام حقيقي. ولو عاش الإسكندر حتى بلغ 45 سنة - وهو عمر فيليب ~~سنة 337 - فالغالب أنه كان سيتزوج مرات أخرى عديدة، بل ربما كان من شأنه أن يتزوج ~~بامرأة من الأسر المقدونية النبيلة. # لا شك أن الفاتح الشاب كان سيفخر أعظم الفخر بإنجازه؛ فهل أصابته الأوهام حتى صار ~~يعتقد أنه أكثر من إنسان؟ ولماذا سيرسل في نهاية حملته إلى الإغريق يأمرهم بعبادته ~~كإله كما تروي بعض المصادر؟ ربما يكون هذا نتيجة ولايته منصب شاه فارس. ومن ناحية ~~أخرى، كان وجود ارتباط وثيق بالأبطال، بل بالآلهة العظام أيضا، شيئا ms196 متعارفا عليه ~~لدى الملوك المقدونيين قبل الإسكندر. ولتتأمل قضاء وقت ثمين لقطع 370 ميلا (600 ~~كيلومتر) في الصحراء إلى عرافة آمون في غربي مصر لكي «يعرف معلومات أدق عن نفسه» ~~(آريانوس، الكتاب الثالث، 3، 2). لقد علم الإسكندر منذ الطفولة تثمين نسبه، الذي ~~يتصل بالعديد من الأبطال (هرقل وبيرسيوس وآخيل)، بل يتصل فوق ذلك بإله الأوليمب زيوس. ~~كان قد برهن بأفعاله على صلة نسبه بالأبطال، وكشف بأضحياته المنتظمة عن اعتماده على ~~رضا زيوس. في وقت مبكر يعود إلى القرن الخامس، كان هيرودوت يعرف أن عرافة آمون من ~~عرافات زيوس أيضا (الكتاب الثاني، 55). وقلنا إن وجهات نظر الأقدمين تستحق ~~الاحترام، حتى إن بدت غريبة في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد. أفلن يؤدي ~~ملك مقدوني الأعمال المتعارف عليها سعيا لكسب رضا أبي الرجال والآلهة حتى في مصر؟ ~~وبعد أن تم له الاستيلاء على مصر دون قتال، سارع إلى قيادة رجاله عائدا إلى أرض لم ~~يكن الاستيلاء عليها سهلا في الغالب. لم يكن قد أعيد ضم مصر إلى الإمبراطورية ~~الفارسية إلا منذ 10 سنوات، بعد نحو 60 سنة من الاستقلال، وأما أقاليم الشام فكانت ~~مشهدا لانتفاضات متقطعة. كان العمل على نيل رضا زيوس-آمون ضروريا. فما العرافة ~~المصرية الأخرى التي ارتبطت بزيوس على هذا النحو؟ ظل زيوس يد عون للإسكندر طوال ~~الطريق إلى الهند، ثم طرق العودة إلى بابل. وكشف فيليب والإسكندر بنجاحهما المتزايد عن ~~انتمائهما إلى سلف عظيم، وبطريقة لافتة للأنظار، فنحن نتذكر أن فيليب أمر بحمل ~~تمثاله بصحبة تماثيل الأوليمبيين الاثني عشر. ~~(4) إمبراطورية الإسكندر # غالبا ما تستخدم أنظمة تقسيم العصور التاريخية عصر الإسكندر كبداية عصر جديد؛ إذ ~~بداية من سنة 336 أو ربما سنة 323، يفسح العصر الهيليني الكلاسيكي المجال للحقبة ~~الهلنستية. يبقى الإغريق، والثقافة واللغة الإغريقيتان، بل الدول-المدن الإغريقية ~~أيضا، لكن يحتويها شيء أكبر وليس هيلينيا بالكلية. ولتأكيد صحة هذا النظام، دعونا ~~ننظر في طبيعة الإمبراطورية التي أنشأها الإسكندر وبدأ تنظيمها. إلى أي مدى انحرف ~~الإسكندر عن تراثه المقدوني؟ # من البديهي أن دمج المملكتين ms197 المقدونية والفارسية تمخض عن دولة جديدة، وهو شيء سعى ~~الفرس إلى تحقيقه في عهد الملكين داريوس الأول وأحشويرش الأول في أوائل القرن الخامس ~~لكنهم أخفقوا. لم يغير الإسكندر إلا قليلا من الهياكل القائمة في أي من المملكتين، ~~ووظف أدوات كلتيهما. وبصفته قائد الجيش المقدوني كان ملتزما تمام الالتزام ~~بالاعتماد على الجيش الذي أثبت نجاحه العظيم، وأضاف الإسكندر إلى القوة المتقدمة ~~المؤلفة من نحو 10 آلاف جندي مشاة و1000 فارس؛ 30 ألفا آخرين من المشاة و5 آلاف من ~~الخيالة. كان أغلب هؤلاء الجنود مقدونيين أو رعايا مقدونيين أو إغريق، من أعضاء الحلف ~~الكورنثي ومن المرتزقة على السواء. ومع اتساع السيطرة على الأراضي التي كانت ذات يوم ~~فارسية، ضم إلى جيشه جنودا من بلاد فارس. بمعنى آخر، تواصلت ممارسة تعزيز أمن ~~الأراضي الواقعة تحت الحكم المقدوني باستخدام جيش دائم مؤلف من رجال ينتمون إلى جميع ~~الأقاليم، وكان تدريبهم على الطراز العسكري المقدوني. # كان الإسكندر ملزما، بولايته ملك مقدونيا، بمباشرة الأعمال العدائية ضد شاه ~~فارس بسبب إعلان فيليب عن حملته أمام الحلف الكورنثي، والتاريخ الحافل بالخوف من ~~التوسع الفارسي غربا الذي يجمع المقدونيين والإغريق، والحاجة إلى توفير فرصة عمل ~~للأداة الحيوية التي يعتمد عليها الوجود المقدوني. لكن هل كان الإسكندر مضطرا إلى ~~الزحف فيما وراء حدود آسيا الصغرى إلى أراض لا يوجد بها إلا قليل من الإغريق كي ~~يحررهم من الهيمنة الفارسية؟ يوجد دافعان يبدوان مرجحين؛ أولا: يكشف لنا التوسع ~~المقدوني بداية من القرن الخامس فصاعدا، وخصوصا أثناء حكم فيليب الثاني، عن صورة ~~دفينة؛ إذ تمخض تلاحم مقدونيا الدنيا والعليا عن تهديدات من شعوب أبعد، كالإليريين ~~والإغريق مثلا، وأثار النشاط المقدوني في البحر الأسود عداء فارس الأناضولية. وأما ~~الدافع الثاني، فكان يقينا وجود فرص سانحة كما في مصر مثلا، التي كانت تحن إلى ~~استعادة استقلالها عن السيطرة الفارسية. # استخدم الإسكندر وسائل أخرى لتوحيد الأراضي الشاسعة بالإضافة إلى القوة العسكرية، ~~فأنشأ حاميات في الأقاليم التي لم تستتب فيها الأوضاع بالكلية وكانت حيوية للاتصالات، ~~وفي ms198 القلاع المحصنة من قبل أو التي حصنت حديثا، وفي المستوطنات الكبرى. كان بعض ~~هذه الحاميات مؤقتا، وكان بعضها الآخر دائما؛ وهو في هذا لم ينحرف إلا قليلا عن ~~ممارسة الملوك الأرغيين السابقين. كان الإسكندر متحمسا لإنشاء مستوطنات جديدة تكون ~~أكثر من مجرد حاميات عسكرية، وتنسب إليه سبعون منشأة من هذا القبيل، لكن لا يعرف ~~منها على وجه اليقين إلا خمسة وعشرون أو نحو ذلك. كان بعضها قد أعيد