######OpenITI# #META# URI: 1450MahirBattuti.LorcaShacirAndalus.Hindawi49515192 #META# Tags: biographies #META# ID: 49515192 #META# Title: لوركا شاعر الأندلس #META# AuthorID: 27040363 #META# Author: ماهر البطوطي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # غرناطة‏ # المناخ السياسي والثقافي ونشأة الشاعر‏ # حياة المدينة‏ # إلى العاصمة مدريد‏ # مسرحية فاشلة وديوان ناجح‏ # صداقتان حميمتان‏ # مهرجان إشبيلية وديوان الفجر‏ # مجلة أدبية وأزمة نفسية‏ # التجربة الأمريكية‏ # لاباراكا وفترة النضج المسرحي‏ # فاجعة مصارع الثيران‏ # 1936‏ # غرناطة ولوركا‏ # لوركا والتطهير الدموي‏ # الجريمة كانت في غرناطة‏ # ما وراء الحادث‏ # الشمس تشرق من جديد‏ # مراجع الكتاب‏ # تقديم‏ # غرناطة‏ # المناخ السياسي والثقافي ونشأة الشاعر‏ # حياة المدينة‏ # إلى العاصمة مدريد‏ # مسرحية فاشلة وديوان ناجح‏ # صداقتان حميمتان‏ # مهرجان إشبيلية وديوان الفجر‏ # مجلة أدبية وأزمة نفسية‏ # التجربة الأمريكية‏ # لاباراكا وفترة النضج المسرحي‏ # فاجعة مصارع الثيران‏ # 1936‏ # غرناطة ولوركا‏ # لوركا والتطهير الدموي‏ # الجريمة كانت في غرناطة‏ # ما وراء الحادث‏ # الشمس تشرق من جديد‏ # مراجع الكتاب‏ # | لوركا شاعر الأندلس # | لوركا شاعر الأندلس # تأليف # ماهر البطوطي # | تقديم # كان يوما ما زلت أذكره من عام 1961 حين قررت على نحو قاطع أن ~~أتخذ الكتابة والترجمة مهنة أساسية لي. كنت أدرس آخر سنة في قسم ~~اللغة الإنجليزية بآداب القاهرة، وقد تشبعت بالمقررات الدراسية، ~~خاصة في تلك السنة، وتأثرت برواية «جيمس جويس»؛ «صورة للفنان في ~~شبابه»، التي قرر بطلها نذر نفسه للأدب والفن والجمال بكل أشكاله. ~~كذلك درسنا «همنجواي» وحياته وأسلوبه الجديد في الكتابة. وكنت أتابع ~~ما يصدر من كتب مهمة خارج مقررات الدراسة، فتأثرت بأدب «ألبير ~~كامي» وفلسفته، وكتاب «اللامنتمي» الذي كتبه «كولن ولسون» وأصبح حديث ~~الأدباء. # وكنت قد بدأت القراءة وجمع الكتب منذ كنت في العاشرة من عمري، ~~فنشأت على كتب «توفيق الحكيم» و«طه حسين» و«نجيب محفوظ» و«يوسف ~~السباعي» وشعر «أحمد شوقي». وبدأت أيضا في جمع الكتب والسلاسل الجميلة ~~التي كانت تصدر في مصر في الخمسينيات، ومنها: «الهلال» و«كتاب ~~الهلال» و«روايات الهلال»، و«اقرأ»، و«كتب للجميع»، وكتب ومطبوعات ~~«كتابي» و«الكتاب الذهبي»، وغير ذلك. # وبعد التخرج في الجامعة، عرفت أن من يريد أن يتخذ الكتابة ~~مهنة، فعليه إجادة لغته العربية إجادة تامة، وكذلك ألا يعتمد في ~~معيشته على مكافآت الكتابة؛ فدرست القرآن الكريم وتدبرت آياته ~~ولغته، وقرأت كتب النحو المتاحة، وما طالته يدي من ms01 كتب التراث ~~العتيقة. ولم أبدأ الكتابة إلا بعد أن شغلت وظيفة مناسبة بوزارة ~~التعليم العالي بالقاهرة، تترك لي وقتا كافيا بعدها للقراءة ~~والكتابة. ولما كنت أريد الكتابة في النقد الأدبي، كانت أوائل مقالاتي ~~نقدا وعرضا لما أحببته من الكتاب والأدباء. ثم جاءت الترجمة ~~وأفسحت لها بعض الوقت أولا، ثم زحفت على معظم الوقت بعد ذلك. وكان ~~أول كتبي المنشورة عن «إرنست همنجواي»، ثم رواية «جيمس جويس» التي ~~أحببتها. وبدأت في دراسة اللغتين الإسبانية والفرنسية قبل أن ~~تنتدبني الوزارة للعمل ملحقا ثقافيا في مدريد، حيث قضيت أكثر من ~~أربع سنوات. # وبعد عودتي من إسبانيا، قضيت أربع سنوات أخرى بالقاهرة أزود ~~المجلات في القاهرة وبيروت بمقالاتي المؤلفة والمترجمة، قبل أن ~~أتوجه إلى نيويورك للعمل مترجما ثم محررا بالأمانة العامة للأمم ~~المتحدة. وقد عكفت على الكتابة والترجمة عن الأدب المكتوب بالإسبانية ~~من شعر ورواية ومسرحية، حتى أساهم في تشييد جسر ثقافي للقراء ~~العرب إلى تلك الثقافة الثرية. ولكن لم أنس اللغات الأخرى، فترجمت ~~لشاعر الشعب الأمريكي «والت ويتمان» وبعض آثار اللغة الفرنسية، وزاد ~~إنتاجي بعد التقاعد من العمل حتى قاربت أعمالي ثلاثين كتابا. # ولما كانت الكتب الورقية، رغم أهميتها، تذوي وتغيب حروفها بفعل ~~الزمن، فقد رحبت بقيام مؤسسة «هنداوي» بوضع كتبي رقمية على النت ~~لتكون متاحة لمن يريد قراءتها، والمؤسسة بذلك تضطلع بعمل مهم في ~~نشر الثقافة وإتاحتها وحفظها على مر السنين. # | غرناطة # سئل لوركا يوما عن سقوط الحكم العربي لغرناطة في عام 1492 ~~ميلادية، فأجاب قائلا: ~~«لقد كان يوما أسود، رغم أنهم يذكرون لنا عكس ذلك في المدرسة، لقد ~~ضاعت حضارة مدهشة، وشعر، وفلك، ومعمار، ورقة لا نظير لها في ~~العالم، وحلت محلها مدينة فقيرة، خانعة، تزخر بطالبي الصدقات، وحيث ~~توجد الآن أسوأ طبقة برجوازية في إسبانيا». # وتعد هذه العبارات أصدق دليل على مدى تأثر الشاعر الفنان «فديريكو ~~غرسيه لوركا» بمسقط رأسه وبيئته الغرناطية التي نشأ في أحضانها، بكل ما ~~تنبض فيها من أجواء عربية وأندلسية بقيت آثارها على مر القرون، ~~ولقد ms02 استبانت تلك الأجواء في شعره وفي مسرحياته التي استلهم فيها ~~الروح الشعبية في قرى الأندلس ومدنه ... ومن غريب الطالع أن يرتبط موت ~~الشاعر في عام 1936م باسم عربي كذلك؛ إذ إن مصرعه الفاجع قد وقع في ~~بقعة لا تزال تعرف باسمها العربي وهو «عين الدمعة» بقرية «فرنار» من ~~أرباض غرناطة، وهكذا كان مولد الشاعر وموته في تلك المدينة الأندلسية ~~التي ارتبطت باسمه وأعماله. غرناطة، تلك المدينة الحبيبة إلى قلب كل ~~عربي، غرناطة، آخر معقل للإسلام وللعرب في إسبانيا، تلك البلدة ~~الجميلة التي تقع أجزاء منها فوق تلال عدة، وتنبسط أجزاء أخرى تحت ~~أقدام تلك التلال، وتمتد في الغرب منها رقعة واسعة من الأراضي الزراعية ~~شديدة الخصوبة، يغذيها نهرا «حدرة» و«شنيل» - اللذان تغنى بهما ~~شعراء العرب ثم شعراء الإسبان من بعدهم، ومنهم لوركا بالذات - واللذان ~~يستمدان مياههما من ثلوج أعلى جبال المنطقة: «سييرا نيفادا»، التي ~~سماها العرب جبال شلير، وبجوارها جبال البشرات، وتعد تلك الرقعة ~~الزراعية الغرناطية من أخصب المناطق في البلاد وأكفها زراعة، وقد قال ~~عنها الرحالة العرب الأولون: إنها تفوق غوطة دمشق مساحة ~~وخصبا. # وقد فتح العرب غرناطة في مطلع غزوتهم الإسبانية، عام 712م، واتخذوا ~~من موقعها حصنا مكينا، نظرا لما تتمتع به من موقع استراتيجي ~~هام وسط سلاسل جبال منيعة، وعربوا الاسم الروماني لها وهو # Granada ~~- أي الرمانة، الذي أطلق ~~عليها لأنها كانت على شكل يعطي للناظر من بعيد هيئة تلك الثمرة - ~~وجعلوه غرناطة، وقد سيطر العرب على كل أجزاء شبه الجزيرة الأيبيرية ما ~~عدا منطقتين: أشتورياس والباسك في شمال البلاد، وكان فتح الأندلس في ~~عهد سليمان بن عبد الملك والوليد بن عبد الملك، وحين قامت الدولة ~~العباسية، امتد حكم بني أمية في الأندلس على يد عبد الرحمن الداخل ~~وخلفائه، إلى حين سقوط قرطبة عام 1031م، وقد حل محل الأمويين ملوك ~~الطوائف وأشهرهم بنو عباد بإشبيلية، وبنو جهور بقرطبة، وبنو عامر ~~بشاطبة، وبنو هود بسرقسطة، وبنو حمود بمالقة، ثم جاء عصر دولة ~~المرابطين، فدولة الموحدين التي امتد عهدها ms03 حتى عام 1269م، وأما ~~غرناطة فكانت خلال الحكم الأموي تدخل في إقليم «ألبيرة»، وبعد سقوط ~~قرطبة استقل بها حاكمها «زاوي بن زيري»، وظل يحكمها «بنو زيري» حتى ~~غلب عليها المرابطون فالموحدون، وفي أواخر حكم الموحدين، ظهر «بنو ~~الأحمر» واستقلوا بغرناطة، وأسسوا فيها عام 1238م «مملكة غرناطة» ~~التي قامت لأكثر من قرنين ونصف من الزمان، وشهدت سقوط المدن العربية ~~الأخرى في يد الإسبان، إلى أن أصبحت آخر مكان حكمه العرب في ~~إسبانيا. # وكانت مملكة غرناطة لا تضم مدينة غرناطة الحالية وحدها، بل كان يدخل ~~فيها مدن «ألمرية» و«مالقة» و«جبل طارق» و«الجزيرة الخضراء» و«رندة»، ~~وأعمال هذه المدن وأرباضها، وازدهرت هذه المملكة تحت حكم بني الأحمر، ~~رغم الاضطرابات السياسية فيها، وتربص الممالك الإسبانية بها، وشيد ~~الملوك فيها المساجد والقصور وزرعوا البساتين، حتى أصبحت أيامها من ~~أجمل مدن العالم، وزارها وتغنى بها الرحالة العرب، مثل «ابن بطوطة» ~~و«ابن جبير»، وبلغت المملكة شأوها في عهد الملك محمد الغني بالله (محمد ~~الخامس)، حين سطع في سمائها عدد من الأدباء والشعراء، على رأسهم ~~الوزير لسان الدين بن الخطيب، مؤلف المرجع الأساسي عن المدينة وعنوانه ~~«الإحاطة في أخبار غرناطة»، وشاعر الأندلس «محمد بن زمرك» صاحب ~~الموشحات الأندلسية. # وتتالى على عرش المملكة بعد ذلك ملوك تراوحوا بين ضعيف وقوي، إلى أن ~~سقطت المملكة في يد الملكين الكاثوليكيين «إيزابيلا وفرديناند» في 2 ~~يناير 1492م، ورحل آخر ملوكها وهو محمد أبو عبد الله، مع كبار الأشراف ~~العرب، إلى المنفى في بلاد المغرب العربي. # ورغم مرور مئات السنين على انتهاء الحكم العربي في غرناطة، لا تزال ~~المدينة وأرباضها - شأنها شأن مدن الأندلس الأخرى ذات التاريخ الإسلامي ~~العريق كقرطبة وإشبيلية - تزهو بالآثار العربية الإسلامية، وتنبئ تحت ~~قشرة الأسماء الإسبانية عن أسماء عربية أو ذات أصل عربي، وأعظم ~~الآثار القائمة بها حاليا وهو قصر الحمراء ~~( # AlHambra # الآن بالإسبانية) ~~وحدائقه المسماة جنة العريف # Generalife ~~، تشكل مع جامع قرطبة ~~ومنارة الخريدة بإشبيلية أعظم الآثار العربية الباقية في إسبانيا ~~اليوم. # | المناخ السياسي والثقافي ونشأة الشاعر # كان مولد ms04 شاعرنا في أواخر القرن التاسع عشر، في يوم 5 من يونيو ~~1898م، وكان ذلك العام معلما من المعالم الأساسية في تاريخ إسبانيا، ~~عسكريا وسياسيا وفكريا، ففيه ضرب خط فاصل بين ما تبقى من آثار ~~العظمة الإمبراطورية التي كانت لإسبانيا، وبين صحوتها على الواقع ~~الأليم والمرير بزوال آخر مستعمراتها الكبرى فيما وراء البحار، ففي ~~مطلع ذلك العام، تدهورت العلاقات بين إسبانيا والولايات المتحدة ~~الأمريكية، بعد أن ثار الكوبيون على الاحتلال الإسباني لبلادهم، ~~ومدت الولايات المتحدة يد المساعدة المعنوية للثوار، وطالبت الصحف ~~الأمريكية بالتدخل عسكريا في كوبا لنصرتهم، بيد أن الرئيس الأمريكي ~~آنذاك - وليام ماكنلي - لم ير مبررا لذلك. # ولكن حدث في 15 من فبراير أن وقع انفجار بالسفينة الأمريكية «مين» ~~الراسية في ميناء «هافانا»، أفضى إلى مقتل 260 أمريكيا، واتهمت ~~إسبانيا بتدبير ذلك الانفجار انتقاما للدعم الأمريكي للثوار ~~الكوبيين، فطلب الرئيس الأمريكي الإذن من الكونجرس بالتدخل ضد ~~إسبانيا، فوافق الكونجرس مبينا أنه ليس لأمريكا من هدف وراء ذلك سوى ~~تحقيق الاستقلال الكوبي. # وأعلنت إسبانيا الحرب على الولايات المتحدة في 24 من أبريل، تلاه ~~إعلان الولايات المتحدة الحرب على إسبانيا في 25 من أبريل، وكان ~~للولايات المتحدة اليد الطولى في الحرب بسبب أسطولها البحري ~~المتفوق، ففي 1 من مايو، دمر الأميرال الأمريكي «جورج ديوي» الأسطول ~~الإسباني في مانيلا بالفلبين، مما أسفر عن مصرع 381 إسبانيا، بينما ~~كانت خسائر الأميركيين 8 جرحى فحسب، وعلى نحو مماثل، تم تدمير ~~الأسطول الإسباني في كوبا في 3 من يوليو مع خسائر فادحة للإسبانيين، ~~ومع الهزيمة الساحقة التي نزلت بإسبانيا في هذه الحرب القصيرة الآن، تم ~~في ديسمبر 1898م توقيع معاهدة باريس بين إسبانيا والولايات المتحدة، ~~التي وافقت إسبانيا بمقتضاها على التخلي عن كوبا، وعلى أن تتنازل ~~للولايات المتحدة عن بورتوريكو وجوام والفلبين. # وقد أحدثت هذه الهزيمة المبينة رد فعل عنيفا في أوساط ~~الإسبانيين بكل طوائفهم، وكان رد الفعل لدى المفكرين والأدباء صيحة ~~احتجاج قوية ضد الوضع الإسباني السائد في تلك الفترة، وضد المناخ ~~السياسي والاجتماعي والفكري ms05 الذي كان يرين على البلاد أيامها، وتمخض ~~هذا الاحتجاج لدى هؤلاء الأدباء والمفكرين عن حركة أدبية أطلق عليها ~~فيما بعد حركة جيل عام 98، وأبرز شخصيات هذه الحركة هم «أونامونو» ~~و«أثورين» و«باروخا» و«مايتزو» و«أنطونيو متشادو»، وأعمال هؤلاء ~~الأدباء والمفكرين، ومنهم الفيلسوف كاونامونو، والروائي كباروخا، ~~والشاعر كمتشادو، والأديب الجامع كأثورين، تعتبر ثورة على الواقع ~~الإسباني في أواخر القرن التاسع عشر، واقترابا من التيارات الفكرية ~~والثقافية التي سادت أوروبا آنذاك، وخاصة في فرنسا وألمانيا، وكانت ~~الحركة الواقعية في أوروبا - التي اقترنت بالاكتشافات العلمية ~~والطبيعية الحديثة - قد أفسحت المجال لردة رومانسية ومثالية تمثلت ~~في الرومانسيين الجدد. # وهكذا كان الحال مع أدباء جيل 98 في إسبانيا، إذ انعكست فيهم روح من ~~المثالية والرومانسية إزاء ما حل بوطنهم من نكسة كبيرة، وامتزجت تلك ~~الروح بعوامل رومانسية بارزة، مثل الكآبة والنزعة الشخصية الحادة، ~~وجميعهم يبدون حبا دفينا لإسبانيا، بيد أنه لا أحد منهم يقبل ~~تقاليدها، بل هم يبحثون عن صورة لإسبانيا مختلفة عما ألفوه من قبل ~~عنها؛ ولذلك فإن معظم أعمالهم تنصب على الروح الإسبانية والتاريخ ~~الإسباني، والطبيعة في مقاطعات إسبانيا المختلفة. وحاولوا جميعا في ~~أعمالهم تحليل جميع عناصر الواقع الإسباني وتقييمها، وتصور روح ~~إسبانية جديدة، وواقع إسباني جديد، يبزغان من فوق أنقاض الماضي ~~ليشيدا حاضرا ومستقبلا آخرين لبلادهم، ومن ناحية الأسلوب ~~الأدبي، كان أفراد الجماعة يؤمنون بالعودة إلى الأسلوب اللغوي البسيط ~~المجرد من الزخارف اللفظية والمحسنات البديعية، وحاولوا جهدهم البعد ~~عن واقعية القرن التاسع عشر التي تغرق في الوصف المفصل للواقع الخارجي، ~~وتقدمه بصورته التي هو عليها، وتمثلوا منهجا تعبيريا يقدمون ~~به الانعكاسات الشعورية والانفعالية، التي تثيرها الأشياء في نفس ~~الكاتب، وقد تأثر أفراد هذه الجماعة بعدد من أدباء ومفكري أوروبا، ~~أبرزهم «آبسن» و«شوبنهاور» و«نيتشه» و«بسكال» و«كيركجارد» والروائيون ~~الروس. # نشأ لوركا في ظل هذه الحركة الأدبية والفكرية، وتأثر بها في صباه ~~تأثرا بالغا، ذلك أنه ما إن شب عن الطوق، حتى كان نتاج أقطاب ~~الحركة يصبغ الفكر والثقافة في إسبانيا ويسيطر على أذهان ~~المثقفين. # وقد ولد ms06 شاعرنا كما قلنا في نفس عام النكبة الإسبانية، وكان أكبر ~~أبناء أحد ملاك الأراضي في مقاطعة الأندلس الجنوبية، فوالده دون ~~«فديريكو غرسيه رودريجز» كان مزارعا ناجحا، له عدة ضياع في غرناطة، ~~وكان الوالد عريض الملامح، خلعت الشمس على وجهه المستدير ويديه سمرة ~~عربية صادقة، وكانت شخصيته مثالا للمواطن الريفي القح، ذي الدخل ~~المريح والسمعة الطيبة، والمهارة في فلاحة الأرض وإدارة المزارع ~~والضياع، ولم يكن يعنيه الشعر في قليل أو كثير، أما أم الشاعر ~~فكانت ذات طبع مختلف؛ فقد كانت دونيا «فيسنتا لوركا روميرو» هادئة ~~متزنة، صغيرة الحجم رقيقة الملامح، ذات صوت طفولي ناعم، وكانت تعمل قبل ~~زواجها مدرسة ومعلمة للموسيقى، وقد تزوجها دون فديريكو بعد وفاة ~~زوجته الأولى التي لم تنجب أطفالا، وقد قال لوركا عن والديه بعد ذلك ~~في مقابلة صحفية: «لقد ورثت حدة العاطفة عن والدي، والذكاء عن ~~والدتي»، وقد تشكل اسم لوركا - حسب التقليد الإسباني العريق - من ~~اسمه الأول الذي يماثل الاسم الأول لأبيه: فديريكو، متبوعا بلقب عائلة ~~الأب: غرسيه، ثم لقب عائلة الأم: لوركا، وقد أنجب الزوجان ولدين هما ~~«فديريكو» و«فرانسسكو»، وبنتين هما «كونسيسيون» و«إيزابل». # وكان مسقط رأس الشاعر في قرية «فوينتي فاكيروس» أي «نبع رعاة البقر»، ~~ومن أعمال غرناطة، في بيت مكون من دورين للأسرة، مقام وسط مدينة ~~صغيرة مسورة يمكن للأطفال اللعب فيها بأمان، وكانت القرية التي يقع ~~فيها المنزل صغيرة، تتكون من بيوت واطئة بيضاء تلتمع فوقها أشعة ~~الشمس، وكانت المشاهد فيها لا تعدو المزارعين يتجهون إلى حقولهم في ~~الصباح الباكر، أو يعودون إلى بيوتهم مع مغرب الشمس، وعربات تجرها ~~الثيران أو الخيول، وقطعان ماشية أو أغنام تسير مهتزة وتثير من حولها ~~سحائب من غبار، وعددا من الدراجات القديمة يعود بها أصحابها من مصنع ~~السكر خارج القرية إلى بيوتهم. # وقد حدث أن أصيب لوركا وهو وليد ذو شهرين من العمر بحمى غريبة ~~مجهولة عرضت حياته للخطر، ولكنها انجابت عنه بخير، ولم تخلف فيه إلا ~~مسحة من ضعف في الساقين عند السير، وجعلته يتأخر ms07 في الكلام حتى ~~سن الثالثة، وفي السير حتى الرابعة. # وكانت طفولة لوركا سعيدة مريحة، تزخر باللعب والانطلاق مع أقرانه من ~~صبية القرية وسط الحقول والدروب، وقد قال هو نفسه عن طفولته فيما بعد: ~~«طفولتي هي تعلمي الحروف الأولى والموسيقى على يد أمي، والإحساس ~~بنفسي كابن أحد أغنياء القرية ... كل طفولتي هي القرية، والرعاة، ~~والحقول، والسماء، والوحدة ...» وتميز لوركا منذ طفولته بالشغف بالتأمل ~~والملاحظة ... فحين كان يكف عن اللعب مع أترابه، كان يمضي ساعات وساعات ~~في تأمل الفراشات والهوام والنباتات والزهور، ويحادثها كأنما هي ~~أصدقاؤه، لقد شكل عالم الطبيعة له - بكل ما فيه من تنوع واختلاف - ~~عالما مدهشا منذ البداية، شيئا أشبه بفردوس عامر بمخلوقات ~~تتطلب منه انتباها دائما وملاحظة مستمرة. # كذلك استبان للوركا في طفولته عالم خيالي يزخر بالأحداث والقصص ~~والشخصيات الخرافية، نشأ من الحكايات والأساطير الشعبية التي كانت ~~تقصها عليه مربيته وأقاربه وبعض صديقات الأسرة من العجائز، وقد ~~استمد من هذا العالم مادة غزيرة انكب عليها عقله الصبياني يفحصها ~~ويمحصها، حتى تركت في نفسه انطباعا لا يمحى ظهر بعد ذلك في جميع ~~إنتاجه الفني والأدبي؛ إذ إن شاعرنا قد احتفظ بكل تفاصيل هذه القصص من ~~حكايات واقعية إلى خرافات وأساطير، لتظهر بعد ذلك في ثنايا قصائده ~~ومسرحياته، بل وأحيانا في رسومه، وكثيرا ما تبدو تلك الموضوعات على ~~شكل صور تمثل نغمات غلابة تتردد في كتاباته المختلفة، إلى جوار ~~الموضوعات التي تشبع بها كيانه منذ الطفولة، مثل حياة الغجر، ومسرح ~~العرائس والأراجوز، والحرس المدني، وحياة النساء في الريف، فضلا عن ~~المشاهد الطبيعية الريفية، وما يزخر به عالم الطبيعة من عوالم متنوعة ~~من أزهار ونباتات وهوام وطيور وحيوانات وجداول وينابيع وأنهار ~~وبحار، وما إلى ذلك. # كان من بين ما استمع إليه الطفل ما قصه عليه عمه يوما ما عن ~~لصين من قطاع الطرق، لجآ إلى منزل عائلة العم في إحدى الليالي ~~يطلبان ملاذا وطعاما، وعطفت العائلة عليهما فآوتهما في ركن من مخزن ~~الغلال بعد أن زودتهما بالطعام والشراب، وفي منتصف الليل ms08 ، استيقظ ~~الجميع على دقات متتالية على الأبواب، معلنة وصول قوات الحرس ~~المدني، أي رجال الدرك والشرطة الإسبان، وظهر الحراس بقبعاتهم ~~المثلثة الشهيرة، وقبضوا على لص من اللصين، بعد أن تبين أن ~~الثاني قد مات في نومه من الجراح التي أصيب بها، وقال الحراس للعم: ~~«وأنت أغلق فمك ولا تقل كلمة عما رأيت!» # وتساءل الصبي في ذعر: وماذا حدث للرجل؟ ~~- لم نسمع سوى طلقة رصاص، وصرخة في الليل البهيم، ثم طلقة رصاص أخرى، ~~ولا شيء بعد ذلك. ~~- لقد قتلوه إذن، لقد قتلوه! # وقال الصبي هذه العبارة، فاغر الفم وعيناه تلمعان من فرط ~~الانفعال. # وقد أبدع الشاعر بعد ذلك في تصوير جو الحرس المدني الإسباني في عدة ~~قصائد مشهورة، معظمها في ديوانه «حكايا الغجر» ومنها قصيدة بعنوان ~~حكاية الحرس المدني، يقول فيها: # الجياد سوداء # وسود حدواتها # وعلى العباءات # تلمع بقع من حبر وشمع، # جماجمهم من رصاص؛ # لهذا لا يبكون، # ويخبون في طريقهم # بأرواحهم الجلدية البراقة # محنيو الظهور، متسترون بالليل. # وحيثما يحلون # يفرضون صمت المطاط الأسود، # وخوف الرمال الناعمة. # يمرون حينما يبغون المرور، # ويخفون في رءوسهم # فلكا غامضا # من مسدسات لا هوية لها! # إن ما فعله لوركا مرارا وتكرارا في أعماله الفنية، ~~هو أنه تناول القصص والنوادر التي قصها عليه معارفه في طفولته، ليصيغ ~~منها بعد ذلك حبكات مسرحياته، كما عمد أحيانا إلى إدخال اللغة ~~البديعية التي اعتاد سماعها في القرى التي عاش فيها، بين ثنايا لغته ~~الشعرية. # وقد قال ذات مرة عن طفولته: «لقد عشت طفولتي في جو كامل من ~~الطبيعة، وككل الأطفال، كونت رأيي بشأن شخصية كل شيء، كل موضوع، ~~كل قطعة أثاث، كل شجرة، كل حجر، وكنت أبادل هذه الأشياء الحديث، ~~وأبادلها الحب، كانت تنمو في صحن دارنا أشجار الحور السوداء، وفي أصيل ~~أحد الأيام، خطر لي أن أشجار الحور تشدو بالغناء، ذلك أن الرياح وهي ~~تمر بين أغصانها كانت تصدر مجموعات من الألحان بدت لي كالموسيقى، ~~وقضيت ساعات أصاحب بصوتي أغنية الأشجار، ويوما آخر، دهشت إذ سمعت ~~شجرة حور ms09 سوداء عتيقة تهمس باسمي: ف ... دير ... يكو!» # وفي حديث آخر مع أحد الصحفيين، قال لوركا: «كان لذكرياتي الأولى ~~عبير الأرض، لقد فعل الريف بحياتي فعل السحر، إن للأرض وللهوام ~~وللحيوانات وللفلاحين أفكارا لا تصل إلى الجميع، إنني أسيطر عليها ~~الآن بنفس الروح التي كنت أسيطر عليها بها في طفولتي ... لقد كنت طفلا ~~محبا للاستطلاع، وكنت أتابع آنذاك عملية حرث أرض والدي في أعماق ~~الريف، ولقد أحببت مشاهدة النصال الحديدية الهائلة تفتح جراحا في ~~الأرض، جراحا تنبجس منها الجذور بدلا من الدماء، ومرة اصطدم نصل ~~المحراث بشيء أعاق مسيره، ثم اقتلع كسرة من قطعة خزف رومانية عتيقة، ~~وكان عليها سطور لا أذكرها، وإن بقي منها اسما الراعيين «دافنيس» ~~و«كلو» في ذهني، وكان للاسمين أيضا نكهة الأرض التي أعشقها». # وقد عاش لوركا حتى الحادية عشرة من عمره تقريبا في قلب الريف، إذ إن ~~أسرته انتقلت بعد مقام في «فوينتي فاكيروس» إلى قرية أخرى تدعى ~~أسكيروسا - التي كان العرب يسمونها الشكروجة، والتي تدعى الآن ~~بلدي الربي # Valde Rubio ~~، وهي في ~~نفس إقليم غرناطة أيضا، حيث كان الأب يملك بعض الأرض ... وهكذا انطبعت ~~حياة الريف في كيان الشاعر، وانطبعت في فؤاده مساحات الخضرة التي تحيط ~~به من كل مكان، وجاءت القصيدة الخضراء، حكاية السارية في نومها، ~~تجميعا لكل هذه العوامل التي تأثر بها لوركا في طفولته وصباه، فهي ~~مزيج من الصور الفنية المستمدة من الريف وأساطيره، وحكايات اللصوص ~~والمهربين، في خلق شعري غنائي جميل: # أخضر، أخضر، # كم أحبك يا أخضر! # رياح خضر، وأفنان خضراء. # السفينة في البحر، # والجواد في الجبال، # وهي تحلم في شرفتها، # والظلال تتراقص على خاصرتها، # خضراء الجسد، خضراء الشعر، # وعيناها من فضة باردة. # أخضر، أخضر، # كم أحبك يا أخضر! # على نور قمر الغجر # كل شيء يراها، # وهي لا ترى شيئا. ~~••• # أخضر، أخضر، # كم أحبك يا أخضر! # أنجم هائلة # من الصقيع الأبيض # تأتي مع أسماك الظلام؛ # لتشق طريقا للفجر. # وشجرة التين # تدلك هواءها برمال فروعها. # والجبل، # كالقطة السارقة، # ينصب صباراته الحارقة # ولكن، ms10 من ذا القادم؟ # وإلى أين يقصد؟ # وتتمهل الفتاة في شرفتها # خضراء الجسد، خضراء الشعر # تحلم بالبحار المريرة! ~~••• ~~- «أي رفيقي، # ألك أن تقايض جوادي بمنزلك؟ # ألك أن تبادل مسرجي بمرآتك؟ # ألك أن تبادل خنجري ببساطك؟ # أي رفيقي، # لقد أتيت مثخنا بالجراح # من عند بوابات «قبره».» # 1 ~~- «لو أمكنني أيها الشاب # لأتممت هذه الصفقة بيننا، # ولكني لم أعد أنا! # كما لم يعد منزلي بعد منزلي!» ~~- «أي رفيقي، # أريد أن أموت بسلام في فراشي # على سرير حديدي، إن أمكن ذلك، # وملاءات من الحرير الهولندي. # ألا ترى جراحي # تمتد من صدري إلى عنقي؟» ~~- «ثلاثمائة زهرة داكنة # يحملها صدر قميصك، # دماؤك حارة # تصطخب من حول ضماداتك، # ولكني لم أعد أنا! # كما لم يعد منزلي بعد منزلي!» ~~- «دعني على الأقل # أصعد إلى الشرفات العليا، # دعني أصعد! دعني! # إلى الشرفات الخضراء، # شرفات القمر، # حيث تنهل المياه» ~~••• # ويصعد الرفيقان إلى الشرفات العليا # ووراءهما خيط من الدماء، # وراءهما خيط من الدموع، # ومصابيح صفيحية صغيرة # ترجف على الأسطح، # وآلاف من المزامير # تثخن الفجر بالجراح. ~~••• # أخضر، أخضر، # كم أحبك يا أخضر! # رياح خضر، وأفنان خضراء، # ويصعد الرفيقان ... # والرياح المتطاولة # تترك مذاقا غريبا في الشفاه، # مذاق مر ونعناع وريحان! ~~- «أي رفيقي، أين هي؟ # أين تلك الفتاة المريرة؟» ~~- «آه ... كم مرات انتظرتك! # وكم ستنتظر مرات ومرات # في تلك الشرفة الخضراء # مشرقة الوجه، # سوداء الشعر!» ~~••• # وتراقصت الفتاة الغجرية # على سطح خزان المياه، # خضراء الجسد، خضراء الشعر # وعيناها من فضة باردة، # وثؤلول من القمر # يحملها على صفحة المياه، # وانسدل الليل أليفا # كالساحة الصغيرة، # ورجال الدرك سكارى # يبقون على الأبواب ... # أخضر، أخضر، # كم أحبك يا أخضر! # رياح خضر، وأفنان خضراء. # السفينة في البحر، # والجواد في الجبال. # وإلى جانب هذا التعليم الفطري الذي ناله الشاعر من ~~الطبيعة حوله، ومن حياة الحقول ونسيج الأساطير والحكايات الشعبية، بدأ ~~حصيلته في فترة مبكرة؛ فقد اهتمت والدته - وهي المدرسة أصلا - ~~بتلقينه مبادئ اللغة والعلوم بنفسها، وأشربته حب الموسيقى ومبادئها ~~منذ نعومة أظفاره، ثم انتظم في مدرسة القرية - التي كان يشرف عليها ms11 ~~ويدرس فيها الأستاذ «أنطونيو اسبينوزا»، وهو صديق حميم لأسرة ~~لوركا، الذي سرعان ما فطن إلى المواهب الباكرة التي يتمتع بها ذلك ~~الصبي، فتوفر على تطوير النزعات الفنية فيه، وقد بادله الصبي ودا ~~بود، وصل إلى أنه حين نقل الأستاذ عام 1908م إلى مدينة «المرية» ~~الساحلية، قررت الأسرة أن ترسل ابنها بصحبته، تلميذا في مدرسته، ~~ومقيما في منزله، حتى يستمر في تلقي التعليم الذي بدأه على ~~يديه. # ولكن إقامة لوركا في «المرية» لم تكن موفقة؛ إذ سرعان ما غلبه ~~الحنين إلى أسرته وبلدته، وافتقد الجو الحاني الذي كان يحيطه به أبواه، ~~وأخيرا سقط فريسة المرض، وتورم وجهه من جراء الميكروب الغامض الذي ~~هاجمه، حتى اضطر الآب إلى أن يعيده إلى البيت، ولم يرسل به بعيدا عن ~~الأسرة بعد ذلك، وكانت حصيلة هذه التجربة المريرة، أولى محاولات لوركا ~~الأدبية؛ إذ إنه كتب خلال فترة مرضه قصيدة هزلية قصيرة، شبه نفسه ~~فيها بوجهه المنتفخ بسلطان مراكش آنذاك، وهي تمثل جانبا آخر من ~~جوانب خياله الممتلئ بالصور العربية. # وقد بدأ في تلك الفترة - عام 1908م وما بعده - شغف لوركا بالقراءة ~~والمطالعة، وكان من بين ما تأثر به كتاب «دون كيخوتة» درة الأدب ~~الإسباني، وبعض مترجمات من أعمال «فكتور هيجو» كانت في مكتبة جده ~~لأبيه، وتجمعت مادة قراءاته هذه مع مادة الشعر الشفوي والرومانسيات، ~~والأغاني الشعبية التي كان يسمعها من أفواه الفلاحين أو في السهرات ~~العائلية، حتى إنه صار وهو في العاشرة من عمره طفلا ذا خيال ثري، ~~تضطرم فيه الصور والأساطير والروايات، ويبين اضطرابها عينيه ~~الداكنتين فتنبئان عن روح وثابة تواقة للتعبير عن نفسها في ~~أشكال مختلفة من الفن والحياة. # وفي المنزل، كان لوركا ينفث عاطفته الفنية المبكرة على شكل أعمال ~~تمثيلية يعرضها أمام جمهوره الأول، وهو يتكون من أخيه وأختيه ~~ووالدته، ومن يعمل في المنزل من خدم، وقد تأثر تأثرا عظيما ~~بعروض مسرح العرائس الريفي المتنقل الذي كان يمر بين آونة وأخرى ~~بقريته، وكان يحاول أحيانا تقليد عرض التمثيليات التي يشاهدها فيه ~~وينقلها ms12 عبر خياله إلى نظارته ، وقد ظهر هذا الميل فيما بعد في عدد من ~~عروض مسرح العرائس توفر الشاعر على كتابتها وإخراجها، منها «عرائس ~~كاتشي بورا»، ومسرحية عرائس «دون كريستوبال» وغيرهما، مما يمثل من ~~حصيلة أعماله ذلك الجانب الطفولي من شخصيته الذي امتزج بموهبة الفنان ~~فأنتج أعمالا خلاقة في ذلك الميدان. # | حياة المدينة # بعد أن فشلت تجربة إرسال لوركا إلى «القرية» لاستكمال دراسته مع ~~أستاذه ومعلمه الأثير، كان على الأسرة أن تتخذ قرارا بالانتقال إلى ~~عاصمة الإقليم - مدينة غرناطة - وذلك حتى يتوفر للصبي ولأخيه وأختيه ~~التعليم المناسب في المدارس المناسبة، وقد انطوى ذلك الانتقال على ~~تغييرات عديدة في نمط حياة الأسرة وطريقة حياة أفرادها، وكانت الرحلة ~~مثيرة للوركا الصبي، ولكنه سرعان ما بدأ يفتقد مسارح طفولته وأصدقاءه ~~وأماكن تجواله ولهوه في القرية، ووجد لوركا المدينة جد مختلفة عن القرى ~~التي شهدت طفولته، فالأفق لم يعد منبسطا أمام ناظريه، وافتقد هدوء ~~الريف وتوهج الشمس فيه، ولم يعد المنزل الذي يقيم فيه يتسم بالرحابة ~~والألفة التي كان الصبي يجدهما في الكرمة التي كانوا يقيمون فيها ~~بالقرى، حيث صحن الدار بنافورته التقليدية، والبستان الذي يحيط بالدار ~~ويمتلئ بالزهور من ورد وياسمين ورياحين، ويزخر بالفراشات والجداجد ~~والهوام والقواقع، وهي المادة التي أثرت بعد ذلك في معظم قصائد لوركا ~~وتمثيلياته. # واصطبغ شعوره في المدينة بحنينه إلى طفولته القروية، فأنتج مثل هذه ~~القصيدة التي كانت من أوائل ما كتب من شعر: # يخرج الأطفال فرحين # من المدرسة # مرسلين في هواء أبريل الدافئ # أغاني حنونة. # أي بهجة # يخلعها الصمت العميق # على الزقاق الصغير! # صمت يتحطم شظايا # بضحكات الفضة الجديدة. ~~••• # ها أنا أمضي في درب الأصيل # وسط زهور البستان # تاركا ورائي # مياه أحزاني، # وفي التل المنعزل # ترقد مقبرة الضيعة، # كأنها حقل تغرسه الجماجم، # بينما ازدهرت أشجار السرو # كأنها رءوس ضخام، # تتأمل الأفق # بمحاجر فارغة # وشعور مخضوضرة # يكللون الفكر والحزن. ~~••• # آه يا أبريل الإلهي # يا من تأتي حاملا الشمس والشذى # فتملأ الجماجم المزهرة # بأعشاش ذهبية! # وكان مما خفف على الأسرة هذا ms13 الحنين الجارف إلى ~~الريف ، أن الأب قد احتفظ بضياعه القروية، حيث كانت الأسرة تذهب لتمضية ~~العطلات، كذلك ابتاع الأب بعد ذلك كرمة فخمة في ضواحي غرناطة سميت ~~«بستان سان فسنت»، حيث كانوا يمضون الصيف دائما، وكان لوركا يحرص على ~~اللحاق بأسرته هناك لزيارتهم وتمضية بعض الوقت معهم، وقد ارتبطت تلك ~~الكرمة بآخر أيام الشاعر حين ذهب في زيارة الأسرة هناك، حين وقع ~~الانقلاب العسكري في صيف عام 1936م وأدى في النهاية إلى ~~مصرعه. # وفي غرناطة، ألحق لوركا بمدرسة إعدادية اسمها «القلب المقدس»، ~~كيما تعده للحصول على الشهادة الحيوية بالنسبة لكل طالب - وهي ~~الثانوية العامة التي تسمى بالإسبانية «الباتشييراتو» - التي ~~تؤهله للالتحاق بالجامعة، وكان جو الدراسة في هذه المدرسة - رغم ~~أنها لم تكن مدرسة دينية بالمعنى المفهوم - جوا خانقا، وكان ~~المدرسون من النوع المتزمت العتيق، وقد خلد لوركا أحد مدرسيه في ~~تلك المدرسة، في مسرحيته «الآنسة روزيتا العانس»، حيث نرى الأستاذ ~~«مارتين» يبث شجونه عن حياته كمدرس والصعوبات اليومية التي يلاقيها ~~من تلاميذه، فيقول: ~~«لقد عدت توا من إلقاء درس عن المنظور، لقد كان جهنما حقيقية، لقد ~~كان درسا عظيما: «مفهوم وتعريف الاتساق»، ولكن لم يكن يهم الأولاد في ~~شيء ... ويا لهم من أولاد! إنهم يحترمونني شيئا ما لأنهم يرون أنه لا ~~نفع في، فمرة أجد دبوسا على المقعد أو عروسا صغيرة على ظهري، ~~ولكنهم يقترفون أشياء أفظع مع رفقائي المدرسين، إنهم أبناء الأثرياء، ~~ولا يمكن عقابهم لأنهم يدفعون، وهذا ما يقوله لنا المدير دائما، وأمس ~~زعموا أن الأستاذ «كانيتو» المسكين، وهو معلم الجغرافيا الجديد، يرتدي ~~مشدا للخصر؛ ذلك لأن جسده منحن قليلا، وحين كان يقف وحده في ~~الفناء، تمالأ عليه الكبار وتلاميذ الداخلية، ونزعوا الثياب عن وسطه ~~الأعلى، وربطوه في أحد أعمدة البهو، وألقوا عليه دلوا من الماء من ~~الشرفة ... ~~... إنني أدخل المدرسة كل يوم وأنا أرتجف منتظرا ما سوف يفعلونه ~~معي، رغم أنهم يحترمون - بعض الشيء - ما أنا فيه من البلاء ... إن الآباء ~~يضحكون بعد ذلك من الفظائع التي ms14 يقترفها أولادهم؛ لأننا من المدرسين ~~غير المثبتين، ولا نقوم بامتحان أولادهم، إنهم يعتبروننا رجالا ~~خالين من العواطف، كأننا أشخاص نقف في آخر درجة من السلم، ولا ~~نزال نرتدي ربطة العنق والياقة المنشاة». # 1 # وبعد مدرسة «القلب المقدس»، يلتحق شاعرنا بمعهد الدراسة الثانوية في ~~غرناطة، ويمضي فيه فترة دراسته الثانوية حتى يتخرج منه بصعوبة، حاصلا ~~على الثانوية العامة في 20 من مايو 1915م، ونقول إنه حصل عليها ~~بصعوبة؛ لأن الدراسة لم تكن تستهويه بقدر ما يستهويه تكريس حياته للفن ~~والموسيقى والأدب ومعايشة أهلها، وهي السمة التي ستظل لاصقة به أيضا ~~خلال تعليمه الجامعي. # ونعود إلى تلك الحقبة من حياته أولى اهتماماته الفنية في حقلي الشعر ~~والموسيقى؛ إذ يرجع إليها وضعه لأولى قصائده، وعنوانها «فجر»، التي ~~نشرها بعد ذلك في أول دواوينه الشعرية: # فؤادي المطحون # يشعر عند إطلالة الفجر # بأحزان حبه، # وأحلام الأرض القصية، # ونور الفجر # يحمل مئات الحنين، # والحزن الأعمى # للباب الروح، # ويرفع قبر الليل العريض # نقابه الأسود؛ # ليخفي بالنهار # الذرى الشاسعة # المرصعة بالنجوم. ~~••• # ماذا سأفعل أنا في هذه الحقول؟ # ألتقط الأعشاش والأغصان # ملتحفا بالفجر، # بينما يملأ الليل روحي! # ماذا سأفعل أنا؟ # وعيناك قد صرعتهما الأنوار الباهرة # وبدني يجب ألا يشعر # بحرارة نظرتك. ~~••• # لماذا فقدتك وإلى الأبد # في ذلك الأصيل الصافي؟ # فاليوم قد جف صدري # كأنما هو نجمة منطفئة. # كما يبدأ لوركا أيضا في هذه الفترة دراسة الموسيقى ~~دراسة منهجية، على يد أستاذ عظيم ترك فيه أكبر تأثير، وهو الموسيقار ~~«أنطونيو سيجورا»، أحد تلاميذ الإيطالي العظيم «فردي»، وقد وصل شغفه ~~بالموسيقى وحبه لدراستها، إلى حد أنه قد خطط جديا - بعد وفاة ~~أستاذه ذاك - للسفر إلى باريس؛ لاستكمال دراسته للموسيقى هناك، ولم ~~يثنه عن ذلك إلا إصرار والده على أن يكمل دراسته في الحقوق ~~أولا. # وبعد حصول الشاعر على الثانوية العامة، التحق بكلية الحقوق جامعة ~~غرناطة، وقد جاء اختيار تلك الكلية بعد طول نقاش بين لوركا ووالده، ~~تحول بعد ذلك إلى مشكلة عويصة، فقد كان الابن راغبا في دراسة ~~الأدب، بينما الأب ms15 يتطلع إلى رؤية ابنه يشغل وظيفة محترمة، تكفل له ~~وضعا مريحا في المجتمع، كوظائف المحامين والقضاة، ووجد لوركا الحل ~~السعيد لتلك القضية، فقد أذعن لرغبة والده في دراسة الحقوق، إلا أنه ~~عمد إلى إرضاء نزعاته الأدبية، فالتحق أيضا وفي نفس الوقت بكلية ~~الآداب في نفس الجامعة! # ولكن هيهات لتلك الروح الثائرة الوثابة أن ترضى بالقوالب الجامدة ~~التي تفرضها الدراسة النظامية - سواء كانت لحقوق أو للآداب، ذلك أن ~~ميوله الفطرية كانت في جانب، والدراسات المنهجية في الجانب الآخر؛ ~~لذلك نراه لا يلقي بالا لمتابعة المحاضرات ولا للاستعداد للامتحانات، ~~بل هو موجود دائما حيث يوجد الفن والأدب، مشاركا في الجماعات ~~الأدبية، وحاضرا في نوادي الفن والثقافة، حيث يطلق العنان لروحه ~~لتتلاقى مع أرواح رفاقه من الفنانين والأدباء، وتسمعهم خطراتها على ~~شكل أغاني شعبية ومعزوفات موسيقية خلاقة، وجدير بالذكر أنه لم ~~يتخرج، في نهاية الأمر، إلا في كلية الحقوق في عام 1923م، معضدا ~~بوساطات أصدقائه وزملائه لدى الأساتذة، للتغاضي عن نسبة الحضور اللازمة ~~لدخول الامتحانات، أما كلية الآداب، فإن مترجمي حياته - وعلى رأسهم ~~صديقه الحميم «خوسيه لويس كانو» - يؤكدون أنه لم يتخرج فيها أبدا، ~~وغني عن القول أيضا أنه لم يعمل بليسانس الحقوق الذي حصل عليه في ~~أي وقت من أوقات حياته! # ترك لوركا إذن محاضراته، وانطلق يهيم في عالم الفن والأدب على ~~حريته، وكانت الأماكن التي تستأثر بوقته عديدة: «الساكرامنتو» حي الغجر ~~في غرناطة، حيث كان يحب أن يندمج مع هذه الفئة التي تعيش حياتها على ~~طبيعتها، يسمع منهم كما اعتاد أن يسمع من قبل في الريف غناءهم ~~وحكاياتهم وقصصهم، وكان بعضهم يسكن أيضا في حي الفقراء، من العمال ~~والفلاحين، وهو حي «البيازين» الذي احتفظ بنفس اسمه العربي منذ أيام ~~بني الأحمر، والذي لا يزال الزائر إلى اليوم يجد لافتات صغيرة بالعربية ~~تقول: «الحي العربي يرحب بكم». # وكان الشاعر يتردد كثيرا على مركزين رئيسيين من مراكز الفن ~~والثقافة في غرناطة، أحدهما رسمي تقليدي، والآخر تجديدي طليعي، فأما ~~المركز الرسمي فهو «المركز ~~الفني ms16 # Centro Artitstico ~~»، وكان لوركا يجد فيه الكتب التي يريد الاطلاع ~~عليها ، ويسمع فيه المحاضرات، ويحضر الحفلات الموسيقية، وفي هذا المركز ~~أعطى لوركا أول عروضه الموسيقية، حيث عزف مقطوعات كلاسيكية نالت ~~استحسان الحاضرين. ولكنه كان ينطلق على سجيته مع المجددين الطليعيين، ~~الذين تركزوا في ندوة فنية كانوا يجتمعون فيها في ركن من أركان مقهى ~~شهير يدعى «ألاميدا»، وتسمت الندوة من جراء ذلك باسم «الركن الصغير # Rinconcillo ~~»، وفي هذه الندوة - ~~التي تمثل النزعة الثائرة على التقليد في الفن - كان يلتقي صفوة ~~ممن جادت به غرناطة من شباب الشعراء والقصاصين والرسامين ~~والموسيقيين، وكان أفراد الندوة يتناقشون في كل وجه من أوجه الثقافة ~~والفن، من المسرح الإسباني في عصره الذهبي، إلى موسيقى «ديبوسي» ~~و«رافيل» الفرنسيين، وكانوا يستمعون إلى إنتاج بعضهم البعض ويتناولونه ~~بالنقد والتحليل، وكان لوركا يلقي على أفراد الندوة حكاياته ونوادره ~~وشعره، ويعزف لهم المقطوعات الشعبية ويغني الأغاني الفولكلورية ... وفي ~~هذه الندوة ألقى لوركا أوائل قصائده التي بدأ في تدبيجها عام 1918م وما ~~بعده، وقوبلت بحماسة شديدة من أفرادها، مما جعل «مورا جارنيدو» أحد ~~أعضاء الندوة - يؤكد بعد ذلك بأن تلك الحماسة هي التي أغرت لوركا ~~بالتركيز على كتابة الشعر منذ تلك الفترة. # وكان كبار الأدباء والفنانين - الإسبان والأجانب - يزورون تلك الندوة ~~الثقافية في ركنها الصغير للمشاركة والتعرف وإبداء الرأي، أو لحضور ~~مناقشاتها بوصفها واحة من المعالم الثقافية لمدينة غرناطة، وهكذا زار ~~الندوة الكاتبان البريطانيان الشهيران ه. ج. ويلز و«رديارد كبلنج» عند ~~مرورهما بغرناطة في رحلتهما الإسبانية، كذلك كان الموسيقار الإسباني ~~المعروف مانويل دي فايا - الذي يعرب البعض لقبه إلى «ضيف الله» - ~~يحضر جلسات الندوة في كثير من الأحيان بعد انتقاله إلى غرناطة، ~~واتخاذه كرمة له هناك بالقرب من قصر الحمراء، وقد تعارف إلى لوركا، ~~ونشأت بين الفنانين الأندلسيين صداقة وثيقة العرى، سنعود إلى الحديث ~~عنها بين حين وآخر في هذا الكتاب. # وتركزت قراءات لوركا في تلك الفترة - بعامل تأثير أصدقائه أعضاء ~~الندوة وزملائه في جامعة غرناطة - في عيون الأدب الإسباني ... وهكذا ~~التهم ms17 أعمال «لوي دي فيجا» و«كالديرون دي لاب باركا» و«جونجرا » ~~و«خوان ثوريلا»، فضلا عن دواوين «روبين داريو» شاعر نيكاراجوا الذي ~~رفع راية الحداثة في الشعر الإسباني، وقرأ كذلك أعمال الرومانسيين، ~~خاصة «جوستافو أدلفو بيكر» شاعر إشبيلية، وتعرف على حركتي الرمزيين ~~والبرناسيين اللتين كانتا في عنفوانها آنذاك في فرنسا، وكم كان للوركا ~~من تجوالات طوال في دروب غرناطة التي عشقها، وعلى مشارف قصر الحمراء ~~ورياض جنة العريف، وحده أو مع زملاء له، يقرءون كتب الشعر والأدب هذه ~~ويعلقون عليها بآرائهم ونقدهم. # وتعرف لوركا إبان الطلب الجامعي في غرناطة على أستاذين لعبا دورا ~~هاما في تكوينه الثقافي والعلمي، أولهما وأبعدهما تأثيرا هو ~~«فرناندو دي لوس ريوس» أستاذ القانون السياسي بكلية الحقوق - الذي ~~تبناه فكريا وتابع مد يد العون له في جميع مراحل حياته، خاصة ~~عندما عين الأستاذ بعد إعلان الجمهورية في إسبانيا عام 1131م وزيرا ~~للتعليم، والأستاذ الثاني هو «مارتين برويتا» الذي كان له الأثر ~~المباشر في وضع لوركا لأول كتبه المنشورة، وكان الأستاذ «برويتا» يعمل ~~أستاذا لنظرية الأدب بكلية الآداب، وعمل بدروسه ومحاضراته على إثارة ~~القلق الفني والأدبي في صدور تلاميذه ومنهم لوركا، ذلك القلق اللازم ~~للإبداع الفني، وقد نظم الأستاذ «برويتا» رحلات هامة لطلبته لزيارة ~~المعالم الفنية والأثرية والتاريخية في إسبانيا، اشترك لوركا في ~~رحلتين منها، كانت نتيجتها أول كتبه، كانت الرحلة الأولى في يونيو ~~1916م لزيارة إقليم الأندلس كله بمدنه العظيمة، والتقى لوركا أثناء ~~مرورهم ببلدة «بياسة» # Baeza ~~، بالشاعر ~~العظيم «أنطونيو متشادو» أحد عمد جيل 98 التي سبق ذكرها، وكان يعمل ~~أيامها بالتدريس هناك، والرحلة الثانية كانت في أكتوبر من نفس العام، ~~وزار فيها مقاطعة قشتالة وشمال شرق إسبانيا، وكان من بين من قابله ~~لوركا إبانها فيلسوف إسبانيا المشهور «أونامونو»، وهو أيضا علم من ~~أعلام جيل 98. # وقد عمد لوركا في أثناء الرحلتين إلى تدوين خواطره وتأملاته عن ~~الأماكن التي يزورها، وعاد إلى تلك الأوراق بعد ذلك يعمل فيها تنقيحا ~~وترتيبا وإضافة، حتى تجمع له في النهاية عدة مقالات وصفية، وقد ms18 خطر ~~له خاطر ألح عليه حتى أصبح احتمالا محققا، وذلك هو نشر هذه ~~المقالات في كتاب يحمل اسمه، ولم يكن أمامه - وهو غير المعروف بعد في ~~عالم الكتابة - إلا أن ينشر الكتاب على نفقته، وحين فاتح والده في ~~ذلك، تردد الأب، ثم بحث الموضوع مع الثقاة من معارفه من أساتذة ~~الجامعة والصحفيين، فأجمعوا كلهم على أن الكتاب يستحق النشر، وهكذا دفع ~~«دون رودريجث» ثلاثة آلاف بيزيتا تكاليف الطبع، وقال في هذه المناسبة: ~~«إن ذلك أفضل مما لو كان قد طلب مني سيارة!» # وصدر كتاب لوركا تحت عنوان «انطباعات وصور # Impresiones y Paisajes ~~»، ~~فأحدث ضجة لا لدى الجمهور، ولكن لدى أعضاء ندوة «الركن الصغير»، الذين ~~رأوا في كتاب يصدره أحد زملائهم مدعاة فخر للجماعة كلها، وقد أهدى ~~المؤلف كتابه لأستاذه الموسيقي الراحل «أنطونيو سيجورا»، فكان رمزا ~~مزدوجا يعبر عن إخلاصه وحبه لأستاذه، وكذلك حبه وشغفه ~~بالموسيقى. # ومقالات الكتاب كتبت بروح بلاغية رومانسية، يبدو فيها واضحا ~~تأثير إمام الرومانسيين الإسبان «بيكر» في قطعه النثرية، وقد سطرت ~~بروح شاعرية وحس غنائي دفاق، يعبر عن حب الشاعر لمواطن ~~الجمال في وطنه، ولكن الكتاب لم يلق رواجا، إلا أنه كان دافعا ~~مشجعا للشاعر المبتدئ أن يرى إنتاجه الأول مطبوعا ومنشورا، ورغم أن ~~لوركا كان يشير إليه بعد ذلك في رنة اعتذار عن روح البلاغة الطلابية ~~التي تشيع فيه، إلا أن أجزاء منه كانت ترد دائما في طبعة الأعمال ~~الكاملة للشاعر. # وبعد فترة وجيزة من صدور هذا الكتاب، ثبتت أقدام الشاعر في عالم ~~النشر، ذلك أن مجلة «الرواية القصيرة» التي تصدر في مدريد، أخرجت عددا ~~خاصا عن الشعر الإسباني الحديث، كان من بينها قصيدة للوركا بعنوان ~~«موال الساحة الصغيرة»، ورغم أنها لم تكن أول قصيدة يكتبها لوركا، فهي ~~أول قصيدة تنشر له، وكان نشرها بعد نشر كتابه الأول عاملا هاما ~~أقنعه بأن حياته ليس لها إلا طريق واحد، طريق الفن والأدب، وتندرج تلك ~~القصيدة المبكرة في فئة حنينه إلى مسارح طفولته وذكريات حياته في ~~الريف: # الأطفال ms19 ~~(يغنون) ~~: # في الليل الهادئ # يا للغدير الصافي # والنبع الرقراق! # الأطفال ~~: # ماذا يخبئ فؤادك الإلهي البهيج ؟ # أنا ~~: # دقات أجراس # تائهة بين طيات الضباب # الأطفال ~~: # ها أنت تدعنا نغني في الساحة الصغيرة # يا للغدير الصافي # والنبع الرقراق # ماذا تمسك في يديك الربيعيتين؟ # أنا ~~: # زهرة بلون الدماء # وسوسنة # الأطفال ~~: # أغمرهما في مياه الأغنية العطرة # يا للغدير الصافي # والنبع الرقراق # ماذا يخبئ فمك من مشاعر # حمراء عطشا؟ # أنا ~~: # مذاق عظام رأسي الكبير # الأطفال ~~: # فلننهل من الماء الهادئ للأغنية العطرة # يا للغدير الصافي # والنبع الرقراق! # لماذا تذهب هكذا # بعيدا عن الساحة الصغيرة؟ # أنا ~~: # إني ذاهب بحثا عن السحرة # وعن الأميرات # الأطفال ~~: # ومن دلك على درب الشعراء؟ # أنا ~~: # نبع الأغنية العطرة # وغديرها الرقراق # الأطفال ~~: # أذاهب أنت بعيدا بعيدا # فيما وراء البحار والأرض؟ # أنا ~~: # لقد امتلأ فؤادي الحريري # بالأضواء، # بالأجراس التائهة، # بالزنابق والنحلات # ولسوف أبغي بعيدا جدا # فيما وراء الهضاب والجبال، # فيما وراء البحار والأنهار # بالقرب من النجوم # كيما أطلب من يسوع المسيح # أن يرد لي # روح طفولتي الأولى # وقد أنضجتها الأساطير # بما فيها قبعات الريش # والسيف الخشبي # الأطفال ~~: # ها أنت تدعنا نغني في الساحة الصغيرة # يا للغدير الصافي # والنبع الرقراق! # وها هي العيون اليواقظ # للأكمات الذابلات # تبكي أوراقها الميتة # وقد أثخنتها الرياح بالجراح # | إلى العاصمة مدريد # ومع اقتحام شاعرنا لمجال النشر وبداية ذيوع اسمه في المحافل الأدبية ~~والفنية، بدأ يشعر بأن جو «غرناطة» يضيق عن آماله وطموحاته، إنه الآن ~~بحاجة إلى أجواء جديدة وآفاق أوسع يمارس تحت ظلالها تحقيق أحلامه ~~العريضة، ومن ناحية أخرى، كان كثير من رفاقه في مقهى «الأميدا» قد ~~نزحوا إلى مدريد للدراسة في جامعاتها، وعندما وجد أنه لا مناص له من ~~الانتقال بدوره إلى العاصمة، وكان ممن رحب بفكرته تلك أستاذه ~~«فرناندو دي لوس ريوس»، الذي أشار على أسرة لوركا بضرورة إتاحة الفرصة ~~أمامه لتنمية مواهبه في بيئة أكثر اتساعا واستعدادا، واستطاع ~~الأستاذ أن يحصل على موافقة الأبوين على تحويل لوركا للدراسة في كلية ~~الآداب بجامعة مدريد المركزية، مع استمرار قيده في ms20 كلية الحقوق بجامعة ~~غرناطة، وكان الرحيل صعبا على الأبوين، ولا سيما الأم التي تألمت أشد ~~الألم من فراق ابنها الأكبر، وكان وعد من لوركا بحضوره دائما في ~~الإجازات وفي الصيف لقضاء أكبر وقت ممكن مع الأسرة. # وهكذا يشد الشاعر الرحال إلى مدريد في ربيع عام 1919م، حاملا معه ~~بطاقات مرور تعينه على غزو تلك العاصمة التليدة: حفنة من الملابس ~~الجديدة بما فيها بذلة سهرة سوداء، وخطابات تقديم إلى معارف الأسرة، ~~«وبلدياتها» الغرناطيين في العاصمة، وفوق كل شيء: عدة نسخ من كتابه ~~الأول انطباعات وصور. # وكان مما ضاعف من الفائدة التي استقاها بانتقاله إلى العاصمة نزوله ~~بالإقامة في المدينة الجامعية في مدريد، # Resedencia de ~~Estudiantes ~~، ولم تكن هذه المدينة الطلابية تقتصر ~~على كونها نزلا لسكنى الطلبة الجامعيين فحسب، بل إنها كانت تمثل ~~مركزا من مراكز الحركة الفنية الطليعية في إسبانيا، ونقطة وصل بين ~~حركات الحداثة الفنية في أوروبا وبينها في إسبانيا، بما كانت تضمه ~~أيامها من نخبة الشباب الجامعي المفكر المستنير، وكثيرا ما كان ~~يطلق عليها اسم أكسفورد الإسبانية، وكانت المدينة تقع في أعالي مدريد ~~بالقرب من متحف العلوم الطبيعية، وكان الشاعر «خيمينيث» يسميها «رابية ~~أشجار الحور»، واستقبل مدير المدينة الجامعية لوركا بحفاوة وترحاب ~~شديدين، وسهل له جميع إجراءات الالتحاق، لما كان قد سمعه عنه قبل ~~مقدمه من رفاقه وزملائه الغرناطيين الذين سبقوه في الالتحاق بالمدينة، ~~ومنح لوركا غرفة تقاسمها مع أول زميل له ويدعى «بيبين بللو»، وهي ~~غرفة تطل نوافذها على فناء يسمى «فناء أزهار الدفلى»، كان قد خططه ~~أيضا الشاعر «خيمينيث». # وهكذا انضم شاعرنا إلى تلك البوتقة التي انصهرت فيها الاتجاهات ~~الحديثة في كل أدب وفن، وكان من الطلاب المقيمين في المدينة الجامعية ~~كثيرون أصبحوا بعد ذلك أعلاما مشهورين: الرسام الشاعر «خوسيه مورنيو»، ~~السينمائي «لويس بونيوبل»، الرسام السيريالي «سلفادور دالي»، الشاعر ~~الأندلسي «رافييل ألبرتي»، الشاعران «مانويل ألتولاجيري» و«اميليو ~~برادوس»، كذلك كان يتردد على المدينة ومنتدياتها فنانون وأدباء خارجيون ~~ليسوا من الطلبة، منهم «بدور ساليناس» - «خورخيه جيين» - «أنطونيو ~~متشاود» - «يوجين ms21 دورس»، وعلماء فلاسفة كبار، مثل «أونامونو» ~~و«أورتيجا آي جاسيت»، و«رامون منندث بيال» أحد المستشرقين الإسبان ~~العظام ، وكانت المدينة الجامعية محفلا ضروريا لأي أستاذ أجنبي ~~يمر بمدريد، وهكذا استمع لوركا فيها إلى محاضرات من «البرت أينشتاين» ~~و«هنري برجسون» و«برتراند راسل» وآخرين. # وسرعان ما اندمج لوركا في هذا الجو الفني الفريد، بما وهبه من ~~طلاوة الحديث وإجادة إلقاء الشعر وإنشاد الأغاني الشعبية، وفوق كل شيء ~~بمعزوفاته على بيانو المدينة الجامعية الذي كان لا يكاد يقوم عنه، ~~وكانت أسعد لحظاته هي التي يجلس فيها إلى ذلك البيانو العتيق؛ ليعزف ~~الألحان الكلاسيكية التي يطلبها منه الحاضرون ببراعة عظيمة، ثم ينتقل ~~منها إلى عزف وغناء المقطوعات الشعبية التي تعلمها وحفظها منذ صباه ~~في القرى ووسط الحقول، وكان من بين من هام بهم من الكلاسيكيين: شوبان ~~وموزار وبيتهوفن ورافيل وديبوسي، والبنينز ودي فايا الإسبانيان. # وكانت مدريد كلها ميدانا رحيبا مفتوحا أمام الشاعر يجول فيه بحثا ~~عن غذاء لروحه ومشاعره الفنية، فكان كثير التردد على المتاحف التي ~~تزخر بها العاصمة، ولا سيما متحف «البرادو» - مثيل متحف اللوفر الفرنسي ~~وصنوه - حيث أغرم بلوحات «فلاسكيز» و«جويا» و«الجريكو»، وقد حفزه ~~إعجابه بلوحات ذلك الأخير إلى زيارة متحفه وبيته في مدينة طليطلة، على ~~مسيرة ساعة ونصف من مدريد. # ورغم أن لوركا كان نادرا ما يحضر درسا نظاميا في الجامعة التي ~~التحق بها، إلا إنه كان كثير التردد على مكتبة الجامعة لالتهام كتب ~~الأدب التي تزخر بها، كذلك كان يتردد على «أتنيو مدريد» وهو المركز ~~الثقافي والفني المعترف به في العاصمة، وكان يمثل الثقافة ~~التقليدية للبلاد، ويوجد مثيل له في كل مدينة إسبانية. # غير أن تكوين لوركا الفني والثقافي لا يرجع إلى الكتب فحسب، بل ~~وأيضا إلى كوكبة الثريا من الأساتذة والزملاء والأصدقاء من شعراء ~~ورسامين وموسيقيين، ممن حفلت بهم الحياة الثقافية والفنية في ذلك ~~الوقت، وكانت ثمة مجموعة من الأصدقاء توثقت عرى المحبة والود بينهم ~~وبين لوركا أكثر من غيرهم - سينضمون إلى بعضهم فيما بعد ليكونوا فيما ~~بينهم جيلا جديدا من ms22 الأدباء والفنانين هو جيل 27، ومن هؤلاء ~~«خيراردو دييجو»، «داماسو ألونصو»، «لويس ثيرنورا »، «بدرو ساليناس»، ~~«فيسنتي الكساندري»، «إدواردو ماركينا»، «خورخيه جيين»، «سلفادور ~~دالي»، وذلك جانب رهط الغرناطيين الذين انتقلوا إلى مدريد وهم «رافاييل ~~ألبرتي»، «مانويل أنخليس أورتيث»، «إميليو برادوس»، «مانولو ~~التولاجيري»، «ملشور فرناندز ألماجرو». وقد أصبحت هذه الأسماء، كما هو ~~الحال مع لوركا، شهيرة فيما بعد، ومنهم من حصل في السنوات الأخيرة على ~~جائزة نوبل للأدب، وهو فسنتي الكساندري. # وقد أضرم هذا الجو الفني والأدبي النار في فؤاد لوركا، الذي كان ~~مشتعلا أصلا بحب كل ما هو فن وشعر، وأسهم هو في هذا الجو بما كان ~~لديه من خيال شعري وموسيقى وطريقة للحياة المكرسة للفن الخالص، ~~ويضيف مؤرخ حياته «لويس كانو»: «غير أن أكثر ما كان يجتذبه هو الحياة ~~نفسها، بما فيها من عروض حية ثرية، وحرية تجربة مشاعر وانطباعات ~~متنوعة عميقة، ولو أنهم خيروه بين الأدب والحياة لاختار الحياة، مع ~~كل ما يكنه من حب للأدب والفن، لقد كان همه الأول أن يحيا ويرى من ~~يحيون حوله». # وهكذا كانت حياة لوركا في مدريد وفي المدينة الجامعية بها، مهرجانا ~~متصلا من اللقاءات والموسيقى والشعر، وتبادل الانطباعات وأحاديث ~~الصداقة والفن، وكانت لقاءات الأصدقاء تتم في أماكن كثيرة من مدريد، ~~وكان