######OpenITI# #META# URI: 1450KhalidGharibCali.HirodotMuqaddimaQasira.Hindawi84072709 #META# Tags: history #META# ID: 84072709 #META# Title: هيرودوت: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 74963695 #META# Author: جينيفر تي روبرتس #META# EditorID: 59292641 #META# Editor: إيمان عبد الغني نجم #META# TranslatorID: 14163505 #META# Translator: خالد غريب علي #META# Related_books: 1450JenniferTRoberts.HerodotusShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - عالم هيرودوت‏ # 2 - الأصول والمؤرخ‏ # 3 - الحرب بين الإغريق والفرس‏ # 4 - هيرودوت الإثنوجرافي‏ # 5 - المرأة في التاريخ، والمرأة في «تاريخ ~~هيرودوت»‏ # 6 - هيرودوت والآلهة‏ # 7 - هيرودوت القاص‏ # 8 - هيرودوت المؤرخ‏ # قراءات إضافية‏ # تسلسل زمني‏ # مقدمة‏ # 1 - عالم هيرودوت‏ # 2 - الأصول والمؤرخ‏ # 3 - الحرب بين الإغريق والفرس‏ # 4 - هيرودوت الإثنوجرافي‏ # 5 - المرأة في التاريخ، والمرأة في «تاريخ ~~هيرودوت»‏ # 6 - هيرودوت والآلهة‏ # 7 - هيرودوت القاص‏ # 8 - هيرودوت المؤرخ‏ # قراءات إضافية‏ # تسلسل زمني‏ # | هيرودوت # | هيرودوت # | ‏‏‏‏‏‏‏‏مقدمة قصيرة جدا # تأليف # جينيفر تي روبرتس # ترجمة # خالد غريب علي # مراجعة # إيمان عبد الغني نجم # إلى ابني # العالم الإغريقي في عصر هيرودوت. # | مقدمة # لم يكن آمبروز بيرس وحده من نبذ التاريخ باعتباره سردا لأحداث افتعلها «حكام معظمهم ~~مدلسون وجنود معظمهم حمقى.» ولتتأمل كلمات مؤرخ روما القديمة العظيم إدوارد جيبون الذي ~~وصف التاريخ بأنه «ليس أكثر من سجل لجرائم البشرية وحماقاتها وبلاياها.» وأما جين أوستن، ~~فأضافت غياب المرأة إلى هذا المزيج، حيث اشتهر عنها تنويهها إلى أن التاريخ كله حروب ~~وكوارث، وصراعات بين الأقوياء، و«رجال لا خير فيهم، وبالكاد يظهر النساء.» فمن ذا الذي ~~اخترع هذا الشيء البغيض؟ ومتى وأين ولماذا؟ # ظهر التاريخ - كما نعرفه - إلى الوجود في اليونان في النصف الثاني من القرن الخامس قبل ~~الميلاد؛ أي في زمان ومكان شهدا وفرة غير عادية في الإنتاج الثقافي والفكري. وقبل ذلك، ~~كانت تؤلف سرود للأحداث، لكنها - على نحو ما وصلتنا - كانت تجمع دائما لخدمة أجندة ~~معينة؛ إذ كانت تهدف مثلا إلى تمجيد أي من ملوك آشور، أو بيان هيمنة الإله يهوه على شئون ~~البشر. وكان إنجازا رائعا للمؤرخين الإغريق العظماء الذين عاشوا في القرن الخامس أن حذوا ~~حذو المشتغلين بالعلوم الطبيعية، واضطلعوا ببحوث أطلقوا عليها في لغتهم اسم «هستوريا»؛ ~~بمعنى تاريخ، وكان غرضها الارتقاء بفهمهم للماضي والحاضر، وربما المستقبل، ونقل هذا الفهم ~~إلى جمهور عريض. وعلى الرغم من أن الآلهة كان لها دور بكل تأكيد، فإن الهستوريا كان في ~~أغلبه مشروعا علمانيا يهدف إلى بيان الطبيعة ms01 البشرية وسلوكياتها. ولقد كان هيرودوت من ~~غير ريب سيؤيد ادعاء آر جي كولنجوود بأن قيمة التاريخ تكمن في «أنه يعلمنا ما فعله الرجل، ~~ومن ثم ماهية الرجل»، لكن ربما كان حريا به أن يستبدل كلمة «الإنسانية» بكلمة «الرجل» ~~ليضمن اشتمال المرأة. # عني بهذا المشروع غير العادي مؤرخان يختلف أحدهما عن الآخر تمام الاختلاف، وكان الفاصل ~~بينهما على الأرجح قرنا من الزمان. ولقد قيل إن هيرودوت، المولود زهاء سنة 484 قبل ~~الميلاد، أسال مدامع الشاب ثوسيديديس عندما تلا على مسامعه مقتطفات من عمله. وخلع الأديب ~~الروماني شيشرون على الرائد هيرودوت لقب «أبو التاريخ» على الرغم من إقراره باشتمال «تاريخ ~~هيرودوت» على أساطير لا تحصى (وكان محقا فيما يخص تلك الأساطير، ولسوف نعود إليها). لكن ~~التاريخ كما تصوره هيرودوت لم يكن سجل «الخرائط والأشخاص» ذلك الذي اعترف مفكرون مثل ~~بيرس وجيبون وأوستن بازدرائهم إياه. وعلى الرغم من افتتان هيرودوت يقينا بكل من الخرائط ~~والأشخاص، إلا أن عمله اشتمل على ما هو أكثر من ذلك بكثير. # فقد كان هيرودوت أول من اضطلع بمهمة فرز الخرافة عن الحقيقة على مشقتها. والواقع أنه هو ~~أول من رأى فارقا بين الاثنتين؛ فباستخدام الاستقصاء والتمحيص والتراث المسموع والذكاء ~~الفطري، أنتج منسوجة نصية مزخرفة تتمحور حول السؤال الجوهري الذي راوده في شبابه: كيف خاض ~~الإغريق والفرس حروبا ضد بعضهم بعضا، وما سبب انتصار الإغريق على الرغم من تفوق الفرس ~~الملحوظ في العدد والعدة؟ تحدث هيرودوت معربا عن رأيه كمواطن عادي، فلا ملك أعطاه ~~إذنا ولا إله، ولم يستلهم وحي ربات الفنون - على خلاف سلفه في رواية القصص الطويلة ~~جدا (وأعني مؤلف، أو مؤلفي، الإلياذة والأوديسة) - بل اعتمد بالكلية على مصادره البشرية ~~وما أوتي من قدرات بشرية على التحليل. لقد كان بمفرده. # لا ريب أني سأكون مبالغا إذا ادعيت أن هيرودوت ذهب بجرأة إلى حيث لم يذهب أحد ~~قبله؛ إذ ألفت بعض الأعمال التاريخية المصغرة من قبل، وكانت تتناول التقاليد المحلية ~~في العادة، وتظهر الشذرات التي وصلتنا أن الإثنوجرافيا ms02 (دراسة الأعراق) شكلت جزءا ~~من العمل النثري الذي ألفه هيكاتايوس الملطي قرابة سنة 500 قبل الميلاد بعنوان «رحلة ~~حول العالم». لكن لم يكن قد سبق وضع أي مصنف على مستوى مؤلف هيرودوت على الإطلاق؛ ~~إذ كان يفوق أيا من قصيدتي هوميروس في الطول بفارق كبير، وكان هائل النطاق فيما يتعلق ~~بالزمان والمكان على السواء، واعتمد مبدأ تنظيمه على زحف الطاغوت الفارسي، حيث نالت كل أمة ~~اتصل بها الفرس قبل هجومهم على اليونان في القرن الخامس معالجة إثنوجرافية، تطول وتقصر ~~حسب مقدار معلومات هيرودوت أو اهتمام الجمهور الإغريقي كما يتصوره هيرودوت. # يأسرنا راوينا المتجول - وهو مفكر ورحالة يتميز بفضول لا ينضب - في سرده بشدة تعطشه ~~إلى المعرفة على نحو يصيبنا بالعدوى؛ فهيرودوت «يريد أن يعرف»، سواء أكانت هذه المعرفة ~~تخص القصة الحقيقية لاختطاف هيلين (يقول هيرودوت إنها لم تكن قط في طروادة، لكنها ظلت ~~في مصر طوال الحرب)، أم الطريقة التي دفن بها السكيث ملوكهم (كانوا يدفنون معهم كثيرا من ~~الخدم والأتباع)، أم كيف استقبل التراوسوي - وهم من التراقيين - ميلاد الأطفال (كانوا ~~يتفجعون للمعاناة التي سيلاقونها)، أم كيف تقاتل الإغريق والفرس (قصة طويلة جدا في ~~حقيقة الأمر). وكان هيرودوت سيوافق الصحفي البولندي ريزارد كابوشنسكي (الذي سافر إلى كل ~~أنحاء العالم مصطحبا نسخة من «تاريخ هيرودوت») تماما في قوله إننا «لن نفهم أي شيء عن ~~العالم دون محاولة استخدام طرق أخرى للنظر والإدراك والوصف.» وهو، فيما نقرأ، ينقل إلينا ~~رغبته العارمة؛ لأنه لا يريد أن يتعرف على شتى التقاليد والقيم في العالم فحسب، بل يريدنا ~~أن نتعرف نحن أيضا عليها. وقد عضد الغياب الواضح للتعصب الإغريقي إثنوجرافية هيرودوت ~~ودفعها قدما، ومع ذلك، وعلى الرغم من كل تسامحه، وعلى الرغم من كل ثنائه على التقاليد ~~الفارسية الفردية (إذ استحسن كثيرا ممارستهم إبعاد الصبي عن أبيه خلال السنوات الخمس ~~الأولى من عمره؛ خشية أن يكون لوفاة الطفل وقع شديد عليه)، فإنه لا يشير في أي موضع إلى أن ~~الأوتوقراطية الشرقية صالحة - كعرف - كصلاحية التشكيلة ms03 المتنوعة من أنظمة الحكم عريضة ~~القاعدة التي سادت العالم الإغريقي. # نوه الصحفي ستيفن شيف ذات مرة قائلا : «في قلب التاريخ الجيد، يوجد سر صغير ماكر، وهو ~~الحكي الجيد.» ومما يجعل هيرودوت يأسر قراءه أنه كان حكاء من الطراز الأول؛ فسرده ~~الطويل، والذي ربما سماه الإغريق لوجوس (بمعنى حكاية)، يتألف من حكايات قصيرة كثيرة ~~موصول إحداها بالأخرى، بعضها طوله بضع مئات من الكلمات، وبعضها بضعة آلاف، وليست كلها ~~دائما في ترتيب تاريخي دقيق، حيث تتدفق وتنحسر وتستدير راجعة كنهر يثير مساره الحيرة ~~والبهجة على الدوام. إن مصنف هيرودوت صعب، وتمثل الحكايات أجناسا مختلفة تماما من ~~أجناس الأدب، حيث تتراوح بين محاولات لسبر أغوار التاريخ السياسي لأثينا وإسبرطة، وبين ~~طرف غريبة ذات جذور واضحة في التراث الشعبي أو الحكايات الخرافية، وبعضها له دلالة عميقة ~~في سياق مشروع هيرودوت، وبعضها الآخر ليس كذلك. وأيضا فإن الوتيرة ليست متسقة؛ ~~فالمصنف الذي قسمه الباحثون لاحقا إلى تسعة «كتب» يتجول عبر قرون التاريخ على مدى عدة ~~كتب - عدة مئات من صفحات عصرنا الحديث - ثم يتخذ محور ~~تركيز أضيق كثيرا فيما ينقلنا هيرودوت إلى سنوات الحرب التي سبقت هزيمة خشايارشا. # فما الذي نفعله بعمل معقد طويل وضعه بغير تأن رجل يعشق حكي الحكايات من مصادر مسموعة ~~تتفاوت في موثوقيتها؟ هل يمكننا الاستيثاق من أن هيرودوت ذهب إلى كل الأماكن التي قال إنه ~~ذهب إليها؟ غالبا ما يسعى النقاد المحدثون المعتدلون إلى النأي بأنفسهم عن هيرودوت، بل وفي ~~بعض الأحيان يمضون بعيدا جدا فيحرمونه لقب مؤرخ. لقد جمع هيرودوت - الذي كان على دراية ~~بالخرائط والأشخاص - بين الأرانب البرية وأكلة لحوم البشر والمومياوات والخنازير والأحلام ~~والدعارة والنمل المنقب عن الذهب والملكات الداهيات والنحل، والنساء اللاتي تعرضن ~~للاغتصاب الجماعي حتى الموت، والناس الذين لا يمكنهم حتى النظر إلى حبة باقلاء، وبين بعض ~~التفاهات. # بل والأسوأ من ذلك أن الدين متغلغل في «تاريخ هيرودوت»؛ فعلى الرغم من أن هيرودوت ~~يصور مسار الحرب باعتباره مدفوعا في المقام الأول بأطراف بشرية لديها دوافعها ms04 البشرية ~~وشخصياتها البشرية، فإن مصنفه يعج بالوحي الإلهي والنبوءات والتعبيرات الصريحة عن ~~الاعتقاد. ففي أي موضع نضع عملا «تاريخيا» يشتمل على حس ما بالوجود الإلهي في كل معركة ~~كبرى؟ # من حسن الحظ - كما تبين - أنه فيما ينسج هيرودوت حكايته أو حكاياته، فإنه يخلق مجالا ~~لا للآلهة فحسب، بل لنا جميعا: لي ولك، نحن جمهوره. وإقحام نفسه في النص باستمرار يبقي ~~على الدوام أمام أعيننا حقيقة أنه شخص عادي يصارع مادة عنيدة، وإن كنا نحن أيضا مدعوين ~~لمصارعتها بالقدر نفسه. وإذ يقحم هيرودوت حوارات في هذا السجل، ويورد ملاحظة شاهد عيان ~~(أو ينكرها)، ويدعي الحجية (أو ينفيها)، فإنه يبدي بوجه عام نحو خمسمائة ملاحظة ~~تقييمية من نوع أو آخر (على غرار: أعرف، أعتقد، ~~أظن، لا أعرف، لا يسعني القول، أخمن، يبدو على الأرجح أو غير محتمل، بلغني لكني لا أعتقد ~~...) ويضع ثراء هذا المتن الخلاب وغموضه تحديات أمام القارئ تجتذبه. وفيما نقرؤه، نجد ~~أنفسنا منهمكين في حوار مستمر مع ما نقرأ، وكثيرا ما يطرح هيرودوت روايات مختلفة لعدد من ~~الأحداث التاريخية، مؤيدا أحيانا إحداها على الأخرى، وتاركا أحيانا لنا حرية ~~الاختيار. # إن رجلا حكيما كهيرودوت، اجتاحه الأسى على تفشي الحروب، كان سيفهم نقد بيرس وجيبون، على ~~الرغم من أنه لم يكن يمتلك وسيلة يعرف بها أن خلفه سيتمسكون بتصوره لأفرودة الحرب ~~باعتبارها القالب لكتابة التاريخ، لكن يرفضون تضمينه غير المأسوف عليه للنساء. وإجمالا، ~~كان سيصبح أسعد بمقولة درويسن إن «التاريخ هو معرفة الإنسانية نفسها، أو وعي البشرية ~~بذاتها.» إن هذا الصنف الثري والشامل من أصناف التاريخ هو ما يبدو في العمل الذي يسميه ~~البعض «الحروب الفارسية»، ويسميه آخرون - على نحو أكثر ولاء للإغريق - «تاريخ هيرودوت»؛ ~~ألا وهو «البحوث». # الفصل الأول # | عالم هيرودوت # تركت المحصلة المذهلة التي تمخضت عنها الحروب الإغريقية الفارسية انطباعا عميقا لدى ~~من كانوا أحياء في ذلك الزمان. ومن المتصور أن هيرودوت تذكر أبويه وقد بلغهما نبأ انتصار ~~الإغريق على خشايارشا في سلاميس سنة 480. وكانت إحدى كبريات أميرات البحر ms05 في جيش خشايارشا، ~~وهي أرتميسيا، ملكة على مدينة هاليكارناسوس - موطن هيرودوت - الواقعة على الساحل ~~الأناضولي، حيث يوجد اليوم ميناء بودروم التركي الحديث، وقد قاتلت ببسالة في تلك المعركة. ~~وربما يرتبط افتتان هيرودوت بالسيدات القويات ارتباطا وثيقا بخبرته إبان طفولته بهذه ~~المرأة الجسورة التي قادت سفنا حربية قيادة فعلية، وربما كان مؤرخنا يبلغ من العمر خمس ~~سنوات عندما حدثت المواجهة الأخيرة التي دارت رحاها في ربيع العام التالي في الأناضول ~~نفسها. ومنذ ذلك الحين فصاعدا، ظل انتصار الإغريق المذهل الذي حققه «أعظم جيل» موضوع ~~نقاش مثيرا في العالم الهيليني، وكان شباب الجنود ما زالوا في المتناول لإجراء الحوار ~~معهم عندما بلغ هيرودوت رشده، وكانوا على الأرجح يجدون ما يشبع غرورهم في سؤالهم عن ~~تجاربهم في الحرب، وكانوا متلهفين للحديث، فغالبا ما يعيش الرجال والنساء من جيل ما بعد ~~الحرب هذه الحرب بشكل غير مباشر من خلال أحاديث طاولة الطعام وغيرها من الأحاديث التي ~~يرويها الآباء، والعمات والخالات، والأعمام والأخوال، والأجداد، ممن ينتمون إلى هذا ~~العالم الأقدم من عالمهم. وكان هيرودوت نفسه - وبشكل شبه يقيني - صديقا للكاتب المسرحي ~~سوفوكليس، الذي اختير وهو في سن المراهقة لأداء واجب وطني، وهو قيادة أناشيد الكورال ~~احتفالا بانتصار الإغريق البحري في سلاميس. وفي عام 472، أنتج أسخيلوس مسرحيته «الفرس» ~~التي تدور حول ذلك الانتصار، وكان الرجل الذي بذل المال لتدريب كورس المسرحية هو بركليس، ~~الذي سيصبح أبرز رجل دولة أثيني في زمن هيرودوت. وفي عموم بلدان البحر المتوسط، ظلت الحرب ~~حية على مدى أجيال كلحظة حاسمة في التاريخ. وفيما تقاتل التحالفان الأثيني والإسبرطي، في ~~البداية في حرب غير معلنة استمرت من 460 إلى 446، ثم في الحرب البيلوبونيزية الكبرى بين ~~عامي 431 و404، بقيت ذكريات الوحدة الإغريقية كتذكرة مؤلمة بأزمنة أحسن حالا. # شكل 1-1: هيلين كاري في دور أتوسا، وتد فان جرايثايسن في دور دارا، في نسخة حديثة ~~من مسرحية «الفرس» لأسخيلوس، من إعداد إيلين ماكلافلن، وإخراج إيثان ~~ماكسويني، وإنتاج فرقة شكسبير المسرحية سنة 2006. # 1 # لا نعرف إلا ms06 تفاصيل قليلة عن حياة هيرودوت بعد طفولته في هاليكارناسوس. لقد تعرض على ~~الأرجح للإبعاد في واحدة من موجات الحرب الأهلية التي اتسمت بها المدن الإغريقية، وأمضى ~~جزءا كبيرا من حياته مترحلا في منفاه، وزار أثينا، ومات على الجانب المقابل من العالم ~~الهيليني في مستعمرة ثوريوم الإغريقية في جنوب إيطاليا بعد سنة 430 بحين من الدهر، على ~~الرغم من قول بعضهم إن وفاته كانت على الحافة الشمالية في مدينة بلا المقدونية. وتذكر ~~المصادر اللاحقة أن اسم أبيه ليكسيس، وأمه درايو أو رويو أو ربما شيء مختلف بالكلية، الأهم ~~من ذلك اسم شخص آخر من أقاربه (ربما عمه أو ابن عمه) هو الشاعر بانياسيس، الذي أشاد به بعض ~~القراء (بعد موته فقط للأسف) وقالوا إنه لا يفوقه مكانة إلا هوميروس. كتب بانياسيس عن ~~بدايات المدن الإغريقية في أيونيا - الاسم الذي كان يعرف به ساحل الأناضول الغربي - فجعل ~~بذلك هيرودوت منتميا إلى عائلة أدبية، على الرغم من أنه كان يكتب شعرا، ومن ثم فلم ~~يشكل إلا سابقة جزئية للعمل البارز الذي اضطلع به هيرودوت. # كانت هاليكارناسوس التي عاش فيها هيرودوت تقع عند ملتقى طرق الشرق والغرب، ويقطنها خليط ~~من السكان الإغريق والسكان الأصليين، وتضم مزيجا من هاتين الثقافتين، وكان السكان المحليون ~~كاريين، وقال هوميروس إن بعضهم شاركوا في حرب طروادة حلفاء لطروادة، وتشمل معلوماتنا ~~الضئيلة عن أقارب هيرودوت أسماء إغريقية وأسماء كارية على السواء. وقد عزا بعض القراء، ~~مثل كابوشنسكي، اتساع أفق هيرودوت إلى عرقه المختلط هذا، مدعين أن «أصحاب العرق ~~المختلط» الذين يقضون شبابهم بين ثقافات مختلفة «كمزيج من سلالات مختلفة، تتحدد رؤيتهم ~~الكونية بفعل مفاهيم من قبيل الحدود والمسافة والاختلاف والتنوع.» وقد شكلت طريقة ~~هيرودوت في النظر إلى الأشياء بلا شك، وأثريت بفعل الثقافة المختلطة التي تميزت بها ~~مدينته الأصلية، وكذلك بفضل مخاطر العقلية الإمبريالية التي اكتسبها الأثينيون من بلاد ~~فارس. # علاوة على ذلك، كانت مدن أيونيا الإغريقية مرتعا للفكر الجديد الذي اتسم بالجرأة في ~~أغلب الأحوال. ففي ظل غياب مناهج ms07 علمية راسخة، كانت ما نعتبرها الآن فروعا فكرية منفصلة ~~(العلوم الطبيعية، الفلسفة، علم النفس، اللاهوت) مندمجة أكثر بكثير منها اليوم. وكان طاليس ~~قد تكهن بأصل المادة، وانتهى إلى أن كل شيء كان في الأصل على هيئة ماء، لكن من جهة أخرى ~~كان أنكسيمانس يرى أن كل شيء نشأ من الهواء، الذي يمكنه التحول إلى نار أو ريح أو سحاب أو - ~~عند تكثيفه - إلى مادة صلبة، في حين قال أنكسيمندرس بأن المخلوقات الأولى نشأت من الطين، ~~وأن البشر تطوروا من أنواع حيوانية أخرى، وكان أول إغريقي يرسم خريطة للعالم المعروف. ~~وقدر زينوفان - المعمر الذي ولد هيرودوت في حياته - أن البشر خلقوا الآلهة وليس العكس، ~~حيث زعم - مستخفا - أنه لو استطاعت الأنعام والخيل والأسد أن ترسم، لصور كل منها ~~صور آلهة شبيهة بجنسه. وقال هيراقليطس - الرجل الذي نربط بينه وبين ادعاء أن المرء لا ~~يمكنه الخوض في النهر نفسه مرتين أبدا - بأن كل شيء في حالة تدفق. وكان هيرودوت وريثا ~~لهذا التراث الأيوني بما اشتمل عليه من فضول وشكوكية. # وفي الوقت نفسه، شاع التكهن بالصلات بين الجغرافيا والمجتمع. كان عمل هيرودوت منتشرا، ~~كلاما وكتابة، قبل أن يبلغ الطبيب أبقراط ذروة نجاحه كطبيب، لكن أبا أبقراط وجده كانا ~~طبيبين، وكان البحث عن تفسيرات علمية للمرض تنبذ الأسباب الإلهية يجري على قدم وساق منذ زمن ~~ليس بقصير، وكانت جزيرة كوس التي عمل فيها أبقراط تقع على الجانب الآخر من المضيق قبالة ~~هاليكارناسوس. وقد ربطت ملاحظات شهود العيان والحوارات وتقييم الأدلة واستخدام القياس ~~وتحليل البيانات التراكمي عمل هيرودوت بعالم الأطباء، فتعلم هو منهم بلا شك وتعلموا ~~منه. كل هذا يقدم لنا تفسيرا عميقا لثراء عقل هيرودوت وعكوفه على البحث وجرأته في فضوله ~~بشأن المناخ والطبوغرافيا، وانفتاحه على الأفكار الجديدة وتسامحه مع التنوع الثقافي، لكن ~~وجود دافعية غير عادية هو وحده الذي يمكنه تفسير قراره الاضطلاع بعمل غير مسبوق بهذا الحجم. ~~كان «تاريخ هيرودوت»، بتغطيته نطاقا واسعا من حيث الزمان والمكان، أطول من أن يلقى ~~بكامله ms08 على المسامع في مهرجان ما، بل إن فريقا من القراء يعمل أعضاؤه بالتناوب كانوا ~~سيحتاجون إلى خمسين ساعة على الأقل لتلاوته. # يصعب علينا اليوم أن نستوعب بدعة تأليف كتاب كامل على هيئة نثر؛ فنحن نتعلم التحدث ~~والكتابة نثرا قبل أن نقرض الشعر، وبعضنا لا يصادف كلاما موزونا إلا عند الغناء أو ~~الاستماع إلى الأغاني أو سماع أناشيد رياض الأطفال، وأما النثر فهو ببساطة موجود في كل ~~مكان، مما يجعله غير ملحوظ، فهو لغة الصحف وأفلام الإثارة وكتيبات التعليمات والبريد ~~الإلكتروني. كانت هذه التراتبية، من نواح عديدة، مقلوبة في اليونان القديمة، حيث كان ~~الأدب يؤلف في البداية شعرا ولا يؤلف نثرا إلا فيما بعد. وفي الحقيقة، لم يكن لدى ~~الإغريق على أيام هيرودوت كلمة للإشارة إلى النثر، ولم يدخل تعبير «الكلام المجرد» ~~(ويقصد به الكلام غير الموزون) أو «اللغة التي تسير على القدمين» (ويقصد بها اللغة التي ~~لا تستعين بمركبة الشعر المجنحة) نطاق الاستخدام كتصنيف للنثر إلا بعد قرن أو نحو ذلك من ~~الزمان. وكتب النصان التأسيسيان للحضارة الإغريقية - وأعني الإلياذة والأوديسة - على ~~هيئة شعر، والتجأ إليهما الإغريق جيلا بعد جيل طلبا لنماذج بطولية ملهمة، وأساليب تعبير ~~راقية، ورؤية كونية كاملة، ورغبة في الاطلاع على حكاية سردية طويلة ثرية، بها كثير من ~~المنعطفات؛ فكانتا زادا معتادا للإلقاء والتلاوة كمادة ترفيهية بعد العشاء في عصر خلا ~~من المصابيح الكهربائية والتليفزيون والإنترنت. # كان الشعر أيضا هو الوسيلة التي شكا بها الشعراء ~~الغنائيون - كالشاعرة سافو ابنة جزيرة ليسبوس - ~~تباريح العشق، وبه كتب المشرع الأثيني سولون عن العدالة والسياسة، وبه كتب المغرب ~~ثيوجنيس بمرارة عن الحرب الأهلية في دولته ميجارا. وكان الشعراء في أغلب الأحوال ضالعين ~~ضلوعا محوريا في حياة مدنهم، حيث كانوا يعتبرون معلمين وفنانين في آن واحد، وكانوا ~~يحظون بالاحترام بناء على ذلك. قارن ذلك بزمننا هذا الذي يصعب فيه على كثير من الناس ذكر ~~اسم شاعر واحد على قيد الحياة، بل وفي بعض الحالات اسم شاعر راحل. وينبغي ألا نندهش عندما ~~نعلم ms09 أن هناك العديد من السرود التاريخية ضيقة النطاق التي كتبت على هيئة شعر؛ فقد ألف ~~الشاعر سيمونيدس الأمورجوسي «التاريخ المبكر للساموسيين» زهاء سنة 650، وتناول على الأرجح ~~تأسيس ساموس، وربما كان طوله نحو 4000 بيت (قرابة ربع طول الإلياذة وثلث الأوديسة). وبعد ~~ذلك بحين من الدهر، ألف زينوفان «تأسيس قولوفون واستعمار إيليا» الذي يبلغ زهاء 2000 بيت ~~طولا. وبعد الحروب الفارسية بفترة وجيزة، نظم سيمونيدس الكيوسي قصائد طويلة بعض الشيء ~~حول هذا الموضوع، ومجد بطولة من سقطوا في بلاتايا بأسلوب هوميري. الأمر الأشد وضوحا أن ~~قريب هيرودوت، بانياسيس الهاليكارناسوسي، كتب فيما يبدو عن تأسيس المستعمرات الإغريقية في ~~أيونيا في قصيدته «أيونيكا» المؤلفة من نحو 7000 بيت. فكان الشعر هو لب التعليم ~~الإغريقي، وكان تعليم الصبيان (وأحيانا الفتيات) الإغريق جديرا بالملاحظة، من حيث ما ~~يشمله وما يتركه على حد سواء؛ إذ كان التلاميذ يدرسون شيئا من الرياضيات، ولكن لا يتعلمون ~~دراسات اجتماعية ولا علوما، وكانت الموسيكيه # mousike ~~- ~~بمعنى الشعر المنظوم على موسيقى القيثارة - جوهر التعليم الإغريقي، واشتق هذا الاسم من ~~الربات اللاتي كن مصدر إلهامها، وأعني ربات الفنون، واشتقت منه بدورها كلمة # music # الإنجليزية؛ أي الموسيقى، ومن كلمة القيثارة ~~اليونانية # lyre ~~، اشتقت كلمة # lyrics # الإنجليزية؛ بمعنى القصائد الغنائية. وعلى الرغم ~~من أن هيرودوت أورد عددا غير محدود من الشعراء في «تاريخ هيرودوت»، فإن عمل هوميروس الجليل ~~هو الذي أضفى في المقام الأول نكهته الخاصة، وأتاح التناغم والطباق مع سرده (وأعني بقولي ~~«هوميروس» العقلية الهادية التي استنارت بها القصيدتان اللتان نعرفهما اليوم بالإلياذة ~~والأوديسة، ولا يسعنا في هذا المقام التكهن بما إذا كان المؤلف شخصا واحدا، أم شخصين ~~مختلفين، أم هيئة مكونة من عشرات الأشخاص)؛ ذلك أن هوميروس وفر القالب لقصة الحرب وحكاية ~~الأسفار التي تعج بالعجائب على السواء. # لا ريب أن كتابة النثر لم تكن شيئا مجهولا في زمان هيرودوت؛ حيث استخدم أنكسيمندرس ~~وأنكسيمانس على السواء النثر للتعبير عن أفكارهما، وأودع هيراقليطس عملا فلسفيا منثورا ~~في معبد أرتميس المهيب في إفسوس، وهو ms10 أحد عجائب الدنيا السبع القديمة (أقصد المعبد لا ~~الكتاب). وقرب نهاية القرن السادس الميلادي، بدأ الإغريق يدونون أساطير الماضي العظمى ~~نثرا، ليصبحوا ما نسميه «جامعي الأساطير»، وكان الخيط الناظم لهذه الأساطير سجلات سلاسل ~~النسب المفصلة التي تتناول الآلهة والأبطال، وبحلول بداية القرن الخامس، كان هناك عدد ~~متداول من هذه السجلات، وأبرزها الذي وضعه هيكاتايوس، الذي توفي على الأرجح سنة ميلاد ~~هيرودوت، حيث تتبع في كتابه «علم الأنساب» أنساب العائلات الإغريقية البارزة وصولا إلى ~~أسلافها الإلهيين، واستخدم تحليلا عقلانيا لتخفيف لهجة الأساطير الشاذة التي صادفها (لكن ~~دون نبذها نبذا مباشرا). كذلك استخدم هيكاتايوس أيضا النثر لتأليف كتابه المعنون ~~«رحلة حول العالم»، واتسم صراحة بالتشكك الذي كان يكتسح أيونيا، والذي اشترك معه فيه ~~يقينا هيرودوت. وتقول إحدى الشذرات التي وصلتنا: «هيكاتايوس الملطي يقول ما يلي: أنا ~~أكتب ما أعتبره صحيحا؛ لأن قصص الإغريق كثيرة وتبدو لي مضحكة.» ويذكر هيرودوت هيكاتايوس في ~~أكثر من مناسبة ويبدو أنه اعتمد عليه من حين إلى آخر. # نال النثر في زمان هيرودوت المكانة التي يستحقها، وبالأخص في ديمقراطية أثينا الآخذة في ~~الازدهار، التي شهدت بالفعل وضع القوانين الأولى نثرا في أواخر القرن السابع، وسرعان ما ~~أصبحت المهارة في الخطابة الجماهيرية (أمام الحشود وفي المحاكم) تضاهي كرم المحتد والثروة ~~والبسالة في ساحات الوغى. وكان الفلاسفة/الخطباء المتجولون المعروفون باسم السوفسطائيين في ~~المتناول، وكلهم حماس لتدريب الشباب على هذا الفن الذي ينال تقديرا متزايدا، وأعني فن ~~الإقناع. ونظرا لنزوعهم إلى النظر إلى المسائل القديمة من زوايا جديدة (وطرح أسئلة حول ~~أشياء لم يسأل عنها أحد قبلهم قط، على الأقل علانية)، اتهمهم اللائمون بكسب عيشهم بتعليم ~~مراهقين مزهوين بأنفسهم عدم احترام الآلهة والوالدين، لكن الحقيقة أن ما فعلوه كان من نواح ~~كثيرة لا يختلف عما يفعله المعلمون (الصالحون منهم) اليوم؛ وهو تعليم الشباب التشكيك في ~~السلطة وطرح حجج قوية. ولم يقتصر هؤلاء على أثينا في الترويج لبضاعتهم. وعلى الرغم من أن ~~المدن الإغريقية لم تكن كلها ديمقراطيات، فإن روح الحوار المفتوح ms11 والتفنيد التي وسمت القرن ~~الخامس تواءمت جيدا مع الفورة العارمة في التدبر الفكري التي ميزت القرن السادس لتضع ~~الأساس لنوعية الاستقصاء التحليلي الذي نراه في عمل هيرودوت. # في نهاية المطاف، كان «تاريخ هيرودوت» كتابا ديمقراطيا بعمق، بوجهات نظره الموضوعية ~~المتعددة ودعوته المفتوحة للقراء، كي يتخذوا قراراتهم بأنفسهم ويقفوا دائما موقف ~~المقوم. وليس ذلك فحسب، فمجرد وجود أشكال ديمقراطية (أو ~~على الأقل غير ملكية) من الحكم، كان قد خلق عالما يستطيع فيه الإنسان العادي صنع ~~التاريخ؛ أي يستطيع فيه الأشخاص أنفسهم الذين يقرءون عمل هيرودوت أو يسمعونه صنع هذا ~~التاريخ. كان النظم لغة الآلهة، وأما النثر فكان لغة الناس، كان وسيطا لغويا يستطيعون ~~به تحدي الناس الآخرين أو حتى الآلهة ذاتها. ومن الجائز تماما أن تكون وجهات النظر ~~الموضوعية المتعددة هذه هي التي تفسر ازدياد شعبية هيرودوت في الأزمنة الأخيرة، فبعد أن ~~كان يعتبر ذات يوم تافها عند مقارنته بثوسيديديس، بنهجه التربوي وجديته البالغة، صار ~~«تاريخ هيرودوت» الآن يحظى بالتقدير لانفتاحه على وجهات النظر المتعارضة، ونسبيته الثقافية، ~~واهتمامه بالتاريخ الاجتماعي، واعترافه بوجود نوعين جنسيين. (ويقينا، لن يكون رد فعل ~~الجميع متطرفا كرد فعل أستاذة علم المصريات سليمة إكرام التي استغربت فكرة تقديم ثوسيديديس ~~على هيرودوت، وصاحت قائلة: «حسنا، إذن فثوسيديديس مؤرخ أفضل، لكنه ممل جدا ومضجر ~~بشدة؛ أيا إلهي، سأطلق النار على نفسي!») # وفي حين أن وجود النظم هو الذي يسر إبداع الملحمتين الهوميريتين، وهما عملان يمكن ~~استظهارهما وغناؤهما أمام جمهور متيم، فإن النثر المصحوب بقدر من العبقرية هو الذي أتاح ~~إبداع التاريخ؛ وأعني فتح المجال أمام مركب كامل من العلاقات بين السائل والراوية، ~~والمؤلف في صورته النهائية، والجمهور. وبالنسبة لمقارعة الحجة بالحجة التي نراها لدى ~~السوفسطائيين، فقد أتاحت نقاشات مجلس أثينا والمحاكم تربة خصبة لتحليل قدر عظيم جدا من ~~النظريات والحقائق في سياق أشمل الهموم البشرية. وحتى بعد أن استمعنا بأناة لكل التنبيهات ~~بخصوص سقطات هيرودوت في الحكم على الأشياء، وأرقامه المبالغ فيها، واعتماده على رواة لا ~~يعول عليهم، وحتى ms12 بعد أن أمطرنا مرارا وتكرارا بادعاءات بشأن طبيعة عمل ثوسيديديس ~~الأكثر «علمية» من عمل هيرودوت، وحتى بعد أن استمعنا إلى مزاعم بأن هيرودوت لم يسافر فعلا ~~على نطاق واسع كما ادعى، ولم ير كل الأشياء التي ادعى أنه رآها رأي العين، فالحقيقة ~~الماثلة أمامنا هي أن هيرودوت - كما هو واضح وضوحا لا لبس فيه - اخترع كتابة التاريخ. فذات ~~يوم لم تكن هذه الكتابة موجودة، ثم خرجت فجأة إلى الوجود. # حسنا، ربما لم يحدث هذا فجأة تماما؛ حيث استغرق تأليف «تاريخ هيرودوت» عقودا، بل جرى ~~ذلك في غضون جيل تقريبا. وكان الكتاب الأوائل قد حللوا طريقة عمل الكون، ودونوا ~~أسفارهم، واستكشفوا معنى الأساطير، ووضعوا سرودا للأحداث المحلية الجارية في مكان ما في ~~العالم، لكنهم لم يضفوا من قبل محور تركيز على عملهم، ولم يصبغوه بالدافعية المليئة ~~بالحماس، واحتوت كتاباتهم التي وصلنا قليل منها، بلا شك، كثيرا من القصص، لكنها ليست ~~قصصا شكلت في مجموعها قصة كبيرة تفوق مجمل أجزائها حجما؛ فكونت صورة بلغت أوجا يؤثر ~~على حياة كل مستمع وقارئ خطر ببال هيرودوت، وأثر في الحقيقة على حياتنا حتى قرننا هذا؛ ~~لأنه من دون الهزيمة المعجزة التي مني بها الفرس على أيدي عصبة صغيرة من الدويلات ~~الإغريقية خاضت الحرب لتجنب الاستعباد، ما كنا لنحصل على معبد البارثينون، ولا عقدة ~~أوديب، ولا سقراط ولا أفلاطون ولا أرسطو. ومن دون انتصار الإغريق، من الصعب أن نتصور تاريخ ~~الفلسفة الغربية، أو تاريخ الفكر السياسي الغربي المتأصل في مفارقة أن الأثينيين هم من ~~ابتكروا الديمقراطية، وفي الوقت ذاته خرج من بين ظهرانيهم الرجال أنفسهم الذين رسخوا ~~التقليد المناهض للديمقراطية في الفكر السياسي. # لا يمكن أن يكون هيرودوت قد تنبأ بمسار الفلسفة الغربية والنظرية السياسية كاملا، لكنه ~~كان يعرف الفرق بين الشمولية والحرية، ورأى في هزيمة الأولى على يد الثانية موضوعا جليلا. ~~وكان نصرا جليلا لكن ليس خالصا فيما يخص الإغريق؛ ذلك لأن الحروب الفارسية مثلما «صنعت» ~~هيرودوت، «صنعت» أيضا أثينا، فحولتها إلى مركز ثقافي متألق ms13 سيصفه بركليس، أهم رجل دولة ~~فيها، على صفحات عمل ثوسيديديس، بأنه «مدرسة اليونان»، لكنها حولتها أيضا إلى دولة ~~إمبريالية متزايدة الجشع والتعطش إلى القوة، فاستفزت الإمبراطورية الفارسية على أسوأ نحو. ~~ومثلما انتهت الإلياذة بعدم موت أخيل وإن كان مكتوبا عليه الموت يقينا، فإن غمامة ~~الإمبريالية الأثينية تخيم على سرد هيرودوت المصوغ بعناية وتضفي عليه قدرا كبيرا من ~~الإثارة، وذلك على نحو ما كان يرمي المؤلف بكل تأكيد. # لم يعش هيرودوت على الحدود بين دويلات المدن الناطقة باليونانية الواقعة شرقي المتوسط ~~والإمبراطورية الفارسية في الأناضول وفي فجر النثر فحسب، بل عاش في منطقة فاصلة أخرى أيضا؛ ~~عاش في زمن أخذت فيه العقلية القارئة في التنافس مع العقلية السماعية فيما بين طبقات ~~المتعلمين. هذا لا يعني أن الإغريق الذين ارتادوا المدارس قبل القرن الخامس لم يستطيعوا ~~القراءة، لكنهم ربما لم يستخدموا القراءة بدرجة كبيرة في حياتهم، وظل السماع بالنسبة ~~لكثيرين خلال جل القرن الخامس الطريقة الاعتيادية لاستيعاب اللغة، سواء على خشبة المسرح، ~~حيث كانت التراجيديات بلا استثناء منظومة شعرا، أم الخطب الملقاة أمام المجلس التشريعي، ~~والتي كانت تلقى نثرا. لقد قيل بشيء من الإنصاف إن هيرودوت جاء في نهاية تقليد مديد ~~قوامه السماع، وجاء معاصره الأصغر منه سنا ثوسيديديس في بداية تقليد قوامه القراءة؛ ذلك ~~هو ثوسيديديس الذي انتقد عمل هيرودوت قائلا إن عمله (أي ثوسيديديس) لم يؤلف من أجل ~~التصفيق بعد تلاوته استعراضيا، بل ألف كعمل يقتنى لكل الأزمنة. ويمكننا القول إن ~~هيرودوت دون الكلام المنطوق فيما دون ثوسيديديس الفكر، وإن هذا الاختلاف لهو الذي ~~يفسر التباين بين سرد هيرودوت المخفف الماتع والموضوع بالأسلوب الذي سماه أرسطو ~~«الأسلوب المسترسل» - حيث تنساب الجملة إلى الأخرى انسيابا طبيعيا - ونثر ثوسيديديس ~~المحكم الذي كان بناؤه المحكم - وأحيانا غير ~~المباشر - مثار يأس كثير من دارسي اليونانية على مر العصور. # يثير مصنف مؤرخنا، مسموعا كان أم مقروءا، سؤالا حتميا: كيف يمكننا الوثوق فيما ~~يقوله أو يكتبه هذا الشخص؟ فلم يكن هناك في الشعر تساؤل حول حجية ms14 المبدع. فكان الشاعر يقدم ~~رواية واحدة فقط للأحداث، وعلى الرغم من إقحامه أحاديث في عمله، فقد كان يتحدث في واقع ~~الأمر بصوت واحد، وكان ذلك الصوت في أغلب الأحوال صوت ربة الشعر. فقد استهلت الإلياذة ~~والأوديسة كلتاهما بمناشدة لربة الشعر؛ إذ يقول الشاعر في مطلع الإلياذة: «غن لي يا ربة ~~الشعر عن غضبة أخيل بن بيليوس ...» بينما استهل الشاعر الأوديسة بقوله: «غن لي يا ربة الشعر ~~عن الرجل واسع الحيلة ...» وفيما بعد، ربما يكون ذلك الصوت صوت الشاعر نفسه، حيث تعلن سافو ~~مثلا أنه لا يوجد مشهد يساوي في جماله مشهد الحبيب. ولا يسع أحدا أن يشكك فيهم، ولن ~~يقول مرتاب: «هل يمكنك إثبات ذلك؟ وما أدلتك؟» لكن المؤرخين الذين يمكنهم تقديم الأصوات ~~الجدالية في مصادرهم الكثيرة وهي تجادلهم لصياغة صورة متماسكة عن الماضي، يجب أن يبرروا ~~ادعاءاتهم بأنهم يعرفون ويفهمون. إذن فالتاريخ ينطوي على تحد وفرصة على حد سواء، ويجب على ~~المؤرخ جمع مصادره قبل أن يتسنى له دمجها، ولجمعها ربما يقرأ الكتب (التي لم يكن متاحا ~~منها إلا القليل في زمن هيرودوت) ويمحص السجلات الرسمية (التي لم يكن يوجد منها الكثير ~~أيضا)، وإجراء الحوارات مع الرواة، وتدقيق النظر في الأدلة المادية، وفي حالات كثيرة ~~السفر. وما إن يجمع البيانات، يجب عليه بذل جهد في تشكيلها على نحو يشجع القارئ (أو ~~المستمع) على الانخراط في النص، على أن يكون هذا دون تشكيك في حجية المؤرخ، ودون نبذ ~~ادعاءات المعرفة التي يدعيها الفنان غير المؤيد بإحدى ربات الفنون. ومرة بعد مرة، ~~وإدراكا منه أنه لا يمكن تصديقه تصديقا مطلقا كشاعر، سيكون على هيرودوت أن ~~يقنعنا - بالحجة، أو بالقياس، أو بالاستشهاد ~~بأقوال شهود العيان، أو كلمات الرواة السماعيين - بأنه يعرف ما يتحدث عنه وهو يكتب هذا ~~الجنس الأدبي المتغير الذي نسميه تاريخا. # وإننا لنود كل الود أن نعرف كيف كتب هيرودوت هذا العمل المتشعب؛ فهل دون ملاحظات أثناء ~~سفره؟ هل أملى على عبد كان يرافقه في أسفاره؟ فقد كانت الكتابة باللغة ms15 اليونانية مسألة ~~صعبة، بل وأصعب منها المراجعة، وكانت الكتب في واقع الأمر لفائف طويلة من البردي، وهو مادة ~~غالية وغير عملية كانت تثني عن تأليف (أو شراء) أعمال طويلة ، وربما وضع «تاريخ ~~هيرودوت» في ثلاثين لفافة من هذه اللفائف. أما المراجعة، فكانت تمثل عقبات لوجستية كبيرة، ~~لكن هيرودوت في حالات كثيرة كان يعلق فيما يبدو على ردود الأفعال تجاه عمله، منوها ~~مثلا إلى أن بعض الإغريق لم يقتنعوا بادعائه عقد دارا، قبل اعتلائه العرش، مناقشة بينه ~~وبين اثنين آخرين من الفرس عن الفضائل النسبية للملكية والأوليجارشية والديمقراطية، لكنه ~~يؤكد أن هذا الحديث دار حقيقة. وتوحي مثل هذه التعليقات الجانبية بأنه قرأ تجريبيا فقرات ~~مختارة في مناسبات مختلفة، وكان على وعي باستقبال الناس المقولات المثيرة للجدل. ولم تكن ~~فكرة وجود تاريخ معين «للنشر» مفهوما ذا معنى في عالم قلما كان المرء فيه يطيق شراء ~~كتاب. وقد نشر بالفعل هذا العمل في نهاية المطاف، وكان ذلك على الأرجح قبل وفاة هيرودوت ~~بزمن ليس بالطويل، لكن أجزاء منه على الأقل شهدت يقينا حياة حافلة بالإلقاء الشفهي قبل ~~ذلك ببعض الوقت. # شكل 1-2: ينمو البردي في دلتا أوكافانغو في بوتسوانا كما ينمو في دلتا ~~النيل. # 2 # إن العقبات الهائلة التي واجهها هيرودوت تجعل مشروعه أشد دهشة، فلم يكن ممن تفتر هممهم ~~بسهولة، حيث توجز جملته الأولى برنامج عمل هائلا: # هذه بحوث هيرودوت الهاليكارناسوسي، كتبها لئلا تنسى مآثر البشر على مر ~~الوقت، ولئلا تنسى المنجزات الرائعة والمذهلة التي اجترح بعضها الإغريق واجترح ~~بعضها الآخر الأعاجم، وأخيرا لبيان أسباب النزاع بينهما. # بعبارة أخرى نقول إن دافع هيرودوت كان مزدوجا؛ تخليد ذكرى المآثر العظيمة، وبيان أسباب ~~الحروب الفارسية. ونظرا لرغبة هيرودوت ألا يخمد ذكر الأشياء العظيمة، يردد ما كتبه ~~هوميروس عن الأرستقراطيين في طروادة الذين حاربوا من أجل تخليد ذكراهم، وعندما يقود ~~أوديسيوس هيئة من المبعوثين إلى خيمة أخيل في الإلياذة، يجد أخيل ممسكا بقيثارة ويترنم ~~بأمجاد الرجال. لكن رؤية هيرودوت كانت أوسع؛ ذلك أنه سعى إلى ms16 تخليد ذكر الأبنية الفخمة ~~والقبور الجليلة والعجائب الطبيعية بالإضافة إلى الأفعال، وكثير مما سعى إلى تخليد ذكره ~~لم يكن من عمل الرجال، بل في الحقيقة من عمل النساء. وعلى الرغم من أن من خلفوه مباشرة لم ~~يبدوا اهتماما بالنساء، فإن جهوده من زوايا أخرى كللت بالنجاح؛ ذلك أنه على الرغم من ~~إشاراته العديدة التي تدل على أنه يفترض أن جمهوره إغريق (مثل «لن أصف البعير؛ لأن الإغريق ~~يعرفون بالفعل هيئة البعير»)، فإن سعة اهتماماته وتعاطفه، وحساسيته تجاه كروب الحالة ~~الإنسانية، أعطت عمله سعة نطاق، وزادت جاذبيته لدى القراء في عوالم ما كان ليحلم بها ~~أبدا حتى هو نفسه، بانفتاحه على ما هو أجنبي. وليست وحدها أسطورة ثيرموبيلاي الخالدة - ~~التي توظف في سياقات تتراوح بين تحرير اليونان من الهيمنة التركية إلى مقبرة فرنسية في ~~فيتنام - التي ندين بها ل «تاريخ هيرودوت»؛ حيث سحرت حكايات مثل الأمازونيات، ومغامرات ~~قمبيز في مصر ألباب الأثريين والمستكشفين، والروائيين والأنثروبولوجيين، على مر ~~العصور. # لفت كتاب هيرودوت، الذي ترجم مرارا وتكرارا منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا، انتباه ~~الجغرافي الإنجليزي جيمس رينيل، الذي وضع - بالإضافة إلى عمله «نظام هيرودوت الجغرافي» ~~(1800) - أول خريطة صحيحة على وجه التقريب للهند، بالإضافة إلى دراسات في جغرافية شمال ~~أفريقيا، كذلك صاحب الكتاب المستكشف لاسلو أولماشي في الصحراء من العشرينيات حتى وفاته سنة ~~1951 (وشخصية أولماشي القصصية هي الشخصية المحورية في رواية «المريض الإنجليزي» للكاتب ~~مايكل أونداتجي)، وأرشد هيرودوت المراسل الخارجي البولندي ريزارد كابوشنسكي الذي قاده عمله ~~إلى السفر عبر الهند والسودان والكونغو وكمبوديا وأفغانستان ورانجون والصين، وألهم الصحفي ~~البريطاني جستن ماروتسي كي يحزم حقيبة ويقتفي مسار هيرودوت، مستغلا هذه المناسبة ليقدم ~~لنا تأملا حول عدم جدوى الحرب (ولينقل - مثلما فعل هيرودوت - ما سمعه من محاوريه، كتهديد ~~سليمة إكرام الطريف بإطلاق النار على نفسها، في سياق إشارتها إلى ما تراه من ملل في مؤلف ~~ثوسيديديس). وفي أكثر من موضع في هذا الكتاب، تعلق وجهات نظر هؤلاء «السائرين على خطى» ~~هيرودوت على ما كان ms17 هيرودوت يفعله وما لم يكن يفعله في كتابه «تاريخ هيرودوت»، والحقيقة ~~أنهم منخرطون في حوار لا مع هيرودوت فحسب، بل مع بعضهم بعضا. فكابوشنسكي يعتمد بشدة على ~~أونداتجي، وفي كتاب ماروتسي نجد أن صديقته أنتيجوني تعنف كابوشنسكي لتصديه لهذا المؤرخ. ~~فهي تقول إن رسالة هيرودوت هي: # معرفة حدود الحالة الإنسانية. فلا علاقة لها ب «لا تستغل الآخرين، وكن لطيفا ~~معهم»، فهذا هراء ذو طابع إنساني مسيحي من كابوشنسكي؛ وسخيف جدا. يقول هيرودوت: ~~كلا، لا تظن أنك ستكون سعيدا إلى الأبد، ولا تضع نفسك فوق الآلهة. # لكن هؤلاء السائرين على الخطى لن يجيبوا عن جميع الأسئلة التي أثيرت حول عمل هيرودوت، ~~ومنها على سبيل المثال: ما مدى دقة تقارير هيرودوت المدهشة عن الكون المترامي الأطراف الذي ~~تناوله في كتابه؟ وهذا سؤال سنعود إليه لاحقا. # | هوامش # الفصل الثاني # | الأصول والمؤرخ # ثمة حكاية شهيرة تتحدث عن محاضر بارز وامرأة صعبة المراس كانت بين جمهوره، حيث تحدته ~~هذه العجوز - بعد أن نبذت تفسيره للنظام القائل بمركزية الشمس معتبرة إياه هراء - مؤكدة ~~أن الأرض ما هي إلا لوحة مستوية مرتكزة على ظهر سلحفاة. وحتما، وعلى نحو لا يخلو من ~~الاعتداد بالنفس، سأل المحاضر متحديته علام تقف هذه السلحفاة في اعتقادها، فأجابت ~~محاورته بأسلوب مشاكس: «إنك لذكي أيها الشاب، ذكي جدا، لكنها سلاحف فوق سلاحف وصولا إلى ~~البداية». يقول بعضهم إن المحاضر هو برتراند راسل، ويقول آخرون إنه ويليام جيمس، ويقول فريق ~~ثالث إن شيئا من هذا القبيل لم يحدث البتة. ويقال إن مفكرا هندوسيا أعطى صورة بديلة ~~يستند فيها العالم على فيل، ويستند هذا الفيل على سلحفاة، وعندما سئل عما تستند إليه ~~هذه السلحفاة، اقترح ... تغيير الموضوع. كان هذا الموضوع ليفتن هيرودوت وهو المولع بجمع مختلف ~~الروايات التي تصور أمرا ما. # لا تشهد شهرة هذه الحكايات (الملفقة؟) وتنوعها على صعوبة الوصول إلى الأصول فحسب، بل ~~أيضا على الدافع الإنساني الملح للتوصل إلى بدايات الأشياء، وهو ملح بالنسبة لكل ~~الأشخاص المتأملين، لكنه مثار اهتمام خاص بالنسبة ms18 للمؤرخين؛ ذلك أنه من دون فهم الأصول، لا ~~يمكن أن يكون هناك فهم للسببية، ومن دون السببية ... حسنا، من دون الدافع إلى فهم السببية، ~~سيظل هيرودوت جغرافيا مثل هيكاتايوس، الذي كتب عن العادات التي صادفها في أسفاره الواسعة، ~~أو شاعرا مثل سيمونيدس، الذي مجد أبطال الحرب الفارسية بأسلوب هوميري، أو بندار الذي ~~تضمنت قصائده الغنائية الاحتفالية حكايات أسطورية، أو قاصا مثل عيسوب، الذي سحر ~~الألباب بحكاياته الهادفة المتضمنة الحيوانات. ودون سببية، يصبح مفهوم التاريخ عديم المعنى. ~~لكن على الرغم من كل اهتمامه بالسببية، أدرك هيرودوت أيضا مدى سهولة أن يضل المرء طريقه ~~وينتهي به الحال مع نموذج بسيط إلى حد السخف. والحقيقة أنه يبدأ برواية أساطير مسلية عن ~~الأصول البعيدة للحرب الكونية بين الشرق والغرب، لينحيها جانبا في النهاية وينتقل بشكل ~~هادف إلى مجال التاريخ الأكثر جدارة بالثقة بكثير. # وهو يقول إن الفرس المثقفين ينحون باللائمة في العداوة بين الإغريق والفرس على ~~التجار الفينيقيين، الذين أقدموا - أثناء بيعهم بضائعهم في آرجوس في البر الرئيس اليوناني ~~- على اختطاف أيو ابنة الملك، مما دفع بعض الإغريق إلى اختطاف يوروبا من مدينة صور في ~~فينيقيا، وميديا من كولخيس المطلة على البحر الأسود (وهناك رواية أخرى تقول إن أيو فرت ~~بملء إرادتها بعد أن حبلت من قبطان السفينة الفينيقية). واختطف الأمير الطروادي باريس بدوره ~~هيلين من إسبرطة، وبالتالي تسبب في غزو الإغريق طروادة. ويقول هيرودوت إن الاستيلاء على ~~طروادة هو - من وجهة نظر الفرس - الذي أثار عداوتهم للإغريق؛ لأن «الفرس يعتبرون آسيا ~~والشعوب البرابرة التي تسكنها منطقة نفوذ لهم، على اعتبار أن أوروبا واليونان منفصلتان.» ~~ويواصل هيرودوت قائلا: حسنا، بعد أن تسلينا بهذه الحكايات الشهوانية، لا سبيل لدي إلى ~~معرفة ما إذا كان أي من هذا صحيحا: # بدلا من ذلك، أفضل أن أتمسك بما أعرفه، وأن أبين بالضبط من سبق إلى ~~إيذاء الإغريق، ثم سأمضي في قصتي، مقدما أوصافا مفصلة لمدن صغيرة ومدن كبيرة ~~على السواء. ولا ننس أن كثيرا من المدن التي كانت ms19 عظيمة فيما مضى صارت صغيرة، ~~وكثيرا مما كانت عظيمة في زماني كانت صغيرة في أزمنة سابقة؛ ومن ثم فسأناقش ~~كليهما على السواء، مدركا أن الازدهار البشري لا يدوم طويلا في المكان ذاته ~~أبدا. ~~(تعليقا على هذا السطر، ينوه أولماشي - شخصية الروائي أونداتجي الخيالية - إلى أنه ~~وزملاءه الجغرافيين، كانوا - وهم يجتازون الصحراء حاملين نسخة من «تاريخ هيرودوت» - يعرفون ~~أن «السلطان العظيم والمال الوفير إلى زوال. لقد عشنا جميعا مع هيرودوت».) فتبرز من هذا ~~النص القصير حدود المعرفة الإنسانية، والانشغال بالأوائل، وتمييز نفسه كمؤلف كتاب، وتقلب ~~المصائر؛ وكل هذه العناصر أساسية في «تاريخ هيرودوت». # إذن فمن ذا الذي ألحق الأذى أول مرة بالإغريق؟ وماذا كانت الدرجة الأولى في سلم ~~السببية الذي أدى إلى الحروب الفارسية؟ يقول هيرودوت إن كرويسوس، حاكم ليديا، كان أول أجنبي ~~على ما بلغنا اتصل بالإغريق، حيث كان يجبي الجزية من بعضهم ويعقد تحالفات مع آخرين. وسرعان ~~ما ستتبين أهمية هذا الأمر؛ لأنه عندما يغلب قوروش وأتباعه الميديون كرويسوس والليديين، ~~ستجد المدن الإغريقية الدافعة للجزية نفسها ترزح تحت نير سيد أشد قسوة. # تتكرر عبارة «الأول على ما بلغنا» تكرارا ملحوظا في «تاريخ هيرودوت»، مما يشير إلى ~~انبهار هيرودوت بالأوائل، وكذلك إدراكه لمحدودية نطاق المعرفة البشرية. فيروي هيرودوت أن ~~بوليقراط الساموسي: # كان أول إغريقي على ما بلغنا خطط مناطق السيادة البحرية، إلا إذا أخذنا بعين ~~الاعتبار مينوس الكنوسوسي أو أي شخص آخر ربما حكم البحر في أي تاريخ سابق. أما في ~~التاريخ البشري العادي، فقد كان بوليقراط هو الأول. # كان جيجس على ما بلغنا أول أجنبي، بعد ميداس ملك فريجيا، يقدم قرابين في دلفي. وكان ~~الليديون على ما بلغنا أول من ضرب العملة الذهبية والفضية واستخدمها. وكان أريون على ما ~~بلغنا أول من ألف الشعر المعروف باسم الأناشيد الحماسية وأطلق عليه هذا الاسم. ويمتلئ ~~القسم الذي يتناول مصر - ويشكل الكتاب الثاني - بالأوائل؛ لأن قدم مصر ذاته هو الذي أسر ~~خيال هيرودوت إلى حد كبير. يقول هيرودوت إن المصريين أول من ms20 استخدم أسماء الآلهة الاثني ~~عشر الذين اتخذهم الإغريق فيما بعد، وأول من تنبأ بطالع المرء من يوم ميلاده، وأول من ~~استحدث لقاءات ومسيرات احتفالية وعلم الإغريق إياها. بل إن الفرعون بسماتيك أجرى تجربة ~~هيرودوتية لتقرير ما إذا كان المصريون هم فعلا - كما كانوا يظنون من قبل - أقدم سلالة ~~بشرية في العالم، فعزل وليدين لا يرافقهما أحد غير راع وقطعانه، وانتظر الراعي كي يخبره ~~بالكلمة الأولى التي نطق بها الطفلان، وعندما بدآ يهتفان «بيكوس» وهما يركضان نحوه مادين ~~أيديهما، أبلغ الراعي بسماتيك بهذا، وبالاستقصاء علم الفرعون أن هذه الكلمة كلمة فريجية ~~تعني خبزا. وبذلك فإن المصريين - في غفلتهم عن احتمال كون الطفلين يحاكيان ثغاء رفاقهما ~~الحملان فحسب - سلموا بأن الفريجيين هم أقدم سلالة بشرية في العالم، وأنهم هم ثاني أقدم ~~عرق (ولم يصلهم قطعا نبأ التجربة التي أجراها فيما بعد الملك جيمس الخامس، ملك ~~اسكتلندا، وأثبتت أن الأطفال الصغار إذا تركوا وشأنهم سيتحدثون العبرية). # كفانا من أوائل المصريين والفريجيين. فكيف صار كرويسوس، وهو «على ما بلغنا أول» من اتصل ~~بالإغريق، ملكا على ليديا؟ # يبدو أن كرويسوس دان بالفضل في بلوغه منصبه لجده الأكبر جيجس، وهذا هو الموضع الذي سيبدأ ~~فيه هيرودوت في الحقيقة قصته؛ لأن قصة جيجس أثرى من أن تهمل؛ إذ تتيح لهيرودوت فرصة ~~للاعتماد على كامل قدراته على المسرحة، وتوضح العديد من أفكاره المحورية، وتقوده إلى قصة ~~كرويسوس، التي بدورها تصب في سيرة قوروش وتأسيس الإمبراطورية الفارسية، التي من دونها ما ~~كانت لتوجد حروب فارسية. ونحن نرى هنا سمة دائمة لأسلوب هيرودوت، الذي يورد فيه عبارة ~~إيضاحية ثم يعدلها فورا برأي مغاير يعيد تشكيل سرده، حيث نراه يقول: سأستهل بكرويسوس ... لكن ~~كلا، أظن أنه ينبغي أن نستهل بجيجس. # إننا نعلم أن كاندوليس ملك ليديا كان مقدرا له أن ينتهي نهاية سيئة؛ ونظرا لهذا ~~المصير، ولأنه يكن لزوجته (من دون كل الناس!) عاطفة جامحة تثير العجب، دأب على الإكثار من ~~الحديث عن جمالهما مع حارسه الأثير (عند هذه المرحلة نجد ms21 هيرودوت يستخدم أسلوبا دراميا ~~بكل معنى الكلمة)، ولما يوقن كاندوليس أن حارسه - وهو تحديدا جيجس، جد كرويسوس الأكبر - ~~غير مقتنع قناعة كافية بجمال الملكة، يقترح عليه رؤيتها عارية، مبررا ذلك بقوله إن الناس ~~دأبوا على الثقة في أعينهم أكثر من ثقتهم في آذانهم (هذا أيضا تعليق على مناهج هيرودوت في ~~البحث التاريخي التي يعطي فيها شهادات الشهود الأولوية)، فيصيح جيجس مرعوبا: سيدي! هذا ~~غريب! أنا أصدق تماما كل شيء تقوله عن جمال زوجتك، وأتوسل إليك ألا تجعلني أفعل هذا ~~الشيء المخالف تماما للعرف. # لا يقتنع كاندوليس، ويجبر جيجس على مشاهدة الملكة وهي تخلع ثيابها استعدادا للنوم، ~~فتمسك به وتخيره - وقد لوثت سمعتها بفعلته هذه - بين مواجهة الإعدام أو اغتيال ~~كاندوليس وحكم المملكة بجانبها. وكما يقول هيرودوت في جملة قصيرة قاطعة: «اختار أن يحيا.» ~~وبعد مقتل الملك، أقرت كاهنة دلفي جيجس في منصبه، وإن كانت الكاهنة نبهت إلى أن الثأر ~~من أفعاله سيأتي في الجيل الخامس. وكما هو الحال غالبا في «تاريخ هيرودوت»، لم تعر هذه ~~النبوءة اهتماما حتى تحققت، وقد تحققت، ولم يكن الرجل الذي دفع ثمن أفعال جيجس سوى ~~كرويسوس. وبذلك فإن الدافع إلى رؤية كرويسوس كبشير لخشايارشا، وإلى رؤية قصة حياته كأنها ~~تعرض برنامج «تاريخ هيرودوت» ككل دافع لا يقاوم، لكن من المهم أن ندرك أن كرويسوس هيرودوت ~~هو في الحقيقة شخصية هامشية؛ إذ كانت ليديا في أقصى الغرب من بين الأوتوقراطيات الشرقية ~~التي يناقشها هيرودوت، وقد اهتم كرويسوس اهتماما شديدا بالعالم الإغريقي، ملتمسا حلفاء ~~بين الإغريق، وكان كجده الأعلى جيجس يقدم القرابين - شديدة السخاء في حقيقة الأمر - في ~~دلفي. # على الرغم من أن التأريخ للقائهما مشكوك فيه، فمن الواضح أن المجال كان متاحا للقاء ~~بين كرويسوس وسولون، الذي عرف بأسفاره الكثيرة في القرن السادس بعد إصلاح نظام أثينا ~~القانوني والاقتصادي. وبعد أن حرص الملك الليدي على قيام سولون بجولة في خزانته، يسأله ~~عمن يعتبره أعظم الرجال حظا، أخطأ كرويسوس بطرحه سؤالا لا يريد في حقيقة الأمر سماع ms22 ~~إجابة عنه، بل كل ما يريده هو أن يقول له سولون إنه هو، كرويسوس ملك ليديا، الأوفر حظا ~~وبفارق كبير. وبكل تأكيد، لم يكن مثل هذا الرد ليصبح مؤثرا من الناحية الفنية ، أو ~~إغريقيا من الناحية الفلسفية، وبدلا منه، يذكر سولون اسم رجل أثيني من أصل عريق لكنه غير ~~أرستقراطي، وأعني تيلوس، وهو مواطن يملك أموالا كافية «وفق معاييرنا» (تأويل: ثروة الملوك ~~الشرقيين ليست ضرورية للسعادة) وله أولاد وأحفاد، ومات مقاتلا دفاعا عن المدينة ويجله ~~الجميع. وكما هو متوقع، تخيب هذه الحكاية - بما فيها من عظة - كرويسوس، فيسأل بنبرة حادة ~~عمن قد يكون ثاني أسعد شخص رآه سولون. # ما من فائدة. يذكر سولون اسم شابين من آرجوس ربطا نفسيهما موضع الثيران من عربة ~~العائلة، وجرا أمهما نحو ستة أميال إلى معبد هيرا لحضور مهرجان الربة عندما تأخرت ~~الثيران في عودتها من الحقول. واستجابة لصلوات أمهما، نال الشابان أعظم بركة يمكن أن ~~ينالها بشري، حيث خرا نائمين في المعبد (ولا شك أنهما كانا منهكين) ولم يستيقظا ~~قط. # إن إخفاق كرويسوس التام في استيعاب رسالة سولون يقود الأثيني إلى شرحها له، فيقول: أيا ~~كرويسوس، البشر جميعهم مخلوقات الصدفة، ولا يمكنني أن أخبرك بما إذا كنت محظوظا أم لا ~~ريثما أعرف أنك مت سعيدا؛ لأن «الإله يهب في أغلب الأحيان الإنسان لمحة من السعادة، لا ~~لشيء إلا ليمحقه تماما في النهاية.» لذا ينبذ كرويسوس سولون بوصفه جاهلا، لكن سرعان ما ~~تأخذ الربة نيميسيس ملك ليديا بغتة؛ إذ يثير بغروره غضب الآلهة، فيفقد ابنه الحبيب آطيس، ~~الذي يقتله عرضا - من دون كل الناس - مستجير تكرم كرويسوس بقبوله في جواره؛ يقتله ~~بينما يحاول اصطياد خنزيرا بريا (ربما يكون كرويسوس نسيا بعض الشيء، لكنه ليس سيئا ~~بالكلية). ظل حزينا لمدة سنتين بعد ذلك إلى أن أخرجته من أحزانه هذه أنباء مزعجة واردة من ~~الشرق؛ فقد بدا أن قوروش المتقد بالحيوية شرع في تحويل فارس إلى قوة يحسب لها حساب، فدفع ~~هذا التطور كرويسوس إلى طلب النصح ms23 من كهنة اليونان وليبيا بغرض توجيه ضربة استباقية ~~(فكرويسوس، مثله مثل هيرودوت، أشبه بباحث)، والبقية يحكيها لنا التاريخ. وبعد أن دفعه كلام ~~كاهنة دلفي إلى اعتقاد أن إمبراطورية عظمى ستنهار لو خاض حربا ضد قوروش، ولا ريب أنه أخطأ ~~في فهم النبوءة. ونظرا إلى خطأ شخصيات هيرودوت عادة في فهم النبوءات كل مرة، لا نكاد ~~نتوقع شيئا آخر. فكانت القوة التي دمرها كرويسوس قوته، وضمت ليديا إلى الإمبراطورية ~~الفارسية، وأفلت كرويسوس من الموت على يدي قوروش بأعجوبة. # لا يسير سرد هيرودوت دائما بأسلوب خطي؛ إذ لا نسمع عن أصول قوروش مثلا إلا بعد مرور بعض ~~الوقت على اقتتاله هو وكرويسوس، وعندما نكتشف في النهاية كيف بلغ قوروش المكانة التي بلغها ~~وأسس الإمبراطورية الفارسية، نعلم أن خططا قد وضعت قبل ميلاده لضمان ألا يتجاوز سنين ~~عمره الأولى. كان أستياجس ملك ميديا قد رأى حلما يخص سبطه أثار خوفه؛ إذ رأى في المنام ~~ابنته الشابة مانداني تتبول في عموم آسيا، فزوجها بدافع القلق من رجل فارسي متوسط الحال، ~~وفيما بعد رأى في المنام كرمة تنبت من مهبلها وتغطي الإقليم ذاته، فقرر أن يتخلص من ~~الطفل الذي كانت تحمله، لكن كما هو معهود في هذه الحكايات التي تتناول نجاة الزعيم ~~المستقبلي بأعجوبة (موسى، رومولوس، إلى آخره)، كان الحظ حليف قوروش؛ إذ يدفع هارباجوس - ~~تابع أستياجس الأمين - في الواقع بالوليد، بعد أن أمر بالتخلص منه، إلى راعي غنم كي ~~يقتله، لكن راعي الغنم - طبعا لأن الطفل ولد كي يصير ملكا - يتخذ هو وزوجه سليل الملوك ~~ولدا ويربيانه. # عندما يبلغ قوروش مبلغ الرجال وقد علم بهويته الحقيقية، يحشد الفرس للاصطفاف خلفه ~~والإطاحة بأستياجس، حيث يستدعي رجالا من أقوى القبائل، ويأمرهم بتطهير بقعة معينة من الأرض ~~الوعرة المليئة بالأشواك تقارب مساحتها ثمانية عشر أو عشرين فرسخا مربعا، وبعد إنجاز ~~العمل، يذبح أعدادا هائلة من المعز والضأن والثيران استعدادا لمأدبة سخية، مضيفا إلى ~~الخليط النبيذ الفاخر والخبز. وعندما يرى الفرس في اليوم التالي، يسألهم عما يفضلون: ~~كدح ms24 يومهم السابق أم مباهج يومهم الحالي. وبعد سماع قوروش الإجابة المتوقعة، يعدهم بأنهم لو ~~تمردوا على أستياجس، فسيتمكنون من التمتع بألف ملذة تتساوى في فخامتها مع المأدبة التي ~~أمامهم، لكنهم إذا رفضوا فإن العمل البائس الذي كلفوا به اليوم السابق سيشكل نموذجا ~~لكثير من المهام الرهيبة التي ستأتي. ثم يقول: «أنا الرجل الذي شاءت العناية الإلهية أن ~~أضطلع بتحريركم. أعتقد أنكم صنو للميديين في كل شيء بما في ذلك الحرب. الحق أقول. لا ~~تتمهلوا، بل ثوروا على أستياجس في هذه اللحظة.» وهكذا فإن قوروش، الذي لم ينس قط أصوله ~~والأذى الذي كاد يكلفه حياته كطفل رضيع، يطيح بأستياجس ويحكم لسنوات طويلة، فاتحا ليديا ~~وعددا كبيرا من الأقاليم الأخرى، ويخلفه على العرش ابنه مثار الجدل قمبيز الذي يخلفه في ~~نهاية المطاف دارا. وبولاية دارا، تبدأ المواجهات المفتوحة بين الإغريق والفرس. # لكن من هؤلاء الإغريق؟ وما أصولهم؟ يكشف انخراط هيرودوت في الإجابة عن هذا السؤال - في ~~الحقيقة استعداده الشديد للانخراط في الإجابة عنه - عن هيرودوت مختلف عن هيرودوت القاص الذي ~~روى الحكايات الشائقة التي تتناول جيجس وكرويسوس وقوروش؛ ففي فقرة شهيرة في الكتاب الثامن، ~~يؤكد الأثينيون للإسبرطيين أنهم لن يبرموا أبدا اتفاقا مع بلاد فارس؛ لأن في ذلك خيانة ~~ل «إغريقيتنا»، فنحن «عرق واحد يتحدث بلغة واحدة ويشترك في الأضرحة والقرابين، ويجمعه منهج ~~حياة متماثل.» وقبل أن يمضي على ذلك وقت طويل، يهددون بإبرام مثل هذا الاتفاق بالضبط، ~~والواقع أن هيرودوت يقوض في مراحل مختلفة فكرة أن الإغريق كانت تجمعهم ثقافة فريدة ~~وموحدة. # يبين هيرودوت أن اليونان كلها كانت مأهولة في الأساس بالشعب البربري المسمى بيلاسجيان، ~~الذي تحدر منه أثينيو ذاك العصر مباشرة. وقد استقبل بسخرية الادعاء القائل بأن سكان ~~المدن الأيونية الاثنتي عشرة بآسيا الصغرى هم بطريقة أو بأخرى من أصل أيوني أنقى وأشرف من ~~الآخرين؛ لأن عددا ضخما من المستوطنين الأصليين جاءوا من مدن غير أيونية، بل ومن بعض ~~المدن التي لم تكن حتى إغريقية! كذلك يشدد أيضا على النفوذ ms25 الفينيقي؛ إذ يقول إن البطلين ~~الأثينيين المبجلين هارموديوس وأريستوجيتون كانا ينتميان إلى عشيرة ليست - كما زعما - من ~~مدينة إريتريا الواقعة شمال أثينا، بل في الحقيقة من أصل فينيقي مثلما كانت الألفبائية من ~~فينيقيا، حسب تأكيده. وهيرودوت لا يرحم الإغريق أبدا في تشديده على المصادر المتنوعة التي ~~استعاروا منها، فمن الليديين استعاروا معظم ألعابهم، ومن الكاريين استعاروا ريش الخوذات ~~وشعارات الدروع ومقابضها، ومن الليبيين استعاروا الملابس التي كان الأثينيون يصورون عادة ~~وهم يرتدونها، وأكد أنهم تعلموا هويات الآلهة كلها من غير الإغريق؛ ولا سيما المصريين، ~~فمقارنة بالمصريين، لم يتوصل الإغريق إلى معرفتهم بالآلهة «إلا أمس أو أول أمس إذا جاز ~~التعبير.» وهو يقول إنه يستطيع تقديم قدر لا بأس به من الأدلة التي تؤيد فكرة أن الإغريق ~~استعاروا اسم هرقل من مصر وليس العكس. ويعزو هيرودوت - وهو في العادة، لكن ليس دائما، من ~~القائلين بالانتشار الثقافي - اختراع المذابح والمعابد والتماثيل والمواكب الدينية وعقيدة ~~تناسخ الأرواح إلى المصريين، وفي معظم الأحيان يؤكد أن الإغريق استعاروا هذه العادات، بل ~~وفي حالة تناسخ الأرواح، نجده في واقع الأمر يتهم المستعيرين الإغريق بالسرقة الصريحة ~~(يقول علماء المصريات إنه مخطئ في هذه النقطة، لكن تفكيره يتباين تباينا صارخا مع تفكير ~~هيكاتايوس الأكثر منه تعصبا لوطنيته، والذي كان مقتنعا بأن التأثير سار في الاتجاه ~~المعاكس). # إذن فهيرودوت يظهر، في أسلوبه القصصي وفي أسلوبه الإثنوجرافي، اعتقادا قويا بأن ~~المرء كي يفهم التاريخ يجب أن يفهم الأصول؛ فهو على دراية بأن الكبرياء الوطني يقود الناس ~~إلى طرح روايات مجملة لأصولهم تقلل من قيمة المزيج العرقي والاستعارة الثقافية. وعلى ~~امتداد صفحات «تاريخ هيرودوت»، يتعامل المؤلف مع أصول الأصول، منوها إلى أن التقاليد ~~السائدة حيال التقاليد إنما هي محل شك، وأنه يجب علينا أن نأخذ المصدر بعين الاعتبار. وكان ~~ينبغي أن يتذكر من ينتقدون هيرودوت بسبب بعض الحكايات غير المعقولة الواردة في كتابه دوره ~~في تأسيس نقد المصدر. # الفصل الثالث # | الحرب بين الإغريق والفرس # لا يعتمد هيرودوت على مهاراته ككاتب مسرحي ms26 في أي موضع آخر اعتمادا أعظم نجاحا منه في ~~معالجته الحروب الفارسية الدموية ذاتها؛ فالحروب بين اليونان وفارس، التي تشكل محور ~~«تاريخ هيرودوت»، لا تظهر على الساحة إلا بعد تجاوز منتصف الطريق في السرد، لكنها عندما ~~تظهر، تتسارع كالسيل الجارف نحو ختامها، فتسرعها قناعات هيرودوت القوية بشأن الطبيعة ~~الإنسانية بكل صنوفها: ذلك التعطش النهم إلى الانتقام، وميل الملوك الشرقيين إلى الرغبة في ~~المزيد والمزيد من الأملاك، والعواقب المأسوية لعدم الالتفات إلى المستشارين الحكماء الذين ~~يقولون الحقيقة لأصحاب السلطة، وأخطار الحكم المطلق، وتزلف المتزلفين إلى الحكام ممن ~~لديهم أجنداتهم الخاصة، والبطولة المستبسلة من جانب جنود المشاة الإغريق الجادين، والطاقات ~~التي أطلقتها الديمقراطية. فالتوتر مستمر بين الدراية بالمحصلة وعدم ترجيح حدوث تلك ~~المحصلة. بالتأكيد، سيكون النصر حليف الإغريق، ويعلم الجمهور أن الإغريق انتصروا، وقد حذرت ~~الطوالع والبشر على السواء خشايارشا المتغطرس من المتاعب التي تنتظره. # من ناحية أخرى، كيف أمكن في الحقيقة وقوع ما حدث؟ كيف أمكن لعصبة من نيف وثلاثين دويلة ~~صغيرة دأبت التشاحن المستمر فيما بينها، ناهيك عن التنازع الداخلي الدائم، أن تهزم أكبر ~~إمبراطورية شهدها العالم على الإطلاق؟ إن تفسير هيرودوت لنصر الإغريق باعتباره لا يصدق ~~وحتميا في آن واحد - هزيمة جالوت الفارسي على يدي داود الإغريقي - يشكل سرده ويعمق ~~الشعور بالإثارة لدى جمهوره. وتدوي فكرة النصر التي تتمحور حولها هذه السيمفونية عاليا، ~~ماضية بسلاسة وقوة بينما تتصاعد وتمور نحو خاتمة تحبس الأنفاس. إننا نتعامل مع عمل فني هنا، ~~لا حوليات جافة؛ وبالتالي فإن هناك عناصر من إعادة التشكيل الدرامي والمبالغة، فأنا أو أنت ~~ربما نقدم وصفا مفصلا للحروب بطريقة مختلفة، لكن دعنا نستمع إلى القصة كما يرويها ~~هيرودوت، مرجئين عدم التصديق طويلا بدرجة كافية لاستيعابها، على الرغم من تشككنا في أن كل ~~شيء ربما لم يحدث بالضبط كما يقول. # شكل 3-1: يظهر خشايارشا هنا في شبابه عندما كان ولي عهد فارس، واقفا خلف أبيه ~~دارا بين المنحوتات البارزة التي تزخر بها الخزانة في العاصمة الفارسية ~~برسبوليس. # 1 # يتمرد ms27 الإغريق الأيونيون على الإمبراطورية الفارسية بدافع الشعور بالقهر نتيجة زيادة ~~الضرائب، وبتشجيع من زعماء حريصين على مصلحتهم الشخصية؛ فيظهر أرستاجوراس الملطي في إسبرطة ~~ملتمسا العون من الملك كليومينس (احتفظت إسبرطة، خلافا للدويلات الإغريقية الأخرى ، بنظام ~~الملكية، لكن كان يتولى الحكم فيها ملكان من أسرتين حاكمتين)، فتحبطه ابنة كليومينس ~~الجريئة جورجو ذات الثماني أو التسع سنوات، التي تحذر أباها من محاولات أرستاجوراس رشوته، ~~صائحة: «أبتاه، الأحرى بك أن تنهض وتغادر وإلا سيرشوك ضيفك.» كان الأثينيون أكثر تجاوبا، ~~حيث وافقوا على توفير 20 سفينة لحركة التمرد، مما دفع هيرودوت إلى التنويه إلى أن خداع حشد ~~أسهل فيما يبدو من خداع فرد. ويخفق التمرد، وفي غضونه تشتعل النيران في عاصمة كرويسوس ~~القديمة سارديس، ولدى سماع دارا بضلوع الأثينيين، يسأل عمن يكون هؤلاء الناس، ولدى سماعه ~~الإجابة: # يقال إنه طلب قوسه، فأمسكه وشد في وتره سهما، وأطلقه عاليا نحو السماء، ~~وبينما كان يطلقه في الجو قال: «أيها الرب زيوس، هب لي ما أعاقب به الأثينيين.» ~~ثم أمر أحد أفراد حاشيته أن يكرر على مسامعه عبارة «أي سيدي، تذكر الأثينيين» ~~ثلاث مرات كلما جلس لتناول طعامه. # شكل 3-2: بغض النظر عن الصحة التاريخية لحكاية هيرودوت عن دارا والسهم، كان ~~الفارسيون معروفين يقينا بأنهم رماة لا يشق لهم غبار. أما الملك الرامي ~~الذي نراه يحمل قوسا وسهما على هذه العملة الفارسية - التي تعود إلى ~~القرن الخامس والمعروفة باسم الدارية نسبة إلى دارا - فربما يكون خشايارشا. ~~من ناحية أخرى، كان الأثينيون ينقشون على عملاتهم صورة البومة التي ترمز ~~إلى ربتهم الحامية الحكيمة. هذه العملة الفضية كانت شائعة (وهي من فئة أربع ~~دراخمات). # 2 # وقد تذكر دارا الأثينيين، فكانت النتيجة هي المعركة التي دارت رحاها في سهل ماراثون. ~~كان الأثينيون - وهذا مفهوم - وجلين من الاشتباك مع جيش الملك الكبير، لكن أحد جنرالاتهم؛ ~~وهو ملتيادس، ألقى خطابا ألهب به حماسهم وأقنعهم بخوض المعركة. كان الجنرالات منقسمين بشأن ~~ما إذا كانوا يحاربون أم ينسحبون، لكن اقتراعا ديمقراطيا بينهم حسم المسألة، ms28 فأسفر ~~القتال عن تحقيق قوة المشاة الثقيلة الأثينية نصرا مذهلا. ولا يخبرنا هيرودوت من هو جندي ~~قوة المشاة الثقيلة؛ لأنه افترض أن جمهوره من الإغريق سيكون على دراية تامة بالدرع ~~المستديرة والرمح والخنجر والخوذة التي كانت تمثل العتاد النظامي، مصحوبة في بعض الحالات ~~بدروع لحماية الساقين. وكان أي إغريقي سيتلقى خبر انقضاض الأثينيين على الفرس ركضا، كما ~~يدعي هيرودوت، كعمل بطولي بمعنى الكلمة؛ لأن المسافة بين الجيشين كانت نحو ميل، وقد يزن ~~عتاد جندي قوات المشاة الثقيلة 35 رطلا أو أكثر. كان الصراع طويلا جدا، وأحدث قلب الجيش ~~الفارسي ثغرة في الصف الإغريقي، لكن الأثينيين على أحد الجناحين وحلفاءهم البلاتيين على ~~الجناح الآخر حققوا النصر، وبتقاربهم وتشكيلهم وحدة واحدة هجموا على الفرس الذين كانوا ~~قد اقتحموا القلب وحصدوهم وهم متجهون نحو البحر. مات ما مجموعه 192 ~~أثينيا (ولا يورد هيرودوت عددا لقتلى ~~البلاتيين)، لكن خسائر الفرس كانت أعلى بكثير، حيث قتل منهم 6400 محارب، وبعد المعركة ~~توجه الأسطول الفارسي صوب أثينا، لكنه عاد أدراجه وأبحر صوب آسيا بعدما أدرك أن الأثينيين ~~سبقوه إلى هناك. # يقرر دارا - حانقا - شن غزو ثان، فليس على الأثينيين الآن دفع ثمن سارديس فحسب، بل ~~ثمن ماراثون أيضا، لكن الأجل يوافيه أثناء حشده القوات وتجهيزه المؤن، فتقع مسئولية حرب ~~الإغريق على عاتق ابنه وخليفته خشايارشا، وبتحريض من التملق السافر من جانب ابن عمه الطموح ~~ماردونيوس، الذي يطمح في حكم إقليم جديد في اليونان، يتجاهل خشايارشا نصيحة حكيمة من عمه ~~أرطبانس، الذي يطرح حجة إغريقية بامتياز لتلطيف الرغبات الإمبراطورية. يقول أرطبانس: # ترى كيف ينسف الرب بصاعقته المخلوقات العظيمة ولا يسمح لها بإظهار تفوقها، في ~~حين لا تزعجه المخلوقات الصغيرة على الإطلاق. أنت ترى صواعقه تحل دائما على أكبر ~~الأبنية وأطول الأشجار. هذا هو نهج السماء في كبح الشطط. # لا يبالي الملك، ويسمح لنفسه بالانسياق إلى مشروع معاقبة الأثينيين؛ فخشايارشا - كما ~~يتبين - يعشق العقاب. والواقع أنه يقرر عقاب أرطبانس نفسه لنصحه بعدم غزو اليونان، ~~ويضحك هازئا منه قائلا ms29 إنه سيبقيه في الديار مع النساء بينما يخرج هو والرجال الحقيقيون ~~لمعاقبة الأثينيين. وليس ذلك فحسب؛ فعندما عرض الليدي الثري بايثيوس وضع كل أمواله تحت ~~تصرف خشايارشا، يقدم الملك على تصرف ملؤه التباهي لمكافأته، فيهبه هبة تزيد ثروته ~~زيادة هائلة ، لكن بعدئذ، عندما يلتمس بايثيوس من خشايارشا السماح لأحد أبنائه الخمسة ~~بالبقاء في الديار لرعايته في كبره فيما يرافق الآخرون الحملة المتجهة إلى اليونان، يأمر ~~الملك الغاضب رجاله بالعثور على أكبر أبناء باثيوس وشق جسده نصفين، ثم يأمر الجيش بالمسير ~~بين شطري جسد الشاب. # شكل 3-3: «ثلاثية المجاديف» (سفينة ذات ثلاثة صفوف من المجاديف)، نسخة من السفينة ~~الحربية الانسيابية الخفيفة التي استند إليها الإغريق في بناء ~~أساطيلهم. # 3 # تمتد عقوبات خشايارشا إلى الجمادات؛ فعندما دمر الجسر الذي كان قد بناه عبر مضيق ~~الهلسبونت بفعل عاصفة عاتية، أمر الملك رجاله بجلد المياه 300 جلدة، و«التحدث بكلمات ~~متعجرفة لن تسمعها أبدا من إغريقي»: # أيتها المياه المرة، هذا عقابك على خطئك في حق سيدك الذي لم يخطئ في حقك. ~~الملك خشايارشا سيعبرك، شئت أم أبيت. الناس محقون في عدم تقديمهم القرابين ~~لمياه كدرة كريهة مثلك! # كذلك أمر بقطع رءوس من قاموا على بناء الجسر. لقد فصل خشايارشا ما أرادته الطبيعة واحدا ~~(شطري جسد ابن بايثيوس)، ووصل ما جعلته الطبيعة منفصلا (آسيا وأوروبا). إن انتهاك ~~خشايارشا الحدود الطبيعية يحاكي بالتأكيد انتهاكه الحدود الاجتماعية في مثلث كاندوليس ~~والملكة وجيجس. # تسير الحملة بلا توقف نحو الغرب، فتشرب مياه الأنهار حتى تجف، وتتجاهل نذر الشؤم، ~~وترفض النصائح السديدة. وفي صحبة خشايارشا خلال هذه الحملة ملك إسبرطة المخلوع ديماراتوس، ~~وهو من بين شخصيات عديدة في «تاريخ هيرودوت» تقوم بدور «المستشار ~~الحكيم» المتكرر. يأمره خشايارشا قائلا: ~~أخبرني، هل سيجرؤ الإغريق على مقاومتي؟ فيجيبه ديماراتوس بقوله: حسنا، دعني أحدثك عن ~~الإسبرطيين بصفة خاصة. سوف يقاتلونك حتى لو استسلم الإغريق الآخرون. تفوقك في العدد لن ~~يعني لهم شيئا. لو خرج للحرب ألف منهم، فأولئك الألف سيقاتلونك، وكذلك سيفعل أي عدد، كثر ms30 ~~أو قل. # يقول خشايارشا ضاحكا: كلا بالتأكيد. أنى يكون هذا وهم - على عكس رعيته - لا سيد لهم ~~يحكمهم؟ فيجيبه ديماراتوس بقوله: يا جلالة الملك، هذا هو حال الإسبرطيين: # عندما يقاتلون رجلا لرجل، فهم في كفاءتهم مثلهم مثل أي ممن سواهم، لكن عندما ~~يقاتلون في تشكيل، فهم خير جنود العالم. هم أحرار، نعم هذا صحيح، لكنهم ليسوا ~~أحرارا تماما؛ لأن لهم سيدا، وذلك السيد هو القانون (الناموس)، الذي يخشونه أشد ~~مما تخشاك رعيتك. وهم يطيعون هذا السيد ما أمرهم، وأمره دائما واحد: ألا ~~تولوا الأدبار أبدا في الوغى، مهما كثر العدد، بل احتفظوا بمواقعكم، فإما نصر وإما ~~موت. # اقتصر ديماراتوس في حديثه على الإسبرطيين، لكن هيرودوت نفسه، وفي الكتاب الخامس، قال ~~شيئا عن الأثينيين أيضا؛ فعندما كانوا تحت حكم الأوتوقراطيين ممن عرفوا في اليونان ب ~~«الطغاة» (ليسوا بالضرورة أشرارا، لكنهم أشخاص جاءوا إلى السلطة عبر انقلابات قاموا بها هم ~~أو آباؤهم)، كانوا مقاتلين أكفاء، لكن كفاءتهم آنذاك لم تداني بأية حال كفاءتهم بعدما ~~تخلصوا من الطغاة وأقاموا ديمقراطية، بعدما أراد كل شخص - كرجل حر - أن يحقق إنجازا ~~بنفسه. # عندما يتلفظ ديماراتوس بهذه الكلمات، يضحك خشايارشا من جديد (للضحك الفارسي دائما دلالة ~~سيئة في سرد هيرودوت)، ويمضي في طريقه دون أن يثنيه شيء عن مقصده. # ستكون أول مواجهة في ثيرموبيلاي، التي تمركز فيها ليونيداس ملك إسبرطة، وكانت معه طليعة ~~من الإغريق. وبينما كانوا يضعون استراتيجية الحرب، اقترب منهم خلسة جاسوس فارسي لتقييم ~~الموقف، وبعد أن رأى بعض الإسبرطيين متجردين من عتادهم للتريض، وبعضهم الآخر يمشطون ~~شعورهم، قفل عائدا في دهشة وأخبر خشايارشا بما رأى. يقول ديماراتوس للملك المخدوع: لا تقل ~~إنني لم أحذرك، لقد ضحكت عندما أخبرتك بأمر الإسبرطيين، لكن من عادتهم أن يعتنوا جيدا ~~بشعورهم وهم مقبلون على المخاطرة بأرواحهم. لكن خشايارشا لا يتزعزع، ثم يشن رجاله هجوما، ~~لكن بلا طائل. ويروي هيرودوت أنه يقال إنه بينما كان خشايارشا يراقب المعركة من موضع جلوسه، ~~هب واقفا على قدميه ثلاث مرات ذعرا ms31 على جيشه. وفي اليوم التالي يقاتلون من جديد، لكن ~~الفرس لا يستطيعون خرق صفوف الإغريق؛ فتصيب الحيرة خشايارشا وهو الذي اعتاد الحصول على ما ~~يشاء. # ثم يتغير كل شيء؛ يخبر رجل من أبناء المنطقة طامع في مكافأة ثمينة، خشايارشا ببعض ~~المعلومات المثيرة للاهتمام الشديد، فهناك ممر خفي فوق التلال موصل إلى ثيرموبيلاي. ينتشي ~~خشايارشا. يصعد الفرس لاجتياز الممر. وفي ثيرموبيلاي، يفحص العراف الإسبرطي ميجستياس ~~أحشاء القرابين ويعلن عن هلاك وشيك. يصل الفارون من القتال أثناء الليل حاملين أنباء ~~تحركات الفرس، وعند انبلاج الصبح يأتي أفراد المراقبة الإغريق مهرولين من التلال. معظم ~~القوات الإغريقية رحلت، فيميل هيرودوت إلى اعتقاد أن ليونيداس صرفهم عندما رأى ضعف ~~معنوياتهم وانعدام حماسهم للقتال. بينما أحس ليونيداس نفسه أنه سيكون من غير اللائق أن ~~يتخلى الإسبرطيون عن الموقع الذي أرسلوا للاحتفاظ به، زد على ذلك أنه كانت هناك نبوءة ~~تقول إن موت أحد الملوك هو وحده الذي يمكنه وقاية إسبرطة من الدمار؛ لذا بقي هو وجنوده ~~الإسبرطيون الثلاثمائة وقاتلوا، صامدين حتى النهاية، بسيوفهم إذا كانت ما زالت لديهم، وإن ~~لا فبأيديهم وأسنانهم (في الحقيقة لم يكن هناك إلا 298 موجودون في النهاية، ولتتعرف على ما ~~حدث للاثنين الآخرين، يجب أن تقرأ كتاب هيرودوت، وحتى هيرودوت يورد روايات بديلة). كانت ~~الخسائر البشرية بين صفوف الفرس مرتفعة أيضا، حيث كان قادة فيالق خشايارشا يحثون دائما ~~الرجال على التقدم وبأيديهم أسواط، وسقط كثيرون في مياه البحر وغرقوا، بل ومات أكثر منهم ~~سحقا تحت أقدام رفاقهم الجنود. # يصف هيرودوت ثيرموبيلاي كنصر معنوي مدو؛ فهي لم تكسب للإغريق في جهة الجنوب وقتا فحسب، ~~بل ألهبت حماسهم للتصدي للفرس انتقاما لليونيداس ورجاله. وفي الوقت نفسه، التقى الأسطولان ~~الإغريقي والفارسي قبالة موقع قريب من مضيق أرتميسيوم لفترة دامت عدة أيام. لم يحسم أي ~~الفريقين في النهاية القتال لصالحه، لكن المعركة شجعت الإغريق ليدركوا أن بمقدورهم التصدي ~~لأسطول فارسي، وهذه معلومة مفيدة؛ لأن المعركة التالية ستدور رحاها في عرض البحر، في مضيق ~~قبالة جزيرة ms32 سلاميس بالقرب من أثينا. # كان مهندس موقعة سلاميس هو السياسي الأثيني اللامع تيميستوكليس، الذي أقنع الأثينيين بأن ~~النبوءة الإلهية التي تلقوها من دلفي وتتحدث عن «جدار خشبي» لا تشير إلى التحصينات الخشبية ~~في معبد الأكروبوليس، بل بالأحرى إلى الخشب المصنوعة منه سفنهم؛ وبالتالي أقنعهم بالتخلي عن ~~أرضهم لخشايارشا، ونقل النساء والأطفال إلى سلاميس على أمل إعادتهم إلى الديار بعد قهر ~~الفرس. بذل تيميستوكليس مجهودا مضنيا لإقناعهم، وفي عدم وجود غير ثلة من المدافعين، نهب ~~خشايارشا المدينة وأحرق الأماكن المقدسة في الأكروبوليس. وكما في ثيرموبيلاي، فكر ~~الجنود المحبطة معنوياتهم في الانفضاض والعودة إلى ديارهم، أو على الأقل العودة إلى برزخ ~~كورنثة الذي سيكون الانسحاب منه سهلا نسبيا في حالة التعرض لهزيمة في المضيق. استبق ~~تيميستوكليس الكارثة بإرسال غلامه سكينوس إلى المعسكر الفارسي برسالة إلى خشايارشا، ~~وكان تيميستوكليس - كما أفاد سكينوس - على الجانب ~~الفارسي في حقيقة الأمر. وقال إن الإغريق: # في حالة من الذعر ويخططون للتقهقر، فإذا منعتهم من الانسلال من قبضة يدك، واتتك ~~الفرصة لتحقيق نصر مؤزر. إنهم في نزاع، وفي وضع لا يسمح لهم بالمقاومة. على العكس ~~تماما، ستجد سفنهم يقاتل بعضها بعضا، حيث يهاجم الموالون للفرس الآخرين. # راق لخشايارشا ما سمع، فطوق الأسطول الإغريقي تحت جنح الظلام، واستعد الإغريق ~~للمعركة، مذعنين لقدرهم المحتوم. قدم مقاتلون مختلفون روايات متغايرة لسير المعركة ~~اعتمادا على كل من الكبرياء الوطني وحدود الرؤية، لكن بدا واضحا لهيرودوت أن السفن ~~القادمة من أثينا وجزيرة أيكينا القريبة ألحقت أضرارا بالغة بالأسطول الفارسي، الذي كان قد ~~تبعثر أثناء سير المعركة. منح الإغريق أثينا الجائزة الثانية في البسالة؛ حيث كانت الأولى ~~من نصيب أهل أيكينا. وإجمالا، تكبد الإغريق خسائر بشرية قليلة؛ لأنهم في حالة انفصالهم ~~عن سفنهم كان بمقدورهم السباحة إلى سلاميس، أما الفرس الذين سقطوا من سفنهم فلم تكن لديهم ~~تلك الميزة فغرقوا. كانت نتيجة المعركة البحرية هذه المرة واضحة لا لبس فيها؛ إذ مني الفرس ~~في نهاية اليوم بهزيمة حاسمة. خشي ماردونيوس - وهو أمر مفهوم - أن ms33 ينكل به لإلحاحه على ~~خشايارشا محاربة الإغريق، فأكد للملك المتجهم أن خسارة «بعض ألواح الخشب» لن يقف في ~~طريق تحقيق نصر في النهاية، بل إن محصلة الصراع سوف تعتمد في نهاية المطاف على الرجال ~~والخيل (هو لا يذكر الرجال الذين غرقوا مع «ألواح الخشب»). ويقول للملك: لا تيأس، فعاجلا ~~أم آجلا سيدفع الإغريق ثمن ما فعلوه بك. إذا شئت عد إلى الديار، وسوف أبقى أنا هنا مع ~~جزء من الجيش وأجعلك سيد اليونان. # راقت لخشايارشا بشدة فكرة العودة إلى الديار في واقع الأمر، فيمم وجهه شطر آسيا على ~~الفور. في غضون ذلك، عرض ماردونيوس أن يعفو عن خطايا الأثينيين السابقة لو بدلوا ولاءهم؛ ~~فأرسل الإسبرطيون على الفور وهم في حالة من الذعر رسلا لإثناء الأثينيين عن التخلي عن ~~القضية الإغريقية، وقد أجل الأثينيون - في خطوة استراتيجية - موافاة رسول ماردونيوس بردهم ~~ريثما يكون الإسبرطيون هناك لسماعها. ويفسح هيرودوت المجال للرفض المؤثر الذي قدموه، الذي ~~قصد به أن يحظى بتقدير الصديق والعدو على حد سواء: # ما من ذهب أو أراض خصبة على وجه الأرض يمكن أن تجعلنا نتعاون مع العدو المشترك ~~ونوقع اليونان في أسر العبودية. ربما تكون هناك عقبات هائلة عديدة تقف في طريقنا، ~~وعلى رأسها حرق معابدنا وتماثيل آلهتنا. إننا نرى أن من واجبنا أن نثأر لهذا ~~التدنيس بكل ما أوتينا من قوة، وألا ندخل في معاهدة مع من اقترفه. ثم إن هناك ~~أيضا حقيقة أننا كلنا إغريق، عرق واحد ينطق بلسان واحد، تجمعنا معابد وقرابين ~~مشتركة، ونهج حياة واحد؛ إذن فلتعلموا إن لم تكونوا تعلموا من قبل أننا لن نتوصل ~~أبدا إلى تفاهم مع خشايارشا ما دام هناك أثيني واحد باق على قيد الحياة. # وهكذا بقي ماردونيوس في اليونان وواجه القوات الإغريقية مجتمعة تحت قيادة الإسبرطي ~~باوسانياس، الوصي على ابن ليونيداس القاصر بلايستارخوس، فالتقى الجيشان في بلاتايا بالقرب ~~من طيبة في الربيع التالي. وكما كان معتادا قبل خوض المعارك في العالم القديم، حصل كلا ~~القائدين على قراءة لطالعيهما قبل ms34 خوض المعركة، وكلاهما كان سيئا، لكن باوسانياس تمكن في ~~اللحظة الأخيرة من الحصول على علامة مبشرة أثناء المعركة، وكان النصر في الحقيقة حليف ~~الإغريق. وقد دان الإغريق بنصرهم في جزء كبير منه لهيكل الجيش الفارسي - حيث انهارت ~~المقاومة الفارسية عندما قتل ماردونيوس - وكذلك إلى افتقار الفرس إلى الدروع؛ لأنهم من ~~دونها لم يستطيعوا الصمود أمام قوات المشاة الثقيلة الإغريقية. ويحرص هيرودوت على تأكيد عدم ~~افتقار الفرس إلى الشجاعة بأية حال، ولا ينزل إلى مستوى التقليل من شأن جنود خشايارشا ~~المغاوير. # شكل 3-4: تظهر هذه السلطانية الصغيرة جندي قوات مشاة ثقيلة إغريقيا يحمل ~~درعا عليها صورة البيجاسوس (الحصان المجنح)، وهو يعلو فارسيا يرتدي ~~ملابس كان الإغريق يعدونها غريبة. وهذا من عمل فنان يسمى رسام تربتولموس، ~~قرابة عام 460 ق.م ولم يصور هيرودوت الفرس باستهزاء إلى هذه ~~الدرجة. # 4 # قيل إن ذلك حدث في ذات اليوم الذي تغلب فيه الأسطول الإغريقي على الفرس في موقعة ~~ميكالي في أيونيا، حيث كتب هيرودوت: «الترتيب الإلهي للأمور تثبته براهين كثيرة»، من ~~أهمها خبر النصر في بلاتايا الذي بلغ بعون الآلهة ميكالي قبيل خوض المعركة مباشرة، وهو ~~تطور أعطى دفعة قوية لروح الإغريق المعنوية. وبهزيمة الفرس في ميكالي، انتهت محاولتهم إخضاع ~~الإغريق نهاية غير مشرفة. لقد حدث ما لم يكن يخطر ببال، فانتصرت عصبة من دويلات إغريقية ~~صغيرة فقيرة، تضافرت جهودها دفاعا عن وطنها، على الملك الفارسي الثري وحشوده التي تعد ~~بالملايين بالمعنى الحقيقي للكلمة. # هذا هو حقيقة النشيد العسكري الاحتفالي الذي قدمه هيرودوت ليدخل السرور على قلوبنا ~~بما فيه من مواضيع متكررة (العظات الحماسية قبل المعركة، استعراض الأعمال الجسورة، التجاهل ~~القاتل للمستشار الحكيم أو العلامات الإلهية، تفوق أساليب التفكير الإغريقية على الأساليب ~~الفارسية)، ويبلغ ذروة في الموقف الإسبرطي في ثيرموبيلاي، وذروة ثانية في النصر في سلاميس. ~~لكن إذا نظرنا إليه كمقطوعة بيانو لا كسمفونية، علينا أن نسأل عما تفعله اليد اليسرى فيما ~~تنتج اليد اليمنى كوردات كبيرة لا تنسى ولا تزال تصدح حاليا إلى يومنا ms35 هذا. أما الإجابة ~~فهي طباق متقن من دونه تكون هناك مجازفة بأن يبدو اللحن الانتصاري المبهج عاطفيا، بل ~~وعديم المعنى. # ذلك أنه حتى مجرد القراءة العابرة لسرد هيرودوت تبين إدراكه أن الإغريق لم يكونوا بأي ~~حال متحدين في الدفاع عن وطنهم؛ فالإغريق الذين قاتلوا في صف خشايارشا أكثر ممن قاتلوا ~~ضده، وكان التضارب واللامبالاة سائدين بين الدويلات الحلفاء، وواجه ملتيادس صعوبة شديدة ~~في إقناع القادة الأثينيين بالاشتباك مع الفرس في ماراثون، ولم يرسل الإسبرطيون إلا قوة ~~صغيرة إلى ثيرموبيلاي، وكان حلفاؤهم متقلبين بشدة، لدرجة أن ليونيداس كان بادي التوتر ~~لوجودهم حوله. وعشية موقعة سلاميس، هدد تيميستوكليس بحمل الأثينيين كافة على ظهور ~~سفنهم والإبحار إلى إيطاليا إذا لم يوافق القائد الإسبرطي يوروبيادس على القتال في المضيق ~~بدلا من التراجع إلى البرزخ. وحتى بعد إقناع يوروبيادس، اعتبر الموقف مشكوكا فيه إلى درجة ~~أنه كان مستعدا لاستفزاز حصار فارسي لفرض معركة. وفي الربيع التالي، أعاد الإسبرطيون ~~التفكير في تلبية طلب الأثينيين المساعدة في بلاتايا، والحقيقة أنهم نظروا بجدية في تسوير ~~البرزخ الذي يفصل أرضهم عن أرض الأثينيين وتركهم لمصيرهم. وأما تأكيدات الأثينيين ~~الاستعراضية لولائهم الأبدي لليونان، فقد أذهبت أثرها فيما بعد، وبشكل يكاد يكون فوريا، ~~كلمات بالغة القتامة، وذلك عندما ألمحوا إلى الإسبرطيين بأنهم لو لم يتحركوا، فإنهم ربما ~~يعيدون النظر في قبول شروط الفرس. كفانا من الحديث عن التضامن الإغريقي. # ولا يصور هيرودوت الفرس من منظور غير ~~إطرائي تماما؛ فيصورهم كمقاتلين شجعان في بلاتايا، وفي مقابل ماردونيوس المداهن المراوغ ~~نجد أرطبانس الشجاع بعيد النظر الذي يكرر مع خشايارشا الدور الذي لعبه سولون مع كرويسوس. ~~يتجشم هيرودوت عناء كبيرا لإضفاء الطابع الإنساني حتى على خشايارشا، مسلطا الضوء على ~~قلقه الأولي بشأن غزو اليونان؛ إذ بدأت تنتاب الملك برودة في قدميه في الليلة التي تلت ~~إعلانه عن نواياه لمستشاريه، ثم يرتاع الملك لمرأى الشبح الذي يظهر له في سلسلة من الأحلام ~~التي تنذره بالعواقب إذا لم يمض في الطريق حتى النهاية. علاوة على ذلك، ms36 فعندما يتوقف ~~لتفقد قواته وهو في الطريق إلى اليونان، يدخل مرأى الهلسبونت وسفنه تغطي صفحته كاملة، ~~واليابسة القريبة وهي تعج بجنوده، البهجة على نفسه في البداية، فيصف نفسه بأنه سعيد، ويجهش ~~فورا بالبكاء، فيستفسر أرطبانس - الذي لم يعاقبه خشايارشا في نهاية المطاف بتركه من خلفه ~~مع النساء في بلاد فارس - عن هذا التغير المفاجئ في الحالة المزاجية، فيجيبه خشايارشا: ~~«كنت أتدبر الأمور، وخطر ببالي كم قصيرة هي الحياة البشرية بشكل يدعو للرثاء، فمن بين كل ~~هذه الحشود، لن يبقى أحد على قيد الحياة بعد مائة سنة من الآن.» في هذه المرة، وعندما يرد ~~أرطبانس بمحاضرة طويلة عن تقلبات الحياة البشرية، لا يغضب خشايارشا، بل يقر بأن أرطبانس وصف ~~الحالة الإنسانية فأحسن الوصف. حتى خشايارشا له لحظاته في «تاريخ هيرودوت». # أخيرا، فإن انتصاري بلاتايا وميكالي المزدوجين ليسا آخر ما نسمعه عن تعاملات الإغريق ~~مع الفرس؛ فبعد موقعة ميكالي، ضرب الأثينيون بقيادة زانثبوس حصارا حول سيستوس، أقوى معقل ~~فارسي في المنطقة المعروفة الآن باسم شبه جزيرة جاليبولي. وسنعلم أن الحاكم المحلي ~~أرتياكتيز كان رجلا رهيبا، سرق كميات هائلة من قرابين النذور من ضريح بطل الحرب الطروادية ~~بروتيسيلاوس في مدينة أيلة القريبة - أموال ~~وأقداح من الذهب والفضة - بل والأسوأ من هذا أنه سيأخذ إلى الضريح نساء ويضاجعهن، وهو أمر ~~محرم تحريما قاطعا في الأعراف الإغريقية. وعندما تسقط سيستوس في النهاية، يعرض ~~أرتياكتيز مبالغ مالية طائلة ليفتدي نفسه وابنه، لكن زانثبوس يرفض الأموال؛ فشعب أيلة يريد ~~الانتقام لتنديس الضريح ويطالبون بإعدام أرتياكتيز، ويميل زانثبوس نفسه إلى هذا المنحى، ~~وهكذا يمسمره الأثينيون في لوح من الخشب ويرجمون ابنه بالحجارة حتى الموت أمام ~~عينيه. # يوجد نحو ألف شخصية مسماة بالاسم في «تاريخ هيرودوت»، وأرتياكتيز مجرد واحد منها، ولو ~~نسيت اسمه، فستحتفظ القصة بمعناها. لكن اسم بروتيسيلاوس، الذي دنس أرتياكتيز ضريحه، ~~يعد بمنزلة لمسة لطيفة من أسلوب الإنشاء الحلقي الأدبي، تعيدنا إلى أصول الحرب ~~الطروادية التي بدأ بها «تاريخ هيرودوت». لم يكن زانثبوس - كما كان يعرف أي ms37 إغريقي - مجرد ~~جنرال إغريقي؛ إذ كان أبا بركليس، مهندس الإمبريالية الأثينية. وقد يتذكر القراء أيضا ~~واقعة سابقة في «تاريخ هيرودوت» عندما قام الفارسي أورويتيس بشنق بوليقراط الساموسي على ~~صليب، والآن حان دور الإغريق ليقوموا بعملية الصلب. وهكذا يختتم «تاريخ هيرودوت» بنبرة ~~منذرة بسوء؛ إذ استبدل هيرودوت بالخاتمة الاحتفالية المتوقعة ما يمكن أن يسميه باحث موسيقي ~~«قفلة مفاجئة»، وبدلا من التآلف النهائي الذي نتوقعه، نحصل على شيء نشاز وغير متوقع، مما ~~يتركنا على أقل تقدير في حالة من التشكك، وعلى أقصى تقدير قلقين بعمق بشأن ما ~~سيحدث. # ظل هيرودوت دائما مصدرنا الرئيس حول الحروب الفارسية، وكان لكل معركة سردها أبطالها. ~~وقد اشتهر عن جون ستيورات ميل إشارته إلى أن «موقعة ماراثون، حتى كحدث في التاريخ ~~الإنجليزي، أهم من معركة هاستينجز.» قوية هذه الكلمات، لكن المكانة الأولى لم تعط بوجه ~~عام إلى أي من الانتصارات الإغريقية المذهلة، بل إلى هزيمة ثيرموبيلاي ذات الشهرة ~~العالمية؛ لأن المرء يجد دائما ما يواسيه إذا شعر أن باستطاعته إعادة صب عملية إبادة تامة ~~في قالب تضحية طوعية في سبيل الوطن. وكما كتب مونتين سنة 1580: «هناك هزائم انتصارية تنافس ~~الانتصارات»، ولا شيء من انتصارات الإغريق على الفرس يضاهي في مجده إفناء الإسبرطيين في ~~ثيرموبيلاي. # كانت أسطورة ثيرموبيلاي عنصرا قويا شديد الحضور في الفترة السابقة على تحرير اليونان ~~من الهيمنة التركية في عشرينيات القرن التاسع عشر، وكان ريتشارد جلوفر قد أثار من قبل في ~~1737 ضجة بقصيدته الملحمية «ليونيداس» التي روت الأحداث المحيطة بالمعركة، وقد ترجمت ~~«ليونيداس» من الإنجليزية إلى الفرنسية والألمانية والدنماركية. وقدمت تتمة جلوفر ~~المعنونة «الأثينيد» صورة مغايرة معبرة لوصف هيرودوت موت ليونيداس. فعلى الرغم من أن ~~هيرودوت ذكر أن خشايارشا وضع رأس ليونيداس المقطوع على خازوق، فإن جلوفر يصور ملك إسبرطة ~~تصويرا هادفا وقد صلب على يد عدو الحضارة هذا، ومن ثم يستحضر موت يسوع المماثل وفكرة ~~التضحية الطوعية بالنفس. ورسم دافيد لوحته الشهيرة «ليونيداس في ثيرموبيلاي» سنة 1814. وكان ~~بايرون متبعا سنة قديمة عندما كتب ms38 أبياته الشهيرة: # ألا يجب أن نبكي على أيام أعظم يمنا؟ # ألا يجب أن نحمر خجلا؟ فآباؤنا نزفوا الدماء. # أيتها الأرض! أعيدي لنا من قلبك. # رفات قتلانا الإسبرطيين! # من الثلاثمائة لا تعطينا إلا ثلاثا. # ليصنعوا ثيرموبيلاي جديدة! # شكل 3-5: تظهر هذه الصورة - المطبوعة على حجر والتي رسمها آرثر إيه ديكسون - ~~استقبال اللورد بايرون سنة 1823 في بلدة ميسولونجي اليونانية التي ذهب ~~إليها دعما لليونان في حربها ضد الأتراك العثمانيين لنيل استقلالها. وقد ~~مات الشاعر هناك متأثرا بالحمى بعد ذلك بسنة، وكانت المدينة لا تزال تحت ~~الحصار. # 5 # بعد خلع ربقة العثمانيين في نهاية المطاف ~~بعدة سنوات، نشر أندرياس كوروميلاس أول ترجمة يونانية حديثة لهيرودوت كإلهام لبني ~~وطنه. # كثيرا ما كانت تستحضر فكرة ثيرموبيلاي لإضافة سياق تاريخي إلى أي محاولة أخيرة للتصدي ~~لأعداد متفوقة بدرجة هائلة. وهكذا أطلق ماونتباتن على النجاح الملحوظ لقوة حشدت على عجل ~~من جنود هنود وبريطانيين لإجبار اليابانيين الغزاة على الانسحاب من منطقة كوهيما الهندية ~~سنة 1944 (وكان منعطفا مهما في الحرب العالمية الثانية) اسم «ثيرموبيلاي البريطانية ~~الهندية». ويوجد هناك نقش معروف على شاهد القبر يتوسل إلى قرائه: # عندما تعود إلى الديار، حدثهم عنا وقل لهم: # من أجل غدهم ضحينا بيومنا. # يصعب ألا نعتقد أن هذين البيتين - وهما على الأرجح للشاعر الكلاسيكي الإنجليزي جون ~~ماكسويل إدموندز (1875-1958) - لم يصاغا على شاكلة نقش شاهد قبر قتلى ثيرموبيلاي المنسوب ~~لسيمونيدس والذي استشهد به هيرودوت: # أيها المار الغريب، اذهب وقل للإسبرطيين: # إننا نرقد ها هنا طاعة لأوامرهم. # العجيب أنه لم يقتصر استحضار فكرة ثيرموبيلاي على السياقات الدفاعية، بل ~~استحضرت أيضا في السياقات الهجومية؛ فالألمان التعساء الذين أرسلوا ليعانوا معاناة بائسة ~~خلال حصار ستالينجراد الفاشل، لم يكونوا مسرورين لتلقي هذه الأوامر ذاتها الصادرة من هتلر ~~(بأن يقاتلوا حتى الموت دون الاستسلام)، وقد ذعروا يقينا عندما عرفوا أن الصحافة ~~الأوروبية تنشر ادعاء جورينج بأنهم يضحون طواعية بأنفسهم لإنقاذ الحضارة من انقضاض ~~الحشود البربرية الآتية من الشرق، مثلما فعل الإسبرطيون تماما منذ أكثر من ms39 ألفي ~~عام. # شكل 3-6: لا يزال حصن ألامو - الكائن في سان أنطونيو بولاية تكساس - وجهة سياحية ~~شهيرة حتى يومنا هذا. # 6 # وفي الولايات المتحدة، تمخضت الهزيمة الحاسمة التي تعرضت لها القوات الأمريكية في حصن ~~ألامو سنة 1836 عن نصب تذكاري يحمل كلمات «ثيرموبيلاي أبقت على رسول يحمل أنباء الهزيمة، ~~أما ألامو فلم تبق ولم تذر.» وكان الدفاع الفاشل عن إحدى النقاط الخارجية التابعة ~~للكونفيدرالية في سابين باس بولاية تكساس سنة 1863 الحافز وراء نشر كتاب بعنوان «سابين باس: ~~ثيرموبيلاي الكونفدرالية». وبعد ذلك بقرن، بدأ الأمريكيون يرسلون قوات إلى فيتنام، وفي 1978 ~~حولت رواية دانيال فورد عن تلك الحرب وعنوانها «واقعة في موك وا» إلى فيلم سينمائي ~~بعنوان «اذهب وقل للإسبرطيين»، بطولة بيرت لانكستر وكريج واسون، ودار حول فكرة التضحية ~~الطوعية، وتمحورت حبكته الدرامية حول دفاع ثيرموبيلاي. # فعندما يصل الأمريكيون إلى نقطة موك وا الخارجية الصغيرة سنة 1963، يجدون مقبرة تضم رفات ~~300 شخص ونقشا على المدخل باللغة الفرنسية، يتعرف عليه واسون الصغير بوصفه نقش سيمونيدس ~~ويترجمه لرفيق حائر ليست لديه أي فكرة عما يعنيه ذلك. وهكذا تصور الدراية بثيرموبيلاي ~~كسمة لشخص مثقف يعرف تاريخه (واللغة الفرنسية). يرفض الأمريكيون في موك وا تصديق أنهم يمكن ~~أن يخفقوا كما أخفق الفرنسيون من قبل، لكنهم يتعرضون للخيانة، حيث يتم التشديد على أن ~~طرقا عدة تؤدي إلى معسكرهم. وعلى خلاف ليونيداس، لا يجد بيرت لانكستر - الذي رأى من الحرب ~~الكثير، وصار ناقما إلى أقصى درجة - في نفسه رغبة البقاء بمجرد أن تبين خسارة القضية ~~خسارة صريحة، وهو لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن الأمريكيين - على خلاف الإسبرطيين - يملكون ~~مروحيات. تأتي نقطة التحول في الفيلم عندما يترك لانكستر مروحية الإخلاء وينضم إلى واسون ~~المثالي في القتال دفاعا عن موقعهم الميئوس منه، وعندما تشرق الشمس بعد معركة ليلية بشعة، ~~نرى جثة لانكستر راقدة عارية على الأرض المغطاة بالمستنقعات، أما واسون فيترنح وهو يدخل ~~المقبرة الفرنسية، وهو فيما يبدو لم يتعرض لإصابة قاتلة، لكن الاحتمالات ضئيلة أن يتمكن ~~من ms40 شق طريقه عائدا إلى مكان آمن. لقد أكسب الإسبرطيون في ثيرموبيلاي وقتا لليونان، أما ~~الأمريكيون في موك وا فماتوا بلا مقابل. # لم يكتف هيرودوت - وقد أعانه مؤلفون لاحقون استقوا بشدة من عمله، كما أعانه أيضا ~~وبالتأكيد نقش شاهد قبر سيمونيدس الذي كان متاحا له كي يضمنه في «تاريخ هيرودوت» - ~~بإعطائنا أسطورة ثيرموبيلاي، وهي محور ملحمته الحربية، بل عضد أيضا تصور أفرودة الحرب ~~التي تضاهي بامتياز القصة الفخمة الطويلة، وهي فكرة اقتبست من هوميروس وانتقلت إلى ~~ثوسيديديس وآخرين يفوقون الحصر. يكرر وصف هيرودوت للحروب الأفكار نفسها التي نراها في مواضع ~~أخرى في «تاريخ هيرودوت»، من أعمال عجيبة تستحق الذكر، وقصر عمر السعادة البشرية، لكن مع ~~إضافة طبيعة الطموح الإمبريالي المتأصلة. وماذا عن دور الآلهة في كل هذا؟ يعتقد هيرودوت ~~بوضوح أنها تلعب دورا ما، وهذا موضوع سنعود إليه في الفصل # السادس ~~. # | هوامش # الفصل الرابع # | هيرودوت الإثنوجرافي # لا توجد بغال في إليس. # الأطلسيون لا يحلمون قط. # يظن الجيتيون أنهم خالدون. # يطلي السكيث بالذهب جماجم آبائهم الموتى، ويولمون بلحمهم. # تتبول النساء واقفات في مصر، بينما يقعد الرجال القرفصاء. # يقال إن الرجال في القوقاز يجامعن النساء علانية كالحيوانات. # يدفن البابليون موتاهم في العسل. # يأكل الجيزانتيون القرود! # كل هذا تحصل عليه هيرودوت من الاستقصاءات ~~التي أجراها أثناء أسفاره؛ ففي الكتاب الأول، يحدثنا عن العادات التي تمارس في ليديا ~~وبلاد فارس، أما الكتاب الثاني فيكرسه بالكلية لمصر، ويتضمن الكتاب الثالث انتهاك قمبيز ~~الأعراف المقبولة في مصر، وتجربة دارا لمعرفة كيف يكون رد فعل الناس تجاه الطرق التي يتبعها ~~بعضهم في التعامل مع الموتى، ومعالجة هيرودوت طرفي الأرض، ويتناول الكتاب الرابع سكيثيا ~~متطرقا بإيجاز إلى ليبيا. وبداية من الكتاب الخامس، يتحول التركيز إلى التاريخ السياسي ~~الضيق، وإن شابته بعض الانحرافات الإثنوجرافية، ومن ذلك مثلا عادات الإسبرطيين التي ~~تقدم لنا نظائر مدهشة لعادات الشعوب غير الإغريقية. # يمكن النظر إلى الإثنوجرافيا على أنها تتكون ~~من ملمحين أساسيين يمتزجان امتزاجا وجوديا، وهما المنظور والمنهجية. فلا بد أن يكون ~~الإثنوجرافي إنسانيا ms41 وعالما على حد سواء، فيكون إنسانيا في قدرته على التسامي على ~~ثقافته وتقييم المجتمعات الأخرى في إطار لا ينطوي على إصدار أحكام، ويكون عالما في جمع ~~الأدلة من خلال المشاهدة والمحاورة. وفي كلا المجالين، نجد أن فضول هيرودوت وطاقته الفطريين ~~قاداه إلى ارتياد مجال جديد سيوسع بدرجة عظيمة أفق إخوانه الإغريق وفهمهم للمجتمع الإنساني، ~~ويضع في نهاية المطاف حجر الأساس للأنثروبولوجيين الأوروبيين العاملين في العالم ~~الجديد. # ومثلما يستخدم مؤلفو الخيال العلمي عوالمهم البديلة لطرح مقولات حول العالم الذي يعيشون ~~فيه، تمثل غرض هيرودوت، في جزء منه، في تسليط الضوء على ما كان إغريقيا بشكل متمايز ~~باستعراض العادات اللاإغريقية الواضحة. وعلى الرغم من إظهار هيرودوت انفتاحا عقليا غير ~~معهود على عادات الشعوب غير الإغريقية، «المتحضرة» منها كالمصريين والفرس، و«غير المتحضرة» ~~كالسكيث، على السواء، فإنه يميل إلى رؤيتها بأعين إغريقية، وإن لم يكن دائما؛ إذ إن خريطة ~~هيرودوت الثقافية ليست متأصلة في مقابلة ثنائية بسيطة. فرجل لا يستطيع التفكير إلا من منظور ~~إما هذا أو ذاك، ما كان بوسعه أن يؤلف «تاريخ هيرودوت». # كانت فكرة أن الأعراف الثقافية تختلف باختلاف الزمان والمكان محل خلاف شديد في عصر ~~هيرودوت (على الرغم من أن قليلا من الإغريق ومنهم هيرودوت كانوا يرون أن بعض الطرق ~~الأجنبية ربما تكون أفضل من طرقهم هم). وكان بعضهم يتساءل: هل الآلهة موجودة فعلا، أم أنها ~~من اختلاق البشر؟ إذا كان قانون معين لا يروق لك، فهل يمكنك تغييره فحسب، أم أن هناك مبدأ ~~طبيعيا أساسيا من نوع ما يعارض هذا بشدة؟ كان الأمر كله يختزل إلى الناموس مقابل ~~الطبيعة، وكانت كلمة ناموس الإغريقية تنطوي على عدة أفكار مختلفة؛ كالتشريع والعرف ~~المعزز اجتماعيا والقيمة والتقليد والعادة. كان أنصار الطبيعة يرون بعض الأشياء صحيحا ~~وبعضها الآخر خاطئا، ويعتبرون هذا التفريق أزليا وغير قابل للتفاوض. أما أنصار الناموس، ~~فكانوا يتبنون نظرة مختلفة؛ فالقواعد، بالنسبة لهم، من وضع البشر ويمكن تغييرها أو ~~تجاهلها، ولا ريب أن النواميس هي بالضبط الأشياء التي تثير اهتمام ms42 الإثنوجرافيين. فمن يضع ~~القواعد بين هؤلاء الناس؟ وما الجزاءات على انتهاكها؟ وما الذي يحترمونه؟ وكيف يقضون ~~أيامهم؟ وماذا عن الجنس، والزواج، وتربية الأطفال؟ وكيف يتعاملون مع الموت؟ ومن يأكل ماذا؟ ~~ولماذا؟ ربما تكون الطبيعة موضع بعض الاهتمام أيضا (فالمناخ على سبيل المثال قد يشكل ~~الأفراد والثقافات)، لكن الناموس هو الأهم. # كان الناموس محل اهتمام خاص من جانب السوفسطائيين معاصري هيرودوت الذين كانوا يجدون ~~متعتهم في كشف ما يعتبرونه عشوائية كل شيء، وكانوا يشجعون - مثل بعض محاوري سقراط المزعجين ~~- أتباعهم على الاعتقاد أن القوانين وضعت لتخرق، لكن هيرودوت اعتنق وجهة النظر ~~المقابلة، حيث يبين لنا في كتابه أولوية احترام مختلف النواميس. يستطيع المرء يقينا أن ~~يتجاهل النواميس؛ فهي ليست قوانين كقوانين الطبيعة، لكن المرء يفعل هذا متحملا العاقبة. ~~وأشهر حالة في «تاريخ هيرودوت» هي حالة ابن قوروش، قمبيز، الذي سخر من المصريين لعبادتهم ~~عجلا يعرف باسم أبيس، وألحق في الواقع بأبيس إصابة قاتلة في الفخذ. هذه الفعلة لم تروع ~~المصريين فحسب، بل روعت هيرودوت أيضا، ويتركنا المؤلف ولدينا اعتقاد أن موت قمبيز متأثرا ~~بإصابة في الموضع ذاته تماما الذي أصاب فيه أبيس من قبل ليس من قبيل المصادفة. وفي سياق ~~استخفاف قمبيز الأرعن بالنواميس المحلية، يحكي هيرودوت حكاية صارت الآن مشهورة عن تجربة ~~أجراها دارا لإثبات تفضيل المرء عموما عاداته الأصلية: # دعا دارا بعض الإغريق الذين كانوا حاضرين إلى مؤتمر، وسألهم كم يرضون من المال ~~ليأكلوا أجساد آبائهم الموتى، فأجابوا بقولهم إنهم لن يفعلوا ذلك مهما كان المقابل. ~~وبعد ذلك استدعى الملك بعض أفراد قبيلة كالاتياي الهندية التي يأكل أبناؤها جثامين ~~والديهم الموتى، وسألهم في حضور الإغريق (وكان هناك مترجم حتى يفهموا ما يقال) كم ~~يرضون من المال كي يوافقوا على حرق جثامين آبائهم، فصرخوا مرتاعين وحرموا عليه أن ~~يقول مثل هذه الأشياء الشنعاء. وهكذا صارت هذه الممارسات محفوظة كعادات باقية، ~~وأعتقد أن بندار كان على حق أن قال في قصيدته إن العادة سيدة الجميع. # ومع ذلك فإن هيرودوت الإغريقي نفسه ms43 قلما يعبر عن اشمئزازه من أي من التشكيلة ~~الهائلة من العادات غير الإغريقية التي يصادفها. فمثله مثل السفسطائيين، تعامل مع النواميس ~~في أغلب الأحوال كما هي، وقد طمح - كباحث ميداني بكل معنى الكلمة - إلى دور المسجل لا ~~القاضي. فإلى الشمال يوجد هؤلاء الناس الذين لديهم هذه العادات والنباتات والحيوانات، وعلى ~~الجانب الآخر من الجبل يوجد هؤلاء الناس الذين لديهم تلك العادات والنباتات والحيوانات، ~~وهم يقولون إن على الجهة الأخرى من الصحراء يوجد هؤلاء الناس الذين لديهم هذه العادات ~~والنباتات والحيوانات. ومثل الأنثروبولوجيين في العصر الحديث، كان مؤمنا بالنسبية ~~الثقافية، لكن إلى حد معين فحسب، فهو يتوقف دوريا للإشادة أو الاستهجان. وفي مرات الشجب ~~القليلة، يظل أرفع مستوى من بعض من أتوا بعده، حتى إن باحثا ميدانيا يحظى باحترام ~~شديد مثل برونيسلاف مالينوفسكي قال في مذكراته أشياء أشد قسوة بكثير عن الأشخاص موضوع ~~بحثه، مقارنة بأي شيء نقرؤه في عمل هيرودوت. # وبالإضافة إلى فضوله تجاه النواميس المتنوعة، كان هيرودوت مهتما باختلاف النواميس بشأن ~~النواميس؛ فهو يروي لنا أن الفرس يتبنون عادات أجنبية أكثر من أي شعب آخر. ولتقارن بينهم ~~وبين المصريين، الذين يتمسكون بنواميس أسلافهم ولا يقبلون أبدا أي نواميس جديدة. وهناك ~~قصتان طويلتان جدا تحكيان لنا عن أفراد لقوا حتفهم نتيجة حماسهم للعادات الأجنبية، وهما ~~أناقارسيس السكيثي، الذي قتل من الواضح على يدي شقيقه عندما اكتشف انخراطه في طائفة ~~دينية أجنبية، وسايلس، وهو الآخر سكيثي، الذي بدأ - بعد أن تيمته الثقافة الإغريقية - ~~يتجول خلسة مرتديا ملابس الإغريق ويعبد آلهتهم، وعندما وشى به واش، أقدم شقيقه هو ~~الآخر على قتله. ويختم هيرودوت بقوله: «شديدو المحافظة هم السكيث، حتى إنهم يعاملون من ~~يعتنقون عادات أجنبية على هذا النحو.» # اعتبر هيرودوت - مثله مثل معظم الإثنوجرافيين - التفاصيل الثانوية للحياة اليومية جديرة ~~كل الجدارة بالتسجيل، لكننا نجد في عمله أن محض غرابة عادات الآخرين وممارساتهم اليومية ~~يحولها إلى شيء دخيل. وهيرودوت ها هنا يتميز عن إثنوجرافيي وأنثروبولوجيي العصر الحديث ~~المدربين على كبح حماساتهم والاكتفاء بتسجيل ms44 ما يرون أو يسمعون، وما يفتقر إليه «تاريخ ~~هيرودوت» هو موقف الباحث الميداني المحترف الواضح والمحكم؛ فملاحظات هيرودوت حول العوالم ~~التي يزورها تتميز بمزجها بالعجب، فنحن نقرأ بين السطور ما مفاده: إنك لن تصدق هذا ~~أبدا. # كان هيرودوت، الذي اتسم في بعض الأحيان بأنه كاتب رحلات أكثر منه إثنوجرافيا، منجذبا ~~بشدة إلى الأشياء اللافتة للنظر والغريبة وغير المألوفة والعجيبة والمروعة؛ إلى أي شيء ~~يختلف اختلافا مثيرا عما ألفه هو وإخوانه الإغريق. وكان يستمتع ب «القصي» - بالمعنيين ~~الحرفي والمجازي للكلمة (لقد فتنه ما يوجد على أطراف العالم المعروف، كالنمل الهندي الذي ~~يفوق الثعلب حجما وينقب عن الذهب في الأرض) - جزئيا بسبب افتتانه الشخصي بما هو غير ~~عادي، وجزئيا بسبب التزامه بالدقة والشمولية فيما يرويه، لكن جزئيا أيضا، وبكل تأكيد، ~~بسبب علمه أن تلك مادة كتابة مناسبة. # كان هيرودوت مولعا ولعا خاصا بالظواهر غير العادية التي كانت تجلي سعة حيلة البشرية. ~~انظر مثلا إلى براعة السكيث؛ فعندما كانوا يضحون بثور، كانوا يواجهون صعوبة في طهيه؛ ~~لعدم وجود حطب في سكيثيا يصنعون به نارا، ولعدم توافر القدور على الدوام؛ ومن ثم، فهم ~~يضعون كل اللحم في بطن الثور ويخلطون به بعض الماء ويسلقونه على نار اتخذوها من العظام. ~~عجبا؛ فيكون ثورا ذاتي الطهي! وفي شبه الجزيرة العربية، تأتي طيور كبيرة بعيدان القرفة ~~إلى أعشاش على منحدرات جبلية شديدة الارتفاع، لدرجة أنه لا يستطيع إنسان التسلق والحصول ~~عليها؛ لذا طور العرب استراتيجية، حيث يقطعون أجسام الدواب قطعا كبيرة جدا ويتركونها ~~بالقرب من الأعشاش، وعندئذ تهبط الطيور لحمل قطع اللحم إلى أعشاشها، لكن الأعشاش ليست ~~بالقوة الكافية لتحمل الوزن، فتنهار وتسقط على الأرض، وعندها يأتي العرب ويأخذون القرفة، ~~التي يصدرونها بعدئذ إلى البلدان الأخرى. وهناك ما هو أكثر، فأحد أنواع الضأن في شبه ~~الجزيرة العربية له ذيل مفرطح عرضه ثماني عشرة بوصة، وهو أمر مدهش لكنه لا يمثل مشكلة، ~~وأما النوع الآخر فيشكل تحديا؛ لأن ذيله طويل جدا (أربعة أقدام ونصف القدم أو أكثر) ~~لدرجة ms45 أنه سيتقرح لو تركت الشياه تجره على الأرض من ورائها وهي تسير، لكن الرعاة فيما ~~يبدو يعرفون ما يكفي عن النجارة لصنع عربات صغيرة يثبتون الواحدة منها تحت ذيل الشاة. ~~مشكلة وحلت! # ويسر هيرودوت سرورا واضحا بالنظام الذي وضعه رجال بابل لضمان تزويج كل نسائهم؛ ~~فالبنات غير المتزوجات مشكلة أشد خطورة بكثير من الذيول الحساسة. ففي كل عام، كان البابليون ~~يعقدون ملتقى تطرح فيه الشابات في مزاد بترتيب تنازلي حسب جمالهن، فيزايد الرجال الأعظم ~~ثراء للفوز بأجمل النساء، ويستخدم المال الذي يجمع على هذا النحو لتوفير مهور للإناث ~~الأقل جاذبية والمعوقات، إن وجدن، وبالتالي كان كل يعود إلى بيته متزوجا ولا يشكو ~~من شيء. مشكلة أخرى وحلت! بل والأفضل من ذلك أن التوازن تحقق، وهو شيء بالغ الأهمية ~~بالنسبة لهيرودوت. # وفي المجمل، ملأت مدينة بابل الضخمة والثرية هيرودوت بالعجب، لكنه يقول إنه وجد ثاني أكبر ~~عجيبة هناك، وهي القوارب التي تجوب الفرات إلى المدينة. كان تيار النهر أقوى من أن تبحر فيه ~~القوارب شمالا، لكن التجار وجدوا مخرجا؛ فأعلى النهر من بابل، وتحديدا في أرمينيا، كانوا ~~يبنون قوارب لا قيدوم لها ولا كوثل، فكانت مستديرة كالدرع، مصنوعة من جلود سدودة للماء ~~مشدودة على هيكل من خشب الصفصاف، وبعد تحميلها بالبضائع كانوا يضعون عليها رجلين لتوجيهها ~~بالإضافة إلى حمار أو حمارين على حسب حجم القارب، وعندما يصل الرجلان بابل ويبيعان البضاعة، ~~كانا يبيعان هيكل القارب ويحملان الجلد على ظهر الحمارين ويسوقانهما عائدين شمالا إلى ~~أرمينيا، وبمجرد وصولهما إلى أرمينيا بالحمارين، يبنون هياكل جديدة ويبدءون عملية بناء ~~القوارب من جديد. وهكذا كانت تتم التجارة دون قوارب تحتاج إلى إبحار ضد التيار. مشكلة أخرى ~~وحلت! # إن افتتان هيرودوت بالتنوع يدفعه إلى إطلاعنا على عادات تناول الطعام التي تميز الشعوب ~~التي درسها؛ فهناك ثلاث عشائر في بابل لا تأكل إلا السمك، ومعظم القبائل التي تسكن القوقاز ~~تقتات على الشجيرات البرية. ويأكل الكاليبيداي الحبوب والبصل والثوم والعدس والدخن. وأما ~~الأرجباي المحبون للسلام، الذين يظلون منذ ms46 مولدهم صلعانا، فيتألف طعامهم بالكلية من ثمار ~~شجرة البونتيكوس، التي يصنعون منها الطعام والشراب على السواء. وأما الإثيوبيون الذين ~~يعيشون في كهوف فيأكلون الثعابين والسحالي. ولا يأكل نساء قورينا لحوم الأبقار تعظيما ~~للإلهة المصرية إيزيس التي كان يرمز لها بصورة بقرة. وطبعا، يأكل الجيزانتيون لحوم ~~القردة. # كما هو الحال مع الأعمال الأنثروبولوجية في يومنا هذا، تلقى أدوار الجنسين والزواج بشكل ~~حتمي نصيبا كبيرا جدا من الاهتمام في «تاريخ هيرودوت». ومثل إثنوجرافيي العصر الحديث، ~~يعترف هيرودوت بالقيمة الصادمة التي تملكها العادات التي تتحدى قيم النظام الأبوي الغربية ~~التقليدية بسيطرته المحتومة على الحياة الجنسية الأنثوية، وما يصاحب ذلك من تقسيم إلى ما هو ~~علني وسري. ومما أثار روع هيرودوت أن المرأة في بابل يجب أن تذهب مرة في حياتها وتجلس في ~~معبد أفروديت، وتمارس الجنس مع أول رجل يلقي إليها بقطعة عملة، وعندئذ فقط يجوز لها ~~مواصلة حياتها القائمة على الاحتشام الجنسي الدائم (تعود النساء طويلات القامة حسنات الطلعة ~~إلى بيوتهن بسرعة، لكن بعض النساء الأقل جاذبية يضطررن إلى الاستمرار في المحاولة لما يصل ~~إلى ثلاث سنوات أو أربع). وترتدي الواحدة من نساء الجندانيين خلاخيل بأعداد الرجال الذين ~~مارست معهم الجنس، والمكانة الأرفع لصاحبة أكبر عدد من الخلاخيل؛ لأنها حظيت بحب أكبر عدد ~~من الرجال. وبدلا من التزاوج مثنى مثنى، يمارس الأوزيون الجنس بشهوانية مع من يريدون، ~~وعندما يكبر الأطفال الناتجون عن هذا الوطء، يحضرون إلى اجتماع للرجال ويلحق كل طفل بأب ~~استنادا إلى الشبه بينهما. # أما المعالجة الأتم تطورا فهي معالجة هيرودوت للأمازونيات، التي تختلف اختلافا جذريا ~~عن السرود القديمة الأخرى في تصويرها هؤلاء النساء المحاربات تصويرا مشرفا، كما أنها قصة ~~رائعة أيضا؛ فقد كان الإغريق يصورون الأمازونيات، اللاتي اشتهر عنهن كسر القواعد ~~الجنسانية، دائما كأعداء شواذ للحضارة. فنجد على أفاريز البارثينين التي خلدت ذكرى ~~الانتصارات الإغريقية في الحروب الفارسية ما يشير إلى قوى الطبيعة الخطيرة، مصورة على ~~هيئة ثنائية مكونة من الأمازونيات وكائنات القنطور التي نصفها رجل ونصفها فرس. وقد ms47 تفاخر ~~الخطيب ليسياس، الذي يصغر هيرودوت ببضعة أجيال، بانتصار الأثينيين المبكر عليهن في الحرب. ~~لكننا نجد في «تاريخ هيرودوت» وصفا مفصلا خلابا لمغازلة الأمازونيات والسكيث التي ~~تبلغ أوجها بزواج هانئ بين الفريقين يتمخض عن السلالة البشرية المعروفة باسم السارماتيين. ~~ولم يرد في سرد هيرودوت ذكر أي شيء من التفاصيل المروعة عن الأمازونيات التي نجدها في أماكن ~~أخرى (مثل عادتهن قتل مواليدهن الذكور). # يذكر هيرودوت أن الحكاية التالية تحكى عن السارماتيين؛ فبعد أن تقاتل السكيث مع جنود ~~أشاوس جاءوا إلى شواطئهم على متن سفن، فوجئوا عند فحصهم جثث من تغلبوا عليهم أنهم ~~نساء. وبعد التشاور، يقرروا التوقف عن قتالهن وبالأحرى محاولة كسب صداقتهن، وذلك على أمل ~~إنجاب أطفال من مثل هؤلاء الأمهات الرهيبات؛ فيرسل السكيث فرقة من الشباب ومعها تعليمات ~~بالنزول بالقرب من هؤلاء النساء غريبات الشأن، وشيئا فشيئا، يقترب معسكرا الأمازونيات ~~والسكيث أحدهما من الآخر. وكان من عادة الأمازونيات التفرق عند منتصف النهار، إما فرادى ~~وإما مثنى مثنى، بغرض استخدام الخلاء على الأرجح (لكن الإغريق لا يدركون ذلك)، ويفعل السكيث ~~الشيء نفسه، محاكين بدقة كل حركة يأتين بها، وهو تصرف غير مألوف في المواعدات الغرامية ~~الأولى، لكن هذا ما يقوله لنا هيرودوت فيما يبدو. وعندما يدنو أحد السكيث من إحدى ~~الأمازونيات بنية مطارحتها الغرام، توافق المرأة على الفور، بل وتطلب منه بلغة الإشارة أن ~~يأتي في اليوم التالي بصديق وتخبره بأنها ستفعل الشيء نفسه (ويتطور الأمر شيئا فشيئا). ~~ولم يمض وقت طويل حتى يتزاوج الفريقان تماما ويدمجان معسكريهما في معسكر واحد، وبعد فترة ~~قصيرة، يقترح السكيث على الأمازونيات أن يعودوا جميعا إلى ذويهم حيث آباؤهم وأمهاتهم ~~وأمتعتهم، لكن الأمازونيات الصناديد يرفضن ذلك، ويجبن بقولهن: لا يصلح لنا أن نعيش مع ~~نسائكم ... # لأننا لا نتبع العادات ذاتها التي يتبعنها؛ نحن نطلق السهام ونرمي الرماح ~~ونركب الخيل، لكننا لم نتعلم القيام بالأعمال المنزلية قط، في حين لا يفعل نساؤكم ~~أيا مما نفعل؛ فهن يمكثن داخل العربات ويقمن بأعمال النساء، هن لا يذهبن ms48 للصيد، ~~بل وفي الحقيقة لا يذهبن إلى أي مكان. لا يمكننا أبدا أن نتواءم معهن، لكن إن ~~كنتم تريدون أن نكون زوجاتكم، وتريدون حقا توخي الإنصاف، فلتذهبوا ولتأخذوا ~~من آبائكم نصيبكم من ممتلكاتكم، وعندئذ سنقيم هنا معا مجتمعا خاصا بنا. # المدهش أن الشباب يوافقون، وينطلقون في رحلة تستغرق ثلاثة أيام شمالا ومثلها شرقا، ~~ويقيمون مجتمعهم الجديد الذي عرف باسم السارماتيين. وقد ظلت المرأة السارماتية حتى عهد ~~هيرودوت تمارس القنص على ظهر الخيل وتقاتل في الحروب. علاوة على ذلك، فإن المرأة ~~السارماتية لا تتزوج حتى تقتل عدوا، ولهذا السبب - وفي صورة تعكس بشكل مثير للاهتمام محنة ~~النساء قليلات الجاذبية اللائي يقعدن في المعبد في بابل لسنوات - يموت بعضهن طاعنات في السن ~~دون أن يتزوجن. # معظم البيانات التي يطلعنا عليها هيرودوت لا تقتصر على غير الإغريقيين وحسب، ومن ثم ~~العادات الجديرة بالملاحظة فحسب، لكنها ترسم أيضا دورة حياتية مميزة للجنس والزواج والطعام ~~والموت. وكل هذه الأشياء تحدث في سياق اجتماعي؛ إذ تفضي التقاليد الجنسية في نهاية المطاف ~~إلى إنجاب الأطفال، ولا بد أن يتبع الإنسان المولود حديثا أعراف الجماعة في عاداتها ~~المتعلقة بتناول الطعام، وكذلك - من جديد - الحياة الجنسية، وبمرور الوقت ستقام لهذا ~~الإنسان جنازة ويدفن (أو لا تقام له جنازة ولا يدفن) وفقا للقواعد المتعارف عليها ~~اجتماعيا، وأحيانا تتمخض تقاليد الجماعة فعلا عن موت أفرادها، وستقرر هذه التقاليد ~~دائما ما يفعل بالجثامين بعد الموت. # قليلون منا كانوا سيجدون في أنفسهم الرغبة في العيش بين هنود الباداي؛ فحتى إذا استطعنا ~~تحمل نظامهم الغذائي المشتمل على اللحم النيئ، فربما نفكر مرتين إذا كان اللحم المقدم ~~لتناوله هو لحم بشري؛ إذ يروي هيرودوت أنه متى مرض الواحد من الباداي، يضع رفاقه المقربون ~~ممن ينتمون إلى نوع جنسه نهاية لحياته؛ خشية أن يفسد لحمه ويفقد صلاحيته لأكله، ولذلك ~~ينفي المريض بشدة أنه مريض (كم هو هائل الحس الكوميدي هنا، فلنا أن نتخيل الباداي وهو ~~ينهض من رقاده محتجا ويقول: «كلا، أنا في الحقيقة أشعر بتحسن ms49 كبير اليوم!») وعلى الرغم ~~من كل إصراره، فإنه يقتل ويوزع لحمه في وليمة. وتضحي القبيلة بأي شخص يطعن في السن ~~وتأكل لحمه، لكن قلما يطعن أحد في السن بالتأكيد؛ لأن المرء بقراءته «تاريخ هيرودوت» ~~يتخيل أن أصدقاء الباداي وأهليهم ينهون حياتهم لدى إصابتهم بأولى علامات برد. # يربط هيرودوت، في مناقشته الباداي، بين الموت والأكل، وأما في معالجته التراقيين الذين ~~يعيشون شمال كريستونيا، فالربط يكون بين الموت والجنس/الزواج؛ فهم يمارسون على ما يبدو ~~تعدد الزوجات، وعندما يموت الرجل منهم، تخضع زوجاته لاختبارات دقيقة لتقرير أيهن كانت ~~تحظى بحبه أكثر من غيرها، وبعد سماع الرجال والنساء على السواء يسهبون في تعديد محاسن ~~الفائزة سعيدة الحظ، يقدم أقرب أقاربها على نحرها على قبر زوجها ثم تدفن معه. أما ~~الأخريات فيشعرن أنهن أصبن بمصيبة كبيرة؛ لأنه لا شيء تستحق عليه إحداهن اللوم أشد من ~~عدم وقوع الاختيار عليها. # من ناحية أخرى، يتمكن وصف هيرودوت للماساجيتاي من دمج الجنس/الزواج والموت والأكل في ~~وصف واحد متسق؛ فالماساجيتاي شرابون للبن ولا توجد لديهم زراعة، ومن ثم لا ~~يأكلون إلا اللحوم والأسماك. وعلى الرغم من أن كل رجل ينكح زوجة واحدة، فإنهم جميعا ~~يتشاطرون زوجاتهم مع بعضهم بعضا، ويقررون الوقت المناسب للموت على النحو التالي: # عندما يبلغ إنسان سنا متقدمة، تقيم الأسرة حفلا وتجعله ضمن أضحية عامة من ~~البقر، ثم يسلقون لحمه ويأكلونه. وهم يعتبرون أن هذا أفضل أنواع الموت. وأما من ~~يموتون متأثرين بالمرض، فلا يؤكل لحمهم، بل يدفنون، وتعتبر مصيبة كبيرة ألا ~~يعيش المرء طويلا بما يكفي للتضحية به. # يفعل الإيسودون شيئا مماثلا، لكن فقط بأجساد من ماتوا فعلا؛ فعند موت أبي أحد من ~~رجالهم، يأتي أقاربه كافة بأبقار إلى بيته، وبعد تضحيتهم بالحيوانات وتقطيع اللحم قطعا، ~~يقومون عندئذ أيضا بتقطيع أبي مضيفهم الميت ويولمون باللحم المختلط. وبالإضافة إلى ذلك، ~~ينتفون الشعر من رأس الرجل المتوفى وينظفونه ويذهبونه. # صحيح أن هيرودوت لم يجمع بياناته المختلفة بدرجة كافية للوصول إلى صميم ما يجعل مجتمعا ~~ما يقوم بوظائفه، ms50 إذ يحكي لنا الكثير عن طقوس الشعوب التي يناقشها - طقوس الدفن والأضاحي من ~~الحيوانات والأضاحي من البشر من حين إلى آخر - لكنه لا يكاد يحكي شيئا عن منظومات ~~اعتقاداتهم، وهو لم يمكث في أي مكان معين فترة طويلة بما يكفي كي يكون خبيرا بروح هذا ~~المكان؛ ولهذا فإنه غالبا ما ينتقد بأنه لا يمارس إثنوجرافيا «حقيقية»؛ بمعنى أنه لم يكن ~~أكثر من مجرد سائح، فهو لم يتبن بالكامل دور «المراقب المشارك» فيستقر بين شعب ما على مدى ~~الفترة الأنثروبولوجية التقليدية الدنيا، وقوامها سنة، ويسعى إلى الاختلاط بالبيئة المحيطة ~~به فيما يكرس نفسه لمحاورة رواة أصليين. يروي لنا كابوشنسكي كيف أنه تعاطى الحشيش مع بعض ~~الأشخاص الذين تعرف إليهم في السودان، ويورد هيرودوت أن السكيث ينتشون بتعاطي الحشيش ~~بقوله «يصيحون من اللذة»، لكنه لا يشير في أي موضع إلى مشاركته هو نفسه في تلك التجربة. ولا ~~ريب أن الأنثروبولوجيين المحدثين يخدعون أنفسهم عندما يتوهمون أنهم طمسوا هويتهم ~~وتوحدوا مع «شعبهم»، لكنهم على الأقل يتظاهرون بذلك. ولا شك أن هيرودوت تعرض - مثله مثل ~~الإثنوجرافيين المحدثين - لرواة كذابين يجدون أشد المتعة في تضليل باحث لا ~~يسكر. # لم تتركه محدوديته اللغوية تحت رحمة المترجمين والأقلية الناطقة بالإغريقية من السكان ~~المحليين - وهي زمرة قلما تمثل المجتمع كله - فحسب، بل وسمته على الدوام كشخص أجنبي. ~~ويخطر ببال المرء ملاحظات كابوشنسكي الذي يكتب قائلا إنه لا بد أنه كان هناك: # شيء في مظهري وإيماءاتي، في طريقة جلوسي وحركتي، فضح أمري، فأفصح عن العالم ~~الذي أتيت منه وكم هو مختلف. أحسست أنهم اعتبروني أجنبيا ... بدأت أشعر بالانزعاج ~~والضيق. كنت قد غيرت حلتي، لكن فيما يبدو لم أستطع حجب ما كان يقبع تحتها، ~~وهو ما وسمني وأظهرني بمظهر الجسيم الأجنبي. # ولم يكن هذا إلا في روما، التي كانت محطة في طريقه من بولندا إلى الهند! ونعرف أيضا من ~~كابوشنسكي كيف أن واحدا من السكان المحليين أخذه إلى أعلى أحد المساجد ليريه الإطلالة، ثم ~~طالبه بتسليم أمواله. فهل مر هيرودوت ms51 بتجارب كهذه؟ لا نعرف أبدا إن كان مر بمثلها. ماذا ~~كان رأي مبحوثيه فيه؟ هل كان يمكث في بيوت الأهالي الخاصة، فيساعد في الأعمال المنزلية؟ أم ~~لم يكن يساعد؟ ليس من الصعب أن نتخيل التمتمة: «إنه ظريف، لكن هل سيقتله المنجل لو أمسك ~~به من حين إلى آخر وساعد في العمل؟» # كان هيرودوت حتما عرضة نوعا ما للسقوط في التعميم، كان يسهل عليه أن يستغل التفاصيل ~~الفردية التي لاحظها ويعممها بشكل مبالغ فيه؛ فيراه المرء في بريطانيا يقول: «إنجلترا بلد ~~شديد البرودة، ويقتات اللندنيون بطعام يسمونه الكاري، فيأكلونه طوال النهار؛ لأنه يبث الدفء ~~في جميع أجزاء أجسامهم، وعندما يعاودهم الشعور بالبرد، يأكلون المزيد منه، وهم يحصلون على ~~هذا الطعام من الهند، حيث يحمل من هناك على ظهور الكلاب التي يراها المرء في كل أنحاء ~~بريطانيا. ويبدو لي أن هذا هو سبب المحبة الشديدة التي يكنها البريطانيون للكلاب.» لكن ~~إذا كنا سنشكو من أن هيرودوت لم يرق، من كل النواحي، إلى معايير الإثنوجرافيين ~~المحدثين، فينبغي أن نلوم أيضا ألكسندر جراهام بل على عدم اختراعه الهاتف المحمول، وتوماس ~~إديسون على عدم اختراعه فرن الميكروويف. وينبغي أن نضع في اعتبارنا الشكوك البالغة المثارة ~~حول إثنوجرافية مارجريت ميد الشهيرة «البلوغ في ساموا»، وهي شكوك اكتسبت مصداقية من حقيقة ~~أنها لم تتعلم اللغة قط، واعتمدت على ناطقين باللغة الإنجليزية من السكان المحليين. ~~والأهم من هذا كله أنه ينبغي علينا أن نتذكر أن هيرودوت لم ينح شكوكه قط؛ فهو يعي ~~تماما عدم إمكانية تعويله حتى على المعتقدات الراسخة أشد الرسوخ لدى رواته، فهو يحكي لنا ~~أن السكيث يقولون إن كل فرد من النوير يصبح ذئبا لبضعة أيام كل سنة ثم يعود إلى هيئته ~~الأصلية، فيورد في كتابه: «أنا نفسي لا أصدقهم عندما يقولون هذا، لكنهم يقولونه مع ذلك، بل ~~وفي الحقيقة يقسمون جازمين بصحته.» ويضحكه مواطنو مدن أيونيا الاثنتي عشرة الذين زعموا ~~أنهم يتحدرون من أنقى سلالة أيونية، ويجادل بقوله إنه حتى المستوطنون الذين انطلقوا من ms52 مجلس ~~مدينة أثينا ذاته لم يصطحبوا معهم أي زوجات، بل تزوجوا فتيات كاريات محليات كانوا قد ~~قتلوا آباءهم وأمهاتهم من قبل. # على الرغم مما نراه - نحن المحدثين - غيابا للعمق في الوصول إلى القيم الجوهرية لأي شعب ~~زاره، فإنه يفتتن بصراحة بأوجه الشبه (وأوجه التباين) الكثيرة التي يكتشفها في الطيف الواسع ~~الذي يكون المجتمع الإنساني ؛ فترانيم البابليين الجنائزية تشبه الترانيم المستخدمة في ~~مصر، وشعب قبرص لديه تقليد شبيه بالممارسة التي أبقت على الفتيات البابليات غير الجذابات ~~جالسات - والأمل يحدوهن - في معبد أفروديت لثلاث سنوات أو أربع، ويشبه الإسبرطيون المصريين ~~من حيث إن الشاب يفسح الطريق إذا رأى رجلا أكبر منه سنا مقبلا. علاوة على ذلك، فإن ~~المهن في كلا المجتمعين تورث من الآباء إلى الأبناء، فنجد عازف المزمار ابن عازف مزمار، ~~والطاهي ابن طاه، والمنادي ابن مناد. والممارسات الإسبرطية فيما يخص موت ملوكهم تشبه ~~ممارسات الفرس؛ فعندما يموت ملك وينصب آخر، يبرئ ملك إسبرطة الجديد كل من كانوا مدينين ~~للملك أو الدولة، ويبرئ ملك فارس مختلف المدن من أي متأخرات في الجزية تكون مستحقة عليها. ~~ويدفن البدو - باستثناء النسمونيين، الذين يدفنون الجثامين في وضع جالس (مع الحرص على عدم ~~السماح لأحد أن يموت وهو راقد) - موتاهم مثلما يفعل الإغريق. # شكل 4-1: لم تكن شهية هيرودوت لكل ما هو مصري تعرف حدودا. # 1 # إن أوجه التباين أساسية لفكرة الإثنوجرافيا؛ فالممارسات المميزة يمكنها المساعدة على ~~تحديد ما يجعل مجتمعا ما فريدا من نوعه، وربما الأهم من هذا كله أن التباينات الشديدة ~~تشكل مادة قصصية رائعة. فالإثنوجرافي كما رأينا ليس مجرد متلصص - على الرغم من أن هيرودوت ~~يتبنى يقينا هذا الدور (وهو دور مثار سخرية بالنظر إلى القيمة المضفاة في حكاية جيجس على ~~قصر المرء نظره على ما يخصه) - بل هو أيضا لديه حب للظهور. فعلى الرغم من البروتوكول ~~المهني الذي يدعو إلى النظر إلى العادات الأجنبية باتزان، من الصعب ألا يصرخ المرء ~~قائلا: «انظر ماذا وجدت! انظر إلى هذا! أليس مدهشا! ليس كأي ms53 شيء رأيناه من قبل، أليس ~~كذلك؟» وعند تكليف الطلاب بواجب فيما يخص «أعظم نجاحات هيرودوت»، نجد استعراض هيرودوت ~~للعادات «المقلوبة» في مصر - وهي بلد حتى نهره يتدفق عكس الاتجاه - دائما من بين العناصر ~~المشمولة. # يحدثنا هيرودوت أن معظم الممارسات المصرية هي على العكس مما نجده في كل مكان آخر في ~~العالم؛ فالنساء يشترين ويبعن في الأسواق ، بينما يقر الرجال في البيوت للقيام بأعمال ~~النسج. ويقف النساء ليتبولن، في حين يقعد الرجال القرفصاء. والأبناء غير ملزمين بمساندة ~~أبويهم (على عكس ما كان قانونا في أثينا)، لكن البنات ملزمات بذلك. والإغريق يكتبون من ~~اليسار إلى اليمين، أما المصريون فمن اليمين إلى اليسار، ولا نندهش لقول المصريين إن ~~الإغريق هم من يكتبون بطريقة معكوسة. ويترك الآخرون (ما لم يكونوا متأثرين بالمصريين) ~~الأعضاء التناسلية على حالتها الطبيعية، لكن المصريين يمارسون الختان. وفي الأماكن الأخرى ~~يعفي الكهنة شعورهم، لكن الكهنة المصريين يحلقون رءوسهم. وبين معظم الشعوب الأخرى، يحلق ~~الناس رءوسهم أثناء فترات الحداد، لكن المصريين يعفون شعور رءوسهم ولحاهم (أبدى هيرودوت ~~اهتماما ملحوظا بالشعر، فيقول لنا إن البابليين يعفون شعورهم ويلفون رءوسهم بعمائم، وسكان ~~شبه الجزيرة العربية يقصون شعورهم من كل الجوانب على شكل دائرة، حالقين أصداغهم، ويقولون ~~إنهم يحاكون ديونيسوس، والمكاي يحلقون شعورهم تاركين منها خصلة، فيعفون الشعر في المنتصف ~~لكن يحلقونه على الجوانب). # إن الصورة التي يعرضها هيرودوت للمصريين فيها حتما مبالغة، ونظن أن بعض رواته لم يكونوا ~~صادقين معه؛ فلم يكن النساء باعة التجزئة الوحيدين في الأسر المصرية، ولم يكن الختان ~~يمارس بلا استثناء بين المصريين، وكان الإغريق ومثلهم المصريون يتبولون ويتبرزون في ~~الداخل. لكن تصميم هيرودوت على وجه التحديد على إبراز هذه المقابلات هو الذي يبدي التزامه ~~بالكشف عن التنوع الثقافي الملحوظ للمجتمع الإنساني وإطلاع جمهوره عليه. وليس كل من ~~استلهموا من عمل هيرودوت للبحث عن هذا التنوع اشتركوا معه في حماسه، فقد استلهم الكاتب ~~والفنان جيمس فوربز، المولود في لندن سنة 1749 والمقيم في الهند من 1765 إلى 1784، من عمل ms54 ~~هيرودوت، وبين أوجه الشبه بين طقوس التطهر لدى البراهميين والمصريين القدماء، لكنه اختلف ~~اختلافا ملحوظا عن هيرودوت في المنظور، حيث أطلق نداء سنة 1810 موجها إلى الهندوس ~~لاعتناق المسيحية. # ويعد بيان الاختلافات بين الإغريق وغير الإغريق جزءا محوريا من أجندة هيرودوت، ومع ~~ذلك فإن أوجه التباين وأوجه الشبه الكثيرة التي يحكي عن تفاصيلها توضح أنه لا يرى العالم ~~مقسوما بأي حال إلى إغريقي وآخر. ولعل المثال الأشد إثارة للدهشة يأتينا في غزو دارا ~~الفاشل لسكيثيا في الكتاب الرابع، وهي المناسبة التي يورد فيها هيرودوت وصفه الطويل للتاريخ ~~والعادات السكيثية؛ لأن الفرس الغزاة يبدون، مقارنة بالسكيث، طبيعيين تماما؛ وأعني الفرس ~~أنفسهم الذين يراهم الإغريق شعبا غريبا يرتدي ملابس غريبة، وقد تنعم بفضل الثروة ولا ~~يجد مشكلة في نظام حكم سخيف يجعل أمة بأكملها عبيدا وإماء لملك متقلب الأهواء على ~~الأرجح. لكن هؤلاء الفرس أنفسهم لديهم بيوت ثابتة، ويبنون المدن، ويزرعون المحاصيل، أما ~~السكيث فبدو، شعب فقير، دائم التنقل في عربات يتخذونها بديلا عن المنازل، وحركتهم الدائمة ~~تشتت دارا؛ لأنه لا يستطيع إجبارهم على خوض معركة، ويضطر في نهاية المطاف إلى العودة إلى ~~الديار خالي الوفاض. حسنا، ليس خاليا تماما، إذ تمكن من فتح تراقيا، وهي منطقة مفيدة ~~كجدار واق لشن أي غزو لأوروبا، لكنه وقف أمام سكيثيا عاجزا؛ فمجرد افتقار السكيث إلى ~~أساليب «متحضرة» يجعل هزيمتهم أمرا مستحيلا. وهم محيرون حتى في طرق تواصلهم؛ إذ يبعثون ~~إلى الملك بهدية تتألف من طائر وفأر وضفدع وخمس سهام، ويتركون له ومستشاريه مهمة حل شفرة ~~هذه الرسالة الغامضة. وبالنسبة للسكيث التقليديين - لا السكيث الذين يضاجعون النساء ~~الغريبات - لا ريب أن الأمازونيات هن اللائي يمثلن الآخر (تخيل نساء يمارسن القنص ~~ويخضن الحروب!) لكن بالنسبة للفرس، السكيث هم الآخر. وعودة بهذه التناقضات إلى نقطة ~~البداية، ربما نقول إن السكيث المراوغين في عرباتهم لا يختلفون بالكلية عن الأثينيين - ~~وكانوا أيضا في ذلك الحين فقراء - الذين يفرون من الفرس باللواذ إلى أسوارهم الخشبية ~~والرحيل سرا قاصدين سلاميس. # انطلق ms55 هيرودوت يمجد ذكرى أعمال الإغريق وغير الإغريق على السواء، لكن في تعامله مع ~~هاتين الفئتين من الناس، وجد أنهما لا تمثلان كتلتين موحدتين؛ فهناك اختلافات مثيرة لم ~~تقسم مختلف جماعات «البرابرة» فحسب، بل قسمت أيضا الإغريق أنفسهم، كما يشهد على ذلك ~~الإسبرطيون الذين تشبه عاداتهم أحيانا عادات البرابرة، ومن ثم فهم حتما موضع اهتمام ~~الرجل الذي وصفه كابوشنسكي بأنه «أول قائل بالعالمية». يمزج هيرودوت في كتابه الأفكار ~~الكبيرة - حرمة الناموس، وإمكانية الانحراف عن الأعراف الأبوية، والتعددية المذهلة ~~للمسارات الإنسانية - بثروة من التفاصيل. ولأنه مسحور بهذه التفاصيل، فهو ينقل إلينا ~~سحرها. # | هوامش # الفصل الخامس # | المرأة في التاريخ، والمرأة في «تاريخ ~~هيرودوت» # في ضوء المكانة البارزة التي تمتعت بها النساء في الإثنوجرافيات، ليس من المفاجئ أنهن ~~تلعبن أيضا أدوارا كبيرة في مواضع أخرى في السرد. ولا ننس أن النساء كن في قلب ~~الحكايات الملحمية التي لعبت دورا كبيرا في تشكيل عمل هيرودوت؛ ففي الإلياذة، نجد أن ~~هيلين هي السبب المباشر في الحرب، وأن الفتاتين الأسيرتين كريسيس وبريسيس هما ألعوبتا ~~الحرب، أما أندروماخي وهيكوبه فهما زوجة هكتور القوية وأمه. وتضم الأوديسة مجموعة متنوعة من ~~السيدات البارزات اللاتي يساعدن البطل بالتناوب، ويعرقلن عودته إلى زوجته المخلصة بينيلوبي؛ ~~وأعني الحورية كاليبسو التي تبقيه لسبع سنوات على جزيرتها، والساحرة سيرسي التي تحول ~~رجاله إلى خنازير، والسيرانات المغريات، لكن هناك أيضا الأميرة المعينة نوسيكيا، وأخيرا ~~الإلهة أثينا التي تنقذ أوديسيوس عندما تحس بالخطر. وتنتهي الملحمة بموت الخادمات التعيسات ~~اللائي ضاجعهن خطاب بينيلوبي سيئي السمعة قسرا، حيث يشنقهن أوديسيوس لدى عودته عقابا ~~لهن على ذلك. # تحظى النساء بحضور واسع في «تاريخ هيرودوت» كذلك، حيث عددت الأكاديمية المتخصصة في ~~أعمال هيرودوت، كارولين ديوالد، 375 موضعا ذكرت فيه النساء أو الأنوثة في عمل هيرودوت. ~~وأدوار السيدات في «تاريخ هيرودوت» متنوعة على نحو يفوق العادة؛ إذ يتراوحن بين طاعنات ~~بالسلاح وضحايا اختطاف، وملكات وإماء، ومهندسات هيدروليكيات وفتيات مبكرات النضج. والنساء ~~يجمعن الرجال في تحالفات قائمة على الزواج، ويفرقن بينهم في الصراعات ms56 العائلية. وهن ~~يقتلن ويقتلن، وينقذن بعض الأقارب ويقضين على بعضهم الآخر، ولا يمكن أن نتوقع ما ~~هو أدنى من هذا؛ فلا ننس أن هيرودوت أعلن في بداية عمله عن هدفه؛ وهو تخليد ذكرى ما فعله ~~الناس، ذكرى أعظم الأشياء التي حدثت، وعلى وجه أكثر تحديدا، ذكرى كل شيء حدث فيما يخص ~~الحرب بين الإغريق والفرس. ولم يكن ثمة سبيل أمامه كي يفعل هذا دون نطاق رؤية يشمل كلا ~~الجنسين، ويتحرى كل جنس منهما في تشكيلة واسعة من الوظائف. # تظهر النساء لأول مرة في مستهل «تاريخ ~~هيرودوت» عندما يبدأ هيرودوت في سرد سلسلة من الاختطافات المزعومة التي بلغت - وفقا للفرس ~~- أوجها في حرب طروادة، وفي الحقيقة في العداء الطويل بين الشرق والغرب. لكن هيرودوت يروي ~~هذا التفسير الثأري للتاريخ نائيا بنفسه عن الجانبين، موازنا الرواية الفارسية برواية ~~فينيقية، ومقدما رواية إغريقية أيضا. وهو فيما يبدو يقول إن النساء كن محلا للكثير من ~~الحكايات المدغدغة للمشاعر التي يرويها رجال، ويستمتع الناس يقينا بالإنصات إلى هذه القصص، ~~لكن هذا ليس بتاريخ؛ لأن المرء لا يستطيع الحكم على كون هذه القصص التي تعود إلى أزمنة ~~الأساطير صحيحة أم لا. بالأحرى، سيبدأ وصفه في الأزمنة التاريخية بعهد كرويسوس، ملك ليديا، ~~وهو أول رجل على ما بلغه أساء إلى الإغريق دون استفزاز، أو هكذا يزعم. والحقيقة أنه ~~بتحديثنا عن كرويسوس، سيخبرنا بأمر جيجس سلف كرويسوس، الذي اغتصب العرش بعد أن أمره سيده ~~كاندوليس بالنظر إلى الملكة وهي عارية. إنها قصة مؤثرة تقدم منطلقا للصلة بين «تاريخ ~~هيرودوت» و«المريض الإنجليزي»؛ لأن أولماشي يصير متيما حتى الموت بزوجة رفيق له رسام ~~خرائط، عندما تتلو قصة جيجس على مسامع الزمرة المجتمعة حول نار مضرمة في الصحراء. لقد نظرنا ~~إلى هذه القصة من قبل من حيث تعلقها بمسألة الأصل، وهي تستحق التمحيص من جديد لرؤية كيف ~~يوظفها هيرودوت كنموذج لكثير مما سيأتي في «تاريخ هيرودوت». # تكشف حكاية كاندوليس وجيجس والملكة غير المسماة بعمق عن كل من رؤية هيرودوت للتاريخ ~~وانطباعه ms57 عن ملوك الشرق؛ ففي مطلع القصة، يحكم كاندوليس ليديا في هناء، متمتعا لا بعطاءات ~~الملك فحسب، بل أيضا باقترانه بامرأة مفتتن بها كل الافتتان؛ فهو لا يشبع من النظر إليها، ~~أو - فيما يبدو - من التباهي بمظهرها، منشئا وثاقا غريبا مع ساعده الأيمن جيجس بضغطه ~~عليه للتفرس فيها بنفسه، على أن يفعل ذلك وهي عارية. ويتصاعد العنصر البصري هنا بفعل وصف ~~كاندوليس عملية التعري التدريجية المطولة التي تمارسها زوجته ليلا، فيشرح قائلا إن هناك ~~كرسيا في المخدع الملكي تضع عليه ثيابها قطعة قطعة أثناء تجردها، ويصر كاندوليس على ~~تلصص جيجس عليها بصورة لا تليق أبدا؛ إذ سيضعه خلف باب المخدع كي يراقبها، وعندما يرى ~~الملكة العارية، عليه أن يخرج خلسة دون أن تراه وهي تسير عارية من الكرسي إلى الفراش مولية ~~ظهرها شطره. ولا نستطيع - نحن الجمهور - أن نقاوم المشاركة في هذا التلصص أيضا، حيث ~~نتخيل نحن أنفسنا الملكة العارية وهي تتحرك من ناحية إلى أخرى في الغرفة، فنتساءل كم ~~طولها، وما عرض ردفيها، وما إذا كان شعرها مسترسلا أم ملموما إلى رأسها. # لكن الملكة ترى جيجس وهو يخرج من المخدع الملكي، فتستجيب برباطة جأش تستحق الإعجاب. فهل ~~يحتمل أن يكون شيء كهذا قد حدث من قبل؟ هل قالت لنفسها: «حسنا، هذا يكفي، هذه آخر مرة ~~أسمح لزوجي بهذا الأمر»؟ غريب أنها لا تفترض أن هناك انقلابا ينفذ، ولا تصرخ طالبة ~~النجدة. إنها تعرف زوجها جيدا، تعرفه أكثر مما يعرفها، وما كان يراه وهو يستمتع بجمالها ~~الخارجي كان في الحقيقة مضللا؛ فهي تهديد أكثر منها كنزا. وبدلا من أن تفضح انفعالاتها ~~أثناء الليل، تستدعي بهدوء شديد جيجس في الصباح وتبين له أنه هو وكاندوليس رأياها عارية، ~~ولا بد أن يرحل أحدهما، وعندما يخير جيجس بين قتل الملك أو الموت، يختار قتل كاندوليس ~~ويتزوج الملكة ويؤسس سلالة حاكمة جديدة. # لم تحافظ هذه الملكة مجهولة الاسم، بعزيمتها القوية، على شرفها فحسب (فالآن هناك رجل واحد ~~فقط على قيد الحياة رآها عارية)، وعاقبت من ms58 انتهك حرمتها، بل أعادت أيضا تأكيد أعراف ~~مجتمعها، فالعار كل العار في ليديا - كما يبين هيرودوت - أن يرى الإنسان عاريا حتى ولو ~~كان رجلا، وهو شيء أدهش يقينا القراء في العالم الإغريقي الذي أدى فيه تمجيد الجسد ~~الرجولي الشاب إلى العري في كل من المنافسات الرياضية والتصوير الفني. وقد أبدى جيجس ~~بالتأكيد إدراكه أن خطة كاندوليس الحمقاء تنتهك الأعراف الاجتماعية بتوسله إلى الملك ~~«ألا تجعلني أفعل هذا الشيء المخالف تماما للعرف.» وأشار إلى ضرورة أن يستفيد الناس من ~~منظومة الحقائق الأساسية القديمة التي تشمل مبدأ محوريا يقضي بأن «يقصر كل شخص نظره على ~~ما هو له.» لا تئول الأمور إلى خير بالنسبة لكاندوليس، الذي استهل سلسلة الأحداث المشهودة ~~هذه، لكن الملكة تضمن استقرار ليديا، التي ستكون على الأرجح أحسن حالا تحت حكم جيجس منها ~~تحت حكم كاندوليس - الذي كان ألعوبة لشبقه الجامح - وتؤسس هي وجيجس سلالة حاكمة تدوم ~~أجيالا. # يقدم هيرودوت هذا المشهد في مرحلة مبكرة من كتابه؛ لأنه - أي المشهد - يحكي لنا الكثير ~~بالتأكيد عن أخطار تجاوز الحدود، مثلما يفعل خشايارشا عندما يبني جسرا عبر الهلسبونت، وعن ~~نزعات الأوتوقراطيين المحفوفة بالمخاطر، وعن دور النساء كفاعلات على الساحة الإنسانية، وعن ~~الطبيعة الشرطية للتاريخ؛ فجيجس ما كان ليصبح قط ملكا على ليديا لو لم يكن كاندوليس ~~غريب الأطوار، ولو لم يصبح جيجس ملكا، ما كان سليله كرويسوس ليحكم أبدا ولا ليخوض حربا ~~مع قوروش، وذلك بعبوره نهر هاليس. # نكتشف خلال قراءة الكتاب أن الأوتوقراطيين يسيئون معاملة النساء، ومن هذا تجري العواقب ~~الدرامية؛ فبعد موت قوروش وابنه المجنون قمبيز، والقضاء على من اغتصبوا العرش من بعدهم، ~~دارت مناقشة بين ثلاثة من أعيان الفرس حول نوع نظام الحكم الذي ينبغي أن يقيمونه. يقول ~~هيرودوت إن بعض الإغريق ليسوا مقتنعين بصحة هذه المناقشة، لكنه يؤكد أنه جرت فعلا. ~~فأوتانس - الذي يتحدث أولا - يؤيد الديمقراطية، مؤكدا أنها تحمل أجمل اسم من بين كل ~~أسماء أنظمة الحكم، ألا وهو «المساواة أمام القانون». وليس هذا فحسب، فهو ms59 يهاجم الملكية ~~على أساس أن الرجل الذي يحكم بمفرده يقوض تقاليد البلد الراسخة، ويغتصب النساء، ويقتل ~~الرجال دون محاكمة. كل هذه العناصر موجودة في مثلث كاندوليس والملكة غير المسماة وجيجس، حيث ~~ينتهك كاندوليس العرف بإجبار جيجس على رؤية زوجته عارية، أما القاتل المتردد جيجس فهو ~~يقدم على قتل كاندوليس دون محاكمة إنقاذا لحياته (وبالتأكيد لا يقنع أوتانس الآخرين؛ ~~لأن الملكية استمرت في بلاد فارس كما هو معروف). # يعج «تاريخ هيرودوت» بملوك يسيئون إلى النساء، وكذلك بأوتوقراطيين إغريق يفعلون الشيء ~~نفسه، وهم رجال كثيرا ما يصور هيرودوت سلوكهم باعتباره مماثلا لسلوك المستبدين ~~البرابرة؛ فحاكم ميديا أستياجس يدبر مكيدة لقتل وليد ابنته عند ميلاده، بعد أن أخافته ~~رؤية رآها في المنام، وإن كان الرضيع يفلت من الموت ويكبر ليصبح قوروش، مؤسس ~~الإمبراطورية الفارسية. وابن قوروش، قمبيز، الذي تزوج باثنتين من أخواته منتهكا العرف ~~الفارسي، يقتل إحداهما في نوبة غضب عندما تتفكر بحزن عميق كيف أنه أضعف منعته بقتله ~~الشقيق الذي ربما كان سيقف بجانبه وقت الخطر. ولا يكتفي الحاكم الكورنثي بيرياندر بقتل ~~زوجته ميليسا، بل يمارس الجنس مع جثتها. ويسلك الآسيويون كجماعات سلوكا مخيفا أيضا، حيث ~~يغتصب الجنود الفرس بعض النساء الإغريقيات اغتصابا جماعيا حتى الموت. # أثار عدم سلوك الحكام الشرقيين سلوكا يوفر لهم الحماية الذاتية كما ينبغي (بالضبط كما ~~لم يفعل كاندوليس) اهتمام هيرودوت بدرجة كبيرة، وأتاح له نافذة يطل منها على شخصية وحش ~~الإغريق الفاشل، وهو خشايارشا نفسه؛ لأن هناك في الحقيقة معالجتين متوازيتين لهذا الموضوع ~~تكتنفان «تاريخ هيرودوت»، وهما طيش كاندوليس وطيش ملك الفرس. ويتبين لنا أن خشايارشا لا ~~يفوق كاندوليس حكمة في أمور الشبق، لكن افتقاره إلى الفطنة يتجلى بشكل مختلف نوعا ما؛ فهو ~~- على نحو غير لائق - يسعى إلى غواية زوجة شقيقه العزيز ماسيستس، وعندما يخفق في مسعاه ~~يحاول من جديد مع ابنة ماسيستس، أردانيت، فيزوجها ابنه ليبقيها قريبة منه، وتنجح ~~مغازلاته معها، لكنه نجاح يجلب البلاء لأسرته؛ فهو بالإضافة إلى أن له أخا وزوجة أخ وابنة ms60 ~~أخ، له أيضا زوجة هي أمستريس. # أمستريس هي الوحيدة في هذه الحكاية البشعة القادرة على التحكم في مصيرها. ويستخدم هيرودوت ~~في هذه الحكاية فكرة الوعد المقدر استخداما مزدوجا؛ فخشايارشا مفتون جدا بابنة ~~أخيه/عشيقته أردانيت، لدرجة أنه يعرض، دون تبصر، منحها أي شيء تريده. ويبين لنا ~~هيرودوت أن أمستريس كانت قد نسجت لخشايارشا وشاحا جميلا، طويلا وغنيا بالألوان، ~~وكثيرا ما كان يرتديه وهو ذاهب لزيارة أردانيت، وهذا هو بالضبط الشيء الذي تطلبه منه ~~أردانيت؛ لأنه «كان مقدرا أن تنتهي هي وأسرتها كلها نهاية سيئة» كما يقول هيرودوت. وقد ~~قال الشيء نفسه تقريبا عن كاندوليس. فعل خشايارشا كل ما في وسعه للتملص من وعده إدراكا ~~منه أنه ستقع مشكلات خطيرة إذا وهب أردانيت ما صنعت يدا زوجته، فعرض عليها المدن وما تشاء ~~من ذهب، بل وقيادة جيش، لكن بلا طائل، كل ما كانت تريده هو الوشاح، وبمجرد حصولها عليه دأبت ~~على التبختر به هنا وهناك («انظروا ما أعطانيه عشيقي الملك!») ويبدو أن أردانيت الشابة ~~لديها حب الظهور مثلها مثل كاندوليس. # بعد أن تعلم أمستريس بما يجري، تستغل عادة فارسية تقضي بأن يمنح الملك ضيوفه في حفل عيد ~~ميلاده أي هدية يشاءون، فتطلب زوجة ماسيستس، فيحتج خشايارشا بقوة تارة أخرى، لكن لا خيار ~~أمامه مجددا. وبعد أن تصير المرأة التعيسة في حوزة أمستريس، تستعين بحرس خشايارشا الشخصي ~~على قطع ثدييها وأنفها وأذنيها وشفتيها ولسانها، ثم ترسلها إلى بيتها كي يراها ماسيستس، ~~الذي يجن جنونه فيجمع أبناءه ويعلن تمردا، لكن جيش خشايارشا يلحق بهم ويقتلهم. وهكذا ~~فقد خشايارشا أخاه الحبيب، لكن أمستريس دمرت الأسرة التي هددتها. لا نعرف إلى أي مدى ~~عاشت هي وخشايارشا معا في هناء بعد ذلك، لكن من بين كل الشخصيات التي اشتملت عليها هذه ~~الدراما، هي وحدها التي ينتهي بها الحال وهي على القمة؛ إذ سيعرف قراء هيرودوت أن ~~خشايارشا قتل بعد ذلك ببضع سنين في مؤامرة اشترك فيها ابنه الذي يخونه أبوه مع زوجته. لقد ~~انتهكت أمستريس، مثلها مثل ms61 زوجة كاندوليس، على يد زوج مستهتر (لن يكون خشايارشا آخر ~~سياسي يختار عشيقة مشكوك في فطنتها)، وهي - مثلها أيضا - توضح أن معرفة المرء كيف يعامل ~~زوجته جزء لا يتجزأ من كونه حاكما صالحا. إنها ليست شخصية محبوبة للغاية، لكنها جريئة ~~وقوية العزيمة. # إذن فأول الحكايات التي تحكى في «تاريخ هيرودوت» - وهي بعيدة كل البعد عن كونها مجرد ~~مكيدة من مكائد البلاط - تفتح الباب أمام قضايا أوسع ستلعب أدوارا أساسية في سرد هيرودوت؛ ~~ألا وهي نزوع الأوتوقراطيين (والآخرين ممن هم في المجتمعات الأوتوقراطية) إلى إساءة ~~معاملة النساء، وأخطار حب الظهور، والمكانة البارزة لدور المرأة في التاريخ، وضرورة أن ~~يعامل الرجال النساء معاملة كريمة. # يصور «تاريخ هيرودوت» النساء على امتداد صفحاته كمفعولات بهن وفاعلات على السواء، وبما ~~أنه من البديهي أن تجعل الحرب النساء ضحاياها البائسات، فإن دورهن الفعال هو الأجدر ~~بالملاحظة. وقليل من نساء هيرودوت يخدمن في الجيش، لكن من يخدمن فيه لا ينسين، وأبرزهن ~~تومايريس ملكة الماساجيتاي، وأرتميسيا ملكة هاليكارناسوس. فتومايريس هي التي تسقط قوروش، ~~مؤسس الإمبراطورية الفارسية المهيب. ويقدم موته على يدي امرأة صورة مقلوبة تماما ~~لمولده ونشأته؛ فعندما سعى جده أستياجس إلى التخلص منه، كانت البسيطة سينو، زوجة راعي غنم، ~~هي التي أخذته وربته كابن لها، مستعيدة بذلك التوازن إلى كل من أسرتها - إذ كان الطفل ~~الذي وضعته لتوها جهيضا - وإلى الأسرة المالكة التي أيقنت أنه لا ينبغي أن تحرم من ~~وريثها الشرعي. وبعد أن يستعيد قوروش ميراثه ويحل محل المتآمر أستياجس، يمضي ليتمتع بعلو ~~نجمه كحاكم إلى أن يلاقي صنوه على هيئة الماساجيتاي الذين كانوا يعيشون شرق بحر قزوين. يقول ~~هيرودوت إن عوامل عديدة كانت وراء حماسه للهجوم على هذا الشعب، لكن العاملين الرئيسين ~~هما نجاحه الدائم في حملاته السابقة و«إيمانه بالطبيعة الخارقة لمولده». بعبارة أخرى، لولا ~~المرأة التي أنقذته؛ وهي سينو (وكان والداه قد نشرا القصة الإعجازية التي تقول إنه ربي ~~على يد كلبة، وهو ما كانت تعنيه كلمة «سينو»)، ما كان قوروش ليمضي قط لمهاجمة ms62 امرأة أخرى، ~~وهي المرأة التي دمرته في معركة وصفها هيرودوت بأنها «أشرس معركة على الإطلاق تدور رحاها ~~بين طرفين غير إغريقيين»؛ فتومايريس متحجرة القلب ومتعطشة للدماء، وهذا أمر معقول؛ فهي لا ~~تحارب للدفاع عن أرضها فحسب، بل لتثأر لابنها الذي انتحر عندما وقع في أسر قوروش. وعندما ~~تمسك رأس قوروش، تحشرها في زق مليء بدم بشري، موفية بعهدها الذي قطعته له بأن «تروي تعطشه ~~للدماء». # وأما أرتميسيا ملكة هاليكارناسوس فهي قصة مختلفة تماما، يأتي هيرودوت بأرتميسيا على ~~خشبة المسرح لأول مرة أثناء تعديده ضباط أسطول خشايارشا، فيقول إنه لا حاجة إلى ذكر كل ~~الضباط واحدا واحدا، لكن ثمة اسما واحدا لا يمكن إغفاله؛ «لأنني أعتبر أن مشاركة ~~أرتميسيا، وهي امرأة، في الحملة ضد اليونان من العجائب.» لا غرو أن هيرودوت كان فخورا ~~يقينا بأن فتاة من بلدته الأصلية حققت إنجازا، لكن اهتمامه بها يتجاوز حدود التفاخر؛ ~~ففي تفسيره، تقوم أرتميسيا، مثلها مثل تومايريس، بدور ملحوظ ككاسرة للقواعد الجنسانية ~~تشكك في الأدوار الجنسانية التقليدية في كل من العالم الإغريقي والعالم البربري. وكما ~~يروي هيرودوت، فعلى الرغم من أنها كان لها ابن ناضج قادر تماما على قيادة قواتها ~~المسلحة، كانت متحمسة للمشاركة في الحملة بشجاعة ورجولة، وهما صفتان لا ينسبان غالبا ~~لامرأة. هذه الخصوصية الجنسانية تعاود الظهور بعد موقعة ثيرموبيلاي، وذلك عندما تحذر ~~أرتميسيا وحدها من بين قادة خشايارشا من القتال في سلاميس، موضحة أن الفرس يمكنهم بسهولة ~~أن يفوزوا بلا منافسة إذا امتنعوا عن قتال الإغريق ضعاف المعنويات. وتقول إن خوض معركة ~~بحرية فكرة مفزعة؛ بما أن «الإغريق متفوقون بشدة على رجالك، فيما يتعلق بالقتال في البحر، ~~كتفوق