######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMahmud.AraFalsafiyya.Hindawi48083196 #META# Tags: philosophy #META# ID: 48083196 #META# Title: آراء فلسفية في أزمة العصر #META# AuthorID: 72825037 #META# Author: أدريين كوخ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 71316163 #META# Translator: محمود محمود #META# Related_books: 1391AdrienneKoch.PhilosophyForTimeOfCrisis (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم‏ # الجزء الأول: مختارات من الكتاب الفلسفيين‏ # 1 - أرنولد توينبي‏ # 2 - ألبرت أينشتين‏ # 3 - أجنازيو سيلون‏ # 4 - إ. م. فورستر‏ # 5 - جون موريس كلارك‏ # 6 - إريك فروم‏ # الجزء الثاني: مختارات من الفلاسفة الدينيين‏ # 7 - جاك ماريتان‏ # 8 - رينولد نيبور‏ # 9 - سارفيبالي رادا كرشنان‏ # الجزء الثالث: مختارات من الفلاسفة الإنسانيين‏ # 10 - جان بول سارتر‏ # 11 - كارل ر. بوبر‏ # 12 - برتراند رسل‏ # 13 - سدني هوك‏ # 14 - كارل ياسبرز‏ # تقديم‏ # الجزء الأول: مختارات من الكتاب الفلسفيين‏ # 1 - أرنولد توينبي‏ # 2 - ألبرت أينشتين‏ # 3 - أجنازيو سيلون‏ # 4 - إ. م. فورستر‏ # 5 - جون موريس كلارك‏ # 6 - إريك فروم‏ # الجزء الثاني: مختارات من الفلاسفة الدينيين‏ # 7 - جاك ماريتان‏ # 8 - رينولد نيبور‏ # 9 - سارفيبالي رادا كرشنان‏ # الجزء الثالث: مختارات من الفلاسفة الإنسانيين‏ # 10 - جان بول سارتر‏ # 11 - كارل ر. بوبر‏ # 12 - برتراند رسل‏ # 13 - سدني هوك‏ # 14 - كارل ياسبرز‏ # | آراء فلسفية في أزمة العصر # | آراء فلسفية في أزمة العصر # تأليف # أدريين كوخ # ترجمة # محمود محمود # | تقديم # لم يعرف تاريخ الحضارة أزمة بشرية مثل تلك التي يواجهها الإنسان في ~~منتصف القرن العشرين؛ فهي أزمة تمتد إلى بذور الوجود البشري ذاته أو ~~تكاد تأتي على كل معالم الحضارة. وفي مثل هذا الوقت العصيب يجد الإنسان ~~نفسه مسوقا إلى أن يزن نفسه ويقوم العالم الذي أنشأه لعله يتعرف ~~طبيعة الأزمة التي تواجهه، وهو يبحث عن الوسائل التي تمكنه من الاحتفاظ ~~بالحياة، بل ومن إخصابها برغم ما يحيق بها من محن. وفي هذا الكتاب عرض ~~للمباحث التي قام بها أربعة عشر كاتبا من أعمق المفكرين في العصر ~~الحديث، محاولين بها تقويم العالم الذي نعيش فيه، وهداية الناس إلى ~~الصراط المستقيم. # وقد قامت باختيار المقتطفات التي وقع عليها الاختيار لهؤلاء ~~الكتاب، مؤلفة هذا الكتاب أدريين كوخ أستاذة التاريخ بجامعة ~~كاليفورنيا، ووفقت في اختيارها توفيقا كبيرا، وقامت بتنسيق ~~المختارات حتى جاءت صورة قوية لما ارتآه هؤلاء الكتاب بشأن الأزمة ~~التي يعانيها الإنسان، وقدمت لكل مجموعة من المختارات بنبذة عن تاريخ ~~حياة الكاتب أو ms001 الفيلسوف. وقد يجد القارئ فيما وقع عليه اختيار الكاتبة ~~من مقتطفات ميلا إلى التعصب نحو مذهب ديني معين أو عقيدة فلسفية ~~خاصة، ولكنه التعصب الذي يشحذ الفكر والتأمل ، وينطوي على الغرض النبيل؛ ~~فالتحمس للمسيحية أو للإنسانية أو العالمية لا يقصد إلا الدعوة إلى ~~السلام وتهدئة النفوس وسعادة البشر. # وقد قدمت لهذه الآراء كلها مؤلفة الكتاب بفصل بالغ الطول، ~~وذيلتها بخاتمة مختصرة حاولت فيها أن تلم بأطراف الموضوع وأن تجمع ~~شتاته، كما حاولت أن تشخص طبيعة الأزمة التي يعانيها الإنسان، ومهمة ~~الفلسفة إزاء هذه الأزمة، واتجاهات الفلسفة الحديثة عند وصف العلاج. ~~وقد رأيت أن أسوق خلاصة ما جاء في المقدمة وفي الخاتمة في هذا ~~التقديم الذي أعرضه على القارئ، معقبا من عندي على هذا الرأي أو ذاك ~~كلما اقتضتني ذلك ضرورة التوضيح. # والكتاب - بهذا - في جملته، بحث نافذ في قلب الحضارة التي نعيشها، ~~يحث كل مفكر على النقد والتحليل. # وترى أدريين كوخ - مؤلفة هذا الكتاب - أننا إذا تدبرنا مدى الأزمة ~~التي يواجهها الإنسان الحديث في منتصف القرن العشرين، ومقدار ما تنطوي ~~عليه هذه الأزمة من عقد يتعسر حلها، وجدنا أن الإنسان لم يعان في ~~تاريخ حضارته منذ نشأتها ما يداني هذه الأزمة عمقا وشدة؛ فهي أزمة ~~الوجود البشري ذاته، أزمة قد تهلك فيها الحضارة، ويبلغ فيها تاريخ ~~الإنسان نهايته. بيد أن الإنسان لو تعقل لغير هذا المصير المشئوم، ~~فمستقبله يتوقف - إلى حد كبير - على آماله وأعماله. # وقد انتقل الإنسان من طور الأزمة التي يعاني فيها الفرد وحده إلى طور ~~الأزمة العالمية، وهو انتقال واسع عميق، يحتم علينا أن نتوقف لحظة ~~نزن فيها أنفسنا والعالم الاجتماعي الذي نعيش فيه. وليس بوسعنا أن ~~نواجه هذه الأزمة على مستوى اقتصادي بحت، فنحاول أن نجد لها حلا ~~ماديا، أو على مستوى سياسي بحت باعتبارها مشكلة التنظيم الدولي، أو ~~حتى على مستوى السيكولوجيا باعتبارها مشكلة تتعلق بتحليل مشكلات الفرد ~~في حياته؛ فكل هذه النواحي متشابكة ولا يمكن أن نفكر في ناحية منها دون ~~أن نتعرض لغيرها ms002 من النواحي. ولا بد لنا عندما نواجه هذه الأزمة من ~~توسيع معرفتنا بالعلاقات الإنسانية كلها ومن تعميق معرفتنا بأنفسنا، ~~وهذه المعرفة ضرب من ضروب النشاط الذهني الذي يشغل الفرد في كل ناحية ~~من نواحي حياته، ويزيد من وعيه بالروابط التي تصل ما بينه وبين غيره من ~~الناس. # هذه هي الوظيفة التاريخية للفلسفة؛ أن تنسق - في خلال بحثها عن ~~الحقيقة - بين نتائج المعرفة التي يكتسبها المرء من أية زاوية من ~~الزوايا، وأن تنسق - في خلال بحثها عن طريقة للحياة - بين القيم التي ~~تكسب الحياة أي معنى من المعاني. والفلسفة بهذا المعنى تبحث في كل ~~المعارف المتشابكة بروح حرة، بغية رسم طريقة من طرق الحياة تتفق مع ~~العقل ومع تقدم الإنسان؛ فهي ليست مقيدة برأي معين، وليست وقفا ~~على الفلاسفة المحترفين. وهذا النشاط الفلسفي - فوق ذلك - في تطور ~~مستمر، بسبب التغير الدائم في محيط معارفنا وفي ظروف وجودنا في هذه ~~الحياة. ومن أوجه الأزمة الحاضرة ازدياد سرعة التغير في معارفنا وفي ~~ظروف وجودنا، ويبدو أن الأسس ذاتها قد أخذت تهتز وتتزعزع. ولو صح هذا ~~لكنا أحوج ما نكون إلى النظرة الفلسفية في زماننا هذا، وأحوج ما نكون ~~إلى المعتقدات التي تنير الطريق أمام الإنسان الزائل الفاني، وتوجه ~~وجوده توجيها سديدا. ومن ثم فإن مجرد وجود الأزمة يتطلب من العقول ~~البشرية الممتازة أن تقوم بالتحليل الدقيق. # وإذا ما عرفنا ذلك حكمنا بأن رجال الفكر لا ينفقون أوقاتهم عبثا؛ ~~فالظروف المحيطة بهم تحثهم على البحث في طبيعة الأزمة، وعن الوسائل ~~التي تعزز الحياة وتغنيها بالرغم مما يحيق بنا من محن. والمختارات ~~التي نقلناها في هذا الكتاب من أمثال هؤلاء الرجال المفكرين، ذوي ~~العقول الفلسفية العميقة. وهم لا يرسلون الحكمة على ألسنتهم بغير هدف، ~~ولا يكتفون بمجرد تبيان ما في الحياة من فوضى، وإنما هم بناءون ~~منشئون إلى حد كبير، يبتغون مصلحة الناس أجمعين، ولكل منهم عقيدته ~~التي يرى أنها تؤدي إلى العالم الأمثل، لديهم شجاعة تميزهم عن تلك ~~النفوس الخائرة التي لا ترى أملا ms003 في المستقبل. إنهم يبذلون قصاراهم ~~لهدايتنا إلى الطريق المستقيم؛ فنتحاشى ما يعترض سبيلنا من عقبات، ~~وندرك حاجاتنا التي تستند إلى ماضينا فنعمل على استيفائها بنظرة عامة ~~شاملة لا يحدها إقليم ولا تحيط بها مصلحة شخصية. وقد انتقيناهم جميعا ~~من المعاصرين الذين اصطدموا بالمشكلة في حياتهم، وأحسوا الأزمة التي ~~نعانيها في نفوسهم. وقد حاول كل منهم أن يجابه الموقف بفلسفة كاملة ~~وإيمان فعال. # وقد استرشدت مؤلفة الكتاب بعدة مبادئ عند اختيارها لهؤلاء الرجال؛ ~~فكلهم رجال ذوو سمعة ضخمة كل في ميدانه الخاص، وقد اكتسبوا هذه ~~السمعة بالجهد الشاق والتفكير العميق. وقد لبثوا حقبة من الزمان ~~ينعمون النظر ويرسلون الخيال في المدنية الغربية القائمة، وهم في ~~لقاء مع المشكلات الأساسية في العالم الحديث الذي يمر بمرحلة انتقال ~~خطيرة. ولم يكفهم أن يفكروا ويتدبروا في أبراج عاجية، بل لقد أحس ~~كل منهم إحساسا قويا بضرورة نقل آرائهم إلى غيرهم من الناس، ~~وضرورة العمل باعتبارهم أفرادا مسئولين في مجتمع له شكله السياسي. وقد ~~رأوا جميعا - كل بطريقته الخاصة - أن يتجاوزوا حدود اختصاصهم، وأن ~~يتغلبوا على مشاعرهم القومية الوطنية المحلية، محاولين بالتفكير ~~المنطقي أن يخدموا قضية الحرية. ويمثل كل منهم رأيا فلسفيا ~~خاصا، كما يمثل وجهة نظر سياسية معينة. وتستهدف مؤلفة الكتاب ~~من عرض هذه الآراء المتنوعة بلوغ نظرة أشد نفاذا، وتحليلا أوفى ~~نقدا لوجهات النظر الفلسفية الماثلة أمام عيوننا، كما تستهدف أن يدرك ~~الناس كلهم أنهم جميعا بسبيل الكشف عن الحقيقة والبحث النزيه. وكل ~~من اخترنا لهم من الثقات؛ لأنهم جميعا يدركون عمق الأزمة وشدتها ~~واستحالة مواجهتها برأي قاطع دون سواه، وهم يعلمون أن العقدة لا تحل ~~في لحظة، وأن العلاج السريع لا يمكن - غالبا - أن يكون ناجحا. # ومن ثم فقد عنيت المؤلفة عند اختيارها للمقتطفات التي أوردناها ~~بالنظرة الخاصة للمفكر أو الفيلسوف، والزاوية الخاصة التي وجه منها ~~الكاتب نظره إلى العلاقات الاجتماعية والخلقية بين الناس. وليس من شك ~~في أن مجموع ما تركه لنا هؤلاء الكتاب أوفى من ذلك وأدق، ولكن هناك ~~سببين ms004 رئيسيين دفعا المؤلفة إلى أن تحصر مختاراتها تحت العنوان الذي ~~اختارتها لكتابها، وهو «آراء فلسفية في أزمة العصر»؛ الأول: هو تلك ~~الرغبة القائمة في نفوس الكثيرين منا الذين يشغلون أنفسهم بالأزمة ~~الحاضرة، والذين لا يعبئون بالتفصيلات الفنية الدقيقة لكي يكون بين ~~أيديهم مجلد واحد. والسبب الثاني: هو تلك الحاجة العامة إلى بعد النظر ~~ومقابلة هذا الاستهتار الذي أخذ يسود بالقيم، والحاجة إلى فلسفة ~~بناءة نعزز بها نفوسنا ضد الميل إلى الهدم والتدمير الذي لا يستهدف ~~شيئا. ومن أجل ذلك كانت الأوجه الفلسفية البحت فيما أخرج هؤلاء ~~الكتاب عرضا قيما اخترناه لأنها قد تحول دون الاهتداء إلى ~~الصراط المستقيم وسط هذه المتاهة التي يسير فيها الإنسان. وقد اقتصرنا ~~في الإشارة إلى هذه الأوجه الفلسفية على الحد الذي ينير الرأي الذي ~~قصدنا إلى إبرازه للقراء. وبهذا الهدف نصب أعينها غاصت مؤلفة الكتاب ~~فيما أخرج هؤلاء الكتاب بعد الحرب العالمية الثانية، للبحث عن مقتطفات ~~تمثل لب آرائهم وفلسفاتهم، وأخذت على نفسها أن تنتقي وترتب ما ~~اقتبسته لكي تؤكد أنها لا تعرض إلى الآراء التي لها مساس بمشكلاتنا في ~~نسق منطقي وفي تعبير الكتاب أنفسهم وبإيجاز لا يخل. # وتنقسم هذه المقتبسات إلى ثلاث مجموعات؛ تمثل المجموعة الأولى ~~الكتاب ممن ليسوا فلاسفة محترفين، ولكنهم فكروا تفكيرا جديا في ~~ميادينهم، وعند مواجهتهم للأزمة أحسوا ضرورة التجاوز عن ميادينهم ~~الخاصة، وحملوا أنفسهم تبعة الوصول إلى حل سليم؛ فتوينبي مثلا ~~مؤرخ، ولكنه يتخذ جميع الحضارات وجميع مخلفات الإنسان مجالا له، ~~فنراه يقدم لنا نظرة تاريخية شاملة. وأينشتين هو أعظم علماء ~~الطبيعة في عصرنا، وهو يقدم إلينا عرضا قويا لدور العلم في ~~الحياة الحديثة، وهو زعيم بين العلماء للدعوة إلى بيان الخطورة ~~السياسية التي تترتب على سوء استخدام الطبيعة النووية. وسيلون روائي ~~متفلسف، وموضوعه أثر المجتمع الذي يخضع للآلة خضوعا تاما كما يخضع ~~للحكم الدكتاتوري في مصير الفرد وسعادته، وقد كان إلى جانب ذلك زعيم ~~الحركة السرية الشيوعية الإيطالية في عهد موسوليني، ثم انشق على ~~الشيوعية الدولية، وهو يدرك ms005 جاذبية الشيوعية ومظالمها وأسباب خداعها. ~~ثم يأتي بعد ذلك فورستر، وهو روائي متفلسف آخر، وقد صور التقاء ~~الشرق بالغرب، وما أدى إليه هذا الالتقاء من سخرية من ناحية وروح ~~إنسانية من ناحية أخرى، وحلل ذلك كله في مؤلفه العظيم «رحلة إلى ~~الهند»، وهو - على خلاف في ذلك مع سيلون - ثابت على إيمانه الشديد ~~بالفرد، ويؤمن بأن الفن فيه ما يكفي لسد حاجة الإنسان. أما ج. م. ~~كلارك فهو أحد زعماء الاقتصاد في أمريكا، وهو يدعو في نظرياته إلى ~~تغلغل الاقتصاد في جميع مناحي الحياة، ويدرك أن رجل الاقتصاد لا بد له ~~من أن يتجاوز عن حدود آرائه الفنية لكي يعالج سعادة الإنسان. أما ~~أريك فروم فهو عالم في التحليل النفساني، كانت دراسته الأولى في علم ~~الاجتماع، وربما كان أول عالم من علماء التحليل النفساني حاول أن يجمع ~~بين اتجاهات ثلاثة، هي: العلاج النفساني، وفلسفة القيم، والتحليل ~~السياسي الاجتماعي. # والمجموعة الثانية من المقتطفات تتحد في طريقتها التي تستهدف بيان ~~الدور الحيوي الذي تلعبه العقيدة الدينية في أية حضارة من الحضارات. ~~وقد كان رائد المؤلفة عند اختيارها المقتطفات التي أوردتها في هذه ~~المجموعة أن تعرض آراء بعض القادة في الميدان ممن يمثلون العقائد ~~الدينية الكبرى التي تسود هذا العصر الذي نعيش فيه. وكان طبيعيا أن ~~تركز المؤلفة اهتمامها في المذاهب المسيحية التي ترى فيها احتمال ~~المخرج من الأزمة التي تحيق بالإنسان. ولو أنها كانت على علم بالإسلام ~~لأدركت أن دعوته مشتقة من اسمه، فهي دعوة إلى إقرار السلام وفعل الخير، ~~وإلى إغاثة العاجز والمسكين ... # وذكرت المؤلفة في هذا الصدد ماريتان، وربما كان أقوى الفلاسفة ~~الكاثوليك أثرا، وهو يتجاوب مع كل الحركات التي يتميز بها عصرنا ~~الحاضر في الفن والسياسة والفلسفة، ويرى في كل ناحية من نواحي النشاط ~~الذهني رأيا يهدي الإنسان إلى سعادة النفس واطمئنان الضمير. ثم تعرض ~~المؤلفة بعد ذلك لنيبور، وهو أحد زعماء الدعوة إلى البروتستنتية، وهو ~~يتجه برأيه نحو المظالم الاجتماعية في عهدنا ونحو مهاجمة الكنيسة ~~ذاتها. وتختتم المؤلفة ms006 هذه المجموعة برادا كرشنان الذي كان أستاذا ~~للديانات المقارنة بجامعة أكسفورد، وهو أحد زعماء المفكرين في ميدان ~~فلسفات الشرق، وكان سفيرا للهند لدى الاتحاد السوفيتي، وهو الآن نائب ~~رئيس الجمهورية بالهند. # والمجموعة الثالثة هي كذلك لفلاسفة محترفين، ولكنهم يبعدون بالفلسفة ~~عن الدين، ويرون أن الفلسفة هي ذلك النشاط الذي يحكم فيه الإنسان قوة ~~العقل لكي يكسب الحياة معنى. وفي هذه المجموعة جان بول سارتر - وهو ~~زعيم الوجودية في فرنسا - وقد ساق بأعماله الأدبية الوجودية إلى المسرح ~~المعاصر وإلى صفحات الكتب الرخيصة التي تتناولها أيدي العامة من الناس. ~~وهو رجل يجاهر بإلحاده الذي لا نقره عليه بطبيعة الحال، ولكنه يرى في ~~هذا الإلحاد دعوة إلى التحرر. ولعل موقفه من قضية الجزائر واحتجاجه ~~الشديد على وحشية الفرنسيين في معاملة الجزائريين يبرران حشره بين ~~زمرة المفكرين الداعين إلى السلام بين دفتي هذا الكتاب. ولا بد لنا ~~- برغم ذلك - من الاطلاع على آرائه بشيء كثير من التسامح، ومن تفسير ~~إلحاده بالتحرر المطلق وبعدم الإيمان بالقدر، وله دينه ولنا ~~ديننا. # أما برتراند رسل فهو ذلك الشيخ الوقور الذي يقف شامخا في ميدان ~~الفلسفة الحديثة، وقد أسهم بأوفر نصيب في المنطق الحديث، وبقي ~~بالإضافة إلى ذلك مخلصا للآراء التحررية التي نادى بها جده لورد رسل ~~وظهرت في قوانين الإصلاح التي صدرت في عام 1832م، وكتب بإسهاب في معنى ~~الحرية والبلشفية، وفي الآراء التقدمية في التربية، وفي الزواج ~~والأخلاق، وفي السلطة والسعادة، كتابة قوية ذات أثر فعال، وبأسلوب ~~ساحر شائق. أما هوك فهو فيلسوف محترف ومعلم، يستند في الآراء التي ~~نادى بها إلى جون ديوي، وقد عمل على دفع المذهب الطبيعي والديمقراطية ~~إلى الأمام بالتحليل المنطقي ومعالجة المشكلات الخاصة التي تتعلق ~~بالتربية المعاصرة والمجتمع المعاصر. وربما كان ياسبرز زعيم الفلاسفة ~~في ألمانيا في الوقت الحاضر، وقد بدأ حياته العملية طبيبا نفسانيا، ~~وتعمق دراسة التاريخ والفلسفة والعلم الفلسفي كي يدعو إلى إنسانية ~~جديدة ويدافع عنها. # ومن ثم يرى القارئ أن رجال الفلسفة - في هذا الكتاب الذي يضم ~~مقتطفات ms007 مختارة لهم - الذين رسموا صورة كاملة للعالم المعاصر، قد ~~أتيحت لهم الفرصة لكي يعرضوا مدى فهمهم للأزمة التي تلم بنا في ~~العصر الحاضر، كل من الزاوية التي يرى أنها تلقي عليها الضوء الذي ~~يوضحها ويبرزها للعيون. وإذا كان الفيلسوف المعاصر ألفرد نورث ~~هوايتهد قد صدق حينما قال إن الإنسانية تمر بمرحلة فذة من مراحل ~~تاريخها تتحول فيها نظرتها من مجال إلى مجال، وتتخلص فيها من قيود ~~التقاليد الفكرية القديمة؛ فإن هذا الكتاب يمدنا بغذاء للفكر، وبمادة ~~يستطيع رجال الفكر بتناولها أن يعيدوا تشكيل فلسفاتهم التي تمس ~~الإنسان كفرد، وتمس قيم الحضارة التي نعيشها. # وكثيرا ما تتفق الآراء التي نقلناها في هذا الكتاب لبعض الفلاسفة ~~والمفكرين فيما يتعلق بأزمة العصر الحديث، ولكنها كثيرا أيضا ما ~~تختلف اختلافا جوهريا. بيد أن مؤلفة الكتاب تحاول في خاتمته التي ~~أدمجناها في هذا الفصل أن تبرز من غضون ما بين الفلاسفة من أوجه ~~الخلاف صورة الأزمة التي نعانيها، والإيمان الذي يجب علينا أن نتسلح ~~به للتغلب عليها. # وترى المؤلفة ضرورة توضيح طبيعة الأزمة التي لم ير الإنسان مثلها من ~~قبل في تاريخه، ودور الفلسفة في تحليل الحضارة التي نعيشها وفي بيان ~~أوجه النقص في هذه الحضارة. ~~(1) فظاعة هذا القرن العشرين # وأول ما تعرض له مؤلفة الكتاب في سبيل إدراك مغزى الأزمة ~~الحاضرة هو هذا الإحساس بالفزع الذي يسود النفوس في القرن العشرين. ~~ولا جدال في أن كل كائن بشري يعرف تمام المعرفة ما تعنيه أوقات ~~الحرج؛ فعندما هجر بوذا أرجاء القصر المنيف الذي كان يعيش في كنفه، ~~والتقى لأول مرة في حياته بالمرض والشيخوخة والفقر والموت، واجه ~~أسباب الأزمات الشخصية التي عرفها الإنسان منذ الأزل. وإن وعي ~~الإنسان بحتمية الموت وحده يكفي لتبصير الإنسان بالدور الأليم الذي ~~يؤديه كضيف في هذه الدنيا نزل «في رحاب الدنيا التي تضيفه». وليس ~~من شك في أن شعور الإنسان بقصر عمره وضرورة زواله يسوغ تعريفنا ~~له بالكائن الذي يعي معنى الموت، وهو تعريف لا يقل صوابا عن ~~التعريف التقليدي ms008 للإنسان بأنه حيوان عاقل. وهذه المأساة البشرية ~~تفسر لنا تلهف الإنسان إلى الخلود؛ ذلك التلهف الذي يظهر في كل ~~ثقافة من الثقافات، ويساعد على تفسير قوة تأثير الديانات. # وإذا تحدثنا عن «أزمة العصر» فنحن نعني شيئا مختلفا عن ~~الأزمات الفردية التي يلاقيها المرء في حياته؛ لأنا في هذه ~~الحالة نعالج تطورات متراكمة أساسية بعيدة المدى، تحدث لجمهور ~~بأسره، وتخلق فترة جديدة من فترات التاريخ لها خطرها وخطورتها. ~~وعندما يعود المؤرخون بأبصارهم إلى سير الحضارة الغربية يرون فترات ~~من الحرج في تاريخ الإنسان، تتميز بانقلاب شديد في النظم ~~الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، انقلاب يهدد القيم الثابتة ~~ويتحدى وسائل الحكم المعروفة. ومن المؤكد أن كل عصر من عصور ~~التطور الاجتماعي والسياسي يخلق بسبب حداثته نوعا من الفوضى ~~والاضطراب، وبعض هذه الأزمات التي حدثت في الماضي، مثل الإصلاح ~~الديني وما صاحبه من حروب دينية، أو الثورة الفرنسية وما تخللها ~~من عصر الإرهاب وما أعقبها من حكم نابليون، كانت أوقاتا وحشية ~~عصيبة، تميزت بالعنف الشديد وإراقة الدماء. ولكنا - إلى جانب ذلك ~~- يجب أن نذكر أنها كانت كذلك أوقاتا لم تكن فيها معاناة التطور ~~وثمن الآلام هي العناصر الوحيدة في النضال الاجتماعي؛ فلقد كانت ~~مجموعات كبيرة من البشر تثق وسط هذا الاضطراب بمستقبل أفضل ~~للإنسان، كما كانت هناك خطط عملية لإنهاء الأزمة وتمهيد السبيل ~~إلى نظام جديد. # غير أنه كانت هناك - لسوء الحظ - إلى جانب هذه الفترات من ~~التاريخ البشري، فترات أخرى سارت فيها الحضارات نحو الانحلال، دون ~~أمل في المستقبل يخفف من وقع المأساة. وفي أمثال هذه الفترات التي ~~يسود فيها التدهور كان الهلع يستولي على النفوس، وكان الخوف ~~والعزلة من المشاعر التي تسيطر على الإنسان. وفي مثل هذا الجو ~~الذي تتدهور فيه الحضارة يحل اليأس حتى في قلوب أشد الفنانين ~~حساسية وأكثر المفكرين علما. ولما كانوا لا يجدون ما ينصحون به، ~~فهم يعتزلون العالم في قدس الفن الخاص أو العقيدة الصوفية، أو ~~يقنعون بالتعبير عن عبث كل علاج. وقد لخص جلبرت مري عند دراسته ms009 ~~لفترات التدهور في الحضارة الهلينية هذه النظرة إلى الأمور في ~~عبارة موجزة أصبحت شائعة على لسان كل مثقف في بلاد الغرب، وهي ~~«فتور الحماسة». ولم يعن مري بهذه العبارة انحلال المدن الحكومية ~~الإغريقية، وإنما قصد بها كذلك تدهور الإمبراطورية الرومانية ~~وسقوطها. وقد اتضح انحطاط التفكير - في هذا الجو من الموت البطيء - ~~في انتشار التصوف والتزهد وضعف العقيدة في العلوم. # ومما له دلالته أيضا أن روما قد باتت - في آخر عهد الإمبراطورية ~~- حكومة مستبدة سافرة؛ لأن الناس فقدوا ثقتهم بأنفسهم، وأصبحوا ~~مستعدين للتضحية بكل حق لهم في الحرية في سبيل أمن وهمي تعدهم به ~~الحكومة المستبدة. # ويا ليت هذه النظرة المميتة المتشائمة التي تقضي على الإيمان ~~بشخصية الإنسان والإيمان بإيجاد حل إيجابي للمشكلات العامة، يا ليت ~~هذه النظرة قد اقتصرت على هذين المثالين من أمثلة الإخفاق في ~~الحضارة الغربية! إلا أن أعراض «فتور الحماسة» يمكن أن تشاهد في ~~العالم المعاصر، وجو اليأس يشجع بالفعل على التأهب لحفر قبر ~~الحضارة الغربية التي سوف تنتهي حياتها عما قريب، إذا لم تنتشلها ~~من وهدتها؛ فكيف سيطر هذا اليأس على نفوس الناس في الغرب؟ # لقد قضت الحضارة الغربية الحديثة طفولتها القوية إبان النهضة ~~وعصر الإصلاح الديني، وهي على ثقة تامة بكرامة الإنسان وقدرته على ~~الخلق والإبداع، وعلى أهبة لأن تؤمن بالمعرفة البشرية وخبرة ~~الإنسان. وكان من أهم العوامل التي دعمت هذا الإيمان ظهور العلم ~~الحديث والحكومات القومية. وهذه العوامل، مستقلة أحيانا، متعارضة ~~أحيانا، متضامنة في أكثر الأحيان، عملت على إضعاف الثقة بسلطة ~~عليا سابقة، سواء كانت هذه السلطة هي نفوذ أرسطو أم نفوذ الكنيسة، ~~وأخذت حيوية هذه الحركة الإنسانية تشتد بتقدم العلوم وتعزيز الروح ~~القومية، وكلما تقدمت الحركة خلقت ظروفا اجتماعية تحررية ~~تجمعت في العصر الذي يعرف في التاريخ الفكر الإنساني ب «عصر ~~العقل» في القرن الثامن عشر، و«عصر التقدم والتصنيع» في القرن ~~التاسع عشر. ولكن كل هذه التطورات المبشرة التي ترتبت على نمو ~~القوميات الكبرى وتقدم التطبيقات العلمية انقلبت على شخصية ~~الإنسان في القرن ms010 العشرين؛ فكلما اتسعت رقعة التمدن في الحياة ~~اليومية وفي انتشار المصانع في ميدان العمل، ازداد الإحساس بضعف ~~روح الجماعة، واشتد الشعور بالعزلة، وذاب الفرد في المجموع في ~~مجتمع بيروقراطي. # وقد ارتفعت الأصوات في القرن التاسع عشر منذرة بهذه الظروف ~~الجديدة في حياة الإنسان الحديث، ومن بين هذه الأصوات أصوات ثلاثة ~~لا يمكن أن تنسى: صوت ماركس، وكركجارد، ونيتشه. وقد تنبأ هؤلاء ~~المفكرون الثلاثة في جلاء بصيرة، وصفاء ذهن، بكل التطورات ~~المقبلة، ولهم تأثير ساحر في معتقداتنا في العصر الحاضر. رأى ~~ماركس المفارقة المتزايدة بين الوسائل التكنولوجية التي يمكن أن ~~تضاعف الإنتاج فتضاعف بذلك من حرية الإنسان من ناحية، وبين حالة ~~العزلة عند الإنسان التي تنشأ عن العلاقات الاجتماعية التي تترتب ~~على الإنتاج، والتي تحول الإنسان بغير رأفة إلى سلعة من السلع، ~~وإلى شيء من الأشياء. وكلما تقدم ماركس في بحوثه اشتد اهتمامه ~~بالظروف الاجتماعية وكأنه نسي الإنسان كفرد. ولم يكن الأمر على هذه ~~الصورة مع كركجارد الذي جعل خبرة الفرد الفذة محور اهتمامه، وهنا ~~اكتشف أن التفكير المجرد لا يستطيع أن يجابه القوى البشرية الخفية ~~العارمة، وأدرك أن حياة الإنسان في المجتمع الصناعي تعادي ~~بطبيعتها الحياة الدينية المسيحية. ولما اشتد فزعه لتدهور العقيدة ~~الدينية الصحيحة، حاول أن يتلمس الإيمان الديني الأصيل في غضون ~~خبرته الخاصة. وشهد نيتشه كذلك تدهور المسيحية، ولكنه اتجه بفلسفته ~~وجهة أخرى تخالف ما ذهب إليه كركجارد كل المخالفة؛ فبينما كان ~~كركجارد يحاول أن يسترد العقيدة في الله نرى نيتشه ينكر هذه ~~العقيدة، وحاول أن يستبدل بالعقيدة الدينية الإيمان بالقومية، ~~وبعبادة يؤديها الناس كالأغنام في الماضي، تمجيد إنسان المستقبل ~~وقوته. # ثم ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية جماعة من المفكرين عبرت ~~بصورة أقوى عن ضعف روح الإنسانية عند الإنسان، عبر عنه شفيترز في ~~كتابه «المدنية والأخلاق»، الذي نشره في عام 1923م، وفيه يقول: «إن ~~موضوعي هو مأساة النظرة الغربية إلى العالم ... إن مدنيتنا تمر ~~بأزمة حادة ... وأكثر الناس يرد هذه الأزمة إلى الحرب، ولكنهم ~~مخطئون؛ فليست الحرب وكل ms011 ما يترتب عليها سوى ظاهرة من ظواهر انعدام ~~المدنية الذي نجد أنفسنا فيه.» وقد عزا شفيترز انعدام المدنية هذا ~~إلى عدم التوازن بين تقدمنا المادي وتقدمنا الروحي. وذكر ~~شفيترز فوق كل ذلك أن أكبر خطر يكمن وراء تقدير العناصر المادية ~~فوق العناصر الروحية في الحياة هو «أن أكثر الناس عن طريق الانقلاب ~~الثوري في ظروف حياتهم يتحولون إلى قوم غير أحرار، بدلا من أن ~~يصبحوا أحرارا.» وفي ظروف الحياة الحاضرة يكافح الناس في سبيل ~~البقاء، وهم يرهقون أنفسهم بالعمل دون أن يوفروا لأنفسهم الوقت ~~لكي يجمعوا آراءهم وينظموها. كما أن الاعتماد على المنظمات ~~الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكبرى يزداد يوما بعد يوم، «إن ~~وجودنا الفردي ينحط شأنه من كل وجه من الوجوه، واحتفاظ المرء ~~بشخصيته يزداد صعوبة جيلا بعد جيل.» # وقد وضح لنا في جلاء أن العالم المعاصر يعاني من اختلال ~~التوازن بين التقدم التكنولوجي ونظرة العالم إلى شخصية الفرد، وذلك ~~عندما تعرضت قيم المجتمع الحر من جراء ظهور الحكم الجماعي ~~والتدهور الذي امتد حتى شمل العالم بأسره. وما إن انتهت الحرب ~~العالمية الثانية حتى كاد الناس جميعا يتفقون على أن الإنسانية ~~أشرفت على عصر جديد من عصور الحضارة، وهو عصر أزمة طاحنة شاملة ~~قربت بين شعوب العالم أجمعين، لا بروح المحبة التي حلم بها ~~الفلاسفة ذوو النيات الطيبة في كل قرن من قرون الزمان، ولكن ~~بانتشار الفزع في قلوب الناس جميعا، واشتراك الشعوب في الشعور ~~بالخوف والهلع. وقد أخذ هذا الشعور يتزايد، والمشكلات تتضاعف، حتى ~~آمن الناس بقرب انتهاء المدنية الغربية. # وتدل على ذلك عناوين كثيرة من الكتب التي ظهرت بعد الحرب ~~العالمية الثانية، وأشفق رجال العلم على مصير العالم وقالوا: «إن ~~العالم بين إحدى اثنتين؛ فإما أن يتحد، وإما أن يتلاشى.» إن ~~مدنيتنا - كما قال أحد كبار المؤرخين المعاصرين - تمر بمحنة ~~كبرى. وقد عالج الفلاسفة والمربون وعلماء الاجتماع في كتاباتهم ~~انهيار الغرب وانقسام العالم، ويرى بعضهم أن العصر الحاضر سيكون ~~عصر الحرب الشاملة التي لا تبقي ولا تذر. وفي ms012 هذا الصدد يقول سير ~~ونستون تشرشل: «لم يدر بخلدنا قط أن القرن العشرين الذي كنا ~~ننعته بقرن الرجل العادي يكون من بين معالمه الكبرى أن يقتتل هؤلاء ~~الرجال العاديون في يسر لم تشهده القرون الخمسة الماضية في تاريخ ~~العالم، ولكنا أقبلنا على هذا القرن الفظيع - القرن العشرين - بروح ~~الثقة والاطمئنان.» # هذا القرن الفظيع! من ذا الذي يتدبر مسيره وتاريخه ولا يحكم عليه ~~بالفظاعة؟! ومن ذا الذي ينكر أن الثقة التي كانت تملأ نفوسنا عند ~~مطلعه قد زالت من النفوس؟! ليس من شك في أن الأزمة التي نعانيها في ~~العصر الحاضر فريدة في تاريخ الإنسان؛ فهي أعمق وأوسع انتشارا من ~~أية أزمة أخرى عرفه تاريخ الإنسان؛ لأنها أزمة الوجود البشري ذاته. ~~وهذه هي البارقة الأولى من بوارق الخوف الناشئ عن الصور المتعددة ~~لاحتمال الدمار الشامل لشخصية الإنسان؛ الخوف الناشئ عن القنبلة ~~الهيدروجينية، والتعذيب الشديد في معسكرات الأعداء، وتجارب الفتك ~~الشامل للبشرية، وهجرة الكتل البشرية إلى غير مواطنها بسبب الحروب ~~والعداوات. إن هذه المخاوف التي تهدد الفرد، تهدد أيضا ~~المجموعة البشرية كما تهدد الإيمان بالإنسان. إنها أزمة الفرد، ~~وأزمة العلاقة بين الفرد والطبيعة، وبين الفرد وما يعمل، وبينه ~~وبين غيره من الناس، وبين النظام الاجتماعي. # إن القنابل التي ألقيت على هيروشيما ونجازاكي وما تطورت إليه من ~~أسلحة نووية ليست إلا رمزا للكارثة التي تحيق بالبشر، فهي تصور ~~كيف يمكن أن تتجمع أسباب الحرج في تاريخنا على هيئة سلاح واحد ~~مدمر. إن هذه الأسلحة الفتاكة التي يشغل الإنسان نفسه ~~باختراعها تبعث على الخوف من حرب مدمرة تقضي على المدائن في ~~لمحة، وتحطم الحياة البشرية في لحظة، وتلطخ وجه الأرض كله بالدماء. ~~إن هذه الأسلحة الفتاكة قد جمعت مخاوف الناس في نقطة واحدة. وحتى ~~لو استطعنا أن نتحاشى الحرب الشاملة، فهناك ما تثيره الحرب ~~الباردة من قلق في النفوس لا ينفك عنها، هذه الحرب التي أطلقتها ~~من عقالها المنافسة بين قوتين كبيرتين تستطيعان وحدهما أن تتحكما ~~في أكبر عدد ممكن من الأسلحة الفتاكة التي ms013 لا يمكن أن تقاوم، ~~حتى يخترع الإنسان أسلحة أخرى أشد منها فتكا. وقد أمكن لهذه ~~الأسلحة الفتاكة أن تعمق هوة الخلاف بين شقي العالم الذي نعيش ~~فيه. كما أن مشكلات انقسام العالم قد أدت بدورها إلى اشتداد ~~الأزمات السياسية والاقتصادية التي يشكو منها عصرنا الحاضر، مثل ~~مشكلة وحدة غرب أوروبا، والصيحة العالمية التي تنبعث من شعوب آسيا ~~وأفريقيا وأمريكا اللاتينية مطالبة بنصيبها في القوة الصناعية ~~والكرامة الوطنية. ثم إن المفارقة - التي أخذت هوتها تتسع - بين ~~قدرة الإنسان الفنية العملية وسيطرته على الطبيعة وبين سيطرة ~~الإنسان على نفسه وكلمته، قد بلغت قمة عالية مع اختراع هذه ~~الأسلحة المميتة. # وللأزمة - أخيرا - وجه خلقي: هل يمكننا أن نسوغ قيمة ~~المعرفة لمجموعة البشر، أو هل يبقى كل فرد حرا فيما يؤمن به؟ إذا ~~كنا لا نستطيع أن نجد مسوغات معقولة لإيماننا بالإنسان، فلا بد ~~أن تبقى القيمة الكبرى للعقيدة التي تسندها القوة الجنونية. # متى بدأت أزمة العصر الحاضر؟ من النقاد من يرى أنها بدأت مع ~~ظهور الحكم الدكتاتوري في أوروبا، ومنهم من يرى جذورها في المشكلات ~~الاقتصادية والاجتماعية التي جاءت في أعقاب صلح فرساي، ومنهم من ~~يرد أسبابها إلى القومية المعتدية والصراع الاستعماري بين الدول ~~الحديثة، ومنهم من يرى أن هذه الأسباب جميعا إنما تنم عن ضيق ~~الأفق، وأن السبب الرئيسي مؤامرة شيوعية دولية، كانت فترة انقلاب ~~أساسي عنيف في أكثر من مجال حيوي. ولكن الواقع أن الدرس الذي ~~تلقيناه عن الحرب العالمية الثانية المشئومة هو الذي أفسح المجال ~~للأزمة التي نعانيها. # إن نهاية الحرب العالمية الثانية تحدد بداية عصر من عصور ~~التاريخ، وهي نقطة بداية لمرحلة من مراحل تاريخ الإنسان التي تتجمع ~~فيها مشكلات كبرى تواجه الحضارة الغربية، بل تواجه العالم بأسره، ~~وتبرز من بين هذه المشكلات - غير الأسلحة النووية - ثلاثة أمور ~~كبرى: الأول خطة الشيوعية السوفيتية والصينية، والثاني حل مشكلة ~~الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والثالث مصير ~~الحرية في الغرب. وكل واحد من هذه الأمور كفيل وحده بأن يخلق أزمة ms014 ~~للحضارة الغربية الحديثة؛ فما بالك إذا تجمعت ثلاثتها، واشتد ~~أزرها بتقدم فنون الحرب؟ إنها حينئذ تهدد حياة الإنسان كلها، ~~وتجعل أزمة العصر الحاضر من أحد الأزمات؛ ومن ثم فإني أرى أنه ~~لكي نحسن إدراك طبيعة الأزمة الحاضرة ومداها، لا بد من أن ننظر ~~في كل أمر من هذه الأمور على حدة. ~~(2) خطر الشيوعية ~~«إن طيفا جديدا يلمح في أوروبا - هو طيف الشيوعية.» بهذه ~~العبارة الافتتاحية الشهيرة أعلن «البيان الشيوعي» الذي صدر في عام ~~1848م قرب انتهاء النظام الرأسمالي عن طريق ثورة فريدة تحرر ~~المعذبين في الأرض وتقيم مجتمعا عالميا لا طبقيا. أما ~~اليوم - وقد انقضى بعد صدور هذا البيان ما ينيف على مائة عام - فإن ~~الشيوعية لم تعد طيفا من الأطياف، إنما هي إحدى قوتين عظيمتين في ~~العالم، إنها تتحكم في القوى البشرية والموارد الطبيعية في جزء ~~كبير من العالم، وهي تؤلف قوى حربية لم يعرف التاريخ لها نظيرا ~~من قبل، قوى لا تهدد أوروبا وحدها، بل تهدد أيضا العالم ~~غير الشيوعي برمته. وفي التاريخ وثبات ثلاث يرجع إليها السبب ~~في هذا التحول؛ فالحرب العالمية الأولى عملت على تصفية ~~الإمبراطورية النمساوية المجرية القديمة، وأضعفت ألمانيا، ومكنت ~~للحزب البلشفي أن يستولي على السلطة في روسيا، فأنشأ في فترة وجيزة ~~من الزمان مجتمعا جديدا يخضع للحكم الدكتاتوري. والحرب العالمية ~~الثانية عملت على تصفية النعرة العسكرية في ألمانيا واليابان، ~~والمستعمرات البريطانية والفرنسية والهولندية، ومكنت للأحزاب ~~الشيوعية في روسيا والصين من الاستيلاء على النفوذ في شرقي أوروبا ~~وفي بلاد الصين. والظاهرة القائمة في الوقت الحاضر، ظاهرة صعود ~~الشيوعية إلى قمة القوى العالمية، إنما نشأت عن اندماج النظرية ~~الماركسية بحزب لينين والخطط الخمسية الاستالينية للتصنيع الإجباري ~~الذي يسير اليوم في ظروف التكنولوجيا النووية الآلية الصاروخية. ~~ولما كان الشعور السائد في الغرب هو أن الخطر الشيوعي يمكن أن يزول ~~إذا طبقت روسيا فعلا سياسة التعايش السلمي التي تنادي بها، ولكي ~~ندرك إمكان تحقيق ذلك، أرى أن نحلل الشيوعية إلى عناصرها ~~الأساسية. # ويقودنا ذلك إلى مجموعة المعتقدات ms015 والآراء التي يوجه الشيوعيون ~~بها أعمالهم. وما أكثر المؤلفات التي صدرت في موضوع النظرية ~~الشيوعية، وما يترتب على تطبيقها من شرور عن طريق العمل السياسي. ~~ولا نستطيع في هذه المقدمة أن نشير إلا إلى الظواهر الأساسية في ~~هذه المعتقدات. إن جزءا من النظرية من التراث الماركسي، وجزءا ~~آخر هو التطور الذي نشأ عن الحكم القيصري؛ وما اقتضاه من ضرورة ~~القيام بعمل ثوري للاستيلاء على السلطة باسم البروليتاريا، والجانب ~~الأكبر من هذا العمل من صنع لينين. وبعد الثورة البلشفية، أخذ ~~المذهب الشيوعي يتخذ صورة محددة، تصلح للإبقاء على الحكومة ~~السوفيتية وانتشار نفوذها. وكان الجانب الأكبر من هذا العمل من فعل ~~استالين. ثم أخذ المذهب يتطور ويتشكل على صور جديدة متأثرا ~~بالتجربة الشيوعية الصينية. وبالرغم من التعديل الشديد الذي طرأ ~~على التعبير الماركسي الأصلي، فإن لب النظرية لا يزال قائما يؤثر ~~في الوسائل الشيوعية ويمد حكام المجتمع الشيوعي بالرأي الذي ~~يسترشدون به. ولا تزال النظرية الماركسية عاملا قويا لدفع ~~التاريخ نحو انتصار العقيدة الشيوعية؛ ومن ثم كان للنظرية أهميتها ~~في التربية الشيوعية، وهي تؤخذ مأخذ الجد عند مناقشة أي برنامج ~~جديد أو اتجاه في السياسة. # ومن أساسيات النظرية الماركسية نظرية المادية التاريخية، وهي ~~محاولة ماركس أن يوفق بين النظرية من ناحية وبين التاريخ والعمل ~~من ناحية أخرى. إن المادية التاريخية تزعم أنها تفسير مجرى التاريخ ~~كله ببضعة قوانين من قوانين الحركة. التاريخ كله - طبقا لهذه ~~النظرية - ليس إلا تاريخ الصراع بين الطبقات، والطبقة تحدد بالدور ~~الذي تلعبه فيما يتعلق بوسائل الإنتاج السائدة؛ ومن ثم فلكي يفهم ~~المرء التغير الاجتماعي لا ينبغي له أن يتأثر بالعاطفة وينظر إلى ~~الإطار الخارجي - إن المثل الخلقية، أو القوانين، أو المعتقدات ~~مثلا - وإنما ينبغي له أن ينظر إلى العلاقات الأساسية في الاقتصاد ~~والملكية، وهي العلاقات التي تحدد الدور الجديد من تطور ~~الحوادث. وحتى الواقع السياسي السائد - كالدولة مثلا - يجب أن ~~يفهم على أنه ليس إلا السلاح التنفيذي (القانون والجيش) الذي ~~يدفع عن حقوق الملكية للطبقة المالكة. وإن ms016 أبسط علاقات الملكية ~~التي تتميز بها هي العلاقة بين أولئك الذين يملكون وأولئك الذين لا ~~يملكون وسائل الإنتاج - بين من عندهم ومن ليس عندهم. وكلما تغيرت ~~الوسائل التكنولوجية نشأت الصعوبات الاقتصادية في حدود تقسيم ~~العمل. وهذه هي الحوافز التي تبعث على النضال بين الطبقات. غير أن ~~علاقات الملكية المشروعة القائمة تصبح إلى جانب ذلك قيودا على ~~التقدم التكنولوجي، ثم تحطم هذه القيود ثورة الطبقة المظلومة فيما ~~سبق، وهي الطبقة التي تلقى تأييدا تاريخيا من جانب التقدم ~~الملموس في التكنولوجيا. وحيث إن الطبقة لا يمكن أن تقتل نفسها، ~~فإن الوسيلة الوحيدة التي تستطيع بها الطبقة المظلومة أن تجتذب ~~وسائل الإنتاج من بين براثن الطبقة المالكة هي الوسيلة السياسية ~~العنيفة؛ وسيلة الثورة. وترى الماركسية أن آخر ما بلغته الرأسمالية ~~من تطور هو السبب في الحروب العالمية وثورة المستعمرات. إن ~~الرأسمالية المتقدمة تحاول أن تتحاشى تناقضها الداخلي بالبحث عن ~~المستعمرات واستغلالها كمصادر للمواد الخام، والعمل الرخيص، ~~وكأسواق للسلع المصنوعة، وذلك مما يحول صراع الطبقات الوطني إلى ~~صراع طبقي عالمي. ولما كانت مساحة الأرض محدودة، وجشع الرأسمالية ~~غير محدود، فلا مناص من أن تنتهي المنافسة الرأسمالية إلى حرب ~~عالمية استعمارية. والاستغلال الرأسمالي للبلدان المتخلفة لا بد - ~~في نفس الوقت - أن يحرك نفس النزاع الطبقي الذي يتولد في داخل ~~الدول الرأسمالية؛ مما ينجم عنه أن تنضم المقاومة الوطنية إلى ~~الوعي الطبقي في الجماهير المستعمرة وتثور في وجه رأس المال ~~الأجنبي المستغل. وهذا الموقف يعجل بثورة البروليتاريا، ويقوي ~~التناقض الموجود في الرأسمالية؛ لأن وجود الدولة الشيوعية يمحو ~~الأسواق ومصادر الاستيراد، ويكون رمزا لإمكان حدوث الانقلاب ~~الثوري؛ ومن ثم فإن النظرية الماركسية تزعم أن الدول الرأسمالية ~~تسعى إلى تدمير الدول الشيوعية وإلا دمرتها الشيوعية. ويحمل لينين ~~هذا الرأي في عبارته الشهيرة التي قال فيها: «ما دامت الرأسمالية ~~والشيوعية موجودتين، فنحن لا نستطيع أن نعيش في سلام.» # ومهما كانت قوة المذهب المادي بالنسبة إلى الماضي وبالنسبة إلى ~~بعض النبوءات التي ثبتت في الحاضر، فإن القوة المعنوية والتبشيرية ~~الكامنة ms017 في هذا المذهب تبلغ ذروتها عند تطبيقها على المستقبل، فإن ~~الوعود البراقة التي تقدمها الشيوعية للبشرية تبرر كل ~~تضحية وكل تعذيب في سبيل تحقيق الغاية المنشودة التي تبشر ~~بالسعادة للجميع ؛ لأن الماركسي يرى في تضخم رأس المال سببا في ~~اختراع أدوات تكنولوجية يمكن أن تدر اليوم ما «يكفي» لكل فرد، ~~بشرط تحطيم الأغلال الرأسمالية. والمفتاح السحري لتحقيق ذلك هو ~~بتحويل وسائل الإنتاج الكبرى إلى النظام الشيوعي، وتحويل نظام ~~الإنتاج من أجل الكسب إلى نظام الإنتاج من أجل المنفعة. هذا هو حلم ~~النظرية الشيوعية، وهو حلم ما برحت النظرية الشيوعية السوفيتية ~~تستوحيه، غير أن لهذا الحلم ثمنه الغالي - وهو الثورة - فبهذه ~~الوسيلة وحدها تستطيع الطبقة العاملة أن تستولي على القوة من أصحاب ~~رأس المال، وبها تنشأ دكتاتورية البروليتاريا. ولهذا الحلم أيضا ~~قيمة عند أولئك الذين استولوا على الحكم باسم السوفيت؛ لأن الاتحاد ~~السوفيتي يزعم أنه أرض السعادة الموعودة، والثمرة الحقيقية ~~للشيوعية العلمية. وهناك أخيرا ذلك الأمل المنشود في قيام مجتمع ~~لا طبقي في نهاية الأمر، مجتمع تتوافر فيه الحرية للجميع، وتحل فيه ~~السيطرة على الأشياء وحسن إدارتها محل السيطرة المستغلة للأفراد. ~~وحتى ينزل العدو عن مكانته - من الداخل أو من الخارج - فلا مناص من ~~اتخاذ وسائل الإرهاب التي لا ترحم مع كل من تحدثه نفسه بالتآمر ~~ضد موطن الشيوعية الأول. # إذا تدبرنا نظرية المادية التاريخية في ضوء نفوذ الشيوعيين ~~وأعمالهم، تحققنا من أن الخطر الشيوعي عامل أساسي في الأزمة التي ~~نعانيها في العصر الحاضر. إنها عنصر فعال في الأزمة؛ لأنها نظرية ~~تدعو إلى إثارة الأزمة وتعميمها ومد أجلها، ويؤمن بها حزب عسكري ~~ويثق بصحتها صحة مطلقة، ويرى أنها نظرية النظريات التي يجب أن ~~نسترشد بها في كل ما نعمل. إنها نظرية عامة تشمل الزمان كله، ~~والمكان كله، وجميع أوجه نشاط الإنسان. وهي نظرية ثابتة ثبوت ~~غيرها من النظريات العلمية. وكثير ممن يدرسون التاريخ تجذبهم فيها ~~بساطتها وتعميمها عند تطبيقها في الماضي، وكثيرون آخرون يجذبهم ~~فيها صدق نبوءاتها في تطور العمل ونمو ms018 الاحتكار الرأسمالي، والحروب ~~العالمية وثورات المستعمرات. وأخيرا هناك من الناس من يجذبهم فيها ~~أنها نظرية تفسر الماضي وتتنبأ بالحاضر؛ ومن ثم يمكن استخدامها ~~في توجيه مسير المستقبل. # إن هذه النظرية - بما تزعم لنفسها من كيان علمي - مصدر خطر ~~حقيقي؛ لأنها تستخدم كأداة، لا من جانب الأحزاب السياسية بالمعنى ~~الغربي، ولكن من جانب الأحزاب الشيوعية المركزية المنظمة التي تخضع ~~لحكم الفرد، والتي تتألف منها الحكومات التي تحتكر النفوذ السياسي ~~والاقتصادي والروحي على مئات الملايين من البشر. وهذه الأحزاب ذات ~~النفوذ المريض هي تطبيق لفكرة لينين على الحزب التي ظهرت نتيجة ~~لفترة طويلة من النشاط السياسي. والواقع أن الحزب على الصورة التي ~~يراه عليها لينين يكون، مع نظرية ماركس عن استمرار النزاع، لب ~~النظرية الشيوعية وتطبيقها. ومن ثم وجب علينا أن نملك أيضا الدور ~~الذي يلعبه الحزب اللينيني وحقيقته، ما دام الحزب هو الحقيقة ~~الاجتماعية الأساسية التي تتميز بها الدولة الشيوعية، وما دام ~~حقيقة من الحقائق الكبرى التي تدعو إلى انقسام العالم هذا الانقسام ~~الشديد. إن تأليف الحزب على هذه الصورة يفسر لنا كيف أن 240000 ~~روسي ينتمون إلى الحزب هم الذين يمتلكون النفوذ ويتحكمون في دولة ~~من الدولتين الكبيرتين في العالم، وهي دولة تستطيع أن تهدد ~~الدول الأخرى بصواريخها وسيطرتها على الفضاء، كما تفسر لنا كيف ~~أن 20000 صيني ينتمون إلى الحزب الشيوعي يتحكمون في 650 مليونا من ~~البشر تتألف منهم أقوى دولة في آسيا. # وتأليف الحزب الثوري على هذه الصورة هو من عمل لينين. وقد عبر ~~لينين بهذا الحزب عن الحاجة إلى مجموعة متآمرة تستطيع أن تقوم بعمل ~~الجيش السياسي. وأحس بأن العمال يميلون إلى الاقتناع بالنضال ~~اليسير في سبيل رفع مستوى معيشتهم عن طريق اتحاداتهم، وأنهم لا ~~يستطيعون تنمية وعيهم الثائر إلا إذا بصرهم الثائرون من أرباب ~~الفكر برسالتهم التاريخية. وقد أصر - فوق ذلك - على ضرورة وجود ~~ثوريين محترفين يستطيعون أن يكرسوا حياتهم كلها للنضال ضد ~~القيصرية، ويؤلفون لجنة مركزية للحزب، تكون بمثابة أركان الحرب ~~للجيش السياسي العام، وزاد ms019 إحساسه بهذه الضرورة صعوبة العمل ~~السياسي في ظل النظام القيصري حينما كان بالإمكان إبعاد الأحزاب ~~الثائرة. وكانت الحرب العالمية الأولى وانهيار القيصرية في عام ~~1917م هي المرحلة الثانية، عندئذ عاد لينين إلى روسيا لكي يملك ~~حزبه زمام النفوذ؛ أولا باستغلال السخط المتزايد بين أوساط العمال ~~والجند والفلاحين، ثم بالدسائس، فاستطاع أن يسقط بالقوة الحكومة ~~المؤقتة التي وصلت إلى كرسي الحكم بالطريق الديمقراطي. وقد بدأت ~~ثورة أكتوبر بحل المجلس النيابي، وهو أول مجلس روسي تم انتخابه قبل ~~ثورة أكتوبر بقليل بالاقتراع العام الحر. ويرجع السبب في هذه ~~الحركة القاضية إلى أن زعماء الحزب الشيوعي لم يكن بوسعهم أن ~~يسيطروا على المجلس وهو يتألف من أغلبية غير شيوعية. ومن السذاجة ~~كما قال لينين «أن ننتظر أن تكون للبلاشفة الأغلبية بالطريق ~~الرسمي. إن ذلك يتنافى ومنطق الثورة.» # ثم جاءت بعد ذلك المرحلة الأخيرة من مراحل تأليف الحزب الواحد ~~التي أعقبت فترة الحرب الأهلية، وخرست أصوات جميع الأحزاب السياسية ~~الأخرى وكل وسائل النقد السياسي الحر، وصحب ذلك تأليف التشيكا، أو ~~إدارة البوليس السري التي قذفت الرعب في النفوس، وقضت على كل ~~معارضة من جانب الجماهير، وقمعت ثورة الفلاحين في روسيا الوسطى ضد ~~ما قامت به الحكومة من الاستيلاء على موارد التموين. ونتيجة ~~للاضطراب الذي حدث بين صفوف العمال في بتروغراد تألفت جماعة من ~~العمال المعارضين ذوي النفوذ الشيوعي لكي تطالب بإنهاء تجنيد ~~العمال وتكوين إدارة محلية بكل مصنع، ولكن هذه الحركة أيضا أمكن ~~قمعها. وكذلك أمكن قمع الحركة التي قام بها الملاحون بقاعدة ~~كرونشتات البحرية الذين رفعوا من قبل لينين إلى ذروة الحكم في عام ~~1917م؛ لأنهم بدءوا يطالبون بالحريات الديمقراطية. ولما فشل قيام ~~الثورة الألمانية المرتقبة رأى لينين أنه لم يعد بد من تعزيز ~~نفوذه داخل البلاد، فتقدم ببرنامج جديد للمؤتمر العاشر للحزب ~~الشيوعي الذي عقد في عام 1921م. وفي هذا البرنامج أعلن السياسة ~~الاقتصادية الجديدة التي سمحت بحرية التجارة في القرى ووضعت القيود ~~على حرية العمل في المدن، وأصدر قوانين جديدة تحرم ms020 تكوين جماعات ~~حربية كما تحرم الثورة ضد برنامج اللجنة المركزية. # وبهذه الحركة التي قام بها لينين تخلت الشيوعية عن كثير من ~~الآراء النظرية الماركسية الأولى التي تتعلق بنشأة الثورة ~~الاشتراكية وتطورها؛ ذلك لأن ماركس نادى بأن قوى العلاقات ~~الاجتماعية في الإنتاج تخلق وعيا اشتراكيا صحيحا بين العمال ~~وتقودهم إلى تنظيم الثورة ضد الرأسمالية، وأن الرأسمالية لن تتدهور ~~إلا بعد أن تبلغ ذروة تطورها، وأن العمال، وهم الأغلبية الساحقة من ~~السكان، سوف يقيمون ديمقراطية العمال لكي يحكموا العلاقات القائمة ~~بينهم وبين أنفسهم، كما يقيمون دكتاتورية البروليتاريا لكي يحموا ~~الثورة ضد الرأسماليين الذين انتزعت منهم أملاكهم. بيد أن هذه ~~الآراء الماركسية الأولى قد نبذها لينين عندما اصطدمت بالواقع ~~المر. ولم يكن دور الحزب الشيوعي الروسي هندسة الثورة التي نشبت ضد ~~القيصرية، وإنما كان دوره دور المكتسح الذي لا يبقي ولا يذر. وقد ~~ننسى أحيانا أن العمال الروس كانوا يؤلفون أقل من عشرة في المائة ~~من السكان، وأنهم لم ينجذبوا عموما نحو الحزب الشيوعي الروسي. ~~وكذلك لم تنشب الثورة في بلد توافرت فيه الشروط الاقتصادية للنضج ~~الرأسمالي الذي أشار إليه ماركس، وإنما نشبت في بلد تسوده الزراعة. ~~ولم تكن الدكتاتورية بعد أكتوبر في الواقع دكتاتورية العمال، أو ~~حتى دكتاتورية جزء يسير من العمال، وإنما كانت دكتاتورية الحزب ~~وتحكمه في الناس، بل دكتاتورية اللجنة المركزية وتحكمها في ~~الأعضاء. وهذا الحق الذي اكتسبه الحزب - حق الوصاية على العمال - ~~حق الحزب في الاستعاضة برأيه القاطع وإرادته القوية عن أوهام ~~العمال وأسباب ترددهم، هذا الحق هو أساس اللينينية. # والمرحلة الحاسمة التالية في تطور الحزب تشمل ثلاثين عاما من ~~حكم استالين، وهي تثبت أركان ما أقامه لينين من دعائم. عندما أصبح ~~استالين سكرتيرا عاما للحزب في عام 1922م، استغل منصبه في تعيين ~~أتباعه في المراكز الهامة لكي يضمن الأغلبية لنفسه في مؤتمرات ~~الحزب، وبذلك يسيطر على الحزب وعلى اللجنة المركزية ويبسط نفوذه ~~هنا وهناك. وقد تآمر في البداية مع بعض زملائه لكي يبعد تروتسكي ~~عن خلافة لينين، وعمل ms021 على الحد من نفوذه، ثم تآمر مع آخرين وقضى ~~على حلفائه الأولين، وحد من نفوذهم، ثم فصلهم من الحزب في عام ~~1927م. وفي عام 1928م انقلب على أنصاره الجدد، وأعلن في عام 1929م ~~أن جميع قرارات المكتب السياسي يجب أن تكون بالإجماع، ثم أعلن بعد ~~ذلك خطة السنوات الخمس، التي تكفلت بفرض الزراعة الجماعية، ~~واطراد تصنيع الاقتصاد. وقد نفذت الخطة بكل وسيلة من وسائل ~~الإرغام، ومات في سبيل ذلك الملايين من الناس، وزج بغيرهم من ~~الملايين في المعسكرات التي أقيمت في المناطق المهجورة بشمال روسيا ~~في قارتي آسيا وأوروبا، وهي معسكرات كان يديرها البوليس السري، ~~ويرغم فيها الأفراد على العمل الإجباري. واضطر الفلاحون إلى ذبح ~~الماشية يسدون بها رمق الجوع، وأصيبت الزراعة بنكسة جعلتها أضعف ~~قطاع اقتصادي في البلاد. ومن النتائج الأخرى لسياسة استالين تقدم ~~الصناعات الثقيلة والصناعات الحربية مع إهمال إنتاج السلع ~~المستهلكة وأدوات البناء، حتى أصبحت جمهرة الناس على حافة الموت. ~~وقد نفر عدد كبير من أعضاء الحزب الشيوعي من هذا البرنامج حتى وجد ~~استالين نفسه مضطرا إلى التطهير الدموي والمحاكمات العامة لزعماء ~~الحزب القدامى، وغيرهم من الأعضاء، وقواد الجيش وكبار الموظفين. ~~وبفضل هذا الإرهاب أصبحت لاستالين السيطرة المطلقة على الحزب، ~~وأصبحت للحزب السيطرة الكاملة على الدولة، والشعب، وكل ناحية من ~~نواحي المجتمع الروسي. وتسوغ إقامة هذا الحكم الاستبدادي ضرورة ~~إنجاز التصنيع في بلد متخلف من الناحية الاقتصادية لفرض الظروف ~~الاقتصادية الأساسية التي تميز