######OpenITI# #META# URI: 1450MahirBattuti.SayyidRais.Hindawi58273719 #META# Tags: novels #META# ID: 58273719 #META# Title: السيد الرئيس #META# AuthorID: 58460413 #META# Author: ميغل أنخل أستورياس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 27040363 #META# Translator: ماهر البطوطي #META# Related_books: 1394MiguelAngelAsturias.SenorPresidente (TRANSL) #META#Header#End# # الجزء الأول: 2 و22 و23 أبريل‏ # 1 - في «رواق الرب»‏ # 2 - موت «الذبابة»‏ # 3 - فرار الأبله‏ # 4 - ذو الوجه الملائكي‏ # 5 - ذلك الحيوان!‏ # 6 - رأس جنرال‏ # 7 - غفران كبير الأساقفة‏ # 8 - أراجوز الرواق‏ # 9 - عين زجاجية‏ # 10 - أمراء الجيش‏ # 11 - الاختطاف‏ # الجزء الثاني: 24 و25 و26 و27 أبريل‏ # 12 - كميلة‏ # 13 - اعتقالات‏ # 14 - فليغن العالم جميعه!‏ # 15 - الأعمام والعمات‏ # 16 - في سجن «كاسا نويفا»‏ # 17 - أحابيل الغرام‏ # 18 - طرقات على الباب‏ # 19 - الحسابات والشيكولاتة‏ # 20 - ذئاب من نفس النوع‏ # 21 - حلقة مفرغة‏ # 22 - القبر الحي‏ # 23 - تقرير عن الرسائل الموجهة إلى السيد ~~الرئيس‏ # 24 - دار الدعارة‏ # 25 - حاجز الموت‏ # 26 - زوبعة‏ # 27 - في طريق المنفى‏ # الجزء الثالث: أسابيع، وشهور، وسنوات ...‏ # 28 - حديث في الظلام‏ # 29 - مجلس عسكري‏ # 30 - زواج في ظلال الموت‏ # 31 - حراس من جليد‏ # 32 - السيد الرئيس‏ # 33 - النقاط فوق الحروف‏ # 34 - نور للعميان‏ # 35 - نشيد الأنشاد‏ # 36 - الثورة‏ # 37 - رقصة «توهيل»1‏ # 38 - الرحلة‏ # 39 - الميناء‏ # 40 - دجاجة عمياء‏ # 41 - كل شيء على ما يرام‏ # خاتمة‏ # الجزء الأول: 2 و22 و23 أبريل‏ # 1 - في «رواق الرب»‏ # 2 - موت «الذبابة»‏ # 3 - فرار الأبله‏ # 4 - ذو الوجه الملائكي‏ # 5 - ذلك الحيوان!‏ # 6 - رأس جنرال‏ # 7 - غفران كبير الأساقفة‏ # 8 - أراجوز الرواق‏ # 9 - عين زجاجية‏ # 10 - أمراء الجيش‏ # 11 - الاختطاف‏ # الجزء الثاني: 24 و25 و26 و27 أبريل‏ # 12 - كميلة‏ # 13 - اعتقالات‏ # 14 - فليغن العالم جميعه!‏ # 15 - الأعمام والعمات‏ # 16 - في سجن «كاسا نويفا»‏ # 17 - أحابيل الغرام‏ # 18 - طرقات على الباب‏ # 19 - الحسابات والشيكولاتة‏ # 20 - ذئاب من نفس النوع‏ # 21 - حلقة مفرغة‏ # 22 - القبر الحي‏ # 23 - تقرير عن الرسائل الموجهة إلى السيد ~~الرئيس‏ # 24 - دار الدعارة‏ # 25 - حاجز الموت‏ # 26 - زوبعة‏ # 27 - في طريق المنفى‏ # الجزء الثالث: أسابيع، وشهور، وسنوات ...‏ # 28 - حديث في الظلام‏ # 29 - مجلس عسكري‏ # 30 - زواج في ظلال الموت‏ # 31 - حراس من جليد‏ # 32 - السيد الرئيس‏ # 33 - النقاط فوق الحروف‏ # 34 - نور للعميان‏ # 35 - نشيد الأنشاد‏ # 36 - الثورة‏ # 37 ms001 - رقصة «توهيل»1‏ # 38 - الرحلة‏ # 39 - الميناء‏ # 40 - دجاجة عمياء‏ # 41 - كل شيء على ما يرام‏ # خاتمة‏ # | السيد الرئيس # | السيد الرئيس # تأليف # ميغل أنخل أستورياس # ترجمة # ماهر البطوطي # الجزء الأول # | 2 و22 و23 أبريل # الفصل الأول # | في «رواق الرب» # دنغ دانغ دونغ، دنغ دانغ دونغ! # ترددت رنات أجراس الكتدرائية كالأزيز في الأذن، تدعو الناس إلى ~~الصلاة، كالارتداد القلق من الضياء إلى الظلمة ومن الظلمة إلى ~~الضياء. دنغ دانغ دونغ، دنغ دانغ دونغ دانونغ، دانونغ دونغ دانغ ~~دانغ، دنغ دانونغ ... دنغ دونغ دانغ ... دانونغ. # وجر الشحاذون أرجلهم وسط المطاعم الشعبية الصغيرة في السوق، ~~ضائعين في ظلال الكتدرائية المتجمدة، في طريقهم إلى «ميدان ~~السلاح»، على طول شوارع رحبة كأنها البحار، تاركين وراءهم المدينة ~~منعزلة وحيدة. # كان الليل يجمع بينهم كما هي الحال مع نجوم السماء، فيتلاقون ~~ليناموا معا في «رواق الرب» القريب من الكتدرائية، من غير ثمة ~~رابط بينهم سوى الشقاء؛ يتبادلون الشتائم، وينهالون بألوان السباب ~~بعضهم على بعض؛ ينبشون خصومات قديمة، ويتشاجرون بإلقاء الأتربة ~~وبالبصق والعض أحيانا في سورة الغضب. ولم تعرف الوسائد ولا الثقة ~~طريقها أبدا نحو تلك الأسرة من أقارب الدرك الأسفل. كانوا يرقدون ~~بعيدا بعضهم عن بعض، دون أن يبدلوا ملابسهم. وينامون كاللصوص، ~~رأسهم فوق كل رأس مالهم: قطع من اللحم، أحذية بالية، أعقاب شموع، ~~حفنات من الأرز المطبوخ ملفوفة في أوراق صحف قديمة، حبات برتقال ~~عطنة وأصابع موز معطوبة. تراهم على السلم المفضي إلى الرواق، ~~وجوههم نحو الحائط. يحصون نقودهم، يعضون بنواجذهم على العملات ~~المعدنية ليروا ما إذا كانت مزيفة؛ يحادثون أنفسهم، ويتعرضون ~~خزينهم من الطعام ومن السلاح، فهم يتسلحون في تجوالاتهم اليومية ~~بقط من الحجارة وصور من التعاويذ، ويلتهمون في الخفاء قطعا من ~~الخبز المقدد. ولم يعرف عن أحدهم أنه أغاث رفيقا له في محنة ~~واجهها، يعطيهم البخل فيما لديهم من فتات، وهم في ذلك مثل غيرهم من ~~الشحاذين، يفضلون إلقاءه إلى الكلاب على أن يقدموه إلى أحد ~~الرفاق ممن يشاطرهم الشقاء. # وبعد أن يشبعوا نهم بطونهم، ms002 ويضعوا نقودهم في منديل يعقدونه سبع ~~مرات ويربطونه على سررهم، يلقون بأجسادهم على الأرض ويستغرقون في ~~أحلام مضطربة حزينة، وكوابيس يرون فيها قطعان الخنازير الجائعة ~~تمر أمام أعينهم، ونسوة عجافا، وكلابا ممزقة، وعجلات مركبات، ~~وجنازة تتكون من أطياف قسس يدلفون إلى الكتدرائية تتقدمهم ~~شظية من القمر مصلوبة على عظمة ساق متجمدة. وأحيانا ما يستيقظون ~~من نومهم فزعين على صرخة مجنون ضل طريقه في «ميدان السلاح»، أو ~~على نشيج عمياء تحلم بأن الذباب يغطيها بينما هي معلقة من مسمار ~~كبير كاللحم في حوانيت الجزارين، أو على خطوات دورية شرطة ~~تجرجر مسجونا سياسيا وتضربه، ووراء الموكب نسوة يمسحن آثار ~~الدماء التي يخلفها الجريح بمناديلهن المغموسة بالعويل، أو على ~~شخير مريض ينخر فيه الجرب، أو زفير شحاذة صماء بكماء حبلى تبكي ~~من الخوف لأنها تشعر بطفل يتحرك داخل أحشائها. ولكن صرخة الأبله ~~كانت أكثر الأشياء إثارة للحزن. إنها صرخة تشق عنان السماء. صرخة ~~طويلة تكشف الأسرار وتخلو من أي نبرة إنسانية. # وفي أيام الآحاد، كان يهبط على هذه الجماعة الغريبة سكير دأب ~~في منامه على أن ينادي أمه وهو يبكي كالطفل الصغير. وكان الأبله ~~عندما يسمع كلمة «أماه» التي تصدر عن شفتي السكير على هيئة ~~نواح وسباب، ينتصب في مكانه ويلتفت متطلعا إلى جميع الأنحاء ~~أمامه في الرواق؛ وبعد أن يكتمل استيقاظه ويوقظ رفاقه بصيحاته، ~~يبكي من الخوف ويشارك السكير نواحه. # الكلاب تنبح، وأصوات غريبة تسمع. وينهض المشاكسون من نومهم ~~يزيدون من الضجيج إذ هم يطالبون بالصمت، فإذا لم يسد الصمت فسوف ~~تأتي؟ ولكن الشرطة لم تكن لتهتم أي اهتمام بالشحاذين، فلم يكن أي ~~منهم بقادر على دفع قيمة الغرامة. ويهتف «ذو القدم المسطوحة»: ~~«تحيا فرنسا»، وسط صياح الأبله وحركاته المضحكة، الذي أصبح في ~~نهاية الأمر مثار سخرية للشحاذين؛ لأن ذلك الأعرج الوغد ذا ~~الألفاظ النابية كان يقلد السكير في بعض الليالي أسبوعا وراء ~~أسبوع. وهكذا كان ذو القدم المسطوحة يقلد السكير بينما كان ~~الأبله، الذي يحاكي الأموات في نومه، ينتفض على كل ms003 صرخة دون أن ~~يلتفت إلى الأجسام الملقاة على الأرض ملتفة في دثارات ممزقة. ~~فإذا ما رآه رفاقه على تلك الحال من الجنون رشقوه بكلمات السباب ~~والسخرية الحادة. وكان ينقلب نائما إذا ما هده النواح، مشيحا ~~بعينيه عن وجوه رفاقه الفظيعة، دون أن يرى شيئا، ودون أن يسمع ~~شيئا، ودون أن يشعر بأي شيء. ولكنها كانت حكاية كل ليلة، فما يكاد ~~يغلفه النوم حتى يوقظه صياح ذي القدم المسطوحة مرة أخرى: ~~«أماه»! # وفتح الأبله عينيه مرة واحدة، كما يفعل من يحلم بأنه يدور ويلف ~~في الفضاء، وبسط حدقتيه أكثر وأكثر وانكمش على نفسه كما لو كان قد ~~أصابه جرح مميت ، وأخذت الدموع تهطل من عينيه. وبعد ذلك، تسلل ~~إليه النوم رويدا رويدا بعد أن هزمه النعاس وتحول جسده إلى ~~عجينة من النشاء، وترددت في ذهنه المكدود مخاوف غامضة. ولكنه ما ~~كاد يخلد إلى نومه حتى أوقظه صوت آخر مختلف يصيح «أماه»! # كان صوت الشحاذ «فيودا» وهو خلاسي منحط أخذ يردد بين ~~الضحكة والأخرى في عويل كالعجوز: «يا أم الرحمة، يا أملنا، ليحمك ~~الله، إننا نضرع إليك نحن المحرومين الضعفاء ...» # واستيقظ الأبله ضاحكا، وبدا كما لو أنه يضحك هو الآخر من بؤسه ~~وجوعه حتى تطفر الدموع من عينيه، بينما الشحاذون يقرعون الهواء ~~بضحكاتهم وقهقهاتهم، ضحكاتهم ... وقه ... قها ... تهم. وفقد رجل سمين، ~~ينضح شارباه بمرق الخضار، أنفاسه من كثرة الضحك، بينما لم يستطع ~~واحد منهم ذو عين واحدة أن يحصر بوله وأخذ يضرب رأسه في الحائط ~~كالتيس؛ أما العميان فأخذوا يتشكون بأنهم لا يستطيعون النوم وسط ~~هذه الجلبة، وكذلك الشحاذ الذي يكنى ب «الذبابة»، الذي قال إن ~~اللواطيين فقط هم الذين يستريحون إلى مثل ذلك الجو. # ولم يلتفت أحد إلى احتجاجات العميان. أما ملاحظة «الذبابة» فلم ~~يكد يسمعها أحد. ومن ذا الذي يهمه الترهات التي يرددها: «أنا ~~الذي قضيت طفولتي في معسكر المدفعية، وقد صنعت أقدام البغال ~~ورفسات الضباط مني رجلا. رجلا يستطيع أن يعمل كالحصان، وهذا ما ~~نفعني حين اضطررت إلى أن ms004 أجر آلة الموسيقى في الشوارع؛ أنا الذي ~~فقدت بصري في إحدى الحانات، ولا أعلم كيف، وساقي اليمنى في حانة ~~أخرى، ولا أعلم متى، وساقي الأخرى في حانة ثالثة، ضحية سيارة، ولا ~~أعلم أين»! # وذاع بين سكان الحي على لسان الشحاذين أن الأبله يفقد صوابه ~~إذا ذكر أحد أمه أمامه، وكان هذا التعس يطوف الشوارع والميادين ~~والساحات والأسواق محاولا الهرب من الدهماء الذين يصيحون به هنا ~~وهناك بكلمة «أماه»، كأنما هي لعنة من لعنات السماء. وكان يدلف إلى ~~المنازل محاولا الاحتماء فيها، ولكنه يعود إلى الطريق حين يطرده ~~منها الكلاب تارة والخدم تارة أخرى. كانوا يطردونه من الكنائس، ومن ~~الحوانيت ، ومن كل الأنحاء، دون اعتبار للتعب الذي يأخذ بخناقه، ولا ~~لعينيه اللتين كانتا تتضرعان دونما شعور طلبا للمغفرة. # وأخذت المدينة الكبيرة، التي كانت تزداد كبرا بالنسبة إلى شدة ~~تعبه، تتضاءل وتتضاءل أمام ما يشعر به من يأس. كانت ليال من الفزع ~~تتتابع بعد أيام من الاضطهاد، حيث كان يطارده أناس لا يكتفون ~~بالصياح في وجهه: «سوف تتزوج أمك يوم الأحد القادم أيها الأبله ~~الصغير ... أمك العجوز ... ها ... ها ... ها!» ولكنهم كانوا يضربونه أيضا ~~ويمزقون ملابسه. وحين يطارده الأطفال كان يلتجئ إلى الأحياء ~~الفقيرة ... ولكن مصيره فيها لم يكن أقل سوءا. كان الناس هناك ~~يعيشون في وهدة من الفقر المدقع، ولم يكتفوا بقذفه بالإهانات، ~~ولكنهم كانوا يرجمونه أيضا بالحجارة وبالفئران الميتة وبعلب ~~الصفيح الفارغة، بينما هو يجري أمامهم في رعب وفزع. # وفي يوم من الأيام، عاد من تجواله في الضواحي إلى «رواق الرب» ~~حين كان جرس صلاة الظهيرة يدق، وكان عاري الرأس جريح الجبهة، يجر ~~خلفه ذيل قطة ربطوه إلى قدمه للسخرية منه. كان كل شيء يثير فيه ~~الفزع: ظلال الجدران، الكلاب التي تجري، الأوراق التي تتساقط من ~~الأشجار، ضجيج عجلات السيارات. وحين وصل إلى الرواق، كان الظلام قد ~~انسدل، وكان الشحاذون يجلسون ووجوههم إلى الحائط يحصون مكاسبهم. ~~كان «ذو القدم المسطوحة» يتشاجر مع «الذبابة»، بينما الصماء ~~البكماء تتحسس بطنها المتكور، والعمياء ms005 معلقة في أحلامها من ~~الخطاف يغطيها الذباب كأنها قطعة من اللحم في حانوت الجزار. وسقط ~~الأبله على الأرض كأنه قد مات. لم يكن قد أغلق عينيه منذ عدة ليال، ~~ولا أراح قدميه أياما. كان الشحاذون يهرشون مكان لدغات القمل في ~~صمت، ولكن لم يكن في استطاعتهم النوم. كانوا ينصتون إلى خطوات رجال ~~الشرطة يذهبون هنا وهناك في الميدان الذي تشوبه الظلمة، وأصوات ~~رجال الدوريات وهم يتبادلون السلاح ويقفون وقفة انتباه كأنهم ~~الأشباح في عباءاتهم المخططة أمام نوافذ الثكنات المجاورة، وهم ~~يقومون بنوبة حراستهم الليلية في خدمة رئيس الجمهورية. لم يكن أحد ~~يعرف أين هو، فقد كان يشغل عدة منازل خارج المدينة في نفس الوقت؛ ~~ولم يكن أحد يعرف كيف ينام، فقد قال البعض إنه ينام إلى جوار ~~الهاتف يحمل سوطا في يده، كما لم يكن أحد يعرف متى ينام؛ فقد كان ~~أصدقاؤه يزعمون أنه لا ينام على الإطلاق. # وتقدم شبح شخص إلى «رواق الرب». وأقعى الشحاذون على أنفسهم مثل ~~الديدان، وأجاب على صرير الأحذية العسكرية نعيق طائر مشئوم في ظلام ~~الليل الساري العميق. # وفتح ذو القدم المسطوحة عينيه. كان ثمة خطر ماثل يهدد بنهاية ~~العالم. وقال للبومة: «ها ... ها ... افعلي ما تشائين. إني لا أريد بك ~~خيرا ولا شرا. ولكن فلتذهبي إلى الشيطان رغم هذا.» # وتحسس «الذبابة» وجهه بيديه. كان الهواء ثقيلا كأنما ثمة ~~زلزال على وشك أن يقع. ورسم «فيودا» علامة الصليب وهو يجلس وسط ~~العميان. وكان الأبله هو الوحيد الذي يغط في نوم عميق. # وتوقف الشبح، وارتسمت ابتسامة على وجهه. وسار نحو الأبله على ~~أطراف أصابعه، ثم صاح فيه برنة مزاح: «أماه». ولم ينبس ببنت شفة ~~بعد ذلك، فقد نهض الأبله من على الأرض بفعل ذلك النداء ووثب فوق ~~الشبح دون أن يعطيه أي فرصة يستخدم فيها سلاحه، ودفع أصابعه في ~~عينيه وهشم أنفه بعضاته، ورفسه أسفل بطنه بركبتيه إلى أن تركه ~~جثة هامدة بلا حراك. # وأغلق الشحاذون أعينهم في رعب. وعبرت البومة المكان مرة أخرى، ~~وهرب الأبله ms006 عبر الطرقات التي يلفها الضباب وقد أعماه الخوف ~~والجنون. كانت قوة عمياء قد انتزعت لتوها الحياة من الكولونيل ~~«خوسيه بيراليس سونرينتي». الذي يكنى «الرجل ذا البغل الصغير». ~~وكان هو الرجل الذي قتله الأبله في سورة غضبه وجنونه. # وكان الفجر يقترب. # الفصل الثاني # | موت «الذبابة» # كانت الشمس تجلل الأطراف البارزة من مبنى مركز الشرطة بأشعتها ~~الذهبية، حيث يمر بعض الناس عبر طريق الكنيسة البروتستانتية، ~~وهنا وهناك باب مفتوح، وبناء من الطوب الأحمر يقوم البناءون ~~بتشييده. وفي المركز، كانت مجموعات من النسوة الحافيات يجلسن في ~~انتظار المسجونين، قابعات في الفناء حيث يهطل المطر على الدوام، ~~وكذلك في مصاطب الردهات المظلمة، يحملن سلال الفطور في حجورهن، ~~وحولهن عديد من الأطفال الصغار يتعلقون بأثدائهن، والكبار منهم ~~يهددون بالتهام أرغفة العيش التي تطل من السلال بأفواههم الفاغرة ~~النهمة. وكانت النسوة يفضين بمتاعبهن بعضهن إلى بعض في صوت ~~خفيض، باكيات على الدوام، ويمسحن عيونهن بأطراف عباءاتهن. وكانت ~~هناك عجوز ذات عينين غائرتين، هدتها الملاريا، تبكي في حرقة وفي ~~صمت، كأنما تريد أن تبدي أنها تعاني أكثر منهن بوصفها أما. هنا ~~كانت شرور الحياة تبدو لا علاج لها، في مكان الانتظار الكئيب ذاك؛ ~~حيث لا يوجد ما تستقر عليه العين سوى شجيرتين أو ثلاث، ونافورة ~~جفت المياه منها، ورجال الشرطة عجاف الوجوه ينظفون ياقات قمصانهم ~~بريق شفاههم. ولم يكن أمام النسوة إلا أن يسلمن أمرهن إلى الله ~~القادر العليم. # وظهر شرطي خلاسي # 1 # يجر وراءه «الذبابة». كان قد قبض عليه إلى جوار «مدرسة ~~المشاة». وكان الشرطي يشده من يده ويهزه من جانب لآخر كأنما هو ~~قرد. ولكن النسوة لم يجدن في ذلك شيئا مضحكا؛ فقد كن مشغولات ~~بمراقبة حركات السجانين وهم يحملون سلال الفطور ثم يعودون إليهن ~~بأخبار السجناء: «يقول: لا تقلقوا عليه؛ فالأمور قد تحسنت ~~فعلا!» يقول: «إن عليكم أن تشتروا له ما قيمته أربعة قروش من مرهم ~~الزئبق حالما يفتح الصيدلي.» «يقول: لا تصدقوا ما قاله لكم ابن ~~عمه.» «يقول: ابحثوا له عن محام، أو ms007 عن طالب في كلية الحقوق حتى لا ~~يكلفكم كثيرا»! «يقول: الأمر لا يستحق كل ذلك، فليست هناك نسوة ~~معهم تبرر الشعور بهذه الغيرة. لقد أحضروا واحدة ذلك اليوم، فبحث ~~لنفسه عن صديق على الفور»! «يقول: أرسلوا إليه مسهلا حتى يستطيع ~~أن يفرغ بطنه»! «يقول: إنه غاضب منكم لأنكم قد بعتم ~~الصوان». # واحتج «الذبابة» على المعاملة التي يلقاها من الشرطي وقال له: ~~«إيه ... أنت ... ماذا تظن أنك فاعل؟ ألا تشعر بأية شفقة؟ ألأني فقير؟ ~~أنا فقير ولكني شريف. اسمع: إنني لست ابنك أو لعبتك أو حيوانك ~~الأليف، ولا أي شيء حتى تعاملني هكذا! إنها لعبة ظريفة أن تعاملونا ~~هذه المعاملة وتجرونا بهذه الطريقة كيما تحظوا برضاء الأمريكان. ~~يا لها من لعبة قذرة! كما لو كنا ديوكا على مائدة عيد الميلاد. ~~ولكن ... حتى المعاملة الحسنة لا نلقاها منكم! وحين جاء السيد فلان، ~~حبسوا عنا الطعام ثلاثة أيام ونحن نتطلع عبر النافذة وقد التحفنا ~~بالبطاطين كالمجانين ...» # وكانوا يقودون الشحاذين المقبوض عليهم إلى زنزانة ضيقة مظلمة ~~تدعى «الثلاث ماريات». وارتفعت جلبة المفاتيح وهي تدور في الأبواب ~~ولعنات السجانين الذين تفوح منهم نتانة العرق والتبغ، ثم ترددت ~~صيحات «الذبابة» العالية مرة أخرى في هذه الأنفاق التحتية: «آه، ~~يا له من شرطي! أيتها العذراء المقدسة، يا له من وغد! فليحمني ~~منه يسوع المسيح!» # وكان رفاقه ينشجون كالحيوانات، تسيل أنوفهم وقد غمرهم العذاب ~~من فرط الظلمة التي تحيط بهم من كل جانب، ويشعرون بأنهم لن ~~يكون في مقدورهم الخلاص أبدا من وهدة السجن هذه التي سقطوا فيها؛ ~~وغمرهم الخوف، فقد انتهى الأمر بكثير من الناس هنا إلى الموت جوعا ~~وعطشا: وكان ينتابهم إحساس بأنهم سيضعونهم في القدور ويغلونهم ~~على النار ويصنعون منهم طلاء للسيارات، كالكلاب، أو يذبحونهم ~~ويقدمونهم طعاما لرجال الشرطة. ولاحت أمامهم الوجوه كأنها وجوه ~~آكلي لحوم البشر، مضيئة كالفوانيس، يتقدم أصحابها عبر الظلال، ~~وجناتهم كالأرداف، وشواربهم كأوراق الشيكولاتة المفضضة. # وكان ثمة طالب ومساعد قس في نفس الزنزانة. ~~- سيدي، أعتقد لو لم أكن مخطئا أنك قد ms008 جئت إلى هنا أولا. أنت ~~وأنا، أليس كذلك؟ # تكلم الطالب لكي يقطع حبل الصمت، لكي يتخلص من بعض ما يشعر ~~به من حزن في حلقه. ورد مساعد القس وهو يبحث في الظلمة عن وجه ~~محدثه: أعتقد هذا. ~~- و... حسنا. كنت سأسألك عن سبب القبض عليك. ~~- بسبب السياسة. هكذا يقولون. # وارتجف الطالب من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وقال بصعوبة شديدة: ~~وأنا أيضا. # وفتش الشحاذون حول وسطهم بحثا عن كيس زوادهم الذي لا ~~يفارقهم، غير أن الحراس كانوا قد جردوهم من كل شيء في مكتب مدير ~~الشرطة، حتى مما يحملونه في جيوبهم، بحيث لم يعد معهم أي شيء حتى ~~أعواد الثقاب . كانت الأوامر صريحة! ومضى الطالب في حديثه: وما هي ~~قضيتك؟ ~~- ليست لي قضية. إنني هنا بأمر من أعلى. # وارتد مساعد القس، وهو يقول هذا، إلى الخلف دافعا كتفه في ~~الحائط كيما يسحق حشرات البق التي علقت به. ~~- هل كنت ... # فرد مساعد القس بطريقة جافة: لا شيء! لم أكن شيئا ~~ألبتة! # وفي هذه اللحظة سمع صرير الباب الذي انفتح على مصراعيه ليدخل ~~منه شحاذ آخر. # وصاح «ذو القدم المسطوحة» وهو يدخل: «تحيا فرنسا!» # وقال مساعد القس: لقد سجنت ... تحيا فرنسا! ~~- «... بسبب جريمة ارتكبتها بمحض الخطأ فبدلا من أن أزيل إعلانا ~~عن السيدة العذراء من على باب الكنيسة التي أعمل بها، ذهبت وأزلت ~~إعلانا عن الاحتفال بالذكرى السنوية لوالدة السيد ~~الرئيس.» # وهمس الطالب بينما كان مساعد القس يمسح دموعه بأصابعه: ولكن، ~~كيف علموا بالأمر؟ ~~- لا أعرف. لقد أضاعني غبائي. وعلى كل حال فقد قبضوا علي ~~وساقوني إلى مدير الشرطة الذي قام بإعطائي ما تيسر من اللكمات ~~ثم أمر بأن أوضع في هذه الزنزانة، معزولا، باعتباري ثوريا، كما ~~قال. # وبكى الشحاذون المتجمعون في الظلمة من فرط الخوف والبرد ~~والجوع. ولم يكن أحد منهم يرى حتى يديه ذاتهما. وأحيانا كانوا ~~يلجئون إلى السبات، ويسمع آنذاك زفير الصماء البكماء الحبلى يمرق ~~من بينهم كأنما يبحث لنفسه عن مخرج. # ولم يدر أحد منهم متى أخرجوهم من ms009 هذا القبو، وربما كان ذلك في ~~منتصف الليل؛ فالتحقيق يتناول جريمة سياسية كما قال لهم أحد ~~الرجال ربعة القامة معرورق الوجه زعفراني اللون، ذو شارب ينسدل ~~على شفتيه الغليظتين في إهمال، أفطس الأنف قليلا، وذو عينين ~~مقنعتين. وقد انتهى هذا الرجل بسؤالهم جميعا فردا فردا عن مدى ~~علمهم بالمسئول أو المسئولين عن جريمة «رواق الرب» التي ارتكبت ~~في الليلة الفائتة في شخص أحد كبار رجال الجيش. # وكان ثمة مصباح يتصاعد منه الدخان يضيء الحجرة التي نقلوهم ~~إليها، فبدا ضوءه الباهت كأنما يمر من خلال عدسات مملوءة ~~بالمياه. ما هذا الذي يجري هنا؟ ما هذا الجدار؟ وما هذا الرف ~~المليء بالأسلحة والذي يبدو أشد شراسة من أنياب النمر؛ وزنار ~~الشرطي المليء بالذخيرة؟ # وأثارت إجابات الشحاذين أعصاب المحقق، المدعي العسكري العام، ~~فقفز من مقعده وصاح قائلا وهو يفتح عينيه الحجريتين من وراء ~~نظارته الطبية السميكة ويضرب المائدة التي يستخدمها كمكتب بقبضة ~~يده: سأستخلص منكم الحقيقة! وردد الواحد منهم بعد الآخر أن ~~مقترف الجريمة هو الأبله، زميلهم الشحاذ ووصفوا بدقة تفاصيل ~~الجريمة التي شاهدوا وقائعها بأعينهم. # وأشار المحقق من طرف خفي، فهجم رجال الشرطة، الذين كانوا ~~يرهفون سمعهم من وراء الباب، على الشحاذين يوسعونهم ضربا ~~ويدفعونهم نحو إحدى الردهات العارية من كل شيء، إلا من حبل غليظ ~~يتدلى من سقفها. # وصرخ أول المعذبين في محاولة محمومة للهرب من التعذيب بذكر ~~الحقيقة: إنه الأبله! إنه الأبله يا سيدي! إنه الأبله! إنه الأبله، ~~إنه الأبله بحق الإله! الأبله، الأبله، الأبله! ذلك الأبله. ~~الأبله. ذاك، ذاك، ذاك! ~~- لقد نصحوكم أن تقولوا لي ذلك. ولكن هذه الأكاذيب لا تجدي معي! ~~الحقيقة أو الموت! هل أنت عارف، أتسمع؛ اعرف، إن لم تكن ~~تعرف. # وانساب صوت المحقق كالدم السيال في سمع الشقي الذي لم ينقطع عن ~~الصراخ إذ هو معلق من أصابعه دون أن يستطيع وضع قدميه على الأرض: ~~«إنه الأبله، الأبله هو. إنه الأبله بحق الإله! إنه الأبله! إنه ~~الأبله! إنه الأبله، إنه الأبله ...» # وأعلن المحقق: «كذب!» ثم ms010 قال بعد فترة صمت: «هذا كذب، وأنت كاذب. ~~سوف أذكر لك من قتل الكولونيل «خوسيه باراليس سونرينتي» ولنر إذا ~~كنت تجسر على إنكار ذلك. سوف أذكر لك اسمهما، إنهما الجنرال ~~«يوسبيو كاناليس» والمحامي «قابيل كارفاخال»!» # وتلا كلامه صمت جليدي، وبعده، وبعده، أنين، وأنين آخر بعد ذلك، ~~ثم أخيرا كلمة «أجل!» وحين أطلقوا الحبل ارتمى «فيودا» على الأرض ~~دون حراك. وبدت وجنتا هذا الشحاذ الخلاسي غارقتين في العرق ~~والأنين، كالفحم الذي بللته مياه الأمطار. وتتالى بعده استجواب ~~رفاقه الذين كانوا يرتجفون كالكلاب الضالة التي تقتلها الشرطة ~~بالسم في الشوارع، وكلهم أمنوا على كلام المحقق، كلهم، عدا ~~«الذبابة»؛ كان وجهه ينم عن مزيج من الخوف والاحتقار. وعلقوه من ~~أصابعه لأنه كان يؤكد وهو على الأرض، نصف مدفون - مدفون حتى وسطه ~~كحال كل من لا ساقين له - أن زملاءه يكذبون حين يلقون تبعة ~~الجريمة على شخصين غريبين عنهما، في حين أن المسئول الوحيد عنها ~~هو الأبله. # والتقط المحقق الكلمة: مسئول! كيف تجسر على أن تقول إن أبله ~~مسئول؛ أترى كذبك؟ مسئول غير مسئول. ~~- فليرد هو على هذا الكلام. # فاقترح شرطي له صوت نسائي أن يضربوه، بينما ساطه شرطي آخر على ~~وجهه. # وصاح المحقق في الوقت الذي انهال السوط على وجه الرجل الكهل: ~~قل الحق! الحق وإلا ستظل معلقا هكذا طوال الليل! ~~- ألا ترى أنني أعمى؟ ~~- فلتنكر إذن أن يكون القاتل هو الأبله. ~~- كلا؛ فهذه هي الحقيقة ولدى الشجاعة أن أقولها. # وفجرت ضربتان من السوط الدماء من شفتيه ... ~~- إنك أعمى ولكن ... اسمع، فلتقل الحقيقة، اعترف كزملائك! ~~- «وهو كذلك!» # وافق «الذبابة» بصوت منطفئ. واعتقد المحقق أنه كسب ~~الجولة. ~~- وهو كذلك أيها الأخرق. ~~- إنه الأبله ... ~~- أيها الأحمق! # بيد أن شتيمة المحقق لم تجد صدى في آذان هذا النصف مخلوق الذي ~~لن يسمع شيئا بعد ذلك. وحين أطلقوا الحبال، سقطت جثة «الذبابة» - ~~أي الجذع، فقد كان جسده دونما ساقين - على الأرض كالبندول ~~المكسور. # وصاح المحقق وهو يمر بجانب الجثة: «أيها الكذوب العجوز، لم يكن ~~اعترافك بنافع لنا؛ ms011 فقد كنت أعمى!» # وجرى ليطلع السيد الرئيس على الخطوات الأولى للتحقيق، واستقل ~~عربة يقودها جوادان هزيلان، وتضيء فوانيسها عيون الموت ذاته. وألقت ~~الشرطة بجثة «الذبابة» في عربة للقمامة ابتعدت به ناحية المقابر. ~~وبدأت الديكة في الصياح. وعاد الشحاذون الذين أطلق سراحهم إلى ~~الشوارع. وكانت الصماء البكماء تبكي من الخوف؛ لأنها تشعر بطفل ~~يتحرك في أحشائها. # الفصل الثالث # | فرار الأبله # فر الأبله عبر الطرق الملتوية الضيقة التي تؤدي إلى ضواحي ~~المدينة، بيد أن صرخاته المحمومة لم تفلح في إشاعة الاضطراب لا في ~~هدوء السماء ولا في سبات السكان، الذين كانوا يتشابهون فيما بينهم ~~في نومهم الشبيه بالموت، كاختلافهم مع مطلع الشمس حين يستأنفون ~~الكفاح من أجل الحياة. كان البعض منهم يفتقر إلى أشد مطالب الحياة ~~أساسية، ويضطر إلى اللجوء إلى الأعمال الشاقة كي يكسب عيشه ~~اليومي، بينما البعض الآخر يحصل على ما يفيض عن حاجته عن طريق ~~موارد الكسل المحظوظ: باعتباره من أصدقاء السيد الرئيس؛ أو من ملاك ~~العقارات (أربعون أو خمسون منزلا)؛ أو المرابين الذين يقرضون ~~الأموال بفائدة ستة وستة ونصف وعشرة في المائة؛ أو الموظفين الذين ~~يشغلون سبعة أو ثمانية مناصب حكومية مختلفة في آن واحد؛ أو ~~مستغلي الامتيازات، والمعاشات، والشهادات المهنية، ونوادي ~~القمار، وحلبات مصارعة الديكة، وفقراء الهنود، ومصانع الخمور، ~~وبيوت الدعارة، والبارات، والصحف المعانة من الدولة. # وكانت عصارة الفجر الدموية تجلل قمم الجبال التي تحيط ~~بالمدينة التي كانت ترقد وسط الوادي كأنها أديم القشور. كانت ~~الشوارع تبدو أنفاقا من الظلال، ينبجس منها العمال الباكرون ~~كأنهم أشباح في فراغ عالم يخلق من جديد كل صباح، يتبعهم بعد ساعات ~~قليلة الموظفون والكتبة والطلاب، وفي الحادية عشرة، حين تعلو ~~الشمس كبد السماء، يظهر أكابر القوم بعد أن فرغوا من تناول ~~إفطارهم، تنفتح شهيتهم لتناول الغداء، أو يتوجهون لزيارة صديق من ~~ذوي النفوذ لإقناعه بالاشتراك معهم في شراء متأخرات رواتب ~~المدرسين المدقعين بنصف قيمتها. كانت الشوارع ما زالت تقعي غارقة ~~في الظلال، حين قطع صمتها صليل ~~تنورات بعض النسوة ممن يعملن ms012 بلا كلل في رعي الخنازير أو بيع ~~الحليب أو التجول بالبضائع أو بيع فضلات الذبيحة كيما يقمن أود ~~أسرهن، أو يبكرن لأداء أعمالهن اليومية. وبعد ذلك، حين يذبل ~~الضوء ويتحول إلى نور أبيض وردي كلون زهرة البيغونيا، تتردد ~~أصداء قدمي عاملة صغيرة نحيلة، تزدريها السيدات الفضليات اللائي لا ~~يغادرن مخادعهن قبل توسط الشمس كبد السماء، فيبسطن حينذاك ~~سيقانهن في أبهاء البيت، ويحكين أحلامهن للخدم، وينتقدن ~~المارة، ويداعبن القطة، ثم يطالعن الصحيفة، أو يتهن خيلاء أمام ~~المرآة. # وبين الواقع والحلم، تابع الأبله جريه، تطارده الكلاب ويلسعه ~~رذاذ المطر الحاد. كان يجري بلا هدف، فاغر الفم وقد تدلى لسانه، ~~سائل اللعاب، لاهثا ، ملوحا بذراعيه في الهواء. وكانت تترى ~~وراءه أبواب وأبواب وأبواب ونوافذ وأبواب ونوافذ. وكان يقف فجأة ~~ويغطي وجهه بيديه ليحمي نفسه من عمود من أعمدة البرق، ثم ~~يتبين له أن لا ضرر منه على نفسه فينفجر ضاحكا ويستمر في ~~جريه، كأنما هو إنسان يهرب من سجن صنعت جدرانه من الضباب، بحيث ~~إنه كلما زاد جريا، ابتعدت عنه هذه الجدران. # وحين وصل إلى الضواحي، حيث تستسلم المدينة إلى الريف المحيط ~~بها، ارتمى على كومة من النفايات كأنه شخص بلغ مخدعه آخر الأمر، ~~واستغرق في النوم. وكان يعلو كومة النفايات شبكة عنكبوتية من فروع ~~الأشجار الميتة، تغطيها كوكبة من النسور. وحين لمحت تلك الطيور ~~الجارحة السوداء الأبله يرقد هناك بلا حراك، حدقت إليه بعيونها ~~الزرقاء، وحطت على الأرض بجانبه وهي تتقافز إلى جواره - قفزة هنا ~~وقفزة هناك - في رقصة جنائزية. وكانت النسور تتطلع حواليها دونما ~~انقطاع، وهي متأهبة لأن تطير عند أقل حركة تصدر عن ورقة شجر أو ~~عن الرياح التي تصطفق في القمامة - قفزة هنا وقفزة هناك - ثم ~~أطبقت على الأبله شكل دائرة إلى أن أصبح في متناول مناقيرها. وأعطى ~~نعيب وحشي إشارة البدء بالهجوم. ونهض الأبله على قدميه إذ أفاق، ~~مستعدا للدفاع عن نفسه. وكان واحد من تلك الطيور قد تشجع وألصق ~~منقاره بالشفة العليا للأبله وأخذ ينقرها وينفذ منها ms013 إلى أسنانه ~~كأنما هو سهم حاد، بينما أخذت الجوارح الأخرى تتنازع أيها ينقر ~~عينيه وأيها قلبه. وجاهد الطير الذي أنشب منقاره في شفته كيما ~~ينتزع لحمها، لا يهمه في شيء أن فريسته إنسان حي، وكان سيفلح في ~~ذلك لو لم يتراجع الأبله خطوة إلى الوراء فسقط في وهدة مستودع ~~للقمامة، مثيرا حوله سحبا من الغبار ومن قطع الأحجار ~~الثقيلة. ~~••• # كان الظلام ينسدل. سماء خضراء، وريف أخضر، وفي الثكنات، كان ~~النفير يدوي معلنا تمام السادسة، مرددا أصداء تماثل القلق ~~الذي تشعر به قبيلة في حالة طوارئ، أو قرية محاصرة في القرون ~~الوسطى. وفي السجون، بدأت آلام الأسرى الذين يموتون موتا بطيئا ~~على مر السنين تتجدد ثانية. وسحب الأفق رءوسه الصغيرة من شوارع ~~المدينة، كأنما هي ثعبان بألف رأس. وكان الناس عائدين من مقابلات ~~مع رئيس الجمهورية، بعضهم وقد أفلح في مساعيه، والآخر وقد خاب ~~رجاؤه؛ وكانت الأضواء المتسربة من نوافذ أوكار القمار تطعن ~~الظلمة في الصميم. # وكان الأبله لا يزال يصارع شبح النسر الذي ما فتئ يشعر به وهو ~~يهاجمه، وآلام ساقه التي انكسرت وهو يسقط في وهدة مستودع ~~القمامة، آلام لا تطاق، حالكة، تمزق أساسه تمزيقا. وأخذ يئن ~~طوال الليل كالكلب الجريح، أنينا بدأ خافتا ثم استحال صراخا، ~~وأخذ تعالي هنا يا فتاة يتردد خافتا مرة، وصراخا مرة أخرى: ~~آآآآآ ~~... ه، ... ~~آآآآ ~~... ه! # وكانت أظافر الحمى الحديدية تخمش جبهته. انفصال في الأفكار. ~~عالم متماوج يتراءى في مرآة. تفاوت خرافي. عاصفة من الهذيان، طيران ~~مخيف، أفقي، رأسي، مائل، هذيان حديث الولادة وميت في حلزون صاعد. ~~وغرق في هذيان الحمى. # منعطفمنعطفمنعطف إلى منعطفمنعطفمنعطف إلى منعطفمنعطفمنعطف إلى ~~زوجة لوط (هل هي التي اخترعت اللوتارية؟) وكانت البغال التي تجر ~~الترام تتحول إلى زوجة لوط، وضاق السائقان ذرعا بجمودها، فلم ~~يكتفيا بكسر سوطيهما على ظهور البغال وإلقاء الحجارة عليها، بل ~~إنهما دعيا السادة الركاب إلى استخدام أسلحتهم أيضا؛ وكان أعلاهم ~~شأنا يحملون خناجر جعلوا ينخسون البغال بها فتسير. ~~- ~~«آآآآ ~~... ه ... ~~آآآآ ~~...!» ~~- «يا أبله. ... يا أبله!» ms014 # ويشحذ شاحذ السكاكين أسنانه قبل أن يبتسم! شاحذو البسمة. أسنان ~~شاحذ السكاكين. ~~- «أماه!» # وأيقظته صيحة السكير التي سمعها في هذيانه. ~~- «أماه!» # وكان القمر يسطع متألقا بين السحب الإسفنجية، وسقط نوره الأبيض ~~على الأوراق الرطبة فخلع عليها بريق الخزف وجموده. ~~- «إنهم يحملون ...» ~~- «إنهم يحملون ...» ~~- إنهم يحملون القديسين من الكنيسة كيما يدفنوهم! آه، يا لها من ~~متعة! سوف يدفنونهم، سوف يدفنونهم، آه، يا لها من متعة! # المقابر أكثر بهجة من المدينة وأكثر نظافة منها! آه، يا لها من ~~متعة، سوف يدفنونهم! - «تارارا، تارارا، بووم!» # ومضى قدما في هذيانه فرأى نفسه يشق طريقه وسط الصعاب، متقافزا ~~من بركان إلى آخر، ومن نجمة إلى أخرى، ومن سماء إلى سماء، نصف ~~مستيقظ ونصف نائم، وسط أفواه ضخمة وأفواه صغيرة، بأسنان وبدون ~~أسنان، بشفاه وبلا شفاه، بشفاه مزدوجة، بشوارب، بألسنة مزدوجة، ~~بألسنة ثلاثية، صائحا: «أماه، أماه، أماه!» # توت، توت! واستقل القطار المحلي كي يبتعد عن المدينة إلى الجبال ~~بأسرع ما يستطيع؛ فالجبال ستمنحه دفعة إلى أعلى نحو البراكين، ~~فيما وراء الأبراج اللاسلكية، فيما وراء الجزر، فيما وراء حصن ~~المدفعية، تلك الفطيرة المحشوة بالجنود. # بيد أن القطار عاد إلى المكان الذي انطلق منه، كأنما هو لعبة ~~معلقة بحبل؛ وحين وصل: «تشوف، تشوف، تشوف»، كانت هناك بائعة ~~خضروات لاهثة ذات شعر يضاهي؛ بأعواد الصفصاف المصنوعة منه سلتها، ~~تنتظر في المحطة، وصاحت به: «بعض الخبز للأبله، أيها الببغاء ~~الصغير! ماء للأبله، ماء للأبله!» وجرى ناحية «رواق الرب» وبائعة ~~الخضروات تطارده وتتهدده بقرعة مليئة بالماء، بيد أنه حين وصل ~~إلى هناك، دوت صيحة «أماه!»: قفزة، رجل، ليل، صراع، موت، دماء، ~~هروب، الأبله ... «ماء للأبله، الببغاء الصغير، ماء للأبله!» # وأيقظه ما كان يشعر به من ألم في ساقه، وأحس أن هناك متاهة في ~~داخل عظامه. واتسمت عيناه بالحزن في ضوء النهار. وكانت ثمة تعريشات ~~تغطيها أزهار جميلة دعته كيما ينام تحت ظلالها إلى جوار غدير بارد ~~يحرك ذيله المغطى بالزبد كأنما هناك سنجاب فضي يختبئ وسط ~~طحالبه وأعشابه. # لا أحد. لا ms015 أحد. # ومرة أخرى، التجأ الأبله إلى ليل عينيه المغمضتين وجاهد ضد ~~الألم، محاولا وضع ساقه المكسورة وضعا مريحا وهو يسند بيديه ~~شفته الممزقة. ولكنه كان كلما فتح جفنيه الحارقين عبرت فوقه ~~سماوات حمراء كالدم. وبين ومضات البرق، كانت أشباح يرقات تمرق ~~هاربة من أمامه كأنها الفراشات. # وأدار ظهره لجرس إنذار الهذيان. ثلج للمحتضرين! بائع الثلج يبيع ~~قربان الوفاة المقدس! القسيس يبيع الثلج! ثلج للمحتضرين! تليلين، ~~تليلين! ثلج للمحتضرين! قربان الوفاة المقدس يمر! بائع الثلج يمر! ~~اخلع قبعتك احتراما، أيها الأخرس ذو اللعاب السائل! ثلج ~~للمحتضرين! # الفصل الرابع # | ذو الوجه الملائكي # ومضى الأبله يحلم، في مستودع القمامة الذي استقر فيه، ~~تغطيه أوراق الأشجار، وقطع من الجلد، ومزق، وهياكل مظلات، ~~وأطواق قبعات من القش، وبقايا الحديد الخردة، وقطع خزف مكسورة، ~~وصناديق من الكرتون وعجائن الكتب، وحطام زجاج، وأحذية قديمة لفحتها ~~الشمس، وياقات، وقشر بيض، وندف من القطن وفضلات الطعام، ورأى نفسه ~~الآن في فناء كبير، يحيط به عدد من الأقنعة، سرعان ما تبين أنها ~~وجوه أناس منهمكين في متابعة صراع الديكة. واضطرمت المعركة بين ~~الديكين كالأوراق التي تضطرم وسط النيران. وقضى ديك منهما دونما ~~ألم تحت أنظار المتفرجين الجامدة، سعداء برؤية المهماز المعقوف ~~يخرج مضرجا بالدماء. جو يعبق برائحة الخمر. بصاق بلون التبغ. ~~أحشاء الديك الصريع. إنهاك وحشي. سبات. خور. ظهيرة مدارية. وطاف به ~~في سباته شخص ما، يمشي على أطراف أصابعه كي لا يوقظه! # كانت أم الأبله قد أصبحت محظية لأحد الأفاقين من أصحاب ديكة ~~المصارعة، يلعب على الجيتار بأصابع كأنها من الحجارة. وسقطت الأم ~~ضحية لشعور هذا الرجل بالغيرة عليها ولرذائله العديدة الأخرى. وكان ~~شقاؤها قصة لا نهاية لها: محظية لهذا النكرة، وشهيدة للطفل الذي ~~أنجبته تحت التأثير «المباشر للقمر المتحول»، كما تقول القابلات ~~مدعيات العلم بكل شيء؛ ففي غمرة آلام مخاضها، امتزج رأس طفلها ~~الهائل الحجم - رأس كبير ذو قرنين كالقمر - بالأوجه المعروفة لجميع ~~المرضى الآخرين في المستشفى، وتعبيرات الخوف والسخط، والفواق، ~~والجزع، وقيء صاحب الديكة المخمور، ونتج عن ms016 ذلك كله مولودها ~~الأبله. # وأحس الأبله بصوت تنروتها المنشاة وسط الرياح وأوراق الشجر، ~~وجرى خلفها والدموع تملأ مقلتيه. ووجد راحة على صدر أمه. وامتصت ~~أحضان تلك التي منحته الوجود آلام جراحه كأنها أوراق النشاف. يا ~~له من ملجأ عميق لا يعكر صفوه شيء! يا له من حب جارف! يا زهرتي! ~~يا زهرتاه! يا زهرتي الحبيبة! يا زهرتي الحبيبة! # وكان صاحب الديكة يصل إلى أعماق أذنه وهو يغني برفق: # لم لا ... لم لا ... # لم لا ... يا حبيبي الصغير. # أنا الديك الصغير ... # ولما أرفع قدمي يا صغيري. # أجرجر جناحي يا صغيري! # ورفع الأبله رأسه وقال دون أن يتكلم: إني آسف يا ~~أمي ، إني آسف! # ورد الطيف الذي مسح بيده على وجهه في حنان على شكواه قائلا: ~~إني آسفة يا بني، إني آسفة! # وترامى صوت أبيه من بعيد آتيا عبر كأس من الخمر: # لقد شبكتني ... # لقد شبكتني ... # لقد شبكتني امرأة بيضاء. # وحين تكون الشبكة طيبة. # تتساقط خيوطها وحدها ... # وتمتم الأبله: أماه، إن آلامي تصل إلى أعماق ~~روحي! # ورد الطيف الذي مسح بيده على وجهه في حنان على شكواه قائلا في ~~ود: أي بني، إن آلامي تصل إلى أعماق روحي! # إن السعادة لا تعرف طعم الجسد. وإلى جوارهما كان ثمة ظل شجرة ~~صنوبر ينحني ليقبل الأرض، غضة كالنهر. وكان طائر يغني على الشجرة، ~~هو طائر وجرس من الذهب في نفس الوقت: إنني أنا الوردة - التفاحة ~~لعصفور الجنة. إنني أنا الحياة، نصف جسدي أكذوبة، والنصف الآخر ~~حقيقة؛ وإنني وردة وتفاحة. أعطي الجميع عينا من زجاج وعينا ~~حقيقية، فأما الذين يرون بعيني الزجاجية فإنهم يرون لأنهم يحلمون، ~~وأما الذين يرون بعيني الحقيقية فهم يرون لأنهم ينتظرون! إنني أنا ~~الوردة - التفاحة لعصفور الجنة، إنني الأكذوبة في كل شيء حقيقي، ~~والحقيقة في كل شيء كاذب! # وفجأة، ترك الأبله حضن أمه وجرى ليشاهد موكب السيرك. جياد ذات ~~أعنة طويلة كأنها أغصان اللبلاب، تقودها نسوة يرتدين ملابس ~~متلألئة بالترتر. عربات مزدانة بالزهور، ولافتات من الورق الصيني ~~معلقة على أفاريز الشوارع ms017 تتأرجح يمينا ويسارا كالسكارى. فرقة من ~~دهماء الموسيقيين وعازفي البوق والكمان وقارعي الطبول. والمهرجون ~~ذوو الوجوه المدهونة بالدقيق يوزعون البرنامج في ورق ملون، معلنا ~~عن الحفل الافتتاحي المخصص لرئيس الجمهورية، حامي حمى الوطن ورئيس ~~حزب الأحرار المجيد وراعي الشباب المجتهد. # وانتقلت عينا الأبله الآن تطوف في نومه الهاذي حول سطح بالغ ~~العلو. كان أهل السيرك قد خلفوه وحيدا ضائعا في بناية تقوم على ~~شفا هوة سحيقة خضراء داكنة. وكانت المقاعد تتدلى من ستائر جانبية ~~كأنها جسور معلقة، وقسس الاعتراف يصعدون ويهبطون من الأرض إلى ~~السماء كأنما هم مصاعد للأرواح يقوم عليها الملاك ذو الكرة الذهبية ~~والشيطان ذو الأحد عشر ألف قرن. وخرجت عذراء الكرمة من جدثها ~~كالضوء الذي يمر من خلال الزجاج، كيما تسأله عما يريد، وعمن يبحث. ~~وتوقف يتجاذب أطراف الحديث في انشراح معها، صاحبة هذا. البيت، أكثر ~~الملائكة عذوبة، وجوهر وجود القديسين، وحلوى الفقراء البائسين. ~~وكانت هذه السيدة العظيمة لا تكاد تبلغ المتر الواحد طولا، بيد ~~أنها حين تتكلم تعطي انطباعا بأنها تفهم في كل شيء كالناس الكبار. ~~وحكى لها الأبله بالإشارات كيف أنه يحب أن يمضغ الشمع، فقالت له ~~بين جد وهزل إنه يستطيع أن يأخذ إحدى الشموع المضاءة في مذبح ~~كنيستها. وبعد ذلك لملمت أطراف عباءتها الفضية الفضفاضة وقادته من ~~يده إلى حوض للأسماك الملونة وأعطته قوس قزح يمتصه كأنما هو حلوى ~~سكر النبات. إنها السعادة الكاملة! كان يشعر بالسعادة تغمره من طرف ~~لسانه إلى طرف قدمه. لقد كان شيئا لم ينله طوال حياته: قطعة شمع ~~يمضغها كاللدائن، وسكر نبات نعناعي، وحوض سمك ملون، وأم تدلك ساقه ~~الجريحة وتغني له: «إشف سريعا، إشف سريعا يا صغيري». كان كل ذلك ~~ملك يمينه إذ هو ينام على أكوام القمامة. # بيد أن السعادة لا تدوم إلا كما تدوم زخة المطر مع طلوع الشمس. ~~فمن خلال أرض بلون اللبن. ظهر حطاب يتبعه كلبه بعد أن ضل طريقه إلى ~~مستودع القمامة ذاك. كان يحمل حزمة من الحطب على ظهره، ورداؤه ~~ملفوف ms018 على الحزمة، بينما يحمل منجله بين ذراعيه كما يحمل الأب ~~طفله. ولم تكن الوهدة سحيقة، بيد أن الغروب المنسدل جعلها تبدو ~~عميقة مليئة بالظلال التي أحاطت بالقمامة المكومة في قاعها من ~~الفضلات التي تثير الخوف إذا ما حل الليل. والتفت الحطاب وراءه: ~~كان بوسعه أن يقسم أن ثمة شخصا يتتبعه. وبعد هنيهة أخرى، توقف مرة ~~ثانية. كان يشعر بوجود امرئ، ما يختفي هناك. ونبح الكلب وانتصب ~~شعره كأنما يرى الشيطان أمامه. وأطارت دوامة ريح أوراقا قذرة ~~ملطخة إما بدماء امرأة أو بماء البنجر. وكانت السماء تتبدى على ~~البعد، زرقاء ناصعة، كأنها قبة قبر عال، مرصعة بنسور حوامة غافية. ~~وبعد برهة ، جرى الكلب ناحية المكان الذي كان الأبله يرقد فيه. ~~وارتجف الحطاب من قشعريرة الخوف، واقترب خطوة خطوة وراء الكلب ليرى ~~من هو الميت. كان يتهدده خطر إصابة قدميه بالجراح من قطع الزجاج أو ~~أكعاب الزجاجات أو علب السردين الصفيحية؛ وكان عليه أن يقفز فوق ~~الروث النتن وعبر الوهاد المظلمة. وكانت ثمة فجوات مليئة بالمياه ~~تبدت كالموانئ وسط أكوام القمامة. # ودون أن يطرح عنه حمله _ إذ كان خوفه أشد ثقلا عليه أمسك بإحدى ~~قدمي الجثة المزعومة، وشد ما كانت دهشته أن وجد أنه إنسان لا تزال ~~الحياة تدب فيه، وامتزجت أنفاسه اللاهثة بصراخه بعواء الكلب، ليخلق ~~كل ذلك صورة حية لمحنته، كالرياح التي تختلط أحيانا بوابل المطر. ~~وزاد من اضطراب الحطاب صوت خطوات شخص يمشي خلال أجمة صغيرة قريبة ~~من شجر الصنوبر وأشجار الجوافة العتيقة. فماذا يحدث لو أنها خطوات ~~رجل شرطة! آه حقا، إن ذلك سيكون القشة التي تقصم ظهر البعير! ~~وهتف بالكلب: «صمتا!» ولما استمر في نباحه، وجه إليه رفسة قائلا: ~~«اسكت أيها البهيم، اسكت!» # وفكر في الهرب ... بيد أن الهرب هو اعتراف بالجرم ... وسيزيد الطين ~~بلة لو كان القادم من رجال الشرطة. وتحول إلى الرجل الجريح وهتف ~~به: «هيا، أسرع سأساعدك على النهوض! يا إلهي، لقد كادوا أن ~~يقتلوك! هيا لا تخف، لا تصرخ فإني لا أريد ms019 بك سوءا ... لقد كنت ~~مارا من هنا فرأيتك راقدا ...» # وقاطعه صوت من خلفه: «لقد رأيتك تنفض عنه أكوام القمامة، فعدت ~~إليك لأنني فكرت أنه قد يكون شخصا أعرفه؛ فلنخرجه من ~~هنا.» # وأدار الحطاب رأسه ليرد وقد كاد أن يغمى عليه من الخوف. ~~وانقطعت أنفاسه، ولم يهرب إلا لأنه كان يمسك بالجريح الذي لا يكاد ~~يقوى على الوقوف. وجال في خاطره أن من تحدث إليه لا بد أن يكون ~~ملاكا: بشرة من مرمر ذهبي وشعر أشقر، وفم دقيق، وطلعة أنثوية ~~تتناقض مع سواد عينيه الرجولي. كانت ملابسه رمادية اللون، وكان ~~يبدو في ضوء الغسق كالسحاب. وكان يحمل في يديه الرقيقتين عصا ~~نحيلة من الخيزران وقبعة ذات حافة عريضة بدت كالحمامة. # ورد الحطاب الذي لم يستطع أن يبعد عينيه عنه: «ملاك، إنه ~~ملاك. ملاك!» # وقال الغريب: «يبدو من ملابسه أنه من الفقراء. لشد ما هو محزن ~~أن يكون المرء فقيرا!» ~~- الأمر متوقف على الظروف. كل شيء في هذه الدنيا يتوقف على شيء ~~آخر. انظر لي مثلا، إني فقير جدا، ولكن عندي عملي، وزوجتي، ~~وكوخي، ولا أظن أن وضعي مثير للشفقة. قال الحطاب ذلك متلعثما ~~كرجل يتحدث في منامه. وكان يأمل في أن يفوز بحظوة لدى هذا الملاك ~~الذي قد يكافئه على قناعته المسيحية بأن يحوله من حطاب إلى ملك ~~بمجرد رغبته في ذلك. ورأى نفسه لحظات مشتملا بالذهب وعليه ~~عباءة حمراء، وعلى رأسه تاج وفي يده صولجان مرصع بالجواهر. وتراءى ~~له مستودع القمامة بعيدا بعيدا. # وقال الغريب ملاحظا وهو يرفع صوته فوق نواح الأبله: «هذا ~~غريب!» ~~- غريب؟ لماذا؟ على أية حال، إننا معشر الفقراء أكثر قناعة من ~~الآخرين. وما بوسعنا أن نفعل، على كل حال؛ الحقيقة أنه مع وجود ~~المدارس فإن من يتعلم القراءة يقع تحت تأثير أشياء يستحيل عليه ~~تنفيذها. وحتى زوجتي ينتابها الحزن أحيانا وتقول إنها تتمنى لو ~~كان لها أجنحة أيام الآحاد. # وأغمي على الجريح مرتين أو ثلاث مرات حين كانا يهبطان به أشد ~~الجهات انحدارا. وكانت الأشجار ترتفع ms020 وتنخفض أمام عينيه ~~المحتضرتين كأنما هي أصابع الراقصين في الرقصات الصينية. وتماوج في ~~أذنيه حديث الرجلين اللذين يكادان يحملانه كلية كأنما هما رجلان ~~سكرانان فوق أرض زلقة. كانت ثمة بقعة سوداء كبيرة تمسك بخناقه، ~~وارتعاشات باردة مفاجئة تمر عبر جسده فتشعل من جديد رماد خيالاته ~~المحترقة. # وقال الغريب: «إذن فزوجتك تريد أجنحة أيام الآحاد؟ أجنحة! حتى لو ~~كان لها أجنحة فلن تكون بذات فائدة لها.» ~~- هذا صحيح، إنها تقول إنها تريد الأجنحة حتى تخرج للنزهة بها. ~~وحين تتشاجر معي تطلب دائما الأجنحة من الرياح. # وتوقف الحطاب كيما يمسح العرق الذي تناثر على جبهته بطرف ~~كمه، وقال متعجبا: «إنه ليس بالخفيف الوزن !» # وقال الوافد الغريب: «يكفيها ساقاها إن هي أرادت الذهاب؛ حتى لو ~~كانت لديها أجنحة فإنها لن ترحل. ~~- «كلا، إنها لن ترحل، ولكن ليس كرما منها، بل لأن النساء طيور ~~لا تستطيع العيش دون أقفاصها، ولأنني لا أحمل معي إلى البيت سوى ~~قطع قليلة من الحطب لا أستطيع أن أكسرها فوق ظهرها.» وتذكر عند ~~ذلك أنه يتحدث إلى ملاك فاستدرك سريعا قائلا: «وذلك لصالحها، ~~طبعا.» ومضى الحطاب يقول مغيرا الحديث لشعوره بالحرج مما قاله ~~توا: «من يا ترى ضرب هذا الشاب المسكين؟» ~~- هناك الكثيرون ... ~~- «أجل، كثير من الناس بوسعهم عمل أي شيء، ولكن هذا الشاب يبدو ~~كما لو ... كما لو أنهم لم يشعروا بأي رحمة نحوه. طعنة بالسكين في ~~شفتيه ... ثم إلقاؤه هكذا في مستودع القمامة!» ~~- ربما كانت جراح أخرى كذلك. ~~- يبدو لي أن جرح شفتيه من جراء طعنة موسى. ثم إنهم حملوه هنا ~~بعيدا حتى لا يكتشف جريمتهم أحد، هه! ~~- ويا له من مكان بائس! - هذا ما كنت على وشك أن أقوله. # وكانت الأشجار تغص بالنسور التي توشك على مغادرة مستودع ~~القمامة. وكان خوف الأبله يطغى على آلامه، فبقي صامتا، وانكمش ~~على نفسه كالقنفذ في سكون مميت. # وسرت الريح في خفة وسط السهل، تهب من المدينة تجاه الحقول، ~~خفيفة لطيفة، أنيسة. # وتطلع الغريب إلى ساعته، ثم سار بعيدا بعد ms021 أن وضع بعض النقود في ~~جيب الرجل الجريح وودع الحطاب بتحية ودية. # كانت السماء صافية رائعة. وكانت البيوت التي تقع في طرف المدينة ~~تطل على الحقول؛ وأنوارها الكهربائية تتوهج كأعواد الثقاب في ~~سرح مظلم. وبدأت تظهر وسط الظلمة طرقات متعرجة، تقوم الأشجار على ~~جانبيها، بالقرب من أول صف من البيوت: أكواخ طينية تفوح منها رائحة ~~القش، وأعشاش خشبية تفوح منها رائحة الهنود، بيوت ضخمة ذات فناء ~~أمامي نتنة الرائحة كالإسطبلات، وخانات فيها المعتاد من العلف الذي ~~يباع للحيوانات والخادمة التي تطارح حبيبها الغرام في الثكنات، ~~وجماعة من البغالين يتحادثون في الظلمة. # وترك الحطاب الرجل الجريح عند وصولهما إلى أول البيوت بعد أن شرح ~~له كيف يتوجه إلى المستشفى. وفتح الأبله جفنيه باحثا عن الراحة، ~~وعن شيء يخلصه من الفواق، بيد أن نظرته المحتضرة، الثابتة كالشوكة، ~~دقت رجاءه على الأبواب الموصدة في الشارع المهجور. وترامى على ~~البعد صوت أبواق تنادي القوم الرحل، وأجراس تدق ثلاثا على ~~أرواح الموتى المسيحيين: ال ... رح ... مة، ال ... رح ... مة، ال ... رح ... ~~مة. # وشعر بالرعب من نسر يجر نفسه وسط الظلال. كان جناحه مكسورا، ~~ورن نواحه في أذن الأبله كالوعيد. وتحرك بعيدا في بطء، خطوة ~~خطوة، مستندا إلى الجدران، إلى ارتعاشات الجدران الثابتة، مطلقا ~~أنة وراء أخرى، دون أن يدري أيان يذهب، والرياح تصك وجهه، ~~الرياح التي بدت كما لو كانت قد امتصت ثلجا قبل أن تهب في ~~الليل. وكان الفواق يهد كيانه. # وألقى الحطاب رزمة الحطب في فناء كوخه كالعادة. وكان كلبه قد ~~وصل قبله إلى البيت واستقبله في حفاوة بالغة. وأزاحه بعيدا عنه؛ ~~قبل أن يخلع عنه قبعته، فك أزرار سترته فتدلت على كتفيه كأنها ~~جناحا وطواط، ثم توجه إلى النيران الموقدة في ركن الحجرة، حيث كانت ~~زوجته تطهو بعض الكعك، وقص عليها ما حدث. ~~- «لقد قابلت ملاكا عند مستودع القمامة.» # وخفق ضوء النيران على جدران الخيزران وعلى السقف المصنوع من القش ~~كأنه أجنحة ملائكة آخرين. # وصدر عن الكوخ خيط مرتعش من الدخان الأبيض ms022 النباتي. # الفصل الخامس # | ذلك الحيوان! # كان سكرتير الرئيس يصغي إلى الدكتور «بارينيو». ~~- أقول لك يا سيدي السكرتير، إنني أعمل منذ عشر سنوات جراحا ~~عسكريا في ثكنات الجيش؛ وأقول لك إنني وقعت ضحية مؤامرة كبرى؛ ~~لقد اعتقلت، وكان اعتقالي بسبب ... ولكن يجب أن أخبرك بكل شيء. ~~هذا ما حدث تماما: لقد انتشر أحد الأمراض فجأة في المستشفى ~~العسكري؛ ففي كل يوم يموت عشرة أشخاص أو اثنا عشر شخصا في ~~الصباح، ومثلهم في الأصيل، ومثلهم في الليل. وقام مدير الصحة ~~العسكرية بتكليفي أنا وبعض زملائي من الأطباء الآخرين ببحث الحالة ~~واكتشاف سبب وفاة هؤلاء الأشخاص الذين يدخلون المستشفى قبل وفاتهم ~~بيوم في صحة جيدة، أو ما يقارب ذلك. حسنا، وبعد إجرائي خمس حالات ~~تشريح، نجحت في إثبات أن هؤلاء الرجال التعساء قد ماتوا نتيجة حدوث ~~تهتك في المعدة، ثقب بحجم العملة المعدنية الصغيرة، ناتج عن عامل ~~خارجي لم أتعرف عليه، والذي ثبت فيما بعد أنه سلفات الصوديوم التي ~~تناولها كمطهر للأمعاء، وهو صوديوم يشترى من مصنع المياه ~~الغازية، ولذلك فهو من نوع رديء. حسنا، إن زملائي لم يشاطروني ~~رأيي هذا، ولذلك لم يقبض عليهم فيما يبدو، فهم يرون أنه مرض جديد ~~يحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي. أقول لك إن مائة وأربعين ~~جنديا قد ماتوا، ولا يزال هناك صندوقان من سلفات الصوديوم تلك. ~~أقول لك إن مدير الصحة العسكرية، كيما يربح حفنة من الجنيهات، قد ~~ضحى بمائة وأربعين رجلا، بالإضافة إلى من سوف يلقون نفس مصيرهم. ~~أقول لك ...» # وصاح أركان حرب رئيس الجمهورية من باب مكتب السكرتير: «الدكتور ~~لويس بارينيو!» ~~- سوف أحكي لك ما سيقوله لي أيها السيد السكرتير. # وسار السكرتير بضع خطوات مع الدكتور بارينيو تجاه الباب. ~~وباستثناء الاعتبارات الإنسانية، شعر السكرتير بالاهتمام تجاه ~~أسلوب قصة الدكتور المتدرجة، الرتيبة، الكئيبة، التي تتمشى مع رأسه ~~الذي وخطه الشيب ومع الوجه اللحيم الجاف الذي يتسم به رجال ~~العلم. # واستقبله رئيس الجمهورية واقفا، مرفوع الرأس، وإحدى ذراعيه ~~متدلية على جنبه في وضع طبيعي، والأخرى ms023 خلف ظهره، وهتف به دون أن ~~يترك له فرصة تقديم التحية: أرجو أن تدرك هذا جيدا يا سيد لويس، ~~إنني لن أقبل أن تعمل شائعات يطلقها الدجالون من الأطباء على ~~الحط من قدر حكومتي حتى في أقل القليل. وينبغي لأعدائي أن ~~يضعوا هذا في اعتبارهم دائما، وسوف أقطع رقبة أول شخص ينسى ذلك. ~~والآن، تفضل، أخرج ... وقل لذلك الحيوان أن يحضر! # وانسحب الدكتور بارينيو خارجا بمظهره، وقد تغضنت جبهته على ~~نحو مؤلم، وشحب وجهه كأنما هو يوم دفنه. ~~- لقد انتهيت يا سيدي السكرتير، لقد انتهيت. لقد كان الشيء ~~الوحيد الذي سمعته يقول لي هو: تفضل، أخرج، وقل لذلك الحيوان أن ~~يحضر . ~~- إنني ذلك الحيوان. # قال ذلك واحد من الكتبة كان جالسا إلى مكتب في ركن الغرفة، ~~وقام ثم دلف إلى حجرة الرئيس من نفس الباب الذي أغلقه الدكتور ~~بارينيو لتوه. # وغمغم الدكتور بارينيو وهو يمسح العرق الذي يتصبب على وجهه: لقد ~~ظننت أنه سيضربني! لو أنك رأيته، آه لو كنت قد رأيته! بيد أنني ~~أضيع وقتك يا سيدي السكرتير، وأنت مشغول جدا. إنني ذاهب الآن، ~~وأشكرك شكرا جزيلا. ~~- مع السلامة يا عزيزي الدكتور، عفوا، وأتمنى لك حظا ~~سعيدا. # وانتهى السكرتير من كتابة الرسائل التي سيوقعها السيد الرئيس في ~~بضع دقائق. وكانت المدينة تتشرب الغسق البرتقالي، والسماء ترتدي ~~حلة موسلين قشيبة من السحاب وتترصع بنجوم كأنه ملائكة التسبيح. ~~وصدحت نواقيس الكنائس نغمة «مباركة أنت أيتها العذراء» فملأت ~~الطرقات كأنها طوق نجاة للبشر. # وذهب بارينيو إلى بيته وعالمه ينهار من حوله. كيف كان يمكنه أن ~~يتفادى هذه الضربة الخئون؟ وأغلق الباب وهو يتطلع إلى السقف حيث ~~يمكن أن تهبط أياد قاتلة لتخنقه، وتوجه إلى خزانة ملابس كبيرة في ~~حجرة نومه واختبأ فيها. # كانت معاطفه معلقة في الخزانة في صف مهيب كأنها جثث رجال ~~مشنوقين محفوظة في النفتالين، وذكره منظرهم الجنائزي باغتيال والده ~~منذ سنوات عديدة حين كان يسير بمفرده ليلا. وكان على أسرته أن ~~تقنع بتحقيق قضائي لا جدوى منه. وبعد تلك ms024 الجريمة، حلت به مأساة، ~~إذ تسلم خطابا غفلا من التوقيع كان منطوقه ما يلي على وجه ~~التقريب: «كنت وزوج أختي عائدين يوما من طريق «فولتا غراندي» إلى ~~حي «لا كانوا» في حوالي الحادية عشرة مساء، حين سمعنا طلقا ~~ناريا عن بعد، وطلقا آخر، وآخر، وآخر، حتى عددنا خمس طلقات، ~~فاختبأنا وراء أجمة أشجار قريبة. وسمعنا صوت جياد تقترب منا تخب ~~بأقصى سرعة، حتى كادت الجياد وراكبوها أن يحتكوا بنا في انطلاقهم ~~السريع، وبعد برهة، عدنا نسير في طريقنا مرة أخرى، وساد الصمت ~~ثانية، بيد أن جوادينا أخذا يصهلان بشدة. ونزلنا من على ظهريهما ~~وهما يزأران ويصهلان، كل منا يحمل مسدسه في يده لنرى ما ~~الأمر، فوجدنا جثة رجل ميت مقلوب على وجهه، وعلى مقربة منه بغلا ~~جريحا أراحه زوج أختي من آلامه بطلقة من مسدسه. وأسرعنا بالعودة ~~إلى «فولتا غراندي» للإبلاغ عن الواقعة. وفي مقر الشرطة الرئيسي ~~وجدنا الكولونيل «خوسيه بيراليس سونرينتي» الملقب ب «الرجل ذي ~~البغل الصغير»، وثلة من أصدقائه يجلسون إلى مائدة عامرة بزجاجات ~~النبيذ. وانتحينا به جانبا وحكينا له ما رأينا: أولا الطلقات ~~النارية، ثم ... وأصغى إلينا، ثم هز كتفيه، وحول بصره إلى ضوء ~~الشمعة التي سالت على جوانبها ورد في بطء: «اذهبا إلى منزلكما ~~مباشرة - إني أعرف عما أتحدث - ولا تذكرا هذا الأمر مرة ~~أخرى»!» ~~- لويس! لويس! # وسقط أحد معاطفه من شماعته كأنه طير كاسر. ~~- لويس! # وبحركة سريعة، خرج «لويس بارينيو» من خزانة الملابس وتوجه إلى ~~غرفة المكتبة وتظاهر بتقليب صفحات كتاب. لشد ما يكون فزع زوجته لو ~~أنها اكتشفت أنه كان مختبئا في خزانة الملابس! ~~- لقد تعدى الأمر كل حدود! سوف تقتل نفسك أو تفقد عقلك من جراء ~~كل هذه القراءة. لقد قلت لك ذلك منذ البداية! ألا تدرك أن ما ~~ينقصك هو الكياسة وليست المعرفة إذا أردت أن تتقدم في حياتك؟ ~~ماذا ستفيدك كل هذه القراءات؟ ماذا ستستفيد منها؟ لا شيء بالمرة! ~~إنها لن تمكنك من شراء زوج من الجوارب! إن الأمر سيئ جدا، ms025 سيئ ~~جدا! # وأعاد ضوء النهار وصوت زوجته الهدوء إلى نفس الدكتور ~~بارينيو. ~~- لا ينقصنا إلا هذا! القراءة، القراءة ... لماذا؟ كي يقولوا بعد ~~أن تموت إنك كنت عالما؟ إنهم يقولون هذا عن كل شخص بعد أن يموت ... ~~ها! فليقرأ الدجالون، أما أنت فلا حاجة بك إلى ذلك، فقد حصلت على ~~درجتك العلمية. وانتهينا ولديك المعرفة بلا حاجة إلى الاستذكار. ثم ~~... لا تتطلع إلي بحدة هكذا! إن ما تحتاج إليه هو الزبائن، وليس ~~الكتب. لو كان لديك مرضى بعدد ما لديك من كتب لكان هذا البيت قد ~~أصبح جنة. أنا أنا، فأنا أود أن أرى عيادتك ملآنة وأسمع الهاتف يرن ~~على الدوام وأراهم يستدعونك للاستشارة، وأراك تصل إلى شيء ما ~~... ~~- ماذا تعنين بأن أصل إلى شيء ما ...؟ ~~- حسنا، أن تكون ناجحا. ولا تقل لي إن عليك أن تستهلك عينيك ~~في القراءة حتى تكون ناجحا. إن غيرك من الأطباء ينجحون بنصف ما ~~لديك من دراية ومعرفة. إنهم يسعدون بشق طريقهم بالسواعد إلى ~~المقدمة، ويصنعون اسما لأنفسهم. لقد جاء طبيب السيد الرئيس، لقد ~~ذهب طبيب السيد الرئيس ... هذا هو ما يعنيه النجاح. # فقال بارينيو وهو يمط الكلمات كأنما ليغطي فجوة في ذاكرته: ح ... ~~س ... نا، حسنا يا عزيزتي. من الأفضل أن تتخلي عن آمالك هذه؛ ~~فسأظن أنك ستقعين أرضا حين أخبرك أنني قد جئت توا من مقابلة مع ~~الرئيس، أجل، مع الرئيس. ~~- آه، يا إلهي! وماذا قال لك؟ كيف قابلك؟ ~~- بمنتهى السوء. الشيء الوحيد الذي سمعته يقوله هو عن قطع ~~رقبتي. لقد شعرت بالخوف. والأسوأ من ذلك أنني لم أهتد إلى باب ~~الخروج بسهولة. ~~- هل وبخك؟ حسنا، لن تكون الأول أو الأخير في هذا الأمر. «إنه ~~يضرب الآخرين». وأضافت بعد صمت طويل: «إن ما يضيعك دائما هو الخوف ~~...». ~~- ولكن يا امرأة، أي شخص يكون شجاعا في مواجهة وحش كاسر. ~~- كلا يا رجل، ليس هذا ما أعني. إنما أتحدث عن الجراحة، ما دام ~~في غير طاقتك أن تصبح طبيب الرئيس. إن ما ينقصك هو ألا ms026 تخاف. يحتاج ~~المرء كي يصبح جراحا ماهرا إلى الشجاعة. صدقني. الشجاعة والحسم ~~في ضرب المشرط. إن الحائكة التي لا تخسر قطعا من الثياب للتجربة ~~فيها في البداية لن تتمكن أبدا من حياكة ثوب. والثوب شيء غال، ~~أتعرف ذلك، أما الأطباء فبوسعهم أن يتمرنوا في المستشفى على ~~الهنود. أما بشأن ما حدث لك من الرئيس، فلا تهتم بالأمر. هيا ~~لنأكل! لا بد أن الرئيس كان في حالة سيئة بسبب تلك الجريمة البشعة ~~التي وقعت في «رواق الرب». ~~- اسكتي، وإلا فعلت بك ما لم أفعل أبدا، وهو أن أصفعك. ليست ~~هناك جريمة ولا بشاعة في الأمر الذي أنهى حياة ذلك السفاح الكريه، ~~الذي قتل والدي في طريق مهجور، أبي ذلك الشيخ المسالم ~~الأعزل! ~~- وفقا لخطاب غفل من التوقيع فحسب! يا لك من رجل غريب! من ذا ~~الذي يهتم بالخطابات الغفل من التوقيع؟ ~~- لو أنني اهتممت بالخطابات التي لا توقيع. ~~- إن ذلك لا يليق بك. ~~- دعيني أكمل كلامي. لو أنني اهتممت بالخطابات التي بلا توقيع ~~لما كنت معي الآن في هذا البيت. وفتش بارينيو محموما في جيبه وعلى ~~وجهه تعبير حاد وأضاف: «لما كنت معي الآن في هذا البيت، خذي، اقرئي ~~هذا.» # وتناولت الزوجة الورقة التي دفعها إليها زوجها وقد شحب وجهها ولم ~~يعد يبين فيه من لون سوى صبغة شفتيها الحمراء، وجرت بعينيها ~~سريعا عبر سطورها المليئة بالأخطاء اللغوية: ~~«يا دكتور، عليك أن تواسي زوجتك الآن وقد انتقل «الرجل ذو البغل ~~الصغير» إلى الرفيق الأعلى. نصيحة أصدقاء يحبونك.» # وبضحكة ملتاعة، ضحكة تناثرت وملأت أنابيب الاختبار والقوارير ~~التي يمتلئ بها معمل الدكتور بارينيو، كأنها سم زعاف مطلوب ~~للتحليل، أعادت الزوجة الورقة إلى زوجها. وعلى الفور، ظهرت خادمة ~~عند الباب وأعلنت: الغذاء جاهز. ~~••• # وفي القصر، كان الرئيس يوقع أوراقا بمساعدة الرجل الهرم ~~الضئيل الهزيل الذي دخل الغرفة حين غادرها الدكتور بارينيو، والذي ~~سبق أن أطلق عليه لقب «ذلك الحيوان». # وكان «ذلك الحيوان» رجلا رث الهيئة، ذا بشرة وردية تشبه جلد ~~الجرذان، وشعر يشبه الذهب ms027 الرخيص، وعينين زرقاوين قلقتين ضائعتين ~~وراء نظارة صفراء فاقعة اللون. # وضع الرئيس اسمه للمرة الأخيرة، وسارع الرجل الهرم الضئيل الهزيل ~~يحاول تجفيف التوقيع، فسكب دواة الحبر فوق الورقة التي انتهى ~~الرئيس توا من توقيعها. ~~- يا حيوان! ~~- سيدي! ~~- يا حيوان! # دق جرس، وأخرى، وأخرى ... خطوات مسرعة، ويظهر أحد الضباط عند ~~الباب. # وزأر الرئيس: «أيها الجنرال، يضرب هذا الرجل مائتي جلدة فورا، ~~فورا.» ثم انتقل من فوره إلى جناحه في القصر حيث كان الغذاء ~~جاهزا. # وامتلأت عينا «ذلك الحيوان» بالدموع. ولم يقل شيئا، لأنه كان ~~عاجزا عن النطق، ولأنه كان يعلم أنه لا فائدة من طلب المغفرة: ذلك ~~أن اغتيال الكولونيل «سونرينتي» قد أفقد الرئيس صوابه. ولاحت أمام ~~ضباب عينيه زوجته وأولاده يلتمسون الرأفة به: سيدة مكافحة وستة من ~~الأطفال الناحلين. وبحث في جيب معطفه بيد كالمخلب عن منديل. آه لو ~~كان بإمكانه فحسب أن يخفف عن نفسه بالبكاء! لم يكن يرى، كما هو ~~مفروض، أن العقوبة جائرة، بل إنه كان على العكس، يعتقد أن من ~~الضروري أن يضربوه كي يتعلم أن يكون أقل رعونة - آه لو كان بإمكانه ~~فحسب أن يخفف عن نفسه بالبكاء! - وأن يكون أكثر كفاءة وألا ~~يسكب الحبر على الوثائق - آه لو كان بإمكانه فحسب أن يخفف عن ~~نفسه بالبكاء! # وبدت أسنانه بارزة بين شفتيه المضمومتين كأنها أسنان المشط؛ ~~وتضافرت مع وجنتيه الغائرتين وسيمائه الملتاعة كيما تخلع عليه ~~مظهر رجل محكوم عليه بالإعدام. وكان قميصه ملتصقا بفعل العرق، ~~مما زاد في حزنه وضيقه. إنه لم يعرق من قبل بهذه الكثرة. آه لو ~~كان بإمكانه فحسب أن يخفف عن نفسه بالبكاء! وشعر بغثيان الخوف ~~يدفع بالقشعريرة في أوصاله. # ومسك به أركان حرب الرئيس من ذراعه، وكان ذاهلا، فاقدا للحس ~~والحركة، جاحظ العينين، مقوس القامة، يغمره إحساس هائل بالفراغ، ~~ويشعر بجلده ثقيلا، ثقيلا جدا ويحس بالخور، الخور ... # وبعد ذلك بدقائق، في حجرة طعام الرئيس: عن إذنك، سيدي ~~الرئيس. ~~- تفضل يا جنرال. ~~- سيدي، لقد جئت أخبركم أن «ذلك الحيوان» لم يستطع ms028 أن يتحمل ~~المائتي جلدة. # وكان الرئيس عند ذاك يتناول شيئا من البطاطس المقلية، ولم تستطع ~~الخادمة. التي تقدم له الطبق أن تمنع نفسها عن الارتجاف، فصاح بها ~~سيدها: «وأنت، لماذا ترتعدين؟» ثم وجه كلامه إلى الجنرال الذي كان ~~يقف وقفة انتباه وقبعته العسكرية في يده دون أن تطرف عيناه، ~~قائلا: «حسن جدا، يمكنك أن تنصرف.» # وجرت الخادمة وبيدها الطبق ولحقت بالجنرال وسألته لماذا لم يستطع ~~الرجل أن يتحمل المائتي جلدة. # لماذا؟ لأنه قد مات! # وعادت الخادمة إلى حجرة الطعام وما زال الطبق بيدها. وقالت، وهي ~~تكاد تبكي، للرئيس الذي كان يأكل في هدوء: إنه يقول لم يتحمل لأنه ~~قد مات! ~~- وماذا في هذا؟! أحضري الطبق التالي. # الفصل السادس # | رأس جنرال # جاء ميغل ذو الوجه الملائكي، مستشار الرئيس وصفيه الحميم، ~~لزيارته بعد أن فرغ من تناول الطعام. # وقال عند دخوله غرفة الطعام (كان جميلا وشريرا كالشيطان): ألف ~~معذرة سيدي الرئيس، ألف معذرة سيدي الرئيس لتأخري ... ولكن كان ~~علي أن أساعد حطابا يحمل جريحا وجده وسط القمامة، ولم أستطع ~~الحضور قبل الآن. ولكني أحيط سيادة الرئيس علما بأن ذلك الجريح ~~ليس من الشخصيات المعروفة، بل كان من عامة الشعب! # وكان الرئيس مرتديا كعادته ملابس حداد كاملة: حذاء أسود، وحلة ~~سوداء، وربطة عنق سوداء، وقبعة سوداء لا يخلعها أبدا. وكان يخفي ~~لثته الخالية من الأسنان تحت شارب أشهب كث ممشط على جانبي ~~فمه؛ وكان ذا وجنتين نحيلتين متهدلتين وجفنين صغيرين. # وسأله باسطا حاجبيه: وهل أخذته إلى المستشفى؟ ~~- سيدي ... ~~- ما هذا؟ إن شخصا يفخر بأنه صديق لرئيس الجمهورية لا يترك ~~أبدا مسكينا شقيا جريحا في الطريق ضحية اعتداء مجهول! # وحملته حركة صادرة عن باب حجرة الطعام على أن يلتفت جانبا: ~~تفضل يا جنرال. # بعد إذن سيدي الرئيس! # هل هم جاهزون يا جنرال؟ ~~- أجل يا سيدي الرئيس! ~~- اذهب أنت بنفسك معهم، قدم تعازي إلى أرملته وسلم لها هذه ~~الثلاثمائة بيزو باسم رئيس الجمهورية، لمساعدتها في نفقات ~~الجنازة. # وقام الجنرال الذي كان يقف بانتباه وقبعته العسكرية ms029 في يده، دون ~~أن تطرف عيناه ويكاد لا يتنفس، بالانحناء إلى الأمام وتناول ~~النقود من على المائدة، وأدار كعبيه، ثم رؤي بعد ذلك بدقائق يرحل ~~في عربة تحمل النعش الذي يضم جثمان «ذلك الحيوان». # وسارع ذو الوجه الملائكي يشرح موقفه: لقد فكرت أن أذهب إلى ~~المستشفى مع الرجل الجريح، ولكني قلت لنفسي: إنهم سيعتنون به على ~~نحو أفضل إذا أنا أحضرت أمرا من السيد الرئيس. ولما كنت متوجها ~~لمقابلتكم، ولكي أنقل إليكم أيضا مرة أخرى هول ما أحس به من ~~جراء المصرع الغادر لضابطنا «باراليس سونرينتي». ~~- سأصدر أوامري. ~~- إن هذا هو ما ينتظره المرء من رجل يقولون إنه ينبغي ألا يحكم ~~هذا البلد. ~~- من يقول هذا؟ ~~- أنا يا سيدي الرئيس. فأنا أول من يؤمن أن رجلا مثلكم ينبغي أن ~~يحكم بلدا مثل فرنسا، أو سويسرا الحرة، أو بلجيكا المجيدة، أو ~~الدانمرك الرائعة؛ وإنما فرنسا، فرنسا فوق كل شيء. إنكم الشخص ~~المثالي لقيادة أقدار مثل هذا الشعب العريق الذي أنجب «غامبيتا» ~~و«فيكتور هيجو». # ولاحت ابتسامة شبه خفية تحت شارب الرئيس، بينما كان ينظف نظارته ~~بمنديل حريري أبيض دون أن يحول عينيه عن وجه صديقه. وبعد فترة ~~صمت قصيرة، أخذ يتحدث في موضوع جديد. ~~- لقد طلبت منك الحضور يا ميغيل من أجل مسألة أريد أن أنهيها ~~الليلة. لقد أصدرت السلطات المختصة أمرا بإلقاء القبض على ذلك ~~الوغد الجنرال «أيوسيبيو كاناليس»، وسوف يتم ذلك في منزله مع ~~إشراقة شمس الغد. ولأسباب خاصة، ورغم أنه واحد من قتلة «باراليس ~~سونرينتي»، فإن الحكومة ترى من غير اللائق بها أن تضعه في السجن، ~~ولذلك يلزم أن يقوم بالهرب فورا. فاذهب وقابله، وقل له ما تعرف من ~~معلومات، وانصحه بأن يهرب الليلة، كأنما هي فكرة من بنات أفكارك. ~~وقد يتعين عليك أن تساعده على الهرب، لأنه، كأي جندي محترف، يؤمن ~~بالشرف ويفضل أن يموت على أن يهرب. وإذا قبضوا عليه غدا فإنه ~~سيعدم. ويجب ألا يعرف شيئا عن حديثنا هذا، فهذا بيني بينك فحسب. ~~وحاذر أن تعلم ms030 الشرطة شيئا عن قيامك بزيارته. رتب الأمر بحيث لا ~~تثير الشبهة وحتى يتمكن ذلك الوغد من الهرب. بإمكانك أن تنصرف ~~الآن. # وانصرف محبوب الرئيس وقد أخفى وجهه خلف لفاعه (لقد كان جميلا ~~وشريرا كإبليس). وحياه الضباط القائمون على حراسة غرفة طعام ~~سيدهم تحية عسكرية بدافع السليقة، أو ربما بدافع علمهم أنه يحمل ~~مصير جنرال في يديه. وكان ثمة سبعون شخصا جالسين في حجرة ~~الانتظار يتثاءبون، ينتظرون أن يفرغ الرئيس من مهامه حتى يقابلوه. ~~وكانت الطرق المحيطة بالقصر وبمنزل الرئيس مغطاة بالزهور، وثمة عدد ~~من الجنود يقومون بتزيين واجهة الثكنات المجاورة بالمصابيح ~~وبالأعلام الصغيرة وبالشرائط الورقية الزرقاء والبيضاء، بتعليمات ~~من رؤسائهم . # ولم يكد ذو الوجه الملائكي ليلحظ أيا من تلك الزينات، فقد كان ~~عليه أن يقابل الجنرال ويدبر أمر فراره. وبدا كل شيء يسيرا، إلى ~~أن بدأت الكلاب تنبحه في الغابة الهائلة التي تفصل الرئيس عن ~~أعدائه، وهي غابة قوامها أشجار ذات آذان تستجيب لأدنى صوت فتعصف ~~أوراقها كأنما تهب عليها عاصفة مدمرة. ولم يكن أقل ضجيج على بعد ~~أميال ليهرب من نهم تلك الملايين من الأغشية النباتية. ومضت الكلاب ~~في نباحها. كانت ثمة شبكة ذات خيوط فضية، أكثر خفاء من أسلاك ~~البرق، تصل ما بين كل ورقة وبين الرئيس، مما يمكنه من مراقبة أشد ~~أفكار أهل الشغب سرية وخفاء! # وفكر ذو الوجه الملائكي: آه لو أمكن عقد اتفاق مع الشيطان، ~~يبيعه فيه روحه على شرط أن تنخدع الشرطة ويتمكن الجنرال من الهرب! ~~بيد أن الشيطان لا يدخل في أي صفقة وراءها خير. رغم أن كل شيء ~~تقريبا يتهدده الخطر في هذه العملية الغريبة. رأس الجنرال، وشيء ~~آخر. ونطق بالعبارة كأنما هو حقيقة يحمل بين يديه رأس الجنرال، ~~وشيئا آخر. # ووصل إلى بيت الجنرال كاناليس في حي «لامرسيد». كان بيتا ~~كبيرا يقع على ناصية الطريق، عمره حوالي المائة عام؛ وكانت شرفاته ~~الثماني الواقعة في واجهته، ومدخل العربات الكبير الواقع خلفه، ~~يخلعان عليه شيئا من المظهر الفخيم، كأنه عملية نقدية قديمة. وقرر ms031 ~~المحبوب أن يصغي خارج الباب ثم يطرقه للاستئذان في الدخول إذا سمع ~~أي حركة في الداخل. بيد أن وجود رجال الشرطة يمرون على الإفريز ~~المقابل أجبره على أن يتخلى عن هذه الخطة. وبدلا من ذلك، سار ~~بسرعة عبر واجهة المنزل وهو يتطلع إلى الشرفات ليرى ما إذا كان ~~هناك من شخص يستطيع أن يومئ إليه. ولكنه لم ير أحدا. وكان من ~~المستحيل أن يقف على الإفريز دون أن يثير الشكوك. وكان في ناصية ~~الطريق المواجه للمنزل حانة صغيرة سيئة السمعة، فرأى أن أسلم ~~طريقة للبقاء في الحي هو الذهاب إليها وتناول مشروب هناك. زجاجة من ~~البيرة. وتبادل بضع كلمات مع المرأة التي قدمت له الشراب، ثم حول ~~رأسه وكوب البيرة في يده ليرى من يجلس على المقعد المواجه للحائط. ~~وكان عند دخوله الحانة قد لمح رجلا هناك من طرف عينه. كان الرجل ~~قد أسدل قبعته على جبهته حتى كادت تلامس عينيه، وربط منديلا حول ~~عنقه، ورفع ياقة معطفه؛ وكان يرتدي بنطالا واسعا وحذاء بساق ~~عالية وأشرطته غير معقودة، مصنوعا من المطاط والجلد الأصفر وقماش ~~بلون القهوة. ورفع المحبوب عينه شارد الذهن وتطلع إلى الزجاجات ~~المصفوفة على الرفوف، وحرف «س» المكتوب على مصابيح النور ~~الكهربائي، وإعلان عن الأنبذة الإسبانية (باخوس إله الخمر يجلس فوق ~~برميل وسط رهبان منتفخي البطون ونسوة عاريات)، وصوت للرئيس أعيد ~~إليه فيها شبابه على نحو بشع، وعلى كتفيه شرائط بالقصب كأنها ~~أشرطة السكك الحديدية، وملائكة صغار تتوج هامته بأكاليل الغار. ~~صورة ذات ذوق رائع! وبين الفينة والفينة، كان المحبوب يلتفت ~~ويتطلع إلى منزل الجنرال. سيكون الأمر خطيرا إذا كانت ثمة علاقة ~~تربط الرجل الجالس على المقعد وصاحبة الحانة أكثر من علاقة الصداقة ~~إذ سيثيران المشاكل له. وفك أزرار سترته ووضع في نفس الوقت ساقا ~~فوق أخرى، مرتكزا بمرفقه على حافة البار كما لو لم يكن في عجلة ~~من أمره. ولنفرض أنه طلب كوبا أخرى من البيرة؟ وطلبها وناول صاحبة ~~الحانة ورقة مالية بمائة بيزو حتى يكسب الوقت، ms032 فربما لا يكون لديها ~~فكة. وفتحت المرأة درج الخوان في ضيق ظاهر، وفتشت بين أوراق النقد ~~التي فيه ثم أغلقته بعنف. لم يكن لديها أي فكة. نفس الشيء ~~دائما! عليها أن تخرج وتبحث عن فكة. وألقت بميدعتها فوق ذراعيها ~~العاريين وخرجت إلى الطريق، بعد أن ألقت نظرة على الرجل الجالس على ~~المقعد، كأنما تحذره بأن عليه أن يراقب زبونها الآخر: أن يتأكد ~~أنه لن يسرق شيئا. وكان ذلك ترتيبا لا نفع يرجى منه؛ لأنه في ~~نفس تلك اللحظة، خرجت فتاة من منزل الجنرال كأنما قد سقطت من ~~السماء، وقفز ذو الوجه الملائكي إلى الخارج في لمح البصر. # قال وهو يسير إلى جوار الفتاة: يا آنسة، هل لك أن تخبري سيد ~~المنزل الذي خرجت منه توا أن لدي شيئا عاجلا للغاية أود أن ~~أقوله له؟ ~~- والدي؟ ~~- هل أنت ابنة الجنرال؟ ~~- أجل. ~~- إذن، لا تتوقفي، كلا، كلا، استمري في السير، لا بد أن ~~نواصل المسير، هاك بطاقتي. أرجوك أن تخبريه أنني سوف أنتظره في ~~منزلي في أقرب وقت ممكن، وأنني ذاهب إلى هناك مباشرة وسوف ~~أنتظره، وأن حياته في خطر. أجل، أجل، في منزلي في أسرع وقت ~~ممكن. # وأطاح الريح بقبعته فكان عليه أن يجري ليمسك بها. طارت من ~~أمامه مرتين أو ثلاث مرات، وأخيرا أمسك بها بحركة عنيفة كمن يمسك ~~دجاجة في حظيرة للدواجن. # وعاد إلى الحانة بحجة أخذ باقي نقوده، ولكنه كان يريد في الحقيقة ~~أن يرى الانطباع الذي خلفه خروجه المفاجئ على الرجل الجالس على ~~المقعد، ووجده يجاهد مع صاحبة الحانة: كان ظهرها إلى الحائط، بينما ~~شفتاه المشتاقتان تنشدان قبلة من شفتيها. وصاحت به حين تركها ~~أخيرا، مذعورة من وقع خطوات ذي الوجه الملائكي المقتربة: «أيها ~~الشرطي البائس، أنت أيها الحقير، هذا هو الاسم الجدير بك!» # ورأى ذو الوجه الملائكي أن من المناسب لخطته أن يتدخل بلطف في ~~الأمر، فتناول الزجاجة التي كانت صاحبة الحانة تلوح بها متوعدة، ~~وتطلع إلى الرجل بإمعان. ~~- «مهلا مهلا يا سيدتي! يا للسماء، يا ms033 لها من حكاية! هيا، خذي ~~باقي النقود لك عوضا عن ذلك. لن تكسبي شيئا من الشجار، وربما ~~تحضر الشرطة، فضلا عن أن صديقنا هذا ...» ~~- لوسيو فاسكيز، في خدمتك. # وصاحت المرأة: لوسيو فاسكيز! بالأحرى «سوسيو باسكاس»! # 1 # الشرطة، دائما الشرطة. فليجربوا ويأتوا هنا. إنني ~~لا أخاف أحدا، كما أنني لست من الهنود، أتسمعني؟ حتى يخيفني ~~بسجن «كاسا نويفا»! # فتمتم فاسكيز وهو يبصق شيئا ابتلعه عن طريق الخطأ: إن بإمكاني ~~أن أضعك في دار للدعارة إن أنا أحببت! ~~- وهو كذلك يا سيدي، فلم أكن أقول أي شيء. # وكان صوت فاسكيز كريها؛ فقد كان يتحدث بطريقة أنثوية، بعبارات ~~قصيرة متكلفة. وكان واقعا في غرام صاحبة الحانة لقمة رأسه، ~~ويجاهد معها ليلا ونهارا حتى تعطيه قبلة واحدة عن طيب خاطر، ~~فقد كان هذا هو كل ما يطلبه. بيد أنها كانت ترفض دائما، على أساس ~~أنها إذا قبلت أن تمنحه قبلة فإن ذلك يعني منحه كل شيء. ولم يفلح ~~مع صاحبة الحانة أي شيء: الرجاءات، التهديدات، الهدايا الصغيرة، ~~الدموع الحقيقية أو الزائفة، الأغاني الغرامية بالليل، الأكاذيب، ~~فقد كانت عنيدة في رفضها، ولم تستسلم أبدا، ولم تسمح لنفسها أن ~~تتأثر بهذا التزلف. وكانت تقول دائما: «فليعرف تماما أي شخص ~~يحاول أن يطارحني الحب أنه سيخوض في سبيل ذلك أهوالا.» # ومضى ذو الوجه الملائكي يقول كأنما يحادث نفسه، وهو يحك ~~بسبابته قرشا معدنيا دق على الحائط: «بما أننا قد سوينا ~~أمركما، فسوف أحكي لكما قصتي. الفتاة التي تسكن في المنزل ~~المواجه.» # وبدأ يحكي لهما أن صديقا له طلب منه أن يرى ما إذا كانت تلك ~~الفتاة قد تسلمت خطابا أرسله لها، حين قاطعته صاحبة الحانة ~~قائلة: إن أي شخص يرى صراحة أنك أنت الذي تسعى وراءها أيها الوغد ~~المحظوظ! # وطرأت فكرة مفاجئة في ذهن المحبوب. وهو يسعى وراءها ... ولكن ~~أسرتها تقف ضدهما ... يتظاهر بأنه سيخطفها. # واستمر يحك سبابته في القرش المعدني المدقوق على الحائط، ~~ولكن بقوة أشد هذه المرة. # قال ذو الوجه الملائكي: «هذا صحيح، ولكن المشكلة ms034 هي أن والدها ~~لا يوافق على زواجنا.» # فصاح فاسكيز: «تبا لذلك الرجل العجوز. لشد ما يعبس حين ~~يراني كأنما هي غلطتي أن أتبعه في كل مكان يذهب إليه حسب ~~الأوامر!» # فقالت صاحبة الحانة بخبث: هكذا حال الأغنياء على الدوام! # وشرح ذو الوجه الملائكي قائلا: ولهذا فإنني أخطط للهرب مع ~~الفتاة. وقد وافقت هي. لقد كنا نبحث ذلك الأمر منذ هنيهة، وسوف ~~ننفذ خطة الهرب الليلة. # وابتسمت صاحبة الحانة وفاسكيز. # قال فاسكيز: «لنتناول شرابا. هذا أفضل.» ثم التفت وقدم سيجارة ~~إلى ذي الوجه الملائكي: «أتدخن؟» ~~- كلا شكرا. حسنا، سأتناول واحدة حتى ندشن صداقتنا. # وملأت المرأة ثلاثة أقداح بينما كانا يشعلان سيجارتيهما. # وبعد برهة قال ذو الوجه الملائكي بعد أن سرى المشروب السحري في ~~جسده: إذن يمكنني أن أعتمد عليكما؟ مهما حدث، سأحتاج إلى ~~معونتكما. ولكن يجب أن يكون ذلك اليوم! # قال فاسكيز: لا يمكنني المشاركة بعد الحادية عشرة مساء، فعملي ~~يبدأ آنذاك. ولكن هذه المرأة هنا ... ~~- هذه المرأة أفضل منك! صن لسانك! # فعاد يقول وهو ينظر إلى صاحبة الحانة: هي، «لامسكواتا»، سوف ~~تحل محلي. إنها تساوي رجلين. إلا إذا رغبت أن أرسل لك أحدا ~~مكاني؛ إن أحد أصدقائي سيقابلني الليلة في الحي الصيني. # فقالت المرأة: لماذا بالله عليك تجر دائما «خينارو روداس» ~~وراءك في كل شيء، ذلك الأشبه بماء جوز الهند؟ # فتساءل ذو الوجه الملائكي: ما معنى ماء جوز الهند ذاك؟ ~~- ذلك لأنه يبدو كالموتى، إنه مخطوف ... اللون! ~~- وما صلة هذا بمهمتنا؟ # فقال فاسكيز: لا أدري فيه ما يعيب ... # قالت المرأة: بل هناك ما يعيبه، وآسفة لأن أقطع كلامكما يا ~~سيدي. لم أحب أن أخبرك بذلك، ولكن «فيدينا» زوجة «خينارو روداس» قد ~~حكت للجميع أن ابنة الجنرال ستكون إشبينة طفلها عند ولادته، ومن ~~هنا ترى أن صديقك «خينارو» ليس هو الشخص المناسب للعمل الذي يعتزم ~~هذا السيد أن يقوم به. ~~- كلام فارغ. ~~- كل شيء عندك كلام فارغ. # وشكر ذو الوجه الملائكي فاسكيز على لطفه، وأخبره أن من الأفضل ~~ألا يشرك صديقه ms035 «ماء جوز الهند» في الموضوع، لأنه - كما قالت ~~المرأة - لا يمكن اعتباره محايدا. وأضاف: «خسارة يا صديقي فاسكيز ~~ألا تتمكن من مساعدتي هذه المرة!» ~~- إني آسف أيضا لعدم مشاركتي في الأمر، لو علمت لكنت قد طلبت ~~إجازة هذه الليلة. ~~- هل يمكن تسوية الأمر بدفع شيء من النقود؟ ~~- «كلا، لست معتادا على ذلك، لا فائدة!» ورفع يديه وغطى بهما ~~أذنيه. ~~- حسنا، لا مناص من ذلك. سوف أعود إلى هنا قبل الفجر، حوالي ~~الثانية إلا ربعا أو الواحدة والصنف صباحا، لأنه في أمور الغرام، ~~لا بد من طرق الحديد وهو ساخن. # وودعهما وسار إلى الباب وهو يرفع ساعة يده إلى أذنه ليرى ما ~~إذا كانت تعمل - وكان لارتجاف دقاتها المتواترة ما ينذر بالشر - ~~ثم أسرع خارجا ولفاعه الأسود ملفوف على وجهه الشاحب. كان يحمل في ~~يديه رأس الجنرال، وشيئا آخر. # الفصل السابع # | غفران كبير الأساقفة # توقف «خينارو روداس» إلى جوار الحائط كيما يشعل سيجارة. وحين حك ~~عود الثقاب جانب العلبة، ظهر «لوسيو فاسكيز». وكان ثمة كلب ~~يتقيأ إلى جوار سور أحد الأضرحة الحديدي. # وهمهم «روداس» عند مرأى صديقه: «ظهر الشيطان»! وحياه «فاسكيز» ~~قائلا: «كيف حالك؟» واستمرا يسيران. ~~- كيف حالك أيها العجوز؟ ~~- إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- ما هذا السؤال؟ أأنت تمزح؟ ألم نتفق على أن نتقابل ~~هنا؟ ~~- آه، آه. لقد ظننت أنك نسيت. سوف أقص عليك آخر تطورات ~~موضوعك، ولكن هيا بنا نتناول شرابا. هيا، فلنذهب عن طريق «رواق ~~الرب» لنرى ما إذا كان ثمة شيء هناك. ~~- لا أظن أن ثمة شيئا هناك، ولكن فلنذهب إذا شئت. منذ أن ~~منعوا الشحاذين من النوم هناك، لم يعد يرى في تلك المنطقة أي قطة ~~بالليل. ~~- هذا أفضل. فلنعبر عن طريق فناء الكتدرائية، إذا رأيت ذلك، يا ~~لشدة الرياح! # ومنذ مصرع الكولونيل «باراليس سونرينتي»، لم يفارق رجال الشرطة ~~السرية منطقة «رواق الرب» لحظة واحدة. وكان يختار للحراسة في ذلك ~~المكان أقسى الرجال وأشدهم خشونة. # وعبر «فاسكيز» وصديقه الرواق من أوله إلى آخره، وصعدا السلم الذي ~~يفضي ms036 إلى ناصية قصر رئيس الأساقفة، وخرجا من جانب منطقة «المئة ~~باب». وكانت أعمدة الكتدرائية تلقي بظلالها في المكان الذي اعتاد ~~الشحاذون أن يناموا فيه. وكان ثمة سلم خشبي، وآخر، وآخر، مما يشهد ~~بأن النقاشين سوف يقومون بإعادة الشباب لأبواب المبنى ونوافذه. ~~والواقع أن البلدية كانت لديها خطط لإظهار تأييدها المطلق لرئيس ~~الجمهورية، وعلى رأس هذه الخطط طلاء وإصلاح المبنى الذي كان مسرحا ~~للاغتيال المشين لأحد ضباطه، على أن يتكفل بالنفقات الأتراك ~~الذين يمتلكون «بازارا» في المنطقة تفوح منه دائما روائح نفايات ~~تحترق! وكان القرار الحازم الذي اتخذه أعضاء مجلس البلدية حين طرح ~~عليهم موضوع النقود: «فليدع الأتراك، فهم مسئولون على نحو ما عن ~~مصرع الكولونيل «باراليس سونرينتي»؛ لأنهم يقيمون في المكان الذي ~~وقعت فيه الحادثة.» ونتيجة لهذا الإجراء الانتقامي، كان الأمر ~~سينتهي بالأتراك إلى أن يصبحوا أشد فقرا من الشحاذين الذين ~~اعتادوا أن يناموا على أعتاب أبوابهم، لو لم يمد لهم بعض ~~الأصدقاء من ذوي النفوذ يد المعونة فدفعوا ثمن الطلاء والتنظيف. ~~وإصلاح إضاءة الكتدرائية، بأذون دفع مالية من وزارة الخزانة ~~مشتراة بنصف قيمتها. # بيد أن وجود الشرطة السرية كان مدعاة لقلق هؤلاء التجار الأتراك. ~~وكانوا يتساءلون فيما بينهم عن سبب وجود هذه الحراسة المشددة: ~~ألم تتحول أذون الدفع إلى دلاء من الطلاء الأبيض؟ ألم يشتروا على ~~حسابهم فرشا للطلاء في طول لحى أنبياء بني إسرائيل؟ وقد دفعهم ~~حرصهم إلى زيادة عدد القضبان الحديدية والمزاليج والأقفال على ~~أبواب حوانيتهم. # وغادر «فاسكيز» و«روداس» الرواق من الناحية القريبة من «المائة ~~باب». وابتلع الصمت صوت خطواتهما الثقيلة. وبعد أن قطعا شوطا من ~~الطريق، دلفا إلى بار يدعى «صحوة الأسد». وحيا «فاسكيز» البارمان ~~وطلب زجاجة نبيذ وكأسين، وجلس مع «روداس» إلى مائدة صغيرة وراء ~~ستار. # سأله «روداس»: حسنا، أي أخبار عندك عني؟ # فرفع فاسكيز كأسه قائلا: في صحتك. ~~- في صحتك. # وأضاف البارمان الذي كان قد حضر إلى مائدتهما لتقديم الطلبات، ~~بصورة آلية: «في صحتكما أيها السيدان!» # وأفرغ كلاهما كأسيهما دفعة واحدة. ~~- لم يحدث تقدم ms037 بالنسبة لذلك الموضوع ... # بصق «فاسكيز» تلك العبارة مع آخر جرعة من كأسه ممتزجة بالرضاب ~~الذي بعثته فيه، وأضاف: «لقد وضع مساعد المدير اسم أحد أقربائه ~~بدلا منك، وحين تدخلت من أجلك، كانوا قد أعطوا الوظيفة بالفعل ~~لذلك القذر.» ~~- يا للحظ السيئ! ~~- ولكن: حين يأمر الربان بشيء فعلى البحار أن يطيع وهو صامت. ~~لقد جعلته يشعر أنك مشتاق للالتحاق بالشرطة السرية، وأنك رجل يعتمد ~~عليه. إنك تعرف من هو فاسكيز! ~~- وماذا قال لك؟ ~~- ما سبق أن قلته لك: إن هناك شخصا من أقاربه للوظيفة، وبهذا ~~فقد أفحمني. إن ما أقوله لك الآن إن الالتحاق بالشرطة السرية ~~أصعب الآن مما كان عليه سابقا حين التحقت أنا بها. إن الكل ~~يتسابق عليها باعتبارها ذات مستقبل عظيم. # ورد «روداس» على كلمات صديقه بهزة من كتفيه وتعليق غير مفهوم. ~~لقد حضر وكله أمل في أن يحظى بالوظيفة. ~~- لا تكن متشائما هكذا. حالما أسمع عن وظيفة أخرى شاغرة، فهي ~~لك. أحلف بالله، بأمي، إنها لك؛ الآن بصفة خاصة بعد أن تأزمت ~~الأمور لا بد أن يحتاجوا إلى المزيد من الرجال. ألم أحك لك؟ # وحين قال «فاسكيز» ذلك، تلفت حوله في عصبية ثم أضاف: كلا، لست ~~ثرثارا، من الأفضل لي أن أسكت. ~~- حسنا، لا تحك لي شيئا، إني لا أهتم بذلك. ~~- إنه موضوع خطير! ~~- اسمع أيها العجوز، لا تحك لي شيئا، اسكت من فضلك، إنك لا تثق ~~بي، ها، إنك لا تثق بي ... ~~- بل أثق بك يا صديقي ... يا لك من شخص حساس! ~~- اسمع؛ اسكت؛ فأنا لا أحب هذه الشكوك. إنك كالنساء! إني لم أطلب ~~منك أن تقول لي أي شيء حتى تنصرف على هذا النحو! # ووقف «فاسكيز» ليرى ما إذا كان ثمة أحد على مرمى السمع منهما، ثم ~~تحدث في نبرة خفيضة وهو يقترب من «روداس»، الذي أخذ ينصت إليه ~~عابسا ولم يزل مستاء من تكتمه في الأمر. ~~- لا أدري إذا ما كنت قد قلت لك إن الشحاذين الذين كانوا ~~ينامون في «رواق الرب» ليلة مقتل ms038 الكولونيل «سونرينتي» قد اعترفوا ~~أخيرا، ومن ثم فلا يوجد مخلوق لا يعلم من الذي قتل الكولونيل. ~~وأضاف رافعا صوته: «من هو في ظنك؟» ثم قال خافضا صوته إلى حد ~~يتلاءم مع رجل من الشرطة السرية: ليس غير الجنرال «إيوسبيو ~~كاناليس» والمحامي «قابيل كرفخال» ... ~~- أحقيقي ما تقول لي الآن؟ ~~- لقد صدر الأمر باعتقالهما اليوم. ها أنت تعرف كل شيء ~~الآن. # قال «روداس» وقد هدأت نفسه: «إذن فالأمر كذلك! ذلك الكولونيل ~~الذي يحكون أن باستطاعته قتل ذبابة بطلقة من مسدسه على بعد مائة ~~خطوة، وكان مكروها من الجميع، لم يقض عليه مسدس ولا سيف، بل ~~انقصفت رقبته كالدجاجة، بإمكان المرء فعل أي شيء في هذا العالم ~~إذا هو صمم على ذلك. ذلك الخنزير القاتل!» # واقترح فاسكيز دورة أخرى من الشراب، ونادى: كأسان آخران يا سيد ~~«لوتشو». # وملأ «لوتشو» النادل كأسيهما مرة أخرى، وكان يخدم الزبائن ~~مرتديا ميدعة من الحرير الأسود. # وصاح فاسكيز: «عليك بالكأس»، وأضاف من بين أسنانه بعد أن ~~بصق: ~~«إنني أكره أن أرى كأسا ملآن، فلتعلم ذلك إن كنت لا تعرف. في ~~صحتك!» # كان القلق قد بدا على روداس، بيد أنه أفرغ كأسه في عجلة، وقال ~~وهو يزيحه عن فمه: إن من أرسل الكولونيل إلى العالم الآخر ليس من ~~البلاهة بحيث يعود إلى مكان فعلته مرة أخرى، في أي وقت. ~~- ومن قال إنه سيعود؟ ~~- ماذا؟ ~~- اسمع ... يمكن أن يحدث أي شيء بينما هم يبحثون ... ها ها ها ... لقد ~~جعلتني أضحك! ~~- إن ما تقول هو ما يبعث على الضحك. ولكني أقول إنهم ما داموا ~~يعرفون من قتل الكولونيل، فلا قيمة لأن يقفوا في «رواق الرب» في ~~انتظار عودته كيما يمسكوا به ... أو لا تقل لي إنكم هنا من أجل عيون ~~الأتراك؟ ~~- لا تقل مثل هذا الهذر! ~~- وأنت لا تقل لي هذه القصص العجيبة في مثل هذا الوقت من ~~الليل! ~~- إن ما تفعله الشرطة السرية في «رواق الرب» لا شأن له بمحنة ~~الكولونيل «باراليس» ولا يهمك معرفته ... ~~- كما لو كنت تعرف كل ms039 شيء. ~~- إني أعرف ما يعنيني معرفته. ~~- وأنا يتعين أن أعرف! ~~- كف عن هذا الهذر. الواقع أن وجود الشرطة السرية في الرواق لا ~~علاقة له بالجريمة، حقيقة، كلا. لن تتخيل ما تفعل هنا ... إننا في ~~انتظار رجل مصاب بسعار الكلاب. ~~- بالله عليك! ~~- أتذكر ذلك الأخرس الذي يصيحون به «أماه» في الطرقات؟ ذلك الرجل ~~الطويل الأعجف، الملتوي الساقين، الذي يجري في الطرقات كالمجنون ... ~~أتذكره؟ أجل بالطبع أتذكره. حسنا، إننا نترقب وصول هذا الشخص ~~إلى رواق الكتدرائية، حيث اختفى من هناك منذ ثلاثة أيام. سوف نرشق ~~جسده بالرصاص. # ووضع فاسكيز يده على مسدسه حين نطق بالعبارة الأخيرة. ~~- والله لقد أخفتني يا شيخ! ~~- كلا يا رجل. لم أقل ذلك لأخيفك. إنها الحقيقة، صدقني، إنها ~~الحقيقة. لقد عض عددا من الناس وأوصى الأطباء بإعطائه جرعة من ~~الرصاص. ما رأيك؟ ~~- إنك تسخر مني، ولكن لم يولد بعد من يستطيع خداعي. إن رجال ~~الشرطة ينتظرون في «رواق الرب» من قتل الكولونيل. ~~- يا إلهي، كلا! يا لك من عنيد صلب الرأي! إنهم ينتظرون الأخرس ~~كما قلت لك، الأخرس، الأخرس المصاب بالسعار، والذي عض كثيرا من ~~الناس! هل تريد أن أعيد ذلك على مسامعك؟ ~~••• # أخذ الأبله يجر جسده في الطريق، متأوها من جراحه؛ يسير ~~أحيانا على أربع، ملتويا، دافعا جسده بأطراف قدميه، يحك ~~بطنه في الصخور، وأحيانا يعتمد على ساقه السليمة وأحد مرفقيه، ~~بينما الألم يعتصر جانبه. وأخيرا، لاح الميدان أمامه. وكانت الريح ~~تعصف بأشجار الحديقة فتتردد كأنها صرخات النسور. واجتاح الأبله ~~الرعب حتى أنه بقي برهة غائبا عن الوعي، وتبدى ألمه في لسانه الذي ~~أصبح جافا منتفخا كالسمكة الملقاة في الرماد، والعرق الذي غطى ~~فخذيه، وصعد إلى «رواق العرب» خطوة خطوة، ساحبا جسده كأنه قطة ~~تموت، ثم أقعي في جانب ظليل، فاغر الفم، جاحظ العينين، وقد تجمدت ~~على أسماله بقع الدماء والطين. واختلط الصمت بوقع أقدام العابرين ~~في هذا الوقت المتأخر، وطقطقة بنادق الحراس، وصوت الكلاب الضالة ~~تمشي بخطوات بطيئة، وأنفها تجاه الأرض، تبحث عن عظام وسط مزق ms040 الورق ~~وأوراق الشجر التي أطارها الريح إلى «رواق الرب». # وأعاد «لوتشو» ملء كأسي النبيذ الكبيرين، من النوع الذي يعرف ~~بالكأس ذي الدورين. وقال «فاسكيز» في نبرة أحد من المعتاد، في ~~عبارات قطعها البصاق مرتين: «لماذا لا تصدقني بحق الجحيم؟ ألم أقل ~~لك إنه في حوالي التاسعة من هذا المساء - أو ربما الساعة التاسعة ~~والنصف - وقبل أن ألاقيك هنا، كنت أغازل «لامسكواتا»، صاحبة حانة ~~«الخطوتان» حين دخل إلى حانتها شاب طلب كأسا من البيرة. وبعد أن ~~أحضرت له الكأس، طلب آخر ودفع لها ورقة بمائة بيزو. ولم يكن معها ~~فكة، وخرجت تبحث عن فكة. بيد أني تيقظت له تماما؛ لأنه حالما ~~دخل، شممت فيه رائحة الخطرين. وكأنما كنت أعرف الأمر مسبقا! فقد ~~خرجت فتاة من المنزل المقابل، وما كادت تخطو خارجة حتى ذهب ذلك ~~الشاب ولحق بها. ولكني لم أر غير هذا؛ لأن «لامسكواتا» عادت من ~~الخارج في تلك اللحظة، فكان علي - كما تعلم - أن أعاود مغازلتها ~~ثانية.» ~~- وماذا عن المائة بيزو؟ ~~- انتظر وسأحكي لك كل شيء: كنا نتصارع، أنا وهي، حين عاد ذلك ~~الشاب للحصول على باقي نقوده، ووجدني أحتضنها، وعندها أفضى بسره ~~وأخبرنا أنه متيم بحب ابنة الجنرال «كاناليس» وأنه يفكر في ~~الهرب معها في هذه الليلة ذاتها إذا أمكن ذلك. وكانت الفتاة التي ~~خرجت من المنزل لمقابلته هي ابنة الجنرال «كاناليس» نفسها. ولا ~~يمكن أن تتصور كم ألح علي من أجل أن أساعده في خطته، ولكني لم ~~أكن أستطيع عمل شيء وأنا مكلف تلك المهمة في «رواق الرب». ~~- يا لها من حكاية! # وألحق «روداس» ملاحظته تلك ببصقة من لعابه. ~~- والشيء الغريب هو أنني شاهدت ذلك الشاب مرارا عند قصر رئيس ~~الجمهورية. ~~- إذن لا بد أن يكون أحد أفراد عائلته. ~~- كلا، لا يمكن أن يكون من نفس الأرومة. إن ما أريد أن أعرفه ~~هو، لماذا هذه اللهفة لخطف الفتاة هذه الليلة بالذات؟ لا بد أنه ~~يعلم شيئا عن إلقاء القبض على الجنرال ويعمل على أن يهرب بها حين ~~يكون ms041 الجنود مشغولين بالقبض على العجوز. ~~- لقد أصبت كبد الحقيقة، لا شك في ذلك. ~~- كأس صغير آخر، ثم تنهض إلى العمل. # وملأ «لوتشو» كأسي الصديقين، فأفرغاهما على الفور. وبصقا تجاه ~~دوائر البصاق وأعقاب السجائر التي تغطي أرض المكان. ~~- كم حسابك يا سيد «لوتشو»؟ ~~- ستة عشر قرشا ونصف ... # فسأل «روداس»: الواحد ...؟ # فرد النادل: «كلا، الاثنان!» بينما كان فاسكيز يحصي ~~النقود. ~~- سلاما يا سيد «لوتشو». ~~- نراك على خير يا سيد «لوتشيتو». # وامتزج صوتاهما بصوت النادل الذي اصطحبهما إلى الباب ~~مودعا. # وصاح «روداس» وهو يدس يديه في جيبي بنطاله حين خرجا إلى ~~الطريق: «يا الله، إن البرد شديد!» # ومشيا في بطء حتى بلغا الحوانيت القريبة من السجن، من الناحية ~~التي تطل على «رواق الرب» وتوقفا هناك بناء على اقتراح من ~~فاسكيز. كان يشعر بالسعادة، ومد ذراعيه إلى الأمام كأنما ليخلص ~~نفسه من حمل من الخمول. وقال وهو يتمطى: «هذه هي صحوة الأسد حقا، ~~بشعره الأمامي المعقوص! لا بد أن الأسد يتحمل كثيرا من المشاق ~~في سبيل أن يكون أسدا. ابتهج قليلا يا رجل، هه؟ لا لأن الليلة هي ~~ليلتي. الليلة ليلتي، أقول لك، الليلة ليلتي!» # وبفضل ترديده لهذه الكلمات برنة ثاقبة تزداد حدة في كل مرة، ~~بدا وكأنه يحيل الليل دفا أسود مزدانا بأجراس ذهبية، وكأنه ~~يصافح أصدقاء خفيين في وسط الريح، وكأنه يدعو الأراجوز الذي يسكن ~~بيتا في الرواق كي يمثل أمامه هو وعرائسه الخشبية ليدغدغوا حلقة ~~حتى يكاد ينفجر من الضحك. وضحك ... وضحك ... وحاول القيام بعدة خطوات ~~راقصة ويداه في جيب صداره، ثم ماتت ضحكته فجأة وتحولت إلى أنين، ~~واستحالت سعادته ألما. وقوس جسده ليحمي فمه من غثيان أمعائه. ~~وصمت فجأة، وتصلبت ضحكته في فمه كأنها الجص الذي يستخدمه أطباء ~~الأسنان لقياس حجم الأسنان. لقد لمح الأبله ودوى وقع أقدامه خلال ~~الرواق الساكن؛ وضاعف المبنى العتيق منها، مرتين، ثماني مرات، ~~اثنتي عشرة مرة. كان الأبله يئن، مرة برفق، ومرة بصوت عال، ~~كالكلب الجريح. ودوت صرخة في سواد الليل؛ فقد اقترب «فاسكيز» من ms042 ~~الأبله ومسدسه في يده، ليجره من ساقه الجريحة إلى رأس السلم الذي ~~يفضي إلى ناصية قصر كبير الأساقفة. وشهد «روداس» الموقف دون أن ~~يتحرك، لاهث النفس غارقا في عرقه. وعند أول طلقة من المسدس، ~~تدحرج الأبله على درجات السلم. وقضت الطلقة الثانية عليه. وانكمش ~~الأتراك على أنفسهم فيما بين الطلقتين. ولم ير أحد أي شيء. بيد أن ~~ثمة قديسا كان يطل من إحدى شرفات قصر كبير الأساقفة، يساعد الرجل ~~سيئ الحظ ساعة احتضاره. وفي اللحظة التي تدحرج فيها جسده على درجات ~~السلم، امتدت إليه يد ترتدي خاتما من الأحجار الكريمة ومنحته ~~الغفران، وفتحت له باب مملكة السماء. # الفصل الثامن # | أراجوز الرواق # فور أن دوت طلقتا الرصاص، وعلت صرخات الأبله وهرب فاسكيز وصديقه، ~~بدت الطرقات وكأنما تجري وراء بعضها بعضا، وقد تدثرت بحفيف الثياب ~~تحت ضوء القمر؛ وذلك دون أن تدري ماذا حدث، بينما قبضت أشجار ~~الميدان أصابعها في يأس لأنها لا تستطيع البوح بما حدث لا عن طريق ~~الرياح التي تسري خلال أوراقها ولا أعمدة الهاتف التي تنتصب ~~وسطها. وأطلت الطرقات على المفارق تتساءل فيما بينها عن المكان ~~الذي وقعت فيه الجريمة، ثم هرع بعضها إلى وسط المدينة والبعض الآخر ~~إلى الضواحي، وكأنما قد ضلت الطريق. كلا، لم تقع الجريمة في ~~«حارة اليهود» الملتفة الملتوية كأنما خطتها يد رسام مخمور، ولا ~~في «حارة اسكونتيا» التي اشتهرت يوما ما حين قام بعض أبناء ~~النبلاء من الشبان بإحياء أيام الفروسية فيها بأعمال سيوفهم في ~~أجساد رجال الشرطة المرتشين، ولا في «حارة الملك» التي يغشاها ~~المقامرون، والتي يقال إنه لا يمكن لأحد أن يمر بها دون أن يحيي ~~الملك؛ ولا في «حارة القديسة تريزا»، وهي تل منحدر يمر في حي ~~موحش؛ ولا في «حارة الأرنب»؛ ولا بالقرب من نافورة «هافانا»، ولا ~~عند «الشوارع الخمسة»؛ ولا في حي المارتينيك. # بل وقعت الجريمة في «الميدان الرئيسي»؛ حيث تسيل المياه على ~~الدوام من المراحيض العمومية كأنها دموع البائسين، وحيث رجال الحرس ~~لا يكفون عن استعراض سلاحهم، ms043 والليل يلف ويدور حول الكتدرائية ~~تحت قبة السماء الثلجية. وكانت الرياح تخفق كأنها اضطرام دماء تنزف ~~من صدغ أثخنته طلقات رصاص بالجراح، ولكنها لم تفلح في انتزاع ~~الأوراق المثبتة في تسلط على رءوس الأشجار. # وانفتح فجأة باب في أحد مساكن «رواق الرب»، وأطل منه الأراجوز ~~كالفأر. ودفعته زوجته، بحب استطلاع فتاة صغيرة في الخمسين من ~~عمرها، إلى الشارع كي يرى ما يجري فيه ويصف لها ما يراه. ماذا حدث؟ ~~ما معنى تينك الطلقتين، الواحدة في ذيل الأخرى؟ ولم يهتم ~~الأراجوز بأن يظهر على الباب في ملابسه الداخلية ليرضي نزوات ~~السيدة بنجامبون، كما أصبحت زوجته تدعي (ربما الآن اسمه بنيامين)، ~~ورأى أن زوجته قد جانبها الصواب حين طغت عليها الرغبة في معرفة ~~ما إذا كان أحد الأتراك قد قتل، إلى درجة أن غرست أظافرها في ضلوعه ~~كأنها عشرة مهمازات كيما تدفعه إلى أن يبرز رأسه إلى الخارج بأقصى ~~ما يستطيع. ~~- ولكني لا أرى شيئا يا امرأة! ماذا تتوقعين مني أن أقول لك؟ ~~علام كل هذا الإلحاح؟ ~~- ماذا تقول؟ هل وقع ذلك في حي الأتراك؟ ~~- أقول لك إنني لا أرى شيئا، وإن كل هذا الإلحاح ... ~~- أوضح كلامك، بحق الله! # كان الأراجوز، حين يخلع أسنانه الصناعية ليتكلم، يحرك فمه جيئة ~~وذهابا كأنه فقاعة هواء. ~~- آه، أجل، إني أرى الآن! انتظري لحظة. إني أرى ما الأمر. فقالت ~~المرأة في شبه همس: ولكن يا بنيامين، لا أستطيع أن أفهم كلمة واحدة ~~مما تقول. ألا تدرك ذلك. لا أستطيع فهم كلمة مما تقول! ~~- إني أرى الآن، إني أرى الآن. هناك جمع من الناس يحتشد هناك عند ~~ناصية قصر كبير الأساقفة. ~~- ابتعد عن الباب إذا كنت لا ترى شيئا. لا تقع فيك ألبتة! لا ~~أفهم شيئا مما تقول. # وأفسح السيد بنيامين مكانا لزوجته، التي تبدت عند الباب في ~~حالة شعثاء، وأحد ثدييها يتدلى من قميص نومها القطني الأصفر، ~~والآخر مشتبك في صورة العذراء المعلقة على الباب. # وكان آخر ما قاله السيد بنيامين الأراجوز. آه ... إنهم يحضرون ~~نقالة! ms044 ~~- آه، حسنا، إن الحادث هناك وليس في حي الأتراك كما كنت ~~أعتقد. لماذا لم تقل هذا من البداية يا بنيامين؟ حسنا، لهذا كان ~~صوت الطلقات قريبا بطبيعة الحال. # وقال الأراجوز: انظري، ألا ترينهم يحضرون نقالة؟ وبدا صوته إذ ~~هو يتحدث خلف زوجته وكأنه آت من أعماق الأرض. ~~- اسكت! لا أعرف عم تتحدث. أفضل لك أن تذهب وتضع أسنانك ~~الصناعية، فبدونها تبدو وكأنك تتحدث لغة أجنبية! ~~- قلت إنني رأيتهم يحضرون نقالة. ~~- كلا، إنهم يحضرونها الآن فقط؟ ~~- كلا يا فتاتي العزيزة، لقد كانت هناك من قبل! ~~- أقول لك إنهم يحضرونها الآن، إنني لست عمياء. ~~- لا أدري، ولكني رأيتهم. ~~- ماذا رأيت؟ النقالة؟ # كان السيد بنيامين لا يكاد يبلغ المتر الواحد طولا، نحيلا، ~~غرير الشعر كالوطاويط؛ وتعذر عليه أن يرى ماذا يفعل حشد من الناس ~~والشرطة من وراء كتف السيدة بنجامبون زوجته، وهي امرأة هائلة ~~البنية، تحتاج إلى مقعدين في الترام؛ مقعد لكل فخذ، وما يربو على ~~سبعة أمتار من القماش للرداء الواحد. # وقال السيد بنيامين محاولا الهرب من هذه الحالة من الخسوف ~~الكامل: «ولكنك تتفرجين وحدك الآن.» # وكأنما كان قد قال: «افتح يا سمسم!» فقد استدارت السيدة بنجامبون ~~جانبا كالجبل وأمسكت به في قبضتها. وصاحت: «بحق العذراء، ها أنا ~~أرفعك لترى!» وحملته بين ذراعيها كطفل وجذبته إلى الباب. # وبصق الأراجوز بصاقا أخضر وأرجوانيا وبرتقاليا ومن كل لون. ~~وبينما كان يرفس صدر زوجته وبطنها، كان ثمة أربعة رجال مخمورين ~~يعبرون الطرف الأقصى من الميدان حاملين جثة الأبله على نقالة. ~~ورسمت السيدة بنجامبون علامة الصليب. لهذا كانت المراحيض العمومية ~~تبكي على الميت، والرياح تعصف كأنها صوت النسور بين أشجار ~~الحديقة ذات اللون الشاحب الترابي. # وهتف الأراجوز حين عادت قدماه تلمسان الأرض: كان على القسيس الذي ~~عقد زواجنا أن يقول لي إنه يعطيني ممرضة وليس خادمة، عليه ~~اللعنة! # وتركته نصفه الحلو يتكلم؛ وليست عبارة «نصفه الحلو» بالعبارة ~~المناسبة هنا؛ فهي كالبطيخة إذا كان هو نصف البرتقالة التي تبحث عن ~~نصفها الآخر. # وتركته يتكلم، بدافع صادر من ms045 جزء منه عن عدم فهمها كلمة مما ~~يقول حين يخلع أسنانه الاصطناعية، وفي الجزء الآخر عن احترامها ~~له. # وبعد مضي ربع ساعة، كانت السيدة بنجامبون تغط في نومها كأنما ~~أجهزتها التنفسية تكافح من أجل الحياة داخل برميل اللحم هذا، ~~بينما كان زوجها لا يزال يلعن اليوم الذي تزوج فيه منها وعيناه ~~تقدحان شررا. # بيد أن ذلك الحادث غير العادي عاد بالخير على مسرح العرائس الذي ~~يقيم أوده؛ ذلك أن العرائس قد اتخذت من تلك المأساة موضوعا ~~لها، وكانت تذرف الدموع قطرة قطرة من عيونها الورقية، بفضل شبكة من ~~أنابيب صغيرة تغذيها محقنة وحوض ماء. ولم تكن العرائس حتى ذلك ~~الوقت قد عرفت سوى الضحكات، وكانت إن بكت تفعل ذلك بتقطيب باسم ~~خال من البلاغة التي تضفيها الدموع التي تنساب الآن على خدودها ~~وتسيل على خشبة المسرح التي كانت في السابق محل الكثير من الهزليات ~~الضاحكة. # وكان السيد بنيامين يعتقد أن العنصر التراجيدي في تلك الدراما ~~سيجعل الأطفال يبكون، ولذلك كانت دهشته عظيمة حين رآهم يضحكون من ~~أعماق قلوبهم أكثر من أي وقت مضى، مقهقهين ترتسم علامات ~~السعادة على وجوههم. كان منظر الدموع يثير ضحك الأطفال. وكان منظر ~~الضربات يثير ضحكهم كذلك. # وخرج السيد بنيامين باستنتاج من ذلك: هذا غير منطقي. غير منطقي ~~بالمرة! # وعارضته السيدة بنجامبون: هذا منطقي. منطقي جدا! ~~- غير منطقي. غير منطقي. غير منطقي! ~~- منطقي جدا. منطقي جدا. منطقي جدا. # وألمح السيد بنيامين: لا تدعينا نتشاجر. # ووافقت قائلة: لا تدعنا نتشاجر. ~~- ولكن هذا غير منطقي. ~~- إنه منطقي، أؤكد لك ذلك، منطقي جدا، منطقي للغاية! كانت ~~السيدة بنجامبون حين تتشاجر مع زوجها تضيف إلى كلماتها صيغة ~~المبالغة، كأنها صمامات الأمان التي تقي من الانفجار. # وصاح الأراجوز وهو يكاد يشد شعره من غيظه: غير منطقي! ~~- منطقي، منطقي، منطقي للغاية. منطقي للغاية. # ومع ذلك، مضى الأراجوز الصغير الحجم يستخدم لمدة طويلة حيلة دموع ~~المحقنة ليجعل العرائس تبكي كيما تسلي الأطفال. # الفصل التاسع # | عين زجاجية # كانت الحوانيت الصغيرة في المدينة تغلق أبوابها ms046 عند الساعات ~~الأولى من الليل، بعد أن تراجع حساباتها، وتتسلم الصحف، وتصرف آخر ~~زبائنها. وكان ثمة مجموعات من الفتيان يتسلون عند نواصي الطرقات ~~بمطاردة الحشرات الطائرة التي تهوم حول المصابيح الكهربائية. ~~وكانت كل حشرة يمسكون بها تتعرض لسلسلة من التعذيب، يطيل منه ~~الأشرار فيهم نتيجة لعدم وجود شخص رحيم بينهم يضع قدمه على هذه ~~المخلوقات وينهي حياتها بسرعة. وكان يرى من النوافذ فتيات ~~يتبادلن الشكوى من تباريح الهوى مع أحبائهن الواقفين في الطريق؛ ~~بينها تسير دوريات مسلحة بحراب السونكي أو بالعصي في الشوارع ~~الهادئة في صف مفرد، يمشون على خطى قائدهم. ومع ذلك كانت هناك ~~أمسيات يكون فيها كل شيء مختلفا: فكان معذبو الحشرات الطائرة ~~المسالمون يلعبون ألعابا ينتظمون فيها في معارك يعتمد طولها ~~على وجود المؤن من «الصواريخ»؛ فقد كان هؤلاء المحاربون يرفضون ~~التوقف عن اللعب ما دام هناك مدد من الحجارة في الطريق. أما ~~المحبون، فقد تظهر أم الفتاة فجأة فتنهي هذا الاستعراض الغرامي، ~~وترسل بالحبيب المفتون جاريا في الشارع يحمل قبعته وكأنما الشيطان ~~يطارده. وأحيانا تقع دورية الحرس على أحد المارة فتفتشه من قمة ~~رأسه إلى أخمص قدميه وترسل به إلى السجن، حتى لو لم يكن يحمل ~~سلاحا، بوصفه شخصية مشبوهة، متشردا، متآمرا، أو كما يقول ~~قائد الدورية «لأن منظره لا يعجبني!» # وفي تلك الساعة من الليل، كانت الأحياء الفقيرة بالمدينة تعطي ~~انطباعا بالعزلة المطلقة، والفاقة الجهماء، ومظاهر الإهمال، وتظلل ~~كل هذا قدرية دينية تترك كل شيء لإرادة الله. وكانت ميازيب الأمطار ~~تعكس صورة القمر على الأرض، والمياه تتقاطر من صنابير مياه الشرب ~~فتقيس الساعات اللا متناهية لشعب يؤمن بأنه قد حكم عليه ~~بالعبودية والرذيلة. # وكان «لوسيوفاسكيز» يودع صديقه في أحد هذه الأحياء الفقيرة. قال ~~وهو يغمز بعينه علامة كتمان السر: مع السلامة يا خينارو. سأذهب ~~لأرى ما إذا كان في الوقت متسع للمساعدة في خطف ابنة ~~الجنرال. # ووقف خينارو برهة جامدا يتبدى على سيمائه ذلك التعبير الحائر ~~لشخص يتردد في قول عبارة أخيرة لصديق يودعه! ثم ms047 توجه إلى أحد ~~البيوت في ذلك الحي، حيث كان يقطن في مسكن أعده في أحد ~~الحوانيت، وطرق الباب. # وقال صوت من الداخل: من هناك؟ من الطارق؟ # رد خينارو وهو يحني رأسه كأنما يتحدث إلى شخص قصير جدا: إنه ~~أنا. # فقالت المرأة التي فتحت الباب: أنا من؟ # ورفعت زوجته، «فيدينا دي روداس»، الشمعة إلى مستوى رأسه لترى ~~وجهه. كان شعرها منكوشا، وترتدي ثياب النوم. # وحين دلف خينارو إلى الداخل، خفضت الشمعة، وأعادت مزلاج الباب ~~الحديدي إلى مكانه بصوت عال وتوجهت إلى غرفة النوم دون أن تنطق ~~بكلمة. ثم وضعت الشمعة أمام الساعة حتى يرى ذلك الفاجر الساعة ~~المتأخرة التي عاد فيها إلى بيته. وتوقف لكي يداعب القطة النائمة ~~على المصطبة، وحاول أن يصفر بفمه أغنية مرحة. # صاحت «فيدينا» وهي تحك قدميها قبل أن تدلف إلى الفراش: أي شيء ~~يجعلك تبدو سعيدا هكذا؟ # فرد خينارو بسرعة من جانب الحانوت المظلم، وهو يخشى أن تكتشف ~~زوجته رنة القلق في صوته: لا شيء. ~~- إنك تقابل رجل الشرطة ذاك ذا الصوت النسائي أكثر من ذي قبل ~~الآن. # فقاطعها خينارو وهو يتجه إلى الغرفة الخلفية حيث ينامان، وقبعته ~~الجوخ متدلية على عينيه: كلا. ~~- كاذب! لقد تركته منذ لحظة! آه، إنني أعرف عمن أتحدث؛ إن رجلا ~~يتحدث بصوت مائع - لا هو ديك ولا دجاجة - مثل صديقك ذاك لا يمكن أن ~~يأتي الخير على يديه. إنك تصاحبه لأنك تريد أن تلتحق بالشرطة ~~السرية. تلك الجماعة من المتوحشين الكسالى! الذين يجب أن يخجلوا من ~~أنفسهم! # وتساءل خينارو ليغير موضوع الحديث وهو يخرج رداء صغيرا من ~~صندوق: ما هذا؟ # وأخذت «فيدينا» الرداء من زوجها كأنما هو راية من رايات السلام، ~~وبدأت تحكي بحماسة، وهي جالسة على الفراش، أنه هدية من ابنة ~~الجنرال كاناليس، التي طلبت الأم منها أن تكون إشبينة طفلها الأول ~~عند تعميده. وأخفى «خينارو» وجهه في الظلال المحيطة بمهد ابنه ~~الوليد، وبدون أن يسمع ما كانت تقوله زوجته عن ترتيبات التعميد، ~~رفع يده في ضيق ليبعد ضوء الشمعة ms048 عن عينيه، ثم جذبها بسرعة بعيدا، ~~وهو يهزها لينظفها من آثار لون الدماء الذي علق بأصابعه. وارتفع ~~شبح الموت من المهد الذي ينام فيه طفله كأنما هو نعش. إن الموتى ~~أيضا في حاجة إلى الهدهدة كالأطفال. كان الشبح يحاكي بياض البيضة ~~في لونه، ذو عينين ضبابيتين، أصلع الرأس، بلا حواجب ولا أسنان، ~~يثني نفسه في دورات حلزونية كتقلصات البخور داخل المجامر التي ~~تستخدم في المراسم الجنائزية: وكان خينارو يسمع صوت زوجته يسعى إلى ~~أذنيه كأنما يأتي من مكان سحيق. كانت تتكلم عن ابنها، وعن التعميد، ~~وعن ابنة الجنرال، وعن دعوة جارتها الملاصقة لهم، والرجل السمين ~~المواجه لهم وجارتها التي على بعد خطوتين، والجار الذي يقطن في ~~ناصية الشارع، وصاحب الخان، والجزار، والخباز. ~~- «ألا يكون ذلك رائعا؟» ثم أضافت بحدة: ماذا دهاك يا ~~خينارو؟ # وجفل من وقع صوتها الحاد، وقال: لا شيء. # لقد غمرت صيحة زوجته شبح الموت في بقع سوداء صغيرة، بقع سوداء ~~أبرزت الشبح منتصبا أمام ركن الغرفة المظلم. وكان هيكلا عظميا ~~لامرأة لم يبق فيه من الصفات الأنثوية سوى الثديين الغائرين، ~~رخوين مشعرين كالفئران المتدلية فوق إطار الضلوع. ~~- ماذا دهاك يا خينارو؟ ~~- لا شيء. ~~- هذه هي نتيجة سهرك في الخارج. إنك تعود إلى المنزل كالسائرين ~~في نومهم، مطأطئ الرأس خذلان. لماذا لا تبقى في بيتك أيها الرجل ~~البائس؟ # وبدد صوت زوجته وجود الهيكل العظمي. ~~- كلا. لا شيء هناك. # كانت ثمة عين تسبح فوق أصابع يده اليمنى كأنها دائرة ضوء منبعث ~~من مصباح كهربائي؛ تنتقل من الإصبع الصغير إلى الأوسط، ومنه إلى ~~إصبع خاتم العرس، ومن إصبع الخاتم إلى السبابة، ومن السبابة ~~إلى الإبهام. عين ... عين واحدة. كان يشعر بها تنبض. وحاول أن ~~يسحقها بأن قبض يده بشدة إلى أن انغرست أظافره في راحة يده. بيد ~~أن ذلك كان مستحيلا، فحين فتح يده ثانية، كانت لا تزال هناك مرة ~~أخرى على أصابعه، لا تزيد في حجمها عن قلب عصفور، ولكنها مخيفة ~~كنار جهنم. وانبجست من جبهته حبات عرق ساخن، ms049 كمرق اللحم. من ذلك ~~الذي يتطلع إليه خلال هذه العين التي استكانت على أصابعه ثم تقافزت ~~كأنها كرة عجلة الروليت على وقع الأجراس الجنائزية؟ # وانتزعته «فيدينا» من المهد الذي كان ينام فيه طفله. ~~- ماذا دهاك يا خينارو؟ ~~- لا شيء. # وبعد برهة، تنهد مرات عديدة ثم قال: «لا شيء. إن هناك عينا ~~تطاردني! إن هناك عينا تتبعني، عينا ورائي أينما ذهبت! إني أرى ~~يدي - كلا! هذا مستحيل! إنها عيناي، إنها عين ...» # وقالت له زوجته من بين أسنانها دون أن تفهم شيئا مما يقول: سلم ~~أمرك إلى الله! ~~- إنها عين ... أجل، عين مستديرة سوداء ذات أهداب، كأنها عين ~~زجاجية! ~~- إنك ثمل. هذا هو ما دهاك. ~~- كيف أكون ثملا وأنا لا أجد ما أشرب؟ ~~- كيف لا تجد؟ إن فمك يعبق برائحة الخمر. # ورغم أنه كان يقف في وسط الحجرة التي ينامون فيها، فقد كان ~~الحانوت يشغل نصفها الآخر، شعر «خينارو» أنه قد تاه في غياهب قبو ~~مليء بالوطاويط والعناكب والثعابين والسحالي، بعيدا عن متناول أي ~~عون أو راحة. # ووصلت «فيدينا» كلامها قائلة وهي تتثاءب: «لا بد أنك مقدم على ~~شيء. إنها عين الله تراقبك!» # وقفز خينارو مرة واحدة إلى الفراش ودلف تحت الشراشف وهو في كامل ~~ملابسه بما فيها الحذاء. كانت العين لا تزال هناك، تتراقص إلى جانب ~~جسد زوجته، ذلك الجسد البض الفتي. وأطفأت «فيدينا» النور، بيد أن ~~ذلك زاد الطين بلة، ذلك أن العين تعاظم حجمها شيئا فشيئا في ~~الظلمة، إلى أن غطت الجدران والأرض والسقف والسطح والبيوت ~~المجاورة، غطت حياته كلها، وطفله ... # وأجاب ردا على ملاحظة زوجته التي أعادت إشعال الشمعة حين سمعت ~~صيحاته المذعورة، وراحت تمسح العرق البارد عن جبهته بإحدى مناشف ~~الطفل: «كلا! إنها ليست عين الله، إنها عين الشيطان!» # ورسمت «فيدينا» علامة الصليب. وطلب منها خينارو أن تطفئ الشمعة ~~ثانية. وتحولت العين إلى شكل حرف ثمانية إذ هي تنتقل من النور إلى ~~الظلمة، ثم صدر عنها صوت مدو، كان يبدو أنها ستنكسر على شيء ما، ~~وما لبثت ms050 أن تكسرت على الفور على صوت وقع أقدام تتردد في ~~الشارع. # وصاح خينارو: الرواق! الرواق! أجل! أجل! النور، أعواد الثقاب! ~~النور بحق الإله! # ومدت زوجته يدها من فوقه لتمسك بعلبة الثقاب. وكانت تتردد ~~أصوات عجلات قصية. كان خينارو يمسك فمه بأصابعه ويصيح كأنما هو ~~يختنق. لم يكن يريد أن يبقى وحيدا، ونادى على زوجته، التي كانت ~~قد دست جسدها في قميص النوم وذهبت تسخن له بعض القهوة. # وحين سمعت صرخات زوجها، عادت إلى الفراش منزعجة. وقالت لنفسها ~~وهي ترقب شعلة الشمعة الخافقة بعينيها السوداوين الجميلتين: «هل ~~هو مريض يا ترى أم ماذا؟» وجال بخاطرها الدود الذي أخرجوه من معدة ~~«هنرييتا » الفتاة التي تعمل في الخان المجاور للمسرح - والفطريات ~~التي وجدوها مكان المخ في رأس أحد الهنود في المستشفى، وذلك ~~المخلوق البشع المسمى «كاديخو» الذي يحول بين الإنسان والنوم. ~~وكالدجاجة التي ترفرف بجناحيها وتصيح على فراخها حين ترى الطيور ~~الكاسرة تتهددها، نهضت وعلقت ميدالية القديس «بلاس» حول رقبة ~~طفلها الوليد الصغيرة وهي تتلو الصلوات بصوت عال. # بيد أن الصلوات هزت «خينارو» كأنما أحد يقوم بضربه. ونهض من ~~الفراش وقد أغلق عينيه بشدة، فوجد زوجته إلى جوار مهد الطفل فتعثر ~~ووقع على ركبتيه معانقا ساقيها ومعترفا لها بما شاهده في هذه ~~الليلة: «لقد تدحرج على السلم، أجل، إلى نهاية السلم، نازفا ~~الدماء من أول طلقة، ولم يغلق عينيه بعد ذلك أبدا، منفرج ~~الساقين، وعلى عينيه نظرة جامدة باردة زجاجية لم أر في حياتي ~~مثيلا لها أبدا! وبدت إحدى عينيه كأنما تحيط بكل شيء أمامها ~~مثل لمح البرق، ولشد ما كانت تحدق إلينا! عين ذات أهداب طويلة، ~~لا تريد أن تفارقني، لا تريد أن تفارق أصابعي، ها هي، آه يا إلهي، ~~ها هي!» # وأسكتته صرخة من الطفل. وتناولت «فيدينا» الطفل من مهده، ~~ولفته في بعض الثياب، ثم ألقمته ثديها، دون أن تتمكن من ~~الإفلات من قبضة زوجها، رغم أنها شعرت بالاشمئزاز منه وهو يجثو ~~هناك، ممسكا بساقيها يئن ويهذي. ~~- وأسوأ ما في الأمر ms051 أنه «لوسيو» ... ~~- أهو «لوسيو» ذلك الذي يشبه صوته صوت النساء؟ ~~- أجل، لوسيو فاسكيز. ~~- الرجل الذي يدعونه «القطيفة»؟ ~~- أجل. ~~- ولماذا قتله بحق السماء؟ ~~- لقد صدرت إليه الأوامر بذلك؛ فقد أصيب بداء السعار. بيد أن ذلك ~~ليس أسوأ ما في الأمر؛ فالأدهى من ذلك أن لوسيو قد أخبرني أن أمرا ~~قد صدر باعتقال الجنرال كاناليس، وأن هناك شابا يعرفه ينوي ~~اختطاف ابنة الجنرال الليلة ... ~~- الآنسة كميلة، إشبينة طفلي؟ ~~- أجل. # وحين سمعت «فيدينا» هذه الأنباء التي لا يصدقها عقل، طفقت تبكي ~~بالسهولة والغزارة اللتين تبكي بهما عامة النساء حزنا على مصائب ~~الآخرين. وسقطت دموعها على رأس طفلها الصغيرة إذ هي تهدهده، ~~سخينة كالمياه التي تحملها الجدات إلى الكنيسة لإضافتها إلى المياه ~~المقدسة الباردة في حوض التعميد. # وراح الطفل في النوم وانقضى الليل وخينارو وزوجته لا يزالان ~~جالسين كأن على رأسيهما الطير، حين خط الفجر خيطا ذهبيا تحت ~~الباب وكسرت ابنة الخباز صمت الدار وهي تدق على الباب وتصيح: ~~الخبز! الخبز! الخبز! # الفصل العاشر # | أمراء الجيش # غادر الجنرال «إيوسبيو كاناليس»، الملقب «تشاماريتا»، منزل ذي ~~الوجه الملائكي في كل أبهته العسكرية، كأنما هو ذاهب على رأس ~~جيشه؛ ولكن عندما أغلق الباب وأصبح وحيدا في الطريق، استحالت ~~مشيته العسكرية إلى خبب هندي فقير ذاهب إلى السوق لبيع دجاجته. ~~وكان يشعر بالجواسيس الذين يتعقبونه في أعقاب قدميه، وظل يضغط ~~بأصابعه على فتاق يشعر به في حقويه؛ فقد كانت آلامه تصيبه بالخور. ~~وكان يزفر كلمات متقطعة وشكايا محطومة، في حين يحس بقلبه يخفق في ~~اضطراب ويتقلص، وتفوته بعض الدقات، لدرجة اضطر معها - زائغ العين ~~مشلول الفكر - أن يضغط بيده على صدره ويقبض عليه رغما عن الضلوع ~~التي تفصله عنه، كأنما هو عضو كسير بإمكانه إرغامه على العمل. ~~شكرا لله. لقد عبر الآن تلك الناصية التي بدت له جد بعيدة من ~~قبل، والآن، إلى الناصية التالية. ولكن: لشد ما تبدو له بعيدة مع ~~كل هذا التعب الذي يشعر به! وبصق. وكادت ساقاه تخذلانه. قشرة ~~برتقالة. وعربة تمرق عند نهاية ms052 الطريق. إنه هو الذي سيمرق. ولكنه ~~لم يعد يرى سوى العربة والمنازل والأنوار ... وغذ السير، إذ لم يعد ~~أمامه من شيء سوى ذلك. شكرا لله. لقد عبر توا ذلك الركن الذي ~~بدا له بعيدا جدا منذ دقائق. والآن، إلى الركن التالي، ولكن: ~~لشد ما يبدو له بعيدا مع كل هذا التعب الذي يشعر به! وصر على ~~أسنانه حتى يتمكن من شد أزر ركبتيه. إنه لم يعد يكاد يسير. كانت ~~ركبتاه متيبستين، وثمة ألم ينذر بالسوء يشعر به أسفل عموده الفقري ~~وفي حلقه. ركبتاه، عليه أن يجر نفسه نحو منزله زاحفا على أربع، ~~دافعا جسده بيديه ومرفقيه وبكل غريزة فيه تصارع من أجل الهروب من ~~الموت. وخفف من مشيته. وتتابعت نواصي الطريق التي لا توفر أية ~~حماية له. بل وأكثر من ذلك، فإنها بدت وكأنها تتكاثر في ذلك الليل ~~البهيم مثل الأبواب الزجاجية الشفافة. لقد كان يتصرف على نحو مضحك ~~أمام نفسه وأمام الآخرين، سواء كانوا يرونه أم لا، وهو شيء متناقض ~~يعزى إلى كونه شخصية هامة عامة على الدوام، حتى في هدأة الليل، محط ~~أنظار مواطنيه. وهمهم: «فليحدث ما يحدث، إن الواجب يحتم علي ~~البقاء في المنزل، ويصبح هذا أكثر لزوما إذا ما صح ما قاله لي ~~توا ذلك الوغد «ذو الوجه الملائكي»!» ثم مضى بعد برهة يقول ~~لنفسه: «الهرب معناه أنني مذنب!» ... وكان الصدى يتردد مع وقع خطاه ~~... «الهرب معناه أنني مذنب، معناه ...! ولكن البقاء ...!» وكان الصدى ~~يتردد مع وقع خطاه ... «الهرب معناه أنني مذنب! ... ولكن البقاء!» ~~وكان الصدى يتردد مع وقع خطاه ... # ومد يده إلى صدره كأنما لينتزع كمادات الخوف التي زرعتها فيه ~~كلمات محبوب الرئيس، ذي الوجه الملائكي ... ولكن أوسمته العسكرية لم ~~تكن هناك. «الهرب معناه أنني مذنب، ولكن البقاء ...» وكان إصبع ذي ~~الوجه الملائكي يشير له إلى الطريق الوحيد الممكن للخلاص ... المنفى: ~~«لا بد من الهروب بجلدك يا جنرال! ما زال في الوقت متسع!» وكان كل ~~ما يشعر نحوه بالاهتمام والتقدير، وكل ما يحبه في حنان ms053 الأطفال: ~~الوطن، الأسرة، الذكريات، التقاليد، وابنته «كميلة» ... كل هذا كان ~~يدور حول ذلك الإصبع المشئوم، كأنما الكون كله قد استحال شذرات كما ~~استحالت أفكاره مزقا. # ولكن، بعد خطوات قليلة أخرى، لم يبق شيء من هذه الرؤيا الهائلة ~~سوى دموع الحيرة تتألق في مآقيه ... ~~- «لقد قلت مرة في إحدى خطبي إن الجنرالات هم «أمراء الجيش». يا ~~لي من أحمق! لقد دفعت ثمنا باهظا لهذه العبارة الصغيرة! لن يغفر ~~لي الرئيس أبدا قولي هذا عن أمراء الجيش. وما دمت قد سقطت في ~~نظره، فهو الآن سيحملني وزر موت كولونيل كان دائما يظهر ~~احتراما وحبا لشيبتي.» # ولاح شبه ابتسامة صغيرة ساخرة تحت شاربه الرمادي. كانت ثمة صورة ~~مختلفة أخرى للجنرال كاناليس تتشكل في أعماقه، جنرال كاناليس ~~آخر، يمشي بخطى السلحفاة، يجر ساقيه كأنما هو أحد الخطاة التائبين ~~في موكب أسبوع الألم، صامتا، كئيبا، حزينا، تفوح منه رائحة ~~الصواريخ النارية المحترقة. أما «تشاماريتا» الحقيقي كاناليس الذي ~~سبق أن خرج من منزل ذي الوجه الملائكي، عزيزا، في عزوة منصبه ~~العسكري، ووراء ظهره العريض معارك مجيدة خاضها الإسكندر الأكبر ~~ويوليوس قيصر ونابليون وبوليفار، فقد أخذ يحل محله فجأة صورة ~~جنرال كاريكاتورية، جنرال كاناليس آخر يسير دون أي زخارف ذهبية، ~~دون أحذية بساق ولا مهمازات ذهبية، دون امتيازات أو صولجان. وبدا ~~التناقض واضحا بين النهاية التي يلقاها هذا الجنرال الغريب ~~الكئيب الملبس، الرث، الذليل، كجنازة فقير مسكين، وبين نهاية ~~«تشاماريتا» الحقيقي الآخر، كجنازة من الدرجة الأولى، كاملة ~~بالشرائط وأكاليل الغار والرياش والتحايا العسكرية. لقد كان جنرال ~~كاناليس مجللا بالعار، يتقدم إلى ساحة هزيمة لن يسجلها له ~~التاريخ، أمام الجنرال الحقيقي الذي بقي في الخلفية كالدمية ~~غارقا في أضواء ذهبية وزرقاء، وقبعته المثلثة الأطراف تغطي ~~عينيه، وسيفه مكسور، وذراعاه متدليان، والصلبان والأوسمة على صدره ~~قد علاها الصدأ. # وأشاح كاناليس بعينه، دون أن يخفف. من خطاه، من صورته الأخرى ~~المبهرجة وهو يشعر أنه قد هزم هزيمة معنوية. وتخيل نفسه، والكآبة ~~تسيطر عليه، في المنفى يرتدي بنطال الحمالين، على سترة ms054 إما طويلة ~~جدا أو قصيرة جدا، واسعة جدا أو ضيقة جدا، وإنما ليست على ~~مقاسه إطلاقا. لقد كان يسير وسط أطلال حياته المحطومة، يدوس رياشه ~~الذهبية بأقدامه. ~~- «ولكني بريء!» # وردد هذه العبارة بكل اقتناع. ~~- «ولكني بريء، فلماذا أخاف ...؟» # وأجابه ضميره، بالكلمات التي سمعها من ذي الوجه الملائكي: «وهذا ~~هو السبب بالذات! ذلك أن الأمر سيكون مختلفا تماما لو كنت ~~مذنبا. إن الجريمة مهمة جدا لأنها تضمن للحكومة ولاء ~~الموطن؛ والوطن؟ اهرب بجلدك يا جنرال، إني أعرف جيدا ما أقوله لك. ~~لا الوطن ولا الثروة سينقذانك. والقانون؟ ابحث عن شيء آخر. لا بد ~~أن تهرب يا جنرال، إن الموت بانتظارك!» ~~- ولكني بريء. ~~- «سواء كنت مذنبا أو بريئا لا أهمية له يا جنرال. إن ما يهم ~~هو ما إذا كنت محل رضى الرئيس أم لا. من الأفضل أن تكون مذنبا ~~عن أن تكون بريئا لا ترضى عنك الحكومة!» # وسد أذنيه حتى لا يسمع صوت ذي الوجه الملائكي، وغمغم ببعض عبارات ~~الانتقام؛ فقد كانت ضربات قلبه تكاد تكتم أنفاسه. وبعد ذلك، بدأ ~~يفكر في ابنته. لا بد أنها تنتظره الآن على أحر من الجمر. ودقت ~~ساعة كنيسة «لا مرسيد». كانت السماء صافية ترصعها النجوم دونما ~~سحابة واحدة. وحين أشرف على ناصية شارعه، رأى النور مضاء في ~~النوافذ، ويلقي أشعته القلقة إلى قلب الطريق. ~~- «سوف أترك ابنتي كميلة في رعاية أخي «خوان» إلى أن أتمكن من ~~إحضارها معي. لقد عرض ذو الوجه الملائكي أن يأخذها الليلة أو صباح ~~غد إلى مسكن أخي». # ولم يكن في حاجة إلى مفتاح البيت الذي يحمله في يده؛ لأن الباب ~~انفتح على الفور. ~~- حبيبي بابا. ~~- «هس! تعالي، سوف أشرح لك كل شيء. ليس هناك من وقت نضيعه. سوف ~~أشرح لك. قولي لمساعدي أن يجهز لي جوادا ... وبعض النقود. ومسدسا ... ~~وبعد ذلك سأرسل في طلب ملابسي ... لن أحتاج إلا للضروري فقط في ~~حقيبة. لا أدري ماذا أقول وأنت لا تفهمينني. أصدري الأوامر بأن ~~يجهزوا لي البغل الكستنائي اللون، وجهزي أنت ms055 حاجاتي بينما أذهب أنا ~~لتغيير ملابسي وكتابة خطاب لإخوتي. وسوف تبقين مع خوان بعض ~~الوقت.» # ولو كانت الابنة قد شاهدت أمامها مجنونا هائجا لما كانت قد ~~شعرت بالفزع الذي شعرت به حين رأت أباها، وهو الهادئ الرصين، يدخل ~~في تلك الحالة من الهياج. كان مخنوق العبارات مخطوف اللون. لم تكن ~~قد رأته هكذا أبدا من قبل. ودفعها الإلحاح والعجلة - يعذبها القلق ~~ولا تستطيع أن تسمع ما يقول أبوها ولا أن تقول سوى: آه يا إلهي، آه ~~يا إلهي - إلى التوجه إلى مساعد أبيها لتخبره أن يجهز البغل، وهو ~~بغل عظيم ذو عينين تتوهجان بالنيران، ثم عادت لتجهز حقيبة ~~الملابس: مناشف ، جوارب، خبز، شحم بالزبد، بيد أنها نسيت أن تضيف ~~الملح - ثم توجهت إلى المطبخ لتوقظ مربيتها، التي كانت تجلس فوق ~~السلة الخشبية غافية كعادتها أمام النيران الذابلة إلى جوار القطة ~~التي كانت تحرك أذنيها لدى سماع أي ضوضاء غير مألوفة. # وكان الجنرال يسطر خطابا في عجلة شديدة عندما مرت الخادمة ~~بالغرفة لتغلق النوافذ بالمزلاج. # واستولى الصمت على البيت، بيد أنه لم يكن ذلك الصمت الحريري. ~~لليالي العذبة الهادئة، التي تطبع ظلمتها الليلية نسخا مطابقة من ~~الأحلام الجميلة، أخف من عبير الزهور وأقل لمعة من المياه. إن ذلك ~~الصمت الذي استولى على البيت، والذي لم يقطعه سوى سعال الجنرال ~~وحركات ابنته المسرعة هنا وهناك، ونشيج الخادمة وأصوات فتح وإغلاقه ~~الصوانات والخزائن والأدراج في فزع، كان صمتا مشدودا ثقيلا ~~مؤلما كالملابس الغريبة. ~~••• # وفي تلك الأثناء، كان ثمة شخص ضئيل، ماكر الوجه، ذو جسد أشبه ~~براقصي الباليه، يكتب خطابا دون أن يرفع القلم من فوق الورق ودون ~~أن يصدر عنه أي صوت، كأنما هو يخيط نسيجا عنكبوتيا: # إلى صاحب السعادة رئيس الجمهورية ~~الدستوري، الحاضر دائما # سيادة الرئيس # وفقا لما تلقيته من تعليمات، فرضت حراسة مشددة على ~~الجنرال «إيوسبيو كاناليس»، وأتشرف الآن أن أبلغ سيادة ~~الرئيس أنه قد شوهد في منزل أحد أصدقاء فخامتكم، منزل ~~السيد ميغيل ذي الوجه الملائكي. وقد أبلغتني الطباخة التي ms056 ~~تعمل في منزل ذي الوجه الملائكي (وهي تتجسس على سيدها ~~وعلى الخادمة)، والخادمة (التي تتجسس على سيدها وعلى ~~الطباخة) أن ذا الوجه الملائكي قد انفرد بالجنرال كاناليس ~~في حجرته ما يقرب من ثلاثة أرباع الساعة، وقد قالت إن ~~الجنرال كاناليس قد خرج بعدها في حالة من الاضطراب الشديد. ~~وبناء على التعليمات، ضوعفت الحراسة على منزل كاناليس، ~~وصدرت الأوامر مرة أخرى بأن أي محاولة للهرب من جانبه لا ~~بد وأن تنتهي بقتله. # وقد قدمت الخادمة - دون علم الطباخة - تفاصيل أخرى؛ فقد ~~أخبرتني على الهاتف أن سيدها قد أفهمها أن كاناليس قد ~~حضر إليه يعرض عليه ابنته مقابل تدخله الفعال في صالحه لدى ~~الرئيس. # أما الطباخة فكانت - دون علم الخادمة - أكثر وضوحا في ~~ذلك الموضوع؛ فقد قالت إنه بعد مغادرة الجنرال للمنزل كان ~~سيدها في حالة سرور عظيم، وأمرها بأن تخرج حالما تفتح ~~الحوانيت لشراء بعض المربى والشراب والفطائر والحلوى؛ لأن ~~فتاة من أسرة عريقة ستحضر لتعيش معه. ~~«هذه هي فحوى المعلومات التي أتشرف بإبلاغها إلى السيد ~~رئيس الجمهورية ...» # وكتب التاريخ ومهر الخطاب بتوقيعه المنمق الذي يشبه رمية السهم، ~~وقبل أن يرفع القلم من على الورق ليحك به أنفه، أضاف خاطرة أخرى: ~~«إضافة للمذكرة المقدمة هذا الصباح: الدكتور لويس ~~بارينيو: قام ثلاثة أشخاص بزيارة عيادته هذا الأصيل، اثنان ~~منهم من الفقراء المدقعين؛ وفي المساء خرج للنزهة مع زوجته ~~في الحديقة. ~~- قابيل كرفخال المحامي: ذهب هذا الأصيل إلى البنك ~~الأمريكي، وإلى الصيدلية المواجهة لدير الكابوتشين وإلى ~~النادي الألماني، وهناك تحدث فترة طويلة مع السيد «رومز» ~~الموضوع تحت مراقبة الشرطة، ثم عاد إلى منزله في السابعة ~~والنصف. ولم يشاهد مرة أخرى خارجا، وقد ضوعفت الحراسة ~~حول منزله، وفقا للتعليمات الواردة». ختام. # الموقع أعلاه. التاريخ أعلاه # الفصل الحادي عشر # | الاختطاف # توجه لوسيو فاسكيز، بعد افتراقه عن روداس، إلى الحانة التي توجد ~~فيها «لامسكواتا» بأسرع ما تستطيع قدماه أن تحملاه، كيما يرى ما ~~إذا كان الوقت قد حان للمساعدة في اختطاف الفتاة. وأسرع في مروره ~~بنبع ms057 «لامرسيد» وهو مكان يمتلئ بالأشباح والجريمة طبقا للإشاعات ~~والأكاذيب التي تطلقها النسوة اللائي يخلطن إبر ثرثرتهن مع المياه ~~القذرة التي يملأن بها صفائحهن من النبع. # وقال جلاد الأبله في نفسه دون أن يخفف من خطاه: «إن الاشتراك في ~~عملية اختطاف شيء عظيم. ونظرا لأن مهمتي في «رواق الرب» قد ~~أنجزت بسرعة فائقة، حمدا لله، فإن في وسعي أن أستمتع بتنفيذ تلك ~~العملية. يا إلهي، إذا كان الفرح لا يسعني حين أعثر على شيء أو حين ~~أسرق دجاجة، فكيف ستكون متعتي إذ تتاح لي الفرصة كي أخطف ~~فتاة!» # وبدت الحانة التي تمتلكها «لامسكواتا» على مشارف البصر، بيد أنه ~~أخذ يتصبب عرقا حين لمح ساعة كنيسة «لامرسيد». كان الوقت قد ~~أزف، ما لم تكن عيناه تخدعانه. وألقى التحية على رجل شرطة أو اثنين ~~ممن كان يحرسان منزل الجنرال كاناليس، ثم دلف إلى باب الحانة ~~كأنه أرنب يدلف إلى جحره. # وكانت «لامسكواتا» قد أوت إلى الفراش في انتظار الساعة المحددة، ~~وهي الثانية صباحا، وأعصابها على أحر من الجمر، وضغطت إحدى ساقيها ~~بالأخرى، وسحقت ذراعيها تحت جسدها في أوضاع غير مريحة، وطوت رأسها ~~على مدار الوسادة، والعرق يتصبب منها مع كل حركة، ولكن دون أن تفلح ~~في إغلاق عينيها. # وحين طرق فاسكيز الباب قفزت من الفراش وأسرعت إلى الباب وهي تشهق ~~من فرط الاضطراب. ~~- «من هناك؟» ~~- أنا، فاسكيز، افتحي. ~~- لم أكن أنتظرك! # وقال وهو يدخل: كم الساعة الآن؟ ~~- الواحدة والربع صباحا. # قالت ذلك على الفور دون أن تنظر إلى الساعة، ولكن بقناعة من كان ~~يحصي كل دقيقة تمر، وكل خمس دقائق، وعشر دقائق، وربع ساعة، وعشرين ~~دقيقة؛ إذ هي في انتظار أن تحل الساعة الثانية. ~~- إذن كيف تشير ساعة الكنيسة إلى الساعة الثانية إلا ~~ربعا؟ ~~- غير معقول. لا بد أنها غير مضبوطة. ~~- ثم ... أخبريني، هل عاد ذلك الشاب؟ ~~- كلا. # وأخذ فاسكيز صاحبة الحانة بين ذراعيه وهو يتوقع تماما أن ~~يكون جزاؤه صفعة منها. ولكن لم يحدث شيء من هذا؛ فقد أصبحت ~~«لامسكواتا» وديعة كالحمامة، ms058 فتركته يحتضنها ويقبلها في شفتيها، ~~ماهرة بذلك إمضاءها على اتفاق بألا ترفض له شيئا أيا كان ~~الليلة. وكان الضوء الوحيد في الغرفة يتوهج أمام صورة للعذراء، إلى ~~جوار باقة من الورد المصنوع من الورق. وأطفأ فاسكيز الشمعة ثم أوقع ~~صاحبة الحانة أرضا. واختفت صورة العذراء في الظلمة؛ إذ تدحرج ~~جسداهما على أرض الحجرة وقد التصقا ببعض كحزمة من الثوم. ~~••• # وظهر ذو الوجه الملائكي من ناحية المسرح، يمشي مسرعا بصحبة ~~مجموعة من الأفاقين الأجلاف. وقال لهم: «حالما تصبح الفتاة في يدي، ~~بوسعكم أن تنهبوا المنزل، لن تذهبوا أبدا فارغي اليد، أعدكم بذلك. ~~ولكن، الزموا الحيطة، الآن وفيما بعد على حد سواء ، ولا تفشوا ~~السر، وإلا فإني أفضل أن أعمل بدونكم.» # وحين داروا إلى المنعطف أوقفتم دورية للشرطة. وتحدث المحبوب مع ~~ضابط الدورية في حين وقف الجنود حولهما. ~~- إننا ذاهبون للغناء أمام نافذة إحدى السيدات # 1 # أيها الملازم. # فقال الضابط وهو يدق على الأرض بسيفه: «هل تتفضل فتخبرني أين ~~ذلك؟» ~~- هنا، في حارة «المسيح». ~~- وأين هي قيثاراتكم وطبولكم؟ يا لها من سيرينادا غريبة بدون أية ~~موسيقى! # فدس ذو الوجه الملائكي في خفة ورقة مالية من فئة المائة بيزو في ~~يد الضابط، وعندها سحب ذاك جميع اعتراضاته. # وكانت نهاية الشارع مسدودة ببناية كنيسة «لامرسيد»، وهي كنيسة ~~بنيت على شكل سلحفاة ذات عينين، هما نافذتان، في قبتها. وأمر ~~المحبوب رفاقه بألا يذهبوا إلى حانة «الخطوتان» كلهم مرة واحدة. ~~وقال لهم بصوت عال وهم يفترقون: «تذكروا، سنتقابل جميعا في حانة ~~«الخطوتان»، «الخطوتان»، حذار أن تخطئوا المكان، «الخطوتان»، إلى ~~جوار حانوت الأثاث.» # وغاضت أصوات أقدامهم إذ تفرقوا كل إلى جهة. كانت خطة الهروب كما ~~يلي: حين تدق ساعة الكنيسة الثانية صباحا، يرتقي رجل أو اثنان ~~من رجال ذي الوجه الملائكي سطح منزل الجنرال كاناليس، وعندها تقوم ~~ابنة الجنرال، طبقا للاتفاق، بفتح نافذة في واجهة المنزل وتصيح ~~بأعلى صوتها طلبا للنجدة من اللصوص الذين اقتحموا المنزل، وذلك ~~لجذب انتباه رجال الشرطة الذين يراقبون المكان. وعند ذاك ينتهز ms059 ~~الجنرال كاناليس فرصة الهرج والمرج من الباب الخلفي. # وما كان يضع مثل هذه الخطة السخيفة أحمق أو مجنون أو طفل، فهي ~~خطة دون بداية ولا نهاية، وإذا كان الجنرال وذو الوجه الملائكي قد ~~وافقا عليها رغم سخفها؛ فذلك لأن كلا منهما كان يرى فيها - على ~~حدة - هدفا آخر مختلفا تماما؛ فبالنسبة للجنرال كاناليس، كانت ~~الحماية التي خلعها عليه ذو الوجه الملائكي تعطيه فرصة أفضل ~~للهرب؛ وبالنسبة لذي الوجه الملائكي، كان نجاح الخطة لا يعتمد على ~~اتفاقه مع كاناليس بل مع السيد الرئيس، الذي كان قد أبلغه هاتفيا ~~بزمان الخطة وتفاصيلها حالما غادر الجنرال منزله. ~~••• # تبدو ليالي أبريل في المناطق الاستوائية كأنها أرامل أيام مارس ~~الحارة، مظلمة، باردة شعثاء، حزينة. ووقف ذو الوجه الملائكي في ~~المنعطف الذي يقع بين الحانة وبين منزل كاناليس، وأخذ يحصي أشباح ~~رجال الشرطة ذات اللون الأخضر الداكن، المتناثرين هنا وهناك، ثم ~~سار ببطء خلف ذلك الصف من المنازل، وفي عودته، دلف إلى باب حانة ~~«الخطوتان» الصغير. كان ثمة رجل شرطة في زيه الرسمي على باب كل ~~منزل من المنازل المجاورة، عدا عدد لا يحصى من رجال الشرطة ~~السرية، يسيرون في عصبية جيئة وذهابا على الطوار. وشعر بنذر شؤم. ~~قال في نفسه: «إنني أشارك في اقتراف جريمة. إنهم سوف يقتلون هذا ~~الرجل حين يغادر منزله». وكلما أمعن فكره في تلك الخطة؛ بدت له أشد ~~هولا. وبدت له فكرة اختطاف ابنة رجل محكوم عليه بالموت بشعة ~~وكريهة، على نحو ما كان يمكن أن يكون الأمر سارا ومناسبا لو أنه ~~ساعد الجنرال على الهرب حقا. ولم تكن طيبة القلب هي التي دفعت ~~هذا الرجل، وهو عديم الإحساس بطبعه، إلى الشعور بالكراهة لفكرة نصب ~~كمين في قلب المدينة لمواطن أعزل سلم له ثقته إلى حد أنه يهرب ~~من منزله معتقدا أن صديق السيد الرئيس يبسط حمايته عليه. لا، ولا ~~كون أن تلك الحماية لا بد أن تنكشف في نهاية الأمر وتكشف عن خدعة ~~بالغة القسوة تملأ اللحظات الأخيرة للضحية بالمرارة ms060 إذ تجعله يتحقق ~~أنهم قد خدعوه وخانوه وداسوه بالأقدام، وأنهم قد أعدوا طريقة بارعة ~~لخلع مظهر قانوني على الجريمة بالقول إنها كانت الملجأ الأخير ~~للسلطات تحول بها بين المجرم المزعوم وبين الفرار في اليوم السابق ~~لاعتقاله. كلا. لقد كانت الدوافع التي حملت الوجه الملائكي على عض ~~شفتيه إنكارا لتلك الخطة الجهنمية البائسة مختلفة تماما. لقد ~~كان يعتقد بكل حسن نية أنه قد اكتسب - بوصفه حاميا للجنرال - ~~حقوقا على ابنته، بيد أنه يرى الآن أن تلك الحقوق قد راحت ضحية ~~قيامه بدوره المعتاد في كل مرة، كأداة عمياء، كتابع وفي يقوم ~~بدور جلاد السيد الرئيس. # كانت ثمة رياح غريبة تهب عبر وادي الصمت الذي يلفه، حيث أخذت ~~تنمو نباتات برية عطشى عطش الأهداف التي لا تعرف الدموع، عطش ~~الصبار المليء بالأشواك، عطش الأشجار التي لا تسقيها الأمطار. ما ~~معنى هذه الرغبة الحارقة؟ ولماذا يتعين على الأشجار أن تكون عطشى ~~حين تنهمر الأمطار؟! # وأومضت فكرة في ذهنه كالبرق، أن يعود أدراجه ويدق جرس الباب في ~~منزل كاناليس ويحذره من المصير الذي ينتظره. (وتخيل ابنته تبتسم ~~له في امتنان). بيد أنه قد اجتاز بالفعل مدخل الحانة الصغيرة، وشعر ~~بشجاعته تعود إليه مع كلمات فاسكيز الجريئة ووجود الرجال ~~الآخرين. ~~- جربني، هذا كل شيء. إنني من تبحث عنه. أجل، إنني مستعد أن ~~أساعدك في أي شيء، أتسمع ذلك؟ إنني لست بالمرء الذي يتراجع. إنني ~~كالقط، بسبعة أرواح، سليل عربي شجاع! # وكان فاسكيز يحاول خفض نبرة صوته الأنثوي ليعطي كلماته صفة ~~الرجولية. وأضاف في صوت خفيض: لو أنك لم تجلب لي الحظ السعيد، لما ~~كنت أتحدث هنا الآن بمثل هذه الشجاعة. كلا. صدقني. إنك قد أصلحت ~~وضعي مع «ماسكواتا»، وهي تعاملني الآن كما يجب أن يكون. # ورد ذو الوجه الملائكي وهو يصافح يد الجلاد الذي قتل الأبله: ~~«إنني سعيد جدا أن أجدك هنا مليئا بتلك الروح الجسورة. إنك رجل ~~قريب إلى قلبي. لقد أعدت لي معنوياتي التي سرقها رجال الشرطة مني ~~يا عزيزي فاسكيز، إن ثمة ms061 رجلا منهم أمام كل باب.» ~~- تعال واشرب شيئا من الخمر الهولندي تدفع عنك الخوف. ~~- أوه! إنني لا أشعر بالخوف على نفسي، فإن هذه ليست أول مرة أجد ~~نفسي في مأزق عصيب؛ إنني خائف على الفتاة. لا أحب أن يقبضوا علينا ~~خارجين من منزلها، أتفهم ذلك؟ ~~- «ولكن، ما هذا؟ من الذي سيقبض عليك؟ حالما سيجد رجال الشرطة ~~شيئا ينهبونه في المنزل لن ترى واحدا منهم في الطريق، ولا واحدا ~~منهم، أراهن بحياتي على ذلك. إنني أعدك أنهم حين يرون ما يمكنهم أن ~~يضعوا مخالبهم عليه، سينشغلون جميعا في حمل ما خف وزنه وغلا ثمنه؛ ~~لا تكن لديك ذرة من شك في هذا ...» ~~- «أليس من الأفضل أن تذهب إليهم وتكلمهم، ما دمت قد تفضلت وجئت، ~~ماداموا يعرفون أنك غير قادر ...»؟ ~~- «كلام فارغ. لا حاجة إلى قول أي شيء لهم. حين يرون الباب ~~مفتوحا على مصراعيه، سيقولون لأنفسهم: هيا، لا ضرر من ذلك. بل ~~سيرون أنهم يحسنون صنعا. أما إذا رأوني، أنا الذي أصبحت شهيرا ~~منذ اقتحمت مع «أنطونيو ليبيلولا» بيت ذلك القس الضئيل الحجم، الذي ~~بلغ به الخوف مداه حين رآنا نهبط إلى حجرته من الطابق الأعلى ونضيء ~~النور لدرجة ألقى إلينا بمفاتيح الخزانة التي يحتفظ فيها بمدخراته ~~الملفوفة في منديل كبير حتى لا تصدر أصواتا، ثم تظاهر بأنه ~~نائم! أجل، في تلك المرة خرجت منتصرا. والآن، فإن الأولاد عاقدو ~~العزم». # وأنهى فاسكيز كلامه مشيرا إلى مجموعة الرجال الصامتين القذرين ~~المنكودي الحظ، الذين كانوا يعبون كأسا وراء أخرى من البراندي، ~~قاذفين بالخمر إلى سقف حلقهم دفعة واحدة ثم يبصقون باشمئزاز حالما ~~تترك الكأس شفاههم: «أجل، أؤكد لك أنهم جاهزون للعمل.» # ورفع ذو الوجه الملائكي كأسه ودعا فاسكيز أن يشرب نخب الحب. وصبت ~~«لامسكواتا» لنفسها كأسا من «الأنيس»، وشرب ثلاثتهم. # وعلى بصيص النور الخابي؛ إذ إنهم خشوا أن يوقدوا النور الكهربي ~~فلم يبق من نور في الحجرة سوى الشمعة المضاءة أمام صورة العذراء، ~~ألقت أجساد هؤلاء الرجال البائسين ظلالا غريبة، متطاولة كأنها ~~الغزلان ms062 على الجدران المائلة إلى الاصفرار، كما بدت الزجاجات ~~كأنها شعلات مختلفة الألوان على رفوفها. وكان الجميع يرقبون مسير ~~الساعة. وكانت بصقاتهم على الأرض تدوي كطلقات الرصاص. وكان ذو ~~الوجه الملائكي ينتظر على مبعدة من الآخرين وظهره إلى الحائط بجوار ~~صورة العذراء وعيناه السوداوان الواسعتان تجولان في الغرفة، تطارد ~~الفكرة التي ما فتئت تهاجمه في تلك اللحظات الحاسمة: إنه بحاجة إلى ~~زوجة وأولاد. وابتسم في نفسه إذ تذكر حكاية السجين السياسي المحكوم ~~عليه بالإعدام، الذي زاره المدعي العسكري العام قبل إعدامه باثنتي ~~عشرة ساعة، عارضا عليه باسم السلطات أن يهبه أي شيء يطلبه، حتى لو ~~كان حياته، مقابل أن يغير شهادته. فرد عليه السجين بحزم: حسنا، ~~إنني أطلب أن أترك ورائي ابنا. فقال المدعي العسكري العام: موافق. ~~وأرسل يطلب له عاهرة، وهو يظن نفسه قد أحسن صنعا. بيد أن السجين ~~أطلق المرأة دون أن يمسها، وحين عاد المدعي العسكري قال له: «يكفي ~~ما هو موجود فعلا من أبناء العاهرات»! # ولاحت ابتسامة أخرى على شفتيه إذ قال لنفسه: «لقد عملت مديرا ~~لمدرسة، ورئيس تحرير صحيفة، ودبلوماسيا، وعضو برلمان وعمدة ~~مدينة، وها أنا الآن رئيس لمجموعة من الأفاقين! هذه هي الحياة في ~~المناطق المدارية!» # ودقت ساعة الكنيسة مرتين. # فصاح ذو الوجه الملائكي: «إلى الخارج جميعا». وقال ل ~~«ماسكواتا» وهو يخرج ومسدسه في يده: «سوف أعود مع غنيمتي». وصاح ~~فاسكيز آمرا وهو يصعد كالعظاءة إلى إحدى نوافذ منزل الجنرال يتبعه ~~اثنان من عصابته: هيا إلى العمل، وممنوع الهذر، أسامعون؟ # وكذلك سمع من في المنزل دقتي الساعة. ~~- هل أنت جاهزة يا كميلة؟ ~~- أجل يا والدي العزيز؟ # كان كاناليس يرتدي بنطال ركوب الخيل وسترة عسكرية زرقاء خالية من ~~الأوسمة الذهبية، بدا شعره أعلاها أبيض لامعا لاشية فيه. وألقت ~~كميلة بنفسها بين ذراعيه يكاد يغشى عليها، دون أن تنبس بكلمة أو ~~تذرف دمعا. إن معنى السعادة أو الشقاء لا يمكن أن يدركه إلا أولئك ~~الذين جربوه في أذهانهم من قبل، الذين عضوا بنواجذهم على منديل ~~مبلل بالدموع ms063 ومزقوه إربا إربا بأسنانهم من فرط الحزن. أما ~~بالنسبة لكميلة فقد كان كل ذلك يبدو إما لعبة أو كابوسا، كلا، لا ~~يمكن، لا يمكن أن يكون حقيقة. إن ما يحدث، ما يحدث لها، وما يحدث ~~لوالدها، لا يمكن أن يكون حقيقة. وأخذها الجنرال كاناليس بين ~~ذراعيه وقال لها وداعا. ~~- «هكذا احتضنت والدتك حين ذهبت للقتال من أجل وطني في الحرب ~~الأخيرة. وقد وضعت العزيزة المسكينة في فكرها أني لن أرجع ثانية، ~~ولكنها هي التي لم تنتظرني.» # وإذ سمع ذلك المحارب القديم خطوات على السطح، نحى كميلة جانبا، ~~وذهب عبر الفناء المليء بالأصص والأزاهير إلى الباب الخلفي. وقال ~~له عطر كل زهرة وكل جييرانيوم وكل وردة وداعا. وقالت له المياه ~~التي تقطر إلى الجرار وداعا، وكذلك الضوء الذي يسري من النوافذ. ~~وفجأة ساد المنزل الظلام، كأنما قد انفصل عن جيرانه بفعل ضربة ~~قاضية. الهرب لا يليق بالجندي. ومن ناحية أخرى، فإن فكرة العودة ~~لتحرير وطنه على رأس ثورة ... # ووفقا للخطة التي اتفقوا عليها، توجهت كميلة إلى النافذة لطلب ~~النجدة: «واللصوص قد اقتحموا المنزل! النجدة! اللصوص!» # وقبل أن يتلاشى صوتها في وهدة الليل، وصل أول جنود الشرطة - ~~أولئك الذين كانوا يراقبون واجهة المنزل - ينفخون في صفاراتهم ~~الطويلة الجوفاء. وعلت أصوات متنافرة من حديد وخشب؛ وانهار الباب ~~الخارجي من فوره. وظهر رجال شرطة آخرون في ملابس مدنية عند منعطف ~~الطريق، جاهلين ما كان يحدث، ومن أجل ذلك خاصة كانوا يحملون ~~خناجرهم الحادة جاهزة، وقبعاتهم تخفي وجوههم بينما رفعوا ياقات ~~معاطفهم إلى أعلى. وابتلعهم الباب المفتوح جميعا - كالبحر الهائج. ~~وكان فاسكيز قد قطع الأسلاك الكهربائية بعد أن صعد إلى السطح، حتى ~~استحالت الممرات والحجرات ظلا واحدا هائلا. وأشعل بعض رفاقه ~~أعواد الثقاب حتى يروا طريقهم إلى الخزائن والصناديق والأدراج، ~~ودون مزيد من الضوضاء، عمدوا إلى نهبها من أعلاها إلى أسفلها بعد ~~أن كسروا أقفالها، وحطموا الأبواب الزجاجية وأحالوا الخشب الثمين ~~مزقا ونثارا. وكان آخرون يعيثون فسادا في حجرة الجلوس، يقلبون ~~المقاعد والمناضد وخزانات الأركان ms064 المغطاة بالصور الفوتوغرافية ~~التي بدت كأوراق اللعب الأسيانة في وسط الظلال، أو يضربون على ~~مفاتيح بيانو صغيرة ثمين كان قد ترك مفتوحا، يئن كالحيوان الذي ~~يتألم كلما دقوا عليه بأصابعهم. # وبعيدا كانت تسمع أصوات الشوك والملاعق والسكاكين وهي تقع على ~~الأرض، ثم صرخة قطعتها ضربة حادة. وكانت المربية العجوز، ~~«تشابيلونا»، قد خبأت كميلة في حجرة الطعام بين حائط وخوان في ~~الحجرة. وألقى المحبوب المربية أرضا واشتبك شعرها بمقبض خزانة ~~الفضيات فانتثرت على الأرض بصوت رنان. وأسكتها فاسكيز بضربة قضيب ~~حديدي حيثما اتفق، حتى إنه لم يكد يرى يديها في الظلام. # الجزء الثاني # | 24 و25 و26 و27 أبريل # الفصل الثاني عشر # | كميلة # كانت «كميلة» في سالف الأيام تقضي ساعات وساعات أمام المرآة في ~~حجرتها. وكانت مربيتها العجوز تصرخ فيها: «إذا أنت نظرت في المرآة ~~طويلا، سيأتي الشيطان ويطل من وراء كتفيك!» وترد كميلة: «إنه ~~لن يكون أكثر شيطنة مني!» كان شعرها ثورة من الشعلات السوداء، ~~ووجهها الأسمر يلمع بمعجون البشرة المصنوع من زبدة جوز الهند، ~~وعيناها الخضراوان المائلتان تغرقان في محجريهما العميقين. وكانت ~~زميلاتها في المدرسة يدعونها «كاناليس الصينية» حين تخرج متشحة ~~بمعطفها المدرسي المغلق حتى الرقبة، ولكنها الآن نضجت وازدادت ~~جمالا وأصبحت فتاة بمعنى الكلمة. # وكانت تقول لنفسها أمام المرآة: خمسة عشر عاما! ولكني ما زلت ~~كالقطة الأليفة، لا أذهب إلى مكان إلا ويحوطني الأعمام والعمات ~~وأبناء وبنات العم كأنهم الحشرات. # وكانت تعمد أحيانا إلى جذب شعرها، وإلى الصراخ، وإلى السخرية من ~~نفسها. كانت تكره أن تكون دائما وسط هذا الرهط من الأقارب، وأن ~~تكون الفتاة الصغيرة، وأن تذهب معهم إلى كل مكان: إلى الاستعراض ~~العسكري، إلى قداس الثانية عشرة، إلى ربوة «الكرمة» لركوب الخيل ~~والنزهة عند مسرح «كولون»، وصعود تلال «ساوثي» والهبوط ~~منها. # وكان أعمامها يشبهون فزاعات الطيور، ذوي شوارب يقف عليها ~~الصقر، تصلصل خواتمهم في أصابعهم، وأبناء عمها منكوشي الشعر، سمان، ~~ثقلاء الظل. وعماتها - وهن أصلا زوجات الأعمام - يثرن النفور. ~~أو هكذا كانوا يبدون جميعا في عينيها. وكانت ms065 تشعر بالضيق حين ~~يقدمون لها - خاصة أبناء العم - قراطيس مليئة بالحلوى، كأنما هي ~~طفلة صغيرة، أو حين يقوم الأعمام بالتربيت عليها بأيديهم التي تعبق ~~برائحة التبغ، والإمساك بوجهها بين إصبعي السبابة والإبهام كيما ~~يحركونه من جانب إلى آخر - وكانت كميلة تصلب رقبتها آنذاك ~~عمدا، أو حين يقبلها العمات دون أن يرفعن نقابهن، فيخلفن لديها ~~شعورا بأن ثمة نسيج عنكبوت قد التصق بوجنتيها. # وفي أيام الآحاد، كانت تنام، أو تجلس في غرفة الاستقبال ينتابها ~~السأم تتطلع إلى صور قديمة ملصقة في «ألبوم» العائلة، أو إلى ~~الصور المعلقة على الجدران المغطاة بالقماش الأحمر، أو الموضوعة ~~على رفوف الصوانات في الأركان وعلى المناضد المفضضة والكونصولات ~~المرمرية، بينما والدها يتطلع من النافذة إلى الطرق الخالية وهو ~~يخرخر كالقطة ويرد على تحيات الأصدقاء والجيران. كانوا يرفعون ~~القبعة تحية واحتراما له، فهو الجنرال كاناليس. وكان الجنرال يرد ~~عليهم في صوت جهوري: «مساء الخير، إلى اللقاء، إني مسرور لرؤيتك، ~~مع السلامة!» # وكانت هناك صورة لأمها بعد الزواج بفترة قصيرة، لا يظهر منها ~~سوى أصابعها ووجهها، مشتملة على رداء على أحدث طراز آنذاك يصل إلى ~~قدميها، وقفاز إلى مرفقيها، وفراء حول عنقها، وقبعة يتدلى منها ~~شلال من الشرائط والرياش على ظلة من الدانتلا. وكانت هناك صور ~~لعماتها، ضخمات الصدور، محشوات كطنافس الصالون، وشعرهن متحجر، وعلى ~~جباههن تاج مرصع بجواهر دقيقة الحجم، وصور أخرى لصديقات الأيام ~~الخوالي، امرأة ترتدي شالا من الدنتلا المطرزة وأمشاطا ومراوح، ~~وأخرى ترتدي ملابس هندية وصندلا ورداء مطرزا وتحمل إبريقا على ~~كتفها، وأخريات لهن شامات حسن ومجوهرات. وكانت كل هذه الصور تبعث ~~في كميلة إحساسا بخدر الشفق، مقرونا بإحساس خرافي بما تحمل من ~~إهداءات: «ستكون صورتي هذه معك كظلي»، «بكل سرور، وحظا سعيدا ~~لك»، «وداعا، واعتني بنفسك»، «إذا محا النسيان هذه السطور فستنمحي ~~ذكراي»، «في خدمتكم، وتحياتي إلى السيدة الوالدة». # وأحيانا، كان ثمة صديق يقفز من ألبوم الصور ويحضر ليتجاذب ~~أطراف الحديث مع الجنرال في الشرفة. وكانت كميلة تتلصص عليه من ~~وراء الستار. إنه ذلك ms066 الشخص الذي كانت عليه سيماء «الدون جوان» في ~~الصورة، شاب في مقتبل العمر، رشيق، فاحم الحاجبين، يرتدي ~~بنطالا مربعات ملونا، وسترته مقفلة بأزرار حتى أعلاها، وعلى ~~رأسه قبعة متوسطة الحجم ... وهي ملابس آخر طراز في نهاية القرن ~~الماضي. وتبتسم كميلة وتقول لنفسها: «كان من الأفضل أن تظل كما ~~كنت في الصورة. كنت ستبدو عتيق الطراز وسيضحك الناس على ملابسك ~~اللائقة بالمتاحف، ولكنك على الأقل لن تكون منبعج البطن هكذا أصلع ~~الرأس غائر الوجنتين كما أنت الآن.» # وعبر ظلال الستارة المخملية التي تعبق بالغبار، كانت كميلة ~~تسرح عينيها الخضراوين عبر النافذة أصيل يوم الأحد؛ ولم تخف ~~حدة البرودة في عينيها الزجاجيتين المتجمدتين حين كانت تمدهما ~~خارج المنزل لتريا ما يحدث في الطريق. كان والدها، مرتديا قميصا ~~وضاء من الكتان بلا سترة، يعتمد بمرفقيه على وسادة من الساتان، ~~يقتل الوقت بالثرثرة مع شخص بدا وكأنه صديق حميم، عبر قضبان ~~الشرفة. كان رجلا صفراوي المظهر، معقوف الأنف، ذا شارب صغير وعصا ~~ذهبية المقبض. يا لها من مصادفة سعيدة! لقد كان يتمشى أمام المنزل ~~حين استوقفه الجنرال قائلا: يا لها من سعادة أن نراك هنا في حي ~~«لامرسيد»! هذا عظيم! وقد وجدته كميلة في ألبوم الصور. لم يكن من ~~السهل التعرف عليه، وكان عليها أن تطيل التحديق إلى الصور. كان ~~لهذا الرجل المسكين أنف مستقيم ووجه مستدير جميل يوما ما. كم صحيح ~~هو القول بأن الزمن يسيء معاملة الناس. لقد أصبح وجهه الآن نحيلا ~~بارز عظام الوجنتين، نحيل الحاجبين، ناتئ الفكين. وحين كان يتحدث ~~إلى والدها بصوته البطيء الخفيض، ظل يرفع مقبض عصاه إلى أنفه كأنما ~~هو يشم الذهب. إنها الرحابة في حركة دائمة. هي نفسها في حركة ~~دائمة. كل شيء فيها، حتى الساكن بطبيعته، كان في حركة دائمة. وحين ~~رأت البحر لأول مرة، فارت الكلمات التي تعبر عن دهشتها على شفتيها، ~~ولكن حين سألها أعمامها عن رأيها في مرأى البحر قالت بمظهر الأهمية ~~الكاذبة: «لقد عرفت البحر قبل ذلك من الصور!» وكان الهواء ms067 يعبث ~~بقبعتها الوردية العريضة الأطراف التي أمسكتها في يديها. كانت ~~تشبه الطوق، أو طائرا مستديرا ضخما. # وتطلع إليها أبناء عمها وقد اتسعت عيونهم من فرط الدهشة، ~~فاغري الأفواه. وغطت أصوات الموجات الهادرة على ملاحظات العمات: ~~«يا لجمال البحر! شيء لا يصدقه عقل! يا للمياه الغزيرة! يبدو ~~هائجا! انظروا هناك، إن الشمس تغرب! ألم ننس شيئا في القطار عند ~~تعجلنا النزول منه؟ ألم تروا ما إذا كان كل شيء على ما يرام؟ يجب ~~أن تحصى الحقائب!» # وكان أعمامها قد حملوا حقائب مليئة بالثياب الخفيفة للشاطئ (تلك ~~الملابس المغضنة كالزبيب التي يرتديها المصيفون) وعناقيد من جوز ~~الهند اشترتها السيدات في المحطات التي توقف القطار فيها على ~~الطريق ، لمجرد أنها رخيصة الثمن، ومجموعة من الرزم والسلال حملها ~~عدد من الهنود إلى الفندق. # وقال أخيرا أنضج أبناء العم: «أجل، إنني أعرف ما تقصدين»، ~~(واصطبغت وجنتا كميلة الداكنتين باحمرار خفيف من جراء دفعة دفعة ~~دماء حين سمعته يكلمها) «ولكني لا أشاركك رأيك. إني أرى أن ما أردت ~~أن تقولي هو أن البحر يشبه الصور المتحركة، ولكنه أكبر ~~حجما.» # وكانت كميلة قد سمعت عن الصور المتحركة التي تعرض في حي «المائة ~~باب»، إلى جوار «رواق الرب»، ولكن لم تكن لديها أي فكرة عنها. ولكن ~~كان بإمكانها بعد ما قاله ابن عمها عنها أن تتصور ماهيتها وهي ~~تتطلع إلى البحر. كل شيء في حركة دائمة. لا شيء ثابت. صور تمتزج ~~بصور أخرى، متبدلة، تتكسر حطاما لتشكل صورة جديدة في كل ثانية، ~~في حالة لا هي بجامدة ولا سائلة ولا غازية، بل هي حالة حياة في ~~البحر. حالة وضاءة. في البحر وفي الصور المتحركة على حد ~~سواء. # ومضت كميلة تتأمل المشهد في بهجة نهمة وهي تعقص أصابع قدميها ~~داخل حذائها. وعيناها تومضان في كل اتجاه وشعرت في البداية أن ~~عينيها تتخليان عن مكانهما كي تحيطا بهذه الرحابة؛ وأحست بعد ذلك ~~أن تلك الرحابة تملآنها كلية. لقد بلغ المد الزاخر ~~عينيها. # وسارت ببطء إلى الشاطئ يتبعها ابن عمها، وكان ms068 المسير على الرمال ~~صعبا بعض الشيء. كانت تريد أن تزداد قربا من الموجات، ولكن ~~المحيط الهادئ، بدلا من أن يمد لها يدا حنونا، صوب نحوها ~~صفعة سائلة من المياه الشفافة بللت قدميها. وقد فوجئت بذلك، ~~وبجهد تراجعت في الوقت المناسب، تاركة وراءها رهينة، قبعتها ~~الوردية اللون، التي لم تصبح بعد برهة إلا مجرد نقطة على صفحة ~~الموجات، وأطلقت كميلة وعيدا صبيانيا بأن تذهب لتشكو البحر إلى ~~أبيها: آه أيها البحر! # 1 # ولم تلاحظ هي ولا ابن عمها أنها نطقت كلمة «يحب» لأول مرة وهي ~~تتوعد البحر وتنذره. وخلع لون السماء فوق الشمس الغاربة مزيدا من ~~البرودة على المياه الخضراء الداكنة. # لماذا عمدت إلى تقبيل ذراعيها على الشاطئ، مستنشقة عبير جسدها ~~الملحي الذي لوحته الشمس بأشعتها؟ لماذا فعلت نفس الشيء بثمرة ~~الفاكهة التي حرم عليها أكلها، إذ هي تلمسها بشفتيها؟ كانت عماتها ~~قد قلن: «الحمضيات ضارة بالفتيات الصغيرات، وكذلك الأقدام المبللة، ~~والسير اللعوب.» ولم تكن كميلة تشم والدها ولا مربيتها حين ~~تقبلهما. ولقد كتمت أنفاسها حين قبلت قدمي المسيح في الكتدرائية ~~الذي كان يشبه جذع الشجرة المحطوم. وإذا لم يشم المرء ما يقبل، لما ~~أصبحت القبلة ذات طعم. وكان جسدها الملحي البني اللون كالرمال، ~~ولباب الأناناس والسفرجل، يغرونها جميعا بتقبيلهم راجفة الأنف ~~مشتاقة نهمة. ولكن جاءت الحقيقة ناصعة بعد الشك: فإنها لم تعد تعرف ~~ما إذا كانت تشم أم تعض حين عمد ابن عمها نفسه الذي تحدث عن الصور ~~المتحركة إلى تقبيلها في فمها في نهاية ذلك الصيف، وإلى عزف نغمة ~~تانجو أرجنتيني بفمه. # وحين عادوا إلى العاصمة، ألحت كميلة على مربيتها كي تصحبها إلى ~~الصور المتحركة. كانت تعرض في دار صغيرة في جانب من ميدان «رواق ~~الرب» في حي «المائة باب». وذهبا دون علم والدها، تقرضان أظافرهما ~~في قلق وعصبية وتتلوان الصلوات. وبعد أن كادتا تعودان أدراجهما لدى ~~رؤية الصالة غاصة بالناس، تشجعتا واتخذتا مقعدين أمام ستارة ~~بيضاء، يظهر عليها بين الفينة والفينة ضوء كأنه آت من الشمس. كانوا ~~يجربون ms069 آلة العرض وعدساتها، التي كان يصدر عنها قرقعة تماثل ~~قرقعة فوانيس الشارع الكهربائية. ثم أظلمت القاعة فجأة. وشعرت ~~كميلة كأنما هي تلعب «عسكر وحرامية». وأصبح كل شيء على الشاشة غير ~~واضح. وكانت الشخوص تتحرك عليها هنا وهناك كالجراد. أناس مبهمون ~~بدوا كأنهم يمضغون شيئا حين يتكلمون، يمشون على شكل قفزات ~~ويحركون أذرعتهم كأنما هي مخلوعة عن أجسادهم. وتذكرت كميلة بوضوح ~~حادثة، حين اختبأت هي وصبي من أقرانها في غرفة ذات سقف زجاجي ~~مفتوح على السماء، جعلتها تنسى للحظة الصور المتحركة. وكان ثمة ~~شمعة ذائبة أمام صورة شفافة للمسيح في الركن المظلم من الغرفة. ~~واختبأ تحت السرير وكان عليهما أن يرقدا بالطول على الأرض. وأخذ ~~السرير يقرقع بصوت عال مستمر. كان قطعة أثاث عتيقة من عهد ~~الجدود ولا يتحمل تلك المعاملة القاسية. وسمعت صيحة: «أنا قادم» من ~~الفناء البعيد؛ «أنا قادم». وحين سمعت كميلة صوت أقدام من هو ~~«قادم»، فاجأتها رغبة في الضحك. ونظر إليها رفيقها في المخبأ ~~بحدة منذرا إياها أن تصمت؛ وأطاعت في البداية واتخذت مظهرا ~~جادا ولكنها لم تستطع السيطرة على نفسها حين وصلت إلى أنفها ~~رائحة مغثية من خزانة نصف مفتوحة، وكانت ستنفجر ضاحكة على الفور لو ~~لم تبدأ عيناها تدمعان من جراء التراب الدقيق تحت السرير، في حين ~~تلقت ضربة مفاجئة في نفس الوقت على جبهتها. # وتماما كما غادرت مكمنها تحت السرير منذ فترة بعيدة، غادرت دار ~~الصور المتحركة وعيناها مفعمتان بالدموع، وسط جمهرة من الناس ~~كانت تغادر مقاعدها وتهرع إلى باب الخروج وسط الظلام. ولم تتوقف هي ~~والمربية حتى بلغتا «رواق التجار» وهناك علمت كميلة أن النظارة قد ~~غادرت الدار كي تتجنب الحرمان الديني من الكنيسة؛ فقد ظهرت على ~~الشاشة صورة امرأة في ثوب يلتصق بجسدها ترقص التانجو الأرجنتيني مع ~~رجل طويل الشعر ذي شارب كث يرتدي ربطة عنق فنان. ~~••• # وخرج «فاسكيز» إلى الطريق وهو لا يزال يحمل القضيب الحديدي الذي ~~أخرس به المربية. وأعطى إشارة بيده فظهر ذو الوجه الملائكي وراءه ~~يحمل ابنة الجنرال ms070 بين ذراعيه. واختفيا داخل حانة «الخطوتان» في ~~نفس الوقت الذي بدأ رجال الشرطة يهربون بما يحملون من أسلاب. وكان ~~أولئك الذين لم تقع أيديهم على سروج جياد يحملون على ظهورهم ساعة ~~حائط، أو مرآة كبيرة، أو تمثالا، منضدة، تمثال المسيح، سلحفاة، ~~دجاجا، بطا، حماما، أو أيا من مخلوقات الله الأخرى؛ ملابس ~~رجال، أحذية حريم، أدوات من الصيني، زهورا، صور قديسين، أحواضا، ~~جرادل، مصابيح، نجف، زجاجات دواء، صورا زيتية، كتبا، مظلات لمياه ~~السماء ومبولات لمياه الإنسان. # وكانت صاحبة الحانة تنتظر في الداخل وفي يدها قضيب حديدي، جاهزة ~~لتغلق به الباب خلفهم. # ولم تكن كميلة لتتصور وجود مثل هذه «الزريبة» التي تفوح منها ~~رائحة الفراش العفن، لا تبعد سوى أمتار قليلة من البيت الذي عاشت ~~فيه في سعادة غامرة، يدللها ذلك الجندي العجوز (وكان من المستحيل ~~تصور أنه كان سعيدا بالأمس فقط)، وترعاها مربيتها (وكان من ~~المستحيل تصور أنها ترقد الآن مصابة بجراح مميتة). والزهور التي ~~كانت بالأمس ناضرة أصبحت الآن على الأرض مداسة بالأقدام، وقطتها ~~هربت، وعصفورها الكناري مات بعد أن ديس بالأقدام مع قفصه. وحين ~~أزاح المحبوب الوشاح الأسود من على عيني كميلة، خامرها شعور بأنها ~~بعيدة جدا عن منزلها. ومرت بيدها على وجهها مرتين أو ثلاثا ~~وهي تتطلع فيما حولها لترى أين هي، وتوقفت أصابعها عن الحركة كي ~~تخنق صيحة استياء كادت تصدر عنها حين تحققت أن محنتها حقيقة ~~واقعة وليست حلما أو خيالا. # وجاءها صوت الرجل الذي نقل إليها الأنباء المشئومة ذلك المساء، ~~طافيا نحو جسدها الثقيل الخدر: «آنستي، على الأقل ليس من خطر ~~يتهددك هنا. ماذا نستطيع أن نفعل كي نهدئ من مخاوفك؟» # فصاحت صاحبة الحانة: «ماء ونيران!» وأسرعت تحرك بضع جمرات في ~~أعلى وعاء فخاري تستخدمه فرنا، في حين انتهز «فاسكيز» الفرصة ~~لمهاجمة قنينة من البراندي القوي، وابتلع ما فيها دون أن يذوقه، ~~كأنما هو يشرب سم فئران. # وأنعشت صاحبة الحانة النيران عن طريق النفخ فيها، وهي تتمتم ~~طوال الوقت: «اشتعلي سريعا! اشتعلي سريعا!» وتراءى خلفها، ms071 على ~~جدار الغرفة الخلفية التي كانت تتوهج الآن بالنور الأحمر المنبعث ~~من جمرات النار، ظل فاسكيز وهو ينسل في طريقه إلى الفناء. # وأسقطت «لامسكواتا» جمرة مشتعلة في صحن مليء بالماء، فقعقعت ~~وهسهست كالشخص المرتعب، ثم طفت الفحمة المنطفئة على سطحها كنواة ~~ثمرة جهنمية سوداء، فالتقطتها المرأة بالملقاط. وبعد أن احتست ~~كميلة شيئا من هذه المياه، عاد إليها صوتها ثانيا. # وكان أول ما قالته: ماذا حدث لوالدي؟ # فرد ذو الوجه الملائكي: «اهدئي، لا تقلقي، اشربي مزيدا من مياه ~~الفحم، إن الجنرال بخير.» ~~- هل أنت متأكد؟ ~~- أعتقد ذلك. ~~- إن المصيبة ... ~~- «هس! لا تجلبي الحظ السيئ!» # واستدارت كميلة ونظرت إلى ذي الوجه الملائكي. إن تعبير الوجه ~~كثيرا ما يكون أشد إيحاء من الكلمات. بيد أن عينيها تاهتا في ~~عيني المحبوب السوداوين الجامدتين. # وقالت لامسكواتا: «يجب أن تجلسي يا عزيزتي.» # وسحبت لها المقعد الذي كان يجلس عليه «فاسكيز» حين دخل الغريب ~~الذي دفع ثمن شرابه بورقة نقد كبيرة في الحانة لأول مرة. # أكان ذلك المساء منذ سنوات عدة، أم منذ بضع ساعات ليس إلا؟ وحدق ~~المحبوب إلى ابنة الجنرال أولا، ثم إلى نار الشمعة الموقدة أمام ~~صورة العذراء. وتوهجت حدقتاه حين جال بخاطره أن يطفئ الشمعة ويقضي ~~وطره من الفتاة. نفخة واحدة ... وتصبح ملكه إما برغبتها أو رغما ~~عنها. ولكن عينيه تحولتا عن صورة العذراء لتتطلعا إلى كميلة، ~~كانت تهاوت على المقعد وغاصت فيه، وحين رأى وجهها مرصعا بالدموع، ~~وشعرها الأشعث وجسدها الشبيه بجسد الملاك الفتى، تغيرت سيماؤه ~~وتناول القدح من يدها بمظهر أبوي، قائلا: يا فتاتي الصغيرة ~~المسكينة! # وجاءه سعال صاحبة الحانة على نحو حصيف لتنبههما إلى أنها ~~ستتركهما وحدهما، ثم شتائمها اللاذعة حين وجدت فاسكيز يرقد مخمورا ~~تماما في الفناء الصغير الذي يعبق برائحة الورود في أصصها ~~المصفوفة وراء الغرفة الخلفية، وتسبب كل هذا في انفجار كميلة في ~~موجة جديدة من الدموع. # قالت «لامسكواتا» تؤنب فاسكيز: لقد ملأت نفسك حتى التخمة أيها ~~البائس. الشيء الوحيد الذي تجيده هو أن تجعلني أفقد أعصابي! ms072 إن ما ~~يقال صحيح تماما، لا يمكنني أن أغلق عيني إلا وتخطف شيئا. ورغم ~~ذلك تدعي أنك تحبني. آه، أجل، لا شك في هذا. ما أكاد أدير رأسي ~~حتى تنقض على الزجاجة. إنها لا تكلفك مليما واحدا، أليس كذلك؟ ~~كل ذلك لأني وثقت بك. اخرج من هنا، أيها اللص، قبل أن ألقي بك إلى ~~الخارج! # ورن صوت الرجل المخمور في نغمة شاكية، بينما اصطك رأسه بالأرض ~~حين بدأت المرأة تجذبه من قدميه. وأغلق الهواء باب الفناء الصغير، ~~وساد الصمت بعد ذلك. وكان ذو الوجه الملائكي يردد في سمع كميلة ~~وهي تبكي: «لقد انتهى كل شيء الآن. إن والدك لم يعد في خطر، وإنك ~~في أمان تام في هذا المخبأ، إنني هنا لكي أحميك. لقد انتهى كل شيء، ~~لا تبكي، فإن بكاءك سيزيد ما تشعرين به من قلق. توقفي عن البكاء ~~وانظري لي وسأشرح لك كل شيء.» # وخبت شهقات كميلة رويدا رويدا. كان ذو الوجه الملائكي يربت على ~~شعرها، وتناول منديلها من يدها وأخذ يجفف به عينيها. وبدأ ضوء ~~الفجر يلون الأفق ويشع بين الأشياء في الحجرة وتحت الأبواب، كأنه ~~ماء الجير الأبيض ممزوجا بطلاء وردي. إن البشر يحسون بوجود ~~بعضهم بعضا قبل أن يتمكنوا من رؤية بعضهم بعضا. وهاجت الأشجار ~~بفعل أول غناء للعصافير ولم تعد تستطيع أن تحك أوراقها. وتثاءبت ~~النوافير من وراء أخرى. وأطرحت السماء جانبا خصلات الليل السوداء، ~~خصلات الموت، وارتدت حلة مذهبة. ~~- «ولكن يجب عليك أن تلزمي الهدوء، وإلا ضعنا. سوف تضيعين نفسك، ~~وتضيعين والدك، وتضيعينني. سوف أعود هذا المساء وأصطحبك إلى منزل ~~عمك. أهم شيء هو كسب الوقت. لا بد أن نتذرع بالصبر. لا يمكن ~~للمرء أن يرتب كل شيء في وقت واحد، فبعض الأشياء أشد صعوبة من ~~أشياء أخرى.» ~~- «أنا لا أشعر بالقلق على نفسي، فأنا أشعر بالأمان بعد ما قلته ~~لي، وإني ممتنة لذلك. إني أدرك أن علي أن أبقى هنا. إنني قلقة ~~على والدي. إنني تواقة لأن أتأكد أنه لن يحدث مكروه ms073 ~~لوالدي.» ~~- أعدك أن أحضر لك أنباء عنه. ~~- اليوم؟ ~~- اليوم. # وقبل أن ينصرف ذو الوجه الملائكي، التفت إلى كميلة وربت على خدها ~~في ود. ~~- أأنت أحسن حالا الآن؟ # ونظرت إليه ابنة الجنرال كاناليس بعينين قد امتلأتا ثانية ~~بالدموع وقالت: ائتني بالأنباء ... # الفصل الثالث عشر # | اعتقالات # لم تنتظر زوجة «خينارو روداس» وصول الخبز قبل أن تهرع خارجة من ~~بيتها. ولا يعلم إلا الله ما إذا كانت أرغفة الخبز ستوزع اليوم ~~عليهم. تركت زوجها ممددا على السرير بملابسه الكاملة، منهكا ~~كالخرقة البالية، كما خلفت وليدها في السلة التي تقوم له مقام ~~المهد. وكانت الساعة السادسة صباحا. # ودقت ساعة كنيسة «لامرسيد» في نفس الوقت الذي كانت هي تدق فيه ~~على باب منزل الجنرال كاناليس. وقالت لنفسها وهي تمسك مطرقة الباب، ~~على وشك أن تدق بها ثانية: أرجو أن يغفروا لي إيقاظهم هكذا في هذه ~~الساعة المبكرة. ولكن أما من أحد يفتح لي الباب؛ لا بد أن يعلم ~~الجنرال بأسرع ما يمكن ما قاله «لوسيو فاسكيز» لزوجي الأحمق في ذلك ~~البار المسمى «صحوة الأسد». # وتوقفت عن الدق وانتظرت أن يفتح الباب. وجال في خاطرها: «لقد ~~ألقى الشحاذون مسئولية جريمة «رواق الرب» على الجنرال. سوف يحضرون ~~ويقبضون عليه هذا الصباح. وأسوأ ما في الأمر أنهم ينوون اختطاف ~~ابنته!» ورددت في نفسها وهي لا تكف عن دق الباب: «يا له من غدر! ~~يا له من غدر!» وتزايدت ضربات قلبها: «إنهم إذا قبضوا على الجنرال، ~~حسنا، إنه رجل على كل حال ويمكنه احتمال مصاعب السجن. ولكنهم إذا ~~خطفوا السيدة الصغيرة، فليساعدنا الله! لن يكون هناك علاج لهذه ~~المصيبة. إني أراهن بكل شيء أن هناك واحدا من أولئك الأوغاد قليلي ~~الحياء هو السبب في كل هذا الذي يحدث، واحد ممن ينتقلون من الجبال ~~إلى المدينة لممارسة مكائدهم البشعة المشينة.» # ودقت الباب مرة أخرى. وردد المنزل والطريق والهواء الطرقات كأنها ~~دقات طبول. وامتلأت يأسا حين لم يفتح لها أحد. وعمدت لقتل الوقت ~~إلى قراءة عنوان الحانة الواقعة عند الناصية: «الخطوتان». ms074 كانت ~~كلمة واحدة مكونة من حروف قليلة. ولكنها لاحظت عند ذاك صورتين ~~لشخصين كل واحد منهما على أحد جانبي باب الحانة: صورة رجل على ~~اليمين، وصورة امرأة على اليسار. ومن فم المرأة تخرج عبارة مكتوبة ~~هي: «تعال ارقص في حانة «الخطوتان».» ثم يأتي الرد عليها من الرجل ~~الذي كان يمسك زجاجة في يده: «كلا شكرا، إني أفضل رقصة ~~الزجاجة!» # وحين كلت يدها من دق الباب، فهم إما ليسوا في الداخل أو أنهم ~~لن يفتحوا لها الباب، دفعت بيدها الباب فانفتح. كيف أنه لم يكن ~~مغلقا بالرتاج؟ ولملمت شالها المطرز حول كتفيها ودخلت الردهة ~~يغمرها إحساس عميق بشر متوقع، ومضت نحو البهو وهي لا تكاد تعرف ما ~~هي فاعلة. واخترق المنظر الذي رأته أمامها عينيها كما تخترق طلقة ~~رصاص جسد الطائر، وتجمد الدم في عروقها، وتركها لاهثة الأنفاس، ~~غائرة العينين، مشلولة الأطراف: كانت ثمة مزهريات محطومة وريش طيور ~~متناثر على الأرض، وستائر ممزقة ونوافذ ومرايات مكسورة، وخزائن ~~مبقورة، وأقفال محطمة، والأوراق والملابس والأثاث والسجاد كله قد ~~عاث فيه الخراب، كل شيء قد شاخ في ليلة واحدة، كل شيء قد استحال ~~خليطا لا قيمة له من نفاية قذرة لا حياة فيها ولا روح. # وكانت المربية العجوز «لاتشابيلونا» تدور في أنحاء المنزل كالشبح ~~بحثا عن سيدتها الصغيرة، ورأسها مفتوح بالجراح. كانت تقول وهي ~~تضحك: ها، ها، ها، هي، هي، هي! أين تختبئين يا فتاتي كميلة؟ إنني ~~قادمة، لا تردين؟ قادمة! قادمة! قادمة! # كانت تتخيل أنها تلعب «عسكر وحرامية» مع كميلة، فظلت تبحث عنها ~~مرات عديدة في نفس أركان الغرفة، بين أصص الزهور، تحت الأسرة، وراء ~~الأبواب، وهي تقلب كل شيء عاليه سافله كأنها الزوبعة. ~~- ها ها ها، هي هي هي! أوه أوه أوه، قادمة، قادمة. اخرجي يا ~~كميلة، لقد سلمت. اخرجي يا كميلتي، لقد تعبت من البحث عنك. ها ها ~~ها! اخرجي. إنني قادمة. هي هي هي، أوه أوه أوه! # وفي أثناء بحثها عن كميلة صادف أن توجهت إلى النافورة، وحين رأت ~~خيالها ms075 المنعكس على صفحة المياه الساكنة، صرخت كالقرد الجريح، ~~وأخذت ضحكتها، تتحول إلى لغو مخيف، وشعرها يغطي وجهها، ويداها ~~تمسكان بشعرها، وطفقت تنهار رويدا رويدا إلى الأرض كيما تهرب من ~~هذه الرؤيا المخيفة. وغمغمت بعض أعذار متقطعة كأنما هي تطلب السماح ~~من نفسها على كونها بمثل هذا القبح وهذه الشيخوخة وهذه الضآلة وهذه ~~الهيئة المشوشة. وفجأة، بدأت تصرخ مرة أخرى. فمن خلال شلال شعرها ~~المنفوش، ومن بين أصابعها المتفرقة، لمحت الشمس تقفز فوقها من ~~أعلى، وتلقي بظلها على أرض الفناء. وأعماها الغضب فنهضت وهاجمت ~~ظلها وصورتها المنعكسة، وأخذت تضرب صفحة المياه بيديها والأرض ~~بقدميها. كانت تريد أن تدمرهما. وطفق ظلها يتلوى وينثني كأنه حيوان ~~يجلد بالسياط. ولكنه ظل باقيا برغم ضربات قدمها المحمومة ~~وركلاتها، وتحطمت صورتها نثارا في خضم المياه التي ضربتها ~~بيديها، ولكنها عادت مرة أخرى حالما سكن الماء. وأخذت تصرخ ~~كالحيوان المتوحش غاضبة لعدم قدرتها على تدمير هذا الراسب السخامي ~~المنتثر على الأحجار، والذي يهرب من ركلات قدميها كأنما يفر حقيقة ~~من الضربات، وعلى تحطيم ذرات الغبار المضيء التي تطفو على سطح ~~المياه وبها سمكة لها نفس صورتها. # وبدأت قدماها تدميان، وذراعاها ترتخيان إلى جنبيها من فرط التعب، ~~ولكن ظلها وصورتها المنعكسة بقيا عصيين على التدمير. وتشنجت من ~~سورة الغضب، فبذلت جهدا يائسا أخيرا وألقت بنفسها على جدار ~~النافورة. # وسقطت وردتان في المياه! # وانتزع عينيها غصن شجرة ورد مليء بالأشواك. # وبعد أن ارتمت تتلوى على الأرض كظلها، رقدت أخيرا ساكنة تحت ~~إحدى أشجار البرتقال لا يبدو فيها نفس حياة. # وكانت ثمة فرقة موسيقية عسكرية تعبر الطريق. يا لها من موسيقى ~~عسكرية قوية، يا لها من رؤية مشوقة لأقواس النصر تلك التي تبعثها ~~في النفوس! ولكن برغم جهود نافخي؟ في النفخ بقوة وفي تناغم، فإن ~~سكان الحي بدلا من؟ يفتحوا عيونهم ذلك الصباح في نفاد صبر لأنهم ~~كأبطال تعبوا من مشاهدة السيف يصدأ في ظل أمان حقول الذرة ~~الذهبية، استيقظوا تملؤهم آمال يوم الإجازة السارة، عازمين في ~~تواضع على الصلاة ms076 إلى العلي القدير كي يخلصهم من الأفكار ~~والأقوال والأفعال الشريرة الموجهة ضد رئيس الجمهورية. # وبعد فترة قصيرة من الإغماء، بدأت «لاتشابيلونا» تحس بأصوات ~~الفرقة الموسيقية. كانت في عالم من ظلام. لا بد أن سيدتها ~~الصغيرة قد تسللت على أطراف أصابعها وغطت عينيها من الخلف. ~~وتمتمت في صوت متعثر وهي ترفع يديها إلى وجهها لتزيح عنها يدي ~~الفتاة اللتين كانتا تسببان لها ألما فظيعا: «يا عزيزتي كميلة، ~~أعرف أنه أنت. دعيني أنظر إليك.» # وتلاشت موسيقى الفرقة في الهواء مع ابتعادها عن الحي. وتضافرت ~~الموسيقى مع الظلمة التي طوق بها العمى عينيها كأنما هي حقا ~~تلعب «عسكر وحرامية»، فبعثت فيها ذكرى المدرسة التي تعلمت فيها ~~الهجاء، هناك في «المدينة القديمة». ثم قفزت عبر السنين فرأت نفسها ~~وقد نمت، تجلس في ظلال شجرتي مانجو، وبعد ذلك، قفزة أخرى في الزمن، ~~وها هي جالسة في عربة تجرها الثيران تدب على طريق منبسط يعبق ~~برائحة التبن. وبدأ صرير العجلات كتاج مزدوج من الأشواك يسحب ~~الدماء من صمت سائق العربة الأمرد الذي جعل منها زوجته، وكان ~~الثوران الصبوران يمضغان طعامهما وهما يغذان السير ويجران خلفهما ~~عربة العرس. # ويسحر السماء التي تظلل الحقول في الربيع ... بيد أن ذكرياتها ~~تشتتت فجأة، ورأت حشدا من الرجال يندفعون إلى منزل الجنرال ~~كالسيل، يلهثون كالحيوانات السوداء، وسمعت صرخاتهم الشيطانية، ~~وضرباتهم، وتجديفهم، وضحكاتهم الخشنة، والبيانو يصرخ كأنما ينتزعون ~~أسنانه بالقوة. واختفت سيدتها الصغيرة كأنها عبير العطر، وشعرت هي ~~بضربة عنيفة في وسط جمجمتها مقرونة بصرخة غريبة وظلمة سادت كل ~~شيء. # ووجدت «نينيا فيدينا»، زوجة «خينارو روداس»، الخادمة العجوز ممدة ~~في الفناء ووجنتاها غارقتان في الدماء، وشعرها منفوش، وملابسها ~~ممزقة شر ممزق، وهي تناضل كي تطرد عنها الذباب الذي كانت ثمة يد ~~خفية تقوده إلى وجهها، ففرت في ذعر إلى داخل المنزل كأنما هي قد ~~رأت عفريتا. # وظلت تردد في سرها: «يا للمسكينة! يا للمسكينة!» # وتحت إحدى النوافذ، عثرت «فيدينا» على الخطاب الذي كان الجنرال ~~قد كتبه إلى أخيه خوان يطلب منه أن ms077 يعتني بكميلة. بيد أن فيدينا لم ~~تقرأ الخطاب كله، فمن ناحية كانت ملهية بصرخات «لا تشابيلونا» التي ~~كانت تتردد خلال المرايا المحطمة وشظايا أفاريز النوافذ، ~~والكراسي الممزقة، والخزائن المنهوبة والصور الساقطة - وهي من ~~ناحية أخرى ملتهية بحاجتها المسيسة إلى الهرب من هذا المكان. ومسحت ~~العرق عن وجهها بمنديل مطوي أربعا، انسحق بين أصابعها المتشنجة ~~المزدانة بالخواتم الرخيصة، ودست الخطاب في صدرها وأسرعت خارجة إلى ~~الطريق. # بيد أن ذلك جاء متأخرا. ذلك أن ضابطا خشن المظهر، استوقفها لدى ~~الباب كان المنزل محاطا بالجنود. ومن الفناء انبعثت صيحات المربية ~~المعذبة. # ووقف لوسيو فاسكيز وراء باب حانة «الخطوتان»، وكانت «لامسكواتا» ~~و«كميلة» قد دفعتاه إلى مراقبة ما يحدث في الخارج من عند الباب، ~~حابسا أنفاسه وهو يرى الجنود يقبضون على زوجة صديقه «خينارو ~~روداس» الذي كان قد كشف له، في الليلة الماضية تحت تأثير الخمر في ~~بار «صحوة الأسد»، خطة القبض على الجنرال. # وتوجه جندي إلى حانة «الخطوتان» وجال في خاطر صاحبة الحانة وقد ~~سقط قلبها إلى قدميها من الخوف: «لا بد أنهم يبحثون عن ابنة ~~الجنرال.» وجعلت نفس هذه الفكرة شعر فاسكيز يقف ذعرا. بيد أن ~~الجندي كان قد حضر ليقول لهم إن عليهم أن يغلقوا الحانة. فأغلقا ~~الباب ووقفا يرقبان ما يحدث في الطريق من خلال الشقوق. # وفي الظلمة، أخذ فاسكيز يستجمع قواه وبدأ يربت على «لامسكواتا» ~~بحجة أنه خائف، ولكنها أوقفته بدافع العادة، وكانت على وشك أن ~~تصفعه فقال لها فاسكيز: يا لك من عنيدة مغرورة؟ # أوه، أحقا؟ إنك مخطئ. أود أن أعرف لماذا يجب علي أن أسكت على ~~استهزائك بي. # ألم أقل لك الليلة الماضية أن تلك البلهاء قالت لي إن ابنة ~~الجنرال ... فقاطعها فاسكيز قائلا: احذري وإلا سمعوك! # كانا يتحدثان وهما منحنيان ينظران إلى الطريق من خلال شقوق ~~الباب. ~~- «لا تكن أبله، إنني أتكلم بصوت منخفض! لو لم أقل لك أن تلك ~~المرأة ستتخذ من ابنة الجنرال إشبينة لطفلها، لكنت قد أقحمت ~~«خينارو» في هذه المسألة ولكان الفتى قد ms078 ضاع الآن.» # فرد عليها وهو يحاول أن ينتزع بعض خيوط العنكبوت التي التصقت بين ~~رقبته وأنفه: «حقا حقا ...» ~~- «أتهزأ مني أيها المتوحش؟ حقا إنك لجاهل!» ~~- آه، يا لك من عالمة مرهفة الحس ...! ~~- هس! # كان المدعي العسكري العام يهبط في هذه اللحظة من إحدى ~~العربات. # قال فاسكيز: إنه المدعي العام ... # وتساءلت «لامسكواتا»: ولماذا جاء إلى هنا؟ # كيما يقبض على الجنرال. ~~- ألهذا قد ارتدى كل أوسمته وأصبح كالطاووس؟ لماذا لا تقطف لك ~~ريشة تلك الرياش التي تتوج رأسه؟ ~~- كلا، شكرا. يا لك من فضولية ثرثارة. إنه يرتدي حلته الرسمية ~~لأنه في طريقه لمقابلة السيد الرئيس. ~~- يا لحسن حظه، أكون عاهرة لو لم يكونوا قد قبضوا على الجنرال في ~~الليلة الماضية. ~~- لماذا لا تصمتين؟ # وحين هبط المدعي العسكري العام من عربته، صدرت الأوامر في صوت ~~خافت، ودخل أحد الضباط إلى المنزل على رأس فرقة من الجنود، شاهرا ~~سيفه في يد وحاملا مسدسا في يده الأخرى، فبدا أشبه بالضباط في ~~التصاوير الملونة عن الحرب الروسية - اليابانية. # وبعد عدة دقائق، حسبها فاسكيز قرونا إذ هو يراقب كل ما يحدث ~~وقلبه يخفق بين ضلوعه - عاد الضابط شاحب اللون شديد الاضطراب، ~~ليخبر المدعي العام بما حدث. # وصاح المدعي العام: «ماذا؟ ماذا؟» وخرجت كلمات الضابط مندفعة ~~ثائرة من ثنايا طيات أنفاسه المتهدجة. # وزأر المدعي العام: ماذا ... ماذا، أتقول أنه قد هرب ...؟ واحتقن ~~عرقان في جبهته كأنهما علامتا استفهام سوداوان «وأنهم ... أنهم ... ~~وأنهم نهبوا المنزل؟» # وبدون إضاعة مزيد من الوقت اختفى داخل المنزل يتبعه الضابط؛ ~~وألقى نظرة خاطفة، ثم عاد بخفة إلى الشارع ويده السمينة تقبض في ~~غضب على مقبض سيفه، ووجهه من الشحوب لدرجة يصعب معها التفريق بين ~~شفتيه وشاربه الغض. # وقال متسائلا حين خرج من المنزل: «كيف هرب ... هذا ما أود أن ~~أعرفه؟ لقد اخترع الهاتف من أجل هذا، لتنفيذ الأوامر ... للقبض على ~~أعداء الحكومة. آه أيها الثعلب العجوز! سوف أشنقه إذا وضعت يدي ~~عليه. إنه في موقف لا يحسد عليه أبدا.» # وفجأة وقعت عينا المدعي العسكري ms079 العام على «نينيا فيدينا» ~~كالصاعقة وكان ضابط «ورقيب» قد أحضراها بالقوة حيث كان المدعي ~~العام يزفر ويزأر. # قال لها وهو لا يرفع عينيه عنها: أيتها الكلبة ... سنعرف كيف ~~نجعلك تعترفين! أيها الضابط، خذ عشرة جنود واحملوها إلى حيث يجب أن ~~تكون. # وأن فاسكيز قائلا: «آه يا إلهي، ماذا يفعلون بهذا المسيح ~~المصلوب المسكين؟» ذلك أن صرخات «لاتشابيلونا» المتزايدة القاطعة ~~جعلت الدماء متجمدة في عروقه. # وصححت له صاحبة الحانة قوله في سخرية: المسيح؟ ألا تسمع؟ إنها ~~صرخات امرأة؟ هل تظن أن الرجال لهم لهجة العصافير الأنثوية؟ ~~- لا تكلميني هكذا ... # وأمر المدعي العام العسكري بتفتيش المنازل المجاورة لمنزل ~~الجنرال. وانتشرت فرق من الجنود في جميع الأنحاء بقيادة عريف أو ~~رقيب. وقلبوا في كل الأنحاء، الأفنية، غرف النوم، المكاتب الخاصة، ~~الحجرات العلوية، النوافير. وتوجهوا إلى الأسطح ونقبوا في خزائن ~~الشراشف، والأسرة، والسجاجيد، والصوانات، والبراميل، والخزانات، ~~والصناديق. وكان إذا تأخر أحد في فتح الباب كسروه بكعوب بنادقهم. ~~وكانت الكلاب تنبح في غضب إلى جوار أصحابها شاحبي اللون. وكان ~~النباح يصدر من البيوت كأنما هو مياه تصدر عن رشاشة ماء. # قال فاسكيز الذي كاد ينعقد لسانه من الرعب: افرضي أنهم فتشوا ~~هنا؟ لقد أوردنا أنفسنا موارد الهلاك! ولو كان ذلك مقابل شيء لهان ~~الأمر، ولكنه يكاد يكون مقابل لا شيء بالمرة ... # وأسرعت «لامسكواتا» لتحذر «كميلة». وأعقبها فاسكيز يقول: إني ~~أعتقد أن الأفضل أن تغطي وجهها وتغادر هذا المكان حالا. ثم أسرع ~~إلى الباب دون أن ينتظر جوابا لكلامه. # وقال وعيناه على ثقب الباب: «انتظرا، انتظرا! لقد أعطى المدعي ~~العام أمرا آخر، لقد توقفوا عن التفتيش. لقد نجونا!» # وخطت صاحبة الحانة خطوتين إلى الباب لترى بعينيها ما أعلنه ~~فاسكيز بهذا الحبور. # وهمست المرأة: انظر إلى مسبحك المصلوب! # من هي؟ ~~«إنها المربية - ألا ترى؟» وأزاحت جسدها لتبتعد عن نطاق يدي ~~فاسكيز، وأضافت «اتركني أيها الرجل، اتركني، اتركني عليك ~~اللعنة!» ~~- يا للمسكينة. انظري كيف يجرونها معهم! ~~- لماذا تصبح أعين الناس حولاء وهم يحتضرون؟ ~~- «هس، لا أريد أن أرى!» ms080 # كانت فرقة من الجنود يقودها ضابط شهر سيفه قد جرت «لاتشابيلونا» ~~المربية التعسة الحظ من منزل الجنرال. كان مستحيلا على المدعي ~~العام أن يستجوبها. ومنذ أربع وعشرين ساعة، كان هذا الحطام ~~الإنساني، الذي يلفظ الآن آخر أنفاسه، هو الدعامة الأساسية لبيت ~~كان النشاط السياسي الوحيد فيه هو خطط طائر الكناري التي يحيكها ~~للحصول على مزيد من حبوب القرطم لغذائه، والدوائر المتراكزة التي ~~تنتشر تحت دفقة النافورة، وانهماك الجنرال المتواصل في ألعاب ~~«الكوتشينة»، ونزوات كميلة. # وقفز المدعي العسكري العام إلى عربته، يتبعه أحد الضباط. وتوقفوا ~~عند أول ناصية؛ فقد وصل أربعة رجال قذرين، رثي الثياب، ومعهم نقالة ~~لحمل جثة «لاتشابيلونا» إلى المشرحة. واصطف الجنود عائدين إلى ~~ثكناتهم، وفتحت «لامسكواتا» حانتها. وجلس فاسكيز في مقعده المعهود، ~~ولم يبد جهدا يذكر لإخفاء اضطرابه من جراء القبض على زوجة ~~«خينارو روداس». كان رأسه كالفرن الذي يغلي فيه الآجر الأحمر، ~~وعقله مسطحا من تأثير الخمر، تنتابه نوبات السكر من حين إلى آخر، ~~مقرونة بمخاوف من فرار الجنرال. # وأثناء ذلك، كان الجنود المكلفون «بنينيا فيدينا» يصطحبونها ~~إلى السجن، ويدفعونها من حين إلى آخر من على الطوار إلى عرض ~~الشارع. واستسلمت المرأة لتلك المعاملة السيئة في صبر، غير أنها ~~فقدت أعصابها فجأة وهم في الطريق وضربت واحدا منهم على وجهه. ~~وجاءها الرد على صورة ضربة قاسية من كعب البندقية؛ وفي نفس الوقت ~~سدد إليها جندي آخر ضربة من الخلف جعلتها تترنح وأسنانها تصطك في ~~رأسها، والنجوم تتماثل أمام عينيها. # وتدخلت امرأة من المارة كانت عائدة من السوق حاملة سلة مليئة ~~بالخضروات والفاكهة، صاحت بهم: «أيها القذرون، ألهذا تحملون ~~أسلحتكم؟ يجب أن تخجلوا من أنفسكم.» # وصاح بها جندي: «اصمتي!» ~~- يا لك من وقح. # وصاح بها رقيب: هيا يا سيدتي، تابعي سيرك. اذهبي إلى حيث كنت ~~ذاهبة، أوليس لك ما تفعلين؟ # وهل أنا مثلكم، أيها الخنزير السمين! # فتدخل الضابط قائلا: «اصمتي وإلا سنحطم رأسك.» ~~- «تحطمون رأسي؟ حقا. هذا ما كان ينقصنا فعلا، هؤلاء ~~الهنود الذين يسيرون هنا وهناك مثل ms081 الصينيين، وملابسهم مهترئة ~~عند المرفقين وعند حجر البنطلون! أفضل لكم أن تنظروا إلى أنفسكم ~~وأن تكفوا أيديكم عن الناس، أيتها الجماعة التي يرتع القمل فيكم، ~~وأنتم تلهون بشتم الناس!» # وقليلا قليلا، ابتعد الركب عن المدافعة المجهولة عن زوجة ~~«خينارو روداس» وسط دهشة المارة، في حين ذهبت المقبوض عليها في ~~طريقها إلى السجن، حزينة، مضطربة، تتفصد عرقا، وطرف شالها المطرز ~~يمسح الأرض خلفها. ~~••• # وصلت عربة المدعي العام العسكري إلى منزل «قابيل كرفخال» المحامي ~~في الوقت الذي كان يتأهب لمغادرة بيته إلى القصر الجمهوري ~~مرتديا قبعته العالية وسترته الصباحية. وقفز المدعي العام من ~~العربة إلى الطوار مما جعل العربة تهتز من بعده. وأغلق «كرفخال» ~~الباب وراءه وكان يضع فردة قفازه بعناية حين اعتقله زميله. ~~واصطحبته مفرزة من الجنود، وهو في ملابسه الكاملة، في وسط الطريق ~~إلى مركز الشرطة الثاني، الذي زينت واجهته بالأعلام والشرائط ~~الورقية. وأخذوه رأسا إلى الزنزانة التي كان الطالب ومساعد القس ~~سجينين فيها. # الفصل الرابع عشر # | فليغن العالم جميعه! # كانت الشوارع تتبدى تدريجيا للبصر في ضوء الفجر الهارب؛ ومن ~~حولها ترقد الأسطح والحقول العبقة بنضارة الربيع. وكانت البغال ~~التي تحمل اللبن ترى وهي تسير خببا وأغطية جرار اللبن تصلصل من ~~فوقها، يستحثها البغالون على السير قدما بالضربات وباللعنات. ~~وسطع نور الصباح على الأبقار الواقفة للاستحلاب أمام أروقة منازل ~~من هم أيسر حالا، أو في نواحي الطرقات في الأحياء الفقيرة، بينما ~~الزبائن، وبعضهم في طريق النقاهة والآخر في طريق الهلاك، وأعينهم ~~لا يزال السبات يغطيها، ينتظرون بقرتهم المفضلة ويذهبون إليها ~~لاستحلابها، وهم يميلون الجرة في براعة كيما يحصلوا على قدر من ~~الحليب أكثر من الرغاوي. وكانت النسوة اللاتي يوزعن الخبز على ~~البيوت يمشين ورءوسهن منحنية على صدورهن، محنيات الظهور، يجاهدن في ~~حر سيقانهن، حافيات الأقدام، يسلكن طريقهن بخطوات قصيرة متعثرة تحت ~~وطأة سلالهن الضخمة. كانت السلال مكومة الواحدة فوق الأخرى على ~~هيئة الأهرامات، مخلفة في الهواء عبير الفطائر المغطاة بالسمسم ~~المحمص والسكر. وأعلنت الساعات الدقاقة بداية يوم عطلة رسمية، ~~وأثارت ms082 بذلك أطيافا من المعدن والهواء، سيمفونية من الروائح ~~وانفجارا من الألوان، في حين صدرت عن الكنائس، فيما بين الظلمة ~~والفجر، دقات الناقوس معلنا القداس الأول، في وجل وجسارة في نفس ~~الوقت، ذلك أنه إذا كانت دقاته توحي في أيام الأعياد بفطائر ~~الشيكولاتة والبسكويت الكنسي، فإنه في أيام العطلة الرسمية يفوح ~~برائحة الفاكهة المحرمة. # عطلة رسمية ... # وفي الشوارع، مع عبير الأرض الطيبة، ارتفع حبور السكان وهم ~~يفرغون أحواضا من المياه من نوافذهم كما يترسب الغبار الذي تخلف ~~عن قوات الجنود التي مرت تحمل الراية نحو قصر السيد الرئيس، ~~الراية التي لها رائحة المنديل الجديد؛ أو عن عربات علية القوم ~~المرتدين أفخر ثيابهم: أطباء في معاطف «الفراك »، جنرالات في حللهم ~~الرسمية المتألقة التي تعبق برائحة «النفتالين»، والمدنيون في ~~قبعات عالية لامعة، والعسكريون في قبعات مثلثة الأطراف يعلوها ~~الريش، أو عن خبب جياد الموظفين الأقل شأنا، الذين تقاس الخدمات ~~التي يؤدونها بالمبلغ الذي ستدفعه الدولة يوما ما لتغطية نفقات ~~جنازتهم. # سيدي الرئيس! سيدي الرئيس! السماء والأرض مليئتان ~~بأمجادك! # وسمح الرئيس بأن يراه الشعب، مسرورا من استجابته التي لقيتها ~~جهوده التي يبذلها في سبيل رفاهيته، فظهر في الشرفة طويلا وسط ~~كوكبة من أصدقائه المحببين. # سيدي الرئيس! سيدي الرئيس! السماء والأرض مليئتان ~~بأمجادك! # وشعرت النسوة بقوة معبودهم الحبيب الإلهية. وقدم له أكابر القسس ~~فروض الطاعة والولاء. وتخيل المحامون أنهم في معية ألفونسو العالم. # 1 # أما الدبلوماسيون، وهم أصحاب فخامة أتى بعضهم ربما من ~~مدينة «تفليس»، فقد ارتسمت على محياهم علامات الأهمية كأنما هم في ~~بلاط «الملك الشمس» # 2 # في «فرساي». وهنأ الصحافيون أنفسهم على أن موجودون في ~~صحبة «بركليز» # 3 # آخر. سيدي الرئيس! سيدي الرئيس! السماء والأرض مليئتان ~~بأمجادك! وأحس الشعراء أنهم في «أثينا»، هكذا أعلنوا للعالم أجمع. ~~وتخيل نحات للتماثيل الدينية أنه «فيدياس». # 4 # وابتسم، وحل بدنه، ورفع عينيه إلى السماء حين سمع ~~الهتاف في الشوارع تكريما لحاكمهم العظيم. سيدي الرئيس! سيدي ~~الرئيس! السماء والأرض مليئتان بأمجادك! وعمد مؤلف معزوفات ~~جنائزية، مغرم ب «باخوس» ms083 # 5 # وبالدين كذلك، إلى مد وجهه ذي اللون الطماطمي من ~~النافذة ليرى ما يحدث في الطرفين. # ولكن، إذا كان الفنانون قد اعتقدوا أنهم في أثينا؛ فقد تخيل ~~أصحاب البنوك اليهود أنهم في «قرطاجنة»، وهم يتجولون خلال صالونات ~~رجال الدولة الذين وهبهم ثقته وأوكل مدخرات الأمة إلى صناديقهم ~~التي لا قرار لها بفائدة صفر أو لا شيء في المائة، مما نتج عنه ~~أنهم أثروا ثراء فاحشا، واستعاضوا عن عمليات الختان بالعملات ~~الذهبية والفضية! # سيدي الرئيس! سيدي الرئيس! السماء والأرض مليئتان ~~بأمجادك! # وشق ذو الوجه الملائكي طريقا لنفسه وسط المدعوين (كان جميلا ~~وماكرا كالشيطان): الشعب يطلب ظهورك في الشرفة يا سيدي ~~الرئيس! ~~- ... الشعب؟ # ووضع القائد نبرة استفهام في هذه الكلمة. وساد الصمت من حوله. ~~ونهض من مقعده وتوجه إلى الشرفة، تحت ضغط حزن عميق كتمه في نفسه ~~بغضب حالما شعر به لئلا يظهر في عينيه. # وظهر أمام الجماهير محاطا بكوكبة من محبوبيه. وكانت بعض النسوة ~~قد جئن ليهنئنه بالذكرى السعيدة لنجاته من محاولة للاغتيال، وبدأت ~~واحدة منهن، أوكل إليها مهمة إلقاء خطبة، تقول حالما رأت ~~الرئيس: ~~«يا ابن الشعب البار ...» # وازدرد القائد لعابه المرير، ربما وهو يذكر أيام كان طالبا، حين ~~كان يعيش في فقر مدقع مع أمه في مدينة لم يجد فيها أي متنفس لهما، ~~ولكن المحبوب تدخل قائلا في رنة خفيضة: مثل يسوع، ابن الشعب ~~... # ورددت صاحبة الخطبة: «يا ابن الشعب البار، أقول ابن الشعب. في ~~هذا اليوم الساطع البهاء، تتلألأ الشمس في كبد السماء، وتلقي ~~بضوئها على عينيك وفي روحك. وإذ أمتثل بالتعاقب المبارك للنهار ~~والليل في قبة السماء، فإن سواد تلك الليلة لا ينسى، حين عمدت ~~الأيادي المجرمة - بدلا من الاقتداء بك سيدي الرئيس في زرع البذور ~~الصالحة في الحقول - إلى وضع قنبلة في طريقك، ولكنك خرجت منها ~~سالما معافى، رغم كل الدقة العلمية الأوروبية التي صنعت تلك ~~القنبلة.» # وغرق صوت «لسان البقرة» - كما كانت ألسنة السوء تسمي السيدة ~~التي قالت الخطبة - في غمار تصفيق حاد من الجمهور ms084 إلى الهواء لدى ~~الرئيس وحاشيته. ~~- عاش السيد الرئيس! ~~- عاش السيد رئيس الجمهورية! ~~- عاش السيد رئيس الجمهورية الدستوري! ~~- «فلتتردد أصداء هتافنا وتصفيقنا في العالم كله إلى الأبد، عاش ~~السيد رئيس الجمهورية الدستوري، حامي حمى الوطن، رئيس الحزب ~~الليبرالي العظيم، المدافع عن الشباب المجتهد!» # واستطردت لسان البقرة تقول: «إنه لو كانت خطط أولئك الأشرار قد ~~نجحت، أولئك الذين كان يعاونهم أعداء السيد الرئيس في محاولتهم ~~الإجرامية، لكانت راية بلادنا قد تلطخت بمئات الشوائب الشائنة. ~~إنهم لم يتوقفوا لحظة ليتدبروا أن يد الله كانت معكم تحمي حياتكم ~~الغالية، مقرونا بتأييد كل أولئك الذين يسلمون بأنكم جديرون بأن ~~تكونوا المواطن الأول للأمة، والذين أحاطوا بكم في تلك اللحظة ~~العصيبة، الذين يحيطون بكم الآن وسوف يحيطون بكم طالما دعت الحاجة ~~إلى ذلك. أجل!» # أيها السادة، أيتها السيدات والسادة، إننا ندرك اليوم أكثر من أي ~~وقت مضى أنه لو كانت تلك الخطط الدنيئة قد نجحت في ذلك اليوم ذي ~~الذكرى المفجعة في تاريخ أمتنا - التي تقود اليوم الشعوب ~~المتحضرة - لحرم وطننا من أبيه وحامي حماه، ولسقط تحت رحمة أولئك ~~الذين يشحذون خناجرهم في الظلام ليطعنوا بها صدر الديمقراطية في ~~الصميم، كما قال يوما ذلك السياسي العظيم «خوان مونتالفو». ~~«وبفضل نجاتكم، لا تزال رايتنا تخفق عالية دونما شوائب. وهذا هو ~~السبب الذي نجتمع هنا من أجله أيها السادة، لتكريم حامي حمى ~~الطبقات الفقيرة المجيد، الذي يسهر علينا بعطف الأب، والذي جعل ~~أمتنا - كما سبق أن قلت - في طليعة ذلك التقدم الذي أطلق «فالتون» ~~شرارته الأولى باكتشافه البخار، والذي دافع «خوان سانتا ماريا» عنه ~~ضد القرصنة عن طريق إشعال النار في الديناميت المشئوم في «لمبيرا». ~~عاش وطننا! عاش رئيس الجمهورية الدستوري، رئيس الحزب الليبرالي، ~~حامي حمى الأمة، معزز النساء والأطفال العزل، والتعليم!» # وضاعت هتافات «لسان البقرة» وسط سعير من الهتاف أطفأه بحر من ~~التصفيق. # ورد السيد الرئيس ببضع كلمات، ويده اليمنى تقبض على سور الشرفة ~~المرمري، والتفت جانبا حتى لا يعرض صدره للخطر، وحرك رأسه من ~~اليسار إلى ms085 اليمين ليحيط بالجمهور، وقد قطب جبينه، وعيناه ترقبان ~~كل شيء. ومسح الرجال والنساء على حد سواء دمعات تساقطت من ~~عيونهم. # وقال ذو الوجه الملائكي حين رأى الرئيس وقد انسد أنفه بعض ~~الشيء: هلا تفضلت بالدخول سيدي الرئيس؟ ... إن الجمهور يؤثر عليكم ~~تأثيرا شديدا ...» # واندفع المدعي العسكري العام نحو الرئيس الذي عاد من الشرفة ~~تتبعه ثلة من أصدقائه، كيما يقدم إليه تقريرا عن هروب الجنرال ~~«كاناليس» ويهنئه على خطبته قبل أي شخص آخر، ولكنه - مثله في ذلك ~~مثل جميع الذين تقدموا إلى السيد الرئيس لنفس الغرض - توقف فجأة ~~وقد شله شعور غريب بالوجل، ناتج عن قوة خفية خارقة للطبيعة، وحتى ~~لا يبقى ممدود اليد في الهواء، تقدم ليصافح ذا الوجه ~~الملائكي . # بيد أن المحبوب أدار له ظهره. وسمع المدعي العسكري العام، ويده ~~ممدودة في الهواء، أول انفجار في سلسلة من الانفجارات التي توالت ~~في ثوان قليلة كأنما هي طلقات مدفعية. وعلى الفور، انطلقت الصرخات، ~~وتقافز الناس يجرون هنا وهناك ويركلون المقاعد في طريقهم، بينما ~~أغمي على كثير من النساء، وسرعان ما كانت فرق الجنود تهرع لتنتشر ~~وسط الجمهور كحبات الأرز، وأيديهم على زناد بنادقهم المحشوة، وسط ~~المدافع الرشاشة، والمرايا المحطومة والضباط والمدافع ... # واختفى كولونيل فوق الدرجات ومسدسه في يده، بينما هبط آخر من ~~الدرجات ومسدسه في يده. لم يكن هناك شيء. لم يكن هناك شيء. بيد أن ~~الهواء كان باردا. وانتشرت الأنباء بين الجمهور المضطرب. لم يحدث ~~شيء. وتجمع الضيوف تدريجيا في مجموعات، وبعضهم قد بال على نفسه ~~من الخوف، والبعض الآخر أضاع قفازاته. وكان أولئك الذين عاد اللون ~~إلى وجوههم، لم يستعيدوا بعد القدرة على الكلام، بينما كان أولئك ~~الذين استعادوا القدرة على الكلام قد غاض اللون من وجوههم. وكان ~~السؤال الوحيد الذي لم يستطع أحد الإجابة عنه هو أين ومتى اختفى ~~السيد الرئيس. # وعلى الأرض، تحت سلم صغير، كان يرقد قارع الطبول الأول في ~~الفرقة الموسيقية العسكرية. كان قد سقط من على السلم هو وطبلته، ~~مما سبب كل ذلك ms086 الفزع والهلع! # الفصل الخامس عشر # | الأعمام والعمات # خرج المحبوب من القصر الجمهوري بين قاضي القضاة، وهو شيخ ضئيل ~~الحجم يبدو في قبعته العالية ومعطفه «الفراك» أشبه بالجرذان التي ~~تظهر في رسوم الأطفال، وبين نائب من نواب الشعب، وهو رجل بالغ ~~الهزال والشحوب كأنه أحد تماثيل القديسين العتيقة. وكانا ~~يتناقشان في جدية بالغة فيما إذا كان «الغران هوتيل» أم خان قريب ~~هو الأفضل لغسل الخوف الذي أصيبا به من جراء حادثة ذلك الطبال ~~الأخرق، الذي نقلوه على التوالي إلى الخدمة العاملة، إلى الجحيم، ~~أو إلى عقاب أسوأ من ذلك، دون أي وازع من ضمير. وحين دافع عضو ~~البرلمان عن فكرة الذهاب إلى «الغران هوتيل»، بدا كما لو يضع قواعد ~~إلزامية بشأن أفضل مكان أرستقراطي يمكن اللعب فيه من بنت الحان، ~~وهو نشاط يجد قبولا واسعا وانتشارا متزايدا بين موظفي ~~الدولة. أما القاضي فقد تكلم كأنما هو يصدر حكما: «إن الامتياز ~~الحقيقي يوجد دائما حيث لا يكون هناك ما يدل على ذلك الامتياز ~~في الظاهر، وهذا هو السبب، يا صديقي العزيز، في أنني أفضل الخان ~~المتواضع حيث المرء على سجيته وسط أصدقاء، على الفندق الفخم حيث ~~لا يكون كل ما يلمع ذهبا.» # وتركهما ذو الوجه الملائكي وهما لا يزالان يتجادلان عند ناصية ~~القصر - فمن الأفضل نفض اليد من مناقشة بين مثل هاتين الحجتين - ~~واتجه إلى حي «إنسسيو» بحثا عن منزل خوان «كاناليس»، شقيق الجنرال ~~كاناليس. كانت الحاجة ماسة إلى أن يبعث هذا العم لإحضار ابنة شقيقه ~~من حانة «الخطوتان». قال في نفسه: «ماذا يهمني سواء ذهب بنفسه أو ~~بعث أحدا لإحضارها إليه، ما دامت لن تصبح تحت مسئوليتي؟ ما دامت ~~لن توجد بعد في خاطري كما كان الحال أمس حين لم تكن شيئا بالمرة ~~بالنسبة لي!» وتنحى له اثنان أو ثلاثة من المارة عن الطريق في ~~احترام تاركين له الطوار إلى الطريق، وشكرهم دون أن يتبين من ~~كانوا. # كان السيد «خوان»، شقيق الجنرال كاناليس، يقطن حي «إنسنسيو» في ~~منزل قريب من «العملة»، ms087 كما كانت تسمى دار سك النقود، وهي ~~بالمناسبة مبنى ذو كآبة مشنقية. كانت ثمة دعائم خشبية تدعم ~~الجدران المائلة، ومن خلال القضبان الحديدية على النوافذ، يمكن ~~للمرء أن يلمح حجرات كأقفاص الحيوانات المتوحشة. هنا كانت ترقد ~~ملايين الشياطين في الحفظ والصون. # وحين طرق المحبوب باب المنزل أجيب بنباح كلب. وكان واضحا من ~~الطريقة المحمومة التي كان الكلب ينبح بها أنه كان مقيدا. # ودخل ذو الوجه الملائكي من الباب وقبعته العالية في يده (كان ~~جميلا وماكرا كالشيطان). كان يشعر بالسرور من وجوده في المنزل ~~الذي ستذهب إليه ابنة الجنرال، ولكن صرف انتباهه عن ذلك نباح ~~الكلب، والدعوة المتكررة إلى «الدخول»، من رجل متورد الوجه، ~~باسم، بطين، لم يكن سوى السيد «خوان كاناليس» نفسه. ~~- «ادخل من فضلك، ادخل. من هنا، لو سمحت. وما هو يا ترى سبب ~~تشريفنا بزيارتكم الكريمة؟» # نطق السيد خوان كل هذه العبارات على نحو آلي، في رنة صوت بعيدة ~~تماما عن الإعراب عن الاضطراب الذي شعر به في حضرة هذا التابع ~~الجليل للسيد الرئيس. # وتطلع ذو الوجه الملائكي حوله في الحجرة. يا للنباح الذي يستقبل ~~به الزوار هذا الكلب الشرير! ولاحظ وجود مجموعة من الصور لآل ~~كاناليس معلقة على الحائط، وأن صورة الجنرال قد أزيلت. وعكست ~~مرآة في الطرف الآخر للحجرة المكان الذي كانت الصورة معلقة فيه، ~~وجزءا آخر من الحجرة غطي بورق حائط أصفر، لون البرقيات. # وبينما السيد «خوان» يستهلك كل ما لديه من عبارات الترحيب ~~المؤدبة، جال في خاطر ذي الوجه الملائكي أن الكلب لا يزال هو حامي ~~المنزل كما في الأزمان البدائية. حامي حمى القبيلة. حتى السيد ~~الرئيس عنده مجموعة من الكلاب المستوردة. # كان رب المنزل يرى في المرآة يتكلم بحركات إيمائية يائسة. ~~وشعر السيد «خوان» بعد أن استنفد كل ما لديه من عبارات التكريم أنه ~~كالسباح الذي قفز إلى المياه العميقة. # كان يقول: «هنا، في بيتي، شعرنا - زوجتي وخادمكم المطيع - بالسخط ~~العميق لسلوك أخي «إيوسبيو». أي عمل هذا؟ الجريمة دائما مقيتة، ~~وهي تزداد مقتا ms088 في أحوال كهذه؟ حين تكون الضحية جديرة بكل احترام ~~وإجلال، رجل هو فخر جيشنا، وفوق كل شيء، كما أقول، صديق للسيد ~~الرئيس!» # ولزم ذو الوجه الملائكي الصمت الرهيب لامرئ يرقب شخصا يغرق وهو ~~يملك وسائل إنقاذه، صمت لا مثيل له غير صمت الزوار الذين لا يملكون ~~القدرة على تأكيد ما يقال أو تفنيده. # ولما وجد السيد خوان أن عباراته لا تجد صدى في أذن محدثه، فقد ~~أعصابه كلية وبدأ يضرب الهواء بيديه ويبحث عن أرض صلبة لقدميه. ~~وكان رأسه يغلي. كان يعتقد أنه متورط في جريمة القتل التي وقعت ~~في «رواق الرب» وفي كل ما تفرع منها من تفريعات سياسية بعيدة ~~المدى. أما كونه بريئا منها بالفعل فلم يكن له أية أهمية. إن كل ~~شيء بالغ التعقيد، بالغ التعقيد والتشابك «إن الأمر كاليانصيب يا ~~صديقي، كاليانصيب». كانت تلك العبارة التي تصف حالة الأمور في ~~البلد؛ فقد تعود أن يصيح بها العم «فولخنسيو»، وهو شيخ طيب يبيع ~~أوراق اليانصيب في الشوارع، وكاثوليكي أصيل يعتني أشد العناية ~~بتجارته. وبدا «لخوان كاناليس» أنه لا يرى أمامه ذا الوجه الملائكي ~~وإنما هيكل العم «فولخنسيو» الجانبي، الذي كانت عظامه وفكاه ~~وأصابعه تبدو كأنها قد وصلت فيما بينها بأسلاك عصبية. كان العم ~~«فولخنسيو» يحمل حافظة أوراق اليانصيب الجلدية السوداء تحت إبطه، ~~ثم يسوي تجاعيد وجهه، وينفض حجر بنطاله المتدلي، ويمد عنقه، ~~ويقول بصوت يخرج في آن واحد من أنفه ومن فمه الخالي من الأسنان: ~~«اليانصيب هو القانون الوحيد على هذه الأرض يا صديقي! اليانصيب ~~بإمكانه أن يرسل بك إلى السجن، أو يجعلهم يعدمونك رميا بالرصاص، ~~أو يجعلك نائبا في البرلمان، أو دبلوماسيا، أو رئيسا ~~للجمهورية، أو جنرالا، أو وزيرا! ما فائدة العمل، إذا كان يمكن ~~الحصول على كل هذا عن طريق اليانصيب؟ إن الحياة يانصيب يا صديقي، ~~ولذلك تعال واشتر ورقة يانصيب!» وعند ذلك، كان كل ذلك الهيكل ~~المعقود، ذلك الجذع الملتوي المغضن، يهتز بالضحك الذي ينبجس ~~من فمه كأنه قائمة بأرقام اليانصيب الرابحة. # وحملق ذو ms089 الوجه الملائكي في «كاناليس» بصمت، يسائل نفسه سؤالا ~~مختلفا تماما: «كيف يكون لمثل هذا الرجل الجبان الكريه أية صلة ~~بكميلة؟» # واستطرد «خوان كاناليس» قائلا وهو يخرج منديلا من جيبه بصعوبة ~~بالغة ويجفف به قطرات العرق الكثيفة التي تدحرجت على جبهته: «لقد ~~أشيع، لقد قالوا ذلك لزوجتي على أية حال، إنهم يريدون توريطي في ~~جريمة مقتل الكولونيل «باراليس سونرينتي»!» # فقال الرجل الآخر باقتضاب: «لا علم لي بذلك». ~~- إن ذلك ظلم. وكما سبق أن قلت منذ لحظة، لقد عارضت أنا وزوجتي ~~سلوك أخي «إيوسبيو» منذ البداية. وإلى جانب هذا، لا أدري ما إذا ~~كنت تعلم ذلك أم لا، فإنني لم أكن أقابل أخي مؤخرا إلا نادرا. ~~يكاد يكون ولا مرة. ولا مرة في الواقع. كنا نتقابل كأننا غريبان. ~~«صباح الخير، صباح الخير، مساء الخير، مساء الخير، هذا هو كل شيء، ~~مع السلامة، مع السلامة، هذا هو كل شيء.» # كان صوت السيد «خوان» مهتزا. ورأت زوجته، التي كانت تتابع ~~الزيارة من وراء ستار، أن الوقت قد حان لأن تنهض لمساعدة ~~زوجها. # وهتفت وهي تدخل وتومئ برأسها مع ابتسامة مؤدبة لذي الوجه ~~الملائكي: «هلا قدمتني للسيد «يا خوان؟» فقال زوجها الذاهل: أجل، ~~بالطبع. اسمح لي بأن أقدم زوجتي إليك!» ~~- «جوديث دي كاناليس.» # وسمع ذو الوجه الملائكي اسم زوجة السيد «خوان»، بيد أنه لا يذكر ~~أنه قد نطق اسمه هو. # وخلال تلك الزيارة التي كانت تتطاول دون داع، كانت أي عبارات ~~لا تتعلق بكميلة لا تجد أذنا صاغية لدى ذي الوجه الملائكي، وذلك ~~من جراء تلك القوة الغامضة التي بدأت تؤثر في فؤاده وتشيع الاضطراب ~~في وجوده ذاته. # وتعجب في سريرته: «ولكن، لماذا لا يتحدث هؤلاء القوم عن ابنة ~~أخيهم؟ لو أنهم تحدثوا عنها لأصغيت إليهم بكل جوارحي، لو أنهم ~~تحدثوا عنها لقلت لهم إنه لا داعي لأن يشعروا بأي قلق، وأن السيد ~~«خوان» لا يمكن أن يورط في أي جريمة. آه لو أنهم يتحدثون عنها! أي ~~أحمق أنا ... عن كميلة؟ التي أود أن تكون ms090 على ما هي عليه وأن تبقى ~~مع هؤلاء القوم وألا أفكر فيها بعد ذلك؟ ولكن، أي أحمق أنا، إنها ~~هي وقومها، وأنا بعيد عنهم، بعيد عنهم! أميالا كثيرة، هي وأنا لا ~~... # وجلست السيدة جوديث على الأريكة ورفعت إلى أنفها منديلا من ~~الدنتلا كيما تخفي ارتباكها. ~~- كنتما تقولان ... أخشى أن أكون قد قطعت حديثكما ... آسفة ... ~~- إن ... ~~- ... ~~- لو ... # كان الثلاثة قد بدءوا يتحدثون في نفس الوقت، وبعد كثير من عبارات ~~«تفضل»، تسلم السيد خوان دفة الحديث، لا يعرف لماذا. وكانت عينا ~~زوجته تقول له «أيها الأحمق»؛ لأنه لم يترك لضيفهما الكلمة. ~~- إنني كنت أقول لصديقنا إننا - أنت وأنا - قد غضبنا حين ~~أخبرونا، على نحو سري، أن أخي «إيوسبيو» هو أحد المتهمين بقتل ~~الكولونيل «باراليس سونرينتي». # فوافقته السيدة «جوديث» قائلة وهي تدفع صدرها العظيم إلى الأمام: ~~«آه، أجل، أجل، حقا! لقد قلنا - «خوان» وأنا - أنه لم يكن خليقا ~~بأخ زوجي أن يدنس حلته العسكرية بمثل هذا العمل الهمجي؛ والأسوأ ~~من ذلك، أن الناس يريدون أن يورطوا زوجي!» ~~- «كنت أيضا أشرح للسيد «ميغيل» أنني قد ابتعدت أنا وأخي بعضنا ~~عن بعض منذ فترة طويلة؛ لم يكن يتحمل منظري، ولم أكن أتحمل ~~رؤيته!» # فأضافت السيدة «جوديث» وهي تطلق زفرة في الهواء: «ليس إلى هذه ~~الدرجة من السوء، ولكن الأمور العائلية تفضي دائما إلى الغضب ~~والشجار.» # فقال ذو الوجه الملائكي: أعرف ذلك. بيد أن على السيد «خوان» ألا ~~ينسى أن هناك دائما وشائج لا انفصام لها بين الإخوة ... ~~- ماذا تعني يا سيد «ميغيل»؟ إنني كنت شريكه؟ ~~- أرجو أن تعذراني ... # فقالت السيدة «جوديث» في عجلة وقد خفضت عينيها إلى الأرض: يجب ~~ألا تصدق ذلك. حين تتدخل أمور المال تنقطع كل الوشائج. إنه لأمر ~~محزن أن يكون الحال كذلك، ولكن المرء يراه يحدث أمامه كل يوم. ~~المال لا يحترم وشائج القربى. ~~- «أرجو أن تعذراني! لقد قلت الآن إن هناك وشائج لا تنفصم بين ~~الإخوة؛ لأنه على الرغم من الخلافات في الرأي بين السيد «خوان» ~~والجنرال، فحين رأى الجنرال ms091 أن الخراب قد حل به وتعين عليه أن يرحل ~~عن البلاد قال لي ...» ~~- إذا كان قد حاول أن يورطني في الجريمة فهو نذل آه، يا لها من ~~مكيدة. ~~- ولكنه لم يقل شيئا من هذا القبيل. ~~- خوان، خوان، دع ضيفنا يتحدث! ~~- لقد قال لي إنه يعتمد عليكما معا كيما ترعيا ابنته من بعده، ~~وطلب مني أن أذهب وأتحدث إليكما كي تأخذاها لتعيش معكما في هذا ~~المنزل. # وجاء دور ذي الوجه ~~الملائكي كي يشعر الآن أن عباراته لا تجد أذنا صاغية. كان يبدو ~~عليه وكأنه يتحدث إلى قوم لا يفهمون اللغة الإسبانية التي يحدثهم ~~بها: كانت عباراته ترتد إليه كما لو كانت تصطدم بمرآة، لا يصغي لها ~~لا السيد «خوان» الحليق النظيف ولا السيدة «جوديث» القابعة في داخل ~~صدرها الهائل كأنما هي في داخل عربة يد. ~~- «والأمر متروك لكما لتتدبرا أفضل ما يمكن عمله من أجل ~~الفتاة.» # وحالما تحقق السيد «خوان» أن ذا الوجه الملائكي لم يحضر كيما ~~يعتقله، استعاد قدرته الذهنية العادية وقال: أجل، بالطبع ... لا أدري ~~حقا ما أقول. الواقع أنك قد فاجأتني! ليس هناك محل بالطبع ~~لإحضارها هنا، لا يمكن للمرء أن يلعب بالنار! إنني واثق أن الفتاة ~~الصغيرة ستكون سعيدة هنا، ولكني وزوجتي لا يمكننا أن نخاطر بفقدان ~~أصدقائنا، ذلك أنهم سوف يحاسبوننا على أننا فتحنا أبواب بيتنا ~~المحترم لابنة أحد أعداء السيد الرئيس. وإلى جانب هذا، فمن المعروف ~~أن أخي الشهير قد عرض - كيف أعبر عن ذلك؟ حسنا، قد عرض ابنته على ~~أحد الأصدقاء الحميمين لرئيس الأمة، مقابل ... # فتدخلت السيدة «جوديث» قائلة وهي تسقط صدرها المنتفخ في زفرة ~~أخرى: كيما يتفادى الدخول إلى السجن! ولكن ... كما كان «خوان» يقول، ~~فهو قد عرض ابنته على صديق للسيد الرئيس، الذي كان مفروضا أن ~~يقدمها بدوره إلى السيد الرئيس نفسه، الذي كان من الطبيعي والمنطقي ~~أن يرفض هذا العرض الشائن. وعند ذلك، رأى أمير الجيش، كما أصبحوا ~~يلقبون الجنرال بعد خطبته الشهيرة، أن لا منجاة له، وقرر الهرب ~~وترك ابنته ms092 لنا. هذه هي الحكاية! ماذا يمكن للمرء أن يتوقع من رجل ~~لوث علاقاته بالشكوك كالطاعون، وجلب العار على اسم العائلة! لا ~~تتصور أننا لم نعان نتيجة لهذه المسألة. لقد شيبتنا، كما يشهد ~~على ذلك الله والعذراء!» # وتبدت لمحة من غضب في أعماق عيني ذي الوجه الملائكي ~~السوداوين. ~~- إذن، لا مجال هناك لمزيد من القول. ~~- إننا آسفان لتجشمك عناء الحضور إلينا. لو أنك بعثت ~~برسالة. # وأضافت السيدة جوديث: «ولو لم تكن المسألة مستحيلة تماما علينا، ~~لكنا قد قبلنا بسرور من أجلك.» # وخرج ذو الوجه الملائكي دون كلمة أخرى ودون أن ينظر ~~ناحيتهما. # ونبح الكلب في سعار وهو يجر سلسلته عبر الأرض من ناحية إلى ~~أخرى إلى أقصى امتداد لها. # وكانت آخر كلمات ذي الوجه الملائكي على الباب الخارجي: سوف أذهب ~~لمقابلة الإخوة الآخرين؟ # فسارع السيد خوان يقول: «إن في هذا إضاعة لوقتك. لقد عرف عني ~~طوال فترة إقامتي هنا أنني من المحافظين، ومع ذلك فإنه لا يمكنني ~~قبولها في بيتي. أما هم فليبراليون، أوه، حسنا، سيعتقدون أنك قد ~~جننت، أو أنك تمزح!» # كان السيد «خوان» يقف على عتبة الباب وهو يقول تلك العبارات؛ ثم ~~أغلق الباب في بطء، وفرك يديه السمينتين، معا، وتردد برهة، ثم ~~عاد أدراجه إلى البيت. وأحس برغبة لا تقاوم في أن يلاطف أحدا، ~~ولكن ليس زوجته، وذهب لإحضار الكلب الذي كان لا يزال ينبح. # وصاحت به زوجته من الفناء، حيث كانت تقلم شجرة الورد بعد أن ~~انحسرت الشمس عنها: «دع الكلب إذا كنت خارجا!» ~~- «أجل، سوف أخرج الآن.» ~~- «حسنا، أسرع، لأنني ذاهبة إلى الكنيسة لأداء صلاتي اليومية، ~~وأفضل عدم الخروج إلى الطريق بعد السادسة مساء.» # الفصل السادس عشر # | في سجن «كاسا نويفا» # في حوالي الساعة الثامنة صباحا (ما أسعد ما كان الناس عليه في ~~عهد الساعات المائية، حين لم يكن هناك ساعات دقاقة تحسب الوقت ~~بالقفزات والارتداد!) سجنت «نينيا فيدينا» في زنزانة كالقبر على ~~شكل الجيتار، بعد اتخاذ الإجراءات المعهودة والقيام بتفتيش شامل ~~لكل شيء معها. لقد ms093 فتشوها من الرأس إلى القدم، أظافرها، ما تحت ~~إبطيها، كل شيء، وهي عملية مزعجة للغاية، بل وزادوا التفتيش حدة ~~حين عثروا في ثنايا قميصها على خطاب كتبه الجنرال كاناليس بخط ~~يده، وهو الخطاب الذي كانت قد التقطته من على الأرض في ~~البيت. # وأحست بالتعب من الوقوف في الزنزانة، ولم يكن هناك مكان للمشي ~~ولو خطوتين فقط، فجلست، فالجلوس أفضل على كل حال. ولكنها نهضت ~~واقفة بعد برهة. لقد نفذت برودة الأرض إلى كفليها وعظام ساقيها ~~وإلى يديها وأذنيها، فالجسم البشري حساس تجاه البرودة. وظلت واقفة ~~بعض الوقت، ثم جلست مرة ثانية، ووقفت، وجلست، ووقفت ... وهكذا ~~... # وكانت تسمع السجينات الأخريات حين أخرجوهن من زنازينهن لشم ~~الهواء، يتغنين بأغان غضة كالخضروات النيئة ، برغم الغليان الذي ~~يشعرن به في الصدور. وكن أحيانا يهمهمن بعض هذه الأغاني وهن ~~ناعسات، أغان ذات رتابة قاسية، توحي بإحساس بالظلم المحتوم، تقطعه ~~فجأة صرخات يأس، وكفر «وسباب» وشتائم. # ومنذ اللحظة الأولى لدخول «نينيا فيدينا» السجن، أحست بالخوف ~~من صوت متنافر النغمات يعيد هذه الأغنية مرارا وتكرارا كأنه ~~يتلو مزمورا: # من سجن «كاسا نويفا»، # إلى بيوت السمعة السيئة، # يا حبيبي الصغير، # خطوة واحدة، # وما دمنا هنا وحدنا، # يا حبيبي الصغير، # فلتعطني قبلة، # آه، أعطني قبلة، # يا حبيبي الصغير؛ # لأن ما بين هذا السجن، # والبيوت سيئة السمعة، # يا حبيبي الصغير، # خطوة واحدة. # لم يكن ~~البيتان الأولان من الأغنية يتمشيان مع بقيتها، ومع ذلك فإن هذا ~~الأمر بدا كأنما يؤكد العلاقة الوثيقة بين البيوت سيئة السمعة وبين ~~سجن «كاسا نويفا». كان وزن كلمات الأغنية مكسورا كيما تعبر عن ~~واقع الحال المؤلم، وهو ما جعل «نينيا فيدينا» ترتعد خوفا من أن ~~يغمرها الخوف، الآن وهي ترتعد ولم يغمر الخوف كيانها كله بعد، ذلك ~~الخوف الغامض المرعب الذي شعرت به بعد ذلك، حين تسرب إلى عظامها ~~ذلك الصوت الذي يشبه الأسطوانة المشروخة والذي يخفي أكثر الأسرار ~~جرما. كان ظلما ألا تجد ما تفطر به سوى تلك الأغنية المريرة. ~~إنهم لو سلخوها حية لما ms094 شعرت بعذاب أكثر مما كانت تشعر به الآن من ~~سجنها؛ إذ تصغي إلى كلام ربما تعتبره السجينات الأخريات - دون أن ~~يدركن أن فراش العاهرة أشد برودة من السجن - أملهن الأسمى في ~~الحرية والدفء. # ووجدت راحة في التفكير بابنها. كانت تفكر فيه كما لو كانت لا ~~تزال تحمله بين أحشائها؛ ذلك أن الأمهات لا يشعرن أبدا أن أبناءهن ~~قد تركن بطونهن بالفعل. إن أول شيء ستفعله حين تخرج من السجن هو ~~تعميد ابنها. لقد اتخذت كل الترتيبات. والرداء واللفاع اللذان ~~أهدتهما له الآنسة كميلة رائعان. وكانت تعتزم الاحتفال بهذه ~~المناسبة بتقديم أطباق «الطامال» # 1 # والشيكولاتة في الإفطار، وأطباق الأرز على الطريقة ~~«البلنسية» واليخنة في الغداء، ثم ماء القرفة وشراب اللوز ~~والمثلجات وحلوى الرقاق في العشاء. وقد طلبت بالفعل بطاقات الدعوة ~~الصغيرة التي سترسلها لأصدقائها، من صاحب المطبعة ذي العين ~~الزجاجية. كما أنها تريد استئجار عربتين من محل «شومان»، تجرهما ~~تلك الجياد الضخمة الفخمة التي تبدو كالقاطرة، ذات اللجام المتلألئ ~~المغطى بالفضة، والسائقين الذين يرتدون قبعات طويلة ومعاطف ~~الفراك. وعند ذاك حاولت طرد هذه الأفكار من رأسها حتى تتجنب ~~مصيرا كمصير ذلك الرجل الذي قال لنفسه عشية ليلة عرسه. في مثل ~~هذه الساعة غدا، ستكونين ملك يميني يا حبيبتي الصغيرة! ثم نكب بأن ~~سقط قالب طوب على رأسه وهو في طريقه إلى الكنيسة في اليوم التالي ~~ومات. # وأخذت تفكر ثانية في طفلها، في استغراق سعيد جعلها لا تلاحظ ~~أنها تحدق دون أن تشعر إلى شبكة من الرسوم الإباحية المحفورة ~~على حائط الزنزانة، مما جعلها تضطرب من جديد، رسوم صلبان، عبارات، ~~أسماء رجال، تواريخ، أرقام العلوم السرية، مختلطة وسط رسوم جنسية ~~من كل حجم ونوع. كانت ثمة كلمة دينية إلى جوار رسم لعضو جنسي، ورقم ~~«13» على رسم خصيتين هائلتين، شياطين ذوو أجسام معقوصة ~~كالشمعدانات، زهور صغيرة لها أصابع بشرية بدلا من الأوراق، ~~كاريكاتور لقضاة ومحامين، قوارب صغيرة، مراس، شموس، أسرة ~~أطفال، شموس ذات شوارب لرجال الشرطة، أقمار لها وجوه عوانس، نجوم ~~ثلاثية وخماسية، ms095 ساعات، صفارات، قيثارات ذات أجنحة، سهام. # وغلبها الفزع فحاولت الهروب من عالم الجنون والضلال هذا، كيما ~~تسقط في الإباحية فحسب التي تغطي الجدران الأخرى في الزنزانة. ~~وأغلقت عينيها وقد أخرسها الفزع، كانت كامرأة بدأت تهوي من على ~~منحدر شاهق، تتفتح حولها مهاو بدلا من النوافذ، والسماء ~~تستعرض نجومها كما يستعرض الذئب أنيابه. # وعلى أرض الزنزانة، كانت ثمة مجموعة من النمل تحمل صرصارا ~~ميتا. وجال في خاطر «نينيا فيدينا»، إذ كانت لا تزال تحت تأثير ~~الرسوم الإباحية، أنها تحدق إلى عضو جنسي أنثوي يجره شعره إلى ~~فراش الخطيئة. # من سجن كاسا نويفا، # إلى بيوت السمعة السيئة، # يا حبيبي الصغير ... # وأخذت الأغنية مرة أخرى تحك لحمها الحي برفق ~~بشظايا زجاج صغيرة، كأنما هي تزيل تدريجيا تواضعها ~~الأنثوي. # وفي المدينة، كانت الاحتفالات على شرف السيد الرئيس لا تزال تجري ~~على قدم وساق. وفي الأمسيات، كانوا ينصبون شاشة سينما كأنها ~~المشنقة في «الميدان الرئيسي»، يعرضون عليها أجزاء غير واضحة من ~~الأفلام على الجمهور، الذي كان يشاهدها كأنه يشاهد حكم إعدام ~~لمحاكم التفتيش. وكانت المباني الحكومية الغارقة في الضوء تشمخ ~~تجاه السماء الداكنة، وثمة سيل من العابرين يلفون أنفسهم ~~كالعمامة حول السور المدبب الأطراف الذي يحيط بالحديقة العمومية ~~المستديرة. كانت صفوة المجتمع تتجمع هناك للتنزه حول الحديقة ~~في الأمسيات، في حين ترقب العامة السينما في صمت ديني تحت النجوم. ~~وكان الشيوخ، عزابا وأزواجا، مكدسين جنبا إلى جنب كالسردين، ~~قد أخذوا يتثاءبون في ملل ظاهر، ويرقبون المارة من مقاعدهم ~~ومنصاتهم المنصوبة في الميدان، يرسلون بالإطراء لكل فتاة تمر، ~~وبالتحايا إلى أصدقائهم ومعارفهم ... ومن آن لآخر، كان الأغنياء ~~والفقراء على السواء يرفعون أبصارهم إلى السماء: يرقبون صاروخا ~~ملونا ينفجر وتتساقط خيوطه على شكل قوس قزح حريري. # إن الليلة الأولى في السجن لشيء رهيب حقا. يشعر السجين أنه ~~مقطوع عن الحياة في عالم من الكوابيس، هناك في الظلمات. الجدران ~~تختفي، والسقف يتلاشى، والأرضية تحتجب عن البصر، بيد أن ذلك لا ~~يجلب معه إحساسا بالحرية، وإنما بالموت. # وبدأت «نينيا ms096 فيدينا» تتلو صلاة سريعة: «أيتها العذراء مريم ~~الرحيمة، معروف عنك أنك لا تخذلين أي مخلوق ينشد عونك ويتضرع ~~طلبا لمساعدتك ويرجو حمايتك! ولهذا فإني أتحول إليك عن ثقة، يا ~~عذراء العذارى، وألقي بنفسي على قدميك، أبكي خطاياي. لا ترفضي ~~صلواتي، أيتها العذراء مريم، بل أنصتي لي بأذن صاغية مجيبة. آمين!» ~~كانت الظلمة تخنقها. لم تعد تستطيع الصلاة بعد. وانزلقت إلى ~~الأرض، باسطة ذراعيها اللتين بدتا لها طويلتين جدا، طويلتين ~~جدا، كيما تحتضن الأرضية الباردة، كل الأرضيات الباردة لجميع ~~السجناء الذين يضطهدون باسم العدالة، المحتضرين، المشردين ~~... # ورددت الابتهالات باللاتينية: # أورا برو نوبيس. # 2 # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # واعتدلت جالسة ببطء. كانت تشعر بالجوع. من سيرضع ~~ابنها؟ واتجهت إلى الباب على يديها وقدميها وظلت تقرعه ~~عبثا. # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # وعلى البعد، سمعت ساعة تدق الثانية ~~عشرة. # أورا برو نوبيس. # أورا برو نوبيس. # في العالم الخارجي، حيث كان ابنها ... # أورا برو نوبيس. # وأحصت الدقات الاثنتي عشرة. واستجمعت قواها ~~لتتخيل أنها مطلقة السراح، ونجت في ذلك. وتصورت نفسها في بيتها ~~وسط حاجاتها وأصدقائها، وهي تقول ل «خوانيتا»: «مع السلامة، لقد ~~سعدنا برؤيتك.» وهي تخرج لتصفق منادية «غابرييليتا»، وهي تعنى ~~بالموقد، وهي تنحني للسيد «تيموتيو». كانت تبدو كأنها ترى حانوتها ~~كما لو كان عضوا حيا، جزءا منها ومن الآخرين. # وفي الخارج، مضت الاحتفالات قدما، وشاشة السينما تقوم كالمشنقة ~~والناس تسير حول الحديقة كالعبيد حول عجلة رفع المياه. # وفتح باب الزنزانة بعد أن يئست من ذلك. وجعلتها جلبة فتح القفل ~~على الباب تجفل كأنما هي تقف على شفا حفرة من النار. ودخل رجلان ~~يبحثان عنها في الظلام، ودفعا بها عبر ممر ضيق مكشوف عصفت به ~~رياح المساء، وعبر حجرتين مظلمتين إلى حجرة أخرى مضاءة بالأنوار. ~~وحين دخلت، كان المدعي العسكري العام يتحدث مع كاتبه بصوت ~~خفيض. وقالت «نينيا فيدينا» في سريرتها: «هذا هو ms097 السيد الذي يعزف ~~على الأرغن في عيد عذراء الكرمة! لقد بدا لي أنني أعرفه حين قبضوا ~~علي، لقد رأيته مرارا في الكنيسة، لا يمكن أن يكون رجلا ~~شريرا!» # وثبت المدعي العام عينيه عليها فترة طويلة، ثم سألها بعض ~~الأسئلة العامة: اسمها، عمرها، حالتها الاجتماعية، عملها، عنوانها. ~~وأجابت زوجة «روداء» في صوت ثابت، ثم أضافت سؤالا من عندياتها حين ~~فرغ الكاتب من كتابة آخر إجاباتها - وهو سؤال لم يرد عليه أحد ~~لأنه في نفس اللحظة دق جرس الهاتف وسمع صوت أجش لامرأة تقول في ~~صمت الحجرة المجاورة: «أجل، كيف حالك؟ إنني مسرور لذلك! لقد أرسلت ~~إلى «كاندوتشا» أسألها هذا الصباح ... الفستان؟ ... الفستان جميل، أجل، ~~إن قصته حلوة ... ماذا ... كلا، كلا، إنه لم يتلوث ... أقول إنه لم ~~يتلوث! ... أجل، ولكن دون تأخير ... أجل، أجل، أجل ... تعالوا دون تأخير ~~... مع السلامة ... تصبحون على خير مع السلامة.» # وفي هذه الأثناء كان المدعي العام يرد على سؤال «نينيا فيدينا» ~~في رنة عادية من السخرية القاسية: «لا تقلقي، إننا هنا لذلك الغرض، ~~كيما نقول للناس من أمثالك، ممن لا يعرفون، أسباب القبض ~~عليهم.» # ثم أردف قائلا بصوت مختلف، وعيناه الضفدعيتان تبرزان من ~~محجريهما: «ولكنك لا بد أن تخبريني أولا ماذا كنت تفعلين في ~~منزل «إيوسبيو كاناليس» هذا الصباح.» ~~- لقد ذهبت - لقد ذهبت لأقابل الجنرال في مهمة ما. ~~- هل لي أن أسألك ما هي تلك المهمة؟ ~~- مسألة بسيطة ليس إلا يا سيدي! مهمة اضطلعت بها ... كي ... اسمع ~~يا سيدي، سوف أقول لك كل شيء: لقد ذهبت كي أخبره أنهم سيقبضون ~~عليه بتهمة قتل ذلك الكولونيل (لقد نسيت اسمه) الذي لقي مصرعه في ~~رواق الرب. ~~- ثم تسمحين لنفسك بعد هذا أن تسأليني عن سبب وجودك في السجن؟ هل ~~يبدو لك ذلك شيئا هينا، شيئا هينا أيتها العاهرة؟ هل يبدو لك ~~ذلك شيئا هينا، شيئا هينا؟ # وكان غضب المدعي العام يزداد مع كل مرة يقول فيها ~~«هينا». ~~- على مهلك يا سيدي، دعني أشرح لك، على مهلك يا سيدي، إن ms098 الأمر ~~ليس كما تعتقد. انتظر، اسمع، بحق السماء! حين وصلت إلى منزل ~~الجنرال، لم يكن الجنرال هناك، إنني لم أره، إنني لم أر أحدا ~~هناك، كانوا قد رحلوا جميعا، وكان المنزل خاليا، ما عدا الخادمة ~~التي كانت تجري هنا وهناك. ~~- وهل يبدو لك ذلك شيئا هينا؟ شيئا هينا، وأي ساعة كنت ~~هناك؟ ~~- كانت ساعة كنيسة «لا مرسيد» تدق السادسة صباحا يا ~~سيدي. ~~- إن ذاكرتك قوية! وكيف عرفت أنه سيقبض على الجنرال؟ ~~- أنا؟ ~~- أجل أنت. ~~- سمعت ذلك من زوجي. ~~- وما اسم زوجك؟ ~~- خينارو روداس. ~~- وممن سمع هو بذلك الأمر؟ كيف عرف؟ من أخبره؟ ~~- أحد أصدقائه يا سيدي، يدعى لوسيو فاسكيز، أحد أعضاء الشرطة ~~السرية. هو أخبر زوجي، وزوجي ... # وقاطعها المدعي العام صائحا: وأنت أخبرت الجنرال؟ # وهزت «نينيا فيدينا» رأسها كيما تقول: ليس صحيحا، لا. ~~- وإلى أين ذهب الجنرال؟ ~~- ولكن، بحق السماء، كيف لي أن أعرف وأنا لم أر الجنرال مطلقا؟ ~~ألا تفهم، إنني لم أره مطلقا، لم أره مطلقا! ولماذا أكذب؟ خاصة ~~وأن هذا السيد يكتب كل كلمة أقولها. # وأشارت إلى الكاتب، الذي حملق فيها بوجهه الشاحب المليء بالنمش، ~~الذي بدا كورقة نشاف بيضاء عليها بقع حبر كثيرة. ~~- ليس لك شأن بما يكتب. أجيبي عن سؤالي! أين ذهب الجنرال؟ # وساد صمت طويل. ثم انفجر صوت المدعي العام بنبرة أحد: أين ذهب ~~الجنرال؟ ~~- لا أعرف. كيف لي أن أجيب عن هذا؟ لا أعرف، إنني لم أره على ~~الإطلاق - لم أتحدث إليه. ~~- إنك تخطئين إذ تنكرين ذلك؛ لأن السلطات تعرف كل شيء، بما في ~~ذلك أنك قد تكلمت مع الجنرال. ~~- إنك تجعلني أضحك! ~~- اسمعي، ليس في الأمر ما يضحك. إن السلطات تعرف كل شيء، كل ~~شيء، كل شيء. وكان يجعل المنضدة تهتز عند كل «كل شيء». «إذا كنت لم ~~تر الجنرال، كيف إذن حصلت على هذا الخطاب؟ أظن أنه قفز إلى قميصك ~~من نفسه؟» ~~- إن هذا هو الخطاب الذي عثرت عليه في المنزل. لقد «التقطتها» من ~~على الأرض قبل أن أخرج. ولكن لا ms099 فائدة من قول أي شيء ما دمت لا ~~تصدقني وتعتبرني كاذبة. # ودمدم الكاتب قائلا: «التقطتها»! إنها لا تعرف حتى كيف تتحدث ~~بلغة سليمة. يجب أن تقولي «التقطته». ~~- اسمعي، لا تكذبي يا سيدتي واعترفي بالحقيقة؛ لأن الكذب سوف ~~يجر عليك عقابا ستذكرينني به طوال حياتك. ~~- ولكني قلت الحقيقة، وإذا كنت لا تصدقني فإني لا أستطيع أن ~~أجعلك تفهمني بضربك بالعصا كالأطفال! ~~- سوف يكلفك هذا غاليا، سوف ترين! وشيء آخر: ما شأنك أنت ~~بالجنرال على أية حال؟ ما علاقتك به؟ هل أنت أخته أم ماذا؟ ماذا ~~أخذت منه؟ ~~- أنا ... من الجنرال ... لا شيء. إنني حتى لم أره سوى مرتين في ~~حياتي. ولكن ما حدث هو أن ابنته قد وعدتني أن تكون إشبينة طفلي يوم ~~تعميده. ~~- ليس هذا سببا. ~~- إنها إشبينة ابني يا سيدي! # فقال الكاتب من الخلف: كلها أكاذيب! ~~- وإذا كنت قد اضطربت وفقدت أعصابي وهرعت إلى منزل الجنرال فذلك ~~لأن لوسيو أخبر زوجي أن ثمة رجلا يعتزم اختطاف ابنة ~~الجنرال. ~~- كفاك أكاذيب. أفضل لك أن تفرغي كل ما في صدرك وتقولي لي أين ~~يختفي الجنرال؛ لأنني أعلم أنك تعرفين، وأنك الشخص الوحيد الذي ~~يعرف، وأنك سوف تقولين لنا هنا والآن، تقولين لنا. كفاك بكاء ~~وتكلمي، إنني مصغ إليك. # وأضاف في نبرة رقيقة، كأنما هو قس الاعتراف: «إذا أنت قلت لي ~~الآن أين الجنرال - انظري، اسمعيني: إنني أعلم أنك تعرفين وستقولين ~~لي - إذا أنت قلت لي أين يختبئ الجنرال سوف أفرج عنك، سوف أطلق ~~سراحك ويمكنك الذهاب إلى بيتك مباشرة في سلام. فكري في ذلك. فكري ~~في ذلك فحسب!» ~~- آه يا سيدي العزيز، لو كنت أعرف لأخبرتك. ولكني لا أعرف، لا ~~أعرف لسوء الحظ. أيتها العذراء المقدسة، ماذا أفعل؟ ~~- لماذا تنكرين؟ ألا ترين أنك تضرين نفسك بنفسك؟ # وفي الفترات التي قطعت بين كلام المدعي العام، كان الكاتب ~~يسلك أسنانه. ~~- حسنا، إذا كانت لا تجدي معك المعاملة الطيبة، «إذا كنت ماكرة ~~إلى هذا الحد» ونطق المدعي العام بهذه العبارة الأخيرة بسرعة ~~وبضيق متزايد ms100 كالبركان الذي يوشك على الانفجار «فسنجعلك تعترفين ~~بوسائل أخرى. إنك تدركين أنك قد اقترفت جريمة بالغة ضد أمن ~~الدولة، وإنك في يد العدالة لمسئوليتك عن فرار أحد الخونة ~~المتمردين الثائرين القتلة أعداء السيد الرئيس ... وفي هذا ~~الكفاية، الكفاية تماما، الكفاية تماما!» # ولم تعرف السيدة روداس ماذا تفعل. كانت عبارات هذا الرجل ~~الشيطاني تخفي وعيدا ملحا مريعا، قد يكون الموت ذاته. وارتعد ~~فكاها، وأصابعها، وساقاها ... وحين ترتعد اليدان تبدوان كما لو كانتا ~~بدون عظام وترتعدان كالقفاز الفارغ. وحين يرتعد الفكان ويعجز المرء ~~عن الكلام، يبدو كما لو كان يبرق بآلامه وأشجانه. وحين ترتعد ~~الساقان، يبدو المرء جالسا في عربة يجرها جوادان مارقان، كروح ~~ذاهبة إلى الشيطان. # وتضرعت قائلة: سيدي! ~~- إني لا أمزح! هيا ، أسرعي الآن. أين الجنرال؟ # وانفتح باب على مبعدة وانبعث منه صراخ طفل. صراخ دافئ، يائس ~~... # وحتى قبل أن يقول المدعي العام ذلك، كانت «نينيا فيدينا» قد ~~مدت عقلها تبحث في كل الأنحاء من أين ينبعث ذلك الصراخ. ~~- «إنه يبكي من حوالي ساعتين، وعبثا تحاولين البحث عنه ... إنه ~~يبكي من الجوع، وسوف يموت جوعا إذا لم تقولي لي عن مكان ~~الجنرال.» # واندفعت نحو الباب، غير أن ثلاثة رجال أوقفوها، ثلاثة متوحشين ~~تبدو عليهم الشراسة، لم يجدوا صعوبة في التغلب على مقاومتها ~~الأنثوية. وتهدل شعرها أثناء نضالها الذي لم يكن ثمة طائل من ~~ورائه، وخرجت بلوزتها من تحت تنورتها وتهدل قميصها الداخلي. ولكن ~~ماذا يهمها من سقوط ملابسها. وعادت تزحف على ركبتيها شبه عارية ~~تتضرع إلى المدعي العام أن يتركها ترضع وليدها. # تضرعت قائلة وهي تقبل حذاء المدعي: «بحق عذراء الكرمة يا سيدي، ~~أجل، عذراء الكرمة، دعني أرضع وليدي، إنك ترى أنه لم يعد يقوى على ~~الصراخ، إنك ترى أنه يموت. يمكنك بعد ذلك أن تقتلني إن ~~شئت.» ~~- لن تنفعك أي عذراء كرمة هنا! إذا أنت لم تقولي لي أين يختبئ ~~الجنرال، ستبقين هكذا، وابنك، إلى أن يموت من الصراخ. # وركعت كالمجنونة أمام الرجال الذين يحرسون الباب. ثم تعاركت معهم ms101 ~~ثم عادت تركع أمام المدعي العام، وتحاول تقبيل حذائه. ~~- سيدي، من أجل ابني! ~~- حسنا، من أجل ابنك: أين الجنرال؟ لا فائدة من أن تركعي وتمثلي ~~علي هكذا، لأنك إن لم تجيبي عن سؤالي لن يكون هناك أي أمل لك ~~أبدا في أن ترضعي طفلك. # وبعد أن قال المدعي العام ذلك، وقف على قدميه بعد أن تعب من ~~الجلوس. وكان الكاتب لا يزال يسلك أسنانه، حاملا القلم في حالة ~~تأهب لكتابة الاعتراف الذي لن يخرج من بين شفتي الأم ~~التعسة. ~~- أين الجنرال؟ # واستمر الطفل يبكي، شاكيا باكيا، كما تبكي المياه في الميازيب ~~في ليالي الشتاء. ~~- أين الجنرال؟ # بقيت «نينيا فيدينا» صامتة كالحيوان الجريح، تعض شفتيها ولا ~~تدري ماذا تفعل. ~~- أين الجنرال؟ # ومرت خمس ، عشر، خمس عشرة دقيقة على هذا الحال. # وأخيرا، مسح المدعي العام فمه بمنديل أسود الحافات وأضاف وعيدا ~~جديدا إلى قائمة أسئلته: حسنا، إذا لم تردي سنجعلك تأكلين بعض ~~الجير الحي ونرى ما إذا كان ذلك سيذكرك أين ذهب الجنرال. ~~- سأفعل كل ما تريد، ولكن دعني أولا دعني أرضع طفلي الصغير. لا ~~تكن ظالما هكذا يا سيدي، إن الرضيع الصغير لم يرتكب ذنبا. ~~بإمكانك أن تعاقبني أنا كما تشاء. # وجذبها أحد الرجال الذين يحرسون الباب إلى الأرض بخشونة، ووجه ~~إليها آخر «ركلة» طرحتها أرضا. ومحت الدموع والسخط الذي شعرت به ~~مناظر الجدران والأشياء من ناظريها. ولم تعد تشعر بشيء خلاف صراخ ~~طفلها. # وكانت الساعة الواحدة صباحا حينما بدأت تبتلع الجير حتى لا ~~يستمروا في ضربها. وكان طفلها يبكي ... # وكان المدعي العام يردد بين آونة وأخرى: أين الجنرال؟ أين ~~الجنرال؟ # الواحدة صباحا ... # الثانية ... # وأخيرا، الثالثة ... ورضيعها يبكي ... # الثالثة، حين كان يجب أن تكون الخامسة على الأقل ... ومتى تأتي ~~الرابعة؟ ورضيعها يبكي ... ~~- أين الجنرال؟ أين الجنرال؟ # وتأوهت «نينيا فيدينا» من الألم وهي ترفع الحجر وتدحرجه على ~~الجير الحي كيما تذروه مسحوقا، ويداها مغطاتان بالشقوق العميقة، ~~تنفتح أكثر مع كل حركة تقوم بها، وأطراف أصابعها متسلخة، كلها ~~قروح، دامية الأظافر. وحين كانت ms102 تتوقف ضارعة بالرحمة لطفلها وليس ~~لآلامها هي، كانوا يضربونها. # أين الجنرال، أين الجنرال؟ # لم تكن مصغية لصوت المدعي العام؛ فقد كان نواح طفلها، الذي يخفت ~~مع مر اللحظات، يملأ كل أسماعها. # وفي الخامسة إلا ثلثا تركوها ممددة على الأرض وقد أغمي عليها، ~~كان ثمة لعاب مخاطي يسيل من شفتيها، بينما لبن أشد بياضا من ~~الجير نفسه يسيل من ثدييها اللذين كانا يسلطان بسياط شبه خفية. ~~ومن آن لآخر كانت ثمة دمعات مسترقة تطفر من عينيها ~~المنتفختين. # وبعد ذلك، حين كان يطل أول خيط من الفجر، أعادوها إلى زنزانتها. ~~وهناك، استيقظت فوجدت طفلها بين يديها، يحتضر، باردا، دونما ~~حياة، كأنه دمية من قش. وانتعش الرضيع شيئا ما حين أحس بنفسه في ~~حجر أمه ، ولم يضع وقتا للهجوم على ثدي أمه في نهم، بيد أنه حين ~~وضع فمه عليه وأحس بطعم الجير الحريف، ترك ثديها وأخذ في الصراخ، ~~ولم يفلح كل ما فعلته بعد ذلك في إغرائه بالعودة إلى ~~الثدي. # وصرخت وأخذت تقرع الباب والطفل بين ذراعيها، كان جسده آخذا في ~~البرودة، لا يمكن أن يتركوا طفلا بريئا يموت هكذا. وبدأت ثانية ~~تقرع الباب وتصرخ. ~~- «آه، إن ابني يموت! آه، إن ابني يموت! آه، حياتي، صغيري، ~~حياتي! تعالوا بحق الله! افتحوا بحق الله، افتحوا الباب! إن ابني ~~يموت! يا للعذراء المقدسة، يا للقديس أنطونيو المبارك، يا يسوع ~~القديسة كاترين!» # وفي الخارج، كانت الاحتفالات تمضي قدما. كان اليوم الثاني ~~كاليوم الأول، بشاشة السينما كالمشنقة، والناس يتجولون حول ~~الحديقة كالعبيد حول عجلة رفع المياه. # الفصل السابع عشر # | أحابيل الغرام # - هل سيأتي أم ~~لا؟ ~~- سوف يظهر في أي لحظة، سوف ترين. ~~- إنه قد تأخر، ولكن لو أتى آخر الأمر، فلا يهم تأخيره، أليس ~~كذلك؟ ~~- إنه سوف يأتي بالتأكيد، إن ذلك مضمون ضمان أن الآن ليل. ~~ولسوف أقطع أذني إن لم يحضر. لا تعذبي نفسك هكذا ... ~~- وهل تعتقدين أنه سيحضر لي أخبارا عن والدي؟ لو وعدني ~~بذلك. ~~- بالطبع، وهذا يزيدك تأكيدا ... ~~- أوه، إنني أدعو الله ألا ms103 تكون أخبارا سيئة! إنني لا أدري ما ~~أنا فاعلة، أحس أنني سأجن ... أريد أن يأتي سريعا حتى أخرج من ~~هذه الشكوك، وأرجو في نفس الوقت ألا يأتي إذا كان سيحضر لي ~~أخبارا سيئة. # كانت «لامسكواتا»، صاحبة الحانة، تصغي من المطبخ الصغير الذي ~~ابتدعته في ركن من الغرفة، إلى عبارات كميلة التي كانت ترقد على ~~الفراش وتتكلم بصوت مرتعش. وكانت هناك شمعة موقدة مثبتة على ~~الأرض أمام صورة العذراء. ~~- بما أنك تمرين بهذه المرحلة الدقيقة فلا بد أن يأتي، وبأخبار ~~لا بد أن تملأك سرورا، وسترين. ستقولين ومن أين لي أن أعلم؟ لأن ~~هذا هو اختصاصي، ولا يوجد شيء يتعلق بالقلب والحب لا أعرفه. صحيح ~~أن المرء يجب أن لا يحكم بالمظاهر، ولكن الرجال كلهم سواء ... كالنحل ~~حول الرحيق ... # وقطع صوت المنفاخ كلمات صاحبة الحانة. وراقبتها كميلة شاردة ~~البال وهي تنفخ في النار بالمنفاخ. ~~- إن الحب كالمشروب المثلج يا عزيزتي، إذا شربته ساعة تحضيره ~~شعرت به حلو المذاق وخير الشراب، يأتي من كل ناحية، ولا بد من ~~شربه بسرعة وإلا تساقطت قطراته على كل جانب. ولكن، بعد ذلك، لا ~~يبقى منه سوى قطعة ثلج لا لون لها ولا طعم. # وسمع صوت خطوات في الطريق. ودق قلب كميلة بعنف لدرجة اضطرت ~~معها أن تضغط بيديها الاثنتين على صدرها. وعبر صوت الخطوات الباب ~~وابتعد بسرعة. ~~- ظننت أنه هو ... ~~- لن يتغيب أكثر من ذلك ... ~~- لا بد أنه تأخر لأنه ذهب إلى منزل عمي قبل حضوره. ومن المحتمل ~~أن يحضر معه عمي «خوان». ~~- بس! القطة! القطة تشرب كوب لبنك، اطرديها! # والتفتت كميلة نحو القطة، كانت قد خافت من صيحة صاحبة الحانة، ~~وكانت تلعق شواربها المغمسة باللبن إلى جوار الكوب الذي نسيته ~~كميلة فوق المقعد. ~~- ما اسم القطة؟ ~~- بنجي. ~~- كان لدي قطة اسمها قطر الندى، كانت أنثى. # وسمع وقع أقدام مرة أخرى. ربما ... # أجل، كان ذا الوجه الملائكي. # وبينما كانت «لامسكواتا» ترفع القضيب الحديدي الذي يغلق الباب، ~~حاولت كميلة أن تسوي شعرها إلى الخلف قليلا بيديها. ms104 كان قلبها ~~يدق بعنف في صدرها، فعند نهاية هذا اليوم الأبدي، الذي بدا لها ~~أحيانا بلا نهاية، كانت تشعر بالخدر، والضعف، والخور، والإنهاك، ~~كالشخص المريض الذي يسمع همهمات من حوله استعدادا لإجراء عملية ~~جراحية له. # قال ذو الوجه الملائكي من عند الباب وهو يزيح جانبا التعبير ~~المتعب الذي كان على وجهه: أخبار طيبة يا آنستي، كل شيء على ما ~~يرام! # كانت تنتظره إلى جوار الفراش، وهي تقف وإحدى يديها على رأس ~~السرير، وعيناها مليئتان بالدموع وعليها تعبير بارد. وتناول ~~المحبوب يدها. ~~- أولا، أخبار والدك، هذا أهم شيء بالنسبة إليك. # وبعد أن قال ذلك، نظر إلى «لامسكواتا»، ثم غير رأيه دون أن ~~يغير نبرة صوته: «ولكن والدك لا يعلم أنك مختبئة هنا ...» ~~- وأين هو؟ ~~- لا بد أن تلزمي الهدوء! ~~- حسبي أن أطمئن أنه لم يحدث له شيء لأحتمل أي شيء. # فقاطعت صاحبة الحانة حديثهما بقولها لذي الوجه الملائكي وهي تشير ~~إلى مقعد: اجلس. ~~- شكرا. ~~- وبما أن لديك الكثير مما تقوله للآنسة، فربما تسمح لي بالخروج ~~بعض الوقت إذا لم تكن تريد شيئا. أريد أن أذهب لأرى ماذا حدث ~~للوسيو. لقد خرج هذا الصباح ولم يعد من ساعتها. # وكان المحبوب على وشك أن يطلب من المرأة ألا تتركه وحده مع ~~كميلة، ولكنها كانت قد حرجت بالفعل إلى الفناء الصغير المظلم لتغير ~~رداءها، وكانت كميلة تقول: «سيكافئك الله على ما فعلته لأجلي يا ~~سيدتي. يا للمسكينة، إنها طيبة جدا. وكل ما تقوله مسل. إنها ~~تقول إنك طيب جدا، وغني جدا، وساحر، وإنها تعرفك منذ وقت ~~طويل.» ~~- أجل إنها طيبة. ومع ذلك فلم يكن بإمكاننا التحدث صراحة أمامها، ~~ومن الأفضل أنها قد خرجت. الشيء الوحيد المعروف عن والدك هو أنه في ~~طريق الفرار، وإلى أن يعبر الحدود، لن نستطيع الحصول على أخبار ~~مؤكدة عنه. ولكن أخبريني، هل قلت أي شيء عن والدك لهذه ~~المرأة؟ ~~- كلا، لأنني اعتقدت أنها تعرف كل شيء. ~~- حسنا، من الأفضل ألا تقولي كلمة واحدة لها. ~~- وماذا قال عمي وعمتي؟ ~~- لم ms105 أتمكن بعد من الذهاب لمقابلتهما لأنني كنت مشغولا باستقصاء ~~الأنباء عن والدك، ولكني أرسلت لهما بأنني سأزورهما غدا. ~~- إني آسفة لكل هذه ~~المضايقات، ولكني على ثقة بأنك ستفهم أنني سأكون أسعد حالا معهما، ~~خاصة مع عمي «خوان» إنه إشبيني في العماد وكان دائما أبا ثانيا ~~بالنسبة لي. ~~- هل كنتم تتزاورون كثيرا؟ ~~- كل يوم تقريبا. تقريبا - أجل، أجل؛ لأنه إذا لم نذهب نحن إلى ~~بيته، كان هو يأتي لزيارتنا، إما مع زوجته، وإما وحده. وهو الأخ ~~الذي كان والدي يحبه أكثر من غيره من إخوته. وكان دائما يقول لي: ~~«حين أذهب سوف أتركك مع «خوان»، يجب أن تذهبي إلى بيته وتطيعيه ~~كما لو كان والدك.» وقد تعشينا معا يوم الأحد الماضي. ~~- على كل حال، يجب أن تدركي أنني قد خبأتك هنا حتى أتحاشى أن ~~يضايقك رجال الشرطة، ولأن هذا المكان كان قريبا من بيتكم. # وخفقت الشعلة المرهقة للشمعة التي لم ينظفها أحد، كنظرة شخص ~~يشكو من قصر النظر. وشعر ذو الوجه الملائكي بنفسه ضعيفا وضئيلا ~~في ضوئها. وبدت كميلة أكثر شحوبا، أكثر وحدة، وأشد جاذبية أكثر من ~~أي وقت مضى في ردائها الصغير الأصفر الليموني ... ~~- فيم تفكرين؟ # ورن صوته ودودا مطمئنا. ~~- في الآلام التي لا بد وأن والدي يكابدها، هاربا عبر أماكن ~~مظلمة مجهولة - إنني لا أعبر جيدا عن أفكاري - جائعا متعبا، ~~عطشا، وحيدا لدى أحد يعاونه. فلتواكب العذراء المقدسة خطاه! ~~لقد أبقيت شمعتها مضيئة طوال اليوم. ~~- لا تفكري في هذه الأشياء، لا تتوقعي الشر قبل حدوثه. إن ما ~~هو مكتوب سيحدث. إنك لم تتوقعي أن تعرفيني، ولا أنا أن أكون بذي ~~نفع لوالدك. # وتناول إحدى يديها في يده وسمحت له بأن يربت عليها بينما هما ~~واقفان معا يحدقان إلى صورة العذراء. # وكانت تجول في ذهن المحبوب هذه الأبيات من الشعر: # بوسعك أن تمري بسهولة، # من ثقب مفتاح باب السماوات، # لأن صانع المفاتيح، # حينما جئت إلى الوجود، # جبل صورتك من الثلج، # وطبعها على الشهاب البارق. # كانت تلك الفقرة الغنائية تمر عبر ms106 ذهنه في تلك ~~اللحظة، كأنما هي تجسد الإيقاع الذي يربط الآن بين ~~قلبيهما. ~~- لقد قلت لي إن والدي سيذهب بعيدا، فمتى سنعرف المزيد من ~~الأخبار عنه؟ ~~- في الحقيقة ليست لدى أي فكرة، ولكن لا بد أن نعرف شيئا بعد ~~أيام. ~~- بعد أيام كثيرة؟ ~~- كلا. ~~- ربما كان لدى عمي «خوان» أخبار عنه؟ ~~- محتمل جدا. ~~- إنك تبدو محرجا حين أتكلم عن عمي وعمتي. ~~- ماذا تعنين بذلك بحق السماء؟ كلا، على الإطلاق. على العكس ~~تماما. إنني مدرك لولاهما لكانت مسئوليتي أعظم بكثير. إلى أين ~~آخذك إن لم يكن إليهما؟ # كانت نبرة صوت ذي الوجه الملائكي تتغير حين يترك لخياله العنان ~~في الحديث عن هرب الجنرال وعن العم والعمة، الجنرال الذي يخشى أن ~~يعود مكبلا بالأغلال مخفورا، أو باردا كالمرمر على محفة ملطخة ~~بالدماء. # وفتح الباب فجأة. كانت «لامسكواتا»، في حالة من الاضطراب الشديد. ~~ورنت قضبان الباب على الأرض. وهبت دفقة هواء كادت أن تطفئ ~~الشمعة. ~~- اعذراني لمقاطعتكما ودخولي فجأة هكذا. لقد قبضوا على «لوسيو» ~~سمعت لتوي الأنباء من صديقة حين وصلتني هذه الورقة الصغيرة. إنه ~~في السجن. إن ذلك من فعل «خينارو روداس». يا له من رجل! لقد كنت ~~أشعر بالقلق طوال المساء. كل دقيقة كان قلبي يدق: بوم بوم بوم ~~بوم بوم. لقد ذهب ذلك الشخص وقال لهم إنك أنت ولوسيو خطفتما السيدة ~~الصغيرة من منزلها. # ولم يستطع المحبوب أن يفعل أي شيء لتدارك الكارثة. لم يحتج ~~الأمر إلا إلى كلمات قليلة حتى يقع الانفجار. لقد أطيح به وبكميلة ~~وبقصة حبهما ذات الحظ العاثر في ثانية واحدة، بل في أقل من الثانية ~~بسبب حديث صاحبة الحانة الصريح عن اختطافهم لكميلة. وحين بدأ ذو ~~الوجه الملائكي يحيط إدراكا بالموقف، كانت كميلة ترقد وهي تدفن ~~وجهها في الفراش تبكي بلا توقف، وكانت صاحبة الحانة لا تزال تصف ~~عملية الاختطاف بالتفصيل، دون أن تدرك أي إدراك بأنها تقذف بعالم ~~صغير كامل إلى هوة سحيقة، أما هو؛ فقد شعر كأنما يدفنونه حيا ~~مفتوح العينين. # وبعد أن ms107 بكت كميلة وقتا، نهضت كمن يمشي في نومه وطلبت من صاحبة ~~الحانة غطاء تخرج به. # وقالت وهي تلتفت إلى ذي الوجه الملائكي بعد أن ناولتها المرأة ~~شالا: وإذا كنت سيدا مهذبا حقا، خذني من فضلك إلى منزل عمي ~~«خوان». # ورغب المحبوب أن يقول ما لا يمكن قوله، عبارات لا يمكن أن تعبر ~~عنها الشفاه، ولكنها تتراقص في عيون أولئك الذين أحبط القدر أعز ~~آمالهم. # وتساءل بصوت أجش وبفعل ابتلاعه لعاب القلق: أين قبعتي؟ # وعاد وقبعته في يده إلى داخل الغرفة ليرى مرة أخرى قبل الرحيل ~~المكان الذي غرقت فيه آماله لتوه. # واعترض قائلا وهو على وشك الخروج: «ولكني أخشى أن يكون الوقت قد ~~فات ...» ~~- هذا يمكن أن يكون صحيحا لو أننا كنا ذاهبين إلى منزل أحد ~~الغرباء، ولكنا ذاهبون إلى منزلي؛ ذلك أن منزل أي واحد من أعمامي ~~هو منزلي. # وأوقفها ذو الوجه الملائكي من ذراعها برفق، وقال لها الحقيقة ~~المؤلمة كأنما تخرج روحه من صدره: يجب عليك ألا تفكري في منزل ~~عمك «خوان» بعد الآن، إنه لا يريد أن يسمع أي شيء عنك، أو عن ~~الجنرال، فهو متبرئ منه كأخ. لقد قال لي ذلك اليوم. ~~- ولكنك قلت الآن لتوك إنك لم ترهما، وإنك قد حددت موعدا ~~للذهاب إليهما فحسب! ماذا أصدق؟ هل نسيت ما قلت لي منذ لحظة وها ~~أنت تقول أشياء مريعة عن عمي؛ وذلك حتى تبقيني أسيرة هنا في هذا ~~الخان وتمنع فراري! هل تقول إن عمي وعمتي لا يريدان أن يسمعا أي ~~شيء عنا، وأنهما لا يريدان استقبالي في منزلهما؟ حسنا، لا بد أنك ~~قد جننت. تعال معي هناك وسأثبت لك العكس! ~~- إنني لم أجن. لا بد أن تصدقيني. إنني أضحي بحياتي حتى أحول ~~دونك والتعرض للهوان، وإذا كنت قد كذبت عليك أولا فذلك لأنني - ~~لا أعرف، أظن أنني كذبت رحمة بك، حتى أوفر عليك الآلام التي ~~تشعرين بها الآن لأطول مدة ممكنة. وكنت أنوي الذهاب غدا مرة أخرى ~~لأجدد محاولاتي، عارضا أسبابا أخرى، وأسترحمهما ألا ms108 يتركاك في ~~الطريق، ولكن ذلك مستحيل الآن وأنت ستخرجين. إن هذا مستحيل ~~الآن. # وكانت الطرقات المضاءة بالنور الساطع تبدو أكثر عزلة من أي وقت ~~مضى. وتبعتهما صاحبة الحانة إلى الخارج وهي تحمل الشمعة التي كانت ~~مضاءة أمام صورة العذراء، لتضيء لهما أول الطريق. وهبت الريح ~~فأطفأتها، وبدت الشعلة الصغيرة وكأنها ترسم علامة الصليب قبل أن ~~تموت. # الفصل الثامن عشر # | طرقات على الباب # تام - ترام - رام! تام - ترام - رام! # سرى صوت الطرق على الباب إلى المنزل كانفجار المفرقعات، فأيقظ ~~الكلب الذي بدأ على الفور في النباح باتجاه الطريق. كانت الضوضاء ~~قد أحرقت منامه. واستدارت كميلة لتنظر إلى ذي الوجه الملائكي - ~~كانت تشعر هنا على عتبة منزل عمها «خوان» بالأمان - وقالت له في ~~زهو : «إنه ينبح لأنه لم يتعرف علي!» وصاحت بالكلاب: «روبي، ~~روبي!» ولكنه استمر في نباحه «روبي، روبي! إنه أنا، ألا تعرفني ~~يا روبي؟ اذهب وأحضرهم ليفتحوا لي الباب.» ثم قالت وهي تلتفت مرة ~~أخرى إلى ذي الوجه الملائكي: علينا فحسب أن ننتظر لحظة. ~~- أجل، أجل. لا تقلقي لذلك، سوف ننتظر. # كان يتحدث بكلمات متقطعة، كشخص فقد كل شيء وأصبح لا يبالي بأي ~~شيء. ~~- ربما لم يسمعوا، يجب أن نطرق الباب بصوت أعلى. # ورفعت مطرقة الباب إلى آخر مداها ثم تركتها تسقط عدة مرات. كانت ~~مطرقة من النحاس على شكل راحة اليد. ~~- لا بد أن الخدم نائمون، ورغم ذلك فقد كان لديهم متسع من ~~الوقت لفتح الباب! كان والدي ينام بصعوبة، وهو على حق عندما كان ~~يقول، بعد ليلة سيئة، آه لو كان بإمكاني فحسب أن أنام كما ينام ~~الخدم! # كان نباح الكلب هو العلامة الوحيدة على الحياة في المنزل. كان ~~نباحه يأتي أحيانا من الردهة، وأحيانا من الفناء. كان يهرع دون ~~كلل هنا وهناك بينما ضربات المطرقة تنهال كالصخور على السكون ~~المطبق الذي أخذ بخناق كميلة. # قالت دون أن تترك الباب: هذا غريب! لا شك أنهم نائمون، سوف أضرب ~~بقوة أشد لأرى ما إذا كان ذلك يوقظهم. # تام - ترام ms109 - رام! تام - ترام - رام! ~~- الآن سيحضرون. إنهم لم يسمعوا قبل ذلك بالتأكيد. # قال ذو الوجه الملائكي: يبدو أن الجيران هم الذين سيحضرون ~~أولا! # ذلك أنهما رغم عدم تمكنهما من الرؤية وسط غبشة الظلام، قد سمعا ~~صوت أبواب تفتح. ~~- أرجو ألا يكون قد حدث شيء. ~~- أوه كلا، اطرقي، اطرقي، لا تقلقي. ~~- فلننتظر برهة لنرى إذا ما كانوا قادمين الآن. # وأخذت كميلة تعد في ذهنها لتقتل الوقت: واحد، اثنان، ثلاثة، ~~أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة، إحدى عشر، اثنا عشر، ~~ثلاثة عشر، أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، سبعة عشر، ثمانية عشر، ~~تسعة عشر، عشرون، واحد وعشرون، اثنان وعشرون، ثلاثة وعشرون، أربعة ~~وعشرون، خمسة وعشرون ... ~~- إنهم لن يأتوا! ~~- ... ستة وعشرون، سبعة وعشرون، ثمانية وعشرون، تسعة وعشرون، ~~ثلاثون، واحد وثلاثون، اثنان وثلاثون، ثلاثة وثلاثون، أربعة ~~وثلاثون، خمسة وثلاثون ... كانت تشعر بالرعب من أن تصل إلى خمسين دون ~~مجيب «... ستة وثلاثون، سبعة وثلاثون ... سبعة وثلاثون ... ثمانية ~~وثلاثون.» # وفجأة، ودون أن تشعر بالسبب، أدركت أن ما قاله ذو الوجه الملائكي ~~عن عمها «خوان» صحيح، وغلب عليها الحزن والرعب؛ فانطلقت تطرق الباب ~~مرة وأخرى: تام - ترام - رام! إن هذا مستحيل. تام - ترام - رام! ~~تامترا مرا متامترامرام - تامترامرام. # وكان الرد كسابقه: نباح الكلب المتواصل. أي ذنب جنته ولا تعرفه ~~حتى لا يفتحوا لها الباب؟ وطرقت مرة أخرى. ووضعت أملا جديدا مع ~~كل طرقة للمطرقة. ماذا سيكون مصيرها لو أنهم تركوها في الشارع؟ إن ~~مجرد هذه الفكرة تجعل قواها تخور. وطرقت وطرقت. طرقت بعنف، كما ~~لو كانت تطرق فوق رأس أعدى أعدائها. كانت تشعر بساقيها ثقيلتين، ~~وطعم المرارة في فمها، وجفاف في لسانها، بينما اصطكت أسنانها من ~~الخوف. # وسمع صرير نافذة تفتح فظنت أنها سمعت أصواتا. وعادت الحياة إلى ~~جسمها كله. إنهم قادمون أخيرا، حمدالله. إنها ستكون سعيدة أن تترك ~~هذا الرجل الذي تتوهج عيناه بنيران شيطانية كعيني القط - هذا ~~الشخص الذي تشعر بالنفور منه رغم جماله الملائكي. وخلال هذه البرهة ~~القصيرة، احتك عالم المنزل بعالم الطريق، ms110 الذي يفصل بينهما باب ~~البيت، كأنهما نجمان يحترقان. # إن وجود بيت يسمح للمرء بتناول طعامه في خلوة، والطعام الذي يؤكل ~~في خلوة لذيذ الطعم، ويعلم الإنسان الحكمة، بيت يتمتع بأمان ~~لاستمرار القبول الاجتماعي. إنه مثل صورة العائلة، وفيها يرتدي ~~الأب أفضل أربطة عنقه، وتعرض الأم أغلى جواهرها، شعر الأطفال ~~ممشط جيدا بماء الكولونيا الحقيقي. أما الطريق فمن الناحية ~~الأخرى، فهو عالم غير مستقر، خطر، مليء بالمغامرات، زائف كالمرآة، ~~وهو المغسلة العامة لجميع ملابس الحي القذرة. # كم من مرات عديدة لعبت على هذه العتبة وهي طفلة! كم من مرة ~~أيضا، بينما كان والدها وعمها «خوان» يتحادثان في شئونهما قبل ~~الانصراف، تلهت هي بالنظر من مكانها إلى أفاريز أسطح البيوت ~~المجاورة، مستعرضة على السماء الزرقاء كأنها أعمدة فقرية مغطاة ~~بالقشور. ~~- ألم تسمعهم وقد ظهروا من تلك النافذة؟ أليس ذلك صحيحا؟ وأنهم ~~لا يفتحون الباب ... أو أننا قد أخطأنا المنزل ... سيكون هذا ~~غريبا! # وتركت المطرقة ونزلت من على الإفريز لترى واجهة المنزل. كلا، لم ~~يخطئا المنزل. إنه منزل عمها «خوان». كانت ثمة لوحة نحاسية على ~~الباب مكتوب عليها: «خوان كاناليس، مهندس معماري». وتغضن وجهها ~~كالطفلة الصغيرة ثم انفجرت باكية. وجرت دموعها على خديها كالجياد ~~العاديات، وفجرت معها من بين ثنايا الذهن الداخلية تلك الفكرة ~~السوداء بأن ذا الوجه الملائكي قد صدق القول حين خرجا من حانة ~~«الخطوتان». ولم تكن راغبة في تصديق ذلك حتى ولو كان ~~صحيحا. # وكانت الشوارع مغلفة بالضباب، ضباب يعبق بالخضرة الناضرة ويزخرف ~~المنازل بلون أخضر شاحب. ~~- تعال معي من فضلك لرؤية أعمامي الآخرين. سنذهب أولا لعمي ~~«لويس»، إذا سمحت. ~~- كل ما تأمرين به، إذن هيا بنا ... إنهم لا يريدونني هنا. # وكانت الدموع تهطل من عينيها كالمطر. # وانطلقا. ومع كل خطوة كانت تلتفت وراءها - فلم يكن بمستطاعها أن ~~تقطع الأمل في أن يفتحوا لها الباب في آخر لحظة. وسار ذو الوجه ~~الملائكي في صمت كئيب. إنه سيذهب لمقابلة السيد «خوان كاناليس» مرة ~~أخرى، فمن غير الممكن التغاضي عن مثل هذا ms111 السلوك. كان نباح الكلب ~~لا يزال يسمع، وينحسر عن الآذان مع كل خطوة. وسرعان ما غاب هذا ~~العزاء الأخير، ذلك أن الكلب هو الآخر لم يعد يسمع له صوت. ~~وأمام دار سك النقود، صادفا ساعي بريد مخمورا، يلقي بالخطابات ~~في الطريق وهو يسير كالماشي في نومه. كان لا يكاد يقوى على الوقوف. ~~وكان بين آونة وأخر يرفع ذراعيه في الهواء وينفجر في القوقأة ~~كالدجاجة؛ إذ يناضل كيما يخلص أزرار سترته الرسمية من سيل اللعاب ~~الذي كان يطفو من فمه. وأخذت كميلة وذو الوجه الملائكي، مدفوعين ~~بنفس الفكرة، في التقاط الخطابات ودسها في حقيبة الرجل المخمور، ~~محذرينه من عدم إلقائها مرة أخرى. # وتمتم الرجل في عناية وهو يستند إلى جدار دار السك: شك ... را ~~لكما، شك ... را جز ... يلا! # وحين عادت جميع الخطابات إلى حقيبته، وابتعدت كميلة وذو الوجه ~~الملائكي عنه، سار مرة أخرى، يغني: # للصعود إلى السماء، # يحتاج الأمر، # سلما طويلا، # وآخر قصيرا! # ثم بدأ ينشد أغنية أخرى، بين الغناء ~~والكلام: # اصعدي اصعدي، # إلى السماء أيتها العذراء، # اصعدي اصعدي، # ستصعدين إلى مملكتك! ~~- «حين يعطي القديس «خوان» الإشارة، لن أكون أنا، ~~غو ... غو ... غورسيندو سولاريس! ساعي بريد بعد ذلك، لن أكون ساعي بريد ~~بعد ذلك، لن أكون ساعي بريد بعد ذلك!» ثم ينشد: # حين أموت من يواريني الثرى، # غير الأخوات، # راهبات الدير! ~~- «أوه، اللعنة، إنك لا نفع فيك، لا نفع فيك، لا ~~نفع فيك!» # وابتعد مترنحا وسط الضباب. كان رجلا ضئيل الحجم، ذا رأس ~~كبير. # وكانت سترته الرسمية كبيرة عليه، بينما غطاء رأسه صغير ~~عليها. ~~••• # وفي تلك الأثناء، كان ~~السيد «خوان كاناليس» يبذل قصارى جهده للاتصال بأخيه «خوسيه ~~أنطونيو». كان سنترال الهاتف لا يرد، وبدأ يشعر بالدوار من جلبة ~~السماعة. وأخيرا أجاب عليه صوت كأنه آت من وراء القبر. وطلب أن ~~يتحدث إلى منزل السيد «خوسيه أنطونيو كاناليس»، وبعكس توقعاته، ~~سمع على الفور صوت أخيه الأكبر آتيا عبر الخط الهاتفي. ~~- أجل، أجل. أنا خوان ... حسبت أنك لم تعرف صوتي ... حسنا، اسمع ms112 ... ~~البنت وذلك الشخص، أجل، طبعا طبعا، بالتأكيد ... أجل، أجل ... ماذا ~~تقول؟ كلا! لم نسمح لهما بالدخول. تصور! ولا شك أنهما ذهبا مباشرة ~~من هنا إلى منزلك ... ماذا؟ ما هذا؟ كما توقعت تماما. إننا كنا ~~نرتجف رعبا إلى أن رحلا. نفس الشيء معك؟ إن صحة زوجتك لا تحتمل ~~أي إزعاج، وقد أرادت زوجتي أن تفتح الباب، ولكني لم أدعها تفعل ~~ذلك. طبعا طبعا! هذا واضح. أجل، وأيقظا الحي كله! أجل، فعلا. ~~وكان الأمر أسوأ هنا. لا بد أنهما كانا غاضبين. وأظن أنهما ذهبا ~~بعدك إلى «لويس» كلا؟ أوه، حسنا، سوف يذهبان ... # وفاجأهما الفجر، منبجسا في البداية في شحوب طفيف، متوهجا بسرعة ~~بعد ذلك إلى لون ليموني داكن، ثم برتقالي، ثم إلى احمرار النار ~~المضرمة لتوها ممزوجة باصفرار الشعلات الأولى الجهماء، بعد أن ~~كانا عائدين من الدق بلا فائدة على باب منزل السيد «خوسيه ~~أنطونيو». # وكانت كميلة تردد عند كل خطوة: «سوف أتصرف على نحو ما!» # كانت أسنانها تصطك من البرد. وتطلعت عيناها الكبيرتان ~~الدامعتان إلى الفجر في مرارة لا واعية. كانت تسير على غير هدى ~~كشخص يتتبعه القدر، لا تشعر بما تفعل. # وكانت الأطيار ترحب بالفجر في الحدائق العامة وفي حدائق الأفنية ~~الصغيرة وتصاعد «كونشرتو» سماوي من الأنغام الموسيقية في سماء ~~الصباح الزرقاء بينما تفتحت الورود، وترددت الأجراس الصادحة تقول ~~للرب صباح الخير، مع الضربات الخفيفة لسواطير الجزارين وهم يقطعون ~~اللحم في حوانيتهم، وامتزجت ألحان الديكة وهي تحسب الوقت برفرفة ~~أجنحتها، مع أصوات أرغفة الخبز وهي تسقط بخفة في السلال في ~~المخابز، وأصوات ساهري الليل ووقع أقدامهم مع ضوضاء باب تفتحه عجوز ~~ضئيلة الحجم متوجهة لحضور القداس، أو خادمة تهرع لشراء الخبز ~~لسيدها الذي يجب أن يلحق بالقطار في الصباح الباكر. # كان الفجر يطلع. # وكانت النسور تتشاجر فيما بينها على الأشجار، وتتنازع بمناقيرها ~~على جيفة قطة. وكانت الكلاب تجري لاهثة وراء الكلبات، وقد توهجت ~~عيونها وتدلت ألسنتها. ومر كلب يعرج، ذيله بين قدميه الخلفيتين، ~~والتقت ليلقي نظرة حزينة خائفة وراءه، وقد ms113 أبان عن أسنانه. ~~وخلفت الكلاب وراءها شلالات من المياه على الجدران ~~والأبواب. # وكان الفجر يطلع. # وكانت جماعات الهنود الذين ~~يكنسون الطرقات الرئيسية خلال الليل عائدين إلى بيوتهم واحدا بعد ~~الآخر، كأنهم أشباح ترتدي الثياب الصوفية الخشنة، يضحكون ويتحادثون ~~بلغة بدت كأغنية زيز الحصاد # 1 # في صمت الصباح. وكانوا يحملون مقشاتهم تحت أذرعتهم ~~كأنها الشماسي. أسنان بيضاء كمسحوق اللوز في وجوه نحاسية. أقدام ~~عارية. أسمال. وأحيانا كان أحدهم يتوقف عند حافة الطوار ويتمخط ~~بأن ينحني إلى الأمام ويعصر أنفه ما بين الإبهام والسبابة وخلعوا ~~جميعا قبعاتهم عندما مروا على باب الكنيسة. # كان الفجر يطلع! # أشجار الصنوبر التي لا يصل إليها أحد، كأستار العنكبوت الخضراء ~~المنصوبة كيما تصطاد النجوم المذنبة. جمهرة متوجهة إلى القداس ~~المبكر . صفارة قاطرات قصية. ~~••• # وابتهجت «لامسكواتا» لرؤيتهما عائدين مرة أخرى. لم تكن قد ~~استطاعت أن تغمض جفنها طوال الليل من شدة القلق، وكانت على وشك ~~الخروج متوجهة إلى السجن تحمل الإفطار «للوسيو فاسكيز». # وودع ذو الوجه الملائكي «كميلة» التي كانت تبكي مصيبتها التي لا ~~يصدقها عقل. ~~- سوف أعود قريبا. # قال لها ذلك دون أن يعرف السبب، فلم يكن هناك من شيء يفعله بعد ~~ذلك. ~~- وعند خروجه، أحس لأول مرة منذ موت أمه بعينيه مليئتين ~~بالدموع. # الفصل التاسع عشر # | الحسابات والشيكولاتة # فرغ المدعي العسكري العام من التهام قدح الشيكولاتة بالأرز، ~~بعد أن أمال القدح مرتين كيما يفرغه حتى الثمالة، ثم مسح شاربه ~~الأشهب بردن قميصه، واقترب من المصباح ينظر في القدح على ضوئه ليرى ~~ما إذا كان قد فرغ حقا. لم يكن سهلا تبين ما إذا كان هذا ~~الحقوقي، بعد أن خلع عنه بنيقة قميصه المنشأة، رجلا أم امرأة؛ إذ ~~هو يجلس وسط أوراقه الرسمية وكتب القانون المتسخة، صامتا ~~قبيحا، قصير النظر، شرها، مثله مثل شجرة قوامها الأوراق الرسمية ~~المختومة - شجرة تستمد غذاءها من جميع الطبقات الاجتماعية انتهاء ~~بأدناها وأشدها فقرا. وحين انتزع عينيه من قدح الشيكولاتة، الذي ~~فحصه بإصبعه ليرى ما إذا كان قد ترك فيه شيئا، رأى ms114 الخادمة تدخل ~~من باب حجرة مكتبه الوحيد، وهي عجوز ذات مظهر طيفي تجر قدميها في ~~بطء الواحدة بعد الأخرى، كأنما حذاؤها أكبر من قدمها. ~~- «لا تقل لي إنك قد احتسيت قدح الشيكولاتة بالفعل؟» ~~- أجل، وليباركك الله عليه، كم كان لذيذا! إني أحب دائما أن ~~أحس بآخر قطرات فيه تنساب في حلقي. # فقالت الخادمة وهي تفتش وسط الكتب التي تلقي ظلالها على ~~المائدة: وأين وضعت القدح؟ ~~- هناك، ألا ترينه؟ ~~- على فكرة، أرجو أن تلقي نظرة على تلك الأدراج المليئة ~~بالأوراق الرسمية المختومة. غدا إن شئت سأذهب إلى السوق وأرى إذا ~~ما كان بإمكاني بيعها. ~~- حسنا، ولكن حاذري أن يعرف أحد ذلك. إن الناس أشرار. ~~- إني لست بلهاء. هناك ما لا يقل عن أربعمائة ورقة ، مضروبة في 25 ~~مليما، ومائتين أخريين في 50 مليما. لقد قمت بإحصائها هذا الأصيل ~~بينما كانت المكواة تسخن على النار. # وقطع كلامها دق شديد على الباب الخارجي. وهمهم المدعي العام: ~~يا لها من طريقة لدق الباب! هؤلاء الحمقى! ~~- أجل. إنهم يقرعون الباب دائما هكذا. من يكون هذه المرة؟ إنني ~~دائما أسمعهم حين أكون في المطبخ. # ونطقت هذه العبارة الأخيرة؛ إذ كانت تتجه بالفعل لترى من ~~بالباب. كانت هذه المخلوقة المسكينة تبدو كالمظلة برأسها الصغير ~~وتنورتها الطويلة الماحلة. # وصاح بها المدعي العام: إنني لست بالبيت. انتظري لحظة، من ~~الأفضل أن تنظري من النافذة ... # وبعد عدة لحظات عادت المرأة، وهي لا تزال تجر قدميها، وناولته ~~خطابا. ~~- إنهم بانتظار الرد. # وفتح المدعي العام المظروف في حدة، وتطلع إلى البطاقة الصغيرة ~~التي كانت بداخله، ثم قال في لهجة أرق: قولي إنني قد تلقيت ~~المذكرة. # وذهبت تجرجر قدميها لتقول ذلك للصبي الذي أحضر الخطاب، وبعد ذلك ~~أغلقت النافذة بإحكام. # ولم تعد إلا بعد وقت، فقد كانت تتأكد من إغلاق جميع الأبواب. ~~ولم تكن قد أزاحت بعد قدح الشيكولاتة. # وفي تلك الأثناء، كان سيدها يسترخي في المقعد الوثير، يعيد ~~بعناية قراءة البطاقة الصغيرة التي تلقاها لتوه، حتى آخر نقطة ~~فيها. كانت البطاقة مرسلة ms115 من أحد زملائه يقدم له فيها ~~عرضا. # كتب المحامي «فيدالتاس» في بطاقته: «إن كونسبسيون ذات السن ~~الذهبية، وهي صديقة للسيد الرئيس وصاحبة محل دعارة مشهور، قد ~~زارتني هذا الصباح في مكتبي لتخبرني أنها قد شاهدت سيدة فتية ~~جميلة في سجن «كاسانويفا»، وهي تعتقد أنها مناسبة للعمل في ~~محلها. وهي تعرض عشرة آلاف بيزو ثمنا لها. ولما كنت أعلم أن ~~السجينة محتجزة بناء على أوامر منكم، فإني أكتب إليكم أسألكم ما ~~إذا كان مناسبا لكم أن تقبلوا هذا المبلغ الصغير وتسلموا ~~المرأة إلى عميلتي: إذا لم تكن في حاجة إلى شيء آخر، فسآوي إلى ~~فراشي.» ~~- كلا، لا شيء، طبت مساء. ~~- طبت مساء. فلتسترح الأرواح في المطهر في سلام. # وفي حين ذهبت الخادمة تجر قدميها، كان المدعي العسكري العام ~~يحسب المبلغ الذي سيحصل عليه من العملية المقترحة، رقما رقما، ~~واحد، وإلى يمينه صفر، وصفر آخر، وصفر آخر، وصفر رابع، عشرة آلاف ~~بيزو! # وعادت الخادمة العجوز: نسيت أن أخبرك أن الأب قد أرسل يخطرك أن ~~القداس سيقام غدا مبكرا عن الموعد المعتاد. ~~- آه صحيح، غدا السبت! أوقظيني حالما تبدأ الأجراس في القرع. ~~ذلك أنني لم أنم في الليلة الماضية وربما لا أستيقظ في ~~الميعاد. ~~- حسنا جدا، سوف أوقظك. # وبعد أن قالت ذلك، خرجت ببطء وهي تجر قدميها. غير أنها سرعان ما ~~عادت. كانت قد بدأت في خلع ملابسها بالفعل حين تذكرت. قالت لنفسها: ~~لحسن الحظ أنني تذكرت. وجاهدت في لبس حذائها مرة أخرى. «آه لو كنت ~~قد نسيت ...» وانتهت إلى قولها «حمدا لله أنني قد تذكرت»، مصحوبة ~~بتنهيدة عميقة. وكان كل ذلك الذي جعلها تنهض مرة أخرى من فراشها هو ~~عدم استطاعتها ترك وعاء قذر بحجرة المكتب دون أخذه وغسله. # ولم يشعر المدعي العسكري العام بدخول وخروج العجوز مرة أخرى؛ ~~إذ كان غارقا في قراءة آخر أعماله الجليلة: قضية هروب الجنرال ~~«إيوسبيو كاناليس». كان هناك أربعة متهمين رئيسيين: «فيدينا دي ~~روداس» و«خينارو روداس»، و«لوسيو فاسكيز» و... وبلل لسانه بشفتيه؛ ~~إذ كان لديه حساب ms116 يريد تصفيته مع الشخص الأخير: ميغيل ذو الوجه ~~الملائكي. وجال في خاطره أن اختطاف ابنة الجنرال هو كالسحابة ~~السوداء التي يطلقها «الجبار» # 1 # حين تهاجمه الحيوانات الأخرى - مجرد حيلة لخداع ~~السلطات الساهرة على الأمور. لقد أثبتت رواية «فيدينا روداس» ذلك ~~إثباتا جازما. كان المنزل خاليا حين وصلت إلى هناك تبحث عن ~~الجنرال في السادسة صباحا. وكانت روايتها قد وقعت موقعا صادقا ~~لديه منذ البداية، بيد أنه قد حمل عليها كيما يطمئن قلبه: ذلك أن ~~ما قالته يدين ذا الوجه الملائكي إدانة قاطعة. كان المنزل ~~خاليا بالفعل في الساعة السادسة، وبما أنه يظهر من المعلومات التي ~~أعطتها الشرطة أن الجنرال وصل إلى منزله في منتصف الليل تماما، ~~وبناء عليه يكون قد هرب في الساعة الثانية صباحا بينما كان ذو ~~الوجه الملائكي يتظاهر بأنه يختطف ابنته. # كم ستكون صدمة السيد الرئيس حين يكتشف أن صفيه الحميم قد رتب ~~أمر هروب أعدى أعدائه وأشرف على ذلك الهرب! ماذا يا ترى سيفعل حين ~~يعرف أن صديق الكولونيل «باراليس سونرينتي» الصدوق مشترك في هروب ~~أحد قتلته؟ # وعمد إلى قراءة مواد القانون العسكري، وإعادة قراءتها، رغم أنه ~~يحفظها عن ظهر قلب، فيما يختص بالشركاء في الجريمة. ولمعت عيناه ~~الحربائيتين بالسرور إذ وجدتا في كل سطر من هذا المجلد القانوني ~~العبارة المقتضبة التالية: «عقوبة الإعدام» أو مرادفها «عقوبة ~~الموت». ~~- «آه يا سيد ميغلين ميغيليتو، ها أنت الآن في قبضتي، وطوال ~~الوقت الذي أريد! حين أهنتني ليلة أمس في القصر الجمهوري لم أكن ~~أتصور أننا سوف نلتقي مرة أخرى سريعا هكذا! وأني أعدك بأن دائرة ~~انتقامي سيكون لها آلاف الدورات!» # وبتلك الأفكار المضطرمة بالرغبة في الانتقام، وبقلبه وقد قد ~~من الصلب البارد، صعد درجات القصر الجمهوري في الساعة الحادية عشرة ~~من صباح اليوم التالي. وكان يحمل معه عريضة الاتهام وإذنا بالقبض ~~على ذي الوجه الملائكي. # وقال الرئيس له بعد أن عرض الوقائع عليه: «اسمع أيها السيد ~~المدعي العام، دع هنا عريضة الاتهام هذه، وأنصت إلى ما سأقوله ~~لك: ms117 لا السيدة «دي روداس» و«ميغيل» مذنبان، أصدر أوامرك بالإفراج ~~عن تلك السيدة وألق بأمر القبض على ميغيل في سلة المهملات. إن ~~المذنبين هم أنتم، أيها الحمقى، لمن ولاؤكم وخدماتكم ...؟ أي نفع ~~فيكم ...؟ لا شيء! كان على الشرطة أن تنهي حياة الجنرال «كاناليس» ~~عند أقل بادرة منه للهرب. كانت الأوامر هكذا! ولكن الذي حدث هو أنه ~~لم يكن في إمكان الشرطة رؤية باب مفتوح دون أن تأكلها يدها للسرقة ~~والنهب! إنك تقول: إن ذا الوجه الملائكي قد لعب دورا في هروب ~~الجنرال «كاناليس». إنه لم يكن يدبر لهربه، وإنما لموته. بيد أن ~~رجال الشرطة ما هم إلا حمقى رسميون ... لك أن تنصرف. أما بالنسبة ~~إلى الرجلين المتهمين الآخرين فاسكيز وروداس، فأوقع بهما ما ~~يستحقان من عقاب، فهما أفاقان، خاصة فاسكيز، الذي يعلم عن الأمر ~~أكثر مما هو مسموح له. لك أن تنصرف.» # الفصل العشرون # | ذئاب من نفس النوع # لم تكف جميع الدموع التي سحها «خينارو روداس» لمحو التعبير ~~الذي بدا في عيني الأبله وهو يحتضر، من ذاكرته، وها هو يقف الآن ~~أمام المدعي العسكري العام مطأطئ الرأس، وقد انطفأت فيه آخر ذبالة ~~من الشجاعة من جراء ما حل بأسرته من مصائب، ومن جراء حالة القنوط ~~التي تبسط ظلها على من يفقد حريته حتى لو كان أشجع الشجعان. ~~وأصدر المدعي العام أوامره بفك قيوده، وقال له أن يقترب، بلهجة ~~من يخاطب خادما. # وقال له بعد صمت طويل كاد يكون اتهاما: يا ولدي، إني أعرف كل ~~شيء، وما أسألك إلا لكي أسمع من شفتيك كيف مات ذلك الشخاذ في ~~«رواق الرب». # فسارع «خينارو» يقول: ما حدث ... ثم توقف كأنما هو خائف مما ~~سيقوله. ~~- أجل، ماذا حدث يا ولدي؟ ~~- آه يا سيدي، بحق الإله لا تمسني بسوء، بحق الرحمة يا ~~سيدي! ~~- لا تخف يا ولدي. إن القانون قد يعامل المجرمين الأشرار بقسوة، ~~ولكن ليس ولدا طيبا مثلك. لا تقلق وقل لي الحق. ~~- أوه، إني أخاف أن تنزلوا بي سوءا. # وكان يتلوى بطريقة مسترحمة وهو ms118 يتكلم، كأنما يدافع عن نفسه من ~~خطر يطوف في الهواء من حوله. # كلا، كلا، هيا الآن. ~~- ما حدث؟ كانت تلك الليلة - أنت تعرفها - الليلة التي رتبت ~~فيها مقابلة «لوسيو فاسكيز» عند الكتدرائية وتوجهت إلى هناك عن ~~طريق الحي الصيني. كنت يا سيدي أبحث عن عمل وكان لوسيو قد أخبرني ~~أن بوسعه الحصول على وظيفة في الشرطة السرية. تقابلنا كما قلت، ~~وكانت التحية والسلام والسؤال عن الأحوال، ثم طلب مني ذلك الرجل ~~أن نتناول كأسا في بار يقع على مبعدة خطوات وراء «ميدان السلاح» ~~اسمه «صحوة الأسد». ولكن الكأس أصبح اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة، ~~وباختصار ... # فوافق المدعي العام قائلا وهو يلتفت ناحية الكاتب ذي الوجه ~~المليء بالنمش الذي كان يكتب أقوال المتهم: أجل، أجل ، ~~باختصار. ~~- حسنا إذن، كما ترى، ظهر أنه لم يتمكن من الحصول على تلك ~~الوظيفة في الشرطة. فقلت له إن هذا لا يهم. ثم، آه، أجل أني أذكر، ~~لقد دفع هو ثمن المشروبات. وبعد ذلك، خرجنا نحن الاثنين مرة أخرى ~~إلى «رواق الرب» حيث كان على لوسيو نوبة الحراسة هناك، كما أخبرني، ~~إذ كان عليه أن يبحث عن رجل أخرس مصاب بالسعار ويجب قتله. وعلى هذا ~~قلت له: «سأعود إلى منزلي». وحين وصلت إلى الرواق، كنت وراءه ~~بخطوات. وعبر الطريق ببطء، بيد أنه حين وصل إلى مدخل الرواق، ~~رأيته يخرج ثانية جاريا. وخرجت خلفه، معتقدا أن ثمة شخصا ~~يطاردنا. وأمسك فاسكيز بشيء إلى جوار الحائط - كان هو ذلك الأخرس، ~~الذي أخذ في الصراخ كأنما الحائط قد سقط على أم رأسه حين شعر ~~بوقوعه في الأسر. ثم جذب فاسكيز مسدسه ولم ينطق بكلمة بل أطلق ~~عليه النار، ومرة أخرى. آه، كلا يا سيدي، لم أكن أنا الذي قتلته، ~~لا تمسوني بسوء، إني لم أقتله. كنت أبحث فحسب عن وظيفة يا سيدي، ~~فهل ترى ما حدث من جراء ذلك؟ كان من الأفضل لي أن أبقى نجارا، ~~ماذا حدث لي كيما أود أن أصبح رجل شرطة. # ومرة أخرى، وقعت نظرات المدعي ms119 العام الباردة على عيني روداس. ~~ثم ضغط على جرس أمامه، صامتا ودون أن يغير التعبير المرتسم على ~~وجهه. وسمع صوت وقع أقدام، وظهر عند الباب عدة حراس يتقدمهم ~~رئيسهم. ~~- أيها الرئيس، يجلد هذا الرجل مائتي جلدة. # ولم يتغير صوت المدعي العام أدنى تغيير حين كان يصدر أمره ~~بذلك، كما لو كان مدير أحد البنوك يصدر تعليماته بصرف مائتي بيزو ~~إلى أحد العملاء. # ولم يفهم «روداس» شيئا. ورفع رأسه وتطلع إلى الزبانية الحفاة ~~الذين كانوا في انتظاره. وزادت حيرته حين رأى وجوههم الهادئة ~~الجامدة الخالية من أي تعبير عن الدهشة. وحول الكاتب وجهه ~~المليء بالنمش وعينيه الجامدتين نحوه. وقال رئيس الحراس شيئا ~~للمدعي العام. وقال المدعي العام شيئا لرئيس الحراس. لم يسمع ~~كلامهما، ولم يفهم ما كان يجري حوله. ولكنه شعر وكأنه على وشك أن ~~يتبرز في ملابسه حين صرخ رئيس الحراس فيه بأن يذهب إلى الحجرة ~~المجاورة، وهي صالة طويلة ذات سقف مقبب، وأعطاه لكزة وحشية في صدره ~~حين وصل إلى متناول يده. # وحين دخل السجين الآخر، «لوسيو فاسكيز»، الحجرة، كان المدعي ~~العام لا يزال يتفجر سخطا على روداس: لا فائدة من معاملة هذا ~~النوع معاملة حسنة! إن ما يحتاجون إليه هو العصا، ثم العصا. # ورغم أن فاسكيز قد شعر أنه في وسط أهله، إلا أنه لم يكن يثق فيهم ~~بأي حال، خاصة حين سمع ملاحظة المدعي العام. إن وجود أية علاقة ~~له بهروب الجنرال كاناليس، حتى ولو ضد رغبته، تهمة خطيرة للغاية، ~~ويا لشد ما كان حمقه! ~~- اسمك؟ ~~- لوسيو فاسكيز. ~~- هل ولدت هنا؟ ~~- هنا. ~~- في السجن؟ ~~- كلا، طبعا لا. في العاصمة. ~~- متزوج أم أعزب؟ ~~- أعزب طول عمري. # أجب عن الأسئلة بلياقة! المهمة أو الوظيفة؟ ~~- موظف حكومي. ~~- هل اعتقلت؟ ~~- أجل. ~~- بأي تهمة. ~~- القتل أثناء الخدمة. ~~- سنك؟ ~~- ليس لي سن. ~~- ماذا تعني بألا سن لك؟ ~~- لا أعرف كم سني، ولكن أكتب خمسا وثلاثين إذا كان لا بد وأن ~~تكون لي سن! - ماذا تعرف عن مقتل الأبله؟ # وجه المدعي العسكري العام ذلك ms120 السؤال إلى السجين في الصميم وهو ~~يتطلع إلى عينيه مباشرة؛ بيد أن كلماته، على عكس ما كان يتوقع، ~~لم تخلق أي تأثير على معنويات فاسكيز، الذي رد بصورة طبيعية وهو ~~يكاد يحس بالرضا الكامل: «إن ما أعرف عن مقتل الأبله هو أنني ~~قتلته بنفسي.» ثم كرر ما قاله مشيرا بيده إلى صدره حتى لا يبقى ~~هناك أي شك في الأمر: «أنا قتلته!» # وزأر المدعي العام قائلا: وهل تأخذ هذا الأمر هكذا على محمل ~~المزاح، أو أنك من الجهل بحيث لا تدرك أن هذا قد يكلفك ~~حياتك؟ ~~- ربما ... ~~- ماذا تعني بربما؟ # ومرت برهة على المدعي العام لم يعرف خلالها ماذا يفعل؛ فقد أحس ~~بالارتباك من الهدوء الذي يتملك فاسكيز، ومن صوته المشابه لصوت ~~الجيتار ، وعينيه الحادتين. واتجه إلى الكاتب كيما يكسب ~~وقتا. ~~- اكتب ... وأضاف في صوت مرتعد: اكتب أن لوسيو فاسكيز يقرر أنه قتل ~~الأبله، بالاشتراك مع خينارو روداس. # فتمتم الكاتب من بين أسنانه: لقد كتبت ذلك بالفعل. # فقال فاسكيز بهدوء، برنة صوت فيها شيء من المزاح جعل المدعي ~~العام يعض شفتيه: إني أرى أن الأستاذ لا يعرف الكثير عن هذا الأمر. ~~ماذا يعني ذلك القرار؟ إن أي شخص بإمكانه أن يرى أنني لم ألوث ~~يدي من أجل أبله سائل اللعاب ... ~~- احترم المحكمة، وإلا سأكسر دماغك! ~~- إن ما أقول في صميم الموضوع. أقول لك إنني لست من الحماقة بحيث ~~أقتل ذلك الأبله لمجرد القتل؛ ذلك أنني فعلت ما فعلت بناء على ~~أوامر صريحة من السيد الرئيس. ~~- اخرس أيها الكاذب ... ها ... ستكون مهمتنا سهلة إذا ... # ولم يكمل عبارته؛ لأن حراس السجن دخلوا في تلك اللحظة يجرون ~~«روداس» وقد تدلت ذراعاه، وقدماه تكنسان الأرض، كالخرقة، أو ~~كوشاح مصارع الثيران. # وسأل المدعي العام الرئيس الذي كان يبتسم للكاتب وسوطه معلق ~~حول عنقه كذيل القرد: كم أعطيتموه؟ ~~- مائتين. ~~- حسنا ... # وأسرع الكاتب إلى نجدة المدعي العام، فتمتم وهو يدمج الكلمات في ~~بعضها حتى لا يسمعه الآخرون: يجب إعطاؤه مائتين أخريين. # وعمل المدعي العام بنصيحته: «أجل أيها ms121 الريس، أعطه مائتين ~~أخريين إلى أن أفرغ من هذا الولد.» # وجال في خاطر فاسكيز: «يا لأعصابه ... أجل إن هذا ما هو منتظر من ~~شيخ مثله، وجهه كمقعد الدراجة!» # وعاد الحراس أدراجهم يجرون حملهم البائس يتبعهم رئيسهم. وألقوا ~~به على حشية في ركن الحجرة حيث ينفذون العقوبة. وأمسك أربعة منهم ~~بيديه وقدميه، بينما أخذ الآخرون يضربونه، ورئيسهم يحسب العدد. ~~وتقلص جسد روداس مع الضربات الأولى، بيد أنه كان قد فقد قواه ~~الآن ولم يعد يستطيع الجهاد ولا الصراخ من الألم كما فعل حين ضربوه ~~في المرة الأولى منذ دقائق. وعلقت قطرات جامدة من دماء الجروح التي ~~خلفتها دورة الضرب الأولى، بعصا الخيزران الرطيبة المرنة ذات اللون ~~الأصفر المخضوضر. وكانت آخر شكواه صرخات مخنوقة كالحيوان الذي ~~يحتضر دون أن يحس بآلامه. ودفن وجهه في الحشية وقد تقلصت ~~قسماته وتهوش شعره. واختلطت صرخاته الثاقبة مع لهثات الحراس الذين ~~كان رئيسهم يعاقبهم بسوطه كلما تهاونوا في الضرب. ~~- «إن مهمتنا تكون سهلة يا لوسيو فاسكيز إذا أطلقنا سراح أي ~~مواطن يرتكب جريمة حين يؤكد بأنها بأوامر من السيد الرئيس! ما هو ~~البرهان؟ إن السيد الرئيس ليس مجنونا كيما يصدر أمرا كهذا. أين ~~هي الورقة التي يذكر فيها أنه أمرك بفعل ما فعلت ضد هذا البائس ~~بمثل هذه الطريقة المجرمة الجبانة؟» # وشحب وجه فاسكيز، وبينما كان يبحث عن رد، وضع يديه المرتعشتين في ~~جيبي بنطاله. ~~- إنك تعلم أنه أمام المحاكم يجب أن تدعم أقوالك بالوثائق، وإلا ~~فماذا يكون الوضع؟ أين هو ذلك الأمر؟ ~~- حسنا، انظر، إنه ليس معي الآن. لقد أعدته لا بد أن يكون السيد ~~الرئيس على علم بذلك. # ما هذا؟ ولماذا أعدته؟ ~~- لأن الأمر كان مذيلا بعبارة تنص على أنه يجب إعادته بعد ~~التنفيذ! لم يكن مسموحا لي بالاحتفاظ به ... أظن أنك تفهم. ~~- ولا كلمة ... ولا كلمة زيادة! إنك تحاول خداعي بكلامك عن الرئيس. ~~أيها اللص، إني لست طفلا لا أزال في المدرسة حتى أصدق كلاما ~~فارغا كهذا أيها الوغد! إن إقرار المرء شيء، ms122 والدليل عليه شيء ~~آخر، إلا في الحالات التي يحددها قانون العقوبات، ومنها شهادة ~~رجال الشرطة التي تقوم مقام الدليل القاطع. ولكني لست بصدد إلقاء ~~محاضرة عليك عن قانون العقوبات. هذا يكفي، يكفي؛ لقد قلت ما فيه ~~الكفاية. ~~- حسنا، إذا لم تكن تريد أن تصدقني، اذهب واسأله، ربما ستصدق ~~ما يقوله لك. ربما لم أكن معك حين اتهم الشحاذون الأبله ... ~~- اخرس، وإلا أمرت بضربك! يا للمهزلة إذ أتصور نفسي ذاهبا لسؤال ~~السيد الرئيس! ... إن ما أقوله لك يا «فاسكيز» إنك تعلم عن الموضوع ~~أكثر مما يحق لك، وإن رأسك في خطر! # وأحنى «لوسيو» رأسه كأنما قد قطعتها كلمات المدير العام. وكانت ~~الرياح تزأر في غضب على نوافذ الحجرة. # الفصل الحادي والعشرون # | حلقة مفرغة # جذب ذو الوجه الملائكي بنيقته وربطة عنقه عنه في عنف. وجال في ~~خاطره أنه لا يوجد أسخف من التفسيرات الهينة التي يخترعها الناس ~~لتبرير أفعال الناس الآخرين. أفعال الآخرين ... الآخرين. أحيانا لا ~~يرقى انتقادهم إلى أكثر من الهمهمة اللاذعة. يخفون ما هو في صالح ~~المرء ويغالون في وصف الباقي. يا لهم من حثالة! بيد أن الأمر مؤلم ~~كمرور الفرشاة الخشنة على موطن الجرح. كما أن التأنيب المقنع، ~~الذي يتنكر في صورة تعليق ودي عادي أو حتى تعليق يقصد به ~~الإحسان، يمكن أن يكون جرحه أشد إيلاما، تماما كالفرشاة ذات ~~الشعر الحاد المرهف. وحتى الخدم! فليذهب كل هؤلاء إلى ~~الجحيم! # وفي جرة واحدة، انقطعت أزرار القميص كلها دفعة واحدة. لقد شقه ~~بعنف من الأمام. كان الأمر كما لو كان قد شق صدره. كان خدمه يحكون ~~له بتفصيل شديد ما يقول الناس عن قصة غرامه. إن الرجال الذين ~~يترددون في الزواج خوفا من مشاركة امرأة لهم في بيتهم تقص عليهم - ~~كالتلميذة المجتهدة يوم الامتحان - ما يقوله الناس عنهم، وكلها ~~أشياء قبيحة، ينتهي بهم الأمر إلى سماع هذه الأشياء من فم خدمهم، ~~كما حدث لذي الوجه الملائكي. وأسدل ستائر غرفته أخيرا دون أن يخلع ~~عنه قميصه. كان في حاجة ماسة إلى ms123 النوم، أو على الأقل أن تبدو ~~غرفته حاجزا بينه وبين النهار الطالع، وهو نهار لن يكون أقل سوءا ~~من سابقه، كما قال في نفسه بمرارة. ~~«النوم»، ردد ذو الوجه الملائكي هذه الكلمة إذ جلس على حافة ~~سريره، يفك أزرار بنطاله، دون حذاء ولا جورب، وقميصه مفتوح. «أوه، ~~يا لي من أحمق! إني لم أخلع سترتي بعد!» # وسار على عقبيه وقد قوس أصابع قدميه حتى يبعد راحة قدميه عن ~~لمس أرض الحجرة الباردة، ونجح في تعليق سترته على ظهر المقعد، ثم ~~عاد إلى فراشه قافزا بخفة على قدم واحدة كأنه طائر الكروان. ولكن ~~... «طاخ»! ... ويقع على الأرض وقد هزمته هذه الأرضية الباردة. ودارت ~~ساقا بنطاله في الهواء كعقربي ساعة هائلة الحجم. وبدت الأرض مصنوعة ~~من الثلج وليس من الإسمنت. يا للهول! ثلج ممزوج بملح. ثلج ممزوج ~~بالدموع. وقفز إلى السرير كأنه يقفز من جبل ثلجي إلى طوق نجاة. كان ~~يرى الفرار من كل ما حدث، وحين سقط على السرير تخيل أنه جزيرة، ~~جزيرة بيضاء تحيط بها شبه ظلمة، وأحداث ساكنة مسحوقة. سوف ينسى، ~~وينام، ويتوقف عن أن يكون موجودا. سوف يستريح من تجميع الأسباب ~~وطرحها كأنما هي قطع في ماكينة من الماكينات. فلتذهب قواعد الصواب ~~المتداولة إلى الجحيم بكل التواءاتها! من الأفضل بمراحل النوم ~~المجافي للصواب، ذلك الخدر اللذيذ، ذو اللون الأزرق في البداية، ~~والذي يكون أخضر ثم يتحول بعد ذلك إلى السواد، والذي يتقطر من ~~العين إلى الكيان كله، خالعا الإثباط الكامل على المرء. آه، ~~الرغبة! إن المرغوب فيه يكون محرزا وغير محرز في نفس الوقت. إنه ~~مثل بلبل من ذهب تكون يدانا بأصابعهما العشرة مضمومة قفصا له. ~~النوم الكامل المريح، الخالي من المضايقات، يدخل من مرايا العيون ~~ويخرج من نوافذ الأنف، كان هذا هو ما يتوق إليه، نوم هنيء كنوم ~~الأيام الخوالي. # وسرعان ما أحس أن النوم يهوم عاليا فوقه، فوق سطح بيته، في ~~نور النهار الساطع، ذلك النهار الذي لا ينسى. وأدار وجهه. لا ~~فائدة، واستدار على جانبه ms124 الأيسر حتى يهدئ من ضربات قلبه. ثم ~~على جانبه الأيمن. لا فائدة. كانت ثمة مائة ساعة تفصل بينه وبين ~~النوم الهنيء في تلك الأيام حين كان يأوي إلى فراشه خاليا من ~~المشاغل العاطفية. واتهمته غريزته بأنه إنما يعاني من هذه العذابات ~~لأنه لم يغتصب كميلة بالقوة. إن المرء يشعر أحيانا بالجانب المعتم ~~للحياة يحوم قريبا منه إلى درجة يبدو الانتحار معها هو الوسيلة ~~الوحيدة للهرب منه. وجال في خاطره: «سأتوقف عن أن أكون موجودا!» ~~وارتعش في داخله. ولمس إحدى قدميه بالقدم الأخرى. كان يزعجه عدم ~~وجود مسامير في الصليب الذي علق عليه. وجال في خاطره: ثمة شيء في ~~مشية السكارى يذكر المرء بالمشنوقين. والمشنوقون يذكرون المرء ~~بالسكارى، حين يرفسون بأقدامهم يتطوحون في الهواء . وأشارت غريزته ~~إليه بأصبع الاتهام. عضو السكير. عضو المشنوق. وأنت، يا ذا الوجه ~~الملائكي، لست أفضل منهما! # وجال في خاطره: الحيوان لا يخطئ في دفتر حساباته الجنسية. فنحن ~~كأنما نبول أطفالا يأخذون طريقهم إلى المقبرة. ونفير يوم القيامة ~~... حسنا، لن يكون نفيرا. سيقوم مقص من الذهب بقطع هذا الخيط ~~الأبدي من الأطفال. إننا نحن معشر الرجال نشبه أمعاء الخنزير التي ~~يحشوها الخنزير الشيطاني باللحم المفروم كيما يصنع منها مقانق. ~~وحين سيطرت على طبيعتي حتى أنقذ كميلة من رغبتي فيها، تركت ورائي ~~جزءا مني خاليا، ولذلك فإني أشعر بنفسي خاويا، قلقا، غاضبا، ~~مريضا، وحبيسا في الفخ. إن المرأة هي اللحم المفروم التي يملأ ~~بها الرجل نفسه كأمعاء الخنزير حتى يكون راضيا. يا له من ~~ابتذال! # والتصقت به الشراشف كأنها تنورات. تنورات مبللة بعرق لا ~~يطاق. # لا بد أن «شجرة الليلة الحزينة» تشعر بالألم في أوراقها. «آه يا ~~دماغي المسكين!» صوت صلصلة الأجراس السائلة، «بروغيز»، مدينة ~~الموتى. شرائط لولبية من الحرير حول عنقه. «أبدا ...» ولكن ثمة ~~فوتوغراف في مكان ما في الجوار. لم أسمعه أبدا. لم أعرف أنه يوجد. ~~أول أنباء عنه. لديهم كلب في الفناء الخلفي للمنزل. لا بد أن هناك ~~اثنين. ولكن هنا لديهم فوتوغراف. واحد فقط. ms125 ما بين نفير الفوتوغراف ~~هنا، وكلاب الفناء الخلفي تصغي لصوت سيدها، يقع منزلي، رأسي، نفسي. ~~الجيرة هي أن تكون قريبا وتكون بعيدا في نفس الوقت. هذا أسوأ ما ~~في الجوار. ولكن بالنسبة إلى هذين الجارين، فلديهما عمل عليهما أن ~~ينجزاه. إنهما يديران الفوتوغراف، ويتكلمان في حق الجميع. بوسعي ~~أن أتصور ما يقولان عني. يا لهما من زوج من الحثالة العفنة. ~~بوسعهما أن يقولا ما يشاءان عني، فأنا لا يهمني شيء. ولكن ... عنها ~~هي! لو تأكدت أنهما قد قالا كلمة واحدة في حقها فسوف أجعلهما عضوين ~~في «منظمة الشبيبة الحرة». لقد هددتهما مرارا بذلك ولكني أشعر ~~اليوم أنني سأنفذ وعيدي حقا. سوف يملأ ذلك حياتهما بالمرارة. ~~ولكن ربما لا أفعل ذلك، فهما لا يستحقان أصلا. إن بوسعي أن ~~أسمعهما يقولان في كل الأنحاء: لقد خطف الفتاة المسكينة بعد منتصف ~~الليل، وحملها إلى خان تملكه قوادة حيث اغتصبها هناك، بينما ~~كانت الشرطة السرية تحرس الباب حتى لا يدخل عليهما أحد! # وسوف يتخيلان المشهد وأنا أخلع عنها ملابسها وأمزقها، وكميلة ~~كالطائر الذي وقع في الفخ، يرتجف جسدا وريشا. وسوف يقولان: «ثم ~~اغتصبها بالقوة دون أن يلاطفها، مغلق العينين كأنما هو يرتكب جرما ~~أو يجرع دواء مرا!» لو أنهما علما بأن ما حدث كان مختلفا ~~تماما عن ذلك التصور، وأنني هنا شبه نادم على تصرفي كجنتلمان! ~~لو أنهما أدركا أن كل ما يقولان خاطئ. إنهما في الحقيقة يرغبان في ~~تخيل الفتاة ليس إلا. تخيلها معي، معي ومعهما. هما يجردانها من ~~ثيابها، هما يقومان بما يتصوران أنني قمت به! إن «الشبيبة الحرة» ~~لا تليق بمثل هذين المخلوقين. علي أن أدبر لهما شيئا أسوأ من ~~ذلك. إن العقاب الأمثل - بما أنهما عازبان، أجل إنهما حقا أعزبان ~~عريقان - هو تكبيلهما بزوج من أولئك النسوة، أولئك النسوة. إني ~~أعرف امرأتين ممن يحمن حول السيد الرئيس. فلتكونا هما إذن. هما. ~~ولكن إحداهما حامل. لا يهم. بل أفضل إذا أمر الرئيس بعقد زواج فلا ~~طائل من وراء الاحتجاج بأن العروس ms126 حامل. لذا فليتزوجا منهما بدافع ~~الخوف، فليتزوجا ... # وقوس نفسه في الفراش واضعا ذراعيه بين ساقيه، ودفن رأسه في ~~الوسائد، باحثا عن استراحة من لمحات أفكاره المؤلمة. وكانت في ~~انتظاره صدمات جسمانية في صورة الأركان الباردة من الفراش، مما ~~أعطاه راحة مؤقتة من جنوح تفكيره الطائش. وفي النهاية، سعى إلى تلك ~~الإحساسات التي يرحب بها رغم إيلامها بأن مد ساقيه خارج الشرشف ~~إلى أن لمسا العمود المعدني في نهاية السرير. ثم فتح عينيه ~~بالتدريج. وبدا حين فعل ذلك أنه يقطع خطوط جفنيه الدقيقة غاية ~~الدقة. وأحس بنفسه عديم الوزن كالظلال، وبعظامه هشة رخوة، وضلوعه ~~ترق حتى تصبح غضاريف ورأسه يتحول إلى عجينة طرية ... وكانت ثمة يد ~~من القطن والصوف تتخذ هيئة المقرعة في الغبشة السائدة ... يد صوفية ~~قطنية لأحد السائرين في نومهم ... إن المنزل مصنوع من المقارع ... ~~والمدن غابات من أشجار المقارع ... وراحت أوراق الصوت تسقط بينما هي ~~تقرع الباب ... وبقي جذع شجرة الباب سليما بعد أن سقطت عنه أوراق ~~الصوت ... ولم يكن أمامها ما تفعله سوى أن تقرع الباب ... ولم يكن ~~أمامهم مفر من أن يفتحوا ... ولكنهم لم يفتحوا. كان يمكن أن تكسر ~~الباب بقرعها عليه ... قرعه وراء قرعة، كان يمكن أن تكسر الباب؛ قرعة ~~وراء قرعة ... ثم لا شيء، كان يمكن أن تكسر الباب ... ~~- من بالباب؟ ماذا؟ ~~- إنه إعلان وفاة أحضروه لتوهم. ~~- أجل، ولكن لا تذهب به إليه لأنه لا بد نائم ضعه هنا على ~~المكتب. ~~«توفي الليلة الماضية السيد خواكين سيرون، بعد أن تناول السر ~~المقدس الأخير. ومن دواعي حزن حرمه وأولاده وأقاربه الآخرين أن ~~يبلغوكم بهذا النبأ، راجين منكم الترحم عليه والتفضل بحضور ~~الجنازة في المقبرة العامة اليوم الساعة الرابعة مساء وسيجتمع ~~المعزون أمام باب المقبرة؛ وعنوان منزل الفقيد: شارع ~~كاروسيرو.» # كان ذو الوجه الملائكي قد استمع رغما عنه لصوت أحد خدمه يقرأ ~~إعلان وفاة السيد خواكين سيرون بصوت عال. # وخلص إحدى ذراعيه من الشراشف وثناها تحت رأسه. كان السيد «خوان ~~كاناليس» يسير عبر دماغه مرتديا ريشا. ms127 كان قد انتزع أربعة قلوب ~~مصنوعة من الخشب وأربعة قلوب مقدسة وصنع منها صاجات يدق عليها. ~~وكان بوسعه أن يشعر في قذاله بالسيدة «جوديث»، بثدييها الهائلين ~~سجينة الكورسيه المصنوع من خيوط المعدن والرمال، وشعرها المصفف على ~~الطريقة «البومبية» ومشط فخم في وسطه جعلها تبدو كالتنين. وأحس ~~بتقلص عنيف في ذراعه الذي استخدمه وسادة تحت رأسه، ومده في حذر، ~~كأنه ثوب فيه عقرب يسعى ... في حذر ... # كان ثمة أسانسير مليء بالنمل يصعد تجاه كتفه، وأسانسير مليء ~~بنمل مغناطيسي يهبط تجاه مرفقه. ومضى التقلص عبر أنبوب مقدم ذراعه ~~واختفى وسط الظلال. وكانت يده نافورة مياه - نافورة ذات أصابع ~~مزدوجة. وشعر بعشرة آلاف ظفر حتى أخمص قدميه. ~~- «يا للفتاة الصغيرة المسكينة، تقرع وتقرع ثم لا شيء ... إنهم ~~متوحشون، بغال عنيدة. سوف أبصق في وجوههم لو فتحوا الباب. ~~بالتأكيد، كما أن ثلاثة واثنين خمسة ... وخمسة عشرة ... وتسعة تسع ~~عشرة، سوف أبصق في وجوههم. كانت تقرع الباب في انشراح أول الأمر، ~~ولكن في النهاية بدت وكأنها تحفر في الصخر. لم تكن تقرع الباب، بل ~~تحفر قبرها بنفسها. يا لها من صحوة مريرة! سوف أذهب لرؤيتها غدا ~~إن استطعت. بحجة أنني أحمل لها أخبارا عن والدها. آه، لو كان ~~بإمكاني فحسب أن أحصل على أخبار عنه اليوم. بوسعي ... رغم أنها قد لا ~~تصدق ما أقول.» ~~••• ~~«إنني أصدق ما تقول! إنني مقتنعة، مقتنعة تماما أن أعمامي قد ~~تنكروا لوالدي وقالوا لك إنهم لا يريدون رؤيتي في منزلهم مرة ~~أخرى.» # كان هذا يجول في خاطر كميلة إذ هي ترقد في سرير «لامسكواتا» ~~والألم يعتصر ظهرها، بينما الناس في الحانة، التي يفصلها عن حجرة ~~النوم حاجز من الألواح القديمة والمشمع والخرق البالية، يعلقون ~~على أحداث اليوم: هروب الجنرال، واختطاف ابنته، وأنشطة المحبوب. ~~وتظاهرت صاحبة الحانة بعدم سماع أي شيء يقولونه، بيد أنها حرصت على ~~ألا تفوتها كلمة منه. # وحملت موجة جديدة مفاجئة من الغثيان بكميلة بعيدا عن هذه العصبة ~~الآثمة. إحساس بالسقوط عموديا وفي صمت ... وبعد تردد، أتصرخ مع ms128 ما ~~في ذلك من تهور، أو لا تصرخ وربما يغمى عليها تماما، قررت أن ~~تصرخ طلبا للعون. وبعد ذلك، أحاط بها شعور بالبرد، كأنما من ريش ~~طيور ميتة. وهرعت «لامسكواتا» لنجدتها على الفور - ماذا حدث؟ ~~وحالما رأتها هناك شاحبة اللون كالثلج، وذراعاها متصلبتان كيد ~~المكنسة، وفكاها مطبقان، وعيناها مغلقتان، أسرعت بأخذ جرعة من ~~البراندي من أقرب زجاجة، ورشت بها وجهها. وأفعمها القلق لدرجة لم ~~تسمع معها زبائنها وهم يغادرون الحانة. وتضرعت للعذراء ولجميع ~~القديسين ألا تموت الفتاة هنا في منزلها. ~~••• ~~- «حين افترقنا هذا الصباح، بكت مما قلته لها. ماذا كان بوسعها ~~أن تفعل؟ حين يقع شيء كان يبدو مستحيلا، يبكي المرء إما من السرور ~~أو الأسى ...» # هكذا كان يجول بخاطر ذي الوجه الملائكي وهو يرقد في الفراش، نصف ~~نائم، نصف مستيقظ، مستيقظ على لهيب أزرق سماوي. وشيئا فشيئا، ~~نام بالفعل، طافيا تحت أفكاره المضطرمة، دونما جسد، دونما شكل، ~~كنسمة هواء دافئة تهتز من جراء أنفاسه ... # وبعد هذا السقوط في العدم، لم يبق له إلا كميلة، طويلة عذبة، ~~قاسية، كالصليب المنتصب فوق المقابر ... # واستقبله ملك النوم، الذي يخط بحار الحقيقة المظلمة، في واحدة من ~~سفنه العديدة. وجرته أيد خفية بعيدا عن فكي الأحداث الفاغرين، ~~بينما الموجات النهمة تتشاجر بوحشية على مزق ضحاياها. # وتساءل ملك النوم: من هو؟ # وأجاب رجال خفيون: ميغيل ذو الوجه الملائكي. # وامتدت أيديهم كالظلال البيضاء، وسط الظلال السوداء، هلامية غير ~~ملموسة. # وتردد ملك النوم قائلا: خذوه إلى سفينة ... سفينة المحبين الذين ~~يئسوا من الشعور بالحب وقنعوا بأن يحبهم الآخرون. # وكان رجال ملك النوم ينفذون الأمر ويحملونه إلى تلك السفينة، وهو ~~يتحرك فيما فوق ذلك الغشاء من الوهم الذي يغطي أحداث الحياة ~~اليومية بغبار دقيق، حين انتزعته ضوضاء مفاجئة من قبضتهم كالمخلب ~~... # الفراش ... الخدم ... # كلا؛ الإعلان، كلا ... صبي! # وفرك ذو الوجه الملائكي عينيه ورفع رأسه في رعب. وعلى بعد خطوتين ~~من سريره كان ثمة صبي لاهث الأنفاس لا يستطيع الكلام. وقال ~~أخيرا. ~~- «لقد أرسلتني ... السيدة صاحبة الحانة ... لأقول لك ms129 ... إن عليك ~~الذهاب حالا إلى هناك ... لأن الآنسة ... في حالة خطرة.» # ولو كان ذو الوجه الملائكي قد تلقى تلك الأنباء من السيد الرئيس ~~نفسه، لما ارتدى ملابسه بمثل السرعة التي ارتداها بها. واندفع ~~خارجا إلى الطريق واضعا على رأسه أول قبعة رآها على المشجب، ~~وحذاؤه مفكوك، وربطة عنقه مهدلة. # وتساءل ملك النوم: «من هي؟» # وكان رجاله قد اصطادوا لتوهم وردة ذابلة من مياه الحياة ~~القذرة. فأجابوا: «كميلة كاناليس». ~~- حسنا جدا. ضعوها في سفينة المحبين التعساء؛ إذ كان لا ~~يزال فيها موضع لقدم! # ورق صوت ذو الوجه الملائكي واتخذ رنة أبوية وهو يقول: ماذا تظن ~~يا دكتور؟ كانت كميلة مريضة للغاية. ~~- أعتقد أن الحمى ستزداد ... إنها مصابة بالتهاب رئوي ... # الفصل الثاني والعشرون # | القبر الحي # لم يعد لابنها وجود ... ورفعت «نينيا فيدينا» الجسد إلى وجهها ~~المرتعش بالحمى، بحركة آلية تماثل حركة من يفقدون عقلهم في خضم ~~فوضى حياتهم المنهارة. لم يكن الجسد يزن أكثر من وزن بذرة جافة. ~~وقبلته، ولاطفته. وركعت فجأة على ركبتيها - وكان ثمة شعاع ~~أصفر شاحب ينساب من تحت الباب - وانحنت بالقرب من الفرجة التي ~~يدخل منها شعاع الفجر الساطع هذا على مستوى الأرض، حتى ترى ما ~~تبقى من صغيرها على نحو أوضح. # وبدا الوليد كجنين في قماطه وليس طفلا له عدة شهور؛ إذ كان وجهه ~~الصغير مغضنا كسطح الندبة، ودائرتان سوداوان تحيطان بعينيه، ~~وشفتاه في لون الجير. وحملته بسرعة بعيدا عن الضوء وضغطت به على ~~ثدييها المنتفخين. واشتكت إلى الله في عبارات غير مفهومة ~~مختلطة بالنواح. وكان قلبها يكف عن الدق لحظات، وتطلق حزنها في ~~نواح على نواح متمتمة في لعثمة تشبه فواق المحتضر: ابني ... اب ... ~~اب ... ابني! # وتدحرجت الدموع فوق وجهها الخالي من التعبير. وبكت إلى أن كادت ~~تفقد الشعور، ناسية زوجها الذي توعدوه بالموت جوعا في السجن إذا ~~لم تعترف زوجته، وناسية آلامها هي الجسمانية، ويديها وثدييها ~~المقروحة، وعينيها المحترقتين، وظهرها المهشم، وأزاحت جانبا ~~قلقها على عملها الذي لا يوجد من يعنى به، وسيطرت عليها الدهشة ms130 ~~والذهول. وحين جفت دموعها ولم يعد بإمكانها أن تبكي بعد، شعرت ~~أنها قد أصبحت قبرا لابنها، وأنه قد عاد مرة أخرى داخل بطنها، وأن ~~سباته الأخير الذي لا نهاية له هو سباتها هي. وللحظة، قطع سرور ~~حاد أبدية آلامها؛ فقد كانت فكرة كونها قبرا لابنها بلسما ~~ملطفا لقلبها. وشعرت بسعادة النسوة الشرقيات اللائي يدفن مع ~~أحبائهن. بل وكانت سعادتها أعظم - فإنها لم تكن لتدفن مع ابنها، ~~بل إنها هي قبره الحي، مهده الأخير، الحجر الأمومي، ولسوف ينتظران ~~معا، متحدين، إلى أن يستدعيهما الله إليه. ودون أن تجفف ~~دموعها، سوت شعرها كأنما هي ذاهبة إلى حفل، وقبعت في ركن من ~~الزنزانة الجب، وجثة ابنها لاصقة بثدييها وبين ذراعيها ~~وساقيها. # والقبور لا تحتضن الموتى، لذلك كان عليها أن تمتنع عن تقبيل ~~ابنها، ولكنها تضغط عليهم بشدة، بشدة، كما تفعل هي الآن. إنها ~~دروع للقوة والرقة، تجبر الموتى على تحمل مضايقة الديدان وحرارة ~~التحلل في صمت ودون حراك. أما الشعاع المتماوج الذي يدخل من فرجة ~~عقب الباب فإنه لا يزيد سطوعا إلا كل ألف سنة. والظلال، يطاردها ~~الضوء الطالع، تزحف ببطء على الجدران كالعقارب. جدران من عظام ... ~~عظام موشومة برسوم خليعة. وأغلقت «نينيا فيدينا» عينيها؛ فالقبور ~~مظلمة من الداخل، ولم تنطق كلمة أو أنينا، فالقبور صامتة ~~أبدا. # كان الوقت منتصف الظهيرة. رائحة أشجار الصنوبر مغسولة بمياه ~~الأمطار. طيور السنونو. الهلال. كانت الطرق لا تزال تستحم في ضوء ~~الشمس ويملؤها الأطفال المزعجون. وكانت المدارس تفرغ نهرا من ~~الحيوانات الجديدة إلى المدينة. كان بعض الأولاد يلعبون ~~«المساكة»، عارجين هنا وهناك كالذباب. وتحلق آخرون حول اثنين من ~~رفاقهم كانا يتعاركان كديكي المصارعة. أنوف دامية، بكاء، دموع. ~~وراح البعض يدق على الأبواب ثم يجري مسرعا. وأغار آخرون على محال ~~الحلويات لشراء طوفي العسل، وفطائر جوز الهند، والكعك باللوز، ~~وحلوى المارنغي، أو هجموا كالقراصنة على سلال الفاكهة، تاركينها ~~كالقوارب الفارغة المفككة. وجاء وراءهم أولئك الذين كانوا ~~مشغولين ببيع الأشياء القديمة أو تبادل طوابع البريد أو بأول ~~محاولاتهم في ms131 التدخين. # وتوقفت عربة أجرة أمام سجن «كاسانويفا» وأفرغت ثلاث سيدات في ~~زهرة الشباب وسيدة بدينة عجوزا. ولم تكن تخطئ العين معرفة من ~~جئن من مظهرهن. كانت الشابات منهن يرتدين ملابس قطنية زاهية ~~اللون، وجوارب حمراء، وأحذية صفراء ذات كعوب عالية جدا بصورة ~~مغالى فيها، وتنورات فوق الركبة تظهر أردية داخلية ذات شراريب من ~~الدانتلا الطويلة القذرة، وبلوزات مفتوحة عند السرة. وكان شعرهن ~~مصففا على الطراز المسمى بطراز لويس الخامس عشر، ويتكون من ~~كمية كبيرة من اللفات الغارقة في زيت الشعر المربوطة في الجانبين ~~بشريط أخضر أو أصفر، وكانت حمرة خدودهن تعيد إلى الأذهان المصابيح ~~الكهربائية الحمراء التي تعلق على أبواب بيوت الدعارة. أما ~~المرأة العجوز التي كانت ترتدي ثوبا أسود عليه شال أرجواني فقد ~~هبطت من العربة متعثرة الخطى، وهي تمسك الباب بيد سمينة مغطاة ~~بالكثير من الجواهر. # وسألت صغرى الفتيات وهي ترفع صوتها لكي تسمعه حتى أحجار الطريق: ~~سوف تنتظرنا العربة، أليس كذلك يا سيدة «تشون»؟ # فردت العجوز: أجل بالطبع، يمكن أن تنتظر هنا. # وتوجهن أربعتهن إلى «كاسا نويفا» حيث استقبلتهن البوابة بمظاهر ~~الترحيب والابتهاج. # وكان ثمة أشخاص آخرون ينتظرون في تلك القاعة ذات المظهر ~~القاسي. # وسألت العجوز البوابة: قولي لي يا «شينتا»، هل السكرتير ~~موجود؟ ~~- أجل يا سيدة «تشون»، لقد حضر لتوه. ~~- إذن قولي له وحياتك إنني أريد مقابلته؛ لأنني أحضرت معي أمرا ~~كتابيا له، في غاية الأهمية بالنسبة لي. # وظلت العجوز صامتة طوال غياب البوابة. كان المكان لا يزال، ~~بالنسبة لكبار السن ممن عاصروه، يحتفظ بجو الأديرة، ذلك أن ~~المبنى كان، قبل تحويله إلى سجن للمنحرفين، سجنا للعشاق. للنساء ~~فقط. وكانت أصوات راهبات «سانت تريزا» العذبة تنساب من جدرانه ~~الضخمة كأنها تحليق حمائم. ولم تكن هناك من زنابق ترى، ولكن الضوء ~~كان أبيض مهدهدا بهيجا، واستعيض عن الصيام والخيش بأشواك جميع ~~ألوان التعذيب التي ازدهرت تحت علامة الصليب وشباك ~~العنكبوت. # وحين عادت البوابة، ذهبت السيدة «تشون» لتشرح للسكرتير موضوعها. ~~كانت قد رتبت أمورها مع مديرة السجن من ms132 قبل؛ وقد أصدر المدعي ~~العسكري العام أوامره بتسليمها - مقابل عشرة آلاف بيزو، وهو ما لم ~~يذكره - السجينة «فيدينا دي روداس»، التي ستصبح من وقتها نزيلة ~~«النشوة اللذيذة» كما كان ماخور السيدة تشون ذات السن الذهبية ~~يدعى. # وتردد صدى قرعتين كالرعد في الزنزانة التي كانت السجينة التعسة ~~لا تزال مقعية فيها مع ابنها، بلا حراك، مغلقة العينين تكاد لا ~~تتنفس. وبجد جهيد، تظاهرت بأنها لا تسمع. ثم تصاعد الصرير من ~~المزاليج. وترددت أصداء أزيز متطاول من مفصلات قليلة الاستعمال، ~~من خلال الصمت، كأنها العويل. وفتحوا الباب وأمسكوا بها في غلظة. ~~وأغلقت عينيها بقوة حتى لا ترى الضوء، فالقبور مظلمة في الداخل. ~~وهكذا جروها كالعمياء، وجسد طفلها الصغير العزيز مضغوط إلى ~~صدرها. لقد بيعت كالحيوان إلى أحط الأعمال. ~~- إنها تتظاهر بالخرس. ~~- إنها تغلق عينيها حتى لا ترانا. ~~- إنها خجلانة، هذه هي الحقيقة. ~~- ربما لا تريد أن يوقظوا طفلها. # هكذا كانت تعليقات «تشون» ذات السن الذهبية وفتياتها الثلاث ~~أثناء الرحلة. وقعقعت العربة وهي تنطلق على طول الطريق غير الممهد، ~~وصدرت عنها ضوضاء جهنمية. وكال السائق، وهو إسباني ذو مظهر ~~«كيشوتي»، السباب لجواديه، وكانا مخصصين لحلبة المصارعة، وكأنما ~~هو فارس المصارعة. وجلست «نينيا فيدينا» إلى جواره خلال الرحلة من ~~سجن «كاسا نويفا» إلى بيوت الدعارة (كما في الأغنية) جاهلة تماما ~~ما يدور حولها، دون أن تحرك جفنيها أو شفتيها، بل تقبض على ~~طفلها بكل قوتها. # وبينما كانت السيدة «تشون» تدفع للسائق أجره، ساعدت الأخريات ~~«فيدينا» على النزول ودفعنها بلطف إلى داخل دار «النشوة ~~اللذيذة». # وكان هناك بضعة زبائن، معظمهم من الجنود، يقضون الليلة في صالون ~~الماخور. وصاحت السيدة تشون بالبارمان عند دخولها: كم الساعة يا ~~أنت؟ # وردد أحد الجنود: «السادسة والثلث يا سيدتي تشون.» ~~- آه، أأنت هنا أيها المشاغب العجوز؟ إني لم ألحظ وجودك! # وأظهر الجميع اهتماما بالفتاة الجديدة، وأرادوا أن يمضوا ~~الليلة معها. وواصلت «فيدينا» بعناد صمتها الشبيه بصمت القبور، ~~وجسد طفلها معلق في ذراعيها، وأبقت عينيها مغلقتين، وأحست ~~ببرودة الأحجار وثقلها. # وقالت ms133 ذات السن الذهبية لفتياتها الثلاث: هيا، خذوها إلى المطبخ ~~وقولوا «لمانويلا» أن تعطيها شيئا تأكله، واجعلوها تتزين بعض ~~الشيء وتعتني بنفسها. # وتوجه ضابط مدفعية ذو عينين زرقاوين شاحبتين إلى الفتاة الجديدة ~~يتحسس ساقيها. بيد أن إحدى الفتيات الثلاث حمتها منه. وعندها ~~لف جندي آخر ذراعيه حول وسطها كأنما هي جذع نخلة، واحولت عينيه ~~وأبان عن أسنانه الهندية الباهرة، كأنه الكلب إلى أوار أنثاه وقت ~~النزو. وبعد ذلك قبلها وهو يحك خديها الثلجيين، المملوحين من ~~الدموع، بشفتيه اللتين تنضحان بالبراندي. وكان ذلك يمثل خير اتحاد ~~بين ثكنات الجنود وبين دور الدعارة، فإن حرارة العاهرات هي خير ~~تعويض عن برودة ساحة التدريب في الثكنات. # وقالت السيدة «تشون» منهية بذلك هذا المشهد البذيء: «والآن، أنت ~~أيها المشاغب، أيها الفاسق، كف عن هذا! آه، حسنا، سنضطر إلى ~~تقييدك!» # ولم تدافع «فيدينا» عن نفسها ضد هذه الأشياء الشبقية، بل اكتفت ~~بأن تضغط على جفنيها وشفتيها حتى تحفظ ظلامها وسكونها الشبيهين ~~بالقبر من الهجوم، في حين ضمت طفلها الميت إليها بشدة وهدهدته بين ~~ذراعيها كأنما هو نائم. وقادوها إلى فناء صغير، حيث كان الأصيل ~~يغرق تدريجيا في النافورة. وترامى صوت تأوهات، أصوات خفيضة، ~~همسات مريضات، تلميذات، سجينات أو راهبات، ضحكات مفتعلة، صرخات ~~قصيرة فظة، وخطوات أقدام لا ترتدي سوى الجورب. وألقى أحدهم ~~أوراق اللعب من باب إحدى الحجرات، وسقطت على الأرض على شكل ~~المروحة. ولم يعرف أحد أيهم فعل ذلك. وأخرجت امرأة ذات شعر منكوش ~~رأسها من فتحة صغيرة، وحدقت إلى أوراق اللعب كأنما هي ممثل القدر ~~نفسه، ثم مسحت دمعة تساقطت على خدها الشاحب. # كان ثمة قنديل أحمر معلقا على الباب الخارجي لدار «النشوة ~~اللذيذة». كان يبدو كعين حيوان منتفخة، ويلقي صبغة تراجيدية على ~~الرجال والحجارة. استخفاء الكاميرات الفوتوغرافية وغرف تحميض ~~الصور. كان الرجال يأتون ليستحموا في ذلك الضوء الأحمر كضحايا ~~الجدري الذين يأملون في علاج تقرحاتهم. وكانوا يعرضون وجوههم ~~للضوء في خجل أن يراهم أحد، كأنما هم يشربون دما، ثم يعودون بعد ~~ذلك لضوء ms134 الشارع، إلى ضوء البلدية الأبيض، وإلى أضواء بيوتهم ~~الصافية، يحملون معهم إحساسا قلقا بأنهم قد أفسدوا تحميض ~~الصورة. # كانت «فيدينا» لا تزال غير واعية لما يحدث حولها، بيد أنه كانت ~~تسيطر عليها فكرة أنه لا وجود لها إلا من أجل طفلها. وأبقت عينيها ~~وشفتيها مزمومة أكثر من ذي قبل، وكان الجسد الصغير لا يزال عالقا ~~بثدييها الطافحين. وبذلت رفيقاتها كل ما في وسعهن للخروج بها من ~~هذه الحالة، حين كن يأخذنها إلى المطبخ. # وكانت «مانويلا كالفاريو»، الطباخة، قد توجت منذ سنوات عديدة ~~ملكة على شئون المطبخ ومشتقاته في دار «النشوة اللذيذة»، وكانت ~~بمثابة الأب الرحيم دونما لحية وفي تنورة منشاة. وكان فكا هذه ~~الطباخة المحترمة الهائلة الحجم المترهلان مملوءين بمادة هوائية ~~وجدت متنفسا لها في عبارات حادة وجهتها إلى «فيدينا» حالما ~~وقع بصرها عليها: «ها، عاهرة فاجرة أخرى، حسنا، من أين أتت هذه؟ ~~وما هذا الذي تضمه بشدة إلى صدرها؟» # ولم تجرؤ الفتيات الثلاث على الكلام، رغم أنهن لم يعرفن لذلك ~~سببا، وأفهمن الطباخة بالإشارات - مثل وضع يد فوق أخرى، علامة ~~القضبان - أنها قد أتت من السجن. # وكانت ملاحظة المرأة بعد ذلك: «كلبة قذرة!» ثم أضافت حين خرجت ~~الأخريات: «ينبغي أن أعطيك سما بدلا من أن أعطيك طعاما! هاك، ~~خذي هذا، وذاك!» ووجهت إليها عدة ضربات بسيخ اللحم على ~~ظهرها. # وجلست «فيدينا» على الأرض تحمل جثمانها الصغير، دون أن ترد أو ~~تفتح عينيها. كانت قد حملته مدة طويلة في نفس الوضع حتى إنها لم ~~تعد تشعر بثقله. وأخذت «مانويلا» تروح هنا وهناك، مشوحة بيديها ~~وهي ترسم علامة الصليب. ولاحظت في مرواحها ومجيئها وجود رائحة ~~كريهة في المطبخ. وعادت من ناحية الحوض تحمل طبقا، وبدأت - بلا ~~انتظار - تركل «فيدينا» وهي تصيح بها: «إن معك شيئا نتنا يفوح ~~بالرائحة الكريهة. ألقيه بعيدا عن هنا! تخلصي منه فإني لا أريده ~~هنا!» # وجاءت السيدة تشون إلى المطبخ على صيحات «مانويلا»، وتعاونا ~~معا كأنهما يقتلعان شجرة في فتح ذراعي المرأة البائسة. بيد أنها ~~حين أدركت ms135 أنهما ينتزعان طفلها منها، فتحت عينيها وأطلقت صرخة حادة ~~ثم سقطت مغشيا عليها. # وصاحت «مانويلا»: إنه الطفل الذي تفوح منه الرائحة. إنه ميت! يا ~~للهول! ولم تحر ذات السن الذهبية منطقا، وبينما العاهرات يتدفقن ~~إلى المطبخ جرت إلى الهاتف كيما تخطر السلطات. كانت كل واحدة تريد ~~أن ترى الطفل وتقبله؛ وغطينه بالقبلات وتنازعن عليه فيما بينهن. ~~كان الوجه المغضن الصغير مقنعا برضاب الرذيلة، وكانت قد أخذت ~~تنبعث منه رائحة كريهة. وامتلأ المكان بالبكاء وبالحديث عن إجراءات ~~إقامة جنازة للطفل. وتوجه الماجور «فارفان» لاستخراج تصريح الدفن ~~من الشرطة. وأخليت أكبر حجرات النوم الخاصة من الأثاث، وأحرقوا ~~فيها البخور لطرد رائحة المني العفنة من الستائر والسجاجيد، ~~وأحرقت «مانويلا» قطرانا في الطبخ، ووضعوا الطفل على صفحة سوداء ~~من الميناء وسط الورود والكتان حيث رقد مقعيا على نفسا، جافا ~~مصفرا، كبذرة نبات لبلابي. # لقد بدون جميعا كما لو كانت كل واحدة منهن قد فقدت طفلا تلك ~~الليلة. كانت أربع شمعات تحترق. ورائحة فطائر الذرة والبراندي، ~~ولحم عليل، وأعقاب سجائر ونبيذ. # وكانت ثمة امرأة نصف مخمورة، وأحد ثدييها عار، تمضغ سيجارا ~~بدلا من أن تدخنه، ظلت تردد وسط أنهار من الدموع: # نم يا صغيري نم. # نم يا حبيبي الوليد! # وإلا سيأتي الذئب، # ليأكلك! # نم يا حياتي نم! # لأن علي أن أذهب الآن؛ # لأغسل لك اللفائف، # وأجلس أحيك لك الثياب. # الفصل الثالث والعشرون # | تقرير عن الرسائل الموجهة إلى السيد ~~الرئيس # (1) # السيدة «اليخاندرا»، أرملة المرحوم «بران»، القاطنة في ~~هذه المدينة، وصاحبة حانوت الأثاث المسمى «لابايينا ~~فرانكا»، تقرر أنه لما كان محلها مجاورا لحانة ~~«الخطوتان»؛ فقد كان بوسعها أن ترى عدة أشخاص يترددون ~~على تلك الحانة، خاصة بالليل، بحجة زيارة إحدى المريضات. ~~وهي تتشرف بإحاطة السيد الرئيس علما بهذه الوقائع؛ إذ ~~يبدو لها - من المحادثات التي سمعتها عبر الحائط - أن ~~الجنرال «إيوسبيو كاناليس» قد يكون مختبئا في تلك الحانة، ~~وأن الأشخاص الذين يترددون على ذلك المكان يتآمرون ضد ~~سلامة الدولة وعلى حياة السيد الرئيس الغالية. ~~(2) ~~«سوليداد بلماريس»، القاطنة ms136 في هذه المدينة، تقرر أنها ~~لم تعد تجد ما تقتات به؛ لأن مواردها قد نفدت. ولما كانت ~~غريبة عن هنا ولا يمكن لأحد أن يقرضها نقودا، فإنها ترجو ~~السيد الرئيس أن يفرج عن ابنها «مانويل بلماريس» وعن زوج ~~أختها «فيديريكو أورنيروس ب». وأن الوزير المفوض بسفارة ~~بلدها هنا يمكنه أن يشهد أنه لا صلة لهما بالسياسة، ~~وأنهما ما جاءا هنا إلا ليكسبا عيشهما بالعمل الشريف، وأن ~~جريمتهما الوحيدة أنهما قبلا توصية من الجنرال «إيوسبيو ~~كاناليس» لمساعدتهما في الحصول على وظيفة في محطة السكك ~~الحديدية. ~~(3) # الكولونيل «برود نسيو بيرفكتو باز» يقرر: أن الرحلة ~~التي قام بها مؤخرا إلى الحدود كانت تهدف إلى التعرف على ~~حالة الأراضي والطرق والممرات البرية هناك لتحديد المواضع ~~التي ينبغي اتخاذ مزيد من الإجراءات بشأنها. وهو يعطي ~~وصفا تفصيليا لخطة؟؟ حملة يمكن القيام بها في نقاط ~~إستراتيجية ملائمة في حالة حدوث حركة ثورية، وهو يؤكد ~~نبأ تطوع أفراد عند الحدود لذلك الغرض، وأن منهم «خوان ~~لليون بارادا» وغيره، وأنهم يحوزون أسلحة من النوع التالي: ~~قنابل يدوية، رشاشات يدوية، بنادق محدودة المدى، ديناميت ~~وغيره من لوازم زرع الألغام؛ وأن الثوار لديهم ما بين 25 ~~و30 رجلا مسلحا بإمكانهم الهجوم على قوات الحكومة ~~المرابطة هناك. ولم يكن بإمكانه تأكيد خبر أن «كاناليس» هو ~~قائدهم، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإنهم بلا شك سيقومون ~~بغزو بلدنا ما لم نتخذ الإجراءات الدبلوماسية لتسليم هؤلاء ~~الثوار من البلد المجاور. ويضيف أيضا أنه مستعد لتنفيذ ~~الهجوم المحدد له بداية الشهر القادم، بيد أنه يفتقر إلى ~~أسلحة لفرقة المشاة، وليست لديه ذخيرة كافية، وأنه ~~باستثناء بعض المرضى الذين يحتاجون رعاية طبية، فإن قواته ~~بحالة طيبة، وأنهم يتلقون تدريبا من السادسة إلى الثامنة ~~صباح كل يوم، ويخصص لغذائهم رأس من الماشية كل أسبوع، ~~وأن الموقع أدناه قد طلب أكياسا من الرمل من الميناء ~~لبناء تحصينات. ~~(4) ~~«خوان أنطونيا ماريس» يشكر السيد الرئيس على الاهتمام ~~الذي تفضل بإبدائه نحوه، بتوفير الرعاية الطبية اللازمة ~~له. وهو جاهز الآن ms137 للعودة إلى الخدمة ويرجو الإذن له ~~بالحضور إلى العاصمة للاضطلاع ببعض المهام الناشئة عن ~~معلوماته الخاصة عن الأنشطة السياسية التي يقوم بها ~~المحامي «قابيل كرفخال». ~~(5) ~~«لويس رافيليس م»، يقرر أنه بالنظر إلى مرضه ونقص ~~الوسائل الكفيلة باستعادته لصحته، فإنه يود العودة إلى ~~الولايات المتحدة، حيث يرجو تعيينه في إحدى الوظائف بإحدى ~~قنصليات الجمهورية، لا في «نيواورليانز»، وليس بموجب ~~الظروف السابقة، بل بوصفه صديقا مخلصا للسيد الرئيس. ~~وكان من حسن حظه أن أدرج اسمه في جدول المقابلات في نهاية ~~يناير الماضي، ولكنه حين كان في الصالون وعلى وشك الدخول، ~~لاحظ وجود شيء من الريبة من جانب ضباط الحراسة، الذين ~~عدلوا موضع اسمه في القائمة، وحين حل دوره، أخذه ضابط ~~إلى حجرة مجاورة حيث فتشه كأنما هو فوضوي، وقال له إنه ~~يفعل ذلك بناء على إخبارية بأن المحامي «قابيل كرفخال» قد ~~دفع له مالا كيما يقوم باغتيال رئيس الجمهورية. ولدى ~~عودته إلى الصالون، وجد أن مقابلته قد ألغيت، ورغم أنه ~~بذل منذئذ كل ما في وسعه كيما يقابل السيد الرئيس ليطلعه ~~على بعض الأشياء التي لا يمكن تسطيرها على الورق، فإنه لم ~~ينجح في ذلك المسعى. ~~(6) ~~«نيقوميدس آسيتونو» يكتب مقررا أنه في طريق عودته ~~إلى العاصمة بعد إحدى رحلاته العديدة التي تحمله إليها ~~أعماله، لاحظ أن الملصق الإعلاني المربوط إلى خزان المياه ~~- والذي يظهر فيه اسم السيد الرئيس - قد دمر كله تقريبا؛ ~~إذ نزعت عنه ستة حروف وخربت حروف أخرى فيه. ~~(7) ~~«لوسيو فاسكيز» المقبوض عليه في السجن المركزي بأمر ~~المدعي العسكري العام، يرجو مقابلة السيد الرئيس. ~~(8) ~~«كاتارينو ريخيسيو» يقرر أنه يدير عقار «لاتييرا» ~~المملوك للجنرال «إيوسبيو كاناليس»، وأنه في أحد أيام شهر ~~أغسطس الماضي زار ذلك السيد أربعة أصدقاء، أعلن لهم (وهو ~~في حالة سكر) أنه إذا اندلعت الثورة فثمة كتيبتان تحت ~~أمره: واحدة تأتمر بأمر أحد أصدقائه هو الميجور «فارفان»، ~~والأخرى لأحد العمداء لم يذكر اسمه. ولما كانت شائعات ~~الثورة لا تزال تتردد، فإن الموقع أدناه يكتب لإبلاغ ~~السيد الرئيس بهذا؛ ms138 نظرا لأنه لم يتمكن من مقابلته ~~لإبلاغه بذلك شخصيا، رغم مساعيه العديدة لهذا ~~الغرض. ~~(9) # الجنرال «ميغاديو رايون» يرفق خطابا تلقاه من القس ~~«بلاس كوستديو» يقرر فيه أن الأب «أوركيخو» يفتري عليه ~~الشائعات (حيث إنه سيخلف الأب في رئاسة أبرشية «سان لوقا» ~~بأمر من الأسقف) ويثير عليه السكان الكاثوليك بأكاذيبه، ~~تعاونه السيدة «أركاديا دي أيوسو». ولما كان وجود الأب ~~«أوركيخو» في الأبرشية يمكن أن تترتب عليه عواقب وخيمة، ~~وهو صديق للمحامي «قابيل كرفخال»، فإن الموقع أدناه ~~يتشرف بإحاطة السيد الرئيس علما بهذه الوقائع. ~~(10) ~~«الفريدو توليدانو» من هذه المدينة، يقرر أنه نظرا لأنه ~~يعاني من الأرق ولا ينام إلا في ساعة متأخرة من الليل، ~~فإنه قد فاجأ أحد أصدقاء السيد الرئيس - هو «ميغيل ذو ~~الوجه الملائكي»، يقرع بعنف على باب منزل السيد «خوان ~~كاناليس»، شقيق الجنرال المسمى بنفس اللقب، والذي دأب ~~أيضا على انتقاد الحكومة. وهو يبلغ السيد الرئيس بذلك ~~عله يجد فيه ما يهمه. ~~(11) ~~«نيقوميدس آسيتونو» وكيل أعمال متنقل، يقرر أن الرجل ~~الذي محا اسم السيد الرئيس من على ملصق خزان المياه هو ~~«غيرمو ليزازو» المحاسب، وهو في حالة سكر. ~~(12) ~~«كاسيميرو ريبيكولونا» يقرر أنه سيتم قريبا سنتين ~~ونصفا من الاعتقال في مركز الشرطة الثاني؛ وإنه لما كان ~~فقيرا ولا أقارب يشفعون له، فإنه يرجو من السيد الرئيس ~~أن يتكرم بالأمر بإطلاق سراحه، وأن الجريمة المتهم بها ~~هي أنه أزال إعلانا عن ذكرى والدة السيد الرئيس من على ~~باب الكنيسة التي يعمل مساعدا للقس بها، بناء على تحريض ~~من أعداء الحكومة، يقول إن تلك التهمة غير صحيحة، وإنه ~~إن كان قد فعل ذلك فلأنه قد خلط بين الإعلان وبين إعلان ~~آخر، حيث إنه أمي لا يقرأ ولا يكتب. ~~(13) # الدكتور «لويس بارينيو» يرجو من السيد الرئيس الإذن له ~~بالسفر إلى الخارج بغرض البحث والدراسة، بصحبة ~~زوجته. ~~(14) ~~«أديلايدا بنيال» نزيلة دار الدعارة الرسمية المسماة ~~«النشوة اللذيذة» في هذه المدينة، ترغب في إبلاغ السيد ~~الرئيس أن الميجور «مودستو فارفان» قد أخبرها حين كان ~~مخمورا أن ms139 الجنرال «إيوسبيو كاناليس» هو الجنرال الوحيد ~~الأصيل في الجيش، وأن المصيبة التي حلت به إنما ترجع إلى ~~خوف السيد الرئيس من القادة الأكفاء، وأن الثورة ستنتصر ~~في النهاية رغم كل شيء. ~~(15) ~~«مونيكا بردومينو» المريضة في المستشفى العمومي، في ~~السرير رقم 14 في عنبر «سان رافاييل»، تقرر أنها لما كان ~~سريرها مجاورا للمريضة «فيدينا روداس»، فإنها قد سمعتها ~~تتحدث عن «الجنرال كاناليس» في هذيانها، وإنه نظرا إلى ~~أنها هي نفسها مريضة فإنها لم تفهم ما قالته المذكورة، ~~ولكن قد يكون مستصوبا أن يقوم شخص بمراقبة ما تقول ويكتب ~~ملاحظات به. وترسل الموقعة أدناه هذه الإخبارية إلى ~~السيد الرئيس انطلاقا من إعجابها الفائق بحكمه. ~~(16) ~~«توماس جافيلي» يعلن زواجه من الآنسة «آركلينا سواريز»، ~~ويرغب في تكريس هذا الزواج للسيد رئيس الجمهورية. # 28 أبريل ... # الفصل الرابع والعشرون # | دار الدعارة # - تعالي هنا يا فتاة ... ~~- ولماذا هنا وليس هناك ... ~~- ماذا دهاك؟ ~~- دهاني ما دهاني ... # وصرخت ذات السن الذهبية في الفتيات: اصمتن حالا، اصمتن، ما ~~هذا؟ منذ يبزغ الفجر وهن هنا يتحادثن ويتشاجرن؛ إنهن كالحيوانات ~~التي لا تفهم. # وكانت صاحبة الفخامة ترتدي بلوزة سوداء وتنورة أرجوانية، جالسة ~~تهضم عشاءها في مقعد من الجلد وراء نضد البار. # وبعد برهة، وجهت كلامها إلى خادمة ذات بشرة نحاسية وضفائر ~~مجدولة لامعة: «بانتشا»، اذهبي وقولي للفتيات أن يأتين إلى هنا، ~~فهذا لا يصح، فالزبائن قد يحضرون في أي لحظة، ولا بد أن يكن هنا ~~جاهزات ينتظرن! دائما علي أن أكون وراءهن في كل شيء! # ودخلت فتاتان تجريان إلى الغرفة لا ترتديان في أقدامهن إلا ~~الجوارب. ~~- كفى ضجيجا يا «كونسيلر». آه. يا لهما من جميلتين صغيرتين! ~~انظر إلى لعبهما! واسمعي يا «أدلايدا» - «أدلايدا»، إنني أتحدث ~~إليك - إذا حضر الميجور من الأفضل أن تخلعي عنه سيفه مقابل ما عليه ~~من ديون لنا. كم بلغت ديونه أيها القرد العجوز؟ # فرد البارمان: تسعمائة بالضبط، بالإضافة إلى ستة وثلاثين أعطيتها ~~له بالأمس. ~~- إن السيف لا يساوي كل هذا، حتى ولو كان من ذهب، ومع ذلك ~~فإنه ms140 أفضل من لا شيء. «أدلايدا»، إنني أتحدث إليك لا إلى ~~الحائط! # فردت «أدلايدا» بين ضحكة وأخرى: أجل يا سيدة «تشون»، أجل إني ~~أسمعك. # ثم واصلت لعبها مع رفيقتها التي كانت قد أمسكتها من ~~شعرها. # وجلست تشكيلة النساء اللائي تعرضهن دار «النشوة اللذيذة» هنا ~~وهناك على الأرائك القديمة صامتات. كان هناك من كل نوع: سمينات، ~~نحيفات، متقدمات في السن، شابات، طويلات، قصيرات، مراهقات، وديعات، ~~نفورات، شقراوات، حمراوات الشعر، سوداوات الشعر، صغيرات العين، ~~واسعات العين، بيضاوات، سمراوات، خلاسيات. ورغم أن كل واحدة كانت ~~تختلف عن الأخرى، فقد يبدون جميعا متشابهات، فقد كانت رائحتهن ~~واحدة، تفوح منهن رائحة الرجل، كلهن الرائحة اللاذعة للمحار ~~العتيق. وكانت أثداؤهن تترجرج هنا وهناك داخل قمصانهن القطنية ~~الصغيرة الرخيصة، كأنها تكاد تكون سائلة. وحين يجلسن في استرخاء ~~منفرجات الفخذ، فإنهن يبن عن سيقان نحيلة كمواسير تصريف المياه، ~~وأربطة جوارب زاهية اللون، وسراويل إما حمراء مطرزة بشريط أبيض، ~~أو وردية خفيفة مطرزة بشريط أسود. # كان انتظار الزبائن يملؤهن بالقلق. كن ينتظرن كالمهاجرين، ~~وفي عيونهن تعبير حيواني، يجلسن في مجموعات أمام المرايا. ويعمد ~~بعضهن دفعا للضجر، إلى النوم، والبعض إلى التدخين، بينما يأكل ~~البعض حبات النعناع، ويحصي البعض بقع بقايا الذباب على الورق ~~الأزرق والأبيض الذي يزين السقف. كانت المتعاديات منهن ~~يتشاجرن، بينما الصديقات يلاطفن بعضهن بعضا في وهن وقلة ~~حياء. # وكن لهن جميعا تقريبا ألقاب غير أسمائهن؛ فالفتاة ذات العينين ~~الواسعتين تدعى الغزالة، فإذا كانت قصيرة فهي الغزالة القصيرة، ~~وإذا كانت متقدمة في السن ممتلئة فهي الغزالة الكبيرة. أما ~~الفتاة ذات الأنف المرتفع إلى أعلى فهي الرومانية، والسمراء هي ~~الأسمرانية، والخلاسية: الداكنة، والفتاة ذات العيون المائلة: ~~الصينية، والشقراء: قطعة السكر، والفتاة التي تتكلم بصعوبة: ~~المتهتهة. # وإلى جانب هذه الألقاب العامة، كانت هناك أيضا ألقاب الناقهة، ~~والخنزيرة، وذات القدم المفلطحة، وذات اللسان الذي يقطر عسلا، ~~والقردة، والدودة الشريطية، والحمامة، والقنبلة، والجبانة، ~~والطرشاء. # وكان بضعة رجال يفدون في الساعات الأولى من الليل ليتسلوا بعض ~~الوقت بأحاديث العشق مع أي من الفتيات ms141 غير المنشغلات وتقبيلهن ~~ومداعبتهن مداعبات ثقيلة. كانوا دائما متحذلقين مفلسين. وكانت ~~السيدة «تشون» تتوق إلى طردهم؛ لأنهم قد اقترفوا في نظرها جريمة، ~~هي أنهم فقراء، ولكنها كانت تتحملهم إكراما «للملكات». يا ~~للملكات المسكينات! إنهن قد علقن بهؤلاء الرجال - الذين ~~يستغلونهن مقابل الحماية ويخدعونهن باسم الحب. انطلاقا من ~~توقهن للحب والإحساس بوجود رجل يتملكنه. # وكان بعض الصبية يحضرون أيضا في مطالع الليل. كانوا يأتون ~~يرتعدون، لا يكادون يقدرون على الكلام، يتحركون في وجل كالفراشات ~~زائغة البصر، ولا يستردون أنفاسهم إلا بعد أن يخرجوا إلى الطريق. ~~صيد سهل. طائعون لا يخادعون؛ «مساء الخير»، «لا تنسيني». وبدلا ~~من الإثم والاستئساد اللذين يدخلون بهما إلى الماخور، يخرجون ~~بمذاق كريه في أفواههم، وذلك الخور اللذيذ الناتج عن الضحك مع ~~امرأة والتقلب في أحضانها. آه، ما أحلى الابتعاد عن هذا المنزل ~~العفن! ويستنشقون الهواء كما لو كان عشبا ناضرا زاهرا، ويحدقون ~~في النجوم كأنما هي تعكس قوتهم وفتوتهم. # وبعد ذلك يتقاطر على المنزل الزبائن الجادون: رجل أعمال محترم، ~~متحمس مستدير البطن وقدر هائل من اللحم يحيط بتجويف صدره؛ ثم ~~موظف في أحد المحلات يضم الفتيات إليه كما لو كان يقيس القماش ~~بالمتر، بعكس الطبيب الذي يبدو كما لو كان يفحص صدورهن بالسماعة، ~~وصحافي يترك دائما شيئا وراءه كرهن حتى ولو كان قبعته. ~~ومحام يشبه القط وزهرة الجيرانيوم في آن واحد بمظهره ووداعته ~~المبتذلة غير المريحة. وريفي ذو أسنان بيضاء كالحليب. وموظف ~~حكومي محني الكتفين غير جذاب للنساء، وتاجر بدين، وصانع يعبق ~~برائحة جلد الماشية. والثري الذي يتلمس بين حين وآخر محفظته ~~وساعته وخواتمه. وكيميائي يفوق الحلاق تحفظا وإن كان يقل عن ~~طبيب الأسنان أدبا. # ومع انتصاف الليل تكون الحجرة في حالة هياج وفوران. فالرجال ~~والنساء يستخدمون ألسنتهم لإذكاء عواطف الآخرين. قبلات. تلاق ~~شهواني للأجساد والرضاب، بالتناوب مع العض، استئمان مع ضربات، ~~ابتسامات مع قهقهات مفاجئة فجة، فرقعة فلينة زجاجات الشمبانيا مع ~~فرقعة الرصاص حين يكون حاضرا شجاع مخمور. # وصاح رجل مسن وهو يرتكز بمرفقيه على منضدة، ms142 وعيناه تطوفان ~~هنا وهناك، وقدماه تتحركان في قلق، وشبكة من العروق نافرة في ~~جبهته المتوهجة: «هذه هي الحياة حقا!» # وزاد حماسه فسأل واحدا من ندمائه: هل أستطيع الذهاب مع تلك ~~المرأة هناك؟ ~~- لم لا أيها الشيخ، إنهن هنا لهذا الغرض. ~~- وتلك الأخرى التي هناك، إنني أفضلها. ~~- حسنا، بإمكانك الذهاب معها أيضا. # وكانت ثمة فتاة سمراء تعبر الحجرة عارية القدمين على نحو ~~مثير. ~~- وتلك التي تسير هناك؟ ~~- أي واحدة؟ الخلاسية السمراء؟ ~~- ما اسمها؟ ~~- «أدلايدا»؛ إنهم يلقبونها بالخنزيرة. ولكني لم أكن لأذهب ~~معها، لأنها فتاة الميجور «فارفان». أظن أنه يحتكرها. # ولاحظ الشيخ في صوت خفيض: الخنزيرة! انظر كيف تلاطفه! # كانت الفتاة تستغل كل فنون احتيالها كيما يفقد الميجور عقله؛ فهي ~~تحدق إليه عن قرب بعينيها الساحرتين، اللتين زادهما التكحل ~~جمالا، واستنفدت قواه بشفتيها الممتلئتين ولسانها، كأنما هي تلصق ~~طوابع بريد، وبثقل ثدييها الدافئن وبطنها الرخو. # وهمست «الخنزيرة» في أذن الميجور فارفان: «اخلع عنك هذا العبء.» ~~ثم خلعت عنه السيف دون انتظار جوابه، وأعطته للبارمان. # ومر قطار من الصيحات بأقصى سرعة عبر الحجرة من خلال أنفاق كل ~~آذان الحاضرين فيها، وواصل سيره مسرعا ... # كان الأحباب يرقصون اثنين اثنين على وقع الموسيقى وخارج وقعها، ~~بحركات حيوانات ذات رأسين. وكان ثمة رجل قد صبغ وجهه كالنساء يعزف ~~على البيانو. كان فمه والبيانو على السواء ينقصهما بعض الأسنان. ~~وكان يرد على من يسأله لماذا يصبغ وجهه: «لأنني لعوب، لعوب بصورة ~~فظيعة، وفي غاية الرقة.» ويضيف كي يترك أثرا أفضل لدى سامعيه: ~~«إن أصدقائي ينادونني «بيب» أما الفتيان فيسمونني «البنفسجة». ~~وأنا أرتدي قميصا رياضيا مقور الصدر، رغم أنني لا ألعب التنس، ~~كيما أظهر صدري الناعم، وأضع «مونوكلا» لزوم الأناقة، وسترة من ~~الفراك لأنني شارد الذهن. وأستخدم الأصباغ وأحمر الشفاه (آه، ما ~~أشد شرور الناس الذين يسيئون الظن) كيما أخفي بثور الجدري من على ~~وجهي، فهي هناك وستبقى هناك كقصاصات الكرنفال الورقية. أوه، حسنا، ~~لا أهمية لذلك، لأنني قد تعودت عليه!» # ومر بالحجرة قطار من ~~الصيحات بأقصى سرعة. ms143 وتحت عجلاته القاطعة، بين الكباس والتروس، ~~رقدت امرأة مخمورة تتلوى ألما، ووجهها بلون نخالة الخبز. كانت ~~تضغط بيديها على حقويها في حين سالت دموعها فأزالت الأصباغ من على ~~وجنتيها وشفتيها: آه يا مبايضي! آه يا مبايضي! آه يا مبااااايضي! ~~آه ... مبايضي! آه ... مبايضي، آه! # وهرع كل شخص، عدا أولئك المخمورين إلى درجة لا تمكنهم من الحركة ~~إلى الانضمام للمجموعة التي تحلقت لترى ما يحدث. وفي الفوضى التي ~~ضربت أطنابها في المكان، حاول الرجال المتزوجون أن يروا ما إذا ~~كان أحد قد هاجم المرأة، حتى يكون بإمكانهم الهرب قبل أن تأتي ~~الشرطة، في حين لم ينظر الآخرون إلى الأمر بهذه الخطورة وجروا هنا ~~وهناك حتى يحتكوا بالفتيات وسط الهرج والمرج. # وكانت المجموعة تتزايد حول المرأة التي رقدت تتلوى وترتجف ~~وعيناها تدوران في محجريهما، بينما تدلى لسانها إلى خارج فمها. وفي ~~قمة الأزمة، انخلعت أسنانها الصناعية، وسرى هياج محموم بين ~~النظارة، بينما تعالت ضحكة حين سقطت أسنانها فجأة على الأرض ~~العارية. # ووضعت السيدة «تشون» حدا لهذا المشهد الشائن. كانت مشغولة هناك ~~في الداخل وهرعت للمساعدة كالدجاجة السمينة التي تقاقي خلف فراخها؛ ~~وأمسكت بالمرأة المسكينة من أحد ذراعيها ومسحت بها الأرض وهي ~~تجذبها حتى المطبخ، حيث تعاونت معها «مانويلا» في وضعها في مخزن ~~الفحم، بعد أن عاجلتها الطباخة ببعض ضربات من السيخ ~~الحديدي. # واستغل الشيخ الذي أغرم بالخنزيرة الفوضى التي دبت فانتزعها من ~~الميجور، الذي كان مخمورا جدا لدرجة لم يشعر معها بأي شيء. ~~وصاحت ذات السن الذهبية حين عادت من المطبخ: يا لها من كلبة قذرة، ~~هه، أيها الميجور «فارفان». إن مبايضها لا تؤلمها حين يحين وقت ~~الأكل والنوم طوال اليوم؛ إن ذلك مثل الجندي الذي يشعر عند بداية ~~المعركة بالذات بآلام في ...! # وغرقت عبارتها في انفجار ضحكات مخمورة. كانوا يضحكون كأنما ~~يبصقون عسلا مخلوطا ب «الأنيس». وفي هذه الأثناء، تحولت السيدة ~~«تشون» إلى البارمان وقالت له: لقد أردت أن أستعيض عن هذه ~~المتوحشة العنيدة بالفتاة الجميلة التي أحضرتها من سجن ~~«كاسانويفا» ms144 أمس. يا للخسارة إنها قد راحت من بين يدي! ~~- آه، أجل، إنها كانت فتاة رائعة! ~~- لقد قلت للمحامي إن عليه أن يحمل المدعي العسكري العام على ~~إعادة نقودي لي. لن يستولي ابن العاهرة هذا على العشرة آلاف بيزو ~~التي أعطيتها له. لست أنا من يفعل معها ذلك، هذا المجنون! ~~- إنك على حق تماما. ولكني علمت أن ذلك المحامي ليس فوق مستوى ~~الشبهات. ~~- إنهم كلهم جماعة من المجرمين القذرين! ~~- وهو بارع جدا في أساليب المساومة! ~~- قل فيه ما تشاء. ولكني أعدك بشيء واحد: لن يلدغني المدعي ~~العام مرتين. لو أنه يظن أن بإمكانه أن «يلهف» النقود مني هكذا ~~...! # ولم تكمل عبارتها واتجهت إلى النافذة لترى من يطرق الباب. ~~وصاحت بصوت عال للرجل الواقف على الباب، يستحم في ضوء القنديل ~~الأرجواني، ولفاعه مرفوع حتى عينيه: «يا لجميع الملائكة ~~القدسيين! تحدث عن الشيطان تره!» # ثم توجهت دون أن ترد على تحيته كي تخبر البوابة أن تفتح الباب ~~على الفور. ~~- أسرعي وافتحي الباب يا «بانشا». أسرعي! افتحي بسرعة، إنه السيد ~~«ميغيل»! # كانت السيدة «تشون» قد عرفته بحدسها الفائق وأيضا من عينيه ~~الشيطانيتين. ~~- حسنا، يا لها من معجزة! # وبينما كان ذو الوجه الملائكي يحييها، جال بعينيه في الحجرة، ~~واطمأن حين رأى شخصا قابعا عرف فيه الميجور «فارفان»، وثمة خيط ~~من اللعاب يسيل من فمه المفتوح. ~~- معجزة كبرى؛ لأنه ليس من عادتك أن تزورنا نحن البسطاء. ~~- كلا يا سيدة «تشون»، لا تقولي ذلك. ~~- لقد جئت في وقتك. إنني كنت أتضرع لتوي للقديسين كيما ~~يساعدوني في ورطة وقعت فيها، ولقد أرسلوك لي! ~~- حسنا، إنني دائما تحت أمرك كما تعلمين. ~~- شكرا. سأحكي لك عن ورطتي، ولكن يجب أولا أن تشرب ~~شيئا. ~~- لا تتعبي نفسك ... ~~- ليس هناك من تعب. كأس صغير ليس إلا، كأس صغير مما تحب، مما ~~تريد. برهان على حسن النية! كيف تريد الويسكي؟ ولسوف أقدمه لك ~~في جناحي الخاص؛ تعال معي. # وكان جناح ذات السن الذهبية منفصلا تماما عن بقية الدار، وبدا ~~كأنه عالم بحاله. مناضد، ms145 صوانات بأدراج، بوفيهات، كلها مزدحمة ~~باللوحات والتماثيل والصور والآثار الدينية. وكانت ثمة لوحة ~~للعائلة المقدسة تلفت الأنظار بحجمها الهائل والمهارة التي رسمت ~~بها. كان يسوع الطفل في طول زنبقة بيضاء، وكان ما ينقصه أن يتكلم. ~~وكان على الجانبين صورة رائعة للقديس يوسف مع العذراء في رداء ~~مرصع بالنجوم. وكانت العذراء مزدانة بالجواهر، في حين يرفع ~~القديس كأسا مرصعة بياقوتتين، كل منهما تساوي ثروة. وفي داخل ~~صندوق زجاجي، كان ثمة تمثال ليسوع أسمر البشرة يحتضر، مغطى ~~بالدماء، وفي صندوق زجاجي آخر عريض محاط بالأصداف كان ثمة تمثال ~~للعذراء صاعدة إلى السماء - وهي تقليد بالنحت للوحة «موريللو» ~~المشهورة. وكان أثمن شيء في التمثال هو الأفعى المصنوعة من الزمرد، ~~التي تقعي عند قدمي العذراء. وبين الصور المقدسة كانت هناك لوحات ~~للسيدة «تشون» (والاسم تصغير لاسمها الحقيقي وهو «كونسبسيون») في ~~سن العشرين، حين كان ثمة رئيس للجمهورية تحت قدميها، عارضا عليها ~~أن يأخذها إلى «باريس»، فرنسا، وكذلك قاضيان من قضاة المحكمة ~~العليا، وثلاثة جزارين يتقاتلون بالسكاكين في أحد المهرجانات من ~~أجلها. وفي أحد الأركان، بعيدا عن الأنظار، صورة لمن صمد من ~~عشاقها، وهو رجل كثيف الشعر، انتهى به الأمر أن أصبح زوجا ~~لها. ~~- اجلس هنا على الأريكة يا سيد «ميغيليتو»، ستكون مرتاحا ~~هناك. ~~- إنك تعيشين عيشة هنية يا سيدة «تشون». ~~- إني أعمل على راحتي ... ~~- إن المكان، كالكنيسة ... ~~- لا تهزأ بي، لا تسخر من قديسي. ~~- وماذا تريدين مني؟ ~~- اشرب كأسك أولا. ~~- حسنا جدا، في صحتك. ~~- في صحتك يا سيد ميغيليتو. وأرجو أن تغفر لي عدم شربي معك؛ إذ ~~إن معدتي ليست على ما يرام. ضع كأسك هنا، على هذه المنضدة الصغيرة. ~~هنا، ناولني إياه. ~~- شكرا. ~~- حسنا؛ كنت أقول يا سيد «ميغيليتو» إنني في ورطة شديدة ~~ويسعدني أن أسمع نصائحك، ذلك النوع الذي يمكنك وحدك أن تسديها ~~لي. لقد حدث أن أصبحت إحدى النساء التي لدي هنا لا نفع فيها ~~فجأة، لذلك فقد أخذت أبحث عن غيرها. وقال لي أحد أصدقائي إن ثمة ~~سجينة في «كاسا ms146 نويفا» موضوعة هناك بأمر من المدعي العام، فتاة ~~جميلة هي ما أبتغي بالضبط. حسنا، إني أعرف ما يجب عمله، لذلك فقد ~~ذهبت مباشرة إلى محامي - السيد «خوان فيداليتاس» - الذي سبق أن ~~تحصل على بعض النسوة لداري، وجعلته يحرر لي خطابا مناسبا ~~للمدعي العسكري العام، عارضة عشرة آلاف بيزو ثمنا لها. ~~- عشرة آلاف بيزو؟ ~~- أجل. ولم يكذب المدعي العام خبرا، فقد أجابني على الفور أنه ~~موافق، وحالما تسلم النقود (التي أحصيتها بنفسي أوراقا نقدية من ~~فئة 500 بيزو على مكتبه) أعطاني أمرا كتابيا لسجن «كاسانويفا» ~~لتسليمي الفتاة التي أريدها. وقالوا لي هناك إنها سجينة لأسباب ~~سياسية. يبدو أنهم قبضوا عليها في منزل الجنرال «كاناليس». ~~- ماذا تقولين؟ # كان ذو الوجه الملائكي يتابع قصة ذات السن الذهبية بعدم اكتراث، ~~مرهفا أذنيه للباب كيما يتأكد من عدم مغادرة الميجور «فارفان» ~~للمكان دون علمه (ذلك أنه كان قد بحث عنه ساعات طويلة) ولكنه حين ~~سمع اسم «كاناليس» بدا وكأن شبكة من الأسلاك الدقيقة قد نشرت فجأة ~~أمامه. لا بد أن هذه المرأة التعسة هي المربية «تشابيلا» التي ~~ذكرتها كميلة في هذيانها المحموم. ~~- آسف أن أقاطعك ... ولكن أين هذه المرأة الآن؟ ~~- سوف آتي لذلك، ولكن دعني أكمل قصتي. أخذت أمر المدعي العام ~~وذهبت بنفسي مع ثلاث فتيات لإحضارها من «كاسانويفا». لم أكن أريد ~~أن يخدعوني ويعطوني أخرى أقل منها شأنا. وقد ذهبنا في عربة أخرى ~~حتى نكون مستريحات. وهكذا وصلنا، وأعطيتهم الأمر، وفحصوه وقرءوه ~~جيدا، وأحضروا الفتاة، وسلموها لي، وباختصار، أحضرناها معنا هنا ~~حيث كان الجميع في انتظارها وأحبوها لأول وهلة. كل شيء على ما ~~يرام حتى الآن، هه، يا سيد ميغيليتو. ~~- وأين وضعتموها؟ # كان ذو الوجه الملائكي يود أن يأخذها من هنا في هذه الليلة ~~ذاتها. وبدت له الدقائق أعواما إذ كانت هذه المرأة العجوز تحكي ~~قصتها. ~~- إنكم جميعا سواء أيها الشبان المغرمون! ولكن دعني أكمل لك. ~~بعد أن تركنا «كاسانويفا» لاحظت أن تلك المرأة ترفض أن تفتح عينيها ~~أو أن تنطق حرفا. كنا كأنما ms147 نتحدث إلى جدار صامت. ظننت أنها تلعب ~~علينا لعبة أو شيئا من هذا القبيل. والأدهى أنني لاحظت أنها كانت ~~تحتضن رزمة في حجم طفل صغير بين ذراعيها. # واستطالت صورة كميلة في ذهن ذي الوجه الملائكي إلى أن انقسمت ~~نصفين كحرف ثمانية، بالسرعة التي تنفجر بها فقاعة الصابون عند ~~لمسها. ~~- طفل صغير؟ ~~- أجل، واكتشفت طباختي «مانويلا كالفاريو كريستاليس» أن ما كانت ~~المرأة التعسة تهدهده بين ذراعيها هو طفل صغير ميت قد بدأ يتعفن. ~~ونادتني فجريت إلى المطبخ وتعاونا نحن الاثنتين في انتزاعه منها ~~بالقوة، ولكن ما كدنا نفتح ذراعيها - وقد كادت «مانويلا» أن ~~تكسرهما - ونأخذ الطفل الميت منها حتى فتحت عينيها على اتساعهما ~~كالميت يوم القيامة، وأطلقت صرخة لا بد أنها وصلت حتى السوق، وسقطت ~~سطيحة على الأرض. ~~- ميتة ؟ ~~- لقد ظننا ذلك برهة. ثم جاءوا وأخذوها، ملفوفة في إحدى ~~الشراشف إلى مستشفى القديس «خوان الإلهي». لم أكن أريد رؤية ذلك ~~المنظر، فقد أرعبتني حالتها. وقالوا إن الدموع أخذت تنسال من ~~عينيها المغلقتين كأنها ذلك الفائض من المياه التي لا نفع فيها ~~لأحد. # وتوقفت السيدة «تشون» لالتقاط أنفاسها ثم تمتمت: لقد سألت عنها ~~الفتيات اللاتي كن في زيارة للمستشفى ذلك الصباح، ويبدو أنها في ~~حالة سيئة. والآن، هذا هو ما يقلقني، فكما يمكنك أن تتصور، لا ~~يمكنني أن أدع المدعي العام يحتفظ بالعشرة آلاف بيزو التي أعطيتها ~~إياه، وإنني أفكر في طريقة أجعله يعيدها لي، فلماذا بحق السماء ~~يستولي على ما هو حقي؟ لماذا بحق السماء؟ إنني أفضل ألف مرة أن أهب ~~هذا المبلغ منحة لدار الفقراء. ~~- يجب على محاميك أن يعيدها لك، أما بشأن هذه المرأة المسكينة ~~... ~~- تماما! ولقد ذهب مرتين اليوم ... آسفة لمقاطعتك، لقد ذهب محامي ~~فيداليتاس مرتين لمقابلته، مرة إلى بيته ومرة إلى مكتبه، وفي كل ~~مرة قال نفس الشيء؛ إنه لن يعيد لي شيئا. ها أنت ترى كيف أن هذا ~~الرجل لص حقير. إنه يقول لو أن بقرة نفقت بعد أن بيعت فإن ~~الخسارة تقع على المشتري وليس ms148 على البائع. إنه يتحدث عن الناس كما ~~لو كانوا حيوانات! هذا ما قال. أوه، حقا إنني أود أن ... # كان ذو الوجه الملائكي صامتا - من تكون هذه المرأة التي بيعت؟ ~~من يكون ذلك الطفل الميت؟ # وظهرت السن الذهبية للسيدة «تشون» وهي تقول متوعدة: آه، ولكن ما ~~أنوي فعله هو أنني سأعطيه علقة لم ينلها في حياته، ولا من أمه. إذا ~~سجنوني فسيكون لأمر رهيب. يعلم الله أن كسب العيش أمر شاق مع وجود ~~هؤلاء الناس الذين يسرقون المرء هكذا! عليه اللعنة ذلك الصعلوك ~~العجوز. لقد قلت لهم بالفعل هذا الصباح أن يلقوا طينا من المقبرة ~~على عتبة دار المدعي العام. سنرى إن كان ذلك يجلب عليه ~~النحس. ~~- وهل دفنوا الطفل؟ ~~- لقد أعددنا جنازا له هنا في هذا البيت. إن الفتيات عاطفيات ~~جدا. وقدمن فطائر الذرة ... ~~- حفل كبير؟ ~~- بالضبط! # والشرطة؟ ماذا فعلت؟ ~~- لقد دفعنا كيما يعطوننا شهادة وفاة. وفي اليوم التالي، دفنا ~~الطفل في الجزيرة في كفن جميل مطرز بالساتان الأبيض. ~~- ألا تخافين وجود أقارب للطفل يطالبون بالجثمان أو يشكون من ~~عدم إبلاغهم بالأمر؟ ~~- هذا يكون القشة التي تقصم ظهر البعير! ولكن ... من ذا الذي ~~سيطالب به؟ إن الأب «روداس» في السجن، والأم في المستشفى كما قلت ~~لك. # وابتسم ذو الوجه الملائكي في سريرته؛ فقد انزاح حمل ثقيل من على ~~نفسه. لا علاقة لذلك الطفل ولا تلك المرأة بكميلة. ~~- بماذا تنصحني يا سيد ميغيليتو؟ إنك ماهر جدا. كيف لي أن أمنع ~~ذلك البخيل العجوز من الاحتفاظ بنقودي؟ إنها عشرة آلاف بيزو، أتذكر ~~ذلك؟ إنه مبلغ ليس بالقليل! ~~- إن نصيحتي هي أن تذهبي لرؤية السيد الرئيس وتشتكي له. اطلبي ~~مقابلة وقصي عليه الحكاية. وثقي أنه سيصحح الوضع؛ إذ إن ذلك من ~~سلطته. ~~- هذا ما فكرت فيه، ولسوف أنفذه. سوف أرسل له غدا برقية عاجلة ~~أطلب مقابلته. ونحن أصدقاء قدماء لحسن الحظ. كان يحبني حين كان لا ~~يزال وزيرا فحسب. لقد كان هذا منذ وقت طويل. كنت شابة وجميلة ~~آنذاك، دقيقة الخصر كعود الخيزران، ms149 مثل تلك الصورة التي هناك. ~~أتذكر أنني كنت أسكن حي «سيليتو» مع أمي - عليها رحمة الله - حين ~~نقر ببغاء عينها فأعماها، هلا سمعت عن مثل سوء حظ كهذا! لا بد أن ~~أعترف أنني قد شويت ذلك الببغاء، وكنت سعيدة تماما بهذا، وأعطيته ~~للكلب، وأكله ذلك الكلب الغبي وأصيب بالسعار لوقته. ولعل أكثر ما ~~أتذكره من تلك الأيام بهجة هو أن البيت كان يقع في الطريق الذي ~~يجب أن تمر به جميع الجنازات في طريقها إلى المقبرة. وكانت الجثث ~~تمر بنا على الدوام كل يوم. لقد كان هذا هو السبب الذي قطع لأجله ~~السيد الرئيس علاقته بي إلى الأبد. لقد كان يخشى الجنازات. أما ~~أنا، فماذا يهمني من ذلك؟ إنها ليست غلطتي. لقد كان كالطفل ~~الصغير، رأسه مليء بالأوهام . كان يصدق أي شيء يقوله له أي شخص، ~~سواء بالخير أو بالشر. كنت في البداية حريصة عليه، واعتدت أن ~~أواصل تقبيله طوال الوقت الذي تستغرقه الجنازات في المرور بمختلف ~~ألوان النعوش أمام المنزل، حتى لا يلحظ مرورها. ولكني مللت من ذلك ~~ولم أعد أفعله. كان أحب شيء إليه أن تلعق له إحداهن أذنه، رغم أن ~~طعمها يكون كريها أحيانا. إن بإمكاني أن أراه الآن، جالسا حيث ~~أنت جالس، ومنديله الحريري الأبيض معقود بعناية وإحكام حول عنقه، ~~وقبعته العريضة، وغطاء حذائه بحوافه الوردية، وحلته ~~الزرقاء. ~~- وبعد ذلك، أظن أنه لا بد وكان قد أصبح رئيسا للجمهورية بالفعل ~~حين كان شاهدا على عرسك؟ ~~- كلا، بالمرة. إن المرحوم زوجي - رحمه الله - لم يكن يهتم بمثل ~~هذه الأشياء. وكان يقول: إن الكلاب وحدها هي التي تحتاج إلى شهود ~~وأناس تحملق فيها حين تتزوج، ثم ينطلق العروسان وخلفهما شريط من ~~الكلاب الأخرى، وكلها سائلة اللعاب متدلية الألسن ... # الفصل الخامس والعشرون # | حاجز الموت # وصل القس على جناح الطير. وقال في نفسه: ثمة أناس على استعداد ~~لأن يهرعوا مقابل جزء من هذا. فماذا هناك أغلى من نفس إنسانية؟ ~~وثمة أناس يفرغون من طعامهم ومعدتهم لا تزال تضج طلبا للمزيد ms150 ~~مقابل جزء من هذا. مع ... دة! إني أؤمن بثلاثة أشخاص منفصلين في ~~الثالوث، وإله حقيقي واحد. ضجيج المعدة ليس هناك، بل هو هنا، عندي، ~~عندي، عندي، عندي، في معدتي، في معدتي، في معدتي ... من معدتك، يا ~~يسوع، ... هناك المائدة جاهزة، المفرش الأبيض، الأطباق البورسلين ~~الناصعة البياض، والخادمة العجفاء ... # وحين دخل القس - تتبعه بعض النسوة من الجيرة من المدمنات حضور ~~مشاهد الاحتضار - انتزع ذو الوجه الملائكي نفسه من رأس السرير الذي ~~تنام عليه كميلة، وبدت وقع خطواته كانتزاع الجذور العميقة من ~~تربتها. وأحضرت صاحبة الحانة كرسيا للقس، ثم انسحب الجميع من ~~الغرفة. # وبدأت تتمتم كلمات الاعتراف الأخير: أنا، الخاطئة، أعترف لله ب ~~... ~~- باسم الأب والابن والروح القدس ... يا ابنتي، كم مضى عليك منذ أن ~~اعترفت آخر مرة؟ ~~- شهران. ~~- وهل أديت طقوس التوبة؟ ~~- أجل يا أبي ... ~~- اسردي خطاياك ... ~~- أعترف يا أبي، أني كذبت ... ~~- بشأن موضوع خطير؟ ~~- كلا. وإني عصيت والدي، و... ~~«تك، تاك، تك، تاك، تك، تاك.» ~~- وأعترف يا أبي، إنني ... ~~«تك، تاك.» ~~- لم أحضر بعض القداسات ... # وبدا كأن الفتاة المريضة والقس الذي تعترف له يتحادثان في قبو ~~تحت الأرض. كان الشيطان والملاك الحارس والموت حاضرين الاعتراف. ~~وأفرغ الموت نظرته الخاوية في عيني «كميلة»، بينما جلس الشيطان عند ~~رأس السرير يبصق عناكب، وبكى الملاك في أحد الأركان، بنشيج طويل ~~منتحب. ~~- وأعترف يا أبي أنني لم أكن أواظب على تلاوة صلواتي في المساء ~~والصباح، وأنني ... ~~«تك، تاك، تك، تاك.» ~~- ... تشاجرت مع أقراني من الفتيات! ~~- حول أمور تتعلق بسمعتك؟ ~~- كلا ... ~~- يا ابنتي، لقد اقترفت إثما عظيما في حق الله ... ~~- وأعترف يا أبي أنني ركبت الجياد كالرجال. ~~- أكان ذلك أمام الناس، وهل سبب ذلك فضيحة؟ ~~- كلا، لم يكن هناك سوى بعض الهنود. ~~- إذن لقد شعرت أن بوسعك القيام بأي شيء يقوم به الرجال. إن هذا ~~أيضا خطيئة كبرى؛ فإن الله تعالى خلق المرأة كي تكون امرأة، ~~وعليها ألا تحاول أن تغير من طبيعتها وتقلد الرجال، فإن هذا هو ~~السير في طريق الشيطان الذي أراد أن ms151 يكون مساويا لله جل ~~شأنه. # وفي الجزء الآخر من الغرفة، أمام النضد الذي غطوه كيما يصبح ~~كمذبح الكنيسة، بما عليه من زجاجات من كل صنف ولون، كان ذو الوجه ~~الملائكي «ولامسكواتا» والجيران ينتظرون، لا ينطقون حرفا بل ~~يتبادلون نظرات مليئة بالخوف والرجاء، ويزفرون سيمفونية من ~~النهدات، ثقيلة بما تحمله من فكرة الموت الخانقة. وأظهر الباب ~~الموارب لمحة من الطريق ساطع النور، وفناء كنيسة «لامرسيد»، وبعض ~~المنازل وحفنة من المارة. وشعر ذو الوجه الملائكي بالألم لرؤية ~~هؤلاء الناس يروحون ويغدون بلا اكتراث رغم أن «كميلة» تحتضر - وهم ~~كحبات رمال ثخينة في غربال شمسي، أشباح تسيطر عليها روح التعقل، ~~مصانع براز متنقلة ... # وجر صوت القس سلاسل صغيرة من الرنين خلال الصمت الذي يسود ~~الحجرة. وسعلت المريضة. وقطع الهواء طبول رئتيها . ~~- أبتاه، إني أعترف بكل الخطايا الصغيرة والكبيرة التي اقترفتها ~~ونسيتها. # وتلا ذلك عبارات الغفران باللاتينية، واختفاء الشيطان مهطعا، ~~وظهور الملاك كهالة من نور كيما ينشر جناحيه الأبيضين فوق «كميلة». ~~وينهي غضب ذي الوجه الملائكي من المارة غير المبالين، ومن كراهيته ~~الصبيانية الممزوجة بالحنان، ويجعله يفكر - إذ إن الرحمة لها دروب ~~خفية - في أن يعمل على إنقاذ رجل يتهدده خطر الموت، فربما يمنحه ~~الله حياة «كميلة» في مقابل ذلك، رغم أن الأمر يبدو مستحيلا من ~~وجهة نظر العلوم الطبية. # وخرج القس في صمت، وتوقف على عتبة الباب ليشعل سيجارة من ورق ~~الذرة ويلملم أطراف مسوحه الكهنوتي؛ فقد كان القانون يلزمه بأن ~~يبقيه مختفيا تحت عباءته ما دام في الطريق. كان يبدو رجلا ~~مسالما وديعا عذبا. وذاعت الأنباء بأنه قد استدعي كيما تعترف ~~له امرأة تحتضر. وغادر الجيران البيت بعده، كما خرج ذو الوجه ~~الملائكي كي ينفذ خطته في إنقاذ رجل. ~~«حارة المسيح»، «الحصان الأبيض»، ثم «ثكنات الكلفاري». وهناك سأل ~~ذو الوجه الملائكي العريف الذي يقوم بالحراسة عن الميجور «فارفان»، ~~فقال له أن ينتظر، ودلف جندي إلى الداخل مناديا: الميجور ~~«فارفان»! الميجور «فارفان»! # ومات صوته في الفناء الرحيب دونما جواب. ولم يرد عليه سوى ms152 ~~أصداء صوته التي ترددت وسط المنازل البعيدة: جور فان فان! جور ~~فان فان! # ووقف المحبوب ينتظر على بعد خطوات قليلة من الباب، دون أن ~~يتجاوب مع ما كان يجري حوله. كانت الكلاب والنسور تتشاجر على قطة ~~ميتة ملقاة وسط الطريق. وفي مقابل هذا المشهد مباشرة كانت ثمة ~~نافذة ومن ورائها ضابط يتسلى بمراقبة المعركة الشرسة وهو يفتل ~~طرفي شاربه. وكانت ثمة سيدتان تحتسيان عصير الفاكهة في حانوت ~~صغير يموج فيه الذباب. ومن الباب الخارجي للمنزل التالي خرج خمسة ~~صبية صغار يرتدون ملابس البحارة، يتبعهم سيد شاحب كالكرنبة وسيدة ~~حبلى (بابا وماما). وشق جزار طريقه وسط الصبية وهو يشعل سيجارة؛ ~~كانت ملابسه تغطيها بقع الدماء، وقد شمر عن ساعديه، وحمل ~~ساطوره الحاد بالقرب من صدره. وكان الجنود يروحون ويغدون ، وثمة خيط ~~متعرج من آثار أقدام حافية مبللة فوق القرميد الذي يغطي الصالة ~~الداخلية ثم يختفي في الفناء. وصلصلت مفاتيح الثكنة وهي تصطدم ~~ببندقية الحارس إذ كان واقفا انتباه إلى جوار ضابط الحراسة الذي ~~كان يجلس على مقعد حديدي في وسط حلقة من كتل البصاق. # ودلفت إلى المكان عجوز بيضاء الشعر، تمشي الهوينا كالغزال ~~الصغير، جلدها في لون النحاس المحروق بفعل الشمس وقد غضنته السنون، ~~واتجهت إلى الضابط وغطت رأسها بشالها القطني في احترام وقالت له ~~متضرعة: عفوا يا سيدي، إني أرجوك بحق الرحمة أن تدعني أتحدث مع ~~ابني، وستكافئك العذراء على صنيعك. # وقبل أن يرد الضابط عليها أطلق سيلا من البصاق، تفوح منه رائحة ~~التبغ وتسويس الأسنان. ~~- ما هو اسم ابنك يا سيدتي؟ ~~- إسماعيل يا سيدي. ~~- إسماعيل ماذا؟ ~~- «إسماعيل ميخو» يا سيدي. # وبصق الضابط مرة أخرى. ~~- ولكن، ما هو لقبه؟ ~~- «ميخو» يا سيدي. ~~- اسمعي، من الأفضل أن تعودي يوما آخر فنحن مشغولون. # وانسحبت العجوز دون أن تنزل الشال من على رأسها، في بطء، وهي ~~تحصي خطواتها كأنما هي تزن آلامها؛ وتوقفت برهة على حافة الطوار ~~ثم عادت ثانية واقتربت من الضابط الذي كان لا يزال جالسا على ~~مقعده. ~~- اعذرني يا سيدي، ms153 ولكني لا أستطيع البقاء هنا أكثر من ذلك؛ ~~إني آتية من بعيد جدا، على مسافة ستين كيلو مترا، لذلك فإني إذا ~~لم أره اليوم فلا أعرف متى سأستطيع العودة. هلا استدعيته من ~~فضلك؟ ~~- لقد سبق أن قلت لك إننا مشغولون. اذهبي ولا تضايقيني. # وكان ذو الوجه الملائكي يشهد هذا المنظر، وثارت فيه مرة أخرى ~~الرغبة في أن يفعل خيرا حتى يكافئه الله على ذلك بإنقاذ حياة ~~كميلة، فقال للضابط في صوت خفيض: استدع الشاب أيها اللفتنانت، وهاك ~~شيء حق السجائر. # وتناول الضابط النقود دون أن ينظر إلى الغريب وأصدر أوامره ~~بإحضار «إسماعيل ميخو». ووقفت العجوز الضئيلة الحجم تحدق إلى من ~~أحسن إليها كأنما هو ملاك. # ولم يكن الميجور «فارفان» موجودا في الثكنات. وظهر موظف في إحدى ~~الشرفات وقلمه خلف أذنه، وأخبر المحبوب أن الميجور يكون عادة في ~~هذه الساعة من الليل في دار «النشوة اللذيذة»؛ لأن ابن إله الحرب ~~النبيل هذا يقسم وقته بين الواجب والهوى، ولكن لن يضر شيء أن ~~يبحث عنه أولا في بيته. واستقل ذو الوجه الملائكي عربة أجرة. ~~كان «فارفان» يسكن شقة مفروشة في ضاحية بعيدة. وكان باب الشقة ناحل ~~اللون كثير الفروج بفعل الرطوبة فكان يبين عن داخل الشقة المظلم. ~~ودق ذو الوجه الملائكي مرتين وثلاثا. لم يكن هناك أحد في ~~الداخل. وعاد لتوه، ولكنه ذهب يرى كيف حال «كميلة» قبل أن ~~يتوجه إلى دار «النشوة اللذيذة». ودهش لصوت العربة بعد أن تركت ~~الطرق غير الممهدة إلى الطرق المرصوفة: حوافر الجياد والعجلات، ~~العجلات وحوافر الجياد. # حين انتهت ذات السن الذهبية من حكاية غرامها مع الرئيس، عاد ذو ~~الوجه الملائكي إلى الصالون. كان من الأهمية لديه بمكان ألا يغرب ~~ميجور «فارفان» عن نظره، وأن يتحقق من قصة المرأة التي قبضوا ~~عليها في منزل «كاناليس» وباعها المدعي العسكري العام النذل مقابل ~~عشرة آلاف بيزو. # كان الرقص على أشده في الصالون، والراقصون يتمايلون على أنغام ~~الفالس، يصاحبهم صوت «فارفان» الغارق في السكر، بغنائه: # لماذا هن البغايا، # مفتونات بي؟ ms154 # لأني أغني لهن دائما؛ # أغنية زهرة المقهى! # واعتدل في جلسته فجأة وأدرك أن الخنزيرة ليست معه، ~~فتوقف عن الغناء وصاح بين نوبات الفواق: «إذن لقد ذهبت «الخنزيرة»، ~~أليس كذلك أيها الأفاقون؟ إنها مشغولة، أليس كذلك أيها الأفاقون؟ ~~إذن أنا ذاهب، أقول لكم إني ذاهب، أ ... قو ... ل لكم إني ... ذاهب، ذاهب ~~... حسنا، ولماذا لا أذهب؟ ... أقول لكم إني ذاهب ...» # ونهض بصعوبة وهو يستند إلى المنضدة التي قد تمدد عليها، وإلى ~~المقاعد والجدران، ومشى مترنحا ناحية الباب. وجرت الخادمة تفتحه ~~له. ~~- «أقول ... لكم ... إني ذاهب! سوف تعود هذه العاهرة، أليس كذلك يا ~~سيدة «تشون»؟ ولكني ذاهب! لم يعد أمامنا نحن العسكريين المحترفين ~~إلا أن نموت من السكر، وعندها يكون بوسعهم أن يستقطروا الخمر ~~منا بدلا من أن يدفنونا! يعيش يخني لحم الخنزير، وتعيش ~~الجماهير!» # ولحق به ذو الوجه الملائكي على الفور. كان يسير على حافة الطوار ~~مترنحا كالبهلوان، يقف مرة وقدمه اليمنى في الهواء، ومرة قدمه ~~اليسرى، ثم مرة أخرى قدمه اليمنى، والآن قدماه الاثنتان ... ولحق ~~نفسه قبل أن يقع وقال ملاحظا: «هكذا ... كما قال البغل ~~للجام.» # وكانت ثمة نوافذ مفتوحة في ماخور آخر تلقي بأضوائها في الطريق، ~~وعازف بيانو طويل الشعر يعزف صوناتة ضوء القمر لبيتهوفن. ولم يكن ~~هناك من أحد ينصت له في الغرفة الخالية سوى المقاعد التي اصطفت ~~كالنظارة من حول البيانو الضخم المتهالك، الذي لم يكن يزيد في ~~ضخامته عن حوت يونس. وتوقف ذو الوجه الملائكي جامدا وقد بهرته ~~الموسيقى. وأسند الميجور - ذلك الدمية المطواعة - إلى الحائط، ~~واقترب كيما يخضع شذرات فؤاده المحطوم للألحان: كان يعود إلى ~~الحياة وسط الأموات رجل ميت ذو عينين مشتعلتين معلق بعيدا بعيدا ~~فوق الأرض، بينما كانت عيون مصابيح الطريق تنطفئ واحدة بعد أخرى، ~~وقطرات الندى الليلي تتساقط من الأسطح كالمسامير التي تصلب السكارى ~~أو التي تندق في ألواح النعش الخشبية. وكان كل مفتاح صغير داخل ~~الصندوق المغناطيسي للبيانو يجذب رمال الألحان الموسيقية الدقيقة، ~~وبعد أن يحبسها في جوفه فترة، يطلقها مرة ms155 أخرى على شكل أصابع ~~للنغمات الوترية، مضاعفة كيما تسكر باب الحب المغلق على الدوام؛ ~~نفس الأصابع دائما، ونفس اليد دائما. وكان القمر يجنح عبر سماء ~~ممهدة تجاه الحقول الغافية، مخلفا وراءه أحراجا تخيم عليها ~~الظلمة، مرعبة للطيور، ولأولئك الذين يجدون الدنيا قد انقلبت رحيبة ~~واسعة كأنما بفعل السحر حين يولد الحب، وضيعة فارغة حين يموت ~~الحب. # واستيقظ «فارفان» ليجد نفسه راقدا على نضد حانة صغيرة، تهزه يد ~~أحد الغرباء كما يهزون الشجرة حتى تسقط ثمارها الناضجة. ~~- ألا تعرفني يا ميجور؟ ~~- أجل ... لا ... حالا، حالا سأعرفك ... ~~- ألا تذكرني؟ ~~- آ آ ... أوه. تثاءب فارفان وهو ينهض من على النضد الذي كان ~~راقدا عليه، وقد بلله العرق كبغال الجمر. ~~- «إني ميغيل ذو الوجه الملائكي، في خدمتك.» # وحياه الميجور بالتحية العسكرية. ~~- «أرجو أن تعذرني، فإني لم أتعرف عليك. ولكن، أجل، بالطبع، ~~إنك من يرى دائما مع السيد الرئيس.» ~~- حسنا! لا تندهش لإيقاظي إياك، يا ميجور، على هذا النحو ~~المفاجئ. ~~- لا أهمية لذلك بالمرة. ~~- ولكن لقد حان الآن وقت عودتك إلى الثكنات، وكان يجب أن أحادثك ~~على انفراد، ومن المصادفة أن كانت صاحبة هذه ... فلنقل هذا المقهى، ~~غائبة الآن. لقد بحثت عنك في كل مكان، كالإبرة في كومة من القش، ~~أصيل أمس، في الثكنات، في شقتك. يجب أن تعدني بألا تبوح لشخص بما ~~سوف أقوله لك الآن. ~~- كلمة شرف. # وشد المحبوب على يد الميجور بحرارة وقال له بصوت خفيض وعينه على ~~الباب: إنني في مركز يمكنني أن أعرف أنه قد صدرت أوامر بالتخلص ~~منك. لقد أرسلت تعليمات إلى المستشفى العسكري بأن تعطي لك جرعة ~~منومة قاتلة في أول مرة تدخل هذه المستشفى عقب إحدى سهراتك ~~الصاخبة. لقد أبلغت العاهرة التي تصاحبها في دار «النشوة اللذيذة» ~~السيد الرئيس عن نوباتك الثورية. # وتصلب «فارفان» في موضعه من وقع كلمات المحبوب إليه. ثم رفع ~~قبضته في الهواء صائحا: آه، الكلبة! # وضرب الهواء بقبضته كأنما هو يضرب العاهرة، ثم أحنى رأسه كأنما ~~هو قد انسحق. ~~- يا إلهي، وماذا سأفعل؟ ms156 ~~- لا تسكر في الوقت الحاضر، فهذا هو السبيل الوحيد لاتقاء الخطر ~~الداهم، ثم لا ... ~~- هذا ما كنت أفكر فيه، ولكني قد لا أتحمل ذلك، فهو شيء صعب ~~جدا. ماذا كنت ستقول؟ ~~- كنت سأقول لك أيضا إنه يجب ألا تتناول طعاما في ~~الثكنات. ~~- لا أعرف كيف أشكرك. ~~- بالصمت ... ~~- بالطبع. ولكن هذا لا يكفي. ومع ذلك، فلا بد أن تسنح لي فرصة ~~أرد لك فيها هذا الجميل؛ ومن الآن؛ يمكنك أن تعتمد علي في أي شيء، ~~فأنا مدين لك بحياتي. ~~- ولسوف أعطيك نصيحة أخرى طيبة كصديق. حاول أن تعثر على طريقة ~~تصبح بها من أتباع السيد الرئيس. ~~- أجل، هذا هو طريق الخلاص، أليس كذلك؟ ~~- لن يكلفك هذا شيئا. # وكان كل منهما يضيف إلى ذلك الكلام في سريرته: # إن أفضل وسيلة لكسب ثقة السيد الرئيس هي: ارتكاب جريمة، مثلا، ~~أو الجور العلني على الناس الضعفاء العزل، أو إظهار تفوق القوة ~~الغاشمة على الرأي العام، أو اكتساب الأموال على حساب الأمة، أو ~~... ~~... وأفضل وسيلة هي ارتكاب جريمة قتل، إن القضاء على أحد الزملاء ~~هو أفضل برهان يقدمه مواطن على ولائه للسيد الرئيس. ثم يقضي شهرين ~~في السجن حفاظا على المظاهر، ثم يتولى بعد ذلك مباشرة أحد المناصب ~~العامة المخصصة لأهل الحظوة؛ مما لا تمنح إلا لمن له قضية معلقة ~~أمام المحاكم لم يتم البت فيها؛ وذلك حتى يمكن الزج بهم في السجن ~~مرة ثانية إذا هم لم يحسنوا السلوك. ~~- لن يكلفك هذا شيئا. ~~- إنك لفي غاية الكرم يا سيد «ميغيل». ~~- كلا يا ميجور، لا تشكرني، إن قراري بإنقاذ حياتك هو قرباني إلى ~~الله مقابل حياة مريضة في حالة خطرة. حياتك مقابل حياتها. ~~- أهي زوجتك؟ # وطافت أجمل كلمة في نشيد الإنشاد فترة سابحة في الهواء، كوشي ~~سحري لطيف، وسط أشجار مليئة بالملائكة الصغار، وبراعم أزهار ~~البرتقال. # وبعد أن خرج الميجور، قرص ذو الوجه الملائكي نفسه كيما يتأكد أنه ~~هو بلحمه ودمه - الرجل الذي ساق الكثيرين إلى حتفهم - هو الآن ~~بنفسه الذي يدفع رجلا إلى الحياة، ms157 في تلك الزرقة الصافية للصباح ~~الطالع. # الفصل السادس والعشرون # | زوبعة # وأزاح ذو الوجه الملائكي صورة الميجور البدين من ذهنه، ثم أغلق ~~الباب وتسلل على أطراف أصابعه إلى الغرفة الداخلية المظلمة. كان ~~يشعر وكأنما هو يحلم. إن الفرق بين الحقيقة والحلم هو فرق زائف ~~تماما. نائم، مستيقظ، في أي الحالتين هو؟ وبدا في الغبشة كأنما ~~يشعر بالأرض تميد تحت قدميه. وكانت الساعة والذباب يصحب كميلة إذ ~~هي راقدة تحتضر، فالساعة - نابضة - تسقط حبات الأرز الصغيرة ~~لتترك علامة على طريق العودة، حين تحل ساعة الموت. أما الذباب ~~فهو يجري فوق الجدران، ينظف أجنحته الصغيرة من برودة الموت. وكانت ~~ثمة ذبابات أخرى تطن وهي تطير هنا وهناك بسرعة. وتوقف ذو الوجه ~~الملائكي أمام السرير في هدوء. كانت المريضة لا تزال سادرة تهذي ~~... ~~... لعبة الأحلام ... برك من زيت الكافور ... حوار النجوم البطيء ... ~~الاتصال الخفي المالح العاري بالفضاء الخالي ... مفصلة اليدين ~~المضاعفة ... عدم جدوى اليدين في اليدين ... صابون معطر ... الحديقة في ~~كتاب المطالعة ... في بيت النمر ... في ما وراء عالم الببغاوات الفسيح ~~... في قبضة الإله ... في قبضة الإله ... في قداس منتصف الليل - المسمى ~~قداس الديك - ديك على عرفه قطرة من القمر ... ينقر القربان المقدس ... ~~يضيء وينطفئ، يضيء وينطفئ، يضيء وينطفئ ... إنه قداس إنشاد ... إنه ~~ليس ديكا، إنه ومضة برق من السيلوليد في عنق زجاجة ضخمة يحيط بها ~~جنود صغار ... برق حانوت الحلوى المسمى «الزهرة البيضاء» التي ~~تضعها القديسة روزا ... رغوة بيرة الديك تقدم للديك الصغير ... للديك ~~الصغير ... # سوف تسجيها، # جثة هامدة، # يا ملاك الموت، موت! # فهي ليست سعيدة هنا، # يا ملاك الموت، موت! # ثمة صوت طبول لا يسمع خلاله أحد يتمخط، طبول ~~تقتفي أثر الدقات في مدرسة الريح ... قف! إنها ليست طبولا، بل هو ~~باب يردد صدى مقرعة على شكل يد نحاسية. وتتردد الدقات كالنذير ~~في كل ركن من أركان الصمت الداخلي للبيت ... رات تات تات ... طبول ~~البيت. كل بيت له طبول على بابه تستدعي ساكنيه الذين هم عماد ~~حياته، وحين يكون الباب مغلقا يكونون ms158 كالأحياء الأموات ... رات تات ~~تات ... البيت ... الباب ... رات تات تات البيت ... وحين تسمع مياه ~~النافورة صوت طبول الباب ترهف آذانها، ويقول الناس لخدمهم في غلظة: ~~«أوه، الباب يقرع!» وترجع الجدران صدى يتردد مرارا وتكرارا: ~~«الباب يقرع، اذهب وافتح الباب!» «أوه، الباب يقرع، اذهب وافتح ~~الباب!» الرماد في قلق، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا (بينما ~~القطة جالسة كالحارس اليقظ) إلا أن يبعث رجفة رقيقة عبر قضبان ~~الموقد؛ وتخاف الورود - الضحايا البريئة للأشواك القاسية؛ وتتكلم ~~المرايا، تلك الوسائط المشربة، بصوت هو روح من الأثاث الميت: آي ... ~~يدقون، تعالوا افتحوا! ~~... البيت كله يرتج كأنما حدث زلزال، ويريد أن يذهب ليرى من يقرع ~~الباب، يقرع، يقرع، يقرع طبول الباب: وترقص الكسرولات، وتتهادى أصص ~~الزهور، وتدق الأحواض الحديدية: «راتابلان، راتابلان!»، وتسعل ~~الأطباق سعلة صينية، وتتناثر الأقداح وأدوات المائدة كالضحكة ~~الفضية، وتتبع الزجاجات الفارغات الزجاجة التي زينت بدموع دهن ~~الشمعة والتي يستخدمونها شمعدانا في الغرفة الخلفية؛ وكتب ~~الصلوات من فروع النخيل تحاول عندما يقرعون الباب الدفاع عن البيت ~~ضد العاصفة، والمقصات، والأصداف، واللوحات، وخصلات الشعر القديمة، ~~ودنان الزيت، وصناديق الكرتون، وعيدان الثقاب، والمسامير. ~~... أعمامها هم الوحيدون الذين يتظاهرون بالنوم وسط الأشياء ~~النائمة، في جزر أسرتهم العريضة، متسترين بالأغطية المحشوة ~~بالقطن والتي تعبق برائحة عصير الأمعاء، وعبثا تقرض طبول الباب ~~في الصمت العريض. وتغمغم واحدة من زوجات أعمامها، وأكثرهن نفاقا: ~~«إنهما لا يزالان يقرعان الباب.» ويرد زوجها في الظلام: «أجل، ~~ولكن من الخطر فتح الباب»، «كم الساعة الآن؛ آه يا عزيزي، لقد كنت ~~مستغرقة في النوم ... إنهما لا يزالان يقرعان الباب»، «أجل، ولكن من ~~الخطر فتح الباب»، «وماذا سيقول الجيران؟» «أجل، ولكن من الخطر فتح ~~الباب. إذا كان الأمر يتعلق بنا نحن فقط لفتحنا الباب بالطبع، ولكن ~~فكري فيما سيقول الناس عنا!» «إنهما لا يزالان يقرعان الباب»، «أجل ~~ولكن من الخطر فتح الباب»، «إنه لأمر شائن، هل سمعت أبدا شيئا ~~كهذا؟» «أجل ولكن من الخطر فتح الباب!» # ثم خفت صوت عمها الخشن وصدر الآن عن حلوق ms159 الخدم. ووصلت أشباح ~~تعبق برائحة الخراف إلى حجرة نوم سيدها وهي تهمس: «سيدي، سيدتي. ~~أنصتا كيف يدقان على الباب! ...» ثم تعود إلى أسرتها السفرية وإلى ~~براغيثها وإلى أحلامها، وهي تردد مرارا وتكرارا: آه، ولكن من ~~الخطر فتح الباب. آه، إن من الخطر فتح الباب! # رات تات تات على طبول البيت ... ظلمة الطريق ... الكلاب تغطي السماء ~~بقرميد نباحها، باسطة سطحا للنجوم وللزواحف السوداء والغاسلات ~~المجبولات من الطين، اللائي يدفعن أذرعتهن في أعماق رغوة البرق ~~الفضي. ~~«بابا ... عزيزي بابا ... بابا!» # ونادت على أبيها في غمرة هذيانها، وعلى مربيتها العجوز التي ~~ترقد ميتة في المستشفى، وعلى أعمامها الذين لم يفتحوا لها أبواب ~~منازلهم حتى وهي تحتضر. # ووضع ذو الوجه الملائكي يده على جبهتها. وجال في خاطره وهو يربت ~~عليها: «إن شفاءها ضرب من المعجزة. آه لو كان بإمكاني فحسب أن أطرد ~~عنها المرض بدفء يدي!» كان يعاني من ذلك الحزن الغامض الذي يصيب من ~~يرقب مخلوقا فتيا يحتضر، تلك الرقة الراجفة التي بعثت بالشجن ~~يزحف تحت جلده وخلال لحمه. ما بوسعه أن يفعل؟ وبدأ عقله يقحم ~~آليا صلوات بين أفكاره: «لو كان بوسعي فحسب أن أزحف تحت جفنيها ~~وأزيل دموع الحزن والوحدة من عينيها، من تلكما العينين اللتين بلون ~~أجنحة الأمل. فليحفظك الله. نحن المحرومين نضرع إليك يا إلهي. إن ~~الحياة كل يوم جريمة ... حين يحب المرء. امنحنا يومنا يا ~~إلهي.» # وحين خطر بيته على باله كان كأنما يفكر في بيت غريب. إن بيته ~~هنا، مع «كميلة»؛ صحيح إن هذا ليس منزله، ولكن «كميلة» فيه. وماذا ~~يحدث لو لم تكن «كميلة» هنا؟ واخترق جسده ألم غامض طواف. ماذا ~~يحدث لو لم تكن «كميلة» هنا؟ # ومرت عربة نقل، فاهتز المنزل وارتجت الزجاجات على رفوف البار؛ ~~ودقت مطرقة باب، واهتزت بيوت الحي. وأجفل ذو الوجه الملائكي إلى ~~درجة شعر معها أنه لا بد وكان على وشك أن ينام وهو واقف. من الأفضل ~~أن يجلس. كان ثمة مقعد إلى جوار منضدة الأدوية. وبعد لحظة كان هذا ms160 ~~المقعد يستقبل جسده. تكات الساعة، رائحة الكافور، ضوء الشموع ~~المضاءة قربانا ليسوع كنيسة «لامرسيد» ويسوع «كاندلاريا» ~~المجيدين، المنضدة، المناشف، الأدوية، زنار رداء القديس فرانسيس ~~الذي أعارته لهم إحدى الجارات كيما يطرد الشيطان، كانت كلها ~~تتحلل تحللا فوريا في هدوء في إيقاع بطيء، في تدرج موسيقي ~~يبعثه المخدر؛ عناء لذيذا به ثقوب أكثر مما في إسفنجة، خفي، نصف ~~ذائب، مستور، تخترقه ظلال الأحلام المتقطعة: ~~«من يعزف على الجيتار؟ ... عظام صغيرة تتكسر في القبو المظلم، الذي ~~ترتفع منه أغنية المهندس الزراعي ... البرد القارس بين أوراق الشجر ... ~~ومن جميع مسام الأرض ترتفع ضحكة متصلة شيطانية كالجناح المربع ~~الأركان ... هل هم يضحكون، هل هم يبصقون، ماذا يفعلون؟ لم يهبط الليل ~~بعد، ولكن الظلام يفصل بينه وبين كميلة، ظلام الجماجم التي تضحك في ~~مقلاة المشرحة ... تصدر الضحكة عن أسنان سوداء مريعة، بيد أنها حين ~~تبلغ الهواء تمتزج ببخار الماء وترتفع إلى أعلى كيما تصبح سحابا. ~~وأسوارا مجبولة من أمعاء بشرية تقسم الأرض إلى نصفين. وضلوع جواد ~~تصبح فيولينة يعزف الإعصار الهادر أنغامه عليها. ويرى جنازة ~~«كميلة» تمر من أمامه، عيناها تسبحان في زبد لجام نهر من العربات ~~السوداء ... لا بد أن للبحر الميت عيونا أيضا!» # عيناها الخضراوان ... لماذا يلوح السائقون بقفازاتهم البيضاء في ~~الظلمة؟ ... ووراء موكب الجنازة، يغني هيكل عظمي مليء بعظام أفخاذ ~~الأطفال: «أيها القمر، أيها القمر، خذ برقوقتك، وألق الحجر في ~~البحيرة!» - وكل عظمة صغيرة رقيقة تغني هذه الأغنية: «أيها القمر، ~~أيها القمر، خذ برقوقتك، وألق الحجر في البحيرة!» وعظام الحوض ~~بعيون مستطيلة كالعراوي: «أيها القمر، أيها القمر، خذ برقوقتك، ~~وألق الحجر في البحيرة! ... لماذا يتعين على الحياة اليومية أن ~~تستمر؟ ... لماذا يستمر الترام يسير؟ ... لماذا لا يموت كل الناس؟ ... ~~بعد جنازة «كميلة» لا يمكن أن تكون الأشياء على حالتها السابقة، ~~كل شيء تافه، زائف، لا وجود له ... من الأفضل لو استطاع الضحك ... ~~البرج ينحني من فرط الضحك ... وهم يفتشون جيوبها بحثا عن ~~تذكارات ... التراب الذي خلفته أيام «كميلة» ... لا قيمة له ... خيط ms161 ... ~~ينبغي أن تكون «كميلة» هنا الآن ... خيط ... بطاقة قذرة ... أوه، ووجنة ~~ذلك الدبلوماسي الذي يأتي بالنبيذ والبضائع المعلبة دون رسوم ~~جمركية ثم يبيعها لحانوت يملكه نمساوي من أرض «التيرول» ... دع ~~العالم كله يغني ... حطام سفينة ... أطواق النجاة كالتيجان البيضاء ... ~~دع العالم كله يغني ... كميلة، ساكنة بين ذراعيه ... مقابلة ... يد قارع ~~الجرس ... إنهم يقلبون نواصي الطريق رأسا على عقب ... شاحبة من ~~الانفعال ... تتميز غيظا، صامتة، متفسخة ... لماذا لا يقدمون لها ~~ذراعهم؟ ... وتترك نفسها تهبط بنسيج حاسة اللمس لديها، تستند على ~~الذراع التي تنقصها؛ وهي لا تمسك إلا بردن السترة الفارغ ... في ~~أسلاك البرق ... لقد أضاع وقته ينظر إلى أسلاك البرق، ومن منزل ضخم ~~في «حارة اليهود» يخرج خمسة رجال مجبولين من الزجاج المعتم، ~~يعترضون طريقه، كل واحد منهم ينز من صدغه سيل من الدماء ... ويحارب ~~يائسا ليصل إلى المكان الذي تنتظره فيه كميلة، يعبق برائحة صمغ ~~طوابع البريد ... وبعيدا يرى جبل الكرمل. # ويحاول ذو الوجه الملائكي في حلمه المتقطع أن يشق طريقه إلى ~~الخارج. إنه أعمى ... إنه يبكي ... ويحاول أن يعض خيط الظلمة الرفيع ~~الذي يفصله عن حجر النمل البشري الذي يقام تحت تندات من القش على ~~التل الصغير لبيع اللعب والفاكهة والحلوى ... ويشرع مخالبه ... وينتصب ~~شعره ... وينجح في عبور جسر صغير ويجري لمقابلة كميلة، ولكن الرجال ~~الخمسة المجبولين من الزجاج المعتم يعترضون طريقه ثانية. إنهم ~~يقسمونها شرائح صغيرة لعيد القربان المقدس! ويصيح فيهم: «دعوني أمر ~~قبل أن يدمروها كلية. إنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها لأنها ~~ميتة! ألا ترون؟ انظروا، انظروا! كل ظل له ثمرة فاكهة وثمة شذرة من ~~«كميلة». مبثوثة في كل ثمرة!» كيف يصدق المرء عينيه؟ لقد رأيتها ~~مدفونة وكنت على ثقة من أنها ليست هي، إنها هنا في عيد القربان ~~المقدس، في هذه المقبرة، تعبق برائحة السفرجل والمانجو الكمثرى ~~والخوخ؛ وصنعوا من جسدها حمائم صغيرة بيضاء، عشرات ... مئات من ~~الحمائم القطنية البيضاء الصغيرة مربوطة بشرائط ملونة مطرز عليها ~~عبارات مثل «اذكريني» «حب خالد» «أنت في بالي دائما» ms162 «حبني إلى ~~الأبد» «لا تنسني». ويغرق صوته في صوت الأبواق الصبيانية الحاد، ~~والطبول المصنوعة من أمعاء السنوات العجاف والخبز العفن؛ وفي جمهرة ~~الناس (آباء يصعدون بخطى متثاقلة، وأطفال يطاردون بعضهم بعضا)؛ ~~وفي صلصلة الأجراس في أبراج الكنائس، وفي حمأة الشمس، وفي دفء ~~الشموع العمياء في الظهيرة، في وعاء القربان المقدس المتلألئ ... ~~ويندمج الرجال الخمسة المجبولون من الزجاج المعتم في رجل واحد، ~~شكل مجبول من دخان غاف ... ومن بعيد، لا يبدو لهم مظهر ملموس ... ~~إنهم يشربون مياها غازية ... راية من المياه الغازية مرفوعة في ~~الأيدي ترفرف كالصرخات ... متزلجون على الجليد ... «كميلة» تنزلق بين ~~متزلجين خفيين، عبر مرآة عامة تعكس الخير والشر بلا محاباة. وشنفت ~~الآذان برنة صوتها المعطر وهي تحاول أن تدافع عن نفسها بقولها: ~~«كلا، كلا، ليس هنا !» «ولكن، لم لا هنا؟» «لأنني ميتة» «وماذا ~~يهم ذلك؟» «ذلك ...» «ماذا؟ قولي ماذا؟» ومر بين الاثنين تيار من ~~الهواء البارد من السماء الرحيبة وطابور من الرجال يرتدون بناطيل ~~حمراء. وخرجت «كميلة» وراءهم. وبدافع المفاجأة يندفع هو وراءها ... ~~ويقف الطابور فجأة مع آخر دقة من الطبول ... ويتقدم السيد الرئيس ... ~~هيئته موشاة بالذهب ... «تانتارارا!» ويتقهقر الجمهور مرتعدا ... ~~ويلعب الرجال ذوو البناطيل الحمراء برءوسهم. # برافو ... برافو! أعيدوا مرة ثانية! مرة أخرى، أحسنتم! ولكن ~~الرجال ذو البناطيل الحمراء لا يطيعون أوامر رؤسائهم بل يطيعون ~~صوت الجمهور ويستمرون في اللعب برءوسهم ... ثلاث مرات ... واحد: ارفع ~~الرأس عاليا ... اثنان: اقذفها عاليا كيما تمشط بين النجوم ... ~~ثلاثة: التقطها بين يديك وأعدها إلى مكانها ... برافو، برافو! ~~أعيدوا مرة ثانية! مرة ثانية! أحسنتم! مرة ثانية! إن ذلك يقشعر ~~البدن ... وتموت الأصوات تدريجيا ... وتسمع الطبول ... ويرى كل شخص ~~شيئا لا يريد أن يراه. ويخلع الرجال ذوو البناطيل الحمراء رءوسهم ~~ويقذفون بها في الهواء، ولكنهم لا يلتقطونها حين تهبط. وتتهشم ~~الجماجم على الأرض أمام صفي الأشخاص الجامدين وأيديهم مقيدة وراء ~~ظهورهم. # وأيقظت ذا الوجه الملائكي دقتان عاليتان على الباب. يا له من ~~كابوس مريع! شكرا لله على أن الحقيقة مختلفة تماما. إن اليقظة ms163 من ~~كابوس يخلف في النفس ذات الشعور الذي تخلفه العودة من جنازة. وجرى ~~ليرى من يدق الباب. أهي أنباء عن الجنرال أو استدعاء عاجل من ~~السيد الرئيس؟ ~~- صباح الخير. # ووجد ذو الوجه الملائكي شخصا أطول منه، وردي الوجه، يحني رأسه ~~لينظر إليه خلال عويناته السميكة. ورد ذو الوجه الملائكي: صباح ~~الخير. ~~- «معذرة. ربما يمكنك أن تخبرني ما إذا كانت السيدة التي تطبخ ~~الطعام للموسيقيين تعيش هنا. إنها سيدة ترتدي السواد ...» # وأغلق ذو الوجه الملائكي الباب في وجهه. وكان الرجل قصير النظر ~~لا يزال يتطلع حواليه باحثا عنه. ولما رأى أنه ليس هناك، دق على ~~الباب التالي. ~~- «وداعا «نينيا توماسيتا» حظا سعيدا!» ~~- إني ذاهبة إلى الميدان الصغير. # كان الصوتان قد تكلما في نفس الوقت. وحين ذهب ذو الوجه ~~الملائكي كي يفتح الباب، كانت «لامسكواتا» قد وصلت بالفعل. # وسأل ذو الوجه الملائكي «لامسكواتا» التي عادت لتوها من زيارة ~~السجن: كيف الحال؟ ~~- نفس الشيء. ~~- ماذا قالوا؟ ~~- لا شيء. ~~- هل رأيت «فاسكيز»؟ ~~- هل رأيته؟ لا أظن. لقد أخذوا سلة إفطاره ثم أعادوها ثانية، ~~وهذا كل شيء. ~~- إذن فهو ليس في السجن؟ ~~- لقد كدت أصعق حين أعادوا السلة كما هي، بيد أن سيدا أخبرني ~~أنه قد عاد لعمله. ~~- مأمور السجن؟ ~~- كلا. لقد وجهت إلى ذلك المتوحش ما فيه الكفاية. لقد كان يريد ~~أن يخدعني. ~~- كيف تظنين حال كميلة؟ ~~- إن المرض يأخذ مجراه. أجل، إن المرض يأخذ مجراه! ~~- إن حالتها في غاية السوء، أليس كذلك؟ ~~- إنها محظوظة. ما أحسن أن يمضي المرء قبل أن يعرف ماهية الحياة! ~~إني أشعر بالحزن لأجلك أنت. إن عليك أن تذهب وتصلي ليسوع في ~~كنيسة «لامرسيد». من يدري، ربما يأتي بمعجزة من أجلك. هذا الصباح، ~~قبل أن أذهب إلى السجن، أشعلت شمعة هناك وقلت له: اسمع يا صغيري ~~الأسود، ها أنا آتية إليك، لأنك أبونا ويجب أن تصغي إلينا: إن ~~بوسعك أن تنقذ حياة هذه الفتاة، لقد رجوت العذراء أن تنقذها قبل أن ~~أنهض اليوم وها أنا أضايقك الآن لنفس السبب؛ ms164 سوف أترك لك هذه ~~الشمعة وأذهب وأنا واثقة من قدرتك، ولكني سوف أعود سريعا كيما ~~أذكرك برجائي! # وتذكر ذو الوجه الملائكي حلمه وهو لا يزال شبه نائم. ومن بين ~~الرجال ذوي البناطيل الحمراء، كان المدعي العسكري العام - بوجه ~~بومة - يتبارز مع رجل مجهول، ويقبله، ويلعقه، ويأكله، ويتبرزه، ~~ثم يأكله مرة أخرى ... # الفصل السابع والعشرون # | في طريق المنفى # تعثر بغل الجنرال «كاناليس» في ضوء الغسق الخافت، وقد أسكره ~~التعب الذي يرزح فيه تحت الثقل المصمت للراكب الذي يتعلق في ~~حافة السرج الأمامية. كانت الأطيار تحلق فوق الغابات، والسحب تعبر ~~فوق الجبال، صاعدة هنا، هابطة هناك؛ هابطة هنا، صاعدة هناك، ~~تماما كما كان الراكب يصعد ويهبط (قبل أن يتغلب عليه النوم ~~والإجهاد) فوق تلال لا معابر فيها، وعبر أنهار فسيحة مليئة بالصخور ~~أنعشت مياهها المتدفقة بغله، عبر منحدرات يبرقشها الطين وتنزلق ~~عليها الحجارة فتتفتت نثارا على الوهاد، عبر أجمات مليئة ~~بالعوسج، وعلى طول ممرات الماعز التي تعيد إلى الذهن ذكرى الساحرات ~~وقطاع الطرق. # كان لسان الليل متدليا. عصبة من أرض المستنقعات. ثم برز شكل ~~طيفي، ورفع الراكب من على بغله، وقاده إلى كوخ مهجور ثم رحل في ~~صمت. بيد أنه عاد على الفور. لا بد أنه كان قد خرج بين طيور ~~«الزيز» التي تغني: كوكوكوكو، كوكوكوكو، كوكوكوكوكو! وبقي برهة ~~قصيرة في الكوخ ثم اختفى كالدخان. ثم عاد ثانية. وظل يدخل ويخرج، ~~يدخل ويخرج. كان الأمر يبدو كما لو أنه يخرج ليعلن ما وجده، ثم ~~يعود كيما يتأكد من وجوده. وبدت الطبيعة كأنما تتابع دخلاته ~~وخرجاته التي تشبه دخلات السحلية وخرجاتها، كالكلب الأمين، يهز ~~ذيلا من الأصوات «كوكوكوكو، كوكوكوكو، كوكوكوكو» في صمت ~~الليل. # وفي النهاية، عاد إلى الكوخ ولم يرحل. كانت الريح تقفز وسط أفنان ~~الأشجار. وكان النهار يطلع على المدرسة الليلية التي تتعلم فيها ~~الضفادع مطالعة النجوم. جو من الهضم السعيد. حواس الضوء الخمس. ~~وأخذت الأشياء تتخذ شكلا أمام عيني الرجل الذي كان يجلس القرفصاء ~~على الباب، رجل طيب وجل، سكت إجلالا ms165 لطلعة الفجر وتنفس الراكب ~~النائم البريء. في الليلة الماضية لم يكن إلا طيفا، وهو الآن رجل ~~من لحم ودم، إنه هو الذي قاد بغل الراكب. وحين بزغ الضوء أشعل ~~نارا، واضعا أحجار الموقد الداخنة غير المتساوية على هيئة ~~الصليب، كاشطا الرماد المحترق بقطعة من الخشب، وجامعا ركية من ~~الأغصان الجافة والخشب الطري. والخشب الطري لا يحترق في هدوء، إنما ~~يتكلم كالببغاء، ويشتم، ويتقلص، ويضحك، ويبكي. واستيقظ الراكب ~~وقد تجمد خوفا مما يراه، ولم يكن قد استجمع وعيه بعد. وقفز قفزة ~~واحدة إلى الباب ومسدسه في يده، عازما على أن يدافع عن نفسه حتى ~~النهاية. ولم يفزع الرجل الآخر من فوهة المسدس المصوب نحوه، ~~بل أشار في صمت إلى إناء القهوة الذي يجيس بالغليان إلى جوار ~~النار. ولكن الراكب لم يأبه له، وتقدم ببطء تجاه الباب - فقد ~~ظن أن الكوخ لا بد محاصر بالجنود - ولم ير أمامه إلا سهلا ~~فسيحا يستحم في ضوء الفجر الوردي. بعيدا. كالجلد الأزرق. أشجار. ~~سحب. دغدغة زقزقة العصافير. وكان بغله غافيا تحت شجرة تين. ووقف ~~يصغي دون أن تطرف عيناه كيما يختبر ما يراه أمامه، ولم يسمع شيئا ~~على الإطلاق إلا الكونسير المتناغم للطيور والسريان البطيء لجدول ~~رقراق، تركت مياهه الوفيرة هسيسا لا يكاد يسمع في الهواء النقي، ~~كالسكر المسحوق الذي يسقط في قدح من القهوة الساخنة. # قال الرجل الذي قاد بغله، وهو يكوم وراءه أربعين أو خمسين كوز ~~ذرة في حرص: إنك لست من رجال الحكومة؟ # ورفع الراكب عينيه ونظر إلى رفيقه، ثم هز رأسه من جانب إلى آخر ~~دون أن يحرك فمه عن قدح القهوة. # فغمغم الآخر بسيماء ماكرة، وهو يسرح الطرف في أرجاء الحجرة ~~كعيني كلب ضال: تاتيتا! # 1 ~~- «إنني هارب ...» # وتوقف الآخر عن إخفاء أكواز الذرة وذهب يصب مزيدا من القهوة ~~لرفيقه. لم يكن بوسع «كاناليس» الحديث عما وقع له من مصائب. ~~- إنك مثلي يا سيدي! إنني هارب بسبب ما استولي عليه من أكواز ~~الذرة. ولكني لست لصا. لقد كانت هذه الأرض ms166 أرضي إلى أن استولوا ~~عليها مني، وبغالي أيضا ... # واهتم الجنرال كاناليس بما كان يقوله الهندي، وأراد أن يسمع ~~تفسيره كيف يسرق المرء ثم لا يعد لصا. ~~- «سوف أخبرك يا «تاتيتا» كيف أسرق رغم أنني لست لصا محترفا. ~~لقد كنت قبل هذا مالكا لقطعة أرض صغيرة بالقرب من هنا، وثمانية ~~بغال. كان لدي منزلي، وزوجتي وأولادي، وكنت شريفا مثلك تماما ~~...» ~~- أجل، ثم ماذا حدث؟ ~~- «منذ ثلاثة أعوام، جاء إلى هنا المندوب السياسي وأخبرني أن ~~أقوم بنقل حمل من أخشاب الصنوبر على بغالي للاحتفال بعيد ميلاد ~~السيد الرئيس. فأخذتها يا سيدي، وماذا كان بوسعي أن أفعل غير هذا؟ ~~وحين وصل وشاهد بغالي، وضعني في السجن في زنزانة انفرادية، ثم ~~اقتسم مع العمدة - وهو خلاسي - حيواناتي. وحين طالبت بما أستحق من ~~نقود لديهما على عملي، قال لي المندوب إنني حيوان وإنني إذا لم ~~أطبق فمي فورا فسوف يضعني في السجن مرة أخرى. فقلت له: «حسنا ~~جدا يا سيدي المندوب، افعل معي ما تريد، ولكن البغال ملكي.» ولم ~~أستطع أن أنطق حرفا أكثر من ذلك يا تاتيتا؛ لأنه ضربني ضربة عنيفة ~~على رأسي بزناره حتى إنه كاد أن يقتلني.» # ولاحت ابتسامة مريرة ثم اختفت من تحت الشارب الأشهب للجندي ~~العجوز الذي حلت به الكوارث. ومضى الهندي يقول بنفس اللهجة دون ~~أن يرفع صوته: «وحين خرجت من المستشفى جاءوا يقولون لي إنهم قد ~~وضعوا أولادي في السجن وإنهم لن يطلقوا سراحهم إلا إذا دفعت لهم ~~ثلاثة آلاف بيزو. ولما كان أولادي صغارا ولا يحتملون الأذى، فقد ~~هرعت من فوري إلى المحافظ وسألته أن يبقي عليهم في السجن ولا يبعث ~~بهم إلى الخدمة العسكرية العاملة، وإنني سوف أرهن أرضي كيما أجمع ~~لهم الثلاثة آلاف بيزو. وذهبت إلى العاصمة، واتفق لي المحامي ~~هناك مع سيد أجنبي على توقيع ورقة تقول إنهما سيعطيانني ثلاثة ~~آلاف بيزو رهنا للأرض. كان هذا ما قرأه لي من الورقة، ولكنه كان ~~مخالفا لما كان في الورقة بالفعل. وبعد ذلك بعثوا رجلا من ms167 ~~المحكمة يقول لي إن علي أن أترك أرضي لأنها لم تعد ملكي؛ ~~لأنني قد بعتها للأجنبي لقاء ثلاثة آلاف بيزو. وقد حلفت بالله أن ~~ذلك غير صحيح، ولكنهم صدقوا المحامي ولم يصدقوني، واضطروني إلى ~~الرحيل عن أرضي. ورغم أنهم قد أخذوا الثلاثة آلاف بيزو مني فقد ~~أرسلوا بأبنائي إلى الخدمة العسكرية: مات منهم واحد وهو يحرس ~~الحدود؛ وأصيب الآخر بجراح رهيبة كان الأفضل معها لو أنه قد مات، ~~ثم ماتت أمهما، زوجتي، بالملاريا. وهذا هو سبب لجوئي إلى السرقة ~~رغم أنني لست لصا، يا تاتا، حتى لو أنهم ضربوني حتى الموت أو ~~ألقوا بي في السجن.» ~~- أهذا هو ما ندافع عنه نحن العسكريين؟ ~~- ماذا قلت يا تاتا؟ # كانت ثمة عاصفة من الأحاسيس تضطرم في صدر «كاناليس» العجوز، من ~~ذلك النوع من الأحاسيس التي تضطرم في قلب رجل طيب إزاء مظاهر ~~الظلم. كان يتألم نيابة عن بلده، كما لو أن دماء ذلك البلد نفسها ~~قد فسدت. كان يعاني الآلام في جلده، في نخاع عظامه وجذور شعره، تحت ~~أظافره، بين أسنانه. أين الحقيقة؟ ألم يفكر أبدا بعقله قبل الآن ~~وإنما بردائه العسكري؟ إن الأمر يكون أكثر مدعاة للاشمئزاز، ~~وبالتالي للحزن إذا كان على المرء أن يكون عسكريا فحسب كيما ~~يبقي السلطة في يد عصابة من الأفاقين المستغلين، المتشبهين ~~بالآلهة، الخونة لأوطانهم، عن أن يموت المرء من الجوع في المنفى. ~~أي حق يرغم العسكريين على الولاء لنظم لا تدين بالولاء لأي قيم ~~ولا للعالم ولا للأمة؟ # وكان الهندي يحدق في الجنرال كأنما هو صنم غريب، ولكن دون أن ~~يفهم الكلمات القليلة التي ينطق بها. ~~- عليك أن ترحل يا تاتيتا، قبل أن تصل شرطة الخيالة! # وطلب «كاناليس» من الهندي أن يرحل معه إلى الدولة المجاورة، ~~ووافق الهندي، ذلك أنه كان كالشجرة التي لا جذور لها بعد أن ~~استولوا على أرضه. وكان الأجر طيبا. # وغادرا الكوخ دون أن يطفئا النار. وشقا طريقهما وسط الغابة ~~بفأسيهما. وكانت آثار أقدام فهد تبدو متعرجة أمامهما. ظلام. نور، ~~ظلام. ms168 نور. شبكة من أوراق الشجر الملتفة. وشاهدا بعد فترة الكوخ ~~يبرق وراءهما كالشهاب. الظهيرة. سحب جامدة. أشجار جامدة. كدر. ~~بياض ناصع. أحجار ثم مزيد من الأحجار. حشرات. هياكل عظمية، خالية ~~من اللحم ودافئة كالثياب التي تكوى لتوها. تحلل. طيور مضطربة ~~تحلق فوقهما. ماء وعطش؟ تبدل لا نهاية له، ودائما، دائما، نفس ~~الحرارة. # وكان الجنرال يرتدي منديلا يحمي به قذاله ورقبته من لسعة ~~الشمس. وكان الهندي يسير إلى جواره، مواقعا خطاه على خطى ~~البغل. ~~- أعتقد أننا لو سرنا طوال الليل فقد نصل إلى الحدود صباح غد؛ ~~ومن الأفضل أن نخاطر ونسلك الطريق الرئيسي لأن علي أن أتوقف لدى ~~بيت بعض الصديقات في منطقة «لاس ألدياس». ~~- الطريق الرئيسي يا تاتا! ماذا تظن؟ لسوف نصادف هناك شرطة ~~الخيالة. ~~- تعال، اتبعني! إذا لم تخاطر لن تحصل على شيء، كما أن صديقاتي ~~هؤلاء قد يكن ذوات نفع لنا. ~~- أوه، كلها يا تاتا. ~~- وأجفل الهندي بغتة وقال: ألا تسمع، ألا تسمع يا تاتا؟ # كانت تسمع مجموعة من الجياد تقترب، بيد أن الرياح سكنت بعد ~~ذلك، وبدا كأن الصوت قد تراجع إلى الوراء، كأنما الجياد ~~تبتعد. ~~- صمتا! ~~- إنها شرطة الخيالة يا تاتا. إني أعرف ما أقول. والآن يجب علينا ~~أن نعبر هذا الممر، رغم أنه الطريق الأبعد للوصول إلى «لاس ~~ألدياس». # وهبط الجنرال عبر طريق جانبي خلف الهندي. وتعين عليه أن يترجل ~~ويقود البغل. وحين ابتلعهما الأخدود الضيق شعرا وكأنهما في داخل ~~صدفة حلزون، مستورين من الخطر الذي يتهددهما. # وأطبقت الظلمة بغتة. وكانت الظلال تتجمع في أعماق الوهدة ~~الغافية. وبدت الأشجار والأطيار كالنذر الملغزة في وسط النسمات ~~اللطيفة المتماوجة دوما. ولم يريا من مخلفات شرطة الخيالة إلا ~~سحابة من الغبار الاحمراري توسطت بينهما وبين النجوم، وذلك حين ~~كانا يخبان في المكان الذي غادرته الشرطة لتوها. # واستمرا يسيران طوال الليل. ~~- «حين نصل إلى أعلى التل سنرى «لاس ألدياس» يا تاتا.» # وسبق الهندي قدما مع البغل ليعلن وصولهما لصديقات «كاناليس»، ~~وهن ثلاث أخوات غير متزوجات يقسمن حياتهن بين الصلوات ms169 وآلام ~~احتقان اللوز، والتاسوعيات وآلام الأذن، وآلام الوجه والظهر ~~والجنبين. والتهمن النبأ، وكاد أن يغمى عليهن من فرط المفاجأة. ~~واستقبلن الجنرال في حجرة النوم؛ ذلك أن حجرة الاستقبال لم تكن ~~توحي لهن بالثقة. # وفي الريف، يدخل الزوار المنزل دون استئذان ويتوجهون لتوهم إلى ~~المطبخ: السلام لك يا مريم، السلام لك يا مريم. # وحكى لهن الجنرال قصة نكبته في رنة بطيئة هادئة، وذرف عدة ~~دمعات حين أتى على ذكر ابنته. # وبكت صديقاته من الحزن، وكان حزنهن عظيما لدرجة نسين معه ~~آلامهن، ووفاة والدتهن، التي كن يرتدين السواد الكامل حدادا ~~عليها. ~~- ولكنا سوف نرتب أمر فرارك وعبورك الحدود بأي ثمن، سوف أذهب ~~لأسأل الجيران. لقد حان الوقت كيما نتذكر من فيهم يعمل ~~بالتهريب. ذلك إني أعرف أن كل المعابر الممكنة تقريبا تحرسها ~~السلطات. # كانت كبراهن هي التي قالت ذلك، وتطلعت متسائلة إلى ~~الأخريين. # وقالت الوسطى، التي سكنت آلام أسنانها بفعل مفاجأة وصول الجنرال ~~«كاناليس»: أجل، سوف نرتب أمر فرارك كما قالت أختي، يا جنرال. ولما ~~كنت أعتقد أنك ستكون بحاجة إلى بعض المؤن، فسوف أذهب ~~وأجهزها. # وقالت الصغرى: ولما كنت ستمضي اليوم معنا فسوف أبقى لأحادثك ~~وأسليك شيئا ما. # ونظر الجنرال بامتنان إلى الأخوات الثلاث - فقد كانت الخدمة التي ~~يقدمنها له فريدة - ورجاهن في صوت خفيض أن يغفرن له ما سببه لهن ~~من متاعب. ~~- لا شيء من هذا يا جنرال. ~~- كلا يا جنرال، لا تقل هذا. ~~- إني أدرك مدى طيبتكن وشفقتكن يا عزيزاتي، ولكني أعرف أنني ~~أورطكن معي بوجودي في المنزل. ~~- ولكنا صديقاتك مع كل هذا. لك أن تتصور أنه منذ ماتت أمنا ~~... ~~- ولكن، قولي لي، كيف ماتت والدتكن؟ ~~- سوف تحكي لك أختي هذا، سوف نذهب نحن ونجهز الأشياء. # قالت الأخت الكبرى هذا، ثم تنهدت. كانت تحمل مشد الخصر ملفوفا ~~في شالها، وتوجهت لترتديه في المطبخ، حيث كانت الأخت الوسطى ~~تجهز بعض المؤن للجنرال، تحيط بها الخنازير والدواجن. ~~- لم يكن ممكنا نقلها إلى العاصمة، ولم يفهموا علة مرضها هنا، ~~وأنت تعرف الأمر ms170 يا جنرال. وقد ساءت حالتها شيئا فشيئا، ~~المسكينة، وماتت وهي تبكي لأنها تتركنا وحدنا في الدنيا. لم يكن ~~هناك سبيل لتفادي ذلك. ولكن تصور أنه لم يكن معنا نقود ندفع منها ~~أجر الطبيب، الذي أرسل إلينا فاتورة بخمس عشرة زيارة يصل ثمنها ~~إلى حوالي قيمة هذا المنزل، وهو الشيء الوحيد الذي خلفه لنا ~~والدنا. اسمح لي بدقيقة، سأذهب لأرى ما يحتاج إليه خادمك. # وحين خرجت الأخت الصغرى، استغرق «كاناليس» في النوم. عينان ~~مغلقتان. جسد في خفة الريشة. ~~- ماذا تريد أيها الفتى؟ ~~- بحق السماء، أخبريني أين أستطيع أن أقضي حاجتي ...؟ ~~- هناك، في زريبة الخنازير! # ونسج سلام الريف خيوطه في أحلام الجنرال النائم. امتنان حقول ~~الذرة، ورقة المراعي بأزاهيرها الصغيرة البسيطة. وسرعان ما انطوى ~~الصباح، بعدما اشتمل على خشية طيور الحجل ترشقها طلقات الصيادين؛ ~~والخوف المدلهم الذي تثيره مراسم دفن والقس يرش المياه المقدسة؛ ~~وهياج ثور فتى نشيط. وفي أبراج الحمام في فناء الأخوات العوانس ~~وقعت أحداث هامة: موت حبيب، وخطبة، وثلاثون زيجة تحت أشعة الشمس. ~~أي لا شيء على الإطلاق! # لا شيء على الإطلاق! هكذا قالت الحمائم وهي تطل من نوافذ ~~بيوتها الصغيرة. لا شيء على الإطلاق. # وفي الساعة الثانية عشرة، أيقظوا الجنرال لتناول طعام الغداء. ~~أرز متبل. مرق اللحم. يخنة. دجاج. بازلاء. موز. قهوة. ~~- «السلام لك يا مريم!» # وأطبق صوت المندوب السياسي عليهم وهم يتناولون الغداء. وشحبت ~~وجوه العوانس ولم يعرفن كيف يتصرفن. وتوارى الجنرال وراء أحد ~~الأبواب. ~~- لا تنزعجن يا عزيزاتي، فأنا لست الشيطان ذا الأحد عشر ألف ~~قرن! يا إلهي، كيف تخفن مني هكذا، خاصة بعد أن تصرفت معكن تصرفا ~~رحيما؟! # كانت المسكينات قد فقدن القدرة على الكلام. ~~- ثم، ألن تطلبن مني الدخول والجلوس، حتى ولو كان ذلك على ~~الأرض؟ # وأحضرت الصغرى مقعدا لأهم موظف في القرية. ~~- شكرا جزيلا. ولكن، من كان يتناول الطعام معكن؟ إني أرى طبقا ~~رابعا. # وحملقن جميعا ناحية طبق الجنرال. # فتلعثمت الأخت الكبرى قائلة وهي تلوي أصابعها من فرط اليأس. إنه، ~~كما تعرف ... # وأنقذتها ms171 الوسطى قائلة: من الصعب شرح الأمر، ولكن برغم وفاة ~~والدتنا فإننا نهيئ لها مكانا معنا دائما، حتى لا نشعر ~~بالوحدة. ~~- أوه، يبدو أنكن تتحولن إلى مجال الروحانيات. ~~- ألا تتناول شيئا أيها المندوب؟ ~~- شكرا لك، ولكني تناولت طعامي بالفعل. لقد جهزت لي زوجتي ~~الغداء، ثم لم أستطع أن أغفي إغفاءة الظهر لأنني تلقيت برقية من ~~وزير الداخلية يخطرني فيها أن أتخذ الإجراءات ضدكن إذا لم ~~تدفعن للطبيب أجره. ~~- ولكن يا سيادة المندوب، هذا ليس عدلا، أنت تعرف أنه ليس ~~... ~~- قد يكون ذلك صحيحا، ولكن صوت القانون هو كل شيء. # فهتفت الأخوات الثلاث والدموع في مآقيهن: «طبعا!» ~~- إنني جد آسف أن آتي وأسبب لكن هذا الإزعاج، ولكن هكذا هي ~~الأمور كما تعرفن، تسعة آلاف بيزو، أو المنزل، أو ... # وقد تبدى عناد الطبيب الكريه بوضوح في الطريقة التي دار بها ~~المندوب على عقبيه، وأعطاهن ظهره؛ ظهر بدا مماثلا لجذع ~~الشجرة. # وسمعهن الجنرال يبكين. وأغلقن الباب الخارجي بالمفتاح والمزلاج ~~خشية أن يعود المندوب. وتناثرت دموعهن فوق طبق الدجاج. ~~- يا لقسوة الحياة يا جنرال. إنك سعيد الحظ إذا تغادر هذا البلد ~~نهائيا. # فسأل «كاناليس» مخاطبا الأخت الكبرى: بماذا كان يهددكن؟ # وقالت الكبرى لأختيها دون أن تجفف دمعها: فلتقل له ~~إحداكما. # فقالت الصغرى في لعثمة: بأن يخرج ماما من قبرها. # فحملق «كاناليس» في الأخوات الثلاث كلهن وتوقف عن ~~الأكل. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- تماما هكذا، بأن يخرج ماما من القبر. ~~- ولكن هذا ظلم. ~~- قولي له. ~~- حسنا. ولكن عليك أن تعلم يا جنرال أن طبيب قريتنا هو واحد من ~~أسفل أوغاد أهل الأرض طرا، لقد قالوا لنا ذلك من قبل، ولكن المرء ~~لا يتعلم إلا بالتجربة. وماذا كنا سنفعل؟ من الصعب تصديق أن ~~الناس يمكن أن يكونوا بهذا الشر. ~~- هل لك في بعض الفجل يا جنرال؟ # وناولته الوسطى الطبق، وبينما كان الجنرال يتناول منه بعض الفجل، ~~واصلت الصغرى قصتها: لقد وقعنا في مصيدته. هذه هي لعبته: حين ~~يسقط أحد زبائنه فريسة مرض خطير، ويكون آخر ما يفكر فيه الأقارب ms172 ~~ترتيبات الجنازة، يأمر بإعداد مقبرة للدفن. ثم حين يحم القضاء، ~~يضرب ضربته؛ وهذا ما حدث لنا، إذ بدلا من أن نترك ماما تدفن في ~~الأرض الجرداء، قبلنا مكانا لها في المقبرة التي أعدها دون أن ~~ندرك ما نحن مقبلات عليه من جراء ذلك. # وقالت الكبرى ملاحظة وسط الشهقات: «وهو يعلم أننا نسوة لا عائل ~~لنا.» ~~- أقول لك يا جنرال، إنه في اليوم الذي أرسل إلينا الفاتورة، ~~صعقنا كلنا: تسعة آلاف بيزو لقاء خمس عشرة زيارة؛ تسعة آلاف بيزو ~~أو هذا المنزل، لأنه يريد فيما يبدو أن يتزوج، أو ... ~~- أو، إذا لم ندفع، كما قال لأختي، ويا للبشاعة، «بوسعكن أن ~~تأخذن قمامتكن من مقبرتي.» # وضرب «كاناليس» المائدة بقبضة يده. ~~- يا للسافل القذر! # وقرع المنضدة مرة أخرى، مما جعل الأطباق وأدوات المائدة والأكواب ~~تصلصل، وفتح أصابعه ثم أغلقها كأنما يريد أن يخنق هذا الوغد ويدمر ~~جماع النظام الاجتماعي الذي أفرز مثل هذه الأمور المسيئة المخجلة ~~واحدة وراء أخرى. # وجال في خاطره: «هل وعد الناس البسطاء مملكة السماء على الأرض - ~~هذا اللغو الريائي - لمجرد أن يحتملوا مثل هؤلاء الأوغاد. كلا! ~~كفانا من حكم الجمال هذا! إني أقسم على العمل في سبيل الثورة ~~الشاملة، يجب قلب كل شيء ظهرا لبطن. يجب أن يثور الناس ضد ~~الطفيليين، ضد من يستغلون مناصبهم الحكومية، والعاطلين الذين ~~يحسن إرسالهم لفلاحة الأرض. لا بد أن يأخذ كل واحد نصيبه من ~~الدمار! الدمار! الدمار! لن يحتفظ أي عميل منهم برأسه.» # وحدد لرحيله الساعة العاشرة من مساء تلك الليلة، وفقا لترتيب ~~اتخذ من مهرب من أصدقاء عائلة الأخوات الثلاث. وحرر الجنرال ~~خطابات عدة، منها خطاب عاجل إلى ابنته. واتفق على أن يحمل الهندي ~~الخطاب ثم يعود من الطريق الرئيسي. ولم يقل أحد وداعا. ومضت ~~الجياد وحوافرها ملفوفة بالخرق، بينما وقفت الأخوات عند الحائط، ~~يبكين بحرقة في عتمة حارة مظلمة. وحين بلغ الجنرال الطريق الواسع ~~شعر بيد تمسك بلجام جواده. وسمع وقع أقدام. وهمس له المهرب: «لشد ~~ما أفزعوني. لقد ضاعت أنفاسي. ms173 ولكن لا تقلق، إنهم بعض الرجال ~~يصحبون الطبيب للغناء تحت شرفة خطيبته!» # وكان ثمة مشعل مضاء عند نهاية الطريق، يرسل ألسنة من اللهيب ~~تنضم على نورها ثم تتفرق أشكال البيوت والأشجار وخمسة أو ستة رجال ~~يقفون معا تحت إحدى النوافذ. # وسأل الجنرال ومسدسه في يده: «من فيهم الطبيب؟» وشد المهرب عنان ~~جواده، ورفع ذراعه وأشار إلى رجل يحمل جيتارا. وشقت طلقة رصاص ~~الهواء، وسقط رجل على الأرض كما تسقط موزة من قرطها. ~~- يا إله السماوات! انظر ماذا فعلت! لا بد أن نهرب، سريعا، وإلا ~~قبضوا علينا! هيا، اهمز حصانك! ~~- إن هذا ... هو ما يجب ... على كل شخص أن يفعله ... يحرر ~~الشعب! # نطق «كاناليس» بهذه الكلمات بصوت متقطع بين خبب حصانه الراكض. ~~وأيقظت جلبة حوافر الجوادين الكلاب، وأيقظت الكلاب الدجاج . وأيقظ ~~الدجاج الديكة، وأيقظت الديكة الفلاحين، الذين عادوا إلى الحياة ~~في تثاقل، يتثاءبون ويتمطون ويشعرون بالخوف. # ورفعت جماعة المغنين الليليين جسد الطبيب الميت. وخرج الناس ~~بقناديلهم من المنازل المجاورة. ولم تستطع الفتاة التي كانوا يغنون ~~لها البكاء، بل وقفت مشدوهة من فعل الصدمة في ملابس نومها تمسك ~~بقنديل صيني في يدها البيضاء، ونظراتها ضائعة في الظلمة ~~القاتلة. ~~- نحن الآن محاذون للنهر يا جنرال، ولكن علي أن أقول لك إنه ~~لا يقدر على عبوره في المكان الذي نريد عبوره فيه إلا الرجال ~~الشجعان. آه أيتها الحياة، لو أنك تدومين إلى الأبد! # فرد «كاناليس» الذي كان يركب جوادا أسود وراءه: ومن ~~يخاف؟ ~~- برافو! إن المرء يحس بشجاعة الأسود لو أن ثمة رجلا وراءه. ~~أمسك بي جيدا، جيدا، وإلا ضللت طريقك. # كان كل شيء مبهم المعالم حولهما، وكان الهواء دافئا، وإنما تجري ~~فيه تيارات ثلجية. وكانا يسمعان النهر جائشا خلال أعواد ~~البوص. # وترجلا وقفزا إلى المجرى. وعقل المهرب الجوادين في مكان يعرفه ~~جيدا حتى يمكنه أخذهما عندما يعود. ووسط الظلال، عكست رقاع النهر ~~السماء المرصعة بالنجوم. وكانت تطفو على صفحته نباتات غريبة تتساقط ~~من أشجار خضراء، لها عيون بلون التلك وأسنان بيضاء. وقرقرت المياه ms174 ~~عبر الضفاف الدهنية الغافية، تعبق برائحة الضفادع. # وطفق المهرب والجنرال يقفزان من جزيرة إلى أخرى في صمت، وكل ~~منهما حامل مسدسه في يده. وتبعهما ظلاهما كالتماسيح، وتبعتهما ~~التماسيح كظليهما. ووزخزتهما سحائب من الحشرات، وكان ثمة سم ~~مجنح يحلق في الهواء. وعبقت في الجو رائحة البحر، البحر ~~واقعا في شبكة الغابة، بكل سمكاته، ونجومه، ومرجانه، وشعابه، ~~وبأعماقه وتياراته. وكانت الطحالب تتدلى فوق رأسيهما كأنها مجسمات ~~مخاطية لأخطبوطات تحتضر. وحتى الوحوش المتوحشة لم تكن تجرؤ على ~~الذهاب حيثما كانا ذاهبين. وطفق «كاناليس» يدير رأسه في كل اتجاه، ~~ضائعا في هذه الطبيعة المشئومة التي لا يصل إليها أحد ~~والمتوحشة توحش روح حيواناتها. وهاجم تمساح المهرب، وبدا ~~واضحا أنه قد ذاق طعم اللحم البشري من قبل، ولكن المهرب قفز من ~~طريقه في الوقت المناسب. بيد أن الجنرال لم يكن سعيد الحظ بالمثل؛ ~~إذ استدار يدافع عن نفسه وجمد مصعوقا إذ وجد تمساحا آخر ينتظره ~~فاغر الفكين. لقد كانت لحظة حاسمة. وشعر برعشة مميتة تسري في ~~عموده الفقري، وانتصب شعره، وفقد النطق من فرط الهلع. وشد على ~~قبضتيه. ودوت ثلاث طلقات متتابعة رددها الصدى، قبل أن ينتهز ~~الجنرال فرصة هروب الوحش الجريح كيما يقفز إلى مكان آمن. وأطلق ~~المهرب طلقة أخرى. وحين استعاد الجنرال توازنه جرى إلى الأمام ~~وصافح المهرب، مما أحرق أصابعه من جراء لمسه فوهة المسدس. # وكانت الشمس تشرق حين افترقا عند الحدود. وفوق الحقول ~~اللازوردية، وفوق الجبال بقممها الكثيفة المغطاة بأشجار تحيلها ~~الطيور إلى صناديق موسيقية، وفوق الغابة، كانت سحب على شكل ~~التماسيح تطفو في السماء، تحمل كنوزا من النور على ظهرها. # الجزء الثالث # | أسابيع، وشهور، وسنوات ... # الفصل الثامن والعشرون # | حديث في الظلام # الصوت الأول: أي يوم نحن فيه؟ # الصوت الثاني: أجل، أي يوم نحن فيه؟ # الصوت الثالث: انتظرا ... لقد قبضوا علي يوم الجمعة: الجمعة، ~~السبت، الأحد، الإثنين ... الإثنين ... ولكن، كم انقضى علي وأنا هنا؟ ~~حقا، أي يوم نحن فيه؟ # الصوت الأول: أحس أنني في مكان قصي سحيق. ألا تحسون بنفس هذا ms175 ~~الشعور؟ # الصوت الثاني: لقد نسونا في قبر من قبور المقبرة العتيقة، ~~مدفونين إلى الأبد ... ~~- يجب ألا تتحدث هكذا! # الصوتان الأولان: يجب ألا. ~~- ... نتحدث هكذا! # الصوت الثالث: ولكن، لا تتوقفا عن الكلام. إنني أخاف من الصمت، ~~إني خائف. إنني أتخيل يدا تمتد نحوي في الظلام لتقبض على عنقي ~~وتخنقني. # الصوت الثاني: تحدث بحق الإله! قل لنا عما يحدث في المدينة، ~~إنك آخر من رآها فينا. ماذا يفعل الناس؟ ما حال كل شيء؟ ... أحيانا ~~أتصور المدينة كلها مدفونة في الظلال مثلنا، سجينة بين جدران ~~عالية جدا، بينما الشوارع قابعة في الوهدة وسط طين الشتاء الميت. ~~لا أعرف إذا كنتما تشعران كما أشعر! ولكني في نهاية الشتاء لا ~~أحتمل أن أفكر بأن الطين يتيبس وحين أتحدث عن المدينة، ينتابني ~~اشتياق لعين إلى الطعام، إنني أشتهي بعض تفاحات ~~كاليفورنيا. # الصوت الأول: أو ربما البرتقال. أما أنا فأفضل قدحا من الشاي ~~الساخن. # الصوت الثاني: ثم التفكير بأن كل شيء يسير كالمعتاد في المدينة، ~~كما لو لم يحدث شيء، كما لو أننا لسنا مدفونين هنا أحياء. ولا بد ~~أن الترام يسير كالمعتاد. كم الساعة يا ترى مع كل هذا؟ # الصوت الأول: حوالي ... # الصوت الثاني: ليست لدي أي فكرة ... # الصوت الثالث: تكلما! استمرا في الكلام! لا تتوقفا بحق السماء! ~~إنني أخاف من الصمت، إني خائف. إنني أتخيل دائما يدا تمتد ~~نحوي في الظلام لتقبض على عنقي وتخنقني. # ثم أضاف في صوت حزين: لم أحب أن أقول لكما ذلك، ولكني أخشى ~~أنهم قد يجلدوننا! # الصوت الأول: لا تتحدث عن ذلك! لا شك أن ضرب المرء شيء ~~مرعب. # الصوت الثاني: حتى أحفاد الرجال الذين جلدوا يشعرون بالخزي من ~~ذكري ذلك. # الصوت الأول: إنك لسان شر! من الأفضل أن تلزم الصمت. # الصوت الثاني: كل شيء يبدو شرا في نظر رجل الكنيسة. # الصوت الأول: لا شيء من هذا القبيل. أي أساطير خرقاء قد حشوا بها ~~رأسك؟ # الصوت الثاني: أقول لك إن أي شيء يقوم به الآخرون يعتبره رجل ~~الكنيسة شرا. # الصوت ms176 الثالث: تكلما! استمرا في الكلام! لا تتوقفا بحق من ~~تحبانه أكثر من غيره في هذه الدنيا! إن الصمت يملؤني بالرعب، إني ~~خائف إنني أتخيل دائما أن يدا تمتد نحوي في الظلام لتقبض على ~~عنقي وتخنقني. # كان الطالب ومساعد القس لا يزالان محبوسين في السجن الذي قضى ~~فيه الشحاذون ليلة واحدة، بيد أنه كان معهما الآن المحامي ~~«كرفخال». # قال كرفخال: لقد تم إلقاء القبض علي بطريقة مرعبة جدا. ذلك ~~أن الخادمة التي خرجت في الصباح لتبتاع بعض الخبز عادت لتقول لنا ~~إن المنزل محاط بالجنود. قالت ذلك لزوجتي وزوجتي قالت لي: بيد أنني ~~لم أهتم بالأمر، وتصورت أنهم يبحثون عن أحد مهربي البراندي أو ~~غيره من المجرمين. وأنهيت حلاقة ذقني، وأخذت حمامي وتناولت إفطاري، ~~وارتديت ملابسي كيما أتوجه لتهنئة رئيس الجمهورية - كنت في «آخر ~~أبهة» كما يقولون. «أهلا يا صديقي، يا لها من مفاجأة!» هكذا قلت ~~للمدعي العسكري العام حين وجدته على عتبة بابي مرتديا زيه الرسمي ~~الكامل. فرد علي قائلا: «لقد حضرت هنا من أجلك. هيا بنا فقد ~~تأخرنا بالفعل.» وسرت معه بضع خطوات، وحين سألني عما إذا كان ~~لدي فكرة عن سبب محاصرة الجنود للمنزل، قلت له: كلا. فقال: إذن ~~سأقول لك أيها الجرذ الصغير. لقد حضروا للقبض عليك. «ونظرت إلى ~~وجهه ورأيت أنه لا يمزح، وعند ذاك أمسك أحد الضباط بذراعي واصطحبني ~~الجميع خارجا مرتديا سترتي الصباحية وقبعتي العالية، وألقوا ~~بجثتي في هذا السجن.» # وأضاف بعد فترة صمت: والآن، تكلما أنتما الاثنان. إنني أرتعد من ~~الظلام، إني خائف! # وهتف الطالب: آه يا عزيزي، آه يا عزيزي! ماذا حدث؟ إن رأس مساعد ~~القس بارد كالثلج. ~~- ماذا تعني؟ ~~- إنني ألمسه، ولكنه لم يعد يشعر بأي شيء، و... ~~- إنه لست أنا، حاذر مما تقول! ~~- من هو إذن؟ أنت يا كرفخال؟ ~~- كلا. ~~- إذن ... هل هناك رجل ميت بيننا؟ ~~- كلا، إنه ليس رجلا ميتا ... إنه أنا. # فقال الطالب: ولكن، من أنت؟ إنك تبدو باردا جدا. ورد صوت ~~بالغ الضعف: إنني واحد منكم. # وصاحت ms177 الأصوات الثلاثة الأولى: أووووه! # وحكى مساعد القس لكرفخال قصة مأساته: لقد غادرت «الكنيسة»، وتصور ~~نفسه خارجا من غرفة مقتنيات الكنيسة التي تفوح منها رائحة المجامر ~~المطفأة، والأثاث الخشبية العتيقة والزخارف الذهبية وجذاذات شعر ~~الموتى، و«اخترقت صحن الكنيسة»، ورأى نفسه يخترق بهو الكنيسة ~~الداخلي ممتلئا رهبة من وجود سر الأسرار فيه، وسكون الشموع ~~وحركة الذباب، «وتوجهت لأنزع عن لوحة الإخطارات إعلانا عن تاسوع ~~العذراء - لأن أحد الإخوة قال لي إنه قد انتهى. ولكن المشكلة هي ~~أنني لا أعرف القراءة، فنزعت بدلا من ذلك، عن طريق الخطأ، إعلانا ~~عن الاحتفال بذكرى والدة السيد الرئيس، وكان معروضا بأمر منه. ولم ~~يكن في الإمكان أن أقترف أسوأ من ذلك الخطأ. وقبضوا علي ووضعوني ~~في هذا السجن بوصفي أحد الثوريين»! # وكان الطالب هو الوحيد بينهم الذي لم يبح بسبب القبض عليه. وكان ~~الحديث عن رئتيه الممروضتين أهون عليه من ذكر وطنه بسوء. وركز على ~~علته الجسمانية حتى ينسى أنه قد رأى النور أثناء غرق السفينة، وأنه ~~رأى النور وسط الجثث، وأنه قد فتح عينيه في مدرسة لا نوافذ لها، ~~حيث أطفئوا بصيص الإيمان في نفسه حالما وصل، دون أن يستبدلوا به ~~شيئا سوى الظلمة والفوضى والاضطراب وكآبة الخصيان الفلكية. وفي ~~صوت خفيض، بدأ يتلو قصيدة الأجيال الضائعة التالية رويدا ~~رويدا. # إننا نسير في موانئ العدم. # دونما ضوء يلتمع على ساريات أذرعتنا. # تغرقنا الدموع المالحة. # كالملاحين العائدين من البحر. # شفتاك هما ملاذي ومأواي. # فقبليني طويلا ... # يدي في يدك ... منذ الأمس. # آه، عبثا تنبعث الحياة. # في مسرى قلبينا البارد. # لقد انكسر الإبريق وأريق العسل. # بينما النحلات تهرب بعيدا في الفضاء. # كأنها الشهب. لم يحن الوقت بعد. # لقد سقطت ورقات وردة الرياح. # بينما الفؤاد موثوق إلى أحجار القبور. # آه، طم طم طم، العربة تدمدم في سيرها. # وتمضى الجياد في الليل الذي لا يطلع له قمر. # تملأها الورود إلى أخمص حوافرها. # كأنها تعود من رحلة إلى النجوم. # وليس من المقبرة. # آه، طم طم طم، العربة تدمدم في سيرها. # قاطرة ms178 بحرا من الدموع، طم طم طم. # بين حاجبين من الريش، طم طم طم. # أحجيات الفجر في وسط النجوم. # ثنايا الوهم في عرض الطريق. # كم هو بعيد عن العالم، وكم هو باكر. # موجات من الدموع تجاهد وسط المحيط. # كيما تصل إلى شاطئ الجفون. # قال كرفخال بعد صمت طويل: تكلموا، استمروا في ~~الكلام، استمروا في الكلام! # فتمتم الطالب: فلنتكلم عن الحرية. # فقاطعه مساعد القس قائلا: يا لها من فكرة! تصوروا أن نتكلم عن ~~الحرية ونحن في السجن! ~~- ألا تفترض أن المرضى يتحدثون عن الصحة وهم في المستشفى؟ وغمغم ~~الصوت الرابع في وهن: لا أمل لنا في الحرية يا أصدقائي؛ علينا أن ~~نحتمل ما يحدث لنا إلى ما شاء الله. إن الرجال الذين كانوا يخلصون ~~النية لوطنهم قد أصبحوا بعيدا الآن ؛ بعضهم يتسول أمام المنازل في ~~بلاد أخرى. وآخرون يتحولون إلى تراب في مقابر جماعية. سوف يأتي ~~اليوم الذي لن يجرؤ فيه أحد على السير في شوارع هذه المدينة. ولم ~~تعد الأشجار تطرح ثمارا كما كان الأمر من قبل. والذرة لم تعد ~~تشبع المرء كما كانت قبلا. والنوم أقل راحة. والمياه أقل إرواء. ~~وقد أصبح استنشاق الهواء مستحيلا. ويأتي الطاعون بعد الأوبئة، ~~وبعد الطاعون تأتي الأوبئة، وسرعان ما سيقع زلزال يقضي علينا ~~جميعا. إن عيني تخبراني أن جنسنا محكوم عليه بالفناء. والرعد هو ~~صوت آت من السماء يقول: إنكم أشرار فاسدون، أنتم شركاء في الشر! ~~لقد ألهبت الرصاصات الغادرة رءوس مئات من الناس على جدران سجننا ~~هذا. وقصورنا المرمرية مخضبة بالدماء البريئة. أين إذن يمكن للمرء ~~أن يتجه بحثا عن الحرية؟ # مساعد القس: إلى الله العلي القدير. # الطالب: ما جدوى ذلك، إذا كان لا يجيب. # مساعد القس: لأن ذلك إرادته المقدسة. # الطالب: وا حسرتاه! # الصوت الثالث: تكلموا، استمروا في الكلام بحق السماء! لا ~~تتوقفوا إني أرتعد من الصمت، إني خائف. إني أتخيل دائما أن يدا ~~تمتد نحوي في الظلام لتقبض على رقابنا وتخنقنا! ~~- من الأفضل أن نصلي ... # ونشر صوت مساعد القس إذعانا مسيحيا ms179 في طول زنزانة السجن ~~وعرضها. وتمتم كرفخال، الذي عرف عنه في الجوار أنه ليبرالي يكره ~~القس. ~~- فلنصل ... # بيد أن الطالب هتف يقاطعه: ما جدوى الصلاة! ينبغي لنا ألا ~~نصلي. ينبغي لنا أن نسعى إلى تحطيم هذا الباب ونخرج لننضم إلى ~~الثورة! # وامتدت ذراعا شخص لم يكن بمستطاعه أن يراه، وطوقه في ~~حرارة، وشعر على خده بالملمس الخشن للحية صغيرة مخضلة بالدموع، ~~وصوت يقول: بإمكانك الآن أن تموت في سلام أيها القائد السابق ~~لمدرسة «سان خوسيه» للمشاة، فلا يزال ثمة أمل في بلد يتحدث ~~شبابه على هذا النحو! # الصوت الثالث: تكلموا، استمروا في الكلام، استمروا في ~~الكلام! # الفصل التاسع والعشرون # | مجلس عسكري # بلغ نص اللائحة الجنائية التي تتهم «كاناليس» و«كرفخال» ~~بالعصيان والتمرد والخيانة، بكل ما يحمله ذلك من ظروف مشددة ~~ممكنة، صفحات عديدة لدرجة لم يكن معها ممكنا تلاوته حتى آخره في ~~جلسة واحدة. وقد قرر أربعة عشر شاهدا بالإجماع بعد حلف اليمين ~~أنهم في ليلة 21 أبريل كانوا موجودين في «رواق الرب» حيث تعودوا ~~قضاء الليل نظرا لفقرهم الشديد، وأنهم رأوا الجنرال كاناليس ~~والمحامي قابيل كرفخال يهجمان على ضابط، عرفوا فيما بعد أنه ~~الكولونيل خوسيه بيراليس سونرينتي، ويخنقانه بالرغم من المقاومة ~~الباسلة التي أبداها لهما، فقد ناضل ضدهما يدا بيد كالليث الهصور، ~~بيد أنه كان عاجزا عن استعمال أسلحته للدفاع عن نفسه ضد قوتهما ~~الغاشمة. وقرروا أيضا أنه حالما تمت الجريمة، خاطب «كرفخال» ~~«كاناليس» بالعبارات التالية أو بما يفيد معناها: «الآن وقد ~~قتلنا» «الرجل ذا البغل الصغير»، يتعين على القادة العسكريين أن ~~يسلموا أسلحتهم ويعترفوا بك يا جنرال رئيسا أعلى للجيش. سيطلع ~~الفجر بعد برهة، فلنسرع بنقل الأنباء إلى الذين تجمعوا في منزلي، ~~حتى يمكنهم المضي في اعتقال رئيس الجمهورية وإعدامه وتشكيل ~~حكومة جديدة. # وذهل كرفخال. لقد كانت ثمة مفاجأة في انتظاره في كل صفحة من ~~صفحات الاتهام. ولو لم يكن الاتهام خطيرا للغاية لكان الأمر مدعاة ~~للضحك. ومضى يقرأ. كان يقرأ على الضوء المترامي من نافذة تطل على ~~فناء ms180 مغلق، في الغرفة الصغيرة العارية المخصصة للمحكوم عليهم ~~بالإعدام. وكان المجلس العسكري الذي سيحقق في الموضوع سينعقد في ~~تلك الليلة، وقد تركوه وحيدا مع صفحات الاتهام كيما يعد دفاعه. ~~ولكنهم أخروا ذلك حتى اللحظة الأخيرة. كان يرتجف من قمة رأسه إلى ~~أخمص قدميه، ويقرأ دونما وعي أو توقف، تعذبه فكرة أن الظلام قد ~~أخذ يقرض الأوراق التي كانت تبدو كأنما هي تذوب إلى رماد رطب بين ~~يديه. ولم ينجح في قراءة الكثير منها. كانت الشمس تغرب، ونورها ~~يتحول إلى العتمة؛ وكان الأسى يظلل عينيه لفقدانها. سطر أخير، ~~كلمتان، ضربة قلم، تاريخ، رقم صفحة ... وجاهد عبثا كيما يقرأ رقم ~~الصفحة؛ كانت الظلمة تفيض على الصفحة كلطلخة حبر أسود. بيد أنه ~~تشبث بالملف في لهفة كأنما، بدلا من اضطراره إلى قراءاته، سوف ~~يلف حول عنقه كالحجر قبل إلقائه إلى الهاوية. وكانت تسمع صلصلة ~~قيود السجناء غير السياسيين على طول الأفنية غير المرئية، وفيما ~~وراءها أيضا تأتي الأصوات المختنقة لجلبة المرور في شوارع ~~المدينة. «آه يا إلهي ... إن جسدي المتجمد البائس في حاجة إلى ~~الدفء، وعيني تحتاجان للنور احتياجا أمس من حاجة جميع سكان نصف ~~الكرة التي تشرق الشمس عليهم الآن مجتمعين. لو أنهم علموا معاناتي ~~لكانوا أشفق علي منك، يا إلهي ولردوا علي الشمس حتى أتمكن من ~~إنهاء القراءة.» # وأعاد إحصاء الصفحات التي لم يقرأها مرات ومرات، باللمس فحسب، ~~واحدة وتسعين. مرات ومرات مر بأصابعه على سطح الصفحات خشنة ~~الملمس، محاولا القراءة كما يفعل الأعمى في مداومة اليأس. كانوا ~~قد نقلوه في الليلة الماضية في أوائل المساء، في عربة مغلقة، وسط ~~مظاهر استعراض كبير للقوات من مركز الشرطة الثاني إلى السجن ~~المركزي. ورغم ذلك، كان سروره عظيما بمشاهدة الشارع من حوله ~~وسماعه والإحساس به، حتى لقد شعر برهة أنهم إنما يقودونه إلى ~~منزله: وماتت الكلمات على شفتيه في بحر من الدموع ~~والاشتياق. # ووجده رجال الأمن وصحيفة الاتهام الجنائي بين ذراعيه والمذاق ~~العذب للطرق المبتلة في فمه، فنزعوا الوثائق منه ودفعوه دونما ~~كلمة ms181 إلى الحجرة التي كان المجلس العسكري منعقدا بها. # واستجمع كرفخال شجاعته ليقول للجنرال الذي كان يترأس المجلس ~~«ولكن، سيدي الرئيس، كيف يمكنني الدفاع عن نفسي وأنتم لا؟ لمجرد ~~قراءة لائحة اتهامي؟» # فرد رئيس المجلس: «هذا لا علاقة له بنا. إن الفترات التي ~~تتخلل الجلسات قصيرة، والوقت يمر، وهذه القضية عاجلة. لقد ~~استدعينا ها هنا كي نصدر الحكم.» # وما تبع ذلك كان بالنسبة لكرفخال حلما، نصفه مراسم، ونصفه الآخر ~~مهزلة. كان هو الممثل الرئيسي، يواجههم جميعا من مكانه على ~~أرجوحة الموت، وسط فراغ عدائي. بيد أنه لم يشعر بالخوف، لم يشعر ~~بأي شيء، بل نامت مخاوفه تحت جلده الخدر. وأبدى شجاعة عظيمة. وكانت ~~المنضدة التي جلست هيئة المحكمة حولها مغطاة بعلم الدولة، كما ~~تقضي اللوائح. أزياء عسكرية. قراءة الوثائق . وثائق عديدة. حلف ~~اليمين. وكتاب القانون العسكري يرقد كالحجر على المنضدة فوق ~~العلم. وكان الشحاذون جالسين في مقاعد الشهود. جلس «ذو القدم ~~المسطوحة» منتصب الظهر، بوجهه الثمل البشوش الخالي من الأسنان ~~وشعره المصفوف بعناية، لا تفوته كلمة مما كان يتلى ولا تعبير ~~يرتسم على سيماء رئيس المحكمة. أما سلفادور النمر «فقد تابع سير ~~المحاكمة بهيبة الغوريلا، وهو يحفر في أنفه المفرطحة، أو في ~~الأسنان القليلة المنتشرة في فمه العريض الذي يمتد من الأذن إلى ~~الأذن الأخرى.» أما «فيودا» الطويل الأعجف ذو الهيئة الشريرة، فقد ~~لوى وجهه وخلع على نفسه هيئة الجثة كيما يبتسم لأعضاء المحكمة. ~~وعمد «لولو» القزم السمين المتجعد الوجه إلى الانخراط في نوبات ~~فجائية من الضحك أو الغضب، من الود أو من الكراهية، وبعدها يغلق ~~عينيه ويسد أذنيه حتى يعلم الجميع أنه لا يريد أن يرى أو يسمع ~~شيئا مما يجري في القاعة. والتف «دون خوان دي لا ليفاكوتا» ~~بمعطفه الفراك العتيق الذي لا يرى دونه، ضئيلا، شارد الذهن، تشي ~~ملابسه المستعملة بأنه ينحدر من أسرة برجوازية: ربطة عنق عريضة ~~ملطخة بعصير الطماطم، حذاء من الجلد الأصلي ملتوي الكعبين، ~~ردنان صناعيان، صديري منفصل للقميص؛ بينما خلعت عليه قبعته ~~المصنوعة من ms182 القش، وصممه الثقيل مظهرا رشيقا. وأخذ دون خوان، ~~الذي لم يكد يسمع أي شيء، يحصي الجنود المنتشرين أمام جدران ~~القاعة على مسافة خطوتين من أحدهما الآخر. وإلى جواره جلس ~~«ريكاردو» العازف يغطي رأسه وجزءا من وجهه بمنديل ملون، محمر ~~الأنف، ولحيته الشائكة عليها بقايا من طعام. وكان ريكاردو العازف ~~يكلم نفسه، وعيناه مثبتتان على بطن الصماء البكماء المنتفخ، ~~التي كانت جالسة معهم إلى جواره يسيل اللعاب من فمها وتحك القمل ~~تحت إبطها الأيسر. وبعدها كان يجلس «بيريكي»، وهو زنجي ذو أذن ~~واحدة على شكل المبولة. وبعد بيريكي، «ميونا» الصغيرة وكانت بالغة ~~النحافة، عوراء، لها شارب خفيف، وتنبعث منها رائحة الحشايا ~~العتيقة. # وبعد تلاوة لائحة الاتهام، نهض المدعي، وهو عسكري قصير الشعر ~~تبرز رأسه الصغيرة من صدار عسكري ذي بنيقة بالغة الضخامة بالنسبة ~~إليه، وطالب بالحكم على المتهم بالإعدام. والتفت كرفخال يتطلع ~~إلى أعضاء المحكمة باحثا عن أي دلائل على الحكمة والنجابة. وكان ~~أول عضو وقعت عليه عيناه ثملا كأشد ما تكون الثمالة. وكانت يداه ~~تقعيان على العلم أمامه. كيدي فلاح يمثل في رواية في حفل ريفي. ~~وإلى جواره كان ثمة ضابط أسمر البشرة، ثم هو الآخر. أما رئيس ~~المحكمة، الذي كان يفوقهما ثمالة، فقد بدا وكأنه على وشك أن يغمى ~~عليه من فرط السكر. # ولم يستطع أن يقول كلمة واحدة دفاعا عن نفسه. لقد حاول النطق ~~ببعض العبارات، ولكنه تلقى على الفور انطباعا بأن ما من أحد ينصت ~~إليه، والواقع أنه فعلا لم يكن هناك أحد ينصت. وتجعدت كلماته في ~~فمه كأنها خبز رطيب. # كان الحكم قد صدر وصيغ سلفا؛ وكان ثمة شيء فخم فيه يتناقض مع ~~بساطة أولئك الذين ينفذونه ويصدقون عليه؛ دمي من اللحم المقدد ومن ~~الذهب، تستحم من أعلى إلى أسفل بالضوء المنهل من المصباح الزيتي؛ ~~أو يتناقض كذلك مع الشحاذين بعيونهم الضفدعية وظلالهم الثعبانية ~~التي تنطرح على الأرض البرتقالية كأنها أقمار سوداء؛ أو مع الجنود ~~الصغار الذين يلهون في سيور بذلاتهم؛ أو مع أثاث القاعة الذي ms183 ~~ينتصب صامتا كأنما هو في منزل ارتكبت فيه جريمة قتل. وصاح كرفخال ~~بأعلى صوته: إنني سأستأنف الحكم. # فبرطم رئيس المحكمة قائلا: دعك من هذا، فلا يوجد هنا استئناف ~~ولا استنكاف، أو أي كلام فارغ من هذا القبيل. # وساعد كرفخال كوب من الماء هائل الحجم، استطاع الإمساك به على ~~ضخامته لأن الهول كله كان في يديه، على ازدراء ما كان يحاول أن ~~يطرده من جسده: فكرة المعاناة، آلية الموت، وقع الرصاص على العظام، ~~الدماء على الجلد الحي، تجمد العينين، الملابس الدافئة، الأرض. ~~وغلبه الفزع فأعاد الكوب وبقي ذراعه ممتدا إلى أن استجمع ~~شجاعته وسحبه إلى جانبه. ورفض سيجارة قدموها له. وتحسس رقبته ~~بأصابع مرتجفة بينما راحت عيناه، بعكس وجهه الشاحب شحوب الإسمنت، ~~تتجولان دونما قيد بين جدران القاعة الناصعة البياض. # ودفعوا به وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة عبر ممر يعصف ~~فيه الهواء، ومذاق حريف في فمه، وساقاه لا تقويان على حمله، وعبرة ~~في كل عين. # وقال له ضابط ذو عينين كعيني مالك الحزين: «هاك ... خذ جرعة»! ~~ورفع الزجاجة التي شعر بها مائلة إلى فمه وشرب. # وصاح صوت من الظلمة: «أيها الضابط، عليك أن تلتحق بفرقتك ~~العاملة غدا. لدينا أوامر بعدم التسامح بأي صورة من الصور مع ~~المجرمين السياسيين.» # وبعد بضع خطوات أخرى، دفنوه في جب تحت الأرض، طوله ثلاثة ~~أمتار في مترين ونصف، وبه اثنا عشر رجلا محكوما عليهم بالإعدام، ~~لا يتحركون لعدم وجود أي مكان، الواحد منهم إلى جوار الآخر ~~كالسردين، يقضون حاجاتهم وهم وقوف، ويطئون فضلات أجسامهم مرارا ~~وتكرارا. وكان «كرفخال» رقم 13. وبعد رحيل الجنود، ملأت الأنفاس ~~الأليمة لتلك الجمهرة من المعذبين صمت الجب الذي كانت تعكره على ~~البعد صرخات أحد المسجونين. # ووجد «كرفخال» نفسه مرتين أو ثلاث مرات يحصي في آلية صرخات ذلك ~~التعس المحكوم عليه بالموت عطشا. اثنتان وسبعون. ثلاث وسبعون. ~~أربع وسبعون ... وجعلته نتانة البراز الموطوء بالأقدام ونقص الهواء ~~يشعر بالإعياء، وحملاه بعيدا عن هذه المجموعة من البشر ليجول على ~~شفا جرف جهنمي من ms184 اليأس، محصيا صرخات السجين. # وكان «لوسيو فاسكيز» يروح جيئة وذهابا في زنزانة أخرى مجاورة، ~~وقد كساه مرض الصفراء لونا معصفرا، وأظافره ومقلتاه بلون الجانب ~~السفلي من ورقة أشجار البلوط الخضراء. وكان الشيء الوحيد الذي ~~يسري عنه في شقائه هو أنه يوما ما سينتقم من «خينارو روداس»، ~~الذي كان يعتبره مسئولا عما يلقاه من رزايا. كان هذا الأمل البعيد ~~هو ما يبقى عليه الحياة، أمل مدلهم اللون وحلو المذاق كالعسل ~~الأسود. إن بإمكانه أن يحتمل البقاء هنا إلى الأبد لو كان ~~بمستطاعه أن ينفذ انتقامه فحسب. لقد عشت الليالي الحالكة السوداء ~~في صدره الخسيس، لدرجة لم يعد معها من شيء يدخل بصيصا من النور ~~على أفكاره الشريرة إلا صورة السكين وهي تقطع أحشاء «روداس» تاركة ~~فيه جرحا كالفم الفاغر . وقضى «فاسكيز» ساعة وراء ساعة، ويده ~~متقلصتان من البرد، يتذوق طعم انتقامه، كدودة مجبولة من الطين ~~الأصفر. اقتله! اقتله! ... وكان يمد ذراعه في الظلمة، كأنما عدوه ~~قد بات بالفعل في متناول يده، ويتحسس في خياله سكينه البارد ~~كالثلج، ويهجم على «روداس» كأنه شبح يقوم بحركاته المعهودة. ~~وأعادته إلى الواقع صرخات السجين، الذي كان يردد في صراخه بعض ~~كلمات بالإيطالية: بحق الله، من فضلكم ... ماء! ماء! ماء! ماء! أيها ~~الضابط ... ماء! ماء! بحق الله، من فضلكم ... م ... ا ... ء، ماء! ~~ماء. # وألقى السجين بنفسه على باب زنزانته، التي عزلت تماما من ~~الخارج بطبقة من الطوب الأحمر المثبت إلى الأرض بالأسمنت وغطيت ~~جدرانها بالأسمنت أيضا. ~~- «ماء، أيها الضابط، ماء، أيها الضابط، ماء! بحق الله، من فضلك ~~أيها الضابط!» # وظل السجين، وقد نفدت منه الدموع، واللعاب، وكل ما هو رطب أو ~~بارد، وقد استحال حلقه أكمة شوك حارقة، مترددا بين عالم من نور ~~ورقاع من ظلمة، يقرع صرخاته التي لا تنقطع: «ماء، أيها الضابط! ~~ماء، أيها الضابط! ماء أيها الضابط!» # وكان ثمة رجل صيني على وجهه علائم الجدري معنى بشئون السجناء. ~~وكان يأتيهم «كل بضعة قرون» كأنما هو آخر نفس في الحياة. هل كان ~~ذلك ms185 المخلوق شبه الإلهي يوجد حقا، أم كان خيالا من خيالات ~~أحلامهم؟ كانت رائحة البراز الموطوء وصرخات السجين تجعل رءوسهم ~~تدور؛ كما أنه من الممكن أن ذلك الملاك الحنون لم يكن سوى رؤيا ~~خيالية من بنات أفكارهم. ~~- ماء أيها الضابط! ماء أيها الضابط! بحق الله، من فضلكم، ماء! ~~ماء! ماء! ماء! # وكان ثمة جنود يروحون ويجيئون، تدق كعابهم على الأرض المغطاة ~~بالقرميد وهم يرتدون صنادلهم الجلدية، وكان البعض منهم يزأر ~~بالضحك ويرد على السجين الصارخ بقوله: «أيها التيرولي، أيها ~~التيرولي، لماذا قتلت الطائر الذي يتحدث كالإنسان.» ~~- «ماء، بحق الله، من فضلكم، ماء، أيها السادة ماء من ~~فضلكم!» # وكان «فاسكيز» يتدبر انتقامه، بينما تركت صرخات الإيطالي الهواء ~~جافا عطشا كغلاف قصب السكر. وجعله صوت طلقة رصاص يحبس أنفاسه. ~~لقد بدأ تنفيذ أحكام الإعدام. لا بد أن الساعة الآن الثالثة ~~صباحا. # الفصل الثلاثون # | زواج في ظلال الموت # - «ثمة مريضة تحتضر في حينا.» # وخرجت عانس من باب كل منزل. ~~- «ثمة مريضة تحتضر في حينا». # وخرجت من منزل «المائتين» امرأة تدعى «بترونيلا»، وجهها وجه جندي ~~وحركاتها حركات دبلوماسي، ولو خيروها لاختارت على الأقل أن تدعى ~~«برتا» تدليلا، لعدم وجود مغريات أخرى فيها. وبعدها، جاءت صديقة ~~من منزل «المائتين» أيضا تدعى «سيلفيا»، وجهها كالعدساية وملابسها ~~على الطراز الميروفينياني؛ # 1 # ثم إحدى معارف «سيلفيا» وتدعى «إنغراسيا»، ترتدي ~~كورسيها يضغط على جسدها حتى ليصح نعته بالدرع. وحذاء ضيقا ~~عند كعبيها، وسلسلة ساعة تتدلى حول عنقها كأنها حبل مشنقة؛ ثم ~~ابنة عم «إنغراسيا»، ذات رأس على هيئة القلب كرأس الأفعى، وكانت ~~أجشة الصوت، مدملجة، ذات مظهر رجولي، لا تكاد تجاوز إحدى سيقان ~~إنغراسيا حجما ومدمنة على التنبؤ بالكوارث واستطلاع ظهور الشهب، ~~أو المسيح الدجال، أو العصر الذي سيلجأ فيه الرجال إلى قمم الأشجار ~~هربا من مطاردة النساء، والذي ستصعد النساء فيه إلى تلك الأشجار ~~لإعادتهم إليهن ثانية! # ثمة مريضة تحتضر في حينا. يا له من نبأ! كان الأمر لا يبين ~~عن سرورهم بتلك الفكرة، بيد أنه كان يبين في ms186 الطريقة التي حاولت ~~بها أصواتهن الخافتة إخفاء حبورهن بذلك الحدث الذي قد يهيئ ~~للكثيرات منهن العمل بمقصاتهن، بل ويخلف كثيرا من القماش لهن ~~جميعا بحيث تأخذ كل واحدة لنفسها ثوبا منه. # كانت «لامسكواتا» في انتظارهن. وأعلنت «بترونيلا» الآتية من منزل ~~«المائتين»: «إن أخواتي جاهزات.» # ولم تبين لأي شيء هن جاهزات. # وقالت «سيلفيا»: فيما يتعلق بالملابس، يمكنك طبعا الاعتماد ~~علي. إذا لزمك شيء منها. # أما «إنغراسيا»، إنغراسيا الصغيرة، التي تعبق برائحة مرق اللحم ~~حين لا تفوح منها رائحة دهان الشعر، فقد أضافت، وهي تنطق بنصف ~~الكلمات من فرط ما يضغط الكورسيه على جسدها: «لقد فكرت فيها وتلوث ~~صلاة على أرواح المحتضرين بعد أن فرغت من صلواتي.» # كن متجمعات في الغرفة الواقعة وراء الحانة، يتكلمن في صوت ~~خفيض، ويحاولن ألا يعكرن الصمت الذي كان يجلل سرير المريضة ~~كأنه دواء طبي، أو يضايقن السيد الذي كان يجلس إلى جوارها ليل ~~نهار. إنه سيد أصيل حقا. كن يتوجهن إلى السرير على أطراف ~~أصابعهن، مدفوعات بالرغبة في إلقاء نظرة على وجهه أكثر منه بالنظر ~~إلى «كميلة» الراقدة هناك كالشبح، بأهدابها الطويلة، وعنقها النحيل ~~النحيل، وشعرها المهوش. وحين شممن رائحة سر في الموضوع (أليس ثمة ~~سر دائما حيثما كانت قصة حب). لم يهدأ لهن بال حتى استخلصن ~~مفتاح السر من صاحبة الحانة. إنه خطيبها! خطيبها! خطيبها! خطيبها! ~~طبعا! إنه خطيبها! ورددن جميعا الكلمة السحرية، كلهن ماعدا ~~سيلفيا، التي خرجت دون أن يلحظها أحد حالما عرفت أن «كميلة هي ~~ابنة الجنرال كاناليس»، ولم تعد ذلك. كانت ترى من الأفضل عدم ~~الاختلاط بأعداء الحكومة. وقالت لنفسها إن الشخص الذي يعودها ~~ربما يكون خطيبها أي نعم، وقد يكون أيضا من أصدقاء السيد الرئيس، ~~«ولكني شقيقة أخي، وأخي نائب في البرلمان، وربما أضر به اختلاطي ~~بهم. لا بد لنا أن نضع ثقتنا في الله!» ورددت حين خرجت إلى الطريق: ~~ولا بد لنا أن نضع ثقتنا في الله! # ولم يكد ذو الوجه الملائكي يشعر بهؤلاء النسوة، رغم أنهن كن ~~حريصات على ms187 إتمام مجاملتهن للفتاة المريضة بمواساة خطيبها. وشكرهن ~~دون أن يسمع ما يقلنه - مجرد كلام - وروحه بكاملها منتبهة لأنين ~~كميلة المؤلم الذي يصدر عنها برغمها، ولم يستجب لمظاهر العطف الذي ~~أبدينه وهن يصافحنه. وشعر بجسده يبرد، مسحوقا تحت وطأة البؤس ~~الذي انتابه. وتملكه إحساس بأن الدنيا تمطر، وأن أطرافه قد خدرت، ~~وأنه مشتبك مع أطياف غير مرئية في حيز أكبر من الحياة، حيز من ~~الفراغ بدا فيه الهواء والنور والظلال والأشياء منفصلة عنه ~~وحيدة. # وكسر الطبيب سلسلة أفكاره. ~~- ما العمل إذن يا دكتور ...؟ ~~- لن ينقذها سوى معجزة! ... ~~- سوف تعود، أليس كذلك؟ # لم تهدأ صاحبة الحانة لحظة، ورغم ذلك لم يبد عليها أي تعب. كانت ~~تغسل الثياب لبعض الجيران، ولذلك نقعت الثياب في الصباح الباكر قبل ~~أن تذهب بطعام الإفطار إلى فاسكيز في السجن، ولم تكن قد سمعت ~~أنباء عنه مؤخرا. وحين تعود، كانت تغسل الثياب وتعصرها وتعلقها ~~لتجف، ثم تهرع إلى أداء بعض الأعمال المنزلية في بيتها خلف الحانة، ~~وغير ذلك من الأشياء: العناية بالمريضة، إشعال الشموع أمام ثور ~~القديسين، محاولة حمل ذي الوجه الملائكي على تناول بعض الطعام، ~~انتظار الطبيب، الذهاب إلى الصيدلية، تحمل ثقل ظل «القسيسات» كما ~~تسمى هؤلاء النسوة العوانس، والشجار مع صاحب محل حشايا الأسرة ~~المجاورة لها. وصاحت من على عتبة الباب وهي تتظاهر بأنها تهش ~~الذباب بعيدا بخرقة ثياب: «حشايا للخنازير الكسولة! حشايا ~~للخنازير الكسولة!» لن ينقذها سوى معجزة! # ردد ذو الوجه الملائكي عبارة الطبيب. معجزة، الاستمرار التعسفي ~~لما هو قابل للموت، انتصار جزء من الإنسانية على المطلق العقيم. ~~وشعر برغبة جارفة في التضرع إلى الله لإنجازه معجزة؛ بيد أن العالم ~~في تلك الأثناء كان يدور ويلف بعيدا عن متناوله - بلا فائدة، ~~معاديا، مضطربا، لا هدف له. # كانوا جميعا في انتظار المأساة من لحظة إلى أخرى. نباح كلب، ~~طرقة قوية على الباب، دقات أجراس كنيسة «لامرسيد»، كانت تدفع ~~الجيران إلى رسم علامة الصليب والتنهد قائلين: «لقد استراحت ~~أخيرا! أجل، لقد حانت ساعتها. يا للرجل المسكين. إنه ms188 المصير ~~المحتوم. إنها إرادة الله. إنه مصيرنا جميعا.» وأخذت «بترونيلا» ~~تقص ما جرى لصديقة لها: «إنه أحد هؤلاء الرجال الذين لا يظهر ~~عليهم أي تقدم في السن، يدرس الإنكليزية ومواد أخرى أكثر غرابة، ~~ويعرف عادة بلقب المعلم.» # كانت تريد أن تعرف ما إذا كان ممكنا إنقاذ حياة كميلة عن طريق ~~الشعوذة، ولا بد للمعلم أن يعلم، فبالإضافة إلى دروس اللغة ~~الإنكليزية التي يعطيها، كان يكرس وقت فراغه لدراسة التصوف، ~~والروحانيات، والسحر، والتنجيم، والتنويم المغناطيسي، وعلوم ~~الباطن؛ بل وكان قد اخترع طريقة سماها: «مستودع السحر النافع في ~~العثور على الكنوز المخبوءة في المنازل المسكونة بالأشباح.» ولم ~~يستطع المدرس مطلقا أن يعلل أسباب إدمانه لعلوم المجهول، فقد ~~كان في مطلع شبابه ميالا إلى الكنيسة، ولكن امرأة متزوجة، أكثر ~~منه تجربة وتسلطا ، تدخلت يوما حين كان متوجها لإنشاد صلوات ~~الكنيسة، فكانت النتيجة أن خلع مسوحه وغيرها من أردية القسس، وظل ~~هكذا يبدو عليه البله والوحدة وترك كلية اللاهوت إلى كلية التجارة، ~~وكان سيتخرج فيها بنجاح لو لم يضطر إلى الهروب من أستاذة المحاسبة ~~التي وقعت في غرامه. وفتحت له بعد ذلك أبواب عالم الميكانيكا، في ~~صورة الحدادة الشاقة، والتحق بورشة قريبة من منزله لينفخ في كير ~~الحداد، بيد أنه لم يكن معتادا على العمل الشاق ولا هو متين ~~البنية بما فيه الكفاية له، فترك ذلك العمل أيضا. ولماذا يتعين ~~عليه أن يعمل وهو ابن الأخ الوحيد لسيدة بالغة الثراء كانت قد ~~كرسته للكنيسة، ولم تفقد بعد أملها في أن يصبح قسا؟ وكانت تقول ~~له: «عد إلى الكنيسة بدلا من أن تجلس هنا تتثاءب، عد إلى الكنيسة. ~~ألا ترى أنك قد ضقت ذرعا بالدنيا، وأنك نصف أحمق وضعيف كقالب ~~الزبد، وأنك قد جربت كل شيء ولم ترض أبدا عن شيء: جندي، موسيقى، ~~مصارع ثيران؟! وإذا لم تكن تريد أن تصبح قسا، فلماذا لا تصبح ~~مدرسا - تعطي دروسا في الإنكليزية مثلا؟ إذا لم تكن من الصفوة ~~التي اختارها الله، فلماذا لا تختار أنت التلاميذ؟ إن ms189 الإنكليزية ~~أسهل من اللاتينية وأكثر نفعا منها، وأنت إذا أعطيت دروسا في ~~اللغة الإنكليزية فسيفترض تلاميذك أنك تتحدث الإنكليزية رغم أنهم ~~لا يفهمونك، فإذا كانوا لا يفهمون فهذا أفضل! # وخفضت «بترونيلا» من صوتها كما تتحدث دائما عن أمور تسحق ~~فؤادها: إنه محب يعبدها، يتعبد في محرابها أيها المعلم؛ ورغم أنه ~~قد اختطفها، فقد عالجها باحترام ويأمل أن تبارك الكنيسة اتحادهما ~~الأبدي. إن المرء لا يرى مثل هذه الأمور كل يوم. # وقالت أطول ساكنة في منزل «المائتين»، وهي امرأة تبدو وكأنما قد ~~صعدت عدة درجات من سلم جسدها ذاته، وهي تدخل إلى الغرفة حاملة باقة ~~ورد: إنها تحدث الآن أقل من أي وقت مضى يا طفلتي. ~~- ولقد غمرها هذا المحب بكل ألوان العطف أيها المعلم، وبالتأكيد ~~إنه سوف يموت معها ... آه. # وقال المعلم في بطء: أتقولين يا بترونيلا إن السادة الأطباء قد ~~أعلنوا أنه ليس بإمكانهم عمل شيء لإنقاذها من يدي القدر؟ # أجل يا سيدي، إنهم عاجزون. لقد أعلنوا ثلاث مرات أن لا أمل ~~البتة. ~~- وهل تقولين يا بترونيلا إن معجزة فحسب قادرة على ~~إنقاذها؟ ~~- هو ذاك. وإن قلبي يدمي من أجل ذلك الشاب المسكين. ~~- حسنا، إن عندي الحل. لسوف نعمل على أن تحل تلك المعجزة. ~~إن الشيء الوحيد الذي يمكنه مكافحة الموت هو الحب؛ لأن الحب ~~والموت، كما يخبرنا «نشيد الإنشاد» لهما قدر مماثل من القوة: وإذا ~~كان حبيب هذه الفتاة - كما تقولون - يعبدها، ويحبها حبا عميقا، ~~أعني بكل فؤاده وجوارحه ويريد الزواج منها، لذا فبإمكاننا أن ~~ننقذ حياتها عن طريق مراسم الزواج المقدسة. وطبقا لنظريتي في ~~التطعيم، فإن هذا هو ما يجب فعله في هذه الحالة. # وكاد أن يغمى على «بترونيلا» بين ذراعي المعلم. وأيقظت المنزل ~~كله، وذهبت مرة أخرى إلى منازل الصديقات، وأرسلت «لامسكواتا» كيما ~~تحدث القس. وفي نفس ذلك اليوم تم زواج ذي الوجه الملائكي وكميلة، ~~على أعتاب العالم الآخر. وأمسك ذو الوجه الملائكي يدا طويلة ~~رقيقة، باردة كسكين ورق عاجية، في يده اليمنى المحمومة، بينما تلا ms190 ~~القس عبارات مراسم الزواج الديني باللاتينية. وكان سكان منزل ~~«المائتين» حاضرين: إنغراسيا، والمدرس يرتدي ملابس سوداء. هتف ~~المعلم بالإنكليزية حين انتهت مراسم الزواج: اخلقي لنفسك روحا ~~جديدة، من أجلي! # الفصل الحادي والثلاثون # | حراس من جليد # كان يرى في مدخل السجن صفان من سيوف البنادق اللامعة؛ وكان ~~الجنود القائمون بالحراسة يجلسون في مواجهة أحدهم الآخر كأنهم ~~المسافرون في عربات السكة الحديد المظلمة وفجأة، توقفت إحدى ~~العربات المارة أمام الباب. وانحنى السائق إلى الخلف كي يسيطر على ~~الزمام على نحو أفضل، وهو يهتز من جانب إلى آخر كالدمية المصنوعة ~~من الخرق القذرة، ويطلق السباب. لقد كاد يفقد توازنه ويسقط. ~~ووصل صوت احتكاك عجلات العربة بالأرض من جراء إيقافها بغتة إلى ~~داخل المبنى المشئوم ذي الجدران الملساء العارية، وترجل من العربة ~~ببطء رجل مستدير البطن لا تكاد ساقاه تصلان إلى الأرض. وشعر ~~السائق بأن عربة الأجرة قد استراحت من ثقل وزن المدعي العسكري ~~العام، فوضع سيجارته المطفأة بين شفتيه الجافتين ... يا لها من راحة ~~أن يبقى وحده مع جياده! وأرخى الزمام وساق العربة كيما ينتظر في ~~مواجهة المنزل، إلى جانب حديقة صخرية كقلب الخونة المقدود من صخر، ~~في نفس اللحظة التي ألقت فيها إحدى النسوة بنفسها أمام قدمي المدعي ~~العام، راجية منه في صوت عال أن يستمع إلى شكواها. ~~- «انهضي يا سيدتي؛ لا يمكنني أن أستمع إليك على هذا النحو! ~~كلا، انهضي أرجوك؛ لم أتشرف بعد بمعرفتك.» ~~- إنني زوجة كرفخال المحامي. ~~- انهضي. # ولكنها انفجرت مرة أخرى: لقد كنت أبحث عنك طوال الليل والنهار يا ~~سيدي، في كل ساعة، في كل مكان؛ في منزلك، في منزل والدتك، في ~~مكتبك، بلا جدوى. إنك الشخص الوحيد الذي يعرف ماذا حدث لزوجي؛ إنك ~~الوحيد الذي يعرف؛ إنك الوحيد الذي يمكنه أن يدلني. أين هو؟ ماذا ~~حدث له؟ قل لي يا سيدي إن كان لا يزال حيا؟ قل لي يا سيدي إنه لا ~~يزال على قيد الحياة ... ~~- الواقع يا سيدتي أن المجلس العسكري الذي سينظر في قضية زميلي ms191 ~~المحامي قد تلقى أمر استدعاء عاجلا للاجتماع هذه الليلة. # آآآآآ ~~... ه! # وارتعشت شفتاها اللتان لم تستطع إطباقهما من الفرحة. إنه لا يزال ~~حيا! ومع هذا النبأ جاءها الأمل. # حيا! ... ربما إنه بريء ... فسيطلقون سراحه ... بيد أن المدعي العام ~~أضاف دون أن يغير نبرته الباردة: إن الوضع السياسي للبلد لا ~~يسمح للحكومة أن تتهاون بأي حال من الأحوال مع أعدائها يا سيدتي. ~~هذا هو كل ما أستطيع أن أقوله لك. اذهبي إلى السيد الرئيس ~~واستسمحيه للإبقاء على حياة زوجك، فقد يحكم عليه بالموت ويعدم ~~رميا بالرصاص، وفقا للقانون، بعد أربع وعشرين ساعة. ~~- آه، آه، آه ... ~~- إن القانون فوق الأشخاص يا سيدتي، وما لم يعف السيد الرئيس ~~عنه ... ~~- آه، آه، آه ... # ولم تستطع الحديث، ووقفت هناك وقد غاض اللون من وجهها وصار أبيض ~~كالمنديل الذي كانت تقطعه مزقا بأسنانها، ساكنة، بلا حراك، تائهة ~~الفكر، تلوي أصابعها. # واختفى المدعي العسكري العام بين صفي السونكي. وبعد فترة من ~~النشاط، امتلأ فيها الطريق بعربات بها سيدات وسادة متأنقون في طريق ~~عودتهم إلى بيوتهم بعد استمتاعهم بالنزهة الرئيسية في المدينة، بقى ~~بعدها مستنفدا قفرا. وأطلت عربة ترام صغيرة تصفر وتبرق من شارع ~~جانبي، ومضت بعيدا تعرج على قضبانها ... ~~- آه، آه، آه ... # لم تستطع كلاما. كانت ثمة كماشة باردة كالجليد تقبض على عنقها ~~ويستحيل عليها الفكاك منها؛ وشعرت بجسدها ينزلق من كتفيها إلى ~~الأرض. لم تعد سوى رداء خاليا، برأس ويدين وقدمين فحسب. وتردد ~~في سمعها صوت عربة أجرة تقترب عبر الطريق. وأوقفتها واستقلتها. ~~وبدت الجياد منتفخة كالدموع حين لوت عنقها واستدارت على أعقابها ثم ~~توقفت. وقالت للسائق أن يحملها إلى منزل رئيس الجمهورية الريفي ~~بأسرع ما يمكن. ولكنها كانت في عجلة ولهفة، لهفة يائسة، إلى درجة ~~أنه رغم أن الجياد كانت تجري بأقصى سرعتها، فإنها لم تتوقف عن ~~الإلحاح على السائق بأن يجعلها تجري أسرع ... كان عليهم أن يكونوا ~~هناك الآن بالتأكيد ... أسرع ... لا بد لها أن تنقذ زوجها ... أسرع، ~~أسرع، أسرع ... واختطفت السوط من السائق ms192 ... لا بد لها أن تنقذ زوجها ... ~~وزادت الجياد من سرعتها بفعل ضربات السوط القاسية ... كان السوط يشوط ~~جوانبها ... تنقذ زوجها ... كان عليهم أن يكونوا هناك الآن ... ولكن ~~العربة لا تتحرك ... كان بوسعها أن تشعر أنها لا تتحرك، كانت العجلات ~~تدور حول المحاور النائمة دون أن تتقدم على الإطلاق؛ كانوا متوقفين ~~في مكانهم ... ولكن عليها أن تنقذ زوجها ... أجل، أجل، أجل، أجل، أجل ... ~~وتهدل شعرها - تنقذه - وانحلت أزرار بلوزتها - تنقذه ... ولكن ~~العربة لم تكن تتحرك ... كان بوسعها أن تشعر أنها لا تتحرك، ~~العجلات الأمامية فقط هي التي تدور، ولكن كان بوسعها أن تشعر ~~بالعجلات الخلفية تتلكأ بطريقة جعلت العربة تتطاول كمنفاخ ~~الكاميرا؛ وكانت ترى الجياد تتصاغر وتتصاغر على البعد ... كان السائق ~~قد استعاد سوطه منها ... لا يمكنهم المضي على هذا المنوال ... أجل، ~~أجل، أجل، أجل يمكنهم ... كلا، لا يمكنهم ... أجل. كلا، أجل ... كلا ... ~~ولكن، لم لا؟ لم لا؟ أجل ... كلا، أجل ... كلا ... وخلعت عنها ~~خواتمها، ومشبك صدرها، وأقراطها، وسوارها، ووضعتها كلها في جيب ~~سترتها ثم ألقت بها إلى السائق، راجية منه ألا يتوقف. لا بد لها أن ~~تنقذ زوجها. ولكنهم رغم ذلك لم يصلوا بعد ... لا بد أن تصل إلى هناك، ~~تصل إلى هناك، تصل إلى هناك، ولكنهم رغم ذلك لم يصلوا بعد ... لا بد ~~لها أن تصل إلى هناك، وترجو الإبقاء على حياة زوجها، وتنقذه ... ~~ولكنهم رغم ذلك لم يصلوا بعد. حجارة، أخاديد، طين جاف، عشب أخضر، ~~ولكنهم رغم ذلك لم يصلوا بعد ... إنهم ثابتون كأسلاك أعمدة البرق، أو ~~بالأحرى يرجعون القهقري كأسلاك أعمدة البرق، كالأشجار المزروعة، ~~كالحقول اليباب، كالسحب الموشاة بأشعة الشمس الغاربة، كتقاطع الطرق ~~المقفرة، كالنيران الساكنة. # وأخيرا دلفوا إلى الطريق المؤدي إلى منزل الرئاسة، عبر شريط ~~يختفي وسط الأشجار والأحراج. كان قلبها يخفق في اختناق. واتخذ ~~الطريق مسرى وسط بيوت صغيرة لقرية مقفرة نظيفة. وهنا بدءوا يصادفون ~~عربات عائدة من ضيعة الرئيس - طراز «لانداو» و«سلكي» و«كالانش» ~~يشغلها أناس ذوو وجوه وكملابس تشبه بعضها بعضا. وتقدمت جلبة ~~العجلات ms193 وحوافر الجياد على الطريق المرصوف، ولكنهم رغم ذلك لم ~~يصلوا بعد، لم يصلوا بعد ... وبالإضافة إلى أولئك العائدين في ~~عرباتهم - موظفون سابقون بالحكومة، وضباط سمان متأنقون - كانوا ~~يصادفون أناسا آخرين سائرين على الأقدام: أصحاب أراض سبق ~~استدعاؤهم لمقابلة الرئيس بصورة عاجلة منذ شهور مضت؛ ومزارعون ~~يرتدون أحذية كالحقائب الجلدية؛ ومدرسات يتوقفن كل بضع دقائق ~~لالتقاط أنفاسهن وعيونهن يعصف بها التراب وقد تقطعت أحذيتهن من ~~وقع الطريق وارتفعت تنوراتهن، إلى ركبتهن؛ وفرق من الشرطة الهنود ~~لا يفقهون إلا قليلا مما يجري حولهم. لا بد لها أن تنقذه ... أجل، ~~أجل ... ولكن هل يصلون أبدا إلى هناك؟ أول شيء هو الوصول إلى هناك، ~~والرجاء، وإنقاذه. ولكنهم لم يصلوا حتى الآن. لم يبق هناك الكثير ~~عبور القرية ليس إلا. كان يجب أن يكونوا هناك الآن، ولكن القرية لا ~~تبدو لها نهاية! إن هذا هو نفس الطريق الذي مرت به صور يسوع وعذراء ~~الآلام محمولة على الأكتاف في يوم الخميس المقدس، وعوت الكلاب عند ~~سماعها موسيقى الطبول الحزينة حين كان الموكب يمر أمام الشرفة ~~التي يقف فيها الرئيس تحت ظلة من قماش أرجواني موشحة برسوم ~~الزهور، ومر يسوع وقد انحنى ظهره من ثقل الصليب الخشبي، أمام قيصر، ~~ولكن نظرات الإعجاب من الرجال والنساء اتجهت إلى قيصر وليس إلى ~~يسوع. لم تكن الآلام بكافية، لم يكف البكاء ساعات وساعات، لم يكف ~~أن تشيخ والعائلات والمدن من وطأة اليأس؛ بل كان لزاما لمضاعفة ~~الإثم أن تعبر عينا السيد الرئيس بصورة المسيح وهو يتألم، ومر ~~بالفعل وعيناه غائمتان تحت ظلة ذهبية شائنة، بين صفين من ~~الأفاقين وعلى وقع صلصلة موسيقى وثنية. # وتوقفت العربة أمام المنزل الفاخر. وأسرعت زوجة «كرفخال» تجري ~~عبر الطريق من أشجار مقطوعة الساق. وتوجه إليها أحد الضباط يقطع ~~عليها الطريق: سيدتي، سيدتي ... - لقد أتيت لمقابلة الرئيس. ~~- السيد الرئيس لا يقابل أحدا يا سيدتي، عودي أدراجك. ~~- بلى، بلى، سيقابلني، أنا، إنني زوجة المحامي «كرفخال» ... ومضت ~~قدما إلى الأمام، متملصة من أيدي الجنود الذين أسرعوا خلفها ~~ينادون ms194 عليها، حتى وصلت إلى منزل صغير تسطع أنواره الباهتة في ظلال ~~الغسق ... «إنهم سيعدمون زوجي أيها الجنرال»! # كان ثمة رجل طويل القامة، داكن البشرة، مرصع بالنياشين ~~الذهبية، يمشي في ردهة ذلك المنزل الدمية. وتوجهت إليه وقالت له ~~بشجاعة: «إنهم سيعدمون زوجي أيها الجنرال!» وظل الضابط الذي ~~تبعها من الخارج يردد أنه من المستحيل عليها أن تقابل ~~الرئيس. # وبالرغم من حسن خلق الجنرال، فقد رد عليها بفتور: السيد الرئيس ~~لا يمكنه مقابلة أحد يا سيدتي. لا بد لك من الذهاب. ~~- آه يا جنرال! آه يا جنرال! ماذا سيكون حالي بدون زوجي؟ ماذا ~~سيكون حالي بدون زوجي؟ كلا، كلا يا جنرال! إنه سيقابلني، دعني ~~أدخل، دعني أدخل! قل له إنني هنا! إنهم سوف يعدمون زوجي! # كانت دقات قلبها تسمع عبر ردائها. ولم يدعوها تركع على ركبتيها. ~~وكانت أغشية أذنيها تطوفان وقد اخترقها الصمت الذي واجهوا به ~~طلباتها. # وطقطقت أوراق الأشجار الذابلة في الغسق من خشية الرياح التي تهب ~~عليها فتطيرها من على الأرض. وتهالكت على أحد المقاعد. إن ~~الجنود مجبولون. من جليد أسود. متصلبو الشرايين. وارتفع نشيجها ~~إلى شفتيها بصوت حفيف الثياب المنشاة، يكاد يماثل صوت السكاكين. ~~وكان اللعاب ينبجس من ركني فمها مع كل دفقة أنين. وتهالكت على ~~المقعد بعد أن روته بأنينها كأنما هو حجر لشحذ السكاكين. لقد ~~أبعدوها عن المكان الذي كان يمكن أن تعثر فيه على الرئيس. ومرت ~~دورية حراسة جعلتها ترتعد من البرد. كانت تفوح منها رائحة مقانق ~~الثوم والعسل الأسود وخشب الصنوبر المنزوع اللحاء. واختفى المقعد ~~في الظلمة كاللوح الخشبي في وسط البحر. وتحركت من مكان إلى آخر ~~حتى لا تغرق في مقعدها وسط الظلمة، حتى تبقى على قيد الحياة، ~~واستوقفها حراس منبثون وسط الأشجار مرتين، ثلاث مرات، مرات ~~عديدة. كانوا يرفضون بأصوات أجشة أن يدعوها تمر، ويهددونها إذا ~~ألحت بكعب أو ماسورة بنادقهم. وحين صادفت الإحباط عن الشمال، جرت ~~ناحية اليمين. وتعثرت في الأحجار، وأصابتها الأجمات المليئة ~~بالأشواك بالجراح، كان طريقها يسده مزيد من حراس ms195 من جليد. وتضرعت، ~~وناضلت، ومدت يدها كالمتسولة؛ وحين لم يصغ أي واحد منهم إليها. ~~أخذت تجري في الاتجاه المقابل. # وجرفت الأشجار ظلها ناحية عربة الأجرة، ظلها الذي ما كاد يضع ~~قدميه على سلم العربة حتى عاد مرة أخرى كالمجنون ليرى ما إذا كان ~~يجدي الاسترحام مرة أخيرة. واستيقظ السائق وكاد أن يطوح الحلى ~~الصغيرة الراقدة في دفء جيبه حين جذب يده بسرعة كيما يمسك اللجام. ~~كان الوقت يمر في بطء شديد بالنسبة إليه، وكان تواقا إلى العودة ~~والمباهاة وسط أقرانه، ولديه أسلحته لذلك الغرض: أقراط، خواتم، ~~أساور، بوسعه رهنها والانتفاع بالنقود. وحك إحدى قدميه بالأخرى، ~~وجذب قبعته فوق عينيه، وبصق. ماذا كان يحدث هنا في الظلام؟ وعادت ~~زوجة «كرفخال» إلى عربة الأجرة كالسائرة في نومها. واتخذت مقعدها ~~في العربة وقالت للسائق أن ينتظر برهة، فربما يفتحون الباب ... نصف ~~ساعة ... ساعة ... # وسارت العربة دون أن يصدر عنها أي ضجيج، فإما أنها لم تسمع ~~جيدا، وإما أنهم لم يتحركوا بعد ... وكان الطريق يهوي إلى قاع ~~وهدة عبر تل شديد الأغوار؛ وبعد ذلك، يصعد مرة أخرى إلى المدينة. ~~أول جدار مظلم. أول بيت أبيض. وفي فجوة حائط ثمة إعلان عن ~~«أونوفرف» ... وشعرت كأنما كل شيء يلتحم بحزنها ... الهواء ... كل شيء ... ~~ثمة مجموعة شمسية في كل دمعة تذرفها ... ومئات من قطرات الندى تسقط ~~من الأسطح على الأفاريز الضيقة ... لم تكن الدماء تكاد تجري في ~~عروقها ... كيف حالك؟ إنني مريضة، مريضة، مريضة جدا ... وغدا، كيف ~~سيكون حالك؟ على نفس المنوال، واليوم الذي يليه كذلك ... كانت ترد ~~على أسئلتها هي نفسها ... واليوم الذي يلي الغد أيضا ... # إن ثقل الموتى يجعل الأرض تدور ليلا، وهي تدور بالنهار بفعل ثقل ~~الأحياء ... وحين يزيد عدد الموتى على عدد الأحياء، سيصبح الليل ~~أبديا، لا نهاية له؛ ذلك أن الأحياء لن يكون لهم الثقل الكافي ~~لإعادة النهار. # وتوقفت العربة. وكان الطريق منبسطا، ولكن ليس لها؛ لأنها توقفت ~~عند باب السجن الذي لا بد يقينا أن ... # وسارت قدما في بطء، خطوة خطوة، ms196 ملتصقة بالجدار. لم تكن ترتدي ~~ثياب الحداد، ولكنها اكتسبت قدرة الخفافيش على اللمس في الظلام ... ~~الخوف، البرد، الاشمئزاز، قهرتها جميعا كيما تلصق نفسها بالجدار ~~الذي سيردد صدى طلقات الرصاص ... وعلى أية حال، فهم لن يستطيعوا ~~إطلاق الرصاص على زوجها، هكذا، بينما هي واقفة هناك. كيف يحدث هذا ~~لرجال مثله، أناس مثله، لهم أعين، وفم، وأيد، وشعر على رءوسهم، ~~وأظافر على أصابعهم، وأسنان في أفواههم، ولسان، وحلق ... ليس ممكنا ~~أن يطلقوا النار على أناس هكذا، أناس لهم نفس لون الجلد، لهم نفس ~~رنة الصوت، نفس طريقة الإبصار، والسمع، والإيواء إلى الفراش، ~~والنهوض، والحب، وغسل الوجه، والأكل، والضحك، والسير، لهم نفس ~~المعتقدات والشكوك ... # الفصل الثاني والثلاثون # | السيد الرئيس # بعد أن تم استدعاء ذي الوجه الملائكي على جناح السرعة إلى ~~القصر الجمهوري، أخذ يفكر بقلق في حالة كميلة، وقد ارتسم في نظراته ~~الحائرة شيء من المرونة كان أمرا جديدا عليها؛ كما انعكس في ~~عينيه تعبير إنساني جديد. وكان يتقلب ويتحول في دوامة شكوكه، ~~كالثعبان الجبان الذي يتعثر في ذيله؛ هل يذهب أم لا يذهب؟ الرئيس ~~أو كميلة؟ كميلة أو الرئيس؟ # كان لا يزال يشعر بدفعات صاحبة الحانة في ظهره تستحثه على الذهاب ~~ورنة صوتها المتضرع؛ إذ كانت ترى في ذهابه فرصة للتوسط من أجل ~~فاسكيز. «اذهب أنت، وسأبقى أنا هنا أرعى المريضة.» وفي الطريق، ~~استنشق الهواء بعمق. كان يركب عربة تتجه إلى القصر الجمهوري. ضربات ~~حوافر الجياد على الأرض الصخرية ... دفق العجلات السائل. وأخذ يقرأ ~~أسماء الحوانيت بعناية وهي تمر أمام ناظريه: «القفل الأحمر» ... ~~«خلية النحل» ... «البركان» ... وكانت العناوين تبدو أشد وضوحا في ~~الليل عنه في النهار ... «السكة الحديد» ... «الدجاجة والكتاكيت». ~~وأحيانا، كانت عيناه تقعان على أسماء صينية ... «لون لي لون وشركاه» ~~... «كوان سي شان» ... «فو كوان ين» ... «شون شان لو» ... «سي يون سي». ~~ومضى يفكر في الجنرال كاناليس. لا بد أنهم بعثوا في طلبه كيما ~~يحيطونه علما بآخر الأنباء ... مستحيل! ... لماذا مستحيل؟ ... لقد قبضوا ~~عليه وقتلوه ... أو ربما لم يقتلوه بل أعادوه ms197 سجينا. وهبت سحابة ~~من الغبار فجأة. كانت الريح تلعب مصارعة الثيران مع العربة. كل شيء ~~جائز! وحين وصلوا إلى خارج المدينة، سارت العربة في سلاسة، كالجسم ~~الصلب الذي يتحول فجأة إلى سائل. وأمسك ذو الوجه الملائكي ركبتيه ~~بيديه وتنهد. وضاعت جلبة العربة وسط آلاف من أصوات الليل الذي يزحف ~~ببطء، حثيثا، كرويا. وظن أنه سمع جناحي طائر يرفرفان. ومروا ~~على بضعة منازل متفرقة. ونبحتهم كلاب شبه ميتة. # وكان وكيل وزارة الحربية في انتظاره على باب مكتبه، ولم يكد يمر ~~وقت كاف للمصافحة حتى وضع سيجارة على حافة منفضة السجائر وقاده ~~مباشرة إلى جناح السيد الرئيس. وأمسك ذو الوجه الملائكي بذراع وكيل ~~الوزارة وقال له: جنرال، هل تعلم لماذا استدعاني الرئيس؟ ~~- كلا يا سيد ميغيليتو، إني «أجهل» ذلك . # وعرف عند ذاك الموضوع. وأكدت ضحكة قصيرة، تكررت مرتين أو ثلاث ~~مرات، ما جعله الرد المراوع لوكيل الوزارة يحتسب. وحين وصل إلى ~~غرفة الرئيس رأي غابة من الزجاجات فوق منضدة مستديرة، وإلى جوارها ~~طبق من اللحوم الباردة مع ثمار الأفوكاتو وسلطة الفلفل الأخضر. ~~وتمت اللوحة بوجود المقاعد مقلوبة على الأرض هنا وهناك. وجاهدت ~~النوافذ بأفاريزها المصنوعة من الزجاج الأبيض المعتم، والتي يعلو ~~كلا منها عرف أحمر، كيما تحجب الضوء المتسلل من المصابيح التي ~~في الحديقة. وكان الضباط والجنود القائمون بالحراسة شاكي السلاح، ~~ضابط على كل باب، وجندي عند كل شجرة. وتقدم السيد الرئيس من ~~الطرف الأقصى للغرفة؛ وبدت أرضية الغرفة كأنما تتقدم تحت خطواته ~~والسقف من فوق رأسه. # وحياه المحبوب بقوله: «سيدي الرئيس» وأسرع يضع نفسه تحت إمرته، ~~حين قاطعه ذاك قائلا: ني ... نير ... يرفا! # 1 ~~- هل يشير السيد الرئيس إلى إلهة الجمال «منيرفا»! # واقترب فخامته من المائدة بخطوات قافزة، وصاح بالمحبوب دون أن ~~يلقي بالا لكلامه عن «منيرفا»: هل تعرف يا ميغيل أن من اكتشف ~~الخمر إنما كان يبحث أصلا عن مشروب إطالة الحياة. # فأسرع المحبوب يقول: كلا سيدي الرئيس، لم أكن أعرف ذلك. ~~- هذا غريب؛ لأن ذلك مذكور في دائرة المعارف. ms198 ~~- إن الأمر يكون غريبا حقا لو كان عدم معرفة ذلك من جانب ~~رجل له مثل سعة اطلاعك سيدي الرئيس، ومن له حق اعتبار نفسه أحد ~~أبرز ساسة العصر الحديث. ولكن ليس غريبا أن يكون مني أنا. # وأرخى فخامته جفنيه فوق عينيه حتى يخفي عن نظاريه حالة الفوضى ~~الضاربة أطنابها فيما حوله من أشياء على النحو الذي صورتها له في ~~تلك اللحظة حالة السكر البين التي كان واقعا تحت ~~تأثيرها. ~~- إه، أجل، إني أعرف الكثير! # قال ذلك ثم أرخى يده وسط غابة زجاجات الويسكي السوداء، وصب كأسا ~~لذي الوجه الملائكي. ~~- اشرب يا ميغيل. # وغص حلقه بالكلام. كان ثمة شيء قد انحشر في حلقه، ودق على صدره ~~ليتخلص منه، في حين انشدت عضلات رقبته النحيلة وانتفخت عروق ~~جبهته. وجعله المحبوب يبتلع بعض المياه الغازية، وبعد بضع تكريعات ~~استعاد قدرته على الكلام. # وانفجر ضاحكا وهو يشير إلى ذي الوجه الملائكي: «ها ها! ها ها! ~~ها ها! على حافة الموت! ها ها! ها ها!» # وشحب وجه المحبوب، وارتجف في يده كأس الويسكي الذي شرب منه ~~لتوه نخب الرئيس. ~~- السيد ... فقاطعه فخامته قائلا: ... الرئيس يعرف كل شيء. ها ها! ~~ها ها! ... على حافة الموت، وبنصيحة أحد المتخلفين عقليا، كما هم ~~كل الروحانيين! ها ها! ها ها! # ووضع ذو الوجه الملائكي الكأس على فمه وضغط عليه وهو يشرب حتى ~~يمنع نفسه من الصياح غضبا. لقد رأى الضوء الأحمر لتوه، فقد كان ~~على وشك أن يهجم على سيده ويخنق ضحكاته البائسة في صدره؛ ورأى شعلة ~~دمائه المشربة بالخمر. ولو كان ثمة قطار قد مر على جسده، لما سبب ~~له من الآلام أكثر مما كان يشعر به الآن. كان يشعر بالقرف، ولكنه ~~استمر يتصرف كالكلب المتمرن الذكي، السعيد بنصيبه من القاذورات، ~~والمشبع بغريزة حب البقاء. وابتسم كيما يخفي عداءه، بيد أن الموت ~~كان مرتسما على عينيه المخمليتين، كشارب السم الذي يشعر بوجهه ~~آخذا في الاحتقان. وكان فخامته يطارد ذبابة. ~~- ألا تعرف لعبة الذبابة يا ميغيل؟ ~~- كلا سيدي الرئيس. ms199 ~~- آه حقا إنك ... على حافة الموت! ها ها! ها ها! ... هي هي! هي هي! ~~هو هو! هوو. هوووه! # واستمر مقهقها يطارد الذبابة وهي تطير من مكان إلى آخر، وقد خرج ~~قميصه من زنار بنطاله، وانتفخت أزرار بنطاله، وانحلت سيور حذائه، ~~وسال اللعاب من فمه، بينما عيناه تشعان ضوءا أصفر كمح ~~البيضة. # قال وقد توقف لاهثا عن مطاردة فريسته: ميغيل، إن لعبة الذبابة ~~هي أحسن تسلية وأسهل لعبة في العالم؛ إن الشيء الوحيد الذي ~~تحتاجه فيها هو الصبر. لقد كنا نلعب لعبة الذبابة لقاء الملاليم في ~~قريتي حين كنت صبيا. # وعبس حين ذكر قريته، وظللت وجهه سحابة سوداء؛ وتحول لينظر في ~~خريطة للجمهورية كانت معلقة خلفه، وصوب ضربة بقبضته إلى اسم ~~القرية. # وأبصر في مخيلته الطرق التي جابها طولا وعرضا حين كان صبيا ~~فقيرا، فقرا ظالما، والتي جابها شابا مرغما على كسب قوته ~~بينما الخلاسيون المنحدرون من عائلات ثرية يقضون وقتهم متنقلين من ~~قصف إلى قصف. ورأى نفسه ضئيلا، يقعي في ظلال أقرانه، منعزلا عن ~~الجميع، جالسا تحت مصباح الطريق الذي تعود أن يستذكر على ضوئه، ~~بينما أمه تنام على سرير من الخرق البالية، والرياح تصفع الطرق ~~المهجورة بهبات من الهواء المحمل برائحة الأغنام. ثم رأى نفسه ~~لاحقا في مكتبه كمحام من محامي الدرجة الثالثة، وسط العاهرات ~~والمقامرين وبائعي الفضلات ولصوص الجياد، محتقرا من بقية زملائه ~~الذين يتناولون قضايا هامة. # وابتلع الكثير من كئوس الشراب، الواحد تلو الآخر. وكانت عيناه ~~الجاحظتان تلمعان وسط وجهه المخضوضر، وأظافره المجللة بالسواد تحدد ~~إطار يديه الصغيرتين. - يا لهم من جحدة! # وأسنده المحبوب من ذراعه. وبدأ كأن الرئيس يرى أمامه أشخاصا وهو ~~يمر بعينيه عبر الحجرة المشوشة، وقال ثانية: «يا لهم من جحدة!» ~~ثم أضاف بصوت خفيض: «لقد أحببت «باراليس سونرينتي» وسأظل أحبه ~~دائما؛ وكنت على وشك أن أرفعه جنرالا، لأنه داس على أهل موطني ~~وأذلهم، ولو لم تتدخل أمي لكان قد قضى عليهم كلية وانتقم لي من كل ~~ما أحمل تجاههم من ضغائن، وهي أشياء ms200 أنا وحدي الذي أعرفها. يا لهم ~~من جحدة! والأفظع أنهم قتلوه الآن والناس يخططون من كل جانب ~~لاغتيالي، وأصدقائي يتخلون عني، وأعدائي يزدادون و... كلا، كلا! لن ~~يبقى من «رواق الرب» حجر واحد.» # كانت الكلمات تتدفق من شفتيه كالعربة التي تجري فوق طريق زلق. ~~وانحنى فوق كتف المحبوب، ويده الأخرى تضغط على بطنه، ورأسه يدور، ~~وعيناه منطفئتان، وأنفاسه باردة كالثلج، وسرعان ما تقيأ فيضا من ~~سائل برتقالي اللون. وهرع وكيل الوزارة إلى داخل الغرفة يحمل إناء ~~من الميناء مطبوعا على قاعه شعار الجمهورية؛ وحين انتهى الطوفان - ~~وقد ذهب أغلبه فوق ملابس المحبوب - تعاون الاثنان على حمله وسحبه ~~إلى سريره. # كان يبكي ويردد مرارا وتكرارا: «يا لهم من جحدة! يا لهم من ~~جحدة!» وهمس وكيل الوزارة للمحبوب وهما خارجان : «تهاني يا سيد ~~ميغيليتو، تهاني. لقد أصدر السيد الرئيس أمره بنشر خبر زواجك في ~~جميع الصحف، مع إدراج اسمه على رأس قائمة المحتفلين.» # ودلفا إلى البهو، ورفع وكيل الوزارة صوته قائلا: وذلك على الرغم ~~من أنه لم يكن راضيا عنك في البداية؛ فقد قال لي: «لم يكن ينبغي ~~لأحد أصدقاء «باراليس سونرينتي» أن يفعل ما فعل ميغيل؛ كان يجب على ~~الأقل أن يلتمس إذني قبل أن يتزوج من ابنة أحد أعدائي.» ثمة أناس ~~يريدون إلحاق الأذى بك يا سيد ميغيليتو، أجل، يريدون إلحاق الأذى ~~بك. طبعا، لقد حاولت أن أجعله يفهم أن الحب عاطفة عنيدة جامحة ~~حاسمة خادعة. ~~- شكرا جزيلا يا جنرال. # فاستطرد وكيل الوزارة في صوت مرح، وهو يدفع ميغيل دفعات ودية ~~رقيقة تجاه مكتبه وهو يضحك طول الوقت: حسنا، تعال إذن وانظر إلى ~~هذا. تعال انظر إلى الصحف! لقد حصلنا على صورة السيدة من عمها ~~«خوان». رائع يا صديقي العزيز، رائع! # ودس المحبوب أصابعه في كوم الصحف الخفيض. وإلى جواره صورة الشاهد ~~الرئيس، كانت ثمة صورة للسيد خوان كاناليس، المهندس وأخيه السيد ~~خوسيه أنطونيو. «عرس في الطبقة الراقية. تم في الليلة الماضية ~~الاحتفال بزواج الآنسة الفاضلة كميلة كاناليس والسيد ميغيل ms201 ذي ~~الوجه الملائكي. والعروسان ...» وجرت عيناه إلى سطور شهود العقد ... ~~«وكان شهود العقد فخامة رئيس الجمهورية الدستوري، الذي جرت مراسم ~~الاحتفال في قصره، ووزارة الدولة، الجنرالات ...» وعبر فوق سطور ~~قائمة الأسماء ... «وعما العروس المحترمان، السيد خوان كاناليس ~~المهندس، والسيد خوسيه أنطونيو كاناليس.» وفي نهاية الفقرة: «وهناك ~~صورة للآنسة كاناليس في عمود الاجتماعيات من طبعة اليوم لجريدة ~~«الناسيونال». ونحن نتشرف بإزجاء التهاني للطرفين متمنين لهما كل ~~سعادة في بيتهما الجديد.» # ولم يدر ذو الوجه الملائكي أن يتوجه ببصره ... «معركة القردان ~~مستمرة. من المتوقع أن يشن الألمان هجوما يائسا ~~الليلة.» # وأزاح عينيه عن صفحة الأخبار الخارجية وأعاد قراءة الكلام ~~المكتوب تحت صورة كميلة. ها قد أقحم الشخص الوحيد الذي أحبه في هذه ~~المهزلة الشائهة التي يشتركون فيها جميعا، وتناول وكيل الوزارة ~~الصحيفة منه. ~~- إنك لا تكاد تصدق عينيك، آه، أيها الرجل المحظوظ! # وابتسم ذو الوجه الملائكي. ~~- ولكنك في حاجة إلى تغيير ملابسك يا صديقي. خذ عربتي. ~~- شكرا جزيلا يا جنرال. ~~- انظر ... إنها هناك. قل للسائق أن يأخذك إلى منزلك بأسرع ما يمكن ~~ثم عد إلى هنا مرة أخرى. مساء الخير ... وتهاني ... أوه، ~~وبالمناسبة، خذ هذه الصحيفة لكي تراها زوجتك، وانقل لها التهاني من ~~خادمك المطيع. ~~- إنني ممتن لك على كل شيء، مساء الخير. # وسارت العربة وبها المحبوب، دون صوت كأنها سهم أسود يجره جوادان ~~مجبولان من الدخان. وشكلت أغاني الجداجد سطحا فوق عزلة الحقول ~~الفواحة بعبير الخزامى، وعزلة حقول الذرة التي بكرت في الظهور، ~~والمراعي المخضلة بالندى، وسياج الحدائق المحملة ~~بالياسمين. # وقال في سريرته: «أجل، إذا واصل الهزء مني فسوف أخنقه.» وأخفى ~~وجهه في المقعد الخلفي خشية أن يقرأ السائق ما ارتسم في عينيه: ~~كتلة لحم متجمد على صدر الوشاح الجمهوري، والوجه المفلطح جامد ~~ساكن، واليدان تغطيهما الأردان حتى لا يبين منهما سوى الأصابع، ~~والحذاء الجلدي مغطى بالدماء. # ولم تتفق حالته العدائية الجياشة مع هزات المركبة. كان يود لو ~~كان جالسا ساكنا سكون القاتل الذي يستعيد جريمته في السجن، ~~سكونا ظاهريا، خارجيا، ms202 يمثل تعويضا ضروريا عن الثورة ~~الجياشة التي تعتمل في أفكاره. كانت دماؤه تغلي في عروقه. وأخرج ~~وجهه من نافذة العربة في الليل البارد بينما كان ينظف ثيابه مما ~~علق بها من قيء سيدة بمنديل بلله العرق والدموع. كان يسب ويلعن ~~ويبكي من الغيظ ... «آه لو كان بإمكاني فحسب أن أنظف الضحكات التي ~~أفرغها فوق روحي!» # ولحقت بهم عربة أخرى بداخلها ضابط، ثم سبقتهم على الطريق. وومضت ~~السماء فوق لعبتها الشطرنجية الأبدية. وكانت الجياد تخب في وحشية ~~تجاه المدينة في سحابة من الغبار. وقال ذو الوجه الملائكي لنفسه: ~~«كش ملك!» إذ كان ينظر إلى سحابة الغبار التي يهرع في وسطها الضابط ~~ليحضر للسيد الرئيس واحدة من محظياته. كان يبدو وكأنه رسول ~~الآلهة. # وفي المحطة المركزية للسكك الحديدية، كان العمال يفرغون البضائع ~~بضوضاء سريعة، وسط نخير القاطرات التي يتصاعد منها البخار. وكانت ~~الطرقات يظللها وجود زنجي يطل من شرفة بيت عال خضراء، وخطوات ~~السكارى المترنحة، ورجل غبي الهيئة يجر وراءه أرغنا هائل الحجم، ~~كأنه مدفع يسحب بعد الهزيمة العسكرية. # الفصل الثالث والثلاثون # | النقاط فوق الحروف # أخذت أرملة «كرفخال» تهيم من منزل إلى منزل، حيث استقبلوها ببرود ~~في كل مكان؛ ولم يكن يجرؤ إلا القليل من الناس على إظهار حزنهم على ~~وفاة زوجها خوفا من اعتبارهم أعداء للحكومة. وفي بعض الحالات أطل ~~الخدم من النوافذ ليصيحوا بها دون لياقة: ~~«من تريدين؟ أوه، لا أحد في المنزل.» # وذاب الجليد الذي هطل عليها من جراء تلك الزيارات حالما وصلت ~~إلى منزلها. وعادت تذرف فيضانات من الدموع أمام صورة زوجها، دونما ~~رفيق سوى ابنها الصغير، وخادمة صماء ظلت تصيح بالطفل بأعلى ~~صوتها: «إن حب الأب هو أعظم نعمة في الوجود!» وببغاء يردد ~~مرارا وتكرارا: «بغبغان ملوكي من البرتغال، ملابسه خضراء وليس ~~معه مليم! صباح الخير أيها المحامي. صافحيني يا بولي. النسور في ~~المغسلة. رائحة ملابس تحترق. مبارك هو سر القربان المقدس، ملكة ~~الملائكة الطاهرة، العذراء التي حملت دون دنس. آي، آي ...» # كانت قد خرجت ترجو الحصول ms203 على توقيعات على ملتمس إلى الرئيس ~~لتسليمها جثة زوجها، بيد أنها لم تجرؤ على ذكر الموضوع في أي من ~~البيوت التي زارتها؛ ذلك أنهم استقبلوها دون أي ترحاب، في تردد، ~~بين نوبات سعال وفترات صمت مشئوم؛ ومن ثم فقد أحضرت معها الورقة ~~تحت شالها الأسود لا تحمل أي توقيع غير توقيعها هي: كانوا ~~يشيحون برءوسهم جانبا، متظاهرين أنهم لم يروها، واستقبلوها على ~~عتبة الباب دون العبارة المعهودة: «تفضلي بالدخول.» وبدأت تشعر ~~كأنما تعاني من مرض معد خفي، شيء أفظع من الفقر، من الكوليرا، من ~~الحمى الصفراء؛ ورغم ذلك فقد تلقت وابلا من «الخطابات الغفل» ~~كما تقول الخادمة الصماء كلما عثرت على خطاب ملقى من تحت فرجة ~~باب المطبخ الصغير الذي يطل على زقاق مظلم مهجور، وهي أوراق ~~مطوية مكتوبة بخط مرتعش توضع هناك تحت ستار الليل؛ وكان أقل وصف ~~يخلعونه عليها في ذاك الخطاب هو القديسة، الشهيدة، الضحية البريئة، ~~بالإضافة إلى رفع مكانة زوجها التعس إلى السماء، ووصف الجرائم التي ~~ارتكبها الكولونيل «باراليس سونرينتي» بتفاصيلها البشعة. # وفي صباح اليوم التالي، كان هناك خطابان بدون توقيع تحت عتبة ~~الباب، وأحضرتهما الخادمة ملفوفين في ميدعتها؛ لأن يديها كانتا ~~مبتلتين. وكان نص الخطاب الأول كما يلي: # سيدتي: إن هذه ليست أفضل طريقة أنقل بها لك ولأسرتك ~~المحزونة الاحترام العميق الذي أكنه لشخصية زوجك، مواطننا ~~المبجل السيد «قابيل كرفخال»، ولكن اسمحي لي أن ألجأ إلى ~~هذه الطريقة من باب الحرص، ذلك أن بعض الحقائق لا يمكن ~~استئمانها للورق، ويوما ما سأقول لك اسمي الحقيقي. لقد ~~كان والدي أحد ضحايا ذلك الرجل الذي تنتظره كل أهوال جهنم ~~- الكولونيل «باراليس سونرينتي» - ذلك القاتل المأجور الذي ~~سوف تسطر أفعاله يوما ما في صفحات التاريخ، إذا كان ~~يوجد من هو على استعداد لأن يغمس قلمه في سم الثعابين ~~ليكتبها. لقد قتل هذا الرجل الجبان والدي في طريق مهجور ~~منذ سنوات عديدة. ولم يثبت شيء بالطبع، وكانت الجريمة ~~ستظل لغزا لو لم يتقدم أحد الغرباء الذي كتب إلى أسرتي، ms204 ~~دون توقيع، يصف الجريمة البشعة بالتفصيل. وإنني لا أعلم ما ~~إذا كان زوجك، هذا الإنسان المثالي، هذا البطل الذي له في ~~قلوب مواطنيه تمثال من المجد، هو في الحقيقة من انتقم من ~~جرائم «باراليس سونرينتي»، ذلك أن هناك عددا من القصص ~~المختلفة متداولة حول هذا الموضوع؛ ولكن على أية حال ~~فإني أرى من واجبي أن أعبر لك عن خالص عزائي، وأن أؤكد لك ~~يا سيدتي أننا قد بكينا جميعا معك لخسارة رجل خلص بلده من ~~أحد رجال العصابات المتعددين الذين يسيئون إليه، والذين ~~يستغلون ذهب أمريكا الشمالية لإخضاعه لحكم الحديد ~~والنار. # وتقبلي تحياتي! ~~(صليب قلعة رافا) # كانت الأرملة مستنزفة فارغة، قد شلها قصور عميق عن الحركة جعلها ~~تبقى راقدة في سريرها ساعات طويلة كالجثة أو هي أشبه، فعصرت ~~أنشطتها على مجال منضدة مجاورة لسريرها (وعليها الأشياء التي تحتاج ~~إليها دائما حتى تتجنب النهوض) وعلى هجمات من الهستيريا تنتابها ~~إذا حاول أي شخص فتح الباب أو استخدام مكنسة أو صدر عنه أي صوت ~~بالقرب منها. وخلعت الظلمة والصمت والقذارة هيبة على عزلتها، على ~~رغبتها في أن تكون وحيدة مع حزنها، مع ذلك الجزء منها الذي مات مع ~~زوجها والذي كان يسيطر تدريجيا على جسدها وروحها. # وبدأت تقرأ الخطاب الآخر الغفل من التوقيع بصوت عال: # سيدتي المحترمة المبجلة: سمعت من بعض الأصدقاء أنك قد ~~وضعت أذنك على جدران السجن ليلة إعدام زوجك رميا بالرصاص. ~~وحتى لو أنك سمعت وأحصيت الطلقات التسع، فإنك لن تعرفي ~~أيها اختطفت المحامي «كرفخال»، رحمة الله عليه، من بين ~~الأحياء. # وبعد كثير من التردد خوفا من أن أسبب لك ألما، قررت ~~أن أكتب إليك باسم مستعار - فمن الخطورة استئمان الخطابات ~~هذه الأيام - لأنقل إليك كل ما أعرف عن الموضوع، فقد شهدت ~~الإعدام. كان ثمة رجل نحيف أسمر البشرة وذو شعر أشيب يغطي ~~جبهته العريضة، يمشي أمام زوجك. ولم أفلح في معرفة ~~اسمه. # وبرغم المعاناة التي تبدت في دموعه، كانت عيناه ~~الغائرتان تشعان بشعور دافق من الرحمة الإنسانية، وكان ms205 ~~بوسع المرء أن يقرأ فيهما أن صاحبهما رجل نبيل وكريم. وكان ~~المحامي يتعثر خلفه دون أن يرفع عينيه عن الأرض - وربما ~~أيضا لم يكن يراها - يبلل العرق جبهته، وإحدى يديه على ~~صدره ربما ليمنع قلبه من أن ينفجر. وحين خرج إلى الفناء ~~ورأى نفسه محاطا بالجنود، حك عينيه بظهر يديه كأنما هو لا ~~يصدق ما يراه. كان يرتدي حلة ناحلة صغيرة عليه بحيث لا ~~تصل أكمام السترة إلا إلى مرفقيه، ولا يصل البنطال إلا إلى ~~ركبتيه، ملابس قديمة مجعدة قذرة مهلهلة، ككل الملابس التي ~~يرتديها السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، بعد أن يعطوا ~~ملابسهم الأصلية إلى أصدقائهم الذين يخلفونهم وراءهم ~~مقبورين في زنزانات السجن التحتية، أو إلى حراس السجن ~~مقابل بعض الخدمات الخاصة. كانت فتحة قميصه لا يقيمها سوى ~~زر واحد من العظم. ولم يكن يرتدي ربطة عنق ولا حذاء. بيد ~~أن وجود رفاقه في الكارثة معه، أنصاف عرايا مثله، أنعش ~~شجاعته. وبعد أن فرغوا من قراءة حكم الإعدام، رفع رأسه ~~ونظر في حزن إلى صف حراب السونكي، وقال شيئا غير مسموع. ~~وحاول الرجل الهرم الذي كان بجواره الكلام هو الآخر، ولكن ~~الضباط أسكتوه بتهديده بسيوفهم. كانت أيدي الضابط ترتعش من ~~جراء الخمر التي شربوها، وبدت سيوفهم كالشعلات الزرقاء ~~للكحول المحترق في ضوء الفجر الشاحب. وفي تلك الأثناء، ~~ارتج صوت مصطدما بصداه المتردد من الجدران وهو ينطق ~~عبارة: «من أجل الأمة»! وتبع ذلك واحد، اثنان، ثلاث، أربع، ~~خمس، ست، سبع، ثمان، تسع دورات من الرصاص. وكنت أعدها على ~~أصابعي، دون أن أشعر بما أفعل، ولذلك فقد تولد لدي منذ ~~ذلك الوقت انطباع غريب بأن عندي إصبعا زائدة. وأغلق ~~الضحايا عيونهم وثنوا أجسادهم كأنما ليتحسسوا طريقهم ~~بعيدا عن مرمى الموت. وارتفع نقاب من الدخان فاصلا بيننا ~~وبين هذه الحفنة من الرجال الذين جاهدوا عبثا أن يمسك ~~الواحد منهم بالآخر إذ هم يسقطون بدلا من أن يهووا وحدهم ~~إلى الفراغ. وارتجت طلقات الرحمة كانفجار الصواريخ الرطبة ~~التي يتأخر مفعولها وتنفجر على نحو رديء. ms206 وكان من حسن حظ ~~زوجك أن قتلته أول دورة من الرصاص. وكان يسمع عاليا، في ~~السماء الزرقاء البعيدة المنال، صوت الأجراس والأطيار ~~والأنهار، خافتا لا يكاد يبين. وقد قيل لي إن المدعي ~~العسكري العام قد اضطلع بدفن الجث ...» # وقلبت الصفحة في لهفة، «الجث ...»، بيد أن بقية الكلمة لم يكن لها ~~وجود، ولا أي صفحات أخرى؛ فقد انقطع الخطاب فجأة، ولم يكن هناك من ~~بقية له وأعادت قراءة الخطاب، ولكن عبثا، وبحثت داخل المظروف، ~~وقلبت الفراش، وبحثت في الوسائد، وعلى الأرض، وعلى المائدة، وقلبت ~~كل شيء رأسا على عقب في لهفتها لأن تعرف أين دفن زوجها. وفي ~~الفناء، كان الببغاء يهذر: ~~«بغبغان ملوكي من البرتغال، ملابسه خضراء وليس معه مليم! آه، ها ~~هو المحامي يأتي، مرحى أيها البغبغان الملوكي ! قال لي الكذوب! إني ~~لا أبكي ولكني لا أنسى!» ~~••• # تركت خادمة المدعي العسكري العام أرملة «كرفخال» واقفة على عتبة ~~الباب والتفتت إلى امرأتين تتحدثان بأعلى صوتيهما في ردهة ~~المدخل. # كانت إحداهما تقول: اسمعي، اسمعيني فحسب، اذهبي وقولي له إنني لن ~~أنتظره أكثر من ذلك. إنني لست من الهنود، عليه اللعنة، حتى يتركني ~~«وقفاي يقمر عيشا» على هذا المقعد الحجري! إنه يذكرني بوجهه ~~القبيح! قولي له إنني قد جئت أرى ما إذا كان سيرد لي أخيرا العشرة ~~آلاف بيزو التي اختلسها مني لقاء امرأة من سجن «كأسا نويفا» ظهر ~~أنها لا نفع منها لدي؛ لأنه في اليوم الذي أحضرتها فيه إلى منزلي ~~وقعت فريسة نوبة صرع. ثم، اسمعي، قولي له إنها آخر مرة سأزعجه ~~فيها؛ لأن ما سأفعله الآن هو الذهاب للشكوى إلى السيد ~~الرئيس. # وقالت لها المرأة الأخرى: لا تعكري دمك يا سيدة «تشون»، اطرحي ~~عنك هذا الوجه الغاضب البا ... ئس. # وحاولت الخادمة الكلام إلى المرأة الأخرى: ... آنستي ... ولكن الآنسة ~~قاطعتها قائلة: اخرسي أنت. ~~- قولي له ما قلت لك، ولا تقبلي منه الزعم بأنني لم أعطه فسحة من ~~الوقت: قولي له إن السيدة «تشون» قد جاءت لتراه مع إحدى الفتيات، ~~وحين علمتا ms207 أنه ليس هنا، ذهبتا قائلتين إنه سوف يرى من أي معدن ~~هما. # ولم تدرك أرملة «كرفخال» شيئا مما يجري حولها، إذ كانت مستغرقة ~~في أفكارها. كانت تبدو في ثيابها السوداء، لا يظهر منها إلا وجهها، ~~مثل الجثة المسجاة في نعش ذي نافذة. وربتت الخادمة على كتفها - ~~وبدت أصابع المرأة العجوز كأنما هي مغطاة بخيوط العنكبوت - ودعتها ~~إلى الدخول ... ودخلتا المنزل. ولم يكن بوسع الأرملة التحدث بوضوح، ~~بل كانت تهمهم كامرئ، قد تعب من طول القراءة بصوت مسموع. ~~- أجل يا سيدتي اتركي خطابك معي. وحين يحضر - ولن يطول ذلك ~~كثيرا إذ إنه كان يجب أن يكون هنا الآن بالفعل - سوف أعطيه له ~~وأقول له ما تريدين - بحق الله. # وفي اللحظة التي كانت أرملة «كرفخال» تغادر فيها المكان، ظهر شخص ~~يرتدي حلة قطنية بلون القهوة، يتبعه جندي قد علق بندقيته ~~«الرمنغتون» فوق كتفه وخنجرا في زناره، ونطاقا مليئا بخراطيش ~~الرصاص حول عجيزته. # وقال ذلك الشخص للخادمة: من فضلك، هل المدعي العسكري العام ~~موجود؟ ~~- كلا، إنه ليس هنا. ~~- وأين أستطيع أن أنتظره؟ ~~- اجلس هنا، والجندي أيضا. # وجلس السجين وحارسه في صمت على المقعد الحجري الذي أشارت إليه ~~الخادمة لهما من غير رقة. # إن الفناء يعبق برائحة زهور رعي الحمام والبيغونيا. وكانت ثمة ~~قطة تمشي على سطح المنزل، وعصفور يحاول الطيران داخل قفصه ~~الخيزراني. ومن بعيد، كان يسمع صوت خرير المياه التي تنساب في ~~خمول إلى النافورة كأنما يصيبها الدوار من السقوط. # وأغلق المدعي العسكري العام الباب في صلصلة من المفاتيح، ثم ~~وضعها في جيبه وتوجه إلى السجين والجندي، ووقف كلاهما. # وتساءل وهو يشن بأنفه: «خينارو روداس»؟ كان البيت، في كل مرة ~~يدخل من الخارج، يعبق برائحة مخلفات القطط. ~~- أجل يا سيدي، في خدمتكم. ~~- هل يفهم حارسك اللغة الإسبانية؟ # فرد روداس: «قليلا جدا منها». والتفت إلى الجندي وأضاف: ما ~~قولك؟ هل تفهم القشتالية؟ ~~- نصف نصف. # فقال المدعى العام: حسنا جدا. يحسن أن تبقى هنا. وسوف أتحدث ~~معه. ابق هنا إلى حين أن يعود، سوف ms208 يتحدث معي. # وتوقف روداس على باب حجرة المكتب. وطلب إليه المدعي العام ~~الدخول، ووضع الأسلحة التي كانت معه على منضدة مغطاة بالكتب ~~والأوراق، مسدس، وخنجر، وحزام يد معدني، وهراوة قصيرة. ~~- أظن أنهم قد أخطروك بالحكم؟ ~~- أجل يا سيدي. ~~- ست سنوات وثمانية شهور، على ما أذكر. ~~- ولكن يا سيدي، إني لم أكن شريكا للوسيو فاسكيز؛ لقد فعل ما ~~فعل دون أي مساعدة مني؛ وحين وصلت إلى ذلك المكان، كان الأبله ~~يتدحرج بالفعل على سلالم الرواق مغطى بالدماء وشبه ميت. ماذا ~~كان بوسعي أن أفعل؟ كانت أوامر. قال لي إنها أوامر صادرة ~~إليه. ~~- حسنا، لقد نفذ فيه حكم الله بالفعل. # والتفت «روداس» لينظر إلى المدعي العام، كما لو لم يكن بإمكانه ~~أن يصدق ما كانت سيماء وجهه الشريرة تؤكده، وظلا صامتين. ثم تنهد ~~«روداس» قائلا: «لقد كان شابا طيبا.» ثم خفض صوته وهو يقول ~~العبارات التالية في ذكرى صديقه، وكان قد تلقى النبأ بين دقتين من ~~دقات قلبه وها هو يشعر به في دمائه: «حسنا، لا فائدة ترجى الآن! ~~لقد كنا ندعوه «بالقطيفة» لأنه كان دائما يعرف من أين تقطف ~~الثمرة.» ~~- لقد حكم عليه طبقا لعريضة الاتهام على أساس أنه مقترف ~~الجريمة، وعليك بوصفك شريكا له. - ولكني وكلت محاميا عني. ~~- لقد كان المحامي بالذات في الواقع، وهو يعرف رأي السيد الرئيس ~~من القضية، هو الذي طلب الإعدام لفاسكيز وأقصى عقوبة لك. ~~- يا للشاب المسكين! إني على قيد الحياة على الأقل، أحكي ~~القصة. ~~- وبإمكانك أن تصبح حرا على الفور إذا أنت رغبت؛ لأن السيد ~~الرئيس بحاجة إلى شخص مثلك، شخص جرب السجن فترة لأسباب سياسية. إن ~~الموضوع يتعلق بمراقبة واحد من أصدقائه، لديه من الأسباب ما ~~يجعله يعتقد أنه يخونه ... - هل تعني ...؟ ~~- هل تعرف ميغيل ذا الوجه الملائكي؟ ~~- بالاسم فقط. إنه ذلك الذي اختطف ابنة الجنرال كاناليس، أليس ~~كذلك؟ ~~- أجل، إنه هو. إنك ستتعرف عليه بسهولة لأنه وسيم للغاية: رجل ~~طويل، حسن البنية، أسود العينين، شاحب الوجه، حريري الشعر، رشيق ~~الحركة. إنه عميل ms209 خطير، وتريد الحكومة أن تعرف كل شيء يقوم به، ~~والناس الذين يزورهم أو يتحدث معهم في الطريق، والأماكن التي ~~يتردد عليها في الصباح وفي الظهيرة وفي الليل، ونفس الشيء بالنسبة ~~إلى زوجته. سوف أعطيك تعليمات كاملة ونقودا كافية لذلك ~~الغرض. # وتابع السجين حركات المدعي العام في بلاده؛ إذ تناول بعد ~~كلماته تلك ريشة من على المنضدة وغمسها في محبرة كبيرة عليها تمثال ~~للإلهة «تيميز» واقفة بين بئرين من الحبر الأسود، وأعطاها إلى ~~«روداس» قائلا: وقع بإمضائك هنا، وسأصدر أوامري غدا بإطلاق ~~سراحك. جهز أشياءك كيما تخرج غدا. # ووقع «روداس» باسمه كان السرور يرقص في ثنايا جسده كالثور الصغير ~~الهائج. # وقال وهو يخرج: «إنني ممتن جدا، جدا.» وكاد أن يقبل الجندي ~~الذي كان بانتظاره، وعاد إلى السجن كرجل ذاهب إلى الجنة. # بيد أن المدعي العسكري العام كان أشد سرورا بالورقة التي وقع ~~عليها «روداس» بإمضائه، والتي كان نصها كما يلي: # تسلمت من السيدة «كونسيسيون غاموسينو»، ولقبها «ذات السن ~~الذهبية»، صاحبة محل الدعارة المسمى «النشوة اللذيذة»، ~~مبلغ عشرة آلاف بيزو بالعملة المحلية، وهو مبلغ أعطته لي ~~كتعويض جزئي عن الضرر الذي سببته لي بإغواء زوجتي - السيدة ~~«فيدينا دي روداس» - بأن استغلت حسن نيتها وطيبتها، ~~واستغلت السلطات بأن عرضت عليها العمل كخادمة لديها، ثم ~~أدرجتها، دون أي تصريح بذلك، في عداد الفتيات اللائي يعملن ~~في بيت الدعارة. # خينارو روداس # وسمع صوت الخادمة تقول من وراء الباب: هل يمكنني الدخول؟ ~~- أجل، ادخلي. # لقد أتيت لأرى ما إذا كنت تحتاج لأي شيء. إنني ذاهبة إلى الحانوت ~~لشراء شمع، ولا بد أن أقول لك إنه قد حضرت إلى هنا امرأتان من بيت ~~الدعارة، قالتا لي أن أقول لك إنه إذا لم تعد إليهما العشرة آلاف ~~بيزو التي سرقتها منهما، فسيذهبان ويشكوان للرئيس. # وتمتم المدعي العام وقد بدا عليه الضيق وهو ينحني ليلتقط طابع ~~بريد من على الأرض، وماذا أيضا؟ ~~- كما حضرت سيدة في ملابس الحداد تريد رؤيتك، وأظن أنها زوجة ~~الرجل الذي أعدم ... ~~- أي واحد فيهما؟ ms210 ~~- السيد «كرفخال». ~~- حسنا، وماذا كانت تريد؟ ~~- لقد أعطتني المسكينة هذا الخطاب. أظن أنها تريد أن تعرف أين ~~دفن زوجها. # وبينما المدعي العام يتطلع في تردد إلى الورقة المحاطة ~~بالسواد، استطردت الخادمة تقول: علي أن أقول لك إنني قد وعدتها ~~بأن أبذل جهدي لمساعدتها لأنني أشعر بالأسف من أجلها، فخرجت ~~المسكينة وهي تؤمل خيرا. ~~- لقد قلت لك مرارا وتكرارا إنني لا أحب أن تتعاطفي مع الناس. ~~يجب عليك ألا تشجيعهم على الأمل خيرا. متى ستفهمين أن عليك ألا ~~تشجعي الناس على الأمل خيرا؟ في بيتي، أول شيء يجب على الجميع، ~~حتى القطة، أن يتعلموه هو أنه لا توجد أسباب لأي أمل من أي صفة لأي ~~شخص. إن المرء لا يمكنه الاحتفاظ بمنصب مثل منصبي إلا إذا أطاع ~~الجميع أوامره ؛ والقاعدة التي استنها السيد الرئيس هي عدم إشاعة أي ~~أمل، وينبغي ركل الناس وضربهم والدوس عليهم إلى أن يتبينوا ذلك. ~~حين تأتي تلك السيدة، عليك أن تعيدي إليها خطابها، مطويا كما هو، ~~وتقولي لها إنه لا سبيل لها إلى معرفة المكان المدفون فيه ~~زوجها. ~~- لا تغضب هكذا وإلا فسوف تقع فريسة للمرض. سأقول لها ذلك. رعاك ~~الله وسدد خطاك. # وخرجت تحمل الخطاب وتجر قدميها، واحدة بعد الأخرى، واحدة بعد ~~الأخرى، تحت تنورتها المنشاة. # وحين بلغت المطبخ، جعدت الخطاب بين أصابعها وألقت به وسط الفحم، ~~وتغضنت الورقة بين النيران كأنها جسم حي، ثم تحولت فجأة إلى ~~كتلة من الديدان الصغيرة المصنوعة من أسلاك الذهب. ومشت قطة سوداء ~~عبر الرفوف حيث اصطفت مرطبانات البهارات، منبسطة كالجسور، ثم ~~قفزت على المقعد الحجري إلى جوار المرأة العجوز، وحكت نفسها على ~~بطنها العقيم، وهي تهر كصوت تطاول إلى أن أصبح ذا أقدام أربع؛ ~~ثم ثبتت عينيها الذهبيتين، في حب استطلاع شيطاني، على قلب ~~النيران التي كانت الآن قد أتت على الخطاب وأحالته رمادا ~~منثورا. # الفصل الرابع والثلاثون # | نور للعميان # كانت «كميلة»، تقف في وسط الحجرة، معتمدة على ذراع زوجها وعلى ~~عصا للمشي. وكان الباب الرئيسي للحجرة يطل ms211 على فناء تفوح منه ~~رائحة القطط والجراء، أما النافذة فهي تطل على المدينة التي ~~أحضروها إليها في دور النقاهة على كرسي ذي عجلات؛ وكان ثمة باب ~~آخر صغير يفضي إلى حجرة مجاورة. وبرغم الشمس التي تغرب على طول ~~نيران عينيها الخضراوين، والهواء الذي يملأ رئتيها كالسلسلة ~~الثقيلة، فقد تساءلت كميلة متعجبة: إذا كانت هي التي تسير على ~~قدميها ثانية. وبدت لها قدماها أكبر من المعتاد، وساقاها ~~كعكازين. كانت تبدو وكأنها تسير في عالم آخر وعيناها مفتوحتان على ~~وسعهما؛ كانت مولودة من جديد، دونما وجود، تحيط بها الأشباح التي ~~تسير في زبد من خيوط العنكبوت. كانت تشعر كأنما قد ماتت مع ~~احتفاظها بوجودها، كما يحدث في الأحلام، ثم عادت إلى الحياة لتجد ~~أنها تجمع بين واقعها وبين الحلم. كان والدها، وبيتها، ومربيتها، ~~يشكلون جزءا من وجودها الأول. أما زوجها، والمنزل الذي يقطناه ~~مؤقتا، والخدم، فهم وجودها الجديد. كانت من تسير هي وليست هي. ~~الإحساس بالعودة إلى الحياة في حياة جديدة. وكانت تتكلم عن ~~نفسها كأنها تتكلم عن شخص يعتمد على عصا من حياتها السابقة؛ ~~وكانت تتفهم أشياء غير منظورة؛ فإذا تركوها وحدها غرقت في ذلك ~~العالم الآخر، جالسة تسرح بعيدا بأفكارها، جامدة الشعر، ويداها ~~ترقدان في حجر تنورتها الطويلة التي تدل على عرسها الذي تم ~~قريبا، بينما الضجيج يصطخب في أذنيها. # وسرعان ما كان بوسعها أن تتجول في البيت، ورغم ذلك فقد ظلت ~~عليلة، أو قل إنها ظلت غارقة في تقييم الأشياء المهولة التي ~~وقعت لها منذ طبع زوجها أول قبلة له على خدها. كان الأمر أكثر ~~مما تستطيع احتماله، بيد أنها تشبثت به بوصفه الشيء الوحيد ملك ~~يمينها حقيقة في عالم غريب عنها. كانت تستمتع بمنظر القمر، في ~~عليائه وفي ظلاله المنسكبة على الأرض، أمام البراكين التي ~~يظللها غمام السحب، تحت النجوم المتلألئة كأنها حشرات ~~ذهبية في برج حمام سامق خال. # وأحس ذو الوجه الملائكي أن زوجته ترتعد داخل ثيابها الصوفية ~~البيضاء، لا من البرد، لا كما يرتعد الناس عادة، ms212 بل كما ترتعد ~~الملائكة، فقادها من يدها خطوة خطوة إلى حجرة نومها. تمثال الرأس ~~الهائل الحجم فوق النافورة ... السرير المعلق الساكن، والمياه ساكنة ~~سكون السرير المعلق ... أصص زهور رطيبة ... زهور صناعية ... ممرات يصل ~~بينها ضوء القمر ... # وأويا إلى فراشيهما، يتحادثان من غرفة إلى الأخرى. كان ثمة باب ~~يصل ما بين حجرتيها. وخرجت الأزرار من عراها في وسن بصوت رقيق ~~يحاكي صوت زهرة تقطع، وسقطت الأحذية على الأرض، كسقوط المرساة في ~~عرض البحر، وانسلخت الجوارب من على السيقان كما ينسلخ الدخان من ~~المدخنة. وتحدث إليها ذو الوجه الملائكي عن أدوات الزينة الخاصة ~~به المصفوفة على منضدة إلى جوار حامل المنشفة، كيما يخلق جوا ~~عائليا في هذا المنزل الضخم الذي يبدو مهجورا، وكيما يقصي ~~أفكاره عن ذلك الباب الصغير الضيق ، كبوابة السماء، الذي يفصل بين ~~حجرتي نومهما. # ثم دلف إلى فراشه بكل ثقله، ورقد فيه فترة طويلة دون أن يتحرك، ~~يرفل في المد الغريب، محللا العلاقة التي تنمو ثم تتحطم ~~باستمرار فيما بينهما. لقد اختطفها كيما يستحوذ عليها بالقوة؛ ثم ~~نما الحب بينهما بدافع الغريزة العمياء، فهجر خطته الأولى وحاول ~~أخذها إلى بيت عمها، ولكن الباب هناك يوصد دونهما. ولذلك فقد ~~عادت إلى حوزته مرة أخرى، ولا شك أنه لم تكن ثمة مخاطرة في ~~الاستحواذ عليها آنذاك، طالما أن الجميع يظنون فيه هذا الظن. بيد ~~أنها تعلم حقيقة الأمر وتحاول تجنبه. ووقف مرضها عقبة أمام ~~استحواذه عليها. وساءت حالتها في ساعات قليلة. لقد كانت تموت. سوف ~~يأتي الموت ويحل المشكلة. وهو يعلم ذلك ويبدو أحيانا مستكينا ~~للأمر رغم أنه يتمرد على هذه القوى العمياء في أغلب الأحيان. ~~وتحبط دعاوى الموت أعز آماله، والقدر ينتظر حتى آخر لحظة كيما ~~يجمع بينهما. # كانت كالطفلة أولا حين لم تكن تستطيع المشي بعد، ثم في طور ~~المراهقة بعد أن نهضت ومشت خطواتها الأولى؛ وبين ليلة وضحاها، ~~استردت شفتاها لون الدماء، وامتلأ مشد صدرها بما يحمله من ~~ثمرة؛ وكانت تحس بالاضطراب ويندى منها العرق حين يقترب منها ms213 ~~الرجل الذي لم تتصور أنه سيكون زوجها. # وقفز ذو الوجه الملائكي من الفراش. وشعر بأن ما يفصل بينه وبين ~~كميلة خطأ لم يقترفه أي منهما، بزواج لم يوافق عليه أي ~~منهما. # وأغلقت كميلة عينيها. وابتعدت خطواته ناحية النافذة. # كان القمر يختفي ويظهر من ثنايا أركان السحب السابحة، والطريق ~~ينساب كنهر من عظام بيضاء تحت جسور من الظلال. ومن حين لآخر، ~~يمحي كل شيء، كالصدأ الذي يعلو الآثار القديمة، ثم يظهر بعد ذلك ~~موشحا بندف من الذهب. وتدخل جفن أسود عريض وقطع أستار هذه ~~الرؤيا التي تتبدى خلال أجفان خافقة. وبدت رموشه الهائلة وكأنما ~~تبزغ من أعلى البراكين قاطبة، وتنتشر بخطى العنكبوت الهائل فوق ~~هيكل المدينة، دامغة إياها بظلال الحداد. وهزت الكلاب آذانها ~~كمقابض الأبواب، وحلقت طيور ليلية في أفق السماء، وانتقلت آهة ~~من شجرة سرو إلى شجرة سرو، وسرت أصوات ملء الساعات الدقاقة. ~~واختفى القمر كلية وراء قمة فوهة بركان عالية، وهبط ضباب كنقاب ~~العروس فوق أسطح المنازل. وأغلق ذو الوجه الملائكي النافذة. وكانت ~~كميلة في غرفة نومها تزفر أنفاسا بطيئة ثقيلة كأنما هي قد نامت ~~ورأسها تحت الأغطية، أو كأن ثمة شبحا يرقد على صدرها. # وكانا يذهبان أحيانا في تلك الأيام للاستحمام. وكانت ظلال ~~الأشجار ترقط القمصان البيضاء التي يرتديها الباعة الجوالون، ~~الذين يحملون الأوعية الفخارية، والمكانس، وطيور الزينة في ~~أقفاصهما الخيزرانية، وأكواز الصنوبر، والفحم، وأخشاب التدفئة، ~~والذرة. كانوا يتنقلون في مجموعات تغطي ساحات شاسعة، يمشون ~~على أطراف القدم دون أن يريحوا كعوبهم أبدا على الأرض. وكانت ~~الشمس تعرق منهم. وكانوا يلهثون، ويلوحون بأذرعتهم، ثم يختفون ~~كالطيور المهاجرة. # وتوقفت كميلة في ظل كوخ ترقب عملية جمع حبات البن. كانت ~~أيدي القاطفين تتحرك وسط العناقيد المعدنية كأنها الحيوانات ~~النهمة، فوق، تحت، ثم تلتقي في جنون كأنها تدغدغ الشجرة، ثم ~~تتباعد كأنها تفك أزرار قميصها. # وأحاط ذو الوجه الملائكي بخصرها ثم قادها عبر ممر ينبسط تحت ~~أحلام الأشجار الدافئة. كانا يشعران برأسيهما وجذعيهما، أما ما ~~تبقى، الساقان واليدان، فكانت تطفو معهما ms214 وسط زهور الأوركيد ~~والسحالي ذات الألوان البراقة، في نور فاتر تحول تدريجيا إلى ~~ظلمة عسلية إذ هما يمضيان قدما داخل الغابة. وكان يشعر بجسد ~~كميلة من خلال بلوزتها الرقيقة كما يحس المرء بحبات الذرة ~~الناعمة الحريرية الرطبة من خلال الأوراق الناضرة: وكان الهواء ~~يعبث بشعريهما. وحين وصلا إلى مكان الاستحمام كانت الشمس غافية ~~علي صفحة المياه، وثمة مخلوقات خفية تطفو وسط ذؤابات أعشاب السرخس ~~الظليلة. وخرج ملاحظ الحمامات من كوخ ذي سطح من الزنك وهو يأكل ~~حبات الفاصولياء، وحياهما بإيماءة من رأسه، وابتلع حفنة الفاصولياء ~~التي كانت بين شدقيه، وأخذ يتطلع إليها بنظرة فاحصة تدل على ~~الاعتداد بالنفس. وطلبا حمامين. وذهب لإحضار المفاتيح، وفتح ~~لهما كبينتين يفصل بينهما حاجز. وتبادلا قبلة سريعة قبل أن يذهب ~~كل منهما إلى كبينته. وكان ملاحظ الحمامات يعاني من ألم في إحدى ~~عينيه ولذلك فقد غطى وجهه لحمايتها. # وشعرا بالغربة، بعيدين أحدهما عن الآخر، ضائعين وسط همهمات ~~الغابة. وخلع ذو الوجه الملائكي ملابسه أمام مرآة محطومة بعجلة ~~الشباب الوثاب. لماذا يتعين على المرء أن يكون رجلا؟! حين ~~يكون من الأفضل له أن يكون شجرة، سحابة، يعسوبة، فقاعة، أو ~~طائرا مغردا؟ وصرخت كميلة حين لمست قدماها المياه الباردة وهي ~~تقف على أول درجة في سلم حوض الاستحمام؛ وصرخت مرة أخرى حين نزلت ~~إلى الدرجة الثانية، وعلا صراخها مع الدرجة الثالثة، واشتد حدة مع ~~نزولها إلى الدرجة الرابعة ... ثم ... «سبلاش»! وانتفخ قميصها الهندي ~~كأنه البالونة، ولكن المياه غمرته في نفس لحظة امتلائه بالهواء ~~تقريبا، فصاغت جسدها في ألوان القماش الغامقة من زرقاء وخضراء ~~وصفراء: نهدان متوثبان، وبطن خمصاء، وانحناءة رقيقة عند الفخذين؛ ~~ظهر أملس، وكتفان نحيلان نوعا ما. وبعد أن أتمت «الغطس»، خرجت ~~ثانية من الماء وقد أحست بالاضطراب شيئا ما من الصمت الذي ران ~~على أعشاب البوص، والذي بدا كأنه يمد يدا إلى شخص مختف هناك، ~~روح غريب يحوم فوق الحمامات، أفعى ملونة بأوان الفراشات. ~~ولكنها سمعت صوت زوجها يسأل من وراء الباب عما إذا كان ms215 بوسعه ~~الدخول، وأحست بالأمان. # وتقافزت المياه معهما كأنها حيوان سعيد. ووسط نسيج العنكبوت ~~المضيء للظلال الممتدة فوق جدران الحمامات، شاهدا ظلال جسديهما ~~كأنهما عنكبوتان هائلتان. وكان الهواء يعبق برائحة النباتات ~~المائية، وبوجود البراكين القصية، ورطوبة بطن الضفادع، وأنفاس ~~العجول الصغيرة وهي تمتص المراعي الخضراء بعد أن تحولت إلى ذلك ~~السائل الأبيض في ضروع أمهاتها، وبرودة شلالات المياه التي تنبجس ~~وهي تضحك، وطيران الذباب الأخضر في قلق. وغمرها نقاب هلامي من فئوس ~~خرساء، وصوت شخص يغني في الوهاد، ورفرفة جناحي طائر. # وأطل ملاحظ الحمامات كي يسأل عما إذا كان الجوادان اللذان ~~وصلا من قرية «لاكبراديتاس» لهما. لقد حان الوقت لارتداء الملابس ~~ومغادرة الحمامات. # وشعرت كميلة بدودة تتثنى في المنشفة التي ألقتها حول كتفيها ~~لحماية ملابسها من شعرها المبلل. ولم يستغرق إحساسها بها، وصرختها، ~~وإسراع ذي الوجه الملائكي لنجدتها وقتل الدودة، سوى ثوان معدودات. ~~بيد أنها لم تعد تحس بالمتعة بعد ذلك؛ فقد بدأت تشعر بالخوف ~~من الغابة، وبدا كأنما هي تغرق في لهاث رطيب، وسبات بلا أحلام، ~~تنفض عنها الدود. # وكان الجوادان يذبان عنهما الذباب بطرفي ذيلهما تحت شجرة ~~تين. وهرع السائس الذي أحضرهما نحو ذي الوجه الملائكي وقبعته في ~~يده. ~~- آه، أهو أنت. صباح الخير! ماذا تفعل هنا؟ ~~- إني أعمل. إني هنا منذ تفضلت علي وأخرجتني من معسكر الجيش، ~~منذ عام تقريبا. ~~- أرى أن الوقت قد سرقنا. ~~- يبدو هذا سوف تغرب الشمس عما قليل يا سيدي، وأمامنا مشوار ~~طويل. # وسأل ذو الوجه الملائكي كميلة ما إذا كانت تريد العودة الآن. ~~وتوقف كي يدفع الحساب لملاحظ الحمامات. ~~- كما يحلو لك. ~~- «ولكن، ألا تشعرين بالجوع؟ ألا ترغبين في تناول شيء من ~~الطعام؟ ربما كان بوسعنا شراء شيء من الملاحظ.» # واقترح عليهما السائس قائلا: «ألكما في بعض البيض؟» واستخرج من ~~جيب سترته، التي امتلأت بالأزرار التي فاقت عدد عراها، منديلا ~~ملفوفا به ثلاث بيضات. قالت كميلة: شكرا جزيلا. يبدو أنها طازجة ~~للغاية. ~~- الشكر لك يا عروسة. أما عن البيض، فهو طازج جدا، فقد ms216 وضعته ~~الدجاجات لتوها هذا الصباح، وقد قلت لزوجتي: اتركي هذه، على حدة ~~فإني أزمع حملها إلى السيد الملائكي. # وودعا ملاحظ الحمامات، الذي كان لا يزال يمسح عينيه التي ~~تؤلمه، ويأكل حبات الفاصولياء. # ومضى السائس قائلا: وكنت أفكر أن من الأفضل أن تبتلع السيدة ~~البيض نيئا؛ لأن المسافة طويلة منا وربما شعرت بالجوع. # فردت كميلة قائلة: كلا، فإني لا أحب البيض النيئ. وربما ~~أصابني بالمرض. ~~- إني أظن أن السيدة معتلة بعض الشيء. ~~- ذلك أنني قد غادرت فراش المرض لتوي. # فقال ذو الوجه الملائكي: أجل، لقد كانت مريضة جدا. # فقال السائس وهو يشد أحزمة السرجين: ولكنك ستتحسنين الآن. ~~فالنساء كالورود، في حاجة إلى السقي والرعاية؛ وسيصلح الزواج الآن ~~من حالتك. # وأرخت كميلة جفنيها وقد احمرت وجنتاها وغمرهما الاضطراب، كالنبات ~~الذي تطلع له بدلا من الأوراق عيون من كل جانب؛ وتبادلت نظرة مع ~~زوجها، نظرة مليئة برغبة متبادلة، ووقعا بذلك على الاتفاق الضمني ~~الذي كانا يفتقدان وجوده حتى الآن. # الفصل الخامس والثلاثون # | نشيد الأنشاد # وكانا يقولان، أحدهما للآخر: «ماذا يكون عليه الحال لو لم يجمع ~~بيننا القدر؟!» ذلك أن فكرة المخاطرة التي مرا بها كانت تملؤها ~~بالرعب، لدرجة أنه إذا حدث وافترقا، فإن كلا منهما يأخذ في البحث ~~عن الآخر؛ وإذا كانا معا تعانقا؛ وإذا كان الواحد منهما في أحضان ~~الآخر ضمه إلى حضنه أكثر وأكثر، ولا يكتفي بذلك بل يقبله ~~بحرارة ويغرق نظراته في عينيه، ثم يغرقان في خضم من السعادة ~~يحملهما إلى حالة شفافة من الذهول، في وفاق نشوان مع الأشجار ~~الممتلئة بالعصارة الجديدة، ومع ندف اللحم الصغيرة المغطاة ~~بريش متلألئ الألوان، والتي تطير في خفة تضارع خفة ~~الصدى. # ولكن الثعابين بحثت في ذلك السؤال. لو أن القدر لم يجمع بينهما، ~~أكانا سيشعران بالسعادة؟ وطرح حق تدمير هذه الجنة الساحرة عديمة ~~الجدوى في المزاد بين الأشباح الجهنمية؛ وبدأت الأرواح الشريرة ~~تترقب، وانبجس صوت الشك من بين لقاح الإثم الرطيب، في حين نسجت ~~الأيام خيوطا عنكبوتية في جوانب الزمن. # ولم يكن بمستطاعه ms217 ولا بإمكانها أن يتجنبا حضور الحفلة التي ~~يقيمها رئيس الجمهورية في منزله الريفي هذه الليلة. وبدا بيتهما ~~غريبا عليهما فجأة. كانا حائرين كيف يتصرفان. وجلسا في حزن يحيط ~~بهما أريكة ومرآة للزينة وأثاثات أخرى، بدلا من العالم الساحر ~~الذي كان يحيط بهما في شهور زواجهما الأولى. كان كل منهما يشعر ~~بالأسف من أجل الآخر، وبالخجل من كونهما على ما هما عليه. # وكان ثمة ساعة حائط تدق في حجرة الطعام. ولكنهما شعرا أنهما ~~بعيدان جدا لدرجة يحتاجان معها إما إلى قارب أو بالون ليذهبا ~~إلى مكان الحفلة. وجلسا في حجرة الطعام ... وأخذا يأكلان في صمت ~~وأعينهما على رقاص الساعة الذي يقربهما مع كل حركة منه إلى ~~موعد الحفل. ونهض ذو الوجه الملائكي كيما يرتدي سترة السهرة. ~~وشعر بالبرودة وهو يدخل ذراعيه في الأكمام، كشخص يلف نفسه في ~~أوراق الموز. وحاولت كميلة أن تطوي منشفة المائدة، ولكن المنشفة ~~كانت هي التي طوت يديها عوضا عن ذلك؛ وجلست بين المائدة ومقعدها، ~~لا تشعر بأي قوة للقيام بالخطوة الأولى في الاستعداد للذهاب إلى ~~الحفل. وعاد ذو الوجه الملائكي ليرى الوقت، ثم رجع إلى حجرته ~~ليحضر قفازيه. ووصل إليها وقع أقدامه على مبعدة كأنما هو يمشي في ~~نفق. وقال شيئا. شيئا. وبدا صوته غير واضح. وعاد إلى الظهور بعد ~~برهة في حجرة الطعام يحمل مروحة زوجته. ولم يكن بوسعه أن يتذكر ما ~~هو الشيء الذي ذهب لإحضاره من غرفته وكان يبحث عنه في كل الأنحاء ~~في إبهام. وتذكر آخر الأمر، بيد أن قفازيه كانا في يديه ~~بالفعل! # وقالت كميلة للخدم الذين كانوا يرقبون خروجهما من الباب إلى ~~الممشى: تأكدوا من إطفاء جميع الأنوار، ثم أغلقوا الباب بعناية، ~~وبعد ذلك يمكنكم الذهاب إلى الفراش. # وانطلقا في عربة تجرها جياد حسنة التغذية، تخب في نهر من ~~العملات الفضية المجلجلة المعلقة في السرج. ودفنت كميلة نفسها في ~~ركن العربة؛ لم يكن بوسعها أن تنفض عنها ذلك الخدر الذي يجثم ~~فوقها؛ والتمع الضوء الميت لمصابيح الطريق في عينيها. ومن ms218 آونة ~~لأخرى، كانت العربة ترتج بحركة مفاجئة تهزها عن مقعدها، قاطعة ~~حركة جسدها الذي أخذ يتابع إيقاع العربة. وكان أعداء ذي الوجه ~~الملائكي يشيعون أنه لم يعد بعد محبوب السيد الرئيس ولا من ~~الأثيرين لديه، وأخذوا يلمحون في «نادي أصدقاء السيد الرئيس» ~~إلى أنه ينبغي الآن أن يدعى ميغيل كاناليس بدلا من لقبه الحقيقي. ~~وكان جالسا في العربة تهزه عجلاتها وهو يستطيب مقدما مذاق ~~الدهشة التي سيسببها لهم ظهوره في حفل الرئيس هذه ~~الليلة. # وخلفت العربة الطرق المرصوفة وانحرفت إلى ربوة رملية جعلت ~~العجلات تئن بصوت أجوف. وشعرت كميلة بالخوف، فلم تكن ترى شيئا ~~في الظلمة من الريف حولها، بل النجوم فحسب، ولم تكن تسمع شيئا من ~~الحقول المغطاة بالندى إلا صرير الجنادب، وشعرت بالخوف وارتدت ~~إلى الخلف كأنما هي مساقة إلى حتفها عبر ممشى «أو شبه ممشى» على ~~إحدى جانبيه هوة تفغر فاها، وفي الجانب الآخر جناح الشيطان ~~منبسطا كالصخرة في وسط الظلمة. # وقال ذو الوجه الملائكي لزوجته وهو يأخذها برفق من كتفيها ~~بعيدا عن الباب: ما الخبر؟ ~~- إني خائفة. ~~- هس، اهدئي. ~~- إن ذلك الرجل سيقلب العربة بهذه السرعة التي يسوق بها، قل له ~~أن يبطئ قليلا. أرجوك! آه يا عزيزي، ألم تسمع ما قلت؟ قل له! ~~لماذا أنت صامت؟ # فقال ذو الوجه الملائكي: إن هذه العربات ... # ولكنه قطع عبارته، لأن زوجته أمسكت به حين حدثت هزة عنيفة غير ~~متوقعة من عجلات العربة. وشعرا كأنهما يتدحرجان إلى الهوة. # قال وهو يلملم أطراف نفسه: خلاص، لقد مر الأمر. لا بد أن العجلات ~~قد وقعت في حفرة عميقة. # وكانت الريح تهب على أعالي الصخور بقسوة محدثة صريرا كصوت ~~تمزيق القماش. وأخرج ذو الوجه الملائكي رأسه من طاقة العربة ليصيح ~~بالسائق أن يكون حريصا بعض الشيء. وأدار إليه السائق وجهه الأسمر ~~المنقور ببثور الجدري وأبطأ جياده حتى أصبحت كأنها تسير بخطى ~~جنائزية. # وتوقفت العربة في الطرف الأقصى لقرية صغيرة. وتقدم نحوهم ضابط ~~يرتدي معطفا فضفاضا يصلصل مهمازه، وتعرف عليهم وسمح للسائق ~~بمواصلة ms219 السير. وهمهمت الريح وسط أوراق عيدان الذرة الجافة ~~المقطوعة. ولاح شبح بقرة مربوطة أمام أحد المنازل. وكانت الأشجار ~~غافية. وعلى مبعدة مائتي ياردة، تقدم ضابطان ليريا من القادم، ولكن ~~العربة لم تكد تتوقف. والآن، وقد كانوا على وشك الترجل أمام بيت ~~رئيس الجمهورية، تقدم ثلاثة كولونيلات إلى الأمام لتفتيش ~~العربة. # ورحب ذو الوجه الملائكي بضابط أركان الحرب (كان جميلا وماكرا ~~كالشيطان). وكان ثمة حنين للبيت الدافئ يحوم في رحابة الليل ~~الغريبة، ونور قنديل في الأفق يدل على موقع ثكنة مدفعية تقوم على ~~حراسة رئيس الجمهورية. # وخفضت كميلة عينيها أمام رجل ذي تكشيرة شيطانية، وكتفين مائلين، ~~وعينين مستطيلتين، وساقين نحيلتين طويلتين. وحين دخلا، مد هذا ~~الرجل ذراعه ببطء وفتح يده كأنما هو على وشك أن يطلق حمامة منها ~~بدلا من أن يتحدث إليهما. # قال: «لقد أسر «بارثينيوس البيتاني» في حروب «ميتريدانس» وحمل ~~إلى روما حيث أشرف على تدريس البحر الشعري الإسكندري. لقد ~~تعلمه منه «بروبرنيوس» و«أوفيد» و«هوراس» وأنا ...» # وكانت ثمة سيدتان متقدمتا السن تتحادثان عند باب الصالة التي ~~كان الرئيس يستقبل فيها ضيوفه. وكانت إحداهما تقول وهي تمرر يدها ~~على تسريحة شعرها: «أجل، أجل، لقد قلت لهم إنهم لا بد أن يعيدوا ~~انتخابه.» ~~- وماذا قال؟ إنني متشوقة بالفعل إلى سماع ذلك ... ~~- لقد اكتفى بالابتسام؛ ولكني أعلم أنه سيعاد انتخابه. إنه أفضل ~~رئيس للجمهورية عرفناه يا «كانديديتا». هل تعلمين أنه منذ أن تولى ~~الحكم، فإن زوجي «مونتشو»، قد تقلد أفضل المناصب؟ # وخلف هاتين السيدتين، كان «المعلم»، يتكلم في ثقة واعتداد وسط ~~مجموعة من الأصدقاء. # وقال المدعي العسكري العام، وهو يلتفت يمينا ويسارا إذ كان ~~يسير وسط الحلقة: «لقد سأل السيد الرئيس عنك، لقد سأل السيد الرئيس ~~عنك، لقد سال السيد الرئيس عنك ...» # فرد عليه المعلم: شكرا لك! # فقال أحد أصحاب المناصب السود، مقوس الساقين، ذهبي السن، وهو يظن ~~أن الشكر موجه إليه: «عفوا.» # كانت كميلة تود ألا يلاحظها أحد في هذا الجمع الحاشد. ولكن ذلك ~~كان مستحيلا. ذلك أن جمالها النادر المثال، ms220 وعينيها الخضراوين ~~الصافيتين الهادئتين، وجسدها الرقيق المغلف في ردائها الحريري ~~الأبيض، وصدرها النحيل، وحركاتها الرشيقة، وفوق كل شيء: كونها ابنة ~~الجنرال كاناليس، قد جعلها محط الأنظار. ولاحظت إحدى سيدات الجماعة ~~قائلة: إنها لا تستحق كل هذا. امرأة لا ترتدي «كورسيها» مشدها ~~بوسع أي شخص أن يرى أنها عادية! # وهمست أخرى: «كما أنها قد أعادت تجهيز ثوب عرسها حتى ترتديه في ~~الحفلات ...» ~~- ورأت سيدة ناحلة الشعر الفرصة مواتية لتضيف: «أنتم تعرفون أن ~~الناس الذين لا يحسنون التصرف هم دائما من يصبحون عرضة ~~للأنظار.» ~~- أوه، كم نحن قساة القلوب. إنما قلت تلك الملاحظة بشأن الثوب ~~لأنه من الواضح أنهم في حالة عسر مادي! # فلاحظت السيدة ناحلة الشعر قائلة: «بالطبع هم معسرون، ونحن ~~جميعا نعلم السبب.» ثم أضافت في صوت خفيض: «يقولون إن السيد ~~الرئيس لم يعد يعطيه شيئا منذ زواجه من تلك الفتاة!» ~~- ولكن ذا الوجه الملائكي يكن له ولاء خالصا. ~~- بل كان يكن له ولاء خالصا بالأحرى. لأنه كما يشاع، فإن ذا ~~الوجه الملائكي هذا قد اختطف زوجته الحالية حتى يعمي أنظار الشرطة ~~عن هروب حميه الجنرال من المنزل؛ وإنه لولا ذلك لما تمكن الجنرال ~~من الفرار! # وتقدمت كميلة وذو الوجه الملائكي وسط المدعوين إلى الطرف ~~الأقصى من الصالة التي كان بها الرئيس. وكان فخامته يتحادث مع أحد ~~فقهاء القانون الدكتور «إريفرا غابلي»، وسط مجموعة من السيدات ~~اللائي، حين اقترب الرئيس منهن، خرست الكلمات على ألسنتهن، كمن ~~ابتلع شموعا مشتعلة، ولم يجرؤن على التنفس أو على فتح ~~شفاههن. وكان هناك رجال مصارف سبق القبض عليهم وخرجوا بكفالة ولا ~~تزال قضاياهم أمام المحاكم، وسكرتيرون ذوو ميول تقدمية لم يرفعوا ~~أعينهم عن السيد الرئيس دون أن يجرءوا على توجيه التحية له حين ~~ينظر إليهم، ولا على الانسحاب حين يحول بصره عنهم؛ وأعيان ~~القرى، ممن انطفأ حماسهم السياسي، ولكنهم لا يزالون يبدون شيئا ~~من عزة الكرامة الإنسانية حين يعاملون كالجراذين بينما هم ليوث في ~~الحقيقة. # وتوجهت كميلة وذو الوجه الملائكي إلى الرئيس لتحيته. وقدم ms221 ذو ~~الوجه الملائكي زوجته. وقدم الرئيس يده اليمني الصغيرة إلى كميلة، ~~واستقرت عيناه عليها وهو ينطق باسمه، كأنما هو يقول لها «تصوري من ~~أكون!» وفي هذه الأثناء كان الفقيه القانوني يحيي ظهور إحدى ~~الحسناوات ممن يحملن نفس اسم عشيقة «البانيو» وشخصيتها الفريدة، ~~بتلاوة بعض أبيات من شعر غارسيلاسو: # 1 ~~«لقد نشدت الطبيعة. # خلق صورة واحدة فريدة من هذا الجمال. # لذلك، بعد أن خلقتك. حطمت سريعا القالب الذي صبتك ~~فيه.» # وكان الخدم يروحون ويغدون حاملين صحافا عليها كئوس الشمبانيا، ~~وفطائر صغيرة، ولوز مملح، وحلوى، وسجائر. وأوقدت الشمبانيا النار ~~التي لم تكن بعد موقدة في هذه الحفلة الرسمية، فبدا كل شيء، كما ~~بفعل السحر، حقيقيا إذ ينعكس في المرايا الهادئة، وخيالا في ~~الصالون، وكذلك الصوت الورقي لآلة موسيقية بدائية مصنوعة من جرة ~~فخارية أضيفت عليها سمة حضارية بتعليق آلات صغيرة من ~~حولها. # ورن صوت الرئيس قائلا: أيها الجنرال، خذ السادة خارجا، فإني ~~أود أن أتناول العشاء وحدي مع السيدات ... # وأخذ الرجال يخرجون من الأبواب التي تطل على الليل البارق في ~~جماعة واحدة، ودونما كلمة، وبعضهم متلهف إلى تنفيذ رغبة سيده، ~~والبعض الآخر يحاول إخفاء غضبه بالإسراع في الخروج. وتطلعت السيدات ~~إلى بعضهن البعض، ولم يجرؤن حتى على إخفاء أقدامهن تحت ~~مقاعدهن. # وألمح الرئيس قائلا: بإمكان الشاعر أن يبقى ... # وأغلق الضباط جميع الأبواب. وأحس الشاعر بالحرج من وجوده وسط ~~هذا الحشد من السيدات. # وأمر الرئيس قائلا: أنشد أيها الشاعر، شيئا لطيفا، نشيد ~~الأنشاد مثلا ... # وراح الشاعر يتلو ما كان عالقا بذهنه من ذلك السفر من شعر ~~سليمان: ~~«نشيد الأنشاد الذي لسليمان ... # آه، ليقبلني بقبلات من فمه! # أنا سوداء يا بنات أورشليم ولكني جميلة، # كخيام سليمان. # لا تنظرن إلي لكوني سوداء؛ # فإن الشمس قد لوحتني ... # حبيبي بالنسبة لي، # فننا من المر. # يبيت بين ثديي ... # تحت ظل حبيبي جلست، # وكانت ثمرته حلوة في فمي، # أدخلني إلى بيت الخمر، # وعلمه فوقي محبة ... # أستحلفكن يا بنات أورشليم، # ألا توقظن الحبيب ولا بالنهدات، # إلى أن يشاء، # إلى أن ms222 يشاء ... # ها أنت جميلة يا حبيبتي # ها أنت جميلة ... # عيناك حمامتان من تحت نقابك؛ # شعرك كقطيع ماعز؛ # أسنانك كقطيع نعاج، # صادرة من المغسل، # كل واحدة تحمل توائم، # وليست فيهن عقيم ... # لهن ستون ملكة وثمانون سرية ...» # ونهض الرئيس وعلى وجهه نذر شؤم. وترددت وقع ~~أقدامه كخطوات فهد يفر على صخور قاع نهر جاف، واختفى عبر الباب بعد ~~أن ارتدت إلى ظهره الستائر التي جذبها عند خروجه. # وبقي الشاعر وجمهرة السيدات في ذهول، يحسون بالضآلة والخواء، ~~محاطين بجو من القلق كالجو الذي تخلفه الشمس بعد أن تغرب. وأعلن ~~أحد المساعدين أن العشاء جاهز. وانفتحت الأبواب؛ وبينما كان الرجال ~~الذين كانوا ينتظرون في الممر يعودون مرتعدين من البرد، توجه ~~الشاعر إلى كميلة وطلب منها أن تتناول العشاء معه. ونهضت، وكانت ~~على وشك أن تتناول ذراعه حين أوقفتها يد امتدت من خلفها. وكادت ~~تصرخ من المفاجأة. لقد كان ذو الوجه الملائكي مختفيا طوال الوقت ~~وراء إحدى الستائر بالقرب من زوجته، ورآه الجميع يخرج من ~~مخبئه. # وبدأت طبول «الماريمبا» تدق وتتصاعد نغماتها في الهواء، بينما ~~اهتزت الجلاجل الصغيرة المعلقة تحتها كأنها الأكفان. # الفصل السادس والثلاثون # | الثورة # لم يكن ثمة شيء يرى على البعد. وكان الرجال يخلفون وراءهم ~~خطا بآثار أقدامهم كأنه ثعبان صامت طويل يبسط تعاريجه اللدنة ~~المرنة المتجمدة. كان يمكن عد أضلاع الأرض في النذر اليسير من ~~المستنقعات الجافة التي لم يمسها الشتاء بسوء. ورفعت الأشجار ~~نفسها إلى أعلى فروعها الكثيفة المترعة بالعصارة كيما تستطيع ~~التنفس. وكانت النار التي يحملونها معهم تبهر عيون الجياد المتعبة. ~~وأدار جندي ظهره ليتبول. لم تكن ترى ساقاه. كان الوقت قد حان ~~كيما يعرف الرفاق حقيقة الموقف، بيد أنهم كانوا مشغولين بتنظيف ~~بنادقهم بالشحم وخرق فساتين لا تزال تعبق برائحة النساء. كان ~~الموت يحصدهم ويختطفهم من مضاجعهم واحدا واحدا، دون أن يخلفوا ~~وراءهم ذكرا لأولادهم ولا لأي شخص آخر. كان الأفضل لهم أن ~~يخاطروا بحياتهم ويروا أي شيء ينجم عن ذلك. إن الرصاصات لا تحس ~~بشيء وهي تخترق جسد ms223 الإنسان. فاللحم بالنسبة لها يماثل الهواء ~~الدافئ العذب، هواء ذو كثافة معينة. وهي تصفر كالطيور. لقد حان ~~الوقت لتدبر موقفهم، بيد أنهم كانوا مشغولين بشحذ المديات التي ~~ابتاعها قادة الثورة من أحد تجار الحديد أتت النار على حانوته. ~~وكان النصل المشحوذ يماثل ابتسامة على وجه زنجي. # وصاح صوت: أنشد يا رفيق. لقد سمعتك تغني منذ برهة! ~~«لماذا عشقتني يا قاسي القلب، # وأنت لك فتاتك؟ # كان يحسن بك أن تتركني، # وحدي كالشجرة الذابلة.» ~~- استمر يا رفيق، أنشد. ~~«ذهبنا إلى البحيرة، # وهرعنا إلى مكان الاحتفال، # ولكن لم يطلع القمر هذه المرة، # ولم يكن هناك من يكن أحد.» ~~- أنشد يا رفيق، أنشد. ~~«إن اليوم الذي ولدت فيه، # كان هو يوم مولدي، # وعم الفرح في السماء، # وابتهجت الملائكة وصدحت.» # أنشد يا رفيق أنشد. كان نور القمر القلوي ينتشر ~~فوق الأشجار وكانت الأوراق ترتجف في أعاليها. كانوا ينتظرون عبثا ~~الأمر بالهجوم. كانت الشمس تشرق. وشعرت القوات إذ هي تنتظر في ~~استعداد ساكن للهجوم على أول حصن للحكومة، هذه الليلة نفسها، كأن ~~ثمة قوة غريبة خفية تسرق منها قدرتها على الحركة وتحولها إلى ~~حجارة. وأحالت الأمطار الصباح الذي لم تشرق شمسه بعد إلى حساء، ~~وانسال فوق وجوه الجنود وظهورهم. وترددت أصداء الكلام بصوت أكثر ~~ارتفاعا عن طريق دموع الإلهة المنهالة. وكانت الأنباء الأولى التي ~~وصلتهم مقتضبة ومتضاربة، كأنما تنقلها أصوات صغيرة تخاف ان تصرح ~~بكل ما تعرف. وبدأ الجنود يشعرون كأن ثمة قضيبا من حديد أو قطعة ~~عظم تستقر في أعماق أفئدتهم. وكان المعسكر بكامله يدمى كأنما من ~~جرح واحد. لقد مات الجنرال «كاناليس». وتجسدت الأنباء في مقاطع ~~وعبارات. مقاطع من كتاب ألف باء، وعبارات من الخدمات الجنائزية. ~~واصطبغ مذاق السجائر والبراندي بالغضب وصيحات الحزن. كان مستحيلا ~~تصديق الكلمات التي تقال، بيد أنها لا بد أن تكون هي الحقيقة. ~~وصمت المسنون فيهم، ينتظرون في نفاد صبر سماع الحقيقة العارية، ~~بعضهم واقف، وآخرون ممددون أو مقعون على الأرض؛ ونزعوا قبعات القش ~~من على رءوسهم وألقوا بها إلى ms224 جوارهم وهم يهرشون رأسهم في غضب. ~~وهرع الشبان منهم إلى الوادي بحثا عن مزيد من الأنباء. وأعمتهم ~~حرارة الشمس المتلألئة. وثمة سرب طيور يخفق في الهواء على مبعدة. ~~ومن وقت لآخر دوي طلقة رصاص. وبدأ الليل يطبق عليهم. سماء من قروح ~~تحت عباءة سحب ممزقة. وأطفئت نيران المعسكر ولم يعد هناك سوى ظلمة ~~داكنة لا شكل لها، عزلة سوداء تتكون من سماء وأرض وحيوانات ورجال. ~~ثم قطع الصمت خبب فرس بوقع حوافره: راتابلان، راتابلان، الذي ردده ~~الصدى مستخدما جدول الضرب. واقترب الصوت شيئا فشيئا، من حارس ~~إلى آخر، وسرعان ما أصبح وسطهم، وظنوا أنهم يحلمون حين سمعوا ما ~~قاله الفارس القادم. لقد مات الجنرال كاناليس فجأة، بعد أن تناول ~~وجبة طعام لتوه، وهو على وشك قيادة قواته إلى القتال. والأوامر ~~الآن هي الانتظار. وقال أحدهم ملاحظا: «لا بد أنهم دسوا له شيئا ~~في الطعام، ربما بعض نباتات «تشيلتب»، وهو سم زعاف لا يترك أثرا ~~وراءه، حتى يموت على هذا النحو.» وتمتم آخر: «كان يجب عليه أن يكون ~~أكثر حذرا! ~~آآآآآ ~~... ه!» ... وصمتوا جميعا في تأثر بالغ طال أطرافهم العارية المدفونة ~~في التراب ... وابنته؟ # وأضاف صوت آخر بعد برهة طالت شأنها شأن كل المحن. «إن ~~باستطاعتي أن أنزل عليها اللعنة إن شئتم. إني أعرف صلاة علمني ~~إياها ساحر هناك عند الساحل؛ فقد حدث يوما ما نقص في الذرة في ~~الجبال، وهبطت إلى الساحل لشراء شيء من هناك حين قابلته وتعلمتها ~~منه. هل تحبون ذلك؟» # ورد عليه صوت آخر في الظلمة: حسنا، إني أوافق من جهتي، فهي قد ~~قتلت أباها. # ومرة أخرى، سمع خبب فرس عبر الممر، راتابلان، راتابلان، ~~راتابلان. ومرة أخرى سمع صياح الحراس، ومرة أخرى ساد الصمت. ~~وارتفع عواء الذئاب كأنه سلم صاعد إلى القمر الذي بزغ في بطء ~~تحوط به هالة كبيرة. وأعاد الصدى الصوت مرة أخرى. # وفي كل مرة يحكي فيها أحد ما حدث، كان الجنرال كاناليس يخرج من ~~قبره ويموت مرة أخرى: لقد جلس يأكل على ضوء ms225 قنديل إلى مائدة لا ~~مفرش عليها؛ وسمعوا صوت الملاعق والسكاكين والأطباق، ووقع أقدام ~~مساعده، وكوب ماء يصب وصحيفة تفتح؛ ثم ... لا شيء بعد ذلك، ولا ~~حتى الأنين. لقد وجدوه ملقى عبر المائدة ميتا، وخده مستقر على ~~نسخة من صحيفة «الناسيونال»، وعيناه نصف مغلقتين، زجاجيتين، تحدقان ~~في شيء غير موجود. # وعاد الرجال في تردد إلى مهامهم اليومية. كانوا قد تعبوا من ~~العيش كالحيوانات المستأنسة، فانضموا إلى ثورة «تشاماريتا» وكان ~~هذا هو اللقب المفضل الذي خلعوه على الجنرال كاناليس - لإحداث ~~تغيير في طريقة حياتهم، ولأن «تشاماريتا»، قد وعد بإعادة حقول ~~الكروم إليهم، وكانت قد اغتصبت منهم بحجة إلغاء التجمعات، ووعد ~~بتوزيع حصص المياه بينهم بالعدل، وإلغاء التعذيب، وفرض الخدمة ~~الإجبارية لمدة سنتين، وإنشاء تعاونيات زراعية لاستيراد الآلات ~~الحديثة وتوفير البذور الجيدة والحيوانات والأسمدة والفنيين، ~~وتسهيل وسائل الانتقال وتخفيض أسعارها، وتسهيل التصدير وبيع ~~المنتجات، وقصر السلطة على من ينتخبه الشعب ويكون مسئولا أمام ~~الشعب فقط، وإلغاء المدارس الخاصة، وفرض الضرائب التصاعدية، وخفض ~~أسعار العلاج وتوفير خدمات الأطباء والمحامين للمجتمع، والعمل ~~بحرية العقيدة، حتى يتمكن الهنود من عبادة آلهتهم وإعادة بناء ~~معابدهم في أمان من الاضطهاد. # وعلمت كميلة بموت والدها بعد عدة أيام؛ فقد نقل إليها صوت ~~مجهول النبأ على الهاتف. ~~- «لقد مات أبوك حين قرأ في الجريدة أن رئيس الجمهورية كان ~~شاهدا على عقد زواجك.» فصاحت: هذا غير صحيح! # فقال الصوت المجهول وهو يضحك بصورة كريهة: ما هو غير ~~الصحيح؟ ~~- هذا غير صحيح؛ إنه لم يكن شاهدا. ألو ... الو ... # بيد أن المتحدث المجهول كان قد وضع سماعة الهاتف في بطء شديد ~~كشخص يتسلل خارجا خفية. # وغاصت كميلة في مقعد من الخيزران. كانت تشعر بصدمة. وبدا لها بعد ~~لحظة أن الغرفة قد فقدت مظهرها السابق وأصبحت مختلفة، ذات لون ~~مختلف، وجو مختلف. مات! مات! مات! ولوت كميلة يديها كأنما لتكسر ~~شيئا، ثم انفجرت في ضحكة هستيرية وفكاها مضمومان بينما عيناها ~~مفعمتان بدموع لا تجد لها منفذا. # وكانت عربة رش المياه تمر عبر الطريق، وصنبورها ms226 يبكي بينما ~~خزاناتها المعدنية تضحك. # الفصل السابع والثلاثون # | رقصة «توهيل»1 # - ماذا تطلبون أيها ~~السادة؟ ~~- بيرة. ~~- ليس لي، أنا سآخذ «ويسكي». ~~- إذن واحد ... ~~- واحد بيرة وواحد ويسكي وواحد براندي. ~~- وبعض المأكولات الخفيفة! ~~- إذن واحد بيرة وواحد ويسكي وواحد براندي وبعض المأكولات ~~الخفيفة. # وترامى صوت ذي الوجه الملائكي عائدا من المرحاض يقول وهو يغلق ~~أزرار بنطاله في شيء من العجلة: هاللو! ~~- ماذا تطلب؟ ~~- أي شيء. أحضر لي بعض المياه المعدنية. ~~- آه، إذن واحد بيرة وواحد ويسكي وواحد براندي وواحد مياه ~~معدنية. # وجذب ذو الوجه الملائكي مقعدا وجلس إلى جوار رجل يبلغ الستة ~~أقدام طولا، له مظهر الزنوج وحركاتهم رغم أنه أبيض البشرة، وظهره ~~سوي كالقضيب الحديدي، ويداه كالسندان المزدوج، وثمة ندبة بين ~~حاجبيه الشقراوين. # قال له ذو الوجه الملائكي : افسح لي مكانا يا مستر «جنكيز»، فإني ~~أود أن أجلس إلى جوارك. ~~- بكل سرور أيها السيد ... ~~- سوف أتناول شرابي وأذهب لأن الرئيس في انتظاري. فقال مستر ~~جنكيز: أوه، إذا كنت ذاهبا للقاء الرئيس فلا بد أن تكف عن حماقتك ~~وتبلغه بأن الشائعات التي تتردد عنك غير صحيحة، غير صحيحة على ~~الإطلاق. # فقال واحد من الأربعة، وهو الشخص الذي طلب البراندي: هذا لا شك ~~فيه. # فتدخل ذو الوجه الملائكي قائلا للمستر جنكيز: وهل أنا الذي تقول ~~له ذلك؟ # فقال الأمريكي وهو يضرب رخام المائدة براحة يديه: وأقوله للجميع ~~بالطبع! لكني كنت هناك تلك الليلة وسمعت بأذني المدعي العسكري ~~العام يقول إنك تعارض انتخاب رئيس الجمهورية، وإنك نصير «للثورة ~~مثل المرحوم الجنرال كاناليس». # وحاول ذو الوجه الملائكي عبثا أن يخفي القلق الذي يحس به. ذلك ~~أن الذهاب لمقابلة الرئيس في ظل هذه الظروف شيء يثير الخوف. # وجاء النادل بطلباتهم. كان يرتدي سترة بيضاء عليها اسم المحل ~~«غامبريتوس» مطرزا عليها بخيوط حمراء. ~~- واحد ويسكي، واحد بيرة ... # وابتلع مستر «جنكيز» الويسكي دفعة واحدة دون أن تطرف له عين، ~~كشخص يشرب مطهرا معويا، ثم أخرج الغليون وحشاه بالتبغ. ~~- أجل يا صديقي، إن هذه الأشياء تصل إلى سمع الرئيس ms227 بطريقة أو ~~بأخرى، وهي ليست بالأمر المحبب لديك. والآن حان دورك كيما تقول له ~~بصراحة حقيقة الأمور. إن الموقف دقيق جدا. ~~- شكرا على نصيحتك يا مستر «جنكيز»، وسلاما، سوف أذهب للبحث عن ~~عربة للذهاب سريعا. شكرا، هه؟ ومع السلامة للجميع. # وأشعل «مستر جنكيز» غليونه. # وتساءل أحد الرجال الملتفين حول المائدة: كم كأسا من الويسكي ~~شربت يا مستر جنكيز؟ # فرد الأمريكي وغليونه في فمه وإحدى عينيه نصف مغلقة، والأخرى، ~~زرقاء ناصعة، تحدق في شعلة الكبريت الصفراء الصغيرة: ثمانية ~~عشر. ~~- وإنك محق تماما في ذلك، فالويسكي مشروب رائع، أليس ~~كذلك؟ ~~- لا علم لي! عليك أن توجه هذا السؤال إلى الناس الذين لا ~~يشربونه انطلاقا من يأسهم الكامل مثلي. ~~- لا تقل هذا يا مستر جنكيز. ~~- لماذا لا أقول ذلك ما دمت أعتقده حقا؟ في بلادي، كل شخص يقول ~~ما يراه حقا. تماما. ~~- إن هذا ميزة رائعة. ~~- أوه كلا، إني أفضل ما تسيرون عليه هنا. إنكم تقولون ما لا ~~تعتقدون، ما دام أنه جميل جدا. ~~- إذن ففي بلادك لا تتداولون الحكايات؟ ~~- أوه كلا، على الإطلاق، ما عدا حكايات الإنجيل! ~~- كأس آخر يا مستر جنكيز؟ ~~- أجل، أظن أنني سآخذ كأسا آخر من الويسكي! ~~- برافو! إني أحب ذلك، إنك رجل على استعداد لأن تموت من أجل ~~مبادئك. ~~- كيف هذا؟ ~~- لقد قال صديقي إنك رجل على استعداد للموت. ~~- أجل، لقد فهمت ما قال عن الموت في سبيل المبادئ. كلا، إنني رجل ~~يعيش في سبيل مبادئه. إن الحياة تضطرم في عروقي. أما الموت فلا ~~أهمية له عندي، فسوف أموت حين يشاء الله. ~~- إن المستر جنكيز يريد أن تمطر السماء «ويسكي»! ~~- «كلا، كلا، لماذا؟ حينئذ ~~لن يبيع أحد مظلات بل سيبيعون أقماعا!» ثم أضاف بعد فترة جذب فيها ~~أنفاس غليونه وتنفس في رقة بينما ضحك الآخرون: «إن ذا الوجه ~~الملائكي شاب طيب، ولكنه إذا لم يفعل ما قلت له فلن يغفر له، بل ~~سيقضى عليه بدلا من ذلك». # وفجأة، دخلت البار جماعة ~~من الرجال في صمت. كانوا مجموعة كبيرة ms228 لدرجة تعذر معها دخولهم ~~جميعا من الباب مرة واحدة. وبقي معظمهم واقفا لدى الباب أو بين ~~المناضد أو بالقرب من حافة البار. لن يطول مقامهم في البار لذلك ~~فالأمر لا يستحق الجلوس. وصاح رجل قصير نوعا ما، مسن نوعا ما، ~~أصلع نوعا ما، عليه دلائل الصحة نوعا ما، مجنون نوعا ما، غليظ ~~الصوت نوعا ما، قذر نوعا ما: «صمتا!»، ثم بسط إعلانا مطبوعا ~~كبيرا، وعاونه اثنان آخران من تثبيته على إحدى المرايا بالشمع ~~الأسود. أيها المواطنون: # إن مجرد النطق باسم السيد رئيس الجمهورية هو بمثابة إلقاء نور ~~مشاعل السلام على المصالح المقدسة للأمة التي غزت تحت حكمه الحكيم ~~وستظل تغزو - أوجه التقدم في جميع المجالات، والنظام في كل شكل من ~~أشكال التقدم! وبوصفنا مواطنين أحرارا، واعين بالتزامنا بالسهر ~~على مصيرنا (الذي هو مصير الأمة أيضا)، وبوصفنا رجالا نقف في صف ~~الخير ونعادي الفوضوية، فإننا نعلن: إن خير الأمة هو في إعادة ~~انتخاب رئيسنا العظيم ولا شيء غير إعادة انتخابه. إذ لماذا تخاطر ~~بسفينة الحكم في بحار مجهولة، حين يكون قائما على دفتها أكمل رجل ~~دولة في عصرنا، ذلك الذي سيضعه التاريخ عظيما بين العظماء، حكيما ~~بين الحكماء، حرا، مفكرا، ديمقراطيا؟ إن مجرد تصور وجود شخص ~~غيره في هذا المنصب الخطير يصل إلى حد التعرض لمصير الأمة (الذي هو ~~مصيرنا نحن أيضا)، وإن من يجرؤ على ذلك بافتراض وجوده يستحق عزله ~~بوصفه مجنونا خطيرا، فإذا لم يكن مجنونا، فهو يستحق أن يقدم ~~للمحاكمة بوصفه خائنا لوطنه طبقا للقانون! أيها الأخوة ~~المواطنون: إن صناديق الانتخاب تنتظركم. # انتخبوا! مرشحنا! الذي! سيعيد الشعب! انتخابه! # وأثارت قراءة هذا المنشور بصوت عال كثيرا من الحماس العام في ~~البار؛ وانبعثت صيحات وتصفيق. وبناء على طلب الجمهور، نهض رجل لا ~~أثر للعناية في ملابسه، طويل الشعر أسود، جامد العينين، لإلقاء ~~كلمة: «أيها المواطنون: إنني أفكر كشاعر ولكني أتحدث كمواطن ~~وطني! الشاعر هو رجل اخترع سماء، ولذلك يجب عليكم الاستماع إلى ~~خطبة لا نظام فيها من الرجل الذي اخترع ms229 ذلك الشيء الجميل الذي لا ~~نفع فيه والذي نسميه «سماء». حين كتب ذلك الألماني الذي لم يفهمه ~~الألمان، كلا إني لا أعني بذلك «جيته» ولا «كانط»، ولا «شوبنهاور»، ~~عن الرجل الخارق (السوبرمان) فإنه كان يتنبأ بلا شك بأنه سيولد في ~~أمريكا، من الأب الكون ومن الطبيعة الأم أول «سوبرمان» حقيقي على ~~الأرض. إنني أتحدث أيها السادة عنه، عمن يفوق الفجر إشراقا، عن ~~الذي خلع الوطن عليه لقب «صاحب الجدارة والاستحقاق»، عن رئيس الحزب ~~وحامي حمى الشباب المجتهد. إن من أتكلم عنه أيها السادة، كما لا شك ~~قد أدركتم، هو رئيس الجمهورية الدستوري، الذي أشير إليه بوصفه ~~«سوبرمان»، المخلوق الخارق الذي كتب عنه «نيتشه» ... إني أقول وأردد ~~ذلك من على هذه المنصة». وحين قال هذه العبارة، دق على نضد البار ~~بقبضة يده. «ولهذا أيها المواطنون، فرغم أنني لست ممن اتخذ السياسة ~~معاشا، فإنني أؤمن إيمانا موضوعيا تاما مخلصا بأنه نظرا ~~لعدم وجود «سوبرمان» أو «سوبر مواطن» آخر بيننا، فإنا نكون مجانين ~~أو عميانا، عميانا أو مجانين ~~على نحو إجرامي، إذا نحن سمحنا بأن تنتقل أعنة الحكم من يد ذلك ~~«السوبر قائد» الذي يقود وطننا الحبيب الآن وإلى الأبد، إلى يد ~~مواطن آخر، مواطن عادي، إلى مواطن، أيها الأخوة المواطنون، حتى لو ~~كان يتمتع بكل الخصال الحميدة على الأرض، فلا بد أنه لا يزال مجرد ~~إنسان. وهناك في قارة أوروبا العتيقة المستنفدة، قضت الديمقراطية ~~على كثير من الأباطرة والملوك، ولكن علينا أن ندرك - وإننا لندرك - ~~أنه وقد انتقلت الديمقراطية إلى قارة أمريكا. فهي: قد حقنت بطعم ~~«السوبرمان»، الذي يكاد يكون إلهيا، وأنها تتبنى شكلا جديدا ~~للحكومة هو «السوبر ديمقراطية». والآن، أيها السادة، سأتشرف بأن ~~أنشد لكم ...». # وصاح صوت: «أنشد أيها الشاعر، ولكن شيئا غير القصيدة!» ~~- «... ليلية»، من «سي مايو»، موجهة إلى «السوبر فريد». # وتبع قطعة الشاعر الرائعة خطب أخرى أكثر حماسة منها، تهدف إلى ~~الهجوم على الحزب الآخر «الشائن»، الذي يساند أمية «سان خوان»، ~~ونظام التعاويذ والسحر وغيرهما من الملطفات الدينية. وأخذ ms230 أنف أحد ~~الخطباء ينزف، وصاح عاليا بين الكلمات كيما يحضر له أحدهم «قالب ~~آجر»، منقوع في الماء حتى يشمه ويوقف النزيف بذلك. # قال «مستر جنكيز»: الآن يكون ذو الوجه الملائكي بين الحائط ~~والرئيس. إني أحب الطريقة التي يتحدث بها هذا الشاعر، غير أني ~~أعتقد أن كون المرء شاعرا هو أمر محزن للغاية؛ أما أن يكون المرء ~~محاميا فهو أشد الأمور بعثا للحزن في الدنيا. والآن، سأطلب كأسا ~~آخر من الويسكي. وصاح: «ويسكي آخر لهذا «السوبرمان»!» # وحين كان ذو الوجه الملائكي يغادر مقهى «غامبريناس»، قابل وزير ~~الحربية. ~~- إلى أين أنت ذاهب يا جنرال؟ ~~- لمقابلة السيد الرئيس ... ~~- إذن فلنذهب معا. ~~- أأنت ذاهب إلى هناك أيضا؟ إذن فلننتظر عربتي فلن يطول غيابها. ~~بيني وبينك، لقد كنت الآن لدى إحدى الأرامل . ~~- إني أعرف أنك مغرم بالأرامل الطروبات يا جنرال. ~~- هيه، هيا، دعك من مداعباتك تلك. ~~- لم أكن مداعبا، بل هي ملاحظة بسيطة. ~~- إنها ليست بالبسيطة، بل هي جديرة بالملوك! ~~- حقا؟ # وسارت العربة في سكون كما لو كانت مصنوعة من ورق النشاف. كان ~~الحراس مزروعين في أركان الطرقات، وسمعاهم ينقلون الإشارة فيما ~~بينهم: ~~«وزير الحربية»، «وزير الحربية». # كان الرئيس يذرع حجرة مكتبه بخطوات قصيرة، مرتديا قبعة تغطي ~~جبهته، وياقة سترته مرفوعة إلى أعلى فوق لفاع رقيق، وأزرار صداره ~~مفكوكة. حلة سوداء، قبعة سوداء، حذاء أسود. ~~- كيف حال الجو يا جنرال؟ ~~- بارد يا سيدي الرئيس. وهاك ميغيل بدون معطف! ~~- سيدي الرئيس ... ~~- كلام فارغ. إنك ترتجف، وستقول لي إنك لا تشعر بالبرد. إنك غير ~~حكيم بالمرة. يا جنرال، أرسل أحدهم إلى منزل ميغيل ليحضر له معطفا ~~على الفور. # وخرج وزير الحربية مؤديا التحية العسكرية، وكاد يتعثر في سيفه ~~المتدلي على جانبه، في حين جلس السيد الرئيس على أريكة من الخيزران ~~وقدم لذي الوجه الملائكي مقعدا مجاورا له. # وقال وهو يجلس: «كما ترى يا ميغيل، علي أن أقوم بكل شيء بنفسي ~~وأشرف على كل شيء، لأني أحكم أمة من «أصحاب النوايا». وحين لا ~~أباشر الأمور بنفسي، لا بد ms231 أن أعتمد على أصدقائي». وصمت برهة ثم ~~استطرد قائلا: «إني أعني بتعبير «أصحاب النوايا» أولئك الذين ~~ينوون القيام بشيء أو عدم القيام بشيء، ثم لا ينفذون هذا ولا ذاك ~~نتيجة لافتقارهم إلى قوة الإرادة. وهم بهذا لا في العير ولا في ~~النفير. فمثلا، يمضي أصحاب الصناعة عندنا حياتهم مرددين مرارا ~~وتكرارا: إني أنوي بناء مصنع، إني أنوي تركيب آلات جديدة، إني ~~أنوي هذا، إني أنوي ذاك، وهكذا إلى ما لا نهاية. وأصحاب الزراعة ~~يقولون: إني أنوي تجربة وسائل جديدة، إني أنوي تصدير منتجاتي؛ ~~ويقول الكاتب: إني أنوي تأليف كتاب؛ والأستاذ: إني أنوي تأسيس ~~مدرسة؛ وأصحاب الأعمال: إني أنوي القيام بهذه الصفقة أو تلك؛ ~~والصحفيون - أولئك الخنازير ذوو كتل الدهن التي تغرق فيها أرواحهم ~~- إني أنوي تحسين حالة المجتمع. ولكن، كما قلت لك، لا أحد ينفذ ~~شيئا، ولهذا فمن الطبيعي أنه يجب علي أنا - رئيس الجمهورية - أن ~~أقوم بكل شيء، وأتحمل كل لوم إلى جانب ذلك. ولك حتى أن تقول إنه ~~لولاي لما كان هناك حظ ونصيب، إذ إن علي أن أقوم بدور إلهة الحظ ~~في سحب الأرقام الفائزة في اليانصيب ...». # ومر على شاربه بأطراف أصابعه الشفافة الرقيقة النحيلة البنية ~~اللون. واستطرد قائلا في نبرة صوت مختلفة: «وكل هذا يفضي بي إلى ~~القول بأن الظروف تضطرني إلى الاستفادة من خدمات رجال مثلك، من ~~النافع وجودهم إلى جواري، ولكنهم أشد نفعا خارج الجمهورية، حيث ~~مخططات أعدائي ومؤامراتهم وكتاباتهم الدنيئة تهدد حملة إعادة ~~انتخابي بالخطر ...» # وخفض عينيه كأنهما بعوضتان محتقنتان بالدماء، واستطرد يقول: ~~«إنني لا أتحدث عن «كاناليس» وأتباعه، فالموت دائما كان أصدق ~~حلفائي يا ميغيل! إني أتحدث عن الناس التي تحاول التأثير على الرأي ~~العام في أمريكا الشمالية، أملا في إثارة الشبهات حول صورتي في ~~«واشنطون». وحين يبدأ حيوان متوحش سجين في قفص في تبديل شعره، فإن ~~ذلك لا يعني أنه يريد من الآخرين نزع ما تبقى له من شعر بالقوة، ~~أليس كذلك؟ حسنا، إذن؛ هل أنا إنسان عجوز ذو عقل مخمور ms232 وقلب ~~كالأبنوس في صلابته، كما يشيعون عني؟ دع السفلة يقولون ما يشاءون! ~~أما أن يقوم الشعب نفسه، لأسباب سياسية، باستغلال ما قمت به كيما ~~أنقذ وطني من مذابح هؤلاء الكلاب، فهذا شيء لا يمكن قبوله! إن ~~إعادة انتخابي في كفة الميزان، وهذا هو السبب الذي أرسلت إليك من ~~أجله يا ميغيل. عليك أن تذهب إلى «واشنطن» وتحضر لي من هناك ~~تقريرا مفصلا عن سحب الكراهية والشكوك تلك، وعن المراسم ~~الجنائزية التي تدور هناك والتي ليس فيها من دور محترم إلا دور ~~الجثمان نفسه، كما يحدث في كل الجنازات». # فقال ذو الوجه الملائكي متلعثما، وهو مشطور بين رغبته في اتباع ~~نصيحة «المستر جنكيز» بإلقاء أوراقه على المائدة، وبين خوفه من أن ~~يفقد - نتيجة أي زلة لسان - فرصة قيامه بسفرة أدرك منذ البداية أنه ~~قد يكون فيها خلاصه: «سيدي الرئيس، إنكم تعلمون أنني تحت أمركم دون ~~قيد ولا شرط لأي غرض كان؛ ومع ذلك، أرجو أن تسمحوا لي بأن أقول ~~كلمتين نظرا لأنني أردت دائما أن أكون أشد خدمكم إخلاصا ~~وتكريسا. ذلك أنني أود - قبل أن أضطلع بهذه المهمة الدقيقة - أن ~~أطلب من السيد الرئيس أن يتعطف - إذا لم ير مانعا - ويأمر بإجراء ~~تحقيق في الاتهامات الباطلة التي ترميني بأنني عدو للسيد الرئيس، ~~والموجهة لي من جانب المدعي العسكري العام من ناحية ...». ~~- ولكن، من ذا الذي يلقي بالا إلى هذه الترهات؟ ~~- إن السيد الرئيس لا يمكن أن يشك في ولائي المطلق لشخصه ~~ولحكومته، بيد أني لا أريده أن يوليني ثقته الكاملة قبل أن يكتشف ~~ما إذا كانت اتهامات المدعي العسكري العام صحيحة أم باطلة. ~~- «إني لم أطلب منك النصيحة فيما يجب أن أفعل يا ميغيل! كفاك ~~هذا! إني أعلم كل شيء عن هذا الموضوع، بل سأمضي قدما وأخبرك أن في ~~مكتبي هذا الاتهام الذي صاغه المدعي العسكري العام ضدك وقت فرار ~~الجنرال «كاناليس»؛ بل وأكثر من ذلك: بوسعي أن أقول لك إن عداوة ~~المدعي العام لك ناتجة عن ظرف ربما تجهله تماما. ms233 لقد وضع المدعي ~~العسكري العام، بالاتفاق مع الشرطة، خطة لخطف السيدة التي هي الآن ~~زوجتك لبيعها إلى صاحبة بيت للدعارة، كان قد تلقى منها عشرة آلاف ~~بيزو مقدما ثمنا للتنازل لها عنها. وقد اضطر إلى الاستعاضة عنها ~~بامرأة مسكينة هي الآن علي وشك الجنون من جراء ما تعانيه في ذلك ~~البيت». # وجلس ذو الوجه الملائكي ساكنا تماما، محاذرا أن يظهر أمام ~~سيده أقل تغيير في ملامحه، دافنا مشاعره في أعماق فؤاده وراء حاجز ~~عينيه القطيفتين السوداوين. كان يحاكي كرسيه الخيزراني في شحوبه ~~وبرودته. ~~«إذا سمح لي السيد الرئيس، فإني أفضل البقاء إلى جواره أدافع عنه ~~بدمي». ~~- أتعني أنك لا تقبل ما أعرضه عليك؟ ~~- كلا، إني أقبله قبولا مطلقا يا سيدي الرئيس. ~~- حسنا جدا إذن. كل هذا لا لزوم له أبدا، مجرد كلمات. ستنشر ~~صحف الغد خبر رحيلك الوشيك، ولا يمكنك أن تخذلني. ولدى وزارة ~~الحربية أوامر بإعطائك اليوم ما تحتاج إليه من نقود للاستعداد. ~~وسأرسل إليك نفقات الرحلة والتعليمات في محطة القطار. # وبدأ ذو الوجه الملائكي يشعر بدقات ساعة في باطن الأرض تشير إلى ~~مرور الوقت المحتوم. ومن خلال نافذة مفتوحة على مصراعيها، مدت ~~عيناه، تحت حاجبيه السوداوين، نظرهما ورأتا ركية نيران تتوقد إلى ~~جوار دغل من أشجار السور الخضراء الداكنة وجدرانا من الدخان ~~الأبيض، في وسط فناء شبه مطموس المظهر وسط الظلمة المطبقة. وكانت ~~ثمة مجموعات من الحراس واقفة هناك تحت النجوم البازغة. ووقف أربعة ~~أطياف لقسس في جوانب الفناء، الأربعة يرتدون طحالب كالعرافين ~~الباطنيين، والأربعة ذوو أياد مغطاة بجلد الضفادع الأخضر الصفراوي، ~~والأربعة عيونهم مغلقة في الجانب المشرق من وجوههم، ومفتوحة في ~~جانبه المظلم. وفجأة، دوي قرع طبول: طم طم، طم طم، طم طم، وظهر عدد ~~كبير جدا من الرجال متخفين في صورة حيوانات، يتقافزون في صف يسير ~~الواحد منهم فيه خلف الآخر. ومن وسط عصا الطبول النابضة الملطخة ~~بالدماء، هبطت سرطانات البحر من الهواء الساقط وجرت الديدان من ~~النيران الساقطة. ورقص الرجال، حتى لا يظلوا مزروعين في ms234 الرياح، ~~على إيقاع الطبول، وهم يغذون ركية النار بزيوت «التربنتينا» ~~الساقطة من جباههم. ومن وسط الظلال التي لها لون الروث، بزغ رجل ~~ضئيل الحجم ذو وجه يماثل الفاكهة المجففة، ولسانه مدلى بين فكيه، ~~والأشواك على جبهته، وليس له آذان، يرتدي حول سرته حبلا من ~~الصوف تتدلى منه رءوس محاربين وأوراق القرع العسلي. وذهب ينفخ في ~~النيران المتجمعة، وبعث بهجة عمياء في نفوس الرجال الحيوانات إذ ~~تناول بعض النار في فمه ولاكها بين أسنانه كما لو كانت قطعا من ~~اللادن دون أن يحترق. وصدرت صيحة من الظلمة التي تلف الأشجار، ~~وارتفعت من هنا ومن هناك أصوات الحداد من القبائل التي كان رجالهم ~~يتحاربون ويتقاتلون فيما بينهم منذ الميلاد: بأحشائهم، فقد كانوا ~~رجالا حيوانات؛ وبجلودهم، فقد كانوا طيور العطش ؛ وبخوفهم، ~~وبقيئهم، وبحاجاتهم الجسمانية، ضارعين إلى «توهيل» - واهب النار - ~~أن يرد عليهم شعلة النار الموقدة. ووصل «توهيل» ممتطيا نهرا من ~~صدور الحمامات يفيض كاللبن. وهرعت الغزلان إليه حتى لا يتوقف سيل ~~المياه، وكانت قرونها في رقة الأمطار، وسقطت حوافرها الصغيرة على ~~الرمال البهيجة في خفة الهواء. وهرعت الطيور إليه حتى لا يتوقف ~~خيالها السابح على صفحة المياه طيور عظامها أرق من الريش الذي ~~يغطيها. وترددت وقع أقدام من أعماق الأرض: راتبلان ... راتبلان ... ~~راتبلان! # وطلب «توهيل» قرابين بشرية. وعرضت القبائل أمهر صياديها في ~~محضره، وسهامهم مشرعة في الهواء ومقاليعهم معبأة. # وسأل «توهيل»: وهل يصطاد هؤلاء الرجال رجالا آخرين؟ # وترددت وقع الأقدام من أعماق الأرض: راتبلان ... راتبلان ... ~~راتبلان! # وردت القبائل: «سننفذ ما تطلب على شرط أن تقوم يا واهب النار ~~بإعادة النار إلينا، حتى لا يتجمد بعد الآن لحمنا، ولا الهواء، ~~ولا أظافرنا، ولا ألسنتنا، ولا شعرنا! على شرط ألا تمضي في تدمير ~~حياتنا وإخضاعنا إلى حياة هي الموت ذاته!» وقال «توهيل» «إني ~~راض!» # وتردد وقع الأقدام من أعماق الأرض: راتبلان ... راتبلان ... ~~راتبلان! ~~- «إني راض! إني أستطيع أن أسود الرجال الذين يصيدون رجالا. ~~ولذلك فلن يكون هناك لا موت حقيقي ولا حياة حقيقية. والآن، ارقصوا ms235 ~~رقصة الأبواق من أجلي!» # وتناول كل محارب صياد بوقه ونفخ فيه نفخا متواصلا دون أن يتوقف ~~لالتقاط أنفاسه، على إيقاع الطبول والصدى ونغمات الهواء، مما جعل ~~عيني «توهيل» ترقصان. # وبعد هذه الرؤيا العجيبة التي ليس لها ما يفسرها، استأذن ذو ~~الوجه الملائكي من الرئيس، وعند خروجه، ناداه وزير الحربية وناوله ~~رزمة أوراق مالية ومعطفه. قال بصعوبة: ألست خارجا يا ~~جنرال؟ ~~- وددت لو استطعت. ولكن ربما لحقت بك هناك، وإلا فسنتقابل يوما ~~آخر، علي أن أكون هنا الآن، كما ترى، ولوى رأسه فوق كتفه الأيمن ~~«أستمع إلى صوت سيدي». # الفصل الثامن والثلاثون # | الرحلة # وذلك النهر الذي كان يتدفق فوق السطح حينما كانت هي تحزم الأمتعة ~~لم يصب في داخل المنزل، بل بعيدا جدا، في الفضاء الواسع ~~المفضي إلى الريف، أو ربما إلى البحر. وهبت ريح قوية فتحت النافذة، ~~وانهل المطر كما لو كان الزجاج قد انصدع نثارا، وتطايرت الستائر ~~والأوراق، وانصفقت الأبواب، ولكن كميلة مضت في مهمتها، معزولة وسط ~~الحقائب التي كانت تملأها. ورغم أنها أحست بالبرد حتى نخاع عظامها، ~~فلم يبد شيء في عينيها لا مكتملا ولا مختلفا، فكل شيء بدا لها ~~خاويا، متقطعا، لا وزن له، هلاميا، لا روح فيه، تماما مثلها ~~هي نفسها. # قال ذو الوجه الملائكي وهو يغلق النافذة: أمن الأفضل البقاء هنا، ~~أم في مكان آخر بعيدا عن متناول ذلك الوحش؟ ما رأيك؟ لقد أردت ذلك ~~تماما، ولكني ربما أكون أهرب بعيدا! ~~- ولكن ... بعد الذي رويته لي عن أولئك السحرة الأطباء المتوحشين ~~الذين يرقصون في بيته ... # فرد بينما قعقعة الرعد تغطي على صوته: هذا لا يستحق أن يكون ~~مدعاة للقلق. ومع ذلك، فما الذي يمكن أن يكتشفوه عني بسحرهم ~~وتنجيمهم؟ فعلى كل حال، إنه هو نفسه الذي يبعث بي إلى واشنطن، وهو ~~الذي يتكفل بنفقات رحلتي. آه يا إلهي! قد يبدو كل شيء مختلفا ~~تماما حين أكون بعيدا. كل شيء محتمل. إنك سوف تلحقين بي، بحجة ~~أنك مريضة، أو أنني أنا نفسي مريض؛ وبعد ذلك، بوسعه ms236 أن يبحث عنا ~~كيفما شاء! ~~- ولكن، افرض أنه منعني من السفر إليك؟ ~~- حسنا، حينئذ سوف أعود أدراجي وأبقي فمي مغلقا، ولن يكون ~~الوضع أسوأ حالا! ذاك عما هو عليه الآن، أليس كذلك؟ إننا لا نخاطر ~~بشيء ... ~~- إنك دائما تظن كل شيء سهلا! ~~- إن لدينا ما يكفينا للعيش في أي مكان نختاره، وأعني العيش، ~~العيش بحق وليس مجرد القيام طوال اليوم بترديد: أنا أفكر بعقل ~~السيد الرئيس إذن فأنا موجود، إني أفكر بعقل السيد الرئيس إذن فأنا ~~موجود ... # وحدقت كميلة فيه بعينين مليئتين بالدموع. كان فمها كأنما قد أفعم ~~بالشعر وأذناها بالمطر. ~~- ولكن ... لماذا تبكين؟ ... لا تبكي ... ~~- وماذا تريدني أن أفعل؟ ~~- إن النساء جميعا سواء! ~~- دعني ... ~~- سوف تعتل صحتك إذا واصلت البكاء هكذا، بحق السماء! ~~- كلا، دعني ... ~~- كأنما أنا ذاهب إلى حتفي أو أنهم سيدفنونني حيا. ~~- دعني! # وأخذها ذو الوجه الملائكي بين أحضانه. وعلى خديه الجامدين ~~الرجوليين، اللذين لم يألفا البكاء، جرت دمعتان متعرجتان حارقتان، ~~كأنهما مسماران لم يسهل اقتلاعهما. # وهمست كميلة: ولكنك ستكتب لي ... ~~- بالطبع ... ~~- وكثيرا أرجوك. إنك ترى أننا لم نفترق أبدا قبل الآن. لا ~~تتركني دون خطابات، سيكون عذابا لي أن تمر الأيام دون أن أتلقى ~~أنباء عنك. واعتني بنفسك! لا تثق بأحد، أتسمعني؟ لا تلق بالا لما ~~يقوله أي شخص، خاصة من أبناء بلدك، فهم في غاية السوء. وفوق كل ~~شيء، أرجوك (وهنا قاطعتها قبلات زوجها) ... أرجوك ... أن ... أرجوك ... أن ~~تكتب لي دائما. # وأغلق ذو الوجه الملائكي الحقائب دون أن يرفع عينيه عن عيني ~~زوجته الحنونتين المشتاقتين. كان المطر يهطل بشدة. وتدفقت المياه ~~عبر الميازيب كالسلاسل الثقيلة. كانت فكرة أصيل الغد وقد اقترب ~~جدا تخنقهما؛ وحين أصبح كل شيء جاهزا، خلعا ملابسهما في صمت، ~~ودلفا إلى الفراش، بين دقات الساعة التي كانت تفتت الساعات الباقية ~~... تك ... تاك ... تك ... تاك ... ... تك ... تاك ... وطنين البعوض الذي لم يدعهما ~~ينامان. ~~- لقد خطر لي الآن أنني قد نسيت أن أقول لهم أن يغلقوا الأبواب ~~حتى لا يدخل البعوض. يا إلهي، يا ms237 لي من بلهاء! # وكان رد ذي الوجه الملائكي الوحيد هو أن احتضنها بشدة أكثر، كانت ~~كالحمل الصغير الذي لا يقدر بعد على الثغاء. # ولم يجرؤ على إطفاء النور، ولا على إغلاق عينيه، ولا على أن ينبس ~~ببنت شفة. كانا أشد التصاقا، الواحد منهما بالآخر تحت الضوء، كما ~~أن الصوت الإنساني يخلق مسافة تفصل بين المتكلمين، والجفنان ~~المغلقان ما هما إلا حاجز منيع، والبقاء في الظلمة شكل من أشكال ~~الفراق. وكان هناك الكثير مما يريدان قوله لأحدهما الآخر في هذه ~~الليلة الأخيرة، حتى أن أطول حديث بينهما كان سيبدو كالبرقية ~~الخاطفة. # وملأت الفناء ضجة الخدم يطاردون دجاجة وسط أحواض النباتات. كان ~~المطر قد توقف، والمياه تقطر في الميازيب كأنها ساعة مائية. وجرت ~~الدجاجة، وهفت ورفت، ساعية إلى الهرب من الموت الذي ينتظرها. ~~وهمس ذو الوجه الملائكي في أذن كميلة وهو يسوي بطنها المستدير ~~بيده: يا طاحونتي الصغيرة ... وقالت وهي تضغط بجسدها على جسده: يا ~~حبيبي ... # وتحركت ساقاها تحت الغطاء كأنهما مجدافان يضربان المياه المترقرق ~~في بحر لا قاع له. # كان الخدم لا يزالون يجرون ويصيحون. كانت الدجاجة قد هربت منهم، ~~نابضة فزعة، وعيناها تكادان تقفزان من محجريهما، فاغرة المنقار، ~~ناشرة جناحيها كأنهما الصليب، وقد تقطعت أنفاسها. # وتلاطفا، إذ هما متعانقان، بأصابع مرتجفة أصابع نصف ميتة ونصف ~~نائمة، هلامية. # قالت له: «يا حبيبي». وقال لها: «يا جنتي». وقالت له: «يا جنتي» ~~... # واصطدمت الدجاجة بالحائط أو اصطدم الحائط بها، فهي قد شعرت ~~بالأمرين يحدثان في وقت واحد. وقطعوا رقبتها. ورفرفت بجناحيها كأن ~~بوسعها أن تطير حتى وهي ميتة. وصاحت الطباخة وهي تنفض عنها الريش ~~الذي لطخ ميدعتها: «لقد لطخت نفسها، الدجاجة المسكينة!» وذهبت ~~لتغسل يديها في النافورة التي امتلأت بمياه الأمطار. وأغلقت كميلة ~~عينيها ... ثقل زوجها ... رفرفة الأجنحة ... اللطخة ... # ومضت الساعة في دقاتها، بسرعة أبطأ الآن تك ... تاك ... تك ... تاك ... ~~تك ... تاك ... تك ... تاك ... ~~••• # نظر ذو الوجه الملائكي بسرعة في الأوراق التي سلمها له أحد ~~الضباط في المحطة. وبدت المدينة له، وهو يخلفها ms238 وراءه، تخمش صفحة ~~السماء بأظافر أسطحها القذرة. وكان للوثائق التي تسلمها أثر ملطف ~~في نفسه، لقد حالفه الحظ إذ هو يسافر الآن بعيدا عن ذلك الرجل، في ~~عربة قطار من الدرجة الأولى، محاطا بالعناية والرعاية، دونما ~~جاسوس يتعقبه، وجيبه ملأن بالشيكات النقدية وأرخى جفنيه كيما يركز ~~أفكاره على نحو أفضل. واكتسبت الحقول حركة من عبور القطار وسطها، ~~وأخذت تجري هي أيضا كالأولاد الصغار، واحدا وراء الآخر، واحدا ~~وراء الآخر، واحدا وراء الآخر: أشجار، بيوت، جسور ... ~~... يا لحسن حظي أن ابتعدت عن ذلك الرجل في عربة من الدرجة الأولى! ~~... ~~... واحدا وراء الآخر، واحدا وراء الآخر، واحدا وراء الآخر ... ~~كان البيت يطارد الشجرة، والشجرة تطارد السياج، والسياج يطارد ~~الجسر، والجسر يطارد الطريق، والطريق يطارد النهر، والنهر يطارد ~~الجبل، والجبل يطارد السحاب، والسحاب يطارد حقل الذرة، وحقل الذرة ~~يطارد الفلاح، والفلاح يطارد حيواناته ... ~~... محاطا بالعناية والرعاية دونما جاسوس يتعقبني ... والحيوانات ~~تطارد البيت، والبيت يطارد الشجرة، والشجرة تطارد السياج، والسياح ~~يطارد الجسر، والجسر يطارد الطريق، والطريق يطارد النهر، والنهر ~~يطارد الجبل والجبل يطارد السحاب ... # وسرت الصورة المنعكسة لقرية على طول سطح غدير شفاف مظلم كقاع ~~الجرة الضخمة. ~~... والسحاب يطارد حقول الذرة، وحقول الذرة تطارد الفلاح، والفلاح ~~يطارد حيواناته ... ~~... دونما جاسوس يتعقبني، والشيكات النقدية في جيبي ... ~~... والحيوانات تطارد البيت، والبيت يطارد الشجرة، والشجرة تطارد ~~السياج، والسياج ... # وشيكات نقدية كثيرة في جيبي! # وومض جسر عبر النافذة كأنه مسند عصا بلياردو ... ضوء وظل، سلالم، ~~جافة من الصلب، أجنحة عصافير ... ~~... السياج يطارد الجسر، والجسر يطارد الطريق، والطريق يطارد ~~النهر، النهر يطارد الجبل، والجبل ... # وترك ذو الوجه الملائكي رأسه يسقط على ظهر المعقد المبطن بالقش. ~~وتابعت عيناه الغافيتان الشريط الساحلي الخفيض المنبسط، الحار، ~~الرتيب، بشعور مضطرب بوجوده في القطار، وعدم وجوده في القطار، ~~وتخلفه وراء القطار، ومع كل لحظة يزداد تخلفه عن القطار، يزداد ~~تخلفا، يزداد تخلفا، يزداد، يزداد، يزداد ... # وفجأة فتح عينيه. كان قد استغرق في النوم، النوم القلق لشخص ~~هارب، قلق شخص يعرف أن الخطر قد يكون ms239 سابحا في الهواء ذاته الذي ~~يتنفسه؛ وبدا له أنه قد قفز لتوه في مقعده بالقطار من خلال ثقب ~~خفي. كان عنقه يؤلمه، والعرق ينفصد من وجهه، وثمة سحابة من ذباب ~~تحوم حول جبهته. # وفوق الخضرة العابرة أمامه، كانت سحب ساكنة تتجمع، منتفخة ~~بالمياه التي امتصتها من البحر، وعروق البرق تنبجس كالمخالب من ~~وراء مراكزها الرمادية القطيفية. # وتراءت قرية ثم اختفت، قرية يبدو أنها مهجورة، مجموعة من المنازل ~~محاطة بأوراق الذرة الجافة، متجمعة ما بين الكنيسة والمقبرة. وجال ~~في خاطر ذي الوجه الملائكي: «كم أود أن يكون عندي الإيمان الذي شيد ~~هذه الكنيسة في هذا المكان. الكنيسة والمقبرة، لم يكن باقيا حيا ~~من القرية الآن سوى الإيمان والموتى!» وغشيت عينيه سعادة الهروب. ~~بيد أن هذا البلد بربيعه المتثاقل هو بلده، هو حنانه، هو أمه، ~~ومهما كانت الحياة الجديدة التي يبعثها فيه تركه هذه القرى وراءه، ~~فإنه حين سيكون وسط أناس من بلدان أخرى، فسيكون دائما ميتا وسط ~~أحياء، يتوالى خلف الحضور الخفي لهذه الأشجار وشواهد ~~القبور. # وتتابعت محطة وراء أخرى. وجرى القطار بلا توقف، يصلصل فوق ~~القضبان المتخلخلة. صفارة هنا، وصرير مكابح هناك، ووراء ذلك تل ~~ترصعه حلقة من الدخان القذر. وأخذ الركاب يروحون بالقبعات والصحف ~~والمناديل، مختنقين في الهواء الساخن الذي ترويه آلاف القطرات من ~~عرقهم؛ كانوا يشعرون بالضيق من خشونة مقاعدهم، ومن الضجيج، ومن ~~الطريقة التي تنخزهم بها ملابسهم كأنما ثمة حشرات تقفز بأقدامها ~~على جلودهم، ورءوسهم تحرقهم كأنما لهم شعر حي؛ وكانوا عطشى كأنما ~~هم تناولوا مطهرا للأمعاء، وحزانى كالموت ذاته. # وأتى الغسق في أعقاب ضوء النهار، واعتصرت السحب رذاذا من ~~المطر، وبدأ الأفق الآن يتفسخ؛ وبعيدا بعيدا جدا التمعت علبة ~~سردين صفيحية يحيط بها زيت أزرق. # ودخل أحد موظفي القطارات ليضيء مصابيح المقصورة. وسوى ذو الوجه ~~الملائكي بنيقته وربطة عنقه ونظر في ساعته. كان من المتوقع أن ~~يصلوا إلى الميناء في بحر عشرين دقيقة، بدت له قرنا على ضوء نفاد ~~صبره وشوقه لأن يجد نفسه سليما معافى ms240 على ظهر السفينة. وألصق وجهه ~~في زجاج النافذة محاولا أن يميز شيئا في الظلمة. كان ثمة رائحة ~~خضروات. وسمع نهرا يجري. وسمع نفس الخرير بعد مسافة أخرى، ربما هو ~~نفس النهر. # وأبطأ القطار من سيره وسط طرقات قرية صغيرة، معلقة كشبكات النوم ~~في الظلام، ثم توقف شيئا فشيئا؛ وبعد أن هبط ركاب الدرجة الثانية ~~يحملون رزمهم، مضى في سيره بخطى أبطأ تجاه أرصفة الميناء. بوسعه ~~الآن أن يسمع تكسر الموجات ويميز الشكل الشاحب الطامس لمكتب الجمرك ~~تعبق منه رائحة القار، وبوسعه أن يسمع الزفير النعسان لملايين ~~المخلوقات العذبة المملوحة. # ولوح ذو الوجه الملائكي محييا من بعيد للرجل الذي كان في انتظاره ~~على المحطة، لقد كان الميجور «فارفان». وشعر بالسرور إذ يلتقي في ~~هذه اللحظة الحاسمة من حياته بصديق سبق له هو أن أنقذ حياته. وصاح ~~به: «ميجور فارفان!» # وحياه «فارفان» من على مبعدة، ثم اقترب من النافذة وأخبره ألا ~~يشغل نفسه بأمتعته، ذلك أن بعض الجنود سيحضرون لحملها إلى السفينة. ~~وحين توقف القطار، صعد وصافح ذا الوجه الملائكي بحرارة. وغادر ~~الركاب الآخرون القطار مسرعين. ~~- حسنا، ما هي أحوالكم؟ ~~- وأحوالك يا عزيزي الميجور؟ ولكن لا داعي للسؤال، فإني أرى من ~~وجهك ... ~~- لقد أبرق لي السيد الرئيس بأن أعتني بكم وأن أرى ألا ينقصكم ~~شيء. ~~- هذا كرم منك يا ميجور. # ولم يستغرق خروج الركاب من المقصورة سوى دقائق معدودات، وأطل ~~«فارفان» برأسه من إحدى النوافذ وصاح: أين هم القادمون لحمل ~~الحقائب أيها اللفتنانت؟ ما معنى هذا التأخير؟ # ومع كلامه، ظهرت مجموعة من الجنود المسلحين عند الباب. ولم يدرك ~~ذو الوجه الملائكي الشرك إلا بعد فوات الأوان. # قال «فارفان» ومسدسه في يده: إني أقبض عليك بأمر من السيد ~~الرئيس. ~~- ولكن أيها الميجور ... إذا كان الرئيس هذا مستحيل! تعال معي، ~~تعال معي من فضلك ودعني أرسل برقية! ~~- إن الأوامر التي لدي صريحة يا سيد ميغيل، وأفضل لك أن تأتي ~~معي في هدوء! ~~- كما تشاء، ولكن يجب ألا تفوتني السفينة. إني في مهمة. # لا أستطيع ms241 ... ~~- اسكت من فضلك، وسلمني كل ما تحمل معك على الفور. ~~- «فارفان!» ~~- أقول لك سلمني ما معك. ~~- كلا، استمع إلي يا ميجور! ~~- هيا، نفذ ما أقوله لك، نفذ ما أقوله لك. ~~- من الأفضل أن تستمع أنت لي يا ميجور. ~~- فلتكف عن وعيدك هذا! ~~- إني أحمل معي تعليمات سرية من السيد الرئيس ... وأنت ستكون ~~المسئول ... ~~- فتشه أيها العريف! سيرى حالا من هو السيد هنا! # وظهر في الظلام شخص معصوب الوجه. كان في نفس طول قامة ذي الوجه ~~الملائكي، وفي نفس شحوبه، وله نفس لون شعره البني الفاتح. وأخذ كل ~~ما كان العريف يستولي عليه من جيوب ذي الوجه الملائكي الحقيقي وما ~~يرتديه (جواز السفر، الشيكات النقدية، خاتم الزواج المحفور عليه ~~اسم زوجته - وقد انتزع منه هذا الخاتم بعد أن بلل الإصبع برضاب ~~فمه، أزرار القميص، المناديل) واختفى على الفور. # وبعد ذلك بفترة، رنت في الفضاء صفارة السفينة. وغطى السجين أذنيه ~~بيديه. كانت الدموع تعمي عينيه. كان يود لو أمكنه أن يكسر الباب ~~ويهرب، يجري، يطير، يعبر البحر، يتوقف عن أن يكون الرجل الذي كانه ~~يا للبحر الهائج الذي يهدر تحت جلده، ويا للندبة التي تحترق في ~~لحمه، وأن يصبح ذلك الرجل الآخر الذي يرحل الآن إلى نيويورك ~~حاملا أمتعته ومنتحلا اسمه في القمرة رقم 17. # الفصل التاسع والثلاثون # | الميناء # كان كل شيء هادئا وسط السكون الذي يسبق تغيير المد، ما عدا ~~أصوات الجداجد (الرطيبة من رذاذ البحر والنجوم تتوهج على أغلفة ~~أجنحتها)، وصورة المنارة منعكسة على صفحة المياه كدبوس المشبك في ~~وسط الظلمة، والسجين يذرع مقصورة القطار جيئة وذهابا وقد غطى ~~شعره جبهته وتهدلت ملابسه، كما لو كان قد اشترك لتوه في أعمال شغب. ~~لم يكن يستطيع الجلوس؛ وطفق يصدر إيماءات وحركات تماثل أفعال نائم ~~يدفع عن نفسه - بالآهات والشكايات - يد الإله التي تجذبه نحو ~~المصير المحتوم: إما أن تثخنه الجراح، أو يموت موتا مفاجئا، أو ~~يكون ضحية من ضحايا الجرائم، أو يبقر بطنه. # وطفق يردد: «إن «فارفان» هو أملي الوحيد. لو لم ms242 يكن الكولونيل ~~فارفان هنا، من يعرف ماذا كان يحدث! إنه على الأقل سوف يخطر زوجتي ~~إذا هم قتلوني ودفنوني». # وانبعث صوت ضربات ثقيلة، كما لو أن هناك قدمين تركلان عربة ~~القطار، التي وقفت ساكنة على القضبان تحيط بها ثلة من الحرس ~~المسلحين. بيد أن ذا الوجه الملائكي كان يطير بفكره بعيدا هناك، ~~بين القرى الصغيرة التي مر عليها القطار لتوه، غارقة في حمأة ~~الظلمة أو في غبار الأيام المشمسة الذي يعمي الأبصار، والتي تتغذى ~~على الخوف من الكنيسة والمقبرة. لم يكن هناك من حي سوى الإيمان ~~والموتى. # ودقت ساعة الثكنة العسكرية الواحدة صباحا. واهتزت شبكات ~~العنكبوت. لقد أتم عقرب الساعة الكبير دورة منتصف الليل. ودفع ~~الميجور «فارفان» ذراعه اليمنى أولا في كسل في سترته، ثم الذراع ~~اليسرى ، وبدأ يفك أزرارها ببطء مماثل، بادئا بالزر الذي فوق ~~السرة؛ لم يكن يرى شيئا مما أمامه على الجدار: خريطة للجمهورية ~~على صورة فم يتثاءب، ومنشفة يغطيها مخاط جاف وذباب نعسان، وسرج، ~~وبندقية، وجربندية. # 1 # ومضى يفك زرا زرا حتى وصل إلى البنيقة. وحين وصل ~~إلى البنيقة ألقى برأسه إلى الوراء، فوقعت عيناه على شيء لا يستطيع ~~أن يراه دون أن يؤدي التحية العسكرية: صورة السيد الرئيس. # وفرغ من فك أزرار السترة، وأطلق ريحا، وأشعل سيجارة من ~~المصباح، وتناول سوط الركوب وخرج. ولم يشعر به الجنود وهو خارج، ~~فقد كانوا نياما على الأرض، متدثرين بعباءاتهم الصوفية كالموميات؛ ~~أما الحراس فقد حيوه ببنادقهم؛ ونهض الضابط المناوب وهو يبصق بعض ~~الرماد هو كل ما تبقى من سيجارته التي نام وهو يدخنها، ولم يكد يجد ~~متسعا من الوقت إلا كي يمسح شفتيه بظهر يده وهو يحيي الميجور ~~قائلا: كل شيء على ما يرام، يا سيدي. # كانت الأنهار تصب في البحر، كشوارب القطط وهي تنصب في وعاء ~~اللبن. وكان ظل الأشجار السيال، وثقل السحالي في نزوها، والماء ~~في المستنقعات التي تحوم الملاريا فوقها، والدموع المتعبة، كل ذلك ~~كان يتحرك كيما يصب في البحر. # وانضم رجل يحمل قنديلا إلى ms243 «فارفان» حين دخل إلى عربة القطار ~~مرة أخرى. وتبعهما جنديان باسمان انهمكا في حل العقد من الحبل ~~الذي سيقيدان به السجين. وأمرهما «فارفان» أن يقيدا ذا الوجه ~~الملائكي، ومضيا به تجاه القرية، يتبعهم الحراس الذين كانوا يحرسون ~~عربة القطار. ولم يبد ذو الوجه الملائكي أي مقاومة. لقد ظن أنه قد ~~اكتشف في طريقة الميجور وصوته والعنف الذي طلب به تنفيذ الأوامر ~~إلى الجنود، وهم الذين كانوا سيعاملونه معاملة خشنة على كل حال ~~دون تحريض منه، ظن أنه اكتشف في كل هذا خطة يدبرها صديقه كيما ~~يساعده بعد ذلك حين يذهبون إلى مقر الحراسة دون أن يورط نفسه أمام ~~الجنود. وحين غادروا المحطة، اتجهوا إلى أقصى نقطة في خط السكة ~~الحديد، حيث أرغموه بالضربات على الصعود إلى عربة قطار بضاعة غطيت ~~أرضيتها بروث السماد. كانوا يضربونه دونما سبب، كأنما لديهم أوامر ~~بذلك. وصاح ذو الوجه الملائكي بالميجور الذي كان يتبعهم منهمكا في ~~حديث مع حامل القنديل: ولكن ... لماذا يضربونني يا «فارفان»؟ # وكان الرد الوحيد على سؤاله ضربة بكعب البندقية، ولكن بدلا من ~~أن تسدد الضربة إلى ظهره، وجهوا الضربات إلى رأسه، مما جعل إحدى ~~أذنيه تدمى، وألقت به أرضا على السماد. # والتقط أنفاسه، ثم بصق الروث الذي التصق بفمه من وقع السقطة. ~~كانت الدماء تقطر على ملابسه. وحاول الاحتجاج، فصاح به «فارفان» ~~وهو يرفع صوته في الهواء: «اخرس! اخرس!» # فصاح ذو الوجه الملائكي دون أن يسقط: «ميجور فارفان!» كان ~~مهتاجا. وعبق الهواء برائحة الدم. # وكان «فارفان» خائفا مما قد يقوله ذو الوجه الملائكي، فضربه ~~بالسوط. وترك السوط علامة على خد الرجل التعس، وناضل مرتكزا ~~بإحدى ركبتيه على الأرض كيما يحرر يديه من الأغلال. # وقال في صوت يرتجف بالمرارة الجامحة. لقد فهمت. لقد فهمت. إن هذا ~~العمل قد يجعلك تفوز بترقية، بنجمة أخرى ... # فقاطعه «فارفان» وهو يرفع سوطه مرة أخرى: اخرس، إلا إذا كنت ~~تريد ... # وأمسك الرجل الذي يحمل القنديل بذراع الميجور مهدئا ~~إياه. ~~- هيا، اضربني، لا تتوقف، لا تخف. إني رجل، ms244 والخصيان وحدهم هم ~~الذين يستخدمون السياط. # وسقط السوط على وجه الضحية مرتين، ثلاث، أربع، خمس مرات في أقل ~~من ثانية. # وتدخل الرجل الذي يحمل القنديل قائلا: اهدأ يا ميجور، ~~اهدأ! ~~- كلا، كلا. سوف أجعل ابن الكلب هذا يعض التراب. لن يذهب ما قاله ~~في حق الجيش هكذا دون عقاب: الحيوان ... القذر! # وانكسر السوط من الضربات، فواصل الميجور ضرباته على ذي الوجه ~~الملائكي بكعب مسدسه مما انتزع قطعا من الشعر والجلد واللحم من ~~وجه السجين ورأسه، وكان يردد مع كل ضربة: «الجيش ... النظام ... أيها ~~الحيوان القذر، خذ هذه ...». # وسحبوا جسد ضحيتهم الساجي من وسط الروث الذي سقط فيه، وحملوه من ~~طرف خط السكة الحديد القصي إلى طرفه الآخر، إلى أن اصطفت عربات ~~قطار البضاعة، الذي سيحمله مرة أخرى خفية إلى العاصمة، في ~~أماكنها. # وصعد الرجل الذي يحمل القنديل إلى إحدى العربات يصحبه «فارفان». ~~كانا قد أمضيا الوقت يتحادثان ويشربان في مقر الحراسة إلى أن حان ~~وقت الرحيل. # كان رجل القنديل يقول: أول مرة حاولت فيها الالتحاق بالشرطة ~~السرية، كان بها أحد أعز أصدقائي ويدعى «لوسيو فاسكيز» - الملقب ~~بالقطيفة ... # فقال الميجور: أظن أنني سمعت عنه. ~~- لم يقبلوني آنذاك؛ وكان صديقي ذاك رجلا داهية - لذلك سموه ~~بالقطيفة؛ وبدلا من ذلك، وقعت في مصيبة وفقدت كذلك ما كنت أنا ~~وزوجتي - فقد كنت متزوجا آنذاك - قد وضعناه من أموالنا في تجارة ~~صغيرة. بل إنهم قد أخذوا زوجتي إلى دار «النشوة اللذيذة»، تلك ~~المسكينة ... # وتنبه «فارفان» عند ذكر اسم «النشوة اللذيذة»، بيد أن ذكرى ~~«الخنزيرة» - رمز جنسها الذي يحمل رائحة المراحيض - والتي أثارت ~~غريزته يوما ما، لم تبعث فيه الآن إلا القشعريرة. كان كرجل يسبح ~~تحت الماء، يصارع طوال الوقت «ذا الوجه الملائكي» خياليا يردد ~~على الدوام: «نجمة أخرى، نجمة أخرى!» ~~- وما هو اسم زوجتك السابقة؟ إني أكاد أعرف كل الفتيات في دار ~~«النشوة اللذيذة». ~~- لن يفيد معرفة اسمها، فهي قد رحلت عن تلك الدار في نفس يوم ~~التحاقها بها. كان لدينا وليد مات هناك وكاد ms245 ذلك يسلبها عقلها. لم ~~يكن بالمكان المناسب لها. إنها الآن في مغسل المستشفى مع الراهبات. ~~لم تكن لتصبح عاهرة أبدا! ~~- ولكن أعتقد أنني أعرفها. لأنني كنت الشخص الذي حصل على تصريح ~~الشرطة للجناز الذي أقامته السيدة «تشون» للطفل الوليد، ولكن لم ~~يكن عندي فكرة أنه ابنك الصغير! ~~- أما أنا فقد أصبحت معدما مفلسا. كلا، شكرا ... إذا بدأ المرء ~~يفكر في كل ما مر به، فإن كل ما يورده هو أن يطلق ساقيه للريح ~~وينجو بجلده. ~~- أما أنا فإني كنت سادرا في جهلي إلى أن حاولت إحدى العاهرات ~~أن تشي بي لدى السيد الرئيس. # وقد كان ذلك الشاب، ذو الوجه الملائكي، متورطا مع الجنرال ~~«كاناليس». كان غارقا حتى ناصيته في حب ابنة الجنرال، التي تزوج ~~منها فيما بعد - ولم ينفذ أوامر السيد الرئيس، كما يقولون. إني ~~أعرف كل هذا لأن «لوسيو فاسكيز» - القطيفة - قابله في حانة تدعى ~~«الخطوتين» قبل ساعات قليلة من فرار الجنرال. # فرد الميجور وهو يفتش في ذاكرته: «الخطوتان؟» ~~- إنها حانة في ناصية الشارع. وصدق أو لا تصدق: كان مرسوما على ~~واجهتها رجل وامرأة، كل منهما على أحد جانبي الباب. كانت المرأة ~~تقول - وأنا لا أزال أذكر الكلمات - «تعال، ارقص في حانة ~~«الخطوتان».» أما الرجل فقد كان يحمل زجاجة في يده ويقول: «كلا ~~شكرا، إني أفضل رقصة الزجاجة!» # ومضى القطار في طريقه ببطء. كانت ثمة رقعة صغيرة من نور الفجر ~~تطفو على البحر الأزرق. وبالتدريج، من وسط الظلمة، بدأت تظهر أكواخ ~~القش في القرى، والجبال القصية، وسفن البضاعة الصغيرة البائسة؛ ~~ومقار الثكنات كعلب ثقاب مليئة بجداجد ترتدي الملابس ~~العسكرية. # الفصل الأربعون # | دجاجة عمياء # - «ولقد مضت ساعات ~~كثيرة على رحيله». # في يوم الرحيل، يبدأ الشخص الآخر يحسب كل ساعة إلى أن يمر ما ~~يكفي كي يقول: لقد مضت أيام كثيرة على رحيله! ولكن بعد أسبوعين ~~ينقضي حساب الأيام ويصبح الأمر: لقد مضت أسابيع كثيرة على رحيله! ~~ثم شهر كامل. ثم ينقضي حساب الشهور. ثم عام كامل. ثم ينقضي حساب ~~السنين ms246 ... # كانت كميلة تنتظر ظهور ساعي البريد عند إحدى نوافذ غرفة ~~الاستقبال، وهي تختبئ وراء الستائر بحيث لا يراها أحد من الطريق؛ ~~كانت حبلى وتخيط ثياب المولود. # وأعلن ساعي البريد عن مقدمه بالدق كالمجنون على جميع الأبواب ~~الخارجية. ودقة فدقة، وصل إلى مستوى النافذة التي تقف وراءها ~~كميلة. وتركت كميلة ما تخيط لتنصت وتنظر، وقلبها يكاد يقفز من ~~صدرها من فرط الاضطراب والسرور. «أخيرا سأتسلم الخطاب الذي أشتاق ~~إليه! «حبيبتي كميلة» بالخط العريض ...». # ولكن ساعي البريد لم يدق بابها. ربما كان السبب هو ... ربما فيما ~~بعد ... وتناولت ما تخيط ثانية وهي تهمهم أغنية تطرد بها أفكارها ~~الحزينة. # وعاد ساعي البريد مرة أخرى في الأصيل. وكان من المستحيل عليها أن ~~تخيط غرزة واحدة في الزمن الذي استغرقته في الانتقال من النافذة ~~إلى الباب. ووقفت تنتظر دقته، مقرورة، لاهثة الأنفاس، غارقة في ~~دموعها؛ وحين أدركت أخيرا أن صمت المنزل لم تقطعه أي دقة على ~~الباب، أغلقت عينيها في هلع، وأخذت تنتفض بالبكاء والقيء المفاجئ ~~والنهدات. لماذا لا أخرج إلى عتبة المنزل؟ ربما ... يكون ساعي البريد ~~قد نسي - إنه رجل لطيف - وسيحضر الخطاب غدا كأنما لم يحدث ~~شيء. # وفي اليوم التالي، كادت تخلع الباب من مفصلاته وهي تفتحه على ~~مصراعيه. وجرت تنتظر ساعي البريد حتى لا ينساها هذه المرة، وكذلك ~~كيما تجلب الحظ السعيد. ولكنه كان ماضيا في طريقه كالمعتاد، ~~متحاشيا أسئلتها، يرتدي ملابس خضراء زاهية (لون الأمل) بعينيه ~~الصغيرتين الضفدعيتين، وأسنانه عارية كأسنان الدمية العظمية في ~~كليات التشريح. # شهر، شهران، ثلاثة، أربعة ... # ولم تعد تذهب إلى الحجرات التي تطل على الطريق، بل جذبها حزنها ~~العميق إلى القسم الخلفي من المنزل. وشعرت بنفسها كأنما هي إحدى ~~أدوات المطبخ، أو قطعة فحم أو خشب، أو جرة فخارية، مجرد شيء لا ~~قيمة له. # قالت إحدى جاراتها من العارفات بأمور الولادة، حين استشارتها ~~الخادمات في شأن حالة كميلة: «إن هذا ليس مجرد نزوات بل هو «وخم» ~~«الحمل».» وقد قالت ذلك لمجرد المتعة في الحديث أكثر منه بحثا ms247 عن ~~علاج للحالة. ذلك أنه كانت هناك علاجات كثيرة أمام الخادمات: فقد ~~أضأن شموعا للقديسين، وخففن من حدة فاقتهن بما أخذن يحملنه من ~~أشياء غالية خفيفة من المنزل. # وفي أحد الأيام المباركة، خرجت المريضة من المنزل، ذلك أن الجثث ~~تطفو إلى السطح أيضا. وجلست مقعية في عربة أجرة، تتحاشى عين أي ~~شخص تعرفه؛ وقد أشاح هؤلاء بوجوههم بعيدا عنها بدلا من أن ~~يحيوها؛ وانطلقت وكلها تصميم على مقابلة الرئيس بأي ثمن. وكان ~~إفطارها وغداءها وعشاءها منديل مبلل بالدموع. وكانت لا تزال تعض ~~عليه بنواجذها حين كانت تجلس في غرفة الانتظار. يا لكثرة الشقاء ~~والمشكلات، إذا حكم المرء على ذلك بالحشد الذي كان ينتظر مقابلة ~~الرئيس! أهل الريف يجلسون على حافة المقاعد المذهبة، وأهل المدينة ~~يغوصون فيها ويستندون إلى ظهورها. وكانوا يشيرون للسيدات إلى ~~الكراسي ذات المرفقين في صوت خفيض. وكان ثمة شخص يتكلم في الردهة ~~الخارجية. السيد الرئيس! وتقلصت أعصابها بمجرد التفكير فيه، وركلها ~~طفلها في أحشائها كأنما يقول: فلنخرج من هنا! # وانبعثت همهمة أناس يغيرون من جلستهم. تثاؤبات. همهمة ملاحظات. ~~خطوات أقدام ضباط أركان الحرب. حركات جندي يحاول تنظيف إحدى ~~النوافذ. ذباب. ركلات الطفل الصغير في أحشائها. «لا تكن عنيفا ~~هكذا! لماذا تتصرف بمثل هذه الخشونة؟ إننا سنقابل الرئيس لنسأله ~~ماذا حدث لشخص لا يعرف أنك موجود، ولكنه سيحبك حبا عارما حين ~~يعود إلى المنزل! آه، إذن أنت تتعجل الخروج كيما تشارك في ما يدعوه ~~الناس بالحياة! إنني لا أعارض في هذا، ولكنك أفضل حالا وأمنا حيث ~~أنت الآن!» # ولم يقابلها الرئيس. قال لها أحدهم إنه يحسن بها أن تطلب مقابلة ~~رسمية. برقيات، خطابات، محررات رسمية، بلا جدوى؛ لم تكن تتلقى أي ~~رد عليها. # ومرت ليال، وجاءت أيام، وغارت عيناها من الأرق أو طفتا في بحيرات ~~من دموع. فناء رحيب. وهي ترقد على سرير معلق، تتلهى بحلوى من ألف ~~ليلة وليلة وتلعب بكرة في يدها. وأخذت تنقل قطعة الحلوى من خدها ~~إلى خدها الآخر، فسقطت الكرة الصغيرة من يدها ms248 وتقافزت على أرض ~~الممر الذي يقع تحت السرير المعلق وتدحرجت إلى الفناء بعيدا، ~~بعيدا، وأخذت تصغر إلى أن تلاشت تماما، في حين نما حجم قطعة ~~الحلوى في فمها. لم تكن نائمة كلية. وكان جسدها يرتعش لملمس ~~الشراشف. كان حلما تضيئه أنوار الحلم والأنوار الكهربائية على ~~السواء. وأفلتت قطعة الصابون من بين يديها عدة مرات كالكرة ~~المطاطية الصغيرة، وبدت فطيرة إفطارها - وكانت تأكلها من فرط ما حل ~~بها من جوع - كأنما تتضخم في فمها كقطعة الحلوى. # كانت الشوارع كلها خالية والناس كلهم في القداس، حين تتوجه هي ~~إلى اوين الحكومة، واحدا إثر الآخر، في انتظار وصول الوزراء. ولم ~~تكن تعرف كيف تكسب عطف الحراس العجائز الشكسين، الذين لم يكونوا ~~يردون عليها حين تكلمهم، ويطردونها بلا رحمة - أولئك الكتل الشائهة ~~من اللحم البشري - حين تلح في طلبها. # ولكنها الآن تتذكر بقية حلمها. لقد جرى زوجها والتقط الكرة ~~الصغيرة. الفناء الرحيب. الكرة السوداء الصغيرة. وزوجها يتضاءل ~~حجمه شيئا فشيئا، ويبتعد عنها رويدا رويدا كأنما هو يتبدى في ~~الطرف المصغر للتلسكوب، إلى أن يختفي خارج الفناء وراء الكرة، في ~~حين تضخمت قطعة الحلوى في فمها، ولم تعد تفكر في طفلها ~~المنتظر. # وكتبت إلى قنصل بلدها في نيويورك، وإلى الوزير المفوض بالسفارة ~~في واشنطن، وإلى صديقة إحدى صديقاتها، وإلى صهر أحد أصدقائها، تطلب ~~أنباء عن زوجها، ولكنها كانت كأنما تلقي خطاباتها في سلة المهملات ~~وليس في صناديق البريد. وسمعت من بقال يهودي أن السكرتير المحترم ~~للمفوضية الأمريكية - وهو مخبر سري إلى جانب عمله كدبلوماسي - لديه ~~أنباء مؤكدة عن وصول ذي الوجه الملائكي إلى نيويورك. ولم يقتصر ~~الأمر على وجود سجلات رسمية في الميناء والفندق وملفات الشرطة تثبت ~~وصوله إلى نيويورك، بل إن الصحف قد نشرت أنباء وصوله، وأكد ذلك ~~الناس الذين عادوا مؤخرا من هناك. # وقال لها اليهودي: «إنهم يبحثون عنه الآن، ولا بد أن يعثروا ~~عليه، حيا أو ميتا، رغم أنه قد استقل فيما يبدو سفينة أخرى من ~~نيويورك إلى سنغافورة». # وسألت: وأين تقع ms249 هذه السنغافورة؟ # فأجاب اليهودي بتكة من أسنانه الصناعية: «وأين تظنينها تقع؟ ~~إنها في الهند الصينية». # فاستطردت تلح قائلة: وكم يستغرق الخطاب في الوصول من هناك إلى ~~هنا؟ ~~- لا أعرف بالضبط، ولكن لا أكثر من ثلاثة شهور. # وأحصت على أصابعها. لقد رحل ذو الوجه الملائكي منذ أربعة ~~شهور. # إنه في نيويورك أو في سنغافورة. لقد انزاح حمل ثقيل من على ~~ذهنها. يا لها من راحة كبرى أن تفكر فيه بعيدا، وأن تعرف أنه لم ~~يقتل في الميناء كما أشاع البعض، وأنه رغم كونه بعيدا عنها في ~~نيويورك أو في سنغافورة فإنه يفكر فيها طول الوقت! # وأمسكت بالحافة في حانوت اليهودي حتى لا يغمى عليها. كان فرحها ~~جعلها تشعر بالدوار. وخرجت كأنها تمشي على الهواء، أو كأنها بين ~~ذراعي زوجها في بلد جديد، مخلفة وراءها لحم فخذ خنزير ملفوفة في ~~الورق المفضض، والزجاجات وسط القش الإيطالي، وعلب المربى، ~~والشيكولاتة، والتفاح، والرنجة، والزيتون، والسمك المجفف، والعنب ~~الموسكاتي، مع خروجها من محل البقال. «كم كنت بلهاء أن أعذب نفسي ~~على هذا النحو! إني أفهم الآن السر في عدم كتابته لي، ويجب علي ~~أن أمضي في تمثيل دور المرأة التي هجرها زوجها والتي أعمتها الغيرة ~~وتسعى إلى العثور على الرجل الذي تركها، أو دور الزوجة التي تريد ~~زوجها إلى جوارها خلال محنة الولادة الصعبة». # وحجزت قمرة في إحدى السفن وحزمت حقائبها. وكان كل شيء جاهزا ~~لسفرها حين رفضوا إعطاءها جواز سفر. ثمة فتحة ممتلئة بالأسنان ~~الملطخة بالنيكوتين محاطة بإطار من اللحم المنتفخ تحركت من أعلى ~~إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، لتخبرها أن أوامر قد صدرت بعدم ~~إعطائها جواز سفر. وحركت هي شفتيها من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى ~~أعلى، في محاولة لتكرار العبارة كأنما هي قد سمعت خطأ. # وأنفقت مالا وفيرا على برقيات بعثتها إلى الرئيس. ولم يصل رد. ~~ولم يقدم لها المسئولون الحكوميون أية معونة. ونصحها وكيل وزارة ~~الحربية، وهو رجل سمح بطبعه مع النساء، بألا تلح في هذا ~~الموضوع، فليس هناك ms250 من جهد يمكن أن يسفر عن إعطائها جواز سفر، وقال ~~إن زوجها قد حاول اللعب على السيد الرئيس، وأن الأمر ميئوس ~~منه. # ونصحوها بالذهاب لمقابلة قس ضئيل الحجم ذي نفوذ، أو إحدى عشيقات ~~الرجل الذي يزود الرئيس بجياده. ولما ترددت الشائعات حينئذ بأن ذا ~~الوجه الملائكي قد مات بالحمى الصفراء في «بناما»، فقد وجدت كميلة ~~كثيرين على استعداد لاصطحابها إلى جلسات تحضير الأرواح كيما تحسم ~~الشك باليقين. وهناك، لم ينتظروا حتى تكرر سؤالها لهم. ولكن ~~الوسيطة الروحانية بدت مترددة، إذ قالت وساقاها الضافرتان تهتزان ~~تحت ثيابها الجامدة: «إني لا أحب أن تحل في جسدي روح شخص كان من ~~أعداء السيد الرئيس». ولكن الضراعة. مقرونة بالمال، تهز الجبال، ~~فوافقت الوسيطة بعد أن أفعموا جيبها بالنقود. وأطفئت الأنوار. ~~وارتعبت كميلة حين سمعتهم يستدعون روح ذي الوجه الملائكي، واضطروا ~~أن يجروها خارج الحجرة وهي تكاد تكون غائبة عن وعيها. وقالوا ~~لها بعد ذلك إنها سمعت صوت زوجها، الذي مات في أعالي البحار، وهو ~~الآن في برزخ لا يمكن الوصول إليه، راقدا في سرير مترف مرفه، ~~على حشية من الماء، محاط بجداول مليئة بالأسماك، علاوة على أفضل ~~وسادة: انعدام الوجود. # كانت قد أصبحت نحيفة مغضنة كالقطة العجوز وهي لم تتعد العشرين من ~~عمرها، ولا شيء يبين في وجهها سوى عينيها - عينان خضراوان تحيط ~~بهما هالات سوداء في حجم أذنيها الشفافتين، وذلك حين وضعت طفلا ~~صغيرا. وبناء على نصيحة طبيبها، فإنها حالما نهضت من الفراش، ~~سافرت إلى الريف لتمكث هناك بعض الوقت. وتعلقت بالحياة من أستار ~~واهية، إذ كانت مهددة بالإصابة بالأنيميا الخبيثة، والسل، والجنون، ~~وهي تتلمس طريقها وطفلها بين ذراعيها بلا أنباء عن زوجها، باحثة ~~عنه في المرآة: المكان الوحيد الذي يعود فيه الناس الذين غرقوا، ~~وفي عيني طفلها، وفي نفسها حين تنام وتحلم به في نيويورك أو في ~~سنغافورة. # وأخيرا، جاء يوم ألقى ضوءا على ليل حزنها المدلهم، حين كانت ~~تتجول كالطيف بين أشجار الصنوبر وبساتين الفاكهة والأشجار السامقة ~~في الحقول. كان يوم ms251 «الأحد الأبيض»، حين مسحوا طفلها بالملح والزيت ~~والماء ورضاب القس، وخلعوا عليه اسم «ميغيل». كانت العصافير تتلاطف ~~بمناقيرها - أوقيتان من الريش تغرد إلى ما لا نهاية. وكانت الأغنام ~~منهمكة في لعق صغارها. يا له من إحساس كامل بالخير والرفاه خلقته ~~حركات لسان الأم في الحمل الرضيع، الذي أخذ يرفرف بأهدابه ~~الطويلة تحت وقع ملاطفتها له! وتسابقت الأمهار جريا وراء الفرسات ~~ذوات العيون الرطيبة. وثغت العجول الصغيرة ببهجة واللعاب يبرق بين ~~فكيها وهي تحكهما بالضروع المترعة باللبن. وبدون أن تدرك سببا ~~لذلك، ضمت كميلة طفلها إلى صدرها حين انتهت موسيقى التعميد، كما لو ~~أن الحياة قد عادت إليها من جديد. # ونشأ «ميغيل» الصغير في الريف وأصبح مزارعا. ولم تطأ «كميلة» ~~المدينة بقدمها بعد ذلك أبدا. # الفصل الحادي والأربعون # | كل شيء على ما يرام # مرة كل اثنتين وعشرين ساعة، ينفذ الضوء ما بين خيوط العنكبوت ~~وأعمدة النافذة الحجرية إلى السرداب الأرضي؛ ومرة كل اثنتين وعشرين ~~ساعة تتدلى إلى أسفل صفيحة غاز قديمة صدئة من حبل معقود نتن ~~بالطعام للسجناء في الزنزانات السردابية. وعند مرأى الصفيحة مليئة ~~بمرق الدهن وبها مزق من اللحم الدهني وقطع العجين، كان السجين ~~رقم 17 يشيح بوجهه عنها. كان يفضل أن يموت على أن يأكل ولو ملعقة ~~واحدة منها. ويوما بعد يوم، تدلت الصفيحة ثم ذهبت دون أن تمسها يد ~~السجين. ولكن الحاجة كانت تلتهم عزمه تدريجيا، فقد تركه الجوع ~~بلا إرادة ولا تصميم، وانتفخت عيناه وغطت بؤبؤيه مسحة زجاجية، وطفق ~~يتكلم بصوت عال حديثا مشوشا إذ هو يذرع زنزانته الضيقة جيئة ~~وذهابا، ويحك أسنانه بأصابعه، ويلوي أذنيه الباردتين. وجاء أخيرا ~~يوم اندفع فيه إلى الصفيحة المدلاة كما لو كان يخاف أن ترفع عنه ~~في أية لحظة وغمس فيها فمه وأنفه ووجهه وشعره وهو يكاد يغرق من ~~الجهد الذي يبذله في البلع والمضغ في آن واحد. وأنهى الحصة المخصصة ~~له، وحين جذب الحبل إلى أعلى راقب الصفيحة الفارغة ترتفع بسرور ~~الحيوان الذي أشبع نهمه. ولم يستطع أن يمنع ms252 نفسه من مص أصابعه ~~ولعق شفتيه. بيد أن شبعه كان قصير الأمد، إذ سرعان ما تقيأ كل ما ~~أكله وسط لعناته وآهاته. والتصق اللحم والعجين بمعدته ورفضا أن ~~يتزحزحا، ولكن كل تشنج معوي كان يضطره إلى الانحناء على الجدار ~~فاغر الفم كشخص ينحني فوق هوة عميقة. وأخيرا انتظمت أنفاسه، ولكن ~~رأسه كان لا يزال يدور. ومشط شعره الرطب بأصابعه، وهبط بها فيما ~~وراء أذنيه كيما ينظف لحيته من القيء. كانت أذناه تصفران، ووجهه ~~غارقا في عرق بارد لزج حريف، كمياه البطارية الكهربائية. وكان ~~الضوء قد أخذ ينحسر بالفعل - إذ هو ما يكاد يأتي حتى ينحسر. وعمد ~~إلى التشبث بما بقي له من قوة جسدية، كأنما هو يصارع نفسه، فنجح في ~~الجلوس القرفصاء، ثم مد ساقيه وأراح رأسه على الجدار ، واستسلم لثقل ~~جفنيه كأنما هو قد تعاطى مخدرا قويا. بيد أنه لم يسترح في نومه، ~~ذلك أن صراعه كيما يتنفس رغم عدم كفاية الهواء تبعته حركات يديه ~~القلقة على جسده، وقيامه بسحب إحدى ساقيه ثم الأخرى، ثم مدهما ~~ثانية في حركة لا إرادية، وجهوده المحمومة كي يقتلع الفحم الحي ~~الذي بدا كما لو كان يحرق حلقه، بخوذات أظافره الصغيرة. وحالما ~~أصبح نصف مستيقظ بدأ يفتح فمه ويغلقه كالسمكة خارج الماء، كيما ~~يتذوق الهواء المثلج بلسانه الجاف؛ وحالما اكتمل استيقاظه أخذ ~~يصيح في هذيان محموم، واقفا على أطراف أصابعه وجاذبا قامته إلى ~~أقصى حد لها، حتى يستطيع كل شخص أن يسمعه. وأخذت صيحاته تضعف شيئا ~~فشيئا إذ يتردد صداها وسط أقبية السراديب. وقرع بقبضتيه على ~~الجدران، ودق بقدميه على الأرض، وصاح عاليا مرة أخرى وأخرى، إلى ~~أن تحولت صيحاته إلى صراخ ... «ماء، مرق، ملح، دهن، أي شيء، ماء، مرق ~~...». # وسقط على يده خيط من الدماء ... دماء عقرب مهروس ... أو عقارب ... ذلك ~~أن الدماء استمرت تسيل ... دماء كل العقارب المهروسة في السماء وقد ~~تحولت إلى أمطار ... وأطفأ عطشه دون أن يعرف من أين تنهال عليه تلك ~~الهبة السائلة، التي أصبحت بعد ذلك مصدر ms253 عذاب له. ذلك أنه أمضى ~~ساعات وساعات مقعيا على الحجر الذي اتخذه وسادة، حتى يقي قدميه ~~من بركة المياه التي تكونت في زنزانته حين حل الشتاء، ساعات ~~وساعات، مبللا حتى قمة رأسه، يقطر بالمياه، مبللا حتى نخاعه، ~~يتثاءب ويرتجف، يعاني عذابات الجوع كلما تأخرت الصفيحة الصغيرة في ~~المجيء. وكان يأكل بنهم النحيفين من الرجال كيما يغذي أحلامه، ثم ~~يستغرق في النوم واقفا بعد آخر قضمه. وبعد ذلك، كانت تدلى إليه ~~صفيحة أخرى يقضي السجناء الانفراديون حاجاتهم البدنية فيها. وفي ~~أول مرة سمع السجين رقم 17 تلك الصفيحة تدلى إليه، ظن أنها وجبة ~~غذاء أخرى، وذلك في الوقت الذي دأب فيه على رفض الطعام، فكان ~~يتركها تصعد إلى أعلى دون أن يخطر بخياله أنها تحتوي على براز، ذلك ~~أن رائحتها الكريهة كانت هي نفس رائحة المرق. وكانت هذه الصفيحة ~~تنتقل من زنزانة إلى أخرى، وحين تصل إلى رقم 17، تكون نصف ملآنة. ~~ويا لقسوة مشاعره حين يسمعها تدلى إليه حين لا يحتاج إليها، ثم ~~لا تأتي حين تمس حاجته إليها ويصم أذنيه بقرعه على الحائط كلسان ~~الجرس المصمت! وأحيانا يشتد به العذاب فتموت رغبته بمجرد التفكير ~~في الصفيحة؛ متسائلا هل يا ترى تأتي أم لا تأتي، أو تتأخر أو ~~ينسونها كلية (وهو ما كان يحدث أحيانا) أو ينقطع حبلها (وكان ذلك ~~يكاد يحدث كل يوم) فتعطي أحد السجناء دشا ثقيلا. لقد كان مجرد ~~التفكير في الأبخرة التي تتصاعد منها، والدفء البشري، والأطراف ~~الحادة للصفيحة المستديرة، والجهد المطلوب، كافيا كيما يقطع ~~رغبته، ثم يكون عليه إذن أن ينتظر المرة القادمة، وأن يحتمل اثنتين ~~وعشرين ساعة من المغص، وعسر التبول، والدموع، والتقلصات، والشتائم، ~~وطعم النحاس في رضابه، ثم ينتهي به الأمر إلى أن يقضي حاجته على ~~الأرض، مفرغا المحتويات النتنة لمعدته كالكلاب أو الأطفال، ~~وحده مع الموت. # ساعتان من الضوء، واثنتان وعشرون ساعة من الظلام الحالك؛ صفيحة ~~مرق، وصفيحة براز؛ عطش في الصيف، وفيضان في الشتاء: هذه هي الحياة ~~في الزنزانات السردابية. # وقال السجين ms254 رقم 17 لنفسه بصوت لم يكد يتعرف عليه: «إن وزنك ~~يتناقص كل يوم، وسرعان ما تستطيع الريح أن تحملك إلى حيث كميلة ~~تنتظر عودتك إلى المنزل! لا بد أنها قد تعبت من طول الانتظار، لا ~~بد أن الحزن قد جعلها نحيلة كعود الخيزران! ماذا يهم لو نحلت يداك؟ ~~إنها سوف تعيد إليهما الدفء بضمهما إلى صدرها. قذرتان؟ إنها سوف ~~تغسلهما بدموعها! عيناها الخضراوان! أجل، مثل صور الحقول الخضراء ~~في التيرول النمساوي التي تظهر في مجلة «الستراسيون»، أو في خضرة ~~أعواد القصب المبرقشة بالأصفر الفاقع واللون النيلي. ومذاق ~~كلماتها، ومذاق شفتيها، ومذاق أسنانها ... ومذاق مذاقها ... وجسدها، ~~كرقم ثمانية بخصرها النحيل، أو سحابة الدخان على شكل القيثارة التي ~~تخلفها الصواريخ النارية حين تنطلق وتفقد قوة دفعها. لقد خطفتها من ~~براثن الموت في ليلة كانت الصواريخ النارية تنطلق إلى السماء ... ~~كانت الملائكة تتهادى، والسحب تتهادى، والأسطح تتهادى، بخطوات ~~قصيرة تشبه خطوات الحارس الليلي، والبيوت، والأشجار، كل شيء كان ~~يتهادى في الهواء معها ومعي». # وكان يشعر بكميلة إلى جواره، كالبودرة الحريرية الملمس، في كل ~~نسمة يتنفسها، في أذنيه، بين أصابعه، تجاه ضلوعه التي تهز عيني ~~أحشائه العمياء كالأهداف الراجفة ... # وكان يمتلكها ... # كانت الرعشة تأتي في رفق، دون أدنى تقلص؛ تمر رجفة خفيفة على طول ~~أشواك عموده الفقري الملتوية، ثم تنقبض فتحة الحبال الصوتية في ~~سرعة، ثم تسقط ذراعاه على الأرض كأنما هما قد بترا ... # وكان التقزز الذي يسببه له إرضاء حاجته في الصفيحة، مضاعفا ~~للإثم الذي يقرضه من جراء إرضاء حاجاته الغريزية بهذه الطريقة ~~العقيمة بذكرى زوجته، يتركه دون أية قدرة على الحركة. # وبالأداة المعدنية الوحيدة التي كانت في متناوله، وهي قطعة صغيرة ~~جدا من النحاس الأصفر انتزعها من أحد شريطي حذائه، قام بحفر اسم ~~كميلة واسمه متشابكين على الجدار، واستغل وجود الضوء الذي يزور ~~زنزانته كل اثنتين وعشرين ساعة، فأضاف إلى الرسم قلبا. وخنجرا، ~~وتاجا من الشوك، وهلبا، وصليبا، وقاربا صغيرا، ونجما، ~~وعصفورين صغيرين كالشرطة التي على حرف النون بالإسبانية، وقطارا ~~للسكة الحديد ms255 يخرج منه شريط حلزوني من الدخان. # ولحسن الحظ، أعفاه ضعفه من عذابات الجسد. فقد فكر في كميلة وقد ~~عاث الدمار في بدنه، كما يشم المرء زهرة أو يسمع قصيدة. كان يفكر ~~فيها كالوردة التي كانت تزهر كل أبريل ومايو في شرفة غرفة الطعام ~~التي كان يتناول فيها الإفطار كل صباح مع والدته أيام طفولته: فرع ~~صغير غريب من فروع شجرة الورد. وخلفته سلسلة من الصباحات ~~الصبيانية حائرا. كان النور يخفت ... يخفت ... كان النور يخفت حالما ~~يجيء. وابتلعت الظلمة الجدران السميكة كأنها قطع من البسكويت، ~~وسرعان ما ستصل بعد ذلك صفيحة البراز. آه لتلك الوردة! صوت الحبل ~~الخشن، والصفيحة معلقة في خبل بين جدران الأقبية المتعرجة. وارتجف ~~من ذكر النتانة التي تصاحب هذا الزائر الهام. أواها لوردته، ~~ناصعة البياض كالحليب في طبق إفطاره! # وعلى مر السنين، أصاب السجين رقم 17 الهرم، من المعاناة أكثر ~~منه من مرور الزمن. وحفرت غضون عميقة لا حصر لها أخاديد في وجهه، ~~ونبت له شعر أبيض كما تنبت للنمل أجنحة في الشتاء. ولم يبق شيء من ~~هيئته ... ولم يبق شيء من جسده ... دونما هواء، دونما شمس، دونما حركة، ~~يعاني من الدوسنطاريا والروماتزم والخور العصبي، يكاد لا يرى، لم ~~يعد حيا فيه سوى الأمل في أن يرى زوجته مرة ثانية، ذلك الحب الذي ~~يدعم القلب في مواجهة الآلام والشقاء. ~~••• # أزاح رئيس الشرطة السرية مقعده إلى الخلف، وعقد قدميه تحته، ~~واستند بمرفقيه على المنضدة السوداء السطح، وأدنى قلمه من الضوء، ~~وشد على أسنانه إذ مد فجأة إصبعين في حركة قارصة نجح بها في ~~استخلاص شعرة من سن القلم كانت تخلع على الحروف التي يكتبها شوارب ~~كشوارب الجمبري. ثم مضى يكتب: ~~«... وبناء على التعليمات الواردة» وشق القلم طريقه على ~~سطح الورقة من ضربة لأخرى: «عمل المدعو «فيش» على كسب ~~صداقة السجين نزيل الزنزانة رقم 17، بعد أن أودع الحبس معه ~~لمدة شهرين، وتظاهر بالبكاء طوال النهار والليل، صائحا ~~على الدوام ومحاولا الانتحار بين وقت وآخر. وتطورت ~~صداقتهما إلى تبادل الكلام، ms256 فسأله السجين رقم 17 عن ~~الجريمة التي ارتكبها في حق السيد الرئيس حتى يرسل به إلى ~~هذا المكان الذي ينقطع فيه كل رجاء. ولم يجب المدعو «فيش»، ~~بل اكتفى بدق رأسه على الأرض وإطلاق سيل من السباب ~~القبيح. ولكن السجين رقم 17 أصر على سؤاله إلى أن أطلق ~~لسان «فيش» من عقاله فحكى له قصته: لقد ولد في بلد يتقن كل ~~أهله الحرفة التي أصبح يعتاش منها، لذلك فقد سافر إلى ~~البلد الذي هما فيه الآن، والذي يعاني نقصا في أهل ~~حرفته. الرحلة. الوصول. بلد مثالي للأجانب. عمل هنا، ~~أصدقاء هناك، مال، كل شيء. ثم رأى فجأة امرأة في الطريق؛ ~~تتبعها مترددا، ضد رغبته. متزوجة؟ عزباء؟ أرملة؟ لم يدر ~~إلا شيئا واحدا، هو أن عليه أن يتتبعها. يا لهاتين ~~العينين الخضراوين الساحرتين! فم كالوردة . وهي تمشي ~~كالغزال الرشيق. ويصمم على الاتصال بها، ويسير قبالة ~~منزلها، وينجح في الدخول، ولكن عندما حاول التحدث إليها لم ~~يرها بعد ذلك أبدا، وأخذ رجل مجهول يتتبع خطواته بعد ذلك ~~كظله أينما ذهب. ما معنى ذلك يا أصدقائي؟ ويدير أصدقاؤه ~~وجوههم. ما معنى ذلك يا أحجار الطريق؟ وترتجف الجدران من ~~سماع سؤاله. والشيء الوحيد الذي يصبح واضحا جليا هو أنه ~~قد اندفع وتجرأ إلى حد أنه قد أراد أن يحب عشيقة السيد ~~الرئيس - وهي ابنة أحد الجنرالات، استسلمت للرئيس ~~انتقاما؛ لأن زوجها قد هجرها، كما قالوا له قبل أن يقبضوا ~~عليه ويلقوا به في السجن بتهمة الفوضوية.» # ويذكر المدعو «فيش» أنه عند هذا الحد من القصة سمع صوتا ~~يشبه صوت فحيح الثعابين وسط الظلام، وأن السجين رقم 17 ~~الذي يشاركه الزنزانة توجه إليه ورجاه في صوت ضعيف ضعف ~~زعنفة السمك أن يخبره باسم تلك السيدة، وكرر المدعو «فيش» ~~اسمها له مرتين: كميلة كاناليس، كميلة كاناليس. ومن هذه ~~اللحظة، بدأ السجين يخمش نفسه كأنما جسده كله مصاب بالحكة ~~الجلدية، رغم أنه لم يعد يحس بأي شيء فيه؛ ومزق وجهه كيما ~~يمسح دموعه التي سالت حيث لم ms257 يعد فيه سوى جلد جاف، ورفع ~~يده إلى صدره ولكنه لم يستطع أن يعثر عليه، وكان كنسيج ~~عنكبوتي من التراب الرطيب وقد سقط على الأرض ... ~~«ووفقا للتعليمات، قمت بنفسي بتسلم المدعو «فيش»، الذي ~~حاولت أن أنقل شهادته حرفيا في هذا التقرير، سبعة ~~وثمانين دولارا، تعويضا عن الفترة التي قضاها في الحبس، ~~وحلة مستعملة من الكشمير، وتذكرة سفر إلى ~~«فلاديفوستوك». وقد؟ حررت شهادة وفاة السجين رقم 17 على ~~النحو التالي: وفاة نتيجة زحار أي إسهال معد. ~~«هذا هو كل ما أتشرف بإبلاغه إلى السيد الرئيس ~~...». # | خاتمة # ظل الطالب واقفا مشدوها على حافة الطوار كما لو أنه لم ير في ~~حياته رجلا في مسوح القسس من قبل. ومع ذلك، لم يكن ثوب القس هو ~~الذي أدهشه، بقدر ما أدهشه ما همس به مساعد القس في أذنه إذ هما ~~يحتضن أحدهما الآخر ببهجة حين التقيا بعد أن أفرج عنهما: «لقد ~~تلقيت أوامر بأن أرتدي هذا الثوب!» وكان سينهي كلامه عن ذاك، ما لم ~~ير في هذه اللحظة صفا من السجناء يمرون وسط صفين من الجنود في ~~وسط الطريق. وتمتم مساعد القس في حين صعد الطالب إلى الطوار: «يا ~~للتعساء المساكين، هذا هو الثمن الذي يجب أن يدفعوه لقاء هدم «رواق ~~الرب»! ثمة أشياء يجب رؤيتها عيانا كيما يصدقها المرء». # وهتف الطالب متعجبا: «إننا نراها، ونلمسها، ثم لا نصدقها! إنني ~~أتحدث عن «البلدية»». ~~- ظننتك تعني ثياب القس التي أرتديها ... ~~- إنهم لم يكتفوا بإرغام الأتراك على دفع نفقة تجديد طلاء ~~الرواق، بل امتد غضبهم من اغتيال «الرجل ذي البغل الصغير» إلى هدم ~~البناء نفسه. ~~- احذر أن يسمعك أحد أيها الثرثار. اصمت بحق الله! هذا ليس ~~مؤكدا ... # وكان لدى مساعد القس ~~المزيد من القول، بيد أن رجلا ضئيل الحجم كان يجري وسط الميدان ~~عاري الرأس، توجه نحوهما وزرع نفسه فيما بينهما وأخذ يغني بأعلى ~~صوته: # أيتها الدمية الصغيرة # أي نحات ماهر صنعك؟ # هذا الوجه اللطيف؟ # وصاحت امرأة تجري وراءه وهي ترى على وشك الانفجار ~~في البكاء ms258 في أية لحظة: «بنيامين»! «بنيامين»!» ~~- إنه ليس «بنيامين» الأراجوز. # لا، ليس هو، # الذي جعل منك شرطيا، # ودمية لطيفة! # وصاحت به ~~المرأة وهي تكاد تبكي الآن: بنيامين! بنيامين! أرجوكما، لا تهتما ~~به، لا تلقيا بالا إليه؛ لقد جن تماما؛ إنه لا يستطيع أن يفهم ~~أن «رواق الرب» لم يعد له وجود الآن! # وبينما كانت زوجة الأراجوز تقدم الاعتذارات عنه لمساعد القس ~~والطالب، هرع السيد «بنيامين» بعيدا كيما يغني أغنيته لشرطي منحرف ~~المزاج: # أيتها الدمية الصغيرة، # أي نحات ماهر صنعك؟ # أي صانع أعطاك ... # هذا الوجه اللطيف؟ # إنه ليس بنيامين الأراجوز، # لا، ليس هو؛ # الذي جعل منك شرطيا، # ودمية لطيفة! # وتضرعت زوجة السيد بنيامين الأراجوز وهي تقف بينه ~~وبين الشرطي: أرجوك ألا تقبض عليه، إنه لا يقصد شرا؛ ألا ترى أنه ~~مجنون؟ إنه مجنون أقول لك، لا تقبض عليه ، كلا، أرجوك ألا تضربه. ~~لقد بلغ به جنونه أنه يقول إنه يرى المدينة كلها ترقد حطاما ~~كالرواق المهدوم! # وكان السجناء لا يزالون سائرين. كيف يكون الحال لو أن المرء كان ~~واحدا منهم وليس مجرد شخص ينظر إليهم وهم يعبرون؟ # ووراء موكب الرجال الذين يدفعون عربات يد صغيرة، جاء رجال يحملون ~~معاول ثقيلة فوق أكتافهم كأنها الصليب، ووراءهم أيضا صفان من ~~الرجال يجرون قيودهم بحلبة رنين كالجلاجل. # وتملص السيد «بنيامين» من يدي الشرطي الذي كان يجادل زوجته بحدة ~~متزايدة، وجرى يرحب بالسجناء بأية عبارات بلهاء وردت على ذهنه ~~ساعتها: «انظر ماذا صنع الدهر بك يا «بانشو تونانشو»، وسكينك تلك ~~التي تأكل الجلد وتحب صنع الخروق في حجرة النوم الفلينية! انظر ~~ماذا حل بك الآن يا «لولو كوشولو»، بمنجلك ذي الذيل المروحي! ~~انظر كيف تمشي الآن يا «مكستو ملندريس» بينما أنت معتاد على ركوب ~~الحصان، مياه جديدة لخنجرك، أيها اللوطي الخائن! من رآك ومعك مسدسك ~~حين كان اسمك «دومنغو»، ومن يراك الآن بدونه حزينا كيوم من أيام ~~الأسبوع. لقد نقلت إليهم القمل، فعليها هي أن تفليهم. إن البمبار ~~المغطى بالأسماك لا يمكن أن يصنع يخنة للجنود! ms259 أي شخص لا يملك ~~قفلا لإغلاق فمه يحسن به أن يضع في يديه القيود!» # كان صبية الحوانيت عائدين إلى بيوتهم، وعربات الترام مكتظة إلى ~~آخرها. وثمة عربة أجرة، أو عربة، أو دراجة ... دفقة من الحياة لبرهة ~~قصيرة، دامت الوقت الذي استغرقه مساعد القس والطالب في عبور ميدان ~~الكتدرائية، ملجأ الشحاذين ومستودع الملحدين، وتوديع الواحد منهما ~~للآخر أمام باب قصر كبير الأساقفة. # ونظر الطالب باحتقار إلى أطلال الرواق من على جسر من الألواح ~~الخشبية التي نصبت على الحطام. وكانت ثمة نفحة ريح ثلجية قد أثارت ~~سحابة كثيفة من الغبار، كالدخان بلا نار أو بقايا انفجار قصي. ~~وهبت نفحة ريح أخرى فأثارت وابلا من قطع أوراق رسمية، لم تعد لها ~~فائدة الآن، تمطر على الموضع الذي كان يوما ما غرفة الاجتماعات في ~~البلدية. وتماوجت بقايا اللوحات القماشية المعلقة على الجدران ~~الساقطة، كالرايات في مهب الريح. وفجأة، ظهر ظل الأراجوز يركب ~~مكنسة، منعكسا على صفحة خلفية زرقاء مليئة بالنجوم، وخمسة براكين ~~صغيرة من الحصى والحجارة عند قدميه «طش!» وقفزت الدقات التي تعلن ~~تمام الثامنة مساء في وسط الصمت - «طش! طش!» # ووصل الطالب إلى بيته في نهاية شارع مسدود، وحين فتح الباب، سمع ~~صوت أمه (يقطعه سعال الخدامة إذ هما يستعدان لتلاوة صلاة المساء) ~~تتلو على مسبحتها: ~~«... للمحتضرين ~~وللمسافرين؛ كيما يحل السلام بين الحكام المسيحيين؛ لمن ~~يقاسي من اضطهاد العدالة؛ لأعداء الدين الكاثوليكي؛ ~~لاحتياجات الكنيسة المقدسة المسيحية، ولاحتياجاتنا؛ ~~للأرواح المباركة في المطر القدسي ... ارحمنا يا رب». ms260