لوركا يحب التجوال في الحي القديم من المدينة، بحاناته القروسطية ~~الساحرة، وارتياد متنزه العاصمة الأنيق المسمى «الرتيرو»، أو حضور ~~عروض الرقص الشعبي «الفلامنكو»، والاستماع إلى أغانيه الشعبية التي ~~تحاكي إيقاع الإنشاد العربي القديم تمام المحاكاة، وإلى جانب هذا، كان ~~لوركا يتردد على عدة حلقات فنية وأدبية تحاكي ندوة «الركن ~~الصغير» الغرناطية، ولكن في صورة أوسع، وكان من أشهر تلك الحلقات حلقة ~~مقهى «الأديو»، وحلقة مقهى «البرادو»، التي يغلب عليها اتجاه ~~«الماورائية»، الذي تأثر به لوركا في بعض قصائده ولوحاته عن طريق ~~صداقته لنجم الحلقة الرسام «باراداس»، كذلك تردد الشاعر على حلقة ~~كاتب جيل 98 المشهور «فايي انكلان»، التي كان يعقدها في عدة أماكن ~~مختلفة، وكان يتردد عليها كثير من زملائه الكتاب ~~والفلاسفة. ms23 # | مسرحية فاشلة وديوان ناجح # وسرعان ما تعرف لوركا على كثير من شخصيات عالم الفن والأدب في ~~مدريد، وكان من بين من تعرف عليهم «جريجوريو سييرا» مدير مسرح ~~«أسلافا» أحد كبار المسارح في العاصمة، وهو واحد من الشخصيات الأشد ~~تأثيرا ونفوذا في الحياة المسرحية آنذاك، وحدث أن استمع ذلك ~~المسرحي الكبير إلى شاعرنا وهو يتلو نوعا من الحكاية الخرافية ~~الشعرية، تدور حول فراشة جميلة يتحطم جناحاها، فتسقط في عش للجداجد؛ ~~حيث ترعاها الأم الحشرة ويقع الابن في غرامها، ولكن ما أن تشفى ~~الفراشة حتى تطير هاربة من ذلك العش الكريه، تاركة وراءها الصرصور ~~الصغير ينعي حبه. وأعجب «دون جريجوريو» بالقطعة الشعرية إعجابا ~~شديدا، واقترح على لوركا أن يقوم بتحويلها إلى مسرحية، عارضا تقديمها ~~على خشبة المسرح الذي يتولى إدارته، ووافق لوركا، رغم أنه لم يكن قد ~~كتب للمسرح من قبل، ولكنه اعتمد على وفرة قراءاته للمسرح الإسباني ~~ودراسته المجيدة له، وكذلك لأن موضوع الخرافة الشعرية كان يشده ويعيد ~~إليه ذكريات طفولته، حين كان يقضي النهار مطارحا الحشرات والهوام ~~الحديث، وأتم الشاعر كتابة المسرحية، واختار لها «دون جريجوريو» عنوان ~~«سحر الفراشة اللعين»، وهو الاسم الذي نشرت به بعد ذلك في الأعمال ~~الكاملة للوركا، وقد انقسم أصدقاء لوركا بصدد هذه المسرحية إلى ~~فريقين، فريق متحمس للشاعر، إلا إنه يرى أن مثل هذه المقطوعات لا ~~تناسب المسرح الإسباني ولا تتفق مع ذوق رواده، بكل تقليديتهم ~~وتحفظهم، وفريق آخر ذهب إلى حد أبعد في رد فعله تجاه المسرحية، ~~فأشار عليه بأن يمزقها كلية، ولكن مخرج المسرحية - وهو المسرحي ~~المدير دون جريجوريو - أصر على تقديمها، معتبرا إياها صيحة طليعية ~~أخرى تضاف إلى التقاليع الدادائية، # 1 # التي كانت قد بدأت تنتشر في ذلك الوقت، وهكذا كان، وافتتحت ~~المسرحية في ليلة 22 من مارس 1920م، وصدقت توقعات الأصدقاء، فإن ~~جمهور مدريد - الذي ألف مشاهدة أشخاص واقعيين يجسدون أفكارا ~~وعادات وتقاليد قريبة إلى ذهنه - لم يكن ليبتلع فكرة مسرحية يلعب ~~ممثلوها أدوار الحشرات، ورغم الإطار الفني الذي توفر للمسرحية، ms24 من ~~ديكورات «باراداس» و«ميجنوني»، وموسيقى «ديبوسي» و«جريج»، وتمثيل ~~الممثلة المشهورة آنذاك «أرجنتينيتا»، إلا أن الجمهور قابلها ~~بالتعليقات الساخرة، وشيعها بالصفير ودق الأرجل، فغطى على جماعة ~~أصدقاء لوركا وزملائه الذين صفقوا تشجيعا له، ولم يستمر عرض ~~المسرحية أكثر من تلك الليلة اليتيمة، غير أن هذا الفشل لم يكن ليفت ~~في عضد شاعرنا المحب للحياة، والذي صحب رفاقه بعد العرض إلى أحد مطاعم ~~مدريد للاحتفال بعرض المسرحية، وبفشلها الجماهيري في نفس الوقت. # على أنه إذا كان ذلك هو مصير أول أعمال لوركا المسرحية، فإن الأمر قد ~~اختلف بالنسبة إلى أول دواوينه الشعرية، وقد تطلب الأمر منه وقتا ~~طويلا حتى يقتنع بإلحاح أصدقائه، بضرورة جمع القصائد التي يلقيها ~~عليهم وطبعها في ديوان يحمل اسمه، وهكذا يصدر ديوانه الأول تحت اسم ~~«كتاب أشعار» في 15 من يونيو 1921م، ويضم بين دفتيه 68 قصيدة هي ~~حصيلة ما كتبه في السنوات الثلاث الماضيات، وقد كتب الشاعر في مقدمته ~~لهذا الديوان: «إنني أقدم في هذا الكتاب صورة صادقة لما كانت ~~عليه فترة طفولتي وصباي، تلك الأيام التي تربط بين الماضي وبين ما ~~أعيشه الآن من أوقات، وعلى الرغم من أوجه القصور فيه، فإن قصائده ~~تذكرني بكل خطوة من خطى طفولتي الزاخرة بالمشاعر، وأراني فيها وأنا ~~أجري وسط الحقول، بينما الجبال تنتصب شامخة على البعد». # وهكذا كانت قصائد الديوان حقا تمتلئ بذكريات الريف، من نباتات ~~وحيوانات وطيور وهوام، مع المشاعر الإنسانية الصادقة التي تنبض تجاه ~~هذه العناصر، التي أفعمت حياة ~~الشاعر في طفولته ... ونثبت هنا نص حكاية شعرية خرافية - تماثل الحكاية ~~التي كانت منشأ المسرحية الأولى الفاشلة - وهي مثال على هذا النوع ~~الذي أغرم به لوركا، بعنوان «لقاءت قوقع مغامر» وظهرت في ديوانه ~~الأول: # الصباح الهادئ # ينضح عذوبة صبيانية. # والأشجار # تبسط أذرعتها نحو الأرض. # وبخار راجف # يغطي الحقول المزروعة # وتنسج العناكب في الهواء # طرقا من الحرير، # خيوطا من البلور الصافي. # وفي ممر الأشجار # يتلو غدير أنشودته وسط الأعشاب. # والقوقع، # برجوازي الطريق المسالم # يتأمل المكان # في غفلة ورقة. # وبعث ms25 فيه هدوء الطبيعة الإلهي # عزما وجرأة # ونسي آلام مسكنه # فتاق أن يرى نهاية الطريق # أخذ يمشي ويمشي # ودخل في غابة من اللبلاب والقريض # كان بها ضفدعتان عجوزان، # أخذ منهما الضجر والأمراض، # تتشمسان. ~~••• # كانت إحداهما تتمتم: ~~«هذه الأغاني الجديدة # لا نفع فيها.» # وردت عليها الأخرى، # جريحة كانت وعمياء: ~~«كلها يا صديقتي كلها # حين كنت في مقتبل حياتي # آمنت بأنه لو سمع الله أغانينا في النهاية # لأغدق علينا من رحمته. # وبعد أن عشت هذا الدهر # فإنني لا أؤمن بذلك بعد عن خبرة # ولهذا فإنني لم أعد أغني ...» ~~••• # كانت الضفدعتان تشكوان # وهما تطلبان حسنة # من ضفدعة شابة # تمر في زهو وخيلاء # وسط أعواد العشب. ~~••• # وارتعب القوقع أمام منظر الغابة # أراد أن يصرخ # ولم يستطع # واقتربت منه الضفدعتان ~~••• # قالت الضفدعة العمشاء: ~~«هل هو فراشة؟» # وردت الأخرى: # بل إن له قرنين؛ # إنه القوقع. # أأنت من موطن آخر أيها القوقع؟» ~~••• ~~- «لقد خرجت من مسكني # وأرغب أن أعود إليه سريعا.» ~~- «إنه حشرة غاية في الجبن.» # قالت الضفدعة العمشاء متعجبة: # ألا تغني أبدا؟ ~~- لا أغني ~~- ولا تسبح؟! ~~- كلا. لم أتعلم أبدا. ~~- ولا تؤمن بالحياة الأبدية؟ ~~- وما هي؟ ~~- هي الحياة أبدا في المياه الساكنة # إلى جانب أرض مزهرة # تعطي لنا لذيذ الطعام. ~~- قالت لي جدتي المسكينة # حين كنت صغيرا # إني سأرحل عند مماتي # عبر الصحائف اللينة # للأشجار العالية. # فقالت الضفدعتان غاضبتين: ~~- ما كانت جدتك سوى كافرة، # إن الحقيقة هي ما نقوله لك. # صدقنا. ~~••• # وهتف القوقع باكيا وهو يئن: ~~- «لماذا راودتني نفسي إلى رؤية الطريق؟ # أجل، إنني أؤمن دائما بالحياة الأبدية # التي تبشراني بها ...» ~~••• # وابتعدت الضفدعتان # يستغرقهما الفكر # وانطلق القوقع مذعورا # يضرب في جنبات الغابة ~~••• # وسكتت الضفدعتان الشحاذتان # كأبي الهول # ويتساءل إحداهما: ~~- هل تؤمنين أنت بالحياة الأبدية؟ # وترد الضفدعة الجريحة العمشاء في حزن: ~~- كلا ... لست أنا. ~~- ولماذا قلنا للقوقع إذن أن يؤمن؟ # وتقول الضفدعة العمشاء: ~~- لماذا ...؟ لا أدري لماذا! # إن الانفعال يغمرني # حين أشعر بالإصرار # الذي ينادي به أبنائي الله # من عند الترعة. ~~••• # ويعود القوقع المسكين أدراجه. # وعبر الطريق ... # ينبجس ms26 صوت متماوج من ممر الأشجار # ويتلاقى القوقع مع جماعة من النمل الأحمر # تسير صاخبة جلبة # تجر وراءها # نملة قد تقصفت قرونها # ويصيح القوقع: صبرا أيتها النملات # لماذا تسئن هكذا لزميلتكن؟ # احكين لي ما فعلت # وسأحكم بالعدل # احكين لي أيتها النملات. ~~••• # وتقول النملة التي شارفت على الموت، # تغمرها الأحزان: ~~«لقد رأيت النجوم!» # وتصيح النملات المهتاجات: # ما هي هذه النجوم؟ # ويتساءل القوقع متفكرا: # النجوم؟ # وتكرر النملة: «أجل # لقد رأيت النجوم # صعدت إلى أعلى شجر في ممر الأشجار # ورأيت آلاف العيون # تطل من آفاق الغياهب.» # ويسأل القوقع: # ولكن، ما هي هذه النجوم؟ ~~- إنها أنوار # نحملها فوق رءوسنا. # وتعلق النملات الأخريات: # نحن لم نرها. # ويقول القوقع: # لا يصل بصري إلا إلى الأعشاب. ~~••• # وتتعجب النملات الأخريات # وهن يحركن قرونهن: # سنقتلك. # ما أنت إلا كسولة منحرفة # إن العمل هو شرعتك. ~~••• # وتقول النملة الجريحة: # لقد رأيت النجوم. # ويصدر القوقع حكمه: # اتركنها تمضي # واذهبن أنتن إلى شئونكن، # فحالا سوف يهدها التعب # فتموت. ~~••• # وعبر الهواء العذب # تمر نحلة # وتشم النملة المحتضرة # عبير الأصيل المترامي، # وتقول: أهو من يأتي # كيما يحملني معه إلى النجوم؟ ~~••• # وتهرب النملات الأخريات # حين يرونها ميتة ~~••• # ويزفر القوقع # ويبتعد مذهولا # وقد غمرته الحيرة # بسبب الأبدية الخالدة، # ويهتف: الطريق بلا غاية! # ربما كان يفضي إلى النجوم # ولكن تثاقلي الشديد سيمنعني من الوصول. ~~- يجب ألا أفكر فيها. ~~••• # كان الضباب يغشى كل شيء # من شمس فاترة وغمام # وأصوات أجراس بعيدة # تدعو الخلق إلى الكنائس # والقوقع، # برجوازي الطريق المسالم # يتأمل المكان # في ذهول وقلق # ويتبين من استعراض قصائد هذا الديوان أن لوركا لم يكن ~~قد دخل بعد إلى عالم الرمزية الذاتية، التي ستغير شعره بعد فترة ما، ~~بما يتضمنه من صور واستعارات شعرية غريبة، بل جاء شعره فيه إسبانيا ~~أصيلا، يضرب بسهم في عالم الواقع ودنيا الفولكلور الشعبي عميق الجذور. ~~لقد كانت هذه القصائد نوعا من التعبير الأندلسي، يتغنى فيها الشاعر ~~بالمظاهر المحسوسة في بيئة ريف الأندلس العاطر ومدنه، ونجد في هذا ~~الديوان أيضا تأثيرات شاعر نيكاراجوا «روبين داريو»، «خوان ms27 رامون ~~خيمينث»، والشاعر الفرنسي «بودلير». وكان أهم ما أخذه عن «داريو»، رائد ~~الحداثة في الشعر الإسباني، الشعور المأساوي بالطبيعة والخوف المبهم ~~من المستقبل، والحيرة بين الكآبة والمزاح، وكذلك مزج غنائيته بأفكار ~~فلسفية بسيطة، وتبرز هذه العناصر في قصيدة رائعة من قصائد هذا ~~الديوان: # اليوم أشعر في فؤادي باختلاجات غريبة # للنجوم # ولكن خطواتي تفقد مسارها # في روح الغيوم # الضوء يقطع أجنحتي # وعذابات أحزاني # تغمر ذكرياتي في نبع أفكاري. ~~••• # كل الورود بيضاء # بيضاء كأحزاني. # وليس البياض في الورود ذاتها # بل إن الثلج قد غطاها. # وقبلا سطع عليها قوس قزح. # والروح أيضا تعرف ثلجها # وثلج الروح له ندف من القبلات # وأشكال تسقط في قاع الظلمة # أو في نور من يفكر فيها. ~~••• # ويسقط الثلج من على الورود # ولكن ثلج الروح يبقى # وتصوغ قبضة الزمان منه كفنا أبديا. ~~••• # هل يا ترى يذوب الثلج # حين يحملنا الموت إلى غياهبه؟ # أم سيكون هناك ثلج آخر # وورود أخرى أكثر كمالا؟ # هل سيحل علينا السلام # كما قال لنا الرب؟ # أم لن يكون هناك حل أبدا # للمشكلة؟ ~~••• # وماذا لو كان الحب خداعا؟ # من يشجعنا على الحياة # لو جرفنا الشفق # في تيارات العلم الحقيقي؟ # علم «الخير» الذي يكاد لا يكون له وجود # وعلم «الشر» الذي يكمن في كل طريق؟ ~~••• # لو أن نور الأمل انطفأ # وبدأ عصر بابل # أي مشعل سينير الطريق على الأرض؟ ~~••• # لو أن الزرقة مجرد حلم # ماذا سيكون من أمر البراءة؟ # ماذا سيكون من أمر الفؤاد # لو أجدبت ينابيع الحب؟ # لو أن الموت هو موت # ماذا سيكون من أمر الشعراء؟ # ومن أمر الأشياء النائمة # التي لم يعد أحد يتذكرها؟ # آه يا شمس الآمال! # يا أيتها الرمال الرقراقة! # أيها القمر الجديد! # يا أفئدة الأطفال! # يا أرواج الأحجار الصلبة! # اليوم أشعر في فؤادي باختلاجات غريبة # للنجوم # وكل الورود # بيضاء كأحزاني. # وقد لقي هذا الديوان صدى طيبا لدى القراء والنقاد، ~~وفي سياق عرض قصائد الديوان والتعليق عليها، أعلن النقاد مولد شاعر ~~إسباني جديد ذي موهبة دافقة، هو فديريكو غرسيه لوركا. وجاء ~~الاعتراف ms28 بموهبة الشاعر من لدن أحد أبرز شعراء الإسبانية، هو خوان ~~رامون خيمينيث، الذي أعجب بقصائد الديوان، ودعا لوركا إلى المساهمة ~~بقصائده في مجلة أدبية مرموقة، كان يصدرها أيامها، هي مجلة # Indice # أي «الدليل». # ويوفر هذا النجاح والاعتراف الأدبي دفعة جديدة لشاعرنا، فيقبل على ~~الإبداع الشعري بكل قواه، ورغم أن القصائد التي وضعها بعد نشره لديوانه ~~الأول مباشرة لم يجمعها ديوان إلا في وقت متأخر - ديوان «أغان» ~~الذي نشر في عام 1927م وديوان «أغان أولى» الذي لم ينشر إلا قبيل ~~وفاة الشاعر في 1936م - إلا إنها ترجع فنيا إلى تلك الحقبة من حياته، ~~ما بين عام 1921م وعام 1924م، وتعتبر قصائد هذين الديوانين امتدادا ~~لديوانه الأول من حيث التغني بموضوعات شعبية وطفولية، إلا إن النغمة ~~الشخصية الغنائية فيها أوضح، وتمتزج فيها دفعة الحياة بالإحساس بوقع ~~الموت، ورغم أن معظم تلك القصائد يتسم بشكل بسيط خفيف، إلا إن ~~موضوعاتها ليست بالبسيطة أو الخفيفة أبدا، ورغم أنها تستخدم أغاني ~~الأطفال التقليدية الشعبية، وأن معظمها موجه فعلا للأطفال، إلا إن ~~القارئ يحس على الفور أن هذا الاهتمام من جانب الشاعر هو اهتمام أكثر ~~تعقيدا، وأن نظرته فيها ليست بالطفولية، انظر إلى تلك القصيدة مثلا، ~~تلحظ أن مقصده لم يكن أبدا إخراج قصيدة أو أغنية بسيطة موجهة ~~للأطفال: # إذا أنا قضيت # فاتركوا شرفتي مفتوحة # ها هو الطفل يأكل البرتقال # إني أراه من شرفتي المفتوحة. # ها هو الفلاح يحصد القمح # إني أحس به من شرفتي المفتوحة. # إذا أنا قضيت # فاتركوا شرفتي مفتوحة. # وهناك أيضا كثير من «ثيمات» الإحباط والضياع والموت، ~~تلقي ظلالها على مسرح القصائد الطفولي: # عبر أشجار الغار # تطير حمامتان دكناوان # كانت أولاهما الشمس # والأخرى هي القمر. # قلت لهما: أيا جارتي # أين قبري؟ # قالت الشمس: في ذيلي. # وقال القمر: في حلقي. ~~••• # وأنا الذي كنت أسير # وقد تمنطقت بالأرض، # رأيت نسرين من مرمر # وفتاة عارية، # كان الواحد منها هو الآخر، # ولم تكن الفتاة أيا منهما. # قلت لهما: أيها النسران الصغيران # أين قبري؟ # قالت الشمس: في ذيلي. ms29 # وقال القمر: في حلقي. # وعبر أشجار الكرز # رأيت حمامتين عاريتين # كانت إحداهما هي الأخرى، # ولم يكونا أيا منهما. # وثمة قصائد أخرى ألهمت نقادها - بموضوعاتها التي ~~تمزج بين التشاؤم والبهجة - الرجوع في تفسيرها، وشرح صورها الفنية، لا ~~إلى الفولكلور الأندلسي، بل إلى نظريات «فرويد» و«ويونج»، بل و«جيمس ~~فريزر». # | صداقتان حميمتان # مرت بحياة لوركا المبكرة علاقتان من علاقات الصداقة الحميمة، ~~ضربتا بجذورهما في أعماق نفسه، وكان لها أثر عميق في تكوينه الفني، في ~~مظهرين أساسيين: الموسيقى، والرسم، ورغم أن لوركا قد أسهم في هذين ~~الميدانين إسهاما ملحوظا، إلا إن أهميتهما تكمن في الأثر الذي ~~خلفته ثقافته الموسيقية والتصويرية - وإبداعاته فيها - على أدبه ~~وشعره. وقد تبلورت صداقتاه هاتان - مع الموسيقار الإسباني الكبير ~~«مانويل دي فايا» والرسام السيريالي «سلفادور دالي» - في هذه الفترة من ~~حياته، بعد صدور ديوانه الشعري الأول. # وترجع صلة لوركا بدي فايا إلى عهد صبا الشاعر، حين كان يقضي أمسيات ~~عديدة مع أصدقائه من الفنانين الشبان في كرمة دي فايا بغرناطة، التي ~~أطلق عليها اسم «السلام عليك يا مريم»، وكان الموسيقار الإسباني قد ~~أغرم بمدينة غرناطة، وقرر بعد عودته من باريس أن يقيم فيها إقامة ~~دائمة مع أخته في تلك الكرمة التي تحولت بعد وفاته إلى متحف. وكثيرا ~~ما كان لوركا يجلس إلى البيانو الخاص بالموسيقار ليسمع الحاضرين ~~ألحانا وأغاني شعبية من أدائه. وكان فايا ولوركا يكنان الإعجاب ~~بفن أحدهما الآخر؛ فالموسيقار معجب بموسيقية الشاعر، إلى حد أنه ~~هتف مرة متعجبا: «كم أود أن أكتب شعرا بالمهارة التي يعزف بها ~~فديريكو على البيانو» ... أما لوركا فكان يرى في «فايا» تجسيدا لغرامه ~~الأبدي بالموسيقى، وذوقا فنيا مشتركا بينهما في الإيمان بالرؤية ~~الأندلسية في الحياة. وكان لوركا يحرص بعد انتقاله للإقامة في مدريد ~~على زيارة الموسيقار، كلما عادت إلى غرناطة لقضاء إجازة من إجازاته ... ~~وفي إحدى تلك الزيارات، نبعت من أحاديث الصديقين ومناقشاتهما فكرة عقد ~~مهرجان ومسابقة للغناء الفلامنكو القديم، الذي يطلق عليه اسم الغناء ~~العميق # Cante Jundo ~~، وهو الغناء الشعبي ~~الأندلسي بكل ms30 فروعه، ويتصف هذا النوع من الغناء الشعبي برنة الكآبة ~~التي تشيع فيه، وهو غناء يركز على أحاسيس المغني الفردية الدفينة، ~~ويعبر المغني من خلاله عن طقوس من المشاعر، تنبجس من داخل النفس ~~بشكل طوعي فطري، ويؤديه المغنون دون هدف للربح في المقاهي والحانات ~~وصالات الرقص الشعبية. وقد أرجع كثير من دارسي الفنون هذا النوع من ~~الغناء إلى تأثير الأغاني والألحان العربية أيام الوجود العربي ~~الإسلامي في إسبانيا، وامتزاجها بالأغاني المحلية في الأندلس، فأخرجت ~~هذا النوع المتميز من الغناء، الذي يختلف عن أي أغان وألحان شاعت ~~في بقاع أوروبا الأخرى غير إسبانيا. # وقد فكر الصديقان لوركا ودي فايا في إقامة هذا المهرجان بدافع ~~حبهما المشترك لذلك الفن، وكحافز للعاملين في هذا المجال، وحرصا على ~~استمراره وتغذيته، وكان عليهما أن يخلقا جوا تمهيديا للمهرجان، ~~فقام «دي فايا» بنشر مقال عنوانه «الغناء العميق: أصوله وقيمه ~~الموسيقية وأثره في الفن الموسيقي الأوروبي»، وألقى لوركا محاضرة في ~~المركز الفني الغرناطي عنوانها: «الغناء الأندلسي البدائي»، نشر نصها ~~بعد ذلك في إحدى صحف المدينة. وبهدف جمع الأموال اللازمة للإنفاق على ~~تنظيم المهرجان، ورصد جوائز للفائزين في مسابقة أفضل المنشدين، أقيم ~~حفل خيري في فندق قصر الحمراء بغرناطة، تلا فيه لوركا أشعارا ~~جديدة عرفت بعد ذلك باسم قصيدة الغناء العميق، وافتتح المهرجان ~~أخيرا في مساء 13 من يونيو 1922م، في ميدان «الحب» بقصر الحمراء ~~العربي، وتكونت لجنة التحكيم في المسابقة من «دي فايا» و«أندريس ~~سيجوفيا» و«ماويل شاكون»، أئمة الموسيقى الإسبانية وقتذاك، وخلال ~~ليلتين متتاليتين، اهتزت غرناطة كلها طربا بأغاني ~~المتسابقين. # وقد كسب إنتاج لوركا من هذا المهرجان تلك القصائد التي وضعها للتمهيد ~~له، وهي قصائد تتسم بكل ما هو قاتم وحزين من الغناء الفلامنكو، وقد ~~صدرت في صورة ديوان مستقل بعد ذلك، في عام 1932م، ومنها تلك الأغنية ~~المليئة بالشجن: # بدأ نحيب القيثارة # وانحطمت أقداح الفجر # بدأ نحيب القيثارة # وعبثا إسكاتها، # مستحيل إسكاتها. # تنتحب في إيقاع رتيب # كما تبكي المياه، # وكما تبكي الرياح # فوق تلال الثلوج # مستحيل إسكاتها ms31 # تبكي أشياء قصية # رجال الجنوب الساخنة # التي تشتاق إلى الزنابق البيضاء # تبكي سهاما بلا أهداف # أصيلا دونما غد # وأول الطيور ميتا فوق الأغصان # آه أيتها القيثارة! # وقلبي # الذي أثخنته بالجراح # خمسة سيوف. # وقد استمرت صداقة لوركا ودي فايا حتى النهاية، وإن كان ~~قد اعتورها بعض الفتور، نتيجة لشعور فايا بالإساءة من بعض سطور قصيدة ~~كتبها لوركا عام 1928م، بعنوان «أنشودة إلى قدس الأقداس»، وأهداها إلى ~~الموسيقار العظيم، وقد غضب دي فايا التقي الورع من تلاعب الشاعر ~~المعتاد بالألفاظ ومن صوره الشعرية الجريئة، وهو يتناول ذلك الموضوع ~~الديني ذا الحرمة التقليدية. وحدث جفاء قصير بين الصديقين، ولكنهما ~~سرعان ما تمكنا من تنقية الجو ونسيان ما حدث. وقد حاول دي فايا بكل ~~الطرق التوسط لإنقاذ صديقه لوركا من مصيره المحتوم من اندلاع الحرب ~~الأهلية عام 1936م، ولكن جهوده كلها راحت أدراج الرياح، كما سوف تعلم ~~في حينه. # وكانت ثانية صداقات لوركا الخلاقة مع الرسام السيريالي «سلفادور ~~دالي»، وقد بدأت تلك الصداقة فور التحاق دالي بالمدينة الجامعية بمدريد ~~عام 1923م، وإلى ما بعد شده الرحال إلى باريس في عام 1929م، بعد ~~طرده من مدرسة الفنون الجميلة بمدريد، وقد أثر سلفادور دالي بآرائه ~~الطليعية في الفن في كثير من زملائه الطلاب. وقد تبلورت تلك الآراء ~~فيما بعد في انضمامه إلى الحركة السيريالية بقيادة «أندريه بريتون» في ~~باريس، وكان من أبرز من تأثروا بدالي وآرائه - عدا لوركا - صديقهما ~~وزميلهما المشترك في المدينة الجامعية «لويس بونيويل»، الذي اشترك مع ~~دالي في عمل أول فيلمين سيرياليين، أثار أولهما - وهو فيلم «كلب ~~أندلسي» - ضجة صاخبة عند عرضه لأول مرة في باريس عام 1928م، رغم أن مدة ~~عرضه لا تزيد على نصف الساعة. وقد كتب دالي سيناريو هذين الفيلمين، ~~وأخرجهما بونيويل. وقد أصبح دالي بعد ذلك إمام الرسم السيريالي، وأصبح ~~بونيويل أمام السمينائيين السيرياليين، وقد فاز بالأوسكار لأحسن فيلم ~~أجنبي عام 1972م عن فيلمه «سحر البرجوازية اللطيف». # وقد جمع بين لوركا ودالي حب التجديد والتطوير الفنيين، علاوة على ~~الرسم ms32 الذي كان أحد الموضوعات التي أغرم بها لوركا، وضرب فيها بسهم ~~وافر، حتى إن طبعة أعماله الكاملة تحتوي - بالإضافة إلى أدبه - عددا ~~كبيرا من لوحاته الفنية. # وقد تعمقت الصداقة بين دالي ولوركا في أواخر عام 1925م، بعد دعوة ~~دالي لصديقه الغرناطي لزيارته، وقضاء إجازة عنده في بلدته «قداقش»، وهي ~~بلدة بحرية صغيرة من أعمال «برشلونة» عاصمة مقاطعة قطلونيا في ~~الشمال. وسرعان ما اندمج الشاعر مع أسرة صديقه: هو يسمعهم من قصائده ~~وأغانيه وموسيقاه، وهم يعرضون عليه فنونا قطلونية أصيلة. وفي بيت ~~دالي قرأ لوركا على الأسرة لأول مرة مخطوطة مسرحيته الجديدة «ماريانا ~~بنيدا»، التي لاقت إعجابا دفع الأب إلى دعوة أصدقائه لسماع الشاعر وهو ~~يتلوها عليهم مرة ثانية. # وكان طبيعيا أن ينهمك الصديقان في فترة الزيارة في مناقشات عديدة ~~حول طبيعة الفن وإمكانيات التجديد الفني. وقد تأثر لوركا باتجاه ~~التجديد لدى دالي الذي ينحو نحو السيريالية. وكانت المدرسة السيريالية ~~قد انشقت عن الحركة «الدادائية»، وتأسست كحركة مستقلة على يد الشاعر ~~الفرنسي أندرية بريتون عام 1921م. # وقد تحددت الحركة أكثر عام 1924م، حين أصدر بيرتون ورفاقه بيانا ~~أكدوا فيه سمات الحركة، وأبانوا فيه أن الحرية هي أساس السيريالية، ~~وأول الحرية عند الفنان هي الخلاص من قواعد الفن. وقد انتشرت هذه ~~الحركة بعد ذلك في أوروبا كلها، وصبغت كل الفنون بصبغتها، وإن اختلفت ~~كل حالة عنفا وخفة حسب اختلاف أنواع الفنون. وقد امتدت السيريالية ~~إلى الشعر والقصة، ولكنها كانت أشد ظهورا في الفنون التصويرية، فبرزت ~~في الرسم والتصوير والسينما والنحت. # وكان لوركا في طليعة الأدباء الذين تأثروا بالاتجاه السيريالي، وظهر ~~ذلك في شعره في اختياره للصور الفنية في قصائده. وقد بدأت هذه الصور ~~الغريبة تغزو شعره وتستبين فيه تدريجيا، منذ قصائد ديوانه «حكايا ~~الغجر»، إلى أن وصلت إلى أقصى ذروتها من السيريالية الحقة في قصائد ~~ديوانه «شاعر في نيويورك». # كذلك فإن صداقة لوركا - بل وحبه - لأخت الرسام دالي، «آن ماري دالي»، ~~قد أثرا كثيرا على حياته العاطفية. ورغم أن المعلومات عن هذه ms33 ~~العلاقة غير واضحة ولا هي متوفرة، إلا إن كثيرا من مؤرخي حياته ~~يرجعون الأزمة العاطفية التي مر بها في عام 1929م إلى فشل هذا الحب ~~وتحطمه، والتي لم يجد الشاعر دواء منها إلا السفر خارج بلاده إلى ~~نيويورك، حيث قضي عاما وبعض العام في الخارج. # وقد خرج لوركا من زيارته الأولى لدالي في «قداقش»، بقصيدة عنوانها ~~«أنشودة إلى سلفادور دالي»، نشرت عام 1926م في المجلة الفكرية الشهيرة ~~التي كان يصدرها المفكر الإسباني «خوسيه أورتيجا أي جاسيت»، وهي ~~«مجلة ~~الغرب # Revisat del Occidente ~~»، ونورد فيما يلي تلك القصيدة لأهميتها في ~~الدلالة على الاتجاه السيريالي، الذي بدأ الشاعر في انتهاجه للتعبير ~~عما يجيش في نفسه من عواطف وأفكار. # وردة في البستان العلوي الذي هفوا إليه # طوق يدور في أعراف الفولاذ الصافي، # وجبل الغيوم الانطباعية قد نضا عنه الثياب # بينما الرماديات تطل على حواجزها الأخيرة. ~~••• # الرسامون الجدد، في مراسمهم البيضاء # يقطنون زهرة الجذر التربيعي المعقمة # وفي مياه السين جبل ثلجي من المرمر # يغطي النوافذ بالبرودة، ويهش على أغصان اللبلاب. ~~••• # الناس تطأ الشوارع المغطاة بالبلاط في قوة # والبلورات تعرض عن سحر الانتكاس. # ها هي الحكومة قد أغلقت محلات العطور # والآلهة تخلد فرجاراتها المتثنية ~~••• # غياب من الغابات والسواتر والجبهات # يزحف على أسطح المنازل العتيقة # والهواء يصقل عدساته على صفحة البحر، # ويرتفع الأفق كما لو كان سدا عظيما للمياه. ~~••• # بحارة يجهلون طعم النبيذ ومذاق الظلال # يذبحون جنيات البحر في بحار من الرصاص # والليل، تمثال الحصافة البهيم ذاك، # قد طوق مرآة القمر المستدير بين يديه. ~~••• # تتملكنا رغبة من الصور ومن الحدود # ويأتي الرجل المتطلع حاملا المقياس الأصفر # وفينوس طبيعة بيضاء ميتة # بينما جامعو الفراشات يأبقون. ~~••• ~~«قداقش»، في مؤشر من المياه والتلال # تدعم درجات حجرية وتخفي القواقع. # النايات الخشبية تنشر السكينة في الهواء # وإله هرم برى يوزع الفاكهة على الأطفال. ~~••• # نيام صيادوك في الرمال دونما رؤى # وفي أعالي البحار يتخذون الورود «بوصلة» تهديهم # وأفق المناديل الجريحة العذرى # يوحد بين زجاج السمكة