الرجال على النساء!» وهذه ملاحظة لا تنسى جاءت على لسان قائدة بحرية. إن أرتميسيا ~~متماهية بشدة مع الرجال لدرجة أنها تعتنق تنميطهم الجنساني، على الأقل لأغراض خطابية، وعلى ~~الأقل في إعادة هيرودوت بناء الأحداث. # يفتقر مستشارو خشايارشا الآخرون إلى الخيال في التكهن برد فعله بقدر افتقارهم إليه في وضع ~~استراتيجية بحرية، فهم يتوقعون ms63 أن يغضب الملك. ولكن الحقيقة أنه يعجب بها أشد الإعجاب، لكن ~~لأنه خشايارشا، لا يستطيع تصديق أن أرتميسيا على صواب، فلا يقبل نصيحتها. يهتز هيرودوت ~~طربا بكل تأكيد لإطلاعنا على الحيلة البارعة التي أنقذت بها أرتميسيا نفسها؛ إذ أقدمت ~~لما طاردتها سفينة أثينية - وفي إبانة غير عادية عن سرعة التفكير - على ضرب سفينة أخرى ~~تقاتل في صف الفرس فأغرقتها على الفور، فافترض القبطان الأثيني أنها لا بد أن تكون إما ~~إغريقية وإما فارة من القتال في صف الفرس، فتخلى عن مطاردتها. أما خشايارشا، ظنا منه ~~أن أرتميسيا لا بد وأنها أغرقت سفينة إغريقية (وقائلا ما هو متوقع أن يقوله عن الجنسين)، ~~هتف قائلا: «رجالي تحولوا إلى نساء، ونسائي تحولن إلى رجال!» # في النهاية لا تؤثر أرتميسيا على مسار التاريخ؛ إذ لا تكفي بطولاتها على متن السفن ~~للحيلولة دون انتصار الإغريق، لكن هناك نساء أخريات يصورن باعتبارهن يلعبن أدوارا كبيرة ~~في تشكيل الأحداث؛ فزوجة كاندوليس تتسبب في تحول في السلالات الحاكمة في ليديا، لكنها ~~تضع أيضا الأساس لإطاحة كرويسوس في الجيل الخامس كانتقام إلهي للجريمة التي حرضت عليها ~~جيجس، حيث تنقذ الجارية سينو قوروش وتربيه، وتتسبب الملكة تومايريس في موته. ولا شك أن ~~دارا لديه دوافع كثيرة لغزو اليونان، من بينها التمرد الأيوني، لكن وصف هيرودوت يسلط ~~الضوء على تسلسل الأحداث التي بدأت بخراج في ثدي أتوسا زوجة الملك التي - بدافع من ~~عرفانها العميق بالجميل للطبيب اليوناني ديموسيدس - تلبي طلبه بأن تلح على دارا للمسير ~~إلى اليونان، وتنجح في مسعاها. # خاتمة إغريقية: # نظرا لمكانة النساء البارزة بشدة في ~~الحياة العامة خارج اليونان، يكرس هيرودوت مساحة أكبر نوعا ما للنساء «البربريات» ~~مقارنة بالإغريقيات، لكن الإناث الإغريقيات يلعبن أدوارا أساسية في «تاريخ هيرودوت» ~~أيضا؛ إذ يقودنا السرد إلى اعتقاد أن تمرد الأيونيين على بلاد فارس ربما كان سينجح لو أن ~~جورجو - ابنة كليومينس ملك إسبرطة الصغيرة - لم تحذر أباها من أخذ أموال من المحرض ~~أرستاجوراس، فالأنماط غير الإغريقية لها نظائر إغريقية. وعلى الرغم ms64 من أن هيرودوت يربط ~~الوحشية في اليونان في المقام الأول بالحكام الأوتوقراطيين، فإنه يعيد أيضا إنتاج نمط ~~الفعل الذكوري ورد الفعل الأنثوي بين الشخصيات الإغريقية المتواضعة، حيث يروي أن نساء ملطية ~~تناقلن جيلا بعد جيل قانونا يحظر عليهن تناول الطعام مع أزواجهن أو مخاطبتهم بأسمائهم، ~~مقدما التفسير التالي: كان هؤلاء النساء قد أجبرهن الإغريق الذين قتلوا آباءهن وأزواجهن ~~وأبناءهن على الزواج منهم. إن الهمجية الفارسية أكثر شيوعا من الإغريقية، لكن الفرس ليسوا ~~محتكرين للوحشية. # تستحضر حكاية النساء الملطيات الأمازونيات اللائي نقلن - كما رأينا - ثقافتهن إلى ~~أطفالهن. أما لمنوس فقصة مختلفة، حيث حاول النساء هناك أيضا أن يفعلن هذا، لكن جهودهن ~~أسفرت عن مقتلهن ومقتل أولادهن. ويروي لنا هيرودوت كيف أنه عندما أسر البيلاسجيان بعض ~~النساء الأثينيات وأجبروهن أن يكن محظيات في جزيرة لمنوس، دأب هؤلاء النساء في البداية على ~~الحفاظ على ثقافتهن، فلم يعلمن بناتهن فحسب، بل أبناءهن أيضا «أن يتصرفوا مثل الأثينيين ~~وينطقوا بالإغريقية الأتيكية.» لكن بمرور الوقت، بدأ هؤلاء الأطفال يستعلون على ذرية نساء ~~البيلاسجيان، مما أثار قلق البيلاسجيان بشأن ما سيحدث عندما يكبرون، وبالتالي قرروا قتل ~~أولادهم من الأثينيات، وكذلك قتل الأمهات. # يعزو هيرودوت إلى هذه الواقعة - «بالإضافة إلى الواقعة السابقة عندما قتلت نساء لمنوس ~~أزواجهن» - العادة الإغريقية المتمثلة في الإشارة إلى أي جريمة نكراء بقولهم «فعلة ~~لمنوسية». والتأكيد هنا لافت للنظر؛ فالخرافة القديمة التي تتحدث عن قتل نساء لمنوس ~~أزواجهن تبدو كملاحظة ثانوية، بينما يسلط الضوء على الرواية التاريخية لجريمة الرجال ~~المروعة بقتلهم محظياتهم وأولادهن بوصفها أصل الفعل الشائع. أجل، النساء في «تاريخ هيرودوت» ~~يفعلن أشياء رهيبة، لكنها ليست أسوأ مما يفعل الرجال، وغالبا ما تكون رد فعل لوحشية ~~الذكور؛ فهن يفعلن، ويرددن الفعل، ويفعل بهن. فيمكنهن أن يقتلن، لكن يمكنهن أيضا أن ~~ينشئن. وعندما يقتلن، يورد هيرودوت سياقا مهما؛ لذا فعندما يقترح الأثيني لسداس بعد ~~موقعة سلاميس أن ينظر إخوانه المواطنون في عرض سلام فارسي، تقصد نساء أثينا بيت لسداس ~~وترجمن زوجته وأولاده، لكن ليس ms65 قبل أن يرجم رجال أثينا لسداس نفسه. # على امتداد صفحات «تاريخ هيرودوت»، يستخدم هيرودوت النساء لتبيان ميول الرجال الخطيرة، ~~لكن النساء تثرن في الوقت نفسه اهتمامه كفاعلات في حد ذاتهن. ويحاكي هذا النمط معالجة غير ~~الإغريقيات في الإثنوجرافيات، فوجودهن مفيد لعملية التفكير بفضل الطريقة التي يقدن بها ~~القارئ إلى النظر إلى النواميس الإغريقية من زاوية جديدة، لكن عاداتهن أيضا تستحق الدراسة ~~بذاتها. والنساء اللاتي يناقشهن هيرودوت متنوعات فوق العادة، مثلهن مثل مختلف الشعوب التي ~~درسها. وهيرودوت ليس من معتنقي فلسفة الجوهرية في أسلوب دراسته النساء؛ ففي نهاية المطاف، ~~تعد النظرة الكونية الواسعة - التي ترفض اعتبار النساء عرقا منفصلا عن الرجال له ~~سماته المميزة والعامة - واحدة من الروابط الأساسية بين «تاريخ هيرودوت» والملاحم ~~الهوميرية. # الفصل السادس # | هيرودوت والآلهة # ظل الإيمان بأن هناك «شيئا موجودا» خارج نطاق ما هو بشري محض وطبيعي محض قائما على مر ~~التاريخ؛ فقد كان الدين في أغلب الأحوال من العموميات الثقافية عبر الزمان والمكان، على ~~الرغم من أقلية عنيدة من المشككين، بعضها سري وبعضها الآخر علني. ويبدو الإيمان ~~بالقوى فوق البشرية - أو الخوف منها - وبقدرتها على تشكيل الأحداث واسع الانتشار، وقد ~~صممت شبكة واسعة من المنظومات لتحقيق الوصول إلى خواطرها وأمنياتها بالصلاة، أو بتأويل ~~أشياء كالطوالع والأحلام ونبوءات الآلهة، أو بالاثنين معا. # وسوف نكتفي بالنظر في نبوءات الآلهة. أقام ~~المصريون معبدا في بيت وادجيت حتى قبل تأسيس الدولة المصرية في أواخر الألفية الرابعة قبل ~~الميلاد، وفي زمان هيرودوت، كان هذا الموقع يعرف باسم بوتو، وكانت كاهنته ما زالت محل ~~تبجيل كبير. وكان الصينيون الذين عاشوا إبان أسرة شانج يلتمسون الإرشاد والهداية من «صدف ~~الكهان». وأقام شعب مكسيكا مدينة تينوتشتيتلان في الموقع الذي تحتله الآن مدينة مكسيكو سيتي ~~استنادا إلى إحدى نبوءات الآلهة. وفي منطقة الهيمالايا، ما زال العرافون يلعبون دورا ~~مهما في اتخاذ القرارات الحكومية ويوفرون أيضا المعلومات الاستخباراتية، وكثيرا ما ~~يستشير الدلاي لاما عراف التبت الرسمي، كاهن نيتشونج. بل إن بعض الأنفس الشجاعة تتوسل ~~إلى نوع ms66 جديد من العرافين، حيث يخضعون أنفسهم لاختبارات وراثية لا تخبرهم بعمرهم المتوقع ~~فحسب، بل أيضا بالمرض الذي يرجح أن يودي بحياتهم في النهاية. # تبرز مساحة كبيرة من «تاريخ هيرودوت» أهمية استيعاب تصريحات العرافين وتحليلها ~~بتواضع وحذر. ولا يدهشنا أن هيرودوت يستخدم الطريقة التي يستجيب بها من جاءوا في كتابه ~~للعلامات الإلهية لبيان كل من شخصية أفراد معينين والطبيعة الإنسانية بشكل أعم، ولقول شيء ~~عما يقرر مسار التاريخ وما لا يقرره. # تأمل كرويسوس، الذي عندما تقلقه قوة قوروش المتنامية يرسل مبعوثين إلى تشكيلة واسعة من ~~العرافين في كل أنحاء اليونان وإلى كاهن آمون في ليبيا، مختبرا إياهم ليكتشف أيهم يعرف ~~ماذا يفعل في اليوم المائة من انطلاق الرجال في رحلتهم. وعندما تصيب كاهنة أبولو في دلفي ~~كبد الحقيقة - وكان هو على وجه التحديد يسلق لحم حمل وسلحفاة في قدر من البرونز - يقرر ~~أن يضع ثقته في دلفي ويقدم قرابين سخية هناك. وعندما نصح بضرورة تبين أي الدول ~~الإغريقية ستكون أقوى حلفاء له، وأوعز إليه بأنه إذا خاض حربا مع الفرس فسوف يدمر ~~إمبراطورية قوية، يشرع في استقصاء للسياسة الإغريقية (وهو ما يتيح لهيرودوت فاتحة طبيعية ~~لبعض الخلفية عن أثينا وإسبرطة). كل شيء على ما يرام حتى تلك المرحلة، وكرويسوس يتصرف مثل ~~مستقص هيرودوتي بكل معنى الكلمة، لكن في خضم لهفته على هزيمة قوروش، فاته أن يسأل أي ~~إمبراطورية سيدمر. # يمضي كرويسوس - غير راغب في التخلي عن مسعاه بينما هو في الصدارة كما قد يبدو - ليسأل ~~عما إذا كان عهده سيدوم طويلا، فترد الكاهنة بقولها إنه سيكون آمنا حتى يتربع بغل ~~(والكلمة ذاتها بمعنى هجين) على عرش فارس. وهناك كثير من السخرية في استخدام هيرودوت ~~النبوءات؛ فالجمهور يعرف أن ليديا ستسقط في يد قوروش، لكن كرويسوس لا يعرف، وهو - غير عارف ~~بمسرحية ماكبث - لا يدرك أن ما يقدم له ضمانة زائفة. وكحال الملك الاسكتلندي الذي تروقه ~~النبوءة التي تقول إنه لن يلحق به أذى شخص ولدته امرأة، يسر كرويسوس برد الكاهنة؛ إذ ms67 كيف ~~يمكن لبغل أن يحكم إمبراطورية؟ لكن كما سيقتل ماكبث على يد مكدوف، «الذي أخرج من رحم ~~أمه مبتسرا»، يهزم كرويسوس على يد قوروش، وهو ~~«هجين» نصف ميدي ونصف فارسي. ففكرة «النبوءة الخادعة» الشائعة تفسد حياة كرويسوس ومملكته؛ ~~فعلى الرغم من تحرياته الشاملة، فإن إغفاله مرتين تحري العناية الواجبة - التحقق أي ~~الإمبراطوريتين سيدمر، وتحري إمكانية أن تكون كلمة بغل مستعملة استعمالا مجازيا - كان ~~فيه نهايته. # وهناك المزيد. كانت الكاهنة قد حذرت سلف كرويسوس وقاتل مليكه جيجس من أن سلالته لن تدوم ~~إلا إلى الجيل الخامس. وبإغفاله هذا الموضوع، رتب هيرودوت ببراعة لكي ينساه قراؤه، ~~تماما مثلما نسيه كرويسوس. لكن سقوط الملك في نهاية المطاف محتوم على نحو مزدوج؛ إذ كان ~~كرويسوس غير دقيق في تفسيره للنبوءة، لكنه كان أيضا ضحية قدر لا يرحم. وليس من قبيل ~~المصادفة أن «تاريخ هيرودوت» وضع خلال أوج المأساة الإغريقية التي حام فيها القدر ~~والإرادة الحرة حول أحدهما الآخر مع حصول نتائج كارثية، والتي كانت على الرغم من ذلك مثقلة ~~بالسخرية أكثر من كتاب هيرودوت. # يكشف لنا أيضا عن شخصيات أساسية في معارك الحروب الفارسية من خلال الطريقة التي تستجيب ~~بها لنبوءات الآلهة؛ إذ يؤكد هيرودوت أنه بسبب نبوءة تقول إنه لا يمكن تحقيق نصر إغريقي ~~في ثيرموبيلاي إلا بموت ملك إسبرطي، صرف الملك ليونيداس السواد الأعظم من قواته. وهكذا ~~تصور الحملة كتضحية طوعية لا هزيمة في معركة، وتضفى صفات البطولة على ليونيداس. ومن ~~جانبه، يصور الأثيني تيميستوكليس كمستجيب لنبوءة إلهية، لا بالتضحية بالنفس بل بالحنكة ~~والمهارة السياسية؛ إذ عندما تتنبأ عرافة دلفي بأن جدارا خشبيا سيساعد الأثينيين، ~~فإن تيميستوكليس هو الذي يتمكن من إدارة دفة الحديث عن النبوءة نحو اعتبار أن الجدار ~~الخشبي لا يعني الأكروبوليس الحصين بل الأسطول، فيوجه تيميستوكليس وقدراته على الإقناع ~~المفاوضات بين الدول الإغريقية التي تتسم بالحدة أحيانا، فيطرح - وهو المفاوض الصعب ~~دائما - نبوءات إلهية (حقيقية أو مختلقة) تتنبأ بأن الأثينيين سينتقلون يوما ما إلى ~~إيطاليا؛ ليعضد تهديده بسحب الأسطول ms68 الأثيني إذا رفض الآخرون القتال في سلاميس. وعندما ~~يترنح الائتلاف، توقع حنكته وجرأته الفرس في شرك شن الهجوم في الوقت الذي تكون فيه ~~الفرق العسكرية الإغريقية في خطر التفتت والتبعثر عائدة إلى ديارها، فيلي ذلك انتصار ~~إغريقي حاسم. # شكل 6-1: تظهر هذه المزهرية التي تعود إلى أوائل القرن الخامس كرويسوس على ~~المحرقة بعد أن أوصله إليها قوروش المنتصر . وهو - وفقا لهيرودوت وبعض ~~الكتاب الإغريق الآخرين - لم يمت بل أنقذت حياته، إما على يد ~~قوروش وأبولو، وإما على يد أبولو وحده. # 1 # ما كان سرد هيرودوت ليكتمل دون المحاولات العقيمة لإفشال نبوءات العرافين؛ إذ يتبين لنا ~~أن كورنثة كانت تخضع لحكم أوليجارشية قليلة العدد، قوامها عشيرة واحدة هي أهل باخياس، ~~الذين لم يتزاوجوا إلا فيما بينهم. ولما لم يجد أحدهم شخصا يرغب في الزواج من ابنته ~~الكسيحة لابدا، زوجها رجلا يدعى إيتيون من قرية بترا، لكن الزواج لم يثمر عن أطفال. ~~وعندما استشار إيتيون المغموم كاهنة دلفي بشأن فرص إنجابه وريثا، قالت له إن لابدا حبلى ~~في الحقيقة بطفل سيسقط على الباخياسيين كحجر رحى ويجلب العدل إلى كورنثة، فشرع الباخياسيون، ~~الذين كان لديهم بالفعل من الصعوبات ما يكفيهم، في التخلص من وليد لابدا. والحكاية الرائعة ~~التي يحكيها هيرودوت، أو بالأحرى يرويها على لسان شخص يدعى سوسيكليس الكورنثي، واحدة من ~~أبرز الحكايات في «تاريخ هيرودوت». # يصل الجنود إلى بترا رغبة منهم - كما يقولون - في تقديم التحية والاحترام للوليد بدافع ~~محبتهم إيتيون، لكنهم في الحقيقة ينتوون قتله. كان المنتظر من أول رجل يمسك بالطفل أن ~~يقذفه بعنف على الأرض، لكن شاءت المصادفة الإلهية أن ينظر الوليد عاليا إلى الرجل الذي ~~ينتوي قتله ويبتسم، وهكذا يتناوب الجنود حمل الطفل معيدين إياه في النهاية إلى أمه دون أن ~~يقدر أي منهم على قتله. # عاد الجنود لمحاولة ثانية خشية مواجهة ~~سادتهم الباخياسيين، لكنها تخفق هذه المرة لسبب مختلف؛ إذ فطنت لابدا - وهي التي لم تكن ~~حمقاء - إلى نواياهم، فعمدت إلى إخفاء الطفل في خزانة (تعني باليونانية ms69 كيبسيلوس)، وبعد أن ~~يعجز الجنود عن العثور على الطفل الذي بقي هادئا على نحو خارق للعادة، يرحلون، فتسمي ~~لابدا ابنها «كيبسيلوس» تيمنا بالخزانة، ويكبر كيبسيلوس ليطيح بالأرستقراطية الباخياسية ~~ويصبح حاكم كورنثة (أما كيف بدأت هذه القصة غير المعقولة في كورنثة فلا يسع المرء إلا أن ~~يتخيل؛ فربما كان الهدف منها تفسير اسم كيبسيلوس الغريب). # وهكذا يدمج هيرودوت نبوءات العرافين التي ~~كانت واسعة الانتشار في الثقافة اليونانية في سرده لعدة أغراض؛ فتفاعل كرويسوس مع دلفي ~~يذكر القارئ بقوة القدر ويكشف عدم قدرة الملك على التعامل مع أقوال العرافة بحدة الذهن ~~المطلوبة، ومثلما رفض حكمة سولون غير المرغوب فيها بلا تمحيص، يقبل الأنباء التي يريد ~~سماعها بلا تمحيص. أولا: كان كرويسوس قد اختبر العرافة بأن سألها عما كان يفعله هناك ~~في ليديا، فنجحت، ثم تختبر العرافة كرويسوس فيفشل، والنتيجة هي اتساع إمبراطورية قوروش. ~~ويبلور تصميم ليونيداس على تحقيق النبوءة التي تنبأت بموته البطولة المتأصلة في ~~الشخصية الإسبرطية، ويستحضر بطولة إلياذة هوميروس، كما أن المعركة التي تدور رحاها على جثته ~~تستحضر المعركة التي تدور رحاها على جثة باتروكولوس رفيق أخيل. وفي الوقت نفسه، يبرز ~~توجهه الوطني وميله إلى التضحية تباينا مقصودا مع العنصر الشديد الشخصية الذي كان يدفع ~~أبطال هوميروس، الذين كانوا ينشدون المجد لأنفسهم لا لمدنهم. وقدرة تيميستوكليس لا على ~~«التنبؤ» بمعنى نبوءة «الجدار الخشبي» فحسب، بل على إقناع الأثينيين المترددين بأنه على ~~صواب، تسلط الضوء لا على شخصيته فحسب بل على الطبيعة الشرطية للتاريخ؛ إذ لو لم يكن ~~الأثينيون محظوظين بما يكفي ليكون بينهم تيميستوكليس، لربما لم يعقدوا فعلا أملهم على ~~الأسطول، ولمكثوا في أثينا ولذبحوا على أيدي الفرس. فالتاريخ - كما كتب العميد بحري صمويل ~~موريسون - «هو كذلك، غير مضمون النتائج.» ويسلط الضوء على طبيعة الأوليجارشية القاتلة من ~~خلال فرق الإعدام التي أرسلها الباخياسيون للتخلص من وليد لابدا، لكن دهاء لابدا الأمومي ~~يضاهي دهاء سينو، الجارية التي أنقذت قوروش الوليد ونشأته حتى صار رجلا، وها هي مرة أخرى ~~امرأة ترقى إلى ms70 مستوى الحدث عندما تواجه العنف الذكوري. وعلى الرغم من أن طفلها يكبر ليطيح ~~بعائلتها، فهو على الأقل حي ليفعل ذلك. # إذن فهيرودوت يستخدم الدين في خدمة أجندته ~~السردية. لكن ماذا عن عقائده هو؟ ما الدور الذي نسبه هيرودوت للآلهة في تشكيل الأحداث؟ كانت ~~مسألة معتقدات هيرودوت الدينية موضع جدال أكاديمي عنيف نوعا ما، حيث يؤكد البعض على نزعة ~~هيرودوت الشكوكية، ويعتبره آخرون إغريقيا تقليديا من إغريقيي عصره، ربما خاطر بركوب ~~البحر لإشباع فضوله بشأن العالم البشري، لكنه كان يقبل التعاليم التقليدية حول آلهة جبل ~~الأولمب قبولا مطلقا، وبين هؤلاء وأولئك يوجد من يرونه وسطا بين هذا وذاك. # ثمة نقطة جيدة للدخول في هذا الجدال، ربما تتمثل في توضيح ما لم يكنه إحساس هيرودوت ~~بالآلهة؛ فالآلهة المتنازعة المتضاربة المصورة بصفات بشرية التي نراها مثلا في الإلياذة، ~~حيث تجرح أفروديت في رسغها وتذهب إلى زيوس باكية من هذه الإصابة، غائبة تماما عن «تاريخ ~~هيرودوت». ولتتأمل الطاعون الذي يصيب الإغريق في مستهل القصيدة؛ فعندما يرفض القائد ~~العام للإغريق قبول فدية مقابل سبية حرب تصادف أن كان أبوها كاهن أبولو، يذهب الكاهن ~~إلى أبولو ويطلب منه معاقبة الإغريق، فيوافق الرب: # فحث الخطى من أعالي الأولمب وقد تمكن الغضب من قلبه. # نزل حاملا قوسه وكنانته وسهامه تصلصل على كتفيه ... # كان مجيئه كالليل، ثم قعد الإله، # بعيدا عن السفن ورمى سهما. # فأحدث القوس الفضي رنينا مدويا. انقض على البغال أولا، # والكلاب السريعة، ثم الرجال ... # فتأججت كثيفة نيران محارق الموتى. # إن لدى الرب قلبا وكتفين وقوسا وكنانة وسهاما! وهو يقعد! هذا الإله ~~الهوميري بعيد كل البعد عما نجده في عمل هيرودوت. # في الحقيقة، نادرا ما يصرح هيرودوت بإيمانه بإله معين من آلهة الأولمب، وهو أكثر ميلا ~~بكثير إلى الحديث عن «الآلهة» كقوة هادية في الشئون الإنسانية منه إلى تحليل أهم المشاركين ~~في الحروب الفارسية باعتبارهم يقاتلون على تضاريس أرضية، فيما تخطط آلهة الأولمب المشاكسون ~~في السماء لقتلهم على سبيل الرياضة. فما نجده في «تاريخ هيرودوت» ككل هو ms71 قوة متسامية غير ~~شبيهة بالبشر تمارس عملها. نعم، كثيرا ما يذكر «الإله»، لكن دون تحديد أي إله بوجه عام، ~~كما يتحدث هيرودوت أيضا عن المصادفة الإلهية وعن التنبؤ وعن العناية الإلهية. ولم يكن ~~هيرودوت منقطع النظير في توجهه، فأسلوبه في تناول «تلك القوة الموجودة هناك» يذكرنا ~~بزعم زينوفان أن «هناك إلها واحدا، فوق الآلهة وأعظم الرجال، ولا يشبه البشر بأي حال، ~~جسدا وعقلا.» # إذن، ما مجال الإله المتسامي في «تاريخ هيرودوت»؟ بادئ ذي بدء، يكاد الإله (لكن ليس ~~بالكلية) يعمل كقوة من قوى الطبيعة للحفاظ على التوازن. فلماذا توجد أسد قليلة لكن توجد ~~فيما يبدو أرانب لا حصر لها؟ إن هيرودوت لديه إجابة: بصيرة الإله في حكمته جعلت المخلوقات ~~الوديعة واللذيذة كثيرة النسل، بحيث لا يفنى نوعها نتيجة افتراس أفراده، في حين أن ~~الحيوانات الوحشية الضارية تنتج ذرية قليلة. فالأرانب البرية على سبيل المثال هي الحيوانات ~~الوحيدة التي يمكنها أن تحبل ثانية وهي حبلى، بحيث تحمل الأنثى الواحدة في رحمها أجنة في ~~مراحل متفاوتة من النمو، بعضها أملس، وبعضها مكسو بالفراء، وبعضها في طور التكوين (غير ~~صحيح، ف «الحمل على الحمل» يمكن في الحقيقة أن يحدث لدى الأرانب، لكن المواليد تصل في مرحلة ~~النمو ذاتها). من ناحية أخرى، لا تلد اللبؤة إلا شبلا واحدا في العمر؛ لأن براثن الشبل ~~الحادة تدمر الرحم أثناء تحرك الجنين قبل مولده (مرة أخرى أقول كلا، وهذا أيضا منطق ~~مغلوط؛ فوفقا لهذا الاستنتاج كانت الأسود ستنقرض قبل زمان هيرودوت بفترة طويلة!) هذا النوع ~~من التوازن يظهر أيضا فيما يتعلق بمعارك الحروب الفارسية ذاتها، حيث يستحضر هيرودوت الإله ~~بصفته مصدر عاصفة تهب قبالة جزيرة وابية، وتدفع عددا كبيرا من سفن الفرس إلى الارتطام ~~بالساحل الصخري في الظلام. وهو يقول إن هذا من «فعل الإله» لتقليص ميزة الفرس العددية في ~~البحر، وموازنة التفاوت الهائل بين أعداد الإغريق والفرس. ليس من الواضح أن إلها إغريقيا ~~معينا مقصود هنا، ويبدو أن الهدف من وراء عدم تعيين إله هو الوصول ms72 إلى «معركة عادلة». ~~وهكذا يحض ملتيادس الأثينيين على الهجوم دون إبطاء في سهل ماراثون، فيقول: «يمكننا الفوز في ~~هذه المعركة إذا كانت الآلهة منصفة.» (والمعنى حرفيا: «إذا وزعت الآلهة الأشياء ~~بالتساوي».) # يتحرك الإله أيضا لعقاب العجرفة والشطط. فهيرودوت يبدي سروره دون مواربة بتسجيل ~~النهاية البشعة للملكة الإغريقية فرتيما التي جلبت غضب «الآلهة» (دون تسمية) بنسبها لنفسها ~~انتقاما لا يجوز إلا للآلهة؛ فعندما قتل ابنها أركيسيلاوس، ملك قورينا بشمال أفريقيا، في ~~بلدة برقة، خوزقت فرتيما من اعتبرتهم مسئولين عن الفعلة على مسافات على امتداد أسوار ~~المدينة بكاملها، ولم يكفها هذا العمل الوحشي، إذ أمرت أيضا بتقطيع أثداء زوجاتهم ~~وزينت بها الأسوار. لكن نهايتها لم تكن نهاية سعيدة؛ لأنها ماتت ميتة بشعة بعد ذلك ~~مباشرة، حيث أكلت الديدان جسدها وهي حية، «كما لو أن الغرض أن يبين للناس أن الشطط في ~~الانتقام يجلب سخط الآلهة.» # يمكن أن يحذر الإله من بلاء سيأتي، لكن لا يكون التحذير دائما على نحو يمكن ~~المحذرين من تجنب ما يخبئه لهم القدر؛ فالناس - كما يقول هيرودوت - يتلقون بوجه عام ~~علامة على المصائب التي ستحل، مثل العلامات التي تلقاها شعب خيوس نذيرا بهزيمتهم على ~~أيدي هيستيايوس أثناء التمرد الأيوني؛ إذ من بين 100 شاب أرسلهم الخيوسيون إلى دلفي، لم ~~يعد إلا اثنان، ومات الثمانية والتسعون الآخرون نتيجة وباء. وفي الوقت نفسه تقريبا، ~~وبينما كان 120 صبيا يتعلمون الألفبائية، خر عليهم السقف فقتلهم جميعا إلا واحدا؛ فهذه ~~العلامات التحذيرية كان «الإله» قد أراهم إياها. فالإله يعرف ما يخبئه المستقبل، والبشر ~~ليسوا دائما مسيطرين على أقدارهم. # هناك آلهة معينة تتدخل فعلا عندما يتصل الأمر بمعابدها؛ فبوسيدون يقول عندما انتهك ~~معبده: ستحل نقمتي. ويكتب هيرودوت قائلا إنه بينما كان الفرس يحاصرون بوتيديا في شمالي ~~اليونان، أغراهم جزر منخفض على غير العادة بالخوض في المياه، وقبل بلوغهم منتصف الطريق ~~أثناء عبورهم: # باغتهم المد الذي تلا ذلك، والذي كان مرتفعا على غير العادة، وفي الحقيقة كان - ~~وفقا لشهود العيان - أعلى من ذي قبل، ms73 على الرغم من أن ارتفاع المد ليس بمستغرب ~~هناك. فغرق من لا يستطيعون العوم، ومن يستطيعون العوم قتلهم البوتيديون الذين ~~لاحقوهم في قوارب. ويعزو البوتيديون هذا المد بالغ الارتفاع والكارثة التي حلت ~~بالفرس إلى حقيقة أن الرجال الذين ماتوا هم أنفسهم الذين دنسوا من قبل معبد ~~بوسيدون وتمثاله المنتصب خارج البلدة مباشرة. # لم يكن البوتيديون وحدهم الذين يعتقدون ذلك؛ إذ يكتب هيرودوت قائلا: «أنا شخصيا أعتقد ~~أن تفسيرهم هو التفسير الصحيح.» # في النهاية، اختزل الانتصار الإغريقي الذي شكل المسار المستقبلي للتاريخ إلى مواجهة ~~بين الأوتوقراطي خشايارشا - وهو رجل منفصل عن الواقع، ظل دائما يرفض النصائح الصائبة ~~واستحال إقناعه - وتيميستوكليس الذي - لكونه ~~مواطنا في ظل ديمقراطية - برع في الإقناع، ودائما ما كان يقدم مشورة صائبة. إذن ألم ~~يعتقد هيرودوت أن الإله لعب دورا في نتيجة الحرب؟ # لعل أفضل طريقة لتناول هذا السؤال هي النظر في نصين، أحدهما من خطاب ألقاه ~~تيميستوكليس على إخوانه الأثينيين، والآخر يتحدث فيه المؤرخ بكلامه. أولا تيميستوكليس: # لسنا نحن الذين اجترحنا هذه المأثرة، بل الآلهة والأبطال الذين ضنوا على ذلك ~~الرجل - الذي هو فوق ذلك خبيث وأثيم - أن يحكم آسيا وأوروبا. # يليه هيرودوت. يقول هيرودوت إنه يجد نفسه مضطرا إلى التعبير عن رأي يعرف أنه لن يحظى ~~بقبول حسن (فيما يبدو بسبب عدم شعبية الإمبراطورية الأثينية في الوقت الذي كان يكتب فيه). ~~لو لم يصمد الأثينيون، لضاعت اليونان، ومن دون الأثينيين، لما تماسكت أي كونفيدرالية ~~إغريقية وتغلبت على خشايارشا. فعلى الرغم من التحصينات الكثيرة التي كان الإسبرطيون قد ~~أقاموها عبر البرزخ، كان حلفاؤهم سيتخلون عنهم، وكانوا سيتركون يموتون وهم يقاتلون. وفي ~~المقابل فإن مشهد بقية اليونان وهم يسلمون لخشايارشا ربما كان سيدفعهم إلى التصالح مع ~~الفرس. وبعد استمراره على هذا النحو طوال فقرة تقريبا، يختتم قائلا: # سيكون المرء يقينا على صواب في قوله إن الأثينيين أنقذوا اليونان ... إن الأثينيين ~~هم - من بعد الآلهة - الذين دحروا ملك فارس. # يسعى تيميستوكليس إلى التزلف إلى الأثينيين بمظاهر التقى، مصورا هزيمة ms74 خشايارشا ~~كعقاب إلهي على الشطط في العجرفة، وعازيا الانتصارات الإغريقية لا إلى الآلهة فحسب، بل إلى ~~أنصاف الآلهة التي عبدها الإغريق أيضا، وهم الذين يسمون «الأبطال». على النقيض من ذلك، ~~يدفن هيرودوت إشارته التي تكاد تكون عفوية إلى الآلهة في تحليل موضوعي مفصل للحملة. وفي ~~النهاية، يبدي الأثينيون بطولة في ماراثون، ويبدي الإسبرطيون بطولة في ثيرموبيلاي، وتتغلب ~~استراتيجيات تيميستوكليس في سلاميس ، ويضع مجهود شامل في بلاتايا وميكالي نهاية للطموحات ~~الفارسية أخيرا وإلى الأبد. ولا شك أن الآلهة حاضرة في «تاريخ هيرودوت»، لكن البعد ~~البشري هو الذي يوليه هيرودوت الصدارة. # ومع ذلك، فقد عاش هيرودوت في زمن اضطراب فكري هائل في اليونان؛ زمن تراوح فيه الاعتقاد ~~الديني بين التقوى المطلقة والشكوكية الهازئة، وقد أخذ على عاتقه رسالة إنشاء تاريخ فكري ~~لزمنه يتضمن الحكايات التي كانت سمة لمختلف الثقافات محل الدراسة؛ إذ يقول إن الخطة العامة ~~لعمله هي «تسجيل تقاليد مختلف الشعوب كما حكيت لي»، مضيفا أنه على الرغم من التزامه ~~بتسجيل ما سمع، فإنه يقينا ليس مضطرا لتصديقه. ومن ثم، فلو لم يأت على ذكر ~~التجليات الدينية كما رواها «شهود عيان» لكان ذلك مستغربا. فالعداء فيديبيدس، الذي أرسله ~~الأثينيون الموجودون في ماراثون إلى إسبرطة، روى أنه رأى بان - إله الغابات - الذي شكى له ~~إهمال الأثينيين إياه. وبعد الحرب، وتصديقا منهم قصة فيديبيدس، أقام الأثينيون للإله ~~معبدا، وأقاموا سباقات سنوية وأضحيات إكراما له (وفي مرحلة لاحقة في التاريخ الإغريقي، ~~حرص الجنود على وجه الخصوص على عبادة بان؛ إذ كان يعتقد أنه يلقي رعبا مفاجئا في قلوب ~~الجيوش، ومنه اشتقت كلمة # panic # الإنجليزية وتعني ~~«الرعب»). وقيل إن جندي قوات مشاة ثقيلة خياليا عملاقا، له لحية مخيمة على درعه، مر ~~بالجندي الإغريقي بيزيلون أثناء المعركة ذاتها وأصابه بالعمى مدى الحياة. وخلال غزو ~~خشايارشا، عندما أخرج الرعد والصخور المنهارة الفرس من دلفي، روى من نجوا بحياتهم قصة ~~معجزة: # قالوا إنهم رأوا فردي قوات مشاة ثقيلة عملاقين يفوقان أي رجل طولا يطاردانهم ~~ويقتلانهم. ووفقا لسكان دلفي، ms75 كان هذان الشخصان فيلاكوس وأتونوس، وهما بطلان ~~محليان لكل منهما مزار مقدس بالقرب من المعبد. # فهل نخلص إذن إلى أن هيرودوت يضمن هذه الحكايات لا لشيء إلا ليعطي القارئ حسا بتجربة ~~المعركة، بذهنية الجندي الإغريقي؟ ليس بهذه السرعة؛ لأن الحقيقة هي أنه يروي على لسانه ~~المادة التي تكتنف حكاية الناجين، ويقول إن أسلحة الإله المقدسة انتقلت بشكل يتعذر تفسيره ~~من مكانها المعتاد داخل المعبد، وعندما بلغ الإغريق معبد أثينا بروناي (أثينا أمام المعبد): # حدثت لهم معجزات أعظم حتى من التي قصصتها حالا؛ شيء معجز تماما أن تنتقل ~~الأسلحة الحربية من تلقاء نفسها، فترى على الأرض خارج المعبد، لكن ما حدث بعد ذلك ~~هو يقينا أحد أكثر الأشياء التي عرفتها على الإطلاق إثارة للدهشة. فبمجرد وصول ~~الفرس إلى معبد أثينا بروناي، نزلت عليهم الصواعق من السماء، وانفلق جلمودا صخر ~~عظيمان عن برناسوس وسقطا بينهم، وتهشما محدثين جلبة هائلة، فقتلا عددا ~~كبيرا، فيما سمعت في الوقت نفسه صيحة قتال من داخل المعبد ... وكانت الصخور التي ~~سقطت من برناسوس لا تزال هناك في زمني. # في حين أن هيرودوت لا يعزو هذه الأحداث المذهلة صراحة إلى إله معين - مثل أبولو (بفضل ~~دلفي) أو أثينا (بفضل المعبد) - نترك على الرغم من ذلك ولدينا انطباع عن رجل يخشى الإله، ~~ويجدر بنا أن نتجنب حصره تماما في المعسكر الشكوكي دون أي فرصة للفكاك. # | هوامش # الفصل السابع # | هيرودوت القاص # ترعرع هيرودوت في عالم من القصص، وكانت كبراها، تلك التي تأهلت في زمانه لتكون «أعظم ~~قصة رويت على الإطلاق»، هي قصة «حرب طروادة» وما تلاها، والتي حكتها لنا الإلياذة ~~والأوديسة فضلا عن قصائد أخرى لم تبق لتصل إلينا. لكن حتى الملحمتان الهوميريتان كانتا ~~مؤلفتين من وحدات كوصف درع أخيل في الإلياذة أو واقعة الصقلوب في الأوديسة. وقد أخذ هيرودوت ~~على عاتقه مهمة أن يحكي لنا «ثاني أعظم قصة رويت على الإطلاق»، وكانت هي أيضا مكونة من ~~وحدات أصغر حجما، أو حكايات قائمة بذاتها كان لها ذات يوم كيانها الخاص، ms76 لكن ليس بالضرورة ~~على الهيئة التي تظهر عليها ما إن طوعها هيرودوت لتخدم هدفه وتناسب سياقه، وبعض هذه القصص ~~هو في الواقع استطرادات؛ إذ يقول هيرودوت إن سرده سعى دائما إلى مادة تكميلية. ويكتب مايكل ~~أونداتجي، معلقا على هذه العبارة في «المريض الإنجليزي»، قائلا إن ما نجده في عمل ~~هيرودوت هو «أزقة مسدودة في خضم التاريخ». لكن معظمها، بشكل أو بآخر، عوالم مصغرة ~~من «تاريخ هيرودوت» ككل، ويقدم معالم ترشدنا إلى كيفية قراءة النص الأكبر. فهذه الحكايات، ~~التي تبطئ وتيرة رحلتنا، تمكننا من التوقف والتركيز على أحد أركان عالم هيرودوت قبل ~~استئناف مسيرتنا إلى الأمام بفهم أوضح للصورة الكبيرة، والكيفية التي نتعامل بها مع سرد ~~هيرودوت إياها. # يبذل هيرودوت جهدا لاستخدام حكاياته الكثيرة لتوضيح الموضوعات العديدة التي يعدها ~~مهمة، في الأحداث الإنسانية وفي تمحيصها على السواء؛ لأنه لا يطرح نظرية شاملة للتاريخ؛ ~~فوجود العجائب في العالم - ذلك الوجود المثير للرهبة لكن المشتمل على تحديات - وصعوبة ~~الحصول على معرفة معينة ونشرها، واستخدام الأدلة المادية في إعادة تشكيل الماضي، والعلاقة ~~المحورية المتمثلة في التوازن والتبادلية والانتقام، وانقلاب الحظ، هي فقط بعض الموضوعات ~~التي تظهر في الحكايات الهيرودوتية. # إن قصة أريون، التي تظهر في موضع مبكر في النص، لم تكن ضرورية بأية حال بالنسبة لما يمكن ~~أن نسميها «حبكة» كتاب هيرودوت، وينبغي أن ينظر إليها بالأحرى كتصوير للكيفية التي يمكن ~~بها قراءة نص هيرودوت؛ فبعد رحيل الشاعر والمغني أريون عن بلاط بيرياندر في كورنثة، حيث كان ~~يعيش، كسب مبلغا عظيما من المال في إيطاليا وصقلية، ولما أراد العودة إلى الديار في ~~كورنثة، استأجر طاقما من البحارة الكورنثيين، فقرروا إلقاءه في عرض البحر والاستيلاء على ~~أمواله لأنفسهم، فعرض عليهم أريون أخذ المال مقابل حياته، لكنهم رفضوا عرضه (بالتالي أظهروا ~~أنهم لا يوجد لديهم حس بالتوازن والتبادلية على الإطلاق)، وخيروه - على نحو أشبه نوعا ما ~~بمخاطبة زوجة كاندوليس جيجس البائس - بين شيئين ليسا من الخيار في شيء، إذ خيروه بين ~~الانتحار إن أراد أن يدفن ms77 في البر، أو القفز من على متن القارب في البحر. عندئذ استأذنهم ~~أريون أن يغني أغنية على ظهر السفينة مرتديا ملابسه الرسمية الكاملة، واعدا إياهم ~~بالانتحار بعد ذلك مباشرة: # انسحب البحارة كافة من الكوثل وتجمعوا في منتصف السفينة سرورا بفرصة سماعهم ~~أغنية من أشهر مغن في العالم، وارتدى أريون ملابسه الرسمية كاملة، وحمل قيثارته، ~~وعزف وغنى - واقفا على مؤخرة سطح ~~السفينة - «أغنية الفالسيتو»، ثم قفز في البحر كما هو بملابسه وكل شيء. # وعلى نحو غير متوقع بالمرة، يظهر دلفين ويحمل أريون على ظهره إلى اليابسة، ثم يمضي ~~المغني في طريقه إلى بلاط بيرياندر وهو ما زال مرتديا ملابس الغناء، التي كما نتخيل ~~مبللة وثقيلة. يبدي بيرياندر - وهذا مفهوم - تشككا في حكاية أريون عن «المدد الغيبي ~~الذي أتاه في صورة دلفين»، فيبقي أريون تحت الحراسة ريثما يظهر البحارة الكورنثيون، ~~الذين يصرون لدى استجوابهم على أنهم تركوا أريون سليما معافى في جنوب إيطاليا، لكن أريون - ~~الذي يظهر أمامهم فجأة وما زال (من جديد) مرتديا ملابس الغناء - يدحض أقوالهم فورا، ~~فينكشف كذب البحارة ولا يجديهم المزيد من الإنكار. يقول هيرودوت إن هذه هي القصة كما ~~يرويها الكورنثيون وأهل جزيرة ليسبوس، ويضيف، كدليل آخر، وجود تمثال برونزي صغير في زمانه ~~لرجل على دلفين في المكان ذاته الذي رسا فيه أريون على الساحل، ويقال إنه هبة من المغني ~~نفسه. # يمكن للمرء التنويه إلى عدد من العناصر الكثيرة الفاعلة في هذه القصة: استخدام ملابس ~~أريون، التي تكون جافة ومبللة بالتناوب، وأحيانا بكل تأكيد غير مريحة بالمرة، لكنها ~~موجودة دائما لإضافة مكون بصري قوي بل وملموس إلى الحكاية، واستخدام شيء مدرك بالحواس ~~كتأكيد لحكاية من التراث المسموع، وعنصر العجائب، وعنصر رباطة الجأش في مواجهة الموت، وعنصر ~~الاستفسار المتشكك. إن حظ أريون الطيب في الحقيقة عجيبة من العجائب، وكان للعجائب أهمية ~~بالغة عند هيرودوت؛ فأول جملة تتحدث عن خطة المؤلف في «تاريخ هيرودوت» أعلنت عن نيته تمجيد ~~ذكرى الأعمال والأفعال والأشياء العظيمة والعجيبة على السواء، التي اجترحها الإغريق ms78 وغير ~~الإغريق على السواء، وهو يصف ما حدث لأريون كعجيبة عظيمة حدثت في عهد بيرياندر. وتكثر ~~العجائب في «تاريخ هيرودوت»؛ إذ يرى أن من العجائب أن أرتميسيا، وهي امرأة، تولت قيادة ~~سفينة في الحرب، ويعزو معالجته التي فاق حجمها المألوف لمصر إلى العدد الكبير على غير ~~العادة من العجائب الموجودة هناك، بداية من النهر الذي يتدفق عكس الاتجاه إلى الأعاجيب ~~المعمارية غير العادية. ومدينة بابل بأكملها عجيبة من العجائب، ومثلها القوارب القابلة ~~للطي التي تجوب الفرات. # علاوة على ذلك، فإن أداء أريون الغنائي، متبوعا بقفزه بملابسه الكاملة، عمل ينم عن ~~رباطة جأش غير عادية في ظل تلك الظروف. ولو أنه كان ينتوي السباحة إلى الساحل، لتخلص ~~بالتأكيد من ملابسه المنمقة، كما يستبق سلوكه أفعالا عجيبة بالقدر نفسه في مواجهة الموت، ~~ومن ذلك على سبيل المثال تمشيط الإسبرطيين شعورهم قبل مواجهة الفرس في ثيرموبيلاي، ولم يظهر ~~لهؤلاء حيوان ذلول، ولا هيلوكوبتر. # يبدو أن ساردنا يقول، وفي مرحلة مبكرة جدا من سرده: انظروا، العالم مليء بالعجائب، وسوف ~~أقدمها لكم. ربما تتوقف قليلا لتبدي إعجابك ببطولة فنان عظيم، ربما تؤثر أيضا - إذا ~~شئت - أن ترفض الحكاية بأكملها باعتبارها ببساطة غير معقولة، لكنك ستفعل ذلك على مسئوليتك. ~~ثم هناك أيضا تشكك بيرياندر، أهو حذر متعقل أم فرط ارتياب؟ في النهاية، يثبت صدق أريون، ~~ويثبت أن شكوك بيرياندر في غير محلها، غير أن التحفظ في الحكم عنصر أساسي في مشروع هيرودوت؛ ~~فهيرودوت أيضا يظل متشككا في غياب الأدلة، ومن خلال هذه الحكاية المشكوك فيها ينصحنا ~~بأن نحذو حذوه، بل إننا أحرار في قراءة «تاريخ هيرودوت» ذاته بتشكك، وأن نجري مع السارد ~~الحوار نفسه الذي يجريه السارد مع مصادره. # مثلما يشبه كفاح بيرياندر للحصول على معلومات معينة عن قصة أريون المشكوك فيها المهمة ~~المنوطة بنا لتقييم الأدلة، تبرز الحكايات الأخرى الصعوبة التي يجدها المرء في نقل ما ~~لديه من معلومات، وهو تحد آخر في مشروع المؤرخ. يشتمل «تاريخ هيرودوت» - وهو ذاته نص يضم ~~رسائل مشفرة كثيرة ms79 - على قصص عديدة تحمل رسائل تمر، إذا جاز التعبير، دون أن يلتقطها ~~الرادار؛ إذ أقدم هيستيايوس - رغبة منه في إيصال رسالة هدامة إلى أرستاجوراس مع علمه أن ~~الطرق خاضعة للحراسة - على حلق رأس أحد عبيده، وكتب الرسالة بالوشم على فروته وانتظر حتى ~~نما الشعر من جديد، ثم أرسل العبد إلى أرستاجوراس وأعطاه تعليمات لإيصالها لأرستاجوراس كي ~~يحلق رأسه، وعندما فعل أرستاجوراس ذلك ، وجد رسالة تحرضه على التمرد على الإمبراطورية ~~الفارسية. ولإثناء الإسبرطيين عن استعادة هيبياس كطاغية لأثينا، يروي سوسيكليس الكورنثي ~~قصة طويلة عن حكم الطغاة (القصة التي اشتملت على نادرة لابدا وصومعة القمح). وتشتمل حكاية ~~سوسيكليس على النادرة البارزة التالية عن بيرياندر الكورنثي ومعاصره ثراسيبولوس، طاغية ~~ملطية؛ فبعد فترة وجيزة من خلافته أبيه كطاغية كورنثة في القرن السادس، أرسل بيرياندر ~~رسولا إلى ثراسيبولوس طالبا منه النصح بشأن الحكم، لم يقل ثراسيبولوس شيئا، بل تمشى عبر ~~حقل قمح مع الرجل، قاطعا باستمرار كل سنابل القمح الأطول والأجود وملقيا إياها بعيدا. ~~ألغز الأمر على الرسول، الذي أكد لبيرياندر لدى عودته إلى كورنثة أن ثراسيبولوس مجنون، ~~لكن عندما سمع بيرياندر ما فعله ثراسيبولوس، أدرك أن ثراسيبولوس يوصيه بأن يقتل كل من ~~يفوق الباقين في كورنثة، وكانت هذه هي بالضبط الاستراتيجية التي تبناها. وإلى هذا يمكن أن ~~نضيف حالة الفارسي أرتاباتزوس والخائن الإغريقي تيموكسينوس، اللذين كانا يتواصلان بلف رسائل ~~قصيرة على السهام، ثم تغطيتها بالريش، وإطلاقها على مكان محدد سلفا، وهي الخطة التي فشلت ~~عندما أصابت إحدى رميات أرتاباتزوس إغريقيا في كتفه، والتف الجميع حوله للمساعدة على ~~إخراج السهم ... # لم يكن هيرودوت يهوى حكي القصص فحسب، بل حكي القصص المزدانة بصيغ التفضيل؛ إذ يستمتع ~~كثيرا بتسجيل شيء كان «أعظم شيء حدث»، أو على الأقل «أعظم شيء على ما بلغنا»، ومن هنا كانت ~~النكهة الواضحة التي صاحبت قصة هرموتمس وبانيونيوس البشعة، وهي قصة توضح أيضا أحد ~~المبادئ الأساسية التي يراها هيرودوت فاعلة في الكون، حيث يخبرنا (برضا واضح) أن هرموتمس هو ~~الوحيد ممن نعرفهم الذي ms80 انتقم أعظم انتقام لجرم ارتكب في حقه. كان هرموتمس قد بيع ~~كأسير حرب لرجل يدعى بانيونيوس، الذي يقول هيرودوت إنه «كان يكسب عيشه بآثم طريقة ~~ممكنة»، ألا وهي خصاء الصبيان جميلي الهيئة وبيعهم (يستخدم هيرودوت على لسان تيميستوكليس ~~الكلمة ذاتها، وهي آثم، لوصف محاولة خشايارشا الشريرة حكم كل من آسيا وأوروبا). وكان ~~هرموتمس من ضحايا بانيونيوس، لكن الأمور لم تسؤ معه كما ساءت مع بعض الآخرين؛ حيث انتهى به ~~الحال ليكون الخصي المقرب لدى خشايارشا، وبعد مرور سنوات عديدة، تصادف أن التقى هرموتمس ~~بانيونيوس، وبعد أن شكره على النعم الكثيرة التي حلت عليه نتيجة خصائه، حثه على ~~الانتقال مع أسرته بأكملها للعيش قريبا منه. الغريب أن هذه الخدعة تنطلي على بانيونيوس ~~(وبالتأكيد لم تكن القصة ستفلح لولا ذلك)، وبمجرد وقوعه في قبضته، يندد به هرموتمس ~~وبأفعاله الشنيعة ويجبره على خصاء أبنائه، ثم يجبر أبناءه على خصائه، ويختتم هيرودوت ~~قائلا: «وهكذا وقع بانيونيوس في براثن هرموتمس وحل عليه انتقامه.» # خضع الملك الإسبرطي كليومينس أيضا للقصاص؛ إذ أصيب بالجنون كما يقول هيرودوت، فربطه ~~أقاربه في عمود التشهير، فهدد حارسه حتى أعطاه سكينا أخذ يمزق بها جسمه، بادئا بمقدمة ~~الساقين وصاعدا إلى الفخذين والوركين، ثم مات في النهاية عندما بدأ يقطع بطنه شرائح. كانت ~~هناك نظريات عديدة متداولة حول ماهية الخطيئة التي اقترفها بالضبط وتسببت في سقوطه. ويقول ~~هيرودوت إن رأيه الشخصي أن كليومينس حل به ما حل لأنه رشا كاهنة دلفي لمساعدته على ~~إطاحة منافسه الملك ديماراتوس (الرجل ذاته الذي عمل فيما بعد مستشارا لخشايارشا). كما تدين ~~تدان. # إن الكلمة التي يستخدمها هيرودوت لوصف ~~العقاب الذي حل على كليومينس وبانيونيوس هي # tisis ~~«وتعني ~~القصاص»، وهي مفهوم إغريقي أساسي يركز على الحفاظ على التوازن في العالم. وكما يقول ~~أناكسيماندر الذي كان من فلاسفة ما قبل سقراط: «كل شيء ينال قصاصه على مر الزمن.» ويبين ~~لنا «تاريخ هيرودوت» كيف يشتمل القصاص على ما يريده خشايارشا من الأثينيين (أولا دفع ثمن ~~هزيمة أبيه في ماراثون ms81 ثم عقابهم على خسائر الفرس في أرتميسيوم)، وأيضا على الطريقة التي ~~يحفظ بها التوازن في عالم الحيوان، وهكذا يظل عدد أفراد الأفاعي منخفضا؛ لأن الأنثى تلدغ ~~رقبة الذكر لحظة القذف فتقتله، لكن الصغير الذي ينتج عن هذا اللقاء الجنسي يقتص من الأم، ~~فيأكل رحمها كي يخرج منه. إن مفهوم القصاص عند هيرودوت أكثر تعقيدا بكثير منه عند ~~خشايارشا؛ فبالنسبة لهيرودوت، يمتد القصاص التعويضي إلى الحفاظ على توازن الطبيعة، مقللا ~~عدد الضواري ومكثرا عدد الفرائس (الأرانب والطيور ونحن). # إن انشغالا مماثلا بالتوازن هو الذي يثير حماس هيرودوت لمزاد الزواج البابلي، ويجره ~~إلى التنويه إلى أنه على الرغم من أن اليونان هي صاحبة المناخ الأفضل وبفارق كبير، فإن ~~الأصقاع القصوى من العالم تتمتع بالأندر والأحب، وفي بعض الحالات الأكبر (لاحظ من جديد صيغ ~~أفعل التفضيل)؛ فالحيوانات الشرسة الضخمة توجد على الأرجح عند أطراف الأرض، والذهب يوجد ~~بكميات عظيمة في كل من الهند شرقا وإثيوبيا جنوبا، وتتميز شبه الجزيرة العربية بغناها ~~بالبهارات لدرجة أن البلد بأكمله أشبه بفردوس لتنشق الروائح. لكن اليونان، مركز عالم ~~هيرودوت حرفيا ومجازيا، هي صاحبة المناخ الأفضل، وهي مكان يمكن أن يعيش فيه المرء ~~فعلا، وهي النقطة المرجعية للعالم بمعناه الأوسع. # إن الإخلال بالتوازن هو الذي يطلق - أكثر من أي شيء آخر في سرد هيرودوت - سلسلة الأحداث ~~التي نسميها التاريخ، وغالبا ما يتخذ هذا الإخلال هيئة تجاوزات من نوع أو آخر؛ ~~فكاندوليس ينتهك الناموس أولا بافتتانه بزوجته، وهذه عاطفة مخلة بالنظام بالنسبة لملك حتى ~~في إطار آصرة الزواج، وثانيا بإطلاعه جيجس على زوجته العارية، وينتهك جيجس الناموس ~~بمشاهدته الملكة وبقتله الملك، ويتوق كرويسوس، سليل جيجس، إلى ما هو أكثر من نصيبه المخصص ~~له، فيعبر نهر هاليس ليقاتل قوروش، فيخسر إمبراطوريته، ويتجاوز قوروش بدوره المدى، وهو في ~~أوج انتصاراته الكثيرة واعتقادا منه أنه لا يقهر، بعبوره نهر أراكس لقتال الماساجيتاي ~~الشرسين فيقتل على يد الملكة تومايريس. ويضحك خشايارشا ساخرا من النواميس (الإغريقية) ~~الغريبة، ويرغب في انتهاك التنوع الطبيعي للثقافات، ويضع ms82 خطة يوسع هو وجيشه بموجبها رقعة ~~الإمبراطورية الفارسية لتغطي العالم كله، وتكون حدودها سماء زيوس نفسه، «بحيث لا تطل الشمس ~~على أرض خارج حدودنا.» ويقول ل «مستشاريه» (الذين لا يبدي إلا اهتماما ضئيلا بمشورتهم): ~~بمساعدتكم «سأجتاز أوروبا من طرفها إلى طرفها وأجعل البلاد كلها بلدا واحدا.» وهذا تجاوز ~~من الدرجة الأولى بالنسبة لهيرودوت، الذي يجل أشد الإجلال التنوع اللانهائي للعالم متعدد ~~الثقافات الذي يرغب خشايارشا في تسويته وتوحيده، لدرجة أنه كرس قسما كبيرا من كتابه ~~للإثنوجرافيا. إن هيرودوت، الذي سعى إلى تحطيم جدار سوء الفهم الذي أدى بالإغريق إلى نبذ ~~النواميس الأجنبية باعتبارها متدنية، والذي استحدث جنسا أدبيا هجينا جمع بين التحليل ~~السياسي الموضوعي والحكايات الشعبية، وقف على الرغم من ذلك صامدا في مواجهة تجاوز أنواع ~~معينة من الحدود؛ وأعني الحدود التي مكنت مختلف العرقيات من الاستمرار داخل نطاق ~~نواميسها الخاصة بها، واستنكرت أفعالا مثل طعن أبيس أو إقامة جسر على الهلسبونت. قارن ~~أولماشي، شخصية أونداتجي، الذي يقع في غرام زوجة رفيق له رسام خرائط وهي تقرأ قصة جيجس ~~بجوار نار مضرمة، فيجد نفسه مضطرا لتجاوز الحدود المتعارف عليها والدخول في علاقة كارثية ~~معها، علاقة ستؤدي في النهاية إلى مقتل أطراف المثلث الثلاثة. يكتب أونداتجي قائلا: إن ~~عشق أولماشي لكاثرين «يرغب في تدمير كل القواعد الاجتماعية، كل آداب المعاشرة»، باختصار كل ~~النواميس. # بما أن أعظم محاولة للإخلال بالتوازن في عالم «تاريخ هيرودوت» هي العدوان الفارسي، فليس ~~بمستغرب أن هيرودوت يشتمل حكايات عديدة حول موضوع المستضعفين الذين أنقذهم مكرهم من القهر ~~على أيدي من هم أقوى منهم. ويهوى هيرودوت بشدة أن يحكي كيف أحبط الفوكيسيون غارة شنها ~~الثساليون؛ إذ إنهم استباقا لهجوم فرسان الثساليين المعروف عنهم بث الرعب في القلوب، ~~حفروا خندقا عميقا ووضعوا فيه قدورا كبيرة فارغة وغطوها بطبقة رقيقة من التراب وسووا ~~السطح، وعندما عدا الثساليون الواثقون بخيلهم شانين هجومهم، تعثرت خيلهم في القدور ~~وانكسرت أرجلها. وثمة عمل مماثل ينم عن سعة الحيلة مكن الملكة البابلية نيتوكريس من ~~الحيلولة ms83 دون دخول الميديين المعادين مدينتها، حيث حولت مسار الفرات بحيث صار النهر - ~~الذي كان من قبل مستقيما - شديد التعرج ويمر في واقع الأمر بقرية واحدة ثلاث مرات منفصلة ~~في ثلاثة أيام مختلفة، ونجحت صعوبة الرحلة الناجمة عن ذلك في الإثناء عن محاولات الملاحة في ~~المجرى المائي المتعرج. # غير أن براعة الفوكيسيين ونيتوكريس لا تساوي شيئا بجانب البراعة التي تجسدها الحكاية ~~المعقدة التي تدور حول الحاكم المصري رامبسينيتوس واللص الذكي؛ فقد حكت لهيرودوت مصادره ~~المصرية أن رامبسينيتوس أمر ببناء غرفة من الحجارة ليحفظ فيها كنزه العظيم، لكن جهوده ~~حققت نتيجة متناقضة؛ إذ وضع الرجل الذي استعان به لبناء الغرفة حجرا بطريقة تسهل على ~~ابنيه خلعه بعد موته، وعندما مات البناء، فعل الابنان بالضبط ما أمرهما به أبوهما، ~~وهكذا اختلسا كنز الملك شيئا فشيئا ونقلاه إلى حوزتهما، ولما رأى الملك كنزه يتناقص، نصب ~~فخا وأوقع في الحقيقة أحد الشقيقين، فقال الشقيق الذي وقع في الفخ لشقيقه: اقطع رأسي حتى ~~لا يقضى عليك أنت أيضا إذا تعرفوا علي! وقد فعل الشقيق ما اقترحه عليه شقيقه. # بعد أن هزم الملك من جديد، علق الجثة مقطوعة الرأس على جدار وأمر الحراس بضبط أي ~~شخص يرونه يبكي بالقرب منها، فجعت أم الشابين - ويحق لها - فأمرت الذي نجا منهما بأن ~~يستعيد الجثة، وقد فعل، وذلك بأن تظاهر بأنه يسكب بعض الخمر بالقرب من الموقع، فلعق ~~الحراس الخمر بينما تظاهر هو بالغضب عليهم، فحاول الحراس تهدئته، وبمرور الوقت كانوا ~~جميعا يحتسون الخمر معا في مرح، وأخيرا فقد الحراس الوعي فتمكن اللص من فك الجثة ~~وإعادتها إلى أمه. # لم ننته بعد؛ إذ تقول القصة - كما يروي هيرودوت وإن كان يؤكد لنا أنه لا يصدقها - ~~إن رامبسينيتوس جعل ابنته تمارس البغاء على أن تستفسر من كل واحد من زبائنها عن أذكى حيلة ~~احتال بها وأعظم جريمة ارتكبها، وها نحن أمام مجموعة أخرى من أفعل التفضيل (يوجد قدر كبير ~~من الاستفسار في «تاريخ هيرودوت» حتى في القصص التي من الواضح أنه ms84 لا يجزم بصحتها). وجاء ~~لصنا لزيارة المرأة الشابة ومعه ذراع كان قد قطعها من جثة رجل مات حديثا، وعندما طرحت عليه ~~الأسئلة المعتادة، تباهى بقطع رأس شقيقه بعدما علق في فخ الملك المنصوب في الخزانة واستعاد ~~جثة شقيقه بإسكار الحراس، وعندما حاولت الأميرة القبض عليه، أعطاها ذراع الرجل الميت ~~بدلا من ذراعه ولاذ بالفرار؛ فأعجب رامبسينيتوس بعبقرية اللص أشد الإعجاب لدرجة أنه اقتفى ~~أثره وزوجه ابنته. # تتواءم هذه الحكاية الشعبية الجذابة مع مواضيع هيرودوت الأكبر على مستويات عديدة، ~~كانتصار الدهاء والشجاعة على السلطة والمكانة، واستعادة التوازن الذي يتأتى بإعادة توزيع ~~الثروة، وانقلاب الحظ. ويذكرنا الملك الذي يعير أهمية كبيرة جدا لثروته بكل من كرويسوس ~~وخشايارشا، لكن التنوع اللانهائي لنص هيرودوت يصبغ القصة بجو من المرح بالتأكيد، بحيث ~~يفرح الجميع في النهاية (طبعا باستثناء الشقيق سيئ الحظ الذي مات، والذي تحثنا الأحداث على ~~إغفاله). إن الدهاء عنصر أساسي بالنسبة لهيرودوت. ولا ننس أن مكر تيميستوكليس بلا شك هو ~~الذي كان محوريا في الانتصار الإغريقي، مما مكن أمة فقيرة ليس لديها إلا قليل من الجنود ~~من هزيمة الإمبراطورية الفارسية الجبارة، وقد تكهن الأكاديميون بأن هيرودوت سعى في ~~تصويره تيميستوكليس إلى تجسيد كل من تألق أثينا الفكري وتحويل عصبة ما بعد الحرب التي ~~كانت تقودها تحويلا مدروسا حتى أصبحت إمبراطورية لها. # الفصل الثامن # | هيرودوت المؤرخ # إلى الآن تحدثنا عن القصص التي أوردها هيرودوت في عمله. لكن كفانا من القصص؛ إلى متى ~~سنتجاهل السؤال الواضح وضوح الشمس: # هل يستحق هيرودوت في واقع الأمر لقب مؤرخ الذي أسبغته عليه بكل سرور؟ # يعلق هيرودوت، في موضعين في سرده، بقوله ~~إنه لا يروي إلا ما قالته له مصادره المتنوعة، وإنه يعتبر نفسه غير ملزم بتصديقه. إن هذا ~~التصرف الحاذق يمكنه من تقديم عمله لا كتاريخ سياسي وعسكري للحروب الفارسية فحسب، بل ~~كتاريخ اجتماعي وفكري للعالم المعروف آنذاك الذي تلعب فيه الحكايات غير المعقولة التي ~~يرويها رواته، بالإضافة إلى المعتقدات الراسخة حول التاريخ المحلي، دورا مشروعا. ويعبر ~~أولماشي ms85 - شخصية أونداتجي - عن بعض من هذا عندما يقول: «نحن تواريخ مشتركة، كتب مشتركة.» ~~وقدم أونداتجي، في مذكراته المعنونة «يسري في العائلة»، اعتذارا مفترضا عن العناصر ~~الروائية الواردة في الكتاب، منوها إلى أن «الكذبة التي تقال بإتقان تساوي ألف حقيقة في ~~سريلانكا.» وأبدى بايرون بعض الملاحظات المثيرة للاهتمام على ما تسمى الأكاذيب في «دون ~~جوان»: # ومع ذلك، فما الكذبة؟ ما هي إلا # الحقيقة متنكرة ، وأنا أتحدى # المؤرخين والأبطال والمحامين والقساوسة ليطرحوا # حقيقة دون تتبيلها بكذبة. # شكل 8-1: يقال إن هذا هو مؤلفنا هيرودوت الهاليكارناسوسي، وإن كنا لا نستطيع ~~الجزم بالشبه؛ لأنه قلما كانت تنحت تماثيل رءوس الإغريق البارزين ~~مطابقة للواقع. # 1 # فهل ينتمي المؤرخون حقا إلى هذه القائمة؟ # يقول أشد نقاد هيرودوت: كلا. ويصرخون قائلين: ألا ترون؟ كل هذه الاستشهادات بالمصادر - ~~«أخبرني الكهنة»، «يقول المقدونيون»، «هذه هي رواية أهل كريت ... لكن الكاريون يختلفون معهم» ~~... إلخ - وهذا الادعاء بشهادات شهود العيان، أليس هذا ما كان سيقوله المرء «لو كان مختلقا ~~الأمر برمته»؟ مؤكدين أن هيرودوت لم يسافر على نطاق واسع، بل اعتمد بالأحرى على روايات ~~الآخرين، وعندما لا يجد هذه الروايات - كما كان الحال عادة - كان يختلقها ببساطة. هذه ~~الادعاءات من أنواع مختلفة؛ إذ يؤكد بعض الأكاديميين أن هيرودوت يكذب بتبجح، محاولا ~~تضليل جمهوره، فيما يجادل آخرون بأنه كان يكتب في إطار لون أدبي خيالي معروف جيدا، وأن ~~معاصريه لم يخطر لهم ببال أننا نحن المحدثين سنخضع حتى الحكايات الفولكلورية المحضة الواردة ~~في «تاريخ هيرودوت» إلى المعيار الإثباتي الذي ~~لم يكن قد تطور بعد. فكيف يمكننا التعامل مع هذه الادعاءات؟ # يقول هيرودوت فعلا إنه سافر على نطاق واسع، ولا تدع أوصافه المفصلة للقرابين ~~المقدمة في دلفي في بر اليونان الرئيس وملطية في أيونيا، إلا مجالا قليلا للشك في أنه ~~رآها رأي العين، لكنه يذكر صراحة أيضا أنه سافر جنوبا حتى جزيرة إلفنتين عند الجندل الأول ~~بنهر النيل، وشمالا حتى منطقة البحر الأسود أثناء استقصائه السكيث، وكذلك إلى صور في ~~فينيقيا. وهو يقينا ms86 يريد منا، على نحو أقل صراحة، أن نصدق أنه زار بابل وقورينا في ~~ليبيا، فهل يمكننا التأكد من أنه سافر فعلا على هذا النطاق الواسع؟ # لو أننا سنكون أمناء تماما مع أنفسنا، فلا بد أن نعترف بأننا لا يمكننا ذلك. ربما حصل ~~هيرودوت في بعض الحالات على معلومات من أحد السكان المحليين ممن رحلوا عن موطنهم، أو زائر ~~سابق، أو نص مكتوب، بدلا من ذهابه شخصيا كما يوحي في بعض الحالات أو يصر في بعضها ~~الآخر. وثمة شذرة من عمل هيكاتايوس تبين أنه كان مصدر وصف هيرودوت البائس لفرس النهر، ~~الذي له شعر في العنق وذيل حصان، فليس هيرودوت وحده الذي لم ير فرس نهر، بل الظاهر أن ~~هيكاتايوس هو الآخر لم يره! ويجب أن نعترف أيضا أن بعضا من الأشياء التي يقولها تستعصي ~~على التصديق، وهناك مثالان يقدمان أنواعا مختلفة من التحديات؛ فكل من المصريين والعرب، ~~حسبما ذكر، يقولون إن أبا منجل يحظى بإجلال كبير في مصر نظرا للخدمة التي يسديها بقتله ~~الثعابين المجنحة التي تطير من شبه الجزيرة العربية، وليس هذا فحسب؛ إذ يروي أنه رأى بنفسه ~~الهياكل العظمية للثعابين الطائرة بأعداد لا تحصى. وهذا مستحيل، لأنه لا توجد الآن ثعابين ~~مجنحة، كما لم تكن موجودة في زمان هيرودوت، فما الذي يحتمل أن يكون قد رآه واشتبه عليه ~~فظنه هياكل عظمية لأفاع مجنحة؟ ليس واضحا، وقد استغل منتقدوه هذا كدليل مادي على تدليسه. ~~ويدعي آخرون أن النص الإغريقي يمكن تأويله بحيث يعني «رفات» لا هياكل عظمية، وأنه ربما ~~كان يعني الجراد، ويظل هناك فريق ثالث يعتبر هذا لغزا لم يحل بعد. ثم هناك حالة ميليس ~~والأسد؛ فهيرودوت يحكي لنا أنه قيل لميليس، وهو أحد ملوك سارديس، إن الأعداء لن يستولوا على ~~المدينة أبدا لو حمل الأسد الذي أنجبته له محظيته ودير به حول أسوارها، لذا يأمر، ~~منصاعا، بحمل الأسد والدوران به حول التحصينات، ما عدا بقعة واحدة اعتبر انحدارها الحاد ~~كافيا للدفاع عنها، وعند هذه البقعة المنحدرة بالضبط ms87 استولى رجال قوروش فيما بعد على ~~المدينة عندما صار كرويسوس ملكا. # أسد ولدته محظية! يا لها من وصفة شائقة للنجاح: «خذ الأسد الذي أنجبته محظيتك و...» هذا ~~يقينا مثار بلبلة! ولعل هذه المقولة العابرة تجعلنا - أكثر من أي نص آخر في «تاريخ ~~هيرودوت» - نريد زيارة هيرودوت في العالم الآخر، وسؤاله عما كان يجول بباله عندما كتب هذه ~~الكلمات، التي رواها على لسانه هو شخصيا من دون أي من عبارات مثل «يقال إن ...» أو «يزعم ~~شعب سارديس». فهل لو فعلنا، سيجيبنا بغمزة من عينه؟ # دعونا نلعب دور محامي الشيطان ونسأل كيف أمكن لهيرودوت أن يعرف أي شيء أصلا عن مادته ~~العلمية، من حيث تعلقها بأزمنة وأمكنة بعيدة عن عالمه؛ فلم يكن يجيد أي لغة غير لغته، وربما ~~كان رواته من السكان المحليين جهلة، (أو عابثين، كأن يقول أحدهم: «لن يخطر ببالك قط ما ~~الحيلة التي انطلت على الرجل الإغريقي اليوم!») والتراث المسموع لا يعول عليه، ولا سيما ~~بعد الجيل الثالث؛ فقدر كبير مما يقول يبدو مشكوكا فيه بالنسبة لنا، فهو يبالغ كثيرا في ~~تقدير حجم جيش خشايارشا، فقوامه في البداية 2317610 رجال، ثم 2641610 بعد انضمام حلفاء إليه ~~في طريقه، وأخيرا مجموعه الكلي 5283220 فردا، بحساب العبيد وأتباع المعسكر وطواقم قوارب ~~الإمدادات وغيرها من المركبات التي انطلقت مع الحملة. وبحساب هيرودوت، بينما كان طليعة ~~الجنود يصلون إلى ثيرموبيلاي، كان أفراد المؤخرة ينطلقون لتوهم من سوسة، لقد شربوا أنهارا ~~حتى جفت وهم في طريقهم، فجيش خشايارشا ليس فقط أكبر شيء في «تاريخ هيرودوت»، بل إنه ~~الشيء الذي يعتبر حجمه السمة المحددة للكتاب بأكمله. وبالنسبة لانقضاضة ماراثون الشهيرة، ~~فإن التجارب التي أجريت في جامعة بنسلفانيا الحكومية بالولايات المتحدة تشير إلى أنه لا ~~يستطيع أحد العدو لمسافة ميل مرتديا درع قوات المشاة الثقيلة. وبخصوص أريون، لماذا اختلق ~~كل من الكورنثيين وأهل ليسبوس القصة ذاتها عن إنقاذ الدلفين له؟ كذلك فإن الأسماء الفارسية ~~لم تكن كلها تنتهي بحرف «س» كما زعم هيرودوت. وتظهر السجلات الهيروغليفية ms88 أنه لم يمت ~~أي عجل أبيس سنة وصول قمبيز إلى ممفيس، ويبدو أن هيرودوت يستخدم عادات السكيث في تبيان ~~التضاد بينهم وبين الإغريق. أفلا نتساءل حينئذ عما إذا كان ما يقوله عنهم صحيحا أم لا؟ ~~فهل يقينا يصعب تصديق ما قاله عن ذلك النمل المنقب عن الذهب في الهند؟ كما لم يشتمل ~~النصب التذكاري الذي كرس في دلفي بعد انتصار بلاتايا على نقش فوق الحامل الثلاثي، كما ~~يقول هيرودوت، بل بالأحرى كان النقش فوق القاعدة، وهو لم يكن يتألف من أفعى لها ثلاثة رءوس، ~~كما جاء في «تاريخ هيرودوت»، بل بالأحرى من ثلاثة ثعابين متضافرة لكل منها رأسه، ومع ذلك ~~يدعي هيرودوت أن لديه دراية كبيرة بالقرابين في دلفي؛ فهل حقا ليس على دراية بها من ~~الأساس؟ وبكل تأكيد، سيكون لنا تحفظات في الحكم على حكاية رامبسينيتوس. # تقع هذه الأشياء التي ظاهرها أكاذيب ضمن فئات عديدة؛ فأعداد قوات خشايارشا المضخمة ربما ~~كانت خطأ بسيطا، فربما خلط هيرودوت بين رقم الألف الفارسي ورقم العشرة آلاف، أو بدلا من ~~ذلك ربما يكون قد بالغ ليجعل انتصار الإغريق أعظم شأنا، لكن من المحتمل أيضا أنه كان ~~يفتقر إلى فهم الأرقام الكبيرة. أما بالنسبة للانقضاضة المزعومة لمسافة ميل من جانب ~~الأثينيين في ماراثون، فمن السهل أن نرى كيف كان يمكن أن يتذكرها الجنود على هذا النحو - ~~فالمهام العسيرة غالبا ما تبدو أكثر حضورا في الذاكرة - بل ومن الأسهل أن نرى كيف أنهم ~~ربما بالغوا على سبيل التباهي في سرد تفاصيل انتصارهم المذهل. وفيما يخص أريون، فقد كان ~~هناك مؤمنون بمن يركبون الدلافين في كل من كورنثة وميثيمنا، وهي مدينة كبيرة في جزيرة ~~ليسبوس، وكذلك في تايناروم، وهي النقطة الواقعة في بيلوبونيز التي قيل إن الدلفين ألقى ~~أريون على برها (وفيما بعد سجلت حالات إنقاذ للقديسين المسيحيين بواسطة الدلافين. ولن ~~أبدي رأيا فيما يتعلق بميل الدلافين التاريخي إلى نقل المسافرين بحرا بطريقة الأوتوستوب). ~~أما انتهاء الأسماء الفارسية كافة بحرف «س» فهو خطأ محض (وغير هام) ms89 مبني على الجهل؛ إذ ~~ظن هيرودوت أن الصيغ الإغريقية من الأسماء هي الصيغ الأصلية. وغزو قمبيز الممقوت لمصر ~~يفسر تماما اختلاق الكهنة المحليين حكاية طعنه عجل أبيس، وهي قصة قابلة للتصديق كلية لم ~~يكن لدى هيرودوت مبرر لنبذها. وتشير الشواهد الأثرية إلى أن وصف هيرودوت لممارسات الدفن ~~السكيثية مبني على حقائق؛ إذ أماطت الحفريات التي نفذت في تلال المدافن اللثام عن ~~اكتشافات من قبيل الاثني عشر حصانا المرتدية ثيابا فخمة كاملة، التي عثر عليها في ~~كازاخستان سنة 1999. وليس ذلك فحسب، حيث أثبتت الباحثة ستيفاني وست، المتخصصة في الدراسات ~~الكلاسيكية، وآخرون أن «رسالة» السكيث إلى دارا المؤلفة من طائر وفأر وضفدع وسهام تبين ~~أنها من النوع نفسه الذي تنتمي إليه مراسلات أخرى جرت بين أشخاص من عصر ما قبل الكتابة؛ ففي ~~1303، أرسل الأمير المنغولي توقطاي إلى منافسه نوجاي معولا وسهما وحفنة من التراب، وهي ~~الرموز التي ترجمها نوجاي على أنها: «إذا اختبأت في باطن الأرض فسوف أستخرجك، وإذا صعدت إلى ~~السماء فسوف أسقطك، فلتختر ساحة قتال.» ويبدو أن هذا إلى حد كبير هو ما قصده توقطاي. لكن ~~إساءات التفسير أمر محتمل الحدوث دائما؛ ففي 1819، أهدى ضابط روسي خان خوارزم (خيوة) ~~مخروطين من السكر وعشرة أرطال من الرصاص وعشرة أرطال من البارود وعشر زنادات بندقية، ~~فاستنتج الخوارزميون أن مخروطي السكر يعرضان السلام والصداقة اللطيفة، وأما الذخيرة فتوحي ~~بأنهم إذا لم يوافقوا على هذه الصداقة، فسوف يشن الروس عليهم حربا. والواقع أن الروسيين لم ~~يقصدوا ذلك، وكل ما هنالك أنهم غلب على ظنهم أن هذه الأصناف المختارة ستكون هدية طيبة! ومع ~~ذلك فإن سوء الفهم يوضح تاريخية الرسائل التي من قبيل الرسالة التي ينسبها هيرودوت إلى ~~السكيث. وبالنسبة للنمل سيئ السمعة المنقب عن الذهب، ربما نكون بصدد مشكلة لغوية بسيطة؛ ~~ففي أواخر القرن العشرين، اكتشف الإثنولوجي الفرنسي ميشيل بيسيل ومستكشفون آخرون أن القوارض ~~المكسوة بفراء خشن المعروفة باسم المرموط، التي تقارب في حجمها ووزنها حجم القطة المنزلية ~~ووزنها، تقذف إلى أعلى بتراب يحوي ms90 الذهب أثناء حفرها جحورها في واحدة من أشد المناطق وعورة ~~في جبال الهيمالايا، وأفاد الناس الذين يعيشون هناك أنهم يتربحون من عمل المرموط هذا منذ ~~أجيال. وقد اعتبر هيرودوت أن كلمة «مرموط» بالفارسية تعني «نملة جبلية»؛ إذن فهي ربما ليست ~~حكايات غير معقولة في نهاية المطاف. وفيما يخص عمود الأفاعي الشهير، فإن الإمبراطور ~~الروماني قسطنطين كان قد أمر بنقله إلى القسطنطينية، حيث استمتعت أنا نفسي بتمحيصه سنة ~~1993، وقد انفصلت الرءوس بعد موت هيرودوت بنحو ألفي سنة، لكن أجساد الثعابين ما زالت مصونة، ~~ولو لم آت لرؤيتها وأنا على علم بخلاف ذلك، لكان من الجائز تماما أن أعتبرها ثعبانا ~~واحدا. # نظمت قصة رامبسينيتوس، التي زعم أن الكهنة المصريين يروونها، ببساطة بتجميع موضوعات ~~فولكلورية. المهم أن هذه هي المرحلة التي يعلن فيها هيرودوت - الذي نأى بالفعل بنفسه مرتين ~~عن القصة بنسبتها إلى آخرين - أن «أي شخص يجد أشياء كهذه محل تصديق يمكنه أن يصنع من هذه ~~الحكايات المصرية ما يشاء، ووظيفتي طوال هذا السرد هي مجرد تسجيل، أيا ما كان ما أسمعه من ~~كل مصدر من مصادري.» إن هيرودوت يسعى يقينا إلى تأمين نفسه هنا، بل وربما أكثر مما يجب؛ ~~بما أن قراءه ببساطة لن ينظروا إلى هذه القصة نظرتهم إلى الانتصار الذي تحقق في ~~سلاميس. # وأخيرا، فإن مقدار المعلومات الدقيقة في «تاريخ هيرودوت» مذهل في ضوء العقبات الكثيرة ~~التي وقفت في طريقه، كالمسافات الهائلة وحواجز اللغة والتضليل العمدي أو الفكاهي من قبل ~~الرواة المحليين. وتواصل الاستقصاءات الأثرية الجارية في أصقاع كثيرة من العالم تأكيد ~~حقيقة كثير مما نجد في كتاب هيرودوت؛ فمدافن السكيث هي ما نراه سطحيا والبقية تأتي، وما ~~زال علماء المصريات تذهلهم مدى إصابة هيرودوت فيما كتب، واكتشف الاختصاصيون القادرون على ~~قراءة اللغات التي أربكت هيرودوت أن النصوص القديمة تؤكد اكتشافاته أكثر مما تدحضها. ولو ~~كان هيرودوت كاذبا في بعض مما يرويه لكان من الممكن أن يفنده إخوانه الإغريق بسهولة. وقد ~~ركز بعض منتقصي قدره على تعداده القتلى الأثينيين ms91 في ماراثون بأنهم 192، لا أكثر من ذلك ولا ~~أقل، مؤكدين أنه اختلق هذا الرقم بالضبط لترجيح العدد القليل جدا من الرجال الذي يزعم أن ~~الأثينيين فقدوه، لكن الأثينيين كانوا يعرفون تماما عدد من قتلوا هناك، حيث سجلت ~~أسماؤهم على شواهد القبور. وقد اكتشف الآن النقش الذي يخلد ذكرى الموتى من عشر ~~الأثينيين الذي ينتمون إلى قبيلة إريكتيد، ويبدو أنه يحمل ما بين 25 إلى 30 اسما، وهو رقم ~~من شأنه تأكيد أن إجمالي ضحايا المعركة يبلغ نحو 200 قتيل. # وأما عمود الأفاعي ذلك الموجود في دلفي، فهو أسهل شيء يمكن فحصه في العالم؛ فكان الجميع ~~يذهبون إلى دلفي. فتأليف الكتاب من دون إيمان جازم بصحة الوصف الذي قدمه في صفحاته فيه ~~مخاطرة شديدة، والتفسير الطبيعي تماما لمعدل نجاحه المذهل هو أنه، بشكل عام، زار فعلا ~~الأماكن التي قال إنه زارها، وأنه ظن أنه رأى ما قال إنه رأى، على الرغم من أن الأفكار ~~الخاطئة والخلل في الذاكرة حتما لعبا دورا. # شكل 8-2: تلة المدفن التي تغطي قتلى أثينا في ماراثون. # 2 # أحد أقوى التأكيدات لدقة رواة هيرودوت وقوة منطقه على السواء، يأتي من مثال لافت للنظر ~~يخونه فيه منطقه، وذلك نتيجة محدودية فهمه شكل الأرض؛ فقد روى بعض الفينيقيين، زاعمين أنهم ~~أبحروا حول أفريقيا (في اتجاه عقارب الساعة عبر البحر الأحمر على امتداد الساحل الشرقي، ثم ~~لأعلى نحو مضيق جبل طارق)، أن الشمس كانت عن أيمانهم وهو يدورون حول الرأس، وهو شيء - كما ~~يقول هيرودوت - «لا يمكنني تصديقه، وإن كان شخص آخر قد يصدقه.» إنه مخطئ بالتأكيد، لكن ~~منطقه كان سليما؛ إذ إنه لو كانت الأرض فعلا مسطحة، كما كان يظن، لكانت حكاية الفينيقيين ~~غير معقولة حقيقة. # علاوة على ذلك، يحفل «تاريخ هيرودوت» بأمثلة على استخدام هيرودوت قدراته النقدية لتقييم ~~البيانات التي جاءته على نحو ما سيفعل أي مؤرخ حديث. إنه متشكك بالفطرة، وكثيرا ما يلقي ~~البيانات المزعومة التي تأتيه في سلة المهملات. والحقيقة أنه أكثر نقدا لحكايات بعض ~~الرحالة ms92 من مؤلفين متأخرين، حيث يرفض رفضا قاطعا تصديق أن الجبال الواقعة شمالا ~~(الأورال؟) تئوي بشرا لهم أقدام معز، على الرغم من أن مصادر قديمة أخرى ذكرت مواضع بشر لهم ~~أقدام خيل في الشمال، وأيضا تحدث كتاب من القرون الوسطى عن بشر لهم أقدام ~~ثيران. # ومع ذلك، وبعد أخذ كل شيء بعين الاعتبار، فإن القضية المطروحة الآن ليست مجرد إلى أي مدى ~~«تاريخ هيرودوت» صحيح حقائقيا؛ ففي نهاية المطاف، وإعادة لصياغة كلام هيرودوت نفسه ، فإن ~~الحقائق التي تبدو الآن دقيقة ربما يثبت في المستقبل أنها غير دقيقة، والأفكار التي تبدو ~~اليوم منافية للحكم السليم ربما يثبت يوما ما أنها مصيبة تماما. ولتنظر إلى مسألة ~~الإتروسكانيين؛ فقد أبدى المؤرخون منذ زمن طويل تشككهم في زعم هيرودوت أن هذا الشعب الذي ~~عاش فيما قبل العصر الروماني انحدر من الأناضول، لكن أدلة الحمض النووي الحديثة التي كشف ~~عنها لدى البشر والبقر على السواء، تشير إلى أن هيرودوت كان محقا دون شك. إن التاريخ، كما ~~قال المؤرخ الهولندي بيتر جيل، جدل بلا نهاية، والجدل غير معني بالحقائق فحسب، فيا له من ~~احتمال رهيب! بالنسبة لسرد تاريخي، يعد وجود نذر قليل من الحقائق أمرا ضروريا، لكنه ~~بالكاد يكفي. إن مجموعة من الحقائق لا تؤكد عملا ما بوصفه عملا تاريخيا، وإن مزيجا من ~~الخيال لا يبطل زعمه أنه عمل تاريخي؛ فقد برع المؤرخون القدامى في تقديم ما يعتبرونه أرفع ~~واقع، ومن هنا كان إقحامهم الخطب في عملهم، بل وفي بعض الحالات إقحامهم أفرادا لا يعرفون ~~عنهم في واقع الأمر إلا قليلا، فيقحمونهم في النص لتصعيد الدراما أو للإيعاز إلينا بما كان ~~الناس سيفكرون فيه ويقولونه، أو الاثنين معا، بل ومن الجائز أن نقول إنهم «عالجوا ~~بالفوتوشوب» سرودهم ليجعلوها تناسب أغراضهم. أما كيف يكون شعورنا حيال ذلك، فقد يتوقف على ~~رأينا في المعالجة بالفوتوشوب بوجه عام، بإضافتها سحبا كثيفة فوق بستان التفاح، أو إزالتها ~~خلفية مشتتة للانتباه خلف صور الأحفاد في حفلات العزف المنفرد على البيانو التي يؤدونها. ms93 ~~إن ما نجده بين المؤرخين الإغريق والرومان هو في معظم الأحوال شيء من قبيل «الدراما ~~الوثائقية» التي نراها في العصر الحديث، وهي لون هجين تختفي فيه الشخصيات الثانوية وتخترع ~~شخصيات مركبة للفت الانتباه إلى الديناميكيات الأساسية موضع الاعتبار. # لقد كان هيرودوت مبتكر هذا الجنس الأدبي، حيث مزج ابتكاره الرائد الأبحاث الجادة ~~والحكايات الفولكلورية الساحرة، ولعلنا نستطيع أن نتعلم ألا يزعجنا هذا أكثر مما ينبغي. ~~فمن ذا الذي سبق له وصف حكاية فولكلورية بأنها كذبة؟ ولتتأمل تعليق الصحفي الاسكتلندي ~~نيل أشرسون على سؤال أين يوضع عمل كابوشنسكي على الحد بين الأدب والتحقيق الصحفي: «هذا ~~سؤال تصعب الإجابة عنه، وذلك لأسباب من أهمها عدم وجود حاجز سلكي (منار بالكشافات الغامرة ~~وتحرسه دوريات الكلاب) بين اللونين.» قيل إن هيرودوت كان صديقا لسوفوكليس، وكابوشنسكي كان ~~صديقا لجابرييل جارسيا ماركيز. كان هيرودوت سينظر إلى الحكايات الممعنة في الخيال في ~~«تاريخ هيرودوت» كإثراء لحكايته المحورية عن الحروب الفارسية، لا كأساس لتقويض سلامته ~~كمؤرخ. فقد حكى لنا بعض هذه القصص شيئا مهما عن الحالة الإنسانية، وبعضها الآخر عن ثراء ~~خيالنا المشترك. وتظهر تعليقات من إغريقيين من بني جلدته أنهم كانوا يعتبرون سرده عملا ~~تاريخيا، حيث أكد أرسطو، في معرض كتابته عن الفرق بين الشعر والتاريخ في القرن التالي، ~~يقول إن سرد هيرودوت سيعتبر تاريخا حتى لو حول إلى شعر، وهذا أوضح اعتراف يمكن أن ~~نأمله لهذا الغرض، حتى إن إخوانه الإغريق صنفوا عمله ... بوصفه تاريخا. وقد وصفه صاحب رسالة ~~«في سمو الأسلوب»، الذي كتبه إبان وقوع اليونان تحت الهيمنة الرومانية، بأنه «الأشد ~~هوميرية من بين المؤرخين». # ذلك إطراء عظيم، لكن هناك المزيد مما يقال في هذا الشأن؛ لأن مبادئ الاحتواء عند هيرودوت ~~كانت مختلفة بشدة عنها لدى أي شاعر ملحمي. وقد جمع المؤرخ الفكري مورتون وايت سبعة مبادئ ~~للاحتواء في الكتابة التاريخية: ~~(1) # مبدأ الجمالية؛ ما ينبغي تفضيله هو الأشد إثارة أو متعة من الناحية ~~الجمالية. ~~(2) # مبدأ الشذوذية؛ ما هو أشد غرابة أو شذوذا. ~~(3) # مبدأ الأخلاقية؛ ما ينطوي ms94 على تعليم الأخلاق. ~~(4) # مبدأ البراجماتية؛ ما هو مفيد فيما يخص المشكلات الحالية. ~~(5) # مبدأ الجوهرية؛ ما يشكل «الميول الرئيسة» أو «الطبيعة الجوهرية» ~~للموضوع. ~~(6) # مبدأ الموسوعية؛ ما هو أقرب إلى التعبير عن الحقيقة الكاملة عنه. ~~(7) # مبدأ الموسوعية المعدلة؛ ما ينظم بشكل أفضل كل الشواهد المتاحة المتصلة ~~بالموضوع. # يا إلهي! لقد كان هيرودوت ببساطة رجلا يتمتع بطاقة هائلة؛ فهو يفي بكل معيار من هذه ~~المعايير. فالقصص الساحرة (1)، والعادات الغريبة والعجائب التي تستحق التسجيل (2)، وعواقب ~~الكبرياء والشطط (3)، وأخطار الإمبريالية (4)، وهشاشة الازدهار وما يلازم ذلك من تحرك نحو ~~التوازن والتبادلية (5)، والخيوط الكثيرة التي تدخل في صنع بساط التاريخ الهائل (6)، ونسج ~~تلك الخيوط لتكوين أنماط وموضوعات وأفكار تحكي قصة متلاحمة (7)؛ كلها نجدها في «تاريخ ~~هيرودوت». وهناك المزيد؛ لأن الإله دائما موجود يحوم في الخلفية، والناس يتخذون أحيانا ~~قرارات سليمة وأحيانا أخرى قرارات خاطئة، لكن سيطرتهم على حياتهم محدودة. انظر إلى الريح ~~العاتية والأمطار الغزيرة اللتين قوضتا الأسطول الفارسي بالقرب من أرتميسيوم، وهي عاصفة ~~يعزوها هيرودوت إلى المشيئة الإلهية، أو انظر إلى القوة الإلهية التي كانت وراء الأنباء ~~غير المؤكدة التي بلغت الإغريق عن النصر في بلاتايا وهم مقبلون على الاشتباك مع القوات ~~الفارسية في ميكالي، وتأمل الفرس الذين غرقوا في بوتيديا إذ انتقم منهم بوسيدون لانتهاك ~~معبده. # شكل 8-3: طرح ريزارد كابوشنسكي في كتابه «أسفار مع هيرودوت» رؤية متكاملة للحرب ~~والعجائب والحالة الإنسانية. # 3 # بلغ «تاريخ هيرودوت» متعدد الأوجه هدفه المعلن المتمثل في تخليد ذكرى الماضي؛ في تنظيم ~~كمية بيانات متنوعة تنوعا هائلا في صيغة مكتوبة لضمان بقاء كثير من الموروثات السماعية ~~المهددة بالاندثار، وليس هذا فحسب؛ ففي حين ابتكر ثوسيديديس أفرودة الحرب ذات التركيز ~~الضيق، ابتكر هيرودوت جنسا أدبيا هو التاريخ الاجتماعي والفكري الشامل. وقد نجح عمله في ~~اختبار الزمن، حيث شهد «تاريخ هيرودوت» طلبا كثيفا عليه إبان عصر النهضة، فظهرت في ~~أوروبا 44 طبعة وترجمة من «تاريخ هيرودوت» بين عامي 1450 و1700. وعلى الرغم من أن ~~إثنوجرافياته أثارت الاستغراب في حياته وعلى مدى قرون ms95 كثيرة بعد موته على السواء، عملت ~~اكتشافات المستكشفين في العالم الجديد في القرن السادس عشر على إحداث ثورة في الطريقة التي ~~كان الأوروبيون ينظرون بها إلى عمل هيرودوت، بجعلهم يدركون التنوع الهائل للثقافات في ~~العالم. # لا شك أن هيرودوت ما زال حيا في الثقافة الشعبية، ومثال على ذلك السباق المسمى ~~تيمنا بعدو الأثيني فيديبيدس إلى إسبرطة طالبا المساعدة في ماراثون، بل إن اسم ~~ماراثون نفسه ساهم بمقطعه الأخير في كلمة «تليثون» التي نحتت للإشارة إلى الساعات ~~المتواصلة من البث التليفزيوني الممل الذي يقاطع البرامج الاعتيادية لجمع الأموال من أجل ~~قضية نبيلة. وعلى الرغم من إغلاق فندق هيرودوت، الكائن في البلدة موطن المؤرخ، في ~~التسعينيات، فما زال هناك شارع يحمل اسمه في حي كولوناكي الراقي في أثينا. وشهدت مبيعات ~~«تاريخ هيرودوت» طفرة بعد عرض فيلم أنتوني مينجيلا الحائز جائزة الأوسكار «المريض ~~الإنجليزي» في دور العرض، ثم قفزت من جديد بعد تحويل رواية فرانك ميلر النابضة بالحياة إلى ~~الفيلم الذي يحمل اسم «300»، والذي يدور حول ثيرموبيلاي. كذلك كان لروايات تاريخية مثل ~~«أبواب النار» للكاتب ستيفن برسفيلد أيضا دورها في الإبقاء على الشعلة متأججة، غير أن ~~دلالة عمل هيرودوت تتجاوز كثيرا المكانة البارزة في الثقافة الجماهيرية التي قد تكون فعلا ~~قصيرة الأجل؛ فعلى الرغم من كل حكايات هيرودوت غير المعقولة وأرقامه المبالغ فيها، فإن ~~التاريخ ولد على يديه. وإذا شئنا ممارسة لعبة الأوائل المشهورين، المحببة إلى قلبه ~~بشدة، فربما نقول إن هيرودوت هو - وفقا لاختصاصي الحضارة الإغريقية كريستيان ماير - أول ~~من «قدم إجابات تاريخية عن الأسئلة التاريخية». # من المفارقة الشديدة أنه على الرغم من الاهتمام بالحضارات «البربرية» الذي سعى هيرودوت ~~إلى إيقاده لدى إخوانه الإغريق، فإنه هو الذي أخرج إلى النور في نهاية المطاف فكرة الغرب؛ ~~فبجمعه بين أوجه التقابل (التي لم تكن محكمة بالكلية) التي رآها بين الشرق والغرب، وبين ~~الخلود الذي ضمنه لمن ماتوا مقاتلين ضد الفرس، أورث هيرودوت - من دون كل الكتاب الآخرين ~~- الأجيال اللاحقة مفهوم «الحضارة الغربية»، وهي حضارة ms96 تتسم بالحرية في الحكم والتعبير ~~والفكر. واليوم، لا شك أن الفكرة التي تقول إن هذا الشيء الذي نصفه بأنه «غربي» هو ~~معيار الحضارات، تفسح الطريق في مجالات عديدة إلى رؤية أوسع للمجتمع الإنساني، رؤية لا ~~تحتكر فيها حضارة بعينها الفضائل المدنية والتميز في الفكر والفنون. كان هيرودوت سينبهر ~~بهذا. وفي مجالات أخرى، ما يبدو عظيم الشأن فيما يتعلق بعصرنا هو صدام جديد بين الحضارات ~~يضع الشرق ضد الغرب، وكان هيرودوت سينبهر بهذا أيضا، ولربما لو كان بيننا لالتقط مرقمه ~~وشرع في تأليف «تاريخ هيرودوت»، الجزء الثاني. # | هوامش # | قراءات إضافية # The Oxford Classical ~~Dictionary, # 3rd edn., edited by Simon Hornblower and Antony Spawforth ~~(Oxford and New York: Oxford University Press, 2003) provides an excellent ~~single-volume encyclopaedia of the classical world. # Herodotus’s work can be read in many good English ~~translations. # The Histories # also appears in the ~~Loeb Classical Library series in four volumes, with Greek text on the left and ~~English translation by A. D. Godley on the right (Cambridge, MA, and London, ~~1920-5). # An enormous amount has been written on Herodotus in English ~~alone. I list here some books and articles that I think would deepen readers’ ~~understanding of Herodotus and his times. Inevitably, some of these works contain a ~~bit of Greek, sometimes in Greek font and sometimes transliterated, but they can ~~nonetheless be read with profit by the Greekless reader. # مجموعات من المقالات حول هيرودوت وعصره # Egbert J. Bakker, Irene J. F. De Jong, and Hans Van ~~Wees, # Brill’s Companion to ~~Herodotus ~~(Leiden and Boston: Brill, ~~2002). # Deborah Boedeker (ed.), 'Herodotus and the Invention of ~~History’, # Arethusa, # 20, nos. 1-2 ~~(1987). # Carolyn Dewald and John Marincola (eds.), # The Cambridge Companion to Herodotus ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~2006). # Nino Luraghi (ed.), # The ~~Historian’s Craft in the Age of Herodotus ~~(Oxford and ~~New York: Oxford University Press, 2001). # كتب ومقالات متميزة # Wolfgang Aly, # Volksmärchen, ~~Sage und ms97 Novelle bei Herodot und seinen Zeitgenossen ~~(Göttingen: Vandenhoeck and Ruprecht, reprint ~~1969). # W. M. Bloomer, 'The Superlative # Nomoi # of Herodotus’s # Histories ~~’, # Classical ~~Antiquity, # 12 (1993): 30-50. # Carolyn Dewald, 'Women and Culture in Herodotus’ # Histories ~~’, in # Reflections of Women in Antiquity, # ed. ~~Helene P. Foley (New York, London, and Paris: Gordon and Breach ~~Science Publishers, 1981), pp. 91-125. # J. A. S. Evans, # Herodotus, ~~Explorer of the Past: Three Essays ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, 1991). # Stewart Flory, # The Archaic ~~Smile of Herodotus ~~(Detroit, MI: Wayne State ~~University Press, 1987). # Charles Fornara, # Herodotus: An ~~Interpretive Essay ~~(Oxford: Clarendon Press, ~~1971). # John Gould, # Herodotus ~~(London: Weidenfeld and Nicolson, ~~1989). # François Hartog, # The Mirror of ~~Herodotus: The Representation of the Other in the Writing of ~~History, # tr. Janet Lloyd (Berkeley and Los Angeles: ~~University of California Press, 1988). # Simon Hornblower (ed.), # Greek ~~Historiography ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~1994). # Virginia Hunter, Past and Process in Herodotus and Thucydides ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, 1982). # Henry Immerwahr, # Form and ~~Thought in Herodotus ~~(Cleveland: The Press of Western ~~Reserve University, published for the American Philological ~~Association, Chapel Hill, NC, 1966). # Leslie Kurke, # Coins, Bodies, ~~Games, and Gold: The Politics of Meaning in Archaic ~~Greece ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, ~~1999). # Mabel L. Lang, # Herodotean ~~Narrative and Discourse ~~(Cambridge, MA: Harvard ~~University Press, 1984). # Donald Lateiner, # The Historical ~~Method of Herodotus ~~(Toronto: University of Toronto Press, 1989). # Richmond Lattimore, 'The Wise Advisor in Herodotus’, # Classical Philology, # 34 ~~(1939): 24-39. # John Marincola, # Greek ~~Historians ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2001). # Rosaria Vignolo Munson, # Telling ~~Wonders: Ethnographic and Political Discourse in the Work of ~~Herodotus ~~(Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 2001). # Christopher Pelling, 'East Is East and West Is West-Or ~~Are They? National Stereotypes in Herodotus’, # http://www.dur.ac.uk/Classics/histos/1997/pelling.html ~~. ~~(accessed 18 January 2011). # James Redfield, 'Herodotus the Tourist’, # Classical Philology, # 80 (1985): ~~97-118. # M. Rosellini and S. Saïd, 'Usage de femmes et autres ~~nomoi chez les “Sauvages” d’Hérodote. Essai de ms98 lecture structurale’, # Annali della Scuola Normale Superiore di Pisa, Classe di Lettere e Filosofia, # 3rd series, 8 ~~(1978): 849-1005. # Gordon S. Shrimpton, # History ~~and Memory in Ancient Greece, # with an appendix on ~~Herodotus’s sources by G. S. Shrimpton and K. M. Gillis (Montreal ~~and Buffalo, New York: McGill-Queen’s University Press, ~~1997). # Rosalind Thomas, # Herodotus in ~~Context: Ethnography, Science, and the Art of Persuasion ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~2002). # K. H. Waters, # Herodotus the ~~Historian: His Problems, Method, and Originality ~~(Norman, OK: University of Oklahoma Press, ~~1985). # Stephanie West, 'The Scythian Ultimatum (Herodotus IV ~~131-132)’, # Journal of Hellenic ~~Studies, # 108 (1988): 207-11. # حول صحة أعمال هيرودوت # A great deal has been written on the historical accuracy ~~of Herodotus’s writings. The two most combative books are by Fehling (against) ~~and Pritchett (for) ~~: # Detlev Fehling, # Herodotus and ~~His 'Sources’: Citation, Invention, and Narrative ~~Art, # tr. J. G. Howie (Liverpool: Francis Cairns, ~~1988). # W. Kendrick Pritchett, # The Liar ~~School of Herodotos ~~(Amsterdam: J. C. Gieben, ~~1993). # حول بلاد فارس والحروب الفارسية # Richard Billows, # Marathon: The ~~Battle that Changed Western Civilization ~~(New York: ~~Overlook Press, 2010). # A. R. Burn, Persia and the ~~Greeks: The Defence of the ~~West, c. 546-478 ~~BC, # 2nd edn., with a postscript by D. M. Lewis ~~(Stanford, CA: Stanford University Press, ~~1984). Paul Cartledge, # Thermopylae: ~~The Battle that Changed the World ~~(Woodstock and New ~~York: Vintage and Overlook Press, 2006). # J. M. Cook, # The Persian ~~Empire ~~(London: J. M. Dent, ~~1983). Peter Green, # Xerxes at ~~Salamis ~~(also released as # The ~~Year of Salamis ~~) (New York and London: Praeger, ~~1970). # Charles Hignett, # Xerxes’ ~~Invasion of Greece ~~(Oxford: Clarendon Press, ~~1963). # Barry Strauss, # The Battle of ~~Salamis: The Naval Encounter that Saved Greece-and Western ~~Civilization ~~(New York and London: Simon and ~~Schuster, 2004). # خلفية عامة عن الحضارة الإغريقية Paul Cartledge, # The Spartans: ~~The World of the Warrior-Heroes of Ancient Greece, from Utopia ~~to Crisis and Collapse ~~(Woodstock, ms99 New York: Overlook Press, 2003). # Robert Drews, # The Greek ~~Accounts of Eastern History ~~(Cambridge, MA: Harvard ~~University Press, 1973). # Victor Ehrenberg, # From Solon to ~~Socrates: Greek History and Civilization during the Sixth and ~~Fifth Centuries BC, # 2nd edn. (London and New York: ~~Routledge, 2004). # Christopher Gill and T. P. Wiseman (eds.), # Lies and Fiction in the Ancient World ~~(Exeter: University of Exeter Press, 1993). # G. E. R. Lloyd, # The Ambitions ~~of Curiosity: Understanding the World in Ancient Greece and ~~China ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~2002). # Sarah Pomeroy, Stanley Burstein, Walter Donlan, and ~~Jennifer Roberts, # Ancient Greece: A Political, Social, and Cultural History, # 2nd edn. ~~(New York: Oxford University Press, 2008). # James Romm, # The Edges of the ~~Earth in Ancient Thought ~~(Princeton, NJ: Princeton ~~University Press, 1994). # قراءات أخرى # Ryszard Kapuściński, # Travels ~~with Herodotus ~~(New York: Alfred Knopf, ~~2007). # Justin Marozzi, # The Way of ~~Herodotus: Travels with the Man Who Invented History ~~(New York: Da Capo, 2008). # Michael Ondaatje, # The English Patient: A Novel ~~(Toronto: McClelland and Stewart, ~~1992). # | تسلسل زمني # نحو 1185ق.م؟: # حرب طروادة. # نحو 680: # مقتل كاندوليس على يد جيجس. # نحو 650: # كيبسيلوس يصبح طاغية كورنثة. # نحو 625: # بيرياندر يخلف كيبسيلوس. # نحو 560: # كرويسوس يصبح ملكا على ليديا. # 559: # قوروش الأكبر يؤسس الإمبراطورية الفارسية. # 546: # قوروش يهزم كرويسوس ويضم ليديا. # 525: # قمبيز يغزو مصر. # نحو 522: # دارا يصبح ملك فارس. # نحو 512: # حملة دارا ضد السكيث. # 499-494: # التمرد الأيوني. # 490: # غزو دارا لليونان وموقعة ماراثون. # 486: # موت دارا واعتلاء خشايارشا العرش. # نحو 484: # مولد هيرودوت. # 480: # غزو خشايارشا لليونان. # أغسطس: # موقعتا ثيرموبيلاي وأرتميسيوم. # سبتمبر: # موقعة سلاميس وانسحاب خشايارشا. # 479: # موقعتا بلاتايا وميكالي. # 478: # تأسيس حلف ديلوس تحت قيادة أثينا. # نحو 450-425؟: # تأليف «تاريخ هيرودوت». # 431: # نشوب الحرب البيلوبونيزية. # نحو 425؟: # موت هيرودوت. ms100