تأسيسه، وبعضها ~~الآخر جديدا، وبعضها الثالث مقار سكن ملكية حولت إلى مدن. غرس الاعتراف ~~بقيمة المنشآت الملكية في الوريث المحتمل للعرش في مرحلة مبكرة من حياته؛ ففي سنة 340 ~~على سبيل المثال، قاد الإسكندر جيشا إلى الشمال للتعامل مع تمرد قبيلة مايدي، ولدى ~~استيلائه على مركز المتمردين، أعاد تأسيسه باسم ألكساندروبوليس، سيرا على خطى فيليب ~~الذي سمى عدة مواقع باسم «فيليبوبوليس» وموقعا واحدا باسم «فيليبوي»؛ تيمنا ~~به. # في هذه الممارسة دلالة على نظام الإدارة المقدوني؛ إذ تحتاج الملكيات إلى مراكز ~~إدارية واقتصادية، وإن كانت لا تتقبل بسهولة دولا مستقلة ذاتيا داخل أراضيها؛ فقد ~~اتخذ قرار بتأسيس مركز آمن للسيطرة المقدونية في أواخر القرن الخامس، وأكدنا على ~~النشاط الذي ازداد غالبا كثافة في بيلا بين عامي 359 و336. تشبه الإسكندرية في مصر ~~بيلا في موقعها المحمي على نهر بعيد عن ساحل البحر، وطبيعتها المخططة، واقتران المسكن ~~الملكي بالجهاز الإداري. # لم يكن فيليب والإسكندر مضطرين إلى محو كل المستوطنات السابقة؛ فكانت كورنثة تحتل ~~موقعا استراتيجيا، وكانت مركزا مهما للإنتاج والتجارة، وهي ملامح تؤيد ~~استمراريتها، لكن كمكان اجتماع لأعضاء حلف الملك. كانت دواوين المحاسبة المتطورة ~~الموجودة في بابل ضرورية لإدارة الإمبراطورية، سواء أكانت تحت ملك أخميني أم ملك ~~أرغي. # صار الإسكندر شاه فارس وبازيليوس المقدونيين (وغيرهم)، وأضاف أيضا مناصب رسمية جديدة ~~إلى جعبة مناصبه بوراثته ملك الفراعنة في مصر وإقامته تحالفات مع البعض، وبصيرورته ~~ابنا بالتبني لواحدة من الحكام، وبزواجه ببنات عائلات مهمة في الأراضي المفتوحة ~~حديثا. لا يوجد ملك أرغي من قبل تولى منصب ms199 شاه فارس، لكن كان فيليب قد برهن جيدا ~~على قيمة تكديس مجموعة من المناصب الرسمية في شخصه. # هل يمكن القول إذن بوجود صلة مماثلة بين ثقافة العصر «الجديد» وتقليد مقدوني قديم؟ ~~وهل تتلاشى العناصر المميزة لمقدونيا القديمة مع استخدام اللغة والثقافة الإغريقيتين ~~كخيط ناظم يتيح قدرا ما من الوحدة، في البيئة الشديدة التنوع التي اتسمت بها ~~إمبراطورية الإسكندر؟ لا يمكن إنكار أن نجاح الإسكندر كان الأساس لتطورات أعقبت وفاته ~~المبكرة؛ فالصراع على خلافته أعطانا ممالك العصر الهلنستي، لا إمبراطورية مقدونية ولا ~~فارسية جديدة. لكن تفاعل العناصر الإغريقية والمقدونية لم يكن جديدا، واستنتجنا من ~~تأملنا التفاعل الأسبق بين اليونان ومقدونيا أن تبني اللغة والديانة والعادات ~~والمؤسسات الإغريقية كان مستقرا تماما قبل حكم الإسكندر. والواقع أن في اعتماد أبيه ~~على المعاونين الإغريق شهادة إثبات، وهو اعتماد لم يقتصر على البشر بل امتد إلى ~~الآلهة أيضا. تلقى الإسكندر تعليمه على يد أرسطو، ونال دعم زيوس أيضا. ولا شك أن ~~هيلينية مقدونيا تشابكت مع العادات والمعتقدات المقدونية القديمة، وهكذا كان الخيط ~~الثقافي الناظم لإمبراطورية الإسكندر الجديدة هو الهيلينية على الطراز المقدوني، بل ~~ازداد أيضا تقارب الثقافتين ببلوغ الممالك التي خلفت الإسكندر في مصر وآسيا ومقدونيا ~~ذاتها السنوات الأولى من أعمارها. ويفترض هذا التقارب ضمنا وجود فترة تفاعل أطول من ~~عمر الإسكندر الثالث الذي عاش 32 سنة. # الخريطة 5: إمبراطورية الإسكندر. # لا يوجد في وصف الأثر الذي أحدثته أحوال العالم الذي شهد مولد الإسكندر وشكل ~~حياته؛ ما يرمي إلى التقليل من قدرته وإنجازاته؛ فالتفاعل بين المجتمع وأفراده الآحاد ~~متبادل، ومن ثم فإن قواعد الثقافة وهياكلها ترسم الحدود، وأما ردود الأفعال الفردية ~~تجاه الأوضاع القائمة فيمكنها إحداث تغييرات كبيرة، ولبعض الناس تأثير أكبر على ~~عوالمهم من بعضهم الآخر. وينتمي الإسكندر إلى الصنف الأول. # إن تقدير طبيعة عوالم الإسكندر المتعددة يحسن فهمنا هذا الشاب النشيط الذي لم ~~يتسن لأحد سبر أفكاره وانفعالاته؛ فقد اجتمعت تأثيرات البيئة المادية المقدونية، ~~ومنزلته كأحد أفراد السلالة الأرغية الحاكمة، وتدريبه ليكون وريثا محتملا ms200 لفيليب ~~الثاني، لتنتج شابا مدفوعا ليبذ الجميع. كان لزاما أن يكون جسمه في تمام ~~لياقته، وقد درب عقله على جميع مهام القيادة من أجل استجابة حكيمة وسريعة. وكان في ~~أسلافه، ومن بينهم هرقل وآخيل بل زيوس أيضا، تطمين على أنه سينجح، ومن الجائز تماما ~~أن إنجازه هو شخصيا أعمالا بطولية تضاهي أعمال أسلافه في عظمتها أو تفوقها، ~~اعتمد على إيمانه بأنه ذو منزلة خاصة. كانت المهام التي تنتظره لدى مقتل أبيه محددة، ~~فلا بد من أن يعلم الأعداء التقليديون على الفور أن الملك الجديد ينتوي الحفاظ على ~~الملك الذي ورثه، لكن عليه أيضا الاضطلاع بمسئولية الحرب ضد الفرس. وقد ورث بالإضافة ~~إلى هذه المهام الأدوات اللازمة، من جيش ممتاز ومعرفة بحالة العدو الراهنة. # مع تغلغل المقدونيين تغلغلا أعمق في الأراضي الفارسية، اكتشف الإسكندر سمات ~~مشتركة عديدة بين مقدون وفارس، وبهذا أمكن أن تصير الدولتان مملكة واحدة تحت حاكم ~~واحد. كانت كلتا الدولتين تنيط السلطة بالملك، ومع أن جهاز مقدون الإداري لم يكن يضاهي ~~جهاز فارس، كان تقسيم المسئولية في ازدياد في مقدونيا؛ فقد أبرم الملوك الأرغيون قبل ~~ذلك معاهدات وتحالفات بأسمائهم، وولي فيليب مناصب رسمية في الأقاليم التي ضمت ~~إلى السيطرة المقدونية، وعكف الإسكندر على توسيع الممارسة المقدونية الراسخة. لم ~~يوافق الجميع على المزج، ولم يكن يتهاون مع المعارضين. كان القضاء