######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMahmud.AfkarWaRijal.Hindawi49271737 #META# Tags: philosophy #META# ID: 49271737 #META# Title: أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي #META# AuthorID: 64693936 #META# Author: كرين برنتن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 71316163 #META# Translator: محمود محمود #META# Related_books: 1388CraneBrinton.IdeasAndMen (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - تمهيد‏ # 2 - المنبع الهليني‏ # 3 - أزمة الثقافة الإغريقية‏ # 4 - عالم واحد: الثقافة الكلاسيكية المتأخرة‏ # 5 - مذهب المسيحية‏ # 6 - العصور الوسطى (أولا)‏ # 7 - العصور الوسطى (ثانيا)‏ # 8 - صنع العالم الحديث: (أولا) ~~الإنسانية‏ # 9 - صنع العالم الحديث: (ثانيا) ~~البروتستانتية‏ # 10 - صنع العالم الحديث: المذهب العقلي‏ # 11 - القرن الثامن عشر: نظرة كونية ~~جديدة‏ # 12 - القرن التاسع عشر: (أولا) النظرة الكونية ~~المتقدمة‏ # 13 - القرن التاسع عشر: (ثانيا) الهجوم من ~~اليمين ومن اليسار‏ # 14 - القرن العشرون: هجوم اللاعقليين‏ # 15 - منتصف القرن العشرين: عمل لم يتم‏ # 1 - تمهيد‏ # 2 - المنبع الهليني‏ # 3 - أزمة الثقافة الإغريقية‏ # 4 - عالم واحد: الثقافة الكلاسيكية المتأخرة‏ # 5 - مذهب المسيحية‏ # 6 - العصور الوسطى (أولا)‏ # 7 - العصور الوسطى (ثانيا)‏ # 8 - صنع العالم الحديث: (أولا) ~~الإنسانية‏ # 9 - صنع العالم الحديث: (ثانيا) ~~البروتستانتية‏ # 10 - صنع العالم الحديث: المذهب العقلي‏ # 11 - القرن الثامن عشر: نظرة كونية ~~جديدة‏ # 12 - القرن التاسع عشر: (أولا) النظرة الكونية ~~المتقدمة‏ # 13 - القرن التاسع عشر: (ثانيا) الهجوم من ~~اليمين ومن اليسار‏ # 14 - القرن العشرون: هجوم اللاعقليين‏ # 15 - منتصف القرن العشرين: عمل لم يتم‏ # | أفكار ورجال # | أفكار ورجال # | قصة الفكر ~~الغربي # تأليف # كرين برنتن # ترجمة # محمود محمود # | مقدمة # بقلم محمود محمود # إن من دلائل النهضة المعاصرة في الشرق العربي هذه الحركة القوية في ~~الترجمة التي تستهدف نقل كل ما وصل إليه الإنسان في أي ركن من ~~أركان الأرض إلى لغتنا العربية، من أدب، وعلم، وفن، وفلسفة، وتاريخ، ~~وغير ذلك من المعارف الإنسانية؛ لكي تنشر هذه الأفكار بين الناس ~~وتختلط بتراث غني خلفه لنا أسلافنا الأمجاد، فتنبت نباتا طيبا ~~جديدا، نرجو أن يكون دعامة التقدم في هذه البلاد ذات الحضارات ~~القديمة، كما نرجو أن يكون هذا المزيج الثقافي الجديد، الذي يجمع بين ~~ما يكشفه الإنسان بعقله وما يكشفه بقلبه وبصيرته، هاديا للبشرية ~~ومنقذا لها من الضلال الذي تتردى فيه، ومن حالة القلق التي ~~تساوره. # وبالرغم من أننا كنا نود أن تتلفت هذه الحركة إلى الشرق فتنقل ~~إلينا تراث الهند والصين والفرس، وإلى الجنوب ms001 فتعرفنا بتفكير ~~الإنسان الأفريقي، كما تلفتت إلى الشمال والغرب، إلا أنها اتجهت في ~~الواقع بأكثر جهدها نحو الغرب وحده فأعطتنا صورة واضحة عن حكمة ~~الإغريق، وسياسة الرومان، ومعالم النهضة الأوروبية ، واتجاهات الفلسفة ~~والعلوم الحديثة. # وقد انتقلت إلينا هذه المعارف في أغلب الأحيان في صور شتيتة لا يكاد ~~يربط بينها رابط؛ فهذا علم، وهذا فن، وهذه فلسفة، إلى غير ذلك دون أن ~~ندري إن كان بالعقل الذي أنتج كل ذلك ميزة معينة، أو خصيصة ذاتية ~~يتفرد بها بين عقول الأمم الأخرى ولا ندرك مقدار تغلغل هذه الأفكار ~~في أذهان عامة الشعب وتأثرهم بها. # ثم وقع بين يدي هذا الكتاب، الذي كان أول صدوره في عام 1950م، ~~لمؤلفه كرين برنتن، أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد بأمريكا، ~~وتصفحته فوجدت أنه يسد هذه الثغرة، ويحاول أن يميز الفكر الغربي ~~بصفة خاصة اتصف بها منذ أقدم العصور حتى اليوم، فرأيت أن أقوم بنقله ~~إلى اللغة العربية، وشجعتني على ذلك مؤسسة فرانكلين بالقاهرة، التي ~~سوف تتولى نشره في البلاد العربية كافة. # وأبادر إلى القول بأن أهم ما يتميز به الفكر الغربي هو توتر شديد ~~في عقول المفكرين الذين يبغون الموازنة بين المثل الرفيعة العليا ~~التي عرفها الإنسان من قديم، ونادت بها الأديان، وواقع الحياة الذي ~~لا يتفق وهذه المثل؛ فهي تحاول أن ترفعنا إلى السماء، ويشدنا الواقع ~~إلى الأرض بقوة لا نستطيع أن نقاومها أو أن نتصدى لها. # والنهج الذي سار عليه المؤلف في بحثه هو سرد التطورات التي حدثت في ~~الفكر الغربي في هذا الاتجاه سردا تاريخيا مسلسلا. وقد حاول في ~~ختام الكتاب أن يسلط ضوء الماضي على تفكير الإنسان الغربي الحديث ~~لعله يستطيع أن يفسر هذه التيارات الجديدة التي ظهرت، والتي لا تؤمن ~~بمنطق العقل كل الإيمان، وإنما ترى أن الإنسان كما يتأثر بالمعقول ~~يتأثر كذلك باللامعقول الذي يرجع إلى رواسب عميقة في النفس البشرية ~~لا يمكن أن تقتلع من جذورها، وهي رواسب من الخرافة والوحي والخيال ~~لا سند لها البتة من العقل. # ولعل ms002 أهم ما يتعرض له المؤلف في كتابه هذا هو رواية قصة الحلول ~~المختلفة التي كان يتخذها الإنسان في الغرب للإجابة عما يسميه الكاتب ~~ب «المشكلات الكبرى»؛ مشكلات الوجود الإنساني ومصيره: ما فائدة الحياة؟ ~~وكيف يستطيع الناس أن يحيوا حياة طيبة؟ وما هو الأمل في بلوغ مثل هذه ~~الحياة الطيبة؟ أين نحن من هذا الكون؟ إلى أين المسير؟ ثم ما هو ~~المصير؟ ماذا نعني بالحق والباطل؟ والخير والشر؟ والجميل ~~والقبيح؟ # هذه كلها أمور لا بد للإنسان في كل زمان ومكان من الإجابة عنها، وقد ~~حاول المؤلف أن يقص علينا تاريخ هذه المشكلات في الغرب، وما رآه ~~المفكرون فيها، وما آمن الناس به في مختلف العصور؛ فكان مؤرخا للفكر ~~في الغرب، بأوسع معاني هذا التعبير، ولم يكن مجرد مؤرخ للفلسفة في ~~حدودها الضيقة التي لا تشتمل على أكثر نواحي التفكير البشري، من دين ~~أو فن أو علم أو أدب، والتي لا تعبأ بأي الأفكار في حياة الناس. # وفي هذا الصدد يقسم الكاتب المعرفة الإنسانية إلى نوعين مختلفين: ~~المعرفة التي يمكن تراكمها، والمعرفة التي لا يمكن أن تتراكم. # وخير مثال للمعرفة التراكمية هو المعرفة التي نسميها عادة بالعلوم ~~الطبيعية، ومجرد العلوم؛ فقد أخذت أفكارنا في علوم الفلك والطبيعة - ~~مثلا - تتراكم منذ بدأ الإنسان يدرس هذه العلوم في شرق البحر ~~المتوسط، وفي غضون آلاف السنين التي مرت بعد ذلك، حتى أخذت تتكون ~~تدريجا في صورة علوم الفلك والطبيعة كما ندرسها اليوم في المعاهد ~~والكليات. ولم تكن عملية التكوين هذه منتظمة مطردة، غير أنها كانت ~~ثابتة بوجه عام. ولا تزال بعض النظريات التي ظهرت منذ البداية صادقة ~~حتى اليوم، نظرية أرشميدس في الكثافة النوعية. كما أن كثيرا جدا ~~من النظريات قد أضيفت إلى الرصيد القديم، وكذلك نبذنا الكثير من هذا ~~القديم لما ثبت فيه من أخطاء. وكانت النتيجة نظاما، أو علما، له ~~أساس متين مقبول في كل مكان من المعرفة المتراكمة، وله حدود من المعارف ~~الجديدة المضافة آخذة في الاتساع. ولا يختلف العلماء في الأسس، ms003 وإنما ~~يدور بينهم الجدل - والعلماء يتجادلون كما يتجادل الفلاسفة وعامة الناس ~~- في هذه الحدود النامية دون القاعدة المستقرة. أما هذه القاعدة أو هذا ~~الأساس فإن جميع العلماء يسلمون بصدقه. # وخير مثال نعرفه هنا للمعرفة اللاتراكمية يستمد من ميدان الأدب؛ ~~فالأدباء يقدمون فروضا معينة، وأفكارا معينة عن سلوك الأفراد، وعن ~~الحق والباطل، وعن الجميل والقبيح. وقد كتب فيها الأدباء الإغريق ~~باليونانية منذ أكثر من ألف عام، وكان غيرهم من المفكرين في نفس الوقت ~~يكتبون أيضا باليونانية عن حركات النجوم أو عن نظريات الأجسام الصلبة ~~في الماء. ولكن أدباءنا المعاصرين يكتبون اليوم في نفس الموضوعات ~~التي عالجها الأدباء الإغريق وبنفس الطريقة والأسلوب إلى حد كبير، ~~وبغير زيادة واضحة أو معينة في المعرفة. أما علماؤنا فإن لديهم عن علوم ~~الفلك والطبيعة معارف وأفكارا وفروضا تربو كثيرا على ما كان عند ~~اليونان. # ولا بد لمؤرخ الفكر من دراسة تطور المعرفة التراكمية والمعرفة ~~اللاتراكمية على حد سواء، أن يدرس أثر كل منهما في الحضارة ~~الإنسانية والسلوك البشري. ومن أجل ذلك فإن مؤلف الكتاب لم يهمل ~~النظر في هذه الناحية أو تلك. # ومن الواضح أن الجهد لا بد أن يبذل لكي تتطور المعرفة اللاتراكمية - ~~وبخاصة في الميادين الاجتماعية وعلوم النفس والأخلاق - حتى ترقى إلى ~~مستوى التقدم العلمي الذي تم بالتراكم، وبذلك ترقي الحكمة التي ~~توجه تطبيق العلم، والتي يسير الإنسان على هداها، فتؤدي به إلى حياة ~~السلم والرفاهية. ولا يكفي أن تدور الحكمة في رءوس قلة من العباقرة ~~المفكرين، بل لا بد من نشرها بين الناس كافة، بالتعليم والصحافة ~~والإذاعة وغيرها من الوسائل، حتى يمكن لقادة الدول المخلصين أن يحققوا ~~ضروب الإصلاح المختلفة بالطريق الديمقراطي السليم، فترفع العامة من شأن ~~نفسها عن علم وخبرة ومعرفة، ولا تكون ثمة حاجة إلى قوة أعلى أو ~~سلطة متحكمة تفرض عليها مسلكا معينا ترغمها عليه إرغاما دون وعي ~~منها أو اقتناع من جانبها. # ومن هذه الأفكار التي يرى مؤلف الكتاب أن الغرب قد ألح دائما في ~~تاريخه على نشرها بين ms004 الناس والأخذ بها، والتي كافح من أجلها كثير ~~من المفكرين: الإيمان بديمقراطية الحكم السليمة، وبحق كل فرد في ~~التعبير عن نفسه، قولا وسلوكا، دون أن يلحق الأذى بأخيه. وقد أراد ~~الغرب دائما أن يثبت قواعد الحرية والمساواة لكي يحقق السعادة ~~للجميع، بالرغم من الحربين العالميتين اللتين نشبتا في هذا القرن ~~العشرين، فزعزعتا كيان الديمقراطية والحرية الفردية وهزت أركانهما ~~لفترة نرجو ألا تطول. # وقد يكون من العسير على الفرد العادي أن يدرك الأساس العقلي الذي ~~يبرر ضرورة المساواة والحرية والإخاء بين الناس، ومن ثم كان لا بد ~~له من الإيمان بهذه المثل العليا عن طريق الدعوة الدينية. ومن أجل ~~هذا فإن أثر المسيحية لم يختف قط في تاريخ الفكر الغربي منذ ظهورها ~~حتى اليوم. # وترجع أسس التفكير الغربي إلى مصادر عدة، أولها المصدر الإغريقي؛ ~~فقد وضع الإغريق أسس الأدب والفلسفة والتاريخ الغربي. وكانوا أول من ~~استخدم العقل بطريقة مبتكرة لم يسبقهم إليها شعب من الشعوب، فكانوا ~~بحق واضعي أسس التفكير الموضوعي، والتفكير المنطقي. وكانوا أول من ~~حاول أن يعلل بالعلم ظواهر الطبيعة. وظهر من بينهم زعماء الفلسفة في ~~تاريخ الغرب؛ فكان منهم سقراط، الذي استشهد في سبيل حرية الرأي ~~والديمقراطية والتقدم الفكري، وكان منهم أفلاطون، صاحب نظرية ~~المثل، وكان منهم أرسطو، ذلك الرجل الموسوعي، الذي ينادي بالتوسط ~~في جميع الأمور. # اليونان هم منبع ما نعرفه بالثقافة الكلاسيكية، وهي أكثر من فلسفة ~~مجردة، إنما هي أسلوب من أساليب العيش، يؤمن صاحبه بأن لبدنه عليه ~~حقا، ولا يكفي للرجل المثقف أن يشبع تطلعاته العقلية، بل لا بد له ~~أيضا من أن يسد حاجاته الجثمانية ولكن في «غير إسراف» كما كان ~~يعبر الإغريق؛ فهم أول من بشر بأن الوسط هو خير الأمور، وقد نعتوه ~~بالوسط الذهبي. # وبلغت الثقافة الكلاسيكية ذروتها في عهد بركليز، ثم أخذت بعد ذلك في ~~التدهور، وكان ذلك في القرن الرابع قبل الميلاد، عندما ضعف نظام ~~المدن الحكومية، وأخذت الأفكار تميل نحو الوحدة العالمية، ونشر الثقافة ~~في جميع أنحاء الأرض، وهو ms005 الدور الذي أرادت المسيحية أن تقوم به، ~~والمسيحية كما نعلم تستمد كثيرا من أصولها من الثقافة العبرية؛ فعن ~~طريقها تسربت هذه الثقافة إلى أوروبا. # ثم جاء الرومان، وقد أخذوا عن المدنية الإغريقية أصولها، وأضافوا ~~إليها القوانين الموضوعة، وهندسة الطرق، فكانت من عناصر الثقافة ~~الفردية فيما بعد. # واستمرت المسيحية في انتشارها وبسط نفوذها على عقول الناس، وقد ~~انتصرت على غيرها من المذاهب؛ لأنها جاءت أملا للضعفاء والمساكين، ~~تواسيهم وتؤازرهم، كما أتت بفكرة الخلاص للبشر من ذنوبهم عن طريق تضحية ~~المسيح. # وربما كان أهم الأدوار التي لعبتها المسيحية في تاريخ الغرب قد تم ~~أداؤه في الفترة التي تعرف في التاريخ بالعصور الوسطى؛ عصور الفروسية ~~والإقطاع، التي كان الناس ينقسمون فيها إلى طبقتين اثنتين؛ فهم إما ~~سادة وإما عبيد، ولا تكاد الطبقة الوسطى يكون لها وجود. # وفي هذه العصور كانت الكنيسة هي أهم المؤسسات الثقافية، ونفوذها أقوى ~~من نفوذ أية هيئة أخرى، والفلسفة كلها تدور حول موضوعات الدين. ومن أجل ~~دراسة الدين وعلومه أنشئت الجامعات في هذه الحقبة من تاريخ الغرب، ~~وكان لها هي الأخرى سلطان يلي في أهميته سلطان الكنيسة. # وبالرغم من اتساع الهوة بين المثل الرفيعة التي ينادي بها الدين ~~وواقع الحياة كما كان في العصور الوسطى، فقد كان المجتمع في تلك القرون ~~من تاريخ أوروبا مجتمعا مستقرا، يعتقد فيه الإنسان أن الدنيا هكذا ~~خلقت، وأن تقسيم الناس إلى نبلاء وأرقاء من طبيعة الأمور. وإذا كنا ~~نقول اليوم بالتطور المستمر في الخليقة وفي المجتمع البشري، وفي ~~التقدم المتصل في شئون الحياة، وفي علاقات الناس بعضهم ببعض، إذا كنا ~~نعتقد ذلك منذ القرن الثامن عشر على الأقل، وبعد الدفعة القوية التي ~~دفعها داروين بفلسفته، فقد كان أسلافنا في العصور الوسطى يؤمنون ~~بالثبات وبالاستقرار الدائم فوق الأرض. # بيد أن هذا الإيمان بالثبات الذي أخذت به تلك العصور الوسيطة لم ~~يحل دون اطراد التقدم في العلوم وفي نظام المجتمع، ولم يكن الدين ~~وحده هو كل شيء في حياة المرء؛ فقد كان هناك الفرسان والرهبان ms006 على ~~السواء. ولا نغالي إذا قلنا إن ~~ثقافة العصور الوسطى لم تكن ثقافة مستقلة في حد ذاتها منقطعة الصلة ~~عما قبلها وما بعدها؛ إذ إنها - مهما يكن من شيء - كانت حلقة في ~~سلسلة تطور الفكر الغربي، بل لعلها كانت مقدمة للفكر الحديث. وبالرغم ~~مما كان يسودها من روح التشاؤم فلم تخل من بارقة أمل في المستقبل ~~تحول في نهايتها وفي بداية العصور الحديثة إلى نظرة متفائلة إلى حياة ~~الإنسان في هذه الدنيا. # ومن ثقافة تلك العصور انبثقت نهضة أوروبا في العلوم والفنون في القرن ~~السادس عشر، وحركة الإصلاح الديني البروتستانتي، وهما نزعتان ~~إنسانيتان، ترميان إلى تخليص المرء من كثير من الخرافات العلمية ~~والدينية، وإلى الدعوة إلى الاعتقاد في «الطبيعي» ونبذ كل «ما وراء ~~الطبيعي» من الأمور الخارقة التي لا يسندها العقل أو يعللها ~~المنطق. # واشتد الإيمان بالعقل تدريجا حتى هل القرن الثامن عشر وقامت حركة ~~عامة في أوروبا تعرف بحركة التنوير تقرر إمكان تحقيق الكمال المنشود ~~في هذه الدار الأولى بجهد العقل الإنساني، فتفاءل الناس واستبشروا ~~بحياتهم بعدما كانوا ينظرون إلى هذه الحياة نظرة متشائمة قاتمة، ~~ويؤمنون بأن الحياة الكريمة، والسعادة والنعيم، لا تتحقق إلا في الدار ~~الآخرة، في الفردوس كما جاء وصفه في الكتاب المقدس. # وفي أواخر القرن الثامن عشر اندلع لهيب الثورة في فرنسا لتقضي على ما ~~تبقى في حياة الناس من آثار الإقطاع، فأخذت بفكرة التقدم وأيدتها، ~~ثم عززها بالعلم داروين. وآمن الناس بالحرية الفردية إلى أقصى ~~الحدود، ولعلهم بالغوا في هذا الاتجاه إلى درجة تكاد تبلغ حد الفوضى، ~~حتى أشرف القرن التاسع عشر، وكان عصر حكم الملكة فكتوريا في بريطانيا، ~~فأخذ المفكرون يحدون من هذا التطرف، ويحاولون أن يقفوا من الحرية ~~موقفا وسطا، فلا ينطلق الفرد دون مبالاة بحقوق المجتمع؛ فكانت فترة ~~من فترات التوفيق والاتزان. # وهذا التوازن بين الأضداد هو من سمات القرن التاسع عشر في أوروبا؛ ~~التوازن بين سلطة المجتمع وحرية الفرد، بين الولاء للأمة والولاء ~~للإنسانية قاطبة، بين قبول الجديد والاحتفاظ بالتقليد، بين ms007 الإيمان ~~بالله والإيمان بالآلة ... وهكذا، حتى كان هذا القرن العشرون الذي نعيش ~~فيه، فاضطرب الميزان، واشتعلت الحرب العالمية الأولى في مستهله، والحرب ~~العالمية الثانية في منتصفه، وكان الإنسان يريد أن يشق طريقه إلى ~~المعرفة الصحيحة بقوة السلاح! وكان من أثر ذلك أن تبين لأصحاب الرأي ~~بعد حرب فكرية ضروس أن التوسط لا بد أن يمتد أيضا إلى مجال ~~الملكية، فلا يتملك الفرد حسبما شاء، ولا يفقد كل ما يملك، ~~فوضعت أسس الاشتراكية السليمة. كما تبين لأهل الرأي أيضا أن العقل ~~وحده لا يهدي؛ فكانت الدعوة إلى اللامعقول، بالمعنى الواسع لهذا ~~الاصطلاح الذي يقيم للعواطف الإنسانية وزنا إلى جوار العقل البشري، ~~وكانت الدعوة إلى دراسة علوم الاجتماع والإنسان إلى جانب علوم الطبيعة، ~~وكانت هناك - فوق كل هذا - الدعوة إلى الإيمان بالله قوة كبرى تعلو ~~قدرة العقل وكفاية العلم. ~~••• # أما بعد، فهذه خطوط عريضة للمنهج الذي سار عليه المؤلف في كتابه ~~الذي أراد به أن يستعرض تاريخ الفكر الغربي، مع التنويه بآثار القادة ~~في توجيه الثقافة وبثها في عقول العامة. ومن ثم كان عنوان الكتاب: ~~«أفكار ورجال». # ولعل مما يؤخذ على المؤلف أنه يميل إلى الاعتقاد بأن الفكر ~~الأوروبي كان فكرا مستقلا لم يتأثر، إلا في القليل، بتفكير أهل ~~الشرق، وإلى أن حضارة الغرب هي أرقى الحضارات. ولكن مما يخفف من هذه ~~النظرة المتحيزة ما يعبر عنه من أمل في اختلاط جميع ثقافات العالم ~~في مستقبل تاريخه بحيث تكون هناك ثقافة واحدة عالمية في القرن الحادي ~~والعشرين أو الثاني والعشرين. # ويعزو المؤلف تفوق ثقافة الغرب - حسبما زعم - إلى أثر البيئة ~~والمناخ في أوروبا، وإلى تفوق الأجناس الغربية على غيرها، وإلى النمو ~~المطرد في المعرفة التراكمية في تلك البلاد. كما يعزو أسباب القلق ~~والسخط في هذه الثقافة إلى الفجوة العميقة التي تقع بين «ما هو كائن» ~~و«ما ينبغي أن يكون» أو بين «الواقعي» و«المثالي». # ولكنه - كما بينت - يتفاءل بظهور الأفكار الجديدة التي تدعو إلى ~~الاشتراكية والاعتماد على العناصر اللاعقلية في تفكير الإنسان إلى ms008 جانب ~~العناصر العقلية، والتمسك بالمبادئ الديمقراطية، والعودة إلى الإيمان ~~بالله والدين. # الفصل الأول # | تمهيد # هذا كتاب عن الآراء التي اعتنقها الناس - ولا يزالون يعتنقونها - في ~~عالمنا الغربي فيما يتعلق بالمشكلات الكبرى؛ المشكلات الكونية التي ~~تبحث عما إذا كان للعالم معنى في مقدور البشر أن يدركوه، وإذا كان ~~الأمر كذلك فماذا عسى أن يكون هذا المعنى، والمشكلات الخلقية التي تبحث ~~عما إذا كان لما نعمل ولما نريد أن نعمل معنى من المعاني، والتي ~~تبحث أيضا فيما نعني فعلا بالخير والشر، والجميل والقبيح. وأن مجموع ~~ما دون الإنسان من إجابات عن هذه المشكلات وما شابهها - وأعني بها ~~الجانب الأكبر من فلسفتنا الغربية، وما لدينا من أدب وفن، وتاريخ طبيعي ~~من بعض الوجوه - ليشغل ملايين المجلدات، ومن ثم فإن أية طريقة من ~~طرق السرد لهذه الإجابات لا بد أن تهمل منها أكثر مما تستطيع أن ~~تورد. # وهناك عدة وسائل ممكنة يسترشد بها مؤرخ هذه الآراء والأفكار؛ ~~وسائل يمكن أن نسميها مجازا: طرق رسم مصورات الأفكار، وهو تشبيه ~~أصدق من كثير من التشبيهات في أغلب الأحيان؛ لأن المؤرخ والصور ~~كليهما لا يستطيعان قط أن يعرضا على قارئ الكتب أو المصورات صورة ~~كاملة من الواقع الذي يريدان أن ينقلاه إليه. وأقصى ما بوسعهما أن ~~يقدما إليه تخطيطا، أو مجموعة من الدلائل التي تشير إلى الواقع. ~~وهناك وسائل متباينة للاختيار من المجموعات الضخمة من التفصيلات قد ~~تحصل على مصور يحشد فيه صاحبه كل ظاهرة لها اسم، وكل جبل صغير، أو ~~نهير، أو ملتقى طرق. وقد يحصل على مصور يتجاهل كثيرا من التفصيلات ~~بقصد إطلاع القارئ على موقع الأرض، وشكل السلاسل الجبلية فيها، ~~والعلاقات القائمة بين تصريف المياه، والتضاريس، وطرق المواصلات، إلى ~~غير ذلك. والطريقة الأولى والطريقة الثانية نافعتان على السواء، ويتوقف ~~نفعهما على حاجات من يستخدم الطريقة، وسنحاول قطعا في هذا الكتاب، ~~عند رسم مخطط لتاريخ الأفكار، أن ~~نسلك الطريقة الثانية. سنحاول في هذا الكتاب أن نرسم صورة عامة لمواقع ~~الحركات الثقافية والفكرية، وسوف نهمل كثيرا ms009 من الأسماء الشهيرة، بل ~~وربما نهمل أيضا قليلا من المعالم، وذلك في سبيل إيضاح ما أحسته ~~مجموعات كبيرة من الرجال والنساء في الغرب فيما يتعلق بالإجابات عن ~~المشكلات الكبرى في مصير الإنسان. # وهناك أيضا مجموعة أخرى لها أهميتها في الوسائل المتباينة التي ~~يسترشد بها مؤرخ الفكر. ويتضح هذا التباين في المفارقة بين انتقاء ~~الأفكار والآراء التي يعدها المؤرخ حقا أو صدقا، وعرض ~~مختارات لا تحيز فيها للآراء والأفكار لكي يصدر القارئ حكمه الخاص ~~فيها، والطريقة الأولى - في تعبير المصطلحات التربوية - تقوم على أساس ~~المبدأ الذي يقول ب «أن التعليم هو تثبيت الأفكار»، وأما الطريقة ~~الثانية فأساسها «أن التعليم هو عرض المشكلات». # وليست الطريقة الأولى أو الثانية - في عالم الواقع - بالعامة التي ~~لا تقبل الاستثناء؛ ذلك أن الطريقة الأولى مهما تكن جازمة - في الغرب ~~على الأقل - قل أن يقصد بها أربابها أن يروي المتعلم ما يسمع أو ~~يقرأ عن ظهر قلب. كما أن الطريقة الثانية مهما تبلغ من التهاون وحرية ~~الفكر لا يمكن أن يعني بها أصحابها أنه لا يجوز البتة النقل عن ~~الثقات، وأن كل امرئ يصوغ آراءه الخاصة في دنياه الخاصة. كلتا ~~الطريقتين كالقطبين في هذه الدنيا أرض باردة غير مأهولة. ومهما يكن من ~~أمر فإن هذا الكتاب سوف يحاول أن يقترب من دائرة القطب الثاني، من ~~المبدأ الذي يقول بأن الفرد يجب أن يبذل جهدا كبيرا تلقائيا، ~~فيفكر وينتقي وحده، وأن تاريخ الفكر - على حد تعبير ألفرد نورث ~~هوايتهد الواضح - إنما هو «مغامرات الأفكار» لكل من يغوص في هذا ~~التاريخ. وكل مغامرة تتضمن شيئا من الشك. # وهذان الاتجاهان - أعني في الخطوط العريضة دون التفصيلات، والتفكير ~~المستقل دون استيعاب المعرفة «الصحيحة» وتفسيرها - يتفقان مع الشعور ~~السائد في الولايات المتحدة بأننا استوعبنا في الماضي من الوقائع أكثر ~~مما ينبغي، وفكرنا فيها أقل مما ينبغي. # ويتضح هذا الشعور في الحركة التي تؤيد التعليم العام - مهما يكن ~~الاسم الذي يطلق على هذه الحركة. وحركة التعليم العام هذه قد يغالى ~~فيها، شأنها في ms010 ذلك شأن أكثر أمثال هذه الحركات. وتدرك العامة بحكمتها ~~الخطر الذي يحدق بالطفل إذا ألقينا به في خضم الماء ثم تخلينا عنه، ~~ولا يحب الإنسان العاقل أن يلفظ «الطفل » - وأعني به هنا السيطرة ~~السليمة الطيبة على الوقائع الضرورية. وثقافتنا - بوجه عام - منظمة ~~تنظيما يدعو إلى الإعجاب، ويسمح باستجماع الحقائق اللازمة للتفكير ~~المثمر في مشكلة معينة استجماعا دقيقا وسريعا، كما يهيئ الاتصال ~~المباشر بهذه الحقائق؛ فهناك كثرة من المكتبات، ودوائر المعارف، وكتب ~~النصوص التي هي في الواقع من أمهات المراجع. # وكذلك لا يحب إنسان عاقل أن يلفظ «الطفل» الذي يتمثل في التعميمات ~~السليمة، أو النظريات. غير أن في هذا المجال مشكلة، تلك هي الفصل بين ~~التعميمات السليمة، والتعميمات غير السليمة. في ميدان مثل ميدان ~~العلوم الطبيعية توجد نواة من النظريات يعرفها كل العاملين ذوي ~~الكفاية في الميدان، ولا مناص لهم جميعا من قبولها. وليس الأمر كذلك ~~في ميادين علوم الدين والفلسفة والأدب والفن - كما سنبين فيما بعد - ~~فمن البين هنا أن رجال المعرفة والذوق يختلفون فيما بينهم اختلافا ~~شديدا؛ لأننا في هذه الميادين لا نكتفي بالتساؤل «عما هو كائن»، وإنما ~~نحس جميعا، بدرجات متفاوتة، أن «شيئا آخر ينبغي أن يكون». # وفي المجتمع الديمقراطي يعتقد الناس أن لكل عضو في المجتمع دورا ~~يلعبه في العملية المعقدة التي يتحول فيها «ما ينبغي أن يكون» - أي ~~حاجات الناس والأشكال التي يعبرون بها عن هذه الحاجات - تدريجا، ~~وبصورة ناقصة، وربما كذلك بطريقة لا يمكن التنبؤ بها، إلى «ما يكون». ~~(والمشكلات التي يقابلها المرء في هذه العملية، وهي أولا: هل العملية ~~وهم من الأوهام؟ - وتلك هي بعينها المشكلة القديمة: الحتمية أو حرية ~~الإرادة - هذه المشكلات أمثلة طيبة للمشكلات التي لا تحل ولكنها ~~- برغم ذلك - ملحة، ولها أهميتها التي لا يمكن تجاهلها، وقد اهتم ~~بها العقل الغربي آلاف السنين.) # لا بد للفرد في المجتمع الديمقراطي أن يمارس الحكم في مثل هذه ~~المشكلات؛ لأنه إذا لم يفعل فلا مندوحة من أن يصدر فيها الحكم ~~خصوم الديمقراطية أصحاب النفوذ ms011 بطريقة لا ترضيه. وقد عبرت ~~ب «الممارسة» عمدا؛ لأني قصدت إلى بذل الجهد العقلي والبدني. ولكن ~~الجهد العقلي معناه إصدار القرارات، ومحاولة حل المشكلات التي لم ~~يبت فيها مقدما ، ومحاولة الموازنة والاختيار بين التعميمات ~~المتعارضة. وهذا الكتاب يعطي القارئ الجاد فرصة كافية لمثل هذه ~~الممارسة. # ولم أهدف من هذا الكتاب أولا إلى أن أقدم للقارئ المعرفة، وليس هو ~~بالكتاب الذي يعين القارئ على أن يتفوق في حل الألغاز، وليس ~~تاريخا لأي نظام من النظم الكبرى، عن دين، أو فلسفة، أو بحث، أو علم، ~~أو أدب، أو فن؛ فإن كتابا موجزا ~~يعالج كل هذه الموضوعات لا يعدو أن يكون قائمة بأسماء، وقليلا من ~~العناوين الملائمة، كقولنا مثلا: «شلي الهوائي»، أو «كيتس صاحب الصوت ~~العذب». وأود أن أذكر بخاصة أن هذا الكتاب ليس تاريخا للفلسفة، ولم ~~يكتبه فيلسوف محترف، ولا يعالج فيلسوفا واحدا معالجة كاملة شاملة من ~~جميع النواحي. وإنما أحاول جهدي في هذا الكتاب أن أعالج ذلك الجانب من ~~عمل الفيلسوف الذي كان له أثر فيما عند الطبقات المثقفة من آراء. إنه ~~- على حد تعبير المستر د. س. سومرفل - تاريخ آراء (أي وجهات من النظر) ~~أكثر منه تاريخ أفكار. ولا يمكن أن يحل محل الدراسة العميقة ~~لتاريخ الفلسفة بشكلها المعروف لأولئك الذين يريدون أن يقوموا بمثل هذا ~~العمل. # وثمة كلمة إيضاح أخيرة. إن القارئ الجاد قد يجد أن معالجتنا ~~لكثير من هذه المشكلات أبعد ما تكون عن الجد، بل قد يجدها خفيفة لا ~~وزن لها، وهذه مشقة حقيقية. ويبدو لمؤلف هذا الكتاب أن كثيرا من ~~المشكلات الضخمة التي تتعلق بالخير والجمال كثيرا ما عولجت - ~~وبخاصة بين الشعوب التي تتكلم الإنجليزية - بقدر كبير من التوقير، مما ~~أدى إلى الخلط الشديد بين «ما ينبغي أن يكون» و«ما هو كائن». ويحب ~~الأمريكيون أن يعدوا أنفسهم مثاليين، والواقع أن كثيرا منهم كذلك. ~~غير أن الأجانب كثيرا ما يتهموننا بأننا نفصل فصلا تاما بين ~~مثلنا وأعمالنا، وهم في هذا غير منصفين، بالرغم من أن موقفهم له ms012 ~~سند من الواقع؛ فنحن نميل - كشعب - أن نقدس بعض الآراء المجردة إلى ~~درجة يحتمل معها أن نخطئ فنحسب أننا بمجرد تدوين الأفكار على الورق، ~~وبمجرد قبولنا شفويا لهدف من الأهداف باعتباره فاضلا، قد حققنا ~~الهدف. ويشهد بذلك تاريخ حياة وودرو ولسن منذ إعلان الشروط الأربعة عشر ~~حتى الانتهاء من معاهدة فرساي. ويشهد بذلك أيضا «التعديل الثامن ~~عشر». # وقد بذلت في هذا الكتاب إزاء هذه الموضوعات جهدا يشبه جهد الطبيب ~~في عيادته، وهو نظرة إلى الأمور تتطلب دقة البحث في التافه والحقير ~~بغية إدراك ما نعالجه فعلا عندما ندرس الأفكار التي لها تأثيرها في ~~الكائنات البشرية التي تحيا فعلا. ولا يمكن أن توصم هذه النظرة بأنها ~~«ضد التوقير»، وإنما هي نظرة «لا يتوافر فيها التوقير» أثناء القيام ~~ببحث المشكلة بالطريقة التي يعالج بها الطبيب مرضاه. # ولا تعني هذه النظرة إنكار وجود الخير والجمال، أو إنكار الرغبة ~~فيهما، أكثر مما يعني الفحص الطبي إنكار وجود الصحة والسلامة أو الرغبة ~~فيهما. # حدود تاريخ الفكر # إن مجال الدراسة الذي يعرف باسم تاريخ الفكر ليس أمرا هينا ~~محدود الجوانب؛ فقد يندرج تحت هذا العنوان مدى فسيح من الموضوعات ~~الفعلية، من آثار الفلاسفة الممعنين في التجرد، إلى التعبير عن ~~الخرافات الشائعة مثل التشاؤم الشديد من العدد 13. وقد تعرض ~~مؤرخو الفكر لأفكار الفلاسفة كما تعرضوا للآراء التي يعتنقها ~~رجل الشارع، ومهمتهم الأساسية هي محاولة تعرف «العلاقات بين ~~آراء الفلاسفة، والمثقفين، والمفكرين، وطريقة العيش الواقعية ~~للملايين الذين يحملون على عواتقهم واجبات المدنية». # وهي مهمة تفرق أساسا بين تاريخ الفكر وبين تلك النظم ~~القديمة الثابتة، مثل تاريخ الفلسفة، أو تاريخ العلم، أو تاريخ ~~الأدب. مؤرخ الفكر تهمه الأفكار أنى وجدها، سواء أكانت ~~أفكارا همجية أم معقولة، تأملا رقيقا أم تحيزا عاما. ~~ولكنه يهتم بهذه الثمار من نشاط الإنسان العقلي من حيث تأثيرها في ~~وجود الإنسان كله أو تأثرها بهذا الوجود. ومن ثم فهو لا ~~يتعرض فقط للأفكار المجردة التي تولد غيرها من الآراء المجردة؛ ~~فهو لا يتعرض مثلا لتلك ms013 النظرية السياسية المجردة التي تعرف ~~بالعقد الاجتماعي كأنها ناحية من نواحي التفكير المشروع فحسب. إنما ~~هو يعالج حتى أشد الأفكار تجريدا عندما تتسرب هذه الأفكار إلى ~~رءوس الأفراد العاديين وقلوبهم؛ فهو يفسر ما كان يعني العقد ~~الاجتماعي لأولئك الثوار في القرن الثامن عشر الذين قر في نفوسهم ~~أن حكامهم قد خرقوه. # ولعمري إنها لمهمة شاقة. إن مؤرخ الفكر يحاول أن يستنبط مجموعة ~~مركبة من العلاقات بين ما تكتبه قلة من الأفراد وما يقوم به ~~فعلا كثير من الأفراد. ومن اليسير عليه - على الأقل في الخمسة ~~والعشرين قرنا الماضية من تاريخ المجتمع الغربي - أن يكتشف وأن ~~يحلل ما كتبته القلة وما قالته. وقد لا يبلغ هذا السجل حد ~~الكمال، ولكنه يصل إلى درجة نادرة من الإجادة، حتى فيما يتعلق ~~باليونان والرومان، وذلك بفضل الجهد الذي بذلته أجيال متعاقبة من ~~الباحثين. غير أن مهمة مؤرخ الفكر ظلت شاقة حتى أمدته المطبعة ~~والتعليم العام في الصحف والمجلات والرسائل وما إليها بسجل لما ~~فكر فيه وأحس به عامة الناس؛ فقد يستطيع المؤرخ أن يصف في ~~وضوح رأي الناس على اختلاف طوائفهم في أدولف هتلر، سواء أكانوا في ~~ألمانيا أم في خارجها، غير أنه لا يستطيع البتة أن يعرف رأي ~~الملايين من عامة الناس - الذين لم يسمع بهم أحد في العالم ~~اليوناني الروماني - في يوليس قيصر؛ فلم يكن ثمة استفتاء للرأي ~~العام كاستفتاء «جالوب» في ~~أمريكا، ولم تكن هناك رسائل لرؤساء تحرير الصحف أو مجلات شعبية. ~~غير أن مؤرخ الفكر - برغم هذا - لا بد أن يبذل جهدا في رسم صورة ~~متكاملة يجمعها من شتيت المصادر للطريقة التي كانت تسري بها ~~الأفكار في صفوف الجماهير؛ إذ كان يتحتم عليه ألا يحصر نفسه في ~~تحليل الأفكار في صورة أفكار أخرى. # وفي الحق أن هناك ما يسوغ حصر تاريخ الفكر فيما أسماه المرحوم ~~ج. ه. روبنسن: «الطبقات المثقفة». وقد عرف الأستاذ بومر بجامعة ~~ييل الطبقة المثقفة ب «أنها لا تقتصر فقط على الفئة الصغيرة ~~نسبيا من المفكرين والمبتكرين ms014 العميقين فعلا، أو على المحترفين ~~وحدهم من الفلاسفة ورجال العلم والدين، والباحثين عامة، وإنما هي ~~تشمل أيضا رجال الأدب والفن المبدعين، وناشري الأفكار، والجمهور ~~القارئ الذكي.» وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول إنه من المعقول أن ~~نحصر تاريخ الفكر فيما يقوم به المثقفون من أفعال وأقوال وكتابات. ~~وبالرغم من هذا فإن تعريف الأستاذ بومر يبدو ضيقا بعض الشيء. ثم ~~إنه مما لا شك فيه أن الأفراد غير المثقفين - حتى بالمعنى اللفظي ~~الذي يتصل بالبحث وقراءة الكتب - والأفراد غير الأذكياء، يتقبلون ~~الآراء التي تتصل بالحق والباطل، ولهم أهداف يمكن أن يعبر عنها ~~باللفظ، بل هم يعبرون عنها فعلا، كما أنهم يتأثرون بكل ضروب ~~العقائد، والمذاهب، والخرافات، والتقاليد، والعواطف. إن تاريخ ~~الطبقات المثقفة يستحق التدوين، ولكنه لا يشمل كل تاريخ الفكر، ~~أما إن كان يشمله بأكمله فلا بد من البحث عن عنوان آخر لما ~~يتعرض له هذا الكتاب. # إن مصادر دراسة الأفكار (بأوسع معانيها) التي تعتنقها عامة الناس ~~متعددة في الواقع. ومن الجلي أن الأدب ليس على درجة من التفكير ~~المجرد أو من المستوى الرفيع كالعلم أو الفلسفة الشكلية. وما بقي ~~لدينا من الأيام التي سبقت الطباعة هو - بطبيعة الحال - مما يتصل ~~نسبيا بالمستوى الرفيع؛ فلدينا من عهد الإغريق والرومان والعصر ~~الوسيط، بل ومن عصر النهضة، ما هو أقرب إلى مستوى «النيويورك ~~تايمز» منه إلى المختصرات الموجزة، أو أقرب إلى برنارد شو منه إلى ~~«آني الصغيرة اليتيمة». غير أنه لا يزال لدينا - برغم هذا - قدر ~~كبير من الواضح أنه أقرب إلى مستوى الأرض منه إلى سماء الفلسفة؛ ~~فنستطيع أن نتصل بسقراط الفيلسوف كما ظهر لتلميذه أفلاطون إذا نحن ~~قرأنا «السحب» لأريستوفان، وهي مسرحية يسخر فيها كاتب شعبي ~~ناجح من سقراط. ونستطيع أن نتعرف الأفراد في العصور الوسطى من ~~رجال ونساء لا كما وصفهم الفلاسفة ورجال الدين، ولكن كما وصفهم ~~رجال الدنيا كما فعل شوسر في «حكايات كانتربري». # لقد خلف الرجل العادي - ~~حقا - آثارا كثيرة غير تلك التي وصلت إلينا فيما نسميه الأدب؛ ~~فليس ms015 لدينا في الديانات علوم الدين فقط - وأعني بها العناصر ~~الفكرية الأوضح التي تقابل ما يسمى الفلسفة في أمور الدنيا - ~~وإنما لدينا كذلك الطقوس، وما نؤديه كل يوم، بل ولدينا كذلك ما ~~نسميه - إذا جعلنا من أنفسنا حماة للتراث القديم - خرافات العصور ~~الوسطى والقديمة. وإن جانبا كبيرا مما لا بد أن يستند إليه ~~مؤرخ الفكر هو مما جمعه المختصون الذين نسميهم المؤرخين ~~الاجتماعيين، وهم أولئك الذين أخذوا على أنفسهم واجب البحث عن ~~الأسلوب الذي كانت عامة الناس من جميع الطبقات تعيش فعلا وفقا ~~له. ولم يهتم هؤلاء المؤرخون الاجتماعيون في أغلب الأحيان فقط بما ~~كان الرجال والنساء يأكلون ويلبسون ويفعلون لكسب عيشهم، وإنما ~~اهتموا أيضا بما كانوا يعتقدون خطأه أو صوابه، وبما كانوا يتطلعون ~~إليه في الدنيا والآخرة. وكم من مؤرخ اجتماعي انقلب ~~- بمعنى ما - إلى مؤرخ للفكر، ~~يركز اهتمامه فيما كان يدور في خلد رجل الشارع العادي. # ومن ثم فإن الواجب الكامل لمؤرخ الفكر هو أن يجمع في صورة ~~كاملة مفهومة المواد التي تنحصر فيما بين الآراء المجردة ~~الفلسفية وأفعال الناس المحسوسة. وهو في أحد أطراف مجال بحثه ~~يقترب من الفيلسوف، أو على الأقل من مؤرخ الفلسفة، ويقترب في ~~الطرف الآخر من المؤرخ الاجتماعي، أو حتى من المؤرخ العادي، الذي ~~يهتم بحياة الناس اليومية. غير أن واجبه الخاص هو أن يجمع بين ~~الطرفين، وأن يتابع الأفكار في مسيرها المتعرج في أكثر الأحيان ~~من حجرة الدرس أو المعمل إلى السوق، والنادي، والبيت، وساحة ~~القضاء، وحجرة التشريع، ومائدة المؤتمر، وميدان القتال. # وعندما يقوم مؤرخ الفكر بهذا الواجب الضخم قد يجد نفسه غازيا ~~لميدان جديد من الدرس مهد له من قبل الباحثون، وذلك هو الميدان ~~الغامض الشامل الذي ألفنا أن نسميه فلسفة التاريخ. إن فيلسوف ~~التاريخ يحاول أن يستخدم علمه بما حدث في الماضي لكي يحل جميع ~~ما يكتنف مصير الإنسان من ألغاز. والفلسفة الكاملة للتاريخ (كأي ~~وككل فلسفة أخرى) تستهدف أن تقدم إجابات نهائية عن كل «المشكلات ~~الكبرى»: ماذا هي الحياة الطيبة؟ ms016 وكيف يستطيع الناس أن يحيوا ~~الحياة الطيبة؟ وما هو الأمل في إمكان حياة الناس حياة طيبة؟ أو في ~~كلمة موجزة، أين نحن، وإلى أين المسير؟ # وسنحاول أن نبين في فصل متأخر من هذا الكتاب لماذا كانت - في ~~منتصف القرن العشرين - أكثر النظم الفلسفية الشائعة في واقع ~~الأمر فلسفات للتاريخ، وأن أسماء شبنجلر وسوروكين وتوينبي معروفة ~~حيثما نوقشت أمور الفكر في أعلى مراتبها. ويكفينا في الوقت ~~الحاضر أن ننبه إلى أن مؤرخ الفكر ينبغي له أن يتحاشى أن يرتدي ~~لبوس المتنبئ وفيلسوف التاريخ مهما اشتد إغراؤه في هذا الاتجاه. ~~وسوف يكون عمله أجدى لو حصر نفسه في مهمة البحث عن الطرق التي أجاب ~~الناس بها عن المشكلات الكبرى - الحياة، والمصير، والحق، والصدق، ~~والله - فتأثرت إجاباتهم على سلوكهم بشكل ظاهر. وهي مهمة أشق ~~وإن تكن أكثر تواضعا. وقد يكون لمؤرخ الفكر رأيه في بعض هذه ~~المشكلات الكبرى على الأقل، بل لا بد أن يكون له هذا الرأي إذا كان ~~إنسانا طبيعيا. ولكنه لو أخلص لتقاليد العلم والبحث كما نضجت ~~لمؤرخ اليوم لبذل أقصى جهده في الاحتفاظ بآرائه الخاصة حتى لا ~~يكون لها تأثير في روايته لآراء غيره. # وفي فصول قادمة من هذا الكتاب سوف أعود بشيء من التفصيل لهذه ~~المسألة كلها، مسألة الطريقة العلمية والموضوعية، وعلاقتهما بدراسة ~~سلوك الإنسان، ويكفيني هنا أن أنبه إلى أن تاريخ الفكر كما عرضته ~~في هذا الكتاب لا يساق للإجابة عن كل المشكلات التي تحيط بالإنسان ~~الحديث، وإنما أسوقه لكي أعين على تقديم بعض هذه المشكلات بصورة ~~أوضح، وربما كان ذلك بقصد الإشارة إلى النتائج التي يحتمل أن تحدث ~~في أثر المحاولات العديدة التي تبذل لحل هذه المشكلات. # وفي الحق يجب أن يتنبه القارئ إلى أن مهمة تتبع ما كان - وما ~~يزال - للأفكار من أثر في جميع الجماهير في المجتمع الغربي، لا ~~يمكن إلا أن تؤدى بصورة ناقصة؛ فالمصادر التاريخية قبل العصور ~~الحديثة إما غير ميسورة وإما من العسير جمعها. وليس الأمر كذلك ~~فحسب؛ لأن المتخصصين ذوي ms017 الكفاية قد يستطيعون - إذا ما وجهوا ~~اهتمامهم إلى هذه المشكلة - في الأجيال القليلة القادمة، أن يقوموا ~~بعمل يسدون به هذا النقص في المادة. وإنما هناك صعوبة أخطر؛ فنحن ~~لا ندرك حتى الآن حق الإدراك - بالرغم من جهود علماء النفس ~~والاجتماع والفلاسفة - ما يدور في عقول الناس وأفئدتهم، وكيف ~~يتحركون نحو العمل، أو نحو السكون. # وعلاوة على ذلك فإن الأفراد الذين بذلوا وقتا طويلا في دراسة ~~هذه المشكلات لم يتفقوا - على أية صورة من الصور - فيما يتعلق ~~بالدور الذي يلعبه في السلوك البشري العقل، والمنطق، والأفكار، ~~والمعرفة، مقابل الوجدان، والعاطفة، والدوافع، والبواعث. # ليس بين هؤلاء الأفراد اتفاق تام - على أي شكل - على أنه لا بد ~~من البحث في السلوك البشري المحسوس عن مركبات مثل المعقول ~~واللامعقول. غير أنه ليست هناك مجموعة من التعريفات العملية ~~الفعالة لهذه المصطلحات مقبولة في جميع أنحاء العالم. # دور الأفكار # ومن ثم كانت هناك بعض المشكلات العويصة التي تتعلق بالطرق، ~~وربما كانت تتعلق أيضا بالفلسفة، لا بد من مواجهتها قبل أن نستطيع ~~البدء في دراسة تراثنا الفكري الغربي في مصادره الإغريقية والعبرية ~~الكبرى. إن مؤرخ الفكر يحاول أن يرى كيف تعمل الأفكار في هذه ~~الدنيا، وأن يدرس العلاقة بين ما يقول الناس وما يقومون بعمله ~~فعلا: ماذا يعني بالأفكار، وماذا يعني بقوله إن للأفكار تأثيرها ~~في هذه الدنيا؟ إن هذه هي في حد ذاتها مسائل فلسفية، يدور فيها ~~الجدل بين الأفراد بغير اتفاق. وهذه الحقيقة وحدها توضح أن هذه ~~المسائل ليست مما يمكن الإجابة عنها كما يفعل الصبي الأمريكي ~~عندما يجيب عن مثل هذه الأسئلة: ماذا يعني مهندس السيارات ~~بالكاربيوريتر؟ وماذا يعني عندما يقول إن الكاربيوريتر يؤدي ~~وظيفته؟ # إن الأفكار تختلف اختلافا بينا عن الكاربيوريتر. ولكن أرجو ألا ~~يخطئ القارئ فيحسب أنها أقل واقعية من الكاربيوريتر، أو أنها أقل ~~أهمية في حياتنا، أو أنها مجرد ألفاظ ليست لها البتة أية ~~قيمة. # سنأخذ «الأفكار» هنا بمعنى واسع جدا حقا كأي مثل ملموس ~~لعمل العقل البشري يمكن التعبير عنه ms018 بالألفاظ. ومن ثم فإن لفظة ~~«آه» التي تصدر عن رجل يؤذي إصبعه بالمطرقة ليست على الأرجح ~~فكرة من الأفكار. أما قوله: «لقد آذيت إصبعي بالمطرقة» فهو تعبير ~~ساذج جدا، ومن ثم فهو فكرة من الأفكار. ثم إن قوله: «إن ~~أصبعي تؤلمني لأني آذيتها بالمطرقة» يتضمن أفكارا أشد تعقيدا. ~~أما أمثال هذه الأقوال: «إن إصبعي تؤلمني لأن ضربة المطرقة أثرت ~~في أعصاب معينة نقلت إلى جهاز العصبي المركزي نوعا من الإثارة ~~يرتبط بما نسميه الألم.» أو: «إن إصبعي تؤلمني لأن الله يعاقبني ~~على ما اقترفت من آثام.» فهي فروض شديدة التعقيد، تنقلنا إلى ~~مجالين هامين من مجالات الفكر: المجال العلمي، والمجال ~~الديني. # وتصنيف جميع ضروب الأفكار التي تتضافر في تأليف ما نسميه عامة ~~بالمعرفة هو في حد ذاته المهمة الكبرى التي تضطلع بها عدة نظم، ~~منها المنطق، وعلم المعرفة، وعلم المعاني. وتأتي بعد ذلك مهمة البت ~~في أي أنواع المعرفة صادق، أو إلى أي حد يصدق قدر معين من ~~المعرفة، ومهمات أخرى كثيرة لا نستطيع هنا أن نحددها. وقد أثارت ~~في أيامنا هذه دراسة علم المعاني، وتحليل الطرق المعقدة التي تدل ~~بها الكلمات - عند استخدامها في تبادل الآراء بين الأفراد - على ~~معانيها اهتماما بالغا. ويكفينا فيما نحن بصدده أن نميز تمييزا ~~أساسيا بين لونين من المعرفة: المعرفة التي يمكن تراكمها، ~~والمعرفة التي لا يمكن أن تتراكم. # وخير مثال للمعرفة التراكمية هو المعرفة التي نسميها عادة ~~بالعلوم الطبيعية، أو مجرد العلوم؛ فقد أخذت أفكارنا في علوم الفلك ~~والطبيعة «تتراكم» منذ بداية دراسة هذه العلوم منذ آلاف السنين في ~~شرق البحر المتوسط، كما أخذت تتكون تدريجا في صورة علوم الفلك ~~والطبيعة التي ندرسها في المعاهد والكليات. ولم تكن عملية ~~التكوين منتظمة، ولكنها كانت ثابتة بوجه عام، ولا تزال بعض ~~الأفكار أو النظريات التي ظهرت منذ البداية صادقة، كفكرة أرشميدس ~~في عصر اليونان عن الكثافة النوعية. ولكن كثيرا جدا من ~~النظريات والأفكار قد أضيف إلى الرصيد الأول من الأفكار، كما أن ~~كثيرا أيضا قد ms019 نبذ لخطئه. وكانت النتيجة نظاما، أو علما، له ~~أساس متين مقبول في كل مكان من المعرفة المتراكمة، وله حدود من ~~المعرفة الجديدة آخذة في الاتساع. والجدل يتركز بين ~~العلماء - والعلماء يتجادلون كما ~~يتجادل الفلاسفة وعامة الناس - في هذه الحدود النامية دون الأساس. ~~أما هذا الأساس فإن جميع العلماء يقبلون صدقه. # ويمكن للمعرفة الجديدة بطبيعة الحال أن تنعكس خلال الأساس كله، ~~وتسبب ما يمكن أن نسميه حقا ب «الثورة» في العلم، ومن ثم ~~فإن نظريات الميكانيكا الكمية والنسبية قد كان لها صداها في لب ~~طبيعة نيوتن. # أما المعرفة اللاتراكمية ~~فخير مثال نسوقه هنا لها يستمد من ميدان الأدب؛ فالأدباء ~~يقدمون فروضا معينة، وأفكارا معينة عن الأفراد، وعن الحق ~~والباطل، وعن الجميل والقبيح. وقد كتب الأدباء باليونانية في هذه ~~الأمور منذ أكثر من ألفي عام. كما كان غيرهم في نفس الوقت ويكتبون ~~باليونانية عن حركات النجوم أو عن نظريات الأجسام الصلبة في الماء. ~~ولكن أدباءنا المعاصرين يكتبون اليوم في نفس الأشياء التي كتب عنها ~~الأدباء اليونان بنفس الطريقة إلى حد كبير وبغير زيادة واضحة أو ~~معينة في المعرفة. أما علماؤنا فإن لديهم عن علوم الفلك والطبيعة ~~معارف وأفكارا وفروضا تربو كثيرا على ما كان عند ~~اليونان. # وإذا أردنا أن نعرض الموضوع في أبسط صورة قلنا إن الأديب ~~اليوناني كأريستوفان، أو الفيلسوف اليوناني كأفلاطون، إذا عاد إلى ~~الأرض بمعجزة في منتصف القرن العشرين وتحدث إلينا (ولم يظفر بأية ~~معرفة جديدة منذ وفاته) يستطيع لتوه أن يتكلم في الأدب وفي الفلسفة ~~مع ج. ب. شو أو مع جون ديوي، دون أي إحساس بالغرابة. في حين أن ~~عالما إغريقيا كأرشميدس في مثل هذا الوضع - مهما يكن عبقريا - ~~يحتاج إلى أن يقضي أياما عدة يمحص فيها كتب الطبيعة الأولية ~~والمتقدمة، ويكتسب فيها قدرا كافيا من الرياضيات قبل أن يستطيع ~~الكلام في موضوعه مع عالم حديث في الطبيعة مثل بور أو ~~أينشتين. # وفي عبارة أخرى نستطيع أن نقول إن طالب الجامعة الحديث ليس أحكم ~~من الحكماء القدامى، ms020 وليس له ذوق أفضل من ذوق السابقين، ولكنه يعرف ~~من علم الطبيعة قدرا أكبر مما عرف أعظم العلماء اليونان؛ إنه ~~يعرف «وقائع» أكثر في الأدب والفلسفة مما كان يعرف أحكم الإغريق في ~~عام 400ق.م، ولكنه في علم الطبيعة لا يعرف «وقائع» أكثر فحسب، ~~وإنما هو يدرك العلاقات بين الوقائع؛ أي النظريات ~~والقوانين. # وهذه التفرقة بين المعرفة التراكمية والمعرفة اللاتراكمية واضحة ~~ونافعة، وهو كل ما يريده المرء من التفرقة. «إن هذه التفرقة لا ~~تعني أن العلم جيد ونافع، وأن الفن والأدب والفلسفة رديئة وغير ~~نافعة، وإنما تعني أنها مختلفة فيما يتعلق بالتراكم فحسب.» وكثير ~~من الناس يتخذون هذه التفرقة دليلا على أن الفن أحط شأنا من ~~العلم، وتسوءهم هذه التفرقة إلى حد أن ينبذوا أي صدق أو منفعة ~~تتضمنها التفرقة. وتلك من عادات الناس المألوفة التي ينبغي لمؤرخ ~~الفكر أن يحسب لها حسابها. # وربما كانت الحقيقة هي أن العلم قد تراكم «بسرعة» في الثلاثمائة ~~السنة الأخيرة، في حين أن الفن والأدب والفلسفة قد تراكمت «ببطء» ~~في ألوف عديدة من السنين. وقد يكون عظماؤنا من بعض النواحي أحكم ~~من العظماء في الماضي، وقد يكون ما لدى المواطن الأمريكي المتوسط ~~من الحكمة والإدراك السليم أكثر مما كان لدى المواطن الأثيني. بيد ~~أن هذه الأمور مما يشق قياسها، ومما يشق الاتفاق فيها، في حين أن ~~صفة التراكم في المعرفة العلمية لا جدال فيها تقريبا. إن أكثر ~~المدافعين عن تقدم الفنون والفلسفة تفاؤلا لا يمكن أن يؤمن بأن ~~شيكسبير بالنسبة إلى سوفوكليز هو كنيوتن بالنسبة إلى ~~أرشميدس. # وقد حاولنا فيما سبق أن نبالغ بالضرورة في تبسيط الفارق بين ~~المعرفة التراكمية والمعرفة اللاتراكمية. ويلاحظ أن ذلك الجانب من ~~المعرفة الذي لا يقع تحت عنوان «العلوم» لم يلق - لعدة أجيال من ~~مفكري الغرب، وعند كثير من مفكري اليوم - حقه من الإنصاف بنعته ~~ب «اللاتراكمي». ويمكن القول بأن ما نسميه عادة ب «العلوم ~~الاجتماعية» به في حد ذاته - وليس باعتباره تقليدا ضعيفا للعلوم ~~الطبيعية - قدر من المعرفة المتراكمة ms021 التي تتعلق بتبادل العلاقات ~~بين الكائنات البشرية. وهذه المعرفة ليست مجرد تراكم للوقائع، ~~وإنما هي أيضا تراكم لتفسيرات صادقة لهذه الوقائع. وهكذا استطاع ~~رجال الاقتصاد في مدى قرن ونصف قرن من آدم سميث إلى لورد كينز - أن ~~يزدادوا «إدراكا» للنشاط الاقتصادي، ويمكن القول كذلك أن الفلاسفة ~~استطاعوا على كر القرون أن يحسنوا من طرائقهم في التحليل، كما ~~أنهم ازدادوا تحديدا للأسئلة التي يوجهونها لأنفسهم - وذلك ~~بالرغم من أنهم لا يزالون يواجهون بعض المشكلات التي واجهها ~~أفلاطون وأرسطو. وأخيرا قد يستطيع المتشائم أن يقول إن كل ما ~~نتعلمه من التاريخ هو أننا لا نتعلم منه شيئا قط، غير أن أكثرنا ~~يؤمن بأن رجال الغرب قد بنوا على مر القرون هيكلا من الحكمة ~~والذوق السليم الذي لم يتوافر للإغريق. أما مدى انتشار هذه الحكمة ~~وذلك الذوق في مجتمعنا فذلك أمر آخر. # والحق أن مسألة «النشر» في المعرفة التراكمية واللاتراكمية على ~~السواء، مسألة تصحيح الأخطاء الشائعة في تفكير الجمهور، هي على ~~الأقل في أهمية مسألة اتفاق الخبراء، بل هي في المجتمع الديمقراطي ~~ربما كانت أكثر منها أهمية. ويتضح ذلك في ميدان كميدان الاقتصاد، ~~إلا لأولئك المصرين على ازدراء التفكير الاقتصادي. إن رجال ~~الاقتصاد يختلفون وكذلك يختلف الأطباء. وحتى في أمريكا الحديثة، ~~حيث يكون للطب تقدير بالغ بين جميع الطبقات، ليس من اليسير أن ~~نعلم الجمهور حتى يتصرف عن علم في الشئون الطبية. وفي الشئون ~~الاقتصادية لا يزال الجمهور حتى في منتصف القرن العشرين عاجزا إلى ~~حد كبير عن الإفادة من مقدار المعرفة المتراكمة التي يملكها ~~الخبراء، وإلا ما حاولنا أن ننشئ درجة من التجارة الدولية ~~المتوازنة مع احتفاظنا بمستوى عام مرتفع - وكثيرا ما تكون مرتفعة ~~جدا في نواح معينة - من ضريبة الحماية الجمركية. # ومن الواضح أن مؤرخ الفكر لا بد أن يهتم بالمعرفة التراكمية ~~والمعرفة اللاتراكمية على حد سواء، ولا بد أن يبذل قصارى جهده لكي ~~يميز هذا النوع من المعرفة من ذلك، وأن يتقصى العلاقة ~~المتبادلة بينهما، وأن يدرس آثارهما على السلوك ms022 البشري. إن كلا ~~اللونين من المعرفة له أهميته، وكل لون منهما يفعل فعله في هذه ~~الدنيا. # وهنا يأتي سؤالنا الثاني: كيف تؤثر الأفكار في هذه الدنيا؟ إن ~~أية إجابة عن هذا السؤال لا بد أن تأخذ في الاعتبار أن «الأفكار» ~~هي في الواقع «أفكار مثالية»، هي تعبيرات عن الآمال والتطلعات عن ~~رغبات الناس وجهودهم؛ فنحن نقول مثلا إن «الناس جميعا قد خلقوا ~~متساوين» أو نقول مع الشاعر كيتس: # الجمال الحق، والحق الجمال، # هذا كل ما نعرفه على الأرض، # وكل ما نحتاج إلى معرفته. # ماذا تعني أمثال هذه الأقوال؟ إذا زعمت أن جسما ~~ثقيلا وجسما أخف منه وزنا يسقطان خلال الهواء بسرعتين ~~مختلفتين، أمكنك أن تسقطهما من فوق ارتفاع معين ثم تشهد ما ~~يحدث. وقد فعل ذلك جاليليو، وإن لم يكن - كما نعرف اليوم - من برج ~~بيزا المائل. ويستطيع المشاهدون أيضا أن يرقبوا ثم يتفقوا بعد ~~مراجعة ما شهدوا، ولكن ليس بوسعك أن تختبر القول بالمساواة بين ~~الناس، أو تطابق الحق مع الجمال، بمثل هذه الطريقة. وأنت على يقين ~~أن أية مجموعة اعتباطية من الناس لن تتفق في الواقع في هذين ~~الموضوعين بعد الجدل فيهما. # إن نوع المعرفة الذي أسميناه تراكميا؛ أي المعرفة العلمية، ~~يخضع بوجه عام لنوع من الاختبار يجعل بالإمكان أن يتفق على صدقها ~~أو بطلانها كل ذي عقل سليم، مدرب تدريبا صحيحا. أما نوع ~~المعرفة الذي أسميناه لا تراكميا فلا يخضع لمثل هذا الاختبار، ~~ولا يمكن له أن ينتهي بمثل هذا الاتفاق، ومن ثم فقد استنبط ~~بعضهم من هذا - كما ذكرت من قبل - أن المعرفة اللاتراكمية لا ~~فائدة منها، وليست معرفة حقيقية وليس لها معنى وليس لها - فوق هذا ~~كله - أثر فعلي في سلوك البشر. إن هؤلاء الناس كثيرا ما يتوهمون ~~أنفسهم واقعيين في الصميم، عقلاء يعرفون ما هي الدنيا في واقعها. ~~وهم في الحق مخطئون، عقولهم ضيقة كعقول أولئك الأبرياء من ~~المثاليين الذين يلومونهم. # إذ إن قولا كهذا: «خلق الناس جميعا متساوين» يعني على أقل ~~تقدير أن ms023 فردا ما «يريد» أن يكون الناس جميعا متساوين من بعض ~~الوجوه. ولو قلنا: «ينبغي أن يكون الناس جميعا متساوين» كان هذا ~~القول صراحة هو ما نسميه بالفكرة المثالية . وهذا الخلط بين «ما ~~ينبغي» وما هو «كائن» هو عند مؤرخ الفكر عادة من العادات ~~المتأصلة في رجال الفكر. ويدرك مؤرخ الفكر فوق هذا أن «ما ينبغي» ~~و«ما هو كائن» يؤثر أحدهما في الآخر، وهما جانبان من عملية ~~متكاملة، لا يستقل أحدهما عن الآخر ولا يتعارضان، أو هما على الأقل ~~لا يتعارضان في أكثر الأحيان. ويعرف حقا مؤرخ الفكر أن الجهد ~~الذي يبذل في سبيل سد الثغرة بين المثالي والواقعي، بين «ما ~~ينبغي» و«ما هو كائن»، هو من الموضوعات الرئيسية الهامة في تاريخ ~~الفكر. هذه الثغرة لم تنسد قط، أو على الأقل لم يسدها ~~المثاليون الذين ينكرون «ما هو كائن» ولم يسدها الواقعيون ~~الذين ينكرون «ما ينبغي». إن الناس لا يتصرفون باطراد تصرفا ~~منطقيا (معقولا) طبقا لما ينادون به من مثل. وفي هذا يكون ~~النصر للواقعيين. غير أن مثلهم التي ينادون بها ليست خلوا من ~~المعنى. وليس التفكير في المثل نشاطا سخيفا لا أثر له في ~~حياتهم. إن المثل - كالشهوات - تدفع الناس إلى العمل، وفي هذا ~~يكون النصر للمثاليين. # وربما كنا اليوم في الولايات المتحدة أقرب إلى الانسياق وراء ~~خطأ الواقعيين منا وراء خطأ المثاليين. وإن كان كثير من المثل قد ~~أضاء حياتنا خلال التاريخ، ثم إن دراسة تاريخ الفكر يجب أن تعيننا ~~على أن نفهم الأسباب. ولكنا نستطيع الآن أن نكتفي بهذه الملاحظة: ~~ليس في تاريخ البشر وقائع هامة لا ترتبط بالأفكار، أو أفكار هامة ~~لا ترتبط بالوقائع. والجدل القائم الذي يدور بين الماركسيين ~~وخصومهم، وهو: هل التغيرات الاقتصادية أعمق جذورا من التغيرات ~~الأخرى؟ هذا الجدل ليس له معنى من الناحية المنطقية، وليس هناك ~~مهندس للسيارات يحلم بالجدل فيما إذا كان الغاز أو الشرارة هو الذي ~~يدير آلة الاحتراق الداخلي. دع عنك أيهما سبق الآخر: الغاز أو ~~الشرارة. وليس بمؤرخ الفكر ms024 حاجة إلى الجدل فيما إذا كانت الأفكار ~~«أو» الاهتمامات هي التي تحرك الناس في علاقاتهم بالمجتمع، ولا ~~حاجة إلى أيهما سبق. بغير الغاز والشرارة «معا» لا يدور المحرك، ~~وبغير الأفكار والاهتمامات (أو الشهوات، أو الدوافع، أو العوامل ~~المادية) معا لا يكون مجتمع بشري عامل حي، ولا يكون تاريخ ~~للبشر. # أهمية تاريخ الفكر في عصرنا # إن دراسة تاريخ الفكر لها أهميتها بوجه خاص في زماننا؛ لأن مثل ~~هذه الدراسة لا بد أن تعيننا على مزيد من وضوح الفكر في إحدى ~~القضايا الهامة في هذا العصر. وقد عرضت علينا جميعا هذه القضية ~~في أشكال عديدة من التربية والدعاية، وقد تعرض علينا أحيانا في ~~صورة معتدلة، وأحيانا أخرى في صورة هستيرية جدا. ويحب كتاب ~~الصحف أن يضعوها في مثل هذه العبارة: العلوم والتكنولوجيا مكنت ~~من ظهور الأسلحة التي تستطيع أن تقضي على الجنس البشري في الحرب ~~القادمة. ويبدو أن الحكمة السياسية والخلقية لم تخترع وسيلة من ~~الوسائل لمنع الحرب القادمة. ويقول كتاب الصحف ينبغي لنا أن ~~نلتمس السبيل إلى أن نسمو بحكمتنا السياسية والخلقية (وهي حتى الآن ~~لا تراكمية، أو تتراكم ببطء على أحسن الفروض) وبتطبيق هذه الحكمة ~~إلى مستوى معرفتنا العلمية (وهي سريعة التراكم) ومستوى تطبيقها في ~~التكنولوجيا ولا بد أن نهتدي إلى هذا السبيل على عجل حتى لا تقع ~~حرب أخرى. # ويمكن أن يصاغ الموضوع في عبارة أخرى استخدمناها من قبل، وهي ~~أقل من هذه إثارة. إن ما أسميناه المعرفة المتراكمة مكن البشر - ~~وبخاصة خلال القرون الثلاثة الماضية - من تحقيق السيطرة الخارقة ~~على ما يحيط بهم من بيئة غير إنسانية؛ فإن الناس لا يتناولون ~~المادة غير العضوية فحسب، ولكنهم يستطيعون أيضا أن يقوموا بالشيء ~~الكثير في تشكيل الكائنات العضوية الحية؛ فهم يستطيعون تربية ~~الحيوان إلى الحد الأقصى من المنفعة للناس. وهم يستطيعون التحكم ~~في كثير من الكائنات العضوية الصغيرة كما أنهم أطالوا من عمر ~~الإنسان في البلدان المتقدمة إلى أبعد مما كان يبدو ممكنا منذ ~~أجيال قليلة مضت. # ولكن الناس لم ms025 يحققوا بعد نصرا مماثلا في السيطرة على البيئة ~~الإنسانية في أعلى مستويات السلوك البشري الواعي. والظاهر أن معرفة ~~السبب الذي يدفع الناس إلى إرادة أشياء معينة ، ولماذا يقتلون غيرهم ~~للحصول على هذه الأشياء، وكيف تتغير رغباتهم أو تشبع، ومعرفة ~~كثير من المدى الفسيح للسلوك البشري - الظاهر أن كل هذا ينتمي إلى ~~المعرفة اللاتراكمية أكثر من انتمائه إلى المعرفة التراكمية. وهذه ~~المعرفة اللاتراكمية، سواء أكانت فلسفة، أم علوم الدين، أم حكمة ~~عملية، أم مجرد الإدراك العام الساذج، لم تبلغ حتى اليوم حدا ~~يكفي لحفظ السلام على الأرض - دع عنك أن تنفي كل ضروب الشر في ~~العلاقات الإنسانية. وما لم يتوافر لنا نوع آخر من المعرفة ~~والسلوك البشري - كما يقول بعض الكتاب المنذرين - معرفة من نوع ~~ما يعلمه عالم الطبيعة أو البيولوجيا، فسوف تضطرب أمورنا إلى حد ~~تتحطم معه حضارتنا، وربما يتحطم معه أيضا الجنس البشري. # إن إحدى المشكلات الكبرى في زماننا هي هذه في عبارة موجزة: هل ~~يمكن أن يمكن ما نسميه ب «العلوم الاجتماعية» الإنسان من ~~التحكم في بيئته البشرية إلى ما يشبه مدى ما مكنته العلوم ~~الطبيعية من السيطرة على بيئته غير البشرية؟ إن مؤرخ الفكر في ~~العصر الحاضر مرغم على أن يركز عمله في هذه المشكلة، وأن يركز ~~فكره أولا في الطريقة التي عالج بها الناس في الماضي المشكلات ~~الأساسية في العلاقات الإنسانية. إنه يكتب - بمعنى من المعاني - ~~تاريخ العلوم الاجتماعية. # ويجب أن نوجه الأنظار بصفة خاصة إلى أن تاريخ الفكر في حد ~~ذاته لا يحل المشكلات التي تزعجنا اليوم جميعا؛ إذ لا يمكن أن ~~تحل هذه المشكلات إلا بالجهد الجماعي الذي نبذله جميعا، ~~وبوسائل لا يمكن أن يتنبأ بها أحكم الفلاسفة أو العلماء - بل أحكم ~~كتاب افتتاحيات الصحف. إن العلوم الاجتماعية إذا سارت في الطريق ~~التي سلكتها العلوم، الطبيعية، فإن الذي يحل المشكلات الكبرى ~~هو ذلك النوع من الناس الذين نسميهم العباقرة. غير أن العباقرة لا ~~يستطيعون إيجاد الحلول إلا بسبب العمل الكامل الدءوب الذي يقوم به ms026 ~~آلاف العاملين في البحث وفي الحياة العملية. وأهم من ذلك أن هذه ~~الحلول لا يمكن أن تترجم إلى عمل اجتماعي فعال في مجتمع ديمقراطي ~~إلا إذا كانت لدى المواطنين في هذا المجتمع درجة من الإدراك ~~الأساسي لما هو حادث، ويمكن أن تصبح دراسة تاريخ الفكر نافعة ~~لأولئك المشتغلين بالعمل الإيجابي في مشكلات العلاقات الإنسانية، ~~ولأولئك الذين ينحصر عملهم الرئيسي في ميادين أخرى. # إن معرفة كيفية سلوك الناس في الماضي لها أهمية قصوى لأولئك ~~الذين يعملون مباشرة في ميدان العلاقات الاجتماعية، إما كعلماء ~~اجتماعيين أو كرجال عمليين. وسنرى في فصل مقبل من فصول هذا الكتاب ~~أن موضوع الفوائد التي تعود من الدراسة التاريخية، وحدود هذه ~~الدراسة، كان من الموضوعات التي ثار حولها جدل كثير في مراحل ~~معينة من حضارتنا الغربية وقد كان هناك دائما أفراد يرون أن ~~دراسة التاريخ ليس من ورائها جدوى، بل هي شر، وحد من إمكان تحليق ~~الروح إذا لم يجذبها التاريخ إلى أسفل. ولكن الحكم العام لحضارتنا ~~الغربية هو أن معرفة التاريخ هي على أقل تقدير نوع من امتداد ~~الخبرة الفردية، ومن ثم فإن لها قيمتها للذكاء البشري الذي ~~يستغل الخبرة. ومن المؤكد أن نوع المعرفة الذي أسميناه تراكميا - ~~العلوم الطبيعية - يلتزم بالرأي الذي يؤمن بأن التعميمات الصالحة ~~يجب أن تعتمد على الخبرة الواسعة التي تشمل ما نسميه عادة ~~بالتاريخ. ومن ثم فإن العلوم التاريخية أو التكوينية - ~~كالجيولوجيا التاريخية أو الباليونتولوجيا - هي في أهمية العلوم ~~التحليلية كالكيمياء فيما تحققه العلوم الطبيعية. وللتاريخ نفس ~~الضرورة في العلوم الاجتماعية. # وإذا أريد للعلوم الاجتماعية أن تتقدم وجب على التاريخ في ~~الواقع أن يتمم العمل الميداني والتجربة. إن تسجيل ما أداه الناس ~~في الماضي لازم لإنقاذنا اليوم من ضياع أوقاتنا في دياجير الظلام. ~~وتشتغل اليونسكو - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة - ~~بدراسة تعاونية فسيحة المجال للتوتر الذي يهدد بالانفجار في ~~شكل صراع عنيف. ولا يمكن فهم هذا التوتر دون الاهتمام بتاريخه - ~~أعني التاريخ الخاص لهذا التوتر. فالتاريخ إذن يمدنا ببعض الحقائق ms027 ~~الضرورية، بالمادة الخام للوقائع، يسجل التجربة والخطأ، الذي يلزم ~~لفهم السلوك البشري في الوقت الحاضر. # وأهم من هذا الفائدة التي تعود على من يؤدي منا الواجبات ~~العديدة الهامة في مدنيتنا - تلك الواجبات التي لا تتطلب معرفة ~~التخصص في العلوم الاجتماعية، أو العمل الخلاق في هذه العلوم - ~~الفائدة التي تعود على هؤلاء من معرفة التاريخ، ~~وبخاصة تاريخ الفكر. ويستطيع ~~المرء أن يتخيل مجتمعا تدير فيه قلة من الخبراء شئون الجماهير ~~بمهارة وكفاية - وقد تخيل المستر ألدوس هكسلي في الواقع في قصته ~~«العالم الطريف» مثل هذا المجتمع. كما ابتدع مستر ب. ف. سكنر ~~مجتمعا عبقريا في كتابه «والدن الثانية». فهذا مطمع كثيرا ما ~~يغري أصحاب المزاج الهندسي. غير أن الثمرة التي تنتج من هذه ~~«الهندسة الثقافية» لن تكون مجتمعا «ديمقراطيا». وحتى إن أمكن ~~تحقيق مثل هذا المجتمع - وهو ما أشك فيه - فإن الأمريكان الذين ~~نشئوا في تقاليدنا الوطنية يتعذر عليهم العمل فيه. إننا نلتزم ~~بالحلول الديمقراطية، التلقائية، واسعة الانتشار، لمشكلاتنا، نلتزم ~~بالحلول التي نبلغها بالجدل والقرارات الحرة على نطاق واسع، تلك ~~القرارات التي نصدرها بطريقة من طرق تعداد القرارات الفردية. إن ~~العلماء وهم القلة المبدعة يقدمون الحلول بطبيعة الحال. ولكن ~~الحلول لا تتحقق إلا إذا فهمناها جميعا، ووضعناها موضع التنفيذ ~~لأننا ندركها، ونوافق عليها، ونريدها. # وهنا أيضا نستطيع أن نستضيء بما حدث في العلوم الطبيعية؛ فقد ~~قام علماء الأمراض والوقاية، والأطباء العاملون، بعمل مبدع ~~ولكنهم لم يستطيعوا معه القضاء على بعض الأمراض كالتيفود أو ~~الدفتريا على سبيل المثال. ولكن هذا التقدم العظيم في الصحة ~~العامة في مجتمعنا لم يصبح ممكنا إلا لأن الغالبية الكبرى من ~~الناس في بضع عشرات السنين الأخيرة فهمت - ولو بصورة ناقصة - نظرية ~~الجراثيم في الأمراض، وأرادت أن تمحو المرض، وعاونت بحرية وعن فهم ~~إلى حد كبير في عمل الخبراء. # وليس من شك في أن الخبراء الذين يعملون مع شعوب جاهلة، شعوب ~~تعتنق عن الأمراض عقائد غير التي تعتنقها، قد حققوا شيئا من ~~التقدم في إزالة أمراض مثل التيفود ms028 أو الدفتريا. وتقدمت الصحة ~~العامة حتى في الهند وأفريقيا. غير أن سير هذا التقدم كان أبطأ ~~هناك منه عندنا، وأقل ضمانا، لا لشيء سوى أن الخبراء لم يستطيعوا ~~في الواقع أن يشركوا بقية السكان معهم في معارفهم وإنما لجئوا إلى ~~السلطة، والنفوذ، والإغراء، والحيل، لكي يقوموا بالعلاج. # إن الطريقة الناجحة للانتقال من الفكرة في ذهن العبقري إلى أثرها ~~المنتشر بين الناس كافة - وهي موضوع الفقرات القليلة السابقة - هي ~~من المشكلات الكثيرة الهامة التي ما زلنا لا نعرف عنها نسبيا إلا ~~القليل. ومن المؤكد أن هناك مشكلة، وأن العبارة الأخاذة التي تنسب ~~إلى إمرسن وهي: «لو أن إنسانا اخترع مصيدة فئران أفضل مما لدينا، ~~لعبد الناس إلى بابه طريقا.» هي عبارة مضللة في أقل تقدير؛ ~~لأن الطرق لا بد أن تتقاطع، وربما لم ينشأ البتة طريق. إن التطعيم ~~كان لا بد له في أول الأمر أن يكتسب إلى جانبه مهنة الطب، ثم ~~الجمهور، بالرغم من أن طريق انتشاره سهل نسبيا. فما بالك بآراء ~~ماركس؟ ما هي مجموعة الطرق الملتوية التي سارت من المتحف البريطاني ~~إلى الكرملين؟ ويلاحظ هنا أنه حتى بين الخبراء لا يوجد شيء يقرب من ~~الاتفاق العام على حقيقة الآراء الماركسية وقيمتها مما يوجد فيما ~~يتعلق بالتطعيم. # وإذا اهتدى خبراؤنا إلى وسائل العلاج - أو على الأقل لتخفيف - ~~الأمراض الاجتماعية كالحرب، والتدهور، والبطالة، والتضخم، ~~والانحراف، والجريمة، وكل سلسلة الشر الطويلة، لما أفلحوا في أن ~~تكون هذه الوسائل فعالة إلا إذا كانت لدى البقية منا بعض المعرفة ~~بما ينصح به هؤلاء الخبراء. وإذا كان تقدم العلوم الاجتماعية في ~~زماننا ليس كبيرا جدا، وإذا كان لا بد لنا من الاعتماد على نوع ~~القادة ونوع الأفكار التي تتعلق بالكائنات البشرية التي كان لا ~~مناص لأسلافنا من الاعتماد عليها - إذا كان الأمر كذلك لكانت ~~الحاجة أمس إلى أن يكون لدى جميع المواطنين في المجتمع ~~الديمقراطي شيء من المعرفة بتاريخ التفكير. وإذ كان ينقصنا الخبراء ~~في الوقت الحاضر، وركنا إلى الإدراك العام، فلا بد أن ms029 يكون هذا ~~الإدراك العام عاما حقا، والتاريخ - كغيره من جميع ضروب الخبرة ~~- مرشد نافع في تكوين الإدراك العام. إنه مرشد، وليس قائدا لا ~~يخطئ، أو صانع معجزات! فإن أردت المعجزة - وهي بالتأكيد حاجة ~~بشرية - فعليك أن تبحث عنها في غير التاريخ: إن ربة التاريخ «كليو» ~~من الآلهة ذوات القدرة المحدودة. # بعض أنماط تاريخ الفكر # لدينا في الوقت الحاضر في منتصف القرن العشرين سجل كامل مطبوع ~~لما قال الناس وما فعلوا في الماضي، لدينا أصول تعليقات الأجيال ~~المتعاقبة من المؤرخين والنقاد. لدينا من هذا ما لا يستطيع فرد ~~واحد أن يطلع على كل ما يتعلق منه بجانب كبير من جوانب هذا السجل ~~التاريخي. إن حياة واحدة لا تكفي لقراءة كل كلمة لدينا سطرها ~~اليونان القدامى وكل كلمة كتبت عنهم. وعلى كتاب التاريخ وقرائه ~~على السواء أن يختاروا من هذا القدر الكبير مما كتب. وهذه ملاحظة ~~هامة وإن تكن من البديهيات. # والمشكلة الحرجة التي علينا جميعا أن نجابهها هي كيفية ~~الاختيار، وكيفية تمييز المهم من غير المهم. وكيف نتعرف المهم ~~إذا التقينا به. إن الإجابة الكاملة عن مثل هذا السؤال تحتاج إلى ~~كتاب بأسره في منهج البحث للمؤرخ. ويكفينا هنا أن نحاول في إيجاز ~~أن نبرر طريقة الاختيار في هذا الكتاب، وأود قبل هذا أن أبحث في ~~بعض طرق الاختيار الأخرى التي نبذتها. # من مبادئ الاختيار المعقولة، الشائعة جدا في أمريكا في هذه ~~الأيام، هي أن ننتقي ما يقال عنه إنه «حي» بالنسبة إلينا في هذه ~~الأيام، وأن ننبذ ما يقال عنه إنه «ميت». ونعتقد أن الأول هام، ~~والثاني لا يهم إلا المتحذلق أو الأخصائي، ومن ثم يقال لنا: ~~دعنا بكل وسيلة نأخذ عن أفلاطون «أفكاره الحية»، ولا نأخذ من ~~أفكاره ما كان ينطبق على الإغريق في عهده فقط. # والصعوبة في ذلك هي في معرفة ما نعني ب «الحي» في مثل هذا ~~المجال. قد نعني «ما تعتقد الغالبية العظمى من الناس في صدقه.» ~~ونستطيع القول إن كل ما يحتاج عالم الطبيعة إلى ms030 معرفته - بهذا ~~المعنى من الطبيعة عند الإغريق هو الجانب الذي ما زلنا نعتقد في ~~صحته. ولكن حتى العالم قد يستطيع أن يتعلم الكثير من تاريخ العلم . ~~يستطيع أن يتعلم كيف يمكن الوقوع في الخطأ بسهولة، وكيف أن الرأي ~~الجديد السليم - حتى في مثل هذا الميدان - أمر شاق عسير. ويستطيع ~~أن يتعلم أن العلم ليس برجا عاجيا، وإنما هو جزء من الحياة ~~الإنسانية الكاملة. # ومهما يكن من أمر فإن علم الطبيعة مثل واضح للمعرفة التراكمية. ~~ولم يكن أفلاطون عالما في الطبيعة، إنما كان فيلسوفا، همه ~~الأول المشكلات التي تتعلق بالحياة الصحيحة والحياة الخاطئة، ووجود ~~الإله، وخلود الروح، والعلاقات بين الدوام والتغير، وموضوعات ~~أخرى من هذا القبيل. وهذه أمور من المعرفة اللاتراكمية، ليس من ~~السهل فيها بأية حال من الأحوال أن نقرر ما هو حق وحي منها ~~اليوم، وما هو باطل وميت. ومن الحقائق التي دلت عليها الخبرة أن ~~قراء أفلاطون في القرن العشرين يتراوحون بين أولئك الذين يرون في ~~كل ما كتب الحكمة السامية، وأولئك الذين يرونه كله هراء، وبين ~~أولئك وهؤلاء درجات من التفاوت. # ويبدو أن أولئك الذين يتحدثون عن اختيار ما بقي من الماضي حيا ~~اليوم يعنون بالحي أحيانا المألوف، ويعنون بالميت الغريب. ~~خذ مثالا لذلك مأساة إغريقية قديمة: مسرحية أنتيجون لسوفوكليز. ~~تعالج المسرحية جهود أنتيجون لضمان أداء طقوس الجناز الصحيحة إزاء ~~جثة أخيها بولينيسيس، الذي قتل في الثورة التي قامت ضد كريون، ~~الحاكم الشرعي لطيبة. ولما كان كريون يعتقد أن مصير بولينيسيس ~~لا بد أن يشهر به ليكون مثالا لما يحدث للعصاة والخارجين على ~~القانون؛ فقد رفض دفن الجثة بالطريقة الصحيحة، وعندما حاولت ~~أنتيجون مستعطفة أن تؤدي طقوس الدفن لأخيها، حكم عليها ~~بالموت. # إن إمكان شيوع مثل هذا الصراع بين أنتيجون وكريون وتطبيقه على ~~قوم مثلنا أمر لا يحتاج إلى بيان؛ فإن أنتيجون تضع إحساسها ~~الخاص بالخطأ والصواب تجاه ما يتطلبه النظام الشرعي الذي نعيش في ~~ظله. وهناك - برغم هذا - من يرى أن ما يثير إحساسها بالخطأ ~~والصواب ms031 في معاملة جثة أخيها - شيء غريب، بل تافه في نظر الأمريكان ~~الحديثين، فيفوتهم لذلك مغزى الدراما، ما لم ينبهوا إليه. ~~وطبقا لما يرى هؤلاء النقاد والمعلمون لا يمكن أن تكون هذه ~~التحفة الفنية لسوفوكليز حية بالنسبة إلينا إلا إذا اتضح أن ~~أنتيجون كانت فعلا أشبه بثورو أو غاندي، مشتركة في حركة من حركات ~~«العصيان المدني». # ولم تكن أنتيجون بطبيعة الحال إحدى هؤلاء، وإنما كانت عذراء ~~يونانية من عصر الإغريق العظيم، تتأثر تأثرا عميقا بآراء تتعلق ~~بالكرامة البشرية غريبة عنا بعض الشيء. ولكن ما هو غريب في أنتيجون ~~له لدينا أهمية قصوى؛ فالتاريخ - حتى تاريخ الفكر - نافع فوق كل ~~شيء لأنه ينتزعنا من محيط حياتنا الضيق المحدود، ويبصرنا بمدى ~~اتساع الخبرة البشرية، ومدى تعقيد ما نسميه في إهمال «الطبيعة ~~البشرية»، وإلى أي حد يتشابه الناس ويمكن التنبؤ بتصرفاتهم، وإلى ~~أي حد يختلفون ولا يمكن التنبؤ بتصرفاتهم. # وإذا نحن أخذنا المألوف، أو الأشياء التي نجد فيها أدنى مشقة ~~لقبولها كأمور إنسانية، مبدأ للاختيار في معمعان وقائع التاريخ، ~~هبطنا كثيرا بقيمة أي دراسة للماضي. ولو كانت معرفتنا بالناس ~~حقا تراكمية فقط، كمعرفتنا بعلم الطبيعة، لأمكننا الاحتفاظ ~~بالجوانب الحية ونبذ الجوانب الميتة من سجل الماضي. غير أن معرفتنا ~~بالناس ليست تراكمية، ولا نستطيع أن نأخذ عقلا بأي مبدأ «بسيط» ~~عند الاختيار بين الحي والميت، والصالح وغير الصالح، والهام وغير ~~الهام. ولكن لا بد من نوع من أنواع الاختبار، وكل من يكتب ~~التاريخ أو يقرؤه يقوم بالاختيار. وإنما ينبغي أن يتسع مجال ~~الاختيار، ولا بد أن تكون النماذج المختارة طيبة بقدر الإمكان، ~~ولا يكون الاختيار مقررا بأي نظام مقيد من نظم الأفكار، ولا ينبغي ~~أن يهمل تاريخ الفكر الديمقراطي تاريخ الفكر غير ~~الديمقراطي. # وهناك مبدأ آخر للاختيار - في تاريخ الفكر على الأقل - وذلك أن ~~تأخذ الشخصيات التي يعدها الرأي العام المثقف اليوم أصولا ~~ككبار المفكرين والكتاب ونعرض ما كتبوه في وضوح وإيجاز بقدر ~~الإمكان. وهذا عمل يستحق الأداء، وقد تم أداؤه بإجادة. غير أن ذلك ms032 ~~ليس ما نعنيه في هذا الكتاب بتاريخ الفكر، إنما هو تاريخ الفلسفة ~~أو تاريخ الأدب أو تاريخ النظريات السياسية. أما ما نعنيه بتاريخ ~~الفكر فهو شيء أكثر من ناحية وأقل من ناحية أخرى من سجل ما أنجزته ~~كبار العقول في ميادين المعرفة اللاتراكمية. هو أكثر من ذلك لأنه ~~يحاول أن يكتشف ما تحسه وما تفكر فيه وما تعمله العامة من الرجال ~~والنساء دون العباقرة والعظماء. وهو أقل من ذلك لأنه لا يستطيع - ~~دون أن يصل إلى أبعاد لا حد لها - أن يحلل تحليلا كاملا التفكير ~~الشكلي عند العظماء وأشباه العظماء من المفكرين كما يحلل هذا الفكر ~~المحترفون والفنيون في الكتب المعتمدة في الفلسفة والفن والأدب. لا ~~يهمنا هنا تفكير أفلاطون في حد ذاته كما يهمنا أن نعرف إلى أي حد ~~كان هذا التفكير جزءا من أسلوب العيش الإغريقي، وإلى أي حد ينبذ ~~هذا التفكير ذلك الأسلوب والعيش، وإلى أي حد كانت عامة المتعلمين ~~تقبله في المجتمعات التي جاءت فيما بعد - وباختصار نحن أقل ~~اهتماما بأفلاطون في حد ذاته منا بما أفاد الناس من أفلاطون أو ~~كانت أو نيتشه. # وأخيرا - وهذه أشد المشكلات تعقيدا - هناك ذلك النوع من ~~الاختيار من بين تفصيلات الماضي التي لا تكاد تنتهي، ذلك الاختيار ~~الذي يرتب هذه التفصيلات بقصد التدليل على شيء ما. إن كل ~~المؤرخين في الواقع يرتبون مادتهم بطريقة تسوق القارئ إلى أن ~~يعتقد أن بعض الفروض الخاصة بالناس ومصيرهم هي فروض صادقة، ~~وكثيرا ما تكون هذه الفروض ضخمة وفلسفية إلى أبعد الحدود؛ فقد ~~استخدم سنت أوغسطين في كتابه «مدينة الله» وقائع التاريخ التي ~~جمعها لكي يبرهن على أن المسيحية لم تضعف الإمبراطورية ~~الرومانية، وأن الإمبراطورية إنما سقطت لأن الله ينزل العقوبة ~~بالأشرار. أما جورج بانكروفت في تاريخه للولايات المتحدة فيستخدم ~~وقائعه المختارة لكي يبين أننا نحن الأمريكيين الشعب المختار حقا ~~للإله الديمقراطي الحق، وأن «مصيرنا الواضح» هو أن نقود العالم إلى ~~حياة أفضل. أما الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر في القرن التاسع ~~عشر فقد ms033 وجد أن التاريخ يبين بجلاء أن الناس يتقدمون من ~~المجتمعات المقاتلة المتنافسة إلى المجتمعات المسالمة المتعاونة ~~الصناعية. # ولا يزال التاريخ - وربما سوف يبقى دائما - أقرب إلى المعرفة ~~اللاتراكمية منه إلى المعرفة التراكمية. نعم إن بعض طرائقه في ~~البحث، وطرائقه في الحكم على صحة الدلالة، هي علمية أو تراكمية. ~~ولكن المؤرخ - إن عاجلا أو آجلا - لا بد أن يقابل هذه المشكلة: ~~ماذا تعني دلائله إذا قيست بمقاييس الحب والكراهية الإنسانية، ~~ومقاييس الآمال والمخاوف. إنه لا بد - عاجلا أو آجلا - أن يقيم، ~~وأن يحكم بالطيب والخبيث، وأن يدخل الفرض في حسابه. أما العلم - ~~كعلم في حد ذاته - فلا يفعل شيئا من هذا، وإنما يقتصر على إقامة ~~قواعد عامة أو قوانين وصفية في أساسها، وليست تقويمية. # وفي هذا الكتاب نمط من أنماط التقويم، وفكرة رئيسية، وتفسير ~~لمجرى الحوادث الإنسانية، التي لا بد أن تظهر بصورة محددة لأولئك ~~الذين يتابعون الكتاب حتى نهايته. وأستطيع هنا في إيجاز، قد يكون ~~مخلا بالوضوح، أن أسارع فأقول إن هذا الكتاب سيحاول أن يبين أن ~~المثقفين الغربيين في خلال ألفي السنة الأخيرة قد عاونوا على إنشاء ~~مستويات رفيعة جدا من الحياة الطيبة والسلوك المعقول، وأنه في ~~السنوات الثلاثمائة الأخيرة انتشرت فكرة - وبخاصة في غضون مذاهب ~~التقدم والديمقراطية - تقول بأن كل فرد حيثما كان في هذا الزمان ~~على هذه الأرض، يستطيع، أو ينبغي له، أن يعيش وفقا لهذه المستويات ~~وأن يكون «سعيدا»، وأن الحربين العالميتين اللتين نشبتا في العصر ~~الحديث وما أعقبهما من شرور، والانهيار الاقتصادي العظيم، وكثيرا ~~غير ذلك، قد جعلت تأجيل هذه الحياة الديمقراطية الطيبة - بل جعلت ~~التخلي عنها كلية - أمرا محتملا عند كثير من المفكرين، وأن أقرب ~~تفسير إلى العقل للفشل النسبي الذي أصاب المثل الديمقراطية ~~والتقدم يرجع إلى المبالغة من المؤمنين بها في تقدير ما عند ~~الرجل العادي اليوم من تعقل وقدرة على التفكير التحليلي، وأنه - ~~بناء على ذلك - ينبغي لكل المهتمين بمصير الإنسان أن يدرسوا بعناية ~~فائقة طريقة السلوك الفعلي للناس، والعلاقة بين مثلهم ms034 وأعمالهم، ~~وبين أقوالهم وأفعالهم، وأخيرا، أن هذه العلاقة ليست بسيطة، ~~مباشرة، سببية، كما نشأ أكثرنا على العقيدة أنها كذلك. # وفي خلال هذا الكتاب تدور مشكلة ضخمة حقا؛ مشكلة تشغل كثيرا ~~أذهان كل من يهتم اليوم بالعلاقات الإنسانية، وهي مشكلة يجدها ~~المرء في فجر تاريخ الفكر الغربي عند الإغريق في القرن الخامس قبل ~~الميلاد، وهي مشكلة يتضمنها تميزنا بين المعرفة التراكمية ~~والمعرفة اللاتراكمية. ولنسلم بأن العلم، أو المعرفة التراكمية، ~~يستطيع أن يبين لنا في كثير من الحالات المحسوسة ما هو حق وما هو ~~باطل، أو حتى ما هو «عملي» وما ليس بالعملي. ولكن هل هناك معرفة ~~يعتمد عليها تنبئنا بما هو طيب وما هو خبيث؟ هل هناك علم، أو ~~معرفة، ب «المعايير» أم هل ما نسميه عادة بالحكم على القيم (ولا ~~أستطيع هنا أن أهبط إلى الأغوار السحيقة التي تتطلبها المعالجة ~~الجادة لهذه المصطلحات) عاجز في أساسه عن الخضوع لقياس أداة ~~التفكير؟ # إن أهل الغرب - فيما يتعلق بالحق والباطل، والجميل والقبيح - لم ~~يصلوا في الواقع إلى نوع من الاتفاق يشبه ما بلغوه في الأمور التي ~~تتعلق بالعلوم الطبيعية. غير أن التقاليد الغربية يسري فيها في ~~الواقع تيار شديد التدفق يرفض الزعم - الذي ظهر بين الحين والحين ~~في تاريخ الغرب من السفسطائيين إلى المنطقيين الوضعيين - بأنه لا ~~جدوى من تعليل أخلاق الناس وأذواقهم، ولا جدوى من البحث العقلي في ~~«حاجاتهم». وبالرغم من الأقوال الشائعة مثل «لا فائدة من الجدل في ~~الأذواق»، والادعاءات مثل «القوة تحدد الحق» فإن أهل الغرب ~~ينبذون العقيدة بأن القيم ليست إلا نتيجة اعتباطية للرغبات ~~الإنسانية المتعارضة. وهذا النبذ هو في حد ذاته حقيقة ~~كبرى. # سنحاول في هذا الكتاب ألا نتحاشى هذه المسألة الكبرى؛ مسألة وجود ~~معرفة قياسية للقيم، وإنما سوف نحفز القارئ على أن يفكر بنفسه ~~فيها. ويعترف مؤلف هذا الكتاب أنه سار في تفكيره الخاص في الاتجاه ~~الذي يرى أن الحكم على القيم لا يمكن - عند أهل الغرب - أن يقوم ~~على أساس متين إلا إذا أقحمنا نوعا ms035 من النشاط الإنساني نسميه عادة ~~ب «الإيمان». إن الناس بوسعهم أن يعتقدوا - بل هم يعتقدون - أن باخ ~~مؤلف موسيقي أفضل من أوفنباخ، وهم يجزمون بذلك كما يجزمون بأن ~~قمة إفرست أعلى من قمة واشنطن. إنهم يستطيعون أن يفكروا في ~~العلاقة بين باخ وأوفنباخ وفي حكمهم على هذه العلاقة. وهم يستطيعون ~~أن ينقلوا كثيرا مما يفكرون فيه (أو مما يحسونه) بشأن هذه العلاقة ~~إلى زملائهم، بل إنهم ليستطيعون أن يقنعوا زملاءهم أن يقبلوا رأيهم ~~في هذه العلاقة. # ولا نستطيع هنا إلا أن نمس موضوع الحكم القياسي من ظاهره. ومن ~~الجلي أن المرء لا يستخدم في الحكم على العلاقة بين موسيقى باخ ~~وموسيقى أوفنباخ نفس المعايير التي يستخدمها في الحكم على العلاقة ~~بين ارتفاع قمة إفرست وارتفاع قمة واشنطن. إن أكثرنا عند الحكم في ~~الموضوع الثاني يعود إلى مرجع جيد ويقبل حكمه، ولا يحاول أن يقيس ~~القمتين بنفسه. مثل هذه العودة إلى مرجع في أمر واقعي (أو في ~~«علم من العلوم» بمعنى ما) ~~كثيرا ما يأخذ به المدافعون عن صحة الأحكام القياسية في الأخلاق، ~~والجمال، وغير ذلك من الميادين، الذين يريدوننا - طبقا لذلك - أن ~~نقبل الرجوع إلى الكنيسة مثلا فيما يتعلق بوجود الله. بيد أن ~~هناك في الواقع فارقا بين الإفادة من المرجعين في هذين المثالين؛ ~~ذلك أن كل فرد مدرب يستطيع أن يخطو نفس الخطى التي يراها ~~الجغرافيون صحيحة والتي انتهت إلى قياس القمتين، في حين أن مثل هذه ~~العملية مستحيلة بالنسبة إلى وجود الله. نعم إن الأفراد المدربين ~~تدريبا صحيحا يستطيعون أن يتابعوا خطوات التفكير التي يبرهن بها ~~رجال الدين على وجود الله، غير أنهم سوف يلتقون بكثير من الأدلة ~~المتعارضة، بما فيها الأدلة التي تنتهي بالبرهان على أن الله «غير» ~~موجود. # كذلك يستطيع الفرد المدرب، تدريبا صحيحا أن يتابع خطوات ~~الفكر التي يبرهن بها ناقد موسيقي على أن موسيقى باخ أفضل من ~~موسيقى أوفنباخ، وسيجد هنا كثيرا من الفروق، ولكنه سوف يجد أيضا ~~اتفاقا أكثر مما هناك على وجود ms036 الله - وسوف يجد الدليل في المراجع ~~على أن الحكام الكفاة يتفقون على أن موسيقى باخ أفضل من موسيقى ~~أوفنباخ. وسوف يجد أدلة مركبة، تدخل في ميدان الأخلاق، تبرهن ~~على أن باخ كان في الموسيقى أعلى مرتبة من أوفنباخ وأنه ألف ~~قطعا موسيقية أقوى أثرا وأفضل وقعا إذا قيست بمعايير الجمال. ~~وسوف يجد شروحا فنية جدا قائمة على رياضيات الموسيقى وطبيعتها. ~~وأخيرا سوف يسعده أن يجد أن باخ يؤلف في الموسيقى الجادة ~~تأليفا جيدا، وأن أوفنباخ يؤلف موسيقى خفيفة تأليفا جيدا، ~~وأن المرء يستطيع أن يستمتع باللونين، كل في مكانه الملائم. # وإذن فليس العقل عاجزا بأية حال في مسائل القيم؛ فهو يستطيع أن ~~يفعل الكثير، وهو يستطيع فوق كل شيء أن يقنع الناس وأن يعلمهم. ~~ولكن العقل لا يستطيع أن يفعل المستحيل فيستبعد ما يعده ~~العقليون الأقحاح من عناد الأفراد - أعني عقيدة كل فرد أنه عند ~~حد أدنى معين لا بد أن يختلف عن غيره، وأن له إرادة، وشخصية ~~خاصة به. هذه الإرادة - عند حد معين - يجب أن تجد لنفسها دعامة ~~من الإيمان «تستند إلى الأمور التي لا تروى». # الفصل الثاني # | المنبع الهليني # وصلت إلينا كتابات كلاسيكية، أو قديمة، أو إغريقية، يرجع تاريخها على ~~وجه التقريب إلى ما بين عام 750ق.م، وعام 1000 ميلادية، تشمل مجال ~~التفكير الذي قام به الناس في ميادين المعرفة اللاتراكمية. وقد عبر ~~الفلاسفة الإغريق، ومراقبو الطبيعة البشرية منهم، والمؤرخون الإغريق، ~~ورجال الأدب، في صورة من الصور، عن كل ضروب الخبرة الفكرية والعاطفية ~~تقريبا التي عرفها أهل الغرب ووضعوا لها الأسماء. وقد يبدو هذا القول ~~مبالغا فيه، وهو ليس بطبيعة الحال إنكارا للقوة، والوزن، والجمال ~~والحكمة، والابتكار، بشتى المعاني مما تم إنجازه في العصور الوسطى أو ~~الحديثة في هذه الميادين. # وتستطيع أن تلمس صحة هذا الزعم في أي ميدان تقريبا؛ ففي الأدب مارس ~~الإغريق كل ما نعرف من أشكال، بما فيه شيء يقرب جدا من الرواية، في ~~النهاية. وقد بلغوا في الملحمة خاصة، وفي الشعر الغنائي والشعر ms037 ~~التمثيلي، وفي التاريخ، مستويات لم نستطع بعد أن نتخطاها، بل لم ~~نستطع أن نبلغها كما يرى بعضهم. وفي الفلسفة طرحت مدارسهم كل المشكلات ~~الكبرى - الكينونة والصيرورة، والواحد والمتعدد، والجسم والعقل والروح ~~والحالة - وقدموا لها حلولا كبرى. وكان من بين الفلاسفة الإغريق: ~~المثاليون، والماديون، والعقليون، والوجدانيون، والمؤمنون بالتعدد، ~~والمتشككون، والساخطون والنسبيون، وأصحاب المذهب التجريدي. أما التصوير ~~فلم تصلنا منه أصول. وقد كان التدهور في أكثر وجوه الحضارة - الذي أعقب ~~انهيار العالم الإغريقي الروماني - عظيما، إلى درجة أن الناس لم ~~يستطيعوا أن يعنوا بهذه الصور، أو على الأقل لم يفعلوا ذلك. وهناك ~~شك في أن فن التصوير عند الإغريق بلغ من العظمة ما بلغه فن النحت ~~أو العمارة. ولا يخامرنا شك في عظمة الفنين الأخيرين اللذين أمكن أن ~~يصلا إلينا، وإن يكن في صورة ناقصة في أكثر الأحيان، لصلابة المادة ~~التي صنعتا منها. وأخيرا في ميدان العلوم والمعرفة التراكمية طور ~~الإغريق إلى درجة رفيعة الجانب النظري من الرياضيات وعلم الفلك، ~~وقاموا بعمل قيم في علم الطبيعة وفي الطب. وقد بنوا في ذلك إلى ~~حد ما، على ما تم من قبل في مصر وفي بلاد النهرين. ثم بنى الرومان، ~~إلى حد ما، على ما أنجزه الإغريق، وبلغوا مستويات رفيعة في الهندسة. ~~أما في الحياة السياسية والاقتصادية فقد بلغت الثقافة في هذا الصدد ~~درجة عظيمة من التعقيد. كان هؤلاء الناس، في عبارة موجزة، قوما ~~«متمدنين» مدنية كاملة. # وفي الحق لقد بلغت هذه الحضارة القديمة مكانة عالية، حتى إن الكتاب ~~والمفكرين، في فرنسا وفي إنجلترا، لم يستطيعوا إلا حوالي عام 1700 ~~ميلادية أن يفكروا في إمكان أن يقتربوا - وهم المحدثون - من الإغريق ~~والرومان ككتاب وفنانين وعلماء - أو كأشخاص متمدنين، في إيجاز. ولكن ~~مكانة «القديم» بهذا المعنى كادت تختفي من أمريكا في منتصف القرن ~~العشرين؛ ففي التربية العامة فقد الكلاسيكيون حتى أعمالهم الرجعية، ~~ولم تعد اليونانية تدرس في المدارس الثانوية. وبقيت اللاتينية ولا ~~تكاد تعدو الدراسة الشكلية الخفيفة. # وبالرغم من أن كثيرا من الأمريكان المتعلمين في ms038 جهل تام بالعمل الذي ~~كان له في وقت من الأوقات معنى عظيم، فإن أعمال اليونان ما زالت ~~تكون جانبا رئيسيا من المحصول الأساسي لثقافتنا، وليس من قبيل ~~الحذلقة ، أو حتى من قبيل العامة العلمية، أن يرجع علماؤنا في ~~السيكولوجيا - بعد كثير من علماء العلوم الإنسانية والأدباء - إلى ~~الإغريق. وإذا كان علماء السيكولوجيا قد أخذوا عن المصادر الإغريقية ~~«عقدة أوديب»، والعقدة النرجسية (أو حب الذات)، والفوبيا (الحب ~~الجنوني) والمانيا (التهوس)؛ إذا كانوا قد فعلوا ذلك فلأن الميثولوجيا ~~(الأساطير) عند اليونان هي في الواقع من الكنوز المذهلة فيما يتعلق ~~بالملاحظات الواقعية - والخيالية في غير المعنى الرومانتيكي - عن سلوك ~~الإنسان وآماله، وطبيعته البشرية المعهودة التي لا ينضب لها معين. ~~وليست الأساطير النوردية أو الكلتية إذا قورنت بالأساطير الإغريقية ~~إلا أمرا تافها، ضئيلا، ساذجا، فيما يتعلق بالطبيعة البشرية. إننا ~~لا نعرف أنفسنا حق المعرفة إذا لم نعرف شيئا إطلاقا عن الإغريق. كما ~~أن التجربة اليونانية الرومانية في الحضارة كانت كاملة من بعض النواحي. ~~وهي تعرض - كما يذكرنا بذلك فلاسفة التاريخ - شيئا يشبه الدورة ~~الكاملة، من الشباب إلى الكهولة إلى الموت، أو من الربيع إلى الشتاء. ~~لها بداية كما أن لها نهاية. # وأخيرا، ترعرعت الديانة المسيحية في هذه الحضارة، وليس من شك في أن ~~للمسيحية أصولا يهودية تخرج كثيرا عن نطاق التأثير الإغريقي، ولكنها ~~في نموها ونظامها كانت جزءا لا يتجزأ من العالم اليوناني الروماني في ~~السنوات القلائل الماضية في الحياة العملية لتلك الحضارة. ولا نستطيع ~~أن نفهم المسيحية اليوم إلا إن فهمناها في ذلك الحين. # إن أصول الإغريق غير مسطورة في التاريخ، ولكنها تنعكس واضحة في ~~الأساطير والخرافات الإغريقية وفي الآثار الباقية. ومن الواضح أن ~~الشعوب التي تتكلم الإغريقية جاءت من الخارج، من الشمال من حوض ~~الدانوب، أو حتى أبعد من ذلك شمالا. وهم ينتسبون من ناحية اللغة على ~~الأقل إلى الجرمان والكلت والسلاف. وقد هبط هؤلاء الإغريق - أو ~~الهلينيون كما يسمون أنفسهم - في موجات متلاحقة، كان آخرها الموجة ~~الدورية التي أتمت زحفها في ms039 فترة تاريخية معينة عند بداية الألف ~~السنة الأولى قبل المسيح - أو هبطوا على ثقافة وطنية سابقة نسميها ~~اليوم «المنوانية». ويكاد يكون من المؤكد أن الهلينيين والمنوانيين قد ~~امتزجوا عنصريا وثقافيا، مع سيادة الهلينيين، ومع هبوط المستويات ~~الثقافية، الذي يصاحب غزو شعب أقل حضارة لشعب أعلى حضارة؛ لأن ~~المنوانيين كانت لهم حضارة رفيعة، كما تدل على ذلك آثارهم في النحت ~~والعمارة. ومن هذا العهد المظلم برز الإغريق بوضوح في القرن الثامن ~~قبل الميلاد، تجارا ومحاربين - كما كانوا من قبل - وفنانين سابقين، بل ~~ومفكرين أيضا فيما يبدو، ومنظمين ذلك النظام الإغريقي المشهور الذي ~~يعرف بالمدن الحكومية ذات السيادة التي تحكم نفسها بنفسها. وفي ~~المدينة الحكومية نشأت ثقافة الإغريق الكلاسيكية. وكان حجم أثينا ~~والأرض التي تجاورها أتيكا، في القرن الخامس قبل الميلاد - وهو قرن ~~عظمتها - يبلغ مبلغ مدينة أمريكية متواضعة في العصر الحاضر، سكانها ~~لا يجاوزون مائتي ألف نسمة. # إن ألف العام من مدنية البحر المتوسط الكلاسيكية تقدم إلينا شيئا ~~لا نستطيع إهماله - فرصة نشاهد فيها نوعا من تجربة مجموعة من الآراء ~~التي ما برحت جزءا من حياتنا اليومية. وربما كنا نسلك سلوكنا الراهن ~~بسبب ما فعلته أجيال كثيرة جدا من أسلافنا باعتبارهم أشخاصا من ~~قبل التاريخ، أكثر مما نسلك هذا السلوك بسبب ما فعلته الأجيال القليلة ~~نسبيا من أسلافنا باعتبارهم أعضاء في ثقافة البحر المتوسط الكلاسيكية ~~هذه. فالأجسام البشرية، من الكبد إلى المخ، كانت في أساسها منذ ألفين ~~وخمسمائة عام كما هي اليوم، كما أن كثيرا من عاداتنا العقلية، ~~وعواطفنا، وحاجاتنا السيكولوجية، قد تكون بغير شك قبل أن يكون ~~للإغريق ذكر بوقت طويل، غير أن التاريخ لا يروي لنا إلا القليل من هذه ~~الأمور، وبالأخص تاريخ الفكر؛ فتاريخ الفكر الغربي يبدأ في الواقع إلى ~~حد كبير بالإغريق، لأنهم كانوا أول من استخدم العقل بطريقة جديدة ~~تلفت النظر. وقد خلف الإغريق أول سجل ثابت شامل في مجتمعنا الغربي ~~لنوع التفكير الذي تقوم به في حياتنا بقدر كبير (وإن كان أحيانا ضد ~~ما نهوى). ms040 وليست هناك كلمة جيدة، خالية من الغموض، لهذا اللون من ~~التفكير. ولنطلق عليه في بساطة اسم «التفكير الموضوعي». # ولم يكن الإغريق أول شعب مفكر، بل ولم يكونوا أول من فكر تفكيرا ~~علميا؛ فقد استخدم المساحون المصريون، وراصدو النجوم الكلدانيون، ~~الرياضيات. ومن ثم فقد فكروا تفكيرا علميا. ولكن الإغريق ~~فكروا أولا في مجال الخبرة الإنسانية كلها؛ بل لقد فكر الإغريق في ~~كيفية سلوكهم. وربما حاول كل إنسان أن يفعل ما فعل الإغريق بالتفكير ~~- أي هيأ نفسه للكون الغريب، المحير، والمعادي أحيانا، الذي ليس ~~بالتأكيد هو ذاته، والذي يسير فيما يبدو في أغلب الأحيان غير آبه به، ~~والذي يظهر أن له إرادة، وقوة، وغرضا، لا يتفق وأغراضه في كثير من ~~الأحيان، وربما كان البوشمان في أستراليا، والإيروكوا، والكالموك، ~~وسائر الشعوب الأخرى، يفكرون في هذه الأمور، ولو عرفنا فعلا كيف تعمل ~~عقولهم استطعنا أن نفهمهم. ولكن ما نود أن ننبه إليه هو أن بعض الإغريق ~~- في وقت قد يرجع إلى العصر العظيم - قاموا بهذا التفكير «على ~~طريقتنا»، وفكرت عقولهم كما نفكر. # أما أسلافهم البدائيون فلم يفكروا بطريقتنا؛ فقد استمعوا إلى الرعد، ~~وشاهدوا البرق، ونالهم الخوف، وأدركوا قطعا أن البرق أو الرعد ليسا ~~من البشر، لكن لا بد أن يكونا من الأحياء - فكل شيء عند بعض البدائيين ~~حي. ولذا فقد انتهوا إلى الإيمان بأن كائنا شديد القوى، أسموه الإله ~~زيوس، يلوح بصواعقه الشيطانية خلال السماء ويسبب كل هذا الاضطراب، ~~وظنوا أنه يلوح بها أحيانا في وجه الآلهة الأخرى، وأحيانا يلوح ~~بها لمجرد إظهار غضبه، وأحيانا أخرى - بطبيعة الحال - يلوح بها في ~~وجه الإنسان الفاني، فيلحق به الموت. ويعتقد الإغريقي الطيب - أو ~~يأمل - أنه لو أدى لزيوس الاحترام الواجب فإن الإله لا يصيبه ~~بالصواعق. وحتى في قلب أيام الثقافة الأثينية العظيمة، كان الرجل ~~العادي يعتقد في زيوس وصواعقه. # ويلاحظ أن الإغريق الأوائل «فسروا» الصواعق، وفسروا كل شيء ~~تقريبا بأنه من صنع الآلهة، أو الأرواح، أو الجن، أو العمالقة، أو ~~ذلك النوع من الإنسان الراقي الذي ms041 أطلقوا عليه اسم الأبطال. غير أن بعض ~~الإغريق - ولسنا ندري متى أو أين انتهوا إلى أن أمورا كثيرة تجري في ~~الكون دون أن يقربها أي إله من الآلهة ؛ فاعتقدوا - على سبيل المثال - ~~أن الجو يصنع نفسه بنفسه، ولم يعرفوا الكثير عن الكهرباء، ولم يعرفوا ~~بالتأكيد ما يكفي لأن يربط الأمثلة البسيطة من المغناطيسية التي ~~لاحظوها بأي شيء يبلغ في قوته قوة الرعد والبرق. ولكننا نستطيع أن ~~نقول إنهم اعتقدوا أن الصواعق ظواهر طبيعية، تخضع للتفسير العلمي ~~المعقول. # ويصور أرستوفان في مسرحية «السحب»، التي مثلت لأول مرة في عام ~~423 قبل الميلاد، الصراع بين التفسير القديم الخارق للطبيعة والتفسير ~~الحديث الطبيعي. وبالرغم من المجون والهزل المقصود - الذي يعرض فيه ~~مؤلف المسرحية القضية العلمية - تستطيع أن تدرك أن بعض الأثينيين ~~كانوا يعتقدون نظرية جوية لها قيمتها، تقول بأن الرياح تسير من مناطق ~~الضغط العالي إلى مناطق الضغط المنخفض. وقد صعق أرستوفان - أو لعله ~~تظاهر بالذهول ليؤثر في جمهور المستمعين - لهذه الآراء المختلفة، وهو ~~يترك فينا أثرا بأن نظرية زيوس القديمة هي الأصح، ولكن بالرغم من ~~السخافات التي يجريها على لسان الفيلسوف سقراط - وهو عنده مثال المفكر ~~الجديد - تستطيع أن تلمس العقل الإغريقي وهو يعمل جاهدا في تفسير ~~ظاهرة الجو. # وليس معنى هذا أن المفكرين المجددين كانوا ضد الدين، أو أنهم كانوا ~~ماديين. نعم كان بعضهم كذلك، كما كان كثير من المفكرين الإغريق ~~والرومان المتأخرين بتعبيرنا في الوقت الحاضر عقليين كاملين. ولكن ~~العقل عند الإغريق في العصر العظيم كان أداة جديدة مثيرة يستخدمونها ~~في كل التجارب البشرية بما فيها التجربة البشرية التي تتعلق بالأمور ~~المقدسة. ويستطيع المرء على أكثر تقدير أن يقول إن الإغريق الأوائل ~~استخدموا العقل في ثقة وفي مجال فسيح، وأنهم كانوا يحبون نسج ~~النظريات، وأنهم لم يحسنوا ذلك الضرب من جمع الحقائق البطيء وملاحظتها ~~واختبارها الذي يستخدمه العلم الحديث. وقد جمع الإغريق فيما بعد ~~كثيرا من الحقائق في البحث والعلم، وقل من الناس منذ ذلك الحين من ~~جمع من الحقائق ms042 أكثر مما فعل أرسطو. # وجدير بنا أن نسير في هذه المسألة - مسألة الطريقة التي كان يعمل بها ~~العقل الإغريقي - شوطا أبعد من ذلك قليلا. وتواجهنا في هذه المرحلة ~~مشكلتان فلسفيتان على الأقل غاية في القدم: مشكلة التعميم، ومشكلة ~~المتشابه وغير المتشابه التي ترتبط بها. # وقد قلت - أولا - منذ حين «الطريقة التي يعمل بها العقل الإغريقي»، ~~ولكن هل كان هناك عقل إغريقي؟ ألم يكن هناك الملايين من أفراد الإغريق، ~~لكل عقله الخاص؟ في أي جمجمة محسوسة يستقر هذا «العقل الإغريقي» ~~العجيب؟ وسنعود بشكل جدي إلى هذه المشكلة - مشكلة التعميم - حينما ~~نصل إلى أوروبا في العصور الوسطى، حينما احتلت بين المثقفين مكانة ~~مركزية، أما هنا فيكفينا أن نلاحظ أن هناك آراء جانبية حول المشكلة، ~~وهناك وسائل نتجنب بها الحكم بأنه كانت هناك عقول إغريقية بقدر ما كان ~~هناك من إغريق، ووسائل نتجنب بها الحكم بوجود عقل إغريقي واحد، هو اللب ~~أو النمط في كل التفكير الإغريقي (وهو حكم أشد سخفا من سابقه في نظر ~~الأمريكي العادي). # ويقع حل المشكلة في هذه العبارة المألوفة «رأيه الخاص»، وذلك أن ~~«كلا منا» يحب بطبيعة الحال أن يعتقد أن له رأيا خاصا. ولكن هل ~~نعتقد حقا أن لكل أمريكي من المائة المليون البالغين رأيا خاصا؟ ~~وهل تمتلئ الملايين العديدة من هذه العقول في أكثر الأحيان بنفس الرأي، ~~بالأفكار التي تصاغ على صورة واحدة بالراديو والصحف، وهوليوود ~~والمدرسة، والكنيسة وكل العوامل التي تلعب بعقولنا؟ وهناك من غير شك ~~العصاة، والمنشقون، والذين «يخالفون» عن عمد - وإن يكن حتى هؤلاء ~~يتجمعون في طوائف صغيرة تشترك في كثير من الآراء. والواقع أن قولنا: ~~«العقل الإغريقي»، و«العقل الأمريكي» مفيد؛ لأنه يقابل واقع الخبرة ~~العادية. # ويمكن أن يساء استخدام أمثال هذه العبارات بالمبالغة في تبسيطها، ~~وتجميدها، وتهوين العلاقة بينها وبين الواقع. ولكنا لا نستغني عنها ~~في مرحلة النمو العقلي التي بلغناها نحن المحدثين. # فلنسلم إذن بأن هناك عقلا إغريقيا، وأن هذا العقل يعمل في كثير ~~من الأحيان بنفس الطريقة التي يعمل بها ms043 العقل الأمريكي. ولكن أليست كل ~~العقول - كالعقل الصيني، وعقل البوشمان - أقرب إلى التشابه منها إلى ~~الاختلاف؟ إن أمامنا هنا وجها خاصا من أوجه المشكلة المنطقية التي ~~تعرضنا لها فيما سبق على عجل. وكحل عملي - مرة أخرى - نقول إن ~~بين الجنس البشري، والمجموعات البشرية، أوجها من التشابه وأوجها أخرى ~~من الخلاف، وإن من واجبنا أن نحاول وصف الجانبين، وربما كان آمن - على ~~سبيل المثال - أن نقول إن أجهزة الهضم في الكائنات البشرية متشابهة، ~~وإن الخلاف في أدائها وظائفها خلاف بين فرد وآخر، وليس خلافا بين ~~جماعة وأخرى، وإن يكن هذا الخلاف عظيما ويرجع إلى أسباب معقدة. ~~ويمكن بعبارة أخرى أن نقول إنك قد تستطيع أن تقسم الناس قسمين: أصحاب ~~الهضم الجيد وأصحاب الهضم السيئ، إلا أن الأفراد في كل مجموعة لا ~~يكادون يشتركون في شيء. وإذن فهذه ليست بالمجموعات الحقيقية، من ذلك ~~النوع الذي يدرسه المؤرخون وعلماء الاجتماع. # والكائنات البشرية - من ناحية أخرى - تختلف اختلافا بينا في لون ~~البشرة. ويمكن تقسيم كل الكائنات البشرية في نوع من أنواع الطيف ~~اللوني، كل لون فيه يدخل في غيره، من الأسود الفاحم إلى ناصع البياض - ~~وإن يكن من العسير جمع الحقائق التجريبية التي تتعلق بهذا التقسيم؛ ~~فالخلافات الفردية إذن لها أهميتها القصوى. ومع ذلك فالمجموعات - من ~~الرجل الأبيض، إلى الرجل الأصفر، إلى الرجل الأسود - لها أهمية أكبر. ~~هذه المجموعات، أو هذه العناصر، ليست كما يظن الجاهلون أو المتعصبون، ~~«لكن لا ينكر أنها من حقائق الحياة». وربما كان بين الصيني المتوسط، ~~والأمريكي المتوسط، والأفريقي الزنجي المتوسط - إذا جمعنا كل الصفات ~~البشرية وكل ضروب نشاط الإنسان - من التشابه أكثر مما بينهم من الخلاف. ~~ولكنهم يختلفون في لون البشرة، وعلى هذا الخلاف قامت أهمية كبرى في ~~العلاقات الإنسانية. # وإذا تحدثنا عن أوجه الخلاف وأوجه الشبه بين عقول الناس، كان أمامنا ~~بالتأكيد مجموعة من المشكلات ليست أقل تعقيدا من مشكلات اختلاف اللون. ~~والفروق الفردية هنا عظيمة جدا، وهي تتقاطع بشكل واضح مع حدود ~~المجموعات، من حيث القومية، والطبقة، ms044 واللون، وما شابه ذلك، وإذا قصدنا ~~بالعقل ما يقصده الفسيولوجيون ب «الذهن»، فإن الخلافات الفردية تكون ~~واضحة. وإذا قصدنا «عقل الجماعة»، فهناك فعلا مجموعات تشترك في الرأي، ~~والعاطفة ، والعادات العقلية، التي تختلف من الآراء والعواطف، والعادات ~~العقلية للمجموعات الأخرى. وليس من شك في صدق ذلك إذا نحن حكمنا ~~«بثمار» النشاط العقلي. فإن مقطوعة من هومر حتى في الترجمة إلى ~~الإنجليزية تختلف عن أي مقطوعة من العهد القديم العبري أو من كتاب ~~الموتى المصري. والتمثال الإغريقي لا يشبه التمثال الهندي القديم، ~~والمعبد اليوناني لا يشبه ناطحة السحاب الأمريكية. # فإذا قلنا إن الإغريق هم أول من استخدم التفكير الموضوعي بطريقة ~~معينة، وإن الإغريق عاشوا في جو عقلي يشبه جونا العقلي في كثير من ~~الوجوه، ويختلف كل الاختلاف عن تفكير جيرانهم، إذا قلنا ذلك فنحن نصدر ~~حكما عاما جدا من نوع الأحكام التي لا مناص لنا من إصدارها في مثل ~~هذه الأمور، إن الكيموي يمتلك من طرق التحليل ما يمكنه من التحديد، ~~والوزن، والقياس بدقة بالغة، فيستطيع أن ينبئك من أي الوجوه يشبه ~~مركب مركبا آخر، ومن أي الوجوه يختلف المركبان. ولا يستطيع دارس ~~البشر أن ينبئك إن كان الناس عامة إلى الخلاف أقرب منهم إلى التشابه؛ ~~فالناس مركبات معقدة أشد تعقيد. # وبالطبع كان هناك من الإغريق القدامى من لم يفكر تفكيرا منطقيا - ~~وسوف نلتقي ببعضهم. كان هناك من الإغريق القدامى من كانوا بمزاجهم على ~~الأقل يطمئنون في فلسطين أو الهند أو الولايات المتحدة في العصر ~~الحديث. وكل ما نستطيع أن نذكره هنا ونحن آمنون هو أن مجال نشاط العقل ~~الإغريقي فسيح جدا، وفي داخل هذا المجال معيار، أو نمط، أو طريقة من ~~طرق التفكير المميزة أسميناها التفكير المنطقي، وهي نصف التفكير الشكلي ~~الإغريقي (أو الفلسفة) كما تصف الثقافة العامة الأوسع التي نظنها ~~إغريقية خاصة بالإغريق. # التفكير الإغريقي الشكل # بلغ الإغريق من القلق والطموح - وربما أيضا من مجرد التبكير في ~~تاريخ الفكر الغربي - حدا لا ~~يقنعون معه باستخدام التعليل البطيء، المحدود، التجريبي دائما، ms045 ~~الذي نسميه العلوم الطبيعية. كانوا يبحثون عن حلول للمشكلات ~~الكبرى التي لم يوفق العلماء حتى اليوم في حلها، وربما لا ~~يوفقون البتة إلى ذلك: كيف بدأ الكون؟ ما مصير الإنسان فوق هذه ~~الأرض؟ هل هناك حياة أخرى؟ هل الدليل الحسي وهم؟ أيهما أشد ~~واقعية، التغير أم الدوام؟ وحتى في العلوم هنا من الإغريق من ~~فكر في مثل الصرامة التي فكر بها أفضل العلماء المحدثين، ولاحظ ~~بمثل الدقة التي لاحظوا بها. ويجدر بنا أن نبدأ في عرض موجز لمدى ~~التفكير الإغريقي في العصر العظيم بمثالين من أمثلة هذا النوع من ~~التفكير العلمي: # المثال الأول: # تلك الكتابات التي تعزى إلى أبقراط، وهو من ~~علماء الطبيعة في القرن الخامس. وقد ترك أبقراط أو ~~تلاميذه وصفات طبية لأمراض فردية محسوسة يمكن أن ~~تكون حتى اليوم نافعة. وهو لم يتخط مرحلة ~~الشيطان أو رجل الطب في التفكير في الأمراض فحسب، ~~وإنما تخطى كذلك المرحلة التالية، مرحلة ~~النظريات العامة الساذجة الطموحة - عن الأمراض - ~~كأن يدمى المريض دائما للتخفيف من الحمى، وأن ~~يتناول في كل حالة «شربة» مسهلة. إنما كان يحصل ~~على الحقائق مباشرة، حتى يستطيع أن يتعرف المرض ~~في المرة الثانية، ولا يخلط بينه وبين الأمراض ~~الأخرى التي تبدي أعراضا مشابهة وإن لم تكن ~~مطابقة. # وليس هذا بالعمل الهين. وقد كان أبقراط يدرك أنه ~~يعرف القليل عن الأمراض، ولكنه أراد أن يعرف هذا ~~القليل معرفة جيدة منظمة. وكان يؤمن بأن الطبيعة ~~تميل إلى أن تعيد في المريض التوازن الذي نسميه ~~الصحة. وكان يتشكك في الأدوية، وبخاصة تلك التي ~~ترتبط بالنظريات الكبرى عن الصحة والمرض. ومن ~~ثم فقد كان الغرض الأول عنده كطبيب هو «ألا ~~يغير» وأن يريح المريض، وأن يمكن الطبيعة من ~~أن تقوم بعملها العلاجي. وقد ظن بعض معاصريه أنه ~~بغير قلب؛ تهمه دراسة الأمراض أكثر مما يهمه ~~علاجها. غير أن أبقراط ظفر بالتقدير فيما بعد، ~~باعتباره المؤسس الحقيقي لعلم الطب، وحتى عصرنا ~~الحاضر يردد أطباؤنا قسم المهنة المشهور «يمين ~~أبقراط»، وإن يكن هذا القسم ms046 هو بالتأكيد من وضع ~~عهد متأخر. # والمثال الثاني: # هو المؤرخ ثيوسيديد، الذي اقترب من كتابة ~~التاريخ بطريقة علمية كما فعل أي مؤرخ آخر. فإن ~~ثيوسيديد - كأبقراط، الذي ربما أخذ «ثيوسيديد» عنه ~~العلم - يكتب نوعا من التقارير الطبية. إنه يحاول ~~أن يبين ما جرى فعلا خلال حرب بلبونيز بين أثينا ~~وإسبرطة، حينما ثارت عواطف الناس إلى درجة تكاد ~~تكون مرضية. لم تكن عنده نظريات ضخمة عن تاريخ ~~البشر، ولم يكن لديه أمل في علاج شرور الحرب. ولم ~~ينضم إلى جانب أثينا أو جانب إسبرطة، وإن يكن قد ~~تولى القيادة من قبل في جيش أثينا. ولم يهتم ~~بالحكايات، أو الفضائح، أو حوادث التاريخ المثيرة ~~للخيال، وإن تكن لديه أفكار عن الحق والباطل - أو ~~قل إن شئت أهواء. وهو يؤثر بوضوح النظام، ~~والهدوء، ومزايا الحياة الاجتماعية، على العصيان، ~~والمنافسة القوية، وأسباب القلق، والقسوة، والعنف. ~~ولكنه لم يكن واعظا، إنما كان يلاحظ ويراجع ما ~~دون عن النضال الدرامي بين كائنات بشرية معينة، ~~ويحتفظ بهذا التدوين حتى يكون الخلف أحكم في ~~العلاقات البشرية. # غير أن ميدان المعرفة العظيم الذي أوضحه الإغريق لأنفسهم في تلك ~~القرون الأولى لم يكن في العلوم، إنما كان في الفلسفة. وكلية ~~الفلسفة ذاتها إغريقية، وتعني بالحرف: «حب الحكمة» أو: «حب ~~المعرفة»، وقد أصبح لها فيما بعد معنى فني عند الإغريق المتأخرين ~~يقرب من معناها في أذهاننا، وهو: محاولة الإجابة عن المشكلات ~~الكبرى التي ذكرناها من قبل. وقد تساءل الإغريق عن كل هذه المشكلات ~~الكبرى، وأجابوا عنها جميعا، وبالرغم من أن بعض الناس قد أدخل في ~~هذه الأسئلة والإجابات تحويرا طفيفا منذ عهد الإغريق، إلا أن ~~المعاصرين من الفلاسفة لا يزالون يسيرون على الأرض التي تجادل ~~فوقها الإغريق. وإذا كانت الفلسفة معرفة تراكمية، فهي ليست ~~تراكمية كعلم الطبيعة، ولا يزال الفلاسفة يختلفون في كل شيء إلا في ~~بعض طرائقهم في التفكير، في حين أن علماء ~~الطبيعة متفقون في لب الموضوع. ~~ولا يسلم الفلاسفة بطبيعة الحال - إلا إذا استثنينا المنطقيين ~~الوضعيين في الوضع ms047 الحاضر - بأن موضوعهم تنقصه طرق اختبار صحة ما ~~يصلون إليه من نتائج. إلا أن معاييرهم - كما يقولون - في تحديد ~~الصدق «تختلف» عن معايير العلماء. وهم يزعمون أن موضوعهم قد تقدم ~~كما تقدم المنطق أو الرياضة. # وبالرغم من أن أكثر ما دونه فلاسفة اليونان حتى حوالي عام ~~400ق.م لا يوجد إلا في صورة قصاصات، أو مقتبسات من هنا وهناك، أو ~~روايات في الكتب التي وصلت إلينا، إلا أننا نعرف أن الإغريق قد ~~ساروا شوطا بعيدا عندما جاء عصر أرسطو وأفلاطون، ولسنا في حاجة ~~هنا إلا إلى أمثلة من المجال الفسيح الذي صالوا فيه. # كانت عندهم مدرسة في وقت باكر - هي مدرسة أهل أيونيا - تعتقد أن ~~كل شيء قد تطور عن مادة أبسط، وهي المادة الأولى للدنيا، كالماء ~~والهواء. والظاهر أن أحدهم - إنكسمندر - كان يعتقد أن الكائنات ~~البشرية قد تطورت عن الأسماك. وكان هذا مجرد حدس؛ فإن هذا الفيلسوف ~~الأيوني لم يسبق دارون في البحوث البيولوجية الطويلة الدقيقة، بل ~~إن خصوم المزاج الفلسفي الإغريقي يقولون إنه مثال طيب للفيلسوف ~~- رجل ذو أفكار ولكنه يعدم الوسيلة التي يختبر بها صحة هذه ~~الأفكار. # وثمة إغريقي آخر - هرقليطس - كان يعتقد أن كل شيء يتدفق، وأن ~~الصيرورة هي الحقيقة الوحيدة. يقول إن هذا النهر الذي تنظر إليه ~~والذي تطلق عليه اسما واحدا ليس هو بعينه في أية لحظة من ~~اللحظات. أما بارمنيدس فكان على نقيض مذهب هرقليطس تماما في ~~التدفق؛ لأن التغير عنده وهم، والحقيقة كل واحد عظيم، كامل، ~~لا يتجزأ. # أما ديموقريطس - وهو مادي متطرف - فكان يعتقد أن كل شيء، بما في ~~ذلك الإنسان وعقله وروحه، يتكون من جزيئات صغيرة جدا لا ترى ~~ولا تتجزأ، يسميها: الذرات. وأرجو أن تلحظوا هنا أن هذه نظرية ~~فلسفية، وليست تفكيرا سابقا لعلم الطبيعة الحديث. أما فيثاغورس - ~~الذي كان رياضيا أيضا - والذي ارتبط اسمه دائما بالنظرية التي ~~تقول بأن المربع المنشأ على الوتر في مثلث قائم الزاوية يساوي ~~مجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين، أما فيثاغورس ~~كفيلسوف فكان دائما ms048 في الجانب غير المادي، أو الروحي. كان يعتقد ~~في الأرواح غير المادية وفي صورة من صور الميتافيزيقيا، هي تناسخ ~~الأرواح. # وقد افتتن الإغريق بهذه القدرة التي مارسوها آخرا ، القدرة على ~~التعليل، فتابعوها في متاهة المنطق الصرف، بل في أركان هذا المنطق ~~وزواياه. وقد اشتهرت في هذا ~~الباب مشكلة السلحفاة والأرنب، التي ذكرها أول الأمر زينو الذي ~~ينتمي إلى مدرسة إليا، وباتت - ~~بالطبع - مجرد اختبار للذهن. وهذه هي المشكلة: إذا سلمنا بأن ~~أخيل - أسرع الرجال عدوا - يجري بسرعة تساوي عشرة أمثال سرعة ~~السلحفاة، وأنه قد وضع السلحفاة في موضع يسبقه بعشر أقدام، فإن ~~أخيل لن يلحق بها. لماذا؟ ذلك أن أخيل إذا تقدم عشر أقدام تقدمت ~~السلحفاة قدما، وإذا تقدم أخيل القدم التالية، تقدمت السلحفاة ~~عشر القدم - وهكذا إلى الأبد، سوف يفصل بينهما دائما جزء من ~~البوصة. # وهناك أيضا لغز الكذاب الذي يعزى إلى رجل اسمه يوبليديز من ~~مجارا. يقول أبيمنديز الكريتي: «كل أهل كريت كذابون.» ولكن ~~أبيمنديز نفسه الذي يقول بهذا كريتي، فهو إذن كذاب؛ ومن ثم فإن ~~قوله ليس بصحيح. ومن ثم فإن أهل كريت ليسوا بالكذابين ومن ~~ثم ... وهكذا. # ولكن حتى واضعو الألغاز كانوا يقومون بشيء أكثر من اللعب بأداة ~~جديدة؛ كشفوا أن العادة والإدراك العام تضلل في بعض الأحيان، وأن ~~الأشياء ليست دائما كما تبدو، وأن التفسير المعقول أو العلمي ~~للظواهر يناقض أحيانا الانطباعات الحسية. ونعتقد أن زينو كان يعرف ~~أن أخيل في هذا العالم الواقعي يسبق السلحفاة في لمح البصر، ولكنه ~~كان أيضا يعرف أن الآراء التي يكونها المرء بالإدراك العام عن ~~الزمان والمكان والحركة لم تكن هي الكلمة النهائية في هذه الأمور. ~~إن عالم الطبيعة الحديث يقول إن بحوث زينو في العلاقات بين المكان ~~والزمان تؤدي إلى طريق ضيق مغلق. بيد أنها - برغم ذلك - كانت ~~مكتشفات في مجالات مجهولة، تشير إلى العقل الإغريقي القلق ~~المتطلع. # وكذلك لم يقم هذا النشاط ~~الذهني في عزلة منفصلة؛ فإن فلاسفة الإغريق في تلك القرون الأولى ~~كانوا بالتأكيد هم من ms049 نسميهم اليوم بالمثقفين، غير أنه يبدو أنهم ~~كانوا أسرع إلى الاختلاط مع مواطنيهم في الأماكن العامة من ~~المثقفين في العالم الحديث. وهم لم يردوا بأية حال من الأحوال كل ~~زملائهم من المواطنين إلى الفلسفة، وسنرى في الفصل المقبل أن ~~كثيرا من آرائهم في الدين والأخلاق سبقت رجل الشارع بمدى فسيح. ~~ويظهر النزاع بين الآراء الجديدة والوسائل القديمة في وضوح عند أول ~~فيلسوف نعلم عنه الشيء الكثير، وأعني به سقراط، وهو رجل ظل اسمه ما ~~ينيف على ألفي عام رمزا للبحث الفلسفي. # كان سقراط مواطنا أثينيا، مهنته قطع الأحجار، وطبيعته طبيعة ~~المعلم الواعظ الذي لا ينفك عن التعليم. ولا نعرفه بما كتب بنفسه ~~فحسب - فقد كان محدثا ولم يكن كاتبا - وإنما نعرفه أساسا مما ~~كتب اثنان من تلاميذه: أفلاطون الفيلسوف، وزنوفون المؤرخ. وقد ~~أحبه تلاميذه. أما بقية أهل أثينا فقد ساورتهم فيه مشاعر ~~مختلطة، وقد اعتاد أن يجر زملاءه المواطنين إلى البحث الفلسفي ~~ويحثهم عليه، وكان يشبه نفسه بذبابة الماشية، هدفه أن يلدغ ~~زملاءه فيخرجهم عن اقتناعهم ورضاهم بالطرق التقليدية، كما يخرجهم ~~عن عدم المبالاة والتراخي إزاء ما في هذه الدنيا من شرور. ذلك أن ~~سقراط كان وليد الحركة الفكرية الجديدة التي شكت في التقاليد، ~~والمظاهر، والمسلمات، وبحثت عما يفضلها. ومهما يكن من شيء فقد ~~كان رجل الأخلاق أقرب منه إلى الميتافيزيقي. وقد وقف متحديا ~~عمالقة أثينا على أساس خلقي. # وآراء سقراط الأساسية عن الحق والباطل هي في صميمها آراء أكثر ~~المذاهب الخلقية الكبرى، بما فيها «القاعدة الذهبية» و«المثل ~~الطيبة» لم يحب الكذب، أو الغش، أو السرقة، أو القسوة في ميدان ~~الآلهة التي نشأ هو ومواطنوه على العقيدة فيها (آلهة ما نسميه ~~اليوم ب «الأساطير اليونانية») فقد كانت تكذب، وتغش، وتسرق بل ~~وتفعل ما هو أسوأ من ذلك. وهذه الأفعال الخبيثة عند الإنسان، فكيف ~~تكون طيبة في إله؟ واعتقد سقراط أن في باطنه أشياء خيرا من هذه؛ ~~أشياء يحدثها عن ضميره، أشياء أفضل من هذه الحكايات التي ~~تعلمها في صباه، وعليه ms050 أن يتبع ضميره، ولا يتبع التقاليد. ورأى ~~أن «المعرفة هي الفضيلة»، وأنك إذا عرفت الطيب «فعلا»، فلن تستطيع ~~أن تفعل الخبيث. والتقاليد القديمة، والوسائل القديمة المتراخية لم ~~تكن - في اعتقاده - معرفة، إنما كانت جهالة. # وقد يجذب سقراط مواطنا أثينيا في السوق العامة في أثينا، ~~ويأخذ معه في الحديث، ويسأله في براءة: «ألست تعتقد أن زيوس يحيا ~~حياة طيبة؟» فيجيبه الآخر: «بالتأكيد.» ~~- وهل تعتقد أن زيوس خلف من بعده أطفالا من امرأة من عالم ~~الفناء؟ ~~- نعم لقد فعل، وقد نشأ محدثه على حكايات تروى عن حب زيوس ~~لليدا، وداناي، ويوروبا، وكثيرات غيرهن، وكان يعرف كل شيء عن ~~أبنائه الأبطال. ~~- وهل تعتقد إذن أن زيوس قد ارتكب الخطيئة؟ ~~(ولم يشأ المواطن المأخوذ أن يوجه إليه السؤال في هذه الصيغة، ~~غير أن سقراط يسوقه في يسر إلى أن يقول: «نعم.» لأن زيوس على كل ~~حال قد تزوج من الإلهة هيرا.) ~~- وهل تعتقد أن الزنا خطيئة؟ # وهنا يخضع المسكين لسقراط؛ فليس من نتائج سقراط مفر: إذا كان ~~زيوس يرتكب الخطيئة فهو ليس طيبا، ومن ثم فهو ليس بالإله. أو ~~إذا كان زيوس إلها، فهو طيب، ولذلك فهو لا يرتكب الزنا. # والرواية السابقة هي من غير شك تبسيط للطريقة السقراطية، ولكنها ~~ترينا ما كان يعارض فيه الأثينيون عند سقراط؛ فقد أزعجهم، وشك في ~~الآلهة القدامى، وبدا للأثينيين المحافظين على القديم كأنه اخترع ~~من عنده آلهة أخرى، ولكنهم احتملوه طويلا. ولما بلغ الشيخوخة كانت ~~أثينا في بؤرة التدهور الذي أعقب هزيمتها أمام إسبرطة، وبدسيسة ~~سياسة لا نعرف تفصيلها، وقع سقراط فريسة للاتهام، وحوكم، لما ~~بدا حقا لخصومه أنه إلحاد، وحرية في الكلام تنطوي على الخيانة، ~~وإفساد الشباب. وأدانه القضاة الذين حاكموه بأغلبية يسيرة في ~~الأصوات، وآثر أن يموت على أن ينفى من البلاد. ويعد بحق ~~شهيدا لقضية حرية الكلام، ومن ثم فقد استشهد في سبيل ~~الديمقراطية والتقدم. ولكن قبل أن نحكم على أولئك الذين حكموا ~~عليه، يجب أن نسأل أنفسنا أولا: هل نحب الذباب الذي يلدغ؟ ms051 # وقد طور فلاسفة الإغريق فيما بعد كل ما تعرض له من ~~سبقوهم، وهذبوا آراءهم، وكونوا المدارس التي تشمل كل ألوان ~~الفلسفة بتفصيلها. غير أن الخطوط العريضة قد اتضحت حتى في تلك ~~الأيام الأولى من القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. # وقد فصل الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس ذات مرة فصلا اشتهر ~~ببساطته وقوته بين الفلاسفة أصحاب «العقول المرنة» والفلاسفة ~~أصحاب «العقول الجامدة». وربما كان من الأوضح للقارئ أن يميز بين ~~فلاسفة «العالم الآخر» وفلاسفة «هذا العالم». ونعني ب «هذا العالم» ~~عالم الحواس والإدراك العام (وربما العلوم أيضا) وب «العالم ~~الآخر» كل ما «لا» يتضح للحواس العارية والإدراك العام. # وهذا التقسيم إلى نوعين، إلى الضأن والماعز، كغيره من التقسيمات ~~الساذجة لا تنفع في الواقع في البحث الدقيق، ولكنها تمدنا بشيء ~~تقريبي سهل المنال. وقد أمدنا الإغريق الأوائل بمثال طيب من ~~أمثلة الفلاسفة ذوي العقول المرنة، هو أفلاطون، كما سوف نرى. كما ~~أمدونا بعدد آخر أقل شهرة ولكنهم أمثلة كافية للفيلسوف ذي العقل ~~الجامد. كما أمدونا في أشهر فلاسفتهم أرسطو برجل حاول جاهدا أن ~~يصول في المجالين، وأن يكون مرنا وجامدا في آن. ويجب أن نحلل - ~~في إيجاز وبطريقة عامة غير فنية - الاتجاه الأساسي لكل نمط من هذه ~~الأنماط الفلسفية الثلاثة. وأود أن أنبه القارئ مرة أخرى إلى أن ~~كثيرين من الفلاسفة المحترفين - وربما كان أكثرهم - يشكون في صحة ~~تقسيم جيمس الذي يميز به العقل المرن والعقل الجامد. والواقع أن ~~المسطحات المتغيرة التي صيغ فيها مثل هذا التقسيم - كالاسمي ~~والواقعي، أو الواقعي والمثالي (وقد تقلب معنى لفظ «الواقعي» فيما ~~بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر)، والتجريبي والعقلي - تدل ~~بتناوبها في التاريخ على أن الفلاسفة قد حاولوا أن يتحاشوا هذه ~~المشكلة أو أن يتجاوزوا عنها. غير أن مشكلة التمييز بين النوعين ~~لا تزال قائمة بالنسبة إلى الخارجين عن دائرة الفلسفة. وكثير من ~~الأحكام على الفلاسفة المحترفين في هذا الكتاب هي من وجهة نظر ~~الفيلسوف المحترف واقعة تحت عناوين خاطئة، كالأحكام التي سوف ~~نصدرها - مثلا - على ms052 أفلاطون ~~وأرسطو. والقارئ الذي يود أن يكون منصفا يجب أن يقسم بنفسه ~~الفلاسفة. ويستطيع أن يبدأ بداية طيبة ب «جمهورية أفلاطون» ~~و«الأخلاق عند نيقوماخوس» و«السياسة » لأرسطو. # ويمكن الحكم على أهمية ~~أفلاطون في الفلسفة بما لاحظه ألفرد نورث هوايتهد من أن الفلسفة ~~الغربية كلها منذ أفلاطون ليست إلا سلسلة من التعليقات على ما كتب ~~أفلاطون، ولا تتفق هذه التعليقات بأية حال، حتى فيما قصد إليه ~~أفلاطون. ويزداد الأمر اضطرابا لأن أفلاطون كتب محاورات يتقدم ~~فيها المتحدثون بوجهات نظرهم، ويتفقون، ويختلفون، ويواصلون البحث ~~عن الحقيقة طبقا للطريقة التي عرفت منذ ذلك الحين ب «الجدلية» ~~ولا يظهر أفلاطون نفسه كمتحدث، وإن كنا قد ألفنا أن نفترض - ~~وبخاصة في «الجمهورية» ومحاورات أفلاطون الأخرى أيام نضجه - أنه ~~يتحدث على لسان سقراط، وحتى أولئك الذين يسلمون بأن أفلاطون لم ~~يكن مجرد رواية، وإنما كان مفكرا أصيلا، يختلفون كثيرا في ~~تفسيرهم؛ بعضهم يجعله جامد العقل إلى حد بعيد، وبعضهم يجعله مرن ~~العقل تماما. # ويكفينا للوفاء بأغراضنا كمؤرخين للفكر أن نلاحظ أن مؤلفات ~~أفلاطون كنز ثمين لا يزال الناس يغترفون منه، وأن تأثيره كان خلال ~~العصور بوجه عام دفع الفكر الغربي نحو قطب «العالم الآخر». ولا ~~نستطيع أن نعرض صورة مفصلة لميتافيزيقا أفلاطون؛ أي لأكثر أفكاره ~~العامة المجردة. ولكنه يعرف في الميتافيزيقا بمذهب هام جدا، هو ~~مذهب «الأفكار». وربما كان هذا المذهب محاولة من أفلاطون أن ~~يتجاوز التباين الشديد بين مذهب هرقليطس في التغير ومذهب ~~بارمنيدس في الدوام، وهي محاولة منه لأن يوفق بين «الواحد» ~~و«المتعدد» و«الكينونة» و«الصيرورة». وهو مذهب يشق تلخيصه في لغة ~~غير فنية. لكنك إن وجدت العرض الآتي غير مفهوم «بكليته»، فقد عرفت ~~شيئا له قيمته، وهو أنك لم تعد لدراسة الفلسفة (وكم من رجل ذكي ~~أو امرأة ذكية ليس عنده هذا ~~الاستعداد). أما إن وجدت العرض ~~«كله» غير مقبول، فقد عرفت كذلك شيئا له قيمته، وهو أنك لست مرن ~~العقل، لست من المنتمين إلى «العالم الآخر». # يعتقد أفلاطون أن كل الأشياء التي نعرفها بخبرة ms053 الحواس، والتي ~~نسميها، ليست سوى أشكال تقريبية ناقصة، من هذا العالم، للأشياء ~~(أفكارا كانت أو أشكالا) المثالية، من العالم الآخر؛ أي إن جميع ~~الخيول المعينة التي نراها صور ناقصة للحصان المثالي السماوي. ولا ~~يمكن - بطبيعة الحال - أن يكون هناك سوى حصان واحد كامل، أبدي لا ~~يتغير، ولا يرى أو يحس بطريقة أخرى، كما ترى أو تحس ~~الخيول الناقصة فوق هذه الأرض. «غير أن هناك علاقة بين الحصان ~~الناقص، أو الواقعي، والحصان الكامل، أو المثالي.» ولن يكون لدينا ~~شيء يشبه المعرفة إلا لأن الواقعي يعكس في صورة معتمة، وفي محاولة ~~التشبه، الشيء المثالي. ولاحظ أننا نقول: «الواقعي»، ولا نقول: ~~«الحقيقي»؛ لأن المثاليين يرون أن «المثالي هو الحقيقي». # وترى بعض العقول أن هذه المثالية نظرة ثاقبة عميقة إلى شيء أبعد ~~في الحقيقة من «حقيقة» اللمس، أو النظر، أو الحس السهلة، بل أبعد ~~من «حقيقة» التفكير العلمي المنظم وهي أشق. وترى عقول أخرى أن ~~هذه المثالية هراء لا معنى له - هراء محير. وقد بذل أفلاطون جهدا ~~جبارا لكي يوضح مذهبه في الأفكار للمثقفين العاديين في مقالة ~~من أشهر ما كتب الناس جميعا، وذلك في تشبيهه في «الجمهورية» ~~بالمسجونين في الكهف. # يقول أفلاطون: تصور مجموعة من المسجونين مكبلين في الأغلال ~~في أحد الكهوف بحيث لا يستطيعون الحركة، ظهورهم نحو الضوء الذي ~~يتسلل خلال باب الكهف، وهم لا يرون مصدر الضوء، ولا يرون ما يجري ~~في العالم الخارجي، وكل ما يرونه هو الانعكاس على الحائط الذي ~~يجابهونه. ماذا يعرفون حقيقة عن ضوء الشمس والعالم الخارجي؟ لا شيء ~~سوى الانعكاسات المعتمة الناقصة! وما يعتقد المسجونون - وهم قوم ~~عاديون مثلي ومثلك - أنه العالم الحقيقي؛ العالم الذي نأكل فيه، ~~ونشرب، وننام، ونجاهد، ونحب، ونعيش، ليس في الواقع إلا ظلا. ولو ~~أن أحد المسجونين استطاع مصادفة أن يهرب ويرى العالم على حقيقته - ~~عالم ضوء الشمس الإلهي - ثم عاد وحاول أن يقص على زملائه ~~المسجونين شيئا مما رأى، للاقى مشقة كبرى في أن يحمل زملاءه ~~المسجونين (الذين لا يستطيع فك ms054 أغلالهم) على أن يفقهوا ما يقول. ~~سيكون في الواقع مثل أفلاطون رجلا يحاول أن يشرح لمواطنيه مذهبه ~~في الأفكار. # وقد كان أفلاطون نفسه على دراية تامة بإحدى المشكلات التي عانى ~~منها فلاسفة العالم الآخر، كان لا بد له أن يستخدم «الألفاظ»، ~~مضافا بعضها إلى بعض في صيغة نحوية لغوية، لكي يحاول أن ينقل إلى ~~زملائه هذه المعرفة بالحقيقة الصادقة، أو وصفها؛ لأنه كان يرى أن ~~هذا العالم الآخر هو وحده العالم الحقيقي. ولكن الألفاظ ليست إلا ~~ضوضاء تصدر عن حلوق بشرية، والنمو ليس إلا ترتيبا يتم في الأجهزة ~~العصبية المركزية البشرية. واللفظ والنمو كلاهما ملوث تلويثا ~~كاملا بما في هذه الدنيا من أصوات وأضواء وروائح. ومن المستحيل أن ~~نستعمل لفظ «الحصان» بغير هذا التلويث. وحتى «فكرة» المخترع عن ~~مخترعه ليست عند صاحب العقل الجامد إلا «مزيجا» من الخبرات ~~المتقطعة عن موضوع معين من هذه الدنيا المحسوسة فعلا. # ولفظ «الله» هو عند أكثر ~~الأفراد العاديين اللفظ الذي يمكن أن يقترب جدا من البعد عن ~~تلويث الحواس. وبالرغم من هذا نجد أن أحدث الديانات الوحدانية ~~العظيمة - اليهودية والمسيحية والإسلام - كان حتما عليها دائما ~~أن تكافح ميل المؤمنين إلى تصور الإله شخصا ملتحيا حليما، وإن ~~يكن رهيبا (والكلية العلمية التي تعبر عن هذا الميل ~~الأنثروبومورفزم، أو نسبة صفات الإنسان إلى الله). وبالرغم من أنه ~~من الواضح جدا أن أفلاطون سار شوطا بعيدا جدا - في لحظات ~~على الأقل - نحو الإنكار الكامل لحقيقة عالم الحس - أو في لغة ~~إيجابية نحو انعدام الذات الكامل الصوفي في تأمل «الواحد»، ~~و«الكامل» و«الطيب»، فإن جانبا كاملا من نشاطه، وكتاباته، يتصل ~~اتصالا وثيقا بمشكلات هذه الدنيا، دنيا الحواس. وفي الحق أن ~~أفلاطون - حتى في ميتافيزيقياته - لا يقف، دائما الموقف الذي ~~يتخيله المرء من تشبيهه المشهور - تشبيه الكهف: الذي يرى فيه أن ~~هذا العالم الناقص - عالم الحواس - إنما هو وهم من الأوهام؛ أي ~~إنه لا وجود له. # وبهذا نبلغ في الواقع إحدى المشكلات الكبرى التي عذبت العقل ~~البشري - عذبته فعلا في ms055 حالة الأفراد الحساسين. ويمكن وصف هذه ~~المشكلة في إيجاز كما يلي: إننا نحس - وبعضنا على الأقل «يعرف» ~~- أن هناك كائنا «واحدا» كاملا لا يتغير، إلها كاملا، يجاوز ~~تماما تلك الكائنات التافهة الناقصة التي تعيش وتموت. ولكن كيف ~~ولماذا يسمح - بل يخلق - هذا الإله الكامل ذلك النقص؟ كيف يوجد ~~الوثبة من «الواحد» إلى «المتعدد»، من «غير المتغير» إلى ~~«المتغير»، من الخير إلى الشر؟ أو لماذا وضع الله الأغلال في أولئك ~~المسجونين في الكهف من أول الأمر؟ هناك جواب منطقي ذكرناه آنفا: ~~وهو أن هذا العالم الناقص غير حقيقي، غير موجود، وهذا جواب قلما ~~يرد في تاريخ الفكر الغربي. وإنما الجواب في الغرب دائما هو وجه ~~من الأوجه المختلفة لحجة واحدة أساسية، يمكن أن نوردها في هذه ~~العبارة: أن «الواحد الكامل» لا يمكن أن يبلغ تمام الكمال وغايته ~~إلا إذا استطاع هذا الكمال أن يواجه حالة النقص، برغم ما في ذلك من ~~تناقض، أو أن هذا «الواحد الكامل» لا يمكن في الواقع أن يكون ~~كاملا في عالم ثابت ثباتا كاملا. ومن ثم صدر النقص عن ~~الكمال، وعلى هذا النقص أن يجاهد دائما نحو بلوغ الكمال. وهناك من ~~الأدلة ما يثبت أن أفلاطون برر نفسه ميتافيزيقيا بمثل هذا ~~الأسلوب - وليس من شك في أن الأفلاطونيين قد فعلوا ذلك. # ولكنا نستطيع عند هذه النقطة أن ننتقل من أفلاطون الميتافيزيقي ~~إلى أفلاطون الأخلاقي والمفكر السياسي. ومهما نبالغ في تفسير ~~ميتافيزيقيات أفلاطون التي تؤدي إلى الإنكار الكامل لحقيقة هذا ~~العالم؛ فقد كان الرجل بالتأكيد من تلك الطائفة التي تريد أن تسلك ~~الكائنات البشرية في هذه الدنيا مسلكا خاصا. كان مثاليا، لا ~~بالمعنى الميتافيزيقي فحسب، وإنما بمعنى أشد منه وضوحا ~~للأمريكيين، بالمعنى الاصطلاحي العملي، الدنيوي. وهنا أيضا سنعالج ~~في إيجاز أفكارا بالغة التعقيد شغلت على الدوام عقول رجال الفكر ~~خمسة وعشرين قرنا. # وكما أن المفسرين يختلفون في درجة «الصورة الميتافيزيقية ~~للعالم الآخر» التي ينسبونها إلى أفلاطون، فهم يختلفون أيضا في ~~الدرجة التي يرفعونه إليها كرجل صاحب نفوذ ms056 أخلاقي وسياسي - أو ~~بعبارة معاصرة لا تضلل كثيرا رجلا دكتاتورا متسلطا من جميع ~~الوجوه. وإذا رسمت خطا متدرجا يسير من الدفاع عن أقصى حرية ~~للأفراد إلى الدفاع عن أقصى تسلط عليهم، كان حتما عليك أن تضع ~~أفلاطون في نصف الخط الذي يبتعد عن الحرية. ومما له دلالته أن ~~المدافعين عن الحرية من أمثال توماس جفرسن وه. ج. ولز، يمقتون ~~كتابات أفلاطون السياسية مقتا شديدا. ومن العسير أن تقرأ أشهر ~~مؤلفاته الذي يتميز به عادة أكثر من أي عمل آخر، وأعني ~~«الجمهورية»، ولا تضعه على هذا الخط قريبا جدا من السلطة ~~المطلقة. # نشأ أفلاطون شابا حساسا ذكيا من أسرة كريمة في أثينا بعدما ~~هزمت هزيمة منكرة في حربها ضد إسبرطة وحلفائها. وكان الرأي ~~الشائع بين المثقفين الأثينيين أن يعزوا هذه الهزيمة إلى عيوب ~~الحكومة والمجتمع الأثيني الديمقراطي. ثم إن أثينا كانت - ~~فوق ذلك - وسط سلسلة من الأزمات، ~~الروحية والمادية، كما سوف نرى في الفصل القادم. ومن الواضح أن ~~أفلاطون ثار ضد هذه البيئة، التي وجدها خسيسة، عنيفة، لا تطاق. ~~وفي مقابل أثينا هذه الناقصة التي عرفها صور في «الجمهورية» دولة ~~كاملة، وهي أفضل تجسيد دنيوي لفكرة العدالة. # وليست هذه الدولة ديمقراطية. وليس للجماهير الضخمة الكادحة - وهم ~~إحدى طبقاتها الثلاث - صوت في إدارتها. إنهم ينتمون، وهم بمثابة ~~المعدة من الجسد. وثمة طبقة أصغر منها، وهي طبقة المحاربين، ~~تدرب على حياة الجندية؛ لأن العالم المثالي عند أفلاطون لا ~~يتوافر فيه السلام العالمي. ويتصف هؤلاء المحاربون بالشجاعة، وهم ~~بمثابة القلب، وأخيرا هناك مجموعة صغيرة جدا من ولاة الأمر، ~~ينشئون منذ طفولتهم على أداء هذا الواجب، وهم الذين يرشدون الدولة ~~إلى مصيرها، تتوافر لديهم الفضيلة والذكاء، وهم بمثابة الرأس. وهم ~~يحكمون لأنهم يصلحون فعلا للحكم، لا لأنهم استطاعوا أن يقنعوا ~~العامة الجاهلة أنهم يصلحون للحكم، وعلى رأسهم الملك الفيلسوف، ~~وهو أصلحهم جميعا. # وليس لطبقة الولاة عند أفلاطون حق الأرستقراطية الموروث ~~المألوف؛ فهو يدرك تمام الإدراك أن مثل هذه الأرستقراطيات مالت في ~~الماضي نحو الانحلال من ms057 نواح عدة، وهو يتخذ في عالمه المثالي ~~احتياطات متنوعة لتحسين سلالة الولاة من الناحية العنصرية، كما ~~يتخذ احتياطات دقيقة لتدريبهم على جميع الفضائل التي يرى أن ~~الطبقة الحاكمة بحاجة إليها. وربما كان أفلاطون ديمقراطيا بمعنى ~~الديمقراطية عند نابليون - لأنه كان يعتقد في انفساح المجال أمام ~~المواهب - ولكنها دائما تلك المواهب التي يراها هو. # وهو يقترح لولاته نوعا من الأرستقراطية الشيوعية الصارمة، تقوم ~~إلى حد ما على ما كان يعتقد بعض الأثينيين المثقفين أنه نوع ~~الحياة التي تحياها الطبقة الحاكمة في إسبرطة في أحسن أيامهم. كان ~~يريد أن يلغي الأسرة بالنسبة إلى الولاة؛ لأن الأسرة عنده عش ~~يحفز صاحبه نحو حب الذات، وهي بؤرة تتجمع فيها ضروب من الولاء ~~التي تصرف المرء عن الدولة وعن الفضيلة. وقد أعطيت المرأة درجة ~~كبيرة من الحرية، تدعو إلى الدهشة، ولا تتفق مع الآراء الأثينية ~~الشائعة. وهي متساوية مع الرجل في كثير من الأمور؛ أي إن أفلاطون - ~~بمعنى ما - من دعاة النهضة النسائية. # أما الأطفال فهم أطفال المجتمع، ينشئهم المجتمع، ويدربون ~~على اعتبار كل من يكبرهم آباء لهم. وهم ينشئون على التربية ~~البدنية الإسبرطية، وعلى التربية العقلية التي صورها أفلاطون ~~بنفسه في العالم الآخر نقية إلى أبعد الحدود؛ فلا يسمح لهم مثلا ~~بقراءة هومر، أو الشعر الغنائي؛ لأن مثل هذه القراءة تبعدهم عن ~~الخشونة، وتمدهم بآراء مضللة عن الآلهة، وتفسدهم بوجه عام. ~~ويلتمس أفلاطون المعاذير للشعر إلى حد ما، بل هو راغب عنه ~~تقريبا؛ فالشعر والفن هما عنده - على الأقل - نوع من الجهد الذي ~~يجاوز عالم الإدراك الحسي الأسفل، الذي كان يمقته مقتا شديدا. ~~والشعراء في طريقهم نحو المثل الأعلى، ولكنهم ضلوا الطريق في ~~مكان ما، فانصرف عنهم. وكذلك حرم أفلاطون بعض أنواع الموسيقى ~~على صغار الولاة - الموسيقى الناعمة المسترخية. أما الموسيقى ~~الصارمة العسكرية فيسمح لهم بها. # وكذلك كان المحاربون مجموعة منتقاة، تعلموا كثيرا من فضائل ~~الولاة، مع استثناء الفلاسفة منهم - وهو استثناء هام. أما ~~المنتجون، وهم الغالبية العظمى، أو الرجال الذين يمثلون ~~المعدة، فلم ms058 يعرهم أفلاطون في الواقع اهتمامه. لهم أن يتزوجوا ~~وأن يعيشوا الحياة العائلية التقليدية. ولهم أن يأكلوا وأن يشربوا ~~وأن يعملوا وأن يلعبوا، كما يشاءون، ما داموا يحتفظون بسير الدولة ~~ولا يحاولون أن يؤثروا في سياستها. وعليهم على وجه الإجمال أن ~~يحسنوا السلوك، وأن يعرفوا مكانتهم، ولكنهم لا يستطيعون في الواقع ~~أن يحيوا الحياة الطيبة. # لم يكن أفلاطون إذن ديمقراطيا، وهو لا يثق بذكاء الرجل المتوسط ~~أو يحسن نيته. وهو يترك له نوعا من الحرية الحيوانية في ازدراء - ~~وهو الحرية التي يتمتع بها الحيوان الذي أحسن استئناسه. ولكنا ~~يجب أن نلاحظ أن أفلاطون لا يقول بالحرية بمعنى الكلمة في الإدراك ~~العام - الطبقة العليا؛ فالولاة ينشئون في الواقع على نظام صارم. ~~ولا يكتسب محاربوه وولاته الفضائل اللازمة لمسئولياتهم بالتجربة، ~~بالمحاولة والخطأ، أو بالتعرض الكامل للتنوع المذهل في هذه ~~الدنيا، فهم في وقاية تامة بنفوذ كبارهم - وبنفوذ الملك الفيلسوف ~~أفلاطون - من التعرض لاختيار سلوك دون آخر. وهم يلقنون الرأي ~~في صرامة، ولا يفكرون إلا في الأفكار السامية - وهو لا يكاد البتة ~~أن يكون تفكيرا عند أصحاب العقول الجامدة. # وليس من العسير أن نعلل سحر مدينة أفلاطون الفاضلة الذي كان له ~~أثره في عقول الناس؛ فقد كان أولا صاحب أسلوب جذاب، وكان شاعرا. ~~وفي كتاباته - حتى عند ترجمتها - سحر قل أن يتوافر في التأليف ~~الفلسفي، كما أن عالمه الآخر - أو إن شئت فقل تصوفه - كان ~~دائما يجذب إليه الطبائع الحساسة، وسوف نرى كيف أمكن في يسر ~~لكثير مما كتب أفلاطون أن يشق طريقه إلى البناء العقلي للمسيحية ~~في عهدها المتأخر، ولكن أفلاطون لم يكن مجرد هارب من عالم ~~الحواس؛ فقد أراد كمصلح، وكرجل أخلاقي، أن يدفع هذا العالم ~~المسكين دفعة كبيرة نحو الهدف المثالي، وكثيرا ما ~~انساق - في تقاليدنا الغربية - ~~هذا الباحث عن الكمال إلى أن يحيا حياة ناقصة، يعلم فيها زملاءه ~~الناقصين، ويحثهم بل ويهددهم، لكي يسيروا نحو الكمال الذي لم ~~يستطيعوا أن يبلغوه. وكان على أفلاطون أن يعود إلى الكهف وأن يغمر ms059 ~~المسجونين المغلولين بالضياء. # وربما لم يخل الكهف أيضا من الجاذبية لأفلاطون؛ فقد شعر ~~أفلاطون - ككثير من المسيحيين الذين جاءوا بعده - بفتنة هذا العالم ~~- ولا نعني ما فيه من إشباع ساذج لرغبة الطعام والشراب والجنس التي ~~تحسبها العامة مغريات هذه الدنيا، بمقدار ما تعني إشباعا من درجة ~~أرقى للعقل والبدن؛ ذلك الإشباع الذي يخلق عالم الفنان. وقد كان ~~أفلاطون أشعر من أن يتخلى عن هذا العالم بتاتا. غير أن الشعر ~~بالتأكيد لا يمكن إلا أن يهز ثبات «الواحد» و«الخير» ~~و«الكمال». # وأفلاطون هو أقدم الفلاسفة الإغريق الذين وصلت إلينا منهم ~~مؤلفات كاملة؛ إذ ليس لدينا ممن سبقه من الفلاسفة - الذين نسميهم ~~عادة بالفلاسفة السابقين لسقراط - إلا قصاصات، وأكثرها رواية عن ~~الباحثين المتأخرين. وقد كانت هذه المادة المتجزئة موضع درس عميق ~~من أجيال من الباحثين، فعرفتنا على الأقل أن أكثر ضروب التفكير ~~الفلسفي ممثل فيها. ولكن ليس لدينا شيء كامل عن أي فيلسوف قديم ~~ثابت القدم، باحث «في هذه الدنيا» جامد العقل. وربما كان ديمقريطس ~~الذي ذكرنا عنه فيما سبق أنه «مخترع» الذرة ماديا من جميع وجوهه، ~~ومن ثم فهو - كأكثر الماديين - منكر لإرادة الإنسان الحرة، ~~ولكنا في الواقع لا نملك مجموعة متماسكة مما ذهب إليه ~~ديمقريطس. # وربما كان خير من نختار من الفلاسفة القدامى الذين بحثوا في ~~«هذه الدنيا» هم السفسطائيين الذين ترعرعوا في القرن الخامس قبل ~~الميلاد عندما بلغت الثقافة الإغريقية (أو الأثينية على الأصح) ~~قمتها، وربما لم يكن السفسطائيون فلاسفة خلصا، وإنما كانوا ~~هواة من المعلمين والمحاضرين، الذين يعلمون طلاب المعرفة - ~~لقاء ما يتقاضون من أجر - كيف يستخدمون الأداة الجديدة التي ~~أسميناها «التفكير المنطقي». ووقفوا موقفا معينا لا نجهله اليوم، ~~فزعموا أن المشكلات الميتافيزيقية النهائية - مثل المشكلات التي ~~كان يعالجها أفلاطون - لا يمكن حلها، ومن الخير ألا نتعرض لها. ~~إنما ينبغي أن يتركز الذكاء البشري - كما يرون - في مشكلات الطبيعة ~~البشرية والعلاقات الإنسانية؛ ف «الإنسان معيار كل شيء». وكان عالم ~~الحواس عندهم حقيقيا كل الحق، ويمكن - في ظنهم - أن تكون ms060 رغبات ~~الناس في هذه الدنيا مرشدا كافيا. # وقد آمن بعضهم - على الأقل كما يروي خصومهم - بأن مقياس الفرد هو ~~ما يستطيع الحصول عليه، أو بعبارة أخرى القوة هي الحق، وأن العدالة ~~هي ما يقرره الأقوى. والأداة الجديدة، أداة الفكر الناقد المنطقي، ~~هي في اعتبارهم آلة مدهشة في أيدي الأشخاص الطموحين الأذكياء، وقد ~~كرسوا أنفسهم لإرشاد هؤلاء الأشخاص. واستطاع تلاميذهم أن ~~يبرروا بالحجة مسيرهم نحو النجاح على حساب العامة المتمسكة ~~- بتقاليدها - بالأخلاق، والتي ~~يضيق أفقها لذلك. وقد صور أرستوفان السفسطائيين، الذين كان ~~يمقتهم، في مسرحية «السحب» وهم يعلمون شابا كيف يتحاشى ~~دفع ما عليه من ديون. وربما كانت للسفسطائيين رسالة سيئة؛ كانوا ~~قوما دنيويين كفلاسفة - وكغيرهم من هؤلاء - على شيء من السذاجة في ~~دنيويتهم، كانوا أساتذة، يحاولون جاهدين ألا يكونوا محترفين، ~~ولكنهم لم يكونوا دائما ناجحين. # وبقي أرسطو حيا في كثير من مؤلفاته. وهو ليس بالكاتب صاحب ~~الأسلوب المصقول. ويعتقد كثير من الباحثين أن ما وصل إلينا ليس ما ~~كتب، وإنما هو مذكرات تلاميذه عن محاضراته، وهو يعد أحيانا ~~على نقيض أفلاطون تماما، وقد تلقى عليه العلم في شبابه. وبالرغم ~~من أن أرسطو لاحظ الفرق بينه وبين أستاذه وقام بتحليله - وبخاصة في ~~موضوع الشيوعية الأرستقراطية في «الجمهورية» وفي موضوع المرأة - ~~إلا أنه ليس في الواقع بالفيلسوف ذي العقل الجامد إذا قورن ~~بأفلاطون الفيلسوف ذي العقل المرن، وربما كان الأجدر - في الحقيقة ~~- أن نضم أرسطو إلى طائفة أولئك الذين يجمعون، أو يؤلفون، أو ~~يتوسطون بين المتطرفين من الجانبين: هذا العالم من ناحية، والعالم ~~الآخر من ناحية أخرى. كان يهتم بكل أمر، وكانت لديه في الواقع ~~غريزة الجامع، التي نسميها البحث عندما نطبقها على الأمور ~~العقلية. وتشمل مؤلفاته شمولا موسوعيا كل مجال المعرفة في ~~عهده، من الميتافيزيقا، إلى النظم السياسية المقارنة، حتى ~~البيولوجيا. ولكنه كان مع ذلك الفيلسوف، الرجل الذي يحاول أن ~~يخضع كل شيء لنظام معين، وأن يجد في الكون أغراضا خلقية يمكن ~~أن توضع في مصاف الأمور التي لها قيمة موضوعية. ms061 # والنقطة الرئيسية في مذهبه هي في الواقع تفسير لمذهب أفلاطون في ~~«الأفكار» بعد تعديله بعض شيء وصبغه بصبغة دنيوية. ويعد أرسطو ~~هذه المشكلة الميتافيزيقية الرئيسية مشكلة الشكل والموضوع (أو ~~الصورة والمادة)، وليست المادة بطبيعتها في الواقع بغير حياة، ~~ولكنها بغير هدف، سوى نوع من الإصرار الصامت والجهاد. أما ~~الصورة - وهي في الواقع العقل، ~~أو الروح، وهو يؤدي عمله في هذه الدنيا، فيحول المادة إلى شيء فيه ~~حياة وله هدف - شيء تستطيع الكائنات البشرية أن تدركه، ويمكن أن ~~يكافح في سبيل ما يسميه أفلاطون الفكرة. الصورة خلاقة، فعالة، ~~هادفة، أما المادة فتتنقل أو تتجمع فحسب. ويكاد المرء يحس أن أرسطو ~~يود أن يقول إن الصورة «شيء طيب»، وإن المادة «شيء خبيث». وهو يقول ~~فعلا إن الذكر صورة، وإن الأنثى مادة. # ومن الواضح أن «صورته» تقترب من «أفكار» أفلاطون، وأن «مادته» ~~تقترب من عالم الانطباعات الحسية الذي يبدو أن أفلاطون كثيرا ما ~~يوشك أن يعده غير حقيقي. غير أن أرسطو لا يشن الحرب قط على ~~المادة، فهو يقبلها، وهو كالعالم المغرم بالتصنيف، والذي يفتنه ~~تنوع المادة. وفي الحق أنه عندما يتعرض لتعريف أوضح للحياة ~~الطيبة يدنو تدريجا من مكانة لا تبتعد كثيرا عن أفلاطون، أو عن ~~بوذا، أو أي متصوف طيب. ونلمس ذلك في مذهبه المشهور الذي يعرف ~~ب «البصيرة» أو التأمل الذي لا ينقطع في الله وهو المحرك الذي لا ~~يتحرك. أو السبب النهائي. و«بصيرة» أرسطو هي من غير شك حالة عقلية ~~تنتمي إلى حد كبير إلى العالم الآخر - وهي أيضا حالة بدنية؛ لأن ~~الحكيم لا يزال له جسم حتى في هذا الوجد الصوفي. وتشبه كتب ~~الدراسة هذه الحالة عادة ب «النرفانا» عند بوذا. غير أن أرسطو ~~يعتقد في جلاء أنه لا يستطيع الاقتراب من مرحلة «البصيرة» إلا قلة ~~نادرة من عقلاء الرجال. والجانب الأكبر مما كتب أرسطو عن العلاقات ~~الإنسانية يحث على طريق وسط إغريقي إلى درجة قصوى في كل أمر من ~~الأمور، بما في ذلك الاختيار بين مطالب الجسد ms062 ومطالب الروح. وسوف ~~نرى بعد قليل أن وصايا أرسطو الخلقية للرجل المتوسط من أبناء ~~الطبقة العليا في اليونان يمكن تلخيصها أحسن تلخيص في الحكمة ~~العامة التي تقول «بعدم الإفراط في أي شيء»، وهي من الخصائص ~~المميزة للآراء المقبولة عامة - وربما أيضا للسلوك - في ذلك ~~الحين. وهي وصايا إغريقية بمعنى قولنا إلى حد كبير إن حكم ~~بنيامين فرانكلين الخلقية أمريكية. # وقد عاشت آراء أرسطو في السببية حياة فلسفية طويلة - وهي تتفق ~~تقريبا مع آرائه عن الصورة والمادة - لأنها لا تزال حية في ~~التوماسية الجديدة الكاثوليكية، ويجد أرسطو لكل أثر أربعة أسباب: ~~مادي، وكفء، وصوري، ونهائي. السبب «المادي» هو المادة أو أجزاء ~~التكوين - كاللحم والخضر والماء، والمدة اللازمة لسبك الطبخ. ~~والسبب «الكفء» هو «الطباخ» أو «العامل»، والسبب «الصورة» هو ~~«الطبيعة»، أو «الصفة»، أو «الصورة» بالمعنى الأفلاطوني الأرسطي ~~المعروف؛ الذي يمكن أن يقال فيه إن هناك «مثالا» أو فكرة مثالية ~~للطبخة. أما السبب «النهائي» فهو الغرض من الطبخ - أن يكون ~~مغذيا، مشبعا للحواس، منبها للشهية. وإنما هذه أمثلة ~~محسوسة غير كريمة، ربما لا يوافق عليها أرسطو. وهي توحي بمشكلات ~~كثيرة: فهل «الطباخ» مثلا هو السبب «الكفء» الوحيد؟ أين البستاني ~~الذي زرع الخضر؟ وكيف تستطيع أن توقف سلسلة من الأسباب ~~والمسببات؟ وهلم جرا. # ويضيف أرسطو إلى هذه الأسباب العادية الأربعة، ما يمكن أن يكون ~~خامسا - الله، السبب الأول، وهو غير مسبب، دفع السكون إلى مسيره ~~المحير. وهذا هو الله الذي التقينا به من قبل عندما ذكرنا أنه ~~موضوع التأمل في «البصيرة». وقد كانت لهذا الإله حياة طويلة ~~باعتباره بداية ضرورية لسلسلة من الأسباب والمسببات التي لولاها ~~لما كانت بداية، ولكنه لم يكن قط إلها معبودا بحرارة ~~شديدة. # وأرسطو كذلك رجل يدعو إلى التوفيق، ويحاول أن يقارب بين الطرفين ~~المتناقضين، في التفكير السياسي وفي كثير من غيره. ومما يميزه ~~حقا أنه لم يكتب «جمهورية» عن دولة مثالية، وإنما قام بدراسات ~~مقارنة دقيقة جدا عن العمل الواقعي للنظم الحكومية في مختلف ~~المدن الحكومية الإغريقية، وهي دراسات ms063 من النوع الذي يألفه طلاب ~~العلوم السياسية ونظم الحكم في أمريكا. ولم تصل إلينا هذه ~~الدراسات، فيما خلا «دستور أثينا»، غير أن لدينا عنها آراء عامة ~~مبنية عليها في كتابه «السياسة»، وهو لا يزال كتابا يدرس بعناية ~~فائقة. # وقد قدم إلينا أرسطو عبارة من أشهر العبارات في الكتابات ~~السياسية، وتلك هي «أن الإنسان حيوان سياسي أو اجتماعي»، وكثير من ~~السياسة ليس إلا توسعا في هذه العبارة، أو جهدا لعلم اجتماعي ~~في السياسة هو أيضا مجموعة من القواعد الخلقية؛ فأرسطو، والرجل ~~الأثيني المتعلم التقليدي - فيما نحسب - في التاريخ العظيم، يرى أن ~~مثل هذه العبارة لهربرت سبنسر: «الفرد والدولة» لا معنى لها؛ ~~فالفرد عند أرسطو جزء لا يتجزأ من الجماعة التي نسميها الدولة، ~~وليس بوسعه أن يحيا حياة طيبة إلا في داخل الدولة. غير أن أرسطو لم ~~يؤمن بالحكومة الشاملة، أو بحكم الاستبداد؛ فليس الفرد عنده مجرد ~~واحد من رعية خاضعة لدولة تملك كل القوى؛ فالمواطن في الدولة ~~الصحيحة له ما ألفنا أن نسميه في النظريات السياسية حقوقا. وليست ~~الدولة وحدة، وإنما هي مجموعة أفراد؛ مجموعة فيها صراع خلقي، صراع ~~يتضمن حقوق الأفراد. # ولم يكن أرسطو من دعاة المساواة؛ فهو يعتقد أن الرق طبيعي، وأن ~~بعض الأفراد قد ولدوا ليكونوا أرقاء. وقد سبق بفكره، إلى حد ما، ~~ما أمسى فيما بعد النظرية العضوية في الدولة - بمعنى أن كل فرد ~~يولد لمكانة ما، ولوضع ما، وأن الدولة الطيبة هي تلك التي يكون ~~لكل فرد فيها مكانته التي أرادتها له الطبيعة. # ويشغل أرسطو جانبا كبيرا من كتابه بتصنيف أنواع الحكومات ~~القائمة ونقدها. وتحتوي «جمهورية» أفلاطون تصنيفا للحكومات يتخذه ~~أرسطو قاعدة له. والحقيقة التي تهمنا هي أن من هذا التصنيف اشتق ~~كثير من مصطلحات النظريات السياسية، وكثير أيضا من موضوعات الجدل ~~السياسية، التي لا تزال قائمة حتى اليوم. يميز أرسطو بين ستة أنواع ~~من الحكومات؛ ثلاثة منها مرغوب فيها، وثلاثة أخرى انتكاس لها. ولكل ~~نوع من الأنواع الثلاثة الطيبة فضائله، ويمكن لكل نوع منها في ms064 ~~الأحوال التي تلائمه أن يكون نوعا طيبا من الحكم، ويمكن لكل نوع ~~منها أن ينحط إلى نوع سيئ جدا من الحكم. # والأنماط الستة هي: «الملكية»، وهي حكم رجل واحد متفوق، ~~وانتكاسها «الاستبداد»، الذي يتحكم فيه الحاكم المفرد - الذي ليس ~~في الواقع متفوقا في فضائله - بسبب امتلاكه القوة. ~~و«الأرستقراطية»، وهي حكم الأقلية، ولكنها الأقلية الأحكم ~~والأفضل، وانتكاسها «الأوليجاركية»، وهي أيضا حكم الأقلية، ~~ولكنها ليست الأقلية الحكيمة، وإنما هي الأقلية صاحبة القوة، التي ~~قد تعتمد قوتها على الثراء، أو السلاح، أو على قدرتها على تناول ~~الآخرين. وهناك «البوليتيا» (أو الجمهورية الدستورية، وليست لهذه ~~الكلمة ترجمة جيدة)، وهي دولة تقوم على حكم الشعب، والمساواة ~~التقريبية، ولكنها دولة كل المواطنين فيها فضلاء. ~~و«الديمقراطية» هي انتكاس البوليتيا، التي تحكم فيها الكثرة، وهم ~~العامة، غير المدربة، غير الفاضلة. # ويدرس أرسطو الطريقة التي ينقل فيها الشكل من هذه الأشكال إلى ~~غيره، وهو بعبارة أخرى لا يقف عند حد الوصف الثابت لأشكال معينة من ~~الحكم، وإنما يحاول ديناميكية الحكم. ثم إن أرسطو - كما لاحظنا عند ~~الإشارة إلى اعترافه بإمكان وجود أشكال مختلفة من الحكم - يهتم ~~بإبراز العلاقات بين المثل والظروف الفعلية. ليس هناك شكل واحد ~~كامل، وإنما هناك أشكال تطبق - تطبيقا حسنا أو سيئا - على ~~الحدود التي ترسمها الظروف. ومن ثم فإن أرسطو هو - إلى حد ما ~~- ما أسميناه فيما بعد بالنسبي، وكثير من هذا الجانب من تفكيره ~~يلائم صاحب العقل الجامد، العالم، الرجل الذي يهمه أن يعرف الحدود ~~الأرضية للجهد البشري في السياسة. # غير أن أرسطو ليس البتة جامدا (دنيويا) بالمعنى الحديث؛ فما ~~أبعده مثلا عن أن يكون مكيافيليا، وما يسميه الديمقراطية ~~يعده انتكاسا للبوليتيا الهادئة المتمسكة بالقانون، التي ~~يتساوى فيها الناس ظاهرا، دون مغالاة في المساواة. ولاحظ أن ~~تمييزه بين الأشكال الطيبة والأشكال السيئة من الحكم هو أن للأولى ~~«فضيلة» وفيها «خير»، وأن الثانية ليس لها إلا «القوة» و«الثراء» ~~و«الأعداد»، وما إلى ذلك. ولم يكن أرسطو واقعيا بالتأكيد بالمعنى ~~التقليدي الحديث للكلمة، ويكاد يحس إحساسا قويا، ms065 كما أحس ~~أفلاطون، أن مجرد النجاح فوق هذه الأرض لا يكفي، حتى في السياسة؛ ~~فليس النجاح الدنيوي إلا بداية الإخفاق، ما لم يكن نجاحا خلقيا، ~~نجاحا يتفق وخطة هذا الكون، أو الغرض منه. # وقد انصرف أرسطو - كما انصرف أفلاطون من قبل - عن العالم الجاف؛ ~~عالم المدن الحكومية المتصارعة، عالم النضال الطبقي، عالم النجاح ~~والإخفاق، إلى عالم آخر أفضل، وأنقى، وأكثر استقرارا. وهو ليس ~~بالعالم غير الدنيوي الصارم كعالم الملك الفيلسوف عند أفلاطون، بل ~~إن أرسطو في الواقع قد صدم صدمة قوية من رأي أفلاطون في ~~الاستغناء عن الأسرة، ومساواة المرأة بالرجل، إنما عالمه المثالي ~~يبتعد قليلا عن عالمنا - وعالمه - الواقعي. غير أن تلك الفجوة ~~الصغيرة التي تفصل بيننا وبين عالم أفضل تبدو للكثيرين شديدة ~~العمق، ولم ينجح أرسطو قط في تبيان الطريقة التي نعبر بها هذه ~~الفجوة. # ومن الواضح أن أرسطو لم يكن ماديا، بل إن فكرته عن الهدف (أو ~~التليولوجي)، فكرته عن الحياة هنا فوق هذه الأرض من أنها جهاد نحو ~~الأفضل، أو نضال الصورة في أن تتحكم في المادة - هذه الفكرة جذبت ~~أجيالا من المفكرين، واستخدمتها المسيحية دون تردد. كما أن ~~مصطلحاته لم تمح قط من مجال الفلسفة. ويبدو لمؤسسي العلم ~~الحديث في القرنين السادس عشر والسابع عشر، الذين تزعموا الثورة ~~على سلطانه، أنه يستخدم منطقا استنباطيا قاحلا، لا يترك مجالا ~~للتجربة المثمرة والاستقراء. بيد أنه لم يفتقر إلى الإتباع، وقد ~~يعيش طويلا باعتباره وسيطا عظيما بين الباحثين القلقين عن ~~المثالي - أو الحقيقي. # الثقافة الكلاسيكية # من أشق الأعمال في تاريخ الفكر الوصف الواضح لذلك الشيء ~~المعقد الذي نسميه - على تنوع الأسماء - ثقافة مكان معين ~~ووقت معين، أو روح العصر، أو - إذا استخدمنا اصطلاحا ألمانيا ~~حديثا - «زيتجيست» # Zeitgeist # وهناك فعلا مثل هذا الشيء، هناك انطباع شامل يتكون من عدد ضخم ~~من التفصيلات التي يلائم بعضها بعضا بشكل ما، ويمكن توضيح ذلك - ~~على سبيل المثال - في تعبير سهل الإدراك، بثقافة أواخر القرن ~~الثامن عشر في العالم الغربي، أو ما يعنيه ms066 أكثر الأمريكان عندما ~~يتحدثون عن الأساليب «الاستعمارية». إن أزياء الرجال والسيدات، وفن ~~العمارة كما تتمثل في وليامز برج بعد استردادها، والأثاث، وموسيقى ~~موزار وهايدن، وصور جينزبره وكوبلي - كل ذلك، وكثير غير ذلك - ليس ~~في الزمان والمكان إلا الثقافة الغربية في القرن الثامن ~~عشر. # ولقد أخرج الإغريق، وبخاصة إغريق أثينا في القرنين الخامس ~~والرابع قبل الميلاد، ثقافة من هذه الثقافات، أو كلا من هذه ~~الكليات التي تتكون من أجزاء عدة، وهي ثقافة ما فتئت تفتن ~~المتعلمين من النساء والرجال، ولقد رأينا من قبل أن الإغريق في ~~الفكر الفلسفي الشكلي وضعوا الأسس التي بنى عليها فلاسفة الغرب، ~~ولم يتجاوزوها قط. غير أن ثقافة الإغريق العظمى كانت تفوق كثيرا ~~الفلسفة الشكلية؛ فقد كانت - على الأقل للأقلية المثقفة - أسلوبا ~~من أساليب العيش. # وإنا لنحكم على هذه الثقافة العظيمة بآثارها - من عمارة، إلى ~~نحت، إلى فنون صغرى، إلى أدب - التي بقيت أكثر من ألفي عام بالرغم ~~مما نالها من إهمال ولحق بها من حروب، ومن أسباب البلى والاختلال ~~من جميع الضروب. ومن الجائز أن أسباب البلى هذه قد عملت على أن ~~تحفظ لنا الأفضل دون الأوسط. ومن ثم فإن ما وصل إلينا من ثقافة ~~الإغريق العظمى يفضل ما يمكن أن يكون مثالا صادقا لها. وربما ~~لم يصل إلينا إلا أفضل الفن الإغريقي، ولم يصل إلينا أسوءه أو ~~المتوسط منه. وربما كان الأمر شبيها بما قد يحدث في عام 4000 بعد ~~الميلاد عندما لا يجد الأثريون إلا تسجيلات عن بعض أعمال باخ ~~وموزار وبراهمز، ولا يجدون أثرا للموسيقى الخفيفة، أو الجاز، أو ~~الأغاني الفردية الخفيفة. إنهم عندئذ لا يستطيعون الحكم على ~~موسيقانا الغربية الحديثة. ومهما يكن من أمر فلا بد من التساؤل عما ~~إذا كان من الممكن أن نحكم على مستويات المعيشة الأثينية بمستويات ~~ما وصل إلينا من فن أثيني. # وسنحاول الإجابة عن هذا السؤال في الفصل القادم. وإنما ينبغي هنا ~~أن نلاحظ أن تيارا واضحا جدا في التاريخ الثقافي في مجتمعنا ~~الغربي يتبين في خلق ms067 أعمال فنية وفلسفية وعلمية كبرى على أيدي قلة ~~صغيرة جدا من عباقرة الرجال والنساء الذين يعملون ويعيشون عادة ~~وسط مجموعة مثقفة صغيرة نسبيا. وهناك - بالرغم من القطيعة ~~الجزئية خلال العصور المظلمة - سلسلة متصلة الحلقات من هذا النوع ~~من الثقافة من عهد اليونان حتى الوقت الحاضر. ويمكننا في صراحة أن ~~نسمي هذه السلسلة: سلسلة الثقافة الرفيعة، وليست هي السلسلة ~~الوحيدة التي تربطنا بالماضي، كما أنها ليست المادة الوحيدة لتاريخ ~~الفكر، ولكنها لب الموضوع الذي نحن بصدده. # ولكن الشكوك التي تتعلق بالصفة المميزة لما نعرف عن ثقافة ~~الإغريق العظمى يمكن أن توجه توجيها أفضل من ربطها بمسألة ~~العلاقة بين الثقافة الرفيعة والثقافة الوضيعة. يمكننا أن نضع ~~السؤال بطريقة مباشرة فنقول: ألم «يمجد» في الواقع الإنسانيون ~~والمربون والكلاسيكيون في أوروبا وأمريكا منذ عهد النهضة أثينا ~~لعهد بركليز أكثر مما ينبغي؟ ألم يأخذوا قليلا من المباني، ~~وقليلا من التماثيل، وقليلا من القصائد، وقليلا من الأبطال، ~~وينشئوا من كل ذلك صورة طيبة عن الماضي؟ وربما بالغ المعجبون في ~~عصرنا الحديث باليونان القديمة في فضائل معشوقهم، كما يفعل ~~العشاق دائما. ولكنك لست ملزما بالأخذ بما يرون؛ فإن التصوير ~~الشمسي والصحافة تمكن كل امرئ من أن يعرف شيئا بطريق يكاد يكون ~~مباشرا عن هذه اليونان التي افتتن بها رجال الغرب أمدا طويلا، ~~وليست الأحكام العامة التالية إلا قليلا من معالم الطريق التي ~~تسترشد بها لكي تفهم بنفسك الإغريق. # وأول ما نلاحظه هو أن الثقافة الإغريقية في تقاليدنا الكلاسيكية ~~هي ثقافة دنيوية إلى حد كبير، وكأن هؤلاء الفنانين، وكتاب ~~المسرحية، والصناع، والرياضيين، لم يروا لأول وهلة حياة أخرى ~~تستحق أن يهتم بها المرء أو يأمل فيها. ليس هناك نعيم أو جحيم، ~~وربما ليس هنالك البتة شيء بعد الموت، أو لعل هناك على الأكثر ~~نوعا من المظهر الذي يسبق الحياة في الجنة؛ نوعا لا يشبه هذه ~~الأرض في خيرها أو شرها، أو في متعتها وإثارتها. وسوف نرى أن ~~مشكلات الحياة الأخرى كانت مشكلات واقعية حقا لكثيرين جدا من ~~الإغريق، ms068 حتى في عصر بركليز، ولكن قليلا من هذه المشاعر التي ~~أحستها عامة الناس ما وجد سبيله إلى الثقافة العظمى. نعم إن ~~أنتيجون قد أصرت على أن تؤدي شعائر الجناز على جثمان أخيها، وهي ~~تقول فعلا: «إن ولائي للموتى أعمق من ولائي للأحياء؛ ففي عالمهم ~~سوف تكون سكناي إلى الأبد.» ولكن النقطة الرئيسية في المسرحية ~~بأسرها هي مأساة أنتيجون في هذه الدنيا، «وليست مأساة روح ~~أخيها». # هذه الحياة إذن في الثقافة العظمى هي المقصودة. وفي هذه الحياة ~~ينبغي أن نتطلع إلى إشباع حاجاتنا البشرية الطبيعية - وهي بطبيعة ~~الحال رغبات طبيعية بشرية. ومن الكلمة اليونانية للطبيعة «فيزيا» ~~نشتق كلمتنا «فيزائي» - وهي كلمة ملائمة. وقد كانت الملذات ~~الفيزائية (البدنية) والشهوات الفيزائية عند الإغريق في عهد ~~الثقافة العظمى طبيعية جدا، وهي لذلك محترمة بطبيعة الحال؛ ~~فالطعام، والشراب، وممارسة الجد، والنوم، واللعب، والرقص، ~~والاستماع إلى الموسيقى، وعزف الموسيقى، وكتابة الشعر، واللغط، ~~والتفلسف - كل ذلك كان عند الإغريق مما يستحق الأداء، ومما يستحق ~~الإتقان. # وهذه صفة هامة: أن يستحق الأداء الإتقان. وكان الإغريق يميزون في ~~جميع نواحي نشاطهم الفرق بين الطيب والخبيث، والأفضل والأسوأ. ولم ~~يفترضوا أن هذه الحاجات البشرية الطبيعية يمكن إشباعها بسهولة ~~وبطريقة آلية، وذلك بأن يسمح لكل فرد أن يؤدي دائما ما يجده أيسر ~~من غيره. لم يعتقدوا ما يشبه فتح الصنبور وإتاحة الفرصة لرغباتهم ~~أن تتدفق، بل على العكس من ذلك كانوا يعتقدون في التربية، ~~والتدريب، وفي الحد من رغباتهم. وحكمتهم الشعبية (وهي دائما مصدر ~~مفيد لمؤرخ الفكر) تقول: «لا إسراف.» وهي بداية طيبة لكي نفهم ~~المبدأ الإغريقي العظيم الذي يقول بالحد. ولكن الرأي الكلاسيكي يرد ~~فيما كتب أرسطو، وبخاصة في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخوس». # يقول أرسطو إن أسلوب العيش الصحيح هو أن نحقق مبدأ الاعتدال بين ~~الكثرة والقلة. فأنت تحب الطعام - ولا بأس من ذلك؛ فالطبيعة قد ~~أرادت لك ذلك. ولكنك إن أفرطت في الطعام سمنت، وأصبحت مدعاة ~~للضحك، ولم تعد فاضلا، وهب أنك تفكر كثيرا في ازدياد وزنك ~~حتى إنك ms069 لتفقد متعة الطعام، أو أنك ألقيت بالا للفيتامينات ~~والحديد وغير ذلك من آراء فيما يختص بالتغذية (والإغريق بطبيعة ~~الحال لم يعرفوا عن الفيتامينات شيئا)، أو أنك تحولت إلى نباتي ~~عن قصد، فإن الإغريق في كل هذه الحالات يقولون إنك تهلك نفسك من ~~الجوع، وتحرم نفسك بحماقتك من الطيبات، وإنك تسير بنفسك نحو ~~الهزال الممقوت، وإنك في الواقع مذنب ترتكب رذيلة الإمساك (لاحظ ~~جيدا أن الإمساك قد أصبح في بعض النظم الأخلاقية الشكلية في ~~المسيحية فضيلة لا رذيلة، وأن التخمة باتت إحدى الخطايا البسيطة في ~~المسيحية). وفيما بين التخمة والإمساك تقع فضيلة الطعام الطيب عند ~~الإغريق. # وتستطيع أن تضرب بنفسك الأمثال المحسوسة لهذه القاعدة الخلفية ~~الإغريقية. ولذا فإن الامتناع عن الاتصال الجنسي، والعزوبة، أمر ~~غير طبيعي عند الإغريق، أمر فيه مبالغة، ومن ثم فهو غير فاضل. ~~كما أن الفوضى في الحياة الجنسية، وتسلط الشهوة والاهتمام المفرط ~~بالاتصال الجنسي، هي كذلك أمر سيئ؛ ولذا فهو غير فاضل. والوسط ~~الذهبي هنا، وفي غير ذلك من الشهوات، يقتضي السيطرة على النفس، ~~والاتزان، والاعتدال، وكمثال أخير لذلك نقول إن الشجاعة فضيلة من ~~غير شك، وهي فضيلة طيبة للرجولة. والجبن - وهو الافتقار إلى ~~الشجاعة - رذيلة شديدة الوضوح. ولكن المبالغة في الشجاعة هي كذلك ~~رذيلة، نسميها عادة: التهور، أو الاندفاع، وهي ليست صفة الرجل ~~الشجاع، إنما هي صفة الرجل المتظاهر بالشجاعة. # وهذا المثل الأخير يمدنا بسر الإحساس الذي كان ينتاب الإغريق ~~القدامى في تلك المشكلة الأبدية للبشرية - مشكلة العلاقة بين الفرد ~~والمجتمع الذي هو جزء منه. إن المتظاهر يفكر دائما في نفسه وفي ~~الطريق التي تسوقه إلى مكانه تحت الأضواء، وهذه المبالغة في ~~الاهتمام بالنفس كان الإغريق يمجونها؛ بل إنهم كانوا يحطون من شأن ~~الفرد الذي يسعى أن يشق طريقه بغض النظر عن زملائه في المدينة ~~الحكومية، حتى إن اللفظ الذي كانوا يعبرون به عن «الخاص» هو نفس ~~اللفظ الذي نعبر به نحن اليوم عن «الأبله». # وما كان للأثيني في العهد العظيم أن يدرك ما يعنيه كثير ms070 من ~~الأمريكان من قولهم: «الفردية المستوحشة». وقد كانوا بالتأكيد ~~يمجون مثل هذه الفردية. وكانت الثقافة الإغريقية العظمى - من ناحية ~~أخرى - تقوم بالفعل على المنافسة بين الأفراد؛ فكان الرياضيون منهم ~~يتبارون في الألعاب الأولمبية، وفي كثير غير ذلك. وشعراؤهم كذلك ~~كانوا يتبارون في التشرف بأداء مآسيهم رسميا، وكانوا يمنحون ~~جوائز خاصة - للأول والثاني والثالث. وكان الفرد الذي يقوم بعمل ~~يستحق الأداء في نظر الإغريق، والذي يتقن هذا العمل إلى درجة ~~قصوى، يشار إليه بالبنان ويلقى التكريم باعتباره فردا. ويتضح ~~مما نعرف عن الحياة الأثينية في العصر العظيم أن الشخصية، والصفات ~~الذاتية، بل ربما كذلك درجة يسيرة من الشذوذ، كانت مما ينال ~~التقدير ويظفر بالتشجيع. # وهكذا نرى في مجال آخر تلك الصفة التي تميز بها الإغريق، وهي ~~محاولة بلوغ الوسط بين الإفراط والتفريط؛ فهم لم يريدوا مجتمعا من ~~الأفراد المتشابهين ولا مجتمعا من الأفراد المختلفين، لم يريدوا ~~أن يسلك الأفراد في المجتمع سلوك النمل أو النحل، في نظام، وبغير ~~تفكير، ككثير من الأفراد الآليين - وإن يكن خصوم إسبرطة ظنوا أن ~~الإسبرطيين قد اقتربوا من هذا الضرب من السلوك. وهم كذلك لم يريدوا ~~أن يسلك الأفراد في المجتمع سلوك القطط، كل لنفسه، وكل يتفاخر ~~بطريقته الخاصة، وكل على استعداد دائما لأن ينقض على فريسته - ~~وإن يكن خصوم أثينا ظنوا أن الأثينيين قد اقتربوا من هذا الضرب من ~~السلوك. وإنما أرادوا أن يكون الرجال مواطنين وأفرادا في وقت ~~واحد، وأن يخضعوا للقوانين العامة والعادات العامة، على ألا يعيشوا ~~عيشة رتيبة تتحكم فيها العادة، وأن يكونوا كفريق اللاعبين الطيب، ~~على أن يلمع كل منهم كنجم من النجوم، ومما لا شك فيه أنهم لم ~~يبلغوا في أدائهم في كل حالة من الحالات المثل الذي ضربوه ~~لأنفسهم. # وإنما بلغوا هذا المثل في أحسن الحالات فيما وصل إلينا من ~~فنونهم، أو لعلهم فعلوا ذلك في شكل واضح جدا لنا بعد ألفي عام من ~~عهدهم. وقد حاول النقاد قرونا عدة أن يصفوا بالألفاظ ما حققه ~~الإغريق كفنانين، فتحدثوا عن ms071 القياس، وعن الاتزان، والتحفظ، ~~والانسجام، وعن السكون، والكرامة. وهم يستعملون صفات مثل: الهادئ، ~~والمكتفي بذاته ، والنظامي، والمتعلم، ولكن أكثرهم - برغم ذلك - ~~يصرون أيضا أن ذلك ليس معناه أن يكون الفن شكليا، لا حياة ~~فيه، ولا عاطفة، وإنما معناه أن يكون عميقا، متحركا، نشطا. ~~ونستطيع أن نقول في كلية موجزة إن النقاد يعتقدون أن قلة من نوابغ ~~الإغريق على الأقل قد حققوا شيئا يكاد يبلغ حد الكمال في الفن - ~~وذلك هو الوسط الذهبي، وهو ليس مجرد التوسط، وليس مجرد التوفيق بين ~~الطرفين، وإنما شيء - كالحياة ذاتها - يتجاوز «الإفراط»، كما ~~يتجاوز «التفريط». # وإذا أنت نظرت إلى أمثلة محسوسة من هذا الفن - ويحسن أن يكون ~~ذلك بالموازنة مع أشكال الفن الأخرى غير الإغريقية - استطعت أن ~~تحكم بنفسك، وبقي الإغريقي - بطبيعة الحال - مرموقا منذ الحين، ~~وأصبح يعرف في مجتمعنا بالكلاسيكي. وقد ألف النقاد أن يوازنوا ~~بين هذا الفن الإغريقي وفن شعوب الشمال الذي جاء بعد ذلك، والذي ~~يسمونه الرومانتيكي، وسوف نعود إلى هذه الثنائية في الكلاسيكي ~~الرومانتيكي عندما نبلغ العصر الحديث، ويكفينا هنا أن نلاحظ أن ~~الأعمال الفنية المحسوسة تختلف اختلافا بينا، مهما تحاول الكتب ~~المدرسية أن تجعل هذا الخلاف من الأمور المجردة التي لا تمت إلى ~~الواقع بصلة. # انظر أولا إلى معبد أثيني، وليكن البارثينون في أثينا، كما هو ~~اليوم في أطلاله، وكما صوره الأثريون (في النماذج)، ثم انظر إلى ~~كاتدرائية غوطية، ويحسن أن تكون فرنسية، ككاتدرائية شارتر أو ~~أميان. ثم انظر إلى مركز روكفلر أو مبنى الأمباير ستيت في نيويورك، ~~أو إلى أي بناء أمريكي شامخ. ثم فكر في عبارات النقاد التي ~~أوردناها. إنك سوف تجد لها مغزى. المعبد الإغريقي منته، في حين ~~أن الكاتدرائية الغوطية وناطحة السحاب الأمريكية تبدوان كأنه قد ~~تحتم عليهما أن تواصلا الصعود. وكأن المعبد الإغريقي - بالرغم من ~~أعمدته الرأسية - يؤكد الأفقي، في حين أن الأبنية الغوطية ~~والأمريكية تؤكد الرأسي قطعا. الأول يبدو كأنه راض ومرتبط ~~بالأرض، وتبدو الأخرى طموحة منطلقة إلى السماء. الأول كالصندوق، ~~والأخرى كالشجرة - أو ms072 الغابة. # ولا يفتقر هذا الفارق - بطبيعة الحال - إلى تفسير معقول أو ~~طبيعي؛ أي إلى تفسير يحاول أن يلتمس السبب في المفارقة في شيء هو ~~في النهاية خارج عن إرادة الإنسان (أو مثله، أو آرائه، أو ~~أهدافه، أو آماله). ويعتقد بعضهم أن خطوط المعبد الإغريقي يحددها ~~مناخ البحر المتوسط الصافي، وأن خطوط المعبد الغوطي يحددها جو ~~الشمال كثير الضباب، وهناك نظرية تقول بأن البنائين الإغريق إنما ~~نقلوا إلى الحجر خطوط المباني الخشبية البسيطة للإغريق القدامى. ~~وهناك نظرية تقول بأن الكاتدرائية الغوطية تضرب في الهواء لأن ~~المدينة في العصور الوسطى كانت محدودة المساحة مسورة بحيث لم ~~تسمح لها بمساحة أفقية. ومن هذه النظرية اشتقت النظرية الأخرى ~~التي تفسر ناطحة السحاب الأمريكية بالمساحة المحدودة في جزيرة ~~مانهاتن. وهناك نظرية أخرى تقول بأن شكل العبادة (سواء أكان ~~طقوسيا أم كنائسيا) في الديانة الأولمبية الإغريقية وفي ~~المسيحية الغربية هو الذي حدد أشكال المباني التي تقام فيها، ~~وهناك نظريات كثيرة أخرى. # وأكثرها له معنى، ويعاوننا على الإدراك في النهاية. غير أنه ~~ليست هناك واحدة منها تفسر كل شيء، وبعضها - إذا أخذناه تفسيرا ~~وحيدا لا يتفق وجميع الحقائق التي نعرفها. من ذلك أن المساحة التي ~~تشملها مدينة إغريقية مسورة (الأكروبوليس) كانت على الأقل في ضيق ~~المساحة التي تشملها مدينة العصور الوسطى. ومع ذلك فلم يشمخ المعبد ~~الإغريقي إلى العلى، ولو سلمنا بأن البنائين الإغريق والمهندسين ~~المعماريين التزموا التقاليد وكانوا ضعافا في الهندسة، فإنه مما ~~لا جدال فيه أنهم لو تطلعوا إلى الضخامة أو الشموخ لما افتقروا إلى ~~«المهارة الفنية»، وإن هم افتقروا إلى المصادر الاقتصادية، التي ~~تمكنهم من تنفيذها في صورة مبسطة. وقد استطاع المصريون من قبلهم ~~أن يحققوا الضخامة في الأهرام، بوسيلة سهلة، وهي وضع الحجر فوق ~~الحجر. # ولا مناص لنا من الحكم بأن الإغريق «أرادوا» ما بنوا، كما أن ~~الأمريكان «أرادوا» ناطحات السحاب؛ لأننا شيدناها فوق البراري ~~الفسيحة، كما شيدناها فوق جزيرة مانهاتن المحدودة. إن الإغريق في ~~عهد الثقافة العظمى لم يريدوا الضخم أو الضارب ms073 إلى السماء. ومهما ~~تكن النظريات الطبيعية أو العقلية نافعة في تفسير بداية فن من ~~الفنون ، فيجب ألا ننسى - إذا أردنا أن نفهم تطور الفن كله - أن ~~الآراء التي يعتنقها الناس بشأن الجميل، والنافع، المرغوب فيه، ~~تعاون الفن على أن يبقى حيا ناميا. وعند مرحلة معينة تتجسد ~~هذه الأفكار، بل ويصيبها تحوير طفيف. والإغريق في عهد بركليز بنوا ~~ما بنوا - إلى حد ما - لأنهم ~~فكروا وأحسوا بطرق معينة، ولأنهم رغبوا في أشياء بعينها. # وإنا لنحس هذه التجربة ذاتها في فن النحت الإغريقي؛ انظر إلى ~~الآلهة والإلاهات عند مدخل البارثينون، ثم انظر إلى القديسين عند ~~الجبهة الغربية لكاتدرائية شارتر. هنا أيضا تجد الإغريق مطمئنين، ~~ممتلئين، أقوياء البنية، غير جزعين، في حين أن المسيحيين في العصر ~~الوسيط كانوا هزيلين إلى حد ما، طموحين، يفيضون بإحساس رقيق غير ~~دنيوي، أو بالزهد، أو بالتقشف، ويمكن هنا أن يعبر عما نقول ~~بصورة أوضح، عمل إغريقي تم فيما بعد، وقد جاوز الثقافة العظمى ~~التي نحاول الآن أن نتفهمها. انظر إلى تمثال لاوكون وأبنائه الذين ~~تهاجمهم الأفاعي، هذا التمثال الذي كثيرا ما ننسخ صورا منه، إنه ~~عمل من أعمال القرن الذي جاء بعد الثقافة العظمى، وهو يدعو إلى ~~الإعجاب. إن هذا العمل يخلو من الوقار، وهو لا يمت إلى الوسط ~~الذهبي بصلة. إن لاوكون وأبناءه يعانون بشكل واضح، أو بعبارة ~~أرسطو، بشكل غير كريم. وفي هذا تطرف - وربما كان يصدق على ~~الحياة، ولكنه لا يصدق على مثل الثقافة العظمى. # أو خذ أمثلة من الأدب، واذكر دائما أن اليونانية لا بد أن ~~تفقد شيئا إذا ما ترجمت. وإليك سطرين لسيمونيدس نقشا على ~~النصب التذكاري الذي أقيم لثلاثمائة جندي إسبرطي (لاكيديمونى) ~~آثروا الموت في ترموبولي على أن يستسلموا للفرس (وقد بات لترموبولي ~~فيما بعد عند الإغريق - لا للإسبرطيين وحدهم - نفس المعنى الذي ~~تحمله ألامو لأبناء ولاية تكساس): # سيروا أيها العابرون وقولوا لأهل لاكيديمونيا إننا نرقد ~~هنا طاعة لما أمروا. # وقد نظم ه. ل. سيفر هذا المعنى في شعر إنجليزي ترجمته ms074 ~~كالآتي: # انشر أيها الغريب في إسبرطة التي أصدرت أوامرها، # أننا هنا في قبورنا طائعون. # ثم تحول بفكرك نحو معركة أخرى، ونحو قصيدة أخرى ~~تخلدها: # عند القنطرة التي تعبر النهر الفائض، # تنشر رياح أبريل أعلامهم. # هنا وقف الفلاحون في المعركة، # وأطلقوا نيرانهم # تدوي في جميع الأرجاء. # القصيدة الأولى كلاسيكية، مقيدة، تقتصد في ~~التعبير، والثانية رومانتيكية، تطنب في العبارة الأخيرة بقصد ~~الإثارة. ولكن اعلم أن الإغريق كانوا يفخرون بترموبولي كما يفخر أي ~~أمريكي (يانكي) بالقتال في كنكورد. ولا يتصف نظم سيمونيدس خاصة ~~بالتواضع؛ فهو يفخر بطريقته كما يفخر إمرسون، ولا ينبغي كذلك أن ~~نقول إن سيمونيدس شاعر مجيد، وإن إمرسون شاعر مسف، أو عكس ~~ذلك. وإنما هما شاعران مختلفان في ثقافتين مختلفتين. # وأسوق إليكم مثالا أخيرا في رأي ناقد بلسان آخر: كان الكاتب ~~الإنجليزي ماثيو أرنولد في القرن التاسع عشر يلمس نغمة إغريقية أو ~~كلاسيكية ونغمة أخرى كلتية أو رومانتيكية في تقاليد الأدب ~~الإنجليزي، أو حتى في الشاعر الواحد. ووضح رأيه بمثال من أعمال ~~كيتس. يقول أرنولد إن كيتس وهو يقول: # أية مدينة صغيرة هذه، # على ضفاف النهر أو شاطئ البحر، # أو على سطح الجبل، # ذات القلعة الساكنة، # تخلو من ساكنيها، # في هذا الصباح المقدس؟ # إنما يكتب وفقا للتقاليد الإغريقية المعتمدة. في ~~حين أنه عندما يقول: ~~... هذه النوافذ السحرية، # التي تطل على زبد البحار الخطرة، # مهجورة في بلاد من نسج الخيال. # إنما يكتب بسحر الرومانتيكية الكلتية. # وأنت قد تعجبك أو لا تعجبك بطبيعة الحال صفات ~~الثقافة الإغريقية الكلاسيكية كما تبدو في فنها. وقد استبدل النقاد ~~الهدامون مصطلحات هدامة بتلك التي استخدمناها في هذا الكتاب طبقا ~~للتقاليد؛ قالوا إن الفن الإغريقي والآداب الإغريقية شكلية أكثر ~~مما ينبغي، ضحلة، محدودة، عقلية أكثر مما ينبغي، ثابتة، لا حياة ~~فيها، تفتقر إلى تحسس الغامض وتنوع الجوانب في الوجود البشري - ~~فهي أرستقراطية بالمعنى السيئ المتعالي. والواقع أن عاشقا عظيما ~~من عشاق اليونان القديمة هو جلبرت موري قد أشار إلى أن ما وصل ~~إلينا من الثقافة الإغريقية إنما ms075 بقي عن طريق النقل الذي قام به ~~البيزنطيون المتأخرون، والمسيحيون، والإنسانيون في عهد النهضة، ~~ورجال التربية - أو الطوائف ذات الاحترام البالغ، في إيجاز - ومعنى ~~ذلك بالتأكيد أن ما وصل إلينا هو مختارات من أعمال الإغريق لا ~~تمثلهم تمثيلا صادقا. وربما كان في أثينا في القرن الخامس من ~~المتطرفين، المتطلعين إلى السماء، الناقمين على الجحيم، ومن ~~الشخصيات الرومانتيكية الجامحة أكثر مما سجله العرف، غير أن ~~الحقيقة المحسوسة لا تزال قائمة تتمثل في المعابد والتماثيل كما ~~تتمثل في الشعر والنثر. ولم يظهر بعد من النقاد الهدامين من ~~يقول بأن الأثينيين في القرن الخامس كانوا ينظرون إلى البارثينون ~~وفن النحت فيه كأنه من أعمال أرستقراطية غربية. ولا يزال من ~~الإنصاف أن نقول إن أذواق أولئك الذين رسموا لنا معايير الثقافة ~~العظمى كانت كلاسيكية ولم تكن رومانتيكية. # وتستطيع أن تدرك ما يرمي إليه النقاد الرومانتيكيون المعادون إذا ~~تمثلت في ذهنك تمثال أفروديت - إلهة الحب - الذي وجد في جزيرة ~~ميلوس ببحر إيجة، الذي نعرفه جميعا باسمه اللاتيني الإيطالي ~~«فينوس دي ميلو». وربما كان هذا التمثال هو أكثر التماثيل ألفا في ~~العالم أجمع، ولا تزال نسبه - كما يقولون - هي المقياس في ~~«هوليوود» و«مدينة الأطلنطية» كمثل رفيعة على الأقل. ومع ذلك فإن ~~أفروديت قل أن تحرك إنسانا إلى أبعد من الإعجاب. ومن العسير ~~أن نفكر فيها من حيث علاقتها بالحب؛ فهي باردة جدا، حتى ~~باعتبارها إلهة. # وقد يكون تمثال فينوس دي ميلو - بمعنى ما - نوعا من التوسط ~~الذهبي الأرسطاطيلي بين طرفي الطول البالغ والقصر البالغ، ~~والبدانة المفرطة والنحافة الزائدة، بل إن مقاييسها الكلاسيكية قد ~~تكون متوسطا حسابيا لمقاييس الملايين من أخواتها الأوروبيات. ~~ولكن أمثال هذه النسب في الأجسام الحية نادرة. إن فينوس دي ميلو ~~هي أحد الأشياء التي يحسبها أرستقراطية حتى أكثرنا ديمقراطية. وكل ~~الثقافة التي تحدثنا عنها هي أرستقراطية بكل جلاء. # هي أرستقراطية بمعنى واضح، وبمعنى بغيض لأكثر الأمريكان ~~المحدثين؛ لأنها تستند في مبرراتها إلى أنه لا يستطيع حقا متابعة ~~مثلها الرفيعة، ولا يستطيع حقا أن ms076 يحيا حياة طيبة، إلا أولئك ~~الذين لا يتحتم عليهم العمل لكسب العيش. وهنا أيضا نجد أن أرسطو، ~~الذي كان أحسن من يمثل مجتمعه من بعض نواحيه، بالرغم من أنه جاء ~~متأخرا في العصر العظيم للثقافة الإغريقية، خير شاهد على ما نقول. ~~يعتقد أرسطو أن العمل اليدوي الشاق بل والاشتغال العام بالعمل، ~~يمنع أولئك الذين يتحتم عليهم العمل من العيش عيشة طيبة، فإن أمثال ~~هؤلاء الناس لا يجدون الوقت الذي يمكنهم من اكتساب التجارب ~~العقلية والخلقية الضرورية للرجل الكامل. هؤلاء لا بد لهم من ~~المبالغة في شيء ما، أو الإفراط في عمل ما، ومن ثم فإن ~~أجسامهم لا تنمو نموا متسقا. انظر إلى عضلات الحداد البارزة، ~~وإلى عضلات الكاتب في الديوان أو المحاسب الضامرة. ويبدو أن أرسطو ~~لم يذهل بتاتا من هذه الحالة، بل هو العكس من ذلك، كان يدافع عن ~~الرق، باعتباره أمرا طبيعيا وهو لذلك أمر طيب. بعض الناس يولد ~~لكي يقوم بالعمل الذي لا بد للرفيق أن يؤديه، ومن الملائم أن يقوم ~~به. وكذلك أحس أفلاطون إحساسا قويا أن الحياة الطيبة - أحسن ~~حياة - ميسرة للقلة وحدها، ولم يكن أرسطو على اتفاق دائما مع ~~أفلاطون. ويتحدث أفلاطون في تشبيه شهير له في «الجمهورية» عن ~~ثلاثة أنواع من الرجال: رجال من الذهب (الآلهة، وهم الرأس)، ورجال ~~من الفضة (وهم المحاربون، أو القلب)، ورجال من البرونز أو الحديد ~~(وهم العمال، أو المعدة). ومن الطبيعي أن يكون رجال الذهب قلة ~~لها مكانتها، وتستحق أن تكون في القمة. # كانت ثقافة اليونان في ذروة أيامها أرستقراطية؛ لأن معاييرها من ~~النوع الذي يجده أكثر الرجال - في وضوح وجلاء - مستحيل المحاكاة في ~~المعيشة؛ فليس من السهل - حتى ~~على أولئك الذين ليست بهم حاجة إلى العمل من أجل العيش - أن يحقق ~~المرء الوسط الذهبي في كل أمر من الأمور، وأن يربي الذوق السليم ~~في كثير من الميادين، وأن يحيا حياة متزنة مختلفة الألوان. ولكن ~~هذه الثقافة كانت كذلك أرستقراطية لسبب آخر، وربما كان أعمق من ~~ذلك. كان ms077 الإغريقي في عهد الثقافة العظمى على استعداد لأن يقبل ~~العالم بطريقة مشابهة لتلك التي يقبله بها العالم. كان يعمل ~~بالمادة التي يستمدها من خبرته، ويحاول أن ينظمها حتى تشبع حواسه، ~~ولكنه لم يحاول أن يجاوزها، إلا بالمعنى الذي تجاوز به فينوس دي ~~ميلو هذا العالم؛ عالم الخبرة الحسية. لم يكن عنده أمل في خلوده ~~الشخصي، أو عقيدة في إله يهتم بمصيره معنويا، أو مشاعر تقابل ~~تمام المقابلة ما نفهمه من معنى الإحساس بالذنب، بالرغم مما كان ~~لديه من آراء واضحة عن الحق والباطل. # وإذا أردنا أن نعبر عن ذلك تعبيرا بسيطا قلنا إنه ينشد ~~السعادة فيما لديه من عالم الخبرة المحسوسة. وهو لا يستطيع أن ~~يستعيض إحساسا بإحساس، أو أن يسمو بمشاعره، ولا يستطيع أن يظفر ~~باحترامه لنفسه بطريقة غير الطريقة المباشرة، وهو لا يستطيع أن ~~يكتسب القوة والعزاء من أكثر الوسائل التي تربطها بالدين. نعم كانت ~~لديه وطنية المدينة الحكومية، في العصر العظيم، تسمو به، ولكنا سوف ~~نرى بعد حين أن هذا المعين لم يشف غلته. قل من الناس من يستطيع ~~أن يبذل الجهد الروحي (وقد يكون بطبيعة الحال جهدا غير موفق) ~~الذي يتطلبه المرء لكي يقبل هذا العالم الصارم في بساطة كما ~~قبله الإغريق في عصرهم الذهبي. # الفصل الثالث # | أزمة الثقافة الإغريقية # في الذكرى السنوية الأولى للحرب العظمى بين أثينا وإسبرطة (عام ~~431ق.م) ألقى بركليز قائد أثينا - الذي انتخب انتخابا ديمقراطيا - ~~خطابا في الصلاة التذكارية التي أقيمت للأثينيين الذين ماتوا في ~~العام الأول من القتال. وهذا الخطاب في ذكرى الموتى - كما رواه ~~المؤرخ ثيوسيديد - تقويم بليغ أكيد لعظمة أثينا، قال: # إننا نسمي دستورنا ديمقراطيا؛ لأنه في أيدي الكثرة دون ~~القلة، ولكن قوانينا تكفل المساواة في العدل للجميع في ~~منازعاتهم الخاصة. والرأي العام عندنا يرحب - ويكرم - ~~بالموهبة في كل ناحية من نواحي العمل، يرحب بها، لا من أجل ~~سبب طائفي، ولكن من أجل الإتقان وحده ... ولكن مدينتنا برغم ~~هذا ليست مدينة عمل يومي فحسب؛ فليست هناك مدينة أخرى تمد ms078 ~~مثلها للروح أسبابا للترفيه متنوعة - من مباريات وتضحيات طوال ~~العام، وجمال منشآتنا العامة - تحيي القلب وتسر العين ~~يوما بعد يوم ... نحن نعشق الجمال بغير إسراف، ونعشق الحكمة - ~~دون أن نفقد الرجولة. والثروة عندنا ليست مجرد مادة للتفاخر، ~~وإنما هي فرصة من فرص الإنتاج. وليس الفقر عندنا عارا نشهر ~~به، ولكنه حطة ينبغي أن يعمل المرء للتغلب عليها. ونحن ~~نظفر بالأصدقاء لا عن طريق تقبل المعروف، ولكن عن طريق ~~أدائه. ومن ثم فنحن بالطبيعة أشد ثباتا في صلاتنا؛ ~~لأننا مشغوفون - باعتبارنا أصحاب فضل - أن نوثق بالعمل الطيب ~~علاقاتنا إزاء الأصدقاء. فإذا لم يستجيبوا بمثل هذه الحرارة، ~~فذلك لأنهم يحسون أن خدماتهم ~~لن تؤدى تلقائيا، وإنما ~~تؤدى وفاء لدين. ونحن وحدنا بين البشر من يؤدي لغيره ~~المنفعة لا لحساب مصلحة خاصة، ولكن ثقة قوية منا بالحرية. ~~وأنا أزعم في إيجاز أن مدينتنا هي في جملتها تربية للإغريق، ~~وأن كل فرد من أعضائها لا يلي غيره في استقلال الروح، وتنوع ~~الإنتاج، والاعتماد الكامل على النفس في الذهن ~~والأطراف. # ويستشف الأمريكان في هذا الخطاب نغما مألوفا؛ فهو خطاب مليء بالثقة ~~والأمل، يؤكد أن لأثينا رسالة، وهي أن ترفع العالم إلى مرتبة النجاح ~~العظمى التي بلغتها، وهو خطاب يشيد بقيمة اللحظة الحاضرة والمكان ~~الحالي، وبما تقتضيه حياة العمل، الحياة الطيبة، من ضروب للنشاط ~~والكفاح. ولكنا لو فرضنا أن طفلا قد ولد عندما ألقي هذا الخطاب، ثم ~~عاش حتى سن الشيخوخة المتأخرة الممكنة، لرأى أثينا مهزومة في الحرب، ~~محرومة من استقلالها، وهي وإن تكن ناجحة من الناحية المادية، إلا أنها ~~فريسة للنزاع المستمر بين الطبقات والأحزاب، بحيث لم تعد قادرة على ~~أن تنتج ثقافة عظمى في أي ميدان، وتكاد تكون عاجزة عن الاحتفاظ بمثل ~~هذه الثقافة. # إن المشكلات التي تدور حول ما يمكن أن نسميه في مجاز لا يضللنا ~~ميلاد الثقافة وحياتها وموتها؛ هي مشكلات أساسية في أية دراسة لتاريخ ~~الفكر. لماذا لم تعد أثينا هي أثينا في عهد بركليز؟ إن الأثينيين لم ~~يصابوا بالفناء، كما ms079 أن الحشائش لم تنم في طرقات المدينة - إلا بعد ~~عدة قرون على الأقل. والجماعة ، أو المجتمع، ما دامت متماسكة على أية ~~صورة من الصور، هي جماعة خالدة بمعنى ما. والتدهور البيولوجي، ومجرد ~~الانحلال المادي، لأية سلالة من السلالات، يستغرق وقتا طويلا ~~نسبيا. ومع ذلك فليس هناك ما هو أشد تأكيدا من أن كل الجماعات، وكل ~~ضروب المجتمعات قد نهضت، وانتعشت، وماتت خلال الفترة التي تربو على ~~خمسة آلاف عام من تاريخ العرب المسطور. ولا يستطيع أن يكتب رواية ~~مستقيمة، وأن يتحاشى كلية تصور تاريخ الجماعات التي يدرسها في إطار ~~الارتفاع والسقوط، وفي دورة الربيع والصيف، والخريف والشتاء، دورة ~~الموت، والشباب، والنضج، والشيخوخة، والموت. لا يستطيع ذلك إلا ~~المؤرخ الذي يعوزه الخيال. # كان أسلافنا واثقين - وهم على حق - أنهم بلغوا ثقافة لن تتحول إلا ~~في طريق التقدم، ولن تنهار، وسنعود في فصل متأخر من هذا الكتاب إلى ~~هذا المذهب المعروف؛ مذهب التقدم. بيد أن حربين عالميتين قد حدتا ~~بالكثيرين - وبخاصة في بلاد مثل فرنسا وألمانيا - إلى أن يدركوا أن ~~بلادهم قد تأخرت بالفعل في أثناء حياتهم، على الأقل من بعض الوجوه التي ~~يمكن قياسها إحصائيا كالسكان والثروة الحقيقية. وإذن فمشكلة تدهور ~~الجماعات البشرية التي كانت في وقت من الأوقات ثابتة، ناجحة، موفقة ~~- الجماعات التي كانت في وقت ما في الحالة التي وصفها بركليز في خطابه ~~الشهير - هي مشكلة تبدو اليوم واقعية، حتى بالنسبة إلينا نحن ~~الأمريكيين، بصورة لم تكن ممكنة لآبائنا. # ولكن مشكلة ارتفاع المجتمعات البشرية وسقوطها لم تحل بعد، وقد ~~تكون أعقد من أن تحل - أقصد أن تحل بمعنى أن تتمكن الكائنات ~~البشرية من أن تقوم بعمل يحول دون تدهور المجتمعات، بالمعنى الذي ~~نفهمه من حل مشكلة أسباب الدرن بحيث نستطيع أن نقترب بدرجة ملحوظة من ~~القضاء على الدرن نهائيا. غير أن التقليد الطويل في مجتمعنا الغربي، ~~وهو تقليد نابع إلى حد ما من هؤلاء الأثينيين أنفسهم، تقليد مجرد ~~وجوده يدل على أن الجماعات التي تشبه أثينا في عهد بركليز، ms080 والثقافات ~~التي تشبه ثقافة الإغريق الكلاسيكية، لن يدركها الفناء الشامل بمعنى ~~من المعاني - وهذا التقليد يسوقنا إلى أن نحاول إدراك العمليات ~~الاجتماعية كي نوجهها أو نسيطر عليها. # ونستطيع على الأقل - إذا أثبتت ~~العلوم الاجتماعية بحق أنها علوم تراكمية - أن نحصل على إجابات جزئية ~~لمشكلات انهيار مجتمعات معينة، ويمكن لهذه الإجابات الجزئية في النهاية ~~أن تضيف محصولا جديدا إلى أكثر المعارف النافعة. وهناك عناصر متعددة، ~~وصور كثيرة من المعادلة المعقدة (لا يدركها الحصر) في مسألة التدهور في ~~حالة بلاد اليونان في القرنين الخامس والرابع. وكثير من هذه العناصر ~~أدخل في باب تاريخ الاقتصاد والسياسة منها في باب تاريخ الفكر. ولكن ~~لما كان من واجبات تاريخ الفكر أن يحدد المشكلات الكبرى التي تعترض ~~سير الحياة البشرية فوق هذه الأرض، وأن يحاول أن يجد لها الحلول، فسوف ~~نحاول في نهاية هذا الفصل أن نعرض موجزا مختصرا لهذه الأزمة في ثقافة ~~الإغريق العظمى. أما الآن فسوف نوجه اهتمامنا الأكبر إلى العناصر ~~الفكرية في حدودها الضيقة. سوف نحاول أن نكتشف ما أصاب أسلوب الحياة من ~~خلل - وهو أسلوب جذاب بالتأكيد لكثير من الكائنات البشرية - وهو ~~الأسلوب الذي حاولنا أن نرسم صورة له في الفصل السابق، وربما لم يحدث ~~أي خلل، ولعل الثقافة الإغريقية قد انتقلت إلى دور الشيخوخة الذي نحس ~~إحساسا ذاتيا أنه أقل من الشباب جاذبية. ومهما يكن من شيء فإن مثل ~~هذه الحتمية العضوية لا تزال تعترض تيار الفكر الغربي الحديث. # عمق الثقافة الكلاسيكية # ربما لم تكن الثقافة العظمى التي نربطها بأثينا القديمة سوى ~~ثقافة الأقلية الممتازة، وربما كانت الجماهير - حتى في أثينا - ~~بعيدة في الواقع عن الاستمتاع بهذه الثقافة. ويستحق هذا السؤال ~~منا البحث، وإن تكن الإجابة عنه لن تعيننا بالضرورة على بيان ~~السبب في انهيار هذه الثقافة؛ فقد كانت هناك مجتمعات بشرية كثيرة، ~~عاشت طويلا بالنسبة إلى غيرها، وكانت للطبقات الممتازة فيها آراء ~~عن الفضيلة والجمال، لا تكاد الجماهير البتة تشاركهم فيها. وإن يكن ~~«شيء» من مثل هذه المشاركة يبدو شرطا ms081 من شروط المجتمع السليم ~~حقا، وهو قطعا من شروط المجتمع الذي يعد نفسه ديمقراطيا ، ~~بالمعنى الذي نقصده من هذه الكلمة. ومن الأمثلة الواضحة لنوع ~~الانفصال الاجتماعي الذي لا يتفق وآراءنا في الديمقراطية، وقد لا ~~يتفق وأسلوب الحياة الذي يصوره بركليز في خطاب الذكرى، ذلك ~~الانقسام الذي كان قائما في الجنوب الأمريكي في العهد السابق بين ~~مجموعة صغيرة من الأرستقراط أصحاب المزارع وجمهور ضخم من البيض ~~الفقراء والعبيد، وربما كانت «الهوة العميقة فعلا» في نظر الرجل ~~الغربي بين ثقافة الطبقة الحاكمة وثقافة الطبقة المحكومة هي بالفعل ~~من دلالات الأزمة، ومما ينذر بالتدهور. # ومع ذلك فالإجابة عن هذا السؤال: إلى أي مدى بلغ عمق الثقافة ~~العظيمة في أثينا في القرن الخامس؟ شاقة جدا. ولا يسعنا إلا أن ~~نجمع شذرات من الأدلة، وأن نحاول وزنها. # والدليل الأدبي غامض يحتمل وجهين من أوجه التفسير؛ فإن أفلاطون ~~بتشبيهه الرجال بالذهب، والفضة، والحديد، والبرونز، وأرسطو بتأكيده ~~أن بعض الناس يولدون عبيدا، وكذلك كثير من الكتاب، يشيرون إلى ~~أن المثقفين - على الأقل - يرون الفصل الشديد بين طبقة ممتازة ~~جديرة بالعيش على مستوى الثقافة العظيمة، وطبقة منحطة من العمال ~~ليست قمينة بالمشاركة في مثل هذه الثقافة، يرون ذلك أمرا مرغوبا ~~فيه، وليس هناك ما يدل من ناحية أخرى - سوى علمنا المستقل بأن ~~الرق كان موجودا فعلا - على أن بركليز في خطاب الذكرى كان يخطب ~~في مجموعة لا تشمل جميع سكان أثينا. وليس هناك ما يدل على أنه كان ~~يعتقد في وجود مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين آخرين من الدرجة ~~الثانية، ومن الجائز أن الكتاب من أمثال أفلاطون وأرسطو كانوا من ~~المفكرين الذين خاب أملهم فعلا، ومن شهود انهيار الثقافة العظمى، ~~وأن كليهما كان إلى حد ما يكتب باعتباره هاربا سياسيا. # والواقع أن دلالة الهجمات على الديمقراطية التي وجهها هذان ~~الكاتبان إلى الديمقراطية، والتي وجهها بطريقة أخرى رجال من أمثال ~~زينوفون المؤرخ، والكاتب المسرحي الهزلي أرستوفان، والكاتب الذي ~~نشر رسالة باهرة من غير توقيع، الذي يسميه الباحثون «أوليجارك ~~العجوز»، ms082 وغيرهم؛ دلالة هذه الهجمات على أن ثقافة أثينا في ~~القرن الخامس في عهدها المتأخر قد تغلغلت في حياة الرجال والنساء، ~~وعلى أن أثينا كانت تمارس الديمقراطية من بعض الوجوه - أقول الواقع ~~أن دلالة هذه الهجمات لا تخلو من المعنى. ولم يكن بالإمكان أن ~~يتحمس هؤلاء الكتاب كل هذه الحماسة ضد فكرة مجردة. # وليس لدينا - لسوء الحظ - عن أثينا شيء يشبه تلك المعرفة التي ~~تمكننا من قياس عمق الثقافة المعاصرة على صورة من الصور. ليس ~~لدينا إحصاء - مثلا - عن عدد المتعلمين في أثينا، ولدينا في ~~الواقع علم ضئيل جدا بالتربية الرسمية فيها. لم يكن هناك نظام ~~مدرسي تحت إشراف الدولة، ولم تكن هناك قطعا طباعة أو شيء يشبه ~~صحافتنا اليومية والدورية. وكانت الكتب عبارة عن صحائف من المواد ~~المكلفة منسوخة باليد، ولم يكن هناك شيء يشبه المكتبة العامة. ~~ولما أسست في القرن الثالث قبل الميلاد فيما بعد مكتبات عامة ~~ضخمة، كانت المكتبات للباحثين، ولم تكن لنشر المعرفة بين الجماهير. ~~ولم يستطع في الواقع أن يمتلك الكتب إلا أصحاب اليسار. # ومع ذلك فإن لدينا دليلا طيبا على أن نوع الثقافة الذي عرضناه ~~كان واسع الانتشار في أثينا على الأقل - حتى على مستوى التربية ~~العامة والتعليم العام. وقد أصبحنا اليوم خاضعين كل الخضوع لسلطان ~~الكلية المكتوبة، حتى إنه ليشق علينا أن ندرك كيف يمكن لمجتمع أن ~~يتثقف ثقافة غربية دون استغلال الكلمة المكتوبة على نطاق فسيح. ~~وقد يسيطر على أبنائنا - بطبيعة الحال - التليفزيون، أو ما يشبهه، ~~كما تسيطر علينا الكلمة المكتوبة، فيعجب الأبناء كيف أن مخلوقات ~~مثلنا اعتلت ظهورها الكتب تعد نفسها متعلمة. ومهما يكن من أمر ~~فإن ثقافة أثينا الأدبية كانت تعتمد على الكلمة المقولة أكثر من ~~اعتمادها على الكلمة المكتوبة. وكانت أسواقها، ومسارحها، ومعابدها، ~~وغير ذلك من الأماكن العامة، في خير أيامها تعج بكل صنوف الرجال، ~~يلغطون، ويتبادلون التجارة، ويتحدثون في السياسة، والجو، والفلسفة. ~~وقد كانت فنون النحت، والتصوير، والعمارة، التي يشهدها الجميع في ~~المنشآت العامة، وفي الطقوس الدينية، وفي الأداء ms083 المسرحي، كانت - ~~فوق ذلك - بمثابة تربية عامة دائمة على تقدير الجمال. # كما أننا نعرف جميعا أن الشئون العامة كانت في أثينا، وفي كثير ~~غيرها من المدن الحكومية التي تتمتع بشكل من أشكال الحكم ~~الديمقراطي، من الأمور التي يهتم بها جميع الذكور من المواطنين ~~اهتماما مباشرا. وحتى الحكومة الأكثر أوليجاركية مثل إسبرطة لم ~~تكن مطلقة، بل لقد كان مواطنوها يعلمون أنهم يشتركون في شيء ما، ~~وكان لهم على الأقل حق الموافقة أو عدم الموافقة في المجالس على ~~قرارات حكامهم. وهذه المدن الحكومية الصغيرة - وحتى أثينا كانت ~~صغيرة بمعاييرنا - ربما كانت أشبه بالمدن القديمة في إنجلترا ~~الجديدة منها بأي شيء آخر في تجربتنا؛ فكانت الموضوعات ذات الصبغة ~~العامة تناقش دائما علنا، وكانت القرارات النهائية في ~~الديمقراطيات الرسمية كأثينا تصدر بتصويت آلاف المواطنين المجتمعين ~~للمناقشة العامة. كان الحكم عند الإغريق - في إيجاز - يقوم على ~~أساس المناقشة، وكانت عندهم سياسة من النوع الذي نعرفه بهذا ~~المصطلح، بل إن كلمة بولوتيقا (أو سياسة) ذاتها، إغريقية في ~~أصلها. # والسياسة من هذا النوع لون من ألوان التربية، وضرب من ضروب ~~الثقافة لأولئك الذين يشتركون فيها. ولكن النقاد من أصحاب العقول ~~المرنة أصروا حينئذ - كما يصرون اليوم - على أن الرجل المتوسط ~~يضعف عند الاستماع إلى الكلام البليغ، ويتأثر بالدوافع الذاتية ~~الضيقة، ميال إلى العمل الجماهيري غير البصير، لا يقبل الامتياز أو ~~التفوق الحق - أي كان باختصار - بمثابة المعدة (في جمهورية ~~أفلاطون) وضعت - لسوء الحظ - موضع الرأس والقلب. ولم يهاجم ~~الديمقراطية العملية أحد بمثل العنف الذي هاجمها به أرستوفان في ~~مسرحية «الفرسان»، حيث يمثل ديموس (أي الشعب) بشخصية هزلية، ~~نصفها شر، ونصفها الآخر حماقة. ومع ذلك فقد كان ديموس بآلاف ~~الأعداد من المشاهدين - فيما نظن - في المسرح، يضحكون من هذا القذف ~~فيهم، كما يشتري رجال الأعمال في أمريكا مسرحية «بابت» لسنكلير ~~لويس ويقرءونها. وإذن فقد كان الناس من جميع الأنواع - على أقل ~~تقدير - في أثينا وكثير من المدن الحكومية الإغريقية الأخرى في ~~القرن الخامس، يدركون إمكان الاختيار في السياسة، ms084 وعليهم أن ~~يقرروا، بالرغم من أن هذا العمل لم يكن على المستوى العقلي الرقيق ~~الذي أراده الفلاسفة، وربما لم يكن عند هؤلاء الإغريق في الواقع ~~إلا تلك الأناقة وذلك التنبه المدلل، وذلك الاهتمام السطحي بأمور ~~الساعة الجارية، أو تلك السفسطة العامة التي نعرفها عند الرجل ~~العامي من أهل لندن أو باريس أو نيويورك. ولكنا نسلم لعشاق ~~الإغريق بشيء يسير: وذلك أنه من الجائز، بل من الراجح، أن المستوى ~~العام في الفكر والذوق كان أعلى في أثينا لعهد بركليز منه في أية ~~جماعة يمكن أن تقارن بها في الحضارة الغربية. # وهناك شذرات من الدلائل التي تؤيد أولئك الذين يحسنون الظن ~~بالمستوى المتوسط في الثقافة لدى الأثينيين في العهد العظيم. وأشهر ~~شاهد في الأدب الأثيني على أن مستوى الثقافة كان رفيعا حقا هو ~~خطاب الذكرى لبركليز. ولكن بركليز كان سياسيا، وربما كان يداهن ~~المستمعين إليه. # ونحن نعلم أن ألوف الأثينيين كانوا يقضون الساعات الطويلة في ~~المسرح يشاهدون روايات كبار كتاب المسرحية الإغريق. وقد كانت هذه ~~المسرحيات - والمآسي منها خاصة - على مستوى عقلي رفيع جدا من ~~أولها إلى آخرها. ولم يكن في هذه المسرحيات هبوط، ولم تكن فيها ~~مشاهد لأصحاب الثقافة الوضيعة أو مشاهد لكي تقابل مطالب ~~«الواقعية»، كمشهد حفاري القبور في «هاملت». وكذلك كانت الموسيقى ~~والرقص اللذان يصاحبان هذه المسرحيات على نفس المستوى الرفيع بكل ~~تأكيد، وربما كان خير ما يماثل ذلك في العصر الحديث الأوبرا - ولا ~~أعني الأوبرا الإيطالية، بل ولا أعني فاجنر، وإنما أعني الأوبرا ~~العسيرة المقيدة التي سادت في القرن الثامن عشر - وليس من شك في أن ~~المقارنة خطرة، ولكن هل يمكنك أن تتصور أن كل سكان مدينة من المدن ~~الأمريكية تقريبا (على دفعات معقولة بطبيعة الحال) يشهدون أداء ~~«دون جيوفاني» لموزار أو «أورفيوس» لجلك برمتها؟ ربما كانت ~~الجماهير في أثينا ترتاد هذه المسرحيات نظرا لانعدام الملاهي ~~الأخرى، ولكنهم كانوا على الأقل يفهمون شيئا مما يجري؛ لأن ~~موضوعات المسرحيات كانت جزءا من الفولكلور عندهم. أما عند ~~الأمريكان فموضوعات الأوبرا ms085 العظيمة ليست جزءا من الفولكلور الخاص ~~بهم، ربما كانت «أوكلاهوما» هي النظير الحقيقي. # وقد يكون من المعقول بطبيعة الحال أن نزعم أن هذه المسرحيات ~~الأثينية كانت أداء دينيا في حقيقتها، كانت جزءا من العقيدة ~~المتصلة بالإله ديونيسس، وأن المشاهدين كانوا دائما يحسنون السلوك ~~لأنهم كانوا يحسون إحساس رواد الكنيسة؛ أي إن الجموع كانت في ~~الحقيقة ترتاد المآسي؛ «لأن» ذلك هو السلوك الديني الصحيح، وربما ~~كانوا لا يفقهون للألفاظ الفخمة معنى، بل ربما كانوا يملون ما ~~يسمعون. وفي الكوميديات - حيث تختلف المواصفات - كثير من الخشونة ~~والفحش. وكان أرستوفان بالتأكيد أحيانا يحاول أن يجتذب انتباه ~~الأفراد الذين لا يسبحون خاصة في بحار الأفكار العميقة. ولكن ~~أرستوفان لم يقدم شيئا يخلو من المعنى، أو يبلغ من السوء مبلغ ~~قصة مصورة من قصص هوليوود من الدرجة الثانية، أو شيئا سخيفا ~~كالأوبرات الشعبية التي تذاع في الراديو عندنا. وكثير من أعماله ~~يبلغ من الدقة والفكاهة الرفيعة مبلغ المسرحيات الحديثة لكتاب ~~مثل ج. ب. شو، ويتطلب تنبها ذهنيا من المستمعين كما تتطلب هذه ~~المسرحيات. # وليس من شك في أن سمعة الإغريق قد تأثرت من الحركة الرجعية في ~~القرن التاسع عشر ضد عبادة كل ما هو إغريقي، وهي العبادة التي ~~بدأت في الغرب في عصر النهضة. وما زلنا حتى اليوم نجد المعجبين ~~باليونان القديمة - وبخاصة في أثينا في القرن الخامس - الذين يرون ~~كل أثيني جديرا بتقدير خير ما في الفكر البشري والأمل الإنساني. ~~وهؤلاء المعجبون هم الكلاسيكيون الذين يعتقدون أن الرق نفسه لم يكن ~~في الحقيقة رقا، وأن أفضل ترجمة للفظ اليوناني للرقيق (دولوس) هو ~~«زميل في العمل». ومن الطبيعي في جيلنا الواقع أن يتعجب المرء كيف ~~أنه لم يكن في أثينا - حتى في ميدان الفن والأدب - ما يماثل ~~موسيقانا العاطفية العامة، وصورنا الفكاهية الشائعة، ومجالاتنا ~~الشعبية، وألواننا البراقة، وهدايانا التي لا نفع فيها، وطرقنا ~~الرئيسية للسيارات التي تقع على جوانبها المباني القبيحة. لم يصل ~~إلينا ما يماثل ذلك، ولكن ربما كان الزمن يتخير للبقاء أفضل ~~الأشياء. ms086 # وليس بالإمكان اليوم أن نرى رأيا نهائيا موضوعيا يقع وسطا ~~بين حكم أفلاطون على مواطنيه وحكم بركليز عليهم، وربما أمكننا أن ~~نطبق هنا كذلك مبدأ الوسط الذهبي الإغريقي وكانت الثقافة ~~الأثينية في أوجها ملكا لجميع الأثينيين من بعض الوجوه، ولكن ~~الأثينيين جميعا لم يعيشوا وفقا لمقاييسها في كل لحظة من ~~اللحظات. وقد كانت أوسع انتشارا في الميادين الجمالية منها في ~~الميادين العقلية البحت. وفي الحياة السياسية والخلقية كان الأثيني ~~من العامة أبعد ما يكون عن الوسط الذهبي، وعن «الفضائل المدنية» ~~التي يتحلى بها أي اجتماع في أية مدينة من مدن إنجلترا الجديدة. ~~ولم يكن رجال خياليون من أمثال جلبرت مري على خطأ تام في صميم ~~الأمر؛ فقد كانت في أثينا - في واقع الأمر - حماسة، وطاقة مندفعة، ~~ومغامرة، لم تتمثل في الآراء التي وردت في كتب الدراسة عن الثقافة ~~العظمى. ويستطيع المرء أن يجرد الموضوع من كل ما يحوطه من ~~أحكام عاطفية، ويقول إن الإغريق في الثقافة الكلاسيكية ربما وضعوا ~~المثل العليا في الاعتدال، وضبط النفس، والانسجام «لأنهم كانوا ~~في واقع حياتهم مندفعين نحو المبالغة في كل أمر من الأمور». وربما ~~كان الإغريق الكلاسيكيون متطرفين مشاغبين، متقلبين غير ثابتين، غير ~~مروضين، فكانت مثلهم الثقافية نوعا من التعويض عما ~~فقدوه. # ولعل خير من يصور في إنجاز روح الحياة الأثينية ثيوسيديد، وقد ~~كان هو ذاته محافظا معتدلا، رسم لأهل كورنثيا صورة حية تمثل ~~المفارقة بين حيوية الأثينيين وتراخي الإسبرطيين: ~~«الأثينيون ثوريون، وتتميز خططهم بالسرعة في التصوير والتنفيذ. ~~أما أنتم أيها الإسبرطيون فعندكم القدرة الفائقة على الاحتفاظ بما ~~لديكم، وهي قدرة مصحوبة بالافتقار الكامل إلى الابتكار. وعندما ~~تضطرون إلى العمل قلما توغلون. هم مغامرون فوق قدرتهم، وجريئون إلى ~~حد أبعد من أحكامكم. وهم عند الخطر شديدو الحماسة. أما أسلوبكم ~~فهو المحاولة على مستوى أدنى مما تمكنكم قدراتكم، والشك حتى ~~فيما تؤكده أحكامكم، والظن بأن أخطاركم ليس لها نهاية. هم ~~يعجلون، وأنتم تؤجلون. ليسوا مطمئنين في ديارهم، ولستم مطمئنين ~~بعيدا عنها. هم يأملون بهجرتها أن ms087 يمدوا من أملاكهم، وأنتم تخشون ~~أن يتعرض ما تملكون للخطر من أي مشروع جديد . ما أسرعهم إلى متابعة ~~النجاح، وما أبطأهم في التراجع عن نقيضه. هم يبذلون أجسامهم بذلا ~~سخيا في سبيل الوطن، ويجندون عقولهم في غيرة لخدمة البلاد. ~~والمشروع الذي لا ينفذ هو في أعينهم خسارة واضحة، والمشروع الناجح ~~فشل نسبي. إذا أخفقوا في محاولة عوضوا الخسارة بالتعلق بآمال ~~جديدة. وعلى خلاف أي شعب آخر، الأمل عندهم تحقيق، فما أسرعهم في ~~تنفيذ الأفكار. إنهم لا يكفون عن العمل في وجه المتاعب والأخطار ~~طوال حياتهم، ينهمكون في التحصيل، وقلما يستمتعون بما يحصلون. ~~ولا يرون في يوم العطلة إلا أن يعمل المرء ما تتطلبه المناسبة. ~~وليس العمل الشاق عندهم من سوء الحظ كانعدام العمل والراحة. ~~ويستطيع المرء في إيجاز أن يقول - وهو على حق - إنهم ولدوا في هذه ~~الدنيا لكيلا يريحوا أنفسهم أو يريحوا غيرهم». # الديانة الإغريقية كمقياس للثقافة # إننا لم نجد إجابة مباشرة لهذا السؤال: إلى أي حد تغلغلت الثقافة ~~العظيمة في المجتمع الإغريقي؟ ولا يسع الأمريكي المثقف الحديث ~~إلا أن يقيس بمشاعره، وفروضه، وتساؤله في الثقافة الأمريكية، ~~الثقافة الإغريقية. إنه يعتقد في وثوق أن إمرسن وهويتمان - بالرغم ~~مما ترى المعلمات - ليسا عند أكثر الأمريكيين إلا مجرد اسمين، وهو ~~يشك في أن سقراط وإيسكلس في أثينا القديمة - التي لم يكن فيها حتى ~~المعلمات - لم يكونا كذلك سوى اسمين عند أكثر الأثينيين. وقد ~~تبين لنا أخيرا أن هذه النظرة على الأرجح تحريف للحقيقة، وأنه ~~لم يكن هناك في الواقع في أثينا - تلك المدينة الصغيرة نسبيا - ~~في القرن الخامس تمييز واضح بين أصحاب الثقافة العميقة وأصحاب ~~الثقافة الضحلة. # ومن حسن الحظ أن يجد تاريخ الفكر مصادر غير الأدب والفلسفة، ومن ~~أفضل هذه المصادر تاريخ الديانة. وليس من اليسير حتى في هذا المجال ~~أن نتعرف عقائد الرجل العادي وسلوكه، ولكن من الجلي الواضح أنه ~~كانت لديه معتقدات دينية، وأن هذه المعتقدات كانت لها علاقة ~~بمسلكه، وليس من شك في أن هناك من أرباب ms088 الفكر المتطرفين من يؤمن ~~حقا بأن ما وصف به لابريير الفيلسوف الأخلاقي عامة الفلاحين ~~الفرنسيين قبل الثورة العظمى من أنهم «حيوانات تشبه الآدميين»، ~~إنما هو وصف موضوعي لعامة الرجال والنساء، وأن أمثال هؤلاء الرجال ~~والنساء ليسوا حقا ذوي كفاية للحياة العقلية. ولكن هذا الرأي ~~المتطرف، وإن كان يجعل صاحبه يحس بالاستعلاء وهو مطمئن، لا يتفق ~~وواقع السلوك البشري؛ فإن فكرة الإله قد تعني الكثير لرجل الدين ~~المتعلم مما لا تعنيه عند عامة المؤمنين الجهلاء. ولكن من الخطأ ~~الفاحش أن نقول إن فكرة الإله لا تعني «البتة شيئا» للمؤمنين ~~الذين تعوزهم القدرة على التعبير. # وقد كانت هناك ديانة إغريقية رسمية، بل وثابتة من بعض النواحي، ~~في العهد الأعظم للثقافة الإغريقية. وأما ما يجعل من العسير علينا ~~أن نصف - بله أن نفهم - هذه الديانة الرسمية، فهو أنه لم تكن لها ~~أصول ذات قواعد، ولم يكن لها كتاب مقدس، أو كهنة محترفون، أو كنائس ~~- لم يكن لها على الأقل شيء من هذه العناصر في صورها التي تجعلها ~~تربيتنا المسيحية مألوفة لنا. وهذه العقيدة في آلهة الأولمب لم ~~تعن - في مصطلح العقيدة - أكثر من الاعتقاد بأن الآلهة موجودة، ~~وأن لكل منها قدرات خاصة وصفات خاصة، وأن ما تقوم به يمكن أن ~~يكون له في حياة المرء أثر. لم تكن هناك مذاهب، أو أصول الدين، ولم ~~تكن هناك - فوق هذا - عقيدة بأن هذه الآلهة هي وحدها الموجودة. نعم ~~كان هناك قساوسة وقسيسات يقومون فعلا بالكثير من الطقوس الدينية ~~في المعابد، ولكنهم لم يكونوا كأسباط اليهود أو أكليروس الكاثوليك، ~~جماعة تنفصل تمام الانفصال عن بقية الناس، وإنما كانوا إلى حد ما ~~قساوسة غير متفرغين. وكانت هناك بطبيعة الحال مبان للمعابد، ولكن ~~ديانة الإغريق التي تعتقد في آلهة الأولمب لم تكن لها كنائس ~~بالمعنى الذي تحمله لفظة «كنيسة» لنا من أنها جماعة من المؤمنين ~~توجد في داخل مجتمع الدولة الأوسع. وما كان الإغريقي ليفقه فكرة ~~الأمريكان عن حرية العقيدة الدينية، أو فصل الكنيسة عن الدولة، ~~وعندما كان ms089 يشترك في عيد الإلهة آثنا في ~~أثينا - مثلا - ويدخل معبد آثنا ~~في البارثينون، كان في حالة عقلية تشبه من بعض وجوهها ما نسميه ~~بالوطني، ومن بعض وجوهها الأخرى ما نسميه بالديني. ويشق علينا ~~كثيرا أن نسبر غور حالته العقلية «بكليتها». # وليس معنى هذا كله أن الرجل الإغريقي العادي لم يعتقد في آلهته. ~~وحتى عندما حل عام 400ق.م ظهرت أقلية من المثقفين لا تعتقد في هذه ~~الآلهة، وكانوا يبحثون عن عقيدة في إله آخر، أبسط وأرقى من ~~الناحية الخلقية. كما ظهرت أقلية أخرى من المتشككين، اللاأدريين، ~~والعقليين، نبذت الآلهة القديمة دون الشعور بالحاجة إلى آلهة ~~غيرها. كما أن بعض الإغريق قد أخذوا يمارسون عقائد أكثر صوفية، ~~إما بالإضافة إلى الديانة الرسمية وإما بدلا منها. غير أن غالبية ~~الإغريق العظمى في عهد الثقافة العظمى كانوا - فيما يظهر - يمارسون ~~الديانة الرسمية. وليس في وسعنا أن نعرف إلى أي حد كان إيمانهم ~~حارا أو عميقا. ربما كانوا لا يتجاوزون أداء الحركات، بيد أن ~~أداء الحركات معناه الاشتراك في طقوس دينية رسمية، ومثل هذه ~~المشاركة عمل له أهميته من الناحية الاجتماعية. وفي القرون الستة ~~أو السبعة التالية اندثرت الديانة الإغريقية الرسمية كما يمكن لأية ~~ديانة من الديانات أن تندثر اندثارا كاملا. ولكن ليس لدينا ما ~~يبرر الاعتقاد بأنها لم تكن جانبا هاما من جوانب الحياة ~~الإغريقية في هذا العهد. # وحتى في أمريكا الحديثة ~~التي حطمت تحطيما أشمل مما فعل أي بلد آخر من البلدان ~~العظمى السحر الذي ألقته الثقافة الإغريقية العظمى على أسلافنا في ~~عصر النهضة، حتى في أمريكا الحديثة هذه لا يزال هناك من ~~الميثولوجيا الكلاسيكية شيء يذكر؛ فنحن نعرف أن زيوس (أو جوبتر ~~باللاتينية) كان أبا للآلهة، أو زعيما لها، وأنه كان يقذف ~~الصواعق، وكانت له بالإلاهات كما كانت له بالأحياء من النساء ~~علاقات غرامية. وفي أذهاننا صورة غامضة عن صندوق باندورا، ورأس ~~جورجون، وأعمال هرقل (أو هيركيوليز باللاتينية) الشاقة، وغير ذلك ~~من الحكايات. ومجموع هذه الحكايات عن الآلهة والأبطال التي تتألف ~~منها ms090 مادة الديانة الإغريقية الأولمبية، ضخمة في الواقع، ولكنها لم ~~تثبت أو تدون في كتاب مقدس. # وربما استمد أكثر المتعلمين من الإغريق معرفتهم عن الآلهة من ~~قصائد هومر خاصة، التي كان الكثيرون يحفظونها عن ظهر قلب في ~~شبابهم، ولكن هناك مصادر أخرى كثيرة، بعضها يرجع إلى ماضي الإغريق ~~الأوائل السحيق، وربما كان بعضها منقولا عن أولئك الذين كانوا ~~يقطنون اليونان قبل أن يهبط الإغريق من الشمال أو وسط أوروبا إلى ~~حوض البحر المتوسط ليغزوهم. ويمثل التطور في تعدد الآلهة الذي ~~حدث في القرنين الخامس والرابع في بلاد اليونان تاريخا طويلا، ~~اشتغل به طويلا علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والتاريخ. وليس من ~~واجبنا هنا - على أية حال - أن نحاول الإجابة عن الأسئلة التي ~~تثار حول منشأ الديانات، أو حول الاعتقاد بالأشباح، أو وجود ~~الحياة (الروح) في الريح، والأشجار، ومساقط المياه، وفي كل ما ~~يسميه المحدثون الطبيعة. ولما حل عام 400ق.م كان قد انقضى على ~~الإغريق قرون تساءلوا فيها، وفكروا، واعتقدوا، ووصلوا إلى مجموعة ~~من المعتقدات والمراسم، ليست منظمة كل التنظيم، وليست شائعة كل ~~الشيوع حتى بين الإغريق أنفسهم، ولكنها كانت - برغم ذلك - نظرة ~~معينة إزاء مشكلات الوجود البشري الكبرى. # وهذه نظرة عامة وصفية بسيطة نهائية: كانت هناك آلهة محلية كثيرة، ~~وجنيات، وأبطال، بل وأرباب وربات محلية، أو اتجاهات محلية في عبادة ~~أرباب وربات أكثر عالمية. وكانت آثنا بمعنى ما الآلهة المحلية ~~الخاصة في أثينا، ولكنها كانت في كل أنحاء العالم الذي يتكلم ~~اليونانية آلهة معترفا بها باعتبارها ربة الحكمة. وبالرغم من هذه ~~المحلية الشديدة، وبالرغم من أن الآلهة الجدد قد يظهرون في أي ~~مكان، كان هناك ما يشبه النظام الإغريقي الفيدرالي في الدين أكثر ~~مما كان في أي نشاط بشري آخر. وكانت معابد زيوس في أولمبيا، حيث ~~كانت الألعاب الأولمبية تقام، ومعابد أبولو في دلفي، تعتبر ملكا ~~روحيا لبلاد اليونان كلها. # وأكثر شراح شئون الإغريق يتفقون على بعض الأحكام العامة الأخرى ~~التقديرية المعينة فيما يتعلق بالديانة الأولمبية؛ فالأرباب ~~والربات أولا «كائنات بشرية»، لا تموت، ms091 وهي مجيدة بالمعنى الطيب ~~لهذه الكلمة التي أسيء استخدامها. وهي أقوى من الأحياء بدرجة لا ~~توصف. وهي لمن يعتقد فيها مخلوقات تتجاوز فعلا هذه الحياة ~~الدنيا، ولا يمكن وصفها، وربما كانت أشبه بتلك الرسوم التي تمثل ~~السوبرمان في صورنا الفكاهية للطفل، بل ولغير الطفل، «ولكنها» - ~~فيما خلا ذلك - كانت كالكائنات البشرية؛ فأسرة الأرباب والربات ~~تأكل، وتشرب، وتتشاجر، وتتبادل الحب، وتستغرق في كل لذة ممكنة في ~~كل حين - شأنها في ذلك شأن بني الإنسان. وهي لا تظفر دائما بما ~~تريد؛ لأن رغبات الأرباب والربات الأخرى قد تعترض رغباتهم، وحتى ~~زيوس نفسه لم يكن قادرا على كل شيء. والواقع أنك حينما تقرأ عن ~~محاولات زيوس للسيطرة على أسرته العاصية، تحس أن زيوس هو أكثر ~~الأرباب إخفاقا في تحقيق آماله، ولكنه يسترد دائما نفوذه بالنسبة ~~إلى البشر؛ لأنه في علاقته بالرجال والنساء على كل شيء ~~قدير. # ويترتب على ذلك أنه يتحتم على البشر أن يبذلوا قصارى جهدهم لكي ~~يظفروا برضا الآلهة ويتجنبوا غضبها. وكان كذلك دائما عملا ~~شاقا، إذا صدقنا ما رواه هومر؛ لأن بطله أوديسيس أرضى آثنا ~~كل الرضا، ولكنه أساء إلى منافسها وعمها بوزيدون - إله البحر - ~~إساءة شديدة. وفي النهاية أفلح أوديسيس لأن آثنا إجمالا - وفي هذه ~~الواقعة بالذات - كانت أعلى مقاما من بوزيدون. ولكن الرجل العادي ~~من الأحياء لا يستطيع أن يتثبت من الحكم على الإله الظافر أكثر مما ~~يستطيع أن يتثبت من الحكم على أي الخيول يربح في السباق. # ولكن هذا الشك لا يثني - بطبيعة الحال - أكثر الناس عن الرهان. ~~وكان الإغريق يراهنون على الآلهة بمعنى ما. كان الأحياء يقومون ~~بأداء الطقوس - يضحون بالحيوان، وينصبون لوحات النذور، وما إلى ~~ذلك. ويتوقعون، أو يأملون، أن يظفروا من الآلهة بالثواب لقاء ذلك. ~~والعبارة الوصفية المألوفة في هذا الشأن هي أن هذا الوجه من أوجه ~~الديانة الإغريقية كان يسير وفقا لهذه العبارة اللاتينية: إنني ~~أعطيك لكي تعطيني. والكاتب الحديث يشير دائما - وهو على حق - إلى ~~أن العابد الإغريقي وهو يضحي بالحمل لبوزيدون ms092 لكي يقوم برحلة ~~بحرية آمنة، لم يكن يدعو إلها شخصيا، ولم يكن يحاول أن يكفر ~~عن إثم ارتكبه أو قد يرتكبه، ولم يكن يتحد مع إله من آلهة الحق ~~الذي يهتم بالحياة الباطنية كما يهتم بالحياة الخارجية لمن يعبدونه ~~فوق هذه الأرض. وأقول في إيجاز إن ديانة آلهة الأولمب لم تكن ديانة ~~المسيح، أو ديانة محمد، أو ديانة بوذا. # ومن المعالم الكبرى لديانة الإغريق وجود الكاهن. وأكبر الكهان هو ~~أبولو في دلفي. وكان كل امرئ تقريبا في وقت من أوقات حياته ~~يستشير الكاهن في مشكلة من المشكلات العائلية العويصة، أو في أزمة ~~مالية، أو رحلة خطرة يوشك أن يقوم بها، أو ما يشبه ذلك. وكانت ~~إجابة الإله - الذي يتكلم عن طريق قساوسة المعبد - تحتمل وجهين في ~~أغلب الأحيان، أو «تكهنية» (أي مبهمة)، ولكنها كانت كذلك عادة ~~معزية، لا تتطلب قط عملا خياليا أو غير تقليدي، وليس من شك في ~~أن هؤلاء الكهان كانوا يعاونون كثيرا على الاحتفاظ بالطرق ~~المستقيمة في الحياة الإغريقية. واختلاف وجهات النظر إزاء الكهان ~~ربما كان - على الأقل في عهد بركليز - شبيها باختلاف وجهات النظر ~~إزاء المعجزات بين المسيحيين المحدثين. وهناك أدلة كافية على أن ~~كثيرا من الإغريق المتعلمين لم يعتقدوا فيهم، ومع ذلك فقد كانوا ~~من غير شك جزءا من الديانة الرسمية. # ومهما يكن من أمر فقد كان الكهان على غير اتفاق مع الأداة ~~الجديدة للعقل البشري التي أسميناها التعليل الموضوعي؛ فكان الكهان ~~في أغلب الأحيان يتدخلون، وكذلك لم يكن من المعقول لإله مشغول أن ~~يهتم بشئون خاصة شخصية كثيرة. ولا غرو إذا كان صاحب العقل المرن ~~من المعجبين المحدثين بالإغريق القدامى لا يرضى عن التوجه إلى ~~الكهان، كما لا يرضى عن أمثلة كثيرة أخرى من الخرافات الغليظة ~~التي شاعت بين هؤلاء القوم - أبناء النور. ولكنه يعزي نفسه - إلى ~~حد ما - بملاحظة الإعلانات الكثيرة عن المنجمين والعرافين في ~~الصحف الأمريكية المحترمة. وهو يلاحظ كذلك - بحق - أن الإغريق ~~كانوا أقرب جدا منا إلى المجتمع البدائي الذي نشئوا ms093 عنه. ومن ~~ثم فلم تكن هناك مندوحة - حتى في ثقافتهم العظمى - من بقاء شيء ~~من ذلك النوع من الأعمال التي يربط الأنثروبولوجيون في العهد ~~الحديث بينها وبين الشعوب «البدائية». وهو أخيرا يرى أن الإغريق ~~لم يكونوا من العقليين ذوي العقول الضيقة. ولكنهم قوم يدركون تمام ~~الإدراك عمق الحياة ولغزها، كما يدركون كل ذلك الجانب من الخبرة ~~البشرية، الذي لا يخضع خضوعا واضحا للعقل المدبر. والكهان، ~~والنذور، والضحايا، والمعاملات الشخصية مع آلهة وإلاهات ليسوا ~~نبلاء كل النبل - كل ذلك ليس بعيد الصلة عن الكفاح الأكثر ~~روحانية الذي يقوم به كتاب المسرحية والفلاسفة في عالم يبدو ~~كأنه لم يخلق في الواقع - في إصرار وعناد - لكي يكون الإنسان ~~سعيدا فيه. # والمشكلة هي أن الانطباع الواضح لكل هذا على القارئ الأمريكي ~~العادي هو - على الأرجح - أن الإغريق لم تكن لهم في الواقع ديانة، ~~أو على الأقل لم يكن لديهم ذلك النوع من المشاعر التي نربطها ~~بالدين. وليس من شك في أن هذا الانطباع خاطئ لم يحس الإغريقي إزاء ~~آلهته كما نحس، أو كما نرى أنه يجب علينا أن نحس، إزاء إلهنا، ~~ولكنه أحس إحساسا واضحا أن هذه الآلهة واقعية، وأن لها عليه ~~وعلى بقية الكون سلطانا، وأنه يستطيع بنوع معين من السلوك (أي ~~بأداء الطقوس) أن يستخدم هذا السلطان لمصلحته، ولو أنه، بطبيعة ~~الحال، أهمل هذا السلوك، فهو يخاطر باستخدام هذا السلطان فيما ~~يؤذيه. وليس هذا البتة هو أسمى ما حلق إليه الخيال الديني عند ~~الإنسان، ولكنها كانت ديانة صادقة، وفي الفترة التي كان الناس ~~يعتقدون فيها، كانت تؤدي جانبا من جوانب الاحتفاظ بالنظام ~~الاجتماعي، والإحساس بالمشاركة في شيء عام، لا بد منه للإبقاء على ~~كل مجتمع بشري، وكانت أشكال طقوسها عديدة، معقدة، تقابل ~~الاهتمامات البشرية كلها، على الأقل على المستوى التقليدي للحياة ~~اليومية. # وإنما يبدو لنا اليوم النقص في هذه الديانة بعد قرون عديدة من ~~التجارب؛ فلم تكن ديانة فيها عزاء كاف. ولعلها كانت تكفي ~~الراضين، والناجحين. ولكنها للخاسرين، وللفاشلين دائما، لا تكاد ms094 ~~تقدم شيئا - حتى ولو كان تفسيرا مرضيا لما أصابهم من فشل. ~~إنها لم تعد بالمثوبة في حياة أخرى تعوض الآلام التي يكابدها ~~المرء في هذه الدنيا، وإذا منيت المدن الحكومية بالفشل السياسي ~~والاقتصادي، وإذا ازداد عدد الأفراد الذين يجدون أن الآلهة - على ~~وجه العموم - لم تمنحهم ما في هذه الحياة من أشياء طيبة، الأشياء ~~التي تقيم لها الثقافة العظمى وزنا كبيرا - إذا حدث هذا تحتم ~~على الفرد العادي من الأحياء أن يلتمس في مكان آخر الرضا الذي لم ~~تمده به آلهة الأولمب. # ولم تكن هذه الديانة الرسمية الأولمبية تخلو من جنة واضحة وجحيم ~~واضح فحسب، ولكنها كذلك لم تقدم في الحاضر نوعا من الرضا، يشق ~~وصفه، ولكن ربما كان خير تعبير عنه أن نقول إنه المشاركة في الغبطة ~~الدينية. وشكل من أشكال هذه الغبطة، يكفي لأن نعرف الأمريكان بها ~~تعريفا تقريبيا، هو ذلك النوع من السلوك الذي نربط بينه وبين ~~«حركة الأحياء الإنجيلية»، أو اجتماعات المعسكرات، أو الجماعات ~~الدينية المقدسة. وليست بنا هنا حاجة إلى أن نبحث عن مدى تهذيب هذه ~~الغبطة، أو نبلها، في بعض الديانات. والمهم هنا هو أن نذكر - ~~بقدر ما نستطيع الحكم - أن مثل هذه الغبطة لم يصدر عن الخدمات ~~المدنية الموقرة التي كانت تؤدى تكريما لآثنا، أو عن الألعاب ~~التي كانت تقام تكريما لزيوس: نعم كانت هناك إثارة، وكان هناك ~~شعور لا يختلف كلية عن المشاعر التي نحسها نحن الأمريكيين يوم 4 ~~من يوليو. ولكن لم تكن هناك غبطة دينية معينة، ولم تكن هناك ~~«جلالة». # وأخيرا، بدأت هذه المجموعة من الحكايات عن الآلهة تبدو للكثيرين ~~عبثا من الناحية العلمية، وشيئا يصدم المرء من الناحية الخلقية؛ ~~فقد كان زيوس - على سبيل المثال - يتخذ شكل الإوزة العراقية لكي ~~يتبادل الحب مع ليدا، وهي من النساء الحيات. ومن لقائهما ولد ~~المحاربان التوءمان كاستور وبولكس. # ونحن اليوم نرى أن العمليات البيولوجية التي تنطوي عليها هذه ~~القصة تبدو لبعضنا أمرا غير عادي إلى حد ما. ولكنك حتى لو ~~استطعت أن ms095 تقبل قصة ليدا والإوزة باعتبارها معجزة، أو حادثا ~~خارقا للتاريخ الطبيعي، فإنك برغم ذلك تحس - كما أحس سقراط ~~وأفلاطون - أن الغواية والزنا شين لا تليق بالآلهة. وليس ~~بالإمكان أن نزن في هذا التاريخ الذي بلغناه التأثير النسبي لهاتين ~~الطريقتين: العلمية والخلقية، عندما نسبر غور الديانة الأولمبية. ~~وربما كان الرجل المتعلم العادي متأثرا بالطريقتين، ومع ذلك فإن ~~هذا النقد العقلي العام ربما يتغلغل كثيرا بين السكان، حتى في ~~أثينا، عندما حل عام 400ق.م وكان القذف في الدين - أو الشك في ~~الديانة القائمة والتعبير عنه صراحة - أحد المبررات التي من أجلها ~~حكم على سقراط بالموت. # وإذن فإن ما يجده المرء عند نهاية عصر الإغريق الأعظم هو تلك ~~الديانة التقليدية التي وصفناها، مع خلافات كثيرة محلية، وقد ~~استقرت عقيدة عند جمهرة الإغريق. كما يجد المرء - بوجه عام - نوعين ~~من الانحراف عن هذه الديانة التقليدية، أو نوعين من تطورها: النوع ~~الأول هو الفلسفي الذي نعرف عنه الكثير، والثاني هو العاطفي أو ~~الصوفي الذي نعرف عنه قدرا أقل، والذي ربما كان أكثر ~~أهمية. # ونحن نجد منذ العهود القديمة جدا إشارات مبعثرة فيما كتبه ~~الإغريق إلى مراسم الجماعات، أو مذاهبها، التي تدخل في النطاق ~~الواسع جدا للديانة التقليدية. ويبدو أن في هذه المذاهب عناصر ~~عاطفية معينة لا تتوفر في الديانة، أو تتوفر فيها بدرجة طفيفة. ~~والموضوع شديد التعقيد، وقد أجريت فيه مباحث عديدة، وليس بوسعنا ~~هنا إلا أن نذكر أن هذا الضرب من «الألغاز» يرتبط بدميتر، إلهة ~~النمو، وقوى الحياة، أو يرتبط بديونيسس، أو باكس، إله الخمر، أو ~~بأورفيس الموسيقي الأكبر الذي سحر حتى إله العالم السفلي. أما إلى ~~أي حد كانت تقوم هذه المذاهب على الآلهة الأجانب، أو على ثقافة ~~مستوردة من الشرق، وأما إلى أي حد كانت هذه المذاهب بقايا عبادة ~~بدائية جدا، هي عبادة قوى الأرض، وإلى أي حد كانت هذه المذاهب ~~نموا مستقلا في بلاد اليونان المتمدنة، أما هذا وذاك فهو من ~~المسائل التي يختص بها جدل الباحثين. ويبدو أن كل المذاهب ms096 كانت ~~تتوافر فيها عناصر لم تتوافر في الديانة الأولمبية، أو اشتقت منها ~~بعد تهذيبها. # وقد وعدت هذه المذاهب خاصة لمعتنقيها نوعا من الخلود الشخصي ~~الحقيقي. وكانت «الأورفية» في الواقع تبشر بمبدأ تناسخ الأرواح. ~~وصاحب هذا المبدأ شيء شديد الشبه بفكرة الخطيئة الأولى، وتطابق ~~الخطيئة مع المادة، أو حياة الحواس، الحياة في هذه الدنيا. وإذا ~~كانت الروح لا تستطيع التخلص من الجسد - طبقا للأورفية - فقد حكم ~~عليها بدورة أبدية من التناسخ، ومن الآلام تبعا لذلك. غير أن ~~المرء إذا أخذ بألغاز الأورفية، فإنه يستطيع بهذا التحول أن ينجو ~~من هذه الدورة، وأن يخلص روحه لحياة أبدية في النعيم، ولسنا نعرف ~~على وجه الدقة أي الطقوس والعبادات يلزم لتحقيق ذلك، وأي نوع من ~~التدريب المتواصل على هذه الأرض - فوق كل شيء - يلزم لأن يجعل هذا ~~الخلاص أكيدا، ويقول الخصوم من النقاد إن الأورفية لم تكن إلا ~~لونا من ألوان السحر، خلوا من الأفكار الخلقية الرفيعة، وأن ~~معتنقها يظفر بالخلاص بترديده عبارات معينة، وبتطهير نفسه ~~بالطقوس، وبدفع المال للكهان. ولكن هذا الضرب من الجدل المعادي ~~للعقائد يظهر دائما في تاريخ كل دين. # ثم إن هذه المذاهب فيها فكرة الإله الذي يموت ويبعث، فيبرهن ~~بذلك للمؤمنين على أن الموت يخدع، وأن خلود الفرد موجود بغض النظر ~~عن ظاهرة الموت والجسم يموت، ولكن الروح تخلد - إذا كنا قد جعلناها ~~جزءا من روح الله. وهذه المطابقة بين روح الإنسان والإله الخالد ~~تتم باعتناق المذهب وتبقى بممارسة الطقوس. ثم إننا لا نعرف على وجه ~~الدقة تفصيلات هذه الحفلات، ربما أحس عبدة «باكس» عندما يبلغون ~~قمة الغبطة الدينية أنهم أصبحوا هم أنفسهم «باكس». وكان المؤمنون ~~يأكلون الوجبات التي أعدت للحفلات، وربما أحس بعضهم وهم يتناولون ~~هذه الوجبات أنهم يأكلون لحم إلههم، فيكتسبون بذلك في بساطة تامة ~~وبطريقة مباشرة قوته الخالدة. # قلنا إن الديانة الأولمبية لا تشجع العبادات، بل ولا تسمح بها، ~~أما مذاهب الألغاز فهي تشجعها وتسمح بها صراحة. بيد أن تفصيل ذلك ~~مضطرب متناقض. ولكن من المؤكد ms097 أن معتنقي هذه المذاهب كانوا قادرين ~~على أداء جانب كبير من الحركات المثيرة والتوتر العصبي بالمشاركة ~~في الطقوس؛ فكان المؤمنون المخلصون لباكس يرقصون حتى درجة الجنون. ~~ومع ذلك فإن عبادة باكس ذاتها لم تكن لمجرد إلهاب الأعماق الدنيا ~~من الطبيعة البشرية. وإذا أخذنا بكلية الكاتب المسرحي يوربيديز - ~~الذي لم يكن بالتأكيد من معتنقي أي مذهب من المذاهب، والذي ربما ~~كان عنده تشكك العقليين في الغبطة الدينية - فإن أولئك الذين ~~كانوا يسعون إلى باكس إنما كانوا يلتمسون الطمأنينة التي تلتمسها ~~كل الديانات العليا. وفي نشيد مشهور في مسرحية «الباكيون» # The Bacchae # تغني بعض العذارى ~~هذه الكلمات: # آه لو عدت إلى تلك الرقصات الطوال، # فأنفقت فيها ظلام الليل حتى تخبو النجوم! # آه لو أحسست بالندى في حلقي، # وبنسمة الصباح تداعب شعري، # وظهر بياض قدمي في الفلاة المظلمة! # أيها الظبي الفار إلى الحقول الخضر # وحيدا وسط الأعشاب والجمال، # أيها الصيد، # اقفز إلى الأمام بغير وجل، # وتخط الشباك والمطاردة القاتلة. # إن في الأفق البعيد صوتا يسمع، # هناك صوت، وهناك خوف، وهناك كلاب مسرعة، # وعمل شاق، وعدو وحشي # صوب النهر والوادي ... # أيتها الأقدام المسرعة، # أمن سرور أم من فزع تسرعين؟ # إن الأشياء الصغيرة تعيش مختفية في الغابة، # حيث الأرض العزيزة الموحشة، # التي لا يزعجها إنسان، # حيث لا تتردد الأصوات # وسط الخضرة الوارفة الظليلة، # ماذا تكون الحكمة غير ذلك؟ # ولأي شيء غير هذا يبذل الإنسان جهده، # أو يهبنا الله نعمته الكبرى، بعظمتها وجمالها؟ # أي شيء بعد التحرر من الخوف، # وتنفس الصعداء والترقب؟ # وأي شيء بعد أن يرفع المرء يده فوق الأحقاد؟ # عندئذ نحب الجمال إلى الأبد. # وما كان أشد شيوع هذه الديانات التي تدعو إلى ~~الغبطة! ولعلها كانت ديانة رجل الشارع. وهل كانت ديانة أولمب - ~~شبيهة بما أسميناه الثقافة العظمى - جزءا من واقعها فقط من حياة ~~أقلية، أرستقراطية، حتى في أثينا؟ إننا لا نستطيع الإجابة عن هذه ~~الأسئلة ونحن واثقون. وإنما الراجح أن مذاهب الألغاز هذه لم تكن في ~~أي فترة من فترات عهد الإغريق الأعظم ms098 ديانة غالبية الإغريق في ~~الواقع، إن ما نعلمه عن الأورفية، ومذهب ديونيسس، وحتى الألغاز ~~الأشد تمسكا بالعرف التي تنسب إلى دميتر في الوزيا القريبة من ~~أثينا، إنما حققناه من ضم أشتات، ومراجع متناثرة، ونتف من ~~المعرفة مبعثرة هنا وهناك، ومن الحق أن هذه المذاهب كانت سرية، وأن ~~الحقائق التي تتعلق بطقوسها لم تنشر في حينها. ومن الحق أن هذه ~~المذاهب كانت تخرج عن نطاق التقاليد المهيبة للثقافة العظمى، وأن ~~الكتاب في هذه الثقافة كانوا عادة من خصوم هذه المذاهب، أو ممن ~~لا يكترثون بها. ومن الحق أننا لا نملك على أحسن تقدير إلا سجلات ~~متقطعة من الثقافة اليونانية، وأننا لا نملك شيئا يشبه البتة أن ~~يكون حصرا للمذاهب الدينية، بيد أن الظاهر - برغم ذلك - أن مذاهب ~~الألغاز كانت على هامش صميم الحياة الإغريقية في العهد الأعظم، ~~وأنها «لم تكن» عقيدة رجل الشارع. وهي أشبه، من الناحية الكمية ~~وبالقياس إلى تيار الثقافة الإغريقية الرئيسي، بجماعة «العبادة ~~المقدسة» و«شهود يهوه» منها بطائفة المعمدان أو النظاميين، أو ~~بالأحرى منها بالكاثوليك. # وأما ثورة الفلاسفة ورجال الأدب على الديانة الأولمبية فنحن نعلم ~~عنها الكثير؛ إذ إن لدينا رسائل بأكملها، لا مجرد شذرات من ~~المعرفة. وفي هذا الكتاب رأينا من قبل أن في أعمال سقراط مثالا من ~~الطريقة التي كان الفلاسفة يسلكونها لتفسير الكون بصورة أقرب إلى ~~العقل من أسلوب الحكايات القديمة، وكيف كانوا يسعون إلى مستويات من ~~السلوك أفضل من التي كانت هذه الحكايات تدعو إليها، وكان بعضهم يقف ~~عند حد الرضا بالمعقولية، وقبول هذه الدنيا التي تميزها معايير ~~الوسط الذهبي من الناحية الخلقية والجمالية. ولم يكن بعضهم الآخر - ~~وبخاصة أفلاطون - على هذه الدرجة من الرضا. إنما كانوا يريدون ~~عالما أفضل - أو عالما آخر. وأخذ الفلاسفة بالتدرج يؤثرون ~~في الألغاز، ويمدونها بأصول دينية مهذبة - أصول دينية كتب لها أن ~~تكون ذات أثر بالغ في الأصول الدينية المسيحية، كما حدث مثلا في ~~فكرة الإله الذي يموت ثم يولد من جديد التي ذكرناها من ~~قبل. # وأكثر الأثينيين ms099 المثقفين في أواخر القرن الخامس تجاوزوا كثيرا ~~المعتقدات والطقوس التقليدية التي تتصل بالديانة الأولمبية، ولكنهم ~~لم يبلغوا في ذلك مبلغ سقراط أو أفلاطون. ومهما يكن من شيء فإن ~~عبادة آثنا كانت مشاركة في أثينا المتفائلة الناشطة في أيامها ~~العظمى. وقد نشأ هؤلاء الأثينيون المثقفون على قصص هومر. ولما ~~شهدوا هذه القصص وغيرها مترجمة إلى مسرحيات تأثروا، على الأقل ~~كما تأثر الناس في عهد إليزابث بمسرحيات شيكسبير ~~التاريخية. # وقد ارتفعت هذه الحكايات التي عالجها كتاب المسرحية - حتى ~~أكثرها توحشا بدائيا، الذي يعج بجرائم القتل والانتقام العنيف - ~~إلى مستوى الجدل في مصير الإنسان. وكانت مآسي يسكلس، وسوفوكليز، ~~ويوربيديز عبارة عن مناقشات رفيعة، شعرية، محسوسة، لذلك الضرب من ~~الأسئلة الذي كان يقض مضاجع الفلاسفة. ما هو العدل؟ وما هي ~~الفضيلة؟ وهل العالم الذي نعيش فيه مكان عادل؟ وهل الإنسان حر ~~في اختيار الحق والباطل؟ وكيف يستطيع المرء أن يميز بين الحق ~~والباطل؟ إن كتاب المسرحية لم يقدموا جميعا نفس الإجابات. وحتى ~~الثلاثة الذين نملك مسرحياتهم كانوا ذوي أمزجة مختلفة. # ولا نكون - برغم هذا - بعيدين عن الإنصاف إذا قلنا إن هذه المآسي ~~تشترك في قواعد خلقية تعلو كثيرا على المستوى الذي ينعكس في ~~الميراث الحقيقي للأساطير اليونانية، وأنها تقف موقف القبول في ~~إباء وشجاعة لهذه الدنيا الصارمة التي لا تفترق عن الدنيوية الأكثر ~~تفاؤلا التي عرضناها عرضا موجزا عند دراستنا للثقافة العظمى. ~~المأساة في أتيكا لا تقوم على حكم العقل، ولا تتجاهل أعماق المشاعر ~~الإنسانية، ولا يغيب عنها كثير من الألغاز. ولكنها بالتأكيد لا ~~تفرق تفرقة واضحة بين عالم الحواس هذا وبين عالم آخر من الحقيقة ~~الإلهية كذلك الذي رسمه أفلاطون أو المسيحية. إن هذا الكون عند ~~هؤلاء الأثينيين المثقفين لم يخلق قط لسعادة الإنسان ~~الميسرة. وكثيرا ما يعاني الناس بسبب أعمالهم الطيبة، وليس بسبب ~~ما يقترفون من آثام فحسب. وليست الآلهة - إن كان هناك آلهة - تلك ~~الصور المعظمة البريئة للإنسان، كما كانت تصور في الحكايات ~~القديمة على ما يبدو؛ فالآلهة أيضا تخضع للقدر، ms100 وللحاجة، ولتلك ~~الارتباطات الغامضة التي لا مفر منها التي تربط الناس أجمعين. ~~والناس يحملون مصيرهم في ثنايا شخصياتهم، التي لم يخلقوها كلها ~~لأنفسهم؛ لأنهم يحملون عبء الميراث الثقيل، وهو ميراث اجتماعي ~~وبدني. غير أن الناس يستطيعون - مع ذلك - أن يواجهوا هذا المصير، ~~وهذه الحاجة، بشجاعة وإباء، ويفوزون من المعركة بالشرف، بل وبنوع ~~من الطمأنينة. إن الحياة الطيبة ليست حياة سهلة، وليست حياة رخيصة، ~~وليست دائما حياة ناجحة بمعنى النجاح الشائع. ولا بد من قضائها ~~هنا فوق هذه الأرض إن كان لا بد أن تقضى، ولكنها حياة ~~ممكنة. # ولم يكتف أفلاطون، ولم يكتف كثيرون غيره من الإغريق المتعلمين، ~~بهذا القبول الصارم للدنيا. والواقع أن أفلاطون استمد شيئا من ~~جماعة منظمة تسمى الفيثاغوريين، وهي جماعة تكون حلقة بين ~~مذاهب الألغاز الشائعة وعمل الفلاسفة. كان الفيثاغوريون نوعا من ~~أصحاب المذاهب المتحذلقين استمدوا اسمهم من زعيمهم ومؤسس طائفتهم ~~الفيلسوف الرياضي فيثاغورس، الذي أشرنا من قبل إلى نظرياته في ~~المثلثات ذات الزوايا القائمة. كانوا يقولون بتناسخ الأرواح، وكثير ~~غير ذلك من الآراء الأورفية أو الشرقية في منشئها. وكانوا يخلطون ~~رياضياتهم (وهي رياضيات متقدمة ممتازة بالنسبة إلى عصرها) بالإيمان ~~الصوفي، الطرق الصوفية، بطريقة ربما كانت شبيهة بالطريقة التي ~~يمزج بها بعض الفلكيين المحدثين علمهم ببحثهم الصوفي عن الإله ~~الذي لا يحد. وإحساسهم الأساسي بأن العلم لا يكشف عن عالم آلي، ~~منته، أوتوماتيكي (وهو عالم يشبه عالم الفيزياء المتوسط في القرن ~~التاسع عشر)، وأن العلم إنما يكشف عن عالم غامض يدعو إلى مغامرة ~~الفكر، هذا الإحساس يتفق تمام الاتفاق وموقف كثير من علمائنا ~~المعاصرين. لقد كانوا محترمين من الناحية العقلية قطعا، وربما أخذ ~~أفلاطون عنهم الكثير. # ويأتي أفلاطون في النهاية بمعايير خلقية هي - وإن لم تنكر ~~الجسم كل الإنكار، وتنبذه نبذا كاملا، وتحاول أن تعذبه - على ~~الأقل متطرفة في تعلقها بالعالم الآخر. إن الشهوة - وحتى الشهوة ~~المعتدلة - ليست عند أفلاطون شيئا مستحبا. إن كثرة الناس تتمرغ ~~في حمأة الحواس، ولكن القلة المفتداة قد ترى النور، وتعيش عيشة ms101 ~~طاهرة، وتحيا حياة الفكر والمثل الأعلى. الجسم يفنى، ولكن الفكرة - ~~أو الروح - خالدة. وربما اعتنق أفلاطون في وقت من الأوقات صورة ~~من صور المذهب الفيثاغوري الذي يقول بتناسخ الأرواح، ولكنه ينتهي ~~آخر الأمر إلى مثال خالص فريد، ويكاد في الواقع يكون مسيحيا ومن ~~المتطهرين. إلهه واحد، أبدي، كامل، حقيقي، غير محدود. والروح ~~البشرية تستطيع - بل يتحتم عليها - أن تتطلع إلى الاتحاد مع هذه ~~الألوهية، ولكن بغير طريق الطقوس، أو السحر، أو أي عمل دنيوي. ~~لا بد للروح أن تطهر نفسها من الجسم المادي بازدرائها الأشياء ~~التي يحتاج إليها الجسم ولسنا نعرف هل كان أفلاطون نفسه زاهدا؟ ~~وفي كثير من محاوراته - كمحاورة فيلبس على سبيل المثال - يقترب من ~~الفكرة الإغريقية التقليدية عن متعة الجسد، وهو لم يشر قط إلى ~~تحرير الروح بالانتحار، وإن يكن في لحظاته الثائرة يسوي بين الجسم، ~~والمادة، والشر. إن الخلاص يتوقف على حياة مادية إلى أدنى حد ~~مستطاع، روحانية إلى أقصى حد ممكن. والواقع أن هذا تعبير عام - بل ~~ومضلل في عين أتباع أفلاطون - عما يصوغه أفلاطون في ألفاظ بلغت ~~غاية الجمال. ولكنه يبين لنا إلى أي حد ابتعد أفلاطون، لا عن رجل ~~الشارع فحسب، بل عن التقاليد والمثل في الثقافة العظمى. وتدل هذه ~~الأفكار على أقل تقدير على أن كثيرا من الناس لم يعد يجد هذه ~~الدنيا مكانا طيبا مثيرا، جذابا، كما وجده قطعا بركليز، وكما ~~وجده رجال الفن ورجال الأدب في العصر الأعظم. # أزمة القرن الرابع # تحولت الثقافة التي سبق شرحها تحولا كبيرا في القرن الذي ~~يقع بين بداية حرب البلوبونيز في عام 431ق.م وانتصار الملك فيليب ~~المقدوني على المدن الحكومية اليونانية في عام 338ق.م، ولم تعد ~~المدينة الحكومية - التي نشأت فيها هذه الثقافة كما نشأت ثقافتنا ~~في الحكومة القومية - مستقلة استقلالا حقيقيا. وبالرغم من أن ~~كل المدن الحكومية قد احتفظت بكثير من مظاهر حكمها المحلي ومن ~~الأشكال القديمة، إلا أنها وقعت تحت السيطرة النهائية للمقدونيين ~~أولا، وللرومان فيما بعد، واندمجت في نوع جديد من ms102 الدولة سوف ~~نتعرض له بالدرس في الفصل التالي. وبنهاية استقلال هذه المدن اختفى ~~من ثقافتها شيء ما، ولم يسترد الإغريق قط بعد القرن الرابع ~~الأصالة، ووحدة القوة مع الرقي، والانتشار والتنوع، الذي اتصف ~~به ما أسميناه الثقافة العظمى. وأطلق المؤرخون لفظة «الهلينستية» ~~عنوانا للثقافة التي سادت في القرون الثلاثة الأخيرة قبل ميلاد ~~المسيح، تمييزا لها عن الثقافة «الهلينية» أو الإغريقية. وارتبط ~~هذا الاصطلاح (الهلينستية) دائما بالدلالة على الحذلقة، ~~والأكاديمية، والتقليد، والمهارات الفنية، دون عمق أو ~~إلهام. # ويجب أن نقف هنا لحظة أخرى عند إحدى صعوبات تاريخ الفكر، وهي ~~صعوبة التقينا بها من قبل، وتلك هي مشكلة الحياة والموت، أو ~~الازدهار والتدهور، في ثقافة من الثقافات. وإن احتفاظ مجتمعنا ~~الغربي بدوام البقاء ليدل على معنى من المعاني. وكانت المدن بين ~~الحين والحين تتحول إلى دمار شامل بحيث لا يبقى فيها ساكن واحد، ~~كما حدث في مدينة بلميرا الصحراوية. ولم يبق من أثينا ذاتها في ~~عام 1600م سوى منازل قليلة متناثرة بين أطلال أكروبوليس، وإن تكن ~~اليوم - بالرغم من الحروب والاضطراب المدني - تحوي سكانا أكثر مما ~~حوت في عهد بركليز. أما روما فلم تتدهور قط إلى المستوى الذي ~~انحدرت إليه أثينا. ومن الواضح أن حياة الاستمرار في الأجيال لم ~~تنقطع قط كلية. كما أنه لم يوجد من الأجيال ما عاش بغير اضطراب ~~مدني، أو شغب، أو قلقلة اقتصادية، أو شكاوى فردية. # ونستطيع أن نقول - برغم هذا - كمثال محسوس، إن أوائل القرن ~~الخامس قبل الميلاد ومنتصفه كانت نقطة مرتفعة في بلاد اليونان، ~~كانت من أوقات الأعمال الثقافية العظمى، ومن أوقات الاستقرار ~~والأمن النسبي، كانت وقتا سعيدا. ونستطيع أن نقول إن القرن الذي ~~تلا نشوب حرب بلوبونيز كان عهد تدهور، وقلاقل، واضطراب في الأمن، ~~كان وقتا تحمل فيه حتى الأعمال الثقافية العظمى طابع النضال، أو ~~قل كان وقتا غير سعيد. وبالرغم من أن أمثال هذه المقارنات لا ~~تكون دقيقة إطلاقا، ولا تعدو أن تكون مجرد إشارة من الإشارات، إلا ~~أن القرن التاسع عشر قد ms103 يبدو في لوحة التاريخ نقطة مرتفعة في الأمن ~~والثقافة، كما يبدو القرن العشرون عهد اضطراب وقلاقل. # ومن ثم فقد كانت حرب بلوبونيز نقطة تحول. نعم كان هناك إغريق ~~سعداء بعد هذه الحرب، وكان هناك إغريق تعساء قبلها، كما كان هناك ~~كتاب وفنانون عظام بعد الحرب، إلا أن شيئا قد اختفى من الحياة ~~اليونانية، وهو ذلك الشيء الذي تظهر حقيقته في أحسن صورها في خطاب ~~الذكرى لبركليز. ولقد فشل الإغريق في مقابلة الأزمة التي اعترضتهم ~~في عام 431ق.م بنجاح. # وقد كانت تلك الأزمة في غاية التعقيد. ولم تكن قط روحية فقط أو ~~فكرية فقط. وأحس بها - بطبيعة الحال - الناس ككل حي في خبرة ~~حياتهم. وإذا اردنا لأغراض التحلل أن نفتتها إلى عناصر سياسية، ~~واقتصادية، واجتماعية، وفكرية، فإننا نفتت كلا كما يفتت ~~الكيماوي - من بعض الوجوه - الماء إلى هيدروجين وأكسيجين. فليس ~~الماء وحده وليست حرب بلوبونيز وحدها، وليس نضال الطبقات المرير ~~وحده في ذلك الحين، وليس انهيار المدينة الحكومية، وليس انحلال ~~القيود الخلقية القديمة وحده، ليس هذا ولا ذاك وحده هو أزمة ~~الثقافة الإغريقية. # واتخذت الأزمة «السياسية» بشكل ظاهر، صورة تماثل بدرجة مذهلة ~~صورتها في يومنا هذا، لم تستطع في الواقع المدن الحكومية ذات ~~السيادة أن تعيش مستقلة بعضها عن بعض كالقوالب العديدة في ~~الفسيفساء، أو البقع الملونة في المصور الجغرافي. غير أن تبادل ~~العلاقات المستمر بينها كان ينتهي دائما بالحروب. وأخذت هذه ~~الحروب تشتد وتطول تدريجا، حتى اقتربت من موقف يجعل المدن ~~المتحدة الظافرة في مثل الإنهاك الذي تكابده المدن المهزومة. وقد ~~كانت هذه المدن الحكومية اليونانية في وقت من الأوقات - في ~~التسعينيات والثمانينيات من القرن الرابع - قد اتحدت، مع قليل من ~~الفتور لا يعدو تلك الخلافات العادية بين الحلفاء، لكي تهزم تلك ~~القوة الأجنبية، الآسيوية، الفارسية العظمى. ومن الارتفاع الذي حدث ~~من هذا الانتصار على الفرس يبدأ تاريخ بلوغ القمة في الحركة ~~الصاعدة في الثقافة التي درسناها. فنمت أثينا خاصة في ثروتها ~~وقوتها، وشرعت تبني المدن الحكومية في المساحة الإيجية ms104 على غرار ~~النظام الأثيني، فكانت في أول الأمر اتحادا دفاعيا ضد الخطر ~~الماثل دائما - خطر عودة الفرس - ثم تقاربت إلى ما نسميه منطقة ~~نفوذ، وانتهت إلى إمبراطورية أثينية. وهذا التهديد للنظام القديم؛ ~~نظام المدن الحكومية المستقلة استقلالا تاما، التي لم ترتبط إلا ~~بأنواع من التحالف المتغير، هذا التهديد هو الذي جر إسبرطة إلى ~~الحرب لكي تحتفظ باستقلال اليونان. # ولم تكف المدن الحكومية اليونانية عن التقاتل فيما بينها، وقد ~~أخذ هذا التقاتل يشتد حتى بات من المؤكد أن سلطة خارجية، إن عاجلا ~~أو آجلا، سلطة غير إغريقية، لا بد أن يستهويها التدخل وتغزو ~~الإغريق جميعا. ولم تكن الإمبراطورية الأثينية قط جهدا مقصودا ~~لتجاوز نظام المدينة الحكومية، إنما كانت امتصاصا عن طريق الغزو، ~~لم تحاول فيه إلا قليلا أن تكتسب الولاء الفعال للبلدان الممتصة. ~~وهذه المدن الحكومية التي امتصتها أثينا انتهزت جميعا في الحرب ~~البلوبونيزية فرصة انتصارات إسبرطة لكي تتخلى عن أثينا وتؤكد ~~«استقلالها». ولم تكن إسبرطة أو طيبة - بعد هزيمة أثينا - أكثر ~~نجاحا في توحيد العالم الإغريقي. # وإذا أنت استبدلت «الحكومة القومية في القرن العشرين» ب «حكومة ~~المدينة في القرن الخامس»، وجدت موقفا يشابه موقفنا من بعض ~~الوجوه في جلاء ووضوح. ليس من المحتمل أن تحتمل الحكومات القومية ~~ذات السيادة في عهدنا التكاليف المادية والروحية لحروب كالحربين ~~الأخيرتين. وكذلك ليس من المحتمل أنها تستطيع أن تتحاشى الخوض في ~~هذه الحروب، ما دامت ترغب في الإبقاء على سيادتها. والمشكلة التي ~~تدعو إلى السلام (كمسرحية لسستراتا الممتعة على سبيل المثال) ~~واضحة اليوم في أعين الكثيرين منا، بيد أنها ربما لم تكن في مثل ~~هذا الوضوح للإغريق القدامى، وليس عليك إلا أن تقرأ مسرحيات ~~أرستوفان في بداية القلاقل - أو نهاية الجدل العظيم بين ديموستنيس ~~وخصومه بشأن تدخل مقدونيا في السياسة الإغريقية؛ لكي تتحقق من ~~أن الإغريق أحسوا طبيعة الأزمة. # وفي عهد متأخر جدا، في القرن الثالث، حاولوا أن يضموا المدن ~~الحكومية طوعا في وحدة فدرالية حقيقية، كما انضمت المستعمرات ~~الأمريكية الثلاث عشرة فيما بين ms105 1787م و1789م. ولكن بالرغم من أن ~~اتحاد إيجة واتحاد إيتوليا كان كلاهما تجربة شائقة في تجاوز ~~المدينة الحكومية ذات السيادة، فإن نجاحهما كان جزئيا، ولم يحدث ~~إلا في عهد متأخر جدا. وفي هذا الوقت كان أعظم الدول ~~الاستعمارية في تاريخنا الغربي، وأقصد روما، على استعداد لأن تحل ~~محل مقدونيا المستضعفة. # وإذن فلم يكن هناك في ذلك الحين تخطيط واضح لقيام حكومة عليا، أو ~~حركة قوية أو محاولة مقصودة لتجاوز الشكل السياسي الذي يسبب ~~المتاعب، كما يحدث اليوم. ويبدو أن صاحبي النظريات السياسية ~~العظيمين في وقت القلاقل هذا - وأعني بهما أفلاطون وأرسطو - كانا ~~لا يبصران أوجه النقص في المدينة الحكومية. والظاهر أن كليهما ~~افترض أن الإغريق يمكن أن يعيشوا على الدوام في المدينة الحكومية ~~في عهد الثقافة العظمى، أو في صورة معدلة لهذه المدينة الحكومية. ~~ونستطيع أن نقول إن الإغريق دخلوا «العالم القديم» الذي مهد لهم ~~دون أن يدركوا تمام الإدراك ما هم فاعلون. ونستطيع في الوقت عينه ~~أن نقول - ونحن مطمئنون - إن شر الحروب المستمرة في الأعوام المائة ~~التي سادت فيها القلاقل التي تهمنا، كان أحد العوامل الرئيسية في ~~اضطراب عقول الناس. # وكانت الحروب إلى حد ما من أجل الثروة، وكذلك من أجل النفوذ ~~والكرامة، حروب لفرض الجزية على المهزوم، وللحصول على الاحتكارات ~~التجارية، بل وربما للحصول على العيش والمجال الحيوي لمقابلة ~~ازدياد السكان الذي يؤثر في مستوى المعيشة - وإن يكن التثبت من ~~ذلك غير ممكن بسبب عدم وجود أرقام إحصائية. ومما لا شك فيه أن ~~أثينا - باعتمادها على التجارة الخارجية لتوفير الطعام لكثرة ~~سكانها - كانت في موقف يجعل الدوافع الاقتصادية من العوامل الهامة ~~في شن الحروب. ونحن نعلم أن المدن الحكومية كانت آخذة في الثراء ~~وازدياد السكان على وجه العموم لعدة قرون. وهذا النمو أدى - ~~وبخاصة في المدن التجارية العظمى مثل أثينا وكورنث - إلى نمو طبقة ~~تجارية من أصحاب الأموال. وكان ذلك سببا في اقتلاع الفلاحين من ~~الأرض، وقذفهم إلى الحياة المدنية بما فيها من قلق وإثارة. وانتهى ~~الأمر ms106 - وبخاصة في أثينا - إلى مجتمع متنوع، يحتك فيه الأغنياء ~~بالطبقة الوسطى، والطبقة الفقيرة، مجتمع يستطيع فيه حتى العبد ~~الذي يقوم على مشروع ناجح أن يكسب المال، مجتمع يقوم على أسس ~~الطبقات، ولكن في غير صرامة - أو مجتمع شبيه بمجتمعنا في كثير من ~~وجوهه. وكان هناك في أوقات الرفاهية ما يكفي جميع الطبقات، وكان ~~هناك أمل في حالة أفضل. ولم يكن هذا المجتمع المختلط عرضة للإجهاد ~~الشديد. ولكن بتوالي الحروب، وبتراكم أسباب النقص، وباشتداد ~~التوتر، أضيف نضال الطبقات إلى الحرب الفاشية بين المدن ~~الحكومية، والصراع بين الأغنياء والفقراء، بين الأرستقراطية ~~والديمقراطية، بين اليمين واليسار، تحول في النهاية إلى نضال ~~بين أثينا وإسبرطة؛ لأن الحزب الديمقراطي أو الشعبي في كل مدينة من ~~المدن - عندما اشتدت أزمة الحرب - انضم إلى جانب أثينا، وانضم حزب ~~الأوليجاركية أو الأرستقراط إلى إسبرطة. # وقد عبر ثيوسيديد تعبيرا بسيطا عن نتيجة ذلك كله، عندما كتب ~~عن نشوب أول حرب طبقية في إطار حرب بلوبونيز، التي وقعت في كوركيرا ~~على الساحل الغربي لبلاد اليونان. قال: ~~«وهكذا نشبت الحرب الأهلية في المدن، وابتدع الثائرون المتأخرون ~~- ونصب أعينهم أمثلة سابقة - أفكارا جديدة، تجاوزت كثيرا ~~الآراء القديمة، وكانت مشروعاتهم محكمة، وطرق انتقامهم طريفة. ~~وتغيرت المعاني العادية للكلمات وفسرت الألفاظ بمدلولات ~~جديدة. واعتبر التهور في استهتار شجاعة عند المحارب المخلص، ~~وبات التردد المتسم ببعد النظر مسوغا للجبن، والاعتدال ~~حجة في ضعف الشهامة، وأمست القدرة على رؤية جوانب الموضوع ~~عجزا كاملا عن العمل. وعد الاندفاع التلقائي علامة الرجولة، ~~والحذر من المؤامرة مسوغا ظاهرا للتهرب من العمل. يثق الناس ~~دائما بأسلوب العنف، ويشكون في معارضيه. والنجاح في التآمر ~~ذكاء، وأشد منه ذكاء أن تبتكر المؤامرة. أما إذا أنت ابتكرت سياسة ~~تجعل مثل هذا النجاح في المؤامرة أو هذا التشكك أمرا لا حاجة ~~بأحد إليه، فأنت خارج على حزبك، تبدي الخوف لخصومك.» # وقد يبدو هذا الوصف العام لبعض العقول كلاما مجردا أو غير ~~واقعي. ولكن دعنا نسمح لثيوسيديد بالاستمرار في أسلوب الرواية ~~المحسوس، الشائع بين المؤرخين. ms107 فر بعض أهل كورسيريا من حزب ~~الأرستقراط إلى حصن جبلي، وأسلسوا القيادة مطمئنين لأهل أثينا. ~~وبحيلة غير شريفة استطاع أهل كورسيريا من الديمقراطيين - بموافقة ~~سلبية على الأقل من جانب حلفائهم الأثينيين - أن يخرجوا من تحت ~~الحراسة بعض الأفراد، ويغتالوهم. يقول ثيوسيديد: ~~«بهذه الطريقة أخرج ستون رجلا وقتلوا دون علم أصدقائهم ~~المقيمين في نفس المبنى، الذين ظنوا أنهم إنما ينقلون من سجن إلى ~~آخر. وأخيرا فتح أحد الناس أعينهم للحقيقة، وعلى أثر ذلك دعوا ~~الأثينيين ليقتلوهم - إن شاءوا - ورفضوا أن يتركوا المبنى، وقالوا ~~إنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لكي يمنعوا تسلل أي امرئ إلى ~~الداخل. ولما كان أهل كورسيريا راغبين عن اقتحام الأبواب، فقد ~~تسلقوا المبنى، واخترقوا السقف، وألقوا الأحجار التي اقتلعوها ~~جانبا، ثم سددوا نحوهم السهام، التي اتقاها المسجونون قدر ~~المستطاع. وقد انتحر أكثرهم، وحزوا رقابهم بأنفسهم بنفس السهام ~~التي صوبها العدو نحوهم، أو شنقوا أنفسهم بالحبال التي خلعوها من ~~بعض الأسرة التي كانت بالمكان، وبأشرطة صنعوها من ملابسهم ~~واتخذوا - في إيجاز - كل وسيلة ممكنة لقتل أنفسهم، كما وقعوا كذلك ~~فرائس للقذائف التي رماهم بها خصومهم من السقف. وبينما كانت هذه ~~الأهوال تشتد فزعا حل المساء، وانقضى الجانب الأكبر منه قبل أن ~~تنتهي المعركة. ولما بزغ النهار ألقى أهل كورسيريا الجثث أكواما ~~في العربات ونقلوها خارج المدينة. وبيعت كل النساء - اللاتي كن في ~~الحصن أسيرات - إماء. وبهذه الطريقة قضت العامة على أهل كورسيريا ~~المتحصنين في الجبل. وهكذا انتهت الحرب الطبقية بعد أعمال بالغة ~~العنف، انتهت على الأقل فيما يتعلق بالفترة التي اشتعلت فيها؛ إذ ~~لم يبق في الواقع أحد من حزب واحد من الأحزاب.» # وامتزجت الصعاب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العقل ~~اليوناني وكونت أزمة القرن الرابع. وتبدو هذه الأزمة - من ~~الناحية العقلية - ثورة على العقائد القديمة، والأخلاق القديمة في ~~المدينة الحكومية، وأساليب «الرجال الذين خاضوا معركة ماراتون». ~~وهي تبدو في أعمال رجال مختلفين كأرستوفان، الذي ود لو فر من ~~الموقف بالعودة إلى الأيام القديمة الطيبة، وأفلاطون الذي ود لو ms108 ~~فر إلى المستقبل في مدينة فاضلة. وهي تبدو في بحث سقراط عن ~~الروح، وفي سخرية السفسطائيين الثابتة. ثم إن لها طابعا حديثا ~~جدا. ويستطيع المرء أن يتصور أن علماء التحليل النفساني كان من ~~الممكن أن يلقوا عند الناس قبولا خلال هذه الفترة العصيبة في ~~حياة الإغريق. # إن الأرستقراطي من كورسيريا الذي نجا بمعجزة من الفتك الذي وصفه ~~ثيوسيديد لا يستطيع أن يجد العزاء لفقده كل شيء وكل عزيز لديه ~~بتفكيره في الحياة الطيبة التي تسير وفقا للوسط الذهبي «ولا تبالغ ~~في شيء»، وقد مر بالفعل بموقف فيه كثير من المبالغة. وما حدث في ~~كورسيريا كان يحدث في كل أنحاء العالم الإغريقي. وربما احتفظت قلة ~~من الطبقات المثقفة، ذات عزم وتصميم، بالمعايير الخلقية والجمالية ~~للثقافة العظمى. ولكن حتى هؤلاء كان لا بد لهم من موقف صلب ومن ~~تجميد أسلوب حياتهم في النظام الرواقي المتشائم الواعي ~~بنفسه. # أو خذ صبيا عاديا من الطبقة الوسطى في أثينا؛ صبيا محدود ~~القدرة فيما يتعلق بالألفاظ، واعرض عليه دقائق سقراط، وتبادل ~~الأفكار تبادلا حيا؛ ذلك التبادل الذي نعلم أنه كان شائعا في ~~أثينا في ذلك الحين، ليس من شك في أن مثل هذا الصبي سوف ينتهي إلى ~~أن الحكايات القديمة عن الآلهة التي تعلمها في حداثته ليست ~~صادقة. وليس من المحتمل أن يساير سقراط أو أفلاطون حتى يرتفع إلى ~~وحدانية خلقية رفيعة، بل الأرجح أن ينتهي إلى الاضطراب والشك، أو ~~إلى نوع من السخرية الرخيصة لسنا نجهلها في جيلنا هذا. ومهما يكن ~~من أمر، فهو ليس بالرجل الذي يصلح للقيام بما يفرضه عليه نظام ~~الحكم والثقافة في أثينا. # واذا أنت ضاعفت من مثل هذه الحالات، وأضفت إليها كثيرا، من ~~اللاجئين، والمحاربين العاجزين، وأولئك الذين فقدوا أملاكهم أو ~~تجارتهم، من الظافرين والمهزومين على السواء. إذا أنت فعلت ذلك ~~كانت لديك المادة البشرية التي كان السخط العقلي في ذلك الحين يفعل ~~فيها فعله. وينبغي هنا أيضا أن نتجنب المبالغة. كم من إغريقي في ~~وقت الأزمة احتفظ بإيمانه بالآلهة، ms109 وبالمدينة الحكومية، وبأسلوب ~~العيش الذي تعلمه من هومر، ومن أبويه، ومن الناس الذين خالطهم في ~~السوق وقاعة المجلس والجيش . إن أساليب العيش، والمعتقدات، ~~والعادات، قلما تموت موتا كاملا فوق هذه الأرض. ولكن المتاعب ~~الجديدة قد أخلت بالتوازن بين القديم والحديث، واقتلعت الكوارث ~~من الأساليب القديمة لبها. وأحس المبتكرون والأذكياء خاصة بأنهم ~~مسوقون إلى نبذ القديم، كما أحس كثير من الفرنسيين بعد الهزيمة في ~~عام 1940م أنهم مسوقون إلى نبذ الجمهورية الثالثة. # وبالنسبة إلى المتعلمين كانت الأزمة - إذا صورناها في شيء من ~~التجريد - هي الانحلال النسبي في الروابط التي كانت تصل بعضهم ببعض ~~في المدينة الحكومية، والاتساع النسبي في المجالات التي بات حتما ~~عليهم أن يتصرفوا فيها بأنفسهم، وذلك هو النظام المعروف في الحياة ~~الإغريقية الذي تحطم من أثر الفردية المتزايدة. والأفراد إذا ~~تركوا وشأنهم يسلكون مسالك مختلفة، وإن تكن أهدافهم عالمية - ~~كالثراء، والمتعة، والسلطان، وكل ذلك بروح المنافسة القوية التي ~~كان يتميز بها الإغريق دائما، وهذه المنافسة المهلكة كانت محتملة ~~من القلة الناجحة، بل وكانوا يرحبون بها. وأما للفاشلين فقد جعلت ~~الحياة شيئا لا يكاد يحتمل. # ولم تنج الجماهير الغفيرة من هذه الأزمة؛ فقد حملوا عبء الكوارث ~~التي حاقت بهم في أوقات الضيق. ولم تمدهم الديانة التقليدية في ~~المدينة الحكومية - كما رأينا - إلا بجانب يسير من العزاء عن ~~شرور هذه الحياة، وأمل ضعيف في حياة أخرى. والراجح أنهم لم ~~يجابهوا المشكلات الفكرية المعقدة التي جابهتها الطبقة العليا، ~~غير أن مجرد شيوع الحرب الطبقية ليدل على أنهم فقدوا الثقة ~~بالطبقات الحاكمة. # ولنلخص الموضوع في إيجاز، وفي صورة محسوسة بالنسبة إلى ~~المدينة الواحدة: كانت آثنا - إلهة أثينا - بالنسبة إلى الأثينيين ~~كالكنيسة والدولة «معا» بالنسبة إلينا. كانت آثنا بمثابة واشنطن، ~~ولنكولن، والقوة السماوية التي تتحكم في حياتنا، في آن واحد. ولكن ~~آثنا أخفقت في الأمرين معا لما حل عام 400 قبل الميلاد؛ فهي لم ~~تمنع عن مدينتها الهزيمة، ولم تبق على أثينا مدينة رزينة يصدر ~~عنها النور. ومن المؤكد أن كلمات بركليز لم ms110 تعد تصدق عليها في ~~هزيمتها، وذلك حينما قال: ~~«ليست هناك في الوقت الحاضر مدينة غيرها تقابل محنتها بعظمة ~~لم يحلم بها إنسان، وليست هناك مدينة غيرها بلغت من القوة ما يجعل ~~الغازي لا يحس بالمرارة لما يكابد على يديها، وما يجعل رعيتها لا ~~تشعر بالعار من اعتمادها على غيرها». # لم تعد آثنا كافية، ولم يعد الاعتدال، والتوسط، والوقار، ~~وتربية الشهوات الطبيعية وإشباعها بالعقل والحكمة، و«الابتعاد عن ~~التطرف»، وكل قائمة الفضائل الأبولية - لم يعد كل ذلك يكفي، بل ~~ولم يعد ممكنا في هذه السنوات القلاقل الأخيرة. ~~ولا بد للناس من البحث عن ~~الهداية في مكان آخر - مكان بعيد جدا في نهاية الأمر - لا بد من ~~التطلع إلى جزء من الأرض المعرفة به ضئيلة، وهو جزء مما كان يعرف ~~عند الإغريق دائما بالشرق المتبربر - لا بد من التطلع إلى الأرض ~~التي اغتصبت من فلسطين والتي يطلق عليها اليوم مرة أخرى اسم ~~«إسرائيل المزعومة». # الفصل الرابع # | عالم واحد: الثقافة الكلاسيكية المتأخرة # كان القرن الرابع قبل الميلاد، قرن أفلاطون وأرسطو، هو آخر القرون ~~التي كانت فيها المدينة الحكومية الإغريقية مستقلة حقا، تلك المدينة ~~التي بنيت عليها الثقافة التي قدمنا دراستها. وقد نشأت في القرون ~~الثلاثة التالية على وجه التقريب وحدات سياسية أكبر كثيرا من عالم ~~البحر المتوسط. وكانت هذه الوحدات هي «الدول المتعاقبة» بعد إمبراطورية ~~الإسكندر الأكبر الزائلة، وهي: مقدونيا، ومصر، وسوريا ودول أخرى أقل ~~منها شأنا في آسيا الصغرى. وفي الغرب روما وقرطاجنة. وظلت هذه «القوى ~~الكبرى» تتصارع فيما بينها حتى أمكن لروما في عام 100ق.م أن تهزمها ~~وتمتصها جميعا، وكان إذن - لما يقرب من ثلاثة قرون - للثقافة ~~الإغريقية تأثيرها في مجتمع يخضع لروما من الناحية السياسية. وتحول ~~عالم القبائل والمدن الحكومية المتقاتلة إلى «عالم واحد» من الثقافة ~~الإغريقية الرومانية المتأخرة. وكان عالما موحدا بدرجة غير مألوفة، ~~عالما تسمح فيه الطرق البرية الجيدة والخطوط البحرية المنظمة للأفراد، ~~والأفكار، أن يتنقلوا بحرية، عالما كانت الطبقات المتعلمة فيه على ~~الأقل، مهما تكن مواطنهم الأولى: البريطانيون، ms111 والغال، والإسبان، ~~والإيطاليون، والأفريقيون، والإغريق، والمصريون يشتركون في ثقافة ~~عالمية حقيقية، عالما يتحرر مؤقتا من الحروب بين وحداته التي يتألف ~~منها، ويخضع إجمالا لإدارة سلمية يقوم عليها إداريون تثقفوا بالقانون ~~الروماني. # وفي هذه القرون نشأت مراكز مدنية كبرى، مثل روما ذاتها، وأنطاكية، ~~والإسكندرية. وفي هذه المراكز أقيمت المكتبات والجامعات، التي رفعت ~~البحث العلمي، بل وبعض العلوم، إلى مكانة رفيعة. وليس للبحث العلمي (أو ~~الدراسة الدقيقة) لأكثرنا اليوم إلا معنى يسير، ولكنها - بمضاعفة ~~النصوص - جعلت بقاء العمل العظيم في الثقافة العظمى أكثر احتمالا. أما ~~العلوم - وبخاصة الرياضيات، والفلك، والفيزياء - فقد كونت أساس ما ~~نعرف اليوم، وانتقل إلينا جانب كبير منها عن طريق العرب ورجال الدراسة ~~في العصور الوسطى. # وأهم من ذلك أن هذه القرون الستة شهدت أثر كثير من الأفكار، وكثير من ~~النظرات إلى الحياة - في إطار العالم الجديد الأوسع؛ عالم مقدونيا ~~وروما - التي نشأت في المدينة الحكومية في عهد اليونان الأعظم. وانتشرت ~~في الخارج الأفكار التي تطورت قصرا عن الأخلاق والميتافيزيقا عند ~~المفكرين الإغريق الأوائل، وربما لم تنتشر بين جمهرة الناس، ولكنها ~~ذاعت على الأقل بين الأقليات المتعلمة في خمسين قبيلة وجنسا بشريا. ~~وفقدت الأفكار الإغريقية حدتها، وذوقها الأولي، وانثلمت، واختلطت، ~~لكي تلائم استخدام الصفوة العالمية لها. ولا يزال هذا العمل للعاشق ~~المخلص لثقافة اليونان العظمى ترخيصا للأصل وانحطاطا به إلى المستوى ~~الشعبي. ولكنه عمل هام بالنسبة إلينا، ما دام عن طريقه أمكن للأفكار ~~الإغريقية أن يكون لها تأثيرها في المسيحية. ولا يزال مدى هذا التأثير ~~أمرا يناقش ويمكن الجدل فيه. # وأهم من هذا كله إذن أن المسيحية نشأت في هذه القرون، وهي - بالإضافة ~~إلى القانون الروماني ك «نظام حي» - ما بقي لدينا من هذا العالم الأوحد ~~في الثقافة اليونانية الرومانية. ويستطيع فلاسفة التاريخ أن يبحثوا في ~~الألف العام التي عاشتها الثقافة الإغريقية الرومانية عن بعض ما يفسر ~~لنا مدى حياة جميع الثقافات، كما يستطيعون أن يتبينوا - بالقياس إلى ~~هذه الثقافة - إن كنا اليوم في رائعة النهار، أو في وقت ms112 الأصيل. ~~ويستطيع مؤرخو القانون والنظم، واللغة والأدب، أن يتلمسوا ألف حلقة ~~مباشرة تربط بيننا وبين أسلافنا من العهد اليوناني الروماني . أو يستطيع ~~أولئك الذين يبتهجون بغزارة التفصيلات التي يمكن أن نعيد بها بناء هذا ~~العصر - عصر التمدن والتعقيد - أن يستمتعوا بالعالم اليوناني الإغريقي ~~لحد ذاته. أما لأولئك الذين لا بد أن يجدوا بيننا وبين الماضي رابطة ~~أكيدة واضحة، فإن الحقيقة الرئيسية الطاغية في هذه القرون هي أنها كانت ~~أساس المسيحية. # وسوف نتعرض في هذا الفصل على التوالي لأثر اليهود، والإغريق ~~المتأخرين (الهلينستيين) والرومان في ميراثنا الفكري. # العنصر اليهودي # إن بذرة المسيحية جاءت من خارج العالم الإغريقي الروماني. كان ~~يسوع المسيح يهوديا، وقد ولد في وقت كان الوطن اليهودي - تحت ~~حكم هيرود الذي تحول إلى الهلينية - يعتبر وحدة شبه مستقلة في ~~مجموعة الأمم المتشابكة التي نسميها الإمبراطورية الرومانية. ومن ~~الحق أنه كان هناك كثير من اليهود في وقت ميلاد يسوع ممن يتكلمون ~~اليونانية، بل واللاتينية، وكانوا مواطنين من جميع النواحي في ذلك ~~العالم الشامل من الأفكار المتعارضة، والمذاهب الدينية، والعواطف. ~~غير أن أساس المسيحية الأولى يهودي بدرجة قصوى، ينطبع بطابع ~~الخبرة اليهودية الفذة، وهي خبرة أكثر إقليمية وعالمية في آن واحد ~~من أي مدينة حكومية إغريقية كبرى (وليس هنا مفر من هذا ~~التناقض). # وهنا بالذات نلتقي بصعوبة سوف نلاقيها بصورة أحد عند دراسة ~~المسيحية ذاتها. ويجب على المؤرخ أن يسأل نفسه لماذا كان اليهود ~~دون سواهم من جميع قبائل وشعوب شرقي البحر المتوسط الذين يتشابهون ~~معهم في البيئة الجغرافية والظروف المادية الأخرى، ولا يختلفون ~~كثيرا في تاريخهم القديم، لماذا كان اليهود دون سواهم هم الذين ~~صدرت عنهم الديانة التي لا تزال بعد ألفي عام الديانة الرسمية في ~~عالمنا الغربي. وربما أجاب المؤرخ عن هذا السؤال - مسترشدا ~~بالمسيحية الأولى - بأن الله اختار اليهود، وأن كل شيء كان يسير ~~وفقا لخطة مقدسة، وهذه إجابة واضحة لا ترد، وهي إجابة تيسر على ~~المؤرخ واجبه إلى حد كبير. وهي ليست الإجابة التي ينبغي أن ~~نقدمها ms113 هنا. # وبغض النظر عن تسليمنا بالإيحاء السماوي الكامل للإنجيل، بعهديه ~~القديم والجديد، فإن هناك مواقف متعددة جدا، تنتشر في الواقع على ~~مدى فسيح من الإيمان الكامل بالإنجيل إلى إنكاره عن عقيدة، هناك ~~مواقف تدعو إلى القول بأن الإنجيل لا يعدو أن يكون مجموعة من ~~الوثائق التاريخية نعاملها كغيرها من الوثائق المشابهة، كإلياذة ~~هومر والأوديسى، أو نبلنجنليد. وأعداء المسيحية من أمثال نيتشه ~~الذين سوف نلتقي بهم في أواخر هذا الكتاب، يميلون أحيانا بعيدا ~~إلى الخلف، ويعلنون أن المكتوب في الإنجيل يحتمل بصفة خاصة أن يكون ~~باطلا. # وسأحاول في هذا الكتاب ألا أتخذ موقفا عقائديا، ولن أقف ~~بالتأكيد في موقف عقائدي ضد المسيحية. ومهما يكن من أمر فإني ~~أفترض هنا أن أفكار اليهودية والمسيحية وعباداتهما هي - من حيث ~~الغرض من التحليل التاريخي - من ثمار الثقافة البشرية في العصر ~~التاريخي. كما أنه من الممكن كل الإمكان أن ننظر إلى حقائق ~~المسيحية - كما ننظر إلى حقائق ~~الأفلاطونية - على أنها حقائق تتجاوز حدود التاريخ - أو لا ~~تتجاوزه - ولكنها في النهاية بالتأكيد لا يمكن تفسيرها في حدود ~~مسير التاريخ. وربما لا يستطيع أحد أن يكون متشككا في الزمان ~~ومؤمنا بالخلود. وعلى أية حال سوف أحاول في هذا الكتاب أن أحتفظ ~~بقدر من التشكك الذي لا يؤذي، بل وبقدر معين من ~~التواضع. # وقد كان اليهود - في ضوء ذلك - قبيلة صحراوية صغيرة، تنتمي إلى ~~الأمة التي عرفت فيما بعد بالعرب، أو البدو، والتي نشأت على ~~الأرجح في الجزيرة العربية. وبعد عدة جولات استقروا، فيما بين عامي ~~1700ق.م و1500ق.م غالبا، في المساحة الجبلية التي تقع بين وادي ~~النيل والوادي الذي ينحصر بين دجلة والفرات، أو بين الدولتين ~~العظيمتين - مصر في واد، وبابل أو آشور أو الفرس في واد آخر - ~~كانت كل هذه الرقعة في الأزمنة القديمة منطقة منقطعة، تسكنها قبائل ~~متعددة تتقاتل فيما بينها، وتتعرض بين الحين والحين للغزو و«إقرار ~~الهدوء» من إحدى الدولتين الكبيرتين المجاورتين، إحداهما من الشرق ~~والأخرى من الغرب. وفي مجال السياسة على الأقل كان لليهود ms114 تاريخ ~~يشبه كثيرا تاريخ جيرانهم الصغار. وبعد فترة وجيزة، عندما اتحد ~~اليهود كشعب، وعندما كانوا تحت حكم داود وسليمان الشعب صاحب ~~السيادة في المنطقة، انقسمت إسرائيل دولتين: إسرائيل في الشمال، ~~واليهودية في الجنوب. وقامت بين الدولتين منافسات، كما قامت بين ~~اليهود وجيرانهم. وكانت هناك محالفات، ودسائس، وحملات، ومعارك، وكل ~~الأمور المعقدة في التاريخ كما تروى في «سفر الملوك» وفي ~~التواريخ القديمة. وفي الوقت عينه كانت هناك دولة عظمى ناشئة في ~~الشرق، هي آشور، التي قضت نهائيا على إسرائيل في القرن الثامن ~~ق.م، وعندئذ استولت عليها دولة عظمى شرقية أخرى، هي بابل. وسيق في ~~الأسر إلى بابل زهاء عشرة آلاف يهودي من بينهم أكثر الصفوة ~~المتعلمة، وربما كان ذلك جزءا من سياسة بابلية معينة ترمي إلى ~~تشتيت الجماعات الوطنية العاصية. وبالرغم من أن هؤلاء اليهود ~~المبعدين قد عادوا أخيرا إلى بيت المقدس، وبالرغم من أن اليهود ~~تمتعوا مرة أخرى بنوع من المكانة السياسية (مع العلم بأنهم لم ~~يكونوا من قبل قط مستقلين) إلا أن تشتيتهم الأكبر كان بالفعل قد ~~بدأ. وكان الوطن اليهودي جزءا من الإمبراطورية الفارسية الأخمينية ~~في القرنين السادس والخامس ق.م، ووقع تحت نفوذ الثقافة الإغريقية ~~بعد غزوات الإسكندر الأكبر. وفي أيام المسيح كانت هناك دولة يهودية ~~تحت حكم الملك هيرود الذي تحول إلى الهلينية، وهي نوع من المملكة ~~الوطنية تحت الإمبراطورية الرومانية المركبة. غير أنه كان هناك ~~أيضا آلاف اليهود المشتتين، والذين كانوا يتجمعون عادة في أحياء ~~يهودية خاصة بهم، في أنطاكية، والإسكندرية، وكورنثيا، بل في الواقع ~~في كل الجانب الشرقي من الإمبراطورية. وكان اليهود بالفعل - ما عدا ~~في فلسطين ذاتها - في الأغلب مشتغلين بالبيع، والتجارة، وتسليف ~~الأموال وشئون الثقافة، منعزلين عن البلاد. # ويتضح حتى من هذه الصورة المجردة أن هناك ما يفرق بين اليهود ~~والفلسطينيين، والمالكيين، والمعابيين، والعاموريين، وكل الشعوب ~~المجاورة التي نجد أسماءها مبعثرة في العهد القديم، وهذا الفارق، ~~في أبسط صورة له، هو الإصرار على البقاء، وعلى أن يكونوا يهودا، ~~وأن يكونوا شعبا. والآن بعد ms115 ألفي عام من تاريخ تحطيم الرومان ~~لدولة اليهود ظهرت مرة أخرى على الخريطة السياسية في فلسطين ~~المغتصبة . وليس هناك إجماع في الرأي عن السبب الذي جعل لليهود هذا ~~التاريخ الفذ. ويستطيع اليهودي المتدين - بطبيعة الحال - أن يزعم ~~أن الله خلق اليهود واحتفظ بهم، وسوف يفي بوعده بالمسيح. ولكن ~~الأجنبي الذي يحاول تفسيرا طبيعيا أو منطقيا لا يجد هذا الحل ~~المبسط بين يديه. وهناك من يعتقد أن اليهود هم فعلا جنس بشري، ~~ولهم في الواقع صفات بدنية وعقلية موروثة هي التي وجهت تاريخهم ~~وجهته. ولا يقبل اليوم أي طالب جاد ممن يدرسون العلاقات ~~البشرية أمثال هذه العقائد الساذجة في الجنس والوراثة الجنسية. غير ~~أنه من الواضح أن التفسير السائد المعاصر للعلاقات البشرية الذي ~~يأخذ الظروف الاقتصادية والبيئات الجغرافية في الاعتبار، والتفسير ~~المادي للتاريخ، هو - بالرغم من ذلك - في هذا الصدد غير شاف؛ لأن ~~الظروف المادية التي نشأ فيها المعابيون، والمالكيون، والعاموريون، ~~وغيرهم ممن لم نذكر، كانت على الأرجح مطابقة للظروف التي عملت على ~~تشكيل اليهود على صورتهم. # وإنما يجب أن نبحث عن جانب من جوانب تفسير ما جعل لليهود صفتهم ~~الخاصة في تاريخ الفكر. كان اليهود بين شعوب عالمنا الغربي أول ~~من آمن بحرارة وتعصب بإله واحد، قادر على كل شيء، غيور، وعلى ~~عزم أكيد بأن يحمي شعبه «ما دام هذا الشعب يثبت بعمله أنه شعب ~~الله». وسوف نرى أن كبار كتاب اليهود القدامى وصفوا إلههم بأكثر من ~~ذلك وأنبل. ولكن هذا الحد الأدنى كان دائما موجودا: يهوه، إله ~~المعارك، إله غيور، إله لا يمت بصلة إلى زيوس، أو ديونيسس، ~~أو بعل، بله أن يمت بصلة إلى ربات من النساء كأفروديت، أو ~~أشتارت. وتماسك اليهود خلال كل ما مر بهم من محن؛ لأن عندهم ~~يهوه. # ولك بالطبع أن تسأل كيف تأتى لليهود أن يروا في إلههم هذه ~~الصفات. ولو سلمنا بأن الفارق بينهم وبين جيرانهم هو - بتعبير ~~مجرد مألوف - إيمانهم في النهاية بوحدانية خلقية رفيعة، بقي أن ~~نسأل: ولماذا تمسكوا وحدهم ms116 دون جيرانهم بهذه العقيدة؟ والمؤرخ - ~~كما يحدث في أكثر الأحوال - لا يستطيع الإجابة عن هذا السؤال، على ~~الأقل في عبارة بسيطة محدودة المعاني. إنما هذه العقائد استخلصت ~~من التاريخ اليهودي، وبخاصة فيما بين عامي 1500ق.م و600ق.م، وقد ~~يرجع بعضها إلى وجود رجال عظام، مثل موسى، تكتنفهم الظلال وتحيط ~~بهم الأساطير بالنسبة للمؤرخ. وقد يرجع بعضها إلى نوع الجنس، ~~والصلابة الموروثة في سلالة إبراهيم. ويرجع بعضها بالتأكيد إلى ~~الكهان القدامى الذين احتفظوا بما كان يروى عن القومية اليهودية؛ ~~لأن هذه العقائد في أرقى صورة خلقية لها تعتمد على أولئك الكهان ~~المتأخرين الذين كانوا يعرفون بالأنبياء. ويرجع بعض هذه العقائد ~~إلى الاضطهاد الذي نال الأقلية التي أبعدت إلى بابل في عام ~~586ق.م، وهو اضطهاد حدا بهذه الأقلية إلى الشعور برسالتها في رد ~~«طائفتهم الخاصة» إلى ما أحسوا أنه وضعها الصحيح، وهو اضطهاد ~~دفعهم إلى التسامي بهذا الوضع، وذلك بأن جعلوا يهوه إلها أفضل، ~~وأرفع من الناحية الخلقية. وقد كان ما حققه اليهود في الدين - ~~كما كان ما حققه الرومان في السياسة والأثينيون في الفن - ثمرة ~~تاريخ طويل لا نستطيع أن نفهمه كله أو نستعيده بأكمله. # وإن لدينا عن اليهود سجلا رائعا يعرف بالعهد القديم، وما جاء ~~به من وجهة نظر المؤرخ الحديث العادي إنما قد ضم بعضه إلى بعض في ~~أوقات متفرقة وعلى أيدي أفراد مختلفين، وبعضه كالملاحم، شيء يشبه ~~هومر، وبعضه قواعد كهنوتية قصد بها الاستخدام المباشر في «المعهد» ~~وبعضها قصائد، وحكم، ودراسات خلقية وطنية. ولما جاء المسيح كان ~~أكثر هذه المواد قد أضيف بعضه إلى بعض، طبقا لما وافق عليه ~~المسئولون إلى حد كبير، وأمسى في خدمة اليهود باعتباره مجموعة ~~مقدسة، وهي ما نعرفه جميعا باسم «الإنجيل». وبات الإنجيل عند ~~المؤمنين كلمة الله، أملاها الله على كتابه، وهو ليس مجرد كتاب ~~بأية حال من الأحوال. # وظلت هذه المجموعة من الأدب القومي اليهودي - بعدما أدمجت مع ~~العهد الجديد في إنجيل مسيحي - عدة قرون كلمة الله، وهي لذلك لا ~~تخضع لأية دراسة ms117 نقدية، ولا تخضع إلا للتفسير، أو التأويل. ثم شرع ~~الناس على مهل بعد النهضة وعصر الإصلاح الديني ، وعلى عجل خلال ~~القرن الثامن عشر، أن يدرسوا هذه النصوص دراسة نقدية، كما درسوا ~~نصوص هومر، وفرجيل، وثيوسيديد، وهيرودوت. وتمخض هذا في القرن ~~التاسع عشر عن ذلك النصر الذي أحرزه البحث، أو ما يسمونه «النقد ~~الأعلى» الذي أزعج ضمائر أجداد أجدادنا إلى درجة قصوى. ولم يصل ~~«النقد الأعلى» إلى اتفاق تام. وفي أعلى مستوى يعالج العهد القديم ~~مشكلات المصير البشري، وهي تلك المشكلات الهامة التي لم نتفق عليها ~~قط. # كما أن النقد الحديث القائم على البحوث الأثرية قد تعرض بالشك ~~لبعض الوقائع المادية في النقد الأعلى في القرن الماضي. غير أن ~~الجهد الذي بذلته عدة أجيال من الباحثين في هذا الميدان هو - كمثال ~~للعمل الملموس الذي تحققه طريقة من الطرق - أثر رائع لإمكان ~~تحقيق نوع من المعرفة التراكمية في مجال من أشق المجالات. ولا ~~يرفض قبول نتيجة هذا البحث العلمي اليوم «في خطوطه العريضة» إلا ~~المتمسكون بالأسس الأولى. # ومن هذا يتضح للمؤرخ أن العهد القديم قد جمع من مصادر شتى في ~~فترات متعددة. وليس الباحثون على اتفاق في التفصيلات بأية صورة من ~~الصور، وهم لا يزالون يختلفون في الرأي عمن كتب هذه الرسالة أو ~~تلك - فردا كان أم جماعة. وكمثال محسوس لما قام به النقد الأعلى ~~نذكر أسفار موسى، أو الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، التي ~~تعزى عادة إلى موسى؛ هنا يشير الباحثون إلى ثلاثة مصادر على ~~الأقل: المصدر الأول يسمى «ج» وهو الحرف الأول من الكلمة ~~الإنجليزية جيهوفا، وهي تعني ما نطلق عليه بالعربية «يهوه»، وهو ~~أقدم المصادر وأكثرها بدائية. ويهوه هو إله اليهود القبلي، وهو ~~لا يزال إلها معروفا له صفات الإنسان، إلها كان بوسع هومر نفسه ~~أن يفهمه. أما المصدر الثاني فيشار إليه بحرف «أ»، وهو الحرف ~~الأول من كلمة الوهيم، وهو اسم من أسماء الله، وهو مصدر جاء بعد ~~الأول، وفكرته عن الله هي قطعا أكثر تمسكا بالأخلاق، ms118 وأشد ~~تجريدا، وأكثر عالمية. ثم المصدر الثالث ويشار إليه بحرف «ب»، ~~وقد جاء متأخرا جدا، ويكاد يكون من المؤكد أنه من وضع الكهان ~~المختصين بالشريعة، والطقوس، والعبادات الظاهرة التي كانت تضم ~~اليهود بعضهم إلى بعض في وحدة اجتماعية دينية - أو ما نسميه ~~الكنيسة. وقد اتحدت هذه المصادر الثلاثة أخيرا، وربما كان ذلك في ~~القرن الخامس قبل الميلاد، وتكون منها التاريخ الإنجيلي للأصول ~~اليهودية التي نعرفها. ولم يتم هذا التوحيد نفاقا لخداع أي ~~إنسان، إنما هو يمثل الأفكار التي كانت عند المثقفين اليهود ~~الجادين في السنوات التي أعقبت خروجهم، عن الرسالة الوطنية لليهود ~~والتاريخ القومي. # وكثير من بقية العهد القديم هو في الواقع نفس هذا النوع من ~~التاريخ، وهو تاريخ مستمد من المصادر القديمة، مع بعض الوثائق ~~المعاصرة، ولكنه كتب بقصد تحويل اليهود إلى يهود أفضل، وقد ~~كتب وفزع الخروج مخيم على الأذهان دائما، كما أنه كتب ~~ليكون في النهاية شعرا، وفلسفة، وأصولا دينية، لا لكي يكون ~~مجرد تاريخ. وعلى ذلك فإن تاريخ اليهود الملحمي يصبح من عمل ~~الأنبياء، أو من «كتاباتهم» ومن أمثال ذلك سفر أيوب، والأمثال، ~~وسفر الجامعة. # واعتصار هذه المجموعة الكبرى من الكتابات ليس أمرا مألوفا، بل ~~وليس من ورائه جدوى. # ليس العهد القديم كتابا، ولكنه سجل - متقطع وإن لم يكن ~~مضللا - لخبرة شعب له صفاته الخاصة. وهو لا يشبه في شيء ما ~~نسميه العلم إلا في القليل؛ أي إن به في الواقع قليلا من تلك ~~النظرة إلى العلاقة بين الإنسان والكون التي نسميها أحيانا ~~التفكير المنطقي. ليس في العهد القديم ما يشبه ثيوسيديد، أو ~~أبوقراط، أو حتى أرسطو. وحتى تلك المجموعة من الحكم التي تسمى ~~سفر الجامعة، الذي يبدأ بهذه العبارة: «باطل في باطل، الكل ~~باطل»، ليست محاولة لتحليل سلوك الإنسان تحليلا واقعيا، إنما هي ~~شكوى يائسة من إنسان يجد أن التعمق لا يكفي لسبب ما. وإذن فهذا ~~القدر الكبير من الأدب هو في الأغلب أدب يستهدف تلمس النهائي، ~~وتلمس الشعرى، وشيء يتجاوز هذه الحياة. إنه أدب ms119 لا يقبل قط ~~عالمنا هذا، عالم الحواس، والأدوات، والآلات - بل ولا يتطلع إلى ~~دراسته. # إن ما يؤديه العهد القديم بصورة رائعة هو متابعة تطور الضمير ~~اليهودي، والنظرة اليهودية إلى العلاقة بين الأفراد كأفراد وربهم ~~المقدس. وهذه العلاقة هي الجانب الرئيسي من الخبرة اليهودية التي ~~انتقلت إلى الخبرة المسيحية. ويهوه - كما ذكرنا - يشبه في أول ~~الأمر نوع الإله الذي شاع في الزمان القديم، وهو ليس البتة إلها ~~رحيما، وعند أول لقاء لنا به نجده - كالإله اليهودي القبلي - ~~عليا، مفردا، وليس مجرد عضو في مجموعة متنازعة من الآلهة، ~~ولكنه إله اليهود وحدهم. # وكانت للقبائل الأخرى آلهة أخرى. وقد كان يهوه إلها غيورا، ولم ~~يشأ أن يعتنق شعبه الإيمان بأي إله من هذه الآلهة القبلية. والواقع ~~أن بعض الفقرات التي لا يرتاح إليها القارئ في الإنجيل - من وجهة ~~نظر الإنساني أو العقلي في العصر الحديث - إنما تروي كفاح يهوه ~~الطويل الظافر في سبيل الدفاع عن نفسه وعن شعبه ضد إغراء الآلهة ~~والإلاهات المتصارعة. ولم يكن يهوه كأولئك الأشخاص الذين تتحدث ~~عنهم في مدارس الأحد. وكانت له - فوق ذلك - صفات أخرى مما يتميز به ~~إله شعب بدائي؛ كان يمشي على الأرض، ويتحدث إلى إبراهيم، ويمتحن ~~رسول الله، ويظهر لماما ولكن بصورة مجسدة في عظته لموسى في ~~سيناء. # وقد يميل خصوم الكهنوت، والمناطقة، والعقليون الدينيون المحدثون ~~من كل الطوائف، إلى المبالغة في صفة الشخصية البدائية القبلية ~~الشبيهة بالإنسان التي كان عليها يهوه هذا الذي ورد ذكره في أسفار ~~موسى الخمسة. وربما أكون قد بالغت عن غير ~~قصد في الفقرة السابقة، ومع ذلك ~~فمن العسير أن يقرأ المرء في شيء من العناية كتابا كسفر التكوين ~~ولا يحس أن الإله الذي يصور فيه يبعد كل البعد عن الإله في ~~أية ديانة حديثة عليا قد نكون على علم بها - كاليهودية، ~~والمسيحية، والإسلام، والبوذية. # ولا يتطرق الشك إلى الأسفار المتأخرة في العهد القديم، في ~~الإصحاحات الستة والعشرين الأخيرة من سفر أشعياء، وفي سفر أرميا ~~وسفر أيوب. لقد شق اليهود ms120 طريقهم إلى فكرة ديانة واحدة عالمية، ~~إلى وحدانية خلقية رفيعة، يعتقد أنبياؤها أنها صادقة لجميع البشر. ~~ويقول أشعياء الثاني خاصة: «أنا الرب ... أقدمك عهدا للناس، ~~ونورا للكفار.» وربما بات اليهود حقا - أكثر من أي عهد سبق - ~~الشعب المختار. ولم يخترهم إله الرعاة القديم الصاخب لكي يستمتعوا ~~بالمراعي الخضراء بعد أن يحزوا رقاب عدد كاف من الفلسطينيين، ~~وإنما اختيروا لكي يبينوا للناس بسلوكهم - إن هم استطاعوا ذلك - أن ~~الله يريد للناس أن يعيشوا في سلام وعدل: «أنتم شهودي ... وخادمي ~~الذي اخترت، لكي تعرفوني وتؤمنوا بي، وتفهموا أنني هو. لم يسبقني ~~إله، ولن يأتي بعدي إله، إنما أنا الرب، وليس هناك غيري ~~مخلص.» # وسفر أيوب هو من عمل شاعر وفيلسوف يهودي متأخر (أو من عمل ~~عديدين؛ لأن أكثر الباحثين يعتقدون أن هناك على الأقل جزءا واحدا ~~رئيسيا مدسوسا على الكتاب) يجاهد في حل مشكلة تواجه كل الأديان ~~السامية الأخرى؛ وتلك هي مشكلة الدفاع عن العناية الإلهية مع وجود ~~الشر في الدنيا، أو تبرير تصرف الإله مع الإنسان. الله على كل ~~شيء قدير، عليم بكل شيء، خير من كل وجه من الوجوه. فكيف إذن نفسر ~~وجود الشر؟ إننا لا نستطيع القول بأن الله يريد أن يقضي على الشر، ~~ولكنه عاجز عن أداء ذلك. كما أننا لا نستطيع كذلك أن نقول إنه - إذ ~~يسمح بالشر - يصنع بنفسه الشر، ولكن العقل الحازم الذي يؤمن بعالم ~~آخر يستطيع أن يرى في حاجة كل فرد إلى التغلب على الشر، أو في نقص ~~الفرد، الخطوة النهائية اللازمة نحو الخير، أو الكمال. # ولكن متاعب أيوب - من أحد الوجوه - محسوسة بدرجة أكبر: إنها صورة ~~من صور مشكلة الدفاع عن الإله بالرغم من وجود الشر، وهي المشكلة ~~التي كانت دائما تزعج المسيحيين. وإذا سلمنا بأن الله يسمح ~~بالشر حتى تتاح لنا فرصة التغلب عليه، وحتى نحيا حياة طيبة بالرغم ~~من الإغراء بالحياة السيئة، ترتب على ذلك بالتأكيد أن السلوك الطيب ~~يؤدي إلى النجاح والسعادة، والسلوك السيئ يؤدي إلى الفشل والشقاء. ~~غير ms121 أنا نرى في كل ما حولنا أن الشرير يفلح والطيب يعاني، وكان ~~أيوب رجلا طيبا، ثريا، سعيدا ، وسمح الله للشيطان أن يمتحن ~~إيمان أيوب بإصابته بسلسلة من الكوارث، وقد احتمل أيوب فقدان ~~ثروته بهذه العبارة الشهيرة: «الله أعطاني، والله أخذ مني. بارك ~~الله في اسم الرب.» واستطاع أيوب أن يحتمل المصائب البدنية. ولما ~~تراكمت على أيوب الآلام، ولما أظهر أصدقاؤه إيمانهم بأن وراء هذه ~~الآلام البادية لا بد أن يكون هناك شر عظيم، بدأ أيوب - لا أقول ~~يشك في الله - محاولة البحث عن الحق بنفسه من خلال آلامه. وأخيرا ~~ظهر الله بنفسه وذكر أيوب بأن الإنسان تافه جدا، وأن كلمة الله ~~عظيمة جدا، وأن إشفاق الإنسان على نفسه هو في الواقع شر ~~وادعاء. عندئذ يتوب أيوب، ويقول: «أعلم أنك تستطيع أن تفعل كل شيء ~~... ولذلك قلت إني لست أفهم. كم من أمر يدعو إلى العجب لم أدركه ... ~~ومن ثم فإني أمقت نفسي. وأتوب حتى في التراب والرماد.» عندئذ ~~عادت إلى أيوب صحته وثروته، وعاش بعد ذلك عيشة سعيدة. # هذه خلاصة مجردة - وقد تكون خلاصة عقلية بمعنى الكلمة السيئ - ~~لشيء لا يمكن تلخيصه في يسر. إن معنى سفر أيوب معنى عاطفي، وهو ~~شيء يثيره الشاعر نفسه، حتى وإن كان أكثرنا لا يستطيع معرفته إلا ~~مترجما. ومع ذلك فإننا إن أردنا أن نفيد من سفر أيوب في هذه ~~الحياة الدنيا، فإنما يكون ذلك إن عرفنا أن عقولنا الصغيرة ~~البشرية الحاسبة لا تستطيع أن تبلغ مبلغ علم الله بأية وسيلة من ~~الوسائل، بل ولا تستطيع القرب منه. وليست هناك مشكلة فيما يتعلق ~~بإرادة الله للشر؛ لأننا لو فرضنا وجود هذه المشكلة كان هذا الفرض ~~تصويرا لأعلى حد من تقرير الذات البشرية الشريرة. إن علاقتنا ~~بالله لا يمكن أن تكون قياسا، أو تساؤلا، أو علاقة مفصلة، نفكر ~~فيها كما يفكر المحامي، أو العالم، أو التاجر، في مشكلاته: «أعلم ~~أن الله عظيم، وأننا لا نعرفه.» إننا لا نعرفه، ولا نستطيع أن ~~نعرفه، لأننا لو استطعنا ms122 ما كنا بشرا. ولكوننا لا نستطيع معرفته ~~نؤمن به. # ولم يبلغ كل اليهود مستويات الفكر والشعور التي حاولنا التنويه ~~عنها، وهم في ذلك كالأثينيين؛ فإنهم لم يبلغوا جميعا مستويات ~~أفلاطون وأرسطو. غير أن اليهود صاغوا من خبرتهم الطويلة ديانة ~~منظمة، ومجموعة من النظم، وأسلوبا من العيش، وعن هذا الأسلوب ~~نشأت المسيحية. ويجب أن نذكر مرة أخرى أن تاريخ الفكر لا يهتم ~~بالأعمال العظيمة التي قام بها العقل البشري وحدها، كأعمال ~~الأنبياء اليهود، وإنما يهتم كذلك بالطريقة التي طبقت بها هذه ~~الأفكار على السلوك العادي في حياتنا اليومية التقليدية. # إن الشعب اليهودي لم ير كله إله اليهود كما رآه أشعياء. وهم ~~كشعب لم يخسروا قط إلههم يهوه في يهوه العالمي. وليس من شك في أن ~~الدين عند الكثيرين منهم كان معناه مراعاة قواعده؛ أي الاحتفاظ ~~بنقاء الطقوس، وذلك بأداء مجموعة من الأحكام والقوانين بكل دقة. ~~وكثير من هذه الأحكام نواة، من ذلك النوع الذي يألفه الكثيرون منا ~~اليوم، ويعرفونه باسم المحرمات، وكذلك الحكم مثلا الذي يحرم على ~~اليهودي أكل لحم الخنزير. وهناك أحكام أخرى - كالختان - تتطلب ~~أعمالا إيجابية. وكان الأنبياء ثوارا على المعنى الحرفي لأحكام ~~الدين. وكانوا على أقل تقدير مثاليين دينيين يستهدفون تجاوز ~~الشريعة، وقد وسعوا في الواقع وعمقوا الحياة الدينية ~~لشعبهم. # ولما جاء المسيح كان هناك أسلوب من العيش يهودي، لا ينطبق تمام ~~المطابقة على أعلى مثل للأنبياء، كما لا ينطبق أسلوب العيش ~~الأمريكي تماما على المثل العليا لإمرسون وهويتمان، ولكنه أسلوب ~~يختلف كل الاختلاف عن الأسلوب اليوناني، أو الروماني. كان اليهودي ~~يعتقد بإله واحد على كل شيء قدير. وهو - لأسباب لا يستطيع أحكم ~~الحكماء أن يسبر غورها - يسمح على هذه الأرض بنشوب ذلك النوع من ~~النضال، الذي نحس نحن بني آدم كأنه نضال بين الخير والشر، بل ~~إن الله ليريد هذا النوع من النضال. وكان اليهودي يعتقد أن الله ~~اختار الشعب اليهودي ليكون رأس الحربة للخير في هذا النضال، وأن ~~الله قد كتب في الواقع على اليهود أن ms123 يقودوا بني الإنسان إلى ~~انتصارهم نهائيا على الشر. ومن أجل هذا أراد الله أن يبعث ~~لهدايتهم رجلا عظيما حقا، موسى آخر، هو المسيح الذي سوف ينشئ ~~لهم أورشليم الجديدة. # وليس من شك في أن كثيرا من عامة اليهود - بل أكثرهم - استشعروا ~~في كل ذلك وعدا بالمجد في هذه الدنيا لليهود، وتصحيحا للإساءات ~~التي لحقت بهم على أيدي البابليين، والمصريين، والفرس، والإغريق، ~~والرومان؛ أي استشعروا في ذلك بإيجاز ما نعرفه ونسميه إرضاء ~~الآمال الوطنية. وقد ظن بعض اليهود - قطعا - أن هذا النصر النهائي ~~لن يكون. في العالم الآخر، وهو ليس انتصارا صوفيا للخير على ~~الشر، وإنما يتم النصر لهم في هذه الدنيا فيما يزعمون، وليس ذلك ~~إلا من باطل الوهم ومحض الخيال. # ولم يكن بالإمكان - برغم ذلك - أن تكون هذه الصورة من صور ~~الأحلام مادية محضة. ولن تستطيع أن تقرأ في أي سفر من أسفار ~~الأنبياء دون أن تجد الدليل على أنهم أحسوا أن هذه العظمة ~~اليهودية المرتقبة هي عظمة الله أولا؛ ففي سفر زكريا جاء أنه: ~~«في تلك الأيام يمسك عشرة رجال من جميع ألسنة الأمم بذيل رجل يهودي ~~قائلين نذهب معكم لأننا سمعنا أن الله معكم.» ولم يأمل اليهود أن ~~يكونوا مثل روما أو بلاد فارس إلا بمقدار ما يستطيع أن يأمل ~~الإيرلنديون أن يكونوا الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي - مع ~~التسليم بالفوارق بين العالم القديم والعالم الحديث. ولم يشك ~~بعضهم في أن المسيح سوف يسترد عظمة سليمان في مساحة محدودة من ~~الأرض. أما أولئك الذين جاوزوا هذا المثل، فقد كانوا يرون أن ~~المسيح مبشر بنصر روحاني أكثر منه مادي. # وثمة حكم آخر: كان عند اليهودي، حتى ذلك الذي يعدم الخيال، ~~المطاوع، الذي يكتفي بالشريعة، ما كان عند قليل من الإغريق، وأعني ~~به الإحساس بالذنب. كان عند الإغريقي من العامة إحساس بالحق ~~والباطل، ولكن الحق والباطل عنده هما في الواقع نوع من المحاولة ~~والخطأ، الفعل الخاطئ غلطة يمكنك إن كنت عاقلا أن تصححها في المرة ~~التالية. وبعض الناس - بطبيعة ms124 الحال - لم يكن عاقلا، وعاقبة ~~انعدام العقل يمكن في الواقع أن تكون وخيمة، بل ومأساة. ولم تكن ~~الآلهة نفسها على بينة تامة من الفارق بين الحق والباطل، وهي أيضا ~~كانت خاضعة لأحكام القدر المبهمة. ولكن هذا العالم - على أسوأ ~~الظروف - إذا لم يكن قد خلق لراحة الإنسان، فلم يخلق - كما كان ~~يرى الإغريقي العادي - لتعذيبه إيثارا لعالم آخر بشكل ~~ملحوظ. # أما اليهودي فكان يحس أن ارتكاب الخطأ ذنب، وهو دليل على أن ~~مرتكبه دنس، فاسد، في أعماقه. لم يكن ارتكاب الخطأ غلطة، إنما كان ~~مرضا. وتستطيع أن تجرب الدواء، وربما كان الدواء في سلوكك في ~~الطقوس سلوكا مستقيما. ولكن الله وحده هو الذي يشفيك، وبوسع الله ~~دائما أن ينفذ وراء سلوكك حتى يبلغ أفكارك ومشاعرك الباطنة. ~~ولا بد أن تكون أفكارك ومشاعرك طاهرة، صالحة؛ لأن الله لا يخدع. ~~وإذا أمكنك فعلا أن تكون صالحا، من كل نواحيك، فقد نجوت. والحق ~~أن اليهود لم يعبئوا كثيرا بمذهب خلود الفرد المباشر، كما فعل ~~المسيحيون فيما بعد. ولكن من المحتمل أن تكون فكرة الخلاص الشخصي ~~عن طريق الصلاح قد شاعت بينهم في الوقت الذي جاء فيه المسيح. ولكن ~~بلوغ الصلاح عند اليهودي أمر شاق. والله يمتحن الأرواح امتحانا ~~شديدا. وليست هذه الدنيا في الواقع مكانا سارا، أو حتى مكانا ~~معقولا. ولم تخلق في الحقيقة لكي يعيش فيها الناس كما يتصور ~~الناس المعيشة - وأقصد أولئك العامة من الناس، العاقلين، ~~الأنانيين، الذين لا يتصفون بالبطولة، المنطقيين. إن أمثال هؤلاء ~~الناس إنما يعيشون الحياة التي يريدها لهم الشيطان، وتريدها لهم ~~أمزجتهم، وهي ذلك النوع الواضح من أنواع الحياة؛ حياة الإثم. ~~الآثام تتحوطنا من كل جانب، ولا نستطيع قط أن نكون على ثقة ~~بأننا لا نرتكب الذنوب. # وأرجو ألا تسيئوا الفهم. لم يكن بوسع اليهودي العادي أن ينفق ~~حياته وسط مخاوف تلازمه دائما، وهي مخاوف ارتكاب الذنوب. وأهم من ~~ذلك أن السلوك الخاص الذي كان يراه اليهودي آثما لم يكن يشبه ~~السلوك الذي نحسبه نحن الأمريكيين آثما ms125 - إذا تذكرنا هذا المذهب ~~إطلاقا. لم يكن اليهودي متطهرا، أو لم يكن بالتأكيد ما نعده ~~متطهرا في تفكيرنا حينا بعد حين، ولم يكن زاهدا، وكان يسمح له ~~بالتمتع المعتدل بكثير مما نسميه المتعة الحسية، ولكنه كان - ~~برغم ذلك - أقرب إلى فكرتنا المألوفة عن المتطهر منه إلى أسلوب ~~العيش الإغريقي. إنه لم يحرم متعة البدن، ولكنه لم يضع ثقته ~~فيها. ولم يكن لديه فوق هذا - العقل المنطقي، عقل من يدرس ~~الهندسة، العقل الذي يسعى إلى فهم الكون في حدود الأشياء التي ~~يمكن قياسها. كان العالم عنده مكانا لا يخضع للقياس وهو مكان ~~معاد، على المرء أن يتحسس فيه طريقه كالكفيف، إلا أن يضيئه الله له ~~بنور خاص ليس من هذه الدنيا بتاتا، نور سرعان ما يضل عنه الإنسان ~~الآثم. # العنصر الهلينستي # في الفترة التي تنحصر بين أيام المدن الحكومية العظمى فيما بين ~~القرنين السادس والرابع، وبين توحيد عالم البحر المتوسط توحيدا ~~سياسيا تحت حكم روما في القرن الأول ق.م، يقع عصر من عصور ~~النضال المضطرب بين الدول العظمى - مصر، وسوريا، ومقدونيا، وروما، ~~وقرطاجنة. وقد انتشر الإغريق فوق الجزء الشرقي من البحر المتوسط ~~كله تحت حكم الإسكندر وجعلوا ثقافتهم - من بعض النواحي - ثقافة كل ~~الأفراد المتعلمين فيما نسميه اليوم الليفانت، أو الشرق الأدنى. ~~ولم تكن هذه الثقافة التي انتشرت على هذه الصورة مطابقة لثقافة ~~المدينة الحكومية. فإن مجرد انتشارها يحتم تحويرها. وقد نعت ~~المؤرخون - كما ذكرنا من قبل - هذا العصر بصفة «الهلينستي» ~~ليدلوا بذلك عموما على ترخيص، وعلى تحوير غير مستحب. # والعصر الهلينستي بالنسبة إلى مؤرخ الفكر له ناحيتان تثيران ~~الاهتمام: الناحية الأولى أنه - باعتباره مرحلة هامة في تطور ~~الحضارة الإغريقية الرومانية، وهي في الواقع المرحلة المؤسفة التي ~~زادت فيها درجة النضج عن الحد المطلوب، وظهرت فيها بداية التدهور - ~~اجتذب دائما أنظار فلاسفة التاريخ الذين يرون في تاريخ العالم ~~القديم نمطا معينا، بل ونبوءة لا مفر منها، لما سوف يحدث لنا نحن ~~المحدثين، والقرون الهلينستية - باعتبارها هذا النمط - توافق إلى ~~حد كبير ms126 القرون الرومانية، فيجدر بنا أن نؤجل إلى فصل مقبل من ~~هذا الكتاب النظر في هذه المشكلة ، هل يسير المجتمع الغربي اليوم ~~على طريق يشبه الطريق الذي سلكه المجتمع الإغريقي ~~الروماني؟ # والناحية الثانية هي أن الثقافة الهلينستية جزء من ميراثنا ~~الكامل. وقد ساعدت علومها وفنونها وآدابها وفلسفتها على تكوين تلك ~~التربية الشكلية التي نسميها التربية «الحرة» أو «الكلاسيكية»، ~~بالقدر الذي ساعد به في ذلك عمل العصور الإغريقية التي سبقتها. ~~وكان الباحثون - في هذه الثقافة الهلينستية - وأمناء المكتبات، ~~والنساخون، حلقة أساسية في نقل أعمال الأجيال السابقة إلينا. وأهم ~~من هذا كله بالنسبة إلينا أن هؤلاء الإغريق الهلينستيين - العامة ~~منهم والمثقفين - كانوا أولئك القوم الذين تحولت في عقولهم ~~وأفئدتهم خاصة المسيحية من مذهب يهودي، أو هرطقة، إلى العقيدة ~~العالمية التي بقيت بعد إمبراطورية روما العالمية. # وهذه القرون الثلاثة التي سبقت المسيح كانت القرون العظمى للعلوم ~~الإغريقية، وقد تفوق الإغريق الهلينستيون في الرياضة (وبخاصة ~~الهندسة)، والفلك، والطبيعة. أما في الطب وعلم الأحياء فلم يتحقق ~~ما توقعه أبقراط وأرسطو بأكمله. ولم تكد الكيميا تكون ميدانا من ~~ميادين الدراسة المعترف بها. ومهما يكن من أمر فقد كانت جملة ~~التقدم العلمي عظيمة جدا. والعلم يعني عندنا اليوم جماعة من ~~الباحثين المدربين، ومؤسسات غنية تعينهم، ونقل النتائج إلى الزملاء ~~العاملين في الميدان، وبحث لا يني عن النظريات لتفسير الوقائع، وعن ~~وقائع لاختبار صحة النظريات. ومن الجائز أن العلم بهذا المعنى ~~الحديث - حتى أواخر القرن السابع عشر - كاد يتحقق في متحف ~~الإسكندرية تحت حكم البطالسة الأوائل. # ولسنا نعرف على وجه الدقة شيئا عن تنظيم هذا المتحف. وقد كانت ~~الإلاهات الإغريقيات التسع التي عرفت باسم «ميوزس» - وهو الاسم ~~الذي اشتقت منه كلمة متحف بالإنجليزية - في الواقع سيدات أديبات ~~أكثر منهن عالمات. ولكن الأدب تحت النظام الإسكندري الذي كان يشجع ~~على البحث وراء المعرفة كان تحت رعاية «المكتبة» العظمى، التي عني ~~القائمون عليها بما يسمى في الجامعات الحديثة بالعلوم ~~الإنسانية. والظاهر أن المتحف كان من بعض نواحيه شبيها بمتاحف ~~التاريخ الطبيعي ms127 في العصر الحاضر - مكانا تعرض فيه نماذج لها ~~أهميتها. ولكنه كان - من ناحية أخرى كذلك معهدا للبحث العلمي، ~~وللتعليم، على الأقل فيما يتصل بالعلاقة المباشرة بين الأستاذ ~~والتلميذ. # وليس من شك في أن شرطا من الشروط الأساسية لازدهار العلم، أعني ~~وجود مركز معد للتعليم والبحث، قد توافر في العصر الهلينستي. ~~وليست هناك فائدة كبرى من سرد الأسماء هنا. ومهما يكن من أمر فقد ~~كان أرشميدس في سرقسطة عالما طبيعيا من طبقة نيوتن. كما كتب ~~إقليدس كتابا مدرسيا استعمل في تدريس الهندسة أكثر من ألفي ~~عام. وكذلك وضع أرستارخوس في ساموس نظاما لميكانيكا الأجرام ~~السماوية، الشمس بمقتضاه تتوسط الكواكب، والأرض وغيرها من الكواكب ~~تدور حول الشمس، ولما كانت كتاباته الرئيسية لم تصل إلينا وجب ~~علينا أن نصدق في ذلك ما ذكره عنه أرشميدس أساسا. كما أن ~~أراستوثينس قد أخذ بالنظرية العلمية السابقة التي تقول بأن الأرض ~~كرية. وعلى هذا الأساس قدر طول محيطها برقم يقترب من الحقيقة ~~بدرجة تدعو إلى العجب. أما مدى صحة الرقم الذي قدره فيتوقف على ~~المقياس الحديث المضبوط المساوي لوحدته في القياس، وهي الاستاديوم ~~(وهو نحو 202 ياردات، وإن كنا لا نعرف على وجه الدقة). ولكنه على ~~الأرجح قدر رقما يبلغ نحو 28000 ميل بدلا من 25000 ميل تقريبا ~~بتقدير الجغرافيين المحدثين. # وبالرغم من أن جانبا كبيرا من هذا العمل العلمي نظري بحت، ~~تم بالدراسة كما تتم الفلسفة، إلا أن الإسكندريين لم يتخلوا عن ~~العمل الشاق المحط بالكرامة الذي يتعلق بالملاحظة والتجربة. ~~وقد قدر أراستوثينس - على سبيل المثال - طول محيط الأرض بقياسه ~~قياسا دقيقا الظل الذي يلقيه عمود رأسي في الإسكندرية وقت ~~الظهيرة تماما في يوم الانقلاب الصيفي، وقد عرف أن الشمس عند ~~سايين (وهي جنوبي الإسكندرية تماما) في تلك اللحظة من ذلك اليوم ~~لم تلق البتة أي ظل - وإذا أخذنا بالتعبير الحديث قلنا إن سايين ~~كانت على مدار السرطان، وعرف المسافة بين الإسكندرية وسايين. ~~وبهندسة مبسطة جدا استطاع أن يقيس ذلك القوس من سطح الأرض الذي ms128 ~~تمثله المسافة بين الإسكندرية وسايين، ووجد أنها 7° 12 # أو 50 / 1 من الدائرة. وقد نشأ خطؤه الأساسي من ~~عدة أخطاء ثانوية؛ فسايين لا تقع جنوبي الإسكندرية تماما، فهي ~~ليست على مدار السرطان تماما، وربما لم يأخذ في حسابه نصف قطر ~~الشمس ذاتها عند قياس زاويته الرئيسية. ومهما يكن من أمر فقد كان ~~العمل الذي قام به جليلا، وكان مذهبا علميا يقوم على النظريات ~~والوقائع. # وقد قام بعض الإسكندريين المتأخرين - وإن لم يكونوا فنيين أو ~~مخترعين بالمعنى الحديث - بجانب كبير من التجريب في الميكانيكا، ~~ورثوا عن أسلافهم جزءا كبيرا من المعرفة الأساسية عن صفات ~~السوائل والغازات، وعن الروافع، و«السيفون»، والمضخات، وما إلى ذلك ~~(وكان العلم قد أمسى بالفعل من قبل معرفة تراكمية بصورة واضحة)، ~~فصنعوا آلات بخارية صغيرة، وآلات تدور بوضع العملة فيها، وعصافير ~~تصفر وتكف عن الصفير من تلقاء نفسها، وأبواب المعابد التي تتفتح ~~من تلقاء ذاتها إذا اشتعلت النار. ومن المحتمل أن القسس كانوا ~~يستخدمون بعض هذه المخترعات عن قصد لكي يضاعفوا من تأثير الحفلات ~~التي يقيمونها. ولكن ليس لدينا سجل عن أي تاجر إسكندري كان يستخدم ~~الآلات التي تدور بوضع العملة فيها في بيع سلعة، أو أي مهندس ~~إسكندري يستخدم الآلة البخارية في تحريك أي شيء. # وإذن فقد كان تاريخ العلم في العالم الإغريقي الروماني المتأخر ~~متقطعا غير متصل. كانت هناك عقول جبارة كرست نفسها لدراسته، ~~وكانت هناك على الأقل بداية لنظام تربوي وتنظيم اجتماعي يكفل ~~الاستمرار في دراسة العلم والتزيد فيه. ولكن لم تقم - مع ذلك ~~البتة أية علاقة مثمرة بين العلم، وتطبيقه، والإنتاج الاقتصادي. ~~وفي القرون الأولى من حكم العالم الروماني توقف العلم عن النمو، ~~وتوقف عن توسيع نطاقه. ومشكلة توقف العلم عن النمو بهذه الصورة ~~من أشد المشكلات تشويقا في تاريخ الفكر. وليس بالإمكان تفسير ذلك ~~ببساطة؛ فهنا - كما في تاريخ البشر دائما تقريبا - تواجهنا عدة ~~عوامل، وعدة اتجاهات، ولكل منها ضلع في تطور الموضوع. ولا يمكن ~~أن نرتب هذه العوامل والاتجاهات في صورة معادلة ms129 وليس بوسعنا إلا ~~أن نزنها وزنا تقريبيا. # وأحد هذه العوامل كثيرا ما يبالغ فيه، بالرغم من وجوده قطعا، ~~وذلك هو ما نستطيع أن نسميه عنصر «التهذيب والرقة» في التقاليد ~~الإغريقية، وأقصد أن رجال الثقافة المهذبين إنما يهتمون بالموضوعات ~~الرشيقة كالموسيقى والفلسفة، ولا يهتمون بالعمل الدقيق، الشاق، غير ~~الكريم، في المعمل أو في حقل التجارب. وإذا عبرنا عن ذلك بأسلوب ~~عقلي آخر، قلنا إن هذا العامل هو الإيمان بأن المرء يبلغ الحق ~~بالتأمل الباطني، وبالوحي، وبالاطلاع على الأعمال العظمى ~~للأساتذة، ولا يبلغه بالكشف عن وقائع التجربة الحسية وتناولها. ~~وبعبارة أخرى نقول إن رجال الفكر من الإغريق والرومان ساروا في أثر ~~أفلاطون ولم يسيروا في أثر أبقراط. # وقد يكون هذا القول صادقا من بعض نواحيه، ولكن من غير المحتمل ~~أن دقة التقاليد وتهذيبها في حد ذاتها قد اعترضت العلم القديم؛ فقد ~~كان هناك كثرة من الأفراد العلماء، من أبقراط إلى أرشميدس ~~وأراستوثينس، ممن أسلموا أنفسهم للمهمة غير الكريمة؛ مهمة التنقيب ~~عن الوقائع. وربما لم تنجذب خير العقول نحو العلم، وإن يكن مثل هذا ~~التفسير لا يقوم على دليل مقطوع به. # وهناك عامل آخر ينبغي أن نقر به؛ فسوف نرى مرة أخرى الرأي الذي ~~يقول بأن انتصار المسيحية - باهتمامها بالعالم الآخر - هو الذي ~~يعزى إليه فشل الإغريق والرومان في علاج المشكلات المتعددة في هذه ~~الدنيا، بما فيها - بطبيعة الحال - مشكلات العلم، ولكن عامل الزمن ~~- في هذه الحالة بعينها على الأقل - يبرئ المسيحية من المسئولية، ~~ذلك أن المسيحيين لم يكن لهم في الواقع تأثير في الإمبراطورية ~~الرومانية حتى ختام القرن الثاني بعد الميلاد. وكان العلم ~~الهلينستي قد بلغ قمته وبدأ يتدهور، أو يتطور مع الزمن، قبل ذلك ~~بعدة قرون. # وإنما العامل الهام هنا إنما ينبغي في الواقع أن يلتمس في فشل ~~العلوم البحتة في تأثيرها في الهندسة ونواحي النشاط الاقتصادية ~~الأخرى، أو التأثر بها. ونستطيع أن نؤكد أن العلم الحديث قد اتخذ ~~صورته، وأنه تقدم وعاش بسبب الثورات التجارية والصناعية في ~~الأزمنة الحديثة إلى ms130 حد كبير. وإذا عبرنا تعبيرا مبتذلا قلنا ~~إن العلم قد عاد علينا بالمنفعة، في حين أنه لم يكن نافعا في ~~العالم القديم. والواقع أننا نرتد هنا إلى سؤال آخر، وهو لماذا لم ~~تقم في الأزمنة القديمة ثورة صناعية؟ كانت هناك بداية في ~~التطبيق، وفي أعمال البنوك وفي التكنولوجيا على السواء. ولكن لم ~~يكن هناك نقص في العمال. وكيف تكون هناك مشكلة العمال مع وجود ~~الرق؟ ومن ثم فلم يكن هناك حافز على إنتاج الآلات التي توفر ~~العمل. # ونستطيع أن نقول في إيجاز إن من بين المصادر المعقدة كلها التي ~~تمخضت عن العالم العلمي الحديث - الفكرية، والاقتصادية، ~~والاجتماعية، والروحية - لم يتطور تطورا كاملا إلا المصدر ~~الفكري في العالم الإغريقي الروماني. # أما الفرض بأن زيادة التقدم في العلوم وما يتبعها من صناعات ~~كان من الممكن أن يحمي العالم القديم من التدهور الذي أصابه ~~أخيرا؛ فمسألة تستحيل الإجابة عنها. وقد كان المتفائلون في الغرب ~~في القرن التاسع عشر يميلون إلى الاعتقاد بأن نشوب ثورة صناعية ~~وعلمية كان من الممكن أن ينقذ العالم القديم. وهناك كثير من ~~المفكرين في الوقت الحاضر يشكون في أن هذه الثورة قد أنقذت عالمنا ~~فعلا. # ويرى أكثر النقاد المحدثين أن كل الإنجازات الفنية والأدبية ~~الهلينستية، بل والإغريقية المتأخرة، أقل شأنا من مثيلاتها في ~~العصر الأعظم الذي سبقها. ومع ذلك فإن بعض أولئك الذين لعبوا أعظم ~~دور في التربية الكلاسيكية في الأجيال ~~المتأخرة في أوروبا وأمريكا ~~ينتمون إلى هذه السنوات المتأخرة - كاتب السير والأخلاق بلوطارخ، ~~والمؤرخ بوليبيس والشاعر ثيوقريطس، والإمبراطور المفكر ماركس ~~أوريليوس. ثم إن تلك الظاهرة الثقافية - حسنة كانت أم سيئة - التي ~~نسميها البحث العلمي ظهرت أول ما ظهرت بوضوح في العالم الغربي في ~~تلك السنوات. # ويقابل «المتحف» العلمي في الإسكندرية من الناحية الأدبية ~~«المكتبة». وربما كانت هذه المكتبة في أوجها تشتمل على ما يقرب من ~~خمسمائة ألف ملف، أو مجلد بتعبير اليوم. وكانت هذه الكتب مخطوطة ~~باليد على صحائف طويلة من أوراق البردي، وهو نوع من الورق مصنوع ms131 من ~~غاب عادي، وملفوف على صورة قريبة الشبه بصحائف عازف البيانو ~~القديمة. وكان لا بد من فضها - بطبيعة الحال - لكي تمكن قراءتها. ~~وكانت «تنشر» عن طريق نسخها باليد، وهي عملية شاقة كانت تقوم بها ~~عادة الطبقة العليا من الرقيق. # وبالرغم من انعدام الجهاز الآلي الحديث في البحث، فإن الباحثين ~~الإسكندريين - كمعاصريهم من العلماء - قد طوروا ما نعرفه في ~~العصر الحديث بالنقابة. وكانوا في القديم يقابلون ما نعرفه في ~~الوقت الحاضر بحملة الدكتوراه. كانوا يجمعون، ويصنفون، ويذيلون، ~~ويحللون ويلخصون أعمال أسلافهم العمالقة من هومر إلى أرسطو. وقد ~~بقيت إلى اليوم هوامشهم وتعليقاتهم بين السطور، التي دونوها في ~~مخطوطات حقيقية وأسموها الحواشي، فيسرت كثيرا من الدراسة ~~الكلاسيكية الحديثة. وهكذا ترى أن الإسكندريين كانوا حلقة أساسية ~~في السلسلة التي تربطنا بثقافة الإغريق العظمى. وكما يحدث للباحثين ~~منذ ذلك الحين، نظر أصحاب الخيال والكتاب المبدعون إلى عملهم ~~بعين الازدراء، وحط النفعيون من شأنهم، ورمقتهم الجماهير عامة بشيء ~~من الحيرة. ولكني أرى أن أي شيء عاش بمثل النجاح الذي عاشت به هذه ~~الدراسة لا بد أن تكون له عند المجتمع قيمة، على الأقل طبقا ~~لنظرية دارون. ومهما يكن من أمر فإن من المخاطرة في الرأي أن نقول ~~إن ظهور هذا النوع من البحث هو في حد ذاته دليل على التدهور ~~الثقافي. # ولم تكن المكتبات التي ~~يقوم فيها هؤلاء الباحثون بالدراسة شبيهة بمكتباتنا الأمريكية ~~الدورية؛ إذ لم تكن ميسرة للجماهير. إنما كانت أماكن تحفظ فيها ~~الكتب التي لا يستخدمها إلا الباحثون. ومع ذلك فلا ينبغي لنا أن ~~نبالغ في تقدير معرفة الكتابة والقراءة كمقياس لسهولة الوصول إلى ~~الأفكار. وقد كانت القدرة على الكتابة والقراءة محصورة في نسبة ~~ضئيلة من السكان. وقد لاحظنا أن الأثينيين ~~كانوا يتحدثون عن الأفكار أكثر ~~مما يقرءون عنها. وبانتشار أسلوب الحياة اليوناني في الشرق، حمل ~~الإغريق معهم عادتهم في الجدل العلني الحي. وكذلك حملوا لغتهم التي ~~فقدت شيئا من رشاقتها في أتيكا ولكنها لم تهبط قط إلى مستوى ~~الرطانة بالإنجليزية التي يستخدمها ms132 أهل الشرق الأقصى، وأصبحت ~~اليونانية تعرف باسم «كويني» أي اللسان الشائع، لغة القديس بولس. ~~ثم إن نظام المحاضرة الإغريقي القديم قد تطور حتى أمكن للمفكرين ~~أن يكسبوا عيشهم - وكان الكسب عظيما جدا في الأزمنة المتأخرة ~~للموهوبين بصفة خاصة وللمحظوظين - بطريقة تشبه طريقة الشوتوكوا ~~الأمريكية في أول أمرها، أو الليسيه (أي إلقاء المحاضرات العامة ~~لقاء أجر يتقاضاه المحاضر في شتى فنون المعرفة). ويعرف أكثرنا ~~أن المصارعين المتفوقين - كلاعبي البيسبول المجيدين اليوم - كانوا ~~يتقاضون أجرا عاليا في العالم الإغريقي الروماني، وكذلك أيضا ~~كان الخطباء الناجحون، أو المحاضرون العامون. وكانت الثقافة ~~الأدبية والفلسفية في العالم الإغريقي الروماني منتشرة بوضوح من ~~بعض نواحيها. ولم تكن بالتأكيد محصورة في طبقة صغيرة عليا. وانتشرت ~~المسيحية بين قوم ألفوا تبادل الأفكار علانية. # أما فيما خلا ذلك فقد كانت الثقافة الهلينستية تختلف اختلافا ~~بينا عن ثقافة العصر العظيم، وإن يكن الأسلوب الكلاسيكي ما ~~برح ملحوظا حتى في حالة التدهور والانحراف. وليس بوسعنا هنا إلا ~~أن نشير إلى بعض اللمحات أو الصفات في الثقافة الهلينستية. # فأولا زادت الموضوعات التي كانت تتناولها الثقافة القديمة ~~وتنوعت. وإنك لتلمس في الفن والكتابة الإغريقية والرومانية ~~المتأخرة المدونة كل لون من ألوان الخبرة البشرية تقريبا. ~~ولنضرب مثلا له أهميته وإن لم تكن له كرامته: إن الإنسان الغربي ~~الحديث لم يضف جديدا إلا في القليل لمجموعة ما وصل إلينا من ~~أدب فاحش، وربما كان هذا التنوع انعكاسا - إلى حد كبير - ~~للفردية التي حلت محل التربية النظامية العامة والمعايير العامة في ~~المدينة الحكومية. كان هناك في العالم الهلينستي تطلع إلى المكانة ~~والنفوذ، والثراء، والتفات الجماهير (وهو هدف إنساني كثيرا ما يحط ~~من شأنه رجال الاجتماع وعلوم السياسة). وكان من بين الوسائل التي ~~يميز الفرد بها نفسه أن يؤدي غير المألوف، وأن يتطرف، وأن يكون ~~مبدعا مبتكرا؛ فظهر مثلا ذلك الشاب الذي أشعل النار في معبد ~~ديانا في أفيسس كي يخلد اسمه في التاريخ - وقد خلد. ومن ~~السيكولوجيين من يسمي شهوة الشهرة المتطرفة «عقدة البطولة». # وإذن فقد ms133 امتدت أنماط الثقافة القديمة، وتحورت، وانتشرت بعدة ~~وسائل. ومن اتجاهاتها - التي تتجلى خاصة في فن النحت - السعي وراء ~~المعبر، والمحرك للشعور ، والمؤسي، والمثير. وقد حل محل ~~الهدوء البادي في تماثيل البارثينون لاوكون وأبناؤه يتضورون ألما ~~وسط الأفاعي الملتوية، والغال الميت، وتماثيل هومر الكفيف التي ~~تدعو إلى الحسرة. ومن الحق أن الوسائل القديمة كذلك ظلت باقية؛ ~~فهناك فينوس دي ميلو والنصر المجنح في ساموزريس، وهي من أعمال ~~العصر الهلينستي. # وهناك اتجاه آخر يتمثل في زيادة الزينة، وزيادة الترف، وبخاصة في ~~المساكن الخاصة. وحتى في بناء المعابد حل الطراز الكورنثي الذي ~~يتميز بأوراق الأقنثا (نوع من النبات الشوكي) الذي كان يؤثره ~~الرومان محل الطراز الدوري البسيط. وبدأ الناس يتفاخرون بضخامة ~~المباني، وإن يكن المهندسون المعماريون في العالم الإغريقي ~~الروماني القديم عامة لم يحاولوا أن يقيموا ارتفاعا رأسيا ~~شامخا، كما فعل بناة الكاتدرائيات في العصور الوسطى وبناة ناطحات ~~السحاب في العصر الحديث. # وهناك اتجاه آخر نحو ما نألفه في العصر الحديث وما نسميه ~~التهرب. وربما كانت دقة البحث والعلوم مهارب للإغريقي الهلينستي، ~~ولكن أوضح مثال هو شيوع الشعر الرعوي في مجتمع مدني؛ فقد كان ~~الرجال والنساء من الطبقة العليا، الذين كانت تحوطهم أسباب الدعة ~~والراحة في مدينة غاية في التقدم، يحبون أن يقرءوا عن الرعاة ~~والراعيات، وعن الأودية التي تنمو فيها الغابات، وعن وجبات الخبز ~~والجرجير، وعن الحب الصادق. ومما لا شك فيه أن كثيرا منهم تحول ~~من القراءة إلى حماماتهم الساخنة، وأدوات الزينة، والرق، والولائم، ~~والحب غير الصادق. وبقيت قلة منهم لا تسيغ هذه الأشياء. ولكنهم لم ~~يكونوا يتهربون بمعنى ساذج. كانوا ثائرين، مستعدين للقيام بأمور ~~أكثر جدية من أناشيد الرعاة لثيوقريطس. كانوا في الواقع مستعدين ~~للمسيحية، وسوف نعود إليهم. # والفكاهة أيضا صفة هلينستية مميزة. وهي صفة تظهر دائما في كل ~~ثقافة ناضجة. حقا لقد كانت الفكاهة موجودة عند أرستوفان، مصحوبة ~~بكثير من الابتهاج والصراحة. غير أن الفكاهة الهلينستية أشد حقدا، ~~وأكثر تهذيبا، وهي تتحول إلى سخرية في يسر وسهولة. وقد كانت ms134 ~~أسلوبا يقول به المؤلف شيئا ظاهرا للعامة، وشيئا آخر يفهم ~~تلميحا للأذكياء والمطلعين. وأحيانا توجه الفكاهة إلى ~~النقائص ومواطن الضعف في طبيعتنا البشرية المشتركة. وكان الإغريق ~~المتأخرون، وأتباعهم من اللاتينيين، مغرمين برسم الشخصيات رسما ~~دقيقا، وبالسخرية، التي قد تكون مريرة جدا، أو مرحة جدا. ~~وكثيرا ما كان هؤلاء الساخرون واقعيين كذلك. وفيما يلي - على سبيل ~~المثال - ترجمة لقصيدة لأحد الكتاب المتأخرين، قد حفظت ضمن مجموعة ~~رائعة من الشعر اليوناني عرفت باسم «مجموعة بالاتين». وهي تبين ~~لنا عرضا أن العالم الوثني كان به نباتيون: # انطلق وسط جذور النبات في بستانه، # وتناول سكينا وحز رقاب الجذوع، # وقدم لنا كومة فوق كومة من طعام أخضر، # كأن ضيوفه غنم لها ثغاء، # من سدب، وخس، وبصل، وحبق، وكرات، # وفجل، و«شكوريا»، وحلبة، وجنجل، ونعناع، # وترمس مسلوق - ولم يقف عند حد. # ولما أقبلت آخرا من خوفي، # حسبت الطعام المقبل برسيما مجففا. # أما بالنسبة إلينا فإن أهم اتجاه سارت فيه الثقافة ~~الهلينستية هو الواقعية، أو الاتجاه نحو استعادة جانب من جوانب ~~الحياة الخارجية، أو الطبيعة، أو استعادة أمينة بالمجهود البشري. ~~والواقعية بهذا المعنى تتغلغل في الثقافة الهلينستية لدرجة التطرف؛ ~~لأن الصدق في هذه الدنيا يمكن في الواقع أن يساير الخيال. وفي ~~العالم الخارجي مجال فسيح أو مدى واسع من الأمثلة المحسوسة تبلغ ~~من العظمة بمقدار ما يستطيع الخيال البشري أن يحيط. والتطرف نادر، ~~وهو نادر جدا أحيانا، واستخدامه قصدا في عمل فني، وبخاصة في ~~الفنون التشكيلية، كان مما لا يرضى عنه الإغريق في العصر العظيم. ~~في حين أن استخدامه بهذه الطريقة كان مما يتفق ومزاج الإغريق في ~~العصر الهلينستي، بل لعله كان يشبعه ويرضيه. ومهما يكن من أمر فإن ~~الإغريق الهلينستيين تمادوا فصوروا كل تجعيدة في الجلد، وكل ~~زائدة، وكل نتوء. # وفي هذا العصر - على سبيل المثال - تروى حكايات عجيبة عن ~~الواقعية التي حققها كبار المصورين، وتروى قصص عن الناظرين إلى ~~الصور الذين حاولوا أن يجمعوا الثمار من الصورة أو أن يجذبوا ~~الستائر المصورة فوق الجدران. واحتلت الكوميديا ms135 الواقعية الجديدة ~~لميناندر، الذي وضع على خشبة المسرح رجالا ونساء عاديين، وجعلهم ~~يسلكون سلوك الذكور والإناث، واحتلت هذه الكوميديا مكانة الكوميديا ~~القديمة لأرستوفان، التي كانت لا تزال مرتبطة بتقاليد الطقوس التي ~~تقام في حفل ديونيسس. وقد كتب أحد النقاد المعجبين بميناندر عنه ~~هذه العبارة: «أي ميناندر ... أيتها الحياة ... إني لأعجب أيكما نقل عن ~~الآخر؟» ولم يصل إلينا من أعمال ميناندر إلا مقطوعات مجزأة، ويجب ~~أن نذكر أن العبارة السالفة بمقاييسنا فيها شيء من المبالغة؛ لأن ~~تعلق ميناندر بحكايات اللقطاء، والإغواء، وتقلبات الحظ ~~المفاجئة، ومشاهد اللقاء، يبدو لنا فيه شيء من الافتعال ~~والتكلف. # ولكنا نستطيع على وجه العموم أن نرى في هذه الواقعية الأدبية ~~والفنية شيئا مألوفا لنا. وإذا كان هؤلاء الواقعيون يجدون الواقع ~~في كثير من الأحيان كئيبا أو تافها، أو كلا الأمرين معا، فكذلك ~~كان الواقعيون في القرن التاسع عشر. وإذا كان الواقعيون أحيانا ~~يثبون من المألوف العادي إلى العجيب الرائع فنحن أيضا على علم ~~بهذا الوثب. ونستطيع أن نرى أنفسنا في رجال ونساء الفن الهلينستي، ~~أيسر كثيرا مما نرى أنفسنا في رجال ونساء فن الثقافة العظمى؛ ~~لأنهم يبتعدون عنا إلى درجة ما بما لديهم من ~~كمال - وبما لديهم من أسباب ~~النقص. وإليك جزءا من تمثيلية صامتة لثيوقريطس، وقد رددته ~~الألسن أجيالا عدة مع التعليق بأن هذا الجزء كان من الممكن أن ~~يكتب بالأمس فقط. هنا نجد جورجو، وهي سيدة من الإسكندرية، تنادي ~~صديقتها براكسينو، التي كانت في دارها مع طفلها ووصيفتها: # جورجو ~~: # هل براكسينو بالدار؟ # براكسينو ~~: # أنا هنا أخيرا يا عزيزتي، على أتم استعداد ... # جورجو ~~: # إن بلوغي هذا المكان قصة تدعو إلى العجب ... # براكسينو ~~(إلى الوصيفة) ~~: # يونو، هات للسيدة مقعدا، وأتي لها بوسادة. # جورجو ~~: # المكان مريح كما هو. # براكسينو ~~: # اجلسي هنا هنيهة. # جورجو ~~: # لماذا لا يبقى الناس في بيوتهم؟ كدت ألا أبلغ هذا المكان ~~حية ... الجمهور في كل مكان يسير بغير هدف، ومئات من الناس ~~ينتقلون في العربات ... هنا أحذية أعقابها عالية، وهناك ~~جنود، والطريق لا نهاية له ms136 ... لقد اخترت لنفسك مسكنا ~~قصيا. # براكسينو ~~: # إنه ذلك المجنون ... الذي طار إلى أقصى العالم، ثم جاء إلى ~~هنا. واختار جحرا ، ولم يختر بيتا، حتى لا نتجاور، وكل ~~هدفه - هذا الوحش الغيور - أن يفرق بيننا، وهذا طبعه، ~~وهو كذلك دائما. # جورجو ~~: # احذري يا عزيزتي في حديثك عن زوجك، كوني حريصة، وبخاصة ~~حينما يكون صغيرك بجوارك. ما أقسى نظرته إليك! ~~(إلى الطفل) # حسنا ~~يازوبريون، يا حبيبي الصغير، إنها لا تعني أباك، إن أمك لا ~~تعنيه. # إنه يلاحظ - ولا يزال الوقت مبكرا وربتي ... هل أنت في ~~انتظار أبيك الحبيب؟ # براكسينو ~~: # هذا «الأب الحبيب»، كنت ذات يوم في حاجة إلى صابون ~~وأحمر الشفاه، وطلبت إليه أن يعنى باختيارهما، فتوجه ~~إلى الحانوت، وعاد إلي هذا الأحمق، هذا الأخرق الضخم ~~الطويل، بملح! وإني لأصدقك القول ... # إن التفكير الشكلي الهلينستي يتمم الفلسفة الإغريقية. وقل ما ~~أضافوه إلى عمل الفلاسفة في عصر الثقافة الأعظم في أكبر المشكلات، ~~مشكلات الميتافيزيقا والكون. بيد أن المفكرين الهلينستيين توسعوا ~~- في مشكلات الحياة اليومية، والأخلاق - بشيء من التفصيل، وبكثير ~~من التنوع في الاتجاهات الرئيسية التي أخذوها عن الفلاسفة ~~الأولين. وتناولوا بالدرس الدقيق وفي شغف شديد الفلاسفة ~~والأدباء، واتسع مجال الفلسفة، أو أصبح على الأقل أشد وضوحا، حتى ~~إنا لنستطيع أن نقول مرة أخرى إن الغرب الحديث لا يكاد يضيف جديدا ~~على ميراثه الفلسفي الكلاسيكي. # وإذن فقد كانت هناك أولا كل صنوف الخبرات الفلسفية الأساسية ~~والفرعية، وهذا التنوع يتمثل - كما تمثل في الحكايات التي رويت ~~عن فن التصوير - في التفسير الشعبي لما كان يفكر فيه الفلاسفة. ~~وكان هناك المتشككون الذين شكوا في أنهم يشكون فيما كانوا ~~يشكون فيه. وهناك ديوجنيز الساخر، أو الفيلسوف الكلبي، الذي كان ~~يعيش في حوض، وعرفناه رجلا مر اللسان، فطنا، ثائرا على ~~التقاليد، أكثر مما عرفناه زاهدا متطلعا إلى العالم الآخر. وهناك ~~العقليون الأبرياء، أو المناطقة، الواثقون بأنفسهم، الذين كان ~~بوسعهم أن يفسروا (أو يعللوا) كل شيء، وبخاصة العقائد الدينية التي ~~نبذوها. وقد تأملوا بغير هوادة ذلك الذي نسميه الأساطير ms137 اليونانية، ~~وفسروها تفسيرا دقيقا؛ ففسر العقليون قصة أكتايون، ذلك ~~الصائد الذي التهمته كلابه؛ لأنه أساء إلى الإلهة أرتميس، على أنها ~~قصة شاب بوهيمي مسرف، استنفد كل أمواله في تربية قطيع من كلاب ~~الصيد، فانقض عليه دائنوه. # وكذلك كان للاعقليين - إذا جاز لنا أن نستخدم في حياء لفظا ~~أسيء استخدامه - من يمثلهم. ولم تحدث المبالغة في فلسفة أفلاطون ~~التي تنتمي إلى العالم الآخر، والتي نسميها في كتب الدراسة ~~«الأفلاطونية الجديدة» إلا في العصر الروماني، لا في العصر ~~الهلينستي على وجه التحديد. غير أن أفلوطين، الذي ولد في عام 204 ~~بعد الميلاد، وهو أعظم فلاسفة الأفلاطونية الجديدة، ليس إلا حلقة ~~من سلسلة طويلة من المتصوفة، وبعضهم مسيحي، وبعضهم الآخر وثني. وقد ~~كان أفلوطين يؤمن بتلك العقيدة الشائعة بين المتصوفين، وهي أن ~~الفرد إذا درب تدريبا صحيحا يمكنه أن يبلغ حالة من النشوة ~~التي «لا يدري» فيها بنفسه كحيوان، أو إنسان واع، يكتسب الخبرة ~~بحواسه. إن الروح الصافية - عند أفلوطين - يمكن بالفعل أن تخفي ~~العالم المادي في الوجود الذي هو حقيقته، وتتحد مع نور ~~الإله. # وفي هذا العصر أيضا انتهى الفلاسفة وتلاميذهم إلى تكوين جماعات ~~خاصة، تعرف بالمدارس، التي كانت تحتفظ بفكرة الأستاذ، وورثوا ~~الفكرة للأجيال التالية، بعد تحويرها تحويرا ليس منه مناص. واتخذ ~~أتباع أفلاطون اسمهم من الأكاديمي، وهو تلك الغرفة الأثينية التي ~~كان يعلم فيها. أما أتباع أرسطو فقد أطلق عليهم اسم ~~«المشائين» (أو المتحركين)، وذلك ~~على الأرجح لأنهم كانوا يمشون وهم يحاضرون ويتفلسفون. ولكن مدارس ~~الفلسفة الهلينستية التي يتميز بها هذا العهد هي تلك التي عرفت ~~بالرواقيين والأبيقوريين، وكلاهما مستمد من المدارس التي سبقتهما ~~بشكل واضح، وكلتا المدرستين تهتم بالمشكلات الكبرى التي تتعلق ~~بملاءمة الإنسان لبيئته الطبيعية والبشرية أكثر مما تهتم بالمشكلات ~~الكبرى في الميتافيزيقا، وكلتاهما فلسفة يتعزى بها الإنسان، ~~ووسيلة يتحصن بها الفرد في عالم قاس شديد. # والأبيقورية، التي تسمى باسم أبيقور، زعيم المدرسة، أصبحت منذ ~~أيام زعيمها من أكثر الفلسفات التي أسيء استخدامها. يؤمن ~~الأبيقوري بإله بعيد، ولكنه ms138 رحيم، وبحياة هادئة فوق الأرض، وبتحاشي ~~النضال والألم. وكان أبيقور يعتقد أن هدف الحياة الطيبة هو اللذة ~~(وتوصف فلسفته وما يشبهها من فلسفات باللفظة اليونانية هيدوني «أي ~~اللذة» التي اشتقت منها الكلمة الإنجليزية «هيدونزم»؛ أي مذهب ~~اللذة). واكتفى خصومه، كما اكتفى الجمهور العام بكلمة «اللذة»، ~~ففرضوا في الحال أن أبيقور قصد الانغماس في اللذة الحسية وفي كل ~~ضروب الفساد، وهذا بالذات ما لم يقصده، أو كما قال: ~~«حينما نقول إن اللذة هي الهدف وهي القصد، لا نعني ملذات الإسراف ~~أو ملذات الحس، كما يفهم بعضهم أننا نعني ذلك عن جهالة، أو تعصب ~~في الرأي، أو تفسير خاطئ مقصود. إنما نعني باللذة انعدام الألم في ~~الجسم والطمأنينة في الفؤاد، ليست اللذة سلسلة متصلة من مجالس ~~الشراب والعربدة، وليست الحب الجنسي، وليست الاستمتاع بأكل الأسماك ~~وغيرها من لذائذ الموائد المترفة التي تؤدي إلى حياة سارة. إنما ~~اللذة هي التفكير الصاحي، والبحث عن أسباب كل اختيار وكل مجانبة، ~~والقضاء على تلك العقائد التي تسيطر على النفس بسببها الجلبة ~~والضجة العظمى.» # ومن الطبيعي أن يصبح بالإمكان تطبيق الفلسفة التي ترى أن اللذة ~~هي الخير على الأمزجة المختلفة؛ فكان هناك - من غير شك - أبيقوريون ~~أشرار، ولكن يجب أن نذكر أيضا أن في كل عقيدة فلسفية رجالا ~~أشرارا. وقد مال إلى الترحيب خاصة بالأبيقورية كفلسفة، بعض أفراد ~~الطبقات صاحبة الامتياز الذين اتجهت أذواقهم نحو الفنون والشعر ~~والدراسات الهادئة، وكان يظهر بين الحين والحين أبيقوري من النوع ~~الصارم حقا، كالشاعر اللاتيني ليوكريشس، الذي يدافع دفاعا ~~حارا في كتابه «العودة إلى الطبيعة» عن الإلحاد. ولكن الطبقات ~~العليا كانت رواقية على وجه العموم - وبخاصة أولئك الذين انتهى ~~إليهم تدريجا حكم «العالم الواحد» في الإمبراطورية ~~الرومانية. # فالرواقية إذن هي أهم مجموعة من مجموعات العقائد في العالم ~~الإغريقي والروماني المتأخر، ما خلا المسيحية الناشئة بطبيعة ~~الحال. ومؤسسها زينو - الذي لم يصل إلينا من أعماله إلا شذرات - ~~كان يعلم في «ستوا بويكيل» في أثينا، ومن هذا المكان اشتق اسم ~~أتباع المذهب، وهو ms139 بالإنجليزية «ستويك»، أو أولئك الذين ينتمون إلى ~~السقيفة (أوستوا). وبتطور الرواقية إلى أسلوب من العيش أصبحت عند ~~الخاصة في الإمبراطورية الرومانية ديانة كما كانت فلسفة، ومن الجلي ~~أنها لم تسيطر كثيرا على قلوب عامة الناس في أي مكان. كانت ~~العقيدة عقيدة تقشف، ولكنها لم تكن عقيدة زهد. وكانت تقوم ~~أساسا على العقل، وتنطوي على الوعي بالمسئولية الخلقية، ولا تضع ~~أملا كبيرا في هذه الدنيا أو في الدار الآخرة. ولن نلتقي بعقيدة ~~شديدة الشبه بهذه، أو عقيدة اتسع انتشارها بين المتعلمين على هذه ~~الصورة، حتى نصل إلى الاعتقاد بالله وحده مع إنكار الوحي والنظم ~~الدينية، ذلك الاعتقاد الذي ظهر في القرن الثامن عشر. # وكان الرواقي يؤمن بإله واحد، وإن يكن قد عبده تحت أسماء عدة. ~~وكان إلها رحيما قادرا على كل شيء، يهتم بأبنائه ويريد لهم أن ~~يحيوا حياة فاضلة. أما لماذا لم يحيوا حياة فاضلة - وتلك هي مشكلة ~~الرذيلة - فقد كان موضوعا شائكا بالنسبة للرواقيين كما كان ~~لغيرهم ممن يعتقدون بوجود الله. ولكن الرواقي العادي كان يؤمن بأن ~~الرذيلة أمر لا بد من مكافحته، ومن واجب المرء أن يلبي دعوة ~~الجهاد، والحياة الفاضلة لا ~~تختلف في ممارستها عند الرواقي عنها عند الأبيقوري - البساطة، ~~والرقة، وأداء ما يطلب إلى المرء عمله في هدوء. وكذلك لا تختلف ~~الرواقية العملية كثيرا عن المسيحية العملية من الناحية الخلقية. ~~وقد أعجب الكتاب المسيحيون إعجابا شديدا بخير كتاب أخرج في ~~الرواقية، وهو «التأملات» للإمبراطور ماركوس أوريليس. ولكن ~~الرواقية لم تتحول قط إلى كنيسة أو إلى منظمة إكليريكية، ولم ~~يكن لها قط مجموعة رسمية من العقائد. غير أن ما قدمته ~~للإمبراطورية الرومانية كان جليلا؛ فإن أكثر الرجال الذين أقاموا ~~صرح هذه الإمبراطورية كانوا رواقيين - لم يكونوا مؤمنين مذهبيين، ~~ولم يكونوا مفكرين متزمتين، ولم يكونوا ممن يؤلفون الكتب وإنما ~~كانوا رجالا الرواقية عندهم أسلوب من أساليب العيش. ثم إن ~~النظرة الرواقية العقلية إلى المساواة بين الناس كانت - كما سوف ~~نرى في القسم الآتي - جزءا أساسيا من المواطنة الدولية ms140 في ~~الإمبراطورية. # وفي كل هذه النظم الأخلاقية، بل وفي كثير من ثقافة العهد الفنية ~~والأدبية، تستطيع أن تلمس عنصر التهرب؛ فإن الحياة الطيبة عند ~~الأبيقوري والرواقي على السواء يمكن أن تعني - بل لقد عنيت فعلا ~~بكل وضوح في أواخر عهد الإمبراطورية - بالنسبة إلى كثير من الرجال ~~المهذبين، تجنب الأمور المبتذلة، وتجنب عرق النضال ~~وقذارته، والتراجع إلى شيء يشبه العالم الآخر الصوفي الذي لمسناه ~~عند أفلاطون وأفلوطين. إن شعارات المدارس الأخرى قد توحي بالهروب ~~بدرجة أوضح - مثل الراحة عند المتشككين، و«الاكتفاء الذاتي» عند ~~الكلبيين المتشائمين. ولكن عنصر التهرب لا ينبغي المبالغة فيه، ~~وبخاصة بالنسبة للرواقيين؛ فإن أساليب العيش هذه التي نادوا بها ~~لم تكن متطرفة، ولم تكن مدعاة إلى الحيرة، كما عبر عنها الأدب - ~~وذلك على الأقل عندما تسربت هذه الأساليب إلى عقول عامة ~~المتعلمين. وبين هذه الأساليب شيء مشترك، وهو أنها تميل إلى قبول ~~العالم، لا كما هو، وإنما كشيء لا يمكن تعديله كثيرا على وجه ~~الإجمال، وهي تحاول أن توفق بين الفرد وبين قبوله في تواضع ~~وكرامة لما أتى له به «الله»، أو الآلهة، أو «القدر»، أو «العناية ~~الربانية». وليس هذا القبول سلبيا إلى آخر حد؛ فالفرد - والرواقي ~~خاصة - يؤدي واجبه في زمانه ومكانه، ويعاون معاونة إيجابية على ~~استمرار هذه الدنيا في مسيرها. والواقع أنه لم يعبر عن وجهة ~~النظر هذه في إيجاز مثلما فعل رجل فرنسي بعد ذلك بنحو ألفي عام: ~~وذلك هو فولتير الذي كان بالإمكان أن يكون من الإغريق المتأخرين ~~مثل لوشيان، عندما أنهى روايته «كانديد» بهذه العبارة: «لا بد أن ~~نزرع حديقتنا.» # العنصر الروماني # عندما حل القرن الثاني قبل الميلاد كانت سلسلة الحروب الدولية ~~العظمى التي بدأها الإسكندر الأكبر قد انتهت بانتصار إحدى القوى ~~العليا المتنازعة، وتلك هي المجموعة الرومانية. ثم كان قرن آخر من ~~الاضطراب عندما اختلف فيما بينهم قادة الجمهورية: يوليوس قيصر، ~~وبومبي، ومارك أنتوني، وأغسطس، وغيرهم، فيما كان من وجهة نظر ~~المؤرخ محاولة صادقة لتطبيق أداة دولة واحدة على حكم العالم ~~بأسره. ms141 وقد تم هذا التطبيق في عهد أغسطس، وعند بداية العصر ~~المسيحي تقريبا ظهر في الوجود ما نسميه الإمبراطورية الرومانية. ~~ولنحو أربعة قرون بعد ذلك أصبح مجتمعنا الغربي، من بريطانيا وغربي ~~ألمانيا إلى مصر وبلاد النهرين، وحدة سياسية، هي العالم الواحد ~~الروماني. ولم يكن هذا العالم في سلام كامل بأية حال، بل كانت ~~الحروب الأهلية بين المتنازعين على العرش الإمبراطوري كالوباء ~~المتوطن في بعض الأحيان. وكان هناك ضغط مستمر في القرون المتأخرة ~~من البرابرة الجرمان المهاجرين. أما في الشرق فقد كان الفرس ~~والبارثيون - وهما لم تكونا قط من الدول الكبرى - مستقلتين برغم ~~ذلك، وخطرا دائما يهدد الإمبراطورية. ومع ذلك فقد ساد السلام ~~على رقعة من الأرض أكبر من أية رقعة أخرى استمتعت منذ ذلك ~~التاريخ بمثل هذا السلام في مجتمعنا الغربي، وبخاصة في عصر ~~الأنطونيين الذي يمتد بين عام 96 بعد الميلاد وعام 180 بعد ~~الميلاد. # وقد بدأت روما ذاتها كمدينة حكومية أخرى بناها شعب يتكلم ~~اللاتينية، وهي لغة أوروبية هندية. وربما كانت تتألف من أجناس ~~مختلطة كما كان الأيونيون في أتيكا. وليس من شك في أن روما تدين ~~بشيء من عظمتها لموقعها الجغرافي؛ إذ كانت تقع فوق تلال في موقع ~~حصين على بعد بضعة أميال من مصب نهر تيبر، وهو أهم الأنهار في ~~غربي إيطاليا. وربما كانت مدينة إلى ظهورها في فترة متأخرة على ~~مسرح السياسة الدولية، وقتالها المعركة الأخيرة وهي في عنفوانها ~~نسبيا. ولا ينفي هذا أن روما قد دفعت إيطاليا الموحدة إلى ~~القتال. وبمعنى آخر، حلت روما المشكلة التي عجزت أثينا وإسبرطة ~~وكل وحدة إغريقية أخرى عن حلها، وهي مشكلة تجاوز المدينة الحكومية. ~~كانت إيطاليا الرومانية عندما حل القرن الأول قبل الميلاد وحدة ~~أرضية عظمى على الأقل - إن لم تكن حكومة قومية بالمعنى الحديث - ~~ذات مواطنة عامة، وقوانين عامة، ومصلحة مشتركة بين أجزائها ~~(كومنولث)، ولم تكن مجرد دولة استبدادية. ولا تزال الأعمال ~~السياسية والقانونية التي قام بها الرومان أشد ما يلفت النظر ~~إليهم، حتى عند مؤرخ الفكر. # ومن ms142 لغو القول أن نقول إن ثقافة الرومان الفلسفية والأدبية ~~والفنية مستمدة من الإغريق. ويعرض الموضوع بعضهم في صورة أقوى ~~فيقولون بأنهم «قلدوا » الإغريق. ومع ذلك فإن مجموع الكتابات ~~اللاتينية الوثنية، والأمثلة الباقية من الفن الروماني، يستحق أكثر ~~من تلخيص مخل؛ ذلك أنه حتى عام 1450م على وجه التقريب كان الميراث ~~الإغريقي المباشر مجهولا لنا في الغرب، وكانت روما لغرب أوروبا ~~كله الناقلة الكبرى للثقافة اليونانية. وهي من هذه الزاوية وحدها ~~ذات أهمية عظمى في تاريخ الحضارة. وإذا كنا نفتقد في الفلسفة ~~الشكلية أية كتابة لاتينية ممتازة (وقد كتب الإمبراطور ماركوس ~~أورليس باليونانية) فقد كان الأدب اللاتيني، لاتينية فرجيل، ~~وشيشرون، وتاسيتس، وكاتلس، وأضرابهم، من أروع آداب العالم، لما ~~تدين به للإغريق بالذات. كان أدبا له ذوقه الخاص، ولكتابة ~~شخصياتهم الخاصة. # والتعميم في مثل هذه الأمور - كما ذكرنا من قبل - لا يحتمل ~~الصياغة العلمية؛ فإن أولئك الذين يحاولون وصف الروح الروماني، ~~والأسلوب الروماني، يختلفون كما يختلف أولئك الذين يحاولون أن ~~يصفوا ما هو أمريكي، وما هو فرنسي، وما هو روسي، ومن اليسير أن ~~نقول إن الثقافة الرومانية أكثر من الثقافة اليونانية واقعية، ~~وتسبقها من الناحية العملية، ومن اليسير أن نقول إنها أقل شغفا ~~بالسير نحو ما يمكن معرفته في النهاية - أو ما يمكن تصوره - في ~~الكون، ومن اليسير أن نقول إن الثقافة الرومانية، هي الثقافة التي ~~تلائم شعبا استطاع أن يرتفع من توفيق إلى توفيق حتى حكم ~~العالم. لو قلنا ذلك لكنا في كل ما نقول صادقين. واللاتينية - ~~برغم كل شيء - حتى باعتبارها لغة، أشد ألفة من اليونانية. # ولكن الكتاب اللاتين لا يصرون دائما بأية حال من الأحوال على ~~مكانتهم. وهم إن لم يستطيعوا أن يتسنموا الذرى، يستطيعون أن يسبروا ~~الأغوار. وكان كاتلس - وهو من أقدم الشعراء اللاتين - يكشف عن ~~نفسه في صراحة كأي أديب رومانتيكي في القرن التاسع عشر. والسخرية - ~~وهي تعبير عن نوع من أنواع الاشمئزاز الخلقي - في أيدي اللاتين ~~أرقى منها في أيدي الإغريق. وكان الروماني يستطيع أحيانا أن ms143 يندفع ~~نحو حياة الفحش والتطرف، والفجور - شأنه في ذلك شأن الكثيرين غيره ~~من الرجال العمليين ذوي العقول القوية. وهذه البذاءة - بذاءة العيش ~~في ثكنات عسكرية - تنعكس انعكاسا مباشرا في كثير من الكتابات ~~اللاتينية، وتنعكس بطريق غير مباشر في صدود رجال الأخلاق ~~عنها. # ولكن الروح الرومانية في أحسن حالاتها - كما يعبر عنها الأدب - ~~تبلغ درجة عظيمة من الوقار، كما يتبين في فرجيل - وإن تكن هناك ~~على الأقل أقلية تجد هذا الوقار الروماني ثقيلا، جافا، مملا، ~~كما يحدث دائما في مثل هذه الأمور، وليس طلاب المدارس وحدهم هم ~~الذين يجدون شيشرون ثقيلا متكلفا. وإنك لتستطيع - على أية حال - ~~أن تجمع مما خلف الرومان من أدب جانبا كبيرا من الحكمة ~~المتعلقة بالكائنات البشرية؛ وذلك لأن الرومان وجهوا اهتمامهم ~~إلى السلوك البشري أكثر مما وجهوه إلى الميتافيزيقا، أو علوم ~~الدين، أو العلوم الطبيعية. وبعض هذا الأدب حديث بدرجة مذهلة، مثل ~~ذلك الذي قاله كاتلس عن لزبيا «إنني أحب وأكره»، وبهذه العبارة كان ~~سباقا لجانب كبير من الأدب الحديث الذي يتصل بالثنائية ~~السيكولوجية. ثم إن الروماني - كرجل من رجال الأخلاق يبدو لبعض ~~النقاد عاديا وواعظا - كما كان سنكا على سبيل المثال - أو ~~أرستقراطيا زائدا في نضجه - كما كان هوراس مثلا. # أما في الفنون التي تتعلق بالأشياء أكثر مما تتعلق بالألفاظ، ~~فقد بلغ الرومان أعلى مستوى لهم في المنشآت العامة التي صممت ~~لاستغلالها دنيويا. كانت معابدهم، مثل «ميزون كاري» في نيم جنوبي ~~فرنسا، الذي حوفظ عليه محافظة شديدة، مصممة على الطراز الإغريقي ~~إلى حد كبير، ولكن المهندسين الرومان طوروا القوس بصورة لم ~~يعرفها الإغريق. واستطاعوا أن يقيموا القنوات فوق القناطر، وملاعب ~~السرك، والملاعب الكبرى، والقاعات العامة الفسيحة، التي كانوا ~~يسمونها «الكنائس المستطيلة». وربما كانت بقايا القناطر - وتوجد ~~منها واحدة كذلك تدعو إلى الإعجاب قريبا من نيم، تعرف باسم قنطرة ~~دي جار - هي اليوم أشد الآثار المرئية تأثيرا، التي تدل على ~~عظمتهم، وهي أمثلة رائعة لفن العمارة الذي تقصد منه المنفعة. وقد ~~أقام الرومان هذه القنوات المقوسة ms144 العظيمة عبر الأودية، لا ~~لجهلهم بقواعد «السيفون» أو ضغط الماء، وإنما فعلوا ذلك لأنه لم ~~يكن بوسعهم أن يصنعوا المواسير التي تحمل تحت الضغط كمية كبيرة من ~~الماء بتكاليف زهيدة. # أما في فن النحت، وربما في فن التصوير أيضا، فقد كان الرومان ~~مقلدين للإغريق مباشرة. ولا يشذ عن هذه القاعدة إلا سلسلة ~~التماثيل النصفية التي بقيت لدينا من العصر الروماني المتأخر - وإن ~~كان الإغريق الهلينستيون قد أغرموا بالواقعية في النحت كذلك. ~~وكانت هذه التماثيل - بطبيعة الحال - لرجال من ذوي المراتب ~~العليا، كالأباطرة وأعضاء مجلس الشيوخ وكبار ملاك الأراضي. أما ~~عامة الناس فلا يمثلون بالحجر. وكان حكام العالم الروماني هؤلاء ~~رجالا جذابين، ضخام الجسوم غالبا، أكتافهم عريضة، صلع في كثير من ~~الأحيان، لا يشبهون كثيرا الذكور الإغريق المنحوتين في الحجر في ~~عصر بركليز، وإنما كانوا رجالا من الواضح أنهم يعرفون كيف يشقون ~~طريقهم في هذه الحياة. وهم في الواقع كمجموعة يشبهون شبها عجيبا ~~صور رجال الأعمال ورجال السياسة الأمريكيين الناجحين. # إن أية مجموعة أمريكية من هذه المجموعات لا بد أن تشمل بعض رجال ~~القانون، وكذلك كانت أية مجموعة رومانية؛ فقد كان أكثر رجال ~~الأعمال الرومان على شيء من المعرفة بالقانون. والواقع أن ما نربطه ~~أولا بروما الوثنية ليس أدبها، أو حتى هندستها، وإنما هو صنعهم ~~للقانون الروماني. والحق أن هذا القانون لم يمت قط، وإنما هو ~~باق على صورة من الصور في النظم القضائية الحية في المجتمع ~~الغربي خارج البلاد التي تتكلم الإنجليزية، وحتى في هذه البلاد ~~التي تتكلم الإنجليزية كان للتشريع الروماني أثر كبير في صياغة ~~النظام القضائي الحديث. وإن كنت إلى الناحية العملية أشد ميلا ~~منك إلى الناحية الجمالية أو الفلسفية فإنك تحس أن روما ~~بقانونها وهندستها خدمت حضارتنا أكثر مما فعل الإغريق ~~اللامعون. # إن كلمة «القانون» - بخاصة في اللغة الإنجليزية - تؤدي عدة ~~معان، وهي من نوع الألفاظ الذي يهم علماء المعاني؛ فهي لا تستخدم ~~فقط في المتشابهات في ميادين العلوم - كقانون الجاذبية مثلا - ~~ولكنها في اللغة العادية كذلك ms145 اللفظ الوحيد لما تدل عليه في أكثر ~~اللغات الغربية الأخرى لفظتان: «القانون» و«الحقوق» بالفرنسية، وما ~~يماثلهما في الألمانية واللاتينية. نعم إن بالإنجليزية اصطلاحا ~~للقانوني المحترف يدل على «العدالة»، وهو اصطلاح نشأ في إنجلترا ~~نتيجة لمحاولة مقصودة لعلاج المظالم التي قد تترتب على التطبيق ~~الحرفي الصارم للقانون. واللفظة الأولى من اللفظتين الفرنسيتين، أو ~~الألمانيتين، أو اللاتينيتين، تدل على القانون بمعنى القاعدة ~~الحقيقية التي تطبقها السلطات القضائية، واللفظة الثانية تدل على ~~القانون بمعنى القاعدة السليمة من الناحية الخلقية. واللفظة ~~الإنجليزية ل «العدالة» هي محاولة تعديل اللفظة الأولى بالرجوع إلى ~~الثانية. وهذان الضربان (أو هاتان الفكرتان) من القانون، يكادان ~~يتطابقان - على وجه العموم - عند الأفراد الراضين في المجتمع. أما ~~الأفراد الساخطون فيميلون إلى التفرقة بينهما. وأقول بهذه المناسبة ~~إن أداء لفظة «قانون» في اللسان الإنجليزي والأمريكي للمعنيين معا ~~ربما جاء عرضا، وقد يدل على «جمود عقلنا»، ولكنا من الناحية ~~العملية ندرك تمام الإدراك الفرق الكائن في القانون «كما هو» وفي ~~القانون كما ينبغي أن يكون. # وكذلك كانت بشكل واضح كل الشعوب القديمة التي تعرضنا لها ~~في هذا الكتاب. والواقع أنه من الراجح أن أكثر الشعوب بدائية ~~تفرق بين الظروف القائمة والظروف المستحبة، وهذا التمييز هو من ~~الناحية السيكولوجية الفارق الأساسي البسيط الذي بحثناه، ولكنا - ~~دون أن نتعمق مشكلات فلسفة القانون المعقدة - نجد فارقا آخر يتصل ~~بما نحن بصدده، وهذا الفارق يبين بصورة أكمل صفة الابتكار في ~~القانون الروماني بشكله الناضج، وأهمية هذا القانون. قد ينظر إلى ~~«القانون» نظرة تقديس حتى تتعلق جميع تطبيقاته العملية بذلك ~~النوع من القانون الذي يستهدف «ما ينبغي أن يكون». ومثل هذا ~~القانون يمكن كسره في عالم «الكينونة»، ولكنه في مثل هذه الظروف ~~في نظر الرجل البدائي ينكسر بالمعنى الذي نفهمه من كسر قانون ~~الجاذبية - وهنا يجب على الأمريكي الحديث أن يستخدم خياله لكي يفهم ~~الشعوب البدائية. ويستطيع المرء أن يقفز من فوق سطح في محاولة كسر ~~قانون الجاذبية، غير أن المحاولة بطبيعة الحال لا يمكن أن تنجح. ~~ويستطيع ms146 اليهودي البدائي أن يمس تابوت العهد بالرغم من أن قانون ~~يهوه يحرم عليه ذلك، ولكنه يهلك بطبيعة الحال لتوه إن هو حاول ذلك. ~~ف «القانون» إذن من هذه الناحية شيء يسمو على قدرة التفكير البشري، ~~شيء أوحي به أو وجد، لم يصنعه البشر، ولكنه كامل، لا يتغير، ~~وهو شيء مطلق. # هذه المشابهة التي ذكرناها آنفا بين القانون الموحى به، ~~والشريعة الموسوية مثال معروف له، وقانون الجاذبية كما يفهمه ~~أكثرنا هذه المشابهة - كأكثر المشابهات - لها نقائصها المنطقية، ~~ولكنها نافعة من الناحية السيكولوجية، ويمكن أن نتابع السير فيها ~~قليلا للانتفاع بها. قد يطرأ على ذهنك من يتحدى الجاذبية «وقد ~~يكون مزودا بالباراشوت» (أو بالبالون أو الهليكوبتر). إنه في هذه ~~الحالة «لا يكسر» أو يتحدى قانون الجاذبية، ولكنه على الأقل ~~«يتحايل عليه» بطريقة ما، أو قل إنه يطبقه على أغراضه. وكذلك - ~~من وجهة نظرنا الحديثة على الأقل - فإن الرجال الذين وكل إليهم ~~حكم هذه المجتمعات القديمة تحت «القانون الموحى به» فعلوا شيئا ~~من هذا القبيل بهذه المجموعة من الأحكام الجليلة المطلقة؛ فقد ~~تحايلوا عليها واخترعوا ما نسميه (لا ما يسمونه هم) الشكل ~~القانوني. لقد قاموا بالفعل بشيء جديد، شيء مختلف، شيء من ~~المواءمة، ولكنهم استخدموا الأشكال القديمة، والألفاظ القديمة، ~~والوسائل القديمة «الصحيحة»، يقول القانون لا يفعل كذا وكذا إلا ~~الابن. ولم يكن لسمبرونيس ابن، ولكنه يستطيع أن يتخذ له بالتبني ~~ولدا، ويزعم أن ابن غيره هو في الحقيقة ابنه. ثم يؤدي طقوسا ~~معينة، فيكون له ولد يقوم بالأعمال التي ليس لغير الابن أن يقوم ~~بها. إنه بذلك لا يتحدى القانون، ولكنه يتحايل عليه قطعا. وليس ~~هذا الضرب من السلوك معدوما بأية حال من الأحوال حتى في المجتمعات ~~الحديثة كما قد يظن بعض العقليين منا. # ومع ذلك فقد ألفنا نحن المحدثين أن نحسب أن القوانين إن هي إلا ~~تنظيمات لتيسير المعاملة في العلاقات الإنسانية، فإن أردنا أن نقوم ~~بعمل جديد، فمن عادتنا أن نفسح قانونا قديما ونضع قانونا ~~جديدا. ولدينا في التعديل الثامن عشر ms147 والحادي والعشرين للدستور ~~الأمريكي مثال طيب. ويبدو أن اليهود، والإغريق، والرومان، جميعا ~~قد بدءوا بفكرة القانون الموحى به الذي لا يتغير، ولكنهم حوروا ~~هذا القانون من الناحية العملية. أما إلى أي حد كان زعماؤهم - ~~وبخاصة في الأزمنة القديمة - يدركون ما هم فاعلون، وإلى أي حد ~~كانوا بالفعل يزعمون أنهم يتبعون القانون في حين أنهم في واقع ~~الأمر لا يتبعونه - أما هذا فهو أمر شائق ولكنه شائك. ويجوز لنا أن ~~نتغاضى عنه هنا. # وقد تجاوز الرومان بصورة أوضح عما فعل أي شعب قديم آخر مرحلة ~~تحوير قوانينهم مع الزعم بأنهم لا يقومون بأي تحوير. وعندما حل ~~العصر الإمبريالي كان القانون الروماني في الواقع مجموعة من ~~القواعد المذهبية المعقدة اعترف المشرعون أنفسهم أن لها مصادر ~~متعددة، أساسها قوانين الجمهورية، معدلة باللوائح، وأحكام ~~القضاة، وتفسير الخبراء الباحثين، والقرارات الإمبراطورية - أو ~~المراسيم - منذ عهد أغسطس. تغير القانون بشكل واضح، وكان لا يزال ~~يتغير. وأدرك الناس إدراكا تاما ما نستطيع أن نسميه اليوم ~~الأساس الاجتماعي للقانون، تقريبا في الوقت الذي توقف فيه عن ~~النمو القانون الروماني - في صورته الأولى ومداه الأولي. وقد تمت ~~في «الشرق» أعظم صياغة قانونية - وهي التي أنجزت تحت حكم ~~الإمبراطور جستنيان في القرن السادس بعد الميلاد - قبيل حلول ~~العصور المظلمة «بالإمبراطورية الشرقية». أما التطوير الآخر ~~للقانون الروماني، وتطبيقه على الكنيسة المسيحية، وعلى المجتمعات ~~الأوروبية في العصر الوسيط والعصر الحديث، فقصة أخرى. # لقد جعل الرومان أولا القانون شيئا حيا ناميا، يطبقه رجال ~~القانون عن وعي على المطالب البشرية المتغيرة. وكذلك يرجع إليهم ~~الفضل في عمل آخر يتصل بهذا الصدد. لم يكن القانون عند الشعوب ~~الأولى، عند اليهود على سبيل المثال، مجرد مجموعة من القواعد ~~السماوية، كاملة لا تتغير، إنما كان مجموعة من هذه القواعد التي ~~وضعت لهم دون غيرهم؛ فليس لأحد غير اليهودي أن يطيع الشريعة ~~الموسوية. ولا يحاكم طبقا لقانون أثينا إلا الأثيني. وقد رأينا ~~أن الأنبياء اليهود قد ارتفعوا إلى تصور إله - يهوه، وقانون ~~سماوي، يشترك فيه الناس أجمعون. وكذلك ms148 استطاع الإغريق من الناحية ~~الفلسفية - حتى عندما بلغت المدينة الحكومية أوجها - أن يتصوروا ~~بشرية تتجاوز التمييز بين الإغريق والبرابرة. أما الرومان - بصفة ~~خاصة - فقد فعلوا شيئا من هذا القبيل لا بالمعنى الفلسفي أو ~~الديني، ولكن بطريقة عملية؛ «ذلك أنهم نقلوا قوانينهم إلى غيرهم من ~~الشعوب». # والظاهر أن روما - تلك المدينة الحكومية الصغيرة القائمة على ~~سبعة تلال على ضفاف التيبر - كانت لها في أول الأمر قوانينها ~~السماوية الخاصة بها وحدها دون سواها. وكانت هذه القوانين امتيازا ~~وملكا للمواطنين الرومان مولدا. ولم يمد الرومان قاعدة ~~المواطنة الرومانية إلا تدريجا. وكان حكامهم - مستعينين في حذر ~~بمجلس الشيوخ - يمنحون المواطنة الرومانية للأفراد الأجانب الذين ~~يحبون أن يضموهم إلى جانبهم، ثم للمجتمعات، وأخيرا لمساحات أفسح. ~~وفي وقت مبكر اخترعوا نوعا من المواطنة الوسط، وهي اللاتينية، ~~التي كان صاحبها يشترك في الامتيازات التجارية النافعة وما إليها، ~~ولا يشترك في الامتيازات الشخصية، والسياسية، وشبه الدينية، التي ~~يتمتع بها المواطن الروماني الكامل. وفي الفترة التي تقع بين عام ~~500ق.م وعام 100ق.م، التي كان يتشكل فيها الرومان قطعا، فلم يكن ~~ذلك كله يتم طبقا لنظرية مقصودة تستهدف توسيع رقعة السيادة ~~السياسية، أو على غرار طريقة الأمريكان في اكتساب المواطنة ~~بالتجنس - بمنح الجنسية الرومانية قصدا. # وقد وسع من المواطنة الرومانية، ومن الحكم الروماني عامة، رجال ~~أعمال حاولوا أن ينجزوا أمورهم بتخفيف التوتر، والشد والجذب، ~~بين شعوب كثيرة. ولما حل الوقت الذي واجهت فيه روما المنازعات ~~الدولية في السنوات القليلة الأخيرة قبل الميلاد، كان لديها ما لم ~~يكن لدى أية مدينة حكومية إغريقية، رقعة أرضية ممتدة، حكمها فيها ~~مقبول، وقانونها فيها سائد. ويدل على بطء عملية التوحيد السياسي ~~هذه أنه، حتى في عام 90 قبل الميلاد - وهو وقت متأخر - ثار على ~~روما حلفاؤها الإيطاليون، لأسباب لا تختلف كثيرا عن الأسباب التي ~~ثار من أجلها حلفاء أثينا عليها في القرن الخامس. وقد هزمت روما ~~الثوار في الميدان - ثم أعطتهم ما يريدون؛ المواطنة الرومانية ~~الكاملة. وفي النهاية أصبح كل الأحرار مولدا، كما أصبحت ms149 كل الشعوب ~~المختلطة من بريطانيا إلى سوريا، مواطنين رومانيين تحت حكم ~~الإمبراطور كراكلا. وبالرغم من أن الرومان كان لديهم قانون متقدم ~~للحكم بالنيابة ، إلا أنهم لم يفيدوا قط من هذا القانون من ~~الناحية السياسية، ولم تكن لديهم مجالس تمثيلية؛ إذ كان لا بد ~~للمواطن الروماني من أن يقطن روما لكي يكون له حق التصويت. ومن ~~الطبيعي أن تحكم الدولة الرومانية العالمية بواسطة الإمبراطور، ~~والبيروقراطية، والجيش. والواقع أن المواطنة في عهد كراكلا لم ~~تعن إلا القليل من الناحية السياسية. # وما زلنا بحاجة إلى قاعدة عامة أخرى بشأن القانون الروماني. ~~لقد وصفنا هذا القانون بأنه شيء تام، وأنه لم يكن ثمرة للتفكير ~~المجرد، وإنما كان ثمرة للحاجات العملية لشعب لم يتجه كثيرا نحو ~~التفكير المجرد. وما ينبغي لنا - برغم ذلك - أن نحسب أن القانون ~~الروماني هو من إنتاج قوم غير مفكرين، انتهازيين يغتنمون الفرص، ~~رجال معادين للمنطق، فخورين بالمسير العشوائي. إنما كان القانون ~~الروماني - على نقيض ذلك بشكل واضح - ثمرة أجيال من التفكير ~~المنطقي الصارم. وأهم من ذلك أن رجال القانون لم تغب عنهم قط ~~فكرة المثل الأعلى، وفكرة القانون «كما ينبغي أن يكون» - وأعني ~~بإيجاز فكرة العدالة، وهي (بالإفرنجية) لفظة لاتينية، ولكنهم لم ~~يستطيعوا في العالم الروماني المعقد الذي جاء في عهد متأخر أن ~~يحتفظوا بالعقيدة الساذجة القديمة بأن الآلهة قد أوحوا مباشرة ~~بقانون العدالة. ولما كانوا قوما عمليين، معقولين، تعودوا حمل ~~المسئولية، فقد كان لا بد لهم من الإيمان بالعدالة. ولم يكن بوسعهم ~~أن ينظروا إلى العدالة كفكرة نبيلة، ولكنها فكرة مجردة غير واقعية، ~~أو أن المرء يستطيع أن ينصرف عنها، أو أن الحق هو القوة. إن ما ~~فعلوه هو أنهم وضعوا الطبيعة مكان الآلهة. اخترعوا فكرة «القانون ~~الطبيعي» التي لعبت دورا هاما في كل ما جاء بعد ذلك من تفكير ~~سياسي. # والقانون الطبيعي بهذا المعنى ليس وصفا عاما لما يجري فعلا ~~في هذه الدنيا الطبيعية، دنيا خبرتنا الحسية. وهو ليس قانونا ~~طبيعيا بمعنى أن قانون الجاذبية قانون طبيعي. إنما ms150 هو تحديد ~~ووصف للعالم «كما ينبغي أن يكون». ومع ذلك فإن لفظة «ناتورا» (أو ~~الطبيعة) باللاتينية، ومقابلتها «الفيزيقا» بالإغريقية، تحمل ~~بالتأكيد الدلالة على الموجود، على ما يكون في الزمان والمكان، على ~~«هذه» الدنيا. وربما كان من بين الأسباب الكبرى لنجاح فكرة القانون ~~الطبيعي هو أنها، وإن كانت في الواقع فكرة من العالم الآخر، فكرة ~~مثالية، إلا أنها تشير إلى هذه الدنيا في ثبات يجعلها فكرة عملية، ~~وليست فكرة خيالية قط. إن الطبيعي ليس طيبا فحسب، إنما هو ممكن ~~جدا أيضا. # وقد تسربت إلى المعنى الخاص للقانون الطبيعي كما تطور في العالم ~~الإغريقي الروماني اتجاهات فكرية وتجريبية مختلفة متعددة، وكانت ~~الفكرة الكلاسيكية الناضجة عن القانون الطبيعي - بشكل ما - إحدى ~~النواحي الناجحة التي امتزج فيها التفكير الإغريقي بالتفكير ~~الروماني. # وأبسط هذه الاتجاهات الفكرية ما اتجه إليه المشتغلون بالقانون في ~~روما، وقد رأينا أن الدولة الرومانية مدت حق المواطنة - أو جزءا ~~من هذا الحق - في وقت مبكر إلى أفراد وجماعات متعددة. وبقيت بعض ~~هذه الجماعات - مع ذلك - أجنبية في الواقع وإن كانت محالفة، وسرعان ~~ما تولدت عن التعامل التجاري بين هؤلاء الأفراد ذوي الأوضاع ~~المختلفة مشكلات عرضت للحكم فيها أمام المحاكم الرومانية، ولم ~~يستطع رجال القانون تطبيق القانون الروماني تطبيقا كاملا، ذلك ~~القانون الذي كان لا يزال حقا، أو احتكارا شبه ديني، للمواطنين ~~الرومان الخالصين وبيد أن المتخاصمين - وقد يكون أحدهما من نابلي ~~والآخر لاتيني - قد نشآ في ظل قانونين مختلفين. فكان ما يفعله ~~القاضي الذي ينظر في أمثال هذه الأمور هو أن يحاول أن يجد حكما ~~عاما، أو نوعا من المضاعف البسيط في كل هذه القوانين والعادات ~~والتقاليد المحلية؛ فالاتفاق التجاري في مكان ما قد يعني مجموعة ~~الصيغ التي يجب تنفيذها، وقد يعني في مكان آخر مجموعة أخرى من ~~الصيغ مختلفة عنها كل الاختلاف. ولكن ما هو المشترك بين الاتفاقين، ~~وماذا وراءهما كليهما، ما هو الاتفاق الذي يصلح في المكانين معا؟ ~~هذه هي الأسئلة التي وجهها رجال القانون الروماني إلى أنفسهم. ~~وعند ms151 الإجابة عنها انتهوا إلى ما أسموه قانون الشعوب، الذي يتميز ~~عن القانون الروماني الصحيح. # وقد انتهوا إلى هذا القانون الدولي العملي، إلى هذه الأحكام للبت ~~في القضايا التي تنشأ بين أفراد من مواطن مختلفة، أو من وحدات ~~سياسية مختلفة، بالموازنة بين القوانين الوطنية، أو المدنية، أو ~~القبلية، القائمة ومحاولة إيجاد المشترك بينها. وفعلوا ذلك بنوع ~~من التفكير ينطوي على التصنيف طبقا لمميزات «مستخلصة» من الكليات ~~الحية المحسوسة التي بدءوا منها. ولم تكن القوانين التي وازنوا ~~بينها شديدة التشابه باعتبارها كليات تخضع للممارسة. وإن كنت على ~~معرفة يسيرة بعلم النبات أدركت أن ما فعلوه يشبه كثيرا ما يفعله ~~العالم بتصنيف النباتات التي يقل بينها التشابه، كالتوت والورد، ~~والتفاح، والأعشاب المتسلقة، أعضاء في الواقع من أسرة واحدة، هذا ~~الضرب من التفكير في التصنيف والتبويب نوع شائع من التفكير، ~~يستخدم على مستويات مختلفة من الإدراك العام إلى العلوم. # وإلى هذا الحد لم يفعل رجال القانون الرومان أكثر من إخراجهم ~~أداة نافعة في البت في القضايا القانونية التي تشتبك في نظم ~~قضائية مختلفة. لم يفعلوا في الواقع أكثر من أنهم مدوا إلى النظم ~~المختلفة ما قاموا به بالنسبة إلى الأحكام القانونية المختلفة ~~المتعارضة داخل نظامهم الخاص. إلا أنهم لم يكن بوسعهم إلا أن يحسوا ~~أن «قانون الشعوب» المستحدث كان أكثر «عالمية» بشكل ما، وأكثر ~~كمالا، وأشد صلاحية لجميع الناس، من النظم المحلية المنفصلة التي ~~بدءوا منها. وهنا تدخل الفلاسفة الإغريق - وبخاصة الرواقيون - ~~ليعاونوهم، ويحولوا قانون الشعوب إلى «القانون الطبيعي». # ذلك لأن الرواقيين كانوا ~~قد توصلوا إلى نوع من العالمية الأرستقراطية التي تؤكد ما عند ~~الناس من قدر مشترك يقابل ما بينهم من خلاف ظاهر، وما يلاحظه ~~الرجل العادي، غير الحكيم - كما يرى الرواقيون - هو المظهر المختلف ~~في هذه الدنيا وسكانها من بني آدم. أما ما يلاحظه الرواقي الحكيم ~~فهو الوحدة الكامنة في كل خلق الله. إنه يرى الدائم، ولا يرى ~~المؤقت أو العارض. والطبيعة تخدع غير الحكيم فتحمله على الظن بأنها ~~متغيرة، متقلبة، متعددة ms152 الجوانب، والطبيعة في الواقع عند أولئك ~~الذين يستطيعون التغلغل في أسرارها، منتظمة، مرتبة، موحدة، لا ~~تناقض فيها. ويرى الفيلسوف الرواقي أن «قانون الشعوب »، وهو القانون ~~الدولي الشائع بين كثير من الأمم أقرب إلى الطبيعي من القوانين ~~المنفصلة المتعددة، ومن نظم المدن، والقبائل، والأمم، وقد أمسى ~~«قانون الشعوب» عند الطبقات الحاكمة في العالم الروماني، الذين ~~نشئوا على دراسة القانون والأفكار الرواقية على السواء، نمطا ~~معينا ل «القانون الطبيعي»، ولكنه لم يتحقق قط تحقيقا ~~كاملا. # وجدير بنا ألا نغفل أن العام، والعالمي، و«الطبيعي» الذي ينشده ~~رجل القانون أو الفيلسوف لا يعني بالضبط ما يعنيه أكثرنا ~~ب «المتوسط» أو «الأكثر شيوعا». وكثير من النقاد المعادين لرجال ~~القانون والفلاسفة زعموا أن فكرتهم العليا عن الطبيعي هي التوسط ~~المميت، أو النقطة المتوسطة التي لا تثير الشعور في الخط البياني ~~المنحني الذي يمثل انتظام الترداد في أمر من الأمور. وهم بالتأكيد ~~لم يسووا بين «العالمي» و«المتوسط». ولم يكن العالمي عند رجل ~~القانون هو أكثر الأعمال القضائية شيوعا، وإنما كان ذلك الذي ~~يستطيع أن يميزه عقله على أنه المبادئ الخفية التي توحد جميع ~~النظم القضائية. لم يكن المثل الأعلى عند الرواقي هو سلوك الرجل ~~المتوسط، رجل الشارع، كلا لم يكن ذلك، وما كان أبعده عن هذا، وإنما ~~مثله الأعلى قواعد السلوك التي تستخلص من الاتصال الطويل بحكمة ~~الأجيال. «الطبيعي» في القانون الطبيعي «ليس ما هو كائن، وإنما ما ~~ينبغي أن يكون» ولكنه يستند إلى نوع من أنواع «الكينونة» - وتلك هي ~~«كينونة الإيمان». # الطبيعي أمر «ينبغي أن يكون»، وهو أمر نعلم من التاريخ أنه ~~استهوى على الأقل المواطنين المتعلمين من الأصول الجنسية المتنوعة ~~- من بريتون، وغال، وإسبان، وإغريق، ورومان، ومصريين، وسوريين. ~~القانون الطبيعي - أو ما يظهر أنه أقرب تجسيد دنيوي له، وهو ~~القانون الروماني المتطور في أروع نظام له - وضع لجميع الناس، لا ~~كما كان القانون اليهودي أو الأثيني. ولم يكن القانون الروماني ~~ملكا لقبيلة وحدها دون سواها. كما أن هذا القانون الطبيعي - من ~~ناحية أخرى - لم يكن ms153 مجرد مجموعة من القواعد العملية التي يقصد ~~منها أن يبقى كل شيء على ما هو عليه. إنما كان هو الآخر مجموعة من ~~المثل، قانونا أعلى، محاولة لإنزال العدالة من السماء إلى ~~الأرض. كان القانون الطبيعي - وهو ثمرة من ثمار القانون الروماني ~~والفلسفة الإغريقية - من أكثر الأفكار المجردة أهمية في المجتمع ~~الغربي. وسوف نلتقي به مرة أخرى، وبخاصة في القرون الوسطى، وفي ~~القرن الثامن عشر، وسوف نلتقي أيضا عند ختام هذا الكتاب بمفكرين ~~محدثين من غير العقليين يرون أن فكرة كهذه - فكرة القانون الطبيعي ~~- كلام فارغ ليس له معنى، أو هو على أحسن الفروض محاولة لإخفاء ~~حقيقة أن المجتمعات البشرية تحكمها دائما جماعة صغيرة لها ~~امتيازات. ونستطيع هنا أن نتخلى عن مشكلة أهمية الأفكار المجردة ~~كفكرة القانون الطبيعي في العلاقات الإنسانية، ونكتفي بالتنويه عن ~~أن الفكرة الإغريقية الرومانية عن القانون الطبيعي كانت ك «مثل ~~أعلى» فكرة عن الوحدة بين جميع البشر، فكرة ديمقراطية في ~~أساسها. # الفصل الخامس # | مذهب المسيحية # لا يستطيع أحد في العالم الغربي أن يفر من المسيحية فرارا كاملا، ~~حتى أولئك الذين يعارضون ما يسمونه الديانة المسيحية لا مناص لهم من ~~التأثر بما يعارضون فيه؛ ذلك لأن المسيحية قد لونت تفكير ومشاعر ما ~~يقرب من سبعين جيلا من الرجال والنساء في الغرب، كما أنها سرت في ~~القرون القلائل الأخيرة عن طريق المبشرين مع امتداد المجتمع الغربي في ~~جميع أنحاء العالم. وقد برهنت المسيحية في الألفي العام التي عاشتها ~~أنها قادرة - كأسلوب من أساليب العيش - على الانتشار والتنوع بدرجة ~~لا يكاد يتصورها العقل. وظهرت بأشكال مختلفة في ثنايا كل ناحية من ~~نواحي النشاط عند الإنسان في الغرب. ~~«الانتشار والتنوع»، «بأشكال مختلفة» - هذه العبارات البسيطة الواضحة ~~تسوقنا تجاه مشكلة التقينا بها من قبل عندما كنا نناقش عقائد اليهود ~~الدينية، المسيحية ديانة «وحي» إلهها كامل، وهو يسمو عن الصور البشرية ~~للزمان والمكان، بل ويسمو عن العملية التاريخية ذاتها. ولكن المسيحية ~~هي كذلك ديانة تهتم كثيرا بسلوك الإنسان فوق هذه الأرض، وبرسالتها في ms154 ~~الزمن التاريخي، وبالرغم من أن علماءها الدينيين قد جاهدوا جهادا ~~شاقا حقا لكي يجعلوها ديانة فردية، إلا أنها ثنائية من بعض ~~النواحي؛ فهي تعترف بوجود (أو بواقعية) الطبيعي وما فوق الطبيعي، أو ~~بوجود الروح والجسد، أو الروحاني والمادي. والمشاهد من الخارج يرى أن ~~المسيحية قد أظهرت قدرة فائقة ومقدرة على التكيف عندما واءمت بين نفسها ~~وبين العالم الطبيعي، دون أن تفقد تحكمها في فكرة العالم الذي يقع ~~فوق الطبيعة. # وسوف أحاول في هذا الكتاب أن أدرس المسيحية من الخارج، من الموقف ~~الذي ينكر «وجود» ما فوق الطبيعي، وإن كان - بطبيعة الحال - لا ينكر أن ~~البشرية في واقع الأمر تتطلع إلى ما فوق الطبيعة. وكثيرا ما شرحت ~~المسيحية - وخاصة منذ عصر التنوير في القرن الثامن عشر - من وجهة نظر ~~طبيعية تماما، وكان يقوم بهذا الشرح أحيانا رجال يسمون أنفسهم ~~مسيحيين. وأكثر من ذلك أن هؤلاء الذين كتبوا في المسيحية، وأنكروا ~~الوجود الحقيقي لما فوق الطبيعي، كانوا خصوما للمسيحية كديانة منظمة؛ ~~أي كانوا - في الواقع - ضد المسيحية، وكثيرا ما كانوا ماديين أو ~~وضعيين بالعقيدة. وهناك آخرون كتبوا عن المسيحية باهتمام شديد وخيال ~~بعيد، لما فيها من جمال، أو أعجبوا بأخلاقها، وإن لم تعجبهم أصولها ~~الدينية. كتبوا ذلك وإن لم يكن بوسعهم قبول العنصر فوق الطبيعي في ~~العقيدة المسيحية، والواقع أن سلوك الكتاب الذين نبذوا المسيحية دليل ~~واضح على أنه ليس من غربي يستطيع أن يفر فرارا كاملا من ~~تأثيرها. # وسوف أحاول في هذا الكتاب أن أتحاشى أخطاء الكتاب غير المسيحيين ~~الذين كتبوا في المسيحية، ولكن ليس هناك من قارئ مسيحي يتسرب إلى ~~قلبه الشك لحظة؛ فإن لب الإيمان بالمسيحية، واعتقاد وجود ما فوق ~~الطبيعة، وما هو سماوي، وما إلى ذلك، يقي المؤمن ضد الهجمات الطبيعية ~~والتاريخية، وليس ذلك فحسب «ولكنه يتضمن أيضا نبذ التفسير الطبيعي ~~والتاريخي». حصل مرة قسيس إنجليزي من المؤمنين بالعقل من مذبح إحدى ~~الكنائس الكبرى خبزا مقدسا، ونبيذا مقدسا، تحولا بالتقديس إلى ~~لحم الرب ودمه، فقدم الخبز والنبيذ إلى ms155 كيموي، ونشر تقريرا من هذا ~~الكيموي بأن الخبز خبز والنبيذ نبيذ، ولكنه بذلك لم يهدم مركز الكنيسة ~~البتة؛ فإن الكيمياء التي تختص كلية بالوقائع والنظريات في الطبيعة، ~~وبالعمليات الطبيعية، ليس لديها ما تقول عن أي شيء يخرج عن نطاق هذه ~~العمليات الطبيعية. # نمو المسيحية الأولى # العهد الجديد هو قصة حياة يسوع المسيح، وموته، وبعثه، وقصة ~~المشاق والصعاب التي لاقتها الأجيال الأولى من المبشرين بالإيمان ~~الجديد الذي يسمى بالمسيحية. ويعتقد المسيحي أن هذه القصة من ~~وحي سماوي، وأن صدقها النهائي لا يخضع للتفسير التاريخي. غير أن ~~الباحثين - برغم هذا - في القرون القلائل الماضية أخضعوا في الواقع ~~نصوص العهد الجديد - كما فعلوا بالعهد القديم تماما - لنفس نوع ~~الدراسة اللغوية والتاريخية الصارمة التي استخدموها في النصوص التي ~~لم تعد وحيا أو مقدسة بأي معنى من المعاني، وما أسماه ألبرت ~~شويتزر ب «البحث عن يسوع في التاريخ» استمر لعدة أجيال، وانتهى إلى ~~نتائج غريبة. ولعل أغرب هذه النتائج ما استنتجته إحدى المدارس من ~~أنه لم يكن هناك يسوع في التاريخ، وأن الشخص المسيحي الذي يمثل ~~يسوع أسطوري، أو على الأصح مركب من عدة أساطير متنوعة. ومن ~~العدالة أن نذكر أن مثل هذا الشك حتى في دنيا العلم يعد غاية ~~في التطرف. # وإن كان الباحثون لم يتفقوا على مصادر الأسفار الخمسة الأولى من ~~العهد القديم على اختلافها، فهم أيضا ليسوا على اتفاق مطلق على ~~مصادر أو دقة ما يرويه العهد الجديد عن حياة يسوع وتعاليمه، وعن ~~رسالة القديس بولس وأصحابه في أول العهد بالمسيحية. غير أن هؤلاء ~~الباحثين يتفقون اتفاقا تاما على أنه «ليست لدينا رواية معاصرة ~~مباشرة عن أي شيء مما قال المسيح أو فعل» وقد تسيء المشابهة ~~التالية إلى الباحثين المدققين، ولكنها واضحة واقعية للأمريكيين ~~العاديين، وهي ليست مضللة في أساسياتها. هب أنه لا توجد لدينا ~~نسخ من خطب ورسائل لنكولن، ولا توجد لنا عنها سجلات مكتوبة ~~معاصرة. هب أنه لا توجد لدينا صحف، أو روايات تاريخية، أو شيء ~~مطبوع أو مكتوب فيما ms156 بين مولده في عام 1809م ومماته في عام 1865م ~~مما يشير إليه أية إشارة، سوى مرجع غامض أو مرجعين يمكن الرجوع ~~إليهما في مذكرات خاصة لرجل من رجال السياسة البريطانيين. وهب - مع ~~ذلك - أنه قد كانت هناك روايات موجزة عن حياته كتبها في شيخوختهم ~~رجال عرفوه في واشنطن على الأغلب، وربما عرفوه معرفة جيدة حقا. ~~ونفرض أنهم اطلعوا على مجموعات مخطوطة تقص حكايات نلسن، وعلى ~~تقارير هواة كتبوها مباشرة عن بعض خطب لنكولن، ونسخة مخطوطة عن ~~ملخص حياة لنكولن بقلم سكرتيره هاي، كتبها في السبعينيات من القرن ~~الماضي - من أمثال هذه المصادر دبج في عصرنا هذا ثلاثة من خير ~~كتاب الحزب الجمهوري روايات مختصرة شاعت قراءتها، وكذلك فعل مثل ~~هذا أستاذ - جمهوري أيضا - في العلوم السياسية، متحمس. وفي كل هذا ~~وصلت إلينا عبارات مثل «دون حقد لأحد» و«حكومة الشعب بالشعب ~~للشعب»، ولكن ربما لم تصل إلينا خطبة كاملة، سوى خطبة جتزبرج. وصلت ~~إلينا روايات عن عفوه عن الحارس النائم من فرمونت، وعن إصداره ~~الإعلان التحرير، وعن تأييده لجرانت. ولكن لم تصل إلينا قصة حياته ~~وزمنه كاملة متتابعة. # ومن الواضح أننا لا يمكن أن نعرف عن لنكولن في هذه الظروف شيئا ~~يقرب مما نعرفه اليوم. ولكننا - من ناحية أخرى - لا بد أن نعرف ~~أكثر الأمور الأساسية عنه. ولن يكون تصويرنا للنكولن كما كان في ~~الحقيقة مضللا بأية حال. ومن ثم فإنه من المؤكد تقريبا أن ~~تصويرنا ليسوع ليس مضللا في الحقيقة بأي معنى من المعاني، بالرغم ~~من أننا نستمده في الأغلب من القصص الإضافية التي رواها متى، ~~ومرقص، ولوقا. ومن الحكايات التي يروى أنه رواها، ومن موعظة الجبل ~~(التي ربما كانت نسبتها من حيث اللفظ إلى يسوع في التاريخ كنسبة ~~خطبة جتزبرج إلى لنكولن في واقع التاريخ من حيث نص ~~العبارة). # غير أن هذه المقارنة بلنكولن ليست على أحسن الفروض إلا ~~للاسترشاد. وبالرغم من أن لنكولن جزء من ثقافة أمريكية وطنية، ~~وبالرغم من أن كثيرا من الأمريكان قد عبدوه بمعنى ما، ms157 إلا أنه لم ~~ينشأ حوله نظام ديني أو فلسفي عظيم. أجل لقد فسر عبارته المفسرون ~~بشتى الطرق، ولكن أقواله لم تبلغ في شمولها مدى ما تشمله الديانة، ~~وهي واسعة جدا في حقيقة الأمر. وليس بوسعنا هنا إلا أن نذكر بعض ~~المشكلات المعينة الكبرى التي تتصل بالمسيح ورسالته. # ونحن نتساءل أولا: هل زعم يسوع التاريخي أنه ابن الله، أو أنه ~~الله ذاته؟ لقد لقي رجال الدين المسيحي - كما سوف نرى بعد قليل - ~~مشكلات عسيرة في سنوات تكوين الكنيسة في إيجاد حل مرض لما عرف ~~فيما بعد بمشكلات المسيحية، في الأناجيل الثلاثة المجملة - كما ~~تسمى كذلك - وهي القصص التي رواها متى ومرقص ولوقا، وفي الإنجيل ~~الرابع - بطبيعة الحال - وهو أمعن في الميتافيزيقية، إنجيل يوحنا. ~~في هذه الأناجيل الأربعة يروى أن يسوع قد استخدم عبارات بحاجة ~~شديدة إلى التفسير الديني - مثل قوله: «مملكة الرب» و«ابن الإنسان» ~~و«أبي» و«ابن الله». إن إنجيل يوحنا غاية في الوضوح، وقد كتب كما ~~يقول مؤلفه: «كي تؤمنوا بأن يسوع هو المسيح، ابن الله، وإنكم ~~بإيمانكم سوف تكون لكم من اسمه حياة.» والواقع أن ثقل التفكير ~~المسيحي كان يميل خلال القرون نحو تأليه المسيح. وكانت آراء ~~الوحدانيين - تحت أي اسم من الأسماء - آراء زنادقة خارجين على ~~الأرثوذكسية. # ويستطيع المرء - برغم هذا - إذا أخذ بالتفسير التاريخي الطبيعي ~~لمصادر العهد الجديد، أن يزعم أن يسوع لم يدع لنفسه الألوهية ~~قط، وأن مثل هذه العبارات التي ذكرناها آنفا إنما رويت محرفة أو ~~استعملت مجازا، أو كانت هذا وذاك، وأن يسوع في الواقع لم يكن ~~يهتم بعلم الدين أو بالديانة المنظمة حقا، وإنما كان شديد ~~الاهتمام بحث إخوانه من البشر على أن يعيشوا ما نستطيع أن نسميه من ~~غير تعقيد الحياة البسيطة فوق الأرض، بل لقد غالى بعضهم وزعموا أن ~~يسوع التاريخي كان شاذا متحمسا للعودة إلى الطبيعة، بل يرى ~~بعضهم - إن كانوا على ضحولة في المعرفة وتعصب في الفكر - أن يسوع ~~كان مزورا عن عمد، دجالا، يبرئ المرضى بالطبيعة. والمهم في هذا ms158 ~~الصدد هو أنك إذا اعترفت بأن مصادرنا التاريخية ناقصة وغير دقيقة ~~لا تستطيع أن تستبعد استبعادا كاملا أي تفسير لشخصية يسوع تبدو ~~ممكنة ومعقولة من الناحية الإنسانية. # ومن ثم فإننا إذا اعتبرنا العهد الجديد مجرد مصدر تاريخي ~~كغيره من المصادر، فإننا لا نستطيع أن نبت ب «صفة قاطعة» بالطرق ~~التاريخية الطبيعية في مشكلات مثل هذه: هل زعم المسيح أنه إله؟ وهل ~~زعم أنه مسيح اليهود؟ ولا نستطيع حتى أن نجيب عن مثل هذه الأسئلة ~~الهامة، وإن تكن غير دينية: هل اعتقد المسيح وبشر بالمقاومة ~~السلبية أو عدم المقاومة؟ إن النصوص الموجودة تتضارب تضاربا ~~واضحا لأصحاب العقل. # ونذكر فيما يتعلق بمشكلة عدم المقاومة نصين معروفين متطرفين، ~~أولهما: «سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: ~~لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر ~~أيضا.» وما يناقض ذلك ظاهرا: «لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على ~~الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا.» وقد ورد هذان النصان عن ~~يسوع في صفحة واحدة تقريبا من إنجيل متى. ويمكن التوفيق بينهما، ~~بل لقد تم بالفعل التوفيق بينهما في ملايين الألفاظ التي طبعت، ~~وبشر بها، تستطيع أن تقول إن يسوع في الصفحة الأولى حذر من ~~العراك المبتذل، ومن التوحش، ومن القتال كما يبدو في فيلم رخيص من ~~هوليوود، أو في صورة هزلية. وفي العبارة الثانية كان يحث تلاميذه ~~وأتباعه على قتال روحي من نوع أنبل. والواقع أن هناك ما يستدعي ~~التفسير، وقد كان الإنجيل - بعهديه القديم والجديد - من وجهة النظر ~~الخارجية بالنسبة إلى الرجل الغربي حتى الأزمنة الحديثة جدا هو ~~في الحقيقة المصدر الرئيسي لما أسميناه في مقدمة هذا الكتاب ~~المعرفة اللاتراكمية. وليس معنى ذلك أن دراسة الإنجيل ليست لها ~~أهميتها، بل إن دراسته - على نقيض ذلك - ذات أهمية قصوى. # ومن التهور في الرأي بعد هذه المقدمة أن نحاول سرد رواية إيجابية ~~عن يسوع في التاريخ. ويجدر بالقارئ - وبخاصة إذا كان يشكو الجهل ~~الحديث بالإنجيل - أن يقرأ ترجمة ms159 حديثة، إن شاء، لإنجيلي لوقا ~~ويوحنا على الأقل، ويكون لنفسه رأيه الخاص. أما كاتب هذا الكتاب ~~فإنه يميل - بتأثير أسباب كثيرة شعورية ولاشعورية وشبه شعورية - ~~إلى الإيمان بأن يسوع في التاريخ كان ما يسميه الألمان «شوورمر» أي ~~متحمس للدين، كان ذا نفس رقيقة وإن تكن قوية العزيمة، متصوفا في ~~هذه الدنيا على ما في ذلك من تناقض؛ فهو لم يحط البتة من شأن ~~الملذات الحسية، ولكنه يتمنى أن تتحرر المتعة من الغيرة، بل ومن ~~المنافسة. وكان رجلا له جاذبية عظمى للمضطربين والبائسين، ذا ~~موهبة كبرى في تفهيم عامة الناس ما يعني (وهذا مما يجعل مثل ~~لنكولن الذي ضربناه آنفا مثالا طبيعيا). وربما كان يسوع أكثر ~~رجولة بدرجة عظيمة مما صوره الفن الديني أخيرا. ومن الواضح أنه ~~استطاع أن يحقق مجد الأنبياء العسير في تحقيقه. # ثم إن الدراسة التقليدية الطبيعية التاريخية للمسيحية تصر على أن ~~هناك قدرا كبيرا في المسيحية المتطورة مما لم يكن من عمل المسيح ~~بأية حال من الأحوال. وهنا أيضا يغالي الخصوم من النقاد، فيزعم ~~بعضهم أن المسيحية المنظمة في أكثر وجوهها الهامة هي «نقيض» ما ~~دافع عنه يسوع - فهي زاهدة لا مرحة، تميل إلى الاضطهاد دون ~~التسامح، حربية وليست مسالمة، وحتى إن فرضنا أن في ذلك شيئا من ~~المبالغة، فمن الجلي أن المسيحية المنظمة بها الكثير مما لا يتضح ~~في معرفتنا التاريخية المتقطعة عن يسوع؛ فعندما حل القرن الثاني ~~على الأقل كانت لدينا أصول دينية كاملة دقيقة، وقانون للأخلاق، ~~وجمهور منظم من المؤمنين، ومجموعة مقدسة من القادة - كانت لدينا في ~~إيجاز ديانة عظمى. لقد تجاوزت المسيحية المسيح - أو تجاوزت على ~~الأقل المسيح الذي جمع حوله صيادي الجليل: ~~«ثم جاء تلاميذ يسوع قائلين له: من هو أعظم من في مملكة ~~السماء؟ فنادى يسوع طفلا صغيرا وأجلسه في وسطهم، ثم قال: الحق ~~أقول لكم، ما لم تتحولوا، وتصبحوا أطفالا صغارا، فلن تدخلوا ~~مملكة السماء؛ فمن منكم يتواضع كهذا الطفل الصغير يكن أعظم من في ~~مملكة السماء.» # والرجل الذي قام ms160 بأكبر جهد في تحويل المسيحية من مذهب يهودي غامض ~~إلى ديانة عالمية هو شاول الطرسوسي، المعروف في المسيحية بالقديس ~~بولس، وهو يهودي يتصف بصفات الهلينية، ومواطن روماني. ولدينا، ~~بالمقاييس العادية لمادة المصادر التاريخية، معرفة مباشرة عن ~~القديس بولس أكثر مما لدينا عن يسوع. ويتفق العلماء عامة على أن ~~أشهر رسائل العهد الجديد التي تحمل اسمه هي في الواقع من عمله، وأن ~~قصة الجهد الذي بذله بولس ومعاونوه في «أعمال الرسل» هي في مجملها ~~قصة دقيقة. وليست لدينا عن بولس - بطبيعة الحال - تفصيلات كثيرة عن ~~حياته الخاصة مثلما لدينا عن كثير من المحدثين ممن هم أقل أهمية ~~منه، كنابليون على سبيل المثال. ولكن لدينا على الأقل ما يكفي لما ~~ينفي الشك عند كل امرئ في وجوده التاريخي. # وتتنوع الآراء الحديثة عن بولس وأعماله وأفكاره تنوعها عن ~~يسوع. وهناك تطرف ملحوظ يظهر جليا في عنوان الكتاب الذي وضعه ~~بنتام؛ ذلك الكاتب الإنجليزي الثائر في القرن التاسع عشر، وهو ~~«يسوع، لا بولس». وهناك - على وجه العموم - تفسير متطرف يقول بأن ~~الأهداف الإنسانية التي دعا إليها يسوع الرحيم قد تحولت على يدي ~~بولس - الذي كان يسعى إلى السلطة ويدعو إلى التقشف الصارم - إلى ~~ظلم آخر منظم، وهذا رأي شائع بين الراديكاليين العاطفيين خارج ~~الكنيسة المسيحية، من أمثال بنتام. أما الرأي المناقض في الطرف ~~الآخر فهو أن يسوع كان ثائرا شيوعيا خطرا، وإن يكن بغير ~~تأثير. أما بولس فهو الإداري الحكيم، وصاحب النظام الواقعي الذي حد ~~من تطرف تلاميذ يسوع، وجعل الكنيسة المسيحية وسيلة سليمة معقولة ~~تحفظ الجماهير في أماكنها، ويتعذر على المسيحيين الطيبين أن يأخذوا ~~بهذا الرأي كذلك، وإن يكن قريبا من رأي المكيافيليين الذين جاءوا ~~فيما بعد، مثل جماعة «العمل الفرنسي» في الجمهورية الفرنسية ~~الثالثة. # وقد آمن المسيحيون عامة، كما آمن بولس نفسه، أن عمل الرسول ليس ~~إلا تحقيقا لعمل السيد، وهو توسعة لرسالته ولكنه ليس إفسادا لها ~~إطلاقا. ولم يعرف بولس نفسه يسوع قط، بل إن شارل الطرسوسي في ~~الواقع - كيهودي أصيل ms161 - قد عاون في وقت من الأوقات على اضطهاد ~~مجموعة المسيحيين اليهود الصغيرة بعد صلب المسيح. وقصة الإنجيل ~~التي تروي تحوله إلى المسيح وهو في طريقه إلى دمشق باتت مثلا ~~كلاسيكيا لتحول القلب تحولا مفاجئا ومعجزا بشكل ظاهر. ~~ويستدل من هذه القصة عن بولس أنه كان في حالة من حالات الذهول، ~~كما يستدل من شذرات الأخبار المبعثرة في المصادر، على أن بولس كان ~~- كما يرى بعضهم - مصابا بالصرع. ومثل هذا التشخيص الطبي البعيد ~~هو، بطبيعة الحال، مستحيل من الناحية العلمية. ومن الجلي أن بولس ~~لم يكن شخصا غبيا متمسكا بالقديم عديم الخيال، وإنما كان ~~عبقريا. ومن خصائص عصرنا الحديث تردد ظهور الفكرة التي تقول ~~بأن عظماء الرجال يمثلون حالات مرضية خاصة. وهذا الرأي يزيدنا ~~علما عن بعض مقتضيات الأفكار الديمقراطية الحديثة أكثر مما يبصرنا ~~بحقيقة عظماء الرجال، وبخاصة ذلك الجانب من الرأي الذي يعتقد ~~أصحابه أن التوسط مقياس خلقي وجمالي. # إن أعظم ما قدمه بولس لنشر المسيحية هو تمهيد الطريق للانتقال ~~من المذهبية اليهودية إلى العالمية. وقد تمت الخطوة الأولى نحو ~~العالمية في ذلك الزمان والمكان ~~- بطبيعة الحال - على أيدي الإغريق. وإنما كان بولس يعبر ~~بالكتابة والكلام عن عالمية الإغريق الهلينستية، وكان على علم ~~بالأفكار الدينية والفلسفية الإغريقية. والظاهر أنه وقف في باكورة ~~حياته كمسيحي في وجه الاتجاه التهويدي في الديانة الجديدة. وقد ~~أكسبه عمله كمنظم لقب «رسول الأمميين» وكانت العقبة الكبرى في وجه ~~الأمميين الذين وجدوا أسلوب الحياة المسيحية جذابا «قانون ~~اليهود»، تلك المجموعة المعقدة من الطقوس التي كان يتعلمها اليهودي ~~الوليد كجزء من النمو. والمشكلة في أبسط صورة يمكن أن توضع في هذا ~~السؤال: هل يمكن للرجل أن يكون مسيحيا بغير ختان؟ وإذا كنت تتوقع ~~من الأممي البالغ أن يتحمل العملية التي كانت قطعا جد أليمة في ~~ذلك الحين، فأنت تتطلب الكثير من الطبيعة البشرية الضعيفة. وقد ~~أجاب بولس عن هذا السؤال بصراحة فقال: إن الإغريق، والمصريين، ~~والرومان، الذين يقبلون المسيحية، في حل من الختان، وفي حل ~~من الامتناع ms162 عن لحم الخنزير، وفي حل من التقيد بحرفية القانون؛ ~~«لأن الحرفية تقتل، والروح تهب الحياة». # ولكني أرجو ألا يضلكم هذا النص المشهور؛ فلم يكن بولس ~~فوضويا، ولم تكن هذه دعوة إلى المسيحيين الذين اعتنقوا المسيحية ~~فيما بعد إلى أن يفعلوا ما يشاءون؛ فالروح - طبقا لحياة بولس ~~وأعماله - أمارة، وإن تكن مواسية لصاحبها. وحياة الروح طريقة محددة ~~معينة من طرق العيش. وإن بولس ليبدو في الواقع ل «رجل من الخارج» ~~كأنه استبدل بالشريعة اليهودية شريعة مسيحية. كما يبدو حقا ~~للمتعقل كأنه يحب أن يتلاعب قليلا باللفظ؛ فهو يقول: «كل شيء عندي ~~شرعي، ولكن ليس كل شيء ضروريا، كل شيء عندي شرعي، ولكن كل شيء لا ~~يزيدني علما.» # إننا نلتقي هنا بإحدى المشكلات الكبرى العقلية والعاطفية ~~الإنسانية المتكررة. إن الرجل الذي يريد للناس أن يسلكوا سلوكا ~~جديدا لا بد له أن يصرفهم عن السلوك القديم، لا بد أن يقول لهم ~~إنهم - وينبغي لهم أن يكونوا - «أحرارا» في السير في مسالك جديدة، ~~وإن الشريعة، والمواصفات، والعادات، التي نشئوا على طاعتها لا ~~تقيدهم «في الواقع». إن المصلح ثائر بالضرورة باسم الحرية، ولكنه ~~لا يريد للناس في الواقع أن يؤدوا الأعمال المتنوعة المذهلة التي ~~يؤدونها لو كانوا أحرارا في اتباع دوافعهم وشهواتهم الطبيعية، ~~أحرارا من حساب الضمير والقانون ورجال الدين. إنه يريد لهم أن ~~يؤدوا الأعمال «الصحيحة». ومن الحق أن «الروح يهب الحياة»، وهو ~~يعتقد ذلك فعلا. ولكن كما قال أحد معاوني بولس: «لا تصدق كل ~~روح، وإنما استمع إلى الروح إن كانت من عند الله؛ لأن كثيرا من ~~المتنبئين قد انتشروا في الأرض.» والمصلح يجد أيضا أنه لا مناص له ~~من الرجوع إلى القانون. الناس أحرار، ولكنهم أحرار في عمل الحق ~~فقط. ولا يمكن إلا أن تكون النتيجة في صيغة متناقضة، كتلك العبارة ~~الشهيرة لروسو، وهي «إرغام المرء على أن يكون حرا». وقد صاغ ~~الفكرة يسوع في عبارة أفضل، فقال: «من يريد إنقاذ حياته لا بد أن ~~يفقدها، ومن يفقد حياته من أجلي فسوف ms163 يجدها.» # أما بولس - كرجل إداري، ~~كشخصية عظمى من السلسلة الطويلة للقادة الذين عملوا على أن تصبح ~~الكنيسة المسيحية مؤسسة بالغة التأثير كما كانت - فهو ينتمي بشكل ~~واضح إلى جانب أصحاب النفوذ. ويتبين من رسائله أنه كان يمسك في ~~براعة بقبضة قوية على الجماعات الصغيرة المكافحة التي كانت تنتشر ~~في جميع أنحاء العالم الإغريقي، واستقرت بالفعل في إيطاليا. وليس ~~معنى هذا أن بولس كان من أصحاب السلطة الصارمين المتعسفين، أو حتى ~~النظاميين - وذلك أدهى وأمر. كان يعتمد على فصاحته الشديدة، وعلى ~~جاذبيته الشخصية التي كانت قطعا عظيمة جدا، وعلى المعرفة ~~الإنسانية التي يدركها رجل ولد ليشفي الأرواح. ولكن بولس من ~~الناحية العملية لم يكن لينا البتة، ولم يكن قطعا على شاكلة من ~~نعده نحن الأمريكيين المحدثين متحررا أو إنسانيا. # ومع ذلك فقد كان بولس أكثر من رجل إداري، كان عليما بأصول ~~الدين، كرس - كما رأينا - كل قوته لعملية نشر الكنيسة ~~الجديدة في جميع أرجاء العالم، ولأن يجعل رسالتها جذابة للأمميين. ~~وقد عاش بين آباء الكنيسة ثقة كبرى في المذهب الذي يدعو إلى ~~«التبرير بالإيمان» الذي سوف نعود إليه. أما هنا فيجدر بنا أن نركز ~~اهتمامنا في مسيحية بولس العملية، أو نوع الحياة التي أراد ~~للمسيحيين أن يسلكوها. # ولكنا يجب أن نلاحظ أولا أن بولس لم يكد قط ليعتقد أن ~~المسيحيين سوف يعيشون أمدا طويلا فوق هذه الأرض - شأنه في ذلك ~~شأن أكثر أبناء جيله. وقد قال المسيح نفسه - كما جاء في الإنجيل ~~الأول: «سوف يكون هنا نوع من البقاء، الذي لا يعرف طعم الموت، حتى ~~يشهدوا «ابن» الإنسان قادما إلى مملكته.» واعتقد المسيحيون ~~الأوائل أن المسيح سوف يعود في يوم من الأيام ويقضي على هذه ~~الدنيا، دنيا التجربة الحسية. وسوف يكون هناك حساب في النهاية، ~~ونعيم أو جحيم أبدي في عالم آخر. ومن الطبيعي أن أولئك الذين كانوا ~~يؤمنون بهذه العقيدة لم يأبهوا بالمشروعات بعيدة المدى، أو بقياس ~~الميول والاتجاهات، أو بالعمل البطيء الذي يؤديه المرء بتفكيره ~~العام. ولو أن بولس ms164 اعتقد أن الكائنات البشرية سوف تبقى في ألفي ~~العام المقبلة على الأقل، لكانت آراؤه - فيما أتصور - أكثر اتفاقا ~~مع الطبيعة البشرية. # ذلك أن كثيرا من تعاليم بولس كانت متزمتة بمعنى الكلمة الأمريكي ~~الحديث الشائع على وجه العموم؛ فقد كانت آراء بولس فيما يتصل ~~بالعلاقات الجنسية - على سبيل المثال - صدمة للكثيرين، حتى قبل ~~جيلنا الذي تأثر بفرويد، والإصحاح السابع من رسالة بولس الرسول ~~الأولى إلى أهل كورنثوس، والعبارة الصريحة التي جاءت فيه، وهي ~~«التزوج أصلح من التحرق» هو في الواقع كلام غامض. ليس من شك في أن ~~بولس كان يود لو امتنع الجنس البشري بأسره عن الاتصال الجنسي. ولكن ~~جانب التجربة والخبرة في هذا الرجل العملي جعله يدرك استحالة ذلك، ~~حتى وإن كانت نهاية العالم قريبة منا. ولذا نصح بالزواج المسيحي، ~~وله في الزواج المختلط بين المسيحيين والوثنيين رأي شائق فيه شيء ~~من التسامح. # الحياة الطيبة إذن عند بولس حياة زهد فيما يتعلق بالمتع ~~الحسية، سواء كانت متعة الفراش أو متعة الطعام («لكن اللحم لا ~~يوصلنا إلى الله. وإذا أكلنا لا نتحسن، وإذا لم نأكل لا نسوء»). ~~وهي حياة بسيطة، خالية من الغرور العقلي الذي أسماه الإغريق خاصة ~~بالحكمة: «ألم يجعل الله حكمة الدنيا حماقة؟» وهي حياة خالية من ~~النميمة، والتفاهة، والمنازعات، والغيرة في شئون الحياة اليومية في ~~هذه الدنيا المبتذلة. وهي كذلك حياة خالية من الخطايا البطولية، بل ~~هي فوق هذه الخطايا؛ ذلك لأن بولس - وأقولها مرة أخرى ~~- كان يعمل مع عامة الرجال ~~والنساء، وإليهم كان دائما يوجه الخطاب. أراد لهم أن يخلصوا ~~أنفسهم من حياتهم الفردية الصغيرة الأنانية، إلى ذلك التيار العظيم ~~الذي لا يتلاطم فيه الموج، وهو حياة الروح. # ذلك أن بولس كان يجمع في شخصه الناحية العملية مع الناحية ~~الصوفية - شأنه في ذلك شأن كثير من الشخصيات الجذابة الأخرى في ~~تاريخ المسيحية. أراد أن يتخلص الناس من الاشتباك بهذا العالم ~~القذر، عالم الحواس، لكي يعيشوا في عالم الروح الطاهر. ولكن حياة ~~الروح الأخرى - عند بولس - ليست حياة ms165 الفرد الفذ الذي يبلغ ~~«النرفانا»، أو الذي يتابع أفلوطين إلى النشوة الفلسفية المنعزلة. ~~الحياة الأخرى عند بولس لم تتجاوز أن تكون حياة إنسانية، حياة جهد ~~مشترك، حياة مشاركة، وإيمان، وأمل، وإحسان. وأفضل ما قال بولس هو ~~ما جاء في الإصحاح الثالث عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس؛ ~~حيث قال: # المحبة تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد والمحبة لا تتفاخر، ~~ولا تتعالى، ولا تقبح، ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد، ولا ~~تظن السوء، ولا تفرح بالإثم، بل تفرح بالحق، وتحتمل كل ~~شيء، وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة ~~لا تسقط أبدا، وأما النبوات فستبطل، والألسنة ستنتهي، ~~والعلم سيبطل؛ لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ. ~~ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض. لما كنت ~~طفلا، كطفل كنت أتكلم، وكطفل كنت أفطن، وكطفل كنت أفتكر، ~~ولكن لما صرت رجلا أبطلت ما للطفل. فإننا ننظر الآن في ~~مرآة في لغز، لكن حينئذ وجها لوجه. الآن أعرف بعض ~~المعرفة، لكن حينئذ سأعرف كما عرفت. أما الآن فيثبت ~~الإيمان والرجاء والمحبة. هذه الثلاثة، ولكن أعظمهن ~~المحبة. # والخلاص أخيرا، وحتى في هذه العبارة بما فيها من تأكيد على ~~المحبة، وهي عند بعضهم ترجمة عن الإغريقية أفضل من كلمة # Charity # يقحم بولس وعد ~~المسيحية الأعظم، وهو: «الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف ~~كما عرفت. هذه الدنيا (الآن) - حتى هذه الدنيا كما يحاول المسيحيون ~~أن يصنعوها - ليست سوى مكان اختبار للحياة في العالم الآخر ~~(حينئذ). إن من يخلص فسوف يستمتع في ذلك العالم بالنعيم الأبدي. ~~أما من لم يخلص فسوف يعاني هناك عذابا أبديا. وكل المسيحيين ~~الصادقين سوف يخلصون.» # ما هو مقياس المسيحي الصادق؟ يبدو أن بولس - في نظر الرائي من ~~الخارج - يفرض مقياسا ذا شقين. وهو يعتبره بشكل واضح مقياسا ~~واحدا لا مقياسين؛ فالمسيحي الصادق ينبغي أولا أن ينتمي إلى ~~جماعة مسيحية منظمة (أو كنيسة)، بعد أن يكون قد أدى - ويستمر في ~~أداء - طقوس معينة، مثل التعميد والتناول. ويجب ms166 ثانيا أن يكون ~~مسيحيا من الداخل، في روحه، وأن يكون قد بلغ تلك الحالة التي لا ~~يفلح الصوفي قط في التعبير عنها بالألفاظ، بالرغم من أنه قد ~~يسميها «نعمة الله» أو «الإيمان»، أو غير ذلك. # والتباين بين الأعمال والإيمان، بين أداء الطقوس والنور الداخلي، ~~يسري خلال تاريخ المسيحية بأسره. و«المسيحي الأرثوذكسي يرى أن ~~أحدهما يستحيل دون الآخر»؛ ف ~~«المسيحي الذي لا يكون طيبا في داخله لا يمكن بطبيعة الحال أن ~~يسلك سلوكا طيبا في الخارج». «بيد أننا» نستطيع جميعا أن نرى ~~خارجه، ولا يستطيع إلا الله وحده أن يرى داخله، ومن أجل هذا فإن ~~المجتهدين في الدين قد يبدءون في أغلب الأحيان بالرجوع إلى مذهب ~~التبرير بالإيمان (أو الروح)، ولكنهم ينتهون - إذا هم أفلحوا في ~~جمع شعب يسير وراءهم - بالرجوع إلى مقياس خارجي، إلى التبرير ~~بالأعمال (أو الحرفية)، وسوف نعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى عندما ~~نتحدث عن لوثر. # والشخصية الثانية الكبرى في التفكير المسيحي القديم هي يوحنا، ~~الذي يعزى إليه الإنجيل الرابع، وثلاث رسائل موجزة رعوية، والكتاب ~~الختامي الرائع في العهد الجديد؛ «رؤيا يوحنا اللاهوتي». ولا بد أن ~~يكون يوحنا هذا - الذي يمثل في التصوير والنحت المسيحي شابا ~~غير ملتح، والذي يتميز بذلك بين البقية الملتحية - شيخا هرما ~~عندما كتب الإنجيل الرابع، إذا صح التاريخ الذي حدده العلماء ~~لكتابته. والواقع أن شكا علميا عظيما يخيم على الحقيقة ~~التاريخية ليوحنا، حتى إن العلماء المسيحيين المخلصين الممعنين في ~~الأرثوذكسية أنفسهم قد ألفوا أن يذكروا في كتاباتهم: «مؤلف ~~الإنجيل الرابع أو مؤلفيه» و«مؤلف الرؤيا». # و«الرؤيا» كتاب من الوحي مليء بالتنبؤات الممعنة في خفاء ~~المعنى. وقد كان كتاب «الرؤيا» لمدة ألفي عام المستودع الذي ~~يستمد منه أسباب القوة كل من يسميهم العقليون - بل والمسيحيون ~~الهادئون التقليديون - متهورين مندفعين. «الرؤيا» كتاب يعجز أمامه ~~من لا يعتقد فيه، بل ومن يعتقد فيه من عامة الناس. ويستطيع من ~~يبحث عن الخفايا أن يجد فيه أي شيء تقريبا. وتكاد تجد في الرؤيا ~~كل ما حدث في بضعة ms167 آلاف السنين الماضية. # أما الإنجيل الرابع فهو من ~~أهم الكتابات المسيحية. ومؤلفه شخص تحوطه الظلال إذا قيس إلى بولس، ~~ونحن نميل إلى معرفته مما كتب؛ لأننا لا نعرف عنه إلا القليل. ~~ويظهر أن مؤلف الإنجيل الرابع لم يكن إداريا، أو رجلا عمليا ~~يحمل نفسه تبعة علاج النفوس. ولكن ربما كان من الخطأ - من ناحية ~~أخرى - أن نلمس فيه الميتافزيقي، أو رجل الدين الذي يعزل نفسه عن ~~الدنيا. ومن الواضح أن مؤلف الإنجيل الرابع كان يكتب متأثرا بتوتر ~~خلقي شديد. ومن رأيه أن من يسمونهم المسيحيين، أولئك الذين لم ~~يعرفوا المسيح قط، لا يدركون المغزى العظيم للمسيحية، وهو أن ~~المسيح هو ذلك الاتحاد المستحيل بين الله والإنسان، أو بين العالم ~~الآخر وهذا العالم، أو اللامحدود والمحدود. وما جاهد المتصوفون ~~الأوائل عبثا في بلوغه بلغه المسيح لمجرد كونه المسيح، ولكن هذا ~~الاتحاد بين الله والإنسان كان يتهدده دائما خطر سوء تفسير العامة ~~من الناس، الذين يميلون دائما إلى تبسيط فهم الأمور لأنفسهم ~~بتصويرهم للمسيح إما إنسانا كاملا وإما إلها كاملا. # والاصطلاح الذي يستعمله مؤلف الإنجيل الرابع للتعبير عن هذا ~~الاتحاد المعجز بين الله والإنسان هو «الكلمة». ~~«في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله. وكان الكلمة الله ... ~~والكلمة صار جسدا وحل بيننا (ورأينا مجده مجدا كما لوحيد ~~من الآب) مملوءا نعمة وحقا.» # وقد كتبت ألوف الصفحات عن هذه «الكلمة»، وعما يتعلق بها من ~~تصور ديني عن الروح القدس، التي سعت عن طريقها المسيحية ~~الأرثوذكسية منذ ذلك الحين إلى أن تقدم للمؤمنين حلقة مفهومة عن ~~العالمين المنقسمين، عالم الرب وعالم الإنسان. والإنجيل الرابع ~~بأسره يتركز حول هذه المعجزة - معجزة الإله الإنسان، ولكنه - فيما ~~خلا العبارات التمهيدية المشهورة - ليس رسالة في أصول الدين. إنه ~~تاريخ المسيح، ولكنها حياة تتركز دائما في المسيح باعتباره ~~«الكلمة» التي صارت جسدا. ~~«إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل فإن ~~لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا ~~فيه.» ms168 # إن الأفكار والمثل في المسيحية الأولى ليست إلا جزءا من ~~تاريخها، حتى عند مؤرخ الفكر. إن أفكار بولس ويوحنا ومئات ممن لم ~~يبلغوا شأوهم في العمل في هذا الحقل كانت تتحول إلى حقائق يلمسها ~~المؤمنون في الطقوس، وفي سلسلة من حفلات التناول المشترك. وكان ~~المؤمنون ينتظمون، ويتماسكون، وتشتد قواهم بما نسميه صراحة في ~~مجتمع غير ديني بالحكومة. وهذان الموضوعان - الطقوس أو الصلاة، ~~والتنظيم الكنسي - لهما أهمية بالغة. ولا يسعنا هنا إلا أن نشير ~~إلى أهميتها بالنسبة إلى أسلوب الحياة المسيحية. # وأهم عمل من أعمال الطقوس في المسيحية هو القربان المقدس. ~~والمصدر الرئيسي للقربان هو الوصف الذي ورد بنصه تقريبا في أناجيل ~~متى ومرقص ولوقا لعشاء المسيح الأخير مع تلاميذه. ويصفه متى بهذه العبارة: # وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى ~~التلاميذ، وقال خذوا كلوا، هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكر ~~وأعطاهم قائلا: اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي ~~يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. # وهذا مثال رائع لما يراه بعض المؤرخين الطبيعيين إفسادا ~~للحقائق، أو على الأقل إضافة جاءت في وقت متأخر. هنا كثير من أصول ~~الدين، وبخاصة في عبارة «مغفرة الخطايا». إن أمثال هؤلاء المؤرخين ~~يسلمون بأن المسيح نفسه ربما تناول طعاما أخيرا في أسف مع ~~تلاميذه، بل ولعله طلب إليهم أن يذكروه. وهم يسلمون بأن ~~المسيحيين الأوائل وهم يمارسون التناول المشترك للطيبات - وهو ما ~~نعلم أنهم فعلوه - وسموا بعض وجباتهم المشتركة، بعض ولائم المحبة ~~التي أقاموها، بالاحتفال بذكرى المسيح. وهم يسلمون بأن هذا ~~الاحتفال سرعان ما تحول في الواقع إلى سر مقدس، إلى المشاركة ~~في حياة المسيح الإله مشاركة معجزة متجددة دائمة، وهي مشاركة - بل ~~مشاهدة للإله - كتلك التي تحدثنا عنها من قبل عند ذكر ديانات ~~الألغاز عند الإغريق. عندئذ، وعندئذ فقط، صيغت الأناجيل كما ~~نعلم، وأجرى على لسان المسيح قوله: «هذا هو جسدي.» # ومهما يكن ما تنطوي عليه العملية التاريخية، فمن الواضح أن ~~الكنيسة طورت العشاء الرباني في وقت مبكر جدا. والعشاء المقدس ms169 ~~- أو التناول المقدس - تطلب أول الأمر أداء بعض الطقوس، وتطلب ~~ثانيا تحقيق هدف ما - وهو هدف روحاني بطبيعة الحال - من أداء هذه ~~الطقوس. إن المؤمن، وسط العشاء المقدس، يأكل قطعة من الخبز ويحتسي ~~قليلا من النبيذ من مائدة مشتركة تحولها قدرة الله المعجزة، ~~التي انتقلت في خيط متصل إلى المسيح ثم إلى تلاميذه ثم إلى رجال ~~الدين، إلى مادة سماوية، هي على التوالي جسد المسيح ودمه. وإذا كان ~~سلوك المؤمن كله وحالته العقلية وقت التناول مسيحيا حقا؛ أي ~~إذا كان في حالة من حالات النعمة، فإن خطاياه السابقة - بهذا العمل ~~- يعفى عنها، وتمحى، ويشهد له أمام الإنسان والله بالانخراط في ~~سلك الصفوة المختارة، أولئك الذين سوف يخلصون ويظفرون بالحياة ~~الأبدية في النعيم. # ويتضح حتى من هذا الحديث الموجز أن مذهب العشاء المقدس - إذا ~~نظرنا إليه كمشكلة عقلية مطلقة - يستدعي تفسيرات متعددة، فإن كلمة ~~«التحول» التي استخدمناها فيما سلف قد تسيء إلى كثير من علماء ~~الدين؛ فهم يصرون على أن الخبز والنبيذ لا «يتحول» بالمعنى السوقي ~~لهذه الكلمة؛ أي لا يتحول كيمويا. وهناك أيضا مشكلات عن دور ~~القسيس. هب أنه قسيس لا قيمة له، وأنه هو نفسه من الآثمين، فهل ~~يكون العشاء المقدس الذي يقدمه صحيحا؟ لقد أجابت الكنيسة ~~الكاثوليكية عن هذا السؤال أخيرا بالإيجاب، وذلك عندما تحداها ~~جماعة من الزنادقة الناشطين (يعرفون بالواهبين) الذين أجابوا ~~بالنفي. وهناك مشكلات تتعلق بالمتناول، أو الذي يتعاطى العشاء ~~المقدس. ما هي حالة النعمة؟ وكيف يتأكد المؤمن أنه في حالة من ~~حالات النعمة؟ وهل لا بد له من التأكد؟ وهناك مشكلات تتعلق بشكل ~~العشاء المقدس كتلك المشكلة التي فرقت فيما بعد بين الكاثوليك ~~والبروتستانت، وهي: هل يتناول المتناول من النوعين (الخبز والنبيذ ~~على السواء) أو من نوع واحد فقط؟ # وبرغم أهمية هذه المشكلات من الناحية العقلية في تاريخ المسيحية ~~قديما، فإنه لا ينبغي لنا أن نعطيها كل الأهمية. إن المسيحية ~~تدين بالكثير لتنظيمها، كما تدين بالكثير لأصولها الدينية. ~~والحقيقة الرئيسية التي تتعلق بتنظيم المسيحية الأولى ms170 هي نمو ~~التفرقة بين العلمانيين ورجال الدين؛ فالمسيحية - على خلاف مع ~~الوثنية الإغريقية والرومانية - تكونت فيها طبقة أكليريكية تتميز ~~تميزا واضحا عن المؤمنين العلمانيين. وكثير من النقاد يعتقد أن ~~يسوع لم يخطط مثل هذه الكنيسة، ولكن ليس بالإمكان إثبات ذلك. ومن ~~المؤكد أن بداية التفرقة بين العلمانيين والأكليروس ظهرت بظهور ~~المسيحية المنظمة؛ أي عند بداية القرن الثاني قطعا. # وهنا يجب أن نقف مرة أخرى لكي نؤكد العلاقة المتبادلة بين ~~الأفكار وبقية الحياة الإنسانية. إن العقلي المحصن قد يقول إن ~~المسيحية قد وضعت حدا فاصلا قاطعا بين الله والإنسان، بين هذه ~~الدنيا والدار الآخرة، فكان لا بد لها من أن تكون أكليروسا محددا ~~قاطعا يتوسط بين الله والإنسان، كما اضطر مؤلف الإنجيل الرابع إلى ~~إيجاد «كلمته». وقد يقول خصوم العقل المتطرفون إن المسيحية نشأت ~~بين جماعة من رجال الدين «الطبيعيين» المتعطشين إلى السلطان، فكان ~~لا بد من ابتكار أصول دينية تبرر وجود رجال الدين، ومجموعة من ~~الأسرار المقدسة التي تتطلب رجالا للدين يحتكرونه، ولا بد أن يكون ~~لهم سلطان معجز. وفي هذا يخطئ العقليون واللاعقليون على السواء؛ ~~فإن المسيحية قد بدأت في عالم شامل من الحروب، والرق، وكل صنوف ~~الشقاء البشري المنتشر. ونداؤها الأساسي هو نداء الخلاص، والكمال ~~العقلي والروحي في عالم منقسم. والأصول الدينية للمسيحية، وأخلاقها ~~وحكومتها، كلها «عوامل مشتركة في تحديد نموها». كل عامل يؤثر في ~~العوامل الأخرى ويتأثر بها. # ومما يسترعي النظر في التنظيم المسيحي القديم شدة تأثير مشكلة ~~الخلايا الفردية، أو الكنائس. لقد تماسك المسيحيون؛ تماسكوا في ~~السنوات الأولى ضد الحماسة المتطرفة، وتلك المغالاة الشديدة في ~~النسك من الرهبان والراهبات كما تماسكوا في السنوات المتأخرة ضد ~~الاضطهاد الشديد - وإن يكن في فترات متقطعة - الذي قام به الموظفون ~~الرومان الذين عدوا رفض المسيحي أن يضحي في سبيل الإمبراطور ~~الإله دليلا على الخيانة للدولة، بل تماسكوا ضد المنازعات الدينية ~~الداخلية، وموجات الزندقة، التي صاحبت ما أحرزته الديانة الجديدة ~~من نجاح. # ويشبه تنظيم الكنيسة في ~~شكله كل المشابهة التنظيم المدني ms171 للإمبراطورية الرومانية. ~~والواقع أن إحدى الوحدات الرئيسية في التنظيم المسيحي - وهو ~~الأبرشية - كانت بهذا الاسم ذاته قسما إداريا في الإمبراطورية. ~~وكان الأكليروس بعدما تميزوا من قديم عن العلمانيين مرتبين على ~~درجات من السلطة كما هي الحال في الجيش، كانوا يكونون سلما ~~(هيرارشية) من صبيان المذبح وغيرهم من صغار خدم الكنيسة، حتى ~~القسيس، والأسقف، وكبير الأساقفة، والبابا. وكانت الوظيفة الحرجة ~~في تلك القرون الأولى من المسيحية هي وظيفة الأسقف، وهي كلمة مشتقة ~~من اللفظة الإغريقية التي معناها «العريف». وكان الأسقف - كضابط ~~الجيش الكفء يعمل مباشرة مع القسس والعلمانيين ذوي الأهمية في ~~دائرة نفوذه. أما من يعلونه من كبار الأساقفة والبطارقة والبابا ~~نفسه فيميلون - كضباط أركان الحرب - إلى الاشتغال باستراتيجية ~~الحركة وتكتيكها، مع الابتعاد عن العامة. # وربما لم يكن هناك فارق في المجتمعات المسيحية الأولى بين ~~العلمانيين والأكليروس - وربما كان رجال الأكليروس الأوائل يعينون ~~أنفسهم، ولكنهم يثبتون في وظائفهم بحسن نية إخوانهم من المؤمنين. ~~ثم جاء التنصيب، وهو التقديس الرسمي الذي يؤهل المرء لكي يؤدي ~~وظيفة القسيس المعجزة. ولم يظهر التنصيب بسبب بعض التعاليم مثل ~~العشاء الرباني فحسب، وهي التعاليم التي كانت تتطلبه، وإنما ظهر ~~أيضا لأن حمى الحماسة التي انتابت الإخوان والأخوات في الدين بلغت ~~حد التطرف. والواقع أنك تستطيع أن تجد مشكلات القائمين على التنظيم ~~وحلول هذه المشكلات واضحة جدا حتى في كتابات بولس. ومع ذلك فقد ~~كان في بعض هذه الأصول الديمقراطية - وبخاصة فيما يتعلق بوظيفة ~~الأسقف - شيء من العقل؛ لأن هؤلاء الموظفين المختارين كانوا ~~ينتخبون بتصويت الجماعة، بما نسميه «الانتخاب». كان الأساقفة ~~الأوائل ينتخبون بتصويت الأكليروس وبعض العلمانيين ذوي النشاط. ~~وحتى في العصور الوسطى كان أساقفة الكنيسة الكاثوليكية ينتخبون ~~انتخابا شرعا من الأكليروس المنتظمين في سلك الكاتدرائية. وإنما ~~كان السلم الوظيفي (الهيرارشية) في الكنيسة المنظمة - في واقع ~~الأمر - قائما بوضوح على نظام التعيين. وكان الأسقف بالتأكيد ~~معادلا في أبرشية للملك، أو على الأقل للكولونيل. والأساقفة ~~المجتمعون في المجالس كانوا هم الجماعات الناشطة المنظمة التي ~~توجه المسيحية وجهتها الأخيرة. ms172 # ولم يكن للكنيسة - خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأولى التي ~~تهمنا في هذا المقام - رئيس واحد على الأرض. وكان لا بد للتنظيم ~~النهائي للسلم الكامل وعلى رأسه البابا أن ينتظر فصل الشرق عن ~~الغرب في الإمبراطورية، بين ما صار الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية ~~وما صار الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. ومن الحق أن أسقف روما في ~~الزمان القديم قد زعم لنفسه حقوقا خاصة للسيادة على الأساقفة ~~الآخرين. ويعتقد الذين يميلون إلى الشك ممن هم خارج الكنيسة أن ~~الرومانيين أصحاب المصالح منذ الجيل الثالث أو الرابع قديما بعد ~~المسيح قد أقحموا على العهد الجديد تلك الفقرات التي أقامت التقليد ~~البطرسي على أساس من الكتاب المقدس، والمسيح - طبقا لهذا التقليد ~~- هو الذي خطط البابوية الرومانية. جاء في إنجيل متى أن يسوع قال ~~لتلميذه: «وأنا أقول لك أيضا أنت بطرس، وفوق هذه الصخرة سوف أبني ~~كنيستي. ولن تسود ضدها أبواب جهنم.» وفي هذه العبارة ما نسميه في ~~الموضوعات غير الموقرة تورية؛ لأن اللفظة الإغريقية التي تدل على ~~«بطرس» هي بعينها اللفظة التي تدل على «الصخرة». وجاء في التقاليد ~~القديمة أن بطرس رحل إلى روما ذاتها، وأسس الكنيسة هناك، ثم مات ~~شهيدا. # وليس بوسع أحد اليوم أن يميز بين ما رسمه المسيح وما جاء عرضا ~~في هذه السلسلة من الحوادث. ومهما يكن من أمر، فإن أسقف روما - ~~طبقا للتقاليد البطرسية - يتعين أن يكون رئيس الكنيسة. ومركز روما ~~الأدبي، ومكانتها في الأوضاع العامة التي كانت لها في ذلك الحين ~~صفة القدم، وهجرة الأباطرة منها فيما بعد مؤثرين عليها ~~القسطنطينية؛ كل ذلك جعل رياسة أسقف روما ما نحب أن نقول إنه أمر ~~لم يكن منه مفر. ومهما يكن من أمر فإن كلا من بطارقة القسطنطينية ~~(والبطريق لقب شرقي)، وأنطاكية، والإسكندرية، كان يؤمن إيمانا ~~ثابتا بأهميته، إن لم يكن بسيادته. وفي المجادلات الكبرى التي ~~ثارت بشأن الزندقة لم تكن أسقفية روما في موقف السيادة دائما بأية ~~حال من الأحوال. وقد ذكرنا من قبل أن الكنيسة الشرقية قد انفصلت ~~نهائيا عن ms173 الكنيسة الغربية. وقد بذلت جهود للجمع بينهما؛ لأنه ~~من العار أن يكون هناك طريقان متنافسان إلى السماء ، ولكن ما إن ~~حل القرن الحادي عشر حتى كان الفصل نهائيا. # ولما بلغت الموجة الكبرى للهرطقة أوجها في القرن الثالث كانت ~~المسيحية قد بلغت رشدها. أصبحت عقيدة قوية يتجادل فيها الرجال ~~والنساء في كل أمر يمكن الجدل فيه تقريبا. ولا نستطيع في كتاب من ~~هذا الطراز أن نحاول أن نسرد حتى الهرطقات الرئيسية، وهي تمتد على ~~مدى فسيح لما أسميناه المعرفة اللاتراكمية. وهي تمثل للخارجي ما ~~يبدو كأنه رد الفعل الطبيعي لعدد كبير من المتعلمين وأنصاف ~~المتعلمين الذين تتاح لهم فرصة المناقشة الحرة لهذه المسائل ~~الكبرى، مسائل الحق والباطل، والخلاص والنقمة، وسلوك الإله مع ~~الإنسان. أما ما يجعل هذه المناقشات هرطقة بدلا من أن تكون مجرد ~~اختلاف في الرأي (كما يحدث في المناظرات) فهو أن مثل هذا الاختلاف ~~في الرأي في الأوقات المضطربة يترجم إلى عمل اجتماعي وشعبي. بيد ~~أن توالي الانقسام إلى جماعات متضاربة يفسد وحدة العمل التي تبدأ ~~بها الحركة، والتي تحاول جاهدة أن تتمسك بها. # أما جماعة المسيحيين الرئيسية، وهي المجموعة التي شقت طريقها ~~خلال الاضطهاد والهرطقة وأمست الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، فقد ~~احتفظت بوحدتها وعززتها - كما يبدو للمشاهد من الخارج - لأنه كان ~~يتحتم عليها أن تكافح الهرطقة أحيانا وأن تهادنها أحيانا أخرى؛ ~~ذلك لأن سيادة الهرطقة - وأعني بها الخلاف في الحكم على القيم - قد ~~تكون في شباب أية حركة من الحركات علامة على القوة دون الضعف. ~~ولكن ربما كانت المبالغة في الانقسام في الرأي سببا في قتل ~~الحركة. في حين أن قدرا معينا من الخلاف يعززها. والظاهر أن ~~الكنيسة الكاثوليكية قد اشتد ساعدها بسبب الهرطقة التي تغلبت ~~عليها. # وقد امتدت هذه الهرطقات فشملت الجانب الأكبر من السلوك والعقائد ~~البشرية. وتركز بعضها حول الأسرار المقدسة، كسر صلاحية العشاء ~~المقدس الذي يدبره قسيس آثم. وتركز بعضها الآخر حول الطقوس ~~الفعلية، كذلك النزاع الذي نشب حول الطريقة التي يتحدد بها تاريخ ~~عيد القيامة. ms174 ويتركز بعضها حول مسائل السلوك، مثل امتناع القسيس عن ~~الاتصال الجنسي. ويتركز بعض منها حقا في موضوعات سامية من ~~موضوعات أصول الدين (أو فلسفته). وهناك مجموعة من الهرطقيين ~~يسمون «أصحاب المعرفة» اشتقوا اسمهم من اللفظة الإغريقية التي ~~تدل على المعرفة. وتتألف من هذا المذهب دراسة ممتعة وسط الأمور ~~المعقدة - كأنها رقعة الشطرنج - التي يستطيع العقل البشري أن ~~يبنيها بالألفاظ والمشاعر. وقد كان «أصحاب المعرفة» هؤلاء في ~~الأغلب من المثقفين في العالم الإغريقي الروماني، يبحثون عن السحر ~~- السحر المركب - وكانوا على دراية بأكثر المذاهب المتنافسة في ~~العالم الإغريقي الروماني، وبفلسفاته، وبخاصة فلسفة نابلي. وبالرغم ~~من تنوعهم الذي يحير الألباب، فإنهم يميلون إلى الاشتراك في ~~أمر واحد معين، وذلك هو الاعتقاد بأن عالم الحس هذا شر، أو هو ~~غير موجود، أو - بصورة أبسط - إن الحياة التي نحياها كل يوم وهم ~~باطل. وكان شخص يسوع عندهم جذابا، ولكنه يسوع صانع المعجزات، يسوع ~~الرب. أما طبيعته البشرية، وأما مشاركته في هذه الدنيا، فلم ~~يعترفوا قط بها. # ونستطيع على أية حال أن نأخذ الجدل النهائي الذي ثار حول العلاقة ~~بين يسوع والإله الواحد - الإله الآب - مثلا لعصر الهرطقة كله. ~~وينطوي هذا الجدل في كثير من نواحيه على أكثر مما ذهب إليه «أصحاب ~~المعرفة». وأخيرا قبلت المسيحية الرسمية في عام 325م في مجلس ~~نيقية بالقرب من القسطنطينية عقيدة التثليث، أو ما نادى به ~~أثانسيوس. والثالوث الله الآب، ويسوع المسيح الابن، والروح القدس - ~~طبقا لهذه العقيدة - أشخاص حقيقيون، عددهم ثلاثة، ولكنهم واحد ~~أيضا. وبقيت المسيحية وحدانية، تثليثها يسمو على الرياضيات. أما ~~المذهب المضاد، مذهب آريوس، فهو على الأقل يميل إلى التوحيد في ~~كثير من نواحيه - إن لم يكن توحيديا بالضبط كما نعرف مذهب ~~التوحيد في أمريكا في القرن العشرين - وكانوا يميلون إلى أن ~~يخضعوا يسوع للإله، وأن يتصوروا وجوده لاحقا له في الزمن، ~~ونابعا منه أو - وأحب أن أقرر هنا أن علم الدين أمر دقيق - إنه ~~أدنى من الإله الآب بشكل ما. والتعابير الحرجة التي تصور النزاع ms175 ~~هي: أثاناسي (أي من نفس جوهر الآب)، وآري (أي شبيه بجوهر الآب). ~~والفارق في المصطلحين اللذين يعبران عن هاتين الفكرتين ينحصر في ~~حرف واحد هو باليونانية # i # وباللاتينية # j ~~، وقد اتخذت العامة ~~التي تميل إلى النكتة، والتي لا تفوتها مثل هذه الأمور، هذا الفارق ~~الحرفي، موضعا للفكاهة، وتندرت بأن هذين الحزبين من رجال الكنيسة ~~الموقرين إنما يختلفان في حرف من حروف الأبجدية. وقد انحدر إلينا ~~من هذا الموقف تعبير بالإنجليزية ما زلنا نستعمله هو # jot # ومعناها ذرة أو نقطة، ~~وتستخدم للدلالة على الأمر التافه. # ولا ينبغي أن يسوقنا هذا المثل القديم من التشكك القديم الذي ~~يقوم على أساس لفظي إلى الاعتقاد بأنه لم يكن هناك فارق حقيقي بين ~~الأثناسيين والآريين، ومن ثم فإن مجلس نيقية كان بوسعه أن ~~يختار أثناسيوس أو آريوس لأنهما سواء. وقد ذكرنا من قبل عند الحديث ~~عن الإنجيل الرابع كيف أن التجاذب المثمر بين هذا العالم والعالم ~~الآخر كان أمرا واقعيا وحاسما في المسيحية. وليس بوسع المسيحية ~~أن تقبل المنطق الذي يلزم للاختيار بين هاتين العقيدتين اللتين لا ~~تتفقان من الناحية المنطقية. ولو أنها أخذت بمذهب «أصحاب المعرفة» ~~لانساقت إلى متاهة من السحر، والغثيان، وإنكار هذه الدنيا. ولو ~~أخذت بمذهب آريوس لانساقت إلى قبول مجرد لهذه الدنيا يقوم على ~~أساس من العلم أو الإدراك العام. أما الكاثوليكية - وهي المسيحية ~~التقليدية - فقد وضعت قدما ثابتة في كل من العالمين. # وكان الإمبراطور قسطنطين - وهو مسيحي على الأقل من الناحية ~~السياسية - هو الذي دعا مجلس نيقية إلى الانعقاد. وما إن حل عام ~~325م حتى سادت الهرطقة اليهودية التي كانت غامضة فيما سبق العالم ~~الإغريقي الروماني. وعاشت بقايا الجماعات الوثنية عدة قرون أخرى، ~~واتخذت المسيحية الظافرة كثيرا من المعتقدات والعادات الوثنية ~~وجعلت منها قديسين محليين وعادات وخرافات محلية. ولكن النصر كان ~~برغم هذا كاملا بدرجة تدعو إلى العجب، وأصبحت المسيحية في القرن ~~الرابع ديانة العالم الغربي. # العقيدة المسيحية # وهنا، والكنيسة ظافرة منتصرة، يجب علينا أن نحاول عرض العقيدة ~~المسيحية بين ms176 عامة النساء والرجال في صورة منظمة. وسوف أقوم بذلك ~~دون أن ألجأ إلى دقائق علوم الدين، مركزا اتجاهي نحو تلك ~~الشخصية الأسطورية ؛ شخصية الرجل المتوسط. وعلى القارئ أن يدرك أن ~~الخلاف في الرأي - في كل نقطة تقريبا مسجلة في الصفحات القلائل ~~الآتية - كان قائما في مكان ما، وفي وقت ما، وفي أكثر الأوقات ~~غالبا، بين أولئك الذين يسمون أنفسهم المسيحيين. وبعض هذا ~~الخلاف يمس نقطا دقيقة حقا. # ولما حل القرن الرابع كانت العقيدة في ظهور المسيح للمرة الثانية ~~في وقت قريب، وما يترتب على ذلك من انتهاء العالم، قد فترت بطبيعة ~~الحال. ومن حين إلى آخر يظهر المتنبئون المسيحيون الذين يتنبئون ~~بظهور المسيح للمرة الثانية في وقت قريب، ويجمعون حولهم فرقا ~~صغيرة من المؤمنين، ومن ثم فقد تجمع الميلارايت وسط ولاية ~~نيويورك، في القرن التاسع عشر المستنير، يرتدون الثياب البيضاء، ~~وهم على يقين، يتوقعون نهاية العالم. ولكن هذه العقائد الكلياستية ~~(أي التي تؤمن بعودة المسيح وسيادته ألف عام) كما يسمونها فنيا، ~~عقائد جريئة، لا تدخل في العقيدة الرسمية المسيحية المقبولة. كما ~~يجب أن نلاحظ أن المسيحية - من وجهة نظر مصير الفرد - لم تفقد ~~البتة إحساسها بقضاء الله في الناس قضاء مباشرا لا راد له. ~~ويتوقع كل مسيحي عند الموت أن يواجه حساب ربه النهائي. # والمسيحي يعتقد في إله واحد، يتجسد في الثالوث، وهو كائن كامل ~~خلق الدنيا والإنسان، وأراد للإنسان أن يحيا الحياة السعيدة التي ~~تحكي عن جنات عدن. ولكن آدم - أول إنسان - الذي خلقه الله حرا، ~~اختار أن يعصي الله بارتكابه الخطيئة. ونتيجة لخطيئة آدم طرد ~~الإنسان من الجنة بإرادة إله عادل، وحكم عليه بحياة ناقصة على ~~الأرض. ولكن الله لم يتخل عن أتباعه. ويروى في العهد القديم أن ~~شعب الله المختار أقاموا الصلاة لله في هذه الدنيا القاسية، وبعد ~~ألفي عام من الظلام أرسل الله ابنه الوحيد - يسوع المسيح - لكي ~~يمكن للناس من الغفران من الإثم، والعودة لا إلى جنة عدن، ولكن ~~إلى مملكة شبيهة بها ليست على ms177 هذه الأرض، ولكنها في السماء. ~~والمسيح، وهو الإله الذي صار إنسانا، قد مات على الصليب حتى تتاح ~~الفرصة لكل امرئ لكي يتحاشى الموت. # إمكان الخلاص، والفرصة لتجنب الموت عن طريق بعث المسيح، تلك ~~هي هبة الله، ولا بد للمرء أن يكون مسيحيا صادقا لكي يظفر ~~بالخلاص، ولا بد من أن يمر بتجربة «التحول»؛ أي الإدراك الروحي ~~لهبة النعمة التي أتى بها المسيح. ويجب أن يكون عضوا في كنيسة، في ~~موقف طيب، وأن يؤدي بعض الطقوس المعينة. وعندما تتلقاه الكنيسة ~~يخضع لمراسم التعميد المقدسة، التي تطهره من آثامه عن طريق بعض ~~الطقوس، ويشارك بالعشاء المقدس في إحياء المعجزة التي جاء المسيح ~~بالخلاص للبشرية عن طريقها وذلك بين الحين والحين. وإذا ما سقط في ~~الإثم عاد إلى الكمال الروحاني بالاعتراف إلى أحد القسس، وبالتوبة ~~المقدسة. وزواجه أيضا أمر مقدس. وأخيرا، والموت يقترب، يقوم له ~~أحد رجال الدين - إذا أمكن ذلك - بمسح جسده كله بالزيت المقدس، ~~ليعده بطريقة كريمة للقاء حسابه الأخير. # وإذن فإن للمسيحي شريعته التي ينبغي له مراعاتها، كما أن له ~~قواعده الخلقية - وهي أقل دقة - التي يتبعها. ولم تعد المسيحية ~~في القرن الرابع طائفة من الناس المتواضعين أو العصاة، تمارس ~~الاشتراكية في السلع المستهلكة، وتزدري المكانة في المجتمع ~~والثراء؛ فقد يكون المسيحي غنيا، وقد يكون ما نسميه في هذه ~~الدنيا ذا نفوذ، بل لقد كان هناك بالفعل أخلاقيون مسيحيون شكوا من ~~أن المسيحيين الأغنياء كانوا يحاولون أن يشتروا لأنفسهم الخلاص، ~~بالرغم من فشلهم في العيش طبقا للمثل المسيحية في حياتهم، وهذه ~~المثل هي، إلى حد ما، نفس المثل التي تنادي بها أكثر ~~الديانات السامية: الأمانة، والرحمة، والصحو، وحياة تميل إلى ~~الزهد، ولكنها ليست بالنسبة إلى المسيحي العادي حياة الأكفان ~~والرماد. وأود أن أؤكد أن حياة الحواس لم تكن عند المسيحي العادي ~~كما كانت في كثير من الديانات الشرقية وهما من الأوهام. ولم تكن ~~شرا كلها، بل ولم تكن بشكل واضح مجرد مرحلة من مراحل تقدم ~~الروح، ولم تكن بالتأكيد مرحلة ms178 من مراحل التقمص الروحي الذي ورد ~~في أية ثقافة من ثقافات الشرق المعقدة. إن هذه الدنيا لا يمكن أن ~~تكون كلها سوءا في نظر المسيحي؛ لأن الله هو الذي خلقها. وهذه ~~الدنيا في نظر المسيحي تهيئ الفرصة لأن يحيا المرء حياة طيبة ~~تعد صاحبها لحياة الخلاص الكاملة. # وبالرغم من أن المسيحية باعتبارها كنيسة عظمى قد قبلت التفاوت ~~الاجتماعي والاقتصادي في هذه الدنيا، فإن العقيدة المسيحية لم ~~تكف عن توكيد المساواة بين جميع بني الإنسان أمام الله. إن ~~الأرواح البشرية لا يمكن أن تمنح الرتب. وسوف تبعث يوم الحشر، ~~إما بين المنعم عليهم، وإما المغضوب عليهم، ولن يكون للمرتبة أو ~~الثروة أو النفوذ أي تأثير في هذا الحكم الرهيب. ويجب أن نقر حقا ~~- لكي نكون واقعيين - أن تعاليم المسيح تميل إلى أن تقول للمسيحي ~~العادي إن علو المرتبة، والثروة، والنفوذ، إن لم تكن حواجز في طريق ~~الخلاص، فهي على الأقل معوقات. وفي رأي بعض الناس أن مذهب المساواة ~~بين الأرواح هذا أمام الله الذي تؤكده المسيحية باطراد هو إما كلام ~~لا معنى له، وإما نوع من المخدر لكي يبقى الفقير فقيرا، ونستطيع ~~أن نتواضع أكثر من ذلك ونستنبط أن هذا المذهب قد أمد ثقافة الغرب ~~بنوع من التقدير الأدنى لكرامة الإنسان، أو بالفصل الواضح بين ~~الكائنات البشرية وغيرها من الكائنات الحية. # وأخيرا فإن المسيحي - وبخاصة في القديم وفي العصور الوسطى - قبل ~~نمو العلم الحديث، كان يعتقد أن الله ورسله (من ملائكة وقديسين) ~~يسهمون دائما في كل ما يجري في هذه الدنيا. أجل إن المسيحي كان ~~يميز بين الحدث الطبيعي - وهو أمر عادي - والحدث فوق الطبيعي، ~~وهو أمر غير عادي. ولكن لم تكن لديه قطعا آراء علمية أو عقلية عن ~~الأحداث العادية في هذه الدنيا، بل لم ير أن المتوسط شيء عادي. ~~كان يرى أن الله يستطيع أن يصنع أمورا - بل هو قد صنعها - لا ~~يستطيع الإنسان والحيوان وعناصر الطبيعة أن تصنعها من تلقاء نفسها. ~~وإن شئت فقل إن المسيحي كان يؤمن ms179 بالخرافة، وإنه كان يعيش في عالم ~~من المخاوف والآمال غير المعقولة. كان يهوذا الإسخريوطي عند الرجل ~~المسيحي الثالث عشر من مجموعة محزنة للغاية؛ فلم يشأ أن يربط نفسه ~~بأي شيء قد يعيد بأية صورة سوء هذا العدد. وإذن فقد كان الأمر غير ~~الطبيعي في ذهنه واقعيا كالأمر الطبيعي، وبل وغالبا ما يمكن ~~التنبؤ به مثله كذلك - هذا إن لم يكن غير الطبيعي شائعا شيوع ~~الطبيعي. ويمكنك أن تقابل غير الطبيعي بالوسائل العتيقة الدينية ~~المجربة. إن الشيطان قد يعود بطبيعة الحال، ولكن المسيحي كان يعرف ~~وسيلة - بل وعدة وسائل في العصور الوسطى - يطرد بها الشيطان. وليست ~~الأمور الطبيعية، أو الأمور غير الطبيعية، في هذه الدنيا في نظر ~~المسيحي الصادق معادية في أساسها. كلاهما جزء من خطة الله. ~~والمسيحي الصادق كان «يعرف» على الأقل ما يكفي لأن يلائم بين سلوكه ~~في هذه الدنيا وبين الأحداث الطبيعية وغير الطبيعية على السواء، ~~وكان «يعتقد» بما يكفي لأن يجعله يحس أن أمامه فرصة طيبة للخلاص - ~~وذلك بالرغم من أن المسيحي لا ينبغي له قط أن يثق كل الوثوق، وفي ~~بذاءة وصلف - في خلاصه. # أسباب انتصار المسيحية # إذا أنت سألت: لماذا شقت المسيحية طريقها بين المذاهب الكثيرة ~~المتنافسة في العالم الإغريقي الروماني؟ كان الجواب على ذلك ~~يسيرا؛ وذلك أن المسيحية صادقة، وأن الصدق يسود بإرادة الله. ولكن ~~المسيحيين - حتى الطيبين منهم - على الأقل منذ بداية الكتابة ~~التاريخية والاجتماعية الناقدة الحديثة، عجزوا عن مقاومة الإغراء ~~بأن يقدموا لانتصار المسيحية أسبابا تاريخية طبيعية ملموسة. وقد ~~تنوعت الإجابات وكثرت، وكثيرا ما كانت كراهية المسيحية دافعا ~~إليها. ومن ثم فإن بعض العقليين من غير المسيحيين اعتقدوا أن ~~المسيحية قد انتصرت لأنها اجتذبت إليها الطبقة العاملة المستعبدة ~~في العالم الإغريقي الروماني بجهالتها وخرافتها وضعفها. وأصر ~~بعضهم على أن المسيحية قد قدمت لكل امرئ شيئا ما، وأنها أخذت ~~بغير خجل عن كل منافسيها. وأكد بعضهم ما نسميه اليوم جانب الهروب ~~في المسيحية، وجاذبيتها للمتعبين واليائسين من الرجال والنساء في ~~مجتمع مريض. # ويجب ms180 أن نؤكد هنا - وفي كل صفحات هذا الكتاب - أننا إذا اعتبرنا ~~انتصار المسيحية حدثا طبيعيا في التاريخ، فإن عوامل كثيرة جدا ~~كان لها أثر في هذا الانتصار. وليس بوسعنا - بما لدينا من علم ~~ومعرفة - أن نزن هذه العوامل وأن نقيسها ونصوغها في معادلة. وليس ~~بوسعنا إلا أن نؤكد بأن ظهور المسيحية لا يمكن أن يكون له تفسير ~~دون أن يكون هناك عنصر من عناصر الصدق، ولا نستطيع هنا إلا أن ~~نستعرض العناصر الأرضية المألوفة، وأن نحاول الملاءمة بينها على ~~صورة تقريبية. # هناك أولا سلسلة كاملة من العوامل التي تدور حول عنصر التوفيق ~~في المسيحية، وهذا العنصر التوفيقي (وأقصد بالتوفيق الجمع بين ~~العناصر المستمدة من الأديان المختلفة) يتناوله مبسطو الأمور ~~باعتباره التفسير الكامل، في حين أنه لا يعدو أن يكون جزءا من ~~التفسير فحسب. فإنك قد تجد في روايات الألغاز الإغريقية، وفي قصة ~~إيزيس، وقصة مترا، وفي اليهودية، وفي العقائد الأخرى من العالم ~~الهلينستي «نماذج» من كل ما اعتقد فيه المسيحيون - كطقوس الطهارة ~~والإله الذي يموت ثم يبعث، والعذراء التي تحمل، ويوم الحساب، ~~وحفلات الربيع، وحفلات الانقلاب الشتوي، والشياطين، والقديسين، ~~والملائكة. أما ما لا تجده خارج المسيحية فهو ذلك «الكل» الذي ~~يكون العقيدة والعبادات المسيحية. فإذا قلت إن المسيحية استعارت ~~من الثقافات الأخرى، فإن ذلك من الناحية التاريخية الطبيعية ليس ~~بالتفسير الكامل للمسيحية، وهو كقولنا إن دراسة مصادر مؤلفات ~~شيكسبير تفسير كامل لعظمتها. ويهمنا أن نذكر هنا بطبيعة الحال أن ~~المسيحية فيها من عناصر العقيدة والعبادات ما هو مستمد من مصادر ~~متنوعة، بل قد يكون من الحق أن القلة المعروفة والكثرة المجهولة ~~التي شكلت العقائد المسيحية في القرون الأولى كانت ماهرة من ~~الناحية العملية في اختيارها مسحة أرفية هنا، ومسحة مترية هناك، ~~في العقيدة الجديدة. غير أن هذه الصورة، صورة الآباء الأوائل ~~يرسمون خطوط المذهب الجديد قصدا، كأنهم مديرو شركة أمريكية يخططون ~~للسوق إنتاج سلعة جديدة، هذه الصورة غير صحيحة من الناحية ~~التاريخية والسيكولوجية، فوق أنها مبتذلة تسيئ إلى الشعور. كلا، ms181 إن ~~الآباء الذين أسسوا المسيحية لم يكونوا من واضعي الخطط ~~المتعمدين، ولم يكونوا قطعا يفكرون على نسق هؤلاء. إنما كان عملهم ~~التوفيقي إلى حد كبير عملا لا شعوريا. نعم إن المسيحية تشترك ~~في جانب منها مع قصة إيزيس - مثلا - غير أن ذلك لا يرجع إلى أن ~~المسيحيين رسموا عامدين مريم العذراء على صورة ما ورد في قصة ~~إيزيس، وإنما يرجع إلى أن إيزيس ومريم كلتاهما عاونتا على سد ~~الحاجة إلى صورة للأم المواسية. # ثم إن هناك - ثانيا - بعض الصدق في قولنا إن المسيحية - بما ~~وعدت من خلاص في عالم آخر لتعويض ما في هذه الدنيا من فقر وظلم ~~وآلام - أثبتت أنها عقيدة شديدة الجاذبية للعامة في الإمبراطورية ~~الرومانية المتداعية، كما أن هناك أيضا بعض الصدق في الإيمان - ~~الذي يتصل بهذا القول اتصالا وثيقا - بأن المتعبين، والسئومين، ~~والمنهوكين والمثاليين بالطبيعة من الطبقات الممتازة، يرون في ~~المسيحية إما طريقا خلابا للهروب من عالم لا يحبونه وإما ~~تحديا مثيرا للنهوض بهذا العالم. والمسيحية تفسح مجالا واسعا ~~لإرضاء البشر، ليس بسبب التوفيق بين مصادرها فحسب، بل كذلك بسبب ~~رفضها البات أن تختار إما هذه الدنيا وإما الدار الآخرة دون ~~توسط. ومن الحق أن كثيرا من أسباب الرضا هذه كانت من النوع الذي ~~يشير إليه السيكولوجي في العصر الحديث بألفاظ مثل التعويض ~~والهروب، والتي أطلقنا عليها دائما لفظا مألوفا جميلا، هو ~~السلوى. وإذن فقولنا إن المسيحية ديانة للضعفاء، والبسطاء، ~~والمظلومين، قول صادق، والأناجيل صريحة في ذلك. # ومن ناحية ثالثة أحرزت المسيحية تقدما ملحوظا بين الطبقات ~~العليا ورجال الفكر، سواء أكانوا من الإغريق أم من الرومان. وإنا ~~لنجد في وقت مبكر جدا أمثلة مبعثرة هنا وهناك لرجال ونساء من ~~أسر كريمة تحولوا إلى هذا المذهب الجديد المزدرى. وليس من شك ~~في أن مثل هذا التحول من وجهة نظر رجال الاجتماع شديد الشبه ~~بتحول ابن صاحب رأس المال إلى الشيوعية في العصر الحاضر. وواضح ~~أن المسيحية في قرونها القلائل الأولى لم ترق للراضين ~~المطمئنين. أما أولئك الذين ms182 تحولوا إلى المسيحية فقد سبق لهم أن ~~خرجوا على التقاليد التي نشئوا عليها. بيد أنه من الخطأ أن تتحدث ~~عن جاذبية المسيحية باعتبارها جاذبية عاطفية محض؛ فإن القواعد ~~الدينية الناشئة لهذا المذهب الجديد بلغت درجة من التعقيد والتقدير ~~العقلي تكفي لأن تجتذب رجالا من ذوي الميول الفلسفية. وإذن فإن من ~~عوامل النصر النهائي للمسيحية قواعدها الدينية التي اتحدت في نهاية ~~القرن الثاني اتحادا قويا بالتقاليد الفكرية الإغريقية. والواقع ~~أن الإغريق المتأخرين أحلوا المحاورات الدينية محل المحاورات ~~السياسية القديمة في المدينة الحكومية إلى حد كبير، وامتدت هذه ~~المحاورات الدينية - كما امتدت المحاورات السياسية من قبل - حتى ~~بلغت طبقات من السكان ليس من عادتها أن تشتغل بالبحث المجرد. ولما ~~بلغ الجدل الآري قمته لم يكن عجيبا أن يسألك حلاقك في ~~القسطنطينية أو الإسكندرية عما إذا كنت تظن أن الابن كان في ~~الحقيقة قديما قدم الآب. # والمسيحية من ناحية رابعة كانت تجتذب نوعا آخر من الأفراد ~~الذين لهم أهميتهم القصوى، أولئك هم الرجال «العمليون» المبرزون ~~في النشاط والتنظيم. ومن الأوهام التي أزالتها المسيحية، وهو وهم ~~يقوم في أذهان المحافظين أحيانا بشأن الثائرين (وقد كان المسيحيون ~~الأوائل ثائرين)، هو أن الحركات الثورية تموج كلها بأشخاص غير ~~عمليين. ويصدق هذا بطبيعة الحال على حركات جريئة صغيرة هامشية - ~~وحتى في هذه الحركات يحتمل أن يوجد قليل من الرجال أصحاب العقول ~~القوية. ومن قديم كانت الحركات الثورية تجتذب رجالا يرون فيها ولا ~~شك فرصة لإشباع أطماعهم وحبهم للنفوذ، بل ورغبتهم في الثراء، ~~ولكنهم يرون فيها أيضا فرصة لإنجاز بعض الأعمال، ولتطهير هذا ~~العالم المضطرب وجعله مكانا أفضل، والرجال الذين اشتغلوا في ~~الكنيسة المسيحية الأولى: الشمامسة، والقسس، والأساقفة، أولئك ~~الرجال المسئولون عن التنظيم المسيحي الذي يدعو إلى الإعجاب، ~~والمسئولون عن تلك الصفات الكامنة في القوة «السياسية» الداخلية ~~التي تفوقت فيها المسيحية بشكل ظاهر على منافسيها في الثقافات ~~الشرقية؛ هؤلاء الرجال - مهما يكن شأنهم - يستحقون أن ينعتوا ~~بألفاظ الثناء الأمريكية الحديثة المباركة، وهي قولنا عن الرجل إنه ~~«كفء» أو ms183 «عملي». # والمسيحية من ناحية خامسة ورثت عن أصولها اليهودية شمولا ~~أوقفها موقفا قويا، وقد استطاعت خلال سنوات نموها الحرجة أن ~~تتمسك به ؛ ذلك أن المسيحية كانت دائما ترفض أن تحالف أي مذهب آخر. ~~وحتى ما أسميناه التوفيق في المسيحية - وقد رأينا أن المسيحية من ~~وجهة نظرنا فيها عنصر توفيقي - يستحق أن يوصف بكلمة أقوى في ~~التعبير من كلمة «الاستعارة». كان المسيحيون يضمون أو يتخذون ~~لأنفسهم عقيدة أو عبادة، ويصرون في غيرة أنها احتكار للمسيحية. ~~كانت الثقافات الأخرى كلها من غير شك تتفق وعبادة الإمبراطور. ولم ~~يستطع المسيحي أن يضع ذرة من بخور على مذبح مقدس لقيصر ويبقى مع ~~ذلك مسيحيا طيبا. ومن المؤكد أن التقاليد المسيحية بالغت في ~~أهوال الاضطهاد - الرسمي وغير الرسمي - التي كان يتعرض لها ~~المؤمنون، كما أنها بالغت في مدى إيثار المسيحيين المضطهدين ~~القسوة الشديدة على الارتداد عن الدين. ومع ذلك فقد تعرض ~~المسيحيون للاضطهاد حينما كان المؤمنون بمترا مثلا هم المفضلين ~~عند الجيش الروماني القوي. والاضطهاد - عندما يبلغ درجة معينة - ~~يقوي الفئة المضطهدة بطريقة دنيوية بحت. والاضطهاد على أقل تقدير ~~يدفع المضطهدين إلى وحدة أشد تماسكا وأكثر نظاما. وقد تميز ~~المسيحيون الأوائل بالوحدة بالرغم من ظهور الزندقة عندما خف ~~الضغط. # وموجز القول أن المسيحية - ~~من وجهة نظر طبيعية وتاريخية - لم تتغلب على منافسيها لسبب واحد، ~~وإنما تغلبت عليهم لتوافر عدة عوامل مساعدة في آن واحد، وهي ~~عوامل يؤثر أحدها في الآخر. كان وعد المسيحية بالخلاص وعدا ~~محسوسا جذابا كأي وعد تقدم به منافسوها. والخلاص في المسيحية ~~لا يأتي إلا بعد الموت، ويمكن - بمعنى ما - أن يكون مؤكدا إذا ~~كان الفرد فقيرا، متواضعا، محروما. وقد أكسبت هذه الحقيقة ~~المسيحية جاذبية عظمى للجماهير العاملة في الإمبراطورية الرومانية، ~~ومع ذلك فقد أفسحت دقائق القواعد الدينية في العقيدة الجديدة ~~المجال لأصحاب الفكر، كما أن مداها في التصوف جعل الفرار من هذه ~~الدنيا مسكنا لكثير من أصحاب النفوس العاطفية والخيالية. وكذلك ~~كانت للمشكلات العملية المتصلة بتنظيم ما كان من غير شك ms184 قوة عظمى ~~فوق هذه الأرض جاذبية عظمى للرجل العملي الذي يتميز بطاقاته ~~الإصلاحية. كما أن الإحساس بالرسالة، والإحساس بالانفصال عن ~~الجماعات الوثنية والاستعلاء عليها، وصنوف الاضطهاد التي كانت تقوم ~~بها حكومة كانت ترى في سلك أتباع المذهب الجدد ما يحيرها وما قد ~~تعده خيانة، كل ذلك اتحد ليجعل من المسيحيين الأوائل فريقا ~~متضامنا في العمل؛ فتماسك المسيحيون، وتعاونوا، طوال عهد ~~الإمبراطورية. وكان المسيحيون يديرون الإمبراطورية وهم على بعد ~~زمني من المسيح يساوي بعدنا عن المهاجرين الأوائل إلى فرجنيا ~~وإنجلترا الجديدة. # لم يكونوا مثل الصيادين في الجليل الذين أنصتوا لكلمات يسوع. ومع ~~ذلك فقد كانت هذه الكلمات أمامهم، كما هي أمامنا اليوم: «إنه ~~لأيسر للجمل أن يدخل في سم الخياط من أن يدخل الرجل الغني ~~مملكة السماء.» و«بارك الله في الوديعين؛ فهم الذين سوف يرثون ~~الأرض.» «ولذلك أقول لكم لا تفكروا في حياتكم، وفيما تأكلون، وفيما ~~تشربون. ولا تفكروا في أبدانكم، وفيما تلبسون.» والمقابلة التي ~~تقدمها الآن ليست عادلة - كما أود أن أوضح - وإن تكن واقعية؛ لأن ~~الأغنياء، والمتكبرين، وأولئك الذين يهتمون بما يأكلون، وما ~~يشربون، وما يلبسون، يرودون الكنائس في هدوء منذ نحو سبعين ~~جيلا، وينصتون إلى هذه الآيات، ولا يلبثون على ثرائهم، وتكبرهم، ~~وعلى شديد اهتمامهم بما يأكلون، وما يشربون، وما يلبسون. # وإذن فهناك مشكلة. هل كان انتصار المسيحية هو في الوقت عينه فشل ~~المسيحية «الحق»، المسيحية البدائية، مسيحية يسوع؟ إن العصاة داخل ~~الكنيسة المسيحية وخارجها قد اتهموها خلال هذه الأجيال السبعين أو ~~ما يقرب منها بالتخلي عن الطريق المسيحي لكي تسير على الطريق ~~الدنيوي. وقد وجهوا إلى هؤلاء المسيحيين الظافرين قول المسيح: ~~«ماذا يجدي المرء، إذا هو كسب الدنيا كلها، وخسر نفسه؟» وقد حان ~~الوقت لكي نقدم على تلك المهمة الشاقة؛ مهمة تقدير مكانة ~~المسيحية المنظمة في تقاليد المجتمع الغربي. # أسلوب الحياة المسيحية # ربما يزعج القارئ أننا ~~نصر دائما على أن نكتب عن المسيحية من الخارج باعتبارها سلسلة ~~من العلاقات بين الكائنات البشرية. ولكننا يجب أن نذكر الحكمة ms185 في ~~ذلك في ثبات مرة أخرى؛ لأننا إذا نظرنا إلى المسيحية هذه النظرة، ~~توقعنا أن تكون المسيحية الظافرة في مجلس نيقية - العقيدة ~~الرسمية في أعظم إمبراطورية في العالم - مخالفة كل المخالفة ~~لمسيحية المسيحيين في الجليل، ولو أن المرء - من ناحية أخرى - ~~اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية، لخرج من ~~ذلك قطعا لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى ~~فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتا. # ولنضرب لذلك مثالا ~~وضعيا: إن الولايات المتحدة في عام 1950م لا تشبه كثيرا إنجلترا ~~الجديدة في عهدها الأول. قف لحظة في بليموث عند التل الذي يتمتع ~~بالحماية وتقوم عليه المنازل الأنيقة، التل الذي يعرف باسم «صخرة ~~بليموث»، وراقب جمهور السائحين الصاعدين التل في عرباتهم، وانظر ~~إليهم وهم يفحصون الصخرة (بمختلف التعليقات، وكثير منها نكات) ~~ويشترون التذكارات، والملبن الممزوج بالماء الملح، وزجاجات الصودا ~~من الباعة المتجولين، ثم ينطلقون. إنك لو فعلت هذا لما وجدت مندوحة ~~عن التعجب عما عسى أن يظن آباؤنا المهاجرون بكل هذا. هل يتعرفون ~~إلى أبنائهم الذين خلفوهم؟ أم هل يشعرون أن أمريكا التي نجحت كل ~~هذا النجاح الضخم قد كسبت الدنيا ولكنها خسرت نفسها. # كل منا منذ القرن الرابع مسيحي على صورة من الصور، وهو على ~~أقل تقدير مسيحي ب «الاعتراف». ولم يكن بوسع الكثيرين من أفراد ~~المجتمع الغربي أن يعترفوا صراحة وجماعة بالإلحاد، أو اللاأدرية، ~~أو بمذهب الاتصال بالله، أو بأية عقيدة أخرى غير المسيحية إلا خلال ~~القرون القلائل الأخيرة، وقد كان الكفار الذين يجاهرون بكفرهم قلة ~~نادرة في ألف السنة التي استغرقتها العصور الوسطى. ولما كان الناس ~~جميعا مسيحيين، فلم يكن هناك مفر من أن تكون المسيحية هي كل شيء ~~لكل الناس؛ فلقد كان القديس فرانسيس، وأرازمس، ولويولا، ومكيافيلي، ~~وباسكال، ووزلي، ونابليون، وغلادستون، وجون روكفلر، جميعا ~~مسيحيين، ونستطيع بطبيعة الحال أن نقول إن بعضا من هؤلاء فقط ~~كانوا مسيحيين حقا، ولكنك لا تستطيع أن تصنف المسيحيين كما ~~يستطيع عالم النبات أن يصنف النبات. ms186 ومهما يكن من أمر فإنك لن ~~تستطيع في تصنيفك أن تظفر بنوع الاتفاق الذي يظفر به العالم بأنواع ~~النبات. # ولو أنك أردت أن تتجنب ~~الأفكار المجردة وما ليس بالأمر الواقع مما لا بد أن يصاحب أية ~~محاولة للتعميم على مستوى رفيع، فلا مناص لك من أن تقصد الآباء ~~أنفسهم، أولئك المواطنين في الدولة العالمية الرومانية الذين ~~التمسوا في المسيحية طريقا للخلاص من المصاعب التي واجهوها في ~~مجتمع ملحد، وهم في كثير من النواحي صفوة مجتمعهم، رجال صمموا ~~على أن يصلوا إلى جذور المتاعب التي يحسونها. وهم ليسوا بالتعبير ~~الحديث - من المتهربين. وبعضهم من الباحثين، رجال ربما لا يعدون ~~أن يكونوا باحثين - مثل جيروم - لو كانوا في مجتمع آخر وثقافة ~~أخرى، وقد ولد بعضهم إداريين، ولكنهم تحولوا إلى باحثين فكريين أو ~~عاطفيين بسبب الأزمة التي واجهوها، مثل إمبروز، بل وأوغسطين، ~~وبعضهم طموح، مثالي، يريد الإصلاح، والكمال، لا يرضيهم حتى العالم ~~الآخر، مثل ترتوليان، ولكنهم يشتركون جميعا في إحساسهم بالرسالة، ~~وإحساسهم بالانتماء إلى شيء يتجاوز أي أمر عرفه الناس أو أحسوه من ~~قبل. يوجهون جميعا أنظارهم نحو إيمان عاطفي جديد، إيمان ~~مستحدث، مغامر، غاز - وإن يكن من بينهم الرجل المتحذلق ورجل ~~العمل. # وقد سمحت فعلا الكنيسة المسيحية - من الناحية التاريخية - ~~بتنوع أساليب الحياة، بل وسمحت بقدر من التنوع في تفسير ~~الحياة تفسيرا عقليا، في ظل الإطار العام للمسيحية. وكلنا يعرف ~~تكاثر الطوائف الذي بدأ منذ الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس ~~عشر واستمر بعد ذلك. والمدى واسع بين الموحدين و«العبدة ~~المقدسين» وأتباع الكنيسة الأسقفية العليا، وهو مدى يمس ~~النواحي العقلية والعاطفية. ولم تكن الوحدة مذهبا لا مناص من ~~اتباعه، ولم تكن وحدة شاملة، ولم يقصد بها التشابه في كل مكان، لم ~~تكن كذلك حتى قبل لوثر، في تلك الأيام التي كانت الكنيسة ~~الكاثوليكية تقدم فيها للغرب وحدة دينية. # وقد كان القداس، والمذاهب، وطريقة تعليم أصول الدين، وكثير غير ~~ذلك متشابها بطبيعة الحال، وكانت لغة القسيس في الصلوات هي ~~اللاتينية. وكانت هناك حكومة كنسية ms187 منظمة طبقا لسلم متدرج، ~~يمكنها أن تفض المنازعات، وبوسيلة عنيفة - إذا اقتضى الأمر ذلك - ~~وهي استبعاد حزب من الأحزاب من المجتمع المسيحي. وقد تم كل ذلك ~~بحلول القرن الرابع، وهو من مميزات المسيحية في العصور الوسطى. ~~ودعنا الآن ننظر في قطاع كامل ممكن من العبادات الفعلية في ~~القداس في الغرب خلال القرون الأولى من المسيحية بعد استقرارها. ~~إنك ترى الرهبان في الدير يتوقفون عن أعمالهم الصامتة في الحديقة ~~أو المكتبة، كما ترى في بلاط الزعيم الجرماني - الذي اقتطع لنفسه ~~جزءا غنيا عندما تدهور الحكم الروماني - قسيس الأمير يقدم ~~العشاء المقدس لبلاط الأمير، الذي يضم محظياته الكثيرات. وفي روما ~~يرأس البابا بنفسه قداسا عظيما في كنيسة لاتيران، ويحضره ~~المتسولون، والتجار، والجنود، والموظفون، وكل من تبقى في ~~المدينة المتداعية. وفي القرية الفرنسية الصغيرة ترى القسيس يتعثر ~~في طقوس لا يكاد يفهمها أمام جمهور من المصلين يتكون من الفلاحين ~~الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة. وبالقرب من ذلك، في إحدى ~~«الفيلات» المحصنة ضد عصابات السلب والنهب العديدة المتزايدة، ترى ~~السيد، وهو روماني غالي فخور بثقافته، ملحد في قلبه وفي حياته ~~الخاصة، يتثاءب في أثناء القداس الذي ساقته إليه زوجته. وعلى ضفاف ~~الراين، ترى فرقة صغيرة من الجند وهي تستمع إلى قداس من قسيس ~~ملتحق بالجيش يلقيه قبيل انطلاق الجند في دورياتهم. والنقطة التي ~~أود إبرازها هي أن أسلوب الحياة، أو «ما يمارسه» الراهب، والزعيم، ~~والمحظية، والتاجر، والمتسول، والفلاح، والرجل المهذب، والجندي، ~~كان مختلفا جدا في واقع الأمر، ومتصلا بطرق شتى بما يسمى ~~في أصول الدين المسيحي ب «هذه الدنيا». # وقد اندفعت المسيحية - رغم هذا - اندفاعا شديدا نحو ما يسميه ~~الفلاسفة بالوحدانية. وإن ما يجعل الرجل وحدانيا - في الصميم - ~~هو اعتقاده أن الكون يدور في تصميمه بطريقة ما حول «الجنس ~~البشري»، أو على الأقل حول ناحية من نواحي الإنسان، أو قدرة من ~~قدراته؛ فالمسيحي لا يستطيع أن يقبل النظرة التعددية التي تقول بأن ~~الإنسان كائن عضوي بين كائنات كثيرة أخرى، في كون لم يصمم ms188 ~~للإنسان، أو لأي كائن عضوي آخر. أو قل هو كون لم يخطط في ~~الواقع من قبل. المسيحي يريد أن يفهم؛ لأن المسيحية ديانة عقلية ~~رفيعة، ولكنه يريد أن يفهم فهما كليا، كاملا، لا فهما ~~جزئيا كفهم رجل العلم، ويستطيع بعض المسيحيين في الواقع أن ~~يكتفوا بالخضوع التام لإله يفهم كل شيء، ولا تستطيع مخلوقاته أن ~~تفهمه. غير أن هذه العقيدة في عجز الإنسان عجزا مطلقا عن الفهم ~~كانت تعد في تاريخ المسيحية بعد استقرارها هرطقة، أو هي على ~~حافة الهرطقة الخطرة. وهذا الموقف شبيه بموقف المتصوفين الذين يرون ~~أن هذا العالم المحسوس ليس إلا وهما باطلا. # وهذا الاندفاع نحو الوحدانية (ولا أقصد مجرد الوحدانية في الدين) ~~أصبح إذن إحدى خصائص المسيحية العقلية الكبرى. وقد قاومت المسيحية ~~بحزم شديد الدعوة إلى قبول ثنائية «رسمية» برغم الفوارق الهامة ~~التي بينها اتجاه التفكير في المسيحية الأرثوذكسية بين هذا ~~العالم والعالم الآخر، بين الجسم والروح، بين الطبيعي وما وراء ~~الطبيعي. والواقع أن الهرطقة التي ربما كان الأرثوذكس يخشونها ~~ويمقتونها أكثر من غيرها من الهرطقات التي ظهرت في القرون الأوائل ~~الأولى، هي الثنائية الصريحة، وهي لا تكاد تكون مسيحية البتة، ~~وإنما هي فارسية في نشأتها، وتعرف باسم «المانيكانية». وقد حلت ~~المانيكانية مشكلة وجود الشر بسماحها للإله (النور) وخصمه الشيطان ~~(الظلام) أن يفضا النزاع بحل وسط. كان الإله في هذا المذهب ~~خيرا، ولكنه لم يكن قادرا على كل شيء، وعلى أتباع الفضيلة في هذه ~~الدنيا أن يحاربوا في جانب الإله، ولكنهم لا يضمنون النصر، وهذا ~~الموقف - الذي أثبت تاريخيا أنه جذاب لكثير من الناس - قد لفظته ~~المسيحية الأرثوذكسية، ونبذه في حزم، كما لم ينبذه أحد، أعظم ~~الآباء اللاتينيين، وهو القديس أوغسطين، الذي كان مانيكانيا قبل ~~تحوله إلى المسيحية. # وهذا الاندفاع نحو الوحدانية كان معناه من الناحية العملية أن ~~المسيحية الأرثوذكسية باعتبارها هيئة متحدة - لم تتابع اتجاها من ~~اتجاهاتها المميزة، أو حكما من أحكامها، أو أسلوبا من أساليب ~~الحياة، حتى نهايته. ولو أنها فعلت ذلك لتحتم عليها ms189 أن تتخلى عن ~~مطلبها الأعظم في الكثلكة، أو العالمية؛ فإن مذاهب الوحدانية لا ~~تؤدي بأية حالة من الحالات إلى التوفيق والشمول بأي نوع من أنواع ~~التتابع المنطقي - بل إنها على عكس ذلك تماما؛ فالمثالية ~~الوحدانية أو المادية الوحدانية يمكن أن تكون ضيقة الأفق، متعصبة، ~~لا تقبل عقيدة غير عقيدتها. وإنما هي الحاجات الفعلية للكنيسة ~~الكاثوليكية الكبرى في إمبراطورية عالمية - الكنيسة الكاثوليكية ~~التي تتبع بمعنى ما دور مثل هذه الإمبراطورية، وإنما هي هذه ~~الحاجات التي جعلت الوحدانية المسيحية واسعة الأفق، شاملة لكل شيء، ~~على غير منطقها، بل وعلى غير ما يتوقع الإنسان. إن المسيحية في ~~صميمها - بكل تأكيد - وحدانية مثالية تنتمي إلى العالم الآخر، ولكن ~~شيئا ما كان دائما يقيمها وسط حرارة هذا العالم وأرضه؛ ففي الغرب ~~نرى - حتى الرهبان الذين فروا من هذا العالم المادي - قد اشتغلوا ~~بتطهير مستنقعاته المادية وأرضه الخراب، كما اشتغلوا بتحسين ~~محصوله، ونسخ كتبه وتصنيفها. نعم إنهم أماتوا الجسد، على الأقل ~~ودام الدافع الروحاني للهيئة التي ينتمون إليها قويا. ولكن بعد ~~ما ضعف هذا الدافع كان هؤلاء الرهبان أنفسهم يأخذون من هذه الدنيا ~~بنصيب كبير حسبما واتتهم الظروف، مما ترتب عليه تنظيم هيئات جديدة ~~مصلحة. # ولست أرمي من هذا كله إلى القول بأن المسيحية نفاق منظم، ~~كما اتهمتها أجيال عديدة من النقاد العقليين المرة تلو الأخرى. ~~وإنما أردت أن أقول على الأقل إن كثيرا من الرجال الذين تصدوا ~~لقيادة المسيحية المنظمة قد اكتسبوا من قديم نوعا من الصبر الحكيم ~~مع الكائنات البشرية، وهو صبر يشبه صبر الطبيب الممتاز - إنهم ما ~~لبثوا يعتقدون في مملكة الإله، ولكنها لم تكن مملكة على هذه الأرض، ~~ولم تكن بالتأكيد في زمانهم. أفلا يكون إذن من الحكمة في هذه ~~الدنيا أن تؤخذ مخلوقات الإله كما هم - إلى حد ما - دون محاولة ~~لتغييرهم بعنف شديد؟ ثم إن القديس بولس نفسه قد أقر بأن العذرة ~~قد تكون أفضل الأمور، ولكنها فيما يظهر ليست ممكنة عند كل فرد في ~~العالم، حتى مع اقتراب العودة. ms190 إن بولس نفسه يؤثر لأتباعه أن ~~يتزوجوا على أن يتحرقوا. # وإذن فإن العناصر المثالية التي تتصل بالعالم الآخر في المسيحية ~~لم تبلغ حدا يمكنها من تحويل «الكنيسة» إلى طائفة صغيرة لا ~~تعترف إلا بأعضائها، طائفة مصممة على أن تعيش وفقا لأعلى المثل، ~~أو أن توجه الجماهير - وذلك أشق - إلى أن تعيش وفقا لأعلى ~~المثل، وقد سمحت المسيحية إلى حد ما، عن طريق الرهباني وعن ~~طريق إصرارها على توافر مؤهلات خاصة في القساوسة الدنيويين، بدور ~~تقوم به الأقلية المثالية، ونجحت - كما سوف نرى في الفصل المقبل - ~~حتى عهد لوثر في السيطرة على أولئك الذين كانوا يريدون فعلا أن ~~ينزلوا السماء إلى الأرض، سماء إلههم الخاصة بهم - وذلك بامتصاص ~~هذه الفئة أحيانا، وبنبذها أحيانا أخرى. غير أن هذه الأوجه من ~~العقيدة المسيحية التي تتعلق بالعالم الآخر لها برغم ذلك أهمية ~~قصوى؛ ذلك أن هذه الأوجه هي النغمات الصادقة للمسيحية، التي تجعل ~~منها - مجتمعة - شيئا أكثر من الملاءمة التجريبية الانتهازية مع ~~عالم معقد. وقد كتبت ملايين الكلمات في هذا الموضوع. وليس ~~بوسعنا هنا إلا أن ننتقي بعض الملاحظات الواضحة. # ومن أوضح هذه الملاحظات، بل لعلها نوع من الأساس في المسيحية في ~~شتى صورها، ملاحظة يمكن أن نعبر عنها تعبيرا بسيطا إذا قلنا ~~إنها عدم الثقة بالجسد، ونبذ ما للشهوات الطبيعية البشرية، وما ~~للغرائز البشرية من قدرة على توجيه السلوك البشري. وقد ذكر انعدام ~~الثقة هذا بطريقة عقلية - وإن تكن من الواضح أقرب إلى أن تكون ~~أسلوبا عاطفيا عميقا منها إلى نظرية من النظريات - في أحد ~~تعاليم المسيحية الكبرى، وهو الخطيئة الأولى، أو «ميل الإنسان ~~الطبيعي نحو السوء» (وسوف نرى في فصل مقبل أن أشد أنواع الهرطقة ~~الحديثة هولا مما جابهته المسيحية المذهب الذي يقول ب «ميل ~~الإنسان الطبيعي نحو الخير»، وهو المذهب الذي شاع أول ما شاع بين ~~الناس في عصر النور في القرن الثامن عشر). وهذا الشعور بعدم الثقة ~~في الإنسان الطبيعي، الذي يتكون من لحم ودم، يسري خلال المسيحية ~~كلها، ويتخذ ms191 صورا متعددة. ويميل عصرنا هذا الذي تسوده آراء فرويد ~~إلى الاعتقاد بأن المسيحيين الأوائل كانوا مشتغلين بأمور الجنس، ~~وأن خطيئة آدم وحواء الأولى كانت الاتصال الجنسي، وأن الشهوة عند ~~الإنسان الطبيعي التي لا تضع المسيحية فيها أي نوع من أنوع الثقة ~~هي الشهوة الجنسية. وليس من شك في أن هناك جانبا كبيرا من الأدب ~~المسيحي يؤكد هذا الانطباع. ونستطيع من مجموعة هذا الأدب المسيحي ~~أن نستخلص عددا من الحالات التي قد يشغل تاريخها محللا نفسانيا ~~طوال حياته. # وقد يكون من الأقرب إلى الإنصاف أن نقول إن أكثر الفكر المسيحي ~~لا يضع ثقة في الإنسان الطبيعي كله - شهواته للطعام، والشراب، ~~واللعب، والقتال، والزهو، وكذلك الانهماك في الجنس. وقد كانت ~~المسيحية الكاثوليكية دائما تجعل مكانة للإنسان الفذ الذي يحب أن ~~يخضع الجسد، وإن كانت لم تشأ - بطبيعة الحال - أن تسمح للفرد ~~بإخضاع جسده إلى حد الانتحار. وكانت المسيحية البروتستانتية أقل من ~~ذلك نجاحا مع أمثال هؤلاء الناس الذين اضطروا في ظل البروتستانتية ~~إلى تحويل دافع الزهد عندهم نحو إصلاح سلوك الآخرين فوق هذه الأرض. ~~ولم تتخذ المسيحية الكاثوليكية أي إجراء بطولي مع الإنسان العادي. ~~والواقع أن أسلوب الحياة الكاثوليكية التقليدي لم يختلف - من ~~الناحية العملية - عن أسلوب الحياة عند الإغريق في عهد الثقافة ~~العظمى، كما قد يحسب رجل من رجال الفكر المحض، يبدأ بفكرة الخطيئة ~~الأولى وبالأدب المسيحي القديم. وقد ذكرنا أن الإغريقي في العصر ~~العظيم كان يرى أن الإفراط في الأكل والتفريط فيه، وأن النهم ~~والامتناع، هذا وذاك كلاهما شر، وأن الرجل العاقل يأكل باعتدال ~~ويتخير الطعام. وكذلك الأمر أيضا عند الكاثوليكي الطيب. وكان ~~النهم من غير شك عند المسيحي أسوأ كثيرا من الامتناع عن الطعام - ~~أو هو على الأقل أكثر احتمالا، وهو لذلك أشد خطرا. وبقي بعد هذا ~~في أساس المشاعر المسيحية (وربما كان في البروتستانتية وحدها) مما ~~يتصل بهذا الموضوع شيء ينعكس انعكاسا حسنا في القول المشهور: ~~«خير للمرء أن يأكل ليعيش من أن يعيش ليأكل.» ولكن الرأي القائل ms192 ~~بأن المسيحية عقيدة كئيبة، وأن المسيحي ليس له أن يستمتع بالطعام، ~~والشراب، وممارسة الحب، في هذه الدنيا، رأي خاطئ. إن الاتجاه نحو ~~الزهد موجود في المسيحية، وإذا أنت أصغيت إليه بأذن ودية، أو أذن ~~معادية، رن في أذنك في كلتا الحالتين. غير أن هناك نغمات كثيرة ~~أخرى، ترن في وقت واحد على أوتار معقدة تعقيدا لا ~~يصدق. # وثمة نغمة أخرى، وهي نغمة الإيثار، أو انعدام الشعور بالذات. ~~وهنا أيضا نلتقي بإحدى المشكلات المجردة الكبرى في الفلسفة، وهي ~~مشكلة الفردية أو الجماعية. وهنا أيضا نجد في أدب المسيحية الفخم ~~مجالا يكاد يكون كاملا، يمتد من طرف إلى طرف؛ فرأي يقول بأن ~~المسيحية عقيدة فردية جدا، تهتم بخلاص الروح عند كل فرد من ~~الأفراد. والمسيحي في لحظات التجلي ينفرد بالله، ويكون مسئولا ~~أمام الله وحده. والدولة، والمهنة، والأسرة، كلها أمور تشغل الذهن ~~في هذه الدنيا عن الطريق القويم. ويمكن أن نستشهد بيسوع ذاته ضد ~~روابط الأسرة: ~~«وإذ هو يتحدث إلى الناس تجد أمه وإخوته واقفين في الخارج، ~~يريدون أن يكلموه. فقال له أحدهم: انظر تجد أمك وإخوتك واقفين ~~في الخارج، يريدون أن يكلموك. ولكنه أجاب قائلا لمن سأله: من ~~تكون أمي؟! ومن يكونون إخوتي؟! ثم مد يده نحو تلاميذه، وقال: ~~هؤلاء هم أمي وإخوتي ... لأن من ينفذ مشيئة الآب في السماء يكون ~~أخي، وأختي، وأمي.» # ومع ذلك فإن هذا القول بعينه يشير إلى الطريق، إلى وجه من أوجه ~~الجماعية المسيحية؛ فالناس جميعا في الحياة المسيحية الصادقة ~~وحدة، وليست الجماعات الثانوية إلا انحرافات، بل هي أسوأ من ذلك؛ ~~فهي اتجاه نحو الذات المحبة لنفسها. والمهم أن يتجنب الفرد كل ~~ضروب الانتصار على الآخرين، وكل نجاح على أساس المضاربة، وكل أمر ~~من الأمور التي تثير ذاته وتزيد من حدتها. وكما أن المسيحية - ~~باعتبارها ديانة عظمى في هذه الدنيا - وبخاصة في صورتها ~~الكاثوليكية، لم تبالغ قط في الزهد، فكذلك نجد أنها لم تبالغ ~~قط في إبادة الذات الفردية. إن الأفراد المتنافسين قد اعترفوا ~~بالمسيحية في ms193 هذه الدنيا بنجاح تام. وحتى نابليون كان مسيحيا ~~بالاعتراف. ولكن المثل الأعلى لإنكار الذات كان - برغم هذا - ~~قائما. إن المسيحية تحاول أن تروض الجموح الشارد في الروح ~~الإنسانية المتنافسة، وتحاول أن تخضع حب التسلط الذاتي، ~~والتوحش، والزهو، والكبرياء. وغير ذلك من مظاهر «الإنسان الطبيعي»، ~~وهي مظاهر لا تثق بها كما لا تثق بشهواته الأبسط في الطعام، ~~والشراب، والجنس. # وثمة نغمة ثالثة في المسيحية، ليست إلا الوجه الآخر من انعدام ~~الشعور بالذات؛ فليس من واجب المسيحي أن يخضع ذاته فحسب، إنما ~~ينبغي له كذلك أن يفتح قلبه بالمحبة والرحمة لكل زملائه. وكثيرا ~~ما كان العقليون المحدثون يصعقون عندما يعرفون أن بعض المسيحيين ~~يحرقون، ويسجنون، أو - إن لم يفعلوا ذلك - يكبتون زملاءهم ~~الذين يختلفون معهم في الأمور التي تتعلق بأصول الدين. كان ~~العقليون يصعقون لذلك حتى لقد رفضوا أن يستمعوا إلى نغمة الحب (أو ~~الإحسان) هذه في المسيحية، ولكن الحب قائم، والمسيحية بدونه لا ~~تتم. وليست هذه النغمة هي بعينها التي نسميها اليوم الإنسانية ~~العاطفية. وهي ليست نغمة الإشفاق بصوره المختلفة: على المجرمين، ~~والعاجزين، والفاشلين، وكل أولئك السفلة الذين نتعرف إليهم بين ~~المصلحين الصليبيين من أي نوع من الأنواع، وذلك لأمر واحد، وهو أمر ~~هام؛ ذلك أن المسيحي يجب عليه أن يحب السفلة كما يحب العلية، وهو ~~واجب يبدو أن أكثر الإنسانيين الدنيويين لا يقرونه. إن الرحمة ~~الممزوجة بالمحبة - بكل ما لها من علاقات بالعواطف الرقيقة - فيها ~~مسحة من الشدة، ومن الاستسلام، والخضوع في وجه عالم لا يتشكل كله ~~بإرادة الإنسان؛ لأن المسيحي ينظر إلى الخطيئة كأنها حقيقة، ولا بد ~~له من العفو عن المذنب، ولا بد له من الإشفاق عليه، أو لا بد له في ~~الواقع أن يحب المذنب بشكل ما. ولكنه لا يحب المذنب لذنبه، وهو إذ ~~يمقت الذنب لا بد له أيضا من أن يمقت المذنب بشكل ما. وفوق هذا ~~كله لا ينبغي له أن يعتبر الذنب وهما، أو نتيجة لبيئة مادية ~~واجتماعية سيئة فحسب، أو نتيجة لعوامل إنسانية ms194 بحت. فالرحمة ~~الممزوجة بالمحبة عند المسيحي إذن لا يمكن أن تكون تفاؤلا عاما ~~فيما يتعلق بكمال الإنسان، ولا يمكن كذلك قط أن تكون محض ~~إنسانية. # ونغمة رابعة تسري في المسيحية، هي انعدام ثقتها بضروب معينة من ~~التفكير. وهنا نلتقي بصعوبات تتعلق بمعاني الألفاظ، كما نلتقي ~~بالصعوبات العادية فيما يتصل بمدى التفكير المسيحي وعالميته. إن ~~المسيحية ليست ضد الفكر بمعنى مبسط؛ فلقد رأينا من قبل أن أصولها ~~الدينية بناء عقلي على كثير من الدقة والتعقيد. وسوف نرى أن ~~المسيحية المنظمة لما بلغت أوجها في العصور الوسطى أولت العقل ~~تقديرا كبيرا. ولكن المسيحية كانت دائما تعدم الثقة في نوع ~~التفكير الذي تسميه اليوم «التعقل»، وكانت دائما تخشى أن يستبعد ~~العقل البشري بتفكيره عنصر ما وراء الطبيعة. ومن ثم فإنه وإن ~~يكن من الظلم الفاحش للمسيحية أن نقول إنها كانت دائما تقف في وجه ~~الحرية العقلية الكاملة، ومن الظلم الفاحش أن نقول إن العلم الحديث ~~قد تطور رغما عما في المسيحية من غموض، أقول إن كان هذا أو ذاك ~~من الظلم، إلا أن في كلا هذين الحكمين المتطرفين مسحة من الصدق؛ ~~فالمسيحي - على أقل تقدير يجب عليه عند نقطة معينة أن يبدأ في ~~الإيمان بما لم تقم الدليل عليه تجربته الحسية، وأدواته، ~~وعلمه. والواقع أن المسيحي يرى في العقل المحض تقريرا من المتعقل ~~لذاته غير مستحب، أو ربما يرى فيه إثما أسوأ من تقرير الذات الذي ~~يبديه الرجل الحسي أو المتظاهر. إن الرجل الطبيعي يستطيع أن يفكر ~~كما يستطيع أن يشتهي. ولا يستطيع أن يكون ذا إيمان إلا الرجل ~~الروحاني، ولا يستطيع غيره أن يملك «مادة الأمور التي يضع فيها ~~آماله، والدليل على الأمور التي لا ترى»؛ لأن المسيحية خلال ~~عصورها كلها آمنت إيمانا ثابتا بوجود الله. وهذا الكون في نظر ~~المسيحي مشكلة في نهاية الأمر - مشكلة عقلية، كما هي مشكلة خلقية ~~وعاطفية. وهناك إله لا يجد مشكلة في أي أمر من الأمور، إله - إذا ~~أجزنا لأنفسنا أن نستخدم في وصفه تعبيرا بشريا ms195 - يفهم الكون. ~~وليس بوسع الناس أن يضعوا أنفسهم في مكان الله، وهم لا يستطيعون ~~ذلك قطعا بنوع النشاط الذي يألفونه في علاقاتهم اليومية بعضهم ~~ببعض فوق هذه الأرض. وإنما يستطيعون عن طريق تدخل الإله تدخلا ~~حرا معجزا أن يكتسبوا - بلون آخر من ألوان النشاط. نوعا من ~~الوثوق يتجاوز ما نسميه المعرفة. # يستطيعون أن يكونوا على ثقة - وإن كانوا لا يستطيعون أن يعرفوا ~~كما يعرفون مثلا أن شجر البلوط ينمو من جوزة البلوط - من أن الله ~~موجود، وأن الكون ليس بالمكان المحير، أو حتى المعادي، كما يبدو ~~للرجل حينما يفكر، أو يدبر، أو يساوره القلق، وأن الكون حقا قد ~~خلق للإنسان ولقصة خلاصه. ونوع النشاط، وحتى «النشاط» هنا كلمة ~~يشك في استعمالها من ناحية الأصول الدينية، الذي يصل الناس عن ~~طريقه إلى الوثوق، يجب أن يكون له اسم من الأسماء - على الأقل ~~كأنواع النشاط البشري الأخرى، ما دمنا نحن البشر مرتبطين بالألفاظ ~~بدرجة ليس منها مفر. هذا النشاط نسميه «الإيمان» وهو ليس ~~بالتفكير، أو الشعور، أو أي شيء آخر يستطيع السيكولوجي أو ~~الفسيولوجي أن يحققه في معمله، كما لا يستطيع الكيموي في معمله أن ~~يحقق معجزة العشاء الرباني. # المسيحي إذن يتشبث بوجود الله، ويثبت على الاعتقاد بأن هذه ~~الدنيا، دنيا الحواس، ليست بالكون كله، ولكن المسيحية - وهذه هي ~~النغمة الأخيرة التي سوف أطرقها - تعزو إلى عالم الحواس أهمية ~~عظمى، ودرجة كبرى من الواقعية؛ فهذه الدنيا هي المكان الذي يمتحن ~~فيه المرء لدخوله في العالم الآخر. إن إيمان المسيحي الذي جاهدنا ~~فيما سلف أن نفصل فصلا تاما بينه وبين أنواع النشاط البشري ~~الأخرى، يعلمه أن أنواع النشاط الأخرى هذه لا غنى عنها لخلاصه، ~~وأنه لا بد من إحكام قيادتها هنا في هذه الدنيا. إن المسيحي الطيب ~~رجل طيب، وأقصد أنه طيب بالمعنى الذي أوضحه رجال الأخلاق من ~~الإغريق والعبرانيين وضوحا تاما. # ولكن المسيحي - فوق هذا - يريد غيره من الناس أن يكون طيبا. إنه ~~يريد أن يجعل هذا العالم الناقص أقرب ما يكون ms196 إلى ذلك العالم ~~الكامل الذي يحدثه عنه إيمانه. # إن المسيحية عقيدة مصلحة جدا من الناحية الخلقية، وهي - كما ~~سوف نرى بالتباين عندما نبلغ العقيدة المتفائلة في الكمال الإنساني ~~الذي نادى به أسلافنا في عصر النور في القرن الثامن عشر - عقيدة ~~متشائمة من عدة نواح، ليس لديها أفكار محسوسة خاصة بها تتعلق ~~بالتقدم في هذه الدنيا، في حين أن لديها أفكارا محددة جدا ~~بشأن هذه الدنيا باعتبارها، واديا لا بد أن تسيل فيه الدموع. ومع ~~ذلك فقد كانت المسيحية قبل القرن الثامن عشر بوقت طويل، وقبل ظهور ~~نظريات التقدم أو التطور والإيمان بها بوقت طويل أيضا، ديانة ~~مصلحة من الوجهة العملية، يهمها أن تجعل هذه الدنيا مكانا أفضل ~~للبشر، مكانا أكثر سلاما، وأكثر رفاهية، وأكثر ودا، وأكثر رقة ~~مما هو. كانت المسيحية تؤمن بالإصلاح، إن لم تؤمن بالتقدم ~~الحتمي. # وبالرغم من أن التواضع من أعظم فضائل المسيحية، إلا أن المثل ~~العليا لأسلوب الحياة المسيحية تبدو «أرستقراطية» للناظر إليها من ~~الخارج، وهي على الأقل أرستقراطية مثلما كان المثل الأعلى لأسلوب ~~الحياة عند الإغريق؛ فإن ترويض شهوات المرء الكبرى، والقضاء بتاتا ~~على الشهوات الأخرى التي لا تظهر ظهور الشهوات الحسية، كشهوة ~~الشهرة، والثراء، والنفوذ، والموازنة الدقيقة بين العقل والإيمان، ~~والعمل الثابت مع تصور العطف دائما نحو الزملاء حتى تكون هذه ~~الدنيا مكانا أفضل؛ إن مثل هذا العيش لم يكن قط ممكنا للغالبية ~~العظمى من الناس. ولكن المسيحي برغم هذا لا بد أن يأمل دائما أن ~~يعيش الناس جميعا على هذه الصورة. وهنا نلمس الفارق الحقيقي بين ~~المثل الرفيعة الشاقة التي سادت العصر الأعظم في تاريخ الإغريق، ~~وبين مثل تلك المثل في المسيحية. إن الرجل المهذب الإغريقي - ~~كما يتمثل في أرسطو - لا يأمل أن يرفع الجماهير إلى معاييره، ~~ويكفيه أن يعدوا الأساس المادي الذي يمكنه من أن يحيا حياة ~~الجمال والخير. أما «الرجل المهذب» المسيحي فلا يمكن أن يكون كذلك ~~بالمعنى الذي اكتسبته هذه الكلمة في عصرنا، وهو المعنى المحدود ~~الذي فيه شيء من ms197 التعالي. إنما هو يريد للعالم كله أن يكون ~~مسيحيا. ولا بد له من أن يمد المعايير الأرستقراطية إلى مستوى ~~ديمقراطي. # ونستطيع بصفة عامة جدا أن نقول إن «المسيحية» المنظمة - ~~بروتستانتية وكاثوليكية - قد أنجزت ما كان قادتها يرونه توفيقا ~~بينها وبين هذه الدنيا، دنيا اللحم والدم، وإنها لم تحاول أن تفرض ~~الاتجاه نحو الزهد عنوة، أو تفرض إنكار الذات إنكارا تاما، أو ~~حب الزملاء، أو تجاوز العقل المتحفظ في استعلائه وتصوفه، أو ~~الرغبة القوية في القيام برسالة تطهير هذه الدنيا القذرة؛ ~~فالمسيحية خففت وطأة الريح على الحمل الذي جذ شعره، بل ~~وخففت قطعا. باعتراف خصومها - وطأة الريح على راعي الحمل. أي ~~إن الكنيسة قد قبلت عالم الغني والفقير، والقديم والمذنب، كما هو، ~~ولم تتطلع إلى أكثر من أن تبقى الأمور على أرض مستوية إلى حد كبير. ~~أما مسيحية كل يوم، التي تخلو من البطولة، فقد تعرضت طوال القرون ~~لنوعين من الهجوم: هجوم من الداخل، وهجوم من الخارج. # أما الهجوم من الداخل فمأتاه رجال ونساء يريدون أن يدفعوا ~~المسيحية فوق هذا التوفيق مع اللحم والدم. وليس من شك في أن محاولة ~~فهم التجربة المسيحية من الخارج بالطرق التاريخية الطبيعية، يشوه ~~هذه التجربة. ولكنا يجب أن نتمسك بالتجربة الأخيرة؛ فمن ناحية من ~~النواحي، وهي الناحية التي اخترنا هنا عمدا أن نسير وفقا لها، ~~كان سنت فرانسيس الأسيسي، وكالفن ووزلي، ومسز ماري بيكر إدي - مهما ~~اختلفت تجربتهم المسيحية الباطنية - مسيحيين هاجموا جميعا ~~المسيحية الرسمية القائمة باسم مسيحية أنقى وأعلى في مثاليتها. ~~وفيما خلا ذلك كانوا - بطبيعة الحال - أشخاصا مختلفين. وعملهم في ~~هذه الدنيا شديد الاختلاف. ولكن نمط التفكير يجب أن يتضح؛ ذلك أن ~~الكنيسة في لحظة معينة من الزمان والمكان تبدو لأحد أعضائها غير ~~مخلصة للمثل المسيحية؛ فهي تظهر كأنها تسمح للمسيحيين أن يزدادوا ~~قوة وثراء، وتسمح لهم بارتكاب الزنا، وتسمح لهم بالتخمة والكبرياء، ~~وأن يكونوا عاديين، ما داموا يرودون الكنيسة. وهذا ما لا يطيقه ~~الثائر؛ فهو يعود إلى المسيح، ويطهر المسيحية من انحلالها، ms198 ويحث ~~العامة من الرجال والنساء أو يوحي إليهم أن يأخذوا دينهم مأخذ ~~الجد. # وهذا الثائر المثالي مشكلة دائمة للمحافظين الذين يديرون الكنائس ~~المسيحية، كاثوليكية كانت أم بروتستانتية، كما يديرون في الواقع ~~أكثر المؤسسات البشرية. وليس من شك في أن الكثيرين من هؤلاء ~~المحافظين يقولون كذلك - أمام الجمهور على الأقل - إن هذا الثائر ~~هو بوجه عام باعث على التنبيه والإيحاء. ومهما يكن من أمر فإن على ~~المحافظ أن يقابله. وقد كانت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية حتى ~~لوثر تنجح عادة - ولا تنجح دائما - في ترويض هؤلاء الثائرين، وفي ~~امتصاصهم في جسم التقاليد المسيحية، التي كانوا من غير شك يؤدون ~~فيها عملية التخمير التي لها قيمتها. هكذا يبدو للخارجي - على سبيل ~~المثال - مصير سنت فرانسيس الأسيسي، الذي ربما انصرف إلى الهرطقة ~~لو أن سلطات الكنيسة عاملته بصرامة أشد. أما لوثر فإن المثاليين ~~المسيحيين والمجددين الأكثر تطرفا كانوا في الواقع من المنحرفين ~~- وقد ثاروا فعلا على الكنائس التي لم تكن لها - فيما يبدو - ~~عقائد ثابتة يثور المرء عليها. وفيما دون هؤلاء الثائرين ~~المتطرفين، الذين كانوا كذلك مثاليين متطرفين، كان هناك دائما ~~مسيحيون ممن يمارسون المسيحية يسمون فوق المستوى غير البطولي ~~للمسيحية العادية - وهؤلاء رجال ونساء لا يكفون عن حث زملائهم ~~على حياة أقرب - على الأقل - إلى المثل المسيحية من حياة ~~الغالبية. # أما الهجوم من الخارج فهو ينبذ المثل المسيحية، أو كثيرا ~~منها، وكان لا بد للمسيحية المنظمة أن تواجه صعوبة التوفيق بين ~~مثلها الأرستقراطية وبين ضرورة الوصول إلى المبتذل وقبول هذه ~~الدنيا الناقصة بعض القبول، وكان عليها كذلك أن تواجه رجالا لا ~~يحبون مثلها، حتى المخففة منها التي قبلتها المسيحية في أكثر ~~الأحيان من الناحية العملية. وكان هؤلاء الخصوم عديدين متنوعين، ~~وبخاصة عندما تمتعوا بشيء من حرية الكلام في الأربعمائة السنة ~~الأخيرة أو ما يقرب منها. وكان من بين هؤلاء دعاة مذهب اللذة، ~~والطبيعيون، وهم أولئك الرجال الذين يعتقدون أن الكائنات البشرية ~~يجب أن تعمل ما تشاء بقدر استطاعتها، وأن الحاجات البشرية طيبة في ~~أساسها، ms199 وأن الجسم البشري شيء جميل، وأن الملذات الجسدية شيء كذلك ~~جميل، هؤلاء هم الرجال الذين يرون المسيحية، حتى في ممارستها ~~العادية ، كئيبة، زاهدة، غير واثقة بالجسم وملذاته. وقد كان من بين ~~خصوم المسيحية الماديون الفلسفيون، وأصحاب العقول الجامدة الذين لا ~~يحبون أفلاطون ومؤلف أو مؤلفي الإنجيل الرابع، والوضعيون الذين ~~يستنكرون مثل هذه الألفاظ، والروح، والإيمان والنفس. وكان من بينهم ~~كذلك المتشككون الحقيقيون، وهم رجال لا يثقون بالسماء كما لا ~~يثقون بهذه الدنيا، وكان من بينهم كذلك كل من ينكر إمكان وجود ~~ما فوق الطبيعة، أو المعجزة، أو المقدس - على اختلاف آرائهم ~~الوضعية في الكون. وكان من بينهم أيضا العاطفيون الإنسانيون الذين ~~ينبذون مذهب الخطيئة الأولى فيعتقدون تبعا لذلك أن الناس طيبون ~~بالطبيعة، وأن بعضهم لا يتصف بالخبث إلا لأن المجتمع يريد لهم أن ~~يكونوا كذلك. # وقد كان للهجوم من الخارج في القرون القلائل الأخيرة من الأهمية ~~ما لم يكن له منذ الأيام الأخيرة من عهد الوثنية الإغريقية ~~الرومانية. وكان على المسيحية في الأزمنة الحديثة لا أن تقابل ~~هؤلاء وحدهم، من أمثال سنت فرانسيس، الذي كان يرى أن المسيحيين لا ~~يشبهون المسيح بدرجة كافية، إنما كان عليها أن تقابل أولئك الذين ~~كانوا يرون أن المسيح نفسه أسطورة، أو رجلا جريئا في الرأي، أو ~~بدائيا، أو حتى رجلا منحرف التفكير. كان على المسيحية في إيجاز ~~أن تقابل تحديات كثيرة وأن تواجه جبهات متعددة. وقد شغلت قصة أصول ~~هذه التحديات أو قصة نشأتها، وصراعها مع قيم المسيحية القائمة، ~~مكانة رئيسية في تاريخ الفكر في بلاد الغرب. # الفصل السادس # | العصور الوسطى (أولا) # إن مصطلح «العصور الوسطى» هو في ذاته حكم على قيمتها. وقد كان هذا ~~الحكم أصلا محطا من شأنها. ويمثل هذا المصطلح ما كان يعده ~~واضعوه فترة امتدت ألف عام، وكانت أشبه بالوادي أو المنخفض بين قمتين ~~شاهقتين: إحداهما تمثل الماضي، والأخرى تمثل الحديث. وقد شاع ~~استخدام هذا المصطلح، كما شاعت لفظة «الوسيط» التي اشتقت منه وذاع ~~بين الناس في عصر النور في ms200 القرن الثامن عشر. ولما حل القرن التاسع عشر ~~تأكد هذا التقسيم الثلاثي إلى القديم، والوسيط، والحديث، حتى لقد ~~استخدمه رجال الغرب في تواريخ أخرى مثل تاريخ الصين؛ حيث لا يكون له ~~أي معنى من المعاني البتة. # وللتسمية التقليدية الثابتة على كل حال ميزة واضحة؛ فهي تفقد أكثر ~~ما في مضمونها الأول من معنى الثناء أو الهجاء. ونحن ننظر إلى «الوسيط» ~~اليوم على أنه يدل في التاريخ الأوروبي على وجه التقريب على ألف العام ~~التي تمتد من عام 500م إلى عام 1500م. ولا تزال قرونه الأولى فيما بين ~~عام 500م وعام 900م أو 1000م تعرف بالعصور المظلمة، وهو اصطلاح لم ~~يستطع حتى استعماله الدائم أن يمحو عنصر الهجاء فيه. وتعتبر العصور ~~الوسطى الحقيقية فترة تمتد من شرلمان في القرن التاسع إلى كولمبس في ~~القرن الخامس عشر، مع شيء من التداخل وعدم الدقة. وكما أن القرن الخامس ~~قبل الميلاد يعتبر عادة عصر ازدهار ثقافة المدينة الحكومية اليونانية، ~~فكذلك يعتبر القرن الثالث عشر عادة عصر ازدهار ثقافة العصور الوسطى. ~~وأخيرا أود أن أقول إن هذه الثقافة كانت ثقافة الجزء الغربي من ~~الإمبراطورية الرومانية، بالإضافة إلى الامتداد الجديد الذي شمل وسط ~~أوروبا، وأيرلندة، واسكتلندة، وإسكنديناوة. أما الجزء الشرقي من ~~الإمبراطورية، الذي طالما اعتدى عليه السلاف، والعرب، والأتراك، فقد ~~لبث في القسطنطينية حتى عام 1453م. ~~غير أن تاريخه هو في الواقع تاريخ مجتمع منفصل، بل إن تأثيره الثقافي ~~المباشر في الغرب ربما كان أضعف من تأثير الإسلام. # وقد اختلف الحكم على العصور الوسطى اختلافا كبيرا في القرون ~~القلائل التي أعقبت نهايتها. إن الثقافة الإغريقية الرومانية لم تهاجم ~~إلا منذ عهد قريب جدا. ولم يتصد للهجوم عليها إلا أولئك الذين ~~يزدرون التربية الكلاسيكية، في حين أن الكتاب والفنانين في القرنين ~~الخامس عشر والسادس عشر في ذيول العصور الوسطى بدءوا فعلا ينظرون بعين ~~الاحتقار إلى أسلافهم في تلك العصور. وكثير من القذف المعروف الذي ~~وجه إلى ثقافة العصور الوسطى، كذلك الذي يقال من أن فلاسفة تلك ~~العصور ms201 كانوا ينفقون وقتهم في جدل يدور حول عدد الملائكة الذين ~~يستطيعون أن يقفوا على طرف دبوس، يرجع في أصوله إلى هذه السنوات الأولى ~~من الأزمنة الحديثة. أما القذف الذي شاع في العصر الحديث على العصور ~~الوسطى فقد تميز بعبارات كهذه: «ألف عام من غير حمام». بل إن صفة ~~«غوطي» ذاتها التي نستخدمها اليوم بنغمة الثناء على فن العمارة في ~~العصور الوسطى، كانت في بداية الأمر اصطلاحا ينطوي على الازدراء، ~~ويعادل قولنا «بربري». # وقد هبطت سمعة العصور الوسطى إلى أدنى درجاتها في منتصف القرن الثامن ~~عشر، «عصر النشر والعقل». ثم أغرمت الحركة الرومانتيكية في الجيل ~~التالي، التي تزعمها سير ولتر سكوت، بشعر العصور الوسطى وبما حسبوه لا ~~معقولا فيها. وبدأ الناس فعلا في إعادة البناء على النمط الوسيط. ~~ويقال إن الدرجات الحجرية الغوطية الجديدة في إحدى الجامعات الأمريكية ~~المعروفة قد جوفت عمدا كي تبدو قديمة من فعل الأجيال العديدة التي ~~استخدمتها، كما ينبغي أن تبدو الدرجات الغوطية، وكذلك الصبية خلال ~~الإحياء الرومانتيكي لروح العصور الوسطى مثلوا في ألعابهم روبن هود، ~~كما أن من يكبرونهم زخرفوا المخطوطات وكتبوا القصص الشعرية. # ثم كانت هناك في أخريات القرن التاسع عشر حركة مضادة أخمدت هذه ~~الحماسة للعصور الوسطى، وإن لم تطفئها تماما. أما الطالب الأمريكي ~~المتوسط اليوم فلا يكترث مطلقا بالعصور الوسطى. وهو على الجملة يميل ~~إلى الحكم عليها حكما غامضا ويصمها بالتأخر والخرافة. ولكن الأقلية ~~من العشاق والكارهين تعبر عن نفسها تعبيرا واضحا، وكلاهما يمدنا ~~بمشكلتنا الكبرى في هذا الفصل. ويرى بعضهم، وأكثرهم - وإن لم يكونوا ~~كلهم - من الرومان الكاثوليك، أن العصور الوسطى والقرن الثالث عشر خاصة ~~- تمثل قمة العمل الإنساني، وهي مجتمع وإن يكن بغير الثراء الحديث ~~والتكنولوجيا العلمية، إلا أنه يقوم على أساس اجتماعي وخلقي متزن، وعلى ~~عدالة اجتماعية عملية، وأسلوب مسيحي من العيش فيه أكثر من عوض عن ~~اختفاء الوفرة المادية. ويرى آخرون، وأكثرهم - وإن لم يكونوا كلهم - من ~~الوضعيين، الراديكاليين، المضادين للمسيحية، المؤمنين بالتقدم ~~إيمانا جازما، أن العصور الوسطى زمن ms202 بربري، متخلف، يعتقد في الخرافة، ~~وتسوده الفوارق الطبقية، وهي عصر آلام للكثرة من الناس، وعصر عنف ~~وتظاهر كاذب للقلة منهم. وكل من هاتين النظرتين يهدينا إلى عناصر ~~هامة تعيننا على فهم العصور الوسطى، وكلاهما إذا أخذ ككل بغير تعديل ~~بعيد عن الصواب. # مؤسسات الثقافة في العصور الوسطى # أول ما يجب أن يتضح في الأذهان فيما يتعلق بثقافة العصور الوسطى ~~هو أنه كان من المحتم عليها أن تبني في بطء على ما ليس من باب ~~المجاز أن نسميه بالخرائب. وقد شهدت العصور المظلمة - بالرغم من ~~أنها لم تكن منقطعة الصلة تماما بمجموعة الخيوط المعقدة التي ~~تربطنا بالماضي - انقطاع جميع هذه الخيوط تقريبا ونحولها. وليس ~~بوسعنا هنا أن نحاول قياس مدى هذا الانقطاع. ولعله كان كاملا في ~~المستويات العليا من السياسة والإدارة والحياة الاقتصادية، ولم يكن ~~بمستطاع أحد أن يقوم بعمل على نطاق واسع - في التجارة، أو شئون ~~الدولة، أو الاجتماع على أية صورة من الصور - سوى الكنيسة ~~الكاثوليكية بطبيعة الحال. وبقيت الكنيسة خلال هذه العصور المؤسسة ~~«الأوروبية» الوحيدة التي كانت تعمل فعلا، والتي كانت متماسكة ~~فعلا؛ إذ إنا لا نستطيع أن نعد تقاليد الإمبراطورية ~~الرومانية، أو حتى قوانينها، من المؤسسات المستقرة الفعالة ذات ~~الأثر في هذه القرون. ويبدو أن بعض البلديات الرومانية على الأقل ~~قد استمر، وحتى الكنيسة قد جمعت بحلول القرن العاشر عددا من ~~المساوئ، مثل زواج القسس أو اقتنائهم المحظيات، وبيع وظائف ~~الكنيسة، والعلمانية بجميع ضروبها، مما كان يتطلب الإصلاح ~~العاجل. # وقد اختفت من أوروبا بهذه الصورة كل مظاهر الحضارة المدنية ~~تقريبا. ولم تعد المدن في غرب أوروبا سوى أسواق محلية. وأما تلك ~~المدن التي كانت تقترب من تصورنا للحياة المدنية فقد كانت عادة ~~مراكز لإدارة الكنيسة، ومقرا للأساقفة وكبار الأساقفة، أو كانت ~~تنمو حول مراكز الأديرة العظمى. وكان الناس في أغلب الأحيان يعيشون ~~في قرى زراعية صغيرة تكتفي بذاتها من الناحية الاقتصادية. وندرت ~~التجارة، وانحصر أكثرها في أدوات الترف، أو في المعادن اللازمة ~~لتسليح السيد الإقطاعي وصنع سيوفه. ms203 وحتى الطرق الرومانية قد ~~هجرت، وانحصر الارتحال في السير على الأقدام أو على ظهور الخيل. ~~وانقسم المجتمع انقساما واضحا إلى الرؤساء المحاربين الإقطاعيين ~~والفلاحين وأرباب الحرف. وكادت تنعدم الطبقة الوسطى. واقتتل ~~الرؤساء المحاربون فيما بينهم، مما كان يؤثر عادة في ضعف محصول ~~العامة وفيما يملكون. ولكن الفلاحين على الأقل لم يتحتم عليهم ~~القتال. # أما في فترات الهبوط في القرن السابع أو القرن العاشر، فقد تم ~~انقطاع خيوط ثقافية أخرى كثيرة، واحتفظت الكنيسة بالتفكير الرسمي، ~~ولم تختف اللاتينية اختفاء تاما قط. غير أن لاتينية العصور ~~المظلمة كانت - على أية حال - لاتينية مبسطة ولا تسير أحيانا ~~وفقا لقواعد اللغة. وقد اهتمت الكتابة الجديدة كلها تقريبا بأمور ~~الدين، وكانت في أغلب الأحيان مجرد جمع لأعمال قديمة وشرح لها. ~~أما ما يسمى أحيانا بالنهضة الكارولنجية في القرنين الثامن ~~والتاسع، التي ترتبط بالإمبراطور شرلمان، فلا تكاد تعدو مجرد إحياء ~~مبدئي للاتينية تكون أشد التزاما لقواعد اللغة، وبداية للتربية ~~الرسمية التي تتميز بها العصور الوسطى، والتي سوف نعود إليها بعد ~~حين. # ولكنا يجب ألا نغالي؛ ففي القمة كانت الكنيسة الكاثوليكية ~~متماسكة، وفي الأسفل، في الحياة المحلية، في الأمور التي تمس حياة ~~الفرد، كانت هنالك خيوط كثيرة متماسكة. وربما كانت وسائل الحصول ~~على العيش في جملتها أقل معاناة مما ظن مؤرخو القرن التاسع عشر. ~~وبالرغم من أن المهارات الزراعية قد هبطت عن أعلى مستوى روماني، ~~فإن هذا المستوى كان أبعد ما يكون عن الانتشار الكامل في ~~الإمبراطورية، وربما عانت كذلك المهارات الفنية بالمعنى التقني، ~~كما أن الخيوط التي تربط الأستاذ بالتلميذ قد وهنت، ولكن ما برح ~~هناك - بالرغم من هذا - شيء من النحت في الحجر على مستوى ممتاز في ~~كل قرن من القرون تقريبا. ولعل الرغبة في الإخلاص لنقل الطبيعة في ~~الفن نقلا فوتوغرافيا قد اختفت. ولكن القدرة عليها ما زالت ~~قائمة. ومع أن مهارات الصانع العادي في النسج، والأسلحة ~~والأثاث، وما إلى ذلك، قد اخشوشنت، إلا أنها لم تختف على الإطلاق. ~~وقد أدخل الرهبان الذين طهروا ms204 الغابات وجففوا المستنقعات وسائل ~~جديدة، وحسنوا، واخترعوا. # وأخذ هيكل الحضارة برمته يعود تدريجا، ولم يعد ينكر وجود ~~ثقافة كاملة التطور في ذروة العصور الوسطى؛ أي في القرن الثاني ~~عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، إلا من يكره كل شيء وسط كراهية ~~عمياء. وقد بلغت الثقافة في مراكز هذا العالم الجديد في فرنسا، ~~وإنجلترا، والأراضي المنخفضة، وشمالي إيطاليا، والراين - من ~~الناحية المادية - مثل ذلك المستوى الذي بلغه الإغريق والرومان. ~~أما من الناحية العقلية والناحية العاطفية فإن هذه الثقافة الجديدة ~~تمثل أسلوبا من الحياة، لا يزال يفتتن به الكثيرون حتى اليوم ~~كما ذكرنا. # وبقيت الكنيسة في ذروة العصور الوسطى المركز العظيم للحياة ~~العقلية. وظهرت في المجتمع الغربي لأول مرة تربية منظمة متدرجة ~~تخضع للرقابة العامة. ولم تكن تربية عالمية، ولكنها كانت تربية ~~متاحة للصبيان الأذكياء حقا - المنكبين على الكتب (ولم تتح ~~للبنات بطبيعة الحال)، حتى من كان منهم من أدنى الطبقات. ولم يكن ~~الإشراف العام من حق مراقبة بيروقراطية وحيدة، كمراقبة الولاية، ~~على التعليم. وإنما كانت للكنيسة الكاثوليكية، بأعضائها العديدين ~~للتربية والإدارة، وبأكليروسها المنظم تنظيما يدعو إلى الإعجاب، ~~وبرأسها الأعلى ممثلا في البابا. # وقد نشأت المدارس الأولية حول مراكز الأديرة، أو كملحقات ~~للكاتدرائيات وأحيانا كمدارس في المدن. وكانت تعلم مبادئ ~~الأشياء، واللاتينية خاصة، التي لم تعد لغة للكلام العام اللهم ~~إلا فيما بين العلماء، فقد كانت بالنسبة لهؤلاء لغة للكلام كما ~~كانت لغة للكتابة، وكان الأذكياء من الصبية الصغار يبدءون تعلمها ~~في سن جد مبكرة. أما تعليم الطبقات العليا، الذي أهمل في العصور ~~المظلمة، فقد انتهى تدريجا إلى معرفة القراءة والكتابة أو شبه ~~المعرفة بهما لعدد كبير من النبلاء، ولكن حتى في هذه الحالة، فإن ~~أكثر تعليم الطبقة العليا كان في الصيد وفنون الحرب وفي التدريب ~~على إدارة الضياع. # أما المؤسسة التربوية التي تتميز بها العصور الوسطى، والتي تعد ~~من ميراثها العظيم، فهي الجامعة. ولا يلي الكنيسة الكاثوليكية ~~الرومانية ذاتها سوى بعض الجامعات، في باريس، وأكسفورد، وبولونيا ~~على سبيل المثال، من حيث كونها ms205 أقدم المؤسسات البشرية المتصلة في ~~العالم الغربي في يومنا هذا (وقد يقال إن فرنسا وإنجلترا أقدم ~~كأمم، ولكنهما لم تكونا بالتأكيد مؤسستين متصلتين من الناحية ~~السياسية). وقد نشأ أكثر هذه الجامعات في وقت مبكر جدا في العصور ~~الوسطى، كمدارس كنسية أو ما يشبه ذلك. ولما حل القرن الثاني عشر، ~~والقرن الثالث عشر، بلغت شكلها الذي تميزت به، وهو عبارة عن رابطة ~~رسمية من المدرسين والدارسين في كل متحد يتمتع بتحرر كبير ~~من السلطات السياسية، ويتمتع على الأقل بحرية الكيان في داخل ~~النظام الكنسي. وكانت هذه الجامعات، بعد امتحان صحيح، تمنح الدرجات ~~العلمية، وتمنح درجة الأستاذية في الآداب التي تؤهل الحاصل عليها ~~لأكثر الوظائف الثقافية، غير أن درجة الدكتوراه سرعان ما أنشئت ~~لتكون مؤهلا لأعلى الوظائف. # وكانت هذه الجامعات تعلم أقصى ما وصلت إليه الموضوعات التي ~~كانت تتألف منها القاعدة الثابتة للتربية الرسمية في العصر الوسيط، ~~وهي تتكون من مجموعتين: الأولى رباعية وتشمل الهندسة والفلك ~~والموسيقى والحساب؛ والثانية ثلاثية وتشمل قواعد اللغة والمنطق ~~والبلاغة، وأرجو ألا تضللنا هذه الأسماء الرسمية؛ فالواقع أن أكثر ~~ما لا يزال يكون قاعدة التربية الحرة يقع متخفيا تحت هذه ~~الأسماء الغريبة. ويلاحظ أن العلوم التجريبية غير موجودة، وكذلك لم ~~توجد - بطبيعة الحال - الموضوعات العملية المتنوعة تنوعا ~~مدهشا، من الآلة ذات الاحتراق الداخلي إلى النجاح في الزواج، التي ~~دخلت بطريقة ما في مناهج التعليم الأمريكية الحديثة. وبعدما كان ~~الطالب في العصور الوسطى يتم تأسيسه في اللاتينية كلغة حية للبحث ~~وكأدب، ويتمه في العلوم الرياضية، وهي المجموعة الرباعية، يحق له ~~أن يبدأ بدراسة إحدى المهنتين اللتين تطلبان المعرفة فعلا، وهما ~~القانون والطب، أو يحق له أن يلتحق بما يعادل في أساسه دراستنا في ~~الفلسفة والأدب التي يقوم بها الطالب بعد التخرج. والفلسفة والأدب ~~«اللاتيني» كلاهما كان أمرا مقيدا بالنسبة إلى الدارس الحديث ~~الذي ألف قائمة الاختيار المطولة التي تشمل عدة موضوعات للدراسة ~~في المدارس العليا الحديثة. غير أن الفكر الرسمي في العصور الوسطى ~~كان يتناول - كما سوف نرى ms206 - كل مشكلات المعرفة الكبرى. # ولما حل القرن الثالث عشر كان العمل العلمي قد أمسى جزءا ~~معترفا به كل الاعتراف من التنظيم الاجتماعي في العصور الوسطى في ~~المستوى العقلي، فكانت هناك وظيفة الإدارة السياسية، ووظيفة ~~القسيس، ووظيفة العالم، بل لقد كان هناك - بين طلبة الجامعة أنفسهم ~~- شيء يشبه ما نعرفه بالحياة الجامعية. إن التباين المعروف بين ~~«حياة المدينة وحياة العلم» قد بدأ منذ العصور الوسطى؛ فقد كان ~~الطلبة يلعبون، ويشربون، ويغنون، وينظمون الألاعيب والمواقف ~~المضحكة. وكانت هناك مشاغبات الطلبة التي كثيرا ما كانت تسيل فيها ~~الدماء، وقد كان كل هذا أقل تنظيما بدرجة قصوى، وأقل عكسا لعالم ~~الكبار، من ثقافة الشباب الأمريكية كما نعرفها. ولكنا إذا وازنا ~~بين حياة الشباب في اليونان وروما وحياة الطالب في العصور الوسطى ~~ألفينا في الحياة الثانية لونا حديثا جدا. # إن المعجبين بالعصور الوسطى - وبعض منهم في الواقع من طلبة العلم ~~بالعصور الوسطى الممتازين جدا - يصرون على أن الروح الأساسية ~~التي تقوم عليها وظيفة العلم في العصور الوسطى تختلف حقا كل ~~الاختلاف من وظيفة العلم في التعليم العالي الحديث. ومن الفوارق ~~الواضحة اختفاء العلم التجريبي من التربية الرسمية في العصور ~~الوسطى، ووجود إيمان ديني واحد يعترف به في كل مكان. وهذه الفوارق ~~تميز عموما الحياة العقلية كلها في العصور الوسطى، وسوف نعود ~~إليها مرة أخرى. والفارق الذي يلاحظ عادة في حياة الطالب ذاتها هو ~~اختفاء روح المنافسة الحادة الحديثة، والرضا بمركز الإنسان في ~~الحياة في العصور الوسطى. والواقع أن الطلبة المساكين لم يتوقعوا ~~بصورة واضحة أن يستخدموا الجامعة في العصور الوسطى عتبة توصل إلى ~~رياسة البنك أو مجلس الإدارة، وذلك بالرغم من أن علماء العصور ~~الوسطى كانوا في الأمور العقلية البحتة على أشد ما تكون المنافسة، ~~وكانوا يتصفون بكل ما يتصف به العالم من غرور، وجدل، ورغبة في ~~التغلب في النقاش على الخصوم. وربما كان الطالب في العصور الوسطى ~~يتصف بزيادة في تكريس ذاته للعلم من أجل العلم بدرجة لا تتوافر ~~لزميله في العصر الحديث، وبالرغم ms207 من ذلك كانت وظيفة العلم في كثير ~~من وجوهها عملا مفتوحا لأصحاب المواهب. وفي هذا المجال - كما في ~~غيره من المجالات في العصور الوسطى - يدهش المرء إذ يجد قدرا ~~كبيرا من المنافسة والمضاربة بالنسبة إلى مجتمع المفروض أن يلزم ~~كل امرئ فيه مكانته. # إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية - حتى في أوج العصور الوسطى - ~~كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية، وكانوا بمعنى ~~من المعاني جزءا من الكنيسة. حقا إن أكثرهم لم يحصلوا على شفاء ~~الروح؛ أي مسئولية الأبرشية عن الواجب الكهنوتي الذي يحمله راعي ~~القطيع، وكان مفهوما أن الكنيسة كانت أخف في رقابتها على حياتهم ~~الخاصة منها مع قسس الأبرشيات. بيد أن الكنيسة كانت بدرجة لا نكاد ~~نفهمها اليوم - تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري وتوجهها، ~~وبخاصة النشاط العقلي. وفي أوائل العصور الوسطى كانت القدرة على ~~القراءة وحدها تعتبر دليلا على أن المرء قسيس؛ ومن ثم ظهر ذلك ~~الاصطلاح، الذي لم يندثر تماما حتى الآن، وهو «ميزة الأكليروس»، ~~ومعناه أن الرجل الذي يستطيع أن يثبت قدرته على القراءة، يستطيع من ~~أجل ذلك أن يعتمد - عندما يقع مع السلطات في مشكلة ما - على ~~محاكمته في محكمة دينية لا في محكمة عادية. وكان كل عمل في العصور ~~المظلمة يتطلب المعرفة بالقراءة والكتابة - مثل التسجيل ومسك دفاتر ~~الحسابات وكتابة الرسائل، وتسويد الوثائق - يعهد به إلى القسس؛ ~~لأن القسس وحدهم هم الذين كان يتوافر لهم التعليم اللازم لذلك، ~~وبالرغم من أن هذا الاحتكار قد اختفى في أوج العصور الوسطى، فإن ~~الأكليروس - حتى في هذه الفترة - تحملوا عبئا أضخم من العمل ~~الإداري في الحياة أكثر مما يتحملون اليوم. # ثم إن القسيس - في ألوف الأبرشيات الريفية، بل وفي أبرشيات المدن ~~- كان الحلقة الفعالة التي تصل المرء بالعالم الخارجي؛ عالم ~~الأفكار، وعالم الحروب، والضرائب، والدسائس. وكانت الموعظة هي ~~السبيل إلى نشر المعرفة، وذلك بالرغم من أنها لم تكن قط في ~~مباشرة الكاثوليك لها ذلك الأمر المتسلط كما أمست في بعض المذاهب ~~البروتستانتية. وفي الحق ms208 أن المنبر قد أعطى الكنيسة في العصور ~~الوسطى تلك الميزة الكبرى التي كادت تكون احتكارا لوسائل التأثير ~~على الرأي العام. وكانت الكنيسة وحدها هي التي تستطيع نشر الدعاية ~~المؤثرة، لانعدام الصحف، والراديو، أو ما يشبه الأستاذ الكلاسيكي ~~المتجول (أو الخطيب). ولم تكن هناك وسيلة أخرى لنشر الأفكار بين ~~الجماهير سوى الكلمة الرسمية المنطوقة. ولما كانت البابوية في ~~العصور الوسطى هي التي تملك ما كان يعادل نفوذ الصحافة والراديو، ~~فقد كان ذلك بالتأكيد أحد الأسباب التي جعلت بابوات العصور الوسطى ~~يحتفظون بنفوذهم في وجه نفوذ الحكام العلمانيين الآخذ في النمو ~~لفترة طويلة من الزمن. # وأخيرا أقول إننا مدينون للكنيسة باحتفاظنا بالأدب الإغريقي ~~واللاتيني. وبالطبع كان المتطرفون من المسيحيين يرون أن الآداب ~~الوثنية من عمل الشيطان، ويطالبون بإعدامها. غير أن الفاكهة ~~المحرمة التي تتمثل في الأدب الخيالي الوثني كان فيها شيء من ~~الجاذبية حتى بالنسبة إلى رجل الدين الورع العادي. وكان الرهبان ~~كذلك يجمعون وينسخون في الشرق والغرب. وبالرغم من أن الخسارة كانت ~~فادحة، وبخاصة خلال السنوات الطويلة التي انهارت فيها الإمبراطورية ~~الرومانية، فإن ما بقي كان مع ذلك يكفي لأن يعرفنا معرفة جيدة ~~بثقافة الإغريق والرومان. ولم يقتصر عمل النساخين في الأديرة على ~~نقل الآداب الكلاسيكية، بل لقد نسخوا كذلك - أو نشروا بالتعبير ~~الحديث - ما كتبه باللاتينية علماء الدين والفلاسفة المعاصرون في ~~العصور الوسطى، وما كتبه باللغات القومية الشعراء والقصاصون في هذه ~~العصور. ونحن لا ندين لهم بشيشرون وحده، بل كذلك بأكويناس و«أغاني ~~رولان». # وإذن فقد كان الرجال الذين يتلقون تعليمهم في الكنيسة، يكادون ~~يحتكرون الحياة العقلية، فكانت الكنيسة منصة المحاضرة، والصحافة، ~~والنشر، والمكتبة، والمدرسة، والكلية. بيد أنه من الخطأ برغم هذا ~~أن نظن أن العصور الوسطى كانت خاضعة كل الخضوع للقسس. كما أنه من ~~الخطأ قطعا كذلك أن نظن أن كنيسة أساسية بيوريتانية رقيبة كانت ~~صاحبة السيادة عليها، وكذلك كانت هناك أوجه هامة في الحياة العقلية ~~في العصور الوسطى لم تكن حكرا للأكليروس بأية حال من الأحوال. ~~وإذا كانت الطبقات ms209 العليا في العصور المظلمة لا تكاد تعدو أن تكون ~~جماعة من المحاربين المحترفين، فقد اكتسبوا في أوج العصور الوسطى ~~اهتمامات أوسع نطاقا - في القانون والإدارة، وفي الشعر والقصص ~~الخيالي، وفي أسلوب الحياة العجيب الذي يعرف بالفروسية، بل ~~وأحيانا في البحث والدراسة. وقد كان أعظم فلاسفة العصور الوسطى، ~~سنت توماس أكويناس من النبلاء الإيطاليين مولدا. وفي الآداب ~~القومية، الإيطالية، والفرنسية، والإنجليزية، وغيرها مما سار شوطا ~~بعيدا في العصور الوسطى، نجد كل ضروب العناصر المستمدة من الحياة ~~الشعبية، التي تشتمل على قدر كبير من العربدة والخشونة لكي تثبت ~~أن الإنسان البدائي لم يفقد صفاته كلها بالتدين، وربما لا يتيسر ~~لنا أن نتبين في العصور الوسطى العلاقة بين مستوى الفكر الرسمي ~~وبين حياة الرجل العادي، كما يتيسر لنا ذلك - على سبيل المثال - في ~~القرن الذي عاش فيه فولتير، وروسو، وجيفرسون، وزملاؤه في عصور ~~النور. غير أن فلسفة العصور الوسطى الشكلية المدرسية لم تكن - برغم ~~هذا - نظاما قائما في فراغ؛ فقد كانت الفلسفة الرسمية في تلك ~~العصور آمن في توجيهها للآمال البشرية العادية منها في عصر ~~كعصرنا، حيث تكون الفلسفة في الوقائع دراسة أكاديمية شديدة العزلة، ~~وذلك قطعا بسبب بناء المجتمع الوسيط، وبسبب المركز الأدبي ~~للأكليروس. # علوم الدين والفلسفة في العصور الوسطى # كانت أصول الدين حقا بالنسبة إلى الفكر في العصر الوسيط «سيدة ~~العلوم». وكان المفكر في العصور الوسطى يستخدم لفظتين منفصلتين، ~~هما «أصول الدين» و«الفلسفة»، ولكنهما في الواقع مختلطتان اختلاطا ~~لا انفصام فيه. وكان هناك دائما مجال للغموض، أو للإيمان، ولكن ~~العالم بأصول الدين - كالفيلسوف - كان مفكرا، وكان رجلا يعلل ما ~~يجري في الكون، وكان يعتقد أن هناك مكانا لله، وإن تعذر على كل ~~الناس الوصول إليه، ويستطيع المفكر البشري بالتعليل أن يتوصل إلى ~~مجموعة من الآراء التي تتعلق بمكان الله، وهي مجموعة نافعة بل ~~وضرورية وإن تكن ناقصة. # وقد بنى المفكرون في العصور الوسطى - بطبيعة الحال - على أساس ~~ما قام به الآباء المسيحيون الأوائل من عمل، وعلى تصرفات الكنيسة ~~ونظراتها التي ذكرناها ms210 في الفصل السابق. ولعل أهم ما كتبه الآباء ~~بالنسبة إلى العصور الوسطى، بل وبالنسبة إلى المسيحية التي جاءت ~~بعد ذلك، كتابات سنت أوغسطين، أسقف هيبو ، الذي عاش في أواخر القرن ~~الرابع وأوائل الخامس. وهو ينتمي إلى سلالة رومانية أفريقية ~~نبيلة، أبوه وثني، وأمه مسيحية (تلقبت بالقديسة مونيكا). وقد مات ~~في عام 430م في أثناء حصار الوندال - إحدى القبائل الجرمانية - ~~لمقره الأسقفي. ولذلك فهو ابن العالم القديم بمعنى، وأحد رجال ~~العالم الوسيط بمعنى آخر. ومن المؤكد أن هذا العالم قد عده فيما ~~بعد أعظم الآباء اللاتينيين. # إن أوغسطين إحدى الشخصيات الكبرى في الفكر الغربي، وهو يقف على ~~قدم المساواة مع أفلاطون وأرسطو. ولا نستطيع في كتاب كهذا أن ~~ننصفه، وإنما يجب أن يقرأ مباشرة، على الأقل في «اعترافاته»، وهو ~~سيرة حياته بقلمه، وهي من السير القلائل التي بقيت من العالم ~~القديم. وبفضل هذا الكتاب، وبفضل بقاء كتاباته الجدلية كلها التي ~~كتبها عرضا، وبفضل كتابه «مدينة الله»، ذلك العمل العظيم المنظم، ~~نستطيع أن نتعرف أوغسطين كشخص أحسن من معرفتنا بأية شخصية أخرى في ~~العالم القديم. وهو كثير التناقض، كثير الالتواء والالتفاف، لأنه ~~كان شخصا عظيم الموهبة، متأثرا بدنيا الثقافة الرومانية ~~المنحلة. وإن المرء ليميل إلى الاعتقاد بأنه اعتنق المسيحية ~~باعتبارها المبدأ الوحيد السليم المتكامل في عالم مضطرب - وبعبارة ~~أخرى يميل المرء إلى الاعتقاد بأن هذا الرجل الذي ينحدر من الرجال ~~المهذبين العمليين المتأثرين بالرومان كان مخلصا للتقاليد ~~الرومانية المتزنة الدنيوية القائمة على الإدراك العام السليم. ~~ولكن أوغسطين - مع ذلك - كان يجري فيه الدم الإغريقي وإن يكن ~~رومانيا. ويستطيع المرء أن يتبين لديه كذلك بنفس الوضوح دافعا ~~عاطفيا، قويا، وتعمقا في الأغوار استمد منه أوغسطين بطريقة ~~ما الهدوء الإلهي المعجز. ومهما يكن من أمر فقد اختبر أوغسطين ~~قبل تحوله إلى المسيحية أكثر الملذات الحسية، وكثيرا من أسباب ~~العزاء الروحاني في دنياه، بما في ذلك مذهب مانيكان والأفلاطونية ~~الجديدة. # وإنا لنلمس في أوغسطين الأسقف المسيحي هذا الصراع الشاذ، أو هذا ~~التوتر بين الجسد والروح، ms211 وهو صفة مسيحية، ولكن الجسد لم يعد ~~يجذب أوغسطين إلى الانغماس في الشهوات، وقد باتت الدنيا عالما ~~يستطيع الأسقف - بل وينبغي له - أن يتناوله، وأن يعاون في تنظيمه، ~~ويعاون في إنقاذه من شرور الفوضى، وقد كان لدى أوغسطين - كما كان ~~لدى بولس - شفاء للنفوس لا يكل، وكان رجلا عمليا ينهمك في ~~تفصيلات الأمور الجارية التي لا حصر لها. ويجب أن نلاحظ أن الدنيا ~~في التفكير الصوفي المحض كمكان لا بد من تطهيره هي أقرب إلى غواية ~~الشيطان بسورة أدق وأخطر منها إلى أن تكون مكانا يتمرغ فيه المرء. ~~ومع ذلك فإنا إذا نظرنا من خارج هذا التفكير الصوفي، وجدنا أوغسطين ~~نوعا من المتصوفين، وهو نوع صادق تماما. ولم تكن طريقته في ~~التطهير عملية، تؤدي إلى التقدم فيما يبدو، وإنما كان يرى أن ~~واجبه الأبدي المستحيل هو التطهير الروحاني الكامل. كان أوغسطين لا ~~يهبط إلى مدينة الأرض إلا لكي يجعلها مدينة الله، ومن الواضح أن ~~هذه النظرة إلى العالم الآخر لم تتسلط عليه وهو يؤدي واجباته ~~اليومية، وإلا لما بقي أسقفا لهيبو، ولكنها - برغم ذلك - أساس ~~لمذهبه، وهي التي تضعه في المكانة التي يتميز بها في التفكير ~~المسيحي. # ونستطيع أن نذكر هنا ثلاثة أمور عن هذا العمل الضخم: أولها، أن ~~عمل أوغسطين كله عمل مركب موسوعي؛ فقد مس كل ما يتعلق ~~بالمذاهب تقريبا، واستطرد في التفصيل الشديد في الأمور الهامة. ~~ونظرته من أكثر الوجوه تتوسط التجربة المسيحية اللاتينية بدرجة ~~تجعلها صالحة لأن تكون أساسا للأرثوذكسية في العصور الوسطى؛ فلقد ~~كان أوغسطين فيما يتعلق بالتثليث، وبالتقديس - وبخاصة فيما يتعلق ~~بمعالجة المأساة المسيحية، مأساة الخطيئة والخلاص، بطرق شتى - ~~مصدرا وأساسا يدعو إلى الإعجاب والتقدير. # والأمر الثاني، هو أن مؤلف أوغسطين العظيم «مدينة الله» قد وضع ~~وجهة النظر المسيحية، أو علم الكون في المسيحية، في صيغة كانت ~~تجتذب دائما أهل الغرب بشدة، وهي صيغة تعبر عن فلسفة للتاريخ؛ ~~ذلك أن أوغسطين لم يجعل المسيحية مجرد دراما، وإنما تقدما عبر ~~الزمن. وقد كتب «مدينة الله» ms212 من ناحية؛ لأنه أراد أن يرد على ~~التهمة الوثنية الشائعة بأن ضعف الإمبراطورية الرومانية الآخذ في ~~الظهور الشديد إنما يرجع إلى عقيدة المسيحية بوجود عالم آخر ، بل ~~ربما يرجع إلى مجرد ما في المسيحية من سوء. ولم يجد أوغسطين مشقة ~~في إثبات أن كثيرا من المدن والإمبراطوريات قد انحل وسقط قبل وحي ~~المسيحية بزمن طويل؛ فإن من طبيعة المدن في هذه الدنيا أن تزول، ~~وليست هناك مدينة أبدية إلا «مدينة الله». ولم تظهر هذه المدينة ~~بعد على الأرض، بالرغم من أنا قد وعدنا بها في هذه الدنيا، ~~ولكن الله قد كشف لنا عن وجودها، وهيأ لنا جميعا عن طريق ابنه ~~يسوع فرصة المواطنة فيها. غير أن مدينة الأرض الأخرى سوف تعيش، ~~والمدينتان في حرب أهلية أبدية حتى تنفصلا أخيرا وإلى الأبد في ~~يوم الحساب. ولا ينقسم بعد ذلك المواطنون فيهما بإمكان التحول من ~~مدينة إلى أخرى؛ فمن يرضى عنهم الله يباركون إلى الأبد، ومن يغضب ~~عليهم يعذبون إلى الأبد. # والأمر الثالث - كما يبدو لرجل من الخارج على الأقل - هو أن ~~هناك عند أوغسطين جانبا يدعو دائما إلى الهرطقة، وهي هرطقة من ~~يعتقد الكمال، وهذا الجانب من عمل أوغسطين يظهر بوضوح فيما قد يكون ~~أقوى مبادئه الدينية، وهو مبدأ القدرية، أو الحتمية. وقد اكتسب هذا ~~المبدأ حدة عندما اصطرع مع بلاجيوس، وهو راهب بريطاني كان يدافع عن ~~حرية الإرادة بدرجة يجعل الدفاع نوعا من أنواع الهرطقة. والمشكلة ~~في أساسها من أقدم المشكلات التي واجهت التفكير الإنساني، وهي ~~مشكلة حرية الفرد في الاختيار إزاء نوع من أنواع الحتمية. وقد كانت ~~المسيحية دائما تجد مشقة في اعترافها بأن الكائنات البشرية تستطيع ~~أن تختار اختيارا حرا (أي تمتلك حرية الإرادة)، وذلك على الأقل ~~لأن مثل هذه الحرية تنم عن الإقلال من السلطان المطلق الذي تعزوه ~~المسيحية إلى الله. كيف يتسنى لدودة كالإنسان أن تريد شيئا لم ~~يرده الله؟ إن الله هو كل شيء حرفيا، بما في ذلك أفكاري وأفكارك، ~~ورغباتي ورغباتك. وهو الذي خلق ms213 مدينة الله ومدينة الأرض، وله الحكم ~~فيهما، فإذا أصبح بعضنا في الواقع مواطنين في مدينة الله، فليس مرد ~~ذلك إلى أننا نملك القوة لكي نتجنس بجنسية هذه المدينة - إذا جاز ~~هذا التعبير، وإنما مرده إلى أن الله منذ البداية قد أراد لنا أن ~~نكون مواطنين، ولأنه وهبنا نعمة لا تقاوم. وهذه الهبة، هبة ~~النعمة - وهي هبة ليس بوسع إنسان أن يكسبها، أو حتى أن يستحقها ~~بمعنى ما - هبة حرة من الله للمختارين من عباده، وهي تمكنهم من ~~الخلاص؛ أي من التخلص من عواقب الخطيئة الأولى. ويستطيع الرجل ~~العادي أن يتعطش إلى النعمة، وأن يدعو الله أن يهبها إياه، ولكن ~~الأمر في ذلك لله، بحكمته المطلقة التي أبرمت من قبل كل أمر في ~~كل زمان. # كل هذا منطق طيب (ما دمت تفترض وجود إله على كل شيء قدير)، وهو ~~كذلك منطق طيب للعواطف؛ لأن الخضوع التام لمثل هذا الإله عند من ~~تهزهم العواطف إن هو إلا محو الذات، أو السلام. وقد استنفد الناس ~~عقولهم في وضع الاستعارات التي يعبرون بها عن هذا الشعور. وقد ~~سبق لي أن استخدمت إحداها، عندما شبهت الإنسان بالدودة. إلا أن ~~هناك - مع ذلك - بعض المشكلات التي تعترضنا في هذه المبادئ ~~الحتمية، وبخاصة من وجهة نظر أولئك الذين يجاهدون في سبيل الإبقاء ~~على سير الأمور في هذه الدنيا. وليس أوضح هذه المشكلات هو أكثرها ~~شيوعا بأية حالة من الحالات، وإن تكن هي المشكلة التي كانت تبعث ~~القلق دائما في نفوس الأرثوذكس المعقولين، وتلك المشكلة هي هذه: ~~إذا كان الله قد قدر كل شيء من قبل فلماذا لم يقدر للإنسان ~~رغبته في شرب الخمر، وفي السرقة، وفي الزنا؟ وإذا لم يكن الإنسان ~~حر الإرادة فكيف يتحمل أية مسئولية خلقية؟ إن الله هو المسئول عن ~~كل شهوات الإنسان، فكيف يستطيع أن يقاومها، ما دام في مقاومتها ~~إنما يقاوم الله؟! # والواقع أن هذا موقف قلما كان يقفه أحد من الناس. وحقيقة الأمر ~~أن أولئك الذين يعتقدون في القدرية اعتقادا جازما ms214 يتصرفون كأن كل ~~لحظة من لحظات حياتهم ليست إلا قرارا ضخما لاتباع الصواب ~~والابتعاد عن الخطأ. غير أن التهديد - عقلا - بعدم المسئولية ~~الخلقية يحلق فوق كل مبادئ الحتمية، وفي الطبيعة البشرية العادية ~~شيء يتصل بالعقيدة التي يصل إليها المرء بإدراكه العام في واقعية ~~الاختبار الفردي، أو في حرية الإرادة. والكنيسة الكاثوليكية ذاتها ~~هي من الناحية العملية شبه أوغسطينية في هذه النقطة؛ فهي تقبل ~~ضرورة الحتمية المفزعة بسبب عظمة الله التي لا تحد. ومن الواضح ~~أن الإنسان لا يستطيع في الواقع أن يقاوم الله، ولكنا يجب أن ~~نعزو إلى الإنسان نوعا من المسئولية الخلقية المفوضة إليه لكي ~~تتحقق المأساة التي يريد الله أن تحدث فوق هذه الأرض حتى يكون ~~الجهاد واقعيا. # وفي الحتمية المتطرفة على كل حال خطر آخر على الأرثوذكسية أكثر ~~شيوعا. والظاهر أن فكرة وجود قوة عظمى لا تقاوم «تبعد الأمور عن ~~واقع الأشياء الواضح العادي المبتذل» لها جاذبية عظمى لأصحاب ~~الميول الشديدة نحو العصيان على بيئاتهم. ولم يكن أسقف هيبو دائما ~~بأية حال من الأحوال في مثل هذه الحالة من العصيان؛ إذ كان يعتقد ~~أن إرادة الإنسان الحرة تتفق ومعرفة الله المطلقة السابقة - ولكن ~~أوغسطين المتصوف، أوغسطين الذي يحب الله في حماسة شديدة، كان ~~بالفعل عصيا. ويبدو من المحتمل بدرجة عجيبة أن الرجل الذي يريد ~~ألا تكون الدنيا كما هي يؤمن بأنه يعرف كيف ولماذا بالضبط لا بد ~~للدنيا من أن تتحول إلى شيء آخر. والمصلح - في كثير من الأحيان ولا ~~أقول دائما - يريد أن يعرف بأن خطته هي خطة الله، أو خطة المادية ~~الجدلية. ومما له دلالته بالتأكيد أن اثنين - بعد أوغسطين - من ~~أكبر مؤيدي الحتمية الصارمة، وهما كالفن وكارل ماركس، كانا كذلك ~~قائدين من قواد الحركات الإصلاحية الكبرى، حركات من وحي احتقار ~~المألوف، والمريح، ورتابة الحياة اليومية، فوق كل شيء، وفي ~~الكاثوليكية ميل من جانب الجماعات الإصلاحية إلى الرجوع إلى ~~أوغسطين، كما أن الجماعات الرجعية تعود إلى سنت توماس ~~أكويناس. # ومن أوغسطين يمتد خط - معتم مضطرب ms215 في أول الأمر - يؤدي إلى أوج ~~الفكر الرسمي في «المذهب المدرسي» في العصور الوسطى. وهذا المذهب ~~المدرسي نظام من التفكير ناضج، وقد تم نضجه في عصر من عصور ~~الثقافة الغربية العظمى. والمؤلفات الأصيلة فيه عديدة، وقد حفظت ~~حفظا جيدا. والتعليق الحديث عليها مسهب مطول. غير أن سعة هذا ~~الكتاب لا تتيح لنا أكثر من الإشارة إلى بعض النقاط المعينة ~~الكبرى ذات الأهمية في المذهب المدرسي، آملين أن يرجع القارئ ~~مباشرة إلى بعض ما كتب المدرسيون. # ويجب أن نذكر أولا أن أساس الفكر في العصور الوسطى يمثل قصة ~~لها جاذبيتها في ذلك النوع الخاص من التاريخ الفكري الذي يهتم ~~بانتقال المعرفة، وبالدراسة المعقدة للمخطوطات، والترجمات، وتبادل ~~الإخصاب الثقافي. وقد أضيفت إلى مجموعة المواد الثابتة برغم ~~صغرها، والتي احتفظ بها الغرب خلال العصور المظلمة - وبخاصة في ~~القرن الحادي عشر - كمية ضخمة من المواد المترجمة عن اللغة ~~العربية؛ فالعرب في عهد محمد # صلى الله عليه وسلم # وخلفائه توغلوا في ~~فتوحاتهم في الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية، ولما انتصف ~~القرن الثامن كانوا قد اجتاحوا إسبانيا وصقلية وجنوب إيطاليا، ~~واحتفظوا بهذه المنطقة العامة خلال القرون القلائل التالية. وفي ~~الحق أنهم لم يخرجوا كلية من إسبانيا حتى نهاية العصور الوسطى. ~~وقد أغرم المؤرخون المعارضون للأكليروس طويلا بموازنة الحرية ~~العقلية وقوة النفوذ عند العرب في هذه القرون بالسبات والظلمة التي ~~سادت المسيحيين في الغرب. ومن الحق أن العرب فيما بين عامي 700م ~~و1100م كانت لديهم طبقة مفكرة ناشطة، تهتم - فوق كل شيء - بالعلم ~~والفلسفة. وسوف نعود بعد قليل إلى عملهم العلمي. والواقع أنهم لم ~~يكونوا من الناحية الفلسفية مبتكرين بدرجة تسترعي النظر، ولكنهم ~~اتصلوا بالأصول الإغريقية، وبخاصة بأصول أرسطو التي كانت أفضل ~~وأكمل مما كان متيسرا للغرب، وقد ترجمت هذه الأصول إلى اللغة ~~العربية، ولما خرج الغرب من العصور المظلمة، وزادت الحروب الصليبية ~~من الاتصال بين المسيحيين والمسلمين، ولما نمت - بصفة خاصة - ~~جماعات العلماء التي وصفناها آنفا وتعطشت لمزيد من الكتب، قام ~~المترجمون بنقل هذه المؤلفات الإغريقية ms216 من العربية إلى اللاتينية. ~~ويقال إن أشهر هؤلاء المترجمين، جيرارد الكريموني، الذي كان يعمل ~~في توليدو بإسبانيا، قد نقل من العربية ما يقرب من تسعين مؤلفا ~~منفصلا. # وإذن فلقد كانت هناك المادة الأساسية للمجموعة الثلاثية ~~والمجموعة الرباعية من العلوم، كما كانت هناك مكتبات الكتب الجديدة ~~سريعة النمو، من اليونانية والعربية، ومن الهندية في النهاية فيما ~~يتعلق ببعض كتب الرياضيات، كلها الآن ميسورة باللاتينية. وكانت ~~هناك طبقة كبيرة من النساخين الرهبان المتخصصين، كما كانت هناك ~~مكتبات طيبة، وجماعات علمية، برغم عدم وجود المطبعة. والواقع أن ~~المفكرين العاملين في هذه الجماعات كانوا منذ القرن الحادي عشر ~~يضيفون إلى رصيد المعرفة، ويضعون أسس الفلسفة في العصور الوسطى. ~~ولكي ندرك الروح العامة لهذه الفلسفة دعنا ننظر إلى المشكلة التي ~~ربما كانت أم المشكلات في ذلك الوقت، وأعني بها تلك المشكلة ~~القديمة؛ مشكلة الكليات. # والمشكلة، التي لمسناها عند أفلاطون في صورة أخرى، تتركز عند ~~مفكري العصور الوسطى في واقعية الصورة النوعية. والحصان مثال ~~كثيرا ما يذكر في هذا الصدد. يرى أحد الطرفين (الاسمي) أنه ~~بالرغم من وجود عدد كبير جدا من الخيول المتفرقة، وكل منها ~~واقعي، إلا أن الصورة النوعية (التي يعبر عنها ب «الحصان») لا ~~تقابل شيئا واقعا، وليست سوى حيلة يبسط بها الناس التفكير، ~~ليست إلا لفظة، أو قل هي نوع من الاختزال الفكري. ذلك أنه بالرغم ~~من أن دوبين ورانجر وسلفر وبيوسيفالوس هي في الواقع خيول فردية ~~متفرقة - وهي حقيقة نعترف بها بإعطائنا كلا منها اسما خاصا - ~~إلا أنه لا وجود لشيء مثل «الحصان عامة». والواقع أنه ليست هناك ~~شجرة واحدة من شجر البلوط تشبه غيرها، ولكنا إذا أردنا أن نعرف هذه ~~الحقيقة بإعطائنا كل شجرة من أشجار البلوط اسما خاصا بها كان ~~ذلك علينا عسيرا. وإذن فاسم النوع ليس إلا للتيسير، وهو ليس أمرا ~~واقعا. # والطرف الآخر الذي يناقض هذه النظرة هو فكرة «الواقعي». كان ~~الواقعي في العصور الوسطى يعتقد أن الخيول المفردة ليست إلا ~~اقترابا ناقصا من الحصان الكامل، الحصان ms217 المثالي، وهو وحده ~~الواقعي. ومن الحق - كما يعترف الواقعي - أننا في هذا العالم، عالم ~~المحسوسات، نقابل عن طريق تجاربنا المستقبلة (إحساساتنا) خيولا ~~مفردة متفرقة فقط، ولكن قدرتنا على الارتفاع إلى فكرة «الحصان ~~عامة» يجب - برغم هذا - أن تسوقنا إلى الاعتقاد بأن ما نعرفه عن ~~طريق القدرة السامية على التفكير هو أصدق مما نتعلمه من التجربة ~~الحسية وحدها. وإذن فالنوع - دون الفرد - هو الحقيقة ~~العليا. # ولو أنا سرنا مع المذهب الاسمي إلى غايته، وجدنا أنه من العسير ~~أن نوفق بينه وبين المسيحية؛ فهو يميل إلى القول بأنه لا وجود ~~قط إلا لما أدركه مفردا، أو مثالا يتصل بمعرفتي عن طريق حواسي ~~أو إرهافها بالآلات؛ فالحصان، وورقة العشب، بل والميكروب - عندما ~~اخترع الميكروسكوب بعد ذلك ببضعة قرون - هذه الأشياء واقعية عند ~~صاحب المذهب الاسمي. ولكن الله، أو حتى الكنيسة منعزلة عن الأفراد ~~الذين تتكون منهم، إنه يتعذر على الاسمي المتطرف أن يجعل منهما ~~أمرا واقعا حقا. والواقع أن المقتضيات المنطقية للمذهب الاسمي ~~الذي ساد في العصور الوسطى وضع هذا المذهب في صف واحد مع ما ~~أطلق عليه فيما بعد المادية، أو الوضعية، أو المذهب العقلي، أو ~~المذهب التجريبي. # وكذلك كان للمذهب الواقعي أخطاره من وجهة نظر الأرثوذكسية ~~المسيحية وإن تكن أقل شدة وأقل وضوحا. نعم إن المذهب الواقعي قد ~~عني بالله وبالكنيسة، كما عني بالعدالة وبكل الأفكار الخلقية ~~الأخرى. ولكنه تعرض - كغيره من مذاهب العالم الآخر - لخطر ~~المغالاة على يد أحد المفكرين المنطقيين - أو المبالغين في التصوف ~~- إلى حد إنكار ما يشق على الرجل العادي أن يفر منه، هذا العالم ~~المبتذل، عالم الطعام، والشراب، والعمل، والحساب، وغير ذلك من ضروب ~~النشاط اللاأفلاطونية. وقد كانت الكنيسة الكاثوليكية فيما يقرب من ~~ألفي عام شديدة الحفاوة بالعامة من الرجال والنساء، واهتمت بألا ~~تبالغ في الابتعاد عن عقولهم وقلوبهم. # فالمذهب المدرسي إذن مذهب توفيق من ناحية ما. وقد سمي أعظم ~~المدرسيين (أكويناس) «أول الأحرار»، كما سمي الرجل السياسي ~~البريطاني المعتدل المحب للتوفيق في القرن الثامن عشر. ms218 وإنما ينبغي ~~أن نؤكد - برغم هذا - أن الفكر الرسمي في العصور الوسطى كان يفسح ~~في المجال لجميع ألوان الفلسفة - ربما مع استثناء مذهب الشك الذي ~~كان ينبذه المتعلمون بالإجماع تقريبا بالرغم من ظهورها أحيانا ~~عند رجل مثل الإمبراطور فردريك الثاني. ولا ينبغي للمرء أن تضلله ~~مصطلحات مثل «وحدة العصور الوسطى» أو الرأي الذي يقول بأن الفرصة - ~~منذ ارتفاع الكنيسة في الغرب إلى الذروة - لم تتح للجدل في ~~القضايا الفلسفية الأساسية. بل إن المدرسيين - على نقيض ذلك - ~~كانوا يتبارون على منصة الخطابة وفي الكتابة بإخلاص لا يقل عما ~~وجد في أي عصر آخر عظيم من عصور الفلسفة الغربية. وأحد هؤلاء، ~~أبيلارد - على سبيل المثال - كان من الاسميين المتشددين، وقد أعجب ~~به كثيرا الوضعيون المحدثون الذين يمقتون العصور الوسطى عامة. ~~وعلى عكس ذلك نجد أن أولئك المحدثين الذين يعشقون العصور الوسطى ~~لوقارها المفروض ولاتجاهها نحو العالم الآخر يمقتون أبيلارد على ~~وجه العموم. والواقع أنك تستطيع - إن عرفت استجابة أحد الأفراد إلى ~~أبيلارد - أن تتنبأ باستجابته لكل ثقافة العصور الوسطى. ولكن ~~أبيلارد كان كشخص - في كثير من الأمور ذلك الفيلسوف المحتج الخالد ~~- مزهوا منازعا، موهوبا في الجدل بدرجة عجيبة، معلما اجتذب ~~إليه أتباعا متحمسين له، ينقصه التواضع المسيحي، يميل بطبعه إلى ~~الوقوف في وجه الاستقرار، والجمود، والاعتدال، والملل، والنجاح في ~~هذه الدنيا. وإنك لتتوقع مثل هذا المزاج في المجتمعات الحرة؛ فهذا ~~سقراط، أو توم بين، أو برتراند راسل، ولكنك تدهش أن تجده بكل هذا ~~البروز في العصور الوسطى، ما لم تكن بعيدا عن الآراء الأمريكية ~~الشائعة في هذا الصدد. وتعليل ذلك أن العصور الوسطى في الغرب كانت ~~في أوجها مجتمعا من المجتمعات الحرة. وفي هذا المجتمع نال أبيلارد ~~التكريم بارتفاعه إلى مكانة مرموقة، وقد أحس بالطبيعة معارضة الناس ~~الذين هاجمهم هجوما مريرا. وعامله خصومه في الواقع معاملة سيئة، ~~ولكنه لم يكف عن الكلام. # وفي بداية التفكير المنظم في العصور الوسطى نجد في القرن التاسع ~~سكوتس إريجينا، وهو أحد طلائع الواقعية، مفكرا يقترب جدا ms219 من ~~الأفلاطونية الحديثة، حتى لقد وجدته العصور المتأخرة شديد الخطورة. ~~وفي نهاية القرن الثالث عشر نجد في دنز سكوتس مثالا آخر من مخاطر ~~الواقعية المدرسية؛ لأن هذا الفيلسوف لم يرض البتة عن الحجج ~~الناقصة التي يثبت بها بعضهم وجود الكمال. وقد كتب نقدا لاذعا ~~لسابقيه، الواقعيين منهم والاسميين. وصاغ دنز سكوتس حججه الخاصة ~~التي يثبت بها موقف الواقعية، وأصبحت مؤلفاته مثالا يضرب ~~للمبالغة في الدقة، وأيد بعمله العيوب العامة التي لحقت بالمذهب ~~المدرسي في نهاية العصور الوسطى. وكان وليام الأوكهامي - من ناحية ~~أخرى - أشهر الاسميين المتطرفين. وقد وجد أن موقفه الفلسفي جعل من ~~المستحيل عليه أن يقبل معقولية الكثير من المبادئ الأساسية ~~للكنيسة. ومن ثم اختار أوكهام أن يعتقد في هذه المبادئ على أية ~~حال من الأحوال - شأنه في ذلك فيما نحسب شأن الرجل الإنجليزي ~~الطيب؛ لأنه كان كذلك - وإذا نحن لجأنا إلى لغة رسمية بدرجة فوق ~~ذلك قلنا إنه تخلى عن المحاولة التي تميزت بها العصور الوسطى، ~~وأقصد بها التدليل على أن حقائق المسيحية يمكن إثباتها بالعقل ~~البشري، وارتد إلى موقف يقترب جدا من موقف أحد الآباء الأولين، ~~الذي قال: «إني أومن «لأن» هذا مستحيل.» # وقد وقف مثل هذا الموقف منذ البداية - بطبيعة الحال - كثير من ~~المتصوفين المتحمسين. وفي غضون الفكر الوسيط نجد كثيرا من هذه ~~المعارضة للمعقول عند الناسك، والتائب، والرجل البدائي الخيالي. ~~غير أن تصوف العصور الوسطى لم يكن كله من لون واحد بأية حال من ~~الأحوال؛ فإن أكثر عظماء المتصوفين لم يكونوا في الواقع من ~~المعارضين للمعقول بمعنى معارضة استخدام العقل استخداما عاديا ~~باعتباره شرا أو عديم الأثر. إنما كانوا يعيشون فوق مرتبة ~~الحساب، وكانوا من الناحية الروحانية على مستوى جعل الكثيرين منهم ~~قديسين. ويعتبر أشهر كتاب وسيط في التقوى، وعنوانه «تقليد المسيح» ~~الذي يعزى إلى توماس آكمبس، مثالا رائعا للتصوف الكامل، الذي ~~يوفق ويواسي بدلا من أن يخز وينخس. وقد رأينا في الفصل ~~السابق أن عدم الوثوق بالعقل إحدى سمات المسيحية الكامنة فيها. ~~وليس من ms220 شك في أن انعدام الوثوق هذا ظاهر في عصر مسيحي جدا ~~كالعصر الوسيط؛ فقد كان هناك آدم السنت فكتوري، وسنت برنارد، وسنت ~~فرانسيس الأسيسي. وكان الدور الذي لعبه أولئك الذين عارضوا مناشدة ~~العقل بالطريقة المدرسية طويلا متنوعا. # ولما بلغت ثقافة العصور الوسطى أوجها في القرن الثالث عشر كان ~~هناك إذن تنوع وتلقائية في التفكير الفلسفي كذلك الذي لمسناه في ~~العصر اليوناني العظيم. وكان هناك كذلك - مثلما كان في اليونان - ~~اتزان، وتوسط ووسط ذهبي. وهذا الاتزان في العصور الوسطى هو ~~المذهب المدرسي الناضج، وهو من أنجح الجهود لتخفيف التوتر بين هذا ~~العالم والعالم الآخر، بين الواقعي والمثالي. وقد رجع المدرسيون ~~الناضجون إلى العقل، ولكنه العقل الذي يعمل طبقا لقواعد وضعها ~~أصحاب النفوذ؛ نفوذ الكنيسة الذي يؤيده نفوذ أرسطو. ولم يكن العقل ~~عندهم تلك القوة القلقة، الفاحصة، الساخطة، والجامحة في أساسها كما ~~كانت في كثير من المواقف في التاريخ البشري - وربما كان فيه ~~تاريخنا أيضا. وقد ذكرنا أبيلارد مثالا لهذا النوع من العقل ~~الثائر تماما، بيد أن أبيلارد كان أبعد ما يكون عن المدرسي ~~المجيد. إنما المدرسي المجيد يتصف بالتواضع الفكري الذي يبدو جبنا ~~في نظر الثائرين في الفكر. # ومن الأمثلة الجيدة لهذه القوة المتزنة، والتي تقوم على أساس من ~~الفكر في التفكير الرسمي في العصور الوسطى، ما نجده في بعض المذاهب ~~الدينية، التي أخذت شكلها النهائي في هذه السنين؛ فالعشاء الرباني ~~مثلا وضع بشكل صارم تلك المشكلة المسيحية التي لا تنتهي، مشكلة ~~هذا العالم والعالم الآخر، وذلك في صورة الظاهر والواقع؛ فالعناصر ~~لا يمكن أن تكون خبزا ونبيذا، ولكن لا مناص لها من أن تبدو في ~~شكلها ومذاقها كالخبز والنبيذ. ومخرج الدار الآخرة من ذلك هو إنكار ~~أن العناصر - بعد تقديسها - هي أي شيء بأي حال، سوى جسد المسيح ~~ودمه. أما مخرج هذه الدنيا فهو قبول العناصر كخبز وخمر، والقول ~~بأنها إنما ترمز للمسيح، وتجدد ذكرى المسيح عند من يتناولها. ~~وهذا المخرج الثاني كان يبدو للكاثوليك الأرثوذكس دائما مخرجا ~~خطرا؛ لأنه ms221 يستبعد المعجزة ويفتح لطرق العقل والإدراك العام مسالك ~~أخرى. وبالرغم من أن الكنيسة الكاثوليكية كانت دائما تجد للعقل ~~وللإدراك العام مكانا، فإنها كانت تسعى دائما إلى أن تبقيهما في ~~المكان الذي تراه ملائما لهما. # إن مذهب تحول الخبز والنبيذ إلى جسد المسيح ودمه الذي كان من ~~خصائص العصور الوسطى، والذي قبله رسميا مجلس لاتيري الرابع في ~~عام 1215م (وهو أحد المجالس الخمسة العامة في الكنيسة الغربية)، ~~اتخذ - بعد عدة قرون من الجدل بين علماء الدين - وجهة نظر سليمة ~~تنتمي إلى العالم الآخر، ولكنه احتفظ بدقائق الإحساس العام. إن ~~للخبز والنبيذ «مادة»، وهي كيان أساسي أو صفة أساسية، ولهما ~~«أغراض»، وهي الصفات التي نحسها ونراها ونتذوقها، والتي تعاوننا في ~~الظروف العادية على أن نكتسب معرفة تقريبية بمادتهما. وبمعجزة ~~القداس يحول المسيح مادة الخبز والنبيذ إلى مادة جسد المسيح ~~ودمه، ولكنه لا يحدث أي تغيير في الأعراض التي تبقى أعراض الخبز ~~والنبيذ. ونحن لا نذوق إلا الأعراض، ولا نذوق المادة إطلاقا؛ ولذا ~~فنحن بالطبيعة عند التناول إنما نذوق ما نذوقه دائما على مائدة ~~الطعام في المنزل، ولا يحلل الكيموي إلا الأعراض، وهو لا يحلل ~~المادة قط. ومن ثم فإن الكيموي الذي يحلل الخبز والنبيذ المقدس ~~بغير ورع لا يجد تحولا، بيد أن التحول قائم، وهو ذلك التحول ~~المعجز من الخبز والنبيذ إلى الجسد والدم، الذي يتجاوز حواسنا، ~~ولكنه لا يسحقها أبدا. # وكانت مبادئ الخلاص الأولى تفتقر إلى العمق المنطقي والعاطفي، ~~بالرغم من أنها لا تمثل من مخاطر الهرطقة الكبرى ما يمثله العشاء ~~الرباني. كان آباء الكنيسة الأولى قد اطمأنوا إلى مذهب الفداء، ~~الذي استرد بمقتضاه المسيح الإنسان من براثن الشيطان بما عانى ~~على الصليب. وكانت هذه العقيدة مقبولة جدا عند عامة الناس، وشاعت ~~إلى درجة كبيرة لعدة قرون. ولكن مثل هذا الفداء بدا للعقول المدققة ~~أشبه بالتبادل التجاري. وذلك فوق أنه وضع الإله في مكانة لا تليق ~~بكرامته وقدرته على كل شيء. وقد أظهر القديس أنسلم في مبدأ التكفير ~~تفسيرا منطقيا أكثر ms222 قبولا للطريقة التي أتى بها المسيح ~~بالخلاص، وأنسلم هذا هو أول الواقعيين الكبار في العصور الوسطى، ~~وربما كان أشد المفكرين في ميدان العلوم الدينية ابتكارا في العصر ~~الوسيط. قال إن خطيئة آدم ضد الإله لا يمكن محوها بأي نوع من أنواع ~~المحاسبة التجارية، ولا يمكن قطعا محوها بأي تبادل تجاري مع ~~الشيطان. إن الإنسان مدين لربه بالصلاح، ولكنه في حالة سقوطه لا ~~يستطيع البتة أن يقوم بهذا الصلاح. وإنما يستطيع يسوع كإله أن يخطو ~~الخطوة الأولى نحو سد الدين الذي سده فعلا كإنسان مكابد. كان ~~يسوع بغير إثم، ربا وإنسانا، ومن ثم فقد كان بوسعه أن ~~يكفر في حرية عن خطيئة آدم، أو قل إنه كان بوسعه أن يخفف ~~بشفاعته من غضب الله مع أبنائه، وهو غضب له ما يبرره. وقد حمل يسوع ~~النقص طائعا - وحمل الآلام التي تلازم النقص؛ لأنه كابد الآلام ~~كإنسان - وذلك حتى يستطيع الناس أن يخطوا الخطوة الأولى نحو الكمال ~~الإنساني، وهي الخطوة التي كانت تستحيل عليهم بغير هذا. وهذا مذهب ~~دقيق، وهو عند كثير من أصحاب العقول الحديثة خلو من المعنى. ~~ولكنه محاولة لإرضاء عنصر التفكير عند الإنسان - وهي محاولة خطرة ~~عند أولئك الذين يميلون بحماسة نحو الإيمان بعالم آخر. وأقول مرة ~~أخرى إنه من الأيسر لنا أن نردد ترتوليان ونقول إن يسوع يخلص ~~بطريقة يجب أن تبقى دائما سحيقة لا يسبر غورها الإنسان الذي ~~يربط بين الألفاظ في تفكيره. # غير أن هذه الطريقة لم تكن الطريقة المدرسية، ولم تكن قطعا ~~طريقة أعظم المدرسيين، وأعني به سنت توماس أكويناس، الذي خلف ~~لنا قدرا كبيرا من الكتابة، بالرغم من أنه مات في سن التاسعة ~~والأربعين. وكتابه: «بحث في معارضة الأمميين»، وكتابه الآخر: «بحث ~~في قواعد الدين»، موسوعتان للمعرفة والفلسفة في العصور الوسطى، ~~ولكنهما موسوعتان منظمتان، كل شيء فيهما منسق طبقا لنظرة أساسية ~~واحدة، وليستا مجرد معارف متنوعة، ضم بعضها إلى بعض، كالموسوعة ~~الحديثة، في ترتيب أبجدي. والنظرة الأساسية هي المسيحية ~~الكاثوليكية الأرثوذكسية يعرضها واقعي معتدل (بمعنى ms223 هذه الكلمة في ~~العصور الوسطى الذي استخدمناه في هذا الفصل)، منطقي مرتب لا يميل ~~قط إلى المبالغة حتى في المنطق، باحث عظيم اتصلت حلقاته بطريقة ~~ما بعالم الإدراك العام . # كان أكويناس يرى هذا العالم معقولا، وإن لم يكن البتة موقرا، ~~سعيدا، ميسرا. وقد خلق الله هذه الأرض أصلا كمكان ملائم ~~للإنسان الذي خلقه على صورته. ومن الجلي إذن ألا يتناقض مع خلقه أي ~~نشاط بشري هام كالتفكير، ولا يمكن أن يعتبر في الواقع أي نشاط، من ~~الواضح أنه من طبيعة الإنسان، في حد ذاته خطأ - نعم إن هناك ~~احتمالات كثيرة يرتكب فيها الناس الأخطاء، والحياة فوق هذه الأرض ~~نضال مستمر ضد قوى الشر الحقيقية. ولكن هنا يعطينا الله ابنه ~~الأوحد، ويعطينا في الكنيسة التي أسسها هذا الابن فوق هذه الأرض ~~مرشدا لا يخطئ في تنفيذ مشيئته. # وإذن فلقد بدأ أكويناس بالعقلية الثابتة في الديانة المنزلة من ~~عند الله، وبدأ بتلك الحقائق التي ننالها مباشرة من الله. وكل ~~تفكيرنا - إذا أديناه صوابا - طبقا لأكويناس، إنما يثبت هذه ~~الحقائق، ويعاوننا في حياتنا اليومية التي نحياها على تطبيقها. وقد ~~وقف المذهب المدرسي وقفة ثابتة في تلك المشكلة - المسيحية الأبدية، ~~مشكلة الإيمان ضد العقل (وأذكر هذه العبارة: إنني أومن لأنه ~~مستحيل). ليست هناك مشكلة؛ إذ ليست هناك معارضة بين الإيمان والعقل ~~مفهومة فهما صحيحا. فإذا ما ضم المرء حجة إلى حجة وانتهى إلى ~~نتيجة تناقض ما كان يعتقد فيه الكاثوليك الأرثوذكس، فهو آثم، وإثمه ~~استخدام منطق خاطئ، ويمكن باستخدام المنطق الصحيح أن نتبين على ~~الفور موطن خطئه. والواقع أن توماس أكويناس - كأكثر المدرسيين ~~المتأخرين - كان يستمتع بالتلاعب بالحجج الموضوعة ضد العقائد ~~المقبولة، ثم يقابل بين هذه الحجج وبين مجموعة أخرى من الحجج أشد ~~براعة تتجاوز قليلا مقتضيات الإيمان البسيطة. ثم يوفق بين هذه ~~وتلك بمهارة عقلية تذكر بقدرة الرياضي المدرب على السيطرة على ~~التوقيت والتنسيق. وليس في هذا التشبيه ما يضلل؛ فالرياضي - ~~كالمفكر المدرسي - يجب أن يتجنب الإفراط والتفريط، والتبكير ~~والتأخير، ويجب أن يوجه ms224 القدر الصحيح من طاقته نحو المكان ~~الصحيح. # والمنطق الصحيح عند أكويناس هو طريقة أرسطو بعد إحيائها وفهمها ~~فهما تاما مرة أخرى. وقد بينا أن أرسطو نفسه كان بطبيعته ~~رجلا يقف وسط الطريق؛ فهو لم يستطع أن يقبل العالم الآخر المثالي ~~لأفلاطون، ولم يستطع البتة أن يقبل هذه الدنيا كما هي. وقد اتفقت ~~مشاعر أرسطو نحو الاستهداف في الحياة البشرية اتفاقا تاما مع ~~ميول المسيحية نحو الإصلاح. وكذلك اتفقت طريقة أرسطو في التفكير، ~~التي تبدأ بالحقائق البينة، والتي يتفرع عنها باستمرار نمط من ~~الفروض الواضحة المنسقة، وذلك بطريقة طبيعية للإنسان فيما يبدو، ~~أو للإنسان في الغرب على الأقل - اتفقت هذه الطريقة اتفاقا تاما ~~مع قبول أتباع المذهب المدرسي لحقائق الوحي وعادات التأمل عندهم. ~~وقد عرفتم أن هذه الطريقة في التفكير يشار إليها بالاستنباط، ~~ويكاد يكون من المؤكد أنكم قد انسقتم إلى موازنتها بطريقة أخرى ~~للتفكير، نالت التقدير بانتصار العلم الحديث، وعرفت بالاستقراء، ~~وحكمتم بفضل الطريقة الثانية على الطريقة الأولى. والواقع أن هذه ~~المباينة بالغة التبسيط - إن لم تكن خاطئة - وسوف نعود إليها عندما ~~نتحدث عن شخصية فرانسيس بيكون العظمى. # أما الآن فيكفينا أن نذكر أنك أذا طبقت طريقة الاستنباط هذه من ~~نقطة بداية ثم سرت بضع خطوات في صف واحد دون الرجوع إلى الوقائع ~~(أو التجربة الحسية) فالراجح أنك سوف تصل إلى نتيجة لا تطابق ~~الوقائع. غير أن هذا لا يتحتم بالضرورة أن يكون هداما إلا إذا كنت ~~من ذلك الضرب من الناس الذي نعرفه بالعالم التجريبي، أو إلا إذا ~~كنت تحاول - كالطبيب الباطني أو ميكانيكي السيارات - أن تؤدي عملك ~~على أساس التفكير العام كما يفعل العالم. وقد تريد - مثلا - كما ~~يريد المدرسيون، أن تبحث عن أنماط من السلوك تشجع رغبتك في العيش ~~حياة طيبة. وقد تحب أن تجد شيئا أفضل من الوقائع. وقد تحب أن ترى ~~إلى أين يؤدي بك عقلك كما يفعل الرياضي. وفي كل ذلك وفي أغراض ~~كثيرة أخرى يخدمك الاستنباط خدمة كبرى، وبخاصة إذا رجعت من تفكيرك ms225 ~~- كما يفعل المدرسيون - بين الحين والحين على الأقل إلى حقائق ~~السلوك البشري. # ومن المؤكد أن أكويناس كان يستند إلى قاعدة لم يبتعد عنها قط ~~كثيرا، حتى في جدله الذي بلغ غاية الدقة و«المدرسية». وتلك ~~القاعدة هي مجموعة حقائق الديانة المسيحية الملهمة، يكملها الإدراك ~~العام والتجربة في كثير من نواحي العلاقات البشرية، ويفسرها عقل ~~معتدل في طبيعته، يميل إلى التوفيق، ويستطيع الوصول الكامل إلى ~~الآباء، وإلى الرجال المدرسيين الأوائل، وأرسطو خاصة، الذي كثيرا ~~ما يشار إليه في «البحث» بمجرد الفيلسوف. # وإليك مثالا من طريقة أكويناس وعقله. وهو جزء من «البحث في أصول ~~الدين» قليل الأهمية نسبيا، ولكن من اليسير لنا أن نتابعه، كما ~~أنه يبين في وضوح أشد مما تبين الأجزاء الأعظم، كالجزء الخاص ~~بحرية الإرادة، كيف كان أكويناس قريبا جدا من الإدراك العام. في ~~هذا الجزء يناقش الشروط الخاصة ل «حالة الإنسان الأولى»، حالة ~~البراءة قبل «السقوط». وهنا يلقي سؤالا - وهو سؤال تقليدي في ~~الأدب، بالرغم من غرابته في نظر المحدثين - وهو: كيف كان الأطفال ~~في حالة البراءة؟ بل نراه يلقي السؤال في صيغة أخص، فيقول: هل ~~ولدوا بقوة بدنية كاملة تمكنهم من استخدام أعضائهم استخداما ~~كاملا عند الميلاد، أم هل كانوا كأطفال اليوم، كائنات متحركة ~~عاجزة عند ميلادها؟ قد يتصور المرء أن أية صورة من صور العجز - في ~~جنات عدن - تحط من قدر الكمال، وما دام الله قد جعل الحياة ~~البشرية شديدة الاختلاف عما صارت إليه فيما بعد، فلماذا لم يخلق ~~الطفل البشري قويا كاملا منذ البداية، بل ولماذا لم يشأ أن ~~يولد الرجال والنساء بالغين؟ والواقع أن فكرة الكمال المطلق في ~~العالم الآخر تميل إلى أن تبعد جنات عدن عن صفات الأرض بقدر ~~المستطاع، ولم يكن كذلك أكويناس؛ فقد كانت حتى عدن عنده «طبيعية» ~~بقدر ما يستطيع تصويرها. ~~«بالإيمان وحده ندرك الحقائق التي تعلو على الطبيعة. وما نعتقد ~~فيه يستند إلى الرواية، ومن ثم فلا بد لنا عند افتراض أمر من ~~الأمور من الاسترشاد بطبيعة الأشياء، إلا فيما ms226 يتعلق بتلك الأشياء ~~التي تعلو على الطبيعة، والتي تصل إلى علمنا بالإرادة السماوية، ~~وواضح أنه من الطبيعي ومن الملائم لمبادئ الطبيعة البشرية ألا تكون ~~لدى الأطفال قوة تكفي لاستخدام أعضائهم بعد الميلاد مباشرة؛ وذلك ~~لأن الإنسان بالنسبة إلى الحيوانات الأخرى له بالطبيعة ذهن أكبر. ~~وعلى ذلك فمن الطبيعي بالنسبة إلى ليونة الذهن الشديدة عند الأطفال ~~ألا تكون الأعصاب - وهي أدوات الحركة - معدة لتحريك الأعضاء. ثم إن ~~الكاثوليك - من ناحية أخرى - لا يشك في أن الطفل يمكنه بقوة السماء ~~أن يستخدم أعضاءه بعد الميلاد مباشرة.» # وطبقا لما جاء في الكتاب المقدس (في سفر الجامعة، الإصحاح ~~السابع، العدد 30) «صنع الله الإنسان مستقيما.» وهذه الاستقامة - ~~كما يقول أوغسطين - تنحصر في خضوع الجسد للروح خضوعا تاما. ~~ولذلك فكما كان من المستحيل في الحالة البدائية أن نجد في الأعضاء ~~البشرية أي شيء تنفر منه إرادة الإنسان المنظمة، فكذلك كان من ~~المستحيل على تلك الأعضاء أن تعجز عن تنفيذ توجيهات الإرادة. ~~وإرادة الإنسان تكون منظمة حينما تميل إلى الأعمال التي تلائم ~~الإنسان. غير أن الأعمال عينها لا تلائم الإنسان في كل مرحلة من ~~مراحل الحياة. ومن ثم وجب علينا أن نصل إلى هذه النتيجة وهي أن ~~الأطفال لا يصح أن تكون لديهم القوة التي تكفي استخدام أعضائهم ~~بقصد أداء كل ضرب من ضروب العمل، فيما خلا تلك الأعمال التي تلائم ~~حالة الطفولة، كالرضاعة وما إليها. # وفي هذه الفقرة التافهة في ظاهرها نجد الكثير مما يمثل ~~التوماسية - كالسيادة الواضحة التي تعطى ل «الحقائق التي تعلو على ~~الطبيعة»، التي نتمسك بها بالإيمان ونصل إليها بالنص السماوي، ~~وقبول القدرة السماوية الكاملة قبولا تاما، والاعتقاد في أن ~~الله عموما يؤثر أن يجعل الطبيعة تسير في مجراها، وأن هناك ~~«لياقة» في أعمال البشر تتفق وقوانين الطبيعة التي تمكن ملاحظتها، ~~وأن قوانين الطبيعة هذه هادفة في أساسها من حيث حدود الحياة ~~البشرية، ثم أخيرا الرجوع إلى النص، وهو في هذه الحالة نص العهد ~~القديم وأوغسطين. # ومن المؤكد أن قراءة أكويناس تشق على ms227 الأمريكي العادي في القرن ~~العشرين، وإن تكن ليست أشق من كانت، أو من أرسطو نفسه. ويرجع جانب ~~من المشقة إذن إلى أن أكويناس فيلسوف محترف له قدرة فنية فائقة، ~~ولديه اهتمام الرجل الفني في الدقة والتحديد، مما لا يتوافر عند ~~الهواة. والواقع أنه في «البحث في أصول الدين» خاصة قد كتب بأبسط ~~ما يستطيع؛ لأنه وجه الخطاب إلى الطلاب الجادين، ولم يوجهه إلى ~~زملائه الأساتذة وحدهم. وليس من شك في أن جانبا من المشقة التي ~~يلاقيها رجل حديث غير مؤهل في قراءة أكويناس تنحصر في الفروض شديدة ~~الاختلاف التي كان يفترضها الفيلسوف في العصر الوسيط، كما تنحصر في ~~غرابة الجو الفكري (بالنسبة إلينا) في العصور الوسطى. وسوف نعود ~~إلى هذه الغرابة فيما بعد في محاولة للتعبير عن «روح العصر» في ~~العصور الوسطى. # ومن البين بالرغم من هذه المشاق أن أكويناس ينتمي إلى أصحاب ~~النظم الفلسفية العظام في الفكر الغربي. ونظامه نظام جميل ~~البناء، استحق الثناء لهذه الميزة فيه، حتى من الوضعيين والماديين ~~المحدثين - وإن يكن مشوبا بشيء من الحقد - وهم أولئك الذين ~~يخالفون كل ما يعتقد في صحته المذهب المدرسي تقريبا. وهو نظام ~~يضع - في جملته - الإنسان موضعا مريحا، وإن لم يكن مريحا بدرجة ~~زائدة في عالم يمكن للعقل البشري أن يدركه، في عالم لا تستطيع ~~الإرادة البشرية حقا أن تحوره كل التحوير، ولكنها تستطيع أن ~~تتلاءم معه، عالم أكويناس عالم مسيحي، ينتمي إليه الإنسان، ويطمئن ~~إليه. ونظام أكويناس أخيرا نظام متزن بدرجة مذهلة، يقف موقفا ~~وسطا في كل مشكلات الفلسفة الكبرى، ويقف هذا الموقف في يسر ~~المهارة الفائقة. وهنا نضع مرة أخرى صورة الرياضي، ونذكر ذلك الذي ~~يمشي على الحبل المشدود. ولكن أكويناس لم يكن قط متظاهرا، ولا ~~يبدو قط كأنه يجاهد في سبيل بلوغ هذا الطريق الوسط، هذا الطريق ~~الوسط - إذا استخدمنا لفظة محببة إليه لفظة لم تزعجه كما تزعج ~~عصرنا هذا الذي يهتم بتحليل معاني الألفاظ. جزء من «طبيعة» ~~الإنسان. # إن ما أداه أكويناس من أعمال لا ms228 بد بالضرورة أن يبدو مملا ~~لكثير من أصحاب النفوس المتحمسة، المتطلعة، أو الساخطة إن لم تكن ~~هذا أو ذاك. لم يكن أكويناس صليبيا - وهو شبيه ببيرك - يريد ~~الإصلاح لكي يحافظ على التقاليد. وهو لا يضحك، ولا يخاطر ~~بالاستخفاف. وقد كانت الفلسفة وأصول الدين بالطبع في عهده موضوعات ~~ذات طابع جدي رفيع. ولكن أكويناس لم تكن لديه أية لمسة من لمسات ~~السخرية. وقد ذكرنا أن جنات عدن عند أكويناس طبيعية بقدر ما ~~استطاع تصويرها وربما لم تكن لديه صورة عاطفية عن جنة عدن. وقد كان ~~لديه قدر كبير من الإدراك العام. ولكن لا تحسبوا أنه يستخدم هذا ~~الإدراك العام لكي يطهر، أو يصحح، أو يخفف العبء الضخم من عدم ~~الإدراك العام الذي تحمله المسيحية، بل الذي يحمله الجنس البشري ~~كله. إن أكويناس الذي يبدو لمؤلف هذا الكتاب قليل التصوف حقا، ~~كان - برغم هذا - يأخذ الميراث المحسوس من التصوف المسيحي، أو ~~النظرة المسيحية إلى العالم الآخر، في يسر يدعو إلى العجب، وبغير ~~كفاح، على أنه جزء مما قدر له. كان يسالم هذا التصوف، أو قل ~~إنه كان يروضه. ولم يكن أكويناس فيلسوفا للمسيحي الذي يود لو أن ~~السماء انفطرت. وإنما كان فيلسوفا يدعو إلى العجب للمسيحي الذي ~~يسعى إلى هدوء النفس، وكان فيلسوفا مزعجا للطمأنينة النفسية التي ~~قد يحسها غير المسيحي. # نظريات العصور الوسطى في العلاقات الإنسانية # حاولنا أن نبين كيف أن فلاسفة العصور الوسطى ورجال العلم فيها ~~بنوا على المواد التي تركها لهم آباء الكنيسة، وعلى جانب كبير من ~~التقاليد الكلاسيكية، حتى وصلوا إلى الفلسفة الشكلية التي نسميها ~~المذهب المدرسي. وقد رأينا أن التفكير الرسمي في العصور الوسطى ~~يشمل مجالا يكاد يبلغ في اتساعه ما يشمله الفكر الكلاسيكي. وقد ~~وجدنا أن النظام الذي يتسنم الذروة في المذهب المدرسي هو اعتدال ~~أكويناس الشامل، الجامع مع هنا وهناك لكل شيء تقريبا، الذي يقوم ~~على الإدراك العام. وقد كانت حلول العصور الوسطى للمشكلات الكبرى ~~مختلفة جد الاختلاف عن حلول الإغريق. أما طرق التفكير في ms229 العصور ~~الوسطى فلم تبلغ هذه الدرجة من الاختلاف. وهذا من الأسباب التي ~~مكنت الرجال المدرسيين من الإفادة من أرسطو مباشرة. أما في ~~المشكلات الأخف - والتي يمكن أن تعد أيضا من المشكلات الكبرى في ~~سلوك البشر وفي التنظيم السياسي، فقد كانت حلول العصور الوسطى كذلك ~~جديدة. ولا مفر من أن تبدو الآراء المسيحية في الخير والشر، كما ~~تبدو ظروف الحياة الوسيطة الملموسة - في مجال الأخلاق والسياسة - ~~أشد وضوحا منها في مجالات علوم الدين والفلسفة الأشد تجريدا. ومن ~~العسير - فوق كل شيء أن نتجاهل في مشكلات العلاقات الإنسانية تلك ~~المشكلة الملحة، مشكلة العلاقة بين النظرية والتطبيق، وهي العلاقة ~~التي يمكن دائما أن ينبذها الميتافيزيقيون الواثقون في ~~الميتافيزيقية وثوقا كافيا باعتبارها لا تدخل في الموضوع أو ~~باعتبارها علاقة لا توقير فيها. # وقد يقال أحيانا إن الفجوة بين المثل وتطبيقها في العلاقات ~~البشرية تبلغ أقصى مداها - بالنسبة إلى الرجل الغربي - في العصور ~~الوسطى. إن مشكلة العلاقة بين النمط النموذجي والواقع في المجتمع ~~مشكلة دائمة في تقاليدنا. وليس من شك في أن أفلاطون كان مدركا لها ~~كل الإدراك. ولا يمكن أن تكون هذه الفجوة مما يمكن قياسه على خط ~~بياني، كالفارق بين الهدف من جمع الأموال لمشروع خيري وبين ما ~~جمع فعلا من معونات. وإني أتصور أننا إذا استطعنا أن نقيس في ~~المجتمعات الغربية المختلفة الفجوة بين المثل والواقع لوجدناها ~~واحدة في كل حالة من الحالات. أما أولئك الذين يعتقدون أن هذه ~~الفجوة كانت أعمق في العصور الوسطى فيقدمون الدلائل الآتية: كانت ~~العصور الوسطى - في المثل - تمد الناس على هذه الأرض بحياة منظمة ~~مرتبة ترتيبا حسنا؛ فالكنيسة ترعى نفوس البشر، والنبلاء ~~الإقطاعيون يحتفظون بالنظام المدني، والفلاحون وأرباب الحرف يؤدون ~~أعمالا نافعة، باطراد وبغير حقد. وهناك مجموعة من الحقوق ~~والواجبات منسقة تنسيقا جميلا وتربط بين كل فرد وآخر، من راعي ~~الخنازير إلى الإمبراطور والبابا. كل رجل يعرف مكانته، آمن فيها، ~~سعيد بها؛ فلقد كان هذا مجتمعا «مستقرا» بدلا من المنافسات ~~الجنونية والشكوك التي نلمسها في المجتمع ms230 الحديث، ولكنه مجتمع وضعت ~~فيه الفكرة المسيحية عن مساواة جميع الناس أمام الله أرضا صلبة - ~~إن جاز هذا التعبير - تحت قدمي أكثر الناس تواضعا وفقرا. كان ~~مجتمعا - في عبارة موجزة - من الأفراد المتحررين خلقيا، مجتمعا ~~منظما، مقسما إلى طبقات واضحة. # أما من الناحية العملية - ويسرد في ذلك خصوم العصور الوسطى ~~تفصيلات مرعبة - فقد كان هناك - حتى في القرن الثالث عشر، وهو أعظم ~~القرون، وحتى في وسط إنجازات العصور الوسطى شمالي أوروبا (فرنسا ~~الحديثة، وإنجلترا والأراضي المنخفضة، وبلاد الراين) - حروب عصابات ~~دائمة بين النبلاء الإقطاعيين. وكان هناك فساد، وتراخ، واهتمام ~~بشئون الدنيا، تجده حتى عند رجال الدين، وفقر بين الجماهير الضخمة، ~~وأمراض متوطنة، ومجاعات متكررة، وانفجارات في حروب طبقية - كان ~~هناك في إيجاز، وعلى أحسن الفروض - سوء السلوك والبؤس المألوف الذي ~~يجده المرء في الجنس البشري، بل ربما كان أسوأ من المعتاد في بعض ~~النواحي. # إن الفجوة بين المثالي والواقعي موجودة في جميع المجتمعات. ولسنا ~~في حاجة إلى أن نذكر الفجوة بين النظرية الديمقراطية الأمريكية ~~وتطبيقها. وما ذكرنا آنفا مبالغة في الكمال البريء الذي يدل عليه ~~«ما ينبغي أن يكون» في العصور الوسطى، كما أنه مبالغة أيضا (ربما ~~بدرجة أشد) في انحطاط «ما هو كائن» في العصور الوسطى. ولكنا يجب ~~مرة أخرى أن نؤكد أن في الفكرة الشائعة عن وجود فجوة ملحوظة بين ~~النظرية والواقع في العصور الوسطى، بين النوايا الطيبة عند ~~الأخلاقيين في العهد الوسيط، وما يسميه رجل معجب بهذه الصور أيما ~~إعجاب، مثل هنري أزبورن تيلور «الواقع الملطخ»، أقول إن في وجود ~~هذه الفجوة شيئا من الحق. # وقد يرجع اتساع الفجوة، إلى حد ما، إلى أن الطبقة المثقفة في ~~العصور المظلمة وفي أوائل العصور الوسطى كانت أبعد عن معاملات ~~الحياة اليومية منها في أي مجتمع غربي آخر، وربما مال قادة الفكر ~~في المجتمع النامي الجديد إلى تأكيد أهمية الترتيب، وأهمية النظم ~~الثابتة التي تربط كل فرد بدور معين في المجتمع، ربما مالوا إلى ~~ذلك عندما واجهتهم الفوضى، وانهيار السلطة ms231 المركزية، والعودة ~~الجزئية إلى بربرية العصور المظلمة. ومهما يكن من أمر فإنه مما ~~يذهلنا اتجاه المثل الخلقية والسياسية عند أكثر مفكري العصور ~~الوسطى نحو مجتمع مستقر. غير أن مجتمع العصور الوسطى منذ القرن ~~الحادي عشر كان في الواقع مجتمعا متطورا، يزداد في عدد السكان، ~~والثروة، والسيطرة الفنية على الموارد، وهو لذلك يخضع لحكم الظروف ~~وضغطها، وهو ما كانت النظريات الاجتماعية في ذلك العهد تميل إلى ~~إنكار وجوده. ودعنا الآن - دون أن نحاول أن نحشو ميدان البحث ~~بأسماء الكتاب - نختار ناحية واحدة من الميدان ملموسة مما يتميز ~~به، ونحاول أن نجعل المشكلة واقعية. # ومن المفارقات الشائعة بين النظرية الاجتماعية وتطبيقها ذلك ~~الفارق الذي يفصل مجتمعا تتجمد فيه الطبقات ومجتمعا يستطيع الفرد ~~فيه أن يتحرك حركة كاملة من طبقة إلى أخرى. في الطرف الأول يولد ~~المرء في مكان معين من المجتمع - من حيث الوظيفة، والدخل، ~~والدور الاجتماعي، ومجموعة الآراء - يبقى فيه طوال حياته. ويبدو ~~المجتمع المثالي الأفلاطوني لبعض المفسرين قريبا جدا من هذا ~~الطرف، كما أن النمل والنحل بطبيعة الحال تحيا فعلا في مجتمع ~~كهذا، وفي الطرف الآخر مجتمع نجد فيه جميع الأعضاء متحررين بعضهم ~~عن بعض قدر المستطاع، وكل فرد فيه يؤدي ما يبدو له مستحبا في أي ~~وقت من الأوقات، لا يرتبط فيه أحد بوظيفة، أو أسرة، أو وضع ~~اجتماعي، أو بمكانة معينة بإيجاز. ومن الطبيعي أنه لم يوجد مثل هذا ~~المجتمع الأخير في أي عصر من العصور، ولكنا نستطيع أن نقول إن ~~كثيرا من الأمريكان يحسبون أن مجتمعنا يتألف من أفراد أحرار، ~~متساوين، متنقلين. ونستطيع فوق ذلك أن نقول إن مجتمعنا في الواقع - ~~إذا قورن بالمجتمعات البشرية التي ولى عهدها في الماضي - أقرب من ~~أكثرها إلى الطرف الذي يقع فيه إمكان التنقل الاجتماعي للأفراد. ~~ومن الأقوال الشائعة: «ثلاثة أجيال تنقلك من طبقة إلى طبقة.» وهذا ~~القول مثل محسوس لهذا الوضع. # إن مثل هذا القول لم يكن ليحمل أي معنى لرجال العصور الوسطى ~~ولكنه في الفترة الأخيرة من هذه العصور ms232 لم يكن البتة بعيدا جدا ~~عن الواقع؛ فقد شهد القرن الخامس عشر خاصة كثيرا من النبلاء ~~الإقطاعيين الذين لحقهم الفقر، وكثيرا من التجار الأغنياء ~~المحدثين والمقربين إلى البلاط . المجتمع نظريا عند المدرسيين، بل ~~وعند المفكرين الذين تأثروا بالقانون أكثر مما تأثروا بأصول ~~الدين، كل مرتب، أو كائن عضوي، الأفراد فيه أجزاء أو أعضاء. ولدينا ~~في «بوليكراتيكس» الذي ظهر في القرن العشرين للراهب الإنجليزي جون ~~سولزبري عرض كامل لما أطلق عليه فيما بعد «النظرية العضوية» ~~للمجتمع. والأمير - طبقا لسولزبري - هو الرأس في جسم الأمة، ومجلس ~~الشيوخ (الهيئة التشريعية) قلبها، والقضاة وحكام الأقاليم عيونها، ~~وآذانها، ولسانها، والموظفون والجند أياديها، والموظفون الماليون ~~معدتها وأمعاؤها، والمزارعون «يقابلون الأقدام، التي تلتصق بالأرض ~~دائما». وهذا التشبيه، أو إذا حسبت أنه يستحق اسما أسمى من ذلك ~~فقل هذه النظرية العضوية للدولة أو المجتمع، تلقى استحسانا ~~شديدا عند أولئك الذين يقاومون التغيير؛ لأنه من الواضح أن ~~القدم لا تحاول أن تمسي ذهنا، كما أن اليد لا تغار من العين. ~~والجسم في أحسن حالاته - وأجزاؤه في أحسن حالاتها - حينما يؤدي ~~كل عضو ما أرادت له الطبيعة أن تؤديه. # إن العامل في الحقل، والحداد، والتاجر، والمحامي، والقسيس، ~~والملك نفسه - كل من هؤلاء وكل إليه جزء من عمل الله على ~~الأرض. والفكر الوسيط يصر على كرامة كل حرفة وقيمتها، حتى أقلها ~~شأنا. ويستطيع أقل الناس شأنا فوق هذه الأرض - بطبيعة الحال - أن ~~يأمل في «سعادة كاملة» أبدية كأي ملك من الملوك في العالم الآخر. ~~وإنك لن تجد احتقارا - أو على الأقل لا مبالاة - لطبقة العمال كما ~~تجد عند أفلاطون الذي يسميهم «معدة المجتمع». ولم تكن النظرية ~~السياسية في العصور الوسطى - فوق ذلك - مطلقة بأية حال من الأحوال. ~~وبوسع المرء أن يفترض أنه في مجتمع منظم - كما يبدو في هذه ~~المجموعة من الآراء - لن تكون هناك وسيلة ما لمقاومة ما يقوم به ~~إنسان أعلى. ومن المؤكد أن مفكري العصور الوسطى لم يكونوا ~~ديمقراطيين بمعنى أنهم يعتقدون بأن للناس حق إبعاد حكامهم. ولو ms233 ~~نمى إلى هؤلاء المفكرين قول جيفرسون المشهور بأنه ينبغي أن تهب ~~الثورة كل تسعة عشر عاما أو ما يقرب من ذلك لصعق أكثرهم، بل ~~ولما كان هذا القول مفهوما لديهم، ولكنهم لم يعتقدوا - كما كان ~~يحتم عليهم المنطق - بأن الاحتفاظ ب «الحالة كما هي» أمر واجب، ما ~~دام الله قد فرض السلطة والكرامة كما هما الآن في هذه ~~الدنيا. # ولكنهم سرعان ما وجدوا لهم مخرجا من هذه الورطة. قالوا إن الله ~~قد خلق الناس درجات في هذه الدنيا، وجعل العلاقة بين الأعلى ~~والأدنى ركنا من أركان عمله فوق الأرض. ومن المصطلحات التي ~~تميزت بها العصور الوسطى التي تعبر عن هذه العلاقة استعمالهم ~~لفظة «الدومنيوم» أو «السلطان»، وأول من استخدمها بهذا المعنى في ~~أوائل القرن الرابع عشر أجديوس رومانوس، أحد المبررين لسلطة ~~البابا؛ إذا كان وضع المرء فوق غيره فله عليه «سلطان»، وعلى غيره ~~أداء الخدمات. ولكن المرء قد يسيء استخدام «سلطانه»، وقد يعامل ~~غيره كأنه مجرد حيوان وليس نفسا خالدة. وفي هذه الحالة فإن المرء ~~لا يمارس «السلطان»، وإنما مجرد «التملك». «السلطان» هو العلاقة ~~الإنسانية الصحيحة الكريمة، و«التملك» هو العلاقة الإنسانية ~~الخاطئة التي لا تحتمل. وللمرء أن يمتلك شيئا، وليس له أن يمتلك ~~شخصا. وعليك أن تقبل «سلطاني»، ولكن عليك أن ترفض «تملكي» إذا ~~كانت ممارسته تثير حسك الخلقي. ولا ينبغي أن يعامل إنسان إنسانا ~~كشيء أو أداة. ويقول جون سولزبري: إن الأمير نفسه إذا أساء السلطة ~~التي أعطاها إياه الله حق عليه القتل كحاكم ظالم، ولن يكون ~~قاتله إلا أداة الله وليس في الواقع كائنا بشريا مسئولا يرتكب ~~جريمة القتل. ومذهب جون هذا مثال طيب ملموس يوضح كيف كان مفكرو ~~العصور الوسطى يختلفون، ولم تكن بينهم في الواقع تلك الوحدة التي ~~تعتبر أحيانا من صفات العصور الوسطى. ولم يكن مذهبه في قتل الظالم ~~يتفق مع الأرثوذكسية. # وفي هذا المجتمع الطبقي حيث يكون لكل فرد مكانه الذي يستحق، كان ~~كل امرئ يتناول - نظريا على الأقل - حقه الاقتصادي العادل. وقد ~~أعجب ms234 المفكرون المحدثون كثيرا بهذه الآراء الاقتصادية الوسيطة ~~ليعارضوا بها حياة العمل في عصرنا التي يرون فيها منافسة مستنكرة. ~~كان العمل عند أصحاب النظريات في العصور الوسطى شرفا كله، وهو جزء ~~مما قدر الله للإنسان، ولم يكن العمل طريقا يرتقي به العامل في ~~السلم الاجتماعي. وأهم من هذا أن المرء لم يعمل لكي «يكسب المال» ~~بالمعنى الحديث؛ لأن اكتساب المال بهذا المعنى لا يتحقق إلا بخداع ~~شخص آخر، أو بأن يأخذ المرء أكثر من نصيبه العادل. فإن العمل، ~~ولنفرض أنه حذاء من صنع صانع ماهر، لم ينظر إليه كسلعة في السوق ~~الحرة، تطلب ما يدفعه فيها الشاري، وتباع بثمن مرتفع إذا قلت ~~الأحذية وقت المبيع، وبثمن بخس - بل وبالخسارة - إذا كانت هناك ~~وفرة من الأحذية. إنما الحذاء يستحق ثمنا محددا، هو «ثمنه ~~العادل». وهذا الثمن العادل يشتمل على تكاليف المادة الخام، وعلى ~~المبلغ المطلوب للعامل لكي يحفظ أوده على مستوى الحياة التي ~~ألفها، وذلك خلال الفترة التي يقضيها في صنع الحذاء (أعني قيمة ~~العمل)، ويضاف إلى ذلك قدر ضئيل من المال لا يعد ربحا ~~بمقدار ما يعد أجرا للبائع على إدارته. # ولضمان هذه العدالة الاقتصادية وضع المجتمع الوسيط - وبخاصة في ~~القرون المتأخرة - نظاما دقيقا لما نسميه اليوم بالرقابة. وكان ~~التجار والصناع على السواء ينتظمون في روابط مهنية تسمى ~~النقابات. وهذه النقابات هي التي تحدد الأسعار والمستويات وتهيمن ~~على التحاق العمال الجدد وأصحاب الأعمال في كل حرفة من الحرف، ~~ولكنها لم تحدد بالضبط القدر الذي تنتجه كل شركة من شركات ~~الحرفة، ولم «تخطط» الإنتاج بالمعنى الحديث لهذه الكلمة. ومن ~~الواضح أن الشركة (وهي صاحب العمل والعمال) في مجتمع ثابت تؤدي ~~من العمل ذلك القدر الذي كانت تؤديه منذ القدم. وتتحكم العادة ~~في المقدار الذي تنتجه. أما عن التخطيط فذلك قد قام به الله نفسه ~~منذ زمن بعيد. وكذلك كانت العادة تحل محل التخطيط في مجتمع ~~العصور الوسطى. وقد كانت قوانين الحكومات المحلية تعزز هذه ~~الرقابات. # وأخيرا أقول إن المجتمع الوسيط لم تكن ms235 به من الوجهة النظرية ~~رأسمالية للتمويل، لم يكن به مدد من المال السائل أو الرصيد ~~يستطيع أن يسحب منه المرء إن أراد أن يتوسع في عمله. وكانت نظريات ~~العصور الوسطى - وهنا نجد أكويناس مصدرا واضحا جيدا بصفة خاصة - ~~تعتبر قبول الربح على السلف المالية بمثابة الحصول على شيء نظير ~~لا شيء، وهو استغلال الدائن لحاجات المدين العاجلة؛ فإن أنا أدنتك ~~مبلغا من المال مدة اثني عشر شهرا، ثم استرددته كما هو، فأنا لم ~~أربح ولم أخسره، وإن أنا استرددت أكثر مما أدنت فإنني أحصل على دخل ~~غير مكتسب. نعم إن المدين إذا لم يدفع خلال الفترة المتفق عليها ~~فمن حقي أن أطالب بنوع من التعويض؛ لأن ذلك قد يخل بمشروعاتي. غير ~~أن هذا الإجراء وما يشبهه لا يوازي الاعتراف بمشروعية الربح. ~~والواقع أن ما نسميه الربح في العصور الوسطى كان يعد من الربا. ~~وما كان يرفضه الناس في العصور الوسطى - وهذا الرفض طبيعي جدا في ~~مجتمع مستقر يسوده حكم مطلق - هو أن المال الذي يستدينه صاحب مشروع ~~يمكن أن يستثمر استثمارا منتجا بحيث يوجد في نهاية فترة التسليف ~~مزيد من السلع الاقتصادية يفوق ما كان موجودا في بدايتها. ولكن ~~حتى عندما بدأت مثل هذه السلع الاقتصادية المتزايدة في التدفق، ~~وحتى عندما صار الاقتصاد في أواخر القرون الوسطى ديناميكيا ~~(متحركا)، فإن المفكرين في تلك العصور لم يستطيعوا إدراك هذا ~~التحول، ومن المؤكد أنهم لم يروه. وسوف نعود إلى هذه التفرقة بين ~~الديناميكي والاستاتيكي (أو الثابت والمتحرك)، وهي تفرقة لها أهمية ~~قصوى في فهم نظرة العصور الوسطى التي تباين نظرة العصر ~~الحديث. # وإليكم مثالا أخيرا. وقد بينا من قبل أن الفكرة الحديثة، ~~فكرة سن القوانين، ووضع الدساتير التي تغير من النظم القضائية ~~القائمة، لم تكن موجودة في أكثر المجتمعات القديمة الساذجة. ~~والواقع أن التعبير ب «النظم» الذي استخدمناه الآن بالغريزة ربما ~~كان لا يلائم مثل هذه المجتمعات البتة إذا نحن طبقناه على شيء له ~~ما للقانون من توقير وتقديس. والقانون في ذهن ms236 الرجل في العصور ~~الوسطى - بل في ذهن رجال القانون أنفسهم - يوجد ولا يوضع؛ ~~فالقانون بالنسبة إلى الأغراض العامة اليومية هو ما نسميه العرف، ~~وطريقة معرفة العرف هي البحث بين الناس المستقرين في بيئة معينة ~~من أصحاب التجارب، ثم معرفة ما تم عمله في ناحية من النواحي من ~~قديم الزمن. والعادات (أو العرف) قد تتضارب في حالة ما، ولكن ~~البحث الصحيح بين الأفراد المعنيين يعزز الدليل الذي يرجح ~~رأيا دون رأي في هذه الحالة. # وفي الحق كان هناك شيء وراء العرف، وراء القانون بمعنى ما ألف ~~الناس أداءه؛ ذلك أن الفكر الوسيط في أوجه كان يعزز فكرة «قانون ~~الطبيعة» الذي عرفنا أنه صادر من العالم الإغريقي الروماني، وهي ~~فكرة لم تختف كلية حتى في العصور المظلمة. وقانون الطبيعة عند ~~المفكر في العصور الوسطى كان يشبه كلمة الله مترجمة إلى عبارات ~~يمكن للرجل العادي فوق هذه الأرض أن يستخدمها. كان هذا القانون هو ~~المعيار، والمثل الأعلى، وما «ينبغي أن يكون» الذي يمكن لأصحاب ~~الإرادة الذين يصيبون التفكير أن يروه. ولما كان رجال من أمثال ~~أجديوس رومانوس والثائر الإنجليزي المشهور وايكليف يميزون كما ~~بينا بين «السلطان» و«الملكية» فإنهم يضعون وراء السلطان القوة ~~الكاملة لقانون الطبيعة، و«الملكية» إذا كانت تشمل الأشخاص حتى ~~تكون ضد قانون الطبيعة. # وقانون الطبيعة هذا ليس قانونا طبيعيا كما يفسره أكثر ~~العلماء المحدثين. والواقع أن العالم الذي يألف الاختبارات ~~العملية لبيان صحة الفوارق عنده، قد يرى هذه الفوارق التقليدية ~~الخلقية غامضة، ذاتية إلى حد كبير، وعرضة دائما للخلاف وسوء ~~التفاهم. إن الترمومتر - بل والإدراك العام - يهدينا إلى تجمد ~~الماء. ولكن أين الآلة، وأين القدرة البشرية، التي تهدينا بوضوح ~~متى يصبح «السلطان» «ملكية»؟ وإذا زعم زاعم أن «السلطان» عند فرد ~~ما هو «الملكية» عند الآخر، أو أن «السلطان» ليس إلا لفظة جميلة ~~تصف نفس الظاهرة التي تصفها «الملكية» وصفا غير مستحب، إذا زعم ~~هذا لنا زاعم، فبماذا نجيبه؟ إن أمثال هذه الصعوبات التي نصادفها ~~من جراء عدم الدقة الظاهر وحالة التغير ms237 في الأحكام الخلقية كانت ~~شائعة شيوعا كافيا بين الأثينيين في أيام سقراط، وهي كذلك شائعة ~~بيننا اليوم، ولكن هذه الصعوبات لم تزعج المفكر في العصور الوسطى، ~~حتى إن كان «جامد الفكر» كما حاول أبيلارد أن يكون. # ذلك لأن المفكر في العصور الوسطى يجيبك بأن الترمومتر - بل ~~وإدراكك العام - لا يمكن أن يبت إلا في مسائل محدودة من الواقع ~~المادي. أما إذا استخدمنا قدراتنا البشرية كاملة كما أراد لنا الله ~~استطعنا أن نجيب بوثوق أشد عن المشكلات الكبرى، مشكلات الحق ~~والباطل. إن مصادر المجتمع البشري كلها مطلوبة: كلمة الله كما ~~تتبين في الكنيسة المسيحية، والحكمة التي ورثناها عن الأسلاف، ~~والمهارات والمعارف التي اكتسبها كل منا في حياته، والإدراك ~~العام للمجتمع، مع زيادة الاعتماد على أولئك الذين تؤهلهم مراكزهم ~~تأهيلا خاصا. إننا في حاجة إلى كل ذلك لكي نتمكن من إصدار ~~قرارات إن لم تكن كاملة فهي عادلة عملية. والشيطان يفعل فعله ~~دائما فوق هذه الأرض، ويمكن أن يلحق الإغراء أفضل الناس. والعادة ~~أننا إذا أخطأنا كأفراد أو جماعات فإن الخطأ لا يكون في نقص ~~المعرفة إنما يكون في نقص الإرادة. والفكر الوسيط يصر - على وجه ~~العموم - أن المرء لا يتصرف بالضرورة تصرفا صحيحا، حتى إن جاز ~~أن يعطيك اختبارك بالإدراك العام، أو تعطيك أداتك، الجواب الصحيح. ~~وليست هناك أداة (أي ليست هناك معرفة علمية) تستطيع أن تحمي المرء ~~مما يسميه الناس في العصور الوسطى - في التقليد المسيحي - ذنبا. ~~ولا يحمينا من الذنب إلا قبولنا شفاعة المسيح المعجزة، وانتماء ~~المرء بالمعنى الاجتماعي الكامل إلى الكنيسة المسيحية. إن العضو في ~~هذه الكنيسة يعرف عن طريق عضويته الفارق بين الحق والباطل، وبين ~~الطبيعي وغير الطبيعي. # ووراء هذه الأمثلة المحسوسة الثلاثة من موقف العصور الوسطى إزاء ~~الإنسان في المجتمع - وأعني بها فكرة الطبقية في المجتمع الذي يؤدي ~~فيه كل فرد الدور الذي أرسله الله لأدائه، وفكرة الثمن العادل ~~والنظام الاقتصادي الذي لا يتوقف على تلاعب العرض والطلب، وفكرة ~~القانون الطبيعي الذي يدرك بالعقل الطبيعي، والذي ms238 ينظم ويفسر ~~العلاقات الإنسانية فوق الأرض - وراء هذه الأفكار كلها فكرة العصور ~~الوسطى عن هذا العالم، هذا العالم «الواقعي»، الذي ترى أنه عالم لا ~~يتغير ، أو إذا عبرنا عن ذلك تعبيرا سلبيا، قلنا إن هذه الآراء ~~تتفق وفكرة العصور الوسطى التي ترى التغير عرضا، عشوائيا، ~~وليس ما نسميه تقدما مطردا. # ومن الحق الظاهر أن نقول إن أكثر الأمريكان يعتقدون في صورة من ~~صور التقدم، وإنه ليس في العصور الوسطى من كان يعتقد، أو يمكن ~~أن يعتقد في التقدم بمثل هذا المعنى. وليس معنى هذا - بطبيعة ~~الحال - أننا نختلف وإياهم كل الاختلاف في النظر إلى أي لون من ~~ألوان التغير فيما يمس الحياة اليومية؛ فلقد كان العاشق في العصور ~~الوسطى الذي تتخلى عنه معشوقته يحس إحساس العاشق في العصر الحديث ~~الذي تهجره معشوقته. وكان العمال في العصور الوسطى - كما سوف نرى - ~~يحسنون آلاتهم فعلا، وينغمسون في تلك الصورة الحديثة من صور ~~التغير التي نسميها الاختراع. وكان بعض التجار في العصور الوسطى ~~يجمعون المال بوسائل لا تختلف كثيرا عن الوسائل التي نجمعه بها ~~اليوم. وفي الواقع الملطخ في القرون القلائل الأخيرة من العصور ~~الوسطى، ظهر الفساد، والمنافسة، والتغير الاجتماعي السريع، بصورة ~~واضحة جدا، رآها كل فرد حتى أصحاب النظريات. وقد أدرك وايكليف ~~وكثير غيره من العصاة تمام الإدراك أن مجتمعهم مجتمع متغير. ولكنهم ~~كانوا يرون أن مجتمعهم قد تدهور عما أراد له الله وأراد له القانون ~~الطبيعي، ولم ينظروا إليه كأنه مجتمع في الطريق إلى مثل جديدة ~~تصدر عن ظروف واقعية جديدة وتؤثر فيها. # وإذن فإن النظرة العالمية (وهي بالألمانية لفظة ثقيلة ولكنها ~~معبرة # Weltanschauung ~~) ~~حتى عند المثقف في أواخر العصور الوسطى تختلف جد الاختلاف عن نظرة ~~الرجل المثقف في العصر الحاضر، لمجرد أن الأول يفترض أن الكون في ~~أساسه ثابت، والثاني يفترض أن الكون في أساسه متغير. الأول يفترض ~~أن القوانين التي تحكم العمل الإنساني الصحيح قد وضعها الله في ~~سمائه لكل العصور - إن جاز لنا أن نقول ذلك - وأن هذه ms239 القوانين ~~واضحة للرجل المسيحي الطيب. والثاني يفترض أن القوانين التي تحكم ~~العمل الإنساني الصحيح يتم وضعها في الواقع في نفس عملية الحياة، ~~والقتال، والحب، والتخطيط، وكسب المال، ولا يمكن لأحد أن يعرفها ~~تمام المعرفة مقدما، وأن هناك قوانين جديدة يتم وضعها باستمرار ~~خلال الحياة البشرية. ولما كان الإنسان لا يعيش في جو فكري خالص ~~لأحد الطرفين المتناقضين، فقد كان الرجل في العصور الوسطى يخلط مع ~~فكرته عن الاستقرار قدرا كبيرا من إمكان التغير عمليا. كما أن ~~الإنسان في العصر الحديث يعتقد إلى حد كبير في بعض الأمور المطلقة ~~التي تعلو عملية التغير الثوري، مهما يكن الإنسان الحديث في ذلك ~~على شيء من التناقض. أو قل إن الإنسان في العصر الحديث يعتقد على ~~أقل تقدير بأن التغير الثوري هادف بشكل ما. غير أن الاتجاه العقلي ~~عند الرجل في العصر الوسيط وعنده في العصر الحديث يختلف اختلافا ~~بينا في السلوك في كثير من ميادين النشاط البشري. # إن الإنسان الوسيط في حيرته يميل إلى أن يحل هذه المشكلة ~~بالرجوع إلى سلطة الرأي، وهي السلطة الطبيعية، أو أفضل السلطات، ~~التي نشأ على الإيمان بها - سلطة أرسطو إن كان من المدرسيين، ~~والقانون الأرضي العرفي إن كان من رجال القانون، وعادات أبيه في ~~الزراعة إن كان من المزارعين، وهو يميل إلى الاعتقاد - وهذا أمر ~~هام جدا - بأن مشكلته ليس لها حل كامل مرض ميسور فعلا، أو ~~يميل إلى الشعور أنه لا يصلح حالا حتى يرقى إلى السماء. أما ~~الإنسان الحديث في حيرته فيميل على الأقل إلى أن يستشير سلطات ~~مختلفة متعددة ويوازن بينها قبل أن يقر قراره. وقد يحاول أن ~~يجرب، وأن يقوم بمحاولات مبدئية في اتجاهات جديدة يوحي إليه بها ~~رجوعه إلى سلطات مختلفة وإلى خبراته الخاصة، إن كان قد نال ~~تدريبا حسنا في بعض النظم ذات الصبغة العلمية أو العملية. وهو ~~يميل إلى الشعور بأنه قد يحل في الواقع مشكلته إن هو سار سيرا ~~صحيحا في هذا الاتجاه. والاتجاه الصحيح للرجل الوسيط قائم فعلا، ms240 ~~وما عليك على الأكثر إلا أن «تجده»، أما الاتجاه الصحيح للرجل ~~الحديث فقد «يشق» أو «يخلق». # وبالرغم مما بين النظرتين من تباين، فإن هناك الكثير في الفكر ~~الاجتماعي والسياسي مما ثبت أنه أساسي لتفكيرنا. نعم إنك لن تجد ~~فكرة التقدم أو التطور المطرد المادي في تفكير العصور الوسطى، ~~ولن تجد تأكيدا قويا للمنافسة والفردية أو حتى التخطيط ~~المنظم، ولن تجد الجو الذي يشير إلى «الأعظم والأفضل»، بل ولن ~~تجد جدلا حول «طريقة الحياة الديمقراطية»؛ ذلك أن نظرية العصور ~~الوسطى - كما رأينا - تؤكد الخضوع، والاستقرار، والعرف، والبناء ~~الطبقي الثابت، والسلطة. ولكن العلاقات الاجتماعية في تلك العصور ~~لم تكن في الواقع ثابتة مستقرة كما كانت كذلك من الوجهة النظرية؛ ~~فقد ظهرت التغيرات المادية، والتقدم الذي ساعد على تحطيم ~~النظريات الوسيطة، من بعض ضروب النزاع الفعلي في حياة العصور ~~الوسطى. وكذلك ظهرت - حتى في أوج العصور الوسطى - أفكار أو «ميول» ~~لا تتفق إلا بمشقة زائدة مع مبادئ السلطان، والخضوع، ونظام المراتب ~~الاجتماعية الذي لا يتغير. وسوف نعود إلى النوع الأول من التغير في ~~الفصل اللاحق. وليس النوع الثاني مستقلا بتاتا عن النوع الأول، ~~ولكنه يتوقف أيضا على ضروب من الصراع سبقت في تاريخها كثيرا نوع ~~الصراع الاقتصادي الذي ظهر في الأزمنة الحديثة. # ويمكن عرض الموضوع في إيجاز وبساطة شديدة كما يلي: إن المجتمع ~~البشري الذي لا يتغير، الصارم نسبيا، الذي يعتمد على السلطة، ~~يحتاج إلى سلطة عليا تكون لها السيادة، وتكون قراراتها في الواقع ~~نهائية. وطالما كانت إسبرطة مجتمعا كهذا - على سبيل المثال - كانت ~~قرارات الكبار إجماعية ومقبولة. وفي الجزء الشرقي من الإمبراطورية ~~الرومانية القديمة كان الإمبراطور وخليفته القيصر في روسيا، يمثل ~~هذه السلطة العليا، ويملك أن يملي إرادته حتى على الكنيسة. ومن ~~ثم ظهر هذا الاصطلاح الثقيل «البابوية القيصرية» الذي يعني ~~النفوذ المطلق لخلفاء قيصر في الشرق. في حين أن أقل دراية بالتاريخ ~~السياسي في الغرب خلال العصور الوسطى تبين في جلاء أنه لم يقم ~~في الغرب قط ذلك القبول للسلطة الفردية ms241 النهائية التي لا مناص ~~منها لقيام ذلك النوع من المجتمع الذي يظن كثير من مفكري الغرب أنه ~~كان يسود - أو على الأصح يوشك أن يسود. كان البابوات والأباطرة - ~~في أعلى المستويات - يزعمون أن لكل منهم في الغرب سلطة عليا. ~~وكان الأباطرة القادرون المحظوظون يمارسون شيئا من هذه السلطة ~~التي ربما كاد يبلغها في الواقع البابا أنوسنت الثالث في أوائل ~~القرن الثالث عشر. وكان لكل من الجانبين انتصاراته في النضال ~~الطويل. وكان لكل جانب من يؤيده من أصحاب النظريات البالغين في ~~قدرتهم، والواقع أن كل مفكري العصور الوسطى تقريبا انحازوا في هذا ~~النضال - إن عاجلا أو آجلا - إلى هذا الجانب أو ذاك. وقد أنفق ~~دانتي - على سبيل المثال - جهدا كبيرا في رسالة سياسية طويلة ~~«عن الملكية» يحث فيها على حكم الإمبراطور للدنيا كحل للشرور التي ~~جلبتها الحروب في عهده. وكذلك كان لسلطان البابوية الأعلى من يدفع ~~عنه، ومن بينهم أجديوس رومانوس. وقد انتهى توماس أكويناس إلى أن ~~للبابا «سلطانا غير مباشر في شئون الدنيا»، وفي هذا مثال آخر ~~لميله نحو الاعتدال. # وقد استنفد هذا الصراع بين سلطة البابا وسلطة الإمبراطور جانبا ~~كبيرا مما يعده المختص موضوعا جذابا للتأمل. ومن النتائج ~~الواضحة التي ترتبت على ذلك أن المطالبة المتطرفة بالسلطة من كلا ~~الجانبين لم تعد تلقى قبولا في أواخر القرون الوسطى. ولم يقف ~~الأمر في هذا النضال في سبيل الدعاية - وقد كانت في الواقع كذلك - ~~عند حد إساءة الإمبراطوريين للبابويين، والبابويين للإمبراطوريين. ~~ولم يقف الأمر عند حد ثبوت الإساءة بدرجة أشد من ثبوت الثناء الذي ~~كان يضفيه كل جانب على نفسه، كما يحدث عادة في الدعايات. لم يقف ~~الأمر عند هذا الحد، بل إن كل جانب كان عليه فوق ذلك أن يلتمس ما ~~يؤيده مطالبته بالسلطة، وقد كان بعض هذا التأييد حديثا جدا؛ فقد ~~وجد مارسيجليو البادوي، مؤلف «دفاع عن السلام» في القرن الرابع ~~عشر، وهي رسالة إمبريالية، أن المصدر الوحيد للسلطة في أية مجموعة ~~من الأمم (كومنولث) هو مجموع المواطنين. وليس ms242 من شك في أن ~~مارسيجليو قد أخذته الحماسة، وربما لم يقصد أن يكون حديثا كما ~~صوره شارحوه. فما عتم يستخدم المصطلحات الوسيطة، والنظم ~~الدستورية والأفكار التي تتصل بالسيادة الشعبية التي تعزى إليه ~~تبعد كثيرا عن فكرتنا عن الاعتماد على تعداد السكان عندما نريد ~~البت في قرار سياسي. ولكن مارسيجليو كان يقصد جادا كل الجد ما ~~قصده كثيرون غيره من مفكري العصور الوسطى، حتى أولئك المنحازين إلى ~~الجانب البابوي: وذلك هو أنه ليس من حق إنسان مهما بلغت مكانته في ~~سلم المراتب - حتى إن كان في أعلى درجات هذا السلم - أن تكون ~~أوامره دائما وبغير جدل مطاعة منفذة ممن يدنونه في ~~المرتبة. # والعلاقة الإقطاعية ذاتها - التي يرتبط فيها الناس برباط السيد ~~والتابع طوال الفترة التي سادها نظام النبلاء - مثال رائع لإصرار ~~العصر الوسيط على أن سلم المراتب لا يستند إلى مجرد القوة. وقد ~~ابتذل معنى «التابع» بمرور الزمن، ونكاد نعتقد اليوم - بمقدار ما ~~بقي هذا الاصطلاح حيا - أنه يعني العبودية المفروضة على صاحبها. ~~ولا يزال الناس - فوق هذا - يخطئون إذ يحسبون أن العصور الوسطى ~~كانت فترة من فترات الفوضى والاستبداد الشخصي. والواقع أن أتباع ~~السيد كانوا من بين الرجال المهذبين وحدهم. وكانت العلاقة ترسم في ~~حفلات معقدة في بدايتها. وكانت علاقة «ولاء» - وكانت تعتبر ~~دائما علاقة متبادلة، فيها أخذ وعطاء؛ أي إنها كانت في الواقع ~~نوعا من علاقات العقود المبرمة بين طرفين. وكان التابع يدين ~~للسيد بخدمات معينة، والسيد يدين للتابع بخدمة كبرى، هي الحماية. ~~ويعتبر أسلوب الحياة المعقد الذي يعرف بالفروسية، الذي تطور ~~تدريجا في هذه الطبقة الإقطاعية، من أشد النظم البشرية إصرارا ~~على الكرامة الشخصية والمكانة التي يتمتع بها الأعضاء الجدد في ~~نظام الفروسية. # وحتى هنا لم تتفق النظرية مع تطبيقها. وقد كان للتطبيق شأن كبير ~~بانبثاق المجتمع الحديث عن المجتمع الوسيط. كانت العلاقة الإقطاعية ~~نظريا نظاما ثابتا لسلم المراتب، كنظام الجيش، يبدأ بأدنى ~~الفرسان وينتهي بالإمبراطور (أو لعله كان البابا). فإذا كان الكونت ~~تابعا للدوق، والدوق للملك، فإذن ms243 فلقد كان على كل منهم واجبات ~~وله حقوق، تؤدى بطريقة واضحة سبق وضعها. وإنما كانت تنشأ المشكلة ~~إذا امتلك الكونت أرضا عليها واجبات إقطاعية لدوق آخر ، أو للملك ~~مباشرة، أو حتى لمن هو أدنى منه في المرتبة. عندئذ ينشأ الخلاف، ~~وفي اضطراب العلاقات الإقطاعية قد يجد التابع نفسه مقاتلا ضد سيده ~~- على الرغم من تناقض ذلك مع النظرية. وأقول بإيجاز، إن نظام ~~الإقطاع ربما كان من الجائز أن يتجمد في صورة مجتمع طبقي ثابت، إلا ~~أنه لم يفعل ذلك؛ لأن أعضاءه قلما كانوا يرضون عن مكانتهم في ~~سلم المراتب، بل كانوا أحيانا غير واثقين البتة بالدرجة التي ~~يحتلونها في هذا السلم؛ فقد كانت هذه المكانة في النهاية، في ~~أذهان الناس في العصور الوسطى، تعتمد على الحق دون القوة. وبالرغم ~~من أن «الحق» هنا - كما كان في غير ذلك من المواضع في العصور ~~الوسطى - كان من اليسير جدا وفي أغلب الأحيان يفهم على أنه ~~«العادة»؛ أي الأسلوب الذي جرت عليه الأمور، إلا أن استناد الحق ~~إلى إرادة الله في النهاية كان ماثلا دائما يعبر عنه قانون ~~الطبيعة. # وأعود ثانية إلى ذلك الحكم العام الشامل الذي ساد العصور الوسطى، ~~وأعني به النظام الطبيعي، أو قانون الطبيعة وهو قانون أرضي يقترب ~~بقدر ما يستطيع الإنسان من قانون السماء، وهذا المبدأ الذي يتميز ~~به الغرب من الأدلة الميسورة دائما التي تساق لتأييد فكرة ~~التغير، والتغير الثوري إن اقتضى الأمر؛ لأنه يبرز في جلاء - كما ~~بينا من قبل - فكرة النظام الأفضل، وهو مع ذلك نظام واضح - ما دام ~~«طبيعيا» أنه ممكن التحقيق، وليس نظاما مثاليا من العالم ~~الآخر. وإذا كانت الفكرة - عند كثير من الناس - عن الأمر الطبيعي، ~~تختلف كل الاختلاف - كما حدث في القرن الثامن عشر - عنها عند من ~~يعلونهم اجتماعيا وسياسيا، كان الموقف ثوريا. أما إذا كان ~~هناك على الأقل اتفاق عام بين المتعلمين على ما هو طبيعي، كما كانت ~~الحال عموما في القرن الثالث عشر، فإن المجتمع يكون مستقرا ~~نسبيا. ولكن فكرة ms244 القانون الطبيعي - في أواخر القرن الثامن عشر ~~عندما زاد من حدة العداوات الطبقية النامية الحروب، والأوبئة، وغير ~~ذلك من أسباب الخلل في زمن تسوده القلاقل - انقلبت إلى إيحاء ~~بالعصيان ضد أصحاب السلطان الذين لا يحققون النظام - أو العدالة - ~~الذي يسعى القانون الطبيعي إلى تحقيقه. وقد كان القرن الخامس عشر - ~~بالرغم من الفوارق الواضحة في المصطلحات وفي العادات والتفكير إلى ~~حد ما - يتفق في كثير من الأمور مع القرن الثامن عشر. # ومع ذلك فإن العصور الوسطى - حتى في سنواتها الأولى، وحتى في ~~أوجها - لم يكن من المستحيل فيها أن تتحد الفوضى وخلل النظام في ~~الواقع (أو في التطبيق) مع الوحدة في المثل كما تصورها الكتب ~~الدراسية الأمريكية أحيانا. ولم تكن العصور الوسطى في الغرب ~~قطعا زمنا يسود فيه الإيمان بالمطلق. الله وحده - في نظريات ~~العصور الوسطى - هو المطلق. أما البشر الذي يعمل عن طريقهم فوق ~~الأرض فليسوا سوى عملائه. وهم كبشر يمكن أن يحكم عليهم غيرهم من ~~البشر إذا هم عارضوا قانون الله - أو قانون الطبيعة. ومما جعل ~~الحكم المطلق المستقر جد مستحيل في المعاملات الغربية في العصور ~~الوسطى انقسام السلطة بين القوى العلمانية والقوى الروحية، ~~والمطالب المتعارضة لألوف السادة الإقطاعيين، والرجوع إلى العرف ~~ليكون حكما في كل مكان. إن جذور الديمقراطية الحديثة تمتد إلى ~~العصور الوسطى، في حين أن مبدأ الإيمان بالمطلق لم يحتل مكانة ~~بارزة إلا في القرون القلائل الأولى من العصر الحديث. # الفصل السابع # | العصور الوسطى (ثانيا) # هناك فكرة شائعة بأن العصور الوسطى - وأعني بها ألف العام كلها التي ~~تقع بين نهاية الثقافة الإغريقية الرومانية والنهضة - لم تضف شيئا ~~إلى مجموعة المعرفة التراكمية التي نسميها العلوم. وهذا الرأي خاطئ؛ ~~فنحن نعرف اليوم بأن الأسس الاجتماعية، والاقتصادية، بل والعقلية، ~~للعلم الحديث في الغرب، قد وضعت في العصور الوسطى. ومنذ القرن الثاني ~~عشر مهد ظهور المدن والتجارة، ونمو طبقة مغامرة من أصحاب المشروعات ~~التجارية الراغبين في تحسين الوسائل التقنية، كما مهد جمع رأس المال ~~الذي يسمح بالإسهام في هذا التحسين، ms245 كل ذلك مهد للظروف الاجتماعية ~~التي يمكن أن يرقى فيها العلم. ومن الناحية العقلية كانت العادات ~~الفكرية تستند إلى دراسة المنطق، والرياضيات، والآداب، وهذه العادات ~~بعدما اتجهت نحو المدركات الحسية المألوفة، تحولت تدريجا إلى العلم ~~الحديث. # وفي الحق أن الرأي الذي يقول بأن العصور الوسطى لم تكن عصورا علمية، ~~بل إنها كانت عصورا ضد العلم، له أساس من الواقع. وقل من هذه الآراء ~~واسعة الانتشار، أو المكررة، ما كان «كله» خطأ. وكثير من كبار المفكرين ~~في العصور الوسطى كتبوا قدرا كبيرا بأسلوب يناقض تماما ما نعده ~~أسلوب العلم. وكان روح العصر - بمعنى ما - لا يؤدي إلى التفكير العلمي ~~الرسمي. ولكنا هنا - كما ينبغي لنا في أكثر المشكلات المعقدة من هذا ~~القبيل - يجب أن نحتاط من ناحيتين؛ فإن مجال الرأي الواقعي كله، ومداه ~~في موضوع معين، يجب التثبت فيه بقدر الإمكان، ويجب أن نحاول معرفة ما ~~يعمل ومعرفة ما يقال ويكتب على السواء. ومثل هذه الدراسة تبين لنا ~~أن عملا نافعا كثيرا على المستوى التأملي أو الفلسفي قد تم في ~~العلوم في أواخر العصور الوسطى، بل وإن أكثر من ذلك قد تم على المستوى ~~العلمي للتكنولوجيا والاختراع. # إن التطرف في الاتجاه نحو العالم الآخر لا يتفق البتة والعلوم، بل ~~ولا يتفق والمعرفة، وتستطيع تأييدا للرأي القائل بأن العلم كان ميتا ~~موتا كاملا في العصور الوسطى أن تسوق عدة نصوص، كالنص الشائع المنقول ~~عن سنت أمبروز، وهو: «إن البحث في طبيعة الأرض ومركزها لا يعيننا في ~~أملنا في الحياة الأخرى.» وتستطيع أن تجد حشدا من المعادين للعقل، ~~والمتصوفين، والرجعيين من كل الصنوف في هذه السنوات. ولكنك تستطيع ~~أيضا أن تجد عددا من هؤلاء في أية فترة من فترات التاريخ الغربي، حتى ~~عصرنا هذا. والواقع أن العلوم الطبيعية لم تبلغ القمة في قيمتها ~~العقلية إلا خلال الأجيال القليلة الماضية. والمسألة دائما هي مسألة ~~توازن بين النظريات المتعارضة. وكانت القيمة الكبرى في أواخر العصور ~~الوسطى تعطي لنوع المعرفة الذي نسميه «المدرسية». وليست المدرسية ضد ms246 ~~العقل بأية حال من الأحوال. إنما هي في الواقع مصدر من مصادر العلم ~~الحديث. # ومن المؤكد حقا أن «المدرسية» في العصور الوسيطة كانت في جملتها ~~تختلف اختلافا تاما عن العلم الحديث؛ فالمدرسية تركز اهتمامها في ~~الاستنباط من المبادئ التي تأخذها بالنقل. أما العلم فيركز اهتمامه في ~~التجربة لاختبار ما يعد حجة في نوعها (أي النظريات السابقة في ~~موضوع معين). ولكن أرجو ألا تنحازوا في الرأي كما انحاز أتباع بيكون ~~الذين أنكروا المدرسيين. وليس العلم كله «استقراء»، وليس البتة جمع ~~واقعة إلى واقعة حتى تفرخ الوقائع بالمعجزة تفسيرها. العلم استنباطي ~~إلى حد ما، وهو بهذه الصفة يدين بالكثير لتنقيب المدرسين. وهنالك في ~~الواقع تلك الفئة التي ترى المدرسية الوسيطة بداية النهاية للعقيدة ~~الصوفية الصادقة، أو بداية لذلك الجهد الحديث المضني - في ظنهم - ~~ل «فهم» الكون الذي سار شوطا بعيدا ربما يمكن الإنسان «اليوم» من أن ~~يهدم على الأقل كونه الخاص. # كان التقديس العقلي في العصور الوسطى للكلمة المنقولة عقبة في سبيل ~~نمو العلم أشد من طرق التفكير الاستنباطية لدى الرجل من أبناء تلك ~~العصور. وربما كانت «عادة» الاعتقاد بأن الكلمة المكتوبة الثابتة حجة ~~حتى في وجه الإدراك العام، ثابتة في أصلها عن قبول المسيحيين للإنجيل ~~باعتباره كلمة الله، غير أن التسليم بالإنجيل أساسا كان في العصور ~~الوسطى عقبة في طريق التجربة العلمية أخف من كتب أرسطو والأدب ~~الكلاسيكي القديم الذي وصل إليها. وقد مالت العصور الوسطى إلى الأخذ ~~بكلمة أرسطو، وكلمة بلايني - وهو مؤرخ طبيعي روماني شديد التصديق - ~~وكلمة جالن - وهو طبيب مجيد ولكنه ربما كان نظريا أكثر مما ينبغي - ~~وذلك خاصة في كل ما يتعلق بما نسميه اليوم علم البيولوجيا (علم ~~الأحياء). # وكانت العصور الوسطى - فوق ذلك - زمنا ذاع فيه التصديق الشديد بين ~~الناس إلى درجة الاعتقاد في الخرافة كما يبدو لنا. ومهما يكن من شيء ~~فقد كان القرن الثالث عشر قريبا جدا من العصور المظلمة. وكان على ~~المفكرين في العصور الوسطى أن يكافحوا لانتشال الحقيقة من أعماق الجهل. ~~ومع ms247 ذلك فإن التصديق والخرافة - بل والقبول المطلق لحجة منقولة معينة ~~في شئون قد تكون هذه الحجة فيها على خطأ أو غير ذات صلة بالموضوع - لم ~~تختف البتة من المجتمع الغربي الحديث. وقد تجد في أية مكتبة شعبية في ~~أمريكا كتبا في التنجيم، ثم لماذا تكون ممثلة السينما حجة في تأثير ~~تدخين السجاير على الحلق؟ وكذلك تظهر ثعابين البحر في الصحف بانتظام ~~شديد. # ومن الحق أن البيولوجيين المحترفين يرجحون عدم وجود ثعابين البحر ~~أو السمكة الخرافية ذات القرن. ومن الحق أن كثيرا من المتعلمين في ~~العصور الوسطى اعتقدوا فيما يبدو أن أمثال هذه المخلوقات - بل وأغرب ~~منها - موجودة. أي إن بعض أنواع العقائد التي نجدها اليوم مناقضة ~~لتجاربنا كان يؤمن بها في العصور الوسطى أفراد من مرتبة اجتماعية ~~وعقلية عالية جدا. وقد نشأ هؤلاء العقليون في العصور الوسطى في ثقافة ~~حية مسيحية تؤمن بوجود الله، وهذه الثقافة وضعت حدا بين الطبيعي وما ~~فوق الطبيعي في مستوى أدنى بكثير - بمقياس التجربة العادية - مما يمكن ~~أن يكون عليها مستوانا، اللهم إلا إذا نال أحدنا تربية استثنائية ~~حقا. ولم يكن ظهور «العلامات» (على الأيدي والأعقاب في المواضع التي ~~سمر فيها المسيح فوق الصليب) في قديس مثل فرانسيس الأسيسي مما يحتاج ~~إلى دليل لإثبات الحقيقة أو إلى نظرية لإثبات إمكان حدوثها؛ فإن ~~الكاثوليكيين المخلصين اليوم يسعدون جدا لو عثروا على تفسير طبي لهذه ~~الظاهرة، ولقد حاول بعضهم فعلا إيجاد مثل هذا التفسير. # هذا القبول التام للمعجزة لم يكن ليؤدي إلى الدراسة الوئيدة الصابرة ~~للحوادث الطبيعية التي لا تقع فيها مفاجآت معجزة. غير أن العقبة الأكبر ~~في طريق العلم التجريبي في العصور الوسطى كانت تتمثل في مجموعة ~~المحرمات التي كانت تحول دون دراسة تشريح الإنسان - ومع ذلك فإن هذه ~~المحرمات كانت تفوق هذه الدراسة ولا تحول دونها في أخريات القرون ~~الوسطى. هذه المحرمات - وهي اجتماعية بمقدار ما هي دينية - حالت دون ~~تشريح الجسم البشري؛ فإن العقيدة المسيحية التي تؤمن إيمانا ثابتا ~~بمبدأ بعث الإنسان بجسده لم ms248 تكن لتسمح بتقليع الجسم الذي لا بد أن يظهر ~~أمام خالقه في يوم من الأيام. ومع ذلك فإن جانبا كبيرا مما قد نسميه ~~ونحن عابسون التجربة في جثث الموتى التي كانت تجرى في مدارس الطب ~~الشهيرة في العصور الوسطى، كمدرسة ساليرنو في إيطاليا ومنتبلير في ~~فرنسا - بالإضافة إلى ما أنجزه القدامى والعرب في هذا الميدان - وضع ~~الأساس العريض الذي أقيم عليه فيما بعد العلم التجريبي. # يجب إذن أن نسلم بأن العلم التجريبي في العصور الوسطى في جميع ~~الميادين - وبخاصة علوم الحياة - واجه عقبات كثيرة: السيادة الشاملة ~~نسبيا للإيمان بعالم آخر إيمانا يزدري الاهتمام العلمي بشئون هذه ~~الدنيا، وعادة التفكير الاستنباطي الذي لا يميل إلى الاعتراف بضرورة ~~اختبار سلسلة التفكير - بين الحين والحين - بالرجوع إلى ما يسميه ~~العالم «الوقائع»، وتقديس الكلمة القديمة المنقولة بغير نقد وتصديق ~~شديد، أو - بتعبير سلبي - اختفاء ذلك الضرب من التشكك الذي يراه العالم ~~ضروريا، وقبول المعجزة قبولا شديدا يضعف من دراسة الواقع المألوف، ~~وهي دراسة تعد من أساسيات العلوم، وأخيرا قبول الواقع المألوف ~~باعتباره عملا إلهيا معجزا، ومن ثم فهو غير مفهوم في حقيقته ~~بالتعبير العلمي. وبرغم هذه العقبات كلها فقد كان ما أنجزته العصور ~~الوسطى التي استغرقت ألف عام من الناحية العلمية عملا عظيما ~~جدا. # فقد أدخلت العصور الوسطى تحسينات كثيرة على الآلات الرياضية التي ~~لولاها لما كان هنالك علم حديث. وبمعونة ما نقلوه عن العرب والهنود ~~احتفظت هذه العصور بما أداه الإغريق في الهندسة واخترعت علم الجبر ~~الجديد. وهنا أيضا وضعت هذه العصور أساسا عريضا استطاع أن يصل عن ~~طريقه نيوتن وغيره إلى حساب التكامل والتفاضل وغير ذلك من قواعد ~~الرياضة الحديثة. ولكن ربما كانت هذه الأعمال أقل في أهميتها من حيلة ~~فنية ليست رفيعة جدا، بل هي تكاد تكون وسيلة عملية لا غنى لنا ~~جميعا عنها؛ ذلك أن علماء الرياضة في العصور الوسطى - عن طريق الهنود ~~والوسطاء العرب - استطاعوا في النهاية أن يفيدوا من الحيلة البسيطة ~~التي نسميها «الصفر»، وباقي الأعداد الأخرى التي ms249 نعرفها. وإن كنت تعتقد ~~أن هذا الأمر لا أهمية له فحاول أن تحل مسألة بسيطة كقسمة # MDCCIV # على # LXVI ~~(أي 1704 على 66 بالكتابة ~~الرومانية) مع التزامك دائما بطبيعة الحال لهذه الطريقة الرومانية في ~~كتابة الأعداد. # إن أبرز إنجازات العصور الوسطى في العلوم الرسمية كان في هذا ~~الميدان، ميدان الرياضة الاستنباطي، الذي كانت بعض العقبات التي ~~ذكرناها بالنسبة إليه أقل في أهميتها بكثير منها في الميادين ~~التجريبية. وبالرغم من ذلك فقد حدث تقدم محدد في كثير من العلوم ~~الرسمية الأخرى قبل نهاية القرن الخامس العشر بوقت طويل، وهو القرن ~~الذي يعين عادة بداية العصور الحديثة. ويكاد كل منا يعرف اسم روجر ~~بيكون، وهو راهب بريطاني عاش في القرن الثالث عشر، يسبق عمله في ~~الإطراء على الاستقراء والتجربة عمل سميه المشهور فرانسيس بيكون الذي ~~جاء بعده بأكثر من ثلاثة قرون. ولم يكن روجر بيكون العالم الوحيد في ~~العصور الوسطى، ولم يلاق اضطهادا بسبب آرائه. وفي حياته الطويلة التي ~~امتدت ثمانين عاما أسهم في الحياة العقلية في عصره، وهي الحياة التي ~~كانت تعني آنئذ، كما تعني اليوم، الانحياز إلى أحد الجانبين في ~~المشكلات الكبرى. ومن الواضح أن بيكون كان اسميا أو تجريبيا بشكل ~~ما، يعارض الواقعيين أو المثاليين، ولكنه لم يكن زنديقا، ولم يكن ~~ماديا متخفيا، وكثير من الآمال التي عقدها على طريقة التجربة كان ~~يتجه نحو زيادة توضيح حقائق الديانة المسيحية، ومع ذلك فظاهره ولا شك ~~حديث، أو ربما كان بريطانيا فحسب، يقول: «هناك ثلاث طرق يظن الناس ~~أنهم يستطيعون بها أن يحصلوا على معرفة الأشياء، وهي: النقل، والتعليل، ~~والتجربة. والطريقة الأخيرة وحدها من بين الطرق الثلاث هي الفعالة التي ~~تستطيع أن تجلب للعقل الطمأنينة.» # وكان يظن في وقت ما أن روجر بيكون كان شخصية فذة في تفكير العصور ~~الوسطى. غير أن البحوث التي قام بها رجال من أمثال ك.ه. هاسكنز، ولين ~~ثورندايك، وجورج سارتون، ألقت مرة أخرى الضوء على عمل أجيال من العلماء ~~الصابرين في العصور الوسطى، من الباحثين المنكبين ms250 على ترجمة البحوث ~~العربية في الرياضيات أو الفلك إلى الكيماويين الذين، وإن كانوا في ~~الحق يرمون إلى هدف لا يتفق والأغراض الصحيحة للعلم الحديث، إلا أنهم ~~كانوا برغم ذلك ينشئون في داخل مجموعتهم الفريدة البدايات الحقيقية ~~لتعرف الكيميا. والكيميا القديمة كانت بحثا غير منظم، إن لم يكن ~~مظلما، ولكنه أمسى علما من العلوم. ومن هوامش العلوم أيضا في العصور ~~الوسطى الصيد بالباز، وهي معرفة أقيمت لتحسين طرق هذا الضرب ~~الأرستقراطي من الصيد، ولكنها أدت إلى جانب كبير من البحث الدقيق ~~المنهجي في أحد الميادين التي خاضها علماء الطيور فيما بعد. # وتؤدي بنا معرفة الصيد بالباز إلى مواجهة إحدى الحقائق الكبرى عن نمو ~~العلم الحديث، وهي حقيقة كثيرا ما غفلنا عنها في هذه الأيام؛ فقد ~~ألفنا - وبخاصة منذ الحرب الأخيرة - الظن بأن العلم البحت هو منبع، أو ~~أصل، التغير التكنولوجي الحقيقي. إننا نتفق على أن الخبرة الصناعية ~~الأمريكية كانت ضرورية لإنتاج القنبلة الذرية، ولكنا مع ذلك نرفع من ~~شأن علماء الطبيعة النظريين في إنتاج القنبلة. والموقف - من الوجهة ~~التاريخية - معكوس في العصور الوسطى وفي أوائل العصور الحديثة؛ فقد كان ~~العلماء النظريون هم التابعين، الذين يسيرون في إثر العمال العمليين، ~~وأصحاب الحرف، وأصحاب المهن، ورجال الصناعة الناشئين، وأصحاب الضياع ~~الذين يبذلون الجهد في سبيل تحسين تربية الماشية. لا ينبغي لنا بطبيعة ~~الحال أن ننظر إلى العلاقة بين العلم البحت والحاجات العملية كأنها تلك ~~العلاقة المحيرة بين البيضة والكتكوت. فإن أحدهما يبعث على الآخر في كل ~~حين. والمهم هو أن التكنولوجيا (أو الجانب العملي) في العصور القديمة ~~كانت تبعث في كل خطوة تقريبا على العلم البحت. أما اليوم فالعلم البحت ~~يمكن أن يغذي نفسه وأن يتقدم بنفسه دون أن يكون لا تراكميا، وبغير ~~الرجوع دائما - مع ذلك - إلى التكنولوجيين. # ولو أردنا سرد الاختراعات والتحسينات التي تمت في العصور الوسطى ~~لكانت القائمة طويلة جدا، ويمثل هذه المخترعات أحسن تمثيل اختراع ~~قديم من إنتاج العصور المظلمة، وأقصد به رباطا للرقبة خاصا بالحصان. ~~وهي حيلة بسيطة، ms251 ولكنها لم تكن معروفة للإغريق والرومان؛ فباستعمال هذا ~~الرباط الطري الذي ينزلق على رأس الحصان، كان من الممكن استخدام قوة ~~الجذب التي لدى الحصان بأسرها دون إجهاد قصبته الهوائية . وكذلك استعمال ~~الأنجلو ساكسون في بريطانيا محراثا أفضل من المحراث الذي كان يستخدمه ~~أسلافهم من البريطانيين الرومانيين، فأمكنهم بذلك لأول مرة أن يحرثوا ~~الأرض الخصبة الغنية في الوديان. وإلى الرهبان الذين اشتغلوا بقطع ~~الغابات وتجفيف المستنقعات يرجع الفضل في كثير من أسباب التقدم ~~الفني. كما مهد صناع المعادن الطريق للدراسة الرسمية لعلوم التعدين ~~والفلزات. وكذلك تحسنت على أيدي الأوروبيين صناعة الورق التي أخذوها عن ~~الشرق بفضل العرب. ولما حل القرن الخامس عشر كان من الممكن صناعة الورق ~~الصحيح من الخرق والكتان بثمن بخس. فلما اخترعت الطباعة في القرن ~~الأخير من القرون الوسطى (أو لما أخذت أوروبا الطباعة من الصينيين) ~~سرعان ما أمست الكتب المطبوعة رخيصة، أو أرخص على الأقل وأكثر عددا ~~مما كانت المخطوطات اليدوية في أي وقت سبق. # وليس من شك في أن الكتب المطبوعة لا غنى عنها للعلم الحديث. ولكن ~~العلاقة بين هؤلاء الصناع في العصور الوسطى والعلم الحديث ربما كانت ~~أوضح في صناعة الساعات. إن قياس الزمن قياسا دقيقا ضروري لأي عالم من ~~علماء الطبيعة. ولا جدال في أن الإسكندريين كانوا يستخدمون لأغراضهم ~~مقاييس للزمن تفي بالمطلوب. وقد عادت العصور المظلمة كلية إلى المزولة ~~والساعة المائية، ولما حل القرن الثالث عشر أضحت صناعة الساعات حرفة ~~معروفة، وقد نهضت بإنتاجها حتى أمست الساعات، والدقائق، والثواني في ~~القرن الرابع عشر ممكنة القياس. وازينت أخيرا بعض الكنائس وقاعات ~~المدن بالساعات المعقدة؛ ساعات تترنح فيها بعض الأشكال الصغيرة وتدق ~~الساعات التي تدل على الزمن، وساعات تبين أوقات السنة، وغيرها. وكان ~~العمال الذين يصنعون هذه الآلات المعقدة هم الأسلاف الحقيقيين للعمال ~~الدقيقين في العصر الحديث. # وربما كانت البوصلة من بين الصناعات الدقيقة في ذلك الوقت أوسعها ~~انتشارا. وليس من شك في أنها كانت تستخدم قبل قيام كولمبس برحلته ~~البحرية بنحو قرن، وهي رحلة ms252 ربما لم يكن بوسعه أن ينجزها لولا هذه ~~الآلة الدقيقة. ولكني لست أرى جدوى من سياق المثال في أثر المثال؛ ~~فالنقطة الهامة لمؤرخ الفكر هي أنا نجد في العصور الوسطى منذ القرن ~~الثالث عشر - أي منذ الازدهار الكامل للمدرسية التي يقال لنا عنها ~~أحيانا أنها طرف النقيض للاتجاه الحديث - روح العمل المادي، والرغبة ~~في تجربة الطرائق الجديدة، والشغف بالسيطرة على الطبيعة. أي إننا نجد - ~~في عبارة موجزة - الأرض التي منها نبت العلم الحديث. # ثقافة العصور الوسطى # لقد أكدت من قبل - وربما كنت مبالغا في تأكيدي - أن العصور ~~الوسطى لم تكن مجرد فجوة بين قمتين من الثقافة الإغريقية الرومانية ~~من ناحية وثقافتنا من ناحية أخرى. إنما كانت العصور الوسطى فترة من ~~فترات الازدهار في ثقافتنا الغربية لها قيمتها الذاتية، مرتبطة بما ~~سبقها وما لحقها، ولكنها مع ذلك كل يستطيع مؤرخ الحضارة أن ~~يحاول فهمه ووصفه. ولم تكن هذه الفترة أكثر استقرارا من أية فترة ~~أخرى، ولم تكن البتة بسيطة، ومن سوء الحظ أن المرء لا يجد مفرا ~~من أن يصدر بشأنها أحكاما عامة انطباعية وهي كل ما يستطيع العقل ~~البشري أن يلم به في مثل هذه الأمور. # واللفظة التي ينتهي إليها المرء دائما إن عاجلا أو آجلا عند ~~البحث في العصور الوسطى هي «الوحدة». في تلك السنوات كانت ثقافتنا ~~الغربية في الواقع واحدة، عندما كان هناك مجتمع مسيحي واحد، يرتبط ~~فيه الروحاني بالدنيوي بصورة لا تتجزأ، حيث لا توجد مذاهب دينية ~~معارضة، أو قوميات متنافسة. ويتضح من الفصل السابق أن هذا الوصف ~~للثقافة الوسيطة ينطبق على وجه العموم على الحضارة المتنوعة ~~نظريا أكثر مما ينطبق عليها من الناحية العملية. والتصريح بوحدة ~~المسيحية هذه من الناحية النظرية من الحقائق التي تهمنا عند محاولة ~~فهم العصور الوسطى؛ فنحن نعرف على الأقل ما كان يريده رجال الفكر. ~~ومن المحتمل أن تحد وحدة المسيحية الغربية المزعومة - إلى درجة ~~ما - من الانقسامات والمنازعات التي امتلأت بها الحياة في العصور ~~الوسطى عندما بلغت أوجها في القرن الثالث ms253 عشر. # ومن المؤكد أنه كان هناك تنوع خصب داخل هذه الحدود. ويحب ~~العاشق الصادق للعصور الوسطى أن يعتقد أن الناس لاتفاقهم في ~~الأساسيات - أساسيات النظرة المسيحية إلى الكون - يستطيعون أن ~~يهضموا تلك الفروق المحلية الخلابة التي تجعل العصور الوسطى جذابة ~~للمحدثين الذين يملون النظم الموحدة في حضارة آلية على نطاق ~~واسع. وفي هذا لا يسعنا إلا أن نقول إننا لسنا على دراية كافية ~~بعلم الاجتماع كي نحكم إذا كان المبدأ الأساسي الذي تتضمنه هذه ~~العبارة صادقا أو غير صادق - وأعني بالعبارة أن الاتفاق المزعوم ~~على المبادئ الدينية يسمح للأفراد بحرية التنوع الفردي في مجال ~~فسيح. إننا في الواقع لا نستطيع أن نكون على ثقة من أن المقارنة ~~بين التوحيد الحديث والتنوع الوسيط مقارنة صحيحة تعبر عن حقائق ~~واقعة دقيقة. # ومن الحق أن الناس في فرنسا الوسيطة - على سبيل المثال - الذين ~~كانوا يقطنون أودية متجاورة ربما كانت لهم لهجات تبلغ من الخلاف ~~فيما بينها حدا يستحيل معه التفاهم المتبادل، وأن الناس جميعا ~~في فرنسا الحديثة في نفس هذه الأودية يتكلمون الفرنسية الصحيحة مع ~~فروق يسيرة على أكثر تقدير في النبرات. وربما كان لكل واد في ~~فرنسا الوسيطة نظامه الخاص في الأوزان والمقاييس، في حين أن هذه ~~الأودية تستخدم اليوم مقياسا واحدا مقننا يعتبر مثالا طيبا ~~للتقنين، وأعني به النظام العشري، ومع ذلك فإن التنوع يوجد اليوم ~~كذلك، بالرغم من إنذار المثقفين لنا الذين يعلنون أننا جميعا سوف ~~ندفع بالوسائل الشمولية الحديثة بحيث نصبح أنماطا موحدة، وأننا قد ~~أمسينا بالفعل أناسا آليين أو نماذج على صورة واحدة. وربما كان ~~مدى التنوع في الشخصية والمزاج أوسع - في الواقع - في المجتمع ~~الحديث منه في العصور الوسطى؛ فالكائنات البشرية تصر على التنوع ~~ما دامت فرصة الاختيار تتاح لهم. والواقع أن الثقافة الحديثة - إن ~~كانت قد ضيقت فرصة الاختيار في اللهجات والمقاييس، وفي أمور مادية ~~كثيرة أخرى - إلا أنها ضاعفت الفرصة بذلك التنوع الفذ في الأشياء ~~والخدمات التي تيسر لنا، وكذلك التنوع في «الأهداف» (وإن كان ms254 ~~فلاسفتنا لا يتفقون جميعا في هذا الرأي) وفي أشكال الحياة ~~الطيبة. # ومهما يكن من أمر فإنا نستطيع أن نقنع أنفسنا بالحكم الظاهر بأن ~~النوع صفة من الصفات البارزة في ثقافة العصور الوسطى. وإذا كانت ~~اللاتينية قد بقيت لغة العلم، فقد نمت منذ القرن الثاني عشر آداب ~~في عدد من اللغات الشائعة، أو اللغات المحلية، التي أصبحت فيما ~~بعد لغات أوروبا الحديثة. وإذا كانت الكنائس الكبرى قد بنيت على ~~طراز أسميناه منذ ذلك الحين بالطراز «الغوطي»؛ فقد اختلف هذا ~~الطراز اختلافا كبيرا من إقليم إلى إقليم بحيث لا يخطئ المرء ~~التمييز بين الغوطي في جزيرة فرنسا والغوطي في الأراضي المنخفضة أو ~~في إنجلترا، وحتى الفروسية، المثل الأعلى لأسلوب الحياة في ~~الطبقات العليا في العصور الوسطى في الغرب لم تكن هي بعينها تماما ~~في كل أنحاء أوروبا، بالرغم من تطلعها إلى الوحدة وارتفاعها ~~بالتأكيد فوق المستوى الإقليمي. والواقع أن الإقطاع والفروسية لم ~~يكونا عامين موحدين في الطبقات العليا في الغرب بدرجة أكبر مما ~~كانت عليه المثل وأسلوب الحياة بين «النبلاء» في أوائل العصر ~~الحديث، وهي المثل والأساليب التي كانت أساسا - كالفروسية - ~~فرنسية في وحيها. # ولم تكن الأوجه الجغرافية المختلفة في ثقافة العصور الوسطى هي ~~بعينها الانقسام الحديث إلى قوميات. إن هذه القوميات، وبخاصة فرنسا ~~وإنجلترا وإسبانيا، وألمانيا وإيطاليا (من الناحية الثقافية على ~~الأقل، إن لم يكن من الناحية السياسية) قد برزت بروزا واضحا من ~~العصور الوسطى. بل إن هناك نوعا من «القومية» - يستحق الدرس - في ~~كثير من الأوجه في حياة العصور الوسطى، كتلك القومية التي تظهر في ~~عالم الجامعات، أو معاهد الدراسة التي تبدو على الجملة في ظاهرها ~~عالمية تماما. كان بعض الجامعات - وبخاصة الجامعة الشهيرة في ~~باريس - تنظم في شكل مجموعات طبقا لجنسية الطلاب. وما إن حل عام ~~1300م حتى كان لأكثر اللغات الحديثة الهامة بدايات على الأقل في ~~آدابها تتجاوز المستوى الشعبي البحت. وكان أكثر الكتابات الجدية - ~~الفلسفة (وتشمل «الفلسفة الطبيعية»، وهو الاسم الذي كان يطلق على ~~العلوم)، وعلوم الدين، ms255 والنظريات السياسية، والعمل العلمي عامة - ~~باللاتينية، حتى أواخر القرن السابع عشر. وحتى في هذه المجالات ~~كانت الحاجة إلى مخاطبة الناس - كما هي الحال في حركات الإصلاح في ~~القرنين الرابع عشر والخامس عشر - تدعو إلى قدر كبير من الكتابة ~~الجادة باللغة القومية. # والواقع أن الطباعة قد جاءت بعدما انتهى احتكار رجال الدين ~~للكلمة المكتوبة، ولصناعة المخطوطات التي كانت تعادل ما نسميه ~~اليوم بالنشر، بنحو قرنين أو ثلاثة قرون. وقد كتب اثنان من أكبر ~~الشخصيات في أدبنا الغربي، وهما دانتي وشوسر، بالإيطالية ~~والإنجليزية قبل ظهور الكتاب المطبوع بزمن طويل. وقد نشرت ~~مؤلفاتهما بنفس الطريقة التي نشرت بها مؤلفات فرجيل وهوراس من ~~قبل. ولم يتعفف النساخون عن عمل مجموعات من «فابليو»، وهو ذلك ~~النظم الفرنسي الشائع الذي يستحق أن يسمى بالأدب الشعبي. ~~وبالطبع قد دون شعر البطولة التقليدي، شعر الطبقات العليا ~~- وأشهره «أغاني رولان» الفرنسية - في شكل مخطوطات، كما دونت ~~أناشيد الرحالة فيما بعد. وكانت المؤلفات الموسوعية للرهبان ~~العلماء، والسجلات، والتواريخ التي جمعوها في عناء شديد، كثيرا ما ~~تحتوي على تفصيلات محسوسة للعقائد والعادات الشائعة. # وإذن فنحن بهذا كله نعرف جانبا كبيرا من الآراء والمشاعر التي ~~كانت تجول في خواطر كل أنواع البشر من رجال ونساء في العصور ~~الوسطى، وبخاصة في القرون القلائل الأخيرة منها. لدينا مجموعة من ~~المصادر أشمل مما لدينا عن الإغريق والرومان. وما زلنا بالضرورة ~~نعرف القدر الأكبر عن الطبقات العليا وطبقات المتعلمين؛ إذ لم ~~تظهر الطباعة بعد، دع عنك الصحف والمجلات والإحصاء كما يقوم به ~~معهد جالوب. غير أن المختصين بدراسة الماضي لبثوا أجيالا عدة ~~ينقبون في مراكز الوثائق والمكتبات، يجمعون وينشرون كل جذاذة تسجل ~~شيئا عن العصور الوسطى مما يستطيعون الاستيلاء عليه. # إننا لو أخذنا العصور الوسطى وفقا لرأيها في نفسها قلنا إن ~~المجتمع فيها كان مجتمعا طبقيا، وقد تعرضنا بالدرس في الفصل ~~السابق لدنيا العلماء وما برحت في أواخر العصور الوسطى دنيا رجال ~~الدين. وقد كان هناك عن طريق العقائد والحياة العملية المسيحية شيء ~~من أثر دنيا ms256 العلماء ظاهر في دنيا النبلاء، غير أن الطبقات العليا ~~في الغرب كانت لها ثقافتها الخاصة، وهي ثقافة الفروسية. ولم تكن ~~الفروسية أسلوبا من أساليب التفكير المجرد، ولم تكن فلسفة بالمعنى ~~المألوف، وإنما كانت تتعرض لكل ضروب الفكر والمثل، ولارتباطها ~~بطبقة مميزة تركت لنا سجلا وافيا عنها. وأخيرا أقول إن الفروسية ~~كانت تنمو، وتتغير، وكان لها تاريخ، بل إن تاريخ اللفظة ذاتها له ~~جاذبية، إن الفروسية وهي بالإفرنجية # chivalry # لم يعد معناها في ~~أول الأمر كما يبدو «الفرسان من الجنود» # cavalry # أما معناها الحديث في ~~أمريكا فلا يعدو في الظاهر أن يكون نوعا من التأدب الغريب نحو ~~السيدات. أما في أوج العصور الوسطى فقد كانت تعني أسلوبا من ~~العيش. # وتمتد جذور الفروسية إلى تكوين الطبقة الحاكمة الإقطاعية خلال ~~العصور المظلمة. وقد كانت طبقة من ملاك الأراضي، محاربين محترفين، ~~وظلوا قرونا يمثلون وحدهم قوة الشرطة والقوة الحربية في المجتمع. ~~وطبقا لنظام تمليك الأراضي الإقطاعي الذي يقسم الأراضي إلى دوائر، ~~كان أصحاب الأراضي هؤلاء ينخرطون بطريقة معينة في نظام للسلطة ~~ينتهي بالملك أو الإمبراطور. غير أن سلسلة النفوذ كثيرا ما كانت ~~غير واضحة؛ فكان جانب كبير من المبادأة، وجانب كبير من الاستقلال ~~في العمل، يترك للأفراد في هذه الطبقة العليا. والواقع أن نوعا من ~~المساواة الأساسية كان يسود دائما داخل الطبقة بالرغم من الفوارق ~~العظمى في الثراء والسلطان. كان الفارس فارسا، كما أصبح فيما بعد ~~الرجل المهذب (جنتلمان) رجلا مهذبا. # وكانت العضوية في هذه الطبقة - في القرون الأولى من العصور ~~الوسطى، وفي أوجها إلى حد ما - مفتوحة للموهبة، ولكنها الموهبة ~~التي تقترب من تلك التي تكفل للصبي الأمريكي الطموح الالتحاق ~~بالجامعة، وليست بالموهبة التي تكفل له درجات الشرف الدراسية، ~~ولكنها موهبة على أية حال. والعلامة الظاهرة للعضوية في الجماعة هي ~~لقب الفارس (وتساوي كلمة # Knight # بالإنجليزية كلمة # Chevalier # بالفرنسية). ولقب الفارس يمنحه الإقطاعي الأعلى مرتبة للشاب عندما ~~يبلغ سن الرشد، أو يمنحه لمن يستحقه من الأتباع في سنواته الأخيرة، ~~ولم يكن قط يحرم ms257 منه أبناء النبلاء، وكان يمنح للعامة - فوق ~~ذلك - لسبب قوي، كالشجاعة في القتال. وكانت هناك دائما في المجتمع ~~الإقطاعي فئة من المقاتلين أو من مساعدي المقاتلين من غير النبلاء. ~~وكان هؤلاء في السنوات الأولى يرتفعون في كثير من الأحيان إلى ~~مرتبة الفروسية وينضمون إلى الطبقة صاحبة الامتياز. أما فيما بعد ~~فقد أمسى الانتقال من الطبقة السفلى إلى الطبقة العليا أمرا ~~شاقا، إن لم يكن مستحيلا، كما يحدث في أغلب الأحيان في تاريخ ~~هذه الفئات. # وكانت هذه الطبقة الإقطاعية تعيش على القتال الذي ينشب عادة فيما ~~بينهم، وكانت هناك بطبيعة الحال الحروب الصليبية ضد المسلمين، وضد ~~الزنادقة الذين ظهروا فيما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر ~~جنوبي فرنسا والذين اضطهدوا لنقدهم مفاسد رجال الدين، وضد ~~الوثنيين من السلاف. ثم ظهرت صورة من الحروب الوطنية التي تشبه ~~حروبنا - وبخاصة في حرب المائة عام بين فرنسا وإنجلترا. كما كانت ~~هناك حملات تأديبية ضد النبلاء الذين جاوزوا بالفعل حدودهم وأصبحوا ~~قطاعا للطرق صراحة. وبرغم هذا فمن الحق أن كثيرا من الحروب ~~الإقطاعية كانت حروبا خاصة بين قوم ليس بوسعهم أن يؤدوا إلا ~~قليلا من العمل سوى القتال، والذين كانوا ينتهزون الفرص ~~الاستثنائية للقتال. وتحت هذه الظروف كان لا بد لموازنة الميول ~~الفوضوية تدريجا، ثم التغلب عليها في الموازنة، وذلك عن طريق ~~مجموعة من القواعد والقيود وأنواع السلوك النبيل يفرضها الناس على ~~أنفسهم طوعا. ولما حل القرن الخامس عشر لم يعد قتال الفروسية ~~أشد خطرا من أي لهو عنيف. والواقع أن ما حدث في الفروسية يشبه على ~~وجه التقريب ما حدث لكرة القدم في أمريكا من عهدها الأول عندما ~~كانت مشاجرة وشغبا إلى أن أصبحت اليوم لعبة لها قواعدها. # وقد كانت هذه الفئة المقاتلة حتى في أيامها الأولى - كما كان ~~يؤكد أفرادها تأكيدا شديدا - مسيحيين، ويكاد المرء يرى في عنف ~~حياتها الشديد شيئا يشبه ما نسميه العصابات. ومن المؤكد أن الكونت ~~الفرنسي في القرن العاشر كان أقرب إلى أن يكون فردا في عصابة منه ~~إلى ms258 أن يكون الفارس الكامل المهذب كما يصوره عشاق العصور الوسطى في ~~العهد الحديث. ولم يكن يعرف الكتابة والقراءة، ويجيد في شبابه ~~المهارات اللازمة لركوب الخيل، والمبارزة بالسيف، وما شابه ذلك. ~~وكان بوسعه أن يكل إلى حشمه وكتابه الإدارة والحكم، والتعامل ~~مع الأفراد الذين لا بد للطبقة الحاكمة عادة من الاتصال بهم ~~للاحتفاظ بنفوذها، كان بوسعه هذا، وكثيرا ما كان يفعله. وأقول في ~~إيجاز إن وقت فراغه كان طويلا، وكانت لديه فرص كثيرة لكي يفكر ~~فيما يلحقه من إهانة، ولكي ينتقم، ويحتفظ بسمعته، التي كان يسميها ~~شرفه وكرامته. وكان من الجائز أن تصيبه نوبات من الغضب الذي لا ~~يكبح جماحه - بل إني لأظن أنه كان أحيانا يفتعل هذه النوبات - ~~ومن الممكن أن يرتكب في ثورة الغضب، القتل، والبتر، والغواية، وأن ~~يخالف أكثر التعاليم التي لم تكف المسيحية قط عن أن تضعها أمام ~~عينيه. # ولكنه كان يؤمن بالمسيحية، وكان قوي العقيدة في السماء وبخاصة في ~~الجحيم، وكان له ضمير، ولم يكن في الأغلب ضميرا سيئا. وهذا ~~التشاؤم الساخر الذي كثيرا ما تلمسه في أمريكا الحديثة يبلغ أشد ~~مواطن الزلل إذا افترض وجود مثل هذا التشاؤم في طبقة حاكمة كطبقة ~~الحكم في العصور الوسطى؛ ذلك أن الفارس الذي يستسلم لميوله يدرك ~~تمام الإدراك أنه أذنب، وقد يبالغ في إظهار الندم. وقد يحمل ~~الصليب، ويرهن كل ما يملك لكي يلتحق بحرب صليبية في الأرض المقدسة، ~~وقد يقدم إلى الكنيسة ملكا له قيمته أو يوصي لها به. والواقع ~~أن الكنيسة خلال هذه الفترة التي امتدت لألف عام جمعت من أصحاب ~~الضمائر السيئة كما جمعت من أصحاب الضمائر الطيبة هبات ضخمة من ~~السلع الدنيوية مما جعلها قوة اقتصادية كبرى. وما زال هناك من ~~يعتقد أن الإصلاح البروتستانتي كان في أساسه حركة اقتصادية، وهي ~~نهب الكنيسة على أيدي فئة جديدة من النبلاء اللصوص الذين ليست ~~لديهم ضمائر البتة. # بيد أنه من الخطأ أن نحسب الفروسية حتى في بدايتها مجرد مجموعة ~~من الرياضيين لا تخضع لنظام، ارتفعت بطريقة ms259 ما إلى مراكز لها نفوذ ~~اقتصادي وسياسي، ولا يمسكها عند حد أدنى من مستويات السلوك إلا ~~الخوف من نار الجحيم. وإني أحذر قراء هذا الكتاب تحذيرا شديدا ~~من الخطر الذي ينجم عن اعتبار أية قطعة أدبية وصفا دقيقا لطريقة ~~سلوك الناس فعلا. ومع ذلك فمن العبث أن نحسب أن الأدب ليست له ~~بالحياة الواقعة علاقة، أو أن علاقته بها علاقة سلبية محض؛ فقد ~~تجسد الجانب المثالي من الفروسية الأوروبية الأولى في سلسلة من ~~الملاحم، لعل أشهرها وأشدها تمثيلا لها «أغاني رولان»، وقد روت ~~هذه القصيدة، التي تعالج شخصية شرلمان التاريخية في القرن التاسع، ~~أجيال من الشعراء الذين كانوا يتنقلون من قلعة إلى قلعة لإقامة ~~حفلات الترفيه، ولم تتخذ صورة مكتوبة إلا في وقت متأخر نسبيا في ~~العصور الوسطى. وإذن فلقد كانت الشعر الشعبي عند الطبقة العليا، ~~وهي تبين على وجه التأكيد تقريبا كيف كانت طبقة النبلاء في ~~الغرب قديما تحب أن تنظر إلى نفسها. # وما برح شرلمان وأبطاله كما تصورهم هذه القصيدة (وكذلك الملك ~~آرثر وفرسانه كما تصورهم قصائد أخرى ترجع إلى نفس الأصول تقريبا) ~~رياضيين، ولكنهم ظرفاء، سذج، لا يتقاضون إعانات مالية، يلعبون ~~دورهم منصفين حتى مع الوثنيين، يحبون الله والإمبراطور بروح ~~المدرسة القديمة. وإن كنت تحسب هذه المقارنة لغوا من القول في غير ~~موضعه، وآثرت أن ترى «أغاني رولان» في عرض دقيق لأحد عشاقها فاقرأ ~~الصفحات القلائل الأولى من «مونت سنت مايكل وتشارتر» لهنري آدم. ~~هنا تجد هذا الرجل المثقف من إنجلترا الجديدة، المجهد، الممرور، ~~ينصرف مرتاحا من عالمه الحديث المجنون المنحرف (كما أحسه) إلى ~~هذا العالم الغض، البسيط، القوي، عالم الكرامة الرجولية، والعمل ~~الرجولي، والآراء اليقينية الرجولية. ولكن لا تندفع في انسياقك، ~~وارجع كذلك إلى صفحات قلائل - أيا كانت - من الراهب المؤرخ لعهد ~~الفرنجة، وأعني به جريجوري التوري، فإن حياة الفرنجة كما يصورها ~~جريجوري أشبه بالحياة ممثلة في حبة دواء أمريكية مركزة، أو هي على ~~الأقل في شدتها ولا تكاد تتفوق عليها في قيمتها. وهنا نلتقي مرة ms260 ~~أخرى بالتباين بين الواقعي والمثالي؛ ذلك التباين الأبدي - البشري ~~- الذي ظهر في العصور الوسطى. # ومهما يكن من أمر فمما لا شك فيه أن الفروسية الأوروبية كأسلوب ~~من أساليب الحياة بدأت عقيدة مبسطة عند الرجال المقاتلين، ثم تطورت ~~- كما تطور أكثر ما ينتمي إلى العصور الوسطى - إلى أفضل حالاتها ~~زهاء القرن الثالث عشر، حينئذ أصبح لها قانون للعمل معقد، قانون ~~يحسن أن يرتبط بتلك السلسلة الطويلة المتشابكة من العلاقات ~~الشخصية التي رفعت مجتمع العصور الوسطى إلى أوجه. أقصد في إيجاز ~~أنها باتت أقرب إلى أن تكون نظاما من نظم العلاقات البشرية، ~~نظاما مجربا متزنا، أو طريقة من طرق أداء العمل في هذه الدنيا. ~~وهي - بهذا المعنى - تظهر في أحسن حالاتها في مذكرات سيير دي ~~جوانفيل، الرفيق الصليبي للملك لويس التاسع المقدس، ملك فرنسا. ~~وكانت عند جوانفيل بصورة واضحة تلك الفضائل التقليدية الإقطاعية، ~~الولاء لملكه، والإيمان المطلق في المسيحية الكاثوليكية، وفوق ~~هذا وذاك صفحة البراءة الرياضية التي حاولنا أن ننقلها إلى القارئ ~~فيما سبق. ولم يكن جوانفيل من غير المثقفين فحسب، بل إنه لم يكن ~~كذلك مفكرا على مستوى مرتفع ويقاتل مع رفاقه كما تدربوا على ~~القتال. ومن الواضح أنه لم يكن البتة مبتكرا، ولم يألف قط أن ~~ينظر إلى العالم باعتباره متغيرا، ولم يألف بالتأكيد أن ينظر إليه ~~باعتباره متقدما. وكان جوانفيل من ناحية أخرى بشكل واضح أيضا ~~رجلا معقولا عمليا، يحسن معاملة زملائه، لا تظهر فيه البتة ~~تلك الصفات الخلابة التي أصر الرومانتيكيون في القرن التاسع عشر ~~على وجودها في العصور الوسطى. تجد عنده - كما تجد عند أكويناس في ~~ميدان آخر - إحساسا بالتوازن، يناقض تماما ما تعلمناه في كثير من ~~الأحيان عن العصور الوسطى. # وقد خدم جوانفيل في حرب صليبية مع لويس التاسع، الذي لقب فيما ~~بعد بسنت لويس. وكان يقدس ذكرى الملك الذي قال عنه: «إنه كان يحب ~~الحق إلى درجة تجعله حتى عندما يتعامل مع العرب لا يرتد عن ~~كلمته.» غير أن لويس المقدس لم يستطع أن يسوق ms261 هذا الشاب معه إلى ~~الفضيلة المطلقة التي تتعلق بالعالم الآخر. وفي عبارة مشهورة ~~يحدثنا كيف أن الملك استقبل راهبين، وشرع يحدثه عن الدين ~~قائلا: ~~«قال الملك: إني أسألك الآن أيهما تفضل: أن تكون أبرص ، أو أن ~~ترتكب ذنبا بشريا؟ وأجبته - وأنا ذلك الرجل الذي لم يكذب عليه ~~قط - إني أوثر أن أرتكب ثلاثين ذنبا بشريا على أن أكون أبرص. ~~ولما رحل الراهبان، استدعاني منفردا، وأجلسني عند قدميه، ثم قال ~~لي: ماذا قلت لي منذ لحظة؟ وذكرت له أني ما زلت أقول نفس القول. ~~فقال لي: لقد كنت تتكلم كالمجنون؛ لأنه ينبغي لك أن تعرف أنه ليس ~~هناك أبرص أقبح من رجل يرتكب إثما بشريا؛ لأن الروح في حالة ~~ارتكابها الإثم البشري تكون كالشيطان، ولذلك فلا يمكن أن يوجد أبرص ~~في مثل هذا القبح. ومن الحق في الواقع أن الرجل عندما يموت يشفى ~~جسده من البرص، ولكن الرجل الذي ارتكب إثما بشريا لا يعرف ~~عندما يموت إن كان في حياته قد ندم ندما يجعل الله يعفو عنه. ~~ولذلك وجب عليه في الواقع أن يخشى دوام هذا النوع من البرص معه ~~ما دام الله في فردوسه. ومن ثم فإني أرجوك رجاء حارا أن ~~تعود قلبك من أجل محبة الله ومحبتي أن يؤثر إصابة بدنك بأي شر ~~من الشرور بسبب البرص أو غيره من الأمراض على أن يحتل روحك إثم ~~بشري.» # وكان الاتزان - كما هي الحال دائما في تاريخ الغرب - وجيزا غير ~~ثابت. كانت الفروسية أسلوبا من أساليب العيش يتأثر سريعا ~~بالمبالغة. ولم تأخذ البتة صفة الشيخوخة الموقرة. وسرعان ما حلت ~~بثقافة الفروسية هذه، التي لم تتحل بفضيلة الشيخوخة، تلك ~~الشكلية، وذلك التقليد الأعمى، وجمود الدم في شرايين الفكرة ~~المستحدثة، مما يلحق بكل ثقافات الغرب، وما تعلق بهذه الثقافات. ~~ومن الواضح ومما يلفت النظر أن القتال الذي ربما كان فيما سبق ~~مبررا لوجود طبقة إقطاعية مميزة، كما يفسر وجودها كذلك، من ~~الواضح أن هذا القتال بدأ بظهور الجيوش المحترفة المأجورة الحديثة ~~في القرن ms262 الرابع عشر يتحول إلى لهو صريح. وبهذه الصفة تحول إلى ~~مباراة مملة شديدة التعقيد، تعرف في الفروسية بالمبارزة. وأخذت ~~قواعد هذه المبارزة تزداد تعقيدا، وأسلحة الدفاع تشتد قوة، حتى لم ~~يكن أحد في النهاية يصاب بأذى بدني، بالرغم من وقوع ~~الحوادث. # ولم تكن نظرة الفروسية إلى الحب والنساء - حتى في أشد عهود ~~الفروسية اتزانا - إعزازا للفكرة التي يمليها العقل؛ إن كان هناك ~~في مثل هذه الأمور عقل. # إننا كلما ازددنا في القرن العشرين علما بالشعوب غير الغربية ~~أدركنا أن ما نسميه - وهي أفضل تسمية - بتقاليد الحب الخيالي، إنما ~~هو في كثير من نواحيه من خصائص مجتمعنا وحده؛ فإن الصينيين والهنود ~~وشعوبا كثيرة أخرى لا تشترك معنا فيه. وهذه التقاليد - حتى في ~~الغرب - أبعد ما تكون عن الثبات، وربما كانت اليوم سريعة التغير، ~~ولكنها تقاليد معقدة، عميقة الجذور، لها صور محلية متعددة، وكثير ~~من الأصول المعقدة. والمسيحية قطعا أصل من هذه الأصول. # وهناك أصل آخر له أهميته القصوى يتمثل في الصور المختلفة التي ~~أدخلتها الفروسية في العصور الوسطى. ولا نستطيع اليوم حتى أن نقرأ ~~عبارة معتدلة عن مثل الحب الرقيق ووسائله كما وردت في «قصة ~~الفارس» لشوسر، دون أن ينتابنا شعور غريب. في هذه القصيدة يقع رجل ~~وابن عمه، وهما بالامون وأركيت، وهما فارسان من طيبة وقعا في الحرب ~~في أسر دوق أثينا (ولم تهتم العصور الوسطى كثيرا بالدقة ~~التاريخية) في حب أميلي الحسناء، التي لا يكادان أن يلمحاها من ~~داخل السجن. وفي خلال سنوات عدة قضياها في السجن وخارجه، ينشب بين ~~ابن العم - بالرغم من ارتباطهما بصلة الدم وشرف الفروسية - نزاع ~~مميت على أميلي، ويحدث كل هذا دون أن يتعرفا إليها، ودون استجابة ~~منها. # وتعلم الفتاة أخيرا بالتنازع على حبها، ولكنها - كما يصور ~~الشاعر - تدعو ديانا في الليلة السابقة للمبارزة العظمى بين ~~بالامون وأركيت التي ينظمها الشاعر في نهاية الأمر، فتقول: # أيتها الربة الطاهرة، # اشهدي أني أحب أن أبقى عذراء طوال حياتي، # لن أقع في حب، ولن أصير زوجا، # أشهدك ms263 أني سوف أكون من زمرتك، # فتاة، يطاردني الحب، وعني أبعده، # أهيم في الأحراش، # لا أتزوج، ولا أحمل طفلا، # ولن أعرف قط صحبة الرجال، # ساعديني، سيدتي، # فأنت تستطيعين وأنت تقدرين، # ولديك جميع الصفات، # هناك بالامون يواجهني بحبه، # وهناك أركيت يحبني بكل قلبه، # وهذا دعائي إليك يكفيني. # كوني عليهما بردا وسلاما، # واصرفي عني قلبيهما، # وخففي ما عندهما من عشق وحب، # وما يكابدان من عذاب ونار، # أو وجهيهما وجهة أخرى، # فإن كنت لا تستجيبين للدعاء، # وإن كان لا مفر من القدر، # وإن كان نصيبي واحدا منهما، # فابعثي إلي بأشدهما حبا لي. # انظري أيتها الربة النقية الطاهرة، # هذه دموعي تنحدر حارة على خدي، # أنت عذراء، ونحن في رعايتك، # فاحفظي لي عذرتي وتعهديها، # وما دمت عذراء فأنا في خدمتك. # ويزل حصان أركيت في وثبته، ويموت الرجل من ~~جراحه. ويحظى بالعذراء بالامون. # هذه قصة خيالية معتدلة. ~~ويسخر شوسر في قصة أخرى من «قصص كانتربري» عنوانها «نظم سير ~~توباز»، وهو هنا يتهكم على الخيال الأدبي. وهو حتى في «قصة الفارس» ~~لا يعدو أن يكون ساخرا في شعره من حقيقة الحب الرقيق. وكان غيره ~~أقل منه ارتباطا بهذه الأرض. ومن ثم فإن العشاق في خيال العصور ~~الوسطى كانوا يكابدون كل ما يمكن تصوره من أهوال ومحن، ويسترسلون ~~في صفوف مختلفة مجردة، بل ميتافيزقية، من ضروب الصراع الذي يمكن أن ~~ينشب بين الواجب، والشرف، والحب، ويتمسكون بالفضيلة كما يتمسك ~~الشهيد المسيحي بعقيدته. وفي صورة غامضة باهتة يتوقع المرء أن تكون ~~وراء هذا كله فكرة ما عن الاتصال الجنسي. ولكن ربما يكون الأمر ~~كذلك - وربما لا يقحم هذه الفكرة إلا عصرنا الفرويدي. ومع ذلك فمن ~~الإنصاف أن نقول إن الفروسية بذلت جهدا جادا وناجحا في أغلب ~~الأحيان لتتحكم في ظاهرة من ظواهر النشاط البشرى، تسيل - في الطبقة ~~المتميزة خاصة - إلى ألا تخضع للتحكم، وإلى أن تنتهي إلى نوع من ~~الفوضى التي تقضي على النظام الذي تحتاج إليه مثل هذه الطبقة. كانت ~~الفروسية تتضمن بحكم نظامها تساميا حقا بدوافع غاية في ms264 القوة - ~~تساميا يحس الكثيرون ممن لا يكتفون ببث الرعب في النفوس أنه معدوم ~~في الغرب الحديث. # ومهما يكن من أمر فإن تقليد الحب الرقيق قد طبع ثقافة الغرب ~~بطابعه، ووضع المرأة على قاعدة مثالية تجد اليوم مشقة حتى في أن ~~تتظاهر بملاءمتها. وفي النضال الأبدي بين هذا العالم والعالم الآخر ~~المثالي الذي يعد بالتأكيد من حيث قوة أثره خصيصة من الخصائص ~~الفذة في الثقافة الغربية، اتخذ الحب الجنسي - بفضل المسيحية ~~والعصور الوسطى - جانبا يميل إلى العالم الآخر. وأرجو ألا تخطئوا ~~فهم ما أقول؛ فحتى الإغريق القدامى قد عرفوا الحب بين الرجل ~~والمرأة، وكذلك من الواضح أن شعوبا كثيرة حديثة لم تأخذ بعد ~~بالتقاليد الغربية كاملة. وقد عرفته، ولكنهم لم يعرفوا «الحب ~~الخيالي» المستحيل الذي لا يرتبط بهذه الدنيا، الحب المثالي الذي ~~لا يعرف الفراش، الحب الذي يتجاوز المحبة، بل إننا لا نعرف اليوم ~~هذا الحب الخيالي كما عرفه أسلافنا في القرن التاسع عشر، ولكنه ترك ~~أثره اللاواقعي فينا - وبخاصة في هوليوود. # وهناك أمور كثيرة أخرى تتعلق بالفروسية بعدما تدهورت أو زاد ~~نضجها مما يستحق الالتفات إليه - من ذلك الضعف العاطفي الذي تحولت ~~إليه فضيلة الفروسية التي تدعو إلى احترام الأدنى والضعيف ومنكود ~~الحظ، ومن ذلك أن شدة التطلع إلى كل ما هو عجيب قد نمت حتى بدت ~~الوحوش الخيالية أمرا طبيعيا، ومن ذلك أن الفروسية أمست نوعا ~~من الحماية لشخص النبيل ضد نفوذ أصحاب الأموال والتجار وأرباب ~~البنوك الآخذ في النمو. وليس بوسعنا هنا أن نتوسع في أكثر من نقطة ~~إضافية أخرى، ربما كانت بالنسبة إلى الفروسية بأسرها أكثر أهمية من ~~الدين والحب، وهي بالتأكيد أكثر أهمية بالنسبة إلى تدهور ~~الفروسية، وأعني بها فكرة الشرف. فإذا كانت الفروسية الأولى تبدو ~~في أساسها قانونا يحاول أن يخضع الفرد للمجموعة، وإذا بدت كأنها ~~في كثير من النواحي تجعل الرجل المقاتل عضوا في فريق، إلا أنها - ~~بالرغم من ذلك - تؤكد بشدة أهمية الفرد، على تباين في ذلك مع نظام ~~إسبرطة. كان الفارس دائما ms265 على وعي شديد بشرفه، وبنفسه كفرد، وهو ~~الحكم النهائي فيما يلائم وما لا يلائم كرامته. وفي السنوات ~~الأخيرة من الفروسية كان كل أمر يتركز حول فكرة الشرف، وبات الفارس ~~شخصا حساسا إلى درجة هستيرية ، منقطع الصلة عن عالم القيم ~~العادية، حتى تأهب في الواقع لذلك الوصف الذي صوره فيه سرفانتيس. ~~وربما لم يكن من المصادفة أن الأمة التي غالت أرستقراطيتها في ~~الشرف، وأعني بها أمة الإسبان، هي التي أخرجت في «دون كيشوت» ~~كتابا يعد في أكثر أنحاء العالم هجوما قاتلا على مثل ~~الفروسية. # الفروسية هي إحدى تلك المركبات الكبرى - أو المجموعات - من ~~الأفكار، والعواطف، والعادات - شأنها في ذلك شأن الرومانسية، أو ~~الديمقراطية، أو الجماعية - التي تتحدى فينا الإدراك. ومن الطرق ~~المفيدة في معالجة مثل هذا التحدي أن نوازن بين مركب من هذه ~~المركبات ومركب آخر، بينهما شيء مشترك. والفروسية من غير شك تشترك ~~مع المسيحية في شيء ما، بل إن الفروسية الأولى هي إلى حد ما ~~محاولة إلى مسح جماعة من المقاتلين الوثنيين البدائيين بمسحة ~~المسيحية. وطقوس رسم الفروسية تكون جانبا من طقوس المسيحية. ~~والفارس كصليبي كثيرا ما يكون الفارس في أحسن صورة له. والواقع أن ~~الصليبيين قلما كانوا من القديسين - وربما بدا جوانفيل - ذلك ~~الصليبي الذي التقينا به منذ حين - الرجل المثالي أقرب إلى الوثني ~~منه إلى المسيحي. ومع ذلك فإن إحساس جوانفيل بالشرف والواجب، ~~وضميره، وإدراكه بأنه قد يكون هناك من الناس قديسون، كل ذلك من ~~مميزات المسيحية - المسيحية العملية، البطولية التي تمارس كل ~~يوم. # وحتى في الحدود المتطرفة من مثالية الفروسية، في الحب الرقيق وفي ~~شرف الفارس، نستطيع أن نحس باللمسة المثالية، بالتجاوز عن المحسوس، ~~وهو ما لم تتخل عنه المسيحية قط. غير أنا إذا وضعنا الفروسية في ~~الميزان وجدناها إحدى القوى الاجتماعية التي كانت تميل إلى هدم ~~المسيحية. فإذا كان من الدوافع الكامنة في المسيحية محاولة إخضاع ~~النفس، وإذا كان التواضع هو حقا من الأهداف الكبرى في الحياة ~~المسيحية، فإن الفروسية إذن لم تكن مسيحية للغاية. ms266 الفروسية في ~~أعلى درجات الإيثار فيها لا تزال تشير إلى ذات الفارس، وتجعل من ~~المنافسة في سبيل الشرف وفي سبيل التظاهر عملا يعتبر من الفضائل ~~الاجتماعية. وفي مستواها العادي تشحذ الذات في نضالها مع العالم. ~~وفي تدهورها تمجد في شرف الفرد تركيزه في نفسه تركيزا كثيرا ما ~~يكون هستيريا، وغرورا يحمل صاحبه الهم، وهو غرور انحصر في ~~الأغلب في طبقة المثقفين في الغرب. ولكن الفارس في عهد الفروسية ~~المتأخر كان مثقفا على كل حال. ألم يكن كذلك دون كيشوت؟ # والخلاصة أن الفروسية كانت أسلوبا من أساليب العيش في الطبقات ~~العليا من الغرب في العصور الوسطى، تشبه إلى حد كبير ما كانت ~~عليه الرواقية كأسلوب للحياة بين الطبقات العليا في العالم ~~الإمبريالي الإغريقي الروماني. وبطبيعة الحال لم يكن البارون ~~العادي شبيها بدون كيشوت، أو حتى ببلامون وأركيت إلا بمقدار ما ~~كان الموظف الروماني العادي شبيها بزينو، الفيلسوف الرواقي. ومن ~~أجل ذلك استعملنا عبارة «أسلوب من العيش»، في كلتا الحالتين. غير ~~أن درجة التطرف - أو المثالية إن شئت - تؤثر في الرجل المتوسط ~~بطريقة ما من حيث السلوك البشري بين الجماهير؛ فكان الكونت أو ~~البارون، ووكيله والرهبان المجدون والأساقفة الذين كانوا يدبرون ~~جانبا كبيرا من حياة العصور الوسطى، يمثلون حتى في اتجاهاتهم ~~العملية بعض الأهداف التي رسمتها الفروسية، كما تمثل الفروسية ~~ذاتها بعض نواحي نشاطهم المألوفة. إن التباين بين النظري والعملي، ~~بين إخلاص الفارس لربه، ولسيدته، ولواجبه، وانكبابه على القتال، ~~والمقامرة، والصيد، وممارسة الحب، أو لما يزال في الحقيقة أشد ما ~~ينكب عليه الرجل، هذا التباين كان يسري خلال الحياة كلها في العصور ~~الوسطى. وفي هذه العصور كان الفارس في صراع مع ضميره في كثير من ~~الأحيان كلما أدرك أن هذا التباين أمر لا مفر منه. وفي هذه العصور ~~كان الفارس في حركة لا تستقر، مزهوا بفرديته، وهي صفة الكفاح ~~التي يكاد أكثر المحدثين أن يحسها في العصور الوسطى، حتى عندما ~~يصرون على أن تلك العصور كانت تتميز بالاستقرار والاتزان ~~الهادئ. # ولا بد ms267 للمرء أن يقفز مباشرة من ثقافة الطبقات الحاكمة في العصور ~~الوسطى إلى ثقافة الشعب. وليس من الحق أنه لم تكن هناك طبقة وسطى ~~في العصور الوسيطة؛ فقد كان التجار، وأصحاب المشروعات، وأرباب ~~البنوك، يتزايدون في العدد والأهمية وبخاصة في القرنين الرابع عشر ~~والخامس عشر. غير أن أسلوب معيشتهم، وآراءهم، كانت تتشكل في بطء ~~على صورة تبتعد عن الطرق العامة التي كان يسلكها غير النبلاء، ~~ويجدر بنا أن نؤجل إلى فصل قادم تحليل ما كان يعنيه ظهور طبقة ~~متوسطة حاكمة في تاريخنا الفكري. # كانت الأغلبية العظمى من السكان في الغرب في العصور الوسطى من ~~الفلاحين. وكانت مدن التسويق الصغرى، بل والمدن القليلة الكبرى - ~~ومنها باريس، ولندن، وفلورنسة - مساحات مدنية محاطة بالأسوار، تقع ~~المزارع عند مداخلها. وكانت على صلات دائمة بالفلاحين المجاورين ~~الذين كانوا يستمدون أكثر مواد غذائهم منهم. أما أرباب الحرف ~~فكانوا يقطنون القرى أو المدن، وقد ينفقون نصف أوقاتهم في الزراعة. ~~وإذن فقد كانت هذه الثقافة الشعبية بسيطة، ثابتة نسبيا، واضحة ~~محددة المعالم، ينقصها ذلك التعقيد السطحي الغامض العجيب الذي ~~نلمسه بين الجماهير الساذجة في مدننا الحديثة الكبرى، ولكنها لم ~~تكن البتة ثقافة بريئة. والواقع أن المرء ليدهش حين يطلع على ~~القطع المنظومة الفرنسية وعلى غرائب الشواهد التي تشف عن أحاسيس ~~الجماهير في العصور الوسطى، من تلك الواقعية الصارمة الدنيوية، ~~وذلك الإعجاب بالماكرين، وأولئك المخادعين الذين يغررون بالسذج من ~~الناس، ومن التشكك في اللفظ الرقيق والمهن الرفيعة. إن هذه الصفة ~~الريفية الدائمة في العصور الوسطى لا بد أن تذكر؛ فهي تشير مرة ~~أخرى إلى حدود الرأي الذي يقول بأن العصور الوسطى تمثل أسلوبا ~~من العيش مسيحيا، ثابتا، وقورا. # لا بد أن نتوقع الكثير من الخشونة في هذه الثقافة، وقد كانت هذه ~~الخشونة موجودة فعلا. وحتى فيما خلفه شوسر نجد الألفاظ ذات ~~المقطع الواحد التي يعرفها كل إنسان إلى جانب لغة المثقفين - على ~~الأقل - عندما كان يجعل أحد العامة يتكلم. وكما كانت «قصة الفارس» ~~لشوسر مرآة صقيلة تعكس الفروسية من بعض ms268 جوانبها، فكذلك كانت «قصة ~~صاحب الطاحون» انعكاسا أدبيا رائعا لبعض جوانب الذوق الشعبي. ~~إنها قصة عامة هزلية فاجرة، يستخف فيها تماما بأروع أساليب ~~الفولكلور بالزوج الغبي الغيور. إنها أبعد ما تكون عن المسيحية حتى ~~إن المرء لا ينظر إليها قط من حيث علاقتها بالمثل المسيحية. ~~ولكنها موجودة مع ذلك، وصاحب الطاحون الذي يرويها في طريقه إلى ~~معبد كانتربري كي يؤدي الصلاة كما يؤديها رفاقه، الفارس الرقيق، ~~وقسيس أكسفورد الرحيم، وزوجة باث صاحبة القلب الحار، وصاحبة الدير ~~التي تلمس فيها الخروج على المسيحية بصورة خفية، وغير هؤلاء من ~~حجاج كانتربري الذين قد تجد اليوم نظراء لهم يتجمعون للقيام برحلة ~~إلى «الحجر الأصفر». # والظاهر أن الخشونة والفحش من الصفات الدائمة تقريبا في ثقافتنا ~~الغربية. وهناك فيما يتعلق بمثل هذه الأمور كل صنوف مشكلات الذوق ~~الشائقة. وربما كانت هناك في بعض العصور، كالعصور الوسطى، بساطة ~~على طبيعتها مما لا يجده المرء عندما تختفي تقاليد التهذيب من ~~الطبقات المحتشمة. وما كان مجرد خشونة في العصور الوسطى قد يصبح ~~أدبا بذيئا في الأزمنة الحديثة. غير أن هذه المسائل شائكة، وليست ~~لدينا البتة لحلها وسائل تجمعت على مر العصور. ومهما يكن من أمر ~~فالظاهر أن الميل نحو الفحش في الطبيعة البشرية ميل ثابت، لا يمكن ~~لأية ثقافة مهما تعمقت في التفكير أن تمحوه، أو حتى أن تنجح في ~~كبته. # وبعض هذه الفكاهة البذيئة كان يوجه إلى القسس ورجال الدين. ~~وأقول مرة أخرى إننا إن أردنا صورة متزنة فلا بد لنا من أن نأخذ في ~~الاعتبار ما يجب أن نسميه الحركة الشعبية المعادية لرجال الدين في ~~العصور الوسطى. وهذا الميل المنتشر نسبيا لم يكن في العصور ~~الوسطى في أغلب الأحيان ذلك البغض المرير الذي ظهر في القرن الثامن ~~عشر، بل لقد كان في كثير من الأحيان فكها، بل وينم عن طبيعة طيبة، ~~والظاهر أن بعضه كان يسر رجال الدين أنفسهم. ولا يزال زوار الكنائس ~~الفرنسية التي شيدت في العصور الوسطى يطلعون على نقوش منحوتة في ~~جوانب مقاعد ms269 المرتلين، أخذ فيها على ما يظهر النقاش حرية كاملة؛ ~~لأن كثيرا منها يعبر عن تفصيلات شخصية سارة في الحياة اليومية ~~تبدو لنا - إلى حد ما - في غير موضعها في الكنيسة كما يرد كثيرا ~~في الأدب الشعبي الوسيط ذكر القسيس الجشع، والقسيس الفاسق، والقسيس ~~المغرور الذي تشغله أمور الدنيا. وكذلك لا يعطينا شوسر صورة طيبة ~~عن رجال الدين باستثناء قسيس أكسفورد، وقد كان شوسر يعرف بالتأكيد ~~ما كان يدور في خلد العامة. كان رجال الدين يحملون عبء الضعف ~~البشري كاملا على عواتقهم. # ومع ذلك فلم يكن في كل هذا إلا قليل من المرارة، وإنما كان يرمي ~~إلى إنزال القسيس إلى المستوى البشري العام. ولم يقصد إلى تحدي ~~بناء المسيحية الفلسفي والديني - أي نظرتها الشاملة إلى الكون - ~~كما قصد إلى تحديها في أيام فولتير وتوم بين. إن القطع المنظومة ~~الفرنسية، والفلاحين وأرباب الحرف بكل تأكيد، لم يشكوا في وجود ~~الله، أو في الحاجة إلى حضور القداس، بل ولا في مجموعة الخرافات ~~المعقدة التي نمت في المسيحية الشعبية في العصور الوسطى. وربما ~~تلمس أحيانا في هذا الاتجاه المعارض لرجال الدين في العصور الوسطى ~~روح البغض للكنيسة باعتبارها مؤسسة غنية تستغل الفقير، وهو ما سوف ~~نعود إليه بعد حين، ولكن المرء في أكثر الأحيان يحس أن الرجل في ~~الحياة العامة في العصور الوسطى كان لا يثق بالقسيس إلا لأن القسيس ~~بعزوبته، وفقره، وتواضعه، وبعبء مثله المسيحية كلها، كان يبدو ~~إنكارا للإنسانية العامة. وقد أخذ الرجل في العصور الوسطى عن ~~تعاليم المسيحية شيئا من عدم الثقة بإنسانيته العامة فحد ذلك من ~~فكاهته عندما كان يسمع بالفتاة التي هربت إلى الدير في سلة الغسيل. ~~كان الرجل في العصور الوسطى ينظر إلى القسيس - وإن يكن من ناحية ~~واحدة فقط من نواحي تفكيره - كما ينبغي فقط أن يكون، أو متخلفا ~~قليلا في رجولته. ولكنه كان من ناحية أخرى من نواحي التفكير - ~~ينظر إلى القسيس باعتباره وكيل الله على الأرض، يمثل الاحترام، ~~والقوة، رجلا يدعو إلى الإعجاب، رفيع الشأن ms270 على وجه العموم؛ فكان ~~الرجل في العصور الوسطى باختصار يحس نحو القسيس والكنيسة ما يشبه ~~الشعور الغامض الذي يحسه الأمريكي المتوسط نحو الأساتذة ~~والتعليم. # وإنا لنضل كثيرا إذا حسبنا الجماهير في العصور الوسطى مجرد ~~سائمة، ليس لها مثل عليا البتة. وقد بينا في وضوح من قبل أن ~~عامة الرجال والنساء من الجماهير في العصور الوسطى، كانت تشترك في ~~ميراث المسيحية المشترك بالرغم من نقص تعليمها، والافتقار إلى ~~الطباعة، وغير ذلك من الأجهزة الحديثة لنشر الثقافة. وكان هذا ~~الميراث يدعو إلى العصيان إلى حد ما، كما كان جهدا متجددا ~~لتحقيق جانب أكبر، على الأقل، من المثل المسيحية، في هذه الدنيا ~~وفي هذا الزمن الذي نعيش فيه. وهذه المثل - كما ذكرنا من قبل - ~~كانت ولا تزال معقدة متعددة الجوانب تعقيد الثقافة الغربية ~~وتعدد جوانبها. وكان في كثير من الثورات الشعبية في العصور ~~الوسطى، بل وخاصة في الحركات الدينية، مثل الفرنسيسكان، عنصر مما ~~نسميه اليوم الاشتراكية، أو الديمقراطية الاشتراكية. وبالطبع لم ~~تكن الثورات الشعبية الوسيطة من وحي المثل الماركسية، إنما كان ~~الثوار يريدون العودة إلى الفضيلة والبساطة المسيحية الأولى. وليس ~~من نسبة الظواهر إلى غير زمانها إن نقول إن الناس في الغرب لأكثر ~~من ألف عام ممن كانوا يسعون إلى تحقيق مساواة اقتصادية واجتماعية ~~أكبر، ويحاولون أن يحطموا مجتمعا من طبقات تتميز إحداها عن ~~الأخرى - أولئك الثائرون الاجتماعيون في إيجاز - إن هؤلاء الناس ~~كانوا يدعون إلى ما يعتبرونه التقاليد المسيحية الصادقة، وليس من ~~شك في وجود عنصر المساواة في المسيحية التاريخية. # ومن الطبيعي أن يستخدم الناس في العصور الوسطى لغة الدين لتبرير ~~ثورتهم. وأشهر ثورات العصور الوسطى في الشعوب التي تتكلم ~~الإنجليزية تلك الحركة المتأخرة في القرن الرابع عشر التي ترتبط ~~بوات تايلر، وأحد قادتها جون بول، أحد القسس، ولا يزال شعارها ~~باقيا في كتب التاريخ، وهو: «أين كان الرجل المهذب عندما كان آدم ~~يحرث الأرض وحواء تنسج الثياب؟» # ولسنا بحاجة هنا إلى أن نشغل أنفسنا برواية تاريخ هذه الحركة أو ~~تلك من ms271 الحركات الاجتماعية في العهد المتأخر من العصور الوسطى، مثل ~~حركة جاكري في فرنسا، أو حرب الفلاحين في ألمانيا في عهد لوثر في ~~القرن السادس عشر، التي يمكن أن تعتبر آخر هذه الحركات الوسيطة أو ~~أولها في العصر الحديث. والواقع أن حرب الفلاحين أقرب إلى العصور ~~الوسطى في كثير من النواحي منها إلى العصر الحديث. ولم تنجح إحدى ~~هذه الحركات في الظاهر أمدا طويلا. وجميعها في نظر الباحث ~~الاجتماعي في الثورات ثورات غير ناضجة. ولكنها مع ذلك شائقة ~~بالنسبة إلى الضوء الذي تلقيه على فشل المجتمع الطبقي الذي ساد في ~~العصور الوسطى، أو في أواخرها على الأقل، فشله في مقابلة حاجات ~~الطبقات الدنيا، وهي تؤكد مرة أخرى العناصر الثورية الكامنة في ~~العقيدة المسيحية، وهي أمثلة طيبة لانتشار الأفكار في مجتمع يجهل ~~القراءة والكتابة نسبيا. وهي كذلك مليئة بالعنف والقسوة، من جانب ~~الثوار والمدافعين عن النظام القائم الفائزين في نهاية الأمر، على ~~السواء. ومن العسير أن تثبت أن قسوة الإنسان على الإنسان كانت أشد ~~في إرهاب عام 1794م منها في حركة جاكري في فرنسا في القرن الرابع ~~عشر، كما كانت أشد من الفتك بالناس الذي حدث في الأربعينيات من ~~القرن العشرين منها في حرب الفلاحين في العشرينيات من القرن السادس ~~عشر في ألمانيا. # لم يوجد في تلك العصور رجل نظري أو أيديولوجي مفرد، لم يوجد شبيه ~~لروسو، أو ماركس. بل كانت تلك الحقبة من التاريخ تستمد الكثير من ~~أفكارها من المثقفين - قسسا كانوا أم رهبانا - الذين كانوا هم ~~إلى حد ما قواد الحركة. ويصدق هذا بصفة خاصة على رجل مثل ~~وايكليف في إنجلترا، وهو عالم مدرب، وأحد الرجال العديدين ~~المعروفين باسم: «خاتمة العلماء»، وقد كتب في أواخر حياته مذكرات ~~بالإنجليزية بدلا من اللاتينية الأكاديمية، ونقل الإنجيل إلى ~~الإنجليزية. ولكن حتى زعماء هذه العصور الأقل درجة في الثقافة ~~كانوا على علم بالكثير من الميراث الثقافي الوسيط. والواقع أن هذه ~~الحركات المتأخرة، كحركات الإصلاح الرومانتيكية القديمة، والزندقات ~~الشائعة القديمة، وحركة البيوريتان في بيدمونت ودو ms272 فيني وبروفانس، ~~وحركة الهرطقة التي سادت جنوبي فرنسا واضطهد أصحابها لانتقادهم ~~مفاسد الكنيسة، وما شابه هذه الحركات - كل هذه الحركات كان لا يزال ~~يدور حول الدراما المسيحية العظمى، وكلها هرطقات مسيحية بمعنى من ~~المعاني. ومن المبالغة في تبسيط الأمور أن نقول إن الموجة الكبيرة ~~الأولى من الهرطقة، موجة المعرفة الروحية، والآريين، وغيرهما، في ~~القرنين الثاني والثالث، كانت في أساسها دينية وفلسفية، وإن الموجة ~~الثانية من حركة الهرطقة الفرنسية التي ذكرناها إلى ثورة لوثر التي ~~نجحت في النهاية كانت في أساسها اجتماعية واقتصادية. إنك لا تستطيع ~~أن تقسم الحركات التي تقوم على أساس جميع الحاجات والقدرات ~~البشرية تقسيما واضحا كهذا. ولكن هذه الثورات التي نشبت في ~~العصور الوسطى كانت برغم ذلك تتجه نحو هذه الدنيا بشكل واضح. إنها ~~تستخدم ألفاظ الديانة المسيحية، وهي في بعض أشكالها تنم عن العقيدة ~~الجازمة في ألف عام سعيدة وهي من العقائد المسيحية، ولكنها في أكثر ~~الأحيان لا تتوقع ظهور المسيح فعلا للمرة الثانية. إنها ترمي إلى ~~إعادة توزيع الثروة في هذا العالم، وإلى إذلال الغني والمتكبر، ~~وإلى تطوير العالم المنظم تنظيما بالغا في العصور الوسطى على ~~أساس الطبقات الاجتماعية تطويرا أساسيا. وهي تفشل في غرضها ~~الأساسي، وهو حل مشكلة الفقر، ولكنها تحطم المجتمع الإقطاعي - في ~~غرب أوروبا على الأقل - شيئا فشيئا، وبمعونة ظهور اقتصاد أساسه ~~العملة وظهور طبقة وسطى، كما سوف نرى في الفصل القادم. # وقد اتجه وايكليف وأتباعه، قسس «لولارد» الفقراء (ويسمون ~~أصحاب السر) رأسا إلى الناس، وبقصد أو بغير قصد أثاروهم نحو ~~ثورة الفلاحين. وقد أخمدت الحركة باتحاد الطبقات القديمة صاحبة ~~الامتياز أصحاب الثراء المحدثين. وليس هذا على أية حال هو النمط ~~الوحيد لمثل هذه المحاولات الوسيطة للاتجاه نحو الناس. فإن من بين ~~الحركات الشعبية الوسيطة الرائعة حركة الإخوان الفقراء في القرن ~~الثالث عشر. وأذكر هنا مرة أخرى أن النظم الكبرى، نظم سنت ~~فرانسيس وسنت دومينيك، إذا رئيت من الخارج، ومن وجهة نظر المذهب ~~الطبيعي التاريخي، تمثل نمطا آخر من عمل الكنيسة في ms273 وجه القلق ~~الشديد الذي استولى على الجماهير. # والنمط الذي نشير إليه كان في إيجاز وبساطة على هذه الصورة، كان ~~التطور في الظروف الاجتماعية، وأي تدهور في النظام السائد والترتيب ~~القائم، كحدوث الحرب والمجاعات والأمراض على غير انتظار، وحركات ~~الاضطراب بين أعداد كبيرة من الناس (كما حدث في الحروب الصليبية) ~~والتغيرات التكنولوجية التي تجعل طرق العيش العتيقة أمرا ~~مستحيلا (كما حدث عند الانتقال من زراعة الحبوب إلى الرعي، أو عند ~~ظهور المدن الكبرى المتخصصة في صناعة النسيج)؛ إن كانت أية مجموعة ~~من التطورات من هذا القبيل تبصر المقلقلين والمضطربين من الناس، بل ~~والذين لا يجدون قوتهم أحيانا، بالهوة التي تقع بين المثل ~~المسيحية والحياة الواقعة، ويتأثر بهذه الهوة تأثرا بالغا رجل ~~موهوب، يكاد يكون دائما عضوا في الطبقة المميزة بحكم مولده، ~~ويقوم مرة أخرى بدور النبي والزعيم. # ولم تكن ثمة مندوحة عن ~~أن يكون وحي مثل هذا الرجل في العصور الوسطى، وطريقة تفكيره، على ~~غرار المسيحية؛ فكان ينادي بإحياء الروح المسيحية القديمة التي لا ~~ترضى أن يبقى العالم في حمأة الشرور. كان يريد للمسيح أن يعود إلى ~~الأرض مرة أخرى، لا بالمعنى الحرفي الساذج الذي آمنت به الأجيال ~~المسيحية القلائل الأولى، التي كانت تتوقع أن ترى المسيح بلحمه ~~ودمه، ولكن بمعنى أن يحاول الناس أن يعيشوا كما أراد لهم المسيح أن ~~يعيشوا، وهو نفسه - إن كان مثل فرانسيس الأسيسي - يتخلى عن مركزه ~~الدنيوي ويحذو حذو المسيح في فقره وازدرائه لهذا العالم، عالم ~~الجسد. إنه يعيش مع الفقراء ويجمع حوله تلاميذه الذين ينقلون ~~بدورهم كلمة الله إلى الفقراء والتعساء، ولا يثيرون فيهم الحقد ضد ~~الأغنياء، ولا يحدثون ثورة اجتماعية من نوع الثورة التي نربطها نحن ~~أبناء هذا العصر بالماركسية أو الشيوعية، ولكنهم يحدثون ثورة روحية ~~فيهم وفي جميع الناس، ثورة تعود عليهم بطمأنينة النفس عن طريق ~~اتحادهم مع الله. ويتخذه أكثر تلاميذه وأتباعه مثالا، ويسير ~~النظام الذي يؤسسه لفترة ما طبقا لمعاييره إلى حد كبير. # ومهما يكن من أمر فإن الحد الفاصل ms274 بين الروح والجسد صعب ~~التحديد، فكانت العامة تميل إلى الانجذاب نحو الغايات المادية في ~~الثورة الاجتماعية، أو تميل إلى العودة إلى قبولهم نصيبهم من ~~الدنيا. ولكن الزعماء اهتدوا إلى وسائل أدق وأكثر تنوعا ~~للتوفيق مع هذه الدنيا. وكان سنت فرانسيس نفسه صوفيا لا يثق ~~بتعليل العقل، يمقت كالمجددين عالم الكتب المنظم الذي يدعي ما لا ~~قدرة له عليه، وأراد أن يأخذ الناس عنه نظامه لا تعوقهم الملكية ~~المجسدة ولا تفسدهم الكتب. ومع ذلك فلم ينقض عام بعد وفاته حتى ~~كان النظام الفرانسيسي قد جمع ثروة كبرى، وكان الفرانسيسكان ~~يشتركون اشتراكا كاملا في عالم البحث في العصور الوسطى. وقد كان ~~روجر بيكون، الذي التقينا به من قبل كشخصية كبرى في تاريخ العلم، ~~فرانسيسكانيا من أكسفورد. # وأما النظام الآخر الفقير، نظام الدومينيكان، فأصوله أبعد عن ~~روح الثورة النزيهة ضد نظام المجتمع القائم من الأصول التي رجع ~~إليها سنت فرانسيس. أحس سنت دومينيك إحساسا عميقا بنكبة ~~الجماهير، وثار ضد فشل الرعاة المكلفين برعاية الرعية، ولكنه كان ~~هو وإخوانه منذ البداية أقل تطرفا في التمسك بالإنجيل. وقربوا ~~الإنجيل إلى الناس بالمهارة والحماسة في الوعظ، وأخذوا شفاء نفوسهم ~~مأخذ الجد. وقد رسموا هم أيضا - كما فعل الفرنسيسكان - طريق ~~التوفيق مع الدنيا، وتميزوا في السنوات الأخيرة بإخلاصهم العلمي ~~لتاريخ الكنيسة. # وإذن فقد وجد بين شعوب العرب في العصور الوسطى - وبخاصة في ~~نهاية هذه العصور - موقفان من الصعب التوفيق بينهما وبين الفكرة ~~التي ترى أن هذه الجماهير كانت رعية راضية في رعاية القسيس ~~والمحارب: الأول سيل من الفكاهة الجافة، بلغت حد الوقاحة، الفكاهة ~~التي يروق لها أن تشير إلى التباين بين النظرية الخيالية والأداء ~~الدنيوي، والثاني سلسلة من الثورات الشعبية، مسيحية في وحيها، ~~يتزعمها في الأغلب القسس والرهبان، تستهدف تحقيق شيء يشبه الشيوعية ~~المسيحية هنا فوق هذه الأرض. وبرغم هذه القوى الهدامة فقد جلبت ~~العصور الوسطى للإنسان في الغرب درجة من الاتزان الاجتماعي، ونوعا ~~من الأمن، يندر أن تجده اليوم في الغرب. # وقد كان مجتمع القرية أو ms275 المدينة في أحسن أيام العصور الوسطى ~~حقا مجتمعا أقامت فيه التقاليد، يعززها سلطان الدين، شبكة من ~~الحقوق والواجبات المتبادلة، يستطيع كل امرئ - من الرقيق إلى السيد ~~الإقطاعي - أن يجد ذلك الأمن الذي يأتي به العلم بأن لكل امرئ ~~مكانته، أو وضعه، وسط مجموعة منظمة من قواعد السلوك تقوم على فكرة ~~دقيقة عن الكون ومكانة الإنسان فيه. ولم يقرأ الفلاح بطبيعة الحال ~~أكويناس. غير أن شيئا من أكويناس، ومن فلسفة الكون كلها في العصور ~~الوسطى، تحدر إلى الفلاح. وتستطيع أن ترى كيف أن هذا التوازن ~~الاجتماعي قد اتبع تفصيلا، من زراعة المحصول إلى توزيعه، ومن ~~قواعد توريث الأرض إلى قواعد الحياة اليومية، وفي كتب ككتاب جورج ~~هومان «القرويون الإنجليز في القرن الثاني عشر»، وكتاب مارك بوخ ~~الذي جاء متأخرا، وعنوانه «الصفات الأساسية لتاريخ الريف ~~الفرنسي». ولم يكن هذا التوازن - كما عرفنا من قبل - كاملا. ~~وسرعان ما تحطم - بظهور ما نسميه اليوم الاقتصاد الرأسمالي ~~وبكثير غير ذلك - مما نظنه حديثا. وربما كانت أبسط الصيغ التي ~~تعبر عن ذلك وأكثرها اعتدالا هذه العبارة: كانت الحياة في ~~العصور الوسطى للرجل العادي في الغرب أكثر أمنا من الناحية ~~النفسية، وأقل تنافسا، من حياتنا اليوم، بالرغم من تعرضها ~~للكثير مما نجد فيه مشقة وتعبا. كانت حياة تكاد تخلو من الشك ~~والارتياب الأساسي في الدين والأخلاق. # تقويم ثقافة العصور الوسطى # إن المؤرخ الذي يحاول أن يصوغ أحكاما عامة عن ظهور الثقافات ~~وازدهارها وسقوطها (أو المجتمعات، أو الحضارات) يواجه في العصور ~~الوسطى مشكلة خطيرة. إن التقسيم الشائع الذي يتخذه أمثال هؤلاء ~~المؤرخين - أو فلاسفة التاريخ - في الأزمنة الحديثة هو تحديد ثقافة ~~إغريقية لاتينية تمتد على وجه التقريب من الإغريق لعهد هومر إلى ~~الرومان في القرن الخامس بعد الميلاد وثقافة غربية حديثة تبدأ في ~~العصور المظلمة وتمتد إلى الحاضر (وهو الحاضر الذي يعده ~~الكثيرون منهم أيام التدهور الأخيرة في ثقافتنا). ويعد أزولد ~~شبنجلر الألماني مثالا طيبا في القرن العشرين لهؤلاء المؤرخين. ~~يرى شبنجلر أن هذه الثقافات نوع من الكائنات ms276 العضوية لها عمر يبلغ ~~نحو ألف عام، ولها طفولة، وشباب، وشيخوخة، أو ربيع، وصيف، وخريف، ~~وشتاء. كان شبنجلر يرى أن الثقافة الإغريقية الرومانية ثقافة ~~«أبولية»، وثقافتنا «فاوستية». غير أن هناك كثيرين، ومن بينهم ~~المستر أرنولد توينبي، يرون القديم، أو الكلاسيكي، نوعا من ~~الثقافة، والغربي الحديث نوعا آخر، ربما يتصل بالنوع الأول، ~~ولكنها ثقافة منفصلة من حيث أهدافها - وذلك بالرغم من أن هؤلاء ~~المؤرخين لا يقبلون كل آراء شبنجلر في عمر الثقافات وفي كثير غير ~~ذلك. وإذا أخذنا بهذا الرأي كانت العصور المظلمة هي طفولة ثقافتنا ~~الحديثة، والعصور الوسطى شبابها؛ أي إن العصور الوسطى - بعبارة ~~أخرى - ليست ثقافة في حد ذاتها. في حين أن كثيرين ممن تعمقوا دراسة ~~العصور الوسطى ومن بينهم أكثر عشاق هذه العصور من المحدثين، يرونها ~~ثقافة في حد ذاتها - إن جاز هذا التعبير، وليست مجرد مقدمة ~~لثقافتنا. وهم يرون أن العصور الوسطى قد بلغت أوجها في القرن ~~الثالث عشر، ثم تدهورت في القرنين التاليين. وأولئك من بينهم الذين ~~يمقتون العالم الحديث أشد المقت يحسبون هذا التدهور مستمرا إلى ~~الحاضر، ولا يرى المستر بتريم سوروكين - مثلا - سوى نقطتين اثنتين ~~ثقافيتين مرتفعتين في تاريخ العرب - أثينا في القرن الخامس، وغرب ~~أوروبا في القرن الثالث عشر. ويضع غيرهم المحدثين في القمة، التي ~~يميلون اليوم إلى أن يردوها إلى القرن التاسع عشر. # إن تنوع الصور الذي تتضمنه أية محاولة لقياس الارتفاع ~~والانخفاض في حياة الجماعات البشرية معقد إلى درجة يتعذر معها ~~تحقيق الدقة أو حتى الاتفاق في دراسة هذه الصور. ومن الواضح أننا ~~هنا نعالج المعرفة اللاتراكمية. غير أن الجماعات لها من ناحية أخرى ~~ارتفاعها وانخفاضها. وإنكار هذه الحقيقة يجرد التاريخ من كل معنى ~~من المعاني. # ومن العقبات الأولية في دراسة المجتمع الغربي أن هذا المجتمع لم ~~يكن قط وحدة «سياسية»، اللهم إلا لفترة وجيزة في عهد ~~الإمبراطورية الرومانية. كان هذا المجتمع ينقسم سياسيا إلى ~~مجموعات مستقلة - هي المدن الحكومية، أو الولايات الإقطاعية، أو ~~الدول القائمة على القوميات - وقد مرت بهذه ms277 الوحدات فترات من ~~الازدهار والاندحار. ولما كانت روما في أوجها كانت أثينا مجرد ~~مدينة جامعية. وكذلك إسبانيا هوت إلى مكانة تافهة بعدما بلغت القمة ~~في القرن السادس عشر. وأي صحفي يشعر الآن بالحرية في وصف فرنسا ~~بأنها دولة من الدرجة الثانية، بعد ما كانت في وقت من الأوقات ~~توصف بأنها «الأمة العظيمة». ثم إن تنوع النشاط البشري يشكل هنا ~~مشكلة من المشكلات. ذلك أن «ازدهار» حضارة ما ليس ثمرة زهرة ~~واحدة، وإنما هو ثمرة كائن عضوي معقد. وقد تزدهر بعض أنواع ~~النشاط البشري في مجتمع معين ويذبل غيرها، وقد يبدو نوع من أنوع ~~النشاط أشد دلالة من غيره كناحية من نواحي الثقافة، وقد يزعم زاعم ~~أن القمة الثقافية التي بلغتها إنجلترا الضئيلة لعهد إليزابث كانت ~~أعلى من القمة التي تسنمتها بريطانيا الغنية القوية في أيام ~~فكتوريا. وقد انتشر التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الذي عرفه ~~المجتمع الغربي انتشارا واسعا في القرنين الأخيرين، حتى لقد بات ~~مستوى المعيشة في إسبانيا المنهارة في القرن العشرين أعلى منه ~~بالتأكيد في إسبانيا لعهد سرفانتيس، ولوب دي فيجا، والكنكستادور. ~~ويكاد الكل يجمع على أن القمة الثقافية في ألمانيا من باخ وكانت ~~وجيته إلى الأعمال العلمية والدراسية العظمى التي قامت بها ~~الجامعات الألمانية في القرن التاسع عشر، تسبق في تاريخها القمة ~~السياسية والعسكرية والاقتصادية التي بلغتها ألمانيا في عهد وليام ~~الثاني أو هتلر. # وبهذا التحذير نصب أعيننا نستطيع أن نعود إلى المشكلة التي ~~بدأنا بها. ومن الممكن أن نوفق بين الرأي القائل بأن العصور ~~الوسطى كانت بداية، أو كانت فترة الشباب، بالنسبة إلى المجتمع ~~الغربي الحديث والرأي الذي يقول بأن العصور الوسطى كانت في حد ~~ذاتها قمة، وازدهارا، ونوعا من أنواع النضج، وذلك بالرغم من ~~المبالغة البادية في هذا النوع من التقسيم التاريخي. وإذا أنت ~~وجهت اهتمامك نحو التكامل السياسي والاقتصادي في الجماعات ~~الفرعية الجغرافية في المجتمع الغربي (وأقصد بها القوميات) لاقيت ~~نتيجتين واضحتين في تاريخنا - إحداهما - من التنوع الملموس في ~~المدن الحكومية والقبائل والأمم حوالي عام 1000ق.م، ms278 التي كانت في ~~حالة بدائية من الناحية الاقتصادية، مستقلا بعضها عن بعض، إلى ~~العالم الأوحد المتحد، الغني، المركب، في الإمبراطورية ~~الرومانية. والنتيجة الثانية من الانحلال الإقطاعي المتطرف ~~والبدائية الاقتصادية في العصور المظلمة، إلى الوقت الحاضر ، حيث لا ~~يوجد سوى سبعين وحدة مستقلة منفردة في العالم بأسره، وحيث بلغ ~~التقدم الاقتصادي درجات لم تعرف من قبل، وحيث تبدو عملية ~~التكامل هذه للكثيرين خطوة في الطريق نحو الدولة العالمية. وإذا ~~أنت وجهت اهتمامك إلى المشكلات الصغرى وتفصيلاتها الدقيقة، كتطور ~~نظم التمثيل النيابي، أو نمو البنوك، أو التفكير العلمي، وجدت ~~مستوى منخفضا يكاد يكون تصدعا في العصور المظلمة، ووجدت بدايات ~~لا تخطئها في العصور الوسطى اتصل منها التقدم بصورة ما حتى ~~العهد الحاضر. وفي مثل هذا الضوء تبدو العصور الوسطى في وضوح شديد ~~بداية للأشياء الحديثة. # وأما إذا أنت وجهت اهتمامك بقدر المستطاع نحو الثقافة الوسيطة ~~ك «كل»؛ نحو ما أسميناه في ضعف ب «أسلوب العيش»، نحو الأفكار ~~الوسيطة عن الحق والجمال ومكانة الإنسان في النظام العام، لما ~~وسعك إلا أن تؤمن بشيء من الرأي القائل بأن العصور الوسطى تستحق ~~باعتبارها درجة من درجات العيش أن توضع في مكانة تغاير مكانة ~~الدرجة التي بلغناها اليوم، وإن تكن وثيقة الصلة بها بشكل واضح. ~~إنك لا تستطيع أن تقرأ دانتي، أو أكويناس، أو شوسر، أو أن تتطلع ~~إلى كاتدرائية شارتر، أو حتى أن تدرس مصورا مفصلا لإقطاعية وسيطة ~~قائمة بذاتها، دون أن تحس أنك في عالم آخر. ومن الحق أن هذا ~~العالم ربما بدا للرجل الأمريكي في القرن العشرين الذي يكلف نفسه ~~مشقة العيش في هذا العالم وفي ذاك، عالما أشد اختلافا من عالمه ~~عن عالم أثينا في القرن الخامس. # وليس بوسعنا هنا إلا أن نشير إلى أحكام عامة عريضة عن هذا العالم ~~الوسيط، وإلى نبذ عن ثقافة العصور الوسطى، وإلى دلالات معينة ~~على ذوقها أو طعمها. # فهناك أولا الوجود المباشر لما هو فوق الطبيعي، وقبول الإدراك ~~العام له. وقد التقينا من قبل بهذا العنصر ms279 غير الطبيعي. وهناك في ~~القرن العشرين الملايين من النساء والرجال الذين يؤمنون بالمسيحية ~~إيمانا صادقا. وكثيرون منهم يشعرون بالإساءة الشديدة إذا نحن ~~ذكرنا لهم أن إيمانهم أقل ولو قليلا في شدته عن إيمان أسلافهم ~~في العصور الوسطى. ولكن المؤمنين اليوم قد أبعدوا عنهم حدود ما ليس ~~بالطبيعي، وخضعت نواح بأكملها من حياتهم الواعية للنظم التي ~~نحسبها طبيعية. إنهم قد يدعون الله أن ينزل عليهم ماء من ~~السماء، ولكنهم إلى جانب ذلك يقرءون النشرة الجوية التي يعدها ~~المختصون بالأرصاد الذين لا يعتقدون - مهما تكن دياناتهم - بأن ~~الله يتدخل تدخلا مباشرا في هبوب الرياح الباردة. وهناك أيضا ~~ملايين من الرجال والنساء في الوقت الحاضر، لا يدري إلا الله كم ~~يبلغ عددهم، ممن لا يعتقدون خلود الروح البشري، ومن ثم فإن ~~فكرة النعيم والجحيم لا تعني لهم شيئا، أو لعلها تصدم مشاعرهم ~~فعلا. وهناك عدد آخر أكبر من هذا بكثير ممن أصبح النعيم والجحيم ~~بالنسبة إليهم أفكارا غامضة حقا. إنهم يؤمنون بالخلود، ~~والفردوس، والجحيم، ولكن باعتبارها أمورا بعيدة، يمكن تأجيل ~~التعرف الدقيق إليها إلى ما لا نهاية. وقد فقدت «النار» بصفة ~~خاصة جذوتها بالنسبة إلى كثير من أبناء العصر الحديث. وباتت في ~~رأيهم مكانا للمذنبين المتميزين وحدهم، كما كانت النار عند ~~الإغريق. # ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى أهل العصور الوسطى. كان الإله - ~~كما أشرنا إلى ذلك من قبل - بالنسبة إليهم حقيقيا موجودا كالجو ~~بالنسبة إلينا، والجنة والنار لكل امرئ، أمرا أكيدا كضوء الشمس ~~أو المطر. وكان رجال الفكر في العصور الوسطى في أكثر الأحيان ~~يعتقدون أن الله يحدث الأشياء على هذه الأرض طبقا لنظم معينة ~~وضعت أساسا لصالح الإنسان - أي إن الكون في أساسه خلقي، ومن ~~ثم فإن أمورا كثيرة معروفة ويمكن التنبؤ بها. كان إلههم إلها ~~يعتمد عليه، بمعنى يشبه إلى حد ما ما يؤمن به العلماء المحدثون ~~من أن الطبيعة يعتمد عليها. وكانت الجماهير تشعر بشيء من هذا ~~الإحساس بالانتظام على الأقل بالصورة التي نسميها الإدراك العام، ~~وإلا لتعسر عليهم ms280 أن يعيشوا حياتهم اليومية. وقد شاع بين ~~الجماهير في العصور الوسطى، بل وبين المثقفين، بالرغم من ذلك شعور ~~بعدم المعقولية، وعدم اليقين، و«المفاجأة» في الحياة في هذه ~~الدنيا. ويظهر ذلك - على مستوى واضح جدا - في سيادة ما نسميه ~~اليوم الخرافة في العصور الوسطى. ولو تعمقنا قليلا في آداب العصور ~~الوسطى ظفرنا بمثال لما نقول - كانوا يعتقدون أن البيض الذي ~~يوضع يوم الجمعة اليتيمة ينفع في إطفاء النيران، وأن الجنيات ~~تجعل اللبن حامضا، وأن لمسة الملك تشفي من داء الخنازير ... إلخ ... ~~إلخ. ومن الحق أن كثيرا من هذه الخرافات لا يزال باقيا، وأننا ~~زدنا عليها بعضا من عندنا. غير أن امتداد الخرافة في العصور ~~الوسطى وعمقها تجعل الخرافة في عهدنا تبدو شيئا تافها. وقد أحال ~~انتشار العلوم بين العامة - على أقل تقدير - أكثر خرافاتنا إلى ~~الجانب العاطفي المحض. من ذلك «لمس الخشب» على سبيل المثال. ونحن ~~لا نعتبر هذه الخرافات - كما كان يعتبرها أهل العصور الوسطى - ~~تفسيرا للظواهر، أو نظريات أساسية. # إن تأثير ما فوق الطبيعة (وليست الخرافة إلا جانبا تافها غير ~~كريم منها) واضح في عمل ينبغي أن يتنبه إليه على الأقل أي فرد ~~يحاول أن يفهم العصور الوسطى. ذلك أن الجحيم، والمطهر، والفردوس ~~كانت بالنسبة إلى دانتي في «الكوميديا الإلهية» حقيقة، كما كانت ~~لندن بالنسبة إلى دكنز. والجحيم - كما قيل مرات عديدة - هو أكثر ~~الثلاثة محسوسية. كان دانتي شاعرا عظيما، ولكنه كان كذلك ~~سياسيا ممرورا مبعدا، رأى بلده فلورنسة وإيطاليا تسير في ~~اتجاه يثير حسه الخلقي. فألقى بخصومه في الجحيم - في كتابه - وكان ~~ذلك عنده جزءا طبيعيا من عملية الصراع، كما كانت الانفجارات ~~المعنوية التي يقنع بها الرجل من أتباع تروتسكي في العصر الحديث. ~~إن صفة الوهم، التي لا يستطيع أن يتحاشاها الرجل الحديث وهو يحاول ~~أن يعالج ما ليس بالطبيعي، لم تكن ماثلة في «جحيم» دانتي. إنه يسوق ~~قارئه إلى جحيم يراها القارئ واقعية حتى إذا ما حاول أحد المصورين ~~أن يرسمها بلون من عنده أزال عنها واقعيتها ms281 وجعلها أقل صدقا. ~~وينطبق ذلك بصفة خاصة على أشهر مصوري دانتي، جوستاف دوري الفنان ~~الفرنسي الذي عاش في القرن التاسع عشر. ولم يفلح جوستاف إلا في أن ~~يجعل جحيم دانتي «رومانسية» كما نقول، في حين أنها لم تكن ~~كذلك. # إلا أن الكتاب الرومانسيين في القرن التاسع عشر - وهنا يقفز ~~إلى الذهن والتر سكوت مباشرة - عثروا على شيء كانوا يبحثون عنه في ~~القرون الوسطى، التي أعادوا إليها سمعتها الثقافية الطيبة، وذلك ~~الشيء الذي عثروا عليه أفسدوه بالمبالغة، ولكنه موجود، وهو النغمة ~~الثانية التي يرن صداها في ثقافة العصور الوسطى، وينبغي لنا أن ~~ننبه إليها الأسماع. وهي وجه آخر من قبول العصور الوسطى لما ليس ~~بالطبيعي كأنه طبيعي. إننا نحب أن نقول إن الصدق أغرب من الخيال. ~~ولكنا نحن المحدثين لا نعني بهذا القول أن حياتنا اليومية مليئة ~~بالعجائب وإنما نعني - على سبيل المثال - أن من بين مئات حالات ~~القتل الواقعية التي تقدم إلى محاكمنا لا توجد سوى حالة واحدة ~~تنم عن درجة من الفساد البشري وعن الحيلة التي تفوق الخيال الذي ~~نجده في أغرب القصص البوليسية. أما الغالبية العظمى من حوادث القتل ~~الواقعية فلا تبلغ - كما نعلم - من التشويق مقدار ما تبلغه القصص ~~الخيالية. إنها في الواقع أمور عادية في باب الجرائم. ولو عبرنا ~~عن ذلك تعبيرا عاديا، وأخذنا بنوع من النظر الإحصائي الذي ~~يقبله الإدراك العام - وهي النظرة التي تضع الأمثلة في خط بياني ~~تقليدي يبين نسبة التوزيع - قلنا إن مائة في المائة هي في ندرتها ~~كصفر في المائة، والكثرة العظمى تقع حول الخمسين في المائة. # إن الناس في العصور الوسطى لم يكونوا ذوي عقول إحصائية. ونحن ~~نبالغ في التناقض إذا قلنا إن الحالة النادرة - في تقدير الرجل في ~~العصور الوسطى - هي في عموميتها كالحالة المعتادة. ولكنا لا نبالغ ~~كثيرا في التناقض إذا قلنا إن الحالة النادرة - في تقدير الرجل في ~~العصور الوسطى - هي بالتعبير الإنساني، حالة «نمطية» تدل الإنسان - ~~أو تفوق في دلالتها له - على الكيفية التي يسير عليها ms282 الكون، أكثر ~~مما تدل على ذلك الحالة المعتادة. إن الرجل في العصور الوسطى لم ~~يكن يجفل من الحالة المتطرفة، بل كان يتوقعها، ويبحث عنها، ويضعها ~~في فنه صورة ملموسة، وعالم خيال (ولا نحسب أنه كان يقر بأن هذا ~~العالم مجرد عالم من الخيال) كان يموج بالأهوال والعجائب، ~~وبالأبطال، والأشرار، وغرائب المخلوقات، والقديسين، الذين بلغوا حد ~~الكمال. ولسبب ما ترسبت في عقولنا اليوم صور غرائب المخلوقات أكثر ~~مما ترسبت صور القديسين. وعندنا أن جحيم دانتي أشد إقناعا من ~~فردوسه. ولو أن أولئك الذين تأثروا منا بتاريخ ثقافة العصور الوسطى ~~استحضروا إلى أذهانهم عفوا نوعا من التماثيل المحسوسة من العصور ~~الوسطى، لربما كان أقربها إلى الذهن الصنبور الذي نحت على شكل رأس ~~إنسان مفكر الذي تراه في نوتردام في باريس، والذي صور على ~~آلاف بطاقات البريد. # وهذا الاندفاع في العصور الوسطى نحو التطرف، نحو الغريب أو نحو ~~السامي، كثيرا ما يوصف بأنه سعي نحو اللانهائي، واللاغائي، وهو ~~عزوف عن قبول الحدود الظاهرة لعالم الخبرة الحسية المادي. ويحب ~~مؤرخو الثقافة المتفلسفون - ويصلح شبنجلر هنا مرة أخرى أن يكون ~~لهم مثالا محسوسا - أن يبينوا وجه التباين بين المعبد الإغريقي ~~والكاتدرائية الغوطية. المعبد الإغريقي مربع الشكل يقوم على أرض ~~صلبة، يقبل أبعاد الإنسان المألوفة، وشكله الأساسي لا يزيد في ~~إشارته إلى البطولة وإلى التطلع إلى السماء عن الصندوق. في حين أن ~~الكاتدرائية الغوطية تحلق إلى أعلى، وهي تتجاوز - بالمبتكرات ~~الجريئة كالقبو المدبب والدعامات الطائرة - الحدود الرأسية التي ~~نلمسها في المباني القديمة. وهي تحاول أن تنقل إلى الحجر تشوق ~~النفوس في العصور الوسطى إلى اللانهائي. المعبد الإغريقي كعلم ~~الهندسة، والكاتدرائية الغوطية كعلم الجبر. المعبد الإغريقي قابل ~~للواقع، والكاتدرائية الغوطية تتطلع إلى البعيد. المعبد الإغريقي ~~يبدو كأنه من صنع الإنسان، أما الكاتدرائية الغوطية فتبدو من نمو ~~الغابات. # هذه المباينات صحيحة في أساسها؛ ذلك أن المعبد الإغريقي ~~والكاتدرائية الغوطية شيئان مختلفان جد الاختلاف. والخلاف تعبير - ~~إلى حد ما - عن نظرتين إنسانيتين مختلفتين إلى الجمال والخير. ~~وقد تزعم أن ms283 هناك أسبابا مادية وفنية جعلت المهندسين المعماريين ~~في العصور الوسطى يبنون على طريقة، والإغريق على طريقة أخرى - ~~لاختلاف الحفلات الدينية التي تتطلب بناء معينا، واختلاف الوسائل ~~الهندسية الفنية التي تخلق مشكلات مختلفة. ولا ينفي ذلك أن الناس ~~في العصور الوسطى كانوا يتطلبون شيئا لم يتطلبه الإغريق. كانوا ~~يتطلبون الارتفاع. وقد ألح هذا الطلب على بناة كاتدرائية بوفيه ~~في فرنسا حتى اضطروا إلى إقامة القبة المستحيلة نصف الدائرية ذات ~~الأضلع الكثيرة الباقية حتى اليوم، وحاولوا أن ينشئوا برجا أشد ~~استحالة، ولكنه لسوء الحظ قد انهار، وكان انهياره أمرا ~~طبيعيا. # وتشبيه الغابة المشهورة - الذي ذكرناه - لا يخلو من التلميح إلى ~~إحدى الحقائق. ولكنا نتجاوز التلميح إلى الإغراق في الخيال إذا ~~قلنا إن أهل العصور الوسطى شيدوا ممرات كنائسهم شبيهة بممرات ~~الغابات لأن أسلافهم من الجرمان والكلت نشئوا في غابة بدائية في ~~المناخ الشمالي، في حين أن الإغريق لم يكن لديهم في بيئة البحر ~~المتوسط هذا النمط. ولكن الكنيسة الغوطية في صورتها النهائية ~~بالتأكيد، لا من حيث خطوط بنائها فحسب، ولكن من حيث تفصيلاتها ~~الزخرفية كذلك - من أوراق الشجر في رءوسها، إلى الرسوم في قبابها، ~~إلى التماثيل التي تبدو كأنها نابتة من البناء كله - أقول إن ~~الكنيسة الغوطية على هذه الصورة تبدو أبسط في تخطيطها، وأكثر ~~تلقائية، من بناء إغريقي، أو بناء من العصر الحديث. # ويقوي هذا الانطباع أنه قل من الكاتدرائية الغوطية ما أنشئ ~~دفعة واحدة. إنما امتدت فترة تشييدها أجيالا عدة، كلما توافر ~~المال. وكان البناة في كل مرحلة يشيدون طبقا للنموذج الغوطي ~~الشائع في عهدهم (ونلاحظ هنا أن انتقاء نمط معين من جعبة ~~التاريخ، كالدوري، والغوطي، والاستعماري، والتبشيري، وما إلى ذلك، ~~إنما ينحصر انحصارا تاما في الأزمنة الحديثة. وحتى هذه الأزمنة ~~كان الناس دائما يبنون على نمطهم المعاصر، كما يلبسون ممثليهم ~~دائما على طراز زمانهم. ولذلك فإن الكنيسة الغوطية التي يغرم بها ~~هواتها، مثل كاتدرائية شارتر في فرنسا لا تزال تحتفظ في سراديبها ~~بالأقبية المستديرة التي أقيمت على الطراز الرومانسي ms284 السابق ~~للطراز الغوطي، تجد في جبهتها الغربية برجا جنوبيا على الطراز ~~الغوطي القديم البسيط الذي لا تتناوله الزخرفة إلا قليلا، وبرجا ~~شماليا غنيا بزخرفته على طراز أحدث، وتجد في أمكنة أخرى تماثيل ~~وأسقفا للأبواب ، ونوافذ وردية، صنعتها أيد مختلفة كثيرة في عدة ~~قرون، ومع ذلك فالبناء كل رائع، وليس صورة شائهة، وليست كذلك ~~الغابة بطبيعة الحال). # وهذه النغمة الثانية من نغمات الثقافة الوسيطة - سمها إن شئت ~~التلقائية، أو الخيال الخصب، أو البحث عن الشاذ، والغريب، ~~والرومانس، أو السعي نحو اللانهائي، سمها هذا أو ذلك، فليست هناك ~~عبارة واحدة يمكن أن تحيط بالحقيقة - هذه النغمة تلمسها في كل شيء ~~وسيط. وقد اخترنا فن العمارة مثالا لها، ولكنها توجد واضحة أيضا ~~في أدب العصور الوسطى الخصب. كان عقل دانتي بالنسبة إلى العصور ~~الوسطى عقلا منظما، وليس في أسلوبه شيء من التفكك والغرابة، ~~والخصب التي نلمسها في قصص الفرسان الخيالية. ولكن أثر ملحمته في ~~جملتها، إذا قورن بأثر ملحمة أستاذه فرجيل أشبه بأثر الكاتدرائية ~~الغوطية إذا قورن بالمعبد الإغريقي، وحتى كتابه العظيم في ~~السياسة، «الملكية» الذي ألفه باللاتينية، خليط من التعليل ~~المنطقي والخيال إذا قورن بالدقة المنطقية فيما كتب أرسطو. # وهناك نغمة ثالثة ترن في ثقافة العصور الوسطى لا تبعث مثل هذا ~~السرور في المعجبين من المحدثين بمثل هذه الثقافة، وتلك هي كثرة ~~حدوث العنف. فلم يكن القتل والموت المفاجئ أمرا غير عادي للرجل في ~~العصور الوسطى كما هما للرجل في العصر الحديث، ويجب أن نحذر هنا ~~كما نحذر دائما في الأحكام العامة الكبرى - إن عاشق العصور الوسطى ~~قد يرد علينا بأن الحرب الحديثة تفتك فتكا ذريعا لم تعرفه العصور ~~الوسطى، وأن تاريخ العصور الوسطى لا يروي شيئا أسوأ مما حدث في ~~معسكرات الأسر في الحرب الماضية. وهو مصيب بالطبع، ولكنه يجب أن ~~يذكر إلى جانب ذلك نجاحنا الحديث في الطب وفي تموين أعداد ضخمة من ~~السكان. وبرغم كل حروبنا المفزعة استطعنا أن نبقي حتى اللحظة ~~الراهنة على عدد من السكان في الغرب ms285 أكبر منه في أي عهد سبق. بيد ~~أن النقطة الأساسية التي نود أن نذكرها هي اختفاء الشعور بدوام ~~الحياة البشرية دواما نسبيا في العصور الوسطى، بالرغم من ~~الديانة المسيحية؛ فالناس في تلك العصور لم يتوقعوا أن تسير الحياة ~~بغير مخاطرة، بل إنهم كانوا يرون يد الله عندما يصدرون قرارا ~~عنيفا. ومن النظم الوسيطة المشهورة الحكم بالمبارزة، وهي طريقة ~~كانت تقتصر على المنازعات التي تنشب بين طبقة الفرسان. كان النزاع ~~في نهاية الأمر يفض بالمبارزة بين المتنازعين أو بين بطليهما. ~~وكانت النتيجة تعد تدخلا مباشرا من الله الذي يكتب الظفر ~~للحق. وقد حلت النظم القضائية تدريجا خلال العصور الوسطى محل ~~هذه الطريقة، وأمست هذه النظم أساسا لنظامنا الحاضر. # ولسنا بحاجة إلى الإفاضة في هذه النقطة؛ فإن الطبقات العليا، ~~وريثة المقاتلين الخشنين في العصور المظلمة، حافظوا محافظة جيدة في ~~ثقافة العصور الوسطى الأكثر تقدما على تقاليد العنف التي نشأ ~~عليها آباؤهم. وقد رأينا كيف أن هذه التقاليد قد صيغت تدريجا في ~~الصورة الهزلية للعنف الذي اتصفت به الفروسية أخيرا. وقد اشتركت ~~الكنيسة مع الدول الدنيوية النامية في استبدال الإجراءات القانونية ~~النظامية بالالتجاء إلى القوة، تدريجا. كما أدى نمو التبادل ~~التجاري إلى مزيد من حماية التجارة والصناعة، حتى أمكن ترويض ~~البارون قاطع الطريق. وحتى عندئذ جلبت المنازعات الاجتماعية ~~الخطيرة في أواخر العصور الوسطى نوعا جديدا من العنف، وذلك ~~بالإضافة إلى ما فرضته الأوبئة المريعة، كالموت الأسود في القرن ~~الرابع عشر. وانشغل الأدب والفن فيما بعد - كما وصفهما وصفا ~~رائعا هويزنجا في كتابه «زوال العصور الوسطى» - بظاهرة ~~الموت. # وإذا نحن ضممنا هذا كله بعضه إلى بعض كان لنا كل لا يتفق تمام ~~الاتفاق مع بعض ما ذكرناه آنفا عن العصور الوسطى. إن النغمات التي ~~بيناها يمكن أن تتلخص في أنها كانت إحساسا شاملا بما في الحياة ~~من قلق وخلل، أو أنها «استنبات» لهاتين الصفتين. عندنا ثقافة لا ~~تكاد تميز بين ما ليس بالطبيعي والطبيعي، ثقافة سذاجة في التصديق ~~واعتقاد في الخرافة، ثقافة تصوف غير ms286 دنيوي وبدائية - وعنف دنيوي، ~~ثقافة المتطرفات والمتناقضات، ثقافة تتذبذب دائما بين البحث عن ~~الكأس المقدسة والبحث عن وجبة الطعام المقبلة. وما الرأي إذن في ~~«الاعتدال» أو في «تجديد» أكويناس؟ أين صفة النضج التي جعلتنا نضع ~~القرن الثالث عشر من بعض وجوهه مع القرن الخامس قبل الميلاد؟ يبدو ~~أن ثقافة العصور الوسطى هذه كانت نوعا من الطفولة، أو الشباب ~~الصاخب، الذي يرمز له رمزا ملائما تمثال الصنبور الذي نحت على ~~شكل رأس إنسان مفكر. # ولا بد لنا من الإبقاء على كثير من متناقضات العصور الوسطى، بل ~~هي أبرز في وجودها منها في أية ثقافة أخرى؛ لأن الثقافات الإنسانية ~~كلها تنطوي على عناصر متناقضة، عناصر لا تقوم على منطق واحد، ولكن ~~العصور الوسطى تظهر في تاريخ الغرب كعصر من المتباينات شديدة ~~الوضوح. ومن أقوى الصفات في ثقافة العصور الوسطى صفة التباين ~~والتناقض التي بلغت أعلى درجة من الوضوح في التناقض بين المثل ~~المسيحية العليا في ثقافتها الرسمية، والمدرسية والفروسية، ~~و«الواقع الملطخ». ولما كانت العصور الوسطى في أوجها قد أخذت أسلوب ~~الحياة المسيحية مأخذ الجد، بل أخذته مأخذا حرفيا، فإن الخشونة، ~~والعنف، والشذوذ، وكذلك «الرتابة» والركود في كثير من نواحي حياتهم ~~اليومية، ترغمنا على التنبيه إليها. # وإذا كانت صفات النظر إلى العالم الآخر، واعتقاد ما ليس ~~بالطبيعي، والسعي إلى اللانهائي، والعنف، والتباين بين المثل ~~المسيحية والعمل الذي ليس كله مسيحيا، إذا كان لا بد من بقاء هذه ~~الصفات، فلا بد لنا - مع هذا - من أن ندخل فيها تعديلات عديدة. ~~فأولا: بالرغم من أن جانبا كبيرا من ثقافة العصور الوسطى يبدو ~~كأنه ثقافة عصر غير ناضج - ففيه التصديق، وحب التطرف، والصفات ~~البهيجة كجدة الخيال، وانطلاق السرور، والبساطة التي أسرت لب ~~الرومانسيين المتأخرين - إلا أن الاعتقاد بأن ثقافة العصور الوسطى ~~قد بلغت درجة حقيقية من النضج ليس اعتقادا خاطئا البتة، ويظهر ~~هذا النضج واضحا في أي شكل من أشكال الفن في العصور الوسطى ~~تقريبا. وربما اشتد اهتمامنا عند سرد تاريخ هذه العصور بالمعالجة ~~التحليلية التي ms287 أهملت التطور الزمني لثقافة العصور الوسطى. إن ~~العصور الوسطى لم تكن صورة موحدة البتة. كان لها شبابها، ومرحلتها ~~البدائية التي نسميها العصور المظلمة. وقد ازدهرت في القرن الثالث ~~عشر، وهو في نظر المدرسيين الجدد «أعظم العصور». ثم كان لها عصر ~~انهيارها في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. # وإليكم بعض الأمثلة: كان لعالم «أغاني رولاند»، عالم القرن ~~التاسع كما احتفظت به الملاحم، صفات الشباب، صفات البدائية. كان ~~عالما بسيطا جليلا من أقوياء الرجال، يعرف كل منهم حق المعرفة ~~لمن يعطي ولاءه. كان عالما بسيطا من الناحيتين الاقتصادية ~~والسياسية، بقدر ما نستطيع التوغل في هذه الأمور، ولكني لا أحسب ~~أن أحدا عاقلا يسمي العالم الذي تصوره الكوميديا الإلهية لدانتي ~~عالما بسيطا شابا. كان دانتي - كما كان أكويناس - رجلا ناضجا ~~يعيش في حضارة غاية في التعقيد. وإذا وصلنا إلى القرن الخامس عشر ~~وجدنا شاعرا مثل فرانسوا فيون، الذي نجد في إنتاجه وعيا بعالم ~~بلغ سن الشيخوخة، كان فيون يعيش في العالم السفلي من باريس، التي ~~تم تمدينها. وكتب عن المتسولين واللصوص، والعاهرات، ممن ليس لديهم ~~ذرة من براءة. كان رجلا مثقفا في مجتمع لم يعد معنى المثقف ~~فيه أن يكون بالضرورة قسيسا، له - تبعا لذلك - مركز ثابت في ~~المجتمع. كان مثقفا انحدر إلى أدنى السلم. وللفرنسيين تعبير ~~أفضل من هذا، فهم يقولون ما معناه: «هبط من طبقته.» وإن حياة عملية ~~كالتي عاشها فيون لم تكن ممكنة إلا في مجتمع أدركته الشيخوخة ~~فعلا. # وهذه الدورة من الشباب إلى الشيخوخة تظهر على أوضح صورة في فن ~~بناء الكنائس في العصور الوسطى؛ فهذا الفن في بدايته يتبين في ~~الأقواس المستديرة الرومانسية الثقيلة في الفترة الأولى من العصور ~~الوسطى. وباختراع القوس المدبب يبدأ الفن الغوطي الصحيح. وفن ~~البناء الغوطي في عهده الأول - الذي يعده بعضهم اليوم ذروة هذا ~~الفن - بسيط نسبيا. وهو يقنع بتسقيف أخف وأعلى من الرومانسي، ~~وهو تسقيف لا يجاهد فيما يبدو في سبيل الارتفاع. والنحت فيه طبيعي ~~رشيق، خاضع لخطوط البناء. وتماثيله قد أعدت ms288 كذلك بمهارة لتقابل ~~هدف المهندس المعماري. وأحسنها - كتلك التي تراها مثلا في الجبهة ~~الغربية في شارتر - تتميز بتلك الصفة التي يطلق عليها مؤرخو الفن ~~البدائي، وهي صفة تجدها كذلك في النحت الأثيني قبيل عصر فيدياس ~~العظيم. ولا تزال زخرفة النوافذ بسيطة، وربما كانت هذه الزخرفة في ~~الحجر أيسر علامة يستدل بها الرجل العادي على فترة غوطية معينة. ~~ويأخذ الطراز تدريجا في التعقيد وفي زيادة الزخرفة. وهناك فترة ~~متوسطة ناضجة يستخدم فيها مهندسو العمارة الدعامات السامقة وغيرها ~~من الحيل استخداما جريئا يمكنهم من طبع المشاهد بأثر ~~الارتفاع العظيم، ومن نشر الضوء في كنائسهم من عدة نوافذ. إن فن ~~النحت يبلغ كما لا يختلف عن واقعية الإغريق، ولكنها واقعية سامية ~~أخرى لا تجد فيها أثرا من التحريف البدائي لأعضاء الجسم الإنساني. ~~على هذه الصورة نجد - على سبيل المثال - التماثيل في كاتدرائيات ~~أميان وريمز. هنا نجد كذلك زخرفة النوافذ أكثر حرية، وأشد ~~انطلاقا، وأكثر زينة. # ولما تحل القرون الأخيرة في العصور الوسطى نجد زيادة في ~~النضج، وهو دليل على أن طراز البناء قد أدركته الشيخوخة؛ فهناك ~~جهاد نحو بلوغ ارتفاع مستحيل - وبخاصة في فرنسا - وهو ارتفاع يجلب ~~الكوارث، كما حدث عند سقوط البرج المركزي في بوفيه. كما أن ~~الزخرفة، داخل البناء وخارجه، تخرج عن سلطان اليد، حتى إنك لتجد ~~الجبهات الغربية - كجبهة روان - مزخرفة كأنها كعكة العرس. ولم ~~تعد العذراء تبتسم ابتساما طبيعيا، وإنما ابتسامتها تفوق ~~الوصف. وهنا أيضا نجد الطبيعي محرفا، ولكنه تحريف ميلودرامي، ~~وليس تحريفا بسيطا كما كان في العصر البدائي. أو قل إن التحريف ~~كان «واقعيا»، وتبدو العذراء شبيهة بفتاة ريفية جذابة. وزخرفة ~~الحجر في النوافذ، التي توحي إيماء مركبا باللهب، هي بداية الصفة ~~التي كانت تسمى في فرنسا خاصة بالفترة «الملتهبة» من الفن ~~الغوطي المتأخر. وهذه الصفة - الملتهب، أو الزاهي - أدت بهذه ~~الطريقة إلى الإيحاء بالمبالغة في التعقيد وفي التظاهر. أما في ~~إنجلترا فإن الغوطي المتأخر لم يحذ حذو النماذج الفرنسية في ~~تطلعها إلى الارتفاع الشاهق. وأولئك الذين يعتقدون ms289 أن الإنجليز ~~معتدلون بالوراثة يحبون أن يقولوا إن من خصائص المهندسين ~~المعماريين الإنجليز ألا يحاولوا قط بناء القباب والأبراج ~~الشاهقة كما فعل الفرنسيون. ولكن الفن الغوطي الإنجليزي - مع ذلك - ~~ينم عن المبالغة التي يتصف بها الطراز الفني بعدما يستنفد أغراضه. ~~ونحن نجد زخرفة النوافذ - في هذا الفن الغوطي الإنجليزي في نهاية ~~عهده - تتأثر بالخطوط الرأسية، بدلا من تأثرها باللهب، وتسمى ~~ب «العمودية». وهكذا نجد أن العمودية الإنجليزية في زخرفتها متأثرة ~~أشد التأثر بفكرة الارتفاع، وهي تعبر عنه في زخرفة النوافذ وفي ~~قباب المباني. # وكذلك يستطيع المرء أن يلمس في كثير من أوجه الحياة الثقافية ~~الأخرى في أواخر العصور الوسطى هبوطا عن ذلك الاتزان والنضج مما ~~اتصفت به في أوائلها. وحتى في التفكير الفلسفي الشكلي، بدأت ~~المدرسية - بعدما بلغت أوجها في القرن الثالث عشر تتخلى عن ~~اعتدال أكويناس، وتنسج حججها في منطق يفتت الشعرة مما أعطى خصومها ~~الإنسانيين في عهد النهضة أسلحة ماضية للهجوم عليها. وقد لاحظنا ~~من قبل كيف أن الفروسية في تدهورها أمست سلسلة من الأعمال منفصلة ~~عن الحياة الجديدة من حولها. # بقيت مشكلة أقل خطورة مما قد تبدو لأول وهلة؛ ذكرنا أن العصور ~~الوسطى وبخاصة في عهدها العظيم كانت مجتمعا به من الأوضاع ما يكفل ~~للفرد فيها مكانة مطمئنة، مجتمعا يعرف المرء فيه واجباته، وحقوقه، ~~و«جذوره». كان الإنسان في العصر الوسيط - على نقيض مجتمعنا الحديث ~~المتنافس - كما بينا من قبل على هدوء من العقل، لا يجده أكثرنا نحن ~~أبناء هذا العصر الحديث، ومع ذلك فإن مميزات العصور الوسطى كما ~~حاولنا أن نلخصها توحي بأي شيء إلا الاتزان، والاعتدال، ~~والطمأنينة. ذلك أن الإنسان في العهد الوسيط يبدو في الظاهر غير ~~مطمئن إلى درجة لا تحتمل، وهو يكافح في سبيل اللانهائي، وما يفوق ~~الوصف، ويتوقع المعجز كما توقع المستقر بالإحصاء، ويعيش في عصر ~~العنف والموت المفاجئ، لا يتحرر قط من خوف المجاعة والمرض، ولا ~~يحتمي حماية كافية بما لا يزيد إلا قليلا على العادات والمشاعر ~~الدينية من إساءة السلطات الإقطاعية ms290 لاستخدام النفوذ. # ويخفف من حدة هذا التناقض ثلاثة اعتبارات؛ الأول: أن الاتزان ~~الذي لمسناه في الحياة الوسيطة لم يبلغ ذروته إلا في فترة وجيزة، ~~عندما بلغت ثقافة العصور الوسطى أوجها في القرن الثاني عشر، ~~والثالث عشر، وأوائل الرابع عشر. وحتى آنئذ كان هناك قدر كاف من ~~العنف وعدم الاطمئنان، ولكنه لم يكن عنفا وتغيرا على درجة من ~~سعة الانتشار كالتي نجدها في القرن الخامس عشر، الذي كان زمنا من ~~المتاعب للإنسان في الغرب بصورة واضحة. # والاعتبار الثاني: أن تلك العبارة التي استعملناها آنفا، وهي ~~«ما لا يزيد إلا قليلا على العادات والمشاعر الدينية» تحرف ~~الأمور تحريفا حديثا مضللا. وأقول هنا مرة أخرى إن العادات ~~والمشاعر الدينية كانت لها قوة تفوق في شدتها كثيرا ما نستطيع نحن ~~المحدثين أن ندركه. انظر إلى العلاقة بين السيد الإقطاعي والرقيق، ~~إذا اعتدى السيد على الرقيق بالضرب، أو أغوى ابنته، أو استولى على ~~ما يملك من أرض، فلم يكن هناك في أكثر الغرب الوسيط محاكم، أو قوة ~~للشرطة، أو تنظيم مدني، يستطيع الرقيق أن يلجأ إليها لرد حقه، لم ~~يكن هناك «دستور»، ولم يكن هناك «قانون يكفل الحقوق» بالمعنى ~~الحديث. وحتى «الميثاق الأعظم» في إنجلترا الذي أعلن في عام 1215م ~~لم يكن في الواقع وثيقة قانونية لحماية الرجل العادي. بيد أن أكثر ~~السادة لم يعتدوا في الأغلب بالضرب على الرقيق، أو يغووا بناتهم، ~~أو يسلبوهم عيشهم. وهناك مجموعة بسيطة واحدة من الحقائق تثبت ذلك، ~~وتدحض الفكرة الشائعة بأن العصور الوسطى كانت فوضى من الفقر ~~والمظالم تحرر منها الغرب بطريقة غير مفهومة إلى حد ما بالنهضة ~~والإصلاح الديني؛ فقد أخذت حالة الفلاح الأوروبي في الغرب تتحسن ~~باطراد منذ القرن الحادي عشر، بالرغم من الحروب الخاصة، ومن ~~الأوبئة، والمجاعات، وحماية التجارة حماية ناقصة، وذلك على الأقل ~~حتى انتهاء الاقتصاد الإقطاعي الذي كان يقوم نسبيا على الاكتفاء ~~الذاتي، عندما بدأ الانتقال من هذا الاقتصاد يتمخض عن القلق الحديث ~~الذي يرتبط بالإنتاج من أجل البيع بالمال. إن الرقيق في ms291 فرنسا وفي ~~إنجلترا بلغوا بالتدريج مرحلة الأحرار، لا عن طريق قانون يكفل ~~التحرير الشامل كما حدث في روسيا في القرن التاسع عشر، ولكن عن ~~طريق التأثير البطيء للتطورات الاقتصادية والقضائية التي مكنت ~~الرقيق الأوروبي في الغرب أساسا من «اكتساب» حرياتهم. وما كان لهم ~~أن يستطيعوا ذلك في مجتمع فوضوي دون قوة القانون والعادة الثابتة، ~~أو في مجتمع طبقي ثابت ثبوتا مطلقا، بطبيعة الحال. # وأخيرا، وأهم مما سبق وإن يكن أشق ما يكون علينا إدراكه، أقول ~~إن الاطمئنان في حياة العصور الوسطى كان أمرا يختلف جد الاختلاف ~~عما نفهمه من الاطمئنان في منتصف القرن العشرين؛ فقد كان الفرد في ~~العصور الوسطى لا يطمئن إلى نوع من الحياة فوق الأرض كذلك الذي ~~نعده منحة أعطيت لنا. لم يكن يتوقع ما عندنا من أسباب الراحة ~~المادية أو أسباب الترف، ولم يتوقع أن يتجنب الجدري بالتطعيم، ولم ~~يكن يتوقع الطرق الجيدة، ولم يكن يتوقع - بإيجاز - ألوفا من ~~الأشياء التي نسلم بها. كان يألف حياة شاقة (كما نظنها)، وكان ~~يألف العنف والقلق. ولم يؤد به شيء في فلسفته - وأنا أستخدم ~~الفلسفة هنا بمعنى الاسترشاد، حتى بالنسبة إلى الرجل العادي - إلى ~~أن يتوقع إمكان أن تكون حياته على الأرض مختلفة فعلا عما كانت ~~عليه دائما. ولا تعني أمثال هذه العقائد أن الإنسان الوسيط لم ~~يتوقع شيئا ما، وأنه لم يكن قط ساخطا؛ فإن عشرة الزوجة ~~المتمردة كانت لا تسر في القرن الثالث عشر كما لا تسر في ~~القرن العشرين. # ولكن الزوج في القرن الثالث عشر من أي طبقة من المجتمع كان لم ~~يكن يحلم بمحاولة طلاق زوجته بسبب «القسوة المعنوية»، أو في الواقع ~~لأي سبب آخر - وهذا هو لب الموضوع. كان الزواج عنده يبرم في ~~السماء، حتى إن كان إبرامه ناقصا. وقد جعل الله الزواج أمرا لا ~~ينحل. وكذلك كانت الحال في أوجه كثيرة أخرى من الحياة الإنسانية، ~~مما نميل إلى أن نعده من النظم التي يستطيع الإنسان أن ~~يعقدها أو يحلها بإرادته الخاصة، وتحت مسئوليته ms292 الخاصة. كانت ~~حياة الفرد في العصور الوسطى في كثير من جوانبها تخرج من يديه، وهي ~~بين يدي الله الذي ينفذ إرادته عن طريق المجتمع. ونعود إلى تلك ~~الحقيقة التي ليس منها مفر، وهي تغلغل النظرة المسيحية في الحياة ~~في العصور الوسطى. ولم تكن النظرة المسيحية عندما بلغت كمالها ~~بالجهاد الروحاني - وذلك بالرغم من أن العصور الوسطى قد أفسحت كذلك ~~مجالا طبيعيا لا نفسحه له اليوم - ولكنها النظرة المسيحية التي ~~تتمثل في قبولها العالم باعتباره مكانا للامتحان، وللعمل الشاق ~~والأحزان للنفس الإنسانية. ولم ترد العبارة الآتية المشهورة على ~~لسان دانتي عرضا: ~~«في إرادته سلامنا. وهذه الإرادة هي المحيط الذي يتجه نحو كل شيء ~~مما تخلقه أو مما تصنعه الطبيعة.» # ولا مراء في أن وعد ~~المسيحي بالخلاص في حياة أخرى للرجل - أو المرأة - الذي يعيش في ~~هذه الدنيا طبقا لتعاليم الكنيسة يساعد على تفسير تأثير المسيحية ~~في نفوس الناس في العصور الوسطى. أما الاعتقاد بأن الدين أفيون ~~فهو من خلق العقل الحديث الذي يرى - أو يأمل - ألا تكون الآلام من ~~طبيعة الأمور. والمسيحية للرجل في العصر الوسيط لم تعد بحياة ~~أفضل في عالم آخر فحسب، إنما أكسبت حياة العنف القلقة هذه، وحياة ~~الجهاد، والنقص، والحاجة في الدنيا، معنى وحدودا وأهدافا، أوشكت ~~أن تسد الفجوة عند أكثر الناس بين ما لديهم وما يحتاجون إليه. كان ~~الرجل في العصر الوسيط أقرب منا إلى «الاستسلام» لعالم لا ~~يستطيع أن يغيره كثيرا. كان يشعر بالطمأنينة وسط ما نعده نحن ~~انعدام الطمأنينة: العنف، والحاجات المادية، والمشقة، بل والمخاوف ~~التي تتولد عن الجهل بما نعده ظواهر طبيعية. وإنما كان يحس هذه ~~الطمأنينة لأنه كان يدرك ضعفه إدراكا قويا. ولم يكن يخجل من ~~ضعفه، ولم يكن هذا الضعف يزعجه. إنه لم يكن خطأه، ولم يكن، من ~~الناحية الإنسانية، خطأ أي فرد آخر - ومن المؤكد أن أحدا لم ~~يستطع أن يخرج على الدين إلى حد أن يعزو إلى الله الخطأ. كان ~~الرجل في العصر الوسيط «يحس» الحق في العبارة التالية ms293 التي جرت على ~~لسان أحد الفلاسفة المتأخرين، وأعني به ليبنتز، ولم تعد عنده أن ~~تكون مجرد تعبير فكري لا ينم البتة عن الإخلاص، وتلك العبارة هي أن ~~عالمنا هو أفضل العوالم الممكنة. إنه ليس بالعالم السعيد، وليس ~~بالعالم القانع؛ لأنه إن كان كذلك لاحتل الناس مكانة الله بغير حق. ~~إنه في بساطة عالم الله. # الفصل الثامن # | صنع العالم الحديث: (أولا) ~~الإنسانية # عاش الناس طويلا في الأزمنة «الحديثة» ولكن عقولهم لم تطبع بهذه ~~الحقيقة انطباعا قويا. ويعد عصرنا - الذي اعتدنا أن نعد ~~بدايته عام 1500 بعد الميلاد - أول عصر يصوغ هذا الاصطلاح صياغة واضحة، ~~ويطبقه تطبيقا لا تناقض فيه. ولفظة «حديث» بالإفرنجية # modern # مشتقة من ظرف لاتيني معناه ~~«في هذه الآونة». وقد ظهرت الكلمة في الإنجليزية بمعناها الشائع، الذي ~~يقابل «القديم» في عهد إليزابث. وهذا الوعي بالمشاركة في الجديد، في ~~طريقة من طرق الحياة تختلف عن طريقة السلف، وقد كان هذا الوعي بطريقة ~~من طرق الحياة كما أحسه الكثيرون عند حلول عام 1700م وعيا بحياة ~~«تفضل» كثيرا طريقة السلف - هذا الوعي في حد ذاته سمة من أوضح سمات ~~ثقافتنا الحديثة. # وهذه الثقافة غاية في التعقيد، ونحن لا نستطيع أن نعرف «الحديث» ~~تعريفا محددا هنا، ولكنا نأمل أن نصوغ شيئا فشيئا في الفصول ~~القادمة تعريفا له. وهنا نجابه مشكلة فصل «الحديث» عن «الوسيط». وهي ~~مشكلة عويصة؛ لأن ملايين المواقف المحسوسة التي نحاول أن نختصرها في ~~هذين المصطلحين العامين لا ترتبط بالطريقة البسيطة التي تتضمنها ~~عاداتنا اللفظية البلاغية في التفكير. إن الوسيط لا يتوقف حيث يبدأ ~~الحديث عند نقطة واحدة في مدار الزمن، وليس الحديث شروقا ينتهي به ~~ظلام الليل الوسيط. وليس الحديث وليد الوسيط، بل إن الوسيط لم يبلغ ~~مرحلة الرجولة. # والواقع أن التفرقة بين الوسيط والحديث قد أهمت المؤرخين المحترفين ~~كثيرا في الخمسين السنة الأخيرة أو ما يقرب منها؛ لأن البحث قد طمس ~~التمييز الواضح بينهما الذي رسم حدوده أسلافنا؛ فقد كان التقسيم الفتري ~~بين حديث ووسيط واضحا في جميع كتب ms294 الدراسة في أواخر القرن التاسع عشر: ~~والنهضة، والإصلاح الديني، ~~والإنسانية، والمكتشفات الجغرافية، واختراع الطباعة، وفصم الوحدة ~~الدينية الوسيطة - كل ذلك قد تم حدوثه بصورة واضحة فيما بين عامي 1453م ~~و1517م. وقد حدد الأمريكان خاصة للتاريخ الحديث نقطة بداية يرتاحون ~~إليها كثيرا، وهي عام 1492م. وقد تغير كل ذلك اليوم. وردت النهضة ~~خاصة إلى الوراء حتى بلغت ما كان يعد في وقت ما «عصورا وسطى» غير ~~مشوبة فكاد يختفي التمييز بين الوسيط والحديث. وتقارب الاثنان، ~~كالقطارين حين يصطدمان في لحظة واحدة. # هل معيارك «إحياء المعرفة» وتقدير أصح للثقافة اللاتينية الوثنية؟ إن ~~المرحوم شارلس ه. هاسكنز قد دفع في كتابه «نهضة القرن الثاني عشر» هذا ~~المعيار إلى الوراء حتى توغل في الأزمنة الوسيطة. أم هل معيارك ~~التقدم في العلوم والتكنولوجيا؟ وقد رأينا من قبل أن القرون الأخيرة ~~من العصور الوسطى كانت قرون تقدم علمي ملحوظ. والواقع - كما يحب ~~الأستاذ جورج سارتون أن يشير - أن الإنسانيين الأصليين لعهد النهضة، ~~والأدباء ورجال الدين، والأخلاقيين، كانوا على الأقل من حيث احتقارهم ~~لنبش العلوم الطبيعية ومن حيث «الاستنباط» ومن حيث احترام سلطان الكلمة ~~المكتوبة كما كان المدرسيون. بل ربما كان من الممكن أن ندفع عن الرأي ~~الذي يقول بأن «النهضة» كما نعرفها معناها «تقهقر» في نمو العلم ~~الحديث. أم هل معيارك اقتصادي، أي نمو اقتصاد مالي، ونظام للبنوك، ~~واتساع في التجارة؟ إن البحث الحديث يدفع أكثر ذلك إلى الوراء حتى عصر ~~الصليبيين، وأوج العصور الوسطى أم هل معيارك قيام الدولة التي عمادها ~~الوحدة الأرضية لتحل محل مجموعة الملكيات الإقطاعية؟ إن من المؤكد أن ~~فرنسا وإنجلترا كانتا دولتين أرضيتين عندما التحمتا في حرب المائة عام ~~في القرن الرابع عشر. # ولكن معالجة الموضوع من الناحية المضادة ممكن أيضا. متى تنتهي ~~العصور الوسطى؟ إننا إذا أردنا الجدل قلنا إنها لم تنته قط. إن أية ~~افتتاحية صحفية تستطيع أن تشير اليوم إلى «الوسيط» و«الإقطاعي» في شيء ~~من التحقير - كقولها «شوارع بوسطن الوسيطة» و«أصحاب المكاتب الإقطاعيون ~~في واشنطن». وتستطيع إن كنت ms295 أكثر جدية واخترت أمثلة محسوسة في مختلف ~~ميادين الثقافة البشرية أن تجد الطرق الوسيطة متغلغلة في وضوح شديد في ~~أوروبا الغربية حتى القرن السابع عشر؛ فهناك النظام القضائي في ~~إنجلترا، ونظام تسليك الأراضي في فرنسا، والمكاييل والموازين الوسيطة ~~في كل مكان، وكثير أيضا في كل مكان - في أوروبا البروتستانتية وأوروبا ~~الكاثوليكية على السواء - مما حاولنا في الفصول السابقة أن نصفه ~~بأسلوب الحياة المسيحية. إن المستعمرين البريطانيين الذين وفدوا في ~~القرن السابع عشر إلى فرجنيا وإنجلترا الجديدة جلبوا معهم قدرا ~~مذهلا من صفات العصور الوسطى؛ جلبوا معهم نظام الساحات الشعبية، ~~وأدوات التعذيب التي توضع في الأرجل والأعناق، والاعتقاد في الساحرات، ~~وآثارا من فن بناء المنازل في العصور الوسطى. بل وقد جلب مستعمرو ~~فرنسا الجديدة نظام السادة ونظام الإقطاع، الذي لا تزال آثاره باقية في ~~إقليم كويبك. # وإذن فقد امتدت العصور الوسطى إلى العصر الحديث بطريقة لا تمثلها في ~~الواقع حياة أي كائن عضوي بمفرده. ولا يستطيع التاريخ القصصي التقليدي ~~أن يحيط حقا بمركبات التحول الثقافي. ولن نتخلى هنا بأية وسيلة عن ~~المعالجة التاريخية، ولكنا سوف نحاول أن ندمجها بالمعالجة التحليلية. ~~وفي الفصول الثلاثة التالية سنعالج بناء طريقة الحياة الجديدة في ~~القرون المتأخرة، الخامس عشر، والسادس عشر، والسابع عشر. وسوف ننظر من ~~أجل التحليل في الفن، والأدب، والدين، والعلم والتكنولوجيا، كل على ~~حدة، محاولين ألا ننسى أنها كانت في الحياة الواقعية لمجتمعنا متحدة ~~اتحادا لا ينفصم. # وبهذه الطريقة سوف نتخلى عن المعالجة الزمنية التقريبية التي لجأنا ~~إليها حتى الآن، وسوف نسير في اتجاه مضاد للقاعدة القائمة في كتابة ~~التاريخ، التي تقبل التقسيم إلى عصور تقسيما تقريبيا بالقرون - وإن ~~كان لا بد من دفع النهضة إلى الوراء حتى تبلغ القرن الخامس عشر، بل ~~والرابع عشر. وسوف نعالج الإنسانية، والبروتستانتية، ومذهب التعقل، ~~باعتبارها أجزاء مكونة للحياة العقلية في الغرب التي يمكن من أجل ~~التحليل أن تنفصل عن الكل، وتعالج كوحدة خلال القرون التي تقع على وجه ~~التقريب فيما بين عامي 1450م و1700م التي تفصل ms296 العصور الوسطى عن عصر ~~النور. وموضوعنا الرئيسي هو: كيف تحولت النظرة إلى الحياة في العصور ~~الوسطى إلى نظرة أخرى للحياة في القرن الثامن عشر؟ وهذه النظرة إلى ~~الحياة في القرن الثامن عشر، لا تزال، في أعماقها هي نظرتنا إليها ، ~~وبخاصة في الولايات المتحدة - بالرغم مما دخل عليها من تعديل في ~~القرنين الأخيرين؛ فالقرون الأخيرة: الخامس عشر، والسادس عشر، والسابع ~~عشر، هي من هذه الناحية «فترة انتقال» في أساسها، وهي في صميمها سنوات ~~الإعداد لعصر «النور». وفي هذا الانتقال نجد الإنسانية، ~~والبروتستانتية، ومذهب التعقل (والتاريخ الطبيعي) تفعل فعلها في ~~زعزعة النظرة الكونية الوسيطة، والإعداد للنظرة الكونية ~~الحديثة. # إنها تفعل فعلها - كما هو شأن ~~الأفكار دائما عن طريق قلوب الرجال والنساء وعقولهم، وهم رجال ونساء ~~ليسوا - البتة - من أصحاب الفكر الخالص. وهي لا تعلل كل التاريخ ~~الحديث، بل هي - من ناحية ما - أفكار مجردة نبنيها في عقولنا مجاهدين ~~أن نجعل للماضي معنى. إننا نعتقد ما نعتقد اليوم، ونسلك سلوكنا، بسبب ~~ما قاله وما فعله - إلى حد ما - ~~منذ عدة قرون، الرجال الذين نسميهم إنسانيين، أو بروتستانت أو ~~متعقلين. # اصطلاح «النهضة» و«الإصلاح الديني» # حدث ذات مرة أن توءمين من أصحاب الشعر الأحمر؛ الأول: اسمه ~~«النهضة»، والثاني: «الإصلاح الديني»، نالهما الاضطهاد ولحقتهما ~~الإساءة، فانقلبا على زوجة أبيهما: الكنيسة الكاثوليكية في العصور ~~الوسطى، وهي أم شريرة برغم ضعفها. # إن كتب التاريخ - بطبيعة الحال - لم ترو القصة قط بمثل هذه ~~البساطة وهذه الطريقة غير الكريمة. ولم يكن بوسعها البتة أن تبدأ ~~الموضوع كما تبدأ الحكاية الخرافية. غير أن أكثر الأمريكان - إذا ~~استثنينا الرومان الكاثوليك - ممن درسوا شيئا عن تاريخ أوروبا ~~خرجوا بفكرة أن الحركتين اللتين نطلق عليهما «الإصلاح ~~البروتستانتي» و«النهضة» كانتا متحدتين بطريقة ما في وحيهما ~~والغرض منهما. كانت الحركة الأولى تتجه نحو الحرية الدينية، ~~والثانية تتجه نحو الحرية الفنية، وكلتاهما تعملان من أجل الحرية ~~الخلقية، ومن أجل ما أصبح الديمقراطية في القرن التاسع عشر بطبيعة ~~الحال. كلتاهما تهدف إلى «تحرير» الفرد العادي من القيود التي ms297 ~~ائتلفت العادة والخرافة لكي تفرضهما عليه في العصور الوسطى. # وحتى هذا الرأي الذي قد يضلل كثيرا ليس «كله» خطأ؛ فما أكثر ~~أتباع لوثر الذين شعروا بنوع من السمو، بإحساس التحرر من ~~الالتزامات الروتينية التي تحصرهم، وبثقة جديدة في قدراتهم الخاصة. ~~ونعرف حق المعرفة أن الفنانين ورجال الأدب، والعلماء والمكتشفين، ~~أحسوا جميعا بدفعة العوالم الجديدة التي يمكن أن تغري، والفرص ~~الجديدة لأداء الأعمال بشتى ضروبها، وذلك بطرق لم يطرقها أحد من ~~قبل، ومن ثم فهي طرق تجعلهم يحسون بأنفسهم، وبأنهم شخصيات فذة. ~~وبالرغم مما في المصطلحات من غموض، إلا أن هناك مغزى ما من نسبة ~~العصور الوسطى إلى «التسلط» والنهضة والإصلاح الديني إلى «التحرر»، ~~ولكنك إن وقفت عند هذا الحد كان المغزى ضعيفا. # ذلك لأن الوقائع أشد تعقيدا من الصيغ العامة التي تستهدف ~~تفسيرها؛ فلقد جاء لوثر إلى سلطته ليستعين بها على إخماد «ثورة ~~الفلاحين». كما أن كثيرا من الإنسانيين المتحررين في عهد النهضة ~~أقاموا أساتذة الأدب الإغريقي ثقاتا (متسلطين) لا يجوز لهم ~~مساءلتهم، كانوا نماذج لكل ما كتبوا. وكان شيشرون وأفلاطون محل ~~عبادة عمياء لم يصل إليها أي أستاذ في الأدب من قبل. ومن المألوف ~~في النهضة أن تلتقي في ميدان السياسة بالحاكم المتعسف المستبد. إن ~~النهضة والإصلاح كليهما لم يتجها بوعي منهما نحو حرية الفرد ذات ~~الصفة الديمقراطية. # وأبعد عن الصواب من ذلك أن نقول إن النهضة والإصلاح الديني كانا ~~دائما يعملان معا في انسجام لتحقيق هدف واحد؛ فإن الكالفني ~~المخلص كان يفزع عند لقائه بفنان النهضة الذي ينحت النماذج ~~العارية، ويعيش عيشة استهتار وبذخ، ولا يفكر في غده. وكذلك كان ~~لوثر يمقت أرازمس الإنساني، وكان شعور البغض بينهما متبادلا. ~~وليست المقابلة هنا بين الزاهد المتدين والفنان الذي يخضع في إخلاص ~~لشهواته الحسية بالأمر الهين اليسير. كان أرازمس يحب المسيحية، ~~وكان يحب الإغريقية السليمة، وحديث العلماء بعد مائدة العشاء، وكان ~~يحب الإدراك العام بطريقة أكاديمية، كان ثائرا جد ضعيف. إن سيرة ~~حياته وشخصيته في الواقع لتتفق إلا في القليل ms298 مع الصيغ الجافة التي ~~تعبر عن النهضة والإصلاح الديني. # إن الإنسانية في الواقع نظرة إلى الحياة لا تنسجم في أساسها مع ~~ذلك الجانب من الديمقراطية التي تهتم بالرجل العادي، وبرفاهية ~~الجماهير. كان الفنان، والأديب لعهد النهضة يعتقد في طبقة ممتازة - ~~ليست هي طبقة النبلاء الإقطاعية، ولكنها الطبقة الممتازة الحديثة ~~التي تتألف من أصحاب المواهب والفكر. كان لا يأبه - بل كان يزدري - ~~بالكثرة التي لا تتميز في شيء، والتي لا تهتم بالفن أو الفلسفة أو ~~الحياة الكريمة. وعن هذه النظرة الإنسانية إلى الحياة نشأت - إلى ~~حد ما - تلك النظرة الحديثة المألوفة غير الديمقراطية التي ينظر ~~بها رجال الفن والفكر بازدراء إلى عامة الناس وأوساطهم. إن أكثر ~~حجج الدفاع عن الأرستقراطية في العصر الحديث (وإذا كانت لفظة ~~الأرستقراطية توحي بطبقة النبلاء الأوروبية القديمة التي لا يأبه ~~أحد بالدفاع عنها، فيجدر بنا أن نقول «الصفوة») يرجع إلى مصادر ~~النهضة يلتمس فيها النماذج؛ فإن نيتشه - الذي سار في أثر زميله ~~الأستاذ في بال، جاكوب بركهارت - التمس في الحياة البراقة الوحشية ~~التي عاشها في عهد النهضة أساتذة الفن والحياة الإنسانية أقرب صورة ~~أرضية تحقق فكرته عن الإنسان الراقي، أو السوبرمان. وفي الحق أن ~~هناك على الأقل عنصرا واحدا في مركب الآراء الإنسانية يمكن أن ~~يعزى إلى التقاليد الديمقراطية - وذلك هو فكرة انفساح المجال ~~لأصحاب المواهب، والمجددين؛ أولئك الأفذاذ المغامرين الموهوبين. ~~ومع ذلك فإن الديمقراطيين المحدثين في جملتهم يختلفون عن رجال ~~النهضة في نظرتهم إلى الموهبة التي تستحق التشجيع. ومن الواضح أن ~~النقطة الهامة في مبدأ حرية الفرصة للجميع هي هذا السؤال البسيط: ~~الفرصة لبلوغ أي غرض؟ لقد أجاب القرن الثامن عشر والقرن السادس ~~عشر، أو رجال عهد النور ورجال عهد النهضة، عن هذا السؤال - كما سوف ~~نرى - إجابات جد مختلفة. # فالوقائع إذن تثبت أن النظرة الساذجة إلى النهضة والإصلاح الديني ~~اللذين يعدان طليعتين مشتركتين للديمقراطية الحديثة، ليست على ~~شيء من الدقة. ولو أن المدنية الحديثة تأثرت بدقة وعناية بالطرق ~~التي أنارها لها الإنسانيون والبروتستانت لكان ms299 من المحتمل ألا تطرق ~~أسماعنا هذه العبارة «قرن الإنسان العادي». # إن بعض ميراثنا الديمقراطي قديم جدا في الواقع، يرجع في قدمه ~~إلى حضارة الإغريق والعبريين. وبعضه حديث نسبيا، يرجع في حداثته ~~إلى الآلة البخارية. وبعضه ندين به للإنسانيين، ولكن بقدر أقل ~~مما تصور لنا عادة كتب الدراسة التقليدية في الأجيال القليلة ~~الماضية. ويجب أن نحذر المبالغة في عصر ديمقراطيتنا؛ فهو لا يزال ~~في الميزان، ولا يزال في حداثته، ولا يزال قوة نامية مكافحة في ~~عالم تعود - لأمد طويل - طرقا أخرى للحياة. # مدى «الإنسانية» # إن مجرد ثورة البروتستانت ضد الكنيسة الكاثوليكية أكسبهم على ~~الأقل اسما مشتركا، مهما تكن الفوارق بين الأنجليكان ~~والأنينوميان (أو الفوضويين) أو من ينكرون وجوب تعميد الأطفال. ~~وليس هناك مثل هذا الاسم المفرد الذي يشمل أولئك الذين يتحدون إلى ~~حد ما في ميادين الفن والأدب والفلسفة في أنهم لا يحبون فنون ~~العصور الوسطى وآدابها وفلسفتها. وأفضل ما نسميهم به «الإنسانيين» ~~وهو اصطلاح استخدم في حدود أوسع وفي حدود أضيق مما يرتاح إليه ~~مؤرخ الفكر ارتياحا كاملا. الإنساني يمكن - في الوقت الحاضر خاصة ~~- أن يكون من رجال الدين الذين يحاولون الاستغناء عن إله شخصي، ~~ويمكن أن يكون مصلحا تربويا يرى أننا نبالغ في دراسة العلوم ~~الطبيعية ونقصر في دراسة الإنسانيات، أو فيلسوفا يرى أن البشر ~~أعلى من الحيوان وإن يكن أدنى من الآلهة، أو غير ذلك. وحتى إذا نحن ~~حصرنا أنفسنا في هذا الفصل في حدود أولئك ~~المعجبين - باليونان والرومان - ~~بل من يحذون حذوهم، من رجال النهضة الذين نصفهم عادة ~~بالإنسانيين، فإننا بذلك نهمل الكثير مما لا ينبغي إهماله. # وإذن فلنأخذ الإنسانية على أنها نوع من التعبير العام الذي يدخل ~~تحته كل من كانت نظرته العالمية لا هي دينية أساسا ولا هي ~~عقلية أساسا. وبهذا المعنى لا يتحتم أن تكون الإنسانية موقفا ~~وسطا بين ما وراء الطبيعة في الدين والطبيعة في العلم، وإن تكن قد ~~وقفت في كثير من الحالات هذا الموقف تماما. إن الإنسانية تميل في ~~هذه القرون ms300 الحديثة الأولى إلى نبذ العادات العقلية والمثل التي ~~سادت العصور الوسطى، وبخاصة ما تمثل منها في المدرسية، ولكنها لا ~~تقبل البروتستانتية، ولا تقبل النظرة العقلية إلى الكون باعتباره ~~نظاما كالآلة يؤدي وظيفته باطراد وبغير استثناء. الإنساني ثائر ~~كبير على النظرة الكونية في العصور الوسطى، وليست له نظرة كونية ~~واضحة خاصة به. الإنساني فردي عظيم، يريد أن يكون نفسه، وإن يكن ~~رأيه غير واضح فيما يتعلق بتصرفه في نفسه. وهو مدين للعصور ~~الوسطى بأكثر مما يعترف، وبخاصة فيما يفخر به، وهو المعرفة. وهو - ~~إذا استثنينا ليونارد دافنشي وقلة أخرى - ليس بالعالم، بل ربما كان ~~وصف ليوناردو بالمخترع أفضل من وصفه بالعالم. # وقد بينا من قبل كيف أن بعض سمات النهضة الملموسة يمكن أن ~~ترد إلى وقت مبكر من العصور الوسطى كما تصورها الكتب ~~المدرسية القديمة. ولكن إذا كان دانتي في القرن الثالث عشر يعرف ~~اللاتينية القديمة، وإذا كان جيوتو يصور تصويرا شعبيا، وإذا ~~كان فردريك الثاني (ستوبرمندي) شديد التطلع إلى عالم الحواس، قوي ~~العقل فاتر العواطف كأي حاكم مستبد في عهد النهضة، إذا كان ذلك ~~كذلك إلا أنه من الحق أيضا أن الإنسانية لم تبلغ أوجها إلا في ~~أواخر القرن الخامس عشر. ويجب أن نحاول عاجلا أن نعرف - على الأقل ~~في خطوط عريضة - ما معنى هذه الأشياء من حيث كونها نظرة معينة إلى ~~العالم. ولكن دعنا أولا نحدد مدى الإنسانية في عهد ~~النهضة. # إن أبسط نشاط بشري يمكن أن نخص به «النهضة» ونميزها به عن نشاط ~~العصور الوسطى هو في كثير من النواحي ما نسميه البحث العلمي، أو ~~بتعبير أقدم من هذا، ولا يزال نافعا، هو المعرفة؛ فلقد كان ~~الإنسانيون الأصيلون - بالمعنى التاريخي الضيق للكلمة - في الواقع ~~باحثين، وإن يكن مركزهم في المجتمع - أو على الأقل مركز الكبار ~~منهم من أمثال أرازمس - له من المكانة بين الطبقات الحاكمة ما ليس ~~للبحث العلمي في الوقت الحاضر (إن المشابهة الحقيقية هي اليوم ~~بطبيعة الحال مع العلوم الطبيعية؛ فقد كان لأرازمس في القرن السادس ms301 ~~عشر ما يشبه المركز الأدبي الذي يتمتع به أينشتين اليوم). كان ~~للإنسانيين ما لم يكن لأسلافهم في العصور الوسطى، كانت لهم معرفة ~~مباشرة باليونانية. وأمكنهم الاتصال بأصول أكثر الكتابات ~~الإغريقية التي كتب لها البقاء. إن الإغريقية تسربت شيئا ~~فشيئا إلى الغرب على أيدي المئات ممن لا نذكرهم اليوم من ~~الباحثين؛ فهي لم تأت بغتة بعد سقوط القسطنطينية في عام 1453م ~~عندما فر الباحثون البيزنطيون من الأتراك. والواقع أن الباحث في ~~العصر الوسيط بعد القرن الثالث عشر لم يكن البتة يجهل الإغريقية ~~كما كنا نحسب. وفي أخريات القرن الرابع عشر كان أي شاب محب للبحث ~~طموح يستطيع أن يتصل بالإغريقية، وكذلك حاول الإنسانيون أن يكتبوا ~~اللاتينية كما كان يكتبها شيشرون وأتباعه. أي إنهم تخلوا عمدا ~~عن لاتينية العصور الوسطى التي كانت لغة طبيعية، تكتبها وتتحدث بها ~~طبقة المثقفين - برغم صغرها - لمجرد احترام التقاليد الذي ألفوه. ~~أما الباحثون الإنسانيون فقد أحيوا متعمدين لغة ميتة - لغة كانت ~~إلى حد ما ميتة موتا عميقا منذ ذلك الحين. لقد أخرجوا ما في ~~اللاتينية من حياة وصقلوها وهذبوها. وكانت لديهم المطبعة فتيسرت ~~لهم سهولة الاتصال بعضهم ببعض أكثر مما تيسر لأسلافهم في العصور ~~الوسطى. وقد كان الإنسانيون فئة قليلة ممتازة لا يهمهم أن يكون لهم ~~جمهور كبير. بل إن بعضهم سخط على المطبعة لأنها ابتذلت المعرفة، ~~والواقع أن المطبعة في تلك الأيام الباكرة لم تمس الجمهور ~~الديمقراطي إلا في الدين. وسوف نحاول أن نبين فيما يلي مدى ما ~~بين الباحثين الإنسانيين وأسلافهم في العصور الوسطى من تغير في ~~الروح. ولكنا نجد على أية حال في إخلاصهم للإغريقية وفي لاتينيتهم ~~الشيشرونية وفي احتقارهم للمدرسيين علامات تكفي لأن نميزهم ~~بها. # وفي الفنون الجميلة أخرج رجال النهضة الكبرى - في القرن السادس ~~عشر، أو عهد الإحياء الفني عند الإيطاليين - أعمالا تختلف جد ~~الاختلاف عن أعمال العصور الوسطى، وقد أخرجوها تقليدا مقصودا - ~~من ناحية على الأقل - للرومانيين، الذين بقيت آثارهم في العمارة ~~والنحت منتشرة في إيطاليا التي كانت لها القيادة في ms302 الفن والأدب في ~~الحركة الإنسانية. ولكنهم لم يخرجوا هذه الأعمال فجأة، بل كانوا ~~يدينون لأسلافهم من العصور الوسطى بقدر يفوق ما يعترفون ~~به. # وربما كان التغير أشد ما يكون، والانتقال أوضح ما يكون، في فن ~~العمارة. والواقع أن الفن الغوطي الشامخ لم يكن في الحقيقة شعبيا ~~في إيطاليا، وسرعان ما أخذ البناءون القوس المستديرة، والقبة، ~~والرسوم القديمة، والخطوط التي ترى أن الأفقي شيء لا يصح تجاوزه. ~~لقد أخرجوا في الواقع طرازا مركبا من عناصر لكل منها أصل ~~قديم، ولكنها عندما ينضم بعضها إلى بعض تكون شيئا جديدا، شيئا ~~أصيلا؛ فليس من الرومان، وليس من الإغريق من شيد بناء يشبه ~~«القديس بطرس» في روما كل الشبه أو يشبه قصور النهضة في فلورنسة. ~~وكلما اتجه هذا الطراز شمالا اختلط بالتقاليد الوسيطة المحلية ~~وتمخض عن صور مختلطة عجيبة مثل القصر الفرنسي الشهير في شامبور. ~~وكله ينتمي إلى النهضة في بساطة التكتل والأفقية في الطوابق ~~السفلى، وكله غوطي مسرف يتطلع إلى أعلى في السقوف والمداخن. وتنم ~~قصور الإقطاعيين في إنجلترا، بالرغم من خلوها من التحصين، وبالرغم ~~من أنها لم تعد قلاعا كقلاع العصور الوسطى، عن آثار غوطية في ~~قلب القرن السابع عشر. # وكذلك في النحت والتصوير يتميز إنتاج القرن السادس عشر بصورة ~~واضحة عن إنتاج القرن الثالث عشر؛ فإن صورة رافائيل تختلف عن صورة ~~جيوتو. وكذلك ليس «داود» - بغض النظر عن حجمه البطولي - لميخائيل ~~أنجلو تمثالا يمكن أن ينسجم مع كاتدرائية غوطية، ومع ذلك فإن ~~الرجل العادي غير الخبير الذي يلجأ إلى مشاهدته يرى أن التصوير ~~والنحت في عهد النهضة يبدوان متصلين بالتصوير والنحت في العصور ~~الوسطى بطريقة لا يبدو أن كاتدرائيتي شارتر والقديس بطرس في روما ~~متصلتان بها. ولو أنك اتخذت معيارا للقياس غير دقيق ما نستطيع ~~أن نسميه في بساطة ب «الطبيعي» أو «بما يشبه الحياة»، وهو ما تسجله ~~آلة التصوير التي ترسم أمارات الحياة، لوجدت أن الفنانين منذ القرن ~~الثالث عشر يتجهون نحو هذا «الطبيعي» ويبتعدون عن تقاليد معينة ~~قد تكون ms303 وقد لا تكون «بدائية»، وأكثر ما تنطبق هذه التقاليد على ~~الفن البيزنطي، الذي كان جافا، كهنوتيا، مسطحا، لا يحاول أن ~~يسبق آلة التصوير أو التلوين التقني (تكنيكلر)، إنني أحاول هنا ~~جاهدا أن أروي ولا أحكم. غير أن هذه الميادين هي في صميم ذلك ~~النوع من المعرفة اللاتراكمية التي تعرف بالذوق؛ حيث تكون كل لفظة ~~مدحا أو هجاء. واليوم على وجه العموم إذا قلنا عن الصورة إنها ~~توحي بالرسم الفوتوغرافي كنا بذلك نعيبها - أي إن القرن الثالث عشر ~~الوسيط والسادس عشر الناهض التقيا في فن التصوير والنحت ضد الفن ~~البيزنطي، والنهضة هي وليدة العصور الوسطى بصورة واضحة، على الأقل ~~في نقطة فنية رئيسية جدا. # وكذلك الأمر بشكل أشد جلاء فيما يتعلق بالأدب الخيالي، فإن ~~الصفات الظاهرة البارزة لا تفرق بين عهد النهضة وقمة العصور ~~الوسطى بمقدار ما تشير إلى استمرار واضح في التطور. ومن المؤكد أن ~~استخدام اللغة الوطنية ليس مقياسا؛ لأن اللغات الوطنية كانت ~~تستخدم في الشعر والرواية، في الأدب للتباين مع الفلسفة، حتى قبل ~~أن استخدمها كتاب كبار في العصور الوسطى من أمثال دانتي وشوسر. ~~وليس من شك في أن أشكالا معينة - وبخاصة في الشعر - وضروبا معينة ~~من الأسلوب المصقول تميز العمل بحيث تمكن نسبته إلى الإنسانيين؛ ~~فالمقطوعة الشعرية، التي تعرف بالسونيت على سبيل المثال شكل يمكن ~~أن نعزوه على الفور لعهد النهضة. غير أن الاستمرار منذ القرن ~~الثالث عشر يسترعي النظر برغم ذلك. ومن الأمثلة المحسوسة لذلك ~~الأدب الفاحش، فإذا أنت قرأت بترتيب زمني نماذج من «فابليو»، وإحدى ~~قصص شوسر الماجنة، وطرفا من بوكاشيو، وشيئا من رابيليه، فأنت ~~تسير من العصور الوسطى إلى قلب النهضة، وأنت تنتهي برجل يوصف ~~دائما بالإنساني على التوالي. ومع ذلك فإن رابيليه لديه خصب، وفحش ~~صبياني، وجدة وصمت كذلك بالغوطية. وقد تبدو معرفته المتنوعة ~~الواسعة لأول وهلة إنسانية، ولكنها معرفة تراكمت مع قليل من ~~الإحساس الكلاسيكي بالنظام. # وفي المقطوعة التالية يصف رابيليه في إسهاب وبما يمثل المعرفة ~~الإنسانية في جميع الميادين أفضل تمثيل، ms304 نباتا عجيبا (خياليا) ~~يسميه باتاجروليون على اسم بطله بانتاجرويل. ~~«وجدت أن النباتات تسمى بوسائل شتى، بعضها يسمى باسم أول ~~من كشفها، وعرفها، وأظهرها، وزرعها، وحسنها بالتزريع، وجعلها ~~مناسبة، مثل: مركيورياليس الذي اشتق اسمه من ميركري؛ وباناسيا من ~~باناس ، ابنة اسكولابيوس؛ وآرموا من آرتميس؛ وهوديانا، ويوباتوريام ~~من الملك يوباتور؛ وتلفيون من تليفوس؛ ويوفوربيوم من يوفوربوس، ~~طبيب ملك جوبا؛ وكليمنوس من كليمنس؛ والقبياديوم من القبيادس؛ ~~وجنتيان من جنتيوس، ملك سكلافونيا. وكانت هذه الميزة فيما سبق ~~تقدر قدرا كبيرا - ميزة تسمية النباتات المكتشفة حديثا، إلى ~~درجة أنه لما ثار الجدل بين نبتيون وبالاس حول تسمية الأرض التي ~~كشفاها معا، إلى أيهما تنتمي - وإن تكن قد تسمت فيما بعد باسم ~~أثينا نسبة إلى آثينى وهي منيرفا - مما أدى إلى أن يقتل لينكس ملك ~~سيثيا غدرا الشاب تربتوليموس، الذي كان سيريس قد أرسله إلى البشر ~~لكي يدلهم على فائدة الحنطة التي لم تكن معروفة من قبل. وذلك لكي ~~يفرض اسمه - بعد قتله - ويسمى مخترعا لنوع من الحبوب نافع ~~جدا وضروري لحياة الناس، فيكتسب بذلك الشرف والمجد الخالد. وبسبب ~~هذه الفعلة الشريرة وهذه المحاولة الخائنة حوله سيريس إلى فهد ~~صغير. وهناك أعشاب ونباتات أخرى تحتفظ بأسماء البلدان التي نقلت ~~منها، مثل: التفاح الميدي من ميديا حيث وجد لأول مرة؛ والتفاح ~~البيوني - وهو الرمان - الذي وجد في بونقيا؛ وليجوستيكوم الذي ~~نسميه لوفاج، الذي وجد في ليجوريا، ساحل جنوا؛ وكاستانز أو برسيك ~~أو شجر الخوخ، أو سابين، أو ستاكاس من جزر هيريس التي امتلكها؛ ~~وسبيكا كلتيكا، وغيرها.» # وفحش رابيليه بمثل هذا العمق في المعرفة، فيه من المعرفة مما لا ~~يمكن لغير الإنساني أن يلمس كل ما فيه من فحش؛ فهو يذكر قوائم ~~مطولة، كأنها الأوراد، من الصفات التي ليس فيها ما لا يمكن طبعه - ~~أو ما لم يمكن طبعه - سوى الموضوع الأصيل. # إن هذه الدراسة المقارنة في الفحش تؤكد لنا على الأقل المشقة ~~الكبرى في تصنيف الأعمال الفنية (بأوسع معاني الفن، الذي يشمل ~~الأدب) بحيث تتفق مع تعميمات ms305 الفلسفة وعلم الاجتماع الكبرى - وقد ~~تكون صفة الفحش غير محدودة بزمان، ومن ثم فهي محك غير سليم. ~~إلا أنا لا نكاد نجد سمة ظاهرة وحيدة من السهل تمييزها يمكن أن ~~تفرق في وضوح بين الفن الوسيط وفن النهضة . # والواقع أن القارئ الذي تدبر ما سبق ربما وصل إلى هذه النتيجة؛ ~~وهي أنه ما دامت العصور الوسطى كانت دينية قبل كل شيء، وما دامت ~~النهضة كانت تعني على الأقل محاولة الرجوع إلى الوثنية، أو عدم ~~التدين، بل اللادين؛ فإن الوسيط يجب أن يرتبط بالكنيسة وفن النهضة ~~يجب أن يتمتع بحرية بوهيمية. وهذا صحيح إلى حد ما. فما إن بلغت ~~النهضة أوجها حتى كان المثالون والمصورون يقلدون العري ~~القديم كما كانوا يقلدون كل شيء قديم. وبدأ الفنان يحيا نوعا من ~~الحياة ما زلنا نفترض أنه يحياها - حياة الانطلاق، وعدم الحشمة، ~~والمجازفة، ولكنها حياة شائقة. وإن سيرة بنفنوتو سليني التي كتبها ~~بقلمه، والتي يرجع إليها دائما أولئك الذين يريدون أن يبسطوا ~~القرن السادس عشر بوصفه أنه قرن الفنان، لتضع أسطورة الفنان ~~باعتباره العبقري الذي يعلو على العفة كما يعلو على حياة الملل. ~~ومع ذلك فلو أن فيلون كتب سيرة حياته بنفسه فلربما تفوق فيها على ~~سليني. وتستطيع بطبيعة الحال أن تزعم أن فيلون ليس في الواقع من ~~العصر الوسيط، وأنه يبشر بالنهضة. # غير أن هناك مشقة كبرى في قبول هذا الحكم: إن العصور الوسطى ~~تساوي الدين والتزمت، والنهضة تساوي الوثنية والانطلاق؛ ففي خلال ~~النهضة وهي في أوجها كان الفنان يعمل للكنيسة ويعالج موضوعات ~~دينية. ولو أنك فكرت في أعمال هؤلاء الرجال ذات الشهرة العالمية، ~~وهي أعمال بلغت من الشهرة بحيث تبدو للرجل العميق الثقافة في هذه ~~الأيام سوقية مبتذلة - مثل العشاء الأخير لليوناردو، ومادونا ~~لرافائيل، والصور الحائطية التي رسمها ميخائيل أنجلو في كنيسة ~~سستين، وما إليها - لتبين لك أنها كلها دينية في موضوعها. وقد يقول ~~قائل إن هذه الأعمال دينية ظاهريا فحسب، وإن روحها دنيوية، حسية، ~~وثنية، إنسانية، وعلى نقيض ذلك كانت الحال ms306 في العصور الوسطى. إن ~~مادونا التي رسمها رافائيل ربما كانت - كما يقولون - صورا لنساء ~~إيطاليات فلاحات، ليس فيها من الروحية أكثر مما عند الفائزات في ~~مسابقة جمال أمريكية. وهذا التباين بين مادونا من تصوير رافائيل - ~~وكلها جسد - وبين العذراء المنحوتة على الطراز الغوطي - وكلها روح ~~- لمما يدعو إلى ضلال الرأي؛ فإن مادونا رافائيل ليست إلا خلفا ~~لعذراء العصور الوسطى، وهي لا تهتك سلفها بأية حال من الأحوال؛ هذا ~~السلف الذي كان أبعد ما يكون عن مبدأ مجرد. والواقع أننا نبالغ في ~~تزهد العصور الوسطى وتطلعها إلى العالم الآخر، ومن أجل هذا أساسا ~~نجد أن فن النهضة فيه جدة، وفيه وثنية، وفيه إنسانية. إن فناني ~~النهضة الذين وهبوا أكثر حياتهم الفنية إلى جعل العقائد المسيحية ~~محسوسة، مرئية، إنما كانوا يؤيدون وظيفة ورثوها عمن سبقوهم في ~~العصور الوسطى. ولم يصبح الفن دنيويا بحتا إلا تدريجا، وفي ~~الأزمنة الحديثة نسبيا، حتى كاد يختفي الفن الديني. وهنا أيضا ~~نجد أن الحديث يرجع في جذوره العديدة الثابتة لا إلى القرن السادس ~~عشر، ولكن إلى القرن الثامن عشر. # طبيعة الإنسانية # ومهما يكن من أمر فلقد كان الإنسانيون ثائرين واعين بثورتهم، ~~سواء أكان اهتمامهم الرئيسي بالبحث، أم الفلسفة، أم الفن، أم ~~الأدب. وهم محدثون إلى أقصى حد من حيث إدراكهم أنهم في ثورة ضد ~~آبائهم رجال العصور الوسطى. وربما كان الباحثون والفلاسفة - وهم ~~إنسانيون بالمعنى الضيق - أوضحهم تعبيرا؛ فإن أرازمس وأمثاله قد ~~عبروا تعبيرا حرا عن ازدرائهم للمدرسيين، أتباع أرسطو ~~المستعبدين له البائسين، أولئك الذين أساءوا إلى اللغة النبيلة، ~~لغة هوراس، وشيشرون، أولئك الخاملين الذين ينفقون الوقت في النزاع ~~حول عدد الملائكة الذين يمكن أن يستقروا على طرف الإبرة. إننا ما ~~زلنا نردد نقدهم اليوم، بالرغم من أن الأفق أمامنا أفسح من الأفق ~~الذي كان يحيط بهم. ومن الحق أنهم كانوا في ثورة على المذهب ~~المدرسي المتداعي، ولم يثوروا على المذهب المدرسي الناضج في القرن ~~الثالث عشر، الذي لم يحاولوا محاولة جدية أن يستردوه. # وحتى رجال الفن ms307 كانوا في ثورة، يجاهدون عمدا أن يلقوا عن ~~كواهلهم تقليدا كانوا يشعرون بعبئه. وكان المذهب الغوطي المتأخر ~~في حالة من التدهور تشبه حالة المذهب المدرسي المتأخر. وإن أولئك ~~القوم الذين كانوا يقطنون شمالي الألب لم يرحبوا بالأساليب ~~الإيطالية الحديثة في كل الفنون إلا لأنهم كانوا ثائرين على ~~التعقيدات والسخافات التي تغلغلت في الفن الغوطي المتأخر. إن أسلوب ~~النهضة في بدايتها كان بسيطا، يخلو نسبيا من الزخرفة، ويتحاشى ~~عن عمد غزارة الفن الغوطي، ويبحث عن عمد في النماذج الكلاسيكية عن ~~البساطة والنظام. # وربما كان الإنسانيون والبروتستانت على السواء ثائرين في الصميم ~~لأنهم أحسوا أن الفجوة المألوفة التي تفصل بين المثالي والواقعي قد ~~بلغت في أخريات الأزمنة الوسيطة درجة سحيقة ظاهرة، وهذه الفجوة - ~~بالرغم من إلفها - كانت بالنسبة إلى كل امرئ حساس أمرا لا يطمأن ~~إليه. وهذه الفجوة التي كانت شديدة الوضوح خلال العصور الوسطى بلغت ~~من العمق في القرن الخامس عشر درجة لا نستطيع مهما بذلنا الجهد في ~~التفسير أن نردها إلى سبب. كان المثالي لا يزال مسيحيا، ولا يزال ~~يهدف إلى الوحدة، والسلام، والأمن، والنظام، والاستقرار. أما ~~الواقع فهو الحروب المتوطنة، وانقسام السلطة حتى في ذروتها، حتى في ~~البابوية التي ينبغي أن تمثل الوحدة الربانية الثابتة الموقرة، ~~والتنافس على الثراء والنفوذ، فترة من فترات القلاقل. # ومن ثم فإن هذه الحركة المركبة في الفنون والفلسفة التي ~~نسميها الإنسانية - كانت كالبروتستانتية إلى حد ما - ثورة ~~مقصودة، ثورة على أسلوب من أساليب العيش كانت تراه فاسدا، معقدا، ~~عقيما، لا هو بالصادق، ولا هو بالجميل. وكأن الإنسانيين يفتحون ~~نافذة يتسرب منها النسيم العليل، كما يؤدون أعمالا سارة كثيرة ~~أخرى. # وبالرغم من ذلك فإن تشبيهات الإنسانيين بدأت تختفي عن أنظار ~~الناس أجمعين ما عدا المخلصين لها. وسرعان ما بدأ فن النهضة ينمي ~~الرغبة في الزخرفة، والولع بالتفصيلات، وغزارة اللون، مما كان يليق ~~بالقرن الخامس عشر. ونستطيع بعبارة أدق أن نقول إن الإنسانيين ~~الظافرين انقسموا في أغلب الفنون إلى مدرسة تغرم بالتفصيل ~~والخصوبة وأخرى تميل إلى ms308 الاقتصاد والزهد؛ ففي فن البناء - مثلا - ~~نجد التطور يسير في ناحية ممثلا في بلاديو، وهو إيطالي عاش في ~~القرن السادس عشر وأغرم بالبساطة الكلاسيكية الصارمة التي سارت في ~~أثر توجيه أساتذة المدارس، ثم اتجه نحو الكلاسيكية الجديدة التي ~~نعرفها في الولايات المتحدة باسم «الاستعمارية». كما سار التطور في ~~ناحية أخرى تتجه مباشرة نحو الباروك (الزخرفة) ثم في القرن الثامن ~~عشر نحو الروكوكو (الزخرفة الزائدة التي تخلو من الذوق)، وهي ~~أساليب تكثر فيها المنحنيات وتعزر فيها الزينات. أما في الكتابة ~~فإن الإنسانيين لم يكونوا في أي وقت من الأوقات أبسط فعلا من ~~خصومهم المدرسيين. وسرعان ما بلغت البحوث عندهم الذروة من حيث ~~الادعاء والدسامة وعمق أساتذة الجامعات. وفي شيء من الخلط حل ~~أفلاطون محل أرسطو كفيلسوف. وحتى في الأدب الخيالي ابتعد الأدباء ~~عن مثل البساطة (وهي المثل التي لم تأخذها النهضة قط مأخذ ~~الجد) حتى إنك لتجد في القرن السادس عشر حركتين أدبيتين أخذتا بنوع ~~من الغلو والغموض في نجاح لم يتحقق مثله حتى عهد قريب جدا - ~~وأقصد بهما «التلطف في التعبير» في إنجلترا «والتلميح» في ~~العبارة في إسبانيا. وقد أدت الشعبية الحديثة بين أنقى رجال ~~الفكر إلى معرفتنا مرة أخرى بالشعراء الميتافيزيقيين في إنجلترا في ~~القرن السابع عشر، أولئك الشعراء الذين لم يكونوا قطعا على بساطة ~~أو وضوح أو منطق معقول، وسرعان ما خلقت النهضة لنفسها فجوتها ~~الخاصة بين الواقعي والمثالي. # ذلك لأن النهضة لم تكن في الواقع فوضوية، شأنها في ذلك شأن حركة ~~الإصلاح البروتستانتي؛ فلقد ثارت النهضة على حلول سلطة - أو مركب ~~من المثل والعادات والنظم - محل أخرى، ولم تكن هذه السلطة ~~الجديدة بأية حال من الأحوال منقطعة الصلة عن سابقتها أو أقل منها ~~تعقيدا. ثم إن الإنسانيين كثوار كان عليهم أن يجاهدوا جهادا ~~شاقا في سبيل الحط من شأن سلطة بائدة. وفي خلال ذلك كثيرا ما ~~لجئوا إلى لغة التحرير، على الأقل إلى حد المطالبة بالحرية في ~~التربية الجديدة، والتحرر من قواعد المدرسية، والمطالبة بالحرية ~~للفرد كي ms309 يسير وفق هواه، ولا يكون مجرد ببغاء يردد أرسطو. بيد أن ~~الإنسانيين لم يؤمنوا فعلا بأن الإنسان طيب وحكيم بالطبيعة، ~~وكانوا في ذلك أشد مغالاة من البروتستانت، الذين منهم من كان لا ~~يرى ضرورة تقيد المسيحي بالقواعد الخلقية . أو بعبارة أخرى قل إن ~~شئت إن الإنسانيين لم يتحرروا قط من التقاليد الفكرية الطويلة ~~التي سادت العصور الوسطى، التي كانت تبحث عن السلطان - أو تبحث عن ~~الحل - في الأعمال المدونة للمشاهير من السلف؛ فالإنسانيون في ~~الواقع أحلوا جملة ما بقي من كتابات الإغريق والرومان، الأدبي منها ~~والفلسفي، محل آباء الكنيسة، وأرسطو، وعلماء العصر الوسيط فحسبه ~~وحيثما كانوا يهتمون بالدين اهتماما شديدا اكتفوا بنص الإنجيل ~~ودرسوه دراسة حقة في أصله العبري أو الإغريقي. وسرعان ما وضعوا في ~~المحل الثاني من النفوذ مجتمعهم الخاص يتبادلون فيه الإعجاب، ~~وبدءوا العملية الحديثة التي تتركز في الحواشي الدراسية للمتون. ~~غير أنه ما برح لديهم نفس التقدير لسلطان القديم، ونفس عادة ~~التفكير المجرد، بل التفكير الاستنباطي، ونفس العزوف عن إجراء ~~التجارب، وعن البحث بطريقة غير كريمة، مما نجده عند المدرسين. إنهم ~~لم يكونوا في الواقع طلائع البحث العلمي الحر الحديث، بل كانوا ~~مدرسيين أشد غرورا وأكثر اهتماما بشئون الدنيا. # إن ما ذكرت في الفقرة السابقة فيه مبالغة شديدة، وإنما قصدت به ~~أن أؤكد رأيا بعينه، وهو أن العلماء الإنسانيين لم يكونوا متحررين ~~أو ديمقراطيين بالمعنى الحديث. إنما كانوا فئة ممتازة من رجال ~~العلم، جد فخورين بمعاييرهم العلمية، لديهم أكثر ما عرف من عيوب ~~عن الباحثين: الغرور، والتملك، والشحناء، والفزع الشديد من ارتكاب ~~الأخطاء، وكان عندهم قسط كبير من إحدى الفضائل الكبرى للباحثين، ~~وهي فضيلة الشهوة العارمة للجهد العقلي الشاق. أما نصيبهم من براعة ~~النقد، ومن القدرة على تحديد المشكلات وحلها، فمن المؤكد أنه لم ~~يزد عما ينبغي أن يتوافر للباحث؛ فلم يكونوا عمالقة في الفكر كما ~~يبدون لنا اليوم. إنما كانوا روادا يسيرون في بطء على أرض لم ~~تمهد بعد. # لقد وضعوا للبحث الحديث نمطا ومعايير. وفي ms310 دراسة اللغات القديمة ~~أدخلوا النظام، والدقة، والأدوات التي تأخذها كأمر مسلم به، ~~كالمعاجم «القواميس» المرتبة ترتيبا أبجديا. كما طوروا معايير ~~النقد التحليلية والتاريخية. وما برح المثال المشهور من إنجازات ~~هؤلاء الباحثين من الأمثلة الطيبة التي توضح طرقهم في أحسن ~~حالاتها. كان البابوات في مستهل العصور الوسطى قد أيدوا نفوذ ~~«المحكمة البابوية»، التي كانت بالفعل تقوم على أساس ثابت من ~~تقاليد بطرس، بما يعرف ب «هبة قسطنطين»، وهي وثيقة زعموا أنها ~~صدرت من الإمبراطور قسطنطين وهو يغادر روما لكي يؤسس عاصمته في ~~القسطنطينية، وقد استخلف فيها البابا في روما، وأسلمه السلطان ~~المباشر على الأرض التي تحيط بروما، والتي عرفت فيما بعد ~~ب «ولايات الكنيسة»، وقد أثبت أحد الإنسانيين الأوائل - واسمه ~~لورنزو فالا، الذي توفي في عام 1457م - أن هذه الوثيقة مزورة؛ ذلك ~~أن لغة الوثيقة لم تكن تلك اللغة التي كان من الممكن أن تكتب في ~~مستهل القرن الرابع بعد الميلاد. وقد أثبت فالا ذلك بوسائل أصبحت ~~مألوفة لنا اليوم جميعا. أثبت أن بالوثيقة إشارات إلى غير زمانها، ~~كما لو عزا أحد إلى إبراهام لنكولن خطابا وكانت به إشارة إلى عربة ~~بويك. # ولم يكن التفكير الميتافيزيقي الشكلي عند الإنسانيين سمة من ~~سماتهم الواضحة. كان أصحاب العقول المنظمة المصممة على الإجابة عن ~~«المشكلات الكبرى» في تلك القرون الحديثة الأولى إما من رجال ~~الدين، وإما من العقليين على أية صورة من الصور. لم يكن الإنسانيون ~~الإيطاليون من أمثال فسينو وبيكو، ولاميراندولا، مجرد ~~أفلاطونيين. إنما كانوا من أتباع الأفلاطونية الحديثة، كانوا من ~~أصحاب العقول المرنة الذين يعتقدون في هذه الصوفية المدرسية ~~الممعنة في الفكر. ومن الحق - بوجه عام - أن الإنسانيين في أكثر ~~أنحاء أوروبا قد رحبوا بأفلاطون لكي يريحهم من أرسطو، كفيلسوف ~~أقرب إلى المسيحية التي تحجرت برغم بقائها مقدسة، والتي كانوا ~~فعلا في حاجة إليها. ووقع أرازمس وتوماس مور وكوليه وغيرهم من ~~أبناء الشمال تحت تأثير أفلاطون. وليس من شك في أن الرأي القائل ~~بأن هؤلاء الرجال إنما تخلوا عن سلطان أرسطو لكي ms311 يحتموا في سلطان ~~غيره يمكن أن يكون محلا للمبالغة. غير أنه من المؤكد أنهم لم ~~يضيفوا إلى المعرفة الأفلاطونية إلا قليلا، ولم يكونوا في الواقع ~~فلاسفة أساسا. # إنما هم الكتاب الخياليون والفنانون الذين يقتربون من صميم ~~النظرة الإنسانية إلى الحياة: بترارك، ورابليه، وشيكسبير، ~~وسرفانتيس، والمصورون، والمثالون، والموسيقيون، ممن لا نزال ~~نذكر أسماءهم - أمثال هؤلاء هم الذين تلمسوا طريقا بين المسيحية ~~التقليدية كما تحددت من العصور الوسطى والتعقل الجديد الذي يبدو ~~كأنه يمحو من الكون كل ما فيه من سحر وغموض. ولما حل القرن ~~السابع عشر استطاع بعضهم - من أمثال ملتن - أن يدخل شيئا من ~~الرهبة والغموض في العالم الذي كان العلم يحاول أن يوضحه. ولكن ~~قل من الفنانين من أمكنه أن يقبل عالم بيكون وديكارت. ومنذ هذه ~~القرون بدأ عند الفنان انعدام الثقة في العالم الذي نعرفه في العصر ~~الحديث. # وقد رأينا أن هؤلاء الفنانين كانوا ثائرين عن عمد - بدرجة ما - ~~ضد التقاليد المسيحية الحديثة. لقد نبذوا سلطة من السلطات، ولكنهم ~~- وهذا أمر غاية في الأهمية - اضطروا إلى البحث عن سلطة أخرى، بل ~~ربما خلقوا هذه السلطة خلقا؛ فإن قبول الباحثين لأية عبارة مما ~~سطر أي كاتب إغريقي أو روماني قديم لم يكف رجال الخيال هؤلاء. ~~وقد رجع هؤلاء الفنانون إلى اليونان وروما، شأنهم في ذلك شأن أي ~~امرئ يمس كل أمر عقلي. ولكنهم - كمهندسي العمارة - أعادوا تشكيل ~~موادهم في صورة جديدة. والواقع أننا نستطيع أن نحاكي فن العمارة ~~- بالرغم من أنه قد يبدو فنا غير شخصي - إذا أردنا أن نقوم ~~بتصنيف هؤلاء الكتاب وفقا لنظام من النظم، بالرغم مما في ذلك ~~من مشقة. # من المهندسين المعماريين لعهد النهضة - ونستطيع أن نربط اسم ~~بلاديو بهذه الفئة - من وجد في نماذجه الكلاسيكية البساطة، ~~والانتظام، والاعتدال (بلا ضخامة)، والهدوء، والزخرفة الرشيقة ~~(بغير خشونة). وكذلك من رجال الفن والأدب في عهد النهضة من رجع ~~إلى القدامى فألفى لديهم نفس هذا السلطان، ووجدوا أن القدامى كانوا ~~«كلاسيكيين»؛ أي إنهم وجدوا - في الأساس - ذلك المثل ms312 الأعلى ~~للجمال والخير، الذي لم يختف قط حتى الآن من التربية الغربية ~~الرسمية. وجدوا أن الإغريق والرومان - أولئك الذين لهم قدرهم، ~~وأولئك الذين نستطيع أن نقرأهم - كانوا قوما مهذبين منظمين، ~~معتدلين في كل شيء، لا يثقون بالحوشي، أو الهائج ، أو المنطلق بغير ~~قيد، أو المتحمس، متحررين من الخرافة ولكنهم ليسوا على غير دين، ~~يسلكون زمام أنفسهم، رجال خيال ناضجين، ولم يكونوا عقليين ذوي أفق ~~ضيق. ويستطيع المرء أن يسترسل في هذا الوصف. والواقع أننا سوف نعود ~~إلى بعض أوجه هذه المثل - ويكفينا هنا أن نذكر أن هؤلاء المعجبين ~~في عهد النهضة بثقافة الإغريق والرومان الكلاسيكية قد وجدوا في هذه ~~الثقافة «النظام» قبل كل شيء، ولم يروا ما يظن الأستاذ جلبرت موري ~~(الذي ذكرنا رأيه من قبل في هذا الكتاب) أنه كان من الممكن أن ~~يشاهد فيها لولا أن أجيالا من أمثال هؤلاء الإنسانيين قد كبتوه ~~كبتا تاما - وأعني به الخصب، واللون، والانطلاق الوحشي، وتطلع ~~الكائن الأرضي الصغير إلى النجم، وإلى المغامرة الجريئة، والخيال ~~البعيد. # وسنطلق هنا على هذا «القصد» ليقابل «الخصب» الذي قد تفسر به ~~الكلاسيكيات. وتستطيع أن تجد آثارا من هذه الصفة حتى في أوج ~~النهضة في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، وبخاصة ~~لدى الإنسانيين الباحثين أصحاب الخيال من أمثال أرازمس. وعند ~~مونتيني جانب كبير منها، بالرغم من أن مونتيني يمسك نفسه دائما عن ~~التمسك بأي اتجاه من الاتجاهات. وهذه الكلاسيكية «المقتصدة» أمست ~~حركة، أو أسلوبا جديدا، أو طريقة من طرق الحياة. وبلغت أوج ~~ازدهارها في فرنسا في القرن السابع عشر، ويعد عصر لويس الرابع ~~عشر في كثير من الوجوه مثالا طيعا لهذا المثل الأعلى. # وإليك قطعة من بوالو تبين في شكلها ومادتها الاتجاه الكلاسيكي ~~في عصره؛ الوضوح، والوقار، واحترام الرأي القديم، وعدم الثقة في ~~غير المألوف، والشاذ، والابتعاد عن المعايير السائدة: # لما كان الكتاب قد ظفروا بالإعجاب لعدة قرون، ولم ~~يحط من قدرهم إلا فئة قليلة من الناس ذوي الأذواق ~~الشاذة (فهناك دائما أذواق فاسدة) ms313 فإن إلقاء الشك على ~~قيمة هؤلاء الكتاب هو إذن من باب النزق، أو الجنون. فإذا ~~كنت لا تلمس في كتاباتهم جمالا فلا تحكم بأن الجمال فيها ~~معدوم، وإنما احكم على نفسك بالعمى وانعدام الذوق. إن ~~جمهرة الناس لا تخطئ في حكمها على إنتاج القرائح في نهاية ~~الأمر. إننا لم نعد نشك اليوم في قيمة هومر أو أفلاطون ~~أو شيشرون أو فيرجيل. إنما هذا أمر انتهى فيه الجدل؛ لأن ~~عشرين قرنا قد اتفقت على حكمها عليه. إنما المسألة هي ~~البحث عن مبعث الإعجاب بهؤلاء الكتاب في عدة قرون. وعليك ~~أن تتفهم ذلك أو تتخلى عن الأدب، وتؤمن بأنك تفتقر إلى ~~الذوق وإلى الاستعداد ما دمت لا تحس ما أحسه الناس ~~جميعا. # إن العلاقة بين هذا النقد «المقتصد» والمسيحية ليست البتة من ~~الأمور الهينة؛ فقد كان كبار الكتاب في العصر الفرنسي الكلاسيكي ~~الذين ربما كانوا خير من يمثل هذه العلاقة كاثوليكيين مخلصين أو ~~كانوا على الأقل كاثوليكيين يؤدون كل شعائر الكاثوليكية. وحقا ~~كان من قبيل حب التظاهر الباطل أن يخرج الكاتب منهم على ~~الكاثوليكية. ثم إنه لم يكن من اليسير على الكاتب أن يظفر بالتقدير ~~في بلاط لويس الرابع عشر إذا كان زنديقا أو متشككا. غير أن ~~الكلاسيكيين كانوا في كثير من الأحيان لا ينفصلون إلا بخيط دقيق عن ~~العقليين، أولئك الذين كانوا يشنون هجوما على أي شكل من أشكال ~~الديانات الموحى بها. ومن الجلي أن أمثال بوالو، وبوسويت، بل ~~وراسين - وأهم من هؤلاء قراؤهم - لا يمكن أن يكونوا من المتحمسين، ~~أو المتصوفين، أو البروتستانت مع احتفاظهم بنوع التذوق الذي كان ~~يشكل جانبا من اتجاههم، وهذا التذوق وكثير مما يعزى إليهم غير ~~ذلك، كالقواعد الأساسية المشهورة للدراما الفرنسية، كانوا جميعا ~~يرون أنه يتفق اتفاقا كاملا والشعور العميق والإحساس بالغموض، ~~وعجز الناس عن السير في حياتهم دون الاسترشاد بعون الله. لقد أحسوا ~~أنهم كانوا مسيحيين طيبين. # وهكذا كان أكثرهم، ولكنهم كانوا مسيحيين مستنيرين طبقا لقواعد ~~الدين ولم يكونوا مسيحيين إنجيليين، وربما ندم بعضهم ms314 - كما ندم ~~راسين - في أخريات حياتهم على ماضيهم الدنيوي، ثم انقلب إلى التقوى ~~مخلصا فيها مع اتباعه لتقاليدها. وربما كانت هناك على حافة هذا ~~العالم هرطقات مثل مذهب جينسن، الذي سمي كالفنية الكنيسة ~~الرومانية الكاثوليكية، والذي كان في الواقع تفسيرا للمسيحية ~~جافا وكلاسيكيا. وربما تجاوز بعض الأعضاء المتسامحين من أمثال ~~الأسقف فنيلون هذا الحد إلى نوع من الهرطقة أحدث، إلى مذهب السكون ~~الذي ربما كان حركة تمهيدية للإيمان العاطفي في الخير الطبيعي الذي ~~عرف في القرن الثامن عشر. غير أن كثرة هؤلاء الإنسانيين ~~الكلاسيكيين كانوا بالتأكيد على هامش المسيحية، أو على الأقل ~~مسيحيين لا يندفعون نحو تقليد المسيح، مسيحيين الكنيسة في نظرهم ~~نظام قبل كل شيء للأفراد الجموحين بطبعهم الذين كان يعوزهم ما عند ~~هؤلاء الإنسانيين من إحساس، وتربية وشعور بما يليق وما لا ~~يليق. # من اليسير - ومما يغري - أن ننظر إلى أسلوب الحياة وطرائق ~~التفكير عند الإنسانيين الكلاسيكيين باعتبارها غير مؤثرة في تكوين ~~العقل الحديث، وبخاصة بين الشعوب التي تتكلم الإنجليزية، ~~وباعتبارها أمرا يهتم له الأستاذ في المدرسة - أو رجل مثل ت. س. ~~إليوت - ولكنه لا يتغلغل خاصة في تفكيرنا ومشاعرنا. ومع ذلك فإن ~~مؤرخا للفكر فرنسيا ممتازا - هوتين - زعم بأن ما أسماه «الروح ~~الكلاسيكية» التي تميل إلى اعتبار العالمي، والمنتظم، والموحد، ~~مقياسا من المقاييس، وباعتيادها التبسيط، وباعتقادها في القواعد ~~والمعادلات؛ كل ذلك عاون على تكوين الحالة العقلية التي نسميها ~~«التنوير». ومن المؤكد أن الثائرين من أمثال فولتير قد تأثروا ~~تأثرا بالغا بالأساتذة الكبار في القرن السابع عشر. وسوف نعود ~~إلى هذا الموضوع الذي يتصل بالعلاقة بين الروح الكلاسيكية وعصر ~~«التنوير». وكان الإنسانيون الكلاسيكيون يعتقدون في عهدهم أنهم ~~عثروا على قاعدة للحكم، على معيار، على مقياس دقيق للتذوق، على شيء ~~يمكن أن يقف مع مركب العصور الوسطى جنبا إلى جنب كنوع من التنظيم ~~العملي لهذا العالم المضطرب. # ونحن الأمريكيين نميل بمشاعرنا نحو الإنسانيين ذوي الأذهان ~~الخصبة. وكثيرا ما نعدهم - بمعان لها أهميتها