######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudKamilFarid.BuasaFiCusurIslam.Hindawi36050924 #META# Tags: literature #META# ID: 36050924 #META# Title: البؤساء في عصور الإسلام #META# AuthorID: 59039539 #META# Author: محمود كامل فريد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة للمؤلف‏ # مقدمة‏ # المصادر التي استوردنا منها كتاب البؤساء في عصور ~~الإسلام‏ # 1 - علل البؤس‏ # 2 - تعساء الشقاء حلفاء الفقر‏ # 3 - بؤساء الحظ‏ # كلمة للمؤلف‏ # مقدمة‏ # المصادر التي استوردنا منها كتاب البؤساء في عصور ~~الإسلام‏ # 1 - علل البؤس‏ # 2 - تعساء الشقاء حلفاء الفقر‏ # 3 - بؤساء الحظ‏ # | البؤساء في عصور الإسلام # | البؤساء في عصور الإسلام # تأليف # محمود كامل فريد # كتاب أدبي علمي عمراني اجتماعي، محلى ~~بالصور ورسوم علماء الدنيا وفلاسفة الإسلام. # المؤلف: محمود كامل فريد. # | كلمة للمؤلف # على البؤساء في كل المواطن # سلام الله ما خفقت سواكن # وألف تحية في كل وقت # لهم تهدى وإن بعدت مساكن # فكم لاقوا من الدهر الرزايا # وبلوى نبهت منهم بواطن # إليكم معشر القراء أهدي # عظات بينت كنه المعادن # كرام حالهم في الدهر بؤس # وهم أصل السعادة إن تقارن # إليكم معشر القراء أقدم كتابي هذا «البؤساء في عصور الإسلام»، وهو ~~غاية ما عثرت عليه من تراجمهم؛ وما ذاك إلا لأني أعتبر نفسي كفرد منهم، ولم أكن مبالغا ~~إذا قلت إنه من الكتب القيمة التي يميل إليها الأديب، ويعجب بها كل قارئ. # ولقد أخذت في تحريره وسرد مدهشات أبطاله، ونفسي نازعة إلى فطاحل العلم والأدب البؤساء، ~~وكأني بهم، وقد شتتهم الدهر ومزقهم كل ممزق فأصبحوا لصروفه هدفا، وباتوا لا يعرفون ~~للحياة طعما ولا للوجود قيمة، وصرت من جراء ذلك أحن إليهم حنينا متواصلا لصلة النسب ~~بيني وبينهم. ومهما أجدت في سرد أخبارهم، وأتيت بالمنقول من رسومهم التي صوروها في بعض ~~مؤرخاتهم؛ فالقريحة جامدة ليس في استطاعتها وصف بلوائهم بالمعنى الحقيقي؛ وكيف أصف مصائب ~~حاقت بهم، لو نزلت برضوى لزلزلته! وليتها مصيبة تزول، ولكنها اقترنت بسوء الطالع، وناهيك ~~بمحن الوجد الذي باتوا فيه، والفقر المدقع الذي عانوه، وشواغل البال التي شغلتهم عن ~~واجباتهم. # أسأل الله أن يجعله خير معين لكل مبتئس، ويهدي تلك الطائفة التعسة سواء السبيل، يرقق ~~عليهم قلوب عباده القاسية. # محمود كامل فريد # مصر، تحريرا في يونيو سنة 1925م # | مقدمة # «اللهم عفوا وصفحا» قد قضت حكمتك ms01 أيها الخالق منذ الأزل، وجرى القلم بما هو كائن إلى ~~الأبد، ونفذت إرادتك على جميع من أطاع وصخد، خلقت الخلائق بقدر مقدور، ورزق محدود، إلى أجل ~~ممدود، ونفس معدود، وجعلت منهم سعداء وفقراء، وضعفاء وأقوياء، وقد تاهت الأفكار في نظام ~~كونك الباهر، وتدبيرك في أمر خليقتك، وعجزت العقول عن إدراك هذا السر الغامض. اللهم لا ~~اعتراض لحكمك الساري، وعدلك الذي شمل الخلائق، وبلبل ألباب الفلاسفة، وأبكم كل ناطق. # بينما تخلق الطفل فلا يمكث غير يوم، وآخر يقضى عليه وهو جنين، وغيره يعيش أعواما، وذاك ~~يفقد أبويه فيعيش يتيما أو لطيما فيسعد أو يشقى، وهذا قد عاكسه القدر فبلغ من العمر ~~أرذله، وهو سقيم فقير الحال يهرب منه من يراه. ثم نجد شيخا قد بلغ منتهى الأجل وهو في بسطة ~~من العيش، يرتع في بحبوحة الغنى لا يعرف للفقر اسما، ولا للذل رسما، ثم يموت وهو سعيد ~~مرزوق والسعد طوع أمره، وحينا ننظر إنسانا تنغصت عليه حياته ونبذته الأيام؛ فعاش شقيا ~~ومات محروما، وكما نبصر هذا نجد آخر يسعد تارة ويفتقر أخرى، ثم إذا أمعنا النظر يتضح لنا ~~أن كل ذي فكرة وقادة وفكر سليم، لا يخلو من ضنك وبؤس، بينما نجد الأبكم الجاهل يمرح في ~~بحبوحة النعم. سبحانك جل شأنك، كأنك حاسبت القوم على قدر عقولهم، هذا بجهله وذاك بعلمه! ~~وهكذا كان، يسعى البائس وهو العالم الكاتب الفيلسوف الحكيم العاقل المهذب فيشقى بسعيه ~~ويحرم من كده، وكلما وجه أنظاره شطر جهة أغلقت أمامه أبواب رزقك، وكلما أكدى وتعب نأى ~~حظه وغاب سعده وكان نصيبه الإملاق والحرمان. # سبحانك أيها الفتاح! لقد تاهت العقول في نواميس عدلك، وضلت الأفكار في قضائك وقدرك، ~~سبحانك لا علم لمخلوق بمشيئتك، لا إله إلا أنت وحدك لا شبيه لك، ولا يعاندك في حكمك ~~أحد. # المؤلف # | المصادر التي استوردنا منها كتاب البؤساء في عصور ~~الإسلام # لقد اشتهر العرب في العصر العباسي بالتصوير على الجدران، وعلى صفحات الكتب، كحروف ~~تخطيطية كانت ذات إتقان زائد، وبلغت دقة الرسم بالتخطيط ms02 مبلغا كان تقريبا للصورة ~~الحقيقية. # وقد اطلعنا على كتاب قديم يرجع تاريخه إلى القرن الثالث الهجري رسم فيه مؤلفه جماعة من ~~النوابغ الأعلام، نقلنا منه بواسطة الكربون طائفة كبيرة ممن نالهم البؤس وعاكسهم الدهر. ~~واطلعنا أخيرا على عدة كتب مصورة يرجع عهدها إلى القرن الرابع والخامس والسادس، أتممنا ~~بها بؤساء العصر العباسي. # ومن قرأ تاريخ الأندلس وجد أن الخليفة عبد الرحمن الناصر بنى قصر الزهراء الذي يضرب ~~بفخامته المثل، وجعله مسكنا للزهراء جاريته وسماه باسمها «الزهراء»، ونقش صورتها على ~~بابه رمزا للرسم التخطيطي. # وقال الشريف أبو عبد الله الجواتي في كتاب «النقط على الخطط» إن الخليفة الآمر بأحكام ~~الله بنى منظرة من الخشب مدهونة بالألوان، فيها طاقات تشرف على خضرة بركة الحبش، وصور ~~فيها الشعراء؛ كل شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وكتب ذلك ~~عند رأس كل شاعر، وبجانب صورة كل منهم رف لطيف مذهب. فلما دخل الآمر هذه المنظرة وقرأ ~~الأشعار؛ ابتهجت نفسه، وأمر أن يوضع على كل رف صرة مختومة تحتوي على خمسين دينارا، وأن ~~يدخل كل شاعر ويأخذ صرته بيده، وكانوا عدة شعراء. # وقد بنى الملك الأشرف خليل بن قلاوون الرفرف بالقلعة وجعله عاليا يشرف على الجيزة كلها، ~~وبعد أن طلاه بالدهان الأبيض صور فيه أمراء الدولة وخواصها، وعقد عليه قبة على عمد ~~وزخرفها، وكان يجلس فيه السلطان. وعثر في أطلال الحمراء بغرناطة في الأندلس على صورة ~~تمثل مجلس قضاة على طراز عربي، يظن أنها من آثار القرن الثامن الهجري. # وإن من يزور خرائب الزهراء بإسبانيا، وآثار الفراعنة بمصر، والمعابد الأثرية في العالم ~~يشاهد فوق أحجارها وعلى قوائم جدرانها نقوشا كثيرة من صور الإنسان والحيوان بالخطوط ~~التقريبية. # وليس عهد الرسم التخطيطي عنا ببعيد، فلو نظرنا إلى دار العاديات المصرية، أو دار الآثار ~~والكتب لوجدناها مشحونة بهذه الرسوم والأشكال، ومنها ما هو على ورق الكتان، ومنها ما هو ~~على رق الغزال، أو على قطع تخطيطية بقضبان الذهب على حوانيت المومياء بما يفسر ms03 شكل ما فيها. ~~ويعجب الناظر من جمال هذه الأشكال سيما محاسن النساء، وطلاوة الرسم الذي يأخذ ~~بالألباب. # ولا عجب إذا نقلنا من هذه الصور ما طرزنا به هذا الكتاب، إننا رسمناها نقلا بواسطة ~~الورق الشفاف والكربون. # هذا ولا يخفى أن هذا آخر ما وصلت إليه براعة العرب في التصوير التخطيطي؛ لأن الفوتوغرافية ~~(آلة التصوير) كانت لم تكن معروفة في ذلك العهد. # وتناول الرسم الفوتوغرافي رسما أو اثنين هما آخر ما عثرنا عليه من المؤلفات المصدوقة ~~مرسومة بالفوتوغرافية، وإلى هنا أقف عند هذا الحد مقتصرا على ذلك، والله الهادي إلى سبيل ~~الرشاد. # القسم الأول # | علل البؤس # البؤس ~~«البؤس» من حيث تعريفه: دمار عاجل، وموت أدبي، ترتاع منه النفوس، وترتعد عند ذكره ~~الأبدان. وهو الغاية التي تزعزع أركان العالم، وتحول القلوب عن أغراضها وميولها، ~~وتجندل الشجعان من غير حرب، وتجعل القادر عاجزا. وربما انقلبت إلى العكس؛ فتهب للعاجز ~~قوة ونشاطا لينتقم من نفسه أو من غيره ليستريح من عوارض الأقدار. والبؤس والأمل ضدان؛ ~~إذا استقوى أحدهما على الآخر ظهرت النتيجة واضحة. ويتضح من ذلك أن اليأس إذا استقوى على ~~الأمل كان البائس من أتعس خلق الله تعالى وأشقاهم، وأصبح الموت إليه أمنية تتوق إليها ~~نفسه؛ فتجده مستبسلا في مواقف الإعدام بغير مبالاة ولا حذر، ولا خوف ولا فزع. # وأما إذا تغلب الأمل على اليأس نفخ الله تعالى في روح هذا البائس أملا يبدد شكوك ~~أوهامه؛ فينشط من عقال اليأس، ويخرج من وهدة الخمول؛ طارحا رداء الكسل والقنوط. ~~وسامرته الأحلام اللذيذة والأوهام المفرحة؛ فيشيد من الأوهام قصورا، ومن الآمال ~~حصونا، ويشعر وكأن الأماني قد انقادت له؛ فيظل متعللا بها، وينتظر ما ستجيء به الأيام ~~يوما بعد يوم، وكأنما تلك الأوهام خففت عليه ويلاته؛ فيناجي السعادة، ويتسلى بتلك ~~التصورات الشائقة التي صار يأتنس بها، وصارت تشجيه وتلهيه، ولو أنها لا تشفيه ولا ~~تنفعه، ويقول - معللا نفسه: «إن المستقبل كفيل براحة الإنسان.» # مع أن الحقيقة فيما قالت الحكماء: «لا يأس مع الأمل، ولا أمل مع ms04 اليأس.» وهيهات أن ~~ترى بائسا إلا والقنوط أول دعاويه، وهو العلة التي يبني عليها أسباب يأسه وبؤسه، ولم ~~يقتصر على ذلك حتى يتهم الأقدار في دعوى اعتلاله. «ومن البؤساء» قوم ينسبون أسباب بؤسهم ~~للذات العلية، معترضين على سوء حالهم وسعادة غيرهم. # وهيهات أن ترى بائسا في مكان إلا والشقاء مخيم عليه، وعواصف الأقدار تلعب به كريشة ~~في مهب الريح، لا تستقر على حال، ولا تدري إلى أي جهة أو هاوية تلقيها العواصف. # وكثير من البؤساء عندما يشتد بهم البؤس؛ يرغبون في الموت بكل وسيلة، ويناجون الهلاك ~~بوجدان شديد، وشعور غريب؛ فتنطمس أمامهم الحقائق، وتصغر العوالم، وتضيق عليهم الدنيا ~~على اتساعها؛ فيزدرون بالكون وعظمته، والدنيا وبهجتها، والمجد وأبهته، والسلطان وصولته، ~~وتغيب عنهم الذاكرة فيجحدون الخالق والمخلوق، ويشذون عن طبيعتهم، وينكرون المطامع ~~والآمال، ويرسخ في اعتقادهم أن الله اختصهم بالبؤس دون الناس؛ لأنه تركهم وتخلى عنهم. ~~ثم يعودون إلى هداهم؛ فيعلمون أن الدنيا متاع غرور، وهناء موهوم، وأمل كاذب، وسرور ~~باطل، وظل زائل، يمقتها اللبيب ويحتقرها العاقل. # والبؤس على كل حال مميت الشعور، مذهب الإحساس، مدل على الموت، مجلب للفناء والهلاك. ~~ولهذه الأسباب أصبح البائس يتشجع للردى، ويستهدف للحتف، ويحن إلى الموت، ويعبث ~~بالأهوال، وما هي غير فترة ثم تراه حاقدا على نفسه، ناقما على غيره، ويشعر أن حياته ~~أصبحت حملا ثقيلا عليه، كأنه عالة على المجتمع الإنساني، وتصبح تلك الحياة لا قيمة ~~لها عنده، وتتسرب إلى مخيلته فكرة الموت؛ فيستنبط الحيل التي تسهل له طريق الانتحار، ~~ومتى تهيأت له هذه الحيلة سعى في تنفيذها ليستريح من عذابه، غير هياب من الموت وشناعة ~~الانتحار، وسيان عنده إن لامه الناس أو عذروه، أو أصبح في أفواه الجميع سبة إلى ~~الأبد؛ فيقابل الموت بوجه طلق، ويعاني حشرجته بثغر ضاحك ما تعود الابتسام في ساعة ~~القنوط. وقد جاء في أمثال الحكماء: «خف من البائس فإنه لا يخاف.» # وقال بعضهم: # إني تركت لذي الورى دنياهم # وظللت أنتظر الممات وأرقب # وقطعت عن نفسي المطامع ليس لي # ولد ms05 يموت ولا عقار يخرب # أنواع البؤس # والبؤس مهما تنوعت مصائب الناس في أسبابه وحصوله ينقسم إلى ثلاثة أقسام أصلية، وهي: # القسم الأول: # علل البؤس. # القسم الثاني: # تعساء الشقاء حلفاء الفقر. # القسم الثالث: # تعساء الحظ. # هذه هي الثلاثة أقسام الأصلية، وجميع أنواع البؤس ينحصر في هذه الأقسام، وأما ما زاد ~~على ذلك فيعتبر فروعا لها. ~~«والبؤساء» على تباين مقاماتهم وعقولهم يختلفون باختلاف الأطوار والأعمال؛ فمنهم من ~~تلاحظه العناية فيخلق سعيدا مرزوقا من المهد إلى اللحد، ولكنه مصاب بعلة من العلل ~~التي تعترض البؤساء أصبح من أجلها بائسا، مهما كانت درجته وسمو مركزه وعلمه ~~وحظه. ~~«ومنهم» من يرزق الحظ والغنى، ولكنه في حاجة إلى غرض يجد نفسه في شدة الشوق إلى ~~الحصول عليه، وكل ميوله متحولة إليه، وإن لم ينله أصبح منغصا. فإذا اعتبرناه بائسا ~~فما ذلك إلا لأنه يطمح لأمنية، والفرصة غير سانحة له، ونقدر ميول نفسه لهذه الأمنية ~~بقدر درجة بؤسه وتعاسته، مهما كان غنيا ومهما كان سعيدا. ~~«ومنهم» من يكون سعيدا بغناه، يعطي ويتصدق وهو في أمن ودعة ورخاء عيش، يهب ويمنح إلا ~~أنه بعد زمن تزول عنه هذه النعمة فيصبح فقيرا بائسا. ~~«ومنهم» من يخلق سعيدا؛ كأن يكون ابن ملك أو أمير يتمتع بجميع أسباب الغنى والسعادة ~~واليسار، ويتولى الملك بعد أبيه، إلا أنه مصاب بمرض يلازمه من وقت إلى آخر؛ فيقضي على ~~أسباب سعده وينغص عليه هناء عيشه في بحبوحة مجده. وهذا يعتبر من البؤساء لأنه مصاب ~~بعلة تجعله كئيبا فهو بائس، «وفي عرف الفلاسفة» أن من أصيب بعلة أو مرض مهما كان ~~غنيا أو ملكا فهو بائس؛ لأن المعافى من البؤس من كان سليم الجسم سليم البنية سليم ~~العقل، يتمتع بثروة طائلة، وزوجة صالحة، وذرية طيبة، فهذا هو الخالي من البؤس، وأما من ~~كان منغصا في حياته ببعض الطوارئ فهو بائس. ~~«ومنهم» من يسعد تارة ويفتقر أخرى، وهذا أيضا من البؤساء. ~~«ومنهم» من يصادفه البؤس عرضا؛ كأن يكون غنيا فيسرق ماله، أو تاجرا فتلتهم ~~النار تجارته؛ ms06 فيجفوه زمانه، وتعاديه إخوانه. ~~«ومنهم» من يجور عليه زمانه، فيغضب عليه سلطانه؛ فينفيه إلى أبعد البلدان ويشرده عن ~~الأوطان، ويشتته عن الإخوان، فيعيش في أسوأ حال. ~~«ومنهم» من يصاب بالجنون فيختل نظامه، ويعتل كيانه. ~~«ومنهم» من يكون ممتعا بالخيرات، محفوظا بالبركات، فيقع في معصية، أو يصادفه البؤس ~~من طريق عدو مباغت، أو عذول مزاحم. ~~«ومنهم» من يباغته الوجدان، فيهيم بمحاسن الجمال الفتان - وهذا النوع من البؤساء ~~بالمعنى الحقيقي؛ لأنهم يتحملون علاوة عن علل الأوصاب عواطف الحب، والميول الغريبة، ~~والأشواق، والغيرة، والهم، والحزن، والقلق، واشتغال القلب بمحاسن المحبوب إلى غير ذلك - ~~وإذا رجعنا إلى سبب البؤس وجدناه لا يكون إلا من علة الفقر. # ومن الغريب المدهش أن البؤس عادة لا يحل إلا بالفطاحل الأعلام - علماء الدنيا - ~~وفلاسفة العالم، ولا يعترض إلا حكماء الكلام، وحملة الأقلام، والحكماء والشعراء، وكل ~~نابغة لا يستهان بعلمه وذكائه. # ولما كان البؤس أصل كل بلية في العالم؛ أصبح لكل فرد منه أكبر نصيب، وهيهات أن يخلو ~~منه مخلوق. # فضائل البؤس # وفضائل البؤس كثيرة، ومنها: الورع، والتقوى، والثبات، والصبر، والتجلد على المصائب، ~~ومكافحة الأهوال، ومعرفة الله جل شأنه والتفرغ إليه سبحانه وتعالى، واليأس من الدنيا، ~~والاهتمام بالآخرة. والبؤس عادة يوجد الطمأنينة في النفوس، ويحض على اعتزال العالم ~~والانفراد عن الناس، والانقطاع إلى عمل واحد، والتبحر في العلوم والمعارف. # ولو نظرنا إلى البؤس من حيث حقيقته وجدناه أقوى سبب في تذليل النفس؛ بل هو الباعث لها ~~على الانقياد والإذعان، والرضوخ والطاعة، والميل إلى حب الخير والعبادة والإحسان ... ~~إلخ. # مساوئ البؤس # ومساوئ البؤس كثيرة، منها: التأفف، والضجر، واحتمال الهم، والكمد، والنزق، وضيق ~~الصدر، وسوء الخلق، وقطع العشرة، والانحراف، والانكماش عن الخلق، والقهر، والإكراه ~~والغلبة، والتطبع بالأخلاق المرذولة، وفساد الطوية، والخديعة، والمكر، والدهاء، والذل، ~~وشدة الغيظ، وعدم المبالاة، واحتقار النفس، والبله، والطيش، والغباوة، والبغض، ~~والعداوة من غير سبب، والعجز، والجموح، ووساوس الصدر، ومعصية الخالق، وشدة الحسد، ~~والحقد، والميل إلى الشر، والمعاكسة، والتطبع بالرذائل، وارتكاب الدنايا، والنقائص، ~~والهذيان، والمرض الذي يؤدي إلى ms07 الجنون وينتهي بالتفاني في حب الموت. # الوهم والبؤس # خلق الله الإنسان من ضعف؛ فكان الوهم أول قرين له، والوهم من حيث تكوينه في الإنسان ~~دواء الإهمال المخيف، بل هو العلقة الوحيدة التي تعلق بكل نفس جامحة إذا استولى عليها ~~الضعف وخور العزيمة. بل هو الغاية التي يبني عليها البائس يقينه، ويشيد دعائم أركانه. ~~بل هو الدعوى التي يؤيد بها برهانه، وتجري عليها نواميسه؛ ليوطد بواسطتها أحكام تخيلاته ~~وتصوراته وما يعنو له من علوم مخيلته، ويستنتج منها عاداته وأطواره، وكأنه بتلك الأوهام ~~يحيا، وبها يسمع ويرى، وعليها يموت وتنقضي أيامه. # والأوهام عبارة عن آمال كبيرة تتغلب على العجز والضعف والقوة، وهيهات أن تخلو منها ~~أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب. وربما تقف هذه الأوهام في سبيل بعض البائسين في حين من ~~الأحيان؛ فتكون لهم حجابا من الأمل الغرار. وبهذا الوهم الكاذب ترتفع عنهم البلوى، ~~وتنتهي، بل يهون نكد الدنيا، وتندثر جريمة الانتحار من مخيلتهم. # وقد يحدث من الوهم موت عاجل يقتل المتوهم مهما كان رقيق الإحساس، شريف العواطف، أو ~~شجاع القلب، عظيم الجسم. وربما يكون حياة من نكد وبيل، يخلص من الموت كل منغص حزين، ~~وكأن هذا الوهم يمثل للبائس وهو متأهب