على التهديدات ~~المتصورة سمة أصيلة من سمات أي ملك مقدوني، ونفعه هذا الإرث كثيرا فأمكنه الزحف ~~أكثر فأكثر داخل الإمبراطورية الفارسية، ولو استطاع إقناع رجاله المقدونيين لزحف ~~فيما وراء حدودها الشرقية. # تصف المصادر مختلف الخطط التي صاغها الإسكندر بعد عودته إلى بابل سنة 324، لكن موته ~~في السنة التالية وضع حدا لأي نوايا في نفسه، فلدى موته انتهت القيادة المؤكدة ~~بالمراوغة على السلطة بين ورثته. ومع ذلك يمكن استبانة الشكل العام لخططه المستقبلية؛ ~~فبما أن القدرة العسكرية المقدونية كانت أداة إنشاء المملكة وتوسيعها، فقد ظل الجيش ~~الأداة الأساسية، وسيحتفظ بشكله المقدوني حتى مع إلحاق غير مقدونيين بصفوفه. كانت ~~وحدات من ms201 الجيش تتمركز في الحاميات، وأما لب الجيش فكان في حالة حركة، عاملا على ~~تعزيز تلاحم المملكة وتوسيع حدودها، وكان يقود هذا الجيش الملك نفسه أو يقوده صاحب ~~أهل ثقة عندما تقتضي الضرورة تقسيمه. كان الإسكندر، الذي نادت به جمعية الجيش ~~ملكا، قد أدرك ضرورة أن يكون واحدا من أفراد الجيش، فقاده قيادة مباشرة، وعرف ~~أسماء رفاقه، وعقد المجالس مع كبار معاونيه، وعاقر الخمر واصطاد معهم بانتظام، ومارس ~~الطقوس الدينية. لا شك أن أهورا مزدا ما كان ليحل محل زيوس والآلهة الكبار الآخرين. كان ~~يدرك - وكانوا هم أيضا يدركون - تفوق الإسكندر بكل هذه المناصب، وهو ما يتضح من ~~فهمه التكتيكات والاستراتيجية، فضلا عن تألقه في القتال. # بالإضافة إلى القاعدة العسكرية أبقى الإسكندر على المراكز القائمة، وأنشأ منشآت جديدة ~~كما فعل في السنوات الأولى من حكمه، ولبت هذه المنشآت الحاجات الإدارية التي كانت ~~تلبيها بيلا في مقدون، وساهمت بها بابل وشوشان وإكباتان في الإمبراطورية الفارسية، ~~وأمكنها فوق ذلك تعزيز المزيج الثقافي المتنوع للمملكة الجديدة، وكانت هذه أيضا من ~~وظائف مراكز الدولة في كل من مقدون وفارس قبل ضم المملكتين. # خلاصة القول أن الإسكندر الثالث المقدوني يمكن فهمه فهما أتم كرجل صاحب دوافع ~~قوية طوال حياته بأكملها. كانت حياته معرضة للخطر منذ ميلاده كواحد من أبناء الفرع ~~الحاكم من السلالة الأرغية، والواقع أنه كانت تحيق بالصبي تهديدات من داخل هذا الفرع ~~ذاته، منبعها أبناء عمومته وإخوته غير الأشقاء من زوجات أبيه الكثيرات. كابن صحيح ~~عاقل، دفعه أبوه الملك إلى تنمية المهارات المطلوبة من ملك مستقبلي؛ أما أمه، غير ~~المقدونية، فصقلت مهاراته بطرق أخرى، ومنها مثلا اختيارها قريبها ليونيداس ليكون ~~معلمه في سنوات عمره المبكرة. لقد عرف من كلا أبويه أن نسبه يبشر بأن بإمكانه ~~الطموح إلى إنجازات آخيل وهرقل وديونيسيوس وزيوس. # كانت الدراية بطبيعة مقدونيا والمناطق المجاورة ضرورية للدفاع عن حدودها، وكانت تلك ~~الطبيعة قاسية، وتستدعي لياقة بدنية رفيعة لتسلق الجبال وخوض الأنهار والدفاع عن ~~الممرات الضيقة. كان تنافسه مع الشباب الآخرين في ms202 التدريب في بيلا دافعا إضافيا ~~للتفوق عليهم إذا كان يحدوه أي أمل في الفوز باحترامهم كملك. ولأن غلمان الملك ~~كانوا من أصل أرستقراطي، فلا بد من أن آباءهم كانوا مهرة في ركوب الخيل، وهكذا فكان ~~لا بد للإسكندر أيضا من أن يتفوق عليهم في ركوب الخيل. # مع النجاح في توسيع المملكة جاءت الحاجات الإدارية، وهذا صنف آخر من أصناف التعليم ~~الذي تلقاه الإسكندر؛ فمن حياته في بيلا تعرف على الوحدات الإدارية العديدة، ومن ~~فيليب اكتسب معرفته بالمعاهدات التي يبرمها الملك، والمناصب الرسمية المتعددة التي ~~اكتسبها بفتح دول أخرى. ويوجد بعد آخر أضافه معلمه المتأخر أرسطو، الذي تناول ~~حتما جوانب الحكم النظرية في كتابه «عن الملكية»، مع أنه ضاع كما سبق أن ~~نوهنا. # وهكذا خضع الإسكندر لاختبارات مستمرة طوال فترة صباه، وعندما بلغ أول مبالغ الرجال، ~~اتخذت تلك الاختبارات صورة مناصب رسمية، كوصايته على العرش وقيادته جناح الجيش، ~~وأكسبه إظهاره أداء جيدا فيها احترام معاوني الملك الذين يكبرونه بمثلي عمره. ~~أيداني هذا الصبي فيليب في مهارته؟ أيسعى هذا الصبي للتفوق على فيليب؟ لا شك أن ~~غلبة احتمال قدرته على القيادة، بأساليب تضارع أساليب أبيه إن لم تفقها، على ظن ~~رجال أبيه؛ دفعتهم إلى تأييد مناداة الجيش به ملكا، وهي مناداة جاءت من كثيرين ممن ~~لديهم خبرة بقدرات الإسكندر من واقع تدريبهم المشترك. # هل سمحت الفترة الأولى من حياته، وتناهز ثلثيها، بوقت كبير للعلاقات الخاصة ~~الهادئة، كالزواج بامرأة من محض اختياره؟ كلا، كان الزواج عند الأرغيين آنذاك أداة ~~دبلوماسية في المقام الأول، وكان فيليب - حتى موته - العنصر الفاعل في مثل هذه ~~الزيجات. ولم تكن السنتان الأوليان من حكمه بحاجة إلى تحالفات زواج جديدة؛ إذ كانت ~~تراقيا واليونان وإليريا وإبيروس مرتبطة بالفعل بشبكة معاهدات معززة بالزواج. كذلك ~~يوجد ما يبرر ظننا أن مناخ البيت في بيلا لم يكن شديد الود. ومن ناحية أخرى، كان ~~بمقدور الإسكندر أن يكن حبا عظيما، وخصوصا للصحابة الذين خاطروا بحياتهم من ~~أجله، والذين اتبعوا أوامره، واتبعوها باقتدار تام. ms203 وتشبه علاقته ببارسين ~~الإغريقية/الفارسية (في البداية كصديقة في بيلا، وفيما بعد كمحظية في فارس) نوعا ما ~~علاقاته بأصدقائه الذكور. لكن هل استشعر الأمان المطلق حتى باتخاذه هؤلاء ~~الصحابة؟ # كان هذا الدافع الأساسي الذي لا يلين أصل نجاحه، وسيكون هذا واضحا في حضوره ~~البدني. لا يسعنا معرفة ما إذا كانت عيناه زرقاوين زرقة صارخة، لكن يسعنا اعتقاد أن ~~نظرته كانت تستحوذ على انتباه كل من ينظر إلى تلكما العينين. ولا نعرف ما إذا كان ~~قصير القامة أو عريض المنكبين، لكن المؤكد أنه كان لائقا لأي مهمة بدنية. كان الإسكندر ~~ذا حظ عظيم في ظروفه، وقد استخدم نتاج تلك الظروف بعبقرية. # | المراجع # يسير ثبت المراجع على خطى النهج غير الاعتيادي في تناول الموضوع، فبدلا من تقديم سرد ~~لحياة الإسكندر مصحوبا بتأمل لأهم الأسئلة المرتبطة به، تسعى هذه الدراسة إلى فتح ~~«نوافذ» أخرى للتعرف على هذا الشخص؛ ومن ثم لا توجد إسنادات كثيرة إلى أعمال أكاديمية ~~تتناول جوانب سيرة الإسكندر. ومن المصادر الحديثة المفيدة لهذه المعلومات كتاب «الإسكندر ~~الأكبر» (2004) - المذكور أدناه - لمؤلفه بول كارتليدج. وتوجد صعوبة أخرى هي عدم وجود ~~حواش سفلية نذكر فيها المصادر المستغلقة، وهكذا نورد بعضها - مما نستبعد جذبه اهتمام ~~قراء كثيرين - في القائمة التالية. ~~(1) المصادر # De Selincourt, A. (tr.) 1929-1933 and 1972 rev. ed., intro. ~~and notes J. R. Hamilton. # Arrian’s Campaign of ~~Alexander. # London: Penguin. # Accessible, readable translation with useful notes, basic ~~bibliography, and four maps. # Heckel, W. and Yardley, J. C. (eds.) 2004. # Alexander the Great: Historical Sources in ~~Translation. # Oxford: Blackwell. # Following a description of sources, lost as well as extant, ~~excerpts from the sources are organized by specific categories such as ~~the Macedonian background, the army and war, Alexander and the ~~Macedonians. Pearson, L. 1960. # The Lost ~~Histories of Alexander the Great. # New York: American Philological Association. # Description of the known, now lost, accounts of Alexander, ~~from those of official historians through reminiscences, antiquarians, ~~and purported works ms204 such as Alexander’s last ~~plans. # Robinson, C. A. Jr. 1932. # The Ephemerides of Alexander’s Expedition. Providence: Brown University. # Robinson, C. A. Jr. 1953. # The ~~History of Alexander the Great I: A Translation of the Extant ~~Fragments. Providence: Brown ~~University. # Reconstruction of the day-book accounts of Alexander’s ~~campaign thought to have been kept but whose genuineness is doubted by ~~many. # Stoneman, R. 1994. # Legends of ~~Alexander the Great. # London: Dent. # Collection of legendary reports, such as a conversation ~~between Alexander and Brahman leaders and a letter to Aristotle on ~~India, that we wish were genuine. # Tarn, W. W. 1948. # Alexander the ~~Great II: Sources and Studies. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Examination of sources with appendices on major issues such ~~as the author’s view that Alexander was motivated by a belief in the ~~brotherhood of mankind. ~~(2) الإسكندر # Bosworth, A. B. and E. J. Baynham (eds.) 2000. # Alexander the Great in Fact and Fiction. # Oxford and New York: Oxford University Press. # Articles resulting from a 1997 symposium with the aim of ~~identifying distortion and myth-making in accounts of ~~Alexander. # Cartledge, P. 2004. # Alexander the ~~Great: The Hunt for a New Past. # NewYork: ~~Vintage. # Readable account resulting from the author’s goal of doing ~~justice to the achievement of its subject, including some probing into ~~Alexander’s psyche, while appreciating the limited evidence. Also ~~valuable for its excellent aids: dramatis personae; glossary; sturdy, ~~annotated bibliography. # Fuller, J. F. C., 1960. # The ~~Generalship of Alexander the Great. # New Brunswick, NJ: ~~Rutgers University Press. # An account of Alexander’s generalship by a modern ~~commander. # Green, P. 1991. # Alexander of ~~Macedon 356-323 B. C.: A Historical Biography. # Berkeley, ~~Los Angeles, and Oxford: University of California Press. # Reprint of the 1970 study that has rightly retained ~~readership for its completeness, beginning with Philip and ending with ~~reflection on the mythification that set in after Alexander’s death. ~~Readers will appreciate ms205 the full references and bibliography as well as ~~the engaging style that marks all of Green’s ~~writing. # Mossé, C. 2004. # Alexander: Destiny ~~and Myth ~~(tr. by J. Lloyd of # Alesandre: La destinée d’un myth. Paris: Payot and ~~Rivages, 2001). Edinburgh: Edinburgh University Press. # The original title more aptly defines the goal of the ~~author in tracking the evolution of legends of Alexander, including the ~~mythic elements. Following an account of Alexander’s campaign, ~~discussion turns to specific aspects of the man and his ~~legacy. # Napoleon’s estimation. LVII. A Manuscript found in the Portfolio of Las Cases, containing Maxims and Observations of Napoleon, ~~collected during the last two years of his Residence at St. Helena tr. ~~from the French. [London: Alexander Black, 1820.] # Tarn,W. W. 1948. # Alexander the ~~Great II: Sources and Studies. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Wright, F. A. 1934. # Alexander the ~~Great. # London: Routledge. ~~(3) مقدونيا # Andronikos, M. 1984 and 2004. # Vergina: The Royal Tombs and the Ancient City. # Athens: ~~Ekdotike Athenon SA. # Account by the archaeologist who discovered the remarkable ~~tombs at Vergina in 1977. Chapters treat the Vergina antiquities, the ~~royal tombs in particular, and questions concerning dating and identity ~~of the dead. Initial identification placed Philip II in one of the ~~tombs. The matter continues to be debated. Illustrations are numerous ~~and magnificent. # Borza, E. N. 1982. The Natural Resources of Early ~~Macedonia. In W. L. Adams and E. N. Borza (eds.), Philip II, Alexander the Great and the Macedonian ~~Heritage. # Lanham and New York: University Press of ~~America, 1-20. # Useful summary of the physical nature of Macedonia by a ~~scholar who has a wide range of publications on ancient Macedonia to his ~~credit. # Borza, E. N. 1990. # In the Shadow of ~~Olympus: The Emergence of Macedon. Princeton, NJ: Princeton University Press. # Impressive account of Macedonian developments from their ~~misty beginnings through the achievements of Philip II. ms206 The author ~~tackles all of the thorny issues of this subject including the ~~identities of the dead in the Vergina tombs. Bibliographic notes as well ~~as more standard bibliographic references are very ~~helpful. # Chroust, A.-H. 1972. Aristotle and the Foreign Policy of ~~Macedonia. # Review of Politics # 34.3, ~~367-94. # The author has devoted much of his career in scholarship to ~~Aristotle. Included in his interests are the “historical Aristotle,” a ~~focus that involves the philosopher’s links with Macedon and particular ~~Macedonians. # Corvisier, J.-N. 1991. # Aux Origines ~~du Miracle Grec. Paris: Presses Universitaires de ~~France. # An excellent resource for developments in northern ~~Greece-Thessaly, Macedon, and Epiros-tracing the process of settlement, ~~organization and use of space, and population size and ~~dispersal. # Drougou, S. and C. Saatsoglou-Paliadeli 1999. # Vergina: Wandering through the Archaeological ~~Site. # Athens: Ministry of Culture. # Compact but beautifully illustrated guide to the site with ~~succinct commentary on the excavation and its ~~findings. # Edson, C. 1970. Early Macedonia. # Archaia Makedonia # 1, 17-44. # Even before such finds as those at Vergina, Charles Edson ~~penetrated the nature of its early culture in this revealing ~~account. # Errington, R. M. 1990. # A History of ~~Macedonia ~~(tr. by C. Errington of # Geschichte Makedoniens ~~. Munich: Beck, 1986). Berkeley ~~and Los Angeles: University of California Press. # Hammond, N. G. L. 1972. # A History ~~of Macedonia I: Historical Geography and Prehistory. # Oxford: Clarendon Press. # Dropped behind the lines of the German occupiers of Greece ~~to aid the resistance, Nicholas Hammond became intimately familiar with ~~the land. Macedonia was a major object of his attention through a long ~~and distinguished career. Volume I of three describes the historical ~~geography of Macedonia and its prehistory, carrying the story to 550 ~~BC. # Hammond, N. G. L. 1991. # The Miracle ~~that was Macedonia. # London and New York: Sidgwick and ~~Jackson and St Martin’s Press. # Far more compact account of ancient Macedonian history ~~intended ms207 for a wider readership than the previous or subsequent ~~books. # Hammond, N. G. L. and G. T. Griffith 1979. # A History of Macedonia II: 550-336 BC. # Oxford: Clarendon Press. # In volume II in the series, the authors describe the ~~development of the state and its difficulties in ~~surviving. # Siganidou, M. and M. Lilimpaki-Akamati. 2003. Pella: Capital of Macedonians. # Athens: ~~Ministry of Culture. # Another publication by the Greek Ministry of Culture in ~~format and quality akin to that on Vergina, cited ~~above. # Touratsoglou, I. 2004. # Macedonia: ~~History, Monuments, Museums. # Athens: Ekdotike Athenon ~~SA. # Because the archaeological finds in Macedonia are recent, ~~it is not easy to find useful compendia. This is an excellently full ~~source. ~~(4) الأرغيون # Borza, E. N. 1982. Athenians, Macedonians, and the Origins ~~of the Macedonian Royal House. # Hesperia # Supplement 19, 7-13. # Makes a case against the tradition that argued a Greek ~~origin for the Argead rulers of Macedon. Acceptance of such a tradition, ~~however, may