القصوى - صانعي ~~أسلوب حياتنا. وهؤلاء هم أبطال ms315 النهضة الأصيلة، أولئك الرجال الذين ~~يشوقنا أن نقرأ أعمالهم، حتى في كتب ~~الدراسة - مثل سليني، الذي قتل، ~~وزنى، ونحت، ورسم، وتحدث إلى الملوك والبابوات. وليوناردو ~~دافنشي، الذي صور، وبنى، وكتب، واخترع الطائرات والغواصات (على ~~الورق) وهندس كذلك. ثم هناك أيضا ملوك من أمثال فرنسيس الأول ~~ملك فرنسا، وهنري الثامن ملك إنجلترا، الذين لم يظهروا بمظهر ~~الملوك فحسب، والذين لم يكتفوا بحذق صنوف الرياضة والصيد التي لا ~~محيص عنها للمراكز السامية في الطبقة العليا في المجتمع الغربي حتى ~~الولايات المتحدة في عام 1950م، ولكنهم أجادوا كذلك اللغات ~~القديمة، وكانوا على فطنة، قديرين على قرض الشعر أو كتابة المقال، ~~وعشاقا عظاما إلى جانب ذلك بطبيعة الحال. وهناك أسر بأسرها، ~~كأسرة بورجيا، تتبرع بالأفراد الجذابين الذين لا يترسمون ~~التقاليد. # إن سمات هذا الطراز من الأفراد لا يمكن أن يخطئها المرء. نعم لقد ~~كان هناك على كر العصور من كان يهدف إلى الأسمى في اجتهاد وحماسة. ~~بل إن الروح بأسرها في بعض العصور كانت أحيانا تضطرم بالحماسة، ~~والاندفاع، كما كان يضطرم عصر النهضة؛ فقد كانت أمريكا مثلا في ~~أواخر القرن التاسع عشر تعيش في عصر عظيم يتصف بالاندفاع. كما ~~لاحظنا فيما سبق أن فلاسفة التاريخ قد وصفوا ثقافتنا الغربية كلها ~~من عهد اليونان إلى ما بعده، أو من العصور المظلمة إلى ما بعدها، ~~بأنها «فاوستية»، «نوردية»، «ديناميكية» في كفاحها وقلقها. غير أن ~~في جهاد النهضة وهي في أوجها نوعا من قساوة الطفولة التي تلفت ~~النظر، نوعا من تحديد الغرض المباشر والانكباب عليه. ويمدنا سليني ~~بثروة ضخمة من الأمثلة. وإليك واحدا منها: ~~«بعدما قطعت صلتي بالملعونة كاترينا، وبعدما اختفى من باريس ذلك ~~الشاب البائس المسكين الذي تآمر معها على الإساءة إلي، عزمت على ~~أن أقوم بتنظيف زخرفتي لفونتنبلو، وهي من البرنز، وأن أصقل كذلك ~~تمثالي النصر، اللذين كانا يمتدان من الزاويتين الجانبيتين إلى ~~الدوائر الوسطى في الباب الخارجي. ومن أجل ذلك صحبت إلى بيتي فتاة ~~مسكينة في نحو الخامسة عشرة من عمرها. وكانت غاية في ms316 جمال الهيئة، ~~حية، بشرتها حمراء. ولما كانت ريفية إلى حد ما فقد كانت مقلة ~~في الحديث، سريعة في شهيتها، وفي عينيها نوع من الوحشية، وقد أطلقت ~~عليها اسم سكوزونا، في حين أنها كانت تدعى جيانا. وبمعونتها أتممت ~~فونتنبلو وتمثالي النصر اللذين صممت أن أزين بهما الباب ~~الخارجي. ومن جيانا هذه أنجبت طفلة في السابع من يونيو في الساعة ~~الثالثة بعد الظهر من عام 1544م. وأسميت الطفلة كنستانتيا، وقد ~~رفعها فوق النبع السنيور جيدو جيدي، أحد أصدقائي المقربين، وهو ~~طبيب الملك. ووقف وحده للطفلة أبا روحيا؛ لأن العادة في فرنسا ~~أن يكون للطفل أب روحي واحد، وأمان روحيتان، وإحدى هاتين ~~الأمين كانت السنيورا مادالينا، زوجة السنيور لويجي ألاماني، أحد ~~أعيان فلورنسة، وشاعر مجيد. أما الأم الثانية فكانت سيدة فرنسية من ~~أسرة كريمة، زوجة السنيور ريكاردو دل بين، وهو كذلك مواطن من ~~فلورنسة وتاجر معروف، وكانت هذه الطفلة أولى بناتي وأبنائي على ما ~~أذكر، وقد خصصت الأم بنفقة رضيت عنها عمتها، التي أسلمتها ~~لرعايتها، ولم تعد لي بها معرفة بعد ذلك.» # ولا يسترعي انتباهنا هنا الانحراف الجنسي، أو الانعدام المطلق ~~الظاهر للإحساس بالإثم عند سليني. إنما يسترعي نظرنا تركيز فكره في ~~نفسه بصورة بادية، وانعدام وعيه بغيره كأشخاص، أو كأحياء جديرين ~~بالاهتمام - أعني براءته الصبيانية. # وقد يبدو أن الإنسانيين ذوي الذهن الخصيب كانوا في الواقع ينبذون ~~«كل» سلطان، لا سلطان كنيسة العصور الوسطى وحدها. كانوا إنسانيين، ~~بمعنى أنهم اعتقدوا أن الإنسان هو معيار كل شيء، وأن كل امرئ مقياس ~~نفسه. شعارهم «الفردية» - كان هؤلاء الرجال فرديين يقابلون ~~«التابعين» الجبناء الذين ينتمون إلى رهبان العصور الوسطى. كانوا ~~قوما يجرءون على أن يعبروا تعبيرا صادقا عن أنفسهم؛ لأنهم ~~كانوا يثقون في قدراتهم الطبيعية، في شيء في دخيلة أنفسهم. كانوا ~~ذلك الطراز من الرجال الذي نحبه نحن الأمريكيين، كانوا رجالا لا ~~يضايقون أنفسهم في شيء - وكأنهم من ولاية تكساس. # ونذكر رابليه هنا مرة أخرى مثالا لذلك؛ كان يحب أن يسخر من ~~رهبانية العصور الوسطى، ومن ms317 خرافتها، ومن تمسكها بالعفة، ومن ~~عملها الأرسطاطاليسي، وهو يحرر الرجال والنساء من هذا الهراء. ~~وديره الذي يسمى «دير تيليم» كان ديرا علمانيا حقا، يقبل ~~الرجال والنساء على السواء، وقد نقش على مدخله هذا الأمر السار: ~~«افعل ما تشاء». # وأعود فأكرر أنه ينبغي لنا أن نتجنب المبالغة في تخليص هذه ~~الحركة من كل عاطفة نبيلة؛ فلقد كان رجال النهضة هؤلاء - إذا نظرنا ~~إلى النهضة من وجهها الرياضي - هم كذلك صانعي العالم الحديث، ~~عاونوا كثيرا على هدم العالم الوسيط، وبخاصة أوجهه السياسية ~~والخلقية، وأنتجوا كثيرا من الأعمال الفنية التي تعد جانبا من ~~تراثنا لا مفر لنا منه. ولما حل القرن التاسع عشر كانوا قد بلغوا ~~حد العمالقة، وأدوا لأكثر أمم أوروبا العظيمة - ما خلا ألمانيا ~~التي كانت في انتظار جيته - تلك الوظيفة الهامة؛ وظيفة أبطال ~~الثقافة. وأرجو ألا تحسبوا هذه الإشارة تافهة؛ فلولا شيكسبير ~~لربما اهتز - بل لخف بالتأكيد - اعتزاز البريطانيين بأنفسهم، ~~واعتزازنا أيضا، ولم يكن بالإمكان أن يحل محله آخر. # غير أن رجال النهضة هؤلاء لم يكونوا البتة يعملون لأهداف ~~كأهدافنا، ولو التقينا بهم أحياء لشق علينا أن نعدهم من ذوي ~~قربانا. ولا يرجع ذلك - كما سوف نرى في الفقرة الآتية - إلى أنهم ~~لم يستسيغوا الديمقراطية بمعناها الحديث عندنا، بل لم تكن لديهم ~~عنها فكرة ما. وإنما الفارق بيننا وبينهم أعمق من ذلك، أو قل إن ~~هذا الفارق الأساسي يمتد إلى كل ميادين الحياة. ويمكن التعبير عنه ~~بوسائل شتى. إن وراء معتقداتنا الديمقراطية الحديثة نوعا من ~~التفاؤل، فكرة عن إمكان النظام وانتشار الرفاهية بين الناس أجمعين، ~~وهي فكرة لم تكن لدى رجال النهضة. إننا نؤمن اليوم بالتقدم ~~المطرد، وبزمان أفضل في المستقبل هو من طبيعة الأشياء. ونحن نعتقد ~~في الخير الأساسي وفي القدرة على التعلم الكائنة عند الكائنات ~~البشرية العادية. وهناك إيمان أساسي بأن الإنسان ينسجم مع الكون ~~بصورة ما، وإذا عبرنا عن الموضوع ببساطة ليست كلها خداعا، قلنا ~~إن الناس قد خلقوا ليكونوا سعداء. # هذه في الواقع تعميمات ضخمة غاية ms318 في الخطورة، وربما لا تكون هذه ~~المعتقدات سائدة بين أكثر الناس في منتصف القرن العشرين، وربما كنا ~~على أعتاب عصر جديد وإيمان جديد، ولكن هذه المعتقدات كانت بالتأكيد ~~معتقدات الديمقراطية المتفائلة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ~~وفي نهاية أحكامنا العامة عن النهضة يجب أن نعترف بأنه ما دامت هذه ~~القرون الأولى من العصر الحديث كانت منبتا لآرائنا، وما دامت ~~- فوق كل شيء - قرونا من التخمر العقلي العظيم ومن التجارب ~~الكبرى، وحيث إنه قد كانت هناك - بوجه عام - حرية للفكر في أكثر ~~أنحاء أوروبا؛ ما دام الأمر كذلك فإنك تستطيع أن تجد أمثلة من كل ~~ما يطرأ على ذهنك في هذه الأيام. فإن كنت من الديمقراطيين أتباع ~~جاكسون وجدت عند «دعاة المساواة الإنجليز» أصولا لما تعتقد. وقد ~~أكسبت العلوم والمخترعات، والمكتشفات الجغرافية الحياة العقلية ~~اتجاها حديثا. كما كانت الجدة والإثارة من الأمور المألوفة، أو ~~كانت على الأقل توجد دائما بجهد ضئيل. وقد كان أحد الإنسانيين في ~~تلك القرون هو الذي أمدنا بالكلمة التي نلخص بها الفكرة التي ~~تقول بأن الناس يمكن أن يكونوا سعداء، ويمكن أن يتلاءموا تلاؤما ~~طيبا في مجتمع كامل فوق هذه الأرض - وتلك الكلمة هي «الطوبى، أو ~~المدينة الفاضلة». # وعند هذه الكلمة يجب أن نقف هنيهة نفكر فيها. إننا نستخدم كلمة ~~«الطوبى» وفي نفوسنا شيء من السخرية. والكلمة تحمل في طياتها نعمة ~~لا يخطئها المرء تنم عن الأحلام، والأساطير، وغير الواقعي. وليس في ~~ذلك شيء من التعسف؛ لأن «طوبى» سير توماس مور ليست أقرب إلى ~~التفكير الحديث من «جمهورية» أفلاطون. وإذا كنت ذا منحى خاص من ~~التفكير والتربية أضفت إلى ذلك أنها «ليست أيضا أقل في حداثتها من ~~«الجمهورية»» كلاهما من عمل مثاليين ميتافيزيقيين، وكلاهما من ذوي ~~العقول المرنة الذين يأملون أن تتجاوز الروح الجسد بصورة ما. إن ~~كتاب مور يمثل اهتمام أوائل القرن السادس عشر بالمكتشفات الجغرافية ~~و«الطوبى» ذاتها جزيرة قام بزيارتها الملاح رالف هثلوداي - وهي ~~أكثر احتفالا بالمشكلات الاقتصادية من «جمهورية» أفلاطون. غير أن ~~كليهما ms319 متسلط في روحه، ويبدو أن كليهما لم يكن على دراية بالتحول ~~في العلاقات الإنسانية باعتباره عملية مستمرة، بل وتطورا من ضروب ~~التطور، وربما كان أكثر الكتاب الذين أقبلوا عامدين على اختراع ~~نوع من أنواع المدائن الفاضلة متسلطين بطبيعتهم، حتى إن كانوا - ~~كما كان كارل ماركس - ينادون فيما يكتبون بزوال الدولة، أو بهدف ~~بعيد فوضوي آخر واعتباره الغاية القصوى. # كان سير توماس مور أحد الباحثين الإنسانيين، كاثوليكيا استشهد ~~على يدي هنري الثامن، ولم يكن البتة أحد أولئك الإنسانيين ذوي ~~العقول الخصبة الذين نوليهم اليوم اهتماما خاصا. وهؤلاء ~~الإنسانيون ذوو العقول الخصبة هم الذين أكسبوا النهضة ذلك اللون ~~الذي يبدو لنا اليوم جذابا من بعيد. كان هؤلاء المغامرون، ~~المتطلعون إلى المعرفة، المنفعلون في صميمهم، على غير ثقة بأنفسهم ~~وبمكانتهم في العالم. لقد حاولوا جاهدين أن يثقوا بأنفسهم، ولكنهم ~~لم يصيبوا نجاحا يذكر. إنهم لم يتمتعوا بذلك الأمن الأكيد الذي ~~بلغه الإنسانيون الكلاسيكيون «المقتصدون». كانوا دائما يجربون ~~شيئا جديدا، ودائما يحاولون أمرا جديدا. # وكانت لهم على أية حال غايات خاصة، وأهداف خاصة، وطرق خاصة يسعون ~~إلى اتباعها. كانوا يحقرون من شأن السلف، لا من أجل ما عدوه ~~دورانا منطقيا فارغا فحسب، ولكن كذلك من أجل ما عدوه خوفا ~~من الحياة - حياة الشهوات - الذي عرفته العصور الوسطى. كان التفكير ~~الجديد عند أفراد الطراز الحديث لعهد النهضة - وقد كان الإنسانيون ~~ذوو العقول الخصبة في قمة حركة التجديد في القرن السادس عشر - كان ~~هؤلاء ينادون صراحة بوثنيتهم في سبيل استمتاعهم بالحياة؛ فلم يكن ~~هؤلاء الإنسانيون وهؤلاء الفنانون يشبهون في شيء أولئك المنحلين ~~الذين ظهروا في أواخر العصور الوسطى، يؤرق ارتكاب الذنوب جنوبهم ~~عندما يحاولون أن يمتعوا أنفسهم. كانوا يرقصون رقصة الحياة لا رقصة ~~الموت. # ولكنه كان رقصا علنيا، وكان الراقصون يتألقون. كل راقص يجاهد ~~أن يبز الآخرين في صقله، وحيويته وقدرته على الاحتمال. وكانت ~~المنافسة بين الجماعات التي رسمت حدود الأرستقراطية على أقوى وأشد ~~ما كانت عليه في أي عهد سبق من عهود المجتمع الإنساني، وربما ms320 كانت ~~هذه المنافسة بين الصفوة أفتك من تلك المنافسة واسعة الانتشار ~~التي عرفت في أواخر القرن التاسع عشر. وكانت النهضة عصر البطولة - ~~ويتمثل البطل كفنان، وجندي مغامر، ومكتشف، وباحث بل وسجين. وإذا لم ~~يبلغ المرء حد البطولة، كان فاشلا في حياته. # والكلمة العظيمة - التي دار حولها كثير من الأدب النقدي والأدب ~~التاريخي - الكلمة التي يبدو أنها تشير إلى هذا المزيج من جميع ~~المواهب الذي يكاد يبلغ حد الجنون، هذه الكلمة هي ما يدل في ~~الإيطالية على «الفضيلة»، وهي كمثيلتها في الإنجليزية الحديثة ~~مشتقة من الأصل اللاتيني الذي يعني «الرجولة». و«فضيلة» النهضة ~~تؤكد «الرجولة» بمعناها لدينا، وتضيف الكثير إلى هذا المعنى. ~~«الفضيلة» مثل أعلى من مثل الطبقة العليا، يستطيع الشخص ~~الموهوب من الطبقة الأدنى أن يرتفع إليه، وهي كمثل الفروسية التي ~~اشتقت منها إلى درجة ما. ومثل الفضيلة - كمثل الفروسية - يمكن أن ~~يؤكد قانونا سلوكيا لا ينحرف عن المسيحية، ويمكن أن يتحول في ~~يسر شديد إلى قانون الجنتلمان، وهو قانون الحشمة وإن بولغ في ~~جانب التهذيب منه، كما يصور بالدراسات كاستجليوني في مؤلفه «كتاب ~~البلاط». وكان كاستجليوني يكتب كإنساني، مع كثرة الإشارة إلى الأدب ~~القديم، ولكنه يكاد ينتمي إلى العصور الوسطى من حيث عقيدته التي ~~تنم عن مرونة العقل، عقيدته في صحة المثل الأعلى. والأمير الذي ~~يصوره أقرب إلى الأمير الذي صوره جون سولزبري في العصور الوسطى ~~منه إلى الأمير الذي صوره معاصره مكيافيلي: ~~«ما دام الأمر لا يكلفنا سوى الألفاظ، قل لنا بإخلاص كل ما ~~يطرأ على عقلك تعلم به أميرك.» # فأجاب سيدي أوتافيانو: ~~«أود أن أعلمه أمورا كثيرة أخرى يا سيدتي لو أني عرفتها؛ من ~~ذلك أنه لا بد أن ينتقي من بين رعاياه عددا من أنبل وأحكم الرجال ~~المهذبين، يشاورهم في كل أمر من الأمور، ولا بد أن يعطيهم السلطة ~~والحرية المطلقة في التعبير له عن آرائهم في كل شأن من الشئون بغير ~~كلفة. وعليه أن يسلك معهم سلوكا يمكنهم من أن يلمسوا جميعا أنه ~~يحب أن يعرف ms321 الحق عن كل شيء، وأنه يضع كل طريقة من طرق المغالطة ~~موضع الكراهية. وإلى جوار مجلس النبلاء هذا، أنصح أن يختار من ~~الشعب أفرادا آخرين من ذوي المرتبة الأدنى، يكون منهم مجلسا ~~شعبيا، يتفاهم مع مجلس النبلاء فيما يتعلق بشئون المدينة، سرا ~~وعلانية. وبهذه الطريقة يتكون من الأمير (وهو بمثابة الرأس) ومن ~~النبلاء والعامة (وهم بمثابة الأعضاء) هيئة واحدة موحدة تصدر ~~إدارتها عن الأمير خاصة، ولكنها تشمل الآخرين كذلك. وهكذا تكون ~~لهذه الدولة أشكال الحكومات الطيبة كذلك، وهي الملكية، وحكومة ~~الصفوة، وحكومة الشعب. # وأحب بعد ذلك أن أدله على أن العدالة هي أهم المهام التي ينبغي ~~أن يشغل الأمير بها نفسه. ولضمان الحفاظ عليها ينبغي له أن يختار ~~لمناصبها أكثر الناس حكمة وتجربة. أولئك الذين يتميزون ببعد النظر ~~الصحيح المصحوب بحب الخير؛ لأن بعد النظر إذا لم يصطحب بالخير ~~لم يكن من بعد النظر في شيء، وإنما يكون دهاء أو مكرا. وإذا ~~انعدم هذا الخير فإن مهارة المدعي وحذقه في التعبير لا يؤديان ~~دائما إلا إلى تدمير القانون والعدالة وهدمهما. وعندئذ يقع وزن ~~أخطاء القضاة على الرجل الذي وضعهم في منصب القضاء. # وأحب أيضا أن أعلمه كيف أن العدالة تولد كذلك تلك التقوى لله ~~التي هي من واجب الناس أجمعين، والأمراء منهم خاصة، الذين ينبغي ~~لهم أن يحبوه أكثر من أي شيء آخر، وأن يوجهوا كل أعمالهم نحوه كما ~~يوجهونها نحو الغاية الصحيحة، وأن يكرموه ويحبوه دائما، كما قال ~~زنيفون، وبخاصة في رخاء، حتى يكون من المعقول أن تنشأ في نفوسهم ~~الثقة فيما بعد وهم يسألونه الرحمة عندما تلم بهم النوائب.» # وليس المزج بين آراء زنيفون وإله المسيحيين غريبا عن صفاتهم ~~بتاتا؛ فالنغمة السائدة هي نغمة الأفلاطونية، وقد خففت حتى ~~يمكن أن تستخدمها الطبقة العليا - ومن يحذو حذوها ممن يهمه أن ~~يأخذ قواعد التهذيب عن الإنسانية الجديدة. # و«الفضيلة» يمكن من الناحية العملية أن تعني القيام بعمل، أيا ~~كان، بطريقة أفضل من طريقة أي فرد آخر. والمهارات التي تقدرها ~~الفضيلة هي ms322 مهارات البطولة، وضرب الأرقام القياسية، وربما كان ~~الإنسان بغريزة من غرائزه ضاربا للرقم القياسي، وإنما الأمر ~~يتوقف إلى حد كبير على أي ميدان من الميادين يريد أن يضرب فيه ~~الرقم القياسي. وقد كانت النهضة في ذلك فوضوية كما كانت في الأوجه ~~الأخرى. ومن الحق أن النهضة لم تكن جوا ملائما لضرب الرقم ~~القياسي في التزهد. ولم يكن الصوم، وقمصان الشعر، والنسك، من ~~الأساليب المألوفة. وكل أمر فيما خلا ذلك جائز. ويعد دون جوان ~~- الذي عرف بغزوه لألف وثلاث سيدات في إسبانيا وحدها - أقرب إلى ~~تقاليد النهضة في ضرب الأرقام القياسية. # ومن الواضح أن دون جوان في ضربه للرقم القياسي لم يكن سعيدا كل ~~السعادة. وحتى في الأسطورة كما تروى بالصيغة الإسبانية الجديدة ~~نجد دون جوان رجلا بائسا يدفعه إلى الوقوع في حبائل معشوقاته ~~العديدات حافز شيطاني ليس هو ذلك الذي تسميه هوليوود - كما يسميه ~~أكثرنا - بالجنس. والواقع أن دون جوان أخ لشخصية أسطورية أخرى، ~~أصبحت بحلول النهضة شخصية أدبية - هي شخصية فاوست، كلاهما يريد ~~شيئا فيه مبالغة، بل إن إرادتهما ذاتها كانت تتسم بالمبالغة، ~~ولكنهما لا يستطيعان أن يشبعا حاجاتهما التي لا تنتهي بالطريقة ~~التي قدمتها تقاليد المسيحية من قديم في صورها المختلفة العديدة ~~من الانتماء الصوفي إلى العالم الآخر. إنما كانا يريدان أن يشبعا ~~حاجاتهما ماديا، في هذه الدنيا وفي هذا الزمان، كما كان يريد ~~غيرهما من الناس. غير أن حاجاتهما لم تكن حاجات غيرهما من الناس، ~~بل إنه لمما يشعرهما بالخجل أن تكون مزاياهما في الجسد والروح من ~~القلة بحيث يمكن سدها. كانا يسعيان في قلق شديد إلى شيء لا نهائي ~~يجده أمثال شبنجلر في أهل الشمال، في الرجل الفاوستي. ولكنهما كانا ~~يمثلان النزعة الإنسانية تمثيلا صادقا؛ فكانا يريدان كل ذلك عن ~~طريق غير طريق الله، وغير طريق التأمل، أو النرفانا، أو أية طريقة ~~صوفية من طرق إنكار الذات. # وهذا الإحساس بتجاوز الحدود، كانوا لا يستشعرونه في الحياة ~~الواقعية إلا بمحاولة ضرب الرقم القياسي، وبهذا الاندفاع المقصود ~~نحو ms323 المبالغة في الصفة التي أسميناها الخصب. وفي الفنون الجميلة ~~كان هذا السعي نحو تحقيق المبالغة يتقيد بدرجة من الاحترام كان ~~الكل يحسها إزاء إنتاج الإغريق والرومان؛ فكان فنان النهضة لا يزال ~~يشغل عقله وهو يصور الأمور الطبيعية الواقعية في هذه الدنيا ~~بمشكلات لا تجعله يحس الحاجة إلى أن يكون حوشيا، أو تجريديا، ~~أو غير مفهوم، إنه يستطيع أن يقوم بأعمال «كبرى»، كما كان ميخائيل ~~أنجلو. ومهما يبلغ إعجابك بميخائيل أنجلو فلا مناص لك من الاعتراف ~~بأن في أعماله - صورة داود وصورة الإله وآدم وحواء في كنيسة سيستس ~~- شعورا بالجهد، وبالنضال البطولي لبلوغ البطولة والقوى الخارقة. ~~والواقع أن مجرد وضع الإله - الإله القوي صاحب الجلالة، ولكنه إله ~~لا يخلو البتة مع ذلك من صفات «الفضيلة» - في صورة بسقف الكنيسة ~~كان مثالا لما يمكن أن يقوم الإنسانيون ذوو العقول الخصبة بعمله؛ ~~كما كان يلائم عقول البابوات ذوي النزعات الإنسانية. ولم يكن ذلك ~~لأن العصور الوسطى - وهي في أوجها - كانت موسوسة في زيادة تقريب ~~الله من الناس بتصويره أو نحته؛ ففي «يوم الحساب»، وكان من ~~الموضوعات التي يؤثرها النحاتون في أوائل العصور الوسطى خاصة، كان ~~لا بد من ظهور الله في الصورة، ولكنه لم يبد قط في صورة الفارس ~~الكامل. وفي أواخر العصور الوسطى كان هناك ميل إلى حصر التمثيل ~~المادي في يسوع، والعذراء، والقديسين، كأن الله لم يكن في الواقع ~~من نوع الإنسان. # وتتضح هذه الصفة من صفات النهضة - صفة السعي إلى تحقيق الفذ، ~~والمبالغة، والعظمة - بصورة جلية في الكتابة بكل ضروبها - حتى في ~~أعمال الباحثين. وقد ذكرنا من قبل أساليب التلطف في التعبير ~~والمقابلة. والواقع أنه ليس من بين الكتاب من لم يجتهد في مرحلة ~~من مراحل حياته الأدبية في أن يكون نفسه، حتى يمسي نفيسا، صعب ~~المنال، كثير التشبيهات والصور الخيالية. ويصادفنا أحيانا تكدس ~~للتفصيلات العلمية، والحكايات القديمة الغريبة، وغرائب التجارب ~~بجميع صنوفها، بدرجة لا يصدقها العقل، كما نجد عند رابليه. ولما ~~جاء الكتاب الفرنسيون المتأخرون الذين ينتمون إلى المدرسة ms324 ~~الكلاسيكية المقتصدة، وأذهلهم هذا الخصب وعدم التقيد بالشكل عند ~~رابليه، عدوه «غوطيا»، في حين أنه بالطبع لم يكن. إنما كان ~~مجرد إنساني خصب الذهن، متحررا إلى أقصى حد، لو أنه عاش في القرن ~~الثالث عشر لما ارتاحت نفسه كرجل من رجال الفكر (ولو عاش في القرن ~~الثالث عشر لما اشتغل بالكتابة، وإنما مارس بكل قلبه وقدرته مهنته ~~الطبية، لا يزعجه - بغير وجه حق - ما هو عليه من جهل). وأحيانا ~~تظهر هذه الصفة في أسلوب نثري، ولو أنها بدت في أي عصر آخر لكانت ~~صفة مصطنعة لا تستساغ، كما نجد في «دفن الرماد» لسير توماس براون. ~~وقد تقول إن ذلك من أثر الأسلوب اللاتيني البائد عندما بلغ أوجه في ~~تكلف المعنى وأناقة اللفظ على يد شيشرون. ولكنه الأسلوب الذي كان ~~هؤلاء الكتاب يرونه ملائما، وهو شيء كانوا يسعون إليه عن قصد ~~وعمد. وكان الكاتب في عهد النهضة لا يعرف كيف يقف. وقد يكون هذا ~~عيبا في كل عصر من العصور الأدبية، ولكنه كان في تلك الأيام ~~شائعا بصفة خاصة، ولا يصدق هذا على الكتاب الأوائل ذوي العقول ~~الخصبة من أمثال رابليه وحدهم، وإنما هي صفة نلمسها كذلك عند ~~الكتاب المتأخرين، ومن بينهم الشاعر الإنجليزي سبنسر، الذي ينظم ~~«الملكة الحسناء» في ثمانين فصلا، ولا تنتهي بذلك القصيدة. # وأخيرا أحب أن أنوه إلى أن صفة المبالغة هذه تظهر في عمل رجل ~~عاش بعدما اندثرت مزايا النهضة بوقت طويل، ذلك هو توماس ولف الذي ~~أضفى عليه كل النقاد الأمريكان في فترة ما صفة «النهضة» وهو روائي ~~من كارولينا الشمالية، مات في عام 1938م. ولم يتجاوز النقاد حدود ~~الصواب، ولم تكن لهم مندوحة عن استخدام وصف «النهضة»؛ ذلك أن رغبات ~~ولف كانت كلها شهوات، وكل شهواته عارمة. وهو يروي في قصته «الزمان ~~والنهر» كيف - وهو طالب في هارفارد - اتصل بالمكتبة اتصالا ~~قويا، وكانت تحوي حتى في ذلك الحين نحوا من مليونين أو ثلاثة ~~ملايين مجلد، وشرع يقرؤها جميعا، صاعدا وهابطا بين رفوف ~~المكتبة، ليسحب هذا ms325 الكتاب أو ذاك. وفي لحظة عظيمة من لحظات تركيز ~~الذهن، يسجل مضمونه في زاوية من زوايا عقله، ويضمه إلى محصوله. ~~وقصر كثيرا حتى عن أن يتم المليون الأول، غير أن هذا لا يعني ~~إلا أن النهضة لا يمكن أن تعود، وليس من شك في أن الانغماس في ~~قراءة ولف يوضح لنا الصفة التي حاولنا عرضها. # ولا ينبغي لنا أن نحسب أن هؤلاء الإنسانيين ذوي العقول الخصبة ~~كانوا جميعا شديدي الاندفاع، وأن أحدا منهم لم يستمتع قط بلحظة ~~هدوء؛ فلقد كان بعضهم ينهك إذا طال عمره. وكان بعضهم يشق طريقه وسط ~~الزوابع والإرهاق لما اتفق عالمهم على أن يسميه الحكمة. ويبدو أن ~~بعضهم كان له دائما نوع من الحكمة فيما يتعلق بالكائنات البشرية، ~~غير أن الهدوء والحكمة وحالة الاتزان في حكمهم - مما ينشأ عن أسلوب ~~الحياة في عهد النهضة يختلف جد الاختلاف عما يماثله عند الباحثين ~~في العصور الوسطى، وما نجده عند كلاسيكي «مقتصد» مثل بوالو. وينتمي ~~شيكسبير - في حياته كلها وفي محيطه - إلى ما أطلقنا عليه اسم ~~الإنسانيين ذوي العقول الخصبة. كان يتصف بأكثر مميزات النهضة، وكان ~~يتأثر أكثر نماذج النهضة. كان رجلا حكيما، ولكنك إن حكمت عليه من ~~كتبه - ومن حسن حظنا أن كتبه هي كل ما لدينا من وسيلة للحكم عليه ~~- ألفيت لديه مرارة لا تلمسها في المسيحية الأرثوذكسية، ولا تلمسها ~~في عصر «النور». عنده ما عند النهضة بأكملها من احتقار لكثرة ~~العدد، ولما هو مبتذل؛ فلم يكن البتة ديمقراطيا. وليس لدينا دليل ~~قاطع على أن شيكسبير كان مسيحيا، ومن المؤكد أنه كان يفتقر إلى ~~حرارة المسيحيين، وإلى مشاعر المسيحي إزاء إرادة الله. ولم ينظر ~~إلى القدر، أو إلى الكون أو إلى طبائع الأشياء على أنها من الأمور ~~التي قصد بها الإنسان، أو حتى من الأمور التي قصد بها امتحان ~~البشر. والظاهر أنه لم يعتقد البتة في تعديل هذه الأمور، ومن ~~الواضح أنه لم يبحث عن الأسباب الطيبة، وهو ينتهي إلى حالة شبيهة ~~بحال مونتيني بصورة مذهلة، بالرغم ms326 من أن مونتيني لم يبلغ مبلغ ~~شيكسبير في درجة الخصوبة أو الاضطراب في الجو الفكري. العالم عنده ~~مكان ممتع، بل ومثير للإنسان في شبابه، ولكنه ليس بالمكان الجميل، ~~ومن المؤكد أنه ليس بالمكان المعقول. # إن النزعة الإنسانية في أوائل العصر الحديث ليست من الاتجاهات ~~التي يمكن تلخيصها في وضوح. وقد ذكرت من قبل أن العالم الطبيعي ~~الذي يريد أن ينظم الحيوان، أو النبات، أو أن يصنفهما أجناسا ~~مختلفة لا يتوقع أن يكون تصنيفه محكما شاملا؛ فهو يعلم أن أجناسه ~~- في واقع الحياة - تتنوع وتتداخل، وهو يدرك أن عمله لا يمكن أن ~~يبلغ درجة الكمال. وكذلك نجد أن بعض من أخذ بالأساليب والمعتقدات ~~الإنسانية كانوا موحدين بالله إلى حد ما، بل كانوا يسيرون وفقا ~~للتقاليد المسيحية مباشرة؛ فهناك مثلا سير توماس مور، الذي يعد ~~الآن في الواقع القديس توماس مور. وكذلك نجد بعضا من الإنسانيين ~~يقتربون جدا من العقليين الذين سوف نتعرض لهم في الفصل العاشر. ~~إنهم يقتربون من الاعتراف بالنظرة الآلية إلى الكون. غير أن ~~الاتجاه الإنساني برغم ذلك اتجاه يمكن عزله ووصفه مستقلا إلى ~~حد ما. إنه يختلف عن المسيحية الغربية التاريخية في عهده في أنه ~~لا يثق بالنزعة المدرسية ولا يثق بكل مركب العصور الوسطى، وفي ~~أنه يمقت أوجه البروتستانتية في العهد القديم ذات النزعة ~~الإنجيلية. وهو يختلف عن الاتجاه العقلي في أنه يتشبث - أو يريد أن ~~يتشبث - بالفكرة التي تقول بأن الإنسان ليس كله جزءا من الطبيعة، ~~وأنه أمهر الحيوانات فحسب، «بل إنه في الواقع ليس كله بالحيوان»، ~~وذلك بالرغم من انحياز الاتجاه الإنساني إلى الإيمان بتفوق الأمر ~~الطبيعي على رسميات العصور الوسطى، ومقدساتها، وتقاليدها. # الإنساني يرى في الكائن البشري، الكائن البشري بأكمله ومركبه، ~~المعيار الذي يقيس عليه. وإذا أردنا أن نبالغ في التبسيط قلنا إن ~~شعاره: لا تكن إنسانا رفيعا (متدينا) ولا تكن إنسانا وضيعا ~~(آليا). كانت الإنسانية في مجموعة قيمها - كما بينا من قبل - ~~تشمل مدى فسيحا متدرجا من السلوك المادي مثلما يشمل أي نظام ms327 ~~للقيم غربي آخر عظيم. قد يكون الإنسان معيار كل شيء، ولكنه ليس ~~معيارا دقيقا يؤخذ به في كل حين؛ فهو مثلا يستطيع أن يشرب ~~الخمر في توحش، كما يستطيع أن يتناول قليلا من أكواب النبيذ ~~فيلمع باعتدال في ذكائه وفطنته، ويستطيع كذلك أن يتناول قليلا من ~~النبيذ يصلح به معدته، أو أن يمتنع امتناعا قاسيا، ويحاول أن ~~يمنع الآخرين عن تعاطي أي نوع من أنواع المشروبات الروحية. وفي ~~القرون الأربعة أو الخمسة الأخيرة مالت قطعا تلك الأقلية المهذبة ~~- التي تحب أن تسمي نفسها إنسانية - نحو السلوك الثاني، وكانت ~~تستهدف الاعتدال الذي يدخل البهجة في النفوس، ولكن الإنسانية في ~~أيام النهضة التي كانت أشد من ذلك عربدة لم تحصر نفسها في هذه ~~الحدود. كانت تستطيع أن تعربد مع رابليه، وأن تتهذب مع مور، وأن ~~تتعالم مع أرازمس، وأن تنشط في حماسة مع سليني، وأن تتشكك وتتسامح ~~مع مونتيني، بل أن تكون نابليونية تضم سيدات فاتنات ورجالا مهذبين ~~- كما كانت الحال في بلاط لورنزو العظيم في فلورنسة. # الاتجاهات السياسية في النزعة الإنسانية # إن القرنين اللذين ~~نعالجهما هنا كثيرا ما يطلق عليهما في التاريخ السياسي «فترة ~~الإطلاق». ومن الحق أن الدولة الدنيوية الحديثة في هذين القرنين قد ~~انبثقت عن دولة العصور الوسطى في جميع أرجاء العالم الغربي، حتى ~~حيثما كانت الوحدة الأرضية ليست الحكومة القومية كما نعرفها - كما ~~كانت الحال في جرمانيا - إنما هي أراضي أمير، أو مدينة حرة، ربما ~~لا تزيد في مساحتها عن سابقتها في العصور الوسطى. ~~وأبسط ظاهرة عملية لهذا التحول ~~تتمثل في وجود سلسلة وحيدة من السلطة في الوحدة الأرضية الجديدة - ~~يعززها نظام متدرج من محاكم القضاء والقوة المسلحة، من الشرطة ~~والجند - يدفع أجورها، ويديرها، ويدبر أمرها أولئك الذين يتربعون ~~في قمة السلسلة. وقد بقيت آثار الإقطاع في كل مكان تقريبا، وهذه ~~الدولة الحديثة لم يكن البتة لديها ذلك التنظيم الدقيق وذلك ~~التسلسل في السلطة الذي يفترض أن يقوم على أساسه الجيش الحديث. غير ~~أن الاختلاف عن نواة العصور ms328 الوسطى المعقدة من الحقوق والواجبات، ~~ومن توازن السلطات وقيود العادات، كان عظيما جدا. إن الدولة ~~الحديثة - حتى إن أنت اعتبرت روسيا السوفيتية نهاية تجسيدها - لم ~~تكن في أي وقت من الأوقات ذلك المجتمع المجند، المنظم تنظيم ~~جماعة النمل، الذي يقصد إلى الكفاية بغير تورع، كما تصورها ~~ناقدوها الكثيرون. إنما هي من الناحية التاريخية قد نشأت - على ~~الأقل إلى حد ما - عن الحاجة إلى التقنين والكفاية والحاجة إلى ~~شيء من الحد من ميل الإنسان إلى الضلال، وإلى التراخي، وإلى ~~التفرد. # ونستطيع مرة أخرى أن نضرب المثل بثنائية بسيطة: إذا أنت أوضحت ~~أوجه التباين بين السلطة (الإرغام) والحرية (التلقائية)، وجدت في ~~هذه المباينة أن الدولة الحديثة في جميع أشكالها - حتى عندما تكون ~~هذه الأشكال ديمقراطية - تنتمي إلى جانب السلطة. وهناك بطبيعة ~~الحال أشكال متنوعة من الناحيتين التاريخية والجغرافية، ويمكن أن ~~تقترب بعض الدول من الجانب المطلق من التسلط أكثر من غيرها. غير ~~أنها جميعا كانت تمارس رقابة سياسية على أكثر الأفراد أشد مما ~~ألفته العصور الوسطى. # ومن المؤكد أن نظرية الدولة المطلقة بلغت في تلك السنوات من ~~الصراحة ما بلغته في أي عصر آخر (ويبدو أن نظرية الحكم الشامل ~~الحديثة لا تحب أن تقف صراحة ضد أمثال هذه الألفاظ التي لها ~~جاذبيتها ك «الحرية» و«الديمقراطية»). وقد اخترع هوبز الفيلسوف ~~الإنجليزي في القرن السابع عشر للدولة الحديثة لفظة «لفاناتان» أو ~~الوحش الضاري. وقد لبث هذا الاصطلاح منذ ذلك الحين سبة بين ~~الكتاب المتحررين، واستغل هوبز صورة قديمة من صور النظريات ~~السياسية، لها ماض طويل من الاحترام من عهد روما حتى العصور ~~الوسطى، وهي نظرية التعاقد. غير أنه حرف هذه الفكرة - التي ~~استخدمت على وجه الجملة في جانب التحرر - وواءم بينها وبين نظريته ~~في التسلط مواءمة قوية. كان التعاقد من قبل يفترض وضع «قيود» على ~~جميع أطرافه - سواء منهم الحاكم والمحكوم - ولكنه يقيم فوق كل شيء ~~نوعا من الحدود يمكن للفرد في نطاقه أن يستقل. أما هوبز فيرى أن ~~جميع الأفراد إنما يقبلون التعاقد ms329 لكي يتجنبوا الحرب المفزعة التي ~~يشنها كل فرد ضد المجموع التي لا بد أن تسود لو أن الإنسان بقي على ~~«حالة الطبيعة» (وسوف نعود إلى هذه الفكرة عن حالة الطبيعة. أما ~~هنا فيكفينا أن نذكر أن هوبز كان يعد هذه الحالة مؤلمة إلى درجة ~~أنها ربما لم يكن لها من قبل في الواقع وجود). وهؤلاء الأفراد ~~يتعاقدون فيما بينهم على خلق السيد، وهو صاحب السلطة الذي يسن ~~القوانين التي تجب على الجميع طاعتها، والتي تحل النظام محل الفوضى ~~في حالة الطبيعة. «ولكن ليس هناك تعاقد بين الفرد أو أي مجموعة من ~~الأفراد وبين السيد» السيد المطلق، وعلى الفرد أن يطيع السيد طاعة ~~مطلقة، ولا يتحوط هوبز في الواقع إلا من ناحية واحدة فقط، وتلك هي ~~أن السيد إنما يوجد لحفظ النظام، ولكي يكفل للفرد الأمان، فإن هو ~~فشل في تحقيق هذا الغرض وسادت الفوضى في الدولة وأمست الحياة غير ~~آمنة، حق للفرد أن يحمي حياته وأمنه بقدر طاقته. غير أن هوبز ~~لم يضع قلبه في هذا التحفظ الفرضي، وإنما كان يضع قلبه مع إعلاء ~~السيد فوق التعاقد الذي خلق وجوده. # ولم تكن نظرية التعاقد - كما سوف نرى - أرضا ثابتة تحت أقدام ~~المتحزبين للحكم المطلق في شكله الذي تميزت به النهضة، وهو الملكية ~~المطلقة، بل لقد أضحت حافزا من أقوى الحوافز التي دفعت إلى إقحام ~~الآراء الديمقراطية. بيد أنه كانت هناك معاقل بأسرها من الحجج ~~والنظريات يلجأ إليها أولئك الذين ينادون بالحكم الملكي المطلق ~~ويتلمسونها في المعرفة التاريخية الحديثة التي كانت ميسرة لجميع ~~الأفراد المتعلمين، فاستمدوا الحجة من الإنجيل - وبخاصة من العهد ~~القديم - ومن تاريخ اليونان والرومان، ومن أدب الكهان (بالنسبة إلى ~~الكاثوليك على الأقل)، بل ومن بذور المعرفة الفجة الأولى، كعلم ما ~~قبل التاريخ وعلم السلالات. ولا يجوز لنا أن ندهش لأن هذه الميادين ~~بعينها كانت مصدرا هاما لخصوم الملكية المطلقة في القرنين ~~السابع عشر والثامن عشر، ذلك أن الإدراك العام يدلنا دائما على أن ~~الشيطان يستطيع كذلك أن يقتبس ms330 من الإنجيل - الأمر الذي لا ينكره ~~إلا أصحاب العقول البالغة في مرونتها. # وقد يكون من الممل ومما لا يجدي أن نستعرض عددا كبيرا من هذه ~~الحجج التي تدافع عن إطلاق الحكم. ومن الأمثلة الطيبة نظرية ~~الأبوة، التي بلغت كمالها بين الكتاب الإنجليز في الكتاب الذي ~~أنفق لوك في تمزيقه وقتا طويلا، وهو كتاب «الأبوة» لسير روبرت ~~فيلمر. إن نظرية الأبوة تستحق الدراسة كمثال للوسائل المعقدة ~~المنحرفة لما استحدثنا له في الوقت الحاضر التعبير ب «التبرير» أو ~~لما هو أشد من ذلك مدعاة للاستخفاف. ومن الجلي أننا لا نعالج هنا ~~نظريات علمية، أو معرفة تراكمية، وإنما نحن نعالج جانبا هاما من ~~جوانب تاريخ الفكر، أو جانبا هاما من جوانب العلاقات ~~الإنسانية. # إن الكاتب الملكي يسعى - في أبسط عبارة - إلى أن يعبر باللفظ ~~عن الأسباب التي تحتم على الأفراد أن يطيعوا حكومة الدولة المركزية ~~الجديدة وهي حكومة يرأسها ملك رئاسة رمزية على الأقل. إنه في ~~النظرية الأبوية يستغل المشابهة بين علاقة الأبوة والبنوة وبين ~~علاقة الملك والرعية، وهو يتلاعب بالاستعارات التي تطلق على الرعية ~~اسم «الأطفال» أو «القطيع»، كما يسمي الملك «الأب» أو «الراعي» أو ~~ما شابه ذلك. وحتى اليوم - وفي الولايات المتحدة - حيث يحكم ~~الزائرون الأوروبيون المغرمون بإلقاء الأحكام العامة بأن الأطفال ~~في الولايات هم الذين ينشئون الآباء في كثير من الأحيان، حتى في ~~هذه الحالة نجد أن الشعور بأن علاقة الأبوة والبنوة العادية هي ~~علاقة الطاعة من جانب الطفل، وأن هذا الشعور لا يزال قويا جدا. ~~وقد اختلفت قوة هذا الشعور باختلاف الزمان والمكان، غير أن أثر ~~الميراث الثقافي الغربي الذي يعزز هذا الشعور قوي للغاية. ويرى ~~الكثيرون أن هذه العلاقة هي من حقائق الحياة. وقد كان المجتمع ~~العبري الذي جمع فيه العهد القديم مجتمعا أبويا للغاية، الابن ~~فيه تحت رقابة أبيه المشددة، وإنك لتجد نصوصا ملائمة تؤكد أن ~~عقوق الأبناء شر من الشرور، وأمر غير طبيعي، حيثما تنقلت في ~~العهد القديم. و«قوة الأب» في المجتمع الروماني كذلك كانت قوة ms331 ~~مطلقة في أيام الجمهورية، بل تمتد إلى حياة الابن. وبتسرب ~~القانون الروماني إلى المجتمع الوسيط انتقلت فكرة السلطة الأبوية ~~الثابتة. وكذلك استغلت المسيحية سلطان الأبوة، والمشاعر التي نمت ~~حول هذا السلطان. وقد شاعت الاستعارة من التعبير بالراعي والقطيع ~~طويلا، وأطلق اسم «الآباء» على قسس الكنيسة. # وكان من اليسير أن تمتد الاستعارة من الكنيسة إلى الدولة، وبخاصة ~~لأن الدولة الحديثة النموذجية الجديدة في البلدان الكاثوليكية ~~والبروتستانتية على السواء استولت - حيثما استطاعت - على النفوذ ~~الروحي، وعلى لب العواطف البشرية، التي كانت في العصور الوسطى ~~تتركز في نظام الكنيسة. ولا نعرف على وجه اليقين كيف انتقل هذا ~~النفوذ عن قصد وعمد. غير أنه مما لا شك فيه أن أمثال فيلمر لم ~~يكونوا من أصحاب الميول العقلية الذين قد يسائلون أنفسهم قائلين إن ~~البابا قد استطاع أن يجعل الفكرة التي تقول بأنه أب مقدس جد نافعة ~~في تعزيز نفوذه، فلماذا لا نعزز سلطان الدولة إذا نحن لم نكف عن ~~التأكيد بأن ملكنا هو أبو الشعب؟ بل على العكس من ذلك كان فيلمر ~~يعتقد صحة نظرياته، كما كان توم بين يعتقد صحة الآراء ~~المناقضة. # غير أن النظرية الأبوية هي عبارة عن مجموعة من الحجج التي تعتمد ~~في قوة إقناعها إلى حد كبير على المشاعر، لا على قوة المنطق وأثر ~~التدريب بالنسبة إلى أولئك الذين يعتنقونها. إنها استعارة وليست ~~نظرية، ويمكن ألا تكون صحيحة أو صادقة لأي امرئ يزعم لنفسه أنه لا ~~يشعر أن الملك أب بأية حال من الأحوال بالنسبة إليه، وبخاصة إذا ~~التزم المرء حدود الإنسانية والتعقل فإنه يستطيع أن يقول بأن هناك ~~نوعا واحدا من علاقة الأبوة والبنوة، وهو النوع الذي نسميه ~~بيولوجيا، والذي ربما كانوا في تلك الأيام يسمونه طبيعيا. ~~ويمكن أن تنبذ النظرية الأبوية - باعتبارها تبريرا لطاعة لا ~~مراء فيها من الرعية إلى الملك (أو من المواطن للحكومة) - بصورة ~~أشد إذا تدفقت المشاعر في اتجاه صحيح، وذلك إذا أنت استبدلت ~~استعارة أخرى مضادة بهذه الاستعارة، وزعمت أن في استعارتك من الصحة ms332 ~~ما للاستعارة الأخرى. وهذا هو ما فعله أتباع لوك حينما زعموا أن ~~العلاقة الصحيحة بين الرعية والملك هي علاقة الوكالة؛ فالملك ليس ~~أبا لرعاياه، وإنما هو وكيل عنهم، وهو موجود ليكفل لهم حكما ~~طيبا، فإن أخفق في ذلك فلهم كل الحق في فصله كما يفصل المرء ~~وكيلا عنه لا تثبت جدارته. ويرى أكثر الأمريكيين أن نظرية الوكالة ~~في الحكم هذه نظرية معقولة جدا. غير أنه مما لا شك فيه أن النظرة ~~الأبوية كانت خلال التاريخ الغربي الطويل أكثر تمثيلا للرأي ~~العام. # والواقع أن النظرية الأبوية على أية صورة من الصور تبدو - عند ~~الكتابة في العلاقات الاجتماعية - نظرية خالدة. وكلنا يعرف أن ~~علماء النفس المحدثين قد أكدوا - متأثرين بفرويد - أهمية علاقة ~~الأب بالابن. وكذلك كان لا بد لعلماء النفس أن يكتبوا في النظريات ~~السياسية، فرجعوا مرة أخرى إلى النظرية الأبوية. ومن الحق أنهم ~~يؤكدون ازدواج الشعور عند الابن؛ فهو يحس بالاعتماد على أبيه، كما ~~يحس الرغبة في الثورة عليه، ومن الحق أنهم يعدون أنفسهم علماء، ~~ويزعمون أنهم يضيفون إلى مجموع المعرفة التراكمية. ولكني أنصح ~~القارئ أن يطلع على الكتاب الحديث الذي أخرجه مستر جفري جورر، ~~وعنوانه: «الشعب الأمريكي». ستجد أن مستر جورر يفسر سياستنا ~~وثقافتنا إلى حد بعيد بمركب الأب ومركب أوديب، ويخرج علينا ~~بتفسير فرويدي عجيب لحب الذكور الأمريكان لشرب اللبن. ومن المرجح ~~جدا أن يجد أبناء القرن الثالث والعشرين أن تطبيق مستو جورر ~~لتشبيه الأبوة العتيق من السخافة على الأقل بالدرجة التي نرى بها ~~تطبيق سير روبرت فيلمر. # وهناك حجج أخرى تساق في جانب الملكية المطلقة. ومن هذه الحجج ما ~~يعود إلى السابقة الرومانية لا في عهد الجمهورية، ولكن في عهد ~~الإمبراطورية المتأخرة، وذلك عندما كانت الدولة الرومانية مستقرة ~~على نظام بيروقراطي وعلى رأسها أمير مطلق. ومن الشعارات التي ~~شاعت حين ذاك «أن ما يسر الأمير له قوة القانون». وهذه العبارة ~~تعرض الأمر في صراحة تامة، وربما كانت أشد الحجج إثارة من وجهة نظر ~~الجمهوريين. # ومهما يكن من أمر ms333 فإن العبارة المقدسة التي تداولها التاريخ هي ~~«حق الملوك المقدس»؛ فالملك إله على الأرض، وليس في هذا زيغ عن ~~الدين. وفي تفسير النظرية الملك هو وكيل الله في أرضه، ~~والاعتراض على إرادته اعتراض على إرادة الله، وهو تجديف وكفر. ~~الملك هو من يصب الله عليه الزيت المقدس - والواقع أن ملوك ~~أوروبا طبقا لسوابق العصور الوسطى كانوا يمسحون في حفل التتويج ~~بزيت مقدس خاص، ونستطيع - بطبيعة الحال - أن ندرج أكثر الحجج التي ~~تؤيد الحكم الملكي المطلق تحت هذه الحجة. # ومما له دلالته أن الحجج الأساسية في جميع هذه الآراء التي تدافع ~~عن الحكم المطلق الحديث كلها تقليدية؛ ذلك أن فكرة التعاقد مع قليل ~~من التحريف تصور لنا ما أسماه هوبز «الوحش الجبار» الذي يحل محل ~~الدولة المسيحية الإقطاعية التي نادى بها جون سولزبري. ومع قليل من ~~التحريف كذلك تتحور فكرة الراعي الروحاني والأب المسيحي إلى الملك ~~الأب الذي لا يجوز عصيانه. # إن المعجبين بالعصور الوسطى يدهشون بصفة خاصة لما يعدونه ~~انحرافا في النهضة عن مذهب حق الملوك المقدس الذي عرفته العصور ~~الوسطى. إن من مبادئ العصور الوسطى كما يزعمون - وهم على حق ~~بالنسبة إلى التعبير اللفظي - أن الحاكم يحكم بالحق المقدس ما دام ~~يحكم كما يشاء الله. إنه يحكم بالحق المقدس لا بمعنى أن الحق ملك، ~~وهو حق لا يمارى فيه، ولكن بمعنى أن الحق عدل من الناحية الخلقية. ~~فإذا ما أساء الحكم ولم يحكم طبقا للحق المقدس فإنه عندئذ يفقد ~~حقه في الحكم، ولرعيته حق التحلل من واجب الطاعة، ولثورتهم ما ~~يبررها. وهنا لا بد لنا أن نتساءل من ذا الذي يقضي بأن الملك يحكم ~~طبقا لإرادة الله؟ وهب أن فئة من الناس في الدولة تقول بأنه يحكم ~~طبقا لإرادة الله، وأن فئة أخرى تقول إنه لا يحكم طبقا لها، من ~~يهدينا إلى الصواب؟ إن التفكير في عهد النهضة وفي العهد الوسيط كان ~~بوسعه أن يجيب عن هذه الأسئلة بدرجة من اليقين لا تتوافر لنا؛ لأن ~~نفوسهم لم تساورها الشكوك ms334 بعد في أن إرادة الله أقل وضوحا من ~~الحقيقة العلمية، التي لا يمكن بطبيعة الحال أن تكون من صفات هذه ~~المشكلات. إن العقل الوسيط وعقل الإنسانيين على السواء كان يؤمن ~~أشد الإيمان بأن إرادة الله هي في وضوح أية حقيقة من الحقائق فوق ~~هذه الأرض. # إن الحجة التي نعدها اليوم - على الأقل بين الشعوب التي تتكلم ~~الإنجليزية - دامغة قاطعة لا تساق قط في وضوح وجلاء. وتلك هي ~~الحجة التي تقول بأن الطراز الجديد من الدولة الملكية أشد كفاية من ~~الدولة الملكية القديمة، وأن الملك لا بد أن يتمتع بالسلطة المطلقة ~~لكي يمحو الآثار المتبقية من الحكم الذاتي الإقطاعي، ولكي يحكم ~~العقل، ويضع المعايير، حتى يستطيع رجال الأعمال من الطبقة الوسطى ~~الحديثة أن يكون لهم رواج في سوق أوسع وفي ظروف أكثر أمنا وأقوى ~~طمأنينة. إن تبرير نظام من النظم ب «منفعته» - وهو نوع من سباق ~~الحجة مألوف لدينا - ينشأ في الواقع دفاعا عن الملكية، ويظهر ذلك ~~حتى عند بيير دبوا في أوائل القرن الرابع عشر. بيد أن هذه الحجة ~~عند أكثر الكتاب الذين نتعرض لهم هنا تختلط بكثير من الحجج ~~الأخرى. والظاهر أن «كتاب السياسة» الفرنسيين، أولئك الكتاب ~~الذين وضعوا الأمة ممثلة في التاج فوق الأحزاب الكاثوليكية ~~والبروتستانتية على السواء، والذين فعلوا ذلك في الحروب الدينية ~~التي نشبت في أواخر القرن السادس عشر - الظاهر أنه كانت لديهم في ~~أذهانهم أمثال هذه الآراء الحديثة التي يمكن أن نسميها قومية. غير ~~أنهم لم يتحدثوا باللغة التي نتحدث بها اليوم. # ومن خيار هؤلاء الكتاب جين بودين الذي يعد في الحق في كثير ~~من الأحيان أكثر من كاتب سياسي. كان بودين باحثا إنسانيا، ذا ~~معرفة واسعة، وصاحب اهتمامات عديدة. وله مكانة هامة في تاريخ ~~الكتابة التاريخية باعتباره أحد الكتاب الأوائل الذين عنوا ~~بالطرق التاريخية المنظمة، وربما كان في التاريخ السياسي أكثر ~~الكتاب اتزانا في موضوع السيادة الشائك. وهو بطبيعته رجل معتدل ~~معقول. وقد كتب في أواخر القرن السادس عشر، عندما استرد أرسطو ~~قيمته بعد ms335 التحقير الذي لحق بآرائه على أيدي الإنسانيين الأوائل، ~~وهو يتميز بقوة الإدراك العام الذي نلمسه في سياسة أرسطو. وينتهي ~~بودين إلى مدافع عن الحق المطلق للأمير صاحب السيادة؛ فصاحب ~~السيادة - طبقا لبودين - يعلو على القانون، ولا بد له أن يعلو ~~باعتباره واضع القوانين. غير أن بودين يسارع فيصف ذلك بأنه مبدأ ~~شرعي فحسب. أما من الناحية الخلقية فالأمير بطبيعة الحال يرتبط ~~بقانون الإله وقانون الطبيعة، وبآداب اللياقة. فإذا هو لم يتقيد ~~بهذه القوانين كان حاكما مستبدا، وإن كان صاحب السيادة في ظاهر ~~الأمر، ويسوق بودين كذلك الحجة الأبوية، ويدعمها بنظرية «قوة الأب» ~~الرومانية ومجموعة المقتبسات الإنجيلية المألوفة. # وليس من الإنصاف أن نقول إن كل التفكير السياسي عند الإنسانيين ~~والكلاسيكيين في أوائل القرون الحديثة يميل إلى ناحية الحكم ~~المطلق؛ فهناك منذ بداية إحياء الآداب القديمة اليونانية ~~والرومانية بمعناها في عهد النهضة اتجاه واضح يمكن أن تتابعه ~~متابعة الخط المستقيم في التفكير السياسي الغربي حتى الثورة ~~الفرنسية التي جعلت بروتس أحد أبطالها. وذلك الاتجاه هو الإيمان ~~ب «الجمهورية الكلاسيكية» التي تجعل ليفي من أبطالها، والتي تتميز ~~بكراهية الرومان للملوك، كما تتميز في كثير من الأحيان بانعدام ~~الثقة في عامة الناس المتقلبين. # وهنا نلتقي مرة أخرى بلفظة لها تاريخها، ويمكن من ثم أن ~~تكون غامضة. إننا نميل نحن الأمريكيين إلى أن نحسب أن «الجمهوري» ~~ليس إلا طريقة أخرى نعبر بها عن «الديمقراطي» - ويختلف هذا كلية ~~عن غرام الأحرار منا بالقول بأن حزبينا - الجمهوري والديمقراطي - ~~يتشابهان تشابه العصا بالعصية، ولكن «الحكم الجمهوري الروماني» ~~لم يعد أن يكون ذلك النظام الروماني السياسي، الذي كان - وظل ~~كذلك حتى تأسيس الإمبراطورية - نظاما أرستقراطيا من الناحيتين ~~السياسية والاجتماعية. وهذه الفكرة - فكرة الجمهورية الأرستقراطية ~~- التي كان ذيوعها في العصور الوسطى محدودا، فلم يتوسع أحد في ~~بسطها، بدأت تنتعش في عهد النهضة. وهي بطبيعتها لا يمكن أن تكون من ~~عقائد الجماهير، بل لقد كانت مذهبا يسود - قبل كل شيء - بين ~~الفنانين ورجال الفكر، وبخاصة من كان منهم من أرومة طيبة ms336 - ~~باعتباره من صفات الأرستقراط. وهو مذهب - عند معتنقيه - لا يتفق ~~بطبيعته مع أي نمط من أنماط التفكير البسيطة، العامية المتكررة. إن ~~الجمهورية الكلاسيكية تحررية دائما تقريبا، أكثر منها جماعية، أو ~~اشتراكية، أو هي - على الأقل عندما تؤكد أن النظام الذي لا بد منه ~~للمجتمع يتطلب رعاية الطبقات الدنيا - عبارة عن جماعية «النبلاء ~~الملتزمين بالمسئولية»، أو الجماعية التي أطلق عليها الإنجليز في ~~القرن التاسع عشر اسم «ديمقراطية المحافظين». إنك حيثما تجد رجالا ~~يسعون نحو إصلاح أساسي ثوري للمجتمع لكي يتخلصوا من الفقر بمجهود ~~الفقراء، لا بد أن تجد أن هؤلاء الرجال في تلك القرون الحديثة ~~الأولى إنما يستوحون الدين أكثر مما يستوحون النزعة الإنسانية، ~~بل إنهم ليستوحون نوعا متعصبا من أنواع الطائفية الدينية. # وهناك نوع من أنواع الجمهورية الإنسانية يصوب في صميمه ضد ~~ملكية معينة. في أخريات القرن السادس عشر زادت الحروب الدينية ~~الأهلية الكبرى من حدة التفكير السياسي في فرنسا، وتمخضت عن مجموعة ~~من النظريات ديمقراطية في ظاهرها. وظهر من الهيوجونوت أمثال إتيان ~~دي لابواتي وفرنسوا هوتمان يعارضون أشد المعارضة كل نظريات الحكم ~~المطلق الملكية، وأصروا على أن تكون السلطة العليا في أيدي الشعب ~~بدلا من الملكية المطلقة. وساق مؤلف كتاب «دفاع ضد الاستبداد» - ~~وهو على الأرجح دي بلسي مورناي - نظرية التعاقد وكثيرا من التاريخ ~~الوسيط وتاريخ الكتاب المقدس ليبرر الثورة الفعلية، بل وسفك دماء ~~المستبدين. وتستطيع أن تستمد مما كتب في هذا الموضوع شيئا قريبا ~~جدا لما أمسى فيما بعد مذهب حقوق الإنسان والحاجة إلى حكومة ~~دستورية في أيدي هيئة برلمانية تمثيلية، وسيادة القانون، وما إلى ~~ذلك، وهي الآراء التقليدية التي سادت القرن الثامن عشر. غير أن روح ~~هذه الكتب لا تمت قطعا إلى القرن الثامن عشر بصلة. روحها من ~~العهد الوسيط، على الأقل لاعتمادها كالمألوف على حجج أساسها ~~السوابق التاريخية أو الإنجيلية، وما تنوء به من دراسات عويصة. ولم ~~يكن هؤلاء الرجال مثيري شغب بأية حال من الأحوال؛ فلم يكونوا ~~جماهيريين، بالرغم من أن عدالة مطالب الجماهير هي ms337 التي كانت تحرك ~~نفوسهم، ويحس المرء أنهم بالضرورة ضد الملكية لأن الملكية الفرنسية ~~كانت تقف في وجههم، ولكنهم كذلك كانوا جمهوريين بالضرورة؛ إذ لم ~~يكن هناك مجال آخر للاختيار. وقد أقام بعضهم مبدأ «القيادة ~~الطبيعية»، وما أبعدهم عن توماس بين أو بنيامين فرانكلين؛ فقد ~~كانوا جمهوريين، ولم يكونوا ديمقراطيين. # غير أن هناك نمطا آخر أقرب إلى مركز هذه الجمهورية ~~الأرستقراطية، أقرب إليه بمعنى أنه قدم النموذج الذي عاش في ~~القرن التاسع عشر في رجال أمثال لورد بيرون، بل عاش في القرن ~~العشرين في رجل مثل ولفرد سكاون بلنت أو في ذلك الرجل الأمريكي ~~العجيب الذي يمثل هذا الطراز، وهو المرحوم جون جاي تشابمان. ~~وكذلك يعد مثالا يدعو إلى الإعجاب آلجرنون سيدني، وهو رجل ~~إنجليزي من أسرة نبيلة مات شنقا في عام 1683م، مستشهدا في سبيل ~~الحكم الجمهوري، ولم تنشر «بحوثه بشأن نظام الحكم» إلا في عام ~~1698م، وقد وجدت في القرن التالي جمهورا كبيرا من القراء، وهي ~~عبارة عن تاريخ روماني كامل، مروي في ضوء قواعد التهذيب التي صاحبت ~~الكلاسيكية البريطانية زمنا طويلا. وفيها يهاجم الحق المقدس ~~ويدافع عن السيادة الشعبية، وهي لا تشف عن مذاهب اجتماعية ثورية؛ ~~فهي في الواقع تتحدث بلغة الدستوريين المعتدلة. ولو أن سيدني عاش ~~في القرن التالي لكان مثالا طيبا للأحرار المعتدلين لا يشوب ~~آراءه «هراء جمهوري». كان سيدني ضد آل ستيوارت الناشئين وضد مذهبهم ~~في الحق المقدس، وكان يدافع عن وجود طبقة حاكمة إنجليزية تكون لها ~~كل الفضائل الرومانية وتخلو من كل رذائل الرومان. # وينتمي ملتن نفسه من حيث آراؤه السياسية - إلى هذه الفئة من ~~الجمهوريين الأرستقراط، وهو إنساني بطبعه وتطبعه، وهو أميل إلى ~~الجانب المقتصد منه إلى الجانب الخصب، وليس من شك في أن أهم ~~كتاباته النثرية (آريو باجيتيكا) وهو من الأدب الكلاسيكي الذي ~~يدافع عن حرية الكلام، وما يترتب عليها من حريات أخرى. ولا شك أن ~~ثقافة الغرب لم تخل في أي وقت من الأوقات من نوع من أنواع الدفاع ~~الفصيح عن ms338 حرية الكلام، ولم تكن هذه الثقافة قط تدعو إلى التحكم ~~بدرجة تخمد كل شرارة تومض في سبيل الحرية. غير أنا نشك في أن ~~ملتن حتى في هذه العجالة كان يبشر بالآراء التي تدور حول المبدأ ~~الذي يقول: «دعه يفعل » وما ينطوي عليه من فائدة لحرية الفرد. ومهما ~~يكن من أمر فإن قراءة آريو باجيتيكا جنبا إلى جنب مع «الحرية»، ~~الكتاب الذي وضعه جون مل في عام 1859م تدريب ممتع على البحث في ~~تاريخ الفكر بالرغم مما فيه من حرج. إن فصاحة ملتن الكلاسيكية ~~المتدفقة قد تقف في سبيل إدراك ما يرمي إليه، ولكنه بالرغم من ذلك ~~يدافع عن الحرية للصفوة من الناس، وللإنسانيين، وللرجال من أمثاله. ~~وهو في هذا يختلف عن مل الذي يدعو للحرية حتى للمتهورين، ~~والمخطئين، والجهال، يدعو إليها - في إيجاز - لعامة الناس. # وتظهر الصفة الأرستقراطية في آراء ملتن السياسية والخلقية واضحة ~~جلية في كتابته التي لا تبلغ مبلغ آريو باجيتيكا في أهميتها؛ فهي ~~تبدو في كتابه «الطريق السهل المباشر لإقامة دولة مشتركة حرة»، أو ~~في رسالته «الهدامين». والكتاب الأول محاولة فاشلة يقاوم بها ~~استدعاء الملك شارل الثاني، وبطبيعة الحال كان ملتن يمقت الطائفيين ~~وآمالهم الفجة في تحقيق السعادة في هذه الدنيا. كما أن إخفاق ~~البيوريتان المعتدلين في إقامة مستقر يريح النفس ويقع بين طائفة ~~الإنجيليين وطائفة المؤمنين بالعصر الذهبي المسيحي، إخفاقهم هذا قد ~~كشف له عن الحقيقة: وكغيره من المدافعين عن حرية الفرد من المهذبين ~~والمثقفين أثبت ملتن في النهاية أنه إنما قصد في الواقع إلى الدفاع ~~عن التهذيب وعن الثقافة، ولم يقصد إلى حرية الرعاع الذين لا ~~يفكرون. وأوشك في آخر الأمر أن يفقد الثقة في تصويت العامة ~~أفرادا، أو جماعات يكون لها تأثيرها. وبلغ بهذه العقيدة مبلغا ~~دفعه إلى أن يجعل الهيئة التشريعية في تخطيطه للدولة المشتركة هيئة ~~لها دوام ذاتي تستولي على مناصب التشريع مدى الحياة. وتكون بذلك ~~أشبه بمجلس الشيوخ دون أن يكون لأفرادها ألقاب موروثة. # غير أن أكمل عمل قامت به مدرسة ms339 الإنسانيين هذه ذات الميول التي ~~لا أقول إنها يسارية بالضبط، ولكنها على أية حال تتجه نحو نوع شعبي ~~من أنواع الحكومة الدستورية، أكمل عمل في هذا الباب كان لرجل ~~إنجليزي من رجال القرن السابع عشر وهو «المحيط» لجيمس هارنجتن. ~~والكتاب في شكله صورة لدولة مشتركة خيالية، أو لمدينة فاضلة. وربما ~~أملت عليه هذه الصورة الحاجة إلى تفادي الرقابة التي فرضها ~~الدكتاتور الجديد كرومويل في عام 1656م، وهو العام الذي نشر فيه ~~الكتاب. والكتاب عبارة عن رسالة في الحكم. وهي رسالة عصر فيها ~~ذهنه، واعترف فيها بصفة خاصة بأهمية توزيع الثروة والبناء الطبقي، ~~وهي تنادي بدولة دستورية المصالح فيها متزنة اتزانا صحيحا، وتضم ~~مجلسا للشيوخ من الأرستقراطيين الطبيعيين ومجلسا تمثيليا ~~شعبيا يؤيد أو يرفض اقتراحات الشيوخ. ولهارنجتن آراء حديثة ~~كثيرة، من بينها الاقتراع السري، والتعليم العام الإجباري. والواقع ~~أن «المحيط» يمكن أن يعد من أعمال العقليين، وقد كان تأثيره في ~~القرن التالي عظيما. غير أن هارنجتن كان صاحب أسلوب كلاسيكي، وعقل ~~كلاسيكي، وهو في هذا الكتاب أقرب إلى أن يلخص عصارة تفكير ~~الإنسانيين المعتدلين من الناحية السياسية، منه إلى أن يشق طريقا ~~جديدا. # ولا يمكن بالضرورة أن تكون طائفة الإنسانيين من الوضوح والتحديد ~~كما كانت الطائفتان الأخريان في أوائل القرون الحديثة - وأعني بهما ~~البروتستانت والعقليين؛ فقد كان الإنسانيون وهم يبحثون عن معايير، ~~وعن سلطة يستندون إليها، وهو مسعى كان خلال تاريخ الغرب بأسره من ~~ضروب النشاط الأساسية التي تمارسها الطبقات المثقفة حتى وهم ~~يحسبون أنهم ينبذون «كل سلطان» كانوا يرجعون إلى شيء إنساني بصفة ~~خاصة - لا هو مقدس ولا هو حيواني - وكانوا في اتجاههم هذا يميلون ~~من الناحية العملية إلى أن يكون من نتائجه الأولى تنوع عجيب من ~~المعايير والسلطات الممكنة؛ لأن لفظة «إنساني» بالتعبير البسيط ~~كلمة واسعة المعنى يمكن أن تمتد حتى تشمل كل شيء - تقريبا - بما ~~في ذلك المقدس والحيواني. # ونستطيع - لسهولة العرض ولعلمنا جيدا أن ما نبذله من جهد منظم ~~في تبويب الأفكار لا بد أن يكون ناقصا ms340 - أن نفصل بين هؤلاء ~~الإنسانيين الذين عاشوا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ~~ونقسمها قسمة تقريبية إلى طائفتين أطلقنا على إحداهما: «الخصبة»، ~~وعلى الأخرى: «المقتصدة». وأكثر الأوائل من الطائفة الخصبة بمعنى ~~ما، حتى إذا كانوا من الباحثين المتنبهين، وما إن حل القرن السابع ~~عشر حتى كان أكثر الرجال الذين تهمهم الإنسانية بصفة خاصة ممن ~~ينتمون إلى الطائفة المقتصدة أو النظامية. ونستطيع - في شيء من ~~السذاجة، أو من البساطة على الأقل - أن نقول إن أكثر الرجال ~~الأوائل الذين رحلوا إلى اليونان والرومان التمسوا لديهم الحرية ~~التي تكفل للمرء أن يكون نفسه، وأن يساير ميوله، حتى إن كانت هذه ~~الميول سلسلة من الانحرافات، كما نستطيع أن نقول إن الرجال ~~المتأخرين - الذين مهد لهم الأوائل الطريق إلى اليونان والرومان، ~~بل جعلوا دراستهم جزءا من البرنامج المدرسي العادي - التمسوا ~~لديهم النظام، والهدوء، والترتيب، والبساطة. الطائفة الأولى تميل ~~إلى الاعتقاد بأن الغالبية تمكن الأقلية من الحرية في تنمية ~~فردياتهم أو قل إنهم لم يأبهوا بالغالبية. أما الطائفة الثانية، ~~التي عرفت أهوال الحروب الدينية، فكانت تعنى عناية كبرى ~~بالجماهير، وبالطرق التي تكفل لهم مكانة محترمة، أو قل في إيجاز ~~إنهم كانوا ملكيين ومدافعين عن السلطان. ولم تكترث كلتا الطائفتين ~~قلبيا أو بصورة فعالة بما نسميه اليوم قضية الديمقراطية. وحتى ~~الجانب الفرعي من الكلاسيكيين الإنسانيين، وهم الجمهوريون ~~الأرستقراطيون، مثل آلجرنون سيدني، لم يكونوا ديمقراطيين. # وقد خلف الإنسانيون أعمالا فنية لا تبلى، واشتركوا في تحطيم ~~الاتجاهات الوسيطة، كما اشتركوا بشكل إيجابي في إقامة الدولة ~~الدنيوية الحديثة بمعاييرها التي ترمي إلى التسوية وباتجاهها نحو ~~الكفاية. ولكنا على وجه الجملة لا نضمر في نفوسنا اليوم من النزعة ~~الإنسانية بمقدار ما تحدثنا به كتب الدراسة. إن الإنسانيين لم ~~يكونوا البتة البناة الرئيسيين للعالم الحديث، كما لم يكونوا صانعي ~~العقل الحديث، وبمقدار ما كان لهذين القرنين من أثر في صنعنا على ~~الصورة التي نحن عليها، كان أصحاب الأثر الأكبر هم البروتستانت ~~والعقليين، ورجال العلم. # الفصل التاسع # | صنع العالم الحديث: (ثانيا) ~~البروتستانتية # كان ms341 مارتن لوثر راهبا أوغسطيا. وبين مارتن لوثر وأوغسطين ملاءمة ~~في الصلة العقائدية، وإن لم تكن في هذه الملاءمة بطبيعة الحال علاقة ~~سببية. وقد رأينا أن عمل القديس أغسطس الذي شغل حياته كلها قد جعله من ~~عمد الكنيسة الكاثوليكية، بيد أن شخصيته - بالرغم من ذلك - تنطوي على ~~ذلك الجهد الصوفي الذي يهدف إلى الكمال، والذي كان دائما يقدم ~~المشكلات للأفراد الأقل قداسة الذين تقع على عواتقهم إدارة الأمور في ~~هذه الدنيا. وليست الحركة البروتستانتية - بمعنى من معانيها الهامة - ~~سوى مظهر آخر لما بينا بالتحليل من قبل أنه التوتر المسيحي الشديد ~~بين هذه الدنيا والدار الآخرة، أو بين الواقعي والمثالي. ولسنا بحاجة ~~نحن المحدثين إلى أن نذكر بأن لوثر وكالفن وزوينجلي كانوا يتزعمون ~~حركات تختلف اختلافا شديدا في هدفها وتنظيمها عن محاولات العصور ~~الوسطى لإصلاح الشعائر الدينية القائمة. وذلك لسبب واحد وهو أنهم نجحوا ~~في إقامة الكنائس، وقد أخفق وايكليف وهس من قبل في إقامتها. ونستطيع ~~من ناحية أخرى أن نقول إن الكنيسة الكاثوليكية لم تستأنسهم أو تمتصهم ~~كما فعلت ب «الإخوان الفقراء». # ولسنا بحاجة إلى التذكير بالدور الذي لعبته النظم الاقتصادية، ~~والقومية، وشخصيات الزعماء، في التفريق بين الثورة البروتستانتية ~~وحركات الإصلاح في العصور الوسطى. بل ربما كنا في حاجة إلى التذكير بأن ~~البروتستانتية - مهما بلغت من العمق مشكلاتها الاقتصادية والسياسية - ~~قد اكتسبت قلوب الناس وأفئدتهم برجوعها إلى التقاليد المسيحية. وحتى من ~~الناحية الشكلية يصدق هذا القول، وليس الشكل البتة من الأمور التي ~~ليست بذات أهمية. وقد أصر المصلحون البروتستانت جميعا على أنهم لم ~~يكونوا مجددين، وإنما كانوا يرجعون إلى يسوع والكنيسة الأولى، وهي ~~الكنيسة المسيحية «الحق». # وقد كان احتذاؤهم - باعتباره عملا يراه المشاهد المحايد - يختلف جد ~~الاختلاف عن احتذاء القديس فرانسيس. وإذا كانت البروتستانتية هي مجرد ~~مظهر من مظاهر جهد المسيحية في الارتفاع بطبيعة الإنسان البدائية، فيجب ~~أن نذكر أنفسنا بأن هناك طرائق عدة تظهر فيها هذه الطبيعة البدائية، ~~وطرائق عدة لمحاولة الارتفاع بها. ويجب أن نسأل أنفسنا عما كان جديدا ms342 ~~في بروتستانتية أوائل القرن السادس عشر - جديدا بالرغم من أن صانعيه ~~كانوا يحسبونه قديما. وعناصر الجدة هذه تسير بنا شوطا بعيدا نحو ~~تفسير السبب في أن طوائف البروتستانتية أمسوا كنائس طائفية بدلا من ~~أن يكونوا مجرد جماعات متزندقة تحيا حياة خفية على أية صورة من الصور، ~~كما كان اللولارد والهوسيت. # ولكنا يجب أن نسجل أولا أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ذاتها ~~كانت تخضع في القرن الرابع عشر - وفي القرن الخامس عشر خاصة - للضغط من ~~فترة القلاقل التي كانت في ذلك الحين تشير إلى تدهور ثقافة العصور ~~الوسطى. وكما أن مباني الكنيسة قد أخذت كثرة الألوان الزاهية عن الطراز ~~الغوطي الذي زاد في نضجه، فكذلك اتجهت حياة الكنيسة اتجاها أكثر ~~دنيوية، وأشد انحلالا، وفقدت ذلك الاتزان الدقيق الذي ساد في عصر ~~أكويناس؛ فقد غالى المدرسيون في جدلهم الفارغ، وتنوعت نظم الأديرة، ~~وزاد عدد رجال الدين الذين ليسوا من الدين في شيء، أو على الأقل باتوا ~~أقوى ظهورا على مسرح الحياة. ونستطيع بصفة عامة أن نقول إنه ليس هناك ~~أي نظام من النظم يبلغ من السوء مبلغ ما يصوره خصومه - وبخاصة إذا ~~كانوا ناجحين في حملتهم. فالنظام القديم في فرنسا لم يكن من السوء كما ~~يصوره رجال الثورة الفرنسية. ولم يكن جورج الثالث بتاتا ذلك الحاكم ~~المستبد الذي يرسم الثوار الأمريكيون صورته. ولم تبلغ كنيسة البابا ~~إسكندر السادس (رودريجو بورجيا) البتة من سوء الخلق ما بلغ ذلك البابا ~~المفتري، ولم تكن البتة تلك الحمأة من المظالم كما تصورها الدعاية ~~البروتستانتية. إن التاريخ - كصحفنا اليوم - يحب العناوين الكبرى. ولكن ~~العادي الذي لا يستحق الرواية في الصحف يوجد بالرغم من هذا. وكم من ~~قسيس أو راهب هادئ في القرن الخامس عشر عاش عيشة مسيحية كما عاش أسلافه ~~في القرن الثالث عشر. # وبالرغم من هذا فقد كان هناك في الواقع تدهور في المستوى العام ~~للحياة المسيحية والنظم المسيحية - وتدهور أكيد في قممها - في ~~السنوات الأخيرة من العصور الوسطى. وقد بذلت الجهود لانتشال الحياة من ~~هذا التدهور؛ ms343 فكانت هناك الثورات العلنية التي سبقت لوثر، وبخاصة ثورة ~~وايكليف في إنجلترا، وهس في بوهيميا. وإنك لتجد كثيرا من الآراء، ~~وكثيرا من طرق التنظيم التي لجأ إليها البروتستانت المتأخرون كامنة في ~~هذه الحركات. وهنا تجد من غير شك ما يسميه المؤرخ - في غير دقة - ~~ب «المؤثرات». ألم يعترف لوثر نفسه - كارها - بفضل هس عليه؟ # ويجب أن نذكر ثانيا حركة إصلاح الكنيسة من داخلها بالوسائل التي ~~نسميها اليوم دستورية، وهي الحركة التي قامت بها المجالس الدينية في ~~القرن الخامس عشر، والتي تمخضت عن كتابات كثيرة يقدرها مؤرخ الفكر ~~السياسي قدرا كبيرا. وكان هؤلاء المفكرون من رجال الدين في الفترة ~~الأخيرة من العصور الوسطى، ويمثلهم جين جرسون، لا يزالون يعملون في ~~إطار من أفكار العصور الوسطى. وتستطيع أن تستمد من جرسون شيئا يشبه أن ~~يكون مشورة مقننة لدستور مختلط، تمتزج فيه عناصر الملكية، ~~بالأرستقراطية، بالديمقراطية المعتدلة. وقد كانت هذه المشورة المقننة ~~جذابة دائما للمعتدلين العقلاء من الرجال، من أرسطو إلى منتسكيو ~~والإنجليز لعهد فكتوريا. وقد كان جرسون وزملاؤه يؤمنون إيمانا علميا ~~كاملا «فيما ينبغي أن يكون» في غير إسراف، وبالعقيدة الوسيطة الكاملة ~~بأن الله قد قدر الإدارة الصحيحة للكون في جلاء لا يعجز أي رجل ~~معقول أن يدركه. ولما كان أعضاء الحركة الدينية يجتمعون في الواقع في ~~مجالس تصطدم اصطداما عنيفا بالبابوات، فإنهم بذلك قد أدوا واجبهم ~~نحو تمهيد الطريق لحركة الإصلاح الديني. إنهم لم يفلحوا في إخضاع ~~البابا لهيئة من رجال الدين تشبه المجلس النيابي، ولكنهم تحدوا القوة ~~النامية للبيروقراطية الرومانية. غير أن ألفاظهم، واتجاهاتهم، كان ~~ينقصها المرارة والعنف والرجوع صراحة إلى ميول الجماهير كما كان لوثر. ~~كانت تنقصهم الدفعة الثورية التي تميز بها كالفن، وكانت تنقصهم ~~اللمسة القوية الواقعية - التي نألفها اليوم - كما كان ميكافيلي. ولا ~~نريد بهذا أن نقول إن جرسون وزملاءه كانوا إلى العصور الوسطى أقرب منهم ~~إلى العصر الحديث، وإنما نريد أن نقول إنهم كانوا أمثلة لتلك الظاهرة ~~الغريبة الدائمة، وجود المثالي والمصلح المعتدل، رجل الألفاظ ~~الرقيقة. ms344 # ولا مراء في أن الألفاظ يمكن ~~أن تكون لها آثار عملية في هذا العالم - عالم العلاقات الإنسانية. وهي ~~لا تنقلب إلى أعمال وحدها، وفي ذلك تشبه الغاز في آلة الاحتراق الداخلي ~~الذي لا يتفجر وحده. وقد أبيت (في الفصل الأول) أن أنساق بشدة إلى شكل ~~الجدل المعاصر الذي ليس من ورائه جدوى: أقصد الجدل في أيهما أسبق ~~البيضة أو الكتكوت - أي الجدل في التفسير الاقتصادي للتاريخ. وليست بنا ~~حاجة إلى التساؤل عما إذا كانت الآراء البروتستانتية هي التي أدت إلى ~~التغيرات الاقتصادية، أم إن التغيرات الاقتصادية هي التي أدت إلى ~~الأفكار البروتستانتية؟! وأود أن أحذر القارئ بأن الإصلاح ~~البروتستانتي هو أحد الميادين الكبرى للعراك في الجدل بشأن الحتمية ~~الاقتصادية، وأنا في هذا الكتاب آخذ بوجهة النظر التي ترى أن التغيرات ~~الاقتصادية، التغيرات في الطريقة التي يؤدي بها الناس في المجتمع ~~الغربي أعمالهم اليومية، عنصر هام في النظام الاجتماعي بأسره الذي ~~أفلح فيه الإصلاح البروتستانتي. هذه التغيرات - إذا استعرنا المصطلحات ~~الطبية التي تستحق رجوع القارئ إلى المعاجم - جانب من المرض (سندروم) ~~لا نعرف أسبابه معرفة كاملة. إن التغيرات الخطيرة، كتلك التي تترتب على ~~تحويل الاقتصاد الإقطاعي المكتفي بذاته إلى اقتصاد نقدي يقوم على تجارة ~~واسعة، تغيرات تتوقع أن تصاحبها وتعقبها تغيرات خطيرة في جميع ميادين ~~الحياة البشرية. إننا لا نتوقع أن تصطحب هذه التغيرات بالضرورة بإصلاح ~~بروتستانتي، أو أن يعقبها مثل هذا الإصلاح، كما حدث فعلا؛ فإن تغيرات ~~مشابهة في أنواع بسيطة من الاقتصاد غير الأوروبي في الأزمنة الحديثة - ~~في اليابان مثلا - لم يصاحبها إصلاح بروتستانتي، وإنما صاحبتها تغيرات ~~مختلفة أخرى. # إن أبسط تفسير اقتصادي للثورة البروتستانتية - يسبق ماركس بفترة ~~طويلة - وربما عبر عنه تعبيرا قويا الثائر الإنجليزي وليام كوبت، ~~الذي عاش في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. يقول هذا ~~التفسير إن الكنيسة الكاثوليكية في كل مكان قد أثرت ثراء عريضا خلال ~~العصور الدينية الوسيطة من تبرعات الواهبين الأغنياء الذين كانوا ~~يتوقون إلى أن يضمنوا لأنفسهم مكانة في ms345 السماء، وقد تطلع الملوك ~~والأمراء وأتباعهم من الطبقات الحاكمة ممن كانوا باختصار في حاجة ملحة ~~إلى المال، إلى هذه الثروة، وحقدوا على أصحابها، فاغتنموا الآراء ~~المجردة التي جاء بها لوثر ورفقاؤه في العمل، واتخذوها وسيلة لكي ~~يبرهنوا للعالم أن اغتصاب أموال رجال الكنيسة أمر لا غبار عليه. ~~وكانوا مدينين دينا عظيما للطبقة الجديدة من التجار والممولين، ~~فتمكنوا من سد جانب من الدين من الأراضي والملكيات الأخرى التي ~~استولوا عليها من الكنيسة. وهكذا نشأت طبقة حاكمة جديدة جشعة في المال، ~~وعنها خرج الرأسماليون في العصر الحديث. # وهذا التفسير كله ينطبق تمام الانطباق على التجربة الإنجليزية. أما ~~في ألمانيا فقد كان الأمراء أصحاب الأراضي هم المنتفعين الأساسيين من ~~تجريد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية من أملاكها. وفي فرنسا - حيث ~~لعب الإصلاح الديني دورا هاما وإن لم يكن دور الظافرين - لم تكن ~~المغامرات الاقتصادية بكل هذا الوضوح، وليس هناك - فوق ذلك - دليل على ~~أن الطبقات الحاكمة في أكثر أنحاء أوروبا التي بقيت كاثوليكية كانت ~~أقل جشعا أو أقل احتياجا إلى المال من تلك الأنحاء التي تحولت إلى ~~البروتستانتية؛ فقد كان الأمراء الإيطاليون في حاجة إلى المال كما كان ~~الألمان. وحتى التاج الإسباني قد شهد ثروة العالم الجديد وهي تتسرب، ~~وعانى أزمة مالية حادة. ومن الجلي أننا بحاجة إلى تفسير أدق. وقد أمدنا ~~به الماركسيون. # كانت هناك أولا - طبقا للتفسير الماركسي - سلسلة كاملة من ~~التغيرات المادية الاقتصادية (ودعنا في هذه الآونة لا نسأل عن السبب في ~~هذه التغيرات العنصرية) تعزز الاقتصاد التجاري الجديد، ويدير هذا ~~الاقتصاد الجديد - أو يفيد منه على الأقل - رجال المال، والتجار، وهم ~~طلائع طبقة تهدف إلى الشهرة أو النفوذ، هي طبقة البرجوازية. ولم يكن ~~بوسع هؤلاء الرجال أن يتعايشوا مع الطبقة الحاكمة الإقطاعية القديمة، ~~التي حددت عاداتهم العقلية والبدنية مراكزهم كأعيان يملكون الأراضي. ~~والطبقة الإقطاعية القديمة تفرض الضريبة على التاجر، وتحط من شأنه، ~~وتخدعه وتعاون الكنيسة على محاولة فرض تلك الآراء الطبقية التي تدعو ~~إلى اعتدال الأسعار، وتحريم الربح باسم الربا، وكل ms346 اتجاهات العصور ~~الوسطى إزاء التجارة مما سبق لنا تحليله عند الكلام على نظريات العصور ~~الوسطى في العلاقات الإنسانية. ولم يكن التاجر الجديد يريد إلا أن ~~يشتري في أرخص الأسواق ويبيع في أغلاها. ولم يكن يريد أن يكون لعماله ~~أبا أو حاميا . إنه لم يرد بالنسبة إليهم إلا أن يكون صاحب العمل. ~~وقد بدرت بالفعل حوالي عام 1500م بادرة التاجر الحديث بصورة ملموسة. ~~ومن الطبيعي أن يستغل البروتستانتية ضد كنيسة تحاول أن تفرض طرقا ~~اقتصادية تناقض مصالحه، ومن الطبيعي أن تنجح البروتستانتية في أجزاء من ~~أوروبا حيث كان التجار الجدد، وأن تفشل حيث لم يصيبوا نجاحا. وكانت ~~إنجلترا المتقدمة وهولندا مثلا تعتنق البروتستانتية، في حين لبثت ~~إسبانيا ونابلي المتخلفة كاثوليكية. # وقد أضاف العالم الاجتماعي الجرماني المشهور ماكس وبر قوة جديدة إلى ~~التفسير الاقتصادي. إن وبر يقبل جانبا من التفسير الماركسي وبخاصة ~~تأكيده للنضال الطبقي، واعتناق الطبقة الوسطى الناشئة للبروتستانتية. ~~غير أنه يزعم أن النظرة البروتستانتية إلى الحياة، وأن المثل ~~البروتستانتية الخلقية، لم ترق لمحبي المال الجشعين لمجرد كونها ~~تبريرا لسلب أملاك الكنيسة الكاثوليكية (وهي نظرية كوبت)، بل إن هذه ~~الآراء البروتستانتية - في زعمه - هي أنني شكلت أولئك الذين اعتنقوها ~~وأهلتهم لجمع المال، وكونت منهم الطبقة الوسطى التي نعرفها جميعا. ~~إن فكرة لوثر بأن كل أمرئ له عمل يفرضه عليه الإله، وأن أداء هذا العمل ~~من إرادة الله، هذه الفكرة عاونت على تكوين النظريات الأخلاقية التي ~~آمن بها التاجر الحديث. غير أن كالفن في الواقع هو الذي كان المصدر ~~الحقيقي لهذه النظريات الخلقية. وفي البلدان الكالفنية تم في هذه ~~القرون الأولى ادخار رأس المال الذي مول الثورة الصناعية فيما بعد. ~~إن الكالفنية لم تبشر بكرامة العمل فحسب، بل أصرت عليه؛ لأن الشيطان ~~يترقب الأيدي العاطلة، والعمل جزء من دين الإنسان للإله القوي الجبار. ~~وكان النجاح في العمل دليلا على رضى الرحمن، والربح بطبيعة الحال ~~مشروعا. ومن ثم فإن الكالفني يجد ويجتهد ويكون الدخل. أما ~~من ناحية الإنفاق فالكالفنية لا تشجع البذخ، أو ms347 التظاهر، أو الرياضة، ~~أو زينة الكنائس - أو هي بإيجاز لا تشجع الصرف إلا في ضرورات الحياة ~~الفاضلة المتينة. ولما كان الدخل يزيد على الإنفاق فالكالفني يدخر. ~~وهذا الادخار هو رأس المال الذي يعود إلى التجارة. وهكذا يصبح الكالفني ~~رأسماليا، رجلا ثريا، ولكنه يدخل الجنة كذلك، وهو فوق ذلك سعيد كل ~~السعادة لأن النبيل الذي استغرق في الديون والذي كان يتكبر عليه ويؤذي ~~شعوره من قبل لم يمس فقيرا فحسب، وإنما كتب عليه الجحيم كذلك لأنه ~~ليس بالكالفني. # لقد ابتذلت في العبارتين الأخيرتين نظرية وبر إلى حد ما، ولكني ~~عرضتها عرضا واضحا في خطوطها العريضة. إن الحجج التي تساق - على وجه ~~الإجمال - لتفسير نشأة البروتستانتية ونموها تفسيرا اقتصاديا مقنعة ~~للغاية. غير أن هناك أمرا آخر غير ذلك ضروريا. إن الأعراض ~~الاقتصادية - حتى مع ما أضيف إليها اجتماعيا وسيكولوجيا بصورة ~~خفية - لا تدل على الظاهرة المرضية دلالة كافية. ولو كان ارتباط ~~البروتستانتية والرأسمالية - فوق ذلك - ارتباطا قويا، لتطابقا في كل ~~العصور، حتى تنطبق خريطة أوروبا التي تبين مراكز البنوك والتجارة ~~الجديدة الغنية على الخريطة التي تصور نمو البروتستانتية. في حين أن ~~مثل هذا التطابق لم يحدث قط، حتى بعد عام 1800م، عندما مالت ~~البروتستانتية والتصنيع إلى التطابق الجغرافي. وفي أوائل العصر الحديث، ~~قبل الانفجار اللوثري، كانت المراكز الكبرى للاقتصاد الحديث - ميلان ~~وفلورنسة وأوجزبرج والأراضي المنخفضة - في مناطق لم تتأثر إلا قليلا ~~بالحركات السابقة للبروتستانتية. كما أن شمالي إيطاليا ووسطها، وبلاد ~~الشمال الكاثوليكية، وبلاد الراين، وشمالي فرنسا الكاثوليكي استمرت بعد ~~لوثر خلال القرن السادس عشر كله رائدة للاقتصاد الجديد، وليس من شك في ~~أن الكالفنية عاونت على الإبقاء على الروح الرأسمالية وتقويتها، غير أن ~~القواعد الخلقية الكالفنية للنظام الرأسمالي لا تفسر البتة نجاح الحركة ~~البروتستانتية. وليست هذه القواعد إلا مصدرا واحدا من مصادر نجاح ~~البروتستانتية. # وثمة مصدر آخر، هو ذلك المركب من العادات والمصالح والمشاعر التي ~~نسميها القومية، وهي أحد الدوافع القوية في العالم الحديث. والقومية ~~موضوع سوف أعود إليه. وإنما يكفي هنا ms348 أن نشير إلى أن مكانة القومية في ~~الإصلاح البروتستانتي يمكن أن تدرس من ناحيتين: قومية الفئات الحاكمة، ~~وقومية الجماهير الكبرى. # ويستطيع المرء أن يسخر سخرية شديدة من دوافع مبدعي البروتستانتية كما ~~فعل هنري الثامن في إنجلترا. كان هنري على طريقة أهل زمانه الذين أخذوا ~~حديثا بمذهب العقل - يتطلع إلى أن يكون رجلا كاملا من جميع الوجوه، ~~باحثا ورياضيا ورجلا من رجال السياسة ومن ثم ألف (أو ألف ~~له كاتب مجهول) دفاعا عن الكاثوليكية يرد به على رسالة لوثر ~~الحديثة عن «أسر الكنيسة البابلي»، وكافأه البابا بمنحه لقبا رسميا ~~هو «المدافع عن الدين». ثم شرع يقطع صلاته بالكنيسة الكاثوليكية ~~الرومانية وأنشأ ما أضحى فيما بعد «كنيسة إنجلترا» وهي أسقفية ~~بروتستانتية. وفي خلال هذا التحول، تحول كثير من الثروة الضخمة التي ~~كانت تملكها الكنيسة الرومانية في إنجلترا إلى هبات للنبلاء والأعيان ~~الجدد من أسرة تيودور الملكية. وأمسى هنري نفسه رأس الكنيسة ~~الإنجليزية، وكأنه بابا في حدود معينة. وحدث مثل ذلك في تواريخ عشرات ~~من الإمارات الجرمانية. # ولكنا ينبغي - مع ذلك - أن نحذر من الأخذ بالدوافع الاقتصادية ~~الضيقة؛ فإن هؤلاء الحكام وأتباعهم لم يكونوا يهدفون إلى ملء جيوبهم ~~فحسب، وإنما كانوا كذلك يمهدون السبيل للدولة البيروقراطية الحديثة، ~~ويستبعدون مزايا رجال الدين، وأحكام الشريعة، وما كانت الكنيسة ~~الكاثوليكية تزعمه في موقف معين من تحررها تحررا مطلقا من ~~الرقابة العلمانية، هؤلاء الحكام البروتستانت الجدد كانوا يسعون إلى ~~بناء كنائس يمكن أن تقوم بمثابة بوليس الآداب في الدولة. ولكن إذا كان ~~النفوذ والثراء كلاهما في خطر بالنسبة لهؤلاء الحكام، فلماذا لم تكن ~~كذلك ضمائرهم؟ إن أمثال هنري الثامن، أو فيليب هس الجرماني الذي وقف ~~إلى جانب لوثر، كانوا وطنيين مخلصين يعتقدون فعلا أن الإيطاليين ~~الفاسدين كانوا يستغلون أرواح مواطنيهم كما يستغلون أبدانهم. والظاهر ~~أن وطنيتهم كانت تتفق اتفاقا تاما مع مصالحهم الدنيوية حتى إنا ~~لنميل إلى إسقاطها من حسابنا. في حين أن جون هودج وزميله الجرماني رجل ~~الشارع لم يحققا من حملتهما على البابوية سوى إرضاء ms349 عواطفهما. ولذا ~~فنحن نحس إحساسا غامضا بإخلاصهما. غير أنه من المؤكد أن المرء يمكن ~~أن يكون على عقيدة حتى في حالات كسبه. # إن عامة الشعب أشبعت عواطفها قطعا، والبروتستانتية في إنجلترا ~~واسكتلندا وهولندا وألمانيا خاصة كانت تنطبق تمام الانطباق على الشعور ~~بالقومية في تلك البلاد. وإنك لتلمس في رسائل لوثر - وبخاصة فيما كتب ~~منها بالألمانية - ومن أكثر ما كتب عن الصراع القائم، حب ألمانيا ~~والثناء عليها، وكراهية «الأجانب» واحتقارهم - والأجانب هنا هم ~~الإيطاليون - ذلك الحب الذي استمعنا إليه أجيالا عديدة. ~~«لأن روما هي أكبر لص وسارق ظهر - أو سيظهر - على وجه الأرض ... لقد ~~خدعنا نحن الألمان المساكين. خلقنا الله لنكون سادة، ولكنا أرغمنا على ~~أن نحني رءوسنا تحت نير الحكام الظالمين ... وقد آن أن يكف الشعب ~~التيوتوني عن أن يكون ألعوبة في أيدي رجال الدين من الرومان.» # وهذه النغمة عينها تسمعها في بلاد بروتستانتية أخرى، وإن تكن أقل من ~~ذلك عجيجا. وقد أخذت بعض البلدان فيما بعد، وعلى سبيل الدفاع، تطابق ~~بين الوطنية والكاثوليكية. ولا شك في صدق هذا الاتجاه لدى القوميات ~~التي خضعت لغيرها، كالإرلنديين والبولنديين. بيد أن الكنيسة الرومانية ~~الكاثوليكية قد احتفظت دائما بتنظيم عالمي، تنظيم له كثير من صفات ~~سلطة الدولة. أما البروتستانتية فلم تحقق قط في أي وقت من الأوقات ~~مثل هذا التنظيم. ولم تكن اجتماعاتها الدولية سوى اجتماع طوائف، أو ~~مؤتمرات، أو هيئات، ليست لها أية صفة من صفات «السيادة» أو حتى السلطة. ~~وهكذا ترون أن البروتستانتية كانت تتفق وأشكالا معينة من الكيان ~~الوطني، ولم تتفق مطلقا وأي كيان عالمي حقيقي. # إذن فلقد وجدت البروتستانتية في القرن السادس عشر كثيرا من مصادر ~~القوة التي كانت تنقص حركات الإصلاح السابقة. ثم إن البروتستانتية في ~~القرن السادس عشر قد اتخذت - فوق كل شيء - أشكالا عدة، وشكلت نفسها ~~طبقا لكثير من المواقف المحسوسة المتنوعة في كثير من أجزاء الغرب، حتى ~~إنه ليشق علينا أن نفسر نجاحها بسبب واحد. وكانت بعض مبادئها، وبعض ~~طرق الحياة التي تدعو إليها، مبادئ ms350 وطرقا تيسر لرجل الأعمال الحديث ~~البرجوازي وسائل العيش. إن البروتستانتية تدين بعض الدين ~~للرأسمالية. وهناك مبادئ أخرى يسرت للحكام وتابعيهم أن يضاعفوا من ~~ثرائهم ونفوذهم. غير أن البروتستانتية تدين بعض الدين لدوافع ~~اقتصادية وسياسية أكثر بساطة وقدما. البروتستانتية جاءت لتعزز اللغة ~~الشائعة، والثقافة الشائعة، والسلوك الشائع للجماعات المحلية التي ~~نسميها الأمم، وهي الجماعات المحلية التي اتخذت صبغتها الخاصة حتى في ~~القرن الثالث عشر. ثم اختلفت البروتستانتية مع الكنيسة الكاثوليكية ~~الرومانية اختلافا واضحا ناجحا، وهي الكنيسة التي كانت لها متاعبها ~~الخاصة التي عانت منها قرونا عديدة، كما كانت لها حركاتها التي قامت ~~بها المجالس الدينية، وأسرها البابلي، وكان فيها المثقفون الساخطون، ~~وأصحاب السير الناجحة البسطاء، وقادتها الدنيويون البارزون، وربما لم ~~يكن لوثر أقوى من وايكليف أو هس. ومن المؤكد أن خصومه أضعف من ~~خصومهما. # ونحن نتساءل - إذا أخذنا بهذا التفسير - ما الذي حدث للحركة ~~البروتستانتية من حيث صحتها، وتقدمها، وحداثتها، وديمقراطيتها؟ أليس ~~الإصلاح البروتستانتي أحد معالم التاريخ في الغرب؟ ثم ألم ينضم ~~البروتستانت - فوق هذا - إلى جانب الحرية الفردية، والحكم الذاتي ~~الديمقراطي، في حين أن الكاثوليك قد انضموا إلى جانب التسلط، ~~والامتياز؟ أولم يكن البروتستانت لذلك حديثين، والكاثوليك متأخرين ~~منتمين إلى العصور الوسطى؟ # إن هذه الأسئلة توحي بعنصر ينقص ما قدمنا من تحليل المصادر ~~البروتستانتية، وأحد هذه المصادر الحية الخصبة القدرة الإنسانية ~~الدائمة على التأثر بالمثل الخلقية العليا. إن أكثر الحركات ~~البروتستانتية قد استغلت هذه القوى البشرية الهائلة، كما استغلت قوى ~~أخرى يحب الواقعيون والمتشائمون أن يركزوا اهتمامهم فيها، في حين أن ~~الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لم تبذل جهدا ناجحا محكما لاستغلال ~~هذه القوى المعنوية، وذلك لفترة كانت قاضية على قضية الوحدة الدينية في ~~الغرب. ولما بذلت الكنيسة مثل هذا الجهد على أيدي القديس أجناشيوس ~~لويولا والإصلاح الكاثوليكي كان ذلك بعد أن فات الأوان للاحتفاظ ~~بالوحدة الدينية الغربية. # ولما كانت البروتستانتية هجوما على النظم القائمة، فإن بعض ~~الألفاظ التي كانت تستخدمها كانت تلك الألفاظ التي تستخدم لمقاومة ~~السلطان، وكان جانب من مناشدتها ms351 يتجه نحو الفرد، حقوقه وحريته، وضد ~~السلطة. لقد ناشد لوثر الإيمان الكامن في صدر الفرد مبتدئا بالأعمال ~~الطيبة التي يفرضها أصحاب النفوذ. إن هناك اتفاقا بين مناشدة ~~البروتستانت للفرد (لأن الناس في ذلك الحين لم يتحدثوا عن الفردية) ~~وبين مناشدة الفردية في القرن التاسع عشر. وقد ذكرنا من قبل - فوق ذلك ~~- أن البروتستانتية قد كانت فعلا في تطورها عونا على المبادئ الفردية ~~للتاجر الرأسمالي. وعاونت على تحطيم المركب الإقطاعي الوسيط في ~~السياسة، ومهدت الطريق للدولة البيروقراطية الملكية ذات الكفاية ~~والخطوط المستوية. # إن محاولة فهم أسباب نجاح أو إخفاق البروتستانتية (على أية صورة من ~~صورها وفي شتى أشكالها) ضد الكاثوليكية فهما محددا بمساحات أرضية ~~محدودة، نوع من المرانة الجذابة في العلوم الاجتماعية التي لم تبلغ ~~بعد حد النضج. إن كل العوامل المتباينة التي تعرضنا لها لها أثرها ~~في كل حالة من الحالات، بل إن هناك كذلك عوامل أخرى. ومن الواضح أنه ~~ليس لدينا مقياس دقيق نقيس به. فلا نستطيع مثلا أن نقول إن كل ~~الشقراوات اعتنقن البروتستانتية، وإن كل السمراوات بقين كاثوليكيات. إن ~~أهل الشمال لم يقبلوا البروتستانتية جميعا، وكذلك لم ينبذها أهل ~~الجنوب جميعا. ولم تكن الشعوب الجرمانية كلها بروتستانتية، كما لم تكن ~~الشعوب اللاتينية كلها كاثوليكية. ولا نستطيع أن نقول إن أصحاب ~~المشروعات وأصحاب الأعمال انقلبوا بروتستانت، وإن المزارعين والفلاحين ~~لبثوا جميعا كاثوليكا. # ومع ذلك فإن بعض العوامل أهم من بعض. وعندي أن الأمثلة المحسوسة في ~~إنجلترا وإيرلندا وفرنسا والأراضي المنخفضة والولايات الجرمانية تدل ~~على أن البروتستانتية تنتشر عندما تطابق الشعور القومي السائد، وتفشل ~~عندما لا تطابقه؛ فقد كان للبروتستانتية في فرنسا مثلا قوة عظمى في ~~القرن السادس عشر. وكان كالفن نفسه رجلا فرنسيا. وبالرغم من الآراء ~~الأمريكية الشائعة عن الخلق القومي الفرنسي، فإن الفرنسيين يعدون من ~~البيوريتان الطيبين كغيرهم. غير أن التاج الفرنسي، وهو بؤرة الوطنية ~~الفرنسية، لم يجن شيئا له أهمية من انفصاله عن روما؛ فقد كان له من ~~قبل بالفعل استقلال عظيم. إن أكثر الفرنسيين لم ms352 يطابق بين الفرنسية ~~والبروتستانتية، كما أن أكثر الجرمان الشماليين قد طابقوا بين ~~البروتستانتية والجرمانية. والواقع أن فرنسا في أواخر الحرب الأهلية في ~~القرن السادس عشر، وأقصد أكثر أوساط الفرنسيين، قد طابقوا بين ~~البروتستانتية والخيانة لفرنسا. ثم إن الكالفنية كان معناها الوطنية ~~للهولنديين، ومقاومة الكالفنية - أو الإخلاص للعقيدة الكاثوليكية - كان ~~معناها الوطنية لتلك الأقاليم الجنوبية من البلاد المنخفضة، التي لم ~~تهضم بعد - بل كانت منافسة لبقية الأقاليم - وهذه الأقاليم الجنوبية ~~هي التي أمست بلجيكا الحديثة المستقلة. وأقول عرضا إن هذه المباينة ~~بين هولندا البروتستانتية وبلجيكا الكاثوليكية مباينة تشوق أصحاب ~~النظرية الحتمية الاقتصادية البسطاء، وتغريهم ببحثها؛ لأن هذه المساحات ~~الصغيرة المتجاورة كانت من المراكز التجارية والصناعية لعدة قرون، أي ~~إن اقتصادياتها كانت في إيجاز على تشابه شديد. # وهناك هوة عميقة بين بروتستانتية القرن السادس عشر وفردية القرن ~~التاسع عشر عند الأمريكان الذين ألفوا الكتب الدراسية التي تعادل بين ~~الحركتين. إن أولئك الرجال الذين ابتدعوا البروتستانتية، وبخاصة لوثر ~~وكالفن، لم يكونوا في الواقع حديثين في روحهم (وأنا لا أستخدم لفظ ~~«الحديث» في هذا الكتاب للقدح أو الثناء، وإنما لأشير إلى صفات الثقافة ~~الغربية منذ عام 1700م على وجه التقريب) وهم بالتأكيد لم يؤمنوا ~~بالحرية. إن البروتستانتية يمكن - إذا نظرنا إليها من الناحية ~~التاريخية - أن تبدو وسيطة جدا في ملامحها. والبروتستانتية - وهي ~~تعد بحق أحد العوامل التي صنعت العالم الحديث - قد تحولت تقريبا ~~إلى حركة حديثة بالرغم عنها وبالرغم عن قادتها. لقد كانت البروتستانتية ~~في طبيعتها وأهدافها محاولة وسيطة أخيرة، ومحاولة مسيحية محض عظيمة ~~وأخيرة، لتبرير تصرف الإله في الإنسان بطريقة عملية. # طبيعة البروتستانتية # هنالك في الواقع صور متعددة للبروتستانتية؛ فإن العبادات عند ~~الكنيسة الكبرى الأسقفية لا تشترك إلا في القليل مع العبادات عند ~~الموحدين المتزمتين، أو المؤسسين الأوائل. وسوف نحاول بعد قليل أن ~~نصنف أنواع البروتستانتية المختلفة كما ظهرت في القرنين السادس ~~عشر والسابع عشر. ولكنا نستطيع مع ذلك أن نضفي على البروتستانتية ~~بوجه عام صفة واحدة. إن أكثر أوجه الخلاف سلبية، غير ms353 أن هذه الصفة ~~إيجابية. # إن حركة البروتستانتية تشف عن شكل معين من أشكال الجذب أو ~~التناقض الذي سبقت لنا الإشارة إليه في صورة الثقافة الغربية ~~الأخرى. كانت البروتستانتية ثورة على سلطة قائمة تمتلك الصفات ~~الخارجية لأي سلطان (كالتنظيم، والقوانين، والطقوس والتقاليد). وقد ~~ناشدت البروتستانتية الناس «ألا يعتقدوا في ذلك أو يطيعوا»، بل ~~ناشدتهم في الواقع - وفي حماسة - أن يعتقدوا في أمور أفضل وأن ~~يطيعوا رجالا أفضل، وقوانين أفضل. وقد أصر أكثر دعاتها نجاحا، ~~لوثر وكالفن، على أن ما دعوا الناس إلى اعتقاده، وإلى طاعته، هو ~~مسيحية يسوع الصادقة، ولم يكن بدعة مستحدثة، وليس هناك بروتستانتي ~~في السنوات الأولى يستطيع أن ينكر حقيقة العصيان، وهو عصيان على كل ~~فرد أن يقرر القيام به. وقد عرض لوثر قضية العصيان صراحة في أخطر ~~عبارات التعبير عنها، وكان رجل عمل يتصف بعدم المبالاة بالاتساق ~~الفلسفي، وهو نوع من عدم المبالاة يبدو للرجل المنطقي ضربا من ~~ضروب الغباء. # وما دام القسيس البابوي يقف عقبة بين الإنسان وربه - كما يقول ~~لوثر في دعواه - فلنتخلص من أي شيء قد يقف مرة أخرى عقبة في ~~وجوهنا. وليكن كل فرد قسيس نفسه. ومن الزعم الباطل أن نفترض أن ~~الله، القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، يرضى عن قيام مثل هذه ~~الوسيلة البشرية البسيطة - أعني الكنيسة - لتتدخل في العلاقة بينه ~~وبين مخلوقاته. ثم إن الله قد أوضح نواياه في الكتاب المقدس، الذي ~~يستطيع كل امرئ أن يطالعه بنفسه دون وساطة القسس. وسوف أعود بعد ~~لحظة إلى بعض ما يترتب دينيا على هذه الدعوى اللوثرية الشهيرة ~~الموجهة إلى ضمير الفرد. أما من الناحيتين السياسية والخلقية فقد ~~كان لوثر الذي يبشر بهذه الآراء إنما يبشر بالفوضى؛ إذ كان ينصح كل ~~إنسان أن يصغي إلى شيء في نفسه وأن يهمل كل ما كان خارج نفسه ~~- كالقانون، والعادات والتقاليد، وميراث العصور الوسطى من ~~المسيحية. غير أن لوثر كان في الواقع ينصح المرء أن يصغي إلى نداء ~~ضميره، وقلبه، وجرمانيته، وروحه كلها، وهو يعتقد ms354 اعتقادا جازما ~~ساذجا إنسانيا إلى أبعد غاية أن هذا النداء يتفق كل الاتفاق مع ~~ما كان ضمير لوثر نفسه، وقلبه، وجرمانيته، وكل روحه، لا يكف عن ~~دعوته إليه (وما أكثر الأمور التي تبلغ بها البساطة في هذه الدنيا ~~حد بلبلة الخواطر). إن لوثر قد ناشد الرجال الأحرار لأنه كان يعتقد ~~أن كلا منهم لوثر - على صورة مصغرة هادئة، وهي وإن لم تكن موهوبة ~~إلا أنها تشبه لوثر على كل حال. ولما تبين له أثناء ثورة ~~الفلاحين أن الرجال الأحرار إنما كانوا يريدون أمورا أخرى تختلف ~~عما يريده كل الاختلاف - فهم يريدون المساواة الاجتماعية ~~والاقتصادية، ويريدون النعيم على هذه الأرض عاجلا، يريدون في شئون ~~العلاقة الجنسية شيئا أكثر من مجرد قيام القسيس بمراسم الزواج بل ~~يريدون الكثير مما لم يحب لهم أن يريدوه - لما تبين له ذلك أمدهم - ~~طوعا - بنوع من الوساطة بين الله وهؤلاء القوم البائسين. أمدهم ~~بالكنيسة اللوثرية، وهي الكنيسة التي لها قوانينها الخاصة، ~~ومعتقداتها، وأساقفتها، وقسيسوها، ومذهبها العملي الخاص فيما يتعلق ~~بالعمل الطيب. وكان لوثر يرى أن الإقناع بالعقيدة لا يمكن أن يبرر ~~الحركة التي تدعو إلى عدم الإيمان بالتعميد أو التقيد بالقواعد ~~الخلقية الدينية. وإذن فإن الثورة على السلطان قد انتهت بلوثر إلى ~~إقامة سلطاته هو نفسه. # وربما أثارت - أو حيرت على الأقل - الفقرات السابقة كثيرا من ~~البروتستانت في السنوات الأولى؛ فهم لم ينظروا إلى حركتهم ~~باعتبارها محاولة لتحرير الناس حتى يستطيعوا بطريقة ما أن ينسجوا ~~من جديد مصير حياتهم من مصادرهم الباطنية الخاصة. إنما نظروا إلى ~~الحركة التي قاموا بها على أنها محاولة لرد الناس إلى السلطة الحق، ~~وإلى السيد الحق، إلى الله. إن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية قد ~~قلبت كلمة الله، ولكن هذه الكلمة لحسن الحظ ميسورة، ويمكن أن ~~تترجم إلى اللغات الأوروبية الحية. ولما كان الإنجيل ميسورا ~~باللغة القومية فإن القسيس لم يعد صاحب الاحتكار الذي كان له ~~عندما لم تكن هناك سوى الترجمة اللاتينية. وقد عمل كبار المصلحين - ~~وايكليف وهس ولوثر وكالفن - على نشر ms355 الإنجيل بلغاتهم على نطاق ~~واسع، وأمكن للمطبعة في القرن السادس عشر أن تخرج الإنجيل بأعداد ~~تكفي الجماهير، وأمسى بوسع كل امرئ أن يكون بين يديه كتاب مقدس. ~~ومن ثم بات الإنجيل هو السلطة الحقيقية التي لا تقبل الجدل؛ ~~فهو من كلام الله وليس من كلام الإنسان. # إن أولئك الذين لا يزالون يعتقدون أن قراءة الإنجيل هي حل لمشكلة ~~الحرية والسلطة أقلية نرعاها فنسميها «طائفة المؤسسين». وأما من ~~وجهة النظر التي اتخذناها عن عمد في هذا الكتاب فإن الإنجيل ليس ~~بالتأكيد هو ما يعنيه أكثر الناس بالسلطة (أو المرجع) فإنك إن دخلت ~~في جدل حول عدد سكان مدينة نيويورك في التعداد الأخير وجدت المرجع ~~في عشرات من أمهات الكتب، ولكنك إن دخلت في جدل حول المعنى الحقيقي ~~ل «العشاء الأخير» استطعت أن تعزز حجتك من الإنجيل، ولكنك ~~بالتأكيد لا تجد للمشكلة حلا نهائيا، وربما وجد الناس في ~~الإنجيل - مع تبسيط الأمور تبسيطا شديدا - ضالتهم المنشودة. وقد ~~دفع رجوع البروتستانت إلى الإنجيل البحث عن الكلمة النهائية خطوة ~~واحدة إلى الوراء، فإن «شخصا ما» لا بد أن يقول ما يعنيه الإنجيل ~~في نقطة ما، و«شخصا ما» لا بد أن يقوم بما يشبه الأعمال التي كان ~~يؤديها الآباء، والشرائع والكنيسة الرومانية منذ زمان بعيد. إن ~~الإنجيل لا يمدنا بالمرجع، إنما يمدنا به مفسروه. وإذن فالمستقل ~~برأيه يجد نفسه مرة أخرى تابعا لغيره في الرأي. # ومثل هذه التبعية هي المصير العام لكل الثائرين في هذا العالم، ~~إذا هم عاشوا بعد نشوب الثورة. وقد كان من السهل دائما من الناحية ~~العملية للثائرين السياسيين، بل والثائرين الاقتصاديين، أن يعيدوا ~~بناء سلطة من السلطات تحل محل السلطة التي ثاروا عليها، وسرعان ~~ما جعلت فرنسا اليعقوبية وروسيا البلشفية الطاعة أمرا له قدره ~~واحترامه. غير أن الثورة البروتستانتية - لسبب ما، وربما كان ذلك ~~في الحق بسبب الطموح السامق إلى الحقيقة الأبدية التي يعالجها ~~الفلاسفة ورجال الدين - لم تحي قط حياة ناجحة على مستوى أسفل ~~من أصولها الثورية. فأبقت نشأتها المتوترة ms356 إلى حد كبير حية، على ~~الأقل في حدودها وفي أعماقها؛ فهي لم ترد للناس أن يلتمسوا ~~التبرير إلا في إيمانهم، وهي لم تر أحدا سوى الأحرار من الناس، ~~ولكنها أرادت كذلك عالما نظاميا مرتبا. غير أن ذلك معناه من ~~وجهة النظر الكاثوليكية - كما عبر عن ذلك بوسيه مثلا - أن ~~البروتستانتية تولد دائما مذاهب جديدة، وتحتج على المحتجين ~~الأوائل وأنها تتحول بذلك إلى عالم لا نهاية له، وأن ~~البروتستانتية لا يمكن أن تقوم لها وحدة لأنها لا تستند إلى مبدأ ~~له الكلمة النهائية. ويمكن أن نعبر عن ذلك بصيغة أكثر تقديرا ~~للبروتستانتية فنقول إنها الوارث الحقيقي لفكرة السعي إلى تحقيق ~~كمال سماوي على الأرض، وهو السعي الذي عبرت عنه المسيحية في ~~العصور الوسطى بالعزلة الصوفية، وبالحروب الصليبية، وبإصلاح ~~الأديرة؛ أي بالهرطقة الأبدية. أو قل إن البروتستانتية كانت هي ~~الوريثة الحقيقية حتى جاء عصر التنوير ببشير آخر أقرب إلى هذه ~~الدنيا. # لأن العقائد البروتستانتية الكبرى قبلت العقيدة المسيحية ~~القديمة في الخطيئة الأولى - وهذا حكم عام سلبي مبدئي. وقد ~~بالغ كالفن - كما نعلم - في تصوير الجانب المظلم من النظرة ~~الكاثوليكية إلى الإنسان الحيواني، والكالفنية المتطرفة شديدة ~~التشاؤم فيما يتعلق بقدرة الإنسان على أن يحيا حياة طيبة في هذه ~~الدنيا، وليس مذهب لوثر الذي يقوم على أساس التبرير بالإيمان ~~إثباتا بأن الناس يولدون طيبين، وأنهم يستطيعون باتباعهم رغباتهم ~~الطبيعية أن يعثروا على خير مرشد لهم في الحياة، وقد تمسك لوثر ~~- حتى في أكثر لحظاته فوضوية، في نضاله الأول ضد روما - بمبدأ ضعف ~~الإنسان الطبيعي. وإنما هو الله الذي يهب الإنسان الإيمان، وهو ~~الذي لا «يخلقه»، وهو الذي «يحفظ» الخير له. وإنك لتجد في هامش ~~البروتستانتية - بين بعض الطوائف الهمجية - بوادر المذهب اللاحق ~~الذي جاء ينادي بالخير الطبيعي عند الإنسان. وإنك لتجد كذلك بين ~~من نسميهم «المتحللين من قواعد الأخلاق الدينية» نوعا من الفوضى ~~الواضحة؛ فهم يؤمنون بأنه ليس هناك قانون، أو حكم، أو طقوس، يقيد ~~الروح البشرية في الفرد، ما دامت كل أمثال هذه ms357 القوانين، والأحكام، ~~والطقوس، ليست إلا صيغا ثابتة تحد من نشاط الروح البشري الذي ~~يتنوع تنوعا لا نهاية له. ونستطيع أن نربط ما بين «الثورة على ~~قواعد الأخلاق الدينية» وبين الأفكار التي أعقبتها بشأن الخير ~~الطبيعي عند الإنسان، ولكن «الثائرين على الأخلاق الدينية» أنفسهم ~~يتحدثون بلغة الدين المسيحية. وهذا الروح البشري الذي لا يمكن ~~عدلا أن نحبسه هو كذلك الروح المقدس، هو إله مشخص يؤدي عمله في ~~هذه الدنيا. # ويأتي بعد ذلك بوضوح حكم سلبي آخر؛ ذلك أن البروتستانتية لم تكن ~~في تلك القرون حركة عقلية بأي معنى من المعاني البعيدة؛ فإن ~~العقليين المتأخرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر زعموا أن ~~البروتستانتية أمهم، أو إذا استخدمنا استعارة أخرى أقل حدة، قلنا ~~إنهم زعموا أن البروتستانتية كانت هي الطرف الدقيق في الإسفين الذي ~~أخذ يتغلغل في الإنسانية فيحللها من «الخرافة» الكاثوليكية. ونحن ~~نصطدم هنا بصعوبات التعاريف؛ فإن أنت آمنت بأن الحد من عبادة ~~القديسين وعبادة مريم العذراء، وأن الإقلال من الطقوس، وزيادة ~~الاهتمام بالموعظة، وتحوير الدور الذي تلعبه الموسيقى والفنون ~~الزخرفية تحويرا شديدا أو حتى إلغاءه إلغاء تاما، وأقللت تبعا ~~لذلك من علوم الدين - وإن أنت حكمت بأن تنفيذ ذلك مما يوحي به ~~العقل، فالبروتستانتية إذن - إذا قورنت بالكاثوليكية - حركة ~~عقلية. بيد أن كثيرا من هذه التغيرات لم يحدث إلا في القرن الثامن ~~عشر والقرن التاسع عشر، عندما كان من الواضح جدا أن الحركة ~~العقلية كان لها في الكنائس البروتستانتية من الأثر ما لم يكن لها ~~في الكنائس الكاثوليكية. وإن أنت عدت إلى القرن السادس عشر ذاته ~~واطلعت على الجدل الديني الذي دار في ذلك الحين لتعذر عليك أن تحس ~~أنك في محيط عقلي. # إن ملايين السياح قد شهدوا البقعة السوداء على حوائط قلعة ~~وارتبرج حيث ألقى لوثر بالمحبرة على الشيطان. وليس في هذا ما يثير ~~الشك روحانيا؛ فقد كان لوثر يعتقد فيما يجاوز الطبيعة في ثبات ~~لا يقل عن ثبات أي أوغسطيني أكثر منه إخلاصا. وكان الإله الجبار ~~عند كالفن ms358 أمرا حقيقيا كما كان يهوه الذي كثيرا ما يذكره. وقد ~~قاومت البروتستانتية الأولى النظرية العلمية الجديدة التي تتعلق ~~بصلات الأرض والشمس، كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية، ولنفس الأسباب ~~تقريبا. وللمؤسسين البروتستانت الأمريكان المحدثين الذين لا يثقون ~~في الجيولوجيا أو البيولوجيا جذور ثابتة في القرن السادس عشر. وإذا ~~كان البروتستانت (مع وجود بعض الاستثناءات كما هي الحال مع ~~الإنجيليين) قد كفوا عن اعتقادهم في القديسين، فقد استمرت عقيدتهم ~~في الشيطان، وفي الساحرات، وفي كل جيوش الظلام. والواقع أن ~~البروتستانتية قد أحيت معنى المعجزة واللامعقول، بمقدار ما كانت ~~البروتستانتية تعني عند الفرد تجديد المشاعر الدينية العميقة، ~~والابتعاد عما ربما كان يعد شكلية مطمئنة في الكنيسة الكاثوليكية ~~في العصور الوسطى. # ولم تكن البروتستانتية الأولى - من ناحية ثالثة - متسامحة. ولم ~~يبشر البروتستانت الأوائل بالتسامح الديني أو يمارسوه. ومن الحق - ~~من الناحية التاريخية - أن ممارسة التسامح الديني قد تطورت أولا ~~في البلدان البروتستانتية، وبخاصة في إنجلترا. إن شكل التسامح ~~الشديد الذي يرى أن التسامح الديني إنما نشأ لأن المذاهب الكثيرة ~~قد ملت التقاتل أو حتى الجدل فيما بينها، وأن رجال السياسة ~~العمليين الذين لا يعتقدون إنما استطاعوا أن يتلاءموا مع المذاهب ~~المنهوكة التي لم تعد تحترق بنار الحماسة، وأن النظريات والمثل ~~التي تتعلق بالتسامح الديني لم يكن لها البتة شأن بالعملية كلها - ~~إن هذا الشكل لم يعد يكفي، وفيه إجحاف بالنسبة إلى الجماعات ~~الدينية الصادقة من أمثال «الصحابة» الذين كانوا يرون أن التسامح ~~خير إيجابي، وفيه كذلك إجحاف بالنسبة إلى مئات الكتاب والعمال ~~من جميع النحل من المؤمنين وغير المؤمنين، أولئك الذين جاءوا في ~~هذه القرون التي اتسمت بميسم الجهاد والنضال لكي يدافعوا عن ~~التسامح الديني باعتباره هدفا مطلوبا لذاته. إن التسامح الديني ~~لم يكن هدف لوثر، أو كالفن، أو غيرهما من المكافحين البارزين ~~الناجحين في سبيل قضية أحسوا أنها فوق التجريب وفوق الشك، ومن ~~ثم - بطبيعة الحال - فوق ذلك الجبن أو التراخي الذي يسميه الناس ~~التسامح، نعم إن الدفاع عن التسامح الديني باعتباره خيرا خلقيا ms359 ~~قد طرأ فعلا لبعض الأفراد حتى في السنوات الأولى من الإصلاح ~~الديني، ولكن هذا الدفاع كان يصدر عن الشخصيات ذات الأهمية ~~الثانوية. وكان هناك بين الإنسانيين الأوائل ميل نحو التسامح، ونحو ~~التعقل، بل ونحو التشكك. ومع ذلك فإن كثيرا من الإنسانيين كان ~~يتميز بأكثر من مجرد مس من الاندفاع نحو الكمال الذي كانت تنطوي ~~عليه البروتستانتية، وكثيرا منهم، كأرازمس نفسه، كان يفتقر إلى ~~الشجاعة وإلى دوافع العمل في سبيل التسامح الحق. # ولم تعد بي حاجة بعد سرد هذه الأحكام السلبية إلى القول بأن ~~البروتستانتية الأولى لم تكن ديمقراطية بالمعنى الأمريكي التقليدي ~~الحديث، وما أكثر ما كتب عن العلاقة بين الحركة البروتستانتية ~~ونمو الديمقراطية الغربية الحديثة. ويتوقف الكثير - بطبيعة الحال - ~~على تعريف الديمقراطية؛ فإذا أنت أكدت أهمية الحرية الفردية في ~~الديمقراطية، فإن لوثر وكالفن لم يكونا قطعا من الديمقراطيين؛ ~~لأن كليهما لم يعتقد أن المرء يجب من الناحية العملية أن يترك ~~حرا في ارتكاب الخطيئة (ارجع إلى الفصل التالي عن أشكال ~~البروتستانتية). وإن أنت رأيت أن المساواة في الديمقراطية هي نقطة ~~الارتكاز وليست حرية الفرد، اتضح لك بصورة أقوى أن الجماعات ~~البروتستانتية الكبرى لم تكن ديمقراطية؛ فإن جماعة الكالفنيين ~~الممتازين الصغيرة، من القديسين، والظافرين بالخلاص، كانت من أشد ~~الجماعات تمسكا بالأرستقراطية المانعة. وقل من الاتجاهات ما ~~يقل ديمقراطية عن البيوريتان الإنجليز الذين قيل لهم إن أولئك ~~الذين كتب عليهم الجحيم لهم على الأقل أن يستمتعوا ببعض الملذات ~~في هذه الدنيا، فأجابوا بأن مسلكهم يفوح بالروائح الكريهة في أنوف ~~المؤمنين. أما عن اللوثرية فإن تحكمها بالرأي وميولها ~~الأرستقراطية قد اتضحت كثيرا بعد ثورة الفلاحين. وكانت كنيستها في ~~أوائل أمرها ملائمة لطبقة الأرستقراط البروسيين، ولكني أعود فأكرر ~~أن كثيرا من العوامل التي أدت إلى الديمقراطية الحديثة قد جاء ~~عن البروتستانتية الأولى، وإن لم يكن عن غير قصد. # وللأحكام التي سبقت استثناءات، كما أن لكل حكم علم تاريخي ~~استثناء؛ فإن الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر - ولا أعني ~~«الثورة المجيدة» التي نشبت في عام ms360 1689م، وإنما أعني الثورة ~~العظمى التي نشبت في الأربعينيات من القرن السابع عشر - كانت من ~~المصادر الرئيسية للديمقراطية الحديثة؛ ذلك أن الحركات اليسارية في ~~الثورة كانت تجمع بصورة مذهلة بين الأفكار والآمال الدينية ~~والسياسية والاقتصادية؛ فكانت هناك طوائف تؤمن بالعصر الذهبي بعد ~~عودة المسيح ، وطوائف تدعو إلى تحلل المسيحية من القواعد الخلقية، ~~وهناك طوائف أكثر كالفنية من كالفن. وهناك جماعات مثل جماعة «دعاة ~~المساواة» التي تهدف إلى الحرية السياسية بمعنى يقرب جدا من ~~معناها الحديث عندنا، بل إن الجماعات الكبرى، مثل البرزبتيريان، ~~والمستقلين (الداعين إلى تكوين الجمعيات الخاصة) كانت في هجومها ~~على الملوك والأساقفة تدعو إلى سيادة البرلمان، وإلى احترام حقوق ~~الإنسان، والدستور، وإلى كثير من الجانب التنظيمي للديمقراطية. ~~وإنك لتجد - فوق ذلك - بين كثير من هذه الجماعات آراء ديمقراطية عن ~~المساواة، وعن عدم الثقة ديمقراطيا في سلطة تكون قراراتها فوق ~~رقابة الشعب بأسره. إننا نعرف اليوم حق المعرفة أن روح القادة ~~الذين أقاموا المصلحة البيوريتانية المشتركة في خليج ماساشوستس لم ~~تكن ديمقراطية. كما أن الحكومة التي أسسها ونثروب ورفاقه كانت ~~حكومة الصفوة والقديسين. ولكن حتى في ماساشوستس سرعان ما نمت روح ~~المقاومة لهذه الأوليجاركية. وإنك لتجد في روجر وليامز زعيما ~~بروتستانتيا - بالمعنى الكامل في القرن السابع عشر - كان في ~~الواقع كذلك ديمقراطيا فوق كل شيء. # ولكني يجب أن أكرر القول - بالنظرة العامة التي تراها الأحكام ~~السلبية - إن البروتستانت في عهد الإصلاح الديني لم يكونوا ~~ديمقراطيين في روحهم. # وإذا ضممت كل هذا بعضه إلى بعض: الاعتقاد القوي واسع المدى فيما ~~فوق الطبيعة، الذي ربما زاد من قوته تركيزه على الثالوث المقدس ~~وخصومه - أو على الأصح دعاته - الشياطين، وإحساس شديد بالخطيئة، ~~واندفاع متجدد نحو المثل الأعلى، وكراهية الطوائف الأخرى كراهية ~~تنفي التسامح نظريا وعمليا، إذا ضممت كل هذا كان لك كل لا ~~يشبه في الكثير البروتستانتية الأمريكية الثابتة المستقرة في القرن ~~العشرين؛ بروتستانتية «معونة السيدات»، والكشافة، وعشاء الكنيسة، ~~والتبشير الديني في أفريقيا، وكل صنوف الدعاوى الطيبة، من تحريم ~~الخمر، إلى الحكومة ms361 العالمية. إنما كانت البروتستانتية الأولى ~~اتجاها همجيا، غير مستأنس، كما كانت بالنسبة إلى المتعقل ~~الهادئ، أو المثالي البريء، أمرا منفرا؛ ذلك لأن البروتستانت ~~الأوائل كانوا لا يزالون يرون - كما كان يرى الناس في العصور ~~الوسطى - عنفا وأمورا مريبة في عالم يحكمه إله جبار، مبهم ، لا ~~تحده الإحصاءات أو العلوم أو الحس المشترك. بل إن البروتستانتي في ~~القرن السادس عشر كان - بمقدار ما كان الإله البروتستانتي أشد ~~ظلاما وإبهاما من إله المدرسيين - يعيش في عالم أشد عنفا وأكثر ~~قلقا من عالم الكاثوليك في القرن الثالث عشر. إن البروتستانتية ~~الأولى جاءت لا لتقيم سلاما، ولكن لتشهر سيفا. والسيف يؤدي إلى ~~نتائج فظيعة دامية. في حين أن «الكشافة» و«معونة السيدات» لا ~~تستخدم السلاح. # أشكال البروتستانتية # لقد اجتهدت حتى الآن في أن أصدر أحكاما عامة أساسية عن ~~البروتستانتية بوجه عام. غير أن أوضح حكم عام - كما يحب حتى ~~المترفقون من الكتاب الكاثوليك أن يقولوا - يستطيع المرء أن ~~يصدره عن البروتستانتية هو أنها لم تكن كلا؛ فإن كانت هناك وحدة ~~بروتستانتية فإنها تلتمس في الأمور المجردة وفي الأحكام الروحية ~~العامة، أما فيما يتصل بأمور التنظيم الدنيوية، وشئون الإدارة، ~~والمالية، والمظاهر الخارجية للوجود الجماعي، فهناك تنوع في ~~المذاهب يحير الألباب. وقد جاء في ذلك المرجع الأمريكي المعروف ~~«التقويم العالمي» أنه قد وجد في الولايات المتحدة القارية في عام ~~1947م، 256 هيئة دينية. وإذا بحثت في هذا المرجع تحت عنوان «كنيسة ~~الله» مثلا وجدت ما يأتي: # كنيسة الله. # كنيسة الله (آندرسون). # كنيسة الله، اليوم السابع. # كنيسة الله (الأصلية). # الكنيسة الوحيدة لله. # الكنيسة الوحيدة لله. # وليس التكرار في السطرين الأخيرين خطأ مطبعيا. # إن الباحث النظامي الذي يأخذ على عاتقه تصنيف الكنائس ~~البروتستانتية لا يجد بين يديه معيارا واحدا يقيس به. والواقع أن ~~العنوان الذي اخترناه لهذا الفصل من الكتاب - وهو «أشكال ~~البروتستانتية» - قد يدل على نسق خاص لا يتفق والواقع، وذلك إن ~~أخذنا الأشكال (وهي في الأصل الإنجليزي ألوان الطيف) بمعناها ~~الحرفي. وتستطيع أن تصنف الجماعات البروتستانتية - على ms362 الأقل في ~~بلد معين - طبقا لقيمتها الاجتماعية، أو ثراء أعضائها، أو مقدار ~~ابتعادهم الديني عن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، أو درجة ~~حماستها الإنجيلية، أو مدى قيامها على أسس الكتاب المقدس. وسوف ~~نأخذ هنا الكنيستين الوطنيتين الكبيرتين، الأنجليكانية واللوثرية - ~~وهما في عين الناقدين تتبعان أراستس؛ أي تخضعان القوى الدينية ~~للقوى الدنيوية - مثالا لليمينيين في البروتستانتية، والطوائف ~~الكالفنية مثالا للوسط العظيم، والطوائف الأشد ثورة مثالا ~~لليساريين. ويلاحظ أن «النظامية» تطور تم في القرن الثامن عشر، لا ~~نستطيع أن ندخله في حسابنا هنا. # وكانت النسبة إلى أراستس (الأيراستي) لفظة تدل على الكفاح، تثير ~~الحماسة في الجدل عند آبائنا بالتأكيد كما تثيرنا اليوم لفظة ~~«الاشتراكي». وهي باختصار ذلك المبدأ الذي ينتمي إلى رعاية رجل ~~سويسري من رجال الدين (ولا أريد القارئ أن يخلط بينه وبين أرازمس ~~ابن مدينة روتردام، ذلك الإنساني الهولندي). وقد دعا إلى ألا تخرج ~~الكنيسة عن أن تكون هيئة من الهيئات التابعة للدولة؛ فرجال الدين ~~هم شرطة الآداب في الدولة، والوطنيون العلمانيون هم الذين يعادلون ~~بين كلمة الله وكلمة الحكام. # إن الكنيسة الوطنية - بحكم انحصارها في تكوينها الزمني في دولة ~~معينة أساسها الأمة - لا بد أن تكون أراستية إلى حد ما. والكنيسة ~~الوطنية في إنجلترا لم تكن تحتكر الحياة الدينية في البلاد على أية ~~صورة من الصور. وقد عارضتها من قديم حركات انفصالية قوية، وانقسمت ~~في الداخل إلى جماعات «مرتفعة» كادت تكون كاثوليكية رومانية، ~~وجماعات «منخفضة» تكاد تكون موحدة، مع وجود جماعة ضخمة بينهما في ~~الوسط. وأقول في إيجاز إن كنيسة إنجلترا كانت مجموعات من ~~المتناقضات الكنسية؛ هي كنيسة مفردة فيها تطلعات إلى الكاثوليكية ~~(أو العالمية) وفيها تنوع فريد في الأفكار والميول. وحتى في هذه ~~الحالة كانت كنيسة إنجلترا تبدو أراستية في أعين خصومها، وليس من ~~شك في أنها كانت خلا القرون الأولى انعكاسا لطريقة الحياة التي ~~عاشها الأعيان المستجدون من الناس والطبقات المحافظة على وجه ~~العموم، وقد كان لكنيسة إنجلترا في عشرات السنين القلائل من وجودها ~~تاريخ عاصف من النجاح والفشل، ms363 خرجت منه في عهد إليزابث مثالا ~~كلاسيكيا لقدرة الإنجليز على التوفيق - أو إن شئت فقل إنها زعمت ~~أن بعض الصعاب ليس له وجود. وحتى في القرنين الأولين بعد لوثر - ~~إذن - لم تكن كنيسة إنجلترا ~~شيئا بسيطا، وإنما كانت عالما مصغرا للعالم البروتستانتي. كانت ~~الكنيسة الإنجليزية أساسا كنيسة بروتستانتية محافظة، تحترم ~~السلطة المدنية إن لم تكن مسترقة لمبادئ أراستس، وكانت من الناحية ~~الدينية ومن ناحية الطقوس قريبة من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ~~تنقصها الحماسة البروتستانتية لتطهير هذه الدنيا، ولكنها أبقت مع ~~ذلك تحت رقابتها المرنة - والتشبيه بالمرونة هنا دقيق إلى حد ~~كبير؛ لأن العقل الأنجليكاني يمكن أن يمط - جيشا جرارا من ~~العصاة المتحفزين الذين قد يلجئون إلى روما، أو إلى جنيف، أو ~~مباشرة إلى السماء، وقد كان هؤلاء العصاة المتحفزون يتحولون إلى ~~عصاة فعليين في أوقات مختلفة. غير أن الكنيسة عاشت مع ذلك، وهو أمر ~~يحير أصحاب العقول المنطقية، ويسيء إلى دعاة الكمال الخلقي، ~~ويسر أولئك المعجبين بالإنجليز اللاعقليين. # إن التاريخ المذهبي لكنيسة إنجلترا من قانون السيادة الذي صدر ~~عام 1534م حينما انفصل هنري عن روما، حتى قانون التسوية الذي ~~أصدرته إليزابث في عام 1559م، مثال فريد للجماهير البشرية التي تمر ~~بسلسلة من أصول دينية يعارض بعضها بعضا بقوة متعادلة. وليست هذه ~~الظاهرة فذة أو مستحدثة في تاريخ العرب؛ حيث كان الناس في عصور ~~التحول الاجتماعي والفكري يهيئون عقولهم، إذا لم يفتحوها تماما. ~~وتعد التغيرات التي طرأت على تكوين الحزب الشيوعي الرسمي في عام ~~1938م مثالا تقليديا كلنا يعهده؛ فقد كان العضو المخلص في عام ~~1940م لا بد أن يؤمن بفضل هتلر، وكان لا بد أن يؤمن بشره في عام ~~1941م، وهكذا في كثير من التحولات التي تحير الألباب. ولكن الحزب ~~كان مكونا من الصفوة، من جماعة صغيرة نسبيا حتى في روسيا. وقد ~~تعرض رواد الكنيسة كلهم لهذه التقلبات في إنجلترا في القرن ~~السادس عشر. وكان لا بد لنفس الرعية الوادعة العادية، رعية الملك، ~~أن تقبل أولا حلول هنري الثامن محل البابا، ms364 واستعمال الإنجليزية ~~بدلا من اللاتينية في صلوات الكنيسة، وتغيرات قليلة أخرى، أوضحها ~~إمكان زواج القسس. وقد ضرب المثل بالزواج الأسقف كرانمر، ذراع ~~الملك اليمنى في هذه الأمور الخطيرة، وهو قسيس درس في الخارج، وعرف ~~الإصلاح الجرماني معرفة أصيلة. ثم عرف الشعب المخلص بعد ذلك أن ~~هنري حكم بأن كرانمر قد تجاوز حدوده. إن عدو لوثر، المدافع عن ~~الدين، كان لا يريد أن يرى هذا الدين وهو ينهدم. إنه أراد أن يكون ~~شعبه كاثوليكيا تحت هنري، لا تحب البابا. ولذلك فقد دفع هنري ~~بشخصه في عام 1539م إلى البرلمان المواد الست التي عرفت ب «السوط ~~الدامي ذي الفروع الستة». وطبقا للمادة الثالثة «لا يجوز للقسس ~~الزواج، بعد أن يتولوا مناصبهم الدينية بحكم الشريعة كما كان يجوز ~~لهم من قبل». وعاد الاعتراف الشفوي، وتأكد مذهب القربان ~~المقدس. # ولم يكن ذلك سوى بداية. ولما مات هنري خلفه ابنه الصغير إدوارد ~~السادس. وقد نشأ الطفل على الطريقة البروتستانتية، وتوجهت الرعية ~~الطيبة تحت حكمه القصير إلى كنيسة تؤدي فيها الصلاة على الطريقة ~~البروتستانتية الكاملة. وفي عام 1551م أسهم في اثنتين وأربعين مادة ~~وضعها كرانمر ذاته، وحاول أن يوفق فيها بين الأطراف المتباعدة، ~~ولكنه نبذ الكثير من المبادئ الكاثوليكية. وأباح للقسيس مرة أخرى ~~أن يتزوج. ولكن إدوارد مات بغير خلف في عام 1553م، فجاءت بعده ~~أخته الكبرى ماري التي نشأت نشأة كاثوليكية. وبعد ماري التي عرفت ~~ب «ماري الدامية» في الكتب الدراسية المتأخرة، عادت الأمة ~~الإنجليزية كلها - شكلا على الأقل - إلى حظيرة الكنيسة ~~الكاثوليكية الرومانية. وحكم على كرانمر بالإحراق، واستشهد في ~~سبيل قضية لا تقل كثيرا في وضوحها عما يستحق الاستشهاد عادة. ~~وارتدت الرعية الطيبة إلى عباداتها وصلواتها القديمة (وتعرف ~~باسم باترنستر وآف ماريا). غير أن ماري توفيت في عام 1558م بعد ~~جلوسها على العرش بخمس سنوات فقط، وخلفتها أختها الصغرى إليزابث، ~~التي كتبت لها حياة طويلة لم تكتب لأخيها وأختها، واحتلت مكانة ~~بعيدة في قلوب الإنجليز البروتستانت. # وكانت إليزابث بروتستانتية، وفي عهدها تم الاعتراف مرة ms365 أخرى ~~بالكنيسة الوطنية، وصدر قانون للسادة جديد يضع التاج مكان البابا، ~~كما صدر قانون تسوية يدعو إلى توحيد العبادة في جميع أنحاء ~~المملكة. ووضعت مجموعة أخرى من المواد التي تتعلق بالدين ~~والمبادئ، وهي المواد التسع والثلاثون التي لا تزال ميثاق الكنيسة ~~الإنجليزية. وارتدت الرعية المخلصة إلى الصلاة بالإنجليزية، وإلى ~~أصول دينية تستبعد الأسرار المقدسة ولا تبقي إلا على القديسين ~~الرسوليين أو القريبين من الإنجليز؛ أي إن الرعية أصبحت في الواقع ~~أنجليكانية. وقد رأى أبناء هذا الجيل كرومويل يربط خيله في ~~الكنيسة. نعم ربما رأوا ذلك بيد أن الأزمة مع روما - على الأقل - ~~قد انتهى عهدها. # إن الرعية المخلصة - ما لم تتحرر من المسئولية إلى حد البلاهة - ~~يستحيل عليها أن تصدق الأمور المتناقضة التي تعترف بها، إن هي ~~أطاعت أوامر الدين في تلك السنوات الخمس والعشرين المتقلبة. وهنا ~~حالة تقليدية لمشكلة ستواجهنا إلى النهاية عندما نحاول أن نقدر ~~أهمية الأفكار في العلاقات الاجتماعية إذا كان الفرد المؤمن من ~~الرعية يأخذ مأخذ الجد المطلق كل الأفكار التي يتحتم عليه قبولها ~~لطار صوبه، وربما آثر بطبعه اتجاها على اتجاه، وإنما كانت تنقصه ~~الطاقة أو الشجاعة لأن يقوم بأي عمل؛ ولذا فإنه يعتقد ما يصادفه. ~~وإذا كان الكثيرون من الناس يسلكون هذا السلوك، فمن المهم بالنسبة ~~إلينا أن نفهم هذا السلوك. ربما كان لا يأبه بأية فكرة من هذه ~~الأفكار، وربما توجه إلى الكنيسة كما يتوجه الناس إلى دار ~~السينما، لمجرد أن يقوم بعمل ما. ومن الطبيعي أنه لم يكترث إن كان ~~إدوارد أو ماري أو إليزابث صاحب التوجيه. وإذا كانت هناك كثرة من ~~هذا القبيل فمن المهم أن نعرف ذلك. وربما لم يقف أكثر الناس هذا ~~الموقف البسيط، وإنما لاءموا سلوكهم بطرق خفية معقدة لا نستطيع أن ~~ندرك كنهها. غير أن أمرا واحدا يتضح من هذه السنوات الخمس ~~والعشرين من التاريخ الإنجليزي وحده: إن الكتل البشرية تستطيع أن ~~تكيف نفسها للتغيرات التي تطرأ على الأفكار المجردة، والفلسفات، ~~وأصول الدين، ولما بين هذه الأفكار ms366 من صراع، وهي تفعل ذلك بطرق ~~ليس بوسع المثالي المخلص صاحب الرأي الثابت أن يعللها، اللهم إلا ~~إذا تخلى عن كونه مثاليا بالنسبة لإخوانه في الإنسانية. # أمست الكنيسة اللوثرية هي الكنيسة الوطنية الثابتة في أكثر بقاع ~~شمالي ألمانيا وسكنديناوة. وقد بدت للغريب - وبخاصة في بروسيا - ~~مثالا تقليديا للأخذ بمبدأ أراستس في تطرف شديد، يديرها حكام ~~الدولة عن طريق رجال الدين الخاضعين، وتبث ذلك الإحساس الجرماني ~~القوي بالاستمساك بالطاعة - وهي حقيقة أبعد ما تكون عن وصفها ~~بأسطورة خلقتها دعاية الحلفاء في الحربين العالميتين. ولم تأخذ ~~الكنيسة اللوثرية بالتقشف الكالفني بأكثر مما فعل الأنجليكان؛ فقد ~~كانت دائما تشجع الموسيقى. كما احتفظت بطقوس موقرة وبقدر كاف من ~~الأصول الدينية الكاثوليكية يسمح ببقاء القربان المقدس معجزة، وليس ~~مجرد ذكرى عاطفية معقولة للعشاء الأخير، وقد كان لوثر نفسه كالصخرة ~~الجامدة في هذا الشأن، وكان يحب دائما أن يكون كالصخرة الجامدة. ~~لقد قال المسيح: «هذا جسدي.» وليس الجسد مجرد رمز، ووجد نفسه ~~مضطرا إلى أن ينبذ مبدأ الكاثوليكية الذي يقول بتحول النبيذ ~~والخبز إلى دم المسيح ولحمه، ما دام هذا المبدأ يحتل مكانة بارزة ~~في العقيدة الكاثوليكية. ونادى بمبدأ آخر من اختراعه هو الوجود ~~الفعلي لدم المسيح ولحمه في العشاء الأخير. ودافع عن هذا الرأي بما ~~نسميه الجدل المدرسي. إنه يضع لفظة جديدة مقطعها الأول معناه ~~«الوجود العقلي» لتحل محل اللفظة القديمة التي يدل مقطعها الأول ~~على «التحول». ومن العسير علينا أن نتابع تفكيره. ويكفي الرجل ~~العادي الذي لا يريد أن يتعمق أن يدرك أن العناصر هي الخبز والنبيذ ~~«مع» دم المسيح وجسده، «وكلاهما» طبيعي ومعجز، كلاهما «بالفعل» لا ~~«في الظاهر» فحسب. والمذهب من بعض النواحي نموذج لمذهب التوفيق، ~~وهو جهد فارغ للجمع بين المتناقضات، وبالرغم من ذلك فكم من رجل مات ~~في سبيل «الوجود العقلي» ضد «التحول». كما مات من قبل قوم يؤمنون ~~بأن الثالوث من مادة واحدة معارضين في ذلك القائلين بأن الأب ~~والابن من مادة واحدة. وكما مات قوم في سبيل الديمقراطية ضد ms367 الدولة ~~الشمولية. # والكالفنية هي مركز البروتستانتية. ولا يزال أسلوب الحياة الذي ~~كان نتيجة لتأثير الكالفنية في هذه الدنيا عنصرا بارزا في ثقافة ~~الغرب. وليس هناك لسوء الحظ طريق سهل واضح المعالم يؤدي إلى فهم ~~الكالفنية. كان لها مؤسس، وكان لها كتاب عظيم هو «معاهد الديانة ~~المسيحية» الذي نشره كالفن في عام 1535م. ولكن مجرد قراءة هذا ~~الكتاب يبصرك بالكالفنية بأقل مما يبصرك مجرد قراءة كتاب «رأس ~~المال» بالماركسية. وقد نمت الكالفنية من الكتاب ومن جماعة ~~تخضع لحكم رجال الدين في جنيف حتى أصبحت ديانة عالمية، وذلك بجهد ~~آلاف الرجال والنساء في مئات المجتمعات. ومهما اجتهد مؤرخ الفكر ~~فإنه يجد أنه لا يستطيع أن يحيط بحركة ارتبطت في كثير من النواحي ~~بتاريخ الغرب منذ القرن السادس عشر. # وهناك مباينة واضحة بين لوثر الجرماني، سهل الإثارة، الرجل ~~المتناقض، الذي لم ينشأ على تربية نظامية، وبين الفن الفرنسي، ~~البارد، المنطقي، المنظم. وتستطيع أن تتوسع في شرح هذا التباين في ~~كتاب، كما تستطيع ذلك بالنسبة إلى البارثنون في أثينا والكاتدرائية ~~في شارتر. وإنما يجب عليك ألا تغفل عن أن كالفن أيضا كان ثائرا، ~~رجلا «يريد أن تتغير الأمور»؛ لأن كالفن أيضا كان يرى أن الكنيسة ~~الكاثوليكية الرومانية كانت تسيء التصرف في الناس، ولم تعش وفقا ~~لما أراد الله عندما أرسل يسوع إلى الأرض. كما كان كالفن كذلك يرى ~~ضرورة البحث عن طريق يؤدي إلى المسيحية الصادقة. # وقد وجد هذا الطريق - كما وجده الكثيرون غيره - فيما قام به ~~القديس أوغسطين من أعمال؛ ذلك الطود الشامخ للأرثوذكسية. وليس هناك ~~جدوى من محاولة تطبيق أية طريقة من طرق التحليل النفساني على ~~كالفن، أو أن نبدأ - على الأقل - بعلم الاجتماع. وربما كان من الحق ~~أن الكالفنية كما انتهت إليه كانت نظاما من المعتقدات - الكونية ~~والدينية والخلقية - يلائم كل الملاءمة الطبقة الوسطى الرأسمالية ~~التجارية والصناعية. غير أن كالفن لم يتوفر على وضع هذا النظام ~~لطبقة وسطى كما توفر ماركس بطريقة ما على وضع نظام لمن أسماهم ~~البروليتاريا. وإنما وجه ms368 كالفن جهوده لكي يقدم للناس مرة أخرى ~~كلمة الله الحق. # وكان إله كالفن يتصف بالصفات التقليدية للإله الأوحد - كان ~~قادرا على كل شيء، عليما بكل شيء، كله خير. غير أنه اتصف بكل هذه ~~الصفات إلى درجة الكمال، إلى درجة غير إنسانية، حتى إن المرء لا ~~يستطيع أن يتصور أنه يتسامح فيما يطلق عليه الناس صلفا وغرورا ~~الإرادة الحرة. إن الله لا يقع خارج الزمان والمكان، ولكنه خالق ~~الزمان والمكان، وخالق كل ما يجري خلالهما، وهو على علم سابق ~~مطلق كامل بكل ما خلق. وليس للمرء أي اختيار فيما يفعل. وقد ~~قدر الله كل شيء من قبل. وهو الذي دبر، أو أراد - إذا صح أن ~~نستعمل هذه الألفاظ الإنسانية المحدودة في محاولة وصف أعمال «كائن» ~~يسمو عنا كثيرا نحن الديدان - سقوط آدم وما ترتب عليه. وقد يبدو ~~تدبير سقوط آدم أمرا لا يتفق وصفة الخير الكامل. ولكني أقول مرة ~~أخرى إن من الادعاء الباطل أن نستخدم ألفاظنا الدودية في الحكم على ~~أعمال الله. إن الله لا يمكن أن يفعل إلا الخير فيما يرى؛ لذلك فإن ~~خطيئة آدم لا بد أن تكون - عند الله - خيرا. # ومنذ خطيئة آدم لحقت بالناس اللعنة وكتب عليهم عذاب جهنم. وليس ~~من شك في أن هذه اللعنة نوع من العقوبة للإنسان على ادعاء الإنسان ~~الذي يتمثل في عصيان آدم أولا. وتذكرون أنه عصى أمر ربه الذي ~~وجهه إليه صريحا بألا يأكل من ثمرة شجرة المعرفة. ومن الحق أن ~~آدم لم يستطع أن يتحكم في نفسه، ما دام الله قد كتب عليه من قبل ~~الغرور وهو الذي حرك أسنان آدم وهو يقرض التفاحة، وربما بدا أن ~~الله في هذا لم يكن عادلا ولو إلى درجة بسيطة. ولكني أقول مرة ~~أخرى: إننا - من وجهة نظر كالفن - نقحم في تعسف شديد في التفسير ~~رأينا في العدالة المبني على العقل البشري الضيق. إن الله «فوق» ~~المنطق. والواقع أن الله هو الذي خلق المنطق كما خلق ~~التفاحة. # ثم أرسل الله يسوع إلى ms369 الأرض لكي يأتي للقلة من السعداء بالخلاص ~~عن طريق الاختيار. وأقول مرة أخرى إننا حينما نقول إن الله قد لان ~~وقرر أن يعطي بعض بني آدم فرصة الخلاص إنما نتأثر إلى حد كبير ~~بصفات البشر - أو الديدان. إنما كتب الله النعمة وما يترتب عليها ~~من خلاص لقلة صغيرة من الناس بدافع من كمال ألوهيته وعن طريق ~~يسوع. ولا يعلم إلا الله وحده من تكون هذه القلة، وليس من ~~المستبعد أن يكون أكثرهم - أو كلهم - من الكالفنيين، وهم «الصفوة ~~المختارة». # إن قدرية كالفن أقوى أثرا وأشد صرامة من قدرية القديس أوغسطين. ~~وقد رأينا أن أسقف هيبو قد حاول كثيرا أن يعطي الناس حرية ~~الإرادة، ويحتفظ لله بالقدر. والظاهر أن كالفن لم يحس الحاجة إلى ~~مثل هذا التنازل. ومع ذلك فإن المنطق لا يلين: إذا لم تكن لي أفكار ~~أو رغبات خاصة، سوى ما كتب الله لي، فأنا إذن معذور عندما آخذ ~~بالأفكار والرغبات كما ترد في حياتي. ومن المؤكد أن تلك الحالة من ~~التوتر الخلقي التي أشير إليها ب «مقاومة الإغراء» ليست واقعية. إن ~~مقاومتي لما أريد أن أفعل مقاومة لله. فإن كنت أريد الفاحشة، فإن ~~الله هو الذي أراد لي ذلك. وإذا كان لي خلاص، فإنما يرجع كله إلى ~~نعمة الله. وليس لذلك الوهم الذي أسميه الضمير شأن بمسير الأمور، ~~وإذن فمن حقي أن أرتكب الآثام بقلب مطمئن. # ولا أحسب القارئ بحاجة إلى التذكير بأن كالفن لم يقف هذا ~~الموقف. والكالفني في بعض المواضع يراوغ المنطق، ويقيم الضمير ~~المسيحي الخلقي على أشده. ومن العدالة لكالفن أن نقول إن هذه ~~النقطة هي بعينها أساسا النقطة التي يفر عندها كل كبار ~~المفكرين المسيحيين من الانعدام الخلقي الذي يرجع إلى القدرية ~~الكاملة، إن قولك: «إنني أعلم أن كل ما يمكن أن أفعله إنما أفعله ~~لأن الله يريد ذلك.» هو في الواقع زعم منك بأنك تدرك ما يريد ~~الله، وإنك مساو لله، ولست مجرد آلة عاجزة. إن الثقة بالخلاص هي ~~أكبر آثام الكبرياء، وهي ms370 النقيض المباشر للتواضع الذي هو من أسس ~~المسيحية المتينة. لقد كان المسيحيون العظماء يتصفون بهذا التواضع ~~- بل لقد كان كالفن نفسه يتصف به. ولكنهم لم يكونوا متواضعين ~~بالمعنى الشعبي للتواضع، وهو المعنى الذي يسوي بين التواضع ~~والضعف، وهو ميل إلى الخضوع. كما كانوا في كثير من الأحيان ذوي ~~عزم وسلطان. # وإذن فليس بوسعي أن أكون على ثقة بأن ما أريد فعله هو ما يريد ~~فعله رجل اختاره الله ليكون من الصفوة، «وربما كان» ما أريد أن ~~أفعله هو ما يريد أن يفعله رجل اختاره الله ليكون من الملعونين. ~~وأرجو أن يلاحظ القارئ أنني حريص جد الحرص في لغتي، وربما قال ~~أتباع كالفن المتأخرون المهملون إنه ليس بوسعي أن أثق بأن ما أريد ~~أن أفعله هو ما يريدني الله أن أفعل - غير أن ذلك يعني أنني أستطيع ~~أن أقاوم إرادة الله، وفي ذلك نقض للقدرية. ولمزيد من الإيضاح ~~أقول: إني لا أستطيع أن «أقاوم» إرادة الله، ولكني لا أستطيع قط ~~- حتى إن كنت من الصفوة - أن «أعرف كل المعرفة» إرادة الله. ~~والواقع أنني لو اعتقدت بأني أعرف إرادة الله فإنما يدل ذلك على ~~أني ممن لحقتهم لعنة الله. ولكن قل من الكالفنيين المتواضعين من ~~كان لا يتناقض هنا. والكالفنية - «على المستوى العام»، بين العامة ~~من أتباعها - لم تولد التواضع بصورة قاطعة. # إن الشاعر الاسكتلندي روبرت بيرنز في «دعاء القديس ويلي» يجري ~~على لسان الكالفني الأكبر ما يلي: # يا إلهي، يا من تسكن في السماء، # يا من أرادت مشيئتك # أن ترسل إلى النعيم واحدا، # وأن ترسل إلى الجحيم عشرات. # من أجل مجدك يا إلهي، # وليس من أجل خير أو شر # يؤدي الناس أعمالهم. # وبيرنز يعرض المبدأ في سخرية الفنان، ولكنه - برغم ~~ذلك - مبدأ كالفني طيب. وبعد بضع فقرات من القصيدة نرى القديس ويلي ~~يقتحم ذلك الكبرياء الروحاني - الذي لم يلمسه الخارجون وحدهم - عند ~~الكالفنيين في مدى ثلاثة قرون، فيقول: # أنا هنا، مثال مختار، # أظهر للناس أن نعمتك عظيمة واسعة، # أنا هنا عمود ms371 في محرابك، # قوي كالصخر، # رائد، وورع، ومثال، # تقتدي بي رعيتك. # لقد أصبح الطريق إلى أخلاق الكالفنية الآن واضحا، ~~وهي الأخلاق التي أطلقت عليها الأجيال القليلة الأخيرة من المثقفين ~~في أمريكا البيوريتانية متوهمين أنهم منها براء. إنني لا أستطيع - ~~طبقا لما يقول به البيوريتان - أن أعرف إرادة الله، ولكنه قدم ~~إلي بعض الإشارات التي تدل على الطريق الذي يسلكه الفرد من صفوة ~~الناس. وهذه الإشارات هي في كلماته أساسا كما جاءت في الإنجيل. ~~ومهما يكن من أمر فإن الكالفني - وقد نبذ الكنيسة الكاثوليكية ~~التاريخية - لم ينبذ كلية تقليدا مسيحيا أعم من ذلك، وهو ~~الإيمان بالسلطان، وذلك بالإضافة إلى أن الشيوخ، وهم أصحاب السلطان ~~في المجتمعات الكالفنية كانوا طبقا للعقيدة الكالفنية على درجة ~~من الإلهام المؤكد بإرادة الله لم تكن لعامة الناس. # وقد أوضح الكتاب المقدس والتقاليد المسيحية - بتعزيز من رجال ~~الدين وشيوخ الكنيسة - للبيوريتان إيضاحا لا يترك مجالا للشك أن ~~البيوريتاني لو أراد فعلا أن يرتكب الفاحشة فإن الله هو الذي يثير ~~فيه الشهوة، ولكن عن طريق الشيطان، لا عن الله مباشرة بغير وسيط ~~(وهذه اللغة ليست كالفنية، ولكنها واضحة). وهذه الشهوة هي من النوع ~~الذي ينتاب أحد أولئك الذين لحقتهم لعنة الله. وهي من النوع الذي ~~يسبب للبيوريتاني اهتماما بالغا بمستقبل حياته - إذ ربما لا يظفر ~~بالخلاص. وهي من النوع الذي يجدر به كبته كلية إن أراد الخلاص ~~فعلا. وإن قدر له الخلاص فعلا ملك القدرة على كبت شهوته. إن ~~الله الذي يستجيب للدعاء أو على الأقل لدعاء الكالفني - برغم قضائه ~~الذي لا يرد - يعين من يستعين به في درء الخطيئة. # إننا نعود إلى التقوى المسيحية، وإلى الأخلاق المسيحية، بأقوى ~~تياراتها؛ فالكالفنية كأسلوب من أساليب العيش شكل من أشكال ~~المسيحية المثالية، أو المسيحية التي تنتمي إلى العالم الآخر، ~~وكثيرا ما عاب عليها ناقدوها استبعادها بعض الناس، وهو ليس من ~~المسيحية في شيء، كما عابوا عليها أن الصفوة لا تتجاوز أقلية صغرى. ~~ومع ذلك فالكالفنية في الواقع تمثل محاولة لأن تمد ms372 إلى الحياة في ~~هذه الدنيا شيئا من المثل التي يئست الكنيسة الكاثوليكية ~~التاريخية من زمان بعيد من مده إلى ما يجاوز رجال الدين في الأديرة ~~وفي الحياة العامة. وكم من كالفني كان يتصف بالتأكيد بالكبرياء ~~الروحاني، ولكنهم لم يكونوا بذلك كالفنيين أفضل من غيرهم. إن ~~الكالفني لا يقبل أن يرتكب الآثم إثمه طواعية إذا استطاع ذلك. ~~وذلك بالرغم من أن المنطق الصارم يقول بأن الله قد أراد قطعا ~~للآثم أن يأثم. وحيثما كان الكالفنيون في الحكم كانوا يراقبون ~~السلوك الذي يعدونه آثما، ويحرمونه، ويمنعونه، ويوقعون عليه ~~العقوبات. # ومن الواضح في أذهانهم أنهم كانوا في هذا وكلاء الله، يقومون بما ~~يفرضه الله عليهم، ومن الناحية العملية كان هؤلاء القوم - الذين ~~يعتقدون اعتقادا جازما في عجز الجهد البشري عن إحداث «أي تغيير» ~~- من بين أولئك العاملين بحماسة شديدة في سبيل حث الناس على تغيير ~~سلوكهم. وقد نجحوا في ذلك إلى درجة مذهلة. وعاونوا على قيام الثورة ~~الصناعية وعلى خلق العالم الحديث. # إن الاتجاه المسيحي الذي أكده الكالفنيون في جلاء ووضوح هو ~~الزهد، ومن اليسير أن يخطئ المرء فهم الزهد الكالفني أو أن يستخف ~~به. إن الكالفني ليس بالمتصوف الذي يسعى إلى سحق الإدراك الحسي ~~وإلى اعتزال هذه الدنيا، وإنما هو يسعى إلى أن يختار من بين شهواته ~~الدنيوية تلك التي تقربه من الخلاص، وإلى أن يكبت أو يحد من تلك ~~التي لا تقربه. كان الكالفني يعد الدنيا مكانا جديا جدا ~~في الواقع، الضحك فيه خروج على النظام، ويعتقد الكالفني أن هذه ~~الدنيا بالنسبة لأكثرنا ليست إلا مدخلا للجحيم والعذاب الأبدي. ~~فإن أنت أحسست ذلك فعلا فمن المحتمل ألا تبتهج كثيرا. ويرى ~~الكالفني أن أكثر المسرات التي يألفها الجنس البشري - الموسيقى ~~الخفيفة، والرقص، والميسر، وفاخر الثياب، والشراب، وارتياد الملاعب ~~وغيرها - هي ذلك النشاط الذي يحبه الشيطان، ولا أقول لا يحبه الله؛ ~~لأن الله لا يقوم بأداء الأفعال البشرية فيحب أو لا يحب، ولكنه ~~نشاط يحط من قدر تلك الجلالة الرهيبة على صورة من ms373 ~~الصور. # ولم ير الكالفني - كما يرى بعض المسيحيين - أن الاتصال الجنسي ~~إثم. وإنما كان شديد الإيمان بأنه إثم إذا انهمك المرء فيه خارج ~~نطاق الزواج بزوجة واحدة، ذلك الزواج الذي يرتبط به شرعا وتباركه ~~الكنيسة. وإنك لتجد فيما كتب الكالفنيون الرأي الذي يقول بأن الهدف ~~الذي يرمي إليه الإله من الاتصال الجنسي هو الاحتفاظ بالجنس ~~البشري، وليس المتعة الحسية التي يشعر بها الطرفان. وإنما يشتد خطر ~~هذه المتعة لأنها قد تؤدي إلى التمادي فيها خارج نطاق الزواج، وهو ~~إثم من الآثام الكبرى. وإنما ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن ~~البيوريتان، الذين كونوا أسرا ضخمة، وبخاصة في إنجلترا الجديدة، ~~قد فعلوا ذلك بدافع من إحساس بالواجب أليم. إن البيوريتاني لم يكن ~~في الأغلب يتمسك بقتل شهوات الجسد بشكل قوي من أشكال تقاليد التزهد ~~القديمة؛ فقد كان يحب أن يأكل طعاما جيدا، وأن ينام نوما ~~عميقا، وأن يعيش في بيت مريح. والواقع أن من بين المآخذ التي ~~أخذها بعض المثقفين الأحرار المحدثين على البيوريتان من آبائنا ~~أنهم أهملوا الفنون الجميلة، والمتعة البدنية النبيلة، في سبيل ~~النجاح التجاري المادي، وأسباب الراحة الدنيوية المبتذلة - أي إنهم ~~كانوا بإيجاز أسلاف جورج بابت. # والكالفنية كذلك تضرب بشدة على نعمة مسيحية أخرى، وهي الفضيلة ~~الخلقية؛ فقد كان الكالفني يتمسك بقانون أخلاقي سام، يتغالى إلى ~~حد التطرف في بعض اتجاهاته بدافع جديته في التفكير، ولكنه قانون ~~لا يزال في أساسه يسير وفقا لتقاليد جميع الديانات الكبرى. ~~وبالرغم من - أو بسبب - إيمانه بالقدرية، كان يحاول دائما أن يعيش ~~طبقا لقانونه، كما يهمه أن يفعل كذلك غيره من الناس، وللاتجاهات ~~الباطنية والظاهرية لهذا الجهد أهمية قصوى. # ومن المؤكد أن الكالفني كان يحس «الحرب الأهلية في صدره»، يحس ~~النضال بين ما عرف فيما بعد بالضمير البيوريتاني وأسباب الإغراء ~~في هذه الدنيا. وهذه الفكرة التي ترى وجود جانب أسمى من الوعي ~~البشري يمكنه - بل يجب عليه - أن يراقب وأن يكبح جماح دوافع الجانب ~~الأسفل، قد تركت أثرا قويا في الغرب، وهو ms374 أثر كانت تشتد قوته ~~خاصة حيثما كانت الكالفنية هي النغمة السائدة. والظاهر أن روسو ~~وفرويد لما يستطيعا أن يهزا بجد هذه الفكرة عن الدور الذي يلعبه ~~الضمير - حتى في نفسيهما. # وهذه الفضيلة الخلقية - في اتجاهاتها الظاهرية - قد اتخذت ~~أشكالا عدة غير الحرمان الصريح المفروض بالقوة، وهو الحرمان الذي ~~يبرزه نقاد البيوريتانية للحكم عليها. إن طريقة التحريم الصريح ~~للرقص والتمثيل وما إلى ذلك موجودة قطعا، وقد لجأ إليها ~~الكالفنيون الأوائل بصورة طبيعية لأنهم - كما ذكرنا من قبل - لم ~~يشغلوا أنفسهم، كما يشغل الديمقراطيون أنفسهم، بحرية الفرد. غير أن ~~الكالفني كان يعتقد كذلك بالإغراء. فجعل الموعظة جانبا أساسيا ~~من عباداته. إنه لم يؤكد الهجوم على المذهب العقلي كما فعلت ~~المسيحية من قبل، بل إن تأثير الكالفنية في نهاية الأمر كان دفع ما ~~نسميه المذهب العقلي إلى الأمام، ولكن الكالفني في هذه السنوات ~~الأولى لم يكن بكل تأكيد من العقليين؛ فهو يؤمن بنار الجحيم، ~~وبالفوائد الخلقية للخوف من نار الجحيم، وهو يؤمن بالتحول العاطفي، ~~وهو مبشر طيب، وإن لم يكن في أسمى قدراته بين الشعوب ~~البدائية. # إن البيوريتانية - وهي لفظة ألفنا نحن الأمريكيين أن نستخدمها ~~استخداما مائعا لا يرضى عنه علماء اللغة لتدل في إيجاز على أسلوب ~~الحياة الكالفنية - مجموعة من مجموعات الآراء التي لا يمكن في ~~الواقع أن تحلل بالدقة الكيموية. إننا لا نستطيع أن نعرف ~~البيوريتانية بالمعنى العلمي ل «التعريف»، وقد حاولنا في شغف شديد ~~أن نشير إلى بعض عناصر أسلوب الحياة البيوريتاني في القرنين ~~الأولين من تاريخ البيوريتانية ولكنا لا نعدو مس الموضوع سطحيا، ~~وحتى في هذه الحالة نجد مشكلة شاقة كبرى لا نستطيع إهمالها، وهي ~~مشكلة الأوجه السياسية في الكالفنية ونتائجها. # أشرنا في فصل سابق إلى أن من أنواع التوتر في المسيحية ذلك ~~التوتر القائم بين إحساسها بأهمية الفرد باعتباره روحا خالدة، ~~وحاجتها إلى التغلب على شخصية الفرد (أقصد أنانيته وشعوره بأهمية ~~شخصه) إما بالخضوع لله وإما بالذوبان في المجتمع، أو بهما معا، ~~وإنا لنلمس شيئا من هذا التوتر ms375 في الديمقراطية الحديثة باعتبارها ~~أسلوبا من أساليب العيش، أو باعتبارها مثلا من المثل، وهو توتر ~~نعبر عنه عادة بالتوتر بين الحرية والمساواة. كلما زادت حرية ~~الفرد، زادت المنافسة، وزاد أصحاب الربح العظيم وأصحاب الخسارة، ~~وكلما زادت المساواة، ازداد الأمن، وزاد الحد من المضاربة، وقلت ~~حرية الفرد. # وهذا التوتر قائم في الكالفنية في صورة معقدة بشكل خاص وذلك أن ~~كالفن كان - كلوثر - مضطرا إلى الاعتراف بقدر من الفردية لمجرد ~~تمرده على الكنيسة القائمة. كان عليه أن يمحو سلطة الكنيسة ~~الكاثوليكية في أذهان تابعيه. ولكي يحقق ذلك كان عليه أن يحثهم على ~~الاستقلال في الفكر. وقد عاون هو وأتباعه - كما أشار إلى ذلك ~~وبروتر ولتش وتوني وغيرهم - على تشجيع الفردية المتنافسة عند رجال ~~الأعمال. إن نضال البيوريتاني مع ضميره كان نضال الفرد الواعي ~~وعيا كاملا باكتفائه الذاتي، أو بعدم اكتفائه - وحتى شعور ~~الكالفني بصغار الإنسان إزاء الإله الرهيب كان تعزيزا لأهمية ~~الفرد هنا في هذه الحياة، ولم يكن في ذلك أدنى تناقض - لأن الإنسان ~~لا يمكن أن يبلغ الوعي بالله إلا كفرد، لا كواحد في مجموعة. ~~وأخيرا كان على الكالفنية خلال سنواتها الأولى أن تناضل ضد السلطة ~~القائمة لمجرد حقها في البقاء كديانة فعالة، وهي لم تبلغ في فرنسا ~~وإنجلترا وألمانيا في سنواتها الأولى ذلك النفوذ الذي بلغته في وقت ~~مبكر في جنيف وبوسطن، وذلك الأمن الذي حققته في القرون المتأخرة ~~حيثما كتب لها البقاء. وكان يتحتم عليها أن تتحدى السلطة - ولقد ~~كان كالفن نفسه صاحب السلطان في جنيف متحررا أحيانا وهو يزجي ~~النصح لأتباعه في كل مكان. # فإن أنت ضممت هذا كله بعضه إلى بعض ربما آمنت بأن كالفن سبق ما ~~صوره الدارونيون الاجتماعيون في القرن التاسع عشر على أنه الوضع ~~الصحيح للإنسان، والمضاربة الكاملة الحرة للجميع في جميع مناحي ~~الحياة، بحيث يتخلف الشيطان بحق في الصفوف. غير أن هذه النظرة ~~خاطئة. ولا عليك إلا أن تغوص في الكالفنية العملية في جنيف في ~~القرن السادس عشر أو في بوسطن في القرن ms376 السابع عشر لكي تلمس ~~مجتمعا إسبرطيا من بعض الوجوه في نظامه وجماعيته. كانت تحكم هذه ~~المجتمعات من أعلى أقلية من الفضلاء. ولم تكن هذه المجتمعات ~~«ديمقراطيات» بمعنى الكلمة عندنا. لم تكن جماعات تمتد فيها ~~الجماعية إلى السلع الاقتصادية، وإن يكن وجود الفقراء في كلتا ~~الجماعتين من المسئوليات العامة - على الأقل لأن أخلاق الفقراء ~~كانت بحاجة إلى رعاية. بل لقد كانت هذه الجماعات بمعنى ما ذات ~~أوضاع اجتماعية خاصة، كما يعرف كل من درس التاريخ الاجتماعي ~~القديم لإنجلترا الجديدة؛ فهناك - على سبيل المثال - قوائم قديمة ~~لأسماء الطلبة في هارفارد مرتبة وفقا لنوع من أنواع الوضع ~~الاجتماعي، أو المرتبة الاجتماعية - مما لا نستطيع أن نفهمه فهما ~~واضحا. إننا نعلم أنها ليست مرتبة ترتيبا أبجديا، أو وفقا ~~للتفوق في الدراسة، أو حتى طبقا لدخل آبائهم. # غير أن الكالفنية في الميزان تميل نحو الديمقراطية، وربما كان ~~النفوذ القاطع هنا هو لشكل نظام الحكم في الكنيسة، وسواء أكان ~~شعبيا أم برسبتيريا فلقد كان على أية حال نظاما يسمح لكل ~~أعضاء الكنيسة من ذوي المكانة الاجتماعية الطيبة أن يشترك في ~~الاجتماعات التي تتولى شئون الأبرشية، متحررة من سلطان الأساقفة أو ~~أي سلطان آخر، علمانيا كان أو دينيا. وقد كانت ممارسة هذا ~~النوع من الحكم في القرنين السادس عشر والسابع عشر في إنجلترا ~~الجديدة أقرب إلى أن تكون ضربا واضحا من ضروب أوليجاركية ~~«القديسين» منه إلى أن يكون ديمقراطية أساسها المساواة. غير أن ~~التجربة الكالفنية - برغم ذلك - ~~وقد طرقت في سنوات مقاومة إنشاء الكنائس، كانت لونا من ألوان ~~التدريب الذي ربما انتقل إلى الحكومة الديمقراطية، وأمد هذه ~~الحكومة - في إنجلترا الجديدة على الأقل - بنوع من أنواع أدوات ~~الحكم. بل ربما كانت عادة رجوع الكالفني إلى الإنجيل باعتباره كلمة ~~الله المكتوبة هي التي أعدت الناس للرجوع إلى دستور مكتوب. غير أن ~~هذا حكم من الأحكام العامة التي يشق على المرء التثبت من ~~صحتها. # إن الجناح الأيسر من الحركة البروتستانتية يتألف من عدد كبير من ~~الطوائف المناضلة. وربما وصفناها ms377 باليسارية نظرا لأنه لم يكن ~~لإحداها من النفوذ ما يجعلها جماعة مستقرة ينطبق كيانها على كيان ~~دولة عظمى. وحتى «الصحابة» وهي الطائفة التي تعد من كثير من ~~الوجوه أكثر الطوائف نجاحا، والتي كانت قطعا من أكثرها إثارة ~~للاهتمام - حتى هذه الطائفة بقيت دائما قليلة العدد. ويرى الكاتب ~~الذي يريد أن يصنف الطوائف أنها لم تشترك مع غيرها إلا في القليل ~~نسبيا اللهم إلا معارضتها للكنيسة القائمة معارضة مشتتة عامة، ~~وضآلة عضويتها، وكثرة تنوعها. وتعد إنجلترا في القرن السابع ~~عشر من خير الأماكن التي يستطيع الأمريكي أن يدرسها فيه، لانعدام ~~المشكلات اللغوية - وهي المشكلات التي تلابس اللاتينية أو ~~الجرمانية؛ لأنا نعلم أن الرسائل التي لا تحصى التي تتعلق بالنزاع ~~الديني في القرن السابع عشر لم تكتب بلغتنا في العصر ~~الحاضر. # ولو أردنا أن نقدم قائمة كاملة بالطوائف لطال بنا الحديث؛ فقد ~~كان هناك «الحفارون» - وهم شيوعيون إنجيليون بسطاء اعتادوا الحفر ~~في بعض الساحات العامة، التي تشبه الحدائق العامة عندنا تقريبا - ~~بحجة أن الله قد أعطى الأرض للجميع. وهناك رجال «الملكية الخامسة» ~~أو «المؤمنون بعصر ذهبي بعد ألف عام» الذين كانوا يعتقدون بأن ~~الملكية الرابعة من الوحي الإنجيلي كانت تقترب من نهايتها، وأنه قد ~~كتب لهم الدخول في الملكية الخامسة أو الملكية الأخيرة. وكانوا ~~ينقسمون إلى جماعة سلبية تعتقد أن الله هو الذي يتعهد بالعمل الذي ~~يجعل نبوءته صادقة في الوقت الملائم، وجماعة إيجابية رأت ضرورة ~~الخروج والعمل على تحقيق النبوءة بالعنف إن اقتضت ذلك الضرورة. ~~وكانت هناك طائفة «التسوية» واسمها يشرح مذهبها، غير أن هذه ~~الطائفة كانت سياسية أكثر منها دينية. وكان هناك أتباع ليودوفيك ~~مجلتون، ذلك الحائط الملهم، وما زالت هذه الطائفة موجودة باسم ~~«المجلتونيان»، وهو اسم يشق علينا أن نأخذه مأخذ الجد الصارم. وكان ~~هناك البهمنيون، والبديليان، والكوبينيون، والسالمونيون، ~~والحفارون، والتراسكيت، والتيرون، والفيلادلفيون، والكريستادلفيان، ~~والصور المتعددة من المؤمنين بعودة المسيح والمؤمنين بتعميد ~~البالغين وحدهم بالتغطيس، وسيادة أسماء الأعلام - أعني أسماء ~~القادة أو الأنبياء في هذه الطوائف - يشير إلى أنهم ms378 يمثلون تشقق ~~البروتستانتية في النهاية بحثا عن نوع من أنواع السلطة ~~النهائية. # وينتمي كثير من الطوائف بشكل واضح إلى ما كان يسمى «حافة ~~الجنون» أو هو يتجاوز هذه الحافة. ودراستها تشوق كثيرا رجل ~~الاجتماع وعالم النفس، الذي يجد منذ ثلاثمائة عام مضت أعراضا لولا ~~الدراسة لظنها من سمات العصر الحديث، ولما ~~فهمها - لذلك - فهما صحيحا . إن ~~مجرد وجودها يعد من علامات الانقلابات الاجتماعية الخطيرة. إن ~~هؤلاء المتطرفين يواجهون المؤرخ - الذي يحاول أن يعالج الأمور ~~الإنسانية معالجة موضوعية دون استياء أو حماسة - بمشكلة خطيرة؛ ~~لأنهم يتصفون بالاستياء الشديد والحماسة الحارة. إنهم لا يتصفون ~~بالاعتدال، يثيرون الشغب حتى يبلغ عنان السماء، ويمقتون الصفات ~~التي يحاول المؤرخ الموضوعي أن ينميها في نفسه. إنه يتخيل أنه ~~يستطيع أن يرى في جلاء ووضوح كيف أن التاريخ كان يسير سيرا أكثر ~~إرضاء للنفوس، وأكثر قبولا، وأشد إنسانية، لولا هؤلاء المثيرون ~~للقلاقل، والذين يطلبون المستحيل. إنه يستطيع أن يرى الجانب الذي ~~لا يسر فيهم - استعدادهم للاضطهاد (إذا هم ظفروا بمكانة ~~يستطيعون منها أن يضطهدوا الآخرين)، وتسلطهم (إذا هم ظفروا بمكانة ~~ذات نفوذ) وتوهمهم العظمة والشموخ، وتركيزهم أفكارهم في ذواتهم، ~~وعجزهم عن تقدير الوفرة المتنوعة من أساليب الحياة الطيبة التي ~~يستطيع الناس أن يحيوها. # وبهذه الطريقة الميسورة من إلقاء اللوم على هؤلاء المتطرفين تفوت ~~الرجل المعتدل عظمتهم، ويعجز عن إدراك نفعهم للمجتمع. وما أضعف ~~الاستعارات الواضحة؛ فهؤلاء المثيرون للزوابع ليسوا في الواقع ~~خميرة، أو كالذبابة التي تلدغ الخيل فتحثها على المسير، وليسوا ~~طليعة المجتمع. إنهم أحيانا كما تصورهم هذه الاستعارات، ولكنهم ~~ليسوا كذلك في أكثر الأحيان. إنهم يذكروننا جميعا - وإن كنا لا ~~نلقي لهم بالا في أكثر الأحيان. إن الإنسان لا يستغني في كرامة ~~عن حافز المثل الأعلى، وهو لا يستطيع أن يخلد إلى الراحة في أمان - ~~حتى إن كانت راحة الموضوعية. كان مونتيني لا يقدر المتطرفين إلا ~~قدرا يسيرا شأنه في ذلك شأن أي إنسان؛ فكان بوسعه أن يقول عن ~~مبالغات الثائرين: ~~«إنني لا أرى عملا واحدا، ms379 أو ثلاثة أعمال، أو مائة. وإنما أرى ~~حالة من حالات الفناء التي يقبلها الناس عامة، وهي حالة غير ~~طبيعية، وبخاصة من حيث عدم الإنسانية والخيانة، وهما عندي أسوأ ~~الآثام، حتى إني لا أملك أن أفكر فيهم بغير فزع. وهم يثيرون في ~~من العجب بمقدار ما في نفسي من كراهية. إن عمل هؤلاء الأشرار ~~المتجمعين فيه من علامات قوة الروح وشدتها بمقدار ما فيه من زلل ~~وخلل.» # ويبدو أن بعض هذه الطوائف الجامحة كان من المؤمنين إيمانا ~~مجردا بعصر ذهبي يسود لألف عام - أي إنهم كانوا يعدون بالنعيم ~~على الأرض، ولكن بغير لمسات محسوسة، أو بصورة محسوسة في غير موضعها ~~تدل على رمزية ثورية مستمدة في الأغلب من العهد القديم ومن ~~السفر الأخير من العهد الجديد. غير أن الكثيرين منهم، والكثيرين ~~من المعتدلين في حماستهم، كانوا كما سبق أن اتفقنا على تسميتهم ~~اشتراكيين في غير تحديد. وهم يمثلون تلك الفئة التي تظهر في تاريخ ~~الفكر الاشتراكي. اهتمامهم الأكبر بحل مشكلة الفقر - لا أغنياء، ~~ولا فقراء، وإنما رجال طيبون يشتركون في ثروة هذا العالم كما أرادت ~~لهم الطبيعة وكما أراد الله لهم. وكثيرون يصرون على أنهم إنما ~~يعودون إلى الكنيسة الأولى، التي قالوا إنها كانت شيوعية. وهم ~~جميعا يستخدمون لغة الدين، حتى حينما يعالجون شئونا اقتصادية. ~~إنهم في الواقع لا يختلفون كثيرا عن أسلافهم المتأخرين في العصور ~~الوسطى. إنهم يعادون الكالفنية التقليدية - وإن كانوا يشتركون في ~~بعض المثل الدينية والخلقية الكالفنية - وذلك لما اتضح من أن ~~الكالفنية لا تعتقد في اقتسام الثروة. # وليس من العجيب أن نجد أن بعض هذه الفئات الجماعية هي أيضا ~~فردية في أساسها، بل لقد تصل أحيانا إلى درجة الفوضى. وقد بينت ~~من قبل أن الكائنات البشرية تستطيع فيما يظهر أن تعيش سعيدة وسط ~~متناقضات منطقية متعددة. وللاشتراكيين في العصر الحديث دائما جناح ~~فوضوي. ومهما يكن من أمر فإن من الأحكام العامة الصحيحة التي تربط ~~هؤلاء البروتستانت المتطرفين الأولين ميلهم إلى ما كان يسمى في ~~ذلك الحين «التحلل ms380 من قواعد الدين الخلقية». فكان الفرد الذي يعتقد ~~في هذا التحلل يسير في الاتجاه البروتستانتي الأساسي إلى حد ~~التطرف الشديد، وهو التبرير بالإيمان ردا على القول بالتبرير ~~بالعمل؛ فكان يرى أن القانون، والعادة، وأي أمر، إنما هو في الواقع ~~«عمل»، ومن ثم يجب إهماله اللهم إلا إذا دله صوته الباطني ~~على أن ما نص عنه صحيح - وهو لم يكن كذلك عادة في تلك الأيام ~~المضطربة الأولى. الصوت الباطني هو كل ما يهم المرء. وبعض ~~«المتحللين من قواعد الدين الخلقية» اتبعوا في الواقع من الناحية ~~العملية المنطق الذي تعقبناه من قبل وقلنا إنه ينبثق عن قدرية ~~مطلقة. وقد احتجوا بأنه إذا كان الصوت الباطني يقول لهم إنهم من ~~الخالصين، فإن من الواضح إذن أن كل ما يفعلونه من تقدير الله، ~~ولا يعوق خلاصهم. وقد اتهم الثوار - الذين ظفروا في وستفاليا في ~~الأربعينيات من القرن السادس عشر بفترات قصيرة من النفوذ - من جانب ~~خصومهم بكل أنواع الفسق والفجور. وبالرغم من أن المحافظين يتهمون ~~المجددين دائما بالأخلاق الشخصية المنحلة - والجنسية خاصة - التي ~~تصدم الشعور، إلا أنه مما لا شك فيه أن بعض «المتحللين من قواعد ~~الدين الخلقية» قد تابعوا منطقهم في السلوك الذي يعد عادة فوق ~~التبرير المنطقي. # وكما أشرت من قبل عند ذكر تكاثر صنوف الهرطقة في القرنين الثاني ~~والثالث من المسيحية، إلى أن هذا التكاثر هو من بعض الوجوه علامة ~~من علامات قوة الشباب، فكذلك كان تكاثر الطوائف البروتستانتية ~~دليلا على قوة شبابها، دليلا على أن الناس يأخذون مأخذ الجد ~~الصارم المثمر الأمل في حياة أفضل في هذه الدنيا، على الأقل ~~كإعداد واجب وضروري لحياة كاملة في العالم الآخر. وقد كانت هذه ~~الطوائف - وهي في الواقع هرطقات بروتستانتية، بالرغم من أن هذا ~~التعبير قد يسيء إلى البروتستانتية التقليدية في العصر الحاضر - ~~تشتمل على طاقة عارمة، حتى عندما كان هدفها يبدو كأنه النعيم ~~الباطل. # واستقرت البروتستانتية بحلول عام 1700م. روض عصيانها النجاح، ~~وحتى الكالفنيون تم لهم الاستقرار أو ظفروا بالتسامح في كل ms381 مكان ~~تقريبا. ولم تتجمد البروتستانتية حتما أو تكتف بذاتها، بل إنها ~~لا تزال تتصف بحماسة التبشير، وبخاصة فيما تقوم به من عمل وراء ~~البحار، وهي لا تزال تضم إليها كثيرا من المسيحيين المتحمسين، إلا ~~أنها قد توقفت عن النضال ضد الكاثوليكية عدوها القديم، كما أن ~~الكنيسة الكاثوليكية ذاتها قد استجمعت منذ منتصف القرن السادس عشر ~~مصادر كبرى من القوى الروحية، وأصلحت من مفاسد دنيويتها ~~ولامبالاتها، ومن الفساد الذي دب في كثير من المواضع في الكنيسة ~~في أواخر العصور الوسطى. كما أنها نسجت غزل الكاثوليكية نسيجا ~~قويا في «مجلس ترنت» دون أن تحور تحويرا أساسيا في قواعدها ~~الدينية أو في طقوسها وشعائرها وأعادت الكنيسة بعد بعثها غزو ~~ألمانيا وشرقي أوروبا بقوة الروح لا بقوة السلاح. وبات من الواضح ~~بعد حرب الثلاثين عاما أن البروتستانتية لا يحتمل أن تكتسح بلادا ~~أخرى في أوروبا. ولم تعد البروتستانتية في أساسها وفي أشكالها ~~التاريخية عقيدة مكافحة. بل إن الطوائف نفسها التي انشقت بعد عام ~~1700م - ك «أصحاب التقوى» في ألمانيا و«النظاميين» في إنجلترا ~~وأمريكا - كانت في صميمها ما يمكن أن نسميه بغير تجن بالطوائف ~~«المواسية»، وهي جماعات تهدف إلى أن يكون الفرد سعيدا (بالطريقة ~~المسيحية بطبيعة الحال) أكثر مما تهدف إلى غزو هذا العالم والعالم ~~الآخر. وقد اتصف أصحاب التقوى والنظاميون بالعاطفة القوية، واتصف ~~قادتها بالشجاعة النادرة والإخلاص. ولكنك لا تجد عند هذه الطوائف ~~المثالية العاصفة والعنف الموجه الذي تلمسه في البروتستانتية ~~الأولى. إن البحث عن الكمال في هذه الدنيا كان يتجه وجهة أخرى، كان ~~يتجه إلى ما أمسى يعرف ب «التنوير». # الفصل العاشر # | صنع العالم الحديث: المذهب العقلي # إننا نواجه مرة أخرى لفظة ضخمة، هي: التعقل. وكأغلب أمثالها من ~~الألفاظ يمكن تعريفها بطرق متعددة. وسوف نعرفها هنا تعريفا عاما ~~جدا كمجموعة من الأفكار تعزز الاعتقاد بأن الكون يسير بالطريقة التي ~~يعمل بها العقل البشري عندما يفكر تفكيرا منطقيا وموضوعيا، ومن ~~ثم فإن الإنسان يستطيع في النهاية أن يفهم كل ما يقع في خبرته كما ms382 ~~يفهم - مثلا - مسألة حسابية أو ميكانيكية. ويأمل العقلي أن تهديه في ~~نهاية الأمر القدرات العقلية عينها التي بينت له كيف يصنع ويستخدم ~~ويصون أية آلة منزلية إلى كل شيء يتعلق بأي أمر من الأمور. # وليس ما سبق إلا توضيحا غير رسمي للمذهب العقلي. ولكن توضيح الأمر ~~ينبغي أن يظهر لنا مدى انصراف العقلي الكامل عن العقيدة المسيحية، ~~حتى عن بعض أشكال العقيدة المسيحية المدرسية التي تؤكد قدرة العقل ~~البشري على فهم تدبير الله للكون فهما جزئيا على الأقل. إن هناك ~~بطبيعة الحال كل صنوف التوفيق بين المذهب العقلي والمسيحية، وسوف نلتقي ~~ببعضها في «عصر التنوير». غير أن دفعة المذهب العقلي تتجه بعيدا عن ~~المسيحية. إن العقلي يميل إلى القول بأن المعقول هو الطبيعي، وأنه «ليس ~~هناك ما هو فوق الطبيعي». وهو لا يعترف على الأكثر إلا بالمجهول، الذي ~~لا بد أن يتحول يوما ما إلى المعلوم. وليس في نظامه مكان للإله ~~الشخصي، وليس هناك مجال في عقله للاستسلام الصوفي للإيمان. إن ما يمقته ~~الإنسان بشدة كثيرا ما يدل على معالم فكره. وما يمقته العقلي مقتا ~~شديدا هو «الاعتقاد في المستحيل». # وإذن فالمذهب العقلي يميل إلى أن يبعد الله وما ليس بالطبيعي من ~~الكون. ولا يبقي المذهب إلا على الطبيعي، الذي يعتقد معتنقوه أن من ~~الممكن فهمه في النهاية، وذلك في أغلب الأحيان عن طريق ما يعرفه أكثرنا ~~بطرق البحث العلمي. إن نمو المعرفة العلمية - من الناحية التاريخية - ~~واطراد استخدام الطرق العلمية بمهارة، يرتبط ارتباطا وثيقا باتساع ~~النظرة العلمية إلى العالم، وبصورة الكون في عين العقلي؛ ذلك لأن أكثر ~~العقليين لهم في الواقع نظرة عالمية شاملة، وهي طريقة من طرق الحياة ~~ترتبط باعتقادهم في العقل. وكثير من العلماء المشتغلين بالعلم كانوا ~~ممن يعتنقون المذهب العقلي. وكل عالم يعتقد أننا لا نملك معرفة صحيحة ~~سوى المعرفة التي نصل إليها باستخدام الطريقة العلمية هو - من الناحية ~~المنطقية - إما من العقليين وإما من المتشككين، غير أن العلم والمذهب ~~العقلي - وهذه ناحية هامة جدا - وإن ms383 كانا مرتبطين تاريخيا، إلا ~~أنهما ليسا قطعا شيئا واحدا. # فالعلم - سواء بمعنى مجموعة من المعارف العلمية المتراكمة أو بمعنى ~~طريقة من طرق معالجة المشكلات (أي الطريقة العلمية) - لا يعبأ ~~بالميتافيزيقا. وهو - كعلم - لا يمدنا بنظام كوني أو بنظرية من نظريات ~~المعرفة. والعلم كعلم لا يحاول أن يجيب عن المسائل الكبرى التي تتعلق ~~بمصير الإنسان، وتصرف الله في الإنسان، أو الحق والباطل، أو الخير ~~والشر، بل هو لا يسأل هذه الأسئلة. وبعض العلماء كأفراد يكادون ألا ~~يوجهوا سؤالا واحدا فيما يتعلق ب «المشكلات الكبرى». ويكادون أن ~~يسيروا في حياتهم اليومية بدافع العادة أو السلطان، كما يفعل أكثرنا في ~~أكثر الأحيان. ومعنى ذلك أن بعض العلماء ربما لا تشغلهم الميتافيزيقا، ~~أو تقلقهم - فهم في ذلك كأكثر أبناء الجنس البشري (وهذه نقطة لا يعرف ~~عنها إلا القليل حتى السيكولوجيون المحترفون - ومؤلف هذا الكتاب يعتقد ~~أن قليلا جدا في الواقع من الكائنات البشرية من يتحرر تحررا كاملا ~~من القلق الميتافيزيقي، أو على الأقل من الاهتمام بالميتافيزيقا). ~~ومهما يكن من أمر فإن العالم عندما يسأل ويحاول أن يجيب عن أية مشكلة ~~من «المشكلات الكبرى» يكف عن سلوكه كما يسلك العالم. وهو على أقل ~~تقدير إنما يقوم ب «عمل إضافي»، وربما كان يقوم بعمل «مختلف». # وقد ذكرنا في الفصل الأول من هذا الكتاب أن بعض المفكرين المحدثين ~~ينبذون الفكرة التي تقول بأن العلم لا يقوم البتة مباشرة على أساس ~~القيم. وهي فكرة تتحدى التقاليد الغربية الطويلة التي ترى أن الإنسان ~~لا بد أن يستخدم عقله لكي يفسر كل خبراته، وكل عالمه. ومع ذلك فإن ~~التقليد الثابت في مجال العلم هو أن العالم ك «عالم» لا يصدر أي حكم ~~على القيم. والأعماق الفلسفية لهذا الموضوع سحيقة جدا في الواقع، ~~وليس بوسعنا هنا إلا أن نسجل النظرة الثابتة، وأن نذكر أن هناك ~~منحرفين؛ منحرفين ليس بينهم في الانحراف اتفاق اللهم إلا في معارضتهم ~~للنظرة الثابتة المعتمدة. وإذا كان هناك موضوع مشترك بين أولئك الذين ~~يعارضون المذهب الأرثوذكسي في ms384 العلوم الذي يرى أن العلم لا شأن له ~~بالقيم، فهو إيمانهم بأن الذكاء البشري يستطيع أن يحل مشكلات ~~الأخلاق، والجمال، بل وأصول الدين، حلا فعالا ناجحا، كما يحل ~~مشكلات العلوم الطبيعية. والظاهر أن الدلائل لا تؤيد اليوم رأيهم، غير ~~أن المشكلة لا تزال قائمة، والحكم الأخير فيها لم يصدر بعد. وربما لا ~~يصدر فيها حكم. # والعقلي - من ناحية أخرى - عنده عادة مجموعة كاملة من الحلول ~~ل «المشكلات الكبرى»، أو هو على الأقل على ثقة من أن الزمن والمثابرة ~~من جانب المفكرين الذين يفكرون تفكيرا صحيحا لا بد أن يتمخضا عن ~~أجوبة، ولا بد أن تكون هذه الأجوبة «صحيحة». إن المذهب العقلي - كما ~~نما في القرنين السادس عشر والسابع عشر في ~~الغرب - هو في الواقع نظام ~~ميتافيزيقي كامل، بل إنه - فوق ذلك - كان لأقلية من الناس - ولا يزال - ~~بديلا عن الدين، وربما كان من الأفضل أن نطلق على المذهب العقلي - ~~باعتباره نظاما شبه ديني - صفات معينة، كالمادية، والوضعية، وما ~~إليهما، مما يشير بصورة أدق إلى المركب الكامل من العقائد والعادات ~~والنظام الذي يتصل بهما. والموازنة الآتية تعطينا صورة تقريبية: المذهب ~~العقلي هو الاصطلاح العام، كالبروتستانتية؛ والمادية والوضعية، ~~والإلحاد - نعم والإلحاد - بل ومذهب التوحيد، أو حتى الاعتقاد في الله ~~مع إنكار الوحي، هي بمثابة الطوائف، كالطائفة التي تنكر وجوب تعميد ~~الأطفال، أو طائفة «الصحابة». # العلوم الطبيعية # ولما حل عام 1700م بلغت أكثر العلوم التي نسميها العلوم الطبيعية ~~- والتي كانت تعرف في ذلك الحين باستثناء الرياضيات ب «الفلسفة ~~الطبيعية» - مرحلة جعلت تركيب نيوتن الضخم أمرا ممكنا. وفي ~~القرنين السابقين بلغت أكثر النظم العلمية المتفرقة، وبخاصة ~~الطبيعة، وعلم الفلك، وعلم وظائف الأعضاء، درجة النضج كعلوم، وإن ~~لم تصبح بطبيعة الحال علوما نهائية. وعاد إلى الدنيا مرة أخرى ما ~~كان بالإسكندرية الهلينستية منذ ألفي عام: مجموعة من الباحثين ~~والمعلمين، والمعامل، والمجموعات، ووسائل تبادل المعلومات والأفكار ~~- كان هناك بإيجاز بيئة اجتماعية وعقلية تلائم تقدم العلوم. ~~ولم يكن الجيل الأول من الإنسانيين بأكثر فائدة للعلوم الطبيعية من ms385 ~~أسلافهم المدرسيين في العصور الوسطى. ولكن باقتراب القرن السادس ~~عشر من نهايته ازدهر علماء مثل جاليليو وسط فناني النهضة. وليس ~~القرن السابع عشر قرن العبقريات فحسب، القرن الذي ظهر فيه رجال من ~~أمثال نيوتن وهارفي وديكارت وباسكال، وإنما هو أيضا قرن تأسيس ~~الجمعيات العلمية الكبرى، كالجمعية الملكية البريطانية (1660م). ~~وأكاديمية العلوم الفرنسية (1666م)، هو القرن الذي بلغ فيه العلم ~~كنشاط اجتماعي سن الرشد، عندما ضاعف من تقدمه مئات من العاملين ~~في جد، الذين تضمهم الجمعيات، ونشر الكتب، ونظام عجيب من نظم ~~المراسلة الخاصة. # ولم يصبح العلم بعد - في عام 1700م - أكثر المهن العقلية ~~احتراما؛ فهو لم يصل بعد إلى المكانة والثروة والقيمة الاجتماعية ~~التي بلغها في القرن العشرين. ولم تفسح التربية الكلاسيكية ~~والتربية الحرة في المجال للعلوم الطبيعية إلا بمقدار تلك العناية ~~التي كانت العصور الوسطى تعطيها لمجموعة العلوم التي كانت تشمل ~~الرياضة وتطبيقاتها المعروفة في الموسيقى والميكانيكا. ولم يكن ~~للعلم التجريبي، وللعلم في المعامل، تقدير كاف في التربية ~~العادية. غير أن المعرفة العلمية في تلك الأزمنة القديمة تسربت إلى ~~عقول جمهور المتعلمين. وكان العلم إحدى الوسائل التي عاونت على نقل ~~الأفكار العقلية في جميع أرجاء العالم الغربي. # ولا نستطيع أن نجيب في بساطة إجابة نهائية عن هذا السؤال: لماذا ~~ازدهرت دراسة العلوم الطبيعية في هذه النقطة المعينة من الزمان ~~والمكان؟ هناك بالتأكيد عوامل متعددة أدت إلى ذلك، كما حدث في ~~مشكلة مشابهة، وهي مشكلة البروتستانتية. لماذا انشق الإصلاح ~~البروتستانتي في القرن السادس عشر على الكنيسة الكاثوليكية في ~~الغرب بطريقة لم تسبقها بها أية حركة انشقاق أخرى؟ من العوامل ~~الكبرى، وهو عامل يفهمه جيلنا فهما جيدا مما لا يدعونا هنا إلى ~~تأكيده، العامل الاقتصادي، وذلك هو نمو اقتصاد نقدي معقد يديره ~~أصحاب أعمال رأسماليون (أو أصحاب مشروعات). ومن الواضح أن رجال ~~الأعمال هؤلاء كانوا مشغوفين بالتجديد، يريدون تعضيد العلم بالمال، ~~العلم الذي لا يعوقه ما يلابس كثيرا من الأعمال العلمية من سوء ~~المعاملة أو انحطاط التقدير، العلم الذي لا تقيده ms386 أهواء التربية ~~الكلاسيكية. إننا نلمس هذا كله، وربما يرجع ذلك إلى أن أكثر هذه ~~العوامل كانت تؤثر بصورة أوضح بكثير منذ نهاية القرن الثامن عشر ~~مما كانت عليه في تلك السنوات الأولى. وقد أشرت من قبل إلى أن رجال ~~العلم تعلموا من أصحاب الحرف ومن التكنولوجيين، بخلاف ما نلمسه ~~اليوم من إفادة التكنولوجيين من رجال العلم، كما أن أبرز رجال ~~العلم كانوا من السادة، بل من النبلاء أحيانا، وقلما كانوا من ~~رجال الأعمال. وقد كان العلم منذ بدايته عالميا حقا، ولم يتقيد ~~بحدود دينية. وإذا كانت إسبانيا لم تخرج إلا قلة من العلماء، في ~~حين أخرجت إنجلترا وفرنسا الكثيرين منهم، فهذا أيضا مما لا ~~نستطيع أن نعلله ببساطة. ويجب كذلك أن نذكر أن الثروة والتنظيم ~~الاقتصادي الحديث المتزايد يرتبط بازدهار العلوم. وليست هذه ~~العلاقة هي كل قصة العلم، ولكنها جانب واضح منها. # وليس هناك سبب مقنع كل الإقناع نرد إليه العلاقة بين نهض العلوم ~~الطبيعية والبيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها. ولكنا نستطيع أن نخدع ~~أنفسنا بشيء من البساطة فنقول إن كل انقلاب ثقافي تقريبا في تلك ~~القرون كان له أثره في نمو العلوم؛ لأن العلم - بالرغم من أنه قد ~~يصل إلى أكثر العلوم تجريدا - يعتمد على المحسوسات، والوقائع، ~~وعلى وفرة العدد في الأشياء المادية المختلفة. ومن ثم فإن كل ~~مضاعفة في الوقائع التي يستند إليها له أهميته القصوى بالنسبة إلى ~~أي علم من العلوم الطبيعية. إن المكتشفات الجغرافية في بداية العصر ~~الحديث - التي شجعتها هي ذاتها البحوث العلمية في الفلك، وفنون ~~الملاحة والجغرافيا - قدمت للأوروبيين ألوف الوقائع، وألوف ~~التحديات للعقل المتطلع إلى المعرفة. كما أن اكتشاف البارود في ~~العصور الوسطى بدأ في هذه القرون يستخدم في أغراض عملية حربية، ~~فحث استخدامه على بذل الجهد لمقاومة تأثيره. وأدى ذلك بالتالي ~~إلى بذل الجهود لاختراع مفرقعات أشد منه قوة. وأحب أن أكرر القول ~~بأن هذا من التكنولوجيا والاختراع، وليس من العلم. غير أن هذه ~~المضاعفة في «الأشياء»، وهذا الاهتمام بها، وهذه المحاولة ms387 لزيادة ~~الحصول على أشياء معقدة، كل هذا في حد ذاته، ومن حيث تأثيره في ~~عقول الناس، شروط لا غنى عنها من شروط نمو العلوم. # والحرب مثال طيب لذلك. وهناك نظريات - ويقترن أشهرها برجل ~~الاقتصاد الألماني ورنر سمبارت - تقول بأن نمو الحروب القومية على ~~نطاق واسع في تلك القرون هو السبب الجذري في كل شيء آخر نعده ~~حديثا، ما دامت حاجة الدولة إلى المال لكي تدفع رواتب جيش محترف ~~كانت تحث الجهود التي تجعل بناء الدولة أكثر كفاية، وما دامت ~~الحاجة إلى الأشياء المادية التي تستعمل في القتال تحث على ~~التغير الاقتصادي، وما دامت الحاجة إلى أسلحة أشد فتكا في ~~الهجوم والدفاع تحث على التكنولوجيا والاختراع. ومن الطبيعي أن ~~تسيء أشد الإساءة إلى الديمقراطيين والأحرار المخلصين هذه النظرية ~~التي تقول بأن الحرب المنظمة هي مبعث الحضارة الحديثة؛ فشرع هؤلاء ~~الديمقراطيون والأحرار في تأليف الكتب التي تثبت أن الحرب لا شأن ~~لها بظهور الثقافة الحديثة. والواقع أن الطرفين هراء من نوع الجدل ~~الذي يثور حول الكتكوت والبيضة، أيهما سبق الآخر. إنما تضافرت ~~الحروب مع المكتشفات الجغرافية، والمخترعات، والوسائل الفنية في ~~الأعمال، وألوان الترف الحديثة، والمكتشفات، وعوامل أخرى عديدة، ~~كل منها يؤثر في الآخر، وكلها مجتمعة تهيئ الجو المادي للعلم ~~الحديث. # والجو السيكولوجي معقد أيضا تعقيد هذا الجو المادي، وهو ~~بالطبع يتأثر أشد التأثر بهذه المضاعفة في «الأشياء»؛ فهناك دائما ~~المتطلعون إلى المعرفة، وهناك الكثيرون الذين يحبون أن يتصيدوا ~~التجارب الجديدة. وكان هناك رجال عرفوا بالصبر والتنظيم في تصنف ~~التفصيلات، وكثيرون اتصفوا بدرجة من درجات غرائز الجمع، فكانوا ~~يكدسون المواد. والواقع أن الباحث المدرسي في العصور الوسطى كانت ~~لديه من قبل هذه الصفات بدرجة عالية. وأما ما كان مطلوبا لخلق ~~حالة عقلية تلائم تنمية العلوم الطبيعية، فهو أولا الرغبة في ~~تحويل هذه المواهب العقلية، مواهب الصبر، والبحث الدقيق، وجمع ~~الحقائق، من العالم الموقر - عالم البحث الفلسفي والأدبي إلى ~~العالم غير الموقر - عالم الروائح، والأوزان، والمقاييس، والبرودة، ~~والحرارة، وما إلى ذلك مما نألفه اليوم ms388 جميعا، وثانيا الرغبة في ~~التخلي عن قدر كبير من الاحترام الشديد لسلطان الكتاب السابقين، ~~وبخاصة أرسطو - كما كانت الحال في العصور الوسطى - والأخذ بعادة ~~مراجعة حتى أدق تفاسير الظواهر الطبيعية، وإخضاعها لاختبارات ~~التجربة والتحقيق. # فكان من الضروري إذن أن تصبح دراسة العلوم الطبيعية محترمة ~~بإمدادها بفلسفة، ليس من الضروري أن تكون ميتافيزيقية، ولكنها على ~~الأقل طريقة وغاية، وقد تم ذلك خلال هذه القرون، وبخاصة على يدي ~~فرانسيس بيكون، الذي سوف نعود إليه بعد حين، ولكنا يجب ألا يضللنا ~~ما يراه فيه العالم الساذج من جدة وتفرد؛ فإن التحول من الباحث، بل ~~من المدرسي، إلى العالم لم يكن في الواقع ثورة معجزة تخلق شيئا من ~~لا شيء؛ فلقد أخذ العالم الحديث عن أسلافه الباحثين هؤلاء الذين ~~ينظر إليهم اليوم بعين الازدراء كل تلك العادات العلمية الوئيدة في ~~التفكير والعمل، وهي العادات اللازمة للعلوم الطبيعية - الصبر، ~~والدقة، وتراكم الرياضيات والمنطق التي حصل عليها الإنسان بمشقة، ~~والجماعة العظمى من الرجال والسيدات الذين يكرسون حياتهم لتربية ~~العقل. # وقبل أن نأتي إلى محاولة بيكون لجعل العلم محترما من الناحية ~~الفلسفية، يجب أن ننظر في عامل ممكن آخر من عوامل نهوض العلم، وهو ~~عامل ربما طرأ على عقل القارئ من قبل. أليست «الحرية» أحد العوامل ~~الأساسية لنهضة العلوم؟ ألم يكن من الضروري للعالم أن يظفر بتحرره ~~من كل صنوف القيود والمحرمات التي عرفتها العصور الوسطى، كما فعل ~~البروتستانتي والإنساني؟ وماذا ترون في جاليليو؟ # لنذكر مرة أخرى أن العلاقة بين ازدهار العلوم الطبيعية ودرجة ~~الحرية الفردية أو حرية الجماعة من القيود الشرعية والخلقية في ~~مجتمع من المجتمعات ليست واضحة أو بسيطة بأية حال من الأحوال. قد ~~نرتاح إلى الاعتقاد بوجود ارتباط مباشر: كلما زادت الحرية (الحرية ~~كما نفهمها نحن الأمريكيين) زاد تقدم العلوم؛ إذ من الواضح طبعا ~~أن المجتمع الذي يحرم كل جديد لا يخرج عالما، ما دام العلم ~~يتوقف على أن ينتج فرد من الأفراد شيئا جديدا. غير أن أمثال هذه ~~المجتمعات المستبدة لا وجود لها ms389 إلا في الخيال، على الأقل في ~~العالم الغربي، والتاريخ الواقعي يدل على أن العلم نما في أوروبا ~~التي تحكم في أغلب أجزائها ملوك ذوو سلطة مطلقة، وأن العلم يدين ~~بالكثير لرعاية هؤلاء الملوك ووزرائهم. والواقع أن العلم بعدما ~~أثبت شيئا فشيئا أنه نافع في تعزيز تسلط الإنسان على بيئته ~~المادية اقتنعت الطبقات المالكة بقيمة العلم لها بعد ما أثبت العلم ~~تدريجا أنه مما ينفع في تعزيز تسلط الإنسان على بيئته المادية. ~~وكان يسر هذه الطبقات المالكة أن تهب العلماء المال ~~والحماية. ومهما يكن من أمر فإن اكتشاف قانون الجاذبية لم يعرض ~~مصالحهم للخطر بأية طريقة واضحة. إن الحرية للبحث العلمي ليست هي ~~البتة نفس الحرية للتجريب الفني، أو الفلسفي، أو السياسي، أو ~~الخلقي. وليس من شك في أن العلماء يحتاجون إلى أنواع من الحرية، ~~ولكنهم أشد ما يكونون حاجة إلى التحرر من عبء العادة الثقيل ومن ~~سلطان القديم «في ميادينهم الخاصة». # عندما يعلن العالم اكتشافا يقلب المعتقدات السائدة رأسا على ~~عقب، فلا غرابة أن يلاقي مقاومة شديدة، وأن يضطر إلى الكفاح حتى ~~يسمع صوته. والنقطة الشائقة في تاريخ المجتمع الغربي أنه يتمكن ~~من إسماع صوته، وأن الرقابة التي تريد أن تخرسه ضعيفة لا يكاد يكون ~~لها أثر. بل إن هذه الرقابة قد تتحول بطريقة ما من عائق إلى حافز. ~~وحتى في حالة الاستشهاد العلمية المشهورة، حالة جاليليو، فإن ~~الرقابة في نهاية الأمر لم تفعل أكثر من أنها حولت عمل جاليليو إلى ~~مسرحية. وهذا العالم الإيطالي نفسه بني على عمل علماء أسبق منه، ~~حتى رجع في الواقع إلى العصور الوسطى، ولكنه بني بصفة خاصة على ~~أعمال ذلك الفلكي البولندي كوبرنيكس. والقضية معروفة لنا جميعا؛ ~~ذلك أن المنظار المقرب الذي اخترعه جاليليو اختراعا جديدا ~~مكنه من تسجيل وقائع إضافية مثل وجود توابع للمشتري، مما أوحى ~~إليه بنموذج للنظام الشمسي، وبوجود بقع سوداء على سطح الشمس التي ~~دلت بتناقصها الظاهر على أن الشمس تدور حول نفسها. وهذه ~~الملاحظات وكثير غيرها دعمت نظرية كوبرنيكس ms390 (وآريستراخ كذلك كما ~~رأينا) التي تقول بأن الأرض تدور حول نفسها في فلك حول الشمس التي ~~تدور هي الأخرى حول نفسها. وكانت العقيدة المسيحية تلزم نفسها ~~إلزاما كاملا بالنظرية الأخرى التي تقول بأن الأرض ثابتة وأن ~~الشمس تدور حولها. وبفعل المشاعر القوية انحاز كثير من الرجال ~~الأذكياء إلى العقيدة التي ترى أن كوكبنا - المكان الذي ضحى فيه ~~المسيح بنفسه - لا بد أن يكون «مركز» كل شيء، والواقع أن الآراء ~~التي كانت تعارض جاليليو كانت لفئات مؤتلفة، ولم تكن قطعا لكنيسة ~~كاثوليكية موحدة ترفض في بساطة قبول علم الفلك. ومن الفئات القوية ~~المعارضة جماعة الجزويت الذين أساء جاليليو إليهم بتجاهله البحوث ~~التي سبقت الجزويت. والواقع أن العصابة التي عارضت جاليليو خليط ~~يلفت النظر من القديم والجديد، ومن المنافسة الأكاديمية (وهي ~~بالتأكيد ليست شيئا جديدا) بين أصحاب المصالح في هذا الصدد، ومن ~~مجرد الغرام بالجديد، وربما أيضا من نوع من القلق الميتافيزيقي؛ ~~لأن الأمل في اللانهائي - أو على الأقل في التعدد - لعوالم يكشف ~~عنها المنظار المقرب، قد أصاب الكثيرين بالرعب والفزع. وأخيرا سيق ~~جاليليو إلى المحاكمة أمام محكمة التفتيش، وآثر الإنكار على أن ~~يحكم عليه بأنه مذنب. ولكن ما كتبه جاليليو لا يمكن أن يلغى أو ~~يمحى. ولم تكن في أوروبا في القرن السابع عشر أية سلطة لها من ~~القوة ما يكفي لكبح هذه الأفكار التي أذاعها جاليليو، فتأكد انتصار ~~نظرية مركزية الشمس. # أما الرجل الذي اقترب جدا من تنظيم ما كانت تعالجه هذه ~~«الفلسفة الطبيعية» الجديدة في حدود عامة فهو فرانسيس بيكون ~~الإنجليزي الذي أصبح فيما بعد اللورد فريولام. ولم يكن بيكون ~~بالرجل الذي يحبه الناس. لم يكن طيبا أو رحيما. وكان يطمع في ~~النفوذ والثراء. وقد تميزت حياته السياسية - التي انتهت بوظيفة ~~حامل أختام الملك - بالانتهازية وانعدام الضمير، وأخيرا اتهم ~~بالخيانة. وقل من العلماء المتأخرين من استطاع أن يعفو عنه ~~باعتباره عالما سيئا، لا يحسن السلوك الذي يبشر به. ولكنه مع ذلك ~~كان ابنا بارا للنهضة الإنسانية، وإن يكن ميلاده ms391 قد جاء بعد ~~انقضائها، وكان غزير العلم، متنوع المواهب، نشيطا متحمسا ~~للتقدم في كل اتجاه. بل إن المعجبين به في الأجيال التالية قد ~~نادوا بفكرة من أعجب الأفكار في تاريخ الفكر، وتلك هي أن بيكون ~~هو الذي كتب الأعمال التي تنسب عادة إلى شيكسبير. # صمم بيكون عملا عظيما أسماه «نوفم أرجانم» أو «الأداة ~~الجديدة» ونفذه إلى حد كبير في عام 1620م، وهو من المؤلفات ~~العظمى البذرية الأخيرة في ثقافتنا مما كتب باللاتينية. وكثير مما ~~تضمنه من آراء قد ظهر من قبل في كتابه «تقدم المعرفة» الذي أخرجه ~~بالإنجليزية في عام 1605م. ومن ضلال الرأي أن نقول إن هذا العمل ~~الفريد قد رسم ليكون نوعا من المعارضة ضد أرسطو والرجال ~~المدرسيين. إنما كان هذا الكتاب يطمع في أن يصنف الدراسات ~~العلمية الجديدة ويضع لها منهجا، وهي الدراسات التي كان يأمل أن ~~يظفر الناس عن طريقها بسيادة جديدة على بيئتهم. والكتاب مفعم ~~بالهجمات على أرسطو وتلاميذه في العصور الوسطى، وعلى منطق ~~الاستنباط، مفعم بالنداءات بالرجوع إلى دليل الإدراك الحسي، ~~والرجوع إلى الوقائع، واستخدام الاستقراء. وإليكم بعض الفقرات ~~الهامة من كتاب «الأداة الجديدة»: # إن دقة الطبيعة تفوق أضعافا مضاعفة دقة الحواس والفهم؛ ~~ولذلك فإن كل تلك التأملات، والنظرات المموهة، وكل تلك ~~المظاهر البراقة التي ينغمس الناس فيها، بعيدة عن الغرض. ~~وإنما ليس هناك من يلاحظها. # إن القياس المنطقي لا يطبق على المبادئ الأولى للعلم، ~~كما يطبق عبثا على البديهيات المتوسطة؛ لأنه لا يتكافأ ~~مع دقة الطبيعة. إنه لذلك يتطلب الموافقة على الغرض، ولكنه ~~لا يتملك الموضوع. # القياس المنطقي يتألف من فروض، والفروض من ألفاظ، ~~والألفاظ من رموز لأفكار، ومن ثم فإن كانت الأفكار ~~ذاتها مضطربة (وهي جذور الموضوع)، وإذا كانت قد تجردت من ~~الحقائق على عجل، فإن البناء لا يمكن أن يكون ثابتا، ~~ولذلك فإن أملنا الوحيد ينحصر في استقراء حقيقي. # إن أفكارنا - سواء في المنطق أو في الطبيعة - تتجرد من ~~الصحة. والمادة، والنوع، والعمل، والميل، والجوهر ذاته، ~~ليست بالأفكار السليمة. وأقل منها ms392 سلامة صفات الثقل، ~~والخفة، والغزارة، والندرة، والرطوبة، والجفاف، والتوليد، ~~والفساد، والجاذبية، والنفور، والعنصر، والمادة، والشكل، ~~وما إليها. كلها وهمي، غير محدد التعريف. # وليس هناك - ولا يمكن أن يكون هناك - سوى طريقتين للبحث ~~في الحقيقة واكتشافها: الطريقة الأولى تقفز من الحواس ~~والتفصيلات إلى البديهيات العامة. ومن هذه المبادئ - التي ~~تعد صدقها ثابتا لا يتزعزع - تسير نحو الحكم ونحو ~~اكتشاف البديهيات الوسطى. وهذه الطريقة شائعة في العصر ~~الحاضر، والطريقة الثانية تستمد البديهيات من الحواس ~~والتفصيلات، وترتفع في صعود تدريجي لا يتعثر، حتى تبلغ أعم ~~البديهيات آخر الأمر. وهذه هي الطريقة الصحيحة، ولكنها لم ~~تجرب بعد. # وقد كتب مؤرخو الفلسفة والعلوم في إسهاب عن فكرة بيكون عن ~~الاستقراء. وربما كان رأيه فيه - من وجهة نظرنا - ساذجا؛ إذ كان ~~يعتقد أن العالم إذا لاحظ من الوقائع ما يكفي وجد أن هذه الوقائع - ~~بطريقة ما - ترتب نفسها في نظام هو المعرفة الصحيحة. ومن المؤكد ~~أنه في جدله ضد المدرسيين يفترض أن العملية التي نسميها التفكير لا ~~تلعب دورا في عمل العالم. وذلك من غير شك لأنه يطابق بين منطق ~~القياس، الذي يزدريه، والحركة العقلية المجردة. إن قراءة بيكون ~~قراءة فاحصة تقنع الناقد العادل أنه لم يؤمن فعلا بأن العالم ليس ~~عليه إلا أن يتصيد الوقائع ويسجلها، وإن كان لم يفهم في الواقع كما ~~نفهم (وليس فهمنا جيدا جدا) ما يدور في عقل العالم العظيم ~~الخلاق. # ما كان أبعده عن ذلك! إن ما ضلل نقاد بيكون هو في صميمه ما يربطه ~~بالمدرسيين الذين حاربهم حربا مريرة، ويجيل الإنسانيين في النهضة ~~التي ينتمي إليها. كان بيكون يبحث عن حلول ل «المشكلات الكبرى». ~~وظن أنه وجد السبيل إلى «اليقين»، ومن ثم إلى الاتفاق، في تلك ~~الأمور التي تجادل الناس فيها طويلا دون أن يصلوا إلى اتفاق. ~~والعالم الحديث - كما سوف نرى - لا يهدف إلى النظريات التي تتصف ~~بالصدق المطلق الذي لا يتغير. أما بيكون فيهدف إلى ذلك. وهو بميله ~~الطبيعي من «الاسميين» بمعنى الكلمة في العصور الوسطى تقريبا؛ ms393 فهو ~~يبدأ بواقع «الأشياء» التي يدركها بحواسه، بيد أنه يتلمس طريقا ~~لكي يصل إلى صيغة من الصيغ الثابتة وسط تيار المعارف الحسية التي ~~يقول الواقعيون في العصور الوسطى إنهم يعرفونها عفوا، بمجرد ~~التفكير أو الاعتقاد. وإذا تبسطنا جدا في الشرح قلنا إن بيكون ~~يريد أن يبدأ بالأفكار الاسمية وينتهي بالأفكار الواقعية. # وهو يريد أن يحقق ذلك بسلسلة طويلة صابرة من الملاحظات ~~والتسجيلات التي تبرز فيها «المادة» تدريجا من «الأحداث» - وأنا ~~هنا أستخدم مصطلحات مدرسية كانت تغضب بيكون نفسه - والثابت من ~~العارض. وبالرغم من كراهية بيكون للمصطلحات الفلسفية القديمة فإنه ~~يجد نفسه مرغما على استخدام اللفظة التي تعني «الشكل، أو ~~الصيغة». وإليكم فقرة ذات أهمية كبرى: # لما كان «شكل» الشيء هو الشيء ذاته، والشيء لا يختلف عن ~~الشكل إلا مثلما يختلف الظاهر عن الواقع، أو الخارج عن ~~الداخل، أو الشيء من حيث صلته بالإنسان عن الشيء من حيث ~~صلته بالكون، لما كان الأمر كذلك فإنه يترتب عليه بالضرورة ~~أن الطبيعة لا يمكن أن تؤخذ على أنها الشكل الحقيقي إلا ~~إن كان الشكل يتناقص دائما كلما تناقصت هذه الطبيعة، ~~وكذلك يتزايد كلما تزايدت هذه الطبيعة. # وإذا حاولت أن أسترسل بعد ذلك كنت معتديا على ميادين الفيلسوف ~~المحترف. وربما لم يعد بيكون أنه يسبق في ألفاظ مثل «الظاهر» ~~و«الواقع» ما أسماه لوك فيما بعد ب «الثانوي» و«الأولي» - أي إن ~~اللون، على سبيل المثال، صفة ثانوية تختلف فيها انطباعاتنا الحسية، ~~والكتلة صفة أولية يمكن قياسها قياسا موضوعيا بالطرق العلمية. ~~وربما كانت «أشكال» بيكون لا تعدو ما قصد به العلماء المتأخرون من ~~«القوانين» أو «الصور المتشابهة». غير أن هذه الأشكال بالنسبة ~~لبيكون تمكن في النهاية معرفتها، وهي في الواقع أمور مطلقة. # إن دور العلوم المتفرقة يبدأ الآن في الازدحام بالأسماء ~~والمكتشفات حتى إن مؤرخ العلم ليحتاج إلى صفحات لا تقل في عددها ~~عما يحتاج إليه عادة مؤرخ الحرب والسياسة. ولا يسعنا هنا إلا أن ~~نلخص في إيجاز. لقد واصلت علوم الرياضة التقدم الذي أحرزته منذ ms394 ~~أوج العصور الوسطى، وبلغت حدا استطاعت عنده أن تجابه المشكلات ~~الجديدة التي عرضها علماء الفلك والطبيعة. وقد اخترع فلمنج سيمون ~~ستيفن في أواخر القرن السادس عشر الحساب العشري، وهو وإن يكن لا ~~يعدو أن يكون حيلة من الحيل، إلا أنه كالصفر حيلة لا غنى عنها. ~~واخترع عالم الرياضيات الاسكتلندي جون نابير اللوغاريتمات في ذات ~~الوقت تقريبا. وفي القرن التالي أدخل ديكارت - الذي سوف نعود إليه ~~ثانية - تعديلا في تلك الحيلة النافعة التي نعرفها اليوم باسم ~~الأبعاد المتساوية الديكارتية، التي عنها انبثقت تلك الرسوم ~~البيانية التي يستطيع أن يفهمها اليوم حتى رجل الشارع. كما أن ~~باسكال - الذي نعرفه أساسا كأديب من الأدباء - دفع الهندسة ونظرية ~~الاحتمالات دفعة قوية هامة. # وتتابعت في الفلك أسماء شهيرة: كوبرنيكس، تيكو براه، كبلر، ~~جاليليو - ومن هؤلاء انبثقت نظريتنا عن مركزية الشمس في نظامنا ~~الشمسي بصورة واضحة، كما بدأت معرفة الكون العظيم خارجا عن النظام ~~الكوكبي، وقد ذكرنا من قبل كيف أن تلخيص جاليليو وتثبيته لذلك كله ~~أدى إلى محاكمته - وكانت هذه المحاكمة طريقة جيدة من طرق نشر ~~آرائه. وإذا أضفنا ما قاله كبلر إلى ما قاله جاليليو وجدنا أنهما ~~وضعا فكرة الكون الذي يسير طبقا لقوانين الرياضة، ولكنه «يتحرك» ~~قطعا، ولا يشبه في ذلك السماوات الثابتة التي لا تتغير التي رويت ~~عن أرسطو. وقد بين أول قانون من قوانين كبلر على سبيل المثال أن ~~الكواكب لا تدور حول الشمس في دوائر كاملة (وإذا كانت تدور طبقا ~~لأرسطو فلا بد أن يكون دورانها في دوائر كاملة. وما كان لأحد أن ~~يتقدم بالملاحظات الدقيقة أو الحساب المعقد الذي يلزم لإثبات أنها ~~لا تتحرك)، وإنما تتحرك في أشكال بيضية، الشمس فيها أحد المراكز. ~~وقد عرف الإغريق الشكل البيضي من دراسة الصور المخروطية، غير أنهم ~~لم يطبقوها قط على محاولة للتثبت من أي «قانون من قوانين ~~الطبيعة». # وكان كبلر بروتستانتيا ألمانيا، مليئا بالرؤى والحماسة. ~~والظاهر أنه أخذ علم الفلك مأخذ الجد، كما فعل كل أهل زمانه فيما ~~خلا المغالين في ms395 التشكك أو في العقيدة المسيحية. وقد وضع مشروعا ~~مستفيضا أسماه «عجائب الكون» وفيه يحاول أن يتبين صلات رياضية بين ~~الكواكب والشمس، صلات تثبت تتابعا في العلاقات ثابتا مجردا ~~محضا قام بحسابه من قديم الفيثاغوريون في اليونان القديمة - وهي ~~الأجسام الكاملة «الأفلاطونية»: الهرم، والمكعب، ومثمن الأضلاع، ~~والجسم ذو الاثني عشر سطحا، والجسم ذو العشرين سطحا. ولكن لما ~~اكتشف كبلر أنه قد أخطأ في الحقائق الأولية - فقد قدر المسافة ~~بين بعض الكواكب والشمس تقديرا خاطئا - تخلى عن نظريته. وربما لا ~~نستطيع أن نحصل على خلاصة مركزة لأهمية الطريقة العلمية أفضل من ~~هذه. كان كبلر يبحث عن نظرية للكون، عن مجموعة من الحقائق عن ~~الطبيعة الحقيقية للعالم، تماما كما كان يفعل أفلاطون أو أكويناس. ~~ولكن لما كان تدريبه تدريب العالم، فإن تصحيح الملاحظة - أو القياس ~~- حتم عليه أن يتخلى عن طريقته ويبدأ من جديد. إن الحقائق ~~الأولية الواقعية لا تقف في وجه الفيلسوف بهذه الصورة ~~الواضحة. # وفي هذه القرون اكتمل علم الفيزياء، وبخاصة فرعاه: الميكانيكا ~~والبصريات. وهنا أيضا نجد لجاليليو أهمية بالغة. وتجربته مع ~~الأجسام الساقطة من برج بيزا المائل هي من أكثر النظريات شيوعا في ~~تاريخ العلم. وكان أرسطو قد قال بأن الأجسام تسقط بسرعة تتناسب ~~وأوزانها؛ فالجسم الثقيل يسقط أسرع مما يسقط الجسم الخفيف. وقد ~~أسقط جاليليو مثل هذين الوزنين من برج بيزا المائل، ولاحظ أن ~~مسلكهما لم يكن كما قال أرسطو. ومن هذه الملاحظات، وبتجارب ~~ورياضيات أكثر تقدما، طور نظرياتنا الحديثة عن السرعة وعن ~~الحركة المركبة. ويلاحظ مرة أخرى أن نظرية أرسطو هي نظرية عن شيء ~~«كامل» - الدوائر بدلا من الأشكال البيضية، والحركة المستقيمة ~~التي تحددها طبيعة الجسم المتحرك. أما النظرية العلمية الحديثة فهي ~~أكثر من ذلك تعقيدا بكثير، وهي بحاجة إلى رياضة أعقد للتعبير ~~عنها، ويجب أن تراجع دائما بالنسبة إلى الملاحظة لكي نرى إذا ~~كانت الحركات التي تفرضها (أو تتنبأ بها) تقع فعلا. # وهناك إيطالي آخر اسمه تورشلي اخترع البارومتر، وألماني اسمه فون ~~جريك اخترع المضخة الهوائية. وعمال ms396 كثيرون مجهولون عاونوا على ~~اطراد التحسن في العدسات وغيرها من الآلات التي جعلت المقاييس ~~والملاحظة الأدق أمرا ممكنا، ودرس بويل ومساعده هوك الهواء ~~والغازات الأخرى، وبدأ العملية التي استغرقت عاما والتي انتهت ~~باكتشاف الأوكسيجين وتأسيس الكيميا الحديثة. # وقد أشارت كل هذه البحوث إلى مبدأ عظيم ميكانيكي يكمن وراء ~~الطبيعة، إلى مجموعة من قواعد شديدة التعقيد لا يمكن صياغتها إلا ~~في حدود الرياضة العليا، ولكنها مع ذلك قواعد تشير إلى أن الطبيعة ~~كلها إن هي إلا آلة. وقد ألهمت هذه النظرية بالضرورة الباحثين في ~~الميدان الذي نسميه اليوم بالبيولوجيا، وليس الاكتشاف العظيم في ~~الفسيولوجيا في القرن السابع عشر إلا محاولة لتأثر الآراء ~~التقدمية التي قدمها علماء الطبيعة. وفي عام 1628م نشر هارفي ~~تجربته التي تقول بأن قلب الإنسان هو في الواقع مضخة، وأن دم ~~الإنسان يخرج من القلب ويسير في دورة لها نظام معين. وبين بوريلي ~~أن ذراع الإنسان إن هي إلا رافعة، وأن العضلات تقوم «بعمل» آلي. ~~وأخيرا استخدم المنظار المكبر والمنظار المقرب، وحققا نصرا ~~أوليا باكتشاف الكائنات الميكروبية، وربما كان أشهر هؤلاء ~~الميكروسكوبيين الأوائل الرجل الهولندي فان ليوينهوك، غير أن ~~كثيرا من العاملين الأقل أهمية والذين لا نذكرهم اليوم عاونوا - ~~كما كان يحدث دائما في نمو العلوم - في تجميع الوقائع في صبر، وفي ~~تفسير معناها تفسيرا محدودا. # وأخيرا يظهر رجل يضم كل هذه الأعمال تحت حكم عام علمي ضخم، تحت ~~قانون أو قاعدة موحدة - لا تزال في حدود العلوم الطبيعية - تبسط ~~وتشرح، وتربط بين قوانين كثيرة أو قواعد عامة متفرقة في قانون عام ~~واحد يلخص البحوث التي استغرقت ملايين الساعات من وقت الإنسان. ~~والقانون الجديد (وما زلنا في حدود العلم) ليس قانونا نهائيا، ~~كاملا، لا يتغير؛ فمن المؤكد أنه سوف يعدل أو يتبين - فيما ~~نتصور - أنه خاطئ من بعض جوانبه، وذلك بعد مرور الوقت الكافي ~~وإجراء بحوث أخرى. ولكنه لا يزال ثابتا «نسبيا»، وهو بمثابة ~~الأرض المستوية، أو الاستراحة المؤقتة. وكاد جاليليو ينجز هذا ~~العمل، كما أن زهاء الاثني ms397 عشر شخصية كبرى غيره مثل كبلر أسهموا ~~إسهاما أساسيا في هذا الحكم العام العظيم، ولكن نيوتن - على كل ~~حال - كان الرجل الذي ضم كل شيء بعضه إلى بعض وكون منه الصورة ~~الآلية الكبرى التي أطلق عليها «آلة نيوتن العالمية». وسوف نعود ~~إلى نيوتن في الفصل الذي سوف نعقده على القرن الذي قدسه، وهو ~~القرن الثامن عشر. # إن أي حكم عام ضخم كهذا الذي حققه نيوتن لا بد أن يؤثر في الفكر ~~الإنساني بعدة طرق، ولا بد أن يكون له صدى في مجالات خارج العلوم ~~- في الفلسفة، وفي علوم الدين، وفي الأخلاق، بل وفي الفن والأدب، ~~ولا بد أن نكرر القول بأن العلم ~~- كعلم - لا يمدنا بنظرية كونية، ولكن ما حققه العلم، على الأقل في ~~العالم الحديث، قد ترجم إلى ميتافيزيقيات. وقد كان العلماء في ~~هذين القرنين مجموعة متنوعة، لها ديانات متنوعة ونظريات مختلفة. ~~وكان بعضهم لا يستطيع أن يقاوم الإغراء بأن يرى أن الله هو ~~الميكانيكي الأول (بل ربما لم يحسبوا أن للإغراء دخلا فيما يرون)، ~~أو يرى أن رياضياته هي المفتاح للحياة كلها والموت كله، أو أن ~~يتصيد في المعمل نوعا من أنواع الحقيقة المطلقة. بل إن بعضهم ~~كروبرت بويل، ذلك الرجل التقي، باعد بين علمه وديانته ولم يمزج ~~بينهما، وهو موقف يستطيع كثير من العلماء أن يقفه حتى اليوم وهو ~~مطمئن سعيد. # ومهما يكن من أمر فإن مجموعة المعارف العلمية المتزايدة كانت ~~تترجم أساسا إلى نظرة نحو العالم نسميها هنا بالتعقل. وقد أظهر ~~العلماء في أوائل العالم الحديث كيف أن درجة عظمى من النظام تنطوي ~~تحت ظواهر طبيعية كثيرة متنوعة، وكيف أن كثيرا من الآراء التي ~~يراها الإنسان طبيعية بإحساسه العام - مثل شروق الشمس وغروبها - لم ~~تكن أوصافا دقيقة لما كان يحدث فعلا. إن الظاهر والواقع يتباينان ~~تباينا شديدا في أثر كل منهما. والحق أن أثرهما يوحي بأن نظام ~~العالم الضخم ليس البتة كما قال أرسطو والآباء المسيحيون، وأن هذا ~~النظام لا يمكن إدراكه بالإيمان، أو بالتعليل طبقا ms398 لكلمة منقولة، ~~وإنما يمكن إدراكه بإعادة فحص كل شيء في الثقافة البشرية فحصا ~~دقيقا، يقوم به الإنسان بتلك القدرة الخادعة المعروفة، قدرة ~~العقل. # الفلسفة # يمكن أن يتصدر فرانسيس بيكون هذا الفصل؛ لأنه كان إلى الفيلسوف ~~أقرب منه إلى العالم، وقد ذكرنا من قبل أنه كان يبحث عن الحق ~~المطلق وعن طريقة لا تخطئ لبلوغ الحق، غير أن موقف بيكون من الفكر ، ~~وربما كان أيضا تأثيره الأكبر في الفكر الغربي كان بصفته عدو ~~الاستنباط وبطل الاستقراء. وبالرغم من أن كثيرا من حكمه كان ذا ~~نفع كبير لذلك الصنف من الناس الذين نسميهم العقليين، فإن عمله كان ~~في جملته عمل المبشر في العلوم الطبيعية. وكذلك كان في زمانه على ~~الأقل عمل الرجل الذي يمثل تمثيلا كاملا بدرجة غير عادية التطور ~~الفلسفي الكامل للمذهب العقلي في القرن السابع عشر، وأعني به الرجل ~~الفرنسي رينيه ديكارت الذي ذكرنا اسمه عرضا كعالم رياضي. كان ~~ديكارت - ككثير من الشخصيات الذين تعرضنا لهم في سنوات النهضة - ~~متنوع المعارف. كان رجلا ذا اهتمامات علمية ودراسية ~~متنوعة. # وبالرغم من أن ديكارت انشق على المدرسية في العصور الوسطى، وعلى ~~الأفلاطونية الغامضة المخففة التي كانت تقريبا كل ما أنتجت ~~النهضة وهي في أوجها في الفلسفة الرسمية، إلا أنه تحدث بلغة ~~الفلسفة، وصاغ أفكاره - على الرغم من ثوريتها بالتأكيد إلى حد ما ~~- في قالب يميزه أي فرد بأنه فلسفي. ولم يكن مفكرا بسيطا، شأنه ~~في ذلك شأن كل كبار الفلاسفة، ويستطيع الشارحون حتى اليوم أن ~~يلتمسوا عنده شيئا لم يجده أحد من قبل، وعلى الأقل يمكن أن تكتب ~~فيه حتى اليوم رسائل للدكتوراه. ويمكن على أية حال لأغراضنا هنا أن ~~نبسطه؛ فنحن هنا، كما نحن في أي موضع آخر، نهتم بما أفاد المتعلمون ~~العاديون من عمل أي مفكر عظيم، ويجب أن نقر بأن ديكارت لم يتسرب ~~إلى غير المتعلمين، إذا استثنينا بطريقة عامة غامضة اعتباره أحد ~~أولئك الرجال الذين مهدوا لعصر التنوير. إنه يقدم للرجل العادي ~~الذي لم يألف مشكلات الفلسفة الرسمية ms399 الشائكة ذلك الضرب من ~~المشكلات الذي يقدمه أكثر كبار الفلاسفة. ومع ذلك فقد كتب بلغة ~~فرنسية واضحة وإن تكن جافة. ومؤلفاته، حتى في ترجماتها يمكن أن ~~تقرأ كما يتوقع الإنسان. وأساس أفكاره الفلسفية الهامة «حديث عن ~~الطريقة» الذي نشره في عام 1637م. # نشأ ديكارت في عالم متعلم مليء بالطوائف والأفكار المتعارضة، ~~عالم متعلم في طور انتقال واضح من المدرسية الشائعة إلى مركب من ~~نوع جديد، وقد قرر في جلاء ووضوح أن معاصريه ومعلميه في حالة عقلية ~~مضطربة فيما يتعلق بالكون، وأنه قد ولد لإنهاء هذا الاضطراب. وقد ~~وصف بنفسه الخطوات التي مر بها في تقدمه من نبذ كل سلطان للقديم ~~إلى اكتشافه لما ظن أنه الحق الثابت الأكيد المطلق العميق الذي ~~يستطيع أن يبني عليه، يقول: ~~«ورأيت ... أنه ينبغي لي أن أنبذ كل الآراء التي يمكنني أن أفترض ~~فيها أقل مقدار من الشك باعتبار هذه الآراء باطلة بطلانا مطلقا، ~~وذلك لكي أتأكد إذا كان يتبقى بعد ذلك أي شيء في اعتقادي مما كان ~~لا يحوطه البتة أي شك. ومن ثم، ومن حيث إني رأيت أن حواسنا ~~تخدعنا أحيانا، فقد كنت أميل إلى الفرض بأنه لا يوجد شيء مثل هذا ~~فعلا مما يعرض لنا. ولما كان بعض الناس يخطئ في التفكير، ويقع في ~~المغالطات المنطقية، حتى في أبسط موضوعات الهندسة، فقد نبذت كل ~~تعليل اتخذته للتدليل من قبل باعتباره باطلا، وذلك لاعتقادي أني ~~معرض كغيري للخطأ. وأخيرا لما رأيت أن نفس الأفكار (أو ما يعرض ~~لنا من أمور) التي نمارسها في اليقظة تمكن ممارستها كذلك ونحن ~~نيام، حينما لا تكون إحداها في هذا الوقت صادقة، فقد افترضت أن كل ~~الأشياء (كل ما يعرض لنا) التي دخلت في عقلي من قبل في أثناء ~~اليقظة، ليس فيها من الصدق أكثر مما في أوهام أحلامي. ولكني تبعا ~~لذلك لاحظت في الحال - وأنا في الحالة التي رغبت فيها أن أعتقد في ~~بطلان كل شيء - أن مما لا بد منه أن أكون أنا الذي فكر هذا ms400 ~~التفكير شيئا ما. ولما لاحظت أن هذه الحقيقة «أنا أفكر، أنا إذن ~~موجود» فيها من التأكيد ومن الدلالة ما يستحيل معه على المتشككين ~~أن يهزوها بأدنى ريبة، مهما أسرفوا، لما لاحظت ذلك انتهيت إلى ~~أني أستطيع - من غير وسوسة - أن أقبلها باعتبارها أول مبادئ ~~الفلسفة التي كنت أبحث عنها.» # ويجب أن يتضح في الأذهان أن هذه هي لغة الفلسفة الرفيعة مهما ~~بلغت الجرأة بديكارت في تحديه للتقاليد القديمة. وقد يسأل المتشكك ~~الصادق، أو المتشكك الذي لا نرتاح إليه: «ولماذا لا نقول: أنا ~~أعرق، أنا إذن موجود.» ولكن ديكارت من هذه العبارة الشهيرة: «أنا ~~أفكر، أنا إذن موجود» استرسل في بناء نظام فلسفي سار به حتى بلغ ~~الإله. وهو إله بعيد غير شخصي - يقول ديكارت في الفصل السادس من ~~تأملاته: «أنا لا أعني الآن بالطبيعة شيئا آخر غير الله نفسه، أو ~~نظام المخلوقات الذي وضعه الله.» ولا عجب إذا كانت الكنيسة ~~الكاثوليكية لم تشعر أن الفيلسوف قد تخلص من شكوكه الأولى، وأن ~~الكنيسة قد اعتبرته منذ ذلك الحين من المنتمين إلى صفوف ~~أعدائها. # وقد عبر ديكارت عن النظرية الأساسية للمذهب العقلي أوضح مما ~~فعل بيكون بدرجة كبيرة. وليس العالم بذلك المكان المضطرب المهوش ~~كما بدا في تأملاتنا الساذجة الأولى التي أوحاها الإدراك العام. ~~وكذلك ليس العالم هو عالم التقاليد المسيحية، بما فيها من إله كامن ~~يتدخل في مجرى الأمور، ومعجزاته التي لا يمكن التنبؤ بها، وبما ~~فيها من عالم آخر لا معقول، وأكداس غير معقولة من وسائل العصور ~~الوسطى. بل وليس العالم أيضا هو ذلك العالم الأفلاطوني الجديد ~~الذي صوره في النهضة البريئة الناشئة عشاق الحياة ومن خلفهم بعد ~~أن زالت عنهم الأوهام. إنما العالم في الواقع عدد ضخم من جزيئات ~~مادية، تدور، وتتحد، مكونة أنماطا جذابة تبلغ من التعقيد ما ~~يوقعنا في كل ضروب الإدراك العام الزائف، وكل الآراء الفلسفية ~~السابقة لديكارت، ومع ذلك فإن الجزيئات تخضع في الواقع لمجموعة ~~واحدة من القواعد، وتؤدي دورها في نغم متسق، وتعمل بانسجام ms401 كما كان ~~يعمل عقل رينيه ديكارت الهندسي. وإذن فالمفتاح الذي يكشف لنا عن ~~الغامض والمضطرب في خبراتنا هو علم الرياضة. وينبغي لنا أن نفكر في ~~كل مشكلاتنا كما نفكر في المسائل الرياضية، مع الحرص في التعاريف. ~~ويجب أن نخطو كل خطوة بعناية وتعقل، ونحن ننشد - فوق كل شيء - ~~الوضوح وعدم التناقض، دون أن نزج أنفسنا في متاهات البحوث المدرسية ~~ودون أن نجادل لمجرد الجدل. ولم يكن ديكارت عبدا للاستقراء كما ~~كان بيكون، وكان يزدري الوقائع الأولية التي ندركها بالحواس ازدراء ~~كاملا يليق برجل يؤمن بالمذهب العقلي. # كان متنوع المعارف، يهتم بكثير من الميادين؛ فكان لديه على سبيل ~~المثال مجال ضيق في تاريخ الفسيولوجيا؛ لأنه قام ببعض الدراسات في ~~عمل الجهاز العصبي. ولكنه هنا كالعادة فيلسوف، وليس باحثا في ~~المعمل صابرا، كان في الواقع يبحث عن مقر الروح (وقد ظنها خاصة ~~بالإنسان، لا تمتلكها الفقريات الأخرى). وظن أنه وجد مقر الروح في ~~الغدة الصنوبرية، التي نعدها اليوم أثرا من آثار عضو حي كانت له ~~أهميته في وقت ما عند أسلافنا. # وقد رأى ديكارت أن من المهم إيجاد مكان للروح في الجسد؛ لأن ~~نظامه قد ورطه في مشكلة فنية ذات أهمية قصوى في مستقبل تاريخ ~~الفلسفة الشكلية. وسوف نكتفي هنا بأن نلفت نظر القارئ إلى هذه ~~المشكلة. ويستطيع القارئ أن يتابعها إلى لوك، وبركلي، وكانت في قلب ~~القرن التاسع عشر، بل وفي القرن العشرين. وهي ليست مشكلة تحرك ~~العالم، مهما حركت الفلاسفة. وهي في الواقع مثال طيب يبين كيف ~~أن مؤرخ الفلسفة ومؤرخ الأفكار من حيث تأثيرهما في الجماهير يجب أن ~~يستخدما طريقتين مختلفتين، وأن يركز كل منهما اهتمامه في موضوعات ~~مختلفة. # وفي إيجاز إذن انطلق ديكارت من مبدئه الأول: «أنا أفكر، أنا إذن ~~موجود» إلى سيكولوجيا ونظرية من نظريات المعرفة يتباين فيها الفكر ~~الواضح مع عالم حسي مضطرب يخرج عن الفكر إلى درجة ما، ولكنه مع ~~ذلك يتصل بالفكر بعض الصلة، ما لم يكن المرء في حالة من حالات ~~الجنون المطلق. ms402 إن الروح توجه تفكيرنا - وربما قصد بذلك ديكارت ~~أنها «تصنع» تفكيرنا - وهي تدل الجسم على ما يفعل، وربما كان ذلك ~~عن طريق الجهاز العصبي، على صورة ما. أما الحيوانات الأخرى فقد ~~اعتبرها ديكارت بصورة قاطعة مجرد آلات، تستجيب - بطريقة أقرب ما ~~تكون إلى ما نسميه الفعل الشرطي المنعكس - إلى بواعث البيئة. وأما ~~الناس فليسوا آلات بهذا المعنى. إنما يصرف الناس شئونهم عن طريق ~~أرواحهم، وهي الأرواح التي تشارك في معقوليتها القوانين العلمية، ~~والرياضيات، والإله. # وقد حاول كثير من الفلاسفة منذ ديكارت أن يعالجوا هذه الثنائية ~~في الروح والجسد، أو المادة والروح، أو الفكر والحس، وهبط هذا ~~الموضوع إلى المستويات الشعبية في القرن التالي، كما نلمس في «حياة ~~جونسن» لبوزويل. وقد حل المشكلة الفيلسوف الإنجليزي جورج بركلي ~~عندما قرر أن «المادة» لا وجود لها، وأن «الوجود هو ما نتصوره» ~~وقد عبر عن ذلك بعبارة لاتينية كما فعل ديكارت في قوله «أنا ~~أفكر، أنا إذن موجود»، وقال إن الواقع كله هو فكرة في عقل الإله. ~~وبإدراكه العام ثار سام جونسون على هذا المرض الذي يقول: إن المادة ~~لا توجد. وطبقا لما رواه بوزويل ركل عمودا يعترض الطريق، وصاح ~~قائلا في حزم وثبات: «هكذا يا سيدي أعارضه.» # وإنما تظهر اتجاهات المعضلة اللامعقولة في مشكلة أخرى، لا يمكن ~~أن تنشأ إلا في تتابع الفكر الديكارتي، وهي هذه: إن عمليات تفكيري ~~تنبئني بكل ما أعرف، وهذه العمليات تعتمد في معلوماتها على ~~الانطباعات الحسية التي تسجلها أطراف الأعصاب ثم تنتقل منها إلى ~~المخ. ولكن لا أمس «فعلا» ما يقع خارج هذه الأطراف العصبية، تلك ~~الأسلاك التلغرافية التي تأتي إلى مخي. وربما كانت كل هذه الرسائل ~~زائفة - وربما لم يكن هناك شيء ما، وربما كنت أنا الشخص الوحيد في ~~العالم، وكل من سواي وهم. أنا «أفكر» ف «أنا» إذن موجود - ولا ~~يتحتم أن يكون هناك موجود آخر. وهذا موقف بالطبع يقع على الحافة ~~الجنونية للفلسفة، ولكن المشكلة كلها التي تثيرها الثنائية ~~الديكارتية ليس لها في الواقع حل، ms403 ويوجد اليوم فلاسفة يكادون ~~يضمونها إلى قضية زينو المتناقضة التي أشرنا إليها عند الكلام على ~~تفكير الإغريق في الفصل الثاني من هذا الكتاب، باعتبارها مشكلة لا ~~تعدو أن تكون لغزا عقليا. # ولا ينبغي أن نظن أن ديكارت هو الفيلسوف العقلي الوحيد في تلك ~~القرون، وإن يكن ربما كان خير مثال لهم؛ فلقد كان هوبز، الذي ~~التقينا به باعتباره فيلسوف الدولة الجبارة، في كثير من النواحي، ~~عقليا كاملا كما كان ديكارت. وكثير من المؤرخين والفلاسفة رأوا ~~من المفيد أن يضعوا المذهب الذي أسموه التجريبي مقابل المذهب ~~العقلي، ومثل هذا التصنيف «يقبل» في الواقع المصطلحات ووجهة النظر ~~التي ترد في الثنائية الديكارتية. العقليون هم أولئك الذين يؤكدون ~~ما يتصل بالعقل، أو الفكر، أو الجانب «المثالي» من قطبي الروح ~~والجسد. أما التجريبيون فهم أولئك الذين يؤكدون الجانب المادي ~~البدني الحسي من القطبين. والجانبان على كل حال: الفلسفة التجريبية ~~والفلسفة العقلية على السواء، من بيكون، إلى ديكارت، إلى هوبز، إلى ~~لوك ذاته، رأيا أن العالم ليس له معنى إلا لأنه معقول، ولأنه ~~ينطوي على النمط الكامن الذي نلمسه في أوضح صورة في التقدم ~~الرياضي والعلمي في هذين القرنين. وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن ~~الروح عند أحد الفلاسفة كانت تفعل نفس ما تفعله المادة عند فيلسوف ~~آخر. وهناك بطبيعة الحال فوارق كثيرة وعظيمة في النظرات العالمية ~~التي كان يراها رجال من أمثال هوبز ولوك، وكثير من المشكلات ~~الفلسفية التي لا يتفقون فيها. ولكن المذهب العقلي والمذهب ~~التجريبي في أوائل القرون الحديثة فيهما في الواقع - برغم ذلك - ~~شيء واحد هام مشترك: ذلك أنهما يريان أن العالم له معنى - وهو ~~معنى رياضي في صميمه. # والواقع أن المذهب العقلي بلغ بسبينوزا فيلسوف القرن السابع عشر ~~اليهودي حدا من فراغ العقل العميق كما بلغ عند أفلاطون. وينتمي ~~باروخ سبينوزا إلى أسرة يهودية برتغالية استقرت في هولندا، وقد ~~كرس كل حياته للآراء الشعبية التي يعتنقها الفيلسوف الذي لا ~~يتحيز. وقد رفض أن ينجح في عالم يقيس النجاح - كما يرى ms404 أصحاب ~~النفوس الحساسة - بمقاييس همجية مبتذلة. وفي القرن الذي كافأ ~~الرجال من أمثال ديكارت بحفاوة الجماهير الشديدة بهم، انصرف ~~سبينوزا، وكسب قوته من قطع العدسات في الهيج - وهو عمل كان شديد ~~الإتقان له. وقد طردته الكنيسة اليهودية بسبب آرائه المخالفة ~~للأصول، وعاش أبسط معيشة، وكتب - على غرار زمانه - ميتافيزيقيات ~~فكر فيها تفكيرا دقيقا. وليس بوسعنا هنا أن نحاول تحليلا ~~حقيقيا لفيلسوف الفلاسفة هذا. وربما كان أشهر مؤلفاته في علم ~~الأخلاق، وقد عرضه عرضا رياضيا، واستخدم فيه الصيغ الظاهرية ~~للعرض الرياضي لكي يصل إلى الله وإلى الخير الكامل. ويطلق على ~~سبينوزا أحيانا «المعتقد بألوهية الكون» غير أن هذه الصفة باردة ~~لا شعور فيها بالنسبة إلى مثل هذا الرجل المتحمس للبحث عن إله كامل ~~وبعيد في آن واحد، وهو مع ذلك لا يجاوز إدراكنا الناقص البشري، ~~ويقوده العقل إلى استسلام صوفي، «إلى حب الله محبة عقلية». ~~«وهذه المحبة العقلية في الأفئدة للإله هي محبة الله عينها التي ~~يحب الله بها نفسه، لا بمقدار ما هو لا نهائي، ولكن بمقدار ما يمكن ~~لجوهر العقل البشري أن يعبر عنه، عندما ننظر إليه في صورة ~~الخلود؛ أي إن محبة العقل الفكرية لله جزء من المحبة اللانهائية ~~التي يحب الله بها نفسه. ومن ذلك ندرك بوضوح أنى يكون خلاصنا، أو ~~بركتنا، أو حريتنا، إنه يكون في حب لله أبدي لا يتغير؛ أي في حب ~~الله للناس. وهذه المحبة أو البركة هي ما يسمى في الكتاب المقدس ~~بالمجد.» # ومن العار أن نعرض سبينوزا هذا العرض الموجز؛ فهو جدير بالتفات ~~أي امرئ يريد أن يتغلغل في مزاج كان دائما يظفر بإعجاب المثقفين، ~~مزاج الرجل الثائر العذب، الذي لا ينتمي إلى هذا العالم، الرجل ~~القادر على الثبات المذهل في الأمور العقلية. وأما نحن فيكفينا أن ~~نذكر أن سبينوزا - في تقدم العلوم العظيم، وباشتغاله بالرياضيات ~~- قد وصل إلى فلسفة تمت إلى العالم الآخر بصلة، كما يمت ~~أي مفكر في العصور الوسطى، وما أكثر الطرق التي تؤدي إلى مجاهل ~~التصوف. # الأفكار ms405 السياسية # إن الأفكار السياسية للعقليين الأوائل هي في الأغلب من النوع ~~الذي ناقشناه في الفصل السابق. وقد نبذ هوبز خاصة النظريات التي ~~تشبه نظرية حق الملوك المقدس؛ لأن العقلي يتحتم عليه أن ينكر ما هو ~~مقدس بالمعنى المسيحي التقليدي. ولكنه مع ذلك كان يعتقد بوجود ~~نظام للعلاقات السياسية «الصحيحة» التي يمكن الكشف عنها إذا فكرنا ~~في فروض معينة تتعلق بالسلوك البشري - كالفرض الذي يقول إن الناس ~~جميعا يريدون الأمن أولا، والفرض القائل بأن الناس في حالة ~~الطبيعة لا يتوافر لهم أمن. ويترتب على ذلك «عقلا» - كما يرى هوبز ~~- أن الناس يتجمعون ويضعون عقدا ليقيموا سيدا عليهم، مطلقا كأي ~~سيد مقدس، ولكنه من خلق الناس في الطبيعة. إن المفكرين من أمثال ~~هوبز وهارنجتون وبودين كانوا إنسانيين متأثرين بالتيار العقلي في ~~زمانهم، وكلهم يعمل في إطار تقليدي من التفكير. وقد مهدوا الطريق ~~لسياسة عصر التنوير، وهي النظرات السياسية التي نرثها نحن ~~الأمريكيين وراثة مباشرة، ولكنهم لم يصلوا إلى التفاؤل الكامل الذي ~~اتصف به فلاسفة القرن الثامن عشر. # إن الجديد والمبتكر في التفكير السياسي في هذه القرون هو كتاب ~~ميكافيلي. وهو يتفق مع كل أولئك الذين أسميناهم العقليين في ~~الإنكار البات لفكرة وجود أي شيء فوق الطبيعي، أو أن هناك أي إله ~~يتدخل في شئون الناس اليومية. ومكيافيلي لا يلقي بالا لفكرة ~~العصور الوسطى بأن الله وراء النظام الخلقي. وهو يبدأ بتطلع النهضة ~~للكشف عن الطريقة التي يسلك الناس سلوكهم وفقا لها. وسوف نرى أن ~~لديه أيضا في الواقع آراء ثابتة عن الطريقة التي ينبغي للناس أن ~~يسلكوا تبعا لها. غير أن هناك في الواقع أساسا لما أثنى عليه به ~~فرانسيس بيكون حين قال عنه: إننا مدينون بالكثير لمكيافيلي لأنه ~~أنبأنا بما يفعل الناس بدلا من أن ينبئنا بما ينبغي للناس أن ~~يفعلوه. وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن جانبا على الأقل من عمل ~~مكيافيلي هو من نوع العمل الذي يقوم به العالم الطبيعي فهو ينبني ~~على الملاحظة، وعلى جمع الحقائق، باعتبار ذلك ms406 نقطة البداية في كل ~~تفكير في الموضوع، وبعض تفكيره قائم على الوطنية، على كراهية ~~الإيطاليين للدول الأجنبية التي سادت إيطاليا. وهو ليس البتة من ~~خصوم المذهب العقلي المحدثين. وهو كبيكون يحمل في نفسه كثيرا من ~~سمات العصور الوسطى. ولكنه أيضا كبيكون، وبخاصة في صفحات كتابه ~~«الأمير» يحاول أن يحلل الحقائق التي يجمعها ويضم بعضها إلى بعض ~~دون أن يأبه بالأخلاق أو بالميتافيزيقا . # وقد نشر كتاب مكيافيلي الصغير الشهير - ولعله عند الكثيرين ~~لا يزال كتابا شائنا - الذي أطلق عليه اسم «الأمير» عام 1531م؛ ~~أي بعد وفاة مؤلفه بأربع سنوات. وهو بالإضافة إلى كتابه «تعليق على ~~ليفي» يعطينا صورة صادقة عن تفكير مكيافيلي وطريقته. وفي «الأمير» ~~يشرع مكيافيلي في وصف الوسائل التي يستطيع بها الحاكم الفرد (أو ~~الأمير) أن يحتفظ بنفوذه كحاكم، وأن يقويه بطريقة مؤكدة. وهو لا ~~يحاول أن يبين ما يفعله الأمير الطيب، أو أفضل الأمراء، أو مبررات ~~الطاعة، أو ما هو الحق وما هو الباطل حقا في السياسة. وإنما هو ~~يحدد لنفسه مشكلة فنية وهي: إذا توافرت شروط معينة، فما هي ~~الشروط الأخرى التي تحفظ، أو تعزز، أو تضعف الشروط الأولى. ~~وإليك عبارته في هذا الصدد: ~~«بقي علينا أن نبحث فيما ينبغي أن تكون عليه الآداب والآراء التي ~~يعتنقها الأمير إزاء رعيته وأصدقائه. ولما كنت أعرف أن الكثيرين قد ~~كتبوا في هذا الموضوع فإني أشعر أني قد أعد مدعيا فيما أريد ~~أن أقول إذا كنت في ملاحظاتي لا أسير على الخطوط التي رسمها غيري. ~~ولكن لما كان في نيتي أن أكتب شيئا قد ينفع القارئ الفطن، فقد ~~بدا لي من الأحكم أن أتابع الحقيقة الواقعة في الموضوع دون ما ~~تتخيله عن هذه الحقيقة؛ لأن الخيال قد خلق كثيرا من الإمارات ~~والجمهوريات التي لم يشهدها أحد أو عرف أن لها أي وجود حقيقي؛ إذ ~~إن طريقة العيش تختلف كل الاختلاف عما يجب أن تكون عليه طريقة ~~العيش، حتى إن من يدرس ما ينبغي أن يعمل دون ما يعمل فعلا إنما ms407 ~~يعرف السبيل إلى سقوطه، لا إلى بقائه. إن الرجل الذي يحاول بكل ~~وسيلة أن يكون طيبا يلاقي حتفه وسط العدد العديد من غير الطيبين. ~~ومن ثم تحتم على الأمير الذي يريد أن يحتفظ بنفوذه، أن يتعلم ~~كيف يكون سيئا وأن يستخدم معرفته أو يمتنع عن استخدامها طبقا ~~لحاجته ... ثم إنه ينبغي ألا يعبأ بارتكاب مساوئ الرذائل التي يتعذر ~~بدونها احتفاظه بدولته. وإذا نحن أنعمنا النظر في الموضوع رأينا أن ~~بعض العادات التي تبدو فاضلة تؤدي إلى الدمار إذا طبقت. وبعضها ~~الآخر مما يبدو من الرذائل يؤدي إلى الأمن وإلى رفاهية ~~الأمير.» # ويستطرد مكيافيلي ليختبر في المشكلات المحسوسة صحة هذه النظرية ~~العامة. هل ينبغي للأمير أن يكون جوادا أو بخيلا؟ وهل ينبغي أن ~~«يقال عنه» إنه جواد أو بخيل؟ وأيهما أحكم: القسوة أو الرحمة؟ ~~ويجيب عن ذلك مكيافيلي - كطبيب أو، في الأمور العادية البسيطة، كأي ~~إنسان عنده إدراك عام - بأن - كل ذلك يتوقف على العناصر الأخرى في ~~الموقف، أو على «الاتجاهات» الأخرى في الموقف الإنساني، وهو موقف ~~أعقد من أن يعبر عنه بمعادلة رياضية. ودعنا مرة أخرى نقتبس ~~نموذجا من تعبير الرجل: # وهنا ينشأ هذا السؤال، هل الأفضل أن تحب أكثر مما ~~يخشى بأسك، أو أن يخشى بأسك أكثر مما تحب؟ والجواب أن ~~الأفضل أن تكون هذا وذاك. ولكن لما كان هذا عسيرا فآمن ~~لك أن يخشى بأسك على أن تحب إن كان لا بد لك أن تختار ~~أحد الأمرين؛ لأن هذه الملاحظة تصدق على الناس عامة: ~~إنهم ناكرون للجميل، هوائيون، مخادعون، مشغوفون بتجنب ~~الأخطار، جشعون في الكسب. وما دمت نافعا لهم فهم جميعا ~~معك، يهبونك دماءهم وملكهم وحياتهم، وأبناءهم ما دام الحظ ~~بعيدا، كما ذكرت من قبل، ولكنهم ينقلبون عليك إذا أقبل ~~الحظ. إن الأمير الذي يكتفي بالثقة بألفاظهم، ولا يقوم بأي ~~استعداد آخر، لا بد أن ينتهي إلى الدمار؛ لأن الصداقة التي ~~يشتريها المرء بثمنها، ولا يشتريها بعظمة روحه ~~ونبلها، تلقى في الواقع ثوابها، ولكنها صداقة لا يمتلكها ~~صاحبها، ms408 ولا يستطيع أن يستنجد بها عند الحاجة؛ فالناس أقل ~~ترددا في الإساءة إلى رجل يحبونه منهم إلى رجل يخشونه؛ ~~لأن المحبة ترتبط برباط من المسئولية يمكن أن يهن - ما ~~دام الناس أشرارا - كلما أوحت بذلك المصلحة الخاصة. في ~~حين أن الخوف يصطحب بخشية العقاب الذي لا يكون فيه قط ~~تهاون. # ومع ذلك فيجب على الأمير أن يكتسب الخوف منه بطريقة ~~تمكنه - إذا كان لا يستحق معها المحبة - على الأقل من ~~تجنب الكراهية؛ لأن الخوف من امرئ مع عدم الكراهية له قد ~~يتلازمان. والواقع أن الأمير قد يحقق هذه الغاية إذا هو ~~اكتفى باحترام ملكية رعيته ومواطنيه ونسائهم. وإذا بات من ~~الضروري أن يحكم بالإعدام على فرد ما، وجد التبرير ~~السليم، والقضية العامة. وينبغي له - فوق كل شيء - ألا يمد ~~يده إلى ملك غيره؛ لأن المرء أسرع إلى نسيان موت أبيه منه ~~إلى نسيان فقدان ميراثه. ثم إن الدعاوى الباطلة للاستيلاء ~~على الملك لا تنعدم قط. وإذا ما بدأ الأمير يعيش على ~~الاغتصاب فإنه لا يعدم الحجة قط لنهب الآخرين. وعلى عكس ~~ذلك نجد أن الدعاوى الباطلة للحكم بالإعدام أكثر ندرة ~~وأسرع استنفادا. # وقد تبدو هذه الفقرات صادقة أو باطلة، أو بين هذا وذاك، للقارئ ~~في منتصف القرن العشرين، ولكنها لا تبدو جديدة؛ فقد عودنا علماء ~~النفس أن ندرس الأفكار التي تتعلق بأعمال الناس السيئة كما نحكم ~~عليها، بل لعل دراستها أهم من الحكم عليها، غير أن ذلك كله كان ~~جديدا كل الجدة حينما صاغه مكيافيلي كلاما مكتوبا. وبالرغم من ~~أن الناس في العصور الوسطى لم يسلكوا سلوكا أفضل من وصف مكيافيلي ~~لثبات الطبيعة البشرية، فإن الناس الذين ألفوا الكتب لم يفعلوا ~~أكثر من ذكر وجود هذا السلوك، وقد بشروا خاصة ضدها، وامتعضوا ~~لانحرافها عن قواعد الأخلاق، وأهم من هذا كله، أنهم اعتقدوا أنه ~~سلوك غير طبيعي بالنسبة للكائنات البشرية، وإن شق عليهم إنكار ~~وجوده. # وإذن فقد كان مكيافيلي مبتكرا، على الأقل في محيط الثقافة ~~المسيحية الغربية، في تحليله السياسي الواقعي. ms409 وهو يحاول من بعض ~~النواحي أن يقوم بما شرع في أدائه العلماء الطبيعيون - ملاحظة ~~الظواهر ملاحظة دقيقة وترتيب هذه الملاحظات في صورة قوانين (أشكال ~~موحدة، أو أحكام عامة) تمكن من التنبؤ الصحيح بالظواهر في ~~المستقبل في محيط معين. غير أنه لم ينجح في ميدانه كما نجح العلماء ~~في ميدانهم. ونستطيع أن نذكر هنا ثلاثة مواطن فشل مكيافيلي فيها في ~~تطبيق الطريقة العلمية على دراسة السياسة (وهي لم تطبق بعد ~~بنجاح تام، وهناك من يعتقد أنها لا يمكن البتة أن تطبق تطبيقا ~~نافعا، على دراسة العلوم السياسية). # ولست أحسب إلا أنكم قد لمستم أولا - حتى في المقتبسات القصيرة ~~التي قدمتها - نظرة جد وضيعة أو متشائمة إلى الطبيعة البشرية. ~~وهو يقول إن الناس بعامة ناكرون للجميل، هوائيون، مخادعون. وربما ~~كان من المستحيل - من الناحية العلمية - أن نصدر حكما عاما ~~معقولا من هذا القبيل على الكائنات البشرية. والمشكلة التي تشبه ~~هذه المشكلة هي - من إحدى النواحي العلمية - غير ذات معنى، غير أن ~~أكثرنا يصدر حكما ما - يضعه في الميزان - عن إخواننا في البشرية ~~بوجه عام. بيد أن هناك نظرات مختلفة على طول الخط ما بين المحبة ~~الواثقة في الزملاء إلى الاحتقار الشديد لهم، وهي نظرات - وإن تكن ~~في أغلب الأحيان حكيمة ونافعة للأفراد الذين يأخذون بها - إلا أنه ~~لا يمكن وصفها بالأحكام العلمية. ونظرة مكيافيلي فيها مغالاة شديدة ~~في السخرية البالغة، وربما دعا إليها إلى حد ما التمرد على ~~الآراء العامة المسيحية التي تتصف بالتقوى، وهي الآراء التي برغم ~~قبولها لمبدأ الخطيئة الأولى ليست في الواقع متشائمة في حكمها على ~~الكائنات البشرية، بل هي في الحقيقة أكثر اهتماما بإمكان خلاصهم. ~~ويبدو أن مكيافيلي قد أراد أن يصدم الشعور العام، وأن يظهر بمظهر ~~الرجل الحكيم الشرير، وربما كان في الواقع مثاليا معكوسا، أو ~~متشائما لأنه إنما يريد كمالا أوفر. وهنا تجد مشكلات سيكولوجية ~~خطيرة، يشق علينا حلها في دراسة الأحياء، وتكاد تستحيل فيما يتعلق ~~بشخصيات الماضي، والواقع أن مكيافيلي يظهر بمظهر الرجل المثقف خائب ms410 ~~الرجاء، وهو يقف في جلاء موقفا لا يقفه السوقي، أو الرجل من عامة ~~الناس، أو المثقف ثقافة تقليدية في عهده. # والأمر الثاني هو أن تجرد مكيافيلي إنما يتقيد تقيدا شديدا ~~بوطنيته الإيطالية الحارة. وليس كتاب «الأمير» في هدفه رسالة ~~أكاديمية أو علمية في فن الحكم. إنما هو رسالة في فن الحكم في ~~إيطاليا بالأسلوب الذي شاع فيها في القرن السادس عشر. وهي رسالة ~~تحث الأمير على أداء واجب توحيد إيطاليا وطرد الأجنبي منها؛ فهو ~~واجب ومنفعة في آن واحد. والفصل الأخير في كتاب «الأمير» ~~لمكيافيلي إنما هو دعاء حار لخلاص إيطاليا، وقد كان سببا في ~~استرداد مكيافيلي لسعته عند الأجيال المتأخرة التي كانت تعد ~~الوطنية الإيطالية قضية نبيلة. ولسنا هنا بحاجة إلى أكثر من ~~الإشارة إلى أن هذا أيضا تشويه لجهد مكيافيلي الذي بذله لكي يرى ~~الأمور كما هي على حقيقتها. ولقد أراد أن تتغير الأمور، وأراد أن ~~يتغير الإيطاليون، حتى إنه لم يستطع أن يبلغ درجة التجرد. # وأخيرا أقول إنه بالرغم من أن مكيافيلي قد مر بتجربة معينة في ~~العلاقات الدولية وفي شئون الحكم الأخرى على مستوى الوظائف أو ~~البيروقراطية، إلا أنه كتب هذه المؤلفات الشهيرة في شيء يشبه ~~العزلة الأكاديمية. وكما أنه بذل الجهد محاولا ألا يكتب كتابة ~~ورعة عن كائنات بشرية لا وجود لها (كما فعل جون سولزبري فيما كتب - ~~في ظنه)، فكذلك بذل الجهد في ألا يكون عقليا أكاديميا، وإنما ~~رجلا دنيويا. وهذا الاتجاه الأخير نكبة من النكبات، وانحراف من ~~أسوأ أنواع الانحرافات؛ فإن مكيافيلي يبذل جهدا فوق طاقته لكي ~~يكون دنيويا، وقد صدم الناس في مشاعرهم لعدة قرون، وهؤلاء الناس ~~يتمسكون بالقديم وإن انعدم لديهم الضمير. وإن مجرد اشتهار الرجل ~~بالشر - أو بنصحه بالشر - هو في حد ذاته دليل على فشله، والمعرفة ~~العلمية لا تحتوي على هذه المرارة الكاوية التي نلمسها في تفكير ~~مكيافيلي. # ومع ذلك فإن مكيافيلي ~~يعد بحق أحد الرواد الذين بذلوا جهودا في دراسة سلوك الإنسان ~~في المجتمع كما يدرس العالم سلوك ms411 الغازات أو الحشرات. وهذه الجهود ~~قد يحكم عليها بالفشل مقدما، كما أن «العلوم الاجتماعية» كما ~~نعرفها اليوم قد تبدو بعد قرون قلائل من الطرق المقفلة التي يسير ~~الناس فيها أحيانا. ولكن لما كنا في العصر الحاضر ملزمين بمتابعة ~~دراستها، فلا مندوحة لنا من الاعتراف بالجميل لمكيافيلي. نعم إن ~~كثيرا مما قاله قد قيل من قبل، وإن كثيرا منه ورد في التفكير ~~السياسي عند الإغريق؛ فقد لاحظ أرسطو - مثلا - بعض أنواع السلوك ~~التي يسلكها الناس في الحياة السياسية ودون ملاحظاته. كما أن هناك ~~أدبا كاملا عن الحكم والمقالات الصغيرة عن الطبيعة البشرية، وعن ~~حيل الناس ونقائصهم، وعن حماقاتهم ما صغر منها وما كبر. إلا أن ~~أكثر ما كتب في هذا السبيل إنما هو من قبيل الإدراك العام أو نوع ~~من أنواع حكمة الجماهير. وهو يشبه التنبؤ بالجو بمجرد الخبرة الذي ~~عرفه الإنسان القديم. ولكن العلم يجب أن يحاول دائما أن ينظم ~~وأن يقيس وأن يصوغ في مصطلحات قوية إلى حد ما - وهي مصطلحات ~~نافعة جدا في نهاية الأمر - ما تضعه حكمة الجماهير في عبارات غير ~~مستقيمة. وقد يكون علماء الجو الأوائل أقل دقة من الرجال المحنكين ~~بالخبرة في معرفة تقلبات الجو. وقد يكونون سذجا أو مبالغين أو غير ~~عمليين. بيد أن العلم المنظم لا بد أن يظفر آخر الأمر. # ومكيافيلي كالعالم في مرحلته الأولى التي تزداد فيها حساسيته؛ ~~فهو يتجه نحو ما يقع فعلا خلف هذه الألفاظ البراقة التي يستخدمها ~~الناس عندما يكتبون في السياسة أو في الأخلاق. وهو لا يقنع ببعض ~~التأملات الاعتباطية في هذه الأمور. إنه يدرس دراسة منظمة بعض ~~المشكلات، لا ليكتشف ما هو حق، ولكن ليكتشف ~~ما هو قائم فعلا. وهو لا ينجح ~~كل النجاح في الاحتفاظ بمزاج هادئ، أو في تجرده كما ينبغي أن ~~يتجرد، وهو يفشل - فوق كل شيء - في أن يدرك أن آراء الناس ومثلهم ~~الأخلاقية لها «بعض» العلاقة بأفعالهم - حتى إن كانت هذه العلاقة ~~طارئة بسيطة. وبعبارة أخرى فإن مكيافيلي يرتكب الخطأ الذي ms412 لا يزال ~~يقع فيه بعض كتابنا المدربين المختصين في علوم السياسة والأخلاق، ~~وهو ينكر اعتراف الناس بالعمل الطيب لأنهم لا يقومون بهذا العمل ~~فعلا في حياتهم. # وكذلك ينتمي فرانسيس بيكون في مجاله إلى أولئك الذين حاولوا ~~دراسة السلوك البشري كما يدرس العالم التشريح أو الفسيولوجيا، وهو ~~يرسم في الفصل الأول من كتابه «الأداة الجديدة» الخطوط العريضة ~~لموضوع اهتم به اهتماما بالغا السيكولوجيون الاجتماعيون ~~والسياسيون في عصرنا هذا - وأعني به الدراسة المنظمة للطريقة التي ~~يتأثر بها العقل البشري في عمله بالعوامل غير المنطقية وغير ~~التجريبية. وأقول مرة أخرى إن الناس قد عرفوا منذ بدأت ثقافتنا في ~~الظهور أن «الإدراك البشري ليس ضوءا صافيا» كما قال بيكون. وقد ~~عرفنا من قديم أن الرغبة تولد التفكير، وأن الناس يتصفون ~~بالأهواء، بل إن لغتنا ذاتها مليئة بالتعبيرات الغامضة، وبما يؤدي ~~إلى معنيين مختلفين، حتى إن الرغبة في الدقة والموضوعية قد توجد ~~ولكن الطريق إليهما يظل وعرا شائكا. ولكن تحليل بيكون لهذه ~~الوعورة تحت عنوان «الأوثان» لا يزال مصدرا للإيحاء، ولا يزال ~~محاولة من أفضل المحاولات المنظمة لتبويب أنواع التبرير عند ~~الإنسان. # وهو يهتدي إلى أربعة أصناف من الأوثان (أو الأوهام) التي تخيم ~~على عقول الناس: «أوثان القبيلة»، و«أوثان الكهف»، و«أوثان السوق»، ~~و«أوثان المسرح». وبأوثان القبيلة يعني الأخطاء التي ترجع في ~~أصولها إلى الطبيعة البشرية ذاتها، في أجهزة الحواس عند الناس وفي ~~عقولهم. والقول ب «أن الإنسان هو مقياس كل شيء» يعني في الواقع أن ~~معاييرنا حتى في العلوم تميل إلى الاختلاف اختلافا ذاتيا. ~~وبأوثان الكهف يعني بيكون شيئا قريبا من المعنى العادي للأهواء، ~~وهي الأخطاء التي تصوغها شخصياتنا وتصدر عنها، وهو يعني ذلك الكهف ~~الصغير الذي يشقه الإنسان لنفسه في هذا العالم العنيف. وبأوثان ~~السوق يعني ما يجب أن نسميه مغالطات الدعاية والإعلان، أو تلك ~~الإثارة المتبادلة بين الناس التي تحدث عند التجمهر، أو عند أي نوع ~~من أنواع الاتصال الاجتماعي وهي أخطاء الناس عندما يتجمعون. ~~وبأوثان المسرح يعني بيكون الأخطاء التي يراكمها الناس ms413 عندما ~~يحاولون وضع تفسير نظامي للكون - وتلك هي أخطاء الفلاسفة ورجال ~~الفكر، الأخطاء التي تنشأ عن بناء النظم، وهي الأخطاء التي يسهل ~~علينا أن نقول إن بيكون نفسه قد وقع فيها، وقد وصف هذا الوثن ~~الأخير في العبارة التالية: ~~«وأخيرا هناك الأوثان التي انتقلت إلى عقول الناس من الأقوال ~~اليقينية في الفلسفة، وكذلك من القوانين الخاطئة للتجربة. وأنا ~~أسمي هذه الأوثان بأوثان المسرح؛ لأني أرى أن كل النظم التي ~~انتقلت إلينا ليست سوى مسرحيات عديدة، تمثل عوالم من إبداعها ~~بطريقة مشهدية غير واقعية. ولا أتحدث عن النظم السائدة الآن ~~وحدها، أو عن المذاهب والفلسفات القديمة وحدها؛ لأن مثل هذه ~~المسرحيات قد يؤلف الآن وفيما بعد بنفس الطريقة المصطنعة التي ~~أشرت إليها؛ لأني أرى أن الأخطاء وإن اتسعت رقعة الخلاف بينها، ~~تنشأ عن دوافع متشابهة إلى حد كبير. ولست كذلك أرى هذا في ~~النظم الكاملة وحدها، ولكني أراه أيضا في كثير من مبادئ العلوم ~~وأولياتها، التي تواترت بالتقليد، والتصديق، والإهمال.» # ولست بحاجة إلى القول بأن محاولة تطبيق طرق شبيهة من بعض الوجوه ~~بطرق العلوم الطبيعية على دراسة العلاقات الإنسانية لم تؤت الثمرة ~~التي أتت بها عند تطبيق هذه الطرق على العلوم الطبيعية. وحتى اليوم ~~ليس هناك إجماع على العلوم الاجتماعية - وإن يكن من الشائع قطعا ~~أن نوازن بينها وبين العلوم «الحقيقية» فنغمطها حقها. # وكما أن المذهب العقلي لديكارت والمذهب التجريبي لبيكون كانا في ~~الواقع يهدفان إلى تكوين نظرية كونية، وإلى معرفة أكيدة بكل ~~العلاقات الممكنة في العالم، فكذلك نجد أن أكثر أولئك الذين انشقوا ~~على آراء العصور الوسطى بشأن التفكير السياسي كانوا هم أنفسهم ~~يضعون نظاما في السياسة يخرج في نظرهم بشكل ما عن نقائص السياسة ~~كما تمارس. وسوف نرى في الفصل المقبل أن التفكير السياسي والخلقي ~~في أوائل الأزمنة الحديثة تحول قطعا في القرن الثامن عشر إلى ~~تيارات عقلية ولكن النتيجة لم تكن علما في السياسة بمقدار ما كانت ~~أيدولوجية سياسية أخرى، أو على الأصح مجموعة من الأيدولوجيات. وإنا ~~لا ms414 نذكر هذا على سبيل الشكوى. فما لم يغير الناس من طبيعتهم ~~تغييرا أساسيا فان الأيدولوجيات السياسية والنظم ~~الميتافيزيقية ستظل ضرورية للحاجات الروحية البشرية؛ فنحن ما زلنا ~~نعيش في مجموعة الأفكار التي تتعلق ب «المشكلات الكبرى» وهي ~~المجموعة التي أعدت في أوائل القرون الحديثة وآتت ثمارها في القرن ~~الثامن عشر. # صنع العالم الحديث: خلاصة # تكونت الثقافة الحديثة في المجتمع الغربي فيما بين القرنين ~~الخامس عشر والثامن عشر. ولما حل القرن الثامن عشر كان المتعلمون ~~من الرجال والنساء، وأعتقد أيضا كثيرون من غير المتعلمين، قد ~~وصلوا إلى معتقدات معينة عن أنفسهم وعن العالم، وعما يستحق العمل ~~في هذه الدنيا، وما يمكن أداؤه فيها - وهي معتقدات لم يتمسك بها ~~أسلافهم في العصور الوسطى. كانوا يعيشون في عالم بدا لهم جديدا، ~~ما دامت أفكارهم عنه جديدة، وهي أفكار لم تكن بطبيعة الحال جديدة ~~كل الجدة؛ فإن أكثر المجتمع الغربي كان من المسيحيين في عام 1700م، ~~كما كان في عام 1400م. ومن الأفكار الأساسية في هذا الكتاب أن ~~الكثير مما كان يعتقد فيه الرجال والنساء في القرن الثامن عشر ~~والقرون الأخيرة كان لا يتفق وبعض النواحي الهامة في العقيدة ~~المسيحية التقليدية. وفي عبارة أخف من ذلك وقعا نستطيع أن نقول إن ~~«التنوير» قد «حور العقيدة المسيحية تحويرا أساسيا». ومع ذلك ~~فمن الواضح أن جانبا كبيرا من المسيحية قد بقي. ولم يقتصر أثرها ~~على التنظيم الشكلي للكنائس. # ومهما يكن من أمر فإن هناك تغييرا بسيطا لا لبس فيه، واضحا ~~لكل ذي عينين؛ ذلك أنه لم يكن في القرن الثالث عشر سوى هيئة دينية ~~واحدة منظمة في الغرب، وهي الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. أما في ~~القرن الثامن عشر فقد كان هناك فعلا بضع مئات من المذاهب في مجموع ~~المجتمع الغربي. وحتى في أقطار مثل فرنسا حيث كانت الكنيسة ~~الكاثوليكية لا تزال في الظاهر صاحبة السيادة كانت هناك مئات ~~الألوف العديدة من البروتستانت، وعدد غير معروف من المؤمنين بالله ~~وحده مع إنكار الوحي ومن الملحدين، والمتشككين، وكلهم صريح فيما ms415 ~~يعتقد وفيما لا يعتقد فيه. وقل منهم من تعرض لخطر جسيم من ~~العقوبة التي كانت توقع على أمثالهم في العصور الوسطى. وينبغي ألا ~~تضللنا رسائل فولتير ضد إعدام كالا ودي لابار على أيدي الكاثوليك ~~الذين اضطهدوهما؛ فإنما كانت حالتهما من الحالات «الشاذة» على ~~الأقل في الغرب. وكذلك تفتت الوحدة الفعالة للمسيحية. ولما حل ~~عام 1700م كانت هناك كتابات تدافع عن الرأي القائل بأن الفروق ~~الدينية «ينبغي» أن تكون موضع التسامح، وأن الكنيسة والدولة ~~تنفصلان بحق، وأن للمرء أن يؤمن بما يشاء فيما يمس العقيدة ~~الدينية. والواقع أن الطريق كان ممهدا للأفكار التي سادت في ~~القرن الثامن عشر كالفكرة التي تنادي بأن هناك «بعض» الصدق في كل ~~الديانات - حتى في الديانات غير المسيحية. # وقد باتت أمثال هذه الأفكار بالنسبة للأمريكيين في العصر الحاضر ~~من الشيوع بحيث يتعذر عليهم أن يدركوا مقدار جدتها، ومقدار تناقضها ~~مع ما كان الرجال والنساء منذ قرون قلائل يفترضون صدقه بنفس الدرجة ~~من الوثوق. وهي أفكار تتضمن معيارا جديدا للحقيقة - ميتافيزيقية ~~كانت أو دينية - ولا تدعو إلى التخلي عن البحث عن مثل هذه الحقيقة، ~~وكان الناس في العصور الوسطى يعتقدون أن هذه الحقائق من الوحي، وهي ~~كاملة في الإيحاء بها. وقد تغيب عن أنظار الناس، بل وقد لا ~~يتبعونها باعتبارهم ورثة لخطيئة آدم. ولكن لا يمكن للإنسان أن يكون ~~«على حق»، أو أن يعرف الصدق ثم يعارضه في سلوكه. وفي ضوء هذه ~~الأفكار الوسيطة يمكن فهم إحراق الزنادقة؛ فهم ثمرة فاسدة، وإذا ~~تركوا وشأنهم فقد يفسدون الثمرة السليمة. ثم إنهم فوق ذلك ~~ملعونون، وإقصاؤهم عن الحياة الواقعة لا يضرهم في شيء؛ فهم قد ~~أوقعوا الضر بأنفسهم على أنفسهم من قبل. وبعبارة أخرى إنك لو عرفت ~~أنك على صواب، فإن كل من يختلف عنك لا بد أن يكون على خطأ. وعلى ~~الناس أن يلزموا الصواب لا الخطأ. ولا يمكنك أن تسمح للأفكار ~~الخاطئة بالانتشار دون أن تكون بالغ الأذى. # وبالرغم من أن تبرير أو تعليل التسامح الديني كان ms416 في بداية ~~انتشاره ونموه في أوائل القرن الثامن عشر، إلا أن خطوط الدفاع ~~الرئيسية واضحة. ومع أن أنواع التبرير قد تختلف في التفصيل فإنها ~~تنضم إلى أحد فروض ثلاثة: أن هناك حقا جديدا أعمق من الحقيقة ~~المسيحية التقليدية، وهو حق إذا تسامحنا فيه يقتلع العقيدة ~~المسيحية في النهاية من جذورها أو يحورها تحويرا شديدا، وأن الحق ~~لا يوحى به للناس كاملا غير منقوص ، وإنما ينبغي الكشف عنه ~~تدريجا عن طريق التجربة والخطأ، وعن طريق البحث، وبذل الجهد ~~البشري. والفرض الثالث - وهو فرض قل من تمسك به في تلك الأيام ~~الأولى - هو أنه ليس هناك حقيقة ثابتة أو وثوق تام في مثل هذه ~~الأمور، وأن كل ضروب الحقيقة «نسبي»، وأن الوحي والتفكير والدراسة ~~لا يمكن أن تنتهي إلى الحقائق المطلقة. غير أن هذه الفروض كلها ~~تتفق على الأقل في نبذ شيء في الميراث المسيحي الذي تحدر إلينا من ~~العصور الوسطى. وهي كلها تزعم أنها تؤدي إلى شيء جديد وشيء ~~أفضل. # ويظهر الاختلاف في ~~الأساسيات ظهورا واضحا في أخريات القرن السابع عشر ومستهل القرن ~~الثامن عشر في مجادلة ظاهرها عديم الأهمية بين رجال الأدب في فرنسا ~~وفي إنجلترا، وهي مجادلة تحمل عادة اسمها بالفرنسية، وهو بالعربية ~~«النزاع بين القدامى والمحدثين». ومن آثارها الباقية في الجانب ~~الإنجليزي رسالة سويفت الشائقة، وعنوانها «معركة بين الكتب». وموجز ~~الكتاب أن أحد الجانبين يعتقد أن الإغريق والرومان قد انتهوا إلى ~~ثقافة في عمومها وفي تفصيلها لا تبارى. وقد كانوا العمالقة الذين ~~ارتادوا ميادين الثقافة البشرية ووضعوا الأمثلة التي ليس بوسعنا ~~إلا أن نحذو حذوها على مبعدة؛ فالثقافة الكلاسيكية بالنسبة إلى ~~هؤلاء نوع من الفردوس العلماني أو الإنساني. ومن الكفران أن يعتقد ~~المرء أن مثل هذه الثقافة سوف يظهر مرة ثانية فوق الأرض. أما ~~الجانب الآخر فكان يعتقد أن إنجازات الإغريق والرومان كانت عظيمة ~~حقا، بيد أنها أقرب إلى أن تكون أرقاما قياسية أتيح للأوروبيين ~~المحدثين أن يتجاوزوها. والثقافة الحديثة قد تعادلها أو تفضلها ~~في كل ميدان. وليس ms417 هناك أي جدوى من التمسك بأن القدماء يتفوقون ~~علينا قطعا؛ لأننا نستطيع أن ننتفع بأعمالهم، وأن نبني على أساسهم ~~فنسمو على ارتفاعهم. # وموقف المحدثين في النزاع هو من الأشكال الأولى لمبدأ هام جدا، ~~هو مبدأ التقدم، الذي يألفه الأمريكيون جميعا اليوم، وهو المبدأ ~~الذي لا يرى الجدة وهما أو تدهورا، وإنما هي السير الطبيعي طبقا ~~لخطة عالمية من نوع ما. ونحن لا ندري كيف حدث هذا التغير الأساسي ~~الثوري في وجهة النظر. وإنما نحن نعلم يقينا أن العملية كانت ~~معقدة وبطيئة نسبيا وهي عملية نستطيع أن نلمس فيها ثلاثة مكونات ~~عقلية أساسية. # الأول تلك السلسلة الكبرى من التغيرات التي حدثت في عبادات ~~المسيحية ومثلها تحت اسم البروتستانتية. وقد كان للحركة ~~البروتستانتية نصيبها الأكبر من البطولة الإنسانية والضعف ~~الإنساني، ومن الكفاح والمصادفات والنهايات العجيبة. وقصة تاريخها ~~رواية جذابة، ولكنا لا نستطيع في كتاب كهذا إلا أن نمر عليها مر ~~الكرام. غير أن مؤرخ الفكر قد يرى أن الأهمية الكبرى للبروتستانتية ~~تنحصر في كونها «محلولا» يوهن من سلطة العصور الوسطى، وقد كان ~~هذا المحلول في أقوى حالات تأثيره في تلك الأيام. وقد حطمت الحركة ~~البروتستانتية الوحدة الشكلية التي احتفظ بها العالم المسيحي ~~الغربي لألف وخمسمائة عام، وأقامت مجموعات أو مذاهب كبرى بالعشرات ~~ومذاهب صغرى بالمئات، كل منها يبيح لنفسه المطالبة بالسلطة ~~الدينية الكاملة في مجاله. وقد مهدت البروتستانتية بانقسامها إلى ~~مذاهب رئيسية ومذاهب فرعية الطريق إلى الشك الديني؛ لأن العقل الذي ~~يميل إلى الشك، أو الذي يتمسك بالمنطق، يرى أن وجود عدد كبير من ~~المعتقدات المتناقضة المتضاربة - كل منها يزعم احتكار الحق - ~~يمكن أن يكون دليلا على أنه ليس هناك حق يحتكر. ومن ناحية أكثر ~~إيجابية كانت البروتستانتية - وبخاصة في صورتها الأنجليكانية ~~واللوثرية - بمثابة الدعامة التي تقوي المشاعر الوطنية عند أعضاء ~~الدول القومية الجديدة التي تقوم على أساس تقسيم الأرض. وما برح ~~الله إلها لكل الجنس البشري (ولو قيل غير ذلك لكان معناه التخلي ~~عن المسيحية كلية)، ولكنه يؤثر قوما على قوم ms418 بمعنى من المعاني، ~~فيعامل الإنجليز أو البرويسيين أو الدنماركيين كأطفاله المدللين. ~~وهذه الكنائس الوطنية الجديدة في ممارسة الحياة الدينية اليومية ~~وإدارتها ليس لها نصيب في حياة دولية أو عالمية من النوع الذي كان ~~للكنيسة القديمة في العصور الوسطى. والبروتستانتية الكالفنية خاصة ~~شجعت في الموالين لها مزيجا متناقضا من الشوق إلى الاتحاد ~~بالله في العالم الآخر - وهو شوق يبرز في كل الحياة البيوريتانية - ~~واحترام دنيوي بحت للرجل الذي يكافح وينجح في حياته المادية، ولكن ~~البروتستانت الأوائل لم يخلقوا عالما جديدا. واعتقدوا في الخطيئة ~~الأولى، وفي وحي الإنجيل، وفي سلطة لا تنشل قطعا في البابا في ~~روما، ولكنها مع ذلك سلطة تسمو على عمليات التجربة والخطة التي تقع ~~في الحياة العادية. وكان البروتستانت يؤمنون بإله كامن، لا يشبه ~~البتة قوانين الرياضة. وكانوا يؤمنون بنار الجحيم، وبالنعيم المقيم ~~للصفوة من الناس. # والإنسانية - وهي القوة الثانية في صنع التحول - كانت أكثر من ~~مجرد تطبيق الروح البروتستانتية أو التحررية الغامضة على الحياة ~~الدنيوية وكانت تشترك مع البروتستانتية في تأثيرها المدمر على ما ~~تبقى من معايير العصور الوسطى. وقد تشككت في سلطان العادة ~~المباشرة وفي الفلسفة المدرسية المستقرة. كانت عصيانا إيجابيا ~~من جانب الفنانين والباحثين. وقد أتقن بعض فنانيها وسائلهم إتقانا ~~باهرا (مستعينين بالطرائق التي صنعتها أجيال ممن تدربوا على طرائق ~~العصور الوسطى) وأنتجوا فنا عظيما جدا. وكثيرون منهم كانوا ~~مغامرين، أحرارا في معيشتهم، خياليين، قوما يدعون إلى الإثارة ~~فعاونوا على وضع المعايير الحديثة للفنان والكاتب، وهي المعايير ~~التي يتحتم بالضرورة أن تكون غير تقليدية، وغير نافعة عمليا، ~~معبرة عن الأنانية، ولكن تأثيرها برغم ذلك كاسح. ولم تكن الفضيلة ~~لديها مثلا من المثل المسيحية بأية صورة واضحة، وإنما كانت ~~المثل الذي يتطلع إليه الشباب الرياضي. وتتصف الإنسانية - كما ~~تتصف الكالفنية بتناقض بعيد الغور فيها؛ فقد ثار الإنسانيون على ~~سلطة رجال الدين وعلى عبء التقاليد. ويبدو على الأقل في أعمالهم ~~أنهم يؤمنون بالفكرة الجديدة التي تقول بأن الناس «يصنعون» ~~معاييرهم، و«يصنعون» الحق عندهم، ولا يكتشفونه فحسب. ولكنهم ms419 مع ذلك ~~- كمجموعة - وقفوا موقف التقديس للأساتذة القدماء، الذين سلطوهم ~~عليهم سلطانا مطلقا كأي سلطان قدسته العصور الوسطى. وكانوا على ~~وعي محدود بما كان ينتظر من انتشار الأفكار والآمال بين الجماهير. ~~كانوا فئة ممتازة من المتعلمين، يميلون إلى المثل الأرستقراطية ~~والملكية، ولم يكونوا ديموقراطيين بأي معنى من المعاني. ولم ~~يعتقدوا أن الدنيا يمكن أن تكون مكانا أفضل، اللهم إلا إن كان ذلك ~~لهم وحدهم. # والمذهب العقلي - وهو القوة الثالثة - كان كذلك عاملا من عوامل ~~الهدم، أقل وضوحا وأضعف قوة في السنوات الأولى من العصر الحديث ~~من البروتستانتية أو الإنسانية، ولكنه أهم وأقوى في نهاية الأمر. ~~وقد نبذ العقليون من المسيحية الكاثوليكية التقليدية أكثر مما نبذ ~~البروتستانت أو الإنسانيون. وهم لم يكتفوا بإبعاد ما فوق الطبيعي ~~من العالم، بل كانوا على استعداد لوضع الإنسان نفسه بكليته في إطار ~~الطبيعة أو «العالم المادي»، كما آمنوا حقا بأن الإنسان عليه أن ~~يسترشد بمعايير الحق والباطل. وقد ظن العقليون في القرون الأولى من ~~عصرنا الحديث أن هذه المعايير ثابتة وأكيدة، وأن الناس إنما ~~«اكتشفوها» ولم يصنعوها. ولكن إذا كان المسيحيون في العصور الوسطى ~~قد وجدوا هذه المعايير في العادة، وسلطان القديم، وفيما كان كما هو ~~منذ أزمنة لا يذكرها العقل، فإن العقليين كانوا يسعون إلى اكتشاف ~~هذه المعايير وراء الظواهر، والعادات، والاختلافات الظاهرة، ويسعون ~~إلى اكتشافها بالبحث الدءوب الذي يجد فيه التفكير العقلي الحقيقة ~~الرياضية وراء الظواهر ذات الأشكال والألوان السوقية المتنوعة. ~~والمذهب العقلي ليس به شيء من المتناقضات الظاهرة في البروتستانتية ~~والإنسانية - اللهم إلا إن بلغ بك التشكك الواقعي حدا يجعلك ترى ~~من التناقض أن يحاول المرء أن يفكر في أي نوع من أنواع النظم ~~المرتبة فيما يقع في خبرة الإنسان في هذه الدنيا. وحتى في هذه ~~السنوات كان المذهب العقلي يدين بالكثير من نفوذه الآخذ في النمو ~~البطيء إلى ما أنجزته العلوم الطبيعية. وأخيرا لما نجح العلم على ~~يد نيوتن في بلوغ نظام للكون كامل كمالا يدعو إلى العجب، نظام ~~يمكن اختباره ms420 رياضيا، وله فائدة عملية بمعنى أنه مكن للناس من ~~التنبؤ الصحيح، لما حدث هذا بات المسرح معدا للنظرة العالمية ~~العقلية الجديدة، ولنظرية كونية تختلف عن نظرية سنت أوغسطين أو سنت ~~توماس أكويناس، كما كانت نظريات هذين الرجلين تختلف عن نظرية ~~الإغريق في القرن الخامس قبل الميلاد. # الفصل الحادي عشر # | القرن الثامن عشر: نظرة كونية ~~جديدة # إن مؤرخ الفكر تواجهه في القرن الثامن عشر صعوبة تواجه كل من ~~يؤرخون للقرون القلائل الأخيرة. إنه يجد نفسه مغرقا بالمواد. فأنت ~~تستطيع أن تعد قوائم شاملة للمؤرخين في العصور الوسطى. كما أن ~~الباحث صاحب الضمير الحي يستطيع أن يتقن الكتابات الأصيلة لكل من ~~وصل إلينا من الإغريق والرومان. ولكن كمية المكتوب في جميع الميادين - ~~مع اختراع الطباعة، ومع تكاثر الكتاب من جميع الصنوف الذين يمكن أن ~~يعولهم مجتمع تتزايد سيطرته على بيئته المادية - ترهق الباحث الفرد، بل ~~وترهق أية جماعة منظمة من الباحثين. كما أن هناك فوق ذلك فيما يبدو ~~مجالا أفسح في الأذواق والآراء. وبمثل الطريقة التي تضاعف بها عدد ~~الطوائف البروتستانتية تتضاعف الآراء من جميع الصنوف في كل ميادين ~~المعرفة «اللاتراكمية». كما أن المعرفة «التراكمية» تواصل تراكمها بما ~~يشبه المتوالية الهندسية. وربما أمكن تفسير هذا المجال الفسيح وهذا ~~التركيب بالمطبعة وبالورق الجيد المصنوع من الخرق (وهو لا يشبه صحفنا ~~التي لا بد أن تتحلل وتأخذ شكلا لا يمكن الإفادة منه في أقل من نصف ~~قرن. وقد بقيت لنا حتى الكتابات الدورية والطارئة التي دونت في ~~القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، مقروءة كلها). وربما كانت العصور ~~الوسطى متعددة الجوانب كعصرنا. ولكنا نعتمد على ما بين أيدينا، وما بين ~~أيدينا هو ما ينيف عن ثمانية ملايين كتاب ورسالة في مكتبة الكونجرس ~~نشرت كلها - فيما خلا نسبة ضئيلة جدا - منذ عام 1700م. # وإذن فإن أحكامنا العامة لا بد أن تقوم على نماذج محدودة من كمية ~~المعلومات الضخمة الميسورة. ونحن لا نستطيع أن نوجه الاهتمام حتى ~~للعقول البذرية العظيمة كما استطعنا حتى هذا الوقت؛ لأنه ms421 يتحتم علينا ~~أن نركز على الأفكار وهي تفعل فعلها في جهرة الناس التي لا تحمل ~~اسما. وليس بوسعنا إلا أن نشير على القارئ بأن يتجه بنفسه نحو عمل ~~أولئك الرجال والنساء الذين وضعوا اللمسات الأخيرة على ميراثنا ~~الثقافي، والذين أكسبوا ثقافتنا الغربية صورتها الحديثة التي تتميز ~~بها، أو قل انعدام صورتها حديثا إن كنت من طراز خاص من المتشائمين في ~~هذه الأمور. # عملاء التنوير # من الحماقة أن نحاول تلخيص «التنوير» في عبارة واحدة، والواقع ~~أنا سوف نعود بعد حين إلى رسم الظلال وملء الفراغ. أما الآن ~~فنستطيع القول بأن الفكرة الأساسية والجدة اللافتة للنظر في ~~«التنوير» - أقصد الفكرة التي تجعله نظرية كونية - إنما هي ~~«الاعتقاد بأن كل الكائنات البشرية يمكن أن تبلغ هنا في هذه الدنيا ~~حالة من حالات الكمال كان يظن حتى الآن في الغرب أنها لا تتيسر ~~إلا للمسيحيين في حالة النعمة، ولهم وحدهم بعد الموت». وقد عبر ~~عن ذلك سنت جست، الثائر الفرنسي الشاب - في بساطة خادعة أمام ~~المجمع الديني حين قال: «إن السعادة فكرة جديدة في أوروبا.» ليست ~~جديدة في السماء بطبيعة الحال، وإنما هي جديدة في أوروبا، وجديدة ~~جدا حتى في أمريكا. # وهذا الإمكان في تحقيق الكمال للجنس البشري لم يكن نتيجة لما ~~يقرب من ألفي عام من المسيحية، ولا للوثنية السابقة التي ارتأت ~~صورا أخرى للسعادة تتحقق بعد آلاف السنين. وإذا كان لا بد لهذا ~~الكمال من أن يستحدث في القرن الثامن عشر فإن شيئا جديدا - ~~اختراعا جديدا، أو اكتشافا جديدا - لا بد أن يحدث. وهذا الشيء ~~الجديد يمكن تلخيصه أحسن تلخيص فيما ألف اثنان من الإنجليز الذين ~~عاشوا في أواخر القرن السابع عشر، وهما اللذان جمعا في بؤرة واحدة ~~العمل التمهيدي الذي تم في أوائل القرون الحديثة - ذلكما الرجلان ~~هما نيوتن ولوك. وقد بدا العمل الذي أنفق نيوتن فيه حياته - وخاصة ~~إتمامه لحساب التكامل وصياغته الرياضية العظيمة للعلاقة بين ~~الكواكب وقوانين الجاذبية - بدا لمعاصريه كأنه يفسر كل الظواهر ~~الطبيعية، أو يبين على الأقل ms422 كيف أن كل ما يماثل هذه الظواهر بما ~~فيها سلوك الكائنات البشرية يمكن أن يخضع للتفسير. أما لوك فقد ~~استخلص طرائق التفكير الواضحة البسيطة من الميتافيزيقيات المحيرة ~~حيث ألقى بها ديكارت، فجعلها - فيما يبدو - امتدادا طيبا للإدراك ~~العام. والظاهر أنه بين للناس الطريقة التي يمكن أن تطبق بها ~~النواحي التي نجح فيها نيوتن نجاحا عظيما على دراسة شئون البشر، ~~وقد وضع نيوتن ولوك معا تلك المجموعات العظيمة من الأفكار، في ~~«الطبيعة» وفي «التفكير»، التي كانت بالنسبة إلى التنوير ما كانت ~~عليه أمثال هذه المجموعات في مجالات النعمة والخلاص والقدرية ~~بالنسبة إلى المسيحية التقليدية. # كانت «الطبيعة» بالنسبة إلى التنوير فكرة سليمة العاقبة، في حين ~~أنها بالنسبة إلى المسيحي، حتى للمسيحي التوماسي، كانت دائما ~~شيئا لا يطمئن المرء إليه، عاجزة بالتأكيد دائما إذا لم تدركها ~~معونة السماء. ومنذ عصر التنوير - على أية حال - كان أولئك الذين ~~يستخدمون مصطلح «الطبيعة» في محاولة للتأثير على الكائنات البشرية ~~يفيدون كل الفائدة من الغموض الذي أشرنا إليه آنفا عندما كنا ~~نناقش القانون الطبيعي عند الرومان (ارجع إلى الفصل السابق عن ~~العنصر الروماني). الطبيعة بالنسبة إلى الرجل في عصر التنوير كانت ~~هي العالم الخارجي الذي يعيش فيه، وهو عالم موجود بكل وضوح، ولكن ~~كل ما يحدث فيه لم يكن «طبيعيا» بأية حال من الأحوال. والواقع أن ~~كل شيء تقريبا مما يحدث، ومما يوجد في لحظة من اللحظات، كل شيء ~~تقريبا في عالم «الطبيعة» (الواقعي) الخارجي - أو على الأقل في ~~عالم «الطبيعة» البشرية طبقا لتنظيمها في المجتمع - كل شيء من هذا ~~بالنسبة إلى رجل اشترك في عصر التنوير في القرن الثامن عشر ~~اشتراكا فعليا حماسيا «غير طبيعي»؛ فالفوارق الطبقية، ~~ومواضعات المجتمع، وامتيازات النبلاء ورجال الدين، والمفارقة بين ~~الأكواخ والقصور - كل ذلك كان قائما، ولكنه غير طبيعي. وبطبيعة ~~الحال كان العضو في حركة التنوير يفكر في «الطبيعي» بمعنى «الطيب» ~~أو «العادي»، وفي «غير الطبيعي» بمعنى «السيئ» أو «غير العادي». ~~والمهم هو أن طبيعة نيوتن كما تسربت إلى المتعلمين وأنصاف ms423 ~~المتعلمين كانت هي العمل المنظم المستقر البسيط في جمال للعالم ~~(إذا فهم فهما صحيحا). وإذا ما فهمنا هذه «الطبيعة» في شئون ~~البشر، فإن كل ما علينا هو أن ننظم أعمالنا طبقا لها، فلا يكون ~~بعد ذلك سلوك غير طبيعي. # إننا نفهم عمل هذه الطبيعة الكامنة (وهي الطبيعة التي لا تكون ~~واضحة أو محسوسة بالنسبة إلى «غير المدربين») بما كان يحب رجال ~~التنوير أن يسميه «العقل» - وكان العقل عندهم يكاد يكون اسما ~~لعلم. والعقل أوضح ما يكون في الرياضة، والواقع أنه لم يظهر عند ~~الأفراد أولا إلا فيها. والعقل - كما يزعم عملاء حركة التنوير - ~~يمكننا من النفاذ من الظاهر إلى الواقع، بغير العقل، بل وبالعقل ~~الخاطئ الذي اكتفى به الناس - كما اكتفوا بالإدراك العام - عدة ~~قرون، نعتقد أن الشمس «تشرق» فعلا و«تغرب». أما بالعقل فنحن نعرف ~~العلاقة الصحيحة بين الأرض والشمس. وكذلك العقل عندما يطبق على ~~العلاقات البشرية يهدينا إلى أن الملوك ليسوا آباء شعوبهم، وأن ~~اللحم إذا كان طعاما جيدا في أيام الخميس فهو جيد في أيام ~~الجمعة، وأن لحم الخنزير إن كان مغذيا للأميين فهو مغذ أيضا ~~لليهود. والعقل يمكننا من الكشف عن النظم البشرية والعلاقات ~~البشرية «الطبيعية». وإذا ما اهتدينا إلى هذه النظم فسوف نخضع ~~لها ونصبح قوما سعداء. إن العقل يمحو الاضطراب الذي تراكم فوق هذه ~~الأرض بفعل الخرافات، والإلهام، والإيمان (وتلك هي شياطين ~~العقليين). # ولا يهمنا الآن أن نبحث في مدى صحة هذه الوثبة، أو هذه السلسلة ~~من الوثبات، من قانون الجاذبية إلى العلاقات الإنسانية. وإنما ~~المهم هو أن الجيل الذي قرأ نيوتن ولوك هو الذي وثب هذه الوثبة. ~~ولم يتماد نيوتن أو لوك إلى الحد الذي تمادى إليه الجيلان أو ~~الأجيال الثلاثة التي رجعت إليهم حجة يؤخذ بها؛ فإن نيوتن لم يكن ~~مجددا في شيء خارج عمله الخاص كعالم طبيعي، بل إنه يشتهر في أمثال ~~هذه الميادين بأنه غير محدث وغير مستنير في جولاته في الأدب ~~الإنجيلي. أما لوك - الذي كان يهتم أكثر ما يهتم ms424 بعلم النفس، ~~والأخلاق، والنظريات السياسية، فقد كان شخصا حريصا، رجلا من عرض ~~الطريق، الطرق الجديدة عنده تخدم خدمة جزئية على الأقل في تثبيت ~~الحكمة القديمة. # وكذلك لم يكن الجيل الأول الذي بشر بالإيمان الجديد - الإيمان ~~بالعقل - انقلابيا في طريقته المتطرفة المبسطة. نعم إن هذا الجيل ~~قد أشاع ويسر للمتعلمين العاديين من الرجال - ومن النساء ~~بالتأكيد في هذا الزمان - أفكار القرن السابع عشر ، الذي أطلق عليه ~~ألفريد وايتهد «قرن العبقريات». وأكثرهم من الفرنسيين، وإذا كان ~~لإنجلترا على وجه العموم النصيب الأوفر من العقول البذرية التي ~~أنبتت أفكار التنوير، إلا أن ~~الفرنسيين - فوق كل شيء - هم ~~الذين نقلوا هذه الأفكار في أنحاء أوروبا وروسيا، بل وفي الأماكن ~~الخارجية النامية للمجتمع الغربي في جميع أنحاء العالم. وأعظم ~~هؤلاء الفرنسيين فولتير، الذي تجد في مؤلفاته التي تربو على ~~التسعين كل الآراء التي بدأ بها عصر التنوير معروضة عرضا واضحا ~~فيه فطنة وذكاء في كثير من مواضعه. # وأقول الأفكار التي بدأ بها عصر التنوير، ولا أقول الأفكار التي ~~انتهى إليها، لأن فولتير ينتمي إلى الجيل الأول أو الجيل المعتدل ~~من أجيال التنوير، كما ينتمي إليه منتسكيو، وبوب، والإنجليز الذين ~~يؤمنون بالله دون الوحي، وما زال هؤلاء متأثرين تأثيرا بالغا ~~بتيار الذوق الذي حللناه في الفصل الثامن، وأسميناه ب «الإنسانية ~~المقتصدة» في عصر لويس الرابع عشر، وهم ما برحوا يؤمنون بالتقيد، ~~وبالاحتشام، و«بأن القواعد قديمة، تكتشف ولا تبتكر» وهي القواعد ~~التي تحافظ على التوازن الاجتماعي والجمالي. وهم لا يحبون الطرق ~~العتيقة المتزمتة، التوازن الاجتماعي والجمالي. وهم لا يحبون الطرق ~~العتيقة المتزمتة، وبخاصة إذا كان التزمت يطبق بالإرغام، وهم ~~يكرهون خاصة الكنائس القديمة، كاثوليكية كانت أم أنجليكانية. وهم ~~يسخرون مما لا يحبون. أما الجيل التالي فيرى أن الطرائق القديمة ~~محل اعتراض لا يسمح حتى بالسخرية منها. # ويحدد كتاب «روح القوانين» لمنتسكيو، الذي نشره في عام 1748م، ~~وهو ذلك العمل الاجتماعي الضخم الذي صدر عن الرعيل الأول المعتدل، ~~نقطة من نقط التحول. وبالرغم من أن فولتير قد عاش ms425 حتى عام 1778م، ~~موضعا لعبادة البطولة في سنواته الأخيرة، فإن الرجال الجدد بعد ~~عام 1750م كانوا في الأغلب من الانقلابيين. وهم كأكثر الانقلابيين ~~يميلون إلى التحيز إلى جانب واحد، وإلى تثبيت فكرة معينة واحدة، أو ~~- في إيجاز - إلى أن يكونوا طائفيين. وإذا كان اهتمامهم الرئيسي ~~بالدين، إلا أنهم يسيرون من الاعتقاد في الإله دون الوحي، وهي ~~عقيدة هادئة في ثورتها، إلى المادية والاتحاد الصريح . وهذا الإلحاد ~~ليس بأية حال من الأحوال صورة من صور التشكك، وإنما هو عقيدة ~~إيجابية بأن العالم آلة كبرى. أما إذا كانوا من علماء النفس فهم ~~يسيرون من التفرقة البريئة التي يفرق بها لوك بين الصفات الأولية ~~والصفات الثانوية إلى بناء إنسان متكامل على أساس الإحساسات التي ~~تؤثر في نفس تسجل ما يقع عليها بطريقة آلية. أي إن جوهر نظريات ~~السلوكيين في القرن العشرين، ونظريات أفعال الشرط المنعكسة، وما ~~إليها، كان معروفا لهم. وكان هلفيشيس وهلباخ يلتقيان عند وجهة ~~النظر التي تتلخص تلخيصا واضحا في عنوان كتاب من وضع زميل أقل ~~شأنا، وهو «الإنسان والآلة» لمؤلفه لامتري. وإن كانوا من ~~الاقتصاديين ساروا مع الفيزيوقراط الفرنسيين (الذين يعتقدون في ~~الحكم طبقا لنظام الطبيعة) ليصوغوا إحدى البسائط الكبرى في ~~عالمنا، وهي قاعدة قوية وإن تكن مبسطة، وتلك هي «دعه يعمل، دعه ~~يسير»، أو ليضعوا الشعارات التي شاعت طويلا بين الجماهير مثل «خير ~~حكومة هي التي لا تحكم إلا في القليل، وبأقل التكاليف». أما آدم ~~سميث الذي نشر كتابه «ثروة الأمم» أول الأمر في عام 1776م، وأما ~~المجموعة الاسكتلندية عامة، فهم استثناء للقاعدة التي ذكرنا. وكان ~~سميث معتدلا، رجلا ينتمي بمزاجه إلى الرعيل الأول من حركة ~~التنوير، ولم يكن يعتقد اعتقادا مذهبيا في المنافسة الاقتصادية ~~الحرة المطلقة. وقد كان أتباعه هم الذين بسطوا مبادئه وجعلوها ~~«فردية صارمة». أو بظهور روسو أخيرا استطاع هذا الجيل الثاني أن ~~يندفع في النفور العاطفي الكامل من بيئته الاجتماعية والثقافية، ~~ويسعى إلى تجديدها تجديدا كليا طبقا لما تمليه «الطبيعة» التي ~~كانت تنادي الفلاحين السذج، ms426 والمتوحشين البدائيين، والأطفال، ~~والأدباء من أمثالهم، نداء واضحا جليا. # ولما صعد الجيل الثالث كان العنصران اللذان قد سادا في عصر ~~التنوير أخيرا - وهما الكلاسيكي العقلي والرومانتيكي العاطفي - قد ~~تم نضجهما. وفي السنوات الحرجة التي سبقت الثورة الفرنسية تضافرت ~~هاتان النظرتان، أو هاتان المجموعتان من الأفكار، على الأقل لكي ~~يحطما النظام القديم، وسوف نحاول في فصل مقبل تحليلا أكثر تفصيلا ~~لأهمية الحركة الرومانتيكية، التي نجدها على أكملها عند روسو. ~~ويكفينا هنا أن نذكر أن المذهب العقلي والرومانتيكية قد ارتبطا في ~~العقل ارتباطا لا انفصام له عند أكثر رجال الغرب في عصر التنوير ~~في القرن الثامن عشر. ولم يتفق العقل والعاطفة فقط على إدانة ~~الوسائل القديمة للنبلاء والقسس وغير المستنيرين عامة، بل لقد ~~اتحدا في كثير من العقول لاعتماد الطريقة الجديدة، وهي «حكم ~~الأغلبية الذكية صاحبة القلب الطيب من الرجال الذين لم يلحقهم ~~الفساد». والواقع أن الرجل «الطبيعي» من الأتباع السذج لحركة ~~التنوير كان فاضلا بالطبيعة وعاقلا بالطبيعة في آن واحد، فكان ~~قلبه ورأسه سليمين. # ولست أزعم هنا أن الفوارق بين روسو والعقليين لم تكن قائمة. بل ~~لقد كانت فوارق حقيقية، والتعبير عنها ناصعا، وهي تستحق الدراسة ~~وكانت الرومانتيكية ثورة على التعقل. ولكن من الأهم لنا أن نلاحظ ~~أن الثورة كانت ثورة الطفل على أبيه - وهو طفل على شبه كبير ~~بالأب. والمشابهة تنحصر في أمر أساسي؛ ذلك أن كليهما نبذ فكرة ~~الخطيئة الأولى، وكلاهما آمن بأن الإنسان على الأرض يمكن أن يصلح ~~حاله إلى ما لا حد له - وأنه يستطيع أن يحيا الحياة الطيبة - إذا ~~حدثت تغيرات بيئية معينة. # إن جيلا ثالثا قد استمع إلى صاحب المذهب العقلي وصاحب المذهب ~~الرومانتيكي على السواء، وهو الذي صنع الثورة الأمريكية والثورة ~~الفرنسية، وأعاد بناء بريطانيا بغير ثورة، ووضع أسس النظرية ~~الكونية المتقدمة التي عرفها القرن التاسع عشر. ولقد كان هؤلاء ~~الرجال من صنوف متنوعة، ليسوا على اتفاق بأية حال من الأحوال. ~~والواقع أنهم ضربوا مثلا كلاسيكيا في أوج الثورة الفرنسية ~~للنزاع حتى النزع الأخير، ms427 في سبيل السلطة - من غير شك - ولكنها ~~السلطة المجسدة في الأفكار. وإذا أنت أردت أن تبحث عن العامل ~~المشترك بين جون آدمز، وتوماس جفرسن، وتوم بين، ولافييت، ودانتون، ~~وروبسبيير، وفرانسيس بلاس، ولورد جراي، وغيرهم من قادة هذه الحركة، ~~لشق عليك الأمر في غير جدوى. وسوف نكتفي هنا بمحاولة الإشارة إلى ~~الخطوط العريضة لما يمكن أن تكون عليه نظرة الشاب العادي المتعلم، ~~المتطلع إلى الأمام، في أواخر القرن الثامن عشر في العالم الغربي، ~~نظرة مثل هذا الشاب نحو العلاقات الإنسانية، ونحو المجتمع بأوسع ~~معاني الكلمة. # مثل هذا الشاب هو بالضرورة شخص خيالي. وحتى في القرن الثامن عشر ~~الذي سادت فيه النظرة العالمية كانت هناك طوابع إقليمية ووطنية ~~ثابتة؛ فالشاب الأرستقراطي الروسي المستغرب الذي يقرأ فولتير ~~بالفرنسية لم يكن يشبه في الكثير الفتى اليانكي (من شرقي الولايات ~~المتحدة) الذي يكتشف في لوك وفي الإنجليز المعتقدين في الألوهية ~~دون الوحي كيف أن قسيس كنيسته يخطئ حين يذكر نار الجحيم. والشاب ~~الجرماني خاصة كان حتى عندما حل عام 1780م ذلك الجرماني الروحاني ~~العميق المتسائل الذي لا يقنع قط بالتعقل الضحل الذي نادى به ~~جيرانه وأعداؤه الفرنسيون. وكان بالفعل في بداية الطريق الجرمانية ~~التي تؤدي إلى شيء أكثر، وشيء أعظم، شيء لا يقاس، شيء مستحيل. ~~ومهما يكن من أمر فسوف نتعرض كثيرا فيما بعد إلى القومية، وإنما ~~ينبغي هنا أن نحاول في صراحة عملية تبسيط وتجريد. # وثمة كلمة أخرى لا بد منها قبل أن نحاول الكشف عن النظرية ~~الكونية الجديدة. إننا نبلغ العصور الحديثة في كثير من النواحي ~~بحلول القرن الثامن عشر، ومن المؤكد أننا لم تعد أمامنا مشكلة ~~خطيرة بشأن «حقيقة» انتشار الأفكار بصورة ما بين الألوف، بل ~~الملايين، الكثيرة، الذين لا يمكن أن نعدهم من بين المفكرين، ~~أو من بين الطبقات الحاكمة مهما ضاق معنى هذا الاصطلاح، وهناك ~~مشكلات عديدة لم تحل تتعلق بطبيعة انتشارها. والواقع أن هناك ~~جميع المشكلات، من حيث الجوهر، التي تواجهنا اليوم عند دراسة الرأي ~~العام. ولكنا نعلم على ms428 الأقل أنه كان هناك رأي عام، ولدينا بعض ~~الأدلة التي تثبت العقائد التي كانت سائدة. # كانت الصحافة في طفولتها عند مستهل القرن، بالرغم من أنها في ~~نهايته بلغت شكلا يشبه صورتها الحديثة، وبخاصة في إنجلترا ~~والولايات المتحدة وفرنسا. وقد كانت الرسالة الرخيصة أو العجالة ~~القصيرة خلال القرن الثامن عشر تعني أن الكلمة المطبوعة يمكن أن ~~تنتشر انتشارا واسعا. وبقيت الكتب مكلفة نسبيا، غير أن المكتبة ~~الدورية التي كانت تتناوبها النوادي الاجتماعية وبعض الفئات الأخرى ~~المتطوعة كانت في بدايتها. وبدأ تعلم الكتابة والقراءة الآن ينتشر ~~بين عدد لا بأس به من السكان في بلاد الغرب. ولم يكن بوسع ~~الجماهير حينئذ أن تقرأ، وإن كان العمال المهرة في البلدان ~~المتقدمة استطاعوا والقرن ~~الثامن عشر يشرف على نهايته أن يقرءوا. وقد قرءوا. ولم يبق على ~~جهل تام بالقراءة والكتابة سوى جمهرة أهل الريف. وقد يسرت الثورة ~~الفرنسية لهم إمكان البدء في تعلم القراءة والكتابة. والمهم هنا ~~- على أية حال - هو وجود طبقة وسطى قوية قارئة، تبلغ كما قيل ~~الملايين العديدة، وتخلص لأفكار حركة التنوير، في كل هذه ~~الأقطار. # وأخيرا شهد القرن الثامن عشر نضج عملاء انتشار الأفكار، ويعد ~~هؤلاء العملاء من خصائص العصر الحديث، وليس بوسعنا أن نخضعهم ~~جميعا لاسم واحد - فقد كانوا يتمثلون في فئات متطوعة تنتظم ~~أحيانا لهدف معين، مثل الجماعة المتأخرة المعادية للصالونات في ~~الولايات المتحدة، وأحيانا لطقوس اجتماعية وتأمين اجتماعي، مثل ~~الجماعات الأخوية العديدة، وأحيانا لمجرد التسلية، مثل جماعات ~~الحديث غير الرسمية التي يسميها الفرنسيون ب «الصالونات». والواقع ~~أن المجتمع الغربي في القرن الثامن عشر كان يتميز بوفرة وجود ~~الجماعات. ولما أخذ القرن الثامن عشر يميل إلى الزوال، وبخاصة في ~~فرنسا، أصبحت كل هذه الجماعات في الواقع - حتى تلك التي بدت منها ~~بعيدة عن تاريخ الأفكار، كجماعة «الطباق» (أي نادي التدخين) - ~~عوامل لانتشار الأفكار الجديدة، التي كانت في الواقع ثورية في ذلك ~~الحين. وبطبيعة الحال كان هؤلاء البورجوازيون يتغزلون، ويرقصون، ~~ويلعبون الورق، وينغمسون في الحديث التافه، ولكنهم كانوا على ms429 ~~الأرجح يمزجون مع ذلك جهدا ثقافيا أشد خطرا مما كانت تألفه ~~أمثال هذه الجماعات. وحتى مسراتهم كانت تتسم بما كان العصريون منهم ~~يسمونه «الوطنية»، وهي ليست وطنية بمفهومنا، وإنما هي الإخلاص ~~لحركة التنوير. وعند الفرنسيين لعبة من ألعاب الورق، وهي شكل من ~~أشكال «لعبة الهويست الإنجليزية» يسمونها «البوسطون» نسبة إلى ~~المدينة التي وقفت في الثمانينيات من القرن الثامن عشر موقفا ~~جريئا للدفاع عن الآراء الجديدة. # إيمان المستنير # إن التغير الذي طرأ على نظرة أهل الغرب إلى العالم وإلى كل ~~ما فيه كان - بأوسع المعاني - تغيرا من الفردوس كما تراه ~~المسيحية فوق الطبيعة بعد الموت إلى الفردوس الطبيعي المعقول فوق ~~هذه الأرض، وفي الوقت الحاضر - أو على الأقل بعد فترة وجيزة. غير ~~أن أوضح طريقة نتحقق بها من عظمة هذا التحول هي أن نبدأ بمبدأ ~~أساسي حديث جديد بغير نزاع - وهو مبدأ التقدم. إن العقيدة في ~~التقدم، بالرغم من الحربين العالميتين اللتين وقعتا في جيلنا، ~~وبالرغم من الأزمة الاقتصادية الخطيرة في الثلاثينيات، لا تزال ~~تمثل جانبا من الأسلوب الذي ينشأ عليه الشباب الأمريكي، حتى إن ~~القليل جدا من الأمريكيين من يدرك كيف أن هذه العقيدة كانت غير ~~مسبوقة. وقد أحس الناس - بطبيعة الحال - من قديم الزمان أن هناك ~~طريقة «تفضل» الأخرى في أداء عمل ما. وعرفوا تحسنا معينا في ~~الحيل الفنية، كما كانوا - فوق كل شيء - كأعضاء في جماعة على وعي ~~بأن الجماعة الخاصة التي ينتمون إليها هي في حالة ازدهار، أو حالة ~~انحطاط. # ولكن دعنا نستعرض في إنجاز ما عرفناه عن أثينا في القرن الخامس. ~~هنا كان قوم في غمرة عمل جماعي عظيم، قوم على وعي تام بأنهم يؤدون ~~أعمالا كثيرة بطريقة أفضل مما كان أسلافهم يؤدونها بها. ويكاد ~~ثيوسيديد يسمي حرب البلبونيز حربا «أضخم وأفضل» من أي حرب قاتل ~~فيها الناس من قبل. وفي خطاب التأبين الذي ألقاه بركليز لمسة من ~~لمسات «الغرفة التجارية» كما نعرفها اليوم. ولكنك لا تجد مع ذلك ~~فكرة واضحة عن التقدم كجزء من نظام ms430 الكون، أو كعملية تطور من ~~الأدنى إلى الأعلى، في تلك السنوات من ثقافة أثينا الواثقة بنفسها، ~~ولو أنت وجهت نظرك إلى الأوجه الأخرى من التاريخ القديم والوسيط ~~لوجدت ما هو أقل من ذلك مما يشبه أن يكون مبدأ للتقدم. # نعم إنك تجد مشروعات عديدة منظمة لمصير الإنسان. وقد وضعت ~~الأساطير الشائعة الوثنية في حوض البحر المتوسط أسعد عصور بني ~~الإنسان وأفضلها في الماضي البعيد، في عصر ذهبي، عصر أبطال، عصر ~~الترجمة العبرية له هي جنة عدن التي نتخيلها جميعا. وشاعت بين ~~المثقفين في العالم الإغريقي الروماني أفكار دقيقة متنوعة عن سير ~~التاريخ، وبخاصة سلسلة من النظريات الدورية، ومن أكثر هذه النظريات ~~قبولا وانتشارا - على سبيل المثال - نظرية العصر الذهبي الذي ~~يتلوه عصر فضي، يتلوه عصر حديدي، تحل بعده الكارثة، ثم عصر ~~ذهبي جديد، وبعد ذلك تدور الدورة مرة أخرى - عالم بغير نهاية. ومن ~~المحتمل جدا أن تكون لبعض هذه الأفكار صلة بالأفكار الهندية التي ~~تتعلق بتناسخ الأرواح، وتكرار الحدوث إلى ما لا نهاية، وما شابه ~~ذلك، وأنها تشير إلى لقاء بين الشرق والغرب لولاها ما عرفناه. وهي ~~- بطبيعة الحال - لا تشبه قط أفكارنا عن التقدم. وكان يعتقد ~~فيها بصفة خاصة قوم يحسبون أنهم يعيشون في عصر حديدي. وهي باختصار ~~بالنسبة إلى المؤمنين بها شبيهة بالأفكار التي كانت تعتقد في عصر ~~ذهبي سابق، التي تقوم على عقيدة في «التدهور» أو الانحلال، لا على ~~عقيدة في التقدم. # وقد ذكرنا من قبل أن المسيحية التقليدية لم تكن لديها نظرية عن ~~التقدم في الطبيعة في هذه الدنيا - على الأقل بالصورة الواضحة ~~التي اتخذتها هذه النظرية في عصر التنوير، وسوف نعود في نهاية هذا ~~الفصل إلى المشكلة الدقيقة العويصة، مشكلة العلاقات بين عقيدة ~~المسيحية التقليدية والتنوير. ويمكن أن نذكر هنا عرضا أن العلاقة ~~وثيقة جدا في الواقع، وأن التنوير في حقيقته ابن المسيحية - وهو ~~ما قد يفسر لزماننا المتأثر بفرويد لماذا كان التنوير على عداء ~~شديد بالمسيحية التقليدية، بل إن في المسيحية أساسا عاطفيا لا ms431 ~~يفترق كثيرا عن الاعتقاد في التقدم. ومهما يكن من أمر فإن ~~النظرية الكونية الرسمية للمسيحية التقليدية أقرب بشكل واضح إلى ~~الآراء الوثنية بالنسبة إلى مسير الإنسان فوق الأرض منها إلى آراء ~~عصر التنوير، وكان الأفضل أولا - وهو حالة البراءة قبل سقوط آدم. ~~ثم هوى الإنسان، وهو لا يستطيع أن يعيد إقامة الجنة على الأرض. إنه ~~يستطيع حقا أن يرفع من شأن نفسه، ولا يكون ذلك بأية «عملية» ~~فعلية، أو حتى بأعمال تاريخية على الوجه الصحيح، وإنما يكون بمعجزة ~~تتجاوز الطبيعة، وهي الخلاص عن طريق نعمة الله. إن الفردوس لا يمكن ~~قطعا أن يقوم فوق هذه الأرض. # وقد لاحظنا في «النزاع بين القدماء والمحدثين» في أواخر القرن ~~السابع عشر بداية الجدل العام بين المفكرين في هذه الأمور، والمبدأ ~~- وهو في خطوطه العريضة شديد الشبه بالآراء الشعبية عن التقدم ~~عند الأمريكيين - يتسرب بسرعة شديدة في الثقافة الغربية في القرن ~~الثامن عشر، وإن لم يكن قبوله بالإجماع بأية حال من الأحوال، وبغير ~~معارضة بتاتا. وتستطيع أن تلتمس عند فولتير - على سبيل المثال - ~~من البراهين ما يدل على أنه آمن بالدورات، التي يكون فيها عام ~~1750م «أدنى» في الدورة من عصر لويس الرابع عشر، كما تستطيع أن تجد ~~من الدلائل على نظرية إيمانه بالتقدم - وذلك في عصره، عصر ~~التنوير. وفي نهاية القرن الأخير على أية حال يعطينا كتاب ~~كوندورسيه «تقدم الروح البشرية» وصفا كاملا شاملا للخطوات ~~العشر التي رفع الناس بها أنفسهم من الهمجية الأولى إلى حافة ~~الكمال فوق الأرض. إن هذه الفلسفة للتاريخ التي تنصهر فيها ~~«المدينة المقدسة» ب «المدينة الأرضية» من غير تمييز جاءت بعد ألف ~~وخمسمائة عام بعد سنت أوغسطين. # وكوندورسيه غامض بعض الشيء فيما يتعلق بالطريقة التي يتم بها كل ~~ذلك، وفيما يتعلق بالقوى المحركة التي تدفع الإنسانية من مرحلة إلى ~~أخرى أعلى منها. ونستطيع أن نقول إجمالا إنه لم تكن هناك نظرية ~~عامة مقنعة عن التقدم تحاول أن تفسر لماذا وكيف تحدث خطوات ~~التقدم تفصيلا حتى أمست آراء داروين ms432 عن التطور العضوي في ~~القرن التالي مرجعا في العلوم الاجتماعية. والتفسير الذي كان ~~يؤثره المفكرون في القرن الثامن عشر هو أن التقدم يرجع إلى ~~انتشار العقل، وإلى زيادة التنوير التي تمكن الناس من السيطرة ~~على بيئتهم بطريقة أفضل. # وهنا نلمس في وضوح وجلاء الارتباط التاريخي بين التقدم العلمي ~~والتكنولوجي وفكرة التقدم بالمعنى الخلقي والثقافي. بحلول القرن ~~الثامن عشر كان عمل العلماء من كوبرنيكس إلى نيوتن قد تمخض عن ~~مجموعة كبيرة من الأحكام العامة عن سلوك العالم المادي - وهي أحكام ~~عامة كانت في عام 1750م معروفة للعامة على الأقل كمعرفتنا بالأحكام ~~العامة عن النسبية وميكانيكا النشاط الذري. وكان من الواضح - فوق ~~ذلك - أن هذه الأحكام العامة النيوتونية كانت أفضل وأصدق من أحكام ~~أسلافه في العصور الوسطى. وأهم من ذلك أنه لما انتصف القرن كان نوع ~~التقدم المادي - الذي ربما كان عند غير المفكرين مصدرا أثبت من ~~العلوم البحتة للعقيدة في التقدم - واضحا ملموسا؛ فقد كانت ~~هنالك طرق أفضل تطرقها العربات في رحلاتها كل عام أسرع من ذي قبل، ~~وكانت هناك تحسينات واضحة منزلية كدورات المياه، بل لقد كانت هناك ~~في نهاية القرن بداية غزو الفضاء. وكان الغزو حقا ناقصا في ~~البالونات، ولكن في عام 1787م - برغم هذا - قام رجل فرنسي بمغامرة ~~مميتة حديثة عندما حاول أن يعبر القنال الإنجليزي جوا. وأقول في ~~إيجاز إن الرجل العجوز في القرن الثامن عشر يستطيع أن يرجع ببصره ~~إلى طفولته فيراها زمانا لم تتوافر للناس فيه وسائل الراحة، أو ~~الأدوات والآلات القادرة، ولم يرتفع فيه مستوى البيئة المادية، أو ~~مستوى المعيشة، إلى الحد الذي كان ذلك عليه في شيخوخته. # ومهما يكن ما تدين به نظرية التقدم إلى نمو المعرفة التراكمية ~~وإلى ازدياد القدرة عند الناس على إنتاج الثروة المادية من بيئتهم ~~الطبيعية، فهي نظرية أخلاق، بل ميتافيزيقيات. إن الناس - طبقا ~~لهذه النظرية - يصبحون أفضل، وأسعد، وأقرب إلى ما هدفت إليه ~~المثل العليا في أفضل ثقافاتنا. وإن أنت حاولت أن تتابع هذه ~~الفكرة عن التقدم الخلقي ms433 في تفصيلاتها المحسوسة، التقيت بشيء ~~يشبه نوع الغموض الذي علق دائما بالآراء المسيحية عن الفردوس - ~~وربما كان في هذا نفسه دليل يثبت صحة الفكرة التي تقول بأن مبدأ ~~التقدم لا يعدو أن يكون كنظرية «الموت، والحساب، والجحيم أو ~~النعيم» في صورة حديثة. والتقدم يسوقنا إلى حالة يكون الناس كلهم ~~فيها سعداء، حالة ينتفي فيها الشر، وهو يسوقنا إلى ذلك طبقا لفكرة ~~القرن الثامن عشر الأصيلة عن التقدم في سرعة زائدة، خلال جيل أو ~~جيلين من الناس. وليست هذه السعادة مجرد الراحة البدنية بأية حال ~~من الأحوال. ولا نبعد عن الدقة إذا قلنا إن أكثر أولئك الذين ~~تحدثوا عن التقدم وإمكان كمال الإنسان في القرن الثامن عشر كانوا ~~يفكرون في حدود قريبة من الأخلاق المسيحية والإغريقية والعبرية ~~المتأخرة وفي حدود السلام على الأرض لمن كانت نيته طيبة من الناس، ~~وانتفاء كل الرذائل التقليدية، ووجود الفضائل التقليدية. # ويكفينا هذا عن الأساس العريض للإيمان بالتقدم فوق هذه الأرض ~~وقد كان هذا التقدم سيتم بانتشار العقل. وكان العقل للرجل العادي ~~في عصر التنوير الذي نحاول هنا أن نتتبعه هو كلمة السر الكبرى ~~لعالمه الجديد. العقل هو الذي يسوق الناس إلى فهم الطبيعة (وهذه ~~عنده هي كلمة السر الثانية الكبرى)، وبفهمه للطبيعة يصوغ سلوكه ~~طبقا لها، وبذلك يتجنب المحاولات العابثة التي قام بها في ظل ~~أفكار المسيحية التقليدية الخاطئة وما يحالفها في الأخلاق والسياسة ~~مما يناقض الطبيعة. والعقل في ذلك الحين لم يكن شيئا ظهر في ~~الوجود فجأة حوالي عام 1687م (وهو تاريخ نشر الفلسفة الطبيعية ~~لمبادئ الرياضة لنيوتن). ولا بد من الاعتراف بأنه كان هناك من ~~المحدثين المغالين من كاد يعتقد أن كل ما سبق حوالي عام 1700م كان ~~سلسلة ضخمة من الأخطاء، كان تخبطا من الإنسان المرتبك في حجرة ~~مظلمة. ولكن المفكر المتوسط المستنير كان يميل إلى أن يعزو إلى ~~الإغريق والرومان القدامى فضل تمهيد الأرض تمهيدا طيبا، وإلى ~~الاعتقاد بأن ما نسميه النهضة والإصلاح الديني قد بدأ مرة أخرى ~~يطور العقل. وفي ms434 الكنيسة - وبخاصة في الكنيسة الكاثوليكية في ~~العصور الوسطى وخلفائها - وجد المستنيرون مصدر الظلام، أو كبح ~~الطبيعة كبحا غير طبيعي، وجدوا - في عبارة موجزة - الشيطان الذي ~~ليس لأي دين غنى عنه، وسوف نعود إلى هذا الموضوع؛ لأن له أهمية ~~قصوى. وأما الآن فيكفينا أن نسجل أن الرجل المستنير كان يعتقد أن ~~العقل شيء يمكن لكل امرئ أن يسايره، فيما خلا قلة بائسة معيبة. كان ~~العقل مكبوتا، بل كان ضامرا، بفعل سيطرة المسيحية التقليدية ~~أمدا طويلا. أما الآن في القرن الثامن عشر فإن العقل يستطيع مرة ~~أخرى أن يسترد سلطانه، وأن يؤدي لكل الناس ما أداه لرجال من أمثال ~~نيوتن ولوك. واستطاع العمل أن يبين للناس كيف يسيطرون على بيئتهم ~~وعلى أنفسهم. # لأن العقل استطاع أن يبين للناس كيف فعلت الطبيعة فعلها، أو كيف ~~تفعل الطبيعة فعلها إذا كف الناس عن الوقوف في سبيل هذا الفعل ~~بنظمهم وعاداتهم غير الطبيعية. إن العقل يستطيع أن يبصرهم ~~بالقوانين الطبيعية التي كانوا يخرجون عليها في جهالتهم؛ فكانوا ~~مثلا يحاولون بالتعريفة الجمركية وقوانين الملاحة، وجميع ضروب ~~اللوائح الاقتصادية، أن «يحموا» تجارة بلادهم، وأن يكفلوا لبلدهم ~~نصيبا أوفر من الثراء. ولما سلطوا العقل على هذه الأمور استطاعوا ~~أن يدركوا أنه لو أمكن لكل امرئ أن يسير وفقا لمصلحته الاقتصادية ~~الخاصة (أي عمل عملا طبيعيا)، فاشترى بأرخص الأثمان وباع بأعلى ~~الأثمان لتوافر بتطبيق العرض والطلب تطبيقا حرا (طبيعيا) الحد ~~الأقصى من إنتاج الثروة. ولأدرك أن الحواجز الجمركية، بل وكل ~~محاولة لتنظيم النشاط الاقتصادي بالعمل السياسي، إنما تؤدي إلى ~~إنتاج «أقل» ولا ينفع إلا قلة صغيرة تحصل بذلك على احتكار «غير ~~طبيعي». # وكذلك حاول الناس عدة أجيال أن يطردوا أو يخرجوا الشياطين التي ~~كانوا يعتقدون أنها تسكن في المجانين بطريقة ما. فكانوا يلهبون ~~المجنون المسكين بالسياط، ويربطونه، ويقومون بكل ضروب الطقوس لكي ~~يطردوا الشياطين، ولكن العقل الذي يتسلط على مشكلات الدين يستطيع ~~أن يبين للناس أنه ليس هناك شياطين. والعقل الذي يعمل على مستوى ~~البحوث الطبية والسيكولوجية يستطيع أن ms435 يثبت أن الجنون اضطراب طبيعي ~~في العقل (وربما في البدن) يؤسف له، هو باختصار «مرض» يمكن أن ~~يعالج أو يخفف على الأقل بمزيد من استخدام العقل. # وأخيرا، كان الرجال والنساء لعدة قرون يلتحقون بنظم الأديرة، ~~ويقسمون على الطهارة، والطاعة، والفقر ويحيون حياتهم رهبانا أو ~~راهبات. والعقل يبين أن الرهبان وإن كانوا ربما طهروا الحقول ~~وجففوا المستنقعات في نشأتهم، وإن كانوا ربما لا يزالون يؤدون ~~أعمالا نافعة بين الحين والحين، إلا أن الرهبانية على وجه العموم ~~تعني إسرافا عظيما في قدرة الإنسان الإنتاجية. وأوضح من ذلك أن ~~العقل يبين أنه من غير الطبيعي للكائنات البشرية صحيحة البدن أن ~~تمتنع بتاتا عن الاتصال الجنسي، وأن التبرير الديني لمثل هذا ~~السلوك غير الطبيعي كان هراء كهراء فكرة الشياطين التي تستولي على ~~المجنون. ولما قضى العقل على الرهبانية بدا هذا النظام مثالا ~~نموذجيا للعقائد الفاسدة، والعادات السيئة، وطرق الأداء السيئة. ~~ولا بد أن تختفي الرهبانية في المجتمع الجديد. # تضافر كل ذلك عند الرجل المستنير لبناء نظام يفسر العالم. وقد ~~ذكرنا عن هذا النظام من قبل اصطلاحا نافعا، هو «العالم الآلي ~~النيوتوني». وقد شرع المستنيرون - وبخاصة فيما يتعلق بالعلاقات ~~البشرية - في فهم هذه الآلة الجديدة. وبفضل نيوتن وأسلافه فهموا ~~النظام الشمسي، والجاذبية، والكتلة، بل وكل العلوم الطبيعية في ~~خطوطها العريضة. ولم يكن البحث مطلوبا إلا لمجرد إمداد التفصيلات. ~~أما فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية فإنهم لم يبلغوا فيها بعد ~~مستوى نيوتن، بالرغم من أنهم عرفوا ما يكفي أن يدلهم على أن ~~أسلافهم غير المستنيرين - تحت تأثير المسيحية التقليدية - كانوا ~~مخطئين كل الخطأ في إدراكهم للعلاقات الإنسانية، بل وقد وضعوا ~~مجموعة من القوانين والنظم ناقصة على أحسن الفروض، مرذولة على ~~أسوئها. إن مستوى نيوتن في العلوم الاجتماعية كان لا يزال مختفيا، ~~ولم يظهر بعد الرجل الذي يلخص معرفة المستنير في علم اجتماعي ~~منظم ليس على الناس إلا أن يطبقوه لكي يكفلوا لأنفسهم العصر الذهبي ~~الحقيقي، والفردوس الواقعي - الفردوس الذي يقع أمامنا لا ~~وراءنا. # إن المسيحية التقليدية لم ms436 تعد قادرة على أن تمد المستنيرين ~~بنظرية كونية، فقد بدأ الناس يعرفون ما يكفي من الجيولوجيا لكي ~~يبين أن تاريخ الخليقة - الذي حدده الأسقف أشر بعام 4004ق.م - ~~وتاريخ قصة الطوفان بعيد الاحتمال. ولكن لم تكن هناك حاجة إلى أن ~~ينتظر الناس نمو المعرفة الجيولوجية. خذ مبدأ التثليث في المسيحية ~~مثالا. إن الرياضة كانت ضد هذا المبدأ؛ فإن أي نظام رياضي محترم ~~لا يسمح بأن يكون الثلاثة ثلاثة وواحدا في آن واحد . أما عن ~~المعجزات، فلماذا توقفت؟ إذا أمكن إحياء الميت في القرن الأول ~~فلماذا لا يحيى في القرن الثامن عشر؟ وهكذا في الجدول الذي نألفه ~~اليوم، والذي كان جديدا وجريئا في ذلك الحين. # ولكن أولئك الذين لم يهتز إيمانهم بالمسيحية التقليدية لم يتخلوا ~~- على أية حال - مرة واحدة عن فكرة الله. وأكثر المستنيرين في ~~النصف الأول من القرن، ومن بينهم شخصيات عظيمة كفولتير وبوب، كانوا ~~- على الأقل أمام الجمهور - يؤمنون بوجود الله مع عدم الوحي، وأصبح ~~هذا المذهب عقيدة محسوسة عن العالم ومحددة إلى درجة كبيرة. وإذا ~~استثنينا بعض المجادلات في ذلك الحين وبعده، فإن هذا المذهب لا ~~يرادف الإلحاد أو التشكك (أو اللاأدرية). وينبغي أن نفرق بين هذا ~~المذهب والعقيدة في وجود الله مع الإيحاء به إيحاء من وراء ~~الطبيعة؛ إذ إن هذا المذهب الأخير يعني وجود إله أكثر تشخيصا، إله ~~لا يتحتم أن تكون له صفات الإنسان، ولكنه كامن على الأقل بمعنى من ~~المعاني، وجدير بأن نصلي له وندعوه. هذا المذهب مستمد من مذهب ~~وجود الله في كل مكان وتغلغله في كل ذرة من ذرات العالم، ومن ~~المثالية الفلسفية التي تتحدث عن الروح أكثر مما تتحدث عن الله. ~~والواقع أن المعتقدين بوجود الله مع نفي الوحي على يقين ثابت ~~بوجوده، مهما يكن هذا الإله بعيدا باردا. هذا المذهب هو أقرب ~~انعكاس ممكن واضح لعالم نيوتن الذي يخضع للنظام، ويدور وفقا ~~للقانون، والإله في هذا المذهب هو الشخص المسئول عن التدبير، ~~والبناء، وتحريك هذا العالم الآلي؛ إذ كيف تكون ms437 هناك آلة بغير صانع ~~لها، ونتيجة بغير سبب؟ وفي الاصطلاح الفني نستطيع أن نقول إن أصحاب ~~هذا المبدأ أثبتوا وجود الله بحجتين قديمتين، الحجة المستمدة من ~~«السبب الأول»، والحجة المستمدة من ضرورة «التدبير» قبل التنفيذ. ~~ولكن بعدما يدير هذا الإله الذي لا بد منه العالم الآلي، يكف عن ~~أن يصنع به أي شيء. هذا الإله الذي يشبه صانع الساعة صنع هذا ~~العالم الذي يشبه الساعة، وأدارها إلى الأبد، وأراد لها أن تدور ~~إلى الأبد، طبقا للقوانين التي أوضحها المستر نيوتن من قبل. إن ~~الناس في هذا العالم متروكون وشأنهم لقد خلقهم الله جزءا من آلته، ~~ودبر لهم أن يحيوا حياتهم مع إمدادهم بالموهبة الخاصة التي تدلهم ~~على أن يعرفوا كيف يسيرون في الحياة باستخدام عقولهم، ومن الواضح ~~أنه ليست هناك فائدة من الصلاة لهذا الإله الذي يشبه صانع الساعة، ~~والذي لا يستطيع - حتى إن أراد - أن يتدخل فيما صنعت يداه. ومن ~~الواضح أن هذا الإله لم يظهر لموسى في صحراء سيناء، ولم يرسل ابنه ~~الأوحد إلى الأرض ليخلص الناس المذنبين - بل لا يمكن أن يكون له ~~ابن. # والواقع أنه بدا كإله لا ضرورة البتة له، نوع من الإله الذي لا ~~يفعل شيئا. ومجرد أن الناس ارتضوا لأنفسهم إلها لا يشبع ~~العواطف إطلاقا مثال شائق للطريقة التي لا بد أن تتم بها التطورات ~~العقلية تدريجا؛ لأن الوثبة من إله مسيحي إلى عدم وجود الإله كانت ~~مستحيلة. ولكن مذهب إثبات وجود الله مع إنكار الوحي كان نوعا من ~~أنواع التوفيق الذي لا يرضى، لا يكفي لإقناع العقل أو إشباع ~~العاطفة. وتنم حكمة فولتير الشهيرة عن الله وهي: «إذا كان الله غير ~~موجود فلا بد من اختراعه» عن ضعف قاتل. ولكن المجددين الثائرين من ~~الجيل التالي لم يروا ضرورة لاختراعه؛ فقد كانوا بالفعل يألفون عن ~~طريق الرياضة فكرة اللانهائي. ومن الممكن أن يكون العالم الآلي ~~أزليا أبديا، على الأقل بمقدار ما يمكن للناس كبشر أن يعرفوا. ~~وكيف يمكن لأي امرئ أن يعرف أن ms438 هناك إلها بعيدا عنه كما يتصور ~~أصحاب مذهب إثبات وجود الله مع إنكار الوحي؟ إذا كان الله يخرج ~~كلية عن العالم المخلوق فكيف يكون في الداخل أو حتى في داخل عقولنا ~~كفكرة من الأفكار؟ من الواضح أنه لم يكن إلها ليس منه بد؛ ~~فالطبيعة تكفي - وهذا العالم الكبير لا يمكن أن يتوافر لنا الوقت ~~الكافي لدراسته في أبديته، وإذن فلنكف عن شغل عقولنا بالله، ~~ولنجعل ديانتنا ديانة عقل، نظاما من الأخلاق يخلو من كل هراء علوم ~~الدين. # هذه على الأقل كانت نظرة العصاة المعتدلين، الماديين الذين رأوا ~~أن الله لا ضرورة له. وجاوزهم آخرون، ورأوا أن الله شر إيجابي، ~~وبخاصة إن كان إله الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وأطلقوا على ~~أنفسهم في تبجح اسم الملحدين، أو قوما لا إله لهم، ولم تكن ~~عقيدتهم عقيدة شك؛ فقد عرفوا إن إله المسيحيين لا وجود له، وعرفوا ~~أن العالم عبارة عن نظام من المادة في حركتها، يمكن أن يفهم ~~فهما كاملا باستخدام العقل البشري على أسس القواعد التي وضعتها ~~العلوم الطبيعية. وكانت ماديتهم - كما كان إلحادهم - عقيدة ~~إيجابية، ولم تكن صورة من صور التشكك. كانت شكلا معينا من أشكال ~~الإيمان، ونوعا من أنواع الدين. وهذه العقيدة الإيجابية في عالم ~~تمكن معرفته، عالم يتكون في النهاية من ذرات من المادة، بقيت منذ ~~ذلك الحين عنصرا من عناصر الثقافة الغربية. ومع ذلك فإن أحدا لا ~~يعرف بتاتا على وجه الدقة كم من الناس من قبل ولا يزال يقبل نوعا ~~من أنواع هذه العقيدة. # إن أصحاب مذهب الاعتقاد بوجود الله مع إنكار الوحي، والملحدين، ~~على السواء نبذوا المسيحية المنظمة كما كانت في زمانهم. كان القرن ~~الثامن عشر هو القرن العظيم الذي عارض الأكليروس، القرن الذي أمكن ~~فيه أن يعبر المرء صراحة عن كل ضروب العداوات والإحن ضد المسيحية ~~الكاثوليكية والبروتستانتية، وذلك بفضل «روح العصر» في عهد ~~التنوير، وبفضل الطباعة الرخيصة، وللتهاون في الرقابة، ولعدم كفاية ~~الشرطة، وبفضل الموافقة بارتياح التي قابلت بها الطبقات الحاكمة ~~القديمة هذه الهجمات على ms439 الديانة القائمة. وما كان مشروعا في ذينك ~~القطرين المتحررين تحررا مذهلا، إنجلترا وهولندا، كان يتسرب في ~~يسر إلى فرنسا وولايات ألمانيا. ولأول مرة منذ الإمبراطورية ~~الرومانية أحست المسيحية أنها تتعرض للهجوم الشديد في داخل ثقافتها ~~ذاتها. ولما جاءت الثورة الفرنسية بلغ هذا الهجوم مرارة شديدة، ~~وبخاصة في بلدان القارة الأوروبية. وعانى المسيحيون مرة أخرى ~~الاستشهاد في سبيل العقيدة، وكانوا هذه المرة يستشهدون على ~~المقصلة. # وكان على كل المؤمنين ~~بالدين الجديد، دين العقل - سواء أكانوا من المؤمنين بالله دون ~~الوحي أم من الماديين - أن يتصارعوا مع مشكلة الشر، حتى وإن نبذوا ~~الإله المسيحي. وكانت بالنسبة إليهم مشكلة معقدة. إنهم افترضوا ~~وجود عالم آلي، الإنسان جزء منه بالتأكيد، وهذا العالم يسير وفقا ~~لقوانين الطبيعة، وكذلك افترضوا وجود قدرة عند الإنسان، أطلقوا ~~عليها اسم العقل، يستطيع الناس بممارسته أن يفهموا هذه القوانين ~~الطبيعية، وهي قوانين منظمة مضبوطة. ويستطيع الناس بالانصياع في ~~سلوكهم لهذه القوانين الطبيعية أن يعيشوا معا في سلام وسعادة. ~~ولكنهم حيثما صالوا في عالم القرن الثامن عشر وجدوا نضالا وبؤسا ~~في كل مكان، ورأوا كل صنوف الشر، فهل هذه الشرور مما يتفق وقوانين ~~الطبيعة، الطبيعة الرحيمة؟ كلا، بالتأكيد؛ فهي غير طبيعية على ~~الإطلاق، فكان المستنيرون مشتغلين بطبيعة الحال باقتلاعها. ولكن ~~كيف تسنى لهذه الشرور أن تظهر؟ كيف تسنى لغير الطبيعي أن يمسي ~~طبيعيا؟ وكيف أصبح الأعلى أدنى؟ # لقد التقينا بهذه المشكلة من قبل عند دراستنا للمسيحية. بيد أن ~~المسيحية كان لها على الأقل شيطانها، بالرغم من صعوبة التوفيق بين ~~وجود الشيطان والخير عند الله. وأما أولئك الذين قبلوا النظرية ~~الكونية، نظرية العالم الآلي النيوتوني فقد كانت أمامهم مشكلات أشد ~~تعقيدا عندما أعلنوا - أو على الأقل برروا - رغبتهم الواضحة في ~~تعديل أو تحسين شيء هو بالفعل كامل أوتوماتيكي مقرر. والواقع أنه ~~ليس من السهل في أي مذهب طبيعي يقول بوحدانية الكون أن يحدث تحول ~~إلى غير الطبيعي. ولم يكن روسو نفسه معجبا بالعالم الآلي ~~النيوتوني وبالعقل، فإن الطبيعة التي كشفها في صميم ms440 جميع الأشياء ~~كانت هي الشفقة المشوبة بالمحبة، الشفقة التلقائية الصادرة من ~~القلب، الشفقة كما يظهرها الأشخاص البسطاء غير الفاسدين، ~~كالأطفال، والهمجيين، والفلاحين. وقد وجد هذه الحالة الطبيعية - ~~فوق كل شيء - في الماضي، قبل أن تأتي المدنية بالفساد. وفي كتابه ~~«بحث في أصل التفرقة» يحاول روسو أن يصف أصل الشر. إن أول رجل جرؤ ~~على أن يقتطع من الملكية العامة رقعة من الأرض، ويقيم حولها سورا، ~~ويقول: «هذه لي.» - ذلك هو الوغد المسئول عن نهاية حالة الطبيعة. ~~ولا يفسر روسو «لماذا» تصرف ابن الطبيعة هذا بهذه الطريقة غير ~~الطبيعية. # وإذا كان المستنيرون قد عجزوا عن حل مشكلة أصل الشر، فقد كانت ~~عندهم أفكار ثابتة جدا عن الخير والشر في عصرهم. وعدوا الشر ~~نموا تاريخيا يتجسد في العادات والقوانين، والنظم - أي في ~~البيئة، وبخاصة في البيئة الطبيعية؛ أي فيما صنع الإنسان بالإنسان. ~~وأدركوا أن البيئة الطبيعية - وبخاصة بعد كتاب منتسكيو «روح ~~القوانين» - كثيرا ما تكون قاسية مجدبة، أو ميسرة وافرة. وعرفوا ~~أن بعض الأمراض لم تكن كلها فيما يظهر نتيجة البيئة الاجتماعية. ~~ولكنهم تعشموا أن يتمكنوا من السيطرة على البيئة الطبيعية. والواقع ~~أنهم تعشموا أن يسيطروا على البيئة الاجتماعية. وظنوا أن البيئة ~~الاجتماعية لعهدهم كانت كلها تقريبا سيئة، سيئة إلى حد أنه ربما ~~كان لا بد من القضاء عليها، في جذورها وفروعها. ولم يعتقدوا في ~~الأغلب أن هذا القضاء سيكون عنيفا. فتنبئوا ب «ثورة فرنسية»، ~~ولكنهم لم يتنبئوا ب «عصر إرهاب». # وعادلوا الشر بالبيئة، والخير بشيء كامن في الكائنات البشرية، ~~وفي الطبيعة البشرية؛ فالإنسان يولد طيبا، فيجعله المجتمع سيئا. ~~والسبيل إلى إعادته إلى الخير هو حماية هذا الخير الطبيعي من ~~الفساد الذي يجلبه المجتمع. أو بطريقة محسوسة نقول إن السبيل إلى ~~إصلاح الأفراد هو إصلاح المجتمع. والعقل يرشدنا إلى الطريقة. ~~ولا بد من أن يخضع كل قانون، وكل عادة، وكل نظام لامتحان معقوليته. ~~هل النبل الموروث معقولا؟ إن لم يكن كذلك فلا بد من إلغائه، وإن ~~كان كذلك فلا بد من الإبقاء ms441 عليه. إن النبل الوراثي عندما يتعرض ~~لحكم العقل كما يتصرف العقل في رءوس أكثر المستنيرين على الأقل في ~~الثمانينيات من القرن الثامن عشر، يتبين أنه غير معقول؛ فكان من ~~الأعمال الأولى التي أدتها «الجمعية الوطنية الفرنسية» التي ~~دعيت لإعادة بناء فرنسا إلغاء ألقاب النبلاء. # وهنا نلتقي بشكل من الأشكال الكبرى التي تعرض فيها المشكلات ~~الخلقية والسياسية نفسها للمحدثين، وهو الشكل الذي نعرفه جميعا ~~ب «البيئة ضد الوراثة»، وقد يعلن امرؤ حينا بعد حين في ثبات أنه ~~يرى أن الحرب وما يترتب عليها من آلام وقسوة «شيء طيب»، ويشكو غيره ~~من أن أسباب راحتنا المادية «شيء سيئ»، غير أن أهل المجتمع الغربي ~~يتفقون في الأغلب على الخطوط العريضة لما يرونه خيرا ولما يرونه ~~شرا، وإنما يختلفون في تفسيرهم لإلحاح الشر. وتؤكد حركة التنوير، ~~كما نؤكد نحن، باعتبارنا ورثة لها، قوة تأثير البيئة. ونميل إلى ~~الاعتقاد - أقصد أننا نحن الأمريكيين نميل إلى الاعتقاد - أننا لو ~~استطعنا أن نضع «التنظيمات» الصحيحة، والقوانين، والنظم، ~~والتربية الصحيحة، لعاشت الكائنات البشرية بعضها مع بعض على صورة ~~قريبة جدا من الحياة الطيبة. أما التقليد المسيحي فيميل إلى أن ~~يعزو التفسير إلى الطبيعة البشرية؛ فالناس يولدون وفي باطنهم شيء ~~يجعلهم يجنحون إلى الشر، فهم يولدون في الخطيئة. ومن الحق أن ~~المسيحية ترى المخرج في إمكان الخلاص الذي جاء لنا به المسيح، ولكن ~~هذا ليس معناه الاعتقاد في أثر البيئة، وليس معناه الإيمان بإمكان ~~وضع القوانين ورسم خطط التربية ومناهجها. # ومن المهم هنا أن ندرك أن الاعتقاد الحديث في أثر البيئة - حتى ~~في صورته المستبشرة الأولى - لم يذهب إلى التطرف غير المعقول. ولا ~~يقول بأن الطفل الذي نختاره اختيارا عشوائيا من بين عدد من ~~المواليد الجدد يمكن بتناولنا لبيئته أن يتشكل في أية صورة - فيكون ~~ملاكما من الوزن الثقيل، أو موسيقيا عظيما، أو عالما من كبار ~~علماء الطبيعة، لا يقول بذلك إلا رجل مجنون. نعم إن علم النفس في ~~القرن الثامن عشر قد التقط الحبل من لوك واعتقد أن ms442 العقل البشري ~~وعاء فارغ تصب فيه التجارب مضمون الحياة، ولكن حتى علم النفس الذي ~~كان يرى أن العقل يولد صفحة بيضاء لم يفسر المساواة البشرية ~~بالتماثل التام بين البشر. وإليكم عبارة لأحد الأبناء الصغار لمذهب ~~تأثير البيئة الذي تميز به القرن الثامن عشر، وهو روبرت ~~أوين: ~~«إن أية صفة عامة - من أفضل الصفات إلى أسوئها، ومن أكثرها ~~استنارة إلى أشدها جهالة - يمكن أن توهب لأي مجتمع، بل للعالم ~~بأسره، بتطبيق الوسائل الصحيحة، وهي وسائل يتحكم فيها ويسيطر ~~عليها - إلى حد كبير - أصحاب النفوذ في شئون الناس.» # والكلمة الرئيسية هنا هي لفظة «عامة»؛ فإن أوين لا يعتقد أنه ~~يستطيع أن يبلغ نتائج معينة نوعية لكل فرد، وإنما هو يعتقد أنه ~~يستطيع ذلك في مجموعات كبيرة، وهل هذا يبعد كثيرا عن الآراء التي ~~تكمن وراء كل الجهود التي تبذل للتأثير في الناس وتكييفهم في ~~الوقت الحاضر؟ # والواقع أن الاعتقاد في أثر البيئة لا يزال ضروريا لكل من ~~يتعشم أن يأتي في سرعة معقولة «وعلى نطاق واسع» بتغيرات في السلوك ~~الفعلي للكائنات البشرية على سطح الأرض. وقل من الناس اليوم من ~~يرى أن مثل هذه التغيرات يمكن أن يتم عن طريق تدخل قوى فوق ~~الطبيعة، أو بالدين بمعناه التقليدي، ولا يمكن أن يؤمن بأن النتائج ~~السريعة ممكنة بأي إجراء سلالي في الكائن البشري إلا رجل متهوس. ~~إننا لا نستطيع أن «نولد» نساء ورجالا أفضل بسرعة عاجلة؛ إذ ~~لا بد لنا أن «نصنع» النساء والرجال الأفضل من المواد الموجودة. ~~وأورد هنا نصا آخر لأوين ينم عن تفاؤل حركة التنوير التي لم ~~تظلمها عنده أهوال الثورة الفرنسية والحروب العالمية ~~النابليونية: ~~«وهذه الخطط يجب أن توضع لتدريب الأطفال منذ نعومة أظفارهم على ~~العادات الطيبة من كل نوع (مما يحول بطبيعة الحال دون أن يكتسبوا ~~عادات المغالطة والخداع)، ويجب أن يربوا بعد ذلك تربية عقلية، ~~وأن توجه أعمالهم وجهة نافعة. إن مثل هذه العادات وهذه التربية ~~تطبعهم بطابع الرغبة الملحة الفعالة في مزيد من السعادة لكل فرد، ms443 ~~وأن يتم ذلك دون أي «ظل من ظلال الاستثناء» لطائفة من الطوائف، أو ~~لحزب من الأحزاب، أو بلد من البلدان، أو جو من الأجواء. وهذه ~~العادات وهذه التربية تكفل أيضا - مع أقل استثناء ممكن - الصحة، ~~والقوة، ونشاط الجسم؛ لأن سعادة الإنسان لا تقوم إلا على أسس صحة ~~البدن وهدوء العقل.» # برنامج حركة التنوير # إن رجال حركة التنوير لم يكونوا على اتفاق في الرأي كما قد يبدو ~~لنا حتى الآن مما تقدم من تحليل. والواقع أن انقساما عظيما في ~~صفوفهم، انقساما لم تلتئم ثغرته بعد، قد ظهر بوضوح في هذه الآونة؛ ~~فإن كل المستنيرين لم يجمعوا على أن العقل ضد النبل الموروث، ومن ~~المؤكد أنهم لم يجمعوا على الرغبة في الاستغناء عن التمييز الطبقي. ~~وتبين من الوجهة العملية أن للعقل وسائل تختلف باختلاف ~~الأفراد. # ويمكن أن تتبين التفرقة الكبرى في صفوف المستنيرين فيما كان بين ~~أولئك الذين كانوا يعتقدون أن القلة النسبية من أصحاب الحكمة ~~والموهبة - أصحاب النفوذ - يمكنها أن تعالج البيئة بحيث يصبح كل ~~امرئ - معالجا أو معالجا - فردا سعيدا، وأولئك الذين كانوا ~~يعتقدون أن كل المطلوب هو تحطيم البيئة القائمة، ومحوها محوا ~~تاما، وعندئذ يتعاون كل امرئ تعاونا تلقائيا في خلق البيئة ~~الكاملة. وكانت الفئة الأولى - مهما تشدقت بمثل الديمقراطية ~~والحرية للناس أجمعين - في الواقع من أصحاب السلطان. وكانوا في ~~المجال الخاص بالفكر والنظم السائدة في القرن الثامن عشر يميلون ~~إلى أن يعقدوا آمالهم على الحكام العقلاء والموظفين المدنيين ~~المدربين، أو على ما يسميه المؤرخون الحركة نحو «الاستبداد ~~المستنير». أما الفئة الثانية فقد كانت تميل إلى الاعتقاد بأن ~~الرجل العادي، الرجل من عامة الناس، الرجل في الحقل والشارع، شخص ~~معقول سليم، كأكثر أفراد البشر. وقد أرادوا لأمثال هؤلاء أن يكونوا ~~أحرارا في اتباع حكمتهم الفطرية. وكانوا يميلون إلى الإيمان ~~بالطرق الديمقراطية، وبالتصويت بالرأس، وبحكم الأغلبية. وكان ~~المتطرفون منهم فوضويين متفلسفين يعتقدون أن كل حكومة سيئة، وأن ~~لا بد للناس من إلغاء كل أنواع الحكومات. # ولدينا مثال واضح جدا لحقيقة ms444 هذين الموقفين المتعارضين، نلمسه ~~في حياة جرمي بنتام، وهو من أقوى فلاسفة حركة التنوير أثرا. وقد ~~فرغ بنتام في شبابه من وضع صيغة مذهبه النفعي واضحا، ومعقولا عند ~~الكثيرين: قال إن كل شيء ينبغي أن يعمل للحصول على أكبر قدر من ~~السعادة لأكبر عدد من الناس، ولما كان قد أرفق هذه الصيغة بطريقة - ~~رضي عنها كما رضي عنها زملاؤه - ل «قياس» السعادة قياسا فعليا، ~~فقد كان عنده ما كان بحاجة إليه ليقدم بيئة صالحة تحل محل ~~البيئة الطالحة العتيقة. كانت لديه مشروعات الأعمال مدهشة في ميدان ~~الهندسة الاجتماعية. # وكانت الفكرة الأولى عند بنتام أن يقوم بهذا العمل الذي اقترحه ~~الطبقات الحاكمة في بريطانيا، وكبار اللوردات والتجار الذين عرفهم ~~كذلك - وقد كان هو نفسه من أسرة تجار ناجحة، كما كان ضيفا كثير ~~التردد على اللورد شلبيرن ذلك الرجل المفكر؛ فهؤلاء الرجال يطلعون ~~ويتحدثون وهم أكفاء لما كان يجري في العالم المستنير. غير أن هؤلاء ~~الرجال كانت لهم امتيازات خاصة في ظل النظام القديم - والواقع أنه ~~كان من الواضح أن البيئة القديمة السيئة كانت تبدو لهم بيئة صالحة ~~من الوجهة الشخصية - ووجد بنتام نفسه عاجزا عن حثهم على الأخذ ~~بإصلاحاته المقترحة، ومن ثم نراه يشرع في بواكير القرن التاسع ~~عشر في الاتجاه نحو الشعب، ولم يمض زمن طويل حتى تحول إلى ~~ديمقراطي شديد الإيمان بالديمقراطية، متمسكا بحق الانتخاب للجميع، ~~وبإجراء الانتخاب بين الحين والحين لضمان انتقال الحكم دوريا بين ~~الأفراد، وببقية أجزاء دولاب الديمقراطية. عندئذ آمن بنتام بأن ~~الجماهير ستقوم بالتعديل الذي لم يستطع أن يحث الطبقة الممتازة ~~على القيام به. والجماهير بطبيعة الحال في حاجة إلى معلمين، وإلى ~~قادة، ويخرج هؤلاء من بين صفوف فئة صغيرة نسبيا من أتباع بنتام ~~المتعلمين من غير الأرستقراطيين، وقد أطلق عليهم اسم «الانقلابيين ~~الفلسفيين». غير أن هؤلاء ليسوا إلا بمثابة رأس الحربة ~~للديمقراطية، وليسوا فئة ممتازة من الحكماء تحتكر أعمال ~~الحكومة. # وقد ذكرت منذ لحظة ذلك الانقسام الذي حدث في صفوف المستنيرين. ~~غير أن العقل ms445 البشري - لسوء الحظ - لكي يفهم أمثال هذه الأمور، ~~قلما يواجه مثل هذا الاختيار البسيط بين صفين اثنين. والواقع أن ~~العقل البشري يستطيع أن يقفز في خفة من صف إلى صف حتى يصبح مسيره ~~أشبه بالمتاهة. والتمييز الذي قدمناه بين المؤمنين بأثر البيئة ~~الذين يركنون إلى معالجة البيئة بواسطة القلة (فلاسفة، أو مهندسين، ~~أو مخططين، فنيين، أو أصحاب عقول ثاقبة)، وأولئك الذين يتوقعون من ~~الجماهير أن تقدم البيئة المعدلة الضرورية بالطريقة الديمقراطية ، ~~طريقة تصويت الأغلبية - هذا التمييز يستحق البيان، وهو تمييز ~~يعطينا صورة تقريبية أولية، وبخاصة بالنسبة إلى القرن الثامن عشر. ~~ولكنا نحتاج هنا في الواقع إلى تبويب ثنائي بسيط آخر على الأقل، لا ~~ينطبق تمام الانطباق على التمييز السابق. وذلك هو التمييز بين ~~أولئك الذين يعتقدون أن البيئة الجديدة توقع على عامة الناس نوعا ~~من الإرغام - وهو إرغام سوف يستسيغونه، ولكنه برغم ذلك شيء خارجي ~~إلى حد ما يربط بعضهم ببعض في جماعة منظمة - وأولئك الذين ~~يعتقدون أن البيئة الجديدة قد لا تتطلب في الواقع نظما أو قوانين، ~~وأن الناس في ظل النظام الجديد سوف يعيشون تلقائيا وفقا ~~ل «القاعدة الذهبية»، والنظرة الأولى تحكمية، والثانية تحررية، أو ~~فوضوية. # إن المؤمنين بالاستبداد المستنير يقفون في أكثر الأمور الموقف ~~التحكمي والسلطة «القديمة»، سلطة الكنيسة، بالنسبة إليهم سلطة ~~سيئة، ولكن مبدأ السلطة سليم والسلطة في أيدي رجال مدربين على ~~استخدام العقل المستنير سلطة في موضعها - بل هي في الواقع سلطة ~~لا بد منها. ولكن كثيرا من هؤلاء المؤمنين بالسلطة - برغم ذلك - ~~كانوا يعتقدون في الشئون الاقتصادية أن رجال الأعمال ينبغي أن ~~يكونوا أحرارا تماما في معالجة شئون أعمالهم، أحرارا من قيود ~~الحكومة أو سلطة النقابة. والواقع أن ما كانوا يدفعون عنه حتى في ~~الاقتصاد لم يكن الحرية لجميع الأفراد، وإنما مجرد الحرية لصاحب ~~المشروع الاقتصادي، أو رجل التصنيع. وأما في داخل المملكة الصغيرة ~~- وأعني بها المصنع أو العمل التجاري - فلا بد من وجود ذلك ~~التنظيم، وتلك الكفاية، والقدرة على التفكير، التي تتفق مع ms446 الجانب ~~التحكمي في حركة التنوير. وقد كان روبرت أوين نفسه - الذي أوضح في ~~جلاء نظرية تأثير البيئة - مساهما في ملكية مصنع للنسيج في نيو ~~لانارك باسكتلندا يدر ربحا كبيرا، وكان وحده يقوم على إدارته. ~~وكان هذا المصنع في تلك الأيام مصنعا نموذجيا، تحوطه بيوت ~~للشركة نظيفة حقا، تتوافر فيها شروط العمل الممتازة، وتقوم فيها ~~المدارس التقدمية التجريبية التي كان يؤثرها روبرت أوين، ميسرة ~~لأبناء العمال. غير أن مصنع نيو لانارك لم تتوافر فيه «الديمقراطية ~~الصناعية». وكانت كلمة أوين هي القانون. أوين هو الذي يعالج ~~البيئة. وكان أوين أبا في نظام أبوي إلى أبعد الحدود. # ويمدنا بنتام بمثال أوضح للبيئة المدبرة تدبيرا معنيا به، ~~تدبيرا من أعلى، من السلطة الحكيمة الأبوية. والمبادئ الأساسية ~~التي نادى بها بنتام هي أن الناس يبحثون عن اللذة ويتجنبون الألم ~~(وأرجو أن تلاحظوا هنا التشابه الظاهر لفكرة الجاذبية في الطبيعة). ~~وما دامت هذه حقيقة واقعة فلا بد من قبولها باعتبارها خيرا ~~خلقيا. ومن ثم فإن سر الحكم هو في وضع نظام للثواب والعقاب ~~بحيث يؤدي العمل الذي يتفق مع القواعد الأخلاقية والاجتماعية ~~دائما بالفرد إلى اللذة أكثر مما يؤدي إلى الألم، ويؤدي به العمل ~~الذي لا يتفق مع القواعد الأخلاقية والاجتماعية به إلى الألم أكثر ~~مما يؤدي إلى اللذة. واستطرد بنتام في تفصيل ذلك، وأعد قائمة حساب ~~للملذات والآلام، وأخذ يبوب ويزيد ويقيس الأنواع المختلفة من ~~الملذات والآلام. وما فعله بطبيعة الحال كان تقديرا للقيم التي ~~يحترمها الرجل المهذب الإنجليزي، الرقيق، المتفلسف، صاحب العقل ~~الجاد، وتبين أن أكثر القواعد الخلقية التي نادى بها مسيحية، كما ~~كانت القواعد الخلقية التي نادى بها أكثر الغربيين الثائرين على ~~المسيحية. غير أن بنتام لا يثق بنظم المجتمع العادية مقياسا ~~صحيحا للذة والألم. إن المجتمع يثيب بشكل ما الأعمال التي لا ~~تأتي بأكبر قدر من الخير لأكثر عدد من الناس، ويعاقب على الأعمال ~~التي تفعل ذلك إذا أتيحت لها الفرصة. غير أن مجرد الحرية لا يتيح ~~هذه الفرصة. ولا بد لرجال ms447 من أمثال بنتام أن يتوفروا على وضع خطط ~~جديدة، ومجتمع جديد. ومن ثم فإن العقل يرشدنا إلى أن الجريمة - ~~كالسرقة مثلا - لا بد من أن تلقى جزاءها، لأنها تأتي لمن يقع فيها ~~بألم أشد، وكذلك تأتي في صورة الخوف والقلق بألم أشد لكل من ~~يعلم بالسرقة (فهم يخشون أن تحدث لهم) أكثر مما تعود بالنفع على ~~السارق. ولكن العقل يهدينا إلى أن الأفكار التي تتعلق بالإثم، ~~واللعنة، والندم، وما إلى ذلك مما يتصل بالسرقة هراء في هراء. إننا ~~هنا نعالج موضوعا بسيطا من موضوعات الحساب. لا بد أن يلقى القبض ~~على السارق وأن يوقع عليه الجزاء بحيث يزيد وزن العقوبة في ذهن ~~السارق على اللذة (أو الكسب) الذي عادت إليه به الجريمة، فإذا كانت ~~اللذة أعظم من العقوبة الخفيفة، كان ذلك إغراء للسارق بأن يعود إلى ~~الجريمة. وإذا كان الألم أشد - أي إذا كانت العقوبة قاسية جدا، ~~كما كانت الحال في قانون الجنايات الإنجليزي في ذلك الحين - شعر ~~السارق بأنه شهيد، أو أنه يسحق سحقا، أو أنه من العصاة، ومن ~~المؤكد أنه لا يصلح بهذه الطريقة. والهدف كله من القانون هو منع ~~تكرار الجريمة بإصلاح المجرم، ومن ثم كان لا بد أن تتناسب ~~العقوبة مع الجريمة. # إن التفصيلات السيكولوجية التي قدمها بنتام تبدو لنا اليوم ~~ساذجة، كما تبدو الخطط الدقيقة التي وضعها غير عملية. ولكنا نعرف ~~حق المعرفة روح الإصلاح، وكثير مما حاول بنتام وأتباعه أن ينجزوه ~~في إصلاح النظم قد وضع في الواقع في نصوص قانونية جامدة. فلا ~~تجد اليوم من يشنق لسرقة كبش، ونحن لا نأمل في النتائج الكاسحة ~~التي أمل فيها بنتام، ولكنا ما برحنا نستخدم كثيرا من طرائفه، وما ~~برحنا - برغم ديمقراطيتنا الطيبة - نعقد كثيرا من آمالنا على ~~تعديل النظم التي توضع خطتها من أعلى. وأثر بنتام واضح في ~~القوانين الجديدة. # ويظهر الانشقاق عند الذين يأخذون جانب التحرر في صورة أوضح مما ~~يظهر عند الذين يأخذون جانب التسلط، وإنا لنلمس خلال هذا القرن ~~تيارا من الفكر ms448 ربما يبلغ قيمته في «العدالة السياسية» الذي نشره ~~في عام 1793م وليام جدوين، ذلك الكاتب الثائر. والكتاب أشبه ما ~~يكون بدعوة علمانية إلى عدم التقيد بقواعد الأخلاق الدينية، وقد ~~كان جدوين يعتقد أن الناس لا يرتكبون الخطأ إلا لأنهم يحاولون أن ~~يطيعوا، وأن يرغموا غيرهم على أن يطيعوا، قوانين ثابتة. أما إذا ~~عمل كل امرئ بحرية ما أراد فعلا أن يفعله في كل لحظة من اللحظات، ~~وإذا تحرر الناس جميعا تحريرا كاملا من الأهواء والتعصب ~~والجهل، فهم عندئذ يتصرفون تصرفا عاقلا؛ فإن الرجل العاقل لا ~~يحب أن يؤذي غيره، أو أن يجمع من السلع أكثر مما يستطيع أن ينتفع ~~به، أو أن يغار من إنسان أدى عملا لا يستطيع أداءه. واستطرد ~~جدوين في هذا المبدأ، مبدأ الفوضى الفلسفية، حتى لقد عارض في وجود ~~قائد للأوركسترا يوجهها توجيها زمنيا، باعتبار ذلك صورة من صور ~~الاستبداد بالعازفين استبدادا لا مبرر له، فإذا ما ترك العازفون ~~وشأنهم فإنهم يضربون نغمة طبيعية، ويؤدون أداء أفضل بغير ~~قائد. # وقد بدت الفوضى دائما - حتى باعتبارها مثلا من المثل - غير ~~معقولة عند أكثر الناس، ولكنا - برغم ذلك - لا يجب ألا نلفظها ~~باعتبارها عديمة الأهمية. نعم إنها تقف إذا تطرفت عند حد الجنون، ~~ولكنها عامل أساسي في كثير من الآراء التي لا تبلغ هذه الدرجة من ~~التطرف، وقد كان لها دورها - كهدف وكنوع من الأمل الذي لا يرفض ~~كله - لا في ضروب عديدة من الاشتراكية فحسب، وإنما في ديمقراطيتنا ~~ذاتها. وهي كمثل من المثل تحتفظ بحيويتها بطريقة ما في عالمنا ~~هذا الذي يخضع لقدر كبير من الحكم. # وهناك - على أية حال - طريق أفضل تمهيدا سلكه أكثر المنحازين ~~لجانب التحرر، وهو طريق له فروع كثيرة، لبعضها طريقة غير مستقيمة ~~تميل بها بغتة نحو الطرف الآخر المقابل، طرف السلطة، ولا بد لنا من ~~فحص دقيق لوثيقة من الوثائق الشهيرة في تاريخ الفلسفة السياسية ~~البحت، وهي وثيقة «العقد الاجتماعي» التي نشرها روسو في عام 1762م. ~~وقد ثار الجدل حول هذه الرسالة ms449 الصغيرة أجيالا، ويجدها بعض القراء ~~أساسا وثيقة تعزز جانب الحرية الفردية، ويجدها آخرون في جانب ~~الجماعية المحكية، وسابقة من السوابق العقلية للحكم الجماعي الشامل ~~في العصر الحديث. # إن روسو في صميمه يتناول مشكلة الطاعة السياسية. وأعماله الأولى، ~~وكل اتجاه ميوله، تهدف إلى ما أسميناه الفوضى. وفي عبارة رنانة ~~افتتاحية يقول: «يولد الإنسان حرا، ولكنه يكبل بالأغلال في ~~كل مكان.» لماذا؟ الجواب عند روسو هو أنه اضطر إلى استبدال حالة ~~المدنية بحالة الطبيعة (ولا يهمنا «لماذا» تخلى عن حالة الطبيعة؛ ~~فقد ذكرنا من قبل أكثر من مرة أنه لا يوجد جواب منطقي مقنع لمشكلة ~~الشر). إن الإنسان لم يطع أحدا في حالة الطبيعة، أو إن شئت فقل ~~إنه أطاع نزواته الشخصية ورغباته. أما في حالة المدنية فلا بد له ~~من طاعة الأوامر التي يعرف أنها لا تنبعث مباشرة من دخيلة نفسه، ~~فإن كان مثلا رقيقا تحتم عليه أن يطيع شخصا مثله، وهي تجربة ~~مهينة لا تسر النفس، بل هي تجربة في الواقع غير طبيعية وغير ~~إنسانية. وحتى المجتمعات التي كانت قائمة في القرن الثامن عشر كان ~~عليه أن يطيع قوانين لم يعاون قط في وضعها، ورجالا لم يعاون ~~قط في اختيارهم حكاما له. فأين المخرج؟ # ربما لاحظتم أن روسو يحاول أن يحلل العوامل السيكولوجية للطاعة ~~كما يحاول أن يحث قراءه على التفرقة بين الطاعة الطيبة والطاعة ~~السيئة، في آن واحد. وإذا استخدمنا وسيلة للإيضاح ربما لم يكن ~~بوسعه أن يلجأ إليها، ولكنها وسيلة تلائم عصرنا الحاضر، قلنا إن ~~الناس لا يطيعون في الواقع - حتى في الحياة السياسية المألوفة ~~العادية - إلا إذا أمكنهم أن يشعروا أنهم لا يطيعون إرادة «بشرية» ~~أخرى، كطاعة العبد لسيده، وإنما يطيعون إرادة أعلى من نوع ما يمكن ~~أن تعد إرادتهم جزءا منها. وهذه الإرادة يسميها روسو «الإرادة ~~العامة». وهذه الإرادة العامة بالنسبة للاسميين من جميع الوجوه - ~~وبطبيعة الحال - مجرد خيال. بيد أن كل من ارتبط ارتباطا عاطفيا ~~بمجموعة من المجموعات، من الأسرة إلى الكلية إلى الأمة، لا ms450 يسعه ~~إلا أن يدرك لمحة مما يتحسس روسو إليه الطريق. إن الإرادة العامة ~~عند روسو يخلقها العقد الاجتماعي. والعقد الاجتماعي عنده يسير على ~~نمط هوبز، من حيث إن كل عضو من أعضاء المجتمع يدخل في التعاقد مع ~~كل فرد آخر، ولكن المجموعة الناتجة عن ذلك لا تحول الحكم إلى ملك ~~مطلق كما أراد هوبز، وإنما تعامل أية سلطات حاكمة باعتبارها ~~عميلات لها، يمكن إعفاؤها من الحكم كلما رأت الإرادة العامة أن هذا ~~الإعفاء هو أفضل الأمور. # ولكن كيف يتسنى لهذه الإرادة العامة أن تعرف بنفسها؟ إن إرادة ~~الفرد يمكن إدراكها بمراقبة ما يفعل، ولكن من ذا الذي شهد ~~«الولايات المتحدة» أو استمع إليها؟ أي معنى يكون ل «إرادة الشعب ~~الأمريكي» عند أولئك الذين لا تخدعهم الميتافيزيقيات المثالية، ~~وإنما يريدون أن يشهدوا أو يسمعوا أو يدركوا بأية صورة من الصور؟ ~~ثم إذا كان المرشح في انتخاب وطني يحصل على خمسة وخمسين في المائة ~~من مجموع الأصوات، وإذا كان غيره يحصل على خمسة وأربعين في المائة، ~~ألا تستطيع أن تقول إن المرشح المنتخب يمثل «إرادة الشعب ~~الأمريكي»؟ أو إذا كان الكونجرس ينتخب انتخابا حرا صحيحا، ~~ألا تمثل أصواته إرادة الشعب؟ # لو سئل روسو هذا السؤال الثاني لأجاب بالنفي القاطع؛ فكان يعتقد ~~في الديمقراطية المباشرة، كما كانت الحال في المدينة الحكومية ~~اليونانية، أو في مقاطعة سويسرية صغيرة، وكان يرى أن قطرا كبيرا ~~مثل فرنسا لا يمكن أن يكون شعبا واحدا ذا مصلحة مشتركة وإرادة ~~عامة. وهذا الإنكار لأن القطر الواسع يمكن أن يكون دولة صحيحة ليس ~~إلا صورة ملتوية لتفكير روسو، ومثالا شائقا لنوع من أنواع ~~الإخلاص الذي ساد في عهد النهضة للأشكال الكلاسيكية، شيئا يشار ~~إليه دائما عند التعليق على روسو، ولكنه ليس بذي أهمية كبرى. أما ~~بالنسبة إلى السؤال الأول، فلو فرضنا أنه يقر بأن أمة من مائة ~~وخمسين مليونا يمكن أن تكون أمة، فإن روسو كان يقدم جوابا ~~غامضا. يقول: «نعم» إذا كان المرشح الذي يحصل على خمسة وخمسين في ms451 ~~المائة من الأصوات يمثل «حقا» الإرادة العامة للولايات ~~المتحدة، ويقول: «لا» إذا كان لا يمثل هذه الإرادة. وكثيرا ما ~~أهمل الناس تفسير روسو وحسبوا أنه يؤيد النظرية التي تقول إن ~~إرادة الأغلبية دائما على صواب، والواقع أنه لم يقل بمثل ~~هذا. # وينبغي لنا أن نضيف اصطلاحا جديدا لروسو فوق قوله: «إرادة ~~الفرد» و«الإرادة العامة»، وذلك هو «إرادة الجميع». عندما تصدر ~~جماعة من الجماعات قرارا ما بأي شكل من الأشكال، بالتصويت أو ~~التصفيق أو حتى بصك الدروع كما كانوا يفعلون في إسبرطة، فإن ~~الإرادة العامة تكون موجودة إذا كان القرار «صحيحا»، في حين أن ~~إرادة الجميع، وهي مجرد المجموع الآلي لإرادات الأفراد الأنانيين ~~غير المتنورين إنما تكون موجودة إذا كان القرار «باطلا»، ولكن من ~~ذا الذي يقرر الصحة والبطلان؟ إننا هنا نبلغ نقطة بلغناها من ~~قبل، وهي نقطة يحس عندها كثير من الكائنات البشرية بالحيرة ~~اليائسة. ومن الجلي أنه ليس هناك اختبار كيموي يميز بين الصحيح ~~والباطل. وأنت لا تستطيع أن تقوم ب «عملية» اختبار علمي تميز بها ~~بين الإرادة العامة وإرادة الجميع. ويكتب روسو كأنه يعتقد أن ~~المجموعة الصغيرة، كاجتماع في إحدى مدن إنجلترا الجديدة، يكون قرار ~~الأغلبية فيها في الواقع بعد مناقشة حرة مستفيضة صورة تعكس «إحساس ~~المجتمعين»، ويكون ممارسة للإرادة العامة. ولكن الأمر لا يتحتم أن ~~يكون كذلك؛ لأن الاختبار النهائي اختبار يتعلق بالإيمان، ويجاوز ~~الظاهر. # وقد تجد هذا الذي عرضناه مربكا ومغرقا في الفلسفة، بمعنى غير ~~مستحب. ولكنك حتى إن رفضت أن تسير مع روسو في ميتافيزيقيات الإرادة ~~العامة، تستطيع أن ترى أنه يتلمس حقيقة سيكولوجية عميقة؛ فهو يلاحظ ~~في المجتمع الديمقراطي الحر أن أولئك الذين عارضوا في أول الأمر في ~~إجراء مقترح يقبلونه طوعا عندما يتضح لهم أنه يمثل الإرادة ~~العامة؛ أي إن الخمسة والأربعين في المائة تقبل رغبات الخمسة ~~والخمسين في المائة باعتبارها «في الواقع»، وللأغراض العملية، ~~رغبات المائة في المائة كلها. وبالرغم من أن هذا قد يبدو كلاما ~~عاطفيا لكثير من الأشخاص الذين يتصفون ms452 بالصلابة المقصودة، إلا ~~أنه ليس هناك في الواقع ديمقراطية حية إلا إن وجد شيء يشبه هذه ~~العملية. وقد لا نرضى تماما عن انتخاب الرجل الذي عارضناه تحقيقا ~~ل «إرادتنا الفردية». ولكننا إن رفضنا قبول هذا الانتخاب أمسينا ~~عصاة. وإذا تكونت منا جماعة تقف هذا الموقف أضحينا فيما يشبه ~~جمهورية من جمهوريات أمريكا اللاتينية في أسوأ صورها التي تبعث على ~~السخرية، لا في ديمقراطية مستقرة. وإذن فإن القبول الخيالي لشيء ~~يشبه ما يعنيه روسو - في بعض الأوقات على الأقل - ب «الإرادة ~~العامة» يبدو أمرا ضروريا لاستقرار أي مجتمع حر. # وإنما يقع غموض روسو الأكبر بعد ذلك بخطوة. إنني عندما أوقع ~~على العقد الاجتماعي (حتى إن كان ذلك مجازا بمولدي في مجتمع ما) ~~أتخلى عن حريتي الطبيعية البسيطة، وأحصل لقاء ذلك على الحرية ~~الكبرى، حرية طاعة الإرادة العامة، فإن لم أفعل كنت من عصاة الحق، ~~وكنت في الواقع عبدا لإرادتي الذاتية. وإرغامي على الطاعة في مثل ~~هذه الحالة هو في الواقع تحرير لي، ويعبر عن ذلك روسو بوضوح ~~فيقول: ~~«وإذن فلكيلا يكون التماسك الاجتماعي مجرد صيغة عابثة، لا بد أن ~~يحتوي - حتى إذا لم يكن ذلك ~~بالنص - على الشرط الوحيد الذي يستطيع وحده أن يكسب الكل قوة - ~~أعني أن كل من يرفض طاعة الإرادة العامة يجب أن يكره من مجموع ~~زملائه المواطنين على الطاعة، ولا يعدو ذلك قولنا إنه قد يكون من ~~الضروري أن نرغم الفرد على أن يكون حرا ...» # لقد بعدنا كثيرا عن الميل نحو التحرر الذي بدأنا به، والحجة ~~(أو التشبيه) واضحة جدا في الواقع، تقف إلى جانب كل من يريد ~~أن يدفع عن وضع القيود على حرية الفرد. وقد تحولت على أيدي مفكرين ~~عديدين من أمثال كانت وهردر إلى عقيدة جرمانية عادية، واستخدمتها ~~السلطات الجرمانية على صورة من الصور لتبرير الطاعة. وقد كانت ~~دائما تبدو للأوروبيين الغربيين والأمريكان على شيء من الخطر، ~~وكأنها تضحي بالفرد كلية في سبيل الدولة. ولكن متابعة روسو لتحليله ~~إلى الحد الذي يجعل عنده إرادته ms453 العامة سيدة لا توصم بالخيانة ~~مثال شائق لما يمكن أن يبلغه العقل البشري، إذا سار على طريق الفكر ~~المجرد. وقد كان روسو كشخص - شاذا، فرديا، رجلا اعتراضاته ~~العاطفية الأساسية على ضغط النظام من أي نوع كان على الفرد تذكرنا ~~بثورو. ولكنه برغم ذلك أحد المبشرين بالمجتمع الجماعي ~~الحديث. # إن وراء هذا الغموض في «العقد الاجتماعي» خصيصة من تلك الخصائص ~~المتطرفة نستطيع أن نستخلصها من بين الخبرات الكاملة لأبناء القرن ~~الثامن عشر. إن الشاب المتحمس لحركة التنوير في الثمانينيات من ~~القرن الثامن عشر لم يمزق أفكاره كل هذا التمزيق الذي نحاول أن ~~نفعله. كان هذا الشاب ضد النظام القائم، وضد التقاليد، وضد ما ~~أسماه الخطأ والخرافة. وكان يؤيد الطبيعة، والعقل، والحرية، ~~والإدراك العام؛ لأن كل ذلك كان بالنسبة إليه جديدا يدعو إلى ~~الأمل في هذا العالم المتقدم. ولكن ما الذي شكل الأشياء ~~الجديدة الأفضل التي تدعو إلى الأمل، الأشياء التي كانت سوف ~~تحل محل القديم؟ إن الصيغة التي التقينا بها حتى الآن هي ~~«العقل»، أو نوع التفكير الذي اتصف به نيوتن، ونوع التفكير الذي ~~كان يتصف به «المتفلسفون». ولكنا - مع اقتراب القرن من نهايته - ~~نبدأ في لقاء ألفاظ جديدة، أو ألفاظ قديمة مع التأكيد على معان ~~خاصة، نلتقي بأمثال هذه الألفاظ: الحساسية، الحماسة، الإشفاق، ~~القلب. وشيوع روسو شيوعا عظيما بعد عام 1760م نرى القلب يتقدم ~~وحده لمعارضة الرأس. إن العقل لن يصبح بعد ذلك هو المرشد، أو ~~المهندس الذي يرسم العالم الجديد، وإنما تهدينا العاطفة، والشعور، ~~إلى الطريقة التي نعمل بها معا لنبني من جديد. ويبدأ العقل في أن ~~يكون محلا للارتياب. # إذا كان العقل المجرد يتحكم وحده في الفكر، # فسوف يعيش محصورا في أنانية خسيسة، # يتحرك في دوامة واحدة، منفصلا وحيدا، # لا يحس مصلحة أخرى غير مصلحته. # وسوف نرجئ إلى الفصل القادم النظر في الحركة الرومانتيكية، التي ~~تصدرها في القرن الثامن عشر روسو وكتاب إنجليز من أمثال ~~شافتسبري، حتى أصبحت أحد العناصر الرئيسية في نظرة القرن التاسع ~~عشر إلى الحياة. ms454 ولكن لكي نفهم حركة التنوير المتأخرة لا بد لنا من ~~أن نلاحظ أن هذا التحول نحو العاطفة أكسب بعض الأفكار، ك «الطبيعة» ~~لونا يختلف جد الاختلاف عن لون «الطبيعة» في العالم الآلي ~~النيوتوني. لم تعد الطبيعة بذلك الوضوح السابق، أو ذلك النظام، ~~أو على تلك الأسس الرياضية. إنما كانت بالمعنى الذي تحمله ~~«الطبيعة» لأكثرنا، العالم الخارجي الذي لم تمسه يد، أو الذي ~~مسته يد الإنسان مسا خفيفا، عالما لم تشذب أطرافه، ولم ~~يستأنس ، متوحشا، تلقائيا، لا يقوم البتة على أسس رياضية. ~~وتهمنا هنا المقتضيات السياسية لهذا التحول في الأساس من الطبيعة ~~الكلاسيكية إلى الطبيعة الرومانتيكية. # وقد ترى - وأنت مصيب فيما ترى - أن الانقسام الثنائي بين العقل ~~والعاطفة، أو بين الرأس والقلب، نوع من أنواع الصيغ المألوفة في ~~التفكير السقيم. إن التفكير والشعور ليسا عملين من أعمال الكائنات ~~البشرية لا ينفصلان؛ ذلك أن أفكارنا وعواطفنا تنصهر فيما نكون من ~~آراء. غير أن التفرقة - برغم ذلك - تستحق التوضيح، لمجرد أن تكون ~~أداة من أدوات التحليل. وإليكم مثالا طيبا ملموسا من أواخر ~~القرن الثامن عشر، يتضمن مشكلة ما زلنا نجابهها. استطاع ~~الاقتصاديون المحترفون - وقد باتوا الآن جماعة معترفا بها، جماعة ~~لها نظامها المحترم وإن يكن نظاما جديدا - أن «يثبتوا» أن معونة ~~الفقراء والصدقات التي تقدم للمنتفعين بها المأوى ونفقات ~~الأسرة، أمر سيئ لكل إنسان، حتى للمنتفع ذاته. ولما نشر مالتس ~~«مقالة في مبادئ السكان» في عام 1798م كانت الحجج التي أدلى بها ~~الاقتصاديون قد تشكلت، فقيل إنك كلما خففت عن الفقير رزءه، زاد ~~إنجابه للأطفال، وقل ما يصيب العمال، وساءت حالهم جميعا. والتقط ~~النفعيون هذا الرأي، وعاونوا على وضع نظام لإعانة العمال في ~~بريطانيا يقضي بعزل الفقراء المعانين عن الجنس الآخر في بيوت خاصة ~~بهم لا تسر الناظرين. والمنطق الكامل ربما أدى إلى التخلي عن ~~الفقراء حتى يموتوا جوعا إذا لم يستطيعوا أن يكسبوا عيشهم، غير أن ~~الغرب لم يتبع قط هذا المنطق، حتى إن كان من بين المشتغلين فيه ~~بالاقتصاد. # ولسنا بحاجة ms455 إلى أن نناقش ~~هل تفكير الاقتصاديين في هذا الأمر هو في الواقع مما يتفق مع ما ~~يعني «العقل» في تقاليدنا؟ وإنما المهم هو أنهم كانوا يزعمون أنهم ~~يسيرون وراء العقل - وقد قبل خصومهم ما زعموا. وقال الخصوم شيئا ~~كهذا: «إننا لا نستطيع أن نرى موضع الخطأ في سلسلة تفكيركم، ولربما ~~ارتفع مستوى العنصر البشري إذا تطهر من العاجزين ولكنا لا نستطيع ~~أن نقبل حجتكم. إننا نأسف لحال الفقير. ونحن نعلم أنكم على خطأ ~~لأننا نحس أنكم على خطأ. ربما كان الفقير كسولا، ينقصه التدريب، ~~شاذا، عاجزا، غير أن ...» ومن الممكن أن يطرد الدفاع إلى ما لا ~~نهاية، وحتى إن تولاه أخلص المتحيزين لشعور القلب فلا بد أن يتعثر ~~في الحجة، وفي التفكير. أي إن الفقير يلقى دفاعا عن حقه في الحياة ~~الطيبة، ودفاعا عن وقوعه في الفقر فعلا لأن الفرصة لم تتح له ~~قط (وهي حجة المنادين بأثر البيئة). وربما أدلى أحد المدافعين ~~بالحجة الحديثة - كما فعل روبرت أوين - وهي أن رفع مستوى معيشة ~~الفقراء معناه زيادة الطلب على الإنتاج الصناعي الضخم، وإمكان ~~اطراد التقدم الاقتصادي. ولكن الحجة الأساسية بقيت كما كانت، ~~وهي: أننا «نحس» أن معالجة الأمر بإنشاء بيوت العمال فيه قسوة ~~شديدة. # وأقول مرة أخرى بوجه عام إن المشايعين للعقل مالوا في أخريات ~~حركة التنوير إلى تدعيم جانب الاستبداد المستنير، والتخطيط، ~~والتسلط. أما المشايعون للقلب فكانوا يميلون إلى تدعيم جانب ~~الديمقراطية، أو على الأقل جانب الحكم الذاتي عن طريق الحرية ~~الفردية: والتلقائية «الطبيعية» من جانب عدد كبير من أبناء الطبقة ~~المتوسطة، ولكن هذين الموقفين - عندما ذكرنا آنفا عند إظهار أوجه ~~الخلاف بين التفكير والشعور - لا ينفصلان، وإنما يتحدان بقوى ~~مختلفة في نظراتنا السياسية. # ولطالما بلبلت هذه الصعوبة التي عرضناها تفكير الرجل الأمريكي ~~الذي ننعته ب «التقدمي» أو «المتحرر». ذلك أن عواطفه - يعززها ~~التقليد الديمقراطي الأمريكي - تنحاز بشدة إلى جانب الثقة في ~~الناس، فيسمح لهم بإصدار القرار بعد المناقشة الحرة، ويسمح لهم ~~بإظهار صفة الحق التي يملكها عامة الناس ms456 في الجماعات التي ~~يؤلفونها. إنه يريد أن يؤمن بالشعب، وأن يثق بحكمه، غير أن عقله - ~~من ناحية أخرى - تعززه عادات التفكير عند المثقفين من الأمريكيين ~~يرشده إلى أن رجل الشارع يؤمن بالخرافة، منحط الذوق، عاجز عن ~~التفكير الموضوعي من أي درجة من درجات التعقيد، تسوقه دوافع غير ~~كريمة أو مستحبة. ودعنا مرة أخرى نقدم مثالا محسوسا: إن حزب ~~الأحرار يرى أن قلة من السياسيين المحافظين الأشرار، ومن الأثرياء، ~~ومن المثقفين المضللين، مسئولة عن جيم كرو في الجنوب. ولكن شيئا ~~ما يلح عليهم أن العدو الحقيقي لهذا الزنجي هو مجموعة البيض، ~~وبخاصة الفقراء منهم، ومن ثم فهم يحتجون بأن الرجل الأبيض ~~الفقير إنما يخشى الزنجي بسبب النظم الاقتصادية. وحتى عندئذ ~~نراهم عندما يعالجون مشكلة بعينها يجابهون سؤالا واقعيا، وهو: ~~هل تثق أو لا تثق بحكمة الرجل العادي وحسن نيته؟ وهم لا يستطيعون ~~الإجابة الأكيدة عن هذا السؤال. ولهذا التردد جذور تاريخية عميقة، ~~ترجع على الأقل إلى عصر التنوير. # حركة التنوير والتقاليد المسيحية # إن آراء حركة التنوير، سواء أكانت صادرة عن العقل أم عن القلب، ~~أم عن كليهما متضافرين، كانت تعمل بجلاء على هدم النظم القائمة. ~~وإذا نحن وافقنا على حكمة بيكون «بأن دقة الطبيعة أعظم أضعافا ~~مضاعفة من دقة الحواس والفهم» وجدنا أن أية محاولة إنسانية للتفكير ~~في النظم الاجتماعية لا بد أن «تبسطها». ويتمخض عن ذلك نمط واضح، ~~أو مخطط، إذا قورن به الواقع وجدناه دائما أشد تعقيدا، ومن ~~ثم أقل كمالا عند صنوف كثيرة من المفكرين. وفي عبارة أبسط ~~نستطيع أن نقول إن أي إنسان تقريبا يستطيع أن يفكر في طريقة أفضل ~~من الطريقة الواقعية في أداء الأشياء - كإدارة ناد من النوادي، أو ~~رسم منهج تعليمي، أو تدريب فريق لكرة القدم، أو إدارة مصلحة ~~حكومية - ويستطيع كناقد أن يشير إلى مواضع النقص فيما يؤدي فعلا. ~~إنك إذا اعتقدت بوجه خاص أن كل الشئون الإنسانية لا بد أن تدار ~~بمثل ما في أفضل التفكير ~~الرياضي من دقة ووضوح، وإذا أنت ms457 تعمقت ديكارت ونيوتن ولوك، فقد ~~تكون أشد النقاد هدما لما يجري حتى في عصرنا الحاضر، وربما استطعت ~~أن تجد في عام 1750م مواضع للنقص، والانحراف، وبقايا غير معقولة ~~تخلفت عن العصور الوسطى، أكثر مما تجد الآن. فلا يبدو لك مبدأ ~~التثليث غير معقول فحسب، وإنما يصدم رغبتك الملحة في الإصلاح كذلك ~~اختلاف المكاييل، وقيمة العملة من مدينة إلى أخرى. # والواقع أن المفكرين في القرن الثامن عشر لهم سمعة ك «نقدة ~~هدامين» فيها شيء من المبالغة ، وهم يتهمون خاصة بانصرافهم إلى ~~التفكير المجرد على حساب الاهتمام بالتفصيلات التجريبية. وبعدما ~~صدمت الثورة الفرنسية العالم المتمدن بعنفها بات من التفكير العصري ~~في الدوائر المحافظة، بل وفي الدوائر الشعبية، إلقاء اللوم على ~~فلاسفة القرن الثامن عشر لهدمهم النظام القديم بنظراتهم الناقدة ~~ولقلقلتهم كل شيء عن مكانه. وفي هذا العدم ظهرت ميول الكائنات ~~البشرية الحقيقية ونقائصهم التي أهملها فلاسفة القرن الثامن عشر ~~لانشغالهم بحقوق الإنسان المجرد. وتزعم حركة الهجوم على فلاسفة ~~التنوير إدمند بيرك، واستطرد فيها كثير من كتاب القرن التاسع عشر ~~مثل تين الذي أخذ على الثورة الفرنسية «روحها الكلاسيكية» المجردة ~~المبسطة، ولخصت فطنة الفرنسيين الشعبية هذا الموقف بوضوح بقولها: # إنها غلطة فولتير ... # إنها غلطة روسو ... # إننا لا نستطيع هنا أن نستطرد في الحديث في هذا الموضوع الشائك، ~~الذي أضحى محلا للجدل الكلاسيكي بشأن مكانة الأفكار في التاريخ، ~~والتأثير النسبي لنوع التفكير الذي قام به فلاسفة القرن الثامن ~~عشر. إننا نميل اليوم إلى الشك فيما إذا كان ما كتبوه قد يضعف ~~مجتمعا قويا منظما من نواحيه الأخرى. إننا نميل إلى أن نعده ~~«أعراضا» للانحلال الاجتماعي أكثر منه أسبابا مبدئية له. غير أنه ~~مما لا شك فيه أن ما كتبوه ساعد على تجميع العقول وتوحيدها فيما ~~يتعلق بمشكلات لولا ذلك لأثارت معارضة في مناسبات مختلفة ومن حين ~~إلى حين. لقد شحذ فلاسفة عصر التنوير إحساس الناس بالضيم، وذلك ~~بإحالتهم دائما إلى معيار معين للحق والباطل، وإلى مقياس يضخم ~~هذا الضيم ويظهر شدته. # والواقع أن ما ms458 يهمنا الآن سؤال ضخم في الواقع، وهو سؤال لا ~~نستطيع أن نجيب عنه إجابة كاملة، وذلك السؤال هو: ما الصلة بين هذه ~~النظرة العالمية التي رآها القرن الثامن عشر والمسيحية التقليدية؟ ~~ومرة أخرى أقول إنه من السهل أن نجيب عن هذا السؤال بتأكيد مطلق ~~للانطباق بينهما، أو لاختلافهما اختلاف النقيض مع النقيض. وقد ~~تقدمت بالفعل إجابات كهذه. وبدت حركة التنوير لرجال من أمثال ~~بيرك، وجوزيف دي ميستر، ولكل من يركز اهتمامه بالمبدأ الذي ~~ساد في القرن الثامن عشر، المبدأ القائل بأن الخير الطبيعي والعقل ~~السليم عند الإنسان هرطقة أساسية، ضد المسيحية في صميمها كما كانت ~~كذلك على ألسنة المناهضين الأشداء لرجال الدين من أمثال هلباخ ~~وهلفيشيس. ولكنها عند أناس من أمثال الاشتراكيين المسيحيين في ~~القرن التاسع عشر، أو عند رجال الدين الأحرار الأمريكيين المعاصرين ~~- جون هاينز هولمز على سبيل المثال - حركة امتداد أو تحقيق لما ~~قصدت المسيحية إليه. والحقيقة هنا مرة أخرى أمر معقد؛ لأن النظرة ~~العالمية لحركة التنوير، التي نعد أنفسنا نحن الأمريكيين ~~ورثتها الرئيسيين وممثليها، تحتوي على عناصر مسيحية وعناصر غير ~~مسيحية على السواء، مختلطة في كل يعد جديدا في مجالات ~~النظرات العالمية. # وقد يكون من الضروري عند هذه النقطة أن نحذر القارئ بكلمة ~~يسيرة. إن لفظة «متشكك» تطبق أحيانا تطبيقا غير مضبوط على ~~رجال أمثال فولتير، وعلى كتاب الموسوعة الفرنسية الكبرى، وعلى ~~النظرة التي أسميناها التنوير بأسرها. وهذا بطبيعة الحال سوء ~~استخدام للكلمة. فإن مزاج القرن الثامن عشر لم يكن متشككا. نعم ~~إنه ضد رجال الدين، وضعي، مادي في حالات التطرف. ولكن «فلاسفة» هذا ~~القرن - إن كانوا يؤمنون بالمسيحية التقليدية - آمنوا بعالمهم ~~الطريف. وهناك بطبيعة الحال مجموعات كبيرة من الناس، بل ومن ~~المثقفين، لا يتشككون قط ولا يكون التشكك أبدا حركة شعبية. وقد ~~كانت حركة التنوير حركة شعبية فكرية على نطاق واسع، وهناك خيط دقيق ~~من الشك الفلسفي الحقيقي امتد منذ عصر الإغريق، وإن كان يتقطع في ~~العصور الوسطى. ويعود الخيط إلى الظهور مرة أخرى في عصر ms459 النهضة. ~~ويبدو في شخص مونتيني أشهر المتشككين من الأدباء وأبعدهم ~~صيتا. # وكان هناك في الواقع في القرن الثامن عشر فيلسوف محترف مشهور، ~~وهو دافيد هيوم الاسكتلندي، الذي سار بالمعضلة الديكارتية التي ~~تتعلق بالفكر والمادة إلى حد بدأ معه الشك بالتأكيد. كان هيوم ~~أحد المتسائلين المدنيين عن الوحي - ولا يزال هجومه على المعجزات ~~أحد الأسلحة التي يلوذ بها خصوم المسيحية - وكذلك عن مذهب إثبات ~~وجود الله مع إنكار الوحي، أو «الديانة الطبيعية»، ولكنه كان كثير ~~الصحاب في هذا اللون من النشاط. وهو أكثر ابتكارا عندما يتساءل عن ~~الصدق - بمعنى اليقين الثابت المطلق الميتافيزيقي - صدق الأحكام ~~العامة التي وصل إليها رجال العلم. إن العقل عند هيوم ذاتي ~~كالحواس، أو هو على الأقل نقل أو تقرير للواقع على صورة لا يمكن ~~التثبت من صحتها في نهاية الأمر، ولقد وجد هيوم - كغيره من ~~المتشككين في قدرات الناس العقلية والخلقية - في التقاليد والعادات ~~والعرف أساسا أثبت للحياة فوق هذه الأرض. وهكذا انتهى إلى موقف ~~يناقض موقف أهل زمانه بشكل فريد - إذ كان يعتقد في القديم دون ~~الجديد، ومع ذلك فقد تحسبه من «فلاسفة» هذا القرن عند قراءته؛ إذ ~~كانت في أسلوبه لمسة القرن الثامن عشر، وهو يعترف بمكانة العاطفة ~~في أعمال الناس، وإن يكن ذلك في غير حماسة بشكل فذ فريد. إن هيوم ~~لم يكن في صميمه ذلك المتشكك بمقدار ما كان ذلك المتعقل الذي ~~مل التعقل. # ولست بحاجة إلى أن أكرر القول فيما أبرزت في مناسبات أخرى، ~~وهو أن روح حركة التنوير كانت معادية للديانة المسيحية المنظمة. ~~ويقول توماس جفرسن: «إن القسيس في كل بلد وكل عصر من أعداء الحرية. ~~وهو دائما حليف الحاكم المستبد، يعينه على سيئاته في نظير حمايته ~~لسيئاته هو الآخر.» ويستعمل جفرسن هنا لفظ «القسيس» بطبيعة الحال ~~بمعنى عام ليدل به على أي رجل من رجال الدين. وليس في عبارته ~~مبالغة قط، وإنما هي تقع موقعا وسطا بين فولتير من ناحية عندما ~~يقول: «دعنا نلتهم بعض الجزويت» (وهناك من التطرف ms460 ما هو أشد من ذلك ~~افتراسا) و«الديانة الطبيعية» من ناحية أخرى، أو مذهب الاعتقاد في ~~الله مع إنكار الوحي الذي أخذ به بعض الكاثوليك من أمثال إسكندر ~~بوب. إن نار حركة التنوير كانت أوضح ما تكون اشتعالا عندما تهاجم ~~المسيحية. # وقبل أن ننتقل إلى المشكلة الأساسية، وهي ما مقدار ما تبقى من ~~المسيحية في حركة التنوير، وإلى أي حد عاشت المسيحية في هذا ~~الإيمان الجديد، لا بد لنا من العلم بأن كثيرا من الجماعات ~~المسيحية في ذلك الحين - بل واليوم - سارت على الدرب القديم، ترد ~~الهجوم أحيانا على صفحات الجرائد ومن فوق المنابر، وتعيش أحيانا ~~عيشة لا تتأثر بالآراء الحديثة. وأدب القرن الثامن عشر في الغرب ~~يميل بدرجة ساحقة نحو جانب حركة التنوير الجديدة. والأسماء التي ~~نذكرها - من بابل وفولتير إلى جفرسن وبين - كانت تتجه نحو الهجوم. ~~غير أن جماعات صغيرة كالبولانديست ظهرت خلال القرن وعاشت عيشة ~~القديسين، وقامت بتدوين التاريخ الذي ينطوي على النقد وإن كان ~~أساسه الورع. وواصلت الكنائس القائمة في أداء مهمة التعليم ~~وإقامة صلواتها العادية. وظلت الجموع الغفيرة وعدد كبير من أبناء ~~الطبقات الوسطى والأرستقراط خلال كل هذه السنوات ترعى التقاليد ~~المسيحية. # وظهرت في حركة «النظاميين» و«الورعين» في بريطانيا ومستعمراتها ~~الأمريكية وفي ألمانيا صورة جديدة من البروتستانتية لا تميل البتة ~~إلى الناحية العقلية. وكانت هذه الحركات إنجيلية من حيث رغبتها في ~~إقامة السلام على الأرض وتنفيذ ما أمر الله به. واتجهوا في نهاية ~~الأمر كما فعل كثير من المسيحيين في الأزمنة الحديثة نحو أهداف ~~إنسانية، ولكنهم أبقوا على فكرة العالم الآخر الأساسية التي سادت ~~التقاليد المسيحية. ولم يكونوا البتة ثائرين في نظرياتهم ~~الاجتماعية والسياسية. ونحن نستطيع في الواقع أن نذكر عرضا - ~~كمثال لنوع التعميم الذي فيه مغامرة كما فيه إيحاء، وهو التعميم ~~الذي يستطيع المرء أن يستمده من تاريخ الفكر - أن المؤرخين من ~~أمثال ليكي وهالفي آمنوا بأن شعبية النظاميين بين الطبقات ~~البريطانية الدنيا كانت عاملا من عوامل الاستقرار التي صرفتهم عن ~~نوع النظرة الثورية التي ms461 انتشرت بين الجماهير الفرنسية. # إننا - بإيجاز - نواجه في القرن الثامن عشر كما نواجه دائما ~~تقريبا في العالم الغربي ذلك المدى الفسيح من اختلاف الرأي، أو ~~ذلك «التعدد» فيه الذي تميزت به ثقافتنا. وكأن هذا التعدد يطرد في ~~الزيادة كلما اقتربنا من عصرنا؛ لأن الآراء القديمة التي تتمثل في ~~الجماعات القديمة تنضم إليها دائما آراء جديدة. وقل من هذه ~~الآراء ما يموت، وما يموت منها يستغرق وقتا طويلا جدا حتى ~~يختفي بتاتا. يقولون إنه لا يزال هناك إنجليز يعتقدون اعتقادا ~~جازما أن الوارث الحق لعرش بريطانيا هو أحد أبناء بيت ستيوارت، ~~الذي طرد إلى الأبد في عام 1688م. وإذن فحركة التنوير التي نجاهد ~~في فهمها ليست عقيدة جديدة كل الجدة تقتلع عقيدة أخرى قديمة كل ~~القدم. إنما هي سلسلة من التجارب، والاتجاهات، والنظرات، قديمها ~~وحديثها، وهي جزء آخر - ولكنه في غاية الأهمية - من الأجزاء التي ~~تتكون منها عصارة أو لب الثقافة الحديثة كما يرى العاشق المفتون ~~للسلام والبساطة. # وتستطيع أن تدرك دقة المشكلة؛ مشكلة مقدار ما في حركة التنوير ~~من المسيحية، إذا أنت وازنت بين نظرة سنت توماس أكويناس وآدم سميث ~~نحو الطبيعة والقانون الطبيعي. وهذه الموازنة تستحق أن تعقد؛ لأنه ~~من الميسور أن يقول المرء عند النظرة الأولى وطبقا للرأي التقليدي ~~إن آدم سميث باعتباره أحد رواد الاقتصاد الذي يقول بحرية العمل هو ~~على النقيض تماما من الاقتصاد التحكمي الذي يحدد الأسعار، ويمنع ~~الربا، وغير ذلك من نظريات العصور الوسطى في العلاقات الاقتصادية. ~~ومن السخف بطبيعة الحال أن نقول إنه ليست هناك فوارق بين أكويناس ~~وآدم سميث، غير أن سميث لم يكن فوضويا، ولم يكن يعتقد في الخير ~~الطبيعي عند الإنسان. وهو يدخل تعديلات كثيرة حتى على نوع الحرية ~~الاقتصادية لرجال الأعمال التي يجعلها صلب نظامه، وهو لا يسمح ~~بحرية التجارة إلى حد أن يترك قطرا من الأقطار بغير موارده ~~الضرورية في زمن الحرب. أما أنواع الرقابة الاقتصادية التي يعترض ~~عليها فهي الرقابة التي يراها مناقضة للطبيعة، وأسوأها كما يرى، ms462 ~~«الاحتكار»؛ فهو رقابة مصطنعة يستطيع الرأسمالي أو مجموعة ~~الرأسماليين الذين يميزهم القانون أن يفرضوها على محصول يمكن أن ~~يكون سعره بتطبيق قانون العرض والطلب على مستوى نافع للمجتمع ~~بقدر ما يمكن ذلك في عالمنا هذا؛ عالم العرق والندرة. هذا ~~الاحتكار هو في الواقع الرذيلة الأساسية في النظام التجاري الذي ~~كان يهاجمه. # كان سميث - كما كان أكويناس - يعتقد في «الثمن المناسب». وكان ~~كمثله يعتقد أن وراء العمليات الفوضوية في ظاهرها التي تتمثل في ~~البيع والشراء الفردي نظاما طبيعيا، يجب على الناس أن ينصاعوا ~~له. فإذا لم يفعلوا فذلك عند سميث وأكويناس على السواء في صميم ~~الأمر إنما يرجع إلى أن بعض الأفراد يحاولون في عناد أن يقلبوا ~~النظام الطبيعي لمصلحتهم القريبة الخاصة، ولكن النظام الطبيعي ~~قائم، ومن الآمال المسيحية المقبولة أن يتعلم الناس الخضوع له، ومن ~~الحق أن الطبيعة - عند أكويناس - تفرض رقابات اجتماعية معينة، تبلغ ~~في بعض الأحيان حد تحديد الأسعار، وهي رقابات رفضها سميت بالذات. ~~وكان الرجلان يؤمنان بوجود قدرة علاجية في الطبيعة. وهما يختلفان ~~في مقدار المعونة التي تحتاج إليها الطبيعة، وفي أفضل الطرق لتوجيه ~~هذه المعونة. إنهما يختلفان، ولكن الخلف بينهما ليس كاملا كما ~~يبدو في ظاهر الأمر، وإنما هو في طبيعة الطبيعة. ولكن أكبر شيء ~~«غير طبيعي» عند الطرفين هو الاحتكار، الذي يستطيع عن طريقه فرد ~~واحد أو مجموعة أفراد أن يسيطروا على السوق بطريقة يفيد بها ~~شخصيا من قحط مصطنع. # إن أوجه الشبه الشكلية بين المسيحية التقليدية وحركة التنوير لا ~~تنتهي عند حد؛ لأن كليهما مجهود يشارك فيه كثير من النساء والرجال ~~لتقديم نوع من أنواع المجموعات المنظمة للإجابة عن «المشكلات ~~الكبرى»، وكلاهما نظام من نظم القيم الخلقية، ونظم الوسائل ~~والغايات، أو إن شئت فقل إن كلا منهما دين من الأديان. ويظهر ~~كارل بكر أوجه المشابهة هذه ببراعة فائقة في كتابه «المدينة ~~السماوية لفلاسفة القرن الثامن عشر». والنقطة الرئيسية عند بكر هي ~~أن عقيدة حركة التنوير لها صورة دينية كاملة كصورة «الموت ويوم ~~البعث والجحيم ms463 والنعيم» محددة كهذا التحديد في المسيحية، لكل ~~منهما فردوس أمام الأعين هو الهدف من كفاحنا في هذه الدنيا. نعم إن ~~المدينة السماوية في القرن الثامن عشر مقرها الأرض، ولكن المهم هو ~~أنها تقع في المستقبل - أجل في المستقبل القريب عند رجال من أمثال ~~كوندورسيه، ولكن هذا الأمل مع ذلك لا يتحقق الآن في هذا المكان. ~~ومن الحق أن الناس سينعمون بهذا الفردوس بأجسادهم (ولكنا يجب أن ~~نذكر أن البعث ب «الجسد» والتمتع بالجنة هما من صميم العقيدة ~~المسيحية). وليس من المجدي أن نحاول بسط التفصيلات المحسوسة للحياة ~~في النعيم المرتقب، وربما كان الفردوس في حركة التنوير أكثر مادية، ~~وأقل روحانية من فردوس المسيحيين. غير أن الجانب الأساسي في هذه ~~الجنة وفي تلك هو انتفاء الشر، وخيبة الأمل، والروح والجسد - ~~كلاهما في النعيم في كلتا الجنتين، وربما كان هذا الذي ذكرنا ~~بالنسبة إلى كثير من المسيحيين - وإلى أكثر المسيحيين روحانية - ~~تصوير هزلي للفردوس. النشوة عند هؤلاء تفوق الوصف، وهي ليست مجرد ~~انتفاء لحالات معينة. ولكن أهدافهم - مع ذلك - كما هي في كل ~~الأهداف الصوفية - في نظر العين الخارجية، أو في نظر الرجل ~~الدنيوي، لا بد أن تخضع، بل تلغي، كل ما يجعل الحياة تستحق ~~العيش. ومن المؤكد أن الجنة بالنسبة لأكثر المسيحيين لا تعدو أن ~~تكون سعادة غامضة، ونهاية للكفاح، وللعوز. # والنتيجة في كلتا العقيدتين تخضع لسلطة أقوى من أي رجل بمفرده. ~~إن الناس يستطيعون أن يفهموا تدبير هذه السلطة وأن يكفوا أنفسهم ~~طبقا لها، بل إنه ليتحتم عليهم ذلك إن أرادوا بلوغ الجنة، ولكنهم ~~لا يستطيعون أن يغيروا من هذا التدبير. ومعنى ذلك أن الديانتين، ~~المسيحية وحركة التنوير، كلاهما يؤمن بالحتمية. وبالرغم من هذا ~~الإيمان فإن كليهما من الناحية العملية تخفف من حتميته بالنسبة إلى ~~الفرد قواعد خلقية تدعو إلى النضال في سبيل الحق وضد الباطل، وهي ~~قواعد تترك للفرد على الأقل توهم الحرية الشخصية. والنعمة ~~المسيحية توازي العقل الفلسفي، كما أن الخلاص المسيحي يوازي ~~الاستنارة الفلسفية. والموازنة حتى في ms464 أمور كالتنظيم والطقوس ليست ~~مصطنعة بأية حال من الأحوال. ويتبين ذلك في وضوح تام في السنوات ~~الأولى من الثورة الفرنسية التي نشبت في عام 1789م، عندما حذت ~~النوادي اليعقوبية - التي كانت تضم الأعضاء المؤمنين بالدين الحديث ~~- حذو الطقوس الدينية المسيحية إلى درجة تكاد أن تكون هزلية: ~~فكانت لهم أناشيدهم الجمهورية، ومواكبهم، وأعياد المحبة، ~~ومحاوراتهم بالسؤال والجواب لشرح مذهبهم، بل وكانت لديهم «علامة ~~الصليب الجمهورية». ومن الأمثلة الرائعة لبقاء الأشكال الدينية ما ~~نلمسه لدى المؤمنين علنا بوجود الله دون الوحي عندما يسترسلون في ~~الصلوات، كما كانوا يفعلون بين الحين والحين. والنقطة الرئيسية - ~~على أية حال - فيما يتعلق بالإله الذي يشبه صانع الساعات في نظر ~~المؤمن بوجود الله دون الوحي - هي أنه دفع العالم إلى الحركة طبقا ~~للقانون الطبيعي، ثم تركه بعد ذلك ليسير وفقا لما يضع العالم ~~لنفسه من قواعد. والدعاء لمثل هذا الإله يبدو عديم الأثر بصفة ~~خاصة، ولكنه في قلوب اليعقوبيين الفرنسيين الوطنيين يتحول في سهولة ~~ويسر إلى إله منتقم. # ومع ذلك فإن أهم ما يلفت النظر فيما تشترك فيه المسيحية ~~التقليدية وهذا الإيمان الجديد، إيمان حركة التنوير، هو الشعور بأن ~~الإنسان ليس نابيا في هذه الدنيا؛ فهي دنيا خلقت - بمعنى من ~~المعاني - لتحقيق الحياة الطيبة للإنسان، وإن الإنسان - بالرغم من ~~أن جانبا من جوانبه، هو الخطيئة الأولى عند المسيحي، والجهالة عند ~~المستنير في القرن الثامن عشر، يحول بينه وبين بلوغ الحياة الطيبة ~~فوق هذه الأرض - يستطيع مع ذلك بالجهد الخلقي والعقلي الجاد أن ~~يكيف نفسه لهذا العنصر الطيب من عناصر التدبير في الكون، أو ~~للإله، أو للعناية الربانية، أو للطبيعة. إن المسيحية وعقيدة حركة ~~التنوير كلاهما من العقائد الفعالة التي تدعو بشدة إلى رفع شأن ~~الإنسان. كلاهما يهدف إلى التطهير القوي بطريقة ما. ولكليهما ~~أهداف خلقية أساسية، يرميان إلى السلام، وإلى إشباع حاجات الجسد ~~باعتدال، وإلى التعاون الاجتماعي والحرية الفردية، وإلى حياة هادئة ~~ولكنها ليست كئيبة. وكلاهما يتخيل الرذيلة على صورة واحدة. ولما ~~كان كلاهما دينا مكافحا، فإنه ms465 يفيد من هذه الصورة أكثر مما يفيد ~~من صورة الفضيلة - يفيد من كفاحه ضد القسوة، والآلام، والغيرة ~~والغرور، والأنانية، والاستهتار، والكبرياء، وغير ذلك من الرذائل ~~الكثيرة التي نعرفها جميعا. # ولكنا يجب أن نحتفظ عند المقارنة بالتوازن. إذا كانت عقيدة حركة ~~التنوير ضربا من ضروب المسيحية، وتطورا لها، فهي من وجهة نظر ~~المسيحية التاريخية في العصور الوسطى زندقة، أو تحريفا للمسيحية، ~~ومن وجهة نظر الكالفنية كفر بالله. إن عقيدة حركة التنوير لا ~~تفسح مجالا معقولا لإله شخصي، يمكن الوصول إليه بالصلاة ~~الإنسانية، إلها لا تحيط به حدود، أو أية قاعدة من القواعد التي ~~يكشف الناس عنها عندما يدرسون أنفسهم ويدرسون بيئتهم، وهي لا تسمح ~~بوجود غير الطبيعي فوق الطبيعي. إن عقيدة التنوير بسبب تحالفها ~~الوثيق مع العلوم الطبيعية ومع التفكير المجرد عامة تميل - إلى ~~حد ما - إلى أن تكون أكثر معقولية حتى من أشد المتطرفين من ~~المسيحيين العقليين، وتميل إلى أن تجعل هذا الاستسلام الصوفي الذي ~~نجده في التجربة المسيحية أمرا مستحيلا. وأرجو ألا نسيء الفهم ~~هنا؛ فإن الفارق ليس بين المسيحية «العاطفية» والتعقل «البارد»؛ ~~فإن هناك في الواقع عواطف حارة سرت في إيمان حركة التنوير، كما أن ~~كثيرا من العقليين قوم حساسون. إنما ينحصر الفارق في «نوع» ~~العاطفة، وكذلك في موضوعها إلى حد ما. وتستطيع أن تصوغ الفارق ~~بينهما إذا اعتبرت حركة التنوير أقل انسجاما مع مشاعر «المنطوي ~~على نفسه» من المسيحية، بالرغم من بساطة هذا التعبير ~~وقدمه. # وأكرر مرة أخرى أنه ليس بالأمر التافه أن تكون جنة حركة ~~التنوير فوق هذه الأرض - في هذه الدنيا، وإن تكن في المستقبل. وقد ~~عزت هذه الحركة إلى نفسها مبدأ التقدم، وما يترتب عليه من مبدأ ~~إمكان الكمال للإنسان. وتستطيع من وجهة نظر بعيدة بعدا كافيا أن ~~تقول إن المسيحية وحركة التنوير كليهما يحفل كثيرا بمكانة الإنسان ~~في التاريخ، وإن لكليهما في الواقع فلسفة للتاريخ، وإن كليهما يعد ~~لنهاية سعيدة. ولكن مبدأ التقدم يبسط ويتعجل في آن واحد على ~~الأقل في صورته كما ms466 تخيلها الناس في القرن الثامن عشر - رحلة ~~الإنسان المعنوية. وهذا المبدأ يؤكد بشدة الجانب المادي من ~~التقدم. وهو - فوق كل شيء - يتوقع أن يتم التقدم نتيجة لتحرير ~~الكائنات البشرية العاقلة الطيبة بطبيعتها من قيود القانون، ~~والتقاليد، والعادات، والسلطة، بل ومن أكثر ما شيدته المسيحية ~~التقليدية في ألف وسبعمائة عام، وهذا المبدأ الذي يقول بالخير ~~الطبيعي عند الإنسان هو عند المسيحي التقليدي الزندقة الأساسية في ~~حركة التنوير. ذلك أن نتيجته المنطقية هي الفوضى الفلسفية - إلغاء ~~كل القيود الخارجية على سلوك الفرد. وقد ذكرنا من قبل أنه لم توجد ~~في القرن الثامن عشر حركة هامة قصدت في الواقع من ناحية عملية إلى ~~الفوضى واتجهت نحوها، ولكن الميل نحوها لصق بأكثر ضروب التفكير ~~التقدمي أو الديمقراطي، فقيل إن الفرد على حق، والمجموع على خطأ. ~~والحرية خير في حد ذاتها، والخضوع للقواعد شر في حد ذاته، أو هو - ~~على أحسن الفروض - غير ضروري. # لقد وعدت حركة التنوير بالفردوس في هذه الدنيا، وفي وقت قريب، ~~وبطريقة كان معناها عند الفرد انطلاق «طبيعي» للقوى العريضة ~~الشهوانية الكامنة في نفسه، ولم يكن معناها إنكار الذات وتدريب ~~النفس على الحرمان. أو قل على الأقل إن هذا هو الجانب السهل، ~~المتفائل، المبتذل من حركة التنوير، أو هو التطرف في الحركة، أو ~~الجانب غير المعتدل الذي يعلمنا شيئا من نقائصها وأخطارها. بيد أن ~~المستنيرين لم يكونوا جميعا متفائلين بهذه السذاجة. وحركة التنوير ~~لم تأت لتدعو في وضوح وجلاء إلى سفك الدماء، وإلى العمل الشاق، ~~والعرق، والدموع. وسوف نرى ما حل بأحلام حركة التنوير في ظل ~~المتاعب التي أعقبت تلك الحماسة المتفائلة بعالم أمثل، حماسة ~~الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية. # الفصل الثاني عشر # | القرن التاسع عشر: (أولا) النظرة الكونية ~~المتقدمة # بلغ التفاؤل في الأيام الأولى من الثورة الفرنسية حدا جعل كثيرا ~~من المفكرين يقولون بأن التاريخ قد بلغ نهايته؛ لأن التاريخ عندهم لا ~~يوجد إلا كسجل للنضال، وللتقدم البطيء إلى الأمام عن طريق الآلام. ~~أما الآن فقد انتهت الآلام، وتحققت المرامي والأهداف؛ ms467 فلم تعد ثمة ~~حاجة إلى التاريخ، ما دام ليس هناك نضال وليس هناك تغير من حال إلى ~~حال وهل للسماء تاريخ؟ ومهما يكن من أمر فإننا قد تجاوزنا الماضي بما ~~فيه من أهوال، ولم تعد بنا حاجة إلى ذكراه. إن الإنسان يبدأ عهدا ~~جديدا. ولذلك فقد شعر كندرسيه بأنه مضطر إلى تقديم المعذرة لرجوعه إلى ~~التاريخ عند روايته لقصة تقدم الإنسان. ~~«كل شيء يشير إلى أننا قد بلغنا ثورة من الثورات الكبرى في تاريخ ~~الجنس البشري. أي شيء أنسب لتنويرنا فيما ينبغي أن نتوقعه من هذه ~~الثورة، لإمدادنا بمرشد على هدى وسط هذه الحركات، أي شيء أنسب لذلك من ~~قصة الثورات التي سبقت والتي مهدت لهذه الثورة؟ «إن الحالة الواقعية ~~للاستنارة الإنسانية تكفل لنا أن تكون هذه الثورة ثورة سعيدة». ولكن ~~ألا يتحتم لذلك أن نكون قادرين على استخدام كل قوانا؟ ولكيلا يكون ~~الثمن الذي ندفعه لتحقيق هذه السعادة التي وعدتنا بها هذه الثورة ~~باهظا، ولكي يمكن انتشارها بشكل أسرع وعلى نطاق أوسع، ولكي تكون أتم ~~في نتائجها، ألا يتحتم علينا أن ندرس في تاريخ العقل البشري أي عقبات ~~يجب أن نخشاها وأي الوسائل لدينا للتغلب على هذه العقبات.» # وقد مات كاتب هذه السطور بعد تدوينها ببضعة أشهر، وربما كانت وفاته ~~انتحارا، أو من شدة الإجهاد، في سجن يقع في إحدى ضواحي باريس، أطلق ~~عليها إبان الثورة اسم جديد هو «ضاحية المساواة». وباعتباره عضوا ~~معتدلا في «المجمع الديني» كان يحاول أن يفر من الحكم بالنفي أو ~~الإعدام الذي أصدره المتطرفون الظافرون على كل خصومهم من المعتدلين ~~(ارجع إلى ما أوردناه في الفصل الثالث من هذا الكتاب تحت عنوان «أزمة ~~القرن الرابع» من مقتبسات من رواية ثيوسيديد لأحداث مشابهة في كوركيرا ~~قبل ذلك بألفين وثلاثمائة عام). وفي ذلك الحين كان العالم الغربي في ~~بداية الطريق نحو حرب عالمية استغرقت نحوا من خمسة وعشرين عاما. وهي ~~حرب جذبت إليها في عام 1812م حتى جمهورية الولايات المتحدة الجديدة ~~الفاضلة المنعزلة. وكانت أكثر ما ms468 اشتبك فيه الجنس البشري من حروب من ~~حيث النفقات وإراقة الدماء. # ولا نستطيع أن نتعرض هنا لمجرى الثورة الفرنسية - التي كانت في ~~أصدائها غريبة، ولم تكن فرنسية فحسب، كانت الثورة الفرنسية بالنسبة ~~لصانعيها وبالنسبة لخصومها كذلك، أساسا للبرهان على أفكار حركة ~~التنوير؛ ففي الثورة أجريت بالفعل تجربة إلغاء البيئة القديمة السيئة ~~وإقامة البيئة الجديدة الطيبة. وقد تمخضت الثورة عن حكم الإرهاب، وعن ~~نابليون، وعن حرب دامية. وكان من الواضح أن خطأ قد وقع. ومع ذلك فإن ~~قادة الفكر البشري لم يستنبطوا البتة في بساطة أن الآراء التي تكمن ~~وراء التجربة كانت كلها على خطأ. لقد وصلوا إلى نتائج عديدة، وهذه ~~النتائج تيسر لنا فهم الكثير من القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي ~~الفصول القادمة سنقدم إلى القارئ تقسيما تقريبيا إلى أولئك الذين ~~استمروا في الإيمان بالأفكار الأساسية لحركة التنوير، بعد تعديلها ~~تعديلا يلائم الطبقة الوسطى المحتشمة، وأولئك الذين هاجموا هذه ~~الأفكار باعتبارها خاطئة من أساسها، وأولئك الذين هاجموا هذه الأفكار، ~~على الأقل كما تغلغلت في مجتمع القرن التاسع عشر - باعتبارها صحيحة في ~~أساسها، ولكنها تشوهت، أو لم تتحقق، أو لم تتقدم إلى بعد كاف. وإذا ~~استعرنا التعبير من السياسة قلنا إن وجهات النظر كانت وسطا أو يمينية ~~أو يسارية. # تكييف النظرة الكونية الجديدة وتعديلها # بقيت الأرض الثابتة التي ~~قامت عليها العقيدة العامة في القرن التاسع عشر هي مبدأ التقدم. ~~والواقع أن هذا المبدأ في النظرة الكونية الجديدة بدا أثبت مما كان ~~في القرن الثامن عشر؛ فالجنس البشري في تحسن، وفي اطراد السعادة، ~~ولم يعد لهذا المسير إلى الأمام حد يقف عنده في هذه الدنيا. ~~وسوف نتعرض بعد قليل إلى بعض القيم والمعايير المحسوسة لهذا ~~المسير. ويكفي هنا أن نشير إلى أنه إذا كانت الأحداث المؤسسية في ~~الحروب والثورات التي نشبت في أواخر القرن الثامن عشر قد أوحت بأن ~~التقدم قد يضطرب في مسيره، ولا ينطلق في خط مستقيم منتظم إلى ~~أعلى فإن في الفترة الهادئة نسبيا بين عام 1815م و1914م كانت ms469 ~~هناك دلائل مادية كافية تؤيد الإيمان بنوع من أنواع التقدم. ربما ~~كان لا يسير في خط مستو أو منتظم - وبخاصة في ميدان الأخلاق - ~~ولكنه برغم هذا تقدم واضح. # فالعلم والتكنولوجيا أولا واصلا السير قدما بغير توقف ~~ظاهر. وقد بلغنا مرحلة من مراحل تاريخ العلم، لم تعد لنا معها ~~حاجة إلى محاولة الرجوع إلى القديم. ولما اقترب القرن الثامن عشر ~~من نهايته أمست «الكيمياء الجديدة» التي جاء بها لافوازييه هي ~~الكيمياء الحديثة، وذلك بالرغم من أن لافوازييه نفسه قد عانى في ~~الثورة الفرنسية مصيرا كمصير كندرسيه. وكذلك بلغت الجيولوجيا سن ~~الرشد، وفي عام 1802م - طبقا للعالم اللغوي الفرنسي لتريه - ~~استخدمت لفظة «البيولوجيا» لأول مرة. وبالرغم من أن العلوم ~~البيولوجية لا تزال بحاجة إلى عمل كثير، فإن من الحق أن الأسس ~~العريضة قد تم وضعها بحلول عام 1800م، وبخاصة فيما يتعلق بتصنيف ~~الحيوان والدراسات المورفولوجية التي تتعلق بتركيب الأجسام. وقبيل ~~منتصف القرن دون أوجست كومت قائمته الشهيرة بالعلوم بترتيب ~~سيطرتها على موادها، و«نضجها» أو كمالها. وكانت العلوم الأقدم في ~~نظره أكمل، ما دامت مادتها كانت أطوع للسيطرة عليها. وهي تمتد من ~~الرياضيات إلى الفلك، ثم إلى الطبيعة والكيمياء، وإلى البيولوجيا ~~والسيكولوجيا. أما «علوم الحياة» - حتى في نظر كومت - فلم تبلغ ~~بعد المستوى اللائق بها. وهناك علم يختتم به قائمته، وهو علم لم ~~يولد بعد، ولكنه في طور التكوين، على الأقل في ظن كومت الطموح، ~~وهو علم أطلق عليه اسما مكونا من خليط من اللاتينية ~~والإغريقية، ذلك الخلط الذي كان يسيء إلى الكلاسيكيين دائما، وهذا ~~الاسم هو «السوسيولوجيا» أو علم الاجتماع. إن علم الإنسان لا بد أن ~~يتوج باقي العلوم. # ومن الأهم لأغراضنا هنا أن ~~نلاحظ أن هذا النمو في العلوم كان يصطحب بنمو في المخترعات ~~والمشروعات التجارية اللازمة لاستخدامها. وهكذا تعززت نظرة بدأ ~~الغربيون يتمسكون بها في باكورة القرن الثامن عشر، وهي حالة عقلية ~~ترحب بالتقدم المادي وتتوقعه، كما ترحب بسرعة الانتقال ~~وبالمدن الكبرى وبسباكة أفضل، وغذاء أشد تنوعا وأكثر وفرة. ولم ms470 ~~يكن هذا التقدم - فوق ذلك - للقلة صاحبة الامتياز، وإنما كان ~~تقدما يأمل كل فرد - حتى أدنى الناس درجة - أن ينال منه نصيبا ~~في يوم من الأيام. وكان الجميع يفخرون بهذه الإنجازات، والجميع ~~يتوقعون استمرارها، على نطاق أوسع رقعة، وأكثر عددا من الناس، وهي ~~نظرة نحسب نحن الأمريكيين أحيانا - بأفق ضيق - أنها تمثل ~~الأمريكيين، في حين أنها تمثل العالم الغربي منذ ما يسمى بالثورة ~~الصناعية؛ فكان في إنجلترا الباحثون عن الثراء تماما كما نجد في ~~ربوع الغرب الأوسط في أمريكا . وكانت ليفربول في إنجلترا من كل ~~ناحية من النواحي مدينة جديدة كالمدينة التي تسمت باسمها في ~~ولاية أوهايو عبر المحيط. وكنت تستطيع في كل مكان تقريبا في ~~العالم الغربي أن ترى «الأشياء» تتضاعف من حولك. وسواء أكان ذلك ~~تقدما أم لم يكن، فإن ازدياد القدرة البشرية على إنتاج السلع ~~المفيدة كان من الوضوح بحيث لا يمكن لأي امرئ أن يغمض عنه ~~عينيه. # وكان المرء من ناحية أخرى يستطيع في منتصف القرن التاسع عشر أن ~~يثبت على الأقل إثباتا معقولا بأن هناك تقدما خلقيا ~~وسياسيا. وفيما بين عامي 1815م و1853م لم تشتعل في أوروبا حرب ~~هامة، وإنما كانت مجرد حرب استعمارية عادية. وكان الرق قد ألغي في ~~المستعمرات الإنجليزية، وعلى وشك الإلغاء في الولايات المتحدة. ~~وتحرر رقيق الأرض في روسيا. وبدا كأن كل ضروب السلوك الطيب، من ~~تحريم الخمر، إلى العفة، في سبيل التقدم. وأمكن لهربرت سبنسر أن ~~يأمل في سرعة ارتفاع مركز المرأة عن مستوى التجمل. وأمست للحياة ~~البشرية قيمة، أو على الأقل بات الناس يمسكون عليها، بطريقة لم ~~يسبق لها مثيل. ولم يعد لضروب الرياضة العنيفة، والعقوبات ~~القاسية، صدى طيب في الغرب. وفي عام 1850م أضحى من المستحيل في أي ~~مكان في الغرب أن يكون هناك محل لذلك السلوك البشري الذي نجده في ~~التهديد بالسحر كما كانت الحال في القرن السابع عشر، وهو تهديد ظهر ~~بأبشع صوره في إقليم ماساشوستس في العالم الجديد. # إن أعظم ما قدمه القرن التاسع عشر ms471 لمبدأ التقدم نجده في عمل ~~البيولوجية. وإن كان داروين يحصد - وبحق - أغلب الشهرة، إلا أن ~~صفا كبيرا من العاملين كان لعدة أجيال يبني فكرة التطور العضوي. ~~وأوضح البحث الجيولوجي أن الحياة فوق هذا الكوكب قامت منذ عهد طويل ~~جدا، منذ ألوف السنين، بل ومنذ ملايين السنين لما توافر على ذلك ~~الدليل. وتبين من البقايا المتحجرة أن الكائنات العضوية الأكثر ~~حركة والأشد تعقيدا في جهازها العصبي مثل الفقريات إنما جاءت في ~~وقت متأخر نسبيا، وأن أشكال الحياة الأولى كانت بسيطة بوجه عام. ~~وبدا من فحص الصخور كأن الحياة في شبه صعود مع تقدم الزمن، ~~والإنسان في ذروتها. وهكذا فإن فكرة التطور العضوي كانت في الجو ~~- على الأقل في الجو الذي يتنفسه المفكرون - منذ أواخر القرن ~~الثامن عشر. وسار التطور من أصداف البحر إلى الإنسان. واستطاع ~~داروين - كما استطاع نيوتن من قبل - أن يربط بين مجموعة الحقائق ~~والنظريات المستمدة من الدراسات المفصلة في نظرية عامة يمكن أن ~~تصل إلى الرجل المتعلم العادي. # وليس هذا محل محاولة تحليل نظريات داروين في التطور بأية حال من ~~الأحوال. وقد كانت هذه النظريات بالنسبة إلى الرجل العادي، الذي ~~يهمنا في هذا المجال، تعني شيئا كهذا: إن كل الكائنات العضوية ~~الحية تتنافس على الدوام مع أفراد فصيلتها، كما تتنافس مع الفصائل ~~الأخرى من الكائنات العضوية على الطعام وعلى المجال للحياة. وفي ~~هذا النضال من أجل البقاء تعيش أفراد الكائنات العضوية المهيئة ~~أفضل تهيئة للحصول على وفرة من الطعام وعلى وسائل الحياة الطيبة ~~الأخرى - بوجه عام - أفضل عيشة وأطولها. وتحصل على أكثر الأفراد ~~جاذبية من الجنس الآخر وأقدرها، وتخلف نسلا ملائما مثلها. وهذا ~~التكيف هو في صميمه من حظ الفرد عند مولده؛ لأن الكائنات العضوية ~~تتكاثر عددا، وفي هذا التكاثر يختلف صغارها اختلافا يسيرا، ~~عفويا في الظاهر - فهذا فرد أطول قليلا، أو أقوى قليلا، أو ~~لديه عضلة من العضلات متطورة إلى الأحسن بصفة خاصة، وهكذا. وهذه ~~الاختلافات التي تحدث بحسن الحظ تميل إلى الاستمرار في الخلف على ~~أية ms472 حال، ومن ثم يميل صف جديد أو نوع من الأنواع إلى ~~الاستقرار، وهو أكثر نجاحا وأفضل تهيئة للنضال من أجل الحياة من ~~النوع الذي تطور عنه. والكائن العضوي المعروف باسم «الكائن البشري» ~~لم يتطور عن القردة، وإنما تطور عن نوع أسبق منها. وخرج الإنسان من ~~النضال أعظم نصر للتطور. وهذه العملية تسير على الدوام، وإن يكن في ~~بطء شديد. والإنسان، بعقله، وبانتصاب قامته، وبيده، هو في الوقت ~~الحاضر فيما يظهر ابن التطور المفضل؛ ابن هذه العملية الكونية. غير ~~أنه كغيره من الكائنات العضوية التي تدلنا عليها السجلات ~~الجيولوجية قد «يتقهقر»، وقد يفشل كما فشل الديناصور (حيوان زاحف ~~منقرض) من قبل، ويحل محله كائن عضوي أنسب منه. هذه بإيجاز هي ~~نظرية داروين كما شاعت في العصر الفكتوري. # وهكذا نرى أن الأفكار الداروينية ليست - بأية حال من الأحوال - ~~متفائلة بالضرورة. ولكن أولئك الذين قبلوا أكثر هذه الأفكار ~~وجدوها مليئة بالأمل. وأوضحوا أن ما يسمى بالتقدم يبلغ من ~~الصدق مبلغ ما يسمى بالجاذبية. وطبعوا الأفكار الخلقية ~~والسياسية بطابع العلوم الطبيعية، تماما كما فعلت أفكار نيوتن قبل ~~ذلك بقرن ونصف القرن. ومن الحق أن نشر «أصل الأنواع» لداروين في ~~عام 1859م قد أدى إلى صراع شديد بين العلم والدين، وظهر كتاب ~~داروين - وبخاصة بعدما نشره تلاميذه المتحمسون له - لكثير من ~~المسيحيين أنه لا يتعارض مع التفسير الحرفي لسفر التكوين فحسب، ~~ولكنه ينكر أن الإنسان يختلف عن الحيوانات الأخرى بأي شكل من ~~الأشكال - إلا في ناحية واحدة، وهي أن التطور الطبيعي المحض لجهازه ~~العصبي المركزي قد مكنه من الاسترسال في التفكير الرمزي، كما ~~مكنه من أن تكون له أفكار خلقية، وأن «يخترع» إلها له. وهذا ~~الصراع لم ينته بعد. ويبدو أنه يتخذ في عصرنا - وبين المفكرين ~~على الأقل - شكلا آخر، وهو نضال تعبر عنه لفظة «الإنسانية» أو ~~«العلوم الإنسانية» من ناحية، ولفظة «العلوم» من ناحية ~~أخرى. # ومهما يكن من أمر فإن اهتمامنا الأكبر هنا ليس هو الصراع بشأن ~~مكانة الإنسان في الطبيعة كما نشب في ms473 القرن التاسع عشر، بل وليس هو ~~الحرب القائمة بين العلوم البحت والعلوم الدينية؛ فإن تأثير كتاب ~~داروين قد امتد إلى الفلسفة، والاقتصاد، بل وإلى كل العلوم ~~الاجتماعية الوليدة في الواقع. وسوف نلتقي به مرة أخرى، ويكفينا ~~هنا أن نذكر أن التطور العضوي كما أظهره داروين وأتباعه، كان عملية ~~بطيئة جدا في الواقع، حتى إن التاريخ كله - من هومر إلى تنيسون - ~~هو بالنسبة إلى الزمان منذ البقايا الحجرية الكامبرية الأولى ~~بمثابة بضع دقائق بالنسبة إلى العام. والنضال من أجل البقاء، بل ~~وكل أسلحة الأفكار الداروينية، كانت أبعد ما تكون عن الإيحاء ~~بمستقبل يسوده السلام، والتعاون، وانتفاء الآلام وخيبة الآمال. ~~ومن ثم فإن مقتضيات مذهب ~~داروين - باختصار - بالنسبة إلى ~~الأخلاق والسياسة أقرب إلى أن تعارض منها إلى أن تؤيد فكرة ~~الاستبشار التي آمنت بها حركة التنوير؛ تلك الحركة التي أكدت إمكان ~~التحول «السريع» نحو الأفضل. ومع ذلك فإن نتائج العملية كلها كانت ~~مما يرفع الروح المعنوية، ومن المحتمل أن هربرت سبنسر لم يكن سوى ~~المعبر بوضوح عن نظرة الرجل الأوروبي أو الأمريكي المتوسط، عندما ~~قال إن نظام الطبيعة «فيه قسوة خفيفة بحيث يمكن أن يكون رحيما ~~جدا.» وظهر للمؤمن بالتطور أن التطور يفسر الطريقة التي يتم ~~بها التقدم. وليس ذلك فحسب، بل إن التطور يجعل هذا التقدم ~~أمرا طيبا لا مفر منه بصورة واضحة. # وكانت هناك - فوق ذلك - وسائل للتوفيق بين الأوجه الجافة من ~~النضال الدارويني من أجل الحياة وتقاليد حركة التنوير التي تدعو ~~إلى الإنسانية والسلام؛ فيمكن أن يعتبر النضال من أجل البقاء بين ~~الكائنات العضوية الدنيئة متساميا بشكل من الأشكال بين الكائنات ~~البشرية؛ ف «الطبيعة المتوحشة بأسنانها ومخالبها» يمكن - وبخاصة ~~بالنسبة إلى رجل الأعمال الناجح الذي نشأ في المدينة - أن تمسي ~~بسهولة مسالمة متعاونة في المجالات الثقافية في إنجلترا لعهد ~~فكتوريا؛ فالناس آنئذ كانوا يتنافسون في الإنتاج وفي سمو الأخلاق، ~~لا في نضال الحروب الهمجي. وهناك تفسير آخر لم يخل من الخطر على ~~تفاؤل حركة التنوير، وهو التفسير الذي يعتبر ms474 النضال الدارويني في ~~الحياة البشرية نضالا بين جماعات منظمة - وبخاصة بين الحكومات ~~القومية - وليس، أو ليس في المقام الأول، بين الأفراد في هذه ~~الحكومات. أما في داخل المنظمة، أو في داخل هذا «الكائن العضوي ~~السياسي» كما كان يحب هؤلاء المفكرون أن يطلقوا عليه، فقد ساد ~~التعاون، ولم تسد المنافسة. كانت المنافسة بين ألمانيا وإنجلترا ~~- مثلا - لا بين الألمان والإنجليز. وهذا النوع من التفسير حتى ~~قبل تطور الأفكار الداروينية، كان يلقى قبولا بين كل الدعاة ~~الألمان في هذا القرن، من نيتشه إلى تريسكي. ومقتضى هذا التفسير - ~~كالقومية المتطرفة التي يقوم عليها - لا يتفق ونظرة القرن الثامن ~~عشر بأسرها، وليس مجرد تعديل لها. # إن التطور الدارويني كان - على أية حال - بالنسبة إلى أكثر ~~المتعلمين في القرن التاسع عشر - تبويبا وتثبيتا لمبدأ التقدم، ~~وتعزيزا لميراثهم من حركة التنوير، ولكنه ربما أعان - مع أفول شمس ~~هذا القرن - على زيادة تملك الأفكار الآخذة في القوة، أفكار ~~السمو القومي أو العنصري، لخيال هؤلاء المتعلمين والعلاقة بين ~~أفكار القومية ومثل حركة التنوير من أشق الأمور في تحليلها. كانت ~~حركة التنوير ترى أن الناس جميعا سواء، وأن كل الفوارق - كفوارق ~~اللون - إنما هي فوارق سطحية، ليس لها أثر في قدرة الإنسان على ~~التثقيف وعلى الحياة الطيبة؛ ومن ثم فقد كانت الحركة عالمية ~~بكليتها في نظرتها. ووقع القرن التاسع عشر في فخ المذاهب القومية، ~~وخان عهد أسلافه المفكرين في حركة التنوير. وسمح للتقسيم القومي ~~الذي ما زلنا نعاني منه أن ينمو. # وأرجو أن يتضح جيدا في الأذهان أن هذا التباين بين العالمية ~~والقومية يستند إلى أفكار عامة معينة لفلاسفة القرن الثامن عشر ~~وإلى أفكار أخرى مباينة لها لكتاب القرن التاسع عشر - التباين ~~الذي يظهر مثلا بين لسنج الذي كتب «ناثان الحكيم» ضد التحيز ~~العنصري، وجوبينو الذي كتب «مقالا عن الفوارق العنصرية» يدافع فيه ~~عن التمييز العنصري. أما في العمل الواقعي فإن هناك فارقا يسيرا ~~جدا في العلاقات الدولية، والأخلاق الدولية، بين العهد الأول ~~والعهد الثاني. وكانت الحرب هي الملجأ ms475 الأخير في القرنين، ولم تكن ~~الدبلوماسية في أحد القرنين أفضل منها في القرن الآخر. بل وليس من ~~الحق أن تصريحات الدبلوماسيين في القرن التاسع عشر كانت أنبل من ~~تصريحات سابقيهم. # ليست القومية في صميمها إلا تلك الصورة الهامة التي اتخذها ~~الإحساس بالانتماء إلى قوم من الأقوام في ثقافتنا الغربية الحديثة. ~~وقد كانت لهذه الثقافة منذ بدايتها عند الإغريق القدامى غزارة في ~~الحياة الجماعية، من الأسرة إلى مثل تلك الجماعة الضخمة ~~الكاثوليكية في الكنيسة الرومانية في العصور الوسطى. ومن بين هذه ~~الجماعات العديدة جماعة كانت تقوم باطراد على أساس الرقعة الأرضية ~~السياسية الإدارية، وعلى نوع تلك العواطف التي تنطوي عليها لفظة ~~«الوطن»، أو «بلد الأمهات»، أو «بلد الآباء»، وهو تعبير أكثر ~~شيوعا في الغرب. ومن المفيد جدا لطالب التاريخ والعلوم ~~الاجتماعية المتخصص أن يدرس هذا الشعور الخاص؛ الشعور بالانتماء ~~إلى قوم من الأقوام - باعتباره اندماجا لمجموعة من الأفكار ~~والعواطف والمصالح - في سلسلة من المساحات المتباينة في الزمان ~~والمكان - في أثينا في القرن الخامس - مثلا - وفي روما ~~الإمبراطورية، وفي فرنسا في أيام القديسة جان دارك، وفرنسا في نظر ~~فولتير، وفرنسا في عهد الجمهورية الثالثة. إن الباحث سوف يجد من ~~غير شك فروقا في غزارة ونقاء عواطف الانتماء إلى الجماعة القومية، ~~وفي توزيع هذه المشاعر بين الطبقات الاجتماعية، وفي مدى وغزارة ~~المشاعر المعادية للجماعات القومية الأخرى (الجماعات الخارجية) ~~وهلم جرا. # ولكنه سوف يجد كذلك مشابهات. ولا بد أن نؤكد هذا الجانب من ~~الموضوع؛ لأن القومية لم تكن شيئا جديدا مفاجئا، ولم تكن كالوغد ~~أو الشيطان الذي ظهر بغتة في ثقافة حركة التنوير، التي كانت على ~~نقيض فكرة القومية، تقدمية، ديمقراطية مسالمة. القومية طريقة ~~قديمة من التفكير والشعور تتركز في وحدات أرضية معينة نتيجة - بصفة ~~خاصة - للقرون الثلاثة الأولى من العصر الغربي الحديث (من عام ~~1500م إلى عام 1800م) وهي سنوات التكوين. وليست هذه الوحدات ثابتة ~~ثبوتا مطلقا، وإن يكن أكثرها ثابتا نسبيا خلال الأزمنة ~~الحديثة - مثل فرنسا على سبيل المثال، أو أيرلندة إذا ms476 ضربنا المثل ~~ببلد «مظلوم». وليس هناك اختبار واحد خارجي نختبر به القومية. وفي ~~الواقع أن اللغة تعتبر عامة اختبارا كافيا؛ لأن سياسة أولئك ~~الذين يسيطرون على الدول الحديثة كانت تتجه نحو محاولة بسط الوحدة ~~الظاهرة التي تتيحها اللغة الواحدة على أعضاء الجماعة القومية. وفي ~~البلاد التي يتكلم أهلها لغتين مثل بلجيكا وكندا نلمس بشكل ظاهر ~~ضغطا وتوترا لا نجده في البلاد التي تشبهها من النواحي الأخرى ~~مثل هولندا وأستراليا. ولا تزال سويسرا المثال الكلاسيكي، بل وتكاد ~~تكون المثال الوحيد، لدولة يتكلم أهلها عدة لغات، ويعترف كل امرئ ~~بأنها أمة حقيقية، و«بلد الآباء» بالنسبة لأبنائها. # إن الأمة تتكون من تشابك معقد لعلاقات واقعية إنسانية تمتد ~~لعدة سنوات، وكثيرا ما تمتد لعدة قرون، ويغرم الأحرار المحدثون ~~بالإصرار على انعدام وجود أساس بدني أو فسيولوجي للقومية، وانعدام ~~وجود صفات «قومية» فطرية، نفسية أو جثمانية، فيما عدا ما نجده من ~~توزيع عادي عفوي بين الأفراد الذين تتألف منهم أمم كفرنسا ~~وألمانيا، والولايات المتحدة. إن الفرنسيين لا يولدون بمهارات ~~فطرية في الغزل، والإنجليز لا يولدون طائعين للقانون مزودين ~~بإدراك سياسي عام كامل. ولا يولد الألمان شقرا، ولا بشعور فطري ~~بالتسلط. كل ذلك قد يكون صادقا، غير أن التربية، وكثيرا مما ~~يطبع به الناس بقوة في مشاعرهم وآرائهم ظلت تفعل فعلها سنوات ~~عديدة لإقناع الناس بأن الصفات القومية هي من حقائق الحياة. وقد ~~تكون القومية نتيجة للبيئة، لا الوراثة، بيد أن البيئة الثقافية ~~التي ينشئها التطور التاريخي الطويل قد تعصي في تعديلها عصيان ~~الصفات البدنية. # ولا مشاحة في أن القومية قد تعززت، بل في الواقع قد اكتسبت ~~شكلها المميز الحديث، نتيجة لأفكار حركة التنوير وتفاعلها مع ~~العلاقات البشرية المعقدة التي نطلق عليها «الثورة الفرنسية». ~~وربما تستطيع أن تقول في عبارة مجردة - من غير داع إلى التجريد - ~~إن الأمم ذات السيادة الشعبية، والديمقراطية، أو الإرادة العامة ~~طبقا لما قال روسو، قد تحولت إلى واقع سياسي تبريرا للحكومة ~~القومية ذات السيادة. وقد ذكرنا من قبل أن وراء لغة ms477 العقل التي ~~استعملها روسو في القرن الثامن عشر في كتابه «العقد الاجتماعي» ~~شعورا بإرادة الجماعة يتجاوز الحدود «الاسمية» لأكثر ما في القرن ~~الثامن عشر من تعقل، شعورا بأن الكل السياسي أكبر من مجموع ~~أجزائه، وهو شعور يوصف بحق بالنزعة التصوفية، وهذا الشعور الصوفي ~~- إذا تسلط بخاصة على جماعة قومية معينة - يكسب فكرة القومية ~~رموزا ومثلا يشترك فيها كل أعضاء الجماعة. وتستبدل بالقومية ~~عند المتحمسين لها حقا المسيحية وكل الأشكال المنظمة الأخرى ~~لحياة الجماعة في كثير من الأحيان. وليس من شك في أن القومية عند ~~الرجل المتوسط لا تعدو أن تكون عقيدة من العقائد التي تسكن في قلبه ~~وعقله معا في صحبة حقيقية وإن تكن غير منطقية (غير منطقية بمعنى ~~أن بعض هذه العقائد - كالمسيحية أو الوطنية القومية مثلا - قد ~~تنطوي على مثل أخلاقية متعارضة). ومع ذلك فإنه من العسير أن ~~نبالغ في مدى ضخامة الجزء الذي تشغله عبارة الدولة - عند كثير من ~~الغربيين المحدثين - في علاقاتهم - التي تصدر عن وعي - مع الجماعات ~~التي لا تقع في حدود أسرتهم. # والواقع أن الموقف الديني المشابه الذي شرحناه في الفصل السابق، ~~ووازنا فيه بين المسيحية التقليدية و«المدينة السماوية» كما ~~تخيلها فلاسفة القرن الثامن عشر، هذا الموقف يمكن أن يكون أقوى ~~تجسدا في ديانة «أرض الآباء». هنا نجد وحدة أرضية محددة منظمة ~~بحيث تستغل كل الاستغلال القوى السياسية التي تساندها بدلا من ~~إنسانية غامضة يطلب رفع مستواها، وبدلا من أفكار مجردة ك «الحرية ~~والإخاء والمساواة». ويمكن إشباع المواطنين بالمذهب منذ البداية ~~حتى يطابقوا عاطفيا بين أنفسهم وبين مصير الجماعة القومية. وإن ~~الشعائر التي تحيط بالعلم، والأناشيد الوطنية، والقراءة الموقرة ~~للنصوص الوطنية، وتمجيد الأبطال القوميين (القديسين)، والإصرار على ~~أن للأمة رسالة، والتوافق الأساسي بين الأمة والنظام العالمي - كل ~~ذلك يألفه أكثرنا إلى درجة أن الفرد منا - إذا لم يكن متحمسا ~~للعالمية يؤيد قيام حكومة موحدة للعالم أو أي اقتراح آخر لإقرار ~~السلام العالمي - لا يكاد يلقي إليه بالا. ولكنك إن أردت أن تدرك ~~مدى هذه ms478 الديانة القومية حتى في الولايات المتحدة، حيث لا يوقظها ~~أي إحساس بالظلم القومي، أي إحساس بالحاجة إلى رقعة من الأرض ليست ~~عندنا، فاقرأ الفصل الجذاب عن مذهب لنكولن في كتاب رالف جبرائيل ~~«سير الفكر الديمقراطي الأمريكي» وسوف تجد أن الناس قد توجهوا ~~بالصلاة فعلا إلى لنكولن بعد مماته. # وإذن فالقومية أحد «الأشكال العملية» التي اتخذتها المذاهب ~~الجديدة للسيادة الشعبية، والتقدم، وإمكان كمال الإنسان، في عالم ~~الواقع. القومية تتفق وكثير من العناصر في حياة الجماعة الغربية ~~الحديثة. وهي من الناحية النفسية تتفق وازدياد نفوذ الطبقة الوسطى ~~التي كانت تعوزها التجربة العالمية والمعرفة الشخصية بالبلدان ~~الأخرى التي كان النبلاء على علم بها. كانت طبقة تجد أن الإخلاص ~~المجرد من الرجل المفكر للإنسانية جمعاء فوق مدارها، طبقة الأمة ~~عندها على أهبة الاستعداد لكي تكفل «احتراما ذاتيا مشتركا» ~~دائما وإن يكن في غير موضعه أحيانا (وهذه الصفة الأخيرة هي ~~التعريف الصارم الذي عرف به الوطنية كلاتون بروك الإنساني ~~الإنجليزي). القومية تتفق كل الاتفاق وحقائق التنظيم الاقتصادي في ~~أوائل وأواسط الثورة الصناعية. والواقع أن المتعصبين للتفسير ~~الاقتصادي للتاريخ قد فسروا القومية - كما فسروا كل أوجه ~~العلاقات البشرية الأخرى - على أنها بكليتها نتيجة للتنظيم ~~الاقتصادي لوسائل الإنتاج في المراحل الأولى من الرأسمالية ~~الصناعية الحديثة. فإذا أنت أحسست بنور الحق يسطع من مثل العبارات ~~التي تقول بأن واترلو كانت صراعا بين الرأسمالية البريطانية ~~والرأسمالية الفرنسية فلربما لم يطفئ هذا النور شيء مما تطالعه ~~هنا. # أما من وجهة نظرنا فإن المكاسب التي تتحقق من تنظيم الأمة كوحدة ~~اقتصادية - وهي مكاسب يزيد منها كل ضروب القوانين التي تصدر في ~~إطار الحكومة القومية، من تقنين الأوزان والمكاييل إلى حماية العلم ~~في التجارة الاستعمارية - هذه المكاسب وما يترتب عليها إنما تعزز ~~ما نسميه بالقومية، وهي لا «تفسرها». # وأخيرا أقول إن القومية إجمالا قد تكيفت بالنظرة الكونية ~~المتفائلة في عمومها التي سادت القرن الثامن عشر بتسرب هذه ~~النظرة الكونية إلى أوساط المتعلمين الغربيين في القرن التاسع عشر. ~~وقد تم هذا التكييف بشكل ms479 واضح، وبصورة تلائم كل الملاءمة الآمال ~~الطيبة لحركة التنوير، فيما قام به الرجل الإيطالي القومي مازيني ~~من عمل؛ فالأمة عند مازيني إن هي إلا خلقة لا بد منها في سلسلة ~~يمكن أن توصف بالفردية فالقومية فالإنسانية. وإذا تحررت كل ~~الجماعات التي تحس أنها قوميات لما قامت بينها مشكلات، ولما نشبت ~~بينها بالتأكيد حروب. إن الإيطاليين لم يظهروا الكراهية للأجانب ~~إلا لأن إيطاليا في مستهل القرن التاسع عشر كانت تخضع لحكم أجنبي، ~~وكانت ممزقة إلى وحدات صغيرة مصطنعة. إن إيطاليا الحرة لا تشن ~~حربا قط ولا تضمر عداوة. وفي عبارة مازيني: ~~«إن ما يصدق على الأمة الواحدة يصدق بين مجموعة الأمم؛ فالأمم ~~هي أفراد الإنسانية. والتنظيم الوطني الداخلي هو الأداة التي تؤدي ~~بها الأمة رسالتها في العالم. القوميات مقدسة. وهي تقوم بإرادة ~~سماوية لكي تمثل - في داخل الإنسانية - تقسيم العمل أو توزيعه ~~لصالح الشعوب، كما أن تقسيم العمل وتوزيعه في حدود الدولة يجب أن ~~ينظم لكي يحقق أكبر نفع لجميع المواطنين. فإذا لم تضع القوميات ~~هذه الغاية نصب أعينها فهي عديمة الجدوى ومآلها السقوط، وإذا ~~استغرقت في الشر - وهي الأنانية - هلكت. ولن تنهض مرة أخرى إلا إذا ~~كفرت عن نفسها وعادت إلى الخير.» # وقد تبدو هذه الآراء غير واقعية إلى حد ما في منتصف القرن ~~العشرين؛ حيث نجد الناس من أصحاب المزاج المثالي الحماسي الذي اتصف ~~به مازيني على جانب ضئيل من الشعور بالقومية - اللهم إلا إذا ~~استثنينا البلاد التي لا تزال تخضع لسلطان الاستعمار الغربي، ~~ولكنها إحدى الوسائل التي يمكن أن يتم التوفيق بها بين القومية ~~والمثل العالمية الحرة. وربما وصل الرجل العادي الإنجليزي أو ~~الفرنسي - في صورة مخففة - إلى مثل هذه التسوية: لا بد في نهاية ~~الأمر أن تتم المساواة والإخاء بين الناس، ويستطيع أبناء أمتنا في ~~الوقت الحاضر أن يقودوا بقية العالم غير المتمدن إلى أوضاع أفضل. ~~ولكن القومية يمكن أن تندفع حتى تمسي هجوما على أفكار حركة ~~التنوير، لا تعديلا لها. إن صور القومية العديدة التي ترفع ms480 ~~مجموعة قومية إلى مرتبة السادة، وتهبط بالمجموعات الأخرى جميعا ~~إلى مرتبة العبيد، أو التي تهدف إلى إسكان الأرض كلها بمجموعة ~~واحدة مختارة، والقضاء على غيرها من المجموعات - مثل هذه القوميات ~~لا تتفق ومثل القرن الثامن عشر. ومن بين هذه القوميات التي ~~تتعارض مع حركة التنوير، ليست الصورة الألمانية التي بلغت ذروتها ~~في العقيدة النازية بالأمس فقط سوى أكثر الصور شهرة وأشدها ~~اقترابا من النجاح. # ذكرنا أن الداروينية قد عززت في عقول العامة العقيدة في ~~التقدم فوق هذه الأرض، وواءمت نفسها مواءمة كافية مع نظرة حركة ~~التنوير المتفائلة إلى القدرات البشرية. وكذلك أمكن للقومية أن ~~تتواءم - على الأقل في مثل الكتب النظرية التي ألفها ~~مازيني - مع فكرة عالم مسالم من أفراد أحرار يعيشون عيشة معقولة في ~~تسامح متبادل - بل في محبة متبادلة - وهناك كذلك تيار عظيم ثالث في ~~الحياة العقلية والعاطفية في القرن التاسع عشر يعرض مشكلات أشد ~~تعقيدا بالنسبة إلى الاتجاهات السائدة في عصر «النثر والعقل». غير ~~أن هذا التيار - تيار الحركة «الرومانتيكية» الكبرى التي ثارت على ~~ثقافة القرن الثامن عشر، وهي من الاتجاهات التي تميز بها القرن ~~التاسع عشر في بدايته - حتى هذا التيار في الصورة العريضة لتاريخ ~~الغرب ليس في الواقع انحرافا شديدا عن حركة التنوير، ولكنه في ~~الأغلب، ومن حيث أثره في اتجاهات العامة من الرجال والنساء إزاء ~~«المشكلات الكبرى»، لنشاط الإنسان فوق الأرض، استمرار لحركة ~~التنوير. # وليس هناك - أولا - من شك في أن الجيل الذي عاش في مستهل القرن ~~التاسع عشر قد نظر إلى آبائه نظرة فيها من الازدراء أكثر مما يحس ~~به الرجل الغربي الحديث من احتقار عادي، هو احتقار الجيل الحاضر ~~للجيل الذي سبقه مباشرة؛ فالشاب الذي تأثر كل التأثر بوردزورث ~~اشترك مع وردزورث في احتقاره لكاتب مثل بوب الذي كان في رأيه ~~ضحلا، مغرورا، ناثرا، وليس البتة بشاعر. والشاب الفرنسي في عام ~~1816م - الذي ربما ولد في المنفى، ثم أصبح كاثوليكيا متحمسا - ~~أحس باشمئزاز شديد من جده المسن، وكان من أتباع فولتير لا ms481 يعرف ~~الندم، ويمقت رجال الدين، ويحب الحديث الجيد، والطعام الجيد، ~~والنساء الساقطات. هنا في الواقع نجد نظام الأجيال المألوف ~~معكوسا، كما يبدو بصورة أقل وضوحا في منتصف القرن العشرين؛ ~~فالجيل الجديد هو الذي يعد الجيل القديم منحلا لا يؤمن ~~بالقيود والحدود. # وفي عبارة مجردة، وفي المصطلح المألوف في التاريخ الثقافي، نقول ~~إن الكلاسيكية أو الكلاسيكية الجديدة في القرن الثامن عشر أعقبتها ~~حركة رومانتيكية في مستهل القرن التاسع عشر، وكذلك المادية، ~~والمذهب الاسمي، والتفتيت في حركة التنوير، أعقبتها المثالية، ~~والتأكيد على الكل العضوي، في أخريات القرن التاسع عشر، كما أن ~~مذهب الإيمان بالله مع إنكار الوحي، والإمعان في الإلحاد، والتشكك ~~بين حين وآخر، والمناداة في أغلب الأحيان بتجريد رجال الدين من ~~سلطاتهم في القرن الثامن عشر، أعقبه التوسع في إحياء الصور ~~المسيحية في القرن التاسع عشر. وأقول في عبارة موجزة إن الانتقال ~~إلى الأذواق الرومانتيكية هو من الأمثلة التقليدية للتحول السريع ~~في كثير من أوجه الثقافة. # وإني لا أريد أن أنكر حقيقة هذا التحول، أو قيمة دراسته - وقد ~~نال قسطا كبيرا من الدراسة وبخاصة من طلاب الآداب. إن الفارق بين ~~صورة لواتو وصورة لدلاكروا، وبين قصيدة لبوالو وقصيدة للامارتين، ~~وبين كنيسة على طراز القرن الثامن عشر النابي في ذوقه، وكنيسة على ~~الطراز الغوطي الجديد، إنما هو من الفوارق الحقيقية الهامة. وأهم ~~من ذلك الانتقال في الفلسفة من المذهب الاسمي إلى المذهب الواقعي، ~~أو من العقل الجامد في الفلسفة إلى العقل المرن، على ألا تأخذ ~~الجمود مأخذا جديا مبالغا فيه. وقد التقينا من قبل بهذا ~~الانقسام الثنائي الأساسي في الفلسفة منذ عهد الإغريق. وككل ~~الثنائيات يتفرع هذا الانقسام الثنائي إلى اتجاهات عديدة محيرة ~~نلمسها إذا نحن قمنا بالتحليل الدقيق، ولكنه انقسام له فوائده على ~~أية حال. ويجب أن نقف برهة لكي نرسم الخطوط العريضة للخطوات التي ~~مرت بها الفلسفة من فلسفة العقل في القرن الثامن عشر إلى فلسفة ~~القلب في القرن التاسع عشر. # إن اتجاه التفكير في القرن الثامن عشر في ميادين ms482 المعرفة العميقة ~~يمكن أن يستمد من بنتام، الذي قد يكون متطرفا، ولكنه واضح بصفة ~~خاصة. ويرى بنتام أن الإدراك الحسي حقيقي ولا يجوز الجدل فيه. وفي ~~مستوى العلاقات الإنسانية تجعلنا حواسنا على وعي بوجود الكائنات ~~البشرية، وهي نحن وغيرنا. وهذا كل ما هنالك. فإن كل كائن بشري ~~فرد، أو ذرة اجتماعية، وكل تجمع لهؤلاء الأفراد إنما هو تجمع ~~أفراد. وليس قولنا: «الإرادة العامة»، و«روح الأمة» وما إلى ذلك ~~سوى هراء وادعاء؛ فإن الجماعة لا تشعر ولا تفكر أو تعمل كما ~~يستطيع الفرد. والكل لا يكاد حتى أن يكون مجموع الأجزاء، والكل في ~~هذه الحالة (وأرجو أن تذكروا هنا المذهب الاسمي في العصور الوسطى) ~~خيال، ولكنه خيال نافع، وهو برغم هذا من إنشاء العقل. # وقد بدأ الابتعاد عن هذا الموقف - كما يظن عادة - بالفيلسوف ~~الألماني كانت، الذي يعتبر النصف الثاني من القرن الثامن عشر ~~فترة إنتاجه. وكانت فيلسوف محترف عسير الفهم. وربما ما زال ~~بالنسبة إلى الرجل المتعلم المتوسط اليوم أحسن نموذج وخير ممثل ~~للفلاسفة. وإذا أخذنا بالتمييز بين الواقعي والمثالي، قلنا إنه في ~~مزاجه وتأثيره مثالي، مفكر مرن العقل. ولكنه - كآدم سميث في ~~ميدان آخر - لم يكن البتة من المتطرفين. وكما أن تلاميذ آدم سميث ~~في القرن التاسع عشر هم الذين ساروا بمبادئ الفردية الاقتصادية إلى ~~حد التطرف فكذلك كان تلاميذ كانت من أمثال هيجل الألماني في بداية ~~القرن التاسع عشر هم المثاليين الأقحاح. وبالرغم من أن كانت كان ~~غامضا كثير التفصيلات كالألمان، وبالرغم من انحيازه بشكل واضح إلى ~~جانب الملائكة، فهو كذلك من الواضح ابن من أبناء حركة التنوير. ~~وقد أزعجه التطوير المنطقي الذي أحدثه هيوم في الثنائية ~~الديكارتية؛ ثنائية الروح والمادة وتحويله لها إلى تشكك في اتفاق ~~العقل البشري مع العالم الخارجي، فشرع في حزم ينقذ اليقين ~~الفلسفي، وأرضى بعمله عددا كبيرا من الناس. وقد اتفق - في إيجاز ~~- مع هيوم على أن التجارب التي ~~نستقبلها والإدراك لا يعطياننا إلا أحكاما اتفاقية متقلبة غير ~~مؤكدة. بيد أنه وجد في ms483 العقل اليقين الذي كان يبحث عنه. والعقل ~~عنده نوعان: عقل عملي، وهو الذي يبين لنا - بغير ذلك - عن طريق ~~البصيرة الأخلاقية ما هو حق وما هو باطل في موقف معين، والعقل ~~البحت الذي يصدر بطريقة ما أحكاما صحيحة بطريقة لا نستطيع بمجرد ~~الحساب العادي أن نصل إليها. ومن الواضح أن التفرقة بين الإدراك ~~والعقل هي عين التفرقة بين المادة والعرض (ارجع إلى ما ذكرنا عن ~~علوم الدين والفلسفة في العصور الوسطى في الفصل السادس) أي إنها ~~تفرقة على أسس تختلف عن الأسس التي يستند إليها رجال العلم، وربما ~~كانت كذلك مختلفة عما نستخدمه في إدراكنا العام من أسس، وهي مختلفة ~~قطعا عن الأسس التي يلجأ إليها أصحاب المذهب الاسمي. # وقد كانت ل «العقل» سيرة رائعة بين صف من الفلاسفة الألمان ~~يمتد من كانت إلى فخت وشلنج وهيجل. ونحب هنا أن نركز اهتمامنا ~~على هيجل، وهو أوسعهم شهرة، ويعد مثالا نموذجيا جدا في ~~كثير من نواحيه. العقل عند هيجل رسالة من الروح العالمية، رسالة من ~~الإله الكامن الذي يكاد يكون إله سبينوزا، أو الحقيقة العليا التي ~~تحكم العالم، وقد وقع هيجل في الورطة التي وقع فيها المثاليون من ~~قبله، كما يدلنا على ذلك مبدأ له نستشهد به أكثر من غيره، وهو قوله ~~بأن الحقيقي معقول وأن المعقول حقيقي، وقد سبقه مواطن له في نهاية ~~القرن السابع عشر، هو ليبنتز، عندما انتهى إلى أن هذا العالم لا بد ~~أن يكون أفضل العوالم الممكنة، وهو الحكم الذي هاجمه فولتير بشدة ~~في روايته «كانديد». وقد ذكرنا من قبل أن رجل الدين الذي يجزم ~~بوجود إله عليم بكل شيء، قادر على كل شيء، فاضل من كل نواحيه، يجد ~~أن مشكلة نشأة الشر مسألة وعرة. ولم يكن هؤلاء الفلاسفة في الواقع ~~على أية حال ممن يعتقدون بوجود إله يكشف عنه الإنسان بطريقة تجاوز ~~الطبيعة، ثم يكون هذا الإله بعد ذلك على صلة شخصية بمخلوقاته، بل ~~ولم يكونوا ممن يؤمنون بوجود الله مع إنكار الوحي، مهما استخدموا ms484 ~~لفظة «الله» فيما يكتبون. إنما هم يقدمون مبدأ، أو روحا (وهي ~~شيء لا يمكن أن تدركه الحواس)، وهذه الروح شيء أشبه بالقوة التي ~~تحرك العالم كله، من الفئران إلى الناس، ولكنهم يقعون في معضلة ~~تشبه معضلة رجال الدين. ذلك أن الروح لا بد أن تؤدي عملها، ومن ~~ثم فإن كل ما هو موجود حق، وإلا لما وجد. ومثل هذا الجدل يسيء ~~إلى أفراد كثيرين، بل هو يضايق في أغلب الأحيان المفكر الذي ~~يثيره. # لم يكن هيجل قدريا، إنما كان ألمانيا وطنيا أراد أن ~~يغير بعض الأشياء على الأرض وأراد - مثلا - أن يحط من قدر ~~العادات الفرنسية، ويرفع من شأن العادات الألمانية. وقد خرج من ~~معضلاته المنطقية - أو ظن أنه خرج منها - وذلك بإطلاق ما أسماه ~~«الروح العالمية» تعمل في التاريخ، والزمان بخطة كاملة، ولكنها ~~غير ثابتة أو مستقرة. وهذه العملية، التي زاد من شهرتها تلميذه ~~كارل ماركس، عرفت بالطريقة «الجدلية». تضع الروح فكرة ما كالحرية ~~الإغريقية تثير بطريقة ما عكسها تماما، وهو في هذا المثال ~~الاستبداد الشرقي، وهو عكس فكرة الحرية الإغريقية. الفكرة وضدها، ~~مجسدتان في الإرادات والشهوات البشرية، تتصارعان في سلسلة عظيمة من ~~ضروب الكفاح تنظمها الروح العالمية، ومن هذا الكفاح أخيرا تصدر ~~«الفكرة المركبة»، وهي في هذا المثال «الحرية المنظمة» الجرمانية ~~وفيما يلي نموذج لا يمثل هيجل أفضل تمثيل في آرائه وطرائقه ~~- وذلك لأن النموذج يعالج وقائع محسوسة يفترض أكثرنا أنها لا تتضح ~~فعلا بنوع العمل الذي يقوم به هيجل: ~~«إن خير جواهر الأرض هو الألماس الذي يسر كل عين، لأنها ~~ترى فيه الثمرة الأولى (الفكرة المركبة) التي تتولد عن التقاء ~~الضوء (الفكرة) بالثقل (عكس الفكرة) والضوء مجرد، هويته حرة حرية ~~كاملة - والهواء يمثل هوية العنصر الأول، أما الهوية الثانوية ~~فهي السلبية الكامنة في الضوء، ومن ثم كان شفوف الجوهر. أما ~~المعدن - من ناحية أخرى - فهو معتم، لأن الجزيء فيه يتركز في وجود ~~مستقل بذاته عن طريق الكثافة النوعية العظمى.» # إن الفكرة المركبة ليست توفيقا بين الفكرة وضدها، ms485 وليست ~~توسطا للفارق بينهما، ولكنها شيء جديد كل الجدة، يتولد عن كفاح ~~سار. ومن الحق أن هيجل ربما ظن أن المرحلة البروسية من نضجه العلمي ~~كانت نهاية العملية، أو الفكرة المركبة الكاملة. غير أن النقطة ~~الهامة بالنسبة إلينا التي ينبغي ألا تفوتنا فهي أن المثالية ~~الفلسفية الشكلية ذاتها، التي تميل إلى تأكيد الثابت على المتحرك، ~~والمستقر على المتغير، كانت لا بد أن تتلاءم في هذا القرن التاسع ~~عشر مع الشعور القوي بالزمان، وبالتحول، والتغير، والتقدم، ~~والتطور. # وأهم من تفصيلات هذه الفلسفات المثالية بالنسبة إلينا نجاحها؛ ~~فقد كان لها مركز الصدارة في ألمانيا منذ بداية القرن، وفي إنجلترا ~~- وبخاصة في الدوائر العلمية - تغلبت تدريجا على المقاومة الممثلة ~~في المذهب التجريبي الذي كانت له تقاليد قوية في بريطانيا. ولما ~~أشرف القرن على نهايته كان ت. ه. جرين وبرادلي، وبواسنكيه - وكلهم ~~مثاليون - أبرز الفلاسفة المحترفين بالتأكيد. وفي الولايات المتحدة ~~تردد صدى مثالية جوشيا رويس من فوق المنابر وكراسي الجامعات، بل ~~لقد غزت المثالية فرنسا، بلد المنطق البسيط الرزين؛ حيث كانت اللغة ~~لا تميز بسهولة بين «الإدراك» و«العقل» كما يتميزان في اللغة ~~الألمانية، وفي قرن فيه كثير من الحرية الفكرية كالقرن التاسع ~~عشر، لم يكن بوسع مدرسة فلسفية أيا كانت - بطبيعة الحال - أن ~~تسير الأمور وفقا لطريقتها وحدها. فازدهرت أشكال عديدة من ~~المادية، والوضعية، والبراجماتية، وغيرها من الفلسفات التي تصدر عن ~~عقول جامدة عمدا، ازدهرت حتى في ألمانيا. والواقع أن المفكر ~~الإنجليزي هربرت سبنسر حاول نوعا من «التلخيص» لمادية القرن ~~التاسع عشر التطورية العلمية، وظل أجيالا عديدة نوعا من أنواع ~~الأبطال الثقافيين للشعوب «المتقدمة» بوجه عام. # ويتضح من ذلك أن الشخص المتعلم العادي - وكان هناك في أواخر ~~القرن التاسع عشر ملايين الأشخاص من هذا الطراز في العالم الغربي - ~~قد غير في المائة سنة التي أعقبت الثورة الأمريكية والثورة ~~الفرنسية كثيرا من اتجاهاته الفكرية. وقد أكدنا فيما سبق التحول ~~الذي حدث في الفلسفة الشكلية الأكاديمية، من لوك أو بنتام مثلا ~~إلى هيجل وبوسانكيه. وقد تقول ms486 إن الفلسفة الشكلية لم يكن لها قط ~~تأثير بالغ حتى على عامة المتعلمين وتستطيع أن تضيف إلى هذا القول ~~هذه الحقيقة الخاصة: وهي أن الفلسفة بحلول القرن التاسع عشر كانت ~~بسبيل التحول إلى موضوع تخصص أكاديمي بحت، لا يكاد يراه إلا ~~الأساتذة، فكان بذلك يزداد انقطاعا عن عامة المتعلمين. غير أن ~~هناك صنوفا كثيرة أخرى من الاختبار، كالفن، والأدب، والدين. وكان ~~الرجال والنساء في كل ذلك يميلون في القرن التاسع عشر إلى الحط من ~~قدر آبائهم وأمهاتهم في القرن الثامن عشر، ويعدونهم سطحيين، ~~نثريين، معرفتهم ضحلة، لم يشعروا أو يفكروا قط في الواقع ~~شعورا أو تفكيرا عميقا. كانوا قوما لم يعيشوا حياتهم ~~كاملة. # ومع ذلك فإن هذه الفوارق تصبح باهتة أمام هذه الحقيقة: إن كلا ~~القرنين يشتركان في أساسيات النظرة الكونية الحديثة. وكلاهما يعتقد ~~التقدم هنا فوق هذه الأرض، وكلاهما يؤمن بأن انقلابا أساسيا ~~يمكن أن يحدث في كل نظام من النظم هنا مما يضاعف السعادة ويخفف ~~من الآلام. وكلاهما في الصميم متفائل يؤمن بالتحسن. والعناصر ~~الرومانتيكية والمثالية في ثورة القرن التاسع عشر على القرن الثامن ~~عشر ربما ينبغي في المنطق الصارم أن تجعل العقيدة المتفائلة بإمكان ~~الكمال البشري أمرا مستحيل الوقوع. وإحياء العاطفة، والخيال، ~~والشعور بالكليات العضوية كان لا بد أن يجعل الفردية التي ينادي ~~بها مبدأ «دعه يعمل» والارتباط البسيط الساذج بمشروعات الإصلاح، ~~والآمال العريضة في انقلاب سياسي في السلوك البشري، أمورا أقل ~~شيوعا. وقد استخرج بعض الناس بعض أمثال هذه النتائج من الثورة ضد ~~عصر النثر وعصر العقل، ولكن رجل الشارع لم يفعل ذلك. وقد تمثل ~~الطبيعة للقرن التاسع عشر مناظر الطبيعة الوحشية، والملاهي ~~الهمجية، والوفرة بغير تدبير، بدلا من الحقول الهادئة، والفن ~~التقليدي، والنظام والتسوية التي كانت تبدو طبيعية في القرن الثامن ~~عشر. غير أن الطبيعة كانت في كلا القرنين حليفا مواسيا للإنسان، ~~تكاد تتغلب على كل خصومه غير الطبيعيين فلا تكون لهم بعد ذلك عودة ~~أو رجعة. وفيما كتب لويس مورجان العالم الأمريكي في الأنثروبولوجيا ms487 ~~في عام 1877م صدى لما كتب كندرسيه قبل ذلك بقرن من الزمان. يقول ~~مورجان: ~~«الديمقراطية في الحكم، والإخاء في المجتمع، والمساواة في الحقوق ~~والامتيازات، وتعميم التعليم، كل ذلك يشير إلى المستوى الأعلى ~~التالي في المجتمع، المستوى الذي تتجه إليه التجارب، والذكاء، ~~والمعرفة، بخطوات مطردة.» # التوفيق في عهد فكتوريا # ليس من شك في أن في محاولة رسم الخطوط العريضة للنظرة العالمية ~~للرجل المتوسط من أهل الغرب في القرن التاسع عشر أمرا عسيرا؛ لأن ~~الأوساط في الغالب لا يوجدون في الحياة. ثم إن التنوع الذي ~~نلمسه في القرن العشرين هو كذلك حقيقة من حقائق القرن التاسع عشر، ~~ومع ذلك فإن القرن التاسع عشر هو القرن العظيم بالنسبة إلى النفوذ ~~والقوة الإنجليزية؛ فالرجل الإنجليزي هو الذي وضع المعايير حتى ~~لتلك «السلالات الأدنى منه» والتي كانت تمقته. كان الرجل الإنجليزي ~~العادي من الطبقة الوسطى هو أنجح بني الإنسان في القرن الماضي، ~~وأعظمهم أملا، وأكثرهم تمثيلا للإنسان. كان الوريث الواضح لحركة ~~التنوير، ولكنه مارس ممارسة كاملة الاتجاهات المتنوعة للمبادئ ~~المعادية لهذه الحركة. وقد قاد المعركة ضد الثورة الفرنسية. ورحب ~~شعراؤه وواعظوه وفنانوه جميعا بالأعماق الجديدة للشعور الذي جلبته ~~الحركة الرومانتيكية. ولم تكن تقاليده بالتأكيد تميل إلى جانب ~~الإيمان بالكمال، ولم تكن مشجعة لأولئك الذين كانوا يأملون أشد ~~الأمل في التحول السريع (الذي يسير على نهج معين) في السلوك البشري ~~- كان أكبر المنتفعين من الثورة الصناعية، عضوا في أعظم وأقوى ~~دولة في عالم تتنافس فيه الدول. ولم تكن وطنيته بحاجة إلى أن تنم ~~عن لمسة من لمسات عقدة النقص؛ لأن الرجل الإنجليزي. كان في قمة ~~العالم، وما فعله بميراث حركة التنوير جدير بالبحث. # كان الرجل الإنجليزي يؤمن بالتقدم المادي. والواقع أن الناس في ~~كل أنحاء العالم الغربي كانوا في ذلك الحين يسلمون بأن المشروعات ~~الاقتصادية والمخترعات لا بد أن تؤدي إلى مزيد من وسائل الراحة. ~~وظهرت «المدائن الفاضلة» مزودة تزويدا كاملا بالحيل الآلية ~~التي كثيرا ما كانت تنتهي باستغلالها في الإنتاج. ومن ثم فإن ~~إدوارد بلامي ms488 الأمريكي - الذي ~~يعتبر كتابه «النظر إلى الوراء» الذي نشره في عام 1889م أشهر هذه ~~الجنات الآلية - يتخيل أن شخصية البطل رب فان وينكل التي بدعها ~~تتعجب من حيلة آلية يمكن بضغط أحد أزرارها أن يتدفق في الحجرة ~~فيض من الموسيقى. ولكن المتنبئين مع ذلك كانوا يخطئون أحيانا؛ ~~فقد تنبأ باكولي في الدفعة الأولى من التحمس للسكك الحديدية أن ~~القرن العشرين ستنعدم فيه الطرق العامة والشوارع؛ لأن كل شيء سوف ~~يتحرك فوق القضبان. واعتبر الرجل الفكتوري الرفاهية المادية أمرا ~~لا بد من تحقيقه. لم يكن يخجله أن يعيش عيشة مريحة، ولم يأبه ~~كثيرا بالنقص البادي في منتجات الآلات من الناحية الجمالية. وكان ~~يعلم بوجود فنانين من أمثال رسكن وموريس الذين كانوا يرون أن هذه ~~السلع الرخيصة المصنوعة بالآلات كانت كئيبة إلى درجة يرثى لها، ~~ولكن ليس هناك ما يدل على أن علمه بذلك قد أمسك بيده عن ~~الشراء. # كان الرجل في عهد فكتوريا على ثقة تامة بأنه يعرف لماذا تدفقت ~~هذه الرفاهية المادية على بريطانيا العظمى. ذلك أن الشعب البريطاني ~~في عقيدته موهوب بصفة خاصة في القدرة على الابتكار، وقوة التفكير، ~~والاختراع، وحب العمل الشاق. كان هذا الشعب - في عبارة موجزة - ~~يملك الصفات الإنسانية الضرورية للنجاح. ولكنه كان كذلك يعتقد أن ~~هذا الشعب يملك مجموعة من النظم، والوسائل الاجتماعية والسياسية ~~للقيام بالأعمال المختلفة، اللازمة لهذه المواهب لكي تؤتي ثمارها. ~~ويسوقنا ذلك إلى العقيدة الكبرى في عهد فكتوريا في المذاهب ~~الاقتصادية التي تأخذ بمبدأ «دعه يعمل». ولم يكن ذلك بطبيعة الحال ~~لأن رجال الأعمال كانوا جميعا اقتصاديين، ولكني أقول كذلك إن ~~المسيحيين ليسوا جميعا من الدارسين لأصول الدين. والواقع أن لدينا ~~في هذا الموقف مثلا من الأمثلة الكلاسيكية لاتخاذ العامة لمبادئ ~~من وضع رجال الفكر. الاقتصاد هو أكثر العلوم الاجتماعية تطورا، ~~وله تاريخه الخاص، الذي يحتاج لسرده كله إلى مجلد في ضخامة هذا ~~الكتاب على الأقل. وقد التقينا به من قبل في هذا الكتاب، ولكن ~~لقاءنا معه كان عرضيا. ومهما يكن من ms489 أمر فإن الآراء التي تتعلق ~~بكيفية توجيه الإنتاج وتوزيع الثروة توجيها صحيحا - في القرن ~~التاسع عشر - ولا أقول مجرد الآراء التي يوحي بها الإدراك العام أو ~~التقاليد والتي تتصل بطريقة معينة من طرق كسب العيش، وإنما الآراء ~~المتطورة تطورا كاملا في إطار نظري له نتائجه السياسية والخلقية ~~- هذه الآراء شاعت شيوعا عاما. وأقول في إيجاز إن في النظرة ~~الكونية الفكتورية عنصرا اقتصاديا قويا. # والمبدأ الأساسي بسيط، وهو أن الأفراد، أو الأفراد المشتركين ~~بحريتهم في شركات مساهمة مشتركة (ولا أقول المشتركين في الاتحادات ~~بالمعنى الذي يفهمه منها الرجل الذي يمثل روح القرن التاسع عشر) ~~يجب أن يصنعوا، وأن يشتروا، وأن يبيعوا ما يشاءون وبأية طريقة ~~شاءوا. وإنما تحدد الأسعار والمعايير حرية هذه المنافسة طبقا ~~لقانون العرض والطلب (وهو قانون كان الفكتوري يظن أنه في أساسه ~~كقانون الجاذبية). ومن مثل عمليات المنافسة هذه يتوافر - بقانون ~~الطبيعة - الحد الأقصى من السلع، ويتوزع بالحد الأقصى من العدالة ~~الاجتماعية، فيحصل كل فرد بالضرورة على ما كسبه بموهبته وعمله. ~~ويجب أن يستمر النشاط الاقتصادي دون أي تدخل من سلطات الحكومة ~~تقريبا، ويحتاج رجل الأعمال - على أية حال - إلى أن يكون هناك نوع ~~من أنواع تنظيم العقود على الأقل، وبالرغم من أن الأعمال الأنانية ~~التي يقومون بها يكون لها عادة وقع طيب على المجتمع، إلا أن بعضهم ~~يتجاوز حدوده أحيانا. ومقاومة الخداع إذن واجبة، كما أن هناك حاجة ~~إلى ممثلي الحكومة لتنفيذ العقود. إلا أن القوانين الإيجابية من ~~جانب الحكومة، كتقرير حد أدنى للأجور - مثلا - لا ينبغي أن يسمح ~~لها بالتدخل في انسجام الطبيعة. وهناك في الواقع نتيجة حتمية في ~~الاقتصاد القديم، وضحت بالفعل ~~من قبل في مؤلفات آدم سميث؛ وهي أن الاحتكار - أو السيطرة على أي ~~سوق بأي تنظيم تجاري منفرد، هو أعظم الشرور. غير أن كثيرا من ~~الاقتصاديين القدامى وأتباعهم - وهم في ذلك من أبناء حركة التنوير ~~الأبرار - اعتقدوا أن الاحتكار في الواقع من «خلق» الحكومات نتيجة ~~للتراخيص والتعهدات وما إلى ذلك مما تعمل. واعتقدوا ms490 أن رجال ~~الأعمال لو تركوا لأنفسهم لا يخلقون الاحتكار من تلقاء أنفسهم ~~طائعين، وذلك بالرغم من أن آدم سميث - بما عرف عنه عن إدراك طيب ~~سليم - لم يسعه إلا أن يلاحظ أن التجار كلما تجمعوا حاولوا أن ~~يتحدوا وأن يشكلوا لونا من ألوان الاحتكار. ولما اتضح - وبخاصة في ~~أمريكا في القرن التاسع عشر - أن الاحتكار، أو التوكيل، كان يوجد ~~بهذه الطريقة، امتد المبدأ الاقتصادي: «دعه يعمل» من غير تحوير إلى ~~سيطرة الحكومة - فيما عدا تنفيذها للعقود - ليخضعها له. إن ~~الاحتكار الذي يحد من التجارة يمكن أن يحرمه القانون، كما ~~يمكن للدولة أن «تحتم المنافسة». # هذه، في صورة مختصرة، هي النظرية الاقتصادية الكلاسيكية كما ~~تسربت إلى رجال الأعمال في القرن التاسع عشر في صيغة مبسطة ~~نسبيا. ولكن المبدأ لاقى معارضة من بعض المفكرين على الأقل، كما ~~سنبين في الفصل التالي. ولم يتردد العمال في محاولة انتهاك قانون ~~العرض والطلب في العمل، وذلك بتنظيمهم أنفسهم في نقابات عمالية منذ ~~بداية القرن. ومع ذلك فإن بعض اتجاهات الاعتماد على معاونة المرء ~~لنفسه وعلى الابتكار الفردي، وعدم الثقة بتنظيم الحكومة للنشاط ~~الاقتصادي، تسربت إلى الطبقات العاملة. ولا يزال المبدأ القديم: ~~«دعه يعمل»، المثل الأعلى، والعقيدة المقدسة في المجتمع التجاري ~~والمهني في أمريكا - وذلك بالرغم من أن هذا المجتمع قد اضطر إلى ~~أن يكيف سلوكه طبقا لعالم واقعي أبعد ما يكون عن العالم الذي ~~يأخذ بالنظرية الاقتصادية التقليدية. # والواقع أن النظرية التي تنادي بأن تسير الدولة على مبدأ: «دعه ~~يعمل» مثال رائع للمشكلة المعقدة، التي لم تفهم قط فهما جيدا، ~~مشكلة العلاقة بين نظريات العلاقات الإنسانية والحياة الواقعية في ~~هذه الدنيا. وهذه العلاقة كما ذكرنا من قبل ليست هي نفس العلاقة ~~بين قانون الجاذبية وعمل المهندس. والواقع أن كثيرا ممن يدرسون ~~شئون الناس اليوم يقفون موقفا يشبه موقف جورج سورل الفرنسي صاحب ~~النظريات السياسية، الذي يسمي النظريات من هذا القبيل «أساطير». ~~والمؤمنون بهذه الأساطير يكتسبون الشجاعة من عقيدتهم، ويجدون ~~الأساطير نافعة من كثير من الوجوه. ms491 ~~بيد أن الأساطير ليست تعميمات ~~تحليلية للواقع. ويجب أن نعود إلى هذا التفسير الذي لا يتفق والعقل ~~في فصل مقبل. ومن العسير أن نلفظ التفسير جملة واحدة، وبخاصة فيما ~~يتعلق بالنظريات الاجتماعية الضخمة. وربما استطاع الرجل الأمريكي ~~أن يفهم المشكلة على خير وجه من نظرية حقوق الولايات، وهي النظرية ~~التي نألفها جميعا. في عام 1814م في مجمع هارتفورد لجأت ولايات ~~إنجلترا الجديدة إلى النظرية وهددت بالانفصال. ولم ينقض بعد ذلك ~~قرن من الزمان حتى حاربت هذه الولايات نفسها لكي تمنع الولايات ~~الجنوبية من أن تفيد من التجائها إلى نفس النظرية. ويمكن أن يقال ~~إجمالا أن الجماعات السياسية الأمريكية المتنوعة أشد تنويع لجأت ~~من حين إلى آخر إلى نظرية حقوق الولايات. # فإذا كانت نظرية: «دعه يعمل» يمكن تكييفها كنظرية حقوق الولايات، ~~فإنا نتوقع من رجال الأعمال أن يعارضوا في تدخل الدولة ويؤيدوا ~~الابتكار الفردي في بعض الأحيان عندما يجدون أن مثل هذه السياسة ~~تتفق ومصالحهم الخاصة كما يرونها، ولكنهم يقبلون تدخل الدولة إن ~~كان ذلك في مصلحتهم، وهكذا كانوا. وحتى المجتمع التجاري البريطاني؛ ~~ذلك المجتمع الذي استطاع في منتصف القرن التاسع عشر أن ينشر في ~~البلاد مبدأ التجارة الدولية الحرة - قبل دون عناء كبير مجموعة ~~بأكملها من قوانين الحكومة التنظيمية التي تتعلق بالمصانع، وتشغيل ~~الأطفال، وتنظيف المداخن، ونقابات العمال، وما إليها، وأكثرها من ~~وحي بنتام. وكذلك أممت التلغرافات البريطانية تقريبا من بداية ~~الأمر في عام 1856م. وفي أقطار أخرى - وبخاصة في ألمانيا ~~والولايات المتحدة - لم يبد ~~مجتمع رجال الأعمال استياء قط من حيث المبدأ، وعلى وجه العموم (بل ~~وبالتفصيل أحيانا) من شكل من أشكال السيطرة الحكومية الصارمة عرف ~~بالرسوم الجمركية. وكان أشد المنادين بالفردية حماسة في الولايات ~~الغربية من الولايات المتحدة هم أعلى الناس صوتا في المناداة ~~ب «الإصلاحات الداخلية» التي تدفع نفقاتها الحكومة الفيدرالية ~~وتنفذها. ويمكن أن نقول إجمالا إن التجربة الأمريكية دلت على ~~أنه بالرغم من أن الاتجاه الذي ينتظر أن يسلكه الرجل الأمريكي هو ~~التشهير بالسياسة، والساسة، وإنفاق ms492 الحكومة، إلا أن قلة صغيرة ~~جدا من الجماعات الأمريكية قد رفضت السماح للحكومة الفيدرالية ~~بإنفاق المال على هذه الجماعات. # ومع ذلك فإننا بعد كل هذا التعديل الذي ذكرنا عن نظريات الاقتصاد ~~الكلاسيكي - وهو تعديل في غاية ~~الأهمية - وبعد إدراكنا أن وقائع الحياة الاجتماعية ~~لا تتفق قط مع هذه النظريات، ~~بعد هذا كله نلمس اندفاع هذا المثل - أو هذه النظرية - بعيدا عن ~~اتجاه السلطة، ونحو اتجاه الحرية الفردية. ولكن مبدأ «دعه يعمل» لا ~~يدخل في الحياة في عهد فكتوريا باعتباره مذهبا مطلقا، ولكن ~~باعتباره جزءا من هذا الأسلوب يشجع - وبخاصة في حياة رجال الأعمال ~~- أولئك الذين يمكنهم أن يجربوا طرقا جديدة، وأولئك الذين ~~يستطيعون المغامرة. ومعنى هذا التشجيع أن من الرجال من حاول طرقا ~~جديدة لم تكن ناجحة، ومعناه أنه كان هناك فاشلون، كما كان هناك ~~ناجحون. معناه حقا أن عددا من الكائنات البشرية يريد أن يرفع ~~مستواه - مستواه المادي ومركزه الاجتماعي - أكبر ممن يستطيعون ذلك ~~فعلا. كان معناه - كما سوف نرى - أن الحاجة كانت ماسة إلى قوة ~~ما، إلى نوع من أنواع العقائد والعمل الاجتماعي لتعوض الفردية ~~المتطرفة، وهي الفردية التي أطلق عليها المثاليون الألمان ساخرين: ~~«مبدأ الذرية» في كثير من نواحي النشاط الاقتصادي والاجتماعي في ~~الغرب. # وأكثر الأمريكيين يعرفون لب هذه العقيدة الفكتورية الاقتصادية ~~الخلقية. والواقع أن لدينا عبارات محببة إلى نفوسنا نعبر بها ~~عنها فنقول: «الفردية الوحشية»، ولها عدة أشكال، منها عدم الثقة ~~عامة بالحكومة، والسياسة، والسياسيين، مما ذكرنا آنفا. وهناك ~~مجموعة كبرى من الحكم الشعبية، مثل: «جدف في زورقك وحدك»، ~~و«الله يعين من يعينون أنفسهم»، وكثير غير ذلك مما يشير إلى ~~انعدام الثقة هذا في «الحكومة» كعنصر من العناصر الأساسية في ثقافة ~~الغرب، لا يجد في القرن التاسع إلا مجرد التأييد له، وانتشاره بين ~~جميع الطبقات. # إن القرن التاسع عشر يشهد في كل أنحاء العالم الغربي درجة من ~~درجات الاعتقاد في الفردية، الاعتقاد الذي يجد نوعا من أنواع ~~التبرير النظري والتأييد في مبدأ «الحقوق الطبيعية». وقد رأينا ms493 أن ~~هذا المبدأ قديم جدا في الواقع، وقد كانت الحقوق ~~الطبيعية - مثلا - في العصور ~~الوسطى ملكا للأفراد، ولكن بغير مساواة، بل وبغير إطلاق، وإنما ~~كجزء من مركب العادات والتقاليد بأسره الذي نشأ فيه الأفراد. ~~والتقت الحقوق بالعقل في تفكير القرن الثامن عشر، ولما أشرف القرن ~~على نهايته أصبحت «حقوق الإنسان» أمرا مألوفا. وكان المضمون ~~المحسوس لهذه الحقوق يختلف باختلاف المفكر السياسي الذي كان يطالب ~~بها، ولكنه صيغ في قوانين وإعلانات للحقوق، وبخاصة في الولايات ~~المتحدة وفرنسا. وكان الرجل الإنجليزي في أيام فكتوريا يحس في ~~الأغلب أنه يملك الحقوق دون الحاجة إلى أي تعبير صريح عنها. # وجوهر فكرة الحقوق هذه هو أن الفرد - أي فرد وكل فرد - يستطيع أن ~~يسلك مسالك معينة بالرغم من أن الأفراد أو مجموعات الأفراد الأقوى ~~والأغنى لا تريده أن يسلك هذه المسالك. ومن الجماعات التي لا ينبغي ~~أن تتدخل في سلوكه مسلكا معينا تلك الجماعة القوية التي نسميها ~~الدولة. والواقع أن «الدولة» هي الجماعة المنظمة التي كان الشكل ~~الذي اتخذه مبدأ الحقوق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ~~مصوبا إليها. وكانت الحقوق تتضمن عادة حرية الكلام، وحرية ~~المشروعات الاقتصادية (ويعبر عنها عادة بحرية «الامتلاك») وحرية ~~الاجتماع في غالب الأحيان، كما تضمن حقا مفهوما على الأقل في ~~مستوى أدنى معين للمعيشة، ويتخذ هذا الحق أبسط صورة له في حق ~~المرء في أن يعيش. وهذه الصورة عن حقوق الأفراد هي في أساسها ~~المعادل الحديث للصورة المسيحية عن قداسة الروح الخالدة عند كل ~~إنسان، والصورة الإنسانية عن كرامة الإنسان. وهي صورة معادلة مجردة ~~- تجردت من أكثر ما في المشاعر المسيحية من عمق وغموض. ولكن فكرة ~~«الفردية الوحشية» العامة، بل المبتذلة، محسوسة في التقاليد ~~الغربية. كما أن الإنكار الشامل لحقوق الأفراد ليس له وجود ~~فيها. # وليس الأمريكيون بحاجة إلى أن يذكروا أن هذه الحقوق ليست في ~~ممارستها مطلقة، ثابتة لا تتغير، وأن الدولة - على سبيل المثال - ~~تستطيع أن تستولي على ملكية أي فرد للصالح البين العام - وإن كانت ~~الدولة في ms494 نوع مجتمعنا لا بد أن تعوض المالك - وأن الدولة، بل ~~والجمعيات العديدة المتطوعة، تستطيع لحماية الأخلاق أن تحد من ~~حرية الفرد في الكلام، وأن المجال المحدود الذي يستطيع المرء - في ~~إيجاز - أن يختص به نفسه في ظل هذا المبدأ يمكن أن يتلاشى كله ~~تقريبا في بعض الأحيان. ولسنا كذلك بحاجة إلى أن نذكر أن هذا ~~المجال الضيق في القرن الماضي - أو فيما يقرب منه - منذ العهد ~~الفكتوري الأوسط قد انكمش حتى في الولايات المتحدة ولا تستطيع أن ~~تجد تعريفا أحسن تعبيرا عن المجالات التي كان الرجل المتحرر ~~المخلص في عهد فكتوريا يعتقد في ضرورة تقديسها بالنسبة إلى الفرد ~~من مقال جون مل «عن الحرية» في عام 1859م. وفي كتابات مل أجزاء ~~صداها اليوم في مسامعنا يشبه كتابة رجل محافظ يدافع عن الفردية ~~العتيقة ضد «القانون الجديد». # غير أن مل مغرق في التفكير، وأنت تستطيع أن تدرك إدراكا أوسع ~~لإحساس الرجل الفكتوري العادي من كتاب يذكره كل المؤرخين ~~الاجتماعيين، وإن لم يقرأه أحد؛ لأنه ليس بالكتاب العظيم بأي معنى ~~من المعاني. هذا الكتاب هو «عاون نفسك» لصمويل سمايلز، الذي نشره ~~في عام 1860م في نفس الوقت تقريبا الذي نشر فيه داروين كتابه «أصل ~~الأنواع» ونشر فيه مل مقالا «عن الحرية»: ~~... يتضح لنا يوما بعد يوم ونزداد إدراكا أن وظيفة ~~الحكومة سلبية مانعة أكثر منها إيجابية فعالة؛ فهي ترجع ~~أساسا إلى الحماية - حماية الحياة، والحرية، والملكية. ~~ومن ثم فقد كانت الإصلاحات الرئيسية في الخمسين السنة ~~الأخيرة تنحصر أساسا في إلغاء وإبطال بعض التشريعات، ولكن ~~ليست هناك قوة أو قانون يستطيع أن يحمل الكسول على الجد، ~~والمستهتر على الحرص، أو مدمن الشراب على الصحو. وإن كان ~~كل فرد يستطيع أن يتصف بإحدى هذه الصفات أو بها كلها إن ~~أراد، وذلك باستعمال قدراته الحرة على العمل وإنكار الذات. ~~والواقع أن كل الخبرات تثبت أن قيمة الدولة وقوتها لا ~~تتوقف على شكل دستورها بمقدار ما تتوقف على صفات أبنائها؛ ~~لأن الأمة ليست إلا مجموع الظروف ms495 الفردية، وليست المدنية ~~ذاتها إلا مسألة تقدم الأشخاص ... إن صفة الجماعة في الأمة ~~- بحكم الطبيعة - لا بد أن تجد نتيجتها التي تلائمها في ~~قوانينها وحكومتها، كما يجد الماء مستواه. الشعب النبيل لا ~~بد أن يحكم حكما نبيلا، والشعب الجاهل الفاسد لا بد أن ~~يحكم حكما غير نبيل. والواقع أن الحرية نمو أخلاقي ~~بمقدار ما هي نمو سياسي - هي نتيجة العمل الفردي الحر، ~~والنشاط الفردي الحر، والاستقلال الذاتي الحر - وقد تكون ~~الطريقة التي يحكم بها المرء من خارج نفسه ذات خطر قليل ~~نسبيا، في حين أن كل شيء يتوقف على الطريقة التي يحكم ~~بها نفسه من داخله. إن أشد العبيد ذلا ليس ذلك الذي ~~يحكمه حاكم مستبد، بالرغم مما في ذلك من شر عظيم، وإنما ~~هو ذلك الذي يتحكم فيه جهله الأخلاقي، وأنانيته، ورذيلته. ~~لقد كان - وربما لا يزال ~~- هناك في الخارج من ~~يسمون وطنيين، يحسبون أن أعظم خطوة نحو الحرية هي قتل ~~الحاكم الظالم المستبد، ناسين أن هذا الحاكم إنما يمثل ~~عادة في صدق وإخلاص شديد ملايين البشر الذين يسودهم، ولكن ~~الأمم المستعبدة في صميمها لا يمكن أن تتحرر بأي استبدال ~~في السادة أو النظم، وما دام الضلال القاتل قائما، وما ~~دامت الحرية تتوقف فقط على الحكومة، وتنحصر فيها، فإن مثل ~~هذا الاستبدال - مهما يكن ثمنه - لا تكون له إلا ~~نتيجة دائمة عملية ~~محدودة، كأن التحول لا يعدو أن يكون انتقالا من صورة إلى ~~أخرى في «خيال الظل». إن الأسس المتينة للحرية يجب أن ~~تستند إلى الصفات الفردية. وهي كذلك الضمان الأكيد الوحيد ~~للأمن الجماعي والتقدم القومي. وذلك هو أساس القوة ~~الحقيقية للحرية الإنجليزية. إن الإنجليز يحسون أنهم ~~أحرار، لا لمجرد أنهم يعيشون في ظل تلك النظم الحرة التي ~~بنوها بمشقة كبرى، بل لأن كل عضو في المجتمع عنده جذور ~~الموضوع في نفسه إلى درجة ما - كبيرة كانت أو صغيرة. وهم ~~يتمسكون بحريتهم تمسكا شديدا ويتمتعون بها لا عن طريق ~~حرية الكلام فحسب، وإنما كذلك عن طريق حياتهم الثابتة ~~وعملهم ms496 الناشط باعتبارهم أفرادا أحرارا. # وفي هذه الفقرات الصغيرة قدر هائل من العقائد الفكتورية ~~التقليدية - ومنها الإنكار الاسمي بأن الكل قد يكون أي شيء سوى ~~مجموع أجزائه، وهو اتجاه معهود في ذلك الحين. ولكن سمايلز يضع في ~~وضوح أشد من هذا العامل الذي يوازن الفوضى الفردية الظاهرة التي ~~بشر بها. يقول: ~~«... وهكذا نعرض ما كان لأمد طويل موضع الإعجاب عند الأجانب - نشاط ~~صحيح للحرية الفردية، مع طاعة جماعية - برغم ذلك - للسلطة القائمة ~~- العمل الناشط الطليق للأشخاص، مع الخضوع المتشابه عند الجميع ~~للقانون الوطني، قانون «الواجب»». # والتوازن هو ذلك الذي وصفه شو بفطنته بالعبارة الشهيرة «الأخلاق ~~الفكتورية» أو «أخلاق الطبقة الوسطى»، وهو ذلك الأمر الذي ثار عليه ~~جيل السنوات العشر الأخيرة من القرن التاسع عشر ثورة عنيفة، وربما ~~كان هؤلاء الثائرون، الذين كانوا كذلك من المثقفين الذين أساءت ~~إليهم الأذواق الفكتورية وميادين النجاح الفكتوري، رواة ضعافا ~~لحقيقة الأعمال الفكتورية. ومع ذلك فإنك إن قصدت مباشرة إلى كتاب ~~الرواية الفكتوريين - وبخاصة إلى ~~ترولوب - لوجدت أن الفرد - على الأقل في الطبقة الوسطى والطبقة ~~العليا والطبقات الحاكمة - يتقيد بقانون صارم للسلوك، وهو تدريب ~~اجتماعي دقيق، وهو يوجد بطبيعة الحال في جميع المجتمعات على ~~النظام، وادماج نفسه في الجماعة عن رغبة. وهذا التكيف يتم عن طريق ~~تدريب اجتماعي دقيق، وهو يوجد بطبيعة الحال في جميع المجتمعات على ~~صورة من الصور، والمفروض أن الحياة الاقتصادية في المجتمع الفكتوري ~~كانت تسير على غير نسق، في حين أن الحياة الاجتماعية كانت تخضع ~~للنظام. وكان تأكيد الحرية يوازن بتأكيد السلطة. # ولسنا بحاجة إلى أن ندخل في تفصيل شديد فيما يتعلق بهذا الناموس ~~السلوكي. إنه يستحق الدراسة المباشرة في مخلفات الثقافة الفكتورية ~~ذاتها، وهي على قربها منا، وعلى أنها جزء منا، بعيدة عنا في ~~منتصف القرن العشرين. وربما وجد الأمريكي الحديث أن البناء ~~الاجتماعي والأخلاقي للأسرة غريب عنه جدا. الأسرة بحجمها ~~الكبير نسبيا، والسلطة الكبرى للأب، والتربية الصارمة التي يتعرض ~~لها الأطفال، وإخضاع الإناث للذكور، وندرة الطلاق، بل والفزع منه. ~~إن ms497 أكثر الآباء الفكتوريين شفقة ما كان يطرأ على باله أن يعامل ~~أطفاله ب «التسامح» وهو السلوك العصري في أكثر الأسر الأمريكية. إن ~~كتاب صمويل بتلر «طريق الجسد» هو من تأليف ثائر مفكر جدا، ~~والصورة التي يرسمها الأب الفكتوري قد تكون باطلة وشاذة، ولكن الأب ~~الذي رسمه بتلر كان لا يمكن أن ينشأ في أي مجتمع آخر. # وما بدأته الأسرة واصلته المدارس الداخلية، أو المدارس «العامة» ~~(أي الممتازة) التي تناظر المدارس الخاصة الأمريكية، التي كان ~~يلتحق بها على الأقل أبناء الطبقة العليا والطبقة الوسطى. وقد كانت ~~هذه المدارس إسبرطية من بعض الوجوه، من حيث ترويضها للفرد، وصياغته ~~على صورة عضو في فريق، أو جماعة. وربما كان المراهقون بصفة خاصة ~~بحاجة إلى الترويض على النظام العام. كانت المدارس «العامة» ~~الإنجليزية تصوغ أبناءها على النمط المألوف في الروايات الإنجليزية ~~وفي أفلام هوليوود - الإنجليزي الذي يعرف واجبه، الإنجليزي الذي لا ~~يحتاج إلى شرطي؛ لأنه يملك الضمير، الإنجليزي الذي يستطيع أن يفعل ~~ما يشاء، لأنه لا يمكن أن يحب عمل شيء بالغ الضرر للمجتمع. وكان ~~هناك دائما بطبيعة الحال أبناء لم تمكن صياغتهم على هذه الصورة. ~~وهؤلاء هم العصاة الذين انتقل بعضهم إلى أنحاء العالم القصية، ~~والذين لم يخضعوا للنظام العام إلا بالقدر الذي يجعلهم يوصمون ~~بالشذوذ، وهم جماعة احتملهم الفكتوريون طبقا لمبادئهم، والذين ~~هاجم بعضهم النظام بأسره، أصوله وفروعه، مثل الشاعر شيلي في أحد ~~طرفي القرن، والشاعر سوينبرن في الطرف الآخر منه. # وإذن فإن الفوضى الهمجية، ذلك النضال الدارويني من أجل الحياة، ~~الذي دعت إليه المعتقدات الاقتصادية الرجل الإنجليزي المتوسط من ~~الطبقة الحاكمة - هذه الفوضى كانت توازن عند هذا الرجل بالعالم ~~النظامي؛ عالم الأدب واللباقة الذي كانت تعده له تربيته ~~وأسرته، وبالرغم من وجود عناصر عديدة من عدم الاستقرار في هذا ~~التوفيق الفكتوري، فإنه أمدنا خلال الجيل أو الجيلين اللذين دام ~~فيهما بفترة من تلك الفترات النادرة من الاتزان في التاريخ الغربي. ~~وهي فترة سلام من غير خمول، فترة من فترات التحول والتجريب خلت ms498 على ~~أية حال من القلاقل، وقرحات المعدة، والانهيار العصبي. # وكان التوفيق توفيقا مع المسيحية من ناحية ما. وقد بقيت الحركة ~~المناهضة لرجال الدين - التي دعت إليها حركة التنوير - حية في جميع ~~أنحاء العالم الغربي وبخاصة في البلدان الكاثوليكية، واتخذت لها ~~جذورا ثابتة في الثقافة الغربية حيث لم تعد الطاعة الدينية ~~الظاهرة مقررة بحكم القانون. ولكن بعد الاضطهاد الشديد الذي تعرض ~~له المسيحيون إبان حركة «التحلل من المسيحية» في الثورة ~~الفرنسية، مال الميزان إلى الناحية الأخرى نحو المسيحية، على الأقل ~~بين الطبقات المثقفة، وهو ميل أشار إليه إشارة واضحة الكاتب ~~الفرنسي الرومانتيكي شاتوبريان في كتابه «قداسة المسيحية» الذي ~~نشره في عام 1802م. ومن التعسف أن نقول إن شاتوبريان لم يتأثر ~~«بصدق» بالمسيحية. غير أن صدقها لم يكن بالتأكيد ذلك الذي أبرزه ~~في كتابه. أما ما أذهله، وما ظن أنه يؤثر في جيله، فهو جمال ~~المسيحية، وصفة الحركة في طقوسها الدينية، وأساس ماضيها الغوطي ~~الذي لا يبرح الأذهان. # ولا يصح أن نترك القارئ متأثرا بأن شاتوبريان يمثل الإحياء ~~المسيحي في القرن التاسع عشر، وحيثما كان هذا الإحياء معاديا لروح ~~العصر بشكل واضح، معاديا للتوفيق الفكتوري الذي حاولنا أن نعرفه ~~هنا، فإنا سوف نتعرض له في الفصل التالي. إن الاحتجاج المسيحي ضد ~~التوفيق المسيحي الذي كانت الكنائس تقوم به مع روح العصر كان ~~ثابتا وصارخا. ولا يمكن لدارس منصف للقرن التاسع عشر أن يهمل ~~هذا الاحتجاج، سواء أكان صادرا عن ميستر أم نيومان أم من الجنرال ~~بوث من «جيش الخلاص». غير أنه مما لا شك فيه أن هذا الإحياء - ~~وبخاصة في الأقطار البروتستانتية، وبالرغم من أن الشعوب ~~الكاثوليكية لم تخل منه - هو في الواقع توفيق في حد ذاته إلى حد ~~كبير؛ ذلك أن التفاؤل الأساسي بالنسبة إلى الطبيعة البشرية، ذلك ~~التفاؤل الذي تتميز به حركة التنوير، يتغلغل في مسيحية القرن ~~التاسع عشر، جنبا إلى جنب مع الرغبة في التوفيق مع الحركة العقلية ~~ومع الاتجاه نحو إراحة الأبدان. ولو أنك اكتفيت بعد الرءوس ~~المسيحية، ms499 ولو أنك قست بانتشار عمل المبشرين في جميع أنحاء ~~المعمورة، أو بالأناجيل المطبوعة، أو بالمواظبة على مدارس الأحد، ~~لانتهيت إلى أن القرن التاسع عشر كان أعظم القرون المسيحية؛ ~~لأن كل هذه الدلائل تشير إلى ~~السمو. ويستطيع المؤمن بإمكان كمال البشرية المتفائل - بطبيعة ~~الحال - أن يتمسك بأن هذه الدلائل هي التي تهمنا، وأن هذا المركب ~~الجديد المؤلف من المسيحية وحركة التنوير إنما هو مرحلة من مراحل ~~تحقيق هذا الكمال. # إن القرن التاسع عشر - من وجهة نظر المؤرخ - لا يتميز بأية طوائف ~~مسيحية جديدة كبرى. ولم تنشأ فيه قط طائفة بلغت من النجاح ما ~~بلغته طائفة النظاميين وجماعة الورعين في القرن الثامن عشر، عندما ~~صعد عصر النثر والعقل إلى أوج قمته. وكانت هناك جماعتان أمريكيتان ~~جديدتان - المورمون والعلماء المسيحيون - تسترعيان النظر من الوجهة ~~العددية. ولكن ربما كان تضاعف الجماعات الدينية المنشقة، والهرطقة ~~ضد الهرطقة، وبخاصة تلك الاتجاهات المؤلفة من عصارات شرقية، ربما ~~كان ذلك أقوى من أي عهد سلف. وازدهرت بين الطبقات المثقفة الناجحة ~~الجماعات «الموحدة» و«العالمية» التي كانت تنكر صراحة صفة السر ~~المقدس في عبادة يسوع، وهي جماعات كانت تشف عن تأثير عقلي قوي ~~فيها. وفي الطرف الآخر - أو في الظاهر على الأقل - قامت حركات ~~«الكنيسة العليا» في إنجلترا وأمريكا، بما عرف عنها من العودة إلى ~~الطقوس والتقاليد. ومن ثم فإن الإحياء المسيحي - أيا كان ~~لونه - لم يكن إحياء للوحدة المسيحية. إن القرن التاسع عشر كان في ~~الدين كما كان في فن العمارة متنوع الاتجاهات كما كان في ~~الكهربا. # بيد أن ارتياد الكنيسة كان أمرا لا بد منه بالنسبة إلى عامة ~~الناس من الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي نهتم بها هنا. وقد كان ~~معنى التوفيق الفكتوري أن العناصر الرئيسية في المجتمع لا يمكن بعد ~~ذلك أن تقف ذلك الموقف المتطرف المعارض للمسيحية، وهو الموقف الذي ~~وقفه كثير من المتنورين في القرن الثامن عشر. وقد أمست عداوة جفرسن ~~للديانة المنظمة تقض مضجعه لما اعتلى الرئاسة في عام 1800م. ولو أن ~~رجلا مثل ms500 جفرسن عاش في منتصف القرن التاسع عشر وقف موقفا صريحا ~~ضد الكنائس المسيحية المنظمة لأنكر على نفسه في بساطة العمل ~~السياسي في أكثر الأقطار. وليس معنى هذا أن صاحب طاحونة لانكشير ~~عندما يؤدي الصلاة في كنيسة الجماعة المحلية، وأن حامل الأسهم ذات ~~الفائدة السنوية عندما يرود كنيسة قريته، من المنافقين علنا وفي ~~صراحة تامة، فإن مثل هذا النفاق كان لا بد من وجوده في مجتمع تكثر ~~فيه الحوافز الاجتماعية وضواغط العمل التي تدفع إلى السلوك الديني ~~الشكلي المتشابه. ولكنا على حق حين نعتقد أن أكثر رواد الكنيسة ~~هؤلاء كان لا يزعجهم التباين بين حياتهم والمثل المسيحية. ومهما ~~يكن من أمر فإنا قد عرفنا المسيحيين الدنيويين منذ أمد بعيد. إن لم ~~يكن منذ ما ظهرت المسيحية. # أما ما يبرز هؤلاء المسيحيين الفكتوريين أمام أعيننا فقد لا ~~يعدو أن يكون تلك البراعة التي هاجمهم بها المفكرون من أمثال ~~برناردشو الذين جاءوا فيما بعد. ومع ذلك فهم يبدون لنا في منتصف ~~القرن العشرين مستقيمين أكثر مما ينبغي، وعاجزين عن إدراك عجز ~~الإنسان عن الوصول إلى تسوية مريحة مع المألوف، مطمئنين إلى صهيون ~~أكثر مما يجب. وربما كانوا محظوظين جدا من وجهة نظرنا. غير أن ~~إدماجهم لتعقل القرن الثامن عشر بعاطفة القرن التاسع عشر لم يتم ~~على الوجه الأكمل. وكانوا يظهرون على الأقل في سطحية العقليين ~~الأصفياء، وأقل اقتناعا بأن الله إنما يحتاج حقا إلى تفكير عميق ~~من ناحيتنا. # ويظهر في أشكال الحياة السياسية والاجتماعية في العالم الغربي في ~~القرن التاسع عشر تنوع شديد، من الديمقراطية التقليدية في ~~الولايات المتحدة إلى الملكية التقليدية في بروسيا. وقد كان العالم ~~الغربي - بمعنى ما - شبيها بالعالم الأصغر في القرن الخامس - ~~شبيها بهلاس. وكان يتكون من قوميات مماثلة لإسبرطة، وطيبة، ~~وأثينا. وليست الحكومة القومية إلا المدينة الحكومية على نطاق ~~أوسع. ومع ذلك فإن المرء يحس في أوروبا الحديثة أكثر مما يحس في ~~هلاس القديمة أن هناك نوعا من مجموعة اتجاهات عامة سائدة في كل ~~مكان، وهي اتجاهات لا ms501 تتفق اتفاقا كاملا قط في مختلف الأقطار، ~~وليست البتة على نفس العلاقة مع التيارات الأخرى في البلدان ~~المختلفة، ولكنها مع ذلك ليست أسطورة بأية حال من الأحوال؛ فهناك ~~ثقافة غربية، ووعي غربي من نوع واحد في القرن التاسع عشر. ولا ~~يتردد الماركسي في أن يطلق على مجموعة الاتجاهات كلها اسم «الطبقة ~~الوسطى». وإذا كان المرء يدرك أن كثيرا من هذه الاتجاهات كان يسود ~~أيضا بين الطبقات العليا والدنيا، فلا ضرر إذن من استعمال هذه ~~التسمية. # كان هناك في السياسة توفيق في القرن التاسع عشر كما كان في ~~الأخلاق والدين، وقد ذكرنا أن حركة التنوير ذاتها كانت منقسمة في ~~آمالها السياسية وفي برامجها، كما رأينا أن الفرد الواحد أحيانا - ~~مثل بنتام - كان يعتقد أن تناول الأقلية الحكيمة لشئون البيئة فيه ~~نفع كبير، كما يعتقد بقدرة الجماهير على اختيار حكامها بالانتخاب ~~العام. وقد استطاع القرن التاسع عشر في شيء من النجاح أن يتمسك ~~بآراء لا تبت ولا تقطع في هذه المعضلة الشائكة. كان يعتقد في ~~الحرية للجميع، وكان أفضل مخرج عند أهله هو الإيمان بالحرية بغير ~~استهتار. والتفرقة بين الحرية والاستهتار مسألة خلقية؛ فالمرء حر ~~في أن يفعل الصواب، ولكن فعل الخطأ معناه الاستهتار، وهو ما ينبغي ~~أن يوقف. ومن ثم ترون أن السياسة في العهد الفكتوري ترتبط ~~بالناموس الخلقي. # كان للفكتوري - في إيجاز - دستور سياسي كهذا: أولا، هناك ~~البداية التي لا مفر منها بمبدأ التقدم، الذي بتطبيقه يصبح جميع ~~الناس في نهاية الأمر أحرارا، إخوة، متساوين؛ لا شرطة، ولا ضريبة، ~~والعمل سار تطوعي، ولا فقر، ولا عنف بأية صورة من الصور - هي ~~باختصار المدينة الفاضلة التي أسميناها «الفوضى الفلسفية» وهذا ~~المجتمع المثالي لا بد أن يأتي - مهما يطل بنا الزمن - وسوف يتحقق ~~بالتربية وبالتوسع التدريجي في الديمقراطية. وكانت الديمقراطية - ~~برغم احتمال خطورتها حتى في إنجلترا في الستينيات من القرن التاسع ~~عشر بالنسبة إلى الرجل في القرن التاسع عشر في «موجة المستقبل» بكل ~~تأكيد. وكان الرجل من الأحرار الأخيار حتى في بلاد ms502 ليست البتة وسط ~~حركة التوفيق الفكتوري، في ألمانيا، وفي شرق أوروبا، يؤمن بأن ~~تحقيق المثل الديمقراطية في نهاية الأمر لا بد أن يتم بمجرى ~~الحوادث. أما في اللحظة الراهنة فإن خير المؤهلين ينبغي أن يحكموا ~~كأوصياء على الجماهير المتقدمة في بطء شديد. وليس خير المؤهلين ~~هم الأرستقراط القدامى، الذين خف في عروقهم الدم النبيل، وإنما ~~هم الرجال من أي طبقة الذين أثبتوا بنجاحهم في الأعمال أو المهن ~~أنهم يستطيعون مواجهة المشكلات العملية. كان الفكتوري يعتقد في ~~الحرية ولكنها الحرية التي تعني المنافسة، وكان يعتقد في المساواة، ~~ولكنها المساواة في الفرص التي تعطي لكل فرد بداية متساوية في ~~السباق، وليست المساواة التي لا سباق فيها - أو على الأقل لا جوائز ~~فيها للرابحين أو ربما خلت من الرابحين. وقد ازداد وعيه بأن مجتمعه ~~يقف عقبة في سبيل أبناء الآباء الفقراء، وأن البداية المتساوية ~~ليست إلا أسطورة. ثم شعر كذلك بوجه عام - عندما أشرف القرن على ~~نهايته - أن سباق الحياة العظيم قد يكون شيئا جميلا، وأن هذا ~~السباق قد يتمخض عن أبطال أفضل، إلا أن الطريق بحاجة إلى تطهير، ~~وبحاجة إلى محطات الإسعاف، وبحاجة إلى قواعد صارمة ضد التسلل، ~~والتجمهر، وغير ذلك من الحيل البغيضة. وازداد إيمانه بتدخل ~~الدولة في معونة الصغير، والتخفيف من التفرقة الاقتصادية الفعلية، ~~والقيام بذلك العمل الذي نطلق عليه جميعا اسم «دولة الرفاهية». ~~ومع ذلك فإن الرجل الذي يمثل منتصف القرن كان على وضوح في ذهنه ~~بأن الديمقراطية - عند الخيار بين الحرية أو المساواة - لا بد أن ~~تنحاز إلى جانب الحرية إن أرادت لنفسها الصحة والسلامة. # لقد كنا حتى الآن ننظر فيما كان يراه الفكتوري حقا. وأشق من ~~ذلك أن نصف ما كان يراه جميلا. ويجدر بنا هنا ألا نحاول أكثر من ~~أحكام قليلة عامة على هذه الناحية من نواحي الثقافة الغربية، مع ~~التحذير مرة أخرى أنه ليست هناك فقط فروق خطيرة بين الطبقات ~~الاجتماعية وغيرها من التجمعات الثقافية، وإنما كان هناك فوق كل ~~شيء فارق عظيم في الجنسيات، ms503 ربما كان أوضح في الشئون الجمالية منه ~~في غيرها. ومع ذلك فهناك على الأقل حكم عام واحد أو حكمان ليس هناك ~~خطر من ذكرهما: # فأولا: # هذا عصر اختلافات شديدة بدرجة غير مألوفة في ~~معايير الأذواق. وربما قلت في شيء من التجني: إن ~~المعايير كانت معدومة، وإن الأذواق كانت في حالة ~~من حالات الفوضى. أو قلت في شيء من الإنصاف إن ~~العصر كان يتصف في الفن والثقافة كما يتصف في ~~الحياة الاقتصادية بحرية الفرد وبالتنافس الذي ~~تمخض عن تنوع غني، أفضله كان جيدا حقا. ومهما ~~يكن من أمر فإنك تستطيع أن تدرك حقائق الموقف ~~بوضوح في موضوع كموضوع فن العمارة. كان المرء حتى ~~ذلك الحين في بلاد الغرب، الفرد الذي يشرع في ~~إقامة أي بناء من أدنى المباني إلى ما فوقها، يعرف ~~على أي طراز سيقيم مبناه؛ لأنه لا بد أن يبني كما ~~كان يبني الناس من حوله. ومن الحق أن الطراز قد ~~تغير، وبخاصة عندما تخلى الطراز الغوطي للطراز ~~الكلاسيكي، ومن الحق أيضا أنه كان هناك تنوع ~~بطيء في هذه الطرز. وقد أبقت العصور الوسطى في ~~مدن كباريس ولندن مخلفات تبرز بصورة تلفت النظر ~~وسط المباني الحديثة الأولى، وأكثرها تقريبا على ~~الطراز الذي يسميه الأمريكيون استعماريا. ولكن ~~بتقدم القرن التاسع عشر استولى على المباني ~~استيلاء تاما ما نسميه الاختيار، سواء في ~~المباني العامة أو الخاصة، وكانت هناك دفعة قصيرة ~~المدى من الطراز الغوطي الجديد في مستهل القرن، ~~ولكن حتى هذا الطراز لم يكن عاما. # وأخيرا ~~انتهى الأمر إلى ذلك الموقف الذي ما زلنا نحن ~~الأمريكيين نعده طبيعيا بشكل واضح. إذا أراد ~~المرء أن يبني بيتا حسنا، استشار أسرته واستشار ~~مهندسا معماريا، وتدور الاستشارة إلى حد كبير ~~حول الطراز - هل يكون طراز رأس كود، أو البيت ذي ~~الطابق الواحد، أو بيت المزرعة، وهل يكون نصفه من ~~الخشب مثل التيودور الإنجليزي، أو على طراز القصر ~~الفرنسي، أو الطراز الهولندي في جنوب أفريقيا. وهل ~~يكون مسكنا، أو إرسالية، إلى آخر ذلك. وليس من ms504 ~~الإنصاف أن نأخذ المباني التي تقع على الطرق ~~الأمريكية للسيارات على أنه نموذج لأي شيء ولكنها ~~تعرض الأمر لنا عرضا قويا: إنك إن أردت أن تبني ~~مكانا لشواء السجق فليس لذلك حدود - فقد تبني ~~كوخا ذا قبة كأكواخ الإسكيمو المصنوعة من جلود ~~كلاب البحار، أو على شكل قبعة دربي، أو أسد ضخم، ~~أو على شكل «السجق» المشوي ذاته. إن الإنسان لم ~~يبن في أية مرحلة من مراحل التاريخ البشري على ~~أشكال متنوعة تنوعا يحير الألباب كما فعل منذ ~~عام 1800م. ولم تكن مدنه في أية ثقافة أخرى غير ~~هذه أشبه ما تكون بالفوضى في فنون البناء. # وثانيا: # ربما كان من الحق أنه قد نما في القرن التاسع ~~عشر، جنبا إلى جنب مع هذا التنوع الشديد في ~~الأذواق، شعور واسع الانتشار بين المثقفين بازدياد ~~الأشياء القبيحة من حولهم. وليس هناك من الناس من ~~يفترض أن الأثيني كان يرى المباني في الأكروبول ~~قبيحة؛ لأن هذه المباني كانت موحدة الطراز، منشأة ~~طبقا لتقليد واحد. ولكنك لن تظفر بأي نوع من ~~أنواع الإجماع بين الأمريكيين في موضوع المباني ~~العامة في مدينة واشنطن - وذلك بالرغم من أن ~~واشنطن فيها اتفاق في التخطيط يفوق ما في أية ~~مدينة أمريكية أخرى. وربما كان سجل العصور الماضية ~~الذي وصل إلينا ناقصا. غير أنه من المؤكد أن ~~المفكرين في كل عصور التاريخ الغربي قد شكوا ~~مر الشكوى من عادات، وأخلاق، وذكاء كثرة الناس. ~~وليس من شك في أن أفلاطون قد لمس انحطاطا في ~~الأذواق الشعبية، كما لمس هذا الانحطاط في كل شيء ~~شعبي آخر. بيد أن الانطباع العام عن القرن التاسع ~~عشر - وعنا باعتبارنا ورثة له - أنه قد أضاف ~~الذوق إلى العناصر الكثيرة الأخرى التي كانت تفصل ~~بين الجماعات الاجتماعية، والتي عزلت بصفة خاصة ~~طبقة مثقفة في جانب من الجوانب وحدها. # ومع ذلك فالراجح أنه كان هناك في القرن التاسع عشر حد أدنى من ~~الذوق - أو على الأقل عامل مشترك - بين جميع الناس، وهو - وأقول ~~ذلك مرة أخرى - ذوق ms505 الرجل الناجح في الأعمال، وذوق زوجته. كان ~~الفكتوري يحب أن تكون الأشياء صلبة فيها قدر ضئيل من المظهر. وكان ~~يحب الوفرة، ويمقت القلة، والتقشف. وكان خياليا، هاربا من ~~الواقع، شديد المبالاة بالبعيد الغريب من الأشياء، ولكنه كان كذلك ~~يفخر بإحساسه الشديد بالواقع، وبقدرته على التسجيل والرواية. وفي ~~أدب العصر كل لون من ألوان الطيف من التبرم والسخرية الرومانتيكية ~~الصادرة عن النفوس الضالة مثل بيرون وتلاميذه الأوروبيين، إلى ~~الإدراك العام المهذب الهادئ الذي اتصف به ترولوب، «وطبيعة» زولا ~~المغامرة، كل شيء موجود وإن يكن على غير نسق أو نظام. # ولكنها الفوضى التي امتزجت أجزاؤها مزجا جيدا، وأصبحت لها نكهة ~~خاصة بها. وإذا نحن رجعنا بأبصارنا من عصرنا الحاضر إلى هذا العصر ~~الماضي، استرعى أنظارنا أن القرن التاسع عشر، برغم تنوع الأذواق ~~فيه، وبرغم الفرار الخيالي من الواقع الذي اتصف به، وبرغم ما قام ~~فيه من منازعات حول الأساسيات، يبلغ نوعا من أنواع الوحدة برغم ~~التناقض، وهو عصر اتزان، وعصر «ازدهار». كان عند الرجل في القرن ~~التاسع عشر إحساس ب «الانتماء» (أعمق من مجرد التفاؤل) لا نحسه نحن ~~اليوم. ولم يكن بحاجة إلى الاحتماء وراء الأساليب الوهمية، أو ~~وراء الفائدة الوظيفية البسيطة - والتي كثيرا ما تنعدم فيها صفة ~~الإنسانية - كما نفعل اليوم. ولم يكن بحاجة إلى محاولة الفرار من ~~الفرار. # وإني أتردد عندما أحاول أن أجد رمزا لثقافة القرن التاسع عشر، ~~كما أجد البارثينون رمزا لأثينا في عهد بركليز، أو كاتدرائية ~~شارتر رمزا للقرن الثالث عشر. هل أقول محطة السكة الحديدية؟ أو ~~المصنع الكبير؟ أو منظر مانهاتن (في نيويورك) من أعلى؟ ليس في أحد ~~هذه الرموز إنصاف؛ لأن القرن التاسع عشر لم يكن مجرد عصر للصناعة ~~والإنجازات المادية. لقد انهمك القرن التاسع عشر بقوة في المباني ~~العامة من جميع الأنواع، ولكني لا أجد مبنى من هذه المباني يصلح ~~أن يكون رمزا. ولما كان جانب كبير من مجهود القرن قد بذل في ~~إدخال أسباب الراحة، والسعادة، والأهمية، على حياة الأفراد، فربما ~~كان - بعد ms506 هذا - أحد الشوارع السكنية الجيدة في مدينة كبيرة مثل ~~لندن أو مانشستر أو ليون أو درسدن أو بولتيمور، ربما كان أحد هذه ~~الشوارع التي خصصت للمنازل الخاصة المنفصلة، أو «الفيلات» كما ~~يسمونها في أوروبا، يصلح أن يكون رمزا للقرن التاسع عشر. هنا تجد ~~الراحة، وسعة المكان، والخضرة، والهدوء، والنظافة - كما تجد فوضى ~~من الأذواق في فن البناء. وإن كنت ممن يعطف على الثائرين فإنك ترى ~~أن هذا الشارع يجب أن يوازن مع شارع من شوارع الأحياء الفقيرة. ~~ولكن دعك من هذا، فإن شوارع الأحياء الفقيرة كانت ماثلة في أذهان ~~ساكني «الفيلات»، فكانوا يأملون أن تختفي هذه الأحياء يوما ما، ~~وإن كانوا يعتقدون أنهم لا يستطيعون تغيير الأوضاع كثيرا على ~~الفور. ولكن هذه الأحياء كانت تزعج خواطرهم حتى في منتصف القرن. ~~وباعتبار الطبقة الوسطى الفكتورية هي الطبقة صاحبة السيادة فقد كان ~~حكمها قصيرا غير مضمون لا يمكنها من اكتساب رزانة الثقة بالنفس ~~التي كانت عند الأرستقراطيين الإقطاعيين في يوم من الأيام. # وكم كان يود ساكنو شوارع الأحياء الفقيرة أن يحولوها إلى مثل ~~شوارع الفيلات. وقد أكدنا تأكيدا شديدا خلال هذا الفصل من الكتاب ~~وجود كل أنواع الجماعات إلى جانب الطبقة الوسطى الفكتورية التي وقع ~~عليها اختيارنا لتكون أفضل نموذج للقرن. ولذلك فقد كان هناك: ~~جماعات وطنية، على ثقة من نفسها كالبريطانيين، أو كالبروسيين - ~~مثلا - أو الأمريكيين، أو كأولئك الذين ينادون بأن يستعيد الوطن ~~إليه كل البلاد التي تتحدث بلغته، أو أولئك الذين يشكون، ويستشهد ~~أفرادها كالأرلنديين أو البولنديين. وكانت هناك جماعات ثقافية ضد ~~رجال الدين، وجماعات وضعية، وأخرى ذات أخلاق خاصة، تفخر بأنها لا ~~ترتاد الكنيسة المسيحية، ولكنها تصر على أن أخلاقها مسيحية على ~~الأقل كأخلاق الأرثوذكس. وكانت هناك جماعات صغيرة من المتعصبين، ~~وأكثرهم من المعتدلين في تعصبهم، يكرسون حياتهم لناحية واحدة أو ~~لنوع واحد من الاتجاهات الاجتماعية، ولكنهم فيما عدا ذلك يتشابهون ~~مع غيرهم في الاتجاهات، كالقائلين بدفع الضريبة على قيمة الأرض بغض ~~النظر عما يقوم عليها، والمتصوفين الدينيين، والنباتيين، ms507 ~~والمعارضين للقسوة على الأطفال أو الحيوان، والمحرمين للخمور، ~~إلى غير ذلك من القائمة الطويلة من «القضايا الصالحة» في القرنين ~~التاسع عشر والعشرين. وهنالك غير هؤلاء جماعة المثقفين - وهي ليست ~~أقل من هذه الجماعات بروزا - وهي الجماعة التي تبذل جهدا شاقا ~~لكي تنبذ المجتمع الفوضوي الغريب الذي وجدت نفسها فيه، أو تعيد ~~تشكيله. # إن ما أسميناه النظرة الكونية المتقدمة إذن هو العقيدة ~~الأساسية عند أكثر المتعلمين من أهل الغرب، رجالا ونساء، في القرن ~~التاسع عشر، وهو المعيار الذي كانت تقيس آمالها به حتى الجماهير ~~غير المتعلمة أو ناقصة التعليم. وهذه النظرة الكونية قبلت عقيدة ~~عصر التنوير في التقدم، وفي إمكان كمال الإنسان هنا في هذه ~~الدنيا، وفي الحصول على السعادة فوق هذه الأرض. بيد أن القرن ~~التاسع عشر قد أزال عن هذه العقائد حدتها واتجاهها المباشر، كما ~~حدث - من بعض الوجوه - عندما أزالت العقيدة المسيحية المتأخرة عن ~~المسيحية البدائية الإمكانيات المفزعة - وإن تكن إمكانيات متفائلة ~~- لعودة المسيح مرة ثانية في وقت قريب. ووقف الفكتوري موقف ~~التوفيق مع أمل حركة التنوير وبطولتها؛ فكان يؤيد فكرة التقدم ~~التدريجي وعملية تعليم الجماهير في بطء وحرص، كما يؤيد ناموسا ~~خلقيا صارما من وضع الضغط الاجتماعي الكامل من الناس الذين ~~يؤلفون الجماعات، وحرية التجريب، على ألا يكون ذلك على حساب ما ~~كان يحس أنه أحكام خلقية مطلقة، ويعضد فتح أبواب المستقبل للمواهب ~~مع عدم إغلاقها في وجه الثروة الموروثة والوضع الاجتماعي، ويؤيد ~~السلام على الأرض على ألا يكون ذلك على حساب شرفه الوطني وكرامته ~~القومية - بل والديمقراطية على ألا تكون للانقلابيين، وألا تكون ~~ديمقراطية اشتراكية؛ فهو لا يؤيد الديمقراطية التي تأخذ «الحرية ~~والإخاء والمساواة» مأخذا حرفيا. إن المرء يستطيع بكل تأكيد - ~~كما كان يرى الفكتوري - أن يكون ديمقراطيا، حرا، متنورا، ~~شخصا عصريا، وأن يكون مع ذلك ناجحا، سعيدا، مرتاحا، حتى في ~~هذه الدنيا حيث لم يصبح الجميع «بعد» ناجحين سعداء مرتاحين. وكان ~~في لفظة «بعد» هذه خلاصا عظيما لضميره. فسوف يأتي اليوم الذي ~~يمسي فيه جميع ms508 الناس في مثل يساره آنئذ. أما في الوقت الحاضر فإن ~~من واجب المحظوظين وأصحاب الامتياز ألا يعرضوا للخطر ما هو ممكن - ~~أو أن يسمحوا لغيرهم بالمحاولة - في سبيل الحصول على ما هو مستحيل. ~~إن وجود الرجل الغني، أو على الأقل «البورجوازي» الغني في اعتدال، ~~في عالم القرن التاسع عشر، يجب ألا يوحي بأية مجازات سخيفة تعبر ~~عن صعوبة دخول الجمل في سم الخياط. # ومع ذلك فإني أرى ألا نترك الحديث عن هذا الفكتوري الواثق من ~~نفسه - بالرغم من غيرتنا في الواقع من هذه الثقة بالنفس - دون أن ~~نعترف بأننا ورثة إيمانه بالكائنات البشرية - وهو إيمان معدل إذا ~~قورن بتفاؤل حركة التنوير المطلق، إيمان أدخلنا عليه كثيرا من ~~التعديل، بل ربما كدنا أن نتخلى عنه. وأنت تستطيع أن تلمس هذا ~~الإيمان عند جون ستيوارت مل في أوضح صورة، وفي أفضلها من بعض ~~الوجوه، كما تلمسه بين المثقفين. فإن أكثر المثقفين قد انشقوا على ~~حركة التنوير كما تتمثل في التوفيق الفكتوري. ومن الحق أن أمثال ~~لنجفلو، وتنيسون، وديكنز، وكثير غيرهم من الفنانين أصحاب الخيال، ~~كانوا - من بعض النواحي - منسجمين مع الطبقات الوسطى الظافرة، أو ~~على الأقل لم يكونوا معارضين لكل ما تمثله هذه الطبقة معارضة ~~شديدة تضعهم في طرف آخر مضاد لها. ولكن ليس هناك كثير من «رجال ~~السياسة والأخلاق» ممن يستظلون براية حركة التنوير؛ ومن هؤلاء كان ~~مل نموذجا رائعا. # وهو ابن جيمس مل، رجل اسكتلندي عصامي، وتلميذ أثير عند بنتام. ~~وكثيرا ما كان بمثابة الحفيد لبنتام. وكان طوال حياته ينادي بأنه ~~مخلص لحركة التنوير - ضد المسيحية في قواعدها الدينية لا في ~~أخلاقها، مؤمنا إيمانا ثابتا بقوة العقل يتأثر في عمله بالتجربة ~~وبالإدراك العام، لا يثق بالمثالية الفلسفية، أو المثالية ~~الجرمانية خاصة (وقد قال مرة إنه أحس بشيء من الاشمئزاز بعد محاولة ~~قراءة هيجل). وكان مصلحا متحمسا لتحسين الحالة المادية للجماهير. ~~يؤمن بالحرية للجميع، وبالتسامح في وسائل الآخرين حتى عند اصطدامها ~~مع وسائله. وربما كان - فوق هذا كله - رجلا أحس إحساسا ms509 عميقا أن ~~هناك شيئا ضروريا كل الضرورة للحياة البشرية يعبر عنه مصطلح ~~«الحرية» وهو ذلك المصطلح الشكلي، الذي كثيرا ما يكون خلوا من ~~معناه. ومع ذلك فإن مل هذا هو بعينه الرجل الذي تراجع عما ورثه ~~من جده الروحاني، أو عدل في كثير منه. وبتأثير الشعراء ~~الرومانتيكيين من أمثال وردزورث وكولردج انتهى إلى تخفيف التعقل ~~الصارم في حركة التنوير عن طريق الشعور بالأمور غير الثابتة، ~~والاستجابات العاطفية، و«اللامعقول» باعتبارها أمورا تزيد من ثروة ~~الحياة وليست من الأوهام، شأنه في ذلك شأن العامة من أبناء الجيل ~~الذي عاش فيه ، بل لقد مرت به فترة وجيزة تأثر فيها بكارليل ~~فاعتقد أن التصوف يجذبه، ولكنه سرعان ما عاد إلى تعقل معتدل. كان ~~يؤمن بالحرية، ومع ذلك فقد أطلق على نفسه في أخريات العمر اسم ~~الديمقراطي، وليس ذلك فحسب، بل اسم الاشتراكي أيضا من بعض الوجوه؛ ~~لأنه انتهى إلى الإيمان بأن الحكومة لا بد أن تتدخل لا لكي تنفذ ~~العقود فحسب، وإنما لكي ترفع إيجابيا من مركز الفقراء والمعوقين. ~~وكان نفعيا، خليفة بنتام الذي قرر في كتابه «علم الواجبات ~~والأخلاق» أن مسرات العقيدة في الله أقل من آلام هذه العقيدة، ومن ~~أجل هذا أصدر حكمه ضد نفعية الدين. ولكن جون مل - مع ذلك - اعتنق ~~في أواخر حياته نوعا من «المانيكانية» الخاصة به، وهو مذهب يقول ~~بأن الله وروح الشر يخوضان معركة غير أكيدة ويرميان إلى تجنيدنا ~~جميعا في هذه المعركة. وكان هذا الرجل الذي خلف المدرسة التي آمنت ~~بإمكان كمال الإنسان يخشى أشد الخشية إمكان ظلم الأغلبية، وأبان في ~~إحدى الحواشي «أن الطبيعة البشرية العادية ضعيفة جدا». # ولكن مل، برغم هذا، قد عبر عن المبدأ الرئيسي للتحرر في القرن ~~التاسع عشر كأوضح ما عبر عنه أي فرد آخر من قبل. قال: ~~«... إن الغرض الوحيد الذي تمكن من أجله ممارسة السلطة بحق على أي ~~عضو في مجتمع متمدن، ضد إرادة هذا العضو، هو الحيلولة دون الأذى ~~للآخرين، فإن ما عنده من خير - مادي أو خلقي ms510 - ليس بالضمان الكافي. ~~ولا يمكن بحق إرغامه على العمل أو الامتناع لأن من الأفضل له أن ~~يقوم بهذا العمل، ولأن ذلك يجعله أكثر سعادة، ولأن هذا العمل - في ~~رأي الآخرين - من الحكمة، أو حتى من الحق والصواب. وهناك أسباب ~~طيبة للجدل معه، أو لتبادل التفكير معه، أو لإغرائه، أو رجائه، لا ~~لإرغامه أو إلحاق الأذى به إن هو سلك مسلكا آخر. ولكي نبرر ذلك ~~فإن السلوك الذي نرغب في صده عنه لا بد أن يتبين بالحساب أنه ~~يسبب الأذى لشخص آخر. إن الجانب الوحيد من سلوك أي إنسان ، الذي ~~ينبغي له فيه أن ينقاد للمجتمع، هو ذلك الجانب الذي يتعلق ~~بالآخرين. أما في الجانب الذي يخصه وحده فإن استقلاله فيه مطلق ~~بحق. الفرد سيد على نفسه، على جسده، وعلى عقله.» # وقد يبدو هذا لكثير من المفكرين اليوم أمرا بعيد المنال، مبسطا ~~أشد تبسيط، بل وربما موجها توجيها خاطئا، أو ربما كان التفكير ~~فيه غير سليم. إننا لا نثق اليوم بأي نوع من أنواع السيادة، على ~~الأقل إن كنا ممن اكتسحتهم التيارات العصرية، تيارات النسبية ~~الفلسفية. وإن كنا على الأقل ما زلنا نؤمن بالأحكام المطلقة، فإن ~~التقديس المطلق لسيادة الفرد على نفسه ليس من الأحكام المطلقة التي ~~نتمسك بها. ومع ذلك فإن أمثال هذه المعتقدات التي يعبر عنها مل ~~هنا ما زالت شائعة بالتأكيد هنا في أمريكا في منتصف القرن العشرين، ~~وما زلنا نعطف على ذلك الفرد من الناس الذي يحاول أن يحدد، وأن ~~يقرر، تفرده، وأن يجعل له قيمة، ذلك التفرد الذي يعد تقليدا ~~من تقاليد الغرب. وما زلنا نمقت التجنيد، والخضوع للآباء، واحترام ~~السلطان، حتى إن كنا بحاجة إلى الأمن وقد مللنا النضال الدارويني ~~الحر الجميل. وما زلنا ننظر إلى الفرد من الجنس البشري لا كعضو في ~~جماعة كجماعة النحل أو النمل، ولكن كالحيوان الحر الجوال المغامر. ~~إننا ما زلنا - باختصار - نعيش إلى حد ما على الرصيد العقلي ~~والعاطفي الذي ورثناه عن القرن الماضي - أو في الواقع عن كل ms511 تقاليد ~~الأخلاق والفلسفة في الغرب. # الفصل الثالث عشر # | القرن التاسع عشر: (ثانيا) الهجوم من ~~اليمين ومن اليسار # يشهد القرن التاسع عشر التطور الكامل للتغير الذي حدث في مصادر العيش ~~لتلك الطائفة ذات الأهمية العظمى من الطبقات المفكرة، وأعني بها ~~الكتاب، ويشهد كذلك اللمسات الأخيرة في عملية خلق تلك الفئة الحديثة ~~ذات الصفات المعينة التي نسميها المثقفين. ولا بد أن يلقى هذان ~~الموضوعان العناية في أي تاريخ للفكر في الغرب. # إن الكتاب من جميع الأنواع، شعراء كانوا أم قصاصين أم باحثين - ~~كان لا بد لهم منذ أيام الإغريق حتى الأزمنة الحديثة المبكرة أن يحصلوا ~~على دخل من أملاكهم الخاصة، أو على المال يعينهم به رعاتهم الأثرياء ~~كما كان «الميسناس» الرومان، أو تعينهم به الدولة كما كان كتاب ~~المسرحية في أتيكا، أو هيئة من الهيئات كما كان نظام الأديرة. وبعد ~~اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر اتسعت تدريجا سوق الكتب حتى ~~تمكن المؤلفون والناشرون شيئا فشيئا من أن يضعوا نظاما لحفظ حقوق ~~الطبع، وأمسى الكاتب تاجرا مرخصا له ببيع نتاجه بالتعاون مع الناشر ~~الذي أخذ على عاتقه جانبا كبيرا من المخاطرة التجارية. ثم ظهرت ~~المجلة، والصحيفة في القرن الثامن عشر، والصحافة التي كان الكاتب يعمل ~~فيها نظير راتب يتقاضاه، أحيانا ك «ماهية»، وأحيانا أخرى بالقطعة ~~طبقا لفئات معينة. والقرن الثامن عشر يعد هنا فترة انتقال؛ فقد كان ~~حق الطبع لا يزال ناقصا، وما برحت للرعاة أهميتهم، والصحافة لا تجزي ~~حتى بالنسبة إلى أكثر العاملين فيها نجاحا. وما عتم «شارع جرب» ~~الإنجليزي مصطلحا خاصا يعبر عن الطبقات العاملة المكافحة التي ~~كانت صناعتها الكلمة المكتوبة. ومع ذلك فقد نمت طبقة من الناس - ~~وبخاصة في إنجلترا وفرنسا - تعيش، مهما تكن المعيشة سيئة، على بيع ما ~~تكتبه في سوق حقيقية. وربما كان ~~سير وولتر سكوت أول من أثرى من قلمه، وهي ثروة ضاعت منه فيما ~~بعد - كما ضاعت من مارك توين - بسبب ~~إسهامه بغير روية في العمل الناشئ الجديد الذي يتعلق بالنشر على نطاق ~~واسع. # ولما ms512 انتصف القرن التاسع عشر أضحت للكتاب مكانتهم الحديثة الكاملة. ~~وخصصت المكافآت الكبرى لأولئك الذين يكتبون الكتب الرائجة في السوق، ~~كما كان لمن لا يرقون إلى مستوى نجاح هؤلاء كسب مهما يكن ضئيلا ~~يعيشون عليه. واكتملت الصحيفة اليومية، والمجلات الدورية، يمدها ~~بالكتابة مراسلون يتقاضون الأجور وموظفون وكتاب أحرار. وأخذت الدراما ~~بظهور شيكسبير تدر الربح، وقد كان الرجل مديرا مسرحيا من الطراز ~~الأول بكل تأكيد. ولما حل العصر الفكتوري أصبح النصيب العائد من ~~المسرحيات الناجحة حقا يزداد في نسبته. ومن هنا يتضح الطريق إلى ~~هوليوود. ثم كانت هناك فرصة أخرى لأولئك الذين يكسبون عيشهم بضم ~~الكلمات بعضها إلى بعض فوق الورق، وأعني بذلك الإعلان التجاري. غير أن ~~الإعلان في عام 1850م كان لا يزال في المهد، ولم يكن مهنة محترمة كل ~~الاحترام. # وبقيت الكتابة العلمية، بما فيها العلم البحت، تستمد الإعانات ~~المالية وبخاصة من الهيئات. بيد أن الهيئات التي تقدم المعونة كانت ~~في القرن التاسع عشر قد تحولت إلى علمانية أكثر منها دينية، وكانت عادة ~~في القارة الأوروبية تحت رقابة الدولة. وفي عالم الكتب الدراسية تطور ~~نوع من التجارة كان مصدرا ثانويا للدخل يرحب به أعضاء العالم ~~الدراسي. وظلت - على أية حال وبوجه الإجمال - بقية المثقفين ثقافة ~~صافية بحتا، أولئك الذين يعقلون ويعلمون، تتلقى المعونة من مختلف ~~الجماعات - كالدولة والكنيسة والكلية وما إليها - على مخصصات ثابتة ~~وضئيلة نسبيا. أما القانون فقد بقي - كما كان منذ قرون - مهنة علمية ~~تخضع للمنافسة الفردية كأي عمل آخر. وأما الطب - وهو لا يكاد يكون مهنة ~~علمية بأية حال حتى بداية الأزمنة الحديثة، فقد أمسى بحلول منتصف القرن ~~التاسع عشر مهنة من أجل المهن، وإن كان - كالقانون - من حيث العيشة ~~الاقتصادية، من المشروعات الخاصة. # ولا نستطيع هنا أن نقتحم ذلك الميدان الساحر الذي أهمل إهمالا ~~نسبيا، وأعني به سوسيولوجية المهن. وقد أشرت إلى نقطة واضحة، وهي أن ~~الكتاب المحترفين في القرن التاسع عشر قد جرفهم تيار المنافسة ~~الاقتصادية باعتبارهم بائعين للكلمة، وأن كل أولئك - بصفة عامة - الذين ms513 ~~كان عملهم الأساسي نوعا من التفكير والتدبير المقصود كانوا ينجذبون ~~تدريجا نحو تيارات المنافسة الاقتصادية الفردية في القرن التاسع عشر. ~~وهؤلاء في ذلك الحين أكثر عددا من أي عهد سبق على الإطلاق بالتأكيد، ~~ونسبيا على الأرجح، بالقياس إلى مجموع السكان، ولم يشذ عن ذلك فيما ~~يظهر سوى الوعاظ والمعلمين، ولم يكونوا كلهم كذلك. ومع ذلك فقد بقي ~~المثقفون مثقفين، يفخرون بذلك، يحسون دائما - حتى في المجالات التي ~~تشتد فيها المنافسة كالصحافة مثلا - بنوع من النظرة إلى الحياة يفصلهم ~~عن أولئك الذين يبيعون ويشترون السلع المادية. غير أن النجاح التجاري ~~العظيم، وبخاصة في الميادين التي يمكن أن تكون على هامش الثقافة مثل ~~العمل في هوليوود، والإعلان، والدعاية، يميل في أمريكا المعاصرة إلى أن ~~يقلق ضمير الكاتب الناجح، ويدفعه نحو اليسار. # وأهمية هذا التحول في مركز المثقفين من الناحية الاقتصادية ومن ~~الناحية الاجتماعية إلى حد ما في العالم الغربي ليست - من وجهة نظرنا ~~- أنهم يندفعون في دوامة تجارية سوقية، وأنهم يفقدون الرزانة والانفصال ~~عن غيرهم؛ ذلك لأن المثقفين في الغرب لم يعيشوا قط في أبراج عاجية ~~معزولة عن التراب والحرارة في هذه الدنيا في أي عصر من العصور. وإنما ~~الجديد في العالم الحديث هو العملية - التي تمت بشكل واضح في القرن ~~التاسع عشر - التي جعلت المثقفين يعتمدون في عيشهم إلى حد ما على ~~جمهور كبير، والتي فعلت ذلك بالكتاب بصفة خاصة. # وربما توقعنا من هذا الاعتماد على عادة الكثرة من الناس أن يقود أكثر ~~الكتاب نجاحا إلى مراءاة الجمهور، وإلى قبول العلاقات الإنسانية كما ~~يجدونها - يقودهم بإيجاز نحو التشابه مع غيرهم من الناس. وليس من شك في ~~أن من بين ملايين الملايين من الكلمات المطبوعة ما كتب لمجرد تسلية ~~الرجل العادي أو إثارته، لمعاونته على الفرار من هذا العالم، ولتثبيت ~~أهوائه، ولتأييد نظرة التوفيق في العهد الفكتوري. إلا أن كل من ندرس ~~اليوم تقريبا من الرجال الذين نعدهم جزءا من ميراثنا، وكل الكتاب ~~تقريبا، وكثير من الكتاب المنسيين والعارضين، قد «هاجموا» الأمور ms514 ~~السائدة. وكاتب الافتتاحية - كالواعظ - لا بد له في العالم الحديث من ~~«معارضة» شيء ما. وقد عتب كبار الكتاب في القرن التاسع عشر والقرن ~~العشرين على الجنس البشري ما تردى فيه من فشل. انظر إلى كارليل، ~~وإمرسون، وثورو، وماركس، ونيتشه؛ لقد كان هؤلاء - بطبيعة الحال - ~~كتابا «سياسيين أخلاقيين»، وما كان لهم أن يكونوا كذلك دون أن ~~ينسبوا إلى إخوانهم في البشرية الخطأ، والشر، والخمول، والغباء. ~~وكذلك كان كتاب الرواية أنفسهم صليبيين (أي متحمسين في هجومهم). ~~وأوضح ما تكون فيهم هذه الصفة حينما يصرحون بأنهم يحللون السلوك البشري ~~تحليلا علميا. وهنا نذكر على الفور زولا أو دريزر. # وهنا نقترب من النقطة الثانية التي تتعلق بدور المثقفين في العالم ~~الغربي الحديث، وهي مشكلة رئيسية في فرع من فروع علم الاجتماع لم يبلغ ~~حتى ما بلغه الفرع الخاص بالمهن - ويعرف في علم الاجتماع بسوسيولوجيا ~~المعرفة، والعلم، والأفكار. ولا نحتاج إلا إلى إضافة ملاحظة واحدة بشأن ~~الموقف الحديث للكاتب الذي يعتمد على السوق الشعبية الكبيرة لسلعته، ~~وكثيرا ما كان أريح عمل يقوم به مثل هذا الكاتب أن يسيء إلى قرائه، ~~وأن يبين لهم مقدار غفلتهم - وبخاصة في أمريكا - حيث نجد الغافلين ~~يقرءون «ركن الغافلين» لمستر منكن بسرور بالغ، وحيث الجهال يقبلون ~~على شراء كتاب «الجهال» لمستر لويس فيرجونه. # وليس لدينا - بأية حال من الأحوال - للثلاثة آلاف العام من الثقافة ~~الغربية قدر كاف من الحقائق عن اتجاهات المثقفين - وأعني بهم ~~«الطبقات المثقفة» كما عرفها الأستاذ بومر تعريفا أوردناه في مقدمة ~~هذا الكتاب - إزاء النظرة الكونية لمجتمعاتهم، كما أنا لم نصل بعد إلى ~~أي تفسير مقنع أو نظرية عن الدور الاجتماعي للمثقفين. لدينا شذرات من ~~المعارف، وبدايات لنظريات، وقد ذكرناهما بين الحين والحين في هذا ~~الكتاب. ونستطيع أن نقول إن المثقفين كفئة - ربما مع استثناء من كان ~~منهم في الأيام الأولى المقدسة من المسيحية - كانوا دائما على وعي ~~بانفصالهم عن مجموع إخوانهم في البشرية؛ أي كانوا يحسون إحساسا قويا ~~ب «الوعي الطبقي». وقد كان بعض أعضاء الطبقات ms515 المثقفة في أعلى مستوى ~~من مستويات المراتب الاجتماعية في كل العصور، حتى في العصور المظلمة ~~عندما كانت الطبقة الحاكمة الجديدة ممن لا يقرءون ولا يكتبون، أو حتى ~~في إسبرطة التي كانت تعادي الثقافة عن عمد. وكان بعضهم من حيث الأجور ~~الفعلية في أسفل السلم، مثل قسيس الأبرشية الريفي في العصور الوسطى ~~والمعلم في أكثر العصور. # بيد أنه من العسير حقا أن نصدر حكما عاما ذا أثر فعال، حتى ~~لفترة معينة - بله أن نقول شيئا عن مجرى التاريخ الغربي بأسره فيما ~~يتعلق باتجاه الطبقات المثقفة إزاء النظام القائم في مجتمعاتهم . وقد ~~كان هناك دائما ثوار في أعلى السلم، وإن كنا لا نعلم إلا القليل ~~عنهم في العصور المظلمة. والتتابع ظاهر من أفلاطون إلى الآباء ~~المسيحيين الأوائل إلى أبيلارد ووايكليف والثائرين المثقفين العديدين ~~في يومنا هذا. ومع ذلك فربما كانت ~~الكثرة من الطبقات المثقفة، بل والغالبية العظمى حتى من أولئك الذين ~~يعظون، ويعلمون، ويخطبون، ويقومون بأعمال التحرير، ويكتبون التعليق ~~من التابعين للنظم السائدة، والمؤيدين للأمور كما هي، محافظين بأبسط ~~معنى من معاني الكلمة، وهو «أن نترك ما لدينا دون المساس به». وقد كان ~~المستمعون إليهم أو قراؤهم في سلوكهم بالتأكيد من الطائعين لنظم ~~المجتمع والمحافظين، وإلا لما كنا هنا ندرس تاريخ الفكر في الغرب ~~- وإلا لما كان هناك غرب. ومن المحتمل حقا أن القراء العديدين للأدب ~~الثائر، الأدب الذي يهاجم النظام القائم - حتى في الغرب الحديث - لم ~~يتأثروا البتة إلى الحد الذي يجعلهم هم أنفسهم ثائرين. إنما كانوا ~~يتناولون نوعا من أنواع المطهرات أو يأخذون سببا من أسباب الراحة ~~النفسية، كما كان أسلافنا يجدون الراحة النفسية في المواعظ التي تلقى ~~عليهم عن نار الجحيم. # ومهما يكن من أمر فإن من الواضح أن «الجزء الخلاق» من الطبقات ~~المثقفة كان على وجه عام منذ بداية حركة التنوير ساخطا على العالم ~~الذي كان من حوله، متحمسا لإصلاحه، ومقتنعا بإمكان ذلك، وكان فيما ~~بين فلاسفة القرن الثامن عشر اتفاق - بالرغم من وجود بعض الفوارق في ~~الوسائل ms516 - بأن الإصلاح يمكن أن يقوم على الفور، وأن المجتمع يمكن أن ~~يصاغ طبقا لمعايير (هي معايير الطبيعة والعقل) يراها كل امرئ إذا ~~استنار عقله. وهؤلاء المثقفون من المستنيرين كانوا يمقتون غير ~~المستنيرين من «أصحاب الامتياز» - وأعني بهم القسس والنبلاء ~~التقليديين، وتلك القلة من المثقفين الذين كانوا يعارضونهم - ولكنهم ~~كانوا يحبون غير المستنيرين «من غير أصحاب الامتياز» ويضعون فيهم ~~ثقتهم، وأولئك هم عامة الناس الذين كانوا يريدون أن يدربوهم على الحياة ~~في «المدينة الفاضلة». # ولما حل القرن التاسع عشر كان المثقفون الخلاقون لا يزالون في ~~ثورتهم، ولكنهم لم يعودوا زمرة موحدة. وقد اتجه بعضهم في مثله نحو ~~اليمين، نحو الدين القديم، نحو الأرستقراطية القديمة أو التي استردت ~~شبابها، نحو نوع من أنواع السلطة، ونوع من أنواع التخطيط المحدد لكي ~~يتحول أكثر الناس إلى الرقة والهدوء، بل وإلى السعادة، وأن يبقوا ~~دائما على هذه الحال، واتجه بعضهم نحو اليسار، نحو شكل من أشكال ~~الاشتراكية، وأهم من ذلك أن المثقفين الخلاقين أخذوا بتقدم القرن ~~يصطرعون مع نفس القوم الذين كان فلاسفة القرن الثامن عشر يدللونهم ~~ويرعونهم - وأعني بهم المتعلمين ~~العاديين من الطبقة الوسطى الذين لا نستطيع أن نعدهم مثقفين. وقد ~~نبذ كتاب القرن التاسع عشر الذين ما زلنا نذكرهم ونقرؤهم - إلى حد ~~كبير - أكثر المعايير التي بيناها في الفصل السابق وقلنا إنها تمثل ~~التوفيق في العصر الفكتوري. كان هؤلاء الكتاب يشاركون الطبقات الوسطى ~~في بعض اتجاهاتها، وبخاصة الاقتناع بأن التقدم حقيقي وممكن. وكانوا ~~على الأقل جدا يشاركونهم في الإحساس بالتاريخ وبالتطور وبالتدفق. ~~ولكنهم يمقتون الطبقات الوسطى بصفة خاصة، الذين اخترعوا لها أسماء لا ~~تكرمها مثل «الفلسطينيين» (أو الرعاع). وحتى الكاتب الذي يفخر بما ~~أنجزته الطبقات الوسطى، الكاتب الذي كان عشاق الجمال والفنانون من عامة ~~الشعب يعدونه عادة من الفلسطينيين، حتى هربرت سبنسر الذي كتب ~~«خلاصة» القرن التاسع عشر، لم يكن خاضعا في تفكيره للنظام السائد، ولم ~~يكن قانعا، وإنما كان معارضا لرجال الدين بشدة، مؤمنا بأن العالم به ~~من الخطأ الشيء الجسيم. كان ms517 سبنسر بإيجاز يحتج ويشكو ويتألم، ولم ~~يستطع أن يستطرد في الوصف أو التحليل دون أن يلقي اللوم - وقلما يلقي ~~الثناء - ودون أن يظهر ضيقه وقلقه. كانت عنده باختصار تلك المرارة ~~التي أصبحنا نتوقعها من الكتاب الجادين. كان المثقفون الخلاقون في ~~القرن التاسع عشر يسيرون قدما بالفعل نحو الحالة التي بلغوها في ~~أمريكا المعاصرة؛ حيث يتوقع المرء من المثقف أن يشكو بطبيعته كما ~~يتنفس، وحيث يتوقع المرء أن يفتح أي كتاب منشور ويشرع في قراءة عيوب ~~كلياتنا، أو أزمات أسرنا، أو إتلاف التربة السطحية، أو أسباب الشقاق ~~في العلاقات الدولية ، أو اقتراب ثقافتنا من نهايتها، بل إنك لتجد حتى ~~الشكوى من دور المثقفين. وقد نشر كاتب فرنسي ممتاز اسمه جوليان بندا ~~منذ بضع سنوات كتابا عنوانه: «ماذا دهى المثقفين؟» # إننا لا شك مبالغون؛ فالعلم، أو المعرفة التراكمية لا يمكن في حد ~~ذاتها أن تثني أو تلوم، أو تأمل أو تجزع، وقد كان هناك قدر كبير من ~~الكتابة العلمية في تلك الأيام. كما أن بعض الفنانين قد يعملون بقصد ~~إدخال السرور على النفوس، لا بقصد الإصلاح، وإن كان الجانب الأكبر من ~~الفن ربما تضمن حكما من الأحكام عن هذا العالم، ومع ذلك فإنه من الحق ~~على وجه الإجمال أن الطبقات المثقفة الأكثر خلقا وإنتاجا - ~~والكتاب منهم خاصة - كانت على وجه التقريب منذ الثورة الفرنسية تلفظ ~~أسلوب الحياة عند الطبقات الوسطى في الغرب وتنبذ القيم السائدة بين ~~أفراد هذه الطبقات - ولا ننسى هنا أولئك الذين كانوا يقلدون هذه ~~الطبقة ويتطلعون إلى مكانتها، وهم يؤلفون الكثرة العظمى من الطبقات ~~العاملة في هذا العصر. # الهجوم من اليمين # سوف نقسم أنواع الهجوم على طرق المعيشة التقليدية في القرن ~~التاسع عشر - لسهولة البحث - إلى هجوم من اليمين وهجوم من اليسار. ~~وقد تولد هذان الاصطلاحان عن الحياة البرلمانية الفرنسية في ~~مستهل القرن، عندما اعتاد الملكيون أو المحافظون أن يجلسوا جماعة ~~إلى يمين رئيس الجلسة، وتجمع المصلحون الدستوريون والانقلابيون ~~إلى يساره. وفي هذا إشارة رمزية لها دلالتها؛ لأن «اليسار» ms518 على وجه ~~الإجمال يريد أن يدفع «مبادئ عام 1776م وعام 1789م» حتى يتحقق ~~الغرض منها على أكمله، والأهداف الديمقراطية للثورة الأمريكية ~~والثورة الفرنسية، ويريد «اليمين» إجمالا مجتمعا أقل من ذلك ~~ديمقراطية بدرجة كبيرة. وهذه الخطوط العريضة التي ترسم الفوارق بين ~~هذين المصطلحين لا تكفي - بطبيعة الحال - لقياس ما في الآراء من ~~تعقيد حتى في السياسة، وذلك لأمر واحد، وهو أن الوسط الذي نقيس منه ~~اليسار واليمين ليس نقطة محددة واضحة؛ لأن الجذب الديمقراطي بين ~~مثل الحرية والمساواة الذي ألمعنا إليه من قبل موجود دائما. ~~كما أن المثل الأعلى للأمن يزيد الأمر تعقيدا. غير أن التقسيم ~~إلى اليسار واليمين - برغم هذا - كوسيلة للتمييز بين الهجوم على ~~الموقف الذي وضحناه في الفصل السابق، ينفعنا، وبخاصة إذا لاحظنا أن ~~خط التقسيم منحن يمكن أن يكون دائرة كاملة فيلتقي الطرفان. ومما ~~يلفت النظر في السنوات الأخيرة من الجمهورية الفرنسية الثالثة أن ~~الملكيين والشيوعيين، وهما في المصطلح السياسي يمين متطرف ويسار ~~متطرف، كثيرا ما صوتوا في جانب واحد في مشكلة معينة؛ فقد كان ~~كلاهما يمقت في حماسة الفضيلة الجامدين من السوقة الذين لم يريدوا ~~تغيرا ثوريا. # إن فلاسفة القرن الثامن عشر - بما كان لديهم من غريزة سليمة ~~تجعلهم يميزون أعداءهم - أبرزوا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ~~ليوجهوا إليها أشد هجماتهم لأنك لو آمنت - كما فعل هؤلاء ~~الفلاسفة - بالخير الطبيعي والعقل عند الإنسان العادي، فإن فكرة ~~الخطيئة الأولى إذن تصبح في الطرف الآخر المناقض. ولكن المزيد من ~~مجموعات الآراء التي تضمنتها حركة التنوير - المذهب الطبيعي الذي ~~ينكر ما فوق الطبيعي، والمذهب المادي، والاعتقاد في التقدم ~~الأكيد فوق الأرض، وكراهية التقاليد والمراتب الثابتة القائمة، ~~والاعتقاد في الحرية أو المساواة، أو في الحرية والمساواة معا في ~~بعض الأحيان - كل ذلك وجد في المسيحية التقليدية المنظمة مجموعة من ~~الآراء المعادية. وقد ذكرنا من قبل أن حركة التنوير ذاتها هي من ~~بعض نواحيها وليدة المسيحية. وسوف نرى أن الكنائس الأشد محافظة، ~~الرومانية الكاثوليكية والأنجليكانية - مثلا - حتى هذه الكنائس لم ~~ترفض بأية حال ms519 من الأحوال أن تكيف نفسها جزئيا للتغيرات التي ~~حدثت منذ القرن الثامن عشر. ومن خطل الرأي حقا أن نقول إن ~~«المسيحية» و«الروح الجديدة» نظامان من نظم القيم لا يتداخلان. ~~وقد لاحظنا في الواقع في الفصل السابق أن من عناصر التوفيق في عهد ~~فكتوريا الاحتفاظ بتقليد ارتياد الكنيسة، كاثوليكية كانت أو ~~بروتستانتية. وقد ترتب على ذلك أن المسيحيين لا بد أن يؤمنوا ~~بالديمقراطية، وبخاصة في الولايات المتحدة؛ حيث يعتقد الجميع في ~~الديمقراطية مع استثناء أقلية متعصبة. # ومع ذلك فقد أخرجت الكنائس القائمة بين الحين والحين مفكرين ~~كانوا من أشد خصوم الديمقراطية صلابة وثباتا. وليس من بين هؤلاء ~~بالتأكيد من هو أفصح، أو أقدر، بل وأكثر بعدا عن الواقعية فيما ~~أحسب، من جوزيف دي ميستر؛ فهذا الموظف من سافوي الذي أقصته الثورة ~~الفرنسية حاول أن يرد زملاءه لما كان يعتقد أنه الحقائق الأبدية، ~~وبقدر كبير من نفاذ البصيرة أشار إلى فرانسيس بيكون وعده أحد ~~واضعي أسس الشر الحديث، وهو على وجه الدقة «أن بالإمكان ظهور شيء ~~جديد طيب». وقل من الأمريكيين من يستطيع أن يقرأ فقرة كالتالية ~~دون أن تتولاه الدهشة، بل ويستولي عليه السخط والحنق. ومع ذلك فمن ~~المهم أن ندرك أن من بين رجال ثقافتنا من آمن بهذه ~~المعتقدات: ~~«إن عنوان مؤلفه (مؤلف بيكون) الرئيسي ذاته خطأ يلفت الأنظار؛ إذ ~~ليس هناك «نوفم أورجانم» أو بالعربية «أداة جديدة» نستطيع أن نصل ~~بها إلى ما لم يصل إليه أسلافنا. إن أرسطو هو المشرح الحقيقي - ~~إن جاز هذا التعبير - الذي حلل الأداة البشرية تحت أبصارنا وأظهرها ~~لنا. ولا يستطيع المرء إلا أن يبتسم في شيء من السخرية على رجل ~~يعدنا ب «رجل جديد». ولندع التعبير عن هذا الكتاب المقدس. إن ~~الروح البشرية هي هي بعينها دائما ... ولا يستطيع امرؤ أن يجد في ~~الروح البشرية أكثر مما بها. ولأن تظن أن ذلك ممكن لهو أكبر ~~الأخطاء، وليس في ذلك معرفة بالطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى ~~نفسه ... قد توجد في بعض العلوم المعينة ms520 مكتشفات يمكن أن تعد ~~آلات حقيقية تصلح كل الصلاحية لإبلاغ هذه العلوم حد الكمال؛ فقد ~~كان حساب التفاضل نافعا في علوم الرياضة، كما كان الترس نافعا في ~~صناعة الساعات. أما في الفلسفة العقلية فمن الواضح أنه لا يمكن أن ~~توجد أداة جديدة كما أنه لا توجد كذلك أدوات جديدة في الفنون ~~الآلية عامة.» # إن الكتاب الضخم الذي أخرجه ميستر «عن البابا» إنما هو دفاع عن ~~السلطة البابوية في الواقع، بل عن عصمة البابوية عن الخطأ، ودفاع ~~بوجه عام عن نظام تسلطي في عالم أحس أنه يتحلل إلى فوضى العقائد ~~والأعمال . جاء فيما قال: «بعدما أضعفت البروتستانتية والتفلسف، ~~وألوف المذاهب الأخرى المعارضة أو المسرفة بدرجة ما، من شيوع ~~الحق بين الناس، لا يستطيع الجنس البشري أن يبقى على الحالة التي ~~يجد نفسه فيها الآن.» والظاهر أنه كان واقعيا إلى الحد الذي لم ~~يجعله يأمل في أي إصلاح مفاجئ، وبخاصة بين قوم يرجع تاريخهم إلى ~~الأنجلو ساكسون في الماضي البعيد. وأما ما عقد عليه الأمل فهو أن ~~تثبت في مكانها نواة من الرجال الحكماء النظاميين في البلاد التي ~~ما زالت كاثوليكية في صميمها، وذلك وسط زوبعة المادية، وانعدام ~~العقيدة والتقدم العلمي، وتبقى قائمة لتعيد العالم إلى رشده بعد ~~الانهيار الذي لم يكن منه مفر. # ويمكن أن نصف ميستر بلفظة نعبر بها عادة عن الإساءة إلى ~~الناس، وتنطبق عليه انطباقا حرفيا، وتلك هي «الرجعي»، أو الرجل ~~الذي يؤمن أن الجديد لا يمكن أن يكون طيبا، والطيب لا يمكن أن ~~يكون جديدا، وأن المركب الكاثوليكي في العصور الوسطى صالح لكل ~~العصور. ولكن حتى ميستر لم يستطع أن يفر من أثر التاريخ، وإنك ~~لتلمس فيه على الأقل في أسلوبه المحكم القوي الواضح طابع القرن ~~الثامن عشر الذي لا نخطئه. وأكثر من ذلك أنه في كراهيته للحماسة ~~العاطفية، وفي ازدرائه للإنسانيين في عصره يشف عن مظاهر التسلط ~~الكاثوليكي الذي لا يخلو من المرارة، ذلك التسلط الذي كان يؤلم ~~النفوس الرقيقة في الكنيسة ذاتها. وأرجو أن تلاحظوا ms521 الطريقة التي ~~يوحي بها في الفقرة السالفة إلى أن التعبير عن «الإنسان الجديد» ~~وما يشبهه يحسن أن يترك للكتاب المقدس. ثم إنك لو قرأت ميستر ~~بعناية كافية وجدت أن لديه بعض الأفكار عن الطبيعة «العضوية» ~~للمجتمع، وقوة الإنقاذ الكامنة في التقاليد وفي التعصب، مما نجده ~~عند بيرك. غير أن «طريقة» ميستر أقل تسامحا من طريقة بيرك، وهو ~~يترك فينا الانطباع بأن مجتمعه العضوي الطيب إنما هو مجتمع ثابت ~~ولكن بغير اطراد. # ولا يعدو ميستر في نظر أكثر الأمريكيين في القرن العشرين أن يكون ~~نموذجا غريبا من عالم آخر. وأكثر الأمريكيين - لسوء الحظ - يجدون ~~مثل هذه المشقة في فهم رجل أعمق نقدا للديمقراطية، هو الرجل ~~الأيرلندي إدمند بيرك، والعطف على آرائه. وقد عاش بيرك في النصف ~~الثاني من القرن الثامن عشر، ونشر أعظم كتبه «تأملات في الثورة ~~الفرنسية» في عام 1790م. وهو من أقدر المفكرين على البحث في ~~المعتقدات الأساسية الحركة التنوير، وظل طوال القرن التاسع عشر ~~المصدر العظيم لنوع معين من المعارضة المحافظة على القديم ~~لاتجاهات العصر. وكان بيرك بروتستانتيا، وأنجليكانيا مخلصا ~~نشأ تحت التأثير الإنجليزي وشق طريقه في مجلس العموم البريطاني. ~~وقد أيد قضية الثوار الأمريكيين في خطب طالعناها أمدا طويلا ~~في هذه البلاد، ولكنه منذ البداية أشار إلى ما ظن أنه من ~~الاحتمالات التي قد تقضي على الثورة الفرنسية. وجعل من نفسه في ~~وقت مبكر زعيما في الحركة الفكرية المناهضة لها. وقد قادته هذه ~~الخطوة إلى صراع عنيف مع المفكرين المتقدمين في عصره، وجعلت ~~أكثر الأمريكيين لعهد جفرسون يعدونه روحا مظلمة تغشاها ظلمة ~~الجهالة. وكانت «حقوق الإنسان» لتوم بين ردا على بيرك. ولا يزال ~~أكثر الأمريكيين إلى يومنا هذا يميلون إلى الشعور بأن بين كان أقوى ~~حجة، ومع ذلك فإن بيرك يستحق الالتفات إليه حتى من الديمقراطي ~~الواثق بنفسه من حزب اليسار؛ لأن الكثيرين يرون أنه قام ببعض ~~التحليل للعلاقات الإنسانية التي تستحق أن نعدها إضافات ~~لمحصولنا الضعيف من المعارف التراكمية في العلوم الاجتماعية، وقد ~~يشق علينا أن ms522 نعتصر هذا المحصول من أسلوبه المسهب. وما زالت عند ~~بيرك - فوق ذلك - نواة صلبة من العقيدة المسيحية لا يمكن أن تختصر ~~في صورة معرفة تراكمية بالمعنى العلمي. # كان بيرك يرى أن الثورة الفرنسية هي في صميمها من عمل نوع معين ~~من المثاليين الذين تشبعوا بالآمال العظيمة التي كانت تتطلع ~~إليها حركة التنوير. إن بيرك لم يعتقد بأن كل شيء كان على ما يرام ~~في فرنسا في عهدها البائد، وأنه ليست هناك حاجة إلى القيام بعمل ~~ما لرفع مستوى الحياة الاجتماعية والسياسية الفرنسية. لم يكن بيرك ~~من هذا الطراز من الرجعيين، وإن كان بمواصلته جدله السياسي وبحلول ~~عيد الإرهاب في فرنسا، كان قمينا بأن يكتب المقالات بين الحين ~~والحين التي يبدو فيها في مثل جمود ميستر. وأساس نقد بيرك لزعماء ~~الثورة الفرنسية هو أنهم - بدلا من السير قدما ومحاولة إصلاح ~~اتجاه معيب، أو إعادة بناء سور قائم أو ما إلى ذلك، أو تقوية سطح ~~من السطوح - كانوا يقترحون هدم البناء كله هدما فعليا ثم إقامة ~~بناء آخر جديد كل الجدة رسم لهم تصميمه معلموهم من الفلاسفة. ولكن ~~البناء القديم كان هو البناء الوحيد الموجود؛ وحتى لو أمكن للناس ~~أن يتفقوا على البناء طبقا لتصميم رجال النظريات، فإن البناء ~~لا بد أن يستغرق بعض الوقت، ولكنهم في الواقع لم يكونوا على مثل ~~هذا الاتفاق. وكل ما حدث أن البناء القديم قد انهار انهيارا ~~شنيعا، وبقي الشعب الفرنسي بغير مأوى يئويهم من الزوابع. وكان ~~لا بد للبناء الجديد في نهاية الأمر من أن يشيد إلى حد كبير من ~~المواد القديمة؛ لأن الناس لا يستطيعون العيش في العالم الجديد ~~بغير مأوى. ولكن الفلاسفة لم يشيدوا هذا البناء الجديد القديم، ~~وكان لا بد من بنائه على يد رجل صاحب نفوذ قوي الإرادة، رجل يستطيع ~~أن ينجز الأمور بطرق تسلطية إن اقتضى الأمر - ~~وكان ذلك الرجل هو نابليون ~~بونابرت. ومن الحق أن بيرك الذي كان يكتب فيما بين عام 1789م وعام ~~1790م قد لمح في الأفق ms523 وتنبأ بصفة خاصة بظهور دكتاتور مثل نابليون، ~~الذي استولى على السلطة نهائيا في عام 1799م. # إن التشبيه الذي أوردناه في الفقرة السابقة لا ينصف بيرك، ~~ولكنه قد يعين القارئ على متابعة تحليله. يبدأ بيرك بتشاؤم المسيحي ~~بشأن الإنسان الحيوان. والواقع أن من بين ما كان يمقته أشد المقت ~~روسو الذي كان يبشر بالخير الطبيعي عند الإنسان الذي لم تلوثه ~~الحضارة، أو روسو الذي وصفه «بأنه سقراط الجمعية الوطنية المجنون». ~~فإن عامة الناس إذا تركوا لدوافع شهواتهم وميولهم يميلون دائما - ~~كما يرى بيرك - إلى التخبط، والغش، والخداع، وإلى أن يسلكوا سلوك ~~الحيوان. ومع ذلك فإن أكثرهم لا يفعل ذلك في حياتهم اليومية. ~~والشواذ من المجرمين تمكن دائما معالجتهم في مجتمع سليم. إن ~~المجتمع المدني يقدم لنا مثالا رائعا للناس السيئين في صميمهم ~~و«بطبيعتهم» الذين يسلكون سلوك الطيبين، أو على الأقل سلوك ~~الهادئين. ويجب أن نستنبط من ذلك أن الحقيقة هي عكس ما قال به روسو ~~تماما. إن الإنسان ينجو - لا يتحطم - بعضويته في المجتمع، ~~وباتباعه للتقاليد والمواضعات والاتجاهات السائدة، والقانون، وما ~~إلى ذلك. وبيئته الاجتماعية والسياسية هي الشيء الوحيد الذي يحول ~~بينه وبين الاضطراب الذي يتمرغ فيه. # ويترتب على ذلك أنه يتحتم علينا ألا نهدم الجانب الأكبر من ~~النظم والمؤسسات والطرق المطروقة في تناول العلاقات الإنسانية ~~التي نسميها «المجتمع المدني». ومن الحق أن أي إنسان نابه لديه ~~المواهب الصحيحة يمكنه أن يبتكر كل ضروب الوسائل الجديدة لتناول ~~هذه الأمور، تلك التحسينات النظرية التي لو أمكن تطبيقها لكانت ~~تحسينات واقعية حقا. غير أن بيرك ينادي بوجوب السير في حذر على ~~هذا الطريق، ومحاولة قليل من التغيرات في الوقت الواحد، وبعدم ~~محاولة تغيير المجتمع المدني «بأسره». وقد حاول الفرنسيون في عام ~~1789م فعلا هذا الانقلاب الشامل. وسعوا إلى تغيير كل شيء من نظام ~~الموازين والمكاييل إلى انتخاب الأساقفة، وبناء الحكومة المركزية، ~~ورجعوا في ذلك إلى أصحاب النظريات بدلا من الانقياد لأصحاب ~~التجربة العملية. # إن ما يبقي عامة الناس على الطريق القويم هو على ms524 الأقل العادة ~~إلى حد ما، ونوع من التطابق العاطفي الذي يوجده الفرد بينه وبين ~~المجتمع الذي يحس أنه جزء منه، وليس هذا الشعور بالأمر الذي يمكن ~~أن نحدثه إن أردنا، إنما هو من الأمور التي لا بد أن تنمو نموا ~~تدريجيا طبيعيا. وما كان بيرك ليقدر القصة التي تروى عن أحد ~~مباني الكليات الجامعية التي علقت إعلانا يقول: «ابتداء من الغد ~~يصبح من تقليد الكلية أن يخلع المستجدون قبعاتهم عندما يمرون ~~بتمثال مؤسس الكلية.» إن ما يدعو إلى تماسك المجتمع في نظر بيرك ~~ليس شيئا معقولا بالمعنى البسيط لهذه الكلمة وليس شيئا مخططا، ~~وليس شيئا مسطورا على الورق كدستور جديد. بل إنه كان في الواقع ~~يعتقد أن «الدستور الجديد» اصطلاح يخلو البتة من المعنى. إنك ~~تستطيع - على أحسن تقدير - أن تدخل عناصر جديدة في دستور من ~~الدساتير، كما تستطيع أن تطعم الشجرة بعملية عضوية لا عملية ~~آلية. # إن بيرك بطبيعة الحال لم يستخدم اللغة التي استخدمناها فيما سبق. ~~إنما هو يستعمل الاصطلاحات السائدة في عصره، بما فيها الاصطلاح ~~المبارك المقدس: «العقد الاجتماعي»، ولكن ينبغي لنا أن نلاحظ ~~المعنى المختلف الذي يكسبه لهذه الفكرة؛ فنحن معه لا نعالج المصالح ~~بحساب لوك أو بنتام، وإنما نعالجها بتصورات هي بكل وضوح من تقاليد ~~المسيحية في العصور الوسطى. ~~«ليس المجتمع في الواقع إلا عقدا. والعقود الثانوية التي تتعلق ~~بالأمور التي لا تهمنا إلا حينا بعد آخر يمكن أن تنحل متى شئنا. ~~ولكنا لا ينبغي أن نعد الدولة شيئا لا يفضل اتفاق شركة في ~~تجارة الفلفل والبن، أو المنسوجات أو التبغ، أو شيئا تافها كهذا، ~~لا نأخذه إلا مأخذ المصلحة الموقوتة، وللشركاء أن يتحللوا منه ~~عندما يريدون، بل يجب أن ننظر إلى الدولة بنوع آخر من الاحترام؛ ~~لأنها ليست شركة في أشياء لا تخضع إلا للوجود الحيواني الضخم ~~لطبيعة مؤقتة زائلة. إنما هي شركة في كل العلوم، وفي كل الفنون، ~~شركة في كل فضيلة من الفضائل وفي كل سبب من أسباب الكمال. وبما أن ~~غايات ms525 مثل هذه الشركة لا يمكن أن تتحقق في أجيال عديدة، فإنها تمسي ~~شركة لا بين الأحياء فحسب، ولكن بين الأحياء والأموات وأبناء ~~المستقبل. وكل عقد في كل دولة على حدة إنما هو بند في العقد ~~البدائي العظيم للمجتمع الأبدي، العقد الذي يصل الطبائع السفلى ~~بالطبائع العليا، ويربط بين العالم المنظور والعالم غير المنظور، ~~وفقا لاتفاق ثابت يباركه قسم لا حنث فيه يوقف كل طبع من الطبائع ~~المادية والمعنوية في مكانه المحدد له.» # ونستطيع أن نورد نصا آخر لنرى كيف أن بيرك يستعير عبارة أخرى ~~مشهورة - ومتفجرة - من عبارات ~~حركة التنوير وهي: «الحقوق الطبيعية»، ويخضعها للأفكار التقليدية ~~التي تتعلق بالسلطة وعدم المساواة. ~~«إن الحكومة لا تقوم بفضل الحقوق الطبيعية، وهي الحقوق التي قد ~~توجد - بل هي توجد فعلا - مستقلة عن الحكومة استقلالا تاما. ~~هذه الحقوق توجد بوضوح أشد، وبدرجة أعلى من درجات الكمال المحرر ~~مما تكون عليه الحكومة. غير أن كمالها المجرد هو عيبها العملي؛ فهي ~~إذ تنادي بالحق في كل شيء تحتاج إلى كل شيء. أما الحكومة فهي حيلة ~~ابتدعتها حكمة الإنسان لكي تسد «الحاجات البشرية». وللناس الحق ~~في سد هذه الحاجات بهذه الحكمة. ومن بين هذه الحاجات نذكر الحاجة ~~في المجتمع المدني إلى الحد من ميول الناس بدرجة كافية. إن المجتمع ~~ليس في حاجة فقط إلى إخضاع ميول الأفراد، وإنما هو في حاجة كذلك ~~في مجموعه - كما هي الحال في أفراده - إلى أن توجه رغبات الناس ~~في كثير من الأمور وجهة أخرى، وإلى أن تحد إرادتهم، وإلى إخضاع ~~ميولهم. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا «بقوة من أنفسهم»، لا بممارسته ~~وظيفته، مع الخضوع لهذه الإرادة وتلك الميول التي هي من واجبه أن ~~يحد منها وأن يخضعها. وبهذا المعنى نجد أن القيود التي تفرض على ~~الناس، وعلى حرياتهم، هي بعض حقوقهم. ولكن الحريات والقيود تختلف ~~باختلاف الأزمنة والظروف، وتسمح بتعديلات لا حصر لها، ولا يمكن أن ~~تقوم على أية قاعدة مجردة. وليس هناك ما هو أشد حماقة من مناقشتها ~~على ms526 هذا الأساس.» # وما حدث في فرنسا - بناء على قول بيرك - هو أن الحمقى من الناس ~~وإن حسنت نياتهم انتهزوا فرصة الأزمة المالية التي أدت إلى ~~استدعاء القادة العسكريين لكي يحاولوا هدم المجتمع الفرنسي القديم، ~~وقد نجحوا في تحطيم جانب كبير منه. إن الرجل الفرنسي المتوسط، الذي ~~لم يعد قادرا على الاعتماد على الوسائل القديمة الثابتة، اختل ~~توازنه، وخابت آماله، فحول هذه الخيبة إلى اعتداء، وكان حكم ~~الإرهاب هو النتيجة الطبيعية لمحاولة إحداث تغيرات في المجتمع أضخم ~~مما يحتمل. ولو أن بيرك كان اليوم حيا لقال من غير شك بأن ~~عصابات تهريب الخمور في أمريكا التي تكونت في العشرينيات من هذا ~~القرن في أمريكا كانت نتيجة طبيعية لمحاولة إرغام الناس على التخلي ~~عن عادات الشراب القديمة بتعديل القانون. # غير أن بيرك لم يكن رجعيا؛ فقد كان يؤمن بإمكان التجدد ~~والتجريب، بل في حتميتهما. كان «يريد الإصلاح لكي يبقي على ~~القديم». وإصلاحاته التي اقترحها لم تعد أن تكون عقبات في طريق ~~الانقلابيين القلقين من أمثال بين وأوين. والواقع أن الاتجاه ~~الإصلاحي الحقيقي لا بد أن يرى في بيرك رجلا لا يعطف البتة عليه؛ ~~لأنه في أعماقه رجل متشائم، وهو لا يؤمن البتة أن الناس جميعا ~~يمكن أن يكونوا سعداء فوق هذه الأرض في أي وقت من الأوقات. إنه يضع ~~اعتراضاته على التخطيط العقلي الذي ~~رسمه القرن الثامن عشر الذي كان ~~مستنيرا إلى حد كبير في عبارات مما يتميز به ما نسميه «الإحياء ~~الرومانتيكي» - في ألفاظ تعبر عن الطبيعة العضوية للجماعات ~~البشرية (التي تتعارض مع الطبيعة الآلية)، في حدود التقاليد، ~~والعواطف، بل و«الأهواء»، وهي لفظة تكاد تترادف مع «الإثم» عند ~~فلاسفة القرن الثامن عشر. غير أن وراء هذا صفة أقدم لمجموعة من ~~المشاعر أقدم، وهي مشاعر أوغسطين وأكويناس في أساسها. # وثمة مفكر مسيحي آخر لا بد من ذكره. وذلك هو الكاردينال ~~نيومان، الذي كان زميلا في أكسفورد ثم أصبح شخصية كبرى في الإحياء ~~الأنجليكاني للكنيسة العليا في مستهل القرن التاسع عشر، وهي الحركة ms527 ~~التي تعرف باسم «حركة أكسفورد». كان نيومان شابا حساسا، ~~خياليا، أحس إحساسا قويا بالحاجة إلى اليقين والسلطة. ولم ~~يرض عن نفسه حتى تحول في عام 1845م إلى الكنيسة الكاثوليكية. ~~وقد وجد نيومان - كما وجد ميستر وبيرك، بل وكل المحافظين من ~~المسيحيين - عدوه في فلسفة حركة التنوير، وإن يكن قد استطاع في ~~منتصف القرن التاسع عشر أن يستعمل لفظة «التحرر» لكي يسمي بها ~~مجموعة الآراء التي يمقتها. يقول: ~~«إنني أعني بالتحرر حرية الفكر الزائفة، أو تعرض الفكر لأمور هي ~~- بحكم تكوين العقل البشري - مما لا يمكن أن ينتهي فيها الفكر إلى ~~نتيجة ناجحة، ومن ثم فهو في غير موضعه ... إن التحرر يقضي بأن ~~الآراء والمذاهب الموحى بها لا يمكن أن تعترض النتائج العلمية وأن ~~يكون ذلك أمرا معقولا. ولذلك فإن الاقتصاد ~~السياسي - مثلا - قد يقلب ما ~~قال به المسيح عن الفقر والغنى، أو قد نتعلم من نظام أخلاقي أن ~~أفضل حالات الجسد أساسية في العادة لبلوغ أسمى حالات العقل، أو أن ~~هناك «حكما شخصيا» عادلا؛ أي إنه ليست فوق الأرض سلطة جديرة ~~بأن تتدخل في حرية الأفراد في التعليل والحكم لأنفسهم فيما يتعلق ~~بالإنجيل ومضمونه، كما يشاء كل فرد منهم على هواه. ولذلك فإن ~~المؤسسات الدينية - مثلا - التي تحتاج إلى اشتراك مادي ليست من ~~المسيحية في شيء. إن حركة التحرر تؤمن بأنه لا يوجد شيء اسمه ~~الضمير الوطني أو القومي، وأن المنفعة والفائدة المباشرة هما مقياس ~~الواجب السياسي، وأن السلطة الوطنية لها أن تتصرف في أملاك الكنيسة ~~دون أن يكون في ذلك انتهاك لحرمة الدين. وأن الشعب هو مصدر السلطة ~~المشروع ... وأن الفضيلة وليدة المعرفة، والرذيلة وليدة الجهل. ومن ~~ثم فإن التربية، والأدب الصحفي، والسفر بالسكك الحديدية، ~~والتهوية، ومجاري المياه، وفنون الحياة، هذه على سبيل المثال إذا ~~نفذت تنفيذا كاملا، تؤدي إلى أن يمسي السكان سعداء وعلى ~~خلق.» # إن أهمية نيومان لنا على أية حال لا ترجع إلى هجومه على التحرر، ~~أو حتى إلى قبوله المسيحية التقليدية قبولا عاطفيا عميقا، ~~بمقدار ms528 ما ترجع إلى الجهود المذهلة التي بذلها بكل وضوح لكي يوفق ~~بين تفكيره وروح العصر الفكتوري. وأرجو ألا تسيئوا فهمي هنا. فإن ~~نيومان كان أقل من عرفنا تبعية لزمانه. وهو قطعا لم يبذل جهدا ~~مقصودا للتعبير عن رسالة في عبارة قد تؤدي إلى قلب معناها، وإنما ~~كان الرجل أذكى وأنفذ بصيرة بما كان يجري من حوله، بل وربما كان ~~بريطانيا مغاليا أمعن في بريطانيته، من أن يقف الموقف الصريح ~~اليقيني الذي وقفه ميستر، وهو أن الجديد لا يكون طيبا، أو حتى أن ~~الجديد أمر ممكن. وقد ذهب نيومان في «مقاله عن تطور مذهب المسيحية » ~~الذي نشره في عام 1845م إلى حد الإصرار على أن المسيحية في صورتها ~~التقليدية المقدسة صادقة، ولذلك فهي لا بد أن تتغير وأن تنمو وأن ~~تتطور. حقا إنه يحصن نفسه ضد الوقوف موقفا نسبيا كاملا، ~~فلا يقول إن الكنيسة فوق مستوى التطور لأنها قد بلغت بطبيعة الحال ~~حد الكمال لأنها مؤسسة مقدسة. ولكن الكنيسة «لا بد» أن تتطور ~~بمقدار ما هي مؤسسة بشرية فوق هذه الأرض؛ لأن هذه هي سنة الحياة. ~~«إن الأمر في العالم الأعلى على غير ذلك، أما هنا في العالم الأسفل ~~فالحياة معناها التطور، ولكي تبلغ الكمال لا بد أن تكون «متطورا» ~~في كثير من الأحيان.» # وليس كل تغير طيبا، بل إن نيومان يعتقد أن مثل هذه العقيدة هي ~~من أكبر أخطاء المتحررين، ويجب أن نميز بين التطور والفساد؛ لأن ~~الحياة التي تبشر بالتقدم تنطوي أيضا على التهديد بالفساد. وليس ~~باستطاعتنا أن نستخدم أي اختبار علمي بسيط يبين لنا متى يكون ~~التغير إلى الأحسن ومتى يكون إلى الأسوأ؛ أي متى يكون تقدما ~~ومتى يكون فسادا. إننا يجب أن نعتمد في ذلك على ما أسماه نيومان ~~قدرتنا على الاستنتاج. وهذه الفكرة التي بسطها بصفة خاصة في كتابه ~~«قواعد الموافقة» الذي نشره في عام 1870م، هي من الأفكار المبكرة ~~التي سبقت الجانب الأكبر من المذهب المعارض للعقل الذي سوف ندرسه ~~في الفصل التالي. وأقول في ms529 إيجاز إن نيومان كان يبحث عن تفسير ~~سيكولوجي (أو قل إن شئت) عن تبرير للعقيدة التي تتجاوز ذلك النوع ~~من معايير الصدق التي يربط الإنسان الحديث بينها وبين العلوم ~~الطبيعية، بل وبين الإدراك العام كذلك. وليس من الأنصاف أن نقول إن ~~القدرة على الاستنتاج التي قال بها نيومان هي في أساسها ذلك الرأي ~~العملي الشهير الذي نادى به وليام جيمس، وهو «إرادة العقيدة». فمن ~~المؤكد أن نيومان لا يقول إننا يجب أن نعتقد فيما نريد العقيدة ~~فيه. غير أنه يصر على أن الحياة الإنسانية الكاملة فوق هذه الأرض ~~يجب أن تسترشد بشيء أكثر من الأفكار التي تتعلق بالصدق التي يهتدي ~~بها العالم التجريبي في معمله، وأن هناك شيئا هو مزيج بين ما ~~نسميه نحن الأمريكيين «تصورا» و«معرفة عملية» بين الحس الجمالي، ~~والحس الخلقي، والتجربة المحسوسة للمشكلات الواقعية. إن المعرفة ~~التي نصل إليها عن طريق القدرة على الاستنتاج هي بالنسبة إلى ~~المعرفة التي نصل إليها بالمنطق البحت أشبه بالحبل المفتول من عدة ~~خيوط إذا قيس إلى القضيب المفرد من الصلب. كلاهما قوي، ولكن واحدا ~~منهما فقط هو الذي يتكون من قطعة واحدة بسيطة. إن القدرة على ~~الاستنتاج تختلف باختلاف الأفراد، وهي عندهم أقوى - مثلا - في ~~أكثر الأحيان في الشئون الجمالية منها في الشئون الخلقية. ولا يمكن ~~في أمثال هذه الأمور أن يكون لها اختبار عالمي كذلك الذي نجده في ~~المنطق عند تطبيقه على العلوم، وليست هناك وسيلة نثبت بها صدق نوع ~~معين من الأخلاق أو الجمال لشخص قدرته على الاستنتاج ناقصة أو غير ~~مدربة. ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يوجد في هذه الأمور صدق، بل ~~الأمر على عكس ذلك؛ فإن الفكرة العامة للبشر خلال العصور لم تكن ~~متشائمة أو متشككة في هذه الأمور التي تتصل بالحكم على القيم، بل ~~قد اعترفت بالقديسين والفنانين، والحكماء، كلما التقت بهم. ولن ~~نشعر أن حكمنا على القيم أحط في صحته من أحكامنا على وقائع العلم ~~إلا إذا كنا نتوقع من حقائق المسيحية كما يباشرها ms530 الناس أن تكون ~~كاملة، مطلقة، لا تتغير؛ أي إلا إذا كنا في الواقع يقينيين حيثما ~~لا يكون اليقين صالحا. # وقد ساقت ممارسة القدرة على الاستنتاج عند نيومان إلى اتجاه ~~المحافظة في السياسة، ونحو تعزيز النظام القائم في العلاقات ~~الاجتماعية والسياسية، ولكن الهيكل النظري الذي أقامه هو من أفضل ~~الهياكل لما يسمى أحيانا الكاثوليكية المتحررة، وهو تكييف ~~الاتجاهات المسيحية عن قصد لتلائم درجة أعلى من درجات الديمقراطية، ~~ونحو مزيد من الأخذ ببعض أهداف حركة التنوير. # وقد اخترنا ميستر وبيرك ونيومان كأمثلة للمفكرين الذين تصدوا ~~للهجوم - من وجهة النظر المسيحية والتقليدية إلى الأمور الكونية ~~والسيكولوجية - على معتقدات حركة التنوير المتفائلة التي تأخذ بحكم ~~العقل. ومن العسير بطبيعة الحال أن نرسم حدا فاصلا بين أمثال ~~هؤلاء الرجال وغيرهم من المحافظين الذين عبروا عن آرائهم من ~~الناحية الدنيوية أكثر ما عبروا عنها من الناحية الدينية. ولا بد ~~أن يكون أكثر المحافظين مسيحيين على الأقل في الظاهر، ما دامت ~~المسيحية هي العقيدة السائدة في الغرب. غير أن هناك في الواقع ~~هجمات على الديمقراطية من اليمين، من وجهة نظر القائلين ب «التسلط» ~~أو ب «شمول الدولة» الذين لم يكونوا في حقيقة الأمر مسيحيين أو ~~تقليديين. وسوف نتصدى لهؤلاء بعد قليل. وقد كان تطورهم الأكبر في ~~القرن العشرين، وإن كانت جذورهم تمتد إلى القرن التاسع عشر. وقد ~~صدرت أهم معارضة عقلية في القرن التاسع عشر - كما كانت تصدر من قبل ~~- عن مفكرين أرادوا الرجوع إلى شيء يعدونه أفضل شيء ساد في وقت ~~من الأوقات هنا فوق هذه الأرض. وكانت الأرستقراطية في صميم الأمر ~~هي ما يعارضون بها الديمقراطية؛ فالأرستقراطية هي حكم الحكماء ~~الطيبين، وهي الصورة الكلاسيكية المتوارثة عن الرجل المهذب ~~الإغريقي أو الروماني كما قامت بتعديلها الحياة المسيحية ~~والإقطاعية. # وليس بوسعنا أن نعالج هنا معالجة منظمة أمثال هؤلاء المفكرين ~~الذين يختلفون عن أمثال بيرك وبخاصة في نواحي اهتمامهم الشديد. وما ~~إن حل القرن التاسع عشر حتى كان الكثيرون منهم قد اقتنعوا بأن ~~الحكومة على صورة من الصور ms531 أمر لا مفر منه في الغرب. ويبدو أن ~~اهتمامهم الأكبر كان موجها نحو ضرورة التفوق في ناحية من ~~النواحي - غير القدرة على تكوين الثروة أو التحكم في الجماهير - ~~تمهيدا للمجتمع الديمقراطي المقبل. # والواقع أن اثنين من كبار المفكرين السياسيين ممن نضعهم عادة في ~~صف المتحررين، وهما جون مل وأليكسس دي توكفيل، ينتميان - من ناحية ~~ما - إلى هذه الفئة. وكان مل شديد القلق فيما يتعلق بالخطر من ~~«تعسف الأغلبية»، وكان شديد الاهتمام بالتمثيل النسبي وفي غيره من ~~المشروعات لحماية حرية أحزاب الأقلية. وكان توكفيل رجلا نبيلا ~~فرنسيا مثقفا وفد على الولايات المتحدة في أوائل القرن التاسع ~~عشر لكي يدرس نظم السجون عندنا، ثم عاد إلى وطنه ليكتب وصفا ~~كلاسيكيا للمجتمع الأمريكي تحت عنوان «الديمقراطية في أمريكا» ~~فيما بين عام 1835م وعام 1840م. ويعتبر الكتاب بحق من تلك الكتب ~~المحببة إلينا نحن الأمريكيين، كأي مؤلف من مؤلفات المتحررين من ~~بعض النواحي. بيد أن توكفيل كان يساوره القلق عنا، وعن إيثارنا ~~للمساواة على الحرية، وعن انعدام ثقتنا في الدقة والامتياز في ~~الأمور الثقافية والروحانية، وعن الخطر على مستقبل الرجل الغربي، ~~الخطر الذي يلمسه في قوتنا العظمى، وفي عدم مبالاتنا بدرجة كبيرة ~~- بل كراهيتنا بشدة - لنواحي التفوق التقليدية التي كان يتميز بها ~~الرجل الكلاسيكي. كان أرستقراطيا كريما، تحيره الآمال ~~الأمريكية في الكمال قريب الوقوع، وينفره منا تصويرنا لمبدأ ~~المساواة، ويصعقه إيماننا بأن الأغلبية دائما على صواب، ولكنه ~~تنبأ بعظمتنا المقبلة، بل تنبأ في الواقع - في إحدى عباراته التي ~~تنفذ فيها بصيرته - بالصراع بيننا وبين روسيا، وكان يخشى أن نضع ~~الأهداف المادية فوق الأهداف الروحية في عظتنا. بيد أن الوجه ~~النبيل في «الحلم الأمريكي» لم يغب عنه. وكان على خلاف كثير من ~~الناقدين الأوروبيين لا يكتب قط بأسلوب الاستعلاء الذي يسبب لنا ~~شيئا من الضيق. # وجاء متأخرا بعد ذلك كاتب إنجليزي اسمه سير هنري مين، عبر في ~~وضوح تام عن انعدام ثقة الأرستقراطية في الديمقراطية. وقد كاد ~~انعدام الثقة عنده في كتابه «الحكومة الشعبية» الذي ms532 نشره في عام ~~1885م أن يكون ذعرا شديدا. وكان مين يحترف كتابة التاريخ، تخصص ~~في التاريخ الشرعي القديم، وقام بعمل كثير على هامش الدراسات ~~الإنسانية (الأنثروبولوجيا). ولكن دراساته أقنعته أن خط سير تطور ~~البشرية، بالنظر إلى الرجل الغربي باعتباره أعلى ممثل لها، يتجه من ~~ربط الفرد في البدء بالتزامات معينة لا يؤديها قط عن وعي أو ~~طواعية إلى حرية الفرد الحديثة في أن يقرر لنفسه ما يعمل وما ~~يكون عليه. إن تقدم الإنسان في عبارة مين الشهيرة هو «من المكانة ~~المستقرة إلى التعاقد». وأما ما أزعجه في الثمانينيات من القرن ~~الماضي فهو دلالة نشاط الاتحادات العمالية في بريطانيا ، وتشريعات ~~الضمان الاجتماعي في ألمانيا، والدعاية الاشتراكية التي علا صوتها ~~في كل مكان، دلالة ذلك على أن بعض الناس يؤثرون الأمن على الحرية، ~~وأمان الاستقرار على أخطار حرية التعاقد. وكان مين أحد كبار ~~الكتاب الأوائل في الغرب الذين استخدموا بعض آراء القرن الثامن ~~عشر عن حرية الإنسان للدفاع عن «الحالة القائمة». كان مين يمثل ~~المحافظين في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، يبشر بما بشر ~~به الانقلابيون من قبل في الثمانينيات من القرن الثامن عشر. إن ~~مبدأ: «دعه يعمل» الذي كان في يوم من الأيام يهدد النظام التجاري ~~المستقر، بات اليوم مهددا بالاشتراكية، وأمسى هو مذهب المحافظين ~~من الطبقة الوسطى الرأسمالية. والواقع أنه ليس هناك تناقض في ذلك؛ ~~فإن التغيرات الناجحة التي تمت في وقت سبق تجدها في المجتمع ~~المتطور متضمنة في بناء المجتمع. وإذا واصل المجتمع تطوره - كما ~~كان المجتمع الغربي قطعا - فإن أولئك الذين يشجعون التغيرات ~~الجديدة المقترحة يجدون أنفسهم معارضين ما كان انقلابيا في وقت ~~مضى. وقد كان توم بين يريد في عام 1790م حكومة لا تحكم إلا في ~~القليل، ولا تكلف إلا القليل، وتسمح للطبيعة أن تجري مجراها ~~النافع، وإن أنت ناديت بذلك في عام 1950م عدوك من الجمهوريين ~~القدامى ولم يعدوك انقلابيا مثل توم بين. # وكما أن نيومان يبدو رجلا أحكم من ميستر؛ لأنه كان يسعى إلى ~~إدراك ms533 حقائق التطور الاجتماعي، فكذلك كانت هناك مجموعة أخرى من ~~المحافظين تبدو أحكم من مين وغيره من السادة المذعورين. وهذه ~~المجموعة تتألف من الديمقراطيين المحافظين الذين ظهروا على أحسن ~~صورة لهم في إنجلترا، البلد الذي أطلق عليهم هذا الاسم. وليس مرد ~~ذلك بالضبط إلى أن الديمقراطيين المحافظين قوم عمليون بدرجة أكبر ~~من المحافظين الأقحاح؛ فالواقع أنهم - بالرغم من وجود بنيامين ~~دزرائيلي بينهم رجلا عنده من الصفة العملية ما يؤهله لأن يرتفع ~~إلى مركز رئيس الوزراء أغلب الأحيان مثل الشاعر كولردج، أو قسيسين ~~مثل ف. د. موريس - كانوا في الأغلب مثاليين ثابتين على المبدأ، ~~قوما متسامحين، نظريين، كانوا في أكثر الأحيان مسيحيين على وعي ~~بعقيدتهم، يقبلون أحيانا أن نطلق عليهم اسم «الاشتراكيين ~~المسيحيين»، كانوا يعتقدون مع بيرك أن أكثر الناس يعجزون في ظل ~~الحرية عن أن يهدوا أنفسهم إلى الحياة الطيبة، وأن الناس باختصار ~~ليسوا إلا قطيعا من الغنم لا غنى له عن الراعي. وقد أدت - في ظنهم ~~- الثورة الصناعية وآراء حركة التنوير الخاطئة عن المساواة بين ~~الناس إلى ظهور رعاة سيئين - وهم أصحاب المصانع، ورجال السياسة، ~~ومثيرو الشغب، ورجال الصحافة. أما ما يحتاج إليه الناس فهم الرعاة ~~الطيبون الذين يتكفلون بأن يحتفظ مفتشو الحكومة بنظافة المصانع ~~وتوافر الشروط الصحية فيها، وبأن يكون للعمال ضمان اجتماعي، وأن كل ~~شيء يسير على الوجه الأكمل. وهؤلاء الرعاة الطيبون هم القادة ~~الطبيعيون للشعب، وهم أبناء الأسر الكريمة، المتعلمون - وتلك صيحة ~~بالعودة إلى السيد الكلاسيكي مرة أخرى. # إن المبدأ الذي كان مقربا إلى نفوس الديمقراطيين المحافظين - ~~وما يبرر تسميتهم بالديمقراطيين - هو أن الناس إذا أعطوا فعلا ~~حرية الاختيار، وإذا كانت الصحافة والمدارس وكل وسائل الرأي العام ~~مفتوحة لكل وجهات النظر، لاختار الناس فعلا في مثل هذه الظروف ~~الحرة من تلقاء أنفسهم بالتصويت الديمقراطي الرعاة الصالحين، أولئك ~~الذين لديهم موهبة الحكم الحكيم والتدريب عليه. وهم يزعمون أن ~~الحكماء الفضلاء حقا في القرن التاسع عشر في بلاد الغرب في خطر ~~من أن تدور المعركة في غيبتهم، فهم خارج ms534 حلبة النضال السياسي، وقد ~~تركوها لزعامة الرعاع، ولليساريين، وللمنحرفين من الناس، ولو أنهم ~~تقدموا للناس بالحق لوجد الناس فيهم زعماءهم الصادقين. # كان الديمقراطيون المحافظون يعترضون على الفوضى في النظام، وعلى ~~الخلط المبتذل، وعلى خشونة المجتمع الذي يسعى إلى تحصيل المال. ~~وكثيرون منهم كانوا يعترضون كذلك على قبح زمانهم. ولكن أولئك الذين ~~كانوا يصبون جام سخطهم على الوسائل الديمقراطية كما تطورت في القرن ~~التاسع عشر من الناحية الجمالية يستحقون كلمة موجزة في حد ذاتهم. ~~وليس من السهل أن نصنفهم وفقا لقبولهم أو رفضهم لاتجاهات حركة ~~التنوير. وكان بعض أصحاب العقول المرنة حقا، مثل وليام موريس ~~الإنجليزي، يسمون أنفسهم اشتراكيين، ويزعمون أن مشكلة الديمقراطية ~~هي النقص في مقدارها، وأنها لم تتغلغل تغلغلا كافيا، وأنها خلقت ~~حول الأفراد العاديين من رجال ونساء بيئة جديدة سيئة، وأنه من ~~الواجب تغيير هذه البيئة لكي نسمح للخير الطبيعي والحكمة الطبيعية ~~عند الجماهير بالظهور. غير أن جون رسكن الذي كان يعد نفسه ~~محافظا ربما كان مثالا طيبا لهذا الطراز. # وقد اتخذت اسم رسكن «المحافظ» هذا اسما لها إحدى كليات أكسفورد ~~التي أسست في نهاية القرن التاسع عشر لكي تتيح الفرصة للقادرين من ~~أبناء العمال للدراسة في هذه الجامعة؛ جامعة الطبقات الحاكمة. ~~وبقيت كلية رسكن سنوات عدة مركزا لمعارضة حزب المحافظين الأصلي. ~~والواقع أنه من العسير أن نستخلص أشكال المعارضة السياسية والخلقية ~~للأمر الواقع في القرن التاسع عشر وأن نختص كل شكل باسم معين. ~~وربما كان رسكن في هذا الشأن منضما بغير حق إلى أولئك الذين كان ~~يتركز شعورهم الأساسي بالمعارضة لعصرهم في الأمور الجمالية. ويبدو ~~أن مركز اهتمامه كان كراهية الحصول على المال، وبعض أولئك الذين ~~كانوا يقيسون النجاح بالمعايير المادية، أو بالتكريم الذي يحصل ~~عليه المرء في مجتمع يتنافس أفراده تنافسا مبتذلا. وهو في أمثال ~~هذه الحالات يشبه كارليل، ويكاد في بعض الأوقات ككارليل يبحث عن ~~زعيم - يخلصنا من هذه الحمأة المادية. وتستطيع أن تحكم على نقده ~~الجمالي الاجتماعي من هذين النصين: «ليس هناك ثراء، إنما ms535 هناك ~~حياة.» وقوله: «الحياة هي امتلاك الرجل الجريء للأشياء ~~القيمة.» # إن النقاد الجماليين ~~للثقافة الديمقراطية في القرن التاسع عشر كانوا على اتفاق على ~~الأقل في اعتقادهم أنها أخرجت أشياء «رخيصة قبيحة» بكميات وافرة، ~~وأن الآلة قد قضت على كل متعة في العمل الخلاق من النوع الذي كان ~~يحسه أصحاب الحرف قديما، وأنها جعلت العمل عبئا ثقيلا، وأنها ~~سممت حتى أوقات فراغ العامل لأنها لم تهيئ له إلا كل تافه تنتجه ~~إنتاجا ضخما حتى في وسائل تسليته. ولم يكونوا على اتفاق بشأن ~~المخرج، ولكن أكثرهم كان يؤمن بأن القلة التي لم يلحقها الفساد، ~~من أمثالهم الذين لا يزالون على علم بالجميل والفاضل، لا بد أن ~~يتصدروا الصفوف، وأن يخلقوا هنا وهناك خلايا بسيطة من الجمال ~~والحكمة. وقد كان القرن التاسع عشر هو القرن العظيم الذي لم يجر ~~فيه إلا القليل من التجارب الاجتماعية، القرن الذي وجدت فيه ~~الجماعات المثالية التي تكونت للبرهان على أن البيئة الاجتماعية ~~من نوع معين يمكن أن تقيل الساقطين من عثرتهم. ولم تزل هناك ~~مساحة شاسعة ميسورة في الولايات المتحدة، كانت من الأسباب التي أدت ~~إلى تأسيس الكثير من هذه الجماعات فيها. كانت هناك «مزرعة بروك» في ~~ماساشوستس، و«الجماعة الاشتراكية» في نيوجرسي، وجماعة «الانسجام ~~الجديدة» في إنديانا، وجماعات كثيرة أخرى تكون قائمة رائعة من ~~آمال الناس وأسباب فشلهم. وقد أسس موريس، وكان من السادة أصحاب ~~الموارد المستقلة، عدة دكاكين للعمل اليدوي، وبشر مخلصا أمام ~~جماعات صغيرة من المتحولين إلى الرأي الجديد، وصور مدينته ~~الفاضلة في كتابه «أنباء من بلد مجهول» الذي نشره في عام 1891م، ~~تخلص الناس فيها من الآلات ومن المدن الكبيرة القبيحة، وعاشوا مرة ~~أخرى فوق أرض بهيجة خضراء تقوم عليها الحرف والفنون. # وفي هذا الصنف من خصوم الديمقراطية من الناحية الجمالية نجد - ~~من غير شك - أكبر مجموعة من الشواذ، من أولئك الذين لا يرون إمكان ~~إقامة الفردوس على الأرض إلا بصورة واحدة، وهم ذلك النوع من ~~المتعصبين الذين التحقوا في القرن السادس عشر بالطوائف ms536 الدينية ~~المتطرفة. إنهم يسيئون إلى البرجوازيين المطمئنين بدرجة تزيد ~~أحيانا عن مرتبتهم في الأهمية. إن أولئك الذين هددوا بالفعل ما ~~كان عليه الرعاع من طمأنينة في بيوتهم الصغيرة التي كانوا يتحصنون ~~فيها في ضواحي المدن لم يكونوا من أمثال موريس أو رسكن، ولم يكونوا ~~الاشتراكيين الذين يخططون المدائن الفاضلة في المجتمعات الصغيرة، ~~إنما كانوا أتباع ماركس. ومع ذلك فإنه لا يخلق بنا أن نترك النقد ~~الجمالي للديمقراطية بهذا الاستخفاف. إن أحياء الفقراء في مانشستر ~~أو ليفربول، وقوائم شواء «السجق»، ومحطات البنزين، والفنادق التي ~~تقام لراكبي السيارات خارج المدن، «وكبائن» الطبقات الفقيرة التي ~~تصطف على طول طرق السيارات الكبرى في أمريكا هي بالتأكيد من أقبح ~~الأشياء التي شيدها الإنسان فوق هذه الأرض في أي وقت من الأوقات. ~~فإن كان هناك تقدم، فإن هذا التقدم لم يحقق استبعاد القبيح أو ~~حتى الإقلال منه. ثم إن هؤلاء النقاد - فوق ذلك - بالرغم من أن ~~الكثيرين منهم كانوا يتصفون باللين وغير عمليين، ركزوا اهتمامهم ~~في أوجه المشكلة ذات الأهمية القصوى، مشكلة الحوافز والجوائز التي ~~تمنح لقاء العمل في المجتمع الحديث. إن الفكر الرأسمالي ~~والاشتراكي مال - ولا يزال حتى اليوم يميل بغير حق - نحو البحث في ~~مشكلة العمل في حدود الأجور و«الكفاية» - بالمعنى الفني في تنظيم ~~المصانع فحسب - غير أن أمثال موريس أو فورييه - ذلك الاشتراكي ~~الفرنسي المثالي - من الرجال كانوا على علم أفضل، بالرغم من قصورهم ~~في معرفة شئون الدنيا. فأشاروا إلى أن مشكلة تحويل الناس نحو العمل ~~الضروري في هذه الدنيا، إنما هي مشكلة كاملة، معقدة، إنسانية، ~~وليست مجرد مشكلة دولارات وأجزاء الدولار، أو مشكلة اتجاهات ~~الكفاية. أشاروا إلى أن الناس لا يحبون أن يملوا، بل ويحبون أن ~~يشعروا أنهم أدوا عملا نافعا وجميلا، وأنهم يفخرون بالمهارة، ~~وأنهم يتمتعون بالعمل في فرق أو مجموعات. # يتخيل موريس في كتابه «أنباء من بلد مجهول» أن غريبا حل بهذا ~~البلد فلاحظ في الغابة العامة الجميلة، غابة كنزنجتن؛ حيث كانت ~~تقوم ضاحية لندن القبيحة، لاحظ عصابات من الشبان ms537 الأشداء يحفرون ~~الخنادق وهم مبتهجون، فيقول المرشد لهذا الغريب إنهم يتمتعون ~~بالمنافسة في حفر الخنادق. وعندما يعبر الغريب عن دهشته، يذكره ~~مرشده بما يعلمه من أن جماعات التجديف في أكسفورد وكامبردج في ~~القرن التاسع عشر التي كانت تعمل ثمانية ثمانية، كانت تعاني أشق ~~ضروب العمل البدني في سرور بالغ. وقد يبدو هذا الدرس سخيفا ~~عاطفيا، ولكنك إن تدبرت الأمر تبين لك أن مقدار «العمل» الذي ~~تقوم به جماعة التجديف في الكلية أو يقوم به فريق كرة القدم يمكن ~~بسهولة أن يبني مشروعا للإسكان، وليس هناك من السحر ما يحول العمل ~~إلى لهو رياضي، ولا يريدنا موريس أن نعتقد في وجود هذا السحر. ولكن ~~هناك مشكلة حقيقية، هي مشكلة استخدام نشاط الناس الفائض بطرق لها ~~أثرها في المجتمع. # وتستطيع أن تجادل جدلا قويا بأن نقاد الديمقراطية الذين شغلنا ~~أنفسنا بهم حتى الآن في هذا الفصل كانوا من ذوي الاهتمامات ~~التاريخية العقلية البحت (وهو ليس بالأمر التافه) ولكنهم لم ~~يؤثروا في الواقع تأثيرا قويا في العالم الذي نعيش اليوم فيه. ~~إن الهجمات التي وجهت إلى الديمقراطية وكان لها أثر فعال ~~مباشر جاءت في الواقع من قاعدة غير قاعدة المسيحية أو قاعدة الفكرة ~~الكلاسيكية التي تتطلع إلى الخير والجمال. إن الهجمات التي جاءت من ~~غير هذه القواعد كانت تستند إليها أحيانا كما كانت تستند إلى ~~اتجاهات أخرى في تقاليدنا الغربية، ولكن أشد ما كانت تستند إليه - ~~وهو ذلك السند الذي ننسبها إليه الآن - هو سند القومية المانعة، ~~وطنية أو عنصرية تتحكم فيها البيولوجيا على أية حال. وعن هذه ~~الهجمات تمخضت في القرن العشرين تلك الحركات الشاملة التي هبت ~~من «اليمين» - الفاشستية والنازية والفلانجية الإسبانية وما إلى ~~ذلك - التي أصيبت بالعجز في حرب عام 1939م ولكنها لم ~~تمت. # إن مسألة الأصول الفكرية للحكم الشامل اليميني مسألة خلابة جذبت ~~إليها الأنظار من قبل. وإني أريد أن أنبه القارئ مرة أخرى إلى ~~أنه من سخف القول أن نزعم أن فاجنر - مثلا هو المسئول عن الحركة ~~النازية ms538 الألمانية، أو أنه الملوم عليها أو السبب فيها. إن النازية ~~لا يمكن أن تفسر تفسيرا كاملا شاملا إلا بمقدار ما نستطيع ~~أن نفسر السرطان أو شلل الأطفال تفسيرا كاملا شاملا. إننا ~~نعلم أن أمثال هذه الحركات تكون لها دائما مجموعة من الآراء في كل ~~مسألة، صغيرة كانت أو كبيرة، ونستطيع أن نرى من أين جاءت بالحلول ~~لهذه المسائل، وقد يكفي هذا كل الناس مع استثناء الميتافيزيقيين ~~الثابتين على عقائدهم. # وقد لاحظنا من قبل أن ~~مجموعة الأفكار والعواطف التي نسميها القومية قد أزعجت أولئك الذين ~~كانوا يريدون للناس جميعا أن يكونوا إخوة. وحتى في داخل الدول ~~القومية التي تأثرت تأثرا بالغا بآراء حركة التنوير، وحتى في ~~الدول التي تقع في قلب التقاليد الديمقراطية - الولايات المتحدة، ~~وبريطانيا، وفرنسا، والأقطار الأصغر التي تقع غربي وشمالي أوروبا - ~~نجد أن مطالب الوحدة القومية، وتشكيل كل مواطن على غرار نمط قومي، ~~مما يؤدي إلى الإقلال من الحرية الفردية، وتنوع الشخصية وأن يكون ~~الناس أفذاذا داخل هذه القوميات. ثم إن أكثر الدول الديمقراطية ~~العظمى، بما فيها الولايات المتحدة، قامت في القرن التاسع عشر ~~بحركات توسع ناجحة كانت نتيجتها امتلاك أراض يقطنها أقوام ذوو ~~ألوان مختلفة وثقافات شتى. وقد ساد في كل مكان بين المواطنين في ~~هذه الديمقراطيات في القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين ~~شعور بأن طرائق حياتهم أفضل وأسمى، وأنه من واجبهم إن أمكن أن ~~يفرضوا هذه الطرائق على هؤلاء الأقوام ذوي البشرة السمراء. ونشأ ~~أدب بأكمله عن «واجب الرجل الأبيض» يبرر ما كان كتابه ~~يعدونه في أغلب الأحيان تحويل بقية العالم إلى الثقافة الغربية ~~تحويلا لا مندوحة عنه. # وحتى في البلاد التي كانت التقاليد الديمقراطية فيها على أشدها ~~كان هناك من يعتقد بأن هذه الشعوب غير الغربية لا يمكن في الواقع ~~أن ترتفع إلى مستوى الغرب، وأنه من مصلحة هذه الشعوب أن تبقى في ~~وضع أحط على الدوام، أو حتى أن تقبل المساعدة على قتلها. وقد صعق ~~من الأمريكيين أمثال لوثروب ستودارد وميديسون جرانت، ms539 ومن ~~البريطانيين أمثال بنيامين كيد، صعقوا من «تيار اللون الصاعد» ~~ونادوا بضرورة القيام بعمل لحماية الأجناس العظيمة البيضاء التي ~~سادت حتى آنئذ. وكان الرجل الإنجليزي سيسل رودس - وهو ليس من ~~أصحاب النظريات، ولكنه من أصحاب الأعمال الذين أثروا في جنوب ~~أفريقيا - يعتقد أن الأنجلو ساكسون (أو بعبارة أخرى الإنجليز ~~والاسكتلنديين وأبناء ويلز والأمريكيين) قد بلغوا مستويات من الرقى ~~الأخلاقي والسياسي ليس بوسع أي شعب آخر أن يبلغها، ومن ثم فإن ~~من واجبهم أن يتحدوا، وأن ينتشروا في الأرض ما استطاعوا، وأن ~~يتكاثروا بأسرع ما يمكن لملء الدنيا. # غير أن أوضح طريق لمناهضة الديمقراطية من اليمينيين الذين ~~صرحوا بآرائهم ومارسوها ظهر في التجربة الألمانية والإيطالية. ~~ولا تدل وطنيتهم، وأخذهم فيما بعد بنظام الدولة الشمولية، على عجز ~~فطري عن المستوى العالي في السياسة بين الألمان والإيطاليين. إنما ~~سياستهم نتيجة مركبة لعوامل تاريخية عديدة. وهناك اتجاهات عديدة ~~نمت نموا تاريخيا في القرنين الماضيين تساعد على تفسير ظهور ~~المجتمعات الشمولية في القرن العشرين في هاتين الدولتين. وإنما ~~نوجه اهتمامنا هنا إلى اتجاهات الفكر في القرن التاسع عشر التي ~~عاونت على ظهور النازية والفاشستية. ومن الحق أن قلة محدودة من ~~العقلاء في القرن التاسع عشر هي التي تبينت الاتجاه الذي كانت ~~تسير فيه هذه القوى المعادية للديمقراطية. ولو قلت عند الحديث عن ~~أي مفكر في القرن التاسع عشر إنه من «دعاة الفاشستية» لكان استعمال ~~المصطلح في غير زمانه، ومن ثم فإنه تعسف في الحكم. ولكنا إذا ~~تذكرنا أن المعتقدات والنظم الإنسانية لا تنمو نموا حتميا ~~كنمو البذرة إلى شجرة، وأن الخطوة التالية ليست نتيجة حتمية لخطوة ~~سابقة، عرفنا أن البحث عن أصل الحكم الشامل (الشمولية) في القرن ~~التاسع عشر لن يضللنا. # ومن الاتجاهات المؤكدة ذلك الاتجاه البسيط الذي يتمثل في القومية ~~التاريخية التي ذكرنا من قبل أنها صفة عامة في الغرب. ويضاف إلى ~~هذه القومية - وبخاصة في ألمانيا ~~- اتجاه قوي جدا نحو «العنصرية»، وهي الإيمان بأن الألمان هم من ~~الناحية البيولوجية نوع خاص من الجنس ms540 البشري - فهم شقر، أقوياء، ~~في ملامحهم تناسق، فضلاء. وهم الجنس البشري الذي قدرت له ~~السيادة. ويرى الرائي من الخارج أن هذا مثال واضح من أمثلة ~~الأساطير الاجتماعية؛ فالألمان ليسوا حتى في أغلبيتهم شقر اللون. ~~ولكنا قد اعتدنا في هذه الأيام تلك الأساطير التي تؤثر في الناس ~~تأثيرا واضحا وتدفعهم إلى العمل المشترك، حتى إن كانت هذه ~~الأساطير مما لا يتفق مع الحقائق العلمية الثابتة. وفي هذه ~~العبارة: «إن أول مصدر قوي أدبي حديث لهذه الأفكار التي تميز ~~العنصر الجرماني واللون الجرماني يرجع إلى كتابات رجل فرنسي عاش في ~~القرن التاسع عشر، هو الكونت دي جوبينو»، شيء من السخرية كثيرا ما ~~يشار إليه. والواقع أن في الغرب تاريخا طويلا للامتياز الذي إن ~~لم يتصل باللون الأشقر فعلا، فهو على الأقل يتصل باللون «الفاتح». ~~وحتى بين الإغريق القدامى كانت الأساطير تصور الآلهة من أمثال ~~أبولو شقر اللون وكل نظام المنبوذين في الهند يتوقف على ما يسمونه ~~«فارنا» أي اللون. وحتى في التقاليد الفنية المسيحية نلمس اتجاها ~~معينا لتصوير القديسين أشد شقرة من المذنبين الآثمين، ولسنا ندري ~~من الناحية العلمية إذا كان الشقر يميلون إلى أن يكونوا أكثر فضيلة ~~من السمر. والموضوع في أساسه ليس له معنى، غير أنه من الحق أن هذا ~~الرأي وغيره من الآراء المشابهة قد دخل في عقيدة النازيين المعادين ~~للديمقراطية. وقد كتب أحد المؤرخين الألمان في وقت مبكر، في عام ~~1842م، ما يلي: ~~«إن الجنس الكلتي - كما تطور في أيرلندة وفرنسا - كان دائما ~~يتصرف بالغريزة الحيوانية، في حين أننا نحن الألمان لا نعمل ~~إلا بدافع الأفكار والآمال المقدسة حقا.» # وأمكن لموتلي المؤرخ الأمريكي لثورة الأراضي المنخفضة أن يفرق ~~بين «الانحلال الكلتي» و«الطهارة الجرمانية». # أما الاتجاه الثالث، والذي ربما كان في الواقع أقوى الاتجاهات ~~وأكثرها أهمية في النازية والفاشستية على السواء، فهو تأكيد سلطة ~~الحاكم وجماعة صغيرة من صفوة الحزب التي تحيط بالحاكم، ولهذه ~~الفكرة أيضا أساس ثابت في القرن التاسع عشر، وهي في الواقع - من ~~ناحية ما - مجرد ms541 عودة لظهور أفكار عتيقة كفكرة الحق المقدس ~~للسلوك. وربما لا نجد أصلا للفاشستية في القرن التاسع عشر أفضل من ~~الكاتب الفكتوري توماس كارليل الذي كان يحظى بالتقدير في وقت من ~~الأوقات. فإنك تجد في كتابه «الأبطال وعبادة الأبطال»، وفي «ضرب ~~نياجارا» وفي «مشكلة الزنوج» مواقف كثيرة تشير إلى مبدأ الزعامة، ~~وضرورة خضوع الأغلبية الغبية للأقلية العاقلة، والحاجة إلى الدوام، ~~والثبات، والطاعة، في مجتمعنا الذي يتنافس فيه الأفراد تنافسا ~~أحمق. وكان كارليل في بداية الأمر معتدلا في مطالبه، يقول: ~~«الأرستقراطيون ورجال الدين، والطبقة الحاكمة والطبقة الرائدة - ~~هاتان المجموعتان، المنفصلتان في بعض الأحيان، واللتان تسعيان إلى ~~التوفيق بينهما، والمتحدتان في أحيان أخرى ، ومعهما، الملك - وهو ~~الملك المقدس - لم يقم مجتمع دون هذين العنصرين الحيويين، ولن ~~يقوم.» # ولكن باقتراب القرن التاسع عشر من نهايته وصعود الديمقراطية - ~~وبخاصة في بلده - تحول تدريجا في دعواه إلى الإيمان بالسلطة ~~الصارمة. وأخيرا نادى بضرورة الحاكم العسكري العالمي المدرب، أو ~~بالدكتاتور الحربي، رجل الأعمال لا الأقوال، الذي ليس عنده إلا ~~إصدار الأوامر. # وفي أواخر القرن ظهر في ألمانيا ذاتها رجل من أفصح أعداء ~~الديمقراطية، أحد بناة الأيديولوجية النازية حقا، وإن كان قطعا ~~عن غير قصد. ذلك الرجل هو فردريك نيتشه، وهو رجل غير سليم العقل ~~إلى حد ما، ولكنه مثقف إلى أقصى حد، وفي صميمه أخلاقي حساس لم ~~يستطع أن يحتمل القبح، والانحراف والتكلف، الذي بدا في ~~إمبراطورية هوهنز وليرن البرجوازية الصاعدة. كان نيتشه - بكل ما ~~لديه من دقة الفكر - مثالا رائعا للرجل المثقف الحديث الذي يملك ~~قدرة لا تحد على الشعور بالألم، والسخط على القطيع البشري من ~~حوله، والفزع من قبح دنيا الطبقة الوسطى التي صنعتها الآلات. وليس ~~من شك في أن نيتشه لو عاش لوجد أن هتلر وجورنج وجوبلز وزمرتهم أبغض ~~إلى نفسه. غير أن الواقع هو أنه دعا في حياته إلى «السوبرمان»، ~~وإلى إعادة النظر في القيم حتى يتغلب مرة أخرى العنف النبيل على ~~الدعة البرجوازية المنحطة، وكتب في ذلك هجوما من أشد أنواع الهجوم ms542 ~~على الأسلوب الديمقراطي في الحياة، يقول: ~~«كانت الديمقراطية في كل العصور نظاما هلكت بسببه كل القوى ~~الداعية إلى النظام ... التحرر، أو تحويل البشر إلى قطيع من الماشية ~~... إن الديمقراطية الحديثة هي الشكل التاريخي لفساد الدولة ... إن ~~الحزبين المعارضين: الحزب الاشتراكي، والحزب القومي - أو أيا ما ~~كانت الأسماء التي تطلق عليهما في أقطار أوروبا المختلفة - جدير ~~كل منهما بالآخر؛ فالحسد والتراخي هما القوى الدافعة في كل ~~منهما ... إن مساواة جميع الأنفس أمام الله، هذه الأكذوبة، هذا ~~الستار الذي يحجب الأحقاد التي تتأجج في قلوب السفلة أجمعين، هذه ~~الفكرة العتيقة التي تشبه القنبلة، والتي أصبحت هي الثورة الأخيرة، ~~والفكرة الحديثة والمبدأ الجديد الذي يؤدي إلى هدم كل النظام ~~الاجتماعي - هذا هو الديناميت (المسيحي).» # والواقع أن نيتشه كتب دستورا كاملا لشمول الحكم الذي يدعو إليه ~~اليمينيون قبل استيلائهم على الحكم بجيل كامل، قال: ~~«إن مستقبل الثقافة الألمانية يتوقف على أبناء الضباط البروسيين ~~... السلام وترك الآخرين وشأنهم - ليست هذه السياسة التي أوليها أي ~~احترام. أما السيادة، ومعاونة أرقى الأفكار على الانتصار، فهما ~~الشيء الوحيد الذي يمكن أن أعبأ به في ألمانيا ... إن التربية التي ~~تجعل الجندي والعالم من الأكفاء هي بعينها في كلتا الحالتين. وإذا ~~أنعمنا النظر لتبين لنا أنه ليس هناك عالم حق يخلو من غرائز الجندي ~~الصادق تسري في عروقه ... أوصيكم بحب السلام وسيلة لحروب جديدة، ~~وأوثر لكم أن تقصر فترة السلام على أن تطول ... إن الحرب والشجاعة ~~قد انتهت بأعمال أكثر مما انتهى إليه الإحسان. إن الفرائس لم تنج ~~حتى الآن بعطفكم عليها وإنما أنجتها شجاعتكم.» # وأقول في إيجاز إن الهجمات من جانب اليمينيين على طريقة القرن ~~التاسع عشر في الحياة - أعني طريقة «التوفيق في عهد فكتوريا» - ~~متنوعة كثيرة، ومن العسير جدا أن نرتبها وفقا لنظام معين؛ ~~فهناك الهجوم من ثمرة المسيحية التقليدية، وهو هجوم يتركز على مبدأ ~~حركة التنوير العظيم، مبدأ الخير الطبيعي عند الإنسان ومعقوليته. ~~وهناك هجوم يؤكد أهمية التقاليد، و«التحيز» والسلطة المسيحية ~~القائمة في مجتمع منظم. وهناك هجوم ms543 يتهم المجتمع في القرن التاسع ~~عشر بإهماله - في حبه للمنافسة والتقدم - الحقيقة الأساسية التي ~~تقول بأن الإنسان حيوان سياسي. وهناك هجوم صادر عن وجهة النظر التي ~~تتمثل في المثل الأرستقراطية القديمة - المثل التي انحدرت ~~مباشرة من الإنسانية المقتصدة ذات التقاليد الكلاسيكية - وهو هجوم ~~يوجه نحو الديمقراطيات التي تميل نحو السير وراء الزعماء الذين ~~يضجون بغير عقل، ونحو الغيرة من الأقليات الأرستقراطية، إن لم يكن ~~من كل الأقليات، وتجنح إلى «عسف الأغلبية». وهناك هجوم من وجهة نظر ~~الذوق السليم والثقافة، الذوق الجمالي الذي يرى أن المجتمع الجديد ~~يكرس نفسه لإنتاج «الرخيص القبيح». وهناك هجمات أخرى، وبخاصة تلك ~~التي تشير إلى الحكم الشمولي، مما لا يمكن وصفه إلا في دراسة للقرن ~~التاسع عشر أوسع مما نستطيع هنا. ولا يمكن أن نقدم مختصرا ~~وافيا شافيا لهذه الهجمات. ولكنك إن أردت أن تأخذ بلفظ مفرد، ~~فبوسعك أن تقول إن ما تعيبه كل هذه الهجمات على عصرها هو ~~«ماديته». # الهجوم من اليسار # نستطيع بوجه عام جدا أن نقول إن هجمات القرن التاسع عشر من ~~اليسار على ما صنعه التوفيق الفكتوري بمثل حركة التنوير كانت ~~خلاصتها مد الديمقراطية السياسية حتى تشمل الديمقراطية الاجتماعية، ~~والديمقراطية الاقتصادية فوق كل شيء، وليست هذه الصيغة إلا ضربا ~~من ضروب التبسيط؛ فلقد كان اليساريون يعانون من التوتر الدائم بين ~~مثل الحرية والسلطة كما كان رجال الوسط. # وفي القرن التاسع عشر قدر معين من الكتابة والحديث الذي يزعم ~~أن المتاعب الحقيقية إنما نشأت من أن آراء الرجال في عام 1776م ~~وعام 1789م ووسائل هذين العامين لم تتبع حقا، وأننا بحاجة إلى ~~العودة إلى حقوق الإنسان البسيطة، وأن علاج مشكلات الديمقراطية هو ~~مزيد من الديمقراطية من النوع القديم - إعلانات الحقوق، والدساتير ~~المكتوبة، وحق الانتخاب، للجميع، والاقتراع السري، والمساواة بين ~~الدوائر الانتخابية، والدور في الوظائف، والتعليم المدني الإجباري ~~للجميع، وغير ذلك. وهذا في الأساس هو موقف الناس الذين نسميهم عادة ~~ب «الانقلابيين» مثل «أصحاب الميثاق» في إنجلترا في الثلاثينيات ~~والأربعينيات من القرن التاسع عشر. ms544 إنهم يقولون إن الديمقراطية ~~السياسية إذا نفذت تنفيذا كاملا، بما فيها من حقوق الإنسان ~~وغير ذلك، لنتج عن التعبير عن الآمال الإنسانية المختلفة تعبير حر، ~~شيء يشبه أن يكون مساواة اجتماعية واقتصادية في عمومها. لن يكون ~~هناك غني جدا، ولن يكون هناك فقير جدا، وإنما سوف يكون هناك ~~تنوع صحيح في الجزاء في حدود مجتمع تسوده المساواة إجمالا. ~~ولما أخذ القرن يقترب من نهايته أخذ الانقلابيون يحسون شيئا ~~فشيئا أن عملية التسوية هذه بحاجة إلى المساعدة من التشريع ~~الاجتماعي من ذلك النوع الذي يألفه الأمريكيون ويسمونه «القانون ~~الجديد». ثم أمسى الانقلابيون جماعيين، أو على الأقل مؤمنين ~~بتدخل الدولة، وباتوا في نظر خصومهم اشتراكيين. # وتتمثل هذه العملية في أفضل صورة لها في بريطانيا حيث شرع حزب ~~الأحرار في الثمانينيات من القرن التاسع عشر يؤيد التشريعات ~~الاشتراكية، واضطر المحافظون إلى شيء يشبه أن يكون دفاعا عن ~~المبدأ الكلاسيكي: «دعه يعمل». وتثبت حياة جون مل في أخرياتها كيف ~~أن أتباع بنتام يمكن أن يساقوا في يسر إلى موقف سياسي جماعي ~~مخفف. وربما كان رجل مثل ت. ه. جرين، وهو أحد المحاضرين في ~~أكسفورد، تأثر كثيرا بالفلسفة الألمانية المثالية، وعاون على ~~تشكيل الشباب الذين وضعوا في البرلمان وفي الخدمة المدنية أسس ~~بريطانيا الاشتراكية إلى حد ما كما نعرفها اليوم، ربما كان رجل ~~كهذا مثالا أفضل. وكتابه «مبادئ الواجبات السياسية» الذي نشره في ~~عام 1888م ليس إلا هجوما على ميتافيزيقيات وسياسة الراديكالية ~~البريطانية. يرى جرين أن الآراء الاسمية النفعية تجعل الفرد في ~~الواقع مجرد ذرة اجتماعية، يكافح مكافحة عمياء مع الذرات الأخرى، ~~وليس بأي معنى من المعاني حيوانا اجتماعيا حقا. وفكرته ~~الخاصة عن الدولة وعن غيرها من الجماعات الاجتماعية تؤكد سيطرتها ~~العاطفية على الفرد، و«واقعيتها» بمعنى يشبه المعنى المثالي ~~الألماني. غير أن جرين لم يكن من دعاة الدولة الشمولية، وإنما هو ~~يفسح مجالا لحقوق الفرد إلى جانب واجباته. الدولة عنده شيء أكثر ~~من الحكم في مباراة عادلة. إنها تعين الضعاف والأقل مهارة لكي ~~يلعبوا دورا ms545 أفضل في المباراة ولكنها لا تلغي المباراة كلية من ~~أجل نوع من أنواع التدريب الجماعي. # والنقطة التي تهمنا هنا هي أن تيارا من الفكر والعمل الجماعي أو ~~الذي يدعو إلى التدخل ظهر في أخريات القرن التاسع عشر بدرجات ~~مختلفة من القوة في الأجزاء المختلفة من المجتمع الغربي. وكانت ~~الولايات المتحدة آخر الأقطار التي أحست هذا التيار. ولا يزال كثير ~~من الأمريكيين الراسخين يقاومونه، ويعدونه دعوة إلى تحطيم ~~حرياتنا التقليدية، ويعدونه «اشتراكية» و«اتجاها غير أمريكي»، ~~ولا يزال التحليل الذي لا يمازجه الهوى لمشكلة تدخل الدولة في ~~العمل وغيره من الشئون الخاصة بالفرد أمرا شاقا على الرجل ~~الأمريكي. # ومن الإنصاف أن نقول إن ذلك النوع من السياسة الذي يدعو إليه ~~الفابيون وحزب العمال في بريطانيا، وتدعو إليه «القوة الثالثة» في ~~فرنسا، ودعاة «القانون الجديد» في الولايات المتحدة، لا يتفق كل ~~الاتفاق وتلك السياسات التي دعا إليها حتى أولئك الانقلابيون ~~المعتدلون مثل هربرت سبنسر منذ مائة عام، وليس هناك ضرر كبير من ~~قولنا إن الفارق يمثل تأثير التفكير «الاشتراكي» على التقليد ~~الديمقراطي. ولكنا ينبغي أن نكون على علم واضح بأن التطور نحو ~~«الاتجاه الفابي أو القوة الثالثة أو القانون الجديد» يختلف ~~اختلافا شديدا عما لا يزال يعد أفضل معنى من معاني ~~«الاشتراكية» وأكثرها تحديدا - الاشتراكية بمعنى الطائفة الدينية ~~المعينة التي أسسها كارل ماركس. # إن الفوارق بين طريقة الحياة الديمقراطية المعدلة، والنظرة ~~الكونية، والثقافة، أو حتى الدين، كما تتمثل في الاتجاهات اليسارية ~~المعاصرة في الغرب، والموقف الماركسي الأصيل، عظيمة جدا في ~~الواقع. وليس بوسعنا هنا إلا أن نشير إلى بعض الخطوط الرئيسية التي ~~ينبغي عند تحليل هذه الفوارق أن نسير عليها. ولكنا يجب أولا أن ~~نذكر أن الماركسية واليسارية اللاماركسية على السواء يمكن أن يرتدا ~~إلى أصل واحد مشترك في حركة التنوير، وأن كليهما يعارض المسيحية ~~التقليدية في نواح هامة. كلاهما ينبذ فكرة الخطيئة الأولى ويستبدل ~~بها نظرة إلى الطبيعة البشرية متفائلة في أساسها. وكلاهما يستبعد ~~عنصر ما فوق الطبيعة، وكلاهما يوجه همه إلى ms546 فكرة الحياة السعيدة ~~فوق هذه الأرض لكل فرد، وكلاهما يلفظ فكرة المجتمع الطبقي الذي ~~تسوده التفرقة الثابتة في الوضع الاجتماعي والتفرقة العظيمة في ~~الدخل. ومن الإنصاف أن نذكر أنه من الممكن اليوم لليساري ~~اللاماركسي أن يقبل درجة من درجات التشاؤم المسيحي التقليدي، وأن ~~يعد نفسه في الواقع مسيحيا. أما الماركسية - وهي مذهب أشد ~~صلابة - فلا تكاد تستطيع أن تتفق صراحة مع المسيحية أو أي دين ~~إلهي، ولا بد لها من أن تبقى وضعية ومادية في ثبات. # والواقع أن هذه الصلابة في المذهب هي من الفوارق الرئيسية بين ~~هاتين المجموعتين من المعتقدات؛ فاليساري الديمقراطي - حتى في أعلى ~~مستوى من مستويات آرائه الجماعية - يحتفظ على الأقل بحد أدنى من ~~الإيمان الحر القديم بضرورة وجود الحرية الفكرية لقبول الأفكار ~~الجديدة، وحرية التجريب والاختراع. وحتى حينما لا يكون متأثرا ~~بالشعور ب «حقوق» الفرد، فإنا نجده يلتزم فكرة التقدم عن طريق ~~التنوع، وهو يعرف أن الجماعات كجماعات ليست لها آراء جديدة. ~~وتستطيع أن تفهم الكثير من الشعارات والعناوين التي لا يستطيع حتى ~~المثقفون أن يتحاشوها. إن اليساري الديمقراطي لا يزال يؤمن بأن ~~الفكرة اليقينية الوحيدة هي أنه ليس هناك يقين، أو أن المجال ~~الوحيد للتعصب هو عدم التسامح مع المتعصبين. # ومن الحق أن هناك جماعة كانت طوال القرن التاسع عشر صريحة كل ~~الصراحة - وإن تكن أقلية ملحوظة ~~- في أنها ترجع في أصلها وفي وحيها إلى حركة التنوير في القرن ~~الثامن عشر، ومع ذلك فقد انتهت إلى الحط من شأن الحرية الفردية، ~~وإلى استخدام أكثر شعارات الشموليين، والدعوات إلى النظام، ~~والطاعة، والإيمان، والتماسك. وهؤلاء هم من يسمونهم ب «الوضعيين». ~~إن مصطلح الوضعية كثيرا ما يستعمل بغير دقة ليدل على المادية، ~~وليصف العقيدة التي تلفظ ما فوق الطبيعي، وتقف على أرض العلم ~~الثابتة «الوضعية». غير أن الاصطلاح من الناحية التاريخية يعني ~~اتباع الرجل الفرنسي أوجست كومت في «السياسة والأخلاق»، وهو الرجل ~~الذي التقينا به من قبل وقلنا إنه واضع القائمة التي ترتب ~~العلوم الطبيعية وفقا ل «نضجها». ms547 ولكن كومت لم يكتف بالدعوة إلى ~~علم اجتماع على مستوى رفيع؛ فقد كان يسعى في سنواته الأخيرة ~~- وبخاصة بعد فشل ثورات 1848م - إلى إنشاء نوع من الكنيسة يقوم على ~~أساس العقيدة الرسمية في التقدم، والعلوم الطبيعية، والإنسانية، ~~وعدم الاعتقاد بشدة وبشكل رسمي في إله مسيحي. وكان كومت نفسه ~~الكاهن الأكبر في هذه العقيدة الوضعية، التي كانت لها كنائسها ~~المنظمة الخاصة بها، والتي انتشرت من جماعات متنوعة أخرى تشاركها ~~إيمانها بالإنسان، والعلم، والمستقبل. ويجب ألا نخلط بين هؤلاء ~~الوضعيين الدينيين، الذين لم ينقرضوا بعد تماما، و«الوضعيين ~~المنطقيين» في الوقت الحاضر، الذين سوف نتعرض لهم فيما بعد. # وربما كان اليساريون الديمقراطيون - فيما خلا الوضعيين من أتباع ~~كومت وأضرابهم (الذين ليسوا في الواقع ديمقراطيين) - يحتفظون ~~دائما، حتى في أحدث صورة لهم، بشيء من انعدام الثقة القديم بأي ~~نظام من نظم الفكر يحاول أن يغرق الفرد في الجماعة، وكأنه يجعل ~~الفرد مجرد خلية في كل له كل الأهمية. اليساري الديمقراطي يحتفظ ~~في أعماقه باحترام صادق لجانب كبير من جهاز حقوق الفرد، تلك الحقوق ~~التي يميل إلى إنكارها - وبخاصة عند تطبيقها على الملكية - في ~~شجاعة تامة في بعض مواقفه الفكرية. إنه لا يعتقد حتمية النضال ~~الطبقي والثورة، ويأمل أن يحقق مزيدا من المساواة الاجتماعية ~~والاقتصادية، ومزيدا من الاستقرار في المجتمع، وإدارة أفضل في ~~الأعمال الحرة وفي الحكومة، بطريقة التحول طوعا، ذلك التحول الذي ~~يحدث عن طريق التشريع الذي يتم بالوسائل الديمقراطية العادية. وهو ~~بلغة المصطلحات الحديثة يؤمن بالتدرج وبالإصلاح، وهو - وبخاصة في ~~السنوات الحديثة - يزداد ميلا إلى الإصغاء إلى نقاد الأفكار ~~الأساسية في حركة التنوير، نقاد من النوع الذي أطلقنا عليه هنا اسم ~~المهاجمين من اليمين، ونقاد من النوع الذي سوف ندرسه في الفصل ~~التالي عن اللاعقليين. وبعدما شاهد المجتمعات الشمولية في النازية ~~والفاشستية والشيوعية الروسية في عصرنا هذا آمن في النهاية أن ~~التوحيد بين الناس والتجنيد، والسلطة المطلقة، ثمن أبهظ من أن ~~ندفعه في سبيل النظام والأمان ضد دوامة المجتمع المتنافس في ~~الغرب. # ثم ms548 نصل أخيرا إلى الاشتراكية الماركسية أو الشيوعية. والماركسية ~~- أو الاستالينية اللينينية الماركسية إذا أخذنا بالتتابع في رسم ~~القواعد هي من وجهة نظرنا تطور عنيف، أو قل هي فهم منحرف، ~~للنظرة العالمية في حركة التنوير. وهي تقف إزاء الشكل الديمقراطي ~~الرئيسي في حركة التنوير - من بعض النواحي - موقف الكالفنية من ~~المسيحية التقليدية عند الكاثوليك الرومان، أو - وربما كان ذلك ~~أفضل في المقارنة - موقف الكالفنية إزاء الأنجليكان الذين يقبلون ~~في ظل تنظيم كنسي رسمي واحد كل صنوف العقائد من التوحيد إلى ~~التقديس - الماركسية مذهب من المذاهب المادية الإنسانية المتفائلة ~~في القرن الثامن عشر، وهي في اتجاهها هذا عنيفة، يقينية، متزمتة، ~~حتمية، تقوم على أسس ثابتة من التوجيه. # وإذا كنت تشعر أن التعبير ب «الدين» ينبغي أن يقتصر على نظم ~~المعتقدات التي تؤمن بوجود الله، أو آلهة، أو أرواح، أو على الأقل ~~تؤمن بوجود شيء «غير مادي»، أو «فوق الطبيعي»، فأنت إذن لست معنا ~~على الطريق عندما نقارن بين الوطنية القومية والدين. إنني قد ~~طبقت في هذا الكتاب المصطلحات المستمدة من تاريخنا الديني في ~~الغرب على أية مجموعة منظمة واضحة الأهداف من المعتقدات التي تتعلق ~~ب «المشكلات الكبرى» - الحق والباطل، والسعادة الإنسانية، ونظام ~~الكون، وما إلى ذلك - مجموعة تؤثر فيمن يعتقد فيها على الأقل من ~~ناحيتين: الأولى أنها تمده بتوجيه فكري في هذه الدنيا (أي ~~تقدم له الحلول لمشكلاته)، والثانية أنها تمده بالمشاركة ~~الوجدانية في جماعة من الجماعات عن طريق الطقوس وغيرها من ضروب ~~العمل المشترك. والماركسية - بهذه المعاني، وبخاصة كما تطورت في ~~روسيا، هي من أقوى أشكال الأديان فعالية في عالم اليوم، وهي دين ~~ينبغي لكل متعلم أن يبذل الجهد في فهمه. # إن الماركسية تسد بكل وضوح مطلبا من المطالب البسيطة ~~للدين؛ فلها كتبها المقدسة، ولها نصوصها التي تعادل الأحكام ~~الدينية - وهي في التقاليد الأرثوذكسية الأصلية عبارة عن كتابات ~~ماركس وإنجلز، مع الشرح، والتأويل، والإضافة، التي جاء بها لنين، ~~وجاء بها ستالين بدرجة أقل كثيرا من حيث الأهمية، ولها كذلك ~~انحرافاتها، التي ms549 يرجع أهمها إلى حركة «المراجعة» في القرن التاسع ~~عشر التي ارتبطت أول الأمر باسم إدوارد بيرنشتين، والتي استبدلت ~~بالثورة «العنيفة» وما يترتب عليها من دكتاتورية البروليتاريا في ~~الماركسية الأصيلة تحقيق الديمقراطية (المساواة) الاجتماعية ~~والاقتصادية «تدريجا» بالعمل السياسي المشروع. وتحولت حركة ~~«المراجعة» إلى «التدرج»، وهو في أساسه الموقف الذي يقفه ~~«الاشتراكيون» اليوم (إزاء «الشيوعيين»). ولم يكن التدرج عند ~~المدافعين عنه مجرد حيلة للتهدئة من مخاوف البرجوازية، ولاكتساب ~~انضمام البرجوازية إلى الحركة، وإنما كان كذلك في أذهان القادة من ~~أمثال كوتسكس تصحيحا تاريخيا لا بد منه لمقابلة فشل التنبؤات ~~الماركسية عن حتمية ثورة عنيفة تقوم بها البروليتاريا في الغرب. ~~وهناك جماعات كثيرة أخرى انشقت أو انحرفت عن الماركسية، لا نجد هنا ~~مجالا لذكرها. وليس وجود أمثال هذه الانحرافات بالضرورة علامة من ~~علامات الضعف في الحركة. والواقع أنك لو فكرت في نشأة المسيحية ~~لوجدت أن هذه الانحرافات هي من دلائل حيوية الماركسية، واستمرار ~~التخمر الفكري الذي يعد من علامات الحياة أكثر مما يعد من ~~علامات التفرق والانحلال. # ويجب علينا هنا أن نحصر أنفسنا في الشكل الأرثوذكسي للمذهب. إن ~~العمل العظيم الذي قام به ماركس هو كتابه «رأس المال»، وهو من حيث ~~الشكل رسالة في علم الاقتصاد. غير أنه من الواضح أن هذا الكتاب ~~نفسه ليس مجرد دراسة للنظريات الاقتصادية من الناحية المهنية ~~الضيقة، وإنما هو فلسفة للتاريخ، ونظام من نظم الاجتماع، وبرنامج ~~للعمل السياسي. وهو - بالإضافة إلى بقية القواعد التي تعزى إلى ~~هذا المذهب - يقدم لنا نظرية كونية نظامية كاملة، أكثر مما ~~يقدم لنا أي كتاب آخر «بمفرده» في الاتجاه الديمقراطي الأرثوذكسي ~~لحركة التنوير؛ فالماركسية شيء «أحكم وأوضح» من أية ديمقراطية ~~عرفية. # إن الماركسية تحمل الطابع الواضح للقرن التاسع عشر الذي عاش فيه ~~ماركس، وإنجلز، وكتبا فيه. وهي تقوم على أساس فكرة صريحة جدا عن ~~التغير، والنمو، والتطور، باعتباره حقيقة نهائية صحيحة في كل مكان ~~(أما اعتقاد ماركس أو عدم اعتقاده بأن هذه العملية التطورية لا بد ~~أن تنتهي عند بلوغ المجتمع اللاطبقي، ms550 فموضوع شائق وإن يكن ليس ~~بالموضوع الرئيسي، وسوف نعود إليه فيما بعد). وقد كانت حقيقة ~~التغير وأهميته أحد الموضوعات الرئيسية في كل التفكير الغربي الذي ~~يتعلق بهذه الأمور الرفيعة. وكان الطراز الأفلاطوني من التفكير ~~يميل إلى محاولة تجنب أمور الموت والحياة في هذه الدنيا، لأنا ~~نحن الحيوانات البشرية، نمارسها في عالم آخر فوق الزمان والتغير. ~~وأكثر من هذا أن الفلاسفة الدنيويين من أمثال العقليين في القرون ~~الحديثة الأولى بحثوا عن أنواع من المنطق تكون مطلقة ولا تتغير. ~~أما الماركسية - في ظاهرها على الأقل - فتجد التقدم في المسير، ~~والتغير، وتحاول أن تلتمس في التغير ذاته الإجابة عن لغز ~~التغير. # والإجابة المحددة عن اللغز التي استمدها ماركس من أستاذه هيجل هي ~~«الجدل» (ارجع إلى ما ذكرناه في هذا الشأن في الفصل السابق عند ~~الكلام عن «تكثيف النظرة الكونية الجديدة وتعديلها»). ولكن عملية ~~التقاء الفكرة بضدها وتولد المركب الجديد منهما - عند هيجل - ~~كانت تتم تحت الدافع الذي أسماه الروح، وهي شيء غير مادي، أو قوة، ~~أو فكرة، أو معنى، أو هي على الأقل شيء لا تستطيع الحواس، ~~والإدراك العام، أو العلوم الطبيعية، أن تدرك كنهه. وزعم ماركس - ~~في زهو وافتخار - أنه أخذ الهرم الذي حاول هيجل بغفلته أن يضعه على ~~قمته ووضعه وضعا صحيحا معقولا على قاعدته العريضة؛ أي إنه ~~«حول الجدل المثالي إلى الجدل المادي». إن التغير في نظر ماركس ~~يتم طبقا لخطة، ولكنها ليست خطة الروح العالمية السخيفة التي قال ~~بها هيجل. التغيير يلحق بالمادة، بمعنى العالم الذي يحيط بنا، الذي ~~نحن أيضا بكليتنا أجزاء منه، كغيرنا من الحيوانات الأخرى. والتغير ~~الذي يحدث في هذا العالم المادي - ويمكن أن نسميه في بساطة البيئة ~~التي نعيش فيها - يحدد (أو يحتم) حياتنا كلها، ورفاهيتنا ~~المادية، ونظمنا، وفكرتنا عن الحق والباطل ونظرتنا إلى الكون. ~~والكلمة الرئيسية هنا هي لفظة «يحدد» أو «يحتم»، وهي كلمة ~~أثيرة عند ماركس، الذي كان يرى أن «المادية الجدلية» و«الحتمية ~~التاريخية» تعبيران يكادان يترادفان. # وبعض هذه العوامل البيئية الحتمية هي ms551 - بطبيعة الحال - من النوع ~~الذي عرفه الناس من قديم الزمان - كالمناخ على سبيل المثال. ولكن ~~ماركس يتجه نحو ما كان يعده ناحية من نواحي البيئة أرسخ أساسا ~~يسميها «وسائل الإنتاج» أو الطريقة التي يكسب الناس بها قوتهم. ~~وعلى هذه المجموعة الأساسية من الظروف المادية يترتب كل شيء آخر في ~~حياة الإنسان، وفي حياة المجموعات البشرية؛ فالبدو الذين يرعون ~~القطعان فوق المراعي الآسيوية يأكلون ويشربون، ويكونون الأسر، ~~ويطيعون القوانين والعادات، ويتبعون الزعماء، ويقاتلون، ويؤمنون ~~بدين معين، كل ذلك طبقا للتطور الحتمي الذي ينشأ عن وسائل ~~الإنتاج في المجتمع البدوي الرعوي. وقد أبدى الباحثون الماركسيون ~~مهارة فائقة وعلما غزيرا في تطبيق هذه الآراء تطبيقا محسوسا ~~على مختلف المجتمعات. # وكان ماركس نفسه يهتم فوق كل شيء بمجتمعه الغربي، الذي رسم له ~~خطة شاملة للتغير الاجتماعي طبقا لطريقته الجدلية، وقاعدته ~~الأساسية هي وسائل الإنتاج في اقتصاد إقطاعي مكتف بذاته في العصور ~~الوسطى. إن المجتمع الذي حتمه هذا الاقتصاد الإقطاعي كان يتطلب ~~طبقة من الرقيق عليها أن تعول طبقة السادة من النبلاء الإقطاعيين ~~ومن يحيط بهم من رجال الدين. وكان لهذا المجتمع نظام مدرج صارم ~~من الأوضاع الاجتماعية، ويؤمن بعقائد عن الإله وعن الكون تكلمنا ~~عنها من قبل في الفصلين السادس والسابع. وهذا الاقتصاد الريفي ~~والمجتمع الإقطاعي هو «الموضوع» أو «الفكرة». ومبدأ التغير عند ~~ماركس شيء «مادي»، وليس فكرة في ذهن أي مخلوق - وإن يكن حتى ماركس. ~~في واقع الأمر، كان لا بد له من الاعتراف بأن التغير المادي إنما ~~يحدث لأن بعضا من الناس يريدونه ويتصورونه. والتغير الذي بدأ به ~~العالم الحديث هو في أبسط صوره المال، والتجارة، وبداية اقتصاد ~~رأسمالي. وباستمرار هذا التغير تدريجا تتكون طبقة جديدة، طبقة ~~متاجرة أو بورجوازية. وبين النبلاء الإقطاعيين القدامى والطبقة ~~المتوسطة المالية الجديدة لا بد أن يحدث «نضال طبقي» فعال ~~(والنضال الطبقي تعبير ماركسي آخر مشهور جدا). وللطبقة الجديدة ~~فلسفتها، وهي فلسفة بروتستانتية بصفة خاصة بعد فترة من الزمن، ولها ~~نظرتها الخاصة إلى فضيلة