للانتحار، متقدم للإجهاز على نفسه زينة الحياة ~~الدنيا، ويحبب إليه السعادة والغنى؛ فيتوقف عن إتمام الجريمة، ويبتسم للسعادة، ويستريح ~~بهذه الآمال التي قادها إليه الوهم وهو على هاوية الهلاك؛ فيرجع عن عزمه، ويتوب عن ~~غيه. # وهكذا بني الوهم من قديم الأزل على شرائع الأمم وأعناق البشر في نواميس الوجود، ~~وبرهانا على ذلك غير الدهر وحوادث التاريخ. # والوهم ينقسم إلى قسمين؛ «الأول»: يفني الأمم ويؤدي إلى العدم، حيث تنتهي الحياة على ~~أي حال من الأحوال، «والثاني»: يعود أملا يبعث بنفوس البائسين إلى الجهاد في معترك ~~الحياة؛ ليحصل كل آمل على مناه، ويحظى بالغاية التي يرجوها. وكل أمة فشا فيها داء ~~الوهم أصبحت مزعزعة الأركان، وصار التعلل لها غرضا من الأغراض الدنيوية تغدو وتروح؛ ~~حيث تقودها الأوهام فتسير على غير ms08 هدى، وتنقاد في جميع أحوالها بأزمة الوهم الكاذب ~~الغرار. # ولو تمعن العاقل في أطوار هذا الوهم لوجد أن ليس مع السلوان عيش، ولا مع القنوط عمل، ~~ولا مع اليأس حياة، وليس أجلب للشر من وهم يخرج بالنفوس عن أطوارها، أو يأس يقفل باب ~~الرجاء في وجه صاحبه؛ فيمثل له خيال الموت في أجمل صورة، ويصور له الدنيا بأشنع شكل ~~وأقبح هيئة؛ فينتحر تخلصا من شقائه الذي هو فيه ليستريح من بؤس هذا العالم ~~ومتاعبه. ~~«البؤس» كلمة تدل على الشقاء، وهو شكل غير محسوس ولا ملموس، ومعناه الإملاق والعدم ~~والفاقة والضنك والفقر. ~~«والبؤس» أصل تعاسة الإنسان وسبب شقائه ومحنته وبلائه. والبؤس في عرفهم باب كل ويل، ~~وسياج الكرب والقهر والغم؛ إن حل في مخلوق جلب إليه سوء الطالع، وجعله في تعب مستمر غير ~~مرتاح الضمير، ونغص عليه حياته، وفتح له طريق الموت، وصيره على هلاك نفسه قادرا ~~جريئا لا يخاف ولا يفزع. # ولقد خلق الله الموت للحياة ضدا لفني العالم، كما شاءت قدرته العلية في عصر ~~محدود ودهر معدود، وكما خلق جل شأنه الموت للحياة ضدا، خلق الذكاء للشقاء حليفا؛ ~~ولذلك لا تجد ذكيا إلا والشقاء يحدوه، وفي الحديث الشريف: «ذكاء المرء محسوب عليه.» ~~وكما خلق الله الذكاء للشقاء حليفا، خلق الحسد للفضل قرينا؛ ولذلك لم تجد في الناس ~~فاضلا إلا والحساد يحومون حوله، وقال الشاعر: # إني حسدت فزاد الله في حسدي # لا عاش في الدهر يوما غير محسود # لا يحسد المرء إلا من فضائله # بالعلم والحلم أو بالفضل والجود # العالم دولاب دائر لا ينتهي إلا بانقراض الكون، ولو نظرنا إلى أمور هذه الخلائق وجدنا ~~حكما لا تندثر أبدا، ودروسا من الوعظ لا ينتهي منها اللبيب ويرعوي منها العاقل. ~~أيها البؤساء، يا من ألبسكم الدهر ثياب الحزن، وألقاكم في وهاد الهموم؛ عليكم بالصبر ~~وطول الأمل؛ فإنكم إذا ثابرتم عليهما بلغتم كل أمنية. ولا تحجموا عن الإقدام والسعي في ~~معترك الحياة؛ لأنهما أساس عمران هذا العالم. وبالإقدام على عظائم الأمور تنالون الشرف، ms09 ~~وتحظون بحظوة المجد، وتخرجون من وهدة اليأس إلى ذروة العلياء، وتصعدون من حضيض الخمول ~~إلى غاية العز والسؤدد. فثبتوا أقدامكم، ووطنوا نفوسكم، تنالوا رغباتكم، والله ~~معكم. # البؤساء # لو نظرنا إلى فلسفة هذا العالم وحكمة المبدع الحكيم في خلقه؛ لوجدنا أن جميع علماء ~~الأرض وفلاسفة الكون على الإطلاق ما هم إلا من وسط ضاق به الحال، وأصبح من شدة الضنك لا ~~يملك درهما، والجميع بحمد الله صفر اليدين من الغنى، وكفى بأنبياء الله حجة على ذلك ~~وبرهانا ناصعا لا مراء فيه. ~~«البؤساء» قوم وضعتهم الدنيا في أخشن مواضعها، وداهمتهم الأيام بالمصائب فاستهانوا ~~بنكباتها، وجفاهم الحظ فرضخوا لأحكام القدر، وصادقهم النكد فحفظوا له واجب الصداقة ولم ~~ينقضوا له عهدا، وسئمت منهم الأيام فكانوا عليها عالة، وأمرتهم الطبيعة بالذل فنبذوا ~~أمرها، وهجروا صفوها؛ فسخرتهم للحياة فساروا في سبيل الموت سراعا. ~~«البؤساء» قوم خلع عليهم الدهر حزنه وجر عليهم فضل بلائه؛ فأوقفوا بعض حنين قلوبهم ~~إلى غير ما تحن إليه من صبابة المحاسن والجمال، وهاموا في وهاد الدنيا وأتوا بأعمال من ~~الأشجان لا تدخل تحت حصر، فتراهم مع ما هم عليه من بواعث الحزن والنكد لا ترتاح نفوسهم ~~الأبية إلا لعمل الخير، وتراهم وهم في أشد حالات المحنة يعطفون على البؤساء أمثالهم، ~~ويميلون من تلقاء أنفسهم إلى من جفاهم الحظ وسحقتهم الهموم. ~~«البؤساء» قوم خطت الطبيعة على جبينهم سطور الشقاء، ومشى الدهر خلفهم يومي للمصائب ~~نحوهم ببنانه؛ فتبعتهم ملبية أمره، وتنقض عليهم منفذة أحكامه. ~~«البؤساء» طائفة رمتهم سهام القدر؛ فباتوا للبلاء عرضا، وأصبحوا في هذا الكون حيارى ~~لا يهتدون إلى منار السعادة، ولم يبلغ بهم سفين الحياة شاطئ السلامة. # ومهما كان من فظاظتهم، ومنتهى ضلالهم في إزهاق أرواحهم؛ تجدهم يستهينون بالموت، ولا ~~لوم عليهم إذا ارتكبوا جريمته؛ لأنهم ما رغبوا في عذابه إلا فرارا من نكد الحياة وشظف ~~العيش المهمين، ولذا تجدهم دائما في كساد حال وتعبيس وجه، إلى شكوى هموم واحتمال ~~أشجان. وهم قوم قد لازمهم سوء الطالع؛ فأصبحوا بين ويلات عديدة تعددت ms10 أطوارها، وتراكمت ~~حوادثها؛ من فقر مدقع إلى مرض وبيل، وعذاب مهلك، وحتف مميت، ومن يأس عاجل إلى تكدير ~~صفو، ومحنة دنيا، وبلاء أيام. ولو ساعدهم الحظ لكانوا سعداء، وما في ذلك لوم، وإنما ~~الذنب على الطبيعة الجائرة والقدر المتاح، وما عليهم من وزر إذا أطاعوا القضاء في ~~واجب حكمه، ولاذوا بالفرار من دنياهم؛ ليستريحوا من عذاب البؤس، ويجدوا في الموت راحة ~~بعد ذلك العناء الوبيل. وما هي غير حشرجة الموت، واختلاج الروح في جسم ضعيف؛ ثم تنتهي ~~الحياة بخروج آخر نفس كان يتردد فيه، وفي مدة لا تتجاوز طرفة عين تصعد الروح لباريها ~~العظيم. وأكثر البؤساء يجدون الموت سهلا مع ما فيه من عذاب أليم وهول شديد، وسواء ~~لديهم أن كان قتلا أو خنقا أو غرقا أو حرقا، وفي يقينهم أن الروح دخلت الجسم بسهولة ~~وتخرج منه بسهولة. «قيل» إن عروة بن الزبير لما قطعت رجله وفصلوها عن جسمه لم يعبس ~~وجهه، ونظر إليها وهي بين يديه وقال: أي قدمي، إني سخي بنفسي عنك؛ لأني لم أنقلك إلى ~~خطيئة قط. ثم تمثل بقول معن بن أوس المزني: # لعمرك ما أهويت كفا لريبة # ولا حملتني نحو فاحشة رجلي # ولا قادني سمعي ولا بصري لها # ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي # وأعلم أني لم تصبني مصيبة # من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي # ثم قال: ليهنك إن أخذت لقد أبقيت، وإن ابتليت لقد عافيت. وكذلك ما حكي عن الحسين بن ~~منصور الحلاج العابد الناسك الصوفي؛ غضب عليه الخليفة المقتدر العباسي فحبسه سنتين، ثم ~~سلمه إلى حامد بن العباس في دار الشرطة فضربه ألف سوط، ثم أمر بقطع يديه ورجليه، ~~ففعل به ذلك وهو يقول: # أحرقه الود الذي لم يكن # يطمع في إفساده الدهر # ما قد لي عضو ولا مفصل # إلا وفيه لكم ذكر # ولم يتأوه أو يستغيث بأحد، ثم أمر به فصلب على خشبة. «ودخل عليه عمر الصفار ~~الصوفي» وهو مصلوب فوجده ضاحكا مستبشرا لم يتلفظ بألفاظ قبيحة تكره سامعها، فقال له: ms11 ~~ما التصوف يا حسين؟ فقال: هذا أوله ، واصبر كما أنت الساعة ليبدو لك آخره. وبينما هما ~~كذلك وإذا بوالي الحبس قد جاء ومعه شرذمة من الجند فأمرهم بإنزاله عن الخشبة المصلوب ~~عليها لتضرب عنقه، فصاح بأعلى صوته: يا ابن الصفار هذا آخر التصوف! ثم ضربت عنقه ~~وعلقت رأسه على سور السجن، وبعدها أحرقوه بالنار. وأمثال هذا النوع من البؤساء كثيرون، ~~وعموم البؤساء يجدون أن النزوح عن الدنيا أمر لا ريب فيه، ومتى حل بهم كرب لا يتطلعون ~~إلى نعيم الحياة، ولا تتوق أنفسهم إلى بهجة الأيام، ولا يدرون لفراق العالم طعما، ولا ~~يضجرون لبعد الأحبة ذلك البعد الطويل، الذي يبتدئ بسفر لا عودة منه. ولا ترهبهم وحشة ~~القبور الدارسة، بين خرائب عاطلة، لا أنيس فيها غير بوم ينعب وغراب ينعق، في سكون هادئ ~~رهيب، ولا يروعهم البلى، ولا يدهشهم توسد الثرى، ولا نهش الحشرات تلك الأجسام الناعمة؛ ~~حيث يذوي ذلك الجمال، وتندثر محاسن ذلك القد الرشيق، والقوام العادل الفتان. ولو تأملنا ~~حالة البؤساء بإمعان شديد وجدنا كل سراء وضراء لا تؤثر عليهم؛ فسيان عندهم الموت ~~والحياة، لا فرق لديهم بين الترف والنعيم، والعذاب والجحيم، وسيان عندهم تمتعوا ~~بالخيرات الوافرة والسعادة الدائمة، أو عانوا أهوال البؤس ودواهيه، والفقر المدقع ~~الوبيل، في شظف العيش ونكد الأيام. # ولا عجب إذا ابتسموا للموت، وهشوا للمصائب، وحنوا للحتف العاجل، واستبسلوا للعناء، ~~ولم يجزعوا وهم في حالة النزع الأخير ... وفي شرعهم الذي شرعوه، وقانونهم الذي نهجوا ~~عليه، أن الموت راحة من كل عناء، وهو الدواء الناجع لكل محزون كئيب، بل هو للبؤساء جل ~~أمانيهم ومنتهى رغباتهم، ومع ما في الموت من عذاب يقابلونه بوجه طلق، ومحيا وضاح، وثغر ~~ضاحك بسام، كأنهم لا يخشون قدرة حاكم سرمدي، لا يرد له حكم، ولا يفلت من قضائه ~~أحد. # نفوس البؤساء # ولما كان البؤس علة الإنسان في هذه الدنيا خلق الله للبؤساء نفوسا تجردت عن الملاهي، ~~فأصبحوا بواسطة هذا التجرد لا يطربون إلا لقصص المنكوبين، ويتلذذون بسماع نوادرهم ~~وأخبارهم، ويجدون ms12 في تلك الأنباء ما يعينهم ويسليهم على مصائبهم، ويشعرون عند تلاوة تلك ~~القصص المحزنة بالراحة التامة والعزاء الجميل. وهكذا كل نفس منكودة تحن من طبيعتها إلى ~~ذكر البؤس، والقلوب الموجعة تشتاق إلى الأفعال الطيبة إن لم تنعكس عليها المشاكسات ~~الطبيعية التي تنشأ أحيانا من سوء الخلق وضيق الصدر، وخصوصا مع من نكبهم الدهر ~~بالفقر المدقع. # ومن المقرر الواضح أن النفوس إذا خشعت في عنفوان شبابها، وكبرت على أطوار المحن ~~والرضوح؛ أصبحت ولا شك تميل إلى الخير أكثر منها إلى الشر، وتتحاشى ما يوجب الضرر؛ ~~وحينئذ يكون خشوعها عظيما لأنه صادر من أعماق ~~الضمير. وإذا نالت تلك النفوس التي أدبها الفقر حظها من الغنى؛ انقسمت إلى قسمين: ~~«قسم» يميل إلى عمل الخير جهد استطاعته؛ فيؤاسي البؤساء، «والثاني» يكون شرها شريرا ~~لأنه ما تعود بسطة الكف، ولا وقف وقفة الكريم المتفضل؛ وما ذاك إلا لأنه وجد في ~~عصر مظلم، وجو قاتم لا يعرف فيه نور الهدى. ولما كان كذلك تنوعت أعمال هذه النفوس ~~وتغيرت أطوارها على اختلاف مشاربها وتباين طباعها، وأصبحت الطبيعة كأنها تشارك الإنسان ~~في أحواله وأطواره، وكأن تلك العناصر والجمادات عوامل حية في ذلك المعترك الحيوي، الذي ~~جمع بين طوائفه تهديد الضنك والأسى، ومغانم الحظوة والسرور، وصار بعناصره كالجيش ~~المحارب في ميدان الجهاد؛ بين انتصار وخذلان، وأخذ ورد، وإقبال وإدبار؛ لتقضي كل نفس ~~لبانتها، وتبلغ النفوس السعيدة شأوها من الغنى، ويتأهب البائس لاحتمال ضرورة الفقر ~~والشقاء. ومن أدرك فربما قادته الضرورة إلى اقتحام أهوال الموت، وهو لا يعلم ولا يدري. ~~ولله در الفيلسوف العربي حيث قال: # إذا كانت الأفعال يوما كأهلها # كمالا فحسن الخلق أبهى وأكمل # وإن كانت الأرزاق قسما مقدرا # فقلة جهد المرء في الكسب أجمل # وإن كانت الدنيا تعد نفيسة # فدار ثواب الله أعلى وأنبل # وإن كانت الأبدان للموت أنشئت # فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل # وإن كانت الأموال للترك جمعها # فما بال متروك به المرء يبخل # اليأس # اليأس عنوان الشقاء، وأصل كل تعاسة، بل هو فاتحة الشر ms13 ودليل الخسران ومنبع الكبائر، ~~كم بدد لذات ، وقوض من آمال، وأوهن من عزائم، وأذل من نفوس! بل هو علة مخلوقات الله ~~تعالى. «اليأس والبؤس» كلمتان متشابهتان؛ فاليأس حليف الموت، والبؤس حليف الفقر. ومن ~~بواعث اليأس: الهم، والغم، والشر، والشقاء. # وموضوع اليأس مريع حير فلاسفة العالم، وأدهش حكماء الكلام، وتاهوا في معنى أسبابه ~~وحصوله. كم من ملوك دوخوا أقطار العالم، ورهبت بأسهم الدنيا! إذا استولى عليهم اليأس ~~تراهم وقد تزلزلوا عن عروشهم، وتقوضت دعائم مجدهم، وفي لحظة واحدة تجدهم تحت رحمة ~~القضاء العاجل والحتف المميت. وكم ملك فتح مدائن الأرض بمرهف سيفه، وهدم القلاع بقوة ~~بطشه، واستعبد الأحرار بجبروته، وأسر الملوك بعزمه وحزمه، وسار القواد تحت أمره ~~ورأيه، ومشت سنابك خيله على جثث العباد، ورفات الخلائق من بني الإنسان! ولو شاء لجرى ~~القضاء طبق ميوله، واستلم النصر بيمينه، ولعب بالخلائق لعب الباشق بالعصفور الحقير، ~~يقلبهم كيف شاء وشاءت أطواره وأفكاره، وبينما جيشه يسد فراغ الأرض، ويحجب غباره ضياء ~~الشمس، وقد سطع شعاع سيفه كبرق لامع أضاء تلك الآفاق ليهتدي ببريقه جيشه وقواده، ~~ومتى لعبت به صروف الدهر أو عاكسته الأيام؛ تجده وقد أشاح عنه القدر تلك العظمة، ~~وزلزلته النكبات فهبط من سماء مجده إلى الحضيض الأسفل من الأرض، بائسا يائسا كأنه قنط ~~من رحمة الله تعالى، وكأنه لم يكن شيئا مذكورا بعد تلك الانتصارات التي سطرتها له ~~الأيام على جبين الدهر، ولم يوطد دعائم مجده وفخاره، وكأنه وهو في تلك الحالة من تقويض ~~الآمال العظيمة ترك عليه الشقاء أثرا من بلائه؛ فأصبح يناجي الموت ليريحه من متاعب ~~الدنيا ونحوسها، بعد أن كان يناجيه الحظ، وتخدمه السعادة، وتنحني أمامه الرءوس رهبة، ~~والهامات هيبة وإجلالا. خانه الدهر وتنكرت عليه الأيام؛ فأصبح وكأنه لم يكن ذلك ~~المخلوق المجدود الذي أسعدته ظروف الولادة. ومن أدراك به فربما مات شريدا عن وطنه، أو ~~حكمت عليه يد غاشمة بالنفي الدائم أو السجن المؤبد؟! وهذا قليل من كثير ممن صادفهم سوء ~~الطالع، وهم من الملوك العظام يضيق بنا ms14 المقام عن حصرهم. # القسم الثاني # | تعساء الشقاء حلفاء الفقر # «الفقر» هو الفاقة، والفاقة هي البؤس الحقيقي، ومن أصابته علة الفقر صار شقيا. والفقر ~~متى حل بقوم جعلهم في نكد مستمر، وجلب عليهم الهم من كل صوب. ومن نكب بالفقر فهو من بؤساء ~~الدنيا، والبائس من عاش محروما من مشتهيات نفسه. ولقد داهم الفقر طائفة من المشاهير ~~الأعلام، نوابغ الدنيا وحكماء الكلام، وفلاسفة الدهور وعلماء الإسلام. # تراهم وقد حلينا برسومهم هذا الكتاب؛ إتماما للفائدة التي بسببها اعتمدت على الله عز ~~وجل وقمت بواجب طبعه ونشره بين الناس، وأنا على يقين من أنه لم يسبقني في وضعه أحد، بل هو ~~الكتاب الوحيد في هذا الفن. # الفارابي ~~«الفارابي» وهو محمد أبو نصر بن محمد بن أوزلع بن طرخان، من مدينة فاراب ببلاد ~~الترك، كان إماما فاضلا، وفيلسوفا كاملا، برع في الفلسفة وأتقنها وأظهر محاسنها، ~~وتفنن في فن الموسيقى واخترع فيه ما لم يسبقه إليه أحد، وشرح كتب الأوائل. وكان في ~~أول الأمر قاضيا ببلاده، فأودع عنده رجل من التجار جملة من كتب أرسطاطاليس، فتلاها ~~فصادفت عنده قبولا؛ فانكب عليها بجملته. وتجرد عن مركزه وترك القضاء لأجلها وسافر ~~إلى بغداد، وأقام بها. وقرأ المنطق على ابن حبلان، وقرأ النحو على أبي بكر بن السراج، ~~ثم سافر إلى مصر، ومنها رحل إلى الشام وأقام بها إلى أن توفي سنة 1334 هجرية. وكان على ~~ما هو عليه من العلم والحكمة والفلسفة قانعا باليسير من عيشه، ولم يتحصل من الرزق إلا ~~على القليل التافه. # وفي آخر أيامه رتب له الأمير سيف الدولة أربعة دراهم يصرفها في الضروري من حاجاته. ~~وترك من المآثر ما خلد اسمه على ممر الأيام، وهو أحد فلاسفة الإسلام الأعلام. ~~«أخلاقه»: ولقد كان هادئا وديعا عاقلا دمث الأخلاق، حاضر الذاكرة، قوي الذهن، لا ~~يهاب أحدا، وإن كان دائما كثير الصمت إلا أنه شديد الحفظ، وله من عزة نفسه العالية ~~مكانة سامية تقصر عنها همة الملوك، وتسجد لعظمتها العظماء. # الخليل بن أحمد # وهو الخليل بن ms15 أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي، كان إماما في علم النحو، وهو الذي ~~استنبط العروض، وعنه أخذ سيبويه وغيره من العلماء. وكان رحمه الله متقللا من الدنيا، ~~صبورا على العيش الخشن والضيق الشديد، وكان يقول: «لا يجاوز همي ما وراء بابي.» وكان ~~له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي والي فارس والأهواز، فكتب ~~إليه سليمان يستدعيه بكتاب شديد اللهجة، فكتب الخليل رد جوابه بقوله: # أبلغ سليمان أني عنه في دعة # وفي غنى غير أني لست ذا مال # سخا بنفسي أني لا أرى أحدا # يموت هزلا ولا يبقى على حال # الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه # ولا يزيدك فيه حول محتال # والفقر في النفس لا في المال نعرفه # ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال # فلما وقف سليمان على كتابه قطع عنه الراتب فاحتاج إلى ما ينفق، ولما اشتد عليه ~~الحال ارتحل إلى البصرة وأقام في كوخ صغير من أكواخها لا يقدر على نفقة القوت الضروري، ~~وأصحابه يكتسبون بعلمه الأموال، وكان دائما يتمثل بقوله: # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله # وليس لهم حتى النشور نشور # وأرواحهم في وحشة من جسومهم # وأجسادهم قبل القبور قبور # وكان إذا قدم على سيبويه يقول له: «أهلا بزائر ~~لا يمل.» # وتوفي إلى رحمة الله فقيرا معدما سنة «170 هجرية» بعد أن ترك في عالم الأدب ~~والعلم ما لا يندثر ويجعله في درجة عالية كأنه لم يمت، وسيبقى اسمه بين الناس ما بقيت ~~مؤلفاته إلى يوم القيامة. ا.