######OpenITI# #META# URI: 1450MahirBattuti.FarashaWaDababa.Hindawi80924807 #META# Tags: novels #META# ID: 80924807 #META# Title: الفراشة والدبابة وقصص أخرى: مختارات قصصية من الأعمال القصصية الكاملة لإرنست همنجواي #META# AuthorID: 27040363 #META# Author: ماهر البطوطي #جمع وترجمة# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الفراشة والدبابة‏ # قطة تحت المطر‏ # التحول‏ # المخيم الهندي‏ # الطبيب وزوجة الطبيب‏ # حاضرة الدنيا‏ # يوم انتظار‏ # تلال كالأفيال البيضاء‏ # قصة أفريقية‏ # مكان نظيف حسن الإضاءة‏ # ثلوج كليمنجارو‏ # الآن أرقد لأنام‏ # عشرة هنود‏ # الأسد الطيب‏ # الثور الوفي‏ # مقدمة‏ # الفراشة والدبابة‏ # قطة تحت المطر‏ # التحول‏ # المخيم الهندي‏ # الطبيب وزوجة الطبيب‏ # حاضرة الدنيا‏ # يوم انتظار‏ # تلال كالأفيال البيضاء‏ # قصة أفريقية‏ # مكان نظيف حسن الإضاءة‏ # ثلوج كليمنجارو‏ # الآن أرقد لأنام‏ # عشرة هنود‏ # الأسد الطيب‏ # الثور الوفي‏ # | الفراشة والدبابة وقصص أخرى # | الفراشة والدبابة وقصص أخرى # | مختارات قصصية من الأعمال القصصية الكاملة لإرنست همنجواي # جمع وترجمة # ماهر البطوطي # كان يوما ما زلت أذكره من عام 1961م حين قررت على نحو قاطع أن ~~أتخذ الكتابة والترجمة مهنة أساسية لي. كنت أدرس آخر سنة في قسم اللغة ~~الإنجليزية بآداب القاهرة، وقد تشبعت بالمقررات الدراسية، خاصة في تلك ~~السنة، وتأثرت برواية «جيمس جويس»؛ «صورة للفنان في شبابه»، التي قرر ~~بطلها نذر نفسه للأدب والفن والجمال بكل أشكاله. كذلك درسنا «همنجواي» ~~وحياته وأسلوبه الجديد في الكتابة. وكنت أتابع ما يصدر من كتب مهمة خارج ~~مقررات الدراسة، فتأثرت بأدب «ألبير كامي» وفلسفته، وكتاب «اللامنتمي» ~~الذي كتبه «كولن ولسون» وأصبح حديث الأدباء. # وكنت قد بدأت القراءة وجمع الكتب منذ كنت في العاشرة من عمري، فنشأت ~~على كتب «توفيق الحكيم» و«طه حسين» و«نجيب محفوظ» و«يوسف السباعي» وشعر «أحمد ~~شوقي». وبدأت أيضا في جمع الكتب والسلاسل الجميلة التي كانت تصدر في مصر ~~في الخمسينيات، ومنها: «الهلال» و«كتاب الهلال» و«روايات الهلال»، و«اقرأ»، ~~و«كتب للجميع»، وكتب ومطبوعات «كتابي» و«الكتاب الذهبي»، وغير ذلك. # وبعد التخرج في الجامعة، عرفت أن من يريد أن يتخذ الكتابة مهنة، ~~عليه إجادة لغته العربية إجادة تامة، وكذلك ألا يعتمد في معيشته على ~~مكافآت الكتابة؛ فدرست القرآن الكريم وتدبرت آياته ولغته، وقرأت كتب ~~النحو المتاحة، وما طالته يدي من كتب التراث العتيقة. ولم أبدأ الكتابة إلا ~~بعد أن شغلت وظيفة مناسبة بوزارة التعليم العالي بالقاهرة، تترك لي وقتا ~~كافيا بعدها للقراءة والكتابة. ولما ms001 كنت أريد الكتابة في النقد الأدبي، ~~كانت أوائل مقالاتي نقدا وعرضا لما أحببته من الكتاب والأدباء. ثم جاءت ~~الترجمة وأفسحت لها بعض الوقت أولا، ثم زحفت على معظم الوقت بعد ذلك. ~~وكان أول كتبي المنشورة عن «إرنست همنجواي»، ثم رواية «جيمس جويس» التي ~~أحببتها. وبدأت في دراسة اللغتين الإسبانية والفرنسية قبل أن تنتدبني ~~الوزارة للعمل ملحقا ثقافيا في مدريد، حيث قضيت أكثر من أربع ~~سنوات. # وبعد عودتي من إسبانيا، قضيت أربع سنوات أخرى بالقاهرة أزود المجلات ~~في القاهرة وبيروت بمقالاتي المؤلفة والمترجمة، قبل أن أتوجه إلى ~~نيويورك للعمل مترجما ثم محررا بالأمانة العامة للأمم المتحدة. وقد عكفت ~~على الكتابة والترجمة عن الأدب المكتوب بالإسبانية من شعر ورواية ومسرحية، ~~حتى أساهم في تشييد جسر ثقافي للقراء العرب إلى تلك الثقافة الثرية. ~~ولكن لم أنس اللغات الأخرى، فترجمت لشاعر الشعب الأمريكي «والت ويتمان» ~~وبعض آثار اللغة الفرنسية، وزاد إنتاجي بعد التقاعد من العمل حتى قاربت ~~أعمالي ثلاثين كتابا. # ولما كانت الكتب الورقية، رغم أهميتها، تذوي وتغيب حروفها بفعل ~~الزمن، فقد رحبت بقيام مؤسسة «هنداوي» بوضع كتبي رقمية على النت لتكون ~~متاحة لمن يريد قراءتها، والمؤسسة بذلك تضطلع بعمل مهم في نشر الثقافة ~~وإتاحتها وحفظها على مر السنين. # | مقدمة # | حياة همنجواي وفنه # لعل أحدا من الروائيين الذين يكتبون بالإنجليزية لم يحظ من الشهرة ~~وسعة الانتشار في العصر الحديث قدر ما حظي الكاتب الأمريكي العظيم إرنست ~~همنجواي. فبالإضافة إلى المحصول الوافر من الروايات والقصص التي تركها ~~همنجواي وراءه عند مماته في 1961م، فإن حياته تشكل جانبا مستقلا، له ~~من الأهمية ما لأدبه بالنسبة لقرائه ولدارسيه، وهذا ما حدا بالنقاد إلى ~~الاهتمام بحياته والأحداث الكثيرة التي تزاحمت فيها قدر اهتمامهم بنصوصه ~~الأدبية. وعلاوة على ذلك فإن أدب همنجواي وكتاباته مغموسة كلها بدم الحياة ~~التي عاشها، فهو يستمد أدبه من تجاريب حياته، وتدفعه هذه الحياة إلى تطوير ~~أدبه ومزجه بتجاربه. وقد دفعت الحياة الغريبة التي عاشها هذا الكاتب العظيم ~~بعض النقاد إلى الحديث عن الرغبة في ms002 الموت التي تتحكم في لا وعي همنجواي ~~وأعماله، وطبقوها على انغماسه الغريب في الحروب والمعارك، وفي رحلات الصيد ~~الخطرة، ومصارعات الثيران الدموية. وقالوا أيضا: إن همنجواي كان يريد قهر ~~الخوف من الموت، ولذلك لم يكن يحب انتظار الموت بل يبحث عنه في مكمنه. # وقد ابتكر همنجواي أسلوبا فريدا في الكتابة، يعتمد على التخلص من ~~المحسنات البديعية والتزويقات اللفظية والإطناب، ويتجه إلى طريقة ~~الاقتصاد في التعبير # 1 # والأسلوب البرقي الذي يحاول إيصال التجربة إلى القارئ عن طريق ~~التركيز والمباشرة. وبالإضافة إلى ظهور همنجواي بهذه الطريقة في بناء لغته ~~وفي بناء رواياته، فإن له رؤيا خاصة في الحياة وفي الفن، اجتهد أن يوصلها ~~إلى قرائه من خلال قصصه ورواياته. # حياته وأعماله الأدبية # ولد إرنست ميلر همنجواي، مغامر عصره، في يوم 21 يوليو 1899م، في ~~مدينة يطلق عليها عادة اسم عاصمة الطبقة الوسطى وهي «أوك بارك» من ~~ضواحي شيكاغو. وكانت أمه من النساء ذوات النشاط الديني الفعال، شغلت وقت ~~فراغها بالعزف في الكنائس وفي المحافل الدينية. أما أبوه فهو الدكتور ~~كلارنس إدموندز همنجواي، وكان طبيبا محليا معروفا، يفضل الذهاب ~~للقنص وصيد السمك في منزل العائلة الصيفي بجانب خليج «هورتون» على ~~الاشتغال بمهنته، وعكف والده منذ صغره على تلقينه فنون الهوايات التي ~~شغف بها هو نفسه، فأهداه في عيد ميلاده الثالث قصبة للصيد، كما كان ~~يعلمه فنون الرماية منذ كان في المهد صبيا. ومما يروى عنه: أنه اشترك ~~وهو في هذه السن في الاستعراض العسكري في المدينة، وسار وقد علق مسدس جده ~~إلى جانبه وهو يختال وسط الجنود في مشية عسكرية صارمة. ولكن والدته لم ~~تكن راضية عن تلك التنشئة المبكرة، وكانت تعد لابنها مشروعات مخالفة ~~بالنسبة لمستقبله، مما جعلها تعارض والده على طول الخط وتسخط على ما ~~يفعله مع ابنهما ... ويبدو أن همنجواي لم يغفر لها بعد ذلك هذا الموقف ~~إطلاقا، كما يبدو أن ضيقه منها قد انعكس في كل ما كان يكتبه ويخلقه من ~~الشخصيات النسائية في رواياته وقصصه . # وفي العاشرة من ms003 عمره، أهداه والده بندقية، وأهدته والدته آلة تشيللو ~~للعزف، ولكنه أوضح بعد ذلك أنه لم يكن يميل لعزف الموسيقى، وكان يهرب من ~~دروس العزف ليصطاد السمك، وكان من نتيجة هذا الشد والجذب للصبي بين عالم ~~والده وعالم والدته أن أصبح همنجواي شابا عاكفا على التفكير، شديد ~~الحساسية في نفس الوقت. وقد قال مرة بعد ذلك عن أيام حياته الأولى: «إن ~~أفضل مدرسة للكاتب هي طفولة شقية» وقد تسببت هذه الأيام في إصابته ببعض ~~«التهتهة الخفيفة» في كلامه، لازمته طوال حياته. # وتلقى همنجواي تعليمه في مدرسة «أوك بارك»، حيث التحق بفريق كرة ~~القدم بها. وفيها ظهر ميله للكتابة لأول مرة، فكان يكتب بعض القصص القصيرة ~~على الآلة الكاتبة، عن تجاربه في الصيد وعن الهنود الحمر، وينشرها في ~~المجلة الأدبية للمدرسة. وقد اشتغل وقت فراغه في هذه الأيام والتحق ~~بمدرسة لتعليم الملاكمة. # وبعد أن حصل على شهادته الثانوية من المدرسة عام 1917م، كانت الولايات ~~المتحدة قد دخلت الحرب العالمية الأولى التي اندلعت نيرانها منذ سنوات ~~ثلاث في أوروبا، وهجر همنجواي كل مشروعاته بشأن الجامعة وبشأن المستقبل ~~وتطوع في الجيش، ولكنه رسب في الكشف الطبي بسبب عيب كان قد أصاب عينه في ~~إحدى مباريات الملاكمة. وفشلت محاولات همنجواي في الالتحاق بأي سلاح من ~~أسلحة الجيش، وبعدها نجحت مجموعة من الأكاذيب، ونقص في الموظفين إبان ~~الحرب، ونفوذ أحد أعمامه في حصوله على عمل في صحيفة «كانساس سيتي ستار» ~~التي كانت تعتبر أيامها أكبر مدرسة للصحافة في الغرب الأمريكي. وقد تعلم ~~فيها كيف يقص الخبر بأسلوب الصحيفة المعروف عنها: الأحدوثة المباشرة ~~المقتضبة والفقرات القصيرة واللغة القوية. وقد قال همنجواي بعد ذلك عن هذه ~~الفترة من حياته: إنه قد تعلم في هذه الشهور عن الكتابة وعن الصحافة أكثر ~~مما تعلمه في أي فترة أخرى من فترات حياته. وبعدها قرأ عن حاجة الصليب ~~الأحمر العاجلة لمتطوعين للعمل على الجبهة الإيطالية، فتقدم لهذا العمل ~~وقبل فيه في أبريل 1918م كسائق لعربة إسعاف، وكان أصغر المتطوعين ~~سنا فلم يكن ms004 يتجاوز التاسعة عشرة من عمره. وارتحل من نيويورك إلى باريس ~~عن طريق البحر، ثم أرسلوا به إلى ميلانو حيث عمل في خط النار. وبعد أسبوع ~~من الأحداث المثيرة، أصابته قنبلة من مدفع مورتار نمسوي حين كان يحاول ~~إنقاذ أحد الضباط الإيطاليين الجرحى، وأطاحت بطاسة ركبته وجرحته في رأسه. ~~وفي مستشفى «ماجيوري» بميلانو، أجروا له سلسلة من العمليات أخرجوا بها ~~227 شظية من ساقه. ولم يخرجوا كل الشظايا رغم ذلك، فقد أجروا له عملية ~~أخرى عام 1959م أخرجوا بها من ساقه شظية أخرى استقرت فيها منذ ذلك ~~الوقت. وفي مستشفى ميلانو تعرف على ممرضة إنجليزية حسناء من ممرضات ~~الصليب الأحمر، عقد معها علاقة عاطفية ألهمته فيما بعد حبكة روايته ~~المشهورة «وداعا للسلاح». وقد طاف همنجواي بعد شفائه بصفوف القتال على ~~الجبهة الإيطالية مرتديا سترة عسكرية أمريكية ليبعث الحماس في قلوب ~~المحاربين ويقص عليهم قصة بطولته في الحرب، وكان نتيجة هذا أن أنعمت ~~عليه السلطات الإيطالية بالميدالية الفضية للشجاعة العسكرية ووسام ~~الاستحقاق الحربي. # وعاد همنجواي في 21 يناير 1919م إلى نيويورك واستقبل فيها استقبال ~~الفاتحين، فقد كان من أوائل العائدين الذين اشتركوا في الحرب العالمية ~~الأولى من الأمريكيين. ولكن جو بلدته «أوك بارك» بدا له خانقا قاتلا، ~~خاصة الآن بعد أن ذاق طعم الحرية والإثارة، فدفعه ذلك إلى الاستقلال ~~بحياته عن والديه، وعاش وحده في شيكاغو بعد أن حصل على عمل يقيم به أوده ~~عن طريق كتابة بعض القطع الصحفية لجريدتي «تورنتو ديلي ستار»، «وتورنتو ~~ستار ويكلي». وكان يقسم وقت فراغه ما بين صالة الألعاب الرياضية، ~~والتمرس على فنون الكتابة. وفي أثناء رحلة له إلى «ميتشجان» في هذا ~~الوقت، تعرف على فتاة أمريكية ذات موهبة في العزف على البيانو تدعى ~~«هادلي ريتشاردسون» تزوجها أخيرا في سبتمبر 1921م. واقترح همنجواي على ~~أصحاب الصحيفتين اللتين يعمل فيهما أن يعينوه مراسلا لهما في باريس، ~~حيث يوافيهم بمقالاته وقصصه من هناك، ووافقوا على ذلك. وحمله صديقه ~~شرود أندرسون، بخطابات توصية إلى معارفه الأدبيين في باريس، أمثال ms005 ~~جرترودشتاين وعزرا باوند، وتعد سنواته الأولى هذه في باريس من أخصب ~~أيام عمره، قضاها طوافا في البلاد والمدن الأوروبية، يعقد الصداقات مع ~~شخصيات الأدب والفن المشهورين. وفي باريس تعلم همنجواي التمييز بين الأصل ~~والمزيف، بين العبقرية والتصنع، وتعلم كما قال بنفسه: «كيف يكتب القصص ~~بالتطلع إلى اللوحات في متحف اللوكسمبرج في باريس»، وعندما ألمح له ~~الرسام بيكاسو عن مصارعات الثيران في مدريد، صمم همنجواي على خوض هذه ~~التجارب الفريدة، فشد رحاله على الفور هو وزوجته إلى إسبانيا حيث شهد أول ~~عرض لمصارعات الثيران في حياته، وقضى بها عدة أسابيع قبل أن يعود إلى ~~باريس. وكانت هذه نقطة البداية في حبه العريض للبلاد الإسبانية ولمصارعة ~~الثيران التي لازمته طوال حياته ولم يكد يخلو كتاب من كتبه من أي ~~منهما. # وبعد ذلك أبرقت له الصحيفة بالتوجه إلى إيطاليا لتغطية أخبار ~~المؤتمر الاقتصادي في «جنوه»، وبعدها طار إلى القسطنطينية ليغطي أحداث ~~الحرب التركية اليونانية التي استعر أوارها في تلك الأثناء. وفي ~~القسطنطينية شهد فظائع انسحاب الجيش اليوناني من المدن التركية وتقدم ~~الجيوش التركية للاستيلاء على هذه المدن؛ وقد ألهمه هذا الانسحاب الوصف ~~الذي ورد بعد ذلك في مشهد انسحاب من «كابريتو» في «وداعا للسلاح» ... وبعد ~~عودته من تلك المهمة بقليل طار إلى لوزان لتغطية مؤتمر السلام هناك. وهكذا ~~تحقق حلم همنجواي بأن أصبح مراسلا أمريكيا جوالا في البلاد ~~الأوروبية. # واستدعى همنجواي زوجته هادلي لتلحق به في لوزان. وفي الطريق وقعت لها ~~حادثة مفجعة؛ إذ فقدت جميع مخطوطات القصص التي كان زوجها قد كتبها طوال ~~السنوات الأربع السابقة، وكانت قد وضعتها كلها في حقيبة حملتها معها ~~إليه. وقد أثر هذا الفقدان الأدبي في همنجواي فترة طويلة من حياته ولم ~~ينسه مطلقا. وطار همنجواي مرة أخرى إلى ألمانيا لكتابة تحقيق صحفي ~~عن إعادة احتلال «الروهر» بالقوات الألمانية. وفي باريس، أجرى همنجواي ~~كتابه الأول، مجموعة من القصص والقصائد بعنوان «ثلاث قصص قصيرة وعشر قصائد» # 2 # كما كان يزيد من دخله بالمراهنة عن سباق الخيل الذي برع ms006 فيه ~~وربح من ورائه الكثير من المال. ولكنه اضطر إلى العودة لجريدتي «ستار» ~~و«ستار ويكلي» حين أشرفت زوجته على وضع طفلها جون، وأصرت على أن تتم ~~الولادة في موطنها بالولايات المتحدة. وبعدها بفترة قضاها في جو من ~~الضيق و«الإقليمية»، استقال من العمل، ورحل هو وزوجته وطفله إلى باريس ~~حيث خلع عنه أخيرا معوقات الكتابة، ونزل إلى الساحة ليحارب معركته في ~~سبيل الجودة والظهور كمؤلف له قيمته وأصالته. وكانت باريس أيامها تموج ~~بالكتاب والفنانين الذين يأتون بكل مستحدث مستطرف، يغرقون همومهم ~~في الجنس والخمر والسهر طوال الليل. وقد أسمتهم جرترود شتاين بالجيل ~~الضائع، ولكن همنجواي كان يمثل بينهم شخصا مختلفا، فقد أضفت عليه ~~جديته بشأن عمله في الكتابة وتجاربه في الحرب صفة خاصة من النضج. ~~وانضم في هذا الوقت إلى الجماعة التي كانت تلتقي في مكتبة شكسبير التي ~~تملكها شابة أمريكية تدعى «سيلفيا بيتش» في الحي اللاتيني، وتعرف ~~هناك بالمشهورين من أمثال جيمس جويس، وجون دوس باسوس، وأرشبولد ماكليش، ~~بالإضافة إلى جرترود شتاين، وعزرا باوند. وكانوا يعقدون الندوات التي ~~يناقشون فيها مسائل الفن والأدب وقضاياهما. # ومرت بهمنجواي فترة قاتمة في أيامه تلك في باريس، فكانت المجلات ترفض ~~قصصه الواحدة بعد الأخرى، ولم يكن يجد ما يقيم أوده هو وزوجته. ولم ~~يفت هذا من عضده، بل لم يمنعه عن الاستمتاع بكل ما كان يستمتع به من ~~صيد ومن سباق الخيل وسباق الدراجات، ونجح أخيرا بعد ذلك في نشر كتابه ~~الثاني، وهو مجموعة من القصص القصيرة ظهرت تحت عنوان «في أيامنا». # 3 # وقد صمم همنجواي على أن ينقل تجربته في الهيام بمصارعة الثيران إلى ~~رفاقه، فخرجوا جميعا في عام 1925م إلى إسبانيا لحضور مهرجان «سان فرمين» ~~في بمبلونة، وهو تقليد اتبعه بعد ذلك طوال حياته. وفي هذه المرة، تعرفت ~~الجماعة بفتاة إنجليزية لعوب تدعى «ليدي داف توايسدن»، وقع أحد أفراد ~~الجماعة وهو «هارولد لويب» في غرامها وصار يشك في علاقتها بهمنجواي ~~وبأفراد آخرين من الجماعة، رغم أنها كانت مخطوبة لواحد من الأثرياء ~~الأمريكيين ms007 ولا تخفي علاقاتها بكثير من الأفراد الآخرين. وطوال أيام هذا ~~المهرجان ومباريات مصارعة الثيران التي شهدتها الجماعة، كان إرنست يشحذ ~~حواسه كلها لالتقاط دقائق الأحداث التي تدور من حوله. وقد دون كل هذا ~~بعد ذلك في روايته «وتشرق الشمس ثانية». # 4 # وقد بدأها في يوم عيد ميلاده السادس والعشرين، وكتب فيها في بلنسية وفي ~~مدريد ثم في باريس، وأتمها في مدى ستة أسابيع. وفي الفترة التي كان ~~ينقح فيها الرواية، نشرت روايته الأولى المسماة «سيول الربيع» # 5 # ولكنها لم تلق حماسا من القراء ولا من النقاد. # وكانت حياته الزوجية مع هادلي قد انتابها الفتور، كما شابها كثير من ~~الشجارات التي نشأت من غيرة هادلي من علاقة إرنست بالممرضة الإنجليزية التي ~~تعرف عليها في مستشفى ميلانو، والتي استمرت بعد ذلك عن طريق الخطابات، ~~وعلاقته المستحدثة مع «ليدي داف توايسدن». وانتهى به الأمر أن انفصل عن ~~هادلي، واتخذ له مسكنا يقيم فيه وحده، ثم انتقل إلى نيويورك مع امرأة ~~من معارفه مال إليها تدعى «بولين بفيفر» الكاتبة الصحفية بمجلة «فوج» ~~النسائية. واستمر همنجواي يعمل في نيويورك في تنقيح مخطوطة «وتشرق الشمس ~~ثانية»، ودفع بها أخيرا إلى الناشر، وظهرت في أكتوبر 1926م ونالت الرواية ~~نجاحا ساحقا فور ظهورها، وأرست دعامة همنجواي كواحد من أعلام الأدب ~~الأمريكي البارزين، وجذب انتباه الجماهير ككاتب وكإنسان. وقد دفع هذا ~~النجاح الناشر «سكريبنر» إلى إخراج كتاب قصص قصيرة له، به أربع قصص جديدة، ~~علاوة على مختارات من قصصه القصيرة التي نشرت سابقا، تحت عنوان «رجال ~~بلا نساء». # 6 # وحصل همنجواي على الطلاق من هادلي في عام 1927م، وتزوج بعدها حبيبته ~~الجديدة بولين. وقد اضطر لإتمام هذا الزواج أن يتحول من المذهب ~~البروتستانتي إلى الكاثوليكية؛ لأن بولين كانت من هذا المذهب. وبدأ بعد ذلك ~~مباشرة في الإعداد لأقرب المشروعات حبا لفؤاده، وهو كتابة رواية عن ~~تجاربه في الحرب العالمية الأولى. # ومرة أخرى، اضطر همنجواي إلى العودة إلى الولايات المتحدة حين أشرفت ~~زوجته الجديدة على الوضع، فأقام فترة في «كي ms008 وست»، ثم نزح إلى «كانساس ~~سيتي» حيث دخلت بولين المستشفى . ومرت الزوجة بتجربة عصيبة؛ إذ ~~تعسرت الولادة وأشرفت على الموت، واضطروا إلى إجراء عملية قيصرية ~~لإخراج الوليد الجديد من بطنها، وسموه «باتريك». ومرت بهمنجواي تجربة ~~أعصب وهو ينتظر خارج المستشفى نتيجة العملية. وقد ظهرت هذه التجربة بعد ~~ذلك بتفصيل شديد في الرواية الجديدة التي كان يكتبها آنذاك «وداعا للسلاح». # 7 # كذلك ألمت بهمنجواي أزمة روحية في هذه الفترة نتيجة لوصول ~~الأنباء إليه بانتحار أبيه الطبيب بمسدس الجد الذي كان إرنست يحمله وهو ~~طفل ويسير به مختالا في الاستعراض العسكري في «أوك بارك». # وتوطدت أقدام همنجواي في عالم الأدب بنجاح «وداعا للسلاح» التي ~~نشرت في سبتمبر 1929م. وعكف بعدها على كتابة بعض قصصه القصيرة، أشهرها ~~قصص القاتلان # 8 ~~«اليوم جمعة» # 9 # الهنديان # 10 # ثم قضى الصيف التالي في جولة في إسبانيا في ركب الماتادور ~~المشهور سيدني فرانكلين، خرج منها آخر الأمر بكتاب شامل مشهور عن مصارعة ~~الثيران، وكان بذلك أول كاتب يقدم هذا الفن العظيم للعالم ~~الأنجلوسكسوني، بكتابه الذي يشبه دائرة معارف عن مصارعة الثيران «موت في الأصيل». # 11 # وقضى همنجواي فترة طويلة في منزله في «كي وست»، وابتاع يختا للصيد ~~أسماه «بيلار»، استخدمه في رحلات صيد ناجحة. وكان يبحث عن آفاق جديدة يبسط ~~عليها ظل خياله، ووجد أنه لن يجد متعة بعد ذلك في مناطق إسبانيا وباريس ~~إلا بعد أن يجددها بمشاهدة الجانب الآخر من العالم. وعلى هذا ففي أواخر ~~عام 1933م، شد رحاله هو وزوجته وأحد أصدقائه إلى أفريقيا، مصطحبين مرشدا ~~أصبح بعدها صديقا حميما لهمنجواي هو «فيليب برسيفال». وطاف همنجواي في ~~هذه الرحلة بممباسة وكينيا وأوغندا، ومر بتجارب هامة مركزة في كيفية صيد ~~الأسود والنمور والفيلة، وخاصة وحيد القرن. وعاد إلى «كي وست» في ربيع ~~1943م وذهنه محمل بذكرياته الأفريقية. ومرت به هناك تجربة صيد فريدة ~~اختزنها في ذاكرته إلى أن حانت لحظة إخراجها في عمل فني متكامل. ففي ~~أثناء جولة له على قاربه بيلار للصيد، اشتبكت قصبته ms009 بسمكة تونة ضخمة، قال ~~من شاهدها إنها تربو على الألف رطل، وظل يطاردها قرابة يوم كامل وهو ~~يجاهد ألا تفلت منه. وتمكن أخيرا من صيدها وجرها إلى جانب قاربه. ~~ولكن بعد أن بذل هذا المجهود الجبار الذي يفوق الطاقة في صيدها، هجمت ~~عليها أسماك القرش ونهشت لحمها وتركت له سلسلتها الفقرية ورأسها تسبح ~~إلى جانب القارب. وكان يشبع النشاط والمغامرات في حياته برحلات صيد من هذا ~~النوع، وبرحلات سريعة بقاربه عبر الخليج إلى كوبا. ولكن القدر كان ~~يخبئ له مغامرة جديدة من نوع المخاطرة التي كادت تودي بحياته في الحرب ~~العالمية الأولى. ففي يوليو من عام 1936م نجح أحد الضباط الإسبان في تدبير ~~انقلاب ضد حكومة الجمهوريين في مدريد، وانحاز قسم كبير من الجيش الإسباني ~~إلى جانبه، مما أدى إلى اندلاع نيران حرب أهلية مدمرة في تلك البلاد ~~التي أحبها همنجواي كل الحب. وقد ساندت القوى الفاشستية في كل من ~~إيطاليا وألمانيا الضابط فرانكو، بينما انضمت إلى الجمهوريين صفوف ~~الشيوعيين والفوضويين والاشتراكيين والنقابيين وغيرها من الجوانب الثورية. ~~وانحاز همنجواي إلى جانب الجمهوريين، وطاف في كل مكان في أمريكا يحاول ~~جمع التبرعات لمساعدتهم وإمدادهم بما يحتاجونه من سلاح. ثم سافر هو بنفسه ~~إلى مدريد ليغطي أنباء الحرب الأهلية، وليكون إلى جانب أصدقائه ~~الجمهوريين، وقبل أن يطير للجبهة أعد رواية جديدة للنشر وأسماها «الغنى والإملاق» # 12 # وخاض همنجواي في طريقه إلى ميدان القتل أهوالا عجيبة وكاد أن ~~يقتل عديدا من المرات. وكان يعود أحيانا إلى الولايات المتحدة لجمع ~~مزيد من الأموال لمساعدة الجمهوريين، ثم يطير ثانية إلى ميدان القتال. ~~وفي إحدى المرات التي عاد فيها إلى الولايات المتحدة نشر مسرحية كان يعمل ~~فيها في مدريد وهي «الطابور الخامس» # 13 # وكانت هذه المسرحية الوحيدة التي كتبها همنجواي هي العمل ~~الوحيد الذي أجمع كل النقاد على فشله التام. # وحرص همنجواي على أن يكون في وسط المعارك التي تدور بين الملكيين ~~والجمهوريين، وكم من مرة تحطم زجاج نافذة الغرفة التي يقيم فيها في فندق ~~فلوريدا ms010 بمدريد؛ نتيجة قنبلة تقع على مقربة منه، ولكنه كان يتحمل كل ذلك ~~ويختزن في ذهنه تجارب الأهوال التي يراها والتي اقترنت بهذه الحرب البشعة ~~التي مات في العام الأول لها ما يزيد على نصف مليون إسباني. وتعرف في ~~مدريد على مراسلة صحفية شقراء صغيرة السن تدعى «مارتا جلهورن»، كانت قد ~~برزت في عملها ونجحت فيه نجاحا ملحوظا، وتوثقت عرى المودة بينهما في ~~هذه الفترة، بحيث لم يكونا يكادان يفترقان. # ولما انتهت الحرب الأهلية الإسبانية باندحار الجمهوريين ودخول فرانكو ~~مدريد في مارس 1939م، عاد همنجواي إلى بلاده، واستقر في منطقة جديدة ~~اكتشف فيها أحسن مناطق الانزلاق على الجليد، وهي منطقة «صان فالي». وهناك ~~كتب 24 فصلا من فصول رواية جديدة أعدها عن الحرب الأهلية الإسبانية. ~~وكانت رواية «لمن تدق الأجراس» # For whom the Bell ~~Tolls # أحسن وأشهر رواية كتبها همنجواي باعتراف النقاد. وقد ~~قال عنها مؤلفها: «إنني لم أضع فيها الحرب الأهلية فحسب، بل وضعت فيها كل ~~شيء تعلمته عن إسبانيا طوال ثمانية عشر عاما.» وأهدى همنجواي الرواية التي ~~ظهرت في أكتوبر 1940م إلى مارتا جلهورن، وكان قد اتفق معها على الزواج بعد ~~أن وافقت بولين على الطلاق بشرط أن تحتفظ بولديها منه وبمنزلهما في «كي ~~وست». ولما وافق همنجواي على هذه الشروط، قام بشراء ضيعة له في كوبا ~~بقرية تدعى «سان فرانسيسكو دي بولا»، وسمى الضيعة «فينكا فيخيا»، أي ~~«الضيعة الخارجية»، وتتكون من منزلين وبرج للمراقبة تحيط بهم حديقة ~~واسعة بها حوض سباحة وملعب للتنس. وقد جعل من كوبا مقرا لقاربه ~~البيلار. # وبعد طلاق همنجواي من بولين بسبعة عشر يوما، تزوج مارتا، وكان في ~~الثانية والأربعين من عمره، بينما كانت مارتا في الثامنة والعشرين. وطارا ~~بعد الزواج إلى الشرق الأقصى ليغطيا أنباء الحرب اليابانية الصينية ~~لصالح صحيفتين مختلفتين. وكانت رحلة شاقة إلى مناطق القتال. وقضيا ~~أربعة شهور في الصين، لمس همنجواي فيها مدى الصدع الذي حدث بين شيانج ~~كاي شيك وبين الشيوعيين الصينيين وحذر من نتائجه المرتقبة على مستقبل ~~الصين. ms011 وبعد شهر العسل هذا، الذي استطال إلى أربعة شهور وسط جبهة القتال، ~~عاد العروسان إلى ضيعة الزوج في كوبا، حيث اعتزم همنجواي العزوف عن خوض ~~غمار الحروب بعد ذلك ، رغم أن بلاده كانت قد دخلتها رسميا آنذاك بعد ~~واقعة بيرول هاربور المشهورة. # وكان هذا هو الوقت الذي بدأ همنجواي فيه يطلق لحيته التي اشتهر بها، ~~وكان يزعم أنه اضطر إلى ذلك من جراء مرض جلدي أصاب وجهه وجعل من ~~حلاقة ذقنه أمرا عسيرا. # وبدأت زوجته الجديدة تشعر بالملل، ووجدت أن مثل هذا الزواج لن يتفق مع ~~طموحها الواسع في التقدم في عملها الصحفي، فكان أن طارت بمفردها إلى ~~أوروبا لتغطي أنباء الحرب العالمية لصالح مجلة كوليير. وبعد سفرها بستة ~~أشهر طار همنجواي إلى خطوط القتال في أوروبا ليوافي مجلة كوليير هو الآخر ~~بالتحقيقات الصحفية عن الحرب، ولكنه لم يكن مع زوجته، بل قضى معظم وقته مع ~~مراسلة صحفية تدعى «ماري ولش». وقد اشترك همنجواي في القتال فعلا على ~~الجبهة الفرنسية حين كان الحلفاء يعدون العدة للغزو النورماندي، ~~وكون فرقة من الفدائيين ترأسهم وكانوا ينادونه بلقب «بابا همنجواي»، ~~وقد شاعت هذه التسمية بعد ذلك بين أصدقائه ومحبيه. وكانت هذه الفرقة هي أول ~~جنود من صف الحلفاء تدخل باريس، وكان أول شيء فعله همنجواي بعد دخوله ~~العاصمة الفرنسية أن حرر فندقه الأثير «الريتز»، وعب من خموره ~~المعتقة. وقد حوكم همنجواي أمام محكمة عسكرية بعد ذلك لتخطيه حدود ~~قوانين المراسلين الصحفيين باشتراكه الفعلي في القتال، ولكن لم يتقدم ~~أحد للشهادة على تلك الجريمة، فسقطت عنه، كما منح ميدالية برونزية ~~تقديرا لشجاعته. # وبعد الحرب، وفي أكتوبر 1945م، حصلت مارتا جلهورن على الطلاق من ~~همنجواي، لم يعارض في منحها إياه، وعاد إلى فينكا فيخيا بكوبا مع «ماري ~~ولش» التي كان يدعوها دوما «مس ماري»، وقد تزوجها همنجواي أخيرا في هافانا ~~في 1946م، وكانت مس ماري بهذا رابع زيجة له وأحبها إلى قلبه، باعترافه ~~فيما بعد. وقد عملت زوجته الجديدة على إرضائه كلما سنحت لها الفرصة ms012 لذلك، ~~فكانت تشاركه حبه للصيد والرحلات وشرب النبيذ، وتهتم بأدويته وأدواته، ~~كما كانت مدبرة منزل وطاهية ماهرة في نفس الوقت ... وقضى همنجواي عدة ~~سنوات من الاستقرار في فينكا فيخيا، كتب خلالها كتابه عن الحرب الذي ~~سماه «عبر النهر وبين الأشجار» # 14 # وقد هاجمه النقاد بعنف على هذه الرواية التي جاءت مختلفة ~~اختلافا بينا عن أسلوب همنجواي المعتاد في كتبه. وقد أثار النقد الجارح ~~الذي كتبه النقاد على هذه الرواية حفيظة همنجواي وشرع في الإعداد لعمل ~~كبير يتحداهم به. وظهر هذا العمل بعد ذلك مما كان قد اختزنه في ذهنه من ~~تجارب حدثت في الصيد على شاطئ كوبا وغيره. وكانت رواية «العجوز والبحر»، # 15 # التي نجحت على الفور، وقابلها النقاد بترحاب عظيم، وقد نالت ~~الرواية جائزة بوليتزر عام 1953م. ثم حاز الكاتب جائزة نوبل للآداب عام ~~1954م. وأصبح همنجواي أعظم كاتب أمريكي في زمانه. # ولكن انهماك همنجواي في العمل والكتابة إبان هذه السنوات لم يمنعه من ~~القيام بالرحلات التي يحبها، فجال في إيطاليا، وعاد ثانية إلى إسبانيا بعد ~~أن سمحت له السلطات بذلك، وشهد مصارعات الثيران مرة أخرى، وطاف بمسارح ~~شبابه فيها وفي الأماكن التي كتب عنها أحداث روايته «وتشرق الشمس ثانية». ~~وحن ثانية إلى أفريقيا، فاصطحب مس ماري في رحلة صيد إلى أفريقيا ~~مولتها مجلة «لوك». وكانت الرحلة موفقة في قسمها الأول، فطاف همنجواي ~~وماري في أدغال كينيا وتوجها مرة إلى الكونغو. ولكن حدث أن سقطت بهم ~~الطائرة التي كانت تقلهم فوق شلالات «مورشيون» ونجا من فيها بأعجوبة. ~~وقضوا ليلتهم بين الوحوش الهائمة إلى أن أنقذهم قارب الاستطلاع الذي يجوب ~~هذه المنطقة. وفي هذه الأثناء، طيرت وكالات الأنباء خبر فقدان همنجواي، ~~وصدرت الصحف وفيها نعي الكاتب الكبير، وهز الواثقون من وجود رغبة خفية ~~في الموت لدى همنجواي رءوسهم في عرفان. # وجاءت طائرة لتقل آل همنجواي بعد الحادثة إلى «عنتيبي» ولكن سوء الحظ ~~لازمهم، فاصطدمت بالأرض وشبت فيها النيران، وقد سببت هذه الحادثة ~~إصابات خطيرة لهمنجواي في الكليتين والكبد وحروقا في ms013 الرأس والساعدين ~~والساقين لازمته آثارها بقية حياته. # وعاد همنجواي بعد رحلته المشئومة تلك إلى «فينكا فيخيا» مع مس ماري. ~~ووصلته الأنباء بعدها من «استكهلم» بقرار الأكاديمية السويدية: منحه ~~جائزة نوبل للآداب لعام 1955م؛ لسيطرته القوية على أسلوب فن الرواية، التي ~~تبدت أخيرا في «العجوز والبحر». وقد قبل همنجواي الجائزة شاكرا وإن ~~اعتذر عن عدم استطاعته الذهاب إلى السويد لحضور حفل استلامها، وأرسل ~~خطابا ألقاه نيابة عنه هناك سفير الولايات المتحدة في السويد. # وقد تسلم همنجواي مبلغ 36 ألف دولار قيمة الجائزة، ثم تعاقد مع ~~«هوليوود» على تصوير فيلم عن القصة، وحصل من ذلك على مبلغ ربع مليون ~~دولار، بالإضافة إلى ثلث الأرباح عن حقوقه من الفيلم. وكان ذلك هو الفيلم ~~الوحيد الذي اشترك همنجواي في إعداده، واختار كاتب السيناريو له وممثله ~~أيضا. وفي عامي 1959م و1960م طاف همنجواي مرة أخرى بإسبانيا إبان ~~مواسم مصارعة الثيران في ركب الماتادور المشهور «أنطونيو أوردونييت»، ~~وشهد المباريات المميتة التي كان يعقدها مع المصارع «لويس ميجيل» في ~~منافسة دامية. وقد كتب همنجواي بعدها تحقيقا صحفيا عن هذه المباريات ~~والمنافسات لمجلة «لايف»، نشر تحت عنوان «الصيف الخطير». # 16 # وقد