######OpenITI# #META# URI: 1450MAShakir.MalikGhayrMutawwaj.Hindawi72806840 #META# Tags: novels #META# ID: 72806840 #META# Title: ملك غير متوج #META# AuthorID: 75062806 #META# Author: إيما أوركزي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 63795171 #META# Translator: م. أ. شاكر #META# Related_books: 1366EmmaOrczy.UncrownedKing (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # | ملك غير متوج # | ملك غير متوج # تأليف # إيما أوركزي # ترجمة # م. أ. شاكر # | مقدمة # ما كنت أتصور أنني سأعيش حتى اليوم الذي أستطيع منه كتابة هذه القصة عن ملك فرنسا غير ~~المتوج، دون أن أجرح إحساسات أولئك الذين اشتبكت أسرهم بمختلف فصول هذه الفاجعة ~~الأليمة. # لقد وقعت بين يدي تفاصيل هذه القصة بطريقة غريبة، ولما كنت قد وعدت منذ بضع سنوات ~~بألا أنشر ما نمى إلي منها؛ فإنني وقد تحررت من وعدي هذا أخشى ألا أجد من يصدق ~~القصة! # إنني عليمة بأن الكثيرين سوف ينكرونها، وإني أقر بأن في بعض حوادثها غرابة وطرافة ~~تجعلانها أقرب إلى خيالات الوهم منها إلى وقائع التاريخ. ولكن على الرغم من هذا كله، ~~فالقصة في جميع فصولها واقعية حقيقية، لا يشوبها الوهم ولا يطغى عليها الخيال. # المؤلفة # | الفصل الأول # إذا كنت في باريس، وسرت في شارع كليشي الذي يمتد من شمال كنيسة الترينيتيه، فإنك تجد ~~قبل أن تصل إلى الميدان بضعة أبنية جديدة ضخمة تبدو غريبة في هذا الحي القديم من ~~المدينة. # على أننا إذا رجعنا إلى سنة 1860، فإنا نجد مكان هذه الأبنية ساحة مربعة تحفها مبان ~~قليلة الارتفاع، أطلق عليها اسم «مدينة ريمور»، وكانت هذه مقرا للفنانين والشعراء، ~~يعيشون فيها العيشة البوهيمية العجيبة المحببة لديهم. # وكان يوصل إلى هذه الساحة طريق يسير تحت قنطرة متداعية، يمتد في مواجهتها صف من ~~الاستديوات، لها نوافذ مستطيلة أسدل خلف كل منها ستار أسود، يخيل إلى الرائي أنه مثبت في ms01 ~~مكانه لا يرتفع ولا يهبط، غير أن تراكم الغبار فوق هذه النوافذ كان يصد عين الفضول عن ~~النظر إلى الداخل أكثر من الستائر نفسها. # وكان يمتد على يمين القنطرة صف من المخازن والحوانيت تعرض في نوافذها نماذج بضاعتها، وإن ~~كانت جميعها لا يكاد يرى الإنسان أحدا بداخلها. # وكان يقع في مواجهة هذه الحوانيت وعلى يسار القنطرة مطعم، أطلق على نفسه اسم «مطعم الملوك ~~الثلاثة»، وقد اشتهر بتقديمه طبقا من أجود أنواع الطيور النورماندية، يدعى «طبق ~~الكاسوليت» في عشاء يوم واحد من كل أسبوع، فكان يجتمع فيه مساء ذلك اليوم أئمة الأدب وكبار ~~الشعراء والفنانين؛ فهذا أوجين ديلاكروا الرسام العظيم يأخذ مكانه إلى جانب منضدة قريبة ~~من النافذة، وقد جلس أمامه هوراس فرنيه في ثوبه العسكري القديم ذي الصدر المزركش، وإلى ~~جانبه جوستاف فلوبير، الذي أحدثت روايته الجديدة «مدام بوفاري» ضجة كبيرة في أنحاء فرنسا. ~~وهناك في ركن منعزل جلس الكاتب الكبير إسكندر ديماس، جالسا وحده إلى جانب منضدة صغيرة، وفي ~~الركن الآخر جلس ألفونس دوديه مع زولا الصغير. # لقد كان هؤلاء جميعا يأكلون ويشربون شاغلين أنفسهم بالطعام والتمتع بالحياة، فكانت ~~اجتماعاتهم في مطعم «الملوك الثلاثة» صورة صادقة لبوهيميتهم. وكانت الأمطار تنهمر بشدة خارج ~~مطعم «الملوك الثلاثة»، فما كاد العشاء ينتهي حتى اشتدت برودة الجو، وازدادت الرياح ~~قوة، فتحولت إلى عاصفة ثلجية قامت تقذف نوافذ المطعم بقطع صغيرة من البرد، وصفرت ~~الريح داخل المدخنة التقليدية القائمة في وسط القاعة، وكانت لغمات الريح القاسية تندفع ~~بشدة من باب المطعم في كل مرة يخرج فيها أحد زبائنه. وعلى رغم ما كان في القاعة من وسائل ~~التدفئة الكافية، فإن هذه اللغمة القاسية كانت تكفي لسريان القشعريرة في جسد ~~الجميع. # وكان سيرل برتراند، الرسام الشاب، قد اتخذ لنفسه مكانا منعزلا في القاعة، وجلس يرتشف ~~قهوته وهو يفكر فيما قاله أستاذه الكبير أنجر عن صورته الجديدة. # وأبرقت أسارير وجهه في ابتسامة خفيفة وهو يستعيد في سرور ونشوة كلمات أستاذه ~~المشجعة. # ولقد كان لبرتراند هيئة جميلة جذابة ms02 رغم شعره الطويل ولحيته غير الممشوطة على طريقة أهل ~~مونتمارتر، وكان لون شعره ولحيته الكستنائي الغامق يندر وجوده بين أهل الشمال، وكان كثير من ~~النساء يطرين حسن هيئته، ويعشقن عينيه السوداوين اللتين تفصحان - كما يقلن - عن معان ~~أوضح من كلمات الرجال الآخرين. # لم يكن يعرف أحد عن سيرل أكثر من أنه قد بدأ حياته صبيا يشتغل في استديو الرسام ~~الكبير أنجر؛ ينظف أدواته ويغسل الفرش في آخر كل يوم، أما الآن فقد اتخذ له استوديو ~~خاصا في مدينة «ريمو». وكان قد أوصل صورة إلى صالة العرض فرفضت. وليس في هذا غرابة؛ ~~فإن كثيرا من عظماء الرجال قد بدءوا حياتهم الفنية على هذا المنوال. ولقد كان يكسب بعض ~~المال بقيامه برسم نماذج للقبعات والملابس لمحل كبير في البوليفار، وكان يرسل كل عام ~~صورتين إلى صالة العرض، ولكنهما تعودان إلى الاستوديو ثانية مصحوبتين بعبارة الرفض ~~المؤدبة: «اللجنة تأسف ...» على أن هذا الفشل المتكرر لم يؤثر في نفسية برتراند؛ فقد ظل ~~رغم هذا مرحا طروبا قانعا بما قسم له مترقبا الفرصة للنجاح. # والواقع أن هذه الطباع المشرقة قد جعلته محبوبا لزمرة أولئك البوهيميين المسرفين، وكانت ~~«فتيات الموديلات» يعجبن به، حتى إن ميمي - تلك الفتاة الشقراء اللعوب، التي اشتهرت ~~باسم «فينوس الجيوب» - صرحت مرارا بأنها تحب مجالسة المسيو برتراند عن غير الفنانين، ولو ~~أنها تجد في طباعه شيئا من الغرابة! والواقع أن ميمي وأمثالها كن صادقات فيما قلنه عن ~~برتراند، وعلى الأخص بعد أن رسم صورة الآنسة كريستوف وحصل على أجر كبير في مقابل ~~رسمه. # لقد تغيرت أحوال برتراند فعلا بعد انتهائه من رسم هذه الصورة، فكان يغرق أحيانا في صمت ~~طويل، وأصبح ضحكه ومرحه أشبه شيء بقناع متكلف يجبر نفسه على لبسه بين الناس، حتى إذا كلمه ~~أحد وهو يشتغل أو أثناء تناوله الطعام، وقف عن الحركة وحملق فيه بعينيه كأنما قد أوقظ ~~بغتة من حلم عميق. # والحق أن سيرل برتراند أصبح رجلا آخر منذ أن قام بعمل صورة لفيرونيك كريستوف، لقد كان ms03 ~~هذا حادثا عجيبا في حياته، وكان يظن أن المسألة في بادئ الأمر بعد أن أعطي الإذن بعمل ~~الصورة لا تعدو أن تكون خطوة موفقة في سبيل نجاحه الفني، ولقد فرح بهذا كل الفرح؛ فقد وضع ~~قدمه فوق أول درجة من سلم النجاح، وتقوى بهذا أمله في الوصول إلى القمة وتحقيق أحلامه ~~الذهبية. # لقد عرفه ألبرت كريستوف أغنى رجال المال في أوروبا عندما كان يزور معرض الخريف، وبعد أيام ~~ذهب السيد كريستوف إلى استديو الفنان في «مدينة ريمور»، وأعطاه أمرا بعمل صورة للآنسة ~~فيرونيك كريستوف ابنته، وقال للفنان إنها لا تستطيع أن تجلس أمامه أكثر من ثلاث جلسات فقط؛ ~~إذ إن معظم وقتها مشغول في شئون اجتماعية هامة. ثم عرض عليه في مقابل قيامه بالصورة مبلغ 7 ~~آلاف فرنك! ولم يدر برتراند في البدء أيضحك أم يطرد ذلك الزائر؛ فقد ظن أنه في عرضه لهذا ~~المبلغ الكبير إنما يسخر منه، غير أن السيد كريستوف لم يكن من ذلك الصنف من الرجال ~~الذين يسخرون هذا النوع من السخرية، حتى إنه في مدة خمس دقائق كان قد عقد الصفقة. # وقام الرسام بعمل الصورة، وقد خيل إليه أنه كان في حلم عميق إبان الأيام الثلاثة التي ~~جلست فيها أمامه أجمل امرأة على وجه الأرض! لقد كان يشتغل بنشاط فذ وقوة عجيبة طوال هذه ~~المدة، لقد جلست أمامه الثلاث جلسات الموعودة، ولكنها كانت تبقى أمامه في كل جلسة أربع ~~ساعات تتخللها فترات استراحة قصيرة. لقد خيل إليه أول مرة دخلت عنده في الاستديو ~~أنها فتاة مدرسة خرجت أول مرة إلى الحياة، وأحس في آخر مرة تركته أنها المرأة الوحيدة ~~التي أحبها قلبه. # لقد كانت طفلة، ولكنها امرأة، وكانت امرأة، ولكنها طفلة؛ فقد كان أشهى وأعذب ما فيها تلك ~~الطفولة المحببة. ما كانت تتكلم معه طويلا أثناء الجلسات، لا لشيء إلا لأن برتراند لم ~~يكن ينفرد وإياها، إذ كان في صحبتها دائما معلمها ورقيبها الذي لا يجوز لفتاة في مركزها أن ~~تخرج من منزلها بدونه. لقد ms04 شعر أنها تفهم طريقة عمله؛ كانت تجلس بلا حراك ولكنها ممتلئة ~~بالحياة. لقد كانت عيناها وفمها ويداها العجيبتان كلها تنطق بحيويتها، وكانت ابتسامتها تكشف ~~عن الإشراق، ولا تتشعع نظرتها الجميلة إلى حملقة فارغة. فإذا احتاجت للراحة نزلت إليه ~~ووقفت خلفه، بينما لا يزال مستمرا في عمله. وكان وجودها هكذا قريبا منه يسكره؛ فكانت يده ~~ترتعش، إلا أنه ما كان لينظر خلفه؛ ويعلم الله ماذا كان يحدث لو فعل؛ فقد كان في هذا الوقت ~~قد شغف بحبها. ولقد قالت له مرة وهي ترتشف قدحا من النبيذ في فترة استراحتها: إن فيك ~~لفنانا عظيما يا مسيو برتراند، ولقد أحس برغبة جامحة في أن يلقي بأطباقه وفرشته ~~ليطوقها بذراعيه قائلا لها: إن في لمحبا عظيما لو صدقتني وأعطيت نفسك لي. # لقد كان جنون سيرل برتراند بنوال فيرونيك كريستوف ابنة المليونير بعيد الاحتمال بعد ~~الكوكب عن الأرض، ولكن اليأس في شئون الهوى قلما يلج قلب الشباب. وبدأ سيرل يحلم أحلاما ~~جميلة؛ فقد عجل خياله بوصوله إلى قمة المجد، وتصور نفسه يدخل مطعم «الملوك الثلاثة» والناس ~~يهمسون حوله قائلين: هل ترى ذلك الرجل الذي دخل الآن؟ إنه سيرل برتراند أعظم فناني عصره، ~~إنه تزوج فيرونيك كريستوف ابنة المالي الكبير. غير أن كل هذا الجنون لم يكن سوى ~~أحلام. # لقد عرضت الصورة في صالة العرض وعلق النقاد عليها مؤملين في المصور الشاب مستقبلا ~~عظيما. واستحضر سيرل ثوبا جديدا وترقب دعوته إلى الحفلات العامة حيث يحظى برؤية ~~فيرونيك أو ينال حظ التكلم معها ولو بضع كلمات، ولكن قلما استطاع هذا؛ فقد كان يحوطها ~~دائما جمع من الشباب والرجال المتأنقين وأصحاب الأسماء الأرستقراطية. ولقد ذهب إلى الأوبرا ~~وجلس في الصالة واختار مقعدا يستطيع فيه أن يراها وهي في مقصورتها، ولكم حاول أن يستجمع ~~قواه ليصعد إليها، ويقدم احتراماته كما يفعل غيره من الرجال! ولكن مقصورة البارون كريستوف ~~كانت دائما مزدحمة بالزوار. # وأحس سيرل بالخجل؛ فقد شعر بأنه قبيح، وجاهل بأساليب الآداب ~~الاجتماعية، وظن أن ثوبه الجديد لا يلائمه ms05 وأن رباط رقبته غير منظم، وضايقه شعره الطويل ~~ولحيته غير الممشوطة. غير أنه حاول بعد ذلك أن يتغلب على جبنه، فانتظر يوم تشريف الإمبراطور ~~والإمبراطورة آخر ليلة في الأوبرا، حيث كان من المؤكد أن يؤمها في تلك الليلة جميع الأوساط ~~الراقية في باريس، ولقد كان هذا فعلا. # غير أن أسرة كريستوف لم تكن هناك، وبحث سيرل عن فيرونيك وقت الاستراحة هنا وهناك، دون ~~أن يعثر لها على أثر، وخرج من الملهى متجها إلى شارع دي فاريني وظل يحوم حول منزلها، ~~ولكنها لم تعد. وأخيرا دفعته رغبته الملحة إلى أن يشد جرس الباب الكبير، ولقد كان ~~ذهنه كله غارقا في التفكير فيها، حتى إنه لم يلاحظ أن منافذ البيت كلها مغلقة كأنما ~~هجره أهله. وخرج إليه رجل بقميص ذي أكمام طويلة ومئزر من الجوخ الخشن، قال: لقد سافر ~~سيدي منذ أسبوع إلى بادن بادن، أما الآنسة فسافرت إلى فينا عند بعض أقاربها، وستلحق ~~بالسيد بعد بضعة أيام. ~~- ومتى تكون عودتهما؟ ~~- لا أعرف يا سيدي، وعلى كل حال فالسيد والآنسة لا يرجعان عادة إلى باريس قبل ~~نوفمبر. # وتركه سيرل وهو يفكر، إنه الآن في يوليو، أيسافر إلى بادن بادن، ذلك المكان الذي لا يحبه ~~قط، والذي قال عنه منذ بضعة أيام إنه يفضل أن يموت بدلا من أن يذهب إليه؟ لقد عاشت أمه ~~هناك، وكذلك عاش أخوه غير الشقيق، الذي كان يعتبره الكثيرون ملك فرنسا، لم يكن هناك شيء ~~يغريه بالذهاب إلى بادن بادن، ولكنه ذهب! # | الفصل الثاني # بادن بادن مدينة صغيرة، جميلة؛ هي مدينة الأحلام والفخامة، مدينة الرجال المتأنقين ~~والنساء الجميلات. لقد كانت هذه المدينة في تلك الأيام ك «مونت كارلو» الآن، كان يؤمها جميع ~~العظماء، ورجال المال المترفين من جميع أنحاء أوروبا، فتغص بهم فنادقها الفخمة العظيمة التي ~~كان يختلف إليها نابليون الثالث والإمبراطورة أوجيني، ثم ليوبولد الأول ملك بلجيكا، ~~والملك وليم الأول ملك بروسيا، والملكة أوجستا، والدوق مورني، والبرنس مترنيخ، كما كان ~~يؤمها كبار رجال الفن وملوك المال والأعمال. ms06 # وكان بين الفلات الجميلة التي اشتهرت بها المدينة فلا إليزابث ذات السقف الأحمر الذي ~~يطل فوق أشجار الكستنا المزهرة، وكانت تستأجرها في هذا الوقت من السنة سيدة وابنها يدعيان ~~رسميا باسم البرنس والبرنسيس دي بوربون، ولم يكن سرا أن يعرف أن هذا البرنس هو ملك ~~فرنسا الحقيقي لويس التاسع عشر، حفيد الملك لويس السادس عشر والملكة أنطوانت، وأبوه الملك ~~لويس السابع عشر الذي يعرف الجميع أنه قد أنقذ من السجن وهو طفل صغير وأخذ إلى أوستوريا ~~(النمسا)، حيث تزوج سيدة إسبانية وأنجب منها ولدا يعتبر أمام معارفه وأمام الله بعد موت ~~والده الملك الشرعي لفرنسا. # وكان البرنس دي بوربون - وكما يصمم البعض على مناداته بصاحب الجلالة ملك فرنسا - قد لاقى ~~نجاحا كبيرا في الهيئة الاجتماعية، فكان يرى - إذا كان الجو معتدلا - في الكوراس وفي ~~أغلب الليالي إما في الأوبرا أو في قاعة اللعب، لا يفارقه طبعه الدمث الذي حببه إلى ~~الرجال والنساء على السواء. # غير أنه كان في صالونه الخاص في فلا إليزابث لويس ملك فرنسا لا أقل من ذلك، وربما ~~كان هذا راجعا إلى تأثير أمه؛ فقد كانت تعمل جهدها لكي يعامله الجميع بأصول الإتيكيت، ~~حتى إنه كان يعقد مقابلات رسمية فيلاقي ضيوفه جالسا على مقعد مذهب مرتفع أشبه شيء ~~بالعرش، فكانت السيدات ينحنين إذا مررن أمامه راكعات نصف ركعة، حتى تلمس أطراف أثوابهن ~~المستديرة أرض الغرفة، كما كان يلبس الرجال في هذه الزيارات ملابسهم الرسمية الكاملة، وكان ~~يعتبر حظا كبيرا أن ينال أحدهم يد الملك لتقبيلها. وكانت الملكة الوالدة تجلس بجانبه ~~على كرسي أقل ارتفاعا عن عرش الملك، ولو أنها تعدت العقد الخامس من عمرها إلا أنها ~~كانت امرأة جميلة تظهر عليها مخايل العظمة ممزوجة بالوقار. # لقد كانت نموذجا جميلا للمرأة الإسبانية؛ فقد كان شعرها المتحول إلى اللون الأبيض لا ~~يزال يوري جمال أصله الذهبي، وكانت عيناها السوداوان تنبئان عن أنها كانت في صباها امرأة ~~جذابة، وكانت تتكلم الفرنسية بلهجة إسبانية واضحة. # على أنه لم يكن يعرف أحد ms07 شيئا عن مولدها ولا عن أصلها، وقد ذهبت محاولات الكثيرين في ~~البحث عن هذا سدى. # ولم يكن للبرنسيس دي بوربون إلا أصدقاء قلائل، وكان هناك شخص واحد فقط هو الذي حاز ثقتها، ~~ويجوز أن يعتبر أقرب المقربين إليها، وهو الكونت فريزن الذي كان مديرا لسفارة أوستوريا في ~~باريس، تحت رياسة البرنس مترنيخ، وكان يفد عادة إلى بادن بادن في فصل الصيف، فيزور فلا ~~إليزابث دائما. # لقد كان كل هذا قبل سنة 1858، ولكن منذ هذا التاريخ تغير كل شيء؛ فقد كانت البرنسيس دي ~~بوربون تذهب كالعادة إلى فلا إليزابث، ولكن البرنس كان يرى نادرا في بادن بادن؛ فقد قيل ~~عنه إن صحته ليست على ما يرام، وقد نصح له الأطباء بالإقامة في سويسرا مدة طويلة، وفعلا لم ~~يزر أمه في مدة سنتين إلا بضع زيارات قصيرة. # وكان من النادر أن يرى خارج الفلا إبان هذه الزيارات. # ولم تكن قلة ظهور البرنس دي بوربون في المجتمعات لتثير فضول الناس أكثر من حياة البرنسيس ~~دي بوربون الخاصة؛ فقد قيل عنها إنها تسعى لاستعادة عرش فرنسا لابنها، وأخذ الناس يحسبون ~~عليها حركاتها ويؤولونها بمختلف التأويلات. والواقع أن تلك السيدة التي يندر أن تزور ~~أحدا قامت بزيارة البارون ألبرت كريستوف المالي العالمي الكبير في فلا تريز، وشاهدت ~~مجموعة الصور التي عنده، والتي تعتبر أشهر مجموعة في أوروبا، كما أنها دعته لزيارتها في ~~فلا إليزابث، وقد قال البعض إنها فعلت كل هذا بمشورة الكونت فريزن، إذ إن البارون كريستوف ~~كان أوستوري الجنسية أيضا. وازدادت العلاقة بين السيدة والبارون وكثر تزاورهما، وشوهدت ~~السيدة أكثر من مرة تركب إلى جانب البارون في عربته الفخمة، وتهامس الناس عن كنه هذه ~~العلاقة ومداها، وذهبت الظنون بهم كل مذهب؛ فقد قال البعض إن السيدة تسعى للتأثير على ~~البارون واستمالته إلى جانبها فتستفيد من أمواله لتحقيق أغراضها، وقال آخرون إن البارون ~~نفسه يسعى لاستعادة آل بوربون العرش طمعا في أن يزوج ابنته الجميلة فيرونيك للبرنس دي ~~بوربون، الذي سيصبح فيما بعد ملكا ms08 فعليا لفرنسا. ~~••• # وصل سيرل برتراند إلى بادن بادن، وتساقط إليه ما دار على الألسن عن موضوع فيرونيك ومشروع ~~زواجها للبرنس دي بوربون، وذهب فيرونيك أيضا إلى بادن بادن بعده بأسبوع، فكان يراها بعد ~~هذا كل يوم تقريبا تسوق جوادها في طريق ليخنثال، أو في قاعة الملعب بالكوراس، أو في ~~الأوبرا، غير أنها ما كانت تلاحظ وجوده مطلقا، ولم تلق يوما إليه نظرة واحدة وهو يتأمل ~~وجهها بنهم وشغف. # لقد كانت عنده المرأة الوحيدة في العالم التي يفضلها أكثر من حياته، بل ويرغب فيها أكثر ~~من كنوز العالم أجمع، ولكنه كان يدرك رغم كل هذا أنه لا قيمة له إذا قاس نفسه بها، فما هو ~~إلا رسام مجهول قام بعمل صورة لها، ونال أجرته على عمله، وأن الثلاثة الأيام التي قضتها في ~~الاستوديو لا بد أنها قد محيت من صفحة ذاكرتها ... كان هذا ما يدور بخلد الرسام المسكين ~~الذي يقدس الآنسة فيرونيك، وهو ينتظرها يوميا في الطريق وقت خروجها للنزهة، رغم ما ترامى ~~إليه عن مشروع زواجها بأخيه ملك فرنسا غير المتوج. # لقد كان يكره هذا المكان لأن أمه تعيش فيه، أمه التي تكرهه كل الكره، وكذلك أخوه غير ~~الشقيق الذي يعتبر نفسه بالنسبة إليه كأنما هو فرد من الشعب، ولهذا فقد فكر سيرل في أن يرحل ~~إلى باريس ليكون لنفسه مركزا في عالم الفن ليجعل اسمه علما خفاقا، أو يعمل بجد ~~ويغرق في العمل حتى ينسى أحلامه وجنونه، ولكنه لم يفعل شيئا من هذا، بل بقي في بادن بادن ~~ليشاهدها كل صباح ويذهب إلى الكوراس أو الأوبرا ليسمع ضحكاتها العذبة وصوتها الجميل عن قرب، ~~ألا ما أشد جنونه! إنه يعلم أن هذا الجنون يحطم فؤاده ولكنه لا يجد في نفسه القوة الكافية ~~لصد نفسه عنها. ~~••• # كان أولئك الذين يعرفون فيرونيك كريستوف يسمونها «الفتاة المحظوظة»؛ فقد كان لديها كل شيء ~~من الجمال والثروة والجاذبية والشاعرية، ولقد كانت فيرونيك في الواقع خيالية بمعنى الكلمة، ~~إذ كانت الشاعرية والخيال في سنة 1860 من ms09 مميزات شباب ذلك الجيل، وعلى الأخص الفتيات، فكن ~~يسبحن في تصوراتهن وأحلامهن، فكانت الحياة لديهن عبارة عن نسيج خيالي من الأماني، ولا يعتبر ~~الحب لديهن حبا إلا إذا كان قويا لدرجة الموت، وكن يطلبن الحياة كأنها امتداد مستمر ~~لساعة حب ونشوة بين ذراعي حبيب صادق، أمين، ولقد كان بعضهن يلاقي الفشل نتيجة لهذه النظرية ~~الخيالية، ولكنهن رغم هذا كن يستسلمن لأحلامهن العذبة. ولقد مر على فيرونيك كريستوف وقت ~~كانت فيه نهبا لمثل هذه الأحلام، ولو أنه لم يستمر طويلا؛ فقد كانت تحلم بالثلاثة الأيام ~~التي قضتها في استوديو مونتمارتر، لقد أحبت تلك الغرفة القليلة الهواء وأثاثها البسيط، ~~وكانت رائحة زيت التربنتين التي تملأ المكان تسرها، وتلك الأصوات المتعددة الغريبة التي ~~كانت تتسرب إلى أذنها من بين أصوات منظفي المداخن وهم يسيرون في الطريق، ونداء: «أصلح ~~الكراسي» و«أطباق ومواجير». وكانت تحب ملاحظة الرسام وهو يقوم بعمل صورتها، وتلمح عينيه وهو ~~يرفع خصلة شعره التي تتدلى فوق جبهته، وكانت تتأمل وجهه وهي تفكر فيما يكون عليه بغير تلك ~~اللحية وهذا الشارب المهملين اللذين يخفيان تعبير فمه وشكل ذقنه. وفكرت فيرونيك في الفنان ~~بعد ذلك عندما تركت باريس لتقضي بضعة أيام بين أقاربها في أوستوريا، وكان لديها هناك فسحة ~~من الوقت لتفكر وتحلم، وقد شاهدت الصورة معلقة في صالة العرض، وسمعت وقرأت أغلب ما كتبه ~~النقاد عنها من مدح وتقريظ، غير أنها لم تشاهد الفنان بعد ذلك. ولقد حدث أكثر من مرة أن عرض ~~حديث عن الصور والمصورين على مائدة الطعام وتساءل البارون كريستوف عن الفنان البارع وماذا ~~جرى له، وكانت فيرونيك تسائل مثله نفسها نفس السؤال. # ولما حل شهر يوليو سافرت فيرونيك إلى بادن بادن لتلحق بأبيها في فصل الصيف، ولم تكن قد ~~ذهبت إليها من قبل، ولقد سرتها تلك البلدة بما فيها من مباهج ومسرات، واجتاحت الحياة ~~الاجتماعية ومباهج المدينة المغرية أحلام استوديو مونتمارتر وجوها الهادئ. وحتى هذا الوقت ~~لم تكن فيرونيك تعلم شيئا عن مشروع زواجها بملك فرنسا المنتظر، رغم ms10 أن الموضوع قد سوي ~~فعلا بين والدها والسيدة البرنسيس دي بوربون والكونت فريزن السياسي الأوستوري، وكان هذا ~~الأخير يعمل وفقا لرغبة إمبراطوره الذي كان يود حصول هذا الزواج تبعا لما تلقاه أسرة دي ~~بوربون من تقوية مالية نتيجة لذلك، وكانت السيدة البرنسيس تدرك تماما قيمة الجانب المالي ~~في مشروعها الكبير، إلا أنها لم تكن قد رأت فيرونيك كريستوف بعد، وكانت رؤيتها لها لأول ~~مرة في الأوبرا في ليلة الافتتاح لرواية «روبير الشيطان» حيث كان جميع المتفرجين من الطبقة ~~الممتازة، وقد حضر الإمبراطور والإمبراطورة وكذلك البرنس والبرنسيس وبسمارك ملك ~~بروسيا. # وكانت فيرونيك جالسة في مقصورة والدها، وفي الاستراحة كانت محاطة بجماعة من الشباب خلاصة ~~البيوتات وأعراق الأسر، يحومون حول الوريثة الغنية، كما يحوم الذباب حول طبق من العسل. ~~وأشار الكونت فريزن نحوها ليريها للسيدة الكونتيس، فأمسكت هذه بمنظارها وأطالت النظر إلى ~~الفتاة، ولا شك أنها كانت جميلة جدا، ورائعة بشعرها الأدكن الناعم، وعينيها الزرقاوين ~~العميقتين، وشفتيها القرمزيتين، وقوامها الرائع المتناسق، حتى إن السيدة لم تتمالك نفسها من ~~أن تبدي إعجابها العظيم بالفتاة، وفكرت في ولدها ملك فرنسا، وكيف أنه لا بد له من أن يتزوج ~~الفتاة لنفسه لتسنده ملايين كريستوف في السعي لنوال حقوقه؛ فقد قال لها الكونت فريزن مرارا ~~بكل أسف إنه لا يمكن أن يتنازل البارون كريستوف عن جزء من ملايينه في مقابل شيء أقل من تاج ~~لابنته. # وأنزلت السيدة نظارتها والتفتت لصديقها، ثم ألقت عليه نفس السؤال الذي سألته من قبل أكثر ~~من عشر مرات: ألا يزال البارون كريستوف على رأيه؟ # فأجاب بتأكيد: نعم، لا يزال على رأيه. ~~- والفتاة ماذا قالت؟ ~~- لا تعرف شيئا حتى الآن، ولكن بمجرد أن تتشرف بتقديمها إليك ... ~~- ماذا تظنها قائلة؟ ~~- لا بد أنها ستوافق على رغبات والدها، فليس من السهل لامرأة أن تنال تاجا. # تنهدت السيدة ثم قالت بجفاف: إني أخشى أن تكون طماعة. ~~- إني لا أظن أن فيرونيك كريستوف طماعة بالمعنى الذي تقصدينه يا سيدتي، إذ إنها صغيرة ~~جدا وخيالية بمعنى الكلمة، ms11 والمستقبل الذي يرسمه لها أبوها سوف يغريها، لا بما فيه من ~~عظمة فحسب بل بما فيه أيضا من خيال. # ووضعت السيدة منظارها على عينيها، وأخذت تحدق النظر في فيرونيك مرة أخرى، وعلقت تعليقها ~~الجاف قائلة إنها في الحقيقة جميلة جدا. # ورد الكونت فريزن بحرارة: سوف تكون أجمل ملكة رأتها فرنسا. # ولكن هذا التعليق لم يلائم أعصاب السيدة المتوترة فقالت بغضاضة: لا يمكنك أن تتصور يا ~~فريزن أن يعطي ملوك فرنسا القدماء أنفسهم مقابل هذه الصفقة. # فرد الكونت باضطراب خفيف: سيدتي، إن ملوك فرنسا القدماء لم يعيشوا في عصر ~~ديمقراطي. # فردت عليه السيدة بفرنسية حادة مكسرة: أنا أكره الديمقراطيين، ولو أن عمنا لويس فيليب ~~كان يظن أنه سيكسب حب الشعب بخروجه في باريس بلا حراس وهو يحمل مظلته فوق رأسه، إلا أن ~~الباريسيين قابلوه على هذا بإعادته إلى إنجلترا، ولا شك أنه وجد أن مظلته هناك أفيد ~~له. # وقطعت حديثها وعادت إلى الموضوع الذي يشغلها: ألا ترى أنه شيء مروع، أقصد هذا الزواج يا ~~فريزن؟ # فأردف السياسي بتحفظ: إن للضرورة أحكاما يا سيدتي، بل ما أكثر الزيجات الملكية التي ~~حكمتها الضرورة، ولكن لماذا تعتبرينه شيئا مروعا؟ ~~- ملك فرنسا وابنة ألبرت كريستوف! # فرد الكونت فريزن بتأكيد: إنه رجل لا غبار عليه، وتعم شهرته جميع أنحاء أوروبا، وفوق ذلك ~~... # وتوقف عن الكلام ثم ضغط شفتيه على بعضهما، فإن الكلمات التي قالها ما كان يجب أن يتلفظ ~~بها؛ فقد كان سيقول: «وفوق ذلك فإن لويس السابع عشر ملك فرنسا تزوجك أنت انيزدي جامبا ~~الممرضة المجهولة الأصل، أرملة ضابط بالجيش الإنجليزي، فلماذا لا يتزوج لويس التاسع عشر ~~بفيرونيك كريستوف ابنة أحد أصحاب الملايين؟» إلا أن فريزن كان أكثر سياسة من أن يترك مثل ~~هذه الكلمات تخرج من فمه. # وتنهدت السيدة بنفاد صبر وقالت: لو يساعدنا إمبراطوركم أو قداسة البابا، فإنا لا نكون في ~~حاجة إلى معاناة أمر هذا الزواج. # فأردف الأوستوري برزانة: إن إمبراطوري وقداسة البابا مشغولان بمتاعبهما الخاصة، ولا ~~يمكنهما الإقدام على هذا ونذير ms12 الحرب يملأ الجو في كل مكان. # وردت السيدة باندفاع وحمية: ولكن نداء الدم، دم إمبراطورتكم العظيمة ماري تريز وماري ~~أنطوانت الجميلة الذي يجري في عروق ولدي. # وعادت الابتسامة الساخرة تتراقص على شفتي الدبلوماسي الماهر، وقال: للأسف يا سيدتي! إن ~~نداء الدم ليس أقوى من نداء المال، إن الإمبراطور يساعدك أدبيا، وتأكدي أن كل شيء ~~يمكن عمله من الناحية السياسية سيعمل، وإذا نجح ملك فرنسا في استعادة عرشه، فسنعمل بكل ~~الطرق الدبلوماسية للاحتفاظ به، ولكن لا شك أنك في حاجة إلى المال لتحقيق هذا، إلى مبالغ ~~عظيمة من المال وألبرت كريستوف راغب في تقديمها تحت شرط تستطيعين القيام به، بل ويجب عليك ~~القيام به. # فقالت السيدة بتصميم: ولكن هل أنت متأكد تماما من أن البارون كريستوف لا يكفيه أن يعقد ~~الملك لويس زواجه على ابنته بشرط أن يسقط حقها وحق أولادها منه من الإرث والملك ~~شرعا؟ # فهز الكونت رأسه بصبر نافد وهو يقول: لا شيء يكفي كريستوف سوى التاج لابنته، فإذا استوثق ~~من هذا فإنه ... ~~- ماذا؟ ~~- في اليوم الذي يوقع فيه عقد قران الآنسة كريستوف بلويس التاسع عشر ملك فرنسا، فإن ~~البارون كريستوف سيضع بين يديك نصف مليار فرنك. ~~- أواثق من هذا يا فريزن؟ # فرد الأوستوري مؤكدا: كما أنا واثق من أني حي يا سيدتي، ورجائي ألا تشكي في هذا ~~مطلقا، إن كريستوف رجل يوثق بكلامه، وإلا فما كان له أن يصل إلى هذا المركز الذي ~~يحتله. # وابتسم السياسي ابتسامة ذات معنى وتمتم: وعلى كل حال، فمن الناس من يتأخر عن أن يرى ابنته ~~وهي تتوج ملكة على فرنسا في مقابل بضعة ملايين، في حين أن لديه منها الكثير! # ولم تزد السيدة شيئا في ذلك الوقت، وحولت عينيها الجميلتين عن مقصورة البارون كريستوف ~~إلى أسفل الصالة، ودق الجرس مناديا المتفرجين، فبدءوا يعودون إلى أماكنهم، فقام الكونت ~~فريز مستأذنا، فمدت السيدة إليه يدها بجلال فقبلها وهو ينحني انحناءة كبيرة، ثم سألها: متى ~~يكون لي الشرف بتقديم الآنسة كريستوف لسموك؟ # وكان في نغمة ms13 صوته رنة التصميم والعزم، فارتعدت السيدة قليلا وسحبت يدها وهي تتنهد، ~~وكانت أمهر من أن يخفى عليها أنها سوف تقبل في النهاية؛ فلقد كان الكونت فريزن صديقها، ~~ولكنه فوق كل شيء كان يخدم إمبراطوره الذي كان يرغب حقا في هذا الزواج لتتدعم مالية آل ~~بوربون. إنه على حق، ولا بد لها وهي تحلم بقصر «التويلري» لولدها وتتويجه في ريمس من أن ~~تخضع لهذه الظروف، وأخيرا قالت: سأستقبل الآنسة فيرونيك غدا. ولكن نبه كريستوف بألا يذكر ~~لابنته شيئا عن الموضوع قبل أن تخبره. # واكتفى الكونت بذلك، فخرج وكان الأوركسترا قد بدأ في عزف أول قطعة من افتتاحية الفصل ~~الثاني، وشعر بالرضا عن نتيجة مهمته السياسية. # وقال بارتياح: سوف تدق أجراس الزواج قريبا. ~~••• # وفي اليوم الثاني دعا البارون كريستوف وابنته فيرونيك لتناول الشاي في فلا إليزابث، ~~ونال البارون شرف تقديم ابنته للسيدة البرنسيس دي بوربون، ولما كانت فيرونيك أوستورية الجنس ~~وفرنسية المولد وفوق ذلك فقد كانت من أشياع الملكية وتدين بمذهبها وتؤمن بالحق الشرعي ~~للملوك؛ فقد كان الملك الشرعي الوحيد لفرنسا في نظرها هو حفيد الملك لويس السادس ~~عشر. # ولقد كانت التحية والبشاشة اللتان قدمتهما للسيدة البرنسيس أعمق بكثير مما عملته من قبل ~~للإمبراطورة أوجيني؛ فقد كانت تلك التحية وذلك التظرف أشياء لا يستطيع الشخص الذي يريد أن ~~يجعل لنفسه مركزا في باريس أن يستغني عنها، إلا أن هذا الذي عملته أمام والدة ملك فرنسا ~~كان منبعثا عن إخلاص صادق، حتى إن السيدة سرعان ما تغير رأيها في الفتاة وفكرت في أن ~~فيرونيك بجمالها وصحتها وشبابها فوق ما فيها من حيوية وقوة؛ تخلق الحياة والنشاط في ولدها ~~الضعيف المخنث، ولقد حمدت الله على توفر هذا الجانب فيها. # وارتاح الكونت فريزن لمجرى الحوادث في ذلك الوقت؛ فقد اغتبط بما لاحظه من دلائل الألفة ~~التي تمت بين السيدة البرنسيس دي بوربون والآنسة فيرونيك كريستوف بعد مقابلتهما الأولى، ~~وسرعان ما أحست السيدة بالارتياح والثقة بالفتاة ودار بينهما الحديث، فذكرت السيدة لها ~~أحلامها وأمانيها وصورت لها ms14 ما سوف يحدث عند تتويج ملك فرنسا، وما سيكون عليه قصر التويلري ~~وفرسايل، وقالت: إن قداسة البابا سوف يحضر ليضع تاج القديس لويس على رأس الملك ويباركه، ~~كما سيحضر إمبراطور أوستوريا أيضا، والواقع أنه سيجتمع في الحفل كل الرءوس المتوجة في ~~أوروبا. # وأنصتت فيرونيك لكل هذا وهي مطرقة، وكان فؤادها يرتجف إذ وجد خيالها في كل هذا مادة مشبعة ~~له، ولكن حتى هذا الوقت لم تكن السيدة ولا البارون قد ذكرا شيئا عن مشروع الزواج ~~للفتاة. # وحدث بعد ذلك أن زارت الفتاة فلا إليزابث وجلست مع السيدة في الشرفة، حيث تطل على منظر ~~جميل فوق الطريق المؤدي إلى ليخنثال، وكانت السيدة كعادتها تتحدث عن فرسايل والتويلري، ~~فقالت: ألا ترين يا عزيزتي أن الإنسان يستطيع أن يعقد استقبالات رائعة في فرسايل؟ إنه ~~مكان مدهش للحفلات مع ذلك المدرج العظيم. # وقالت الفتاة ملاطفة: إنني لم أشاهده مطلقا يا سيدتي. # وأقرت السيدة: ولا أنا أيضا، غير أنه يمكنني أن أتصور كم يكون جميلا بأولئك العظماء ~~الذين يجتمعون فيه ليؤدوا التحية للويس! بل وما أعظم حضور البابا خصيصا إلى ريمس ليضع ~~التاج على رأس ولدي! # وقالت السيدة بغصة: وعلى كل حال فقد توج بيوس السابع ذلك البونابرتي المحدث الذي لا يمكن ~~أن يكون جديرا حتى يلعق حذاء لويس. # فغمغمت الفتاة بلهفة: لا بد أن أذهب إلى ريمس، إنها حتما ستكون رائعة. ~~- إنني أكاد أسمع هتافات الشعب القوية، هل تسمعينها يا فيرونيك؟ ~~- وأجابت الفتاة بابتسامة: إنها تطن في أذني. # وفي ذلك الوقت ملأت الجو هتافات بعيدة ظلت ترتفع شيئا فشيئا، حتى إذا اقتربت امتزجت بها ~~جلجلة الخيل وقرقعة العجلات، فقفزت فيرونيك على قدميها وجرت إلى طرف الشرفة حيث أمكنها أن ~~تكشف بالنظر طول الطريق، وقالت السيدة: إنه نابليون وأوجيني. # لقد كان الازدحام عظيما وكانت الأصوات والهتافات ترتفع إلى عنان السماء مرحبة بنابليون ~~الثالث وهو في أوج مجده وأوجيني في عز جمالها. # وتنهدت فيرونيك ثم التفتت إلى السيدة التي نمت عيناها الجاحظتان وشفتاها المطبقتان عما ~~يضطرم ms15 في نفسها من مرارة قاسية، وكانت أصابعها المرتعشة تمزق أطراف منديلها المطرز، وعادت ~~فيرونيك إليها ثم ركعت على ركبتيها ورفعت أناملها الرقيقة فوق يدي السيدة المرتعشتين ~~وهمست: سوف لا يبقى هذا طويلا. # وأردفت السيدة بحرارة: يا إلهي، لا تجعله يبقى طويلا! # وكانت السيدة تجاهد في ضبط عواطفها وتحاول إخفاء اضطرابها، ولقد أفلحت في هذا إلى حد ما، ~~فأمسكت بيدي فيرونيك كأنها تستمد منهما السلوى، ونظرت في عيني الفتاة الصغيرة وقد امتلأت ~~بالدهشة والإشفاق، ثم تمتمت: أيمكن أن أثق بك يا فيرونيك؟ # فاحتجت الفتاة بلطف: سيدتي! # فأتمت السيدة وقد تخلل صوتها الأجش نبرة حنان تحرك القلب: ترين أن أصدقائي الذين أثق ~~بهم قليلون، فليس لدي في الواقع غير فريزن، الذي يسير معنا في مشروعاتنا برغبة لا تقل ~~عن رغبتي فيها، ولكن الواحدة تود في بعض الأحيان لو تتحدث مع امرأة مثلها. # فقالت الفتاة برقة: إن هذه الثقة التي تضعينها في توليني فخرا عظيما. # ولكن السيدة لم تبدأ الحديث مباشرة، بل بقيت جالسة وقتا ما تنظر إلى الفضاء بعينين ~~ذاهبتين، وبدأت تتكلم بعد لحظة دون أن يقع نظرها على الفتاة التي لم تزل راكعة تحت قدميها، ~~وكأنما كان صوتها لنفسها أكثر منه إلى الفتاة؛ فقد تحركت شفتاها ولكن أفكارها كانت بعيدة ~~عما تتفوه به. ~~- لم تكن الحالة السياسية في أي وقت بعد موت زوجي العزيز أصلح لنا منها الآن، فإن ~~البونابرتيين يفقدون أتباعهم في وطنهم، وقد أصبحوا مكروهين في كل مكان خارج البلاد، فقد ~~أصبح الإنجليز لا يطيقونهم، وكان ملك بروسيا يترقب الفرص ليعلن عليهم الحرب. # وتوقفت بغتة ثم ألقت بنظرة فاحصة إلى فيرونيك، ثم تمتمت وهي تتنهد تنهدا طويلا: آه لو كان ~~لدينا المال! # فبدأت فيرونيك بانفعال: أنا واثقة من أن والدي ... # ولكن السيدة لم تدعها تذهب إلى أبعد من هذا؛ فقد استأنفت الحديث كأنما تكلم نفسها: يمكننا ~~أن ننجح، ويجب أن ننجح. # وتمتمت مرة أخرى: سوف يلتف الجيش حول العلم القديم الذي قاد فرنسا إلى النصر، ورجال حصن ~~ستراسبورج جميعهم ms16 يتبعوننا ، إن ما نحتاج إليه هو المال، المال الذي يجعلنا نبدأ ~~عملنا. # ورفعت يديها ببطء وهي تشير نحو العربة الفخمة التي اختفت عن الأنظار تتبعها الهتافات ~~المتعددة، ثم قالت: انظري إلى هذا البونابرتي كيف دبر الخطط ونظمها للوصول إلى العرش وقد ~~نجح في النهاية، ومن يكون هذا إن لم يكن سوى شحاذ اعتلى أعظم عرش في أوروبا، ذلك العرش الذي ~~يجب أن يختص به ولدي لويس التاسع عشر ملك فرنسا؟ # فلما ازداد انفعال السيدة البرنسيس ازداد صوتها قوة واتضحت فيه لهجتها الإسبانية، وإذا ~~بها تسير جيئة وذهابا في الشرفة لتهدئ من حدة اضطرابها. # وقامت فيرونيك تتبعها وهي لا تقل عنها انفعالا، وقد حرك الجو الذي أثارته شتائم السيدة ~~المنفعلة الدم حارا إلى خدي الفتاة، وكان ذهنها يشتغل باحثا عما يجب أن تفعله لتساعدها ~~وما سوف يفعله والدها عندما تستعطفه وتتعطفه؛ أن سوف يمد يد المساعدة إليها، إنها واثقة من ~~هذا، لو كان يعلم كيف أنها تأثرت منه، إن والدها لا يمكن أن يرفض لها طلبا ما دامت تطلب ~~منه وتستعطفه بإلحاح. # وضمت فيرونيك يدها إلى صدرها ودعت ربها بحرارة وقوة لم تصدر من قلبها من قبل: يا إله ~~السماء، يا ملك الملوك، سدد خطوات لويس التاسع عشر ملك فرنسا في استعادة عرشه! ~~••• # بعد ذلك بأيام قلائل أذنت السيدة للبارون بإخبار ابنته بمشروع الزواج المنتظر بلويس ~~التاسع عشر، وانعقد لسان فيرونيك لدى سماعها هذه الأخبار، أتكون ملكة فرنسا؟! إن هذا لا ~~يمكن أن يصدق أحد وقوعه لامرأة، وأغمضت عينيها وحاولت أن تتصور ما يقصد بكل هذا، وعاد إلى ~~ذهنها ما قالته السيدة البرنسيس عن كل تلك الأشياء الجميلة العجيبة الرائعة، التي ستحدث ~~عندما يصبح لويس ملكا على فرنسا، وتصورت قداسة البابا وهو يرفع بين يديه تاج ماري ~~أنطوانت! # لا يمكن أن يكون هذا حقيقة، لا بد أنه حلم وأن والدها كان يسخر منها، وأنها سوف تستيقظ ~~حالا وتتحقق من أن كل هذا لم يكن سوى حلم. # وأمسك أبوها بيدها وأخذها على ms17 ركبته ، وفتحت عينيها وهي تنظر إلى وجهه مسددة نظرها في ~~عينيه، فرأت فيهما بريقا لم تشاهده من قبل، حب، انفعال، نصر، كل هذه كانت تتلألأ في تينك ~~العينين الشفوقتين اللتين تفيضان حنانا ورقة. ~~- صغيرتي فيرونيك، ملكة فرنسا! # واغرورقت عيناها: أهذا حقيقي؟ فأطرق مؤكدا. # وأحست برغبة في الصياح؛ فقد كانت أصغر بكثير من أن تتحمل أعصابها مثل هذه الصدمة العنيفة، ~~وألقت برأسها على كتف والدها وصرخت، وضحكت، بينما كانت يده تمر برفق على رأسها ~~الصغير. # | الفصل الثالث # ومرت على سيرل برتراند أيام تعسة كتلك التي مرت عليه أيام أن كان في باريس، فكان يذهب في ~~كل مكان ينتظر أن يجدها فيه، ولكنه لم يرها لا في الكوراس ولا في الأوبرا ولا في أي مطعم ~~حديث ولا في الكنيسة أيام الآحاد. لقد عادت أيامه السوداء التي عاناها في باريس مرة أخرى، ~~بل إنها كانت أسوأ بكثير، إذ إنه في أي مكان يسير فيه كان يسمع اسمها على الألسن مرتبطا ~~باسم أخيه غير الشقيق. # غير أن سيرل لم يكن ليعير هذه الشائعات أذنا صاغية، وكان يرجو ألا يخرج هذا عن أن يكون ~~أراجيف لا صحة لها. # أيمكن أن تكون فيرونيك المعبودة لأخيه الهزيل الضعيف؟! إن فيرونيك له وحده، وتربطه بها ~~قوة الحب العظيمة. # ولكم فكر في جنون أن يقتحم فلا ماري تريز ثم يلقي بذراعيه حولها ويحملها بعيدا إلى ~~جزيرة نائية، حيث لا يسمع شيئا عن هذا الزواج المفزع الذي كان في نظره عبارة عن حياة طويلة ~~تعسة لها. # على أنه لم يكن هناك فائدة من اقتحامه فلا ماري تريز، إذ إنها لم تكن هناك فقد أرسلها ~~البارون كريستوف إلى أقاربها في أوستريا، إذ رأى أن الأصوب لها أن تكون بعيدة عن دكان ~~بادن لمدة قصيرة؛ فقد أدرك من اختباراته أن السيدة البرنسيس متقلبة الأهواء ذات طبع شاذ، ~~وعلى كل حال فقد بان من الأصوب أن تبتعد الفتاة لوقت قصير ثم ترتب مقابلة رسمية بينها ~~وبين خطيبها. والواقع أن السيدة نفسها لم تكن ms18 تثق في ولدها، حتى إنها رأت هي وكريستوف ~~أن من الخير ألا يتقابل الصغيران إلا حينما يتقرر نهائيا أمر مستقبلهما. ~~••• # وأرسلت السيدة بعد سفر فيرونيك إلى ابنها تطلب إليه الحضور إلى بادن بادن، وحضر إليها وإن ~~كان في الواقع قد حضر بسبب قوي آخر لم يكن ليخطر على بال السيدة حتى ذلك الوقت، لم يكن هذا ~~السبب سوى إلين سان أماند التي عقدت اتفاقا مع أوبرا بادن بادن، حيث تقوم بالدور الأول في ~~«الباربير» إحدى روايات روسيني الخالدة. # وازدحمت الأوبرا بالمتفرجين، وكان معظمهم من أعلى الأوساط وأرقاها، وكان الإمبراطور ~~نابليون والإمبراطورة قد غادرا بادن، فحضر في تلك الليلة البرنس بسمارك وزوجته والسيدة ~~البرنسيس دي بوربون وكذلك البرنسيس مترنيخ والدوقة موشي والبارون كريستوف مع بعض أصدقائه، ~~ثم البرنس دي بوربون في مقصورة أخرى، وقد حضر أيضا روسيني نفسه وحوله جماعة من المتملقين، ~~كل منهم مستعد لخلع قفازه الأبيض ليصفق أعلى تصفيق. # وصاح المؤلف الكبير العجوز بأعلى صوته فى آخر المشهد الكبير من الفصل الثاني: برافو ~~إلينا، برافو! وتدلى نصف جسمه من المقصورة وهو يلقي بباقة عظيمة من الزهور إلى الممثلة ~~الصغيرة الأولى. # وعندما نزل الستار تقدمت الآنسة سان أماند لتتلقى تحيات المتفرجين، فتساقطت على قدميها ~~باقات من الزهور، كان بينها واحدة مكونة من الزنبق الأبيض ألقيت من مقصورة البرنس دي بوربون ~~أو بالأحرى لويس التاسع عشر ملك فرنسا. وعندما رأته السيدة والدته وهي جالسة في مقصورتها ~~ضغطت على مروحتها بعنف، فانكسرت أحد قضبانها المطعمة بالجواهر الثمينة، وقال صوت مشفق من ~~جانب المقصورة: يا للأسف، لقد كانت مروحة جميلة! وكان هذا صوت الكونت فريزن حيث كان يؤدي ~~واجب التحية للسيدة إبان الاستراحة، قال هذا وأردف كلامه بابتسامته الساخرة على وجهه ~~الجميل، وقد لاحظ توتر أعصاب السيدة وانفعالها، وأشارت بمروحتها المتكسرة إلى مقصورة ابنها ~~ملك فرنسا، وقد وقف على قدميه بعد أن خلع قفازه متجها مع الجمهور حيث كانت الآنسة سان ~~أماند، ثم قالت بغصة: إنه ذاهب إليها! # فهز فريزن كتفيه كأنما يقول: ms19 ولم لا؟ # فغمغمت السيدة: ملك فرنسا! # فقال الأوستوري وعلى شفتيه ابتسامته المعروفة: إن ملوك فرنسا يا سيدتي لا يختلفون عن ~~باقي الرجال، بل إن بعض الملوك العظام مثل لويس الرابع عشر ... # فاحتجت السيدة: ولكن ليس أمام الجمهور يا فريزن؟ # وأردف السياسي بجفاف: لا، إني أظن أن الأسلوب الذي كان متبعا في تلك الأيام هو أن يطلب ~~صاحب الجلالة السيدة التي يرغب في مصافحتها لتكون بين خاصته، غير أني لا أظن أن هذا ~~يحفظ الكرامة أكثر من هذا الأسلوب الديمقراطي الحديث. ~~- لا تكلمني عن الديمقراطية يا فريزن وأنت تعلم أني أكرهها، إن لويس ما كان يجب أن يحضر ~~هنا مطلقا، لقد اعتذر لي عن عدم مجيئه إلى مقصورتي، ولا يعلم إلا الله من يتمسح بكتفه الآن ~~في ذلك الزحام. # ولم يجب السياسي عن هذا بشيء لأنه كان يعلم أن التحدث في الموضوع أكثر من هذا لا ~~يجدي، وعلى ذلك فإنه بعد لحظات قلائل تحدث عن أشياء أخرى. وعند ذلك علا صوت الجرس وتوافد ~~المتفرجون إلى أماكنهم، وطافت عينا السيدة الجميلة بين جماعات الشبان ذوي الملابس الحديثة ~~الأنيقة، ولكن صاحب الجلالة ملك فرنسا لم يكن بينهم، ولكنها قبل أن تتمكن من إلقاء الكلمات ~~الحادة التي تبادرت إلى شفتيها، كان مدير المسرح قد أعطى إشارة البدء وضرب الأوركسترا أول ~~لحن لمقدمة الفصل الثالث، فقام الأوستوري ليذهب، فقالت السيدة: أريد أن أراك ثانية يا ~~فريزن. # فأردف قائلا: في خدمتك يا سيدتي. # ثم قبل يدها، فأتمت السيدة: إذن بعد انتهاء الرواية في الفلا، أريد أن أخبرك عن الخطة ~~التي اعتزمت تنفيذها. ~~••• # ولكن ما كاد الكونت فريزن يفد إلى فلا إليزابث، حتى وجدها لا تزال في درجة شديدة من ~~الانفعال، فما كاد يدخل إلى الغرفة حتى بادرته قبل أن تقدم له يدها ليقبلها بقولها: ~~إنه لم يأت حتى الآن يا فريزن، لقد خبلته ابنة سان أماند. # ولم يفعل الأوستوري أكثر من أن هز كتفيه كأنما يقول: وماذا لو فعل؟ ثم قال بعد ذلك: ولكن ~~أين قابلها ms20 جلالته أول مرة؟ # وكان السياسي الماهر يدرك أن أعصاب السيدة يمكن أن تهدأ دائما بالكناية عن لويس دي ~~بوربون ب «جلالته»، ولكنها في هذه المرة لم تهدأ ثائرتها، بل أجابت بحدة: في ستراسبورج، لقد ~~كانت تغني في قهوة هناك، لم يكن يفكر أحد فيها، ولكن لويس عمل المستحيل لتوقع عقدا هنا، ~~ولست أدري كيف تمكن من ذلك، وعلى كل حال فها هي النتيجة. # وكان الخادم قد أحضر القهوة وبعض المشروبات، فجلست السيدة وأخذت قدحا من القهوة، ولاحظ ~~فريزن أنه يهتز في يدها اهتزازا ضعيفا، وأخذت رشفة من فنجانها، وكانت عيناها الداكنتان ~~تتبع حركات الخادم في الغرفة كأنما تريد أن تخلص منه، حتى لقد كانت تتراقص على شفتيها ~~كلمة الأمر له بالخروج. # وفكر فريزن وهو يأخذ رشفة كبيرة من فنجانه أنها امرأة لطيفة، ولو أنها متقلبة الأهواء إلا ~~أنها طموحة، ولكن هل تستطيع أن تعمل بتعقل إذا واجهت الفشل؟ # وأخيرا خرج الخادم. # وتنهدت السيدة لتخلصها وقالت بهدوء: اجلس يا فريزن، ولا تدعنا نتكلم بعد عن هذا الموضوع ~~المتعب، اجلس واصغ إلي، خذ شيئا من هذا الشارتريز، إنه طيب جدا، اسمع، أريد أن أخبرك ~~عما قررناه وإن كان لديك اعتراض ... # وجلس فريزن وفنجان القهوة لا يزال في يده، وأخذ يرتشف منه وهو يفكر مترقبا، واضطجعت ~~السيدة على مخدة الأريكة وقالت: إنك تعلم أن لويس قد قضى في هذا الصيف وقتا طويلا في ~~ستراسبورج، وكنت أرجو أن يتعرف موقفه بين رجال الحصن. # وأومأ فريزن برأسه مشيرا إلى أنه يعرف هذا. فاستمرت السيدة: حسنا! لقد عرفنا الآن أن ~~رجال الحصن عن آخرهم من أتباعنا، ولا شك في هذا يا فريزن، فإني واثقة تماما مما أتحدث عنه، ~~إن هؤلاء الرجال ليسوا ملكيين فقط، بل إنهم متحمسون للملكية، إنهم يتكونون من فصيلتين؛ ~~إحداهما فصيلة فرسان والأخرى هي الفصيلة الثالثة من الطوبجية، ولقد جهزنا علم الزنبقة ~~الجميلة، ومن المؤكد تماما أن هذه الفصائل ستلتف حول هذا العلم القديم، وعندما يتم كل شيء ~~فإن لويس سيعود إلى ستراسبورج ms21 حيث يخطب في الرجال، وستسمع فرنسا كلها صدى هتافاتهم «يعيش ~~الملك». # وتنهدت في تمن وأمل قائلة: إنني أرجو أن أكون هناك لأسمع هذه الهتافات. # وارتشف الأوستوري قهوته ثم وضع الفنجان فوق المنضدة وسأل: لم لا تفكرين في الذهاب ~~بنفسك؟ # فردت السيدة: لا، ليس هذا من الصواب، فربما تشك السلطات، إذ يجب أن تبقى حركات لويس ~~مستورة، وليس من السهل لسيدة أن تعبر الحدود دون أن تستلفت الأنظار. # وتمتم الكونت فريزن: أهذا حق؟ # وفكر ولكنه لم يقل: وعلى الأخص سيدة مثلك. # واستأنفت قائلة: كثيرا ما عبر لويس نهر الرين عند كيل فوق الجسر العائم، فليس عليه خطر ~~كبير هناك. # ثم توقفت، ولقد يظن الإنسان أنها بذلك كانت تقيس مدى تأثير كلامها عليه، غير أنها لم تكن ~~تلقي الكلام على عواهنه، بل كانت تعني كل كلمة تقولها، ولا يشغل فؤادها سوى غرض واحد، وهو ~~الحصول على التاج لولدها. وعلى هذا فإنها لم تلاحظ إعجاب الكونت بجسدها في ذلك الوقت، فقد ~~كانت ترغب في أن تبعث فيه حماسا لمشروع لويس الذي يشغلها، حتى إذا تشيع لفكرتها استطاع ~~أن ينقلها لإمبراطوره ثم لقداسة البابا وفي كل أنحاء أوروبا. # ولقد مر زمن بعيد لم يخطر على بالها فيه أنها ما زالت جميلة وهي في منتصف عمرها، وقد صقل ~~انفعالها نضرة عينيها السوداوين، وبعث في صوتها رنة امرأة غريبة واستأنفت قائلة: في ~~ستراسبورج سيقابل لويس الجنرال ريوفو والكولونيل دي بروك ونوايانت، وأملنا كبير في أن ~~الجنرال أفيلين الذي يقود الفصيلة الثالثة سوف يعلن انضمامه إلينا. # فقال فريزن: إن رجلا مثل هذا سوف يكون ذخرا عظيما عندما تنجح خطتك. ~~- سوف تنجح يا فريزن، لا تشك في هذه الخطة مطلقا، إن لدي عزيمة تحرك الجبان. # وأخذ الكونت فريزن قدحا من الشارتريز وشربه ووضعه ثانية، ثم قال بجفاف: ومتى إذن تتحرك ~~الفصيلة الثالثة من الجيش؟ # وأدركت السيدة ملاحظته، وكانت تعلم أن صديقا مخلصا شفوقا مثل فريزن لا بد أن تكون ~~هذه الكلمات القاسية قد بدرت منه رغم إرادته، فأجابت ms22 في برود: بعد أن يخطب لويس في رجال ~~الحصن، وسيذهب الكولونيل نوايانت إلى مجلس القرية ومعه شرذمة من جنوده في الصباح المبكر، ~~فيجدون شيخ البلد عندما يكون قد نهض من نومه ليشرب قهوته، وبعد ذلك يكون تحت رحمتهم فيطلبون ~~منه أن يسلم نفسه، وبمجرد أن يتم لهم هذا فإن نوايانت سيتجه بفرقته إلى مقر العمدة ويقبض ~~عليه. ~~- وبعد ذلك؟ # وأردفت السيدة بحدة: وبعد ذلك! وبعد ذلك! إنك تثير سخطي يا فريزن، ألا ترى أنه بالاستيلاء ~~على ستراسبورج يكون مفتاح باريس بل فرنسا أيضا تحت يدنا؟ # ورد السياسي القديم وهو يفكر: بالاستيلاء على ستراسبورج، نعم. # فأتمت السيدة: وسيترك لويس هناك أفليس قائدا لحامية الحصن، ثم يتخلف مع ضباطه وهيئة ~~أركان حربه إلى الحدود حيث ينتظر رجاله عودته، وسيتخفي ضباطه في ملابس ملكية ويتخطون الحدود ~~معه، وفي ذلك الوقت أكون أنا هنا قد جهزت كل شيء لإتمام عقد القران ولاستقبال صاحب الجلالة ~~ملك فرنسا وحاشيته بما يليق بهم، وبعد عقد القران يعود صاحب الجلالة إلى ستراسبورج ثانية ~~وفي جيبه مليار كريستوف، فيعقد لنفسه قيادة الفصيلة الثالثة، ويزحف إلى باريس مصحوبا ~~بالابتهال والفرح بعودة ملك فرنسا الشرعي إلى مقر ملكه. # وكان انفعال السيدة يزداد شيئا فشيئا وهي تتكلم، وقد كانت معتقدة كل الاعتقاد بنجاح ~~خطتها حتى النهاية، وكان صوتها يعلو شيئا فشيئا، واللهجة الإسبانية تتضح فيه بجلاء، وقد ~~ظهر في عينيها السوداوين بريق عجيب، وكانت تقوم من مكانها تذرع الغرفة جيئة وذهابا، ثم ~~تعود ثانية فتجلس منتصبة القامة وتعدل كتفيها، فيرتفع صدرها الجميل إلى الأمام، وكانت ~~تتلألأ تحت أضواء القناديل خواتمها الثمينة وسوارها المرصع وهي تحرك يدها مؤكدة ما يصدر ~~عنها من أقوال. # وجلس فريزن صامتا يفكر وقد كان سياسيا من المدرسة القديمة، صادق الفراسة واسع الحيلة، ~~فكان من المستحيل أن يتصور تماما ما تخفيه الطلاقة التي تكسو دائما وجهه الجميل، والتي ~~حبته بها تربيته العالية. غير أنه لم يسأل السيدة عن الوقت الذي تظن أنها ستبدأ فيه بتنفيذ ~~مشروعها، إلا بعد أن ms23 رأى أن السيدة تنتظر منه أن يقول شيئا وأجابت: إنني لا أعرف الآن، ~~وطبعا لا بد أن يبدأ بأسرع ما يمكن، ولو أن هناك أشياء ما زالت تحتاج للتفكير فيها ~~وتنظيمها، ولكني أريد أن أعجل بتنفيذ ما تم لنا فيها حتى الآن؛ فلقد سارت الأمور على ما ~~يرام مع كريستوف والفتاة، ويجب أن يسافر لويس غدا أو بعد غد إلى ستراسبورج، فأنا لا أريد ~~أن يسير أبعد من هذا مع فتاة سان أماند هذه. # وانفجرت بصبر نافد وهي تبحث بعينيها في وجه صديقها، كأنما تريد إجباره على أن يفصح لها عن ~~حقيقة رأيه: إن ما أخبرتك به يا فريزن ليس إلا مجمل لخطتنا، ولكن أترى أن لويس سيتبع هذه ~~الخطة حتى النهاية؟ يجب أن تنفذ الخطة حالا بتوقيع عقد الزواج، فإن مليار كريستوف ~~يساعدنا في بدء التنفيذ حالا! هل فهمت؟ ويمكن أن يكون الزفاف بعد ذلك في باريس، والتتويج ~~سيكون بعده بمشيئة الله مباشرة. # وتنهدت تنهدا عميقا ثم قالت: وعلى كل يا صديقي، فلن يمضي هذا العام حتى تذهب دولة ~~هذا الإمبراطور وتقام في ريمس حفلة تتويج الملك لويس التاسع عشر. # فقال الأوستوري في حرارة: ليحقق الله هذا! # وتغيرت حالة السيدة بعد هذا مباشرة؛ فقد كانت هكذا دائما حامية الطبع في لحظة باردة في ~~الأخرى، متحمسة متقلبة حتى ليستحيل أن تعرف كيف تأخذها، وقد عراها في هذا الوقت شعور ~~بالمرارة، حتى إنها تنهدت بصبر نافد وقالت: إن ما نحتاجه هو النشاط والحزم. # وكررت هذا مرتين أو ثلاثا، الحزم والنشاط والتصميم على النجاح. # واحتج فريزن: ولكن جلالته ... # وانفجرت السيدة فقاطعته بسخرية مريرة: شاب جذاب، هه؟ يتقن فنون الرقص ويغرم بالسحر، إنه ~~جميل الطلعة ومحبوب ولكنه ... # وكانت تعبيرات وجهها تشتد حتى أصبحت قاسية، وباتت لا تستطيع أن تستقر على حال، فقفزت مرة ~~أخرى على قدميها وذهبت إلى النافذة ففتحتها بعنف، وكان فريزن لا يزال جالسا وهو يضغط يديه ~~المشتبكتين بين ركبتيه. وبغتة تحولت السيدة عن النافذة وعادت إليه، ثم جلست ثانية على ms24 ~~الأريكة ، وعدلت طيات ثوبها ثم أخذت مروحة من فوق المنضدة القريبة، وأخذت تعبث بها بحالة ~~مضطربة؛ فقد كانت عصبية تماما، وكانت تجري في ذهنها أفكار غريبة، وانطلقت قائلة: إنك لم ~~تر ولدي الأكبر يا فريزن، أليس كذلك؟ # فقال الأوستوري في دهشة محتشمة: إنني لا أعرف ... # فقاطعته بخشونة: إن لي ولدا آخر، لقد كان زوجي الأول إنجليزيا كما تعلم، كان جميلا ~~كأنما هو تمثال صنعه فيدباس، غير أنه كانت له صلابة التمثال وبروده، وكان يقدس ولنجتون ~~ويتخذه مثلا أعلى، ولست في حاجة لأن أخبرك ماذا نحمل نحن الإسبانيين لولنجتون هذا. لقد كان ~~مارك متغطرسا مستبدا برأيه، ولم يكن ينظر إلى المرأة أكثر من نظرته إلى كلبه أو حصانه، ~~ولما دفعتني أعماله إلى الثورة عليه، ساقني كما يسوق العبد العاصي بالسوط في يده، ولست أعرف ~~الآن إذا كنت قد أحببته أو كرهته، غير أني أنجبت منه أجمل ولد يمكنك أن تتصوره يا فريزن، ~~ولكني أكرهه! # واكتسى وجه السيدة الباهت الجامد بأفظع تعبير عن الحقد والضغينة، وأحس الكونت فريزن بضيق ~~شديد ولم يعرف ماذا يفعل أو يقول، فإنه لم ير طول حياته السياسية امرأة يشتعل بنفسها غضب ~~شديد كهذا. # واستأنفت السيدة: إنه فر من المنزل منذ اثني عشر عاما، بعد أن أخذ معه من نقودي ما ~~استطاع أن يحمله، وما تصور أنه سيكفي حاجته، ثم عاد إلي بعد ثلاث سنوات وقدم إلي المال ~~الذي سرقه، أو الذي اقترضه كما كان يقول. # وأتمت السيدة وهي تحاول محاولة واضحة أن تجرد نبرات صوتها من الخشونة: لقد كان أجمل ولد ~~رأته عيناي، كانت سنه وقتذاك تسعة عشر عاما، وكان يشبهني كل الشبه، كما كان يشبه جلالته ~~كثيرا، إلا أنه يختلف عنه في القوام؛ فقد كان له قوام أبيه الممشوق، وكان له بروده وغروره ~~واعتداده برأيه، ولكنه رجل يا فريزن، إنه رجل حقا. # وسكتت السيدة مرة أخرى، وكان الأوستوري حتى الآن لا يدري ماذا يراد به، حتى إنه ود لو ~~استطاع أن يستأذن ويهرب، ولكن يظهر أن ms25 السيدة في ذلك الوقت لم تكن تشعر بوجوده، وأخيرا ~~تجاسر وسأل قائلا: ألم تري الفتى منذ ذلك الحين يا سيدتي؟ # فأجابت بحدة: لا. ~~- ألم تعلمي ماذا جرى له؟ ~~- لا أعلم بالضبط، ولكن الكاردينال بنفنتي، وأظنك تعرفه، لا يزال على ما يظهر له اتصال ~~به؛ فلقد سألته عن سيرل يوما فقال نيافته إنه درس الرسم في باريس، وإنه يسعى بجد ~~للحصول على شهرة عظيمة في عالم الفن. # فسأل فريزن: أتقولين سيرل يا سيدتي؟ أيكون ولدك سيرل برتراند؟ أهو ذلك الشاب الرسام ~~الذي قام بعمل صورة جميلة للآنسة كريستوف وعلقت في صالة العرض هذا العام؟! # فسألت السيدة ببرود: أهو يرسم صورا؟ إنني لم أعلم؟ ~~- أؤكد لك يا سيدتي أن شهرة سيرل برتراند قد طبقت الآفاق في عالم الفن في باريس. إنني ~~وإن لم أكن قد رأيته فإن النقاد يقولون عنه إنه يرجى منه الخير الكثير؛ لم يكن مادحوه ~~أقل من جان أوجست وأنجر نفسهما، بيد أن فكرة أن سيرل برتراند هو أخو جلالته ... # فقالت السيدة بجفاف: إنه أخ غير شقيق لا أكثر، كما لا تنسى أنه إنجليزي وأنا عليمة بأن في ~~هذا خسارة لي. # وبعد هذا حولت السيدة مجرى الحديث بتقلبها المعتاد إلى الصور والأوبرا وغير هذا من ~~الأحاديث التافهة، كأنما كانت تريد أن تمحو من ذهنها كل فكرة عن ولديها. ولما تأخر الوقت ~~قام الكونت فريزن مستأذنا وتمنى للسيدة مساء طيبا، ثم انحنى أمامها انحناءة كبيرة وقبل ~~يدها الممدودة بجلال نحوه وكانت لا تزال يدا جميلة، حتى إن فريزن لم يتمالك نفسه من أن ~~يفكر وهو يمسك بها لو يتوفر لهذه اليد الإرادة والحزم، فكم تكون قاسية لو ضربت! # وبعد دقائق كان واقفا تحت مظلة باب الفلا، وقد وقف خلفه بلا حراك رئيس الخدم الذي ~~أوصله إلى الباب، فأوقد فريزن لفافة تبغ وذهبت أفكاره مع ما رآه من تلك السيدة الطموح وطفق ~~يفكر. # إنها تطلب السيطرة والانتقام، إنها مديسي أو بورجيا جديدة، كم تكره ولدها! هي تكرهه لأنه ~~جميل وقوي، في ms26 حين أن ولدها المختار الذي هو سلالة الملوك ليس إلا مخلوقا ضعيفا، آه! ~~حسنا، سواء أكان هذا ضعيفا أم غير ضعيف فإن إمبراطوري يرغب في أن يكون على عرش فرنسا، ~~ولذا فيجب علينا جميعا أن نساعده لنرفعه إليه. # ونزل الكونت فريزن درجات السلم وهو يصفر آخر لحن من ألحان جون ستراس. # | الفصل الرابع # وفي تلك الساعة كان ملك فرنسا غير المتوج يسعى لاستعادة عرشه وبلاده بطريقته الخاصة، ~~فبينما كانت والدته تتباحث مع السياسي الأوستوري في الترتيبات الحربية، كان لويس دي بوربون ~~جالسا تحت قدمي إلين سان أرماند يصف لها بمختلف فنون البلاغة فتنتها وقوة جاذبيتها، وكيف ~~أنه لا يعبأ بالعروش الملكية ولا بتاج سان لويس لو ظهر أنها تتعارض مع رغبته المتوقدة. ~~وكانت ألين تستمع إليه وقد لذ لها ما تشعر به من إرضاء لغرورها، وسرها ما أثارته من ~~عاطفة في فؤاد هذا الشاب الذي يعجبها فيه مسحته الملكية حينا، وشخصيته الغريبة حينا ~~آخر. # فقالت لتسره دون أن يخالط لهجتها أقل شيء من سخريتها المعتادة: وما هي رغبة جلالتك ~~المتوقدة؟ # فأردف جلالته بحرارة: كيف تسألينني؟! هي أن تكوني لي بكليتك. # كانت ألين سان أماند قد نزلت في أحدث فندق فوق التل، حيث يطل على منظر جميل على طريق ~~ليخنثال، والنهر حتى آخر أطراف الغابة. وكان الاثنان يجلسان قبالة بعضهما أمام المنضدة ~~يتناولان طعام العشاء، ولم يستطع هو بالنسبة لانفعال عواطفه أن يتناول منه شيئا، بل كانت ~~عيناه المحمومتان تتبعان حركاتها وهي تأكل بشهية كبيرة عقب المجهود المضني الذي قامت به في ~~عملها. # ولما رفع الخادم المائدة وذهب قام كلاهما؛ هي لكي تلقي بنفسها في ركن من الأريكة تنشد ~~الراحة، وهو لكي يحظى بالجلوس أقرب ما يكون منها، بالقدر الذي تسمح به. # وقالت له برقة: إنك ستكون يا لويسي ملك فرنسا يوما ما، فمن ستكون مغنية الأوبرا ~~الصغيرة المتواضعة بالنسبة لك؟ # فأردف بحرارة: إنني أتخلى عن أكثر من عرش فرنسا على ألا أفقدك أنت. # وجاء الرد سريعا وبغير خشونة: ماذا يكون ms27 من أمر فيرونيك كريستوف؟ ~~- أوه فيرونيك! # وهز كتفيه مظهرا عدم اكتراثه بالموضوع. # فأتمت إليه بتنهدة حزينة قصيرة: إنهم يقولون إن كريستوف الكبير يعمل بكل قلبه لكي يجعل ~~من ابنته ملكة لفرنسا. # فتدخل قائلا: لا تضيعي الوقت بالتحدث عن كريستوف الكبير. ~~- إن لديه ملايين كما يقولون. ~~- إنني أعبدك. # وأتمت بتنهدة أخرى أكثر عمقا: وليس من شيء يعجز المال عن إتيانه. # فغمغم يقول في حلم: إنك أجمل مخلوقة على وجه الأرض. # ولقد كانت عينا ألين واسعتين رجراجتين، فوقهما حاجبان رفيعان يرتفعان قليلا عن ركني ~~أنفها الدقيق الصغير، فيعطيان لنظرتها تأثيرا خاصا يجتذب بعض الرجال الذين يحسون بالقوة ~~والفخار لمجرد شعورهم بأنهم يحمون امرأة محبوبة ضعيفة لا سند لها، ولقد كانت هيئة ألين سان ~~أماند تعطيها طابع المرأة العاجزة الضعيفة، وكان لويس - وهو المخنث الضعيف البنية - يشعر ~~برجولته عندما تناديه عيناها بتلك النظرة المغرية، وكان يعبدها من أجل هذا الشعور بالقوة ~~الذي يبعثه نداؤها منه. # وكان يحس بنشوة يكاد يذوب لها جسده، عندما تمر بأنامل يدها الجميلة المعطرة أمام وجهه وهي ~~تربت على خده أو تعبث بشعره، وإنه ليغمض عينيه ويقول أو يفعل أي شيء في العالم تطلبه منه، ~~بل لا شك أن يتنازل - لو طلبت - عن كل حقوقه في عرش فرنسا، وغمغم يقول: ماذا يبقى لي في ~~الدنيا إذا لم تكوني معي؟! # كانت ألين من ذلك الصنف من النساء القلائل اللواتي يمكنهن أن يعشن دون أن يفقدن سحرهن، ~~لقد درست منها أمام مرآتها لأنها كانت تعلم أن عبوسة فاتنة تكفي لتذيب قلب الرجل العنيد ~~أسرع من أي شيء آخر، وعلى الأخص إذا اقترنت بالدموع من عينين زرقاوين ساحرتين، وقد استطاعت ~~أن تمزج بين هذين بنجاح. # فقالت بصوت محطم: إنك تقول هذا يا لويس، ولكني أعلم أن رأسك مليء بالخطط. إنك تحتج! وتقسم ~~أنك تحبني، ولكن ألست ترسم خططا؟ ~~- ماذا تعنين بالخطط؟ # واستطاعت أن تهيئ دمعتين في تينك العينين الرجراجتين فانزلقتا على خديها الناعمين، وقالت: ~~خططا لتتركني، لتصير ملكا لفرنسا، وعند ذلك تصبح ms28 بعيدا عني بعد النجوم عن الأرض. # فاحتج قائلا: لست أنا الذي أضع تلك الخطط ولكنها أمي. # فقالت وهي تبكي: لا فرق بين هذا وذاك، فإن هذه كلها عملت لتحرمني منك. # فقال وقد اكتسى وجهه الجذاب بمسحة من العناد: لست في حاجة لأن أذهب. # فسألت الفتاة: تذهب؟! إلى أين؟! ~~- إلى ستراسبورج. # فتنهدت تنهدة طويلة عميقة، وغمغمت بتأثر: ستراسبورج! # وألصق جسدها إليه بقدر ما يستطيع، ثم قال برقة: إنه المكان الذي قضيت فيه أسعد أيام ~~حياتي حيث تقابلنا لأول مرة يا ألين، وأحب كلانا الآخر. # فسألت قائلة: لماذا يجب أن تذهب؟ ~~- إنه جزء من خطتهم كما تعلمين. ~~- أنا لا أعلم شيئا يا لويس، خبرني. ~~- ليس هناك ما يطول الحديث عنه، فإن علي أن أضايق نفسي بمقابلة بعض الرجال هناك، هذا ~~الكولونيل وذلك الجنرال، ويجب أن أخطب في رجال الحامية، وسيهتف الرجال «يعيش الملك» ثم ~~يتبعونني. # ثم غمغم في ملل: أوه! دعينا من كل هذا، لنترك الحديث عن هذه المشروعات المضنية. # ثم أتم بنغمة حالمة: إنني لا أريد من كل هذا أكثر من أن أحبك. # وكان لويس قد سئم من الخطط التي تدفعه إليها أمه. # وأغلق عينيه، فسحبت ألين نفسها بلطف من بين ذراعيه ونظرت إليه مباشرة لحظة أو اثنتين، ~~وبان في عينيها معنى غريب؛ أهو الحب؟ ربما، غير أنه في الحقيقة كان طيشا وشفقة، وكان طمعا ~~أيضا. وقالت لنفسها: على كل حال فإن لويس يكون زوجا مناسبا، فهو وإن كان ملكا غير ~~متوج فإن لقب البرنس دي بوربون له وقع لطيف في النفوس، ولسوف يفتح لها أبواب الهيئة ~~الاجتماعية التي ظلت مغلقة دونها وهي ممثلة أولى صغيرة. إنها واثقة من أن لويس محب شفوق ~~صادق. وبينما كانت تنظر إليه، اشتدت نظراتها قليلا؛ فقد حل الحزم شيئا فشيئا محل الطيش، ~~إذ لم يكن في إرادة ألين أي ضعف، فإنها إذا أرادت شيئا فلا بد من أن تنفذه، وقد كانت تعلم ~~تماما أن في استطاعتها أن تجعل لويس يلقي بالعرش وبفيرونيك وملايين أبيها على ms29 الرغم من ~~سلطان أمه عليه، ولكن لم تكن تلك هي المسألة؛ فقد كان ما يشغلها هو هل هي تريده ~~حقا؟ # ما أغرب أهواء المرأة ورغباتها! إنها معضلة تعجز هي نفسها في كثير من الأحيان عن حل ~~معمياتها! وقد كانت ألين حتى هذه اللحظة لا تعرف تماما ما تريد، وأخيرا قررت أن تترك ~~نفسها للظروف ولما تمليه عليها عواطفها. # وقامت إلى آخر الغرفة حيث صفت بضع كئوس وزجاجات فوق رف دولاب قديم الطراز، وتبع لويس ~~حركاتها بعينين متكاسلتين، ثم قال لها برقة: أقد ملأت كأسا؟ تعالي إلي. # وعادت إليه وفي يدها كأس، ثم قالت وهي تعطيها له: إنه توكاي، أرسله إلي الكونت زيشي ~~مباشرة من مزارعه في هنجاريا. # وأخذ لويس الكأس فشربها، وقال: شراب الآلهة! كأسا أخرى. ~~- ولم لا؟ # فأخذت كأسه وملأتها ثانية، فشربها أيضا ثم وضعها وهو يقول: إنه رحيق لذيذ! والآن تعالي ~~هنا إلى جانبي. # ومد يده إليها فأمسك بيديها وجرها إلى جانبه وقد طارت مسحة النعاس التي كانت تكسو وجهه، ~~والتمعت عيناه وجرى الدم حارا في وجنتيه. ~~••• # وتشاء المقادير أن يخرج سيرل برتراند في نزهة طويلة على قدميه في ذلك المساء، فكان الوقت ~~متأخرا عندما أشرف، بعد أن قضى وقتا طويلا في صعوده إلى التل، على مرأى ذلك البناء ~~المحاط بشجر اللبخ، وقد غطاه زهره الأبيض فبعث في الجو عطرا زكيا. # وتقدم سيرل إلى الحائط القليل الارتفاع الذي يفصل بين الطريق وبين حديقة الفندق الصغير، ~~فتخطاه وسار بضع خطوات حتى اقترب من باب الدخول، فإذا به يرى رجلا وامرأة واقفين داخل ~~الباب وقد عانق كل منهما الآخر، فتأخر سيرل بانتباه إلى ظل الأشجار وسطع القمر وقتذاك، وكان ~~وجه المرأة يغمره الضوء فشاهد وجه ألين سان أماند، غير أنه لم ير من الرجل غير شعره ~~الكستنائي الذي يشبه شعره هو. # وطال احتضان العاشقين ونفد صبر سيرل فسعل سعلة منبهة، فخلصت نفسها من بين ذراعي عاشقها ~~وأعطته يديها فغمرها بقبلاته ثم تحولت عنه وسارت بخطوات مسرعة في ممشى الحديقة نحو ms30 الفندق ، ~~فظل الرجل واقفا في مكانه، وكان جسمه يهتز كأنما قد عجزت ساقاه عن حمله، بيد أن سيرل لم ~~يجد من نفسه رغبة في مقابلته، ففضل الانتظار قليلا حتى يذهب هذا في سبيله. وبعد لحظة، تحول ~~الرجل ففتح باب الحديقة بيد غير ثابتة، فرأى سيرل برتراند أن عاشق ألين سان أماند ما هو ~~إلا لويس أخوه غير الشقيق، ولم يصدق سيرل عينيه لأول وهلة؛ فقد بدا كل شيء في ناظريه ~~مستحيلا وغريبا، فهو لم يكن لويس ملك فرنسا المنتظر فحسب، بل كان أيضا زوج فيرونيك ~~المستقبل أطهر مخلوق على وجه الأرض، المرأة التي يحبها ويقدسها. لقد كان الموقف مروعا ~~هائلا، حتى لقد مرت لحظات وهو مسمر في الأرض لا يستطيع الحركة، وأخيرا تنبه لصوت أقدام ~~لويس تضرب الأرض وهو ينحدر نازلا فوق سفح التل. وأحس سيرل برغبة قوية في أن يتبع هذه ~~الخطوات دون أن يدري ماذا يفعل، أيأخذ برقبة ذلك الكذاب المخادع فيصب عليه جام غضبه ويلقي ~~في وجهه بأفظع اللعنات وأقذع السباب؟ أم ينتهي منه فيقضي على حياته؟ # إنه لا يدري ماذا يفعل، ولكنه نزل وراءه، متتبعا خطواته ونفسه تعج بالحقد عليه ~~والكراهية له. وظل سيرل في أثره دون أن تهدأ ثائرة نفسه، وقد تمنى له في سريرته ميتة عاجلة ~~شنيعة، وبغتة. رأى الرجل يترنح ثم سمع صوتا يشبه أنين حيوان ألم به مكروه؛ فقد ارتطم ~~لويس بصخرة في الطريق، وشعر بأنه يسقط وقد صدرت منه صرخة ضعيفة طالبا المعونة، ثم خر على ~~ركبتيه، ولم يكد يستلقي بجسمه على الأرض الصخرية حتى التفت حوله ذراعان قويتان - لم يعرف ~~صاحبهما إذ بدأ يفقد إدراكه - فأغمض عينيه في الوقت الذي شعر فيه بجسمه يرتفع عن الأرض، وقد ~~حمل بسرعة وهو ينحدر إلى أسفل التل. ~~••• # يقال عادة عن النساء إن أعمالهن لا يحكمها المنطق وإنهن ينسقن وراء الدوافع النفسية ~~فتحكمهن أهواؤهن، ولكن عندما تسيطر هذه الدوافع النفسية على أعمال الرجال فإنهم يعجزون ~~هم أيضا عن حسبان ما قد يطرأ عليهم من ms31 تغير . ولم يكن سيرل برتراند لينتظر من نفسه في ذلك ~~الوقت أن يفعل مع أخيه ما فعله، في حين أنه كان منذ لحظة يحس نحوه بكراهية شديدة لدرجة ~~أنه فكر في قتله؛ فلقد كان نفس الدافع المجهول الذي ساقه لتتبع خطوات لويس هو الذي دفعه ~~بغتة لأن يحمله طول الطريق المؤدي إلى فلا إليزابث في أسفل التل! # ووصل سيرل وهو يحمل جسد أخيه غير المحبوب إلى سور حديقة فلا إليزابث، وبحث دون جدوى عن ~~جرس للباب الخارجي أو سقاطة، وبينما هو على هذه الحال إذا به يرى الكونت فريزن السياسي ~~الأوستوري وخلفه رئيس الخدم يخرجان من باب الفلا الداخلي، لقد عرفه سيرل من كثرة مشاهدته ~~له في تردده على مقصورة أمه في الأوبرا. وكان القمر لا يزال ساطعا فسار الأوستوري بخطواته ~~اللينة وهو يصفر آخر لحن من ألحان جون ستراس، وما كاد يصل إلى الباب الخارجي حتى وقف بغتة، ~~إذ وجد نفسه وجها لوجه أمام هيكل طويل يحمل بين يديه رجلا له هيئة الميت، فكان أول ما ~~عمله أن صاح في ارتياب: هيا، أنت هناك! # بينما كانت يده فوق جيبه الخلفي تبحث عن مسدسه، ولما لم يلق جوابا على ندائه، صاح بصوت ~~أكثر ارتفاعا: هيا! ماذا تفعل هناك؟! وماذا تريد؟ # فأجاب سيرل بخشونة: إنه سقط في الطريق فحملته وأتيت به إلى هنا؛ لأني أعلم أنه يقطن هذا ~~المنزل، أو على الأقل إن والدته تقطن هنا. # وانتبه الكونت فريزن لمجرد سماعه صوت سيرل، فتأمل فيه طويلا من بين قضبان الباب ~~الحديدية، وأدهشت سيرل نظرته الفاحصة الطويلة؛ فقد كان يعلم أن فريزن لا يعرفه وأنه لم يره ~~قط من قبل، فقال له بصوت أجش: إنني لست لصا ولا شحاذا، وكل ما أريده هو أن أدخل هذا إلى ~~منزله. # وتقدم فريزن بحركة آلية بطيئة إلى الباب الكبير ففتحه، ودخل سيرل إلى الحديقة، وكان رئيس ~~الخدم قد أسرع إليهم لدى سماعه صوت الكونت، فقال له فريزن بكلمات مقتضبة وهو لا يزال يمعن ~~النظر في ms32 وجه سيرل: لقد وهنت قوى جلالته في الطريق، ولحسن الحظ لاقاه هذا السيد فأتى به إلى ~~هنا. لا تزعج السيدة البرنسيس بالخبر، بل اهتم بتجهيز الفراش لجلالته حالا. # ولم يستطع رئيس الخدم إلا أن يغمغم في ضعف: سمعا وطاعة يا سيدي الكونت. # ثم حاول أن يحمل جسد مولاه، غير أن سيرل لم يتركه يفعل، بل قال له بغلظة: سوف أحمله أنا ~~إلى داخل الفلا. # وتبع رئيس الخدم في الممشى ثم صعد وراءه السلم ودخل القاعة الكبرى. وكان لويس قد بدأ يعود ~~إلى رشده، فوضعه سيرل فوق أحد الكراسي الكبيرة، ثم نكص على عقبيه دون أن يلقي نظرة إليه أو ~~إلى رئيس الخدم، ونزل إلى الحديقة، وكان الكونت فريزن لا يزال هناك، فلما اقترب سيرل منه ~~تقدم إليه خطوة، فرآه سيرل يفعل ذلك، وكان سيمر إلى جانبه دون أن يلقي إليه بكلمة لولا أن ~~اعترض طريقه، وقال فريزن بجفاف ولكن بكل ثبات: يجب أن تخبرني من تكون؟ # فأجاب سيرل: لقد قلت لك إنني لست شحاذا، وإن ذلك الرجل قد سقط فحملته، وهذا كل ما ~~هنالك. # فأتم الأوستوري بهدوء: أعرف هذا، وإني في الواقع لست في حاجة لأن أسألك لأن اسمك سيرل ~~برتراند، أليس كذلك؟ # فأردف الآخر: كيف لك أن تعرف هذا؟ # فأجاب الثاني برزانة: إن جان أوجست وأنجر من أصدقائي. # وسرعان ما انحل التجهم الذي كان يكسو وجه سيرل، وحلت محله مسحة من فضول الأطفال، وسأل ~~قائلا: هل تكلما عني؟ # فأجاب فريزن في ابتسامة: لقد تكلما عنك بعبارات قوية مؤثرة؛ فقد قالا إن أمامك مستقبلا ~~باهرا إذا كنت تعمل بجد. # فغمغم سيرل: أليس عجيبا أن يتذكرا مبتدئا مثلي؟! ~~- إنهما يتحدثان عنك كمبتدئ. وليس أوجست أو أنجر ممن يلقون المدح جزافا. # ولم يزد سيرل شيئا، بل ظل مأخوذا بالخيالات السعيدة، والشهرة المستقبلة، ولقب الفنان ~~العظيم. وأخيرا قال فريزن: حسنا يا سيدي برتراند، أخشى أن يكون الوقت متأخرا، ولكن يجب ~~أن نتقابل مرة أخرى، إذا سمحت لي أن أحضر لزيارتك. # فأردف سيرل: إن ms33 هذا تفضل كبير منك، إذ إنني أسكن في غرفة صغيرة في أحد الفنادق. ~~- هل لي أن أسألك أي فندق؟ ~~- فلا أجلانتين في أعلى التل. ~~- أوه! إذن تقطن معكم الفتاة الجذابة الآنسة سان أماند؟ # وعاد التجهم إلى وجه سيرل، فاستأنف فريزن: على أنني سوف أحضر إليك ربما في الغد، وسنتحدث ~~عن أصدقائنا في باريس. # وعلى هذا افترق الاثنان، غير أنهما لم يتقابلا في الغد؛ فقد تسلم الكونت فريزن في الصباح ~~الباكر أمرا رسميا بالسفر إلى فينا بقطار الظهر، وأرسل يعتذر إلى السيد برتراند في ~~فندقه. # ومر وقت طويل عليهما قبل أن يتقابلا مرة أخرى، وقد حدث في ذلك الوقت من الحوادث الجسام ما ~~لم يكن في حسبان أحد. # | الفصل الخامس # ستراسبورج # 19 سبتمبر سنة 1860 # سيدتي الوالدة المحبوبة # تسطر لك هذا أرق وأشفق امرأة على وجه الأرض، وإني أمليه عليها لأني متعب مكدود، حتى ~~لأجدني عاجزا عن أن أمسك بالقلم بين أصابعي. # نحن لا نزال في ستراسبورج؛ فقد نزلنا في أحسن فندق في البلدة، ورغم هذا فإن وسائل ~~الراحة فيه تكاد تكون معدومة، لقد اجتمع إلي في قاعة الفندق جميع أعواني، وإنك ~~لتعرفين أسماءهم أكثر مني، وتكلموا طويلا، وكانوا في خلال حديثهم يعطسون ويسعلون ~~ويتمخطون! وكنت أستمع إليهم، ولم يكن في الواقع هناك فائدة في أن أقول شيئا؛ فقد دبروا ~~كل شيء فيما بينهم. لقد قمنا في الفجر، وتجمعت الفرق تحت قيادة الكولونيل ريونو، وأظن ~~أن اسمه هكذا، وقبضوا على رئيس البلدية وبعض أعضائها الذين لم يثبت ولاؤهم لنا. وبعد ~~ذلك لم نكن ندري تماما ماذا نفعل؛ أنزحف إلى حيث يعسكر الجنرال إفيلين وننضم إليه، أم ~~نبقى حيث نكون مترقبين الفرص للزحف على باريس؟ # لقد ثار حول هذا الخلاف نقاش أتعبني وأضناني؛ فقد ظلوا طول النهار يتباحثون، بل ~~استمروا فيه شطرا من الليل، وأخيرا ذهب هذا الصباح كولونيل - نسيت اسمه - إلى ~~الرياسة وأمر أركان الحرب بأن يجمع الرجال، ووصلت متأخرا ربع ساعة، وكانت الفصيلة ~~كلها في الساحة، ورأيت الرجال مدججين بالسلاح، ms34 مستكملين عدتهم، فصاح فيهم ~~الكولونيل بأعلى صوته: «أيها الجند، لقد انتهت الإمبراطورية الفرنسية، وسقط الإمبراطور ~~نابليون المغتصب. ليحم الله الملك!» # ولقد كان هذا في الواقع كذبا، إلا إذا كان نابليون قد سقط من فوق جواده أو من فوق ~~درجات السلم. وعلى كل فقد أجابه الرجال بصيحة عالية: «يعيش الملك»، وقلت لهم بضع ~~كلمات عن سان لويس وعن جدي، فصدحت فرقة الموسيقى بنشيد المارسلييز، وأخذت العلم بيدي، ~~فصاح الرجال مرة أخرى: «يعيش الملك»، غير أن بعض الرجال في آخر الساحة أخطئوا ~~وهتفوا: «يعيش الإمبراطور»، ولست أظن أنهم عرفوا من أكون أنا. # سرنا بعد ذلك في أنحاء المدينة والموسيقى تعزف أمامنا، حتى وصلنا إلى مقر القيادة، ~~فقابلنا جنرال كبير السن اسمه لوفيلي على ما أظن وكان ينتظر وصولنا. غير أني لم أخبرك ~~أن الآنسة سان أماند لم تتركني لحظة واحدة طوال هذا اليوم، لقد كانت معنا منذ طلوع ~~الفجر حتى الظهر؛ تمشي، وتهتف، وتتحدث مع الضباط وتشجعهم. وقدم لنا الجنرال غداء طيبا ~~شكرته عليه، فما كنت قد تناولت منذ الصباح سوى فنجان قهوة رديئة، وبعد الغداء نشبت ~~مناقشة جافة أخرى، انتهت باستقرار الرأي على إرسال خبر إلى الجنرال إفيلين يطلب إليه ~~فيه أن يسير بجنوده إلى هنا؛ فقد قالوا جميعا إن من دواعي الحرص على سلامتي أن أبقى ~~حيث أنا، ويظهر أنهم تلقوا أنباء تؤكد انتشار جواسيس نابليون في أنحاء البلاد، بغية ~~القبض علي وحجزي في مكان ما. # عند هذا كنت أحس بتعب شديد أنهك قواي، ولولا عناية الآنسة سان أماند وشفقتها علي ~~لتحطم كياني، لقد قالت - وشعرت أن الحق معها - إن ما أحتاج إليه وقتئذ هو الراحة. ~~وكان منزلها في ستيجاند غير بعيد عن هنا، ودفعها لطفها إلى أن تدعوني لقضاء بضعة أيام ~~هناك، حيث يمكنها في هدوء الريف أن تعتني بي فتعيد إلي صحتي. ولقد عزمت على قبول ~~هذه الدعوة الكريمة، وسنسافر إلى ستيجاند بعد ساعة على الأكثر، وبمجرد أن يبلغ إلى علمي ~~وصول الجنرال إفيلين إلى ستراسبورج، وسيكون هذا ms35 بعد ثلاثة أيام على الأكثر، فسأرجع إلى ~~هناك وأستأنف البرنامج الذي رسمته لي. # على أنني أعرف أنك قد عملت ترتيبك لكي أتقابل مع الآنسة كريستوف عند عودتي، وأصارحك ~~القول بأن هذا الزواج يقل شأنه في نظري يوما بعد يوم رغم الملايين المنتظرة ~~منه. # إلى الملتقى يا أماه. سأرسل لك برقية عند عودتي إلى ستراسبورج. وإذا لم تسمعي عني ~~خبرا حتى 17 الجاري، فاعلمي أن جواسيس نابليون قد نالوني، فإما أن أكون أسيرا بين ~~أيديهم أو قتيلا وقد تركوني في حفرة بعد أن أهالوا علي التراب. # ولدك # لويس # واستطاعت ألين أن تقنع الملك لويس بأن تذهب هي بنفسها لتضع الخطاب في البريد، بحجة أنه ~~خطاب مهم لا يجوز أن تتركه لخادم الفندق، وكان لويس مكدودا واهن القوى من متاعب اليوم التي ~~لم يتحملها جسده الرهيف، وتركها لتفعل ما أرادت ثم استلقى وحده على الأريكة ينشد ~~الراحة. # وطفق يفكر في ملال: أوه! إذا لم يكن في الموضوع مليار كريستوف وتاج فرنسا، الذي لا يرغب ~~فيه حقيقة، لتمت له سعادته مع ألين، ولكن هناك والدته، وكل هؤلاء الكهول الأوغاد، إنه لا ~~يستطيع الحياة بينهم مطلقا، ولقد أحس لويس برغبة في أن يقع في أيدي رجال نابليون، حتى ~~يبتعد عن طريق أمه وكريستوف وأولئك الأوغاد ويخلو له الجو بمعبودته ألين، ما أجملها! ويا ~~لسحر عينيها، وفمها، وقبلتها! وبينما جلالته يحلم بألين غلبه النعاس فنام. ~~••• # ووقفت ألين سان أماند خارج الغرفة، وقد أمسكت مقبض الباب بإحدى يديها، وأطبقت الأخرى على ~~الخطاب الذي كتبته حسب ما أملاه لويس عليها، ونظرت إليه باضطراب وشك، والواقع أنها في تلك ~~اللحظة لم تكن تعرف تماما ماذا تفعل، لم تكن واثقة من نفسها ولا مما ترغب فيه حقيقة، وقد ~~طافت بذهنها خيالات شتى، فضاقت نفسها لحظة، فإذا بعينيها تمتلئان بالدموع، وبحركة سريعة ~~مسحتهما بظهر يدها، ثم نزلت درجات السلم. # وكان الطريق في الطابق السفلي يؤدي إلى صالة الفندق الكبيرة، وعلى اليسار باب زجاجي كتب ~~عليه بحروف مذهبة «مدخل القهوة»، ودفعت ms36 ألين هذا الباب ثم دخلت، وكان الخطاب لا يزال بيدها. # لم يكن بقهوة فندق الكولوني في ذلك الوقت غير بضعة رجال في ركن منها يلعبون الدومنة ~~ويشربون، وفي الركن الآخر كان يجلس منفردا، وقد ارتدى ملابس سوداء واعتمد بمرفقيه على ~~الطاولة أمامه، فاتجهت ألين إليه، وما إن رآها حتى قام من مكانه وسحب لها كرسيا، ودعاها ~~للجلوس ففعلت ثم سألها: ماذا تطلبين؟ قهوة؟ إنها طيبة. # فأجابت: لا شيء، أشكرك. # وألقت بمرفقيها فوق الطاولة، وأسندت رأسها بيدها وأحست بغتة بتعب شديد، فأغلقت عينيها وقد ~~بان الذبول على شفتيها الجميلتين، فقال الرجل: أرى أن تأخذي قدحا من «الفاين» فإنه ~~ينفعك. # وهزت رأسها، ولكنه لم يعبأ بهذا، بل نادى الخادم وأمره بإحضار كأس من الفاين لها، وأحضر ~~الخادم الشراب فصب منه شيئا في الكأس وهم ليأخذ الزجاجة، غير أن الرجل أمره بتركها ~~أيضا. # والتقطت ألين الكأس بحركة آلية وشربته، واضطربت ملامح وجهها لحظة من أثر حموه، ثم وضعته ~~فوق المنضدة. # فقال الرجل: إنها سوف تنفعك، أنت متعبة. # فقالت ألين بتراخ: إنني اشتغلت طول شهر أغسطس؛ فقد مر علي الآن وأنا أقوم بهذا العمل - ~~دعني أرى - أسبوعان تقريبا، إنني لم أتعود الحياة في هذا الضجيج المزعج، وها أنا ذا لم ~~يغمض لي جفن منذ أن وصلنا هنا. # فأردف الرجل بجفاف: إنك لا تأسفين على هذا يا عزيزتي. # فقالت ألين وهي تتناول الكأس بيدها: لست أعرف تماما. # وأخذت رشفة من الشراب، ثم ألقت باليد الأخرى فوق المنضدة، وكانت لا تزال ممسكة ~~بالخطاب. # فسألها: ما هذا الذي معك؟ # فوضعت الخطاب فوق المنضدة ثم قالت بخشونة: خطاب، كتبه لأمه، أو بالأحرى أملاه ~~علي. # والتقط تولون الخطاب وفتحه، ولم تكن قد قفلت مظروفه بعد، وأخذ يتلوه، ثم أعاده إلى ~~مظروفه، وألصقه عليه، ثم وضعه في جيبه وهو يقول: ليس فيه ما يضر، ولكن يجب ألا نرسله الآن، ~~سوف أبعث به في الوقت الملائم. # وسكت قليلا ثم أخذ نفسا من سيجارته، وبعد لحظة قال: وأما من جهة النقود. # فرفعت ms37 عينيها إليه وقد غمرتهما الدموع وقالت باضطراب: إنني ألعب دورا قذرا يا تولون. # وأتمت في ابتسامة حزينة قصيرة: إنه فتى لطيف، بريء كالطفل، وفوق ذلك فهو يثق بي. # فأردف تولون بقلة اصطبار: بيد أنك يا عزيزتي لن تؤذيه في شيء، بل ولن نؤذيه نحن أيضا. ~~ولكن خبريني هل يريد ذلك الفتى اللطيف كما تسمينه أن يصبح ملكا لفرنسا، أم أنه لا يرغب في ~~هذا؟ # وردت ألين بعد تردد قليل: لا، أظن أنه لا يريد هذا. # فقال: هل يرغب في الزواج بفيرونيك كريستوف؟ # وكان ردها هذه المرة بغير تردد: لا، أنا واثقة من أنه لا يرغب في هذا. ~~- إذن فهذا حسن، حسن جدا. # وسكت الاثنان قليلا، وكان المطر ينهمر في الخارج فيرتطم بزجاج النافذة، ودخل القهوة بضعة ~~رجال، أخذوا أماكن بعيدة، وأطفأ تولون سيجارته، ولمس ذراعها بأطراف أصابعه، محاولا دفعها ~~لأن تنظر إليه مباشرة، ثم قال برفق: انتبهي إلي قليلا يا عزيزتي، ما أريده منك هو أن ~~تسافري من هنا في مدى ساعة، إلى ستيجاند حيث يوجد منزلك البديع، وستقابلكم في الطريق فرقة ~~من البوليس الطواف، وسيأمر سائق عربتك بالوقوف، ثم يتقدم ضابط في لباسه الرسمي ومعه ~~شرذمة من الجنود إلى باب العربة، وستضطربين ويغمى عليك، أو تتصرفين كما تفعل عادة السيدات ~~العصبيات، فيكون الضابط في هذا الوقت قد أمر السيد البرنس دي بوربون بالنزول، فإذا حاول ~~المقاومة - وإن كنت واثقا من أنه لن يقاوم - فالرجال سيقبضون على شخصه المبجل ولكنهم ~~سوف لا يؤذونه وأقسم لك بشرفي على هذا! وستكون هناك عربة أخرى لتحمل السيد إلى قلعة دايك ~~حيث يعنى به كل العناية ولكن لبضعة أيام فحسب، أسبوعين على الأكثر، وستستأنفين أنت السفر ~~إلى ستيجاند، حيث تبقين هناك مصابة بصدمة في الأعصاب من جراء ما لاقيته من فزع وانزعاج. ~~ويجب أن تجيبي دائما عن كل سؤال أو استفهام يلقى إليك بأنك لا تعرفين شيئا، وأن ~~المفاجأة أثرت على أعصابك في ذلك الوقت فأغمي عليك، فعندما صحوت وجدت أن جلالته قد اختفى. ms38 ~~وقد لا يصدقك أحد ويظنون فيك الظنون، ولكن النتيجة على كل حال ستكون انهيار مشروع الزواج، ~~وهذا ما يرغب كلانا فيه؛ أنا لأنه يترك آل بوربون مفلسين لا يستطيعون الاستمرار في مشروعهم، ~~وأنت لأنك تتمكنين بذلك من أن تتخذي لنفسك من فتاك اللطيف زوجا. # وسكت تولون بعد هذا الحديث الطويل، وقد أفصح عنه من أوله إلى آخره بصوت ناعم هادئ، وانتظر ~~لحظة حتى يتأكد من أن كلماته قد استقرت في نفسها، ثم أخذ سيجارة فأشعلها بحركات هادئة ~~بطيئة وقال: تذكري أيضا يا صديقتي العزيزة أنك سوف تنالين مقابل دورك في هذه اللعبة ~~الصغيرة مكافأة لطيفة لا تقل عن خمسة وعشرين ألف جنيه، إنها دوطة زواج يا عزيزتي، لا يمكن ~~أن يترفع عنها حتى أمير. # وتنهدت ألين تنهدة عميقة، ثم وضعت يدها فوق خدها الملتهب وقالت: إن لك يا صديقي قدرة على ~~دفع الإنسان إلى أن يفعل ما تريد. # فهز كتفيه وقال برزانة: لم أقل هذا إلا لأبين لك بساطة الموضوع كله، فإنك تبالغين كثيرا ~~في تصور أهمية دورك فيه، ولا تنسي يا عزيزتي أنني كنت أستطيع أن أقوم بكل شيء بدون مساعدتك ~~غير أني لم أعمد إليها إلا ... # فقاطعته وأتمت: إلا لأنك تريد قبل كل شيء أن يسير الموضوع دون أن يشعر أحد به. إن ما ~~تريده في الحقيقة هو سكوتي. # فسألها بتملق: ألست على استعداد لأدفع نصف مليون ثمنا له؟ # فردت بحمية: إنه يستحق هذا، وأنت تعرف ذلك، فلو أنني أذيع الموضوع لما توانى البارون ~~كريستوف عن أن يتقدم بملياره ليخلص لويس من قبضتك، ولا تذكر إمبراطور أوستوريا فإن المال ~~يفعل كل شيء، حتى إذا أخذوا لويس من دايك وعاد إلى بادن بادن، فماذا يكون حالك أنت يا ~~صديقي؟ ستظل كما أنت الآن تدبر الخطط محاولا استرجاعه ثانية، ولكنك لن تجد الأمر سهلا بعد ~~ذلك؛ لأن ألين سان أماند لن تساعدك، هل فهمت؟ # فرد في جفاف: ربما كان هذا صحيحا، فسأبقى حيث أنا الآن، كما سيبقى تاج فرنسا حيث ms39 هو الآن ~~أيضا، ولكن لويس دي بوربون سوف يكون قد ارتبط برباط مقدس مع فيرونيك كريستوف في مقابل ~~مليار والدها. # وعندما قال هذه الكلمات الأخيرة بصوت أجش ونغمة ساخرة، امتلأت عينا ألين بالدموع وشحب ~~وجهها، فأنشأ يقول بصوت ملطف: رويدك، رويدك! لماذا نتشاجر معا؟! نحن لا يستغني كل منا عن ~~الآخر، ولا أريد منك سوى الصمت، إلى أن تبعد فيرونيك عن طريقنا حتى يفشل ذلك الزواج، وبعد ~~أن تتسلمي الخمسة والعشرين ألف جنيه يمكنك أن تتزوجي أميرك المفلس، تعالي. # ثم مد يده إليها من فوق المنضدة، وهو يقول: أتريدين أن نكون أصدقاء أم أعداء ~~متنابذين؟ # فقالت بعد لحظة تردد وقد مدت إليه يدها: لنكن أصدقاء، ولكن تحت شرط واحد. ~~- اذكريه. ~~- لا ينقطع الاتصال بيني وبين لويس عندما يكون في دايك. # فقال مؤكدا: سوف تكتبين له كل يوم، وسأعمل على أن تصله خطاباتك، وسيرسل إليك حاكم القلعة ~~كل يوم تقريرا عن السجين أو خطابا منه. # فقالت: إذن فإني أوافق. # ورفع يدها إلى شفتيه وقال مؤكدا: سوف لا تأسفين على هذا. متى ستسافرين؟ # فأجابت: بعد نصف ساعة. ثم لا تنس خطاب لويس لأمه. ~~- سأرسله في البريد، دعيني أر، اليوم الثلاثاء سأضعه يوم الجمعة. ~~- حسنا. # وافترقا كأحسن ما يكون عليه الأصدقاء. # | الفصل السادس # جلست السيدة في مخدعها بفلا إليزابث تنتفض أمام النار؛ فقد قرأت خطاب ولدها ما يقرب من ~~ثلاث مرات في حين أنه وصل منذ ربع ساعة، كان تاريخه 12 الجاري واليوم 16 الجاري، أربعة ~~أيام! إن ختم البريد لا يظهر تاريخه بوضوح، ولكن لا يمكن أن يبقى أي خطاب أربعة أيام في ~~البريد من ستراسبورج إلى هنا، إن المسافة لا تستغرق أكثر من 24 ساعة لا أربعة أيام. لقد ~~قضت السيدة هذه الأيام الأربعة في لهفة لا حد لها، مترقبة وصول هذا الخطاب الذي علمت منه ~~كيف يضيع ولدها وقته في ستيجاند بين ذراعي فاجرة وضيعة. # ودقت السيدة الجرس تنادي سكرتيرها المسيو نوسي فقالت له أن يذهب في الحال إلى فندق ms40 ~~ستيفاني، ويرجو الكونت فريزن أن يحضر إليها في الحال، لأن خطابا مهما قد وصل من ~~جلالته. # وذهب نوسي، وجلست تنتظر فما كان لديها إلا أن تنتظر؛ فقد أحست المرأة المسكينة كأنما قد ~~أصابتها ضربة شديدة على أم رأسها، ونظرت إلى الخطاب الذي وصلها من ملك فرنسا عن الحوادث ~~الهامة التي يتعلق بها مستقبل بلاده وعرشه، وقد أمضها ألا تجد منه اهتماما إلا بالحوادث ~~التافهة والملاحظات السخيفة التي لا تصدر إلا عن عقلية أطفال. # ولبى الكونت فريزن دعوتها، فلما وصل وجدها جالسة فوق الأريكة وقد كست وجهها مسحة من ~~اليأس، وأعطته الخطاب وطلبت منه قراءته، فلما أتمه قالت له بحزن: لا تخبرني عما دار ~~بخلدك يا فريزن، إني أعرفه. # وسحب الأوستوري كرسيا وجلس قريبا منها، وكان لا يزال ممسكا بيده الخطاب، فقالت السيدة ~~بانفعال مفاجئ: ألق بهذا الخطاب في النار، فإني سوف أجن لو رأيته ثانية. # ولكن الكونت فريزن لم يلق بالخطاب في النار، بل دسه في جيبه بينما كانت السيدة تنظر إلى ~~جهة أخرى، وبعد لحظة قالت: إذا رآه الإمبراطور فإني أموت خجلا، ماذا نفعل يا فريزن؟! ماذا ~~نفعل؟! # فأجاب الأوستوري: سوف لا نفعل شيئا أكثر من أن ننتظر. # فصاحت بمرارة قاسية: ننتظر! ننتظر البرقية التي لن ترد إلينا، أوه يا فريزن! إن تلك ~~المرأة قد لعبت بعقله. ولكن ماذا ترى في الجنرال إفيلين، أتظن أنه سوف ينضم إلينا بجنوده أو ~~أنه سيرجع في كلمته؟ ~~- إنه لم يرجع عن وعد قطعه على نفسه. ~~- أتظن أنه يمكننا الاعتماد عليه؟ أتظن ذلك؟ # وكأنما كانت تنتظر أن تسمع شيئا، كلمة تبعث في نفسها الشجاعة. # ولكن فريزن لم يقل شيئا؛ فقد كان من المستحيل أن يقول شيئا مما دار في خلده وقتذاك، ~~يستحيل أن يخبر هذه الأم الطموح المحبة أن العائق الذي يقف في سبيل نجاح خططها إنما هو ~~لويس نفسه، إذ كيف يمكن لأي مسعى أن يبشر بالنجاح مع مثل هذا الخائر الضعيف الهمة؟ # واستمرت السيدة تغمغم كأنما تحدث نفسها: نحن اليوم في ms41 السادس عشر، السبت وبعد أسبوع من ~~هذا اليوم سوف يتقابل لويس وفيرونيك كريستوف، إنها تنتظر هذا، وكريستوف مستعد، ولكن إذا لم ~~يكن لويس هنا، يا إلهي! فريزن، ماذا سيكون من أمرنا إذن؟! # وقالت جملتها الأخيرة بصوت مرتفع يملؤه الفزع، ولكن فريزن ظل في مكانه ينظر إلى النار، ~~وحاول أن يهدئ ثائرتها فلم يستطع إلا أن يقول: سوف تصلك برقية قبل فوات اليوم يا ~~سيدتي. # ولقد كان في الحقيقة يأسف كثيرا لحال هذه المرأة المليئة بالنشاط والطموح مع مثل ذلك ~~الولد الذي يكتب في هذا الوقت خطابا كهذا، بل إنه هو نفسه كان يود أن ينجح هذا المشروع ~~فهو كسياسي إنما يفخر بنجاح عمل اشترك بنفسه فيه، ففوق أن إمبراطور أوستوريا يرغب في عودة ~~آل بوربون إلى عرش فرنسا لأسباب عاطفية وعائلية ولاعتبارات سياسية أيضا؛ فإن فريزن نفسه ~~كان يهمه شخصيا نجاح مشروعه، إذ يهيئ له هذا مستقبلا باهرا بين رجال السياسة. # وأخيرا قالت السيدة بغصة: أظن أن الأجدر بك أن تعود يا صديقي، فلم يبق لدينا ما نعمله ~~الآن، أليس كذلك؟ # فقال وهو يقوم لينصرف: لا عمل لدينا الآن كما تقولين يا سيدتي، ولكن يجب أن نؤمل ~~خيرا. # فغمغمت السيدة بيأس: نؤمل خيرا؟! ثم تنهدت بعمق وأتمت: إني لأشكرك كثيرا يا صديقي ~~فريزن، فلست أعرف ماذا كنت أفعل بدونك. # وقال فريزن في النهاية: سوف أعود ثانية لأرى ما لديك من الأخبار. # ونزل فريزن وذهنه يشتغل بجد في حل للمشكل. # ما أعجبها امرأة! أما كانت تهبها الأقدار ولدا قويا غير هذا؟! وتذكر الشخصية التي رآها ~~منذ ستة أسابيع تحمل جلالته وهو مغمى عليه، وذكر موقفه وهو يتأمل سيرل وقد رآه شديد الشبه ~~بجلالته، نفس الهيئة والملامح، ولون العينين والشعر على عكس قوته ومتانة بنيانه، وخطر على ~~ذهنه قول أمه عنه: «ولكنه رجل يا فريزن، رجل!» حقا إن تصاريف القدر غالبا ما يعجز عن ~~فهم كنهها الإنسان. # وعاد الكونت فريزن إلى فلا إليزابث في المساء، ولم تكن قد وصلت أي برقية، بل ms42 كان الوقت ~~متأخرا عن أن ينتظر وصولها ، فقال فريزن محاولا أن يظهر تفاؤله: ربما تعطلت في الطريق، ~~وعلى كل حال فسأبكر غدا في الصباح إلى مكتب البريد لأسأل عنها. # وبكر فريزن إلى مكتب البريد في الصباح وسأل عن رسائل أو عن برقيات، وانتظر ساعة عسى أن ~~تفد البرقية المرتقبة، ولكن لم يصل شيء. # وقابلته السيدة بقولها: يجب أن نفعل شيئا يا فريزن، وإلا فإني سأفقد عقلي! # فأجاب السياسي برزانة: سوف نفعل، بل ويجب أن نفعل، إنني قبل ذهابي إلى مكتب البرق كنت قد ~~عزمت على أنه إن لم تصل منه برقية فإني أسافر إلى سيتجاند، فسيقوم بعد ظهر اليوم قطار إلى ~~ستراسبورج في الساعة الثالثة، ومن هناك أستأجر عربة إلى سيتجاند، ثم أبحث عن مسكنها وأحضر ~~جلالته معي ثانية إلى بادن بادن. # فقالت السيدة وكأنما أنقذت: أتريد أن تعمل هذا حقا يا فريزن؟ # فأجاب وعلى شفتيه ابتسامة مشفقة: طبعا، إذ يجب أن يكون جلالته هنا قبل يوم السبت المقبل ~~وإلا ... # فقاطعته في لهفة وأمل وقد عاد لون خديها شيئا ما: نعم، نعم، الحق معك. إنني ما كنت أظن ~~أنك تفعل هذا من أجلنا يا عزيزي فريزن، أوه! لست أدري كيف أشكرك. # وسكتت لحظة ثم تكلمت وكان صوتها يهتز من أثر عاطفتها: لقد فكرت أنا نفسي في أن أذهب إليه، ~~ولكني خشيت أن تسخر مني تلك الفتاة وأنا أقوم بدور الأم التي تريد أن تسترجع وليدها. # فأردف في ابتسامة: إنني لا أخشى هذا. ~~- إنها سوف تقاومك بكل ما لديها من أسلحة. ~~- إنني لن أتأثر بشيء منها. ~~- وستعيد إلي لويس ثانية؟ ~~- أعدك أنني سأفعل. # وبعد ربع ساعة كان الكونت قد ودع السيدة وانصرف وهي أهدأ بالا وأشد قوة وأملا، وقد ~~تمنت له من صميم قلبها نجاح مهمته. # | الفصل السابع # وصل الكونت فريزن عند ظهر اليوم التالي إلى «بواجولي»، وهو اسم المنزل الصغير الذي تسكنه ~~الآنسة سان أماند، وكان يقع على نفس الطريق الذي يوصل إلى سيتجاند، ولم يجد أي صعوبة في ~~العثور ms43 عليه؛ فلقد كان الجميع يعرفونه حتى سائق العربة. # ولما نزل سأله مستفهما: هل هذا منزل الآنسة سان أماند؟ ~~- أجل يا سيدي، فإن الآنسة قضت طول حياتها هنا، وقد توفي والداها فيه، وورثته هي عنهما، ~~وهي دائما تنزل هنا في الوقت الذي لا تغني فيه، آه يا سيدي! يجب أن تسمعها إنها بلبل ~~حقا. # وأمر فريزن الرجل أن يعطي خيله العلف وينتظر لأنه سوف يعود معه ثانية في المساء إلى ~~ستراسبورج. ودخل فريزن حديقة المنزل وهو يحس بأنه مقدم على حرب كلامية ليجتذب لويس إلى ~~جانبه، ودق جرس الباب ففتحته امرأة مليئة متوسطة في العمر، وقالت وهي تبتسم لدى رؤيتها ذلك ~~السيد الحسن البزة قبل أن ينطق هو بحرف: أرجو المعذرة يا سيدي! ماذا يطلب سيدي؟ # فأجاب فريزن بابتسامة خفيفة: فقط أريد أن أدخل، وأن تخبري الآنسة سان أماند أن الكونت ~~فريزن يطلب التشرف بمقابلتها. ~~- سوف أفعل يا سيدي في الحال، إن الآنسة هنا، هل يسمح سيدي بالدخول؟ # وتركته في الصالة ثم جرت إلى الداخل، فوضع الكونت قبعته فوق المنضدة وخلع معطفه، ووقف ~~ينتظر، وبعد لحظات عادت المرأة وقد علا وجهها اضطراب وخوف كأنما قد أنبتها سيدتها، ثم ~~قالت بصوت خشن تلك الجملة التقليدية: تفضل يا سيدي. # وفتحت أحد الأبواب فدخل الكونت حجرة استقبال أنيقة، ولم يطل انتظاره حتى دخلت الآنسة سان ~~أماند وقد ظهر عليها أنها تملك نفسها تماما، وقد ارتدت كعادتها أجمل وأحسن الأزياء، ولاحظ ~~فريزن أن في ترحيبها به والابتسامة على وجهها كأنما كان هو الشخص الوحيد في العالم الذي ~~ترغب في رؤيته، وأخيرا أتمت في خفة: هل لك أن تجلس؟ أرجو أن يكون لديك من أخبار بادن بادن ~~الشيء الكثير، ولكن قبل كل شيء خبرني ماذا تحب، لا بد أنك متعب وجوعان، إن لدي بعض ~~أطباق من «التوكاي» اللذيذ. # وجلس فريزن تبعا لدعوتها، ثم قال وهو يشير بيده: لا شيء يا سيدتي العزيزة، أشكرك، إن ~~زيارتي يجب ألا تطول، إذ لا بد أن أعود إلى ستراسبورج هذا ms44 المساء، ولكن قبل كل شيء أرجو ~~أن تخبريني كيف حال جلالته؟ # فانتفضت وقد ظهر عليها الاضطراب والدهشة كأنما قد سئلت سؤالا غريبا، وقالت مستنكرة: ~~جلالته؟ # وفي اللحظة التالية تغيرت حالتها تماما فأطبقت يديها معا، وسألت في نغمة شديدة الحزن: ~~آه، إنك لم تعلم إذن؟! ~~- أعلم ماذا؟ ~~- ليس جلالته هنا، لقد كان آتيا ليقضي بضعة أيام معي هنا؛ فقد كان متعبا جدا وفي حاجة ~~إلى الراحة، ولكن أوه! لست أستطيع أن أخبرك! # قالت هذا وقد طفرت من عينيها الدموع، فأتمت بصوت تحطمه العبرة: إنه فظيع! فظيع ~~جدا! ~~- يا إلهي! ماذا حدث؟! # واستجمعت الآنسة قواها، ومسحت عينيها بمنديل مطرز لطيف، وتقدمت في جلستها إلى الأمام، ~~وضمت يديها معا كأنما تحاول أن تضبط عواطفها وقالت: لقد اختطف جواسيس نابليون جلالته ونحن ~~في الطريق. ~~- اختطفوه؟! # وكان فريزن يحملق في الوجه اللطيف المحمر أمامه، وكان من الصعب أن يعرف تماما إذا كان ~~قد اضطرب ودهش، أم أنه يشك في صدق قولها، وذكرت الآنسة له ما جرى لهما في الطريق بكلمات ~~متقطعة، وما انتهت من حديثها حتى غطت وجهها بيديها وانخرطت في بكاء عنيف. # وعلى كل فقد كان الكونت فريزن يحس بشعور خفي أنها كانت كاذبة، ولكنه لم يقل شيئا في ~~ذلك الوقت، وانتظر قليلا حتى إذا لاح له أن ألين قد هدأت نوعا ما سألها بهدوء: وأين ~~جلالته الآن؟ # وقامت بمحاولة لكي تبتلع شهقاتها وتكفكف دموعها، ثم أجابت بصوت مرتعش: لست أعلم! لست ~~أعلم! وإن هذا هو الذي يحزنني ويحطم فؤادي، لقد كان متعبا، مريضا، محتاجا للراحة ~~والعناية، لو كنت أعلم أن هؤلاء القساة يعاملونه بشفقة. ~~- هؤلاء القساة! أي قساة؟! ~~- كيف؟! البوليس! ~~- من أين لك أن تعلمي أنهم كانوا من رجال البوليس؟! # وجاء جوابها سريعا: إن بيتر سائق عربتي عرف بعضهم. ~~- كيف؟! في الظلام؟! ~~- لم يكن الظلام حالكا، وأنا أذكر أنني قلت لك إننا كنا عند الغسق. ~~- وأين اتجهت العربة التي أقلت جلالته؟ ~~- لقد سارت العربة بسرعة عظيمة متجهة نحو ستراسبورج. # كان فريزن مقتنعا بكذبها، ms45 ولكنه لم يعرف تماما إذا كانت قد فعلت هذا لحساب آخرين ثم ~~أنقدت عليه، أم أنها تعمل هذا لمصلحتها هي، ورأى كلا الاحتمالين معقولا. وفكر فريزن في ~~الطريقة التي يمكنه بها أن يستخلص منها الحقيقة، ولم يكن قد بدا عليه شيء مما يدور بنفسه، ~~ولكنه أراد أن يكسب الوقت ليقيس بذهنه كل شيء قبل أن يقدم عليه، فأخرج من جيبه صندوق سجائره ~~وأخذ واحدة وهو يقول: هل تسمحين؟ ~~- أوه! طبعا. # ثم قامت لتحضر علبة الثقاب من آخر الغرفة، وتأملها السياسي وهي تروح وتجيء، وأوقدت له ~~عودا، ثم رجعت إلى كرسي كبير فغاصت فيه. وأخذ الكونت فريزن نفسين أو ثلاثة من سيجارته قبل ~~أن يعود إلى الكلام، ثم استأنف سائلا: ألا تستطيعين يا آنسة أن تكوني فكرة عن المكان الذي ~~أخذوا جلالته إليه؟ # فردت بجهالة: لا، أبدا، مطلقا، وهل تظن أني أبقى هنا ساكتة لو كنت أستطيع أن أعرف أين ~~هو؟ # فقال في هدوء: هذا حق. # وسكت لحظة أو اثنتين يدرس وجهها محاولا أن يتعرف ما تخفيه وراء هذا الأسف المصطنع، ثم ~~قال بصوت هادئ بطيء: إن بعض ذوي المراكز العالية سوف يقدرون تعبك، هل لي أن أقول إذا كشفت ~~عن الموضوع؟ # فجلست معتدلة كأنما ديست كرامتها وقالت في تساؤل: ما الذي تظنه في يا سيدي ~~المحترم؟ ~~- سيدة صغيرة عظيمة المهارة. # وحدجته بنظرة حادة قابلها بمثلها وعلى فمه ابتسامة ساخرة، ثم قامت واقفة في مكانها بحركة ~~واضحة تشعره بأن يفعل مثلها هو أيضا، ولكنه تجاهل هذه الحركة، فقالت وهي تنظر إليه بأسف: ~~لا يصح أن نتشاجر يا سيدي المحترم، لقد كنا أصدقاء في بادن بادن، فهل نصبح في عداء بالنسبة ~~لهذا الموضوع الدقيق الذي يهتم به كلانا؟ # ومدت إليه يدها، فلم يكن هناك بد من أن يقوم فيقبل أطرافها؛ فقد كان أكثر تهذيبا ~~وسياسة من أن يجهل أنه خسر الموقعة. # ودقت ألين سان أماند الجرس، فجاء خادم وفتح الباب على مصراعيه فخرج فريزن إلى الصالة، ~~وساعده الخادم في لبس معطفه وأعطاه ms46 قبعته وعصاه، ثم تقدم ليفتح له الباب الخارجي. # وفي نفس اللحظة صدرت صيحة مثيرة من نفس المنزل وكانت من المرأة المليئة وقد ظهرت في ~~الصالة وهي تعلن في لهفة وانفعال: سيدتي الآنسة، سيدتي الآنسة، لقد وصل ساعي البريد الآن ~~وافدا من قلعة دايك. # وعند باب حجرة الاستقبال رأت الآنسة سان أماند وقد بهت وجهها واضطربت عيناها وهي تلهبها ~~بنظرة جاحظة، فاختطفت الخطاب من يد المرأة التي وقفت مبهوتة حائرة، ونظر فريزن نحو ألين ~~فتلاقت أعينهما في لمحة خاطفة كانت كافية لأن يفهم كل شيء، وفي ابتسامة هادئة انحنى لها وهو ~~يهم بالخروج وقد امتزج بنفسه شعور بالنصر. # وعاد الكونت فريزن في نفس المساء إلى ستراسبورج وأخذ القطار السريع في الليل إلى باريس، ~~ولقد كانت الرحلة طويلة ومتعبة، ولكن فريزن كانت لديه أشياء كثيرة يفكر فيها فقد تعقد ~~الموقف بشكل محير حتى لقد قضى طول الليل ساهرا، لقد أدرك أن قصة الآنسة ألين فيها شيء من ~~الصحة، وأن لويس قد اختطف فعلا - الشيء الذي لم يصدقه في أول الأمر - وأنه محجوز في ~~قلعة دايك. # وكتب خطابا إلى السيدة البرنسيس يقول فيه: # إنني كبير الأمل في النجاح فلا تيئسي، إن جلالته في أمان وصحة جيدة، ومن ~~المؤكد أن أتصل به في اليومين أو الثلاثة المقبلة، ولا زال لدينا أسبوع نستطيع أن ~~ننتهي فيه من هذه المهمة بخير. لقد سافرت الليلة إلى باريس لمقابلة البرنس مترنيخ، ~~فإن له ذهنا عجيبا في تصريف مثل هذه الأمور. إذا كنت تريدين الاتصال بي، فإن ~~سكرتيري وهو لا يزال في فندق ستيفاني تحت أمرك، وسيرسل إلي خطابك مع الساعي الخاص ~~الذي يحمل حقيبة بريد السفارة. # وتفضلوا بقبول عميق احترام. # خادمك المطيع # هيجو فريزن # | الفصل الثامن # وفي اليوم التالي، وقف فريزن على رصيف محطة الشمال في باريس منتظرا القطار السريع الذي ~~يصل من بادن بادن، ونزل ساعي السفارة من عربة الدرجة الأولى، فسأله فريزن عن خطابات له فوجد ~~واحدا، فأخذه وعاد بالعربة إلى الفندق الذي نزل فيه، وجلس ms47 في قاعة الاستقبال ليقرأ خطاب ~~السيدة، وكان في الظرف خطابان كتبت أحدهما السيدة بخط تتضح فيه شدة اضطرابها، والآخر موقع ~~بإمضاء ألبرت كريستوف، وكان خطاب السيدة قصيرا، وقد جاء فيه: # صديقي العزيز # لقد أمدني خطابك بالقوة والأمل، ولو أنني ما زلت في حيرة وأسى، يمكنك أن تدركهما ~~من قراءة الخطاب المرفق بهذا، والذي تسلمته هذا الصباح. إن غايتي أن يحضر لويس ~~وننقذه من تأثير هذه المرأة عليه، إذ إننا كلما أسرعنا في توقيع عقد القران، كان ~~في هذا الخير لنا جميعا. # وإني لك الصديقة الشاكرة. # انيزدي بوربون # أما خطاب البارون كريستوف فقد كان طويلا، ومعنونا من فينا، وكان يظهر فيه قلقه من ~~التأخير، وجاء فيه: ~~... ولما كانت وجهة نظرك في هذا الموضوع تتفق مع وجهة نظري، وآمالك تتمشى مع ~~آمالي، فإني الآن أنتقل إلى بيان الموضوع من ناحية ابنتي، فإننا كلما أسرعنا في ~~إعلان خطبتها إلى جلالته، كان في هذا الخير لنا جميعا، إذ إن جريان الأمور على هذا ~~الحال يجعلنا نخشى منه على فيرونيك لئلا يتغير رأيها، فهي صغيرة السن، ومن السهل أن ~~تتأثر عواطفها، وقد يلاقيها في أي يوم الرجل الذي يثير إعجابها ويوجه عواطفها نحوه، ~~حتى ليصبح مشروعنا فجأة صعب التحقيق، ولهذا فإنني يا سيدتي واثق من أنك ستوافقين ~~على ما فعلته؛ فلقد قررت أن تكون أول مقابلة بين جلالته وابنتي في فلتك في يوم ~~23 الجاري، وعليه فقد جهزت - بصفتي والد العروس - جميع الترتيبات الخاصة بعقد ~~القران، لكي يوقع في نفس الليلة التي تقع فيها مقابلتهما، حتى إذا ما انتهت ~~إجراءاته تشرفت بتسليم جلالته مبلغ 500 مليون فرنك. # ولمناسبة هذا المساء السعيد، فإني قد عملت ما يلزم لإعلان الخطبة رسميا، وفعلا ~~تم ذلك في فينا وباريس وروما وبرلين، ولي الشرف أن أخبرك بأن جلالة إمبراطور ~~أوستوريا وقداسة البابا وجلالة ملك بروسيا سوف يبعث كل منهم رسولا خاصا ليمثله ~~في ذلك الحفل العظيم. # ولست في حاجة لأن أقول إن اليوم الثالث والعشرين من سبتمبر سنة 1860 سوف ms48 يكون ~~أسعد يوم في حياتي، كما أؤمل أن يكون - وأعتقد أنه كذلك - أسعد يوم لك أنت ~~أيضا. # وإني لك يا سيدتي البرنسيس. # الخادم المخلص # ألبرت كريستوف # ولما أتم الكونت فريزن قراءة هذين الخطابين، جلس يفكر فيما جاء فيهما، وقد رأى أن كريستوف ~~المسن لا بد أن يكون قد رتب هذا الموضوع ودبره من زمن بعيد، فإنه لا يمكن أن يكون قد جهز ~~هذه الترتيبات المعقدة في وقت قصير، ولكن ماذا يجب عليه عمله إزاء هذا الموقف المربك الذي ~~عقده كريستوف بتعيينه يوم توقيع عقد القران؟ لم يبق أمام فريزن غير ستة أيام فقط يجب أن ~~يكون قد أتم فيها كل شيء. وعلى كل فسيعرض الأمر على رئيسه البرنس مترنيخ. # ولكن ما عتم فريزن أن عرف لدى زيارته لدار السفارة الأوستورية في باريس أن البرنس ~~مترنيخ أعظم سياسيي عصره في إجازة تستغرق ثلاثة أسابيع. # وتمتم فريزن لنفسه: «معنى ذلك أنني أعود رأسا إلى ستراسبورج، ثم أستمر وحدي في القيام ~~بهذه المهمة وإتمامها في مدى ستة أيام.» ستة أيام لكي يخرج مسجونا سياسيا من قلعة ~~فرنسية، ويأخذه معه راضيا قانعا إلى الحدود! لقد استطاع أن يحل معضلات سياسية أكثر صعوبة ~~من هذه، ولكنها لم تكن في مواجهة امرأة تريد أن تتخذ لنفسها طريقا خاصا، وليست وحدها في ~~الموضوع. # وقام عن كرسيه المريح ثم قال لنفسه: «حسنا! فما دامت الأقدار قد أرادت هذا، فهيا لنرى ما ~~سوف يقوله الرجل الآخر.» ~~••• # كان هذا اليوم هو يوم «الكاسوليت» في مطعم الملوك الثلاثة، فكان المطعم مزدحما كعادته في ~~مساء ذلك اليوم من أيام الأسبوع؛ بالشعراء والأدباء والفنانين، وكانوا بعد العشاء قد ~~انصرفوا واحدا فواحدا حيث يتمون سهراتهم في ملاهي باريس الكثيرة. # وكان سيرل برتراند يفكر هو الآخر في الخروج، ولكن ليذهب إلى الاستديو، حيث كان يرغب في ~~أن يجلس أمام المدفأة ويتم قراءة أحدث ما أخرجه قلم ديماس الصغير، وكانت الساعة التاسعة ~~وقتذاك، فما كاد سيرل يقوم عن منضدته ويأخذ قبعته حتى دخل رجل من باب ms49 المطعم وقد اتجه إليه ~~مادا يده لمصافحته، ولم يلاحظه سيرل في البدء إلا عندما سمع صوتا يقول له في لطف: لقد ~~أخبروني بأني لا بد أن أجدك هنا، وإني لسعيد بلقائي بك. # وكان هذا الكونت فريزن، فقال سيرل وهو يصافحه في حرارة وقد سره أن يراه: وإني سعيد أيضا، ~~هل لك في العشاء؟ ~~- أشكرك، لا أريد أكثر من أن أتحدث معك. # ونظر سيرل حوله بأسف فقد رأى أن معظم الزبائن قد ذهبوا. # وكان الخادم ينظر إليه كأنما ينتظر ذهابه لينظف المنضدة مما تبقى عليها، وكانت الأنوار قد ~~أطفئت، فقال لصديقه: إذا كان لا يضايقك الاستديو العتيق، العديم البهجة. ~~- يضايقني؟ إنني أحب هذا، دعنا نذهب إليه. # وسار الرجلان معا فعبرا الساحة، وفتحت لهما الخادم باب الاستديو، وأحضرت إلى الغرفة ~~مصباحا موقدا، وهبت نسمة دافئة لطيفة من الموقد الحديدي الصغير، فسحب سيرل كرسيين ودعا ~~صاحبه للجلوس والتدخين، فاعتذر عنه فريزن في ذلك الوقت، فقال سيرل: أيضايقك أن أدخن ~~غليوني؟ ~~- بل أحب أن تفعل، فهو يجعلك أكثر شبها بالإنجليز. # وابتسم سيرل لهذه الملاحظة ثم قال: أؤمل ألا يكون في هذا خسران لي. ~~- غالبا لا، إذ في الواقع أن هذا الجانب الإنجليزي فيك هو ما سوف أستعين به هذه ~~الليلة. ~~- تستعين به؟! ~~- نعم؛ فقد أتيت لأراك هذا المساء، ولكي أطلب مساعدتك في موضوع دقيق للغاية. ~~- إنني سعيد بهذه الفرصة. # وكان فريزن في ذلك الوقت يلاحظه بإمعان، ويدرس وجهه محاولا أن يتعرف منه نفسيته، فلاح له ~~من ملامح وجهه القوية أنه رجل يحب أو يكره بشدة. وكان فريزن قد فكر واستعد تماما لما ~~سيقوله الليلة، وعلى هذا فقد بدأ فريزن بهدوء: إن الأمر يتعلق بأخيك غير الشقيق، جلالة ~~ملك فرنسا. ~~- أوه! # ثم نفخ سيرل دخان غليونه وسكت منتظرا أن يتم صديقه دون أن يبدو على وجهه أي تأثير: إن ~~أخاك يا عزيزي برتراند في هذه اللحظة في موقف خطر للغاية، وليست حياته وحدها مهددة بالخطر، ~~بل كذلك مستقبله أيضا ومستقبل أسرته، حتى ليخشى من وجوده ms50 في السجن على تحطيم كل أمل في ~~استعادته ملكه، هل فهمتني؟ ~~- لست أفهم تماما، ولكن كيف تنتظر أن يهمني مستقبل أسرة البوربون؟ # فأسرع فريزن محتجا: لا تسئ فهم ما أقول يا صديقي، فإني لست أناديك على أساس الأسرة أو ~~الملكية كما تقول فإني أعلم أنك لا تهتم بهما، ولكني أطلب مساعدتك على أساس أنك تقوم بعمل ~~إنساني. # فقال سيرل بجفاف: إن لهذا وقعا بديعا في الأذن. ~~- دعني أذكر لك ما حدث. # وقص فريزن باختصار وقائع اختطاف جلالته، وذكر له أنه قد أخذ إلى حصن دايك حيث لا يزال ~~مسجونا حتى الآن. وكان سيرل يستمع إليه وهو صامت طول الوقت يسحب أنفاسا من غليونه، وينظر ~~في تفكير نحو نار الموقد. # ولم يفت على فريزن ملاحظته بدقة وهو يخبره بما حدث، وسكت قليلا بعد أن أتم قصته، وظل ~~سيرل صامتا هو الآخر، فاستأنف فريزن قائلا: إن صحة أخيك ضعيفة كما تعلم، وإن بقاءه في ~~ذلك السجن يعني موته المؤكد، وإلى جانب هذا فإن وجوده هناك يعطل أحداثا سياسية عظيمة ~~تسعى إليها أسرته، ويسعى إليها أيضا إمبراطوري، ولقد أتيت هنا لأستعين بالبرنس مترنيخ في ~~حل هذا المشكل ولكني علمت أنه سافر في إجازة طويلة. # وسكت فريزن ثانية؛ فقد كان يعلم أن كلماته التالية ستكون نقطة الفصل في الموضوع؛ فقد كان ~~كل شيء يتوقف على الكيفية التي يلاقيها بها سيرل، وعلى هذا فقد أتم بعد لحظة بصوت هادئ: ~~ولذلك فقد أتيت إليك. # وعند هذا انفجر سيرل في ضحكة عالية، وقال في تعجب: إلي؟! إن هذه أبدع نكتة قد سمعتها ~~من زمن طويل! # وأتم بشيء من الجد: ولنفرض أنني كنت أهتم بما جرى لأخي غير الشقيق، أو بما يقع على أسرة ~~البوربون نتيجة لما حدث، فما الذي أستطيع أنا أن أفعله؟ # ونظر إليه فريزن بإمعان، إذ سرعان ما تحول انفجاره بالطرب إلى مرارة قاسية، وعلى كل ~~فإن المرارة خير من أن يكون غير مهتم بالموضوع بتاتا. # ولم يكن في كل هذا ما يشجع فريزن، ورغم ms51 ذلك فقد قال: إنك إنجليزي أكثر منك فرنسيا يا ~~عزيزي برتراند، وأنا واثق من أنك تميل كثيرا إلى الأدب الإنجليزي أدب بلاد أبيك، خبرني ~~ألم تقرأ كتابا ألفه أشهر كتاب العصر شارلس ديكنز، كتابا نشره في العام الماضي واسمه ~~«قصة المدينتين»؟ # فقال سيرل وقد بدا عليه شيء من الدهشة: فعلا، لقد قرأته! # فقال سيرل في بطء: إنه كتاب عجيب، وفيه حوادث مثيرة فعلا، ألا تعرف لم سألتك هذا ~~السؤال؟ # وبدا على سيرل في البدء أنه لم يفهم قصده، ولكن الفكرة خامرت ذهنه واتضحت فيه شيئا ~~فشيئا، فنظر إلى صديقه نظرة مشدوهة متسائلة كأنما يقول فيها: «هل أنا المجنون أم ~~أنت؟!» # وأسرع فريزن فقال في هدوء: أرجوك ألا تظن - ولو إلى لحظة قصيرة - أنني أطلب منك أن تضحي ~~بحياتك من أجل شخص أو موضوع لا يهمك، وكل ما فعلته هو أنني اقترحت عليك ما أسميه مخاطرة من ~~الدرجة الأولى، وأنا واثق من أنها ستثير اهتمامك وتجتذبك إليها، وهذا لأنك أولا ستكون ~~سببا في إنقاذ شخص تعتبر حياته ثمينة في نظر كثيرين، ثم لأنك - كما قلت لك - إنجليزي أكثر ~~منك فرنسيا، وإن المخاطرات من الدرجة الأولى لها تأثير كبير في اجتذاب أبناء جلدتك ~~إليها. # وسكت فريزن لحظة، ثم أتم في هدوء أيضا: في المرة الأولى التي رأيتك فيها استلفت نظري ~~مشابهتك العجيبة لجلالة ملك فرنسا، وكل ما عليك أن تفعله هو أن تحلق لحيتك وتقص شعرك، وهذا ~~يكفي تماما لخداع حاكم وحراس حصن دايك، وسوف آخذ إذنا - بما لي من مركز سياسي - بزيارة ~~السجين، وسأصحبك معي، وإذا لزم الأمر فإنك تتبادل الملابس مع جلالته، حتى يمكنه أن يخرج معي ~~دون أن يشعر أحد، وتبقى أنت مكانه. غير أن بقاءك هناك لن يزيد عن يوم أو اثنين، بل ربما بضع ~~ساعات، فحالما يكتشف أولو الأمر في السجن هذا الاستبدال فسوف يطلق سراحك طبعا، وستهتم ~~حكومتي حتما بهذا. وعلى كل فأنا لا أعتقد أن هذا الخطر الضئيل قد يعوقك، وإني أقسم لك ~~بشرف بلادي ms52 أن حياتك ستسلم من كل خطر. والآن، هل فهمت؟ ~~- لقد فهمت، ولكن! ~~- ماذا؟ ~~- اعف عني إذا قلت إنني لم أفهم حتى الآن الغرض من هذه اللعبة، فإذا كنت ترى - كما قلت لي ~~- أن حكومتك تستطيع أن تسير الموضوع فلم إذن تقوم بهذه «المكيدة العجيبة»؟! ~~- لأن الوقت ضيق أمامي بكل أسف. ~~- ماذا تعني بالوقت؟ ~~- يجب أن يعود جلالته إلى بادن بادن قبل يوم السبت المقبل وإلا فقد عرشه. # فهز سيرل كتفيه كأنما يردد ما قاله من قبل، ويعني أنه لا يهتم بهذا مطلقا، فأردف فريزن ~~بتنهدة قصيرة وقد نفد صبره: إنني أعلم، أعلم أنك لا تهتم بذلك، هذا مفهوم، ليس جلالته عندك ~~أكثر من أخيك غير الشقيق، هذا حسن، ولكن ماذا ترى في الفتاة؟ # وقفز سيرل دون وعي وقال في تعجب وقد تجهم وجهه: الفتاة؟! ~~- نعم، فيرونيك كريستوف، تصور كم يكون موقف هذه الفتاة التعسة مروعا! ~~- يا للشيطان! ماذا تعني؟! ~~- أعني أن الآنسة كريستوف قد تمت خطبتها رسميا لجلالته، وقد بلغت بذلك جميع الهيئات ~~الرئيسية في أوروبا، وسوف يرسل إمبراطور أوستوريا وملك بروسيا وقداسة البابا وغير هؤلاء من ~~يمثلونهم في الاحتفال بعقد القران؛ فتصور أنت عدم ظهور جلالته في هذا الحفل، وتخيل الشائعات ~~والأقاويل والفضائح التي ستذاع حول الفتاة المسكينة، ولست أذكر لك مشاعرها وحبها لخطيبها ~~ولو أنها لم تره من قبل، طمعها في أن تكون ملكة، كل هذه الأماني سوف تتحطم، تأمل ماذا يكون ~~حالها بعد هذه الصدمة المروعة. # وكان سيرل لا يزال صامتا ينظر إلى ضوء المصباح وهو يفكر بعمق. # فاستأنف فريزن بحماس شديد: فلتقدم إلي يد المساعدة يا عزيزي برتراند، ولو من أجل الفتاة ~~المسكينة، تصور موقفها أمام العالم في هذا المركز المهين المخجل كامرأة مخدوعة في حبها، لقد ~~تحدث الناس كثيرا عن علاقة جلالته بالآنسة سان أماند، فإذا لم يتم هذا الزواج فتصور ماذا ~~يقوله الناس عنها وقد تفوقت عليها ممثلة! تصور تأثير ذلك على نفسيتها وعلى سمعتها، لسوف ~~يسلقها الحساد بألسنة حداد ساخرين منها هازئين بها، ms53 وإن فيرونيك لفتاة رقيقة الحس، أخشى ~~أن تقتلها هذه السخرية وتلك المهانة. # وجاء دور فريزن في الانتظار والمراقبة؛ فلقد نمت هاتان العينان المتحمستان عن ذلك السر ~~الذي كان يظن سيرل أنه قد دفنه في قلبه، وما كان فريزن ذلك السياسي البارع والرجل المجرب ~~يتوهم ذلك السر، فما دار بخلده من قبل أن سيرل برتراند قد وقع في حب فيرونيك الفتاة التي ~~كان يرسم صورتها، ولكن تلك اللمحة التي انبعثت من عينيه عندما ذكر اسم الفتاة أمامه، وهذا ~~المعنى العجيب الذي يطل منهما الآن؛ قد جعلاه بعد ذلك لا يخطئ في فهم حقيقة مشاعر سيرل نحو ~~الفتاة. # وأخذ فريزن صندوق سجائره وأشعل واحدة وألقى بالثقاب فوق المنضدة، ولكن سيرل لم يتحرك بل ~~ظل ساكنا ينظر في تفكير نحو ضوء المصباح. وحدث فريزن نفسه وقد أحس بشيء من الاطمئنان لما ~~أدركه أخيرا من مشاعر سيرل نحو فيرونيك؛ إن حبه لها سوف يمهد سبيل النجاح لخطته، ويدفع ~~سيرل حتما إلى الاشتراك معه في الموضوع. وأخيرا سأله فريزن: حسنا! ماذا تقول؟ # ولكن سيرل لم يتحرك، وكرر فريزن سؤاله مرتين أو أكثر قبل أن يتنبه سيرل إليه، وأخيرا صاح ~~كمن استيقظ من النوم: آه! ماذا؟ ~~- والآن ماذا ترى في «مكيدتي العجيبة» وقد عرفت جميع ظروفها؟ # فرد سيرل في بطء: إنني لا أزال أراها عجيبة، ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- سوف أذهب إلى حصن دايك معك غدا. # فأردف فريزن ببساطة ورزانة: إنني كنت واثقا من ذلك، كلمتك نهائية؟ ~~- كلمتي كلمة شرف. # فقام فريزن وتبعه سيرل، ومد الأول يده فوضعها سيرل في يده، ونظر إليه الأوستوري نظرة ~~مليئة بالمعاني وهو يتأمل قامته الممدودة وجسمه المتين، وقال في نفسه: كم يكون ملكا عظيما ~~لو كان هو الولد الشرعي للملك المرحوم! ثم قال في صوت مسموع: أظن أنه يجب أن أذهب الآن، ~~ولكني سوف أعود غدا في التاسعة صباحا، وللأسف فنحن لا يمكننا أن نسافر بقطار الصباح، إذ ~~علي أن أستحضر الإذن لزيارة السجين، كما أنني أرى أنه من المستحسن أن ms54 تكون زيارتنا له في ~~المساء. # وصافح سيرل بحرارة مرة أخرى ثم قال بحماس: إنني أخرج الآن أكثر سعادة مما دخلت، ولكنى لم ~~أخبرك عما قد يلاقينا من مخاطر في هذا العمل. # فقاطعه سيرل في ابتسامة: لا حاجة لك بهذا. ~~- إنني كنت أقصد بهذا أن أؤكد لك أن حكومتي لا بد ستعمل جهدها لكي لا تتركك تقاسي متاعب ~~السجن طويلا. # فقاطعه سيرل مرة أخرى: سوف أجد حانوت الحلاق مغلقا إن لم أسرع بالذهاب إليه. ~~- حسنا، حسنا! سوف لا أقول شيئا بعد هذا. # وضحك فريزن وهو يقول ذلك ثم اتجه إلى الباب وأردف بلطف وهو يشير بإصبعه: حذار أن تنسى ~~حلاقة لحيتك وقص شعرك جيدا. # | الفصل التاسع # غير أن سيرل لم يخرج ثانية في ذلك المساء؛ فقد قضى وقتا طويلا جدا ينظر إلى لا شيء ~~وذهنه يحترق من الفكر، لقد كان يفكر في فيرونيك وهي تندب ضياع أحلامها، فيرونيك وهي تبكي ~~بحسرة وخجل ... وكان تفكيره في أنه يستطيع أن ينقذها من الأسى والعار عزبا، لأنه كان ~~سيفقدها على كل حال، لقد أعطى كلمته لصديقه وهو لا يأسف لهذا، فهي ستكون سعيدة، وربما تصبح ~~يوما ما ملكة على فرنسا الملكة فيرونيك، زوجة لتعس خائر لا يقدر حتى جمالها ولم يدفعه إلى ~~الزواج بها غير مال أبيها، ثم قال لنفسه: «لئن كان العرش لي، فإني أرضى بحبها بدلا ~~عنه!» # وذهب إلى فراشه في وقت متأخر من الليل، ولم يدر ما إذا كان قد نام أم لا فقد أقضت نومه ~~أحلام مزعجة سخيفة، وعلى هذا فقد استيقظ مبكرا في الصباح، وذهب في الساعة الثامنة إلى ~~الحلاق، ولما نظر إلى المرآة بعد نصف ساعة، وجد أنه قد تغير بشكل عجيب، ثم قال لنفسه وهو ~~يتأمل وجهه: «إنني قد أصبحت فعلا قريب الشبه جدا لأخي المخنث!» # وقال له الحلاق الذي أزال لحيته عابثا: إذا كان السيد قد ارتكب جريمة، فإن من السهل ~~عليه بعد الآن أن يتحاشى البوليس، فلن يعرفه أحد الآن، أما أنا فسوف لا أقول ms55 شيئا. # ولما عاد سيرل إلى الاستديو، وجد برقية فوق المنضدة وضعتها الخادم إلى جانب صينية ~~الإفطار، وأدهشه ورود برقية له، وإنه ليذكر أنه لم يتسلم طول حياته برقية من قبل، ولقد أمسك ~~بها في يده يقلبها بين أصابعه وهو يحس بشيء من الخوف يمنعه عن فتحها، وفي ذلك الوقت دخلت ~~الخادم وبيدها سلة مليئة بالخشب لتوقد النار، وإذا ما رأت سيرل أصدرت صيحة دهشة عالية وسقطت ~~منها السلة، فأحدث الخشب صوتا مزعجا عند وقوعه على أرض الغرفة، ولم يدر سيرل في البدء سبب ~~تأملها فيه هكذا بعينين جاحظتين مضطربتين، وأخيرا تذكر فضحك ضحكته المرحة التي لم تسمعها ~~المرأة العجوز من زمن بعيد، فسألها: إنك لم تعرفيني يا أنجيل، أليس كذلك؟ ~~- ل... ل... لا ... يا سيدي. ~~- إنه أنا ... المسيو برتراند كما تعلمين يا أنجيل، الذي رسم الصور ثم بهرج في ~~الاستديو. # وتذكر البرقية فجأة فقال: خذي الخشب أيتها المرأة الطيبة، وأخبريني من أحضر هذه ~~البرقية؟ # وذهبت أنجيل وهي لا تزال في شك من أمر سيدها لتجمع الخشب وتضع السلة في مكانها، ثم قالت: ~~لقد أحضرها رجل البريد بعد خروج سيدي بخمس دقائق. ~~- هل كان واثقا من أنها لي؟ ~~- أجل يا سيدي، فإن اسمك عليها وعنوانك. # وكان هذا فعلا، فلم يشك سيرل في أنها له، فمزق غلافها، وكانت البرقية باللغة الإنجليزية، ~~وقد جاء فيها: # أخبرك بموت اللورد لونجفيل المفاجئ على أثر حادث في الصيد، وأنت من يليه مباشرة ~~من بين أفراد الأسرة. فالمرجو حضورك بأسرع ما يمكن. كاربن وهوستن وكلاء دعاوى فندق ~~لينكولن فيلدز لندن. # وقرأ سيرل البرقية ثلاث مرات قبل أن يدرك مغزاها، ثم وضعها فوق المنضدة وبدأ يتناول فطوره ~~وهو يقرؤها للمرة الرابعة، وقد ترك لأفكاره العنان منقبا وراء ما جاء فيها: # أولا: # عن الإمضاء «كاربن وهوستن وكلاء دعاوى»، وتذكر سيرل تلك السنين البعيدة ~~أيام أن كان صبيا، وقد جاء إلى باريس ليجرب حظه في عالم الفن، لقد كانت ~~تصل إليه بضع رسائل ممضاة باسم «كاربن وهوستن وكلاء دعاوى»، وعلى ms56 كل حال ~~فإنه لا يتذكر ماذا كان في هذه الرسائل ، ولا السبب الذي دعا هؤلاء الوكلاء ~~اللندنيين إلى تحمل مشقة البحث عن مسكنه، فربما حصلوا عليه من دفتر ~~البوليس، وهذا كل ما هناك. # وثانيا: # ذلك الاسم لونجفيل، اللورد لونجفيل؛ فقد كان سيرل يعلم أن له ابن عم ~~اسمه فرانسيس برتراند، أو اللورد لونجفيل، غير أنه لم يكن ليهتم بتتبع ~~أخباره أو معرفة الجهة التي يقطن فيها، وقد اتضح له الآن أنه كان يقضي بعض ~~الوقت في صيد أشياء، ويظهر أنه قد أصيب في حادثة فمات، ولكن ما علاقة موته ~~به؟! وما الذي يدعو هؤلاء الوكلاء اللندنيين إلى تكليف أنفسهم مشقة إبلاغه ~~هذا الخبر؟! # ولم تطرأ الفكرة على ذهن سيرل إلا بعد أن تناول قهوته، لقد جاء في البرقية: «وأنت من يليه ~~مباشرة من بين أفراد الأسرة»، أتعني هذا أنه قد أصبح في لحظة رجلا ذا لقب ومال؟! وعلى كل ~~حال فما الفائدة من كل هذا؟! لئن جاءته هذه الأشياء منذ بضعة شهور لاختلف الأمر الآن، ولما ~~كانت فيرونيك قد عقدت خطبتها على أخيه غير الشقيق! ولكن ليس هناك فائدة من كل هذا. وأحس ~~برغبة في أن يقذف بتلك البرقية في النار؛ «المرجو حضورك بأسرع ما يمكن!»، إنه لن يذهب بأسرع ~~ما يمكن، بل ربما لا يذهب مطلقا، إلا إذا انتهى من موضوع حصن دايك كما وعد صديقه بذلك، ~~وبحركة عنيفة أطبق بيده على الورقة، وبينما هو يهم بإلقائها في النار سمع وقع خطوات لينة ~~فوق أرض الغرفة الحجرية، وكانت الساعة وقت ذاك تدق التاسعة، فدس سيرل ورقة البرقية في درج ~~مكتبه، وصاح الكونت فريزن وهو يدخل الغرفة: ها أنا ذا. # ثم خلع قبعته وتقدم إلى سيرل وأعاد قوله «ها أنا ذا»، ولم يتم كلمته بل وقف فاغرا فاه ~~وهو يحملق بعينين مشدوهتين، ثم انفجر في ضحكة عالية، فأمسك بكتفي سيرل وهو يقول: مدهش يا ~~رفيقي العزيز! مدهش جدا! إن أمك نفسها لا يمكن أن تعرفك. # فرد سيرل وهو يمر على ms57 ذقنه بأطراف أصابعه: أوه! نعم، إن هذه اللحية الطيبة قد ~~ذهبت. ~~- حسنا، إنني ذاهب الآن إلى وزارة الداخلية لمقابلة الوزير فأنا أعرفه شخصيا، وهو الذي ~~سيعطيني الإذن الذي أحتاج إليه، وسيقوم قطارنا في السادسة والربع من محطة الشرق، وسأحضر ~~إليك هنا قبل السادسة بربع ساعة. # وفي السادسة والربع بعد الظهر سافر الاثنان، وفي صباح اليوم التالي نزلا من القطار المحلي ~~إلى رصيف محطة ليسين، حيث يمكنهما من هناك أخذ العربة إلى حصن دايك، ولم يجدا سوى عربات ~~قديمة غير مريحة، استقلا واحدة، سارت في طريق جميل تحفه مناظر الريف البهجة، لم تأخذ عينا ~~سيرل من جمالها شيئا. # وأخيرا صعدت العربة فوق المنحدر الجبلي الذي يقع فوق الحصن، وما إن وصلا إليه حتى أمر ~~فريزن السائق بالانتظار في مكان ملائم، ونزل هو وسيرل إلى باب الحصن، حيث وقف الديدبان ~~فتقدما إليه، وأبرز فريزن الخطاب الرسمي الذي يحمل شارة وزارة الداخلية، وفيه الإذن له ~~بدخول الحصن، فسمح لهما بالدخول، حيث قابلا ضابطا برتبة الملازم يلبس الثوب الرسمي، ~~فأبرز له فريزن الخطاب، فتمتم هذا بكلمات غير مفهومة وتركهما، وغاب قليلا، ثم عاد ومعه ~~لفتنانت صغير في ملابس رسمية، فلما قرأ الخطاب أدى تحية عسكرية وقال: سيدي الكونت ~~فريزن؟ ~~- ها أنا ذا، وهذا المسيو برتراند سكرتيري الخاص. # ثم أشار إلى الورقة في يد الضابط وتمتم فريزن: لقد أخذت هذا الأمر من جناب الوزير نفسه ~~وأنا أعتقد أنه قانوني. ~~- هو كذلك يا سيدي الكونت، ولكن يظهر أن جناب الوزير لم يكن قد وصل إلى علمه أن ~~السجين المشار إليه ليس معنا. # فانتفض فريزن قائلا: ماذا تعني بقولك إنه ليس معكم؟ ~~- إن السجين كان هنا منذ خمسة أيام فقط، وقد ورد للرئيس أمس أمر من مدير البوليس ~~ليسلمه، وقد حضر ضابطان من ضباط البوليس السري بعربة وأخذا السجين وكان هذا بعد ~~الظهر. ~~- ولكن أين ذهبوا بصاحب ال... ان بال... سجين؟ # فابتسم اللفتنانت وقال: إن لديهم أوامر سرية يا سيدي الكونت، وحتى لو كنت أعلم فإني لا ms58 ~~أستطيع أن أقول شيئا. ~~- هل أستطيع أن أرى الرئيس؟ ~~- بالطبع يا سيدي الكونت. # وسار الضابط الصغير وخلفه الرجلان إلى حجرة الرئيس، وكان فريزن يحاول إخفاء اضطرابه ~~وضيقه، وقد أحس سيرل من أجله بالأسف لإخفاقه في مكيدته. # وكان الرئيس رجلا كبير السن، عسكريا بمعنى الكلمة؛ فقد كان النظام العسكري لديه أقرب ~~شيء إلى الدين، يخلص له ويقدسه، وقدم لزائريه كرسيين، ودخل الكونت في صلب الموضوع مباشرة، ~~فقال له إن لديه أمرا من الوزير بزيارة السجين، فهل هو موجود بالسجن أم خرج منه ~~فعلا؟ # فرد الرئيس بجفاف: لقد خرج فعلا يا سيدي الكونت. ~~- ربما تستطيع جنابك أن تخبرني أين يكون ... صا... ا... سجينكم الآن؟ # فرد الرئيس بجفاف وحزم: إن الأوامر التي لدي من البوليس الخصوصي لصاحب الجلالة ~~الإمبراطور سرية للغاية يا سيدي الكونت. # ولم يكن لفريزن بد من أن يتحقق تماما من أنه لا فائدة من الكلام مع ذلك العسكري العجوز، ~~فبعد لحظة قصيرة قام مستأذنا في الخروج، فصحبه الرئيس إلى الباب يحييه ويودعه. # وعادت بهما العربة دون أن ينبس أحدهما ببنت شفة، وكان كل منهما يفكر؛ سيرل يأسف لفشل ~~صاحبه، ولكن فريزن كان يفكر في شيء آخر، وأخيرا قال: إنني لا أهتم كثيرا لا بجلالته ولا ~~بنفسي، بقدر ما أنا - بصراحة - متألم كل الألم لتلك الفتاة التعسة، إن الله وحده يعلم ~~ماذا يفعل بها الإخفاق والفضيحة. # | الفصل العاشر # كادت كلمات فريزن تطير بلب سيرل؛ «إن الله وحده يعلم ماذا يفعل بها الإخفاق والفضيحة»! ~~وبحث الاثنان عن مأوى لهما في ليسن، إذ لم يكن هناك قطار معين يعود إلى ستراسبورج في تلك ~~الليلة، ووجدا غرفتين بسيطتين نظيفتين في فندق صغير بجوار المحطة، وتناولا العشاء معا في ~~غرفة خاصة، ولم يتكلم الاثنان كثيرا أثناء الطعام؛ فقد كان كل منهما غارقا في أفكاره؛ ~~فريزن يفكر في مستقبله السياسي وسيرل يفكر في فيرونيك. # ودارت في ذهن فريزن أشياء كثيرة، وخطرت بباله فكرة جعل يقلبها في ذهنه، ويقيسها من كل ~~ناحية، ونظر إلى سيرل بعينين فاحصتين ms59 مفكرتين، وهذا لاه عنه في أفكاره، وثبتت نظرته على ~~وجهه ، وقد لاحت فيها ومضة العزم والتصميم، وقد تلاشى في الوقت نفسه ما كسا سحنته من وجوم ~~وتجهم. # وكانا قد جلسا بعد الطعام أمام الموقد، وهما على هذا الحال من التفكير وشرود الذهن، ودقت ~~الساعة عشر دقات، فقام سيرل وهو يهز كتفيه ثم قال: أرى أن أذهب إلى النوم الآن. # ولكن فريزن أمسكه من كم معطفه وجره، فجلس ثانية فوق كرسيه، ثم قال له فريزن في رزانه: لا، ~~سوف لا تذهب قبل أن تصغي إلي. # فهز سيرل كتفيه وقال بجفاف: لست أرى شيئا يمكنك أن تقوله بعد ذلك! ~~- أوه! بل لدي ما أقوله، فلا ينبغي أن يضر بنا هذا الغر العجوز بمثل هذه ~~السهولة. # وسكت لحظة أو اثنتين ثم استأنف حديثه بحماس: ولن نسمح بتعريض حياة امرأة رقيقة الإحساس ~~لأن تنهشها إلى الأبد ألسنة المسافرين. ~~- باسم الله، أيها الرجل، لا تتحدث عن هذا وإلا فسأصبح مجنونا، أو أرتكب جريمة قتل، أو ~~شيئا من هذا القبيل. # ورد الأوستوري بثبات: ولكني سوف أتكلم عنه، وأؤكد أنك بعد أن تستمع إلي فإنك لن تقتل ~~أحدا، بل ولن تفكر في الانتحار. ~~- لست أدري وايم الحق ماذا تريده الآن؟! ~~- أريد أن أجد مخرجا من هذا المأزق، إذا أصغيت لصوت العقل وقدمت إلي مساعدتك. ~~- خطة أخرى من خططك العجيبة؟! # فرد فريزن بدماثة طبع: تماما! اسخر كيفما شئت، فما دمت قد رضيت بأن تعيرني سمعك فليس ~~يهمني شيء. # ولما لم يعلق سيرل على هذا بشيء؛ فقد قال فريزن بعد بضع لحظات بصوت هادئ ونبرات بطيئة ~~مؤثرة: ليس لدي شك في أن قصة اختطاف وسجن جلالته كلها من تدبير ألين سان أماند، ~~ويمكنني القول بأن نابليون الثالث يرغب كأي إنسان في أن يخلص من ذلك التهديد الدائم ~~بازدياد ميل الشعب إلى أسرة البوربون، ولكنه في نفس الوقت لا يريد أن يقحم نفسه في عراك مع ~~إمبراطوري، وهو يعلم حق العلم بأن أوستوريا لا يمكن أن تسمح بترك جلالة ملك ms60 فرنسا سجينا ~~في مكان مثل قلعة دايك، وأن إمبراطوري لن يتوانى عن أن يقلب السماء والأرض ليخلص جلالته ~~من ذلك السجن. # ومن الواضح أن الإمبراطور نابليون لم يقصد أن يسجن الملك إلى الأبد، إذ إن غاية ما ~~يطلبه من سجنه هو أن يمنع زواجه بابنة المليونير خشية أن يشد المال أزره، وأنه ببقائه ~~محجوزا أطول وقت ممكن يهيئ إلى حدوث الفضيحة التي يستحيل بعدها أن يحصل على هذا الزواج، ~~والآن هل رأيت؟ # وانفجر سيرل ضاحكا وهو يقول في سخرية لاذعة: لقد رأيت! إنك إنما تلخص الموقف لتقنع به ~~نفسك، أليس كذلك أيها الرجل العجوز؟ ~~- إنما أفعل هذا لتقتنع به أنت الآخر، وسترى هذا الآن. إنما كل ما عليك أن تقيس الأشياء ~~وتجعلها معا كما فعل، وعند هذا يمكنك أن تقدر عظم أهمية اشتراك الآنسة سان أماند في كل هذا ~~الموضوع؛ فقد تحدث الناس بصلتها بجلالته وشاعت هذه العلاقة بين جميع الأوساط، فإذا تأخر ~~جلالته عن إمضاء عقد الزواج، لم يكن أمام البارون كريستوف إلا أن يضع ملايينه في جيبه، ~~وتبقى فيرونيك المسكينة وحدها تندب زوجا وعرشا! دعني أقل لك يا عزيزي برتراند بأنني لست ~~أعلم تماما إذا كان جلالته قد نقل إلى حصن آخر أو أنه الآن بين يدي محبوبته ألين، ولقد ~~كان علي أن أبذل ما في وسعي للعودة به، فمن سوء الحظ أنه لم يبق لدينا للقيام بهذا غير ~~48 ساعة. # وتمتم سيرل لنفسه وقد ضايقه أن تتهدم آماله في إنقاذ فيرونيك: لم يبق غير 48 ساعة؟! ~~حسنا! وماذا أيضا؟ # ورد فريزن بصوت تهزه العاطفة: ماذا أيضا؟ ليس أكثر من هذا يا صديقي، إنني أعتقد بأن ~~الله قد أراد هذا، كما أعتقد بأنه قد خلقك تشبه جلالته كل الشبه حتى تحل محله غدا! ~~- أنا؟! إنك مجنون! # ورد فريزن بنفس اللهجة المنفعلة التي صاح بها سيرل: لست أنا المجنون، فإن هذا شيء في ~~غاية البساطة، هو دور تؤديه لمدة ليلة، بضع ساعات؛ توقع عقدا وتتسلم شيكا ببضعة ملايين، ~~ثم ms61 تتظاهر بالمرض وتتحاشى مقابلة الناس لبضعة أيام حتى أعثر على جلالته وأعود به ~~ثانية! # فمانع سيرل بحرارة قائلا: مستحيل، فإن أمري سوف ينكشف. ~~- أقسم لك أنه لن ينكشف، إذ إن جلالته لم يظهر أمام الجمهور في بادن بادن منذ سنتين ~~تقريبا إلا في ليلة الأوبرا فقط. ~~- ولكن أمي! ~~- سوف أمهد السبيل لها وسوف توافق، لأنها تتعرض لمخاطرة جسيمة لو رفضت. ~~- والآنسة كريستوف؟ ~~- إنها لم تقابل جلالته حتى الآن. ~~- ولكن ... # واستمر سيرل يحتج بحالة مضطربة؛ فقد فوجئ واهتز كيانه جميعه لمجرد سماعه هذا الاقتراح، ~~فقال فريزن في ضحكة: لا تقل لي إنك خائف. ~~- خائف؟! ~~- حسنا، إذن ماذا؟ ~~- إنك تقول إن هناك عقدا أوقعه. ~~- وبعد؟ ~~- هل تعني بالاقتراح علي أن أوقع بإمضاء أخي؟ ~~- ولم لا؟ # ثم وضع فريزن يده في جيب سترته الداخلي، وأخرج حافظة للخطابات فاختار واحدا قدمه لسيرل ~~وهو يقول: هذا خطاب من جلالته، «لويس، ملك» وأنت فنان فجرب بقلمك، وإن تمرين ساعة كاف لك، ~~وأنا أعدك بأن جلالته سوف لا ينكر التوقيع. ~~- تعني التوقيع المزور؟ # فهز فريزن كتفيه وقال: ولم لا؟ # ولما لم يأخذ سيرل الخطاب؛ فقد أعاده فريزن إلى حافظته، ووضع الحافظة في جيبه، وقال سيرل ~~في إلحاح: تزوير في أسفل عقد الزواج؟! فكل العقد مزور! ~~- ولم لا؟ ~~- لكي نخدع رجلا فيسلمني شيكا ببضعة ملايين؟ ~~- ولم لا؟ فإن كل هذا سوف يكون لمدة مؤقتة. ~~- لكي نخدع به امرأة؟ ~~- لمدة بضع ساعات، ومن أجل سعادتها العظيمة. # ولم يقل سيرل شيئا في ذلك الوقت، بل جعل ينفخ دخان غليونه، وقد أخذت كلمات فريزن الأخيرة ~~تدور في ذهنه: «من أجل سعادتها العظيمة»، وذكر أيضا كلماته وهما قادمين من حصن دايك: «إن ~~الله وحده يعلم ماذا يفعل بها الإخفاق والفضيحة». # وكانت فيرونيك في الواقع أقوى سلاح في يد فريزن، فيرونيك وحب سيرل لها. وكان فريزن عالما ~~نفسانيا، فارتأى أن يترك الفكرة تعمل عملها في ذهن برتراند، وأن يمهد للأحلام بفيرونيك ~~وبسعادتها وعذابها السبيل لغزو نوم سيرل؛ فقال له في لطف: فكر في ms62 هذا، واذهب لتنم يا عزيزي ~~برتراند، وأخبرني عما عزمت عليه في الصباح ، فهذا يمكننا من إتمام معداتنا، وإلا فنكتب إلى ~~بادن بادن عن هذه الأخبار السيئة. # وقبل أن يقوم فريزن خطرت في باله فكرة، فمد يده إلى حافظة خطاباته فأخرج واحدا، وضعه فوق ~~المنضدة أمام سيرل وقال له: أحب أن تقرأ هذا قبل أن تقرر الطريق الذي تعتزم انتهاجه. # وبعد هذا، حنى فريزن رأسه بتحية المساء، وترك سيرل وخرج، وكان الخطاب الذي تركه هو ما ~~كتبه البارون كريستوف للسيدة البرنسيس. # وقرأه سيرل مرارا، وكرر قراءة الفقرة التي يقول فيها: # ولمناسبة هذا المساء السعيد، فإني قد عملت ما يلزم لإعلان الخطبة رسميا، ~~وفعلا تم ذلك، في فينا وباريس وروما وبرلين، ولي الشرف أن أخبرك بأن جلالة ~~إمبراطور أوستوريا وقداسة البابا وجلالة ملك بروسيا سوف يبعث كل منهم رسولا خاصا ~~ليمثله في ذلك الحفل العظيم ... # وكان في كل مرة يقرأ فيها هذه الفقرة لا يتمالك نفسه من أن يستعيد قول فريزن: «إن الله ~~وحده يعلم ماذا يفعل بها الإخفاق والفضيحة.» ~~••• # وفي الصباح، تقابل الاثنان على مائدة الإفطار، وكان كل منهما يعلم أن الآخر لم يغمض له ~~جفن، وأخيرا قال سيرل: حسنا يا صديقي، لقد فكرت في الموضوع، ولسوف أعمل بما اقترحته ~~علي. # ولما رأى ما اعترى فريزن من دهشة مضحكة، انفجر ضاحكا وهو يقول: لا تجفل هكذا، إنني أقصد ~~ما أقول، سوف أذهب معك إلى بادن بادن، وسأبقى لمدة ليلة واحدة صاحب الجلالة ملك ~~فرنسا. # وكاد فريزن يسأله: «وستوقع عقد الزواج؟» ولكنه توقف عن الكلام وفضل أن يترك الكلاب نائمة، ~~ولذا فقد كان كل ما قاله: كنت أعلم أنك ستفعل هذا يا صديقي العزيز، إنه في الواقع الشيء ~~الوحيد الذي نفعله من أجل الفتاة. # وبعد أن تناولا الإفطار وشربا قهوتهما، جاءت خادم الفندق لتحمل صينية القهوة، ولما ~~سألتهما عما إذا كانت النار كافية، قال لها سيرل: لا، ضعي كتلة من الخشب فيها. # وفعلت الفتاة ما أمرها به، وذهبت بصينية القهوة. وبعد اختفائها ms63 قال فريزن: أظنك قد أخطأت ~~في طلب وضع هذه الكتلة، لقد كان الجو حارا جدا قبل الآن! ~~- إني آسف! # وفتح باب الموقد ونظر إلى النار المشتعلة، ثم ضحك وقال: أخشى أن تزداد الحرارة جدا ~~وبسرعة؛ فقد وضعت الفتاة كتلة كبيرة. ~~- سوف أفتح النافذة. # وقام فريزن وذهب إليها، وفي تلك اللحظة قال سيرل: لا تتعب نفسك، فهذه أسهل طريقة. # وقبل أن يدرك فريزن ماذا يفعل صديقه، كان هذا قد أدخل يده في النار وأخرج الكتلة ~~المتوقدة، فصاح فريزن باضطراب ووجل: برتراند! هل أنت مجنون؟! # فرد سيرل وقد ألقى بكتلة النار: لا، بل مأفون فقط. # وانتشرت رائحة اللحم المحترق في الغرفة، وبان على سيرل أنه يقاوم ميلا لفقدان وعيه، وقفز ~~فريزن إلى الجرس فدقه وجرى إلى زجاجة البراندي فرفعها إلى شفتي سيرل، ولما دخلت الخادم ~~الصغيرة الغرفة أمرها فريزن قائلا: طبيب، بسرعة! فقد احترقت يد صاحبي! # فجاهد سيرل ليقول وعلى فمه ابتسامة مضناة: لا، لا، لست أريد طبيبا، بل أعطني قطرة أخرى ~~من البراندي فإنه ينفعني، وسوف أذهب إلى صيدلي المدينة لمعالجتي. # وكان هذا ختام الحادث؛ فقد عالج الصيدلي يد سيرل من إصابتها الخطرة ثم لفها له. # وفي نفس اليوم سافر الصديقان بقطار الثالثة بعد الظهر إلى ستراسبورج، وكانت يد سيرل مغطاة ~~باللفائف غير أنه كان أكثر بهجة مما كان قبلا، ولكن فريزن ظل في تفكيره وهو يقول لنفسه: ~~«إني أظن أن الدم الإنجليزي فيه، إن هؤلاء الإنجليز جميعا مجانين!» # | الفصل الحادي عشر # وحلت الليلة الموعودة، واجتمع في صالون السيدة البرنسيس - قبل ميعاد توقيع العقد بنصف ~~ساعة - مندوبو قداسة البابا وجلالة إمبراطور أوستوريا، وغير هؤلاء من عظماء أوروبا وملوكها؛ ~~فهذا ممثل ملك بروسيا، وذاك ممثل ملك بافاريا وقيصر ... وملكة إسبانيا، ثم دوق بادن العظيم، ~~وكثير من أعضاء الأسر الأرستقراطية في أوروبا، حتى لقد ازدحمت بهم جميعا قاعات الاستقبال ~~في فلا إليزابث. # وكان كل هؤلاء في شوق شديد لرؤية جلالته؛ فقد كانوا جميعا لا يعرفونه. وفي التاسعة ~~تماما دخلت إليهم السيدة البرنسيس دي ms64 بوربون، فحياها كل مدعويها بالتحية الجليلة التي ~~يقابل بها الملوك عادة، وكانت مصفرة الوجه كأنما تقاسي اضطرابا عصبيا، غير أن سيماء ~~العظمة لم تفارقها، وكانت ترد على من يسألها عن صحة جلالته بأنه قد تحسن جدا من إقامته في ~~سويسرا، حتى إنه قد زاد وزنه وامتلأ جسمه، حتى لأصبح متغيرا في نظر أصدقائه وأمه. # وذكرت لبعض سائليها أن جلالته قد أصيب في يده من حادث بسيط منذ يومين عندما كان يصطاد، ~~واستفاضت السيدة في الحديث عن هذا الموضوع مع عمدة بادن بادن ووكيل قنصل فرنسا، وذكرت لهما ~~أن جلالته لن يستطيع أن يمسك قلما بيده المصابة، وسألتهما عما يمكن عمله بالنسبة لتوقيع ~~العقد، فأكد لها كلا السيدين أنه ما دام جلالته يضع أي علامة فوق العقد ثم يوقع معه شاهدان، ~~فإن العقد يصبح قانونيا، على أن يتمه جلالته فيما بعد عندما تبرأ يده بوضع توقيعه ~~الكريم عليه. # وأعلن قدوم البارون كريستوف، فدخل متأبطا ذراع ابنته، ولقد كان جمالها في تلك الليلة ~~باهرا جليلا، فتقدمت بخطوات هادئة نحو السيدة وانحنت أمامها باحترام، ثم قبلت يدها ~~الممدودة إليها، فأخذت السيدة تلك الفتاة المحمرة الوجه إلى صدرها ثم قبلتها بعطف فوق ~~خديها. # وبعد هنيهة فتح الباب الكبير على مصراعيه، وأعلن صوت مرتفع: «سيداتي، سادتي! صاحب ~~الجلالة الملك»، وسرت في الحجرة همسة تشبه التنهد العميق، وتحولت أنظار الجميع بلهفة نحو ~~ملك فرنسا، وكان له في الواقع هيئة جليلة ملكية، وشعر بعض عارفيه بالغبطة لما بدا عليه من ~~تحسن في صحته، وفعلا فقد كبر جسمه، وبان كأنه قد طال شيئا ما عن ذي قبل، وكان وجهه نشطا ~~ممتلئا بالقوة والحيوية، وقد لاحظ الكثيرون شدة الشبه بينه وبين والدته الكريمة؛ فقد كان ~~له لون عينيها السوداوين وشعرها الكستنائي الغامق. # وكانت يد جلالته اليمنى مربوطة باللفائف، ولذا فقد قبل الجميع يده اليسرى. # وكانت لحظة غريبة عندما تقدم البارون كريستوف مع ابنته ليقدمها إلى جلالته، كانت السيدة ~~البرنسيس واقفة بجلال خلفه قليلا، فتقدمت الفتاة وهي تلبس ملابس العرس ms65 البيضاء، وقد كللت ~~شعرها بزهور الكاميليا الناصعة، إلى خطيبها الملكي لتؤدي نحوه واجب التحية الجليلة، وبدت في ~~عينيهما نظرة غريبة عندما شاهد كل منهما الآخر، والحق أنه قد بدا على وجه الفتاة أوضح ~~تعبير للفرح العظيم؛ فقد بان عليها كأنما قد حبتها السعادة دفعة واحدة بأوفر قسط منها، ~~ولاحظ الجميع على وجه جلالته الجميل دلائل الحب تنطق بأجلى بيان، ولقد كان غريبا لدى من ~~عرفوا أن هذه كانت أول مقابلة للعروسين أن يجدوا هذا التوافق الكامل وهذه المحبة العظيمة ~~بينهما من أول نظرة. # وانحنت الآنسة كريستوف بعمق أمام جلالته، فأخذ بيدها اليسرى ثم قبل أطراف أصابعها، ثم ~~وضع خاتم الخطبة في أصبعها دون أن ينطق بكلمة غير نظرة حب عميقة، وألقى بذراعه حولها ثم ~~قبلها في جبينها، وكان من الصعب أن يعثر الإنسان على عين لم تدمع في الحجرة لدى رؤية هذا ~~المنظر الجميل الجليل. # وبدأ جلالته الحديث مع الآنسة كريستوف، وبعد قليل اشتركت معهما السيدة البرنسيس، ثم ~~الكونت فريزن، وسرعان ما أصبح الحديث عاما في الحجرة، ثم انضم إليهم عمدة بادن بادن وكذلك ~~وكيل قنصلية فرنسا، وتحدثوا عن الفكرة التي عرضها الأخيران على السيدة، والتفت جلالته إلى ~~البارون كريستوف وكان يستمع إليهم، فقال له: إذا كنت مقتنعا يا سيدي البارون. ~~- بالطبع، إنني مقتنع تماما يا صاحب الجلالة، إن علامة من يدك المجروحة أثمن من أي ~~توقيع في العالم. # وسار جلالته والبارون كريستوف ثم الآنسة فيرونيك إلى منضدة فتح فوقها سجل رسمي كبير، ~~وأخذ العمدة الكتاب وبدأ يقرؤه بصوت مرتفع حتى يسمعه كل من في الحجرة، وكانت عبارته هي ما ~~يقال عادة في عقود الزواج، ولكن أهم ما فيه هو أن البارون كريستوف يقدم 500 مليون فرنك ~~لصاحب الجلالة ملك فرنسا، وأن صاحب الجلالة يقبل أن تشاركه زوجته في عرش وتاج فرنسا. ~~وأخيرا انحنى جلالته فوق المنضدة ووضع القلم بيده المجروحة، وساعدته السيدة البرنسيس في ~~وضع علامة في أسفل العقد، وقد ارتسمت على فم جلالته ابتسامة ساخرة أكثر منها بهجة ms66 فرحة، ~~ولقد كان شاهدا جلالته هما نيافة الكاردينال بنفنتي، وكان مفهوما أن يكون الثاني هو الكونت ~~فريزن، ولكن ما كاد يهم بأخذ القلم حتى تقدمت السيدة البرنسيس فتناولته من يد الكاردينال ~~وأعطت القلم إلى رفعة السيد جوميني، وبعد كلمات بسيطة لطيفة وقع هو الآخر على ~~العقد. # وجاء بعد ذلك دور العروس، وتولى والدها التوقيع وكيلا عنها، وشهد معه على التوقيع الكونت ~~فردريك والبرنس ريميروف، وبعد أن تم هذا أدخل البارون كريستوف يده في جيب سترته وأخرج حافظة ~~أوراقه، فأخذ منها ورقة صغيرة مستطيلة كانت بقيمة الدوطة التي قررها لابنته وهي نصف ~~مليار. # وأخيرا أشار جلالته بانتهاء الحفل، ثم تحدث إلى عروسه في كلمات قلائل، وسرى الدم حارا ~~إلى وجه فيرونيك وهي تجيب في النهاية على تحية جلالته. # | الفصل الثاني عشر # في صباح اليوم التالي كان فرح البارون كريستوف عظيما بسعادة ابنته العزيزة، لدرجة أنه ~~لم يعبأ بقيود التقاليد، التي تفرضها الهيئة الاجتماعية سنة 1860، والتي تحكم علاقات ~~الخطيبين في ذلك الحين، فكان كل ما فعله هو أنه رافقهما إلى مسافة قريبة بعد باب فلا ماري ~~تريزا، حتى لا يثير دهشة وفضول الخدم. # وكانت فيرونيك قد حدثت والدها عن هذه المسألة في الليلة الماضية عند رجوعها من حفلة ~~الاستقبال العظيمة في فلا إليزابث، فقالت له: إن لويس يريد مني أن أذهب معه غدا إلى ~~الريف طول النهار، لقد قال لي إن بادن بادن تزعجه. # وكان كل ما قاله والدها أن صحح حديثها في لطف: لويس! يا طفلتي العزيزة! ~~- أعني جلالته طبعا. ~~- يجب ألا ننسى هذا، أليس كذلك؟ # وودع الصغيران الوالد على مسافة قريبة من فلا ماري تريزا، كأنهما طفلان قد أخذا يوم ~~عطلة، وقال الخطيب: سوف لا نعود قبل السادسة، نرجو ألا يساورك القلق علينا. # فرد كريستوف بابتسامة: سأحاول هذا. # وسار الاثنان بسرعة حتى اختفيا عن أنظار الوالد؛ فقد كانا يرغبان في مفارقة بادن بادن ~~وأوساطها الاجتماعية، وغاية ما يطلبان هو أن يبتعدا عن العالم، والناس، وأن يجلسا وحدهما ~~تحت شجرة وارفة، ms67 سارا طويلا وبسرعة كأنما كانا يركضان، ولم يتخلل سيرهما غير بضع أسئلة ~~عادية ، فكان يسألها: هل أنا سائر بسرعة زائدة؟ # فترد محتجة: أوه! لا. # فيقول وقد كررها مرارا: هل تعبت؟ ~~- نعم، تعبت. # وكانت قد تعبت حقا، وانتظرت من مدة طويلة أن يسألها هذا السؤال. وجاء إلى مكان قطعت ~~بضع شجيرات منه وألقيت على الأرض كأنما خصصت لجلوس العاشقين، فنظر سيرل إلى فيرونيك بحزن ~~فضحكت في وجهه بمرح، ثم قالت: إنها مريحة بقدر الإمكان. # وجلسا متجاورين، وساد بينهما السكوت مدة طويلة، فكانت تعبث بطرف حذائها ترسم خطوطا على ~~الأرض، وكان هو يحدق في وجهها بإعجاب وشغف، وحدث أن رفعت بصرها إليه، وقد تعجبت من طول صمته ~~إذ كانت فيرونيك فتاة ساذجة كالطفلة البريئة، لا تدرك كثيرا من شئون الحب ولا أساليب ~~المحبين، ولكنها رغم سذاجتها أحست بمعنى نظرته، فتخضب خداها بلون الورد، وفي اللحظة التالية ~~كانت بين ذراعيه ولقنتها شفتاه أول درس في الحب. # وكان سيرل برتراند أستاذا ماهرا؛ فقد كان يحبها منذ وقت طويل، وكان يتمنى هذه اللحظة ~~السعيدة من كل قلبه، ومر وقت دون أن يروي ظمأه، وأفلحت هي في أن تخلص نفسها من هذا الاحتضان ~~العنيف، فسألها ذلك السؤال الذي يدور على شفتي كل محب: فيرونيك، خبريني هل أحببت قبل ~~الآن؟ ~~- لا، لست أظن ذلك. # ولقد قالتها بلهجة أشعلت الغيرة في نفسه، فسألها: ماذا تعنين بقولك إنك لا تظنين ~~ذلك؟ # فقالت محتجة: لأنني كنت قد أعجبت برجل مرة، أعني أعجبت به شيئا ما أكثر من أي رجل رأيته ~~من قبل، إلا والدي طبعا. # فقال بصوت ثابت: وهل لا تزالين معجبة به أكثر من أي رجل آخر؟ ~~- أوه! إنه لم يفكر في هكذا، ولذلك ... ~~- إنه لم يصارحك بحبه؟ ~~- أوه، لا! ~~- إنه لمجنون! # فضحكت فيرونيك ثم قالت: ما كان لديه وقت لهذا؛ فقد كان غارقا في رسمه. # فصاح في صوت مذبوح، وقد أمسك بيده أعلى رقبته كعادته دائما عندما يفاجأ بأمر مثير غير ~~منتظر: رسمه؟! رسمه؟! # وكان صوته غريبا وحركته ms68 لافتة للنظر، لدرجة أن فيرونيك داخلها الخوف فغمغمت: لماذا؟! ~~ماذا قلت؟! # وأسرع مؤكدا فقال وهو يضحك: لا شيء، لا شيء، هذا فقط ما يسميه الإنجليز ضفدعة في الحلق، ~~هل تعرفين ما هي؟ # فأومأت برأسها إيجابا، ولكنها سألت باهتمام: هل أنت الآن أحسن حالا؟ ~~- أحسن تماما، ولكن خبريني عما رسمه هذا الرجل، أعني الرجل الذي أعجبت به. ~~- إنه رسم صورتي. ~~- أوه! ~~- إنها حقا كانت صورة جميلة، كل من رآها أعجب بها، هل أنت، أعني هل جلالتك ... ~~- بحق السماء لا تدعني بهذا الاسم! # وكانت مقاطعته لها بخشونة وشدة جعلتها تضحك ثم تقول: لم لا؟ إن والدي ليؤنبني إذا لم أقل ~~هذا، وإني لست أحب كثيرا اسم لويس. ~~- إني أكره هذا، ولكن استمري في حديثك عن الصورة والرجل الذي رسمها، صفيه لي. # وأجالت بعينيها الزرقاوين مرة أخرى في وجهه، ثم قالت في بطء: حسنا، إنه بصراحة يشبه ~~جلال... أعني أنه يشبهك نوعا ما. ~~- أهذا إطراء لي؟ ~~- أوه! لا، لأن الشبه كان من هنا، وكان باقي الوجه مغطى بلحية فظيعة جدا. # وكانت قد وضعت يدها المغطاة بالقفاز تحت أنفها فغطت فمها وذقنها، فرد عليها: ومع هذا فقد ~~أعجبت به؟ ~~- إنني قلت فقط شيئا ما، لأن صورتي استغرقت في رسمها أربعة أيام، ومن يومها لم أر ~~الفنان قط. ~~- ولست ترغبين أيضا في رؤيته؟ ~~- لا، أظن لا. ~~- إنك لا تهتمين به، أليس كذلك؟ # فغمغمت بلطف: لا، ليس الآن. ~~- عندما تكونين ملكة فرنسا؟ ~~- لست أقصد هذا فقط. # وكاد سيرل يصرخ بصوت عال؛ فقد ضعفت سيطرته على عواطفه وأحس بالألم ينهش قلبه، ولكنه حاول ~~أن يعالج ما أصابه، وأفلح شيئا ما، وقد لام نفسه على انسياقه وراء آلامه، وأخيرا قام على ~~قدميه وقال ضاحكا: والآن، ألا نذهب لتناول شيء من الطعام؟ # ولكنها لم تقم بسرعة، بل نظرت إليه في إخفاق، ثم قالت في برود: إلى أي مكان سوف ~~نذهب؟ # وأخذها فصعد إلى كلوستربرج، حيث وجدا مطعما صغيرا يشرف على ليخنثال وجيرولدسو، وأشجار ~~الغابة السوداء، وجلسا فوق كرسيين خشبيين ms69 أمام منضدة عليها غطاء ذو مربعات حمراء وبيضاء، ~~وتناولا غداء بسيطا، وتكلما كثيرا وضحكا طويلا، وعبثا بالسخرية من الزبائن الآخرين، ~~وكان الاثنان يحسان كأنهما طفلان خرجا عن قيود العالم وتقاليده، فلم يشعرا إلا بالساعة التي ~~يعيشان فيها دون أن يعبأا بالغد. # وجاءتهما الخادم بقهوة ساخنة فشرباها، ودخن سيرل سيجارا وقد أحس برغبة في أن يعاود حديثه ~~عن ذلك الموضوع الذي أمضه، فسألها: حدثيني أكثر عن راسم الصورة، ذلك الذي أعجبت به أكثر ~~من أي شخص عدا والدك. ~~- لا تدعنا نتحدث عنه. ~~- لم لا؟ ~~- لأن لدي أشياء كثيرة أريد أن أحدثك عنها أهم بكثير من تخيلات بنت المدرسة السخيفة ~~هذه. ~~- إذن فقد كانت تخيلات بنت مدرسة سخيفة؟ # فردت بابتسامة صغيرة: لماذا؟ طبعا كانت كذلك. # ولكم كانت حلوة ومخلصة في حديثها! ولكم كان هذا الحديث يؤلمه ويعذبه دون أن تشعر! وجمع ~~سيرل شتات نفسه وابتسم ابتسامة مضناة وهو يرجو ألا تكتشف حقيقتها، ثم قال: وما هي الأشياء ~~المهمة التي تريدين أن تحدثيني عنها؟ # فضمت يديها الجميلتين معا، وبانت عليها علائم التحمس والانفعال: أريد أن أتحدث عن ~~مشروعاتنا. ~~- أي مشروعات؟ ~~- أجل، إنني لا أعرفها كما تعلم، فإن والدي لا يحدثني مطلقا عن الموضوعات العامة، هذه ~~الموضوعات التي أرى أنني كنت أشغف بها جدا لو أنه حاول أن يشرحها لي. ~~- ما هي هذه الموضوعات؟ ~~- أقصد السياسة. # ولم يتمالك نفسه من الضحك، السياسة! أفي هذه الأيام التي تنذر بقيام الحرب، والتي بدأ ~~فيها نشوء الديمقراطية، تستطيع هذه الفتاة العديمة الخبرة أن تفهم شيئا من السياسة؟! ~~ولكنها قالت: لا تضحك، إنني جادة في قولي كل الجد. # فغمغم بجفاف: إن الجو السياسي في هذه الأيام ملبد بالغيوم، على الراجح. ~~- إني أعلم هذا، أو على الأقل سمعت بعض الرجال يقولون ذلك، وإن النساء يجب عليهن أن ~~يبقين بعيدات عن كل هذا، ولكن ... # وتوقفت لحظة كأنما لا تدري تماما كيف تسير في حديثها، غير أنها استجمعت شجاعتها وقالت في ~~لطف: ولكن عندما أنال الأمنية العظيمة وأصبح ملكة على فرنسا. ms70 ~~- وبعد؟ ~~- فإني سوف أرغب في سماع كل شيء عن شعبنا، شعبك وشعبي، أعني أن أجعل غايتي في الحياة هي ~~أن أعرف كل شيء يحتاجون إليه؛ لأجعل كل رجل، وامرأة، وطفل، في فرنسا سعيدا، بقدر ما ستكون ~~عليه سعادتي، ولقد حلمت يوما - بعد أن علمت بأنني سوف أتشرف بأن أكون لك زوجة وأن أشاركك ~~العرش - بأن الفرنسيين سوف يدعونني «الملكة الطيبة فيرونيك»، كما أنك ستعرف لديهم ب «لويس ~~المحبوب». # وجلس هو وقد ألقى برأسه فوق يده، وهو ينظر إليها دون أن يدري كم يستطيع أن يتحمل أكثر من ~~هذا، ولقد أحس برغبة في أن يتناول هاتين اليدين الغاليتين ويتأمل في عينيها ثم يقول: «أنا ~~لست إلا كذابا وغاشا. من أجل هذا اليوم الذي وعدت به، قبلت أن ألعب هذه اللعبة ~~الشنيعة. ما أنا بملك، بل ليس لي الحق في أن ألمس يديك، فما أنا إلا راسم الصورة الحقير، ~~الذي شعرت نحوه يوما بابتهاج فتاة سخيف. والآن فإني سأرحل عن حياتك وبخدعة وضيعة أخرى، سوف ~~تصبحين زوجة لمخنث ضعيف، سيجعل منك ملكة لفرنسا ولكنه لن يهبك لحظة متعة، ولن يجعلك تشعرين ~~بلذائذ الحب.» # وبينما كان هذا الاعتراف القاسي يتفجر داخل نفسه المحترقة، كانت نظرته لها تزداد حدة ~~وقساوة لدرجة أفزعت فيرونيك وأخجلتها؛ فقد تصورت أنها تعدت في حديثها ما كان يجب أن تقف ~~عنده، ورأت أنه كأبيها لا يحب أن يتحدث السيدات في مثل هذه الموضوعات، وضحكت ضحكة عصبية ~~قصيرة، أردفتها بملاحظة عن تأخير الوقت. وبذلك انقطع الحديث في هذا الموضوع. # وتركا المطعم، ثم رغبا في العودة إلى الغابة، وهناك نسيا حديثهما الجدي وعاودتهما الطفولة ~~المرحة؛ فقد كانت فيرونيك سعيدة لأنها كانت تنظر إلى هذه الساعات المباركة على أنها استمرار ~~لساعات مماثلة مليئة بالمرح. # وكان سيرل سعيدا لسعادتها، وهو يعلم حق العلم أن أعظم فرح سوف يشعر به في المستقبل ~~إنما هو ذكرى هذا اليوم الذهبي. # | الفصل الثالث عشر # وفي أثناء هذا النهار وصل إلى الكونت فريزن بعد الظهر طلب مستعجل من ms71 السيدة البرنسيس تقول فيه: # اترك كل شيء جانبا يا عزيزي فريزن، واحضر حالا . # وكان فريزن معتادا هذه الرسائل المستعجلة، غير أنه في هذه الحالة كان واثقا من سبب هذا ~~الاضطراب؛ فقد قال له سيرل إنه سوف يقضي مع فيرونيك يوما في الريف وحدهما، دون أن يعبأا ~~بالتقاليد المرعية في مثل هذه الأحوال. وقد عمل فريزن جهده لكي يمنعه؛ فقد توقع من هذا حدوث ~~متاعب من أي نوع، ولكنه كان عنيدا فلم يعبأ باعتراضه. # وعلى هذا فقد ذهب فريزن إليها، ووجد السيدة في حالة انفعال شديد؛ فقد رآها عند دخوله تذرع ~~الغرفة جيئة وذهابا، وما إن خرج الخادم الذي أعلن قدومه، حتى غاصت السيدة في كرسي ذي ~~مسندين، ثم مدت إلى فريزن بيد مرتعشة شيئا أشبه بالخطاب وهي تقول له: اقرأ هذا يا فريزن، ~~اقرأه! # ووجد فريزن الخطاب من ولدها ملك فرنسا، فما كان هناك من شيء يوقع السيدة في مثل هذا ~~الاضطراب المروع سواه. والحق أن فريزن نفسه ذلك السياسي المتزن قد أخرجه هذا الخطاب عن ~~اتزانه، وكان الخطاب مرسلا من فلا أجلانتين في بادن بادن، فلا أجلانتين! وبالتأكيد، ~~فقد قفز ذهن فريزن إلى ألين سان أماند، وأتم القراءة: # أمي الجليلة المحبوبة # لا يدهشك أنني عدت إلى بادن بادن؛ فقد وصلت هنا أمس، وإن كنت قد تأخرت جدا عن ~~الحفلة المزرية التي كانت تربطني طول الحياة بامرأة لم أرها من قبل، ولست أعتقد ~~أنني أحبها، وكان الغرض منها كما أعلم هو أن تحتفظي لي بذلك المستقبل الذي لا أشعر ~~برغبة فيه. يا والدتي المحبوبة، حاولي أن تفكري في لا بصفتي ملك فرنسا غير ~~المتوج، والذي لن يتوج، بل بصفتي ولدك، الذي يأتيك طامعا في حبك وعطفك. لقد ~~فكرت طويلا في هذا الموضوع، وإني على ثقة يا أماه بأن الله لم يخلق في ~~الاستعداد للسيادة والحكم، ولقد كانت إرادته ظاهرة من خلقه لي ضعيف الجسم ~~والإرادة. # وربما ساورك من هذا يأس مرير؛ لأنني أعلم إلى أي حد ترغبين من كل قلبك ms72 في نجاح ~~مشروعنا، ولكن الإنسان لا يمكنه أن يسير ضد طبيعته، وطبيعتي تتوق إلى السلم والهدوء ~~بين ذراعي امرأة يمكنني أن أعطيها فؤادي، فلئن اتبعت مشورتك فكأني أضع الأساس ~~لتعاستك ويأسك الشنيعين، وربما انتهى بك الأمر إلى أن يتحطم قلبك خجلا من ولدك ~~وملكك. # على أنني لست أعرف ما جرى هنا في هذه الأيام الأخيرة؛ فقد علمت أن الكونت فريزن ~~كان يسعى بجد في أن يأتي بي إلى هنا، ويخرجني من السجن الذي أبقاني فيه بوليس ~~نابليون مدة ثلاثة أيام، خرجت بعدها إلى حيث رافقتني المرأة التي تفهمني وتقوي كل ~~ضعفي. # أتوسل إليك بكل احترام، ألا تحاولي منعي عن إتيان ما أعتقد أنه الشيء الوحيد ~~الصائب الذي أفعله؛ فلقد عولت على أن أتنازل عن حقوقي لعمي الدوق دي بوردو؛ الملك ~~الشرعي الوحيد لفرنسا، والذي سيعتبر أمام الجميع رأس أسرة البوربون، وسيتوج إن ~~شاء الله، وبمعاونتك، يوما ما في كنيسة ريمس. ولقد أرفقت بهذا نسخة من الإعلام ~~الذي عولت على أن أرسله لجميع السلطات العليا في أوروبا. وإنه ليسعدني أنك بعد ~~قراءتك له تبعثين لي بموافقتك عليه. لقد أتيت إلى بادن بادن لكي تسمحي بأن أتفاهم ~~معك في هذا الموضوع شخصيا، وعلى كل فقد كتبت لك هذا بكل إخلاص واحترام، وغاية ~~ما أرجوه الآن هو حبك. # ولدك البار لويس # وقرأ فريزن الخطاب بإمعان، وقد كرر بعض فقرات منه مرارا، وأخيرا نظر إلى السيدة وقد ~~ذهبت نظرتها وزاد شحوب وجهها، وقد أعوزه ما يقوله لها؛ فلقد كانت المعضلة هي أن كل ما قاله ~~لويس في خطابه كان حقا صريحا، وأن أمه على علم أكيد بهذه الحقيقة، وأن هذا هو الذي ~~يحز في فؤادها الآن. # وفكر فيما يقوله إمبراطوره عن كل هذا، وإلى أي حد سيلومه على هذه الفضيحة، أجل وإنها ~~لفضيحة أن يتنازل لويس عن حقوقه في العرش من أجل مغنية، ثم يعيش معها تحت سقف واحد. وأحس ~~فريزن برغبة في أن يزأر عاليا، وربما كان قد فعل هذا لولا أن نظرت ms73 إليه السيدة، ثم قالت ~~فجأة: هذا هو الشيء الوحيد الذي نفعله، يا فريزن . # وجمع الأوستوري شتات نفسه، وقال كأنما كان يحلم: ما هو يا سيدتي؟ ~~- يجب أن يستمر ذلك الرجل في دوره، إني أكرهه ولكن لا بد من هذا، ألا ترى هذا؟ ألا ترى ~~أنه لا بد ... ~~- ولكن يا سيدتي ... ~~- هناك متاعب، أعلم ذلك، لقد فكرت فيها جميعا منذ أن تسلمت هذا الخطاب المزري، وقد ~~اقتنعت بها جميعا، لأني أظن أنه سوف يكون راغبا في ذلك. ~~- هو؟ ~~- أعني ولدي سيرل طبعا، ألم تره في الليلة الماضية؟ ~~- طبعا رأيته. ~~- إنني أعرف كيف أقرأ وجوه الرجال، فريزن، إن ولدي هذا يحب فيرونيك كريستوف. # فأقر فريزن: إنه يحبها فعلا. ~~- هل قابلها من قبل؟ ~~- لقد رسم صورتها، وأظنك يا سيدتي تذكرين أنني قلت لك هذا. ~~- كنت قد نسيتها، ولكن على كل حال فإن هذا يؤكد ما رأيته في الليلة السابقة، ويجعله ~~راغبا في أن يستمر في تمثيل دوره الملكي حتى ... ~~- حتى ماذا يا سيدتي؟ ~~- حتى يمكننا أن نتفاهم مع جلالته ونجعله يتعقل الأمر. # ولما وجدت من صمت فريزن ما يدل على قلة وثوقه من فائدة هذا، استأنفت قائلة: يمكننا أن ~~نفعل هذا يا فريزن، أنت لا تجهل قوة تأثيري وإياك عليه، فوق ما تفعله ملايين كريستوف بسان ~~أماند هذه لو لوحنا لها بشيء منها في مقابل ترك لويس، وأنا قمينة بأن المال لديها سوف يتغلب ~~على رغبتها في لويس، يمكننا أن نفعل هذا يا فريزن، ويجب أن نفعله. # ولم يقل فريزن شيئا بل ظل شاردا يفكر في هذا الاقتراح الجديد الذي عرضته السيدة، فقد ~~كانت امرأة لا ينضب معين نشاطها، ولا يقف تدبيرها عند حد، فوق أنها ولوعة بالسيادة ~~والتسيطر. وأخيرا قالت له: والآن خبرني هل لديك اعتراض؟ # وانتظر فريزن قليلا قبل أن يجيب، ثم قال: حسنا، إنني أصارحك القول بأني لا أظن أن سيرل ~~سوف يفعل ما أردت منه. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أنه سوف يكسر عصاه ويجري كما يقولون. ~~- ماذا يدعوك لأن تظن ms74 هذا؟ ~~- لأنه قال لي هذا صباح اليوم، ثم لأنني أعلم أنه عنيد، ومن الصعب تغيير رأيه. ~~- لا تنس أنه وافق من قبل على أن يلعب دوره. ~~- تحت تأثير ظرف واحد، وهو منع الفضيحة عن الفتاة المسكينة وإنقاذها من العار، ولأنه كما ~~قلت الآن مغرم بها. ~~- إذا كان رفض سيرل هو ما تخاف منه فلا تفكر في هذا. ~~- كيف؟ إني أكاد لا أرى عائقا أقوى منه. # فقالت السيدة بنفاد صبر: أيها الرجل الطيب، كيف لك أن تظل في معالجة الشئون السياسية طول ~~هذا العمر، ثم لا تعرف حتى الآن عن الطبيعة البشرية؟ قل لأي رجل محب إنه يستطيع أن يبقى ~~يوما آخر أو ساعة أخرى مع من يحب، قبل أن يفترق عنها ربما إلى الأبد، وانظر ما إذا كان ~~سيجيبك بنعم أو بلا، أشكرك فقد اكتفيت! تكلم مع سيرل في هذا الموضوع، وسترى أنني كنت واثقة ~~من النتيجة. # وسكت فريزن قليلا ثم غمغم: نعم، سوف أتحدث إليه. # فقالت مستأنفة حديثها: وماذا غير سيرل؟ ~~- هناك الفتاة سان أماند، فإنها تستطيع أن تعطل عملنا في أي لحظة. ~~- سوف أتدبر أمر الفتاة سان أماند هذه، إنها خطرة، أعلم ذلك ولكنني أستطيع أن أتفق ~~معها. ~~- كيف؟ بالرشوة، التي لا شك أنها ستتحول إلى ضريبة مستمرة؟ ~~- ليس بالرشوة وحدها. ~~- بالتهديد؟ ~~- بما يشبه ذلك، وسوف أذكره لك في حينه، والآن سأبين لك ما يجب علينا عمله، إن جلالته ~~مع تلك الفاجرة في فلا أجلانتين، فسوف أرسل نوسي ليراقب خروجها، وعند هذا تذهب أنت وتراه ~~يا فريزن وسوف يكون جلالته وحيدا، ويمكنك أن تجعله يرى الطريق الصواب، أنت ماهر جدا يا ~~فريزن، ويمكنك أن تشرح الموضوع له بسهولة وتقنعه، وفوق هذا فإنه عندما يعرف أنه هو وألين ~~سيصبحان صعلوكين فقيرين سوف تجده قد غير رأيه. إننا نعيش - كما تعلم - على تلك الإمدادات ~~التي يرسلها إلينا أصدقاؤنا في الخارج، فإذا حدثت الفضيحة انقطعت هذه عنا، ولا يبقى لدي ~~سوى تلك الثروة الضئيلة التي تركها لي زوجي الإنجليزي، وهي لا ms75 تكفي ليعيش بها جلالة الملك ~~السابق في بذخ، ها أنت ترى أنني أقول لك الصدق بصراحة، ألا ترى هذا يا فريزن؟ # فأومأ فريزن قائلا: نعم، أنا أعلم ذلك. ~~- وسوف تعرف تماما كيف تقول هذا لجلالته، أليس كذلك؟ ~~- إذا استطعت أن أراه. ~~- يجب أن تراه يا فريزن، يجب من أجلنا جميعا، ثم بعد أن تتكلم معه عليك أن تحضره رأسا ~~إلى هنا. # وأطرق فريزن هنيهة يفكر، وأخيرا رفع رأسه قائلا: ماذا في أن تكتبي سطرا لجلالته، إنه ~~ينتظر جوابا لرسالته، فإذا لم ينله ربما اندفع إلى عمل غير مرغوب. # وقامت السيدة في الحال واتجهت نحو مكتبها وهي تقول: الحق معك، سأرسل له بضع كلمات. # وجلست ثم كتبت كلمات قلائل، وقرأتها لنفسها، وألقت فوقها التراب ليجفف الحبر الرطب، ~~ولكنها قبل أن تضع الورقة في الغلاف قدمتها لفريزن ليقرأها وهي تقول: أظن أن هذا فيه ~~الكفاية، ثم إني لم أذكر مجيئك لزيارته طبعا، وقرأها فريزن وكانت بغاية الاختصار، وقد جاء فيها: # أؤمل أن أراك غدا. ومهما كانت الظروف فإنه يمكنك أن تعتمد على حب أمك وفهمها ~~لحالتك. # وكان تعليق فريزن: في غاية الكمال. # وعنونت السيدة الغلاف: إلى «جلالة ملك فرنسا»، ودقت الجرس ثم أعطت الخطاب إلى رئيس الخدم، ~~وأمرته قائلة: خذ هذا الخطاب، واذهب به بنفسك إلى فلا أجلانتين وسلمه ليد جلالته، لا لأحد ~~غيره. # وما إن ذهب الرجل حتى تنهدت بعمق لتفرج عن نفسها، ثم غاصت في كرسي ذي مسندين، ورأى فريزن ~~أن يخرج، ورفع بصره إلى الساعة المعلقة على الحائط وكانت تشير إلى السادسة، فقال: سوف يعود ~~سيرل بعد قليل، وسأعود إليه لأراه، أتسمحين لي أن أراه منفردا؟ # فأجابت السيدة في برود: أوه، طبعا، فلست أحب أن أراه أكثر مما أحتاج. # وقام فريزن مستأذنا في الخروج فمدت إليه السيدة يدها، وما إن هم بتقبيلها حتى أوقفته، ~~ثم قالت في رزانة وتؤدة: تذكر شيئا يا صديقي عندما تتحدث مع سيرل أو مع لويس أن عندي أوراق ~~تحقيق شخصية ولدي كليهما، شهادتي ميلادهما ms76 ثم تعميدهما، وليس أسهل علي من تبديلهما، ~~ولذا فلا يخش سيرل شيئا، هل فهمت؟ أعني في حالة ما إذا لم يستمع لويس لصوت العقل في مدى ~~أربع وعشرين ساعة، فإنه سوف يصبح رسميا ابن زوجي الإنجليزي، والآن هل رأيت كيف يمكن ~~التفاهم مع تلك الفاجرة سان أماند، وكيف أنها ستكون على استعداد لطرح جلالته ظهريا عندما ~~تدرك هذا الموقف! ولاحظ أن الأوراق ستكون قانونية، وستبين أن الرجل الذي أجهدت نفسها ~~لإغوائه لم يكن سوى ولدي الأكبر سيرل برتراند، وأن سيرل ما هو إلا ابن لويس السابع عشر ~~ملك فرنسا، والله يعلم كم سأكرهه من أجل هذا، ولكني سوف أعمل هذه التضحية من أجل أسرة ~~البوربون، هل فهمت يا فريزن؟ # ولم يستطع فريزن إلا أن يبتسم لنفسه متأملا فيما إذا كانت حقيقة تظن أنه يعتقد أنها لا ~~تعمل من أجلها هي أيضا. وعلى كل حال فإنه لم يقل أكثر من ترديد ما قالته، مؤكدا: نعم، من ~~أجل الأسرة. # وأخيرا استأذن في الخروج، وقد شعر كأنما هو متآمر قد استأذن في ترك شركائه، وإن كان قد ~~عول على أن يسير معها إلى النهاية في تنفيذ خطتها حيث كانت تتفق ورغباته في هذا ~~الموضوع. # ولقد زال من نفسه كل شك في قبول سيرل الاستمرار في دوره، بعدما أدرك ما يمكنه أن يطمئنه ~~به. على أنه رغم هذا لم ينس أن اللعبة في الحقيقة قد أصبحت أكثر خطورة من قبل، إذ ~~تشابكت الظروف بشكل يجعل أي تعقيد فيها باعثا على انكشاف الأمر، ولئن حدث هذا فإن ~~الفضيحة التي تحدث تكون بمثابة ضربة قاضية لموضوع أسرة البوربون، كما أنها تكون نهاية مخجلة ~~لمستقبله السياسي، حتى إن السبيل الوحيد الذي يخلصه من العار هو أن يحطم رأسه برصاصة من ~~مسدسه. # | الفصل الرابع عشر # وعاد فريزن في المساء إلى فلا إليزابث ثانية، وطلب مقابلة جلالته فجيء به إلى غرفة سيرل ~~الخاصة، فما كاد الأوستوري يدخل حتى بادره سيرل بقوله: فريزن، إنني أسعد رجل على وجه ~~الأرض. # فابتسم ms77 فريزن وقال: إنك أنت الشيطان نفسه. ~~- اجلس أيها الرجل العجوز، وخذ كأسا، ماذا تحب أن تأخذ؛ شرابا إنجليزيا، ويسكي ~~أسكتلنديا؟ # وصب سيرل له كأسا، وأخذ فريزن الكأس الذي قدمه إليه وهو يقول: وما الذي فعلته بنفسك ~~لتكون أسعد رجل على وجه الأرض؟ ~~- لقد جمعت لنفسي ذخيرة من الذكريات سوف تبقى معي طوال الحياة. # فابتسم فريزن بتهكم خفيف ثم قال: إنه ليدهشني أن أعثر على رجل غيرك يمكنه أن يجد سعادته ~~في الذكريات وحدها! ~~- إذا لم يكن لديه سواها! ~~- بل يستطيع أن يجد سواها، وعلى الأخص في مثل مسألتك. # ولم يجب سيرل، فما كان ذهنه ليقف على الغرض الذي يرمي فريزن إليه. # واستأنف فريزن مهاجمته فقال بلطف: أما تعتقد يا برتراند أن الأمر يتوقف عليك وحدك، فيما ~~إذا كنت ترغب في إقامة سعادتك المستقبلة على أساس من الذكريات الواهنة أو على أساس أكثر ~~اطمئنانا وثباتا؟ # فقطب سيرل وجهه ثم عاد فضحك وقال سائلا: يا للشيطان! ماذا تعني؟ ~~- أعني أنه ليس في الظروف الراهنة ما يمنع من استمرارك في دورك. # وعبس وجه سيرل مرة أخرى، ولكنه كان أكثر دهشة من قبل، ثم قال: أظن أنني كثيف الذهن أكثر ~~من اللازم أيها الرجل العجوز، ولكن ألا تستطيع أن تكف عن التكلم بالألغاز؟ ~~- إنني لا أتكلم بالألغاز، وإني جاد فيما أقول، اصغ إلي، إن أخاك غير الشقيق في بادن بادن ~~وقد اتصل بأمه وأخبرها بأنه لا يستطيع أن يتحمل مهام الملك، إذ لا يرغب في الحياة أكثر من ~~العيش بين ذراعي المرأة التي يحبها، ولا إخالك تجهل أنها سان أماند، وفوق هذا فهو سيتنازل ~~عن جميع حقوقه في العرش لعمه الدوق دي بوردو. ومن هذا ترى أنك سوف لا تؤذي أحدا، بل على ~~العكس فإنك سوف تؤدي أعظم خدمة له ولأمك بتوليك قيادة مشروع الأسرة، الذي يكاد ينهار تحت ~~رياسة جلالته الحاضرة، بل ولسوف تؤدي خدمة للآنسة كريستوف أيضا ... أوه! لا تقاطعني حتى أتم ~~حديثي، نعم سوف تقدم لها أجل خدمة، فإن المسألة ستمر ms78 أمامها سهلة مستساغة، وأنا لم أصل ~~لدرجة من الغباوة أو كبر السن ليبعد عن ذهني ما حدث بينكما هذا النهار؛ فقد لاحظت ليلة أمس ~~أنك عاشق للفتاة من قبل. على أنني الآن أقول لك بصراحة: إنه سوف لا يعترضك أي عائق تخشى ~~منه على سعادتك معها لو قبلت الأخذ بالاقتراح الذي عرضته عليك. # وساد صمت طويل كان فيه سيرل غارقا في تفكير عميق، وأخيرا تجاسر فريزن واسترسل قائلا: ~~سوف لا تكون هناك أي صعوبة في الطريق، هل فهمت يا برتراند؟ # فرد سيرل كأنما قد قام من حلم: آسف! إنني لم أدرك تماما ما عنيته. ~~- أردت أن تعرف أن كل شيء سوف يسهل من أجلك. ~~- أي شيء؟ ~~- مثلا، سوف لا تحتاج للظهور أمام الجمهور لبضعة أيام، سنقول: إن الطبيب أمر بعدم ~~خروجك من غرفتك حتى يندمل جرح يدك، وغاية ما هناك أنك سوف تستقبل واحدا أو اثنين من ~~المندوبين والممثلين الغرباء الذي سيتشرفون بالاستئذان في الرحيل، وهذا أمر بسيط كما ~~ترى. ~~- أوه، تماما. # ثم ألقى سيرل برأسه إلى الخلف وضحك قائلا: ولكن ألا تخبرني هل يعلم جلالة ملك فرنسا - ~~أعني الملك الحقيقي - شيئا عن هذه القصة التي لا نزال نقوم بأدوارها! ~~- لم يعلم حتى الآن، ولكنه سيعلم بها حالا. ~~- هل ستخبره أنت بها؟ ~~- سوف تخبره أمه. ~~- إذن فسيفسد عليكم ما رتبتموه. ~~- لن يتمكن من هذا، فإن أمه وأمك تمنعه. ~~- تقصد أن تقول لي إن أمي ترغب في هذا، ترغب في أن أحمل أنا - ذلك الذي تكرهه - حقوق ~~ولدها الذي تعبده؟! إنك تمزح، أليس كذلك؟! ~~- لم أكن جادا في حياتي أكثر مني الآن، إن والدتك قد تناست مشاعرها في سبيل الغرض الذي ~~ترمي إليه. # وصمت فريزن لحظة، ثم استأنف في إلحاح: برتراند، يجب أن تفعل هذا من أجلي! ~~- من أجلك؟! وماذا تجنيه أنت من وراء هذه اللعبة القاسية؟! ثم لا تنس أنني ما كنت لأبدأ ~~بالقيام بها لولا أنني كنت عاطفيا أبله. ~~- ولا بد أن تكون صديقا لي أيضا، والآن. ~~- والآن، فإني ms79 أقف أمامك وأمام نفسي موقف الكذاب المخادع، ولو تعلم كم أقاسي من جراء هذه ~~الفكرة! ~~- هذه سفسطة عاطفية - إذا سمحت بهذا التعبير - إذ لا ينبغي لك أن تفكر في وجهة نظرك أنت ~~الخاصة، بل فكر أيضا في تلك المرأة التي تحبها وتحبك، في سعادتها وسعادتك، فكر في أمك وهي ~~مهما كانت قد أساءت إليك في الماضي فإنها أمك على كل حال، وأخيرا فكر في أخيك، وفي أنا، ~~فكر في هؤلاء جميعا لا في نفسك وحدها. # وسكت فريزن ليترك كلماته تفعل فعلها، ولكنه لم يكن ليقف على شيء مما كان يجري في ذهن سيرل ~~وقد جلس هذا سابحا في أفكاره. ودقت الساعة العاشرة، فرفع فريزن بصره إليها وقد تتبع بعينيه ~~حركة البندول وهو ينتقل بخفة مع كل دقة، وقد خيل إليه أن كل واحدة منها تقول على ~~التتابع: نعم، لا! نفس الحالة التي كانت تشغل ذهنه. # والتفت فجأة إلى صديقه فرأى سيرل ينظر إليه في ابتسام، وإذا به يهز كتفيه ثم يقول ببساطة: ~~هل لك في كأس آخر أيها الرجل العجوز؟ # وكان من الصعب بعد هذا أن يصل فريزن إلى إدراك ما يجول بذهن سيرل؛ فقد حول هذا الحديث إلى ~~اتجاهات شتى في الموسيقى والسياسة وغيرها، وملأ لفريزن كأسا أخرى، وقد حاول هذا أن يعيده ~~إلى النقطة التي تهمه، ولكن محاولاته ذهبت عبثا. وأخيرا تأمل فريزن يد سيرل المصابة ثم ~~قال له: لقد كنت أعلم أنك لا بد ستدفع ثمنا لهذه اللعبة، ولكني ما كنت أتصور أنك ستدفعه ~~على هذا الوجه المروع، إنك يا برتراند إنجليزي أكثر مما تتصور في نفسك. # ولم يعلق سيرل على هذا بشيء، غير أنه تأمل في يده قليلا وعلى فمه تلك الابتسامة العجيبة، ~~وأخيرا شد حبل الجرس فحضر رئيس الخدم، وودع سيرل صديقه، حيث شيعه رئيس الخدم إلى الباب ~~الخارجي. # | الفصل الخامس عشر # في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، كان يقف أمام فلا ماري تريزا التي يقطنها البارون ~~كريستوف شبح طويل القامة ينظر إلى بناء ms80 الفلا ويتطلع إلى نوافذها، وكان هذا سيرل برتراند ~~وقد أقض السهاد مضجعه في الليلة السابقة، فلم يستطع النوم إلا غرارا، ثم بكر بالخروج ~~من فلا إليزابث حيث وقف أمام منزل فيرونيك، لقد كاد الفكر يحطم رأسه، إذ كان عليه أن ~~يختار بين الحب - الحب الحقيقي - وبين الكرامة، ونظر إلى تلك الحياة فرأى فيها حياة المرح ~~والأبهة والحب والسعادة لا له وحده ولكن لتلك المرأة الطفلة التي سوف تلقى السعادة بين ~~ذراعيه، ثم رأى فيها من ناحية أخرى حياة الخبث والمكر والخديعة وإهدار الكرامة، وتجسم ~~لناظره شبح هذه الحياة وظل مرتسما أمام مخيلته، وقد عزم على أن يحل هذا المشكل بنفسه وبغير ~~مساعدة من أحد. # ولقد بدأ يومه بالخروج مبكرا والطواف بمنزل فيرونيك، وقد سمى نفسه لهذا بالعاشق المجنون، ~~والراجح أنه كان كذلك أو على الأقل فإن ظواهر الأمور كانت تقطع بهذا، إذ كانت غاية ما ~~يرغب فيه هي أن يلقي نظرة أخيرة على تلك المرأة الطفلة، تلك التي أحبها بقوة وحنان، قبل أن ~~يتركها ويلقي بنفسه وحده في غمار الحياة. # وترقب سيرل النوافذ حتى فتحت جميعها، ولكن ذلك الوجه الجميل الذي كان يرجو رؤيته لم يطل ~~من إحداها، وأخيرا سار في سبيله ووجهته فلا أجلانتين، ذلك الفندق الذي نزل فيه أول ما ~~وفد على بادن بادن، وأتى إلى الباب الخارجي حيث كان قد شاهد جلالة ملك فرنسا بين ذراعيه سان ~~أماند، وفجأة امتلأت نفسه بذلك الغضب وتلك الكراهية التي أحسها نحو أخيه في ذلك الحين، فقد ~~شاهد أخاه يسير متأبطا ذراع سان أماند وقد اتجها للسير في طريق التل ميممين شطر فلا ~~إليزابث، وقد بان المرح عليهما كليهما، فكانا يتحدثان ويضحكان، وكانا يتوقفان في بعض ~~الأحيان ليتعانقا أو ليتبادلا القبل، وتبعهما سيرل عن بعد. وأخيرا توقف الاثنان وودعا ~~بعضهما وداعا حارا، اتجه بعده لويس في طريق فلا إليزابث، واستمرت ألين في سبيلها، وتبع ~~سيرل خطوات لويس، ودقت ساعة الكنيسة التاسعة، لقد كان الوقت متأخرا ولا غرو إذا كان سيرل ~~قد ms81 أحس بالبرد والتعب. ووصل سيرل إلى باب فلا إليزابث، وكان لويس قد سبقه في الدخول ~~إليها، وكانت أبواب الفلا مفتوحة والبستاني يكنس مماشي الحديقة. وتقدم سيرل فولج إلى ~~الحديقة ونظر نحو الباب الداخلي وكان لا يزال مفتوحا، فلم يجد رئيس الخدم الذي كان يقف ~~أمامه عادة وأنفه في السماء ويديه خلف ظهره. وأدرك سيرل أنه لا بد وقد ذهب ليقدم جلالته ~~للسيدة البرنسيس، وارتاح سيرل لهذا، إلا أنه كان لا يزال يخشى أن يراه أحد الخدم الآخرين في ~~الداخل، وربما كان قد رأى لويس نفسه. # غير أنه لحسن حظه استطاع أن يلج إلى صالة الفلا واختبأ خلف أحد أبوابها حتى نزل رئيس ~~الخدم وعبر الصالة ثم أخذ موقفه المعتاد عند مدخل الفلا، وخرج سيرل من مخبئه وقفز صاعدا ~~درجات السلم، وفي اللحظة التالية كان يدق باب مخدع أمه، ووصل إلى سمعه همهمة من الداخل ثم ~~كان صوت إغلاق أبواب، وسمع صوتا مألوفا يقول في خشونة: ادخل. # ودفع سيرل الباب ودخل إلى الغرفة، فرأى السيدة البرنسيس وحدها جالسة أمام مكتبها، وقد ~~تظاهرت بأنها كانت تحرر خطابا، وإن كان من الواضح أنها لم تمسك القلم إلا من لحظة مضت، ~~وكانت الحمرة قد غمرت خديها وارتعشت أصابعها وهي ممسكة بالقلم، وكانت هذه الدلائل كلها تنم ~~عن أن مقابلتها لولدها المحبوب لم تكن على ما تروم. وبمجرد أن رأت سيرل قفزت من كرسيها ~~كالسهم وأفلتت ممن شفتيها المرتعشتين كلمة واحدة: أنت؟! # وقد بدت في صوتها رنة خوف واضطراب، وأغلق سيرل الباب خلفه وظل واقفا موليا ظهره إليه، ~~فقالت السيدة في تساؤل: حسنا، ماذا تريد؟ # فأجاب سيرل في اقتضاب: أين لويس؟ # فردت السيدة في برود: إن مكان جلالته لا يهمك في شيء، وإني أحب أن تخبرني بأي حق أنت ~~هنا؟ ~~- ليس لي أي حق مطلقا، وغاية ما أريد هو أن أرى لويس، إنه كان هنا من لحظة فلماذا ~~هرب؟! ~~- ماذا تريد منه؟ ~~- سوف أخبره حالما أراه. ~~- ولكني لن أدعك تراه قبل أن أعرف ماذا تريد ms82 منه، أم تتصور أنك تستطيع أن تحشر نفسك في ~~حضرة جلالته؟ # فقاطعها سيرل بجفاف: أوه! بحق السماء أوقفي هذا العمل، إنني لا أطيق كل هذا ~~السخف. # فردت السيدة بغطرسة: والآن أراك متطفلا، إنني لا أعرف لماذا لا تريد أن تقول لي ما تبغي ~~قوله لجلالته! هل أنت خائف؟ ~~- إنني لست خائفا من شيء. ~~- إذن لماذا هذا التكتم؟! # فقال سيرل بنفاد صبر متزايد: ليس هناك تكتم، فما أريد سوى أن أعطي لويس أخي الشيك الذي ~~تسلمته من البارون كريستوف في تلك الليلة. ~~- حسنا، يمكنك أن تعطيني هذا الشيك. ~~- لن أعطيه لأحد سوى جلالته. # وقبل أن تنطق السيدة بكلمة أخرى انفتح باب في آخر الغرفة وظهر منه لويس نفسه، وكانت هيئته ~~غريبة شيئا ما؛ فقد بان في عينيه أثر إجهاد وتعب، وكسا خديه احمرار طفيف، وكانت يده التي ~~لا تزال تمسك بمقبض الباب ترتعش قليلا، وقال في ضحكة قصيرة جوفاء: هذا حسن، إن الملكة ~~الوالدة مخطئة، وعليك أن تسلم تلك الورقة الصغيرة اللطيفة لجلالة ملك فرنسا، إنها مكتوبة ~~باسمنا الجليل على ما أظن؟ # وألقى سيرل بنظرة نحو والدته، وكانت لا تزال واقفة في مكانها مصفرة الوجه، وقد بان عليها ~~أنها قد بوغتت وأنها تخشى شيئا لا تدري كنهه، وكانت عيناها الجميلتان تنتقل في تساؤل من ~~وجه لآخر، وكانت هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها ولديها منذ أصبحا رجلين يقف كل منهما في ~~مواجهة الآخر، ولقد كان التشابه بينهما ملحوظا بشكل واضح؛ في الوجه والصوت، غير أن ~~الخلاف كان شاسعا بينهما في ناحية لم يكن يعرفها أكثر من السيدة نفسها. وعضت شفتيها ~~بمرارة ثم مرت بمنديلها فوق جبهتها. # وكان لويس في تلك اللحظة قد تقدم إلى داخل الغرفة ووقف إلى جانب أخيه، ومد إليه يده ~~قائلا في ضحكة فارغة: حسنا، أين الشيك اللطيف الصغير؟ # ووضع سيرل يده في جيبه وأخرج حافظة أوراقه وكان لويس وأمه يراقبانه في اهتمام كبير، بينما ~~كان يطبق الورقة في يديه وهو ينظر إليها، فقال لويس في إلحاح: ms83 أعطها لي. # فرد سيرل في تؤدة ورزانة: قبل أن أعطيها لك أريد أن تقدم لي كل التأكيدات وأن تقسم لي ~~بأنك سوف تحب وتحترم الفتاة الكريمة التي ستكون زوجة لك. # وكان سيرل يتكلم وهو ينظر بتفرس في وجه أخيه، وكأنما لم يعجبه ما لاح على وجهه وقتذاك، ~~فأردف مطالبا: هل سمعت ما أقول؟ ألم تسمع؟ ~~- إنك تصيح بعلو كاف، ولكن هل لي أن أسألك ما شأنك أنت بهذا؟ ومن هي تلك الفتاة التي ~~تتكلم عنها؟ ~~- لقد وعدت الآنسة فيرونيك باسمك؛ فقد أنقذتك من الخجل وأنقذتها من العار والمذلة، كما ~~خلصت مشروعك الثمين من الضياع بقيامي بأكذوبة أمام البارون كريستوف. # فقاطعه لويس بخشونة: إنني لم أطلب منك أن تفعل شيئا من هذا، أليس كذلك؟ ~~- لا، وهذا جزء من المأساة، ولكن ليس لنا أن نتناقش في هذا الموضوع؛ فقد فعلت ما فعلت ~~تبعا لرغبة والدتك. وما أريده الآن هو أن تقسم قبل أن أسلم هذا إليك بأن تعمل ما في وسعك ~~لكيلا تعرض تلك الفتاة البريئة لأي تعب أو تعاسة من جراء هذا الموضوع. # ونظر لويس لأخيه لحظة أو اثنتين، ثم استلقى على قفاه وقد انفجر في ضحكة طويلة عالية، ثم ~~قال: حسنا، إنني لم أسمع في حياتي شيئا أبدع من هذا قط! # غير أن السيدة وقد لاح عليها أنها لم تستطع أن تضبط عواطفها أكثر من هذا، قالت بمرارة ~~وحرقة: إني لم أسمع في حياتي بشيء مزر كهذا قط. # والتفتت إلى سيرل وانفجرت قائلة: أظن أنك تعشق فيرونيك كريستوف أنت نفسك؟ # وكانت تريد أن تقول شيئا أكثر من هذا، شيئا أشد إيلاما وقسوة، ولكن لويس قاطعها وهو لا ~~يزال يضحك: لا تتعبي الرجل المسكين يا أماه، سوف أعطيه التأكيدات التي يطلبها، وعند ذاك ~~نصبح جميعا سعداء. استمع إلي. # والتفت إلى سيرل وأتم في جد وتعظيم: إني أقسم لك بشرفي أن حياتي المستقبلة سوف أقضيها ~~محاولا جهدي إسعاد السيدة الجميلة التي ستكون زوجة لي! والآن هل أنت مقتنع بهذا؟ # وسلم سيرل الشيك ms84 إلى جلالته دون أن ينبس ببنت شفة، وأخذه جلالته، ونظر فيه لحظة ثم وضعه ~~في جيب صديريته، ثم عبر إلى آخر الغرفة ووقف عند الباب، وكان لا يزال مفتوحا والتفت إلى ~~سيرل ثم قال في بساطة: إن كل هذا هراء كما تعلم، لأني سوف لا أتزوج تلك الفتاة البديعة ~~التي تحبها، وذلك لسبب واحد هو أنني قد تزوجت فعلا وانتهى الأمر، وإن تعدد الأزواج غير ~~مسموح به في فرنسا كما لا يخفى عليك! # وصدرت من فم السيدة صيحة احتجاج عالية: صه يا لويس! # ولكن جلالته ضحك مرة أخرى ضحكة جوفاء، ثم قال: لماذا أسكت؟ سوف يكون معلوما بعد وقت قليل ~~في جميع أنحاء أوربا أن لويس التاسع عشر لن يكون ملكا على فرنسا بعد، بل إنه سيعيش في ~~هدوء وسعادة مع تلك الفتاة التي اختارها لنفسه، وهي ألين سان أماند الجميلة. وإني أقسم لك ~~مرة أخرى أنني سوف أحب دائما وأقدس الفتاة الجليلة التي قررت أن أتخذها زوجة لي! # وتراجع خطوة إلى الغرفة الأخرى ثم أقفل دونه الباب، ولم يتمالك سيرل نفسه من أن يقفز ~~كالحيوان المجنون في اتجاه الباب، وسرعان ما اعترضته السيدة فوقفت بينه وبين الباب المغلق، ~~ولم تقل شيئا، بل كانت عيناها هما اللتان تتكلمان، ونظر سيرل فيهما فإذا بغضبه كله وحقده ~~عليها يتلاشى فجأة ويحل محله شعور بالعطف والحنان لأول مرة في حياته، وكان حنانه وليد ~~شفقته؛ فقد كان يأسف لها كل الأسف لما لحقها من خيبة أمل كبيرة، واعتراها يأس شديد لاح على ~~محياها الجميل؛ فقد انطفأ من عينيها ذلك البريق الغريب وشحب خداها وهرب الدم من شفتيها ~~وترنحت في وقفتها، فمد سيرل بغريزته يده إليها ليسندها، ولكنها سحبت نفسها منه كأنما كان ~~وحشا ضاريا! # غير أن هذه الحالة لم تستمر إلا لحظة قصيرة، وسرعان ما تمالكت نفسها بعدها، وقد أصبحت ~~امرأة أخرى، وإذا بحنان سيرل يتحول إلى دهشة وتعجب. والواقع أنها كانت امرأة مدهشة، وقد ~~أثارت إعجاب سيرل العميق بتلك الطريقة التي ملكت بها ms85 عواطفها وسيطرت على الجو الذي يحيط ~~بها، حتى إنها عندما تكلمت كان صوتها ثابتا رغم ما اعتراه من خشونة، فقالت في برود: كل هذا ~~هراء محض، إن جلالته قد تورط في هذا بتأثير امرأة وضيعة، وكان زواجه غير قانوني وسوف يصلح ~~كل شيء في مدى أيام قلائل، وفي الوقت عينه فإنا سوف نستمر بنفس الحالة التي بدأنا بها. ~~والأجدر بك أن تبقى هنا، وسنرسل في طلب الكونت فريزن ثم نتدبر الأمر معا جميعا. # ولكن سيرل هز رأسه برزانة ثم قال: يجب أن تسقطيني من حسابك يا سيدتي، ومن جميع مشروعاتك ~~المستقبلة أيضا. ~~- ماذا تعني؟! ~~- أعني أنني سوف أترك بادن بادن بعد ظهر اليوم. ~~- أتتكلم بجد؟! # لست جادا في أي يوم أكثر مني الآن، إن الرجل لا يمزح حينما يرى البناء الذي شيده ودفع ~~من شرفه في مقابل بنائه قد انهار وتحطم قطعا متناثرة، كأنما كان كتلة من القذارة. # فسألت السيدة بمرارة: ألا ترى أنك تهذي بقولك هذا الكلام في مثل هذه الأمور ~~الخطيرة؟! ~~- ربما كنت كذلك، وإني أعلم أني أتعبك بهذا، ولذا فإني ذاهب لو سمحت. # وتحول نحو الباب، ولكن السيدة استوقفته وسألته في تحكم: إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- سأذهب أولا إلى البارون كريستوف. # فهمهمت السيدة وقد رفعت يدها إلى حلقها كأنما كانت تسعل، ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها ~~وقالت في هدوء: أذاهب أنت لكي تفسد عملنا؟ ~~- أنا ذاهب لأقول الحقيقة للبارون كريستوف. # فأردفت في برود: إذا كنت أتصور أنك ستفعل هذا فإني أقتلك الآن! ~~- إني أرغب في أن تفعلي ما تقولين. # فهزت السيدة كتفيها بنفاد صبر وقالت: إنك مجنون يا سيرل، أو على الأقل مجنون ~~كوالدك! ~~- إنني إنجليزي كوالدي، وفي إنجلترا لا ينظر الرجال بعين الرضا حينما يرون امرأة طيبة ~~يضحى بها على مذبح الطمع السياسي، إنني لا أستطيع أن أرى فيرونيك كريستوف تستعمل كمخلب ~~القط في تلك اللعبة التي كنت تديرينها في ذهنك من قبل، إنني أعلم أنها سوف تقاسي أشد الآلام ~~من جراء جرح عواطفها وكبريائها عندما ms86 تتحقق من أنها كانت مخدوعة وأنه قد كذب عليها. ولكن ~~هذا لن يكون شيئا إلى جانب تلك الحياة التعسة التي سوف تحياها لو كانت قد ارتبطت بذلك ~~التعس الضعيف لويس أخي. # وتراقص على شفتي السيدة رد غاضب سرعان ما كبحت نفسها عن التفوه به؛ فقد كانت على مهارة ~~كافية لأن تدرك عدم جدوى الشدة مع مثل ولدها العنيد هذا. وبسيطرتها المعهودة على عواطفها ~~استطاعت أن تغير تعبير وجهها وصوتها، فهش وجهها ولطف صوتها، وقالت في رجاء ولين: استمع ~~إلي يا سيرل، ما فائدة عراكنا هكذا؟! إنك تخلق كل أنواع المتاعب لي، ويؤسفني أن أقول إننا ~~لم يعرف بعضنا الآخر في ود وألفة من قبل لأنك تفهم أني ... لا تعض على أنيابك! إني أؤكد لك ~~أنني أعرف أكثر مما أوليتني فيه ثقتك وذكرته لي، فمثلا أنا أعرف أن فيرونيك كريستوف تحبك ~~بالقدر الذي تحبها ... لا تقاطعني فأنا أعني كل كلمة أقولها، فها أنتما شابان صغيران يحب كل ~~منكما الآخر، ويتمنى أن يعيش طول حياته مع الآخر، أليس كذلك؟ # إنك لن تكون إنسانا إذا لم تكن ترغب في هذا، حسنا، إن مستقبلكما معا يتوقف عليك وعلي ~~أنا، ولسوف تصبح أنت ابن لويس السابع عشر الملك الشرعي لفرنسا، ولا يمكن أن يزحزحك شيء عن ~~هذا المركز، طالما تمسك لسانك عن الكلام. أما أنا فإني أود من كل قلبي أن يتم الأمر على هذا ~~الوجه وكذلك الكونت فريزن. # وما كادت السيدة تصل إلى هذا الحد حتى توقفت عن الكلام وقطعت الغرفة حيث مكتبها. وكان ~~سيرل طول ذلك الوقت ينظر إليها صامتا، ففتحت درجا مقفولا وأخذت منه حزمة من الأوراق، ~~وانتقت منها أربع ورقات وأعطتها لولدها بيد عرتها رعشة خفيفة وقالت له: هذه ورقة ميلادك ~~وتلك ورقة تعميدك، والأخريان ورقة ميلاد وتعميد أخيك لويس، ومنذ هذه اللحظة فإن الورقة ~~المدون فيها اسم لويس أنطوان ماري شارل إيمي دي بوربون سوف تصبح ورقتك، والأخرى التي باسم ~~سيرل أرثر برتراند سوف تصبح ورقة لويس، ولهذا فأنت ترى ms87 كم يكون الأمر سهلا ولا خطر فيه ~~البتة. # وكانت السيدة لا تزال ممسكة بالشهادات الرسمية دون أن يتحرك سيرل ليأخذها، أو على الأقل ~~لينظر إليها، فألقت بها بانفعال في وجهه حتى إنه تراجع خطوة إلى الخلف ليتحاشى اصطدامها ~~به. # فقالت السيدة في إلحاح: لماذا لا تنظر إليها؟! ألا تعنى؟! # وكان تعبير وجهها يمد عبارتها بمعاني عدم التصديق ثم الخوف وأخيرا الانفجار، وقالت وهي ~~تسعل: بحق السماء على أي أساس ترفض؟! ~~- إنها ستكون حياة إهدار للشرف والكرامة، حياة كذب وخداع، حياة لا بد أن تؤدي إلى مأساة ~~مروعة تختتم بها. ~~- ولكن لويس يتوق لأن يتنازل عن حقوقه في العرش. ~~- لمصلحة عمه الذي سوف يصبح الملك الشرعي لفرنسا لا لمصلحة سيرل برتراند ابن ضابط إنجليزي ~~يود لو يرى ابنه ميتا بدلا من أن يحيا هذه الحياة المزرية المهدرة للشرف. # | الفصل السادس عشر # ولم تكد تمر على سيرل أربع وعشرون ساعة حتى كان في باريس، واتجه مباشرة إلى الاستديو في ~~ميدان ريمور، وكان قد أبرق إلى الخادم من ستراسبورج، فجهزت المكان لاستقباله، وما كاد يدخل ~~حتى أوى إلى غرفة نومه، وبدأ يخلع ملابسه، وقد عاوده التفكير، أترى يستقر به الحال هنا ~~ويشتغل بالرسم مرة أخرى ويعمل بجد لكي تعلق صوره في صالة العرض؟ وهل سيجد لذة في التحدث ~~إلى ميمي فتاة الموديلات الصغيرة، وفي تقديم الحلوى إليها ومصاحبتها إلى مطعم الملوك ~~الثلاثة فيتناولان معا طبق الكاسوليت بعد متاعب العمل في النهار؟ ولم يتمالك نفسه من الضحك ~~لمجرد تفكيره في كل هذا؛ لأنه كان يعلم أن المياه لن تعود إلى مجاريها مرة أخرى، وأن روح ~~مونتمارتر المرحة الطروب القليلة الاهتمام بالحياة قد انقطعت عن نفسه إلى الأبد، أو على ~~الأقل فإن هذا ما كان يظنه في نفسه في ذلك الوقت. وجال سيرل بنظره في أنحاء الاستديو، ~~وكان كل شيء على حاله كما تركه آخر مرة. وأثارت رؤية أدواته ذكريات مريرة مؤلمة، لقد فكر في ~~الفتاة التي حلمت بأن تصبح ملكة على فرنسا يوما ما، ms88 وتذكر اليوم الذي كان فيه ملكا ~~واستطاع أن ينال أجمل مخلوقة على وجه الأرض ويضمها بين ذراعيه، والآن فإنه لا يزيد عن كونه ~~فنانا فقيرا يجاهد في سبيل الرزق. # وفي المساء المعهود لمطعم الملوك الثلاثة، ذهب سيرل إلى المطعم وكان الوقت لا يزال ~~مبكرا، فلم يكن المكان قد امتلأ بزبائنه بعد، واتخذ لنفسه منضدة في أحد الأركان، وقد لاحظ ~~وجود ثلاثة أشخاص على منضدة مقابلة له، وكان يعرف هؤلاء ولكن العادة في مونتمارتر كانت تقضي ~~بألا يحيي الشخص معارفه بأكثر من إحناء رأسه إذا كان لا يريد أن يشاركهم مجلسهم. وكان يجلس ~~قريبا من هؤلاء اثنان من الغرباء، وكانا شابين إنجليزيين يظهر عليهما أنهما طالبان يدرسا ~~الفنون، وأنصت سيرل إلى حديثهما، وكان يحب نغمة اللغة الإنجليزية، والواقع أنه كان يحب كل ~~شيء إنجليزي، ولقد حاول من قبل أن يتعلم هذه اللغة من الكتب وجاهد كثيرا ليتعلمها، ثم اتصل ~~ببعض أصدقائه من الإنجليز لكي يتمرن على التحدث بها. # وتكلم الاثنان عن أشياء كثيرة؛ عن الصور والكتب والحياة في لندن، وعن إحدى القضايا التي ~~شغلت أعمدة صحيفة التيمس، وقد ذكرت عنها بضع تفاصيل مثيرة للإحساس منذ بضعة أيام. وبان من ~~الحديث أن أحد هؤلاء قد درس القانون وأنه يشتغل بفن المحاماة. ولقد كانت يد القدر الخفية ~~توجه سيرل نحو الطريق المرسوم، فإن ذلك الشاب عندما تكلم عن تلك القضية ذكر اسم وكيل ~~دعاوى كان يعمل لحساب أحد الخصمين في القضية، ولم يذكر اسمه بل كل ما ذكره هو عنوانه فندق ~~لينكولن فيلدز، واستقرت في ذهنه هذه الكلمات الثلاثة، حتى إنه عندما عاد إلى الاستديو عاوده ~~ذكر هذا العنوان مرة أخرى، وتذكر معه وكلاء الدعاوى اللندنيين الذين كانوا قد أرسلوا ~~البرقية إليه، وبحث في درج المكتب عنها إذ كان قد وضعها فيه قبل أن يسافر مع الكونت فريزن ~~إلى قلعة دايك، ووجد البرقية حيث تركها وعاود قراءتها: # أخبرك بموت اللورد لونجفيل المفاجئ على أثر حادث في الصيد. وأنت من يليه مباشرة ~~من بين ms89 أفراد الأسرة. فالمرجو حضورك بأسرع ما يمكن. كاربن وهوستن، وكلاء دعاوى. ~~فندق لينكولن فيلدز، لندن. # ماذا يقول؟ حسنا! ولم لا؟! إن لندن بعيدة جدا عن بادن بادن، ومن السهل عليه أن ينسى كل ~~شيء هناك، فسوف يقابل أناسا لم يكونوا قد سمعوا عن ملك فرنسا غير المتوج، ولا عن ابنة ~~المليونير التي يأكل الأسى واليأس والخجل قلبها ... لندن؟! ولم لا؟! إنه سيلقب باللورد ~~لونجفيل بدلا من سيرل برتراند، وعلى كل فإنه سوف يعمل شيئا ما على أي وجه كان، ليساعد ~~نفسه على النسيان. # وعلى هذا حزم سيرل حقيبة سفره، وكان في اليوم التالي يعبر البحر إلى إنجلترا. ~~••• # فيما يلي مذكرات مستخرجة من يوميات نيافة الكاردينال بنفنتي: # 26 سبتمبر سنة 1860 # بعد مرور ست وثلاثين ساعة من وقت توقيع عقد الزواج، تسلم البارون كريستوف إخطارا ~~معجلا من الكونت فريزن يطلب منه فيه المبادرة بإيقاف صرف الشيك المكتوب باسم ~~جلالة ملك فرنسا، حيث إن جلالته لن يستطيع أن يستعمل هذا المبلغ في تحقيق الغرض ~~الذي يرمي إليه البارون، والذي اشترطه عند كتابة العقد، إذ إن جلالته قد تزوج ~~بعقد قانوني صحيح الآنسة ألين سان أماند. ولقد أسرع البارون بإعلامي بهذا الإخطار ~~بعد وصوله، حتى يمكننا أن نتدبر الأمر ونعلم الآنسة كريستوف بالخبر على أسهل وأبسط ~~صورة ممكنة. # وفي وقت متأخر من النهار، ذهبت لرؤية السيدة البرنسيس دي بوربون الأم التعسة ~~للولد التعس. وعند وصولي إلى فلا إليزابث سمعت أن السيدة مريضة جدا، وأن ~~عندها طبيبين يقومان على معالجتها، ولما سألت إحدى الممرضات اللواتي كن يقمن بالسهر ~~عليها والعناية بها، قالت لي: إن السيدة الجليلة أصيبت بنوبة قلبية ألزمتها ~~الفراش. # 27 سبتمبر # حضر إلي في الصباح الكونت فريزن ومكث لدي أكثر من ساعة، وقد تركني في حالة من ~~الدهشة لا يمكن وصفها! لقد جاء ليخبرني بالحقيقة، وكل الحقيقة، ولا شيء غير ~~الحقيقة. ولقد كنت أستمع إلى ما يقول وكأنما أنا أسمع قصة من نسيج الخيال، إن الرجل ~~الذي رأيته في ذلك المساء العظيم ms90 في فلا إليزابث لم يكن ملك فرنسا، ولكنه كان ~~سيرل برتراند ابن السيدة من زوجها الإنجليزي ! # وفي المساء أعلن جلالة ملك فرنسا تنازله عن حقوقه الحاضرة والمستقبلة لعمه الدوق ~~دي بوردو، وبذلك أصبح اسمه هنري الخامس ملك فرنسا. # ذهبت إلى فلا ماري تريزا حيث يقطن البارون كريستوف، ولكم كانت دهشتي عظيمة ~~لدى رؤيتي الآنسة كريستوف، لقد كانت جالسة فوق الأرض أمام والدها إلى جانب النار، ~~وكان قد أخبرها بحقيقة الموضوع كله، فعندما أعلن الخادم قدومي ودخلت الغرفة، كانت ~~لا تزال جالسة أمام النار ممسكة يد والدها. وقام البارون كريستوف لمقابلتي، وقامت ~~هي بنشاط عجيب ثم قدمت تحية لطيفة وسحبت لي كرسيا مريحا قريبا من النار، وجلسنا ~~جميعا وقد اتخذت فيرونيك لنفسها مجلسا على الأرض إلى جانب والدها، ولقد افتر ~~ثغرها عن ابتسامة رقيقة لطيفة، وبانت في عينيها الزرقاوين لمعة نشاط ومرح أكثر منها ~~لمعة أسى أو حزن. وبدأت أتحدث إلى والدها أكثر من حديثي لها، مؤملا أن أجد الكلمات ~~المناسبة في هذا الموقف المزعج، ولكن فيرونيك نفسها أسرعت مؤكدة فقالت لي برزانة: ~~إنني أعلم ماذا تريد نيافتك أن تقوله لي، ولكن ليس من الضروري أن تقوله لأني لا ~~أريد أن أعزى أو أن يشفق أحد علي طالما أحس بأني غير تعسة. # فقلت: إني أحمد الله لأنك يا طفلتي صغيرة السن، كما أن جرح قلبك لم يكن بالدرجة ~~من العمق التي كنت أتصورها، وعلى كل فإن الزمن سوف يساعدك. # فقاطعتني فيرونيك بهدوء وباعتقاد ثابت وقالت: إن المسألة لا تتعلق بالزمن في ~~شيء، إذ لا يحتمل أن يغير الزمن شيئا من حياتي، بل ولست أرغب في أن يتغير فيها ~~شيء، إنني لست تعسة، ولن أكون تسعة، أرأيت؟ # وكانت عيناها تشعان بضوء عجيب، فأتمت قائلة: لم يسئ أحد إلي في الحقيقة، وإن ~~مليكي لم يؤذني في شيء، إن مليكي يحبني، وهو لم يخطئ في حقي. # ولم أجد جوابا لتلك السذاجة أو لذلك الاعتقاد العجيب في القدر! وأخيرا استأذنت ~~في الخروج، وكان أكثرنا انشراحا ms91 تلك الفتاة الطفلة، حتى إنها عندما سلمت علي ~~ضغطت في لطف على يدي وهي تقول في إيمان صادق: إن مليكي لا يمكن أن يخطئ. # جيموند في 13 سبتمبر سنة 1862 # لقد مرت سنتان منذ تلك الليلة العظيمة وما تلاها مباشرة من حوادث، إن الوقت ~~ليمر بسرعة عندما يكبر الإنسان ويطعن في السن؛ فقد وقعت حوادث عدة في تلك المدة، لم ~~أجد في نفسي الهمة للمبادرة بتسجيلها في يومياتي بالتفصيل، وها أنا أجمل ما مر من ~~الحوادث: # أرسلني جلالة الإمبراطور فرنسوا ووزيف إلى باريس في مهمة خاصة، وكان يتعلق بنجاح ~~هذه المهمة مستقبل الحياة الدينية لأصدقائنا في فرنسا. ولقد قضيت في جيموند بضعة ~~أيام في الصلاة والقيام بواجبات التقديس، استعدادا لمهمتي الصعبة. وكانت أخبار ~~أشخاص المأساة السابقة قد انقطعت عني منذ سنتين؛ فلقد جاء البارون كريستوف وحده ~~إلي ليراني بينما كنت في فينا، ولقد أسعدني أن أسمع منه أن فيرونيك لم تفقد ~~شيئا من عقيدتها، وأنه كان قد أخذها في رحلة مشوقة جميلة إلى مصر إبان الخريف ~~التالي للمأساة، وبعد ذلك أخذها إلى قصره الخاص في بوهيميا، وكانت حالتها طيبة ~~جدا طوال هذا الوقت، كانت مرحة وسعيدة لدرجة أن البارون قرر أن يعود إلى باريس ~~حيث يحيا حياته العادية. ولقد لاحظت أن البارون كان في حديثه عن فيرونيك تظهر عليه ~~الحيرة كما لو كان هناك شيء لا يفهمه عنها! # ولقد أسفت على السيدة البرنسيس دي بوربون كل الأسف، حيث إنها كانت لا تزال ~~مريضة من أثر الصدمة العنيفة التي أصابتها بالنوبة القلبية، ولم تكن قد تركت فلا ~~إليزابث بعد، بل إنها استقرت بها وعاشت فيها تعالج نفسها مما ألم بها. ولقد فهمت ~~أن جلالة إمبراطور أوستوريا يمدها بكرمه المعهود بمبلغ طيب من المال يعينها على ~~الحياة في هدوء وراحة. # أما عن جلالة ملك فرنسا السابق فقد عاش في هولندا، وقد أخبروني أن زوجته قد ~~لاقت نجاحا عظيما في برلين أيضا. وقد انصرف الملكيون عن لويس التاسع عشر، وأخلص ~~الجميع إلى جلالة ms92 الملك هنري الخامس ملك فرنسا الشرعي، وكانوا يرجون اليوم الذي ~~ينال فيه حقوقه ويعتلي عرش فرنسا، وقد سقط نهائيا اسم لويس التاسع عشر من قائمة ~~ملوك فرنسا. # باريس في 9 نوفمبر سنة 1862 # ذهبت لرؤية صورة جديدة عرضت في معرض الصور باسم سيرل برتراند، وطلبت من المدير ~~أن يمهد لي سبيل الاتصال بالرسام، ولكنه أخبرني بأن هذا مستحيل لأسباب لم يرد أن ~~يبينها لي ... وتعرفت إلى سكرتير المدير وكان شابا لطيفا لم يرفض المبلغ الذي ~~قدمته له لكي يعطيني ما أطلب من المعلومات عن السيد برتراند. # ولقد أدهشني ما أخبرني به؛ فقد أطلعني على آخر خطاب وصل من الفنان، وكان الخطاب ~~مرسلا من إنجلترا حيث كان يقيم، ولم يكن اسمه برتراند مطلقا بل كان اللورد ~~لونجفيل، وطبعا لا بد أنه أصبح رجلا عظيما ذا ثروة طائلة. وكان قد ختم خطابه ~~بهذه الكلمات: «ولسوف أقيم في الاستوديو القديم في ميدان ريمور»، ووصف لي السكرتير ~~الصغير ميدان ريمور، ودلني على سبيل الوصول إليه. # 10 نوفمبر # لقد حمدت الله على مساعدته لي في سبيل الوصول إلى معرفة مقر السيد برتراند، وكان ~~ما علي أن أفعله بعد ذلك أن أتصل بالبارون كريستوف، وكان قد استقر به المقام في ~~باريس في قصره الجميل بشارع دي فاريني، وجاء ليراني في الفندق الذي نزلت به، وقد ~~صحب ابنته معه هذه المرة، وكانت فيرونيك صغيرة مشرقة كما كانت آخر مرة رأيتها فيها. ~~وتحدثنا طويلا دون أن أشير إلى ذكر سيرل صراحة، وحاولت أن أسلي الفتاة بإلقاء ~~أسئلة عديدة عليها، وكانت على ذكاء نادر استطاعت به أن تدرك ما أرمي إليه، ولقد ~~سرها أن أطلب منها أن تأتي من وقت لآخر لمشاركة رجل هرم في وحدته. # وزارتني مرارا وكنا نتحدث في شئون شتى، ولم يمض أسبوعان حتى أصبحنا صديقين ~~حميمين. # وفي الثالث من هذ الشهر، أخذت عربة إلى طريق كليشي وتركت العربة عند مدخل ميدان ~~ريمور، وذهبت للبحث عن صديقي القديم سيرل برتراند، وساعدتني الاستعلامات التي حصلت ~~عليها من ms93 السكرتير الصغير في العثور على الاستوديو. وفتحت لي الباب خادم أخبرتني ~~أن المسيو برتراند في الخارج، كما أنه لا يقابل أحدا من زائريه، ولقد قام جنيه ~~قدمته لها بإزالة كل عقبة في طريقي، فأدخلتني إلى الاستديو، حيث أخذت مقعدا أمام ~~النار وانتظرت هكذا نصف ساعة إلى أن حضر سيرل برتراند، وقابلني ببشاشة وإيناس، وقد ~~لاحظت أنه قد عاد بذاكرته إلى الوراء حيث شاهدني أول مرة في الحفل العظيم، وتحدثنا ~~في شئون شتى، وقد حاولت أن أتحاشى ذكر اسم البارون كريستوف وابنته، وإن تكلمنا عن ~~السيدة البرنسيس وجلالة ملك فرنسا السابق، ثم الكونت فريزن الذي نقل إلى سفارة ~~أوستوريا في لندن، وكانت علاقات المودة والصداقة بينه وبين سيرل ما زالت على أحسن ~~حال. # وأخيرا افترقنا ونحن أصدقاء، وقد وعدني سيرل بأنه سيوف يحضر لرؤيتي بالفندق في ~~صباح الغد، غير أنني كنت أشعر بشيء من الكآبة بعد تركي إياه، إذ كان يبدو عليه أنه ~~تغير كثيرا وظهر عليه تأثير الزمن والحياة، فبان متقدما في السن. # وجاء لرؤيتي مرتين أو ثلاثا وقد شعر كلانا بالمودة والألفة نحو الآخر منذ أول ~~مقابلة، وكما فعلت مع فيرونيك كنت أتحدث إليه في شئون شتى. وقد دعوته لزيارتي ~~دائما في الصباح حيث إني قد خصصت وقتي بعد الظهر لفيرونيك. # ولكن منذ أيام ثلاثة أرسلت إليه كلمة أقول له فيها إنني مشغول في الصباح ورجوته ~~الحضور إلي بعد الظهر. # وفي الساعة الرابعة بعد الظهر كانت فيرونيك معي، وكانت غرفة الاستقبال الخاصة بي ~~في الفندق منسقة تنسيقا بديعا، وقد وضعت الخادم باقات عدة من الورد فوق المناضد، ~~وكانت النار قد اشتعلت في الموقد، وكان المصباح يشع بضوء وردي جميل. ولم أكن قد ~~رأيت الفتاة الطفلة في حياتي أبهى وأجمل منها في ذلك المساء، حتى لقد حمدت الله على ~~مساعدتي في إحياء نفسين قد ربطهما الإخلاص والحب معا. وفتح الباب ودخل سيرل ~~الغرفة والتفتت فيرونيك بعد أن كانت تحدق في نار الموقد، وما إن رأت الداخل حتى ~~قامت كالسهم من ms94 كرسيها، ولم يتحرك سيرل بل اتجهت هي إليه، وما إن فعلت هذا حتى نظرت ~~إلي ثم قالت: كنت أعلم أن مليكي يحبني وأنه لم يخطئ في حقي. # وما كدت أنسحب بأقل ضجة ممكنة من الغرفة، حتى رأيتها قبل أن أصل إلى الباب وهي ~~بين ذراعيه. ms95