ه. # الترمذي ~~«الترمذي» هو الإمام العالم العامل محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الشافعي، ~~كان رحمه الله مطبوعا على الأدب ومكارم الأخلاق، متحليا بالفضائل، سار ذكره مسير ~~الشمس والقمر حتى ملأ الآفاق بعلمه، ولم يكن للشافعية أرأس منه في وقته، ولا أروع ولا ~~أحشم. # وكان مع هذا العلم الفائق على جانب عظيم من الفقر المدقع، وكثيرا ما كان يقول: «إن ~~سعادة الحياة وهم باطل، ونعيمها خيال مائل، ومتاعها عرض زائل، سرورها أحزان، ولذتها ~~آلام، ms16 ولو كنت أعجب بشيء فما أعجب إلا بمن تعلقوا بحب الدنيا، وهاموا بسعادتها ~~الموهومة، وأطربهم سماع لفظة «السعادة»، تلك الكلمة الحلوة، حتى تخيلوها نعمة ما فتحت ~~عين ابن آدم على أتم منها حسنا، ولا أجمل منها صورة، وباتوا يتهالكون في السعي خلفها ~~ليدركوها، ولكنهم عجزوا عن لحاقها ولم يجدوها، وأخيرا بحثوا عنها فلم يقفوا لها على ~~أثر، وأين يجدون هذه السعادة؟ أفي قصور الملوك ومقاصف الأمراء، حيث يضرب الهناء قبابه، ~~ويوطد أطنابه، وتتسرب الحظوظ في جميع أماكنها، أم في بيوت الفقراء الحقيرة، حيث يحل ~~الفقر وينيخ ركابه؟» ~~«وله في وصف الحياة»: ما أكثر خداع هذه الحياة! إنها كالسراب يحسبه الظمآن ماء، كلما ~~جد في طلبه ازداد بعدا، وكلما يئس وتوانى عن طلبها؛ أبرقت له وازداد لمعانها، عساه أن ~~يوفق للحاق بها. ~~«وكان دائما يقول وهو في أشد حالات محنته»: ما أضيقك أيتها الحياة لولا فسحة الأمل ~~الكامن في صدورنا! # وكان رحمه الله صبورا على الشدائد والعيش الخشن، حتى إنه ليصح عنه أن يلقب ب «أمير ~~البؤساء». قيل إنه من شدة فاقته مكث سبعة عشر يوما لا يقتات إلا لفتا، كل يوم وليلة ~~يأكل واحدة. وتوفي إلى رحمة الله فقيرا معدما، وعلى منتهى البؤس والفاقة، لا يجد قوت ~~ليلة، وكانت وفاته سنة «295 هجرية». # جحظة البرمكي # وهو أبو الحسين أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، كان فاضلا أديبا ~~صاحب فنون وأخبار، ونوادر وأشعار، ومنادمة ومجون، وخلاعة وشجون، نشأ في حجر الخلافة ~~العباسية، وترعرع في مهد العز والرفاهية، وناهيك بآبائه الكرام، بني برمك أشهر كرماء ~~الإسلام. ولد جحظة والدنيا زاهرة زاهية، وعائلته تفوق الملوك بالكرم والسخاء، حتى بات ~~الخليفة يحسدهم ويغار منهم، وسرعان ما أضمر لهم السوء فنكل بهم تنكيلا ~~شديدا. # وأصاب البؤس جحظة كما أصاب أجداده من قبله، وبات لا يملك ما ينفقه، وكان لشدة تعلقه ~~بالعلم يمكث طول ليله يراجع النكات الأدبية، ومباحث العلماء والفقهاء، ولما لم يجد ما ~~يضيء يغتم غما شديدا، وينكب على ms17 وجهه من شدة الكدر. ومن لطائف شعره: # وقائلة لي كيف حالك بعدنا # أفي ثوب يسر أنت أم ثوب معسر؟ # فقلت لها لا تسأليني فإنني # أروح وأغدو في حرام مقتر ~~«ومن محاسن نثره»: لقد طلبنا السعادة في المال فما وجدنا، وفي الحياة فما استفدنا، ~~وفي الفقر فما استرحنا. وإذا طلبنا السعادة وأردنا أن نعيش سعداء؛ نفرت منا، واحتجبت ~~عنا، وأصبح من المستحيل أن نتمتع بالحياة الحقيقة، والسعادة المرغوبة في هذه الدنيا. ~~ورغما عن العوارض التي تعترضنا فلا بد من الوصول إلى أوهام السعادة، وإذا لم نعثر ~~عليها فلنطلبها في الخيال الوهمي، لنطلبها في الأمل الفسيح الذي نبتهج به، ويسطع لمعانه ~~على نفوسنا فيبدد ديجور ظلامها الحالك. «وله من الحكم المأثورة»: إننا نتوق كثيرا إلى ~~السعادة، ولكننا لا نعرف كيف السبيل إليها. # وتوفي حزينا مكتئبا فقيرا بائسا سنة «326 هجرية». # النضر بن شميل # النضر بن شميل هو العالم المتبحر، الشاعر التميمي المازني النحوي البصري، بل هو أعلم ~~أهل زمانه بفنون العلم والأدب، وهو صاحب «غريب الحديث»، ومن أصحاب الخليل بن أحمد بن ~~عمرو الفراهيدي. # ضاقت به الحال بالبصرة فخرج يريد خراسان عساها أن تكون سببا في اتصال عيشه واتساع ~~رزقه؛ فشيعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو لغوي أو عروضي ~~أو إخباري. فقال لهم: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم، ولو وجدت ما يسد رمقي بين ~~ظهرانيكم ما فارقتكم. # فلم يتكفل أحد بطعامه، وسار حتى دخل بغداد، فدخل على أمير المؤمنين المأمون في ثوب ~~مرقوع، وهو في شدة الفاقة والفقر، فقال له المأمون: ما هذا التقشف؟! فقال: يا أمير ~~المؤمنين، شيخ ضعيف، وحر شديد؛ فأتبرد بهذه الخلقان. فقال المأمون: لا، ولكنك قشف. ثم ~~تجاذبا أطراف الحديث إلى أن أدى بهما إلى السداد بمعنى البلغة، وسد الثلمة، فأورده ~~المأمون بفتح الثاء، فرده النضر وبين له أن المفتوح إنما هو القصد لا البلغة، فأمر له ~~عند انصرافه بخمسين ألف درهم يقبضها من الفضل بن سهل، فصرفها له الفضل ms18 ثمانين ألفا عند ~~وقوفه على سبب الصرف. وتوفي النضر بمرو سنة «402 هجرية» وهو معدم في شدة ~~الإملاق. # النيسابوري # هو الإمام الحافظ الفقيه الورع، العالم العلامة، وحيد دهره، وفريد عصره، أبو بكر ~~عبد الله بن زياد النيسابوري، ولد رحمه الله من أبوين كريمين، وترعرع في نعمتهما، ~~ونشأ في يسار وبسطة وغنى، ولما بلغ العاشرة من عمره توفي والده فاحتضنته والدته، ~~ولكنها بعد سنة لحقت بوالده فأصبح لطيما، ولحقه الإملاق ولم يتركا له من المتاع ما ~~يستعين به؛ فأقام يعاني أهوال الفقر أربعين سنة وهو مكب على دروس العلم في محافل ~~العلماء، ولم يرزق الغنى في حياته، ولم ينم الليل إلا غفوات، ويتقوت كل يوم بخمس ~~حبات، إلى أن انتقل من دار الدنيا. ومن محاسن نثره: «الإنسان بين الأمل واليأس.» ~~«الأمل» قوة عظيمة تسوق الإنسان إلى العمل؛ فينشط من عقال الخمول، ويرتقي ذروة المجد ~~العالية، ومهما صادفه من عقبات توقفه في طريقه، وتعيقه عن إدراك ما يروم؛ فإن عوامل ~~الأمل تدفعه إلى العمل بخطوات واسعة؛ فيتخطى العقبات، ويتسلق الجبال، ويغوص البحار، ~~ويركب كل صعب ما دام الأمل رائده، ولا ينتهي من جهاده إلا إذا بلغ أمنيته وأدرك غايته، ~~أما إذا عصفت عليه زوابع اليأس، ولفحته رمضاء القنوط؛ استولى عليه البؤس، وامتلأ فؤاده ~~حزنا وأسى، وضاق في عينه فضاء الأرض الذي ترامت أطرافه. ومتى بلغ به اليأس حد ~~التعاسة؛ خانه الصبر، وفقد تلك القوة التي تسخر الإنسان إلى الحياة؛ فتراه واقفا ~~يندد على الدنيا، ويتمنى الرحيل إلى الدار الآخرة، ويستعمل كل غاية للقضاء على أجله. ~~ومن البؤساء من يقتل نفسه بخنجره، أو يلقي نفسه من مرتفعات شاهقات. «ومنهم» من يتردد ~~بين الموت والحياة، فيقف على شاطئ نهر يخطب ود أسماكه إشفاقا على جسمه من أنيابها، فإن ~~استقوى عليه اليأس زج بنفسه في اليم وهو يحمل في صدره حقدا على الدنيا المحفوفة ~~بالمكاره والأخطار، ويود لو زالت العوالم معه واندكت دعائم الوجود. أما إذا تغلب ~~الأمل على اليأس؛ فتراه وثب وثبة النمر، وأخذ ms19 يخاطب المستقبل الرهيب بألفاظ لا يفهمها ~~سواه، ثم يضم قبضتيه ويهدد الزمن وهو هازئ به، ساخر عليه. وتستحيل أوهامه إلى حقائق ~~فينظر إلى الزمن غاضبا، ويرنو إلى السعادة التي ولدها بقلبه الأمل، وكأنها تدنو منه ~~وتحول بينه وبين الموت. ولولا هذا الأمل العالق بقلوب بني آدم ما غرس غارس، ولا أرضعت ~~أم ولد، ولا طال عهد الإنسان بالدنيا، ولا نفض عن جسمه غبارا أثارته عواصف الأكدار. ~~واليأس من غير شك مهلك الأفراد؛ ما حل بإنسان إلا وتنغصت عليه حياته، وأصبح حبل الموت ~~أقرب إليه من الوريد. وكذلك إذا تسرب بأمة من الأمم فإنه يكتسحها أمامه، ويبيدها عن ~~آخرها. # ومتى عرفنا ذلك وجب علينا ألا ندع لهذا اليأس سلطانا على قلوبنا، ونتخذ الأمل ~~رائدا، ومن الحقائق الطبيعية أن لا يأس مع الأمل، ولا أمل مع اليأس. وتوفي رحمه الله ~~على منتهى البؤس والفقر سنة «322 هجرية». # أبو الحسن بن بوعت # كان رحمه الله شاعرا مجيدا إلا أنه قليل الحظ من الدنيا، عاش طول عمره فقيرا من ~~المال غنيا بالعلم، وكان يرتدي ثوبا من نسيج الوبر الخشن ليس له غيره، ولا يجد ما ~~يقتات به، وربما يطوي طول يومه جوعا، وتأبى عليه عزة نفسه أن يطلب من الناس شيئا، ولم ~~يمتدح أحدا أو يتظاهر بالرياء قط، على أنه لو فعل لكان من أحسن الناس حظا. «قيل» ~~إن الأمير ابن عبد الله الوائلي استدعاه لخدمته فمكث عنده أسبوعا، وتصادف أن ناداه ~~ذات يوم بلهجة استعجال وتهكم كما هي عادة أمراء ذلك العصر؛ فلم يرد عليه ابن بوعت، ~~ولكنه نظر إليه نظرة حوت كل ما في نفسه الكبيرة من العظمة والطمأنينة، وخرج من القصر ~~مرفوع الرأس موفور الكرامة، ولم يتجاسر الأمير ولا أحد أتباعه على سؤاله. # وبعد أيام غادر البلدة قاصدا مصر، فوصلها بعد جهد جهيد وتعب شديد، وعناء ما بعده ~~عناء، ومكث في أحد جوامعها زاهدا متعبدا. # وكان له وهو على هذه الحالة مجلس علم لا يحضره إلا العلماء، وقد انتفع بعلمه وأدبه ms20 ~~خلق كثير. # وهو على حالة من الضرورة وشدة الفاقة. # ومن محاسن شعره : # من ظن أن الغنى بالمال يجمعه # فاعلم بأن غناه فقره أبدا # فاستغن بالعلم والتقوى وكن رجلا # لا ترتج غير رزاق الورى أحدا # وقال ابن سلام: كان لأبي الحسن بن بوعت شهرة كبيرة في جميع الممالك الإسلامية، وكان ~~الناس ينظرون إليه نظرة احترام وإعجاب عظيمين، وعلى شدة تقشفه وورعه وانهماكه في طلب ~~العلم والاستزادة منه، كان على جانب عظيم من الذكاء النادر وسرعة الخاطر والنشاط ~~الغريب، وأبدى في الإفتاء في بعض المسائل المعقدة ما يشهد له بالفخر والإعجاب، وكان على ~~هذا النبوغ العظيم، والمواهب السامية، أفقر خلق الله، دام يعاني أهوال البؤس وشقاءه طول ~~حياته. # وقال الإمام الوهابي: ما رأيت مشهدا حافلا أروع وأحشم وأعظم وأكثر جموعا من مشهد ~~ابن بوعت؛ فقد كان في جنازته جموع لا يعلم أحد كيف جاءوا، ولا كيف كانوا، ولا ما هو ~~عددهم بالضبط، ولقد خيل لي أن هذه الجموع كان أولها في القرافة وآخرها عند ~~المسجد. ~~«وكانت وفاته رحمة الله عليه بمصر سنة 416 هجرية.» # أبو الصلت # وهو أمية بن عبد العزيز الأندلسي، كان أديبا ماهرا في علوم الأوائل، عاش فقير الحال ~~معدما محروما من الغنى طول حياته، وذلك بدليل قوله: # وقائلة ما بال مثلك خاملا # أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز؟ # فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني # لما لم يحوزوه من الفضل حائز ~~«ومن محاسن نثره يصف الحياة»: الحياة كما يقولون سعادة دائمة، وكل جمال مشتق من ~~جمالها الرائع، وجمال الطبيعة أيضا من بعض جمالها العبقري، وكثيرا ما خدعت الناس ~~بسرابها الكاذب، ونجد فيها السعادة شقاء، أضعنا الوقت في تحصيل العلوم، وفي وقت أخلصنا ~~فيه قلوبنا من مشاغل الحياة، وضحينا على مذبحها المقدس عواطفنا الشريفة؛ ولم نفز ~~بطائل، ولم نتمتع بهناء النفس الذي تعللنا به، وكأننا ونحن في دائرة الحرمان أصبحنا - ~~والدنيا بملاهيها - لا قيمة لها عندنا، وما بأساء الحياة وشظف العيش الذي نحن فيه إلا ~~كسجن، ولا خلاص لنا منه إلا ms21 بالموت، فنستريح من مشاغل الحياة، ونطمئن بالراحة في دار ~~الخلود. توفي رحمه الله سنة «538 هجرية». ~~«صفاته»: كان متوسط الجسم، متوسط القامة، حسن الهيئة، محترما من جميع معارفه، وكان ~~على جانب عظيم من الذكاء والفهم وسلامة الذوق. ولقد خدم العلم والأدب خدمات جليلة تشهد ~~له بالفضل والنبوغ، وكثيرا ما سمع بأذنه عبارات المديح والإطراء من أفواه طوائف عديدة ~~من العلماء والشعراء. # القاضي عبد الوهاب # هو القاضي العادل عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي، كان رحمه الله من الأفاضل ~~المشهورين، والعلماء المعدودين، بل هو خيرة الأدباء من الناس، ولسان أصحاب القياس، نبت ~~به بغداد، على حالة البلاد، فخرج منها طالبا مصر فشيعه من أكابرها خلق كثير، فقال ~~لهم لما ودعوه: والله لو وجدت بين ظهرانيكم كل غداة وعشية رغيفين من خبز ما ~~فارقتكم. فلم يكن فيهم من يتكفل له بذلك فأنشد: # بغداد دار لأهل المال طيبة # وللمفاليس دار الضنك والضيق # أقمت فيها مضاعا بين ساكنها # كأنني مصحف في بيت زنديق # ولما شد رحاله أنشد: # سلام على بغداد في كل موطن # وحق لها مني سلام مضاعف # فوالله ما فارقتها عن قلى لها # وإني بشطي جانبيها لعارف # ولكنها ضاقت علي بأسرها # ولم تكن الأرزاق فيها تساعف # وكانت كخل كنت أرجو دنوه # وأخلاقه تنأى به وتخالف # فلما وصل مصر تلقاه أكابرها بالبشر والكرامة، وأنزلوه أحسن بيوتها، وأهدوه كثيرا ~~من الهدايا الفاخرة والعطايا الوافرة والأرزاق الجزيلة؛ فحمل لواء العز فيها، وملأ ~~أرضها وسماءها بمعارفه ولطائفه؛ فتناهت إليه الغرائب، وانهالت عليه الرغائب، ولم يطل ~~عليه هذا الحال غير بضع شهور. وحينئذ ظهرت مواهبه الفائقة ونبوغه العلمي، وقال وهو في ~~مصر في بعض مذكراته يصف عظمة أبناء وادي النيل: # للإحسان طرق متعددة، تختلف باختلاف نواحيها، ومهما كانت نتيجة هذا الاختلاف، فقد تؤدي ~~هذه الطرق إلى غاية واحدة؛ هي تخفيف ويلات الإنسانية المعذبة، وعلى الخصوص طائفة ~~البؤساء، بتجفيف دموع هؤلاء الذين نكبوا في الحياة. ويجب على أهل الخير والإحسان أن ~~يجبروا هذه القلوب المصدوعة التي ضعضعها الزمن. ms22 # ولقد وجدت من أبناء مصر، وفي كل ناحية من نواحيها منتهى العناية، ومدارج البر ~~والإحسان في نواح كثيرة، وسبل متعددة. وإن سماء مصر تظل جيشا جرارا، كلهم بل جلهم ~~ليس لهم من مسترزق يتعيشون منه غير إحسان المصريين الكرماء. # ولو كان للإحسان أصل في عالم الوجود؛ فلا شك أن كرماء مصر هم ذلك الأصل ~~ومصدره. ~~••• # وقال من مذكرة أخرى: إن الأمة المصرية الكريمة من خير الأمم، بل الأمة الوحيدة التي ~~ضربت في الحضارة بقسط وافر، وبينها وبين الأمم الأخرى فرق عظيم من حيث السخاء ومكارم ~~الأخلاق وإكرام النزيل، وأين هذه الأمة العظيمة المتمدينة الراقية، التي لا يعلم عصر ~~تمدينها وهو يرجع إلى آلاف الآلاف من السنين، من أهل بغداد على شحهم وبخلهم وحاجتهم ~~إلى العلم بالكرم والجود؟! ~~••• # وفي هذا الوقت القصير الذي مكث فيه بمصر استقامت أحواله؛ فصار كأنه ملك أو أمير، ونسي ~~بل تناسى أيام بؤسه وشقائه. # وكان وديع النفس هادئ الطباع، دمث الأخلاق، قوي الذاكرة، عالما متبحرا في العلم، ~~وكان له في القاهرة مجلس علم حافل لا يجتمع فيه غير العلماء والوجهاء وأعيان ~~الدولة. # وبالجملة فقد كان القاضي عبد الوهاب محترما مهيبا. ~~«ومما روي عنه»: أنه في ذات يوم أمر طاهيه أن يصنع له صنفا من طعام كانت نفسه ~~تشتهيه، فلما جاء الطاهي به أخذ يأكل فوق طاقته (أي أنه أكثر من تناول هذا الطعام) ~~فكانت شهوة نفسه قاضية على حياته، ولم يتمتع بملذاته، وقال وهو يجود بآخر نفسه: «لا ~~إله إلا الله! لما جئنا نعيش متنا.» # وكانت وفاته بمصر سنة «450 هجرية». ا.ه. # ابن الخياط # هو أبو عبد الله محمد الثعلبي المعروف بابن الخياط، الشاعر المفطور، والمتكلم ~~المشهور، رب الأدب، وأبلغ من كتب، حجة الشعراء، وإمام الخطباء، ~~طاف البلاد، وقطع الوهاد، حتى دخل بلاد العجم، ~~وامتدح الملوك والأمراء، وجالس العلماء والعظماء، وكان مع نباهته وبلاغته بائسا فقيرا ~~معدما. «قيل» إنه لما دخل حلب كان فقير الحال لا يقدر على شيء، وليس معه ما ينفقه؛ ~~فكتب رقعة إلى ms23 ابن حبوس الشاعر المشهور يقول فيها: # لم يبق عندي ما يباع بحبة # وكفاك مني منظري عن مخبري # إلا بقية ماء وجه صنتها # من أن تباع وأين أين المشتري؟ # وكفاه فخرا وتعريفا بالفضل قصيدته البائية التي سارت بها الركبان، ~~وهي: # خذا من صبا نجد أمانا لقلبه # فقد كاد رياها يطير بلبه # وإياكما ذاك النسيم فإنه # متى هب كان الوجد أيسر خطبه # خليلي لو أحببتما لعلمتما # محل الهوى من مغرم القلب صبه # تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى # يتوق ومن يعلق به الحب يصبه # غرام على يأس الهوى ورجائه # وشوق على بعد المزار وقربه # وفي الركب مطوي الضلوع على جوى # متى يدعه داعي الغرام يلبه # إذا خطرت من جانب الرمل نفحة # تناول منها داءه دون صحبه # ومحتجب بين الأسنة معرض # وفي القلب من إعراضه مثل حجبه # أغار إذا آنست في الحي أنة # حذارا عليه أن تكون لحبه # وكانت وفاته رحمة الله عليه سنة «517 هجرية». # أبو الطيب الطبري # هو طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر شيخ الشافعية وإمام عصره، صنف في الأصول والجدل ~~وغير ذلك، وكان له ولأخيه عمامة وقميص إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت. وقد قال في ~~ذلك القاضي أبو الطيب: # قوم إذا لبسوا ثياب جمالهم # لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل # بلغ مائتين وستين سنة وهو صحيح العقل والفهم ~~والأعضاء، يفتي ويقضي ويشتغل، وليس به إلا علة الفقر. # وكان رحمه الله من نوابغ العلماء، بل هو أول من أفتى الفتاوى الشافعية، وصادقه عليها ~~أشهر علماء ذلك العصر، وكثيرا ما قضى بالحق فكان على الخصوم الإذعان. وعلى بؤسه وسوء ~~حاله كان مغتبطا بروحانيته، يسبح في بحار العلوم لاستخراج الدرر الوهاجة ليبهر بها ~~الناس. وكان لا يسأل الناس فضل نوالهم، ويتباعد عن قصور الأمراء ومحامل الأغنياء؛ لا ~~تكرما منه، بل حرصا على سمعته. وبالجملة فقد كان يمثل في تقشفه وورعه زهد الخلفاء ~~الراشدين، والأولياء والصالحين، كثير العبادة، حسن الاعتقاد، وديع النفس، لا تأخذه في ~~الحق لومة لائم. # وله من تصانيفه ms24 العلمية ما تفتخر بها الأجيال، وتتحدث بنفاستها العصور، جزاه الله عن ~~العلم وأهله خير الجزاء . # توفي رحمه الله فقيرا معدما سنة «450 هجرية». # محمد بن عبد الرزاق # وهو ابن رزق أبي بكر العدل العالم، شمس الدين بن محمد الحنبلي، كان من أعيان الشهود ~~تحت الساعات عارضة البؤس، فأصبح في حالة ضنك شديد. ~~«قيل» إنه سافر إلى مصر في شهادة فركب حمارا كان له خاصة، ووضع عليه جعبة فيها ما ~~يحتاج إليه من مال وغيره، وبينما هو في الطريق خرج عليه جماعة من اللصوص فأخذوا منه ~~الحمار بما عليه عنوة، وتركوه في عرض الطريق باكيا جائعا لا يعرف إلى أين يذهب، وبعد ~~أيام وصل مصر شاكيا، وفي حالة من البؤس يرثى لها؛ فلم يحصل على مقصود؛ فخرج إلى دمشق ~~من نفقة قليلة؛ وهناك انتظم حاله، وتعرف بجماعة من أهل الفضل، فاشترى فرسا. وفي ذات ~~يوم خرج بها إلى النهر ليسقيها فغرقت منه، فجاء يسحبها فغمرته الأمواج فمات غريقا سنة ~~«689 هجرية». # ومن محاسن شعره: # ولو أن إنسانا يبلغ لوعتي # ووجدي وأشجاني إلى ذلك الرشا # لأسكنته عيني ولم أرضها له # ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا # محمد بن إدريس # هو أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي، أحد الحفاظ الأثبات العارفين ~~بعلل الحديث، سمع الكثير، وطاف الأقطار والأمصار، وروى عن خلق كثير من الأكابر ~~والأعلام، وحدث عنه الربيع بن سليمان، ويونس بن عبد الأعلى، وهما أكبر منه. «قيل» إنه ~~مشى في طلب الحديث «ألف فرسخ»، ولم يكن له شيء من المال ينفقه على نفسه في رحلاته، ومكث ~~ثلاثة أيام لا يأكل شيئا، وله صبر على الجوع واحتمال الضنك. # ومن محاسن شعره: # سلام على بؤساء دهر قد اعتدى # وجر عليهم من مصائبه الردى # فعاشوا على خسف وماتوا على نوى # وتاهوا وما لاقوا على غرة هدى # ومما روي عنه: # أنه كان ذات يوم يجوب قفار الأرض من بلدة لأخرى، وصل إلى قرية صغيرة أمسى عليه الليل ~~فيها، فصادفه أحد سكانها، ولما علم أنه ms25 غريب أضافه في منزله، وكان وهو بالطريق قد ~~تبعه بعض الأشقياء طامعا في الحقيبة التي يحملها؛ ظنا منه أن بها أمواله. # وكان من حسن حظه أنه كان يلبس عباءة يعرفها الرجل، فلما انقضت السهرة بعد هجعة من ~~الليل ذهب لينام، فوجد الرجل قد هيأ له فراشا وثيرا، فتمدد عليه ونسي عباءته في غرفة ~~مجاورة؛ فتغطى بها صاحب البيت. # فدخل ذلك اللص، ولما وجد صاحب البيت ملتفا في العباءة ظنه هو فهجم عليه فقتله، وشعر ~~أبناء الرجل بحصول الجريمة فانقضوا على القاتل وقبضوا عليه، ولما وقف ابن إدريس على هذا ~~الاتفاق اغتم غما شديدا وقال: ليتني كنت قدمت فأستريح من هذه الحياة. وتوفي سنة «277 ~~هجرية». # سيبويه # هو أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر البصري، الحجة في علم النحو والعلم، وإمام النحاة ~~قاطبة، ويعتبر سيبويه من العلماء الأعلام، بل هو طود اللغة العربية، ولسانها الناطق، ~~وقلبها الخفاق، علم من الأعلام الخفاقة بالعلوم والمعارف، سطعت أنوار عرفانه على الشرق ~~أجمع، وبعض بلاد الغرب، وإن شئت فقل: إن ذكره سار مع الركبان، وضربت بمتانته الأمثال. ~~وكان على هذا النبوغ العظيم، والشهرة الواسعة التي طبقت الآفاق، وصيته البعيد في ~~العلم والأدب، ورسوخه في علم الاجتماع، بل هو أعلم علماء العصر، وأفضل فضلاء الدهر؛ ~~أدهش الثقاة بعلمه. وشرح النحاة كتابه؛ فانغمروا في لجج بحره، وتاهوا في تيار علمه، ~~وانبهروا من لآلئ جواهره. # كان رحمه الله فقيرا معدما. «قيل» إنه لما قدم بغداد ناظر الكسائي وأصحابه؛ ففاز ~~عليهم وفاقهم، ثم سأل عمن يرغب من الملوك في النحو، فدلوه على طلحة بن طاهر؛ فشخص إلى ~~خراسان عساه ينال شيئا من كرمه، فصادفه سوء طالعه بعد أن قطع القفار، واخترق الوهاد، ~~وجاب الوديان، وكأنما أثر التعب على صحته، وأضناه كثرة السير فشعر بحمى ~~عنيفة. # فلما انتهى إلى ساوة مرض مرضا شديدا، ومات «سنة 180 هجرية» محروما بائسا فقيرا ~~رحمة الله عليه. # ابن النحاس # هو بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الإمام العلامة، كان من أذكياء بني ms26 آدم، وله ~~خبرة بالمنطق، وإقليدس مشهور بالدين والصدق مع إطراء التكلف والتجمل وصغر العمامة، فيه ~~ظرف النحاة وانبساطهم، وكان يحدث في تعليمه وخطابه بلغة عامة الحلسين، ولا يتهوج في ~~أقواله، ولم يتزوج لضيق حاله. توفي فقيرا بائسا سنة «618 هجرية». ومن محاسن ~~شعره: # كحل بعينك أم ضرب من الكحل # ورد بخديك أم صبغ من الخجل # قضيب بان إذا ما ماس ميله # دعص من الرمل أم ضرب من الرمل # يفتر عن سمط در في عقيق فم # عذب المراشف ممنوع من القبل # أقسمت ما روضة بالنيرين إذا # سحت عليها شئون العارض الهطل # شقت شقائقها أيدي الربيع وقد # ماست حدائقها كالشارب الثمل # يوما بأحسن من ورد الخدود على # بان القدود ولا من نرجس المقل # وقائل وشموس الراح قد أفلت # فينا وشمس مدير الراح لم تحل # هذا هو الحب لولا كثرة الرقبا # ولذة العيش لولا سرعة الأجل # وله ديوان شعر جيد. # ابن مالك # هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي الملقب بجمال الدين، صاحب ~~التصانيف المبسوطة والمختصرة، والنظم والنثر، شيخ النحاة في عصره، وإمام اللغة في وقته، ~~كان رحمه الله كثير الاشتغال بالعلم؛ حتى إنه حفظ في اليوم الذي مات فيه خمس شواهد، ~~وكان على تبحره في العلوم فقيرا لا يمتلك شيئا. فمن محاسن نثره: اللهم لا إله إلا أنت ~~سبحانك أنت الفعال لما تريد، لقد أسبغت نعمتك على قوم وأوصدت باب رزقك في وجه آخرين، ~~لا اعتراض في حكمك، ولا تبديل لكلماتك. اللهم لقد أصبحت جميع مشاغل الحياة طالحة ~~فاسدة، وملاهيها قاحلة عقيمة، وخيرات هذا الوجود لا معنى لها ولا طعم للذتها؛ لأني ~~محروم منها، وزينة الحياة الدنيا نازحة عني نافرة مني، حتى صارت في نظري كالعدم، بل هي ~~والعدم سواء ... ولولا الأمل الغريزي في الطبائع الإنسانية ما عرفت لذة العلم، ولا أدركت ~~سبيله، ولا بلغت المقصود منه. ولكني بعدما نهجت طريقه تاقت نفسي لحب الرفعة؛ فخسرت ~~الراحتين معا، وكأن أشعة هذا الأمل انعكست على روح غير روحي؛ ms27 فبطل من مخيلتي حب ~~العمل، وضاعت مني عقيدة الرسوخ، وذهبت أغراض الحياة، وأصبحت على كاهلي حملا ثقيلا لا ~~يطاق. # ولقد تحملت غضاضة العيش، وتجرعت مرارة العمر، وما كان لي من غرض في هذه الدنيا إلا أن ~~أكون عالما، وأنهج على منهاج الدين الحنيف؛ أبتغي الدار الآخرة. # اللهم ارزقني نعمة الصبر، واكتبني مع الشاهدين. توفي رحمه الله «سنة 672 ~~هجرية». # ابن الصباغ # هو أبو عبد الله بن عطية الشهير بابن الصباغ، افتقر بعد غناه حتى بات لا يجد قوت ~~ليلة، فشكا حاله إلى بعض إخوانه، فأشاروا عليه بالاغتراب عن وطنه، فتخوف من الرحيل وشعر ~~بهول الغربة، وتمثل بقول الشاعر: # قالوا اغترب عن بلاد كنت تألفها # إن ضاق رزق تجد في الأرض مقترحا # قلت انظروا الريق في الأفواه مختزنا # عذبا فإن بان عنها صار مطرحا # فعارضه في ذلك بعض نصحائه، وحتم عليه بوجوب السفر، وحرضه بعضهم بقوله: # عود ركابك كل يوم منزلا # وتنقلن كي لا تمل وتضجرا # فالماء يعذب ما جرى وتلاطمت # أمواجه فإذا أقام تغيرا # فأطاع وهجر وطنه، ورمته المقادير بأرض العراق. # فصار في نكد؛ يكافح النوب، تارة يشبع ~~وتارة يجوع، وهو لا يعرف حيلة يتوصل بها إلى جلب الرزق، اللهم إلا قوت يوم بعد يومين، ~~ولم يتمكن من شراء كساء يستر جسمه حتى صار في حالة يرثى لها من الفقر المدقع والبؤس ~~الشديد، يمر بين الناس ممزق الثياب حافي القدمين مدة سبع سنوات. ففي سنة «945 هجرية» ~~اتصل بخدمة الأمير محمد الطرابلسي؛ فرق له وأنعم عليه، ورتب له راتبا يتقاضاه ويتعيش ~~منه، ولما توسم فيه النجابة والذكاء والتقوى ألحقه بخاصته، ~~ولم يدم عليه هذا الحال طويلا حتى عزم الأمير على ~~الحج إلى بيت الله الحرام، وأمر بشد الرحال، وأخذ معه أبا عبد الله. ولما أصبحوا على ~~عدة أميال من المدينة عسكرت القافلة تلك الليلة هناك، وفي الصباح قام أبو عبد الله ~~مبكرا ليوقظ مولاه لصلاة الفجر، ويتأهبوا للرحيل مع القافلة، فوجده قتيلا على فراشه؛ ~~فارتاع روعة شديدة، وحصل عنده رعب ms28 شديد. وفيما هو في ذهوله حضر بعض الخدم فأبصر الأمير ~~مجندلا، وأبو عبد الله في ذهوله، فألقى عليه جريمة القتل، وصاح بالنجدة ؛ فحضر الناس ~~وأوسعوا ابن الصباغ ضربا وقدموه إلى رئيس القافلة؛ فأمرهم باعتقاله بعد أن ضربه ألف ~~سوط، وصرح بدفن جثة الأمير. ولما دخلوا المدينة سلموه للوالي ليقتص منه ويحاكمه، ~~ولما لم يجد الوالي ما يثبت التهمة عليه أمر بإيداعه السجن. ثم تنوسي أمره فاستمر في ~~سجنه عاما كاملا. ثم تغيرت الأحوال، وعزل الوالي؛ فأطلقوا سراحه، فخرج من السجن خالي ~~الوفاض، فدار في أزقة المدينة يوما لم يتناول فيه طعاما، وأمسى عليه الليل فصار يبحث ~~عن مأوى ينام فيه. وبينما هو يجول حول البيوت وجد امرأة تبكي على باب دارها، فسألها ~~عن سبب بكائها فأخبرته أن زوجها يحتضر، وليس عندها أحد؛ فتعهد بمواساته معها، وأقام ~~ليلته في خدمة المريض. وفي الصباح قضى الرجل نحبه، فجهزه مع المرأة ودفناه. ولما عادا ~~من المقبرة إلى البيت؛ أكرمت المرأة وفادته، ورغبت في وجوده معها؛ فأطاع ومكث عندها إلى ~~أن انتهت مدة العدة أربع أشهر وعشرة أيام، فوجدت فيه مع طول المدة التي عاشرته فيها ~~خصالا كريمة تدل على نبله، وشرف محتده؛ فعرضت نفسها عليه وتزوجت به. وكانت المرأة ~~ذات مال كثير وجمال وأدب، فقدمت له ثروتها ليستثمرها، وكلفته أن يمتهن حرفة التجارة ~~ويطلق العلم؛ فأطاع. وتاجر فربح ربحا عظيما، وصار ذا ثروة وافرة، حتى إن أقرانه ~~اعتبروه من مشاهير تجار عصره. وظن أن الدنيا قد ابتسمت له، وزالت أوقات نحسه، وأيقن ~~بالسعادة بعد البؤس. ولكنه من سوء طالعه اشتاق إلى وطنه، وطلبت منه زوجته أن يعود بها ~~إلى البلاد؛ فجمع أمواله وعبيده وسار بقافلته يقصد الأوطان. وبينما هو في طريق الصحراء ~~خرج عليه كمين لصوص فتمكنوا من نهب القافلة، وقتل العبيد والرجال، وفي الأثناء أصيب ~~أبو عبد الله بطعنة رمح في جنبه ألقته على الأرض بين حي وميت، فتركه اللصوص على حالته ~~بعد أن شتتوا العبيد والرجال، وأخذوا المرأة والأموال، وفروا هاربين. ms29 # وفي صباح اليوم التالي استفاق أبو عبد الله لنفسه، فوجد حالته تنذر بالموت، وشعر ~~بالألم الشديد الذي لا خلاص له منه. # ومرت قافلة فأبصر رجالها ما هو فيه؛ فأشفقوا عليه وحملوه معهم، وأخذوا في إسعافه ~~بالعلاج اللازم له مدة أيام، فلم يندمل له جرح، فتركوه في طريق بين مكة والمدينة يتصدق ~~عليه الناس. وأقام في مكانه مدة عامين كاملين. # ووجد له في بعض مؤلفاته قطعا يناجي بها مصر: # مصر أنت الوطن العزيز، ولقد أراك بعين البصيرة وقد سرى في أبنائك المخلصين حب العمل ~~واعتناق الفضيلة، وأنت تدرين عليهم من برك، ورفد نيلك الرزق الجزيل. # وقد وقف الشجعان البواسل أمام من يبتغي لك الشر، ويباغت سكانك بالفظائع ~~والموبقات. ~~«مصر» لقد وصلت في غابر العصور إلى ذروة المجد العالية، حتى تاهت بعظمتك الأجيال، ~~وافتخرت بسعادتك الأيام، وكنت أنت آنث مقدمة الأمم، وسابقة الممالك والشعوب إلى المدينة ~~الصحيحة، والرفاهية الفائقة، وها هي الآثار تنطق لك بتلك العظمة وذاك الفخار. # وها هو الأزهر الشريف ومعاهد العلم يستخرجون علماء قد نبغوا على الفلاسفة، وتفوقوا ~~بمعارفهم على علماء الأرض قاطبة، وقد دونوا بلغتهم الشريفة مؤلفات عظيمة حوت من ~~الفصاحة أبينها، ومن البلاغة أعلاها، ومن الألفاظ أسلسها وأرقها؛ فارتوت منها نفوس ~~علماء الشرق والغرب، ولكني مع الأسف محروم منها غافل، بل غير قادر على ورود هذا المنهل ~~العذب؛ لأني في حالة من الإعياء والتعب، صرت من جرائها لا حي فأرجى، ولا ميت ~~فأنعى. # وله من حكمة أخرى يخاطب العوالم والكائنات: # أيها الكون الحافل المحجوب عنا بظواهر الكائنات، والمتجلي بخوارق العادات؛ مر الشمس ~~أن تطلع فتتهادى على جبال مكة وبطاحها، حيث تتلألأ أنوارها على الأرض، وحينئذ يتبدد ~~هذا الضباب، تاركا على هذه الأرض المقدسة آثار الندى؛ فتتندى الأشجار وتفوح منها روائح ~~الطيب. # أنت تعلم يا رب أنني قد صرت عاجزا واعتراني المرض، فخذ روحي على عجل، ولا تحرمني من ~~النظر إلى وجهك الكريم؛ لأرحل عن هذا العالم المملوء بالمتاعب، ولا تجعلني أهيم بالأمل ~~الغرار، وأطلب الراحة من حيث ms30 لا توجد. ~~••• # ومات على أسوأ حال من التعاسة والبؤس والفقر، وقد عانى أهوال الشقاء وغضاضة الدهر، ~~وكانت وفاته سنة «953 ميلادية». # ابن زريق البغدادي # هو أبو الحسن علي بن زريق البغدادي الشاعر المشهور، كان على غاية الفطنة والعلم ~~والأدب، عارفا بفنون الشعر والإنشاء، وكانت له ابنة عم، وقد كلف بحبها كلفا شديدا، ~~ثم ارتحل من بغداد لفاقة أصابته، فقصد أبا الخير عبد الرحمن الأندلسي بالأندلس، ومدحه ~~بقصيدة بليغة فأعطاه عطاء قليلا؛ فقال ابن زريق: إنا لله وإنا إليه راجعون، سلكت ~~القفار والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء! ثم تذكر فراق ابنة عمه وما بينهما ~~من بعد المسافة، وتحمل المشقة مع ضيق ذات يده فاعتل غما ومات. «قالوا» وأراد الأمير ~~عبد الرحمن بذلك أن يختبره، فلما كان بعد أيام سأل عنه، فتفقدوه في الخان الذي كان ~~فيه فوجدوه ميتا وعند رأسه رقعة مكتوب فيها هذه القصيدة: # لا تعذليه فإن العذل يولعه # قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه # جاوزت في نصحه حدا أضر به # من حيث قدرت أن العذل ينفعه # فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا # من عنفه فهو مضنى القلب موجعه # قد كان مضطلعا بالخطب يحمله # فضلعت بخطوب البين أضلعه # يكفيه من لوعة التفنيد أن له # من النوى كل يوم ما يروعه # ما آب من سفر إلا وأزعجه # عزم إلى سفر بالرغم يزمعه # تأبى المطامع إلا أن تكلفه # للرزق سعيا ولكن ليس يجمعه # كأنما هو في حل ومرتحل # موكل بفضاء الأرض يزرعه # إذا الزمان أراه في الرحيل غنى # ولو إلى السند أضحى وهو يقطعه # وما مجاهدة الإنسان واصلة # رزقا ولا دعة الإنسان تقطعه # قد قسم الله بين الناس رزقهم # لا يخلق الله من خلق يضيعه # لكنهم كلفوا حرصا فلست ترى # مسترزقا وسوى الغايات يقنعه # والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت # بغي ألا إن بغي المرء يصرعه # والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه # عفوا ويمنعه من حيث يطمعه # أستودع الله في بغداد لي قمرا # بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # ودعته وبودي لو ms31 يودعني # صفو الحياة وأني لا أودعه # وكم تشفع بي ألا أفارقه # وللضرورات حال لا تشفعه # وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى # وأدمعي مستهلات وأدمعه # لا أكذب الله ثوب العذر منخرق # مني بفرقته لكن أرقعه # إني أوسع عذري في جنايته # بالبين عنه وقلبي لا يوسعه # ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا # شكر عليه فعنه الله ينزعه # اعتضت من وجه خلي بعد فرقته # كأسا يجرع منها ما أجرعه # كم قائل لي ذقت البين قلت له # الذنب والله ذنبي لست أدفعه # هلا أقمت فكان الرشد أجمعه # لو أنني حين بان الرشد أتبعه # والله ما وقعت عيني على بلد # في سفرتي هذه إلا وأقطعه # يا من أقطع أيامي وأنفذها # حزنا عليه وليلي لست أهجعه # لا يطمئن لجنبي مضجع وكذا # لا يطمئن له مذ بنت مضجعه # ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني # به ولا أن بي الأيام تفجعه # حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد # عسراء تمنعني حظي وتمنعه # وكنت من ريب دهري جازعا فرقا # فلم أوق الذي قد كنت أجزعه # بالله يا منزل القصف الذي درست # آثاره وعفت مذ بنت أربعه # هل الزمان معيد فيك لذتنا # أم الليالي التي أمضته ترجعه # في ذمة الله من أصبحت منزله # وجاد غيث على مغناك يمرعه # من عنده لي عهد لا يضيع كما # عندي له عهد صدق لا أضيعه # ومن يصدع قلبي ذكره وإذا # جرى على قلبه ذكري يصدعه # لأصبرن لدهر لا يمتعني # به ولا بي في حال يمتعه # علما بأن اصطباري معقب فرجا # فأضيق الأمر ما فكرت أوسعه # عل الليالي التي أضنت بفرقتنا # جسمي ستجمعني يوما وتجمعه # وإن تغل أحدا منا منيته # لا بد في عده الثاني سيتبعه # وإن يدم أبدا هذا الفراق لنا # فما الذي بقضاء الله نصنعه؟ # محمد بن غانم الأهوازي # كان من العلماء البارعين، وكان أبوه من أغنياء الأهواز وأكابرها، أرسله إلى مصر في ~~طلب العلم، فهجر وطنه وحضر إلى الأزهر الشريف، وكان أبوه يمده بالمال الكثير. وبعد خمس ~~سنوات نعي له والده؛ فتوجه إلى ms32 الأهواز ليحصر تركته؛ فوجده قد مات معدما ولم يترك له ~~لا مالا ولا عقارا؛ فانصدع قلبه وأصابه مرض ألزمه الفراش ستة أشهر، وما كاد يتعافى من ~~مرضه حتى قوض رحاله يقصد بيت الله الحرام، ومن هناك يعود إلى مصر. وتصادف أن أحد ~~معارف والده عزم على الحج في تلك السنة، فتوافقا على الرحيل معا، وكان هذا الرجل رث ~~الثياب بشع المنظر، ولم يكن معه من المتاع غير جبة مرقعة، وبعض لوازم تافهة، وكان لمحمد ~~بن غانم جبة جديدة من الصوف حسنة الشكل. فلما وصلا مكة مرض الرجل مرضا شديدا، فواساه ~~محمد بن غانم وقام بتمريضه، غير أن الرجل لم تطل مدته؛ فوافاه أجله فقضى نحبه. ولما ~~علم حاكم المدينة حضر ومعه شرذمة من الجند لحصر تركته والتحقق من موته، فقدم له محمد ~~بن غانم متاع المتوفى، فقال له الحاكم وهو ينظر إلى جبته: ولمن هذه الجبة؟ فقال له ~~محمد: إنها جبتي. فكذبه الحاكم وانتهره وأخذ منه الجبة بدعوى أنها من متاع ~~المتوفى، فأقسم له بكل الأقسام إنها جبته ومن ~~ماله، فلم يصدقه وأخذها منه غصبا، وأعطاه جبة الرجل القديمة. وبعد ذهاب الحاكم جلس ~~محمد في القاعة وهو منقبض الصدر حزين النفس على جبته التي أخذت قهرا عنه، وقد كان ~~عازما على بيعها بخمسة دنانير ينفقها على قوته في غربته فضاعت منه. وأخيرا علل نفسه ~~وقال: لا أسف على ما فات. ثم أخذ الجبة ليبيعها ولو بنصف درهم، فلما رفعها بيده وجدها ~~ثقيلة، ففك الرقع المرقوعة بها؛ فوجد بداخلها مادة صلبة، ففكها وأفرغها، فإذا بها ~~محشوة بالدنانير الذهب؛ فانبسطت أسارير وجهه، وأخذ يفك الرقعات ويخرج منها الدنانير، ~~حتى بلغ ما جمعه منها ألف دينار، ثم فتش فيها فوجد في جيبها صرة مملوءة بالمال، ففرح ~~فرحا شديدا. ولم يمكث بالمدينة غير تلك الليلة، وفي الصباح تأهب إلى الرحيل، وسار ~~يقطع الوديان على ناقة اشتراها، ولما أمسى عليه المساء قصد بعض القرى وترك ناقته عند ~~أهل القرية، ودخل المسجد يصلي العشاء وينام تلك ms33 الليلة. وفي نحو منتصف الليل قام يزيل ~~ضرورة، وترك النقود بصرتها عند متاعه، وعاد فوجد المتاع مبعثرا، فافتقد الصرة فلم ~~يجدها؛ فضاع صوابه واعتراه ذهول شديد. وبعد أيام حصل عنده نوع من الجنون فهام على وجهه ~~ممزق الثياب عاري الجسم، ثم وجد ميتا وفي جيب قميصه رقعة مكتوب فيها هذه الكلمات: # متى انتهى العمل ولاقيت حتفي، وفرغت من مأساة الحياة في هذا العالم المحزن، ~~فهناك تسبح روحي في فضاء الأبدية. وإذ ذاك تتبدل وحشة أيامي بالأنس، وتمر حقائق ~~الحق بأنوارها الخلابة، حيث تنطمس رسوم هذه الأيام، وتندثر أحلامها المؤلمة؛ ~~فأنسى ما أثارته تنهدات الأسى في أعماق صدري، ودموع اليأس والأسف من ~~أجفاني. # إن روحي ستكون في العالم الآخر، وراء حجب الغيب تحوطها الأسرار في عالم من ~~العجائب الغريبة، التي ما كنا نعرفها في حقيقة الوجود، ولا ندرك معناها في ~~أوهامنا المضطربة. # لقد تعذبت على الأرض، وكادت تنفجر من نفسي مرارة الكتمان، فعسى أجد الراحة في ~~دار الخلود. # وعمل قليل سأصبح جثة هامدة، وأصير في غيبوبة روحية بانقطاع ذلك السيال ~~المغناطيسي الذي يربط الروح بالجسم، ثم تغمرني الأنوار فأسبح في عوالم الأزل، ~~لا أسمع ولا أرى. # وإن بعد الموت لحالات يجتازها الإنسان وهو غائب بكل مشاعر النفس، لا يعرف أين ~~هو، حتى يناديه الجبار يوم الحساب. # وكانت وفاته سنة «715 هجرية». # ابن بسطام # هو يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام أبو زكريا الخطيب التبريزي الشيباني، إمام ~~اللغة والنحو، تخرج عليه خلق كثير، وهو الذي شرح الحماسة وديوان المتنبي والمعلقات ~~وغير ذلك، وكان فقير الحال جدا لا يملك ما يقتات به إلا من وجوه الأعيان. «روي عنه» ~~أنه من شدة ملازمة البؤس له تحصل على نسخة من التهذيب في اللغة للأزهري في عدة مجلدات ~~لطاف، فأراد تحقيق ما فيها على عالم من أئمة اللغة، فدلوه على أبي العلاء المعري، فوضع ~~الكتاب في مخلاة وحمله على ظهره من تبريز إلى المعرة، ولم يكن معه ما يستأجر به دابة ~~تحمله. فسار ms34 على قدميه يقطع مهاد الأرض، وكان الفصل صيفا والحر شديدا؛ فصهرته الشمس ~~بحرارتها وهو في وقت الهاجرة، فرشح جسمه بالعرق، ونفذ العرق من ظهره إلى المخلاة ووصل ~~إلى نسخ الكتاب؛ فبللها وأثر فيها تأثيرا كثيرا، حتى محا كتابة بعضها. # فاغتم لذلك غما شديدا حتى أثر فيه الحزن؛ فمات فجأة في شهر جمادى الآخرة سنة «502 ~~هجرية». ومن محاسن شعره: # فمن يسأم من الأسفار يوما # فإني قد سئمت من المقام # أقمنا بالعراق على رجال # لئام ينتمون إلى لئام # الأبيوردي ~~«الأبيوردي» هو أبو مظفر محمد بن العباس، ينتهي نسبه إلى معاوية الأصفر بن عنبسة بن ~~الأشرف القرشي الأموي الشاعر المشهور. كان من الأدباء المشهورين، راوية نسابة، وله ~~ديوان شعر جيد، وتصانيف كثيرة منها؛ «تاريخ أبيورد»، وكتاب «ما اختلف وائتلف في أنساب ~~العرب». وله في اللغة مصنفات كثيرة لم يسبق إليها، وكان حسن الاعتقاد، نظيف الثوب ~~دائما، إلا أنه شديد الفاقة جدا. «قيل» إنه مكث سنتين لا يقدر على شراء جبة يلبسها ~~في الشتاء، وكان إذا سأله أحد معارفه عن لبس جبة تقيه شدة البرد يقول: بي علة تمنعني ~~لبس المحشو. وكان يقصد بذلك الإيهام والتورية، «ومعنى العلة هنا» علة الفقر. # توفي في عصر يوم الخميس خامس وعشرين ربيع الأول «سنة 577 هجرية». ومن محاسن ~~شعره: # لك ما يروقه الغمام الهاطل # إن رد عبرته الجموح السائل # وعليك يا طلل الجميع تحية # أصغى ليسمعها المحل الآهل # أمن البلى هذا النحول أم الصبا؟ # فالحب من شيمي وأنت الناحل # خلع الربيع عليك من أنواره # حليا توشحه ثراك العاطل # والروض في أفواهه متبرج # والزهر في حلل السحائب رافل # وغنيت في حجر الحيا مسترضعا # يغذوك واشل طله والوابل # كانت أيادي الدهر فيك كثيرة # لكن لياليه لديك قلائل # في حيث يقتنص الأسود ضواريا # لحظ تمرضه المهاة الخاذل # إذ لم يكن والليل يسحب ذيله # لسعاد غير يدي وشاح جائل # فكأننا غصنان يشكو منهما # برح الغرام إلى الرطيب الذابل # هيفاء إن خطرت فقد رامح # نجلاء إن نظرت فطرف نابل # وكأن فاها ms35 بعدما نشر الدجى # فرعا يلوح به الخضاب الناصل # صهباء تغشي الناظرين نضت بها # عذب الغرام عن اللطيمة بابل # وأبي اللوائم لا أفقت عن الهوى # ولئن أفقت فأين قلب ذاهل # وله أيضا: # فؤاد دنا منه الغرام جريح # وجفن نأى عنه الرقاد قريح # فللوجد قلبي والمدامع للبكا # إذا لاح برق أو تنفس ريح # أكلف عيني أن تجود بمائها # وإني به لولا الهوى لشحيح # ويعذلني خلي ويزعم أنه # نصيح وهل في العاذلين نصيح؟ # ولو أنصف الواشون رق لذي الشجى # خلي وما لام السقيم صحيح # فما لغراب البين ينعب بعدما # أتت دون من أهوى مهامه فيح # وله أيضا: # ونشوانة الأعطاف من ترف الصبا # تغير وشاحيها الخلاخل والقلب # إذا مضغت غب الكرى عود إسحل # وفاح علمنا أن مشربه عذب # وله أيضا: # أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا # واجعل لحج تلاقينا مواقيتا # فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر ال # مسود لاثمه يطوي السباريتا # واللثم يجحف بالملثوم كثرته # حاشا ثناياك من وصم وحوشيتا # قابلت بالشنب الأجفان مبتسما # فطاح عن ناظريك السحر منكوتا # فكان فوك اليد البيضاء جاء بها # موسى الكليم وهاروتا وماروتا # جمعت ضدين كان الجمع بينهما # لكل جمع من الألباب تثبيتا # جسم من الماء مشروبا بأعيننا # يضم قلبا من الأصلاد منحوتا # فضحت من جيدك الغزلان ملتفتا # ولم تكن عن صياد الأسد ملفوتا # فهن ينفرن من خوف ومن خجل # لنقصهن ويسكن الأماريتا # وقال أيضا: # وسرحة بربا نجد مهدلة # أغصانها في غدير ظل يرويها # إذا الصبا نسمت والمزن يهضبها # مشى النسيم على أين يناجيها # تقيل في ظلها بيضاء آنسة # يكاد ينشرها لينا ويطويها # سود ذوائبها بيض ترائبها # حمر مجاسدها صفر تراقيها # عارضتها فاتقت مني بجارتها # كالشمس عارضها غيم يواريها # ونمت ملقى على سقط النقى لممي # ونفحة المسك تسري في نواحيها # ثم انتبهت ولاح الفجر في ظلم # غدا يقص سناه من حواشيها # وبل درعي ورمحي صوب غادية # والبرق يضحكها والرعد يبكيها # والعين من حب أعرابية عرضت # تعوم في عبرات كنت أذريها # فليتها لي والآمال أكثرها # تعذب الناس بالدنيا وما فيها # القسم ms36 الثالث # | بؤساء الحظ # ومن البؤساء طائفة عاكسهم الحظ، وعاندهم الدهر؛ فضلوا سبيل القصد، وتاهوا في غياهب الظلم، ~~ولم يبلغوا أملا من دنياهم، وأصابتهم العلل في أجسامهم ، ولم يقف بهم البؤس عند هذا الحد، ~~فسلط عليهم المصائب فانقضت عليهم، ووقف أمامهم سوء الطالع وما استطاع أن يحولهم عن ~~مطامعهم، ولما فقدوا عقيدة الأمل الذي كانوا به يتعللون؛ تركوا دنياهم ليتخلصوا مما هم فيه، ~~وماتوا بحسرة لا تنتهي عنهم، وشجون لا يحصرها عدد. # ابن دريد # هو محمد بن الحسن بن عتاهية الأزدي الملقب بابن دريد، العالم المتفقه اللغوي البصري، ~~إمام عصره في اللغة والأدب والشعر الفائق الذي كان يستهوي القلوب سماعه. # كان رحمه الله كثير الخلاعة والمجون والمنادمة والشجون، رقيقا مبدعا، مع إحكام ~~قوافي الشعر ومبانيه. يضرب بعلمه وفنونه المثل، وله بين إخوانه ليال كلها أسحار، ~~ومجالس كلها طرب. # قيل إنه جاوز التسعين من عمره وهو يشرب الخمر، وكان من بؤسه إدمان داء الخمر الذي هو ~~علته وآفته. «وقال ابن شاهين»: كنا ندخل عليه نستفتيه في فتوى، أو نستفهم منه عن بعض ~~ملتبسات لغوية، فتعترينا هيبته وهو في مجلسه، ولكننا نخجل ونستحي من رؤية العيدان وآلات ~~الطرب المعلقة، وأواني الشراب المصفوفة. # وقال رشيد الدين العناني: # كان ابن دريد علما من أعلام العلم، وطودا من الأطواد الشامخة، يضرب بعلمه وذكائه ~~المثل، كما صار مثلا من الأمثال الشائعة بخلاعته ومجونه. # وكان يحتفل بمجلس أنس تتهافت عليه عشاق الطرب والحظوظ. وفي ذات يوم ذكرناه فوجدنا ~~العلامة المقري عناه في ميميته المشهورة بقوله: # أين الذين تفيئوا # ظل السعادة والزعامه؟ # وتعشقوا لما بدا # لهم محيا الأرض شامه # والزاعمون بجهلهم # أن القبور صدى وهامه # والمكثرون من المجو # ن إذا شكا الفكر اغتمامه # أين الغريض ومعبد # أو أشعب وأبو دلامه؟ # ومن الأمثال الشائعة فيه ما قاله عنه أبو منصور ظافر الحداد من ذاليته ~~المشهورة: # تالله ما علقت محاسنك امرأ # إلا وعز على الورى استنقاذه # أغريت حبك بالقلوب فأذعنت # طوعا وقد أودى بها استحواذه # ما لي أتيت الحظ من أبوابه ms37 # جهدي فدام نفوذه ولواذه # إياك من طمع المنى فعزيزه # كذليله وغنيه شحاذه # ذالية «ابن دريد» أستهوي بها # قوما غداة نبت به بغداذه # دانوا لزخرف قوله فتفرقت # طمعا به صرعاه أو جذاذه # من قدر الرزق السني لك إنما # قد كان ليس يضره إنفاذه # وكان ابن دريد رحمه الله على ما هو عليه من الحظوظ ومعاقرة الراح والإدمان على الخمر ~~وانغماسه في موبقاته عالما خطيبا، بل هو أفقه أهل زمانه وأعلمهم وأزكاهم. # وليس به من نقص يذكرونه فيه إلا تعاطيه الخمر، واندماجه دائما في دائرة المجون، ~~وانكبابه على خلاعته، الأمر الذي نفر العلماء والعظماء منه، حتى تآمر عليه ونفوه من ~~بغداد، وأصابته الفاقة. # شهاب الدين السهروردي # هو أبو حفص عبد الله البكري الملقب ب «شهاب الدين السهروردي»، نسبة إلى بلدة ~~سهرورد التي ولد بها «سنة 539 هجرية»، ويعرف بالشهاب. كان أوحد زمانه في الفلسفة ~~والحكم البالغة، مفرط الذكاء، حسن العبارة، متبحر في العلم والأدب، وله تصانيف كثيرة، ~~منها؛ «الهياكل»، و«التلويحات»، و«الرقم القدسي في تفسير القرآن»، و«اللمحات في ~~المنطق». نال حظه من العلم والذكاء، إلا أنه من سوء حظه رمي بالزندقة عند السلطان صلاح ~~الدين الأيوبي؛ فخاف أن يهدر دمه فهرب إلى الشام. # ولما دخل حلب اجتمع بالملك الظاهر غازي، فأعجبه كلامه ومال إليه؛ فكتب أهل حلب إلى ~~والده السلطان صلاح الدين بما معناه: «أن أدرك ولدك وإلا أتلفه الشهاب ~~السهروردي.» # فكتب السلطان صلاح الدين إلى ولده الظاهر بالابتعاد عن شهاب الدين، وأمره بطرده من ~~حلب فطرده، ثم أمره بقتله فهرب. وكان الشهاب السهروردي على قوة رسوخه في العلم، زرئ ~~الخلقة، دنس الثياب. توفي فقيرا بائسا «سنة 632 هجرية». ومن محاسن شعره في التصوف ~~قصيدته الحائية، وهي: # أبدا تحن إليكم الأرواح # ووصالكم ريحانها والراح # وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم # وإلى لذيذ لقائكم ترتاح # وا رحمتا للعاشقين تكلفوا # ستر المحبة والهوى فضاح # بالسر إن باحوا تباح دماؤهم # وكذا دماء البائحين تباح # وإذا هم كتموا تحدث عنهم # عند الوشاة المدمع السفاح # وبدت شواهد للسقام عليهم # فيها ms38 لمشكل أمرهم إيضاح # خفض الجناح لكم وليس عليكم # للصب في خفض الجناح جناح # فإلى لقاكم نفسه مرتاحة # وإلى رضاكم طرفه طماح # عودوا بنور الوصل في غسق الجفا # فالهجر ليل والوصال صباح # صافاهم فصفوا له فقلوبهم # في نورها المشكاة والمصباح # وتمتعوا فالوقت طاب لقربكم # راق الشراب ورقت الأقداح # يا صاح ليس على المحب ملامة # إن لاح في أفق الوصال صباح # لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى # كتمانهم فنمى الغرام فباحوا # سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها # لما دروا أن السماح رباح # ودعاهم داعي الحقائق دعوة # فغدوا بها مستأنسين وراحوا # ركبوا على سنن الوفا ودموعهم # بحر وشدة شوقهم ملاح # والله ما طلبوا الوقوف ببابه # حتى دعوا وأتاهم المفتاح # لا يطربون لغير ذكر حبيبهم # أبدا فكل زمانهم أفراح # حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم # فتهتكوا لما رأوه وصاحوا # أفناهم عنهم وقد كشفت لهم # حجب البقا فتلاشت الأرواح # فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم # إن التشبه بالكرام فلاح # قطب الدين الشيرازي ~~«قطب الدين الشيرازي» هو محمود بن مصلح الشيرازي، إمام عصره في المعقولات، وكان في ~~غاية الذكاء، وله تصانيف مشهورة، وهو من طبقة العلماء المعدودين، ومن الكرام المطبوعين ~~على الفضل، إلا أنه كان متهاونا بالدين، محبا للخمر، ~~وكان من سوء حظه الجلوس في مجتمعات المساكر وحلقات ~~المساخر، ومع ذلك كان محبوبا عند الأمراء، معظما عند الملوك، وكل منهم يعطف عليه، ~~ويجزل له العطاء، ويجد فيه النديم المسامر. وكان له بين أصحابه وعارفي فضله منزلة ~~سامية. ولم يكن فيه ما يشين غير انحرافه عن مبدأ العظماء ومكانة العلماء. # وكان على هذه الصفات معروفا بين معارفه بتعيس الحظ، وبعضهم يدعونه ببائس ~~الحياة. # وله من التصانيف والمؤلفات بدائع شتى تنبهر منها العقول. وله في وصف الحياة: # الحياة على حالتها وما فيها من علل وآلام، وقيود وأغلال، وسراء وضراء؛ تبدو لنا ~~زاهية جميلة. # الحياة على كثرة همومها وما نقاسيه من أمراضها الوبيلة نهيم فيها عشقا، ولا نطيق ~~الرحيل منها؛ لأننا نجد في الموت عقائد ما عرفناها بعد. # الحياة على علاتها جميلة ms39 فاتنة تسحر العقول، وتلعب بالألباب، وهي كالهالة بين ~~متناقضات من الأحزان والأشجان، وكوارث الزمن وشقاء العمر والآلام الثقيلة، ولكنا وسط ~~هذه الآلام تقودنا الآمال العذبة فنتعلل بها؛ وحينئذ يظهر لنا الكون باسما ضاحكا، ~~والحياة خضراء ناضرة، والطيور تغرد بألحانها الشجية، والمياه تضطرب بين أمواج متراكمة، ~~والنسيم يهب عليلا بليلا، كأنه ترديد أنفاس الطبيعة الخلابة. توفي رحمه الله سنة «710 ~~هجرية». # أبو الحسن علي بن صاعد الصدفي # هو العالم الفلكي المشهور المعروف ب «ابن يونس المصري»، صاحب الزيج الحاكمي المعروف ب ~~«زيج ابن يونس»، وقد وضعه في أربعة مجلدات كبار. وكان ابن يونس المذكور أبله مغفلا، ~~بائس الحظ في الدنيا. وكان غريب الشكل؛ يجعل عمامته على طرطور عجيب الوضع، وكان إذا ~~لبس العباءة في فصل الشتاء يجعلها فوق الطرطور. وكان