لاحقته أسطورة الموت مرة أخرى وهو في «مالقة» بإسبانيا؛ ~~إذ صدرت إشاعة قوية تفيد وفاته هناك. وكان كل ما فعله همنجواي حين سمع ~~تلك الإشاعة أن قال وهو يرفع كأسه ويشرب: «إن المرء يحيا في إسبانيا ولا ~~يموت فيها.» # وحين عاد همنجواي في أواخر عام 1960م إلى منزله بكيتشوم في ولاية ~~«آيداهو»، بدأ الأصدقاء المقربون منه يلاحظون عليه تغيرا كبيرا. كان ~~المرح والانطلاق قد زايلاه، وبدأت تهاجمه الشكوك والريب في استمراره ~~ككاتب، وفي مستقبله في مهنته، كما بدأ يجد صعوبة وثقلا في الكتابة. ~~وسر ذلك أنه كان قد تعود أن يعيش على مستوى معين من القوة والنشاط ~~والإقدام في كل شيء، في ممارسة الرياضة، وفي الصيد، وفي الكتابة وفي ~~الشراب، وفي الرحلات، وفي كل أوجه الحياة، فلما بدأت هذه القوة تضعف ~~فيه، فقد الثقة في نفسه وفي ms014 فنه. # وخانته أعصابه أخيرا، واختلطت عليه الحقيقة والوهم، فبدأ يتصور أن ~~السلطات تطارده بتهمة إغواء القصر، وأن البوليس الفيدرالي يتتبعه ~~ليثبت عليه الجريمة، كما كان يراقب البنك الذي يودع فيه أمواله، وينتابه ~~القلق حين يرى الموظفين يعملون هناك ليلا؛ لإيقانه أنهم مدفوعون من قبل ~~البوليس الفيدرالي لمراجعة حساباته لإثبات أنه تهرب من دفع الضرائب ~~والقبض عليه وزجه في السجن لذلك السبب. ولما تفاقمت حالته وكثر ~~ترديده عزمه على أن يقتل نفسه بعد أن توهم عجزه عن الكتابة، لم يستطع ~~المقربون منه أن يتجاهلوا حقيقة ما أصابه، ودفع الخوف زوجته وأصدقاءه إلى ~~العمل، فأدخلوه مستشفى مايو # 17 # تحت اسم مستعار لكي يعالج من الإرهاق العصبي. ووضع هناك ~~تحت إشراف مستمر، وتلقى عدة جلسات من الصدمات الكهربائية، ولكن كل ذلك ~~لم يفده كثيرا، فبعد أن خرج من العيادة وتفاءل الجميع بتحسن حالته، ~~فوجئت زوجته ماري صباح أحد الأيام بطلقة تنفجر في الطابق السفلي، فهرعت ~~إلى أسفل لتجد همنجواي وقد أطلق النار على رأسه من بندقيته. وقد قالت ماري ~~للصحفيين: إن طلقة قد خرجت بطريق الخطأ بينما كان همنجواي ينظف البندقية ~~فقتلته على الفور. ثم تجلت حقيقة ما حدث بعد ذلك في وقائع كتاب «بابا ~~همنجواي» الذي كتبه واحد من ألصق أصدقاء همنجواي به، وهو «هوتشنر»، وصف ~~فيه ضمن ما وصفه الأحداث الأخيرة في حياة همنجواي، والمحاولات التي بذلها ~~للانتحار بإطلاق الرصاص على نفسه، وبإلقاء نفسه من الطائرة التي كانت ~~تقله إلى مستشفى مايو، إلى أن نجحت محاولته الأخيرة وقضى على نفسه في ~~النهاية. # وهكذا لاقى همنجواي الموت الذي طالما كتب عنه ودارت معظم رواياته وقصصه ~~حوله. # مجموعة القصص القصيرة # تم اختيار المجموعة التي يجدها القارئ بين يديه بحيث تقدم له صورة ~~كاملة لفن القصة القصيرة لدى همنجواي. ورغم أن الكاتب قد اشتهر برواياته، ~~فإن قصصه القصيرة تقدم هي الأخرى نماذج قصصية ذات معمار فني محكم ~~مما يجعل من معظم تلك القصص أعمالا خالدة ضمن إنتاج الكاتب. # وقد صدرت قصص همنجواي القصيرة أول ms015 ما صدرت في مجموعات هي: في زماننا ~~(1925م)، رجال بلا نساء (1927م)، المنتصر لا يربح شيئا (1933م). كما نشر ~~الكاتب عددا آخر من قصصه في الصحف والمجلات بخلاف تلك الكتب الثلاثة. ~~وتقدم المجموعة الحالية عدة قصص تنشر لأول مرة باللغة ~~العربية. # وكان همنجواي يحب أن يكتب عن موضوعات وتجارب مر بها بالفعل؛ نجد ~~ذلك في رواياته كما نجده في قصصه. وضمن مجموعة قصصه القصيرة - التي بلغت ~~في مجملها حوالي الثمانين - نجد سلسلة قصص «نك آدمز» التي تصوره ~~صبيا وشابا ورجلا يتعرض لمواقف مختلفة تزيد من تجاربه بالحياة ~~والطبيعة الإنسانية، وهو يظهر هنا في قصص: المخيم الهندي، الطبيب وزوجة ~~الطبيب، قصة أفريقية، عشرة هنود. # وكتب همنجواي عن إسبانيا، البلد الذي أحبه وعشق رياضته الشهيرة وهي ~~مصارعة الثيران، وتعاطف مع أهله إلى درجة أنه شارك في الحرب الأهلية ~~التي نشبت هناك لمدة أعوام ثلاثة. وتقدم المجموعة الحالية إسبانيا في ~~قصص: الفراشة والدبابة، حاضرة الدنيا، مكان نظيف حسن الإضاءة. # أما عن القصص الأفريقية فنقدم منها هنا: ثلوج كليمنجارو، وقصة ~~أفريقية. # والقصة القصيرة عند همنجواي تتصف بالتركيز الشديد، وتشرك القارئ في ~~مطالعة تجربة إنسانية. وأسلوب الكاتب هنا يمثل رأيه في فكرة جبل الثلج ~~العائم الذي لا يظهر للعيان منه سوى ثمن حجمه فقط، بينما بقيته مختفية ~~تحت الماء. فالرواية عنده يمكن أن تظهر من ذلك الجبل الثلجي الكثير مما ~~هو مختف، فطبيعتها تسمح بوجود التفاصيل الضرورية التي تكتمل معها الصورة ~~الشاملة التي تقدمها الرواية. أما القصة القصيرة فهي تقدم الجزء الظاهر ~~فحسب، وتترك للقارئ تشرب البقية وفقا لإحساسه ودرجة تجاربه في ~~الحياة. # والقصة القصيرة على ذلك الوجه قد سمحت لهمنجواي - أكثر مما سمحت له ~~الرواية - أن يتجلى في أسلوبه اللغوي المشهور القائم على التركيز ~~والتخلي عن المحسنات اللفظية والصفات التي لا تخدم الحدث أو الشخصيات، ~~مما سماه النقاد بأسلوب الاقتصاد في التعبير. وهو أيضا يستخدم الحوار ~~على نحو خاص به، يتصف بالإيجاز، والتكرار المقصود، واستخدام المفردات ~~الشائعة المعروفة لدى من يتحدث من شخصيات القصة. ms016 وينجح كل ذلك في نقل ~~اللمحات الإنسانية التي يحاول المؤلف أن ينقلها إلى القارئ كما شعر هو بها ~~وهو يكتب القصة (انظر قصة قطة تحت المطر). وهو ينجح في ذلك إلى درجة ~~جعلته واحدا من كبار مؤلفي القصة القصيرة، مثلما هو من كبار مؤلفي ~~الرواية . # ماهر البطوطي # | الفراشة والدبابة # في تلك الليلة كنت أسير في طريق العودة إلى مكتب الرقابة إلى فندق ~~«فلوريدا» - وهو بمثابة منزلي - تحت المطر. وفي منتصف الطريق شعرت بالضيق من ~~البلل وتوقفت في بار «تشيكوتي» من أجل جرعة شراب عابرة. كان هذا هو ثاني ~~شتاء تتعرض فيه مدريد المحاصرة للقذائف الجوية، وهناك نقص في كل شيء، بما ~~في ذلك التبغ وصبر الناس، ويشعر المرء بالجوع دائما، ويمكن له أن يضيق ~~فجأة وبلا سبب من الأشياء التي لا يملك أي شيء إزاءها مثل الطقس. كان ~~يتعين علي أن أذهب إلى البيت، كان على مبعدة خمسة شوارع فحسب، ولكني حين ~~رأيت باب تشيكوتي جال بخاطري أن أتناول شرابا سريعا ثم أسير تلك الشوارع ~~الخمسة عبر «الجران فيا» فوق الطين ومخلفات الطرق التي حطمتها الغارات ~~الجوية. # كان المكان مزدحما، ولا يمكنك أن تدنو من البار، والموائد مشغولة، ~~والجو يعبق بدخان السجائر، والغناء، والرجال في البزة العسكرية، ورائحة ~~المعاطف الجلدية المبللة. وكانوا يتناولون الأشربة عبر جمهرة بلغت ثلاثة ~~صفوف أمام البار. # وعثر نادل أعرفه على مقعد خال وجذبه إلى مائدة جلست إليها مع ~~ألماني رفيع أبيض الوجه بارز الحنجرة، أعرفه لأنه يعمل في الرقابة، وشخصين ~~آخرين لا أعرفهما. وكانت المائدة في وسط القاعة، على يمينك حين تدخل. # ولم يكن بوسعك أن تسمع نفسك حين تتكلم من صخب الغناء، وطلبت كأسا من ~~«الجين» ممزوجا بشراب «الأنجوستورا» كيما أخفف من إحساسي بالبلل من المطر. ~~كان المكان مكتظا حقا، وجو من المرح البالغ يلف الجميع، ربما مرح زائد ~~عن الحد بسبب المشروب الكحولي القطلوني الذي تم صنعه حديثا، والذي كان ~~معظمهم يحتسونه. ولطمني اثنان من الناس لا أعرفهما على ظهري، وحين قالت ~~الفتاة ms017 الجالسة إلى مائدتنا شيئا لي لم أسمع ما تقول، فأجبت: بالطبع. والآن ~~حين توقفت عن التطلع من حولي وبدأت أتطلع إلى مائدتنا وجدت أن الفتاة ~~مريعة المنظر، مريعة المنظر حقا. واتضح حين أتى النادل أن ما سألتني ~~إياه هو أنها طلبت مشروبا، ولم يكن يبدو على الرجل الذي معها أي نشاط أو ~~قوة، ولكنها هي التي كانت قوية بالقدر الذي يكفيهما معا. كان لها ذلك الوجه ~~القوي نصف الكلاسيكي، يشبه في تكوينه وجه مروضي الأسود؛ وبدا على الولد ~~الذي معها أنه كان يتعين عليه أن يرتدي ربطة عنق مدرسية قديمة. لكنه لم ~~يكن يرتدي رباط عنق، كان يرتدي معطفا جلديا مثله مثل بقيتنا. غير أن معطفه ~~لم يكن مبللا؛ لأنهما كانا في البار قبل أن يهطل المطر. وكانت هي ترتدي ~~معطفا جلديا أيضا، وكان يليق بمواصفات وجهها. # وعند ذاك تمنيت ألا أكون قد توقفت عند تشيكوتي وإنما توجهت مباشرة ~~إلى البيت حيث بإمكاني أن أغير ملابسي وأجفف نفسي، وأتناول شرابا وأنا ~~مستريح في فراشي رافعا قدماي عاليا. وكنت ضجرا من النظر إلى هذين ~~الشخصين الحديثي السن. الحياة قصيرة، والنسوة القبيحات أطول عمرا وها هن ~~جالسات إلى الموائد. وقررت أنه برغم أنني كاتب ومن المفروض أن أشعر بفضول ~~لا يشبع عن كل أنواع الناس، فإنني لم أكن أهتم بمعرفة ما إذا كان هذان ~~الاثنان متزوجين أم لا، أو ما هو رأي أحدهما في الآخر، أو ما هي آراؤهما ~~السياسية، أو ما إذا كان لديه بعض المال، أو إذا ما كان لديها بعض المال، أو ~~أي شيء عنهما. وخلصت إلى أنهما لا بد يعملان في الإذاعة. كل مرة ترى مدنيين ~~في مدريد ذوي مظاهر غريبة حقا فهم يعملون في الإذاعة. ولذلك حتى أقول ~~شيئا رفعت صوتي كي يعلو على الضجيج وسألت: أتعملان في الإذاعة؟ # قالت الفتاة: أجل. # إذن فالأمر كذلك. يعملان في الإذاعة. # وقلت للألماني: كيف حالك يا رفيق؟ ~~- الحمد لله. وأنت؟ # قلت: يغطيني البلل. # وضحك مائلا برأسه جانبا. سأل: أمعك سيجارة؟ ms018 # وناولته علبة سجائري التي لم يكن عندي إلا واحدة غيرها، وتناول منها ~~سيجارتين. وأخذت الفتاة القوية اثنتين والشاب الذي كان يمكن أن يليق به رباط ~~العنق القديم واحدة. # وصحت به: خذ أخرى. # ورد: كلا شكرا. # وأخذها الألماني بدلا منه وتساءل باسما: هل تأذن لي؟ # قلت : بالطبع. # كنت في الحقيقة لا أرحب بأخذه السيجارة وكان يعرف ذلك. ولكنه كان في ~~أشد الحاجة للسجائر لدرجة لم يبال معها بشيء. وكان الغناء قد توقف ~~برهة، أو كانت هناك استراحة كما يحدث في وقت العواصف أحيانا. وأصبح بوسعنا ~~أن نسمع ما نقول. # سألتني الفتاة القوية: هل أنت هنا من زمن طويل؟ ونطقت الزاي ثاء كما في ~~كلمة ثمن. # قلت: إني أرحل وأعود. # قال الألماني: يجب أن يكون حديثنا جادا. أريد أن أجري حديثا معك. متى ~~يمكننا أن نتحدث؟ # قلت: سوف أتصل بك. # كان هذا الألماني من نوع غريب جدا بالفعل، ولم يكن أحد من الألمان ~~الحميدين يحبه. عاش تحت وهم أنه يمكنه أن يصبح عازف بيانو، ولكن لو أنه بقي ~~بعيدا عن أي بيانو لما اكترث ما دام يشرب الكحوليات أو أتيحت له فرصة ~~النميمة، ولم يتمكن أحد من إبعاده عن أي من هذين الشيئين بعد. # كانت النميمة أفضل ما يفعله، وكان دائما يعرف شيئا جديدا مشينا ~~للغاية عن أي شخص يمكن أن تذكره في مدريد وبلنسية وبرشلونة وغيرها من ~~المراكز السياسية. # ثم بدأ الغناء ثانية، ولا يمكن لك أن تمارس النميمة ممارسة جيدة بصوت ~~عال، ولذلك بدا ذلك الأصيل في «تشيكوتي» مملا وقررت أن أرحل حالما أحصل ~~على شراب لنفسي. # وعند ذلك بدأ الأمر. دخل البار رجل مدني في حلة بنية اللون وقميص ~~أبيض وربطة عنق سوداء، شعره ممشط إلى الخلف مبينا جبهة عريضة، وأخذ ~~يتنقل من مائدة إلى أخرى يهرج مع الحاضرين، وأطلق وابلا من الماء على ~~نادل من رشاشة ماء يحملها معه. وضحك الجميع ما عدا النادل الذي كان يحمل ~~وقتها صينية مليئة بأقداح الشراب. كان حانقا. # قال النادل: # No Hay ms019 Derecho ~~. ومعناها: ~~ليس لك حق أن تفعل هذا، وهي أبسط وأقوى عبارة احتجاج في إسبانيا. أما رجل ~~رشاشة الماء مبتهجا بالنجاح الذي حققه، ولا يبدو عليه أي اعتبار لواقع أن ~~البلد في سنتها الثانية من الحرب، وأنه في مدينة مفروض عليها الحصار حيث كل ~~شخص فيها يشعر بالتوتر ، وأنه كان واحدا فقط من أربعة أشخاص بالملابس ~~المدنية في المحل، فقد أطلق وابلا آخر من الماء على نادل آخر. # ونظرت حولي عبثا عن مكان أحتمي به. وكان النادل الثاني ساخطا أيضا، ~~وبخ رجل رشاشة الماء عليه مرتين بعد ذلك في خفة ومرح. كان بعض الحاضرين ~~يعتقدون أن الأمر باعث على الضحك، بمن فيهم الفتاة القوية. ولكن النادل وقف ~~وهو يهز رأسه. كانت شفتاه ترتعشان. كان رجلا هرما عمل في تشيكوتي لمدة ~~عشرة أعوام حسب معلوماتي. # قال في وقار: # No Hay Derecho ~~. وفي تلك ~~المرة لم يكن الأمر احتجاجا. كان اتهاما. ورأيت ثلاثة رجال في بزتهم ~~العسكرية ينهضون من مائدتهم متجهين نحو رجل الرشاشة المائية، وبعدها كان ~~الأربعة يخرجون من الباب الدوار بسرعة، وسمع صوت لكمة حين ضرب أحدهم ~~رجل الرشاشة على فمه. والتقط آخر الرشاشة المائية ورماها له خارج ~~الباب. # وعاد الرجال الثلاثة تبدو عليهم علائم الجد والصرامة وأنهم قاموا ~~بواجبهم. ثم دار الباب ودخل رجل الرشاشة المائية. كان شعره مسدلا فوق ~~عينيه، وتغطي وجهه دماء، وربطة عنقه ملتوية، وقميصه ممزق. كان يحمل رشاشة ~~الماء ثانية، وحين اندفع إلى القاعة جاحظ العينين ممتقع الوجه، أطلق رشة ~~من الماء متحدية عامة بلا هدف، موجها رشاشته تجاه كل من في ~~القاعة. # ورأيت واحدا من الرجال الثلاثة ينهض متجها نحوه، ورأيت وجه ذلك الرجل. ~~كان معه عدد أكبر من الرجال الآن، وحشروا رجل رشاشة الماء بين مائدتين في ~~نهاية القاعة إلى اليسار حين تدلف إلى المحل، بينما رجل الرشاشة المائية ~~يجاهدهم الآن بقوة، وحين انطلقت الرصاصة أمسكت بذراع الفتاة القوية ~~وجذبتها نحو باب المطبخ. # وكان باب المطبخ مغلقا، وحين حاولت فتحه بكتفي لم يستجب. ms020 # قلت: «اختبئي هنا خلف زاوية البار.» وانحنت هناك. قلت وأنا أدفعها إلى ~~أسفل: «ارقدي.» كانت ثائرة. # كان كل رجل في القاعة قد أخرج مسدسه ما عدا الألماني - الذي كمن خلف ~~المائدة - والولد الذي يشبه تلاميذ المدارس العمومية، والذي وقف في ركن إلى ~~جوار الحائط؛ وكانت ثلاث فتيات ذوات شعر شديد الصفرة بينما هو أسود عند ~~جذوره، يقفن على أطراف أصابعهن فوق منصة خشبية على طول الحائط كيما ~~يشاهدن ما يحدث وهن يصرخن باستمرار. # قالت الفتاة القوية: إني غير خائفة. هذا سخف. # قلت: إنك لا تحبين أن تصابي بطلقة رصاص في شجار بالمقهى. لو أن لهذا ~~الرجل ذي رشاشة الماء أصدقاء هنا فستصبح العاقبة وخيمة. # ولكن كان من الواضح أنه لم يكن له أصدقاء؛ لأن الناس بدأت تعيد مسدساتها ~~إلى مكانها. وعمل أحدهم على إسكات الصارخات الشقراوات، وابتعد كل شخص كان ~~قد دنا من رجل رشاشة الماء عنه إذ هو مسجى بهدوء على ظهره فوق ~~الأرض. # وصاح أحدهم من عند الباب: لا أحد يغادر المكان حتى تحضر الشرطة. # وكان رجلان من الشرطة يحملان البنادق قد حضرا من دورية الطريق ووقفا عند ~~الباب. وعند ذلك الإعلان رأيت ستة رجال يصطفون كأنهم أعضاء فريق الفوتبول ~~وهم يدلفون إلى الملعب، وخرجوا من الباب. كان ثلاثة منهم هم الذين ألقوا رجل ~~رشاشة الماء إلى الخارج. وكان واحد آخر هو من أطلق عليه الرصاص. ساروا ~~خارجا عبر رجلي الشرطة ذوي البنادق كأنهم لاعبون يمررون الكرة فيما بينهم. ~~وبعد أن خرجوا، وضع واحد من رجلي الشرطة بندقيته عبر الباب وصاح: لا أحد ~~يمكنه الخروج. لا أحد على الإطلاق. ~~- ولماذا خرج أولئك الرجال؟ لماذا تبقوننا ما دام البعض قد خرج؟! ~~- إنهم فنيو محركات الطائرات وعليهم العودة إلى المطار الحربي. ~~- ولكن إذا خرج أي شخص فمن الحماقة الإبقاء على الآخرين. ~~- يجب على الجميع انتظار فريق الأمن. يجب اتباع القانون والنظام. ~~- ولكن، ألا ترى أنه إذا غادر أي شخص المكان فمن الحماقة إبقاء ~~الآخرين؟ ~~- لا يمكن لأحد المغادرة. على الجميع ms021 أن ينتظروا. # قلت للفتاة القوية: إنه أمر مضحك. ~~- كلا. إنه أمر مريع. # كنا وقوفا الآن وكانت تتطلع بسخط حيث كان رجل رشاشة الماء راقدا. كانت ~~ذراعاه مبسوطتين على آخرهما وإحدى ساقيه مثنية. ~~- سأذهب لأساعد هذا الرجل المسكين الجريح. لماذا لم يساعده أحد أو يفعل ~~شيئا من أجله؟ # قلت: دعيه. الأفضل ألا تتدخلي في ذلك الأمر. ~~- ولكن هذا غير إنساني. لقد تدربت على عمل الممرضات وسوف أقدم له ~~المساعدة. # قلت: دعيه. لا تقتربي منه. ~~- لماذا؟ # كانت شديدة الاضطراب وفي حالة تقترب من الهستيريا. # قلت: لأنه ميت. # وحين جاءت الشرطة احتجزت كل شخص هناك لمدة ثلاث ساعات. وبدأت بأن ~~اشتمت فوهات كل المسدسات، فبهذه الطريقة يمكن أن يعثروا على المسدس الذي تم ~~إطلاقه حديثا. وبعد ما يقرب من أربعين مسدسا، يبدو أنهم ضجروا من العملية، ~~وعلى كل حال كان كل ما يمكن أن يشموه هو رائحة المعاطف الجلدية المبللة. ~~ثم جلسوا إلى مائدة خلف المرحوم حامل رشاشة الماء مباشرة، وهو يرقد على ~~الأرض كأنه رسم كاريكاتوري من الشمع الرمادي، بيدين شمعيتين ووجه شمعي ~~رمادي، وجعلوا يفحصون أوراق الحاضرين. # ومع تمزق قميص رجل رشاشة الماء يمكنك أن ترى أنه لا يرتدي فانلة ~~داخلية، وكان حذاؤه متهرئا. كان يبدو ضئيل الحجم مثيرا للشفقة؛ إذ هو ~~ممدد على الأرض. ويجب عليك أن تخطو فوقه كي تذهب إلى المائدة التي جلس إليها ~~اثنان من الشرطة في ملابس مدنية يفحصان أوراق هوية كل شخص. وفقد الزوج ~~أوراقه وعثر عليها مرات عديدة من فرط عصبيته. كان لديه تصريح مرور، ولكنه ~~نسي في أي جيب وضعه، واستمر يبحث عنه وهو ينضح عرقا إلى أن عثر عليه. ثم ~~وضعه في جيب آخر وطفق يبحث عنه مرة أخرى.\ وكان ينضح بالعرق الغزير وهو ~~يقوم بذلك؛ مما جعل شعره يتجعد ووجهه يحمر. وكان يبدو الآن كما لو كان ~~يجب أن يرتدي، لا ربطة عنق مدرسية قديمة فحسب، بل وأيضا إحدى تلك القبعات ~~الصغيرة التي يرتديها صبية المدارس في إنجلترا. أنت قد سمعت ms022 كيف تزيد ~~الأحداث الناس هرما. حسنا لقد جعله إطلاق النار هذا يبدو أصغر من سنه ~~بعشر سنوات. # وبينما كنا ننتظر، قلت للفتاة القوية إنني أعتقد أن الأمر كله يصلح أن ~~يكون قصة جيدة وإنني سوف أكتبها يوما ما، فالطريقة التي انتظم بها الرجال ~~الستة في صف واحد وخرجوا سريعا من ذلك الباب شيء رائع. وصدمها ما قلت، ~~فأجابت بأنه لا يمكنني أن أكتب القصة؛ لأنها ستكون ضارة بقضية الجمهورية ~~الإسبانية. فقلت إنني قضيت وقتا طويلا في إسبانيا، وإنهم كانوا يقومون ~~بالكثير من إطلاق النار قديما فيما حول مدينة بلنسية أيام حكم الملكية، وإنه ~~قبل الجمهورية بمئات السنين كان الناس يقطعون أجساد بعضهم البعض بسكاكين ~~كبيرة تدعى «نافاخاس» في إقليم الأندلس، وإنني إذا شاهدت إطلاق نار ~~فكاهيا في بار تشيكوتي خلال الحرب فبوسعي أن أكتب عنه كما لو أنه حدث في ~~نيويورك أو شيكاغو أو كي وست أو مرسيليا، فهو لا علاقة له بالسياسة على ~~الإطلاق. قالت إنه يجب علي ألا أفعل ذلك. وربما يقول كثير من الناس الآخرين ~~مثل قولها أيضا. ومع ذلك، كان الألماني يعتقد فيما يبدو أنها قصة جيدة، ~~وأعطيته آخر سيجارة من نوع «الجمل» كانت معي. حسنا، فعلى كل حال، أخيرا ~~وبعد حوالي ثلاث ساعات قالت الشرطة إن بوسعنا الخروج. # وقد شعروا بالقلق من أجلي في فندق فلوريدا؛ لأنه في تلك الأيام، مع ~~الغارات، إذا توجهت عائدا إلى بيتك على قدميك ولم تصل بعد موعد إغلاق ~~الحانات في السابعة والنصف مساء يشعر الناس بالقلق. وكنت فرحا بالعودة، ~~وحكيت القصة ونحن نطهو طعام العشاء على موقد كهربائي، ولاقت نجاحا ~~كبيرا. # حسنا. كان المطر قد توقف بالليل، وجاء الغد يوم شتاء مبكر، باردا ~~وساطعا وجميلا؛ وفي الساعة الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة دفعت الباب ~~الدوار في تشيكوتي من أجل قليل من «الجين» بالمياه المعدنية قبل الغداء. ~~كان هناك عدد قليل جدا من الناس في تلك الساعة، وجاء لمائدتي نادلان ومدير ~~المحل. كانوا جميعا يبتسمون. # سألت: هل قبضوا على القاتل؟ ms023 # قال المدير: لا تلقي نكاتا في هذا الوقت المبكر. هل رأيته ~~يقتل؟ # قلت له: أجل. # قال: «وأنا أيضا، كنت هناك حين حدث ذلك.» وأشار إلى مائدة في أحد ~~الأركان .. «لقد وضع المسدس على صدر الرجل مباشرة حين أطلق النار.» ~~- إلى متى احتجزوا الناس هنا؟ ~~- أوه. بعد الثانية من هذا الصباح. # قال نادل: «لم يجيئوا من أجل «اللحم».» مستخدما الكلمة الإسبانية ~~العامية التي تعني الجثة، وهي نفس الكلمة المكتوبة في قائمة الطعام لتشير إلى ~~شرائح اللحم البارد .. «إلا في الحادية عشرة هذا الصباح فحسب.» # قال المدير: ولكنك لم تعرف الأمر بعد. # قال نادل: كلا، إنه لا يعرف. # قال النادل الآخر: إنه شيء غريب للغاية. # قال المدير: ومحزن أيضا. وهز رأسه. # قال النادل: أجل. محزن وغريب. محزن جدا. ~~- أخبرني. # قال المدير: إنه شيء غريب جدا. ~~- أخبرني. هيا، أخبرني. # وانحنى المدير فوق المائدة في حذر شديد. # قال: أتعرف .. كان يضع في رشاشته ماء الكولونيا. يا للرجل ~~المسكين. # قال النادل: لم يكن الأمر مزحة خالية من الذوق، أترى؟ # قال المدير: كان الأمر في الواقع مجرد إشاعة المرح. لم يكن لأحد أن يشعر ~~بالغضب. يا للرجل المسكين. # قلت: فهمت. كان يريد تسلية الجميع فحسب. # قال المدير: أجل. كان الأمر في الواقع مجرد سوء تفاهم مؤسف. ~~- وماذا عن رشاشة الماء؟ # أخذتها الشرطة. لقد أرسلوها إلى أسرته. # قلت: أتصور أنهم سيسرون بالحصول عليها. # قال المدير: أجل. بالطبع. فرشاشة الماء نافعة دائما. ~~- ومن كان هو؟ ~~- صانع خزانات خشبية. ~~- متزوج؟ ~~- أجل، كانت زوجته هنا مع الشرطة هذا الصباح. ~~- وماذا قالت؟ ~~- ارتمت إلى جواره وصاحت: بدرو. ماذا فعلوا بك يا بدرو؟ من فعل بك هذا يا بدرو؟ أوه، بدرو. # وقال النادل: ثم اضطرت الشرطة إلى إبعادها؛ لأنها لم تستطع السيطرة ~~على نفسها. # قال المدير: يبدو أنه كان يعاني مرضا في صدره. لقد حارب في الأيام ~~الأولى للحركة. قالوا إنه قد حارب في الجبال، ولكنه كان من ضعف الصدر بحيث ~~إنه لم يتمكن من الاستمرار. # وقلت مرجحا: وفي أصيل أمس توجه ms024 إلى وسط المدينة كي يشيع المرح في ~~النفوس. # قال المدير: كلا. أترى، إنه لأمر شديد الغرابة. كل شيء غريب جدا. ~~علمت هذا من الشرطة التي تتميز بكفاءة عالية إذا أتيح لها الوقت المناسب. ~~لقد استجوبوا رفاقه في المحل الذي يعمل به. وقد عرفوا المحل من بطاقة عضويته ~~النقابية التي كانت في جيبه. وقد اشترى رشاشة الماء ومياه الكولونيا بالأمس ~~لاستخدامهما كمزحة يقوم بها في أحد الأفراح. وقد أعلن عن نيته تلك. واشتراهما ~~من محل عبر الشارع. هناك بطاقة على زجاجة الكولونيا بها العنوان. كانت ~~الزجاجة في دورة مياه البار. وهناك كان يملأ الرشاشة بماء الكولونيا. ولا بد ~~أنه قد دخل هنا عندما بدأ المطر يهطل. # قال نادل: إني أتذكره حين دخل. ~~- وفي هذا الجو المرح، ومع الغناء، انتابه المرح هو أيضا. # قلت: كان مرحا زيادة عن اللزوم. كان كأنما يطفو في المكان. # وتمسك المدير بالمنطق الإسباني الذي لا يلين. # قال: إن ذلك هو المرح الذي ينتج عن الشراب مع ضعف الصدر. # قلت: إني لا أحب هذه الحكاية على الإطلاق. # قال المدير: اسمع. إنها شديدة الغرابة. إن مرحه قد اصطدم بجدية الحرب ~~مثل الفراشة. # قلت: أوه، تماما مثل فراشة. مثل فراشة. # قال المدير: إني لا أمزح. أترى؟ مثل فراشة تلتقي بدبابة. # وقد أفعمه ذلك بالسرور. كان يخطو داخل الميتافيزيقا الإسبانية ~~الحقيقية. # قال: خذ شرابا على حساب المحل. يجب عليك أن تكتب قصة عن ذلك. # وتذكرت رجل رشاشة الماء بيديه الشمعيتين الرماديتين ووجهه الشمعي ~~الرمادي، وذراعاه مبسوطتان على اتساعهما وساقه مثنية وكان يبدو أشبه بالفراشة ~~شيئا ما. ليس كثيرا. بيد أنه لم يكن يبدو إنسانا أيضا. كان يذكرني ~~أكثر بعصفور ميت. # قلت: سآخذ كوبا من الجين مع مياه الصودا شويبس. # قال المدير: يجب أن تكتب قصة عن هذا الموضوع. هاك، هاك الفرصة. # قلت: الفرصة. انظر. قالت لي فتاة إنجليزية ليلة أمس: إنني يجب ألا أكتب ~~عنه. وهو سيكون شيئا سيئا جدا للقضية. # قال المدير: يا للهراء. إنه شيء مشوق ومهم، المرح الذي ms025 أسيء فهمه حين ~~يتقابل مع الجدية المميتة الموجودة هنا دائما. في رأيي أنه من أغرب الأشياء ~~التي رأيتها من زمن وأكثرها تشويقا. يجب أن تكتبه. # قلت: وهو كذلك. بالتأكيد. أعنده أولاد؟ # قال: كلا. سألت الشرطة، ولكن يجب أن تكتبه وأن تسميه الفراشة ~~والدبابة. # قلت: وهو كذلك بالتأكيد. ولكني لا أحب العنوان كثيرا. # قال المدير: العنوان جميل. إنه أدب صرف. # قلت: وهو كذلك. بالتأكيد. سأسميه كذلك. الفراشة والدبابة. # وجلست هناك في ذلك الصباح المشرق البهيج، والمكان يعبق بالنظافة والهواء ~~المتجدد والكنس، والمدير الذي كان صديقا قديما لي ويغمره السرور الآن ~~بالأدب الذي نصنعه سويا. وأخذت جرعة من الجين وماء الصودا، ونظرت عبر ~~النافذة تحيط بها أكياس الرمل. ومرت بخاطري صورة الزوجة راكعة هناك تقول: ~~بدرو .. بدرو .. من فعل ذلك بك يا بدرو؟ ومر بخاطري أن الشرطة لن يمكنها ~~أبدا أن تخبرها حتى لو كان لديها اسم الرجل الذي ضغط على الزناد. # | قطة تحت المطر # لم يكن في الفندق من أمريكي سوى رجل وزوجته، ولم يكونا يعرفان أي شخص ~~يصادفانه على السلالم في طريقهما من الحجرة وإليها. كانت حجرتهما في الطابق ~~الثاني وتطل على البحر ... وكانت تطل أيضا على الحديقة العامة وعلى ~~النصب التذكاري المقام لذكرى الحرب. كانت الحديقة العامة تغص بالنخيلات ~~الضخام وبالمقاعد الخضراء. وحين يكون الجو صافيا، كان يفد إليها باستمرار ~~أحد الفنانين حاملا معه لوحة الرسم. وكان الفنانون يحبون طريقة نمو النخيل، ~~والألوان الناصعة للفندق المواجه للحدائق وللبحر. وكان الإيطاليون يفدون من ~~أقصى البقاع لمشاهدة النصب التذكاري، وكان مصنوعا من البرونز ويلتمع حين ~~تهطل عليه الأمطار. أخذت السماء تمطر، وطفق ماؤها يقطر من على أفنان النخيل، ~~وتكونت بحيرات صغيرة من الماء على الممرات المغطاة بالحصباء. وتدفقت ~~موجات البحر في خيط طويل تحت الأمطار، ثم انحسرت ثانية على الشاطئ لتعود ~~مرة أخرى متدفقة في خيط طويل تحت الأمطار. وانقضت السيارات من حول النصب ~~التذكاري في الميدان. وعبر الميدان، وقف نادل في ممر المقهى، يتطلع أمامه ~~إلى الميدان المقفر. # ووقفت الزوجة ms026 الأمريكية تتطلع إلى الخارج من النافذة. وهناك، وتحت ~~نافذتها تماما، كانت ثمة قطة تقعي تحت مائدة خضراء تقطر بمياه المطر. ~~وكانت القطة تحاول أن تلملم نفسها حتى لا يصيبها رذاذ الماء. # قالت المرأة الأمريكية: سأهبط إلى أسفل لأحضر هذه القطيطة. # فتطوع زوجها قائلا وهو يرقد على الفراش: سأقوم أنا بهذه ~~المهمة . ~~- كلا. سأحضرها أنا بنفسي، تلك القطيطة المسكينة في الخارج تحاول أن ~~تتقي الأمطار تحت المائدة. # وواصل الزوج قراءته وهو راقد يرتكز على زوج من الحشايا في نهاية ~~الفراش. قال: حاذري أن يصيبك البلل. # وهبطت الزوجة إلى الطابق السفلي، ووقف صاحب الفندق وانحنى لها حين مرت ~~أمام غرفته. كان مكتبه في الطرف الأقصى من الغرفة. كان رجلا مسنا بالغ ~~الطول. # قالت الزوجة بالإيطالية: إن المطر يهطل. # وكانت معجبة بصاحب الفندق. ~~- أجل، أجل يا سنيورا. إن الجو سيئ للغاية. # ووقف خلف مكتبه في الطرف الأقصى من الغرفة المعتمة. كانت الزوجة معجبة ~~به. معجبة بالطريقة الصارمة الجادة التي يتلقى بها أي شكوى من النزلاء، ~~معجبة بهيبته، معجبة بطريقة خدمته لها، معجبة بالطريقة التي كان يشعر بها ~~بمكانته كصاحب الفندق، معجبة بوجهه العجوز الثقيل ويديه الكبيرتين. # وفتحت الباب وهي ممتلئة إعجابا به ونظرت إلى الخارج. كان المطر يهطل ~~بشدة. وكان ثمة رجل يرتدي قبعة من المطاط يعبر الميدان المقفر متجها إلى ~~المقهى. لا بد أن القطة في الناحية اليمنى. وربما تستطيع أن تتجه إليها ~~محتمية بأفاريز السطح. وإذ كانت تقف في المدخل أحست بمظلة تنفتح إلى ~~جوارها. كانت خادمة غرفتها. وقالت لها بالإيطالية وهي تبتسم: «يجب ألا ~~تبلك مياه الأمطار.» لا بد أن صاحب الفندق قد بعث بها خلفها. وسارت على ~~طول الممر المغطى بالحصباء والخادمة تمسك بالمظلة فوقها حتى وصلت إلى أسفل ~~نافذة غرفتها. وعثرت هناك على المائدة، يلتمع سطحها الأخضر مغسولا بمياه ~~الأمطار، ولكن القطة لم تكن موجودة تحتها. وغمرتها فجأة موجة من خيبة ~~الأمل. وتطلعت إليها الخادمة، وقالت بالإيطالية: هل ضاع منك شيء يا ~~سنيورا؟ # فقالت الزوجة الأمريكية: لقد كانت ms027 هنا قطة. ~~- قطة؟ # فقالت بالإيطالية: أجل، القطة. # فضحكت الخادمة وقالت: قطة، قطة تحت المطر؟ ~~- أجل، تحت المائدة. أوه، لقد أردت أن أحصل عليها. أردت أن أحصل على ~~قطيطة. # واربد وجه الخادمة حين كانت الزوجة تتحدث بالإنجليزية، وقالت: هيا يا سنيورا، ~~لا بد أن نعود إلى الداخل. سوف تصيبك مياه الأمطار. # فقالت الزوجة الأمريكية: أظن ذلك. # وعادا مرة أخرى عبر الممر المغطى بالحصباء ودخلا من الباب، وبقيت ~~الخادمة في الخارج لتغلق المظلة. وحين مرت الزوجة الأمريكية بغرفة صاحب ~~الفندق انحنى لها الرجل من وراء مكتبه وأحست الزوجة بشيء ضئيل ومحكم ~~في داخلها. لقد جعلها صاحب الفندق تشعر بشدة ضآلتها وأهميتها الحقيقية في ذات ~~الوقت. وشعرت شعورا وقتيا بأهميتها القصوى. وصعدت السلالم، وفتحت باب ~~الغرفة. وكان زوجها «جورج» راقدا على الفراش .. يقرأ. # وسألها وهو يضع الكتاب جانبا: هل حصلت على القطة؟ ~~- لقد اختفت؟ # فقال وهو يرفع عينيه من القراءة: إني لأعجب أين ذهبت! # وجلست هي على الفراش إلى جواره. # قالت: لقد كنت أرغب جدا فيها. لا أعرف لماذا أريدها بهذه الطريقة؟ لقد ~~أردت تلك القطيطة المسكينة. لم يكن مناسبا ترك مثل هذه القطيطة المسكينة ~~هناك تحت المطر. # وواصل «جورج» قراءته. # وسارت الزوجة عبر الغرفة وجلست أمام التسريحة تتطلع إلى نفسها في مرآة ~~اليد. ودرست صورة وجهها الجانبي، الجانب الأيمن أولا ثم الجانب الأيسر. ثم ~~درست خلفية رأسها ثم عنقها. # قالت وهي تنظر مرة أخرى إلى جانب وجهها: ألا تظن أنه من الأفضل أن أطيل ~~شعري قليلا؟ # ونظر «جورج» إليها ورأى عنقها من الخلف وقد بدا واضحا كأنه عنق صبي: ~~إني أحبه هكذا. # فقالت: لقد مللت ذلك. مللت أن أبدو وكأنني صبي صغير. # واعتدل «جورج» في رقدته على الفراش، ولم يكن قد أزاح عنها بصره منذ أن ~~بدأت تتحدث. وقال: إنك تبدين لطيفة جميلة رائعة. # ووضعت المرآة على التسريحة وسارت إلى النافذة ونظرت منها. كان الظلام ~~قد بدأ ينسدل. # قالت: أريد أن أسدل شعري على ظهري مسترسلا ناعما، وأجعل منه ضفيرة ~~كبيرة أستطيع ms028 أن أتحسسها، وأريد أن يكون لي قطيطة أجلسها على حجري وتهر ~~حين أربت على ظهرها. # فقال «جورج» من على الفراش: ماذا؟ ~~- وأريد أن آكل على مائدة بملاعقي الفضية الخاصة وأريد شموعا على ~~المائدة. وأريد أن نكون في فصل الربيع، وأريد أن أنسق شعري أمام مرآة، وأريد ~~قطيطة وأريد بعض الملابس الجديدة . # فقال «جورج» وهو يعاود القراءة: أوه، اصمتي وخذي شيئا فاقرئيه. # وكانت زوجته تتطلع من النافذة. وكان الظلام قد لف الآن كل شيء وما ~~زال المطر يتساقط فوق النخيل. # قالت: على كل حال، أريد قطة. أريد قطة. أريد قطة الآن. فإذا لم يكن ~~باستطاعتي أن أطيل شعري أو أن أحصل على أي متعة أخرى، فباستطاعتي الحصول ~~على قطة. # ولم يكن «جورج» ينصت إليها. كان يقرأ في كتابه. وتطلعت زوجته خارج ~~النافذة حيث بدأ الضوء يسطع على الميدان. # ودق أحدهم على الباب. # قال «جورج»: ادخل! ورفع عينيه من الكتاب. # وعلى عتبة الغرفة كانت الخادمة تقف ممسكة بقطة كبيرة مصنوعة من ~~البلاستيك وهي تضمها إليها في إحكام وتحملها على صدرها. # وقالت: عفوا يا سيدي، لقد طلب مني صاحب الفندق أن أحضر هذه القطة ~~للسنيورا. # | التحول # قال الرجل: حسنا. وماذا نفعل الآن؟ # قالت الفتاة: كلا. لا أستطيع. ~~- تريدين أن تقولي إنك لا ترغبين؟ # قالت: لا أستطيع. لا أريد أن أقول شيئا آخر. ~~- بلى. تريدين أن تقولي إنك لا ترغبين. # قالت الفتاة: كما تحب. ~~- إن ذلك ليس هو ما أحب. كم أود أن أكون قد فعلت ما أحب. # قالت الفتاة: لقد فعلت ما تحب لفترة طويلة. # كان الوقت مبكرا، ولم يكن في المقهى إلا البارمان وهذان الاثنان يجلسان ~~معا إلى مائدة في الركن. كان الصيف في نهايته وكان كلاهما قد لوحته الشمس ~~فكان مظهرهما مختلفا عن أهل باريس. وارتدت الفتاة حلة من التويد، وبدا ~~جلدها ذا سمرة ذهبية ناعمة، وشعرها الأشقر قصيرا ينبت في جمال بعيدا عن ~~جبهتها. ونظر الرجل إليها. # قال: سوف أقتلها. # قالت الفتاة: أرجو ألا تفعل. # كانت يداها رقيقتين جدا وتطلع ms029 الرجل إليهما. كانتا نحيلتين سمراوين ~~غاية في الجمال. ~~- سأفعل. أقسم بالله أن أفعل ذلك. ~~- لن يجعلك ذلك سعيدا. ~~- ألم يكن بوسعك أن تفعلي شيئا آخر؟ ألم يكن بوسعك الوقوع في مشكلة ~~مختلفة؟ # قالت الفتاة: لا أعتقد ذلك فيما يبدو. ماذا ستفعل بشأن هذا الأمر؟ ~~- لقد قلت لك. ~~- لا. أقصد عن جد . # قال: لا أعرف. # ونظرت إليه ومدت يدها نحوه. قالت «فيل»، # 1 # أيها العزيز المسكين. # ونظر إلى يديها ولكنه لم يلمس يدها بيده. # قال: كلا، شكرا. ~~- هل يجدي أن أقول لك إني آسفة؟ ~~- كلا. ~~- ولا إذا شرحت لك كيف حدث الأمر؟ ~~- أفضل ألا أعرف. ~~- إني أحبك جدا. ~~- أجل. وهذا هو ما يبرهن على ذلك. # قالت: إني آسفة .. آسفة إذا كنت لا تتفهم الأمر. ~~- أنا فاهم. وهذه هي المشكلة. أنا فاهم. # قالت: أنت فاهم. إن ذلك يجعل الأمر أكثر سوءا بالطبع. # قال: بالتأكيد. إني سأفهم طوال الوقت. كل يوم وكل ليلة. خصوصا كل ليلة. ~~لا تشكي في ذلك. # قالت: إني آسفة. ~~- لو أنه كان رجلا ... ~~- لا تقل هذا. لن يكون رجلا. أنت تعرف ذلك. ألا تثق في؟ # قال: هذا غريب. أثق فيك؟ هذا غريب حقا. # قالت: إني آسفة. هذا كل ما أقوله فيما يبدو، ولكن حين يفهم الواحد منا ~~الآخر فلا فائدة من التظاهر بخلاف ذلك. # قال: كلا. أعتقد ذلك. ~~- سوف أعود إذا أردت ذلك. ~~- لا. لا أريدك. # ومرت برهة لم يقولا فيها شيئا. # سألت الفتاة: أنت لا تصدق أني أحبك؟ # قال الرجل: دعينا من الهراء. ~~- ألا تصدق حقا أني أحبك؟ ~~- لماذا لا تبرهنين على ذلك؟ ~~- إنك لم تكن كذلك من قبل. إنك لم تطلب مني أبدا أن أبرهن على أي ~~شيء. إن هذا أمر غريب مهذب. ~~- إنك فتاة غريبة. ~~- أنت لست غريبا. إنك رجل رائع وإن قلبي يتألم أن أذهب وأتركك. ~~- عليك أن تذهبي، بالطبع. # قالت: أجل. إني مضطرة لذلك، وأنت تعرف هذا. # ولم يقل شيئا. ونظرت إليه ومدت يدها نحوه مرة ثانية. كان البارمان ~~يقف في الطرف الأقصى من ms030 البار. كان وجهه أبيض وكذلك سترته. كان يعرف الاثنين ~~ويعتقد أنهما زوج من الشباب الوسيم. وقد شاهد أكثر من رجل وامرأة من الشباب ~~الوسيم يفترقان، ثم يقيم كل منهما علاقة أخرى ثم يفترقان ثانية. أما ~~النادل فلم يكن يفكر في ذلك، بل كان يفكر في حصان. ففي خلال نصف ساعة سيكون ~~بوسعه أن يرسل أحد الأشخاص إلى الناحية الأخرى من الطريق كيما يرى إذا كان ~~الحصان الذي راهن عليه قد فاز في السباق. # سألت الفتاة: ألا يمكنك أن تكون طيبا وتدعني أذهب؟ ~~- وماذا تظنين أنني سأفعل؟ # ودخل شخصان من الباب وجلسا إلى البار. وتلقى البارمان طلبهما قائلا: ~~أجل يا سيدي. # وسألت الفتاة: ألا يمكنك أن تغفر لي إذا علمت كيف كان الأمر؟ ~~- كلا. ~~- ألا تعتقد أن ما فعلنا ومررنا به يمكن أن يغير أفكارك؟ # قال الشاب بمرارة: «الخطيئة وحش ذو سحنة مخيفة، ويجب على المرء أن ~~يراه كي يدرك حقيقته. وحينئذ ... لا أعرف ماذا ولا كيف ... نقبله بعدها. إني ~~عاجز عن إتمام المثل.» ولم يستطع أن يتذكر الاقتباس. # قالت: لا تقل خطيئة. إن ذلك ليس من الأدب في شيء. # قال: انحراف خلقي. # وقال أحد الزبونين للبارمان: جيمس. إنك تبدو في أحسن حال. # قال البارمان: وأنت أيضا تبدو في أحسن حال. # قال الزبون الآخر: عزيزي جيمس. لقد زاد وزنك يا جيمس. # قال البارمان: إن ذلك فظيع. زيادة وزني. # قال الزبون الأول: لا تنس أن تضيف البراندي. # قال البارمان: كلا يا سيدي. فلتثق بي. # ونظر الاثنان الجالسان إلى البار إلى الاثنين الجالسين إلى المائدة، ثم ~~نظرا مرة أخرى إلى البارمان. كانت جهة البارمان هي الجهة المريحة ~~لهما. # قالت الفتاة: أفضل ألا تستخدم كلمات كهذه. ليست هناك ضرورة لأن ~~تستخدم كلمة كهذه. ~~- ماذا تريدينني أن أسمي أمرا كهذا؟ ~~- لست مضطرا إلى تسميته. لست مضطرا إلى وصفه بأي اسم. ~~- إن هذا هو اسمه. # قالت: كلا. إننا مجبولون من أشياء كثيرة متنوعة. إنك قد عرفت ذلك. لقد ~~استفدت منه بما فيه الكفاية. ~~- لست مضطرة لأن ms031 تقولي ذلك ثانية. ~~- لأن ذلك يفسر لك الأمر. # قال: وهو كذلك. وهو كذلك. ~~- تعني أن الأمر ليس كذلك. أعرف. إنه ليس كذلك. ولكني سأعود. قلت لك إنني ~~سأعود. سوف أعود من فوري. ~~- كلا. لن تعودي. ~~- سأعود. ~~- كلا، لن تعودي. لن تعودي لي. ~~- سترى. # قال: أجل. إن هذا هو أسوأ شيء. فبإمكانك أن تعودي. ~~- بالطبع سوف أعود. ~~- اذهبي إذن. ~~- حقا؟ # لم تكن تصدقه، ولكن صوتها كان سعيدا. ~~- اذهبي. # بدا صوته غريبا في أذنيه. كان يتطلع إليها، إلى الطريقة الذي يتحرك بها ~~فمها وانحناءة عظام وجنتها، إلى عينيها، وإلى كيفية نمو شعرها على جبهتها ~~وإلى طرف أذنها وإلى عنقها. # قالت: كلا. أوه، إنك لطيف جدا. إنك شديد اللطف معي. ~~- وحين تعودين قولي لي كل شيء عن الأمر. # وبدا صوته غريبا جدا. لم يتعرف عليه. ونظرت إليه. كان ينتوي ~~شيئا. # سألت بجدية: أتريدني أن أذهب؟ # قال بجدية: أجل. على الفور. # كان صوته مختلفا، وكان فمه شديد الجفاف. # قال: الآن. # ووقفت وخرجت بسرعة، ولم تنظر خلفها إليه. وراقبها تذهب. ولم يعد يبدو ~~بمظهر الرجل الذي كانه قبل أن يخبرها أن تذهب. ونهض من المائدة، تناول ~~ورقتي الحساب وتوجه بهما إلى البار. # قال للبارمان: إنني رجل مختلف يا جيمس. إنك ترى أمامك رجلا مختلفا ~~تماما. # قال جيمس: ماذا يا سيدي؟ # قال الرجل الأسمر: الخطيئة شيء غريب جدا يا جيمس. # وتطلع عبر الباب. ورآها تسير في الطريق. وحين نظر إلى الزجاج، رأى أن ~~منظره قد تغير تماما بالفعل. وتحرك الرجلان اللذان عند البار كيما يفسحا ~~له مكانا. # قال جيمس: إنك على حق تماما في ذلك يا سيدي. # وتحرك الرجلان أكثر حتى يمكن للشاب أن يجلس براحته. وشاهد الشاب نفسه في ~~المرآة التي خلف البار. # قال: لقد قلت إني رجل مختلف يا جيمس. # وحين نظر إلى المرآة، رأى أن ذلك صحيح تماما. # قال جيمس: إنك تبدو في أحسن حال يا سيدي. لا بد أنك قضيت صيفا جميلا ~~جدا. # | المخيم الهندي # كان ثمة قارب آخر مربوطا إلى ضفة ms032 البحيرة. ووقف الهنديان ~~ينتظران. # ودلف «نك» ووالده إلى مؤخرة القارب، ودفعه الهنديان، وقفز أحدهما إليه كي ~~يجدف. وجلس العم «جورج» في مؤخرة قارب المخيم. ودفع الهندي الشاب قارب ~~المخيم وقفز إليه كي يجدف بالعم جورج. # وانطلق القاربان في الظلمة. وسمع «نك» ضربات مجداف القارب الآخر على ~~مسافة أمامهم في وسط الضباب. كان الهنديان يجدفان بضربات متقطعة سريعة. ~~واستلقى نك على ظهره وذراع والده تطوقه. كان الجو باردا فوق صفحة ~~المياه. وكان الهندي الذي يجدف بهما يبذل قصارى جهده، غير أن القارب الآخر ~~كان يبتعد عنهما رويدا رويدا إلى الأمام وسط الضباب. # تساءل «نك»: إلى أين أنت ذاهب يا أبي؟ ~~- إلى المخيم الهندي. هناك امرأة هندية اشتد بها المرض. # قال «نك»: آه. # وعبر الخليج، وجدوا القارب الآخر راسيا. وكان العم جورج يدخن سيجارا ~~في الظلمة. وجذب الهندي الشاب القارب فوق الشاطئ. وأعطى العم جورج كلا ~~الهنديين سيجارا. # وساروا مصعدين من الشاطئ خلال مرج بلله الندى، مقتفين أثر الهندي ~~الشاب الذي كان يحمل قنديلا. ثم دلفوا إلى الغاب، وساروا في ممر أفضى بهم ~~إلى طريق قطع الأشجار الذي يتشعب إلى التلال. وكان السير أيسر في طريق قطع ~~الأشجار؛ إذ إن الأخشاب كانت مقطوعة على جانبي الطريق. وتوقف الهندي ~~الشاب وأطفأ قنديله، ثم غذوا السير جميعا مرة ثانية. # وبلغوا منعطفا، وظهر أمامهم كلب ينبح. وتبدت لهم أنوار الأكواخ التي ~~يعيش فيها الهنود الذين يعملون في قطع لحاء الأشجار. واندفع نحوهم المزيد من ~~الكلاب، وهش بها الهنديان مرة أخرى نحو الأكواخ. وفي أقرب كوخ للطريق كان ~~ثمة نور يلتمع في النافذة. وكانت امرأة عجوز تقف عند مدخل الباب تحمل ~~مصباحا. # وفي الداخل، كانت هناك امرأة هندية شابة ترقد على سرير خشبي من ~~دورين. كانت تجاهد لولادة طفلها طوال يومين، وكانت جميع النسوة العجائز في ~~المعسكر يساعدنها. أما الرجال فقد ابتعدوا ناحية الطريق وجلسوا يدخنون في ~~الظلمة بعيدا عن الضوضاء التي يحدثها صراخ المرأة. وكانت تصرخ حين تبع ~~«نك» والهنديان الوالد والعم جورج إلى داخل ms033 الكوخ. كانت المرأة ترقد في اللوح ~~السفلي من السرير، ضخمة الجثة تحت اللحاف. # وكان رأسها مائلا نحو جهة واحدة. وكان زوجها يرقد على اللوح العلوي. ~~كان قد جرح قدمه جرحا بليغا بالبلطة منذ عدة أيام. وكان يدخن غليونا، ~~وعبقت الحجرة برائحة كريهة. # وأمر والد «نك» بإحضار بعض الماء ووضعه على الموقد. وبينما كان الماء ~~يسخن بادل «نك» الحديث. قال: هذه المرأة على وشك أن تلد. # قال نك: أعرف. # قال والده: إنك لا تعرف. استمع لي. إن ما تمر به الآن هو حالة الطلق. ~~إن الطفل يريد أن يولد وهي تريد له أن يولد. إن هذا هو ما يحدث حين ~~تصرخ. # قال نك: فهمت. # وحينئذ صرخت المرأة. # تساءل «نك»: آه يا أبي. ألا يمكنك أن تعطيها شيئا يجعلها تكف عن ~~الصراخ؟ # قال والده: كلا. ليس لدي أي مخدر. ولكن صرخاتها ليست بذات أهمية. إني ~~لا أسمعها، إنها ليست بذات أهمية. # واستدار الزوج في مرقده باللوح الأعلى تجاه الحائط. وأشارت المرأة ~~الموجودة بالمطبخ للطبيب بأن الماء قد سخن. وذهب والد «نك» إلى المطبخ وصب ~~حوالي نصف الماء من الغلاية الكبيرة إلى طست صغير. ووضع في الماء الباقي ~~بالغلاية عدة أشياء أخرجها من صرة معه. # قال: يجب ترك هذه الأشياء حتى تغلي. ثم طفق يحك يديه في طست الماء ~~الساخن بقطعة صابون أحضرها من المخيم. وراقب «نك» يدي والده تحكان بعضهما ~~بقطعة الصابون. وتكلم والده وهو يغسل يده بكل دقة وعناية: أتعرف يا نك ... ~~من المفروض أن يولد الأطفال ورأسهم في المقدمة. ولكن لا يحدث هذا أحيانا. ~~وحين يكون الأمر خلاف العادة، فإنهم يسببون المتاعب لكل شخص، ربما تعين ~~علي أن أجري عملية لهذه المرأة، سنعرف بعد هنيهة. # وحين رضي عن نظافة يديه، دلف إلى الداخل وتهيأ للعمل. # قال: اكشف هذا الغطاء يا جورج، أفضل ألا ألمسه بيدي. # وبعد ذلك، حين بدأ يجري العملية، أمسك العم جورج وثلاث رجال من الهنود ~~بالمرأة حتى لا تتحرك. وقد عضت العم جورج في ذراعه. وقال العم ms034 جورج: «عليك ~~اللعنة أيتها الكلبة!» وضحك الهندي الشاب الذي جدف قارب العم جورج لذلك ~~الحادث. وحمل «نك» الطست لوالده. واستغرق كل ذلك وقتا طويلا. # وجذب الوالد الطفل إلى أعلى ولطمه كيما يجعله يتنفس، ثم ناوله للمرأة ~~العجوز. # قال: انظر يا «نك»، إنه ولد. ما رأيك وأنت تعمل الآن مساعدا ~~للطبيب؟ # قال نك : حسن. وكان يشيح ببصره كيما لا يرى ما كان والده يقوم ~~به. # قال الوالد: «هكذا، هذا ينهي الأمر.» ووضع شيئا في الطست. # ولم ينظر «نك» إلى ذلك الشيء. # قال والده: الآن علي أن أخيط بضع غرزات. لك أن ترى هذا يا «نك» أو لا ~~تراه، حسبما تريد. سوف أخيط الجرح الذي فتحته. # ولم ينظر «نك». كان حب الاستطلاع قد فارقه منذ مدة طويلة. # وفرغ والده من عمله ونهض واقفا. ونهض العم جورج والهنود الثلاثة. وأخرج ~~«نك» الطست إلى المطبخ. وتطلع العم جورج إلى ذراعه، وابتسم الهندي الشاب ~~وهو يتذكر ما حدث. # وقال الطبيب: سوف أضع لك مطهرا على الجرح يا جورج. # انحنى فوق المرأة الهندية. كانت هادئة الآن، وقد انغلقت عيناها. كان ~~يبدو عليها الشحوب الشديد. ولم تكن تعرف ماذا حدث للطفل أو أي شيء. # قال الطبيب وهو ينهض: سوف أحضر مرة أخرى في الصباح. يجب أن تكون ممرضة ~~مستشفى «سان إجناس» هنا عند الظهيرة، وسوف تحضر معها كل ما نحتاج. # كان يشعر بالغبطة وبالرغبة في الكلام، كشعور لاعبي كرة القدم في غرفة ~~الملابس بعد المباراة. # قال: «هذا خبر جدير بالصحيفة الطبية يا جورج. طبيب يجري عملية قيصرية ~~بمطواة، ويخيط الجرح بخيوط أمعاء رفيعة طولها تسعة أقدام.» # وكان العم جورج يقف مستندا إلى الحائط وهو يتطلع إلى جرحه. قال: «أوه، ~~إنك رجل عظيم، وهو كذلك.» # قال الطبيب: يجب أن نلقي نظرة على الأب الفخور. إن الآباء عادة هم ~~أكثر من يعانون في مثل هذه الظروف. يجب أن أعترف بأنه قد تحمل كل شيء في ~~هدوء. # وكشفت الملاءة عن رأس الأب الهندي. وعادت إليه يده مبللة. وصعد على حافة ms035 ~~اللوح الأسفل من السرير وهو يحمل المصباح في إحدى يديه، ونظر أمامه. كان ~~الهندي يرقد ووجهه إلى الحائط. كان عنقه مقطوعا من الأذن للأذن. وسال الدم ~~منه مكونا بحيرة عند جسده الذي أغرق مضجعه. وكان رأسه مرتكزا على ذراعه ~~اليسرى. وكان موسى الحلاقة يرقد مفتوحا وسط الملاءة وحده إلى أعلى. # قال الطبيب : خذ «نك» خارج الكوخ يا جورج. # ولم تكن ثمة حاجة إلى ذلك. كان «نك»، وقد وقف عند باب الكوخ، يرى بوضوح ~~اللوح الأعلى من السرير حين أمال والده رأس الهندي جانبا والمصباح في ~~يده. # كان الصباح قد بدأ يطلع حين سار «نك» ووالده عائدين على طول طريق قطع ~~الأشجار في طريقهما إلى البحيرة. # قال والده وقد راح عنه كل ما انتابه من نشوة عقب نجاح العملية: «إنني جد ~~آسف لإحضارك معي يا «نك». لقد كان موقفا صعبا، لم يكن من الواجب أن أجعلك ~~تشهده.» # وتساءل «نك»: هل تمر النساء دائما بمثل هذه المحنة حين يلدن؟ ~~- كلا. لقد كانت هذه حالة استثنائية للغاية. ~~- ولماذا قتل الزوج نفسه يا أبي؟! ~~- لا أدري يا «نك». أظن أنه لم يتحمل هذا الموقف. ~~- هل يقتل كثير من الرجال أنفسهم يا أبي؟ ~~- ليس كثيرا جدا يا «نك». ~~- وماذا عن النساء؟ ~~- نادرا. ~~- ألا يقتلن أنفسهن أبدا؟ ~~- أوه، أجل. أحيانا. ~~- أبي؟ ~~- ماذا يا «نك»؟ ~~- أين ذهب العم جورج؟ ~~- إنه سيعود سليما معافى. ~~- هل الموت صعب يا أبي؟ ~~- كلا. أعتقد أنه سهل جدا يا «نك». إن الأمر يختلف باختلاف ~~الظروف. # وجلسا في القارب، «نك» في المؤخرة، ووالده يقوم بالتجديف. وكانت الشمس ~~تبزغ من وراء التلال. وقفزت سمكة فأحدثت دائرة في المياه. ومرر «نك» يده في ~~مياه البحيرة، وشعر بها دافئة في برودة الصباح الحادة. # وفي خضم الصباح الباكر فوق البحيرة، إذ نك جالس في مؤخرة القارب ووالده ~~يجدف به، شعر شعورا أكيدا بأنه لن يموت أبدا. # | الطبيب وزوجة الطبيب # جاء «ديك بولتون» من المعسكر الهندي كيما يقطع كتل الخشب لوالد «نك». ~~وأحضر معه ابنه «إدي» وهنديا آخر ms036 اسمه «بيلي تيبشو». جاءوا عبر البوابة ~~الخلفية من الغابة. كان «إدي» يحمل منشار القطع العريض، يهتز فوق كتفه ويصدر ~~صوتا موسيقيا حينما يسير. وحمل «بيلي تيبشو» خطافين معقوفين كبيرين. ~~وكان مع ديك ثلاث بلطات تحت ذراعه. # استدار وأغلق البوابة. وسار الآخران في المقدمة تجاه شاطئ البحيرة حيث ~~كانت كتل الخشب مطمورة في الرمال. # كانت كتل الخشب قد تسربت من الحاجز الكبير حيث تتجمع كتل الأخشاب ~~كلها إلى أن تجرها الباخرة «ماجيك» إلى الطاحونة. ولكن تلك الكتل تسربت ~~إلى الشاطئ، وإذا لم يحدث شيء سيحضر ملاحو الباخرة إن عاجلا أو آجلا في ~~قارب ويشاهدون الأخشاب المتسربة فيقومون بدفع سيخ حديدي ذي حلقة في نهاية ~~كل كتلة خشبية ويجرونها إلى البحيرة حيث يصنعون منها حاجزا جديدا. ولكن ~~المشرفين على الأخشاب قد لا يهتمون بها؛ لأن كتلا قليلة من الخشب لا تساوي ~~أجر البحارة الذين سيجمعونها. وإذا لم يحضر أحد لجمعها فهي تبقى حتى ~~تمتلئ بالماء وتتعفن على الشاطئ. # وكان والد «نك» يفترض أن هذا هو الذي يحدث، وقد استأجر الهنود كي يحضروا ~~من المعسكر ويقطعوا الكتل الخشبية بالمنشار العريض، ثم يشقوها بالوتد حتى ~~تصبح قطعا خشبية تصلح لمدفأة المنزل. وسار «ديك بولتون» عبر الكوخ إلى ~~البحيرة. كانت هناك أربع كتل ضخمة من خشب الزان. وعلق إدي المنشار من قبضته ~~في فرع شجرة. ووضع ديك البلطات الثلاث على المرسى الصغير. كان ديك مخلطا، ~~وكان كثير من المزارعين فيما حول البحيرة يعتقدون أنه رجل أبيض. كان كسولا ~~جدا، ولكنه يبدي همة في العمل حالما يبدأ. تناول حفنة من التبغ من جيبه، ~~وأخذ يمضغها، وتكلم بلغة «الأوجيبواي» الهندية إلى إدي وبيلي تيبشو. # وغرز أطراف الخطافين المعقوفين في إحدى الكتل الخشبية وحركاها كيما ~~يستخرجاها من الرمال. كانا يضعان بكل ثقلهما على قصبتي الخطافين. وتحركت ~~الكتلة الخشبية بين الرمال. واستدار ديك بولتون إلى والد «نك». # قال: حسنا يا دوك. لقد سرقت مجموعة جيدة من الأخشاب. # قال الطبيب: لا تكلمني بهذه الطريقة. إنها قطع جرفها التيار. # كان إدي ms037 وبيلي قد حركا كتلة الخشب من الرمال المبتلة ودحرجاها ناحية ~~الماء. # وصاح ديك بولتون: ضعاها جيدا في المياه. # وتساءل الطبيب: لماذا تفعل ذلك؟ # قال ديك: كيما أغسلها. أغسلها من الرمال من أجل المنشار. وأريد أن أعرف ~~من هو صاحبها. # وأصبحت كتلة الخشب في مياه البحيرة. وانحنى إدي وبيلي تيبشو على خطافيهما ~~وهما ينضحان عرقا. وركع ديك على الرمال وتطلع إلى علامة المطرقة في الخشب ~~في نهاية الكتلة. # قال وهو يقف وينفض الرمال من ركبة بنطاله: إنها تخص شركة «هوايت آند ~~ماكنللي». # وشعر الطبيب بالضيق. # قال باقتضاب: إذن يحسن بك ألا تقوم بنشرها. # قال ديك: لا تغضب يا دوك. لا تغضب. لا يهمني ممن تكون قد سرقتها. هذا لا ~~يعنيني. # قال الطبيب وقد احمر وجهه: إذا كنت تعتقد أن كتل الخشب مسروقة فاتركها ~~وخذ أدواتك وعد إلى المعسكر. # قال ديك: «لا تترك العمل في منتصفه.» وبصق مضغة تبغ فوق كتلة الخشب، ~~فانزلقت فوقعت متفسخة في المياه. «أنت تعرف مثلي تماما أنها ~~مسروقة.» ~~- حسنا. إذا كنت تظن أن الأخشاب مسروقة، خذ متاعك واغرب عن هنا. ~~- هيه يا دوك ... ~~- خذ متاعك واغرب عن هنا. ~~- اسمع يا دوك. ~~- إذا ناديتني ثانية باسم دوك فسوف أحطم أسنانك. ~~- أوه، كلا، إنك لن تفعل ذلك يا دوك. # وتطلع ديك بولتون إلى الطبيب. كان ديك رجلا ضخما. وكان يعرف أنه ضخم. ~~كان يحب الدخول في معارك. كان سعيدا. وانحنى إدي وبيلي تيبشو على خطافيهما ~~وتطلعا إلى الطبيب. ومضغ الطبيب طرف لحيته تحت شفته ونظر إلى ديك بولتون. ثم ~~استدار وسار فوق التل تجاه كوخه. كان بوسعهم أن يروا من منظر ظهره كيف هو ~~غاضب. وشاهده الجميع يصعد في التل ويدخل إلى الكوخ. # وقال ديك شيئا بلغة الأوجيبواي. وضحك إدي ولكن بيلي تيبشو بدا جادا ~~للغاية. لم يكن يعرف الإنجليزية ولكنه كان ينضح بالعرق طوال فترة الشجار. كان ~~سمينا ذا شارب قليل الشعر مثل الصينيين. والتقط الخطافين. وحمل ديك ~~البلطات وأنزل إدي المنشار من على فرع الشجرة. وانطلقوا سائرين ms038 عبر الكوخ ~~خارجين من البوابة الخلفية إلى الغابة. وترك ديك البوابة مفتوحة. وعاد بيلي ~~تيبشو وأغلقها ثم اختفوا داخل الغابة. # وفي الكوخ كان الطبيب جالسا على سريره في غرفته، ورأى كومة من المجلات ~~الطبية على الأرض بجوار المكتب. كانت ما تزال في أغلفتها لم يفضها أحد. ~~وضايقه ذلك. # وتساءلت زوجة الطبيب من الحجرة التي كانت ترقد فيها وقد أسدلت ستائرها: ~~ألن تعود إلى العمل يا عزيزي؟ ~~- كلا. ~~- أحدث شيء؟ ~~- تشاجرت مع ديك بولتون. # قالت الزوجة: أوه. أرجو ألا تكون قد فقدت أعصابك يا هنري. # قال الطبيب: كلا. # قالت الزوجة: «تذكر .. إن من يتحكم في أعصابه أعظم ممن يغزو بلدا.» ~~كانت من أتباع كنيسة السينتولوجي. وكان الكتاب المقدس، ونسختها من مجلة العلم ~~والصحة، ومجلة «كوارترلي» على المنضدة بجوار سريرها في الغرفة ~~المظلمة. # ولم يرد زوجها. كان يجلس على فراشه الآن، ينظف بندقية. وجذب خزان ~~البندقية المليء بالطلقات الصفراء الثقيلة وأخرجها. وتناثرت على ~~الفراش. # ونادت زوجته: هنري. وصمتت برهة .. هنري. # قال الطبيب: نعم. ~~- إنك لم تقل لبولتون شيئا يسبب غضبه. أفعلت ذلك؟ # قال الطبيب: كلا. ~~- لماذا تشاجرتما يا عزيزي؟ ~~- لا شيء. ~~- قل لي يا هنري. أرجو ألا تخفي عني شيئا. لماذا تشاجرتما؟ ~~- حسنا. إن ديك بولتون مدين لي بالكثير من المال لعلاجي زوجته من ~~الالتهاب الرئوي. وأظن أنه أراد افتعال شجار معي حتى لا يضطر إلى العمل ~~مقابل ما يدين لي به. # وصمتت زوجته. ومسح الطبيب بندقيته بعناية بخرقة من القماش. ووضع الطلقات ~~ثانية في خزان البندقية. وجلس والبندقية على ركبتيه. كان شغوفا جدا بها. ~~وسمع صوت زوجته آتيا من الغرفة المظلمة: عزيزي. إني لا أظن .. لا أظن أحدا ~~بقادر على أن يفعل شيئا كهذا. # قال الطبيب: لا تظنين؟ ~~- كلا. لا أستطيع أن أظن أن أي شخص بوسعه أن يفعل ذلك عن قصد. # ونهض الطبيب ووضع البندقية في ركن خلف دولاب الملابس. # قالت زوجته: هل ستخرج يا عزيزي؟ # قال الطبيب: أظن أنني سأذهب لأتمشى قليلا. # قالت زوجته: إذا رأيت «نك» يا عزيزي، ms039 هل لك أن تخبره أن والدته تريد أن ~~تراه. # وخرج الطبيب إلى شرفة المنزل. وانغلق الباب الأمامي وراءه بعنف. وسمع ~~زوجته تشهق حين انغلق الباب. # قال عبر نافذتها المغطاة بالستائر: آسف. # قالت: لا عليك يا عزيزي. # وسار في الجو الحار خارجا من البوابة على طول الممر إلى غابة أشجار ~~الشوكران. كان الجو رطيبا في الغابة حتى في هذا اليوم الحار. ووجد «نك» ~~جالسا مسندا ظهره إلى شجرة وهو يقرأ. # قال الطبيب: والدتك تريدك أن تذهب وتراها. # قال «نك»: أريد أن أذهب معك. # وتطلع والده إليه. # قال والده: حسنا. تعال إذن. أعطني الكتاب. سأضعه في جيبي. # قال «نك»: إني أعرف مكان السناجب السوداء يا أبي. # قال والده: حسنا. هيا بنا إلى هناك. # | حاضرة الدنيا # تزخر مدريد بفتيان يحملون اسم «باكو»، وهو تصغير اسم «فرانسيسكو». وثمة ~~مزحة إسبانية تحكي أن أبا نزل في مدريد ونشر إعلانا في الأعمدة الخاصة ~~بجريدة «الليبرال» يقول: «إلى باكو، قابلني في فندق مونتانا ظهر يوم ~~الثلاثاء. غفرت لك كل شيء.» وبعدها، تطلب الأمر استدعاء فرقة من قوات ~~الشرطة لتفريق الثمانمائة شاب الذين حضروا استجابة للإعلان. أما «باكو» بطل ~~قصتنا هذه، الذي يعمل ساقيا في خان «اللواركا»، فلم يكن له أب ليغفر له، ~~كما أنه لم يرتكب ما يغفره له الأب. له أختان تكبرانه سنا، تعمل كلتاهما ~~خادمة بالخان، وقد عثرتا على هذا العمل بفضل إحدى خادمات الخان السابقات ~~التي أتت من نفس بلدة الأختين، وأثبتت جدارتها وأمانتها فأكسبت بذلك ~~بلدتها وأهل بلدتها سمعة طيبة. وقد دفعت الأختان ثمن تذكرة السفر لشقيقهما ~~إلى مدريد، ومهدتا له سبيل العمل ساقيا تحت التمرين. كان «باكو» من قرية من ~~أعمال مقاطعة «إكستريمادورا»، تسودها أحوال معيشة بدائية للغاية، ومنها ~~ندرة الطعام، والجهل بوسائل الراحة الحديثة، وكان العمل فيها شاقا منذ ~~بدأ يعي ما حوله من أشياء. # كان فتى حسن البنية، ذا شعر فاحم السواد متموج إلى حد ما، وبشرة ~~تحسده عليها أختاه، وابتسامة دائمة صافية. كان نشيطا يؤدي عمله بمهارة، ~~ودودا تجاه ms040 أختيه اللتين تتسمان بمظاهر الجمال والصراحة، وقد أحب مدريد ~~التي بدت له كعادته مكانا قصي المنال. وأحب عمله الذي بدا له غاية في ~~الجمال والرومانسية، وهو يباشره تحت الأضواء البراقة في ملابسه البيضاء ~~الخاصة بالسهرة، والطعام الوفير في المطبخ. # كان هناك ما يقرب من ثمانية نزلاء إلى اثني عشر نزيلا قد اعتادوا ~~الإقامة في الخان والأكل في صالة الطعام، ولكن «باكو» - وهو أصغر ثلاثة ~~سقاة يخدمون على الموائد - لم يكن يشعر شعورا حقيقيا بأحد من الموجودين ~~سوى مصارعي الثيران. # وكان عدد من مصارعي الثيران من الدرجة الثانية يعيشون في ذلك الخان؛ ~~لأن موقعه في «شارع خيرونيمو» كان مناسبا، والطعام فيه ممتازا، وأجر ~~المبيت والأكل رخيصا. ومن المفيد لمصارع الثيران الحفاظ على المظاهر، إذا ~~لم يكن مظهر الثراء فليكن مظهر الاحترام على الأقل؛ لأنه في إسبانيا تعلو ~~قيمة النسق والهيبة على قيمة الشجاعة في نظر الناس، ولذلك كان المصارعون ~~ينزلون في «اللواركا» حتى ينتهي آخر قرش يملكونه. وليس هناك ما يثبت أن أي ~~مصارع للثيران قد ترك «اللواركا» إلى أي خان أفضل أو أكثر منه بذخا؛ لأنه لا ~~يمكن لمصارع ثيران من الدرجة الثانية أن يرتقي إلى الدرجة الأولى، أما النزول ~~إلى مستوى أقل من «اللواركا» فكان مألوفا كثير الوقوع، فقد كان بوسع أي ~~امرئ - ما دام يعمل في أي شيء كان - أن ينزل في «اللواركا». ولم تكن فاتورة ~~الحساب تقدم إلى النزيل ما لم يطلبها، إلى أن تدرك مديرة الخان أن الحالة ~~ميئوس منها. # في ذلك الوقت، كان بالخان ثلاثة مصارعين، واثنان من فرسان المصارعة ~~البارعين، وراشق سهام ممتاز. وكان «اللواركا» مكانا باذخا بالنسبة لفرسان ~~المصارعة وراشقي السهام الوافدين من «إشبيلية» يبحثون عن سكن مع أسرهم ~~خلال فصل الربيع، إلا أن أجرهم كان كبيرا، ولهم عمل ثابت مع مصارعين مثقلين ~~بعقود عمل كثيرة خلال الموسم القادم. ولا شك أن دخل كل من هؤلاء الثلاثة ~~«الملازمين» سيفوق دخل أي من المصارعين الثلاثة الآخرين. كان مصارع من ~~المصارعين الثلاثة مريضا ويحاول إخفاء ms041 مرضه، والآخر قد ولت أيام شهرته ~~القصيرة ككل شيء مستحدث، وكان ثالثهم جبانا. # وكان الجبان شجاعا يوما ما إلى درجة غير عادية وماهرا للغاية، إلى ~~أن أصابه قرن ثور قاس عنيف بجرح في أسفل بطنه في بداية موسمه الأول كمصارع ~~كامل الأهلية، وكان لا يزال عالقا به بعض عاداته التي تعود إلى أيام نجاحه. ~~كان مرحا إلى حد التطرف، يضحك دوما بسبب وبلا سبب. وكان في أيام نجاحه ~~مدمنا على تدبير المقالب لأصدقائه، ولكنه ترك تلك العادة الآن، فمن المؤكد ~~أنه لم يعد يشعر بميل إليها. وكان هذا المصارع ذا وجه ذكي صريح، وكانت ~~تصرفاته يشوبها شيء من الادعاء. # وكان المصارع المريض حريصا على إخفاء ما يدل على مرضه، ويحرص على أن ~~يتذوق كل صنف من أصناف الطعام التي تقدم على المائدة. وكانت لديه ~~مجموعة كبيرة من المناديل يغسلها ويكويها بنفسه في حجرته. وقد بدأ أخيرا في ~~بيع حلل المصارعة التي يحوزها، فباع واحدة منها بثمن بخس قبل عيد الميلاد، ~~وثانية في الأسبوع الأول من أبريل. كانت حللا باذخة، طالما اعتنى بها. ~~وكانت لديه واحدة أخرى باقية. وقبل أن يصيبه المرض، كان عمله يبشر بالخير ~~كمصارع، حتى ولو من ناحية الإثارة. ورغم أنه لا يعرف القراءة، فقد كان يحتفظ ~~بقصاصات صحف تقول عنه أنه خلال ظهوره لأول مرة في مدريد كان أحسن من ~~المصارع الشهير «بلمونتي». كان يتناول طعامه وحيدا على مائدة صغيرة، ولا ~~يكاد يرفع عينيه إلى ما أمامه. # وكان المصارع الذي كانت طريقته حدثا - يوما ما - قصيرا جدا، أسمر ~~اللون، بالغ الرزانة. وكان يتناول طعامه أيضا على مائدة منفصلة، ونادرا ما ~~يبتسم، ولا يضحك أبدا. كان من «بلد الوليد» حيث يسود الناس الجد. وكان ~~مصارعا ماهرا، غير أن طريقته قد أصبحت قديمة حتى قبل أن ينجح في اجتذاب ~~حب الجمهور عن طريق مزاياه من الشجاعة والقدرة والرصانة، ولم يعد وجود اسمه ~~في الإعلانات الآن يجتذب أي امرئ إلى حلبة المصارعة. وكان الشيء الجديد فيه ~~أنه قصير جدا حتى ms042 إنه لا يكاد يرى ما وراء كاهل الثور. غير أنه كان هناك ~~عدد آخر من المصارعين قصار القامة، ولم ينجح هو في فرض نفسه على مزاج ~~الجمهور. # أما فارسا المصارعة، فكان أحدهما نحيفا ذا وجه كوجه الصقر، رمادي ~~الشعر، خفيف البنية، ذا ذراعين وساقين في صلابة الحديد، يرتدي أحذية رعاة، ~~ويشرب حتى الثمالة كل مساء، محدقا في كل امرأة في الخان في وجد وهيام. أما ~~الآخر فكان ضخما، أسمر الوجه، وسيم الشكل، ذا شعر أسود كالهنود ويدين ~~كبيرتين. كان كل منهما فارس مصارعة عظيما، رغم ما قيل عن الأول من فقدانه ~~الكثير من قدرته بسبب الشراب والتبذل، وما قيل عن الثاني أنه صعب المراس ~~ميال إلى الشجار، حتى لا يكاد يستمر في العمل مع أي مصارع أكثر من فصل ~~واحد في الموسم كله. # وكان راشق السهام رجلا في أواسط العمر، سنجابي اللون، سريع الحركة رغم ~~تقدمه في العمر، وكان يبدو إذ يجلس إلى المائدة رجل أعمال على شيء من يسر ~~الحال. وكانت قدماه لا تزالان صالحتين للعمل في هذا الموسم، وكان من الذكاء ~~والخبرة بمكان حتى إن باستطاعته أن يعمل بانتظام حين تذهب السنون ~~بصلابتهما. ولن يكون ثمة فرق حين تذهب سرعة قدميه عن الآن سوى أنه سيكون ~~خائفا على الدوام، بينما هو الآن هادئ واثق من نفسه في الحلبة وفي ~~خارجها. # وفي هذه الليلة، كان الجميع قد غادروا غرفة الطعام ما عدا الفارس ذا وجه ~~الصقر الذي يفرط في الشراب، ودلال الساعات ذا الوجه الذي ينم عن مكان ~~نشأته، والذي يعمل متنقلا في مهرجانات إسبانيا وأعيادها، وكان يفرط في ~~الشراب هو الآخر، وقسين من جليقية جلسا إلى مائدة في الزاوية يشربان في ~~سعة، إن لم يكن في إفراط. وفي ذلك الزمان، كان النبيذ داخلا في حساب ~~الإقامة في «اللواركا». وكان الساقيان قد جلبا لتوهما زجاجات جديدة من ~~«الفالدبينياس» إلى مائدة الدلال، ثم إلى مائدة الفارس، وأخيرا إلى مائدة ~~القسين. # وقف السقاة الثلاثة في نهاية الحجرة، وكانت القاعدة المتبعة في ms043 ذلك ~~الخان أن يبقوا في الخدمة حتى ينهض الزبائن من الموائد التي تدخل خدمتها في ~~نطاق عمل كل منهم، غير أن ذلك الذي كان يقوم على مائدة القسين كان مرتبطا ~~بموعد لحضور اجتماع نقابة «الفوضويين»، ووافق «باكو» على أن يحل محله في ~~خدمة تلك المائدة. # وفي الطابق العلوي، كان المصارع المريض يرقد وحيدا على فراشه ووجهه إلى ~~أسفل. وجلس المصارع الذي لم يعد حدثا ينظر من النافذة مستعدا للخروج إلى ~~المقهى، بينما كانت أخت «باكو» الكبرى في حجرة المصارع الثالث الجبان، وكان ~~يحاول إقناعها بالقيام بشيء ترفضه وهي تضحك. كان يقول لها: «هيا أيتها ~~المتوحشة الصغيرة.» # وقالت الأخت: كلا، لماذا أفعل ذلك؟ ~~- من أجلي. ~~- لقد أكلت وتريد الآن أن تحلي بي. ~~- مرة واحدة، ما الضرر في ذلك؟ ~~- دعني، قلت لك دعني. ~~- إنه أمر بسيط للغاية. ~~- قلت لك دعني. # وفي أسفل، في حجرة الطعام، قال الساقي الطويل الذي فات موعد انتهائه من ~~العمل: «انظر إلى هذه الخنازير السوداء وهي تشرب.» # فقال الساقي الثاني: ليس هكذا يصح الحديث. إنهم زبائن لطاف لا يفرطون ~~في الشراب. # فقال الطويل: هذه طريقة حسنة للحديث بالنسبة لي، فهنا توجد لعنتا ~~إسبانيا الاثنتان: المصارعون والقسس. # وقال الثاني: ولكن ليس الموضوع موضوع مصارع معين أو قس معين ~~بالذات. # فقال الساقي الطويل: أبدا لا يمكنك أن تهاجم الطبقة إلا عن طريق الفرد. ~~من الضروري أن تقتل المصارعين الأفراد والقسس الأفراد جميعهم، وعندئذ لن ~~يوجد أحد منهم. # وقال الساقي الآخر: وفر هذا إلى حين الاجتماع. # قال الساقي الطويل: انظر إلى وحشية مدريد، الساعة الآن الحادية عشرة ~~والنصف، ولا يزال هؤلاء يعبون الشراب. # فقال الساقي الآخر: إنهم لم يبدءوا الأكل إلا في العاشرة، وكما تعرف .. ~~هناك أصناف كثيرة من الطعام، وهذا النبيذ رخيص الثمن، وقد دفعوا ثمنه. إنه ~~ليس شديد المفعول. وتساءل الساقي الطويل: كيف يمكن أن ينجح تضامن للعمال ~~وهناك أغنياء مثلك! # فقال الساقي الآخر الذي كان يناهز الخمسين: لقد عملت طوال عمري، ويجب ~~علي أن أعمل ما تبقى لي ms044 من العمر. إني لا أشكو من العمل، فالعمل هو الشيء ~~الطبيعي. ~~- أجل، ولكن الافتقار إلى العمل يقتل المرء. # فقال الساقي الآخر: لقد عملت على الدوام. اذهب إلى اجتماعك، فلا ضرورة ~~هناك لبقائك. # فقال الساقي الطويل: إنك زميل طيب، ولكنك تفتقر إلى الإيمان ~~بعقيدة. # فقال الساقي العجوز: من الأفضل الافتقار إلى ذلك عن الافتقار إلى العمل. ~~اذهب إلى اجتماعك. # ولم يقل «باكو» شيئا، بل إنه لم يكن يفهم السياسة، غير أنه كان يسره ~~دائما أن يستمع إلى الساقي الطويل وهو يتحدث عن ضرورة قتل جميع القسس ورجال ~~الشرطة. كان الساقي الطويل يمثل له رمز الثورة، والثورة أيضا فكرة ~~رومانسية، وكان هو نفسه يرغب في أن يكون كاثوليكيا صالحا ثائرا، وأن يكون ~~لديه عمل منتظم مثل هذا، على شرط أن يكون مصارعا للثيران في نفس ~~الوقت. # قال باكو: اذهب إلى الاجتماع يا «إجناثيو»، سوف أتولى عنك عملك. # فقال الساقي العجوز: سنتولى عنك نحن الاثنان. # فقال باكو: يكفي واحد فقط، اذهب إلى الاجتماع. # فقال الساقي الطويل: سأذهب إذن، وشكرا. # وفي هذا الوقت، في الطابق الأعلى، كانت أخت باكو قد نجحت في الإفلات من ~~قبضة مصارع الثيران في مهارة تشبه مهارة المصارعين في الإفلات من طوق ~~خصومهم، وقالت في غضب هذه المرة: هذه سمة الناس الجائعين. مصارع ثيران ~~فاشل، مثقل بالخوف. إذا كان لديك الكثير من الجرأة، استعملها في حلبة ~~المصارعة. ~~- هذه طريقة العاهرات في الحديث. ~~- العاهرة أيضا امرأة. ولكني لست بعاهرة. ~~- ستكونينها. ~~- لن يكون ذلك على يدي. # فقال المصارع: اتركيني وحدي. # وكان قد شعر الآن بعد أن صدته الفتاة ورغبت عنه بجبنه وخوفه العاريين ~~يعودان إليه. # فقالت الأخت: أتركك؟ ومن لم يتركك؟ ألا تريدني أن أرتب الفراش؟ إني ~~أتقاضى أجرا على ذلك. # قال المصارع وقد تغضن وجهه العريض الوسيم في تجهم هو أشبه بالبكاء: ~~اتركيني أيتها العاهرة، أيتها العاهرة الصغيرة القذرة. # فقالت إذ هي تغلق الباب خلفها: أيها المصارع، يا مصارعي! # وفي داخل الحجرة، جلس المصارع على الفراش، ولا يزال يعلو وجهه ذلك ms045 ~~التجهم الذي كان يحيله في الحلبة إلى ابتسام دائم يخيف النظارة الأماميين ~~ممن يدركون حقيقة ما يشاهدون. وكان يردد لنفسه بصوت مسموع: «وهذا ... وهذا ... ~~وهذا.» كان بوسعه أن يتذكر أيام نجاحه، ولم يكن قد مضى عليها سوى ثلاث سنوات. ~~كان بوسعه أن يتذكر حلة المصارعة الثقيلة الموشاة بالذهب على كتفيه، في ~~ذلك الأصيل القائظ من شهر مايو، حين كان صوته في الحلبة يختلف عن صوته إذ هو ~~يجلس في المقهى، وكيف كان يصوب النصل المشرع الطرف المرهف إلى ذلك المكان ~~الذي يسوده الغبار في أعلى كتف الثور، على كتلة العضلات السوداء ذات الزغب ~~فوق القرنين العريضين مقوضي الأشجار، ذوي الطرفين المتشققين اللذين ~~يهبطان إلى أسفل إذ هو يهم بقتل الثور، وكيف يغوص السيف في جسمه في سهولة ~~مثل كومة من الزبد اليابس، وراحة يده تدفع مقبض السيف، وذراعه اليسرى تلتوي ~~إلى أسفل، وكتفه اليسرى إلى الأمام، مرتكزا بثقله على ساقه اليسرى. أما تلك ~~المرة فلم يكن ثقله على ساقه، كان ثقله على أسفل بطنه. وحين رفع الثور رأسه ~~غاص القرن في جسده وتأرجح عليه مرتين قبل أن يجروه بعيدا. والآن إذا ما ~~تأهب لقتل الثور في الحلبة - ونادرا ما يفعل - لم يكن في استطاعته أن ينظر ~~إلى قرنيه، لكن ... أنى لأية عاهرة أن تدرك معاناته قبل أن يقدم على ~~المصارعة؟ وما هي تجارب هؤلاء الذين يسخرون منه؟ أنهم جميعا عاهرات، ويدركون ~~كيف يستغلون ذلك. # وفي أسفل، في حجرة الطعام، جلس الفارس ينظر إلى القسين. لو كانت هناك ~~سيدات في الحجرة لتطلع إليهن، أما حين لا يكون هناك نساء فإنه يتسلى ~~بالحملقة في أي أجنبي، إنجليزي مثلا. ولما لم يكن هناك سيدات ولا أجانب في ~~الحجرة آنذاك، فقد أخذ يحملق في متعة ووقاحة في القسين. وبينما هو مشغول ~~بالحملقة، نهض الدلال ذو الوجه المتميز وطوى منشفته وخرج تاركا نصف النبيذ ~~في الزجاجة الأخيرة التي طلبها. ولو أنه كان قد دفع حسابه في الخان لكان قد ~~أفرغ الزجاجة. # ولم يرد القسان على ms046 نظرات الفارس بمثلها. كان أحدهما يقول: «منذ ~~عشرة أيام وأنا هنا أحاول مقابلته، وكل يوم أجلس في غرفة الاستقبال ثم لا ~~يقابلني.» ~~- ماذا يمكن أن نفعل! ~~- لا شيء ... ماذا يمكن أن يفعل؟ لا يمكن معارضة السلطات. ~~- لقد مكثت هنا أسبوعين دون فائدة. إنني أنتظر ولن يقابلني أحد. ~~- إننا من أقاصي الريف. ماذا يهم مدريد من شأن جليقية؟ إن مقاطعتنا ~~فقيرة. ~~- وهكذا بدأت أفهم حقيقة ما قام به أخونا «باسيليو». ~~- ما زلت لا أثق ثقة حقيقية في أمانة «باسيليو». ~~- إن مدريد هي المكان الذي يتعلم المرء فيه كيف يفهم. مدريد تقتل ~~إسبانيا. ~~- لو أنهم يقابلون المرء ثم يرفضون. ~~- كلا، يجب أن يهدموك ويبلوك بالانتظار. ~~- حسن .. سنرى. يمكنني الانتظار مع الآخرين. # وفي هذه اللحظة، نهض الفارس منتصبا، وتوجه إلى مائدة القسين وتوقف ~~عندها، برأسه الأسمر ووجهه الشبيه بالصقر، يحملق فيهما ويبتسم ... # وقال قس منهما لزميله: إنه مصارع ثيران. # فقال الفارس: «ومصارع بارع». ثم خرج من غرفة الطعام في حلته السمراء، ~~أنيق الخاصرة، مقوس الساقين، يرتدي سراويل ضيقة فوق حذائه الريفي عالي ~~الكعبين الذي يدق على الأرض إذ يترنح في انتظام رتيب وهو يبتسم لنفسه. ~~كان يعيش في عالم من الكفاءة الذاتية، عالم صغير، محكم، مهني، من الاحتفال ~~كل ليلة بالمشروبات الروحية، ومن الوقاحة. والآن أشعل سيجارا وأمال قبعته ~~على زاوية من رأسه ومضى عبر القاعة إلى المقهى ... # وغادر القسان الغرفة توا بعد الفارس، في عجلة، شاعرين بأنهما آخر ~~من بقي في حجرة الطعام. ولم يعد هناك في الحجرة غير «باكو» والساقي متوسط ~~العمر. ونظفا الموائد وحملا الزجاجات إلى المطبخ. # وكان الغلام المكلف بغسل الأطباق في المطبخ يكبر باكو بثلاثة أعوام، ~~وكان مفعما بالسخرية والشعور بالمرارة. # وقال الساقي متوسط العمر وهو يصب كوبا من نبيذ «الفالدبينياس» للغلام: ~~خذ هذا. # وقال الغلام وهو يتناول الكوب: بكل سرور. # وقال الساقي: وأنت يا باكو؟ # فقال باكو: شكرا لك ... # وشرب ثلاثتهم. # وقال الساقي متوسط العمر: سأذهب الآن. # وقالا له: مع السلامة. # وذهب. وبقيا وحدهما. وتناول «باكو» منشفة ms047 كان أحد القسين قد استعملها، ~~ووقف منتصبا، ثابت الكعبين، وأرخى المنشفة إلى أسفل، ولوح بذراعيه ورأسه ~~يتابع الحركة في اهتزاز يماثل حركة مصارعة الثيران البطيئة، وتحول، ~~وتقدم بقدمه اليمنى قليلا، وأجرى هجوما ثانيا سيطر به إلى حد ما على ~~الثور الخيالي، وهجم لثالث مرة في بطء ودقة وخفة تامة، ثم جمع المنشفة إلى ~~وسطه ودار بعجزيه بعيدا عن الثور في نصف حركة أخرى. # وكان غاسل الأطباق، ويسمى «إنريكي»، يراقبه في انتقاد ~~واستهزاء. # قال له: كيف حال الثور؟ # قال باكو: شجاع للغاية .. انظر! # وانتصب بقامته الهيفاء، وأجرى أربع حركات هجومية أخرى بالغة الإحكام، ~~في خفة ورشاقة ودقة. # وقال إنريكي وهو مرتد ميدعته، مرتكزا على الحوض المعدني وممسكا ~~بكوب نبيذه: وما حال الثور؟ # وقال باكو: ما زالت فيه بقية ... # فقال إنريكي: إنك تملؤني سقما. ~~- لماذا؟ ~~- انظر؟ # وأزاح «إنريكي» ميدعته، ثم أشاح للثور الخيالي، وقام بأربع حركات مصارعة ~~كاملة مسترخية على طريقة الغجر، وأنهاها بدورة جعلت الميدعة تلتوي على شكل ~~قوس حاد قريبا من أنف الثور إذ هو يمضي بعيدا عنه. # قال: انظر إلى هذا، ومع ذلك فأنا أغسل الأطباق. ~~- لماذا؟ # فقال إنريكي: الخوف .. الخوف .. نفس الخوف الذي تشعر به في الحلبة مع ~~الثور الحقيقي. # قال «باكو»: كلا، أنا لا أخاف. # فقال «إنريكي»: كاذب. الكل يخاف. ولكن المصارع يستطيع أن يتحكم في خوفه ~~حتى يتمكن من السيطرة على الثور. لقد ذهبت إلى مصارعة للهواه وشعرت بخوف ~~شديد حتى إنني لم أستطع منع نفسي من الفرار، ونظر الجميع إلى المسألة ~~باعتبارها شيئا طريفا. وعلى ذلك ستخاف أنت أيضا. ولولا الخوف لتحول كل ~~ماسح أحذية في إسبانيا إلى مصارع للثيران. إنك من الريف وستخاف أكثر مما ~~أخاف أنا. # قال باكو: كلا. # لقد مارس المصارعة كثيرا في خياله، وشاهد القرون مرات عديدة، وفم ~~الثور المبلل، وأذنيه تختلجان، ثم تهبط رأسه إلى أسفل ويشرع في الهجوم، ~~وتدق حوافره على الأرض، ويمر به الثور الهائج بينما هو يهز الوشاح. ~~ويهاجمه ثانية حين يهزه مرة أخرى، وأخرى، وأخرى، وأخرى، ms048 إلى أن ينتهي بثني ~~الثور حوله في نصف حركة عظيمة، ويسير متثنيا وقد علقت بعض شعرات الثور ~~بوشي حلته الذهبية من فرط قربه منه، والثور واقف كأنما قد نام نوما ~~مغناطيسيا، والجمهور يهتف مصفقا ... كلا، إنه لن يخاف. ربما يخاف الآخرون، ~~أجل ... ولكن ... هو، إنه يعلم أنه لن يخاف. وحتى لو حدث وشعر بالخوف فقد كان ~~يعلم أنه يستطيع القيام بها على أي حال. إنه واثق من نفسه. قال: «لن أخاف ~~...» # وقال «إنريكي» مرة أخرى: «كاذب.» ثم أضاف: «لماذا لا نجرب؟» ~~- كيف؟ # قال إنريكي: انظر، إنك تحسب حساب الثور ولكنك تغفل عن القرون، للثور قوة ~~عظيمة في قرونه تلك التي تعمل على السكين، فهي تطعن كالحربة، وتقتل كالهراوة، ~~انظر ... # وفتح درج مائدة وتناول منه سكيني لحم وأضاف قائلا: سوف أربط هذين ~~السكينين إلى قدمي أحد المقاعد، ثم أمثل دور الثور معك حاملا المقعد، ~~بالسكينين كالقرنين، في مقدمة رأسي. فإذا نجحت في محاورة هذين فإنك عندئذ ~~تعني شيئا. # فقال «باكو»: أعرني ميدعتك، سوف نقوم بذلك المشهد في حجرة ~~الطعام. # فقال إنريكي فجأة دونما مرارة: كلا، لا تفعل ذلك يا باكو. # قال «باكو»: بلى، إنني لست خائفا. ~~- ستشعر بالخوف حين ترى السكينين يندفعان نحوك. # قال باكو: سنرى، أعطني الميدعة. # وفي هذه الأثناء، حين كان «إنريكي» يربط سكيني اللحم ثقيلي النصل، ~~مرهفي الحد، إلى قدمي المقعد في إحكام بمنشفتين مستعملتين حول النصف ~~الأسفل من كل سكين، يلفهما بإحكام ويعقد عليهما، كانت أختا «باكو»، ~~الخادمتان، في طريقهما إلى السينما لمشاهدة «جريتا جاربو» في فيلم «آنا ~~كريستي». وكان واحد من القسين يجلس في ملابسه الداخلية يقرأ في كتاب ~~الصلوات، والآخر يرتدي قميص نوم ويتلو صلواته على المسبحة، بينما ذهب جميع ~~المصارعين ما عدا ذلك المريض إلى مقهى «فورنوس» حيث كان الفارس الضخم الأسود ~~الشعر يلعب البلياردو، والمصارع الرزين القصير القامة يجلس إلى مائدة ~~مزدحمة وأمامه القهوة واللبن، ومعه راشق السهام متوسط العمر، وعمال ~~جادون آخرون. # وكان الفارس الأشيب الرأس الذي يفرط في الشراب جالسا وأمامه ms049 كأس من ~~نبيذ «كاتلاس»، يحملق في سرور في المائدة التي جلس إليها المصارع الذي ~~تخلت عنه شجاعته مع مصارع آخر نبذ السيف ليعود راشقا للسهام، ومعهما ~~اثنتان من العاهرات تبدو عليهما مظاهر التعب. # ووقف الدلال على جانب الطريق يتحدث مع بعض الأصدقاء، وكان الساقي طويل ~~القامة في اجتماع نقابة الفوضويين ينتظر فرصة للحديث. وجلس الساقي متوسط ~~العمر في شرفة مقهى «ألفاريث» يشرب زجاجة صغيرة من البيرة. وكانت المرأة ~~التي تملك خان «اللواركا» نائمة في فراشها، ترقد فيه على ظهرها والوسادة تحت ~~قدميها: ضخمة، سمينة، شريفة نظيفة، سهلة التعامل، في غاية التدين، ولم ~~تفتها تلاوة الصلاة كل يوم لزوجها الذي مات منذ عشرين عاما. وكان المصارع ~~المريض في غرفته، وحيدا، يرقد على فراشه ووجهه إلى أسفل، وقد أسند منديلا ~~إلى فمه. # والآن، في حجرة الطعام الخالية، ربط «إنريكي» العقدة الأخيرة في ~~المنشفتين اللتين طوقتا السكينين إلى قدمي المقعد، ثم رفع المقعد، ووجه ~~الأرجل وعليها السكينان إلى الأمام، وأمسك بالمقعد فوق رأسه، وطرفا السكينين ~~متوجهان إلى الأمام مباشرة، واحد من كل جانب من رأسه، كقرني الثور ~~تماما. # قال: إنهما ثقيلان، انظر يا باكو ... إنهما خطيران جدا ... لا تفعل ذلك. ~~كان ينضح عرقا. # ووقف «باكو» في مواجهته، ممسكا بالميدعة ناشرا إياها وقد أمسك ~~بثنية منها في كل يد، وإبهاماه إلى أعلى، والأصبع الأول إلى أسفل، ناشرا ~~إياها ليجذب انتباه الثور. # قال: اهجم مباشرة، در كالثور، اهجم مرات عديدة كما تريد. # وسأل إنريكي: ولكن، متى ستعرف المرة التي يجب أن تصد فيها الهجوم؟ من ~~الأفضل تحديدها بثلاث مرات ثم تقوم بنصف دورة بعدها. # قال باكو: حسن، ولكن اهجم مباشرة ... ها ... أيها الثور! تعال، تعال أيها ~~الثور الصغير. # وأقبل «إنريكي» نحوه وقد خفض رأسه إلى أسفل، وهز باكو الميدعة بمحاذاة ~~نصل السكين حين مر بالقرب من بطنه، اجتازه كأنه بالنسبة له قرن حقيقي، ~~أبيض الطرف، أسود، ثقيل. وحين مر به «إنريكي» ودار ليهجم ثانية عليه، كان ~~ثورا حار الدماء هو الذي يهاجمه، فدار كالقط وأتاه ms050 ثانية وهو يهز الوشاح ~~في بطء، ودار الثور وهاجم مرة أخرى، وتقدم «باكو» بقدمه بوصتين وهو يراقب ~~النصل المشرع، ولكن السكين لم يمر، بل انحرف وغاص في جسده كما لو كان زق ~~خمر. وتفجر انبثاق حار مبخر فوق كتلة النصل الداخلية وحولها، وهتف ~~إنريكي: آه، آه، دعني أخرجه. # وانزلق «باكو» إلى الأمام على المقعد وهو لا يزال ممسكا بالميدعة، ~~الوشاح، وإنريكي يجذب المقعد بينما السكين يتقلب في جسده، في جسده، في ~~«باكو» ... # وأخرج السكين. وجلس على الأرض في وسط البحيرة الدافئة التي تتسع. # وقال إنريكي: ضع المنشفة على الجرح ... أمسكها جيدا ... سأجري في طلب الطبيب ~~... يجب أن تمسك النزيف. # قال باكو: «كان يجب أن يكون هناك قدح مطاطي.» كان قد رأى ذلك يستخدم ~~في الحلبة في مثل هذه الحالات. # قال إنريكي وهو يبكي: سأعود حالا. ما أردت سوى أن أريك خطورة ~~ذلك. # قال باكو وصوته يبدو آتيا من بعيد: «لا عليك ... ولكن، أحضر ~~الطبيب.» # في الحلبة يرفعونك ويحملونك ويجرون بك إلى غرفة العمليات، فإذا نزفت ~~شرايين الفخذ آخر قطراتها من الدماء قبل أن تبلغها فإنهم يستدعون ~~القسيس. # قال «باكو» وهو يمسك المنشفة في إحكام حول أسفل بطنه: أخطر أحد القسس. لم ~~يكن بإمكانه أن يصدق أن هذا حدث له. # ولكن «إنريكي» جرى عبر شارع «سان خيرونيمو» إلى محطة الإسعاف الأولية ~~التي تعمل ليل نهار، وظل «باكو» وحده. جلس في البداية، ثم تكوم مقعيا، ثم ~~تمدد على الأرض، حتى انتهى كل شيء، شاعرا أن حياته تتسلل منه كما تتسرب ~~المياه القذرة من حوض استحمام حين تنزع سدادته. كان فزعا، يشعر بالخور، ~~وحاول أن يتلو صلاة التوبة، تذكر بدايتها ولكن قبل أن يقول بأسرع ما يمكنه: ~~آه يا إلهي، إنني آسف أشد الأسف لأنني أخطأت في حقك يا من تستحق حبي، ~~وإنني أعزم عزما قويا ... شعر بالإغماء ينتابه. وكان يرقد ووجهه ناحية ~~الأرض، وانتهى الأمر بمنتهى السرعة، إن شريان الفخذ المقطوع ينزف دمه بأسرع ~~ما يتصور أحد. # وحين كان طبيب مركز الإسعافات ms051 الأولية يصعد الدرج مصطحبا رجل الشرطة ~~الذي أمسك بذراع «إنريكي»، كانت أختا «باكو» لا تزالان في دار السينما في ~~«الجران فيا» حيث شعرتا بخيبة أمل شديدة من فيلم «جريتا جاربو» الذي ظهرت ~~فيه نجمة السينما العظيمة في بيئة حقيرة بائسة، في حين كانتا معتادتين ~~رؤيتها محاطة بالأبهة والعظمة. واستاء الجمهور من الفيلم إلى درجة بالغة، ~~وأعلن احتجاجه بالصفير ودق الأقدام على الأرض، أما نزلاء الخان الآخرون ~~فكانوا تقريبا يفعلون ما كانوا يقومون به حين وقعت الحادثة ما عدا أن ~~القسين كانا قد انتهيا من صلواتهما واستعدا للنوم، وأن الفارس الأشيب قد ~~انتقل بشرابه ليجلس مع العاهرتين المنهكتين، وبعد فترة وجيزة، خرج من ~~المقهى مع إحداهما، وهي تلك التي كان المصارع الجبان يدفع لهما ثمن ما ~~تشرب. # ولم يعرف الفتى «باكو» شيئا عن ذلك، ولا عما سوف يفعل كل هؤلاء الناس في ~~اليوم التالي وفي الأيام التالية. لم يكن لديه أية فكرة عن طريقة معيشتهم ~~ولا كيف انتهوا. بل لم يكن يدرك أنهم انتهوا. لقد مات مليئا بالآمال، كما ~~يقول المثل الإسباني. ولم تنفسح أمامه الحياة ليفقد أيا من تلك الآمال، ~~ولا كيما يكمل في النهاية أسفه عليها. # بل لم يكن أمامه متسع من الوقت كيما يخيب أمله في فيلم «جريتا جاربو» ~~الذي خيب أمل مدريد كلها لمدة أسبوع. # | يوم انتظار # دلف إلى الحجرة كيما يغلق النوافذ، بينما كنا ما نزال في الفراش ورأيته ~~تبدو عليه علائم المرض. كان يرتجف ممتقع الوجه ويمشي ببطء كما لو أنه يتعب ~~عندما يسير. ~~- ما الأمر يا شاتز؟ ~~- أشعر بصداع. ~~- يحسن بك أن تعود إلى الفراش. ~~- كلا. إني على ما يرام. ~~- اذهب إلى الفراش. سأراك بعد أن أرتدي ملابسي. # ولكن حين هبطت إلى أسفل وجدته مرتديا ملابسه وجالسا إلى جوار نيران ~~المدفأة، يبدو عليه وهو صبي في التاسعة علائم المرض الشديد والبؤس. وحين ~~وضعت يدي على جبهته أدركت أنه يعاني من الحمى. # قلت: اذهب إلى فراشك. إنك مريض. # قال: إني على ما يرام. # وحين حضر ms052 الطبيب، قاس درجة حرارته. # سألته: كم؟ ~~- مائة واثنتان. # وفي الطابق السفلي، ترك الطبيب ثلاثة أنواع من الأدوية في كبسولات ~~مختلفة اللون مع تعليمات بكيفية تناولها. أحد الأدوية لخفض الحمى، وآخر مطهر ~~للمعدة، والثالث لعلاج الحموضة. وشرح قائلا: إن جراثيم الإنفلونزا لا يمكن ~~لها أن توجد إلا في وسط حالة من حالات الحموضة . وبدا أنه يعرف كل شيء عن ~~الإنفلونزا وقال: إن الأمر لا يدعو للقلق إذا لم تتجاوز الحمى درجة مائة ~~وأربع. كان وباء خفيفا للإنفلونزا فلا خطر منه إذا أنت تجنبت الإصابة ~~بالالتهاب الرئوي. # وحين عدت إلى الحجرة كتبت درجة حرارة الصبي ووضعت مذكرة بالوقت الذي ~~يجب أن أعطيه الأدوية المختلفة. ~~- هل تريدني أن أقرأ لك؟ # قال الصبي: حسنا. إذا رغبت في ذلك. # كان وجهه شديد البياض وكانت تحت عينيه هالات سوداء. ومكث لا يتحرك في ~~فراشه، وبدا قصيا عما يحدث من حوله. # وقرأت له بصوت عال من «كتاب القراصنة» تأليف «هوارد بابل»، ولكني كنت ~~أرى أنه لا يتابع ما أقرأ. # وسألته: كيف حالك الآن يا شاتز. # قال: نفس الشيء، حتى الآن. # جلست عند قاعدة السرير أقرأ لنفسي وأنا أنتظر موعد إعطائه الدواء ~~التالي. كان من الطبيعي أن يكون مستغرقا في النوم، ولكن حين نظرت إليه ~~وجدته يتطلع إلى قاعدة السرير ويبدو غريبا جدا. ~~- لماذا لا تحاول أن تنام؟ سوف أوقظك حين يحين موعد الدواء. ~~- أفضل أن أبقى مستيقظا. # وقال لي بعد برهة: لست مضطرا أن تبقى معي هنا يا بابا، إذا كان ذلك ~~يضايقك. ~~- إن ذلك لا يضايقني. ~~- كلا، أعني أنه ليس عليك أن تبقى إذا كان يضايقك. # وجال بخاطري أنه ربما كان يشعر بشيء من الدوار، وبعد أن أعطيته ~~الكبسولة المقررة في الحادية عشرة خرجت برهة. # كان يوما باردا ساطعا، والأرض مغطاة بثلج ذائب تجمد حتى بدا كما ~~لو أن الأشجار العارية والشجيرات والأجمات والحشائش كلها والأرض العارية قد ~~وشحت بالثلج. واصطحبت الكلب الآيلندي الصغير في نزهة قصيرة عبر الطريق ~~على السطح الزجاجي، وتعثر الكلب الأحمر وتلوى ms053 بينما سقطت أنا مرتين، ~~بشدة، ومرة منهما سقطت بندقيتي وانزلقت بعيدا فوق الجليد. # وإثرنا مجموعة من طيور السماني كانت أسفل هضبة صلصالية مرتفعة ~~تغطيها الشجيرات، واصطدت اثنين منها حين اختفيا عن الأنظار فوق قمة ~~المنحدر. وهبطت بعض الطيور فوق فروع الشجر، بيد أن معظمها انتشر بين أكوام ~~الشجيرات، وكان من الضروري أن أقفز فوق آكام الشجيرات المغطاة بالثلج عدة ~~مرات قبل أن أجعلها تطير من مكامنها. وحين تخرج وأنا في مكاني فوق الأكمات ~~الثلجية المهتزة يكون من الصعب أن أطلق النار في هذا الوضع؛ واصطدت اثنين ~~وأخطأت خمسة، وقفلت عائدا سعيدا بأن عثرت على مجموعة الطيور تلك بالقرب ~~من المنزل، وسعيدا بوجود الكثير منها ما تزال كي أصطادها يوما آخر. # وفي المنزل، قالوا لي: إن الصبي رفض أن يدخل غرفته أي شخص. كان يقول ~~لهم: لا يمكنكم الدخول. يجب ألا أنقل إليكم مرضي. # وصعدت إليه ووجدته في نفس الوضع الذي تركته عليه تماما، ممتقع الوجه، ~~ولكن كانت وجنتاه متوهجة بفعل الحمى، وما يزال يحدق كما يحدق سابقا في ~~اتجاه قاعدة السرير. # وقست حرارته. ~~- كم درجة؟ # قلت: حوالي المائة. # كانت حرارته مائة درجة واثنتين وأربعة أعشار. # قال: كانت مائة واثنتين. ~~- من قال ذلك؟ ~~- الطبيب. # قلت: إن حرارتك على ما يرام. ليس هناك ما يدعو للقلق. # قال: إني لا أشعر بالقلق. ولكني لا أستطيع أن أمنع نفسي عن ~~التفكير. # قلت: لا تفكر. خذ الأمور ببساطة. # قال وهو يتطلع أمامه: إنني آخذها ببساطة. # كان من الواضح أنه كان يخفي شيئا يعتمل بداخله. ~~- خذ هذا مع بعض الماء. ~~- هل تعتقد أنه سيكون له أي فائدة؟ ~~- بالطبع. # وجلست وفتحت كتاب القرصان وبدأت في القراءة، ولكني لاحظت أنه لا ~~يتابعني؛ لذلك توقفت. # سأل: متى تعتقد أنني سوف أموت؟ ~~- ماذا؟ ~~- كم من الوقت سيمر قبل أن أموت؟ ~~- إنك لن تموت. ما الذي دهاك؟ ~~- أوه، أجل. لقد سمعته يقول مائة درجة واثنتين. ~~- لا أحد يموت من حمى درجتها مائة واثنتان. إن هذا قول سخيف. ~~- إني أعرف أنهم يموتون. ms054 لقد أخبرني الأولاد في المدرسة في فرنسا أنه لا ~~يمكن لأحد أن يعيش بدرجة حرارة أربعة وأربعين. وأنا عندي مائة ~~واثنتان. # قلت: يا لك من مسكين يا شاتز. أي شاتز العزيز المسكين .. إن الأمر يماثل ~~الأميال والكيلومترات. إنك لن تموت. إن مقياس الحرارة مختلف، هناك في ذلك ~~المقياس الفرنسي تكون درجة الحرارة العادية سبعة وثلاثين. وفي مقياسنا ثمانية ~~وتسعون. ~~- هل أنت متأكد؟ # قلت: طبعا. إن الأمر يماثل الأميال والكيلومترات. أتعرف .. مثل كم ~~كيلومترا يكون حين نقطع سبعين ميلا بالسيارة. # قال: أوه. # ولكن نظرته إلى قاعدة السرير استرخت نوعا ما. واسترخى توتره الداخلي ~~أيضا في نهاية الأمر. وفي اليوم التالي كان هادئا للغاية، ويبكي بسهولة ~~لأمور صغيرة ليست لها أي أهمية. # | تلال كالأفيال البيضاء # كانت التلال عبر وادي نهر «إبرو» عالية بيضاء، ولم يكن في هذا الجانب من ~~ظلال ولا أشجار. كانت المحطة تقع في الشمس بين خطين من القضبان. وأمام ~~جانب المحطة مباشرة ترتسم الظلال الدافئة للمبنى والستائر التي صنعت من ~~خرزات «البامبو» وعلقت على باب البار المفتوح؛ كيما تذود عنه الذباب. ~~وجلس الأمريكي والفتاة التي معه إلى مائدة في الظل خارج المبنى. كان الجو ~~حارا، وسيأتي القطار السريع من «برشلونة» بعد أربعين دقيقة. ويقف القطار ~~عند هذه المحطة دقيقتين ثم يواصل سيره إلى مدريد. # سألت الفتاة: «ماذا نشرب؟» وكانت قد خلعت قبعتها ووضعتها على ~~المائدة. # قال الرجل: إن الحر لعين. ~~- فلنشرب بيرة. # فصاح الرجل عبر الستارة: «اتنين بيرة.» # وسألت امرأة من عند الباب: كبيرة؟ ~~- أجل. اتنين بيرة كبيرة. # وأحضرت المرأة زجاجتي بيرة وطبقين من الفلين. ووضعت طبقي الفلين ~~وزجاجتي البيرة على المائدة ونظرت إلى الرجل والفتاة. كانت الفتاة تشخص ~~ببصرها إلى صف التلال. كانت تبدو بيضاء تحت وهج الشمس، والبلدة سمراء ~~جافة. # قالت: إنها تبدو مثل الأفيال البيضاء. ~~- إني لم أر أبدا أفيالا بيضاء. # وشرب الرجل زجاجته. ~~- كلا. لم تكن لتراها. # فقال الرجل: كان يمكن أن أراها. إنك لم تثبتي شيئا بقولك لم تكن ~~لتراها. # ونظرت الفتاة إلى الستارة ms055 المصنوعة من الخرز. # قالت: هناك شيء مكتوب عليها .. ماذا يعني؟ ~~- «أنيس دل تورو». إنه اسم مشروب. ~~- هل نتذوقه؟ # ونادى الرجل بإنجليزية عبر الستارة. وخرجت المرأة من البار. ~~- نريد كأسين من «أنيس دل تورو». ~~- بالماء. ~~- أتريدينه بالماء؟ # فقالت الفتاة: لا أعرف. أهو أفضل بالماء؟ ~~- أجل. # فسألت المرأة: أتريدهما بالماء؟ ~~- أجل بالماء. # قالت الفتاة وهي تضع كأسها: إن مذاقه كحولي. ~~- هكذا كل المشروبات. # قالت الفتاة: أجل كل شيء مذاقه كحولي خاصة الأشياء التي انتظرتها ~~طويلا، مثل «الأبسنت». ~~- أوه، دعينا من هذا. # فقالت الفتاة: أنت الذي بدأت، لقد كنت ألهو، كنت أستمتع بوقتي. ~~- إذن، فلنحاول الاستمتاع بوقتنا. ~~- موافقة. كنت أحاول. قلت إن الجبال تشبه الأفيال البيضاء. ألم يكن ~~تعبيرا جميلا؟ ~~- كان جميلا. ~~- ورغبت في تجربة ذلك الشراب الجديد. هذا كل ما نفعل، أليس كذلك؟ ننظر ~~إلى الأشياء ونجرب المشروبات الجديدة. ~~- أظن ذلك. # وتطلعت الفتاة إلى التلال. # قالت: إنها تلال جميلة. إنها لا تشبه الأفيال البيضاء حقا، إنما عنيت ~~لون جلدها عبر الأشجار. ~~- أ نطلب مشروبا آخر؟ ~~- حسن. # وانصفقت الرياح الدافئة فطوحت بالستارة الخرزية على جانب ~~المائدة. # قال الرجل: البيرة لذيذة ومثلجة. # فقالت الفتاة: إنها لذيذة. # قال الرجل: إنها مجرد عملية بسيطة صغيرة يا «جيج». إنها ليست عملية على ~~الإطلاق. # ونظرت الفتاة إلى الأرض التي تقوم عليها أرجل المائدة. ~~- أعرف أنها لا تخيفك يا «جيج». إنها لا شيء في الحقيقة. مجرد السماح ~~للهواء بالدخول. # ولم تنطق الفتاة بحرف. ~~- سأذهب معك وأبقى معك طوال الوقت. سوف يدخلون الهواء ثم يسير كل شيء ~~سيرا طبيعيا. ~~- وماذا سنفعل بعد ذلك؟ ~~- سنصبح على ما يرام، مثلما كنا من قبل. ~~- وماذا يجعلك تظن ذلك الظن؟ ~~- إن هذا هو الشيء الوحيد الذي يضايقنا. إنه الشيء الوحيد الذي ~~أشقانا. # ونظرت الفتاة إلى ستارة الخرز ومدت يدها وأمسكت بخيطين من ~~خيوطها. ~~- وهل تعتقد أننا سنصبح آنذاك على ما يرام وسعداء؟ ~~- أعرف أننا سنكون كذلك. لا تخافي. أعرف كثيرا من الناس فعلوا ~~ذلك. # فقالت الفتاة: وأنا أيضا. ولقد أصبحوا سعداء تماما بعدها. # فقال ms056 الرجل: حسن. إنني لن أرغمك على ذلك إن لم تكوني راغبة فيه. لن ~~أضطرك لهذا لو لم تكوني ترغبينه. ولكني أعلم أن العملية بسيطة ~~تماما. ~~- وهل تريد ذلك حقا؟ ~~- أعتقد أن ذلك هو أفضل ما يمكن عمله. ولكني لا أريدك أن تفعليها لو لم ~~تكوني راغبة حقا في ذلك. ~~- ولو أنني فعلتها ستكون سعيدا وتعود الحياة إلى مجاريها ~~وستحبني؟ ~~- إني أحبك الآن. أنت تعلمين أنني أحبك. ~~- أعرف. ولكن لو أنني فعلتها فسوف تشعر بالسرور إذا قلت شيئا مثل ~~الأفيال البيضاء مرة أخرى، ولسوف يعجبك ذلك؟ ~~- سوف يعجبني. إني معجب به الآن، ولكني عاجز عن التفكير فيه. إنك ~~تعلمين حالتي حين أكون قلقا. ~~- ألن تقلق أبدا لو أنني فعلتها؟ ~~- لن أقلق على ذلك. لأنها بسيطة جدا. ~~- إذن سأفعلها. لأنني لا تهمني نفسي. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- إنني لا تهمني نفسي. ~~- حسن. أنا أهتم بك. ~~- آه، أجل. ولكن لا تهمني نفسي. وسأفعلها، وسيكون كل شيء على ما ~~يرام. ~~- أريدك ألا تفعليها إن أنت رغبت في ذلك. # ونهضت الفتاة وسارت حتى نهاية المحطة. وعلى الجانب الآخر، كانت هناك ~~حقول القمح وأشجار تقوم على ضفتي نهر «الإبرو»، وثمة جبال على البعد القصي ~~خلف النهر. وتحركت ظلال سحابة فوق حقل القمح، وشاهدت الفتاة النهر من خلال ~~الأشجار. # قالت: سيكون بإمكاننا أن نحصل على كل هذا. سيكون بإمكاننا أن نحصل على كل ~~شيء ونجعل الأمر أكثر استحالة يوما عن يوم. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- أقول سيكون بإمكاننا أن نحصل على كل شيء. ~~- أجل يمكننا الحصول على كل شيء. ~~- كلا، ليس بإمكاننا ذلك. ~~- بإمكاننا أن نحصل على الدنيا كلها. ~~- كلا. ~~- بإمكاننا أن نذهب إلى أي مكان. ~~- كلا، لا نستطيع ذلك. لم تعد دنيانا بعد. ~~- إنها دنيانا. ~~- كلا. وإذا أخذوها منك مرة، فإنك لا تستعيدها أبدا بعد ذلك. ~~- ولكنهم لم يأخذوها. ~~- سننتظر ونرى. # قال: تعالي إلى الظل. يجب ألا تفكري بهذه الطريقة. # فقالت الفتاة: إني لا أفكر في شيء. إني أعرف الأشياء ليس إلا. ~~- لا أريدك أن تفعلي شيئا لا ترغبين فيه. ms057 # قالت: ولا هذا أيضا. إني أعرف. هل نتناول مزيدا من البيرة؟ ~~- حسن. ولكن يجب أن تدركي. # فقالت الفتاة: إني أدرك. ألا يمكن أن نكف عن الحديث؟ # وجلسا إلى المائدة، ونظرت الفتاة إلى التلال على الجانب الجاف من ~~الوادي. ونظر الرجل إليها وإلى المائدة. # قال: يجب أن تدركي أنني لا أريدك أن تفعليها إن لم تكوني تريدين ذلك. ~~إنني على استعداد تام لتحمل الأمر لو أنه يعني أي شيء بالنسبة ~~لك. ~~- ألا يعني أي شيء بالنسبة لك؟ يمكننا أن نتحمل. ~~- بالطبع يعنيني. ولكني لا أريد أحدا سواك. لا أريد أحدا آخر، وإني ~~أعلم أنها عملية بسيطة للغاية. ~~- أجل أنت تعلم أنها بسيطة للغاية. ~~- إنه مجرد شيء تقولينه، ولكني أعلم تماما. ~~- هل لك أن تسدي لي معروفا الآن؟ ~~- إني أفعل أي شيء من أجلك. ~~- أرجوك أرجوك أرجوك أرجوك أرجوك أرجوك أن تكف عن الكلام. # ولم يقل شيئا بل نظر إلى الحقائب المسندة إلى جدار المحطة. كانت عليها ~~بطاقات الفنادق التي قضيا فيها لياليهما. # قال: ولكني لا أريدك أن تفعليها. لا يهمني أي شيء. # قالت الفتاة: سأصرخ. # وأقبلت المرأة من بين ستارة الخرز ومعها زجاجتان أخريان من البيرة، ~~ووضعتهما على طبقين من الفلين الندي. # قالت المرأة: سيصل القطار في خلال خمس دقائق. # فسألت الفتاة: ماذا قالت؟ ~~- إن القطار سيصل في خلال خمس دقائق. # وابتسمت الفتاة للمرأة في بهاء شاكرة لها. # قال الرجل: يحسن أن أحمل الحقائب إلى الجانب الآخر من المحطة. # وابتسمت له، ثم قالت: حسن. وتعال بعدها لنشرب البيرة. # والتقط الحقيبتين الثقيلتين وحملهما حول المحطة إلى الجانب الآخر. ونظر ~~على طول الطريق ولكنه لم ير أي قطار قادم. وعاد وسار عبر غرفة البار حيث ~~كان بها المسافرون المنتظرون يشربون. وشرب كأسا من «الأنيس» على البار ~~وتطلع إلى الناس. كانوا جميعا ينتظرون القطار في وقار. وخرج عن طريق ~~الستارة الخرز. وكانت الفتاة تجلس إلى المائدة تبتسم له. # سألها: هل تشعرين بتحسن؟ # قالت: إني على ما يرام. لا شيء بي. إني على ما يرام. ms058 # | قصة أفريقية # كان ينتظر بزوغ القمر وأحس بشعر «كيبو» ينتصب تحت يده إذ هو يربت ~~عليه كي يبقى هادئا. وتطلع كلاهما وأنصتا والقمر يبزغ ويلقي ظليهما على ~~الأرض. كانت ذراعه الآن حول رقبة الكلب وكان يحس به يرتجف. كان كل صوت في ~~الليل قد توقف. ولم يسمعا الفيل ولم يره «ديفيد» إلى أن أدار الكلب رأسه ~~وبدا كأنه يقع في حجره. وعندها غطاهما ظل الفيل وعبر دون أن يصدر صوتا ~~على الإطلاق وشما رائحته في الريح الخفيفة التي جاءت من ناحية الجبل. كانت ~~رائحة نفاذة وإن كانت عتيقة. # وحين مر الفيل رأى ديفيد أن نابه العاجي طويل جدا حتى إنه بدا وكأنه ~~يلامس الأرض. # وانتظرا. بيد أنه لم يظهر أي فيل آخر. ثم بدأ ديفيد والكلب يجريان تحت ~~ضوء القمر. وبقي الكلب وراءه على مقربة منه، وحين توقف ديفيد ألصق الكلب ~~خطمه في خلفية ركبته. # وكان على ديفيد أن يرى الفيل ثانية. ولقياه عند حافة الغابة. كان يرتحل ~~تجاه الجبل ويتحرك في بطء عبر نسمة الليل الرتيبة. واقترب ديفيد منه بما ~~يكفي لأن يراه يحتجز ضوء القمر مرة ثانية وأن يشم رائحة العتاقة ~~الحريفة، ولكنه لم يتمكن من رؤية نابه اليمين. كان يخشى أن يقترب أكثر مع ~~الكلب، فعاد معه مع هبوب الريح، ودفع به إلى جذع شجرة وحاول أن يجعله يتفهم ~~الأمر. واعتقد أن الكلب سيبقى في مكانه، وقد بقي فعلا، ولكن حين تحرك ديفيد ~~ناحية كتلة الفيل شعر بالخطم المبلل خلف ركبته مرة أخرى. # وتبع الاثنان الفيل إلى أن وصل إلى بقعة خالية من الأشجار. وتوقف ~~هناك يحرك أذنيه الهائلتي الحجم. كانت كتلته لا تلقي أي ظل، فلا بد أن ضوء ~~القمر يسقط عموديا عليه. ووصل ديفيد خلفه وأغلق فكي الكلب بيده في رفق، ~~ثم تقدم بخفة دون أن يتنفس إلى يمين الفيل، مع هبات نسمة الليل يشعر بها ~~على خده، يتبعها ولا يدعها أبدا تقف بينه وبين كتلة الفيل إلى أن استطاع أن ~~يرى رأس الفيل والأذنين ms059 الكبيرتين تتحركان. كان ناب اليمين سميكا كفخذه هو، ~~ومقوسا يكاد يلامس الأرض. # وتحرك هو وكيبو إلى الخلف والريح تهب على رقبته الآن، واقتفيا الأثر ~~للعودة خارج الغابة إلى المنطقة المكشوفة. كان الكلب يتقدمه الآن، وتوقف ~~حيث كان ديفيد قد ترك حربتي صيد مغروستين على حافة الطريق قبل أن يتتبعا ~~الفيل. ورفع الحربتين على كتفه في جرابهما الجلدي المضفر، ومعه حربته ~~الأثيرة التي أبقاها في يده طوال الوقت، وتبعا الطريق المؤدي إلى الشامبا. # 1 # كان القمر قد أصبح في كبد السماء الآن، وتعجب من عدم وجود أي ~~صوت للطبول يصدر من المزرعة. كان الأمر غريبا؛ إذ كان والده في المزرعة ~~وليس هناك صوت لأي طبول. # وشعر ديفيد بالتعب حالما عاد إلى ذلك الطريق مرة ثانية مع والده ومع ~~«جمعة». كان قد شعر لمدة طويلة أنه أكثر انتباها وأفضل حالا من الرجلين ~~اللذين معه، ولا يصبر على خطواتهما البطيئة والتوقفات المنتظمة التي يقوم بها ~~والده كل ساعة. كان بوسعه أن يسير قدما بسرعة أكبر من جمعة ومن والده، ولكن ~~حين بدأ يشعر بالتعب كانا هما على نفس وضعهما السابق، وعند الظهيرة لم يأخذا ~~سوى راحة الخمس دقائق المعتادة. ورأى أن جمعة يزيد من سرعة خطوته قليلا. ~~ربما لم يكن ذلك صحيحا. ربما بدت له خطوته أسرع قليلا ليس إلا، ولكن روث ~~الفيل كان أكثر طزاجة الآن، مع أنه لم يكن دافئ الملمس. وأعطاه جمعة البندقية ~~ليحملها بعد أن وصلوا إلى آخر كومة روث، ولكن بعد ساعة نظر إليه وأخذ منه ~~البندقية مرة أخرى. كانوا يصعدون في السير عبر منحدر من الجبل، ولكن ~~الطريق كان يهبط الآن، ومن خلال فجوة في الغابة رأى أمامه الأرض ~~الوعرة. # قال والده: هنا يبدأ الجانب الصعب يا ديفي. # وعند ذلك أدرك أنه كان يجب عليهما أن يعيداه إلى المزرعة بعد أن أوضح ~~لهما الطريق. كان جمعة يعرف ذلك منذ وقت طويل، ووالده يعرفه الآن، ولكن لا ~~يمكن عمل أي شيء بشأنه. كانت غلطة أخرى يرتكبها، وليس أمامه ms060 شيء يفعله الآن ~~سوى المقامرة أن يكون حظه سعيدا. # وتطلع ديفيد من أعلى على الدائرة المستوية الكبيرة لأثر قدم الفيل، ~~ورأى المكان الذي انضغطت فيه النباتات، وحيث كان ساق عشب بري مقطوع ~~يذبل. والتقطه جمعة ونظر إلى الشمس. وناول جمعة العشب المقطوع لوالد ديفيد، ~~ولفه والده حول أصابعه. ولاحظ ديفيد الأزهار البيضاء مائلة تذوي. ولكنها ~~لم تذبل تحت الشمس ولا نفضت عنها نواراتها. # قال والده: لا بد أنه مريع. هيا بنا. # وعند أواخر الأصيل كانوا ما يزالون يقتفون الأثر خلال الأرض الوعرة. كان ~~النعاس يسيطر على ديفيد الآن منذ وقت طويل، وحين تطلع إلى الرجلين عرف أن ~~الشعور بالنوم هو عدوه الحقيقي، وتتبع خطاهما وحاول أن يتحرك نافضا عنه ~~النعاس الذي يصيبه بالخمول. وتناوب الرجلان اقتفاء أثر الطريق كل ساعة، وكان ~~الذي في الخلف ينظر وراءه إلى ديفيد في فترات منتظمة؛ ليتحقق أنه معهم. ~~وحين أقاما مخيما في العراء بعد أن حل الظلام في الغابة استغرق في النوم ~~حالما جالسا، وصحا على منظر جمعة يحمل حذاءه ويتحسس قدميه العاريتين بحثا ~~عما فيهما من تقرحات. كان والده قد بسط معطفه فوق ديفيد وجلس إلى جواره، ~~ومعه قطعة من اللحم المطبوخ البارد وقطعتان من البسكويت، وقدم له شايا ~~باردا في زجاجة مياه. # قال والده: يجب أن تأكل يا دافي. قدماك في حالة جيدة. إنهما عفيتان ~~مثل قدمي جمعة. كل هذا ببطء واشرب بعض الشاي ثم عد إلى النوم مرة ثانية. ~~ليست عندنا أي مشكلة. ~~- إني آسف لأن النوم كان يغالبني. ~~- لقد اصطدت ورحلت أنت وكيبو الليلة الماضية، فكيف لا تكون نعسانا؟ ~~بوسعك أخذ مزيد من اللحم إذا رغبت. ~~- أنا لست جائعا. ~~- حسنا. لدينا ما يكفي لثلاثة أيام. وسوف نصل إلى الماء ثانية غدا. ~~كثير من الجداول تهبط عبر الجبل. ~~- إلى أين ذهب الفيل؟ ~~- يعتقد جمعة أنه يعرف. ~~- أليس ذلك بالأمر السيئ؟ ~~- ليس الأمر بالغ السوء يا ديفي. # قال ديفيد: سأعود إلى النوم. إني لا أحتاج إلى معطفك. # قال والده: أنا وجمعة على ms061 ما يرام. إني أشعر بالدفء حين أنام. # كان ديفيد قد نام بالفعل حتى قبل أن يقول له والده ليلة طيبة. ثم استيقظ ~~مرة حين سقط ضوء القمر على وجهه، وجال بخاطره منظر الفيل وهو يتحرك بأذنيه ~~الكبيرتين حين كان واقفا في الغابة ورأسه يميل إلى أسفل بفعل ثقل نابيه. ~~واعتقد ديفيد عندها في الليل أن الشعور بالخواء الذي انتابه حين تذكر الفيل ~~يرجع إلى أنه استيقظ جائعا. ولكن ذلك لم يكن هو السبب، وعرف ذلك خلال الأيام ~~الثلاثة التالية. # كان اليوم التالي بالغ السوء؛ لأنه عرف قبل الظهيرة بكثير أن الحاجة إلى ~~النوم ليست هي الشيء الوحيد الذي يميز الصبي عن الرجل. كان هو أكثر نشاطا ~~منهما خلال الساعات الثلاث الأولى، وطلب من جمعة أن يحمل البندقية عيار 303، ~~ولكن جمعة هز رأسه. لم يبتسم، وكان دائما أفضل أصدقاء ديفيد وعلمه كيف ~~يصطاد. وجال بخاطر ديفيد: إنه قدمها لي بالأمس، وأنا اليوم في حالة أفضل مما ~~كنت عليه بالأمس. كذلك كانت حالته هو أيضا، ولكن ما إن حانت الساعة العاشرة ~~حتى عرف أن اليوم سيكون سيئا مثل الأمس أو أكثر سوءا. # كان من الحمق أن يظن أنه يستطيع أن يقتفي الأثر مع والده، مثلما يظن أنه ~~يستطيع أن يتشاجر معه. وعرف أيضا أن الأمر لا يعود إلى كونهما رجلين كبيرين ~~فحسب، فهما صيادان محترفان. وعرف الآن أن هذا هو السبب في أن جمعة لا يسرف ~~في أي شيء يفعله، حتى لو كان ابتسامة. كانا يعرفان كل شيء قام به الفيل، ~~وأوضحا الدليل على ذلك كل منهما للآخر دون أن يتكلما، وحين يصبح اقتفاء ~~الأثر صعبا كان والده دائما يترك لجمعة اتخاذ القرار. وحين توقفوا ليملئوا ~~زجاجات المياه من جدول قال والده: «تحمل هذا اليوم فقط يا ديفي.» وحين ~~خلفوا الأرض الوعرة وراءهم وصعدوا نحو الغابة توجهت آثار الفيل تجاه ~~اليمين في مسار فيل آخر، ورأى والده وجمعة يتحادثان، وحين أدركهما وجد جمعة ~~ينظر خلفه إلى الطريق الذي اتخذوه، ثم يتطلع بعيدا ms062 أمامه نحو مجموعة من ~~التلال الصخرية وسط طريق جاف، وبدا كأنه يبحث عن وجهته من قمم ثلاثة تلال ~~بعيدة زرقاء وراء الأفق. # وشرح الوالد: «جمعة يعرف الآن أين يذهب. كان يظن أنه قد عرف قبل ذلك ~~ولكنه وقع على هذا الطريق (ونظر خلفه إلى الطريق الذي قطعوه طوال اليوم)، ~~الطريق الذي يسير فيه الآن جيد جدا ولكن علينا أن نرتقبه صعودا.» # وصعدوا إلى أن حل الظلام، وعندها أقاموا مخيما آخر في الظلام. واصطاد ~~ديفيد طائرين بنبلته # 2 # من بين سرب صغير عبر الطريق قبل غروب الشمس مباشرة. كانت ~~الطيور قد سارت على الطريق القديم الذي سلكه الفيل كيما تنفض الغبار عنها، ~~تمشي بأناقة وثقل، وحينما قصفت الحصاة إحداها وبدأ الطائر يرف ويضرب بجناحيه ~~متلاطما، وجرى طائر آخر إليه ينقره، وضع ديفيد حصاة أخرى وجذبها إلى آخرها ~~ثم أطلقها نحو أضلاع الطائر الثاني. وحين جرى لكي يضع يده فوقه طارت بقية ~~الطيور الأخرى بعيدا. وكان جمعة ينظر خلفه وابتسم هذه المرة، والتقط ديفيد ~~الطائرين دافئين سمينين ذوي ريش أملس، وضرب رأسيهما على مقبض سكين صيده. ~~وبعدها قال والده حيث كانوا قد أقاموا مخيمهم لليل: إني لم أر أبدا هذا ~~النوع من الطيور في مثل هذه الأعالي. لقد أحسنت بحصولك على زوج ~~منها. # وطبخ جمعة الطائرين بعد أن رشقهما في عصا فوق نيران جمرات صغيرة. وشرب ~~والده ويسكي بالماء من قدح غطاء قنينته، ورقدا يرقبان جمعة وهو يطبخ. وبعد ~~ذلك أعطى جمعة لكل واحد منهما صدر طائر وبه القلب، وأكل هو عنق الطائرين ~~وظهريهما وأرجلهما. # قال والده: إن ذلك عظيم الفائدة يا ديفي. إن لدينا زادا طيبا جدا ~~الآن. # وسأل ديفيد: كم نبعد عنه الآن؟ # قال والده: إننا قريبون جدا. إن ذلك يعتمد على ما إذا كان يرتحل حين ~~يظهر القمر أم لا. هذا يعني ساعة أخرى هذا المساء وساعتين منذ رأيته ~~أنت. ~~- لماذا يعتقد جمعة أنه يعرف طريقه؟ ~~- لقد جرحه وقتل صديقه على مقربة من هنا. ~~- ومتى حدث ذلك؟ ~~- يقول إن ms063 ذلك حدث منذ خمس سنوات. هذا يعني أي وقت. يقول حين كنت أنت ~~طفلا. ~~- وهل أصبح الفيل وحيدا منذ ذلك الوقت؟ ~~- إنه يقول ذلك. هو لم يره بعد ذلك. سمع عنه فحسب. ~~- ماذا يقول عن حجمه؟ ~~- يقارب المائتين. أكبر من أي شيء رأيته. يقول إنه لا يوجد إلا فيل ~~واحد أكبر منه، وهو من نفس هذه المنطقة أيضا. # قال ديفيد: يحسن بي أن أنام. أرجو أن أشعر بتحسن غدا. # قال والده: لقد كنت عظيما اليوم. إني جد فخور بك. وجمعة أيضا. # وفي الليل استيقظ حين سطع القمر، وكان على يقين بأنهما لم يكونا فخورين ~~به إلا لمهارته في اصطياد الطائرين. لقد عثر على الفيل ليلا وتتبعه؛ كيما ~~يرى أن لديه نابيه الاثنين ثم عاد باحثا عن الرجلين ليدلهما على الطريق. ~~وعلم ديفيد أنهما فخوران بذلك. ولكن ما إن بدأت الرحلة القاتلة، أصبح بلا ~~فائدة لهما، ويمثل خطرا على نجاحهما مثلما كان كيبو بالنسبة له حين اقترب ~~من الفيل خلال ظلمة الليل، وعرف أن كلا من الرجلين يندم بشدة لأنهما لم ~~يحملاه على العودة حين كان الوقت مناسبا لذلك. كان نابا الفيل يزنان مائتي ~~رطل للواحد منهما. ومنذ أن نما هذان النابان فوق حجمهما الطبيعي أصبح الفيل ~~هدفا للصيد، وسوف يقتله ثلاثتهم الآن من أجلهما. # كان ديفيد واثقا أنهما سيقتلان الفيل الآن؛ لأنه - أي ديفيد - قد تحمل ~~اليوم بطوله وتحامل بعد أن دمره السير بحلول الظهيرة. ولذلك فمن المحتمل ~~أنهما كانا فخورين به أن قام بذلك. بيد أنه لم يسهم بشيء مفيد في عملية ~~الصيد، وكان من الأفضل لهما بكثير ألا يكون معهما. وقد تمنى مرات كثيرة ~~خلال اليوم ألا يكون قد خان الفيل، وعند الأصيل تذكر أنه تمنى ألا يكون قد ~~رآه قط. وأدرك وهو مستيقظ تحت ضوء القمر أن ذلك غير صحيح. # وفي اليوم التالي كانوا يقتفون آثار الفيل على طريق قديم للأفيال يابس ~~التربة يشق الغابة. كان يبدو كما لو أن الأفيال قد رحلت عبره منذ أن بردت ms064 ~~الحمم من على الجبل، وبدأت الأشجار تنمو عاليا بالقرب منه. # كان جمعة واثقا من نفسه وبدءوا يتحركون بسرعة. كان والده وجمعة يبدوان ~~على ثقة من نفسيهما، والسير على طريق الأفيال سهلا حتى إن جمعة أعطاه ~~البندقية ليحملها حين وصلوا إلى المكان الذي لا ينفذ الضوء إليه في الغابة. ~~وعندئذ فقدوا الأثر من جراء أكوام تبخر من روث طازج، وآثار أقدام ~~مسطحة دائرية لقطيع من الأفيال سارت في ذلك الطريق من الغابة الكثيفة التي ~~تقع على يسار الأثر. وأخذ جمعة البندقية من ديفيد في غضب. وعند الظهر وصلوا ~~عند القطيع ومن حوله، ورأوا الكتل الرمادية عبر الأشجار وحركات الآذان ~~الضخمة والزلومات تبحث ملتفة وغير ملتفة، وسمعوا صوت الأغصان تتحطم، ~~وانكسار الأشجار، ودمدمة بطون الأفيال، وصوت الروث وهو يسقط على ~~الأرض. # ووجدوا أخيرا طريق الفيل العجوز. وحين انحرف الأثر إلى طريق أصغر نظر ~~جمعة إلى والد ديفيد مبتسما فظهرت أسنانه المصفوفة، ونغض والده رأسه وظهرا ~~كأنما يتشاطران سرا قذرا، تماما كما ظهرا حين وجدهما تلك الليلة في ~~المزرعة. # ولم يطل بهما الأمر أن عثرا على السر. كان موجودا في الغابة على اليمين ~~قليلا، وهدتهما إليه آثار الفيل العجوز. كانت جمجمة عالية تصل إلى صدر ~~ديفيد، بيضاء من الشمس والمطر. كان بها غور عميق في الجبهة، ثمة فلق يجري ~~بين محجري العين الفارغين الأبيضين وينتثر في ثقوب مكسورة فارغة مكان ~~النابين اللذين جرى قطعهما. # وأشار جمعة إلى المكان الذي توقف فيه الفيل الضخم، بينما كان ينظر إلى ~~الجمجمة وإلى المكان الذي دفعتها إليه زلومة الفيل على مبعدة قليلة من ~~البقعة التي كانت بها سابقا، وحيث لمس ناباه الأرض بجوار الجمجمة. وبين ~~لديفيد الثقب الوحيد في الغور العميق في العظام البيضاء للجبهة ثم الثقوب ~~الأربعة المتجاورة في العظمة المحيطة بثقب الأذن. وابتسم لديفيد ولوالده، ~~وأخرج طلقة بندقية من جيبه وأرسى طرفها في ثقب عظمة الجبهة. # قال والده: لقد جرح جمعة الفيل الكبير في هذا المكان. كان أحد جنود الفيل ~~صاحب هذه الجمجمة. صديقه في ms065 الواقع؛ لأنه كان هو الآخر فيلا كبيرا. وقد ~~هاجم جمعة فأوقع به ثم أنهى عليه بطلقة في الأذن. # وكان جمعة يشير إلى العظام المتناثرة وكيف مشى الفيل الضخم بينها. كان ~~جمعة ووالده مسرورين جدا بما وجداه. # سأل ديفيد والده: كم من الوقت تظن أنه ظل مع صديقه الفيل الآخر؟ # قال والده: ليست عندي أي فكرة. اسأل جمعة. ~~- اسأله أنت من فضلك. # وتحادث والده مع جمعة، ونظر جمعة إليه وضحك. وأخبره والده: ربما بمقدار ~~أربعة أضعاف عمرك. إنه لا يعرف، أو لا يهتم بالأمر. # وجال في خاطر ديفيد: أنا أهتم بذلك الأمر. فقد رأيته في ضوء القمر وكان ~~وحده، ولكني كنت مع كيبو. وكيبو كان معي. ولم يكن الفيل يقوم بأي ضرر، وها ~~نحن الآن نتعقبه بعد أن جاء ليرى صديقه الميت، وسوف نقتله هو الآن. إنها ~~غلطتي. لقد خنته. # والآن، حدد جمعة أثر الطريق وأشار لوالده وانطلقا. # وجال بخاطر ديفيد: لا حاجة لوالدي أن يقتل أفيالا كيما يعيش. لم يكن ~~بوسع جمعة أن يعثر على الفيل لو أنني لم أره. لقد أتيحت له الفرصة لصيده ~~ولكنه لم يفعل إلا أن أصابه بجروح وقتل صديقه. وجدناه أنا وكيبو ولم يكن من ~~الواجب علي أن أخبرهما، بل أن أحتفظ بسره ويكون لي وحدي دائما وأدعهما ~~سكارى من شرب البيرة في المزرعة. كان جمعة ثملا إلى حد لم تستطع معه ~~إيقاظه. وسوف أحتفظ بكل شيء سرا على الدوام. لن أقول لهما أي شيء بعد ذلك ~~أبدا. لو قتلا الفيل فإن جمعة سوف ينفق نصيبه من ثمن العاج على الشراب، أو ~~يبتاع لنفسه زوجة أخرى. لماذا لم تساعد الفيل حين كان ذلك بإمكانك؟ كل ما ~~كان عليك أن تفعله هو ألا تذهب معهما في اليوم الثاني. كلا، لم يكن هذا ~~ليمنعهما. كان جمعة سيستمر. كان يجب عليك ألا تخبرهما أبدا، أبدا. حاول أن ~~تتذكر ذلك. لا تقل لأي شخص أي شيء أبدا. لا تقل لأي شخص أي شيء مرة ~~أخرى أبدا. # وانتظر والده إلى ms066 أن لحق بهما، وقال برقة بالغة: لقد استراح هنا. إنه ~~لا يسير كما كان قبلا. سوف نلحق به في أي وقت الآن. # قال ديفيد بهدوء شديد: اللعنة على صيد الأفيال. # قال له والده وهو ينظر إليه ببرود: احذر أن تفسد الأمر. # جال بخاطر ديفيد: إن الأمر مؤكد. إنه ليس غبيا. إنه يعلم كل شيء ~~الآن ولن يثق به ثانية. هذا حسن. لا أريده أن يثق بي؛ لأنني لن أخبره ولا ~~أي شخص آخر أي شيء أبدا مرة ثانية، أي شيء مرة ثانية أبدا. أبدا ~~أبدا مطلقا. # وفي الصباح كان عند المنحدر الأقصى من الجبل مرة أخرى. ولم يكن الفيل ~~بعد مرتحلا كما كان سابقا، بل كان يتحرك بلا هدف الآن، ويتغذى أحيانا، ~~وكان ديفيد يعلم أنهم يقتربون منه. # وحاول أن يتذكر كيف كان شعوره. لم يكن يكن الحب للفيل بعد، لا بد أن ~~يتذكر ذلك. كان ينتابه شجن فحسب نتيجة تعبه، وهو ما جعله يتعاطف مع حالة ~~كبر السن. فعن طريق صغره في السن تعلم كيف يكون الأمر عند التقدم في ~~العمر. # وأحس بالوحدة دون كيبو وتفكر كيف أن قيام جمعة بقتل صديق الفيل قد ~~جعله يكره جمعة وجعل الفيل أخا له. وعرف عندها كم كان مهما بالنسبة له أن ~~رأى الفيل في ضوء القمر وتبعه، واقترب منه كثيرا حتى إنه رأى نابيه ~~الهائلين. ولكنه لم يعرف أنه لن يكون هناك شيء جميل كهذا بعد ذلك أبدا. ~~كان يعرف الآن أنهما سيقتلان الفيل وأنه ليس بوسعه القيام بأي شيء بشأن هذا ~~الأمر. لقد خان الفيل حين عاد إلى المزرعة وأخبرهما بوجوده. وجال بخاطره: ~~إنهما ليقتلاني ويقتلان كيبو لو كان لنا عاج. وعرف أن ذلك غير ~~صحيح. # ربما سيعثر الفيل على مكان مولده وهما سيقتلانه هناك. كان هذا ما ينقص كي ~~يجعلا الأمر كاملا! كانا يفضلان أن يقتلاه في المكان الذي قتلا فيه صديقه. ~~كان ذلك ليملؤهما نشوة. كان ذلك ليفعمهما سرورا. قاتلا الصديق ~~الملعونان. # كانا قد تحركا الآن نحو الحافة ms067 ذات الستار الكثيف، وكان الفيل قريبا. ~~كان بوسع ديفيد أن يشمه، وكلهم يمكنهم سماعه يسقط فروع الأشجار، وصوتها ~~وهي تتكسر. ووضع الوالد يده على كتف ديفيد كي يوقفه في المؤخرة ويجعله ~~ينتظر في الخارج، ثم تناول حفنة كبيرة من الرماد من الكيس الذي في جيبه ~~ونثرها في الهواء. وانحرف الرماد قليلا في اتجاههما حين سقط، وأشار والده ~~برأسه إلى جمعة، وانحنى كيما يتبعه داخل الساتر الكثيف. وتطلع ديفيد إلى ~~ظهريهما ومؤخرتيهما تدخل وتغيب عن الأنظار. # كان ديفيد واقفا لا يتحرك، واستمع إلى الفيل وهو يأكل. كان بوسعه أن ~~يشمه بقوة تماثل القوة التي شمه بها ليلة ضوء القمر، حين كان قريبا ~~منه ورأى نابيه الرائعين. ثم ساد الصمت وهو واقف هناك ولم يعد بوسعه أن ~~يشم الفيل. ثم سمع عويلا وأصوات حطام وطلقة من البندقية عيار 303، ثم ~~طلقة والده الثنائية الثقيلة عيار 450، ثم تواصل التحطيم والتهشيم متباعدا ~~بطريقة تدريجية، وذهب هو إلى حيث كانا، ووجد جمعة مرتاعا ينزف من جبهته ~~والدم يغطي وجهه، ووالده غاضب شاحب اللون. # قال والده: «لقد أصبناه في الرئة والمعدة.» وأضاف: «ستجده راقدا أو ~~ساكنا، أرجو ذلك.» # ووجده ساكنا، يعاني في يأس لدرجة لا يتمكن معها من الحركة. كان قد ~~اصطدم بالساتر الكثيف الذي كان يأكل فيه، وعبر طريقا في الغابة المفتوحة، ~~وجرى ديفيد ووالده على طول الطريق الملطخ بالدماء الغزيرة. كان الفيل قد ~~توجه إلى الغابة الكثيفة ورآه ديفيد أمامهما يقف رماديا هائلا مستندا ~~إلى جذع إحدى الأشجار. ولم يكن بوسع ديفيد أن يرى سوى ذيله، وبعدها تقدم ~~والده وتبعه ديفيد ووصلا إلى جوار الفيل الذي بدا كأنه سفينة، ورأى ديفيد ~~الدماء تسيل من جنباته وتخر إلى أسفل، ثم رفع والده البندقية وأطلق النار، ~~وأدار الفيل رأسه، وناباه الهائلان يتحركان بثقل وبطء ونظر إليهما. وحين ~~أطلق والده الشحنة الثانية بدا الفيل كأنه يترنح كالشجرة الساقطة وهوى على ~~الأرض تجاههما. ولكنه لم يكن ميتا. كان قد استكن وها هو الآن يرقد على الأرض ~~مكسور الكتف. لم ms068 يتحرك، ولكن عينه كانت حية ونظر إلى ديفيد. كانت رموشه ~~طويلة جدا، وكانت عينه أكثر شيء حي رآه ديفيد في حياته. # قال والده: أطلق عليه النار في ثقب أذنه من بندقية 303، هيا. # قال ديفيد: افعل أنت ذلك. # وجاء جمعة يعرج تغطيه الدماء، وجلد جبهته ساقط على عينه اليسرى، ~~وعظمة أنفه مكشوفة، وإحدى أذنيه ممزقة ، وتناول البندقية من ديفيد دون أن ~~يتكلم ودفع فوهتها داخل ثقب الأذن تقريبا وأطلق النار مرتين وهو يهز ~~المتراس ويدفع به إلى الداخل في غضب. وانفتحت عين الفيل على اتساعها عند ~~الطلقة الأولى، ثم بدأت تلمع كالزجاج، وانبثق الدم من الأذن وانسال في ~~خطين ظاهرين على الجلد الرمادي المتغضن. كان لون الدم مختلفا، وجال ~~بخاطر ديفيد: يجب أن أتذكر هذا. وتذكره دوما ولكن لم يجد ذلك نفعا له ~~قط. والآن، كانت كل هيبة الفيل وجلاله وكل جماله قد ذهبت عنه وأصبح مجرد ~~كومة مغضنة ضخمة. # قال والده: حسنا. لقد أوقعنا به يا ديفي، بفضلك. والآن يجب أن أوقد بعض ~~النيران حتى أتمكن من تضميد جراح جمعة. هيا، تعال هنا يا «همبتي دمبتي» # 3 # الدامي. بإمكان العاج أن ينتظر. # وذهب إليه جمعة مبتسما، ومعه ذيل الفيل الذي كان خاليا من أي شعر على ~~الإطلاق. وحكيا مزحة بذيئة، ثم بدأ والده يتحدث بالسواحيلية في سرعة. كم ~~يبعد مكان المياه عنهم؟ أين يتعين الذهاب لجلب أناس لحمل النابين من هنا؟ ~~كيف حالك أيها الخنزير العجوز اللعين التافه؟ ماذا انكسر من جسدك؟ # وقال والده بعد أن عرف إجابة تلك الأسئلة: سوف نعود أنت وأنا لإحضار ~~الحقائب من حيث تركناها. بإمكان جمعة أن يحضر الأخشاب ويوقد النار. إن ~~معداتي الطبية موجودة في حقيبتي. علينا إحضار الحقائب قبل حلول الظلام. لن ~~تتعفن جراحه. إنها ليست من مخالب الفيل. هيا بنا. # وذلك المساء، حين جلس ديفيد بجوار النيران وتطلع إلى جمعة بوجهه المليء ~~بالغرز وأضلاعه المحطمة، تساءل ما إذا كان الفيل قد تعرف عليه حين حاول قتله. ~~وخامره أمل أن يكون الأمر كذلك. ms069 لقد أصبح الفيل بطله الآن، كما كان والده ~~لفترة طويلة من قبل. وجال بخاطره: لم أكن أصدق أن بإمكانه أن يفعل ذلك ~~بعد أن شاخ وناله التعب. كان يمكنه أن يقتل جمعة أيضا. ولكنه لم ينظر لي ~~نظرة من ينوي قتلي، بل نظر لي نظرة حزينة، نفس الحزن الذي كنت أشعر به. ~~لقد زار صديقه القديم في اليوم نفسه الذي مات فيه. # وتذكر ديفيد كيف أن الفيل قد فقد هيبته كلها حالما توقفت عينه عن ~~الحياة، وكيف أنه حين عاد هو ووالده بالحقائب كان جسد الفيل قد بدأ ينتفخ ~~بالفعل رغم برودة المساء. لم يعد هناك فيل حقيقي. مجرد الجسم الميت ~~المنتفخ المتغضن الرمادي والنابين الهائلين ذوي اللونين البني ~~والأصفر اللذين قتلاه من أجلهما. كان النابان ملطخين بالدماء الجافة، ~~وكشط ديفيد قطعة من هذه الدماء بظفر إبهامه كأنها قطعة جافة من شمع ~~الأختام، ووضعها في جيب قميصه. كان هذا كل ما أخذه من الفيل عدا بداية إدراكه ~~لمعنى الوحدة. # وبعد المجزرة، حاول والده أن يتحدث معه تلك الليلة إلى جوار النيران، ~~قال: إنك تعلم يا ديفي أنه كان قاتلا. يقول جمعة إنه لا أحد يعلم كم قتل من ~~الناس. ~~- كان كلهم يحاولون قتله، أليس كذلك؟ # قال والده: بالطبع. مع ما لديه من زوج النياب! ~~- إذن كيف يمكن اعتباره قاتلا؟ # قال والده: كما تحب. إني آسف لأن الأمور مختلطة عليك بالنسبة ~~له. # قال ديفيد: أود لو أنه كان قد قتل جمعة. # قال والده: أعتقد أنك بذلك تحمل الأمور أكثر مما يجب. إن جمعة ~~صديقك. ~~- لم يعد صديقي. ~~- لا ضرورة لأن تقول له ذلك. # قال ديفيد: إنه يعرف. # قال والده: أعتقد أنك تسيء الحكم عليه. # وتركا الموضوع عند ذلك الحد. # وبعد ذلك، عادوا أخيرا سالمين مع النابين بعد كل ما حدث من أشياء، وكان ~~النابان مستندين إلى جدار البيت المصنوع من العصي والطين، مستندين هناك ~~يتلامس طرفاهما؛ النابان طويلان وسميكان لدرجة لا يصدقها أي شخص، حتى ولو ~~لمسهما بيده، ولا يستطيع أحد، ms070 ولا حتى والده، أن يصل إلى المنحنى حيث يلتويان ~~ليلتقي طرفاهما؛ هناك حيث أصبح جمعة ووالده وهو أبطالا، وأصبح كيبو كلب بطل، ~~وأصبح الرجال الذين حملوا النابين أبطالا؛ أبطالا نصف سكارى، أو سيصبحون ~~سكارى. وقال والده: هل تريد أن نتصالح يا ديفي؟ قال: وهو كذلك، لأنه عرف أن ~~هذا هو بداية سياسة عدم البوح بما يعرف قط، التي قرر أن يتبعها. # قال والده: إني سعيد جدا لذلك. إن هذا أبسط وأفضل كثيرا. # وظلا جالسين على المقاعد الواطئة تحت ظلال شجرة التين، والنابان ~~يستندان إلى حائط الكوخ، وشربا البيرة من أقداح الفلين قدمتها لهما فتاة ~~شابة وأخوها الأصغر، خادم الأبطال، إذ هما جالسين وسط الغبار إلى جوار كلب ~~البطل البطولي الذي يمسك ديكا عجوزا جرى ترفيعه حديثا لدرجة الديك المفضل ~~للبطل. وجلسا هناك يحتسيان البيرة بينما بدأت الطبلة الكبيرة تقرع دقاتها ~~والرقص يتخذ مساره على إيقاعها. # | مكان نظيف حسن الإضاءة # كان الوقت متأخرا، وقد غادر الجميع الحانة ما عدا رجلا عجوزا جلس في ~~ظل شجرة تعكس أضواء الكهرباء. كان الطريق متربا أثناء النهار، أما في الليل ~~فقد أزال الندى الغبار، وأحب العجوز أن يبقى حتى هذا الوقت المتأخر؛ لأن ~~الهدوء كان يعم كل شيء. وكان النادلان داخل الحانة يدركان أن العجوز قد ثمل ~~إلى حد ما. ورغم أنه كان زبونا طيبا فقد كانا يعلمان أنه إذا ثمل ~~تماما فسوف يخرج دون أن يدفع الحساب؛ لذلك فقد ظلا يراقبانه ... # قال أحدهما للآخر: لقد حاول الانتحار في الأسبوع الماضي. ~~- لماذا؟ ~~- كان يائسا! ~~- من لا شيء! ~~- كيف عرفت أنه لا شيء؟ ~~- لأنه يملك مالا كثيرا. # وجلسا معا إلى مائدة مجاورة بالقرب من باب الحانة. ونظرا إلى الصالة ~~حيث الموائد خالية عدا تلك التي يجلس إليها العجوز في ظل أوراق الشجرة التي ~~تميل ببطء مع النسيم ... # ودق العجوز بكوبه على الطبق، وذهب إليه النادل الشاب: ماذا ~~تريد؟ # ونظر إليه العجوز وقال: مزيدا من البراندي! # وقال النادل الشاب: أخشى عليك أن تثمل. # فنظر إليه العجوز نظرة ms071 استنكار، فدار النادل على عقبيه ليحمل إليه ما ~~يريد. وفي طريق عودته قال لزميله المسن: إنه سيبقى طول الليل وأنا أشعر ~~بالنعاس ... إنني لا أذهب لفراشي قبل الثالثة صباحا ... كان يحسن به أن يقتل ~~نفسه في الأسبوع الماضي. # وتناول النادل زجاجة من البراندي وبطاقة حساب أخرى من مائدة الصراف في ~~داخل الحانة، وخرج بهما إلى مائدة العجوز، ووضع البطاقة ثم ملأ الكوب ~~بالبراندي، وقال للعجوز الأصم: كان يحسن بك أن تقتل نفسك في الأسبوع ~~الماضي. # وأشار الرجل العجوز بأصبعه وقال: مزيدا! # فأفرغ النادل مزيدا من البراندي حتى سال من القدح وسقط على بطاقات ~~الحساب. # قال العجوز: شكرا. # وأعاد النادل الشاب الزجاجة إلى داخل الحانة وجلس مرة أخرى إلى المائدة ~~مع زميله المسن وقال له: إنه الآن قد ثمل. # فأجابه: إنه ثمل كل ليلة. ~~- لماذا حاول أن يقتل نفسه؟ ~~- من أين لي أن أعلم. ~~- وكيف فعل ذلك؟ ~~- حاول أن يشنق نفسه بحبل. ~~- ومن أنقذه؟ ~~- ابنة أخيه. ~~- ولماذا أنقذوه؟ ~~- خوفا على حياته. ~~- كم يملك من المال؟ ~~- الكثير. ~~- لا بد أنه قد قارب الثمانين من عمره. ~~- أعتقد أنه في الثمانين. ~~- إني أتمنى لو عاد إلى بيته الآن. إني لا أذهب إلى فراشي قبل الثالثة ~~صباحا كل يوم، ويا لها من ساعة يأوي فيها الإنسان لفراشه! ~~- إنه يبقى هنا لأنه يحب ذلك. ~~- إنه وحيد، أما أنا فلي زوجة تنتظرني. ~~- وهو أيضا كانت له زوجة يوما ما. ~~- إن الزوجة ليست بذات فائدة له الآن. ~~- من أدراك، قد يكون أفضل حالا لو كانت معه زوجة. ~~- إن ابنة أخيه تعنى بحاله. ~~- أعرف ذلك. لقد قلت لك إنها هي التي أنقذته. ~~- أنا لا أتمنى أن أكون في مثل سنه، إن الكبر في السن شيء ~~مزعج. ~~- ليس دائما، فهذا العجوز رجل نظيف ويشرب دون أن يريق النبيذ حتى وهو ~~ثمل، انظر إليه! ~~- لا أريد أن أنظر إليه. كم أتمنى أن يعود إلى منزله! ~~- إنه لا يلقي بالا للذين يعملون. # ونظر العجوز من فوق قدحه عبر الصالة المستديرة، ثم إلى ms072 النادلين، ونادى ~~مشيرا إلى قدحه: مزيدا من البراندي! # وذهب إليه النادل الشاب المتلهف على العودة وقال له: خلاص! لا مزيد ~~الليلة ... سنغلق! # وقال العجوز: كوبا آخر! ~~- كلا ... خلاص! # ومسح النادل طرف المائدة بمنشفة وهو يهز رأسه، فنهض العجوز ببطء ~~وعد بطاقات الحساب التي أمامه، ثم أخرج حافظة نقود جلدية من جيبه ودفع ~~ثمن المشروبات، تاركا نصف «بيزيتة» كبقشيش. ونظر إليه النادل وهو يسير في ~~الطريق ... رجل بالغ الهرم يسير مترنحا وإن يكن بوقار. # وسأل النادل المسن زميله وهما يغلقان مصاريع النوافذ: لماذا لم تدعه ~~يبقى ويشرب ... إنها لم تكد تبلغ الثانية والنصف؟ ~~- أريد أن آوي إلى فراشي. ~~- وماذا في ساعة أخرى؟ ~~- إنها أهم عندي عنها لديه. ~~- إن ساعة زمن هي ساعة زمن! ~~- إنك تتحدث كرجل عجوز أنت الآخر ... إن باستطاعته أن يشتري زجاجة ~~يشربها في منزله. ~~- إن ذلك مختلف. ~~- نعم إن ذلك مختلف .. معك حق. ~~- وأنت؟ ألا تخشى أن تعود لبيتك قبل ساعتك المعتادة؟ ~~- أتحاول إهانتي؟ ~~- كلا أيها الرجل، إنما أنا أمزح فقط. # وقال النادل المتعجل وهو ينهض بعد أن فرغ من إغلاق المصاريع المعدنية: ~~«كلا، إني واثق من نفسي، إن كلي ثقة!» # قال النادل العجوز: إن لديك الشباب، والثقة، والعمل، أنت تملك كل ~~شيء. ~~- وماذا ينقصك أنت؟ ~~- كل شيء إلا العمل. ~~- إن لديك كل ما لدي. ~~- كلا. لم أثق في شيء قط ... ثم إنني لست شابا. ~~- هيا، فلنكف عن هذا الهراء ولنغلق المحل. # فقال النادل العجوز: أنا من الذين يحبون البقاء في الحانة حتى وقت ~~متأخر، مع أولئك الذين لا يرغبون في العودة إلى الفراش، مع أولئك الذين ~~يحتاجون للنور في الليل. ~~- أما أنا فأريد العودة إلى منزلي وفراشي. ~~- إننا على طرفي نقيض ... إنها ليست مسألة شباب وثقة فقط، مع أن هذه ~~الأشياء جميلة. إني أبطئ في الإغلاق كل ليلة، فربما كان هناك أحد في حاجة ~~إلى القهوة. ~~- يا رجل، هناك حانات كثيرة تظل مفتوحة طوال الليل. ~~- إنك لا تفهمني! هذه حانة نظيفة تشرح الصدر، إنها حسنة الإضاءة، والضوء ms073 ~~شيء جميل! # قال النادل الشاب: سعدت مساء. # وبعد أن أطفأ النور، واصل النادل الآخر الحديث مع نفسه: «إن النور هو ~~المهم طبعا، ولكن يلزم أيضا أن يكون المكان نظيفا بهيجا، الموسيقى غير ~~ضرورية، لا حاجة للموسيقى بكل تأكيد، كما أن المرء لا يستطيع الشراب في إحدى ~~الحانات مع الاحتفاظ بوقاره، رغم أن تلك الأماكن هي التي تبقى مفتوحة في مثل ~~هذه الساعات ... مم يخاف؟ لم يكن خوفا أو خشية، بل هي لا شيئية يعرفها تمام ~~المعرفة ... إن الأمر كله لا شيء، والإنسان أيضا لا شيء، إن الأمر كله كذلك، ~~ولا يحتاج إلا إلى النور وبعض النظافة والترتيب. إن بعض الناس يعيشون في ~~اللاشيء دون أن يشعروا أبدا بحقيقته ... أما هو فإنه كان يعلم أنه لا شيء ثم ~~لا شيء، ولا شيء ثم لا شيء. لا شيئا الذي في اللاشيء، لا شيء اسمك، لا شيء ~~ملكوتك، لتكن مشيئتك لا شيء في لا شيء، كما هي في اللاشيء، أعطنا هذا ~~اللاشيء، لا شيئنا اليومي ... ولا تشيئنا في اللاشيء، بل نجنا من اللاشيء من ~~أجل لا شيء! ... سلاما أيها اللاشيء المليء باللاشيء ... لا شيء معك.» # وابتسم الرجل، ووقف أمام إحدى الحانات في الطريق، حيث كانت ثمة آلة لصنع ~~القهوة تعمل بضغط البخار. وسأله البارمان: ماذا تطلب؟ # وأجابه: لا شيء! # فقال البارمان: مجنون آخر! # فقال النادل المسن: كأسا صغيرا ... # وصب له البارمان كأسا، وقال النادل: النور ساطع جدا، ولكن البار ~~غير مصقول! # فنظر إليه البارمان دون أن يجيبه ... # كان الوقت متأخرا لتبادل مثل هذا الحديث ... # وسأله البارمان: أتريد شيئا آخر؟ # فقال النادل: كلا، شكرا! ثم خرج. # كان يكره البارات والحانات، غير أن حانة نظيفة حسنة الإضاءة .. شيء ~~مختلف تماما. والآن، بدون مزيد من التفكير سيعود إلى حجرته الموحشة، ويرقد ~~على الفراش، ويستغرق في النوم أخيرا مع تباشير صباح جديد. # وقال لنفسه: على كل حال، قد تكون هذه إحدى حالات الأرق التي تصيب ~~الكثيرين. # | ثلوج كليمنجارو # كليمنجارو جبل تغطيه الثلوج، ارتفاعه 1971 قدما، ويقال إنه ms074 أعلى ~~جبل في أفريقيا. وقمته الغربية تسمى «ماسي نجاج نجاج»، بيت الله. وإلى ~~جوار القمة الغربية ثمة جثة فهد جافة متجمدة. ولم يفسر أحد ما كان الفهد ~~ينشد في تلك الأعالي. ~~••• # قال: الشيء المدهش أن الجرح غير مؤلم. وبذلك يعرف المرء متى يبدأ ~~العفن. ~~- أحقا؟ ~~- بالتأكيد. ورغم ذلك فإني آسف للغاية على الرائحة. إنها لا بد ~~تضايقك. ~~- لا تقل هذا أرجوك. أرجوك. # قال: انظري إلى هذه الطيور. أهو المنظر أو الرائحة ما يجعلها تأتي على ~~هذا النحو؟ # كانت المحفة التي يرقد عليها الرجل تقع في الظل العريض الذي تلقيه ~~شجرة «ميموزا»، وإذ كان يتطلع عبر الظل إلى وهج السهل، كان ثمة ثلاثة طيور ~~ضخمة جالسة القرفصاء في بذاءة، بينما حفنة أخرى منها تحوم في السماء، ملقية ~~ظلالا وهي تهرع في مرورها. # قال: لقد جاءت منذ أن انكسرت الشاحنة. واليوم هو أول مرة يهبط أي ~~منها إلى الأرض. لقد راقبت طريقة طيرانها بدقة في البداية، فلربما احتجت ~~إلى استخدام ذلك في قصة أكتبها. ولكن هذا يبدو مضحكا الآن. # قالت: أود لو لم تفعل. # قال: إني أتكلم لا غير. إني أشعر بتحسن حين أتكلم. ولكني لا أود أن ~~أضايقك. # قالت: أنت تعرف أن ذلك لا يضايقني، إنما قد أصبحت عصبية للغاية لعدم ~~استطاعتي عمل أي شيء. أعتقد أن علينا أن نيسر الأمور قدر استطاعتنا إلى ~~أن تأتي الطائرة. ~~- أو إلى ألا تأتي! ~~- أرجوك قل لي ماذا بوسعي أن أفعل. لا بد أن هناك شيئا أستطيع أن أقوم ~~به. ~~- بإمكانك أن تبتري الساق وقد يوقف ذلك التعفن، رغم أنني أشك في ~~ذلك. أو بإمكانك أن تطلقي علي النار. إنك ماهرة في الرماية الآن. لقد ~~علمتك الرماية، أليس كذلك؟ ~~- أرجوك ألا تتحدث هذا. أليس بإمكاني أن أقرأ لك؟ ~~- تقرئين ماذا؟ ~~- أي شيء في حقيبة الكتب التي لم تقرأها بعد. # قال: لا أستطيع أن أنصت إلى قراءتك. الكلام هو أسهل شيء. إننا نتعارك ~~وهذا يجعل الوقت يمر. ~~- إني لا أتعارك. إنني لا أريد أبدا أن ms075 أتعارك. دعنا لا نتعارك بعد ~~الآن أبدا. مهما كنا عصبيين. ربما عادوا اليوم بشاحنة أخرى. وربما ~~تأتي الطائرة. # قال الرجل: لا أريد أن أتحرك. لا معنى هناك لأن أتحرك الآن إلا كيما ~~أسهل عليك الأمور. ~~- إن هذا جبن. ~~- ألا تدعين رجلا يموت بأقصى قدر ممكن من الراحة دون أن تشتميه؟ ما ~~فائدة شتائمك لي الآن؟ ~~- إنك لن تموت. ~~- لا تكوني حمقاء. إنني أموت الآن. اسألي هؤلاء الملاعين. وتطلع إلى ~~حيث جلست الطيور الضخمة القذرة ورءوسها العارية مدفونة في ريشها المقوس. ~~وهبط طائر رابع وطفق يجري بسرعة ثم اتجه ببطء ناحية الطيور الثلاثة ~~الأخرى. ~~- إنها دائما تكون حيث توجد مخيمات. إنها لا تكاد تلحظ. لا يمكن أن ~~تموت إذا لم تستسلم. ~~- أين قرأت هذا؟ إنك لحمقاء سخيفة. ~~- بإمكانك التفكير في شخص آخر. # قال: بحق الله، إن هذه هي مهنتي. # وعندها اضطجع وهدأ بعض الشيء، وتطلع عبر الوميض الحار للسهل إلى طرف ~~الأجمة. كان هناك بعض العصافير الصغيرة بدت منمنمة بيضاء مقابل اصفرار ~~السهل، وشاهد على البعد قطيعا من الحمر الوحشية، بيضاء مقابل خضرة ~~الأجمة. كان هذا مخيما لطيفا مقاما تحت أشجار ضخمة في مواجهة أحد ~~التلال، به مياه جارية، وبالقرب منه عين ماء كادت تجف حيث تطير منها كل ~~صباح طيور الطيهوج. # سألت: ألا تود أن أقرأ لك؟ إن هناك نسمة تهب. # كانت تجلس على مقعد من الخيش إلى جانب محفته. ~~- كلا شكرا. ~~- ربما حضرت الشاحنة. ~~- أنا لا تهمني الشاحنة في شيء. ~~- إنها تهمني أنا. ~~- إنك تهتمين بأشياء كثيرة جدا لا تهمني في شيء. ~~- ليس كثيرا جدا يا هاري. ~~- ما رأيك في شراب؟ ~~- من المفروض أن الشراب ضار بك. إن دليل «بلاك» الطبي يقول بضرورة ~~تجنب المشروبات الروحية. يجب ألا تشرب. # فصاح: مولو! # 1 ~~- أجل يا «بوانا». # 2 # قالت: يجب ألا تفعل ذلك. هذا ما كنت أعنيه بالاستسلام. إنه يذكر أن ذلك ~~ضار بصحتك. إني أعرف أن ذلك ضار بك. # قال: كلا. إن ذلك مفيد لي. # وجال في فكره أن الآن ms076 قد انتهى كل شيء. الآن لن تكون أمامه فرصة أبدا ~~كيما ينهي الكتاب الذي بدأه. هكذا انتهى الأمر بعراك حول شراب. ومنذ نخرت ~~الغنغرينة في ساقه اليمنى لم يعد يشعر بألم، وذهب الخوف بذهاب الألم، وكل ~~ما يشعر به الآن تعب شديد وغضب من أن يكون هذا هو نهاية الأمر. ذلك أنه لم ~~يعد يشعر بكثير حب استطلاع والنهاية آتية. لقد تسلطت عليه سنين كثيرة، ~~ولكن لم تعد الآن تعني شيئا في حد ذاتها. كان غريبا أن يتخلص من هذه ~~الفكرة المستحوذة بسهولة من شعوره بالتعب. # والآن لن يستطيع أبدا أن يكتب الأشياء التي ادخر كتابتها حتى يعلم ~~عنها ما فيه الكفاية كيما يكتبها بحذق. حسن، وهو لن يفشل كذلك في محاولة ~~كتابتها. ربما لم يكن في مستطاعك أبدا كتابتها، ولهذا أرجأت الأمر وأخرت ~~البداية. حسن، إنه لن يعرف الآن أبدا. # قالت المرأة: أتمنى لو لم نكن قد جئنا هنا. كانت تنظر إليه وهو يحمل ~~الكأس وتعض على شفتيها ... «إنك لم تكن لتصاب بشيء من هذا في باريس. كنت ~~تقول دائما إنك تحب باريس. كان بوسعنا البقاء في باريس أو الذهاب إلى أي ~~مكان. كنت مستعدة للذهاب إلى أي مكان. قلت إنني كنت مستعدة للذهاب إلى ~~أي مكان تريد. لو كنت تريد الاصطياد كان بوسعنا الذهاب إلى هنغاريا حيث ~~نكون مرتاحين.» # قال: «أموالك اللعينة!» # قالت: هذا ليس عدلا. لقد كانت دائما أموالك بقدر ما هي أموالي، لقد ~~تركت كل شيء وذهبت إلى حيث تريد أن تذهب وفعلت ما تريد أن تفعل. ولكني ~~أتمنى لو لم نكن قد جئنا هنا. ~~- لقد قلت إنك تحبين ذلك. ~~- كنت أحبه حينما كنت أنت على ما يرام. ولكني أكرهه الآن. إنني لا ~~أفهم لماذا يجب أن يحدث هذا لساقك؟ ماذا فعلنا كيما نستحق أن يحدث هذا ~~لنا؟ ~~- أظن أن ما فعلت هو أنني نسيت أن أضع اليود على المكان الذي حككته ~~أول مرة. ثم لم ألتفت إليه بعد ذلك لأنني لا أصاب أبدا بالعدوى. وبعدئذ، ms077 ~~حين تعقدت الأمور، ربما كان استعمال محلول الفنيك الخفيف ذاك، حين نفدت ~~جميع المطهرات الأخرى، هو الذي شل الأوعية الدموية الدقيقة وبدأ الغنغرينة. ~~ونظر إليها ثم قال: ماذا غير ذلك؟! ~~- إني لا أعني ذلك. ~~- لو أننا استخدمنا ميكانيكيا ماهرا بدلا من السائق غير المدرب، ~~لكان قد فحص الزيت ولما كان قد حرق أبدا محمل الكريات في الشاحنة. ~~- إني لا أعني ذلك. ~~- لو أنك لم تهجري أهلك، أهل مقاطعات «أولد وستبري» و«ساراتوجا» و«بالم ~~بيتش» الملاعين كيما تحبيني ...؟ ~~- لقد أحببتك. هذا ليس عدلا. إنني أحبك الآن. سوف أحبك دائما. ألا ~~تحبني؟ # قال الرجل: «كلا. لا أظن ذلك. إنني لم أحبك أبدا.» ~~- ماذا تقول يا هاري؟ لقد جننت. ~~- كلا. ليس لدي عقل حتى أجن! # قالت: لا تشرب هذا. أرجوك يا حبيبي ألا تشرب هذا. يجب أن نبذل كل ما في ~~وسعنا. # قال: افعلي أنت ذلك. أنا متعب. # والآن، في خياله، رأى محطة سكك حديدية في «كاراجاتش» وكان واقفا فيها ~~ومعه صرة أمتعته. وكان النور الأمامي للقطار يقطع الظلمة الآن، وهو يغادر ~~منطقة «تراس» بعد الانسحاب. كان ذلك أحد الأشياء التي ادخرها ليكتب عنها ~~بعد ذلك. في الصباح عند الإفطار إذ يتطلع من النافذة ويرى الثلج على الجبال ~~في بلغاريا وسكرتيرة «نانسن» تسأل الرجل العجوز إذا كان ذلك ثلجا، فينظر ~~العجوز ويقول لا، ليس هذا ثلجا، الوقت مبكر لنزول الثلج. والسكرتيرة ~~تردد على مسامع الفتيات الأخريات: كلا، أترين، إنه ليس ثلجا، وهن جميعا ~~يصحن: إنه ليس ثلجا، لقد كنا مخطئات. ولكن الحقيقة هي أنه كان ثلجا، وقد ~~بعثهن ذلك الضابط العجوز يخضن فيه حين عقد اتفاقية تبادل السكان. ولقد كان ~~ثلجا ما وطئنه هناك إلى أن متن جميعا ذلك الشتاء. # ولقد كان ثلجا أيضا ذلك الذي هطل طيلة أسبوع عيد الميلاد تلك السنة ~~هناك في «جاروتال»، تلك السنة كانوا يقيمون في منزل قاطع الأشجار، وفيه ~~الموقد الصيني المربع الكبير الذي احتل نصف الحجرة، وكانوا ينامون على ~~حشايا من ورق أشجار الزان، في ذلك الوقت ms078 الذي جاء فيه الجندي الهارب وقدماه ~~داميتان على الثلج. قال إن الشرطة تطارده، فأعطوه جوارب من الصوف وشغلوا ~~رجال الدرك بالتحدث إليهم إلى أن انمحت آثار الأقدام بفعل الرياح. # وفي «شرونر»، يوم عيد الميلاد، كان الثلج باهرا لدرجة تؤذي العين، حين ~~ينظر المرء من الحانة ويرى الناس تعود إلى بيوتها من الكنيسة. كان ذلك حيث ~~صعدوا في الطريق الذي مهدته الزحافات ذات اللون الأصفر على طول النهر ~~وتلال أشجار الصنوبر الشديدة الانحدار، وأدوات الانزلاق على الجليد فوق ~~أكتافهم، وحيث جروا ذلك الجري الشديد عبر الطريق الجليدي عند منزل «مادلنر»، ~~والثلج منبسط كالكعكة يحيط بها الصقيع، والندف تهبط خفيفة كالبودرة. ~~واستعان في ذهنه الاندفاع الصامت الناتج عن السرعة إذ يهبط المرء كالطائر وهو ~~ينزلق على الجليد. # كان الثلج قد احتجزهم طوال أسبوع في منزل «مادلنر» ذلك الوقت عندما ~~هبت العاصفة، فأخذوا يلعبون الورق وسط الدخان على ضوء القنديل، وكانت ~~الرهانات تزداد كلما زادت خسارة الهر «لنت». وأخيرا خسر كل شيء، كل شيء؛ ~~نقود مدرسة الانزلاق على الجليد وكل مكسب الموسم، ثم خسر رأسماله نفسه. وكان ~~باستطاعته أن يراه بأنفه الطويل يلتقط الورق ثم يفتح لعبة «عمياء». كان ~~يوجد دائما ألعاب قمار وقتها. وحين لا يكون هناك ثلج، نقامر، وحين يكون ~~هناك ثلج أكثر من اللازم نقامر. وفكر في الوقت الذي قضاه يقامر على طول ~~حياته. # ولكنه لم يكتب سطرا عن ذلك، ولا عن يوم عيد الميلاد ذاك البارد الباهر، ~~والجبال تتراءى عبر السهل حين طار جونسون عبر الخطوط ليقذف بالقنابل القطار ~~الذي يقل الضباط النمساويين الحاصلين على إجازة، ويحصدهم بمدافعه حين ~~انتثروا يجرون. # وتذكر إذ جاء جونسون بعد ذلك إلى حجرة الطعام وأخذ يحكي القصة وكيف ساد ~~الصمت بعد ذلك، ثم أحدهم يصيح: أيها الوغد القاتل اللعين! # وكان هؤلاء النمساويون الذين قتلوهم آنذاك هم نفس النمساويين الذين ~~شاركهم الانزلاق على الجليد بعد ذلك. كان «هانز» - الذي انزلق معه طوال تلك ~~السنة - ضابطا في قوات القيصر، وحين ذهبا معا لصيد الأرانب البرية ms079 هناك ~~عند التل الصغير وراء طاحونة نشر الخشب، تحدثا عن القتال في «باسوبيو»، ~~وعن الهجوم على «برتيكا» و«أسالون»، وهو لم يكتب بعد حرفا عن ذلك. ولا عن ~~«مونتي كورنو» ولا عن «سيتي كومون» ولا عن «أرسبيدو». # كم شتاء عاشه في نزلي «فوراك» و«آرل»؟ أربعة شتاءات. ثم تذكر الرجل ~~الذي كان يعرض ثعلبا للبيع حين كان يسير مع زوجته في بستان «بلودنز»، ~~يستهدفان شراء هدايا هذه المرة، وطعم الكريز من شراب «الكيرش» المعتق، ~~والاندفاع المنفلت لمسرى بودرة الثلج على قشرة الأرض، وهي تغني «هاي هو!» ~~إذ المرء يجري آخر مسافة نحو الثلج المصمت، ثم يجري قاطعا البستان في ثلاث ~~دورات، ويخرج عبر الحفرة وعلى الطريق الجليدي وراء النزل. ثم يحل المرء ~~أربطته ويخلع عنه زحافتي الانزلاق ويسندها إلى حائط النزل الخشبي، بينما ~~يتبدى ضوء المصباح من النافذة. وفي الداخل، في وسط الدفء الداخن الذي يعبق ~~برائحة النبيذ الطازج، كان ثمة من يعزف على الأوكورديون. # وسأل المرأة التي كانت تجلس إلى جواره في مقعد من الخيش، الآن، في ~~أفريقيا: أين نزلنا في باريس؟ ~~- في فندق «كريون». أنت تعرف ذلك. ~~- ولماذا تظنين أنني أعرف ذلك؟! ~~- إننا ننزل دائما هناك. ~~- كلا. ليس دائما. ~~- هناك وفي «بافيلون هنري الرابع» في سان جرمان. لقد قلت إنك تحب ذلك ~~الفندق. # فقال «هاري»: الحب كومة قاذورات. وأنا هو الديك الذي يقف فوقها كيما ~~يصيح. # قالت: هل من الضروري إذا تعين عليك أن ترحل أن تقتل كل شيء تخلفه ~~وراءك؟ أعني، أيتعين عليك أن تأخذ معك كل شيء؟ عليك أن تقتل جوادك وزوجتك ~~وتحرق سرجك ودرعك؟ # قال: أجل. إن نقودك اللعينة كانت درعي. طيري ودرعي. ~~- لا تقل هذا. ~~- وهو كذلك. سأكف عن قول ذلك. لا أريد أن أجرح شعورك. ~~- لقد جاء ذلك متأخرا شيئا ما. ~~- وهو كذلك إذن. سوف أمضي في جرح شعورك. إنه يزيد من تسليتي. إن الشيء ~~الوحيد الذي أحببت حقا أن أفعله معك لا يمكنني أن أفعله الآن. ~~- كلا، هذا ليس صحيحا. لقد كنت تحب أشياء ms080 كثيرة، وقد نفذت كل ما كنت ~~تريدني أن أفعل. ~~- أوه، بحق الله كفي عن هذا الشقاق. # ونظر إليها فرآها تبكي. # قال: اسمعي. هل تظنين أنني أحب ذلك؟ إنني لا أعرف لماذا أفعل ذلك؟ أظن ~~أنه شبيه بمحاولة القتل كيما يستمر المرء على قيد الحياة. لقد كنت على ما ~~يرام حين بدأنا الحديث. إني لم أقصد أن أبدأ هذا الشقاق، والآن ها أنا أبدو ~~أحمق كالبلهاء، وأشد ما أكون قسوة معك. لا تلقي بالا يا عزيزتي إلى ما ~~أقول. إني أحبك حقا. إنك تعرفين أنني أحبك. إنني لم أحب أحدا قط ~~كما أحببتك. # وانزلق إلى الكذبة المعهودة التي يلجأ إليها لينال أغراضه. ~~- إنك طيب معي. # قال: أيتها اللعينة. أيتها اللعينة الثرية. ذلك شعر. إني أفيض شعرا ~~الآن. سقما وشعرا. شعرا سقيما. ~~- كف عن ذلك يا «هاري». لماذا يتعين عليك أن تتحول إلى شيطان ~~الآن؟! # قال الرجل: إني لا أحب أن أخلف أي شيء. لا أحب أن أخلف شيئا ~~ورائي. ~~••• # كان الليل قد انسدل الآن وكان قد نام قليلا. # كانت الشمس قد غابت وراء التل، وثمة ظل يحوم عبر السهل وصغار الحيوانات ~~تأكل بالقرب من المخيم، رءوس سريعة محنية وذيول متحركة. وراقبها وهي تقيم ~~فاصلا بينه وبين الأجمة الآن. ولم تعد الطيور تنتظر على الأرض، بل كانت كلها ~~تجثم في ثقل على إحدى الأشجار. كان هناك المزيد منها. وكان خادمه الصبي يجلس ~~إلى جوار محفته. # قال الصبي بإنجليزيته الركيكة: ذهبت «ممصاحب» # 3 # لتصطاد. هل «بوانا» يريد شيئا؟ ~~- كلا. # كانت قد ذهبت لتصطاد قطعة من اللحم، ولما كانت تعلم مدى شغفه بمراقبة ~~مشهد الصيد فقد ذهبت بعيدا كيما لا تسبب ضوضاء في ذلك الجانب من السهل على ~~مرمى أبصاره. وجال في خاطره أنها دائما ترعى مشاعره، في أي شيء تعرفه أو ~~تكون قد قرأته أو سمعته. # لم تكن غلطتها أنه حين عرفها كان قد استنفد بالفعل. كيف يتأتى لامرأة ~~أن تعرف أنك لا تعني شيئا مما قلت، وأنك لم تقل ما قلت إلا ms081 بدافع العادة ~~وكيما تحقق راحتك! وحين لم يعد يعني ما يقول، لاقت أكاذيبه نجاحا بين النساء ~~أكثر مما كان يلاقي حين كان يخبرهن بالحقيقة. # لم يكن الأمر بكذب أكثر منه عدم وجود حق يقال. لقد عاش حياته وانتهى ~~ثم عاد يحياها من جديد مع أناس مختلفين ومزيد من المال، في أفضل ما عهده ~~من الأماكن ، وفي أماكن جديدة عليه أيضا. # كنت تتحاشى التفكير وكان كل شيء رائعا، كنت مزودا بباطن قوي، ~~حتى إنك لم تتمزق شعاعا مثلهم، مثل ما حدث لمعظمهم، واتخذت موقفا بألا ~~تعير العمل الذي تعودت أن تعمل اهتماما الآن حين لم يعد بإمكانك أن تقوم ~~به. غير أنك قلت في داخليتك إنك ستكتب عن هؤلاء الناس، عن المتخمين ~~بالثروات، وإنك لست منهم في واقع الأمر، بل جاسوس في بلدهم، وإنك سوف ~~تتركهم وتكتب عنهم، حتى يكتب عنهم أخيرا واحد يعرف حقيقة ما يكتب عنه. ~~ولكنه لم يكتب ذلك إطلاقا؛ لأن كل يوم من عدم الكتابة، من الراحة والنعيم، ~~من طريقة العيش التي يحتقرها، يضعف من قدرته ويوهن من إرادته على العمل، ~~حتى إنه - في النهاية - لم يكتب أبدا. إن معارفه قد ازدادوا راحة حين لم ~~يعد يكتب. وأفريقيا هي المكان الذي شعر فيه بأشد سعادة في أحسن أوقات حياته؛ ~~لذلك فقد ذهب إلى هناك كيما يبدأ من جديد. ولقد رتب أمر هذه الرحلة بأقل ~~قدر من وسائل الراحة. لم يكن هناك من صعوبات، ولكن لم يكن هناك أي ترف. ~~وظن أن بوسعة العودة إلى الكتابة بالتمرين على هذه الصورة. ظن أن بوسعه - ~~على نحو ما - أن يزيل الصدأ الذي ران على روحه، كما يفعل الملاكم حين يذهب ~~إلى الجبال ليعمل ويتمرن كيما يحرق الشحم من جسده. # كانت تحب ذلك منه. قالت إنها تحب ذلك. كانت تحب أي شيء مثير، أي شيء ~~يتضمن تغييرا في الصورة، حيث أناس جدد وحيث الأمور سارة. وقد شعر ~~متوهما بعودة قوة الإرادة الدافعة له على العمل. أما وأن الأمور قد انتهت ~~إلى ms082 هذا، وكان يعلم أنها النهاية، فعليه ألا يتحول إلى ذلك الثعبان الذي ~~يعض نفسه لأن ظهره قد انكسر. لم يكن ذلك ذنب هذه المرأة. لو لم تكن هي ~~لكانت أخرى. لو أنه عاش على أكذوبة فيجب أن يحاول أن يموت عليها. # وسمع طلقة فيما وراء التل. # كانت بارعة في الصيد، هذه اللعينة الثرية الطيبة، هذه التي رعت موهبته ~~في حنان، وهي التي دمرتها في نفس الوقت. هراء .. لقد دمر موهبته بيده. ~~لماذا يتعين عليه إلقاء اللوم على هذه المرأة لرعايتها إياه حق الرعاية؟ ~~لقد دمر موهبته بعدم استعمالها، بخيانة نفسه وبخيانة معتقداته، بالإفراط في ~~الشراب حتى انثلمت أطراف مداركه، بالكسل، بالخمول، بالعنجهية، بالكبرياء ~~والهوى، بكل الوسائل. ما هذا السرد؟ كتالوج كتب قديمة؟ وما هي موهبته على ~~أية حال؟ إنها موهبة أي نعم ولكنه - بدلا من أن يستخدمها - تاجر فيها. ~~إنها لم تتمثل أبدا فيما أنجزه، بل فيما يستطيع إنجازه. ولقد اختار أن يكسب ~~عيشه عن طريق آخر غير القلم والورق. وكان من الغريب أيضا - أليس كذلك - أنه ~~كلما كان يقع في حب امرأة جديدة يكون لديها مال أكثر مما لدى المرأة ~~السابقة عليها. بيد أنه حين لم يعد يشعر بالحب، حين أصبح كذوبا فحسب، ~~كما يحدث الآن مع هذه المرأة التي لديها أكبر قدر من المال، التي لديها ~~المال كله، والتي كان لديها زوج وأولاد، والتي كان لها عشاق لم ترض ~~عنهم، والتي أحبته حبا صادقا بوصفه كاتبا وإنسانا وصديقا، وبوصفه ~~من ثمين المقتنيات، من الغريب أنه حين لم يكن يحبها على الإطلاق كان كذوبا ~~في ادعائه الحب، استطاع أن يعطي مقابل النقود أكثر مما كان يعطي عادة ~~بدافع الحب الحقيقي. # وجال في خاطره أنه لا بد أننا قد خلقنا مهيئين لما نفعل، والمرء مع ~~ذلك يكسب عيشه من مواهبه. لقد باع حيويته، بشكل أو بآخر، طوال حياته، وعندما ~~لا يكون لعواطفه شأن بعلاقاته فإنه يوجه اهتماما أكبر للمال. لقد اكتشف ~~ذلك، ولكن ليس بوسعه الآن أن يكتب عنه. كلا، ms083 إنه لن يكتب عن ذلك الأمر، رغم ~~أنه يستحق. # ثم تجيء هي في الصورة الآن - في أفريقيا - تسير عبر الفضاء المكشوف تجاه ~~المخيم. كانت ترتدي ملابس الصيد وتحمل بندقيتها. وكان كل من الصبيين يحمل ~~مدفعا رشاشا، ويسيران خلفها. وجال بفكره أنها لا تزال امرأة جميلة، وجسمها ~~لطيف، وكانت ذات موهبة عظيمة في أمور الحب والغرام . لم تكن بالحسناء، ولكنه ~~يحب وجهها، كما أنها تقرأ بشراهة، وتحب ركوب الخيل والصيد، وهي بالتأكيد ~~تفرط في الشراب. كان زوجها قد مات وهي لا تزال على درجة من الشباب، فكرست ~~نفسها وقتا ما لولديها الفتيين، اللذين لم يكونا بحاجة إليها ويشعران ~~بالحرج وهي معهما، ولممتلكاتها من الخيول، وللكتب، ولزجاجات الشراب. وكانت ~~تحب أن تقرأ في المساء قبل تناول العشاء، وتشرب الويسكي بالصودا وهي تقرأ. ~~وحين يحل وقت العشاء تكون قد ثملت إلى حد ما، أما بعد زجاجة من النبيذ مع ~~الطعام فإنها تكون ثملة بما يكفي للذهاب إلى النوم. # كان ذلك قبل مرحلة العشق. فبعد أن اتخذت عشاقا لم تعد تفرط في ~~الشراب؛ لأنها لم تعد مضطرة إلى الشرب كيما تنام. ولكن عشاقها كانوا ~~يبعثون فيها الملل. لقد كانت زوجة لرجل لم يثر فيها مللا على الإطلاق، ~~ولكن هؤلاء الناس أضجروها إلى حد بعيد. # ثم حدث أن قتل أحد ولديها في حادث طائرة، ولما مضى وقت على ذلك لم ~~تعد بحاجة إلى عشاق، وكان عليها أن تولد من جديد؛ لأن الشراب لم يعد ~~يخفف من آلامها، وتملكها رعب فجائي من الوحدة. ولكنها كانت تريد إلى ~~جوارها شخصا تحترمه. # وبدأ الأمر بسيطا للغاية. كانت تحب ما يكتب، وكانت دائما تحسده على ~~الحياة التي يحياها. كانت تعتقد أنه يفعل ما يريد تماما. ولقد كانت الخطوات ~~التي حازته عن طريقها، والطريقة التي وقعت بها أخيرا في غرامه جزءا من ~~سلسلة منتظمة أقامت بها لنفسها حياة جديدة، بينما باع هو ما تبقى له من ~~حياة سابقة. # لقد باعها مقابل الأمان، ومقابل الرفاهية أيضا، لا سبيل إلى إنكار ذلك. ms084 ~~ومقابل ماذا أيضا؟ إنه لا يعرف. إنها كانت لتجلب له أي شيء يريد، كان يعرف ~~ذلك. ولقد كانت امرأة لطيفة، ولعينة في نفس الوقت. وقد كان يفضل حبها ~~على حب أي واحدة أخرى، هي لأنها أغنى، لأنها لطيفة جدا وحساسة، ~~ولأنها لم تثر عليه مطلقا. والآن، فإن هذه الحياة الجديدة التي شيدتها ~~لنفسها تؤذن بالنهاية ؛ لأنه لم يستخدم صبغة اليود منذ أسبوعين حين دخلت ~~شوكة إلى ركبته بينما هم يهرعون لتصوير قطيع من ذكور الظباء تقف رافعة ~~الرأس، تحدق أمامها وخياشمها تطالع الهواء، وآذانها ترهف السمع استرقاقا ~~لأول ضوضاء ترسل بها مهطعة داخل الغابة. وقد سقط أيضا على الأرض قبل أن ~~ينجح في التقاط الصورة. # ها هي قد حضرت الآن. # وأدار رأسه على المحفة كيما ينظر إليها. قال: أهلا. # فقالت له: لقد اصطدت كبشا. سوف أحضر لك مرقا دسما، وسوف أجعلهم ~~يعدون لك بطاطس مهروسة. كيف حالك الآن؟ ~~- أفضل بكثير. ~~- أليس هذا رائعا؟ كنت على يقين من ذلك. لقد كنت نائما حين ~~خرجت. ~~- لقد نمت نوما عميقا. هل توغلت كثيرا في الغابة؟ ~~- كلا. وراء التل لا غير. لقد اصطدت الكبش بطلقة في الصميم. ~~- إنك بارعة في التصويب. ~~- إني أحب الصيد. لقد أحببت أفريقيا. لو أنك كنت على ما يرام لكانت هذه ~~الرحلة أفضل رحلاتي. إنك لا تعلم أي متعة أحس بها بالصيد معك. لقد ~~أحببت هذا البلد. ~~- إني أحبه أيضا. ~~- يا حبيبي! إنك لا تعلم كم هو رائع أن أرى حالك يتحسن! إني لا أحتمل ~~غضبك. عدني أنك لن تكلمني غاضبا كما فعلت سابقا! # قال: أجل. إني لا أذكر ما قلت. ~~- إنك لست مضطرا إلى تدميري. ما أنا إلا امرأة في منتصف العمر تحبك ~~وتريد أن تفعل ما تحب. لقد سبق لي أن دمرت مرتين أو ثلاث مرات. إنك لن ~~تريد دماري مرة أخرى. # قال: إني أود أن أدمرك مرات عدة غراما وهياما. ~~- أجل. هذا هو الدمار الحسن. هذه هي الطريقة التي خلقنا كي ندمر ~~بها. ستكون الطائرة هنا غدا. ms085 ~~- كيف تعرفين؟ ~~- إني متأكدة من ذلك. لا مفر من وصولها. ولقد جهز الأولاد الأخشاب ~~والحشائش لتمييز مكان الهبوط. لقد ذهبت إلى هناك ورأيت المهبط مرة أخرى ~~اليوم. هناك متسع من المكان للهبوط، وقد جهزنا العلامات على ~~الجانبين. ~~- ما الذي يجعلك تعتقدين أنها ستصل غدا؟ ~~- إني متأكدة من ذلك. لقد حان موعد وصولها منذ فترة. وعندئذ سوف ~~يعالجون ساقك، ثم يتهيأ لنا أن ندمر نفسينا غراما. ولن نعود إلى ذلك ~~الحديث المرعب. ~~- هل لنا في كأس؟ لقد غربت الشمس. ~~- أتظن أن ذلك مناسب؟ ~~- إني أتناول كأسا الآن. ~~- إذن، سنشرب معا. وهتفت باللغة المحلية: يا غلام، اثنين ويسكي ~~بالصودا. # وقال لها: يحسن بك ارتداء حذاء الرقبة الواقي من الناموس. ~~- سأنتظر حتى أستحم ... # وشربا معا بينما الظلمة تتكاثف. وقبل أن ينسدل الظلام ولا يعود هناك ما ~~يكفي من الضوء للصيد، عبر ضبع الخلاء أمامهما في طريقه للدوران حول ~~التل. # قال الرجل: هذا اللعين يمر من هنا كل ليلة. كل ليلة طوال ~~أسبوعين. ~~- إنه ذلك الذي يصيح في الليل. لا يهمني ذلك. رغم أنه حيوان قذر. # وكان باستطاعته، إذ هما يشربان معا وليس ثمة من ألم سوى عناء الاضطجاع ~~في وضع واحد، وإذ الصبية يوقدون نارا تتقافز ظلالها على المخيمات، أن ~~يشعر بعودة التوافق إلى هذه الحياة المتمثلة في الاستسلام اللذيذ. إنها ~~طيبة جدا معه. وكان هو قاسيا وظالما تجاهها هذا الأصيل. إنها امرأة ~~ممتازة. رائعة حقا. وعندئذ خطر له أنه سوف يموت. # جاءه هذا الخاطر مندفعا، ليس كاندفاع المياه أو الرياح، بل على صورة ~~فراغ فجائي يعبق بالشر، والشيء الغريب أن الضبع كان يواكب حافة ذلك ~~الخاطر. # سألته: ما الأمر يا «هاري»؟ # قال: لا شيء. يحسن بك أن تتحولي إلى الجانب الآخر. ناحية الريح. ~~- هل بدل الغلام أغطية الفراش؟ ~~- أجل. إنني أستخدم حامض البوريك الآن. ~~- وكيف تشعر؟ ~~- مهزوز شيئا ما. # قالت: سوف أذهب الآن لأستحم. وبعد ذلك سآكل معك ثم ندخل محفتك إلى ~~الخيمة. # قال لنفسه إنهما أحسنا صنعا بالكف عن الشجار. إنه ms086 لم يتشاجر أبدا ~~لمدة طويلة مع هذه المرأة، بينما كان يتشاجر مع النساء اللائي أحبهن حبا ~~صادقا، شجارات طويلة لدرجة مات معها كل شيء جميل بينه وبينهن. لقد أحب ~~أكثر من اللازم، وطلب أكثر من اللازم، وضيع كل شيء. # وفكر في ذلك الوقت عندما كان وحيدا في مدينة القسطنطينية، بعد أن ~~تشاجر في باريس ورحل . وتردد أولا على العاهرات، وحين انتهى من ذلك ولم ينجح ~~في قتل شعوره بالوحدة بل زادها سوءا، كتب إليها، الأولى التي هجرته، خطابا ~~يخبرها فيه كيف أنه لم ينجح أبدا في قتل حبها في قلبه ... وكيف أنه ظن ذات ~~مرة أنه يراها خارج فندق «الريجنس» فكاد أن يغمى عليه وشعر بالدوار، وكيف ~~أنه يتتبع أي امرأة تشبهها في أي شيء، على طول البوليفار، خائفا أن يكتشف ~~أنها ليست هي، خائفا أن يفقد الشعور الذي يهبه له هذا الظن، وكيف أن أي ~~امرأة عرفها جعلته يفتقدها أكثر وأكثر، وكيف أنه لا يهم أي شيء فعلته؛ ~~لأنه يعرف أنه لا يستطيع أبدا مداواة نفسه من غرامها. وكتب هذا الخطاب في ~~النادي، في هدوء واتزان، وبعثه إلى نيويورك طالبا منها أن تراسله على عنوان ~~مكتب عمله في باريس. بدا له هذا آمنا. وفكر في تلك الليلة التي اشتد ~~فيها شوقه إليها على نحو ملأ نفسه بالفراغ والغثيان، فطفق يدور أمام محل ~~«مكسيم»، ثم تعرف على فتاة أخذها معه للعشاء. وبعد ذلك ذهبا معا يرقصان، ~~وكانت لا تجيد الرقص، فتركها ليرقص مع أرمينية حسناء احتضنته بذراعيها. ~~وأخذها من جندي بريطاني بعد عراك معه. وطلب منه الجندي أن يذهب معه إلى ~~الخارج، وتعاركا في الشارع على البلاط وسط الظلام. وضربه مرتين، بشدة، على ~~جانب الفك، ولما لم يسقط عرف من فوره أن المعركة ستكون طويلة. وضربه ~~الجندي في بطنه، ثم إلى جوار عينه. وتطوح واقعا، وهجم عليه الجندي ومزق ~~ردن معطفه، ولكنه لكم الجندي مرتين وراء أذنه ثم طوحه بعيدا عنه ~~مهمشا إياه بقبضته اليمنى. وحين سقط الجندي عنه، ارتطمت ms087 رأسه بأحجار ~~الطريق، أما هو فجرى سريعا بالفتاة لأنهما سمعا الشرطة الحربية في الطريق ~~إليهم. ودلفا إلى عربة أجرة وذهبا إلى فندق «هيسا» على ضفاف البوسفور حيث ~~أمضيا ليلتهما. وتركها وحدها عند مطلع النهار، وتوجه إلى «بيرا بالاس» ~~بعين سوداء وهو يحمل معطفه على ذراعه لأن أحد ردفيه قد تمزق. # ورحل في نفس تلك الليلة إلى الأناضول. وتذكر كيف كان القطار خلال ~~الرحلة يخترق حقول الخشخاش التي يزرعونها للحصول على الأفيون، والشعور الغريب ~~الذي يبعثه المنظر في النفس، وكيف تبدو جميع المسافات خاطئة، ثم تذكر ~~الهجوم الذي شنوه مع ضباط القسطنطينية الذين وصلوا حديثا، والذين لم ~~يكونوا يعرفون شيئا قط، وكيف أطلقت المدفعية النيران على القوات، والمراقب ~~البريطاني وهو يبكي كالطفل. # كان ذلك هو يوم شاهد لأول مرة رجالا موتى يرتدون تنورات الباليه ~~البيضاء وأحذية مقلوبة عليها كريات صوفية. وكان الأتراك يتقدمون باطراد ~~وبثقل، وشاهد الرجال ذوي التنورات يجرون، والضباط يطلقون عليهم النار ثم ~~يجرون هم أنفسهم، وجرى هو والمراقب البريطاني أيضا حتى آلمته رئتيه وامتلأ ~~فمه بطعم المرارة. وتوقفا وراء بعض الصخور، وخلفهم كان الأتراك يتقدمون ~~بثقلهم المعهود. وشهد بعد ذلك الأشياء التي لم يكن بقدرته أن يفكر فيها، وشهد ~~بعدها أيضا أشياء أسوأ بكثير. ولذلك فإنه حين عاد إلى باريس تلك المرة لم ~~يستطع أن يحكي عن تلك الأيام أو أن يتحمل ذكرها. وهناك، حين كان يمر أمام ~~المقهى كان يرى ذلك الشاعر الأمريكي جالسا وأمامه كوم من الأطباق، وعلى ~~وجهه البطاطسي ترتسم نظرة غباء، يتحدث عن حركة الدادائية مع روماني يقول إن ~~اسمه «تريستان تزارا» يرتدي دائما مونوكلا ويشكو الصداع. ثم هناك في الشقة ~~مع زوجته التي عاد إليه حبها مرة أخرى، وانتهى كل الشجار، وانتهى كل ~~الغضب، سعيدا بعودته إلى بيته، ومكتبه يرسل له بريده إلى الشقة. وهكذا، ~~يوما ما، وصل الخطاب الذي يرد على الرسالة التي سبق أن بعثها إلى صديقته، ~~على صحفة ذات صباح، وحين رأى الخط تجمد جسده كله وحاول أن يدس الخطاب ms088 ~~تحت خطاب آخر. ولكن زوجته صاحت به: ممن هذا الخطاب يا عزيزي؟ وكان هذا نهاية ~~بداية ذلك الموضوع. # عادت إلى ذهنه الأوقات الجميلة معهن جميعا، والمشاجرات. كن دائما ~~يختزن أحسن الأماكن كيما يبدأن فيها الشجار. ولماذا كن يتشاجرن حينما ~~يكون هو في أفضل حالاته؟ إنه لم يكتب أبدا عن ذلك؛ لأنه في البداية لم يكن ~~يريد أن يسبب ألما لأي منهن، وكذلك لأنه كان هناك، فيما يبدو، موضوعات ~~كثيرة أخرى يكتب عنها. ولكنه كان يعتقد أنه سوف يكتب أيضا عن تلك الموضوعات ~~الأخرى يوما ما. كان هناك الكثير مما يصلح للكتابة. لقد رأى العالم وهو ~~يمر بنقطة تحول، لا الأحداث فحسب، رغم أنه رأى الكثير من الأحداث وراقب ~~الناس فيها، ولكنه كان يرى أيضا التحول الدقيق ويستطيع أن يتذكر كيف كان ~~حال الناس في أوقات مختلفة. لقد عاش ذلك ورصده ومن واجبه أن يكتب عنه، ~~ولكنه الآن لن يفعل ذلك أبدا. # قالت: كيف حالك الآن؟ كانت قد خرجت من الخيمة بعد أن استحمت. ~~- على ما يرام. ~~- أيمكنك أن تأكل الآن؟ # ورأى الصبي خلفها يحمل المنضدة الصغيرة والصبي الآخر يحمل ~~الأطباق. # قال: أريد أن أكتب. ~~- يجب أن تتناول بعض المرق كيما يشد أزرك. # قال: سوف أموت الليلة. لا حاجة بي إلى شد أزري. # قالت: لا تبالغ في الأمور يا هاري أرجوك. ~~- لماذا لا تستخدمين أنفك؟ لقد تعفن نصف فخذي الآن. لماذا بحق الجحيم ~~أتناول المرق؟ يا غلام أحضر لي ويسكي بالصودا. # فقالت برفق: أرجوك أن تتناول المرق. ~~- حاضر. # وكان المرق ساخنا جدا، وتعين عليه أن يمسك بالفنجان إلى أن يبرد بما ~~فيه الكفاية ثم دفعه إلى جوفه دون أن يتذوقه. # قال: إنك امرأة لطيفة. لا تلقي بالا لما أقول. # ونظرت إليه بوجهها الحبيب المعروف الذي طالما ظهر في المجلات النسائية ~~الشهيرة، والذي لم يتدهور إلا قليلا من جراء الشراب، ومن جراء السهر، ~~إلا أن تلك المجلات لم تظهر محاسنها الخفية، ولا يديها الرقيقتين ~~الصغيرتين. وإذ نظر ورأى ابتسامتها اللطيفة المعهودة، شعر ms089 بالموت يأتي ~~ثانية. وفي هذه المرة لم يكن في عجلة من أمره. كان نفخة هواء كالريح الذي ~~يمايل الشمعة ويطيل شعلتها. ~~- يمكنهم أن يحضروا شبكة النوم فيما بعد ويعلقوها من الأشجار ويوقدوا ~~النيران. إني لن أدخل إلى الخيمة هذه الليلة. لا يستحق الأمر عناء الانتقال. ~~إنها ليلة صافية. ولن يسقط المطر. # إذن ... فهكذا تموت، وسط همسات لا تسمعها. حسن، لن يكون هناك مزيد من ~~الشجار. إن بوسعه أن يعد بذلك. إنه لن يفسد الآن التجربة الوحيدة التي لم ~~يمر بها أبدا من قبل. قد ينجح في ذلك. إنه قد أفسد كل شيء. ولكن ... ربما ~~ينجح هذه المرة. ~~- هل يمكنك أن تكتبي ما أمليه؟ # قالت: إنني لم أتعلم ذلك من قبل. ~~- لا عليك. # ليس هناك متسع من الوقت طبعا، ولو أن الأمر يبدو واضحا لدرجة قد ~~يمكنك معها أن تضعه كله في فقرة واحدة إذا أمكنك أن تجيد صياغتها. # كان هناك بيت من كتل الأخشاب ملطخ هنا وهناك بالمونة البيضاء قائم ~~على تل أعلى البحيرة. وكان ثمة جرس مقام على عمود خشبي إلى جوار ~~الباب لدعوة الناس إلى تناول الطعام. وخلف المنزل تقع الحقول، وخلف الحقول ~~الأشجار التي يؤخذ منها الخشب. وثمة صف من شجر الحور اللومباردي يمتد ~~من المنزل حتى المدفأة. وأشجار حول أخرى على طول النتوء البحري. وثمة طريق ~~يصل إلى التلال على طول حافة الأشجار، وكان يقطف الفراولة البرية من ذلك ~~الطريق. ثم حدث أن احترق ذلك البيت الخشبي، واحترقت كل البنادق التي كانت ~~معلقة على الرفوف المصنوعة من أقدام الغزلان فوق المدفأة المكشوفة، وبعد ذلك ~~أصبحت مواسير البنادق - والرصاص ذائب في خزاناتها وكعوبها محترقة تماما - ~~ملقاة على كومة الرماد الذي كان يستخدم كقلوي لصناعة الصابون في ~~الغلايات الحديدية الكبيرة، وسألت جدك إذا كان يمكنك أخذها لتلعب بها ~~فقال: كلا. أترى، أنها كانت لا تزال بنادقه، ولم يشتر أي بنادق أخرى غيرها، ~~كما أنه لم يعد يصطاد بعدها أبدا. وأعيد بناء المنزل في نفس موقعه من ~~العروق الخشبية ms090 هذه المرة، وطلي باللون الأبيض، ومن شرفته يرى المرء أشجار ~~الحور ووراءها البحيرة، ولكن لم تكن هناك بنادق أخرى بعد ذلك. وأضحت خزانات ~~البنادق التي كانت معلقة على أقدام الغزلان على الحائط في المنزل الخشبي ~~القديم راقدة هناك على كومة الرماد ولم يلمسها أحد قط. # وبعد الحرب، في الغابة السوداء، قمنا باستئجار غدير يزخر بأسماك ~~الأطروط. وكان ثمة طريقان للوصول إليه، أولهما من الوادي عند «ترايبورج» إلى ~~طريق جانبي يصعد في الجبال، مرورا بكثير من المزارع الصغيرة ذات البيوت ~~التي يشتهر بها الريف الألماني، إلى أن يفضي إلى الغدير، حيث يبدأ صيدنا. ~~والطريق الثاني يمر من حافة الغابة إلى أعلى التلال من خلال غابات الصنوبر، ~~خروجا إلى حافة المرج إلى الجسر. وكانت هناك أشجار سندر على طول الغدير، ~~الذي لم يكن كبيرا بل كان ضيقا، صافيا، جاريا، مكونا بحيرات في ~~الأمكنة التي ضربت فيها جذور الأشجار. وكان موسم الصيد طيبا بالنسبة لصاحب ~~الفندق في «ترايبورج». كان كل شيء بهيجا، وكنا جميعا أصدقاء حميمين. وفي ~~العام التالي جاء التضخم ولم يكف المال الذي ربحه صاحب الفندق في العام ~~الذي قبله لشراء التجهيزات اللازمة لفتح الفندق فشنق نفسه. # بإمكانك أن تملي هذا ولكن ليس بإمكانك أن تملي مشاهد ميدان «كونتر ~~سكارب»، في باريس، حيث بائعو الأزهار يصبغون أزهارهم في الطريق وتسيل الصبغة ~~على الرصيف عند رأس خط الأوتوبيس، والشيوخ والعجائز سكارى على الدوام ~~بالنبيذ وبالبراندي الرديء، والأطفال سائلة أنوفهم في البرد، ورائحة العرق ~~النتن والفاقة والسكر في مقهى «أما تيرز»، والعاهرات في مرقص «ميزيت» الذي ~~كان يقيمان أعلاه. وبوابة المبنى التي احتفت بجندي الحرس الجمهوري في ~~شقتها، وخلع عنه خوذته ذات الريش المصنوع من شعر الجياد ووضعها على الكرسي. ~~ونزيلة الحجرة التي تقع في آخر الصالة، التي يعمل زوجها في سباق الدراجات، ~~وفرحتها ذلك الصباح في محل الألبان حين فتحت صحيفة «الأوتو» ووجدت أنه قد ~~حاز المرتبة الثالثة في سباق «باريس-تور»، أول سباق كبير يشترك فيه، ~~وتورد وجهها وضحكت ثم صعدت إلى ms091 الطابق العلوي تصيح وهي تمسك الصحيفة ~~الرياضية الصفراء في يدها. وزوج السيدة التي تدير مرقص ميزيت، ويعمل سائقا ~~للتاكسي، وحين كان يتعين عليه هو، «هاري»، اللحاق بطائرة الصباح الباكر، ~~طرق عليه الزوج الباب لإيقاظه وشرب كلاهما كأسا من النبيذ الأبيض عند حوض ~~البار قبل أن ينطلقا إلى المطار. كان يعرف كل جيرانه في ذلك الحي آنذاك، ~~لأنهم كانوا جميعهم فقراء. # وكان قاطنو ذلك الميدان ينقسمون إلى فئتين: السكارى، والرياضيون. ~~فالسكارى يقتلون فاقتهم عن طريق الشراب، والرياضيون يستهلكونها في الرياضة. ~~كانوا سلالة أهل «كوميون باريس»، ولم يكن صعبا عليهم معرفة أين ينحازون في ~~السياسة. كانوا يعرفون من أغتال آباءهم وأقاربهم وإخوانهم وأصدقاءهم حين جاءت ~~قوات «فرساي» واحتلت المدينة بعد «الكوميون» وأعدمت كل شخص وجدته ~~متورم اليدين أو يرتدي قلنسوة، أو يحمل أية علامة أخرى تنم عن أنه ~~عامل وفي هذه الفاقة، وفي ذلك الحي المجاور لجزارة «شفالين» وبقالة النبيذ، ~~قام بكتابة خطة كل ما سوف يكتبه بعد ذلك. لم يكن هناك مكان في باريس أحبه ~~مثل هذا المكان: الأشجار المنبسطة في غير نظام، البيوت البيضاء العتيقة ~~المكسوة بالجص والمطلي أسفلها باللون البني، والصف الأخضر الطويل من ~~الأوتوبيسات في ذلك الميدان، وصبغة الأزهار الأرجوانية على الرصيف، والانحدار ~~المفاجئ للتل عند شارع «الكاردينال ليموان» نحو نهر «السين»، وفي الناحية ~~الأخرى العالم الضيق المزدحم لشارع «موفتار». وذلك الطريق الذي يفضي إلى ~~«البانثيون» والآخر الذي كان يقطعه دوما بالدراجة - الوحيد المغطى ~~بالأسفلت في ذلك الحي، الذي ينبسط ممهدا تحت عجلات الكاوتشوك - بمنازله ~~الطويلة الضيقة والفندق الرخيص العالي الذي مات فيه الشاعر «بول فرلين». كانت ~~الشقة التي يعيشان فيها لا تحتوي إلا على غرفتين فقط، وكانت لديه غرفة في ~~الطابق العلوي من ذلك الفندق يدفع فيها ستين فرنكا في الشهر، حيث كان ~~يكتب، وبوسعه أن يرى منها أسطح باريس ومداخنها وكل تلالها. # أما في الشقة فلا يمكنك سوى رؤية الغابة ومحل بائع الفحم. وكان يبيع ~~النبيذ أيضا، النبيذ الرديء ... ورأس الحصان الذهبي خارج جزارة «شيفالين» حيث ms092 ~~اللحوم حمراء وذهبية معلقة في الفترينة المكشوفة، ومحل البقالة المطلي ~~بالأخضر حيث كانوا يشترون نبيذهم، نبيذ جيد ورخيص. وما بقي بعد ذلك فهو ~~الجدران المطلية بالجص ونوافذ الجيران. الجيران الذين يفتحون نوافذهم ويأخذون ~~في الهمهمة حين يستلقي أحدهم سكرانا بالليل يئن ويتوجع في تلك الحالة من ~~الثمالة الفرنسية المشهورة التي كانوا يحاولون قبل ذلك أن يجعلوك تعتقد أنها ~~لا توجد أبدا. يهمهمون: «أين رجل الشرطة؟ حين لا نريده يكون دائما واقفا ~~هناك. إنه ينام في أحد الفنادق. اتصلوا بقسم الشرطة.» إلى أن يلقي أحدهم ~~جردل ماء من إحدى النوافذ فيتوقف الأنين. «ما هذا؟ ماء؟ هذا عظيم!» وتغلق ~~النوافذ «وماري»، الخادمة، تحتج على يوم العمل ذي الثماني ساعات بدلا من ~~التسع ساعات فتقول: «إذا كان الزوج يعمل حتى السادسة مساء، فإنه لا يثمل إلا ~~قليلا عند عودته إلى المنزل ولا يضيع نقودا كثيرة. أما إذا عمل حتى الخامسة ~~مساء فقط فإنه سيشرب كل ليلة ولن يتبقى معه أية نقود. إن الزوجة هي التي ~~ستعاني حقيقة من تقصير ساعات العمل.» # وكانت المرأة تسأله الآن، هنا، في أفريقيا: هل تحب أن تتناول مزيدا من ~~المرق؟ ~~- كلا، وشكرا جزيلا. إنه لذيذ للغاية. ~~- حاول أن تشرب قليلا. ~~- إني أفضل تناول بعض الويسكي بالصودا. ~~- إنه ليس مناسبا لصحتك. ~~- كلا، إنه ضار بي. لقد كتب «كول بورتر» كلمات الأغنية وموسيقاها، إنك ~~ستجنين بي غراما. ~~- إنك تعرف أنني أحب أن أدعك تشرب كما يحلو لك. ~~- أوه، أجل، إلا أنه ضار بي. # وجال في فكره: حين تذهب، سأفعل ما يحلو لي، لا كل ما يحلو لي بل كل ما هو ~~موجود. آه ... لقد كان متعبا. متعبا جدا. سوف ينام بعض الوقت. ورقد ساكنا، ~~ولم يكن الموت موجودا. لا بد أنه ذهب إلى مكان آخر. إنه يتجول اثنين اثنين، ~~بالدراجات، وفي صمت شديد، فوق الأرصفة. # كلا، إنه لم يكتب أبدا عن باريس. ليس باريس التي يحبها. ولكن ... ماذا عن ~~بقية الأشياء التي لم يكتب عنها أبدا؟ ماذا عن المزرعة، واللون ms093 الرمادي ~~الفضي لشجرة «المريمية»، والمياه الرقراقة السريعة في قنوات الري، واخضرار ~~البرسيم القاتم، ويمضي الطريق صعدا في التلال. والماشية في الصيف خجولة ~~كالغزلان والثغاء، والضوضاء المنتظمة، والكتلة البطيئة التحرك تثير غبارا ~~والقطيع يهبط في الخريف. وخلف الجبال، ووضوح القمة الحاد على ضوء الماء، ~~والهبوط ركوبا بمحاذاة خط القطار في ضوء القمر الباهر عبر الوادي . وتذكر ~~الآن الهبوط عبر الأشجار في وسط الظلمة ممسكا بذيل الحصان حين لم يكن ~~باستطاعته الرؤية، وكل القصص التي انتوى أن يكتبها. # عن الصبي الشغال نصف المعتوه الذي تركوه في المزرعة ذلك الوقت وقالوا ~~له أن يحرس التبن، وذلك الوغد العجوز من «فوركس» الذي ضرب الصبي عندما حاول ~~منعه من سرقة بعض العلف. ورفض الصبي وقول العجوز إنه سيضربه ثانية. وأحضر ~~الصبي بندقية من المطبخ وأطلق عليه النار حين حاول الدخول إلى المخزن. وحين ~~عادوا إلى المزرعة كان قد مضى أسبوع على العجوز وهو ميت، وقد تجمد جسده ~~في حظيرة المواشي، والكلاب قد أكلت أجزاء من جثته. وجمعت أنت ما تبقى، ~~ملفوفا في ملاءة ووضعته على زحافة وربطته عليها بالحبال وجعلت الصبي ~~يساعدك في جرها، واصطحبتموها أنتما الاثنان وقطعتما الطريق على زلاجات ~~الجليد ستين ميلا إلى المدينة لتسليم الصبي، وهو لم تكن لديه فكرة أنهم ~~سيقبضون عليه. يظن أنه قد أدى واجبه وأنك صديقه وأنهم سيكافئونه على ما ~~فعل. وهو قد ساعد على جر جثة العجوز حتى يعرف كل شخص كيف كان العجوز ~~شريرا وكيف أنه حاول سرقة بعض العلف الذي لا يخصه، وحين وضع الضابط القيود ~~في يدي الصبي لم يصدق عينيه، ثم أخذ في البكاء. هذه قصة ادخرها كيما ~~يكتبها. كان يعرف عشرين قصة جيدة على الأقل من تلك الأيام. ولكنه لم يكتب ~~أبدا واحدة منها. لماذا؟ # قال: قولي لهم أنت لماذا؟ ~~- لماذا ماذا يا عزيزي؟ ~~- لماذا لا شيء. # إنها لم تكن تفرط في الشراب، الآن، منذ أن استولت عليه. ولكنه إن عاش ~~فلن يكتب عنها أبدا، إنه متأكد الآن من ذلك. ولا عن ms094 أي منهن. فالثريات ~~مضجرات ويفرطن في الشراب، أو هن يدمن لعب الطاولة. إنهن مضجرات ويكررن ~~أنفسهن. وتذكر «جوليان» المسكين ورعبه الرومانسي من الأثرياء وكيف أنه ~~بدأ مرة قصة بقوله: «إن المفرطين في الثراء يختلفون عني وعنك.» وكيف أن ~~أحدهم قال لجوليان: «أجل، فإنهم يملكون نقودا أكثر.» ولكن هذا لم يرق ~~لجوليان. كان يعتقد أنهم جنس خاص فاتن، وحين اكتشف أنهم ليسوا كذلك حطمه ~~ذلك الاكتشاف مثلما حطمه أي شيء آخر. # لقد كان يحتقر أولئك الذين يتحطمون. ليس على المرء أن يحب الأمور لأنه ~~يفهمها. لقد آمن أن بإمكانه أن يقهر أي شيء، لأنه ما من شيء أصابه بالأذى لو ~~أنه لم يكن يهتم به. حسن. الآن لن يهتم بالموت. إنه الشيء الوحيد الذي أحس ~~بالخشية منه دائما هو الألم. إن بوسعه احتمال الألم ككل رجل آخر، إلا إذا ~~استمر مدة طويلة وأضناه، ولكن هنا، كان ثمة شيء يؤلمه أشد الألم، وعندما ~~أحس به يحطمه تحطيما، توقف الألم. # وتذكر منذ زمان طويل حين أصيب «ويليامسون»، ضابط المدفعية، بقنبلة ~~يدوية ألقاها أحد أفراد دورية ألمانية، حين كان آتيا عبر الأسلاك الشائكة، ~~وتضرع للجميع وهو يصرخ أن يقتلوه كان رجلا بدينا، عظيم الشجاعة، وضابطا ~~ماهرا، رغم أنه يدمن التهويل في الأمور. ولكنه في تلك الليلة أصيب وهو بين ~~الأسلاك الشائكة، وشعلة من النار تضيئه، وأمعاؤه مدلاة على الأسلاك، ولذلك ~~فإنهم كي يحملوه اضطروا إلى قص الأسلاك حتى يخلصوه منها. وصاح بي: أطلق ~~النار علي يا «هاري». بحق المسيح اقتلني. وكانوا قد تناقشوا مرة بأن الله ~~لا يمكن أن ينزل بأحد مصيبة إلا في حدود احتماله، وكانت نظرية أحدهم أن ~~تفسير ذلك هو أنه أحيانا يصيب الألم الشديد صاحبه بالإغماء بطريقة آلية ~~فلا يشعر بشيء بعد ذلك. ولكنه دائما كان يتذكر «ويليامسون» في تلك الليلة؛ ~~إذ إنه لم يصب بالإغماء، إلى أن أعطاه كل ما لديه من أقراص المورفين التي ~~ادخرها لنفسه، وحتى حينذاك فإنها لم تؤد مفعولها على نحو فوري. # وحتى ما يحدث ms095 الآن، ما يمر به، كان هينا جدا. وإذا لم يتدهور ~~الحال مع مرور الوقت فلا ثمة داع للقلق. عدا أنه كان يفضل رفقة أفضل. ~~وفكر برهة في الرفقة التي يود أن تكون معه. وجال بخاطره: كلا، إذا كان ~~كل ما تقوم به تنجزه في مدة طويلة جدا، وفي وقت متأخر جدا، فلا يمكن ~~لك أن تتوقع أن يكون الناس ما زالوا في انتظارك. لقد رحل الناس جميعا، انتهى ~~الحفل، وأنت الآن وحدك مع مضيفتك، وجال في خاطره: إنني أحس بالملل وأنا ~~أموت كما أحسست دائما مع كل شيء آخر. # قال بصوت مرتفع: إنه شيء ممل. ~~- ماذا يا عزيزي؟ ~~- أي شيء يستغرق المرء وقتا طويلا في أدائه. # وتطلع إلى وجهها الذي يقوم بينه وبين النيران. كانت تضطجع إلى الوراء ~~في المقعد وضوء النيران يلتمع على وجهها ذي القسمات اللطيفة، وكان بوسعه أن ~~يرى أنها غافية. وسمع الضبع يطلق أصواتا فيما وراء مجال النيران ~~مباشرة. # قال: لقد كنت أكتب، ولكني تعبت. ~~- هل تعتقد أن بوسعك أن تنام؟ ~~- بالتأكيد. لماذا لا تأوين إلى فراشك؟ ~~- أحب أن أجلس هنا معك. # سألها: هل تحسين بأي شيء غريب؟ ~~- كلا. إنني نعسانة ليس إلا. # قال: أما أنا فأشعر بشيء غريب. # كان قد شعر لتوه بالموت يأتي مرة أخرى. # قال لها: أتعلمين، إن الشيء الذي لم أفقده أبدا هو حب ~~الاستطلاع. ~~- إنك لم تفقد أي شيء مطلقا. إنك أكثر من عرفت كمالا. # قال: يا إلهي ... ما أقل ما تعرف النساء! ما هذا؟ حدسك؟ # ذلك أنه في تلك اللحظة حضر الموت وأرسى رأسه على قدم المحفة. وكان ~~بوسعه أن يشم أنفاسه. # وتحرك فوقه الآن، ولكنه لم يعد له أي شكل بعد. كان يشغل حيزا ~~وحسب. ~~- قولي له أن يرحل. # ولكنه لم يرحل، بل اقترب منه. # قال له: إن أنفاسك تحرقني، أنت أيها اللعين. # واقترب منه أكثر فأكثر، ولم يستطع الآن أن يتحدث إليه، وحين أدرك أنه لا ~~يستطيع الكلام اقترب منه أكثر، وحاول الآن أن يزيحه عنه دون أن ms096 يتحدث، ولكنه ~~تحرك فجثم عليه حتى أصبح كل ثقله على صدره، وإذ هو جاثم عليه وهو لا يستطيع ~~الحركة أو الكلام، سمع المرأة تقول: «السيد نائم الآن. احملوا المحفة برفق ~~وأدخلوها إلى الخيمة.» # ولم يستطع أن يتكلم كي يقول لها أن تجعله يرحل عنه، وكان الآن جاثما ~~بثقل أكبر حتى إنه يمنعه عن التنفس . وحينئذ، وحين كان الصبيان يرفعان ~~المحفة، استقام الحال فجأة وانزاح العبء الذي كان جاثما فوق صدره. # كان الوقت نهارا، والصباح قد طلع منذ فترة، وسمع صوت الطائرة. وظهرت ~~صغيرة جدا ثم دارت دورة عريضة وجرى الصبية وأوقدوا النيران، مستخدمين ~~الكيروسين، كوموا الحشائش كعلامات حتى أصبح هناك صفان كبيران في كل ~~ناحية من المكان الممهد، وأطارتها نسمة الصباح نحو المخيم. ودارت الطائرة ~~دورتين أخريين، خفيضة هذه المرة، ثم انسابت هابطة واستقامت وهبطت في ~~سلاسة. ثم ها هو «كومبتون» العجوز يأتي ماشيا تجاهه مرتديا بنطالا عليه ~~سترة من التويد وقبعة بنية من اللباد. # قال «كومبتون»: ما الأمر أيها الديك العجوز؟ # قال له: ساق معطوبة. هل لك في بعض الفطور؟ ~~- شكرا. سأتناول بعض الشاي فحسب. لن أتمكن من اصطحاب السيدة. ليس هناك ~~مكان إلا لشخص واحد. إن شاحنتك في الطريق. # وانتحت الزوجة ب «كومبتون» جانبا وطفقت تتحدث إليه. وعاد «كومبتون» ~~وقد زاد انشراحه. # قال: سندخلك إليها على ما يرام. وسوف أعود لاصطحاب السيدة. والآن فإني ~~أخشى أنه يتعين علينا الوقوف في «أروشا» للتزود بالوقود. يحسن بنا أن ~~نسرع. ~~- والشاي؟ ~~- لا يهم. # ورفع الصبية المحفة وحملوها حول الخيمات الخضراء وعبر الصخرة، وخرجوا ~~بها إلى السهل وعلى طول صفوف العلامات، التي كانت الآن تشتعل متوهجة وقد ~~التهمت النار كل الحشائش، والهواء يروح عليها، إلى أن وصلوا إلى الطائرة ~~الصغيرة. وكان من الصعب إدخاله إليها، ولكن ما إن دخل حتى اضطجع على المقعد ~~الجلدي، وبرزت الساق المعطوبة من أحد جانبي المقعد حيث يجلس «كومبتون» وأدار ~~«كومبتون» المحرك ودلف إلى مكانه. ولوح مودعا زوجته والصبية. وإذ تحول ~~الضجيج إلى الزفير المعهود، مالا جانبا ms097 «وكومبتون» يراقب الحفر التي ~~تحفرها الخنازير البرية في الأرض، وزأرت الطائرة وارتجت على طول الممر ~~بين النيران وارتفعت مع آخر رجة. وشاهدهم جميعا يقفون أسفل منه، ~~يلوحون بأذرعتهم، والمخيم إلى جوار التل، منبسط الآن، في حين تمتد آثار ~~الحيوانات الآن في سلاسة حتى المستنقعات الجافة، وكان ثمة حياة جديدة لم ~~يرها أبدا من قبل . والآن ... ظهور الحمر الوحشية المستديرة الصغيرة، ~~والتياتل، نقاطا كبيرة الرأس تبدو وكأنها تتسلق إذ هي تتحرك في خطوط طويلة ~~تجاه السهل، تتفرق الآن إذ الظل يرتفع في اتجاههما، فهي صغيرة الآن، وحركتها ~~ليس بها أي ركض، والسهل منبسط على مشارف البصر، رمادي أصفر الآن، وأمامه ظهر ~~«كومبتون» العجوز التويدي والقبعة البنية اللبادية. ثم أشرفا على أول ~~التلال والتياتل تنساب مصعدة فوقها، ثم حلقا فوق جبال ذات أعماق. # وحينئذ، بدلا من الذهاب تجاه «أروشا»، انحرفا يسارا، فاستنتج أن في ~~الوقود بقية، ورأى حين نظر تحته سحابة وردية اللون مليئة بالثقوب، تتحرك ~~فوق الأرض، وفي الهواء، كندف الثلج التي تنذر بعاصفة جليدية، تأتي من لا ~~مكان، وعرف أنها جحافل الجراد الذي يأتي من الجنوب. ثم أخذا يصعدان ويتجهان ~~نحو الشرق فيما يبدو، ثم أظلم الجو ودخلا في عاصفة، والمطر كثيف فكأنما ~~يطيران فوق شلال، ثم خرجا منها وأدار «كومبتون» رأسه وابتسم وأشار بيده. ~~وهناك، أمامه، كان كل ما يستطيع أن يرى عريضا عرض الدنيا بحالها، عظيما، ~~سامقا، ناصع البياض في الشمس إلى درجة لا تصدق، القمة الرباعية لجبل ~~«كليمنجارو». وحينئذ عرف أنه ذاهب إلى ذلك المكان. ~~••• # وعند ذاك فحسب توقف الضبع عن الخوار في الليل، وبدأ يصدر صوتا غريبا ~~بشريا يقترب من البكاء. وسمعته المرأة وتحركت في قلق. ولم تستيقظ. ورأت ~~نفسها في الحلم في بيتها في «لونج آيلاند» بولاية نيويورك، في الليلة التي ~~تسبق ظهور ابنتها على المسرح لأول مرة. وبطريقة ما، كان والدها حاضرا، وكان ~~جافا جدا معها. ثم تعالى ضجيج الضبع إلى درجة أيقظتها، وللحظة لم ~~تدر أين هي وانتابها خوف شديد، ثم تناولت البطارية ms098 وسلطت ضوءها على ~~المحفة الأخرى التي أدخلوها إلى الخيمة بعد أن استغرق «هاري» في النوم. كان ~~بوسعها أن ترى هيئته تحت حاجز الناموسية، ولكن ساقه كانت بارزة على نحو ما ~~ومعلقة على طرف المحفة. وكانت الضمادات قد سقطت كلها ولم يكن باستطاعتها أن ~~تنظر إليها. # صاحت: يا غلام! يا غلا... يا غلا... # ثم قالت : «هاري»، «هاري»! # ثم ارتفع صوتها صائحا: «هاري»! آه يا «هاري»! # ولم يكن ثمة جواب. ولم يكن بوسعها أن تسمعه يتنفس. # وخارج الخيمة كان الضبع يطلق نفس الضجيج الغريب الذي أيقظها. ولكنها لم ~~تسمعه لأن صوت دقات قلبها كان يعلو عليه. # | الآن أرقد لأنام # في تلك الليلة رقدنا على الأرض في الغرفة وأنصت إلى دود القز وهو يأكل. ~~كان دود القز يتغذى في رفوف مليئة بأوراق التوت ويمكنك سماعه طوال الليل ~~وهو يأكل، وسماع صوته وهو يتحرك بين الأوراق. وأنا نفسي لم أرغب في النوم؛ ~~لأني عشت فترة طويلة تسيطر علي فكرة أنني لو أغمضت عيني في الظلمة ~~وتركت نفسي للنوم، ستخرج روحي من جسدي. وقد بقيت على تلك الحال وقتا ~~طويلا منذ أن أصبت في انفجار بالليل وشعرت بروحي تخرج مني ثم تعود ~~لي. وحاولت ألا أفكر في ذلك أبدا، ولكنها بدأت تخرج من يومها، في الليل، ~~في نفس اللحظة التي أبدأ النوم فيها، ولا يمكنني الإبقاء عليها إلا بمجهود ~~شاق للغاية. ولذلك في حين أعلم يقينا الآن أنها لم تكن تخرج حقيقة، ففي ~~ذلك الصيف لم أكن على استعداد لأن أمر بتلك التجربة. # كانت عندي طرق مختلفة أشغل بها نفسي حين أرقد مستيقظا. كنت أفكر في ~~غدير تعودت أن أصطاد فيه أسماك الطاروط عندما كنت صبيا؛ فأعود ثانية في ~~ذهني إلى الصيد بكل تفاصيله على طول الغدير، أنظر تحت كل جذوع الأشجار، ~~أتفحص كل منحنيات الضفة، أصطاد في المناطق العميقة والمسطحات الضحلة ~~الصافية، أصيد أسماكا أحيانا، وأحيانا تهرب الأسماك مني. ثم أتوقف عن ~~الصيد في الظهيرة كي أتناول غدائي، أجلس أحيانا على جذع شجرة عند ms099 الغدير، ~~وأحيانا أخرى فوق ضفة عالية، أو تحت شجرة، وآكل دائما ببطء متأملا ~~الغدير الذي يجري من تحتي وأنا آكل. وكثيرا ما ينفد طعم الصيد مني لأني ~~لا أحمل معي سوى عشر ديدان داخل علبة تبغ. وحين استعملها كلها يتعين علي ~~أن أبحث عن مزيد من الديدان، وأحيانا يكون صعبا أن أحفر في شاطئ الغدير ~~حيث أشجار الدردار تحجب ضوء الشمس ولا توجد حشائش، بل التربة الرطبة ~~العارية، وكثيرا لا أجد أي ديدان هناك. ومع ذلك، كنت دائما أجد نوعا ما ~~من الطعم؛ وحدث مرة أنني لم أتمكن من العثور على أي طعم مما اضطرني إلى ~~أن أقطع جزءا من السمكة التي اصطدتها كي استخدمه كطعم. # وكنت أعثر أحيانا على حشرات في مراعي المستنقع، في الحشائش أو تحت ~~النباتات، فاستخدمها في الصيد. كانت هناك خنافس وحشرات لها أرجل مثل أعواد ~~العشب، ويرقانات في كتل خشبية متعفنة، يرقانات بيضاء ذات رءوس صغيرة ~~بنية اللون لا تستقر على خطاف السنارة وتضيع في ثنايا المياه الباردة، ~~وقرادات الخشب تحت كتل الشجر المقطوع، حيث أعثر أحيانا على ديدان الصيد ~~التي تسرع بالاختباء في التربة حالما أرفع كتلة الخشب عاليا. # وقد استخدمت في إحدى المرات عظاية سالامندر وجدته تحت جذع عتيق. كان ~~السالامندر صغيرا جدا ومنمقا خفيف الحركة وذا لون جميل. كانت قدماه ~~صغيرتين وحاول أن يثبت على الخطاف، وبعد تلك المرة الوحيدة لم أستخدم ~~السالامندر كطعم أبدا، رغم أنني كنت أعثر على الكثير منه. كما أنني لم ~~أستخدم صراصير الجداجد بسبب الطريقة التي تتحرك بها فوق الخطاف. # وأحيانا يكون الغدير يمر في وسط مرج فسيح، وفي حشائشه الجافة كنت ~~أمسك بالجراد وأستخدمه طعما؛ وأحيانا أمسك بالجرادة وألقي بها في الغدير ~~وأراقبها تطفو سابحة فوق الماء وتدور على سطحه حيث يقذفها التيار ثم تختفي ~~حين تظهر سمكة طاروط فتبتلعها. وأحيانا كنت أصطاد في أربع أو خمس غدران ~~مختلفة في الليلة الواحدة، بادئا من أقرب نقطة أستطيع تخيلها من منابعها ~~ثم أصطاد على طول الغدير. وحين ms100 أنتهي بسرعة أكثر من اللازم ولا يمر الوقت في ~~الليل، أكرر الصيد في الغدير نفسه مرة أخرى، بادئا من المصب في ~~البحيرة وأصطاد عائدا إلى المنبع، محاولا صيد كل الطاروط الذي لم أستطع ~~صيده في المرة الأولى. وفي بعض الليالي كنت أخترع الغدران في خيالي، وكان ~~بعضها شائقا جدا، وكان الأمر مثلما يكون المرء صاحيا ويحلم في نفس الوقت. ~~وما زلت أذكر بعض تلك الغدران وأعتقد أنني اصطدت فيها، وأنها اختلطت ~~بغدران حقيقية اصطدت فيها في الواقع. وخلعت عليها جميعا أسماء، وذهبت ~~إليها بالقطار وأحيانا مشيت أميالا طوالا كيما أصل إليها. # ولكن في بعض الليالي لم أكن أستطيع الصيد، وفي تلك الليالي أبقى ~~مستيقظا أتلو صلواتي مرارا وتكرارا، وأحاول أن أصلي من أجل كل الناس ~~الذين عرفتهم وكان ذلك يستغرق وقتا طويلا، فإنك حين تحاول أن تتذكر كل ~~الناس الذين عرفتهم، وتعود إلى أولئك الأشخاص الذين يمكنك أن تتذكرهم حسب ~~المكان الذي كانوا فيه - والذي كان في حالتي غرفة السطوح في البيت الذي ~~ولدت فيه - وكعكة زفاف والدي ووالدتي في صندوق من الصفيح معلق في ~~عارض خشبي، وبرطمانات بها ثعابين وعينات أخرى من الحيوانات التي جمعها ~~والدي حين كان صبيا وحفظها في الكحول، وترسب الكحول في البرطمانات حتى ~~إن أظهر بعض الثعابين والحيوانات الأخرى أصبحت ظاهرة واستحالت إلى ~~اللون الأبيض. ولو عدت بذاكرتك إلى تلك الأيام القصية لتذكرت عددا ~~كبيرا من الناس، وإذا أنت صليت من أجلهم جميعا، فتتلوا: «السلام عليك يا ~~ماري» و«أبانا الذي في السماوات» لكل واحد منهم فإن ذلك يستغرق وقتا ~~طويلا، فيبزغ ضوء النهار في النهاية، وعندها تستطيع أن تنام، لو أنك كنت في ~~مكان تستطيع النوم فيه في ضوء النهار. # وفي تلك الليالي، حاولت أن أتذكر كل شيء حدث لي، فأبدأ من قبل أن ~~أذهب إلى الحرب وأعود بذاكرتي من شيء لآخر. ووجدت أنه ليس بوسعي أن أتذكر ~~أبعد من غرفة السطوح تلك في منزل جدي. وعندما أبدأ من هناك وأسترسل مع ~~ذكرياتي إلى أن ms101 أصل إلى الحرب. # وأتذكر أنه بعد وفاة جدي أننا انتقلنا من ذلك المنزل إلى منزل جديد ~~صممته وابتنته والدتي. وحرقنا كثيرا من الأشياء التي لم نستطع نقلها في ~~الفناء الخلفي، وأتذكر تلك البرطمانات التي في حجرة السطوح وهي تلقى في ~~النيران، وكيف أنها أحدثت فرقعة من حرارة النار وتوهجت النيران من ~~جراء الكحول الذي كان فيها، أتذكر الثعابين وهي تحترق في الفناء الخلفي. ~~ولكن لم يكن هناك أناس في تلك الذكريات وإنما أشياء فحسب، ولم أستطع حتى أن ~~أتذكر من هو الذي قام بحرق الأشياء، وأستمر في ذلك حتى أصل إلى الأشخاص ~~فأتوقف وأصلي من أجلهم. # وأتذكر عن المنزل الجديد كيف أن والدتي كانت تنظف الأشياء على ~~الدوام وترتبها. ومرة حين كان والدي غائبا في رحلة صيد قامت بعملية تنظيف ~~شاملة في البدروم وأحرقت كل شيء لم يكن له لزوم هناك. وحين عاد والدي وهبط ~~من مركبته الصغيرة وربط الحصان كانت النيران ما زالت مشتعلة في الطريق ~~المجاور للمنزل. وخرجت لمقابلته. وناولني بندقيته ونظر إلى النار وتساءل: ~~ما هذا؟ # وقالت والدتي من الشرفة: إنني كنت أنظف البدروم يا عزيزي. كانت ~~واقفة هناك لملاقاته وهي تبتسم. وتطلع والدي إلى النيران وركل شيئا ~~بقدمه. ثم انحنى والتقط شيئا من وسط الرماد. قال لي: أحضر جاروفا يا نك. ~~وذهبت إلى البدروم وأحضرت جاروفا، ونبش والدي الرماد بعناية كبيرة. وأخرج ~~من بين الرماد بلطات حجرية وسكاكين سلخ من الحجر وأدوات لصنع رءوس ~~السهام، والكثير من رءوس السهام. كانت كلها مسودة متكسرة بفعل ~~النيران. وأخرجها والدي كلها بالجاروف بعناية شديدة وبسطها على الحشائش ~~بجوار الطريق. وكانت بندقيته في جرابها الجلدي، وحقيبتا صيده على الحشائش ~~حيث تركها حين هبط من مركبته. # قال: خذ البندقية والحقيبتين إلى المنزل يا نك، وأحضر لي صحيفة. وكانت ~~والدتي قد دلفت إلى داخل المنزل. وتناولت البندقية وكانت ثقيلة الحمل ~~تضرب في ساقي وحقيبتي الصيد، واتجهت بها إلى المنزل. قال والدي: خذ كل ~~واحدة على حدة. لا تحاول أن تحمل الكثير مرة ms102 واحدة. فوضعت حقيبتي الصيد ~~وأخذت البندقية إلى المنزل وأحضرت صحيفة من كوم الصحف المتراكمة في مكتب ~~والدي. وفرد والدي كل القطع الحجرية المسودة المكسورة على الصحيفة ثم ~~لفهم فيها. قال: لقد تهشمت أفضل رءوس السهام. ودلف إلى المنزل بحمولته ~~بينما مكثت أنا بالخارج على الحشائش مع حقيبتي الصيد. وبعد برهة حملتهما ~~إلى داخل المنزل. وحين أتذكر ذلك، لم يكن هناك سوى شخصين، ولهذا فإني ~~أصلي من أجلهما. # ومع ذلك فهناك بعض الليالي التي لا أتمكن فيها حتى أن أتذكر صلواتي. ~~كان بوسعي أن أصل فقط إلى جملة «كما في السماء كذلك على الأرض»، ثم يتعين ~~علي أن أعود ثانية من البداية، ولكني لا أتمكن مطلقا من تجاوز تلك ~~العبارة. وعند ذاك أضطر إلى الاعتراف بأنني لا أتذكر وأترك صلواتي تلك ~~الليلة وأحاول شيئا آخر. وهكذا، في بعض الليالي أحاول أن أتذكر جميع ~~الحيوانات الموجودة في العالم بأسمائها ثم الطيور ثم الأسماك ثم البلاد ~~والمدن ثم أنواع الطعام وأسماء جميع الطرق التي يمكن أن أتذكرها في شيكاغو، ~~وحين لا أستطيع أن أتذكر أي شيء على الإطلاق بعد ذلك أعمد إلى الإصغاء. ولا ~~أتذكر أي ليلة لم يكن بوسعي أن أسمع أشياء فيها. ولو كنت أستطيع الحصول ~~على ضوء لما كنت أخاف أن أنام، لأنني أعرف أن روحي لن تخرج مني إلا في ~~حالة الظلام. ولذلك كان من الطبيعي أن أكون في كثير من الليالي في مكان ~~أستطيع فيه الحصول على ضوء، وعندها أنام؛ لأنني أكون دائما تقريبا متعبا، ~~وكثيرا ما أكون نعسانا للغاية. وإنني متأكد أيضا أنني قد نمت مرات ~~كثيرة دون أن أشعر، ولكني لم أنم مطلقا مع علمي بأنني سوف أنام. وفي تلك ~~الليلة كنت أستمع إلى صوت دود القز. كان بوسعك سماع دود القز وهو يأكل بكل ~~وضوح في الليل، وأنا أرقد وعيناي مفتوحتان أستمع له. # وكان هناك شخص واحد آخر معي في الحجرة وكان مستيقظا كذلك. واستمعت ~~إليه وهو مستيقظ لمدة طويلة. لم يكن باستطاعته أن يرقد ms103 ساكنا في هدوء كما ~~أفعل أنا؛ لأنه ربما لم يتعود مثلي على أن يكون مستيقظا. كنا راقدين على ~~بطانيات مفروشة فوق أكوام من القش، وحين يتحرك كان القش يصدر صوتا، ~~بيد أن دود القز لم يكن يفزع من أي ضوضاء تصدر عنا واستمر يأكل بانتظام. ~~كانت هناك أيضا ضوضاء الليل على مبعدة سبعة كيلومترات وراء خطوط القتال في ~~الخارج، ولكنها كانت مختلفة عن الضوضاء الخفيفة داخل الحجرة في الظلام. كان ~~الرجل الآخر في الحجرة يحاول الرقاد في هدوء. ثم تحرك ثانية. وتحركت أنا ~~أيضا حتى يعلم أنني مستيقظ. كان قد عاش عشر سنوات في شيكاغو. وقد تم ~~تجنيده عام 1914م حين عاد إلى إيطاليا لزيارة أسرته، وخصصوه كي يكون جندي ~~مراسلة لي لأنه يتحدث الإنجليزية. وسمعته ينصت، ولذلك تحركت ثانية وسط ~~بطاطيني. # سألني: ألا تستطيع النوم يا سيدي الملازم؟ ~~- كلا. ~~- ولا أنا أيضا. ~~- ما الأمر؟ ~~- لا أعرف. لا أستطيع النوم. ~~- أتشعر أنك على ما يرام؟ ~~- بالتأكيد. إني على ما يرام. فقط لا أستطيع النوم. # سألته: هل تريد أن نتحدث برهة؟ ~~- بالتأكيد. ماذا يمكنك أن تتحدث عنه في ذلك المكان اللعين؟ # قلت: هذا المكان حسن جدا. # قال: بالتأكيد. إنه على ما يرام. # قلت: احك لي عن حياتك في شيكاغو. # قال: أوه. لقد حدثتك عن كل ذلك من قبل. ~~- قل لي كيف تزوجت؟ ~~- لقد قلت لك ذلك أيضا. ~~- هل كان الخطاب الذي تلقيته يوم الاثنين منها؟ ~~- بالتأكيد. إنها تكتب لي دائما. إنها تكسب مالا كثيرا من ذلك ~~المكان. ~~- سيكون لك مكان جميل حين تعود. ~~- بالتأكيد. إنها تديره ببراعة. وهي تكسب مالا وفيرا. ~~- سألته: ألا تظن أننا سنوقظهم بحديثنا؟ # قال: كلا: لا يمكنهم سماعنا. وعلى كل حال، إنهم ينامون كالخنازير. أنا ~~لست كذلك. أنا عصبي. # قلت: تحدث بهدوء. أتريد أن تدخن؟ # ودخنا بمهارة رغم الظلام. ~~- إنك لا تدخن كثيرا يا سيدي الملازم. ~~- كلا. إنني على وشك الإقلاع عن التدخين. # قال: حسنا. إن التدخين لا يعود عليك بأي نفع، وأعتقد أنك بذلك لن ~~تفتقده. ms104 هل سمعت أبدا عن رجل كفيف لا يريد أن يدخن لأنه لا يستطيع أن يرى ~~الدخان وهو يخرج؟ ~~- لا أصدق ذلك. # قال: أنا أرى أنه كلام فارغ أيضا. لقد سمعت ذلك في جهة ما. تعرف كيف ~~يسمع المرء الأشياء. # وصمت كلانا. وأنصت إلى دود القز. # سأل: هل تسمع ديدان القز تلك اللعينة. بوسع المرء سماعها وهي ~~تمضغ. # قلت: هذا غريب. ~~- قل لي يا سيدي الملازم، هل هناك شيء حقا يمنعك من النوم؟ إني لا ~~أراك تنام أبدا. إنك لم تنم أي ليلة منذ أن كنت معك. # قلت: لا أعرف يا جون. إني مررت بفترة بالغة السوء في مطلع هذا الربيع، ~~وهو ما يزعجني عند حلول الليل. # قال: مثلي تماما. كان يجب علي ألا اشترك في هذه الحرب. إني شديد ~~العصبية. ~~- ربما تتحسن حالتك. ~~- قل لي يا سيدي الملازم، لماذا اشتركت في هذه الحرب على أية ~~حال؟ ~~- لا أعرف يا جون. كنت أرغب في ذلك حينذاك. # قال: ترغب؟ يا له من سبب رائع! # قلت: علينا ألا نتحدث بصوت مرتفع. # قال: إنهم ينامون كالخنازير. وعلى كل حال هم لا يفهمون اللغة ~~الإنجليزية. إنهم لا يفقهون شيئا. ماذا تنوي أن تفعل بعد أن تنتهي الحرب ~~وتعود إلى الولايات المتحدة؟ ~~- سألتحق بعمل في صحيفة. ~~- في شيكاغو؟ ~~- ربما. ~~- هل قرأت مرة ما يكتب هذا الرجل «برسبين»؟ إن زوجتي تقطع لي مقالاته ~~وتبعث بها لي. ~~- بالتأكيد. ~~- هل قابلته يوما؟ ~~- كلا، ولكني رأيته. ~~- كم أود أن أقابل هذا الرجل. إنه كاتب ممتاز. زوجتي لا تعرف ~~الإنجليزية ولكنها تشتري الصحيفة، كما تعودت وأنا في المنزل، وتقطع لي ~~المقالات وصفحة الرياضة وتبعث بها لي. ~~- كيف حال بناتك؟ ~~- إنهن على ما يرام. إحدى البنات في الصف الرابع الآن. أتعرف يا سيدي ~~الملازم، لو لم يكن عندي أطفال لما كنت الآن جندي المراسلة لك. كانوا ~~سيبقون علي في الجبهة طول الوقت. ~~- إني سعيد أن لك أطفالا. ~~- وأنا أيضا. إنهن بنات طيبات، ولكني أريد صبيا. ثلاث بنات وما من ~~صبي. إن هذا ms105 شيء محزن. ~~- لم لا تحاول أن تنام؟ ~~- كلا. لا أستطيع أن أنام الآن. إني مستيقظ تماما الآن يا سيدي ~~الملازم. ولكني قلق عليك لأنك لا تنام. ~~- سأكون على ما يرام يا جون. ~~- تصور شاب مثلك ولا ينام! ~~- سأكون على ما يرام. إنما الأمر يحتاج وقتا. ~~- يجب أن نكون على ما يرام. لا يستطيع أحد أن يستمر دونما نوم. أهناك ~~أي شيء يسبب لك قلقا؟ أيشغل فكرك شيء ما؟ ~~- كلا يا جون. لا أظن ذلك. ~~- عليك أن تتزوج يا سيدي الملازم. عندها لن تقلق على شيء. ~~- لا أعرف. ~~- عليك أن تتزوج. لماذا لا تنتقي لنفسك فتاة إيطالية حسنة ذات مال ~~وفير؟ إنك تستطيع الحصول على من تريد. أنت شاب وقد حصلت على أوسمة جيدة، ~~وذو مظهر حسن وقد جرحت مرتين. ~~- إني لا أحسن التحدث باللغة الإيطالية. ~~- إنك تتكلمها جيدا. وليذهب الكلام إلى الجحيم. ليس عليك أن تتحدث ~~معهن. تزوجهن. ~~- سوف أفكر في الأمر. ~~- أنت تعرف بعض الفتيات، أليس كذلك؟ ~~- بالتأكيد. ~~- حسنا، تزوج إذن من أغنى واحدة فيهن. ستكون أي واحدة زوجة صالحة ~~لك بسبب الطريقة التي ينشأن بها هنا. ~~- سوف أفكر في ذلك. ~~- لا تفكر في ذلك يا سيدي الملازم، افعل ذلك. ~~- وهو كذلك. ~~- الرجل يجب أن يتزوج. لن تندم مطلقا على ذلك. كل رجل يجب أن يكون ~~متزوجا. # قلت: وهو كذلك. هيا نحاول أن ننام قليلا. ~~- وهو كذلك يا سيدي الملازم. سأحاول مرة أخرى. ولكن تذكر ما قلته ~~لك. # قلت: سأتذكره. والآن هيا ننم قليلا يا جون. # قال: وهو كذلك. أرجو أن تنام يا سيدي الملازم. # وسمعته يلتف ببطانيته فوق القش ثم أصبح هادئا جدا، وأنصت إليه ~~وهو يتنفس على نحو منتظم. ثم بدأ شخيره. وقد سمعت شخيره لمدة طويلة ثم ~~توقفت عن الإنصات وأنصت إلى دود القز وهو يأكل. كان يأكل بانتظام وهو ~~يتحرك بين أوراق التوت. كان عندي شيء جديد أفكر فيه ورقدت في الظلام ~~وعيناي مفتوحتان وفكرت في جميع الفتيات اللاتي عرفتهن وكيف كان يمكن أن ~~يصبحن ms106 زوجات. كان موضوعا شائقا جدا للتفكير، وقد تفوق فترة على ~~التفكير في صيد سمك الطاروط وتداخل مع صلواتي. بيد أنني في النهاية عدت ~~إلى موضوع صيد السمك، لأنني وجدت أن بإمكاني أن أتذكر جميع الغدران، وهناك ~~دائما شيء جديد عنها، في حين أن الفتيات - بعد أن أفكر فيهن وقتا ما - ~~تشحب ذكراهن ولا أستطيع استعادتهن في ذهني، وانتهى الأمر إلى أن اختلطت ~~صورتهن وأصبحن متشابهات إلى حد ما، وتركت التفكير فيهن كلية تقريبا. ~~بيد أني واصلت صلواتي، وصليت كثيرا من أجل جون خلال الليالي التالية، ~~وقد تم سحب فرقته من الخدمة العاملة قبل هجوم أكتوبر. وكنت سعيدا بأنه لم ~~يكن هناك، لأنه كان سيصبح مصدر قلق كبير لي. وقد جاء إلى المستشفى في ~~ميلانو ليزورني بعد ذلك بعدة شهور، وكان محبطا للغاية لأني لم أتزوج حتى ~~الآن، كان يستعد للعودة إلى أمريكا وكان على ثقة تامة من موضوع الزواج وأن ~~الزواج يمكن أن يصلح كل شيء. # | عشرة هنود # بعد أحد احتفالات عيد الرابع من يوليو، مر «نك» بتسعة هنود سكارى على ~~قارعة الطريق، وكان عائدا من المدينة إلى منزله في وقت متأخر مع «جو ~~جارنر» وأسرته في العربة الكبيرة. ويذكر «نك» أنهم كانوا تسعة أشخاص، لأن «جو ~~جارنر» جذب أعنة الجياد وكان يقود العربة في الغسق وقفز إلى الأرض على ~~الطريق، وجذب أحد الهنود من أمام مسار العجلات. وكان الهندي نائما وقد دس ~~وجهه في الرمال. وجذبه «جو» بعيدا إلى ناحية الشجيرات وعاد ثانية إلى مكان ~~القيادة في العربة. قال «جو»: هذا يجعل عددهم تسعة. ما بين هذه المنطقة وطرف ~~المدينة. # قالت مسز «جارنر»: يا لهؤلاء الهنود! # وكان «نك» يجلس في المقعد الخلفي مع ولدي جارنر. كان يتطلع من مكانه ~~في المقعد الخلفي ليرى الهندي مقعيا حيث جذبه «جو» بعيدا عن ~~الطريق. # تساءل «كارل»: هل هو «بيللي تابلشو»؟ ~~- كلا. ~~- إن سرواله كبير يشبه سروال «بيللي». ~~- كل الهنود يرتدون سراويل متشابهة. # قال «فرانك» الابن الثاني لجو جارنر: لم أره بالمرة. لقد ms107 هبط بابا إلى ~~الطريق وعاد ثانية قبل أن أرى أي شيء. ظننت أنه ذهب يقتل ثعبانا. # قال «جو جارنر»: يبدو لي أن كثيرا من الهنود سيقتلون ثعابين ~~الليلة. # وقالت مسز جارنر: يا لهؤلاء الهنود! # وساروا في طريقهم. والتوى خط السير عند الطريق الرئيسي وسار مصعدا وسط ~~التلال. وكان الحمل ثقيلا على الجياد. فنزل الأولاد وساروا على أقدامهم. كان ~~الطريق رمليا. وتطلع «نك» من على قمة التل إلى مبنى المدرسة. وشاهد أنوار ~~مدينة «بتوسكي»، كما رأى أنوار مرفأ «سبرنجز» عبر خليج «ترافيرس» الصغير. ~~وعادوا مرة أخرى إلى العربة. # قال «جو جارنر»: ينبغي لهم أن ينثروا بعض الحصباء على هذا الطريق. # وسارت العربة على طول الطريق وسط الغابات. وجلس «جو» ومسز «جارنر» ~~متجاورين في المقعد الأمامي. وجلس «نك» بين الصبيين. وخرج بهم الطريق إلى ~~الخلاء. ~~- هنا بالضبط داس بابا الثعبان بالعربة. ~~- كلا، بعد ذلك. # فقال جو، دون أن يدير رأسه: إن المكان الذي حدثت فيه تلك الواقعة ليس ~~هو المهم، فبوسع المرء أن يدوس ثعبانا في أي مكان. # فقال «نك»: لقد رأيت ذئبين في الليلة الماضية. ~~- أين؟ ~~- هناك عند البحيرة. كانا يبحثان عن الأسماك الميتة على طول ~~الشاطئ. # فقال كارل: ربما كانا مجرد قطين. ~~- بل كانا ذئبين. وأعتقد أنني أعرف منظر الذئاب. # فقال كارل: هذا أكيد، فأنت تعرف فتاة هندية. # فقالت مسز جارنر: لا تقل هذا يا كارل. ~~- حسن. إنهن يتساوين في رائحتهن. # فضحك جو جارنر. # قالت مسز جارنر: كف عن الضحك يا جو. لا أريد لكارل أن ينطق بمثل هذا ~~الكلام. # فسأل جو: هل تعرف فتاة هندية حقا يا «نك»؟ ~~- كلا. # فقال فرانك: بل يعرف يا بابا أن اسمها «برودنس ميتشل». ~~- كلا. ~~- إنه يراها كل يوم. ~~- كلا. # وشعر «نك» وهو يجلس بين الصبيين وسط الظلام بالخواء والسعادة في داخلية ~~نفسه؛ لأنهم يحاولون استثارته حول موضوع «برودنس ميتشل». # قال: إنها ليست فتاتي. # قال كارل: ماذا يقول! إنني أراهما معا كل يوم. # قالت الأم: إن كارل لا يستطيع أن يعرف أي فتاة ولا ms108 حتى هندية. # وحافظ كارل على هدوئه. # قال فرانك: إن كارل لا يستطيع التعامل مع الفتيات. ~~- اخرس! # قال جو جارنر: لا عليك يا كارل، فالفتيات لا يعثرن على الشبان بسهولة ~~هكذا. انظر إلى والدك. # فقالت مسز جو وهي تدنو من جو مع اهتزازات العربة: أجل هذا ما تقوله. ~~حسن، لقد عرفت الكثير من الفتيات في زمانك. ~~- أراهن أن بابا لم يصادق أبدا فتاة هندية. # فقال جو: لا تظنن ذلك! من الأفضل أن تسعى للإبقاء على «برودنس» يا ~~«نك». # وهمست زوجته ببضع كلمات ضحك لها جو. # تساءل فرانك: علام تضحك؟ # فحذرته زوجته قائلة: إياك أن تقول يا جارنر. # وضحك جو ثانية. # قال جو جارنر: فليبق «نك» على «برودنس»، فإن عندي أنا فتاة ~~رائعة. # فقالت مسز جارنر: هكذا يكون الكلام. # كانت الجياد تشق طريقها بصعوبة في الرمال. وفرقع جو بسوطه في الظلام ~~صائحا: هيا، إلى الأمام. سيتعين عليكم أن تجروا حملا أكبر من هذا ~~غدا. # وركضوا هبوطا على طول التل، والعربة ترتج. ونزل الجميع عند البيت. ~~وفتحت مسز جارنر الباب ودلفت إلى الداخل، ثم ظهرت ثانية وفي يدها مصباح. ~~وأنزل «كارل» و«نك» الحاجيات من على ظهر العربة. وجلس «فرانك» في المقعد ~~الأمامي ليقود العربة إلى المخزن ويحل وثاق الجياد. وصعد «نك» الدرجات وفتح ~~باب المطبخ. وكانت مسز جارنر تشعل النيران في الموقد. والتفتت بعد أن صبت ~~الغاز على الأخشاب. # قال «نك»: مع السلامة يا مسز جارنر. شكرا على توصيلكم إياي. ~~- أوه، عفوا يا «نك». ~~- لقد أمضيت وقتا رائعا. ~~- إننا نستمتع بصحبتك. ألا تبقى قليلا لتناول بعض العشاء؟ ~~- من الأفضل أن أرحل. أظن أن والدي في انتظاري الآن. ~~- حسنا. هيا إذن. من فضلك أرسل لي «كارل» من الخارج. ~~- حسنا. ~~- مساء الخير يا «نك». ~~- مساء الخير يا مسز جارنر. # وخرج نك من العربة واتجه إلى المخزن. وكان جو وفرانك يحلبان الأبقار. ~~قال نك: «مساء الخير. لقد كان وقتا رائعا.» # فصاح جو جارنر: مساء الخير يا «نك». ألن تبقى لتناول الطعام؟ ~~- كلا. لا أستطيع. هل لك ms109 أن تقول لكارل إن والدته تريده؟ ~~- حسنا. مع السلامة يا «نك». # وسار «نك» عاري القدمين على الممر خارج المروج التي تقع خلف المخزن. كان ~~الممر صقيلا والندى رطبا تحت قدميه العاريتين. وارتقى سورا عند نهاية ~~المروج وهبط أخدودا وقدماه مبللتان من طين المستنقعات، ثم ارتقى طريقا في ~~غابة من أشجار الخوخ الجافة إلى أن شاهد أنوار الكوخ. وصعد على السور ~~واستدار إلى الدهليز الأمامي. ورأى والده من خلال النافذة يجلس إلى المائدة، ~~يقرأ في ضوء المصباح الكبير. وفتح «نك» الباب ودلف إلى الداخل. # قال والده: حسنا يا نك، هل قضيت يوما طيبا؟ ~~- لقد أمضيت وقتا رائعا يا أبي. لقد كان احتفالا عظيما بالرابع من ~~يوليو. ~~- هل أنت جائع! ~~- بالطبع. ~~- ماذا فعلت بحذائك؟ ~~- لقد تركته في العربة عند أسرة جارنر. ~~- تعال إلى المطبخ معي. # وسار والد «نك» في المقدمة ومعه المصباح. وتوقف ورفع غطاء صندوق ~~المثلجات. ودلف «نك» إلى المطبخ. وأحضر والده قطعة من الدجاج البارد على ~~طبق، وإبريق من اللبن، ووضعهما على المائدة أمام «نك»، وأنزل المصباح. # قال: هناك فطيرة أخرى. هل يناسبك هذا؟ ~~- عظيم! # وجلس والده على مقعد إلى جوار المائدة التي يغطيها المفرش المشمع. ~~وكان ظله يترامى ضخما على جدار المطبخ. ~~- من ربح في مباريات الكرة؟ ~~- فريق «بتوسكي». خمسة لثلاثة. # وجلس والده يرقبه وهو يأكل، وملأ كوبه من إبريق اللبن. # وشرب «نك» ومسح فمه في المنشفة. ومد والده يده إلى الرف ليحضر الفطيرة ~~وقطع جزءا كبيرا ل «نك». كانت فطيرة فراولة. ~~- وماذا فعلت أنت يا أبي؟ ~~- لقد ذهبت للصيد هذا الصباح. ~~- وماذا اصطدت؟ ~~- أسماكا صغيرة ليس إلا. # وجلس الوالد يرقب نك وهو يأكل الفطيرة. # وتساءل نك: وماذا فعلت بعد الظهر؟ ~~- ذهبت للنزهة عند المخيم الهندي. ~~- وهل رأيت أحدا هناك؟ ~~- كان الهنود جميعا في المدينة يعبون الخمر ... ~~- ألم تر أحدا على الإطلاق؟ ~~- رأيت صديقتك «برودنس». ~~- وأين كانت؟ ~~- كانت في الغابة مع «فرانك» و«شبيرن». قابلتهم مصادفة. كانوا ~~يلهون. # ولم يكن والده ينظر ناحيته. ~~- ماذا كانوا يفعلون؟ ~~- لم أنتظر لأرى. ~~- قل ms110 لي ماذا كانوا يفعلون؟ # قال والده: لا أعرف. لقد سمعتهم يتحادثون ليس إلا ... ~~- وكيف عرفت أنهم هم؟ ~~- لقد رأيتهم. ~~- ظننت أنك قلت إنك لم ترهم؟ ~~- أوه، بل رأيتهم. # فسأل نك: ومن كان معها؟ ~~- «فرانك» و«شبيرن». ~~- وهل كانوا ... هل كانوا ... ~~- هل كانوا ماذا؟ ~~- هل كانوا سعداء؟ ~~- أعتقد ذلك. # ونهض والده من على المائدة وخرج من خلال ستارة الباب إلى المطبخ. وحين ~~عاد مرة أخرى كان «نك» يحدق في طبقه. كان يبكي. # وتناول والده السكين ليقطع الفطيرة: هل لك في مزيد منها؟ # قال «نك». لا. ~~- يحسن بك أن تأخذ قطعة أخرى. ~~- كلا، لا أريد مزيدا. # ونظف والده المائدة. # سأل «نك»: وفي أي منطقة من الغابة كانوا؟ ~~- خلف المخيم. # وحدق نك في طبقه. # وقال والده: من الأفضل أن تأوي إلى الفراش يا نك. ~~- حسنا. # وتوجه «نك» إلى غرفته، وخلع ملابسه ودلف إلى فراشه. وسمع والده يجول ~~هنا وهناك في غرفة المعيشة. ورقد «نك» على الفراش فترة طويلة ووجهه مدفون ~~في الوسادة. ونسي بعد برهة كل فكرة عن «برودنس»، واستغرق آخر الأمر في ~~النوم. وحين استيقظ في الليل سمع صوت الرياح تعصف وسط أحراج الشوكران خارج ~~الكوخ، وموجات البحيرة تتكسر على الشاطئ، ثم استغرق في النوم مرة أخرى. وفي ~~الصباح كانت الرياح تعصف والأمواج تتدافع على الشاطئ. وبقي مستيقظا فترة ~~طويلة قبل أن يتذكر أن قلبه قد تحطم. # وجال في خاطره: إن قلبي قد تحطم. إذا كان ذلك هو شعوري فلا بد أن قلبي ~~قد تحطم. # وبعد برهة، سمع والده يطفئ المصباح ويتجه إلى غرفته. وسمع الرياح تعصف ~~وسط الأشجار في الخارج، وشعر بها تدلف باردة خلال ستارة الباب. ورقد فترة ~~طويلة ووجهه مدفون في الوسادة، ونسي ... # | الأسد الطيب # يحكى أن أسدا كان يعيش في أفريقيا مع غيره من الأسود. كانت الأسود ~~الأخرى أسودا شريرة، وفي كل يوم تلتهم حمر الوحش والحيوانات البرية وكل ~~أنواع الوعول. وأحيانا كانت الأسود الشريرة تأكل الآدميين أيضا. كانت تأكل ~~السواحيليين والأمبولوس # 1 # والواندوروبو، # 2 # وكانت تحب خاصة أكل ms111 التجار الهنود. كانت تلك الأسود تجد ~~التجار الهنود سمانا ولذيذين. # بيد أن ذلك الأسد، الذي نحبه لأنه طيب جدا، كان لديه جناحان على ظهره. ~~وبسبب هذين الجناحين، كانت بقية الأسود الأخرى تسخر منه. # كانوا يقولون: انظروا إليه بهذين الجناحين على ظهره. ثم ينفجرون ضحكا ~~عليه. # وكانوا يقولون: انظروا ماذا يأكل. لأن الأسد الطيب لم يكن يأكل إلا ~~المكرونة والجمبري لأنه كان شديد الطيبة. # وكانت الأسود الشريرة تنفجر ضاحكة ثم تأكل تاجرا هنديا آخر بينما ~~زوجاتهم تشربن دماءه، ويتلمظن بألسنتهن: لاب لاب لاب، مثل القطط الكبيرة، ~~ولا يتوقفن إلا كي يزمجرن بالضحك أو يزأرن ضاحكات من الأسد الطيب والسخرية ~~من جناحيه. كانوا أسودا غاية في السوء والشر حقا. # ولكن الأسد الطيب كان يجلس طاويا جناحيه ويسأل بأدب إن كان يستطيع ~~الحصول على كوكتيل الجين أو قهوة أمريكية، وكان يشرب ذلك دائما بدلا من ~~دماء التجار الهنود. وفي يوم رفض أن يأكل ثمانية أغنام أفريقية، وأكل فحسب ~~بعض الإسباجيتي وشرب كوبا من عصير الطماطم. # وقد أثار هذا غضبا شديدا للأسود الشريرة، وقالت إحدى اللبؤات - وكانت ~~أكثرهم شرا ولا تستطيع أبدا إزالة دماء التجار الهنود من على شواربها حتى ~~لو حكت وجهها في الحشائش: من تكون أنت حتى تظن أنك أفضل بكثير منا؟ من أين ~~أتيت أيها الأسد الذي يأكل المكرونة؟ ماذا تفعل هنا على أية حال؟ وزمجرت في ~~وجهه وزأروا جميعا ولكن دون أي ضحكات. ~~- إن أبي يعيش في مدينة يقف فيها تحت ساعة البرج ويتطلع تحته إلى آلاف ~~الحمائم، وكلها من أتباعه. وحين تطير الحمائم تثير من الضوضاء ما يماثل ~~هدير النهر. وفي مدينة أبي من القصور ما يفوق كل قصور أفريقيا، وهناك أربع ~~جياد ضخمة من البرونز تقف في مواجهته، وكل واحد منها يرفع إحدى ساقيه ~~خوفا من أبي. # قالت اللبؤة الشريرة وهي تلعق شواربها: إن والدك كان كلبا ~~صغيرا. # وقال واحد من الأسود الشريرة: إنك كاذب. لا توجد مثل تلك ~~المدينة. # وقال أسد شرير آخر: ناولني قطعة من لحم ms112 تاجر هندي، فلحم الماشية ~~طازج زيادة عن اللزوم. # قالت اللبؤة الأشد شرا: إنك كاذب حقير وابن جرو ليس إلا. وأعتقد ~~الآن أني سأقتلك وآكلك كلك بجناحيك. # وشعر الأسد الطيب بالفزع الشديد من كلام اللبؤة؛ لأنه كان يرى عينيها ~~الصفراوين وذيلها يعلو وينخفض والدم يحيط بشواربها، وهو يشم زفيرها ~~الكريه؛ لأنها لم تكن تنظف أسنانها قط بالفرشاة. وكذلك كان تحت مخالبها ~~نتف قديمة من لحم تاجر هندي. # قال الأسد الطيب: لا تقتليني. إن أبي أسد نبيل والجميع يحترمونه، وكل ما ~~قلته عنه صحيح. # وعند ذاك قفزت اللبؤة الشريرة نحوه، ولكنه ارتفع عن الأرض بجناحيه ودار ~~حول الأسود الشريرة دورة واحدة، وكلهم يزأر وينظر إليه. ونظر إليهم من عل ~~وجال بخاطره: كم هم متوحشون هؤلاء الأسود. # ودار حولهم مرة أخرى كي يجعلهم يزأرون بقوة أشد، ثم انقض منخفضا ~~كيما يرى عيني اللبؤة الشريرة التي قامت على ساقيها الخلفيتين حتى تحاول أن ~~تمسه بمخالبها. قال: أديوس، فقد كان يتكلم الإسبانية بطلاقة بوصفه أسدا ~~مثقفا. وناداهم قائلا بفرنسيته الرائعة: أوريفوار. # وزأروا جميعا وزمجروا بلهجة أسدية أفريقية. # ثم طار الأسد الطيب أعلى فأعلى واتخذ وجهته إلى مدينة فينيسيا، وهبط في ~~الميدان الكبير واغتبط الجميع لرؤيته. وطار برهة وقبل أباه على كلا ~~خديه، وشاهد الجياد ما تزال رافعة أقدامها، والكنيسة تبدو أكثر جمالا من ~~فقاعة الصابون، والناقوس في مكانه والحمائم تتجه إلى أعشاشها لتمضية ~~المساء. # قال أبوه: كيف حال أفريقيا؟ # ورد الأسد الطيب: وحشية للغاية يا أبي. # قال أبوه: لدينا أنوار تضاء بالليل الآن هنا. # ورد الأسد الطيب بوداعة الابن: هذا ما أراه. # وأسر له أبوه: إنها تتعب عيني قليلا. إلى أين ستذهب الآن يا ~~بني؟ # قال الأسد الطيب: إلى بار هاري. # قال الأب: بلغ سلامي إلى «سيبرياني» وقل له إنني سأذهب إليه عما ~~قريب كي أدفع فاتورة حسابي. # قال الأسد الطيب: أجل يا أبي. ثم هبط إلى الأرض بخفة وسار إلى بار ~~هاري على مخالبه الأربعة. # وعند سيبرياني لم يكن أي شيء قد تغير. كان ms113 هناك جميع أصدقائه. ولكنه هو ~~كان قد تغير نوعا ما نتيجة إقامته في أفريقيا. # وسأله السيد سيبرياني: كوكتيل الجين، سنيور بارون؟ # ولكن الأسد الطيب كان قد قطع الطريق كله من أفريقيا، وقد غيرته ~~أفريقيا. # سأل: أليس عندك ساندوتشات تاجر هندي؟ ~~- كلا. ولكني أستطيع الحصول على بعضها لك. ~~- وفي الوقت الذي سيستغرقه البحث عنها ، أعطني بعض المارتيني الجاف. ~~وأضاف: مع جين جوردون. # قال سيبرياني: حسن جدا. حسن جدا. # وتطلع الأسد إلى وجوه الناس الطيبين من حوله، وعرف أنه في وطنه، ولكنه ~~أيضا قد سافر. كان سعيدا جدا. # | الثور الوفي # يحكى أنه كان هناك ثور ولم يكن اسمه فرديناند ولم يكن يهتم أبدا ~~بالزهور. كان يحب القتال، وقاتل جميع الثيران الأخرى التي من سنه، أو في أي ~~سن، وأصبح بطلا. # كان قرناه صلبين كالخشب، وطرفاهما حادين مثل نصل السهام. وكانت ~~قاعدتهما تؤلماه حين يقاتل، ولكنه لم يأبه لذلك مطلقا. وكانت عضلات عنقه ~~عالية تشكل كتلة هائلة تسمى بالإسبانية # morillo ~~، وهذه الكتلة ترتفع كالتل حين يكون ~~مستعدا للقتال. كان دائما مستعدا للقتال وكان جسده أسود لامعا وعيناه ~~صافيتين. # كان أي شيء يدفعه إلى القتال، وهو يقاتل بجدية شديدة، تماما كما ~~يفعل بعض الأشخاص حين يأكلون أو يقرءون أو يذهبون إلى الكنيسة. وكل مرة ~~يقاتل فيها يفعل ذلك بنية القتل، وكانت الثيران الأخرى لا تخافه لأنها من ~~نسل جيد ولا تشعر بالخوف. غير أنهم لم يكونوا يرغبون في إثارته، ولا ~~يرغبون أن يقاتلوه. # لم يكن مشاغبا ولا شريرا، بيد أنه كان يحب أن يقاتل، مثلما يحب ~~أحدهم أن يغني أو أن يصبح ملكا أو رئيس جمهورية. لم يكن يفكر أبدا. كان ~~القتال التزامه وواجبه وبهجته. # كان يقاتل فوق الأرض المرتفعة الصخرية. ويقاتل تحت أشجار البلوط ~~الفلينية، ويقاتل في المروج الخصبة بجوار النهر. وكان يمشي خمسة عشر ميلا ~~كل يوم من عند النهر إلى الأرض المرتفعة الصخرية ويقاتل أي ثور ينظر إليه. ~~ومع ذلك، لم يكن يغضب أبدا. # ولكن ذلك ليس صحيحا على إطلاقه، فقد ms114 كان يصطخب غضبا في داخله. ولم يكن ~~يعرف سبب ذلك لأنه لم يكن بوسعه أن يفكر. كان نبيلا للغاية وكان يحب ~~القتال. # فماذا حدث له إذن؟ لقد عرف الرجل الذي يقتنيه - إذا كان لأي شخص أن ~~يقتني هذا الثور - كم هو ثور عظيم، ولكنه مع ذلك كان قلقا؛ لأن هذا الثور ~~كان يكلفه الكثير من المال لقتاله الثيران الأخرى. كان ثمن كل ثور يفوق ~~الألف دولار، وبعد أن يقاتلوا الثور العظيم تصبح قيمتهم أقل من مائتي دولار ~~فقط، وأحيانا أقل من ذلك. # لهذا فقد قرر الرجل - وكان رجلا حميدا - أن ينقل دماء ثوره العظيم إلى ~~سلالة ثيران أخرى بدلا من إرساله إلى حلبة المصارعة الحقيقية ليقتل هناك، ~~لذلك فقد انتقاه كي يهجن الأبقار. # بيد أن ذلك الثور كان ثورا غريبا. فحين أطلقوه أول مرة إلى المرعى مع ~~الأبقار الولود، رأى بقرة شابة جميلة ورشيقة ذات عضلات حسنة وأكثر ~~إشراقا وأجمل من كل الأبقار الأخرى. ولهذا، لما لم يكن بوسعه القتال، وقع في ~~غرامها ولم يلتفت لأي من الأبقار الأخرى. كان يرغب أن يبقى معها وحسب، ولم ~~تكن الأخريات تعني له أي شيء. # وكان الرجل الذي يمتلك مزرعة الثيران يأمل أن يتغير الثور، أو يتعلم، ~~أو يصبح مختلفا عما كان عليه. ولكن الثور بقي على ما هو عليه يحب ما ~~أحب ولا واحدة غيرها. كان يريد أن يظل معها وحسب، ولا تعني له الأخريات أي ~~شيء بالمرة. # ولذلك، أرسله الرجل مع خمسة ثيران أخرى كي يقتل في حلبة المصارعة، فقد ~~كان الثور على الأقل يجيد القتال، رغم أنه كان وفيا. وقد صارع على نحو ~~رائع وأعجب الجميع به، وكان أكثر المعجبين به هو المصارع الذي قتله. ولكن ~~سترة الرجل الذي قتله والذي يسمى «الماتادور» كانت مبللة تماما في النهاية، ~~وكان فمه جافا للغاية. # قال الماتادور وهو يناول سيفه لمساعده: يا له من ثور شجاع. # وناول المساعد السيف مرفوع المقبض، بينما النصل يقطر دما من قلب الثور ~~الشجاع الذي لم يعد لديه ms115 مشاكل من أي نوع بينما أربعة جياد تجره خارج ~~الحلبة. # قال المساعد، الذي يعرف كل شيء: أجل إنه ثور كان على الماركيز دي ~~فيامور أن يتخلص منه لأنه كان وفيا. # قال الماتادور: ربما كان علينا كلنا أن نكون أوفياء. ms116