have been useful for the Macedonian ~~kings. # Greenwalt, W. S. 2003. Archelaus the Philhellene. # Ancient World # 34.2, ~~131-53. # Focusing on the interest of Archelaos II in Greek culture, ~~the author argues that it served as a tool for extensive change in ~~Macedonian society, politics, and economic ~~organization. # Hatzopoulos, M. B. 1986. Succession and Regency in ~~Classical Macedonia. # Archaia ~~Makedonia # 4, 279-92. # That priority of succession was given to the ruling king’s ~~first-born son is the argument of this important scholar of ~~Macedonia. ~~(5) فيليب # Hammond, N. 1995. Philip’s Innovations in Macedonian ~~Economy. # Symbolae # Osloenses # 70, ~~22-9. # Concise overview of Philip’s role in the economic ~~development of Macedonia. # Hatzopoulos, M. B and L. D. Loukopoulos (eds.) 1992. Philip of Macedon. # Athens: ~~Ekdotike Athenon SA. # Collection of articles by major scholars on various aspects ~~of Philip II. Included are the Charles Edson essay “Early Macedonia,” ~~cited above under “Macedonia,” another by H. Dell, cited below under ~~“Military ms208 momentum,” two contributions by G. Cawkwell on Philip’s ~~relations with the Greeks, plus nine other essays. The volume is nicely ~~illustrated, and includes useful but not overly extensive notes and ~~bibliography. # Momigliano, A. 1934. # Filippo il ~~Macedone. # Florence: Felice le ~~Monnier. # Contribution of one of the major scholars of the ancient ~~world to our understanding of the role of Philip of Macedon. Beginning ~~with an account of Macedonia from the time of Alexander I (to whom he ~~credits the creation of the # pez-hetairoi) # to Philip II, the author then concentrates ~~on Philip’s reign within the larger context of the period, and concludes ~~with an examination of the new form of panhellenism that Philip’s ~~success established for the Greeks. Perlman, S. 1985. Greek Diplomatic Tradition and the ~~Corinthian League of Philip of Macedon. # Historia # 34, 153-74. # Makes a case for Philip’s use of traditional Greek treaties ~~and diplomacy to create in the League of Corinth an organization that ~~would be acceptable to the Greeks, while allowing him to become its ~~hegemon as well as the leader of the campaign against Persia. # Roebuck, C. A. 1948. The Settlements of Philip II in 338 ~~BC. # Classical Philology # 43, 73-92. # Careful study of the settlements orchestrated by Philip ~~following the Macedonian victory at Chaironeia that provided the basis ~~for the creation of the League of Corinth. # Ryder, T. T. B. 1965. Eclipse of the Leading Powers and the ~~Rise of Macedon. In Ryder, # Koine ~~Eirene. # Oxford: Oxford University Press for the ~~University of Hull, 87-101. # Description of Philip’s successes within the fluid alliance ~~structure of the fourth century. # Worthington, I. 2003. Alexander, Philip, and the Macedonian ~~Background. In J. Roisman (ed.), # Brill’s ~~Companion to Alexander the Great. # Leiden and Boston: ~~Brill, 69-98. Persuasive argument that the adjective “great” is ~~appropriate to Philip in light of his accomplishments as Macedonian ~~king, commander ms209 of the army, and statesman in his wider dealings with ~~other fourth-century states. ~~(6) أوليمبياس # Carney, E. 1987. Olympias. # Ancient ~~Society # 18, 35-62. # Carney, E. 2000. # Women and Monarchy ~~in Macedonia. # Norman, OK: University of Oklahoma Press. # Carney, E., forthcoming. # Olympias: ~~Mother of Alexander the Great. # London and New York: ~~Routledge. # Elizabeth Carney is the main source for serious study of ~~the role of women, particularly royal women, in Macedonian history. Not ~~only do individual figures gain personalities but the change in women’s ~~status over time is carefully demonstrated. # Heckel,W. 1981. Philip and Olympias 337/36. In G. S. ~~Shrimpton and D. J. McCargar (eds.), # Classical ~~Contributions: Studies in Honour of M. F. McGregor. # Locust Valley, NY: J. J. Augustin, 51-7. # Examination of the relationship between Philip and Olympias ~~as a result of the quarrel between Philip and Alexander, which led to ~~Alexander and Olympias leaving Macedonia from 337 to the following ~~year. ~~(7) اليونان ومقدونيا ~~(7-1) الإثنية # Adams,W. L. 1996. Historical Perceptions of ~~Greco-Macedonian Ethnicity in the Hellenistic Age. # Balkan Studies # 37, ~~205-22. # While the focus of the discussion is post-Alexander, ~~the author perceives, rightly I believe, the importance of ~~hellenization in the fourth century. I would argue that the ~~“blurring of lines” was occurring even ~~earlier. # Badian, E. 