المنافسة، ومشروعية الربح، ms552 والحاجة إلى ~~الديمقراطية السياسية لتفادي النفوذ الملكي وسلطة النبلاء - كان ~~لها باختصار فلسفة للحياة ~~كاملة. وهذا الاقتصاد التجاري، وهذا المجتمع الديمقراطي البرجوازي، ~~هو «ضد الموضوع» أو «ضد الفكرة». وقد بلغ النضال الطويل بين ~~«الفكرة» و«ضدها» - بعد انتصارات برجوازية مبدئية في إنجلترا ~~وهولندا - ذروته في الثورتين الأمريكية والفرنسية والانتصار الكامل ~~للبورجوازية في القرن التاسع عشر. # ولكن النضال الطبقي لم ينته بذلك بأية حال من الأحوال؛ فإن هذه ~~البورجوازية الظافرة اتحدت مع فلول النبلاء المهزومة، وكونت ~~«مركبا»، أو فكرة جديدة، وأخذت تناضل مع «فكرة معارضة» جديدة، ~~هي «البروليتاريا». وهذا النضال نفسه، والطبقات التي قامت بالنضال، ~~كان النتيجة المادية لتغير آخر في وسيلة الإنتاج، هو ظهور نظام ~~المصانع والصورة الحديثة للرأسمالية الصناعية والمالية. وقد انضم ~~إلى البورجوازية القديمة صاحبة المصارف والتجارة رجال الصناعة ~~وأصحاب المصانع، فظهرت طبقة رأسمالية جديدة أقوى. لقد تجمع العمال ~~الآن في المصانع تحت أعين الظالمين لهم، تهبط بهم القوانين الصارمة ~~للاقتصاد الرأسمالي إلى مجرد مستوى الأجور التي تمسك عليهم رمقهم، ~~ولكنهم يستطيعون على الأقل أن ينتظموا، وإن يكن في الخفاء، ويصبحوا ~~تحت القيادة الماركسية على وعي طبقي كامل. والآن نجد البورجوازية ~~أو «الفكرة الأولى»، والبروليتاريا أو «معارضة الفكرة»، يخوضان ~~المعركة الطبقية الأخيرة (وقد أعلن ماركس خطوط هذه النظرية أول ~~الأمر في «البيان الشيوعي» في عام 1848م) وبذلك تحقق النصر ~~للبروليتاريا. # وأكد ماركس هذا النصر بتحليل اقتصادي غاية في التعقيد ليس بوسعنا ~~أن نحاول تتبعه تتبعا دقيقا. وكان يهدف من الحجج التي ساقها إلى ~~أن يبين أن الإنتاج بقوانين المنافسة الرأسمالية لا بد أن ينتهي من ~~حين إلى آخر إلى زيادة في العرض عن الطلب تؤدي إلى أزمة في التجارة ~~تدهور خلالها الشركات الضعيفة، ويتحول أعضاؤها إلى البروليتاريا، ~~وتتضخم الشركات الباقية وتزداد قوة. غير أن الطبقة العاملة - برغم ~~معاناتها في كل أزمة من الأزمات - تزداد عددا وتشتد بأسا. وفي ~~عبارة شهيرة عبر ماركس عن حتمية النتيجة التي يؤدي إليها ~~القانون الاقتصادي، وهي أن يصبح الفقير أشد فقرا، والغني أشد ~~غنى. ms553 وأخيرا تأتي أزمة كبرى، يشتد فيها بأس البروليتاريا - وقد ~~تم تنظيمها وكمل وعيها الطبقي - وتستولي على وسائل الإنتاج. وهكذا ~~تتهم دكتاتورية البروليتاريا، وفي غضون ذلك تسحب البنوك، ~~والمواصلات، ووسائل النقل، والمصانع، من أصحابها البورجوازيين، ~~وتؤمم، وتسقط في أيدي حكومة البروليتاريا الجديدة، وعندئذ تأتي ~~المرحلة الأخيرة. وبتصفية أصحاب رءوس الأموال لا توجد طبقات أخرى - ~~أو قل إن شئت تبقى طبقة واحدة، هي طبقة البروليتاريا الظافرة. ~~وإذن لا يمكن أن يكون هناك صراع طبقي. وما دام جهاز الدولة كله لم ~~يكن - طبقا للتحليل الماركسي - ضروريا إلا لكي ترغم الطبقة ~~المتحكمة الطبقة المعارضة في النضال الطبقي، فلن تبقى حاجة إلى ~~الدولة بشرطتها ، ومحاكمها، وجيوشها، وضرائبها. عندئذ تذوي الدولة ~~ونصل آخر الأمر إلى المجتمع اللاطبقي، أو الفردوس فوق الأرض في ~~الديانة الماركسية. والواقع أن ماركس نفسه لم يهتم بتفصيلات ~~فردوسه، وحتى إنجلز والشراح المتأخرون كانوا على غموض في هذا ~~الموضوع، ولكنهم باعتبارهم مؤمنين بالتقدم الذي عرف في القرن ~~التاسع عشر، مخلصين له، فإنهم لم يريدوا أن ينظروا حتى إلى الفردوس ~~على أنه ثابت لا يتغير. وربما استطعنا أن نقول إن الماركسي يؤمن ~~بأن النضال المرير اللاإنساني كنضال الطبقات سوف ينتهي بظهور ~~المجتمع اللاطبقي، إلا أن التقدم سوف يستمر بطريق المنافسة ~~الكريمة، الخالية من الألم، التي تشبه المباراة. # وقد انقضى الآن أكثر من مائة عام منذ إعلان «البيان الشيوعي» ولم ~~يسر مجرى التاريخ كما رسمه ماركس. وفي الحق أن دورة الرأسمالي ~~الذي يتنقل بين الرفاهية والأزمات قد استمرت، وأن الأزمات ربما ~~اشتدت. ومن المؤكد أنه كان هناك اتجاه نحو تجميع رأس المال في ~~الصناعة الضخمة إلا أن ذلك لم يحدث باطراد وبصورة واحدة حتى في ~~الاقتصاد الألماني والبريطاني والأمريكي. ولا مشاحة في أن ~~النظرية التي تقول بأن الأغنياء يزدادون غنى وأن الفقراء يزدادون ~~فقرا لم تصدق. والحكومة تتدخل لتنظيم الصناعة حتى في الولايات ~~المتحدة. وقد ظهر في كل الأقطار الصناعية ميل إلى درجة ما نحو ما ~~يسمى في كثير من الأحيان «اشتراكية الدولة». وقد نشبت ms554 بطبيعة ~~الحال في عام 1917م في روسيا المتخلفة صناعيا - وهي بلد كان ~~ماركس نفسه لا يحبه - الحركة الثورية الكبرى الوحيدة التي استولت ~~على الحكم تحت الرعاية الماركسية. وأقام الروس دكتاتورية ~~البروليتاريا، ولكن ليس هناك حتى الآن أي دليل على تلاشي الدولة ~~الروسية. # والواقع أن ماركس قد افترض بأن الثورة بمجرد نجاحها في أمة عظمى ~~سوف تنتشر على الأقل في بقية المجتمع الغربي، ثم في جميع أنحاء ~~العالم تبعا لذلك (والظاهر أن ماركس ظن أن الثورة سوف تشتعل أولا ~~في أكثر الأمم تقدما في زمانه، وهي بريطانيا العظمى). ويستطيع ~~الماركسيون المخلصون - بطبيعة الحال - أن يزعموا أن الدولة لا يمكن ~~أن تذوي في روسيا المحاصرة حتى تشتعل الثورة في كل أرجاء ~~العالم. # ومهما يكن من أمر فإننا لا نهتم هنا أولا بالنظر في مقدار صحة ~~تنبؤ ماركس بالمستقبل؛ فإن الحركة التي وضع أساسها قد استولت على ~~الحكم في دولة عظمى، وأتباعه - بالرغم من انشقاقهم بسبب الخلافات ~~المذهبية - لهم قوة في كثير من أجزاء المجتمع الغربي. إن الماركسية ~~دين من الأديان - وإن كانت هذه اللفظة تصدم القارئ قلنا إنها ~~مجموعة كبرى من مجموعات المبادئ التي يسترشد بها الإنسان - التي ~~تتنافس اليوم لكي تظفر بولاء أهل الغرب لها. # والإله الماركسي هو قوة المادية الجدلية القديرة على كل شيء، وإن ~~تكن قوة غير مشخصة. إن المادية الجدلية قادرة على كل شيء، شأنها في ~~ذلك شأن الآلهة في الديانات المتقدمة الأخرى. والماركسيون أنفسهم ~~لا يترددون في استعمال لفظة «الحتمية» بكل ما تحمل من معان قوية ~~حملها إياها سنت أوغسطين وكالفن. وقوتها عندهم هي قوة العلم. وهم ~~يصرون على أن هذا النظام نظام علمي؛ ولذلك فلا بد أن يكون صحيحا. ~~ولكن علمهم في نظر الخارج عنهم ليس علم المعامل والعيادات، وإنما ~~هو علم مؤله يؤدي لهم ما أداه علم نيوتن المؤله لفلاسفة القرن ~~الثامن عشر. أي إنه يؤكد لهم أنهم قبضوا على مفتاح العالم فتطمئن ~~نفوسهم. # فالمادية الجدلية إذن لا بد في نظر الماركسي أن تؤدي إلى ms555 ثورة ~~البروليتاريا العالمية. وهي سوف تؤدي إلى ذلك بالرغم من كل ما ~~يمكن أن يبذله الرأسماليون من جهد. بل إن الرأسمالي كلما سلك سلوك ~~الرأسمالي - متبعا طريق العمل الذي تمليه عليه وسائل الإنتاج التي ~~يعمل في ظلها - اقترب النصر للبروليتاريا. ولا يعمل آل روكفلر ~~ومورجان إلا ما تريدهم المادية الجدلية أن يعملوه. ومن الجائز أن ~~ذلك لا يجعل الماركسي يشعر بمزيد من العطف نحوهم أو نحو أمثالهم. ~~كما أن التأكيد بأن نجم البروليتاريا يشير إلى نصر محقق لهم لا ~~يجعل الماركسي قدريا. وقد رأينا من قبل أن التأكد من سيادة ~~إرادة الله - في نظر الكالفني - كان يزيد المؤمن استعدادا للنزول ~~في معمعان الدنيا والكفاح في سبيل إعانة إرادة الله في أن تسود. ~~ورأينا أن الكالفني كان دائما ينقذ نفسه بالتشكك في أن الفرد من ~~البشر الذي لا يعدو أن يكون دودة من الديدان - حتى إن كان عضوا ~~مخلصا في كنيسة كالفن - قد لا يعرف حقا إرادة الله (ارجع إلى ما ~~كتبناه في الفصل التاسع عند الكلام على أشكال البروتستانتية). أما ~~الماركسي فلم يكن عنده حتى هذه البقية من التواضع المسيحي لكي ~~يلتمس لونا من ألوان التأييد المنطقي لسلوكه الواقعي كمناضل في ~~سبيل الحق كما يراه. إن الماركسي - وماركس نفسه - يعلم علم اليقين ~~أن المادية الجدلية لا بد أن تفعل فعلها بالطريقة التي قدرت لها ~~من قبل. ولكنا لا نشاهد الماركسي المؤمن بمذهبه جالسا خلف الصفوف، ~~يسمح للمادية الجدلية أن تفعل فعلها بدونه، بل على العكس من ذلك ~~نراه داعية متحمسا لمبدئه، ونجده مؤمنا بالتقدم من الناحية ~~الخلقية، ولو حكمنا بمسلكه وجدنا أنه يستطيع بجهوده الخاصة أن يخلق ~~اختلافا في السلوك البشري، ومرة أخرى أقول إنه ليس بوسعنا إلا أن ~~نلحظ أن الاعتقاد الميتافيزيقي في الحتمية يبدو للماركسي - كما ~~يبدو للكالفني الذي يشبهه كثيرا - أمرا يتفق كل الاتفاق مع ~~العقيدة السيكولوجية في حرية الإرادة. # وإذا تابعنا تشبيهنا الماركسية بالدين قلنا إن الفردوس ~~الماركسي كما تبين لنا من قبل هو المجتمع اللاطبقي، ms556 وهي حالة ~~يستطيع الناس بلوغها هنا فوق هذه الأرض، حالة تشترك مع الديانات ~~المتقدمة الأخرى (التي تعتقد في يوم الحساب وفي الجنة والنار) في ~~تصور أوضاع لا يمكن ألا تشبع فيها رغبات البشر. ومن الحق أن ~~الماركسي يفخر بماديته، ويعتقد أن كل الشهوات الإنسانية «الكريمة» ~~سوف تشبع في المجتمع اللاطبقي. وهو ينكر في إباء أن فردوسه يتفق ~~في أية ناحية من النواحي مع تلك الصورة الصوفية - التي سادت بين ~~المسيحيين المثقفين للجنة كمكان يتغلب فيه المرء على «كل» الشهوات ~~ويطفئها ويتسامى بها روحيا. ومع ذلك فإن المجتمع الطبقي ليس بيئة ~~سمجة وليس محلا لتلك المتع الحسية التي يربط الماركسي بينها وبين ~~المثل الرأسمالية السوقية. والواقع أن هناك وجها بيوريتانيا ~~(متطهرا) في الماركسية بالمعنى العام الشائع للبيوريتانية. إن ~~الماركسي - كأي كالفني - يحتقر جانب الحياة الأبيقوري البحت، ~~ويحتقر المتع المبتذلة الخشنة، بل وكثيرا من هذه المتع التي ~~هذبت الأرستقراطية منها شيئا ما. وقد كان ماركس نفسه رجلا ~~أخلاقيا، يجفل كما كان يجفل كارليل أو رسكن مما في المجتمع ~~الصناعي من وعورة وتعسف. ويحاول الماركسي جاهدا أن ينقذ أحد ~~الجوانب الوضعية (الحسية) في جنته، ويصر على أن الناس في المجتمع ~~اللاطبقي يتنافسون ويتقدمون كما يفعل الأبناء البررة في ثقافتنا. ~~غير أن ما يسترعي النظر حقا في جنة الماركسي - وفي الجنات الأخرى ~~- فهو فكرة اختفاء الصراع والفشل، وإبادة الشهوات. # ويمكن القول بأن فكرة الثورة ودكتاتورية البروليتاريا توازي بوجه ~~عام الفكرة المسيحية عن يوم الحساب. غير أن هناك فارقا واضحا ~~أذكره مرة أخرى، وهو أن الماركسي يعتقد أن الكارثة التي سوف تؤدي ~~إلى إنقاذه سوف تتم عن طريق القوى الطبيعية لا عن طريق القوى فوق ~~الطبيعية. إن حالة النعمة، والأمر الذي يميز بين المؤمن والملحد، ~~هي مجرد قدرته على أن يرى العالم في الحدود الماركسية، أو الحدود ~~«العلمية» - كما يقول الماركسي. وماركس عنده مسيح يتصوره بعقله ~~ويقابل به المسيح الروحاني - وهذا الأخير عند الماركسي هو بطبيعة ~~الحال مسيح دجال. # ثم إن هذا الوعي بالانتماء وب ms557 «معرفة الحق»، وبامتلاك النور ~~الباطني يتوازن - كما هي الحال في أكثر الهيئات الدينية - بأداء ~~بعض الأعمال الرمزية التي تربط المؤمن بجماعة المؤمنين كلها. ~~وبعبارة أخرى أقول إن للماركسي كتبه كما أن له عقيدته. إنه يقرأ ~~كتبه الماركسية المقدسة، ويرود المجتمعات، ولديه بطاقة الحزب، ~~وعليه واجبات الحزب. وعنده لكل أمر مفتاح، ولكل سؤال جواب. ولا ~~يدهش الرجل العليم من خارج الحزب إذا عرف أن في روسيا الشيوعية ~~موسيقى شيوعية، وتاريخا ماركسيا، بل وبيولوجيا ماركسية. # وربما كان من الحق أنه ليس هناك مرادف ماركسي واضح لذلك النوع من ~~التجربة الدينية الذي يبلوره المسيحي في لفظة «الضمير». وقد ذكرنا ~~في فصل سابق أن وجها بأكمله من أوجه المسيحية يتركز في مجاهدة ~~الروح الفردية عند الإنسان الآثم في نضالها العنيد مع الله. إن ~~المسيحية عقيدة مغرقة في الفردية وفكرتها عن الخلاص مغرقة كذلك في ~~الفردية. أما الماركسية فترى أن تحقيق الفرد لذاته تحقيقا صادقا ~~ليس بطبيعة الحال في مجرد المشاركة الآلية في الكل الاجتماعي التي ~~تشبه مشاركة النمل أو النحل، ولكنه على الأقل في المطابقة التامة ~~بين الفرد والجماعية الكاملة - الماركسية عقيدة جماعية، وفكرتها ~~عن خلاص الفرد لا يمكن أن تتشابه تشابها وثيقا مع مثيلتها في ~~المسيحية. ومع ذلك فإن للماركسي ضميره، ومهما تكن فكرة الضمير هذه ~~لا تتلاءم تلاؤما جيدا مع المادية الجدلية فإن الماركسي يمكن أن ~~يعاني عذاب الضمير، وتتمثل هذه الفكرة في جلاء كاف في بطل «الظلام ~~وقت الظهيرة» لآرثر توسلر. وإن أنت تحملت مشقة دراسة تاريخ حياة ~~مستر كوستر نفسه، للمست الفكرة كذلك فيها. # وقد قام ماركس وإنجلز بالعمل الأكبر - من الناحية النظرية البحت، ~~أو من ناحية الأصول الدينية الماركسية في أعلى مستوياتها. وبالرغم ~~من أن التطبيق العملي السوفييتي قد عزا إلى لنين وإلى ستالين ~~إضافات أساسية لمجموعة المعتقدات الماركسية الرئيسية، فإن المشاهد ~~من الخارج يرى أن أهميتهما ترجع إلى اعتبارهما من المنظمين لا من ~~المفكرين. والماركسية لم تدمج بعد المفكر والعامل دمجا ناجحا ~~كما اندمجا في القديس بولس. نعم ms558 ~~إن لنين، لما ووجه بنجاح الآراء الرأسمالية الغربية الشريرة في ~~السنوات الأولى من القرن العشرين، وبأن هذه الآراء على الأقل لم ~~تتحطم كما تنبأ لها ماركس، أضاف إلى التحليل الماركسي نتيجة طبيعية ~~مؤداها أن الإنجليز وغيرهم من الرأسماليين الغربيين - بعدما بلغوا ~~الذروة في استغلال مواطنيهم - أجلوا يوم الحساب، يوم يسألون عما ~~يفعلون، بالإمبريالية الاستعمارية، وباستغلال بقية العالم. غير أن ~~هذا نفسه كان - طبقا للنين - تأييدا لماركس؛ فالإمبريالية هي ~~حالة النضج التي لا مفر منها للرأسمالية، وهي المرحلة الأخيرة التي ~~تسبق ثورة البروليتاريا. # والواقع أن الخدمة الكبرى التي أداها لنين للماركسية كانت في ~~تنظيمه لثورة ناجحة في بلد متخلف. ولكي يقوم بذلك كان لا بد للرجل ~~من تنظيم ثورة عنيفة - بشر بها ماركس دائما، وإن يكن بأسلوب ~~أكاديمي - ثورة تشعل نيرانها أقلية من الأشخاص المدربين ~~اليائسين، لهم خبرة سنوات طويلة بالتآمر الخفي. لا تخز ضمائرهم ~~شكوك «بورجوازية ديمقراطية» عن مشروعية العمل، أو الشعور الإنساني ~~الرقيق، والأمانة، وغير ذلك ... وقد كان ماركس، بكل ما عرف عنه من ~~إحساس بالكراهية للمصلحين المجردين، لم يرض قطعا عن الثائرين ~~المحترفين المتآمرين. وإذن فإن لنين - في نظر بعض أتباع ماركس - لم ~~يكن شارحا للماركسية الصحيحة بمقدار ما كان كاشفا عن سرها، ~~وقد كان الماركسيون الرحيمون، المستبشرون، الذين يؤمنون بعالم آخر ~~(وقد كان هناك منهم من يؤمن بالعالم الآخر، وإن كانت هذه النظرة قد ~~تبدو غير منطقية في عين المشاهد من الخارج) كان هؤلاء يرون أن ~~سلوك لنين الذي لا رأفة فيه؛ ذلك السلوك الواقعي المقصود، معناه ~~قبول العالم البرجوازي الشرير الذي أرادوا أن يتجاوزوه. إن لنين - ~~وأسوأ منه ستالين - قد استسلما - في نظرهم - لتلك الأوهام الخبيثة ~~التي يعبر عنها بالإدراك العام، والسلوك العملي، ~~والنجاح. # أما ستالين فلم يكن مفكرا إلا في نظر الشيوعيين الأصليين، ~~وسياسته التي تنادي ب «الاشتراكية في بلد واحد» ليست في الواقع إلا ~~نتيجة عملية لماركس لها أهميتها القصوى، والظاهر أنها قد أقحمت ~~على ستالين باعتبارها سياسة لا نظرية. وقد برهن بطبيعة الحال ms559 على ~~أنه منظم ناجح للعقيدة الماركسية في حكومة قومية ذات تاريخ طويل ~~وتقاليد وطنية عميقة، وعاون على دمج الثقافة الروسية، والتاريخ ~~الروسي بمعناه الكامل، مع مجموعة الآراء التي تتعلق بمعنى العالم ~~ومصير الإنسان والتي ترتبط بكارل ماركس وفردريك إنجلز. وثمة ~~موازنة أخيرة وربما كانت مثيرة جدا. لقد كان ستالين من بعض ~~النواحي في مركز يشبه مركز المنظمين في أوائل المسيحية، عندما ~~اتضح جليا أن يسوع لن يعود إلى الأرض فورا، وأن كل المعتقدات ~~المسيحية في يوم الحساب والجنة والنار، تلك المعتقدات المعقدة، ~~لا بد أن تتفق وتوقيتا آخر، بل وعالما آخر. وفي روسيا لعهد ~~ستالين كان لا بد من تأجيل المجتمع اللاطبقي؛ ففي روسيا الحاضرة ~~فشل، وبؤس، ومنافسة، وتفرقة اجتماعية واقتصادية كبرى. وكان لا بد ~~لستالين من أن يلبس وقائع الحياة في هذه الدنيا رداء التفاؤل ~~الرئيسي عند ماركس. وسوف نعرف ذات يوم إلى أي حد نجح. أما اليوم، ~~ونحن على الجانب الآخر من الستار الحديدي، فإننا نلاحظ بصفة خاصة ~~أنه كان يستخدم حيلة قديمة جدا في الواقع، وهي تأكيد إصرار العدو ~~الشيطاني وصلابته - وذلك العدو هو الرأسمالية. # إن مستوى القيم الخلقية والجمالية عند الماركسي في هذه الدنيا هو ~~في أساسه برجوازي، رأسمالي، مع تحريف بيوريتاني مرير طفيف. وهناك ~~دوائر متقدمة في الأقطار الغربية حيث تتحد الماركسية مع أنواع ~~مختلفة من الثورة الخلقية والجمالية ضد المعايير التقليدية التي ~~سادت الأوساط البرجوازية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر - ولكن ~~في غير روسيا. والواقع أن الماركسية من ورثة النظرة الكونية ~~المادية والعقلية لفلاسفة القرن الثامن عشر، بل من أكثر هؤلاء ~~الورثة شرعية. وقد كان ماركس نفسه يتصور مجتمعا يؤدي وظيفته أداء ~~صحيحا شبيها شبها عجيبا بمجتمع آدم سميث - يتصور اقتصادا، ~~ومن ثم مجتمعا - يسهم فيه كل فرد إذا سلك سلوكا طبيعيا في ~~رفاهية الجماعة وتيسير عملها. والمثل الأعلى والغاية التي ترمي ~~إليها الماركسية، هي الفوضى الفلسفية بين كائنات بشرية حرة ~~متساوية، وذلك أحد الاتجاهات أكدتها حركة التنوير. # غير أن الوسيلة هي الثورة ms560 العنيفة وحالة انتقالية من الدكتاتورية ~~تستخدم فيها السلطة العليا استخداما صارما، ويسودها النظام ~~الدقيق بين الجماهير، ويقوم فيها جهاز المجتمع الشمولي كاملا. ~~وهنا تختلف الماركسية اختلافا شديدا مع حركة التنوير، التي كانت ~~- برغم اعتزازها بثورات كالثورة الأمريكية والثورة الفرنسية - ~~تخجل بعض الشيء من وسائل التعذيب الشائنة ومن المقصلة، والتي كانت ~~تعد الثورة السياسية على أحسن الفروض شرا لا بد منه، يتجنبه ~~الإنسان إن أمكن له ذلك. غير أن الوسائل في هذه الدنيا لها أثرها ~~في الغابات. ولم تتجاوز حتى اليوم الجهود الماركسية التي بذلت ~~لبلوغ حالة الفوضى باستخدام السلطة، لم تتجاوز استخدامها استخداما ~~صارما على أيدي طبقة حاكمة صغيرة. وحتى لو تمكنت التجربة ~~الروسية من الاستمرار في عالم ~~لا يعادي روسيا ككيان سياسي فلا يحتمل أن تنشأ الجنة الماركسية فوق ~~الأرض. إنك لا تستطيع أن تحقق غاية من الغايات بمحاولتك تحقيق ~~عكسها إلا في عالم هيجلي من العقل المحض، أما في هذه الدنيا ~~فإنك إن شرعت تبني مجتمعا تسلك فيه الكائنات البشرية مسلكا يشبه ~~مسلك النمل بقدر ما يمكن ذلك، فمن غير المحتمل أن تصل إلى مجتمع ~~تسلك فيه هذه الكائنات مسلك الأسود. إن المحاولة الماركسية لتخفيف ~~التوتر الذي قام في القرن الثامن عشر بين الحرية والمساواة كان على ~~وجه الجملة أقل نجاحا من المحاولة الديمقراطية الأصيلة. # الخلاصة # إن دراسة القرن التاسع عشر قد أدت بنا - من غير داع - إلى ~~اعتبارات كثيرة تتعلق بالقرن العشرين. وقد تابعنا بعض أوجه ~~الماركسية إلى أبعد من القرن الذي ولد فيه المذهب. ويجدر بنا أن ~~نعود إلى تلخيص هذه المبادئ، أو أنواع التوتر التي تعرضنا لها في ~~الفصلين السابقين، وذلك في شيء من الإيجاز. # نشأ في القرن التاسع عشر اتجاه - لم يكن ثابتا - أطلقنا عليه ~~اسم التوفيق الفكتوري. وقد سعى هذا التوفيق إلى الاحتفاظ ~~بديمقراطية سياسية معتدلة وبقومية معتدلة، وبحرية فردية اقتصادية ~~كبرى في العمل يزنها ناموس خلقي صارم، ومسيحية تقليدية تؤمن ~~بارتياد الكنيسة. وفي المجتمع الغربي القائم على أساس هذا التوفيق ~~حدث تقدم ms561 صناعي وعلمي عظيم. وحدثت فوارق مادية كبرى، ومع ذلك ~~توافر للطبقات الدنيا مستوى من المعيشة من الناحية المادية أعلى ~~من أي مستوى عرفته من قبل، كما كان هناك ازدهار متنوع حي من ~~الناحيتين الفكرية والجمالية. # غير أن هذا الازدهار الفكري والجمالي إذا قارناه بالازدهار الذي ~~حدث في القرن الثالث عشر، أو في أثينا في القرن الخامس، وجدنا أنه ~~تعوزه وحدة الأسلوب، بل وربما أعوزته وحدة العرض؛ لأن القرن التاسع ~~عشر كان فترة من الزمن ساد فيها تنوع عجيب في الفكر، وكان عصرا ~~من عصور التنوع بصفة عامة، التطرف فيه كان على أشده، والتوتر فيه ~~على أوضحه - التقليد ضد التجديد، والسلطة ضد الحرية، والإيمان ~~بالله ضد الإيمان بالآلة، والولاء للأمة ضد الولاء للإنسانية - ~~ونستطيع أن نسترسل في هذه الأضداد إلى مدى طويل. واستطاع القرن ~~التاسع عشر بطريقة ما أن يحفظ التوازن العسير بين هذه الآمال ~~الإنسانية المتعارضة، وهذه المثل للحياة الطيبة التي تختلف ~~في الأساس. وقد شهد القرن الذي ~~نعيش فيه اضطراب هذا التوازن. ويشهد على هذا الاضطراب حربان كبريان ~~وأزمة اقتصادية عظمى. ونحن نحاول اليوم أن نعبد نوعا من التوازن ~~خاصا بنا بين مثل بينها من الصراع مثلما كان بين مثل القرن ~~التاسع عشر - وإن تكن في الواقع هي نفس المثل في أساسها. # الفصل الرابع عشر # | القرن العشرون: هجوم اللاعقليين # كان المتطرفون - على الأقل - في حركة التنوير في القرن الثامن عشر ~~يعتقدون أن الكائنات البشرية سوف تبدأ عما قريب في العيش في مجتمع ~~كامل، مجتمع ينتفى فيه كل ما يعده الناس جميعا شرا، ولا يبقى ~~فيه إلا ما يعده الناس جميعا خيرا. وهذه النظرة تعتبر في تحليلنا ~~قاعدة أساسية. أو قل إن صدى هذه النظرة في الآمال الأقل تواضعا التي ~~يعقدها الرجل العادي الغربي على الارتقاء الشخصي فيما يصيبه من هذه ~~الحياة، وعلى التقدم الاجتماعي الملموس في أثناء حياته، ينبغي أن ~~يكون قاعدتنا الأساسية. وكان لا بد لهذه النظرة المتفائلة أن تصمد إزاء ~~مجرد انقضاء مائة وخمسين عاما بقي الشر ms562 في نهايتها - فيما يظهر - ~~حيا وسائدا كما كان في أي عهد سبق. وكان لا بد لهذه النظرة من أن ~~تعيش برغم أزمتين عظيمتين كانتا نتيجة لحرب عالمية، وما ترتب عليها من ~~آلام بسبب الموت والمرض، والشح، والكثير غير ذلك من قسوة الإنسان على ~~الإنسان. وقد رأينا أن أولى هاتين الأزمتين - وأعني بها نضال الحروب ~~التي شنتها الثورة الفرنسية ونابليون في مدى ثلاثين عاما - عاونت على ~~استعادة التفاؤل الأول الذي أسميناه التوفيق الفكتوري. وأما الأزمة ~~الثانية - وهي النضال الذي دام ثلاثين عاما والذي نسميه في بلادنا ~~الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، فقد رأينا من قبل أنها ~~قد جاءت بفيض آخر من المشاعر المتشائمة والنقد المتشائم، وهي الآن ~~تفعل فعلها ناشطة تدخل تعديلا جديدا في ميراث القرن الثامن عشر وهو ~~الحلم الديمقراطي. وما زلنا على مقربة شديدة من الحركة بحيث لا نستطيع ~~أن نراها رؤية واضحة. وربما استطاع النقاد في عام 2000م أن يروا أن ~~القرن العشرين كان له - عقيدته الخاصة، وثقافته الخاصة. # ولكنا نرى اليوم بوضوح أن الحلم قد تخطى الأزمة الثانية، وما زلنا ~~في الغرب أبناء القرن الثامن عشر، ولا تصدقوا دعاة الانهيار الذين ~~يحدثونكم بغير ذلك. إنهم قد يكونون على صواب؛ فإن الجانب الأكبر من ~~مجموعة الآراء والقيم التي نسميها الديمقراطية قد يختفي في السنوات ~~المقبلة؛ فنحن لا نستطيع الآن أن نتنبأ بالمستقبل في أمور من هذا ~~القبيل. أما في الوقت الحاضر فإن بقاء التفاؤل الأساسي، الذي كان ~~موجودا في القرن الثامن عشر، يتبين في أية صحيفة، وفي أية مجلة، أو ~~محاضرة، وبخاصة في الولايات المتحدة. ولا تزال الصور المختلفة في هذا ~~النمط الأساسي بالنسبة إلى عامة الناس في الغرب أقل أهمية من النمط في ~~حد ذاته. # ومن الحق أنه قد وجدت بين المثقفين تيارات معقدة من طراز جديد. كانت ~~بينهم موجات من اليأس، والتشاؤم المر، والبحث الجاد عن كمال أعظم. ~~وحتى قبل عام 1914م كانت هناك تلك الفترة الشهيرة في التسعينيات، بما ~~كان فيها من فكاهة مقصودة، ms563 وجهد شديد يبذله المرء لكي يبدو ملولا عسير ~~الإرضاء، واكتشاف حقيقة التدهور التي يمكن أن تكون وجهة التاريخ. غير ~~أن العالم الغربي حينما كان القرن الماضي يسدل ستاره لم يكن مجرد ~~العالم الذي تصوره أوسكار وايلد أو صوره «الكتاب الأصفر». بل لقد كان ~~كذلك عالم الفابيين، عالم تيدي روزفلت والتقدميين، عالم فرنسا ~~الناهضة التي ظهرت فيها قضية درايفوس. كان عالما لا يزال يضطرب فيه ~~الصراع المستبشر. وقد أدخلت حرب 1914م في نفوس المثقفين الشعور بالرعب ~~والاشمئزاز الذي يمازجه الأمل في حركة يسارية راديكالية حقا تظهر في ~~أشهر الروايات التي نشرت في ذلك الحين إبان الحرب، وهي «النار» ~~لهنري باربوس. ولما حلت العشرينيات من هذا القرن ظهر كأننا عدنا إلى ~~شيء يشبه الحياة القديمة مرة أخرى. وقد عبر هاردنج عن «الاعتدال» ~~بلفظة أساءت إلى أصحاب العقول الرفيعة، ولكنها كانت صورة صادقة لما ~~كان يريده أكثر الناس. # وهناك تيارات أخرى كانت طرازا جديدا في الفكر. ومن أوضحها - وإن ~~يكن من العسير أن نحكم على أهميتها في هذا التاريخ - التيارات التي ~~تتطلع إلى نظم تاريخية لا مناص لنا من أن نبقي على تسميتها بفلسفات ~~التاريخ. إن رجال الفكر في الغرب من شبنجلر بالأمس إلى سوروكين وتوينبي ~~اليوم، إلى كثيرين آخرين من المتنبئين الذين لا نقرأ لهم كثيرا، ~~يتلمسون دليلا من الماضي، دليلا على ما سوف يحدث في المستقبل، لا في ~~عشرات السنين القلائل التي يأمل المرء أن يعيشها فحسب، ولكن في القرون ~~المقبلة حينما لا يستطيع أحد من الأحياء اليوم أن يحكم بشخصه على صدق ~~ما تنبأ به هؤلاء المفكرون. إن أكثر هؤلاء الكتاب متنبئون لا يزال ~~الحكم عليهم معلقا. وخير موازنة هي ما بين الفترة الأخيرة من ~~الإمبراطورية الرومانية المنهارة والعصر الحاضر، ولكن بعض المؤرخين من ~~أمثال توينبي يجدون بين أيديهم أمثلة كثيرة أخرى لحضارات أخفقت في ~~مجابهة تحدي «القومية المتعصبة» التي يرى أننا نواجهها اليوم. وفلاسفة ~~التاريخ هؤلاء ليسوا - على أية حال - بغير أمل بتاتا في مستقبل الجنس ~~البشري. إنهم يرون ms564 أن مدنيتنا الحاضرة قد يحكم عليها بالهلاك إذا ~~احتفظت بشكل الثقافة الغربية التقليدية، إلا أن ثقافة جديدة لا بد أن ~~تظهر على أنقاضها. إن فلسفتهم تقوم على أساس التبادل الذي يلزم الدور ~~في تطور مهما تخبط في مسيره فهو تطور على كل حال، تطور من ظلام ~~إلى «فجر عظيم» يأتي في أعقابه. وهناك ميل إلى وضعنا اليوم في هوة ~~مادية، ولكنا على وشك النهوض إلى ارتفاع روحاني، ومن ثم فإن «سمو ~~الوعي» الذي أشار إليه جيرالد هيرد، و«الأثيرية» التي قال بها توينبي، ~~و«الثقافة الفكرية» التي نوه بها بيتيريم سوروكين، كلها تشترك في شيء ~~واحد، وتحاول المصطلحات الثلاثة أن تصف حالة من النعيم غير المادي، ~~وتدعونا إليه. # إن فلاسفة التاريخ هؤلاء الذين ينتمون إلى القرن العشرين قد يثبت ~~وقد لا يثبت أنهم أدق في تنبؤهم من ماركس. ومناهجهم ليست مناهج ~~العلوم، وعملهم ليس جزءا من المعرفة التراكمية. والمهم بالنسبة إلينا ~~هو أن نلاحظ أنهم - مثل ماركس - يأخذون التاريخ مأخذ النظرية الكونية ~~الشاملة. واستخدام التاريخ على هذه الصورة هو تطور نشأ عن الفكرة ~~الحديثة التي ترفض ما فوق الطبيعي، والاحتفاظ في العصر الحديث بالرغبة ~~في العلم بكل شيء وفي اليقين الذي يستطيع ما فوق الطبيعة - وما فوق ~~الطبيعة وحده - أن يمدنا به. إن العالم الآلي النيوتوني قد أمد ~~القرن الثامن عشر بهذا اليقين، ولكنه أخفق في تعليل حقائق الحياة ~~العضوية، والنمو، والتغير، فوق هذه الأرض، تعليلا مقنعا. وقد أمدتنا ~~الأفكار الداروينية عن التطور العضوي في القرن التاسع عشر بهذا التعليل ~~بشكل واضح، فأصبحنا لا نفهم فقط كيف يسير نظام الكواكب، وإنما نفهم ~~كذلك كيف نما البشر والفئران والشعب المرجانية بالصورة التي حدثت. ~~والمفتاح الذي يرشدنا إلى معرفة ما هو كائن وما سوف يكون هو عند أصحاب ~~الفكرة التاريخية معرفة ما كان. إن الخط البياني يمكن دائما أن يبدأ ~~بالماضي - ثم يمتد إلى المستقبل. ولو أنك عرفت كيف تطورت الجماعات ~~والثقافات - أي لو أنك عرفت تاريخها - لعرفت على أية صورة سوف تكون، ~~وهي ms565 معرفة يطمئن إليها بعض الناس. # هناك أناس كثيرون لا يستطيعون بطبعهم أن يقبلوا هذا النوع من الثقة ~~بالتاريخ. وهم يرون ضرورة تجاوز مجرد الخبرة التي نكتسبها من الزمان ~~والمكان. ويعتقدون ضرورة وجود الله والحق في «الكينونة» البحت متحررة ~~من «الصيرورة» المبتذلة. أما إن أنت قبلت بوجه عام صحة وجهات النظر ~~وطرق المعالجة العلمية الحديثة، فلا بد لك من أن توافق على أن هذه ~~الطريقة التاريخية تتفق «في فروضها الأساسية» مع العلم الحديث، ومع ذلك ~~فإن الفجوة التي تفصل ما بين أمثال سوروكين وتوينبي من ناحية، والعلماء ~~الطبيعيين من ناحية أخرى، عميقة جدا في الواقع، من حيث الأداء ~~بالتأكيد، ومن حيث الطريقة والأهداف على الأرجح؛ فالعلوم الطبيعية - ~~أولا - «علوم» لا تحاول أن تكون نظرة كونية (إن العلماء باعتبارهم ~~«كائنات بشرية» كاملة يؤمنون بتنوع النظرات الكونية. ولا يزال الكثيرون ~~منهم «ماديين» بريئين يسيرون وفقا لتقاليد حركة التنوير مباشرة، ~~وآخرون مسيحيون مخلصون للمسيحية، بل كاثوليكيون مخلصون للكاثوليكية، ~~وغيرهم - مثل أدنجتون وجينز - يخترعون نظريات كونية غريبة غير مقنعة ~~خاصة بهم، يربطون في شغف بطريقة ما بينها وبين علومهم). ونحن من ناحية ~~ثانية - لا نعرف قدرا كافيا من تاريخ الإنسان في المجتمع يمكننا ~~من وضع الأحكام العامة التنبؤية لمدى طويل كما يستطيع حتى علماء ~~الأرصاد الجوية. والصور المختلفة - فوق ذلك - في هذا الصدد أكثر تعددا ~~من أن ندركها في الوقت الحاضر إدراكا علميا. فأنت - باختصار ~~- لا تستطيع أن تحدد بداية الخط ~~البياني في الماضي كما يستطيع العالم أن يفعل، وليس بوسعك إلا أن ~~تحدس مكانه، ولا تستطيع إلا أن ترسمه على وجه التقريب، وفي شيء من ~~الاجتراء. والأمر بحاجة إلى أجيال صابرة من العمل، قبل أن نخطو كثيرا ~~إلى الأمام. والخط البياني فوق ذلك «لا يمكن» أن يسير إلى الطرف الآخر ~~بطريقة محددة، لأن هناك دائما - من ~~ناحية ثالثة - إمكان ظهور اتجاهات جديدة جدتها حقيقية، مما لا يمكن ~~التنبؤ به. وقد ذكرنا من قبل أن ماركس - وهو بطبيعته أحد فلاسفة ~~التاريخ التجريديين هؤلاء - قد أثبت ms566 على وجه الجملة أنه سيئ التنبؤ، ~~وقد أخفق بصفة خاصة في حدس عدد من العوامل الجديدة - بما فيها العوامل ~~التي أدت إلى قيام ثورته في روسيا بدلا من قيامها في بريطانيا ~~العظمى. وليس لدينا علم كاف بالأمراض التي تفتك بالحضارات (إن كانت ~~هناك مثل هذه الأمراض) حتى نستطيع أن نكشف عنها في أنفسنا. ويستطيع ~~المؤرخون المهرة من أمثال توينبي بالتأكيد أن يشيروا إلى أعراض مزعجة ~~في ثقافتنا كما يشيرون إليها في ثقافة الرومان المتأخرة. ولكنا لا نعرف ~~في الواقع ما تعنيه هذه الأعراض. ومهما يكن من أمر فإن القلق من مثل ~~هذه الأعراض - كالموازنة بين الطلاق عندنا والطلاق عند الرومان - ~~يوقفنا عند حافة مرض الاكتئاب النفساني. # إن الحتمية التي يأخذ بها أكثر فلاسفة التاريخ يوازنها في الوقت ~~الحاضر من ناحية أخرى نوع من أنواع عدم الحتمية التي تعبأ أشد ما تعبأ ~~بالأفكار التي تتعلق بالتدفق، والتغير، والنمو - لأن عصرنا الحاضر يشغل ~~نفسه ب «المسير» دون المصير. وهذا هو الاتجاه التطوعي الذي يظهر في ~~كثير من الفلسفات الرسمية التي - فيما عدا هذا الاتجاه - تختلف ~~اختلافا بينا فيما بينها، وهي الفلسفات التي ظهرت في الخمسين السنة ~~الأخيرة - في نيتشه، وفي برجسون الفرنسي، وفي وليام جيمز وجون ديوي ~~الأمريكيين وكانت فلسفة برجسون منذ أمس القريب هي طابع العصرية بين ~~المثقفين الغربيين، الذين وجدوا في «تطوره الخلاق» وفيما شابه ذلك من ~~عبارات، فلسفة من التغير والتدفق تلقى في نفوسهم صدى. كان برجسون ~~يتفق تمام الاتفاق مع الرومانتيكيين فيما كان هؤلاء يرونه دائما غير ~~مستساغ أو مقبول في تقاليد حركة التنوير. ومن العسير أن نشير بوجه ~~الدقة إلى هذا الشيء - إنه شيء يراه الرومانتيكيون بائدا، منتهيا، ~~متعلقا بالمخ، يضايق النفس، جامدا، جافا. لا خيال فيه، وقد حاولنا ~~- في شيء من الاعتذار عن الإيجاز عند الكلام عن برنامج حركة التنوير في ~~الفصل الحادي عشر - أن نلخص مجموعة الآراء التي يمقتها الرومانتيكيون ~~تحت كلمة الرأس ومجموعة الآراء التي يعشقونها تحت كلمة «القلب». # ومهما يكن من أمر فإن ms567 أكثر «الحتميات» من أمور «الرأس» وأكثر ~~«التطوعات» من أمور «القلب». بيد أن برجسون، باعتباره عصريا دقيق ~~الفكر لم يستطع أن يحتمي في عودة بسيطة إلى الفطري، والبدائي، وهو ~~يلفظ الميراث المعقد للفكر الحديث؛ ولذلك نراه يحاول أن يحتفظ بخير ~~ما في العالمين، العاطفة اليانعة، وكهوف الفكر ونواحيه الخفية الدقيقة ~~المنطقية. والواقع أن هذا الجهد لإعطاء الفكر نفسه - لنوع من أنواع ~~النشاط يربطه غير العقليين عادة بالأمن والدعة - صفة المخاطرة ~~والمغامرة، أقول إن هذا الجهد هو من الموضوعات الرئيسية عند أبرز ~~فلاسفة القرن العشرين، وأعني به المرحوم ألفرد نورث هوايتهد. وقد كانت ~~الفلسفة العملية (البراجماتية) عند جون ديوي - ولعل البراجماتية هي أهم ~~ما أسهم به الأمريكيون في الفكر الفلسفي الرسمي - كانت هذه الفلسفة ~~تعارض أيضا تأكيدات التفكير المنظم وصفة الثبات فيه. كان جيمس يعتقد ~~أن الفكر أداة من أدوات الإرادة. والتفكير الجيد هو التفكير الذي يحقق ~~لك ما تريد. ولم يكن بطبيعة الحال متشائما أو فوضويا أو منطقيا ~~إلى الحد الذي يجعله يقول بأن كل ما يريد المرء لا بد أن يكون طيبا ~~على الأقل من وجهة نظر ألفرد المريد. الخير عند جيمس هو ما يراه خيرا ~~الرجل المثقف الحساس المتسامح الرحيم المحترم من أعماقه في إنجلترا ~~الجديدة لعهده. كان يحب الغريب والمضطرب، ويتفق مع جون مل في أن الخير ~~والنافع والجديد المفيد قد ينبع من مصادر بعيدة الاحتمال. كان جيمس يرى ~~أن التنوع، بل والكثرة المتصارعة هي في الواقع عملية، وهي تأتي ~~بالنتائج، أو على الأقل كانت كذلك في عام 1900م. # وأخيرا أقول إن القرن العشرين - كغيره من القرون الحديثة - لم يعوزه ~~أن يجد عالما طبيعيا عظيما يستطيع فيما يظهر أن يستلهم أعماله ~~الفلاسفة وكتاب المقالات ورجال الفكر عامة ويلتمسون لديه القيادة ~~التي وجدها القرن الثامن عشر في نيوتن. ذلك هو عالم الطبيعة ألبرت ~~أينشتين، الذي كان عمله كعالم في الطبيعة فوق مستوى إدراك الجميع فيما ~~خلا قلة من زملائه العلماء. أما بالنسبة إلى عامة الجمهور فإن أينشتين ~~لم يكن ms568 مجرد الساحر القبلي في عصرنا وإنما كان الرجل الذي يمثل ~~النسبية، يمثل الفكرة التي تقول بأن الأشياء تبدو مختلفة للمشاهدين من ~~أماكن مختلفة أو في أزمنة مختلفة، وأن الحق يتوقف على وجهة نظر الباحث ~~عنه، وأن الرجل الذي يتحرك بسرعة معينة يرى الأمور على خلاف شديد مما ~~يراها عليه رجل آخر يتحرك بسرعة أخرى. أي أنه ليس هناك باختصار «حق ~~مطلق»، وإنما هناك حقوق نسبية. # وكذلك يلخص اسم أينشتين في عقول الجمهور التطور العلمي العظيم الذي ~~حدث في النصف الأول من هذا القرن. ونحن لم نعبأ بالتاريخ المفصل للعلوم ~~الحديثة في الفصول الأخيرة، ويعرف كل امرئ أن العلوم الطبيعية قد واصلت ~~في هذا العصر الحاضر تآلفها المثمر مع التكنولوجيا والمشروعات ~~الاقتصادية، وأنها واصلت صفتها التراكمية. ومهما يكن من أمر فإن أعمال ~~علماء الطبيعة والرياضة من أمثال أينشتين، وبلانك، وبوهر، قد أثمرت في ~~مستهل القرن العشرين على صورة نظريات رئيسية جديدة كبرى فيما يتعلق ~~بالعالم الطبيعي، حتى أمسى من التفكير العصري بين ناشري العلوم أن ~~يقولوا إن طبيعة نيوتن قد «انتهى عهدها»، ومن الإنصاف أن نقول إن ~~النسبية، والميكانيكا الذرية، والدراسات المتقدمة للذرة المحيرة ~~المعقدة (ولو بعث ديمقريطس لما عرف ذرته الفلسفية البسيطة بعد الذي ~~لحق بها)، من الإنصاف أن نقول إن ذلك قد أدخل تعديلا في طبيعة نيوتن ~~كما أضاف إليها جديدا. وإذا كانت الميكانيكا الذرية تنم عن عنصر واضح ~~من عناصر استحالة التنبؤ في سلوك الذرة المفردة، فإن ذلك ليس معناه أن ~~التنبؤ القديم لا وجود له - من ~~الناحية الإحصائية - في كتلات الذرات. إن طبيعة نيوتن في الواقع ~~لا تزال نافعة في كثير من العمل التقريبي. أما الأهمية الحقيقية ~~للطبيعة الجديدة بالنسبة إلينا فهي أنها عاونت على وضع اللمسة الأخيرة ~~في عملية هدم الأفكار الساذجة التي تتعلق بالسببية العلمية والتي سادت ~~في القرن التاسع عشر، وهي الأفكار التي كانت تتصور كل العلاقات في ~~العالم قائمة على نمط آلي محدد، والتي كانت ترتبط بأفكار ساذجة عن ~~الاستقراء العملي. إن النظريات ms569 العلمية الحديثة عن مناهج العلم دقيقة ~~جدا ومعقدة، وقد أقرت بأن العالم الخلاق هو فنان خلاق إلى حد ما ~~وأن البيان الذي تقدمه لنا نظرياته عن العالم هو من عمل عقله إلى ~~درجة ما، وليس مجرد صورة للواقع طبق الأصل. وأهم من ذلك أن العالم ~~الحديث يعرف - أو لا بد أن يعرف - أن نظرياته ليست حقا مطلقا، ليست ~~حقا بالمعنى الديني وبمعنى الجانب الأكبر من الفلسفة الغربية. التي ~~انحدرت إلينا بوجه خاص من القرنين الأخيرين أو القرون الثلاثة الأخيرة ~~هي من وجهة نظر مؤرخ الفكر أبرز وأهم من عناصر الجدة. إن القنبلة ~~الذرية هي من ناحية ما شيء جديد، وهي تتفجر بطريقة جديدة. # ومهما يكن من أمر فإننا لا نريد هنا إلا أن نسجل أن قوة العناصر ~~وطبعا بقوة وشدة جديدة. ولكن الشعور بأن القنبلة الذرية قد تؤدي إلى ~~هدم الإنسانية، وإلى «نهاية العالم» ليس فيه من الجدة إلا علاقته ~~بالقنبلة الذرية. فإن الخوف من بلوغ العالم نهايته شعور متكرر من ~~«المشاعر الإنسانية»، وليس جديدا باعتباره جزءا من الخبرة الإنسانية ~~حتى في محيط تاريخ الثقافة الغربية المحدود. وقد كان هذا الشعور وباء ~~منتشرا في بعض الأحيان - كما كان في الأيام الأولى من المسيحية، ~~وبدرجة أقل في عام 1000م - ولكنه في كل حين وباء محلي يصاب به الشواذ ~~من الناس والطوائف الغريبة. إن القارئ المؤمن لسفر الرؤيا لا يرى في ~~تفجر الذرة هولا جديدا. # إن أكثر ما حاولنا تحليله حتى الآن على الأقل في الفصول القلائل ~~الأخيرة لا يزال قائما بيننا. ويشق علينا ألا نتصور أن أكثر الأفكار ~~التي مثلت أمام أعيننا في غضون هذا الكتاب لا يزال حيا في العالم ~~المعاصر. فإن المعرفة التراكمية - معرفة العلوم الطبيعية - قد استمرت ~~بغير تخلف ملموس. بل إن الحرب تستحث بعض النواحي من العمل العلمي. كما ~~أن أصحاب العقول المرنة الذين يعتقدون أن التطبيق المبتذل على الأمور ~~العملية هو وحده الذي يستمر أثناء الحرب، وإن العمل الخلاق في «العلوم» ~~البحت لا بد أن يتوافر ms570 له السلام، وربما كانوا على صواب، والحقيقة أن ~~بين الأشياء الكثيرة التي نجهلها الظروف الاجتماعية والثقافية اللازمة ~~لانتعاش العلوم الطبيعية إلى أقصى حد ممكن. والواقع أن العلم البحت ~~والعلم التطبيقي في الغرب كليهما قد أضافا جديدا من غير شك إلى العمل ~~التراكمي في غضون النصف الأول من القرن العشرين الذي مزقته ~~الحروب. # أما عن المعرفة اللاتراكمية، فإن ثقافتنا تشبه اللوحة العجيبة التي ~~تبقى آثار الكتابة القديمة فيها مهما حاولت محوها، فلا شيء مما عليها ~~يزول فجأة أو يزول بكليته. قد يتذبذب النجاح النسبي أو العصرية بين ~~وجهات النظر والأفكار المختلفة، ولكن قل منها ما يستبعد. ولنستعرض ~~المواد التي قدمناها في الفصول القلائل السابقة . ومن المؤكد أن ~~المسيحية باقية على تنوعها الفني - كما تبدو للمشاهد من الخارج - ~~وباقية على توترها الأساسي بين هذا العالم والعالم الآخر. إن هذا القرن ~~لم يشهد طائفة مسيحية جديدة كبرى، وقد شهد ذوبان المؤمنين في تيار ~~اللامبالاة الذي يعده كل جيل من أجيال المبشرين بالدين من ذوي ميول ~~معينة شيئا حديثا، أو يتكلفه المبشرون لأغراض تبشيرية فيعدونه ~~أمرا جديدا. بيد أن هذا القرن شهد كذلك ألوانا من إحياء النشاط ~~الروحاني في كل ضروب الطوائف وفي مكان من الأمكنة - بما فيها روسيا ~~السوفيتية التي جاهدت جهادا شاقا لتحطيم المسيحية. وكان هناك إحياء ~~فكري يوازي بصورة واضحة ذلك الإحياء الذي حدث في السنوات التي أعقبت ~~أزمة الثورة الفرنسية وكان بردييف، الرجل الذي نفته روسيا - في كثير من ~~النواحي - على الأقل من حيث مشاعره إزاء ذنوب الجيل الذي لا يؤمن ~~بالله، الذنوب التي أدت إلى أزمة العصر، أشبه بجوزيف دي مستر في العصر ~~الحديث. ومن المحاولات بعيدة الغور ذات الأثر ما قام به كارل بارث في ~~ألمانيا ورينولد نيبور في الولايات المتحدة، وهي محاولات لإصلاح ما ~~كانا يعدانه تفاؤلا سطحيا تقوم على أساسه نظرتنا الكونية ~~الغربية الديمقراطية، وذلك عن طريق الرؤيا المسيحية. وبقيت الكاثوليكية ~~الرومانية على الزعم بأنها على حكمة أعمق مما توصلت إليه حركة التنوير ~~في أي وقت ms571 من أوقاتها، وعلى الزعم بأنها تهتم بمصير عامة الناس في هذه ~~الدنيا، على الأقل بدرجة مساوية لما كانت تعزوه حركة التنوير إلى ~~نفسها. وقد برهن الكاثوليك بجاك مايتين على أنهم ما زالوا يستطيعون ~~إخراج «السياسي الأخلاقي» المفكر الحساس، الأصيل دون أن يكون من ~~المتشبثين بالرأي. # وكذلك بقي التيار المعارض للمسيحية، ولا يزال بيننا خلفاء توم بين ~~وهربرت سبنسر، واللاأدريين المتحررين في إيمان وثبات، والإنسانيين، ~~والعلمانيين، والوضعيين، والماديين، وأتباع الثقافة الخلقية ومن ~~إليهم، وإن كنا قد بدأنا نعدهم من الرجعيين القدامى في التفكير. ~~وقد نعدهم عصريين مرة أخرى؛ فهم أشبه بالأزياء التي تعد طرازا ~~قديما ثم تعود إلى الظهور فجأة طرازا جديدا، وإن يكن في شكل ~~مهذب، كالأزياء النسوية لعهد فكتوريا وإدوارد. وفي الحق أن بعض هذه ~~المذاهب قد ظهر في زيه الجديد في الوجودية التي شاعت في منتصف القرن، ~~والتي انتشرت بين الدوائر المثقفة في أعقاب حرب 1939-1945م وقد تركزت ~~الوجودية في فرنسا؛ حيث كان أشهر ~~زعمائها الكاتب جين بول سارتر. إن ~~الوجوديين لا يعتقدون في الله - أو على الأقل لا يعتقدون قطعا في إله ~~خير. وكانوا يرون أن الدنيا مكان لا يسر، يولد فيه الإنسان من ~~غير شك ليلاقي المتاعب التي لا يمكن أن يتخلص منها. إن مبدأ التقدم ~~في نظر هؤلاء المتشائمين المصرين على التشاؤم هراء في هراء. ومع ذلك ~~فهم يواصلون النضال، ويحيون حياة خلقية في أساسها (ولا أعني الحياة ~~الخلقية الفكتورية المصطنعة بطبيعة الحال، وإنما أعني الحياة الخلقية ~~الفنية). إنهم باختصار يريدون أن يوجدوا، ما دام الوجود ~~إنسانيا. # ومن اليسير ألا نرى في الوجودية إلا عرضا يدل على ما أصاب أوروبا ~~من إنهاك في نهاية حرب عظمى. غير أن المبشرين بالحركة، نيتشه ~~وكيركجارد، كانوا من رجال القرن التاسع عشر. والوجودية من إحدى وجهات ~~النظر هي انقلاب الإيمان المادي المتفائل في القرن التاسع عشر انقلابا ~~تشاؤميا لا يتستر وراء الأوهام. غير أن الوجودية، وغيرها من الفلسفات ~~المسيحية في تحد، لم تتغلغل كثيرا في مجتمعنا الغربي. ومن المحتمل ms572 ~~أن يكون الرجل المتعلم العادي في العالم الغربي - الذي يعبر عنه ~~بالفرنسية بما معناه «الرجل المثقف المتوسط» - باقيا على ما كان عليه ~~في القرن التاسع عشر، مزيجا متناقضا بعض الشيء من التبعية للمسيحية ~~والأخذ بالمذهب الطبيعي المتفائل الذي ساد في القرن الثامن عشر. # والماركسيون أبعد ما يكونون عن الموت. وقد كابدت عقيدتهم في روسيا ~~المصير الذي يلحق بأكثر العقائد الإصلاحية بعد استقرارها، فإن عملية ~~تحويل الماركسية في روسيا من عامل تفجير - أو عامل إثارة على الأقل - ~~إلى عامل تمكين قد استمرت عدة عشرات من السنين. وقد بلغت مدى لم يعد ~~المواطن الصالح في روسيا السوفيتية يضطرب عنده - فيما يظهر - للتباين ~~الموجود بين الشعار الماركسي «من كل على قدر طاقته، إلى كل على ~~قدر حاجته» ووجود من يعادل المليونيرات الأمريكيين في داخل الاتحاد ~~السوفيتي ذاته. إن أي تقدير عادل لما تعنيه الماركسية في روسيا، بل وما ~~تعنيه في الدول التي تقع الآن تحت التأثير الروسي، يتجاوز قدرة الرجل ~~الغربي؛ فنحن لا نملك حتى المدد الضروري من الحقائق؛ إذ إنه من الواضح ~~أنه ليس هناك تبادل حر في الآراء والمعارف بين النظامين العظيمين ~~المتنافسين في النفوذ في عالم اليوم. وأهم من ذلك أننا لا نملك الظروف ~~اللازمة لتحقيق درجة معقولة من درجات الابتعاد عن التحيز. ومن الجلي أن ~~الماركسية لا تزال في كثير من أنحاء العالم عقيدة نامية مكافحة، عقيدة ~~لا يجوز لنا أن نتغاضى عنها باعتبارها مجرد شيء مقلوب خبيث، بل لا بد ~~لنا من النظر إليها على أقل تقدير كعرض خطير من أعراض فشلنا في ~~استرداد حتى تلك الدرجة من الاستقرار الاجتماعي التي حققها الغرب في ~~القرن التاسع عشر. # أما عن القومية فهي ما برحت في منتصف القرن العشرين - فيما يبدو - ~~أقوى عامل بمفرده في التشابك القائم بين المصالح والعواطف والأفكار ~~الذي يربط الأفراد في جماعات سياسية تقوم على أساس وحدة الرقعة ~~الأرضية. والقومية في حد ذاتها مزيج مختلط من كل ما يسري في الحياة ~~الثقافية الغربية تقريبا؛ فهي لذلك ms573 ركيزة لكل الأشكال السياسية الأكثر ~~تجردا مما عالجناه في الفصول القلائل السابقة، ركيزة للشيوعية الروسية ~~(وذلك برغم المبادئ العالمية اللاقومية النظرية في الماركسية الأولى)، ~~وركيزة للنازية الألمانية، وللديمقراطية الأمريكية. وقد كانت الوحدات ~~التي قاتلت في الحرب الأخيرة وحدات «قومية». إن أولئك الذين يمقتون ~~الحرب ويأملون أن يمحوها من فوق هذه الأرض هم اليوم على اقتناع شديد ~~بالحاجة إلى الحكومة العالمية، أو على الأقل إلى عدد أقل من الدول ~~الإقليمية التي تستبعد الدول القومية كما نعرفها. وأكثر هؤلاء المنادين ~~بالاتحادات العالمية يألفون الاستخفاف بالقومية، كأنها من اختراع شرذمة ~~من الأشرار، وكأنها شيء دسه على عامة الناس سادتهم الأشرار، شر يمكن ~~أن يزيله عنهم التشريع السليم . والقارئ الحصيف يتبين هنا نظرة القرن ~~الثامن عشر الساذجة كلها إلى الشر باعتباره نتيجة البيئة، البيئة ~~الخاضعة مباشرة - كما هي الحال في الأزمنة الحديثة - لمعالجة الأفراد ~~الطيبين بدلا من خضوعها للأفراد السيئين؛ فالسيئون لم يخلقوا البيئة ~~إلا في الماضي - طبقا لما يراه أصحاب هذه العقيدة. إن دعاة الاتحادات ~~العالمية يزعمون أن القومية كامنة في أفئدة الناس، أو في عاداتهم، أو ~~في سلوكهم الشعبي - وأعني بذلك على الأقل تلك القومية التي تدفع ~~الأمريكي إلى قتل الياباني، والياباني إلى قتل الأمريكي، وليس هناك ~~الآن أي دليل على أن دعاة الاتحادات على صواب. وبالرغم من أن القومية ~~قد تكون نتيجة للبيئة، يبدو لنا - بعد مائتي عام من الإيمان بتأثير ~~البيئة الذي ساد في القرن الثامن عشر - أن الثمرة هي نتيجة قرون عديدة ~~من التاريخ، وأنها من الثبات والقوة بحيث لا يمكن أن تتبدل كثيرا في ~~أي جيل معين من الأجيال بتوجيه بيئي جديد مخطط - كذلك الذي نراه على ~~الورق دستورا عالميا جميلا. # القومية إحدى حقائق الحياة، ~~وهي من الحقائق المشاهدة التي ليس بوسع عالم من العلماء أن يتجاهلها. ~~وهي ليست بعينها في أي دولتين قوميتين، ما دامت ليست سوى عنصر واحد من ~~عناصر الثقافة المعقدة. ويمكن تجاوزها، كما تجاوزتها إلى حد ما ~~الأقلية الفعالة من دعاة الاتحادات العالمية - وإن ms574 يكن كل شيء أمريكي ~~«قومي» يخلو بتاتا من التفاؤل، ومن الإيمان بسحر الدساتير المكتوبة، ~~ومن التخدير الديني بالأفكار المجردة الخلقية السامية؛ أي مما يظهره ~~أكثر أنصار الحكومة العالمية من الأمريكيين. غير أن القومية بالنسبة ~~إلى أكثر الناس عاطفة عميقة الجذور في حياتهم كلها، يدرسها دراسة ~~نافعة السيكولوجي الاجتماعي الذي لا يزال حتى اليوم على عتبة عمله ~~العلمي في بناء المعرفة التراكمية. وهو يستطيع الآن بالفعل أن يصدر ~~أحكاما تجريبية كقوله إن القومية تأخذ أشد صورها اعتداء - على الأرجح ~~- في الجماعات القومية التي تحس أنها مظلومة، معتدى عليها، وتعامل ~~على أنها أحط من غيرها. كما تبدو القومية في أضعف صورها اعتداء، وأشبه ~~ما تكون بذلك اللون الثقافي المقبول من ألوان طعوم الحياة الذي آمن ~~مازيني بإمكانه، في الجماعات الصغيرة، الناجحة نسبيا، ولكنها مستقلة ~~من الناحية السياسية، كالسويسريين أو النرويجيين أو الأستراليين. وحتى ~~في أستراليا قد يولد الخوف من الكتل الكبيرة الآسيوية النازحة ~~إليها نوعا من القومية النائية المكتئبة في السنوات المقبلة. غير أن ~~موضوع القومية هذا بأسره هو أحد الموضوعات المثيرة في المعالجة ~~الجديدة لدراسة العلاقات البشرية التي سوف نتعرض لها بالبحث في القسم ~~الثاني من هذا الفصل. # وإذن فإن أنماط الفكر التي سادت القرن التاسع عشر لا تزال بين ~~ظهرانينا بعدما أدخلنا عليها تعديلا من تجربتنا. فلا يزال لدينا ~~المركز الديمقراطي الذي يتعرض للهجوم من اليمين ومن اليسار. وثمة ~~كذلك أثر آخر من آثار القرن التاسع عشر لا بد من التنويه عنه، ذلك أن ~~المثقفين منا لا يزالون بعيدين عن عامة الناس، ولا يزالون في ثورة، ~~ولا يزالون على خلاف فيما ينبغي أن تؤدي إليه الثورة. وما برح أولئك ~~الذين يكتبون ويصورون ويمثلون ويعظون مجموعة منعزلة. نعم لقد مرت ~~بأمريكا فترة قصيرة في أثناء الأزمة الاقتصادية الكبرى وخلال حرب ~~1939-1945م ابتهج فيها الكتاب لأنهم آمنوا بالديمقراطية، كما آمن بها ~~جورج بابيت الذي ينتمي إلى زنيث بأوهايو، وآمنوا بابتكار الفرد، ~~وبالإنسان العادي، وبطريقة العيش الأمريكية. غير أن هذه الفترة لم تكن ms575 ~~سوى مدة قصيرة كفترة شهر العسل إن لم تكن بجملتها وهما من الأوهام. ~~أما اليوم فإن الكتاب المفكرين وغيرهم من الفنانين قد عادوا إلى ~~الثورة مرة أخرى، يكتبون قذفا في هذه الدنيا، وفي بعضهم بعضا، منهم ~~الماركسيون من جميع المذاهب من الاستالينية الأصيلة إلى أحدث شكل من ~~أشكال التروتسكية، ومنهم من لا يزال يدعو إلى الأفكار المناهضة ~~للديمقراطية بصورة أخفى وأقل ابتذالا، من الأفكار التي نادى بها ~~المرحوم إيرفنج بابيت إلى تلك الأفكار التي بشر بها الفاشستيون ~~العقليون حقا من أمثال عزرا باوند. وجميعهم يستمر في الشكاة، حتى إنك ~~لو فتحت «مجلة الحزب» أو «مجلة أطلنطيق الشهرية»، أو حتى ريدرز ديجست ~~(عصارة القارئ) لما توغلت كثيرا في القراءة قبل أن تلتقي بمقال ~~يمكن أن يكون عنوانه: «ماذا دهى كذا وكذا ...» # وأخيرا نستطيع أن نعود إلى التنوع الشديد في الطرز المعمارية التي ~~اتخذناها رمزا للتنوع المتعدد في المجتمع الغربي المعاصر (ارجع إلى ما ~~كتبناه في التوفيق الفكتوري في الفصل الثاني عشر). وليس بوسع أحد أن ~~يجادل في أننا قد عدنا في منتصف القرن العشرين إلى عادة الإنسان ~~القديمة في البناء على طراز واحد في العصر الواحد. ومن الحق أنه قد ظهر ~~في القرن العشرين طراز موحد بدرجة معقولة (بالرغم من وجود فروق فردية) ~~وهو طراز يسميه كثيرون من الآخذين به طرازا «وظيفيا»، ويعرفه الرجل ~~العادي بأنه طراز «حديث». ولهذا الطراز ما يسير معه سيرا ملائما في ~~الزينة الداخلية وفي الفنون التشكيلية، حتى صار من الممكن أن تبني ~~بيتا وأن تؤثثه فيعزى إلى منتصف القرن العشرين ولا يعزى إلى أي زمان ~~أو مكان آخر. والواقع أن هذا الإمكان إنما أضاف عنصرا جديدا إلى ~~الفوضى القائمة. إن كثيرا من الناس يسخطون على الطراز الحديث، وكثيرين ~~لا يطيقونه؛ لأنه لا يزال أكثر طرق البناء في النفقات. والنتيجة هي أن ~~«طريق سيرنجا» الجديد، الذي افتتح عقب الحرب مباشرة، به بيت حديث ~~طرازه مستمد مباشرة من طراز جروبيوس بوهوس، وذلك بالإضافة إلى ما به ~~من طراز ms576 كوخ «رأس كود»، ومن الطراز الجورجي المركب، وطراز إرسالية ~~كاليفورنيا، وطراز «صندوق الملح» الذي ورثه عن القرن السابع عشر. ~~والجيران في شك من وجود هذا الطراز الوظيفي الصارم وسط ما لديهم من ~~جمال. # ومن المحتمل أن يكون الرجل المثقف في الغرب في منتصف القرن العشرين ~~على وعي بأن التنوع الموجود في العالم الحديث في كل موضوع من الموضوعات ~~صغر أو كبر، شيء جديد نسبيا في تاريخ البشرية، وهو يخشى كثيرا أن ~~يكون تقبله فوق طاقتنا. إنه يبحث عن مركب جديد، عن إيمان جديد، عن ~~قاعدة مشتركة من الاتفاق بشأن «المشكلات الكبرى». ولكنه لم يحصل بعد ~~حتى على البدايات الظاهرة لمركب روحاني جديد، أو حتى على بدايات شيء ~~جديد جدا وحديث يمكن على الأقل أن ينضم إلى الخليط، كما انضم البناء ~~«الحديث» إلى غيره. وليس معنى هذا أننا نقول بأن عصرنا الحديث لا يتصف ~~بروح العصر الخاصة به، وبنكهته الخاصة، وبلمساته الصغيرة الخاصة في ~~الأسلوب التي سوف يميزه بها المؤرخون في المستقبل، وإنما نحن أقرب إلى ~~أن نقول: إننا لسنا حتى الآن سوى شكل من الأشكال في نمط ثقافي مطرد إلى ~~حد كبير نشأ عن العصور الوسطى، واتخذ صورة واضحة في القرنين السابع ~~عشر والثامن عشر. وفي الحق أن أحدث شيء في حياتنا الفكرية ربما لا يكون ~~شيئا جماليا، بالرغم من شيوع طابع العصرية، بل قد يكون اتجاها نحو ~~دراسة الناس والعلاقات البشرية، اتجاها ربما كان في الواقع بداية لما ~~عبرنا عنه من قديم بمصطلح العلوم الاجتماعية. # تعريف اللامعقول # إن هذا الاتجاه في كثير من مظاهره المحسوسة قديم جدا - فأنت ~~تلمس أثره في كتاب «السياسة» لأرسطو - وقد يكون من الخطأ أن ~~نعده مقدمة لبداية دراسة علمية شكلية للعلاقات الإنسانية، ~~وربما كان ما نسميه هنا باللامعقول لا يعني بالنسبة لمؤرخ المستقبل ~~أكثر من اتجاه واحد من اتجاهات الثقافة في القرن العشرين، وجانب من ~~جوانب روح العصر، وجزء من كل نظراتنا إلى الحياة والعالم يزيد ~~كثيرا عن كونه معرفة تراكمية، أو علما. وربما ms577 كان من الأسلم هنا ~~أن نعالج اللامعقول - وبخاصة من حيث علاقته بدراسة الإنسان في ~~المجتمع - باعتباره مجرد مظهر من المظاهر المميزة لروح العصر الذي ~~نعيش فيه. # إن هذا الاسم تعس الحظ - وبخاصة من حيث تأكيده على الإنكار أو ~~المعارضة - غير أنه من الظاهر في هذه الآونة أنه ليس هناك اسم آخر ~~يمكن أن يحل محله؛ إذ يتضح على الفور أن أية محاولة للإشارة ~~باسم من الأسماء إلى أن هذا الاتجاه يقدم تقديما إيجابيا ~~العاطفة - مثلا - فوق التفكير، ويجعل القلب أسمى من العقل، ~~والدوافع والحوافز والبواعث - أو إن أردت أن تكون فرويديا فقل ~~اللبيدو (أو الطاقة الحيوية) أو ~~الأيد (أو مجموعة الدوافع ~~الغرزية) - أفضل من العقل ، أقول إن أية محاولة من هذا القبيل تكون ~~تفسيرا خاطئا لطبيعته، كما سوف نوضح ذلك بعد قليل. إن ~~اللامعقول أساسا، بالمعنى الذي نستعمل به هذا الاصطلاح هنا، لا ~~يعتبر أداة التفكير «سيئة»، ولكنها عند أكثر الناس في العصر ~~الحاضر «ضعيفة». إن الرجل الرومانتيكي يتفق مع توماس هاردي على أن ~~«الفكر مرض من أمراض الجسد». الرجل اللامعقول يكتفي بأن يلاحظ بأن ~~التفكير يبدو في كثير من الأحيان تحت رحمة الشهوات، والميول ~~الجامحة، والأهواء، والعادات، والأفعال المنعكسة الشرطية، وكثير ~~غير ذلك في الحياة الإنسانية مما ليس بالتفكير. وليست هناك لسوء ~~الحظ لغة اصطلاحية متفق عليها في هذا الصدد. وسوف نستعمل اصطلاح ~~«اللامعقول» في هذا الكتاب لنصف به محاولة الوصول بالعقل إلى ~~تقدير عادل للأدوار الحقيقية التي يلعبها التعقل واللاتعقل في ~~شئون الناس. والاصطلاح واسع الانتشار في استعماله ليصف شيئا يختلف ~~عن ذلك كل الاختلاف - يستعمل ل «الثناء» على اللاتعقل وتمجيده ~~باعتباره النشاط البشري المرغوب حقا فيه، والتشهير بالتقل. وإنا ~~لنؤثر أن نطلق على مثل هذه النظرة - نظرة الكراهية للتعقل وحب ~~اللاتعقل - اسم «الرومانتيكية» وهي الرومانتيكية التي عبر عنها ~~جيته «بأن الشعور هو كل شيء» كما عبر وردزورث عن هذه الكراهية ~~للتعليل في ثبات وحزم حين قال: # إن دفعة واحدة من الغابات في الربيع # قد تعلمك عن الإنسان، ms578 # وتعلمك عن الخير والشر في الأخلاق # أكثر مما يستطيع الحكماء أجمعون. # كفانا علما وفنا، # ولنطو هذه الصفحات المجدبة، # واخرجوا وبين جنوبكم قلوب، # قلوب ترى وتستقبل. # إن العاشق الحديث للاتعقل - ككثير من المدافعين عن النازية - ~~يتجاوز كثيرا هؤلاء الرومانتيكيين الأوائل. غير أن جوهر الفكرة هو ~~في الرومانتيكية. ومن نكد الطالع أن يكون هناك مثل هذا الاضطراب في ~~مسألة من مسائل المصطلحات لها أهميتها القصوى. ومهما يكن من أمر ~~فسوف نحاول أن نستعمل اصطلاح «اللامعقول»، لا نهجوه ولا نثني عليه، ~~لنصف محاولة التثبت من مكانة التعقل في المسلك الحقيقي ~~للإنسان. # إن الرجل اللامعقول يميل إلى عدم الثقة في نوع معين من التفكير ~~المجرد الاستنباطي في المشكلات الكبرى من النوع الذي كثيرا ما ~~التقينا به في هذا الكتاب، وبأوضح صورة في العبارة التي اقتبسناها ~~من هيجل في الفصل الثاني عشر عند الكلام على تكييف النظرة الكونية ~~الجديدة وتعديلها. غير أن الرجل اللامعقول - بالرغم من أنه في ~~معارضته لفلسفة حركة التنوير التي تقول بأن تعميم التعليم سوف يهدي ~~كل امرئ بين عشية وضحاها إلى التفكير السليم كثيرا ما يحط من شأن ~~أداة التفكير - هو «بمعنى ما وارث حقيقي لحركة التنوير»، وهو في ~~أعماقه مؤمن بقدرة التفكير على أن تجعل حياة الإنسان هنا فوق هذه ~~الأرض من نوع أفضل. وقد كان فرويد نفسه - الذي يخطئ بعض أصحاب ~~العقول المرنة فيعدونه رسولا لفكرة التمادي في إشباع الشهوات ~~الذاتية الغريزية المظلمة عميقة الغور - يعتقد في قوة الصدق - ~~الصدق العلمي الذي استقر بحق - في ثبات كثبات أي فيلسوف من فلاسفة ~~القرن الثامن عشر، قوة هذا الصدق على الارتفاع بمستوى السلوك الحسن ~~من جانب الفرد الذي أفلح في تعلم الصدق، إلا أن الفيلسوف في ~~القرن الثامن عشر كان يظن أن كل ما يقف بين الفرد وتعلم الصدق ~~ليس إلا قوقعة متعفنة من النظم البائدة، كالكنيسة الكاثوليكية ~~والملكية الفرنسية، في حين أن فرويد كان يظن أن مجموعة النظم ~~العتيدة لا تقف وحدها بين الفرد وتعلم الصدق، وإنما يقف إلى ~~جانبها ms579 كذلك مجموعة قوية من العادات والميول الشخصية، ومجموعة قوية ~~من العادات التي تأصلت منذ الطفولة الباكرة - وفي هذا فارق له ~~أهمية كبرى. إن فرويد - حتى في شيخوخته البائسة في منفاه - لم يأمل ~~أن تشق «الكثرة» من الناس طريقها ظافرة نحو هذا النوع من الصدق في ~~فترة وجيزة. # إن الآمال المخففة في التحسن البطيء في العلاقات الإنسانية - ~~وهو تحسن كاد يرفعه حتى أصحاب الميول اليسارية من بين اللاعقليين ~~إلى مرتبة كمال المدينة الفاضلة - يظهر في اقتباس من جراهام ~~والاس، وهو أحد الفابيين من أيام ولز وشو وآل وب، وهو عضو تقدمي ~~في مجلس مقاطعة لندن، ومؤلف كتاب «الطبيعة البشرية في السياسة» ~~الذي نشر في عام 1908م. وقد قام والاس بدراسة «واقعية» لا عقلية ~~خفيفة في السياسة البريطانية، أشار فيها إلى أن الناخبين لا يعللون ~~الأشياء في هدوء ومنطق، بل لا ينظرون في كثير من الأحيان إلى ~~مصالحهم الخاصة نظرة ذكية، وإنما كانوا يتأثرون بالملق، وبمناشدة ~~أهوائهم وبمظهر المرشح الجميل، وباهتمام المرشح بهم - فوق كل شيء - ~~كأشخاص، وبأشياء صغيرة جدا كمناداته إياهم بالاسم. وقد أحس ولاس ~~بالأسى العميق حينما اتهمه أحد زملائه من العمال في حزب العمال ~~بتقربه إلى خصومه بهذه الأمور اللاعقلية فكتب يقول: ~~«إن دور الفكر قد يكون متأخرا في حركة التطور، وقد يكون الفكر ~~ضعيفا بدرجة يرثى لها من حيث قوته الدافعة، غير أن أي امرئ ~~وأي نظام لا يستطيع بغير إرشاد الفكر أن يجد طريقا آمنا وسط ~~الأمور غير الشخصية الكثيرة المعقدة في هذا الكون كما تعلمنا أن ~~ننظر إليه.» # إن اللاعقلي يصر على أن الإنسان مخلوق معقد ينبغي لنا أن ندرس ~~سلوكه بغير أفكار سابقة تتعلق بما في هذا السلوك من خير أو شر ما ~~استطعنا إلى ذلك سبيلا. وموقف السلوك الطيب يشبه موقف التفكير ~~المنطقي في الحياة الإنسانية. إن اللاعقلي لا ينكر الفرق بين الخير ~~والشر، ولا يتردد في أن يؤثر الطيب على الخبيث. أما ما يصر عليه ~~فهو أننا إذا حكمنا بالدليل الذي نستمده من ms580 ملاحظة ما قام به ~~الناس وما يقومون به لوجدنا قدرا كبيرا من السوء حولنا، ولبدا ~~لنا - وهذا هو الأمر المهم - أنه ليست هناك أية علاقة سببية مباشرة ~~أو بسيطة بين المثل العليا الخلقية عند الناس وبين أعمالهم. ومن ~~أجل هذا نجد أن اللاعقلي يعيد ثناء بيكون على مكيافيلي، وهو من ~~اللاعقليين الأوائل في كثير من اتجاهاته: «إننا مدينون كثيرا ~~لمكيافيلي وغيره ممن كتبوا عما يفعل الناس، ولم يكتبوا عما ينبغي ~~لهم أن يفعلوا.» # وموجز ما قدمنا أن أكثر اللاعقليين يقبلون على وجه العموم ~~أهداف النظام، والسعادة، والحرية الفردية، وغير ذلك مما نربط بينه ~~وبين حركة التنوير، غير أنهم يتمسكون بهذه الأهداف باعتبارها ممكنة ~~التحقيق في هذه الدنيا على صورة ناقصة وفي بطء شديد ليس غير. وهم ~~يعتقدون أن أحسن السبل لتحقيقها لا يكون بالتبشير بضرورة تحقيقها، ~~ولا يكون «بادعاء تحقيقها فيما سبق» (وهو زعم شائع بين المربين ~~الأمريكيين والكتاب، والمبشرين بالآمال للجماهير المستمعة)، ~~وإنما يكون بالعمل الدءوب على بناء علوم اجتماعية صادقة تقوم على ~~أساس مناهج المعرفة التراكمية التي جربت أمدا طويلا، وعلى ~~أساس استخدام الناس لهذه المعرفة للنهوض بالطيب دون الخبيث. وهم ~~على اتفاق على ما هو طيب أتم مما يظن المتشائمون من الشباب، الذين ~~استجدوا في الكشف عن أن الآراء الإنسانية عن الجمال والخير ليست في ~~غينا الجديدة كما هي في نيويورك. وهم على اختلاف أشد في آمالهم. ~~والظاهر أن باريتو، الذي سوف نلتقي به بعد قليل، كان عند وفاته في ~~عام 1923م قليل الأمل في أن يستخدم الناس معرفة بالعلوم الاجتماعية ~~أفضل للنهوض بالخير في هذه الدنيا. ومن المحتمل أن الباحثين في ~~العلوم الاجتماعية من الأمريكيين المعاصرين الذين تأثروا ~~باللامعقول (بالرغم من أنهم قد لا يحبون وصمة اللامعقول هذه)، ومن ~~بينهم كلايد كلكهون من جامعة هارفارد وإسكندر ليتون من جامعة ~~كورنيل، يعتقدون - طبقا للتقاليد الأمريكية الطيبة - أن المعرفة ~~الجديدة سوف تستخدم لأغراض طيبة على وجه العموم - وأن العلوم ~~الاجتماعية سوف تستخدم للنهوض بالعمل الطيب في المجتمع وبصحة ms581 هذا ~~المجتمع، كما استخدمت علوم الطب في النهوض بصحة البدن. # اللامعقولية المعاصرة # ذكرنا من قبل كيف أن العلماء الطبيعيين من أمثال نيوتن ودارون ~~كانوا روادا في مجال العلوم الاجتماعية. وإنما تأتي الريادة في ~~عصرنا من البيولوجيا والسيكولوجيا. وربما كان أقوى أصحاب الأمر من ~~حيث التأثير في الدراسات الاجتماعية هما بافلوف وفرويد، وكلاهما من ~~علماء النفس الذين درسوا الفسيولوجيا وغيرها من العلوم البيولوجية. ~~وأرجو أن تلاحظوا أننا لا نبحث هنا في معنى دراساتهما المهنية في ~~حدود ما صارت إليه في الوقت الحاضر مهنتاهما من تخصص شديد، ~~وإنما نحن نبحث في تأثيرهما في تيارات الفكر الأعم بين قوم من ~~أصحاب الدراسات المتنوعة التي تتعلق بالشئون الإنسانية. # وموضوع بافلوف أبسط الموضوعين، إن ما بلغ العالم الخارجي من ~~معامل هذا العالم الروسي الذي قدرت استقلاله حكومتا قيصر ~~والسوفيت على السواء هو هذه العبارة الشهيرة: «فعل الشرط المنعكس». ~~إن كلاب بافلوف مألوفة إلف أي حيوان آخر يدخل في تجارب المعامل. ~~وأكثرنا يعرف كيف يسيل لعابها توقعا للطعام عند مجرد الإشارة ~~إليه، وذلك بعد تكرار إطعامها عند إشارة معينة كالجرس مثلا. إن ~~الاستجابة الطبيعية - أي الاستجابة التي لم تدرب - بسيل اللعاب ~~لا تتأتى عامة إلا عندما يقدم الطعام للكلب فعلا. غير أن ~~بافلوف حصل على نفس الاستجابة بطريقة مصطنعة بإشارة لم تكن لها ~~عند الكلب بالتأكيد رائحة الطعام أو منظره. والنتيجة هي قيام ~~الدليل الواضح على أن التدريب (الاشتراط، أو التكيف) يمكن أن يؤدي ~~إلى استجابات آلية عند الحيوان، وهي استجابات شبيهة أساسا بنوع ~~الاستجابات الآلية التي يولد بها الحيوان. إن أفعال الشرط ~~المنعكسة كسيل اللعاب عند إشارة ما هي بعينها كالانعكاسات ~~الطبيعية كسيل اللعاب عندما نقدم للحيوان قطعة من اللحم المحمر ~~الجميل. # ومعنى هذا للباحثين في العلوم الاجتماعية في خطوط عريضة هو هذا: ~~إن أفكار القرن الثامن عشر عن قوة البيئة (التدريب أو التعليم) من ~~ذلك النوع الذي عبر عنه روبرت أوين في وضوح شديد كما جاء في ~~الفصل الحادي عشر من هذا الكتاب عند ms582 الكلام على إيمان المستنير، قد ~~تأيدت إلى حد ما، بمعنى أن البيئة يمكن علاجها بحيث تكسب ~~الكائنات العضوية استجابات جديدة. غير أن الكائن العضوي - وهذه ~~لطمة شديدة لتفاؤل القرن الثامن عشر - بعدما يخضع لهذا التدريب ~~يستوعب النتائج كأنها من أثر الوراثة، لا البيئة، فيصبح التغير ~~الجديد أمرا جد عسير، بل ومستحيلا في بعض الحالات. وقد حاول ~~بافلوف - بعد تدريب بعض كلابه - أن يخلط في إشاراته، فكان يخيب ~~رجاء الكلاب ويربكها بمنع الطعام عند الإشارة التي كانت دائما ~~إيذانا بتقديم الطعام إليها، وهكذا حتى نجح في خلق أعراض تشبه ما ~~يكون في الكائنات البشرية على شكل نورستانيا أو مرض عقلي. # إن الباحث الحذر في العلوم الاجتماعية لا يأخذ بطبيعة الحال ~~أفعال بافلوف الشرطية المنعكسة ويطبقها على كل ضروب السلوك ~~البشري تطبيقا أعمى؛ فهو لا يفترض مثلا أن الرجل من فيرمونت الذي ~~يصوت للجمهوريين يسلك تماما سلوك الكلب الذي يسيل لعابه عندما ~~يدق له جرس ألف سمع رنينه؛ فحتى في فيرمونت ربما لا يكون ~~التصويت للجمهوريين فعلا شرطيا معاكسا. غير أن الباحث الحذر ~~في العلوم الاجتماعية يقول بأن الآراء التي تشبه الأفعال الشرطية ~~المنعكسة تلقي ضوءا على جانب كبير من السلوك البشري الذي تحدده ~~العادة. ويرى اللاعقلي أن عمل بافلوف دليل جديد على أن جانبا ~~كبيرا جدا من سلوكنا لا يخضع - بل ولا يتأثر كثيرا - لما يدور ~~في تلافيف المخ. # أما فرويد فهو أشد تعقيدا من بافلوف - بل هو من أعقد الشخصيات ~~في تاريخ الفكر في الغرب. كان عالما نشأ على عقيدة المحترف البسيط ~~في عالم مادي يختفي فيه عنصر ما فوق الطبيعة، وعنده احتقار العالم ~~لكل الآراء الميتافيزيقية - ما خلا الميتافيزيقيات الإيجابية ~~الثابتة في العلم الحديث التقليدي. ومجموع عمله مركب يحير ~~الألباب من العلوم الطبيعية والميتافيزيقيات المتشائمة التي تكاد ~~تكون مسيحية. وفي كتاب بهذا الحجم لا نستطيع أن نبحث بحثا صحيحا ~~في أمور فرويد المعقدة. ثم إن عمله - كعمل جميع المفكرين من واضعي ~~النظم - يبدو مختلفا جدا للغرباء عنه والمؤمنين به ms583 الصادقين. ~~لقد اخترع طريقة لمعالجة أنواع معينة من العجز البشري تعد ~~عادة انهيارا عقليا، أو عصبيا، أو نورستانيا، أو ما إلى ~~ذلك. وتدعى هذه الطريقة التحليل النفساني، ويجب أن نميز بينها ~~وبين معالجة الأمراض العقلية بالطريقة التقليدية، التي يقوم بها ~~عادة أطباء ذوو دربة خاصة، كالمختصين في الأمراض العصبية، مما ~~نسميه بالطب النفساني والتحليل النفساني على طريقة فرويد لا يزال ~~يعد في أكثر الأحيان هرطقة، أو عقيدة طائفة متحمسة، وذلك ~~بالرغم من أنه كجزء من علوم الطب أفضل في سمعته في عام 1950م في ~~أوساط الأطباء التقليديين مما كان يعده المرء ممكنا منذ بضع ~~عشرات من السنين فقط. ويصدق هذا بصفة خاصة حينما امتدت الآراء ~~التي طورها فرويد في علاج الأمراض العقلية - كما مدها فرويد ~~بنفسه في أخريات حياته - إلى أكثر ميادين العلوم الاجتماعية. ~~وأخيرا فإن مما يزيد دراسة فرويد عسرا أنه كان دائما يدخل ~~التعديل حتى على أفكاره الأساسية، حتى بات من الخطر أن تأخذ نظامه ~~في أي وقت بعينه على أنه نظام كامل. # وقد أرشد فرويد الكثيرين في دراسة السلوك البشري، ممن لم يعرفوا ~~شيئا - أو عرفوا القليل - عن التحليل النفساني، وهيكله الخارجي ~~الميتافيزيقي. وأمست السيكولوجيا في هذا القرن حقا هي العلم ~~العصري، كما أضحى المتعلمون يستخدمون في حديثهم المصطلحات ~~السيكولوجية كما كان رواد «الصالونات» في القرن الثامن عشر يتحدثون ~~عن قوانين الفيزياء والفلك التي اكتشفها نيوتن. وكثير من هذه ~~العملة السهلة الحديثة التي يتبادلها الناس في الحديث قد سكها ~~فرويد بنفسه من قبل، مثل اللبيدو (الطاقة الحيوية)، وعقدة أوديب، ~~والإحساس الجنسي عند الأطفال، والتسامي وربما كانت أسهل هذه ~~العملات - وأعني بها عقدة النقص - من صياغة أحد تلاميذه، آدلر، ~~الذي اختلف مع أستاذه فيما بعد، وأقام فرعه النفساني ~~المستقل. # ويهمنا هنا - طبقا للقاعدة التي سرنا عليها في هذا الكتاب - ذلك ~~الجانب من آراء فرويد الذي انتشر بين الطبقات المثقفة أكثر مما ~~تهمنا دلالة هذه الآراء المهنية في علم النفس وفي الطب، ويكفينا ~~لهذا الغرض تخطيط عام جدا لآرائه ms584 الأساسية في نحو عام 1920م. يرى ~~فرويد أن ما يسير الناس هو مجموعة كاملة من «الدوافع» التي سماها ~~«اللبيدو» - أو الطاقة الحيوية - في أول الأمر، وربط بينها وبين ~~الرغبات الجنسية التي أطلق عليها فيما بعد اسم «أيد» - أو مجموعة ~~الدوافع الغرزية - ثم خفف قليلا من ناحية الجنس فيها. و«الأيد» ~~في الكائن البشري هو جزء من اللاشعور. وهو يرغب، ويدفع الفرد إلى ~~العمل. غير أن مسلك الكائن البشري كله يرتبط بجزأين آخرين من النفس ~~البشرية، هما «الإيجو» أو الذات، و«السوبريجو» أو الذات العليا. ~~ومما يغضب العلماء الطبيعيين التقليديين كثيرا أنه ليست هناك ~~طريقة لتحديد موضع «الأيد» و«الإيجو» و«السوبريجو» في المخ البشري، ~~أو في أي مكان آخر في جسم الإنسان؛ فليس هناك قط من «شهد» ~~جزءا من «الأيد»، حتى تحت المنظار المكبر. والواقع أن فرويد لم ~~يكن في هذا الصدد - على الأقل - يرتكب إثما في حق العلم الصحيح - ~~فإن معيار الاختبار لهذه الآراء ليس إمكان إدراكها كجزء من تجارب ~~الاستقبال البشرية التي تعينها الآلات، وإنما معيار اختبارها هو ~~صلاحيتها للعمل، وهل يمكننا استخدامها من فهم السلوك البشري ~~فهما أفضل. # إن «الذات» كلها، أو كلها تقريبا، جزء من الحياة العقلية ~~الواعية عند الإنسان، ولكنها ليست نشاطا منطقيا بحتا. هي حكم ~~أو حاكم، وراعية لمصالح الكائن العضوي ككل، والفيصل في الرغبات ~~المتضاربة التي تصدر عن «الأيد» في الشعور. وبعض هذه الرغبات - ~~وبخاصة إن بدت للذات من النوع الذي يحط من قدر الإنسان يكبت ~~بواسطة الذات، ولكنه يبقى ناشطا في «الأيد» اللاشعوري، بعضها ~~«يتسامى»، ويتحول مثلا من هدف جنسي إلى فن أو شعر أو أشخاص ~~حاكمين. وتتضمن «الذات العليا» بعض العناصر التي تدخل في أفعال ~~الشرط المنعكسة. وفي هذه الذات العليا تؤثر في أعمال الفرد ~~الأفكار التي تعلمها عن الحق والباطل، عن الطريقة «الصحيحة» في ~~السلوك، والآراء «الصحيحة» التي يتمسك بها. إن الذات العليا لا ~~شعورية إلى حد ما، يتشبع الفرد منذ الطفولة بأوامرها بحيث لا ~~تسير في العملية المنطقية، فلا تجابهه بمشكلات تتطلب هذا ms585 العمل أو ~~ذاك. أما الذات فتشبه إلى حد ما ضمير الفرد اللامسيحي. في حين أن ~~الذات العليا أشبه ما تكون بالضمير الاجتماعي أو الجماعي الذي ~~يؤثر في الفرد ظاهرا وباطنا. الذات تتوسط بين «الأيد» ~~والعالم الخارجي ذي «الواقع» المادي، في حين أن الذات العليا تتوسط ~~بين «الأيد» والعالم الخارجي من جانب المثل و«الأمور العليا» التي ~~نسب إليها أخيرا فرويد - وهو راغم - نوعا من الواقع ~~الموضوعي. # و«الأيد» و«الإيجو» و«السوبريجو» تتضافر في الفرد السليم لكي ~~تجعله على وعي بحقائق بيئته، ولكي تمكنه من تكييف سلوكه طبقا ~~لهذه الحقائق، حتى يمسي بوجه الإجمال رجلا سعيدا ومواطنا ~~صالحا. وفي الشخص العصبي تتراجع الرغبات التي تكبحها سلبية ~~«الذات» أو «الذات العليا» إلى اللاشعور؛ حيث تواصل الحياة وقوة ~~الاندفاع كما تفعل الرغبات. وهي التي تكون مادة الأحلام. وتظهر ~~متنكرة (وإن تكن غير متسامية تساميا صحيحا) في كل أنواع الأفعال ~~التي لا تسير كما يسير السلوك العادي ~~المألوف - تظهر في المخاوف ~~المتسلطة، وفي الانسحاب من المسئوليات العادية، وفي الهموم ~~والأشجان، وفي كل أنواع السلوك التي نسميها اليوم «عصبية». وهذه ~~الرغبات المكبوحة مستقرة في اللاشعور، والشخص العصبي لا يعرف حقا ~~ما يريد. # وفكرة فرويد الأساسية في العلاج النفساني - وهذه الفكرة هي التي ~~تجعلنا نعده من أبناء حركة التنوير - يمكن تلخيصها في أنها ~~طريقة متشعبة عسيرة (باهظة النفقات) يتعلم بها المريض أن يعرف ما ~~يريد حقا. وكان فرويد يعتقد بصفة أخص أن الكبت الأول؛ أي الإرجاع ~~الأول لبعض الرغبات إلى «الأيد»، هو مصدر الشر، أو هو «الجرح» ~~(تروما) الذي يصيب نفسية الفرد. وهذا الجرح في ظنه يرجع إلى عهد ~~الطفولة. ويرتبط أيضا بهذه الحقيقة: وهي أن الرغبات الجنسية ~~المبكرة عند الطفل لا تلقى البتة قبولا في ثقافتنا، وأن ذاته ~~وذاته العليا كلتيهما يتعلمان بشيء من العنف أنهما لا يصح أن يسمحا ~~بمثل هذا السلوك، وحتى إذا لم تكن هناك واقعة مفردة بسيطة ترجع إلى ~~عهد الطفولة يمكن أن تعد منشأ لصعوبة من الصعوبات يلاقيها ~~الفرد في حياته المقبلة، فإن ms586 فرويد يعتقد أن السنوات الأولى هي ~~دائما ذات أهمية قصوى، ولكن كيف يبعث الفرد هذه الأمور المنسية؟ ~~لا يكون ذلك إلا بعملية طويلة من «الترابط الحر» الذي يجعل الفرد ~~يتجول في ذكرياته الماضية يوما بعد يوم، عالم التحليل النفساني ~~إلى جانبه يلاحظ الدلائل الدقيقة وهي تظهر وسط الذكريات المتدفقة، ~~وبمعونة الأحلام، حاضرها وماضيها. # ولا نستطيع بطبيعة الحال أن نحاول هنا وصفا مفصلا لطرائق فرويد ~~في العلاج النفساني، وإنما ينبغي أن تكون هذه النقطة واضحة: وهي أن ~~فرويد كان يعتقد أن الفرد عبارة عن مجموعة من الأفكار والرغبات ~~المضطربة التي لا يمكن أن يكون لها معنى إلا بعد مشقة كبرى. ولكن ~~بعدما يتمكن المحلل النفساني بعد البحث الطويل من إظهار الفرد على ~~«السبب» في مسلكه الذي سلك، يكف الفرد عندئذ عن السلوك السيئ، ~~الذي لا يجديه ولا يجدي رفاقه نفعا. وأرجو أن تلاحظوا أن فرويد لم ~~يقف موقف روسو القديم البريء الذي يرى أن السبيل التي نتجنب بها ~~الصعاب هي أن تجعل كل فرد يتبع منذ الطفولة رغباته، وأن نجعل ~~«الأيد» يملي عليه أعماله، ما دامت المتاعب كلها تنشأ عن الكبت ~~الأول. نعم إن فرويد وأتباعه يميلون إلى أن يكونوا «متسامحين» في ~~تربية الطفل، ويميلون إلى العطف على تحقيق أكبر قسط من الحرية ~~للفرد في المجتمع بقدر ما يمكن. والظاهر أن فرويد نفسه لم يرض ~~قط عن محتوى أكثر «ذواتنا العليا»، عن «الأمور السامية» في ~~التقاليد الغربية. إلا أن أتباع فرويد لا يدفعون عن الاستهتار في ~~الشهوات، ولا يريدون للمرء أن يكون عبدا لشهواته الساذجة، وهم ~~ليسوا في أكثر الحالات من الشواذ الذين ينادون بعدم التقيد ~~بالأخلاق الدينية. إنهم أطباء مدربون، يحاولون أن يخلصوا لمعايير ~~المهنة الدقيقة، ويحاولون أن يروا الناس على حقيقتهم. # لقد كانت مساهمة فرويد في اللامعقولية المعاصرة كبيرة حقا. ~~وإذا ضممنا عمله إلى عمل بافلوف وكثير غيرهم من علماء السيكولوجيا ~~والفسيولوجيا، وجدنا أن ما قاموا به يؤكد بشدة نسبة الأعمال ~~البشرية التي لا تلعب فيها أداة الفكر التقليدية ms587 - بمسمياتها ~~المختلفة عند أرسطو والمسيحيين ولوك وكتاب الموسوعة، بل وعند ~~نيومان الذي يقول بوجود حس استنتاجي عند الإنسان - دورا ما، أو ~~تلعب فيها دورا صغيرا، ويرى اللاعقليون أن العمل نتيجة ~~الاستجابات الآلية، طبيعية كانت أو مشروطة، من كل أنواع الدوافع ~~والحوافز، والتقاليد، والعادات الاجتماعية، بل والمبادئ الدينية ~~والميتافيزيقية التي تمسي بالتربية الأولى والتكييف المبكر جزءا ~~من طريقة الفرد في الاستجابة إلى حاجته إلى إصدار قرار من ~~القرارات. إن الفكر التعليلي عند الفرد - كما يرى اللاعقليون - ~~يساوي بالنسبة إلى بقية حياته نسبة أقل من الجزء اليسير من الجبل ~~الثلجي الذي يرى فوق الماء إذا قيس إلى كتلة الجبل كلها. إن ~~«كمية» التعقل في الحياة البشرية، وليس مجرد «وجود» هذا التعقل، هي ~~إذن النقطة التي يختلف فيها اللاعقليون وأولئك الذين يعارضون ~~التعقل. إن ممارسة جانب كبير من السياسة الأمريكية، وكثير من نواحي ~~الحياة الأمريكية لا عقلي - والإعلان مثال واضح لذلك. # إن جذور وفروع هذه النظرة - التي ترى أن مكان أداة الفكر الحقيقي ~~الوظيفي في مجموع نواحي النشاط البشري فوق الأرض محدود - يمكن ~~تتبعها في كثير من مجالات الفكر الحديث - ولنذكر أننا في هذا لا ~~نبتهج لضآلة هذا المكان ولا نرثي لها. إن الجذور الهامة ترجع إلى ~~ما فعل المفكرون الاجتماعيون بداروين؛ إذ قد اتضح أننا لو آمنا - ~~بوجه عام - بأن ما أكسب الناس هذه النتائج الطيبة في تنازع البقاء ~~هو ذهنه، فإن أكثر الحالات المحسوسة تشير إلى أن صاحب العقل لم يكن ~~بأية حال من الأحوال هو المبرز في تنازع البقاء. # وقد كان والتر باجهوت - الكاتب الإنجليزي الذي يعد كتابه ~~«الطبيعة والسياسة» الذي نشر في عام 1689م من المحاولات الأولى ~~للاسترشاد بمبادئ داروين في دراسة شئون الإنسان - من أوائل كتاب ~~القرن التاسع - الذين عالجوا الإنسان باعتباره «سياسيا ~~وأخلاقيا» - الذين تناولوا هذا الموضوع، ومن أكثرهم تشويقا. ~~وكان الأجدر به أن يجعل عنوان كتابه «البيولوجيا والسياسة»، ولم ~~يستخدم باجهوت «الفيزياء» إلا بمعنى «العلوم الطبيعية». قال باجهوت ~~إن المرحلة الأولى في بناء الحضارة من مجرد ms588 الهمجية كانت حالة من ~~حالات صلابة القانون والنظام في كل أمر من الأمور - ولا أعني ~~دكتاتورية شخصية، وإنما أعني دكتاتورية ما أسماه باجهوت «قالب ~~العادة». إن تلك الجماعة التي تملك أفضل نظام، أو أثبت قالب من ~~قوالب العادات هي الجماعة التي تفوز في النهاية في معمعان منافسة ~~الجماعات. غير أن العقل المبتكر يلعب دورا أوضح في المرحلة ~~التالية. في هذه المرحلة تصدر أفكار جديدة تمكن الجماعة من ~~مواجهة البيئة بطريقة أفضل. وأخيرا يأتي دور «الحكم بالمناقشة» ~~وهو من طوابع العصر الحديث. # وكل ذلك قد يشبه النظرة التقليدية الفكتورية التي ترى أن ~~التقدم يسير في خط واحد. غير أن باجهوت يحرص على الإصرار على أن ~~المجتمع الناجح - حتى بعد تحطيم «قالب العادة» بالأفكار الجديدة - ~~لا يزال يحتفظ بقدر كبير من الصفات القديمة التي لا تنطبق على ~~العقل، وإلا تدهور. والواقع أنه قد وجد تفسيرا لنجاح الديمقراطية ~~البرلمانية، وهو أمر كان في عصره من المتناقضات، وهو بالنسبة إلينا ~~مثال نموذجي من أمثلة اللامعقولية، فقال: إن المشكلة الكبرى لحضارة ~~من الحضارات التي ينشئها الجنس البشري هي أن الكائنات البشرية ~~حيوانات قلقة، غير مقيدة، تريد دائما أن «تقوم بعمل ما»، وأن ~~الفضيلة الكبرى للحكم بالمناقشة هي أنه «يؤجل» العمل، ويستغرق ~~وقتا طويلا في الجدل والمناقشة، وبذلك يوفر الوقت لعمل الطبيعة ~~العلاجي. وبنفس هذه الطريقة قرر باجهوت أن مشكلة الفرنسيين هي ~~أنهم مبالغون في التعقل، مغرقون في الأفكار، بحيث يتعذر عليهم ~~تحقيق استقرار سياسي كاف. ووجد أن الإنجليز في جملتهم يستطيعون أن ~~يقاوموا إغراء الاستغراق في التفكير المجرد، وأن لديهم الغباء ~~اللازم لكي يجعل الديمقراطية طريقة عملية. # كما أن نيتشه - الذي اتجه في وقت ما نحو السوبرمان (الإنسان ~~الراقي) وكتب في نثر شبيه بنثر الكتاب المقدس عن النبي زرادشت - هو ~~بعينه نيتشه الذي كان في وقت آخر لا عقليا. حاول نيتشه أن يعرض ~~ما أسماه «التاريخ الطبيعي للأخلاق» - وهو عبارة عن عرض سريع ~~للطريقة التي يسلك بها الناس فعلا وعلاقتها بالطريقة التي يرون أن ~~من ms589 الواجب عليهم أن يسلكوا بها. وكالكثيرين غيره من أتباع مدرسته، ~~ربما كان مبالغا في الانحياز نحو التناقض بمعارضته للعقيدة العامة ~~عند الناس بأن أعمالهم تترتب منطقيا على عقائدهم. وكان فوق ذلك ~~عاجزا عن الاستمرار في دراسته بطريقة منظمة، وكل عمله سلاسل من ~~الحكم، فأخرج كتابا مطولا عاما بطريقة غير عادية. وبرغم ذلك ~~فإن نيتشه قد أكد بشكل واضح نقطة أخرى من النقاط الرئيسية التي ~~يثيرها اللاعقليون. وهي نقطة قد أثارها مكيافيلي نفسه من قبل. وتلك ~~هي ملاحظة أن الناس كثيرا ما يحققون أهدافا تنفعهم وتنفع المجتمع ~~بسيرهم طبقا لأفكار خاطئة. يقول نيتشه: ~~«إنني لا أرى أن خطأ الرأي يؤدي بنا إلى الاعتراض عليه. وربما ~~كانت لغتنا الجديدة هنا غريبة في مسمعها. إن المسألة هي إلى أي ~~حد يمد الرأي في الحياة، ويحفظها، ويحفظ النوع، وربما يحفظ كذلك ~~تربية النوع. وإني أميل أساسا إلى الاعتقاد بأن أشد الآراء خطأ ~~(التي تتعلق بها أحكام مركبة سابقة) هي أكثر الآراء لزوما لنا، ~~وأميل إلى الاعتقاد بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون إدراكه ~~للأوهام المنطقية، ودون مقارنة الواقع بالعالم «الخيالي»، عالم ~~التجريد والثبات ... وأميل إلى الاعتقاد بأن نبذ الآراء الخاطئة هو ~~نبذ للحياة، وإنكار لها. «الاعتراف بعدم الصدق شرط من شروط ~~الحياة»: ذلك معناه بالتأكيد تفنيد الأفكار التقليدية القيمة ~~بطريقة خطرة. والفلسفة التي تجرؤ على هذا العمل تضع نفسها - بذلك - ~~وحدها فوق الخير والشر.» # وبحلول القرن العشرين كان شيء من اللامعقول قد بدأ يلحق بالطبقات ~~المفكرة، كما بدأ يتغلغل بصورة أقل وضوحا في الوعي الشعبي. وكثير ~~من وجهة النظر التي أطلقنا عليها هنا اسم اللامعقول هي في أصلها ~~وجهة النظر عند الرجل «الراقي» الواعي بنفسه، وهو رجل بلغت به ~~الحكمة أن يعلم خفة أثر الحكمة في هذه الدنيا، وهي وجهة نظر تتحول ~~بسهولة إلى نوع من أنواع الكبرياء، وهو الشعور بأن الجماهير قطيع ~~ونحن - القلة الحكمية - رعاة. وتسري هذه الفكرة عند نيتشه في كل ~~ما كتب، وهو أوضح مثال لهذا الاتجاه في موقف ms590 اللامعقولية الحديثة. ~~غير أن هناك أيضا اتجاها، يتميز في فرويد في نهاية الأمر، يؤكد ~~أنه من الممكن لعامة الناس أن يعرفوا الحق عن أنفسهم، وهو حق أعقد ~~كثيرا من نظرة القرن الثامن عشر إلى الإنسان، وأن عامة الناس ~~بمجرد معرفتها لهذا الحق تستطيع بنفسها أن تقوم بالتهيئة الضرورية ~~لهذه الحقيقة التي بدت أخيرا. وبمجرد ما يدرك الناس الصعوبات ~~الجمة الواقعية في سبيل التفكير المستقيم فإنهم - طبقا لهذه ~~النظرة الأكثر ديمقراطية - يطرقون الطريق إلى التفكير ~~المستقيم. # إن أكثر أوجه اللامعقولية المعاصرة شيوعا يوضح لنا هذا الجانب ~~توضيحا كبيرا. إن فلسفة «معاني الألفاظ» من بداية الكتاب ~~الفلسفيين الغامضين المتعذرين من أمثال ألفريد كورزبسكي إلى أولئك ~~الأدباء ذوي الأسلوب الرشيق من أمثال أ. أ. رتشاردز إلى مبسطي ~~المعرفة الصرحاء من أمثال ستيوارت تشيز، قد سارت شوطا بعيدا، ~~وبخاصة بين الشعوب التي تتكلم الإنجليزية. وهذه الفلسفة ~~(السمانتيكس) هي علم المعاني، أو دراسة الطريقة التي تتفاهم بها ~~الكائنات البشرية بعضهم مع بعض. إن فيلسوف المعاني يشير - على سبيل ~~المثال - إلى أن ثلاثة من المشاهدين المختلفين قد يصفون أعمال ~~رابعهم، أولهم بقوله إنه «خنزير»، والثاني بقوله إنه «عنيد» ~~والثالث بقوله إنه «ثابت». والأعمال هي بعينها. أما الألفاظ التي ~~يستعملها المشاهدون لوصف الأعمال فليست هي البتة بعينها. إنها تشير ~~إلى مشاعر خاصة عند المشاهد، وهي توصل هذه المشاعر على أنها ليست ~~تقريرا موضوعيا. وإذن فالألفاظ مشحونة بالأحاسيس العاطفية، ~~وليست مجرد علامات مثل س أو ص في علم الجبر. إن لفظة «الخنزير» ~~تحمل معها الاستنكار الشديد، في حين أن لفظة «العنيد» أقل ~~استنكارا، وفي لفظة «ثابت» شيء من الموافقة. وإذا قلنا «مثابرا» ~~كنا في حدود ثقافتنا أكثر موافقة. # ثم إن هناك الكلمات الضخمة الفخمة التي تشتمل في ذاتها على كل ~~أنواع الآمال والمخاوف البشرية المحيرة، حتى بات من العسير على ~~المحللين المدققين أن يجدوا لها معاني محسوسة، بل إن المصلح ~~المتحمس لهذه الفلسفة يقول إن الأمر مستحيل ولا يتعسر فحسب. إن مثل ~~هذه الكلمات: «الحرية»، «الإخاء»، «المساواة»، ليس ms591 لها «مدلول» في ~~لغة أصحاب هذه الفلسفة. فأنت لا تستطيع أن تؤدي العمل الذي يخرجها ~~فتصبح منظورة أو ملموسة. إنها «بغير معنى»، ويشير ستيوارت تشيز في ~~كتابه «تعسف الألفاظ» إلى أننا كلما ملنا إلى استعمال عبارات ~~ضخمة فخمة غامضة مثل «طريقة الحياة الديمقراطية» أو «الفردية ~~الغربية» استطعنا في بساطة أن نستبدل بها لفظا لا معنى له مثل ~~«بلا-بلا» ونقف عند هذا الحد. ونحن عند هذه الدرجة من التطرف نقترب ~~بطبيعة الحال من الشكل السائد الحالي من أشكال الاتجاه الاسمي. ~~ونحن الآن على أهبة النظر في انعكاس هذه اللامعقولية في الفلسفة ~~الرسمية. # ويتخذ هذا الانعكاس شكلا متناقضا؛ فهي فلسفة تستبعد الفلسفة من ~~دراساتنا. وقد طور شراح هذه الفلسفة - الوضعيون المنطقيون - ~~موقفهم، لا من العقيدة الساذجة، عقيدة بعض الوضعيين في القرن ~~التاسع عشر في مجال الاستقراء والعلوم الطبيعية في عهد هربرت ~~سبنسر، ولكن من المنطق القياسي والرياضيات، والآراء الحديثة عن ~~المنهج العلمي. إن الوضعية المنطقية - في إيجاز شديد - تؤكد أن ~~النوع الوحيد من المعرفة الصحيحة هو المعرفة التراكمية، وهو النوع ~~الذي يجده المرء في العلوم الطبيعية. وهناك لهذا النوع من المعرفة ~~طريقة، وهي الطريقة التي تطورت تدريجا في ثقافتنا الغربية على ~~أيدي علمائنا، الطريقة التي يستطيع المرء بواسطتها أن يختبر صدق أي ~~حكم يقال إنه من المعرفة. إنك تستطيع - على حد تعبير بردجمان - أن ~~تجري على الحكم عملية - وقد تكون العملية أحيانا طويلة شاقة تتطلب ~~المعامل والبحث الميداني، وكثيرا من الرياضيات ومن التفكير ~~المنطقي العسير - ولكنها عملية تمكنك من اختبار صدق الحكم أو ~~بطلانه. # والوضعيون المنطقيون - في الأغلب - يستمدون أمثلتهم التوضيحية ~~لنوع المعرفة المشروع من العلوم الطبيعية. ونستطيع أن نغير ~~طريقتهم وأن نجعل أنواع المعرفة المشروعة وغير المشروعة على السواء ~~(كما يزعمون) علاقة على الأقل بذات الموضوع. فإن قلت «إن الناس ~~جميعا يؤمنون بالله» أمكنك أن تختبر هذا الحكم بوسائل معايير ~~الرأي العام. تستطيع أن تطلق الناس يسألون كل من يقابلون هذا ~~السؤال: «هل تؤمن بالله؟» وبمجرد ما يجيب أحدهم بالنفي، فسوف ms592 يكون ~~لديك برهان عملي على أن الحكم باطل. ولكنك إن قلت: «إن كل الناس ~~يؤمنون حقا بالله في أعماق نفوسهم، برغم ما يقولون»، فأنت تتجاوز ~~أي اختبار من اختبارات الرأي العام، وتتجاوز إمكان تطبيق اختبارات ~~الوضعيين المنطقيين. وكذلك لا تستطيع أن تثبت علميا صحة هذا ~~الحكم: «ليس هناك ملحدون في الخفاء.» وإن قلت: «إن الله موجود.» ~~فأنت تلقي حكما يقول الوضعي المنطقي إنه لا يمكن أن يدخل في باب ~~«المعرفة». إنما أنت تجيب إجابة ميتافيزيقية عن سؤال ميتافيزيقي، ~~وأنت تفعل ما فعل الناس منذ الإغريق. فأنت ما زلت تحصل على إجابات ~~لا يمكن بأية حال من الأحوال قبولها من كل إنسان - وبخاصة من أصحاب ~~التدريب الأخصائي في الفلسفة. إن الوضعي المنطقي يميل إلى اعتبار ~~كل التفكير الفلسفي التقليدي، ذلك النوع من التفكير الذي يدخل في ~~ميادين كالميتافيزيقا، والأخلاق، والنظريات السياسية، بل وأكثر ما ~~في نظرية المعرفة، وكذلك المنطق الأرسطي البحت بطبيعة الحال، مضيعة ~~كاملة للوقت. وهناك تشبيه يحبه كثير من الناس يوازن بين الفيلسوف ~~التقليدي والسنجاب في قفص التعذيب. # إن الوضعيين المنطقيين هم أنفسهم مفكرون تجريديون إلى حد كبير، ~~اهتمامهم الوضعي هو أساسا الامتداد الحديث لطريقة العالم الرياضي ~~في معالجة الأشياء التي تسمى المنطق الرمزي. وكان بعضهم من ~~أكثرهم براءة يأمل - عندما يبلغ بالمنطق الرمزي حد الكمال - أن ~~يصبح الاتصال بالمنطق الرمزي مفهوما كل الفهم من كل الكائنات ~~البشرية، الذين لن يقوم بينهم بعدئذ نزاع، ما داموا لن يكابدوا ~~الجهل وسوء التفاهم. غير أن الوضعيين المنطقيين اكتفوا في أغلب ~~الأحيان بتجاهل هذه الأمور ذات المعايير الأخلاقية والجمالية (أعني ~~الحكم على القيم) لأنها لديهم «بغير معنى». إنهم لم يعتقدوا في ~~الواقع أن هناك فعلا إجابات لهذه الأمثلة بمقدار ما هنالك من ~~أفراد على وجه الأرض، وذلك لمجرد أن هذه الأسئلة ليست لها إجابات ~~علمية. إنهم لم يكونوا من الناحية العملية في حياتهم متشائمين في ~~الأخلاق أو قائلين بالعدم. وإنما اكتفوا بأن يأخذوا القيم على ~~أنها ليست مما يجدي فيها التفكير، وهي ms593 وجهة نظر يستاء منها أولئك ~~الذين نشئوا وسط التقاليد الغربية السائدة، التي مالت إلى الإيمان ~~بأن بعض الأحكام عن الأخلاق وموضوعات الجمال أصدق من غيرها، أو أن ~~هذه الأحكام لها على الأقل معنى أوسع من غيرها. # ومع ذلك فما دام اللامعقول - من صورته البسيطة إلى صورته المعقدة ~~- يؤكد الدور العظيم الذي يلعبه اللاعقل في حياة الناس، فإن هناك ~~إغراء دائما للاعقليين بألا يروا إلا الانتصار البين للتفكير ~~الموضوعي الذي نسميه العلوم الطبيعية. إن اللاعقلي - باعتباره ~~وريثا للجمود العقلي الذي ساد التقاليد الغربية أمدا طويلا - ~~يخشى ذلك النوع من التفكير الذي دافع عنه نيومان وعده من أثر ~~القدرة على الاستنتاج. إنه يرى أن «كل» الرجال من أصحاب العقول ~~السليمة الذين ينالون قدرا كافيا من التعليم يمكن إقناعهم بصدق ~~فروض خاصة في الطبيعة، ويرى أن «كل» الرجال من أصحاب العقول ~~السليمة الذين ينالون قدرا كافيا من التعليم لا يمكن قط ~~إقناعهم بأي فرض في الأدب الإنجليزي - فيما خلا بعض الأحكام ~~الواقعية، مثل قولنا إن شيكسبير كتب مسرحية أطلق عليها اسم «روميو ~~وجولييت». وحتى هنا نجد أولئك الذين يعتقدون أن فرانسيس بيكون هو ~~الذي كتب المسرحية ... ومع ذلك فإن القول بأن رأي أي فرد له قيمة رأي ~~أي فرد آخر، وأن «وخز الإبر كالشعر» كما قال بنتام، وذلك في كل حكم ~~من الأحكام ما عدا تلك الأحكام البسيطة التي يمكن التثبت من ~~صحتها في الواقع، وما عدا تلك الأحكام العلمية الموحدة الثابتة - ~~هذا القول هو ما يستاء منه أكثر الناس - حتى اللاعقليين ~~منهم. # وقد ذكرنا من قبل مخرجا من المخارج لهم فيما أشار إليه ~~مكيافيلي ونيتشه من أن صدق هذه الأحكام على القيم قد لا يمكن ~~إقراره عقليا، غير أن أهميتها في الحياة الاجتماعية في ثقافة من ~~الثقافات هي مما يمكن إقراره. إن المجتمع الذي يعتقد في قوة تأثير ~~طقوس دينية معينة لا تحتمل البتة تعليلا علميا قد يستمد برغم ~~ذلك قوة من مثل هذه العقيدة، ويروي باريتو مثالا لذلك قصة أولئك ~~الملاحين ms594 الإغريق في الأزمنة القديمة الذين كانوا يقدمون ~~القرابين لبوزيدون، إله البحر، قبل أن يشرعوا في القيام برحلة ~~بحرية خطرة. ونحن اليوم نميل فيما يتعلى بإله البحر هذا إلى الأخذ ~~بحكم الوضعيين المنطقيين، الذي يقول بأنه ليس بالإمكان إقامة ~~الدليل على وجوده. غير أن باريتو يقول إنه إذا كان من الواضح أن ~~الملاحين - بتأثير اعتقادهم أنهم على وفاق مع بوزيدون - يجدفون في ~~حماسة، ويحتفظون بنظام أفضل، ويتماسكون تماسكا أشد وأقوى إذا ~~ألم بهم الخطر، إذن فمن الواضح أن الإيمان ببوزيدون كان نافعا ~~لهم، وكان صحيحا بمعنى ما. # ويمثل باريتو أفضل تمثيل اللاعقليين في القرن العشرين، وهو ~~مهندس مدرب، ورياضي تحول أول الأمر إلى الاقتصاد ثم انصرف إلى ~~علم الاجتماع، وبذل الجهد في بناء علم اجتماعي يمكن أن يقارن ~~بالعلوم الطبيعية. كان باريتو رجلا إيطاليا أدى أكثر أعماله ~~الإبداعية في سويسرا، ولكنه في سنواته الأخيرة قبل منصبا تحت ~~موسوليني، وبسبب هذا المنصب وبسبب كثير من مبادئه التي عبر عنها ~~في كتابه «العقل والمجتمع» وصم بالرجعية. وعد يمينيا، ووصف ~~بأنه «كارل ماركس للبورجوازية». كان - كأكثر اللاعقليين الصرحاء - ~~باحثا وعقليا واثقا بنفسه، وكان يرتبط ارتباطا عاطفيا بذلك ~~النوع من المثل العليا التي بينها جون مل في كتابه «عن ~~الحرية»، فرأى أن عالمه يبتعد فيما يظهر شيئا فشيئا عن الحرية ~~الفردية وقبول التنوع الشديد في السلوك البشري، ويبتعد عن السلام ~~العالمي وحرية تنقل الأفراد والأفكار. فكان من بعض النواحي متحررا ~~(ليبراليا) زال عنه الوهم، يحاول أن يشرح لماذا فشل مبدأ التحرر، ~~ويؤسفه هذا الفشل. وإن مجرد الاعتراف بأن مبدأ التحرر قد فشل، ~~والإصرار على أن وقائع الحياة لا تسير كلها طبقا لما ظن المتحرر ~~وطبقا لما أمل، إن مجرد هذا - بالنسبة إلى المتحرر المصلح ~~التقليدي الذي تغمره الألفاظ والعقائد - كان - بطبيعة الحال خيانة ~~من باريتو. وكان بارتو فوق ذلك مثيرا جدا لغضب كثير من القراء، ~~لأنه يصر في حماسة شديدة على أنه في الواقع أول شخص درس العلاقات ~~الإنسانية بانعزال العالم الذي لا يتأثر بحرارة ms595 العاطفة، محتفظا ~~بأحكامه على القيم خارج عمله، أو مصرا في الواقع على أنه لا ~~يصدر أحكاما على القيم، وهو بطبيعة الحال لا يعيش على مقربة من ~~هذه الأفكار التي باح بها. وإنك لتلمس في كل صفحة مما كتب أهواءه ~~التي تنم عما يحب وما لا يحب، وإن اختلفت في كثير من الوجوه عن ~~أهواء المتحرر المصلح، وأشد ما يبغض أولئك الذين أطلق عليهم اسم ~~«دعاة الفضيلة»، أو المصلحين المتحمسين تحمسا دينيا الذين ~~يريدون بالتشريع، والشرطة، وربما كذلك بشيء من التربية، أن يمحوا ~~من على وجه الأرض الشذوذ الجنسي، والمشروبات الروحية، والميسر، ~~والرذائل الأخرى الأقل من هذه. # ويصدر باريتو كتابه «العقل والمجتمع » بمقال ممل إلى حد ما ~~ولكنه ليس البتة بعيدا عن الموضوع، عن ماهية المنهج العلمي. ويسمي ~~هذا المنهج «التجريبي المنطقي». ويسمي الأنواع الأخرى من النشاط ~~العقلي البشري الواعي «التجريبية اللامنطقية». وأرجو أن تلاحظوا ~~أنه لم يكتف باستعمال لفظة «المنطقي»؛ وذلك لأنه يؤمن بأن التفكير ~~المنطقي ليس إلا مجموعة من القواعد لاستخدام العقل بطريقة معينة، ~~طريقة يمكن تطبيقها على مشكلات كمشكلة وجود التثليث أو «تحقيق ~~الفكرة الكامنة» التي قال بها أرسطو، وعلى مشكلات كمشكلة التركيب ~~الكيماوي لنوع من أنواع البروتين. # ويهتم باريتو كعالم اجتماعي أساسا بمشكلة فصل المعقول (أو ~~التجريبي المنطقي) عن اللامعقول (أو التجريبي اللامنطقي) في أعمال ~~الناس. وقد وجد باريتو أن في سلوكنا الاجتماعي جزءا يعبر عن ~~ميول خاصة سماها «الرواسب»، وجزء آخر يعبر عن ميول أخرى ~~سماها «الاشتقاق». ويلاحظ أن الرواسب والاشتقاق كليهما ليست عند ~~باريتو دوافع أو بواعث أو شهوات أو لبيدو (طاقة حيوية) أو أي شيء ~~مما يحاول السيكولوجي أن يحلله في السلوك البشري ويعده نوعا ~~من أنواع الدوافع الحيوانية الخفية إلى العمل. إن باريتو يريد أن ~~يفترض هذا الدافع، ويترك دراسته للسيكولوجي. أما ما يهمه كعالم ~~اجتماعي فهو العمل الذي يعبر عنه باللفظ، والطقوس، والرموز، من ~~أي نوع من الأنواع؛ فشراء الجوارب الصوفية للوقاية من الجو البارد ~~- مثلا - هو من هذا النوع من أنواع ms596 العمل. فإذا كانت تشترى ~~قصدا للحصول على صنف جيد بثمن يقدر عليه الشاري، فذلك أمر ~~معقول، أو عمل تجريبي منطقي يسير مع مصلحة الفاعل. أما إذا اشتراها ~~بغض النظر عن الثمن عاشق عاطفي لبلاد الإنجليز يشتري الجوارب ~~الإنجليزية المستوردة كي يقوم بعمل يساعد به هذه البلاد، فلا بد ~~إذن أن يكون هناك أمر آخر، شيء يهمله رجل الاقتصاد فيما يجمع من ~~إحصاءات عن الأثمان، يدخل في العملية. وهذا الشيء الآخر هو مادة ما ~~قام به باريتو من دراسة. # إن ذلك الجانب من العمل الذي قام به الملاحون الإغريق الذين ~~أشرنا إليهم عندما قدموا لبوزيدون القرابين، ذلك الجانب الذي رأى ~~في بوزيدون حاكم البحار، وصانع الزوابع ومهدئها، هذا الجانب هو ~~عند باريتو «اشتقاق»؛ أي نظرية أو تفسير، منطقي عادة في شكله، ~~ولكنه «لا تجريبي لا منطقي»، ولا يحتمل إثبات الصدق بوسائل العلوم ~~الطبيعية. إن «الاشتقاق» أقرب إلى ما سماه بيكون بالأوثان (أو ~~الأوهام)، وبما نعرفه اليوم ب «التبرير العقلي». ولكن باريتو ~~يكسبها وصفا أعقد وأكثر فائدة مما فعل بيكون. والحق أن تحليله - ~~بالنسبة إلى أغراض علماء المعاني - من أفضل التحاليل لأشيع الطرق ~~التي اتخذها العقل البشري للعمل في ميدان النظريات الاجتماعية ~~والخلقية. والأمر واضح في ذهنه، إن هذا «الاشتقاق» ضئيل الأثر في ~~السلوك العام للناس في المجتمع، ضئيل الأثر في التغير الاجتماعي، ~~وما أسميناه في هذا الكتاب «نظرات كونية» يعده باريتو في ~~الأغلب نسيجا من أنسجة الاشتقاق. وكان يرى أنه عديم الأثر أو قليل ~~الأثر في سلوك أصحاب هذه النظرات. ومع ذلك فقد كان باريتو في حياته ~~الوجدانية عاجزا بشكل واضح عن أن يعد هذه النظرات الكونية ~~سواء، ليس منها ما يفضل غيره، أو ما يقل عنه شأنا؛ فكان يكره ~~الاشتراكية كما كان يكره مسيحية العصور الوسطى. وكان هو نفسه ~~يمثل بورجوازية القرن التاسع عشر أفضل تمثيل. # أما ما يحرك الناس في المجتمع، ويجعل بينهم تماسكا في ~~المجتمع، فهو «الرواسب» كما يقول باريتو. وهذه الرواسب ليس فيها ~~إلا النزر اليسير من ms597 المعقول، وإن تكن مصوغة عادة في شكل منطقي. ~~وهي تعبير عن عواطف كامنة في الناس، ثابتة نسبيا، تعبير لا بد ~~عادة من فصله عن الجزء الذي يقع فعلا في دائرة الاشتقاق، الذي قد ~~يتغير كثيرا وبسرعة. ولنعد إلى مثال الملاحين الإغريق ~~الملحدين، ونوازن بينهم وبين مجموعة من الملاحين الإغريق المسيحيين ~~بعد ذلك ببضعة قرون، يصلون، ويوقدون الشموع، ويقدمون النذور ~~لمريم العذراء قبل إبحارهم. إن الاشتقاق هو تفسير ما يفعله بوزيدون ~~والعذراء على التوالي، ويختلف الاشتقاق الأول عن الاشتقاق الثاني. ~~ويعتقد المؤمن بالعذراء أن أسلافه الملحدين كانوا على خطأ أكيد. ~~أما الرواسب فهي الحاجة إلى الحصول على المعونة السماوية ~~والطمأنينة المقدسة في عمل شاق، وأداء طقوس معينة تؤكد لمن يؤديها ~~هذه المعونة وتلك الطمأنينة؛ فالرواسب تكاد تكون هي بعينها عند ~~المجموعتين من الملاحين. الوثنيون منهم والمسيحيون على السواء ~~لديهم نفس الحاجات الاجتماعية والسيكولوجية، وهم يشبعونها بطرق ~~شديدة التشابه، وإن اختلف تفسير ما يعملون اختلافا شديدا من ~~الناحية الفكرية (أو العقلية). # وآراء باريتو التي تتعلق بالرواسب أكثر أصالة من آرائه في ~~الاشتقاق، وأشق في تفسيرها. وتصنيفه الفعلي للرواسب والتحليل ~~المفصل للطريقة التي تؤثر بها في المجتمع الإنساني لا تبلغ قط ~~ما بلغه الاشتقاق من الجودة. غير أن هناك نوعين أساسيين من أنواع ~~الرواسب التي يميزها يبرزان في وضوح، ويعاونان على تشكيل ما لا بد ~~أن نسميه فلسفته للتاريخ، ونظرته الكونية الصادقة وإن تكن محدودة - ~~وذلك بالرغم من أن هذه الفلسفة لا تجريبية لا منطقية. وهذان هما ~~أولا رواسب «الكليات الثابتة»، ويعني بها الميول التي يتميز بها ~~الرجال الذين يحبون الطرق النظامية، والمرانة الثابتة، والعادة ~~والتقاليد، الرجال الذين يشبهون الإسبرطيين، أو الأسود. وثانيا ~~رواسب «غريزة المجموعات»، ويعني بها الميول التي يتميز بها الرجال ~~الذين يحبون الجديد والمغامرة، الذين يبتكرون الوسائل الجديدة ~~لأداء الأعمال، الذين يميلون إلى التحلل من القديم، المجربين، ~~الذين لا يصدمون بسهولة، الذين يمقتون النظام، كالأثينيين، أو ~~الثعالب. غير أن الناس كأفراد يتميزون بكل أنواع الخلط بين هذين ~~النوعين وغيرهما من ms598 الرواسب (وهي عند باريتو في المرتبة ~~الثانية)، وهو خلط في غاية ~~التناقض من الناحية المنطقية. ولكن الناس في المجتمعات التي تضم ~~أفرادا عديدين، أولئك الناس الذين يتأثرون إلى حد كبير بأحد ~~هذين الاتجاهين الأساسيين من اتجاهات الرواسب، هم الذين يميلون إلى ~~فرض اتجاههم، وهم الذين يميزون مجتمعهم، وقد كان باريتو - كأكثر ~~فلاسفة التاريخ - أبعد ما يكون عن الوضوح في بيان كيفية تحول ~~مجتمع محافظ تسوده رواسب «الكليات الثابتة» إلى نوع آخر من ~~المجتمعات. غير أن من المؤكد أنه كانت لديه فكرة عن صورة ذهنية عن ~~ذبذبة البندول، أو اختلاف الدقات، صورة ذهنية عن الصراع بين ~~«الفكرة» و«ضدها»، وإن تكن هذه الموازنة ربما أغضبت باريتو. # كان القرن التاسع عشر في ~~الغرب في ذهن باريتو مجتمعا ربما لعبت فيه رواسب «غريزة ~~المجموعات» أكبر دور تستطيع أن تلعبه في أي مجتمع بشري. كان القرن ~~التاسع عشر قرن منافسة بين الأفراد الممتلئين بالأفكار الجديدة، ~~والابتكارات، والمشروعات، المقتنعين بأن الوسائل القديمة سيئة، وأن ~~الجدة هي أعظم ما يكافح من أجله الإنسان على حساب أي شيء آخر. كان ~~مجتمعا لا يخضع للاتزان بشكل واضح، وكان لا بد له من الاتجاه نحو ~~النوع الآخر من الرواسب، نحو «الكليات الثابتة»، نحو مجتمع تتوافر ~~فيه زيادة في الضمان ونقص في التنافس، وزيادة في النظام ونقص في ~~الحريات، وزيادة في التوحيد ونقص في التنوع. كان لا بد له من السير ~~في الطريق الذي نسلكه في القرن العشرين. # والرأي الأخير عند باريتو هو هذا التوازن في المجتمع، التوازن ~~الذي يختل على الدوام على الأقل في المجتمع الغربي، ولكنه يتجدد ~~على الدوام بنوع من «العلاج الطبيعي» الذي لا يستطيع أن يبطل فعله ~~أي طبيب اجتماعي أو مخطط للمجتمع. غير أن باريتو لا يستبعد كلية ~~إمكان استطاعة الكائنات البشرية بالتفكير تعديل الأوضاع ~~الاجتماعية في بعض الأمور الهينة هنا وهناك، بطريقة تجعل ما ~~يخططونه يتحول إلى واقع. بيد أن الفكرة التي أصر على تأكيدها في ~~كتابه هي أن التغير في السلوك البشري إجمالا في ms599 شئون الناس يجب أن ~~يتميز عن التغير في أفكار الناس وفي مثلهم. ولما كان الإنسان كما ~~نعرفه، ولما كانت رواسب «غريزة المجموعات» في ثقافتنا الغربية ~~واسعة الانتشار، فلا مناص من حدوث التعديل في كثير من ميادين ~~الاهتمامات البشرية. إن الطراز الجديد وكل ما يترتب عليه في شئون ~~التجارة يمكن أن يقال عنه إنه تغير من أجل التغير. غير أن باريتو ~~كان يرى أن هناك أيضا مستوى من السلوك البشري التغير فيه بطيء ~~حقا. يكاد يبلغ في بطئه ذلك التغير الذي يدرسه علماء الجيولوجيا ~~وعلماء التطور وهذا التغير أهم في الإشارة إليه عند باريتو لمجرد ~~أن المصلحين، أو المتحررين أو «دعاة الفضيلة»، أو المخططين ~~المتفائلين لا يرونه. # إن مستوى السلوك البشري الذي يحدث التغير فيه ببطء شديد في ~~الواقع هو مستوى «الرواسب». ولا يستطيع الزعيم السياسي الماهر - ~~على أحسن تقدير في رأي باريتو - إلا أن يعالج الاشتقاق بطريقة ~~تجعل بعض الرواسب غير فعالة، وتنشط بعضها الآخر. إنه لا يستطيع أن ~~يستحدث رواسب جديدة أو أن يهدم رواسب قديمة، وهو لا يجعل التفتيش ~~الحكومي على اللحم - على سبيل المثال - فعالا بمجرد مناشدته الناس ~~إحساسهم بالمسئولية المدنية، أو بمجرد الحجة العقلية من النوع الذي ~~عرفه القرن التاسع عشر، وإنما كذلك بالدعاية، وبالعمل الأدبي الذي ~~يشبه «الغابة» لمؤلفه أبتون سنكلير، وبأن يجعل أكبر عدد ممكن من ~~الناس «يشعر بالخوف» من أنه سوف يأكل لحما قذرا لم يخضع للتفتيش، ~~ويموت 663 من تسمم الطعام ما لم تقم الحكومة بالتفتيش. ومن الواضح ~~أن أولئك الذين يوجهون الإعلان في أمريكا هم من أتباع باريتو وإن ~~لم يعرفوا ذلك. # إن الزعيم العاقل كما يراه باريتو لا بد له من أن يقرأ حكمة ~~بيكون الشهيرة التي يقول فيها: «إنك لا تسيطر على الطبيعة إلا إذا ~~أطعتها.» وفهم منها «أن الإنسان لا يسيطر على الطبيعة (البشرية) ~~إلا إذا أطاعها» - أو على الأقل وضعها في اعتباره؛ فلا ينبغي لنا ~~أن نتوقع من الكائنات البشرية أن تكون غير محبة لذاتها، عاقلة، ~~مكرسة ms600 ذواتها للصالح العام، رفيقة، حكيمة. ولا ينبغي لنا - فوق كل ~~ذلك - أن نتوقع أننا نستطيع بأي نظام من النظم، أو بأي معاهدة أو ~~ميثاق، أن نجعلهم كذلك. غير أن باريتو يتجاوز هذه النظرة قليلا، ~~فهو يقول إن التخطيط خطر، إلا إن كان من أجل غايات محدودة ومحسوسة ~~دائما. إن باريتو الذي يبدأ من علوم الرياضة والهندسة، وبعداوة ~~حقيقية للمسيحية، يقترب جدا في هذا الموضوع المعين من بيرك ~~المسيحي؛ فهو يرى أن التغير الضخم الطموح المشرع لا يحتمل فقط ألا ~~يحقق النتائج التي خطط لها المخططون، وإنما يحتمل أن يؤدي إلى ~~نتائج لا يمكن التنبؤ بها وربما كانت منحوسة. وربما كان باريتو ~~ينعم النظر في مصير المادة الثامنة عشرة من قانون الإصلاح، فهي لم ~~تؤد إلى الامتناع عن تعاطي الخمور في الولايات المتحدة، بل عاونت ~~على إظهار عادات أحدث في الشراب غير مرغوب فيها، من نواح عدة - ~~فعاونت مثلا على أن تجعل المشروبات الروحية شرابا محترما عند ~~النساء من الطبقة الوسطى. وحتى تزداد معرفتنا بالعلوم الاجتماعية ~~أرى أن أفضل ما نعمله هو أن نركن إلى ما يصمه العقلي الناشئ في شيء ~~من التعالي بالجانب «اللاعقلي» في الطبيعة البشرية. ويجب أن نعتقد ~~أن العادات المتأصلة في الجنس البشري، حتى لو كان ذلك بمعايير ~~التطور، هي أنفع للبقاء من منطق المصلحين الذي ليس في ~~موضعه. # إن جانبا كبيرا من اللامعقول الحديث ينتشر في الواقع انتشارا ~~واسعا في الثقافة الغربية، وبالرغم من أنه قد لا يكون مستساغا ~~للذوق الديمقراطي المتفائل. وحتى «علوم المعاني» قد امتدت إلى ~~الوعي العام، وامتدت بالتأكيد إلى صور يشق على كورزبسكي نفسه أن ~~يتعرف إليها. وقد سمعنا جميعا عن التبرير، والدعاية، وعما في ~~اللغة من غموض وعجز. ويطرق سمعنا كل يوم أننا لكي ننجح في هذه ~~الحياة لا بد لنا من التدرب على المهارة في معاملة الناس، ويجب ~~أن نكتسب الأصدقاء عمدا، ونؤثر في الناس بحيل غير حيلة ~~المنطق. ويعلم خبراء الدعاية أن أحد العوامل التي لا بد لهم من ms601 أن ~~يحسبوا حسابها وعي الجمهور وعدم ثقته بالدعاية، وهو ما يعبر عنه ~~الفرنسيون بقوة - وفي شيء من التشاؤم المر - بعبارة «حشو ~~المخ». # لقد نشأنا في صراحة معادين لمشكلة العلاقة بين اللامعقول ~~وتقاليدنا الديمقراطية، وطريقة معيشتنا، ونظرتنا إلى الكون. إن ~~الديمقراطية كما تم نضجها في القرن الثامن عشر عقدت الأمل على ~~التغير السريع الشامل نحو السعادة العالمية في هذه الدنيا التي ~~تتحقق بتعليم الناس أجمعين على استخدام قواهم المفكرة الطبيعية - ~~أو على الأقل بتخويل السلطة لجماعة مستنيرة من المخططين السياسيين ~~الذين يستطيعون أن يبتكروا النظم التي تتحقق فيها السعادة للناس ~~أجمعين، وأن يديروا هذه النظم. وينادي اللامعقول إزاء هذه ~~المعتقدات الديمقراطية بالإيمان بأن الناس لا يهتدون بعقولهم، تحت ~~أفضل نظام من نظم التعليم، ولا يمكن أن يهتدوا، وأن البواعث، ~~والعادات، وأفعال الشرط المنعكسة التي ترشدهم في أكثر الأحيان لا ~~يمكن أن تتغير بسرعة، وأن في طبيعة الإنسان - باختصار - شيئا ~~يجعلهم يسلكون في المستقبل القريب سلوكا لا يختلف كثيرا عن طريقة ~~سلوكهم بها في الماضي، وأن هذا الشيء سوف يستمر معهم. ويظهر أن ~~هاتين المجموعتين من المعتقدات، المجموعة الديمقراطية، ومجموعة ~~اللامعقول، لا يتفقان بالطبيعة. وكثير من الهجمات اليسارية ~~واليمينية التي تعرضنا لها في الفصل السابق تبدو بالمقارنة أقرب ~~نسبيا إلى الديمقراطية، وأقرب إلى أن تكون امتدادا أو تعديلا ~~لها. غير أن موقف باريتو - مثلا - يبدو في كثير من الأحيان نقيضا ~~متطرفا كما يبدو موقف ميستر، ولا يجدينا - مثله - اليوم ~~كثيرا. # ومع ذلك فإن جراهام والاس كما ذكرنا كان يعطف على ما نسميه ~~الديمقراطية، وسار مع اللاعقليين بعض الطريق. كما أن أحد المدافعين ~~بحرارة عن جميع أنواع القضايا الديمقراطية - وهو ستيوارت تشيس - قد ~~تأثر كثيرا باللامعقول. وكذلك اضطر كل الباحثين في العلوم ~~الاجتماعية في ثقافتنا - إذا استثنينا أشدهم لينا وأكثرهم مثالية ~~- إلى التراجع عن تعقل القرن الثامن عشر، والأخذ عن حركة ~~اللامعقول. ويشق على أكثرنا أن يقرأ ما كتب باريتو - وميكافيلي، ~~وبيكون، ولاروشفوكو، وغيرهم من «الواقعيين» - في الطبيعة البشرية ~~والشئون الإنسانية - دون أن ms602 نحس أن كثيرا مما يقولون صادق ~~جدا. # وهنا نعود - بطبيعة الحال - إلى التباين الأبدي، إلى التوتر ~~الأبدي، الذي كان قويا جدا في الثقافة الغربية، بين هذا العالم ~~والعالم الآخر، بين الواقعي والمثالي، بين العملي والمطلوب. إن ~~اللاعقليين يشدون الديمقراطية نحو الطرف الأول من كل زوج من ~~هذه الأزواج. ومع ذلك فإن تأكيد وقائع الحياة، و«الحقيقة المحددة» ~~لا يعني بالضرورة أن تأخذ بالنتيجة التي تقول إن التحسن في الظروف ~~الواقعية ليس ممكنا. والحق أن الواقعيين في التقاليد الغربية ~~(الواقعيين بالمعنى الحديث، الذي يختلف اختلافا يريك العقل عن ~~معنى «الواقعية» في العصور الوسطى كما عرفناها في الفصل السادس عند ~~الكلام عن العلوم الدينية والفلسفة في العصور الوسطى) كانوا مصلحين ~~أخلاقيين، بل ومتفائلين، أكثر مما كانت تلك الفئة اليائسة من طبيعة ~~الإنسان. وهم قلما يسعدهم ذكر الظروف السيئة التي يصرون على ~~وجودها، وعلى واقعيتها؛ فالواقعي والمثالي ليسا - كما كررنا القول ~~في هذا الكتاب - خصمين بالطبيعة إنما هما مترابطان. ولا يكون ~~أحدهما خطرا على المجتمع إلا عندما ينفصلان ويتجه كل منهما ~~وجهته في تجاهل للعنصر الآخر. ومن المشكلات الكبرى التي نواجهها ~~اليوم تساؤلنا عما إذا كان من الممكن للديمقراطيين المخلصين أن ~~يقبلوا الواقع، الذي يلفت اللاعقليون أنظارهم إليه دون أن يفقدوا ~~إيمانهم بإمكان تحسين هذا الواقع. # الفصل الخامس عشر # | منتصف القرن العشرين: عمل لم يتم # لقد عالجت حتى الآن تاريخ الفكر في الغرب دون أن أذكر إلا عرضا ~~شيئا عن أية ثقافة أخرى، وذلك عن قصد وعمد. وركزت البحث في اتجاهات ~~الناس في الغرب، رجالا ونساء، إزاء «المشكلات الكبرى»، وإزاء النظرات ~~الكونية. والواقع أن الغرب - على وجه الإجمال - لم يتأثر كثيرا ~~بالنظرات الكونية، أو حتى بالأفكار الخلقية والجمالية السائدة في ~~الثقافات الأخرى. ولا جدال في أن جانبا كبيرا من الشكل الأول من ~~أشكال الثقافة الغربية التي درسناها هنا، وأقصد الشكل الإغريقي، قد نشأ ~~عن ثقافات منطقة شرقي البحر المتوسط في ألوف السنين التي سبقت هومر ~~وأهل أيونيا. غير أن هذه الثقافات الأولى ليست في ms603 كثير من الأمور سوى ~~السلف لثقافتنا الغربية. ومهما يكن من أمر فإنها - باستثناء الثقافة ~~العبرية وغيرها من عناصر الشرق الأدنى في المسيحية - قد فعلت فعلها في ~~الأغلب قبل ظهور الثقافة الإغريقية العظمى. # إن الدراسة المفصلة للثقافة الغربية لا بد لها - بطبيعة الحال - من ~~أن تأخذ في الاعتبار أنواعا كثيرة من الاتصال بالثقافات الأخرى، ~~وبخاصة في الهند والصين، وأن تلاحظ كثيرا من الأمور كان ميراثنا فيها ~~يختلف عما آل إليه لو أن هذه الاتصالات لم تحدث؛ فهناك أولا تبادل ~~السلع المادية المعروف، ذلك التبادل الذي يستطيع حتى من يتعرض لما قبل ~~التاريخ أن يجد له آثارا في البقايا الأركيولوجية. كان الغرب في ~~العادة يميل ميلا شديدا إلى قبول السلع الغريبة، وأن يجرب الأطعمة ~~الغريبة الحارة. وليس الرجل الغربي بذلك المخلص المتفاني في الجديد، أو ~~المبتكر، والخبرة الجديدة كما بدا للتقدميين في القرن التاسع عشر، ~~بالرغم من أن المغرمين بالجديد موجودون دائما حتى في ثقافتنا، غير أن ~~أية لغة غربية حديثة فيها - برغم ذلك - آثار من الاقتباس من كل صقع من ~~أصقاع العالم: مثل السكر، والكحول، والكاري، والطماطم، والتبغ، ~~والبيجاما، والكاوتاو، والبنجالا، وغيرها من الألفاظ الغربية المستعارة ~~من اللغات الأخرى. # وكان من بين هذه الاستعارات أحيانا المخترعات والأفكار. وقد ذكرنا ~~مثالا نموذجيا لهذا النوع من التأثير الخارجي في الثقافة الغربية في ~~رمز الصفر، الهندي الأصل والذي استعرناه عن طريق العرب. وهذه الاستعارة ~~وكثير غيرها لها أهمية قصوى، ولولا بعضها على الأقل لما كانت ثقافتنا ~~الغربية على ما هي اليوم. وقد أعجب العقليون في القرن الثامن عشر ~~بالصينيين كثيرا في الواقع، وسوف نرى أنهم استخدموا - إلى حد ما على ~~الأقل - الصينيين الكنفوشيين الحكماء عصيا يضربون بها خصومهم ~~المسيحيين. وكذلك أدخلوا الفن الصيني في الفن الغربي - مثل الطراز ~~الصيني في أثاث «الصالونات» على سبيل المثال. كما أن شيوع طراز ~~الشينوازري (الطراز الصيني) هو بداية ذلك الخلط الحديث الذي قد ينشأ ~~عنه طراز آخر مستقلا بنفسه. كما أن الفيزيوقراطيين الفرنسيين (الذين ~~ينادون بالحكم وفقا للنظام ms604 الطبيعي) قد تأثروا كثيرا بأهل ~~الصين. # وبمكتشفات القرن الخامس عشر وبداية التوسع الأوروبي بدأت دراسة ~~البلاد والشعوب غير الأوروبية من جميع الأنواع تأخذ حيزا كبيرا في ~~المعرفة الغربية. غير أن نمو أكثر العلوم الرسمية كان بطيئا جدا في ~~هذه القرون الأولى؛ فالأنثروبولوجيا في أصلها علم يرجع إلى القرن ~~التاسع عشر، وحتى دراسة اللغويات المقارنة، والدراسة الجادة للهند ~~والصين، ترجع إلى ما بعد حركة التنوير. وما إن حل القرن التاسع عشر ~~حقا - برغم هذا - حتى شاعت بين الباحثين والدارسين الدراسة الدقيقة ~~لكل أوجه الثقافة عند الشعب التي لا تدخل في دائرة التقاليد الغربية، ~~وقد نشرت الصحافة الشعبية، والكتب، ومنصات المحاضرة بين الملايين ~~العديدين من الغربيين شيئا من المعرفة على الأقل عن الشعوب الأخرى. ~~بيد أن هذه المعرفة لم تكن البتة واسعة أو عميقة. وربما كان قليل من ~~الغربيين من يعتقد حقا أنه يمكن أن يتعلم شيئا ما من عبدة الأوثان. ~~وقد لا يكون الرجل البريطاني أو الفرنسي الذي يمثل شعبه تمثيلا ~~صادقا «مرتبطا بثقافته»، أو معجبا بنفسه في تقديره للغرب، كما زعم ~~رجال الفكر الذين أرادوا لنا أن نكون فعلا عالميين، وفعلا إنسانيين، ~~نستوعب خير ما في العالم كله. ومع ذلك فإن الاقتباس الذي يجري على ~~الألسنة نقلا عن تنيسون يمكن أن يعد مثالا طيبا للقيمة التي ~~نسبها الغرب في القرن التاسع عشر للشرق، وذلك قوله: «إن خمسين عاما في ~~أوروبا أفضل من عصر مديد في الصين.» # وهناك وجه آخر من أوجه تبادل العلاقات الثقافية يظهر على أوضح صورة ~~في حركة التنوير في القرن الثامن عشر. وذلك هو استخدام نتف المعلومات ~~- وهي في الواقع معلومات خاطئة في أكثر الأحيان - عن ثقافة من الثقافات ~~لدفع سياسة يريد المرء أن يحض عليها في ثقافته؛ فكان «فلاسفة» القرن ~~الثامن عشر يخترعون أسماء فارسية، وصينية، وهندوسية، ومن سكان الجزر ~~الجنوبية، من الحكماء، الذين يتصلون بالثقافة الأوروبية فيعرضون حكمتهم ~~للنقد الأوروبي. والمشكلة هي أن كل هؤلاء الرجال الصفر والسود ~~والسمر والحمر، الذين يؤثرون بحكمتهم الوطنية المفترضة ms605 في ~~المشكلات الأوروبية، هم في الواقع من «الفلاسفة» الأوروبيين، ولهم نفس ~~الأفكار عن الحق والباطل، والجميل والقبيح، والعقل والخرافة، والطبيعة ~~والعرف، التي يراها المستنيرون الآخرون. وليس هؤلاء الرجال غير ~~الأوروبيين سوى أشخاص خيالية، رجال وهميين، يستخدمون عصيا لضرب شيء ~~غربي، ولا يدل ذكرهم البتة على أننا - نحن الغربيين - قد تعلمنا فعلا ~~على المستويات الخلقية والميتافيزيقية العليا شيئا من الشعوب الأخرى. ~~وبتقدم علوم كعلوم الجغرافيا والأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر ~~استحال الاستمرار في هذه الحيلة الساذجة بنفس الطريقة؛ فقد عرف عن ~~الشعوب البدائية الكثير. ولا تزال حيلة يلجأ إليها - وإن يكن بطريقة ~~أمهر كثيرا - كما يدل على ذلك «الزوني» المتعاونون في هدوء كما ورد في ~~كتاب «أنماط الثقافة» لمؤلفته روث بنيدكت، وكما يدل عليه أيضا العذارى ~~المتعففات في كتاب «ساموا تبلغ سن الرشد» لمؤلفته مرغريت ميد. # ونعود إلى موضوعنا فنقول إن من العسير الشاق أن نهتم اهتماما شديدا ~~بثقافات أخرى غير ثقافة الغرب، وبالأخص من وجهة نظر مؤرخ مجموعات ~~الأفكار التي تتعلق بالمشكلات الكبرى التي سادت بلاد الغرب حتى الآن. ~~وليس في هذا القول تعصب إقليمي أو ميل إلى الشر، إنما هو مجرد اعتراف ~~بالواقع. وفي الحق أن طبيعة المؤثرات الهامشية أو الطائفية - على هذا ~~المستوى - التي ترد من خارج الغرب، تتضح من مصير الجماعات الحديثة ~~الصغيرة التي تتجه نحو حكمة الشرق، من البهائية أو من نوع فلسفة مدام ~~بلافاتسكي الدينية إلى إعجاب المتعلمين بحكمة كونفشيوس وبوذا. إن هذه ~~المذاهب المستوردة تخرج كلها عن التيار الأساسي للفكر والشعور الغربي، ~~مهما تحول إليها من أفراد في صدق وحماسة. # ومن المحتمل أن يتغير موقف الغرب من هذا الاكتفاء الذاتي الروحاني ~~وأن تنشأ في القرن المقبل أو ما إلى ذلك في الغرب بل وفي العالم كله، ~~ديانة عظمى توفق بين جميع اتجاهات وفلسفة موحدة تنصب فيها حكمة الشرق ~~الطويلة. وربما كان كتاب الأستاذ نورثروب الحديث «التقاء الشرق بالغرب» ~~منبئا بهذا الحدث ودليلا على وقوعه. وقد يتوحد العالم روحانيا ~~فيمسي بالإمكان توحيده ماديا. وقد اتضح ms606 فعلا أن عددا كبيرا من ~~رجال الغرب ونسائه لا بد بطريقة ما أن يتعودوا فهم ثقافات الشعوب غير ~~الغربية، حتى إن كان مثل هذا الفهم لا ينتهي بالتحول التام إلى هذه ~~الثقافات. ولكنا في شك مما يقع في المستقبل البعيد، ومما يحدث في ~~النظرات الكونية الكبرى في القرن الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين، ~~ولا ينبغي أن يبعد عن ذهنه حتى أقوى العالميين عقلا إمكان تحول ~~بقية العالم في الأجيال القليلة القادمة على الأقل إلى الحاجات المادية ~~الغربية، وأن يتغلب فورد، وتكييف الجو، والأفلام الهزلية، على كونفشيوس ~~وبوذا. # خلاصة # ما هي النغمات السائدة، أو الصفات، أو المميزات، التي يمكن أن ~~يقال إنها من خصائص الثقافة الغربية منذ الإغريق القدماء؟ من ~~الواضح أنه لا يوجد شيء ما - عند هذا المستوى العالي من التجريد - ~~يمكن أن يقنع ذلك النوع من العقل الذي يرفض قبول صحة تشبيهنا ~~بألوان الطيف أو بالخط البياني للتوزيع العادي في أي أمر من ~~الأمور، ومن المحتمل أنك تستطيع أن تشير في وقت ما خلال هذه ~~السنوات الثلاثة الآلاف التي مضت إلى رجل غربي واحد على الأقل في ~~كل لون ممكن تقريبا من ألوان الخبرات البشرية، ولكن ليس هناك حتى ~~الاتفاق على استمرار الثقافة الغربية. إن رجلا مثل شبنجلر يعتقد ~~أن ما عالجناه في هذا الكتاب على أنه تيار واحد مستمر هو في الواقع ~~ثلاثة تيارات، لا يتصل أحدها بالآخرين بأية وسيلة من الوسائل - ~~تيار أبولو، أو الإغريقي الروماني، والتيار المجوسي أو العربي، ~~والتيار الفاوستي أو الأوروبي، دام كل منها ألف عام تقريبا. ~~وحتى لو كان من رأيك أن شبنجلر رجل ألماني مبالغ في روحانيته، فلا ~~تنس أن هناك كثيرين، من عشاق العصور الوسطى وكارهيها على السواء، ~~يعتقدون أن ثقافة العصور الوسطى هي النقيض - بالمعنى العام لا ~~بالمعنى الهيجلي - لثقافتنا في العصر الحديث. # ومع ذلك فإنه من الممكن أن نصدر أحكاما عامة معينة كبرى عن الجو ~~الثقافي في الغرب، فيجب أن نذكر أولا أن العلوم الطبيعية لم تزدهر ~~في أية ms607 ثقافة أخرى ازدهارها في ثقافة الغرب. نعم إن كثيرا من ~~الثقافات الأخرى مارسوا تدريجا دراسة العلوم بنجاح عظيم؛ فالعلم ~~في كثير من الوجوه هو أكثر المجهودات البشرية نجاحا في تحطيم حدود ~~الجماعات الخاصة التي تعيش على رقعة معينة من الأرض، أو حدود الدول ~~التي تقوم على أساس قومي، وهي في هذا أكثر نجاحا من التجارة ومن ~~الدين. غير أن العلم في صورته الحديثة يحمل في وضوح طابع الغرب ~~الذي تقدم فيه. وما كان له أن يتقدم إلا في الجو الغربي، جو ~~التوتر بين الواقع والمثالي، بين هذا العالم والعالم الآخر. ذلك أن ~~الاستغراق الكامل للعقل - على الأقل - في عالم آخر ، والإخلاص ~~الكامل للمنطق الباطني، يجعل العلم أمرا مستحيلا. وكذلك الحال في ~~اشتغال العقل الكامل بالدنيا كما هي، والنظر الثاقب في المشكلات ~~الدنيوية المحسوسة، بغير طريقة نظامية، فإن العلم لا يحتاج فقط إلى ~~الاهتمام بالأمور المادية، وإنما هو يحتاج كذلك إلى جهاز عقلي ليضع ~~ترتيب الأمور التي نسميها العلم البالغة في التعقيد. وهو يحتاج - ~~فوق كل شيء - إلى تدريب طويل في استخدام العقل كما أتاحه لنا ~~الإغريق، وإلى فلسفة العصور الوسطى وعلومها الدينية التي يحب ~~الوضعيون المنطقيون أن يحطوا من شأنها في سذاجة تامة. # بيد أن العلوم الطبيعية التي أصررنا عليها لا تمدنا وحدها بنظرة ~~كونية شاملة. إنها تنسجم أو تتفق والنظرات الكونية الغربية ~~الحديثة. وهي لا تنسجم إلى هذا الحد مع النظرات الكونية الأخرى؛ ~~فإن كنت على سبيل المثال متصوفا شرقيا ترى أن الجسم ليس إلا ~~وهما كاملا، فليس من شك في أنك بحاجة إلى أن تغذي هذا الوهم ~~بحد أدنى من الطعام والشراب (وهما أيضا من الأوهام)، ولكنك لا ~~تجعل من نفسك خبيرا في الفسيولوجيا البشرية. غير أنك لا تستطيع مع ~~ذلك أن تظفر من العلم بجواب عن هذا السؤال: هل الجسم البشري وهم ~~الأوهام (وهو سؤال ليس له معنى في التعبير العلمي)، ولن تستطيع أن ~~تظفر حتى بالإجابة عن هذا السؤال: هل من الأفضل أن نعد الجسم ~~البشري ms608 شيئا واقعيا - كما يعده أكثرنا في الغرب - أو أن ~~نعده وهما (وهذا أيضا سؤال لا معنى له في العلم). إن متابعة ~~المعرفة العلمية - في كلمة موجزة - قد تكون «جزءا» من قيمنا ~~الغربية، ولكنها لا يمكن أن «تخلق» قيمنا الغربية. # لنوضح ذلك بمثال محسوس. إن ذلك الفرع من فروع البيولوجيا الذي ~~يدرس الوراثة والتناسل قد يزيد من قدرته على السيطرة على مادته إن ~~سار على السوابق. وقد تقدم بالفعل تقدما كافيا يمكننا من أن ~~نتعلم من الأخصائيين في التناسل كثيرا من الاحتمالات البيولوجية ~~في السلالات وفي توليد الكائنات البشرية كذلك. ومن الممكن كذلك أن ~~نتعلم من العلوم الاجتماعية التي لا تزال في طفولتها، والتي كثيرا ~~ما تنكر عليها مكانة العلوم، شيئا - برغم هذا - عن طريقة إغراء ~~الناس بقبول توصيات عالم البيولوجيا، وشيئا عن أنواع الجماعات ~~الاجتماعية التي يمكن توليدها إذا نشأنا أنواعا معينة من الكائنات ~~البشرية، وشيئا عن كثير غير ذلك من المشكلات المتصلة بالموضوع. ~~والواقع أن كمية الجهل في كل هذه الميادين ضخمة جدا، وبخاصة ~~عندما تلتقي؛ فنحن لا نعرف مثلا ما هي العلاقة بين أشكال الجسم ~~البشري والشخصية الإنسانية. ومع ذلك فلنفرض أننا نعرف - أو نستطيع ~~أن نعرف - ما يكفي لتوليد الكائنات البشرية. # فأي نوع نولد؟ هل نتخصص في مثل هذه الأنواع: الفنانين، ولاعبي ~~كرة القدم، والمديرين، والبائعين، والسلسلة المتدرجة من أصحاب ~~الذكاء من المتقدمين المفكرين إلى المتأخرين أو الطبقات العاملة ~~الوضيعة كما وصفها أولدس هكسلي في «عالم الطريف» المتجهم؟ أم هل ~~نحاول أن نولد الرجل المتكامل الذي يستطيع أن يستخدم يده وعقله في ~~أي أمر من الأمور؟ أم هل نحاول أن نهمل الجسم في التربية - ما دمنا ~~ننظر بعيدا إلى الأمام - أو على الأقل ننزل به إلى الحد الأدنى، ~~كما فعل برناردشو في مسرحيته «عود إلى متوشالح» وبذلك نعود إلى ~~الأفلاطونيين ونناقض أنفسنا؟ إن العلم لا يستطيع الإجابة عن هذه ~~الأسئلة. والعقل البشري - على الأقل بالمعنى البسيط القديم، أعني ~~العقل المنطقي المفكر - لا يجيب في الواقع عن هذه ms609 الأسئلة وإنما ~~يجاب عنها بما نسميه بالإرادة البشرية، وما برحت أفضل تسمية، أو ~~بقوة الشخصية كلها. ويجاب عنها في الواقع - في الديمقراطية - بما ~~لا ضرر من تسميته بالإرادة العامة، بنوع من أنواع الملاءمة العامة ~~بين الجماعات المتنافسة في غير تباغض، الجماعات التي تسعى إلى ~~غايات متنوعة، وإن لم تكن مختلفة تمام الاختلاف. والقادة، أو ~~الأرستقراطية، أو الصفوة، أو الطبقات الحاكمة في تقاليد الغرب تفعل ~~الكثير لتشكيل هذه الغايات، ولحث الجماهير على قبولها. ولكنهم لا ~~يصنعون هذه الغايات، أو الأهداف، أو القيم، بكاملها - لا يصنعونها ~~على الأقل في النظرة الغربية التقليدية. # ذلك لأن أول حكم من الأحكام العامة التي نستطيع أن نصدرها فيما ~~يتعلق بالفكر الغربي اللاتراكمي هو أن هذا الفكر ينم منذ الإغريق ~~والمسيحيين في العصور الوسطى حتى المستنيرين بالأمس واليوم عن ~~عقيدة بأن إحساس الناس بالقيم إن هو إلا نوع من الإدراك الغامض ~~لتنظيم العالم، وهو تنظيم قد لا يظهر لغير المفكرين، وقد لا يمكن ~~إثباته بالوسائل العلمية، ولا يتضح كله لأفضل الناس وأحكمهم، ولكنه ~~«تنظيم» على كل حال، وليس حالة من حالات الفوضى. وإن أوضح إشارة ~~عامة - خلال القرون الماضية - إلى هذا الإحساس هي وجود اصطلاح ~~«القانون الطبيعي»، وهو تعبير من المؤكد أنه لم يعن نفس الشيء ~~تماما بالنسبة إلى الرواقي، أو المدرسي، أو فيلسوف القرن الثامن ~~عشر، ولكنه كان يعني لثلاثتهم ~~جميعا إيمانا بالوجود الفعلي للأشياء التي يعقدون عليها الأمل. ~~ونستطيع بعبارة أخرى أن نقول إن فكرة «القانون الطبيعي» في حد ~~ذاتها تعني أن المؤمنين بها يعتقدون أن الفجوة بين الواقعي ~~والمثالي، بين ما لدينا وما نريد، ليست هوة، وليست في الواقع فجوة ~~«وإنما هي علاقة». وفي «الرسالة إلى العبريين» تلخيص لهذا الرأي في ~~هذه العبارة: «ليس لدينا هنا مدينة دائمة، ولكنا نبحث عنها في ~~المستقبل.» # والحكم الثاني، هو أن هناك ~~- طوال تاريخ الفكر في الغرب . شعورا بما يسمى عادة ب «كرامة ~~الإنسان». وقد تنوع المجال - أو المجموعة البشرية - التي تنطبق ~~عليها الفكرة الأساسية التي تقول بأن ms610 الناس لا ينبغي أن يعاملوا ~~كأشياء أو حيوانات؛ فكانت هذه المجموعة عند الإغريق الأوائل محصورة ~~من بعض النواحي في المنتمين إلى القومية الهلينية. وكذلك كانت ~~محصورة بمثل هذا الوضوح في المنتمين إلى العبريين الأوائل، ثم مد ~~الرواقيون الإغريق والأنبياء العبريون هذه الفكرة إلى الجنس البشري ~~بأسره. والناس جميعا في نظر المسيحي سواسية من حيث امتلاك الروح ~~الخالدة. وكذلك كانت مبادئ «الحرية والإخاء والمساواة» الديمقراطية ~~الأساسية - مرة أخرى - جزءا من المدينة السماوية كما تخيلها القرن ~~الثامن عشر. وهذه الفكرة هي في نظرتنا الكونية الحديثة الانعكاس ~~المباشر، والخلف المباشر للفكرة المسيحية عن المساواة بين الأرواح ~~أمام الله. ونستطيع هنا أن نذكر على هامش الكلام أن التقاليد ~~الغربية الرئيسية قد فصلت فصلا تاما بين الإنسان وبقية الطبيعة، ~~التي تأبى أن تعزو إليها المكانة الخاصة التي يكتسبها الإنسان من ~~مساهمته في النضال الخلقي. والحيوانات في نظر أهل الغرب لا روح ~~لها. وليس مذهب وحدة الكون وتأليهه، أو مذهب تناسخ الأرواح، من ~~المبادئ المسيحية العادية. والواقع أن الهندي الذي يرى فينا خشونة ~~شديدة يحسب أننا لا نبالي بمشاعر زملائنا من الحيوان. # وهناك من ناحية ثالثة استمرار عجيب في الأفكار الغربية بشأن ~~الحياة الطيبة في هذه الدنيا. ولا مناص لنا - مرة أخرى - من العودة ~~إلى التشبيه بألوان الطيف. ويتوسط هذه الألوان أسلوب الحياة الذي ~~كان المثل الأعلى في ثقافة الإغريق الأرستقراطية - فكرة عدم ~~المغالاة، أو الوسط الذهبي. ولا يقبل هذا القول أولئك الذين ~~يعتقدون أن الفكرة المسيحية الرئيسية - التي تحققت عمليا في ~~القرن الثالث عشر - هي فكرة التزهد، والتطلع إلى العالم الآخر، وهي ~~فكرة يعجز عنها التعبير. ولا يقبل هذا القول كذلك أولئك الذين يرون ~~أن الاتجاه الرئيسي في الثقافة الغربية هو نوع من أنواع الاندفاع ~~الجنوني نحو المرتفعات، أيا كانت هذه المرتفعات. وما دمنا في ~~الواقع نستطيع أن نقول إن الاتجاه الرابع العام في الثقافة الغربية ~~يبين - مع استثناء فترة العصور المظلمة - تنوعا مذهلا في ~~الآراء والمسالك، خلقية كانت أو جمالية، وما دام المجتمع الغربي ms611 - ~~حتى في أشد حالات استقراره - قلما اقترب من النموذج الإسبرطي الذي ~~يسير على أسس التوحيد والنظام، ما دام الأمر كذلك فإن من الجلي ~~الواضح أن أسلوب التزهد في الحياة والأسلوب الجنوني (هل أقول ~~الفاوستي؟) كلاهما قائم في تقاليدنا. ولكن الوسط الذهبي الذي قال ~~به الإغريق القدامى لا يزال - برغم ذلك قائما - كحل من الحلول ~~التي تتردد حينا بعد حين للتوتر المعقد بين جهاد الغرب نحو ~~المثل الأعلى، والكمال الذي لا يتحقق، ومتعة أهل الغرب واهتمامهم ~~بالعالم القريب. ويظهر هذا الحل أحيانا - كما ظهر عند أكويناس، أو ~~شوسر، أو حتى جون مل، في أشكال ربما كان من المتعذر على بركليز أن ~~يتعرفها. ومن المشكلات الحديثة الحادة هذه المشكلة: إلى أي حد ~~تستطيع الجماهير في المجتمع أن تقترب من هذا الناموس الأخلاقي ~~الأرستقراطي. إن العقيدة الأساسية لفلاسفة القرن الثامن عشر الذين ~~صاغوا الفكرة الديمقراطية هي أن الرجل العادي يستطيع أن يحقق هذه ~~الصورة من الحياة الطيبة بعد ما أمكن تيسير الأساس المادي للجميع، ~~وهو الأساس الذي كانت تعوزه الجماهير الإغريقية. # ولا نستطيع أن نجاوز باطمئنان هذه الأحكام العامة التي تخيب ~~رجاء المتضلعين في فلسفة التاريخ، وليس بوسعنا أن نزعم إمكان ~~الإجابة عن هذه المشكلة التي تحير الألباب، وهي: لماذا كان ~~مجتمعنا الغربي «أنجح» المجتمعات حتى الآن في التاريخ البشري - على ~~الأقل بمعيارنا الذي ليس ذاتيا كله الذي نقيس به البقاء في حركة ~~التطور. إن الإجابة عن هذا السؤال تنحصر في أمور متعددة لا نستطيع ~~أن نفصل أحدها عن الآخر، ولا نستطيع كذلك أن نجمعها فيما يشبه أن ~~يكون صيغة عامة. وربما لم تكن هناك حتى الجذور العميقة، أو العوامل ~~الفاصلة من ذلك النوع الذي يحدده الماركسيون في وسائل الإنتاج. ~~والماركسي بطبيعة الحال لا يقدم لنا صورة مقنعة حقا عن السبب ~~الذي من أجله اختلف تطور الحياة الاقتصادية في الغرب من بساطة ~~الكوخ إلى تعقيد الحياة الصناعية الحديثة عن تطور وسائل الإنتاج في ~~كل مكان آخر فوق الكرة الأرضية. إن جيلنا لا يثق ms612 بالتفسير البيئي ~~البسيط، كذلك التفسير المستحب الذي يقول بأن التربة والمناخ في شبه ~~الجزيرة الأوروبية الصغيرة التي تمتد من كتلة الأرض الآسيوية ~~الشاسعة كانا صالحين بصفة خاصة لأي نوع من أنواع المزايا التي تشتد ~~الحاجة إليها - فيما يظهر - لتفسير نجاح المجتمع الغربي - كالنشاط، ~~والقدرة على الابتكار، والخيال، وحب المنافسة، وما إلى ذلك. ~~وأكثرنا لا يثق في أنواع التفسير الساذجة - أو حتى المركبة - التي ~~تعزو استعلاء فطريا لجماعات معينة أو أجناس بشرية معينة، من ~~إهداء الله أو من أثر التطور. وليس بوسعنا أن نعتقد أن هناك في ~~الواقع أي نوع من أنواع «الأجناس البشرية الطارئة»، كالجنس الآري، ~~أو النوردي، أو القوقازي ، أو غير ذلك، عنده استعداد بيولوجي موروث ~~يختلف اختلافا كافيا عن أي جنس من الأجناس غير الغربية، مما يمكن ~~أن نعلل به النجاح الحديث الذي أصبناه في المنافسة بيننا وبين ~~المجتمعات الأخرى. وأكثرنا لا يثق كذلك بأي نوع من أنواع التفسير ~~المثالي، أي نوع من أنواع التفسير الذي يعزو إلى «عقل» الرجل ~~الغربي الشكل الذي اتخذته ثقافتنا. والواقع أن كثيرا من القراء ~~ربما نبذوا الفكرة العقلية المعتدلة التي قدمناها في هذا الكتاب، ~~والتي تقول بأن نمو المعرفة التراكمية (وهي بالتأكيد المعرفة التي ~~اكتسب أهل الغرب عن طريقها الأسلحة التي هزموا بها بقية العالم، ~~والوفرة المادية التي أخضعوهم بها) إنما يرجع إلى ذلك التوازن ~~المقبول الذي استطاعت أن تحتفظ به نظمنا الكونية الكبرى بين هذا ~~العالم (عالم التجربة) والعالم الآخر (عالم المنطق والتخطيط، وروح ~~النظام). # ومع ذلك فإن كل هذه التفسيرات، التي نلفظها بحق حينما ندعي أنها ~~التفسيرات الوحيدة دون سواها، ربما كانت عناصر في ذلك المركب غير ~~المستقر الذي نسميه الثقافة الغربية. فإن أنت استبعدت أحدها، وأي ~~عنصر من العناصر الكثيرة الأخرى التي لم تتعرض لها بالتحليل، ما ~~استطعت تصوير الثقافة الغربية التي نعرفها. إنك إن استبعدت الفحم ~~والحديد من غربي أوروبا، لما قامت بطبيعة الحال الثورة الصناعية ~~كما نعرفها. وإن أنت استبعدت القديس بولس والقديس أوغسطين، وكالفن ~~وكارل ماركس، ms613 لما تكونت نظرتنا الغربية إلى الحياة. # أسباب القلق في العصر الحاضر # عند الاستعراض العام لتاريخ الفكر في الغرب نستطيع أن نرى أن ~~كثيرا من المشكلات التي قد تبدو عند أصحاب النفوس الثائرة منا ~~جديدة، تتطلب منا إيجاد الحل وتحتمه، ليست في الواقع إلا مشكلات ~~قديمة جدا استطاع الرجال والنساء في الثقافة الغربية أن يعيشوا ~~بعدها دون أن يجدوا حلا لها. وأخص بالذكر الفلاسفة الذين يتعرضون ~~لمصير الإنسان، الذين يعتقدون أن الرجال الغربيين في العصر الحديث ~~لا بد أن يتفقوا في «المشكلات الكبرى»، وأنه لا بد لنا من الفرار ~~من حالة تعدد المذاهب الحالية إلى عصر إيمان جديد - هؤلاء ~~الفلاسفة يجدون وراءهم آلافا عديدة من سنوات التاريخ الغربي اختلف ~~فيها الناس في هذه الموضوعات الأساسية. ولكنا إذا تجاوزنا مشكلة ~~الاختلاف هذه فيما يتعلق بالمشكلات الكبرى وجدنا أمامنا مشكلة ~~كونية معينة، وهي من مشكلات العصر الحديث المحسوسة: هل نستطيع أن ~~نستمر على الاعتقاد حتى في أفكار التقدم كما عدلت في القرن ~~الثامن عشر، والأفكار التي ترى أن بإمكاننا أن نسد على الفور ~~تلك الهوة التي تفصل بين «ما هو كائن» و«ما ينبغي أن يكون»، وهي ~~هوة نرى كمؤرخين أن الإنسان الغربي لم يقترب قط من سدها، ولكنه ~~لم ييأس قط منذ أمد بعيد حتى الآن من سدها؟ # إن الاحتمال بأن الأجيال المقبلة لن تشهد تحولا في النظرة ~~الكونية الغربية، وأننا سوف نستمر إجمالا على قبول الإجابات عن ~~«المشكلات الكبرى» التي نقبلها اليوم، بكل ما فيها من تنوع ~~يحير الألباب وتناقض متبادل - إن هذا الاحتمال قائم دائما. ~~واستمرار هذه الحالات العقلية القائمة ممكن بطبيعة الحال، بل ~~ومحتمل عند أصحاب أمزجة معينة. ونحن بالتأكيد لا نعرف بالفحص الطبي ~~مقدار التنوع - في الاتجاهات إزاء المشكلات الأساسية في القيم ~~والسلوك الذي يحتمله المجتمع. ومع ذلك فيبدو من غير المحتمل أن ~~أولئك المتنبئين الذين لا يفتئون يتحدثون عن الأزمات، واختلاف ~~الآراء، وقصر ما تبقى من الزمن على خطأ «تماما»؛ إذ لا مناص ~~لنا من مزيد من التطوير ms614 للتركة التي ورثناها عن حركة التنوير. ذلك ~~لأن الفجوة بين مثلنا وسلوكنا، بين العالم الذي نظنه ممتعا - ~~العالم الضروري الذي يكون في الواقع أساس الخلق القويم - والعالم ~~الذي لا بد لنا من العيش فيه، هذه الفجوة بقيت منذ حركة التنوير ~~فجوة ذات صفة نفسية مختلفة جدا عن الفجوة التي عرفها المسيحيون ~~التقليديون وأحسوها. # إن الفجوة بين ما ينبغي أن يكون وبين ما هو كائن ربما كانت قائمة ~~في عقول الناس جميعا، أو هي بالتأكيد قائمة في عقول الناس ~~المتمدنين جميعا. غير أن عامة الناس وقادتهم «لا ينبغي أن يكونوا ~~دائما على وعى بهذه الفجوة يزعج خواطرهم». ويجب في أكثر الأحيان ~~أن يقنعوا أنفسهم بطريقة ما أن الفجوة لا وجود لها - وإن كان ~~المشاهد من الخارج قد يرى أن في موقفهم نفاقا؛ فهناك وسائل عدة ~~لسد هذه الفجوة. هناك شعائر وطقوس في حياة الفرد الخاصة، وهناك ~~إيمان بالانتماء إلى مجموعة من الصفوة الممتازة، وهناك خضوع صوفي ~~لإرادة أسمى - وكل ذلك يعاون على سد الفجوة. أما أولئك الذين ~~ينظرون إلى الإنسانية جملة واحدة، فالسبيل إليهم - أشق أمام المصلح ~~المتفائل الذي يرمي إلى سد الفجوة - بقانون واحد نهائي وبموعظة ~~واحدة أخيرة. وهناك أيضا النظرة المسيحية إلى هذه الفجوة - وهي ~~أنها لا يمكن أن تسد هنا فوق هذه الأرض، ولكن أولئك الذين يعملون ~~بإخلاص وعدالة وحرص لسدها في هذه الدنيا سوف يجدونها مسدودة تماما ~~في الجنة، كما سوف يجدها مسدودة تماما في الجحيم أولئك الذين لا ~~يعملون بهذا الإخلاص وذلك الحرص وتلك العدالة. # ولكن الفجوة - بالنسبة إلى الكثيرين من ورثة حركة التنوير - ~~لا تزال قائمة بصورة مؤلمة، فاغرة فاها كما كانت في أي عهد سبق. ~~وفكرتهم عما يقع على الجانب الآخر، الجانب المثالي من الفجوة - ~~أعني السلام، والوفرة، والسعادة بكل مستوياتها من راحة الكسل ~~والخمول إلى وثبات القلب - ثابتة لا تتغير. إنهم يعتقدون أننا نحن ~~بني الإنسان ينبغي أن نحصل على ما نريد، وأننا لا نستطيع أن نفلح ~~في سد الفجوة التي تفصل بين ms615 ما نريد وما نملك بالألفاظ، والطقوس، ~~أو بأي وهم آخر نواسي به أنفسنا. ومن أجل هذا ولأسباب أخرى فإن ~~التوفيق الفكتوري - من وجهة النظر التاريخية الطبيعية - لم يثبت، ~~كما رفضت الطبقات الدنيا أن تبقى خامدة، ودعت الاشتراكية إلى ~~الحاجة إلى الديمقراطية الاقتصادية، لا مجرد المساواة الروحانية. ~~إن الطقوس - مهما تكن - الاقتصادية، لا مجرد المساواة الروحانية. ~~إن الطقوس - مهما تكن - لا يمكن أن تشبع رغبة الفقير في أن يصبح ~~أغنى من الناحية المادية. إن المثل المادية في القرن الثامن عشر ~~تخدع ببساطتها. ولشدة بساطتها ولشدة ماديتها شق علينا أن نزعم ~~أننا حققناها، في حين أننا لم نحققها. # وقد يمكن اليوم أن نخفف من عمق الفجوة بين الواقعي والمثالي ~~برد المثالي شوطا بعيدا إلى الوراء نحو الواقعي، وبوضع أهداف ~~صغيرة متواضعة في كل ناحية من النواحي؛ فلا نقول بمنع الخمر، وإنما ~~نقول بالإقلال من تعاطي الكحول بالدرجة التي تؤدي إلى ارتكاب ~~الجرائم. ولا نقول بالحياة الجنسية الكاملة في هذه الدنيا، وإنما ~~نقول بالإقلال من حالات الطلاق. ولا نقول باستبعاد «تقليد ~~الأوبرات» وإنما نقول بزيادة الاتزان في برامج الراديو، ولا نقول ~~بالضمان الاقتصادي الكامل، وإنما نقول بتخفيف الأزمات القاتلة ~~بتخفيف انتشار البطالة. ولا ندعو إلى حكومة عالمية تكفل السلام إلى ~~الأبد، وإنما ندعو إلى «هيئة للأمم» تعيننا على منع نشوب الحرب، ~~وعلى التخفيف من ضراوتها إن هي اشتعلت. ونستطيع أن نسترسل في ~~الأمثلة إلى ما لا نهاية. إن الواقعي المعتدل يطالب بأن تتخلى ~~الديمقراطية عن شيء من تفاؤل القرن الثامن عشر بالخير الطبيعي ~~والتعقل الطبيعي عند الإنسان، وبالأثر الساحر للبيئة الاجتماعية ~~والسياسية التي تتغير باطراد (في ~~قوانينها، ودساتيرها، ومعاهداتها، ونظمها وبرامجها التعليمية ~~الجديدة)، وباقتراب حلول العهد السعيد. إنه يطالب بأن تقبل ~~الديمقراطية شيئا من تشاؤم المسيحية التقليدية كما يتجسد في مبدأ ~~الخطيئة الأولى، وشيئا من الإحساس المؤلم بالحدود البشرية الذي ~~أوحى بالآداب العظمى، وشيئا من الشكوك حول قدرة الناس عامة على ~~التفكير المستقيم كما بين لنا علم النفس الحديث، وشيئا من الوعي ~~العملي، ms616 وعي الإدراك العام، باستحالة الكمال الذي يشعر به أكثر ~~المشتغلين في ميادين النشاط التي يعمل المرء فيها تحت عبء ~~المسئولية. # إن الديمقراطيين الغربيين قد يستطيعون أن يزيلوا عن كواهلهم عبء ~~التفاؤل الباهظ بالكمال البشري الذي ورثوه عن حركة التنوير، وأن ~~يكيفوا مثلهم على هذا العالم الخشن. وكثيرون منهم يتزايد وعيهم ~~بضرورة القيام بعمل ما لسد الفجوة بين الأمل والعمل، وهي الفجوة ~~التي فتحتها السنون في الديمقراطيات الغربية. إنهم لا يستطيعون أن ~~يسيروا مع المثاليين الذين يخدعون أنفسهم والذين قد يحسبون أن ~~كل ما يلزم هو تأكيد الأمل بثبات أشد من ذي قبل. وذلك لأنهم قد ~~بدءوا يلمسون شيئا من المرارة التي تؤكد لهم أن المثاليين أنفسهم ~~يستطيعون أن يتلفتوا حواليهم. وإنك لتجد الفكرة التي تقول بأن ~~الديمقراطية راغبة في مجابهة حقائق الحياة مصوغة في عبارة قوية في ~~كتاب «المركز الحيوي» الذي وضعه مستر أ. م. شلزنجر الصغير. ولا ~~يستبعد بتاتا أن تفوز وجهة النظر هذه فوزا حقيقيا في السنوات ~~القلائل المقبلة في الغرب. # ولكن هل مثل هذه الديمقراطية المتشائمة محتملة أو ممكنة؛ أعني ~~الديمقراطية التي ترفض رفضا باتا أن تعد بالجنة على الأرض، ~~ولا تعود في الوقت عينه إلى الجنة الأولى في العالم الآخر؟ لقد ~~أكدنا في أكثر من موضع من هذا الكتاب عنصرا قويا جدا في ~~النظرة الكونية الديمقراطية، وهو إنكار ما فوق الطبيعي، إنكار ~~الحياة الأخرى. وفي الحق أنا قد رأينا أن جانبا كبيرا من النظرة ~~الكونية الديمقراطية قد اتجه نحو الاتفاق مع المسيحية التي ترود ~~الكنيسة رسميا على صورة من الصور. ولكنا لاحظنا أيضا أن جانبا ~~يسيرا جدا مما هو مقدس، وأن المعجز وما وراء الطبيعة، لم يجد له ~~مكانا في الإيمان الرسمي بالعقل، وبخاصة فيما بين الجماعات ~~البروتستانتية المتحررة. وأخيرا لا يفوتني أن أقول إنه ما برح في ~~جميع الديمقراطيات الغربية ملايين البشر ممن يتراوحون بين الوضعية ~~العنيفة ومعاداة رجال الدين، واللامبالين الدنيويين تماما، ملايين ~~ليسوا مسيحيين في بساطة. فهل يستطيع هؤلاء الناس أن يجدوا المصادر ms617 ~~الروحية المطلوبة لمواجهة المشقات، وخيبة الآمال، والنضال، والبؤس؛ ~~وكل الشرور التي لقنوا الإيمان بزوالها من الحياة الإنسانية بعد ~~قليل؟ وبالرغم من بقاء كثير من الجماعات المسيحية - خلال القرون ~~الثلاثة الماضية - التي تمسكت بروح ونص العقيدة التقليدية، إلا أنه ~~قد نشأت كذلك جماعات معينة ذات عقائد جديدة تحل محل العقيدة ~~المسيحية التي فقدها الكثيرون، أو التي تحولت إلى مذهب عقلي متفائل ~~يشبه المسيحية وليس بها. وهذه العقائد الجديدة هي الديمقراطية، ~~والقومية، والاشتراكية، والفاشستية، وما تفرع عنها من مذاهب ~~وطوائف متنوعة عديدة. وأكثر هذه العقائد الجديدة تشترك في الاعتقاد ~~بإمكان الكمال للناس في هذه الدنيا وشيكا - بشرط اتخاذ الإجراء ~~السليم. وأكثرها ينكر وجود كائن فوق الطبيعي بوسعه أن يتدخل في ~~شئون هذه الدنيا، وإن يكن كثير منها يحتفظ فعلا بفكرة وجود نوع من ~~أنواع المبادئ المرشدة أو الخير الهادي؛ نوع من الإله غير الشخصي. ~~وكلها يؤمن بأن العالم يمكن أن يتحول إلى مكان يطمئن المرء إلى ~~العيش فيه. ويكمن وراءها جميعا الاتجاه العام أو النظرة الكونية ~~التي شاعت في القرن الثامن عشر، التي ربما اتخذت أحسن صورة تمثلها ~~في نوع نظام القيم المتحرر، الديمقراطي، الذي تلمسه عند جون مل. ~~بيد أن الشكل النظامي الواقعي، وأعني به ما يشبه الكنيسة لهذا ~~الإيمان الجديد، هو الحكومة القومية التي ترتبط برقعة معينة من ~~الأرض، حتى لقد اتحدت الديمقراطية والقومية على صورة معقدة متغيرة. ~~والاشتراكية في أصلها تطور منحرف للتفكير الديمقراطي القديم - أو ~~إن شئت فقل إنها تعميق للأهداف الديمقراطية - وقد ربطت هي أيضا ~~نفسها - حيثما نجحت - بالحكومة القومية وبالوطنية. # إنني قد عبرت عمدا عن هذه العقائد غير الشخصية - هذه ~~الديانات اللاإلهية التي تتخذ من الأفكار المجردة كالفضيلة، أو ~~الحرية، أو من جماعات كالجماعة القومية الخاصة أوثانا - بالنائبة ~~عن غيرها بكل مدلول هذا اللفظ عن شيء تركيبي غير «بديل» يكفي ~~تماما لأن يحل محل شيء آخر. وعجز هذه العقائد غير الشخصية إذا ~~قورنت بالمسيحية يتبين بصفة خاصة فيما يتصل بمشكلات الفرد الذي ~~يلاقي المتاعب. وهذه العقائد ms618 غير الشخصية ضعيفة في علاجها للأرواح. ~~ومن الحق أنها في مراحل كفاحها ونضالها الحماسي - كالاشتراكية ~~قبلما تظفر بالحكم مثلا - قادرة على استغلال الحماسة الروحية بكل ~~قوتها عند كثير من المؤمنين، وأن تمدهم بإحساس بالانتماء إلى ~~شيء عظيم حقا، وأن تذيب أنانيتهم التافهة في نوع من الاستسلام ~~العاطفي. غير أن هذه العقائد غير الشخصية بعد استقرارها، وبعدما ~~تجابه هذا العالم الرتيب لا تملك إلا القليل الذي تقدمه للتعساء، ~~غير المنسجمين في هذه الدنيا، والمكابدين المتألمين. # وربما كانت القومية أقوى هذه العقائد. إنها تحض الضعفاء ~~والعاجزين بعضويتهم في الكل العظيم، وبإسهامهم في «التقدير الذاتي ~~المشترك» الذي تضفيه عليهم الوطنية، وقد استطاعت في أوقات الأزمات ~~أن تعتمد على صبر الناس وعلى شجاعتهم على السواء، ولكنها لا ~~تحل محل الإله الذي يواسي. وقد كانت ماريان، رمز الجمهورية ~~الفرنسية، شخصية بطولية تخترق المتاريس. غير أنه من العسير أن ~~يصلي المرء لماريان - كما صلى لمريم العذراء. ويبدو أن قدرة ~~الاشتراكية على المواساة أقل حتى من ذلك. وليس من شك في أنه مما ~~يشجع الماركسي المخلص للمذهب أن يعلم أن المادية الجدلية تجاهد في ~~السعي إلى تحسين الأوضاع بالنسبة إلى المظلومين. غير أن التعساء ~~حقا بحاجة إلى شيء أكثر إنسانية، شيء أشد وعيا «بهم»، لا ~~باعتبارهم فريسة مؤقتة لطريقة الإنتاج، ولكن باعتبارهم كائنات ~~بشرية هامة، فذة، سيدة على نفسها، تستحق من الله أو من وكلائه ~~الرعاية المباشرة. # ثم إن هناك ضعفا نفسانيا آخر في هذه العقائد الجديدة التي ~~أريد بها أن تحل محل العقائد الدينية القديمة؛ ذلك أن العقائد ~~الدنيوية الجديدة يشق عليها أن تسمح بالتوبة والندم؛ ففي المحاكمات ~~العديدة للخيانة (أو المذاهب المنحرفة) التي أجريت في روسيا ~~السوفيتية، لم يمكن البتة العفو عن المتهمين وإعادتهم إلى حظيرة ~~المخلصين، وذلك بالرغم من أنهم كثيرا ما انهارت أعصابهم واعترفوا ~~بأخطائهم اعترافا كاملا. والظاهر أن الولايات المتحدة تميل في ~~هذه الأيام إلى الاعتقاد بأن «الشيوعي إذا تشيع يظل شيوعيا إلى ~~الأبد»، وبخاصة في حالة الإنجليز وغيرهم من الأوروبيين الغربيين. ms619 ~~ولا تزال وزارة الخارجية الأمريكية فيما يظهر ترى أن الرجل الفرنسي ~~المثقف، الذي يقر بأنه التحق بالحزب الشيوعي في الأيام المظلمة في ~~الثلاثينيات من هذا القرن ولكنه أعلن توبته منذ ذلك الحين، ما فتئ ~~شيوعيا. غير أن الظاهرة واضحة في أية دراسة للحركات الاجتماعية ~~والسياسية الحديثة؛ ففي الثورة الفرنسية العظمى - مثلا - كان من ~~العسير، بل من المستحيل، للرجل الذي يعطي صوته بصراحة ~~ل «المعتدلين» في عام 1790م أن يبرئ نفسه في عام 1793م أمام ~~المتطرفين الظافرين في ذلك الحين، باعترافه بخطئه، وبإعلانه أنه ~~تاب ورأى النور الجديد، وكان ينتهي عادة بالمقصلة؛ إذ إنه من ~~المتعذر أن يتوب المرء توبة مقبولة في هذه الديانات ~~اللاشخصية. # ومع ذلك فإن العفو عن المذنب التائب كان إحدى نواحي القوة في ~~المسيحية. وإحدى الوسائل التي خففت بها القيادة المسيحية الرشيدة ~~آلام الجو على الإنسان العادي، وربما كان الموقف الصارم إزاء الندم ~~الذي تظهره العقائد الجديدة اللاشخصية مرتبطا بالمثل الأعلى ~~المجرد الكامل - وهو مثل ينفصل عن الواقع انفصالا غير صحيح - ~~المثل الذي يراه أصحاب هذه العقائد في السلوك البشري في العالم ~~الأمثل الذي خلقوا لتحقيقه في هذه الدنيا، فإن أولئك الذين ~~يتمسكون بهذه المثل يرغبون في حماسة أن يبلغ الإنسان من الكمال ~~حدا لا يجعلهم يتسامحون معه في أية بادرة من بوادر النقص مهما ~~تكن طفيفة. إن الرجل الذي يتمسك بمثل أعلى يتحقق في هذه الدنيا ~~يشق عليه أن يتجنب محاولة استبعاد أولئك الذين لا يسلكون طبقا ~~لمثله. وليس من شك في أن الديمقراطيات الناضجة، كالديمقراطية ~~الإنجليزية، أقل تشددا من الشيوعيين، وأقوى إرادة في التسامح في ~~الضعف البشري. غير أن هذه الديمقراطيات برغم ذلك لا تقدم - فيما ~~يظهر - لقادتها فرصة للتوفيق المثمر - الذي لا يخجل البتة صاحبه - ~~الذي يهيئه اشتراط المسيحية العفو عن التائب النادم (لأني أرى أن ~~العفو شرط من شروط المسيحية اللازمة). كما أن هذه الديمقراطيات لا ~~تمد من يخلص لها بالطمأنينة الروحية، والنظام المرن، كما يفعل ~~مبدأ المسيحية الذي يؤمن بالذنب والعفو عنه. ms620 # وأخيرا أقول إن هذه العقائد المجردة خطر جسيم على الرجل المثقف ~~الحديث، ما دامت تيسر له أن يفترض معرفته بما في هذا العالم من ~~خلل، وطريقة تصميمه، بل إن هذه العقائد تضفي على هذا الافتراض صفة ~~النبل والشرف. إن هذه العقائد تشجع على فصل المثالي عن الواقعي - ~~كما ذكرنا - لأنها تبالغ في تبسيط الطبيعة البشرية. غير أن الرجل ~~المثقف الحديث - الذي انفصل بالفعل عن جمهرة إخوانه بصدع لم يضق ~~بالتأكيد منذ اتخذ شكله الحديث في بداية القرن التاسع عشر - بحاجة ~~إلى أن يرد إلى الدراسة القريبة الواقعية لكل ألوان السلوك ~~البشري بحيث لا يسمح له بالتمادي في آرائه «عما ينبغي أن يكون» مع ~~شعوره بالاستياء الشديد. والواقع أن هذه الآراء حتى بعد أن تتخذ ~~شكلا واقعيا، فتقبل «الأمور كما هي» قبولا لا مرية فيه، صورة ~~واضحة جد الوضوح من تلك «المثالية المقلوبة» التي لمسها بعض ~~الكتاب من قبل في مكيافيلي. إن الاتزان، أو تخفيف التوتر القائم ~~بين المثالي والواقعي تخفيفا سليما هو لب الموضوع. ومن المؤكد أن ~~هذا التوازن يمكن أن يساق - كما ساقه كثير من المفكرين المحدثين ~~من أمثال باريتو - بعيدا جدا عن المثالية. غير أن الانحياز إلى ~~جانب المثالي - في هذه اللحظة من لحظات التاريخ - وأقصد المثالي ~~المغالي في تبسيطه - خطر جسيم تقابله فجاجة عقائدنا الجديدة التي ~~نريد أن نحلها محل الدين وبساطتها. إن رجل الفكر يمكن أن ~~يستسلم ببساطة للتفكير. وإذا رجعنا إلى الماضي وجدنا أن هذا ~~الاندفاع الحماسي نحو المثالي في رجل مثل كارليل - على سبيل ~~المثال - هو ما يعرضه لتهمة التبشير بالفاشستية، وهي تهمة لولا ذلك ~~لكانت باطلة. إن كارليل - كنيتشه - كان قطعا لا يرضى عن النازية ~~التي تريق الدماء، ولكنه ألقى في غير مبالاة على الإطلاق بكثير من ~~الأفكار الدقيقة غير الكريمة التي أثبت الكثير منها فيما بعد أنه ~~أفكار نازية فعالة. # وموجز القول إذن أن هذه العقائد الجديدة لا تتصف بالغزارة ~~وبالعمق في إدراك ماهية الكائنات البشرية على حقيقتها، كما اتصفت ~~الديانات القديمة. ms621 وهي من أجل ذلك أقل قدرة من الديانات القديمة في ~~معالجة مشكلة العلاقات الإنسانية في وقت الأزمات. نعم إن ~~الديمقراطية والاشتراكية قد أفلحتا نسبيا حتى الآن، بمعنى ما، ~~في عالم أكثر الاتجاهات المادية ترتفع فيه ارتفاعا حقيقيا في ~~خط بياني يصعد باطراد. ولم يقابلهما بعد من جانب العدد العديد ~~من البائسين من الرجال والنساء الذين لا يرون فيهما - حتى عن بعد ~~- جنة الله على الأرض، صيحات ~~التهديد الطبيعية التي تنادي قائلة: «حققوا لنا الأماني أو ~~كفوا عن الكلام.» وربما لا تقابلهما هذه الصيحات، وربما اتخذت ~~الكتلة الجماهيرية في الغرب الموقف الذي لم يقفه حتى الآن سوى ~~الخاصة من الناس كالرواقيين، فيرون أن دنيانا هذه دنيا مشقة، لا ~~يسعد فيها إنسان، وعلى كل فرد فيها أن يجابه متاعبه، دنيا ليس فيها ~~قبل الموت جزاء. غير أن هذا أمر بعيد الاحتمال؛ فإن الكتلة البشرية ~~- حتى في الغرب - لم يكن بوسعها قط أن تنظر هذه النظرة الحزينة ~~دون الاستعانة بديانة شخصية، ديانة كانت حتى اليوم تتجاوز الوجود، ~~وتحلق فوق الطبيعة، وتتطلع إلى عالم آخر. ومن ثم فإن ~~الديمقراطية إذا لم ترتد بكل قلبها إلى المسيحية (وهناك اليوم ~~الكثيرون ممن يريدون لها هذا الارتداد) لا مناص لها - بشكل ما - ~~من الاتجاه نحو علاج الأرواح. # وثمة صعوبة أخرى - وهي صعوبة أمعن في معقوليتها - تقف عقبة في ~~سبيل نوع من أنواع الديمقراطية الواقعية المتشائمة التي لا تؤمن ~~بما فوق الطبيعي. ذلك أن هذه الديمقراطية يتحتم عليها أن تبسط فوق ~~كل نوع من أنواع نشاطنا الميل إلى المحاولة، والرغبة في التجريب، ~~والصبر، وقبول الأناة، والاعتراف بحدود الجهود البشرية التي تفرضها ~~هاتان اللفظتان: «المستحيل» و«ما لا يحل» مما يتميز به عمل العالم ~~كعالم، ومما نحققه جميعا - ولو إلى حد - في الواجبات المعينة التي ~~لا بد لنا من أدائها. في مثل هذه الديمقراطية لا مندوحة لعدد كبير ~~جدا من الناس في الواقع عن تجاوز لذة اليقين. وذلك التأكيد الذي ~~ينشأ عن المعرفة السابقة بأن بعض الأحكام المجردة صادق، وأن ms622 هناك ~~شيئا ما لا يتغير قط، شيئا لا يكون جزءا من التاريخ، ولكنه ~~يكون جزءا من أنفسنا. بيد أنه من الحق أننا نحن البشر نتشبث ~~باليقين، وأولئك الذين فقدوا اليقين المسيحي سرعان ما حاولوا أن ~~يبحثوا عن اليقين العلمي، أو اليقين التاريخي، اليقين في أي مجال ~~يجدونه فيه. كما أننا نتشبث بالعلم بكل شيء باعتبار هذا العلم ~~الشامل ملازما لليقين - نتشبث بقوى عليمة بكل شيء، إن لم يكن ~~بإله بكل شيء عليم. فإذا ما طلب إلى مواطنينا الجدد في ~~الديمقراطية المتشائمة أن يتقدموا بنسبية في القيم لا هوادة فيها ~~(ولا أقول بطبيعة الحال بنوع من أنواع الانعدام في القيم) - ~~والظاهر أن مثل هذه النسبية وحده هو ما يمكن أن يجد فيه تشاؤمهم ~~سندا قويا، وما يمنعهم على الأقل من الأمل في نوع جديد من أنواع ~~المتعة في السماء - أقول إننا إذا تطلبنا ذلك وجدنا أنه من العسير ~~جدا في واقع الأمر أن نقيم مثل هذه الديمقراطية في عصرنا الحاضر. ~~إننا إن فعلنا ذلك تطلبنا من الطبيعة البشرية الضعيفة أكثر مما ~~تحتمل، وأكثر في الواقع مما تطلبت الديمقراطية المتفائلة ما دام ~~المواطن العادي في الديمقراطية المتفائلة القديمة كان يسمح له ~~باعتناق نوع من أنواع الديانة القديمة التي تدعو إلى ~~الاطمئنان. # وتقابلنا في منتصف القرن العشرين - فوق ذلك - نفس الصعوبة التي ~~التقينا بها في أثينا القديمة: وهي ما هي العلاقة تماما بين نظرة ~~المثقفين إلى «المشكلات الكبرى» وكل بناء المجتمع، أو كل توازنه؟ ~~إن أدنى انتباه إلى ما يجري بين المثقفين في الغرب - الوجوديين في ~~فرنسا، وأتباع بارث ونيبور في ألمانيا وأمريكا، والمرتدين إلى ~~الكاثوليكية في إنجلترا من الشباب اللامع - يوضح لنا أن المثقفين ~~يضيقون على أنفسهم القيود الروحانية، ويتهيئون لموجة من موجات ~~العسر، ويزدادون ازدراء للديمقراطيين المبتهجين أمثال بنيامين ~~فرانكلن، أو الديمقراطيين السطحيين أمثال توماس جفرسن. وقد تتعرض ~~حركة التنوير لهجوم أشد مرارة من الهجوم الذي تعرضت له من ~~الرومانتيكيين لعهد وردزورث. غير أن الإنسان يتعذر عليه أن يتصور ~~الرجل الأمريكي ms623 العادي - أو حتى الرجل الأوروبي العادي - في الحالة ~~العقلية عينها التي مرت بطليعة المثقفين في الغرب حالة اليأس ~~الشامل من كل ما في هذه الدنيا، الذي مبعثه شدة الحساسية وقوة ~~التفكير. إن هناك درجة من الخشونة - كتلك التي تنم عنها «الحكايات ~~الخرافية» التي شاعت في منتصف القرن الثالث عشر بين أصحاب العقول ~~المفكرة - نشك في أنها سوف تبقى على شيء من حرارة الغليان لفترة ~~ما حتى في عالمنا هذا الحزين. # فلا يجدر بنا أن ننتهي إلى أن ثقافتنا الغربية توشك أن تتحول ~~تحولا أساسيا وتدخل في عهد آخر من عهود الإيمان. ويكاد يكون من ~~المؤكد أن النظرة الكونية الديمقراطية سوف تتعرض لإعادة النظر فيها ~~بدرجة أشمل حتى من تلك الإعادة التي أولاها القرن التاسع عشر ~~لميراثه الأساسي الذي ورثه عن حركة التنوير. وليس بوسعنا بتاتا في ~~عام 1950م أن نكون على ثقة من الاتجاه الذي ستتجه إليه هذه ~~الإعادة؛ فإن جانبا كبيرا منها سوف يتوقف على نتيجة النضال بين ~~الولايات المتحدة وروسيا السوفيتية، وهو نضال يعرض النظرة ~~الكونية كلها للخطر. وقد تدفع ضرورات النضال ذاتها الغرب إلى مجتمع ~~أكثر تجنيدا مما تبيحه تقاليد الغرب؛ لأن من الحقائق البغيضة عن ~~العلاقات الإنسانية - وهي حقيقة من أنواع الحقائق التي لا بد ~~للديمقراطيين الواقعيين الجدد من مجابهتها - أننا نحتاج في أوقات ~~الحروب - ساخنة كانت أو باردة - إلى سلطة أكثر وحرية أقل مما نحتاج ~~إليه في أوقات الهدوء والسلام. # ويبدو أن بكل من الولايات المتحدة وروسيا مجموعة مجسمة من ~~الأفكار التي تعارض الطرف الآخر، وأن هذه الأفكار قد اتحدت على ~~صورة من الصور واستطاعت حتى الآن أن تعزز ذلك التوتر الذي يعد ~~من مميزات الغرب، وذلك بوجه عام جدا، ومع مراعاة كل أنواع ~~الالتواءات والانحرافات في كل منهما مما يتعارض وهذا الحكم العام ~~الذي ألقيناه؛ فلسنا بطبيعة الحال على حرية خالصة وليسوا على ~~تسلط محض. ونحن لا نمثل الفردية المطلقة التي تمثل ذاتية القطط، ~~وهم لا يمثلون الجماعية التي تشبه جماعية النمل أو النحل. ms624 ولسنا ~~على تنوع وليسوا على توحيد. ولا يعيش أي منا طبقا للتطرف في ~~مجموعة القيم التي نعتقد فيها، غير أن التعارض قائم برغم ذلك، وهو ~~تعارض حقيقي. إننا نمثل على وجه الإجمال سلسلة القيم التي عالجناها ~~في هذا الكتاب باعتبارها القيم الرئيسية في ثقافة الغرب - الشعور ~~بشيء لا يقبل التجزئة في كل كائن بشري لا تزال أفضل إشارة إليه ~~بهذه الكلمة القديمة العتيقة «الحرية»، وهو شعور قد يتوقف قليلا ~~وينقلب على نفسه عندما تواجهه المشكلات الحقيقية التي توحي بها ~~أمثال هذه العبارات: «يجب أن نرغم الناس على الحرية.» أو «أنت حر ~~عندما تفعل الصواب ولكنك عبد عندما ترتكب الخطأ.» أو «الحرية لا ~~الفوضى.» ولكنه برغم ذلك عميق في نفوسنا، يدفعنا إلى التمسك الشديد ~~بأن هذه المتناقضات لا لزوم لها. إن التقاليد الغربية، التي ~~نعد اليوم أهم المدافعين عنها تدعو إلى «الفردية» في ثبات، وإن ~~لم يكن في يقينية جامدة، أو مثالية بعيدة عن الواقع. # إن الفرصة المتاحة لنا للتمسك بتقاليد الغرب، وللاحتفاظ بها في ~~صورة لا نتعسف إذا وصفناها بالديمقراطية، أعظم مما يقر المتنبئون ~~منا المتشائمون؛ لأنه إذا كان اللامعقول الذي شاع في عشرات ~~السنين القلائل الماضية قد أضعف من الأمل الساذج في قيام الجنة على ~~الأرض عن طريق كمال الطبيعة البشرية، أو عن طريق تحرير الطبيعة ~~البشرية من بيئتها السيئة، إلا أنه قد قدم لنا ما يبرر الاعتقاد ~~بأننا إذا أرسينا فعلا طريقتنا الديمقراطية في الحياة في عاداتنا، ~~وتقاليدنا، ومشاعرنا، وأفعالنا الشرطية المنعكسة، وذواتنا العليا، ~~فإنها تستطيع أن تتغلب على الواقع الجاف وتحيا برغم منه. إن ما بدا ~~لأسلافنا قوة للديمقراطية، وهو اعتمادها على معقولية البشر، يبدو ~~اليوم في الواقع سببا في ضعفها. ومهما يكن من أمر فلربما كانت ~~الديمقراطية - برغم هذا كله - لا تعتمد على معقولية البشر. إن ~~الغرب الديمقراطي قد استطاع أن يصمد أمام حربين كان من المفروض - ~~لإغراقه في التنوع، وانعدام النظام، وتعدد الاتجاهات الروحية، بل ~~ولما فيه من دعة وراحة - أن ينهزم فيهما أمام التنظيم ms625 الأعلى، ~~والخشونة، وإجماع الرأي بين خصومه اللاديمقراطيين. بيد أنه لم ~~ينهزم، بل انتصر برغم - بل ربما كان بسبب ~~- ما بدا من نواحي الضعف في نظر ~~بعض النقاد. # لأن ما يبدو في التحليل العقلي المحض انحلالا، وعراكا، وعجزا ~~فاحشا عن الاتفاق على أي شيء مهما يكن قد لا يعدو أن يكون ~~اختلافا في شئون اختلفنا فيها نحن الغربيين صراحة وبعنف في أكثر ~~الأحيان منذ ما نبه سقراط الأذهان في أثينا - وإذا أنت فكرت فيما ~~تتضمنه المذاهب الكاثوليكية، والبروتستانتية، واليهودية، والمادية ~~الماركسية، ذهلت حقا من أن أصحابها قاتلوا جنبا إلى جنب في ~~القوات الأمريكية في الحربين العالميتين. وقد تقول إن أصحاب هذه ~~المذاهب لم يعتقدوا فعلا في مذاهبهم الرسمية كما هو الشأن في ~~الولايات المتحدة، غير أن هذه النظرة أمعن في المنطق من أن تقبل ~~التصديق. وقد تقول إنهم آمنوا بالتسامح الديني وعدوه خيرا ~~إيجابيا، وذلك صادق من غير شك إلى حد ما عند الكثيرين منهم. ~~غير أن أصدق ما تقول هو أنهم لم يفكروا قط في مشكلة التسامح ~~الديني العامة، وأن أكثرهم آمن في بساطة بوجود الكاثوليك، واليهود، ~~والبروتستانت، وكل أنواع المادية، باعتبارها من حقائق الحياة. ~~وباعتبارها من الأمور التي يتقبلها المرء كما يتقبل الجو. وإذن فإن ~~جانبا كبيرا من طريقة الحياة الغربية يستقر في ركن من الأركان ~~عند الأمريكيين العاديين، لا في غشاء أذهانهم على الأرجح، ولكن في ~~مكان آمن من أن يحدد الفسيولوجيون موضعه تماما - في قلوبهم، كما ~~ألفنا التعبير. # ونعود إذن إلى افتراض أن العلاقة بين قوة مجتمع معين ودرجة ~~الاتفاق في شئون النظرات الكونية العامة بين أفراد هذا المجتمع لا ~~يمكن تحديدها، على مدى ما نعرف حتى الآن في حدود العلوم الاجتماعية ~~التراكمية. ويبدو أن هناك دليلا قويا على أن جانبا كبيرا من ~~التنوع في الأمور التي تتعلق بعلوم الدين، والميتافيزيقا، والفن، ~~والأدب، بل والأخلاق، يمكن أن يبقى إذا كان وجود مثل هذا الاختلاف ~~لا يؤخذ مأخذ المثل الأعلى في التسامح، والتقدم عن طريق التنوع ~~(وإن يكن ms626 هذا هو الحق عند كثير من رجال الفكر)، وإنما يؤخذ مأخذ ~~الأمر الطبيعي للكائنات البشرية. فإذا كانت الديمقراطية تعني حقا ~~شيئا غير طبيعي - في نظر المثقفين الغربيين - كالاتفاق الفكري، ~~لفقدنا كل أمل فيها. إلا أن مجرى تاريخنا الفكري كله يشير إلى أن ~~رجال الفكر في الغرب - بطريقة عنيدة جامحة - سعوا دائما إلى ~~تأكيد الفوارق بينهم، وأن هذه الفوارق - بطريقة ما - لم تزعج ~~من ليسوا من رجال الفكر إزعاجا يكفي لاختلال التوازن الاجتماعي. ~~وليس هناك دليل معقول حتى اليوم على أن الإنذارات الفكرية لعصرنا، ~~عصر الهموم الفلسفية، قد تجاوزت فعلا ذلك الجزء الصغير من السكان ~~الذي يسلك استعدادات لغوية قوية، بل ولسنا حتى على يقين من أن ~~علماء النفس من أمثال إريك فروم على حق في زعمهم أن القلق العصبي، ~~بل والنورستانيا، أمر شاع في جميع أجزاء المجتمع إلى درجة تهدد ~~طريقتنا في الحياة الديمقراطية التقليدية. وربما كان الفرار من ~~الحرية أمرا مبالغا فيه. # ولكن حتى إن كان هؤلاء المشخصون على صواب، وحتى إن كان مجتمعنا ~~مجتمعا مريضا حقا، فمن غير المحتمل أن يكون المفكرون الجادون ~~الذين يحثوننا على التجمع وعلى الاعتقاد المشترك في شيء سام على ~~جادة الصواب. إذا كان لا بد لنا من دين جديد، فإن كل السوابق ~~الغربية تشير إلى أن الدين لن ينبع من رجال الفكر، وإنما من مصدر ~~أكثر من ذلك تواضعا، وإنه سوف يكون ثقيل الوقع لفترة على الأقل ~~على المفكرين الثابتين - بل وعلى أولئك الذين تنبئوا ~~بظهوره. # وهناك مشكلة فكرية خطيرة أخرى لا يستطيع أن يتجنب مجابهتها أي ~~ديمقراطي مفكر. لقد سلمنا - طبقا لتيار اللامعقول الحديث، وربما ~~كان طبقا كذلك لتيار الإدراك العام - بأن الجنس البشري يملك طاقة ~~عميقة الغور وصلابة لا يمكن أن يحتويها أي نظام فكري، وأن لثقافتنا ~~مصادر للقوة لم تتأثر كثيرا بما عندنا من فلسفة، أو بما ليس عندنا ~~من فلسفة. وحتى باريتو يذكر من بين «رواسبه القوية» «رواسب القدرة ~~على الاشتقاق» - أي رواسب التفسير العقلي للأمور. إن الحاجة إلى ms627 ~~إشباع رغبتنا في الفهم، وفي تماسك خبراتنا بالمنطق، وبألا نقع في ~~التناقض بدرجة قوية تصدم الآخرين، وبألا نكون منافقين في نظر ~~أنفسنا وفي نظر الآخرين - هذه الحاجة قوية جدا عند الكائنات ~~البشرية. ولا نتجاوز الصواب إذا قلنا إنه لم تنشأ حضارة من ~~الحضارات بقيادة طبقة من الطبقات المفكرة، مالت إلى الاعتقاد بأن ~~عالم القيم في أعينهم، وبأن تفسيرهم للسبب في وجودهم في مكانهم، ~~ليس إلا زعما باطلا، ونفاقا، وزورا وبهتانا. ولن تبقى طويلا ~~في أية ديمقراطية من الديمقراطيات طبقة مفكرة لا تؤمن، وطبقة غير ~~مفكرة تؤمن، ولا يمكن لطبقة مفكرة متشككة، أو متشائمة، أن تضع ~~دينا للجماهير. # وليست طبقاتنا المفكرة اليوم في مثل هذه الورطة بأية حال من ~~الأحوال. غير أن الكثيرين منهم في حيرة، ومن المحتمل أن تشتد ~~حيرتهم حتى يفلحوا في التغلب على مشكلة تعديل ميراثنا الذي انتقل ~~إلينا من حركة التنوير في القرن الثامن عشر. ولنأت بخلاصة موجزة ~~نهائية لهذه المشكلة. # إن النظرة الديمقراطية ~~العالمية قد تكونت في القرن الثامن عشر في نهاية ثلاثة قرون من ~~التغير توجت بالنصر العظيم للعلوم الطبيعية في العمل الذي قام ~~به نيوتن وزملاؤه. وأيا ما كانت الآراء الفلسفية والدينية لهؤلاء ~~العلماء العاملين في حياتهم الخاصة - ولا يزال الكثيرون منهم إلى ~~يومنا هذا مسيحيين مخلصين للمسيحية - فقد كان لا بد لهم كعلماء من ~~استخدام طريقة عقلية يصلون بها إلى الأحكام العامة، وهي طريقة كانت ~~بكليتها تحت رحمة الوقائع الملاحظة. وقد كانت هذه الوقائع في ~~نهاية أمرها - مهما تفوقت الأدوات التي تسجلها عن الحواس البشرية ~~- أحكاما على عالم الخبرة الحسية، أحكاما على هذا العالم، لا على ~~غيره. وكان لا بد للحكم الذي يصدر طبقا لطرائق العلوم الطبيعية - ~~في إيجاز - أن يتفق ووقائع هذه الدنيا، ولا يتجاوز الحكم هذه ~~الوقائع ولا يناقضها. # غير أن حكمين من الأحكام العامة الهامة عن العقيدة الديمقراطية ~~كما برزت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهما مبدأ الخير ~~الطبيعي عند الإنسان ومعقوليته، ومبدأ التقدم غير المخطط الذي ~~لا مفر ms628 منه نحو كمال الإنسان على هذه الأرض، إما يتجاوزان النظرة ~~العلمية إلى الحق أو يتناقضان معها. وليس علينا إلا أن نتابع خلال ~~العصور من ثيوسيديد إلى مكيافيلي إلى أقدر العلماء الاجتماعيين ~~المحدثين لكي نرى أن التقليد السائد بين أولئك الذين يلاحظون فعلا ~~مسلك الكائنات البشرية بدقة هو الإيمان بأن الناس إنما ولدوا ~~للمتاعب، وأن الطبيعة البشرية - في الفترة التي سجلها التاريخ على ~~الأقل - لم تتغير كثيرا. وإذا أنت درست سلوك الجنس البشري الذي ~~سجله التاريخ من أقدم الأزمنة إلى منتصف القرن العشرين بروح ~~العالم الطبيعي وبطرائقه (بمقدار ما يسمح النقص في التسجيل ~~التاريخي بمثل هذه الدراسة) لما استطعت أن تأخذ بوجهة من وجهات ~~النظر التي تشبه ما ارتآه كوندرسيه على سبيل المثال، أو حتى ما ~~ارتآه بين وجفرسون. ولما أمكنك أن تعد الآراء التي تتعلق ~~بالخير الطبيعي وبمعقولية الإنسان واطراد الكمال في حياتنا على ~~الأرض، بالمقاييس البشرية، أحكاما علمية عامة ولو على سبيل ~~التقريب. # إن الديمقراطية - في عبارة موجزة - هي «إلى حد ما» نظام من ~~الأحكام التي لا تتفق مع ما يراه العالم حقا. وما كان هذا ~~التناقض ليخلق المشكلات - وما كان على الأقل ليخلق بعض المشكلات ~~التي يخلقها اليوم - لو أن الديمقراطي استطاع أن يقول بأن مملكته ~~ليست مما يمت إلى هذه الدنيا، لو أنه استطاع أن يقول إن الحق ~~عنده ليس من ذلك النوع الذي يمكن للعالم اختباره بأية وسيلة، إلا ~~بمقدار ما يستطيع التحليل الكيماوي للخبز والنبيذ أن يختبر صدق ~~العقيدة الكاثوليكية في القربان المقدس. إن مثل هذا الحل للورطة ~~الفكرية التي وقع فيها الديمقراطي ليس بالحل السعيد، ولكنه ليس ~~كذلك بالحل الذي لا يمكن تصوره. إن الديمقراطية قد تصبح إيمانا ~~بشيء يجاوز الطبيعة حقا، إيمانا لا يضعف العقيدة فيه انعدام ~~الاتصال بين الفروض التي تقدمها ووقائع الحياة فوق هذه الأرض. ~~وهناك من المتشائمين الذين يقولون إن الأمريكي عندما يفخر بانعدام ~~التمييز الطبقي في بلده لا يزعج قط خاطره بالواقع، واقع بنائنا ~~الطبقي، وواقع الزنوج، واليهود، والمكسيكيين، ms629 وغيرهم، ونحن ~~الأمريكيين لا نجد البتة مشقة في إدراك أن المبادئ الأساسية في تلك ~~الهرطقة الديمقراطية، وأعني بها الماركسية، تتعارض تقريبا مع كل ~~مبدأ من البناء الحقيقي للحياة الاجتماعية في روسيا المعاصرة. إننا ~~ندرك أن «الديمقراطية» الروسية تعرف تعريفا يختلف جد الاختلاف ~~عن تعريف ديمقراطيتنا. إن الديمقراطية - في إيجاز - قد تستطيع أن ~~تنزع جنتها الموعودة من هذه الدنيا، وتضعها في عالم الطقوس التي ~~تؤدى، في عالم العقائد فيما فوق الطبيعة، في إشباع الحاجات ~~البشرية بطريقة أخرى، وتستطيع أن تجعلها مثلا أعلى لا يتلطخ ~~بالواقع الملوث. # كما أننا قد نرى تطور النظرة الديمقراطية نحو العالم الذي يقبل ~~حدود الطبيعة البشرية العادية، الذي يقبل نظرة التشاؤم إلى هذه ~~الدنيا، وهي ديمقراطية لا تتطلع إلى المتعة في السماء، ولا ترى في ~~مخزن الطعام غذاء مستساغا من كل الوجوه، أو مشبعا من جميع ~~النواحي. ولطالما قال أعداء الديمقراطية عنها إنها أمر لا يتم إلا ~~في الجو الملائم، لأنها تضع للطبيعة البشرية مستويات لا يمكن ~~الاقتراب منها في السلوك البشري إلا في أوقات الهدوء والرخاء، حتى ~~عندما يكون تحقيقها للحرية والإخاء والمساواة ناقصا. أما في أوقات ~~الشدة فنحن - كما يقولون - نحتاج إلى النظام، والقيادة، والتماسك ~~الذي لا يتحقق إذا نحن سمحنا للأفراد أن يسيروا وراء رغباتهم ~~الخاصة، حتى ولو نظريا أو في الخيال. نعم إن الناس يقبلون مثل ~~هذا النظام في أوقات الأزمات، كما أثبتت أيما إثبات الديمقراطيات ~~الغربية في الحرب الأخيرة، وقد تقبل الإنجليز بقليل جدا من ~~الانهيار النفساني بدرجة تذهل العقول قذف المدن بالقنابل الذي ~~وضع كل المدنيين في خطوط القتال حقيقة لا مجازا. وأدعى من ذلك إلى ~~الذهول، بشكل ما، الروح التي ذهبت بها أكثر الأمريكيين إلى هذه ~~الحرب الأخيرة. ولشد ما كان جزع أصحاب العقول المرنة من المثاليين ~~عندما رأوهم يذهبون إلى الحرب دون ما اعتقاد - إلا في القليل - ~~أنهم سيخلقون عالما أفضل، وبقليل جدا من الروح الصليبية التي ~~ظهرت في حرب 1914-1918م. لقد ذهبوا إلى هذه الحرب باعتبارها واجبا ~~غير ms630 محبب ولكنه ضروري، وهم قادرون على إجادة أدائه حقا، وإن ~~كانوا لا يرون سببا يدعوهم إلى ادعاء الابتهاج بها أو تقديسها. ~~«ذهبوا إلى الحرب كما يذهب إليها الواقعيون لا المتشائمون». # وبهذا أختتم الكتاب بمقدار ما يمكن لكتاب من هذا النوع أن ~~يختتم. إن الديمقراطية «المثالية»، الديمقراطية «المعتقدة» ~~(بالمعنى القديم للعقيدة الدينية التي تجاوز الطبيعة) ربما كانت ~~ممكنة وإن شق على هذه الديمقراطية أن توائم بين ميراثها العلمي ~~الذي ينتمي إلى هذه الدنيا والإيمان الذي ينتمي إلى العالم الآخر، ~~وإن إلهها ليحتاج على أقل تقدير إلى أن يتفق في شيء من المشقة مع ~~المعالج النفساني. أما الديمقراطية «الواقعية» ~~المتشائمة - الديمقراطية التي ~~يقترب فيها المواطنون العاديون من قواعد الأخلاق والسياسة بالرغبة ~~في مجابهة النقص الذي يتصف به الفلاح الطيب، والطبيب المجيد، ~~والمشرف البارع على علاج الأرواح، سواء أكان قسيسا، أم من رجال ~~الأكليروس، أم من المرشدين النفسانيين، أم الأطباء النفسانيين - ~~أما هذه الديمقراطية فإنها تتطلب من مواطنيها أكثر مما تطلبت أية ~~ثقافة بشرية من قبل، ولو أمكن إجابتها إلى ما تتطلبه لكانت أكثر ~~الثقافات نجاحا. وهناك أخيرا ديمقراطية «ساخرة»، ديمقراطية يعترف ~~مواطنوها في هذه الدنيا بمجموعة من العقائد، ويعيشون غيرها، وهي ~~ديمقراطية مستحيلة كل الاستحالة. إن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن ~~يبقى طويلا في أي مكان. والتوتر بين المثالي والواقعي قد يخف ~~بعدة وسائل في المجتمع السليم، ولكنا لا يمكن أن نتجاهل ~~وجوده. ms631