طويل القامة جدا، إذا مشى نظر ~~الناس إليه باستغراب، وإذا ركب على دابة ضحك الناس عليه لطول ساقيه؛ إذ يكادا أن يكونا ~~مرتفعين عن الأرض قليلا. وكان سيئ الحال رث الثياب، وله مع هذه الهيئة منزلة عظيمة، بل ~~هو أعلم الناس بحرفة التنجيم، وأمهرهم في علم الفلك، ولا جدال في ذلك، وعلى نبوغه لا ~~يشاركه فيها أحد. # وكان متفننا في علوم شتى. «ومن أخباره» أنه دخل يوما على الحاكم بأمر الله الفاطمي، ~~صاحب مصر في ذلك العصر، والحاكم على ما هو مشهور عنه كان ظالما غشوما مستبدا كثير ~~الأضاليل والزندقة. فلما دخل مجلسه وضع مداسه في يده وقبل الأرض بين يديه، وجلس ~~والمداس إلى جانبه، والحاكم بأمر الله ينظر إليه باستغراب. ولما أراد الانصراف من حضرة ~~الخليفة قبل الأرض ولبس مداسه، فضحك عليه الحاكم ضحكا شديدا وأسماه «المنجم ~~الخليع»؛ فالتصق عليه هذا الاسم وعرف به. # عاش طول عمره وهو يكافح الأهوال ويعاني المصاعب، مع سوء حاله وضيق ذات يده، وما زال ~~في اجتهاد مستمر حتى انتهى من زيجه المعروف، والناس غير مصدقين ما هو عليه من قوة ~~العلم. وقد كذبوا من تعرض بذكره، فعاش موصوما بالجنون واختبال العقل. على أنه ~~كثيرا ms40 ما تنبأ بحصول حوادث بمصر، وأخبر عنها قبل حصولها، وصدق فيها فعلا؛ فكان من ~~الناس من صدق، ومنهم من كذب. # ومكث فقيرا معدما لا يمتلك شيئا ، ولما حانت وفاته أوصى بعض من يثق بهم بإظهار ~~زيجه المعروف. ولما انتهت حياته ظهر فضله وعرف الناس قوة إدراكه، وحينئذ شهد له ~~العلماء، واعترفوا بنبوغه وتفوقه. # وكانت وفاته «سنة 391 هجرية». # حسين بن محمد الإربلي # الشاعر الضرير، تلميذ أفضل الدين الخلنجي، كان شاعرا بصيرا بالعربية، بل أستاذا في ~~العقليات كلها، إلا أنه كان فيلسوفا رافضيا تاركا للصلاة. «ومن بؤسه» أنه كان رث ~~الثياب زرئ الشكل، عظيم الهيئة ضخم الجسم، يصدر منه ما يحس بفساد العقيدة والانحلال. ~~ابتلاه الله بالعمى وبطلوعات وقروح في جسمه، وكان من شدة فاقته لا يجد ثمن ما يغتسل به؛ ~~حتى أصبح قذر الجسد والثياب، لا يتوقى النجاسة. # ومن طباعه المذمومة فيه أنه كان يهين السادات، ويطعن في الأكابر إذا حضر مجلسهم، ~~وكانوا يكرهونه كرها شديدا، ومع كل ذلك كانوا بالرغم عنهم يعظمونه ويبجلونه إكراما ~~لعلمه. وكان رحمه الله مهيبا محترما، وهو من أبلغ علماء عصره، ومن الخطباء المعدودين. ~~توفي «سنة 660 هجرية». # محمد بن هانئ الأندلسي # هو أبو الحسن محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي، الشاعر المشهور، «من ولد يزيد بن حاتم بن ~~قبيصة بن الملهب بن أبي صفرة»، كان شاعرا مجيدا. ولد بإشبيلية «سنة 330 هجرية»، ~~واتصل بصاحب إشبيلية وحظي عنده، ثم ارتحل إلى عدوة وهي «مدينة الزاب»، وامتدح والييها ~~جعفر ويحيى ابنا علي، وكانا بالمسيلة؛ فبالغا في إكرامه. ونما خبره إلى المعز لدين الله ~~الفاطمي فطلبه منهما، فلما وصل إليه مدحه بغرر القصائد فبالغ في الإنعام عليه بعطايا ~~جزيلة يندر أن يهبها ملك إلى شاعر مثله. امتدح جوهر الصقلي قائده وغيره من أعيان ~~الدولة. ولم يكن في المغاربة أشعر منه، وكان عندهم كالمتنبي عندنا بالشرق، وكانا في عصر ~~واحد. ولم يكن فيلسوفا، ولكن له آراء أشبه بالفلسفة. ورحل إلى بلاد البربر ببلاد ~~إفريقية، ولقي بها جوهر الصقلي قائد ms41 جيوش المعز، فمدحه ووصله. ومن بؤسه أنه كان متهما ~~بالخلاعة والمجون وشرب الخمر والإدمان على السكر، وزعموا أنه كان متهما بمذهب ~~الفلاسفة، وذلك كان علة بؤسه. وسبب وفاته أنه نزل على شخص من برقة فأضافه، وأقام عنده ~~في مجلس حافل، وسكروا وأسكروه معهم، فلما انتشوا عربدوا عليه فقتلوه. وكانت وفاته في ~~شهر رجب «سنة 365 هجرية»، وله من العمر 35 سنة. ولما بلغ المعز لدين الله الفاطمي خبر ~~وفاته وهو بمصر حزن عليه حزنا شديدا وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كنا نرجو أن ~~نفاخر به شعراء الشرق فلم يقدر لنا. # ولابن هانئ ديوان شعر كله غرر ودرر قرط بهذين البيتين: # إن تكن فارسا فكن كعلي # أو تكن شاعرا فكن كابن هاني # كل من يدعي بما ليس فيه # كذبته شواهد الامتحان # ومن محاسن شعره: # فتكات طرفك أم سيوف أبيك # وكئوس خمر أم مراشف فيك # منعوك من سنة الكرى وسروا فلو # عثروا بطيف طارق ظنوك # ودعوك نشوى ما سقوك مدامة # لما تمايل عطفك اتهموك # حسبوا التكحل في جفونك حلية # تالله ما بأكفهم كحلوك # ولوى مقبلك اللثام وما دروا # أن قد لثمت به وقبل فوك # ابن عفيف الدين التلمساني # هو سليمان بن محمد بن عبد الله، الأديب البارع والألمعي الأريب، شاعر عصره وفريد ~~دهره. كان رحمة الله عليه حسن العشرة كريم الأخلاق، ذا وجاهة واعتبار، يجالس الأمراء، ~~ويباحث العلماء. واشتهر بين أهل دمشق بنظم الشعر، واعتبروه من نوابغ شعراء الشام؛ ~~فكانوا لا يرون عليه تفضيل شاعر، ولا ينظرون له شعرا إلا عظموه كالمشاعر. # وسبب بؤسه؛ أنه اتهم في آخر أيامه بالخمر والفسق والقيادة؛ فهجره عارفوه، وتخلى عنه ~~والده؛ فعاش ما بقي من عمره بائسا يائسا غير مرضي عنه. ومات غما سنة «688 هجرية». ~~وله ديوان شعر نفيس. ومن محاسن شعره: # لما رأت عشاقها قد أحدقوا # من حسنها بحدائق الأحداق # شغلت سواد عيونهم في شعرها # وتوشحت ببياضهن الباقي # وله أيضا: # لا تخف ما فعلت بك الأشواق # واشرح هواك فكلنا عشاق # فعسى يعينك من ms42 شكوت له الهوى # في حمله فالعاشقون رفاق # قد يخفى الحب لولا دمعك ال # جاري ولولا قلبك الخفاق # لا تجزعن فلست أول مغرم # فتكت به الوجنات والأحداق # واصبر على هجر الحبيب فربما # عاد الوصال وللهوى أخلاق # كم ليلة أسهرت أحداقي بها # ملقى وللأفكار بي إحداق # يا رب قد بعد الذين أحبهم # عني وقد ألف الرفاق فراق # واسود حظي عندهم لما سرى # فيه بنار صبابتي إحراق # عرب رأيت أصح ميثاق لهم # أن لا يصح لديهم ميثاق # وعلى النياق وفي الأكلة معرض # فيه نفار دائم وتفاق # ما ناء إلا حاربت أردافه # خصرا عليه من العيون نطاق # ترنو العيون إليه في إطراقه # فإذا رنا فلكلها إطراف # وله أيضا: # مذ رأته الشمس في الحمل # لم تكد تبدو من الخجل # غصن بان مثمر قمرا # يخجل الأغصان بالميل # ورد خديه يضرجه # خجل من نرجس المقل # وسوى ذا أن مبسمه # جامع للخمر والعسل # من مجيري من لواحظه # إنني منها على وجل # كلما سلت صوارمها # قال قلبي قد دنا أجلي # وله أيضا: # بتثني قوامك الممشوق # وبأنوار وجهك المشوق # وبمعنى في الحسن مبتكر فيك # وقلب كقلبي المسروق # جد بوصل أو زورة أو بوعد # أو كلام أو وقفة في الطريق # أو بإرسالك السلام مع الريح # وإلا فبالخيال الطروق # وله أيضا في صباه: # أسير ولو أن الصباح مواكب # وأسري ولو أن الظلام قتام # وأغشى بيوت الحي لا مترقبا # وأطرق ليلي والوشاة نيام # إذا لم تكن للصب إقدام صبوة # تحل تلاف النفس وهو حرام # فليس له بين المحبين رحلة # ولا بين هاتيك الخيام مقام # لابن العفيف في النبي عليه الصلاة والسلام: # أرض الأحبة من سفح ومن كثب # سقاك منهمر الأنواء من كثب # ولا عدت أهلك النائين من نفس الص # با تحية عاني القلب مكتئب # قوم هم العرب المحمي جارهم # فلا رعى الله إلا أوجه العرب # أعز عندي من سمعي ومن بصري # ومن فؤادي ومن أهلي ومن نسبي # لهم علي حقوق مذ عرفتهم # كأنني بين أم منهم وأب # إن كان أحسن ما في الشعر ms43 أكذبه # فحسن شعري فيهم غير ذي كذب # حياك يا تربة الهادي الشفيع حيا # بمنطق الرعد باد من فم السحب # يا ساكني طيبة الفيحاء هل زمن # يدني المحب لنيل القصد والأرب؟ # ضممت أعظم من يدعى بأعظم من # يسعى إليه أخو صدق فلم يخب # وحزت أفصح من يهدي وأوضح من # يبدي وأرجح من يعزى إلى نسب # تحدو النياق كرام نحو تربته # فتملأ البر من نحب ومن نجب # يسعون نحو هضاب طاب موردها # كأنما العذب مشتق من العذب # أرض مع الله عين الشمس تحرسها # فإن تغب حرستها أعين الشهب # يا خير ساع بباع لا يرد ويا # أجل داع مطاع طاهر الحسب # ما كان يرضى لك الرحمن منزلة # يا أشرف الخلق إلا أشرف الرتب # لي من ذنوبي ذنب وافر فعسى # شفاعة منك تنجيني من اللهب # جعلت حبك لي ذخرا ومعتمدا # فكان لي ناظرا من ناظر النوب # إليك وجهت آمالي فلا حجبت # عن باب جودك إن الموت في الحجب # وقد دعوتك أرجو منك مكرمة # حاشاك حاشاك أن تدعى فلم تجب # ابن العفيف التلمساني يمدح الأمير ناصر الدين الحرني: # صبا وهزته أيدي شوقه طربا # وجد من بعد ما كان الهوى لعبا # لا تعتبوه فما أبقى الغرام له # من سمعه ما به يصغي لمن عتبا # ولا ثناه وأمر الحب في يده # عذل فكيف وأمر الحب قد غلبا # يهوى بروق الحمى لكن يخالفها # فكلما ابتسمت في جوها انتحبا # يا قلب حتام تهوى من سلاك ويا # جفني كم تبكيان الجيرة الغيبا؟! # أعيذ قلبا ثوى حب الأمير به # من أن يرى بسوى حبيه ملتهبا # لا تنظر العين منه السيف منصلتا # إن فارق الغمد حل الهام فاحتجبا # لو أقسم المدلج الساري على قمر # باسم الأمير دعاه قط ما غربا # ولو وضعت اسمه يوما على ذكر # طاحت رءوس الأعادي وهو ما ضربا # ولو تلوت على ميت مناقبه # رد الإله له الروح التي سلبا # ولو مزجت بماء المزن ما اكتسبت # من لطف شيمته ما غص من شربا # من المكارم أبناء الأكارم آ # باء ms44 الأكارم لا زورا ولا كذبا # تسعى لنيل العلا من معشر وهم # تسعى المعالي إلى أبوابهم أدبا # يعلمون الورى آدابهم ولهم # بيض إذا غضبوا لا تعرف الأدبا # لو لقبوا بالغصون السمر صدهم # جعل الرءوس لها يوم الوغى كثبا # المنجدين أخا والموجدين سخا # والماجدين أبا والواجدين إبا # لما انتسبت إلى أبوابه كبرت # بي همة صغرت في عيني الرتبا # لو رمت أسحب أذيالي على فلك # لمد لي سبب من جوده سببا # ابن حزم # هو «أبو محمد الظاهري» الإمام العلامة، والبحر الفهامة، إمام وقته، ووحيد عصره، ~~منبع العلوم والمعارف، واللطائف والطرائف، وصاحب المعقول والمنقول، حجة العلماء الحافظ ~~المجتهد. كان رحمه الله من النوابغ الأعلام، وفحل من فحول الكلام، المشهود لهم بلا ~~جدال. ولشدة نبوغه وذكاء عقله، وتفوقه على من عداه بالعلم والأدب، كان كثير الوقوع في ~~العلماء؛ فاتفق عدد عظيم من معاصريه على بغضه وتضليله، وشنعوا عليه، وخطلوا في ذمه حتى ~~نفروا قلوب الناس منه، وقاطعوه ومانعوه، وما اكتفوا بذلك حتى وشوا به إلى الخليفة؛ ~~فأقصاه من البلاد، وأصدر أمره إلى الولاة بطرده من إمارتهم، وأن يحذروا العامة عن ~~الدنو منه؛ فخرج رحمه الله من دياره شريدا طريدا، ولما انتهى إلى بادية فلاة توفي ~~بها سنة «456 هجرية»، ووجدوا تحت رأسه جعبة وضع فيها مؤلفاته، ولما قرئت بمعرفة لجان ~~تأسست لدرسها تاهوا في بحر علمه، وقدروا له حق قدره. وكانت مؤلفاته سببا في رفع ذكره ~~مادامت الأرض وامتدت القرون إلى يوم العرض. # وكان رحمه الله على حالة لا تسر حبيب، حتى إن البؤس قد اعترضه طول أيام حياته رحمه ~~الله. ا.ه. # أبو الحسن التهامي # أبو الحسن علي بن محمد التهامي، كان عالما أديبا وشاعرا مجيدا، تشبه بعادة ~~الشعراء أمثاله؛ فطاف البلاد متوسلا بشعره مستجديا بقصائده، فمر بالعراق وفارس والشام ~~وسائر الأقطار الشرقية، حتى انتهى إلى مصر مستخفيا ومعه كتب كثيرة من حسان بن مفرج ~~بن دغفل البدوي، وهو متوجه إلى «بني قرة»؛ وهي بلدة بصعيدي مصر بمديرية أسيوط، فظفروا ~~به فقال: أنا من بني ms45 تميم. فلما انكشف حاله عرف أنه التهامي الشاعر المشهور؛ فاعتقل ~~في خزانة البنود وهو سجن بالقاهرة، وذلك في اليوم السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر ~~سنة «416 هجرية»، ثم قتل سرا في سجنه في اليوم التاسع من شهر جماد الأول سنة «416 ~~هجرية». # ومن محاسن شعره: # سأنفق ريعان الشبيبة آنفا # على طلب العلياء أو طلب الأجر # أليس من الخسران أن لياليا # تمر بلا نفع وتحسب من عمري # أبان لنا من دره يوم ودعا # عقودا وألفاظا وثغرا وأدمعا # وأبدى لنا من دله وجبينه # ومنطقه ملهى ومرأى ومسمعا # فقلت أوجه لاح من تحت برقع # أم البرق بالغيم الرقيق تبرقعا؟ # وله أيضا: # عبسن من شعر في الرأس مبتسم # ما نفر البيض مثل البيض في اللمم # ظنت شبيبته تبقى وما علمت # أن الشبيبة مرقاة إلى الهرم # ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي # ولا وفائي ولا ديني ولا كرمي # وإنما اعتاض رأسي غير صبغته # والشيب في الرأس دون الشيب في اللمم # بالنفس قائلة في يوم رحلتنا # هواك عندي فسر إن شئت أو أقم # فبحت وجدا فلامتني فقلت لها # لا تعذليه فلم يلؤم ولم يهم # لما صفا قلبه شفت سرائره # والشيء في كل صاف غير مكتتم # بعض التفرق أدنى للقاء وكم # لاءمت شملا بشمل غير ملتئم! # كيف المقام بأرض لا يخاف بها # ولا يرجى شبا رمحي ولا قلمي؟! # فقبلتني توديعا فقلت لها # كفى فليس ارتشاف الخمر من شيمي # لو لم يكن ريقها خمرا لما انتظمت # بلؤلؤ من حباب الثغر منتظم # ولو تيقنت غير الراح من فمها # ما كنت ممن يصد اللثم باللثم # وزاد ريقتها بردا تحدرها # على حصى برد من ثغرها شبم # إني لأطرق طرفي عن محاسنها # تكرما وأكف الكف عن أمم # ولا أهم ولي نفس تنازعني # أستغفر الله إلا ساعة الحلم # وله أيضا: # أعاصي الهوى في حال نومي ويقظتي # فسيان عندي وصلها والتجنب # لحى الله قلبي ما له الدهر عاكفا # عليها ومن شأن القلوب التقلب # ولم أنسها تصفر من غربة النوى # كما اصفر وجه ms46 الشمس ساعة تغرب # علي بن سليمان النحوي # هو علي بن سليمان بن محمد الشهير بالنحوي، كان من مشاهير القرن الثالث والرابع، بل هو ~~من العلماء المعدودين، والنوابغ الأعلام، وإن شئت مزيدا فهو إمام اللغة والأدب في ~~عصره، والنابغ المجتهد الفهامة، الذي اعترف الجميع بذكائه، وانبهر الطلاب من سرعة ~~جوابه، وهو وإن كان من البؤساء الذين أخنى عليهم الدهر، إلا أنه كان في مجلس علمه تحتفل ~~به الأمراء، وتتقرب إليه الوزراء. وعلى وجاهته وسمو مكانته كان يخفي تحت مظهره الخلاب، ~~ونباهته الفائقة، حالته من البؤس التي كان يتألم في الباطن منها، وكانت عزة نفسه وشهامة ~~قلبه تأبى عليه أن يبوح بما هو فيه من سوء الحال لأحد. وكان من أكرم أصدقائه عليه «أبو ~~علي بن مقلة» الكاتب المعروف، الذي يضرب المثل بحسن خطه، والذي يقول فيه ~~الشاعر: # فصاحة حسان وخط ابن مقلة # وحكمة لقمان وعلم ابن أدهم # إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس # ونودي عليه لا يباع بدرهم # وكان دائما يتلازمان وبينهما عهود صداقة توطدها صلة العلم، وأبو علي بن مقلة يبره ~~ويراعيه، ويحفظ حقوق محبته غائبا أو حاضرا، وهذان الصديقان كانا على أتم وفاق وأطيب ~~عشرة، ولا يكتم أحدهما عند الآخر سرا يختلج في صدره، ويبوحان لبعضهما بالمكتوم من ~~أمرهما. # ففي ذات يوم حضر ابن مقلة لزيارة صديقه ابن سليمان، فدخل عليه وهو مستقبل القبلة ~~يصلي، ثم جلس في ناحية من أركان الغرفة وابن سليمان لا يشعر به؛ لأنه كان غائبا بشواهد ~~ذاته، حيث تجول روحانيته في سرمدانية الحق، فسمعه يناجي الحضرة العلية بقوله: إلهي ~~وسيدي ومولاي، إني ولك الحمد على ما أنعمت أصبحت في حالة من الضنك كاد أن ينخلع لها ~~صدري؛ لأني أدافع البؤس وأكافح الضيق، وفي نفسي من آمال الثقة بك جيش من الاطمئنان يزحف ~~متمردا على هذا الشقاء الذي أكرهه وأمقته. اللهم أنت تعلم سوء حالي، وتعلم أني أقابل ~~الناس وهم من طبقة الأغنياء؛ فتدفعني النفس الأمارة بالسوء أن أطلب منهم فضل نوالهم ~~أستعين به على ms47 وقتي، ولكني أعود فأخجل لأني لا أعرف ما في نفوسهم. وكم من مرة جلست ~~مترددا وفي قلبي غصة من ألم الحياة ومتاعبها، وحول عنقي سلاسل من مشاكل الوجود! وكلما ~~أصبر النفس وأمنيها أجدها شاردة في فلاة هذه الحياة العميقة؛ وحينئذ تظهر الطبيعة ~~أمامي تفيض برونقها، ثم تتلألأ ببهاء أنوارها الساطعة؛ فتنقشع العباسة عن وجهي، ويتهلل ~~قلبي بشرا وسرورا، وتلوح الحياة أمامي جنة أفراح ومسرات، وما هي غير لحظة حتى تنقلب ~~هذه الظواهر الخلابة. # اللهم أسبغ علي نعمتك، واسترني بسترك الجميل، وإلا فألهمني الصبر واجعلني قانعا ~~باليسير من الرزق، وبتلك الحالة التي أصبحت فيها؛ لأني لا أستطيع الاكتفاء في حياتي ~~بهذا العيش التافه الذي لو استمر على ما أنا عليه عراني السقم، وصرت من سوء التغذية ~~وعدمها وهما وخيالا. # اللهم إن كان في الأجل امتداد، وفي الحياة بقية، فمتعني بطاعتك في مسرات الوجود حتى ~~أبتهج بها، واجعل الأيام تمر سرعى وتنطوي على عمل؛ حتى أفوز بالهناء المقيم، وأحظى ~~بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم. # فاستاء ابن مقلة من هذه الحال التي يعاني بؤسها صديقه العالم الفاضل الفيلسوف ~~المجتهد، الأديب الأريب الذي يضن الدهر بمثله، ولا تتمخض الأيام بمن هم على شاكلته، ~~وانسكبت عبراته تتقاطر حتى صار يشهق بالزفير تبعا لعواطفه الرقيقة. # ولاحت من على ابن سليمان نظرة على أثر ما سمع من تصعد الزفرات، فأبصر صديقه ابن ~~مقلة في شدة الحزن، وهو يكاد أن ينفطر كمدا عليه، فقال له: مهلا يا صديقي، فكهذا نصيب ~~العلماء. # فقال ابن مقلة: ونصيب العظماء أيضا. # وبعد أن مكثا ساعة باح فيها ابن سليمان بما يبطن من همومه ونكبات دهره، فقال له ابن ~~مقلة: إني سأجتهد في الوساطة لك عند بعض الأمراء فيلحقك في مرتزق من خيرات ~~المحسنين. # فكرهت نفس ابن سليمان هذا الرجل الشريف النبيل أن يكون هكذا حاله، وهو الرجل العاقل ~~المؤتمر بأوامر الله والمنتهي بنواهيه، أن يقبل على نفسه هذه الوساطة الشائنة، وهو ذلك ~~الرجل العالم الوقور الذي يعترف بالحق، ويؤدي الواجب ms48 عليه، ويعرف ما يعترض الإنسان من ~~خير أو شر، وله من عظمة نفسه العالية الأبية ما يجعله يترفع عن مثل هذه الدنايا. لم يكن ~~أبدا من أولئك الذين يطلبون رزقهم من غير الخالق جل شأنه، ولا هو ممن يطلبون الرفعة ~~على مزالق السقوط، لم يكن أبدا يطلب رزقه في عظمة مسلوبة، ثم ينحدر في بؤرة السفالة ~~والمعروف. # فنظر إلى ابن مقلة وقال: إذا كانت الأرزاق تأتي من هذا الباب؛ فدعني أغلقه، ومن ~~أدراك؟ فربما تلحظنا عناية الله عز وجل؛ فتكتب لنا السلامة وتهدينا إلى الطريق ~~المستقيم. # وهنا أبت عزة نفس ابن سليمان أن يجعل صديقه عرضة لطلب الإحسان باسمه، وأبت صداقة ابن ~~مقلة إلا أن يسعى في خير صاحبه فيتوسط له في مرتزق يتعيش منه. ولما ودعه وانصرف من ~~حضرته قصد في الحال منزل الوزير «أبو الحسن علي بن عيسى»، وليشرح له حالة صديقه علي بن ~~سليمان، وما هو فيه من الفاقة والفقر وشدة الضيق، ويطلب منه أن يساعده فيقرر له مرتزقا ~~يتعيش منه في جملة من يرتزق من البؤساء والفقراء المحتاجين. # فلما وصل ابن مقلة إلى الوزير أبي الحسن بن عيسى، وعرض عليه مساعدة ابن سليمان برق ~~وأرعد، واشتد به الغضب؛ فصرخ في ابن مقلة وأهانه إهانة شديدة، وانتهره وشنع به من غير ~~ما سبب يوجب ذلك. # ولقد كان ما حصل لابن مقلة من الإهانة أمام مجلس حافل من الوجوه والأعيان، وطبقة أخرى ~~من جماعة المتقاضين وغيرهم؛ فشق على ابن مقلة ذلك، ولم يستطع أن يعمل عملا مع هذا ~~الوزير الفظ الأخلاق السيئ التربية، غير أن توجه إلى بيته وهو يكاد أن يتميز من شدة ~~الغيظ، اعتراه الخجل من جراء هذا الحادث الذي أحزنه وقلل من مقامه واعتباره، وكتم الأمر ~~تماما عن علي بن سليمان، وعزم على أن لا يفاتحه بما حصل؛ خوفا على رقة إحساسه وشعوره ~~العالي. # وبعد أيام وقف علي بن سليمان على صورة الحال، فاغتم غما شديدا على ما حل بصاحبه من ~~الإهانة التي وجهت إليه ms49 بسببه، فأكبر فيه هذه المروءة وهي من صفات الرجل الكريم، ومقت ~~للوزير سفالته إذ كانت من خصال الرجل اللئيم. # واشتدت به الأحزان فاضطربت أعصابه، واعترته آلام نفسانية لا يعلم أحد عن كيفية ~~أسبابها، وظهرت عوارض اليأس عليه. # وكانت نفسيته في حالة شديدة ظهرت مرتبكة بالتأثير، فكان كلما تصور المعركة العنيفة ~~التي قامت بين الوزير وصديقه ابن مقلة؛ تجلت له عظمة الرجل الغيور، صاحب النفس ~~العطوفة، الرجل الحكيم الداعي للمسامحة والتساهل، لأسباب قهرية لولاها لكانت نفس ابن ~~مقلة نشطت من عقال الخمول، وتصدرت للدفاع عن كرامتها، وما كان علي بن سليمان ممن ~~يستهينون بكرامة النفس، فإن ما حصل من الوزير أبي الحسن علي بن عيسى جرحه في كبريائه، ~~وصدع عزة نفسه؛ فانتفض ممتقع اللون، وشعر بحمى عنيفة، فأراد أن ينتهي من حياته على أي ~~وجه أو شكل؛ فأتى بشيء من السلجم وأكله نيا فقبض على قلبه فانتحر، ومات على ~~الإثر. # فكان هذا الخبر شديد الوقع على ابن مقلة؛ فحزن عليه حزنا شديدا. # وكانت وفاته سنة «715 هجرية». # التلعفري # هو الإمام الأوحد، والعلامة المفرد، الشيخ شهاب الدين محمد بن يوسف بن مسعود بن ~~بركة الشيباني التلعفري الشاعر المشهور، ولد بالموصل سنة «593 هجرية»، واشتغل بالأدب ~~حتى ضرب به المثل في لطافة الغزل، ورصانة الشعر، ورشاقة المعاني، وكانت تميل به نفسه ~~إلى الخلاعة، ثم ابتلاه الله بالقمار فأفسد عليه عيشه، وكان كلما أعطاه الملك الأشرف ~~شيئا يقامر به فطرده من خدمته وأقصاه إلى حلب، فلما وصلها مدح صاحبها العزيز فأحسن ~~إليه وقرر له رسوما، فسلك معه مسلك الملك الأشرف، فنادى في حلب أن من قامر مع الشهاب ~~قطعنا يده؛ فامتنع الناس من اللعب معه، فضاقت به الحال فترك الخدمة، وجاء إلى دمشق ولم ~~يزل يستجدي بها ويقامر حتى صار لا يملك درهما، وصار من شدة الفاقة في حالة يرثى لها، ~~ثم نادم في أواخر أيامه أمير حماة، ومات بعدها بقليل سنة «685 هجرية» وله من العمر ~~اثنان وثمانون سنة، وله ديوان شعر جيد. ms50 ومما حكاه الشيخ تقي الدين بن حجة الحموي، قال: ~~اتفق أن الشيخ نور الدين علي بن سعيد الأندلسي لما نزل بمصر اجتمع بالوزير بهاء الدين ~~أبو الفضل زهير، وسأله أن يرشده إلى ما يجعله رقيق الغزل، فقال له: طالع ديوان الحاجري ~~والتلعفري، وأكثر المطالعة فيهما، وراجعني بعد ذلك، فغاب عنه مدة وهو يشتغل بمطالعة ~~الديوانين إلى أن حفظ غالبهما، ثم اجتمع به بعد ذلك وتذاكرا الغراميات، فأنشده بهاء ~~الدين زهير «يا بان وادي الأجرع»، فرد عليه نور الدين «سقيت غيث الأدمع». فقال له: ~~حسن، لكن الأقرب إلى الطريق الغرامي «هل ملت من طرب معي». ومن محاسن شعر ~~التلعفري: # هذا العذول عليكم ما لي وله # أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله # شرط المحبة أن كل متيم # صب يطيع هوى ويعصي عذله # ابن الراوندي # هو الإمام الأجل، العالم العامل، الفاضل المجتهد، حسن بن محمد بن علي الراوندي، ولد ~~ببغداد سنة «890 هجرية»، فحفظ القرآن وله من العمر سبع سنين، ولما بلغ الثانية عشر ~~جود القرآن بالسبع قراءات، وتبحر في العلم، وكان رخيم الصوت حسن الغناء، يكاد صوته أن ~~يكون ملائكيا يستهوي القلوب سماعه، ووهبه الله جمال الخلق والخلق؛ فكان صبيح الوجه ~~حسن التقاطيع، وقد رزقه الله التقوى؛ فنشأ على الورع والزهد وكثير العبادة، يتهجد طول ~~ليله ولا ينام إلا غرارا. وشاع ذكره في جميع الممالك الإسلامية، فطاف مدن العراق فصادف ~~من إعجاب الناس وحفاوتهم به ما جعله مكبا على العلم بجملته، وعظمته الأمراء واحتفلت ~~به الملوك، ولما بلغ العشرين من عمره كمله الله بالعلم ومحاسن الجمال الفتان؛ فكانت ~~تعشقه النساء، وتهيم بحبه الغادات الحسان، وتتمنى كل غانية من الغانيات، والبارزات في ~~الحسن المشهود لهن بالجمال ورقة الغناء؛ أن تكون له أمة تتمتع بهيئته الوسيمة، ~~وطلعته النادرة المثال. وبالجملة فقد أصبح ابن الراوندي لا ينادم إلا الملوك، ولا يسامر ~~غير الأمراء. # ففي ذات يوم دعاه الأمير بهاء الدين بن حشاد صاحب الوائلية، وكان بنو حشاد سادات هذه ~~الجزيرة، ولهم من الإقطاعات والعزب ms51 والحدائق والغيطان والقصور الشماء ما جعلهم يفاخرون ~~الملوك، ويتعاظمون على من عداهم. «قيل» إن جيش ابن حشاد كان لا يقل في زمن السلم عن ~~عشرين ألفا، وكان في زمن الحرب لا يعلم عدده إلا الله. # وكان الأمير بهاء الدين قد بلغه خبر ابن الراوندي، ووقف على صيته البعيد وما وهبه ~~الله من جمال الصوت والخلق، فأراد أن يراه ويسمع صوته، ويولم وليمة يجمع فيها جميع ~~الأمراء وأعيان البلاد المجاورة له، ويجعل الأفراح في مدينته شهرا كاملا؛ فأرسل رئيس ~~حرسه إلى ابن الراوندي بكتاب رقيق الحاشية، يدعوه فيه بتشريف الوايلية، وأعد له هودجا، ~~وما يلزم لراحته. ولما وصل إليه رسول الأمير أسرع في الذهاب إليه وهو مبتهج طروب، ولما ~~دخل الوايلية قابله الناس بالترحاب والتهليل، ودقت له الطبول، وخرج الأمير ابن حشاد ~~لمقابلته، ولما وقعت عينه عليه أخذه بالأحضان وهنأه بالسلامة، وشكره على إجابة طلبه، ~~وبعد أن استراح ثلاثة أيام من وعثاء السفر؛ دعا الأمير الناس للاحتفال، ونصب له مجلسا ~~عاليا يشرف فيه على هذه الجموع المتزاحمة. # أخذ ابن الراوندي مجلسه بين بطانته، وكانوا أربعة شبان على شاكلته، يضرب بهم المثل، ~~وكانوا يرددون صوته بما تستدعيه صناعة الغناء التي ابتكرها لهم هذا الأستاذ، وما كاد ~~يفتتح الحفلة بتلاوة ما تيسر من القرآن حتى هاج الجمع وماج، وبعد ذلك أخذ في غناء قصيدة ~~غرامية قام لها الحاضرون وقعدوا. اندهش الأمير ابن حشاد مما سمع، واستهواه جمال هذا ~~الصوت الحنون الرنان، وترجيع المواقف بنغمة شهية فيها بحة احتلام لذيذة، يتوهمها السامع ~~أنها موصلة بنياط قلبه، واشتد الطرب بالأمير فالتفت إلى من بمجلسه من أصدقائه وندمائه ~~وقال: لو أقسمت أني سمعت صوت الملائكة ما حنثت في يميني. وما زال يغنيهم؛ تارة ~~بالإنشاد، وطورا بالتواشيح، حتى سلب عقولهم. وانتهت تلك الحفلة بعد الفجر حيث تفرقت ~~هذه الجموع للصلاة، وانتشروا بعد ذلك لمزاولة أشغالهم، وكان لا هم للناس إلا الإعجاب ~~بما سمعوه من جمال صوت ابن الراوندي. # واقترب منه الأمير ابن حشاد، فأخذه بين أحضانه وهو ms52 مغتبط طروب، وقد أحبه أحسن حب، وما ~~زال به حتى أوصله إلى الغرفة التي خصصها له لينام فيها، وكانت فاخرة الرياش حسنة ~~الترتيب، فيها سرير عليه فرش وثير مما ينام عليه الملوك، وجعل له خادما خصصه له، ثم ~~ودعه وانصرف لينام. # وما كاد يرتدي بملابس نومه ويستلقي على سريره حتى سمع نقرا ضعيفا على باب غرفته، ثم ~~دخلت فتاة حسناء ما وقعت عين إنسان على أجمل منها، فحيته بإشارة من يدها، وقالت: أظنك ~~لا تعرفني طبعا، وتجهل سبب حضوري إليك، وأنا ربة خدر لم أتعرف برجل قبلك. # فنظر إليها نظرة حياء ووقار وقال: إن صدق ظني فأنت من بيت حشاد الرفيع العماد، الأثيل ~~في المجد والسؤدد. فنظرت إليه نظرة طويلة تطفح حنوا وغراما وقالت: لقد صدقت، فأنا ~~شقيقة الأمير حشاد، ولقد حضرت إليك لأشرح عواطف حبي، وأقول لك إني سمعت نغمة صوتك التي ~~استهوتني بالوجد الشديد، ورأيت جمال صورتك الذي استمال عواطفي نحوك، ولما تحققت من دعة ~~نفسك وكرم أخلاقك أحببتك حبا خالصا شريفا وملكتك قلبي. # فاضطربت أعصاب ابن الراوندي، وثبت في مكانه جامدا، وأرخى للفكر سدوله؛ فهام في مهامه ~~التفكير. ثم رفع إليها رأسه، وقال: هذه طربة من شجون الحب، وبدعة من هواجس الغرام. أظنك ~~تسرعت كثيرا ولم تفهمي أن بيني وبينك فوارق هائلة لا أستطيع أن أزحزحها؛ أنت من ذوات ~~الصون والعفاف، شقيقة ملك وسلطان، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أكون من ضمن ~~خدمه. # فبكت الأميرة وقالت: أنت يا ابن الراوندي فتى جمله الله بالمحاسن النادرة التي ~~تروق في عين النساء، وإني فتاة لا أمتلك أمر نفسي، ولكني حضرت إليك ألتمس في حبك ~~الهناء، راجية منك أن تقاسمني واجب الحب ولو حالت دونه الحياة. # فبكى ابن الراوندي بكاء مرا ونظر إلى الفتاة، وقال: إنك يا سيدتي حسناء ولا جدال ~~في ذلك، وإني منذ هذه اللحظة التي رأيتك فيها شعرت بتأثير الحب، أحببتك يا ذات الشباب ~~الغض والجمال الباهر، وإني في غد سأسكب عبرات الأمل الزاهر، وأستعذب ms53 هذه الحياة ~~المباركة. # فقالت: تأكد يا حبيبي بأننا من أصحاب الآمال العظيمة الهائلة، والقلوب الكبيرة ~~الذابلة. # فقال: نعم، ولكن مع الأسف إن هذه النفوس العالية خاوية خالية. # وبعد ذلك تعاهدا على الوفاء في الحب. # واستمر ابن الراوندي والأميرة حسنات يتقابلان سرا مدة شهر كامل، كانا في خلاله لا ~~يستطيع أحدهما البعد عن الآخر، وزاده الحب نباهة؛ فكان يغني بالحب حتى لا يستطيع من ~~يسمعه إلا أن يصيح عاليا من قلب مندمل. # وانتهت الضيافة، وقرر الأمير ابن حشاد أن يعلن بفض هذه الحفلات. # ومن سوء حظ ابن الراوندي وحبيبته الأميرة حسنات أنهما اجتمعا معا في ذات الليلة التي ~~شكر فيها الأمير حشاد على تلبية دعوته جميع من حضروا حفلات أنسه بسماع ابن الراوندي، ~~الذي شنف الأسماع برخيم صوته، وقال وإن الليلة الآتية هي خاتمة هذه الحفلات. # وفي وقت الفجر تقريبا حضرت الأميرة كعادتها، وأخذت تتحدث مع ابن الراوندي بحديث ~~العشاق. # وبينما هما كذلك وإذا بالأمير قد وقف أمامهما وقال: سلام على العشاق في كل مكان، ~~وسلام عليكما يا من جهلتما أن بين المضاجع يختلف المؤتلفون، ويعتنق المتباعدون، أما ~~أنتما فمحبان باعدت بينهما الأيام، وحكمت عليهما بالفراق. # فوجم العاشقان وجوما رهيبا، واعتراهما خوف شديد، فوقفا مضطربان، وقد زادهما الحياء ~~حسنا وجمالا. # وشعر الأمير بأن أعصابه تضطرب، وقد وهنت عزيمته، فوقف باهت اللون يترنح من شدة الغيظ، ~~وظهرت على محياه ثورة الحزن واليأس. # أما الأميرة فقد ضعضعها الوجل، واستولى عليها الحياء، ومادت بها قدماها فهوت ساقطة ~~إلى الأرض. # فاحتملها الأمير إلى غرفة ثانية، وكتم غيظه، وعاد بعد ذلك إلى ابن الراوندي وقال: لا ~~تحزن ولا ترتبك، وتأكد بأني قد وهبت لك حسنات. # وما زال به حتى طابت نفسه، وذهبا معا إلى غرفة الفتاة، وما زال بها حتى أفاقت، ~~فأمنها على نفسها بحجة أنه قد وهبها له. # فرح العاشقان فرحا شديدا، وإكراما لذلك قال الأمير: وبما أني قد أمرت بجمع شملكما ~~فيجب أن نجلس جميعا نستقبل هذا الصباح الجديد، وهيا نصطبح فأشرب نخب هنائكما ms54 كاسات ~~المدام. # وجيء بالخمر فصب كأسه وصب لكل من شقيقته وابن الراوندي كأسه، وبسرعة مدهشة وضع لهما ~~في الكاسات سما زعافا. # ودارت الكاسات خمرا صافيا بين الثلاثة، وعلى أثر ذلك شعرت الأميرة بدوار شديد، ~~وعادت في الحال إلى غرفتها. # أما ابن الراوندي فقد شعر بأحشائه تكاد أن تتمزق، فأفرده الأمير في غرفة خاصة وهو ~~موقن أن سيموت عما قليل، وأدرك ابن الراوندي ما حل به من الأمير، فجاء في ذات ليلة ~~حينما أمكنته الفرصة فهرب، وأخذ يسير طول الليل وهو في حالة من المرض والتعب لا يمكن ~~معها أن يواصل سفره في البيداء، فمكث في ضيافة رجل مدة ثلاثة أشهر، أصبح في خلالها ~~عظما باليا في جلد، وفي حالة يرثى لها. # وما زالت تتناوشه الأسقام وتعترضه الأشجان، حتى ~~تغير شكله، وصار من يراه لا يظن أنه هو، وقد تغير هندامه؛ فانقلبت سحنته وضاعت محاسنه ~~الجسمانية، وفقد نغمة صوته الشجي، واستحال بعد ذلك إلى شكل مخيف بشع من تأثير السم الذي ~~فتك به. # وصار صوته خشنا مريعا لا يخرج من حنجرته إلا بصعوبة، وكان وقتئذ يبلغ من العمر ~~نحوا من ثلاثين سنة، فعاد إلى بغداد وهو موقن أنه فقد فضيلة الصوت، وأن حياته صارت ~~كالعدم؛ فانكب على العلم بجملته، فكان من العلماء الراسخين في العلم. ولما لم يجد من ~~يعوله تزوج بامرأة من قومه فقيرة مثله؛ فرزقه الله بكثير من الأولاد على سوء حاله. ~~«قيل» إنه اشترى يوما جانبا من الدقيق، ووضعه في طرف ردائه وشده بخيط وحمله على كتفه، ~~وبينما هو سائر في الطريق خطر بباله سوء الحال الذي هو فيه، وضيق ذات يده، وتراكم المحن ~~والشدائد عليه؛ فرفع طرفه إلى السماء وقال: «يا رب حل مشكلي» وأكثر من الدعاء بذلك، ~~وبينما هو يدعو عثر في حجر فارتج جسمه، ومن شدة الرجة انقطع الخيط المربوط به الدقيق، ~~وتبعثر الدقيق على الأرض واختلط بالتراب، فلما أبصر ذلك قال: الحمد لله قد انحل المشكل، ~~وسيموت العيال جوعا! # ومن تلك الساعة اختبل عقله ms55 ومات بعد عدة أسابيع، وكانت وفاته سنة «985 هجرية»، وله من ~~العمر «95 سنة». # الفقيه نجم الدين بن عمارة # هو الأديب الأريب، العالم العلامة، الفقيه نجم الدين بن عمارة بن الحسن الخزرجي ~~البوريني النعماني، كان عالما من أئمة الفقهاء، شافعي المذهب، من أهل السنة، ومن ~~الشعراء المجيدين. قدم إلى مصر في عهد الدولة الفاطمية، وصاحبها يومئذ الظافر بأمر ~~الله إسماعيل بن الحافظ. # 1 # وكان وزيره الصالح بن زريك، فأكرم مثواه وصار عنده في أكرم محل وأعز جانب، ~~واتحد نجم الدين مع الخليفة على ما كان بينهما من الاختلاف في العقيدة، ودولة الفواطم ~~على ما هو مشهور عنهم أنهم بعد أن انقسم المسلمون على إثر تولية الإمام علي كرم الله ~~وجهه الخلافة إلى قسمين؛ قسم يشايع لعلي والآخر مع بني أمية، وقد استفحلت العداوة بين ~~الفريقين، وخاصة بعد قتل علي، وموت ابنه الحسن، واغتيال الحسين، فسمي أتباع علي ~~بالشيعة، وأخذوا يعملون سرا وجهرا على القضاء على الدولة الأموية واسترجاع الخلافة ~~منهم. واستمروا كذلك في جهادهم إلى عصر الدولة العباسية؛ حيث ذهب أحد دعاة الشيعة إلى ~~بلاد البر «شمالي إفريقية» داعيا لعبيد الله بن محمد، المنتسب إلى السيدة فاطمة بنت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وطرد الأمير الحاكم بتلك البلاد التابع للدولة العباسية. وهذه آخر ~~وسيلة عولوا عليها؛ لأنهم لما عجزوا عن الاستحواذ على الخلافة من طريق السياسة، عادوا ~~إلى الدين، فقالوا إن الإمامة ركن من الدين، إذ لا يصح أن يترك المسلمون بلا إمام. ~~وقال أحدهم يجب أن يكون الإمام من ذرية الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وهم أولاد فاطمة. وبالفعل ~~أعلنوا أن الخليفة الحقيقي للمسلمين هو عبيد الله المذكور، وأنه المهدي المنتظر، وكان ~~ذلك سنة «296ه» الموافق لسنة «908م». وحضر عبيد الله في العام التالي إلى بلاد المغرب، ~~وحكمها أربعة وعشرين عاما، كان الأمر فيها كله بيده، وأخضع قبائل البربر ودانت له ~~جزيرة صقلية، فكان بذلك مؤسسا للدولة الفاطمية. وكان أكبر أمانيه فتح مصر؛ فأرسل إليها ~~ولي عهده في ms56 جيش جرار فلم يفلح. # ولما مات خلفه ابنه القائم بأمر الله سنة «322ه»، الموافقة لسنة «934م»، فأرسل جيشا ~~إلى مصر فهزمه الإخشيد، ولم يحاول خلفه المنصور إسماعيل الاستيلاء عليها. ثم تولى ~~الخليفة الرابع «المعز لدين الله الفاطمي» سنة «431ه»، الموافقة لسنة «953م»، فكانت ~~أيام مبدأ عصر جديد في تاريخ الدولة الفاطمية؛ فبدأ بتوطيد الأمور في بلاده، حتى دانت ~~له جميع رؤساء القبائل العربية، وخضعت له مراكش بأكملها. # ثم صرف همه لفتح مصر، وكانت وقتئذ في اضطراب شديد عقب وفاة كافور الإخشيد، ولم يكن ~~في وسع الخليفة العباسي ببغداد مساعدتها لاشتغاله بصد الغارات عن الدولة، واغتنم المعز ~~هذه الفرصة؛ فسير قائده جوهر الصقلي في مائة ألف مقاتل، وأعدهم بأفخر العدد وزودهم ~~بالمال الكثير؛ فاستولى على مصر بعد مناوشات ضعيفة سنة «358ه»، الموافقة لسنة «996م»، ~~ومن ذاك العهد ابتدأت دولة الفاطميين بمصر. # ثم خضعت بلاد النوبة للفاطميين، ودانت لهم مكة والمدينة، واعترف لهم أمراء بني حمدان ~~(حكام أعالي الشام) بالسيادة على حلب، واستولى أحد قواد جوهر على دمشق عنوة، ونشر فيها ~~عقيدة الشيعة كرها. # ثم قدم المعز إلى مصر في موكب حافل سنة «362ه»، الموافقة لسنة «973م»، ومعه بنوه ~~وإخوته وعشيرته وجثث أسلافه، وكان عصره أزهى عصور مصر وأزهرها. ~~«حضارة الفاطميين»: وكانت دولة الفواطم من أعظم دول الإسلام ملكا، وأرقاها حضارة ~~وأدبا، وأنبلها ترفا وتمتعا، وتقدمت في عصرها الصنائع على جميع أنواعها، ولهذه ~~الدولة أهمية عظمى في تاريخ مصر؛ إذ كان لها تأثير في صيغ البلاد، لا تزال بقيتها إلى ~~اليوم؛ فهم الذين أحدثوا في مصر كثيرا من المواسم والأعياد والحفلات الوطنية، مثل: ~~موسم «أول السنة الهجرية»، ويوم عاشوراء، ومولد النبي، ومولد الحسين، وفتح الخليج، ~~وقافلة الحج (المحمل) ... إلخ. # وبعد أن مكث الفقيه نجم الدين بن عمارة في رحاب الخليفة الظافر مدة طويلة، رحل إلى ~~اليمن في مهمة ثم عاد إلى مصر، وكانت الحروب الصليبية قائمة على قدم وساق، فأقام ~~بالرغم عن هذه القلاقل في أمن وطمأنينة، ملحوظا بعناية هؤلاء الخلفاء الفاطميين، ms57 إلى ~~أن زالت هذه الدولة من سوء حظه على يد السلطان صلاح الدين بن أيوب، فأصبح في حالة من ~~البؤس يرثى لها. # ولما اشتدت به محنته رثى من كانوا سبب عزه من الفواطم بين القصرين بقصيدته التي ~~أولها: # رميت يا دهر كف المجد بالشلل # ورعته بعد حسن الحلي بالعطل # ومنها: # قدمت مصر فأولتني خلائفها # من المكارم ما أربى على الأمل # قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن # تمامها أنها جاءت ولم أسل # يا لائمي في هوى أبناء فاطمة # لك الملامة إن قصرت في عذلي # بالله زر ساحة القصرين وابك معي # عليهما لا على صفين والجمل # وقال منوها عن الحروب الصليبية: # ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة # بنسل آل أمير المؤمنين علي # وهي طويلة في غاية الحسن، نطق بها بغاية من وجدانه، وأملاها عليه يقينه بنية خالصة ~~وعقيدة ثابتة، فلما بلغت السلطان صلاح الدين الأيوبي؛ تغير عليه وطرده من مصر منفيا، ~~فمكث مدة سنوات في حالة من البؤس يرثى لها، حتى مات غما سنة «570 هجرية». # محمد أفندي المرزوقي # هو محمد بن أحمد بن علي بن صلاح الدين المرزوقي، ولد بالإسكندرية سنة 1844 ميلادية، ~~فرباه والده الشيخ صلاح الدين المرزوقي تربية عالية، فتعلم علومه الابتدائية في ~~المدرسة الأولية بالإسكندرية، ثم تلقى علومه العالية على مدرسين، عهد به والده إليهم، ~~فتعلم اللغة الفرنسية، حتى صار كأنه من أبنائها. وفي سنة 1864م حضر والده إلى مصر، ~~وتشرف بمقابلة سمو الخديوي إسماعيل باشا ومعه ابنه محمد، ولما وقعت عليه أنظار الجناب ~~العالي قال له: من هذا الغلام الذي معك يا مرزوقي؟ # فأجابه: هذا نجل عبد سموكم يا ولي النعم. # وارتجل محمد المرزوقي بين يدي سموه قصيدته النونية التي مطلعها: # فخر الملوك وصاحب الإيوان # أفديك من ملك رفيع الشان # ذكرتنا عهدا تقادم وانقضى # بزمان ذاك العالم الروحاني # حقب مضت وتناسخت بجلالها # وجلال عصرك ساد في الأكوان # قل للملوك ومن أتوك لينظروا # همم الملوك وحكمة الديان # عني خذوا عهد الفراعنة الألى # دامت مفاخرهم على الحدثان # ومنها يخاطب مصر: ms58 # طوباك يا مهد الفخار فقد حما # ك مليك مصر وفاتح السودان # الشهم إسماعيل فياض الندى # جم المواهب باذل الإحسان # المانح الخيرات للبؤساء وال # محتاج فهو صنيعة الرحمن # لا يلهجون بغيره من سيد # في العالمين ولابسي التيجان # ومنها: # والنيل تاه ففاض فوق جسوره # من عطفك السامي على الأوطان # إن المواهب سيدي مقبولة # لا زلت باب الفضل والعرفان # فسر الجناب العالي من نباهته، وأنعم على والده برتبة البكوية، وطلب من محمد المرزوقي ~~أن يقدم طلبا إلى المدرسة الحربية؛ ليكون ضابطا في الجيش المصري. # وفعلا تقدم الطلب، وصار قبول محمد أفندي المرزوقي تلميذا بالمدرسة الحربية، بعد أن ~~أدى الامتحان فنجح نجاحا باهرا، وبعد مدة الدراسة وتعليم الحركات العسكرية؛ تخرج في ~~المدرسة برتبة الملازم ثاني، فألحقه الجناب العالي بين الحرس الخديوي، فترقى إلى رتبة ~~اليوزباشي، ولما توسم فيه مولاه النباهة والنشاط؛ سر منه سرورا لا مزيد عليه، ~~وكثيرا ما كان يشمله بعطفه وينعم عليه دون إخوانه الضباط، حتى باتوا جميعا يحسدونه ~~على هذه الغبطة، وأوغرت قلوبهم عليه، حتى صاروا يتمنون له غلطة يغلطها، أو إساءة ~~يسبكونها في قالب وشاية يلفقوها ضده. وكان الجناب الخديوي مع ما هو مشهور عنه من مكارم ~~الأخلاق كثيرا ما يسمع بعض الوشايات، ولو كانت فيمن هو أعز الناس عنده، ولم يكن من أحد ~~في السراي ولا من جلساء الخديوي من يعطف على المرزوقي، أو يميل إليه. # اتفق بعض الضباط على تلفيق وشاية ينفرون بها قلب الجناب العالي عن عبده المخلص ~~المتفاني في خدمته، ووجدوا من الخديوي أذنا صاغية، وقد صادق على ذلك بعض من كان حاضرا ~~من قرناء السوء، فصدرت إرادته السنية بنقله من الحرس الخديوي إلى الأورطة السابعة. وكان ~~محمد أفندي المرزوقي شعر بهذا الانقلاب، ووجد حالة مولاه قد تغيرت حتى ما عاد يلتفت ~~إليه. # كره الدنيا وما عليها، كره حياته وتمنى لو تصادفه منيته، ولكنه رغم ما حصل له من ~~الاضطهاد، انتقل إلى الأورطة التي اندمج بين ضباطها، وهناك وجد من سوء المعاملة ~~والتحامل الشديد، ما جعله ms59 في حالة من اليأس لا مزيد عليها. انزوى في خيمته المخصصة له ~~لا يزور ولا يزار، تذكر وهو في وحدته ما قام به من الأعمال الخالدة، وهو الذي ترجم ~~قانون التعليمات والتشكيلات من اللغة الفرنساوية، وضاهاه على قانون التعليمات التركية، ~~وكان ماهرا في اللغتين، فأخذ على عاتقه إخراج كتاب التعليمات العسكرية، ولما عرضه على ~~نظارة الحربية أقرته اللجنة الاستشارية، وصدر المرسوم العالي بإعطائه خمسمائة جنيها ~~مصريا مكافأة له. تذكر أنه الشاب الوحيد الذي يجيد ثلاث لغات ويقرأ بها ويكتب ~~جيدا، وهي؛ اللغة الفرنساوية، اللغة التركية، اللغة العربية. وعلاوة على ذلك فقد كان ~~أعلم الضباط بجميع الفنون العسكرية؛ البيادة، والسواري، والبحرية. # وتصادف أن الأورطة السابعة نقلت إلى الإسكندرية؛ فانتقل معها، وهناك شعر بالمضايقة ~~الشديدة، حتى كاد قومندان الأورطة أن يحجر على حريته بناء على التوصيات التي وردت ~~إليه، وتصادف أن محمد أفندي المرزوقي تعرف في الإسكندرية ببعض من الإخوان الذين لا ~~دأب لهم إلا الإدمان على الخمر، والاندماج حول موائد القمار، فوجد في ذلك راحة يتسلى ~~بها؛ فأخذ يسكر ويقامر، تارة يربح وأخرى يخسر، حتى فقد كل ماله، وفي هذه الفترة توفي ~~والده، وكان من تجار البورصة، وعاكسته الحظوظ فخسر كل ثروته، ولما لم يحتمل هذه ~~المصيبة أثر عليه الحزن فمات. # وما كاد يسمع بموت والده حتى اشتدت عليه المصيبة، وحزن حزنا شديدا، حتى صار في ذهول ~~من شدة اليأس، ولاحظ قومندانه عليه ذلك فأرسل في طلبه، فلما مثل بين يديه أخذ في تعنيفه ~~وصار يوبخه توبيخا صارما. ما كان محمد أفندي المرزوقي يسمع هذه الإهانة حتى تأكد بل ~~علم أن الرجل يقصد النكاية به؛ فاشتد به الغيظ، وانفجرت في صدره مرارة الكتمان، فأخذ ~~يرد على ضابطه الأعلى هذه الإهانة حرفا بحرف، وطال الخلاف بينهما بحالة أخرجت المرزوقي ~~عن حده؛ فأمسك بأحد المقاعد وضرب بها الضابط القومندان على رأسه فشجه، وتعينت لجنة ~~مكونة من المجلس العسكري العالي لمحاكمته. # ولقد كان جميع رؤساء محمد أفندي المرزوقي ومرءوسيه وزملائه يغارون منه غيرة شديدة، ms60 ~~والغيرة كما لا يخفى إذا وصلت إلى قلب رئيس تعميه وتطغيه، وتجعله طائشا مخبولا، وربما ~~تحوله عن جادة الاعتدال إلى معاملة مرءوسه معاملة قاسية لا تخلو من الفظاظة ~~والظلم. # وفي تلك الأثناء كانت الحالة السياسية في مصر قد تغيرت بتنازل الخديوي إسماعيل باشا ~~عن عرش مصر لابنه توفيق باشا سنة 1879 ميلادية، وبذلك استطاع خصومه النكاية به فحكم ~~عليه المجلس بالعزل وبالسجن خمسة أعوام، فكانت هذه أعظم مصيبة زلزلت كيانه، ومكث في ~~السجن مدة ثلاث سنوات إلى سنة 1882م، حيث كانت الثورة العرابية فأخرجوه من سجنه بعد أن ~~كسرت السجون وفر المسجونون، فكان في حالة شديدة من البؤس، يمر بين الناس ببذلته ~~الملكية المرقعة في هيئة محزنة يرثى لها، واضطر أخيرا إلى التسول، وفي يوم 13 نوفمبر ~~سنة 1888م وجد ميتا في أحد الشوارع وعمره 44 سنة. # صادق بك العفيفي # هو صادق بن حسن بن قويدر بن ممتاز العفيفي، ولد بالقسطنطينية 1796 ميلادية، وفي سنة ~~1800م حضر به والده ممتاز بك العفيفي إلى القطر المصري وعمره أربع سنوات، ولما حظي ~~بمقابلة والي مصر محمد علي باشا الكبير عينه سنجقا بجهة الفيوم، فمكث في هذه الجهة ~~ثلاث سنوات، ومعه عدد لا يقل عن الأربعمائة جندي من المماليك الأتراك. وفي سنة «1811م» ~~جمع محمد علي باشا جيشا مؤلفا من 4000 جندي، بقيادة ابنه طوسون باشا لغزو بلاد العرب ~~وإخضاع الوهابيين، فأقام احتفالا في القلعة تذكارا لذلك اليوم المشهود، دعا فيه رؤساء ~~المماليك وفرسانهم، وكان عدد من حضر منهم يقرب من الخمسمائة، وكان الغرض الحقيقي من ~~دعوتهم التخلص منهم ومن شرورهم ودسائسهم، فأسر محمد علي بذلك إلى «حسن باشا» و«صالح ~~فوج» الأرناءوطيين فقط، وفي صبيحة هذا اليوم أسر به إلى حارس الباب، ولما جاءت ~~الساعة المعلومة أغلق الباب وأبيد كل من في القلعة من المماليك. وفي أثناء حدوث هذه ~~الحوادث في القاهرة أصدر محمد علي باشا الأوامر المشددة إلى المديريين والمحافظين من ~~الوطنيين في المديريات والمحافظات وبنادر القطر المصري، بقتل كل من يعثر ms61 عليهم من ~~المماليك. ~~••• # وما كاد ممتاز بك العفيفي يقف على هذا الخبر المدهش حتى انزعجت نفسه أيما انزعاج، ~~وارتبك ارتباكا شديدا، ولكنه كان قوي البأس صعب المراس، ما كاد يستسلم للأفكار طويلا ~~حتى عنت له فكرة، فأمر بجمع من معه من الجنود الأربعمائة، ووقف بينهم خطيبا فقال: ~~تعلمون أيها الأبناء أننا أصبحنا في خطر شديد، وها هو محمد علي باشا قد قام منذ أيام ~~بمذبحة دموية هائلة، قطع فيها دابر المماليك، بل قضى على البقية الباقية منهم، وصدرت ~~أوامره بعد ذلك إلى جميع مديريات القطر المصري بقتل من يجدونه من الأتراك، وبما أننا في ~~أول الأمر، ولم يكن من سمع بهذا الخبر غيري؛ فيجب أن نتأهب للرحيل منذ هذه الساعة، ~~وأستحضر لكم مراكب وذهبيات تحملون فيها متاعكم وما ملكته أيديكم من مال وطعام، وإياكم ~~أن تتركوا سلاحكم وذخيرتكم؛ إنها خير حافظ لكم وبها تعرفون كيف تقاتلون عدوكم. # وفي مدة وجيزة كانت عساكر الأربعمائة قد احتلوا جميع المراكب الراسية في البحر ~~اليوسفي بإقليم الفيوم، وشحنوها بخيراتهم وأموالهم، وأخذوا حريمهم وأطفالهم، وساروا في ~~النهير «بحر يوسف»، حتى انتهوا إلى النيل جهة ديروط، ومن هناك استقاموا في النيل ~~يغالبون التيار بمراكبهم، وقد فردوا لها القلوع حتى وصلوا إلى أسوان، ومن هناك واصلوا ~~سيرهم في النيل حتى انتهوا إلى مدينة دنقلة. # وكانوا على آخر مجهود من التعب، وقد أثرت في صحتهم أهوال السفر ومشقات الانتقال في ~~حرارة الشمس المحرقة والتجديف، إلى غير ذلك. # وكان هناك في مدينة «دنقلة» قد سبقهم عدد عظيم من مهاجري المماليك، واتخذوا بلاد ~~النوبة مسكنا لهم. # وعسكر ممتاز بك العفيفي بقافلته هناك، وأخيرا دلوه على قرية مهجورة قد رحل سكانها، ~~فأعجبه مناخ هذه الجهة فاتخذها مسكنا له ولأتباعه، وابتنى فيها قصرا فخما يشرف على ~~النيل، أقام فيه مع جنوده الذين كانوا في بيوت صغيرة متقاربة من بعضها. # واتسعت إدارة ممتاز بك العفيفي فصار يشار إليه بالبنان، وأصبح بفضل استيلائه على كنوز ~~الذهب الغشيم من أغنى الأغنياء، وكان وقتئذ عمر ابنه ms62 صادق إحدى عشرة سنة، فأرسله إلى ~~فرنسا ليتلقى العلوم والمعارف، فمكث في باريس إلى سنة 1822م؛ فنبغ نبوغا هائلا، وأرسل ~~إلى والده آلة بخارية (وابور طحين)، وعرف كيفية تركيبه وإدارته، فكانت أول آلة دخلت ~~السودان. # وعاد صادق بك العفيفي يحمل شهاداته العالية، وقد قرت به عين والده. # وتصادف أنه من سوء طالع صادق بك العفيفي أنه بعد أن تثقف عقله بالعلوم والمعارف، وصار ~~من أفاضل عصره وأمهر علماء وقته؛ اغتالت المنية والده، فحزن عليه حزنا شديدا، إلا أنه ~~وجد أن الحزن لا يفيد؛ فانصرف إلى أشغاله وإدارة أملاكه الواسعة، فسافر إلى باريس ~~ليستحضر المسيو فورينة ديلانوا؛ ليبحثا معا على مناجم الذهب، ومتى تحصل على ثروة ~~عظيمة يغادر بلاد السودان إلى فرنسا، حيث هناك يعيش خلي البال، ويطلق لنفسه العنان في ~~تلك الحرية المتناهية. وما كاد يعود من فرنسا حتى وجد الجيوش المصرية قد دخلت السودان ~~قهرا، بعد أن أعملوا السيف في جميع المماليك الذين استوطنوا هذه البلاد. # 2 # ولما نظر إلى ما حل بقومه وأبناء جنسه من الممالك، وما كان من محمد علي باشا الذي جعل ~~فتح السودان ذريعة إلى إعدامهم جميعا، والقضاء على هذه البقية منهم، بما يجعل إراقة ~~هذه الدماء وسيلة إلى تثبيت عرشه بمصر، اعتقل محمد العفيفي رمحه، وتقلد سيفه، وتدرع ~~بآلة حربه، ووقف أمام جماعة أبناء المماليك الذين هاجروا مثله إلى بلاد النوبة، واتخذوا ~~السودان موطنا لهم خوفا من محمد علي باشا، الذي كان من أخطر الناس عليهم، هربوا من ~~وجهه فكان خلفهم بالمرصاد يتعقبهم في كل مكان. # وقف صادق العفيفي وقفة القائد الباسل يحرض جنود على وجوب القتال، مستمدا حكمته من ~~قول الأستاذ المتنبي: # وإذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن تموت جبانا # وما كاد يلتقي بجنود الجيش المصري حتى دارت بينهما الحرب بكل شدتها، وثبت هؤلاء ~~الأتراك أمام هذا الجيش الفاتح، فمثلوا في هذا الموقف، موقف أسلافهم بمصر حينما غزاها ~~نابليون إمبراطور فرنسا. # سالت الدماء أنهارا، وسدوا شوارع دنقلة بالمتاريس والخنادق، ورغما ms63 عن طلقات المدافع ~~المهلكة التي على أثرها كانت تزهق الأرواح، وتندثر الأجسام. تجلد هؤلاء الشجعان، ~~ووقفوا يلاقون الموت بثغور باسمة ضاحكة مستبشرة، ثم صاروا بعد ذلك يستهدفون الموت ~~الواحد بعد الآخر حتى هلك معظمهم، ولقد أعجب سمو الأمير إسماعيل باشا بشجاعة هؤلاء ~~الشبان وقال: لو كان في جيش أبي من هم على بسالة هؤلاء الفرسان؛ لكانت الدنيا جميعا ~~ملكا لنا. # ولما وجد أن فرسان الطوبجية كانت تقاسي متاعب جمة في رد جماح المماليك؛ أصدر أوامره ~~بضرب النار بشدة، فكانت مذبحة هائلة ما شهد مثلها تاريخ هذه البلاد. # اندحر المماليك وتمزق شملهم شر ممزق، واستولت الجيوش المصرية على دنقلة، وقتل من ~~قتل، ووقع في الأسر عدد عظيم من الجرحى. # أما من بقي حيا فقد لاذ بالفرار، متجولا في حدود السودان. # أما صادق بك العفيفي فترك أمواله وأملاكه، وسار في قفار الأرض شريدا طريدا خائفا ~~من القتل. # اعتراه البؤس وهو ذلك العالم العامل المجتهد، الذي تجول في جميع ممالك أوروبا، ~~وأحسن التكلم بلغات كثيرة، اعتراه البؤس وهو الأديب المهذب، تاركا خلفه ما دونته يده ~~من العلوم والفنون التي جادت بها قريحته. # وأخيرا عثر عليه الجيش المصري وهو على آخر رمق فقضوا عليه، فكانت وفاته «سنة 1825م» ~~وعمره 29 سنة. ms64