1982. Greeks and Macedonians. In B. ~~Barr-Sharrar and E. N. Borza (eds.), # Macedonia and Greece in Late Classical and Early Hellenistic ~~Times. # Washington, DC: National Gallery of Art, ~~33-51. Professor Badian has published extensively and ~~insightfully on Macedonian matters. In this essay he argues that ~~Macedonians were not thought by others to be Greek, nor did they ~~consider themselves to be Greek. A claim to Greek origins may have ~~originated in the fifth or early fourth century, “a sorry time” for ~~Macedonia. # Borza, E. N. 1996. Greeks and Macedonians in the Age of ~~Alexander: The Source Traditions. In R.W.Wallace and E. ms210 M. Harris ~~(eds.), # Transitions ~~to Empire: Essays in Greco-Roman History, 360-146 ~~B. C., in Honor of E. Badian. # Norman, OK and London: ~~University of Oklahoma Press, 122-39. # Borza, E. N. 1999. Origins, Ethnicity, ~~and Institutions. In # Before Alexander: # Constructing Early ~~Macedonia. # Claremont, CA: Regina ~~Books. # In this and numerous other publications, Professor ~~Borza solidly defends the view that Greek and Macedonian ethnicities ~~differ from one another in most respects: language, cultural ~~practices, material culture, societal organization, economic way of ~~life. # Fotiadis, M. 2001. Imagining Macedonia in Prehistory, ~~ca. 1900-1930. # Journal of Mediterranean ~~Archaeology # 14.2, 115-35. # In an unusual, but valuable, approach to the issues of ~~Macedonian identity, the author maintains that the view of ~~Macedonians as the antithesis of the Greeks emerged when research in ~~the region expanded during the early twentieth century. While Greeks ~~might have passed through Macedonia, they continued south and ~~produced a different way of life. # Hall, J. 2001. Contested Ethnicities: Perceptions of ~~Macedon within Evolving Definitions of Greek Identity. In I. Malkin ~~(ed.), # Ancient Perceptions of Greek ~~Ethnicity. # Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~159-86. # Useful picture of the ambiguities between ethnicity and ~~the heroic claims of peoples in northern Greece upon the expanding ~~colonization from southern Greece. # Hammond, N. G. L. and G. T. Griffith 1979. # A History of Macedonia II: 550-336 BC. # Oxford: Clarendon Press. # Chapter 3, part 5, discusses the influence of Greek ~~culture, and part 6 treats the institutions of the Macedonians and ~~their neighbors. Promponas, I. K. 1977. MAKEDONIKA KAI OMHRIKA GLWSSA. # Archaia Makedonia # 2, ~~397-407. # Evidence for Greek linguistic elements in ~~Macedonia. ~~(7-2) نظرة الإغريق للمقدونيين # Connor,W. R. 1966. # Greek ~~Orations. # Ann Arbor: University of Michigan Press. # Handy English translation of important ~~orations. # Jacoby, F. 1923-58. # Die ~~Fragmente der Griechischen Historiker. # Berlin: ~~Weidman. # Saunders, A. N. (tr.) 1975. # Demosthenes and Aeschines. # Harmondsworth: Penguin. # Translations of the differing perspectives exemplified ~~by ms211 Demosthenes, the bitter foe of Philip, and Aischines, who found ~~traits to admire. ~~(7-3) النظرة المشتركة بين الإغريق والمقدونيين لبلاد فارس # Bloedow, E. 2003. Why did Philip and Alexander Launch a ~~War against the Persian Empire? # L’Antiquité ~~Classique # LXXII, 261-74. # I was elated and relieved to read this essay by a ~~valued colleague and friend who argues the genuineness of common ~~grounds for the campaign against Persia by the League of Corinth ~~under its Macedonian hegemon. ~~(7-4) عام # Buckler, J. 2003. # Aegean Greece ~~in the Fourth Century. # Leiden and Boston: ~~Brill. # Full account beginning with the end of the Peloponnesian War and ending in 336 with the death of Philip ~~II. # Ehrenberg,V. 1960. # The Greek ~~State. # Oxford: Blackwell. # Although published in 1960, this account of the Greek ~~state remains a standard source for the defining features of the ~~polis as well as its structure and functions. A chapter on types of ~~federations is valuable for developments of the fourth century and ~~beyond. # Hansen, M. H. 2005. # The Shotgun ~~Method: The Demography of the Classical Polis. # Columbia, MO: University of Missouri Press. # One of many recent studies of the Greek polis by one of ~~the most productive scholars on the subject, both through his ~~individual publications and through the Copenhagen Polis Centre over ~~which he presides. ~~(8) الزخم العسكري # Dell, H. 1992. Philip and Macedonia’s Northern Neighbors. ~~In M. B. Hatzopoulos and L. D. Loukopoulos (eds.), Philip of Macedon. # Athens: Ekdotike Athenon ~~SA, 90-9. # Deftly and succinctly pictures the