وبين القمر الهائل. ~~••• # تاج متيس من سفائن ms34 بيضاء # يجعد جبهات مريرة وشعور من الرمال. # حوريات البحر يقنعن، ولكنهن لا يوحين # ويخرجن إذا لوحنا لهن بكوب من عذب المياه. ~~••• # آه يا سلفادور دالي، يا ~~ذا الصوت الزيتوني # إنني لا أمتدح ريشتك المراهقة غير الكاملة، # ولا لونك الذي يحيط بلون زمانك # ولكني أمتدح أشجانك كخالد تقيده الحدود. ~~••• # أيتها الروح القح، تعيشين فوق رخامات جديدة # وتهربين من الغابة المظلمة للصور التي لا يصدقها ~~عقل # تصل تهويماتك إلى حيث تصل يداك # وتستمتع بأنشودة البحر من نافذتك. ~~••• # يمتلئ العالم بظلال صماء وفوضى # يصطدم بها الإنسان في أول اتصالاته بالدنيا # ولكن النجمات تخفي قطاعات طبيعية # تشير إلى ملامح العالم الذي تعيشه كاملة. ~~••• # مجرى الزمن يتوقف ويعيد ترتيب نفسه # على الصور العددية لقرن وقرن آخر من الزمان. # والموت المهزوم يلتجئ راجفا # إلى دائرة اللحظة الآتية الضيقة. ~~••• # عندما تمسك لوحة ألوانك، ورصاصة في الجناح # تسعى إلى النور الذي يضيء كأس شجرة الزيتون # نور «منيرفا» العريض الذي يشيد السقالات؛ # حيث لا مكان للنوم ولا لأزهاره السقيمة. ~~••• # تسعى إلى النور العتيق الذي ينوس على الجبين # النور الذي لا يهبط إلى فم الإنسان ولا يبلغ فؤاده # النور الذي تخشاه كرمات «باخوس» الحميمة # والقفزة الغاشمة التي تكمن في منحدر المياه. ~~••• # إنك تحسن صنعا أن ترفع رايات الإنذار # على الحد المظلم الذي يسطع ليلا # فأنت لا ترغب أيها الرسام أن يلين لك الشكل، # ندفة القطن التي تتغير كأنها سحابة فجائية. ~~••• # أنت لا تجري وراء اختراع السمكة في إنائها، # ولا الطائر في قفصه، # لا في البحر ولا في الرياح. # بل تجلو الغامض وتنقل الصور # بعد أن تضرب بحدقتيك الأمينتين # في أجسادها الغضة المستدقة. ~~••• # تهيم غراما بالمادة المحددة الدقيقة # حيث لا تستطيع قباب النبات أن تضرب خيامها. # تهيم غراما بالمعمار المشيد فيما هو غائب # وتقبل الراية بوصفها دعابة لطيفة. ~~••• # ينطق الفرجار الصلب بقصيدته القصيرة اللدنة. # ها هي جزائر مجهولة تكذب صفحة الكون # وينطق الخط المستقيم بجهده العمودي # ويتغنى الزجاج العارف برياضياته. ~~••• # بل أيضا وردة البستان الذي تعيش فيه # دائما أبدا الوردة، في ms35 شمالنا وجنوبنا؛ # ساكنة، مركزة، كأنما هي تمثال أعمى # غافلة عما تثير من جهود خفية. ~~••• # وردة طاهرة تزيح كل ما هو مصطنع مرسوم # وتفتح لنا أجنحة البسمة الحانية ~~(فراشة لصيقة تزن خطوات طيرانها) # وردة التوازن الذي لا يعرف الآلام المنشودة. # دائما أبدا ... الوردة. # آه يا سلفادور دالي! يا ذا الصوت الزيتوني! # إنما أنا أنطق بما توحيه لي شخصيتك ولوحاتك # إنني لا أمتدح ريشتك المراهقة غير الكاملة، # ولكني أغني لثبات الاتجاه فيما تطلق من سهام. ~~••• # أغني لجهودك الجميلة التي تزينها الأنوار ~~القطلانية # لحبك كل ما يحتمل تفسيرا. # أغني فؤادك الفلكي الحنون # كورق اللعب الفرنسي، دون ما أية جراح. ~~••• # أغني شوق التماثيل الذي تنشده دون ما كلل # الخوف من الانفعال الذي يترصدك في الطريق # أغني حورية البحر التي تتغنى بك # ممتطية صهو دراجة من اللآلئ والأصداف. ~~••• # ولكني أغني قبل كل شيء فكرا مشتركا # يوحد بيننا في الساعات الحالكة والذهبية. # ليس الفن هو النور الذي يعمي أبصارنا # بل هو أولا الحب، الصداقة، المثاقفة. ~~••• # هم أولا، قبل اللوحة التي تخطها في صبر # قبل نهدي «تيريزا» ذات البشرة اليقظانة # قبل عقصة «ماتيلدا» ناكرة الجميل # صداقتنا الملونة كأنما هي لعبة السلالم والثعابين. ~~••• # آثار للآلة الكاتبة من دماء فوق الذهب # تسطر فؤاد قطلونيا الخالدة. ~~••• # فلتنيرك نجمات كحفنات خالية من البوازي # بينما تزدهر رسومك وحياتك! ~~••• # لا تلق بالا للساعة المائية ذات الأجنحة الغشائية # ولا لمنجل الأليجوريات القاسي، # بل عليك أن تكسي ريشتك وتعريها في الهواء دوما # أمام البحر الذي تعمره السفائن والبحارة. # وفي منتصف مايو عام 1927م، يزور لوركا «دالي» مرة ~~أخرى، وينتقلان معا إلى برشلونة للإعداد لتمثيل مسرحية «ماريانا ~~بينيدا» هناك، وقد استقبل فنانو قطلونيا وكتابها «لوركا» بحماس ~~بالغ، وتعرف على أفراد الحركة الطليعية، وعلى المجلة التي كانوا ~~يصدرونها باللغة القطلونية، بعنوان «مجلة أصدقاء الفنون»، كما تعرفوا ~~هم عليه وعلى إنتاجه، وكثيرا ما طاف لوركا ودالي - ومعهما الناقد ~~القطلاني «سباستيان جاش» - بشوارع برشلونة وأزقتها الخفية، يتناقشون ~~في صخب وحماس في شئون الأدب والفن، ويحكي جاش قصة طريفة اشتهرت ms36 عن ~~لوركا، حين اصطحب «لوركا» يوما إلى «أتنيو برشلونة»، حيث قدمه إلى ~~ندوة تضم شيوخ الأدب والفن هناك، حيث سأله أحدهم في استهانة: «من أي ~~البلاد أنت أيها الشاب؟» فرد عليه الشاعر وهو يرفع يده عاليا في ~~رزانة : «أنا من مملكة غرناطة!» فإلى هذا الحد كان إحساس لوركا بالمجد ~~الذي نالته بلدته أثناء وجود العرب فيها، ولا غرو أن يكون هذا الرد قد ~~أدهش الحاضرين جميعا، وزاد فيه ما كان على فديريكو من مسحة شرقية ~~وسمار عربي، بشعره الأسود وملامحه المحددة وخياله ~~المتوقد. # وقد وضع لوركا أمله في ذلك الوقت في مسرحيته «ماريانا بينيدا»، التي ~~عمدت فرقة الممثلة المشهورة «مارجاريتا شيرجو»، إلى تقديمها على مسرح ~~جويا ببرشلونة في يونيو 1927م، وقام بتصميم ديكوراتها سلفادور دالي، ~~وكانت هذه ثاني مسرحية يكتبها لوركا، بعد مسرحيته الأولى، التي فشل ~~عرضها في مدريد، وقد قوبلت «ماريانا بينيدا» بنجاح، ولاقت قبولا من ~~النقاد، وجلهم من أصدقاء الشاعر، وهي وإن لم تكن قد ثبتت أقدام ~~لوركا في المسرح، إلا إنها قد عوضته عن فشل مسرحيته الأولى، وجعلته ~~يستمر في الكتابة المسرحية، كيما يخرج بعد ذلك أعماله الناضجة الناجحة، ~~وقد قال الشاعر عن ظروف كتابة تلك المسرحية: لقد كانت حياة «ماريانا ~~بينيدا» فكرة من أشد أفكار طفولتي تسلطا علي، لقد كنا نلعب ونحن ~~أطفال بأن نمثل المروحة وهي تنفتح وتنغلق ونحن ننشد: # آه، ما أتعس هذا اليوم في غرناطة # الذي يجعل الحجارة تبكي من الحزن # عند مرأى «ماريانا» وهي تموت # على المشنقة بدلا من أن تعترف! # وتتبع المسرحية الخطوط الهامة للحياة الحقيقية ~~لماريانا بينيدا، التي ولدت في غرناطة عام 1804م من أسرة كريمة ~~وتزوجت أحد المناضلين من أجل الحرية، الذي مات بعد الزواج بثلاث ~~سنوات مخلفا لها طفلين، واحتضنت هي آراء زوجها الثورية وكفاحه من أجل ~~حرية الشعب، فمدت يد المساعدة إلى المناضلين والمطاردين في عصر ~~استبداد الملك فرديناند السابع ملك إسبانيا، ونجحت بذكائها ومهارتها في ~~إبعاد الشبهات عنها، وانشغلت ماريانا في تطريز علم ضخم للثوار، ~~يستخدمونه ms37 عند إعلان ثورتهم، كتبت عليه كلمات: «القانون، الحرية، ~~المساواة»، ووشى بها أحد الخونة، وسقط العلم في يد حاكم غرناطة الذي ~~بادر إلى اتهامها وسجنها، ولم يفلح التعذيب ولا المحاكمة في انتزاع أي ~~اعتراف منها، إلى أن أعدمت في 1831م، شهيدة للحرية . # وقد شجع نجاح المسرحية في برشلونة على عرضها في العاصمة مدريد، حيث ~~بدأت عروضها على مسرح «فونتالبا» في 12 أكتوبر 1927م، ولاقت نجاحا ~~ملحوظا. # وقد تزامن مع عرض هذه المسرحية للمرة الأولى في برشلونة افتتاح معرض ~~لرسوم لوركا في المدينة في «جاليري دالماو»، وقد استمر المعرض من 25 من ~~يونيو إلى 2 من يوليو 1937م، وتضمن 24 لوحة، منها لوحة رسم فيها لوركا ~~صديقه «دالي»، وقد قدم دالي في مقال له بمجلة «المجلة الجديدة» ~~عرضا نقديا للمعرض، وقدم «سباستيان جاش» عرضا آخر له، وانتهت ~~إقامة الشاعر في برشلونة بمأدبة تكريم حافلة، أقامها له الفنانون ~~هناك. # وقبل العودة إلى مدريد أمضى لوركا أياما في «قداقش» مرة أخرى، عمل ~~فيها مع دالي على وضع ما سمي «البيان اللافني»، وهو بيان يعبر عن ~~آراء أصحابه الطليعية السيريالية في الفن والأدب والحياة، ويعتمد على ~~تقرير اللاشخصانية واللاهوية واللاموضوع في التعبير الفني عموما، ~~وقد تم نشر البيان في أحد أعداد مجلة «أصدقاء الفنون» في أغسطس 1927م، ~~وترجمه لوركا ونشره عام 1928م بالعدد الثاني من المجلة، التي أصدرها ~~ذلك العام في غرناطة. # | مهرجان إشبيلية وديوان الفجر # وفي ديسمبر 1927م، ينعقد في «إشبيلية» مهرجان أدبي كان سببا في ~~إطلاق اسم جيل عام 27 على لوركا وصحبه، تمييزا لهم كجماعة أدبية عن ~~الجماعة الأدبية السابقة عليهم مباشرة، وهي جيل 1898م الذي أشرنا إليه ~~في مطلع هذا الكتاب، وقد استمد النقاد هذا الاسم من اجتماع معظم ~~أفراد هذه الحركة الأدبية والفنية في «إشبيلية»، بدعوة من «أتنيو ~~إشبيلية» في مهرجان أقيم لتكريمهم، وإتاحة الفرصة أمامهم لإلقاء ~~أبحاثهم ومحاضراتهم وإنتاجهم الفني في ذلك المركز الثقافي، بوصفهم شباب ~~حركة فنية ناهضة أرهصت أعمالهم بعصر ذهبي جديد للأدب الإسباني، ~~يضارع العصر الذهبي ms38 الأول أيام سرفانتس ولوبي دي فيجا. # ويتفق النقاد الآن على أن أعضاء هذه الجماعة المؤسسين عشرة، هم: ~~فديريكو غرسيه لوركا - بدرو ساليناس - خورخي جيين - خيراردو دييجو - ~~داماسو ألونصو - فيثنتي الكساندري - رافاييل ألبرتي - لويس ثيرنودا - ~~خوسيه برجامين - خوان تشاباس. # وكان أكثر ما يميز هذا الجيل وأفراده هو أنهم قد اتجهوا اتجاها ~~مخالفا للجيل السابق عليهم مباشرة، إذ عمدوا أساسا إلى الرجوع إلى ~~الموروث الأدبي والفكري الإسباني، محاولين ابتعاثه وسبر أغواره ~~والخروج منه بالأفكار الإسبانية الأصيلة، وعادوا إلى درر الأدب ~~الإسباني في عصره الذهبي، يستلهمونها ويعيدون تقديمها بروح تفسيرية ~~ونقدية جديدة، مما أدى إلى ابتعاثهم مؤلفين، كان النسيان قد أسدل ~~ستاره عليهم، أبرزهم «لويس جونجرا» (1561-1627م)، شاعر القرن السادس ~~عشر الميتافيزيقي الإسباني، وكانت الأبحاث التي قدمتها جماعة 27 في ~~مهرجان إشبيلية تدور حول ذلك الشاعر الغابر، بمناسبة مرور ثلاثمائة عام ~~على وفاته، وقد وجد أعضاء الجماعة في شعره إرهاصات فكرية للنزعة ~~السيريالية التي كانت في أوجها آنذاك، وكان أكثر ما عادوا إليه من ~~التراث الإسباني - عدا أعمال «جونجرا» - أعمال سرفانتس ولوبي دي فيجا ~~وكالديرون دي لاباركا وفراي لويس دي ليون ويوحنا الصليبي وجوستافو ~~أدولفو بيكر وكيبيدو، وهم كلهم شوامخ الأدب الإسباني ممن صاغوا ~~الضمير الإسباني في عصرهم وفي كل العصور، غير أن هذا لم يمنع أن يتأثر ~~أفراد جيل 27 في نفس الوقت بتيارات الحداثة، التي وفدت إلى إسبانيا من ~~فرنسا وألمانيا أساسا، فكلهم تأثروا بالسيريالية والدادائية ~~والماورائية # Ultraism ~~، ومزجوا بينها ~~وبين ملامح أفكارهم الإسبانية الأصيلة في وحدة فنية منصهرة. # كذلك تميز أعضاء الجيل بالاستعمال الفريد للاستعارة والصور الفنية ~~في أعمالهم، إذ إنهم قد تركوا لأنفسهم حرية مطلقة في ربط أي شيء ~~بأي شيء آخر يصل إليه خيالهم، وبحثوا في أعماق الشعور عن صلات ~~خفية ذاتية بين الأشياء، فأنتجوا بذلك صورا شعرية جديدة غريبة ~~فريدة، وستكون هذه الصور الفريدة أهم ما يميز شعر لوركا في مرحلته ~~التالية، والتي ستتخذ بعد ذلك منحى مبالغا فيه مع دخوله ذروة تلك ~~المرحلة، مرحلة السيريالية الشعرية. ms39 # وقد قام لوركا بإعداد بحث عن شعر «جونجرا»، استغرق منه ثلاثة شهور، ~~لإلقائه في مهرجان إشبيلية، وقد قال في ذلك البحث: إن الأساتذة يشيرون ~~عادة إلى «جونجرا» بوصفه شاعرا عتيقا، أصبح فجأة شاعرا مغرقا في ~~الصفة، وأنه حمل اللغة إلى آخر ما تستطيع، فثنى المعاني واخترع قوافي ~~وإيقاعات غريبة على الذهن العادي، وعكف لوركا على دحض هذه الأقوال، ~~بتبيان كيف أن الصور التقليدية التي تجري على ألسنة الناس العاديين، لم ~~تكن غريبة عن الصور التي ابتدعها «جونجرا»، مثل تسمية الطرف البارز من ~~أسطح المنازل «فخا منصوبا»، أو تسمية نوع من الحلوى بشرائح السماء، ~~أو نهدات الراهبات، أو تسمية القبة بنصف برتقالة، وقال لوركا في بحثه: ~~«على الشاعر أن يكون أستاذا في الحواس الخمس، وهي كما أرتبها: الإبصار ~~- اللمس - السمع - الشم - الذوق، وعليه، من أجل أن يصبح سيد أجمل الصور ~~الشعرية، أن يفتح باب الاتصال بين جميع هذه الحواس، وعليه في أحيان ~~كثيرة أن يطبع مشاعر حاسة منها على مشاعر حاسة أخرى، بل وحتى أن يغطي ~~طبائعها ويخفيها ...» # ما أقرب هذا إلى ما كتبه الدكتور «إحسان عباس» في كتابه «فن الشعر»، # 1 # في الفصل الذي عقده للمدرسة الرمزية، من أن «ادجار ألان ~~بو» - رائد الرمزية - «كان يريد أن يتخلص من أغلال الرومانطيقية ~~ويدعو إلى خطة مغايرة لها، فيدعو إلى عدم المحدودية في موسيقى الشعر، ~~إلى انطلاق إيحائي مبهم، لا بالخلط بين عالم الواقع وعالم الخيال، ~~بل بالخلط بين وظائف الحواس نفسها، ونحن نجد «بو» في بعض قصائده «يسمع» ~~قدوم الظلام، ويقول في قصيدة أخرى: «ومن كل قنديل انساب في أذني صوت ~~رتيب ناغم لا ينقطع! ولذلك كان أول ما يبشر به الرمزيون إجراء الفوضى ~~في مدركات الحواس المختلفة، ومحاولة الوصول بالشعر إلى اللامحدودية ~~التي وصلها فن الموسيقى». # ومضى لوركا في بحثه الذي ألقاه عن «جونجرا» يقول: ~~«إن جونجرا في شعره يتناول الأشكال والموضوعات الكبيرة الحجم بنفس ~~الحب والصدق الذي يتناول بهما صغار الأشياء، وبنفس العظمة الشعرية، ~~فالتفاحة عنده تثير في النفس ms40 ذات الكثافة في الشعور التي يثيرها البحر، ~~والنحلة مليئة بنفس الدهشة التي تمتلئ بها الغابة، وهو يرقب الطبيعة ~~بعين نفاذة، ويعجب بجمال هوية الأشياء التي تتساوى في جميع أشكالها؛ ~~ولهذا السبب فإن التفاحة لديه تماثل البحر ... فحياة التفاحة، من لحظة ~~انبثاقها إلى الوجود كبرعم صغير حتى سقوطها ناضجة ذهبية من الشجرة ~~إلى الأرض، هي عملية عظيمة ومليئة بالأسرار، كعملية إيقاعات البحر ~~اللانهائية. وعلى الشاعر أن يدرك ذلك، فعظمة الشعر لا تعتمد على عظمة ~~موضوعه، ولا على حجمه ولا على مشاعره، فالشاعر قد يصنع قصيدة ملحمية ~~عن الصراع الذي يقع بين مختلف الخلايا النباتية وسط أغصان الكرمة، أو ~~يعطي انطباعا لا نهاية له للمطلق عن طريق شكل الوردة وعبيرها لا ~~غير.» وهذا ما فعله لوركا نفسه في بعض أعماله مثل التراجيديا الشعرية، ~~التي كتبها عن غرام صرصار بفراشة. # وقد صفق الحاضرون طويلا للبحث الذي ألقاه لوركا في المهرجان، ~~ودعوه في ليال أخرى إلى تلاوة قصائد ديوانه «حكايا الغجر» عليهم، رغم ~~أن تلك القصائد لم تكن قد صدرت بعد على شكل ديوان، وإنما كان صيتها قد ~~طار بين أوساط الفنانين والشعراء جميعا. # وقد ترك مهرجان «جونجرا» عام 1927م أثرا عميقا في شعر لوركا أبعد ~~وأعمق من أثر الدادائية والسيريالية، إذ جعله يقرن بتلك الحركات ~~الطليعية أيامها انغماسا رقيقا في بئر الشعر الإسباني في ماضي ~~العصور، واقترن كل هذا عنده بصورة جديدة من الشكل التركيبي ~~الهندسي للقصيدة، واستخدامات جديدة أصيلة للفعل اللغوي، لا بد أنه ~~استوحاها عن البناء العربي والإسلامي الذي فتح عينيه عليه في ربوع ~~غرناطة والأندلس، مثل قصور الحمراء التليدة ورياض جنة العريف، ويستبين ~~في ثلاث قصائد طويلة للوركا، وهي «أنشودة إلى قدس الأقداس» و«أنشودة ~~إلى وولت ويتمان»، و«القديسة لوسي والقديس عازر»، الاتجاه ناحية ~~«الجنجورية» الجديدة التي سوف تنمو وتتطور لديه أكثر من ذلك، حين يخرج ~~من إسبانيا في رحلته الأمريكية، وتصوغ نفسها في تركيبة فريدة يمكن أن ~~يطلق عليها «السيريالية الإسبانية»، هي ذات صلة وثيقة بلوحات دالي ~~التي يمكن أيضا ms41 إرجاع أصلها إلى فن الشاعر الإسباني جونجرا، لقد وضع ~~لوركا في تلك القصائد الثلاث قدمه على أول الدرب، الذي سيقوده بعد ذلك ~~إلى مرثية مصارع الثيران، ثم إلى قصائد «شاعر في نيويورك»، وقد نعى ~~كثير من النقاد تلك النقلة الكبيرة في فن لوركا، من مرحلة غنائية ~~فولكلورية دافقة إلى مرحلة سيريالية مغرقة في إبهامها، ولكن لوركا ، ~~كما بنيت الناقدة «ملدرد آدمز» بحق في كتابها عن الشاعر، قد أقام ما ~~يكفي في صرح الغنائية الزاهي الراقد على أرباض قصر الحمراء، وأنه لم ~~يكن من الممكن ألا يتأثر بالجو الفني والفكري السائد أيامها، فالوقت ~~آنذاك كان وقت ثورة واضطراب في كل شيء، حين كان العالم يقرأ الأرض ~~الخراب لإليوت وعوليس لجيمس جويس، وأشعار أندريه بريتون ~~السيريالية. # ومضى لوركا بعد مهرجان «جونجرا» في تنقيح قصائد ديوان حكايا الغجر ~~ووضعها في صورتها النهائية، محاولا الجمع في حكاياه الشعرية بين ~~الصورة الأسطورية للغجر، وبين الواقع الذي كان يراهم عليه في غرناطة، ~~وقال في ذلك: «إن النتيجة غريبة، بيد أنني أعتقد أن بها جمالية ~~جديدة». # ونشر الديوان أخيرا عام 1928م، فنال نجاحا فوريا ساحقا، ونفذت ~~نسخه في أشهر قليلة، وهو يتكون من 18 قصيدة، اشتهر معظمها بعد ذلك ~~وتناقلتها الأفواه في جميع البلاد الناطقة بالإسبانية، مثل قصائد: ~~أخضر، كم أحبك يا أخضر، والحرس المدني، والزوجة الخائنة، أنطونيو ~~الكامبوريو. # ويأتي عنوان الديوان # Romancero ~~، من ~~كلمة رومانثة # Romance ~~، وهو شكل ~~أدبي انتشر في القرون الوسطى، ويعتمد على صياغة قصائد شعبية ذات حبكة ~~قصصية (ولهذا آثرنا ترجمتها بكلمة «حكايا») مستقاة من موضوعات ~~تاريخية ودينية وأليجورية غنائية، وتندرج موضوعات قصائد الديوان ~~تحت أقسام ثلاثة عامة: قصائد تدور حول القوى الخفية الغامضة، وقصائد ~~شعبية واقعية، وقصائد من التراث التاريخي والديني، ومن قصائد النوع ~~الأول قصيدة «الحلوة والهواء»، التي تنسج صورة رائعة لفتاة غجرية ~~حسناء تنطلق على سجيتها، وتمارس هوايتها في الدق على الدف، ولكن القوى ~~الخفية المعارضة للغجر لا تتركها على حريتها، وتتمثل تلك القوى هنا ~~في إله الريح الغاضب الذي ms42 يريد أن يوقع بالفتاة، ولا ينقذها منه إلا ~~لمسة من لمسات العلم الواقعي، الذي يمزج الشاعر بينه وبين عالم القوى ~~الخفية الفانتازياتي في براعة ساحرة: # تخطر الحلوة # وهي تدق الدف ذا جلد الغزال # في درب من الجداول وأشجار الغار. # ويهرب من الموسيقى # الصمت الذي لا تقطعه النجوم # فيقع حيث يصطخب البحر ويغني # لياليه التي تزخر بالأسماك # وعلى ذرى الجبل # نيام الخفراء # ويحرسون الأبراج البيضاء # التي يقطن فيها الإنجليز # أمام غجر المياه # فهم يشيدون تعريشات من الأصداف # ومن أفنان شجر الصنوبر الخضراء # للترويح عن أنفسهم. ~~••• # تخطر الحلوة # وهي تدق الدف ذا جلد الغزال # وعند مرآها # هب الريح الذي أبدا لا ينام # سان كريستوفر العاري # مرصعا بألسنة سماوية # يرنو إلى الفتاة # تعزف لحنا عذبا مغيبا. ~~••• # يا فتاتي # ارفعي ثوبك كيما أرى جسدك # وأنضو بأصابعي العتيقة # زهرته الزرقاء ... ~~••• # وتلقي الحلوة الدف # وتجري دون توقف # ويتبعها الريح الرجولي # مستلا سيفه الساخن. ~~••• # ويزوي البحر من حفيف أمواجه # ويشحب لون أشجار الزيتون # وتغني بآيات الخمائل # وصفحة أجراس الثلوج الصقلية. ~~••• # اجري يا حلوة اجري؛ # كي لا يدركك الريح الأخضر! # اجري يا حلوة اجري # احذري من أين يأتيك ~~«ساطيرا» # 2 # ذو الأنجم الدنيا # بألسنته الوضاءة. ~~••• # وغمر الفزع الحلوة # فدخلت ذياك البيت # فيما وراء أشجار الصنوبر # الذي يملكه قنصل الإنجليز. ~~••• # وجاء ثلاثة من الخفر # وقد أفزعتهم الصرخات # يضمون عباءاتهم حواليهم # وقبعاتهم مدلاة على الوجنات. ~~••• # ويقدم الإنجليزي للغجرية # كوبا من اللبن الدافئ # وقدحا من الخمر # لم تقربه الحلوة من شفتيها ~~••• # وبينما هي تحكي باكية # قصتها لهؤلاء القوم # يهتاج الريح غيظا # ويعربد على الأسطح الأردوازية. # ومن عالم الغجر أيضا يقدم لوركا قصيدة الزوجة ~~الخائنة، ويصور فيها تصرفات غجري أصيل تجاه حبيبته، ومذهب الشهامة ~~الغجري الذي حتم عليه ألا يعود إلى تلك الحبيبة؛ لأنه عرف أنها ~~متزوجة: # اصطحبتها إلى النهر # وكنت أظن أنها فتاة # فاتضح أن لها زوجا # كانت ليلة القديس جيمس # وكأنما عن اتفاق سابق # انطفأت مصابيح الشارع # واشتعلت حدقات الجداجد # وعند المنعطفات الأخيرة # لمست نهديها النائمين # فتفتحا لي على الفور ms43 # كأنها عيدان السنابل # ورنت في مسامعي # ثنيات قميصها المنشى الناصع # كأنه قطعة حرير # تحكها عشرات السكاكين. # وتطاولت الأشجار # دونما أنوار فضية في كئوسها # ونبح أفق من الكلاب # بعيدا بعيدا عن النهر. ~~••• # وفيما وراء شجيرات التوت البري # وخلف الحشائش والأشواك # افترشت لها مكانا على الأرض # تحت خصلات شعرها # وخلعت رباط عنقي # وخلعت هي رداءها. # وطرحت زناري والمسدس # وخلعت هي صداراتها الأربعة # كانت بشرتها # أرق من الياسمين ومن العبير # ولم تكن لمرايا البلورية # سطوع طلعتها البهية # وأفلتت ساقاها مني # كالسمكة المذعورة # نصفها يضطرم بالنيران # ونصفها الآخر بالبرودة. # في تلك الليلة # سرت في أفضل الدروب # وامتطيت أحسن الأمهار # دونما لجام أو سروج # وأنا رجل # ولن أقص عليكم ما أسمعتنيه من كلمات. # لقد غمرني نور من العرفان # فأحالني رجلا وديعا # وحملتها بعيدا عن النهر # وقد غطتها الرمال والقبلات. # وتصارعت نصال الزنابق # حين أطاح بها الهواء. ~~••• # وتصرفت معها كما يليق # فبصفتي غجريا أصيلا # أهديتها علبة تطريز كبيرة من الساتان # بلون القش # ولم أدع نفسي تهوي في غرامها # لأن لها زوجا # رغم أنها قالت لي أنها فتاة # حين اصطحبتها إلى النهر. # وتكتمل صورة الغجري الأصيل في قصيدتين عن «أنطونيو ~~الكامبوريو»، فيتراءى للقارئ فيهما وصف دقيق له، فهو سليل ألقاب عريقة ~~في عالم الغجر، صوته قرنفلي رجولي، بشرته معجونة بزيت الزيتون ~~والياسمين، واهتماماته هي اهتمامات الغجر، مشاهدة مصارعات الثيران، ~~والقتال، ولكنه في القصيدة الأولى يخون نفسه وجنسه بالاستسلام دونما ~~قتال أو جهاد لرجال الحرس المدني؛ لذلك فهو يستحق كلمات قاسية يوجهها ~~له الشاعر بأنه ليس سليلا لأحد، وإلا كان قد فجر نبعا من الدماء ذا ~~خمس نفثات، ولكن «أنطونيو» يعوض ذلك في القصيدة الثانية، حين يدافع عن ~~نفسه ضد أبناء عمومته، الذين هاجموه بدافع من حسدهم إياه، والحسد صفة ~~دفينة في الإسبان عموما وبين الغجر على وجه الخصوص، وهم يهاجمونه ~~فيصارعهم، ويتقافز بخفة الدلافين، ويلطخ ربطة عنقه بدماء أعدائه، وهو ~~قد حقق ما يتوجب عليه بالجهاد وإسالة الدماء، فلا عيب عليه بعد ذلك ~~أن يقهروه آخر الأمر، ms44 بعد أن يتكالب عليه الأربعة وهو واحد ~~أمامهم. # أما قصيدة «الحرس المدني الإسباني» فهي تصوير كامل لصراع الغجر مع ~~العالم الخارجي الذي يحيط بهم، ويمثل القانون واللوائح المدنية التي ~~يضطرون إلى التسليم بها، ويصور لنا الشاعر مدينة الغجر مليئة ~~بالمتناقضات والمفارقات عن طريق صور حادة عجيبة، كما يقرب من ~~أذهاننا عالم الغجر بكل ما فيه من غرائب واختلاف، ومزج بين العوامل ~~الدينية والشعبية، وهو من الطباع التي يتميز بها الغجر، وفي مواجهة ~~مدينة الغجر يقوم القانون، الذي تمثله فرقة من الحرس المدني ~~تهاجمها وتعمل فيها القتل والنهب: # الجياد سود # وسود حدواتها # وعلى العباءات # تلتمع بقع من الحبر والشمع # جماجمهم من رصاص # لهذا لا يعرفون البكاء # ويخبون في طريقهم # بأرواحهم الجلدية البراقة # محنيي الظهور، يتسترون بالليل # وحيثما يحلون # يفرضون صمت المطاط الأسود # ووجل الرمال النواعم # يمرون حين يبغون المرور # ويخفون في رءوسهم # آفاقا غامضة # من مسدسات لا هوية لها. ~~••• # آه يا مدينة الغجر! # الرايات في جوانب الطرقات # والقمر وثمار القرع # مع الكريز المحفوظ # آه يا مدينة الغجر! # من يراك وينساك؟ # يا مدينة الأسى والمسك # والأبراج التي في لون القرفة. ~~••• # وحين يسدل الليل أستاره # الليل العميق الغميق الليلي # يصوغ الغجر في ورشهم # شموسا وسهاما # ويقرع جوار جريح على كل الأبواب # وتغني ديوك من زجاج # في «شريش دي لافرونتيروه» # وتعري الرياح جوانب الدهشة # في الليل، الليل الفضي # الليل العميق الغميق الليلي. ~~••• # أضاعت العذراء صاجاتها # والقديس يوسف # وطلبا من الغجر # أن يبحثوا لهما عنها. # واتشحت العذراء بثياب الحكام # من أوراق الشيكولاته المفضضة # وقلادات من اللوز # ولوح القديس يوسف بذراعيه # من تحت عباءته الحريرية # خلفهما سار «بدرو دوميك» # بصحبة ثلاثة من سلاطين فارس # وكان الهلال يحلم بنشوة اللقالق # وغزت الرايات والقناديل الأسطح المنبسطة # ونوحت الراقصات العجفاوات أمام المرايا # مياه وظلال، ظلال ومياه # في «شريش دي لافرونتيره». ~~••• # آه يا مدينة الغجر! # الرايات في جوانب الطرقات # أخمدي أنوارك الخضراء # فرجال الحرس قادمون. # آه يا مدينة الغجر! # من يراك وينساك؟! ~~••• # ويتقدمون مثنى مثنى من المدينة في عيدها # وأحزمة ms45 الذخيرة # تخترق همسات النباتات النواضر # يتقدمون مثنى مثنى # ليل مضاعف من الثياب # ويتصورون أسماء # فترينة مهمازات المصارعة. ~~••• # وأحكمت المدينة أبوابها # متحررة من الخوف # واقتحمها أربعون من رجال الحرس # ليعيثوا فيها فسادا. # وتوقفت الساعات، # والبراندي؛ # كيما يزيل الشبهات عنه، # تنكر في زجاجاته على هيئة نوفمبر # وطارت صرخات حادة # من بين دورات الريح # وقطعت السيوف # النسمات التي وطأتها الخوذات # وعلى طول الطرقات المظلمة # تفر عجائز الغجر # على الجياد النائمة # باباريق النقود # وفي الطرقات المنحدرة # تمضي العباءات الشريرة # مخلفة وراءها # دوامات قصيرة من المقصات ~~••• # وعلى أبواب بيت لحم # اجتمع الغجر # وغطى القديس يوسف جثة فتاة # وقد أثخنته الجراح # وتدق بنادق حادة عنيدة # على طول الليل # وتضمد العذراء جراح الأطفال # برضاب النجوم # ولكن رجال الحرس # يتقدمون ناثرين الدمار # حيث يحترق الخيال العاري المرهف عن آخره. # و«روز» سليلة «كامبريسو» # جالسة تنوح أمام بيتها # وثدياها الداميان على صفحة أمامها # وصبايا أخريات يهربن # وضفائرهن تتطاير في الهواء # حيث تتفجر ورود من الديناميت الأسود # حين كانت كل الأسطح أخاديد في الأرض # وهز الفجر أكتافه # في جانبية حجرية طويلة. ~~••• # آه يا مدينة الغجر! # ويبتعد رجال الحرس # عبر نفق من الصمت # بينما الجمرات تحيط بالمدينة من كل مكان. ~~••• # آه يا مدينة الغجر! # من يراك وينساك؟! # فليبحثوا عنك على جبهتي # مزيجا من القمر ومن الرمال. # وأشهر قصائد الديوان هي قصيدة «أخضر كم أحبك يا أخضر!» ~~وعنوانها الأصلي «حكاية السائرين نياما»، والتي أوردناها كاملة في ~~بداية هذا الكتاب، وتدور أحداثها من خلال غنيمة من الحلم أو من السحر، ~~فتبدو وكأنها تتراءى من خلال ذهن أحد السائرين في نومهم، أو شخصية عجزت ~~عن مواجهة الواقع فتراه من خلال عالم أخضر من الهذيان، ونرى فيها ~~غجريا يعمل في التهريب قد أصابه جرح مميت، ويختفي من مطاردة رجال ~~الدرك له، فيتوجه في الهزيع الأخير من الليل أو في مطالع الفجر إلى ~~منزل الفتاة الغجرية، التي يحبها والتي انتظرته طويلا، ويسأل والدها ~~العون، ولكنه يجد الأب - لسبب ما - في حالة صدمة، ويصعد الرجلان إلى ~~أدوار المنزل ms46 العليا التي يغمرها القمر بضوئه، وهناك يجد أن الفتاة ~~التي انتظرت حبيبها عبثا وهي تطفو على سطح خزان المياه الذي يسبح في ~~نور القمر، ونفهم من بين السطور أنها قد انتحرت غرقا، وتعمل دقات ~~رجال الدرك المخمورين على الأبواب آخر الأمر على زيادة حدة الجو ~~النومي الذي يهيمن على القصيدة، ويفتتن الشاعر بذكريات وخيالات وعواطف ~~الشخصيات التي تضمها القصيدة، وهم كلهم في حالة أزمة شديدة. # ويزيد الناقد «ستانلي بيرنشو» على ذلك بأن الشاعر نفسه يزيد من حمى ~~الموقف بانتحاله نفس موقف شخصياته والتحدث نيابة عنهم. بالأبيات ~~المتكررة التي تتردد في ثنايا القصيدة، فكل الشخصيات منجذبة إلى ~~نوع من الاخضرار، وكذلك الشاعر أيضا الذي تستبد به فكرة الخضرة ~~دائما على طول القصيدة ... وتتحرك الشخوص من تحت سحر ضوء القمر الجميل ~~والنذير في نفس الوقت، فهم من ذلك المنطلق سائرون جميعا في نومهم: ~~المهرب الجريح، الأب الهرم الذي هزه الحزن على ابنته، فلم يعد ~~يشعر بنفسه، الفتاة التي انتحرت بعد أن جنت من طول انتظار الأمل ~~الأخضر، فألقت بنفسها في أحضان الموت الأخضر في خزان المياه، بل وحتى ~~رجال الدرك المخمورين الذين اقتفوا أثر المهرب، وجاءوا يدقون على ~~الأبواب. # وقد عمل النجاح الفوري لهذا الديوان على طير صيت لوركا وشهرته في ~~طول البلاد المتحدثة بالإسبانية وعرضها، وسرعان ما ترجمت قصائده - ~~التي حركت مشاعر القراء وعواطفهم - إلى معظم اللغات الأوروبية ~~ولغات أخرى. # | مجلة أدبية وأزمة نفسية # قضى لوركا الوقت الذي انقضى بين نهاية مهرجان إشبيلية، الذي تحددت ~~فيه الخطوط العريضة للجماعة الفنية الجديدة - جيل 27 - وبين أواخر شهر ~~يوليو 1928م، حين صدرت الطبعة الأولى من ديوانه الذي طال انتظاره ~~«حكايا الغجر»، في تحقيق حلم أدبي طالما داعب خياله منذ زمن بعيد، ~~ألا وهو إصدار مجلة أدبية فنية، وقد بدأ هو وصحبه في التفكير في ذلك ~~منذ أوائل عام 1926م، نتيجة لمناقشاته مع أعضاء أتنيو غرناطة، ثم مع ~~«سلفادور دالي» في برشلونة. وكانت الفكرة الأولى عن ذلك هو إصدار مثل ~~هذه المجلة كملحق أدبي ms47 للصحيفة الغرناطية «الحامي» # El Defensor ~~، على أن يكون الملحق ~~باسم «الديك # Gallo ~~»، فيكون الاسم ~~الكامل «ديك ~~الحامي # El Gallo Del Defensor ~~»، ثم تطورت الفكرة مع مر الزمن واتساع ~~أبعاد البحث والنظر فيها، فتقرر أن تكون المجلة مستقلة عن الجريدة ~~المذكورة، كما جاء وقت غلبت على لوركا نزعته الشرقية وميوله الطليعية ~~المغرمة بكل غريب قصي، فقرر أن يكون اسم المجلة «الديك السلطان # El Gallo Sultan ~~»، ولكنه بعد ~~ذلك إلى الاسم المجرد المقترح أولا، وكانت فكرة لوركا عن هذه المجلة ~~تتجاوزها إلى تكوين حركة أدبية وفنية تكون المجلة نواتها، فقبل صدور ~~العدد الأول من «الديك» في 9 من مارس 1928، أقيمت مأدبة كبرى ~~لمحرريها، كما جرى التخطيط لإصدار سلسلة من الكتب الطليعية تسمى ~~«مطبوعات الديك»، وتم تنظيم أمسيات شعرية ونقدية في «أتنيو غرناطة»، ~~تدعو لها الجماعة وتنظم تحت اسم «أمسيات الديك»، وكان مدير المجلة هو ~~شقيق الشاعر فرانسيسكو لوركا، وتضم هيئة التحرير، عدا شاعرنا: «خواكين ~~أميجو» «فرانسسكو أيالا»، وغيرهما من رفاق الشاعر، وكتب في العدد الأول ~~من المجلة لوركا، وخورخيه جيين، وخوسيه برجامين، ورسم فيه دالي ~~«ومانويل أورتيث»، وقد أثارت الصفة الجديدة الطليعية للمجلة دهشة ~~قرائها، حتى أن لوركا كتب عن صدور عددها الأول قائلا: «لقد أثارت مجلة ~~«الديك» ضجة حقيقية في غرناطة، إن غرناطة مدينة أدبية، ولم يمر بها ~~أبدا شيء «جديد»؛ ولهذا فقد أثارت المجلة من الضجة ما لا يمكن تخيله، ~~وقد نفد العدد في يومين، ويدفعون الآن ضعف ثمنه للحصول عليه، وفي ~~الجامعة، أثارت أمس معركة بين المؤيدين للمجلة والمعارضين لها، ولا ~~حديث للناس والمقاهي والاجتماعات والبيوت إلا عنها». # ثم صدر العدد الثاني في أبريل، واحتوى على بعض أعمال لوركا الشعرية، ~~وترجمة إلى الإسبانية للبيان «اللافني» الذي وقعه الفنانون ~~الطليعيون في برشلونة، وسبق نشره بالقطلانية في مجلة «أصدقاء الفنون»، ~~ورغم أن لوركا قد عمل في الشهور التالية في الأعداد لإصدار العدد ~~الثالث من المجلة، إلا أن ذلك العدد لم ير النور أبدا، وتوقفت المجلة ~~لانشغال هيئة التحرير، والشاعر نفسه، في ms48 مشاريع فنية أخرى، خاصة وأن ~~«سلفادور دالي» كان يتأهب لشد الرحال نهائيا إلى باريس بعد زيارات ~~متقطعة لها، كما لا يغرب عن البال أن من بين أسباب عدم استمرار المجلة ~~أنها كانت جريئة أكثر مما تحتمله مدينة محافظة مثل غرناطة. # وكان من أسباب انشغال لوركا عن مواصلة إصدار المجلة، تلك الأزمة ~~النفسية الغامرة التي طحنته في تلك الأيام، والتي يتحدث عنها أصدقاؤه ~~ورفاقه دون أن يتفقوا على أسبابها ودوافعها ... فبالرغم أن عام 1928م شهد ~~تحقيق حلم الشاعر في إصدار مجلته، كما شهد أيضا النجاح المدوي الذي ~~ناله ديوانه «حكايا الغجر»، فلم يكن لوركا يبدو سعيدا، بل كان يميل ~~إلى الكآبة والحزن، كتب في مايو ل «خورخيه جيين» يقول: «ليست حالتي ~~الروحية على ما يرام، إنني أمر بأزمة عاطفية كبرى، آمل أن أخرج ~~منها معافى»، وقال في خطاب آخر في سبتمبر للكاتب الكولومبي «خورخيه ~~ثالايا»: «أنا أيضا في غاية السوء، إن الأمر يحتاج إلى كل ما وهبه لي ~~الله من فرح حتى لا أتهاوى أمام كمية الصراعات التي هاجمتني مؤخرا، ~~بيد أن الله لا يتخلى عني أبدا، لقد عملت كثيرا، وما أزال أعمل، فبعد ~~أن أتم «أناشيدي» التي أعمل فيها، سأغلق تلك الدورة الشعرية كيما أبدأ ~~دورة أخرى، دورة من الشعر الذي «يفجر الشرايين»، شعر بجانب «الواقع ~~ويجسم انفعالاتي التي ينعكس فيها كل حبي للأشياء ...».» # ومع مطلع عام 1929م، يغرق فديريكو أحزانه في العمل وفي الفن، ما بين ~~كتابة قصائد جديدة، وإلقاء المحاضرات، وحضور الندوات، ونشرت له «المجلة ~~الأدبية» في مدريد قصيدة نثرية بعنوان «ذبح الأبرياء» مصورة بريشة ~~«سلفادور دالي»، وكانت جماعة مسرحية تسمى «الثعبان» تجري البروفات ~~لإخراج مسرحية «دون تشمبرلين»، وهي مسرحية قصيرة كتبها لوركا في تلك ~~الفترة، ولكن منعت الرقابة عرضها بسبب موضوعها الجريء على المستوى ~~الأخلاقي السائد أيامها في إسبانيا؛ حيث تتنازعها القوى المحافظة ~~الممثلة في الملكية والكنيسة والإقطاع، والقوى التقدمية التي يمثلها ~~الطليعيون من المفكرين والمثقفين والفنانين. # ولكن ... هل صحيح ما يذكره بعض النقاد عن أن أصل ms49 أزمته النفسية هي حب ~~فاشل مع «آن ماري دالي» أخت «سلفادور دالي»؟ الواقع أن بعض من كتبوا ~~سيرة حياة لوركا قد أشاروا إلى ذلك دون أن يقطعوا فيه برأي، نظرا إلى ~~عدم توفر أدلة ثابتة على ذلك ... ولكن الثابت هو أن جميع هذه العوامل قد ~~تفاعلت في نفس الشاعر، فدفعته إلى السعي إلى الابتعاد عن إسبانيا بعض ~~الوقت، للخروج مما سماه «الخدر العاطفي» الذي كان يشعر به آنذاك، وقد ~~هيأ له راعيه وصديقه «فرناندو دي لوس ريوس» الأستاذ بجامعة غرناطة ~~الفرصة لذلك، حين عرض عليه أن يسافر معه في رحلة إلى الولايات المتحدة ~~الأمريكية، بأن حصل له على منحة لدراسة اللغة الإنجليزية في جامعة ~~كولومبيا بنيويورك مدتها عام واحد. # وقد سارع لوركا بنقل قراره السفر في تلك الرحلة إلى صديقه «كارلوس ~~مورا» الدبلوماسي الشيلي في مدريد في خطاب له قال: «أي كارلوس، مساء ~~السبت أغادر غرناطة لأكون في مدريد صباح الأحد، وسأبقى هناك يومين أرتب ~~فيها بعض أموري بها، ثم أسافر من فوري إلى باريس فلندن، حيث أبحر منها ~~إلى نيويورك، أيدهشك هذا؟ إني أكاد أموت ضحكا من قراري هذا، ولكنه ~~يناسبني وهو هام لحياتي ... إن نيويورك تبدو لي فظيعة، ولكني ذاهب إليها ~~لهذا السبب نفسه، أعتقد أنني سأسر فيها، إني أرحل برفقة صديقي ~~العظيم «فرناندو دي لوس ريوس»، وهو أستاذ قديم لي وشخصية ساحرة ~~للغاية، وهذا سيسهل أموري هناك، فأنا كما تعلم لا حيلة لي في أمور ~~الدنيا العملية.» # وهكذا رحل الشاعر بصحبة الأستاذ في أواخر مايو 1929م، ولم يبدو أن ~~«باريس» و«لندن» قد تركتا كبير أثر في نفس لوركا، أكثر من روعته أمام ~~اللوحات المشهورة في متحف «اللوفر» وكنوز المتحف البريطاني، وبعد لندن، ~~قاما بزيارة سريعة إلى أكسفورد لزيارة العلامة الإسباني «سلفادور ~~دي مادرياجا»، الذي كان مقيما هناك، ومن أكسفورد ذهبا بالقطار إلى ~~ميناء «ساوثامبتون»، حيث أبحرت بهما عابرة المحيطات «أوليمبيك» فجرا ~~إلى نيويورك. # | التجربة الأمريكية # حتى قبل أن ترسو السفينة بلوركا في ميناء نيويورك، داهمه الحنين إلى ms50 ~~الوطن، فنراه يكتب وهو ما زال على ظهر السفينة إلى صديقه «كارلوس ~~مورلا» يقول: «يجتاحني كل يوم نهم إلى بلادي وإلى صالونك ... حنين إلى ~~الثرثرة معكم وإلى أن أغني لكم أغنيات إسبانيا العتيقة ... لا أدري لماذا ~~سافرت؟ إني أسأل نفسي هذا السؤال مائة مرة في اليوم ... أتطلع إلى صورتي ~~في مرآة القمرة العتيقة فلا أتعرف على نفسي ... إني أبدو «فديريكو» ~~آخر.» # ووصلت السفينة إلى ميناء نيويورك في أواخر شهر يونيو، ونزل لوركا في ~~حجرة في مدينة الطلاب الملحقة بجامعة كولومبيا في قلب نيويورك النابض، ~~وفي قاعة تدعى قاعة «جون جاي»، وعكف الشاعر منذ البداية على التعرف ~~على الأوساط الإسبانية في المدينة الهائلة، أكثر من اهتمامه بمتابعة ~~دروس اللغة الإنجليزية، التي سرعان ما هجرها بعد اقتناعه بأنه لا يصلح ~~أساسا لتعلم هذه اللغة ... ويقول عنه راعيه الثقافي في نيويورك - أنخل ~~دل ريو، أستاذ الأدب الإسباني في جامعة «كولومبيا»: «لقد رحل عن ~~نيويورك دون أن يتعلم كلمة واحدة بالإنجليزية، وكان ينطق الكلمات ~~القليلة التي يضطر أحيانا إلى استخدامها، بالنطق الإسباني!» # ولكنه مقابل ذلك كان يشعر بالغبطة، حين يجمع حوله طلاب اللغة ~~الإسبانية بالجامعة، ويغني لهم الأغاني الشعبية الإسبانية التي ~~تعلمها منذ طفولته، أو حين يمضي في لقاءات طوال مع الأصدقاء الإسبان ~~من الفنانين والكتاب في نيويورك: أنخل دل ريو، والرسام جابرييل غرسيه ~~ماروتو، وداماسو ألونصو الأستاذ الزائر في «هنتر كولدج»، وفديريكو دي ~~أونيس، والشاعر المشهور ليون فيليبي. # كانت صدمة تعرفه على مدينة نيويورك كالصاعقة التي انقضت على فؤاده ~~فهزته هزا عنيفا ... ها هو ... شاعر أندلسي رقيق، ابن غرناطة الهادئة ~~الجميلة الساحرة، يهبط في مدينة مختلفة تماما عن كل ما رآه من قبل، ~~مدينة حديدية، هائلة تصطخب ببشر همهم الأول هو المادة والتفوق المادي، ~~ويصطدم فيها بالأبنية الحديدية السامقة، ويسير في الطرقات فيخيل إليه ~~أن ناطحات السحاب هذه سوف تطبق بقضها وقضيضها على روحه فتزهق وتخمد ~~منه الأنفاس، وقد حدث مرة وكان يسير في وسط الحشود في قلب نيويورك أن ~~توقف بغتة وصاح ms51 بأعلى صوته: إني لا أفهم شيئا البتة!» وتبعها بضحكته ~~المجلجلة الشهيرة. # بيد أنه، وبعد مدة من الصراع مع مدينة ناطحات السحاب، والجاز الذي ~~كان يسود المدينة آنذاك - بدأ فديريكو يغوص في القاع التراجيدي ~~للمدينة، ويدرك أن وراء المظهر الباهر لنيويورك ثمة كثيرا من الألم ~~والوحدة ينبضان، وكثيرا من الرعب والخوف في الإنسان، وقد أتيح للشاعر ~~أن يشهد الصراع الذي يستعصي على الحل بين ذروة حضارة آلية، وبين ~~الغرائز الأولية التي لا تزال في داخل النفس البشرية ، وثمرة هذا الصراع ~~التي تتمثل أحيانا في المعاناة والوحدة، والحزن الوديع لزنوج حي ~~هارلم، وقسوة المادة في «وول ستريت»، حي المال في نيويورك. # وقد أثمرت التجربة الأمريكية التي مر بها لوركا قصائد عديدة، كانت ~~فيض مشاعره وتجاربه في المدة من يوليو 1929م حتى يونيو 1930م، ورافقت ~~تنقلاته ورحلاته التي قام بها في تلك الفترة، ومن الجدير بالذكر أن هذه ~~القصائد لم تنشر في ديوان إلا عام 1940م بعد وفاة لوركا، بعنوان ~~«شاعر في نيويورك»، وإن كان معروفا أن الشاعر كان يعتزم إصدارها معا ~~تحت هذا العنوان، تصحبها صور مأخوذة عن الحياة في نيويورك، ويفتتح هذا ~~الديوان بتجسيد فني لأول المشاعر التي هزت لوركا في الولايات ~~المتحدة، الوحدة الطاغية، إذ إن عنوانا عريضا للجزء الأول من الديوان ~~يحمل اسم: «وقصائد الوحدة في جامعة كولومبيا»، ثم نطالع في القسم ~~السادس العنوان العريض «قصائد الوحدة في فيرمونت»، وتحمل قصائد الديوان ~~أسامي معبرة، مثل «كنيسة مهجورة»، «رقصة الموت»، منظر الجماهير التي ~~تقيء، منظر الجماهير التي تبول، جريمة قتل، مدينة لا تنام، الطفلة ~~الغارقة في البئر، فاتحة للموت، ليلية الفراغ، أطلال، قمر وبانوراما ~~الحشرات، الفرار من نيويورك. # ويعتبر الكثير من قصائد هذا الديوان تعبيرا، ومعادلا موضوعيا، ~~وخلقا فنيا حيا للمشاعر المتضاربة التي أثارتها الحياة والمدن ~~الأمريكية خاصة نيويورك، في نفس الشاعر. # وكان يحلو لفديريكو أن يتجول في شوارع المدينة الهائلة مع أصدقائه ~~الإسبان، يجولون في الأحياء الشعبية وخاصة حي هارلم - حي الزنوج - الذي ~~أوحى له بإحدى أهم قصائد الديوان: ms52 # أنشودة إلى ملك هارلم # بملعقة! # كان يقتلع عيون التماسيح # ويلهب مؤخرة القردة # بملعقة. # نيران كل يوم # تقعين غافية على حجر الصوان # والخنفسات السكرى من شراب الأنيس # تتناسى طحالب الضيعات. # هذا العجوز الذي يغطيه الفطر # يتجه إلى الموضع الذي ينتحب عنده الزنوج # بينما ارتفعت ملعقة الملك بالصرير # ووصلت خزانات المياه العفنة # فرت الأزاهير على طرف منحدرات الهواء الأخيرة # وعلى أكوام الزعفران # سحق الأطفال السناجب الصغيرة # في خفر من خبل ملطخ. ~~••• # يجب أن نعبر الجسر # ونصل إلى الزنجي الخجول # حتى نشعر بعبير الرئة يطرق أصداغنا # بثوبه الأناناسي الدافئ # يجب أن نقتل بائع الخمور الأشقر # وكل أصدقاء التفاح والرمان # يجب أن نضرب بقبضات مقفلة # حبات اللوبياء الصغيرة التي ترجف مليئة بالفقاعات # وذلك حتى يغني ملك هارلم مع جمهرته، # حتى تنام التماسيح في صفوف طويلة # تحت معدن القمر الذي لا يحترق # وحتى لا يشك أحد في الجمال المطلق # لمنفضات الريش والمباشر ونحاس المطبخ وآنياته. ~~••• # أواه يا هارلم! أواه يا هارلم! أواه يا هارلم! # ليس هناك من أسى يعادل عينيك المضغوطتين، # يعادل دماءك الراجفة من داخل خسوفك المظلم، # يعادل عنقك القاني الأصم الأبكم تحت ظلال الأضواء # يعادل مليكك العظيم السجين الذي يرتدي ثياب البوابين. ~~••• # وكان الليل ينصدع عن سحالي هادئة من العاج # والفتيات الأمريكيات # يحملن أطفالا ونقودا في بطنهن # والشباب يغشى على صليب التمدد بعد الاستيقاظ. ~~••• # هؤلاء هم! # هؤلاء هم من يشربون الويسكي الفضي إلى جوار البراكين # ويبتلعون شذرات القلوب على جبال الدببة المثلوجة # تلك الليلة # كان ملك هارلم يقتلع عيون التماسيح # بملعقة جامدة صلبة # ويلهب مؤخرة القردة # بملعقة # وبكى الزنوج حيارى وسط مظلات وشموس ذهبية # وشد الخلاسيون مطاطا # يجتاحهم الشوق إلى بلوغ الجسد الأبيض # والرياح قد طمست المرايا # وحطمت عروق الراقصين. ~~••• # زنوج، زنوج، زنوج زنوج # ليس للدماء من منافذ في ليلك المدلهم # وليس هناك من خفر # ويهدر الدم غاضبا من تحت الجلد # ويعيش في شوكة الخنجر وفي صدر مناظر الطبيعة # تحت الكماشات ونباتات «الوزال» # لقمر السرطان السماوي. ~~••• # الدم الذي يبحث في آلاف الدروب # عن ms53 الموت المغطى بالدقيق # وعن رماد الياسمين. # سموات تيبسة مائلة # حيت تنحدر مجاميع الكواكب على الشطآن # مع النفايات المهملة. ~~••• # الدم الذي يتطلع في بطء بذيل عيونه # مصوغا من حشائش الحلفاء المعتصرة # ورحيق الأنفاق # الدم الذي يغطي الرياح الغافلة بالصدأ # ويحيلها إلى مجرد أثر # ويذيب الفراشات على زجاج النوافذ. ~~••• # إنه الدم الذي يأتي # الدم الذي سيأتي # من قمم السقوف والأسطح # من كل الجوانب # ليحرق بلهيبه كلورفيل النسوة الشقراوات # ويئن تحت أرجل الفراش # وجها لوجه مع أرق الأحواض # ثم ينصدع فجرا من التبغ وظلا من الصفرة. ~~••• # لا مفر من الهرب # الهرب من حول الأركان # والانغلاق في الأدوار العليا # لأن لباب الغابة سيخترق الشقوق # ليترك على جسدك آثار خسوف واهية # وأسى زائفا # للقفاز الماحل والوردة الكيميائية. ~~••• # وفي فترة الصمت الحكيم # يبحث الجرسونات والطباخون # ومن يلعقون بلسانهم جراح المليونيرات # عن الملك في الطرقات # أو في زوايا الملح. ~~••• # ريح جنوبية خشابية # مائلة فوق الحماة الزنجية # تبصق على القوارب المحطومة # وتدفع المسامير في أكتافها # ريح جنوبية # تحمل أنيابا وعباد شمس وحروف الأبجدية # وبطارية فولتية # فيها زنابير غارقة. ~~••• # وكشف النسيان عن ~~نفسه # بثلاث نقاط من الحبر على المونوكل # وكشف الحب عن نفسه # بوجه متفرد خفي على صفحة الحجر # واجتمع اللبلاب والنوار على السحاب # في صورة صحراء من الجذوع # خالية من أي ورود. ~~••• # ذات اليمين وذات اليسار، # في الجنوب وفي الشمال، # يرتفع جدار لا تنفذ منه الشامة ولا إبرة الماء # لا تبحثوا أيها الزنوج # عن شق تجدون وراءه القناع المطلق # بل ابحثوا عن شمس المركز العظمى، # وقد تحولتم إلى أناناسة تطن وتئز، # الشمس التي تنساب خلال الغابات # على يقين بأنها لن تجد أي حوريات # الشمس التي تدمر أرقاما # ولم تخترق أبدا حلما # الشمس ذات الوشم تنساب عبر النهر # وتخور في طريقها # تتبعها التماسيح الأمريكية. ~~••• # زنوج، زنوج، زنوج، زنوج # لا الثعبان ولا حمار الوحشي ولا البغل # يشحب لونه عند الموت # ولا الحطاب يدري متى تموت الأشجار المصطخبة التي ~~يقطعها # حتى يهاجم الشوكران والعوسج والقريض # الأسطح الخلفية. ~~••• # حينئذ أيها ~~الزنوج # حينئذ ms54 # بإمكانكم أن تقبلوا عجلات الدراجة في جنون # وتضعوا أزواجا من الميكروسكوبات في كهوف السناجب # وترقصوا أخيرا في ثقة # بينما أزهار الشوك # تقتل «موسانا» على مقربة من أحراش السماء. ~~••• # آه يا هارلم المتنكرة! # آه يا هارلم التي تهددها جمهرة بذلات دونما رءوس! # همهماتك تصلني # همهماتك تصلني عبر جذوع الأشجار والمصاعة الكهربية # عبر دمعات رمادية # حيث تطفو سياراتك المغطاة بالأسنان # عبر جياد ميتة وجرائم منمنمة # عبر مليكك العظيم اليائس # الذي تتطاول لحيته حتى البحر. # وكان من بين من تردد عليهم الشاعر ، صديقه «هرشل ~~بريكل»، في منزله في «بارك أفنيو» مع شارع رقم 56، حيث كانت تجتمع هناك ~~ثلة من الفنانين والأدباء، وبعد إحدى السهرات هناك، توجه الحاضرون ~~لزيارة كنيسة «سان بابلو»، التي قال عنها لوركا فيما بعد أنها «أجمل ~~كنيسة في العالم»، وتفوق موسيقاها أي موسيقى أخرى سمعها في إسبانيا، ~~وحيث بدت له الكنيسة جزيرة من الجمال المعماري والفني المصفى وسط ~~طوفان من البرودة والبشاعة والآلية التي تغرق فيها نيويورك. نيويورك ... ~~نيويورك التي ألهمته هذه القصيدة المشهورة عن «الفجر في ~~نيويورك»: # الفجر في نيويورك # تظلله أربعة أعمدة من الوحل # وعاصفة من الحمائم السود # يخضن في المياه العفنة. # الفجر في نيويورك # ينتحب على طول السلالم الهائلة # وينشد ياسمين الأسى # المرتسم وسط شعيرات السنابل. ~~••• # يأتي الفجر # ولا أحد يستقبله في الأفواه # فليس ثمة صباح ولا أمل باسم # وأحيانا # تخترق العملات الأطفال المهجورين # وتلتهمهم # في أسراب ثائرة. ~~••• # يعرف أوائل من يخرجون عن ثقة # أنه لن يكون ثمة فردوس ولا حب خالص # يعرفون أنهم يتجهون إلى وحل الأرقام واللوائح # إلى الألعاب التي لا تعرف فنا # إلى العرق الخالي من الثمار. ~~••• # ويندفن النور في السلاسل والضوضاء # في التحدي المشين لعلم بلا جذور # ويتطوح الناس المؤرقون في كل حي # كأنهم خرجوا لتوهم من حطام الدماء. # ويطلق الشاعر أيضا قصيدته «صرخة إلى روما» من فوق ~~مبنى «كرايزلر»، الذي كان أيامها أعلى مبنى في العالم قبل سنوات من ~~إتمام مبنى الإمباير ستيت في نيويورك أيضا، وهي قصيدة اتهامية ضد ~~حضارة رأس ms55 المال الميتة، ومنها: # يجب على الزنوج الذين يرقعون المباصق # الفتية الذين يرتجفون من هول المديرين الشاحب # النسوة الغارقات في الزيوت المعدنية # جمهور المطارق والفيولين والسحب # يجب أن يصرخوا # حتى ولو فجروا أدمغتهم على الجدران # يجب أن يصرخوا أمام القباب # يجب أن يصرخوا في جنون من النيران # يجب أن يصرخوا في جنون من الثلوج # يجب أن يصرخوا ورءوسهم مغطاة بالروث # يجب أن يصرخوا كأنما هم الليالي مجتمعة # يجب أن يصرخوا بصوت محطوم # إلى أن ترتجف المدائن كالأطفال # وتحطم سجون الزيت والموسيقى # لأننا نريد خبزنا كفاف يومنا # زهرة الحور والحنان الأبدي المنتثر # لأننا نريد أن تنفذ إرادة الأرض # التي تهب ثمارها للجميع. # لقد تجسدت مدينة نيويورك في نفس الشاعر كرمز للزيف ~~الذي تخلقه الحضارة القائمة على المادة، مقابل الصدق الذي تبثه الطبيعة ~~التي يحلم بها الشاعر، والتي وجدها وعاشها في وسط الفلاحين والغجر وكل ~~ما هو طبيعي وتلقائي وفطري في النفس البشرية، ولم يكن أمام لوركا ~~في تصويره الهجوم العاتي لتلك الحضارة المادية وافتنائها على الطبيعة، ~~إلا اللجوء إلى أشكال من التعبير السيريالي، فوق الواقعي، وإلى أن ~~يخضع أفكاره وصوره لعالم جديد غريب من الرموز والصور السيريالية، ~~ومعظم قصائد الديوان تبين جور الكبريت المطفأة تلتهم سنبلات قمر الربيع ~~- آلام المطابخ المذمونة تحت الرمال - يعض الحقل ذيله كيما يجمع الجذور ~~في نقطة واحدة - ستأتي السحالي لتعض الرجال الذين لا يحملون - حيث ~~الفيلسوف يلتهمه الصينيون واليسروعات - ذئاب وضفادع برية تغني في ~~المواقد الخضراء - خرج السلطان في منتصف الليل إلى الممرات وتحدث مع ~~القواقع الخاوية عن السجلات ... إلخ. # وتخللت السنة التي أمضاها لوركا بعيدا عن بلاده زيارات لمناطق ~~أمريكية غير نيويورك، ففي شهر أغسطس سافر إلى «أدين ميللز» بولاية ~~«فرمونت» تلبية لدعوة من صديقه «كمنجز»، الذي كان قد عرفه في مدينة ~~الطلاب بمدريد من قبل ومن هناك كتب يقول: ~~«إن الطبيعة هنا رائعة، بيد أنها تبث في النفس كآبة لا حد ~~لها، وإنها لتجربة طيبة لي، السماء تمطر باستمرار، إن الأسرة ~~التي أقيم بين ظهرانيها ms56 لطيفة جدا ورائعة، بيد أن الغابات ~~والبحيرة تغرقاني في حالة من اليأس الشعري لا يمكن احتمالها، ~~إني أكتب طول النهار، وأشعر بنفسي مجهدا عند المساء، لقد ~~انسدل الليل، وأوقدت مصابيح الغاز، وعادت كل طفولتي إلى ذاكرتي ~~ملفوفة في مجد من شقائق النعمان وسنابل وقمح»، وهناك، كتب ~~«قصائد الوحدة في فيرمونت». # وفي نهاية أغسطس «سافر للقاء أنخل دل ريو» في مزرعة في جبال كاتسكيل، ~~كان الأستاذ يمضي فيها إجازته مع عائلته ... ويحكي الأستاذ قصة وصول ~~لوركا إلى المزرعة على النحو التالي: # في اليوم المحدد لوصوله، لم نتسلم أي برقية أو إخطار ~~بالموعد كما سبق أن اتفقت معه ... وعند حلول المساء بدأ القلق ~~يعترينا من أن يكون قد ضل طريقه أو تعرض لحادث، حين أبصرنا ~~أخيرا عربة أجرة تتهادى متثاقلة في الطريق المترب مثيرة ~~الغبار من حولها، وكان ثمة تعبير استسلام على وجه السائق، أما ~~لوركا فما إن رآني حتى اهتاج وأخذ يصرخ ويصيح، وكان ما حدث هو ~~أن لوركا قرر عند وصوله إلى البلدة أن يستقل تاكسيا، دون ~~أن يعرف كيف يشرح العنوان للسائق، وأخذ التاكسي يروح ويجيء في ~~الطريق المغبرة وسط الجبال، إلى أن أعطى أحد المارة العنوان ~~الصحيح للسائق، وكان العداد قد سجل 15 دولارا، بينما ~~لوركا قد أنفق كل ما يحمل من نقود، مما ملأ قلبه بالفزع بألا ~~ينجح في الوصول إلى مقصده ويفاجأ السائق بإفلاسه، وفي الحال، ~~خلع لوركا مظهرا خياليا مروعا على الحادث، وزعم أن ~~السائق - الذي لم يستطع التفاهم معه - قد حاول سرقته وقتله في ~~جانب مهجور من الغابة! # وأمضى الشاعر أسبوعين في هذه المزرعة الجبلية، كتب فيها من ~~قصائد الديوان: ليلة الفراغ، أطلال، طفلة غارقة في البئر، ~~منظر لقبرين وكلب آشوري. ثم قضى الشاعر بقية إجازته الصيفية في ~~منزل الأستاذ «فديريكو دي أونيس» بالقرب من «نيوبرج»، ثم عاد ~~بعدها إلى حجرته في المدينة الجامعية بنيويورك، وكتب عندها ~~يقول لصديقه كارلوس مورلا: «... لقد عاد فديريكو القديم إلى ~~الظهور ...» # وهكذا فعلت الرحلة الأمريكية في نفس الشاعر ms57 فعل السحر، فعل التجديد، ~~فعل التطهير، بكل ما تحمله من حسرات ومفاجآت ووحدة وعزلة وألم، لقد ~~أمسك الشاعر حقا بنيويورك من داخلها ومن خارجها، عن طريق دفعة جامحة ~~من الصور الدرامية: وحدة مأساوية وانفجار للحياة في حركات وصور ~~مزعزعة متفرقة، كأنها شريط لفيلم سيريالي. إن قصائده تبين لنا كيف ~~كانت نفس الشاعر تغرق في مدينة نيويورك، بل وقد وصل الحال بلوركا أن ~~خشي أن تبتلعه المدينة الهائلة في جوفها، وكان على وشك الهروب منها ~~والعودة إلى غرناطة بلدته الوديعة الهادئة كالنهر الناعس، ما لم تصله ~~في ذلك الحين دعوة من معهد الثقافة الإسباني - الكوبي لإلقاء محاضرات ~~في عدة مدن من جزيرة كوبا، ووافق فديريكو على الفور، وأبحر في ربيع ~~1930م إلى هافانا العاصمة التي أحبها من أول نظرة، والتقى فيها بجذوره ~~الإسبانية الراسخة التي كانت قد شارفت على الاختفاء في نيويورك، ولم ~~يقتصر الأمر هناك على العودة إلى سماع اللغة الإسبانية، بل والعودة إلى ~~الأجواء الدافئة والبشرة السمراء الذي تذكره بأهل الأندلس، وليس هناك ~~أقرب إلى العنصر الأندلسي من العنصر «الكريولي»، وهم أهل أمريكا ~~الجنوبية المخلطين، وكان لوركا يقول هناك: «إنني أشعر وكأنني في مدينة ~~قادش»، وتبادل الشاعر الحب والاهتمام مع شعراء كوبا وفنانيها، وكان مع ~~إلقائه المحاضرات والأشعار، يتشرب عذوبة استوائية كوبا: موسيقاها، ~~شمسها، بهجتها، وهام بصفة خاصة بالألحان «الأفروكوبية» التي يتميز ~~بها السود هناك. # وخلال إقامته في كوبا، واصل كتابة بعض المناظر في عملين مسرحيين: ~~«الجمهور»، و«عندما تمر خمس سنوات»، كما نشر في مجلة «الموسيقى» ~~بهافانا، قصيدته التي استوحاها من الموسيقى الأفريقية - الكوبية، والتي ~~ضمنت ديوانه شاعر في نيويورك، وهي بعنوان «موسيقى الزنوج» في ~~كوبا: # حين يطلع البدر # سأذهب إلى سنتياجو دي كوبا. # سأذهب إلى سنتياجو. # في عربة من المياه السوداء # سأذهب إلى سنتياجو # وسوف تغني سقوف النخيل # سأذهب إلى سنتياجو. # حين تشتاق النخلة أن تصبح لقلقا # سأذهب إلى سنتياجو # وحين تشتاق شجرة الموز أن تصبح صدفة # سأذهب إلى سنتياجو # مع رأس «فونسكا» الشقراء # سأذهب إلى سنتياجو # ومع ms58 وردية روميو وجولييت # سأذهب إلى سنتياجو # بحر من الورق وفضة من العملات النقدية # سأذهب إلى سنتياجو # آه يا كوبا، آه يالحين جاف البذور! # سأذهب إلى سنتياجو # آه أيها الزنار الجار ويا قطرة الأخشاب! # سأذهب إلى سنتياجو # يا معزف الجذوع الحية، أيها التمساح، يا زهرة التبغ! # سأذهب إلى سنتياجو # لقد قلت دوما إنني سأذهب إلى سنتياجو # في عربة من المياه السوداء # سأذهب إلى سنتياجو # النسمة والكحول يصاحبان عجلاتي # سأذهب إلى سنتياجو # ومرجاناتي وسط الغمام # سأذهب إلى سنتياجو # البحر الغارق في الرمال # سأذهب إلى سنتياجو # حرارة بيضاء، وفاكهة ميتة # سأذهب إلى سنتياجو # آه يا كوب، آه يا منحدر النهدة والطين! # سأذهب إلى سنتياجو # ثم شارفت إقامته في كوبا على نهايتها، واستقل في أواخر ~~صيف 1930م الباخرة الإسبانية ماركيز دي كومياس، عائدا إلى إسبانيا، ~~بعد أن توقفت في الطريق في ميناء نيويورك حيث كان وداع الشاعر لأصدقائه ~~هناك. # وهكذا فارق شاعرنا الأرض الأمريكية، أرض العالم الجديد، التي مثلت ~~له تجربة كثيفة في روحه وفي فنه، ولكن المهم أيضا هو أنها قد أزالت ~~عنه ذلك «الخدر العاطفي»، ذلك الحزن والكآبة العميقين اللذين هاجماه ~~طوال صيف وشتاء 1928م، وقد عاد فديريكو من رحلته سعيدا بها وأكثر ثقة ~~في نفسه وفي عمله، مليئا بزخم جديد دفاق للعمل والحياة. # | لاباراكا وفترة النضج المسرحي # وكعادة لوركا كل صيف، قضى الصيف التالي لرحلته الأمريكية في بلدته ~~غرناطة، يجتر تجاربه، ويقضي أيامه ولياليه بين أهله وأصدقائه من ~~الفنانين والشعراء، ثم عاد مع بداية الشتاء في أواخر 1930م إلى مدريد ~~لحضور عرض مسرحيته الجديدة «الإسكافية العجيبة» على مسرح «إسبانيول»، ~~تؤديها فرقة «كاراكول»، وتمثل فيها الممثلة المشهورة «مرجريتا ~~شيرجو» دور البطولة. # وهذه المسرحية - التي ترجمها الدكتور عبد الرحمن بدوي إلى العربية ~~ونشرت عام 1964م - تمثل حلقة في سلسلة مسرحياته الشعبية ~~الفولكلورية، وقد تصورها مؤلفها بوصفها «باليه» لا ينقصه إلا الموسيقى، ~~وقصتها تحكي عن صبية جميلة في الثامنة عشرة تتزوج إسكافيا هرما ~~عمره ثلاثة وخمسون عاما، في إحدى القرى الأندلسية، وتمتلئ حياة ~~الزوجين ms59 بالشجار والنقار، ولم ينجبا أطفالا، ويضحك منهما أهل القرية ~~وينشدون الأغاني في التهكم عليهما، وكانت الإسكافية تقضي نهارها تحلم ~~بأراض قصية وحياة مختلفة عن التي تحياها، وتهمل شئون بيتها، ويفيض ~~الكيل بالزوج الهرم فيهرب من المنزل، ومع غياب الزوج تتغير صورته في ~~عيني زوجته الحسناء، فيبدو لها أنه كان أفضل زوج في الدنيا، وتطرد ~~عنها الشبان الذين يخطبون ودها، مفضلة أن تنتظر زوجها التي أصبحت ~~تحب صورته وذكراه، ويعود الزوج متخفيا إلى القرية، ويعلم مدى ثبات ~~زوجته على حبه، فيكشف شخصيته آملا أن يعيش في هناء بعد ذلك مع الزوجة، ~~بيد أنها وقد عاد الزوج، تعود إلى حياة الشجار والنقار مع ~~الإسكافي. # وهذه المسرحية خفيفة الروح والجو، وتزخر بالأغاني الشعبية الأندلسية، ~~مما جعلها تنجح على المسرح، ويقبلها الجمهور الإسباني والأجنبي على ~~حد سواء. # ورغم أن عام 1931م قد شهد ~~أيضا صدور ديوان «قصيدة الغناء العميق»، الذي يضم القصائد التي كان ~~لوركا قد كتبها في عام 1921م، ثم نسيها في أحد أدراج مكتبه بعد ذلك، ~~إلا أن عرض المسرحية وصدور هذا الديوان - رغم نجاحها - قد غرقا في ~~الأحداث العظيمة التي شهدتها إسبانيا في ذلك الربيع الملتهب، ربيع عام ~~1931م وما تلاه، ذلك أنه بعد الحكم الدكتاتوري للبلاد على يد الجنرال ~~«بريمو دي ريفييرا» - في ظل الملكية والملك - والذي استمر من عام 1921م ~~حتى بداية عام 1930م، لم يجد الملك بدا من تعيين حكومة تجري ~~انتخابات بلدية عامة، أجريت بالفعل في 12 أبريل 1931م، وفوجئ الملك ~~والحكومة بنجاح معظم المرشحين المناهضين للملكية والداعين لقيام حكم ~~جمهوري، وحين لم يبادر الجيش ولا الحرس المدني إلى إعلان ولائهما ~~للملكية، وجد الملك - ألفونسو الثالث عشر - أنه ليس أمامه إلا أن يرحل ~~إلى المنفى، حيث استقر هو وأسرته في إيطاليا، وفي نفس يوم رحيل الملك ~~- 14 أبريل 1931م - أعلنت الجمهورية في إسبانيا، وبدأت الحياة ~~الديمقراطية بإجراء انتخابات عامة في يونيو 1931م، فاز فيها ~~الجمهوريون والاشتراكيون والتقدميون بأغلبية ساحقة على الملكيين، ~~وتشكلت على أثرها حكومة اشتراكية النزعة ms60 برئاسة «ألكالا زامورا» ... ~~وقد دخل أستاذ لوركا وصديقه «فرناندو دي لوس ريوس» الحكومة الجديدة ~~وزيرا للمعارف العمومية، وقد أعقبت تلك الأحداث صراعات خفية وعلنية ~~بين مختلف طوائف الشعب الإسباني، ظلت تعمق وتستفحل إلى أن انتهت ~~باندلاع حرب أهلية دامية كما سنرى بعد ذلك. # ولا شك أن تلك الأحداث التي بدأت تترى في إسبانيا في ربيع عام 1931م، ~~قد أثرت أعظم تأثير في نفسية لوركا، وألهبته حماسا لتقديم إسهاماته ~~لخدمة ذلك القطاع من الشعب، الذي يكن له أعظم حب ومودة: الفقراء ~~والفلاحين والغجر. ولقد صارت عبارة صرح بها الشاعر لأحد الصحفيين بعد ~~ذلك في أواخر عام 1934م علما على تفكيره وإنسانيته، إذ قال: «في هذا ~~العالم، أنا دائما، وسأكون دائما، في صف الفقراء، سأكون دائما في صف ~~من لا يملكون شيئا، بل هم محرومون حتى من طمأنينة العدم». # وقد دفعه هذا الإحساس الإنساني ~~والاجتماعي إلى التفكير بعد قليل من قيام الجمهورية في مشروع ثقافي، ~~وهبه الكثير من فكره وجهده ووقته: إنشاء مسرح جامعي متنقل من ~~الهواة، يطوف قرى إسبانيا ونجوعها في كل الأنحاء، لتقديم الأعمال ~~المسرحية الإسبانية العظيمة، من «مشهيات»، «سرفانتس» صاحب «دون كيشوت»، ~~إلى درامات «لوبي دي فيجا» و«كالديرون دي لاباركا». وخلع لوركا على ~~مسرحه اسم «لاباراكا» أي «الكوخ» بالإسبانية، ونالت الفكرة استحسان ~~الوزير الجديد «فرناندو دي لوس ريوس» - الذي أمد المشروع بالاعتمادات ~~المالية الضرورية - كما تحمس لها أيضا مجموعة من الشباب من طلبة ~~الجامعة، معظمهم من كلية الآداب، من هواة المسرح والتمثيل، وتطوع ~~عديد من أصدقاء لوركا من الفنانين والرسامين للمساهمة بجهودهم في ~~تصميم الديكورات والعرائس للمسرحيات المختلفة، وأولى لوركا عنايته ~~لكل صغيرة وكبيرة في التحضير لتنفيذ المشروع الفني الكبير، من ~~الإجراءات الإدارية بكل أنواعها إلى التفاصيل الفنية بوصفه مخرج ~~المسرح، فكان يدير حركة الممثلين وطريقة أدائهم ونطقهم، والإضاءة، ~~والملابس، والديكورات. # وبدأت البروفات في منتصف عام 1932م، لتقود إلى حفلة الافتتاح التي ~~أقيمت في ميدان «برغو دي أوسما» في مقاطعة «صوريا»، بتقديم عملين من ~~«مشهيات» سرفانتس هما: «الحارسة الحريصة» ms61 و«كهف شلمنقة». # وتنقل مسرح «لاباراكا» في عديد من المدن والقرى الإسبانية، حيث كان ~~يلقى حفاوة بالغة وتشجيعا عظيما، كان معظم جمهور النظارة من الناس ~~الذين أحبهم لوركا دائما: الناس البسطاء، العمال والفلاحون الذين ~~يجدون في ذلك المسرح الشعبي فرصة يلتقون فيها مع أدب بلادهم وفنها ~~العريق، وكانت المسرحيات التي تقدم كلها من التراث الإسباني في عصره ~~الذهبي، ولكنها رصعت بعمل واحد حديث هو «تاريخ جندي» للمؤلف ~~«راموز»، الذي وضع موسيقاه الموسيقار الفرنسي الشهير «سترافنسكي»، ~~ويحكي «بابلو نيرودا» عن مدى اهتمام لوركا بخدمة مسرحه، أنه عندما كان ~~لوركا يشرف على إعداد الملابس والديكور لمسرحية «بيريبانيث» للوبي دي ~~فيجا، جاب كل بقاع مقاطعة «اكستربمادورا» وقراها، إلى أن عثر على ~~ملابس حقيقية ترجع إلى القرن السابع عشر، كانت تحتفظ بها أسرات ريفية ~~عريقة كأثر من آثار الأجداد وتوارثتها جيلا عن جيل، وقد رضيت بإعارتها ~~للوركا لاستخدامها في مسرحه؛ لأن خفته ولطفه، كانا كفيلين بفتح جميع ~~الأبواب أمامه. # ومع كل الوقت والجهد الذي بذلهما الشاعر في خلق مسرحه والسير به ~~قدما إلى الأمام، فإن ذلك لم يشغله عن النشاط الأدبي والفني الخاص به، ~~وعن متابعة زيارة أصدقائه والتردد على جلسات أهل الأدب والفن، وكذلك ~~عن إلقاء المحاضرات الأدبية في محافل عدة، قامت بإنشائها الجمهورية ~~الوليدة، وقد حملته واحدة من تلك المحاضرات إلى إقليم «غاليسيا» الناضر ~~المزهر الخضرة على الدوام في شمالي غربي إسبانيا. وكانت حصيلة تلك ~~الزيارة ست قصائد غاليسية وضعها المشاعر، رغم أنه كان يجهل هذه اللهجة ~~المختلفة عن الإسبانية، ولكن إيقاعاتها وموسيقيتها حملاه على أن يعبر ~~عن نفسه بها. وقد طاف في زيارته «الغاليسية» بالمدينتين الرئيسيتين ~~هناك: «كورونيا»، و«سنتياجو دي كومبوستيلا»، وفي الأخيرة، زار قبر ~~الشاعرة الإسبانية المشهورة «روساليا دي كاسترو» التي كان يغرم ~~بشعرها، ووضع باقة من الزهور هناك. # وكان لوركا في ذلك الوقت يكمل رائعته المسرحية: «عرس الدم»، وهي حلقة ~~مستقلة من ثلاثية مسرحية اكتملت فيما بعد بمسرحيتي «يرما» و«بيت ~~برناردا ألبا»، وقد افتتحت مسرحية «عرس الدم» في 8 من ms62 مارس 1933م، على ~~مسرح «بياتريز» بمدريد، بحضور نجوم الفن والأدب والفكر الإسباني، ~~ومنهم خاسنتو بنافنتي، وميجيل دي أونامونو، وأورتيجا إي جاسيت، علاوة ~~على أعضاء «جماعة 27 الأدبية بكاملهم»، ولاقت المسرحية نجاحا فوريا ~~ساحقا، ولا غرو فهي قد تكامل فيها الفن المسرحي، والشعر الغنائي ~~الذي يقوم بدوره في بناء درامي متكامل، وشخصيات ورموز مسبوكة، ويدور ~~موضوع المسرحية - التي ترجمت إلى العربية ثلاث مرات - حول الصراع على ~~فتاة يحبها شابان ينتميان إلى عائلتين متعاديتين، وتقبل الفتاة ~~أحدهما زوجا نكاية في الآخر الذي تحبه لأنه تزوج بفتاة أخرى، وفي ~~ليلة عرس الفتاة، تهرب مع حبيبها المتزوج ليوناردو، ويطارد العريس ~~وأهله العاشقين في دروب إحدى الغابات إلى أن يعثروا عليهما، فتدور ~~معركة تنتهي بمقتل الشابين المتنافسين، ولم يبق إلا النسوة يذرفن ~~الدموع على مصيرهن. # جو المسرحية أندلسي صرف، يزخر بالعواطف المشبوبة والمنازعات ~~والصراعات العنيفة، كما أنها تمتلئ بالأغاني الشعبية التي تدور حول ~~الحب والزواج والأطفال، وقد لقيت هذه المسرحية نجاحا هائلا لما ~~صورته من جوانب الحياة الإسبانية الأصيلة، وقابلها النقاد المسرحيون ~~بحرارة شديدة. # وفي ربيع نفس العام - 1933م - بتعاون الشاعر مع صديقه «بورا أوسيلاي» ~~في إنشاء «نوادي الثقافة المسرحية»، بهدف إقامة مسرح إسباني يقف أمام ~~الموجة التي انتشرت في إسبانيا من المسرحيات المبتذلة، التي تعتمد على ~~تقديم الأغاني والاستعراضات دون أي هدف فني، وكانت الفكرة تقوم على ~~إنشاء مثل تلك النوادي في كبريات المدن الإسبانية، وبدأ نادي مدريد ~~عمله بتقديم عملين من أعمال لوركا هما «الإسكافية العجيبة» و«غرام دون ~~برلمبلين وبليزا في حديقته»، التي كان قد كتبها في عام 1928م، ومثلت في ~~العملين «مرجريتا شيرجو»، وقدما على مسرح «إسبانيول» في 5 أبريل، ورغم ~~نجاح تقديم هاتين المسرحيتين عند عرضهما في مدريد، إلا أن النجاح ~~الهائل الذي كانت تلاقيه مسرحية «عرس الدم» طغى عليهما. # وما إن يحل صيف 1933م، حتى يكون لوركا غارقا حتى أذنيه في ثلاثة ~~أعمال مسرحية جديدة: «الجمهور»، الذي يقول إنها لن تمثل لأنها «غير ~~قابلة للتمثيل على المسرح أبدا»، و«عندما تمر ms63 خمس سنوات» وهي مسرحية ~~تدور حول فكرة الزمن، و«يرما» وهي الحلقة الثانية في الثلاثية الدرامية ~~الأندلسية، ويرجع إلى تلك الفترة تعرفه وصداقته، في إحدى رحلاته مع ~~مسرح «لاباراكا» في شمال إسبانيا، ب «مارسيل أو أوكلير» الكاتبة ~~الفرنسية التي ترجمت «عرس الدم» إلى الفرنسية، ثم كتبت بعد ذلك إحدى ~~أدق وأكمل سيرة فنية لحياة الشاعر بعنوان «حياة لوركا وموته». # وفي أغسطس، يغلق «لاباراكا» أبوابه ونشاطه في إجازة صيفية، ثم يقبل ~~لوركا في سبتمبر دعوة من جمعية أصدقاء الفن في «الأرجنتين»، لزيارتها ~~وإلقاء عدة محاضرات هناك، ولحضور عروض «عرس الدم» التي تقدمها فرقة ~~الممثلة الأرجنتينية المشهورة «لولا ممبريفس»، ويصل لوركا إلى ميناء ~~«بوينس آيرس» في 13 أكتوبر 1933م، ويقضي في العاصمة الأرجنتينية أياما ~~مليئة بالنشاطات الأدبية والفنية، من محاضرات إلى أحاديث إذاعية وعروض ~~مسرحية وحفلات تكريم، وتعرض على مسرح «أفنيدا» بيوينس آيرس مسرحيات ~~لوركا «عرس الدم» و«الإسكافية العجيبة» و«ماريانا بينيدا»، ويشترك هو ~~نفسه في إلقاء مقدمة «الإسكافية العجيبة»، وفي أواخر يناير 1934م، ~~يسافر الشاعر إلى «منتفيديو» عاصمة الأوروجواي المجاورة للأرجنتين، حيث ~~يلقي عدة محاضرات هناك، ويستقبله سفير إسبانيا في الأوروجواي. # وبعد عودة لوركا إلى ~~الأرجنتين، ينظم نادي القلم الدولي مهرجانا في ذكرى شاعر «نيكاراجوا» ~~«روبين داريو»، رائد الشعر الإسباني الحديث، الذي ترك بصمات واضحة في ~~شعراء جماعتي 98 و27، ويشترك في المهرجان لوركا والشاعر الشيلي العظيم ~~«بابلو نيرودا»، حيث يلقيان معا محاضرة ثنائية عن «داريو»، وكانت هذه ~~أول مرة يلتقي فيها الشاعران الكبيران لوركا ونيرودا، حيث ربطت بينهما ~~صداقة حميمة، استمرت حتى موت لوركا في عام 1936م، وكتابة نيرودا مرثية ~~شهيرة عنه، وقد ترسخت تلك الصداقة حين انتقل «نيرودا» بعد ذلك في ~~يوليو 1934م قنصلا لبلاده في مدريد، وأصبحت الندوات والتجمعات الأدبية ~~قلما تخلو من هذين البلبلين المغردين: لوركا الذي يتلو أشعاره ~~الشعبية ويغني أغاني الفولكلور والفلامنكو على البيانو، ونيرودا يقرأ ~~بعض قصائده الجديدة التي لم تنشر بعد، وكان أكثر شيء لاحظه أصدقاء ~~لوركا عليه عند عودته من أمريكا اللاتينية إلى إسبانيا ms64 في أبريل 34، هو ~~انبهاره بموهبة الشاعر الشيلي بيرودا، فكان خير مرهص به وبأعماله لدى ~~الشعراء والكتاب الإسبان، مما مهد له الطريق بعد ذلك عند وصوله إلى ~~مدريد. # | فاجعة مصارع الثيران # مع بداية فصل الصيف من عام 1934م، كان شاعرنا يضع لمساته الأخيرة في ~~مسرحيته الجديدة: يرما، متنقلا من موضع لآخر مع مسرح «لاباراكا»، ~~وحين كان المسرح يقدم عروضه في مدينة «سنتندير» في شمال إسبانيا، ~~يصله النبأ الفاجع بإصابة صديقه الحميم «إجناثيو سانشز ميخياس» مصارع ~~الثيران العظيم، في حلبة المصارعة في مدريد يوم 11 أغسطس، ويتأثر ~~لوركا تأثرا عظيما بهذا الحادث، الذي أودى بحياة صديقه في النهاية، ~~ويجد نفسه مرة أخرى وجها لوجه أمام الموضوع ، الذي ما فتئ يناوشه منذ ~~زمن: موضوع الموت. # وقد أشار كثير من النقاد إلى ذلك الموضوع الذي شغل بال الشاعر ~~كثيرا، وتبدى في كثير من «تيمات» قصائده وصوره الشعرية، فكما ذكر ~~بدرو ساليناس في مقالة له عن موضوع الموت لدي لوركا، يكمن «الموت» في ~~قصائده، في الأعمال الطبيعية العادية، وفي الأماكن التي لا ينتظره أحد ~~فيها، وما إن يدخل القارئ إلى عالم لوركا الشعري في قصائده ومواويله ~~وحكاياه ومسرحياته حتى يشعر أنه ينغمر في جو غريب. إن المناظر التي ~~يقدمها شعبية عادية، ولكن أجواءها تعمر بالنذر والمخاطر الخفية، ~~وتعبرها الاستعارات والتشبيهات الشعرية كطيور الشؤم، ومصير كل الشخصيات ~~التي يخلقها لوركا - سواء في شعره أو في مسرحياته - مآلها إلى الموت، ~~فالمؤلف يخلقها ويضعها في طريق لا يؤدي بها إلا إلى الموت، ويتبدى هذا ~~أكثر ما يتبدى في ثلاثيته المسرحية: عرس الدم - يرما - بيت برناردا ~~ألبا، وهذا ما يدعو إلى القول بأن رؤيا الحياة والإنسان لدى لوركا، قد ~~تأسست على فكرة الموت، والشاعر في هوسه بهذا الموضوع وتغلغله فيه، إنما ~~يعكس التسليم بأهمية الموت ومكانه في حياة الإسبان عموما، فالشعب ~~الإسباني هو من أكثر شعوب العالم قربا من عقيدة الموت، التي تتبدى - ~~على مر العصور - في فنونه من تصوير ونحت وأعمال قصصية ومسرحية ~~تدور حول هذا الموضوع، ولا ms65 عجب أيضا أن كانت الرياضة الأولى لدى ~~الإسبان - وهي ترجع إلى ما قبل الفتح العربي الإسلامي - هي رياضة مصارع ~~الثيران، التي إن هي إلا تمثيل حي للصراع بين الحياة والموت، ينتهي ~~أحيانا بموت المصارع، وحتما بموت الثور ... # لذلك كانت أشمل مواجهة فنية بين لوركا وبين فكرة الموت، تتصل ~~بالقصيدة التي سطرها غداة وفاة صديقه مصارع الثيران ... وكان «سانشز ~~ميخياس» قد اعتزل حلبة المصارعة بعد نجاح باهر، ولكن هيامه بهذه ~~الرياضة - رياضة الرجال والشجاعة ومواجهة القدر - دفعته إلى العودة إلى ~~مضمارها، وقد بلغ من العمر الثالثة والأربعين، وهي سن عالية يعتزل ~~فيها المصارعون عادة عملهم ... وبعد حفلات عديدة ناجحة، يطلب منه أحد ~~زملائه المصارعين أن يحل محله في مصارعة بمدريد، وهي التي انتهت ~~بإصابته بجرح بليغ من قرن ثور أسود ضخم، صارع المصارع بعده الموت لمدة ~~يومين، ثم قضى في 13 أغسطس ضحية حبه لهذه الرياضة ولشجاعته أمام ~~الثيران. # ويصيب لوركا أحزانه على صديقه في مرثية صادقة من أربعة أقسام ~~كتبها كلها في أربعة أيام، ويتناقلها الأصدقاء والشعراء قبل أن تطبع في ~~النهاية في كتيب شعري وحدها مع سوم بريشة «خوسيه كاباييرو»، وهذه ~~المرثية من أشهر قصائد لوركا الطويلة، ونقف جنبا إلى جنب مع المراثي ~~الشعرية الخالدة، مثل المرثية التي كتبها «توماس جراي»، ومرثية ~~«أدونيس» التي سطرها شيلي في رثاء «جون كيتس» وغيرهما، وقد نجح لوركا ~~في تصوير جو مصارعة الثيران، مقرونا بنفسية المصارع والجمهور، إلى ~~حد يجعل القارئ يدخل مباشرة إلى جو الصراع الأبدي بين المصارع ~~والثور، بين الإنسان والقدر، الذي يجعله دائما في مواجهة الموت، الذي ~~يأتي دائما في النهاية: ~~(1) الجرح والموت # في الخامسة من بعد الظهر # كانت الساعة الخامسة تماما بعد الظهر # أحضر صبي الملاءة البيضاء # في الخامسة من بعد الظهر # وأعدت سلة الليمون # في الخامسة من بعد الظهر # وما تبقى هو الموت، والموت وحده # في الخامسة من بعد الظهر # وأطارت الريح القطن # في الخامسة من بعد الظهر # ونثر الأوكسيد الزجاج والنيكل # في الخامسة من بعد الظهر # والحمامة ms66 تتصارع الآن مع الفهد # في الخامسة من بعد الظهر # وثمة فخذ ذو قرن وحيد # في الخامسة من بعد الظهر # وأجراس تقرع أنغاما محمومة # في الخامسة من بعد الظهر # أجراس زرنيخية ودخان # في الخامسة من بعد الظهر # والجماعات صامتة في كل الأركان # في الخامسة من بعد الظهر # والثور وحده هو سيد الموقف # في الخامسة من بعد الظهر # حين ظهر شريان الثلوج # في الخامسة من بعد الظهر # حين غطيت الحلبة باليود # في الخامسة من بعد الظهر # وأفرخ الموت بيضا في الجراح # في الخامسة من بعد الظهر # في الخامسة من بعد الظهر # في الخامسة تماما من بعد الظهر # مرقده كفن يجري على عجلات # في الخامسة من بعد الظهر # وتدق في أذنيه عظام ومسامير # في الخامسة من بعد الظهر # والثور يخور في جبهته # في الخامسة من بعد الظهر # ويملأ الأسى الغرفة بألوان قوس قزح # في الخامسة من بعد الظهر # وها هي الغرغرينة تأتي من بعيد # في الخامسة من بعد الظهر # وفي عجيزته الخضراء بوق من زنابق # في الخامسة من بعد الظهر # واحترقت الجراح كالشموس # في الخامسة من بعد الظهر # وكانت الجماهير تحطم النوافذ # في الخامسة من بعد الظهر # آه ... # يا لتلك الخامسة من بعد الظهر الفظيعة: # كانت الخامسة في كل الساعات! # كانت ظلال الخامسة من بعد الظهر! ~~(2) الدم المراق # لا أريد أن أراه! # قل للقمر أن يطلع # فلست أريد أن أرى دم إجناثيو على الرمال # لا أريد أن أراه! # القمر ساطع منير # جواد السحب الداكنة # وحلبة المصارعة الحلمية الرمادية # وأعواد الصفصاف في المدرجات. # لا أريد أن أراه! # ذكرياتي تحترق # أنبئ الياسمين ببياضه الصغير # لا أريد أن أراه! # بقرة العالم القديم # مرت بلسانها الخرين # على خيط من الدم المراق على الرمال # وثيران «جيساندو» # نصفها موت ونصفها حجر، # تخور كقرنين # أنهكهما التطواف في الأرض # كلا، # لا أريد أن أراه! # يصعد إجناثيو الدرجات وموته على كتفيه # كان ينشد الفجر # الفجر الذي لم يكن له وجود # كان ينشد بروفيله الواثق # ويملؤه الحلم بالعتمات # كان ينشد جسده الجميل # فصادف ms67 دمه المفتوح # لا تطلبوا مني أن أراه! # لا أريد أن أسمع الفيض يخور ... # فيض يضيء الدرجات # ويفيض على المخمل القطني # وجلود الجماهير الملهوفة. # من يهيب بي أن أتقدم! # لا تطلبوا مني أن أراه! # لم تنغلق عيناه حين رأى القرنين يقتربان # ولكن الأمهات المذعورات رفعن رءوسهن # وارتفعت نسمة من الأصوات الخفية # من بين حظائر الثيران # وصاحت حظائر الضباب الشاحب # في وجه الثيران السماوية # لم يكن ثمة أمير في «إشبيلية» يضارعه # ولا سيف يضارع سيفه # ولا قلب صادق كقلبه # مدهش القفزة كالنهر الأسود # مرمري الجسد بحصافة بارعة # ورأسه مكلل بأجواء روما أندلسية # وعلى ابتسامة ياسمينة من اللماحة والذكاء # يا له من مصارع في الحلبة عظيم! # يا له من جبلي قح في وسط الجبال! # يا لظرفه مع سنبلات القمح! # يا لصلابته مع الجراح! # يا لرقته مع الندى! # يا لبهائه في المهرجانات! # يا لروعته في سهام الظلمة الأخيرة! # ولكن ... # ها هو نام الآن نومة أبدية، # الآن تفتح الطحالب والحشائش # زهرة جمجمته بأصابع واثقة # والآن يأتي دمه يغني # يغني في المستنقعات والمروج # ينزلق على القرون المنحدرة # يتعثر في الضباب دونما روح # يتعثر فوق آلاف الخفوف # كاللسان الطويل المظلم الحزين # وتكونت بركة من أسى # بالقرب من نهر «الوادي الكبير» # المليء بالأنجم # آه يا جدار إسبانيا الأبيض! # آه يا ثور الأسى الأسود! # آه يا دماء «إجناثيو» المتجمدة! # آه يا بلبل عروقه الصداح! # كلا، # لا أريد أن أراه! # ليس هناك من قدح يحتويه # ليس هناك من طيور تلعقه # ليس هناك من صقيع ضوء يبرده # ليس هناك من أغاني ولا طوفان من الزنابق # ليس هناك من زجاج يغطيه بالفضة. # لا ... # لن أراه! ~~(3) الجسد المسجى # قطعة الحجر # هي الجبهة التي تنوح عليها الأحلام # وقد حرمت من المياه الملتوية والأرزات المتجمدة # قطعة الحجر # كتف يحمل الزمان # مع أشجار الدموع وأشرطة الكواكب # لقد رأيت شآبيب رمادية تهرع نحو الموجات # ترفع ذراعيها الرقيقين الملغزين # كيما تصد عنها أسر الحجر الممدد # الذي يفكك أطرافها ولا يتشرب الدماء. # الحجر يجمع الحبوب والسحب # يجمع هياكل الحدآت ms68 وذئاب الشفق # ولكنه لا يخرج صوتا ولا بلورات ولا نيرانا # بال حالبات مصارعة وحلبات مصارعة # ومزيدا من حلبات المصارعة # بدون جدران. # الآن يرقد «إجناثيو» النبيل على الحجر # لقد انتهى كل شيء، ماذا يحدث؟ # انظروا إلى جسده! # لقد غطاه الموت بالكبريت الشاحب # وتوجه برأس «منياطور» أسود # لقد انتهى كل شيء # ها هو المطر يتسرب إلى فمه # ويهدر الهواء صدره الساقط في نزوة # ويدفئ الحب نفسه على قطعان الثيران # وقد أغرقته دموع الثلوج # ماذا يقولون؟ # ويهبط صمت مريع # نحن هنا مع جسد مسجى يذوي # مع جسد نبيل كان له بلابله الشادية # نراه يمتلئ بالثقوب التي لا قاع لها. # من ذا الذي يطوي الكفن؟ # ليس صحيحا ما يروون . # ليس هناك من يغني # أو يبكي في الأركان # أو ينبجس جراحه # أو يخيف الثعبان # أريد هنا أن ترى عيناي المستديرتان # جسده الذي لا راحة له. # أريد هنا أن أرى الرجال ذوي الأصوات القوية # هؤلاء الذين يصطدمون بالجياد # ويسيطرون على الأنهار # هؤلاء الرجال الذين تصلصل هياكلهم # والذين يغنون بأفواه ملؤها الشمس وحجر الصوان # أريد هنا أن أراهم # أمام هذا الحجر # أمام هذا الجسد ذي الأعنة المحطومة # أريد أن يبينوا لي رثاء كالنهر # بضبابات عذبة وشطآن منحدرة # لتحمل جسد «إجناثيو» # ويخفوه قبل أن يسمع خوار الثيران المزدوج # فليذب في حلبة القمر الدائرية # التي تتخفى في شبابها بالثور الحزين الهادئ. # فليذب في أستار الليل # دون أغاني الأسماك، # في أيكات الدخان المتجمد البيضاء. # لا تغطوا وجهه بالمناديل! # فليتعود على الموت الذي يحمله # اذهب يا «إجناثيو» # ولتنس الخوارات المحمومة # نم # حلق عاليا # استرح # فحتى البحار تموت! ~~(4) روح غائبة # الثور لا يعرفك # ولا شجرة التين # ولا جياد منزلك ولا غلاته # الطفل لا يعرفك # ولا الأصائل # لأنك قد مت إلى الأبد # قطعة الحجر لا تعرفك # ولا قماش الساتان الذي يلفك # ذكريات الخرساء لا تعرفك # لأنك قد مت إلى الأبد # سيأتي الخريف بأبواق الرعاة # بأعنابه الضبابية وتلاله المتجمعة # ولكن لن يريد أحد أن يطل في عينيك # لأنك قد مت إلى الأبد # لأنك قد ms69 مت إلى الأبد # مثل كل موتى الأرض الآخرين # مثل كل الموتى المنسيين # في كومة الكلاب الغامضة. # لا أحد يعرفك، # لا ... ولكني أغني لك # أغني لخلقاء وجهك وسماحتك # لتضج فهمك النبيل # لشهيتك للموت ومذاق فمه # للحزن الدفين في بهجتك الجسور. # لن يولد أندلسي في مثل نبالتك # أزمانا طويلة # ولا في ثراء مخاطراتك # أغني لهذه الجلالة بكلمات كالأنين # وأذكر نسمة حزينة هفت بين أشجار الزيتون. # ومضى لوركا بعد فراغه من وضع قصيدة مصارع ~~الثيران، يعمل في مسرحية جديدة هي «الآنسة روزيتا العانس أو لغة ~~الزهور»، ويشرف على إعداد مسرحية «يرما» للعرض على المسرح، ويبدأ ~~عرض تلك المسرحية يوم 29 ديسمبر 1934م في المسرح الإسباني بمدريد، ~~بفرقة الممثلة «مرجريتا شيرجو ». # وفي مسرحية «يرما» - كما في سابقتها «عرس الدم» - يعالج الشاعر ~~موضوعا ريفيا، وبطلها غير المنظور هو جو الاختناق والحصر ~~والحسد، الذي كان يسود حياة الريف الإسباني أيامها، وبطلة المسرحية ~~- يرما - تعيش مأساة تتمثل في عقم زوجها، وينشأ الصراع الدرامي من ~~الزواج الذي لا ترى فيه زوجته سوى الأنثى التي تشبع رغبته، ومن ~~يرما التي لا ترى فيه إلا الأب الذي يجب أن يهبها ابنا، وتتفاعل ~~عواطف الزوجة التي تحلم بالابن من إحساسها الديني، الذي يحملها على ~~الأمانة والإخلاص بين الزوجين، فهي لا تحب أن تخون زوجها لتشبع ~~نهمها إلى الإنجاب، وتفضل في النهاية أن تقتل زوجها العقيم، في ~~مشهد بلغ ذروته من العنصر الدرامي العنيف، إذ نرى فيه مأساة ~~حياتها التي ترغب في إنهائها بإنهاء حياته، وهي إذ تقتله فإنما ~~تقتل نفسها روحيا ورمزيا في نفس الوقت، إذ إنها بقتله تقتل ~~كل أمل لها في الإنجاب، الذي تراه هو هدف حياتها وسبب ~~وجودها. # ومسرحية يرما هي أول تراجيديا للمؤلف تقوم على قاعدة عريضة من ~~الواقعية الدرامية، فبينما يسيطر على شخصيات «عرس الدم» شعور ~~مشترك بالمشاطرة في قدر تراجيدي، يقع كل العبء التراجيدي في ~~«يرما» على شخصية واحدة تتحمله وحدها، وهي البطلة يرما ... ويرى ~~الناقد الأمريكي «أدوين هونيج» أن «يرما» هي أعظم إنجاز في ms70 مسرح ~~لوركا كله من الناحية الأخلاقية والدرامية على حد سواء، وأن ~~شخصية «يرما» ترتفع من مجرد رمز لمشكلة إنسانية إلى تجسيد حي ~~لشخصية تراجيدية، لها كل الأبعاد الدرامية المطلوبة. # وغداة الاحتفال بمرور مائة ليلة على عرض المسرحية، يصرح لوركا ~~لأحد الصحفيين بحديث يشكل الآن لغزا أدبيا في حياة الشاعر، ~~إذ إنه يقول إنه قد انتهى تقريبا من الجزء الثالث من الثلاثية ~~الدرامية وهو باسم «دمار سدوم»، ويقفز الآن سؤال عن ذلك العمل ~~المسرحي، إذ إن لوركا لم يقرأه على أحد من أصدقائه، كما أنه لم ~~يخلف وراءه أي مخطوط يحمل ذلك الاسم، فهل يا ترى كان يلمح عند ~~ذكره للجزء الثالث إلى مسرحية «بيت برناردا ألبا»، التي تعد ~~بالفعل الحلقة الثالثة في ثلاثيته الأندلسية؟ أم أنه كان يقصد به ~~عملا آخر مفقودا الآن؟ وثمة احتمال آخر، هو أن ذلك العمل كان ~~لا يزال مجرد فكرة في ذهن الكاتب، حمله حماسه المعروف عنه إلى ~~الإعلان عن قرب انتهائه منه، ذلك أننا نجده يصرح في حديث له نشر ~~في مجلة «الصوت» في 18 فبراير 1935م أنه يخطط لعديد من ~~«المسرحيات الدرامية ذات الطابع الإنساني والاجتماعي، وثمة مسرحية ~~منها تناهض الحرب»، كما أنه يتحدث أيضا عن مشروع عمل أدبي آخر عن ~~القديسة الصوفية «سانتا تيريزا»، غير أن الوقت لم يتح له ولا ~~المزيد من العمر كيما يحقق تلك المشروعات الأدبية، وفي نفس تلك ~~المقابلة الصحفية، نجده يقول عن مهنته: «أحيانا، حين أرى ما يحدث ~~في الدنيا، أتساءل لماذا أكتب؟ ولكن ... يجب الاستمرار في العمل، ~~والمضي فيه قدما، العمل، ومد يد المساعدة إلى من يستحق، العمل ~~حتى ولو ظن المرء أنه يعمل بلا طائل، العمل كشكل من أشكال ~~الاحتجاج، ذلك أنه يقيم العمل، فليس أمام المرء إلا أن يصرخ كل يوم ~~عند الاستيقاظ من النوم، في عالم مليء بالظلم والبؤس من كل شكل ~~ونوع: إني أحتج! إني أحتج! إني أحتج!» # وتزخر المسارح الإسبانية في ربيع عام 1935م بمسرحيات لوركا ~~المختلفة، ويجد الشاعر نفسه وفنه ms71 يعود عليه لأول مرة بالكسب ~~المادي الذي يفيض عن حاجته، ولكنه كان ينفق كل ما يصل إلى يده من ~~مال، وكان يراوده حلم لم يتمكن آخر الأمر من تحقيقه، وهو أن يكون ~~له بيت خاص به، يشيده ويؤثثه على ذوقه، يكون مواجها للبحر الأبيض ~~في شاطئ مالقة، بيد أنه يظل قاطنا شقته الجميلة، 102 شارع القلعة ~~بمدريد، التي تغمرها الشمس، في طابق عال، وذات شرفات على ~~الجانبين، حيث كان يعيش سعيدا، يستقبل زواره من الأدباء والفنانين ~~بالبيجامة صيفا وبالروب دي شامبر شتاء! # وتعبر شهرة لوركا حدود العالم الإسباني إلى فرنسا وإنجلترا، حيث ~~يذيع راديو باريس ترجمة لمسرحية يرما، وتصدر ترجمة إنجليزية ~~لمسرحية «عرس الدم» تحت عنوان: # Bitter ~~Oleander ~~. # وزمانه، في عام 1885، ثم الشخصيات الأساسية في المسرحية: العم، ~~الذي يهتم باستنبات الورود في الخيمة الزجاجية، التي أنشأها في ~~منزله، والعمة التي تدير شئون المنزل بمساعدة المديرة التي تعلق ~~على كل ما يحدث من حولها، ثم يتعرف القارئ على روزيتا، وعلى خطيبها ~~الذي يشكل عنصر المأساة، إذ يضطر إلى السفر إلى أمريكا الجنوبية ~~تنفيذا لمطلب أبيه؛ كيما يساعده في أعماله هناك، إلا أنه يعد ~~العمة وروزيتا نفسها بالعودة سريعا لإتمام الزواج، وفي الفصل ~~الثاني، يكون قد مر خمس عشرة سنة، لم تغير من روزيتا إلا مظهرها ~~الخارجي، ولكنها لا تزال تنتظر خطيبها المسافر، وقد توقف الزمن ~~بالنسبة إليها عند اللحظة التي سافر فيها الخطيب، ولم تعد تعيش إلا ~~في فكرة حضوره للزواج منها، وتمضي في ترتيب أمور العرس والإعداد ~~له، وينتهي الفصل بوصول خطاب من الخطيب بعدم استطاعته الحضور، وأنه ~~لذلك يعرض استعداده لعقد قرانه على روزيتا «بالتوكيل» إلى حين ~~حضوره، ويبدأ الفصل الثالث بعد مرور عشر سنوات أخرى، والوقت خريف ~~موحش، وما زالت روزيتا ترتدي ملابس وردية وتتابع الأزياء الحديثة، ~~بيد أنها تعرف جيدا أن الشباب قد ولى من بين يديها، والخطيب لم ~~يتزوجها بالتوكيل أو بغيره، ولم يعد ولن يعود أبدا ... وفي هذا ~~الفصل تعلم أن العم قد مات، وأن ms72 العمة والمديرة قد نالت منهما ~~الشيخوخة، وهما يتحسران على مصير روزيتا، فقد علمتا منذ شهور فقط ~~أنه قد تزوج من امرأة ثرية في أمريكا الجنوبية منذ ثماني سنوات، ~~وهما قد أخفيا ذلك عن روزيتا ثم نكتشف أنها تعلم ذلك من قبل، وتطلق ~~روزيتا كل أحاسيسها بالإحباط واليأس في حديث طويل إلى عمتها، ~~وتعترف لها بأنها كانت تعلم كل شيء عن زواج الخطيب، وتصور نفسها ~~وقد توقف الزمن بالنسبة لها، بينما صديقاتها يتزوجن وينجبن ~~أطفالا يزورونها وينادونها بالآنسة روزيتا، وينحل المنزل ~~أطلالا؛ فقد كان العم قد ارتهنه قبل وفاته فلا مفر من بيعه، ويخرج ~~سكانه تحت جنح الظلام، بينما الريح يعصف كأنما يشارك روزيتا حزنها ~~وقنوطها. # وهذه المسرحية هي أشد مسرحيات لوركا رقة وشاعرية ، نظرا لموضوعها ~~الرومانسي الحزين، ويذكر ويساهم لوركا في أول عدد من المجلة ~~الأدبية/ التي يصدرها «بابلو نيرودا» في مدريد تحت اسم «فرس الشعر ~~الأخضر»، بقصيدة من القصائد التي نشرت فيما بعد في ديوان «شاعر في ~~نيويورك»، وعنوانها «ليلية الفراغ»، ثم ينتقل الشاعر في خريف 1935م ~~إلى برشلونة، حيث يحضر افتتاح مسرحية «الآنسة روزيتا العانس»، التي ~~قدمتها فرقة «مرجريتا شيرجو» هناك، ويشارك أثناء وجوده في برشلونة ~~في عديد من المهرجانات الفنية والأدبية، منها مظاهرة فنية تأييدا ~~للسجناء السياسيين، ومهرجان لتكريم ذكرى الموسيقار الإسباني الشهير ~~«إسحق ألبنيتز»، حيث دبج الشاعر قصيدة باسمه قرأها أمام مقبرته في ~~تل «موتخويش» ببرشلونة. # ومسرحية «الآنسة روزيتا العانس» أول مسرحية للوركا تحمل عنوانا ~~إضافيا، هو «لغة الزهور»، وقد وصفها مؤلفها بأنها «قصيدة ~~غرناطية عن عقد التسعينيات (من القرن التاسع عشر)، تنقسم إلى عدة ~~بساتين وبها مناظر غناء ورقص»، والمسرحية من ثلاثة فصول، يقدم لنا ~~الفصل الأول مكان الحدث وهو غرناطة، جو الكآبة والشجن فيها بجو ~~مسرحيات «تشيكوف» خاصة «بستان الكرز». # وكانت «الآنسة روزيتا العانس» هي آخر مسرحية تعرض على المسرح في ~~حياة مؤلفها، ذلك أن مسرحياته الأخرى، ومنها «بيت برنارد ألبا»، لم ~~تعرض لأول مرة إلا في عام 1945م، في المكسيك، كما سنرى بعد ms73 ~~ذلك. # | 1936 # ويحل عام 1936م، وهو عام حاسم في تاريخ إسبانيا وهي حياة شاعرنا، إذ ~~شهدت البلاد فورانا هائلا زاخرا بالأحداث الجسام التي أدت في ~~النهاية إلى مصرع الشاعر، ولما كانت «قضية» مصرع لوركا قد نالت من ~~الاهتمام والبحث قدر ما ناله شعره ومسرحه، فسوف نعرض بشيء من التفصيل ~~للأحداث التي أدت إلى تلك النهاية. # في ربيع 1936م، كان قد مر على الجمهورية الإسبانية الوليدة خمسة ~~أعوام شهدت تقلبات عديدة، فمنذ ولادة الجمهورية عام 1931م وحتى عام ~~1933م، تولى الحكم برلمان اشتراكي يساري، ولكن انتخابات عام 1933م ~~أعادت القوى الملكية التقليدية المحافظة إلى الحكم مرة أخرى في ظل ~~الجمهورية، وكان سبب انتصار القوى المحافظة راجعا إلى ثلاثة عوامل ~~جوهرية: أولها، أن قانونا صدر عام 1931م منح المرأة حق الانتخاب لأول ~~مرة في إسبانيا، فصوتت معظم النساء الكاثوليكيات المحافظات ضد القوى ~~اليسارية التقدمية، وثانيها، أن الانتخابات كانت تتم عن طريق نظام ~~«القوائم» للمرشحين، وكل دائرة انتخابية لها عدد محدد سلفا من المقاعد ~~لكل من الأغلبية والأقلية، ففي دائرة مدريد مثلا، كان هناك 17 مقعدا، ~~منها 13 للأغلبية و4 للأقلية، وفي غرناطة 10 مقاعد للأغلبية و3 مقاعد ~~للأقلية، وهكذا في كل الدوائر، وهذا يعني أنه بالرغم من حصول أحزاب ~~الأقلية على أعداد كبيرة من الأصوات، إلا أنها لا تمثل في البرلمان ~~إلا بتلك المقاعد المحجوزة لها سلفا، وثالث تلك العوامل، أن أحزاب ~~المعارضة، من ملكيين ومحافظين ومتدينين، قد تعلمت جيدا من درس ~~انتخابات 1931م، ووحدت من صفوفها في الانتخابات الجديدة، برغم الخلافات ~~الشديدة التي تقوم فيما بينها في داخل الإطار المحافظ، في حين أن ~~الأحزاب الجمهورية والتقدمية لم تدخل تلك الانتخابات كجبهة متحدة، بل ~~كأحزاب متصارعة متنافسة، مما جعلها تخسرها، وعمدت حكومة عام 1933م ~~المحافظة إلى هدم معظم ما بنته الحكومة الجمهورية الأولى، مما أثار ~~حفيظة الطبقات العمالية والفقيرة في طول البلاد وعرضها، وأدى ذلك - ضمن ~~جملة أمور - إلى حدوث تمرد خطير، قام به عمال مناجم الفحم في إقليم ~~«أشتورياس» بشمال إسبانيا، ms74 قامت الحكومة المحافظة بقمعه في شدة وقسوة ~~وصرامة، أثارت مزيدا من السخط عليها، وظل الموقف متوترا على هذا ~~النحو بين شد وجذب، إلى أن جرت انتخابات جديدة في فبراير 1936م، انتصرت ~~فيها الجبهة الشعبية المكونة من اتحاد الأحزاب التقدمية، انتصارا ~~ساحقا تحت ظل نظام القائمة السابق الإشارة إليه، فرغم أن عدد الأصوات ~~التي حصلت عليها الجبهة الشعبية هو 4700000 وأصوات الجبهة الوطنية ~~المحافظة هو 3997000، إلا أن عدد المقاعد التي منحت للفائز هي مقاعد ~~الأغلبية المطلقة. # وفي الفترة الواقعة بين تاريخ هذه الانتخابات في فبراير 1936م، و18 ~~يوليو 1936م تاريخ الانقلاب العسكري الملكي المحافظ، كانت البلاد ~~بطولها وعرضها مسرحا لحوادث التوتر بين الجبهتين الرئيسيتين: التقدمية ~~والمحافظة، وكان يمثل التقدميين المنظمتان العماليتان الرئيسيتان وهما: # CNT # أي «الاتحاد القومي للعمل»، ~~وهي ذات ميول فوضوية، و # UGT # أي «الاتحاد ~~العام للعمال»، وهو حزب اشتراكي، ثم الشيوعيون، أما في حزب اليمين ~~المحافظ، فقد برز حزبان رئيسيان عملا جنبا إلى جنب رغم العداء والخلاف ~~الدفينين بينهما: «الفالانج» أي الكتائب التي أسسها عام 1933م «خوسيه ~~أنطونيو بريمو دي ريفيرا» ابن دكتاتور إسبانيا السابق، وحزب «سيدا» ~~بقيادة «خيبل روبليس»، الذي كان يركز على العنصر الديني ويبرزه. # وما إن تولت الحكومة التقدمية الحكم بعد انتخابات فبراير 1936م، حتى ~~عمدت إلى العودة بالبلاد إلى الوضع الاشتراكي والقوانين الاشتراكية، ~~ولكن ذلك بالطبع لم يرض الجانب الآخر، جانب المحافظين والأثرياء ~~ومالكي الأراضي، فبدءوا حملة منظمة ضد أقطاب الأحزاب التقدمية، وفي ~~البداية، رد العمال والفلاحون على أول الاغتيالات التي أصابت زعماءهم ~~بالإضرابات والمسيرات ضد قوى الرجعية ولك، حين استمرت سلسلة الهجوم ~~والاغتيالات، ازداد السخط الشعبي، وبدأ التقدميون يردون بالمثل، واتسعت ~~الهوة السحيقة التي تفصل بين الجانبين، وأخذت تزداد اتساعا مع كل يوم ~~يمر. # وفي ظل هذه الحالة، يجري في 12 يوليو 1936م اغتيال أحد أفراد حرس ~~الهجوم - وهي فرقة حكومية جمهورية - على يد مجهولين يظن أنهم من حزب ~~«كفالانج»، وفي 13 يوليو، يريد الجمهوريون اغتيال قطب من أقطاب ~~الملكيين هو «كالفو سوتيلو»، وتعم ms75 البلاد موجة من الاستياء والغضب ~~والرهبة، بينما يظل مجلس الوزراء في حالة انعقاد دائم، في محاولة ~~للسيطرة على الموقف، وتحسبا لأي انتقام يمكن أن يقوم به الملكيون، ~~ردا على تلك الضربة القاصمة، وفي وسط هذا الجو المشحون بالتوتر ~~والانتظار، ونذر الخطر التي تحيط بالجمهورية الوليدة، يقع الانقلاب ~~العسكري الملكي. # ففي 18 يوليو 1936م، يلقي الجنرال «فرانسيسكو فرانكو» بيانا من ~~إذاعتي «جزر الكناري» ومراكش الإسبانية، آنذاك، معلنا قيام «الحركة ~~الوطنية»، طالبا من جميع الإسبان الوطنيين الانضمام إليه، وكان التمرد ~~الانقلابي قد بدأ أساسا - بتدبير سابق معد له سلفا إعدادا محكما ~~- في حامية مدينة «مليلة» في المغرب، تعاونها الفرقة العسكرية ~~الإسبانية الرابطة هناك، وحدث تمرد مماثل في «سبته» و«تطوان» بنفس ~~القدر من النجاح، وبات المغرب الإسباني كله وجزر الكناري تحت إمرة قادة ~~الانقلاب، الذين بدءوا الاستعداد لنقل التمرد إلى أرض الوطن ذاته ~~... # وفي البداية، أذاعت الحكومة الجمهورية نبأ وقوع تمرد في مراكش ~~الإسبانية - وهو ذلك الجزء من أراضي المغرب التي كانت تحتله إسبانيا ~~آنذاك - ولكنها أكدت سيطرتها على الموقف في أراضي الوطن، وأنها بصدد ~~سحق التمرد، ولكن كان قد خفي على القائمين بالأمر في حكومة الجمهورية ~~تواطؤ كثير من القادة العسكريين في كثير من المدن الإسبانية الرئيسية ~~للقيام بتمرد في وقت واحد ... وهكذا سيطر «الجنرال كييبو دي يانو» على ~~حامية «أشبيلية»، مما أسقط المدينة كلها في قبضة الانقلاب، وحدث بعد ~~ذلك نفس الشيء في عدد من كبريات المدن، بقدر متفاوت من النجاح ~~والفشل، وكان هذا النجاح والفشل هو الذي قسم البلاد إلى قسمين، يكادان ~~يتعادلان قوة: جانب الجمهوريين الذين قاتلوا التمرد دفاعا عن الشرعية، ~~وجانب الملكيين - الذين اتخذوا اسم الوطنين - الذين قاتلوا دفاعا عن ~~الملكية والقوى المحافظة من كنيسة ومالكي أراض وجنرالات، وقد انضم إلى ~~جانب الجمهوريين كل طوائف اليساريين والاشتراكيين والشيوعيين ~~والفوضويين. # وكان هذا التعادل في القوى هو الذي أشعل الحرب الأهلية بين الطرفين، ~~وجعلها تستمر ثلاثة أعوام إلا قليلا، في حرب بين الأخ وأخيه، عرفت ~~بأنها أبشع حرب أهلية في ms76 التاريخ وأشدها قسوة وضراوة. # | غرناطة ولوركا # في قمة الأحداث التي سردناها سابقا، وجد الشاعر نفسه يوم 18 يوليو ~~1936م في بلدته، يقضي الصيف كعادته في منزل العائلة بالفيلا المسماة ب ~~«ستان سان فيسنت» في ضواحي غرناطة، كان قد حسم لتوه مشروعا كان يمكن ~~أن يغير مجريات الأحداث التي انتهت به إلى غاية فاجعة، ذلك أن فرقة ~~«مارجريتا شيرجو» المسرحية كانت تعد لجولة في أمريكا اللاتينية في ~~فترة الصيف تبدأها بالمكسيك، وعرضت على الشاعر أن يسافر برفقتها إلى ~~هناك، ورغم أنه كان قد قبل الفكرة مبدئيا، إلا أنه ألغى المشروع بعد ~~ذلك، مفضلا البقاء في إسبانيا للانتهاء من أعماله الأدبية المعلقة، ~~والإشراف على إخراج الأعمال المسرحية التي كانت توشك على أن ترى النور، ~~وهكذا أنفذ القدر كلمته، وبقي لوركا في وطنه في تلك الفترة المضطربة، ~~كيما يواجه مصيره المحتوم. # ورغم أن الشاعر كان بعيدا كل البعد عن المشاركة السياسية، أو ~~الانحياز صراحة إلى أي من الأحزاب السياسية المتصارعة آنذاك، إلا أن ~~ثمة أعمالا اشترك فيها قد حسبت عليه بعد ذلك، رغم أنها مواقف إنسانية ~~تنبع أساسا من حب الإنسانية والحيرة، ومن بين هذه الأعمال ما يلي: # إن الشاعر - عند مشاركته في الحفل الذي أقيم لتكريم ~~زميله «رافاييل ألبرتي» بمناسبة عودته من زيارة لروسيا - ~~قد ألقى بيانا للكتاب الإسبان ضد الفاشية. # انضمامه إلى الموقعين على بيان للاتحاد العالمي ~~للسلام. # توقيعه على رسالة موجهة إلى رئيس جمهورية البرازيل، تطلب ~~العفو عن القائد الثوري البرازيلي «لويس كارلوس ~~برستس». # إدلاؤه بحديث إلى مجلة «المساعدة» لسان حال عصبة عمالية ~~شيوعية. # اشتراكه في تكريم ثلاثة أدباء فرنسيين يمثلون الجبهة ~~الشعبية في بلادهم، وهم: «أندريه مالرو» - «جان كاسو» - ~~«لي نورمان». # الإعلان عن اشتراكه في حفل لتكريم «مكسيم جوركي» الكاتب ~~الاشتراكي السوفيتي المعروف. # إن مثل هذه النشاطات العادية التي تنم عن حس إنساني عام، وروح الأخوة ~~بين زملاء المهنة الفكرية الواحدة، يمكن أن تفسر في ظل ظروف متغيرة ~~تفسيرات ملتوية، تلائم النفس المتعصبة ضيقة الأفق التي ملأها الحقد ~~والغيرة ms77 سما زعافا، وكان هذا في الواقع هو ما حدث فعلا، وأحداث ذلك ~~الصيف الدامي من عام 36 دليل واضح على ذلك، ورغم أن ما حدث للشاعر بعد ~~وقوع الانقلاب الملكي في 18 يوليو 1936م، يلفه تيار من الشك والغموض ~~والأساطير، وتعرض لتفسيرات عديدة متناقضة، إلا أنه يمكن استخلاص سير ~~الحوادث على النحو التالي: # منذ إعلان الجمهورية في إسبانيا عام 1931م، شهدت غرناطة صراعات عديدة ~~بين ملاك الأراضي الإقطاعيين، الذين يسيطرون أيضا على صناعات السكر في ~~المنطقة الزراعية من غرناطة، وبين الفلاحين والعمال المنضوين تحت لواء ~~الحزب الاشتراكي «الاتحاد العام للعمال»، وقد رأى هؤلاء الإقطاعيون في ~~الجمهورية خطرا يتهدد وضعهم وثرواتهم وامتيازاتهم، فقرروا الانضواء ~~تحت حزب من الأحزاب الملكية هو حزب «العمل الشعبي» الذي كان فرعه في ~~غرناطة يصدر جريدة تعبر عنه باسم «إيديال»، التي أصبحت لسان حال تلك ~~الطبقة، وكان في مقابلها الجريدة التي تعبر عن آراء الاشتراكيين ~~والمثقفين في غرناطة، وهي «الحامي» التي يرجع تاريخ صدورها إلى عام ~~1879م، وكان اليمينيون المحافظون يكسبون في الغالب الانتخابات في ~~المناطق الزراعية، حيث ملاك الأراضي ودهاقنة الإقطاع يضغطون على ~~الفلاحين، كيما يصوتوا لصالح المرشحين اليمينيين، على الرغم من فوز ~~اليساريين في حواضر تلك الأقاليم، كمدينة غرناطة مثلا، مما كان ينتهي ~~إلى فوز اليمينيين بمقاعد الأغلبية المخصصة للإقليم كله في البرلمان، ~~بينما يحوز اليساريون مقاعد الأقلية، وقد شهدت الأعوام من 1931م حتى ~~انقلاب 1936م مصادمات عنيفة، ومناوشات لا تنتهي بين الفريقين ~~وصحيفتيهما. # وفي انتخابات فبراير 1936م التي فازت فيها الجبهة الشعبية اليسارية ~~بصفة عامة، فاز اليمينيون فوزا حاسما في غرناطة، ولكن المرشحين ~~التقدميين طعنوا في صحة الانتخابات في غرناطة، وطالبوا البرلمان ~~بإلغائها وإجراء انتخابات جديدة هناك، ووافق البرلمان على ذلك وتم ~~إجراء انتخابات جديدة في 3 مايو 1936م، أسفرت عن فوز اليساريين بجميع ~~المقاعد المتخصصة لغرناطة في البرلمان، وما يهمنا في هذا الشأن أن من ~~بين المرشحين اليمينيين الذين فازوا في الانتخابات الأولى الملغاة، كان ~~النائب المدعو «رامون رويث ألونصو»، الذي سيرتبط اسمه ms78 ارتباطا وثيقا ~~بأحداث اعتقال لوركا وإعدامه كما سنرى لاحقا. # وقد أدى ابتعاد اليمينيين تماما عن تمثيل مدينتهم في البرلمان إلى ~~توحيد صفوفهم، والإعداد سرا للانتقام بتخزين الأسلحة والتحضير ~~للاستيلاء على الحكم بالقوة، كما أن ذلك عزز موقف «الفالانج» داخل ~~اتحاد الأحزاب اليمينية، وانتصار رأيه بضرورة استخدام العنف لصد المد ~~اليساري والشيوعي، وزاد في تسهيل مهمة اليمينيين بعض الانشقاق الذي وقع ~~بين فروع الأحزاب التقدمية في غرناطة حول تعيين عمدة للمدينة، وهو ~~بمثابة المحافظ، ولم تجد هذه الأحزاب حلا إلا في اختيار الدكتور ~~«مانويل مونتسينوس» الاشتراكي، عمدة لغرناطة، وجدير بالذكر أن ~~«مونتسينوس» هذا هو زوج «كونشا» شقيقة لوركا، ولم يشغل منصبه ذاك سوى ~~عشرة أيام، إذ إنه كان من أوائل الأشخاص الذين أعدموا غداة الانقلاب ~~الملكي. # وقد شهد تاريخ إسبانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر، أن الجيش كان هو ~~العامل الحاسم في ميدان السياسة، وأن أي تغيير سياسي كبير يبدأ بانقلاب ~~عسكري، مثلما جرى الحال في صعود الجنرال بريمو دي ريفيرا إلى السلطة في ~~عام 1923م، ثم صعود فرانكو بعد ذلك عام 1939م؛ ولذلك فإنه بعد الإعلان ~~عن تمرد القوات الإسبانية في المغرب وفي بعض المدن الإسبانية، ونجاحها ~~في السيطرة على عدد من هذه المدن، ومنها إشبيلية التي تتبعها غرناطة ~~عسكريا، شاع الاضطراب في أرجاء الجو السياسي في غرناطة، وتطلعت ~~الأنظار إلى الحامية العسكرية المرابطة فيها، وكان على رأس هذه الحامية ~~الجنرال «ميجيل كامبنز»، الذي أعلن ولاءه للجمهورية، ولكن معظم مساعديه ~~من الضباط كانوا متورطين حتى أقدامهم في المؤامرة الانقلابية دون أن ~~يدري هو بذلك، ورغم أن عدد أفراد «الفالانج» والمنظمات اليمينية ~~المماثلة في غرناطة كان محدودا بالنسبة إلى عدد العمال والفلاحين، إلا ~~أن تخوف قادة المدينة الجمهوريين من توزيع السلاح على الشعب للدفاع عن ~~الجمهورية وإصرارهم على عدم اتخاذ هذه الخطوة، أدى إلى انفساح المجال ~~أمام اليمينيين بما كانوا قد خبأوه من أسلحة. # وهكذا، ففي وسط الانتظار والترقب في غرناطة، انتهز المتآمرون في يوم ~~20 يوليو فترة القيلولة التي تتعطل ms79 فيها الأعمال، ويهجع الناس هنيهة ~~بعد الغداء - خاصة في جو غرناطة الشديد الحرارة في الصيف، فأنزلوا ~~قواتهم إلى المدينة واحتلوا المواقع الهامة فيها، ونصبوا المدافع في ~~الميادين والطرق الرئيسية، واضطروا الحاكم العسكري إلى إصدار بيان يعلن ~~حالة الحرب، وأقالوا الحاكم المدني وعينوا بدله الضابط «خوسيه فالديس»، ~~الذي أصبح منذ ساعتها مسئولا عن المدينة وأرباضها وعن تطهيرها من كل ~~العناصر المعارضة للملكية أو المشكوك في ولائها لها، عن طريق حمام دم ~~غطى المنطقة كلها بالرعب والفزع، وما إن سيطر الموالون للانقلاب على ~~مقاليد الأمور، حتى تصدوا لهذه العملية التطهيرية، التي بدأت بقصف وحشي ~~على تجمعات العمال والفلاحين، التي لجأت إلى حي «البيازين» الشعبي ~~العربي القديم تحتمي به وتتحصن فيه، وانتهى الأمر بسحق هذه التحصنات ~~واعتقال معظم المدافعين وإعدامهم بعد ذلك. # وما إن حلت ليلة 23 يوليو حتى كانت المدينة كلها في يد اليمينيين، ~~الذين بدءوا في الحال حمام دم لمعارضيهم السابقين، في مذبحة كبرى أودت ~~بكثير من الأبرياء، وانتهزها بعض ضعاف النفوس من المنتصرين لصب ~~شرورهم الرخيصة والتنفيس عن أحقادهم الدفينة. # | لوركا والتطهير الدموي # ظل لوركا مترددا فيما إذا كان يجدر به السفر إلى غرناطة أو البقاء ~~في مدريد، حتى تنجلي الأزمة السياسية المتفجرة نتيجة للاغتيالات ~~الأخيرة، وانقسم أصدقاؤه بين محبذ للسفر ومحبذ للبقاء، وقال أحدهم قولة ~~شهيرة ترددت أصداؤها طويلا بعد ذلك، إذ قال: «لو أن حربا نشبت في ~~بلادنا، ونجا منها فرد واحد فقط، لكان هذا الفرد هو لوركا!» # وهكذا استقل لوركا قطار الليل في مساء 15 يوليو، وودعه حتى عربة ~~القطار صديقه الشاعر «رافاييل ألبرتي»، ويحكي ألبرتي أنهما شاهدا بين ~~أروقة القطار شخصا نفر منه لوركا، وتوارى عن أنظاره حتى لا يحييه أو ~~يحادثه، وكان هذا الشخص - كما عرف لاحقا - هو «رامون رويث ألونصو»، ~~النائب اليميني السابق لغرناطة في البرلمان، والمسئول المباشر عن ~~اعتقال لوركا بعد ذلك. # ووصل الشاعر إلى منزل العائلة الصيفي في موعد مناسب للاحتفال مع ~~الأسرة بعيد «القديس فديريكو» بالنسبة له ولوالده، إذ إنهما كانا ms80 ~~يشتركان في الاسم الأول، وهو اليوم الموافق ليوم الانقلاب: 18 ~~يوليو. # وقد تلقت الأسرة أنباء الانقلاب وبيانات الحكومة وما تلا ذلك من ~~أحداث، ببلبلة واضطراب، شأنها شأن كل سكان الإقليم من غير المتداخلين ~~في السياسة، ثم جاءت نذر الكارثة بعد استيلاء اليمينيين الموالين ~~للانقلاب الملكي على المدينة، إذ كان من أوائل من تم القبض عليهم ~~السنيور مونتيسينوس عمدة المدينة، وهو زوج شقيقة لوركا، والذي أعدم بعد ~~ذلك بأيام، وقد علمت الأسرة بالقبض عليه في حينه، ولكنها لم تعلم ~~بإعدامه إلا بعد ذلك بكثير. # وبعد ذلك يفطن الشاعر إلى وجود شخصين مريبين يراقبان المنزل ويطوفان ~~به من بعيد، ثم عاود نفس الشخصين المراقبة، ودخلا المنزل هذه المرة، ~~ولكنهما لم يكونا يبحثان عن لوركا، بل عن البستاني المسئول عن حديقة ~~المنزل، وكان أخا لأحد العمال المنخرطين في سلك الجبهة الشعبية، وكانت ~~الأقوال تشير إلى مسئولية ذلك الأخ عن مقتل أحد ضباط الشرطة، وعن إحراق ~~كنيسة بلدته، ولما لم يجدوا غير البستاني، أوسعوه ضربا ولطما، وحين ~~حاول فديريكو التدخل، لطماه هو أيضا، وقال له واحد منهما: «لا فائدة، ~~إننا نعرفك جيدا، يا فديريكو غرسيه لوركا!» # وفي اليوم التالي، يتلقى لوركا خطاب تهديد غريبا، كان الخطاب ~~يحتوي على اقتباسات من تصريحات أدلى بها الشاعر، ونشرت في صحيفة ~~«الحامي» الغرناطية التقدمية (وقد احتجبت بعد نجاح الانقلاب في غرناطة ~~بالطبع)، ويصفه كاتب الخطاب بأنه «كلب حقير وخطر». # وإزاء ذلك كله، ملأ الأسرة خوف مفاجئ على الشاعر من أن ينجح حساده في ~~توريطه مع معارضي النظام الجديد أو المشبوهين، وجلس أفرادها يتداولون ~~في أفضل حل يمكن اتخاذه لحماية لوركا في ظل هذه الظروف التي لا يأمن ~~أحد على نفسه ... وبرز حلان: إما أن يحاول الشاعر الهرب متخفيا إلى ما ~~وراء خطوط قوات الانقلاب، إلى أقرب مكان يسير عليه الجمهوريون، وإما ~~أن يلتجئ إلى بيت صديق من الموالين للانقلاب، يمكن أن يبسط عليه ~~حمايته، واختار لوركا الحل الثاني، خاصة وأنه كان على صلة جيدة جدا ~~بأحد أفراد أسرة ms81 «روساليس»، التي يشترك أربعة من أبنائها في ~~«الفالانج»، والذين أصبحوا من أصحاب الحل والربط في ظل الوضع الجديد، ~~وكان ذلك الصديق هو «لويس روساليس»، السياسي والشاعر الشاب الذي سبق أن ~~نشر ديوانا باسم «أبريل»، والذي كان يعتبر نفسه من حواريي لوركا ~~شعريا، ويهب «لويس» لنجدة صديقه، ويصطحبه للإقامة معه في ~~منزله. # ويقيم لوركا في منزل أسرة «روساليس»، التي تتكون من الأب والأم وابنة ~~وعدد كبير من الأبناء، منهم لويس وخوسيه وأنطونيو وميجيل، وكلهم من ~~العاملين في «الفالانج»، وكانت بالمنزل أيضا خالة للأولاد هي الخالة ~~«لويسا»، وتقيم في الطابق الثاني من المنزل، وحيث أعدت الأسرة غرفة ~~لوركا، ومنذ انفجار الانقلاب في غرناطة، انشغل أفراد الأسرة من أعضاء ~~«الفالانج» في عمليات تثبيت دعائم النظام الجديد والقضاء على ~~أعدائه. # ويعتاد لوركا محل إقامته الجديد، كعادته دائما في سرعة الألفة مع ~~الأشياء، على الرغم من غموض الموقف، وتردد الأنباء عن عمليات التطهير ~~المستمرة في المدينة وأرباضها، ويقضي الشاعر وقته في التهام الكتب التي ~~يجدها في مكتبة أسرة «روساليس» العامرة، وسرعان ما تطفو شخصية الشاعر ~~الأصيلة الطفولية للعيان، فيعزف للخالة «لويسا» على البيانو، بل ويشرع ~~مرة أخرى في مواصلة العمل في مشاريعه الأدبية، من إجراء بعض التنقيحات ~~على مسرحية «بيت برناردا ألبا»، إلى التفكير في ديوان جديد تحدث عنه ~~إلى الخالة بعنوان «حديقة الأغاني». # وكانت علاقة الشاعر المباشرة بمن في المنزل من أفراد العائلة، هي مع ~~لويس والخالة لويسا أكثر منها مع أي فرد آخر، وكان لويس يزوره كل ~~مساء بعد عودته من خطوط القتال، ويتناقشان معا في الحالة والأخبار، ~~وقص عليه لويس كيف سيطروا على غرناطة وأرباضها، وكيف انتهت مقاومة ~~الأفراد الذين التجئوا إلى حي «البيازين» ... ولكنه أخفى عنه خبرا ~~مؤلما، هو إعدام عديله العمدة السابق لغرناطة بعد قليل من سقوط ~~البيازين، في 3 أغسطس 1936م. # ولكن أشد الفواجع إيلاما تأتي دون تحسب، فبعد أن اطمأن الشاعر، ~~أو كاد، إلى ابتعاده عن الخطر الداهم، وقعت الواقعة. # | الجريمة كانت في غرناطة # في الخامسة من بعد ms82 ظهر 18 أغسطس، وكان رجال الأسرة «روساليس» كلهم ~~غائبين عن المنزل، يدق جرس الباب، ويتقدم أحد الأشخاص - هو بالتحديد ~~«رامون رويث ألونصو» سالف الذكر - يطلب اصطحاب لوركا! وتحاول سيدة ~~المنزل الاحتجاج، ولكن «ألونصو» يصر على أنه لا خطأ في الأمر، وأن ~~لوركا مطلوب في مبنى المحافظة. # وتتضارب الأقوال في ظروف القبض على لوركا في منزل عائلة «روساليس»، ~~إذ يشهد ألونصو نفسه - وهو لا يزال على قيد الحياة الآن - بأنه قد ذهب ~~هناك لاستدعاء الشاعر بناء على أمر من نائب المحافظ، وبعد أن اصطحب ~~معه «خوسيه روساليس» نفسه، ولكن شهودا آخرين يؤكدون أن «ألونصو» قد ~~ذهب إلى المنزل، يصحبه عدد كبير من الجنود المسلحين، الذين أحاطوا ~~بالمنزل وبالطرق المجاورة لمنع أية إمكانية لهرب الشاعر! ويؤكد «إيان ~~جيبسون» في كتابه الموثق عن مصرع لوركا، وفترة الرعب التي شهدتها ~~غرناطة في 1936م، إن أكثر الروايات مصداقية عن ذلك هي رواية «ميجيل ~~روساليس»، ويحكي «ميجيل» أنه حين وصلت التجريدة المسلحة للقبض على ~~لوركا، لم يكن في المنزل أي من رجال الأسرة، فرفضت الأم تسليم لوركا ~~لألونصو، وأصرت على أن يذهب أولا إلى ميجيل ليخبره بذلك، ويذهب ألونصو ~~لميجيل في قيادة «الفالانج» حيث كان يعمل، ويبرز له أمرا من المحافظة ~~بالقبض على لوركا، ويعود «ميجيل» معه إلى المنزل حيث يصطحبان لوركا ~~معهم إلى مبنى المحافظة، بعد أن تأكد ميجيل من عبث أي اعتراض أو جدال ~~أو مقاومة، موقنا بإمكانية شرح الموضوع للمحافظ نفسه وحله معه. # وحين يصلون إلى مبنى المحافظة، ويجدون المحافظ متغيبا، ويتم إيداع ~~لوركا في إحدى حجرات الاحتجاز انتظارا لوصوله ... وحين يعلم الشاعر ~~الصديق «لويس» بأمر اعتقال صديقه، يطير إلى مبنى المحافظة حيث يحرر ~~مذكرة بالموضوع أمام نائب المحافظ، ويبرر فيها في نفس الوقت الأسباب ~~التي دعته إلى استضافة لوركا في بيته، ويحكي «لويس» عن مواجهة حدثت ~~بينه وبين «رويث ألونصو» عند تحرير المذكرة، قال فيها «ألونصو» أنه قبض ~~على لوركا تحت مسئوليته الخاصة، متهما إياه بأنه قد سبب أضرارا ~~بشعره أكثر مما ms83 سببه غيره من أضرار بأفعالهم! # ويعود «خوسيه» في اليوم التالي لمقابلة المحافظ، الذي يخبره أنه لا ~~يستطيع أن يفعل شيئا؛ لأن لوركا ليس موجودا في المحافظة ولا يدري أين ~~هو، ولكن المحافظ «فالديس» كان يكذب، إذ إن لوركا كان وقتها مودعا ~~في إحدى حجرات المحافظة أعدت كزنزانة، وقضى فيها ثلاثة أيام من 16 ~~إلى 18 أغسطس، وتشهد بذلك مربية أسرة لوركا التي ذهبت تحمل له طعاما ~~وملابس وسجائر، وشاهدته مرة في تلك الزنزانة العارية من الأثاث، إلا ~~من مائدة عليها محبرة وقلم وورقة، بينما كان ثمة رجل أمامه يردد: «يا ~~لعار الابن، يا لعار الأب!» والحراس على باب الحجرة شاكي السلاح، وتقول ~~المربية إن لوركا هتف بها حين رآها: «أنجلينا ... أنجلينا ... لماذا أتيت ~~هنا؟» فردت عليه بأن والدته قد أرسلتها إليه. # وفي 19 أغسطس، حين ذهبت «أنجلينا» بسلة الطعام للسجين، قال لها ~~الحراس إنه لم يعد موجودا بالمحافظة، وأنهم لا يعرفون عنه أي شيء، ~~ولم يعرف أحد ما حدث على وجه التحقيق، ولكن كل الشواهد تدل على أن ~~لوركا قد بقي في مبنى المحافظة، حتى نقل فجر 19 أغسطس إلى المكان الذي ~~تم إعدامه فيه. # وقد بدأت مساع كثيرة خلال تلك الأيام لإنقاذ الشاعر، منها محاولة ~~الموسيقار «دي فايا» التوسط من أجله عن طريق بعض شباب «الفالانخ» الذين ~~كان على صلة بهم، ويحكى أنه ذهب معهم إلى المحافظة صباح 19 أغسطس، ثم ~~عاد واحد منهم متجهم الوجه ليخبره بأن الأمر قد خرج من أيديهم، إذ ~~إنه قد تم إعدام الشاعر في فجر نفس اليوم! # وتفاصيل ما حدث، كما يذكر المؤلف «جيبسون» سالف الذكر، هو أن ~~الكولونيل «فالديس» محافظ غرناطة، قام بالتوقيع على حكم إعدام لوركا ~~بعد اتصالات أجراها برئيسه المباشر «كيبو دي يانو» قائد إشبيلية التي ~~تتبعها مقاطعة غرناطة، واقتيد الشاعر مع مجموعة من المحكوم عليهم مثله ~~من مبنى المحافظة إلى قرية على مشارف المدينة تدعى «فرنار»، بها مبنى ~~يسمى «لاكولونيا» أي المستعمرة، حولته قيادة الانقلاب إلى سجن يودع فيه ms84 ~~المحكوم عليهم بالإعدام المرسلون من غرناطة، وكان المدانون يصلون عادة ~~إلى «المستعمرة» حوالي الواحدة أو الثانية صباحا، فيحبسونهم في الطابق ~~السفلي حتى الفجر، وكانوا يسمحون لمن يريد منهم الإدلاء بالاعتراف ~~الأخير إلى قسيس القرية، وعند الفجر، يقود الحراس المحكوم عليهم ~~بالإعدام إلى مكان حول السجن، حيث يطلقون عليهم النار، ويتركونهم حيث ~~يسقطون، إلى أن يرسلوا بعد ذلك بفرقة عهدوا إليها دفنهم جماعيا في ~~الأماكن التي سقطوا فيها. # وتشير كل الدلائل إلى أن هذا هو ما حدث مع لوركا، فبعد أن قضى ساعات ~~قليلة في سجن «المستعمرة»، اقتيد في الفجر بصحبة المقرر إعدامهم ~~يومها، وكان منهم اثنان من مصارعي الثيران العاملين في صفوف ~~الشيوعيين والمعروفين بالتطرف السياسي، وهبطوا بهم إلى مكان قريب لا ~~يزال يدعى بالاسم العربي له وهو «عين ~~الدمعة» # Aainadamar ~~، حيث أطلقوا عليهم الرصاص، لتظل جثثهم بعد ~~ذلك في مكانها إلى أن يحضر اللحادون ليدفنوهم تحت إحدى أشجار ~~الزيتون. # وهكذا يقضي الشاعر الأندلسي الذين جرؤ يوما على أن يقول: سقوط ~~غرناطة العربية في يد الإسبان كان كارثة على الحضارة والمدنية، وبقي ~~مدفونا تحت الأشجار الحبيبة إلى قلبه، دون أن يعرف له أحد قبرا حتى ~~الآن، لتصدق النبوءة التي رددها يوما في إحدى قصائده حين يقول: # عبر أشجار الغار # تطير حمامتان دكناوان # كانت أولاهما الشمس # والأخرى كانت القمر # قلت لهما: أيا جارتيا، # أين قبري؟ # قالت الشمس: في ذيلي. # وقال القمر: في حلقي. # | ما وراء الحادث # لم يكن للوركا أي انتماء حزبي محدد، فهو كمعظم الفنانين يحب أن يكون ~~حرا، لا يقيده قيد ثقيل يشل حركته وتفكيره، إذ كان الإنسان هو هدفه، ~~وأعظم به من هدف! غير أنه ككل فنان مرهف الحس، لا يمكن أن ينفصل عن ~~القضايا الإنسانية العامة في كل زمان ومكان: قضايا العدالة والحرية ~~والحب والخير، وهكذا كان يقترب بوجدانه وفنه من الشعب وقضاياه، ومن ~~الفقراء والمحررين والبؤساء والمظلومين. # غير أن هذا «الالتزام الإنساني» الذي لا يستطيع أي فنان أصيل إلا ~~أن يحتذيه، لم يكن ليرضي أفراد الفريق ms85 المحافظ، الذين يرون في مبادئ ~~ذلك الالتزام انتقاصا لسلطتهم وحقوقهم وممتلكاتهم ... كذلك فقد حملت روح ~~الفن شاعرنا على السير في درب الحداثة أيامها، وتبدت على شكل ثورته على ~~بعض التقاليد المرعية - من التزام بالعادات والأعراف المرعية والورع ~~الديني - واستهانته بها، وتبنيه للغريب من السلوك والملابس، مما كان ~~يملأ صدور بعض أهل بلدته غرناطة - من الأثرياء والإقطاعيين المحافظين - ~~بالاستهجان والاحتجاج، ونضيف إلى هذا مهاجمة الشاعر في أعماله الفنية، ~~للسلطة التي تحد من حرية الإنسان، وقد تبدت هذه السلطة أكثر ما تبدت في ~~الحرس المدني، الذي ناله الكثير من الانتقاد والهجوم في كثير من ~~قصائده. # كل ذلك قد ساعد على رسم صورة معينة للشاعر - إن لم تكن بوصفه ~~تقدميا صرفا - فعلى الأقل بكونه لا يسير على نهج المحافظين ~~التقليديين ولا يتعاطف معهم، بل يتعاطف مع الأهداف التقدمية التي تناصر ~~الفقراء والمحررين والمستضعفين، وقد ساعد ذلك على تصنيف الشاعر - من ~~قبل النفوس الحاقدة التي يعميها الحسد والغيرة - ضمن تصنيف سياسية ~~معينة، حتى إذا انفجر بركان الانقلاب وسالت الدماء أنهارا، أدرج ~~الشاعر ضمن من يحرص قادة الانقلاب على ضرورة تصنيفهم، وأدى كل ذلك إلى ~~النهاية الفاجعة التي وصفناها سابقا. # وقد انفجر خبر مصرع الشاعر في وسط هذه الظروف السياسية المضطربة في ~~إسبانيا، فكان له دوي هائل في العالم بأسره، ونشرت الصحف الجمهورية في ~~مدريد النبأ، كدلالة على وحشية مدبري الانقلاب وعدم إنسانيتهم، التي ~~جعلتهم لا يفرقون بين بريء ومذنب، ولا يميزون الشخصيات التي تعتز بها ~~البلاد، ولكن صحف العالم رددت النبأ بوصفه خسارة عظيمة مني بها ~~الأدب والشعر، اللذان لا يعرفان مكانا ولا زمانا، وسارع اتحاد القلم ~~الدولي P.E.N # ممثلا برئيسه الكاتب ~~والمفكر المشهور ه. ج. ويلز بإرسال برقية، يستفسر فيها عن مصير الشاعر، ~~ولم يتلق إلا بضع سطور مبهمة بتوقيع الكولونيل «فالديس» محافظ ~~غرناطة، تقول: «لا أعرف مكان السيد فديريكو غرسيه لوركا!» # وقد نعى الكتاب والفنانون مصرع الشاعر في قصائد ومقالات اشتهرت في ~~تاريخ الأدب المعاصر، منها مرثيات لبابلو نيروزا، وأنطونيو متشاور، ~~ورفاييل ms86 ألبرني، وميجيل أرناندث، وغيرهم كثيرون، كما كتب عدد من ~~الشعراء العرب في فضل لوركا وعن مصرعه الغاشم، منهم صلاح عبد الصبور ~~ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي ونزار القباني. # وكان الصحفيون والكتاب قد تناقلوا خبر مصرع لوركا، بوصفه عملا من ~~أعمال قادة الانقلاب بالملكي، ولكن سلطات الانقلاب ظلت تتجاهل هذا ~~الأمر، بل وتتعمد التشويش عليه بإشاعات بأن الشاعر قد قتل في برشلونة ~~على يد الشيوعيين، إلى أن لم يعد في الإمكان تجاهل الموضوع، فكان أن ~~أجاب الجنرال فرانكو على سؤال لأحد الصحفيين عن مصرع لوركا - في ~~مقابلة صحفية في نوفمبر 1937م - بما يلي: ~~«لقد ثار حديث طويل في الخارج عن كاتب غرناطي، الذي لا أعرف أنا ~~مقدار شهرته خارج الحدود ... والحقيقة أنه في اللحظات الأولى من الثورة ~~في غرناطة، مات ذلك الكاتب بعد الخلط بينه وبين المنشقين، إنها من ~~الحوادث الطبيعية في الحروب ... ولقد كان فقده - بوصفه شاعرا - مما يؤسى ~~له، وقد استغلت الدعاية الشيوعية تلك الحادثة لإثارة عالم الفكر ~~والثقافة، غير أنه لا أحد يذكر في مقابل ذلك كيف اغتيلت شخصيات أخرى ~~كثيرة في الجانب الآخر ...» # وظلت هذه هي الرواية الرسمية عن الحادث، بأنه كان نتيجة أحداث الحروب ~~التي يروح فيها البريء أحيانا، حتى إن أشعار وفاة الشاعر، الذي عملت ~~أسرته على استصداره من بلدية غرناطة، لمواجهة المسائل الإدارية من إرث ~~وخلافه، يذكر سبب وفاته عثر على أنه «نتيجة جروح ناشئة عن الأعمال ~~الحربية، حيث عثر على جثته في اليوم العشرين من نفس الشهر (أغسطس ~~1936م) في الطريق الموصل بين «فرنار» و«والفقار». # | الشمس تشرق من جديد # بعد انتصار قوات فرانكو الملكية وسيطرتها سيطرة كاملة على إسبانيا ~~كلها في عام 1939م، ظل اسم لوركا حتى عام 1949م محرما ذكره في أي ~~صحيفة أو كتاب يصدر في إسبانيا، ولم تكن ثمة عروض لمسرحياته، ولا ذكر ~~له في كتب الأدب الإسباني الحديث، التي تدرس في المدارس والجامعات ~~الإسبانية، وشهدت هذه الفترة أيضا اندحار الفاشستيات الألمانية ~~والإيطالية واليابانية، وانقسام العالم إلى معسكر ليبرالي وآخر ms87 ~~اشتراكي، ونظر كل من المعسكرين إلى نظام فرانكو بوصفه أثرا من آثار ~~فاشستية الثلاثينيات، وتكونت جمعيات وروابط من الإسبان المنفيين في ~~الخارج للعمل على إسقاط ذلك النظام بكل الوسائل؛ ولذلك كان طبيعيا أن ~~ينظر إلى لوركا بوصفه نجما من نجوم الحرية، إلى جانب فضائله في عالم ~~الأدب والشعر والفن، وقد دفعت هذه الظروف المتعددة بدور النشر في جميع ~~أنحاء العالم - عدا إسبانيا - إلى التسابق في إصدار كتبه وترجماتها إلى ~~اللغات الحية، وإلى البحث عن مخطوطات أعماله التي لم تنشر لإصدارها، ~~ودفعت الفرق المسرحية إلى إدخال مسرحيات لوركا ضمن برامجها على الدوام، ~~وهكذا ظهر في عام 1940م «ديوان التماريت» يضم آخر قصائد لوركا، ونشره ~~لأول مرة المعهد الإسباني بنيويورك، كما صدر في العام نفسه - بالمكسيك ~~- ديوان «شاعر في نيويورك»، وفي عام 1945م عرضت لأول مرة مسرحية «بيت ~~برناردا ألبا» في بوينس آيرس بالأرجنتين، وهي من المسرحيات التي أعطاها ~~مؤلفها عنوانا جانبيا آخر، هو «دراما عن النساء في القرى ~~الإسبانية»، وقال عنها إن فصولها الثلاثة تهدف إلى تقديم «وثيقة ~~فوتوغرافية لقرى إسبانيا»، وتحكي المسرحية قصة بيت ريفي يضم نساء ~~فقط: أم مسيطرة صارمة، وخمس بنات، وخادمتان، يعيشن جميعا في ظل حداد ~~على رب البيت الذي مات لتوه عند بدء أحداث المسرحية، وتصور الأحداث ~~رد فعل البنات الخمس تجاه مصير العزلة والحداد الذي تفرضه عليهن أمهن ~~برناردا ألبا، وتجاه القسوة التي تطبق بها الأم معايير الشرف الإسباني، ~~التي تتسم بالضراوة والحزم، ويزيد من هذا كله التوتر الهائل الذي يفرضه ~~جو الريف المليء بالإشاعات والأقاويل، وتسير الأحداث - كما في كل ~~تراجيديات لوركا - إلى نهاية محتومة، من موت الأبنة الصغرى التي تنتحر ~~بعد ضعفها أمام خطيب أختها الكبرى، وبعد أن تعتقد خطأ أن الأم قد ~~قتلته ... ولكن كل ما يهم الأم في هذا أن ابنتها قد ماتت دون أن تفقد ~~شرفها. # وظل اسم لوركا مبعدا عن وطنه حتى عام 1949م، حين بدأت بوادر ~~المصالحة بين العالم الليبرالي وإسبانيا فرانكو، بعد أن تبين فشل ~~الجهود التي ms88 بذلت لتغيير النظام في إسبانيا، فعملت الدول الغربية على ~~كسبها إلى جانبها في صراعها ضد العالم الشيوعي، ومع تلك البوادر، نشر ~~الشاعر «لويس روساليس» - صديق لوركا وآخر من رآه من الأصدقاء على قيد ~~الحياة - بعض القصائد التي لم تنشر من قبل للوركا، في مجلتين أدبيتين ~~إسبانيتين، وفي عام 1954م، أصدرت دار نشر «أجيلار» - كبرى دور النشر ~~الإسبانية - أول طبعة من الأعمال الكاملة للوركا، وقد خضعت التعليقات ~~على حياة الشاعر في هذا السفر لرقابة صارمة، بحيث جاء في نهاية الدليل ~~التاريخي لحياة الشاعر سطر واحد مبهم، كما يلي: # 19 أغسطس 1936م: يموت. # وتالى بعد ذلك ذوبان الثلوج في وطن الشاعر تجاهه، إلى أن لم يعد ثمة ~~كتاب مدرسي أدبي يخلو من ذكر لوركا، ووضعه الممتاز في تاريخ الأدب ~~الإسباني الحديث، وتتابع ظهور أعمال مجهولة له، منها مسرحية ~~«الجمهور» وأوبرا كوميدية بعنوان «الممثلة لولا»، كان لوركا قد كتبها ~~كيما يعد موسيقاها «مانويل دي فايا» ولم يتم المشروع. # وقد لمس كاتب هذه السطور مدى انتشار أعمال الشاعر ومسرحياته في ~~إسبانيا إبان إقامته في مدريد في الفترة من 1969م- 1974م خلال السنوات ~~الأخيرة من حكم فرانكو، حيث كان إنتاجه يعرض بصورة عادية، مع توفر ~~جميع الكتب الأجنبية التي تتناول ظروف مصرع الشاعر في مكتبات ~~إسبانيا. # ولكن تتويج اعتراف البلاد بشاعرها العظيم لم يأت إلا بدءا من عام ~~1976م - بعد وفاة الجنرال فرانكو وانتهاج خليفته الملك «خوان كارلوس» ~~النهج الديمقراطي في حكم البلاد - حين أقيم مهرجان فني كبير في ~~غرناطة في ذلك العام احتفالا بذكرى الشاعر، حيث تبارى المحتفلون في ~~الإشادة بذكره والمطالبة بتخليد ذكراه على صورة نصب تذكاري يقام في ~~بلدته، ومن المظاهر الأخرى الهامة، صدور طابع بريد تذكاري تكريما ~~للشاعر، وتخليدا لذكراه ومكانته في تاريخ الأدب الإسباني ~~الحديث. # وهكذا مهما طال الزمن ومهما تضافرت الظروف المعاكسة على إخفاء أقدار ~~الأصلاء، فلا بد أن تنتشع السحب آخر الأمر وتبرز الحقيقة أمام ~~العيون، ولعل خير ما نختتم به هذا الكتاب عن الشاعر الذي مرق كالشهاب ~~في ms89 سماء الأدب العالمي، ثم ترك وراءه نورا باقيا على مر العصور، هو ~~القصيدة التي رثاه بها غداة مصرعه صديقه الشاعر «بابلو نيرودا» بعنوان ~~«أنشودة إلى لوركا»: # لو أمكنني أن أبكي من الخوف في بيت مهجور # لو أمكنني أن أنزع عيني وآكلهما # لفعلت ذلك حزنا على صوتك البرتقالي المتشح بالسواد # وحزنا على أشعارك التي تهب صارخة. ~~••• # لأجلك صبغت المستشفيات بالزرقة نوافذها # وانتشرت المدارس والأحياء المطلة على البحار # ونما الريش في أجساد الملائكة المثخنة بالجراح # وغطت الزعانف الأسماك السماوية. # لأجلك # طارت القنافذ إلى السموات العلى. # لأجلك امتلأت محلات الخياطين ذات الأنسجة السوداء # بالملاعق وبالدماء # وابتلعت شرائط حمراء # وصرعت بعضها البعض بالقبلات # واتشحت بالملابس البيضاء. ~~••• # حين تحلق طائرا متشحا بالملابس الخوخية # حين تضحك ضحكة عيدان الأرز يعصف بها الريح # حين تغني فتهز العروق والأسنان # والحناجر والأصابع # أموت أنا من فرط حسرتي على عذوبتك # أموت على البحيرات الحمراء # التي تحيا فيها وسط الخريف # مع الفرس المنهار والإله الذي ينزف دما # أموت على المقابر التي تسري كالأنهار الرمادية # بمياهها وقبورها # في الليل كأنها أجراس غرقى # أنهار كثيفة كأنها عنابر جنود مرضى # تتحول فجأة على حدود الموت # إلى أنهار ذات أرقام مرمرية # وتيجان متعفنة وزيوت جنائزية # أموت من أجل أن أراك # ترقب في الليل مرور الصلبان المطمورة # واقفا تبكي # لأنك تبكي في وجه نهر الموت # مهجورا، مثخنا بالجراح # تبكي باكيا، وعيناك # مفعمتان بالدموع، بالدموع، بالدموع. ~~••• # لو أنني استطعت وحيدا في الليل # أني أجمع النسيان والظلال والدخان # وأنشرها فوق القطارات والبواخر # من خلال قمع أسود # بينما أمضغ الرماد # لفعلت ذلك من أجل الشجرة التي تنمو معها # من أجل أعشاش المياه الموشاة التي تجمعها # من أجل اللبلاب الذي يغطي عظامك # ويبوح لك بأسرار الليالي. ~~••• # مدائن تفوح منها رائحة الأبصال المبتلة # تنتظر ظهورك منشدا بصوتك الأجش # بينما تتبعك # سفن صموتة محملة بالعنبر # وعصافير خضراء تبني أوكارها في شعرك # وثمة قواقع وأيام وصواري وأشجار كرز # تدور وتلف # حتى تصل إلى رأسك الشاحب # ذي العيون الخمسة عشر # وفمك ذي الدم الغريق. ms90 ~~••• # لو استطعت أن أملأ البلاد بالسواد # وأن أهدم الساعات من البكاء # لفعلت ذلك من أجل أن أشهد أمام منزلك # مجيء الصيف بشفاهه المحطومة # مجيء العديد من الأشخاص متشحين بثياب الموت # مجيء الأرض ذات البهاء الحزين # مجيء المحاريث الميتة وشقائق النعمان # مجيء حفاري القبور والفرسان # مجيء الكواكب والخرائط تنزف دما # مجيء الغواصين يغطيهم الرماد # مجيء الملثمين يجرون العذارى # وقد غاصت في أجسادهن النصال الطويلة # مجيء الجذور والعروق والمستشفيات والينابيع والنملات # مجيء الليل # ومعه الفراش الذي يموت عليه جندي مهجور # وسط خيوط العنكبوت # مجيء زهرة الكراهية، والوخزات # مجيء السفائن المعصفرة # مجيء نهار عاصف وأطفال # مجيئي أنا، ومعي أوليفر # ونورا، وفيثنتي ألكساندري، وداليا، وماروكا، # ومالفا، ومارينا، وماريا لويزا، ولاركو، # وروبيا، ورافاييل، وأوجارتي، # وكوتابوس، ورافاييل ألبرتي، # وكارلوس، وبيبي، وماتولو التولاجيري، # وموليناري، # وروساليس، وكونشامندس، # وآخرون غابوا عن ذاكرتي. ~~••• # تعال أضع التاج على هامتك # يا فتى الأصحاء والفراشات # أيها الفتى النقي # كأنك الزنجي البارق الطليق أبدا. # تعال نتحادث سويا # الآن، حيث لا أحد يقعى بين الصخور # نتحادث ببساطة # كعادتنا أنا وأنت. # ما فائدة الأشعار لو لم تكن من أجل الندى؟ ~~••• # ما فائدة الأشعار لو لم تكن من أجل ليلة مثل هذه ~~الليلة؟ # حيث تبعنا خنجر مرير، # لذلك اليوم # لذلك الشفق # لذلك الركن المحطوم # حيث يتهيأ للموت فؤاد الإنسان الكسير؟ ~~••• # في الليل فوق كل شيء. # في الليل ترصع السماء أنجم كثيرة # كلها في محيط نهر واحد # كأنها شرائط معلقة # على نوافذ البيوت التي تزخر بالمساكين. ~~••• # ربما مات لهم قريب # ربما فقدوا وظائفهم في المكتب، # في المستشفيات، في المصاعد، # وفي المناجم # تقاسي الخلائق وقد أثقلتها الجراح # وثمة عزم وأنين في كل ناحية # بينما الأنجم تجري في محيط نهر لا نهاية له # ثمة أنين طاغ يصاعد من كل نافذة # والأبواب قد تهاوت من الأنات # والغرفات ابتلت من الأنين # الذي يأتي في موجات تبتلع الأبسطة. ~~••• # فديريكو! # إنك ترى الدنيا الآن # ترى الطرقات والحمض # والوداع على أرصفة المحطات # حين يرفع الدخان أطواقه الحاسمة # إلى حيث لا شيء # سوى الفراق والأحجار والقضبان ms91 الحديدية. ~~••• # مئات من الناس # يتساءلون في كل ناحية # هناك الضرير الدامي، والثائر، # والخائر، والبائس، وذو الأظافر المورقة، # وقاطع الطريق يحمل أحقاده فوق كتفيه. ~~••• # هكذا الدنيا يا فديريكو # هاك الأشياء التي بوسع صداقتي أن تقدمها لك # صداقة الرجل الكئيب الرجولي. # لقد علمت الكثير من الأشياء بنفسك # ولسوف تعلم أشياء أخرى # تأتي في بطء. # | مراجع الكتاب # Federico Garcia ~~Lorca: Obras Completas, Aguilur, Madrid, ~~1972. # José Luis Cano: García, Lorca, Destino Libra, ~~1974. # Francisco García ~~Lorca: Federico y su Mundo, Alianza Editional, ~~1980. # Mildred Adams: García Lorca, G. B. Inc, ~~1977. # Ian Gibson: La Muerte de Gorcía Lorca, Ruedo Iberica, ~~1976. # Marcelle Auclaire: Enfances et Mort de García Lorca, Editions ~~du Senil, 1968. # Claude Couffon: Granada y García Lorca, Editional Losada, ~~Bunes Aires, 1967. # Editied by: Ildefonso-Manuel ~~Gil: Federico García Lorca, Taurus Lidciones, ~~Madrid, 1973. # Guillermo ~~Diaz-Plaja: Federico García Lorca, Espasa ... Olape, ~~Medrid, 1975. # Edwin Honig: García Lorca, Jonathan Cape, London, ~~1968. # Antony Beever: The Spanish Civil War, Peter Bedrick Books, ~~New York, 1988. ms92