nature of the peoples ~~inhabiting the northern extension of the Greek sphere and their ~~interactions with reference to their role in Macedonian ~~history. # Ellis, J. 1976. Philip II and ~~Macedonian Imperialism. # London: Thames and ~~Hudson. # This treatment of the rise of Macedonian power, especially ~~during the reign of Philip II, stresses the need for an exceptional ~~military in order, first, ms212 to survive as an independent state and, ~~increasingly, to control hostile neighbors. The author also reveals how ~~the existence of such a force would determine future actions on the part ~~of its leaders. # Hanson,V. D. 1999. # Wars of the ~~Ancient Greeks. # Washington DC: Smithsonian Publications. # Chapter 3 of this account by a noted military historian ~~discusses the great wars (490-362), and chapter 4 explores the second ~~military revolution (362-336). # Marsden, E. W. 1977. Macedonian Military Machinery and its ~~Designers under Philip and Alexander. # Archaia ~~Makedonia # 2, 211-23. # Important essay on an essential ingredient of the success ~~of Philip and Alexander. ~~(9) المعاونون # Edson, C. 1934. The Antigonids, Heracles, and Beroea. # Harvard Studies ~~in # Classical Philology # 45, ~~213-46. # Argues the view that Antigonos came from Beroea, a stance ~~not widely accepted although recent evidence strengthens the case: see ~~A. B. Tataki, # Ancient Beroea: Prosopography and ~~Society. # Melethmata 8. Athens: Research Centre for Greek ~~and Roman Antiquity, National Hellenic Research ~~Foundation. # Heckel, W. 1992. # The Marshals of ~~Alexander’s Empire. # London and New York: ~~Routledge. Provides an essential tool in a study of Alexander’s ~~subordinates. Part I treats “Old Guard,” “New Men,” “Casualities of the ~~Succession” and “Boyhood Friends.” Part II discusses careers within the military. It updates and serves, for non-German readers, the purpose of ~~H. Berve’s two-volume work # Das Alexanderreich ~~auf prosopographischer Grundlage ~~(Munich: Beck, 1925-1926). ~~(10) فارس # Briant, P. 2002. # From Cyrus to ~~Alexander: A History of the Persian Empire ~~(tr. by P. T. ~~Daniels of # Histoire de l’Empire ~~perse ~~. Paris: Libraire Arthème Fayard, 1996). Winona Lake, ~~IN: Eisenbrauns. # Fullest (1,196 pages), best-documented account available, ~~unlikely to be bettered. The author does not see serious difficulties in ~~the empire even after Alexander had entered Anatolia. Briant has also ~~written two accounts of Alexander: an excellent, very concise study for ~~the French Que sais-je? series, # Alexandre Le ~~Grand ~~(Paris: Presses Universitaires de ms213 France, 1974, ~~sixth ed. 2005) and # Alexander the Great: The ~~Heroic Ideal ~~(French edition 1987; English edition, ~~London: Thames and Hudson, 1996). # Cawkwell, G. 2005. # The Greek Wars: ~~The Failure of Persia. # Oxford: Oxford University Press. # Useful summary that discloses several serious flaws in the ~~empire, such as the internal disorder that often accompanied accessions. ~~See esp. chapter 10, “The End of the Achaemenids: Macedonia and Persia.” # Cook, J. M. 1983. # The Persian ~~Empire. # London: Schocken Books. # Account of Achaemenid Persia from its emergence through its ~~defeat at the hands of the Macedonian army of Alexander; far more ~~concise than Briant (2002). # Starr, C. 1973 and 1977. Greeks and Persians in the Fourth ~~Century: A Study in Cultural Contacts before Alexander. Part I, # Iranica Antiqua # 11, 39-99; Part ~~II, # Iranica Antigua # 12, ~~49-115. # Valuable examinations of the cultural relationships of the ~~peoples facing one another across the Aegean Sea during the critical ~~decades of the rise of Macedonia. ~~(10-1) زينوفون # The Persian Expedition ~~(Anabasis) # 1972. Tr. Rex Warner, intro. G. Cawkwell. ~~Harmondsworth: Penguin. # Xenophon’s account of the Greek mercenaries’ ~~participation in the contest between Artaxerxes II and his brother ~~Kyros. # The Education of Kyros ~~(Cyropaideia) # 2001. Tr. H. G. Dakyns. New York: ~~Knopf. # Description of the education of Kyros the Great that ~~preserves information about Achaemenid ~~culture. ~~(11) موضوعات متفرقة # Braudel, F. 2001. # Memory and the ~~Mediterranean. # New York: Knopf. # Magnificent account of the flow of history in cultures ~~connected by the Mediterranean Sea from prehistory to the Roman creation ~~of its empire, by the man who had been identified as one of the greatest ~~historians of the twentieth century. # Diamond, J. 1997. # Guns, Germs and ~~Steel: The Fates of Human Societies. # New York: ~~Norton. ms214