بها البناء الشيوعي. # وتتمثل المرحلة الحاسمة التالية لتثبيت الحزب في سياسة استالين ~~الخارجية. ولما كانت النظرية الماركسية لا تفتأ تؤكد أن منطق ~~الرأسمالية يسوق القوى الرأسمالية إلى القتال مع الاشتراكية، فلا ~~بد من تعزيز نفوذ الدولة الجماعية وبسط سلطانها لحماية موطن ~~الاشتراكية، ولتحقيق النصر الشيوعي في جميع أرجاء العالم. وتؤكد ~~السياسة الخارجية التي انتهجها استالين جوانب الدفاع السلبي من ~~خطته في أثناء الفترة التي تقع بين تاريخ استيلائه على النفوذ في ~~عام 1922م حتى ظفر هتلر بالحكم في عام 1933م. ولما وجد استالين ~~نفسه ms022 مواجها لقوى ألمانيا النازية المتزايدة، حول سياسته الخارجية ~~نحو الأمن العالمي لكي يكتسب التأييد ضد الخطر الهتلري من جانب دول ~~الغرب في عصبة الأمم. وظهور هذا العدو الحقيقي إلى جانب عداوة ~~اليابان كان مسوغا جديدا له لكي يستزيد من الحرمان والضغط وصنوف ~~القساوة والشدة في البرنامج الذي رسم للتصنيع وللعمل الجماعي. ولكن ~~عندما بدا للناس كأن لقاء ميونيخ قد نهنه من طغيان هتلر، وجه ~~استالين سياسته الخارجية مرة أخرى وجهة ثانية، وتفاوض مع ~~ألمانيا في إبرام ميثاق لعدم الاعتداء حتى يستغل عدوان هتلر في ~~الدفاع عن الدولة الروسية الجماعية وبسط نفوذها. وكان للميثاق فيما ~~يبدو ميزتان: الدفاع، بما تضمن من وعد بحياد السوفيت، مما أجاز ~~اعتداء النازي على بولندا دون نشوب حرب في جبهتين؛ ثم التوسع، بما ~~تضمن الميثاق من تقسيم بولندا، وتقسيم شرقي أوروبا إلى مجالات نفوذ ~~معينة. ويبدو أن استالين كان يعتقد أن اتفاقه مع هتلر سوف يدوم؛ ~~ومن ثم فقد ذهل عندما وقع الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي ~~ولم يكن مستعدا لمقابلته. وما إن حل عام 1941 حتى كان الجيش ~~الأحمر قد تحمل من النكبات ما يفوق تلك الكوارث التي أدت إلى سحق ~~الجيش القيصري. وما إن أشرف عام 1941 على نهايته حتى تمكن الضباط ~~الألمان من رؤية ضواحي موسكو من خلال المناظير، ولكن روسيا بفضل ~~معونة الغرب الرأسمالية استطاعت أن تنجو من محنة الحرب وتصد الجيش ~~الألماني الذي قرع أبواب ستالنجراد، وظهرت كأنها «مخلصة الحضارة من ~~الوحشية الهتلرية». # ولم يتردد استالين في أن يستغل السمعة العريضة التي اكتسبها إبان ~~الحرب في دفع أهدافه الشيوعية إلى الأمام. ولما كان يؤمن بالنظرية ~~التي تؤكد ضرورة نشوب نزاع آخر، وضرورة التوسع في قوى الإنتاج حتى ~~تنتصر الشيوعية، فقد استغل جبهة الغرب بالسياسة، والإنهاك والتعب ~~الذي خلفته الحرب في العالم، والمكانة الممتازة التي بلغها الجيش ~~الأحمر في نهاية الحرب، استغل ذلك كله في تعزيز نفوذ الشيوعية في ~~شرقي أوروبا وفي وسطها وفي البلقان، وفي مطالبته بأن يكون لروسيا ~~صوت في ms023 تسوية الأمور في ألمانيا وفي منشوريا وغيرهما من بقاع ~~الأرض. وتبينت الخصومة القديمة ضد الحلفاء السابقين في الخلافات ~~التي نشبت عقب الحرب بشأن تقسيم أوروبا؛ لأن استالين لا يرى حكومة ~~صديقة له سوى تلك التي يديرها الحزب الشيوعي، ولا يرى مجالا ~~للنفوذ إلا للسيطرة الشيوعية المطلقة. ومنذ عام 1945 أخذ الشيوعيون ~~يجمعون مكاسبهم في بلدان شرقي أوروبا، ويزحفون بقواهم إلى الأمام ~~حتى توقفت عند اليونان وبرلين وكوريا ويوغوسلافيا. وقد دفع منطق ~~النظام الروسي الولايات المتحدة إلى أن تتزعم خصوم المعسكر ~~الاشتراكي، واستطاعت أن توقف زحف النفوذ الشيوعي الكامل على آسيا ~~وأوروبا، وهو ما كان يحلم به استالين بعد الحرب. # وبعد هذا الاستعراض للنظرية الشيوعية ووضعها موضع التنفيذ، يجدر ~~بنا أن نفسر السياسة الراهنة التي ينتهجها الزعماء الشيوعيون، ~~وأن نقدر أهميتها كعامل أساسي من عوامل الأزمة العالمية الحاضرة. ~~لقد حدثت منذ وفاة استالين تغيرات متعددة لا تدل على ازدياد ~~المرونة في التنفيذ تحت الظروف الجديدة، دون إحداث أي تغير أساسي ~~في أهداف الشيوعية. ومثال ذلك أن تصرف السوفيت لم يعد ينم - ~~كما كان من قبل - على الرغبة في إحداث أزمة اقتصادية عنيفة في ~~الدول الرأسمالية الكبرى بعد الحرب. كما أن التوتر الداخلي قد ~~خفت حدته بسبب ارتفاع مستوى التنمية الاقتصادية داخل الاتحاد ~~السوفيتي، وبسبب وجود قوة عاملة ماهرة نشأت وترعرعت في ظل نظام بات ~~يمثل إحدى الدولتين العظيمتين في العالم. # ومن التطورات التي حدثت أيضا التحول من نظام التحكم الفردي إلى ~~نظام الزعامة الجماعية. # وهذه المرونة الجديدة في التنفيذ تبدو كذلك في سياسة روسيا ~~الخارجية. ومن العوامل الهامة في ذلك وجود حزب شيوعي متحالف في ~~الصين؛ فبعدما كان استالين لا يسمح بارتباط أخوي بين الأحزاب ~~الشيوعية، وإنما يريد السلطان المطلق للحزب الشيوعي الروسي، يرى ~~الزعماء الجدد ميزة كبرى - بل ضرورة ملحة - في التحالف مع ~~زعماء الحزب الشيوعي الصيني، بسبب قوة نفوذه وبعد تأثيره في ~~آسيا. # وهذه العقيدة وما أحرزته الصين الشيوعية من مركز مرموق ووقوفها ~~رمزا شامخا يشير إلى الثورة ضد ms024 الاستعمار، تستخدم في استغلال ~~القلق الذي أخذ يسري في البلدان المتخلفة في العالم طرا. ~~والعامل الآخر الذي دعا إلى المرونة في السياسة الخارجية هو تلك ~~القوة العظيمة التي أصبحت بين يدي روسيا بعد التقدم الذي أحرزته ~~في تطوير الأسلحة الصاروخية والنووية، فأضعفت بذلك قوة التحالف ~~الدفاعي بين الولايات المتحدة وحلفائها؛ لأنها تستطيع أن تقابل ~~القوة بالقوة، والإرهاب بالإرهاب. # ويتضح مما سبق أن البرنامج الرئيسي الذي رسمه الشيوعيون في روسيا ~~لم يطرأ عليه سوى تعديل طفيف برغم كل ما أدخله الزعماء هناك من ~~وسائل جديدة في طريقة التنفيذ. ونسوق في هذا المجال ما ذكره خروشوف ~~في إحدى حفلات الكرملين التي أقيمت تكريما لزعماء ألمانيا ~~الشرقية الشيوعيين حيث قال: «إذا دخل في روع أي إنسان أن بسماتنا ~~تدل على التحول عن تعاليم ماركس وإنجلز ولينين، فلقد خدع نفسه ~~أيما خداع. إن أولئك الذين ينتظرون هذا التحول عليهم أن ينتظروا ~~حتى يتعلم برغوث البحر الصغير.» # ويمكننا أن ندرك المغزى الكامل لهذه العبارة، إذا نحن قرأنا ~~بإمعان ذلك التقرير الرسمي الطويل الذي ألقاه خروشوف باعتباره ~~سكرتير الحزب الشيوعي في المؤتمر العشرين للحزب الذي انعقد في ~~فبراير من عام 1956. ويجدر بنا أن نركن إلى نص الخطاب؛ لأنه غير ~~شائع أو معروف في بلاد الغرب، ولأنه يرتبط في الأذهان ب «التعايش ~~السلمي». بدأ خروشوف خطابه بتحليل العوامل الرئيسية التي يتصف بها ~~الموقف الدولي في العصر الحاضر. وقد أشار إلى الخطوات الواسعة التي ~~خطاها الاقتصاد السوفيتي، وقارن بين هذه الخطوات و«تعزيز ~~الاحتكارات، وزيادة الاستغلال ... وخفض مستويات المعيشة ... وحدة ~~المنافسة بين الدول الرأسمالية، وبلوغ الأزمات الاقتصادية الجديدة ~~والانقلابات الحديثة ذروتها.» ولكي تتغلب الدول الرأسمالية على ~~الأزمات المطردة، لجأت إلى الوسيلة القديمة، وسيلة عقد المحالفات ~~العسكرية العدائية؛ لكي تسترد نفوذها بالقوة الحربية. وقد علمنا ~~التاريخ أن الدول الاستعمارية - حينما تفكر في إعادة تقسيم العالم ~~- كانت دائما تؤلف التكتلات العسكرية. وهي اليوم تضع الشعارات ~~«المناهضة للشيوعية» ... «لكي تتستر على رغبتها في السيطرة على ~~العالم عن طريق القوة». ولكن يقف في ms025 طريقها وجود روسيا الشيوعية ~~والصين الشيوعية وما لديهما من قوة عامل جديد فعال في التاريخ ~~يعمل على توقف الدول الرأسمالية عند حد. إن سير العلاقات الدولية ~~في السنوات الأخيرة يدل على قيام قوى شعبية أكبر لكي تقاتل في ~~سبيل الاحتفاظ بالسلام. والدوائر الاستعمارية الحاكمة لا تستطيع ~~نكران هذه الظاهرة. وقد بدأ ممثلوهم من ذوي البصائر النافذة ~~يعترفون بأن «سياسة القوة ... قد فشلت ... غير أن هؤلاء الممثلين ~~المعروفين لدى الجمهور لا يجرءون حتى اليوم على القول بأن ~~الرأسمالية سوف تلاقي حتفها في عالم آخر ... في حين أنهم يعترفون ~~صراحة بأن المعسكر الاشتراكي لا يقهر.» هذا هو الموقف الذي يهيئ ~~الظروف للتعايش السلمي. «إن أعداءنا يصوروننا نحن أتباع لينين ~~قوما يحبذون العنف دائما وفي كل مكان. حقا إننا نعترف بالحاجة ~~إلى التحول الثوري للمجتمع الرأسمالي إلى مجتمع اشتراكي، وهو ما ~~يميز الماركسيين الثوريين عن المصلحين. وليس من شك في أن قلب ~~دكتاتورية البرجوازية بالعنف في عدد من البلدان الرأسمالية ضرورة ~~لا مناص منها. ولكن أشكال الثورة الاجتماعية متنوعة ... فإن شدة ~~النضال واستخدام العنف أو عدم استخدامه في التحول إلى الاشتراكية ~~يتوقف على مقاومة المستغلين ... والمقاومة الجدية - بطبيعة الحال - ~~من جانب القوى الرجعية أمر لا مفر منه في تلك البلدان التي ما زالت ~~الرأسمالية فيها قوية، حيث تملك أداة حربية وشرطية ضخمة؛ فهناك يتم ~~التحول الاشتراكي تحت ظل نضال طبقي ثوري حاد.» # ويؤيد هذه السياسة الشيوعية الأساسية زعماء الحزب الصيني ~~الشيوعي. وربما كان أحسن تعبير عنها ما ورد في كتاب ماوتسي تنج عن ~~«الحرب الطويلة». وأهمية ما ورد هنا لا تصدر عن مكانة ماوتسي ~~المرموقة كزعيم الثورة الشيوعية في آسيا فحسب، بل تصدر أيضا عن ~~الدور الذي يقوم به كرمز سياسي للثورة الأعم ضد ثلاثة قرون من ~~سيادة الغرب، وهي ثورة تستمد حافزا جديدا من نجاح الثورة الصينية ~~(وليست هذه الحرب رائدا لتحرير الصين فحسب، ولكنها تدل دلالة ~~قوية على الثورة العالمية. وسوف نقود الحرب الصينية حتى نهايتها، ~~وسوف نترك أثرا بعيدا كذلك ms026 في ثورة الشرق، وفي العالم كله). ولبث ~~ماوتسي نحو عشرين عاما في ريف الصين وفي جبال ينان دون أن يحيد عن ~~هدفه الذي يرمي إلى تجميع السلطة في الصين. والاحتمال والصبر ~~والجلد، على سند من سياسة ثورية بوسعها أن تستغل تقلبات الحظوظ ~~والظروف، من الشروط اللازمة للنصر. وتتلخص هذه السياسة في ثلاث ~~قواعد صاغها ماوتسي؛ أولها أن المذهب الماركسي يقوم بالنسبة إلى ~~التأثر الشيوعي بعمل المنظار المقرب أو المكبر الذي يميز به ~~بين الضروري وغير الضروري في تقدير العوامل. وثانيها أن من واجبنا ~~أن نبذل قصارى الجهد في صم آذان العدو وإغماض عينيه، فنجعله كفيفا ~~أصم؛ وذلك لكي نحقق النصر لأنفسنا. وثالثها «أن نتقهقر إذا تقدم ~~العدو، وأن ننقض إذا توقف، ونهجم إذا تريث، وأن نتابع السير ~~إذا تقهقر.» إن ما نبه إليه سقراط عندما قال «اعرف نفسك» يتحول ~~عند الشيوعيين إلى هذا التحذير: «اعرف عدوك واعرف نفسك؛ فإن فعلت ~~كسبت مائة معركة دون أن تنهزم في واحدة.» # ويترتب على مواصلة النضال أن يكون السلام ضربا من ضروب النضال، ~~واستمرارا للنزاع، ولكن بوسيلة أخرى، وأنه لا يمكن تحقيق السلام ~~الدائم إلا بالقضاء على النزاع الطبقي الذي يأتي نتيجة لإقرار ~~النظام الشيوعي في العالم، وأن أية حركة شيوعية، مهما تكن عسكرية، ~~هي حركة عادلة تخدم قضية السلام، في حين أن كل حركة رأسمالية، مهما ~~تكن مسالمة، هي حركة سخيفة ظالمة لأنها تؤدي إلى اشتعال الحرب. ~~«إننا نهدف إلى السلام، لا في بلد واحد فحسب، ولكن في أنحاء العالم ~~طرا. ونحن لا نهدف إلى السلام المؤقت، وإنما نهدف إلى السلام ~~الدائم. ولكي نحقق هذا الهدف يجب أن نشن حربا لا هوادة فيها، ~~وأن نكون مستعدين للتضحية بأي شيء؛ لأن الحرب ذاتها، ذلك الخطر ~~الذي يفتك بالطرفين على السواء، سوف تختفي بذلك نهائيا من ~~المجتمع البشري. ولكن هناك وسيلة واحدة نستبعد بها شبح الحرب، وهي ~~أن ننفي الحرب بالحرب، وأن نقضي بالحرب النووية على الحرب ~~الرجعية.» # وتمشيا مع هذا المذهب السياسي، ومع الدروس ms027 التي تعلمها من حزب ~~لينين ومن الخطط الخمسية الاستالينية، شرع ماوتسي وغيره من زعماء ~~الصين في إخضاع القطاعات شبه الإقطاعية وشبه الاستعمارية تحت ~~الرقابة المطلقة لسلطات التحقيق. وقد نفذ هذا البرنامج على مستوى ~~من التقدم ينخفض عن المستوى الروسي في عام 1900م، وبسرعة تفوق ما ~~رسم استالين في عام 1928م؛ ومن ثم بات من المحتمل أن يزيد عدد ~~الضحايا البشرية عما حدث في روسيا ذاتها، وهي المثال المحتذى. وقد ~~اتخذت كل وسائل الضغط السياسي لإنشاء الصناعات الثقيلة على حساب ~~الزراعة الجماعية، فنجم عن ذلك، وعن بطء التنمية الزراعية، أن بات ~~ما ينيف عن ستمائة وخمسين مليونا من البشر يعيشون على الكفاف. وقد ~~أعلن ماوتسي في عام 1953 بداية التحول إلى الشيوعية و«التحول ~~السلمي» لطبقة البرجوازي. وهذا المذهب، الذي لم يظهر حتى الآن في ~~العقيدة الشيوعية، إنما نشأ من تخلف الاقتصاد في آسيا، وكثرة ~~الفلاحين وقلة العمال، وتحديد عناصر الطبقة البرجوازية وضعفها، بل ~~ومعارضتها للرأسماليين الأجانب الذين يسيطرون على خاماتهم؛ فكان من ~~الميسور أن تلقن الطبقة البرجوازية مبدأ التعاون مع الحزب في بناء ~~الاشتراكية. # وهذه السياسة الداخلية تؤيد وتعزز السياسة الخارجية للنظام ~~الشيوعي. والهدف الأول للزعيم الشيوعي الصيني في هذه الآونة هو ~~قيام الصين الموحدة القوية، ولا يرمي إلى تثبيت أركان السيطرة ~~الشيوعية على بلاده الشاسعة فحسب، وإنما يرمي أيضا إلى بسط النفوذ ~~الشيوعي في جنوب شرقي آسيا؛ ومن ثم فإن الولايات المتحدة تصبح ~~هدفا لهجوم بكين؛ لأنها تبدو للشيوعيين الدولة الإمبريالية ~~العظمى، وأكبر عقبة في سبيل تحقيق أهداف الدولية العالمية. ولا ~~يمكن للصين الشيوعية أن تنسى أن الولايات المتحدة قد أيدت ~~اليابان الحديثة وجنوبي كوريا، وعاونت تلك البلاد التي تقع في جنوب ~~شرقي آسيا من بورما إلى الفلين، حيث ترى الصين الشيوعية نفوذها ~~هناك معرضا للخطر. ولكن زعماء الصين الشيوعية - طبقا لنظرية ~~ماوتسي التي تقول بمواصلة الحرب والنضال - ليسوا على عجل، وبوسعهم ~~أن يتريثوا حتى تتاح لهم الفرصة التي تمكنهم من بسط نفوذهم ~~على تلك المساحة الشاسعة من الأرض التي ms028 تهمهم، وهي مساحة تموج ~~بأسباب القلق، غنية في مواردها، مأهولة بقوم فقراء ساخطين، يمكن ~~توجيه ما في نفوسهم من مرارة في يسر نحو القرون الثلاثة التي ~~خضعوا فيها لنفوذ الغرب، ذلك النفوذ الذي تعد الولايات المتحدة ~~رمزا له في الوقت الحاضر. وزعماء الصين الشيعية باعتبارهم آسيويين ~~خالصين وبوصفهم شيوعيين، يتحكمون في قوة آسيوية لها مكانتها في ~~المجال الدولي، وفي منتصف القرن العشرين يكونون بوضعهم هذا أساسا ~~مكينا لتحالف صيني سوفيتي في الأزمة العالمية الراهنة. # وإذا بقي الموقف الدولي على هذه الحال دون تحول في سياسة الدول ~~الكبرى، فلا بد أن يدخل العالم في حرب ضروس قد لا يبقى فيها شرق ~~ولا غرب. ~~(3) تحدي البلدان المتخلفة # إن الثورة الشيوعية تتخلل ثورة أخرى يشب اليوم أوارها في ~~البلدان المتخلفة في العالم وتقويها وتؤازرها، وتشمل هذه البلدان ~~أكثر شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهم يبلغون على وجه ~~التقريب ثلثي سكان العالم أجمع، وهم يتحدون الغرب بسبب ما ~~يعانون من فقر مدقع، وما يتأجج في صدورهم من وطنية عارمة، وبسبب ~~اطراد الزيادة في السكان، ورغبتهم في اللحاق بالتقدم الصناعي الذي ~~يتميز به القرن التاسع عشر. والطريقة التي تعالج بها هذه الشعوب ~~مثل هذه المشكلات فتنجح في حلها أو تفشل سوف تؤثر في مستقبل الحرية ~~في العالم تأثيرا كبيرا. # وأول وجه من وجوه هذا التحول في المجتمعات غير الغربية هو قيام ~~ثورة تتسم بالطموح والأمل. إنها مجتمعات فقيرة جدا، ولم تعد ~~شعوبها تحس بضرورة الخضوع للفقر الشديد الذي كان يكابده أسلافهم. ~~ويدل على هذا الفقر انخفاض مستوى دخل الفرد، وبخاصة في قطرين ~~عظيمين كالهند والصين. وليس هذا الفقر على هذه البلدان بجديد، وهو ~~فقر تسوده نظم الاقتصاد الزراعي، ويشكو فيه السكان الجوع وسوء ~~التغذية، وتنتشر فيه الأمراض، ويقل مجهود الفرد. وقد أدرك سكان هذه ~~البلاد مقدار انحطاط المستوى في طريقة عيشهم باحتكاكهم بأهل الغرب، ~~كما أدركوا الإمكانيات الفنية التي يمكن أن تستخدم في رفع مستوى ~~العيش عندهم. # وكذلك أدى احتكاك أبناء هذه البلاد بأبناء الغرب ms029 إلى إشعال نار ~~الثورة الوطنية، واقتبسوا فكرة الحكومة الوطنية وحق تقرير المصير ~~من الغرب، وحقدت المستعمرات على الإمبريالية الغربية واستغلالها ~~لثروات بلادهم. وقد أثار هذا الشعور في نفوسهم زوال القيم ~~القديمة وطرائق العيش العتيقة نتيجة لتأثير الغرب، والذل الذي ~~فرضه عليهم المستعمر. ولم يعد الفلاح على سذاجته مقتصرا على ~~فلاحة الأرض، يرضى بالقليل من الرزق وبوجود الملكيات الشاسعة. كما ~~انحلت روابط الأسرة وتماسك أهل القرية. وكذلك العمال في المدن ~~كانوا من القرويين المهاجرين الذين فقدوا حماية القرية ولم يجدوا ~~الطمأنينة في المجتمع الجديد. أضف إلى ذلك تلك الطبقة الوسطى التي ~~تعلم بعض أفرادها في الغرب وأشبعوا بروحه، فقد ثاروا على وضعهم ~~الذليل تحت سلطان المستعمر، وعلى النظام شبه الإقطاعي الذي يسود ~~بلادهم. وقد أدى ذلك كله إلى اضطراب الطبقة الحاكمة القديمة. وهذا ~~التحول من نظام المستعمرات إلى الدول المستقلة أخذ يطرد بسرعة ~~فائقة بعد الحرب العالمية الثانية. # كما أن السكان في هذه البلاد يتزايدون بنسبة مرتفعة جدا لا ~~تمكنها مهما جدت أن تزيل معها أسباب الفقر ومظاهره. ويمكن تقسيم ~~هذه البلاد إلى مجموعتين بالنسبة إلى نمو السكان فيها؛ مجموعة تطرد ~~فهيا الزيادة في الوقت الحاضر، ومجموعة أخرى يمكن أن ينمو فيها ~~السكان بسرعة فائقة. ويرجع السبب في هذا النمو إلى زيادة نسبة ~~المواليد مع تحسن الظروف الصحية والطبية وانخفاض تكاليف ~~العلاج. # وسوف يكون لهذه الزيادة في السكان في البلدان المتخلفة حتما ~~آثار سياسية واجتماعية واقتصادية بعيدة المدى؛ فإما أن يرتفع مستوى ~~المعيشة في هذه البلدان، وإما أن يبدو الفرق واضحا بينه وبين ~~المستوى في بلاد الغرب، فتشتد العداوة بين الشرق والغرب. # وهذه الحالة من الفقر التي بيناها، واشتعال روح الوطنية، ~~واطراد الزيادة في السكان هي التي تدفع هذه البلاد إلى السير في ~~طريق التصنيع؛ فإن الحكومات في هذه البلاد تعتقد أن التصنيع هو ~~الوسيلة الوحيدة لرفع مستوى المعيشة إلى الاستقلال القومي والكرامة ~~الوطنية. إنهم يريدون أن يطبقوا الوسائل الفنية الغربية على عجل ~~دون الشعور بضرورة الارتباط بها. ونظرا لقلة الدوافع ms030 الفردية، ~~وضعف المهارات الفنية والقدرة على الابتكار بين الأفراد، ونظرا ~~لضغط الظروف السياسية، فإنهم يميلون إلى تسليم الحكومة المركزية ~~الدور الرئيسي في توجيه التنمية الاقتصادية. ونظرا إلى الحاجة إلى ~~التوسع في الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والمرافق العامة ~~والنقل ووسائل المواصلات، فإن مساهمة الحكومة لا بد أن تكون على ~~نطاق فسيح. # ولكن نسبة نمو السكان سوف تخلق مشكلات عويصة حادة، وقد تقف ~~عقبة كئودا في سبيل تحقيق الأهداف الاقتصادية. وهذه هي الظروف ~~التي تهيئ الفرص إلى انتشار فكرة الشيوعية وتحدي الغرب. # وتتمثل هذه المشكلات الكبرى في الهند والصين على نطاق واسع. وقد ~~بدأت الثورة ضد الغرب في هذين البلدين تحت حكومتيهما بعد الحرب ~~العالمية الثانية، وفي كل منهما عدد كبير جدا من السكان، يبلغ ~~في الصين نحو 650 مليونا، وفي الهند نحو 400 مليون. وهذا العدد ~~آخذ في التزايد المستمر. وكانت الزراعة وانحطاط المستوى الاقتصادي ~~هما الحالة السائدة هنا وهناك، ودخل الفرد في هذه البلاد يهبط إلى ~~مستوى غاية في الانخفاض. فأخذت الحماسة زعماء البلاد لوضع الخطط ~~الاقتصادية التي ترفع من شأنها، ووضعت الخطة في الصين على أساس ~~تنمية الصناعات الثقيلة إلى الحد الأقصى، وعلى أساس جماعية ~~الزراعة، وذلك دون زيادة الموارد الزراعية على وجه الإجمال أو رفع ~~مستويات المعيشة بين السكان. أما في الهند فإن الخطة ترمي إلى ~~تحسين مركز الزراعة وإصلاح الريف ورفع مستوى المعيشة بين الناس، مع ~~تنمية القطاع الصناعي في الصلب ومصادر القوة وغير ذلك من الصناعات، ~~وكذلك السلع المستهلكة. ويرسم الخطة ويراقب تنفيذها في الصين ~~مراقبة تامة زعماء الحزب، دون مناقشة الجمهور، ومع سيطرة الحكومة ~~المباشرة في كل مجال. أما في الهند فإن الخطط ومشروعاتها تذاع ~~بين الجمهور، وتشترك في المسئولية مع الحكومة المركزية الصناعات ~~الخاصة والحكومات المحلية. وتحتذي الصين في رسم خططها الاتحاد ~~السوفيتي. وقد قال نهرو بعد زيارته الصين ذات مرة إن الهدف من ~~الخطة الهندية «ليس هو تضحية النظم الديمقراطية على مذبح التقدم ~~الاقتصادي ... فإن الرفاهية الاقتصادية التي تقوم على أساس إنكار ~~الحرية ms031 البشرية وكرامة الإنسان لا يمكن أن تبلغ بأي قطر من ~~الأقطار غاية بعيدة في نهاية الأمر.» وهذا التباين في الأهداف ~~والبرامج بين الأمتين الكبيرتين في آسيا له أهمية قصوى في الأزمة ~~التي تعانيها في الوقت الحاضر. ~~(4) مصير الحرية في الغرب # في هذه الظروف التي تنشأ عن تحدي الدول المتخلفة وتحدي الشيوعية ~~يجب أن نحاول فهم الأزمة في الغرب ذاته. إن التكنولوجيا الحديثة ~~تدعو إلى تقسيم العالم وعدم الاستقرار فيه. وليس هناك من سبيل إلى ~~الرجوع في تقدم المعرفة والتكنولوجيا. وحتى لو توقف الغرب عن ~~التطور التكنولوجي، فإن الاتحاد السوفيتي وبلدان الشرق لا يمكن أن ~~تتراجع فيه؛ فلا مناص إذن للغرب من الخضوع لتطورات التكنولوجيا أو ~~التطبيق العلمي. # ومن ثم قام من بين المفكرين في الغرب من يدعو إلى تطور العلم ~~إلى أبعد غاياته بغض النظر عن آثاره الإنسانية. وبناء على ما ~~يرى هؤلاء المفكرون تصبح السياسة تابعة للقوة، وتمسي القدرة ~~والموارد العظيمة ذات أثر في رجحان كفة الحق. وهذه النظرية - نظرية ~~القوة المبنية على المعرفة العلمية - لا تعبأ بالمبادئ ~~الديمقراطية، كما أنها لا تعبأ بالقيم الإنسانية. وقد ترتب على ~~ذلك الخلط بين تقدم العلم والتدمير، وبين اليقين والشك، وبين ~~الحرية والأمن. # وهذه الأزمة في القيم تتمثل في محاولة التوفيق بين التطور ~~التكنولوجي القائم على البحث العلمي الحر، وبين التطور الإنساني ~~والروحي القائم على أساس كمال شخصية الإنسان وضرورات المجتمعات ~~البشرية والتزاماتها. والمجهود يسير نحو توجيه التقدم التكنولوجي ~~نحو رفاهية الإنسان. # ولهذه المشكلة أوجه كثيرة تظهر في مختلف الميادين؛ فهناك أزمة ~~الديمقراطية، هل يستطيع المجتمع الصناعي أن يعاون على التقدم ~~البشري والتطور الاجتماعي مع المحافظة على كيانه؟ إن ذلك يعني إلى ~~حد ما أن يئول استخدام القوى إلى أيدي أولئك الذين استطاعوا أن ~~يظفروا بها، وعندئذ تدعى الدولة إلى زيادة التدخل لكي تحفظ ~~للإنسانية رفاهيتها. ويزداد بذلك سلطان الدولة تدريجا حتى تضيق في ~~النهاية بأي نقد يوجه إليها. وهناك أيضا مشكلة الموازنة بين ~~إيجاد عمل لكل فرد دون تضخم في المجتمع ms032 الرأسمالي الصناعي، هل يمكن ~~أن نوجد عملا لكل فرد وأن تحتفظ في الوقت ذاته بالاستقرار ~~الاقتصادي؟ أو هل لا مندوحة لنا عن أن نضحي بأحدهما في سبيل ~~الآخر؟ وهناك أيضا مشكلة تنظيم الغرب على أساس تعاوني غير وثيق ~~لكي يوحد جهوده دفاعا عن نفسه ضد الشيوعية وتأييدا للتقدم ~~الاقتصادي الديمقراطي في البلدان المتخلفة. هذه كلها مشكلات عسيرة ~~الحل، تحطم الأمل في المستقبل، وتبعث القلق في النفوس. # وليست هذه التطورات سوى حلقة أخيرة من السلسلة التي بدأت بتقدم ~~العلم الحديث ونشوء القوميات الذي بدأ منذ عصر النهضة. والمشكلة ~~الكبرى التي يواجهها الإنسان المعاصر هي هذه: هل يمكن لتقدم العلوم ~~وقيام الحكومات الوطنية أن يكونا سبيلا إلى الحرية أو إلى زوالها؟ ~~وقد بلغت هذه الأزمة مداها بتجمع القوى في دولتين كبيرتين هما ~~الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. أولاهما تدعو إلى الحرية، ~~والأخرى تدعو إلى الخضوع. ومن هنا كان الدور القيادي الذي يتحتم ~~على الولايات المتحدة أن تقوم به في سبيل إنقاذ مستقبل الحضارة ~~الغربية. # ولكي تؤدي هذا الواجب الذي ألقي على عاقتها نراها تحاول أن ~~تزيل كل عقبة تقف في سبيل إعادة البناء الاقتصادي لدول الغرب التي ~~أقفرت وأفلست بعد الحرب العالمية الثانية، ورسمت لذلك عدة مشروعات؛ ~~منها مشروع مارشال، وبرنامج النقطة الرابعة، والمعونة العسكرية ~~للبلدان التي يهددها العدوان السوفيتي؛ كما فعلت في جنوب كوريا لكي ~~توقف شمالها الشيوعي عن ابتلاع شبه الجزيرة كلها، وأيدتها في ذلك ~~الأمم المتحدة. وكذلك فعلت الولايات المتحدة في كل بلد يهدده ~~العدوان الشيوعي. # ولكن الولايات المتحدة - برغم هذا - ليست على ثقة من نجاح ~~وسائلها، كما أن المثقفين وأصحاب الرأي خارج أمريكا يشكون في ~~إمكان تغلب الديمقراطية على الحكومات الدكتاتورية؛ ومن ثم فإن ~~فلسفة الديمقراطية - حتى حينما تتنزه عن الرأسمالية - ليست فعالة، ~~بل وليست إنسانية، في نظر كثير من الناس، كما تزعم ~~الشيوعية. # ولا تسلك الولايات المتحدة في سياستها الداخلية مسلكا يؤيدها في ~~هذا الصراع الناشب بينها وبين الاتحاد السوفيتي؛ فهي تتناقض في ~~سياستها الخارجية وتتدخل في شئون ms033 غيرها، ولا تقدر الملابسات حق ~~قدرها، وهي تضطهد المعارضين للديمقراطية والمؤيدين للشيوعية بغير ~~هوادة، ثم هي تفرق بين البيض والسود تفرقة عنصرية لا تجوز في ~~القرن العشرين. كل ذلك يثير العداوة للولايات المتحدة أحيانا في ~~بعض بلدان أوروبا وآسيا وأفريقيا، ويثير عليها الاتهام بالمادية ~~وضيق الأفق. ومهما يكن من أمر فإن تضخم القوى في أمريكا يثير ضدها ~~الشكوك. وكذلك كثيرا ما تضر طرق الدعاية الأمريكية ~~بسمعتها. # وقد يعتقد الأمريكيون أن أسلوبهم في الحياة يخدم قضية الحرية، ~~وأن الأسلوب السوفيتي يقضي عليها؛ ومن ثم فهم يؤمنون بأن الدول ~~المؤيدة للحرية ينبغي أن تنضم كلها إلى المعسكر الأمريكي ضد ~~الاعتداء الشيوعي. ولكي تحقق ذلك نراها تتبرع بالمنح والمعونات، ~~مما قد يخدش أحيانا سيادة الدول التي تقبل هذه المنح وتلك ~~المعونات. ولكن ذلك يهون في نظر الأمريكان إذا قيس إلى الذل ~~والخضوع اللذين يفرضهما النظام السوفيتي. ووسط هذا الصراع بين ~~الشرق والغرب يجد مبدأ الحياد ما يسوغه، خاصة وأن الدول المحايدة ~~لا تعتقد أن روسيا أو أمريكا سوف تستخدمان ما لديهما من أسلحة؛ لأن ~~ذلك معناه تدمير الدولتين، بل وتدمير العالم بأسره. # وكان لا بد لمقابلة هذه الحالة من نشوب الحرب الباردة، التي مهما ~~كانت مساوئها فإن ضررها أخف على الناس من ضرر الحرب الشاملة. ولكن ~~امتداد هذه الحرب الباردة يؤدي إلى تصوير القضية في نظر أهل الشرق ~~بأنها قضية الاستعمار والتحرر من سيادة الرجل الأبيض، مما يضطر دول ~~الغرب إلى التكتل ضد مزاعم الشرق. ولما كانت أمريكا في نظر ~~الشرقيين تنحاز إلى الغرب، فإن المشكلة تتعقد تدريجا، ولا تجد ~~سبيلها إلى الحل النهائي. # ولا ترى أمريكا التعايش السلمي حلا للمشكلة؛ لأنها ترى في ~~انتهاج هذه السياسة ما يمكن للشيوعية من تعزيز نفوذها في مختلف ~~الأقطار. ولا بد لمواجهة هذا الموقف من ازدياد قوة الغرب وتوحيد ~~صفوفه، وفي ذلك إذن خطر على الدول التي تريد أن تحقق استقلالها ~~كاملا. # وإذن فلا بد من معالجة الموقف الدولي في كثير من الحذر والحكمة. ~~وإذا كان ms034 لا بد للولايات المتحدة من أن تتزعم قضية الحرية، فعليها ~~أن تراعي ثلاثة أمور؛ الأول أنها يجب أن تدرك أن القضية ليست ~~قضية النزاع بين الاشتراكية والرأسمالية، وإنما هي قضية الحرية ~~والدفاع عنها. وفي هذا تتشكك في نيات أمريكا كثير من الدول، ~~وبخاصة ما كان منها خاضعا للنفوذ البريطاني من قبل. # والأمر الثاني الذي يجب أن نذكره هو أن دور الدولة في جميع ~~المجتمعات لا بد أن يأخذ في الازدياد؛ ذلك لأن الالتزامات ~~التكنولوجية تقتضي زيادة نفوذ الدولة، وذلك مما يدعو إلى الحد من ~~حرية الأفراد؛ ومن ثم كانت مهمة الولايات المتحدة شاقة عسيرة؛ ~~لأنها تدعو إلى التحرر في وقت يتطلب فيه التطبيق العلمي زيادة ~~الرقابة. ولم تعد خير الحكومات أقلها تحكما في العصر الحاضر، ~~وإنما خيرها ما يكفل رفع مستوى المعيشة مع الاحتفاظ بالحرية ~~السياسية. وقد يرى المؤيدون لازدياد نفوذ الدولة مقدمة لقيام ~~الحكومة العالمية. ولكن ذلك لن يكون بطبيعة الحال إلا على حساب ~~حريات الأفراد، الذين ربما أغراهم قيام الحكومة العالمية لمنع نشوب ~~الحرب العالمية بالتضحية بحرياتهم الفردية، بل حريات الدول التي ~~ينتمون إليها. # والأمر الثالث الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا هو أن زعامة ~~الولايات المتحدة تتطلب التزام الآراء والمثل الداعية إلى الحرية. ~~ولكن الدول الأخرى ترى في الولايات المتحدة دولة مادية تكتفي ~~بإنتاج السيارات وأجهزة التليفزيون لإشباع رغبات الأفراد، والأسلحة ~~الفتاكة والصواريخ لتعزيز النفوذ السياسي. ونحن لا ندعو إلى الحد ~~من إنتاج هذه السلع لأنها أيضا تسد رغبات غيرنا من الأمم، ولكن ~~ما يجب أن نذكره هو أنه إن كان المضي في هذا الاتجاه يحقق الآمال ~~الأمريكية، فإنه يجب أيضا أن تتاح لغيرنا الفرصة للمضي فيما يرى ~~أنه يحقق حريته في التعبير عن نفسه بطريقته. ولا يكفي أن نتحيز ~~بطريقة العيش الأمريكية، بل ينبغي أن نلقي على الموضوع نظرة أشمل، ~~فندرك ضرورة تكافؤ الفرص بين الأمم، والاحتفاظ بكرامة الإنسان. ~~وبذلك تقوم أمريكا بدورها القيادي الجديد الذي يحقق في الحرية ~~آراء ونظريات لم توضع من قبل موضع ms035 التنفيذ. # يجب أن تكون الولايات المتحدة «مصنعا للحريات» تصدرها إلى ~~الخارج - كما قال من قبل فيلسوفها السياسي ماديسون - يجب أن تكون ~~التكنولوجيا هنا عاملا من عوامل تحقيق الحريات. إن ما حققته ~~الولايات المتحدة لنفسها من استقلال وحرية يجب أن يكون مثالا ~~لغيرها من الشعوب كما قال جيفرسون. إننا ندعو إلى تعضيد الإنسانية ~~في نضالها لتحقيق كرامتها، وهي الفلسفة التي نرجو أن يسترشد بها ~~القادة فيما يواجهون من أزمات. فهل يستجيب لهذه الفلسفة رجال الحكم ~~والسياسة في العصر الحاضر؟ هل نستطيع أن نعيد الثقة بقيمة الإنسان ~~وبقدراته العقلية؟ وهل الحرية وحياة التعقل من القيم التي ينبغي أن ~~نعمل على تحقيقها؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن يتم ذلك في ~~عصرنا؟ وهل تعلمنا من الأزمة الحاضرة درسا جديدا في الركون إلى ~~العقل والعمل على تحرير الإنسان والاحتفاظ بكرامته؟ ~~(5) دور الفلسفة في الأزمة الحاضرة # إن الأزمة التي نعانيها في الوقت الحاضر أزمة حقيقية محسوسة، ~~ولا يمكن التغلب عليها بالتحذير منها أو بالتحذير من أخطارها. وما ~~دام الأمر كذلك فإنا نتساءل: وما شأن الفلسفة بها؟ وغرضي أن أجيب ~~هنا عن هذا السؤال. وإنما ينبغي لنا قبل الزعم بأن الفلسفة لها أية ~~علاقة بالجو المضطرب الذي يسود العالم أن نفهم المعنى الذي تدل ~~عليه الفلسفة. # ومن أسباب الشك في قيمة الفلسفة في وقت الأزمة هو تلك النظرة ~~العامة التي ترى أن الفلسفة - على أحسن الفروض - شيء خاص ليست له ~~البتة علاقة بمهام العيش. ومن سوء الحظ أن هذا الرأي لا يعتنقه ~~رجل الشارع وحده، وإنما يعتنقه أيضا بعض الفلاسفة المحترفين في ~~بريطانيا والولايات المتحدة، فهذا النفر لا يأبه إلا بطرق التحليل ~~الفلسفي في سبيل توضيح أجزاء من العلم أو ما يجري به اللسان ~~العادي، بل إنهم كثيرا ما يهتمون بصورة التعبير أكثر من اهتمامهم ~~بما يودون أن ينتهوا إليه بتوضيحهم. وبنمو هذه الحركة وبالتساؤل ~~عن طبيعة التحليل الفلسفي ذاته، اتجهت جهود هذه الفئة من الفلاسفة ~~إلى تحليل «التحليل». # وهناك بطبيعة الحال آراء قديمة أخرى ms036 عن طبيعة الفلسفة؛ فالفلسفة ~~عند جورج سانتيانا تستحق الدرس؛ لأنها عبارة عن الجهد الذي يبذل ~~في سبيل الكشف عن الحقائق الثابتة التي تلقي الضوء على نشاط ~~الإنسان، فهي لا تصنع من أجل موقف حرج، وربما لم تكن لازمة في مثل ~~هذه المواقف. ولكن ماركس - من ناحية أخرى - يعتقد أن هذا الرأي ~~خيالي، بعيد كل البعد عن الأمور والناس في هذه الدنيا؛ فقد كان ~~حرج العصر الذي عاش فيه مما يشغله، وحث على الثورة في الفلسفة لكي ~~تهتم بأزمة العصر. ومما قال في ذلك: «إن الفلاسفة قد اكتفوا حتى ~~الآن بتفسير العالم، وإنما المهم تغيير هذا العالم.» وبالرغم من أن ~~رجال التحليل الفلسفي يعتقدون أن كلا الاتجاهين - التفسير والتغيير ~~- خاطئ، فليس من شك في أن الاتجاهين لا يزالان يقتسمان إلى اليوم ~~ذلك الجزء من عالم المعرفة الذي لم يأخذ بنظرية التحليل ~~الفلسفي. # ثم إن هناك - إلى جانب ذلك - من يرى أن الفلسفة تعبير عن العقائد ~~والتزامات الأفراد؛ فهي عزاء وسلوى. وزعيم هذا الاتجاه سقراط، رمز ~~الإنسان المتفلسف في العالم الغربي، الذي رفض أن ينجو من الموت إذا ~~كان ذلك على حساب تخليه عن الفلسفة التي كان يعيش بها ومن ~~أجلها. # وربط «الفلسفة» في هذا الكتاب ب «أوقات الحرج» يرمي إلى الإشارة ~~إلى رأي متكامل يقتضي النظر بعين الفاحص إلى قضايا لها أهميتها ~~القصوى للإنسان الحديث. وهذه النظرة إلى الفلسفة تقترب من معناها ~~اللغوي «حب الحكمة»، ومن أهميتها التاريخية باعتبارها المجال الحر ~~للعقل البشري. وقد ظهر الفيلسوف بهذا المعنى بادئ الأمر في تاريخ ~~الغرب منذ نحو 2500 عام في اليونان حينما ثار الإنسان على التفكير ~~الأسطوري القديم باجترائه على التفكير المتحرر المستقل في أي وجه ~~من وجوه التجربة البشرية؛ ومن ثم فإن كل تواريخ الفلسفة الغربية ~~تبدأ بطاليس وتأملات مدرسة ميليزيا في الكون. هنا نجد الدراسة ~~الكونية تحل محل الأساطير، ونرى الأفراد المفكرين يحتلون مكانة ~~الكهنوت، والبحث العقلي يأخذ مكانة الطقوس المعقدة. وما إن بدأ هذا ~~النوع من أنواع التفكير، حتى سار ms037 شوطا بعيدا ولم يقف عند ~~حد. # وإذا كانت الفلسفة قد بدأت بالتعجب في خلق الكون، فقد بلغت شأوا ~~آخر عندما اتجهت نحو البحث عن معرفة الإنسان بنفسه الذي نادى به ~~سقراط. كانت رسالته الاهتمام بالنفس، حتى لا يرضى الإنسان عن جهله ~~أو يقنع بحاله؛ لأن الحياة التي لا تفحص ، والحياة التي لا تنقد، ~~ليست جديرة بالإنسان. وبحث الشباب الأثيني على هذا اللون من البحث ~~الناقد المستقل شجع سقراط في الواقع على الثورة على الخضوع ~~الاجتماعي لسلطان أصحاب النفوذ وقوة العادات والتقاليد؛ مما هدد ~~حياته بالخطر، وحدا بحكام أثينا أن يطلبوا إليه أن يكف عن نشر ~~هذه التعاليم، وانتهى الأمر بمحاكمته وإعدامه. استمع إليه وهو في ~~محنته يقول: ~~«لن أتخلى عن التفلسف، وعن حثكم عليه، وتوضيح رأيي لكل من ~~أقابل، قائلا له ما ألفت أن أقول دائما: سيدي، إنك أثيني، وإنك ~~مواطن في المدينة العظمى التي اشتهرت بحكمتها وقوتها، ألا تخجل من ~~اهتمامك بمالك وبإنماء ثروتك، وبسمعتك، وبمكانتك، بدلا من اهتمامك ~~بمعرفة الخير والحق وكيف تسمو بروحك؟ وإذا رد علي إنسان بقوله ~~إنه لا يهتم بروحه، فلن أخلي سبيله في الحال وأدعه ينصرف، بل لا ~~بد أن أسأله وأن أحقق معه لكي أعارض رأيه؛ فإن اعتقدت أنه بغير ~~فضيلة - وإنما يدعيها بلسانه - أنبته على الحط من قدر أسمى ما له ~~قيمة، والرفع من شأن ما ليست له قيمة، سأفعل ذلك مع كل من ألاقي من ~~الناس، شيخا كان أو شابا، غريبا كان أو مواطنا، وسأفعل ذلك ~~خاصة معكم أيها المواطنون الأثينيون لما بيني وبينكم من صلة ~~الرحم، وأرجو أن تفهموا أن ذلك هو ما أمرني الله به، وأحسب أنكم لم ~~تنعموا بخير أعظم من هذا الواجب الذي أؤديه لوجه الله؛ لأن كل ما ~~أعمل هو أن أتجول وأقنع الشيوخ والشباب منكم بألا تعطوا أبدانكم ~~وأموالكم من العناية مثلما تعطون لكمال أرواحكم.» # وليس من العسير بعد هذا أن نرى لماذا يعد سقراط أحد أبطال ~~البشرية في مجال الفكر؛ فهو قديس دنيوي عاش ms038 ومات من أجل إيمانه ~~بالإنسان وبسيادة العقل البشري. # وفي هذه النشأة وهذا التطور لفلسفة الغرب، نستطيع أن نرى ثلاثة ~~عناصر ثابتة في التقليد الفلسفي من عهد أفلاطون وأرسطو حتى هوايتهد ~~وديوي؛ مما يساعدنا على أن نتبين الدور الذي تلعبه الفلسفة؛ ~~فالفلسفة أولا تقتضي فحص العقائد فحصا واعيا، ولكل منا ~~عقائده، وبفحص هذه العقائد نزداد نضجا، ونمسي أشد قدرة على تقدير ~~قيمة ما نعتقد فيه ومدى تأثيره حتى نبيت أكثر وعيا به وبما يترتب ~~عليه. والعقل - باعتباره راوية لما نعتقد فيه - ضرب من ضروب ~~النشاط الإنساني الذي ليس له عنه غنى. والتفكير - في الفلسفة - ~~ينتظم بالعقل وبالخبرة على السواء؛ العقل للتحكم في علاقة الفكرة ~~بغيرها، والخبرة لتوجيه ما يمكن أن يسلم به، أو يعد من الأمور ~~الثابتة في مجرى البحث. ويحاول العقل أن يخضع لمعاييره في المعرفة ~~والمنطق، دون الخضوع لأية سلطة خارجة عنه؛ لأن مجرد الاعتراف بهذه ~~السلطة يعني الاختيار الشخصي، ولا بد له من علة. هذا العنصر من ~~عناصر البحث الفلسفي - أعني فحص العقائد - يعلل لنا شدة الاهتمام ~~بالطريقة، وبالمنطق، وبنظرية المعرفة. # والعنصر الثاني من عناصر الفلسفة بمعناها القديم هو التوفيق بين ~~العقائد التي ثبتت بالنقد قيمتها. وهنا يشتد الاهتمام بالتعميم دون ~~التخصيص، بالنظرة الشاملة بالمفكر الذي يرى المعرفة كلها والحوادث ~~جميعا لا كمجالات خاصة، أو كمجموعة من الأشياء التي ائتلفت عرضا ~~وبغير نسق، وإنما يراها موضوعا للبحث يستخدم فيه المرء قدراته على ~~التفكير. ولا يقتضي ذلك بناء نظام فلسفي مغلق، فذلك ضرب من ~~المحال. وهناك فرق بين التوفيق - أو التعميم - وبين الجمود في ~~المعرفة الإنسانية والسلوك الإنساني، بين أن يسير المرء على نظام ~~منطقي وأن يتشبث بنظام معين، بين النظرة التي توحد بين الأشتات ~~ومذهب الوحدة. ومن خير من يمثل هذا الاتجاه في الفلسفة أرسطو، ~~وأكويناس، واسبينوزا، وكانت، وهيجل. # والعنصر الثالث من عناصر الفلسفة هو الاهتمام بالقيم الأساسية ~~للإنسان والمجتمع؛ فالتفكير الفلسفي يجمع بين البحث في المعرفة ~~والقيم لكي يرفع من شأن الحياة. وليس من شك في أن ms039 كل فرد منا يشغل ~~نفسه بهذا النوع من أنواع التقويم، والفيلسوف في هذا رجل أقوى ~~نقدا وأشد استنارة من أي منا. وربما كان ذلك هو السبب في أننا ~~ما زلنا نقرأ سقراط وأفلاطون وأرسطو بالرغم من أنهم من اليونان ~~القدماء، بل إنا لنستمتع كثيرا عندما نطلع على آثارهم ونعجب بها ~~أيما إعجاب. وإلى إدمان البحث في الإنسان - في الطبيعة وفي ~~المجتمع - يرجع الفضل في اطراد التقدم في نظريات الأخلاق ~~والسياسة. # ومن ثم فإن التزام البحث عن الأفكار المتكاملة المسلسلة في كل ~~قضية من القضايا التي تهم الإنسان، هو ما يكسب الفلسفة ~~التقليدية حيوية وجلالا أكثر من أي شيء آخر. وإن الرفع من شأن ~~العقل وحياة العقل هو ما يوحد بين كبار الفلاسفة في سبيل تحقيق هدف ~~واحد، وما يجعلهم قادة الفكر والأخلاق في حضارتنا. ~~(6) علاقة الفلسفة بالأزمة الحاضرة # والآن نتساءل: وما شأن الفلسفة، بهذا المعنى، والأزمة الحاضرة؟ ~~وقد رأينا أن الأزمة قد تكون نقطة تحول في تاريخ الحضارة الغربية ~~التي يتعرض فيها اليوم الفرد وكرامته وحريته في أن يفكر ويعمل ~~ويكتب كيفما شاء، للقيود الشديدة، كما أن وجوده ذاته تحف به ~~المخاطر. وليس من شك في أن الفلسفة بصورتها القديمة لها علاقة كبرى ~~بهذه المشكلة؛ لأنها تتعرض للآراء الأساسية في قواعد الأخلاق، ~~وتشرح المثل والقيم التي تكمن وراء جانب كبير من حضارة الغرب. وقد ~~أبرز فلاسفة الإغريق قيمة العقل، ومعرفة النفس، والثقافة. وصور ~~لنا فلاسفة النهضة العقل والفرد البشري في صورة جديدة. أما ~~فلاسفة عصر النور فقد أكدوا مجموعة جديدة من المثل الاجتماعية ~~والسياسية، وعبروا عنها بنظرية الحكم بموافقة الشعب، كما عبروا ~~عنها بحقوق الإنسان في «الحياة والحرية وتحقيق السعادة». # ثم إنا قد بينا فيما سبق مدى انتشار الصراع السياسي في عصرنا ~~الحاضر. ولكي نفهم الصراع القائم بين الشيوعيين وغير الشيوعيين، ~~وبين المجتمعات الغربية والمجتمعات غير الغربية، يجب على الأقل أن ~~نقدم البرامج والأهداف السياسية التي تتصل بشكل نظم الحكم ووسائل ~~بسط النفوذ لما لها من أثر في المواطن الفرد، ms040 كما يجب أن نقوم ~~أيضا العلاقات القائمة في داخل الدولة، والعلاقات الخارجية بين ~~الدول في العالم بأسره. وهذه الأمور في ملابساتها المباشرة من شأن ~~رجال السياسة، ولكن السياسة في الوقت الحاضر أهم من أن تترك ~~للساسة وحدهم. وإذا توغلنا في التحليل بلغنا حدا تكون فيه ~~الحقائق محلا للبحث السياسي المجرد. والفلسفة السياسية تسد ~~حاجة عاجلة لا يمكن للسياسة البحت والتحليل السلوكي أن تسدها؛ لأن ~~كبار الفلاسفة السياسيين كانوا يهتمون بربط السلوك والتنظيم ~~السياسي بأهداف الإنسان، وكانوا يشغلون أنفسهم بأمور ثلاثة رئيسية: ~~تحليل الآراء الأساسية في السياسة، وشرح نظرية العلاقات الأساسية ~~بين الناس، التي تحتاج إلى أشكال من النظم السياسية، وتقويم ~~العوامل السياسية المختلفة في ضوء المعايير الخلقية. وأهمية العمل ~~الذي قاموا به تنحصر في أن كل الآراء السياسية الكبرى وكل البرامج ~~السياسية في المجتمعات المعاصرة تقريبا - سواء كانت حرة أم مرسومة ~~مخططة - هي من نتائج قرائحهم. ويكفي أن نذكر هوبز، ولوك، وروسو، ~~وماركس، ونيتشه، لكي ندرك الأثر الكبير للفلسفة السياسية الماضية ~~فيما يجري في الفترة المعاصرة. # ويمكن أيضا أن ننظر إلى الأزمة على اعتبار أنها أزمة العلم ~~والتكنولوجيا؛ أولا للهجوم الشديد الذي يتعرض له العلم والعقل من ~~نواح عدة، وثانيا للهجوم الشديد على القيم الذي يشنه بعض رجال ~~الدين على النظرة العلمية، وثالثا لتأثير التكنولوجيا الحربية ~~والصناعية في حياة الإنسان. وهذه المشكلات تظهر في حياة الفرد في ~~صورة الشك في أسس المعرفة والعقيدة، وتظهر في الأمور النظرية على ~~شكل فجوة لا يمكن التغلب عليها بين دنيا العلم ودنيا القيم، وتظهر ~~في الحياة الاجتماعية على صورة انعدام التناسب بين الإنسان ~~والوسائل الفنية في تطبيق العلم. وكل هذه الأمور تؤثر تأثيرا ~~عميقا في حياة الناس ومعتقداتهم في جميع أنحاء العالم الذي توحد ~~لا بفعل الأهداف والمثل العليا المشتركة، ولكن بفعل التكنولوجيا ~~الحديثة التي اكتسحت العالم كله. وقد أخذ الفلاسفة على عواتقهم أن ~~يحللوا أسس المعرفة والدور الذي تلعبه العقيدة، وبظهور العلم ~~الحديث وجهوا جانبا كبيرا من اهتمامهم إلى المشكلات التي ~~أثارتها أزمة ms041 العلم والتكنولوجيا. ويكفي أن نشير هنا إلى الطريقة ~~التجريبية الإنجليزية، وإلى الطريقة البراجمية أو العملية ~~الأمريكية، وإلى فلسفة العلم الحالية، لكي ندرك علاقة الفلسفة بهذا ~~الميدان. # والأزمة - أخيرا - شاملة من حيث تأثيرها في الفرد، والمشكلات ~~المتعددة التي تثيرها متشابكة مترابطة، ولا يمكن معالجتها إلا ~~بتجاوز حدود التخصص المهني الضيقة . وتشير إلى ذلك بالفعل أزمة ~~القيم، والسياسة، والعلم، والتكنولوجيا. وإنما نذكر هذه المشكلات ~~على سبيل التمثيل؛ إذ إن هناك كثيرا غيرها. والنظريات السياسية ~~التي تحاول أن تعالج هذه المشكلات هي وحدها التي يمكن أن تلقي ~~ضوءا على الحرية في عصرنا الراهن - حاضرها ومستقبلها. وينبغي لنا ~~أن نجاوز حدود التصرفات السياسية ونبحث في طرق الحياة الديمقراطية، ~~باعتبارها مجموعة من المواقف والأهداف التي تتجه إليها ~~الأنظار. # إن الأزمة في مجموعها تؤكد ضرورة النظرة الشاملة التي هي أخص ~~بالفلسفة منها بأي نشاط مهني مستقل؛ لأن صاحب المهنة المختص لا ~~يسمح لغيره أن يتدخل في اختصاصه، ويتردد في ارتياد اختصاص الآخرين. ~~وإذا سار الإنسان في هذا الشوط حتى غايته اتسعت معارفه وضاق مجاله، ~~حتى يكاد يعرف كل شيء عن لا شيء. ويمكن بطبيعة الحال أن نهاجم رجل ~~التعميم بعكس ذلك؛ فإن معارفه تضيق ومجاله يتسع حتى لا يكاد يعرف ~~شيئا عن كل شيء. ولكنا حينما نعالج مجموعة من المشكلات الكبرى ~~التي تتعلق بالوجود البشري في العصر الحاضر، لا يسعنا إلا أن نعالج ~~أمورا تنتمي إلى مختلف الميادين معالجة المسئول صاحب الفكر ~~المنظم. وجلي أنه ليست هناك جماعة مختصة غير جماعة الفلاسفة ~~بالمعنى القديم تستطيع أن ترنو إلى الأمور جميعا بنظرة ~~شاملة. # وعلى هذا الأساس نجد أن تاريخ الفلسفة ذاته يستطيع أن يلقي ضوءا ~~على أزمتنا الحاضرة، ونستطيع أن نتبين ما كان يدور بخلد العقول ~~العظيمة في الماضي فيما يتعلق بالعالم وبالإنسان؛ لأننا حقا ~~تعلمنا صنع كثير من الأشياء كما تعلمنا التحكم فيها، ولكنا لم ~~نكتسب قدرا كبيرا من الحكمة. وما زالت المشكلات التي تتعلق ~~بطبيعة العالم والمعرفة، وبطبيعة المجتمع الطيب والحياة الطيبة ~~تواجهنا ولا بد ms042 من إيجاد حل لها. إن إذاعات التليفزيون وصواريخ ~~الفضاء التي تمس حياتنا في العصر الحديث قد تمدنا بإحساسات ~~جديدة وقوى جديدة، ولكنها في الوقت ذاته تزيدنا رغبة في العثور ~~على جواب لهذا السؤال: «ما الغرض من ذلك؟» ومن ثم فإن ما نتعلمه ~~من تاريخ الفلسفة هو ما كان يراه جبابرة العقل بشأن القضايا ~~الإنسانية الكبرى، وليس من شك في أن هذا الدرس الذي نتلقاه عنهم ~~يزيدنا تمكينا من السيطرة على ما لدينا من معارف وقيم. والمقارنة ~~بين ما نحسب أننا نعرفه ونقدره قدره اليوم وبين الأفكار والقيم ~~التي كان يراها كبار الفلاسفة لا بد أن تمكننا من إعادة النظر في ~~مثلنا وتوضيح ما لدينا من نظريات ومعتقدات. # إن الحضارة والثقافة من الأمور التي تنمو تدريجا وتتطور. والعقل ~~المثقف والإنسان المتحضر لا يوجدان في عزلة، وإنما يتطوران ~~بالاشتراك في الخبرات والتحدث إلى العقول المثقفة الأخرى ~~والكائنات المتحضرة الأخرى. وهناك وحدة بين الناس تتمثل في وحدة ~~جهود الإنسان في تفسير العالم ومعرفة نفسه. وتدل على ذلك الأعمال ~~الفنية الكبرى كما تدل عليه طريقة البحث التي ينتهجها العلماء ~~ورجال الأخلاق. وإذا كان الهدف من التربية هو إلى حد ما تزويد ~~المرء بآراء مختلفة يقيس بها وسائل الحياة الكريمة وقيمها، فمن ~~المؤكد إذن أن تاريخ الفلسفة هو جزء لا غنى عنه لاستمرار ~~التربية. # والفلسفة إذا عولجت علاجا صحيحا تحمينا من التفكير التقليدي ~~العتيق، ولا تجعلنا ننظر إلى الماضي نظرة التقديس، فنميز بين النظر ~~إلى تاريخ الفلسفة باعتباره «أمهات الكتب» التي تحوي كل المعارف ~~الثابتة وبين محاولات الإنسان المستمرة في سبيل معرفة العالم ~~ومعرفة نفسه. ومن الواضح أن الحق لا ينحصر فيما تحويه أمهات الكتب، ~~ولا بد من أن نختار لأنفسنا على أساس المعرفة الصحيحة. ولا يقوم ~~الحق على أساس سلطان الماضي، وإنما يقوم على أساس النقد الصحيح ~~والاختبار والتجربة التي يجب أن تكون ضربا من ضروب النشاط الذهني ~~الدائم، ومن الواجب أن ندرك أن الحق لا يصدق على إطلاقه، ولكن ما ~~نتعلمه من البحث ms043 الناقد في تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة هو أن بعض ~~الطرق وبعض الوسائل أكثر نجاحا من غيرها من حيث ما توصلنا إليه من ~~نتائج؛ ومن ثم فإن معرفتنا بما كان يفكر فيه أسلافنا، ومعرفتنا ~~بأساس الحكم على صحة معرفتهم أو خطئها، كل ذلك يجعلنا أشد وعيا ~~بحداثة العصر الذي نعيش فيه. ~~(7) علاقة الفلسفة المعاصرة بالأزمة الحاضرة # إن موقف الفلسفة في العصر الحاضر يحدد مصير الحضارة كلها ~~بطريقة لم تسبق للفلاسفة السالفين معرفتها؛ لأننا ندرك كل الإدراك ~~أن العالم الذي نعيش فيه إنما يبقى ويستحق البقاء إذا هو استطاع أن ~~يحل المشكلات التي تتطلب بطبيعتها التعاون البشري من أجل أهداف ~~إنسانية مشتركة. إن ما نريده هو أن يكون لدينا دافعان؛ أحدهما ~~يسوقنا إلى هضم ميراث الماضي، والآخر يسوقنا إلى مواجهة قضايا ~~الوقت الحاضر المريعة. ومن الواضح أننا إذا استطعنا أن نتعلم شيئا ~~من تاريخ الفلسفة، فأحر بنا أن نزداد معرفة من أوثق الفلاسفة ~~المعاصرين الذين يعالجون مشكلاتنا الراهنة، ويعيدون النظر في ~~التقاليد القديمة لمواجهة مطالب الإنسان المعاصر؛ لأن العصر الذي ~~نعيش فيه يتطلب إعادة النظر في تلك الآراء العامة الشاملة التي ~~توجه الإنسان وجهته، والتي تلقي ضوءا على الظلام المحيط بنا، ~~والتي يمكن أن تمدنا بالأمل، وتدفعنا إلى العمل الإيجابي لإعادة ~~تشكيل أنفسنا وتشكيل تاريخنا البشري. # إن الفلاسفة الذين يتحملون المسئولية اليوم لا يتجاوبون مع ~~وجودنا فحسب، وإنما هناك تطورات معينة مستحدثة تجعلنا أشد ~~ارتباطا بهم منا بالفلاسفة القدامى. وهذه التطورات تتعلق بالمواد ~~والوسائل الجديدة التي يمكن أن تستخدم في البناء الفلسفي في ~~عصرنا. إن معرفتنا التاريخية - خلافا لما كانت عليه في أية حضارة ~~أخرى - تشتمل على تاريخ كل ما سلف من حضارات، وعلى حياة المجتمعات ~~البدائية، ونشاط الشعوب في كل صقع من الأصقاع وتحت كل ظرف من ظروف ~~العالم. وهذه المعرفة التاريخية تمدنا بفرصة كبرى - لم توجد من قبل ~~- لكي نعرف ما نحن بحاجة إليه لكمال البشرية في ضوء تاريخها ~~الماضي. ثم إنا قد سرنا في طريق المعرفة المتقدمة عن الإنسان ms044 ~~ذاته، في ضوء ما لدينا من علم بالأنثروبولوجيا ونتائج البحوث ~~النفسية، ولأول مرة يتبين لنا إمكان التطلع إلى بناء نظرية تجريبية ~~عن الشخصية الكاملة. وأخيرا، أقول إن معرفتنا بأوجه الطبيعة ~~المختلفة، من الطاقات التي تنبعث عن الشمس إلى المكونات الأولية ~~للمادة الحية، تؤلف عنصرا جديدا في ميراثنا الفلسفي. إن التطور ~~في طرق البحث، بالإضافة إلى معرفتنا بالطبيعة والإنسان، وخبرتنا ~~بالتطور الاجتماعي، كل ذلك قد يعمل على بناء فلسفات شاملة منطقية ~~تجابه بها القضايا الكبرى ذات الأهمية الإنسانية. # ولكنا في الوقت عينه ينبغي أن نركن إلى ما لدينا من فلسفة، مهما ~~تكن محدودة الطموح ضعيفة التفكير، فنستعين بها في بحث وتقديم ما ~~لدينا من إمكانيات يقع الخيار في حدودها. والمقتطفات التي جمعناها ~~في هذا الكتاب اختيرت على أساس تحقيق هذا الهدف، هذه المقتطفات ~~تمثل مختارات لها دلالتها مما قاله قادة الفكر في العالم الغربي ~~الذين حاولوا تقديم مشكلات إنسان العصر الحاضر، ورسم فلسفة تستطيع ~~البقاء، أو على الأصح تستطيع أن تطور الحياة وتجعلها أغزر مادة ~~وأكثر ثراء. يجب أن نستعين بما يعرضونه من فكر على فهم موقفنا ~~وإعادة النظر فيما لدينا من قيم. ولقد اخترنا ما ورد في هذا الكتاب ~~من مقتطفات على أساس أن الفلسفة التي تدعو إلى الحرية الشخصية ~~والحرية السياسية هي أقوى أثرا وأعمق مغزى للإنسان الحديث من أي ~~فلسفة أخرى. إن كل ما اخترنا من الكتاب من أنصار الحرية. وهذا ~~المبدأ الذي راعيناه في الاختيار هو السبب في إقصاء ممثلي حركتين ~~من أهم الحركات في الفلسفة المعاصرة، وأقصد بهما حركة الشيوعية ~~والتحليل المنطقي. والسبب في إقصائهما هو أن موقفهم النظري يزعم أن ~~القيم لا يمكن الدفاع عنها على أي أساس من أسس العقل، وإنما هي ~~تمثل الأهواء المذهبية لطبقة من الطبقات أو الاتجاهات الشخصية ~~العاطفية. # وقد اتخذت لاختيار الأشخاص ومقتطفاتهم بالإضافة إلى ذلك بضعة ~~معايير أخرى. وكان المضمون - فوق كل شيء - هو المرشد الحقيقي لكل ~~ما قمت به. إلى أي حد يمكن اعتبار الآراء طيبة؟ وفي حدود ms045 هذا ~~الإطار العريض وجدت أن سهولة تبليغ الفكرة وصحتها من الصفات التي ~~لا يمكن إغفالها. وبهذه القاعدة استبعدت المتطفلين ووسطاء الصحافة ~~الذين يقحمون أنفسهم على الفلسفة إقحاما، وكانت للمضمون الذي ~~يستحق الدراسة في رأيي أهمية تفوق أهمية الوضوح، وكان من الضروري ~~أن أتحاشى التعبيرات والمصطلحات التي يتمكن القارئ الجاد الحصيف - ~~الذي قد لا يكون من المختصين في الفلسفة - من العثور على شيء له ~~قيمته، كما راعيت في المقتطفات أن أنتقيها من مصادر الإيحاء، ~~والآراء المثمرة، والدراسات العميقة، والنظرات الفلسفية الأصيلة ~~ذات الدلالة. وكل مؤلف وقع الاختيار عليه له مكانته، وهو من نوع ~~الكتاب الذي ينبغي للقارئ الذكي الحساس أن يتعرف إليه، وإلا فاته ~~الاتصال ببعض ما في ثقافتنا من خير وفضل. # وكان رائدي النهائي هو التنوع، ولا أقصد به ذلك التنوع المختلط، ~~وإنما قصدت به عرض الأفكار والآراء المختلفة على أوسع نطاق ممكن؛ ~~حتى يستطيع القارئ أن يكون صورة شاملة يراها على بعد منه. ولم ~~أراع في المتنوعات التي عرضتها التحيز لأمة دون أخرى؛ فهناك ~~الإنجليز والألمان والإيطاليون والهنود والأمريكان، وإنما كان ~~دليلي وجهة النظر التي يعرضها الكاتب، وقد تكون في بعض الأحيان ~~مصبوغة بصبغة الثقافة الوطنية التي ينتمي إليها. # في هذا الكتاب يتصل القارئ بمجموعة طيبة من الرجال الذين يبعثون ~~في الفلسفة الحياة؛ لأنهم لا يعرضونها جامدة ميتة، وإنما يعرضونها ~~رأيا حيا يتجاوز ما يمدنا به الفلاسفة المحترفون من معارف ~~بغية الوصول إلى عقيدة إيجابية؛ عقيد تعزز إيماننا بكرامة ~~الإنسان الحديث وقدراته، وبتلك الصفات البشرية التي تضفي على ~~الطبيعة جلالا ونبلا. # وأود أن أختتم مقدمتي هذه بكلمة عن مدى حاجة العصر الذي نعيش ~~فيه إلى الفلسفة، ويتناول الحديث في هذا الموضوع جانبين؛ أولهما ~~العقل والقيم، والثاني العقيدة المشتركة التي نهدف إليها. # أولا: العقل والقيم ~~(1) المجالات الفلسفية # إن المجالات الفلسفية التي تعرضنا لها في هذا الكتاب هي ~~فلسفات الحرية والإيمان بالفرد البشري، وجميع الكتاب يهتمون ~~اليوم بمصير الإنسان في العصر الحاضر، وهم يتفقون على وجود ~~أزمة عميقة فريدة في نوعها؛ ms046 فهي عميقة لأنها قد تنتهي بالقضاء ~~على الحضارة، وفريدة لأنها تهدد الوجود البشري ذاته. وإن ما ~~لدى الإنسان من قدرات فنية هائلة، وقوى سياسية جبارة، قد ~~تحول الإنسان إلى آلة تتحرك بإرادة غيره وتسترقه، إن لم تقض ~~على حياته. وقد كانت الفلسفة فيما مضى تبرز ضرورة نشر المبادئ ~~التي تدعو إلى تحكيم العقل وإنسانية الإنسان في صورة أفكار ~~نظرية، ولكن واجب الفلسفة في عصرنا يجب أن يتجه نحو معالجة هذه ~~الأمور بطريقة محسوسة؛ ذلك لأنا رأينا العقل يستخدم في الشر ~~لقهر الإنسان وتجريده من إنسانيته وتحطيمه، كما أننا قد ~~أرغمنا على الاعتراف بالظروف الجديدة والآمال الجدية للإنسان ~~في عالم وحدت أجزاءه التكنولوجيا وإن يكن ما يزال مقسما ~~من وجوه كثيرة أخرى. والمشكلة الكبرى التي تواجهنا اليوم هي ~~هذه: هل يستطيع العقل أن يستخدم القوى السياسية والتكنولوجيا ~~الحديثة لتحقيق أهداف الفرد ووجوده وحريته؟ وهذا الموضوع يسود ~~مختلف الفلسفات التي سوف نقدمها في هذا الكتاب. # وهناك عدة فروق في معالجة هذا الموضوع ترجع إلى اختلاف ~~الاهتمامات وطرق التعبير والأساس الثقافي؛ ففورستر وسيلون ~~وسارتر يجابهون في فلسفاتهم الوجود البشري من ناحيته النوعية ~~المباشرة، كل من وجهة نظره التي تتأثر بموطنه؛ فهناك النغمة ~~الإنجليزية فيما يقوله فورستر، والإيطالية فيما يذكره سيلون، ~~والفرنسية فيما يعبر عنه سارتر. أما أينشتين ورسل وهوك، ~~فيميلون إلى زيادة الاهتمام بالنواحي الاجتماعية فيما يمس ~~تحرير حياة العقل، متأثرين كذلك بالمواطن التي يعيشون فيها. ~~أما ماريتان ونيبور فيختلفون عن أفراد هاتين المجموعتين ~~لاهتمامهم بالدين. وهم يختلفون فيما بينهم في العقائد التي ~~يعتنقونها، كما يختلفون طبقا لجنسياتهم كذلك. وهناك أيضا بين ~~الذين اخترنا لهم في هذا الكتاب أوجه أخرى للتباين أو التشابه؛ ~~فسيلون وأينشتين بعدما يسيران في اتجاهين مختلفين من حيث ~~الحياة والفكر، يبلغان عقيدة متشابهة في الاشتراكية ومناهضة ~~النازية، غير أن سيلون الذي عرف الشيوعية الدولية عن كثب لم ~~يثق البتة في روسيا السوفيتية، في حين أن أينشتين، الذي كان ~~يميل دائما نحو المسالمة والمثالية، أخذ يميل في سنواته ~~الأخيرة نحو ms047 الإيمان بدعوة روسيا إلى السلام، ويلقي الاتهام ~~على الولايات المتحدة لتعزيزها قواتها خلال الحرب الباردة التي ~~تسود العالم. وكذلك نرى سارتر وياسبرز يتفقان في مذهب ~~الوجودية، مع كون الأول ملحدا والثاني فيلسوفا يتجاوز بفكره ~~حدود الوجود. ~~(2) الفلسفة والدين # ومهما يكن من أمر فإن هناك فارقا هاما بين هؤلاء الفلاسفة ~~جميعا، هو الفارق بين أولئك الفلاسفة الذين يقبلون الدين في ~~إحدى صوره القائمة باعتباره أمرا أساسيا في حياة الإنسان، ~~وأولئك الذين لا يقبلون الديانات المنظمة على أسس فلسفية. ~~وبالرغم من أن أولئك وهؤلاء يضعون الفرد في الاعتبار الأول ~~باعتباره حاملا للقيم، ويدركون أن العقل هو علامة البشرية ~~المميزة، إلا أنهم يختلفون في الدور الذي يلعبه العقل وفي ~~الأسس التي تقوم عليها القيم. وفي عبارة أبسط نستطيع أن نقول ~~إن المجموعة الأولى تزعم أن «الوحي» يعطينا حقا أسمى مما ~~يعطينا العقل، وأن القيم تستمد في نهاية الأمر ثبوتها من ~~العلاقة بين الله والناس. أما المجموعة الثانية فترى أنه لا ~~ينبغي لنا أن نضع حدا يقف عنده العقل البشري، وأن القيم لا ~~تثبت إلا على أساس من العقل. ومع هذا الفارق ينشأ خلاف أساسي ~~في تعليل مصدر الأزمة وطبيعتها؛ فالطائفة الأولى تعتقد أن ~~الأزمة قد نشأت عن عدم الإيمان عند الإنسان وعن ادعاء العقل ~~الذي يضع نفسه موضع الآلة، في حين أن الطائفة الثانية ترى أن ~~الأزمة إنما ترجع إلى فشل الإنسان في استخدام عقله في علاقاته ~~الشخصية والاجتماعية. # ترى الطائفة الأولى أن القيم لا يمكن أن تستند إلى العقل؛ ~~لأن العقل يتعلق بخبرة الوقائع والأشياء، في حين أن القيم ~~تتعلق بالشخصية البشرية؛ ومن ثم فهي لا تتصل بالأشياء ~~والوسائل، إنما تتصل بالغايات الإنسانية. ويرى أصحاب هذا الرأي ~~أن الغايات الإنسانية ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى الإنسان، كما ~~يرون أن هناك نوعا «أسمى» من المعرفة مجاله العلاقة بين ~~الإنسان والله أو الحقيقة. وهذه العلاقة وحدها هي التي تكسب ~~قيمنا الشخصية ووسائلنا في تحقيق الحرية الصدق والثبات. وإذا ~~أخذنا بهذا الرأي حكمنا بأن ما ms048 يدعيه العلم من أنه النوع ~~الوحيد من المعرفة الذي يركن إليه هو الذي أدى إلى دنيوية ~~الحياة الحديثة، وإلى فقدان شخصية الإنسان باستخدامه الوسائل ~~الفنية، وإلى آلية الدولة في العصر الحاضر؛ مما أثقل التاريخ ~~بمعسكرات التعذيب، والشرطة السرية، والتطهير السياسي. فإذا نحن ~~أردنا أن نتخلص من النظر إلى الإنسان كجمهور ومن دولة ~~الجماهير، فلا مناص لنا من العودة إلى الديانات القديمة لنجد ~~السند القوي في سياسة الحرية في الإله المطلق. # ومن الخطأ أن نحسب هذه الآراء عتيقة أو مجرد رد فعل للأزمة ~~الحاضرة ليس له سند من العقل؛ فهي لا تكتسب قوتها من رجال ~~الدين وحدهم، بل كذلك من بعض أولئك الذين ضعف إيمانهم أو لم ~~يكن لهم من قبل إيمان أو عقيدة؛ وذلك نتيجة لذلك الموقف الذي ~~يقفه المؤمنون بالعلم الذي ينبذون القيم على اعتبار أنها لا ~~تستند إلى العقل. ولا أظن ذلك يرضي أولئك الذين يرون في ~~الحرية ميزة على الخضوع. إن أصحاب النظرة الدينية يبدون ~~اهتماما بكثير من القيم البدائية، التي تدفع الناس، بنزاهة ~~الفرد وكرامته، وبأن كل فرد غاية لها قيمتها وليس مجرد رقم من ~~الأرقام في كشوف الإحصاء. وفي عالم يتأثر بالآلة، نراهم يضمدون ~~الجراح ويواسون المصابين في مجتمع بات من غير جذور. إنهم ~~يدركون سيادة الشر في العالم، وينذرون بأن التقدم الإنساني لا ~~يمكن أن يتعامل مع مضاعفة الأشياء المادية. إنهم يرون أن ~~الديانات السماوية تتضمن الاعتراف بالقيم الخلقية التي ترتبط ~~بمبادئ الإنسانية والتحرير في هذا العالم الذي نعيش فيه. إنهم ~~يشفقون على إهمالنا الجانب الروحي في الإنسان؛ ومن ثم فهم ~~يعتقدون أن من واجب الفلسفة في العصر الحديث أن تعيد الاهتمام ~~بهذا الجانب الذي لا غنى عنه للإنسان. # والمغزى الفلسفي لذلك هو أن العلم لا يعالج إلا العلاقات ~~التي تقوم بين الوسائل والغايات، وأن العقل يتعامل مع العلم. ~~وإن صدق ذلك فإن الغايات البشرية لا يمكن أن تقوم بالعقل، ~~ولكن هناك من يرى غير ذلك، ويعتقد أن العقل يمكنه أن يقدر ~~الغايات البشرية ms049 حق قدرها، متأثرين في ذلك بالمادية التاريخية ~~والتجربة المنطقية. ولما كان هذان الاتجاهان لا يتمثلان في هذا ~~الكتاب، فإني أود أن أقول كلمة في كل منهما. ~~(3) الفلسفة والعلم - المادية التاريخية # المادية التاريخية كما رأينا هي فلسفة التاريخ الماركسية؛ إذ ~~إن ماركس يزعم أنه عثر على القوانين التاريخية للحركة التي ~~تساوي في قيمتها النظرية قوانين نيوتن عن الحركة. واكتشاف هذه ~~القوانين يجعل التنبؤ ممكنا، والتاريخ علما في ظنه. إنه يرى ~~أن السبب الخفي في جميع حوادث التاريخ ينشأ عن نمو التكنولوجيا ~~وصراع الطبقات في جميع أرجاء العالم. وليس عمل الإنسان في ~~حقيقته اختيارا يسترشد فيه بمثله الشخصية، وإنما هو نتيجة ~~حتمية لأسباب خفية. # وعند تقديرنا لهذا الرأي الماركسي يجب أن نميز بين عنصرين؛ ~~أولهما أن ماركس كان ينظر إلى القيم الخلقية باعتبارها أهواء ~~طبقية مذهبية، فالخير هو ما يساعد على حماية طبقة من الطبقات ~~أو يرفع من مكانتها، ولكن ماركس نفسه قد تأثر أول الأمر ~~بسخطه على قسوة الرأسمالية الإنجليزية، وتصوره قيام مجتمع حر ~~نتيجة لاشتراكية الوسائل التكنولوجية الكبرى. ومعنى هذا ~~الموقف الذي وقفه ماركس الحكم بأن الحرية لها قيمة بشرية من ~~نوع ما، وأن كل ما يعزز حرية الإنسان هو أداة من أدوات ~~الخير، وأن الأداة النهائية هي نمو التكنولوجيا بغير عائق. ~~ويبدو أن ماركس كان يفترض أن زيادة الإنتاج تخفف من العبء ~~الذي يتحمله الإنسان وتصلح من ظروف الناس؛ لأنها تسمح بزيادة ~~المساواة في استهلاك السلع، وبفرص أفضل للحياة والحرية ومتابعة ~~السعادة. وبديهي أن الحكم بأن الحرية لها قيمة إنسانية، وأنه ~~لولا هذه القيمة لفقد مجهود ماركس دافعه الأساسي، بديهي أن هذا ~~الحكم ليس في حد ذاته تحيزا طبقيا، وإنما هو زعم خلقي؛ وإنه ~~لذلك يثبت على أسس تخالف قوانين الحركة المزعومة. # والعنصر الثاني هو أن ماركس يرى أن نمو التكنولوجيا له ~~أهميته القصوى في التطور التاريخي، ولكنه يفشل في تعليل هذا ~~النمو خلال التاريخ. إن نمو التكنولوجيا كان دائما نتيجة ~~لنمو المعرفة، سواء أكانت نظرية أم عملية. كان ms050 أكثر ما حدث من ~~تطور في التاريخ - قبل نشوء العلم الحديث - مرتبطا ~~بالاختراعات التكنولوجية التي كانت ترجع إلى أسباب عشوائية؛ ~~ومن ثم لم يكن من المستطاع التنبؤ بها. وكذلك ارتبط تطور ~~التكنولوجيا منذ نشوء العلم الحديث بالنمو في النظريات ~~الأساسية، وليس بوسع أحد أن يتنبأ متى تحدث مثل هذه التطورات ~~في النظريات الأساسية؛ ومن ثم فإن ماركس يستند في دعواه عن ~~إمكان التنبؤ على عوامل لا يمكن التنبؤ بها؛ وبذلك يظهر بطلان ~~الحتمية التاريخية كما يظهر بطلان الدعوى بأن الدور الإنساني ~~في تطور التاريخ لا قيمة له؛ لأن نمو المعرفة - سواء كانت ~~نظرية أم عملية - يترتب دائما على مجهود فردي صمم لسبب من ~~الأسباب ألا يقبل المعتقدات والوسائل القائمة، كما صمم على ~~البحث في إمكان إحداث تغيير فيها. ويجعل ذلك تطور المعرفة التي ~~لا يمكن التنبؤ بها مترتبة على نواحي النشاط عند الأفراد التي ~~يمكن بدورنا أن نتنبأ بها. فهؤلاء الأفراد بمخترعاتهم يستحدثون ~~تطورات هامة في التاريخ، وبذلك يكونون عملاء خارقين مبدعين في ~~خضم الحياة الذي لولاهم لتطور لأسباب لا دخل للإنسان ~~فيها. # ومما يبعث على السخرية في نظرية ماركس أن منطقها قد استخدم ~~ضد الحرية البشرية التي كانت المثل الأعلى أول الأمر عند ~~ماركس؛ فإننا نرى روسيا والصين الشيوعية اليوم قد سارتا طبقا ~~لهذا المنطق حتى غايته، وذلك بالبرامج التي وضعها المسئولون ~~هناك للنهوض بالصناعات الثقيلة على حساب حرية الإنسان وحياة ~~البشر. ثم إن الزعم بأن آراء ماركس يمكن أن يكون لها كل هذا ~~التأثير في التاريخ الحديث يناقض القول بأن الفرد الإنساني ليس ~~له دور خلاق في مجرى التاريخ. إن نبذ هذا الدور الخلاق ~~ونبذ المثل الشخصية التي يمكن أن تدفع البشر إلى العمل ينتهي ~~بالهبوط بالإنسان إلى مستوى المخلوق الذي لا إرادة له. # وأهم من هذا كله أن إخضاع الغايات الإنسانية للوسائل ~~التكنولوجية معناه خلق جو معنوي تكون فيه القوة هي الخير ~~الأسمى. # ثانيا: نحو إيمان مشترك ~~(1) نحو الحضارة # وبعد هذا كله، ماذا نستطيع أن نتعلم من ms051 الفلسفات الكبرى ~~المعاصرة لهذا الوقت الحرج الذي يمر به تاريخ البشرية؟ وما ~~الذي نرجوه ونأمل في تحقيقه؟ أعتقد أنه من المهم والمفيد لهذا ~~الغرض أن نميز بين جانبين من جوانب أية فلسفة شافية لوقتنا ~~هذا؛ الجانب الأول هو الفلسفة الشخصية بمعناها المباشر الذي ~~يتجه نحو علاقة الفلسفة بحياة الإنسان وسعادته، والجانب الثاني ~~هو ذلك الاتجاه الأعم، السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي، الذي ~~يرى أننا نعيش أشخاصا في عالم يشغلنا بمشكلات ذات دلالة ~~إنسانية عامة. ولست أقصد حينما أميز بين هذين الجانبين أنهما ~~يعالجان لونين مختلفين من المشكلات، ولكن أود أن أؤكد أننا لا ~~نتقدم كثيرا دون أن ندرك أن هناك فارقا واضحا بين ~~الاتجاهين. # سوف يرى القارئ فيما نعرضه عليه في هذا الكتاب أن الرأي ~~المشترك الذي يراه أولئك الذين اخترنا لهم بعض مأثورهم ينطوي ~~على الدفاع عن قيم الحضارة، كما ينطوي على تحليل الظروف التي ~~تنشأ فيها الحضارة، وتكاليفها وحدودها. الحضارة مغامرة خطرة ~~يتعاون فيها الإنسان بذكائه، وموضع الخطر أنها مسألة إنسانية، ~~بيد أن الإنسان يستطيع بذكائه وتعاونه أن يتغلب على هذا ~~الخطر. والتعاون يحتم علينا النشاط المشترك، يحتم علينا الثقة ~~وحسن النية، والتنظيم العملي الذي يؤدي إلى إنجاز العمل. ويسود ~~هذا التعاون بين الناس في ظل ظروف إنسانية دون غيرها. أما ~~الذكاء فيهتم بتقدير الوسائل والنتائج. وليست للتعاون صورة ~~عضوية ثابتة، إنما هو حصيلة ثقافية لتضافر جميع الجهود ~~البشرية. وليس الذكاء هو العقل المجرد، إنما هو تنظيم للمشاعر ~~والعواطف والعقل جميعا. ولكي يؤتي ثماره لا بد أن يكون ضربا ~~من ضروب النشاط التعاوني. وهو في جميع الحالات صفة من صفات ~~الوعي الفردي. # إن تاريخ الإنسان يجعل التكنولوجيا حقيقة من أهم الحقائق في ~~حياته، والتغير والتطور في التكنولوجيا يعنيان زيادة السيطرة ~~على الطبيعة. وليس بوسع أهل الغرب، أو أولئك الذين لا يزالون ~~يدافعون عن تقاليد الفكر الشرقي العتيقة، الذين يودون أن ~~ينبذوا كل هذه الوسائل، ويطهروا أنفسهم بإنكارهم حتى الأشياء ~~التي لها قيمة عملية، ليس بوسع أولئك أو هؤلاء أن يمدونا ms052 ~~بفلسفة عملية مفيدة لمجتمع عالمي يتولد تدريجا عن هذه الجهود ~~التكنولوجية المترابطة التي يبذلها الإنسان. وهذا جانب من ~~جوانب أهمية نهوض البلدان المتخلفة - أعني قبول القوى ~~التكنولوجية والجهود الروحية معا. وقد أدى قبول الوسائل ~~الفنية العملية قبولا كليا إلى الإنتاج والقدرة الاقتصادية ~~باعتبارها القيم التي تحل كل المشكلات الإنسانية ، في حين أن ~~إنكار هذه الوسائل يؤدي إلى الفقر - فقر الجسد والعقل ~~والروح. # ومن ناحية أخرى، ليس من الحق أن العلم الحديث يخلق الحاجة ~~إلى عالم واحد بمعنى سياسي بحت، والحاجة إلى التوزيع ~~الاقتصادي المتساوي. وليس من الحق في شيء أننا قد حللنا ~~المشكلة الاقتصادية والمشكلة التكنولوجية، وإنما هي نظمنا ~~الاجتماعية وقيمنا التي لا تزال تتحدانا. إنما الأزمة هي أزمة ~~الحضارة، لا بسبب القنبلة الذرية وحدها، وإنما بسبب الصراع ~~القائم بين مشكلات مجتمعنا على جميع المستويات - الشخصية، ~~والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والروحية - ولأن هذه ~~المشكلات جميعها لها دخل في إعادة البناء إعادة كاملة شاملة، ~~أقول إن أزمة الحضارة الراهنة تعود إلى هذا الصراع بين ~~المشكلات وإلى العلاقة بينها وبين إعادة البناء حتى إذا لم تكن ~~هناك قنبلة ذرية. ولا نستطيع أن نحل المشكلة الاقتصادية على ~~أساس وجود وفرة تظهر بمظهر القلة بسبب طرق التسويق وتسلط الدول ~~الكبرى. ولا تستطيع الدول المتخلفة والشعوب غير البيضاء، وهي ~~تكون ثلثي سكان المعمورية، أن تسد حاجاتها ببرامج المعونة ~~التي تقدمها الدول المتقدمة أو بجهدها الذاتي؛ فإن الفجوة بين ~~آمال هذه الدول ومواردها عميقة سحيقة. ولأسباب شبيهة بهذه لا ~~نستطيع أن ننظم حكومة عالمية على أساس تنظيم الولايات ~~المتحدة؛ ومن ثم فإن اشتراط نجاح مثل هذه الحكومة لمستقبل ~~البشرية هو في الوقت الحاضر وهم من الأوهام. # القنبلة الذرية رمز لأزمة الحضارة، ولكنها لا تعني الموت أو ~~العصر الذهبي للإنسان؛ لأننا إذا حملنا القنبلة هذا المعنى ~~كنا بمثابة من يعزو إلى الرمز ما يرمز إليه. لقد حاول الإنسان ~~- خلال تاريخه كله - أن يحقق إنسانيته بتطوير قدرات الفرد ~~وقدرات المجتمع على السواء. واقتضى ذلك استخدام العقل، وتطبيقه ~~على تطوير ms053 الآلات والتكنولوجيا وعلى النهوض بتنظيم الحياة ~~الاجتماعية والسياسية. ومن الحق أنه لم يكن هناك في تاريخ ~~الإنسان من قبل تقدم تكنولوجي تكمن فيه كل هذه القدرة على ~~تحطيم جانب كبير من المجتمع البشري، وهو الجانب الذي يعد نفسه ~~العالم، ومن الحق أنه لم يسبق للإنسان في تاريخه أن أدرك فيه ~~هذا العدد العديد من الرجال مصيرهم المشترك الذي يتطلب اتخاذ ~~الوسائل لإنشاء نظم سياسية تسمح للناس في جميع أرجاء العالم أن ~~يتابعوا ما يشغل أذهانهم من مختلف الاهتمامات. ومن الحق أن ~~عددا كبيرا من الناس عندهم إحساس أرهف بوجود ثقافات متنوعة ~~تقوم بينها الفوارق، وباتساع مدى نشاط الإنسان فوق الأرض؛ ولم ~~تشمل الأزمات السابقة مثل هذه الرقعة الفسيحة من الأرض، وهذا ~~العدد العديد من الناس، وهذه الثقافات المتنوعة، أو الشعور ~~بهذا الدمار الشامل الذي يهدد العالم بأسره. إن المشكلات التي ~~تثيرها أزمات الوقت الحاضر تتطلب الاعتراف بضرورة إصدار قرارات ~~عامة شاملة. إننا لا نستطيع أن نتخلص من الماضي تماما، ويجب ~~أن نعترف بالضغط الواقع علينا من ازدياد السكان في العالم، ومن ~~التكنولوجيا الحديثة والدول العظمى. والفلسفة التي تنكر أي ~~عامل من هذه العوامل لا يمكن أن تكون وافية أو شافية. # وفي معمعان الحرب الباردة وظروفها يستطيع كل فرد منا أن ~~يحس زيادة المسئولية التي تقع على عاتقه، ونستطيع أن نحاول ~~وضع النظم التي تدفع إلى الأمام تقدم العلوم والفنون ~~والاتجاهات الخلقية. وما يوضحه لنا مفكرونا هو الاعتراف ~~بالحاجة إلى حل للتوتر القائم بين الذكاء البشري - الذي يتمثل ~~في العلم - والقيم البشرية - التي تتمثل في برامج التنظيم ~~الاجتماعي والعقائد الأخلاقية. وعلى هذا المستوى نجد اتفاقا ~~بين رادا كرشنا الذي يمثل الشرق المتصوف، وأينشتين الذي يمثل ~~الغرب المادي. إن أحدهما يريد العلم لإثراء الحياة البشرية، ~~والآخر يريد أن يسترشد العلم بالغايات البشرية، ولكن كليهما ~~يريد الحياة الطيبة والمجتمع الطيب، وكلاهما يرى الإمكانيات ~~العملية لخروج هذه الحياة من جوف هذا الوقت الحرج الذي نعيش ~~فيه. أما رادا كرشنا فيرى الوسيلة في ضرورة الاعتراف ms054 بدور ~~الشرق في أي مستقبل نتطلع إليه، كما يرى أن الشرق ليس بحاجة ~~إلى وسائل الغرب العملية فحسب، ولكنه بحاجة كذلك إلى النظرة ~~التي تجمع بين الغايات البشرية والوسائل العلمية. وأما ~~أينشتين فيرى أن الاحتياجات العملية التي تنبثق من تقدم البحوث ~~الذرية سوف تحطم البشرية إذا لم يتفق أبناؤها على أن العلم لا ~~تكون له قيمة إلا إذا سار نحو الأهداف الإنسانية العادلة. ~~وجميع الفلاسفة الآخرين يقفون موقفا وسطا بين هذين الرجلين، ~~مبشرين بهذه العقيدة المشتركة، كل بطريقته الخاصة. ~~(2) نحو الفرد # إن من أهم ما تتميز به فلسفات العصر الحاضر صبغتها الشخصية، ~~بعدما اجتازت الفلسفة فترة كاد يهمل فيها العنصر الشخصي ~~إهمالا تاما. وأعتقد أن كثيرا من رجال الفكر في الغرب قد ~~انتهوا إلى عقيدتهم الراهنة بعد الإقلال من شأن الإيمان ~~بالفرد وزيادة الاهتمام بالمبادئ الاجتماعية والاقتصادية ~~البحت. وقد اجتذبت الماركسية الأنظار في الثلاثينيات من هذا ~~القرن؛ لأنها ظهرت بمظهر المحاولة العلمية لتفسير السبب في أن ~~قيام الأزمة لا بد منه على نطاق واسع، والسبب في أن الحروب ~~والثورات والتدهور الاقتصادي والفاشستية وما إليها قد سادت ~~التاريخ المعاصر. وزعمت الماركسية أنها ترشدنا إلى طريق ~~الخلاص، وأنها تجعل الأرض موطنا محببا، وأنها من ناحية ~~أخرى عقيدة تربط الغريب في هذا العالم بالدنيا التي يعيش فيها. ~~والماركسية بهذا نوع من أنواع الولاء الشخصي أو الخلقي له ~~تأثيره القوي؛ لأن المبدأ الذي تبشر به يقتضي أن يتنازل ~~الإنسان عن ذاته لكي يجد نفسه تابعا مريدا في قضية تتجاوز ~~حدود هذا العالم؛ ومن ثم فإن المنطق الماركسي يمدنا بخلق شخصي ~~حينما يطلب إلينا أن ننكر شخصياتنا، باعتبارها ظاهرة برجوازية ~~لا لزوم لها. # ولكن هذا المعبود قد فشل، ويعزى فشله إلى حد ما إلى الخطأ ~~في تحليل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع ~~الحديث، كما يعزى أيضا إلى أنه لا يعترف بوجود الشخصية التي ~~لا مندوحة عن وجودها لدى الفرد وفي الشئون الاجتماعية؛ فنحن ~~كأفراد لسنا أجزاء من آلة اقتصادية، ولسنا ذرات في موجة ~~عظمى. ms055 إنما نحن أفراد لنا أهدافنا التي نسير نحوها. نحن نختار ~~ونقوم، واختيارنا وقيمنا معا تشكل المستقبل لنا. # لقد علمنا التاريخ وتحليل النفس وعلم الإنسان - كما ~~علمتنا الخبرة الشخصية - أن هناك عوامل تؤدي إلى السعادة، ~~كما أن هناك ظروفا تعترض سبيلها. والحياة تحت أكثر الظروف لها ~~قيمتها عند كل فرد تقريبا. وتكاد الحياة تكون قيمة مجردة. ~~وذلك هو ما تدعو إليه القواعد الدينية والخلقية كما تدعو إليه ~~النظرية الديمقراطية - الحياة حق مقدس. والأشخاص كائنات ~~بشرية، والكائنات البشرية، سواء في المجتمعات البدائية أو في ~~البلاد المستعمرة المتخلفة، في الاتحاد السوفيتي أو في ~~الولايات المتحدة، لها حاجات لا مناص من الاعتراف بضرورة ~~إشباعها. والنقطة الأساسية في هذا هي أن هناك نواحي نشاط ~~وخبرات مشروعة - إنسانية ومستحبة في آن واحد - وأن هذه ~~النواحي لا ينبغي إنكارها أو اعتراضها لمجرد أنها أمور شديدة ~~الحرج تجابه الإنسان الحديث. ولا ينكر ضرورة إشباع حاجات ~~الإنسان وملذاته الميسورة إلا إنسان شاذ ما دامت هذه ~~الحاجات والملذات سليمة معقولة مسايرة لمصلحة المجتمع. # ليس ثمة داع للتشاؤم، ولا بد من الإيمان بأن الحرب ليست من ~~الضرورات التي لا مفر منها. ويجب علينا أن نأخذ الأمور ~~بابتسامة السخرية وروح الفكاهة حتى نتغلب على ما يواجهنا من ~~صعاب. ~~(3) نحو الحرية # أو ليس من الواضح بعد هذا كله أن من واجب كل عاقل أن يدافع ~~عن الحرية والديمقراطية؟ وقد أجمع الفلاسفة السياسيون على أن ~~للحرية شروطا أربعة: المساواة أمام القانون، والأخذ برأي ~~الأغلبية في الحكم، وحرية البحث، وحرية الاختيار. # والشرط الأول - شرط المساواة أمام القانون - يكفل العدالة، ~~ويضمن مجتمعا يقوم على أساس النظام وحريات الأفراد. وهذا ~~الشرط لازم لتحقق الشروط الأخرى؛ لأن مراعاته تكفل للمرء ~~قدرا كبيرا من الأمن على حياته. وقد نص على ذلك الماجنا ~~كارتا الذي جاء فيه: «لا يجوز أن يؤخذ رجل حر أو يحبس ... أو ~~يحطم على أية صورة من الصور ... إلا بحكم قانوني من أترابه، ~~أو بحكم القانون السائد في البلاد.» وقد أضافت إلى ذلك القرون ~~السبعة التي ms056 تلت صدور الماجنا كارتا أن القانون لا ينبغي أن ~~يحابي شخصا ما، وأنه لا يجوز أن يلقى القبض على فرد ما، أو ~~أن يوضع تحت الحراسة، أو أن ينفى اعتباطا وتحكما، وأن ~~المحاكمة أمام محكمة عادلة حق لكل فرد، وكذلك التحرر من كل ~~تدخل تحكمي في خصوصيات الفرد، أو في بيته، أو أسرته. ولكن ~~الدول الدكتاتورية الحديثة لا تراعي احترام هذا الشرط الأول من ~~شروط الحرية. # والشرط الثاني، وهو الأخذ برأي المحكوم ما دامت تؤيده ~~الأغلبية، يكفل حرية تعديل القانون الذي نعيش في ظله. إن حق ~~الكبار جميعا في الإسهام في الحكم لا بد أن يكون حقيقة واقعة، ~~في الانتخابات الحرة التي تحدث في فترات معينة، وفي حرية ~~اختيار الممثلين. قد يؤخذ على حكم الأغلبية أنه لا يلتزم الدقة ~~في بعض القرارات، ولكنه صمام أمن ضد الحكومات المستبدة. # ويرتبط الشرط الثالث بهذا الشرط الثاني، ولكنه أوسع منه ~~مدى. هذا هو شرط الحرية في بحث جميع الاحتمالات، وهي حرية ~~البحث والتفكير والكلام والكتابة، ما دام الفرض لا يعرض ~~للخطر حياة الآخرين. ولا بد في هذا من التجربة، على أساس ~~الفروض المعقولة، لا على أساس من النشاط العشوائي. وبمقتضى هذا ~~الشرط لا بد أن يشترك جميع الأفراد في السلطة السياسية العليا، ~~وأن تكون لهم حرية النقد وتصحيح الأخطاء. ولا يتوافر ذلك إلا ~~في ظل حكومة ديمقراطية لا تعترف بالملكية أو الأرستقراطية أو ~~الدكتاتورية؛ لأن هذه الأنواع من الحكومات تستخدم نفوذها في ~~صالح طبقة معينة أو في حرب عدوانية على حساب الطبقة الكبرى في ~~المجتمع، التي يتألف منها الشعب. # والشرط الرابع، شرط حرية الاختيار، يتعلق بطريقة حياة ~~الأفراد. وقد يتسع مجال الاختيار وقد يضيق طبقا للموقف، إلا ~~أنه ينبغي في كل حالة من الحالات أن يكون للمرء في طريقة حياته ~~قدر من حرية الاختيار في العمل الذي يقوم به، والمتعة التي ~~يمارسها، مع مراعاة شروط الحرية الأخرى، وهذا هو حق المرء في ~~تحقيق سعادته. # ومن الواضح أن هذه الشروط الأربعة مترابطة، ومن الواضح ms057 أيضا ~~أننا لا ندعو إلى الحرية المطلقة؛ فهناك درجات من الحرية تتوقف ~~على الظروف والموارد والمشكلات السائدة في وقت من الأوقات، كما ~~تتوقف على مدى تحقيق شروط الحرية المذكورة ذاتها. ولا نقول إن ~~التزام هذه الشروط يحتم النجاح في جميع الحالات، ولكن المحاولة ~~ذاتها ضرورة من ضرورات الديمقراطية الصحيحة ، لكي يتعلم الإنسان ~~من فشله كما يتعلم من نجاحه. # وثمة كلمة أخيرة بشأن ناحية من أهم نواحي النظرية ~~الديمقراطية المعاصرة، وهي تتعلق بحكم الدولة من حيث ارتباطه ~~برفاهية المجموع، والسؤال بعبارة أخرى هو: ما هي الحدود التي ~~نضعها لسلطان الدولة لكي نكفل تحقيق شروط الحرية، ولكي تؤتي ~~الحرية ثمرتها المرجوة؟ وينبغي أن نذكر في هذا الصدد أن نفوذ ~~الهيئات الحكومية والهيئات غير الحكومية على حد سواء ينبغي أن ~~يحد لكي تتوافر لأفراد الشعب العاديين حرياتهم، ويراعى ذلك ~~عند تأميم الصناعات والخدمات، وعند النظر في مدى الضمان ~~الاجتماعي، وعند معاونة الحكومة لمعاهد التربية ~~والتعليم. # إن الجهود التي بذلها أسلافنا في سبيل تدعيم أركان الحرية ~~ينبغي أن تستمر مهما واجهنا من صعاب وعقبات. وقد يتدبر بعض ~~الناس عالم اليوم الذي نعيش فيه، ويذكر الخطر الذي يهددنا من ~~القنبلة الهيدروجينية وتجارب الأسلحة النووية فيرى أن الحرية ~~لا ترتكز على أرض ثابتة، وأنها لم تكن في أي عصر مضى مثلما هي ~~اليوم أمرا يشق على أولي الأمر الاحتفاظ به. ولكنا برغم هذا ~~لا نؤمن بأن المثل التي تدعو إلى «الحياة، والحرية، وتحقيق ~~السعادة» مثل الحرية والحق والعلم قد أفلست. # إن فلاسفة الحرية الذين نتعقب آثارهم يؤمنون بعقيدة مشتركة، ~~وهي أن الإنسانية تستطيع أن تتقدم لكي نكشف عن طرق للحياة ~~جديدة تقربنا من حياة الحرية والعقل والحضارة ~~العالمية. # الجزء الأول # | مختارات من الكتاب الفلسفيين # الفصل الأول # | أرنولد توينبي # (1988م-...) # ربما كان أرنولد توينبي المؤرخ المعاصر الوحيد الذي استرعى ~~انتباه العالم بأسره وإعجاب الناس أجمعين. وقد انتهت خدمته أخيرا ~~كأستاذ باحث في التاريخ الدولي بجامعة لندن، وكمدير للدراسات ~~بالمعهد الملكي للشئون الدولية. ويجمع كتابه «دراسة التاريخ» الذي ms058 ~~يتألف من عدة مجلدات بين المعرفة التاريخية العميقة النادرة ~~والتصور البعيد المدى الذي يتجه نحو الأساطير ومصطلحات التاريخ. ~~وقد وصف هذا الكتاب ب «أنه بعد كتاب «رأس المال» الذي ألفه كارل ~~ماركس، أكثر المؤلفات في النظريات التاريخية إثارة للتفكير مما ~~كتب في إنجلترا.» ومن المبالغة أن نتوقع لكتاب له ما لهذا الكتاب ~~من أفق تاريخي فسيح أن يصبح شائعا؛ بمعنى أن تقرأه من أوله إلى ~~آخره، وأن تهضمه عامة الناس. بيد أن نموذجا لا بأس به من نظرته ~~الثورية بات مألوفا للقارئ العادي عن طريق المجلات الواسعة ~~الانتشار والملحقات الأسبوعية للصحف اليومية، وعن طريق منصات ~~المحاضرات العامة. # ومبحث توينبي الرئيسي هو أن التاريخ لا يمكن إدراكه إلا بالنظر ~~إلى المدنيات باعتبارها الوحدات الحقيقية للتاريخ، ويستحيل إدراكه ~~بالمعالجة المألوفة التي تقتصر على سيرة شعب من الشعوب. وقد وجد أن ~~إحدى وعشرين مدنية قد قامت في الستة الآلاف سنة الماضية، وأن جميع ~~هذه المدنيات قد انهارت أو فنيت فيما خلا المدنية الغربية (أي ~~المدينة اللاتينية المسيحية، التي انبثقت من الهلينية عندما بلغت ~~صورتها الرومانية)، غير أن هذه المدنية الأخيرة التي بقيت على وجه ~~الزمن قد تعقدت مشكلاتها إلى حد كبير، ولا يستطيع أحد أن يضمن ~~نجاحها في المستقبل. ولكن توينبي - بالرغم من هذا - لا يفتأ يردد ~~إيمانه بنظرية «التحدي ورد الفعل» التي تغمر ميدان الحركة ~~الإنسانية بأسره، وهو يحاول أن يؤكد عامل قدرة الإنسان على الخلق، ~~وينبذ نظرية «قانون القضاء والقدر الصارم»، ويقذف بها في هوة ~~العقائد البالية. وسواء لديه اتخذ هذا القانون صيغة الحتمية التي ~~يفرضها العنصر أو البيئة أو المستوى الاقتصادي، ولو أن القدرات ~~المجهولة للصفة الخلاقة عند الإنسان اهتدت وتحررت بطريقة التطور ~~الديني «الرفيقة» اللينة، لأمكن لحضارة الغرب أن تنقذ نفسها، ~~وبالأخص إذا كرست نفسها ب «المجتمع» الذي هو هدف الحضارات؛ ففي ~~هذا تحول الروح «من الدنيا، ومن المادة، ومن الشيطان، إلى مملكة ~~السماء». # ولد أرنولد توينبي في لندن في عام 1889، وتلقى تعليما كاملا ~~شاملا في الدراسات القديمة بكلية ms059 باليول في أكسفورد، وترعرع في جو ~~الأمن السائد حينئذ، ذلك الجو الذي شعر به الناس حقيقة واقعة في ~~مستهل هذا القرن، واستمتع بذلك الوهم اللطيف الذي وصفه توينبي نفسه ~~بقوله: «إن التاريخ قد حدث لغيرنا من الناس.» وكانت الحرب العالمية ~~الأولى هي أولى الكوارث التي هدمت هذا الإحساس البريء المستحب ، كما ~~أن سنوات السلم التي أخذت تتقدم باطراد نحو الحرب العالمية الثانية ~~نهضت دليلا على انحلال المدنية الغربية. ويعتقد توينبي اليوم أنه ~~إذا نشبت حرب عالمية ثالثة فستكون على الأرجح سببا في فناء البشر، ~~ويستخلص من ذلك أنه من واجبنا في هذه الساعة الحرجة أن نقابل هذا ~~التحدي الذي يصوبه نحونا عالم طبيعي قوي موحد بديانة عالمية ~~قوية موحدة. # وإن من يقرأ المقتطفات التالية من مقالات توينبي - سواء اتفق أو ~~اختلف معه في الرأي بجملته أو بتفصيله - سرعان ما يسلم بأن ما كتبه ~~توينبي يحقق المثل الأعلى الذي رسمه لورد آكتن حين قال: «إنه يتميز ~~عن التاريخ المشترك لجميع الشعوب، وليس عبئا على الذاكرة، ولكنه ~~إضاءة للروح.» ~~(1) نظرة مؤرخ # إلى أزمة الحضارة الحديثة «أرنولد توينبي» ~~(1-1) هل نحن خاضعون لقدر محتوم؟ # هل يعيد التاريخ نفسه؟ كان الكتاب في عالمنا الغربي في ~~القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يحاولون الإجابة عن هذا ~~السؤال لمجرد التدريب على البحث العلمي. إن شدة الذهول ~~التي أصابت أجدادنا من جراء الرفاهية التي اتسمت بها ~~الحضارة في ذلك الحين قد غشت أبصارهم حتى لم يروا أمامهم ~~إلا رأيا عجيبا يجافي الحقيقة، وتوهموا أنهم «ليسوا ~~كغيرهم من الناس»، واعتقدوا أن مجتمعنا الغربي يبرأ من ~~إمكان وقوعه في تلك الأخطاء والنكبات التي أدت إلى انهيار ~~بعض المدنيات الأخرى، التي أصبح تاريخها من بدايته إلى ~~نهايته كتابا مفتوحا. أما بالنسبة إلينا نحن أبناء هذا ~~الجيل، فقد أصبحت لهذا السؤال القديم على حين غرة دلالة ~~عملية أخرى. وتنبهنا إلى الحقيقة (وإني لأعجب كيف يعمى ~~عنها الإنسان)، وهي أن الرجل الغربي وأعماله ليست أشد ~~حصانة من المدنيات البائدة، مدنيات الأزاتقة والأنكا ~~والسومريين ms060 والحيثيين؛ ومن ثم فنحن اليوم نبحث - في شيء ~~من الجزع - في ثنايا الكتب المقدسة عن الماضي لعلنا نلتمس ~~فيها درسا نستطيع الإفادة منه. فهل التاريخ يمدنا بأي نوع ~~من أنواع المعرفة التي تتعلق بمصيرنا؟ وإن كان يمدنا بنوع ~~منها، فما مداه؟ # 1 # إن نظرة شاملة إلى الرقعة التاريخية في ضوء ما نعلمه ~~اليوم، تبين أن التاريخ - حتى اليوم - قد أعاد نفسه ~~عشرين مرة تقريبا، وفي كل مرة يتمخض عن مجتمعات بشرية من ~~النوع الذي ينتمي إليه مجتمعنا الغربي، كما تبين أيضا ~~أن هذه المجتمعات التي نسميها المدنيات - ربما فيما خلا ~~المدنية الحاضرة - قد بادت فعلا أو هي في دور الاحتضار. ~~ثم إننا - فوق ذلك - حينما ندرس تاريخ هذه المدنيات ~~البائدة أو العليلة تفصيلا، ونقارن بين إحداها والأخرى، ~~نجد ما يدل على وجود ما يشبه النموذج المتكرر في طريقة ~~انهيارها وتدهورها وسقوطها. ونحن نتساءل اليوم بطبيعة ~~الحال، إن كان لا مناص لهذا الفصل المعين من التاريخ من أن ~~يعيد نفسه في حالتنا الراهنة: هل هذا النمط المتكرر في ~~التدهور والسقوط ينتظرنا بدورنا باعتباره قدرا محتوما لا ~~أمل لحضارة من الحضارات في الفرار منه؟ إن الإجابة على هذا ~~السؤال - في رأي الكاتب - هي بالنفي بكل تأكيد. إن الجهد ~~الذي يبذل لخلق صورة جديدة من صور الحياة - سواء أكانت ~~نوعا جديدا من الحيوانات اللافقرية أو نوعا جديدا من ~~المجتمع الإنساني - قلما، بل يستحيل أن ينجح في المحاولة ~~الأولى؛ فليس الخلق عملا هينا بكل هذه السهولة. إنما ~~يبلغ نجاحه النهائي بعد عدة محاولات تتعثر في الزلل ~~والخطأ. ويترتب على ذلك أن الفشل في التجارب السابقة، لا ~~يحتم فشل التجارب اللاحقة بدورها بالطريقة عينها، بل إنه ~~ليهيئ الفرصة لهذه التجارب الأخيرة لكي تحقق النجاح عن ~~طريق الحكمة التي يمكن أن تكتسب من أسباب الفشل. إن تتابع ~~الفشل فيما مضى لا يكفل النجاح بطبيعة الحال للمرحلة ~~اللاحقة، كما أنه لا يحتم عليها الفشل بدورها. وليس هناك ~~ما يمنع حضارتنا الغربية من أن تتأثر بسوابق التاريخ - إن ms061 ~~هي شاءت - فتنتحر انتحارا اجتماعيا. بيد أنه لا يتحتم ~~علينا أن نحكم على التاريخ بأن يعيد نفسه. وأمامنا الفرصة ~~أن نوجه التاريخ في عصرنا - بجهدنا - وجهة جديدة غير ~~مسبوقة. ولقد وهبنا باعتبارنا بشرا هذه القدرة على ~~الاختيار، وليس بوسعنا أن نلقي تبعاتنا على الطبيعة أو على ~~الآلة، بل ينبغي لنا أن نواجه مسئولياتنا، والأمر مفوض ~~لنا. # 2 ~~(1-2) الموقف الدولي الحاضر # ما هي القضية التي تثير هذا القلق اليوم في كل أرجاء ~~العالم؛ بين الأمريكان والكنديين، وبين أنفسنا وجيراننا ~~الأوروبيين والروس ...؟ سوف أقدم إليكم رأيي الشخصي، وهو رأي ~~- كما سوف ترون - يقبل الجدل. عقيدتي الشخصية أن هذه ~~القضية المفزعة قضية سياسية، وليست قضية اقتصادية. ولست ~~أعتقد أن هذه القضية السياسية لا تتعلق بالوحدة السياسية ~~للعالم في المستقبل القريب. إني أعتقد أن العالم سوف ~~يتحد سياسيا في المستقبل القريب على أية صورة من ~~الصور، وأن هذه النتيجة قد انتهينا من الوصول إليها. ولعل ~~هذه العقيدة فيما أظن هي أكثر مبادئي عرضة للجدل، ولكني ~~لا أملك إلا أن أذكر ما أعتقده بأمانة وإخلاص (ولست أرى ~~كيف يستطيع المرء أن يبلغ نتيجة غير هذه، إذا هو تدبر ~~أمرين اثنين؛ مقدار اعتماد شعوب الأرض في وقتنا الحاضر ~~بعضها على بعض، وقوة الفتك في أسلحتنا الراهنة؛ ثم ضم هذين ~~الاعتبارين أحدهما إلى الآخر). أعتقد أن القضية السياسية ~~الكبرى المفزعة الحقيقية اليوم لا تنحصر في الشك في وحدة ~~العالم السياسية الوشيكة، بل في أي طريق من الطريقين ~~الوحيدين الممكنين سوف تسير هذه الوحدة العاجلة. # فهناك الطريقة العتيقة المألوفة التي لا يستسيغها أحد، ~~طريقة الحروب المتواصلة التي تبلغ نهاية مرة تستطيع ~~عندها دولة حية كبرى أن تنقض على منافستها الأخيرة ~~الباقية، ثم تفرض السلم على العالم بحق الغزو. هذه هي ~~الطريقة التي وحدت بها روما بالقوة في القرن الأخير قبل ~~الميلاد العالم الإغريقي الروماني، ووحدت بها إمارة ~~«تسن» ذات العقلية الرومانية العالم في الشرق الأقصى في ~~القرن الثالث قبل الميلاد. ثم هناك التجربة الجديدة، وهي ~~الحكومة التعاونية ms062 العالمية - ولا أقول إنها طريقة جديدة ~~كل الجدة - فقد كانت هناك محاولات فاشلة سابقة لإيجاد ~~طريقة تعاونية للتخلص من المتاعب التي انتهت فعلا بفرض ~~ميثاق السلم الروماني، وميثاق السلم السنيكي، عنوة ~~وبالقوة. بيد أن متابعتنا لهذا الاتجاه - خلال الحياة ~~التي عشناها - الذي يدعو إلى هذا الحل الموفق كانت أشد ~~حزما، وأعمق في نفوسنا وعيا ، حتى إننا لنستطيع أن نعدها ~~بحق بداية جديدة. وكانت المحاولة الأولى هي إنشاء عصبة ~~الأمم، والمحاولة الثانية هي الأمم المتحدة. وواضح أننا في ~~هاتين المحاولتين نشغل أذهاننا بمشروع سياسي مبتكر عظيم ~~المشقة يشمل مجالا مجهولا إلى حد كبير. ولو نجح هذا ~~المشروع، حتى إذا لم يفلح نجاحه إلا في أن ينقذنا من طريقة ~~فرض السلام بالغزوات والحروب، أقول لو نجح هذا المشروح ~~لفتح للبشرية آفاقا بعيدة، آفاقا لم تمتد إليها أبصارنا ~~من قبل خلال الخمسة أو الستة الآلاف سنة الماضية التي ~~شهدتنا ونحن نقوم بعدة محاولات لإقامة الحضارة. # وبعدما نحيي هذه البارقة من الأمل التي لمعت في الأفق، ~~أرى أننا نحيد عن الصواب إذا نحن لم ندرك طول ووعورة ~~الطريق الذي يصل ما بين هدفنا والموقف الذي نقفه اليوم. ~~ولا يحتمل أن ننجح في التحول عن طريقة الاحتكام إلى نتائج ~~الحروب إلا إذا وضعنا في اعتبارنا الظروف التي تدعو إليها ~~لسوء الحظ. # وأول هذه الظروف السيئة التي تتحتم علينا مجابهتها هو أن ~~عدد الدول الكبرى ذات القوى المادية العظمى - إذا نحن ~~قسنا هذه القوى بمجرد القدرة على القتال - قد انخفض من ~~ثمان إلى اثنتين؛ فالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ~~يتقابلان اليوم وجها لوجه وحدهما في ميدان القوى ~~السياسية المجردة. وإذا نشبت حرب عالمية أخرى فالأرجح ألا ~~تبقى سوى دولة واحدة تقوم بتوحيد العالم بالطريقة العتيقة، ~~طريقة فرض الغازي حكمه وإرادته. # وهذا الهبوط السريع المذهل في عدد الدول الكبرى ذات ~~القوى المادية العظمى يعزى إلى الوثبة المفاجئة في معيار ~~الحياة المادي، الذي دعا إلى انكماش دول ضخمة مثل بريطانيا ~~العظمى، وفرنسا أصبحت ضئيلة بالقياس إلى دول مثل الاتحاد ms063 ~~السوفيتي والولايات المتحدة. وقد حدث مثل هذه الوثبات ~~المفاجئة من قبل في التاريخ؛ فمنذ نحو خمسمائة أو ~~أربعمائة عام تضاءلت دول ضخمة مثل البندقية وفلورنسة ~~بالظهور المفاجئ لدول أضخم مثل إنجلترا وفرنسا. # وهذا التضاؤل الذي أحدثته للدول الأوروبية الولايات ~~المتحدة والاتحاد السوفيتي كان لا بد من حدوثه - من غير شك ~~- على أية حالة من الحالات في أي وقت من الأوقات؛ فهو في ~~رأيي نتيجة نهائية حتمية لاتساع الرقعة الأرضية أخيرا في ~~روسيا وأمريكا الشمالية، ولنمو الموارد فيهما الذي حدث بعد ~~ذلك نتيجة لتطبيقهما - على نطاق واسع - للوسائل الفنية ~~التي تم اختراع بعضها في معامل غرب أوروبا. غير أن الوقت ~~الذي تطلبته هذه العملية الحتمية كان ربما يستغرق نحو ~~مائة عام، لولا أنه اختصر إلى ثلث أو ربع هذا المدى بسبب ~~تجمع آثار حربين عالميتين. ولولا التعجل الذي لازم أحداث ~~هذا التغير لتمت العملية تدريجيا بحيث تسمح لكل ~~الأطراف المعنية بتكييف نفسها طبقا لها دون معاناة ~~تذكر. ونتيجة للعجلة التي أحدثت بها الحربان العالميتان ~~هذه العملية، كانت العملية ثورية وضعت كل جهة من الجهات ~~في حيص بيص. # 3 ~~(1-3) الحرب والطبقات في حضارتنا # هذه الانتصارات التي حققها الزمن جعلت الطبقة الوسطى ~~في الغرب تتمخض عن ثلاث نتائج دون تدبير سابق - ليس لها في ~~التاريخ نظير - وقد دفعت هذه النتائج مجتمعة عجلة ~~التاريخ نحو روح الانتقام؛ ذلك أن الغرب قد عرف الوسائل ~~التي يوحد بها العالم بأسره بالمعنى الحرفي، أي سطح الأرض ~~المسكون الذي يمكن عبوره، كما شجع بهذا النوع من المعرفة ~~نظام الحرب ونظام الطبقات، وهما مرضان وراثيان في المدنية، ~~وجعل منهما مرضين فتاكين قتالين. وهذا الثالوث من ~~النتائج غير المقصودة يتحدانا تحديا مريعا ~~حقا. # لقد كابدنا من الحروب والطبقات منذ عليت المدنيات ~~الأولى فوق مستوى الحياة البشرية البدائية لخمسة أو ستة ~~آلاف عام خلت، وكانت دائما موضعا للشكوى. ولقد بادت أو ~~اعتلت جميع الحضارات التي عرفها المؤرخون الغربيون ~~المحدثون، ويبلغ عددها العشرين تقريبا، بادت جميعها فيما ~~خلا حضارتنا. وإذا ما ms064 نحن بحثنا في سبب العلة في كل حالة ~~من الحالات بعد موت الحضارة أو فنائها ألفينا أنه دائما ~~وبغير استثناء الحرب أو نظام الطبقات، أو هما مجتمعين ~~على صورة ما. هاتان العلتان كانتا معا حتى اليوم كافيتين ~~لإبادة تسعة عشر نموذجا من عشرين من هذا النوع من المجتمع ~~البشري الذي تطور في الفترة الأخيرة من التاريخ العام. غير ~~أن قوة الفتك في هذه الأسلحة المبيدة كان لها حتى اليوم ~~حد تقف عنده؛ فبينما استطاعت هذه الأسلحة أن تقضي على ~~نماذج فردية، فشلت في إبادة الجنس البشري نفسه. لقد قامت ~~المدنيات ثم ماتت، ولكن ظاهرة «المدنية» نفسها قد نجحت كل ~~مرة في تجسدها مرة أخرى في مثال جديد من أمثلة الظاهرة ~~نفسها؛ لأن الحروب والطبقات - برغم كونهما من عوامل ~~التدمير الاجتماعي لخطيرة - لم تكن في يوم من الأيام عامة ~~شاملة، فهي قد تحطم المراتب العليا في مجتمع من المجتمعات، ~~ولكنها تفشل عادة في الحيلولة دون بقاء المراتب الدنيا ~~سليمة إلى حد كبير، مدثرة بأزهار الربيع، ومعرضة للضوء ~~والهواء. وحينما كان ينهار مجتمع من المجتمعات في ركن من ~~أركان العالم فيما مضى، لم يجر غيره معه من المجتمعات ~~حتما إلى هوة السقوط؛ فلما انهارت مدنية الصين القديمة ~~في القرن السابع قبل الميلاد، لم يمنع هذا الانهيار ~~المدنية الإغريقية المعاصرة في الطرف الآخر من العالم ~~القديم من مواصلة الصعود نحو قمتها. ولما بادت المدنية ~~الإغريقية الرومانية في النهاية من المرضين المتلازمين، ~~مرض الحرب ومرض الطبقات، خلال القرن الخامس والسادس ~~والسابع بعد الميلاد، لم يحل ذلك دون ميلاد مدنية جديدة ~~نابضة بالحياة في الشرق الأقصى خلال هذه السنوات ~~الثلاثمائة عينها. # لماذا لا تسير المدنية متعثرة، متنقلة من فشل إلى فشل ~~بالطريقة الأليمة الشائنة - وإن لم تؤد إلى الفناء ~~المطلق - التي سارت عليها في بعضة ألوف السنين الأولى من ~~وجودها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحددها الاختراعات ~~الحديثة التكنولوجية التي تخص الطبقة الوسطى الحديثة في ~~الغرب. هذه الحيل الآلية التي تستخدم في استغلال القوى ~~الطبيعية ms065 غير البشرية قد تركت الطبيعة البشرية ذاتها بغير ~~تغيير. إن طريقة الحرب ونظام الطبقات ليست إلا انعكاسا ~~للجانب الآخر من الطبيعة البشرية - أو ما يسميه رجال ~~الدين الخطيئة الأولى - وذلك في نوع المجتمع الذي نسميه ~~الحضارة. وهذه الآثار الاجتماعية لطبيعة الإنسان الفردية ~~الآثمة لم تتلاش بسبب التقدم المشئوم الحديث في معرفتنا ~~التكنولوجية، بل إنها لم تسلم من براثنها. ولما كانت باقية ~~بغير تلاش، فقد تعهدها الإنسان بدرجة قصوى كبقية نواحي ~~الحياة البشرية - نظرا لقدرتها المادية - فأصبح نظام ~~الطبقات اليوم قادرا على تفكيك روابط المجتمع بشكل قاطع. ~~كما باتت الحرب قادرة على إبادة الجنس البشري قاطبة. إن ~~الشرور التي كانت حتى اليوم شائنة بكرامة الإنسان داعية ~~للأسى وحسب، قد أمست اليوم فتاكة لا يمكن احتمالها؛ ومن ~~ثم فقد بات أمامنا نحن أبناء العرب في هذا الجبل أن نواجه ~~الاختيار بين أمرين - استطاعت العناصر الحاكمة دائما في ~~المجتمعات الأخرى في الماضي أن تتغاضى عنهما - مع ما ترتب ~~على ذلك من نتائج سيئة، في جميع الأحيان، وإن لم يؤد ذلك ~~إلى التضحية الكبرى بتاريخ الإنسان على هذا الكوكب والبلوغ ~~به إلى نهايته. علينا أن نواجه تحديا لم يتحتم على ~~أسلافنا قط أن يجابهوه؛ فإما أن نقضي على نظام الحرب ~~والطبقات - وأن يكون ذلك منذ هذه اللحظة - وإما أن نشهر ~~انتصارهما - إذا نحن تراخينا أو فشلنا - على الإنسان، ~~نصرا يكون هذه المرة حاسما ونهائيا. # إن الصورة الجديدة للحرب قد باتت مألوفة لأهل الغرب؛ ~~فنحن على علم بأن القنبلة الذرية وأسلحتنا الكثيرة الأخرى ~~الجديدة الفتاكة قادرة في حرب أخرى، لا على محو الأمم ~~المحاربة وحدها، بل كذلك على محو الجنس البشري بأسره. ولكن ~~كيف عززت التكنولوجيا شرور النظام الطبقي؟ ألم ترفع ~~التكنولوجيا بالفعل إلى درجة ملحوظة الحد الأدنى لمستوى ~~المعيشة، على الأقل في البلدان ذات الكفاية الخاصة أو ~~المحظوظة فيما وهبته من الثروات الطبيعية وفي نجاتها من ~~دمار الحروب؟ ألا يحق لنا أن نتطلع إلى اطراد الزيادة في ~~ارتفاع هذا المستوى الأدنى إلى درجة عالية، ms066 وأن نأمل في أن ~~تستمع نسبة كبيرة من الجنس البشري بهذه الزيادة، بحيث لا ~~تثير بعد ذلك الثروات الضخمة التي تمتلكها الأقليات ذات ~~الحظ الأوفر الأحقاد في القلوب؟ إن نقطة الضعف في هذا ~~الاتجاه في التفكير هي أنها لا تضع في الاعتبار حقيقة ~~حيوية، وهي أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده؛ فإنه مهما ~~ارتفع الحد الأدنى لمعيشته المادية، فإن ذلك لا يغنيه عن ~~المطالبة بالعدالة الاجتماعية. وقد تحول عدم المساواة في ~~توزيع السلع في العالم بين الأقلية صاحبة الامتياز ~~والأغلبية المحرومة منه من شر لا مفر منه إلى ظلم لا ~~يحتمل، وذلك بفعل أحدث المخترعات التكنولوجية التي ~~ابتدعها الرجل الغربي. # 4 ~~(1-4) توحيد العالم # والآن نتحدث عن الثورة الكبرى، وهي ثورة تكنولوجية، ~~كون بها الغرب ثروته، واستغل بها جميع المدنيات الحية، ~~ووحدها بالقوة في مجتمع وحيد يشمل العالم بأسره بغير ~~مبالغة. هذا الاختراع الغربي الثوري هو استبدال المحيط ~~بالمروج كوسيلة رئيسية في وصل أطراف العالم. إن استخدام ~~المحيط لهذا الغرض - أولا بالسفن الشراعية، ثم بالسفن ~~البخارية - مكن الغرب من توحيد جميع العالم المسكون ~~والقابل للسكنى، بما في ذلك الأمريكتان. # لقد بلغنا نهاية المطاف، وآن لنا أن نرسو على الشاطئ؛ ~~لأنا لا نستطيع الرؤية بوضوح إلى مسافة أبعد، ولقد دخلنا ~~في مرحلة تاريخية تنتقل فيها الآن القوى المادية من موطنها ~~الأول قبل داجاما؛ فهي تنتقل من جزيرة بريطانيا الصغيرة ~~التي تقع على مرمى الحجر من الساحل الأطلنطي لقارة آسيا، ~~إلى جزيرة أمريكا الشمالية، وهي أكبر حجما وأبعد منها ~~بمرمى القوس. بيد أن الانتقال للقوى المادية من لندن إلى ~~نيويورك قد يشير إلى نهاية آثار التفكك التي يتميز بها ~~تبادل الصلات في عهدنا الحاضر - عهد الاتصال عن طريق ~~المحيط - لأننا اليوم على أعتاب عصر جديد سوف لا يكون فيه ~~الوسيط المادي لتبادل الصلات الإنسانية المحيطات أو ~~المروج، بل الهواء، وقد يفلح الإنسان في عصر الهواء في ~~التحرير من الارتباط بتضاريس السطوح - أرضية أو مائية - ~~التي لا تخضع لنظام أو قانون. # إن مركز ms067 الجاذبية في الشئون البشرية، في عصر الهواء، قد ~~لا تحدده الجغرافيا الطبيعية، وإنما تحدده الجغرافية ~~البشرية، لا تحدده أوضاع المحيطات والبحار والمروج ~~الصحاري، والأنهار وسلاسل الجبال، والممرات والمضايق، ~~وإنما يحدده توزيع كثافة السكان، وطاقات البشر، ~~وقدراتهم، ومهاراتهم، وصفاتهم. وقد يكون لعدد السكان - من ~~بين هذه العوامل البشرية - أثر أقوى في النهاية مما كان ~~عليه في الماضي. إن المدنيات المنفصلة التي كانت قائمة ~~قبل عصر داجاما قد خلقتها واستمتعت بها أقلية حاكمة ~~متحضرة تعتلي ظهر طبقة من الفلاحين الذين عاشوا في العصر ~~الحجري الأخير عيشة ساذجة، كما امتطى السندباد البحري رجل ~~البحر العجوز. هؤلاء الفلاحون السذج هم آخر قوم نيام ~~أقوياء أيقظهم الغرب أمامه. # إن يقظة هذه الكتلة الصناعية البشرية السلبية كان عملا ~~بطيئا، فقد أشعلت كل من أثينا وفلورنسة شمعة صغيرة ~~وسلطتها على العينين الناعستين لهذا النائم المستلقي، ~~ولكنه كان يكتفي في كل مرة بأن ينقلب على الجانب الآخر ثم ~~يغط في نومه مرة أخرى. وكان على إنجلترا الحديثة أن ~~تمدن هذا الفلاح، وأن تمده بقدر من النشاط الجم يكفي لأن ~~يدفع الحركة للسير حول محيط الأرض. غير أن هذا الفلاح لم ~~يتلق هذه اليقظة برفق؛ فقد حاول حتى في الأمريكتين أن ~~يبقى على مثل ما كان عليه في المكسيك والجمهوريات التي ~~تمر فيها سلسلة جبال الإنديز، ومد لنفسه جذورا جديدة ~~في أرض عذراء في إقليم كوبك. بيد أن عمليات إيقاظه كانت - ~~برغم هذا - تستجمع قواها. وحملتها الثورة الفرنسية إلى ~~القارة الأوروبية، كما نشرتها الروسية من ساحل إلى ساحل. ~~وبالرغم من وجود ما يقرب من ألف وخمسمائة مليون من ~~الفلاحين لا يزالون حتى اليوم بحاجة إلى الإيقاظ - وهم نحو ~~ثلاثة أرباع الجيل البشري الحي - في الهند، والصين، والهند ~~الصينية، وإندونيسيا، ودار السلام، وشرقي أوروبا، بالرغم ~~من هذا فإن إيقاظهم لا بد آت بعد حين، وبعدما يتم هذا ~~تصبح للأعداد قيمتها. # 5 # وسيقول المؤرخون في المستقبل - فيما أظن - إن الحدث ~~الأكبر في القرن العشرين كان تأثير المدنية الغربية في كل ~~المجتمعات ms068 الحية الأخرى في العالم في ذلك الحين، سوف ~~يقولون عن هذا التأثير إنه بلغ من القوة والشمول أنه قلب ~~حياة كل من تعرض له رأسا على عقب وباطنا لظهر، وتشكل ~~به سلوك الأفراد من الرجال والأطفال والنساء، ونظرتهم إلى ~~الحياة ومشاعرهم ومعتقداتهم، حتى نفذ إلى صميم أفئدتهم، ~~ومس فيها أوتارا لا يمكن أن تمسها القوى المادية ~~الخارجية المجردة - مهما بلغت شدتها ودرجة إرهابها. ولست ~~أشك في أن المؤرخين سيقولون بهذا وهم يرجعون بأبصارهم إلى ~~زماننا حتى بعد فترة وجيزة من الزمان لا تتجاوز عام 2047 ~~بعد الميلاد. أما مؤرخو عام 3047 بعد الميلاد فسوف ~~يهتمون اهتماما شديدا - فيما أعتقد - بالآثار الرجعية ~~القوية التي سوف يحدثها المتأثرون - بعدما يبلغون هذا ~~التاريخ - في حياة أولئك الذين أثروا من قبل فيهم. وإذا ~~ما حل عام 3047 فقد تتحول مدنيتنا الغربية - كما عرفنا ~~وكما عرفها أسلافنا في الألف ومائتي أو الألف وثلاثمائة ~~عام الأخيرة تقريبا، منذ خروجها من العصور الوسطى ~~المظلمة؛ أقول قد تتحول هذه المدنية إلى صورة تطمس جميع ~~معالمها، من أثر إشعاع مضاد يصدر عن العوالم الأجنبية التي ~~نحن اليوم بصدد احتضانها في عالمنا، إشعاع مضاد يصدر عن ~~المسيحية الأرثوذكسية، وعن الإسلام والهندوكية، وعن الشرق ~~الأقصى. # وإذا ما حل عام 4047، فإن التفرقة بين المدنية الغربية ~~مؤثرة والمدنيات الأخرى متأثرة - وهي تفرقة تبدو اليوم ~~ضخمة كبيرة - سوف تبدو على الأرجح عديمة الأهمية. وبعدما ~~يعقب الإشعاع إشعاع مضاد، سوف لا يبقى قائما إلى تجربة ~~فريدة كبرى، يشترك فيها جميع أفراد البشر، وتلك التجربة هي ~~تحطم الميراث الاجتماعي الإقليمي من أثر الصدام مع مواريث ~~إقليمية لمدنيات أخرى، ثم إيجاد حياة جديدة - حياة مشتركة ~~جديدة - تنبع من الحطام المتخلف. سوف يقول مؤرخو عام 4047 ~~بعد الميلاد إن أثر المدنية الغربية في المدنيات المعاصرة ~~لها، في النصف الثاني من الألف عام الثانية من بعد ميلاد ~~المسيح، كان أهم سمات العصر؛ لأنه كان الخطوة الأولى نحو ~~توحيد الجنس البشري في مجتمع ~~واحد. # 6 ~~(1-5) تغير النظرة التاريخية # إذا ms069 نظرنا إلى التاريخ بهذه العين، تحتم على مؤرخي هذا ~~الجيل ومؤرخي الأجيال القادمة - فيما أحسب - أن يقوموا ~~بهذا الواجب إذا أردنا أن نؤدي الخدمة التي بوسعنا أن ~~نؤديها - كاملة - لإخواننا في الإنسانية. أعني تلك الخدمة ~~الهامة، خدمة معاونتهم على إيجاد العلاقات فيما بينهم وبين ~~أنفسهم في عالم موحد، إذا أردنا ذلك تحتم علينا إعنات ~~الخيال وتصميم الإرادة على شق طريقنا خلال أسوار السجن ~~الذي تحبسنا فيه تواريخ أقطارنا وتواريخ ثقافاتنا - تلك ~~التواريخ المحلية القصيرة ~~المدى. # 7 # ولست شخصيا أعتقد أن هذه النظرية التقليدية التاريخية ~~الغربية العتيقة سوف تبقى طويلا بعد اليوم. ولست أشك أننا ~~سوف نتجه وجهة جديدة في المستقبل، وأعتقد أننا سوف نتجه ~~نحو الشرق مرة أخرى. ولكن لماذا ننتظر حتى يمسكنا التاريخ ~~من رقابنا ويلفت رءوسنا إلى الأمام، ويعاملنا كما كان جندي ~~التدريب البروسي في القرن الثامن عشر يعامل مرءوسيه من ~~الجنود؟ ولو أن جيراننا قد أعيد تدريبهم حديثا بهذه ~~الطريقة المذلة المنفرة، إلا أنه ينبغي لنا بالتأكيد ~~أن نكون أحسن منهم تصرفا؛ لأننا لا نستطيع الزعم بأننا ~~أخذنا على غرة، كما أخذوا. إن الحقائق تجابهنا ~~صراحة، ولو استخدمنا خيالنا التاريخي ربما استطعنا أن ~~نتنبأ بالتربية الإجبارية التي بدأت فعلا تسير نحو ~~صفوفنا؛ فقد كان الفيلسوف الروائي كلنثيز يدعو زيوس والقدر ~~أن يمكناه رحمة به من السير في إثرهما بإرادته دون تخلف ~~«لأني» - كما قال - «إذا صرخت أو عصيت فسوف تتحتم علي ~~الطاعة رغما عني». # 8 # ماذا يجب علينا إذن أن نعمله - نحن أبناء الغرب - إذا ~~تمنينا - كما تمنى كلنثيز - أن نسير في إثر زيوس ~~والقدر مستخدمين ذكاءنا وممارسين لإرادتنا، بدلا من أن ~~نكره هذه الآلهة على أن تخضعنا بطريقة الإرغام ~~المذلة؟ # أقترح أولا أن نعيد توجيه نظرتنا التاريخية على الأسس ~~التي أعاد عليها الممثلون المثقفون للمجتمعات الأخرى ~~الشقيقة نظرتهم خلال هذه الأجيال القليلة الأخيرة. إن ~~المعاصرين لنا من غير أبناء الغرب قد أدركوا أن تاريخنا ~~الماضي قد أمسى جزءا حيا من تاريخهم نتيجة لتوحيد ~~العالم الذي تم ms070 أخيرا. وعلينا إزاء ذلك نحن الغربيين - ~~الذين لا تزال عقولنا تغط في نعاسها - أن ندرك الآن من ~~ناحيتنا أنه بفضل الثورة ذاتها - وهي ثورة نحن الذين ~~أحدثناها - سوف يصبح ماضي جيراننا جزءا حيا من مستقبل ~~الغرب. # ونحن إذ نوقظ أنفسنا لكي نبذل هذا الجهد في الخيال لا ~~يتحتم علينا أن نتحرك من نقطة البداية. لقد عرفنا واعترفنا ~~دائما بديننا لليونان وروما. بيد أن هذه المدنيات قد ~~بادت بطبيعة الحال. كما استطعنا أن نعترف بالجميل لها دون ~~أن نتزحزح عن موقفنا التقليدي الذي نحفظ لأنفسنا فيه ~~أقدارها؛ لأنا كنا نسلم دائما - في العمل الذي فرضته ~~علينا أنانيتنا - بأن نفوسنا النبيلة تكفي تبريرا ~~للمدنيات «البائدة». تصورنا أن هذه المدنيات قد عاشت وماتت ~~من أجل تمهيد الطريق لنا - تمثل دور يوحنا المعمدان إذا ~~فرضنا أننا نحن الذين نمثل دور المسيح (وأستميح القراء ~~عذرا في هذه الموازنة التي تتعرض للدين، ولكنها في الواقع ~~تبرز في وضوح مقدار انحراف نظرتنا بدرجة مريعة). # كما أنا قد أدركنا كذلك أخيرا أهمية بعض المدنيات ~~الأخرى باعتبارها مسهمة في بناء ماضينا. وهي مدنيات لم ~~تنطفئ شعلتها فحسب، ولكنها اختفت في زوايا النسيان قبل أن ~~ننبش أطلالها. من اليسير علينا أن نسخو في اعترافنا بفضل ~~المانوية والحيثيين والسومريين. ولقد كان الكشف عن هذه ~~الحضارات زينة في صفحات الباحثين الغربيين، كما أنها عادت ~~إلى الظهور على مسرح التاريخ تحت إشرافنا ورعايتنا. # وأشق على نفوسنا من ذلك أن نعترف بحقيقة ليست أقل من ~~هذه وضوحا، وهي أن التاريخ القديم لمعاصرينا الأحياء ~~الذين يضجون بالصياح، والذين يتعرضون أحيانا للقذف ~~والطعن، وأعني بهم الصينيين واليابانيين والهولنديين ~~والمسلمين، وإخواننا الكبار من المسيحيين الأرثوذكس - هذا ~~التاريخ القديم سوف يصبح جزءا من تاريخنا الغربي القديم ~~في عالم مقبل لن يكون غربيا ولا شرقيا، ولكنه سوف يرث ~~كل الثقافات التي مزجنا بينها جميعا نحن أبناء الغرب في ~~بوتقة واحدة. بيد أن هذه هي الحقيقة الناصعة حين نواجهها. ~~إن أبناءنا الذين سيخلفوننا لن يكونوا مجرد غربيين مثلنا، ~~بل سوف ms071 يكونون وارثين لكنفشيوس ولاوتي، كما يرثون سقراط ~~وأفلاطون، سيكونون ورثة لجوتاما بوذا كما هم ورثة لأشعياء ~~ويسوع المسيح، ورثة لزرادشت ومحمد كما هم ورثة لإليشع ~~وإيليا وبطرس وبولس، ورثة لشنكارا ورامانوجا كما هم ورثة ~~لكلمنت وأوريجن، ورثة لآباء كبادوشيا التابعين للكنيسة ~~الأرثوذكسية كما هم ورثة لأغسطين الأفريقي وأمبريان بندكت، ~~ورثة لابن خلدون كما هم ورثة بوسويه، ورثة للنين وغاندي ~~وصن يات كما هم ورثة لكرمويل وجورج واشنطن ومازيني (إذا ~~بقينا متمرغين في حمأة السياسة). # إن إعادة تشكيل النظرة التاريخية تتطلب ما يناظرها من ~~إعادة النظر في طرق دراسة التاريخ. دعنا - لو استطعنا - ~~نعد التمسك بطريقة عتيقة في التفكير والشعور، فنعترف - في ~~تواضع جم - بأن ما أنجزه أبناء الغرب فيما مضى من التاريخ ~~كان - بقدرة الله - عملا لا يتعلق بهم فحسب، وإنما يتعلق ~~بالبشرية كلها، عملا بلغ من الضخامة أن تبتلع نتائجه ~~تاريخنا الإقليمي. إننا بصنع التاريخ نتجاوز حدود التاريخ. ~~لقد انتهزنا الفرصة التي سنحت لنا دون أن نعلم ماذا نحن ~~صانعون. ولأن يسمح للمرء بأن يحقق إرادته بتساميه فوق ~~ذاته لميزة جليلة لأي مخلوق من مخلوقات الله. # بهذه النظرة إذن - وهي نظرة متواضعة ولكنها برغم ذلك ~~تدعو إلى الزهو أيضا - نرى أن القوة الرئيسية لتاريخنا ~~الغربي الحديث لا تنحصر في الحوادث السياسية المحلية ~~لمجتمعنا الغربي كما نراها منقوشة فوق أقواس النصر ~~المقامة في بعض عواصم إقليمية، أو مدونة في السجلات ~~الوطنية والبلدية ل «الدول الكبرى» ذات العمر المحدود، بل ~~إن القوة الرئيسية لتاريخنا الغربي ليست في امتداد الغرب ~~فوق أنحاء المعمورة - ما دمنا نصر على أن هذا الامتداد ~~مشروع خاص لصالح المجتمع الغربي وحده. إنما القوة الرئيسية ~~هي في إقامة هيكل - بأيد غريبة - توحد بداخله كل ~~المجتمعات - التي كانت منفصلة في يوم من الأيام - نفسها ~~في بناء واحد. كانت البشرية منذ بدايتها مفككة، وقد ~~استطعنا في الوقت الحاضر أخيرا أن نتحد. وإن العمل ~~الغربي الذي جعل هذه الوحدة ممكنة لم يتم بأعين مفتوحة كما ~~تمت أعمال داود الخالية من الأثرة ms072 لمصلحة سليمان، إنما ~~تمت هذه الأعمال في جهل مطلق للغرض منها، كأنها من عمل ~~تلك الحيوانات البحرية الصغيرة التي تبني الشعب ~~المرجانية من قاع البحر حتى تستطيع في النهاية أن ترفع ~~جبلا من المرجان فوق الأمواج. غير أن الهيكل الذي شيده ~~الغرب قد أقيم من مواد أقل قدرة من هذه الشعب على ~~البقاء. وأوضح مادة من موادها هي التكنولوجيا، ولا يستطيع ~~الإنسان أن يعيش بالتكنولوجيا وحدها. ولما ينضج الوقت، ~~حينما يقوم البيت العالمي ذو الطوابق العديدة ثابتا فوق ~~أسسه الخاصة به وتتساقط المعينات التكنولوجية الغربية ~~المؤقتة - ولست أشك في أن ذلك سوف يحدث - أعتقد حينئذ أنه ~~سوف يتضح أن الأسس ثابتة في النهاية؛ لأنها تمتد إلى صخرة ~~الدين السحيقة. # 9 ~~(1-6) ماذا نصنع لكي ننجو؟ # إن المشكلات التي أحاطت بالمدنيات الأخرى وقهرتها في ~~نهاية الأمر قد بلغت ذروتها في عالمنا اليوم. لقد اخترعنا ~~السلاح الذري في عالم تتقسمه دولتان كبيرتان عظيمتان، وتقف ~~كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ممثلتين ~~لنظريتين متعارضتين بلغتا من التناقض حدا لا يمكن من ~~التوفيق بينهما كما هما الآن؛ ففي أي طريق نلتمس النجاة في ~~هذه الأزمة الخطيرة التي نمسك فيها بين أيدينا الخيار بين ~~الحياة أو الموت، لا لنا وحدنا، ولكن للجنس البشري كله؟ ~~ربما يقع طريق النجاة - كما يحدث دائما - في التماس طريق ~~وسط، وهذا الطريق الذهبي لا يتحقق - في السياسة - بالسيادة ~~المطلقة في الدول الإقليمية أو بحكم الاستبداد الذي لا ~~يلين والذي تتولاه حكومة عالمية مركزية، وهو لا يتحقق - في ~~الاقتصاد - بالمشروعات الفردية غير المقيدة أو بالاشتراكية ~~غير المخففة. # 10 # وينبغي في الحياة الروحانية أن نقيم البناء الدنيوي ~~الخارجي على أسس من الدين. إن جهودا تبذل في عالمنا ~~الغربي اليوم لكي نشق طريقنا صوب كل من هذه الأهداف. ~~ولو بلغنا ثلاثتها، حق لنا أن نشعر بأنا كسبنا معركتنا ~~الحاضرة في سبيل بقاء حضارتنا. غير أن هذه الأهداف كلها ~~فيها طموح بالغ، وتتطلب العمل الشاق والشجاعة القصوى لكي ~~نحرز أي درجة من درجات التقدم ms073 نحو تحقيق أي منها ~~وإبرازه إلى حيز الوجود. # وليس من شك في أن الهدف الديني من بين الأهداف الثلاثة ~~أهمها جميعا في النهاية. بيد أنا أسرع حاجة إلى ~~الهدفين الآخرين؛ لأنا لو فشلنا في تحقيقهما في المستقبل ~~القريب، فربما فقدنا إلى الأبد فرصتنا في تحقيق ميلاد ~~روحاني جديد لا يمكن أن نستنزله حينما نشاء، ولكنه لن يأتي ~~- إذا أتى إطلاقا - إلا بخطا وئيدة تتدفق عندها أعمق ~~تيارات الخلق الروحاني. # ولعل الهدف السياسي هو أشد الأهداف الثلاثة لجاجة. ~~والمشكلة الحالية العاجلة في هذا الميدان مشكلة سلبية. ~~إننا اليوم - باعتماد كل شعب من شعوبنا على غيره وبما نملك ~~من سلاح - نقبل على أعتاب وحدة سياسية لا بد أن تتم ~~بوسيلة ما. ولما كان الأمر كذلك، فإن علينا أن نتحاشى ~~حدوث هذه الوحدة بصورة أليمة نلجأ فيها إلى قوة السلاح، ~~وهي الطريقة المألوفة التي يفرض فيها بالقوة «صلح روماني»، ~~الذي ربما كان أيسر السبل لتفادي القوى السياسية ~~المريعة التي يقع عالمنا اليوم في قبضتها. هل تستطيع ~~الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى أن تتعاون مع ~~الاتحاد السوفيتي عن طريق الولايات المتحدة؟ لو أن منظمة ~~الأمم المتحدة نمت حتى أصبحت نظاما فعالا لحكم عالمي، ~~لكان ذلك أفضل حل للخروج من الأزمة السياسية التي نتردى ~~فيها، بيد أنه يجب علينا أن نحسب حساب إمكان فشل هذا ~~المشروع، وأن نستعد - في حالة الفشل - بحل آخر نلجأ ~~إليه. هل يمكن أن تنقسم الأمم المتحدة - في الواقع - إلى ~~مجموعتين دون أن يتحطم السلام؟ ولو فرضنا أن وجه هذا ~~الكوكب الأرضي كله أمكن تقسيمه سلميا إلى عالم أمريكي ~~وآخر روسي، فهل يمكن أن يعيش عالمان جنبا إلى جنب فوق ~~كوكب واحد متساويين، لا يستخدمان العنف ولا يتعاونان، ~~أمدا يكفي لأن تتهيأ لهما الفرصة لكي يخف تدريجا ما ~~بينهما من فوارق في الجو الاجتماعي والجو العقائدي؟ إن ~~الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على إمكان كسب الوقت - في هذه ~~الظروف - الوقت الذي نحتاج إليه لكي نحقق هدفنا الاقتصادي ~~الذي يرمي إلى إيجاد ms074 طريق وسط بين المشروعات الحرة ~~والاشتراكية. # إن هذه الألغاز قد تصعب قراءتها، ولكنها تبين لنا في ~~جلاء ووضوح ما نحن في أشد الحاجة إلى معرفته. إنها تنبئنا ~~بأن مستقبلنا يتوقف على أنفسنا إلى حد كبير. ولسنا تحت ~~رحمة قدر لا يلين ~~وحسب. # 11 # المصادر # كل المختارات من مجموعة مقالات أرنولد توينبي التي تقع تحت ~~عنوان «محنة الحضارة». # 1 ~~«هل يعيد التاريخ ~~نفسه؟» # 2 ~~«هل يعيد التاريخ ~~نفسه؟» # 3 ~~«النظرية ~~الدولية». # 4 ~~«الفكرة الراهنة في ~~«التاريخ »». # 5 ~~«توحيد العالم وتغير ~~النظرة التاريخية». # 6 ~~«التقاء ~~الحضارات». # 7 ~~«محنة الحضارة». # 8 ~~«توحيد العالم وتغير ~~النظرة التاريخية». # 9 ~~«توحيد العالم وتغير ~~النظرة التاريخية». # 10 ~~«الفكرة الراهنة في ~~«التاريخ»». # 11 ~~«هل يعيد التاريخ ~~نفسه؟» # الفصل الثاني # | ألبرت أينشتين # (1879-1955م) # اعتاد أعضاء معهد الدراسات العليا في برنستن أن يطلوا من نوافذ ~~حجرات الدرس في الأيام المشمسة، أو الأيام الممطرة، أو حتى في ~~أثناء العواصف التي كانت تهب بين الحين والحين، فتقع عيونهم على ~~رجل صغير الحجم بدين وخط رأسه المشيب، يرتدي سروالا فضفاضا في ~~غير أناقة وقميصا ذا بنيقة لينة يعلوه صدر رياضي، يعبر فناء ~~المعهد في طريقه إلى غرفة الدرس الخاصة به. وعلى أحد جدران غرفته ~~سبورة يدون عليها هذا الرجل الرقيق معادلاته الرياضية، أو يرقب ~~زائريه وهم يتطلعون إليه ممسكا بالطباشير. هذا الرجل هو ألبرت ~~أينشتين في السنوات الأخيرة من العقد السابع من عمره، وقد تجنس ~~بالجنسية الأمريكية، وقنع من أعماق قلبه بعزلته التي اختارها لنفسه ~~في المدينة الجامعية الشرقية الصغيرة، وقد أمسى هذا الرجل وهو لا ~~يزال على قيد الحياة أسطورة من الأساطير، وكان - غير منازع - ~~أعظم نابغة في العلم في العالم الحديث، ومع ذلك فقد عرف بإشراق ~~قلبه العطوف، كما عرف بقوة عقله الخالقة التي بلغت حد ~~الإعجاز. # وأينشتين هو العامل الوحيد لثورة القرن العشرين في الطبيعة؛ تلك ~~الثورة التي عرفت باسم نظرية النسبية. وقد أضاف - إلى جانب ذلك - ~~كثيرا إلى تطور نظرية الطاقة الذرية، وسار شوطا بعيدا وعرا وسط ~~الإنتاج العلمي ms075 الخطير تميز به العهد الذي عاش فيه. وكان عليه أن ~~يقف سنوات متعددة في وجه المعارضين من أكبر علماء عصره الذين ~~أصابهم الذعر من آرائه، والذين شق عليهم أن يهضموا التغيرات ~~المذهلة في النظرية الأساسية التي تتعلق بالمكان والزمان والكتلة ~~والطاقة والجاذبية، وتتعلق في نهاية الأمر بهندسة الدنيا. ومن ~~المتناقضات العجيبة أنه في الوقت الذي كان يتأهب فيه المجتمع ~~العلمي للاعتراف في حماسة بثورة أينشتين في الطبيعة، وبعد تنبؤات ~~أينشتين فيما يتعلق بالتواء شعاعات الضوء، تلك التنبؤات التي ~~أثبتها بشكل مسرحي فريقان علميان إنجليزيان في عام 1919م، كان ~~أينشتين نفسه يواصل البحث في جلد عجيب عن نظرية موحدة تضم في ~~قانون واحد الظواهر الطبيعية، صغيرة كانت أو كبيرة. وقد ضم ~~أينشتين ثمرة ثلاثين عاما من البحث الدائب في هذه المشكلة الضخمة ~~في طبعة عام 1950م لكتابه «معنى النسبية». وهكذا نرى أن أينشتين قد ~~تشكك مرة أخرى في عمله العلمي قبيل انتهاء حياته، وقد وجد هذا ~~الشك إلى نفسه سبيلا منذ حداثته. # وبالرغم من أن أينشتين كتب مرة في مقال له عن سيرة حياته: إن ~~الأساس في كيان رجل من طرازه ينحصر كله فيما يفكر فيه وفي الطريقة ~~التي فكر بها لا فيما يعمل أو يعاني، ثم استطرد في الحديث عن طبيعة ~~نظريات الطبيعة حديثا فنيا حماسيا، بالرغم من هذا كان أينشتين ~~رجلا ذا ضمير خلقي لا يتزعزع، متعصبا لمبادئه؛ ومن ثم فقد كان ~~رجلا ذا عقيدة اجتماعية قاسية مستعدا في المناسبات الهامة لأن ~~يعمل وأن يقود. ومن الأعمال الجليلة التي قام بها أينشتين في حياته ~~ذلك الخطاب، في 2 من أغسطس عام 1939م، الذي قال فيه في عبارة سهلة: ~~«تقدم إلي حديثا أ. فرمي ول. ز. لارد بمخطوط جديد يدفعني إلى ~~التكهن بأن عنصر اليورانيوم قد يتحول إلى مصدر جديد هام من مصادر ~~الطاقة في المستقبل القريب ... إن قنبلة واحدة من هذه المادة، إذا ~~تفجرت في أحد المواني، فقد تدمره كله تدميرا، كما تقضي على ~~الأرض التي تجاوره ...» وهكذا نرى ms076 أن أينشتين قد أصدر قراره الصارم، ~~بعد سنوات متعددة في خدمة السلام والإيمان بالاشتراكية ~~الديمقراطية، وهو قرار يقضي بأنه ليس من المصلحة أن يسمح للنازيين ~~بسبق غيرهم في الحصول على مثل هذه القنبلة، ويتحتم أن تكون ~~الولايات المتحدة أولى الدول التي تطور هذا السلاح الفاتك. # وقد اتخذت صورة أينشتين مكان الشرف إلى جوار صور غاندي وألبرت ~~شفيتزر في الهيئات الأوروبية التي كانت تدعو إلى السلام في عام ~~1920م وما بعده. وبعد عشرين عاما أصبح يسمى أبا القنبلة ~~الذرية. ولكن المبدأ الذي يفسر هذا التناقض - الذي يبدو شديدا - ~~يستند إلى قاعدة خلقية بعيدة الغور، وتلك هي «حبه العارم للعدالة ~~الاجتماعية»، الذي ترتبت عليه كراهيته الشديدة للفاشية العسكرية ~~التي تسترق الرجال، وتستطيع أن تقضي على عنصر بشري بأسره بوسائلها ~~في الفتك الذريع بالناس. وما إن انتهت الحرب بهزيمة الفاشية حتى ~~نادى أينشتين بضرورة كسب السلام أيضا؛ إذ إن كسب الحرب وحده لا ~~يكفي؛ ومن ثم فقد استنكر أينشتين في المرحلة الأخيرة من حياته خطة ~~الاعتماد على التهديد بالحرب الذرية التي ظن أنه لمسها في سياسة ~~الولايات المتحدة أكثر مما لمسها في سياسة الاتحاد السوفيتي. وفي ~~غضون حماسته للسلام والوئام العالمي، أثنى على نوايا السوفيت، ~~ووجه اللوم إلى البلاد الحرة التي يستطيع عظماء الرجال فيها أن ~~يعبروا عن آرائهم، وأن تجد هذه الآراء من الناس من يأبه ~~لها. # أما آراؤه الدينية فقد كانت موضع الاهتمام والبحث من جانب ~~أولئك الذين كانوا يعدونه عالما قديسا متفلسفا. ولد في ألمانيا ~~من أبوين يهوديين كانا شديدي العقيدة في الدين - كما قال عنهما ~~ابنهما - أما هو فقد نبذ الدين وهو في صباه؛ لأنه اقتنع من ~~قراءاته في الكتب العلمية الشائعة بأن قصص العهد القديم ليست ~~صادقة؛ فلما نضج تبلور تقديره للطبيعة، وإحساسه بالعجب والرهبة ~~إزاء لغز الدنيا والوجود الذي لا يمكن تفسيره أو حله، تبلور هذا ~~كله في صورة عقيدة أسماها بحب «الاسبينوزية». لم يعتقد في إله له ~~ذات مستقلة، وإنما الإله عنده كائن في الطبيعة، وهو ms077 «الانسجام ~~المنظم لكل ما هو موجود». كانت عقيدته «إحساسا دينيا كونيا ~~شاملا». وهذه العقيدة التي آمن بها في حياته، سواء في صورتها ~~الدينية أو في غير هذه الصورة الدينية، كان معناها «تطوير الفرد ~~تطويرا حرا بحيث يحمل تبعات نفسه حتى يستطيع أن يكرس جهوده ~~في حرية وابتهاج لخدمة المجتمع الإنساني». ~~(1) إيمان عالم # ألبرت أينشتين ~~(1-1) دور العالم اليوم # إن علماء الطبيعة يجدون أنفسهم اليوم في موقف لا يختلف ~~عن موقف ألفرد نوبل؛ فقد اخترع نوبل أقوى مادة متفجرة ~~عرفت حتى الوقت الذي عاش فيه، وهي وسيلة من وسائل التخريب ~~من الطراز الأول. ولكي يكفر عن هذا الصنيع، ولكي يريح ~~ضميره الإنساني، قدم جوائزه لخدمة قضية السلام وللأعمال ~~التي تؤدي إلى السلام. واليوم يحس علماء الطبيعة - الذين ~~أسهموا في صنع أشد الأسلحة التي عرفها التاريخ فتكا ~~وخطرا - بشعور مماثل من المسئولية، بل ومن ارتكاب الذنب. ~~ولا نستطيع أن نكف عن التحذير وتكرار التحذير، ولا ~~نستطيع - بل ولا ينبغي لنا - أن نتراخى في بذل الجهد لكي ~~نبصر أمم العالم - وحكوماته خاصة - بالكارثة الكبرى ~~التي لا مناص لهم من إيقاعها ما لم يغيروا من موقف كل ~~منهم إزاء الآخر وإزاء واجبهم نحو تشكيل المستقبل. ولقد ~~عاونا في ابتداع هذا السلاح الجديد لكي نسبق أعداء ~~البشرية في التوصل إليه. ولو كان لمن بيدهم هذا السلاح ~~عقلية النازي لانتهى الأمر حتما باستعباد بقية العالم ~~وتدميره تدميرا لا يتصوره العقل. ولقد أسلمنا هذا السلاح ~~لأيدي المناضلين في سبيل السلام والحرية، ولكنا لا نلمس ~~حتى اليوم أي ضمان للسلام، ولا نرى أي ضمان للحريات التي ~~وعد بها الشعوب ميثاق الأطلنطي. لقد كسبنا الحرب ولكنا ~~لم نكسب السلام. والدول الكبرى التي اتحدت في القتال، ~~تنقسم اليوم بشأن تسويات الصلح. لقد وعد العالم التحرر من ~~الخوف، ولكن الخوف - في الواقع - قد ازداد كثيرا منذ ~~انتهاء الحرب. وقد وعد العالم التحرر من العوز، غير أن ~~المجاعة تهدد اليوم أجزاء كبيرة من العالم، في حين أن ~~أجزاء أخرى تمرح في رغد ms078 من العيش. وعد الحرية والعدالة، ~~بيد أنا شاهدنا، ولا زلنا نشاهد، المنظر الأليم، منظر ~~جيوش «التحرير» تطلق النيران على شعوب تطالب باستقلالها ~~وبالمساواة الاجتماعية، وتؤيد في تلك الشعوب ذاتها بقوة ~~السلاح الأحزاب والأشخاص الذين يصلحون لخدمة أغراض أصحاب ~~المنفعة. كما أن مشكلات الحدود، والتنازع على السلطان - ~~وإن تكن من الأمور البائدة - لا تزال تغطي على المطالب ~~الأساسية، مطالب الرفاهية والعدالة ... # إن صورة عالمنا بعد الحرب صورة قاتمة. ولسنا - نحن ~~علماء الطبيعة - في حدود اختصاصنا، من رجال السياسة، ولم ~~نرغب قط فيما مضى في المشاركة في شئون السياسية. بيد ~~أنا نعرف بعض الأمور التي لا يعرفها رجال السياسة، ونحس ~~أن من واجبنا أن نصارح المسئولين وأن نذكرهم بأن الوقت ~~لا يسمح بالارتياح والدعة، وأن الشوط الذي ينبغي لنا أن ~~نقطعه لا يسمح لنا بالتقدم رويدا رويدا، أو بتأجيل ~~التغيرات الضرورية إلى المستقبل البعيد. إن الوقت لا يسمح ~~لنا بالمساومة في توافه الأمور. إن الموقف يستدعي بذل ~~الجهود بشجاعة، والتعديل الأساسي في نظرتنا كلها، وفي ~~التصور السياسي بأسره؛ فلعل الروح التي دفعت ألفرد نوبل ~~إلى تقديم الجوائز لمن يخدمون قضية السلام، روح الثقة ~~والإيمان، روح السماحة والأخوة بين الناس، لعل هذه الروح ~~أن تغلب في عقول أولئك النفر الذين تتوقف على قراراتهم ~~مصائرنا، وإلا فالمدنية الإنسانية مصيرها ~~الفناء. # 1 ~~(1-2) الأزمة بين الفرد والجماعة # لقد أخذت أصوات لا حصر لها تؤكد منذ مدة أن المجتمع ~~الإنساني يجتاز الآن أزمة، وأن استقراره قد انهار انهيارا ~~شديدا. ومن خصائص أمثال هذه الفترات ألا يكترث الأفراد ~~بالجماعة التي ينتمون إليها، صغرت هذه الجماعة أو كبرت، بل ~~لعلهم يعادونها. ولكي أوضح ما أرمي إليه دعني أسجل هنا ~~خبرة شخصية مررت بها؛ كنت أبحث حديثا مع رجل ذكي متزن ~~وعيد حرب أخرى، قد تعرض - في ظني - بقاء الجنس البشري ~~إلى خطر شديد، وذكرت له أن الوقاية من هذا الخطر لا تتحقق ~~إلا بإنشاء منظمة تتجاوز حدود القوميات. وعندئذ قال لي ~~صاحبي في هدوء وبرود شديد: «ولماذا تعترض ms079 كل هذا الاعتراض ~~على فناء الجنس البشري؟» # وأنا على يقين أن أحدا من الناس - منذ قرن واحد فقط - ~~ما كان يخطر له أن يذكر مثل هذه العبارة؛ فهي لا تصدر إلا ~~عن رجل حاول عبثا أن يحصل في نفسه على التوازن المنشود، ~~وفقد الأمل في الظفر به إلى حد كبير. إنها تعبير عن عزلة ~~أليمة ووحشة يعاني منها كثير من الناس في هذه الأيام. فما ~~السبب في ذلك؟ وهل هناك مخرج؟ # إن الإنسان كائن انفرادي واجتماعي في آن واحد؛ فهو - ~~ككائن انفرادي - يحاول أن يحمي بقاءه وبقاء أولئك المتصلين ~~به، وأن يشبع رغباته، وينمي قدراته الطبيعية؛ وهو - ~~ككائن اجتماعي - يسعى إلى الظفر بتقدير زملائه في ~~الإنسانية ومجتمعهم، وإلى المشاركة في ملذاتهم، وإلى ~~مواساتهم في أحزانهم، وإلى تحسين ظروف حياتهم. وإنما يعلل ~~صفة الإنسان الخاصة التي يتميز بها وجود هذه النوازع ~~المتنوعة التي كثيرا ما تصطرع في نفسه. وتآلفها على صورة ~~من الصور يحدد للفرد المدى الذي يستطيع أن يبلغه لتحقيق ~~اتزان شخصيته، وللإسهام في رفاهية المجتمع. # ومن الواضح أن اعتماد الفرد على المجتمع حقيقة من حقائق ~~الطبيعة لا يمكن إهمالها، كما هو الشأن في حالة النمل ~~والنحل. غير أن حياة النمل والنحل كلها تحدد أدق وقائعها ~~غرائز جامدة موروثة، في حين أن التكوين الاجتماعي وتشابك ~~العلاقات بين الأفراد يتخذان صورا مختلفة ويتعرضان ~~لتطورات متعددة؛ فالذاكرة، والقدرة على رسم صور مختلفة من ~~العلاقات، وموهبة الاتصال عن طريق الكلام، كل ذلك جعل ~~بالإمكان تطور العلاقات بين الناس، تطورا لا تمليه ~~الضرورات البيولوجية. ويتبدى هذا التطور في التقاليد ~~والنظم والهيئات المختلفة، يتبدى في الأدب، وفي الأعمال ~~العلمية والهندسية، وفي الإنتاج الفني. ويفسر لنا هذا كيف ~~يحدث أن المرء يستطيع - بمعنى من المعاني - أن يؤثر في ~~حياته عن طريق مسلكه، وأن التفكير الواعي والحاجة تستطيع ~~أن تلعب دورا في هذه العملية. # يكتسب الإنسان عند مولده بالوراثة تكوينا بيولوجيا، ~~يجب علينا أن نعده ثابتا لا يتغير، ويشتمل هذا التكوين ~~على الدوافع الطبيعية التي تميز الجنس ms080 البشري. وهو - فوق ~~ذلك - يكتسب خلال سني حياته تكوينا ثقافيا يستمده من ~~المجتمع عن طريق اتصاله به وعن طريق مؤثرات عديدة أخرى. ~~وهذا التكوين الثقافي هو الذي يتغير بمرور الزمن، وهو الذي ~~يحدد - إلى حد كبير - العلاقة بين الفرد والمجتمع. # ولو سألنا أنفسنا: كيف ينبغي أن يتغير تكوين الجماعة ~~واتجاهها الثقافي لكي تصبح الحياة الإنسانية مرضية بقدر ~~الإمكان؟ وجب علينا أن ندرك دائما أن هناك ظروفا معينة ~~نعجز عن إدخال أي تعديل فيها؛ فطبيعة الإنسان البيولوجية - ~~كما ذكرت من قبل - لا تحتمل التعديل في الأغراض العملية، ~~ثم إن التطورات التي حدثت في التكنولوجيا وفي نسب ~~المواليد والوفيات في القرون القليلة الأخيرة قد خلقت ~~ظروفا جديدة نراها اليوم قائمة بيننا. ففي المجتمعات ~~الكثيفة السكان نسبيا، والتي تملك سلعا لا غنى عنها ~~لاستمرار بقائها، في مثل هذه المجتمعات لا مفر من تقسيم ~~العمل تقسيما واسع المدى، ولا مناص من إيجاد جهاز للإنتاج ~~يتصف بالمركزية الشديدة. ولقد انقضى إلى غير رجعة ذلك ~~الزمن الذي كان يستطيع فيه الأفراد أو المجتمعات الصغيرة ~~نسبيا أن يكتفوا بذواتهم اكتفاء تاما. ولقد نعود ~~بأبصارنا إلى هذا الزمن فنراه شعريا خياليا. وليس من ~~المبالغة أن نقول إن الإنسان قد بات اليوم يؤلف مجتمعا ~~كوكبيا للإنتاج والاستهلاك. # والآن أراني قد بلغت نقطة أستطيع عندها أن أشير في ~~إيجاز إلى ما ينحصر فيه لب الأزمة في وقتنا الحاضر، إنه ~~يتعلق بالصلة بين الفرد والجماعة؛ فلقد بات الفرد أشد ~~إدراكا من أي وقت سبق لاعتماده على الجماعة، بيد أنه لا ~~ينظر إلى هذا الاعتماد باعتباره ميزة إيجابية، أو رباطا ~~عضويا، أو قوة وقائية، بل إنه لينظر إليه باعتباره ~~عاملا من العوامل التي تهدد حقوقه الطبيعية، بل وكيانه ~~الاقتصادي. وموقفه من المجتمع - فوق ذلك - يدعو إلى شحذ ~~دوافع تكوينه الفردي دائما، في حين أن دوافعه الاجتماعية ~~- وهي أضعف بطبيعتها - تتدهور شيئا فشيئا، وكل الكائنات ~~البشرية - مهما يكن مركزها في المجتمع - تشكو هذا التدهور ~~المستمر. إنهم يحسون - وهم سجناء أنانيتهم على غير علم ms081 ~~منهم - أنهم يعيشون في قلق وعزلة، محرومين من استمتاعهم ~~بالحياة استمتاعا ساذجا بسيطا لا تعقيد فيه. ولا يستطيع ~~المرء أن يجد للحياة معنى - برغم قصرها ومخاطرها - إلا ~~إذا كرس نفسه ~~للمجتمع. # 2 # إن قيمة الفرد للجماعة تتوقف أولا على مدى توجيه مشاعره ~~وأفكاره وأعماله نحو النهوض بمصلحة إخوانه في البشرية، وهو ~~في أعيننا فاضل أو شرير وفقا لنوع شعوره إزاء المجتمع. ~~وكأن تقديرنا للفرد يعتمد كل الاعتماد على صفاته ~~الاجتماعية. # بيد أن هذا الرأي لا ينطبق على الصواب؛ فمن الجلي أن كل ~~شيء مما له قيمة في المجتمع - ماديا كان أو معنويا أو ~~خلقيا - يمكن أن يرد عبر الأجيال المتعددة إلى بعض ~~الأفراد المبدعين. فاستخدام النار، وزراعة النباتات التي ~~تؤكل، والآلة البخارية، كل شيء من ذلك كان من اكتشاف رجل ~~واحد. # الفرد وحده يستطيع أن يفكر، فيبتكر بتفكيره قيما جديدة ~~للمجتمع، بل يضع معايير خلقية جديدة تصاغ عليها حياة ~~الجماعة. إن تقدم المجتمع بغير الأفراد المبدعين المستقلين ~~في تفكيرهم وأحكامهم أمر لا يمكن تصوره كتقدم الفرد دون ~~تربة المجتمع التي ~~تغذيه. # 3 # يا له من موقف عجيب، موقفنا نحن أبناء هذه الدنيا! إن ~~كلا منا يسير على وجه الأرض رحلة قصيرة، لا يدرك لها ~~هدفا، وإن كان يحسب في بعض الأحيان أنه يحس به. ولكنا ~~إذا نظرنا إلى الحياة اليومية، دون أن نتعمقها، ألفينا ~~أننا إنما نعيش من أجل إخواننا في البشرية - من أجل أولئك ~~الذين تتوقف سعادتنا بأسرها على بسماتهم وراحتهم أولا، ~~ومن أجل كل أولئك الذين لا نعرفهم معرفة شخصية ولكنا ~~مرتبطون بمصائرهم برباط العاطفة ثانيا. إنني أذكر نفسي ~~مائة مرة كل يوم أن حياتي في الظاهر والباطن تتوقف على ~~مجهود غيري من الأحياء والأموات، وأنه يتحتم علي أن أبذل ~~جهدا كي أعطي بمقدار ما أخذت ولا زلت ~~آخذ. # 4 ~~(1-3) العلم والمجتمع # يؤثر العلم في شئون الناس عن طريقين؛ أولهما مألوف لكل ~~منا؛ فالعلم يقدم بطريق مباشر، وإلى درجة أكبر بطريق غير ~~مباشر، المعينات التي قلبت حياة ms082 الإنسان رأسا على عقب. ~~أما الطريق الثاني فتربوي في طبيعته، فهو يفعل في العقل ~~فعله. وهذا الطريق الثاني قد لا يكون في وضوح الأول عند ~~النظرة العابرة، غير أنه لا يقل عنه عمقا وبعدا. # إن أوضح أثر عملي للعلم هو أن يمكننا من تدبير أشياء ~~تجعل الحياة غنية بالرغم من أنها تعقدها في الوقت عينه - ~~وهي مخترعات كالآلة البخارية، والقاطرة، والقوى الكهربية ~~والضوء الكهربي، والتلغراف، والراديو، والسيارة، والطائرة، ~~والديناميت ... إلخ. ويجب أن نضيف إلى هذه القائمة ما حققته ~~البيولوجيا وعلم الطب في مجال الاحتفاظ في الحياة، وبخاصة ~~ما أنتجناه من مخففات الآلام ووسائل تخزين الطعام وحفظه. ~~وفي رأيي أن أعظم فائدة عملية تقدمها كل هذه المخترعات ~~للإنسان، هي أنها تحرره من الجهد العضلي الشاق الذي كان لا ~~غنى له عنه لكي يحتفظ بمجرد البقاء. وإذا استطعنا أن نزعم ~~أننا قد ألغينا الرق، فإنما يرجع ذلك إلى نتائج العلم ~~العملية. # ومن ناحية أخرى نجد أن التكنولوجيا - أو العلم التطبيقي ~~- قد خلقت للإنسان مشكلات خطيرة عميقة. ويتوقف بقاء ~~الإنسان نفسه على إيجاد حل ملائم لهذه المشكلات. ويتعلق ~~الأمر بابتداع نوع من النظم والتقاليد الاجتماعية لا مناص ~~لهذه الآلات الجديدة بدونها من أن تجلب للبشرية أشد ~~الكوارث. # إن وسائل الإنتاج الآلية في حالة اقتصادية لا نظام فيها ~~أدت إلى أن جانبا لا يستهان به من الناس لم يعد مطلوبا ~~لإنتاج السلع، وهؤلاء من أجل ذلك يستبعدون من الدورة ~~الاقتصادية. والنتائج المباشرة لذلك هي إضعاف قوة الشراء ~~وهبوط قيمة العمل نظرا لحدة المنافسة. ويؤدي ذلك - في ~~فترات تزداد تدريجيا في قصر مداها - إلى شلل خطير في ~~إنتاج السلع. ومن ناحية أخرى نجد أن ملكية وسائل الإنتاج ~~تحمل في ثناياها سلطة ليس في وسائل الحماية التقليدية في ~~نظمنا السياسية ما يقابلها، ويجد الإنسان نفسه إزاء نضال ~~لا مفر له منه لكي يكيف نفسه لهذه الظروف الجديدة - وهو ~~نضال قد يؤدي إلى التحرير حقا، إذا برهن أبناء هذا الجيل ~~على أنهم أكفاء لأداء هذا الواجب الذي ms083 وقع على ~~كواهلهم. # وكذلك قربت التكنولوجيا المسافات، وأوجدت وسائل ~~للتدمير جديدة فعالة لم يعهد مثلها الإنسان من قبل، وهي ~~وسائل - إن وضعت في أيدي أمم تطالب بحرية العمل لا تخضع ~~لقيد - تصبح تهديدا للأمن، بل ولبقاء الجنس البشري نفسه. ~~ويتطلب هذا الموقف سلطة قضائية وتنفيذية موحدة لهذا ~~الكوكب بأسره. وتقف التقاليد القومية عقبة كأداء في ~~سبيل إنشاء هذه السلطة المركزية. ونجد أنفسنا هذا أيضا ~~وسط معركة سوف تحدد نهايتها مصيرنا جميعا. # وأخيرا فإن وسائل المواصلات، وتيسير الطباعة والنشر، ~~والراديو، إذا اتحدت بالأسلحة الحديثة، جعلت بالإمكان أن ~~يوضع الجسم والروح تحت السيطرة التامة للسلطة المركزية - ~~وهنا مصدر ثالث من مصادر الخطر على البشرية. وتدل ضروب ~~الاستبداد الحديثة وآثارها المدمرة دلالة واضحة على مدى ~~بعدنا عن استغلال هذه الأدوات استغلالا منظما لمصلحة ~~البشر. وهنا أيضا نجد أن الظروف تتطلب حلا دوليا، مع ~~العلم بأن الأساس السيكولوجي لهذا الحل لم يوضع ~~بعد. # ولننظر الآن في الآثار العقلية التي تنجم عن العلم. لم ~~يكن بالإمكان في العصور السابقة أن يصل الإنسان - عن طريق ~~الفكر وحده - إلى نتائج يمكن للبشر جميعا أن يقبلوها ~~باعتبارها أكيدة ولازمة. وأقل من ذلك احتمالا أن يؤمن ~~الناس بأن كل ما يقع في الطبيعة يخضع لقوانين ثابتة لا ~~تتغير. # فإن النظر إلى القانون الطبيعي من زاوية واحدة - كما كان ~~ينظر إليه الإنسان البدائي عند الملاحظة - أباح نمو ~~العقيدة في الأشباح والأرواح؛ ومن ثم فإن الإنسان البدائي ~~حتى اليوم يعيش في ذعر دائم من تدخل القوى غير الطبيعية ~~التحكمية في مصيره. # إن مزايا العلم الأبدية أنه استطاع بتأثيره في العقل ~~البشري أن يتغلب على شعور الإنسان بالخوف من نفسه ومن ~~الطبيعة؛ فلقد استطاع الإغريق باختراعهم مبادئ علوم ~~الرياضة أن ينشئوا طريقة للتفكير لا يمكن لأحد أن يغير من ~~نتائجها، ثم اخترع علماء النهضة بعد ذلك المزج بين ~~التجربة المطردة والطريقة الرياضية. وقد أمست الدقة في ~~صياغة القوانين الطبيعية والتيقن بالاختبار من صحتها - ~~بهذا المزج - ممكنة، حتى لقد نجم عن ذلك أنه ms084 لم يعد مجال ~~لخلاف أساسي في الرأي فيما يتعلق بعلوم الطبيعة. ومنذ ذلك ~~الحين أخذ كل جيل يبني على أساس ما ورث من علم ومعرفة، دون ~~التعرض لأدنى خطر من أزمة قد تقوض البناء بأسره. # إن عامة الناس تستطيع أن تتابع دقائق البحث العلمي إلى ~~درجة محدودة فقط، ولكنها تستطيع على الأقل أن تحقق ربحا ~~واحدا هاما عظيما، وذلك هو الإيمان بأن الفكر الإنساني ~~موثوق به، وبأن قانون الطبيعة قانون ~~عالمي. # 5 ~~(1-4) العلم والدين # ليس من العسير أن نتفق على ما نفهمه من العلم. العلم ~~محاولة قديمة من الإنسان لكي يضم الظواهر المحسوسة في هذه ~~الدنيا - بالتفكير التركيبي - في ائتلاف شامل بقدر ~~الإمكان. وبتعبير جريء أستطيع أن أقول إن العلم هو محاولة ~~إعادة بناء الوجود بعد خلقه عن طريق التصور. أما إن سألت ~~نفسي: وما الدين؟ ما استطعت أن أجد الجواب بهذه السهولة. ~~وحتى إن وجدت جوابا يشفيني في هذه اللحظة، أظل واثقا ~~بأنني لن أستطيع - تحت أي ظرف من الظروف - أن أوفق - ولو ~~إلى درجة ضئيلة - بين كل أولئك الذين أولوا هذا الموضوع ~~اهتماما جديا. # وإذن فأنا أوثر أولا أن أستبدل بسؤالي: ما هو الدين؟ ~~أن أسأل عما تتميز به آمال الشخص الذي أتصور فيه التدين. ~~إن الشخص المستنير من الناحية الدينية يبدو لي كأنه رجل ~~حرر نفسه - على قدر استطاعته - من قيود رغباته الذاتية، ~~وشغل نفسه بالأفكار والمشاعر والآمال، التي يتعلق بها ~~لقيمتها التي تسمو على ذاته. ويبدو لي أن المهم هو قوة هذا ~~المضمون الذي يسمو على الذات، وعمق الاعتقاد في مغزاه ~~البعيد المتسلط على الأذهان، بغض النظر عن محاولة ~~التوحيد بين هذا المغزى وبين كائن مقدس، وإلا ما استطعنا ~~أن نحشر بوذا واسبينوزا بين الشخصيات المتدينة. وبناء على ~~ذلك فإن الرجل المتدين هو كذلك لأنه لا يخالجه شك في دلالة ~~هذه الأغراض وتلك الأهداف التي تسمو على الذات وفي ارتفاع ~~شأنها. وهي أهداف لا تتطلب ولا تحتمل أساسا من العقل، ~~إنها موجودة كأمر ضروري واقعي ms085 ضرورة من يعتقد فيها ~~وواقعيته. والدين بهذا المعنى هو محاولة قديمة من الإنسان ~~لكي يعي هذه القيم وهذه الأهداف وعيا كليا واضحا، ولكي ~~يعزز وينشر آثارها على الدوام. فإذا ما تصورنا الدين ~~والعلم طبقا لهذا التعريف أصبح الخلاف بينهما أمرا ~~مستحيلا؛ لأن العلم إنما يحقق فيما هو كائن، لا فيما ~~ينبغي أن يكون، وتبقى القيم بجميع أنواعها من الضرورات ~~التي لا تدخل في نطاقه. أما الدين فلا يتعرض إلا إلى ~~تقويم الفكر الإنساني والأعمال الإنسانية. إنه لا يجد ~~مسوغا لكي يبحث في الحقائق وفيما بينها من علاقات. # وبالرغم من انفصال مجال الدين عن جمال العلم في ميدان ~~البحث انفصالا واضحا، فإنه تقوم بينهما علاقات متبادلة ~~قوية، ويرتكز أحدهما على الآخر في بعض نواحيه. فالدين قد ~~يكون ذلك الذي يحدد الهدف، إلا أنه يأخذ عن العلم - بأوسع ~~معانيه - الوسائل التي تعين على تحقيق الأهداف التي يرسمها ~~لنفسه. ولكن العلم لا يخترعه إلا أولئك المتشبعون تماما ~~بحب الحق والإدراك السليم. وهذا المصدر من مصادر الشعور ~~ينبع من ميدان الدين. ويتصل بهذا الميدان أيضا الإيمان ~~بأنه من الممكن أن تكون القواعد التي تنطبق على عالم ~~الوجود معقولة؛ أي يمكن إدراكها بالعقل. ولا أستطيع أن ~~أتصور عالما حقا بغير هذا الإيمان العميق. ويمكن ~~التعبير عن هذا الرأي بهذه الصورة: العلم بغير دين أعرج، ~~والدين بغير علم أعمى. # ذكرت من قبل أنه لا يمكن أن يقوم حقا صراع مشروع بين ~~العلم والدين. غير أنه ينبغي لي أن ألقي ضوءا على هذا ~~الذي ذكرته مرة أخرى في نقطة هامة، ومع الإشارة إلى ~~المضمون الفعلي للديانات التاريخية. ويتناول الموضوع الذي ~~أريد أن أوضحه فكرة «الإله». حدث في أثناء الفترة الأولى ~~من التطور الروحي للبشر أن ابتدع الإنسان من خياله آلهة ~~على صورة البشر. وكان المفروض في هؤلاء الآلهة أن يقرروا ~~بفعل إرادتهم كل ما يجري بعالم الظواهر، أو على الأقل أن ~~يطبعوه بما لهم من تأثير. وكان الإنسان يسعى أن يحور من ~~ميول هؤلاء الآلهة حتى تتجه ms086 إلى ما فيه مصلحته بالسحر ~~والصلاة. غير أن الفكرة عن الإله في الديانات التي نتعلمها ~~اليوم تسمو بهذه الصورة القديمة عن الآلهة. وتتضح الصفات ~~الإنسانية التي ننسبها إلى آلهة العصر الحاضر - على سبيل ~~المثال - بالابتهال إلى «الكائن المقدس» في الصلوات، ~~وبالتوجه إليه بالدعاء لكي يحقق أغراضنا. # ولا شك أن أحدا لا ينكر أن فكرة وجود إله قادر على كل ~~شيء، عادل، عميم الخير، يمكن أن تعطي الإنسان الطمأنينة ~~والمعونة والرشد. وهذه الفكرة أيضا - بفضل بساطتها - ~~ميسورة لأشد العقول سذاجة. غير أن هذه الفكرة - من ناحية ~~أخرى - فيها بعض مواطن الضعف الأكيدة، وقد أحس الإنسان ~~بهذا الضعف إحساسا قويا منذ بداية التاريخ. فإذا كان ~~هذا الكائن قادرا على كل شيء، فكل حدث - بما في ذلك كل ~~عمل بشري، وكل فكرة إنسانية، وكل شعور إنساني، وكل أمل - ~~هو من صنعه. فكيف يمكن أن نحمل الناس تبعة أعمالهم ~~وأفكارهم إزاء مثل هذا «الكائن» القدير؟ فهو في عقابه ~~ومثوبته إنما يحكم - إلى حد ما - على نفسه. فكيف يمكن أن ~~يتفق ذلك مع ما نعزوه إليه من خير وعدل. # إن مصدر الصراع القائم اليوم بين مجال الدين ومجال العلم ~~ينحصر في هذه الصورة الشخصية عن الإله. ومن هدف العلم أن ~~يضع قواعد عامة تحدد العلاقة المتبادلة بين الأشياء ~~والأحداث في الزمان والمكان. وصدق هذه القواعد أو هذه ~~القوانين الطبيعية، عامة، مطلوب قطعا - ولا تكفي البرهنة ~~عليه. إنه منهاج في أساسه، والاعتقاد في إمكان تحقيقه ~~نظريا إنما يقوم على أساس تكرار نجاحه جزئيا. ومن ~~العسير أن تجد شخصا ينكر هذا النجاح الجزئي ويعزو إلى ~~خداع الإنسان لنفسه. وعلى أساس هذه القوانين نستطيع أن ~~نتنبأ بسلوك الظواهر الطبيعية في وقت ما، وفي مجالات معينة ~~بدقة بالغة ووثوق شديد. وهذه الحقيقة تستقر في أعماق الوعي ~~لدى إنسان العصر الحاضر، حتى إن كان ما يدركه من مضمون هذه ~~القوانين ضئيلا محدودا. # وكلما ازداد إيمان المرء بخضوع جميع الأحداث لقواعد ~~منظمة اشتد إيمانه بأنه لا يوجد إلى جانب هذه القواعد ms087 ~~المنظمة مجال لأسباب ودوافع من نوع آخر. وهو لا يرى وجودا ~~لإرادة بشرية أو إرادة سماوية كسبب مستقل في أحداث ~~الطبيعة. ولسنا ننكر أن العقيدة في تدخل الإله في مجرى ~~الحوادث الطبيعية لا يمكن للعلم أن ينبذها - بمعنى أن ~~يتجاهلها تماما - لأن هذه العقيدة يمكن دائما أن تجد ~~ملاذا في تلك الميادين التي لم تستطع المعرفة العلمية ~~بعد أن تغزوها. # غير أني أميل إلى الاعتقاد بأن مثل هذا السلوك من جانب ~~رجال الدين عديم القيمة، بل قاتل مميت؛ لأن العقيدة التي ~~تقوى على البقاء في الظلام، ولا تقوى عليه في وضح الضياء، ~~لا بد أن تفقد تأثيرها في الناس، وتعود على التقدم البشري ~~بالأذى البالغ. لا بد لعلماء الدين - خلال نضالهم في سبيل ~~الخير الخلقي - أن يتخلوا عن مبدأ العقيدة في إله له صفة ~~الأشخاص؛ أي لا بد لهم أن يتخلوا عن ذلك المصدر من مصادر ~~الخوف والأمل، الذي وضع في الماضي قوة كبرى في أيدي رجال ~~الدين. لا بد لهم في أثناء جهادهم من استغلال تلك القوى ~~التي بوسعها أن تخلق الخير والحق والجمال في البشرية ~~ذاتها. ولا شك أن هذا عمل أكبر مشقة، ولكنه أكبر قيمة ~~بدرجة لا تقارن. وبعدما يقوم علماء الدين بواجب التهذيب ~~الذي أشرت إليه، فلا ريب أنهم سوف يدركون ببالغ السرور أن ~~الدين الحق قد اكتسب من المعرفة العلمية نبلا وازداد فيها ~~عمقا. # وإذا كان من أهداف الدين أن يحرر البشرية بقدر الإمكان ~~من الخضوع للمخاوف والرغبات والشهوات الذاتية، فإن التعليل ~~العلمي يستطيع أن يعاون العقيدة الدينية بمعنى آخر؛ فلو ~~أنه من الحق أن هدف العلم أن يكتشف القواعد التي تسمح بربط ~~الحقائق وبالتنبؤ بها، إلا أن ذلك ليس هدفه الوحيد؛ فهو ~~يعمل أيضا على اختصار الصلات المكتشفة إلى أصغر عدد ممكن ~~من التصورات العقلية المستقلة بعضها عن بعض. وهو بهذا ~~السعي نحو الوحدة العقلية للمتعدد يحقق أكبر فرص نجاحه، ~~بالرغم من أن هذه المحاولة عينها هي التي تعرضه للخطر ~~الجسيم، خطر وقوعه فريسة ms088 للأوهام. غير أن كل من لمس بقوة ~~التقدم المطرد في هذا الميدان، يشعر بالتقدير العميق ~~للتعقل الذي أمكن إظهاره في الوجود. وعن طريق الفهم الصحيح ~~يظفر بتحرر بعيد المدى من قيود الآمال والرغبات الشخصية؛ ~~وبذلك يحقق ذلك التواضع الفكري إزاء عظمة العقل المتجسد في ~~الوجود، والذي يشق على الإنسان بلوغه، في أعمق أعماقه ~~السحيقة. ويبدو لي أن هذه النظرة دينية في أسمى معاني ~~الدين؛ ومن ثم يخيل إلي أن العلم لا يطهر الدافع ~~الديني من أدران ما يعلق به من صفات إنسانية فحسب، ولكنه ~~يعمل كذلك على تلوين إدراكنا للحياة بلون روحاني ~~ديني. # 6 # إن الفرد يشعر بخواء الرغبات في الأغراض الإنسانية، ~~وبالسمو والنظام العجيب الذي يتبدى في الطبيعة وفي عالم ~~الفكر. إنه ينظر إلى الوجود الفردي كأنه ضرب من ضروب ~~السجن، ويود لو اتصل بالعالم باعتباره كلا واحدا له ~~دلالته. وقد ظهرت بالفعل مبادئ الشعور الديني الشامل للكون ~~في مراحل تطورها الأولى - في كثير من مزامير داود مثلا، ~~ولدى بعض الأنبياء. وتشتمل البوذية على عنصر قوي من هذا ~~الشعور، كما عرفنا من مقالات شوبنهور العجيبة بنوع ~~خاص. # وهذا اللون من الشعور الديني، الذي لا يعرف عقيدة ~~بعينها، ولا يعرف إلها يتصوره الإنسان على صورته، هو الذي ~~يميز العبقريات الدينية في كل العصور - بحيث لا يقوم نظام ~~ديني (كنيسة) ترتكز تعاليمه الأساسية على تلك العقيدة أو ~~ذلك الإله الذي تصوره الإنسان. # إن أولئك الذين يدركون الجهد الضخم، والإيمان القوي ~~خاصة، الذي يتطلبه العمل التمهيدي في العلم النظري، أولئك ~~وحدهم يستطيعون أن يحسوا قوة الشعور الذي منه وحده يمكن ~~أن ينبعث مثل هذا العمل - برغم بعده عن حقائق الحياة ~~المباشرة. أي إيمان عميق في معقولية الكون (حتى إن كان ~~ما يبدو من العقل في هذه الدنيا تافها ضئيلا) وأي شغف ~~بالفهم كان عند كبلر ونيوتن حتى استطاعا أن ينفقا السنوات ~~العديدة في عزلة العمل لكي يستخلصا قواعد الحركة السماوية! ~~إن أولئك الذين يستمدون معرفتهم بالبحث العلمي أساسا من ~~نتائجه العملية سرعان ms089 ما يكونون فكرة خاطئة تماما عن ~~عقلية أولئك الذين يتحوطهم عالم متشكك، ولكنهم ينيرون ~~الطريق لأمثالهم في الفكر، المنتشرين في الأرض وخلال ~~القرون. ولا يستطيع أن يدرك تمام الإدراك مصدر الإلهام ~~لهؤلاء الرجال، ومصدر القوة التي تجعلهم يثبتون على تحقيق ~~أغراضهم برغم ضروب الفشل العديدة التي تصادفهم، لا يستطيع ~~أن يدرك ذلك الأمر إلا من كرس حياته لمثل هذه الأهداف. ~~إنه الشعور الديني الكوني الشامل وحده الذي يمد المرء بمثل ~~هذه القوة. قال أحد المعاصرين - وقد صدق فيما قال - إن ~~العاملين في العلم الجادين في عصرنا هذا المادي هم وحدهم ~~الذين يتصفون بالتدين ~~العميق. # 7 # المصادر # هذه المختارات من ألبرت أينشتين مأخوذة من مجموعة رسائله، ~~ومقالاته، وبحوثه، وإذاعاته، التي ظهرت في كتابه «من سنواتي ~~الأخيرة» وكتابه «العالم كما أراه». # 1 ~~«كسبنا الحرب وخسرنا ~~السلام». # 2 ~~«ما الداعي إلى ~~الاشتراكية؟» # 3 ~~«المجتمع ~~والشخصية». # 4 ~~«العالم كما ~~أراه». # 5 ~~«العلم ~~والمجتمع». # 6 ~~«العلم والدين». # 7 ~~«الدين والعلم». # الفصل الثالث # | أجنازيو سيلون # (1900م-...) # نستطيع القول عن أجنازيو سيلون بأن حياته كلها كانت رحلة دينية ~~في سبيل الحرية، ومع ذلك فإن هذا الفنان الذي كان يسعى إلى الحقيقة ~~قبل كل شيء، الذي استخدم قواه الذهنية العظيمة لتحقيق العدالة ~~الاجتماعية، يوحي إلى القارئ بشدة تعلقه وحبه لموطنه في إقليم ~~أبرزي بإيطاليا ولساكنيه من الفلاحين المتواضعين. ويقول أحد ناقديه ~~إنه بالنسبة إلى أبرزي كان يحمل ما حمل من قبل روبرت فروست من ~~مشاعر. غير أن هذا النقد لا يشير إلا في القليل إلى النظرة ~~العالمية الخلقية الشاملة التي كانت تتميز بها طريقة سيلون في ~~السخرية، كما أنه لا يشير كذلك بقدر كاف إلى تلك النزاهة الخالصة ~~التي جعلت من هذا الرجل منظما (بمعنى هذه الكلمة في الحركة ~~الاجتماعية) كما جعلت منه أيضا في كثير من المواقف ثائرا فذا ~~جسورا. # ولد سيلون في أول مايو من عام 1900م في بسينا دي مارسي، وهي ~~قرية صغيرة في أبرزي بالابنين. وكانت أسرته من صغار أصحاب الأراضي ~~في الإقليم، فحرصوا ms090 على أن يتلقى تعليمه في المدارس الكاثوليكية. ~~فلما بلغ الفتى السابعة عشرة من عمره أصبح سكرتيرا للمزارعين ~~الذين كانوا يعملون في إقليم أبرزي، ويمثل الفلاحين الذين عرفهم حق ~~المعرفة، والذين كان يؤثر أن يقضي جانبا كبيرا من وقته معهم أيام ~~طفولته. وقد هلكت أمه وأبوه في زلزال سنة 1915م. وبعد ذلك ببضع ~~سنوات هجر سيلون وأخ له، نجا من الكارثة، من إقليمهما لكي يعملا في ~~سبيل قضية الشباب والعمال في روما. # وأصبح سيلون أحد مؤسسي الحزب الإيطالي الشيوعي، ورئيسا لتحرير ~~مجلة أفانجارديا الأسبوعية التي تصدر في روما. وفي عام 1921م قام ~~بزيارة إلى روسيا. وعند عودته إلى إيطاليا أقام في تريست، وأخذ ~~يحرر صحيفة العمال اليومية «آل لافوراتور». وكما ذكر في المقتطفات ~~التي سوف نوردها فيما بعد، بقي في إيطاليا بعد إصدار القوانين ~~الخاصة التي صدرت ضد المعارضين للفاشية، وبعد تنفيذها. وهكذا اجتاز ~~سيلون الامتحان الخطير الذي تعرض له في عمله السري، وهو يطبع ~~الصحف غير المشروعة، علما بأن أمرا بالقبض عليه قد صدر، واستولى ~~الفاشست على آل لافوراتور، وقبض على أخيه الذي نجا من الزلزال الذي ~~قضى على أكثر أفراد الأسرة، وأودع السجن، وضرب حتى مات، فعاد ~~أدراجه إلى أبرزي، باحثا عن مأوى، حتى عثر عليه لدى أصدقائه ~~الفلاحين، لفترة ما. # وفي عام 1930م اختلف سيلون مع الحزب الشيوعي، وفي العام التالي ~~استطاع الهروب عبر الحدود إلى ألمانيا. ومن هناك رحل إلى جهات أخرى ~~في أوروبا، متعرضا للحبس والنفي في مناسبات عديدة، في مختلف ~~الأقطار. وفي عام 1931م أقام بسويسرا، ولبث بها حتى نهاية الحرب ~~العالمية الثانية وهزيمة الفاشست. وفي هذه الفترة كتب سيلون ~~رواياته؛ فنتامارا، والخبز والنبيذ، وغيرهما. كما دون تاريخا عن ~~الفاشية في إيطاليا، وأخرج مجلدات من المقالات السياسية، ~~والمحاورات، ونقدا سياسيا هاما للمجلات الاشتراكية في جميع ~~أنحاء العالم. وفي عام 1944م عاد سيلون إلى إيطاليا ليواصل عمله ~~زعيما فكريا للحزب الاشتراكي الإيطالي، ومديرا لصحيفة ~~أفانتي! # وإن مجرد سرد هذه الوقائع في حياة سيلون لا يصور البتة ms091 القوى ~~المعنوية الكبرى عند هذا الكاتب الذي نجح في الظفر بالشهرة خلال ~~سنوات منفاه عن طريق كتبه المثيرة التي تدعو إلى العجب. وفي هذه ~~الكتب رسم في صور بشرية حية محنة استخفاف الدول الدكتاتورية ~~بالروح الإنساني. وقد أثارت هذه الصور أذهان المثقفين في غرب ~~أوروبا وأمريكا، كما هزت قلوبهم. وعندما عاد بذاكرته إلى خبرته ~~الشخصية في العقيدة الاشتراكية، التي ظن أول الأمر أن الحزب ~~الشيوعي سيقوم ببثها، والتي عرف بعد سنوات أليمة تكشفت له فيها ~~الحقيقة أنها سبب الفساد والاضطهاد، عندما عاد بذاكرته إلى ذلك كله ~~قال: «إن الاشتراكية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، سلكت مسلك ~~الصائد الذي خرج ليصيد طائر السمان فوقع بين أنياب الذئاب.» ولم ~~يستطع أن ينجو من هذه الذئاب إلا «الأصحاء من الرجال، الذين ~~يتصفون بالصدق والكمال». وذلك عن طريق التساؤل، والعصيان، والبحث ~~الشخصي، والآلام النفسية. فهل سيكون هؤلاء هم الرجال الذين سيحررون ~~روح الإنسان التي تضطر الآن إلى «أن تنقذ نفسها بالاختفاء»؟ هذا ~~لغز عويص ليس من العسير حله. غير أن سيلون يرى أن «إعادة الكشف عن ~~التراث المسيحي في ثورة هذا العصر هي أهم كسب حققناه في السنوات ~~الأخيرة لضمير هذا الجيل». # والقطعة المختارة التي نوردها فيما يلي مقتطفة من فصل في كتاب ~~غير عادي نشر في عام 1941م تحت عنوان «المعبود الذي أخفق»، وهو ~~يحتوي على مقالات دبجها أصحابها عن سيرة حياتهم، وهم جميعا من ~~«أعضاء الحزب». وهؤلاء هم آرثر كسلر، وأجنازيو سيلون، ورتشارد ~~رايت، الذين يعرضون في أمانة فذة ولاءهم للشيوعية في الماضي، ثم ~~إدراكهم فيما بعد أن الشيوعية أكبر خدعة للأمل في حرية الإنسان. ~~وهنا يفلح سيلون في إثارة الشعور - في مقال موجز - الذي يصوره ~~بطريقة فنية دقيقة في رواياته الخيالية، وهو الشعور بأن الفرد في ~~أعلى مستوياته يسمو على كل النظم الاقتصادية والاجتماعية المصطنعة ~~التي تتعسف به وتحاول أن تحرمه استقلاله الروحي. وقد بينا أن ~~سيلون - حتى حينما يتزعم العمال المظلومين - إنما يفعل ذلك بروح ~~الاستقلال الفردي بالرأي التي جعلته ms092 لا يؤمن بأمثال هذا الشعار - ~~«الوعي الطبقي» - لأن الأشخاص الذين صورهم سيلون كانوا من ~~الفلاحين، ولم يكونوا من العمال الأجراء. وغاية ما آمن به سيلون ~~في الاشتراكية، هو أقرب ما يكون إلى إثارة العطف نحو الجائعين، ~~والمعوزين، والعاجزين، وأولئك العظماء - مهما يكونوا من المغمورين ~~- الذين هم على استعداد للاستشهاد في سبيل الاعتقاد في الإنسانية ~~والإيمان بها. أما ما تبقى من رحلة سيلون الدينية التي قام بها ~~ليحقق العدالة الاجتماعية والحرية، فينحصر في إيمان ثابت لا يتزعزع ~~بإمكان تخطيط نظام اقتصادي على الأسس الاشتراكية يقوم على قاعدة ~~احترام الفرد بصورة ديمقراطية صحيحة. وفي إحدى قصص سيلون التي ~~نشرها تحت عنوان «السيد أرسطو» يمسك سمبلسيو - وهو على شفا الموت - ~~بيد راع عجوز آواه، ويقول: «اعلم أن الإنسان يستطيع أن يفعل ~~الخير!» وهي عبارة على بساطتها معقدة، تنم عن الماضي وتنبئ ~~بالمستقبل. ~~(1) المعبود الذي أخفق # أجنازيو سيلون ~~(1-1) لماذا صرت شيوعيا؟ # في ذلك المساء من شهر نوفمبر بميلان، حينما أردت أن أشرح ~~لأصدقائي لماذا تمسكت - وأنا في السابعة عشرة من عمري وما ~~زلت في سنوات الدراسة - باشتراكية زمروالد، اضطررت إلى ~~أن أعود بذاكرتي، خطوة خطوة، إلى السنوات الأولى من حياة ~~المراهقة، بل لقد وجدتني مرغما على أن أذكر حكايات عن ~~صباي؛ لكي أكتشف أول المصادر التي أمدتني بنظرة إلى ~~المجتمع - اتخذت فيما بعد صيغة سياسية - وكان لا بد أن ~~يظهر فيما بعد أنها نظرة ثائرة. إن المرء في السابعة عشرة ~~من سنه، وفي وقت الحرب، لا يلتحق بحركة ثورية تضطهدها ~~الحكومة، إلا إذا كانت الدوافع إلى ذلك جدية خطيرة. # نشأت في إقليم جبلي في جنوبي إيطاليا. والظاهرة التي ~~تركت في نفسي أقوى الآثار، حينما بلغت سن الرشد، هي ذلك ~~التباين الشديد، التباين الشنيع السخيف الذي لا مبرر له، ~~بين الحياة العائلية والحياة الفردية من ناحية، وهي حياة ~~كريمة نزيهة تقوم على أسس سليمة في جملتها، وبين العلاقات ~~الاجتماعية، التي كانت في كثير من الأحيان جافة ومليئة ~~بالحقد والخداع من ناحية أخرى. # كنت طفلا ms093 في الخامسة من عمري حينما كنت - ذات يوم أحد - ~~أعبر الميدان الصغير في قريتي، في صحبة أمي، وهي تقودني من ~~يدي، فشهدت منظرا ينم عن كثير من القسوة والغباء، وهو ~~منظر أحد أعيان البلدة وقد أطلق كلبه الضخم على امرأة ~~فقيرة، وهي خائطة ملابس، كانت خارجة من إحدى الكنائس. ~~فانكفأت المرأة المسكينة فوق الأرض، وقد أصيبت بجراح ~~بالغة، وتمزق رداؤها إربا إربا. وعم الاستنكار في ~~القرية، ولكنه استنكار في صمت. ولم أدر قط كيف عن لهذه ~~المرأة المسكينة أن تقاضي هذا العمدة! ويا لها من فكرة ~~غير موفقة فكرت فيها! فقد كانت النتيجة الوحيدة لهذا ~~الإجراء هي سخرية القضاء، بالإضافة إلى ما أصابها من قبل ~~من أذى. وأقول مرة أخرى إنه بالرغم من أن كل من رآها ~~أشفق عليها، وبالرغم من أن كثيرا من الناس قد عاونها ~~سرا، فإن المرأة التعسة لم تستطع أن تجد شاهدا واحدا ~~على أهبة لأن يدلي بشهادته أمام القاضي، ولم تجد محاميا ~~يتولى الدفاع؛ في حين أن محامي «الجناح الأيسر» الذي ~~تولى قضية العمدة قد حضر في الميعاد، كما حضر عدد من ~~الشهود المرتشين الذين حنثوا في أيمانهم حينما زوروا ~~رواية ما حدث، واتهموا المرأة بإثارة الكلب، فبرأ القاضي ~~العمدة، وحكم على المرأة المسكينة بدفع النفقات - وكان ~~رجلا فاضلا نزيها في حياته الخاصة. # وبعد بضعة أيام سمعت القاضي في بيتنا يسوغ حكمه قائلا: ~~«لقد سارت الأمور بما لا يرضى ضميري، وأؤكد لكم بشرفي أنني ~~كنت في غاية الأسف. ولكن حتى لو شهدت بنفسي هذا الحادث ~~الأليم باعتباري مواطنا عاديا، ولم يكن بوسعي إلا أن ~~أوسع الرجل لوما، فإني - برغم ذلك - كقاض لا بد لي من ~~الأخذ بالشهود، ولقد كانت الشهادة لسوء الحظ في مصلحة ~~الكلب.» # وكنت في السابعة من عمري حينما حدثت أول حملة انتخابية ~~أستطيع أن أذكرها من ناحيتي. ولم يكن لدينا في ذلك الحين ~~أحزاب سياسية؛ ولذا فقد استقبل الناس إعلان هذه الحملة ~~بقليل جدا من الاهتمام. غير أن الشعور العام قد التهب ms094 ~~حينما أذيع أن أحد المرشحين هو «الأمير»، ولم تكن ثمة ~~حاجة إلى أن يذكر اسمه أو اسم أبيه لكي يعلم الناس أي أمير ~~كان معنيا؛ فقد كان يملك الضيعة الكبرى التي استحوذ ~~عليها باحتلاله عنوة لمساحات الأراضي الشاسعة التي ~~استصلحت في القرن الماضي بتجفيف بحيرة فوسينو. ولا يزال ~~ما يقرب من ثمانية آلاف أسرة (أي أغلبية سكان الجهة) ~~يشتغلون اليوم بفلاحة هذه الضيعة التي تبلغ مساحتها أربعة ~~عشر ألف هكتار. وكان الأمير يفكر في استعطاف هذه الأسرات ~~التي تتبعه لكي يعطوه أصواتهم حتى يكون نائبا عنهم في ~~البرلمان. وأخذ وكلاء الضيعة، الذين كانوا في خدمة الأمير، ~~يتفوهون بعبارات تنم عن الحرية المنزهة عن كل موطن من ~~مواطن الزلل، فيقولون: «من الطبيعي أن أحدا منكم لن ~~يرغم على إعطاء صوته للأمير. هذا أمر مفهوم. ومن الطبيعي ~~أيضا أن أحدا منكم لا يستطيع أن يرغم الأمير على أن يسمح ~~لأولئك الذين لا يعطونه أصواتهم على أن يعملوا في أرضه. ~~إننا في عصر الحرية الحقيقية لكل إنسان. أنتم أحرار، وكذلك ~~الأمير حر.» وقد أحدث إعلان هذه المبادئ (الحرة) ذعرا ~~عاما مفهوما بين الفلاحين؛ لأنك تستطيع أن تدرك في يسر ~~أن الأمير كان أشد من يمقت الناس في هذا الجزء من البلاد. ~~وما دام في برجه العالي باعتباره مالكا كبيرا إقطاعيا ~~لا يراه أحد (فإلى ذلك الحين لم يره - حتى من بعد - أحد ~~من المستأجرين الذين يبلغ عددهم ثمانية آلاف)، فإن كره ~~الجمهور له كان جائزا، وهو يشبه تلك اللعنات التي يصبها ~~على الآلهة المعادية. وهذه اللعنات ترضي النفوس بالرغم من ~~أنها لا تعود عليها بنفع. ولكن السماء اليوم تنفطر، ~~والأمير يهبط حتى يصبح على مرأى من سكان هذه الدنيا ~~الفانية، وعليهم منذ الآن - بناء على ذلك - أن يعبروا عن ~~سخطهم في حدود دائرة حياتهم الخاصة الضيقة، وأن يستعدوا ~~للترحيب به في طرقات القرية بما يستحق من تكريم. # والظاهر أن أبي لم يرض بقبول مثل هذا المنطق. وكان أصغر ~~إخوته العديدين، وكلهم من صغار ms095 الملاك. كان أصغرهم، وأشدهم ~~قلقا، والوحيد من بينهم الذي يميل إلى شيء من التمرد. ~~وذات مساء جاء إخوته الذين يكبرونه ونصحوه بالحرص ~~والتروي لصالح الأسرة جميعا. وكان هذا المساء بالنسبة ~~إلي (ولم يلق أحد منهم إلي بالا؛ لأن الكبار يحسبون ~~أن الصغار لا يدركون أمثال هذه الأمور) شديد التبصرة. قال ~~أكبر الإخوة: «إنني لا أماري في أن ترشيح الأمير مهزلة ~~حقيقية؛ فالترشيح السياسي يجب أن يقتصر على المحامين ~~وغيرهم من أرباب الكلام. أما وقد رشح الأمير نفسه، فكل ~~ما نستطيعه هو أن نؤيده.» وأجاب أبي قائلا: «إذا كان ~~ترشيح الأمير مهزلة، فلست أفهم لماذا نؤيده!» ~~- لأن معيشتنا تتوقف عليه، كما تعلم جيدا. ~~- لا يكون ذلك في السياسة؛ فنحن فيها أحرار. ~~- إننا لا نزرع السياسة، إنما نزرع الأرض. ~~- إن حياتنا تتوقف على الأمير باعتبارنا فلاحين للأرض، ~~وليس هناك ذكر للسياسة في عقودنا الزراعية، ليس بها ذكر ~~إلا للبطاطس والبنجر. أما كناخبين فنحن أحرار. ~~- ووكيل الأمير حر أيضا في عدم تجديد عقودنا. ومن أجل ~~هذا فنحن مضطرون إلى أن نقف بجانبه. ~~- لا أستطيع أن أعطي صوتي لرجل لمجرد أني مرغم على ~~ذلك. إنني حينئذ أشعر بالمذلة. ~~- لن يعرف أحد لمن تعطي صوتك؛ فأنت تستطيع أن تصوت كما ~~تشاء بكامل حريتك، وسرية الدوائر الانتخابية كفيلة بذلك، ~~ولكن خلال المعركة الانتخابية يجب علينا أن نقف إلى جانب ~~الأمير مجتمعين. ~~- كان يسرني هذا لولا أن ذلك يخجلني، ولكن صدقوني؛ إنني ~~أخجل من ذلك كثيرا. # ولكي ينتهي الجدل إلى وفاق، توصل أبي وأعمامي إلى هذا ~~الرأي الوسط. لا يظهر أبي مؤيدا للأمير أو معارضا ~~له. # وقامت بالإعداد لرحلة الأمير الانتخابية السلطات ~~المدنية ورجال الشرطة والفرسان المسلحون ووكلاء المزرعة، ~~وتكرم الأمير ذات يوم أحد بالمرور خلال القرى الأساسية ~~في دائرته الانتخابية، دون أن يتوقف أو يلقي خطابا. وظل ~~أبناء الجهة يذكرون هذه الرحلة أمدا طويلا، لا لشيء إلا ~~لأنه قام بها في سيارة. وكانت هذه أول مرة نشهد فيها ~~السيارة، بل إن كلمة «سيارة» نفسها لم تجد ms096 لها مكانا بعد ~~في لغة حديثنا اليومية، وكان الفلاحون يسمونها «العربة ~~التي لا تجرها الخيل». وفي يوم الأحد هذا خرج جميع سكان ~~القرية للقاء الأمير في عرض الطريق التي كان ينتظر أن ~~يسلكها، وبدت علامات متعددة تدل على الإعجاب والمحبة ~~الجماعية للأمير. وكانت الجماهير ترتدي أجمل ثيابها، ~~وكانوا في حالة من النشوة العظمى التي لا يعرف الجميع ~~أسبابها. ووصلت العربة التي لا تجرها الخيول في وقت ~~متأخر، وعلا ضجيجها خلال الجماهير المحتشدة وعبر القرية، ~~دون أن تقف أو حتى أن تبطئ في سيرها، مخلفة وراءها ~~سحابة من الغبار الكثيف الأبيض. # وبعد يومين وصل من روما رجل عجوز ضئيل الجسم، وكان يرتدي ~~نظارة ويحمل عصا سوداء وحقيبة صغيرة، ولم يعرفه أحد، وقال ~~إنه طبيب عيون، وقد رشح نفسه ضد الأمير، وتجمع حوله ~~نفر من الناس مستطلعين، وأكثرهم من الأطفال والنساء، الذين ~~ليس لهم حق التصويت. وكنت بين الأطفال أرتدي سروالا ~~قصيرا، وأحمل تحت إبطي كتبي المدرسية. ورجونا هذا الرجل ~~العجوز أن يخطب فينا، فقال: «ذكروا آباءكم أن التصويت ~~سري. وليس عندي شيء غير هذا.» ثم قال: «إنني رجل فقير، ~~أعيش من عملي كطبيب عيون، ولكن إذا شكا أحدكم من عينيه ~~فأنا على استعداد لأن أعالجه بغير مقابل.» فأتينا له ~~بامرأة عجوز تبيع الخضر، وكانت تشكو من عينيها، فقام ~~بتنظيفهما، وأعطاها قارورة صغيرة بها بضع قطرات، وشرح لها ~~طريقة استعمالها، ثم قال لنا (وكنا جماعة من الأطفال ليس ~~غير): ذكروا آباءكم بأن التصويت سري. ثم انصرف. ولشد ~~ما كانت دهشتنا جميعا حينما نمى إلينا أن أغلبية كبرى من ~~الناخبين - لسرية الدوائر الانتخابية - قد صوتت ضد ~~الأمير، وأعطت أصواتها لهذا الطبيب المجهول. وكانت فضيحة ~~كبرى. # وفي عام 1915م حدث زلزال لم نعهد شدته من قبل، ودمر ~~جانبا كبيرا من إقليمنا، وقتل في ثلاثين ثانية ما يقرب ~~من خمسين ألف نسمة. ولشد ما كانت دهشتي حينما وجدت ~~كثيرا من أبناء قريتي قد استقبلوا هذه الكارثة المروعة ~~كأنها أمر طبيعي. ولم يلق منهم تفسير الجيولوجيين ms097 ~~المعقد الذي روته الصحف سوى الازدراء. وفي بلد مثل ~~بلدنا، حيث تقع المظالم المتعددة دون عقوبة الظالم ينظر ~~الناس إلى تكرار حدوث الزلازل على أنها ظاهرة ليست بحاجة ~~إلى تفسير سوى مجرد حدوثها، بل إن من العجب ألا يتكرر حدوث ~~الزلازل أكثر من ذلك. والزلزال يقضي على الغني والفقير، ~~وعلى المتعلم والجاهل، وعلى الحاكم والمحكوم على السواء، ~~ويلقي بهم جميعا تحت أنقاض المنازل. وفي هذا نجد التفسير ~~الحقيقي لقوى الاحتمال عند الإيطاليين عندما تحل بهم كوارث ~~الطبيعة؛ فالزلزال ينفذ ما ينص عليه القانون ولا يقوم ~~بتنفيذه، وهو المساواة بين الناس جميعا. # أما ما بدا لأهالي ناحيتنا الفقراء أنه مصيبة أشد ~~خطرا من أي كارثة طبيعية فهو ما حدث بعد الزلزال؛ ذلك أن ~~برنامج إعادة بناء الدولة قد بدأ تنفيذه مصحوبا بدسائس لا ~~حصر لها، وبالخداع والسرقة والغش والتزوير، وبكل ضروب ~~الخيانة. وقد أمدني ببعض المعلومات من هذا القبيل عن ~~أعمال إجرامية معينة اقترفها كبار مهندسي إحدى المصالح ~~الحكومية صديق لي طردته هذه المصلحة من خدمتها. ولم ~~تدهشني هذه المعلومات بقدر ما أثرت في نفسي، فسارعت إلى ~~نقل هذه الوقائع إلى بعض أصحاب النفوذ ممن عرفت فيهم ~~الاستقامة والنزاهة لكي يفصلوا هؤلاء المجرمين. ولم ينكر ~~أصدقائي الشرفاء صحة ما ذكرت لهم، بل أيدوه بما لديهم من ~~خبرة. ولكنهم - برغم هذا - نصحوني بأن أبتعد عن هذا ~~الموضوع، وألا أشتبك بسذاجتي في أمور من هذا القبيل. ~~وقالوا لي مخلصين: «أنت شاب، ولا بد لك من إتمام دراستك، ~~وأمامك مستقبلك تفكر فيه، ولا ينبغي لك أن تعرض نفسك ~~لأخطار أمور ليست مما يخصك.» قلت: «لا شك أنه من الأفضل أن ~~يصدر التشهير بهؤلاء الخونة من كبار مثلكم، لديهم سلطة ~~ونفوذ، وألا يصدر من شاب في السابعة عشرة من عمره.» # وأصابهم الذعر من قولي، وأجابوني بقولهم: «لسنا مجانين، ~~سنعنى بالأمور التي تخصنا، وليس لنا شأن بأمور غيرنا من ~~الناس.» # ثم تحدثت في الموضوع بعد ذلك مع بعض القساوسة أصحاب ~~القداسة، ثم مع بعض الشجعان من ms098 أقاربي. وقد توسلوا إلي ~~جميعا أن أبتعد عن مكمن الخطر هذا، وأن أنصرف إلى دراستي، ~~وأفكر في مستقبلي وفي عملي، وذلك بالرغم من إقرارهم بأنهم ~~كانوا على علم بالأمور الشائنة التي كانت تجري في ذلك ~~الحين. وأجبتهم بقولي: «سأفعل ذلك مسرورا، ولكن أليس من ~~بينكم أحد على استعداد لأن يعلن عن هؤلاء اللصوص؟» وردوا ~~علي وهم يشعرون بالفضيحة: «لسنا مجانين؛ فإن هذه الأمور ~~ليست مما يخصنا.» # وعندئذ بدأت أفكر جديا أنه قد يكون من الخير أن أقوم ~~- مع غيري من الشبان - ب «ثورة» جديدة تنتهي بالقضاء على ~~مكاتب المهندسين الفاسدين قضاء مبرما. غير أن صاحبي الذي ~~دلني من قبل على انحرافهم في المعاملة صرفني عن هذا ~~العزم. وكان أكبر مني سنا وأكثر خبرة. واقترح علي أن ~~أعلن الاتهام في إحدى الصحف. ولكن أي صحيفة؟ فقال لي: ~~«هناك صحيفة واحدة يمكن أن تهتم بنشر اتهامك، وهي صحيفة ~~«الشيوعية».» ومن ثم شرعت في العمل، وكتبت ثلاث مقالات، ~~وهي أول ما كتبت في حياتي، وعرضت في تفصيل السلوك الفاسد ~~لمهندسي الحكومة من ناحيتنا، وبعثت بها إلى صحيفة ~~«أفانتي». وقد نشر المقالان الأولان فورا، وأثارا ~~تعليقا كثيرا من قراء الصحيفة، ولكنهما لم يثيرا قط ~~أحدا من المسئولين. أما المقال الثالث فلم يظهر؛ لأن ~~أحد الزعماء الشيوعيين - كما علمت فيما بعد - تدخل مع هيئة ~~التحرير. وقد أظهر لي ذلك أن وسائل الغش والخداع التي كنا ~~نعانيها كانت أوسع انتشارا مما بدا لي أول الأمر، وأن ~~فروعها تمتد حتى إلى الشيوعية دون أن يراها أحد. ومهما يكن ~~من شيء، فإن الاتهام الجزئي الذي ظهر في الصحيفة دون أن ~~يتوقعه أحد كان يحتوي على مادة تكفي لإقامة عدد من ~~القضايا، أو على الأقل لتأليف لجنة للتحقيق، غير أن شيئا ~~لم ~~يحدث. ~~⋆ ~~(1-2) إغراء الشيوعية # أعلم تمام العلم أن الرأي الذي كنت أحاول أن أعرضه في ~~هذه الصفحات قد بلغ من الإيجاز حدا يجعله رأيا متكلفا. ~~وإن كنت أذكر هذا الاعتراض الآن فليس ذلك لأني أود أن أنبذ ms099 ~~الرأي أو أن أقسم بالصحة المطلقة لما ذكرت. وأنا أؤكد ~~للقارئ صدق ما رويت وإن كنت لا أضمن مطابقته للواقع. وأنا ~~نفسي كثيرا ما أدهش حينما أجد - عندما أعود بذاكرتي إلى ~~تلك الفترة من حياتي التي قضيتها مع زملائي، وهي فترة ~~بعيدة تكاد تكون قبل التاريخ - كيف لا يستطيع هؤلاء ~~الزملاء أن يذكروا البتة، أو كيف يذكرون في غموض - إن هم ~~تذكروا - إطلاق تلك الحوادث التي كان لها أثر حاسم في ~~نفسي؛ في حين أنهم - على نقيض ذلك - يستطيعون أن يذكروا في ~~وضوح شديد حوادث أخرى كانت بالنسبة إلي تافهة عديمة ~~الدلالة. فهل كان هؤلاء الزملاء جميعا «شركاء في الإثم ~~على غير وعي منهم؟ وبأي قضاء محتوم، وبأي داع يختار ~~الإنسان - في سن معينة - لنفسه إما أن يكون شريكا في ~~الإثم، وإما أن يكون متمردا، على ما في هذا الاختيار من ~~أهمية؟» من أي مصدر يستمد بعض الناس عدم احتمالهم للظلم من ~~تلقاء أنفسهم، بالرغم من أن الظلم لا يقع إلا على غيرهم من ~~الناس؟ ومن أين يستمدون ذلك الشعور المفاجئ بالذنب عندما ~~يجلسون إلى موائد مترعة بالطعام، في حين أن غيرهم ~~يتضورون من الجوع، وتلك الكبرياء التي تجعلهم يؤثرون ~~الفقر والسجن على الاحتقار؟ # لست أدري، وربما لا يدري أحد، أنه في لحظات معينة يتحول ~~أكمل اعتراف وأعمقه إلى مجرد سرد للوقائع، ليست فيه إجابة ~~عن هذا السؤال. وكل من فكر في نفسه أو في غيره جديا ~~يعلم أن بعض القرارات تصدر عن دافع شديد الخفاء، وأن بعض ~~الاتجاهات غامضة لا يمكن تفسيرها. # ففي لحظة من لحظات عصياني امتزج الحب بالكراهية. ~~والوقائع التي تسوغ شعوري بالمهانة، والدوافع الخلقية التي ~~بعثت في هذا الشعور، هذه وتلك كانت تصدر مباشرة عن ~~الإقليم الذي ولدت فيه. ولعل هذا يفسر كذلك لماذا كان كل ~~ما كتبت حتى اليوم، وربما ما سوف أكتبه في المستقبل، برغم ~~رحيلي إلى الخارج وإقامتي به، يتعلق كله بهذا الإقليم ~~عينه، أو على وجه أدق، بذلك الجزء منه الذي تقع ms100 عليه العين ~~من البيت الذي ولدت فيه، وهو لا يزيد على ثلاثين أو ~~أربعين كيلومترا عن يمين وعن شمال. وهو إقليم كغيره من ~~أقاليم أبرزي، تافه من حيث تاريخه الدنيوي، ويكاد يكون كله ~~مسيحيا وينتمي إلى العصر الوسيط في تكوينه، والمباني ~~الوحيدة التي تستحق الذكر أديرة وكنائس، وأبناؤه اللامعون ~~كانوا لعدة قرون قديسين ونحاتين للصخور. وظروف الحياة ~~الإنسانية به كانت دائما شاقة بوجه خاص. وأهل الإقليم ~~يتقبلون الألم دائما باعتباره أول قوانين الطبيعة، كما ~~يلقى الصليب ترحيبا وتكريما من أجل ذلك. ومذهب ~~الفرنسسكان والفوضى كانا دائما طريقين من طرق العصيان ~~التي يمكن للنفوس الحية في ذلك الجزء من العالم أن تسلكها. ~~ولم يستطع رماد الشك أن يخنق، في قلوب أولئك الذين كانوا ~~أشد من غيرهم عناء، الأمل القديم في إقامة مملكة السماء ~~على الأرض، والأمنية القديمة في أن تحل الرحمة محل ~~القانون، والحلم القديم الذي دار في رأس جيوا كشينو دافيور ~~و«الطائفة الروحانية» و«أتباع السماء». # 1 # وهذه حقيقة لها أهمية أساسية كبرى؛ فهي في ~~إقليم قاحل مجهد متعب لا رجاء فيه كإقليمنا، كنز ~~حقيقي، وثروة لا تحد. غير أن رجال السياسة لا يدركون ~~وجودها، ورجال الدين يخشونها، وربما لا يدري من أين مأتاها ~~إلا القديسون. وأما ما كان بالنسبة إلينا دائما أشد ~~عسرا، إن لم يكن مستحيلا، فهو أن نتلمس الطرق والوسائل ~~التي تؤدي إلى ثورة سياسية، لكي نخلق مجتمعا حرا ~~منظما. # ولقد ظننت أني وصلت إلى هذا الاكتشاف عندما انتقلت إلى ~~المدينة وبدأت أول اتصالي بحركة العمال. وكان ذلك بالنسبة ~~إلي نوعا من أنواع الصعود إلى السماء، والإنقاذ من عزلة ~~لا تحتمل، والوقوف على أرض ثابتة، وكأنه اكتشاف قارة ~~جديدة. ~~⋆ # ولما بلغت هذه المرحلة أدركت الضرورة الملحة لفهم ~~تطورات العمل الذي شغلت به، والتحقق منه، ومقارنته ~~بالدوافع التي ساقتني أصلا إليه، واستولت علي هذه ~~الفكرة تماما، وسلبتني كل هدوء نفسي. وإذا كان لعملي ~~الأدبي الضئيل أي معنى، أو حللته إلى أعماقه، فهو هذا: ~~لقد حان الوقت الذي بات معنى ms101 الكتابة فيه عندي ضرورة مطلقة ~~لا مناص منها، وحاجة قصوى إلى تحرير نفسي من فكرة استولت ~~على كل قلبي، وإلى تبيان معنى هذا الموقف الأليم الحاسم ~~الذي كنت أقفه، وتعيين حدوده وحدود ذلك الولاء الأعمق الذي ~~كنت لا أزال أحس به. لم تكن الكتابة بالنسبة إلي قط، ولن ~~تكون، إذا استثنينا لحظات موفقة من النشوة الروحية، متعة ~~جمالية هادئة. إنما كانت استمرارا للنضال أقوم به في ألم ~~وعزلة. أما عن الصعوبات وأوجه النقص في التعبير الذاتي ~~التي كنت أكابدها أحيانا فلم تنشأ عن قصور في التزام ~~قواعد الكتابة الجيدة، وإنما نشأت عن ضمير كان يصر في ~~عناد على احترام نزاهته، وهو يناضل في سبيل علاج بعض ~~الجراح الخفية، والتي ربما كانت تستعصي على الشفاء؛ إذ ليس ~~هناك من شك في أن الإخلاص وحده لا يكفي، إذا أراد المرء أن ~~يكون ~~صادقا. ~~⋆ # ولم يكن التحاقي بحزب الثورة العمالية يعني مجرد توقيعي ~~مع أفراد منظمة سياسية، إنما كان معناه التحول من عقيدة ~~إلى أخرى، والإخلاص التام للعقيدة الجديدة؛ ففي تلك الأيام ~~كان معنى اعتناق الاشتراكية أو الشيوعية علنا أن يلقي ~~المرء بنفسه في مهب الريح، وأن ينفصل عن أبويه، ويتشرد ~~بغير عمل. وإذا كانت النتائج المادية لهذا التحول شديدة ~~قاسية، فإن صعوبات الانتقال الفكري من محيط إلى آخر لم تكن ~~أقل إيلاما. ولقد اهتز من أساسه عالمي الخاص الداخلي، ~~عالم «العصور الوسطى» الذي ورثته واستقر في أعماق نفسي، ~~والذي أخذت عنه - لو رجعت إلى الأصول الأولى - اتجاهي ~~الأول نحو الثورة، اهتز من أساسه كأنه تعرض لزلزال عنيف، ~~وانصهر كل شيء، وأصبح كل أمر مشكلة: الحياة، والموت، ~~والحب، والخير، والشر، والحق؛ كل ذلك تغير معناه أو فقد ~~كل معنى سابق له. من اليسير أن يجابه المرء الخطر حينما ~~لا يكون وحيدا، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يصف اليأس الذي ~~يستولي على القلب حينما يتخلى المرء إلى غير رجعة عن ~~إيمانه بخلود الروح؟ كان الأمر بالنسبة إلي أكثر جدية من ~~أن أناقشه مع ms102 أي إنسان آخر. ولربما رأى زملائي في الحزب أن ~~المسألة لا تستحق إلا السخرية، ولم يعد لي بعد هؤلاء ~~الزملاء صديق؛ ومن ثم تلونت الدنيا في عيني بلون آخر، ~~وسرت وحيدا بغير رفيق. ما أشد حاجة أمثالي إلى ~~الإشفاق! # إن ظروف الحياة التي فرضها على الشيوعيين الغزو الفاشستي ~~للدولة كانت شاقة عسيرة، ولكنها إلى جانب ذلك ساعدت على ~~تأييد بعض النظريات السياسية الشيوعية، كما هيأت الفرصة ~~لإيجاد نوع من أنواع التنظيم يتفق إلى حد كبير مع العقلية ~~الشيوعية؛ ومن ثم فقد تحتم علي أنا كذلك أن أهيئ نفسي ~~لعدة سنوات لأن أعيش غريبا في بلادي، فكان علي أن ~~أغير اسمي، وأن أتخلى عن كل صلة لي سابقة مع أسرتي أو ~~أصدقائي، وأن أحيا حياة زائفة لكي أبعد عن نفسي كل شك في ~~اشتراكي في حركة انقلابية؛ فأمسى الحزب هو الأسرة، وهو ~~المدرسة والكنيسة والثكنات، وكل ما يقع بعيدا عن الحزب لا ~~بد من تدميره وإعادة بنائه من جديد. وما أشبه هذه الحالة ~~النفسية التي يمسي خلالها كل مجاهد بمفرده تدريجا صورة ~~مكررة من نظام جماعي، بتلك الحالة النفسية التي كانت شائعة ~~في بعض النظم الدينية والكليات العسكرية، مع تطابق في ~~النتائج يكاد يكون تاما؛ فكانت كل تضحية تقابل بالترحاب ~~باعتبارها مساهمة شخصية في «دفع ثمن الخلاص الجماعي». ويجب ~~أن نؤكد أن الروابط التي كانت تصل بيننا وبين الحزب كان ~~تشتد وثوقا، لا أقول برغم المخاطر والتضحيات التي كانت ~~تحيط بنا، ولكن بسبب هذه المخاطر والتضحيات عينها. ويفسر ~~لنا ذلك جاذبية الشيوعية لبعض طوائف الشباب من الرجال ~~والنساء، وللطبقة المثقفة، وللأفراد الذين يتصفون بشدة ~~الحساسية وسماحة النفس ممن يعانون كثيرا من عبث المجتمع ~~البرجوازي. ~~⋆ ~~(1-3) الاستبداد الشيوعي # لم يكن عجيبا أن أخرج من الأزمات الداخلية الأولى التي ~~هزت أركان الشيوعية الدولية بشيء كثير من الشك في الشيوعية ~~ذاتها. وقد نشأت هذه الأزمات من أن الأحزاب الأساسية التي ~~تمسكت بالشيوعية الدولية الجديدة كانت أبعد ما تكون عن ~~التجانس، حتى بعد القبول الرسمي ms103 للشروط الواحدة والعشرين ~~التي وضعها لينين ليتحكم في القبول. # حدثت هذه الأزمات الداخلية في محيط بعيد جدا عن محيطي؛ ~~ومن ثم فلم يكن لها في أثر. ولا أقول ذلك مفاخرا، بل ~~إني - على العكس من ذلك - إنما أحاول تفسير الموقف. إن ~~اطراد التدهور في الشيوعية الدولية نحو الاستبداد ~~والبيروقراطية أثار في نفسي النفور والاشمئزاز، غير أنه ~~كانت هناك أسباب اضطرارية حملتني على التردد في التخلي ~~عنها، منها عطفي على الزملاء الذين ماتوا أو أودعوا غياهب ~~السجون، وانعدام وجود أية قوة منظمة تناهض الفاشستية في ~~إيطاليا في ذلك الحين، والتدهور السياسي السريع - والتدهور ~~المعنوي في بعض الأحيان - الذي حل بكثير ممن تخلوا من ~~قبل عن الشيوعية، وأخيرا توهمي بأن الشيوعية الدولية ~~ربما عادت إليها صحتها على أيدي العمال الأجراء في بلاد ~~الغرب، إذا وقعت أزمة داخل النظام السوفيتي. # وفيما بين عامي 1921 و1927 في أكثر من مناسبة ترددت ~~على موسكو، واشتركت - كعضو في الوفود الشيوعية الإيطالية - ~~في عدد من المؤتمرات والاجتماعات التي عقدتها اللجنة ~~التنفيذية. وكان أشد ما أذهلني في الشيوعية الروسية العجز ~~المطلق - حتى عند أشخاص أفذاذ حقا من أمثال لينين ~~وتروتسكي - عن الإنصاف في الحكم عند مناقشة الآراء التي ~~كانت تتعارض مع آرائهم. وكل معارض - لمجرد الجرأة على ~~المعارضة - سرعان ما يوصم بأنه خائن، نهاز للفرص، مأجور. ~~فالشيوعية الروسية لا تعرف «المعارضة الصادقة». أي ~~انحراف هذا الذي دفع أولئك الذين يسمونهم الماديين ~~والعقليين إلى أن يضعوا في جدلهم العقائد فوق قوة الفكر ~~والمنطق على الإطلاق؟! إننا لا نجد في التاريخ تعصبا ~~شبيها بهذا إلا إذا عدنا إلى عهد محاكم التفتيش. # وعندما هممت بمغادرة موسكو في عام 1922م قالت لي ~~ألكسندرا كولونتاج: «إذا قرأت في الصحف أن لينين قد ألقى ~~علي القبض لأني سرقت الملاعق الفضية بالكرملين، فاعلم أن ~~ذلك معناه أني لست على وفاق تام معه بشأن مشكلة صغيرة من ~~مشكلات السياسة الزراعية أو الصناعية.» وقد اكتسبت ~~كولونتاج روح السخرية في الغرب؛ ولذا فقد كانت لا تستخدمها ~~إلا على ms104 قوم من الغرب. وحتى في ذلك الحين، في تلك الأعوام ~~الحماسية، من إقامة النظام الجديد، في ذلك الوقت الذي لم ~~تسيطر فيه العقيدة الجديدة سيطرة تامة على الحياة ~~الثقافية، كان من أشق الأمور أن نصل إلى اتفاق مع أي شيوعي ~~روسي في أبسط الأمور، وفي أشدها وضوحا في أعيننا، كان من ~~أشق الأمور لا أقول أن نصل إلى اتفاق، بل على الأقل أن ~~نتبادل التفاهم، حينما كنا نتحدث عن معنى الحرية عند رجل ~~من الغرب، حتى إن كان من العمال. ولقد قضيت مرة عدة ساعات ~~محاولا أن أشرح لإحدى مديرات مصلحة النشر الحكومية لماذا ~~يجب عليها على الأقل أن تشعر بالخجل من جو التثبيط ~~والإرهاب الذي كان يعيش فيه الكتاب السوفيت، ولم تستطع ~~إدراك ما كنت أحاول أن أحدثها عنه . # قلت لها على سبيل المثال: «إن الحرية هي إمكان الشك ~~وإمكان الوقوع في الخطأ، وإمكان البحث والتجريب، وإمكان ~~الرد بكلمة «لا» على أي صاحب سلطان - سواء في ميدان الأدب، ~~أو الفن، أو الفلسفة، أو الدين، أو الاجتماع، أو حتى ~~السياسة.» فتمتمت هذه الموظفة الكبيرة في المحيط الثقافي ~~السوفيتي مذعورة، وقالت: «ولكن هذا معناه معارضة الثورة ~~...» ~~⋆ ~~(1-4) ثورة استالين المضادة # كان لكل الصعوبات التي تجابه حكومة السوفيت صداها في ~~الشيوعية الدولية، بالإضافة إلى الخلافات الداخلية الناجمة ~~عن التنافر بين الأعضاء الذين يؤلفونها. وقد اتضح بعد وفاة ~~لينين أن حكومة السوفيت لا تستطيع أن تتحاشى مصير كل ~~دكتاتورية، وهو ضيق الهرم السياسي تدريجا في عناد لا ~~يلين. ولقد لاقى الحزب الشيوعي الروسي - الذي قمع كل ~~الأحزاب الأخرى المنافسة، وقضى على إمكان إجراء أية مناقشة ~~سياسية عامة في الجمعيات السوفيتية - نفس المصير. وسرعان ~~ما حلت سياسة الأداء الحزبية محل الآراء السياسية ~~للأعضاء. ومنذ تلك اللحظة كان يقضي على كل خلاف في الرأي ~~بين أعضاء الهيئة الموجهة بإبادة الأقلية والحكم عليها ~~بالموت. وبدأت الثورة - التي قضت على أعدائها - تلتهم أعز ~~أبنائها. ولم تعرف الآلهة العطشى أي تهاون أو ~~مهادنة. # وفي مايو من عام 1927م ms105 اشتركت مع تجلياتي كممثل للحزب ~~الشيوعي الإيطالي في جلسة غير عادية للهيئة التنفيذية ~~للشيوعية الدولية بعد تضخمها. وقد وفد تجلياتي من باريس، ~~حيث كان يدير السكرتيرية السياسية للحزب، ووفدت من ~~إيطاليا، حيث كنت مسئولا عن الهيئة السرية، والتقينا في ~~برلين، وواصلنا المسير إلى موسكو معا. وفي أول جلسة ~~حضرناها خيل إلي أننا وصلنا في وقت متأخر جدا، وكنا ~~في مكتب صغير في مقر رياسة الشيوعية الدولية، وكان ثالمان ~~الألماني يقوم برياسة الجلسة، وقد شرع فورا في قراءة ~~مشروع قرار ضد تروتسكي، لكي يقدم في الاجتماع العام لجميع ~~الأعضاء. وقد استنكر هذا القرار في أقسى عبارة وثيقة كان ~~تروتسكي قد وجهها إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي. ~~وكان الوفد الروسي في اجتماع ذلك اليوم للهيئة السرية ~~للرؤساء يتكون من أعضاء أفذاذ، وهم: استالين، وريكوف ، ~~وبخارين، ومانيولسكي. وبعد قراءة القراء سألنا ثالمان: هل ~~نحن نوافق على الاقتراح؟ وكان من رأي أوتومار كونين ~~الفنلندي أن القرار ليس شديدا بالدرجة المطلوبة. وحيث إن ~~أحدا من الحاضرين لم يطلب الكلمة، فقد قدمت اعتذاري - بعد ~~مشورة تجلياتي - عن الحضور متأخرا، بحيث لم أستطع أن ~~أطلع على الوثيقة المستنكرة. فأعلن ثالمان صراحة «بأنهم ~~كذلك لم يطلعوا على الوثيقة». # وقد آثرت ألا أصدق أذني، فكررت اعتراضي بصورة أخرى، ~~وقلت: «قد يكون من الحق أن تستنكر وثيقة تروتسكي، غير أنه ~~من الواضح أني لا أستطيع استنكارها قبل أن أطلع ~~عليها.» # فكرر ثالمان القول «بأنهم أيضا لم يطلعوا عليها، كما ~~لم تطلع عليها أكثرية الوفود الحاضرة، فيما خلا الروس ~~...» # وهنا تدخل استالين، وكان يقف في أحد جوانب الغرفة، ~~وبدا كأنه الشخص الوحيد بين الحاضرين الذي اتسم بالهدوء ~~وضبط النفس. # وقال: «إن المكتب السياسي للحزب لم ير ضرورة لترجمة ~~وثيقة تروتسكي وتوزيعها بين ممثلي الهيئة التنفيذية ~~الدولية؛ لأن بالوثيقة إشارات عديدة إلى سياسة حكومة ~~السوفيت ...» # فسألني أرنست ثالمان: هل اقتنعت برد استالين؟ فقلت: ~~«إنني لا أعارض في حق المكتب السياسي للحزب الشيوعي الروسي ~~في احتفاظه بسرية أية وثيقة، ولكني لست أفهم كيف ms106 يمكن أن ~~يطلب إلى غيرهم أن يستنكروا وثيقة مجهولة!» وهنا اشتد ~~السخط علي وعلى تجلياتي الذي بدا عليه تعضيد ما ~~ذكرت. # وكان استالين من بين الحاضرين وحده الذي بقي هادئا لا ~~يساوره اضطراب، وقال: «إذا كان هناك عضو واحد يعارض في ~~مشروع القرار فلن نتقدم به.» ثم أضاف إلى ذلك قوله: «وربما ~~كان زملاؤنا الإيطاليون على غير علم تام بموقفنا الداخلي.» ~~واقترح أن تؤجل الجلسة إلى الغد، وأن يكلف أحد ~~الحاضرين بقضاء المساء مع زملائنا الإيطاليين ليشرح لهم ~~موقفنا الداخلي. وكل هذا الواجب الكريه إلى فاسيل كولاروف ~~البلغاري. # وقد أدى الواجب بلباقة وروح فكهة؛ دعانا إلى تناول الشاي ~~ذلك المساء في غرفته بفندق لوكس، ثم واجه هذا الموضوع ~~الشائك بغير مقدمات، وقال مبتسما: «لنكن صرحاء، هل تظنون ~~أنني اطلعت على هذه الوثيقة ؟ كلا، لم أطلع عليها ... وليس ~~الموضوع يا أصحابي الإيطاليين الأعزاء موضوع الوثائق ... إنه ~~موضوع النضال من أجل السلطة بين مجموعتين متعاديتين لا ~~يمكن التوفيق بينهما، وعلى المرء أن يختار بينهما. أما ~~أنا فقد تم اختياري؛ فأنا مع حزب الأغلبية. ومهما يكن ما ~~تقول به الأقلية، ومهما يكن ما تفعله، وأي وثيقة تحررها ضد ~~الأغلبية، أقول لكم مهما يكن ذلك، فإنني أؤيد الأغلبية، ~~ولا تهمني الوثائق، فلسنا هنا في معهد علمي.» وصب لنا ~~الشاي في الأقداح مرة أخرى. # وأخذ يتمعن فينا بعين المدرس الذي أرغم على معالجة ~~شابين متمردين، ثم سألنا موجها إلي الخطاب بصفة خاصة: ~~«هل كنت واضحا في كلامي؟» # وأجبت قائلا: «بكل تأكيد، كنت واضحا جدا في الواقع.» ~~ثم سأل مرة أخرى قائلا: «وهل أقنعتكم؟» قلت: «لا.» وأراد ~~أن يعرف لماذا، قلت: «لا بد لي أن أشرح لك لماذا أعارض ~~الفاشستية ...» # وفي صبيحة اليوم التالي تكرر في غرفة الرؤساء السرية ~~المنظر الذي حدث في اليوم السابق، وساد هذه الغرفة ~~الصغيرة - التي حشر فيها اثنا عشر منا - جو غير عادي من ~~العصبية، وسأل استالين كولاروف قائلا: «هل شرحت الموقف ~~لزملائنا الإيطاليين؟» وأكد له البلغاري أنه شرحه شرحا ~~وافيا. ms107 وكرر استالين ما قاله من قبل، وهو: «إنه إذا ~~عارض في الاقتراح عضو واحد، فلن يقدم للجمعية العمومية، ~~ولا يمكن أن يصدر قرار ضد تروتسكي إلا إذا كان إجماعيا.» ~~ثم التفت إلينا وسأل: «هل زملاؤنا الإيطاليون يؤيدون مشروع ~~القرار؟» # وشاورت تجلياتي ثم صرحت «بأنا نحتم الاطلاع على ~~الوثيقة المذكورة قبل أن ننظر في الاقتراح ...» # فقال استالين: «لقد سحبنا مشروع القرار.» وبعدئذ تكرر ~~المنظر الهستيري الذي حدث في اليوم السابق، بالرغم من ~~احتجاج كيوسنن وركوسي وبير وغيرهم احتجاجا ينطوي على ~~الاستنكار والغضب. واستنتج ثالمان من موقفنا «الشائن» أن ~~اتجاه نشاطنا المضاد للفاشستية كله في إيطاليا لا بد أن ~~يكون خاطئا، وإذا كانت الفاشستية لا تزال متأصلة جدا في ~~إيطاليا فذلك خطؤنا قطعا؛ ومن أجل هذا طلب أن تصفى سياسة ~~الحزب الشيوعي الإيطالي تصفية شاملة. # وفي طريق عودتي قرأت في إحدى صحف برلين أن الهيئة ~~التنفيذية للشيوعية الدولية قد وجهت نقدا شديدا إلى ~~تروتسكي بسبب وثيقة أعدها بشأن الحوادث الأخيرة في ~~الصين، فتوجهت إلى مكاتب الحزب الشيوعي الألماني، وطلبت ~~إلى ثالمان أن يدلي بتفسير ما قرأت، وقلت له في حدة: «هذا ~~غير صحيح.» # بيد أنه ذكر لي أن ميثاق الشيوعية الدولية يخول ~~للرياسة - في الأمور العاجلة - أن تتخذ أي قرار باسم ~~الهيئة ~~التنفيذية. ~~⋆ ~~(1-5) استمرار إيماني بالشيوعية # أحسست في ذلك الحين كأنني رجل تلقيت ضربة شديدة على ~~رأسي. بيد أني ما زلت قائما على قدمي، أمشي وأتكلم ~~وأشير، ولكن دون أن أدرك تمام الإدراك كل ما حدث. # غير أن الإدراك قد تم بعد ذلك في بطء وفي عسر خلال ~~السنوات التالية، وما فتئت حتى يومنا هذا أفكر فيما أدركت، ~~وأحاول أن أزداد له فهما. وإن كنت قد ألفت الكتب فلم يكن ~~ذلك إلا محاولة مني للفهم، ولأن أجعل غيري كذلك يفهم. ولست ~~البتة على يقين بأني بلغت غاية جهدي، والحقيقة هي أن اليوم ~~الذي تركت فيه الحزب الشيوعي كان بالنسبة إلي يوما ~~حزينا، كان كأنه يوم حداد، حداد على شبابي الضائع. وقد ms108 ~~نشأت في إقليم يلبس أهله فيه الحداد فترة أطول منها في أي ~~إقليم آخر. وليس من اليسير على المرء أن يتحرر من تجربة ~~عميقة كتلك التي مرت بي في المنظمة السرية للحزب ~~الشيوعي. إن شيئا من تلك التجربة يبقى في النفس ويترك في ~~سلوك المرء أثرا يدوم ما دام على قيد الحياة. ويستطيع ~~المرء في الواقع أن يلحظ كيف أن الشيوعيين السابقين يمكن ~~تمييزهم، إنهم يؤلفون طائفة منفصلة، كما يؤلف رجال الدين ~~السابقون والضباط المتقاعدون، وما أكثر الشيوعيين السابقين ~~اليوم! ولقد قلت مرة لتجلياتي مازحا من عهد قريب: «إن ~~المعركة الأخيرة سوف تنشب بين الشيوعيين والشيوعيين ~~السابقين ...» # إن إنعام النظر في التجربة التي مررت بها ساقني إلى ~~تعميق الدوافع إلى انفصالي الذي يرجع إلى أبعد من البواعث ~~الطارئة التي أدت إليه. غير أن إيماني بالاشتراكية (الذي ~~أستطيع فيما أحسب أن أقول إن حياتي كلها تشهد به) بقي أشد ~~حيوية عندي من أي عهد سبق. ويرجع هذا الإيمان في صميمه ~~إلى ما كان عليه حينما ثرت أول الأمر على النظام ~~الاجتماعي القديم، وهو رفض الاعتراف بوجود قدر مقسوم، ومد ~~الدوافع الخلقية من محيط الفرد والأسرة المحدود إلى مجال ~~النشاط الإنساني بأسره، والحاجة إلى الأخوة الفعالة، ~~وتأكيد سمو الإنسان الفرد على كل النظم الاقتصادية ~~والاجتماعية التي تتعسف به. وأضفت إلى ذلك بمر السنين ~~الشعور اللدني بكرامة الإنسان والإحساس بتقدير ذلك الحافز ~~في الإنسان الذي يسعى دائما إلى التجاوز عن حدوده، ويرجع ~~في أساسه إلى شعوره الأزلي بعدم الاطمئنان. ولست أحسب أن ~~هذا الضرب من الاشتراكية خاص بي وحدي على أية صورة من ~~الصور. وإن هذه «الحقائق المتهورة» التي ذكرتها لترجع إلى ~~ما قبل ماركس. وقد وجدت في النصف الثاني من القرن الماضي ~~ملاذا لها في حركة العمال التي تولدت عن الرأسمالية ~~الصناعية، وما فتئت مصدرا من مصادر وحيها الدائمة. ~~ولطالما عبرت عن رأيي في العلاقة بين الحركة الاشتراكية ~~والنظريات الاشتراكية. وهذه العلاقة ليست جامدة ولا ثابتة ~~على الإطلاق؛ فالنظريات - مع تطور الدراسات ms109 الجديدة - قد ~~تصبح بالية أو منبوذة، ولكن الحركة تواصل سيرها. وليس من ~~الدقة في شيء على أية حال - بالنسبة إلى الصراع القديم بين ~~أصحاب المبادئ وأصحاب التجارب في حركة العمال - أن أعد ~~من بين أعضاء الطائفة الثانية. ولست أتصور السياسة ~~الاشتراكية مرتبطة بأية نظرية من النظريات، إنما هي مرتبطة ~~بالإيمان. وكلما اشتد تدعيم النظريات الاشتراكية بأنها ~~«تقوم على أساس علمي» كانت أقرب إلى صفة الزوال، في حين أن ~~القيم الاشتراكية دائمة. وليس التمييز بين النظريات والقيم ~~ملحوظا بدرجة كافية، ولكنه أساسي جذري. فعلى مجموعة من ~~النظريات يستطيع المرء أن يؤسس مدرسة من المدارس، في حين ~~أنه على مجموعة من القيم يستطيع أن يؤسس ثقافة من ~~الثقافات، أو مدنية من المدنيات، أو طريقة جديدة يعيش ~~عليها الناس ~~معا. ~~⋆ # المصادر ~~⋆ # كل ~~المقتطفات مقتبسة مما أسهم به أجنازيو سيلون في مجموعة ~~المقالات التي صدرت تحت عنوان «المعبود الذي أخفق»، والتي ~~جمعها رتشارد كروسمان. # الفصل الرابع # | إ. م. فورستر # (1879م-...) # يمكن تعريف فورستر تعريفا صحيحا بأنه إنساني ترجع أصوله ~~الفلسفية إلى أرازمس ومونتيني. وينبغي لنا أن نضيف إلى هذه الأصول ~~التي تتصف بشيء من الشك البارد يسري في عروقها دفعة قوية من ~~الرومانتيكية المعدلة وميلا شخصيا بحتا لا يسبب للقارئ ضيقا ~~نحو البر والمحبة. كان ينعت فورستر بأنه «من أعقل الكتاب ~~الأحياء». وإذا أمكن للعقل أن يخلو من كل أثر من آثار الغباء، كان ~~هذا الوصف ملائما له كل الملائمة. وروايته «رحلة إلى الهند» التي ~~نشرت في عام 1924م ربما كانت أشهر ما عرف وأكثر ما قدر له في ~~أمريكا. ومع ذلك فبعض النقاد يرون أن روايته الأولى «حيث تخشى ~~الملائكة أن تطأ»، التي قدم بها أهم موضوعاته وآياته الكبرى ~~«هواردز إند»، من الأعمال الفنية التي لها قيمة أسمى. # إن إ. م. فورستر هو في الواقع أكثر من أن يكون واحدا من ~~الكتاب الذين يتكلمون الإنجليزية في هذا العهد؛ فهو شخصية أدبية ~~يسمونه «أستاذا» في مدرسة كمبردج بلومزبري، ويمكن أن يعد من ~~تلاميذه صديقته ms110 الكبرى المرحومة فرجينيا وولف والروائية الموهوبة ~~إليزابث بوين. وفورستر - كغيره من الكتاب المعاصرين المتنوعين ~~الآخرين - اهتم اهتماما كبيرا بالنقد، وإن يكن ما أداه في هذا ~~الباب لا يقاس إلى ما أداه ت. س. إليوت. # كان فورستر بمثابة الناقد والضمير اللاذع للطبقة الإنجليزية ~~الوسطى المرتفعة التي تخرج أبناؤها في المدارس الخاصة، وكانوا ~~نماذج بشرية ل «القلب الذي لم يتطور». وكان جانب من عمل فورستر ~~يتجه نحو إثارة الوادعين، وإرغامهم على مواجهة «المنبوذين» ~~اجتماعيا من المجتمع غير الإنجليزي أو من الطبقة الدنيا ~~الإنجليزية. كما يتجه نحو إثارة الشعور الصحيح والتصرف التلقائي ~~الذي ينبغي أن يحطم الوجود البشري الذي ينقسم طبقات. وبرغم هذا ~~فليست لدى فورستر رسالة ذات صبغة «اجتماعية»، ولم يهدف إلا إلى ~~إنسانية أغنى وأكثر اعترافا بالفرد. وقد بلغ حبه لبلاده - إنجلترا ~~- من العمق والثقة ما جعله يوجه إليها أشد الأسئلة إقلاقا ~~للضمير (كما فعل في روايته «رحلة إلى الهند») دون أن ينسى أنه يشغل ~~نفسه في هذا أساسا ب «مشكلة عائلية». وربما كان ما ارتآه فورستر ~~من عهد باكر جدا وعده الخلل المؤلم في الضمير المستبد، و«الوحشية ~~المنطوية على الغباء التي تحطم المشكلات بدلا من أن تعمل على ~~حلها»، ربما كان ذلك ما قوى إيمانه في وسيلة أخرى هي وسيلة ~~الحرية والتسامح، دون أن يقع في الوهم المألوف بأن هذا المزيج ~~المركب من الخير والشر في طبيعة البشر يمكن أن يتحلل إلى عنصرين ~~منفصلين لا يشوب أحدهما الآخر؛ ومن ثم فهو يحيي الديمقراطية مرتين ~~بدلا من ثلاث. # ولد إدوارد مورجان فورستر في لندن في أول يوم من أيام عام ~~1879م. ويستطيع فورستر أن يزعم لنفسه ميراثا من امتياز الطبقة ~~الوسطى المثقفة، عن طريق أسرة أمه. أما عن طريق أبيه، الذي كان ~~مهندسا معماريا من أصل مختلط من الإنجليز والويلزيين، فإن ~~الكاتب يستطيع أن يزعم لنفسه شيئا أقل من ذلك صلابة ولكنه أشد ~~تحررا، وذلك هو الميل نحو الابتكار الخيالي. وقد كتب فورستر عن ~~تربيته الأولى حينما كان تلميذا «خارجيا» بمدرسة ms111 تنبردج، حيث ~~كانت إحساساته الأليمة من عدم شعوره بالامتزاج بالمدرسة تصطحب ~~بتصور أشد لما يمكن أن يعنيه الامتزاج بها من مصير أشد للنفس ~~تحطيما. وقد وجد البلسم الشافي لروحه الجريحة في كلية كنج ~~بكمبردج، ذلك المركز العلمي الذي ربطته به علاقة ودية دامت مدى ~~الحياة. وهناك - كطالب - اكتسب صداقة ج. لويس دكنسن، الذين رحل معه ~~بعد بضع سنوات إلى الهند. وبعدما انتهى من دراسته بالكلية بوقت ~~قصير قصد إيطاليا حيث كتب بعض رواياته الأولى. ولما عاد إلى ~~إنجلترا في عام 1907م ألقى بعض المحاضرات بكلية العمال، ثم أتم ~~روايته «الغرفة ذات المنظر»، كما أتم روايته «هواردز إند» في عام ~~1910م. وقبيل الحرب العالمية الأولى اشتغل فورستر بالصحافة ~~الأدبية، ومارس كتابة المسرحيات، وفي أثناء رحلته إلى الهند مع ~~دكنسن شرع يسجل الملاحظات تمهيدا لرواية عن الهنود وعن الإدارة ~~الاستعمارية البريطانية، ومشكلة الإمبراطورية. وخلال الحرب ~~العالمية الأولى اشتغل فورستر بشئون الحرب في الإسكندرية، ولم يعد ~~إلى لندن حتى أعلن السلام، ومكنته رحلة ثانية إلى الهند في عام ~~1921م من إتمام مذكراته لإخراج الرواية. وفي عام 1924م نشر «رحلة ~~إلى الهند» التي نالت جوائز أدبية عديدة، ومن بينها جائزة «جيمز ~~تيت بلاك مموريال». وفي عام 1927م دعا فورستر إلى إلقاء محاضرات ~~كلارك السنوية بكلية كنج في كمبردج، وقد اختار موضوعا لمحاضرته ~~«أوجه الرواية» الذي ظهر فيما بعد على شكل كتاب بهذا ~~العنوان. # وبالرغم من أن فورستر من الناحية الدستورية بعيد كل البعد عن ~~النشاط السياسي، فإن اهتمامه بالثقافة، واعتمادها - الذي لا محيص ~~عنه - على الحرية، جعله على وعي تام بالتطورات السياسية في هذا ~~القرن. وقد استعرض الفترة التي تقع بين الحرب العالمية الأولى ~~والحرب العالمية الثانية، ونعتها بأنها «المدخل النحس إلى عصرنا ~~الحاضر». وفي إذاعة له في أثناء الحرب العالمية الثانية ضد النازية ~~قال: «إنني بحكم مهنتي ككاتب، لا أعرف شيئا عن الاقتصاد أو ~~السياسة، ولكني شديد الاهتمام بما يسمونه بالثقافة - وهي تسمية ~~ملائمة - وأريد لها الازدهار في العالم كله.» وبهذا الالتزام دخل ms112 ~~فورستر المعركة ضد حكم الاستبداد، وضد مبادئه في الرقابة، وضد ~~العدو الداخلي، الذي يسمم الجو الذي تتنفس فيه الحرية الفردية ~~بعدم التسامح والتحيز العنصري والتعصب الذميم. ويعترف ليونل نزلنج ~~للرجل بقدره في كتاب له عنه، يقول فيه: «إنه أحد رجال الفكر الذين ~~لم يؤد بهم تفكيرهم قط إلى الزعم بأنهم فوق البشر، والذين لا ~~ينزلون عن مستوى البشر إذا أحاطت بهم ملمة من الملمات.» # والمختارات التالية مأخوذة عن كتاب «تحيتان للديمقراطية»، وهو ~~مجموعة مقالات نشرت في عام 1951م. ~~(1) دفاع عن الفردية # إ. م. فورستر ~~(1-1) الاعتقاد في الأشخاص # إنني لا أعتقد في «العقيدة». غير أن عصرنا هذا عصر ~~الإيمان، ومن حولنا مذاهب كثيرة مجاهدة، بحيث يتحتم على ~~المرء دفاعا عن نفسه أن يكون لنفسه مذهبا من المذاهب. ~~وفي عالم يكاد يتمزق من الاضطهاد الديني والعنصري، في عالم ~~يسوده الجهل، والعلم - الذي كان ينبغي أن يسود - يلعب دور ~~التابع الإمعة، في مثل هذا العالم لا يكفي التسامح والعطف ~~وحسن المعاملة، بالرغم من أن هذه الصفات هي التي تهم ~~الإنسان فعلا، وإذا كان الجنس البشري لا ينهار فلا بد لها ~~أن تكون في الطليعة قبل أن ينقضي وقت طويل، ولكنها صفات لا ~~تكفي في الوقت الحاضر، ولا يزيد أثرها قوة عن أثر زهرة ~~محطمة تحت حذاء عسكري، فهي تنقصها الصلابة، حتى إن كانت ~~تخشوشن بالممارسة. والإيمان في نظري هو الذي يكسبها ~~الصلابة، فهو أشبه بالدعامة العقلية التي يجب ألا تقام ~~إلا بالقدر الضئيل جهد الاستطاعة. وإني لشديد الكره لهذه ~~الطريقة، ولا أعتقد فيها البتة لذاتها، وأختلف في هذا عن ~~أكثر الناس الذين يعتقدون في «العقيدة»، بل إنهم ليتأسفون ~~لأنهم لا يستطيعون أن يستسيغوا منها أكثر مما فعلوا. وإني ~~لأستمد الشريعة من أرازمس ومونتيني، ولا أستمدها من موسى ~~والقديس بطرس، ولا أقيم معبدي فوق جبل مقدس، وإنما أقيمه ~~في جنة الفردوس التي يدخلها حتى من ليس على خلق، وشعاري ~~هو: «يا إلهي، إني لا أعتقد، فاللهم أعني على عدم ~~الاعتقاد.» # ولكني أعيش في ms113 عصر الإيمان - وهو نوع العصر الذي كنت ~~أسمع عنه الإطراء أيام الصبا. إنه عصر لا يسر البتة ~~حقا، وهو عصر دماء بكل ما تحمله الكلمة من معان، وعلي ~~أن أحتفظ بهدفي فيه، فمن أين أبدأ؟ # إنما أبدأ بالعلاقات الشخصية، ففيها ألتمس شيئا ثابتا ~~نسبيا في عالم مليء بالعنف والقسوة، وهو ليس ثابتا كل ~~الثبات؛ لأن السيكولوجيا قد شققت ومزقت فكرة «الشخص»، ~~وبينت لنا أن لدى كل منا ناحية لا تخضع للتعليل، وهي ~~ناحية قد تطفو على السطح في أية لحظة من اللحظات وتحطم ~~فينا الاتزان العادي. إننا لا نعرف حقيقة أنفسنا، ولا ~~نستطيع أن نعرف حقيقة غيرنا؛ فكيف إذن نستطيع أن نضع أي ~~ثقة في العلاقات الشخصية، أو نتمسك بها وسط العاصفة ~~السياسية؟ إننا من الناحية النظرية لا نستطيع ذلك، ولكنا ~~نستطيعه من الناحية العملية. فإذا كان زيد من الناس ليس ~~زيدا ثابتا لا يتغير، أو كان عمرو ليس عمرا ثابتا لا ~~يتغير قط، فإنه من الممكن - برغم هذا - أن تقوم بينهما ~~محبة وإخلاص، وعلى المرء - لأجل أن يعيش - أن يفترض أن ~~الشخصية ثابتة لا تتغير، وأن «النفس» وحدة لا تتجزأ، وأن ~~يتجاهل كل ما يناقض ذلك. وما دام تجاهل الدلائل المناقضة ~~خصيصة من خصائص الإيمان، فإني أستطيع أن أعلن بكل تأكيد ~~أني أعتقد في العلاقات الشخصية. # فإذا ما بدأت بها استطعت أن أجد شيئا من النظام في ~~الفوضى المعاصرة. يجب على المرء أن يغرم بالناس وأن يثق ~~بهم إذا كان لا يريد أن يعبث بالحياة؛ ومن ثم فإنه مما ~~ليس منه بد ألا يخوننا الناس. ولكنهم كثيرا ما يفعلون. ~~ومغزى ذلك أنه ينبغي لي - عن نفسي - أن أكون محل ثقة ما ~~استطعت، وهذا ما أحاوله. ولكن الثقة ليست من الأمور التي ~~يتعاقد عليها الناس - وهذا هو الفارق الأساسي بين عالم ~~العلاقات الشخصية وعالم العلاقات في العمل - إنما هي أمر ~~من أمور القلب الذي لا يوقع على وثيقة من الوثائق. وبعبارة ~~أخرى، الثقة مستحيلة ما لم يكن هناك دفء طبيعي. ms114 وأكثر ~~الناس لديهم هذا الدفء، غير أن سوء الحظ قد يصادفهم فتنطفئ ~~جذوته. وأكثرهم - حتى إن كانوا من الساسة - يودون لو ~~احتفظوا بإيمانهم. وهنا يستطيع المرء - مهما يكن من شيء - ~~أن يبرز ضوءه الخافت هنا، وأن يظهر شعلته المرتعشة الصغيرة ~~الضعيفة، مع العلم بأنه ليس وحده الضوء الوحيد الذي ينير ~~في الظلام، وليس وحده الضوء الذي لا يشمله الظلام. إن ~~العلاقات الشخصية تزدرى اليوم، وتعد من ألوان الترف ~~البرجوازي، وكأنها من ثمار الجو المعتدل الذي انقضى عهده ~~وفات، ويحثنا الناس على أن نتخلى عن هذه العلاقات، وأن ~~نكرس أنفسنا لحركة من الحركات أو قضية من القضايا ~~بديلا عنها. وإني لأمقت فكرة القضايا، ولو خيرت بين أن ~~أخون بلادي أو أخون صديقي، لرجوت أن أجد الشجاعة لأن أخون ~~بلادي. ومثل هذا الاختيار قد يسيء إلى القارئ الحديث، ~~وربما مد يده الوطنية إلى التليفون في الحال واستنجد برجال ~~الشرطة. ولكن ذلك ما كان ليصدم دانتي؛ فلقد ألقى دانتي ~~ببروتس وكاسيس في أسفل جحيم لأنهما آثرا أن يخونا صديقهما ~~يوليوس قيصر على أن يخونا وطنهما روما. وربما لا يطلب ~~إلى المرء أن يقوم بمثل هذا الاختيار - الأليم - غير أن كل ~~مذهب، بالرغم من هذا، وراءه شيء مزعج شاق لا بد أن ~~يعانيه معتنق المذهب، في يوم من الأيام، وفي مذهب ~~العلاقات الشخصية كثير من الرعب والمشقة، على المرء أن ~~يتحمله مهما خف أو هان. إن الحب والإخلاص لفرد من ~~الأفراد قد يتعارضان مع مطالب الدولة، وعندئذ أقول: لتسقط ~~الدولة، وليس معنى ذلك إلا أن تسقطني ~~الدولة. # 1 ~~(1-2) تحدي زماننا # أنا فردي بمزاجي، أنا كاتب، ومؤلفاتي تؤكد أهمية ~~العلاقات الشخصية والحياة الخاصة؛ لأني أعتقد فيهما. وماذا ~~يستطيع رجل مثلي بهذا الاستعداد، ليست لديه معرفة ~~تكنولوجية، أن يقول عن تحدي ~~زماننا؟ # 2 # إذا كنا نود أن نفلح في مجابهة هذا الزمان، فلا بد لنا ~~من الجمع بين الاقتصاد الحديث والأخلاق القديمة. إن مبدأ ~~الحرية الاقتصادية لا يتمشى مع العالم المادي؛ فهو الذي ~~أدى إلى ms115 السوق السوداء وأدغال الرأسمالية. ولا مناص لنا من ~~التخطيط، وإلا ما وجدت ملايين الناس لها مأوى أو مأكلا؛ ~~في حين أن مبدأ الحرية هو المبدأ الوحيد الذي يتمشى مع ~~عالم الروح؛ فأنت إن أردت أن تخطط للناس عقولهم وتسيطر ~~عليها فلا بد لك من إصابتها بالشلل، ولا محيص لك من ~~الرقابة والشرطة السرية، وهذا هو الطريق إلى العبودية ~~ومجتمع العبيد. إن أولئك الذين يخططون اقتصادنا يضحكون منا ~~أحيانا حينما نخشى الاستبداد الدكتاتوري الذي ينجم عن ~~جهودهم، أو قل إنهم يسخرون منا، وهناك علاقة سحيقة الغور ~~بين التخطيط والسخرية على علماء النفس أن يكشفوا سرها، ~~ولكن الخطر الذي لا يولونه اعتبارا خطر حقيقي. إنهم ~~يؤكدون لنا أن الاقتصاد الحديث سوف يخلق سلوكا خلقيا ~~ملائما، وأن الناس حينما يجدون جميعا المأوى والطعام ~~الملائم سوف تتكون لديهم نظرة ما تكون هي الصحيحة لأنهم ~~الشعب، ولكني لا أستسيغ هذا الزعم. وليس عندي إيمان صوفي ~~بالشعب، إنما عندي إيمان بالفرد. إنه في نظري عمل سماوي، ~~وأنا لا أثق بأية نظرية تحط من شأنه. وإذا وصفك إنسان بأنك ~~لست إلا فردا قليل الشأن حقيرا - وقد وصفت بهذا فعلا - ~~فلا تتقبل ذلك راضيا، إنما أنت من الأهمية بمكان؛ لأن كل ~~من سواك فرد كذلك، بمن فيهم ذلك الذي يوجه إليك نقده، وأنت ~~عندما تثبت شخصيتك إنما تؤيد حزبك. # هذا إذن هو الشعار الذي أواجه به - ولو إلى حد ما - ~~تحدي زماننا. إننا بحاجة إلى الاقتصاد الجديد مع السلوك ~~الخلقي القديم. نريد التخطيط للأبدان ولا نريده للأرواح. ~~ولكن هذه هي المشكلة: أين ينتهي البدن وتبدأ الروح؟ كانوا ~~في العصور الوسطى يرسمون خطا واضحا يفصل بينهما، وكان ~~الناس طبقا لنظرية العصور الوسطى أيام الإمبراطورية ~~الرومانية المقدسة يعطون أبدانهم لقيصر وأرواحهم لله. غير ~~أن هذه النظرية عجزت عن التطبيق؛ فالإمبراطور الذي كان ~~يمثل قيصر اصطدم في الواقع مع البابا الذي كان يمثل ~~المسيح. ونحن نجد أنفسنا في أزمة شبيهة بهذا اليوم. هب ~~أنك ترسم سياسة لتوزيع الأطعمة توزيعا عالميا، فأنت ms116 لا ~~تستطيع ذلك دون أن ترسم سياسة عالمية للسكان، ولا تستطيع ~~ذلك دون أن تتحكم في عدد المواليد وتتدخل في حياة الأسرة. ~~ولا بد لك من الإشراف على الأبوة والأمومة، وأنت حينئذ ~~تتعرض لمملكة الروح، والعلاقة الشخصية، بالرغم من أنك ربما ~~لم تعتزم ذلك. ولا مناص لك من أن تعود مرة أخرى لذلك ~~الحكم الذي لا مفر منه، وهو مزاجك الخاص؛ فهل أنت إذا حدث ~~تعارض في المبادئ تؤثر الفرد على حساب الجماعة كما أوثر؟ ~~أو هل تؤثر العدالة الاقتصادية للجميع على حساب الحرية ~~الشخصية؟ # وكثيرا ما يحدث هذا التعارض في المبادئ، وهذا الانشقاق ~~في ولاء المرء، في عهد انقلابي كالعهد ~~الحاضر. # 3 ~~(1-3) النظام والفن للفن # المفروض في الواقع أن أتكلم من وجهة نظر الفنان الخالق. ~~وسوف تدركون ما لا بد أن ينتاب الكاتب - الذي يهم كذلك ~~الرجال والنساء والريف - من مشاعر في عالم اليوم. لا شك ~~أنه لا يشعر بالطمأنينة، وهو أحيانا بائس مجروح الكرامة، ~~ولكنه موقن بأن تطورا مرسوما لا بد أن يحدث إذا أردنا ~~للعالم ألا ينحل، كما أنه يأمل أن يوجد في الاقتصاد الحديث ~~مجال للعلاقات الإنسانية؛ ولذلك النشاط الذي لا يلقى ~~تقديرا، والذي يسمونه بالفن. ماذا ينبغي للكاتب، أو ~~الفنان، أن يفعل عندما يواجه تحدي هذا الزمان؟ عليه بإيجاز ~~أن يعبر عما يريد، لا عما تطلب إليه سلطات التخطيط أن يعبر ~~عنه؛ عليه أن يفرض على نفسه نظاما، لا أن يتقبل هذا ~~النظام من الخارج. وقد يستهدف هذا النظام الجمال، ولا ~~يستهدف الاجتماع أو الأخلاق، وقد يريد أن يمارس الفن للفن. ~~ولطالما استعمل هذا التعبير استعمالا سيئا فأثار ~~ابتسامات السخرية، ولكنه تعبير عميق المعنى. إنه يشير إلى ~~أن الفن انسجام في حدوده الذاتية. للفن قيمته، لا لأنه ~~تربوي (بالرغم من أنه قد يكون كذلك)، ولا لأنه مجدد للقوى ~~(بالرغم من أنه قد يكون كذلك)، ولا لأن كل إنسان يستمتع به ~~(لأن هنالك من لا يستمتعون به)، بل حتى لا لأنه يتعلق ~~بالجمال، إنما للفن ms117 قيمته لأنه يتعلق بالنظام، ويخلق لنفسه ~~عوالم صغيرة، فيها انسجام داخلي، في عقر هذا الكوكب الذي ~~يتسم بالفوضى. # 4 # وأود أن أتصدى الآن لفكرة النظام. ولهذه الفكرة أهميتها ~~في دعواي، وأريد هنا أن أستطرد في الكلام، وأنظر إلى ~~النظام في الحياة اليومية، قبل أن أتعرض للنظام في ~~الفن. # في عالم الحياة اليومية، العالم الذي نقطنه بالرغم منا، ~~كثيرا ما يتحدث الناس عن النظام، وبالأخص رجال الدولة ~~ورجال السياسة منهم. ولكنهم يميلون إلى الخلط بين النظام ~~والأوامر، كما يخلطون بين الابتكار والقاعدة. والنظام في ~~رأيي شيء يتطور في الداخل، وليس شيئا يفرض من الخارج. ~~إنه استقرار داخلي وانسجام حيوي، ولم يوجد قط في المجال ~~السياسي والاجتماعي إلا للتيسير على المؤرخين. وليس الماضي ~~حقا - إذا نظرنا إليه نظرة واقعية - إلا سلسلة من ~~الحوادث غير النظامية، يتلو أحدها الآخر طبقا لقواعد يمكن ~~اكتشافها من غير شك. وتتميز قطعا باطراد الزيادة في تدخل ~~الإنسان، ولكنها برغم هذا كله لا تعدو أن تكون سلسلة من ~~الحوادث غير النظامية؛ ولذا فإن ما أرجوه اليوم - ككاتب - ~~هو نوع من عدم النظام يكون أكثر صلاحية للفنانين من النظام ~~الحالي، ويمدهم بمصادر للوحي أوفى، وبظروف مادية أفضل. ~~وانعدام النظام هذا لن يدوم - فإن شيئا لا يدوم - غير أن ~~بعض ضروب عدم النظام في الماضي كان لها بعض المزايا، كما ~~كان في أثينا القديمة مثلا، وفي إيطاليا لعهد النهضة، وفي ~~فرنسا في القرن الثامن عشر، وفي بعض عهود الصين وفارس، وقد ~~نستطيع أن نقوم بعمل ما لكي نتعجل الفترة التالية. ولكن ~~دعنا لا نتجه بقلوبنا مرة أخرى إلى حيث لا توجد أسباب ~~الفرح الحقيقية. لقد وعدنا نظاما جديدا بعد الحرب ~~العالمية الأولى يتحقق عن طريق عصبة الأمم. غير أن الوعد ~~لم يتحقق، وليست عندي ثقة في الوعود القائمة، أيا كان من ~~يؤيدها، فإن العدوان الصارم للعلم يأبى علينا هذا. ولا ~~نستطيع أن نبلغ الاستقرار الاجتماعي والسياسي لأنا لا ~~نكف عن الكشف العلمي وعن تطبيقه؛ ومن ثم فنحن لا نكف ~~عن ms118 تدمير النظم التي أقيمت على أساس مكتشفات سابقة أشد ~~بساطة. ولو أن العلم يكتشف ولا يطبق - أو بعبارة أخرى، ~~لو أن الناس كانوا بالعلم أشد منهم شغفا بالقوة - لكانت ~~البشرية في موقف أكثر أمنا وأشد طمأنينة، ولكان الاستقرار ~~الذي يتحدث عنه رجال الحكومات شيئا ممكنا، ولأمكن إيجاد ~~نظام جديد يقوم على أساس الانسجام الحيوي، ولاقترب العصر ~~السعيد المرتقب فوق هذا الكوكب. بيد أن العلم لا يبدي ~~أية علامة تدل على ذلك. ولقد أعطانا آلة الاحتراق الداخلي، ~~وقبل أن نهضمها ونتمثلها بكثير من المشقة في نظامنا ~~الاجتماعي، أمكنه استغلال الذرة، وحطم كل نظام جديد كان ~~من المتوقع ظهوره، فكيف يستطيع الإنسان أن ينسجم مع ما ~~يحيط به، في حين أنه لا يفتأ يتناوله بالتغيير ~~والتبديل؟! # وأود أن أؤكد أن النظام في الحياة اليومية وفي التاريخ، ~~أو النظام في المجال الاجتماعي والمجال السياسي، لا يمكن ~~تحقيقه في ظل الظروف النفسية الحاضرة. # فأين يتحقق؟ لا أقول في المجال الفلكي، حيث جلس على عرشه ~~سنوات عدة؛ فلقد أمست السموات شديدة الشبه بالأرض منذ ~~أينشتين، ولم يعد بوسعنا أن نلتمس الطرف المناقض للفوضى في ~~سماء الليل، ونتطلع، مع جورج مرديث، إلى النجوم، ونحسبها ~~محشودة وفقا لقانون ثابت لا يتغير، أو نستمع إلى موسيقى ~~الكواكب؛ فليس النظام هناك. ويبدو أن هناك مجالين اثنين في ~~الكون بأسره يمكن أن نلتمس فيهما النظام. أما أولهما، ~~وهو لا يقع في حدود موضوعي، فهو النظام الإلهي المقدس، أو ~~الانسجام الصوفي، وهو ميسور، طبقا لجميع الديانات، لأولئك ~~الذين يستطيعون أن يتدبروه. ولا محيص لنا عن الاعتراف ~~بإمكان وجود هذا النظام، طبقا لما رواه البارعون فيه، ولا ~~بد لنا من تصديقهم حينما يقولون إنه يتحقق، إذا كان ممكن ~~التحقيق، بالصلاة. ولقد قال أحد شعراء هذه الطائفة: «إني ~~أدعوك يا من لا يتغير أن تحل بي.» وقال آخر: «اللهم يا من ~~تحبني أودع في الحب نظاما.» إن وجود النظام الإلهي المقدس ~~لم يثبت قط بطلانه، وإن يكن من العسير اختباره. # أما المجال الآخر ms119 الذي يمكن أن يتحقق فيه النظام فهو ~~مجال الجمال، وهو موضوعي هنا؛ إنه النظام الذي يستطيع ~~الفنان أن يبدعه في فنه. وأعود الآن إلى هذا الموضوع فأقول ~~إن العمل الفني، في عرفنا جميعا، إنتاج فذ، ولكن لماذا؟ ~~إنه ليس فذا لما فيه من مهارة، أو نبل، أو جمال، أو ~~استنارة، أو ابتكار، أو صدق، أو مثالية، أو نفع، أو تربية ~~- وقد ينطوي على أية صفة من هذه الصفات - إنما هو فذ لأنه ~~الشيء المادي الوحيد في هذا الكون الذي يمكن أن ينطوي على ~~انسجام داخلي. وكل ما عدا الفن قد تشكل بضغط من الخارج، ~~وإذا أنت أزلت عنه القالب الذي صب فيه تدهور وانهار. أما ~~العمل الفني فيقف من تلقاء نفسه، وهو وحده الذي يستطيع ~~ذلك. إنه يحقق شيئا كثيرا ما لوح به المجتمع ووعد به، ~~ولكنه كان مخادعا في كل ما وعد. لقد تدهورت أثينا ~~القديمة، ولكن «أنتيجون» يقف على قدميه. وتدهورت روما في ~~عهد النهضة، ولكن سقف سستين لا يزال مصورا. وقد عبث ~~جيمز الأول، وبقيت «ماكبث». وعبث لويس الرابع عشر، وبقيت ~~«فيدر»؛ فهل الفن للفن؟ أعتقد ذلك، وأنا في الوقت الحاضر ~~أشد اعتقادا مني في أي عهد سبق. إنه الإنتاج المنظم ~~الوحيد الذي أخرجه الجنس البشري المتخبط، إنه نداء آلاف ~~الحراس، والصدى العائد من آلاف المتاهات، إنه مصدر النور ~~الذي لا يمكن إخفاؤه (إنه خير شاهد نستطيع أن نقدمه دليلا ~~على كرامة الإنسان). # 5 ~~(1-4) التسامح # إن كل إنسان يتحدث عن إعادة البناء، ولخصومنا مشروعاتهم ~~لإيجاد نظام جديد في أوروبا يكفلونه بشرطتهم السرية. ونحن ~~من جانبنا نتحدث عن إعادة بناء لندن أو إنجلترا أو المدنية ~~الغربية، ونرسم الخطط للتنفيذ. كل هذا حسن، ولكني عندما ~~أستمع إلى مثل هذا الكلام وأشهد المهندسين المعماريين وهم ~~يرهفون أقلامهم للرسم، والمتعهدين وهم يحسبون تقديراتهم، ~~ورجال الدولة وهم يحددون مجال نفوذهم، وعندما أرى كل إنسان ~~مقبلا على العمل، أذكر نصا مشهورا يقول: «عبثا ما ~~يعمل كل أولئك الذين يشيدون البيت، ما عدا ms120 السيد الذي ~~يبنيه لنفسه.» ووراء الصورة الخيالية التي ترسمها هذه ~~الكلمات تكمن حقيقة علمية صارمة، وهي أنه ما لم يكن لديه ~~اتجاه عقلي سليم، ونفسية صحيحة، لا تستطيع أن تبني أو تعيد ~~بناء أي شيء يتصف بالدوام. والنص صادق لا لرجال الدين ~~فحسب، ولكن للعاملين مهما تكن نظرتهم. ومما له دلالة أن ~~أحد مؤرخينا، وهو الدكتور أرنولد توينبي، قد اختار هذا ~~النص عينه ليقدم به دراسته العظيمة عن نمو الحضارات ~~وانهيارها؛ فمما لا شك فيه أن الأساس السليم الوحيد لأية ~~حضارة من الحضارات هو توافر حالة عقلية سليمة. # وأية حالة عقلية نعدها سليمة؟ إننا في هذا قد نختلف؛ فإن ~~أكثر الناس إذا سئلوا: أية صفة روحانية نحن بحاجة إليها ~~لإعادة بناء المدنية؟ أجابوا بأنها «المحبة». لا بد للناس ~~من تبادل الحب كما يقولون، وكذلك لا بد للأمم من أن تتحاب؛ ~~وعندئذ نقف عند حد سلسلة الكوارث التي تهدد ~~بتدميرنا. # ولكني أعارض هذا الرأي بشدة، رغم احترامي له. الحب قوة ~~عظمى في الحياة الخاصة، بل هو أعظم من كل شيء آخر. غير أن ~~الحب في الشئون العامة لا يجدي، ولقد جرب المرة تلو ~~المرة، في مدنيات العصور الوسطى المسيحية، وكذلك في الثورة ~~الفرنسية، وهي حركة دنيوية أكدت مرة أخرى ضرورة الإخاء ~~بين البشر. وكانت هذه التجارب تئول إلى الفشل دائما. إن ~~فكرة تبادل الحب بين الأمم، أو بين الهيئات التجارية أو ~~لجان التسويق، أو أن يحب الرجل في البرتغال زميله في بيرو ~~الذي لم يسمع به من قبل، هذه فكرة باطلة، غير واقعية، ~~خطرة. وهي تؤدي بنا إلى شعور عاطفي غامض غير مأمون ~~الجوانب. إننا نتغنى ب «حاجتنا إلى المحبة»، ثم نتقاعد ~~وتسير الدنيا سيرتها الأولى. والحقيقة أننا لا نستطيع أن ~~نحب إلا ما نعرفه معرفة شخصية، ولا نستطيع أن نعرف كثيرا. ~~إن ما نحتاج إليه في الشئون العامة، وفي إعادة بناء ~~الحضارة، شيء أقل من ذلك مسرحية وعاطفية، وذلك هو التسامح. ~~وهو فضيلة مقبضة، تدعو إلى الملل والسأم. وكثيرا ما ms121 يكون ~~ثقيلا على النفس، على نقيض الحب في هذا. وهو سلبي يعني ~~احتمال الناس فحسب، أو يعني القدرة على تحمل الأمور. ولا ~~أعرف شاعرا تغنى بالتسامح، أو أقام له تمثالا. غير أن ~~هذه هي الصفة التي نحن أشد ما نكون حاجة إليها بعد الحرب، ~~وتلك هي الحالة العقلية السليمة التي نبحث عنها، وهذه هي ~~القوة الوحيدة التي تمكن العناصر المختلفة والطبقات ~~والمصالح المتعارضة من الانضمام بعضها إلى بعض في عملية ~~إعادة البناء. # 6 ~~(1-5) تحيتان للديمقراطية # ويؤدي بي هذا إلى الحديث عن الديمقراطية، «بل إلى ~~المحبة، والجمهورية المحببة، التي تعيش على الحرية وحياة ~~الناس». وليست الديمقراطية جمهورية محببة في الواقع، ولن ~~تكون، ولكنها أقل تنفيرا من صور الحكومة المعاصرة الأخرى، ~~ومن أجل هذا فهي تستحق منا التأييد؛ فهي تبدأ من افتراض ~~أهمية الفرد، وأن كل صنوف الناس مطلوبة لإنشاء الحضارة. ~~وهي لا تقسم المواطنين إلى رؤساء ومرءوسين، كما تفعل النظم ~~التي تستهدف الكفاية. إنني أشد ما أكون إعجابا بقوم ~~حساسين يحبون أن يبدعوا شيئا ويكشفوا شيئا، ولا ~~يقيسوا الحياة بمقياس القوة. ومثل هؤلاء القوم يجدون فرصة ~~في ظل الديمقراطية أكثر مما يجدونها تحت أي نظام آخر. إنهم ~~يؤسسون الديانات، الكبرى والصغرى، أو ينتجون الأدب والفن، ~~أو يقومون ببحوث علمية غير مغرضة، أو قد يكونون من ~~نسميهم «عامة الناس» الذين يبدعون في حياتهم الخاصة، ~~فيحسنون تربية أبنائهم، مثلا، أو يساعدون جيرانهم. كل ~~هؤلاء الناس يحتاجون إلى التعبير عن أنفسهم، وهم لا ~~يستطيعون ذلك إلا إذا منحهم المجتمع الحرية لأداء هذا ~~التعبير، والمجتمع الذي يسمح لهم بأكبر قدر من الحرية هو ~~المجتمع الديمقراطي. # وللديمقراطية ميزة أخرى؛ فهي تسمح بالنقد، وبغير النقد ~~العام لا بد أن تقع الفضائح التي يكتم سرها. ومن أجل هذا ~~أومن بالصحافة، بالرغم من كل أكاذيبها وابتذالها، وأومن ~~بالحياة النيابية، بالرغم من السخرية التي تتعرض لها ~~أحيانا ووصف ما يجري في مجالسها بالحديث العابر، ولكني ~~أعتقد في هذه المجالس لأنها مجال للحديث العابر. # ومن ثم فإني أحيي الديمقراطية تحيتين؛ ms122 أولاهما لأنها ~~تسمح بالتنوع، وثانيتهما لأنها تبيح النقد. وتكفيها ~~تحيتان، وليس هناك مجال للتحية الثالثة، التي لا تستحقها ~~إلا المحبة، أو الجمهورية ~~المحببة. # 7 ~~(1-6) القوة أو الابتكار # ثم القوة، وما أدراك ما هي! إننا حينما نحاول أن نكون ~~حساسين، متقدمين، محبين، متسامحين، ينشأ على الفور سؤال لا ~~نرتاح إليه: ألا يتوقف المجتمع كله على القوة؟ فإذا كانت ~~الحكومة لا تعتمد على الشرطة والجيش، فكيف تأمل أن تستطيع ~~الحكم؟ وإذا كان الفرد يقرع على رأسه أو يزج به في معسكر ~~العمل، فأية أهمية إذن تكون لآرائه؟ # ولا تحيرني هذه المشكلة كما تحير غيري؛ فأنا أدرك أن ~~المجتمع كله يتوقف على القوة. غير أن كل الأعمال الخلاقة، ~~وكل العلاقات الإنسانية المهذبة، تقع في الفترات التي لا ~~تكون فيها القوة في الطليعة. وهذه الفترات هي التي لها ~~أهميتها، وأريدها أن تتكرر وأن تطول بقدر الإمكان، وأسميها ~~«الحضارة». ومن الناس من يجعل من القوة مثلا أعلى ويجعل ~~لها الصدارة ويقدسها، بدلا من أن يجعلها في المؤخرة ~~ويبقيها هناك ما استطاع. وأعتقد أن هؤلاء الناس مخطئون، ~~كما أعتقد أن المتصوفين - الذين يناقضونهم في الرأي - أشد ~~منهم خطأ حينما يعلنون أن القوة ليس لها وجود؛ فأنا أعتقد ~~أنها موجودة، وأن من واجبنا أن نمنعها من أن تخرج من ~~مكمنها، ولكنها تخرج عاجلا أو آجلا؛ وحينئذ تدمرنا ~~وتدمر كل شيء جميل نكون قد صنعناه. بيد أنها لا تخرج ~~دائما لحسن الحظ لأن الأقوياء أغبياء. # هذا ما أحسه إزاء القوة والعنف. غير أن القوة - ويا ~~للحسرة - هي الحقيقة النهائية فوق هذه الأرض، ولكنها لا ~~تصل دائما إلى مكان الصدارة. ومن الناس من يسمي فترات ~~اختفائها ب «عهود التدهور»، أما أنا فأسميها ~~«الحضارات»، وأجد في أمثال هذه الفترات ما يبرر التجربة ~~الإنسانية أساسا. وإني لأتجه نحو هذه الفترات حتى يصدمني ~~القدر. ولست أدري إن كان مرد ذلك عندي إلى الشجاعة أو ~~إلى الجبن. غير أني على يقين من أنه لولا انصراف بعض الناس ~~في الماضي عن اتجاه القوة، ms123 لما تحدر إلينا أي شيء مما ~~يصح أن تكون له قيمة. إن الناس الذين أوليهم أكبر قسط من ~~احترامي هم أولئك الذين يسلكون مسلك المخلدين، وينظرون ~~إلى المجتمع كأنه أبدي. وكلا الغرضين على خطأ، ولا بد من ~~قبولهما كليهما باعتبارهما حقيقتين ثابتتين لو أردنا أن ~~نواصل الغذاء والعمل والمحبة، وإن أردنا أن نستبقي بعض ~~نوافذ الروح البشرية مفتوحة تخرج منها الأنفاس، وليس من ~~المحتمل أن يهبط على البشرية عهد سعيد، ولن تقام عصبة ~~للأمم أفضل وأقوى، ولن يجلب للعالم سلاما وللفرد كمالا ~~أي ضرب من ضروب المسيحية أو أي دين آخر يحل محلها. إن «قلب ~~الإنسان» لن يتغير، ولكنا لا ينبغي لنا برغم هذا أن ~~نيئس، بل إنا لا نستطيع أن نيئس، فإن التاريخ يثبت لنا ~~أن الناس كانوا دائما يصرون على أن يبدعوا ويبتكروا ~~والسيف مصلت فوق الرءوس، وأنهم أدوا واجبهم الفني ~~والعلمي والعائلي مجردين عن الغرض والهوى، وأنه من الخير ~~لنا أن نحذو حذوهم برغم الطائرات التي تئز فوق رءوسنا. ~~وهناك غيري من الناس أقوى بصيرة وأشد شجاعة يرون خلاص ~~البشرية ماثلا أمام أعينهم، ويرون في تصوري للحضارة تفاهة ~~رأي، ومراوغة للفرار والهروب. # وليس من شك في أن من المبالغة في الرأي أن نقول باستحالة ~~التحسن في النفوس، أو أن نعتقد أن الإنسان الذي لم يتملك ~~القوة إلا بضعة آلاف من السنين لن يتعلم كيف يقيد من قوته. ~~وكل ما أعنيه أن الناس إذا استمروا في التقاتل كما يفعلون ~~فلن يتحسن العالم عما هو عليه، وأنه ما دام هناك عدد من ~~الناس أكثر مما سبق، وما دامت وسائل تدميرهم لأنفسهم أفتك ~~مما كانت، فإن الدنيا لا بد أن تنحدر إلى الأسوأ. أما ما ~~هو خير عند الناس، وما هو خير بالتالي في هذه الدنيا، فهو ~~إصرارهم على الابتداع، واعتقادهم في الصداقة والولاء ~~منزهين عن الأغراض والأهواء. وبالرغم من أن «العنف» لا ~~يزال بالفعل أعظم شريك لنا في هذا العالم المضطرب، فإني ~~أعتقد أن الابتداع لا يزال كذلك - وسيظل ms124 أبدا - قوة ~~كامنة تطفو على السطح كلما هبط العنف إلى القاع؛ ومن ثم ~~فإنه بالرغم من أني لست من المتفائلين إلا أني لا أستطيع ~~أن أتفق مع سوفوكليز في رأيه بأنه كان من الأفضل للإنسان ~~ألا يولد. وبالرغم من أني لا أرى دليلا على أن المواليد ~~الجدد يفضلون المواليد الذين سبقوهم - شأني في ذلك شأن ~~هوراس - إلا أني أهيئ الفرصة لنظرة أشد تفاؤلا. إن هذه ~~اللحظة التي نعيش فيها من أشق اللحظات، وليس بوسع المرء ~~إلا أن يكتئب، وأن ترتعد فرائصه ذعرا ورعبا، وربما لا ~~يسعه أيضا إلا أن يكون قصير ~~النظر. # 8 ~~(1-7) الاعتقاد في أرستقراطية الحساسين # إننا في بحثنا عن طريق للخلاص ربما اتجهنا نحو عبادة ~~الأبطال، ولكنا لن نجد، فيما أحسب، سبيلا للخلاص في هذا ~~الاتجاه. إن عبادة الأبطال رذيلة خطرة، ومن المزايا ~~الثانوية للديمقراطية أنها لا تشجعها، أو تعمل على إيجاد ~~ذلك النوع من المواطن الذي نسميه «الرجل العظيم»، بل إن ~~الديمقراطية ، على نقيض ذلك، تعمل على إيجاد أنواع مختلفة ~~من صغار الناس بدلا من ذلك الرجل العظيم، وهو عمل أسمى ~~كثيرا. بيد أن الناس الذين لا يستطيعون أن يأبهوا بتنوع ~~الحياة، ولا يستطيعون أن يكونوا لأنفسهم رأيا خاصا، ~~لا يرضيهم ذلك، ويتشوقون إلى بطل يخرون له راكعين ~~ويتبعونه غير مبصرين. ومما له دلالة أن البطل جزء لا ~~يتجزأ من النظام التحكمي الذي ذاع في هذه الأيام؛ فالنظام ~~الذي يعتمد على إبراز الكفايات لا يمكن أن يسير بغير بضعة ~~أبطال يبرزون في المجتمع لكي يزيلوا عنه أثر الغباء، ~~وكأنهم الفاكهة التي ندسها في الطعام الفاسد لكي نجعله ~~مستساغا. في هذا النظام يتصدر بطل من الأبطال وعن يمينه ~~وعن يساره بطلان آخران أصغر منه شأنا. ويعتبر هذا النظام ~~أمرا مستحبا. ويطمئن إلى هذا الثالوث الجبان والسئوم، ~~وينحني احتراما له، ويشعر بالقوة والتسامي. # ولكني لا أثق في «عظماء الرجال»؛ فهم يخلقون حولهم جماعة ~~متكررة متشابهة، وكذلك بركة من الدماء في كثير من ~~الأحيان. وأحس دائما بما يحسه رجل ms125 صغير الشأن حينما أراهم ~~يسقطون، ولكني برغم هذا أومن بالأرستقراطية، إذا كانت هذه ~~هي الكلمة الصحيحة، وإذا جاز لرجل ديمقراطي أن يستعملها. ~~غير أنها ليست أرستقراطية القوة التي ترتكز على علو ~~المرتبة والنفوذ، ولكنها أرستقراطية الحساسين، وأولئك ~~الذين يراعون شعور غيرهم، وكل مقدام جسور. وإنك لتجد أعضاء ~~هذه الأرستقراطية في جميع الأمم وبين جميع الطبقات، وفي كل ~~العصور، وإن بينهم لتفاهما خفيا كلما تلاقوا، إنهم ~~يمثلون التراث الإنساني الصادق، والنصر الوحيد الدائم لهذا ~~الجنس البشري الغريب الذي ننتمي إليه على أسباب القسوة ~~والفوضى. وإن آلافا منهم لتهلك في غمرة النسيان، وقل ~~منهم من يظفر باسم عظيم. وهؤلاء حساسون إزاء أنفسهم، كما ~~هم حساسون إزاء غيرهم، وهم يحافظون على مشاعر الناس دون أن ~~يكونوا سببا في ضيقهم. وليست شجاعتهم اختيالا، ولكنها ~~قدرة على الاحتمال. وهم يستطيعون أن يتقبلوا الفكاهات، وكم ~~من مرة أدرك أصحاب السلطان قيمتهم فتصيدوهم واستغلوهم، ~~كما كان كهنة قدماء المصريين، أو رجال الكنيسة المسيحية ، ~~أو الموظفون المدنيون في الصين، أو الحركات الجماعية، أو ~~غير ذلك من الطرق العجيبة، ولكنهم كانوا دائما ينفذون من ~~خلال ما نصب لهم من شباك ويلوذون بالفرار. وعندما تغلق ~~أبواب المصايد لا تراهم في بطونها؛ فمعبدهم، كما قال ~~أحدهم، هو «قداسة المحبة القلبية»، ومملكتهم، التي لا ~~يملكونها أبدا، هي العالم الفسيح. # ومع وجود هذا النوع من الناس ضاربا في الأرض ومعترضا ~~طريقنا دائما إذا كانت لنا عيون ترى، وأيد تحس، لا يمكن ~~أن نحكم على تجربة الحياة فوق هذا الكوكب بالفشل الذريع. ~~وبوسعنا أن نرحب بهذه التجربة باعتبارها مأساة فحواها ~~أننا عجزنا عن إيجاد وسيلة نستطيع بها أن ننقل هذه المزايا ~~الفردية إلى الشئون العامة؛ ذلك أنه عندما يظفر الناس ~~بالنفوذ تراهم يسيرون على عوج وينحرفون أحيانا؛ لأن ~~الاستيلاء على السلطة يرفعهم إلى منطقة لا يجدي فيها ~~الإخلاص الذي يعرفه الناس. إن مخلص البشرية في المستقبل، ~~إذا كتب له الظهور، لن يبشر بدين جديد، ولن يخرج عن مجرد ~~استغلال هذه الأرستقراطية التي أشرت إليها، ms126 وسوف يجعل ~~إرادة الخير والمزاج الطيب الكامن فعلا في النفوس ذا أثر ~~وذا قوة. # إن ما تقدم هو آراء رجل يؤمن بالفردية وبالحرية، وجد ~~الحرية مداسة تحت الأقدام، فأحس أولا بالخجل، ثم ~~تطلع حواليه، وقرر أنه ليس ثمة سبب يدعو إلى الخجل ~~ما دام غيره من الناس، مهما تكن أحاسيسهم، يشعرون كما يشعر ~~بعدم الاطمئنان. أما عن الفردية، فلست أرى مهربا منها، ~~حتى إن أردت ذلك. يستطيع البطل الدكتاتور أن يسحق مواطنيه ~~حتى يصبح كل منها شبيها بالآخر، ولكنه لا يستطيع أن ~~يصهرهم في رجل واحد؛ فإن ذلك فوق طاقته. يستطيع أن يأمرهم ~~بالانغماس، ويستطيع أن يحثهم على التلاشي في الجماعة، ~~ولكنهم يولدون منفردين رغما عنهم، ويموتون منفردين. ~~ونظرا لأن كلا منهم محدود الطرفين، ولا يستطيع أن ~~يتجنبهما، فإنه لا بد أن يخرج دائما عن الخط الدكتاتوري ~~المرسوم. إن ذكرى الميلاد وتوقع الموت تكمن دائما في نفس ~~الإنسان، وتفصله عن غيره؛ ومن ثم تجعله قادرا على تبادل ~~الرأي معهم. لقد أتيت إلى هذه الدنيا عاريا، وسوف أخرج ~~منها عاريا! وهو أمر جميل حقا؛ لأنه يذكرني بأني عار ~~تحت قميصي مهما يكن ~~لونه. # 9 # المصادر # كل المختارات مقتبسة من مجموعة مقالات إ. م. فورستر وبحوثه ~~وإذاعاته التي نشرها تحت عنوان «تحيتان للديمقراطية». # 1 ~~«ما أومن به». # 2 ~~«تحدي زماننا». # 3 # نفس المصدر. # 4 # نفس المصدر. # 5 ~~«الفن للفن». # 6 ~~«التسامح». # 7 ~~«ما أومن به». # 8 # نفس المصدر. # 9 # نفس المصدر. # الفصل الخامس # | جون موريس كلارك # (1884م-...) # جون موريس كلارك هو أحد رجال الاقتصاد المبرزين في أمريكا، وقد ~~لعب دورا أساسيا في إعادة توجيه جهود الاقتصاديين نحو القضايا ~~الاجتماعية العاجلة في زماننا هذا، وكان من الطلائع الذين مثلوا ~~دوائر الأعمال في نظريات، والذين فصلوا الملامح الأساسية التي ~~يتميز بها اقتصادنا المختلط. وفي أدائه لهذا الواجب، لم يتقيد ~~كلارك بالفروض المبسطة الثابتة التي تمس الاقتصاد ولا تغوص فيه، ~~تلك الفروض التي كان يقوم عليها علم الاقتصاد القديم المعتمد، ~~والتي لقنها إياه والده جون ms127 بيتس كلارك، وهو من الرجال النابهين ~~البارزين. وقد أدى الجانب الإنشائي من عمله إلى سلسلة متصلة ~~الحلقات من المكتشفات التي تعلل تلك النواحي من حياتنا الاقتصادية ~~التي تتصف بأنها أكثر واقعية وأقوى فاعلية، والتي تبحث في المشكلات ~~الكبرى التي تتعلق بحرية الإنسان وبالعوامل الاقتصادية في ظروف ~~العصر الحاضر. # ولد كلارك في نورثهامبتن بماساشوستس عام 1884م، وتلقى تعليمه ~~في العقد الأول من هذا القرن في كلية أمهرست وجامعتي كولمبيا ~~وشيكاغو حينما كانت تسيطر على الفكر والسياسة الاقتصادية «فروض ~~الرضا والقناعة». وعلى هذه الفروض التي تدعو إلى حرية التعامل تؤدي ~~عمليات السوق التي يسودها التنافس إلى معادلة المطالب الحقيقية ~~للمستهلكين بالتكاليف الحقيقية للمنتجين في ظروف تستغل فيها ~~المصادر استغلالا كاملا. وقد عرض كلارك في باكورة أعماله - في ~~الرسائل التي أعدها ليقنع بها زملاءه في المهنة - مواضع النقص في ~~النظريات القديمة، وصاغ وسائل جديدة للتحليل يهاجم بها مشكلات ~~مصادر الثروة المستغلة، وقصور وسائل التسويق، وسوء توزيع مصادر ~~الثروة توزيعا مكانيا في ضوء الغايات البشرية والتكاليف ~~الاجتماعية. وفي أوائل العشرينيات من هذا القرن صدرت هذه المباحث ~~في كتابين يحتويان على آراء إنشائية بناءة أصبحت من الأسس ~~المعتمدة في هذا الميدان، وهذان الكتابان هما: «دراسات في ~~اقتصاديات التكاليف المرتقبة»، و«الرقابة الاجتماعية على ~~الأعمال». # وبعد عام 1929م تعمق كلارك في مباحثه، ونقل اهتمامه إلى الكشف ~~عن الوسائل التي تعالج بها مشكلات الكساد، والحرب، وتسريح الجيوش، ~~وتضخم العملة، وسوغ هذه الوسائل التي دعا إليها. وقد تقدمت ~~دراسته لدورات العمل حتى أمكن أن تصدر في مجلدين، هما: «العوامل ~~الاستراتيجية في دورات العمل» عام 1934م، و«اقتصاديات تخطيط ~~الأشغال العامة» في عام 1935م. وهاتان الدراستان اللتان سبقتا كينز ~~لعبتا دورا هاما في توجيه انتباه الاقتصاديين نحو العوامل ~~الاقتصادية الكبرى التي تؤثر في الاقتصاد عامة، كما أدتا إلى ~~إقناع جمهور أكبر بالدور التوجيهي لسياسة الحكومة المالية والنقدية ~~في زيادة الدخل القومي، والإنتاج، وتوفير العمل. وفي خلال هذه ~~الفترة اشتغل كلارك مستشارا اقتصاديا للحكومة، وللجنة التخطيط ~~القومي (في عام 1934م) ولإدارة الانتعاش ms128 القومي (1934-1935م)، ~~وبدخولنا الحرب أمسى مستشارا لمكتب إدارة الأثمان (1940-1941م). ~~وقبل أن تنتهي الحرب وجه التفاته إلى تحليل «تسريح هيئات الرقابة ~~الاقتصادية إبان الحرب» لكي يبحث في طريقة إيجاد أعمال كافية في ظل ~~نظام تلقائي حر، يلعب فيه كل من الحكومة - من ناحية - ونشاط ~~الأفراد - من ناحية أخرى - دورا يتمم الآخر. وبعد الحرب أخذ ضغط ~~التضخم الاقتصادي يزداد، فركز كلارك تفكيره في مشكلة الإجراءات ~~العامة والخاصة التي يجب أن تتخذ لتحقيق مواصلة النمو الاقتصادي ~~دون تضخم. «إن الإنسان بحاجة إلى أن ينتمي إلى مجتمع أصغر حجما ~~وأكثر ذاتية من الدولة صاحبة النفوذ المطلق، ولكن الوحدات التي ~~تقابل هذه الحاجة - بما فيها نقابات العمال - ليست أجزاء من مجتمع ~~متكامل، وإنما هي مجموعات احتكارية، في حرب مع غيرها. ولفض هذا ~~النزاع دون القضاء على الحرية يحتاج الأمر - فيما يبدو - أولا إلى ~~أن تتوازن قوى هذه المجموعات توازنا معقولا، كما يحتاج ثانيا ~~إلى أن تمارس المجموعات نفوذها مع تحملها مسئولية ما تصنع. ووسائل ~~تحقيق ذلك واجب من واجبات صفاتنا كمواطنين وقدرتنا على الابتكار ~~الاجتماعي.» # ولم تقتصر - عند جون موريس كلارك ذاته - صفات المواطن والقدرة ~~على ابتكار وسائل جديدة لعلاج المشكلات العاجلة في العصر الحاضر ~~على المجتمع الأمريكي، بل كتب كتابة مقنعة عن الحاجة إلى قبول ~~الدور الذي يجب علينا أن نؤديه في مجتمع عالمي أوسع، كما كتب عن ~~تهديد الشيوعية لهذا المجتمع، وعن تحدي المناطق التي لم تتقدم بعد ~~ذلك. والتحق بجماعة من الاقتصاديين عالمية ممتازة، ونصح الأمم ~~المتحدة بالإجراءات التي تتخذ للتقدم الاقتصادي، وفي كل ما أدى من ~~عمل أبدى اهتماما شديدا بالحاجة إلى «الدفاع عن أسلوب للحياة ~~يتفق ورفاهية الفرد وحريته وكرامته، وإلى تطويل هذا الأسلوب ~~وتحسينه ليقاوم الدفع القوي للشيوعية الدكتاتورية التي تسير نحو ~~عالم لا يؤيد الديمقراطية». والقطعة المختارة من كتابه «ماذا ~~نستبدل بالعبودية؟» تنم عن اشتغال كلارك بالوسائل الاقتصادية ~~للغايات الإنسانية. # وقد كان جون موريس كلارك أستاذا غير متفرغ بجامعة كولومبيا ~~منذ عام 1953م، وشغل بجدارة كرسي الأستاذية ms129 الذي يحمل اسم جون ~~بيتس كلارك. ~~(1) ماذا نستبدل بالعبودية # جون موريس كلارك ~~(1-1) انحلال أم انتقال؟ # تحدث الأستاذ شتول عن «الفوضى التي نعيش فيها اليوم، ~~وهي أخطر ما مر بنا منذ سقوط روما». ولا يشك أحد في هذا ~~الخطر، ولا يمكن لأحد أن يعرف يقينا - اللهم إلا إن كان ~~مؤمنا أو يائسا - إن كانت هذه الفوضى هي حالة الاضطراب ~~التي لا مفر منها التي تلازم طور انتقال كبير، أم هي من ~~علامات فناء الحضارة، وهي حضارة فسدت جذورها حتى باتت لا ~~تقوى على حمل عبء الجذع الثقيل والفروع المنتشرة على مساحة ~~واسعة. ونحن نعلم أنه لا يزال بهذه الحضارة كثير من ~~العناصر الطيبة، ولكن كثيرا من الحضارات التي كانت مثلها ~~تنطوي على عناصر طيبة قد ذوى من قبلها. وإن الميزان الذي ~~ينبئ بالبقاء أو الفناء قد يكون غاية في الدقة، كالفارق ~~الذي يفصل بين الهزيمة والنصر في معركة ملتحمة. # ولا يدل الانحلال حتما على أن الأفراد أسوأ اليوم ~~بطبيعتهم مما كانوا من قبل. والواقع أن تماسك المجتمع - ~~حينما يتعقد، وحينما تضعف الفردية ونمو الحرية العقلية ~~والخلقية من النظم القديمة - بحاجة إلى أفراد أفضل. ولقد ~~تغلب الأفراد الأقوياء على هذه الحرية. والناس جميعا ~~لديهم هذه الحرية اليوم، سواء نموا نموا كافيا لمقابلة ~~متطلبات هذه الحرية أم لم ينموا. إنهم ينبذون القيادات ~~القديمة والنظم القديمة، ويتقبل أكثرهم نظما جديدا ~~وقيادات أخرى. غير أن هذه النظم والقيادات الجديدة قد ~~تصاغ على هواهم، ومصالحهم الطائفية، وما يميلون إليه، ~~أكثر مما تصاغ وفقا لما يتطلبه بناء اجتماعي سليم. وقد ~~اكتسبت الطوائف قوة تمكنهم - تحت قيادة تستغل هذه القوى ~~الهدامة - من تحطيم المجتمع بدلا من تعزيزه وتقويته. إن ~~الأسس القديمة التي كانت تعتمد عليها الأخلاق قد بقي ~~تأثيرها في بعض الناس وفقدت تأثيرها في بعضهم الآخر. وأخذ ~~مفهوم النواميس يتغير، وأمسى لكل طائفة ناموسها. وبالرغم ~~من اشتداد الروح الطائفية، فإن القاعدة القديمة - قاعدة ~~الأنانية والمصلحة الخاصة التي لا ترعى مصالح الآخرين - ما ~~زالت قائمة، بعدما تغلبت ms130 على العوائق التي كانت فيما مضى ~~تحد من أخطارها. إن إعادة إنشاء ناموس يقبله كل إنسان ~~نوع من الجهد الذي يتطلب انقضاء قرون طويلة من الزمان. ~~وقد تحل بنا الكارثة خلال هذه القرون. # ولست أظن أن شعبا من الشعوب قد واجه من قبل واجب إنشاء ~~ناموس للسلوك الاجتماعي، والأساس الروحاني الذي يرتكز ~~عليه، مع مثل هذا العزوف - الذي نلمسه اليوم - عن قبول ~~القيادة أو السلطة إلا فيما يعزز المصلحة الطائفية التي ~~تتعارض مع مصالح الطوائف الأخرى. إن روح الشك التي تسود ~~هذا العصر أفادت في هدم الأساطير التي ضلل بها القادة ~~المزيفون الشعوب لصالح هؤلاء القادة أنفسهم. ولكن هذا الشك ~~إذا تمادى إلى حد نبذ جميع الآراء ما خلا تلك التي تعزز ~~المصالح الخاصة بصورة واضحة - وهو قمين بهذا - فإن بوسعه ~~حينئذ أن يحطم قدرتنا - كشعب - على التضامن في العمل ~~بدرجة من الحرية معقولة. # ويجدر بنا أن ندرك خطورة هذه الأزمة. غير أن أفضل إيمان ~~نتمسك به هو الاعتقاد بأنا في مرحلة انتقال لا انحلال. ~~حقا لقد كنا نمر بمرحلة انتقال خلال القرن التاسع عشر، ~~وهو انتقال أثار الحيرة عند هنري آدمز الذي نفذ فيه إلى ~~أبعد مما نفذ أكثر الناس. وكانت ضروب الحرية التي استمتعنا ~~بها آنذاك صورا انتقالية، بالرغم من أن كثيرا من الناس ~~ظنها صورا نهائية. ولكنا ما زلنا نأمل أن تكون الحرية ~~ذاتها شيئا أكثر من قصة عابرة، ربما حدثت في فترة قصيرة ~~قبل أن يفرض منطق الثورة الصناعية نفسه فرضا كاملا. ~~ويبدو أن هذا الأمل هو أكثر من تفاؤل لا يستند إلى تعليل ~~عقلي؛ فمن وراء النواميس الخلفية المتغيرة، لا يزال ~~الإنسان العادي يميل ميلا شديدا إلى العيش وفقا لناموس ~~يرضى عنه إخوانه في الإنسانية. نعم إن في داخل الطوائف ~~نظما وقيادات، غير أن بين هذه الطوائف إدراكا للحاجة إلى ~~التوافق أعم مما يبدو في أكثر الأحيان في البيانات العامة ~~التي تتخذ صورة النداء السياسي الخاص بما ينطوي عليه أي ~~نداء سياسي من عيوب. # إن ms131 ما نسميه «الرأسمالية» عقيدة توقف موقف المدافع عن ~~نفسها، والمدافع يخسر كثيرا من المواقع. أما المبادأة ~~فتكمن في قوى أخرى. ويبدو أنه لن تكون هناك رجعة إلى ~~المضاربة الفردية. فإن حدثت، فلن يكون فيها حل مشكلة ~~الضمان. ويجب علينا أن نتقدم على أساس يحتوي على الضمان. ~~غير أن الجماعية المطلقة هي بالنسبة إلينا في موقف المدافع ~~أيضا، وبخاصة النوع المركزي منها. أما الجماعية ~~اللامركزية، التي قد تحتفظ بقدر أكبر من المرونة والحرية، ~~فليست من الأمور التي يستطيع الإنسان أن ينشئها إنشاء، ~~ولا بد لها أن تكون نتيجة للتطور. وهي تعتمد على نمو ~~القيود والنظم التلقائية عينها التي نحتاج إليها لكي نجعل ~~نظامنا المختلط في الوقت الحاضر فعالا؛ ومن ثم فإن ~~السؤال القائم الآن هو: في أي اتجاه إنشائي نستطيع أن ~~نتقدم به، وأي بناء إيجابي نستطيع أن نقيمه من القوى التي ~~تملك المبادأة في الوقت ~~الحاضر؟ ~~⋆ ~~(1-2) الفرد والجماعة والدولة # إننا بحاجة إلى تعريف الحقوق الطبيعية للإنسان في وضع ~~جديد، وفي مضمون جديد، ولقد نأخذ على فكرة الحقوق الطبيعية ~~أنها ارتبطت - إلى حد كبير - بمجموعة من القواعد المعينة ~~التي تقوم على صورة من الفردية بالية عتيقة، وتعزو إليها ~~صفة من الدوام لا تستند إلى أساس، كما أنها طبقت نوعا من ~~المساواة الشكلية المبنية على التعاقد على مجتمع لم تعد ~~وظائفه المتنوعة تتفق مع هذا الإطار، وإنما تختفي وراء ذلك ~~صورة ذهنية عن طبيعة الإنسان - حاجاته، واستجاباته، ~~وقدراته - وعن النظم التي يتطلبها لكي يحقق طبيعته الفردية ~~ويؤدي واجبه في المجتمع. هذه هي حقوقه الطبيعية، التي لا ~~يمكن للمجتمع أن يتجاهلها دون أن يتحمل الجزاء الذي تمتد ~~جذوره في طبيعة المجتمع وطبيعة الإنسان. غير أن النظم التي ~~تتجسد فيها هذه الحقوق لا تثبت على صورة واحدة، وهذه النظم ~~- باستثناء بعض الحالات الأساسية - ليست هي بعينها بالنسبة ~~إلى الهيئات التجارية والمساهمة في الإنتاج، وإلى الطبيب، ~~والأستاذ، والعامل في مناجم الفحم. إن كل جيل لا بد أن ~~يكشف عنها من جديد، مع تغير الظروف، ms132 وتغير المعرفة ~~بالإنسان ذاته. # وآراؤنا الأساسية في العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة ~~هي من وراء هذا كله تتطور بتأثيره وتتغير. ولقد عشنا - في ~~هذا الصدد - في دنيا صراع بين مجردات كاذبة - المجتمع ~~المجرد، أو الدولة المجردة، أو الفرد المجرد. وقد بنينا ~~حضارتنا الحرة على أسطورة الفرد المجرد، الذي تقوم الدولة ~~والجماعة لخدمته؛ على اعتبار أن المجتمع ليس إلا مجموعا ~~عدديا لأمثال هذا الفرد، وأن الدولة أداتهم، تؤدي لهم ~~أفضل خدمة إذا هي أعطتهم أقصى حرية لخدمة أنفسهم. وعلى ~~نقيض هذه النظرية، وبالإفادة بما فيها من مغالاة وعيوب، ~~نشأ مبدأ الدولة المتحكمة، التي يعيش فيها الفرد لخدمة ~~الجماعة التي تتجسد في الدولة، وتشمل سلطة الدولة كل شيء ~~في الحياة. # ومعنى هذا عمليا أن السلطة ليست فقط بغير حد، ولكنها ~~كذلك بغير مسئولية. # غير أن نفورنا من هذا المبدأ ينبغي ألا يقودنا إلى تأييد ~~نقيضه في الطرف الآخر الذي يؤدي إلى تأليه مصلحة الفرد ~~الشخصية المستقلة التي لا تحتمل أي نوع من أنواع ~~المسئولية؛ لأن كلتا هاتين النظريتين لا تمس إلا جانبا ~~واحدا من الجانبين، ولا تمثل حقيقة الإنسان والمجتمع، ~~وكلتاهما لا تصلح أساسا سليما لبناء صرح اجتماعي، إنما ~~المجتمع الطيب هو الذي يفرض واجبات على أعضائه، واجبات ~~يتطلب أداؤها استخدام قدراته استخداما كاملا، ويتقبل فيه ~~الأعضاء هذه الواجبات قبولا تاما شاملا وعن رضا ~~وطواعية. وحتى مجتمعنا الذي يغالي في الفردية يعترف بسيادة ~~الدولة حينما تهاجم، بالرغم من أنه يجاهد جهادا شاقا ~~للاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الحرية الشخصية، حتى إبان ~~الحروب. # ويطمئن الأفراد اجتماعيا إذا هم سلموا للجماعة ~~بالسيادة بشرط أن تكون الجماعة من النوع الذي يجد حياته ~~ورفاهيته في حياة أعضائه ورفاهيتهم، وفي حسن العلاقة بين ~~بعضهم وبعض. ومما يدعو إلى أمن الجماعة أن ترى رفاهيتها في ~~رفاهية أعضائها، فتفسح في المجال لأغراضهم الفردية، إذا هم ~~برهنوا على أنهم حيوانات اجتماعية وليسوا وحوشا أو آلات ~~لا تبحث إلا عن ذاتها - إذا كان الفرد منهم يحسب لحاجات ~~غيره وأغراضه حسابها، ويعتبر ms133 نفسه مسئولا أساسا عن سلوكه ~~مسلك عضو في جماعة. وبهذا النوع من أنواع الفرد، وفي هذا ~~الضرب من ضروب الجماعة، لا يبقى من المستحيل أن نوفق بين ~~الفكرتين المتعارضتين، ويمكن أن تتحدا في مركب واحد منتج، ~~ويهبط الصراع إلى حد أن يصبح مجرد ملاءمة بين تفصيلات ~~النقاط الفرعية. # وفي هذا النوع من أنواع المجتمع تمس الدولة أقوى عامل ~~محسوس لدى الجماعة، ولكنها ليست العامل الوحيد. وبالرغم من ~~أن الدولة بحاجة إلى أن تملك سلطة الحكم العليا النهائية - ~~ولا نتعرض الآن إلى المشكلة التي تتعلق بحق الثورة الأعلى ~~- فهي تستطيع أن تسير الأمور مع ممارستها لحد ضئيل من سلطة ~~الحكم، واحتفاظها - برغم هذا - بحياة جماعية منظمة. # وعلى قدر ما تكون المسئولية الاجتماعية للأعضاء ناقصة، ~~تكون النتيجة مضطربة. # أما إذا ساد إحساس بالمسئولية أساسي قوي، فإن الاضطراب ~~لن يبلغ حد الفوضى، ولن تكون بالدولة حاجة إلى إقامة نفسها ~~- كما فعلت ألمانيا النازية - هيئة تتجسد فيها الجماعة ~~تجسدا كاملا، وتفرض نفوذها على وجود الفرد من جميع ~~نواحيه، بل تتألف - بدلا من ذلك - جماعات عديدة تمثل ~~أجزاء المجتمع، وما دامت لا تنازع غيرها فهي في ذاتها ~~مجتمعات صغرى. أما في حالة النزاع فعليها إما أن تكيف ~~نفسها وإما أن تخضع ~~لغيرها. ~~⋆ ~~(1-3) الحاجة إلى مجتمع اقتصادي # لقد خدعنا أنفسنا زهاء مائة وسبعين عاما، فحسبنا أننا ~~نستطيع بمراعاة المصالح الخاصة دون أية مسئولية إزاء ~~الصالح العام أن نقيم مجتمعا لا يتقدم فيه الناس فحسب، بل ~~يعيشون فيه أيضا خلال تقدمهم مكرمين منسجمين. ولقد ~~وضعنا ثقتنا في سوق آلية، تهتم برواج السلع وتهمل الأشخاص، ~~وفي سياسة، لا تقيم إلا وزنا ضئيلا للأخلاق، وتمثل مصلحة ~~معينة أكثر مما تمثل صالح المجموع. وفي الوقت عينه كان ~~هناك عاملان من عوامل الإصلاح - هما: المجتمع الذي يحترم ~~فيه كل جار جاره، وعامل الدين - أخذا يضعفان في قدرتهما ~~على التأليف بين الناس. وفي كثير جدا من شئون الحياة ~~اليومية ترى الفرد أولا عضوا في جماعة اقتصادية من ~~الجماعات، ثم هو بعد ms134 ذلك أمريكي (أو وطني). وقد نرثي لهذا ~~المآل، غير أن ما يحز في القلب فعلا هو أن المجتمع هو ~~الذي أدى إلى هذا الموقف، بإهماله أجيالا طويلة للحاجات ~~الضرورية، وبتعاميه عن حقيقة الإنسان وحقيقة ~~الجماعة. # وقد بدأنا نتنبه للحاجات الواضحة المحسوسة، وشرعنا نعد ~~لهذه الحاجات عدتها. فمن الناحية الإنسانية والروحية ~~بدأنا نتحسس طريقنا نحو معايير مشتركة، أو على الأقل نحو ~~قاعدة نعيش على أساسها معا بما لدينا من معايير. غير أن ~~ما لدينا من مخلفات يجب تسويتها كثير. علينا أن نتعلم ~~المعنى العملي لهذه الحقيقة، وهي أن المجتمع ليس مجرد شيء ~~يتطلع إليه الفرد للمنفعة - وإن يكن فيه هذا الجانب - ~~ولكنه كذلك شيء يدين له الفرد بالواجبات، وعلينا أن نتعلم ~~أيضا أن المكاسب يجب أن يسوغها ما نقدمه من معونة، لا ~~للزبائن وحدهم، أو حتى لصناعة من الصناعات، وإنما للصالح ~~العام في جملته، وكان لا بد من إعادة الكشف عن هذه الحقيقة ~~بعد أجيال من الحياة في عالم كان يتوقع من كل فرد أن يرعى ~~صالح نفسه فقط. # ولا تستطيع الدولة مراعاة الحاجات المهملة إلى حد يسير ~~فقط، أما الجانب الأكبر من هذه الحاجات فلا ترعاها إلا ~~الجماعات التي تناضل في سبيل تعزيز مصالحها على حساب مكانة ~~الجماعات الأخرى المعهودة. وهذه طريقة طبيعية سليمة لإحداث ~~التغيرات الضرورية، إذا كانت الجماعات تدرك الخطر ~~الاجتماعي فيما تفعل، وإذا كانت السلطة - فيما بين ~~الجماعات - متوازنة توازنا متسقا يكفي لمفاداة تعرض ~~أية جماعة من الجماعات لما تحدثه السلطة التي لا تحد ~~من أثر فاسد معروف. وقد ألقى برين ج. هوفد رئيس المدرسة ~~الجديدة للبحث الاجتماعي بيانا قويا عن الشروط ~~الضرورية، وكان ذلك منذ فترة وجيزة، قال: «الحرية هي ~~الاجتماع عن طواعية مع الأفراد الآخرين، الذين هم كذلك ~~أحرار؛ ومن ثم فإن الحرية الفردية لا يمكن أن تتفق مع ~~القدرة على استغلال الأفراد الآخرين أو على كبت حرياتهم ... ~~يجب على الفرد أن يفهم ظروف حياته الخاصة لكي يقرر في ~~حكمة أن عليه أن يحتمل هذا ms135 القدر من القانون أو من الطاعة ~~لكي يستمتع بهذا القدر من الحرية أو ذاك. مثل هذا الفرد ~~فقط هو الرجل الحر - بقدر المستطاع - الذي يحد فيما بينه ~~وبين نفسه من حريته الخاصة في سبيل أكبر قسط ممكن من ~~الحرية للجميع. والمجتمع الذي يتألف من أمثال هؤلاء ~~الأفراد المتحررين يستطيع أن يهضم كل ما تحدثه التكنولوجيا ~~من تغيرات وكل ما يحل بالعلاقات الاجتماعية من تطورات، ~~وبوسعه أن يشكل القوى الديناميكية في صورة تطور مطرد، ~~تلك القوى التي بغير هذا تكون قمينة بإشعال نار ~~الثورة.» # ويحدد لنا هذا البيان مستوى عاليا دقيقا، وهو يتصور ~~ضرورة الخضوع للقانون، ولا يجعل للفرد حرية اختيار مدى هذا ~~الخضوع؛ ومن ثم فإن ذلك يقتضيه أن يقبل طائعا قرارا ~~إجماعيا قلما يحدد مقدار الخضوع كما يريد الفرد أو ~~يختار. وسيضطر الفرد إلى أن يتنازل عن كثير من حريته ~~الشخصية في سبيل الخضوع للجماعة، وذلك ما لم يحدد حريته، ~~في كثير من الأمور، دون أن ينتظر القانون ليقوم بهذا ~~التحديد. والقواعد التي تتحكم في مثل هذا التحديد، وإن يكن ~~من السهل قبولها نظريا، عسيرة عند تطبيقها على الحالات ~~الملموسة، وبخاصة إن كانت هذه الحالات مما يمس الفرد ~~ذاته. إن أولئك الذين يطالبون بحقوق جديدة لا يستطيعون أن ~~يتبينوا في وضوح ما يلازم هذه الحقوق من واجبات، بل ولا ~~يستطيعون أن يدركوا أن الحقوق الجديدة تتضمن واجبات جديدة، ~~وإلا فهي حقوق مضيعة. وأشق من ذلك في إدراكه مخاطر النفوذ ~~الذي لا يحدده غرض اجتماعي سليم. وحينما نواجه هذه المطالب ~~مواجهة صحيحة، نستطيع عندئذ أن نزعم أننا نكون مجتمعا ~~اقتصاديا. ~~⋆ ~~(1-4) الحاجات الدينية والمجتمع # إن حاجات الإنسان وقدراته على إنشاء مجتمع من المجتمعات ~~تتضمن حاجاته وقدراته الدينية؛ ومن ثم فإن من واجبنا أن ~~نبحث عن العناصر التي تعاون تعاونا بناء على تحقيق ~~ذلك. ويجب أن نؤكد أن النظرة التطورية إلى أصول الآراء ~~الدينية ليست دليلا على صحة أو خطأ هذه الآراء في صورتها ~~الراهنة. غير أنها قد تدفعنا نحو التسامح ms136 ونحو قبول التطور ~~الذي لا يزال مستمرا. والهدف النهائي هو أن نؤلف بين ~~أناس يختلفون في نظراتهم الدينية لكي يؤدوا واجب بناء ~~المجتمع. # إن الإنسان يفسر ما لا يفهمه في الكون في حدود ما يفهمه؛ ~~على اعتبار أن هذه الأمور الغامضة عمل شخصي تقوم به ~~الأرواح الخيرة، أو الأرواح الشريرة. وتأتي في نهاية ~~الأمر فكرة كائن خير، أوحد، عادل، قادر على كل شيء، لمصير ~~كل فرد لديه أهميته - في عقائدنا نحن أهل الغرب. وقد ~~تهذبت هذه النظرة لما زادت إنسانية الإنسان، وأمكن صياغة ~~الكون القائم على أساسها وفقا لتقدم العلوم، وإن تكن ~~الصياغة جزئية وفي وقت متأخر. ويتألف هذا البناء الديني من ~~مواقف مختلفة من الرهبة والتقديس للقوى الكونية، ومن ~~الفروض العقلية، وكذلك من لقانة بشرية وكونية كبرى، مدركة ~~إدراكا ناقصا ومصوغة صياغة ناقصة، ومن استنتاجات منطقية ~~من هذه الصيغ. والمنطق - إذا طبق على هذه الصورة - فقد ~~يكون قوة مريعة؛ فقد كانت محاكم الاضطهاد الديني - إذا ~~سلمنا بما قامت عليه من مقدمات - منطقية تماما وبغير ~~رحمة. ويشتمل البناء الديني أيضا على روح الأخوة البشرية، ~~وعلى المبادئ الخلقية الشكلية، وعلى المثوبة والعقاب، وعلى ~~أمل انتصار الخير واندحار الشر. وهو يفعل فعله عن طريق ~~التأثير في الدوافع الشخصية، وعن طريق الضغط على أنواع ~~السلوك الاجتماعي الظاهري. # وقد وحدت كنيسة العصور الوسطى بين العقيدة والسلوك ~~الخلقي، كما تحكمت في السلوك الاقتصادي والاجتماعي. ~~وكانت معاييرها مألوفة، تكفل شيئا من الحماية للرجل ~~العادي، وجانبا كبيرا منها للنظام القائم. وكان لها نفوذ ~~دنيوي بلغ حدا لم يعد اليوم بالإمكان. وكانت عالمية، ~~تدعم نظامها عقوبة جهنم، وهي نار واقعية طبيعية. وربما لا ~~يستطيع أن يفل من هذا النفوذ للكنيسة سوى تضخم العمل ~~التجاري في العصر الحديث. غير أن الإصلاح البروتستنتي حرم ~~الكنيسة من العالمية الضرورية للتحكم في التصرفات العالمية ~~الاقتصادية، كما مد من الفردية حتى بلغت الأساس الديني ~~للأخلاق، وكذلك كان العلم يضعف من سيطرة العقيدة ~~اليقينية. # ثم فقدت البروتستانتية مؤقتا الاهتمام بالتحكم الموضوعي ~~في الصلات الاجتماعية، ms137 وتعرضت بخاصة للهجوم من ~~الراديكاليين على اعتبار أنها «مخدر للجماهير». والآن ~~بعد أن أخذت تحاول أن تعوض الوقت الذي فقدته في هذا ~~الميدان، فإن سلطانها مقيد بالتغيرات التي لا يمكن ~~النكوص فيها تاريخيا، وهي التغيرات التي أشرت إليها؛ ~~فلقد أضحى التزام الدين تطوعا، والجحيم فرضا غامضا، ~~والرعايا في المواقف التي يريد الدين أن يسيطر عليها، ~~متنافرين غير منسجمين، ينخرط في سلكهم كثيرون متمردون ~~صراحة على الدين. فولاية تنسي تضم دايتن، حيث حوكم ~~سكوبس لنشره مبادئ التطور، كما تضم أوك ردج، حيث كان مولد ~~عصر الذرة. وليس الأمر هينا أمام الكنيسة وهي تحاول أن ~~تدخل مرة أخرى المبادئ الملائمة للأخلاق الاجتماعية في ~~بناء اقتصادي ثابت مستقر، نما خلال نحو مائة وسبعين عاما ~~على عقيدة أنه يستطيع أن يتقدم تقدما معقولا بغير هذه ~~المبادئ. # وإني لأحب أن أتصور عالما، لا يرغب في الاعتماد على ~~القوى غير الطبيعية التي لا تتفق والأسباب العلمية ~~ونتائجها، ولكن العلم لم يقتل فيه إحساس الرجل العادي ~~بتقدير الأمور التي يعالجها الدين؛ ثم أتساءل ماذا عساه ~~فاعلا بهذه الأمور في عالم امحت فيه العقائد الدينية ~~والكونية الموروثة؛ هل يرى أن الميراث الاجتماعي للإنسان ~~يتضمن سندا خارجيا، لا يدرك كنهه الإنسان العادي؛ ~~لأنه يخضع لقواعد السيكولوجيا والعلوم الاجتماعية؟ أو هل ~~يرى أن الميراث العنصري للإنسان يتضمن شيئا في اللاوعي ~~أقوى من قدراته الواعية، ويمكن وصفه بحق بأنه قوة كونية، ~~تجعل كل امرئ يحمل بين جنبيه شيئا من الخلود على وجه ~~الظن، ويحمل يقينا شيئا من حياة العنصر البشري ~~الدائمة؟ # هل يا ترى يرى أن هذه الحقيقة العلمية إن هي إلا جزء ~~من قوى الطبيعة العالمية التي صاغ حولها الناس صورهم ~~الذهنية عن الآلهة، وأن هذه الصور الذهنية - استنادا إلى ~~ذلك - تمسي أقرب إلى الحقيقة من الآلية العلمية المجردة ~~التي تتجاهل هذه الحقيقة، وأن الحقيقة العلمية تمثل قوة ~~يعيش فيها الإنسان وتعيش في الإنسان، وتؤدي له كثيرا من ~~الأمور التي تعبر عنها الأديان القائمة، بطريقتها الخاصة، ~~في نصوص مكتوبة لا ms138 يحيط بها حصر؟ أعتقد أن ذلك ممكن، وأن ~~مثل هذه المادة تحتاج إلى أن تكون جزءا من التصورات ~~الدينية التي يمكن أن تكون حقيقية لقوم شاعت بينهم طرق ~~التفكير العلمية. إنا إذا أكدنا هذه الصورة الذهنية، ~~فقد لا تتضخم في أعيننا الفوارق بين مختلف المذاهب. # ومن الأمور التي ينبغي لمثل هذا العالم أن يدركها هو ~~أننا حينما نجعل حياة الإنسان معبرة عن الجانب ~~الاشتراكي البناء من هذا الميراث العنصري، لا يكفي أن ~~نعظ الأفراد الذين تقوم أعمالهم اليومية على أساس فردي ~~صارم، وإنما يجب علينا أيضا أن نراعي أن القاعدة الفردية ~~في تغير. ولم تنسخ بعد قوانين السوق كل المدى الفردي في ~~العمل وكل مسئولية. والهيئات المسئولة وإن تكن اجتماعية ~~إلى حد ما إلا أن لديها إمكانيات فردية غير مستقلة، ونحن ~~بحاجة إلى أن نجعل لهذه الإمكانيات أثرها في بناء الأعمال ~~اليومية، وإلا فلن يفلح إحياء المحاولة لكي نجعل الأخلاق ~~المسيحية فعالة في الأمور الدنيوية. وقد بلغنا حدا لن ~~تعيش فيه مدينتنا إلا إذا هي قطعت شوطا كبيرا في سبيل ~~النجاح. ~~⋆ ~~(1-5) مغامرة الذكاء الخطرة # إذا كانت هذه الجولة غير المعهودة في مجالات الطبيعة ~~البشرية وحاجات الإنسان قد أبرزت لنا حقيقة ما، فهي أن ~~الذكاء مغامرة خطرة. إنه يتلمس الوسائل التي تؤدي إلى سد ~~الحاجات التي لم تسمح الطبيعة البدائية بسدها، وهو يتطلب ~~منا أمورا قد تثور عليها طبيعتها اللاواعية، وهو يبني ~~أسسا «معقولة» للسلوك الاجتماعي ثم يشرع في هدم هذه الأسس ~~التي بناها ويسلبها قوتها، وهو ينادي بمبادئ تبعث آمالا ~~لا يستطيع المجتمع أن يحققها كاملة، أو أن يخفف من ~~حدتها فيحطمها ويقضي عليها. # إن المرء في ردود أفعاله لا يكيف هذه الردود تماما ~~طبقا لحاجات المواقف المختلفة، فتتخبط أو تنحاز انحيازا ~~منحرفا. وينطبق هذا الحكم على كل أمر من الأمور، من أبسط ~~الغرائز إلى «أرقى» الأعمال، في صورة المجردات الخلقية أو ~~قواعد السلوك ذات الصبغة المعينة، أو المذاهب الدينية التي ~~وصفها تسن بأنها «الأضواء المنكسرة». والمذاهب لا تفسح ms139 ~~مجالا كافيا للدرجات المتفاوتة والأنواع المختلفة من ~~الأحكام الشاملة الكونية التي تصدر عن البديهة، كما أن ~~قواعد السلوك لا تقابل التنوع الذي لا حد له من الشخصيات ~~البشرية والمواقف الإنسانية. وكذلك نجد أن القاعدة ~~التقليدية ل «الفضائل الاقتصادية» التي آمنا بها قد أخذت ~~تتحول، وهي بحاجة إلى موازنة جديدة بين المصلحة الذاتية ~~ومسئولية الجماعة، كما أنها تجاهلت حاجات الإنسان باعتباره ~~حيوانا اجتماعيا، وينبغي أن تفسح لها المجال. إننا لم ~~نبن قط «مجتمعا عظيما» على أساس مشترك من الحرية ~~والأخلاق الاجتماعية التقدمية. وهذا الواجب الذي لم يسبقنا ~~إليه أحد هو الذي يواجهنا اليوم. # إن حياتنا الاقتصادية وتفكيرنا الاقتصادي قد أكدا ~~مقدار ما نسد من حاجات، ومقدار الأنواع التي يمكن أن ~~تنزل إلى السوق، دون الإشارة إلى نوع هذه الحاجات التي ~~نسدها أو التي نستنكرها. إن حياتنا الاقتصادية وتفكيرنا ~~الاقتصادي قد اهتما بالقدرة على تحقيق الأهداف دون ~~الإشارة إلى الأغراض البشرية التي من أجلها تستغل هذه ~~القدرة. وقد أمست القدرة بغير هدف اجتماعي وثنا يقود ~~حضارتنا إلى حافة الفوضى والخراب. وكلنا يدرك اليوم أن ~~هتلر قد استطاع أن يملأ هذا الفراغ إلى حد كبير؛ لأنه ~~قدم لشعبه هدفا معينا. ولسنا بحاجة إلى مثل هذا ~~الهدف، ولا إلى أي هدف جماعي يسود ويسيطر، اللهم إلا حينما ~~يكون المجتمع مهددا بالخطر. ولكنا بحاجة إلى إدراك ~~جماعي لأهداف المجتمع التي تدفع دفعا واعيا إلى الأمام ~~حاجات هذا المجتمع ~~وأهدافه. ~~⋆ # لماذا تحتاج الدولة إلى مجتمع منظم من خلفها، دولة يقابل ~~تكوينها تكوين هذا المجتمع؟ إنها بحاجة إلى ذلك لأنها ~~بدونه لا تجد لها سبيلا آخر غير الإرغام والفوضى. وإذا ~~كان المجتمع متماسكا تماسكا شديدا، استطاع أن يوجه ~~الدولة إلى أداء أمور مختلفة تحسن الدولة أداءها، ولا تلجأ ~~إلى الإرغام إلا لكي تحد من نشاط الأقليات التي لا ~~تتجاوب. أما إذا كانت في المجتمع «حالة طبيعية» تكاد ~~تكون حالة من حالات الحرب، فالدولة إذن إما أن تخفق في ~~حفظ نظام محتمل، وإما أن تقوم به على حساب ms140 الإرغام الشامل ~~الذي لا يميز، والحرية الشخصية في كلتا الطريقتين ~~مفقودة. # والجماعات الاقتصادية التي ننتظم فيها اليوم تقترب جدا ~~من هذا الوضع؛ فهي تقرب طريق الإرغام والفوضى بحيث لا ~~تتوافر لنا راحة أو أمن. وهذه الجماعات من الضخامة بمكان، ~~شديدة التعقيد، تعي أهدافها وعيا تاما وتعقلها تماما، ~~وهي لذلك لا تستطيع أن تنظم نفسها في مجتمع من النوع ~~«الطبيعي» الذي يحدثنا عنه علماء الأنثروبولوجيا، والذي ~~كان يوجد - مثلا - في جزر البحر الجنوبي قبل أن تغمرها ~~حضارة الجنس الأبيض. وتنظيم هذه الجماعات المتقاتلة يجب أن ~~يتم بذلك النوع المقصود من العمل الذي يرتبط بنظرية «العقد ~~الاجتماعي». والظاهر أننا في دور من أدوار التطور البشري ~~الذي يمكن أن تطبق فيه صورة من صور نظرية «العقد ~~الاجتماعي» لأول مرة على نطاق «المجتمع الكبير». ولا يكون ~~ذلك شاملا لعملية تنظيم المجتمع كلها؛ إذ لا بد أن يكون ~~هناك شعور باطني برباط مشترك - هو على الأقل الخطر من أن ~~يهلك بعضنا بعضا - وذلك لكي نضع أساسا للاعتراف بالحقوق ~~والمسئوليات المتبادلة. وهنا نعود إلى موضوعنا ~~الرئيسي. # إن ذلك يقتضي المغامرة في إعادة البناء، وهي مغامرة لا ~~تكفل لها النتائج السعيدة. إن العالم في براثن نضال جسيم، ~~في أحد جانبيه قوى تدفع نحو الفوضى والاضطراب، قوى ~~سياسية واجتماعية واقتصادية وخلقية، وفي الجانب الآخر قوى ~~تسير نحو السيطرة المركزية، وبين هذه وتلك يقف أولئك ~~الرجال وتلك القوى التي تحاول في استماتة أن تستخلص قاعدة ~~علمية لمجتمع إنساني منظم، يمكن أن يحتفظ بدرجة فعالة من ~~الحرية والديمقراطية، وذلك دون تحطيم المجتمع بممارستهما ~~ممارسة فوضوية وبالغلو فيها غلوا هداما. وليس هناك ~~معنى في أن نطالب - في عالم الطاقة الذرية - بقيام عالم ~~آمن تسوده الحرية والديمقراطية.؛ فقد حكم على المجتمع أن ~~يعيش عيشة خطرة، وليس منا من يشك في ذلك. وفرصتنا في ~~الكفاح تتوقف على تنمية قدرتنا على التفكير والعمل الحر ~~البناء، برغم سيف داموكليز المصلت فوق رءوسنا. # المصادر ~~⋆ # كل ~~هذه المختارات منتقاة من محاضرات ج. م. كلارك التي نشرت تحت ms141 ~~عنوان «ماذا نستبدل بالعبودية؟» # الفصل السادس # | إريك فروم # (1900م-...) # كان لظهور الكتاب الرائع الذي أخرجه إريك فروم تحت عنوان ~~«الفرار من الحرية» في عام 1941م، أثر قوي في اجتذاب انتباه جمهور ~~القراء في أمريكا إلى أهمية ما قام به إريك فروم من تعديل في ~~التحليل النفسي الذي دعا إليه فرويد. قدم لنا فروم دراسة أصيلة ~~عميقة للأسباب النفسية والاجتماعية التي سمحت للحكم الدكتاتوري ~~المستبد أن ينمو في العالم الحديث. أراد فروم أن ينبذ نظرية فرويد ~~التي تقرر أن الإنسان مخلوق غير اجتماعي في صميمه، يخضع لدوافع ~~بيولوجية ثابتة، على المجتمع أن يروضها ويوقفها عند حد، أراد ~~فروم ذلك فصاغ نظرية ديناميكية عن الإنسان الذي له حاجات ~~فسيولوجية دون شك، غير أن له أيضا حاجات لا تقل عن ذلك ضرورة ~~يبغي من ورائها أن يحقق ارتباطا قويا بينه وبين العالم وبينه ~~وبين نفسه. # ونظرية فروم هي أن الحرية التي نلناها أخيرا، والتي نجمت عن ~~نمو قوى عديدة من الضمير الفردي والسيطرة الخارجية، منذ النهضة ~~الأوروبية، هذه الحرية يصاحبها إحساس متزايد بالعشوائية والوحشة ~~والعزلة. والمعضلة التي برزت في الثقافة الغربية الحديثة هي أن ~~الحرية للفرد الفذ المسئول نسبيا قد باتت عبئا عليه و«التحرر ~~من» الصور القديمة للسيطرة، هذا النوع من التحرر السلبي لم يتطور ~~إلى «التحرر نحو» حياة منتجة يحقق فيها صاحبه ذاتيته. والبحث الذي ~~قام به فروم في الوسائل المعروفة التي يحاول بها أقل المحدثين ~~نجاحا أن «يفر من الحرية» لم يلق ضوءا جديدا على حكم ~~الاستبداد والمتحمسين له فحسب، بل ألقى كذلك ضوءا على المشكلات ~~الكبرى التي يجب أن تفهم وتذلل إذا أردنا لحرية الإنسان ~~البقاء. # للدكتور فروم أهمية خاصة لقيامه بتحليل الإنسان بالمعنى ~~الاجتماعي، وهو بالإضافة إلى ذلك أحد العلماء القلائل الصادقين، ~~وهب القدرة على ترجمة الآراء المتعلقة بالعلاج النفسي إلى لغة ~~يستطيع القارئ العادي أن يفهمها، بل إنه ليستمتع بها في أكثر ~~الأحيان. ويسمح له اتساع اهتماماته ومدى تدريبه السابق أن يخضع ~~لتحليله عمق المعرفة الفلسفية، والإدراك التاريخي، ms142 والنظر الأدبي ~~والفني. وكتاب «الإنسان لنفسه» الذي ظهر في عام 1947م يكون حلقة ~~ثانية إيجابية إنشائية من السلسلة التي بدأها بكتابه «الفرار من ~~الحرية». ومن دراساته الأخرى التي تبعث على التفكير، ولكنها ربما ~~تكون أقل من هذه بقاء، كتابه «التحليل النفسي والديني» الذي نشره ~~في عام 1950م، وكتابه «اللغة المنسية» الذي نشره في عام 1951م، وهو ~~دراسة ممتعة عن الأحلام والقصص الخرافية والأساطير. وأحدث كتاب له ~~الذي نشره تحت عنوان «المجتمع السليم». # 1 # ولد إريك فروم بفرانكفورت في ألمانيا عام 1900م، ودرس علوم ~~الاجتماع والنفس في جامعات هيدلبرج وفرانكفورت وميونخ، ونال درجة ~~الدكتوراه من هيدلبرج في عام 1922م، وتلقى تدريبه الرسمي في ~~تحليل النفس عند تطبيق هذا التحليل على الثقافة والمجتمع. وقد جاء ~~الدكتور فروم إلى أمريكا أستاذا زائرا بمعهد شيكاغو لتحليل النفس ~~في عام 1933م، وأنفق السنوات الثلاث التالية في القيام بالبحث في ~~معهد البحوث الاشتراكية الدولي، بجامعة كولومبيا. وفي عام 1940م ~~أصبح مواطنا أمريكيا بالتجنس. ومنذ ذلك الحين ارتبط ارتباطا ~~وثيقا بمعهد العلاج النفساني في واشنطن (الذي أسسه هاري ستاك ~~سليفان)، وهو زميل في أكاديمية العلوم بنيويورك، وحاضر في جامعة ~~كولومبيا وفي كلية بننجتن. ومنذ عام 1952م أصبح أستاذا في الجامعة ~~الوطنية بالمكسيك. # وكما أن فروم قد طبق أحدث وسائل البحث العلمية الاجتماعية على ~~الكشف عن صفة الإنسان ومجموعة قيمه الخلقية الأساسية، فقد أتقن ~~نوعا من المزاوجة بين تحقيق الذات الأرسطي والإنسانية العملية. ~~ومن الناحية الشخصية أكد طبيعة الحلول المنتجة لمشكلة انعزال ~~الإنسان - مثل العمل الخلاق، والضمير الإنساني الذي يعارض ~~التسلط، والشجاعة، والمحبة، والكبرياء، والأمل في قدرة الإنسان على ~~أن يأخذ نفسه وحياته وسعادته مأخذ الجد. وفي دراسة موجزة حديثة تحت ~~عنوان «فن الحب»، أعلن إريك فروم «أن الحب هو الحل السليم المرضي ~~الوحيد لمشكلة الوجود الإنساني». ويمكن أن نقدر قيمة هذا الحل ~~الشخصي، والتعقيد الذي نلاقيه عند تحقيقه، إذا عرفنا أن إريك فروم ~~يقترن الآن بالزوجة الثالثة. ~~(1) الإنسان لنفسه # إريك فروم ~~(1-1) المشكلة # تميزت الثقافة الغربية في ms143 القرون القلائل الأخيرة بروح ~~المباهاة والتفاؤل؛ فهي تباهي بالعقل باعتباره أداة ~~الإنسان لإدراكه الطبيعة وسيطرته عليها. وتتفاءل بتحقيق ~~أعز آمال البشرية، وتوفير أكبر قسط من السعادة لأكبر عدد ~~من الناس. # وقد برر الإنسان لنفسه ما يباهي به؛ فبفضل العلم بنى ~~عالما ماديا يفوق في الواقع حتى الأحلام والرؤى في ~~القصص الخيالية والمدن الفاضلة. إنه يستغل طاقات الطبيعة ~~التي سوف تمكن الجنس البشري من توفير الظروف المادية ~~اللازمة لوجود كريم منتج. وبالرغم من أن الإنسان لم يحقق ~~بعد كثيرا من أهدافه إلا أننا لا نكاد نشك في أن هذه ~~الأهداف ممكنة التحقيق، وأن «مشكلة الإنتاج» التي كانت ~~مشكلة الماضي قد حلت من حيث المبدأ. والآن يستطيع ~~الإنسان لأول مرة في التاريخ أن يدرك أن فكرة وحدة الجنس ~~البشري وإخضاع الطبيعة لسيطرة الإنسان ولمصلحته لم تعد ~~حلما، بل هي من الأمور الممكنة الواقعية. أليس الإنسان ~~إذن على حق في مباهاته وفي ثقته بنفسه وبمستقبل الجنس ~~البشري؟ # غير أن الإنسان الحديث - برغم هذا - يشعر بالقلق والحيرة ~~المتزايدة. إنه يعمل ويجاهد، ولكنه يدرك إدراكا غامضا ~~عبث ما يبذل من نشاط. وبينما تنمو سيطرته على المادة، نجد ~~أنه يحس العجز في حياته الفردية وفي المجتمع. وبينما نراه ~~يبتدع «وسائل» يسيطر بها على الطبيعة، نجده واقعا في ~~حبائل تلك الوسائل وقد فقد إدراك الغاية التي تعطيها - ~~وحدها - أهميتها، وتلك الغاية هي: أن الإنسان لنفسه. ~~فبينما أمسى الإنسان سيدا على الطبيعة، بات عبدا للآلة ~~التي صنعها بيده. وبرغم كل ما عرف عن المادة، فهو على جهل ~~فيما يتعلق بالمشكلات الهامة الأساسية الخاصة بالوجود ~~البشري: ما الإنسان؟ وكيف ينبغي له أن يعيش؟ وكيف يمكن ~~إطلاق الطاقات الجبارة الكامنة فيه واستخدامها استخداما ~~منتجا؟ # إن الأزمة الإنسانية المعاصرة قد أدت إلى التراجع عن ~~الآمال والآراء التي سادت في «عهد النور» الذي بدأ تقدمنا ~~السياسي والاقتصادي تحت رعايته، وأمست فكرة التقدم ذاتها ~~وهما صبيانيا، وأصبحنا نبشر عوضا عنها ب «الواقعية»، ~~وهي كلمة جديدة تعبر عن انعدام الثقة المطلق في الإنسان. ~~وبتنا ms144 نعترض على فكرة الكرامة والقوة الإنسانية، وهي التي ~~أمدت الإنسان بالقدرة والشجاعة للقيام بالأعمال الجسيمة ~~التي أنجزها في القرون القليلة الماضية، ونستعيض عنها ~~بالعودة إلى فكرة العجز المطلق والتفاهة التي يتصف بها ~~الإنسان، وتهدد هذه الفكرة باقتلاع الجذور ذاتها التي نمت ~~منها ثقافتنا. # إن الآراء التي سادت في «عهد النور» علمت الإنسان أنه ~~يستطيع أن يثق في عقله كمرشد له في إقامة معيار خلقي ثابت، ~~وأنه يستطيع أن يعتمد على نفسه دون الحاجة إلى هداية ~~الكنيسة أو سلطتها لكي يفرق بين الحق والباطل. إن شعار ~~«عصر النور»، وهو «شجاعة المعرفة»، ينطوي على «الثقة في ~~المعرفة»، هذا الشعار أصبح الحافز عند الإنسان الحديث لكي ~~يعمل ويبذل الجهود. أما الشك النامي في قدرة الإنسان ~~الذاتية وفي عقله، فقد أوجد حالة من حالات الفوضى المعنوية ~~التي تركت الإنسان دون إرشاد من الوحي أو من العقل. # وترتب على ذلك قبول الرأي الذي يقول بالأوضاع النسبية، ~~والذي يرى أن تقدير القيم والمعايير الخلقية أمور تتعلق ~~كلية بالذوق أو بالمفاضلة التي تقوم على أساس، وأنه لا ~~يمكن في هذا الميدان أن يصدر حكم واحد موضوعي ثابت، ولكن ~~ما دام الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون قيم أو معايير، فإن ~~هذه النسبية تجعله فريسة سهلة لطرق التقويم التي لا تستند ~~إلى عقل. وعندئذ يرتد الإنسان إلى مكانة تغلبت عليها من ~~قبل الثقافة الإغريقية، والمسيحية، والنهضة الأوروبية، ~~وعصر النور في القرن الثامن عشر. عندئذ يستمد الإنسان ~~معاييره وقيمه من مطالب الدولة، ومن الحماسة لما عند ~~الزعماء الأقوياء من صفات سحرية، ومن الآلات القوية، ~~والنجاح المادي. # فهل نترك الأمر عند هذا؟ هل نرضى بالخيار بين أمرين؛ إما ~~الدين وإما نسبية الأمور؟ هل نقبل تنازل العقل فيما يمس ~~الأخلاق؟ هل نعتقد أن الخيار بين الحرية والعبودية، بين ~~الحب والكراهية، بين الحق والباطل، بين النزاهة ~~والانتهازية، بين الحياة والموت، ليس إلا نتيجة للمفاضلة ~~الذاتية في كثير من الأمور؟ # هناك في الواقع وجه آخر للموضوع؛ فإن المعايير الخلقية ~~الثابتة الصالحة يمكن أن ms145 تكون من وضع العقل البشري، وبه ~~وحده؛ فالإنسان قادر على رؤية القيم وعلى أن يجعل لها من ~~الصلاحية ما لكل القيم الأخرى التي يبنيها على أساس من ~~العقل. وقد وضعت التقاليد العظيمة، تقاليد الفكر الإنساني ~~الأخلاقي، أسس طرق التقويم المبنية على قدرة الإنسان ~~الذاتية وعلى عقله وتفكيره. وأقيمت هذه الطرق على فرض ~~أساسي، وهو أنك إن أردت أن تعرف ما هو خير للإنسان وما هو ~~شر له، فلا بد لك أولا من أن تعرف طبيعة الإنسان؛ ومن ثم ~~كانت هذه الطرق كذلك مباحث نفسية في ~~أساسها. ~~⋆ ~~(1-2) فضل فرويد وحدوده # ربما كان أكبر فضل لفرويد هو أن نظرية التحليل النفساني ~~هي أول طريقة نفسية حديثة لا تجعل موضوعها نواحي الإنسان ~~المختلفة التي تنفصل إحداها عن الأخرى، وإنما شخصيته ~~بكليتها؛ فقد اكتشف فرويد طريقة جديدة مكنته من دراسة ~~شخصية الإنسان بجملتها كما مكنته من إدراك ما يدفع ~~الإنسان إلى أي عمل يقوم به، وأحل هذه الطريقة محل طريقة ~~علم النفس التقليدي، التي كانت تحصر نفسها في دراسة ~~الظواهر التي يمكن عزلها عزلا يكفي لملاحظتها في تجربة من ~~التجارب. # وطريقة فرويد، طريقة تحليل المعاني المتداعية تداعيا ~~حرا، وتحليل الأحلام والأخطاء، وانتقال الأفكار ، إنما ~~هي وسيلة يمكن أن تصبح بها الوقائع «الخاصة» التي لا ~~يعرفها ولا يتأملها إلا صاحبها، «علنية» ظاهرة في الصلة ~~التي تقوم بين الفرد الذي يخضع للتحليل والمختص الذي يقوم ~~بهذا التحليل؛ ومن ثم فقد أمكن لطريقة التحليل النفساني ~~أن تفرد الظواهر التي لم تكن بدونها لتخضع للملاحظة. كما ~~أزاحت الغطاء في الوقت عينه عن كثير من التجارب العاطفية ~~التي لم يمكن إدراكها حتى بالتأمل الباطني لأنها مكبوتة ~~ومنفصلة عن العقل الواعي. # كان فرويد في بداية دراساته يهتم أساسا بالأعراض ~~النورستانية. ولكن كلما تقدم التحليل النفساني، اتضح أن ~~الأعراض النورستانية لا يمكن فهمها إلا بفهم بناء الشخصية ~~التي تظهر فيها، فأصبح الموضوع الأساسي لنظرية التحليل ~~النفساني وللعلاج النفساني هو الشخصية النورستانية، لا ~~مجرد الأعراض وحدها. وفي أثناء دراسة فرويد للشخصية ms146 ~~النورستانية نجده يضع أسسا جديدة ل «علم الشخصية»، الذي ~~أهمله علم النفس في القرون الحديثة وتركه لكتاب الرواية ~~والمسرحية. # إن «علم الشخصية» الذي يقوم على أساس التحليل النفساني، ~~برغم حداثته، لا غنى عنه لتطور النظريات الأخلاقية. ولا ~~مناص من أن تبقى جميع الفضائل والرذائل التي يعالجها علم ~~الأخلاق التقليدي غامضة؛ لأنها كثيرا ما تدل بلفظة واحدة ~~على مواقف إنسانية مختلفة وعلى شيء من التناقض. وهي لا ~~تفقد غموضها إلا إذا فهمت من حيث علاقتها ببناء شخصية ~~الفرد الذي تعزى إليه الفضيلة أو الرذيلة. إن الفضيلة ~~منفصلة عن محيط الشخصية قد يتبين أنها عديمة القيمة ~~(كالتواضع الذي ينشأ عن الخوف، أو الذي يعوض به صاحبه عن ~~كبرياء مكبوتة). كما أن الرذيلة قد تدل على شيء آخر إذا ~~فهمت في محيط الشخصية كلها (كالكبرياء التي تعبر عن عدم ~~الطمأنينة وشعور المرء بانحطاط قدره). وهذا الاعتبار له ~~بالأخلاق علاقة وثيقة. ومعالجة الفضائل والرذائل منعزلة ~~باعتبارها صفات مستقلة تضلل ولا تكفي. إن موضوع الأخلاق هو ~~«الشخصية»، ولا يمكن أن تقوم صفات منعزلة أو أعمال منفصلة ~~دون الإشارة إلى بناء الشخصية بكليتها (إن الموضوع الحقيقي ~~للبحث الأخلاقي هو الشخصية الفاضلة أو الشخصية الشريرة، ~~وليس هو الفضائل والرذائل المجردة). # ولا يقل عن ذلك أهمية - بالنسبة للأخلاق - فكرة التحليل ~~النفساني عن الدوافع التي تصدر عن اللاوعي. وبالرغم من أن ~~هذه الفكرة - في صورتها العامة - ترجع إلى ليبنتز ~~واسبينوزا، إلا أن فرويد قد كان أول من درس الدوافع التي ~~تصدر عن اللاوعي دراسة تطبيقية عملية وفي تفصيل دقيق؛ ومن ~~ثم كان هو الذي وضح أسس نظرية الدوافع البشرية. إن تطور ~~التفكير الأخلاقي يتميز بأن تقدير القيم فيما يتعلق ~~بالسلوك الإنساني قد صيغ بالإشارة إلى الدوافع التي تختفي ~~وراء الفعل دون الإشارة إلى الفعل ذاته؛ ومن ثم فإن فهم ~~الدوافع التي تصدر عن اللاوعي يفتح لنا مجالا جديدا ~~للبحث الأخلاقي. وقد ذكر فرويد «أنه لا يرسب في اللاوعي ما ~~هو دنيء في الذات فقط، وإنما يرسب فيه أيضا ما ms147 هو سام»، ~~ويمسي أقوى دافع للعمل، ولا يستطيع البحث الأخلاقي أن ~~يتجاهله. # وبالرغم من الإمكانيات الكثيرة التي يمدنا بها التحليل ~~النفساني لدراسة القيم دراسة علمية، فإن فرويد ومدرسته لم ~~يستغلوا طريقتهم أكبر استغلال منتج مفيد للبحث في المشكلات ~~الخلقية، بل إنهم في الواقع قاموا بكثير من الخلط في ~~القضايا الكبرى. وينشأ الاضطراب عن موقف فرويد النسبي، ~~الذي يفترض أن علم النفس يمكن أن يعاوننا على فهم الدافع ~~إلى تقدير القيم، ولكنه لا يعيننا على تثبيت صلاحية القيم ~~ذاتها. # إن نسبية فرويد تظهر في جلاء شديد في نظريته عن الذات ~~العليا (الضمير)، وطبقا لهذه النظرية يمكن أن يكون أي ~~موضوع محلا لوخز الضمير إذا كان بالمصادفة جزءا من ~~الأوامر والنواهي التي ينهى عنها ضمير الأب أو التقاليد ~~الثقافية (والضمير وفقا لهذه النظرة ليس إلا السلطة ~~الباطنية). إن تحليل فرويد للذات العليا ليس إلا تحليلا ل «الضمير المتسلط». # ومهما يكن من شيء، فإن موقف فرويد ليس دائما نسبيا ~~بأية حالة من الحالات. إنه يبدي إيمانا حارا بالحقيقة ~~باعتبارها الهدف الذي ينبغي للمرء أن يجاهد في سبيله، وهو ~~يعتقد في قدرة الإنسان على هذا الجهاد ما دامت الطبيعة قد ~~وهبته العقل، وهو يعبر عن هذه النظرة التي تناقض النسبية ~~تعبيرا واضحا في مناقشاته ل «فلسفة الحياة»، وهو يعارض ~~النظرية التي تقول بأن الحق ليس إلا نتيجة لحاجاتنا ~~ورغباتنا؛ لأنها تصاغ تحت ظروف خارجية متغيرة. وفي رأيه ~~أن مثل هذه النظرية الفوضوية «يتقوض في اللحظة التي يحتك ~~فيها بالحياة العملية». واعتقاده في قوة العقل وقدرته على ~~توحيد البشرية وتحرير الإنسان من قيود الخرافة يتميز بما ~~تتميز به فلسفة عصر النور من عطف وحنان. وهذا الإيمان ~~بالحقيقة ينضوي تحت فكرته عن العلاج بالتحليل النفساني. إن ~~تحليل النفس هو محاولة الكشف عن حقيقة الفرد. وفي هذا ~~الاتجاه يواصل فرويد الفكر التقليدي الذي يعتقد - منذ بوذا ~~وسقراط - في الحق باعتباره القوة التي تجعل الفرد فاضلا ~~وحرا، أو بتعبير فرويد «صحيحا». إن الهدف من العلاج ~~بالتحليل هو إحلال ms148 العقل (أو الذات) محل الجانب الذي لا ~~يعقل؛ فالموقف التحليلي يمكن تعريفه من هذه الزاوية بأنه ~~الموقف الذي يكرس فيه اثنان - هما المحلل والمريض - ~~نفسيهما للبحث عن الحقيقة. والهدف من العلاج هو إعادة ~~الصحة، والعلاج هو الحق والعقل. وربما كان أقوى تعبير عن ~~عبقرية فرويد هو افتراضه موقفا يقوم على الصراحة الشديدة ~~في وسط ثقافي تندر فيه مثل هذه ~~الصراحة. ~~⋆ ~~(1-3) الأخلاق الإنسانية # الأخلاق الإنسانية التي يكون فيها «الخير» مرادفا ل «خير ~~الإنسان»، و«الشر» مرادفا ل «شر الإنسان»، تفترض ~~أنا لكي نعرف ما هو خير للإنسان لا بد لنا من أن نعرف ~~طبيعة الإنسان (الأخلاق الإنسانية هي العلم التطبيقي ل «فن ~~الحياة» الذي يقوم على أساس «علم الإنسان» النظري). وهنا - ~~كما في أي فن آخر - يكون الامتياز في عمل الإنسان متناسبا ~~مع مقدار ما يعرفه الفرد عن علم الإنسان ومع مهارة الفرد ~~ومرانه. غير أن الفرد يمكنه أن يستنتج المعايير من ~~النظريات في حالة واحدة فقط، وهي التسليم بأن هناك ناحية ~~معينة من نواحي النشاط ينتقيها المرء، وهدفا من الأهداف ~~يبغيه. إن الفرض في علم الطب هو أن علاج المرض وإطالة ~~العمر من الأمور المرغوب فيها، فإن لم يكن الأمر كذلك فإن ~~كل قواعد علم الطب تصبح غير ذات موضوع. # إن كل علم تطبيقي يقوم على أساس فرض ينشأ عن عملية ~~الانتقاء، أعني أن تكون الغاية من النشاط مرغوبة. بيد أن ~~هناك فارقا بين الفرض الذي ينضوي تحت الأخلاق، والفرض ~~الذي ينضوي تحت الفنون الأخرى. نستطيع أن نتصور ثقافة ~~فرضية لا يريد فيها الناس أن يعيشوا. إن الدافع إلى الحياة ~~كامن في كل كائن عضوي، ولا يسع المرء إلا أن يعيش بغض ~~النظر عما يود أن يعتقد في هذا السبيل. # 2 # إن الخيار بين الحياة والموت أمر ظاهري وليس ~~حقيقة من الحقائق. أما الخيار الحقيقي عند الإنسان فهو ~~بين الحياة الطيبة والحياة السيئة. # ومن الشائق هنا أن نتساءل: لماذا فقد زماننا فكرة ~~«الحياة كفن من الفنون»؟ فالظاهر أن الإنسان الحديث ms149 يعتقد ~~أن القراءة والكتابة من الفنون التي تتعلم، وأنه لكي يصبح ~~المرء مهندسا معماريا، أو مهندسا ميكانيكيا، أو ~~عاملا ماهرا، لا بد له من قدر كبير من الدراسة، ولكنه ~~يعتقد أن «العيش» أمر من السهولة بمكان بحيث لا يحتاج إلى ~~جهد معين لكي يؤدي. ولأن كل إنسان «يعيش» بطريقة ما، ~~تعتبر الحياة أمرا يعد فيه كل فرد خبيرا. ولقد أتقن ~~الإنسان فن الحياة إلى حد ما، ولكن فقدانه الإحساس بصعوبته ~~لا يعزى إلى ذلك. ومن الواضح أيضا أن هذا الأمر لا يفسره ~~كذلك ما يسود الناس من فقدان للمتعة الحقيقية والسعادة ~~الصادقة اللتين يمكن أن يستمدهما من عملية الحياة ذاتها؛ ~~ذلك أن المجتمع الحديث - بالرغم من كل ما يؤكده عن أهمية ~~السعادة والفردية والمصلحة الذاتية - قد علم الإنسان أن ~~سعادته (وإذا جاز لنا أن نستعمل اصطلاحا دينيا قلنا ~~خلاصه) ليست هي الهدف من الحياة، وإنما هدفها أداء واجبه ~~نحو العمل أو نجاحه؛ فالمال والمركز الاجتماعي والنفوذ ~~باتت هي دوافعه وغاياته، وهو يعمل متوهما أن نشاطه يعود ~~بالنفع على مصلحته الذاتية، ولكنه في الواقع يخدم كل شيء ~~إلا مصالح نفسه الحقيقية، كل شيء يهمه إلا حياته وفن ~~الحياة. إنه لكل شيء، ولكن ليس لنفسه. # وإذا كانت الأخلاق تؤلف مجموعة الأنماط التي تؤدي إلى ~~التفوق في ممارسة فن الحياة، فلا بد أن تصدر قواعد الأخلاق ~~العامة عن طبيعة الحياة عامة والوجود البشري خاصة. وطبيعة ~~الحياة كلها - على وجه عام - هي أن تحتفظ بوجودها وتؤكد؛ ~~فلدى كل كائن عضوي ميل كامن نحو الاحتفاظ بوجوده. ومن هذه ~~الحقيقة افترض علماء النفس وجود «غريزة» حفظ الذات. إن أول ~~«واجب» للكائن العضوي هو أن يحيا. # و«بقاء الإنسان حيا» فكرة ديناميكية وليست فكرة ~~استاتيكية ثابتة (والوجود والكشف عن القوى الخاصة للكائن ~~العضوي أمر واحد). ولدى كل كائن عضوي ميل كامن إلى إخراج ~~إمكانياته الخاصة إلى حيز الواقع؛ وإذن ف «الهدف من حياة ~~الإنسان» يجب أن يفهم على أنه الكشف عن قواه طبقا ~~لقانون طبيعته. # غير أن الإنسان ms150 لا يوجد وجودا «عاما»، فهو يشترك مع ~~جميع أعضاء جنسه في لب الصفات الإنسانية، ولكنه - مع ذلك - ~~دائما مفرد، أو وحدة فذة، يختلف عن كل فرد آخر. وهو ~~يختلف فيما يتصف به من مزيج خاص من الشخصية والمزاج ~~والمواهب والميول كما يختلف في أطراف أصابعه، ولا يستطيع ~~أن يؤكد إمكانياته البشرية إلا بتحقيق فرديته. إن واجب ~~المرء أن يحيا هو نفسه واجبه في أن يكون نفسه، وأن يتطور ~~إلى الفرد الذي تكمن فيه بذرته. # وخلاصة القول «أن الخير في الأخلاق الإنسانية هو تأكيد ~~الحياة، والكشف عن قوى الإنسان، والفضيلة هي المسئولية ~~إزاء وجوده ذاته»؛ والشر يتألف من العوامل التي تفل من قوى ~~الإنسان، والرذيلة هي استهتار المرء إزاء ذاته. وهذه هي ~~القواعد الأولى للأخلاق الموضوعية ~~للإنسانية. ~~⋆ ~~(1-4) التوجيه المنتج # إن الفرض بأن الإنسان لديه دافع نحو النمو والتكامل لا ~~يترتب عليه أن يكون لديه دافع إلى الكمال على اعتبار أن ~~هذا الدافع هبة خاصة خص بها الإنسان، إنما يصدر هذا ~~الدافع عن طبيعة الإنسان ذاتها، عن المبدأ الذي يقول ب «أن ~~القدرة على العمل تخلق الحاجة إلى استخدام هذه القدرة، وأن ~~الفشل في استخدامها ينتهي بشل العضو عن أداء وظيفته ~~وبالبؤس والشقاء.» ويمكن أن نتبين صحة هذا المبدأ بسهولة ~~بالنسبة إلى وظائف الإنسان الفسيولوجية. الإنسان لديه ~~القدرة على المشي وعلى الحركة، فإذا ما حيل بينه وبين ~~استخدام هذه القدرة نشأ عن ذلك المرض أو عدم الارتياح ~~البدني. ولدى المرأة القدرة على حمل الأطفال وإرضاعهم، ~~فإذا ما لبثت هذه القدرة بغير استخدام، وإذا لم تصبح ~~المرأة أما، وإذا هي لم تستطع أن تنفق قدرتها على حمل ~~الأطفال ومحبتهم، شعرت بخيبة الأمل الذي لا يمكن علاجه إلا ~~بزيادة إدراكها لقدراتها في ميادين حياتها الأخرى. وقد ~~نبه فرويد إلى نوع آخر من عدم الإنفاق كسبب من أسباب ~~الألم وهو الطاقة الجنسية، وذلك حينما أدرك أن كبت هذه ~~الطاقة قد يكون سببا في الاضطرابات النورستانية. وربما ~~بالغ فرويد في تقدير أهمية الإشباع الجنسي، إلا ms151 أن نظريته ~~تعبير «رمزي» عميق عن هذه الحقيقة، وهي أن فشل الإنسان في ~~استخدام ما لديه وفي إنفاقه هو السبب في بعض الأمراض ~~وأسباب البؤس والشقاء. إن صحة هذا المبدأ تظهر فيما يتعلق ~~بقدرات المرء النفسية، كما تظهر فيما يتعلق بقدراته ~~البدنية. إن عند الإنسان قدرة طبيعية على الكلام وعلى ~~التفكير، فإذا ما كبتت هذه القدرات أصيب صاحبها بضرر ~~بالغ. ولدى الإنسان قدرة على الحب، وإذا هو لم يستطع أن ~~يستخدم هذه القوة، وإذا ما عجز عن الحب، عانى من هذه ~~المأساة التي حلت به حتى إن هو حاول أن يتجاهل آلامه بكل ~~أنواع التبرير أو بالتجائه إلى مخارج الهروب من الألم الذي ~~ينجم عن فشله؛ تلك المخارج التي اتخذت لها صيغا ثقافية ~~معروفة. # والسبب في أن ظاهرة عدم استخدام المرء لقدراته تنتهي ~~ببؤسه يكمن في ظروف الوجود البشري نفسه. إن وجود الإنسان ~~يتميز بانقسام وجودي؛ فهو لا يجد سبيلا إلى الاتحاد ~~بالعالم وإلى أن يتحد مع نفسه في آن واحد، لا يجد سبيلا ~~إلى الاتصال بغيره وإلى أن يحتفظ بكمال نفسه وباعتباره ~~وحدة فذة، لا يجد سبيلا إلى ذلك إلا باستخدام قواه ~~استخداما منتجا؛ فإذا هو فشل في ذلك فلن يستطيع أن يحقق ~~الانسجام والتكامل الباطني، وانقسم وتمزق، واضطر إلى ~~الفرار من نفسه، ومن الشعور بالتخاذل، والملل والعجز، وهي ~~نتائج لفشله لا مناص منها. ولما كان الإنسان حيا، فلا ~~يسعه إلا أن يرغب في الحياة، والوسيلة الوحيدة التي يستطيع ~~بها أن يفلح في حياته هي استخدام قدرته والإنفاق مما ~~لديه. ~~⋆ # ونستطيع أن نفهم معنى «التفكير المنتج» فهما مبدئيا ~~بالنظر إلى الفرق بين العقل والذكاء. # الذكاء هو أداة الإنسان لبلوغ الأهداف العملية، بقصد ~~الكشف عن تلك الأوجه من الأشياء التي تعتبر معرفتها ~~ضروريا لتناولها. أما الهدف نفسه - أو بعبارة أخرى - ~~المقدمات التي يرتكز عليها التفكير «الذكي» فليست موضع ~~الجدل، وإنما يسلم بها، وقد تكون وقد لا تكون معقولة في حد ~~ذاتها. وهذه الصفة الخاصة التي يتصف بها الذكاء يمكن أن ms152 ~~تشاهد بوضوح في حالة من حالات الشذوذ، وهي حالة المخبول؛ ~~فقد يبدأ تفكيره مثلا بأن الناس جميعا يتآمرون ضده، وهي ~~مقدمة للتفكير خاطئة غير معقولة. ولكن عملياته الفكرية ~~المبنية على هذه المقدمة قد تنم في حد ذاتها عن قدر كبير ~~من الذكاء، وهو في محاولته أن يبرهن على موضوع خبله يربط ~~بين الملاحظات ويكون التراكيب المنطقية، التي كثيرا ما ~~تبلغ من التماسك حدا يتعسر معه التدليل على ما في ~~المقدمة من خطأ عقلي. وتطبيق مجرد الذكاء على مختلف ~~المشكلات لا ينحصر بطبيعة الحال في أمثال هذه الظواهر ~~المرضية. إن أكثر تفكير يتعلق حتما بتحقيق نتائج عملية، ~~يتعلق بأوجه الظواهر الكمية و«السطحية» دون البحث في صحة ~~الأهداف والمقدمات التي تنطوي عليها، ودون محاولة فهم ~~طبيعة الظواهر ونوعها. # أما العقل فينطوي على بعد ثالث، هو العمق الذي يبلغ ~~جواهر الأشياء والعمليات. وإذا كان العقل لا ينفصل عن ~~أهداف الحياة العملية (وسوف أبين فيما بعد بأي معنى ~~يصدق هذا القول) إلا أنه ليس مجرد آلة للعمل المباشر. إن ~~وظيفته هي المعرفة، والفهم، والإدراك، وربط المرء بالأشياء ~~عن طريق إدراكها، وهو ينفذ خلال ظواهر الأمور لكي يكشف عن ~~جواهرها، وعلاقاتها الخفية ومعانيها العميقة و «منطقها». ~~ويمكن أن يقال إن العقل لا يحد ببعدين اثنين، وإنما ~~«يحيط بجميع النواحي» - على حد اصطلاح نيتشه - أي إنه يرى ~~كل الأوجه التي يمكن تصورها ويرى جميع الأبعاد، ولا يقف ~~عند حد ما له صلة عميقة. وليس معنى الاهتمام بجواهر ~~الأمور الاهتمام بشيء «وراء» الأمور، وإنما معناه الاهتمام ~~بالضروري والنوعي والعالمي، وبأعم صفات الظواهر وأشملها، ~~متحررة من أوجهها السطحية والعارضة (التي ليست لها صلة ~~منطقية). ~~⋆ # العقل نعمة الإنسان، وهو أيضا نقمته. إنه يرغمه على أن ~~يكافح إلى ما لا نهاية في سبيل حل مشكلة لا تحل، هي مشكلة ~~الانقسام. والوجود البشري يختلف من هذه الناحية عن جميع ~~الكائنات العضوية الأخرى، فهو في حالة دائمة من حالات عدم ~~التوازن التي لا مفر له منها. إن حياة الإنسان لا يمكن أن ms153 ~~«تعاش» بتكرار نمط نوعه، وإنما ينبغي له «هو» أن يعيش. ~~الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يمكن أن «يمل» ويمكن أن ~~«يسخط»، والذي يمكن أن يشعر بطرده من الجنة. الإنسان هو ~~الحيوان الوحيد الذي يكون وجوده الشخصي مشكلة عليه حلها، ~~وليس بوسعه أن يتحاشاها، إنه لا يستطيع العودة إلى حالة ما ~~قبل البشرية التي سادها الانسجام مع الطبيعة، ولا بد له من ~~مواصلة تطوير عقله حتى يصبح سيد الطبيعة وسيد نفسه. # لقد خلق ظهور العقل عند الإنسان انقساما في نفسه يرغمه ~~على النضال إلى الأبد في سبيل إيجاد حلول جديدة. وإن ~~الحركة الدائمة في تاريخه هي من ضرورات وجود العقل اللازمة ~~التي تدفعه إلى أن ينشئ وأن يطور عالما خاصا به يشعر ~~فيه بالطمأنينة مع نفسه ومع زملائه. وكل مرحلة يبلغها ~~الإنسان تتركه ساخطا متحيرا، وهذه الحيرة عينها تحثه ~~على السير نحو حلول جديدة. ليس عند الإنسان «دافع إلى ~~التقدم» طبيعي، وإنما التناقض في وجوده هو الذي يجعله يسير ~~على الطريق الذي رسمه. لما فقد الإنسان الفردوس، أو فقد ~~وحدته مع الطبيعة، انقلب إلى متجول دائم التجول (أوديسيس، ~~وأوديب، وإبراهيم، وفاوست). واضطر إلى السير قدما بجهد ~~لا يني لكي يجعل المجهول معلوما، يملأ ما في معرفته من ~~فراغ بالإجابات والحلول، لا بد أن يبرر لنفسه نفسه، ومعنى ~~وجوده. وهو مدفوع إلى التغلب على هذا الانقسام الداخلي، ~~يؤرق جنبيه التشوق إلى «التجرد» إلى نوع آخر من الانسجام ~~يزيح عنه النقمة التي فصلته عن الطبيعة، وعن زملائه، وعن ~~نفسه. ~~⋆ ~~(1-5) الإيمان كصفة من صفات الشخصية # ليس الإيمان من الآراء التي تتلاءم مع الجو العقلي الذي ~~يسود العالم في الوقت الحاضر. إن الإنسان يربط عادة بين ~~الإيمان وبين الله والعقائد الدينية؛ على اعتبار أن هذا ~~يتناقض مع التفكير العقلي والتفكير العلمي؛ إذ المفروض أن ~~هذا التفكير يشير إلى مجال الوقائع، الذي يتميز عن المجال ~~الذي يجاوز الوقائع، والذي لا يجد التفكير العلمي له ~~محلا فيه، حيث يسود الإيمان وحده. ويرى كثير من الناس أن ms154 ~~هذا التقسيم اعتباطي لا يمكن الدفاع عنه؛ فإذا كان الإيمان ~~لا يتفق مع التفكير العقلي فلا بد من استبعاده باعتباره ~~بقية بائدة متخلفة من المراحل الأولى للثقافة، ولا بد من ~~أن يحل محله العلم الذي يعالج الوقائع والنظريات التي يمكن ~~فهمها ويمكن التدليل على صحتها. # وهذه النظرة الحديثة إلى الإيمان جاءت بعد نضال طويل ~~المدى ضد سلطة الكنيسة وادعائها حق السيطرة على أي لون من ~~ألوان التفكير؛ ومن ثم فإن الشك فيما يتعلق بالإيمان ~~يرتبط بتقدم العقل نفسه. غير أن هذا الجانب البناء من ~~جوانب الشك الحديث له جانب آخر يقابله، وقد أهمله ~~الناس. # إن إنعام النظر في بناء شخصية الإنسان الحديث والعلاقات ~~الاجتماعية المعاصرة يؤدي بنا إلى أن ندرك أن انعدام ~~الإيمان السائد المنتشر على مدى فسيح لم يعد له الوجه ~~التقدمي الذي كان له منذ أجيال. كان النضال ضد الإيمان في ~~تلك العصور السحيقة نضالا في سبيل التحرر من القيود ~~الروحية، كان نضالا ضد الاعتقاد الذي لا يستند إلى عقل، ~~وكان تعبيرا عن الثقة في عقل الإنسان وفي قدرته على إقامة ~~نظام اجتماعي تحكمه مبادئ الحرية والمساواة والإخاء. أما ~~اليوم فإن انعدام الإيمان إنما هو تعبير عن اليأس ~~والاضطراب الشديد. كان الشك وكان التعليل العقلي في وقت من ~~الأوقات قوى تقدمية تعمل على تطوير الفكر، أما اليوم ~~فهما تبرير لنسبية الفكر وعدم الثقة. وقد أمسى الاعتقاد في ~~أن ازدياد جميع الوقائع سيؤدي حتما إلى معرفة الحقيقة ~~خرافة من الخرافات؛ فالحقيقة نفسها ينظر إليها - في بعض ~~الأنحاء - على أنها صورة ذهنية ميتافيزيقية، وواجب العلم ~~ينحصر في جمع المعارف. إن وراء اليقين العقلي المزعوم ~~شكا عميقا يعد الناس لقبول أية فلسفة تفرض عليهم أو ~~للتوافق مع هذه الفلسفة. # هل يستطيع الإنسان أن يعيش بغير إيمان؟ وهلا ينبغي ~~للرضيع أن «يجد الإيمان في صدر أمه»؟ وهلا ينبغي لنا ~~جميعا أن نؤمن بزملائنا، وبأولئك الذين نحب وبأنفسنا؟ هل ~~نستطيع أن نعيش بغير إيمان في صحة أنماط معينة من الحياة؟ ~~حقا إن الإنسان ms155 بغير إيمان يمسي عقيما، يائسا، خائفا ~~في أعماق نفسه. # إن تاريخ العلم مليء بأمثلة من الإيمان في العقل ورؤية ~~الحق. كان كوبرنكس وكبلر وجاليليو ونيوتن متشبعين بإيمان ~~لا يتزعزع في العقل؛ ومن أجل هذا أحرق برونو، وعانى ~~اسبينوزا من نقمة الكنيسة عليه وحرمانه منها. إن «الإيمان» ~~ضروري في كل خطوة من تخيل الصورة العقلية إلى صياغة ~~النظرية؛ الإيمان بالصورة باعتبارها هدفا سليما من ~~الناحية العقلية تنبغي متابعته، والإيمان بالفرض باعتباره ~~رأيا محتمل الصدق معقولا، والإيمان بالنظرية النهائية، ~~على الأقل، حتى نبلغ مرحلة الإجماع العام في صحتها. إن هذا ~~الإيمان تمتد جذوره إلى خبرة الفرد، وإلى ثقته في قدرته ~~على التفكير، والملاحظة والحكم. وإذا كان الإيمان الذي لا ~~يستند إلى العقل هو قبول أمر من الأمور على اعتبار أنه ~~صادق لسبب واحد فقط، وهو أن سلطة من السلطات - أو أكثرية ~~الناس - تقول به، فإن الإيمان الذي يستند إلى العقل تمتد ~~جذوره إلى العقيدة المستقلة التي تقوم على أساس الملاحظة ~~والتفكير المنتج للفرد. # وليس التفكير والحكم وحدهما هما ميدان التجربة الذي يظهر ~~فيه الإيمان الذي يستند إلى العقل؛ فإن الإيمان - في مجال ~~العلاقات الإنسانية - صفة لا غنى عنها لأية صداقة أو محبة ~~لها أهميتها؛ فإيمانك بشخص ما معناه ثقتك في الاعتماد عليه ~~وفي ثباته على اتجاهاته الأساسية، وثقتك في لب شخصيته. ~~ولست أعني بهذا أن الشخص قد لا يعدل عن آرائه، وإنما ~~أعني أن دوافعه الأساسية تبقى كما هي، وأن تقديره - مثلا ~~- لكرامة الإنسان واحترامه لها جزء من نفسه، لا ينحرف ولا ~~يتغير. # وبنفس هذا المعنى عندنا إيمان بأنفسنا، فنحن على وعي ~~بوجود نفس، بوجود لب في شخصيتنا لا يقبل التغير، ويبقى ~~ثابتا خلال حياتنا برغم تغير الظروف وبغض النظر عن بعض ~~التغيرات التي تتناول الآراء والمشاعر، هذا اللب هو ~~الحقيقة التي تكمن وراء كلمة «أنا»، والتي على أساسها تقوم ~~الثقة في تحقيق الشخصية. وما لم يكن لدينا إيمان في ثبات ~~النفس تزعزع شعورنا بتحقيق ذاتيتنا، وأصبحنا نعتمد على ~~غيرنا من الناس ms156 الذين تصبح عندئذ مصادقتهم أساس شعورنا ~~بإدراك ذواتنا. ولا يستطيع أن يخلص للآخرين إلا من كانت له ~~بنفسه ثقة؛ لأنه وحده يستطيع أن يثق بأنه سوف يكون هو ~~بعينه في المستقبل كما هو اليوم، ومن ثم يحس ويعمل كما ~~يتوقع الآن أن يفعل. إن ثقة المرء بنفسه شرط من شروط ~~قدرتنا على الوعد بأمر ما. وما دام الإنسان - كما أشار ~~نيتشه - يمكن أن يعرف بقدرته على الوعد، كان ذلك شرطا من ~~شروط الوجود البشري. # ومعنى آخر من معاني توافر الإيمان بشخص ما يتعلق بما ~~لدينا من إيمان بإمكانيات الآخرين، وبإمكانياتنا، ~~وإمكانيات البشرية. وأبسط صورة يوجد عليها هذا الإيمان هي ~~الإيمان الذي يتملك الأم إزاء وليدها الجديد، إيمانها بأنه ~~سوف يعيش وينمو ويمشي ويتكلم. ومهما يكن من شيء فإن نمو ~~الطفل بهذا المعنى يحدث بدرجة من الانتظام تجعل توقع ~~حدوثه بغير حاجة إلى الإيمان فيما يبدو. غير أن الأمر ~~يختلف عن ذلك فيما يتعلق بالإمكانيات التي قد لا تنمو، ومن ~~ذلك قدرة الطفل الكامنة على أن يحب، وأن يكون سعيدا، وأن ~~يستخدم عقله، والإمكانيات الأخرى الأخص من هذه مثل المواهب ~~الفنية؛ فهي البذور التي تنمو وتزدهر إذا توافرت لها ~~الظروف الملائمة لنموها ، والتي تذوي إذا لم تتوافر هذه ~~الظروف. ومن أهم هذه الظروف أن يكون عند الأشخاص ذوي ~~الأهمية في حياة الطفل إيمان بهذه الإمكانيات، ووجود هذا ~~الإيمان هو الذي يحدد الفارق بين التربية ومجرد تناول ~~الطفل؛ فالتربية معناها معاونة الطفل على أن يحقق ~~إمكانياته، ونقيض التربية هو مجرد التناول، الذي يرتكز على ~~أساس انعدام الإيمان بنمو الإمكانيات، وعلى الاعتقاد بأن ~~الطفل لا يستقيم إلا إذا زوده الكبار بما يحبون، ومنعوه ~~مما يبدو لهم غير محبوب، وليست بنا حاجة إلى الإيمان ~~بالإنسان الآلي ما دام ليس به حياة. # والإيمان بالآخرين يبلغ ذروته في الإيمان بالجنس البشري. ~~وقد عبر أهل الغرب عن هذا الإيمان بطريقة دينية في ~~العقيدة اليهودية المسيحية، أما من الناحية الدنيوية فقد ~~التمس هذا الإيمان أقوى تعبير له في ms157 الآراء السياسية ~~والاجتماعية التقدمية خلال الأعوام المائة والخمسين ~~الماضية. وهذا الإيمان بالبشرية - كالإيمان بالطفل - يستند ~~إلى الرأي الذي يقول بأن إمكانيات الإنسان مهيأة على ~~صورة تجعلها قادرة على بناء نظام اجتماعي تتحكم فيه مبادئ ~~المساواة والعدالة والمحبة، إذا توافرت لها الظروف ~~الملائمة. ولم يتمم الإنسان بعد بناء مثل هذا النظام ~~الاجتماعي؛ ولذلك فإن الثقة بأنه يستطيع بناءه تحتاج إلى ~~الإيمان. وهذا الإيمان - ككل إيمان عقلي آخر - ليس أمنية ~~من الأماني، ولكنه يقوم على دليل ما أنجزه الجنس البشري في ~~الماضي، وعلى التجربة الباطنية لكل فرد، على ممارسته للعقل ~~والمحبة. # إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير إيمان، والنقطة ~~الهامة لجيلنا وللأجيال القادمة هي: هل يكون هذا الإيمان ~~إيمانا غير معقول بالقادة، والآلهة، والنجاح، أو إيمانا ~~معقولا بالإنسان يستند إلى ممارستنا لنشاطنا المنتج ~~الخاص؟ ~~⋆ # المصادر ~~⋆ # كل ~~المختارات في هذا الفصل مقتطفة من كتاب «الإنسان لنفسه» لإريك ~~فروم. # الجزء الثاني # | مختارات من الفلاسفة الدينيين # الفصل السابع # | جاك ماريتان # (1882م-...) # ظل الفيلسوف الفرنسي جاك ماريتان سنوات عدة شخصية رئيسية في ~~الحركة الاشتراكية الجديدة في القرن العشرين. وقد أدخل عمق العلم ~~ومرونة الخيال على تفسيره لفلسفة القديس توماس أكويناس - وهو موضوع ~~حاضر فيه في جامعات العالم الغربي كله؛ في لوفان وجنيف وفريبورج ~~وميلان وأكسفورد وسانتاندر، وجامعات شيكاغو وبرنستون وكولومبيا ~~وأنجليكام بروما ومعهد دراسات العصور الوسطى في تورنتو وكندا. غير ~~أن «ما يسترعي النظر فيه ليس شرحه لمبادئ توماس، وإنما قدرته على ~~النمو العقلي المستمر» كما قال ناقد صديق له. وقد شغل ماريتان نفسه ~~بجميع التيارات الفكرية والروحية في العالم المعاصر، كما يتبين من ~~كتاباته في المنطق الصوري، ونظرية المعرفة، وتاريخ الفلسفة، والفن، ~~وعلم الجمال، ونظرية الدولة، وبخاصة في العلاقة بين المسيحية ~~والديمقراطية، والتربية، وفي الأمور الحيوية في زماننا مثل ~~النازية، والحركة المناهضة للسامية، والحرب والسلم. وفي كثير من ~~تفكيره نراه وثيق الصلة بمبادئ الفردية والبشرية. وقد كتب بحرارة ~~في «الحرية في العالم الحديث» دون أن يخفف من اعتقاده بأن «إقحام ~~المسيحية وحقائق الكتاب المقدس ms158 في قلب الحياة الاجتماعية ~~والثقافية، أمر لا غنى عنه لتحقق الإنسانية أغراضها، ولتبلغ ~~الحضارة أوج كمالها.» # ولما كانت لماريتان مكانة ممتازة كممثل للكاثوليكية الحديثة، ~~فقل من الناس من يدرك أنه كان يؤمن بغيرها وتحول إليها. ولد جاك ~~ماريتان في الثامن عشر من شهر نوفمبر من عام 1882م في أسرة يحتفظ ~~بيتها بجو البروتستانتية الحرة. وقد أصبحت أمه الكاثوليكية ~~بالميلاد بروتستانتية عندما تزوج أبوها للمرة الثانية بعد وفاة ~~أمها. واعتنق دين زوجته الجديدة البروتستانتي. وقد تلقى جاك ~~ماريتان تعليمه بالسوربون، والظاهر أنه كان شديد السخط على الفلسفة ~~الأكاديمية المتشككة شيئا ما، وعلى العلم المادي الذي كان يعلم ~~هناك. وكان تلميذا للمرحوم هنري برجسن، فقبل فلسفة اللقانة، التي ~~وصفها بعد سنوات بأنها «فلسفة غير معقولة للحركة الصافية». وفي ~~خلال دراسته بالسوربون التقى بطالبة زميلة، هي رائسا أومانكوف، وهي ~~مهاجرة روسية يهودية، تزوج منها في عام 1904م، وواصل الزوجان ~~الشابان - وهما طالبان للفلسفة محترفان - بحثهما عن «المطلق»، ~~الذي وجداه في النهاية لا في الفلسفة ذاتها، ولكن في الدين، تحت ~~تأثير حماسة الإيمان عند ليون بلوي وشارلزبجي. وفي يونيو من عام ~~1908م تعمد جاك ورائسا ماريتان في الكنيسة الكاثوليكية، وهو ~~تحول صدم أسرتيهما، غير أن التوفيق بينهما وبين أسرتيهما قد تم ~~بمرور الزمن. # وقضى ماريتان بعض الوقت في دراسة مركزة لكتاب «سوما ثيولوجيا» ~~للقديس توماس تحت إشراف الأب كليريساك الدومنيكي بفرساي. وكثير من ~~كتبه الأولى، مثل «مناهضة الروح العصرية» الذي نشر في عام 1922م ~~و«ثلاثة مصلحون» الذي صدر في عام 1928م، تعضد في صراحة إحياء مذهب ~~توماس في العلم الحديث. ولكن ماريتان اكتسب من النقاد إعجابا ~~أشد بكتبه التي جاءت بعد ذلك، مثل «الفن والمذهب المدرسي، ~~والمسيحية والديمقراطية، والإنسانية الصحيحة، وحقوق الإنسان ~~والقانون الطبيعي، والإنسان والدولة، ومدى العقل». وقد تعاونت ~~رائسا ماريتان - وهي كاتبة وشاعرة - مع زوجها في تأليف كتاب ~~«الصلاة والذكاء». وفي أخريات العقد الخامس من القرن العشرين، كان ~~ماريتان سفيرا فرنسيا بالفاتيكان لدى البلاط المقدس. وكذلك قضى ~~بعض الوقت يكتب في أمريكا ms159 بمعهد برنستون للدراسات العليا. # ويعزى إلى ماريتان أنه بشر بموجة من التحول نحو الكاثوليكية ~~بين المثقفين في الغرب، وبخاصة في ميدان الفنون. وحتى حينما لا ~~يتسبب في التحول كان تأثيره محسوسا، كما يتبين من تعليق ت. س. ~~إليوت الذي قال فيه: «إنه يرى أن ماريتان هو أقوى دافع في الفلسفة ~~المعاصرة.» ~~(1) الإنسانية التي تدور حول الدين # جاك ماريتان ~~(1-1) حاجتنا في الوقت الحاضر إلى التوفيق بين العلم ~~والحكمة # إن حلول عصر الذرة قد أظهر للعالم فجأة الجانب الخطير ~~من هذه المشكلة. ولم يعد الإنسان يعتقد أن العلم والمهارات ~~الفنية تستطيع وحدها أن تكفل تقدم الجنس البشري وسعادته، ~~بل إنه ليفزع حين يرى الخراب والكوارث التي يمكن أن يسببها ~~العلم والمهارات الفنية. ورجال العلم يراجعون أنفسهم، ولا ~~بد لنا أن ننظر بالتقدير العميق - محاولين في إخلاص أن ~~ندرك مدى تأثير المأساة التي تهددنا - إلى الذعر الذي ~~ينتاب عالما نابغا مثل ألبرت أينشتين. # ولا يكفي أن نوجه نظر الشعوب إلى الكوارث المدمرة ~~للعالم بأسره التي قد تؤدي إليها المكتشفات الحديثة في ~~علم الطبيعة إذا ما وقع نزاع مسلح آخر؛ فإن الخوف لا يكفي ~~لأنه يجعل الناس عقلاء، كما لا يكفي أن نقول لهم إن هذه ~~المكتشفات عينها - إذا استخدمت في أغراض السلم - قد تفتح ~~مجالات لم يحدث مثلها من قبل لرفاهية الجنس البشري ~~وحريته؛ فإن الاحتمال لا يكفي لإيجاد السعادة، وإن ما ~~نريده من الذكاء البشري هو أن يدرك أننا قد أقبلنا على عصر ~~حاسم في تاريخنا، أقبلنا على فترة يجب - مهما كلفنا ~~الأمر - أن تخضع للعقل فيها أدوات القوة الضخمة، التي ~~حصلنا عليها بالسيطرة العلمية على المادة، وذلك بالتغلب ~~على الشهوة الجامحة التي تتملك الإنسان وتدفعه إلى طريق ~~غير طريق العقل، وبخاصة في وجوده الجماعي. ومن الضروري ~~أيضا أن ندرك أن هناك سلطات باطنية متدرجة وعلاقات ~~متبادلة حيوية بين فضائل النفس البشرية؛ فبينما يعالج ~~العلم في مجاله «الوسائل»، فإن مجال «الغايات» يتعلق بشيء ~~ليس بالعلم، ولا يطابقه، نسميه الحكمة. ولن نأمل ms160 في ~~السلام، أو الحرية، أو الكرامة، في عالم الغد، ما دام ~~العلم والحكمة في مؤسسات الحضارة وفي وعي الناس (بل وفي ~~وعي العلماء أنفسهم) لا يتفقان، وما دامت تطبيقات العلم ~~العملية لا تخضع خضوعا تاما لإرادة خلقية صحيحة ~~وللغايات الحقيقية لحياة الإنسان. لقد انقضى عهد كنا ~~نتوقع فيه أن يحل العلم المشكلات الخلقية والميتافيزيقية ~~والدينية، أو أن يستغني عنها؛ حينئذ كنا نعتمد على ~~العلماء لكي يقيموا في يوم من الأيام السلطة الروحية التي ~~تقود البشرية نحو الأوجه اليانعة من التقدم الذي لا بد ~~منه. أما اليوم فعلينا أن ندافع عن العلم ضد أولئك الذين ~~يتهمونه الآن - بغير حق - بالإفلاس، بعدما طلبوا منه أكثر ~~مما يستطيع أن يعطي، فحادوا عن جادة الحق. ونرى رجال العلم ~~- من ناحية أخرى - مشتغلين بتحليل باطني لأنفسهم، يتساءلون ~~فيه عن العلاقة بين ضميرهم كرجال وبين ما يمكن أن يستخدم ~~فيه علمهم كعلماء، ونستطيع أن نراهم وقد حاق بهم الخطر من ~~معاملة الدول لهم كمجرد خامات صناعية لها قيمة خاصة تعزى ~~إلى إنتاجهم الذي يخرج على صورة المكتشفات. وإذن فهي ~~كرامة العلم ذاته وكرامة العالم التي تتعرض للخطر. ومن أجل ~~الإبقاء على هذه الكرامة والاحتفاظ بها، ومن أجل التطبيقات ~~المباشرة للعلم في اتجاه رفاهية العالم لا في اتجاه دماره، ~~من أجل ذلك يجد الإنسان نفسه بحاجة إلى تجديد قوي عنيف في ~~تنمية جانب الحكمة فيه، وبحاجة إلى إعادة إدخال الحقائق ~~الخلقية والميتافيزيقية والدينية في ثقافته، وبحاجة إلى ~~ذلك التوفيق بين العلم والحكمة الذي أشرت إليه فيما ~~سبق. # 1 ~~(1-2) فشل المدنية الدنيوية # إن العملية الضخمة، عملية تحول الرجل المسيحي إلى ~~إنسان دنيوي، قد عادت على كل ما في العالم بنتائج باهرة، ~~إلا الإنسان نفسه؛ فقد انقلبت الأمور إلى الأسوأ فيما ~~يتعلق بالإنسان ذاته، وليس في هذا ما يدعو إلى ~~العجب. # إن عملية تحويل الرجل المسيحي إلى رجل دنيوي تتعلق فوق ~~كل شيء بفكرة الإنسان وبفلسفة الحياة التي تطورت في العصر ~~الحديث. حدث في واقع التاريخ البشري الملموس ms161 نمو في نفس ~~الوقت الذي تمت فيه انتصارات إنسانية كبرى؛ نظرا لسير ~~المدنية الطبيعي، وللدافع البدائي، والدافع الإنجيلي، نحو ~~المثل الديمقراطي. وقد بقيت مدنية القرن التاسع عشر على ~~الأقل مسيحية في مبادئها الحقيقية رغم نسيان هذه المبادئ ~~أو إهمالها، وذلك في الآثار العلمانية لما تصوره هذه ~~المدنية في حياة الإنسان وفي الحضارة، في الحرية الدينية ~~التي احتفظت بها طوعا أو كرها، بالرغم من أن هذه الحرية ~~ربما انحرفت في بعض الأحيان وفي بعض البلدان، بل وفي نفس ~~الاهتمام بالعقل وعظمة الإنسان التي استخدمها المفكرون ~~الأحرار سلاحا ضد المسيحية، وأخيرا في الشعور الدنيوي ~~الذي أوحى بتقدمها الاجتماعي والسياسي، وبآمالها الكبرى، ~~بالرغم من مذهبية خاطئة. # ولكن الشقة قد ازدادت بعدا بين السلوك الحقيقي في ~~هذا العالم المسيحي الدنيوي وبين المبادئ الخلقية والروحية ~~التي أكسبته معناه ومنطقه الذاتي، والتي أراد أن ينكرها؛ ~~ومن ثم فإن هذا العالم يبدو كأنه خلو من مبادئه، وهو يميل ~~إلى أن يصبح عالم ألفاظ - عالما اسميا - أو عجينة بغير ~~خميرة. وهو يعيش ويحتمل العيش بالعادة وبالقوة التي ~~اكتسبها من الماضي لا بقوته الذاتية، ويندفع بقوة عكسية لا ~~بقوة باطنية متحركة. وهو عالم نفعي، قاعدته العليا هي ~~المنفعة، ولكن المنفعة - وهي ليست وسيلة نحو هدف - ليس من ~~ورائها جدوى. وهو عالم رأسمالي بمعنى هذه الكلمة في القرن ~~التاسع عشر (وهو المعنى الحقيقي قبل أن يحرف). وقد ~~مكنت المدنية الرأسمالية القوى الابتكارية لدى الفرد من ~~تحقيق انتصارات ضخمة على الطبيعة المادية. غير أن إنسان ~~هذا العصر - كما لاحظ ورنر سمبارت - لا يستهدف جواهر ~~الأمور، ولا يشعر بالمحبة؛ أي إنه فقد الإحساس ب «الوجود»؛ ~~لأنه عاش في الرموز وبالرموز، كما فقد الإحساس ب «المحبة» ~~لأنه لم يستمتع بحياة الفرد الذي يعيش مع غيره من الأفراد، ~~ولكنه جاهد جهادا شاقا في سبيل الثراء من أجل ~~الثراء. # وبالرغم من المذهبية الخاطئة التي وضعت، والصورة ~~المشوهة للإنسان التي ترتبط بها، فإن حضارتنا تحمل في ~~صلب مادتها الميراث المقدس للقيم الإنسانية والسماوية ~~الذي يعتمد على ms162 نضال أسلافنا في سبيل الحرية، وعلى أساس ~~التقاليد اليهودية المسيحية، وعلى القديم الكلاسيكي؛ تلك ~~القيم التي هبطت في كفايتها بدرجة مؤلمة، ولكنها لم تتقوض ~~البتة في مضمونها الكامن. # وأشد الظواهر إزعاجا في الأزمة الحاضرة هو أننا - برغم ~~اشتغالنا بنضال مميت في سبيل الدفاع عن هذه القيم - ~~كثيرا ما نفقد الإيمان والثقة في المبادئ التي يقوم على ~~أساسها ما ندافع عنه؛ وذلك لأننا نسينا في أكثر الأحيان ~~المبادئ الصادقة المعتمدة، ولأننا في الوقت ذاته نشعر - ~~ونحن واعون إلى حد كبير - بضعف الآراء السطحية التي تفترس ~~هذه المبادئ افتراسا كالطفيليات التي تعلق ~~بالأجسام. # 2 ~~(1-3) صورة الحضارة المسيحية الجديدة # إن عصر العالم المسيحي الجديد - إذا حل - سيكون عصر ~~التوفيق بين ما كان قد تفكك، عصر حضارة مسيحية «دنيوية»، ~~عصرا تمارس فيه الأمور الدنيوية، والتفكير الفلسفي ~~والعلمي، والمجتمع المدني، استقلالها الذاتي، وتدرك فيه - ~~مع ذلك - الدور الملهب الإيحائي الذي تقوم فيه الأمور ~~الروحانية، والعقيدة الدينية، والكنيسة، من مستواها ~~الرفيع؛ عندئذ سوف تقوم فلسفة مسيحية للحياة مجتمعا ~~مسيحيا حقا لا ظاهرا، مجتمعا تتوافر فيه حقوق ~~الإنسان وكرامة الفرد، مجتمعا يقوم فيه بأداء واجب دنيوي ~~مشترك، يدعو إلى الإنسانية وإلى التقدم، قوم ينتمون إلى ~~أصول عنصرية مختلفة، وإلى مواريث روحانية متباينة. # وإذا تعمقت التحليل قلت إن الأزمنة الحديثة منذ نهاية ~~العصور الوسطى - وهي لحظة أحس فيها المخلوق البشري وهو ~~يتنبه لذاته بأنه مظلوم مسحوق في وحدته - أخذت تتطلع إلى ~~استرداد كرامة المخلوق البشري. وقد بحثت هذه الأزمنة ~~الحديثة عن رد اعتبار الإنسان في انفصاله عن الله، وكان ~~ينبغي أن تبحث عنه في صلته بالله؛ فالمخلوق البشري يزعم ~~لنفسه الحق في أن يحب، ولا يمكن أن يحب حبا حقيقيا ~~مثمرا إلا في هذه الصلة بالله. ويجب أن يحترم هذا ~~المخلوق لعلاقته بالله، ولأنه يتلقى كل شيء - وكرامته ~~ذاتها - من الله. وبعدما زال الوهم الكبير في «الإنسانية ~~المركزة في الإنسان»، وبعد التجربة القاسية في مناهضة ~~الإنسانية في الوقت الحاضر، فإن ما يحتاج إليه العلم هو ~~إنسانية جديدة، ms163 إنسانية «مدارها الدين»، أو إنسانية ~~متكاملة تنظر إلى الإنسان في كل جلاله وكل ضعفه الطبيعي، ~~وفي كيانه الناقص الذي يحل به الإله، وفي حقيقة الطبيعة ~~الكاملة، وفي إثمه، وفي قداسته. مثل هذه الإنسانية تعترف ~~بكل ما لا ينطبق على العقل في الإنسان، بقصد أن ترده إلى ~~العقل، وتعترف بكل ما يتجاوز العقل، لكي تبث به الحياة ~~في العقل، ولكي تهيئ الإنسان لكي يحل فيه القدس. إن العمل ~~الأساسي لهذه الإنسانية الجديدة هو أن تجعل روح الإنجيل ~~ووحيه يتخللان مؤسسات الحياة الدنيوية - وهو عمل يهدف إلى ~~تقديس النظام الدنيوي. # و«إنسانية التجسيد» هذه تهتم بالجموع البشرية، وبحقهم في ~~ظروف دنيوية جديرة بالإنسان وبالحياة الروحية، وبالحركة ~~التي تسير بالعمل نحو مسئوليته الاجتماعية عن إبلاغ هذا ~~العمل مرحلة الرشد، هذه الإنسانية تميل إلى أن تستبدل ~~بالمدنية المادية الفردية، وبالنظام الاقتصادي الذي يقوم ~~على أساس وفرة المال، لا اقتصادا جماعيا، بل ديمقراطية ~~مسيحية تعترف بالفرد. وهذا الواجب ينضم إلى الجهد الحاسم ~~الذي يبذل اليوم لحماية الحرية من اعتداء حكم الاستبداد! ~~وإلى عمل آخر مواز يستهدف إعادة البناء ولا يحتاج إلى ~~حماسة أقل، وهو ينضم أيضا إلى يقظة تامة للضمير الديني. ~~إن من أسوأ أمراض العالم الحديث ثنائيته، أو الفصل بين ما ~~لله وما للدنيا، لقد ترك ما للدنيا أو ما يتعلق بالحياة ~~الاجتماعية الاقتصادية السياسية لقانونه المادي الشهواني، ~~بعيدا عن مقتضيات الكتاب المقدس؛ فكانت النتيجة أن العيش ~~في هذه الحالة قد اشتدت استحالته، وفي الوقت ذاته أمست في ~~هذا الصدد الأخلاق المسيحية - التي لم تتخلل فعلا الحياة ~~الاجتماعية للناس - عالما من القواعد الرمزية والألفاظ، ~~لا في حد ذاتها، ولا في الكنيسة وحدها، وإنما في العالم ~~الدنيوي، وفي السلوك الاجتماعي العام. وهذا العالم من ~~القواعد والألفاظ قد أضحى في الواقع خاضعا في السلوك ~~العملي الاجتماعي للطاقات الحقيقية لهذا العالم الدنيوي ~~ذاته الذي انفصل وجوديا عن المسيح. # والمدنية الحديثة - فوق هذا - التي تدفع اليوم الثمن ~~غاليا للماضي، تبدو كأنها تندفع بالتناقض الذاتي ~~واللزوميات العمياء التي عانت منها، ms164 نحو صيغ متباينة من ~~البؤس والمادية المركزة. ولكي نرتفع فوق هذه اللزوميات ~~العمياء نحتاج إلى إيقاظ الحرية وإيقاظ قواها الخلاقة، ~~التي لا يكون الإنسان جديرا بها بفضل الدولة أو بفضل أي ~~لون من ألوان التربية الحزبية، وإنما بفضل الحب الذي يثبت ~~مركز حياته إلى الأبد فوق العالم وفوق التاريخ الدنيوي. ~~وأود أن أشير خاصة إلى أن روح الوثنية العامة التي ~~تخللت حضارتنا أدت إلى أن يضع الإنسان أمله في القوة ~~وحدها وفي قدرة الكراهية، في حين أن المثل الأعلى السياسي ~~للعدالة والصداقة المدنية - التي تحتاج إلى قوة سياسية ~~وإعداد فني، ولكنها تستوحي المحبة - في نظر الإنسانية ~~المتكاملة، هذا المثل الأعلى هو وحده الذي يستطيع أن يوجه ~~عمل الإحياء ~~الاجتماعي. # 3 ~~(1-4) الكاثوليكية والعقيدة الديمقراطية # فيما يتعلق بالديمقراطية التي ترد إليها الحياة والتي ~~نتطلع إليها، أرى أن الحل الوحيد هو من النوع «المتعدد». ~~يستطيع الناس الذين ينتمون إلى مذاهب وأصول فلسفية ودينية ~~مختلفة جدا أن يتعاونوا في الواجب المشترك، ومن أجل ~~الرفاهية المشتركة للمجتمع الدنيوي يستطيعون ذلك، بل ينبغي ~~لهم ذلك، بشرط موافقتهم على صورة واحدة من صور المجتمع ~~الذي يتألف من أفراد أحرار، وعلى ما لهذا المجتمع من حقوق ~~أساسية؛ لأن مجتمع الأفراد الأحرار يتضمن ميثاقا ضروريا ~~وحقوقا أساسية هي من صميم وجوده، ومن واجبه أن يدافع عنها ~~وأن يعمل على تقدمها. ومن أخطاء التفاؤل بالفردية الاعتقاد ~~بأن «الحق» في المجتمع الحر، الحق الذي يتعلق بأسس الحياة ~~المدنية، كما يتعلق بالقرارات وطرائق السلوك التي تلائم ~~الكرامة الإنسانية والحرية الإنسانية، الاعتقاد بأن هذا ~~الحق يصدر تلقائيا عن التنازع بين القوى والآراء الفردية ~~التي تفترض فيها الحصانة ضد أي اتجاه لا يطابق العقل أو ~~ضغط يؤدي إلى التفكك. وموضع الخطأ هو تصور المجتمع الحر ~~شبيها بحلقة الملاكمة التي يتوافر فيها «الحياد» التام، ~~فيكون حلقة تلتقي فيها كل الآراء الممكنة عن المجتمع ~~وقواعد الحياة الاجتماعية، وتتصارع في سبيل الفوز، دون أن ~~تهتم السلطة السياسية بالقيام على رعاية أية ظروف مشتركة ~~أو وحي عام؛ ms165 ومن ثم فإن المجتمع الديمقراطي - في مسلكه ~~الملموس - لم تكن له «صورة ذهنية» خاصة به، والحرية - وهي ~~منزوعة السلاح مشلولة - تعرضت لما قام به أعداؤها، الذين ~~حاولوا بكل الوسائل أن يثيروا في الناس رغبة دنيئة في أن ~~يتحرروا من الحرية. # وإذا أردنا أن نتغلب على الاتجاهات الاستبدادية والإخلاص ~~لرسالتها، فلا بد أن تكون للديمقراطية المتجددة صورتها ~~الذهنية عن الإنسان وعن المجتمع، وأن تكون لها فلسفتها، ~~وعقيدتها، التي تمكنها من تربية الناس على الحرية، كما ~~تمكنها من الدفاع عن نفسها ضد أولئك الذين يودون أن ~~يستخدموا الحريات الديمقراطية في تحطيم الحرية والحقوق ~~الإنسانية. ولا يستطيع أي مجتمع من المجتمعات أن يعيش دون ~~وحي عام أساسي وإيمان عام أساسي. # والنقطة الهامة التي يجب التنبيه إليها هنا هي أن هذا ~~الإيمان وهذا الوحي وهذه الفلسفة وهذه الصورة الذهنية عن ~~الديمقراطية التي تحتاج إليها الديمقراطية، كل ذلك لا ~~يتعلق في حد ذاته بناحية المذهب الديني والحياة الأبدية، ~~وإنما يتعلق بالناحية الدنيوية أو العلمانية من الحياة فوق ~~هذه الأرض، كما يتعلق بالثقافة والحضارة، بل إنها أمور ذات ~~صبغة «عملية» أكثر منها ذات صبغة نظرية أو عقائدية، أقصد ~~أنها تعالج المعتقدات العملية التي يستطيع العقل البشري أن ~~يحاول تبريرها - حقا أو باطلا - من وجهات نظر فلسفية جد ~~مغايرة ، بل ومتنازعة متصارعة. ويرجع ذلك على الأرجح إلى ~~أنها تعتمد أساسا على مدركات بسيطة «طبيعية»، يكون القلب ~~البشري قمينا بها بتقدم الضمير الخلقي؛ ومن ثم يمكن ~~للأفراد الذين يعتنقون آراء دينية وميتافيزيقية مختلفة، ~~بل ومتضاربة، أن يلتئموا، لا بفضل تماثل المذاهب، ولكن ~~بفضل تجانس متشابه في المبادئ العملية، ليتجهوا نحو ~~النتائج العملية بعينها، كما يستطيعون أن يشتركوا في نفس ~~العقيدة الديمقراطية العملية، بشرط أن يتفقوا على تقديس ~~الحق والعقل، والكرامة الإنسانية، والحرية، والمحبة ~~الأخوية، والقيمة المطلقة للخير الخلقي، حتى إن كان هذا ~~الاتفاق لأسباب جد مختلفة. # وهنا - إن أردنا أن نكون ناقدين في تفكيرنا ولا نخشى ~~الألفاظ - ينبغي لنا أن ننبه إلى أنه حيثما تكن العقيدة - ~~المقدسة أو ms166 البشرية - لا بد أن يكون هناك أيضا الزنادقة ~~الذين يهددون وحدة المجتمع، الدينية أو المدنية. والزنديق ~~في المجتمع «المقدس» هو الذي يخرج على الوحدة الدينية. ~~أما في مجتمع الأفراد الأحرار الدنيوي، فالزنديق هو الذي ~~يخرج على «المعتقدات والسلوك الديمقراطي العام»، هو الحاكم ~~المستبد، هو الذي ينكر الحرية - حرية جاره - وكرامة الفرد ~~الإنساني، والقوة المعنوية للقانون. ولا نريد أن نحكم على ~~مثل هذا الرجل بالإحراق، أو بالإبعاد عن المدنية، أو ~~بالحرمان من حماية القانون، أو بالحبس في المعسكرات. ولكن ~~المجتمع الديمقراطي لا بد أن يحمي نفسه منه بإبعاده عن ~~قيادته، عن طريق رأي عام قوي مستنير، بل وعن طريق تسليمه ~~للعدالة حينما يعرض نشاطه أمن الدولة للخطر، وفوق هذا كله ~~لا بد للمجتمع الديمقراطي أن يحمي نفسه منه ببث وتعزيز ~~فلسفة للحياة، ومعتقدات فكرية، وعمل بناء، لا يجعل ~~لنفوذه أثرا. # 4 ~~(1-5) لكي نخدم واجب السلام # إذا كنا نود أن نمهد لعمل السلام في أذهان الناس وفي ~~وعي الأمم، فلن يكون ذلك إلا إذا اقتنعت العقول بشدة بمثل ~~المبادئ الآتية: إن السياسة الطيبة هي أولا وقبل كل شيء ~~السياسة العادلة. على كل شعب أن يجاهد لكي يفهم نفسية ~~الشعوب الأخرى، وتطورها وتقاليدها، وحاجاتها المادية ~~والمعنوية، وكرامتها الصحيحة ودورها التاريخي؛ لأن كل شعب ~~لا ينبغي له أن يتطلع إلى مصلحته فقط، بل إلى الصالح العام ~~لمجموعة الأمم كذلك. وهذا التنبه إلى التفاهم المتبادل ~~وإلى الحس بالجماعة المتحضرة يسد الحاجات التي تتطلبها ~~الضرورات الطارئة في عالم سيكون حتما منذ اليوم موحدا، ~~بالرغم من أنه ما زال مقسما تقسيما قاتلا من حيث ~~الأهواء والمصالح السياسية، يسد هذه الحاجات بالرغم من ~~افتراض وجود نوع من الثورة الروحية (على أساس العادات ~~القديمة للتاريخ البشري). إن وضع المصلحة القومية فوق كل ~~شيء آخر وسيلة مؤكدة لفقدان كل شيء. إن مجتمع الأحرار لا ~~يمكن تصوره إلا إذا اعترف بأن الصدق هو التعبير عما هو ~~كائن، والصواب هو التعبير عما هو عادل، وليس هو التعبير ~~عما هو لازم في ms167 وقت معين لمصلحة المجموعة البشرية. لا يجوز ~~أن نقضي على حياة الرجل البريء لأنه أمسى عبئا باهظا لا ~~فائدة منه لأمته، أو لأنه يقف في سبيل الأعمال الناجحة ~~لأية مجموعة مهما تكن. إن كل فرد من الناس لديه من الكرامة ~~ما يفترضه صالح الجماعة نفسه، وينبغي لمصلحة الجماعة ذاتها ~~أن تحترم هذه الكرامة، وله كذلك حقوق أساسية معينة وعليه ~~واجبات معينة، باعتباره مدنيا، أو باعتباره شخصا ~~اجتماعيا أو عاملا. الصالح العام يسبق الصالح الخاص. إن ~~دنيا العمل لها الحق في الإصلاح الاجتماعي الذي يقتضيه نمو ~~العمل في التاريخ البشري، وللجماهير حق الإسهام في الثورة ~~الثقافية والروحية العامة. إن مجال الضمائر حرم لا ينتهك. ~~من واجب الدولة من أجل الصالح العام أن تحترم الحرية ~~الدينية كما تحترم حرية البحث. إن المساواة الأساسية بين ~~الناس تجعل التعصب العنصري، والطبقي، والطائفي، والتمييز ~~العنصري، جرائم ترتكب في حق الطبيعة البشرية وكرامة ~~الفرد، كما تجعله تهديدا قويا للسلام. # إذا أردنا أن نثبت دعائم السلام الذي يكون جديرا باسم ~~السلام، مكينا دائما، في يوم من الأيام بين شعوب العالم، ~~فإن ذلك لا يتوقف على التنظيم الاقتصادي والسياسي والمالي ~~الذي يرتئيه رجال السياسة ورجال الدولة، ولا يتوقف فقط على ~~إنشاء مؤسسة تتجاوز حقا حدود القوميات وتربط بينها على ~~أساس شرعي، مؤسسة مزودة بالوسائل الفعالة للتنفيذ، لا ~~يتوقف على هذا أو ذاك فحسب، وإنما يتوقف أيضا على وعي ~~الناس وعيا تاما لمبادئ عملية مثل التي ذكرت، والتزامهم ~~بها. # ويتوقف أيضا - إذا أخذنا الأمور على علاتها - على ذلك ~~«الروح الأكبر» الذي يحتاج إليه عالمنا بعدما أصبح - كما ~~قال برجسن - أضخم من الناحية التكنولوجية، ويتوقف أيضا ~~على تدفق ظافر لتلك الطاقة الحرة السامية التي تهبط علينا ~~من عل، والتي نعرفها بالمحبة الأخوية - مهما تكن تبعيتنا ~~الدينية أو مذهبنا الفكري - وهو تعريف عبرت عنه الكتب ~~السماوية بأسلوب هز ضمير الإنسان في جميع ~~العصور. # 5 ~~(1-6) الإيمان الذي نعيش به # هل هناك إيمان نعيش به؟ هذا هو موضوع السؤال الذي طلب ~~إلي ms168 أن أجيب عنه منذ بضع سنوات. وإني لأشك في أن هذه ~~الصيغة من الألفاظ تعرض المشكلة عرضا ملائما. ما هو ~~الضروري؟ ما الذي نحتاج إليه أشد الحاجة؟ هل هو إيمان نعيش ~~به، أو إيمان نعيش له، إيمان نعيش ونموت في سبيله؟! لما ~~كانت حياتنا ذاتها في خطر، فنحن مضطرون إلى أن نعيد الكشف ~~عن إيمان نعيش له ونموت في سبيله. # في تصور الكثيرين من معاصرينا أن الإيمان - الإيمان الذي ~~نعيش به - هو أبعد من أن يعرف بحقيقة ذاتية لا تقبل الجدل، ~~تسمو على الإنسان وعلى الحياة الإنسانية، فهو مجرد شيء ~~يقاس بالشعور الإنساني أو بالحاجات الإنسانية، يستهدف ~~طمأنينة النظام العقلي والاجتماعي لحياة الإنسان، وتأمين ~~الإنسان، وهو يتملك الأرض ويسود الطبيعة. ولقد بات الإيمان ~~بالله تدريجا لعدد كبير من الناس - منذ عهد ديكارت وجون ~~لوك إلى الوقت الحاضر - نوعا من الإيمان يعيشون به. وفي ~~نهاية الأمر تحول الشعور الديني إلى مجال الحياة ~~الإنسانية. إن أسلافنا تعهدوا بالقيام ببحث جريء مستنير ~~ثابت عن إيمان يعيشون به، هو الإيمان بالإنسان، تعهدوا ~~بهذا البحث وتابعوه في أمل ليس له حد. وهذا الإيمان بدا - ~~خلال بعض الأجيال - شديدا قويا، وأدى أعمالا رائعة وإن ~~تكن قابلة للتدهور. والحقيقة الواقعة هي أننا فقدنا ~~الإيمان بالإنسان. # وما نسميه اليوم الوجودية الملحدة هو أقوى مظاهر هذه ~~الحقيقة. كانت وجودية كركجارد هي الشعور بالإيمان الذي ~~يبحث عن الحقيقة التي يشق إدراكها ولا يمكن التعبير ~~عنها. وحتى وجودية هيدجر تبحث عن لغز الوجود عن طريق ~~الشعور الأليم بالعدم. ولكن الوجودية الملحدة، التي بشر ~~بها في السنوات الأخيرة كتاب لم يكونوا سوى مرايا صادقة ~~لعصرهم، لا تعكس ما يلاقيه الإنسان من ألم وهو يواجه ~~العدم، وإنما تعكس تشوق الإنسان إلى العدم وتصرح به. ~~إنها تعبر عن الميل إلى إنهاء الوجود والرغبة فيه. غير أن ~~هذا أمر مستحيل؛ لأن التشوق إلى العدم مع الحكم على ~~الإنسان بالوجود معناه أن يتخلى المرء عن نفسه. والشيوعية ~~- وهي الوجه الأخير من أوجه المذهب العقلي الذي يجعل ms169 ~~الإنسان مداره - تعلن في الواقع إيمانها بالإنسان، وتزعم ~~أنها آخر أمل في النظرة المتفائلة. ولكن تفاؤلها هو تفاؤل ~~طاقات المادة والحيل الفنية الجبارة التي تفرض سلطانها. ~~والإنسان فيها يخضع خضوعا تاما لحكم التاريخ مجسدا ~~في فئة اجتماعية. نعم إنها إيمان بالإنسان، ولكن في أي نوع ~~من أنواع الإنسان؟ في الإنسان الجماعي الذي يحرم الفرد ~~حرية العقل، ويتحول إلى إله زائف صادر عن تطور المادة ~~ومناقضات التاريخ؛ وبذلك نضحي بالإنسان الحقيقي، بالشخص ~~البشري، في سبيل عبادة وثنية قاتلة لعظمة الإنسان. # وهنا نتساءل: هل اليأس له الكلمة الأخيرة؟ وهل نحن ~~محاطون بالمأساة من كل جانب؟ # الواقع أن العقل يقتضينا أن نؤمن بالإنسان. والآن دعنا ~~نترك عالم الإنسان الحالي وننظر في عالم الطبيعة؛ أعني أن ~~نحدق فيها بالنظر المبسط الذي يخلو من التعقيد. إننا نجد ~~أن السلام السحيق الذي يتجاوز حدود الفرد، والذي ليس منه ~~مهرب - وهو أساس الخير وقوى الوجود العالمية - نجد أن هذا ~~السلام يتخلل الطبيعة في أعماقها، بالرغم من ذيوع قانون ~~النضال والصراع. والإنسان - كجزء من الطبيعة - لديه جوهر ~~طيب في حد ذاته. إننا نرى أن تطور الكون هو عبارة عن حركة ~~دائبة - بالرغم من انحرافها باستمرار - نحو صور أسمى من ~~الحياة والوعي، حركة تنتهي بالفوز النهائي للنوع البشري، ~~حركة تسيرها حرية الإنسان، في حدود إمكانياته البشرية، كما ~~نرى أن التقدم البطيء الأليم للجنس البشري - منذ عهد إنسان ~~الكهف - يدل على وجود طاقات عند الإنسان تجعل أي ازدراء ~~للجنس البشري صبيانيا لا يستند إلى فرض سليم. أنظر بشيء ~~من المحبة إلى أي فرد مهما يكن وسط الجماهير العامة ~~المجهولة من البشرية المسكينة. إنك كلما ازددت معرفة به، ~~اكتشفت فيه مصادر خفية للخير لم يستطع الشر أن يقضي ~~عليها. إن موقف الإنسان العسير ينشأ من أنه ليس من مخلوقات ~~الطبيعة فحسب، ولكنه كذلك من مخلوقات العقل والحرية، وهما ~~عنصران ضعيفان فيه، ولكنهما - مع ذلك - من أسباب قوته التي ~~لا تهد، ومن علامات كرامته الكامنة فيه. ولا يمكن لأي نوع ~~من أنواع ms170 الفشل أو لأية لوثة من اللوثات أن تمحو عظمة ~~الإنسان الأصيلة. # أجل، إننا نرى أنه لا بد أن يكون لدينا إيمان بالإنسان. ~~بيد أنا لا نستطيع ذلك؛ فإن خبراتنا توقف العقل عند حد. ~~وقد كان عالم الإنسان الحاضر بالنسبة إلينا كاشفا للشر، ~~حطم كل ثقة فينا. وكم من جريمة شهدنا لا يمكن أن يعوضها ~~أي انتقام عادل، وكم من موت يائس، وكم من مواقف من ~~الامتهان المذل للطبيعة البشرية! إن صورة الأشباح الدموية ~~في معسكرات الإبادة، التي لا تمحى ولا تنسى، قد غشت ~~صورتنا عن الإنسان. وشهوة الحكم الاستبدادي - نازية كانت ~~أو شيوعية - التي تتغذى على ما فينا من أسباب الضعف ~~الخلقي، قد أطلقت الشياطين في كل مكان، وكأن كل ما أحببنا ~~قد تسمم، وكأن كل ما وثقنا به قد فشل. واتجه العلم ~~والتقدم نحو دمارنا، وكياننا ذاته مهدد بالخطر من جراء ~~التحليل الدقيق لقوى العقل والأخلاق. ولغتنا ذاتها قد ~~انحرفت فبات اللفظ غامضا، وكأنه لا ينقل إلا خداعا. إننا ~~نعيش في عالم كافكا # Kafka ~~، ~~فأين إيماننا الذي نعيش به؟ # 1 # ربما نكون قد اخترنا الطريق الخاطئ، وربما كان من الأفضل ~~لنا أن نتشبث بإيمان نعيش له ونموت في سبيله، بدلا من أن ~~نبحث عن إيمان نعيش به فحسب. إن الحكمة الوثنية القديمة ~~عرفت أن أنبل وأسعد وأكثر النواحي البشرية إنسانية متعلقة ~~بما يسمو على البشرية، كما عرفت أن الإنسان لا يستطيع ~~العيش إلا بما يحيا من أجله وما هو مستعد لأن يموت من ~~أجله، وبما هو أفضل منه. وإذا كانت إنسانيتنا قد فشلت ~~فربما كان مرد ذلك إلى أنها كانت تدور حول الإنسان وحده، ~~وأنها كانت نفعية لا بطولية، ولأنها حاولت أن تلقي بالموت ~~والشر في هوة النسيان، بدلا من أن تواجههما وتتغلب ~~عليهما بصعود الروح إلى الحياة الأبدية، ولأنها وضعت ثقتها ~~في الحيل الفنية بدلا من أن تضعها في المحبة؛ أقصد المحبة ~~التي بشر بها الإنجيل. # يقول القديس بولس: إن الإيمان هو مادة الأشياء التي نضع ~~فيها آمالنا. ms171 ويمضي فيقول: إنه الثقة في أمور لا نراها. ~~الإيمان هو التمسك بالحق الذي يسمو على البشر، وهو المدخل ~~إلى مملكة الأشياء المقدسة التي لا ترى. الإيمان يجعل ~~حياتنا متعلقة بالعيش الكامل، الذي يفضل حياتنا الخاصة ~~كثيرا، وهو إلى نفوسنا أحب. الإيمان هو الالتقاء ب «شخص ~~هو الحق ذاته وهو المحبة ذاتها». شخص إذا نحن أسلمنا إليه ~~نفوسنا أدى بنا ذلك إلى الحرية القصوى، وإذا نحن متنا في ~~سبيله أضحت حياتنا ثابتة لا يلحق بها الدمار. # ثم إنا نعيش من أجل الحق، وهذا الحق الذي نعيش من أجله ~~أقوى من الدنيا بأسرها. ونحن نعيش من أجل الحب، وهذا الحب ~~الذي نعيش من أجله قد صنع الدنيا، وسوف يجددها ويعيد ~~تشكيلها في النهاية. ونحن أحرار، وليس بوسع أي شيء في ~~الدنيا أن يحطم إيماننا. # وهذا الإله الذي هو الحق والحب قد خلق الإنسان على ~~صورته، وقدر للإنسان أن يقاسمه حياته. وقد مات المسيح في ~~سبيل خلاص الإنسان. وبالرغم من جميع الكوارث التي تنجم عن ~~فشل الإنسان وانحرافه عن جادة الحق، فإن الله يسير تاريخ ~~البشر نحو العمل وتشكيل الدنيا على الصورة التي يحب ويرضى. ~~هذه هي عظمة الإنسان، وهذه هي نقطة الارتكاز في إيماننا ~~به. # ومن ثم فإن الإيمان بالإنسان يعود إلى الحياة إذا امتدت ~~جذوره إلى ما يسمو عن الإنسان، إن الإيمان بالإنسان يصعد ~~عن طريق الإيمان بالله. # إن تاريخ البشر يسير في اتجاه معين، وهو يتوقف على ~~الطاقات الطبيعية والروحية، وتاريخ البشر - من بين جميع ~~ضروب الصراع - يميل نحو تحقيق الإنسانية بطريقة طبيعية؛ ~~أقصد أنه يميل نحو إظهار جوهر الإنسان وإمكانياته تدريجا، ~~وإلى التقدم التدريجي لأشكال معرفته، وضميره الخلقي، ~~وحياته الاجتماعية، ويقصد إلى تحقيق الوحدة والحرية ~~تدريجا. وهو يميل أيضا إلى تحقيق الروحانية، التي تسمو ~~على الزمان وتتجاوز حدود التاريخ، والتي يعدها المسيحي ~~مملكة السماء والإلهام لأبناء السماء. وهذان الاتجاهان ~~للتاريخ - وإن كانا يمتزجان امتزاجا لا ينفصل - ينتسبان ~~إلى عالمين يتميز كل منهما عن الآخر تميزا واضحا، ~~وكثيرا ما يقف ms172 ضعف الإنسان في سبيل أحدهما، ويعمل على حث ~~الآخر على التقدم. وفي مقابل هذين الاتجاهين ينمو عامل ~~الشر كذلك في التاريخ، فترى حركة سفلية تسبب زيادة الخسائر ~~في نفس الوقت الذي تسعى فيه الحركة العلوية إلى أن تتمخض ~~عصارة الدنيا عن ثمار أفضل. إن الشر يعمل متخفيا إبان ~~ازدهار بساتيننا التي لم يتم إيناعها، وذلك في أسعد فترات ~~التاريخ. وفي أحلك العصور ظلمة يتأهب الخير متخفيا كذلك ~~لانتصارات غير منظورة، والخير أقوى من الشر؛ ومن ثم يتحقق ~~قول الكتاب المقدس: «قل لمن هم على طريق الحق إن الدنيا ~~بخير.» وفي سفر الرؤيا اليهودي جاء أن عصر آلام المسيح ~~سيكون هو عصر انتصاراته الكبرى. # وفي تقديم كتابه «على أعتاب سفر الرؤيا» لأحد القراء، ~~كتب ليون بلوي منذ نحو ثلاثين عاما في الصفحة الأولى: ~~«أرجو أن تتقدم بخطاك يا صديقي العزيز.» ويبدو في الواقع ~~أننا تقدمنا فعلا بالخطا، ويبدو كأن عصرنا هو من عصور ~~الإيحاء، فيه تصفية لقرون عدة من التاريخ. إننا ما زلنا ~~نجني ثمار الغضب، ولم تنته آلامنا بعد، ولكن عالما ~~جديدا سيخرج في نهاية الأمة التي نعانيها. # وبهذه الأفكار في أذهاننا تتخذ التجربة صورة جديدة، وهي ~~التجربة عينها التي هزت من قبل إيماننا بالإنسان. إنها ~~تكتسب معنى جديدا؛ فهي ليست الإبانة عن تفاهة الوجود، ~~إنما هي الإبانة عن آلام التاريخ وجهوده، وهي ليست الإبانة ~~عن وضاعة الإنسان وحقارته الوضيعة، وإنما هي الإبانة عن ~~الكرب التي يتكشف عندما يهبط من كبريائه، وعن المحن ~~والكوارث التي تبرز من خلالها عظمة مصيره الكامنة ~~فيه. # والتطور التاريخي كذلك الذي نمر به لا يتم في يوم ~~واحد؛ فعامل الزمن ضروري لكي يتمكن العقل من السيطرة على ~~الوسائل المادية المريعة التي وضعتها بين أيدينا الضعيفة ~~الثورة الصناعية والتكنولوجية. وعامل الزمن ضروري لكي ~~يهز الثورة الخلقية الروحية التي نحن أشد حاجة إليها منا ~~إلى أية ثورة أخرى، تهزها من أعماق الحيرة البشرية؛ لأن ~~أقل ما نتطلبه هو انتصار إيمان الكتاب المقدس في السلوك ~~الاجتماعي للإنسان فوق ms173 هذه الأرض. إن تجديد الحضارة الذي ~~نأمل فيه، وعصر الإنسانية المتكاملة، والوقت الذي يتم فيه ~~التوفيق بين العلم والحكمة، وإنشاء دولة مشتركة أخوية، ~~وبداية التحرر البشري الحق، كل ذلك لا ننتظره في غدنا، ~~وإنما ننتظره بعد غدنا، ننتظره في اليوم الذي أعلن القديس ~~بولس أنه سوف يكون - بعد أحلك الظلمات - كالربيع تزدهر فيه ~~الدنيا وتتجدد. # إن كل مجهود يبذل في هذا السبيل لا بد أن يثمر في نهاية ~~الأمر. ولست أشير إلى النضال الروحي لأولئك الذين استمعوا ~~- كما قال هنري برجسن - إلى نداء البطل، الذين ينبهون ~~الناس إلى المحبة التي يبشر بها الكتاب المقدس، لا أشير ~~إلى ذلك فحسب، وإنما أشير أيضا إلى النضال الدنيوي لأولئك ~~الذين يهبون أنفسهم لرفع مستوى حياة إخوانهم وتنويرهم، من ~~علماء وشعراء ورواد للعدالة الاجتماعية. وأشير إلى الجهد ~~اليومي الذي يبذله أولئك الذين لا يعرفون الراحة ما دام ~~إخوانهم في عبودية وبؤس. وحتى إن كانت الظروف العامة في ~~العالم وما تجمع لدينا من أخطاء يحول دون أن تتغلب أمثال ~~هذه الجهود في الوقت الحاضر على الشرور التي تتدفق من كل ~~صوب، فهي تمهد لعهد تزداد فيه كرامة الإنسان وتنتشر فيه ~~المحبة تحت رعاية الله. # وحتى هذا لن يكن إلا خطة في تاريخ كوكب صغير قابل ~~للفناء. والأمل يتجاوز الزمن؛ لأنا ننتظر في النهاية بعث ~~الأموات، والحياة الأبدية. هذا هو الإيمان الذي نعيش له، ~~ولما كنا نعيش له فهو الإيمان الذي نعيش ~~به. # 6 # المصادر # كل المختارات التي وردت في هذا الفصل مقتبسة من كتاب «مدى ~~العقل» لجاك ماريتان. # 1 # احتمالات التعاون في ~~عالم منقسم. # 2 # الإنسانية ~~المسيحية. # 3 # نفس المصدر ~~السابق. # 4 # مبدأ التعدد في ~~الديمقراطية. # 5 # احتمالات التعاون في ~~عالم منقسم. # 6 # الإيمان الذي نعيش ~~به. # الفصل الثامن # | رينولد نيبور # (1892م-...) # إذا كان هناك خيط واحد يربط بين المؤلفات العويصة الفصيحة التي ~~أسهم بها نيبور فيما كتب متعلقا بالفلسفة الحديثة وبالدفاع عن ~~البروتستانتية، فمن الجائز أن ننعته بأنه حرب صليبية موجهة ضد ~~التفاؤل الشديد ms174 الذي ساد عصر العقل والعلم، وذلك بالرجوع إلى فكرة ~~الخطيئة الأولى وحالة الإنسان التي تدعو إلى الأسف والأسى. وتصف ~~صفحات إحدى المجلات الواسعة الانتشار رينولد نيبور بأنه «رجل الدين ~~الأول في بروتستانتية الولايات المتحدة». وفي عبارة أفضل انتقاء ~~وأقوى تبيانا يقول المؤرخ آرثر شلنجر: «إنه لم يظهر في هذا الجيل ~~واعظ له ما لنيبور من قوة الأثر، ولم يظهر واعظ له ما له من أثر في ~~الدنيا العلمانية.» # ونيبور، الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس اتحاد المعاهد الدينية ~~بنيويورك، ولد في مدينة رايت بميسوري يوم 21 من يونيو من عام ~~1892م. وقد جاء أبوه مهاجرا إلى هذه البلاد (أمريكا) من ألمانيا ~~في سن السابعة عشرة. وعندما رزق رينولد كان راعيا للكنيسة ~~الإنجيلية الطائفية في مدينة رايت. وربما كان لوفاة والده في سن ~~مبكرة، وما ترتب على ذلك من ضيق مالي عانت منه أمه، التي كان ~~عليها أن تواجه تربية أبنائها، شأن بالتحاق نيبور بكلية ألمهرست في ~~ألينواز، وهو معهد تخرج فيه عام 1910م دون الحصول على درجة ~~علمية، لكي يلحق بمعهد إيدن الديني، بجوار سنت لويس، ثم انتقل بعد ~~ذلك بثلاث سنوات إلى مدرسة ييل للاهوت، ومنها حصل على درجة ~~البكالوريوس في اللاهوت عام 1914م، وعلى درجة الأستاذية في عام ~~1915م. # وفي عام 1915م عندما نصب قسيسا في كهنوت الكنيسة الإنجيلية ~~الطائفية بشمال أمريكا، تولى نيبور أول وآخر وظيفة له كراع في ~~كنيسة بثل الإنجيلية بدترويت. وتميزت خبرة السنوات الثلاثة عشرة ~~في دترويت باهتمام حماسي بحركة العمال، وبنوع من الوعظ الثائر الذي ~~كان يعطف على الاشتراكية وعلى القادة المجاهدين في صفوف عمال ~~السيارات بتلك المدينة الهامة. وقد شاع بين الناس أن رجال الصناعة ~~تنفسوا الصعداء عندما غادر نيبور دترويت لكي يلتحق بهيئة اتحاد ~~المعاهد الدينية. وبعد عامين عين نيبور أستاذا لكرسي وليم ~~رودج، وهي أستاذية في المسيحية التطبيقية في اتحاد المعاهد ~~الدينية. وبمرور السنين اشتد ارتباطه وزادت مسئولياته إزاء هذه ~~المؤسسة. # وقد أدرك نيبور منذ أيام دترويت أن الأزمة العالمية ms175 في عصرنا ~~الحاضر تتعلق بالمشكلات الأساسية للخلق السياسي. وكتابه «الإنسان ~~الخلقي والمجتمع غير الخلقي» لا يزال بيانا قويا عن الحاجة إلى ~~نظام اجتماعي عادل قبل أن نتوقع ل «الإنسان الخلقي» أن ينتعش. وفي ~~كتابه «أبناء النور وأبناء الظلام» يهاجم نيبور تخلي «أبناء النور» ~~عن المسئولية الخلقية، فهم يعجزون عن اللحاق بوقائع السلطة ~~المعقدة، بالرغم من نبل نواياهم وطهارتها. وفي هذا الصدد ألف ~~نيبور أن ينقد مرة كل أسبوعين الكنائس الأمريكية والزعماء ~~الدينيين، ويصمهم بأنهم إنما يلقون المواعظ والنصائح الخطرة التي ~~ليست لها بواقع الحياة صلة. وبسبب هذا النقد المتواصل اكتسب نيبور ~~بعض الأعداء الأقوياء في الدوائر الأمريكية المسيحية. أما في ~~شئون السياسة فقد نادى نيبور بضرورة التزام الحكمة التي تخلو من ~~التعصب، وهي الحكمة التي تطابق المذهب البراجمي (العملي) المتحرر. ~~وتدل بعض مؤلفاته الأخيرة مثل «المسيحية وسياسة السيطرة» ~~و«الواقعية المسيحية والأزمة السياسية»، ومقالاته العديدة التي ~~نشرها في صحف الرأي مثل «الرائد الحديث»، على عادته في وزن الأمور ~~على أوجهها الواقعية المختلفة وزنا دقيقا، ووزن النتائج الخلقية ~~للقرارات السياسية. # وقد أظهر نيبور مرة أخرى عند اقتراب الحرب العالمية الثانية ~~الشجاعة والنزاهة التي دفعته من قبل إلى أن ينضم إلى الاشتراكيين ~~في الفترة التي تقع بين عام 1930 و1940م، وذلك حينما انفصل عن ~~الاشتراكيين في يونيو من عام 1940م، واختلف معهم بشأن الحرب ~~الأوروبية، التي أدرك أنه لا مناص للولايات المتحدة من دخولها، ~~والتي ينبغي لها من الناحية الخلقية أن تتدخل فيها. ولما كان نيبور ~~يعتقد «أن قدرة الإنسان على العدالة تجعل الديمقراطية ممكنة، غير ~~أن ميل الإنسان إلى الظلم يجعل الديمقراطية ضرورة»؛ فقد اهتم ~~اهتماما بالغا بالقضايا الملموسة في السياسة الخارجية، كما اهتم ~~بالسياسة الداخلية الوطنية في أمريكا. وبينما نراه يلجأ إلى نوع من ~~الوعظ المسهب بشأن الأخطاء الأمريكية في كتابه «سخرية التاريخ ~~الأمريكي»، نجد أنه يعتقد بشدة في قدرة أمريكا على أن تحدد مصالحها ~~الوطنية في إطار سمح يسمح بحقوق الأمم الأخرى. # وفي كتابه «النفس ومسرحية التاريخ» يرتد نيبور إلى ms176 الاهتمام الذي ~~سيطر عليه في محاضرات جفورد التي ألقاها بأدنبرة في عام 1929م، ~~حينما اختار موضوع «الطبيعة ومصير الإنسان» للمحاضرة. وهنا نراه ~~يذكر في عبارة بليغة تقديره للعنصر العبري في المدنية الغربية، ~~كما أنه يحتفظ بالتقاليد الهلينية، وهو فوق ذلك يقدم لنا في قوة ~~مؤثرة فلسفة عامة في النفس، سواء من ناحية تقيدها بظروف خلقها أو ~~من ناحية أمجادها الخلاقة. ~~(1) الواقعية المسيحية والأزمة السياسية # رينولد نيبور ~~(1-1) الجذور العلمانية لورطتنا # إن الميل الطبيعي عند المسيحي المؤمن حينما ينظر إلى ~~الوقائع المؤسفة في حياتنا المعاصرة، هو أن يرى الحق في ~~المسيح إزاء ما نستعيض به عن الإيمان المسيحي، وهو استبدال ~~الباطل بالحق، الأمر الذي ربما عاون على إيجاد هذا العالم ~~المفجع الذي نعيش فيه اليوم. ألم يهدم هذا الذي استبدلناه ~~بالإيمان المسيحي الإحساس بالسياسة المقدسة التي نخضع لها ~~جميعا؟ ألم يخترع وسائل للتخلص من الشر جعلت الشعور ~~بالندم أمرا لا ضرورة له؟ # هذا الميل قد يحدد أيضا مسئوليتنا. غير أني أشك فيما ~~إذا كانت هي مسئوليتنا الأولى؛ فالفرصة سانحة لنا كذلك لكي ~~نجعل لصدق كلمة الله أثرا في الجذور الدنيوية للورطة التي ~~نحن فيها اليوم؛ لأن تاريخنا الجاري هو في الواقع مثل رائع ~~للوسيلة التي يباغت بها إله الانتقام كبرياء الإنسان، ~~وللطريقة التي يوقع بها الحكم الإلهي العقوبة على الأفراد ~~والشعوب الذين يرفعون أنفسهم فوق مستواهم. # ولقد أدى بنا تحرير الثقافة إلى الظن بأن الفكرة ~~المسيحية التي تقول بميل الناس جميعا نحو الإثم إنما هي ~~فكرة عتيقة انقضى عهدها وفات، وأحللنا مكانها فكرة حب ~~الذات حبا بريئا لا ضرر منه؛ إما بسبب اهتمام الفرد ~~بمصلحته مع مراعاة الحكمة والاعتدال، وإما بسبب توازن ~~القوى الاجتماعية جميعا، توازنا يحول حب الذات عند الناس ~~أجمعين إلى انسجام اجتماعي أسمى. غير أن بطلان هذه الفكرة ~~قد ثبت بازدياد المفارقة المستمرة في التناسب بين القوى في ~~مجتمعنا، كما ثبت أيضا باطراد التدهور بين الناس في ~~مجتمع قوامه الوسائل التكنولوجية. وأدى بنا تحرير الثقافة ~~أيضا إلى الظن ms177 بأن الخلاص يكون عن طريق النمو والتطور؛ ~~فالناس - كما يقال - لا يعانون من الإثم بمقدار ما يعانون ~~من العجز. غير أن سير التاريخ كله - لحسن الحظ - كان في حد ~~ذاته مخلصا للإنسان؛ فقد حول الإنسان من حالة العجز إلى ~~حالة القدرة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الحالة التي يكون ~~فيها فريسة لحكم التاريخ إلى الحالة التي يكون فيها سيدا ~~له. غير أن وهم هذه الفكرة لا يقل مأساة عن وهم الفكرة ~~الأولى. وما دامت خطيئة الإنسان ترجع إلى فساد إرادته ولا ~~ترجع إلى ضعفه، فإن احتمالات الشر تنمو مع اطراد الزيادة ~~في حريته وقدرته، التي كان مفروضا أن تعمل على ~~تحريره. # وهذه الأوهام الواضحة في العالم الحر عجلت بثورة ~~ماركسية ضد الثقافة الحرة بأسرها، فنادت بالإيمان بنوع ~~جديد من انسجام المجتمع عن طريق التحطيم الثوري للملكية، ~~ليحل محل الإيمان بالتناسق البسيط بين القوى الاجتماعية ~~جميعا؛ وبذلك رأت أن النظام الاجتماعي هو أساس الشر عند ~~الإنسان، وبشرت بخلاصه عن طريق تحطيم هذا النظام، ~~وبشرت بالخلاص عن طريق القضاء على النظام القديم وظهور ~~نظام جديد، بدلا من فكرة الخلاص عن طريق النمو والتقدم ~~الذي لا يقف عند حد. ولم يكن معنى ذلك الموت المستمر ~~للنفس الذي ورد في الكتاب المقدس، إنما كان تبشيرا بحياة ~~جديدة لنا نحياها بإماتة أعدائنا. # وقد ازدادت مأساة هذا العصر فجيعة لسببين؛ أولهما أن ~~هذا الرأي الجديد الذي نستبدله بالحرية الدنيوية قد دل من ~~وجوه كثيرة على أنه أكثر وهما وأشد خطأ، وثانيهما أن ~~هاتين الصورتين من الخطأ قد أوقعتا العالم في حرب أهلية ~~مريرة تحطم المجتمع قوميا كان أو دوليا. # وهذا الاتجاه الجديد أثبت أنه أشد خطأ؛ لأن دعاة هذا ~~الدين الجديد تحولوا إلى ملوك مقدسين مستبدين، فقدوا ~~كل إحساس بصفة الترابط بين كل المصالح والأفكار البشرية، ~~فأشاعوا في العالم طرا تعصبهم الذميم لصواب تفكيرهم دون ~~سواهم. وقد أثبت هذا الاتجاه الجديد أنه كذلك أشد خطأ؛ ~~لأن مذهب اشتراكية الملكية حينما يتحول إلى مذهب خلاص ~~ديني، بدلا ms178 من اكتفائه بأن يكون حلا عمليا، إنما يجمع ~~بين القوى الاقتصادية والسياسية في أيد أوليجاركية واحدة ~~واحدة؛ مما يؤدي إلى الظلم والتعسف. وهذا الشر الواضح وهذا ~~الاستبداد في الرأي قد أعطى لمؤيدي النظام القديم حجة ~~قوية، لا لكي يتوبوا عن خطاياهم، بل ليكتفوا بتوجيه ~~الانتباه إلى أخطار الرأي الجديد. # وربما كان قلة الصدق وكثرة الخطأ في هذين الرأيين ~~الدنيويين اللذين استعضنا بهما عن العقيدة المسيحية هما ~~اللتين أدتا إلى إقحام العالم في حرب أهلية لا رجاء فيها، ~~حرب يرى كل فريق فيها أن لديه من الحق ما يكفي للتمسك ~~برأيه في سمو رسالته، كما أن لديه من الخطأ ما يفزع به ~~الفريق الآخر بالنتائج التي يحتملها ~~انتصاره. # 1 ~~(1-2) آثام الكنيسة # وليس من شك في أنه من واجبنا أن نشهد ضد هذين اللونين من ~~الوهم الدنيوي من وجهة نظر الحق الذي لا نراه من تلقاء ~~أنفسنا، إنما نستمده من الكتاب المقدس، وبهذه الشهادة يكون ~~موقفنا الراهن دعامة قوية للحق الذي جاء في الكتاب ~~المقدس. وينبغي لنا أن نبشر بالكتاب المقدس في الوقت الذي ~~يتردى فيه الإنسان الحديث - الذي كان على ثقة شديدة أنه ~~يستطيع أن يسيطر على مصيره - في مصير تاريخي، يبدو فيه أن ~~إرادة الإنسان قد أمست عاجزة كل العجز فاقدة لكل رجاء. إن ~~ما يباهي به كل فريق من فضائل ليس إلا شرورا من وجهة نظر ~~الفريق الآخر، وآثاما في نظر الإله. وإن هذه العبارة التي ~~جاءت على لسان صاحب المزامير تنطبق على موقفنا تمام ~~الانطباق: «لقد ثار الكفار وتصور الناس أمورا باطلة، ~~ولكن ذلك الذي يستوي على عرش السماء سوف يسخر منهم ~~ويضحك.» # ولكن دعنا لا نزعم أننا نسخر مع الله. إن ضحكة الله ~~الساخرة هي حكم إلهي له ما يسوغه على هذه الكبرياء التي ~~استجدت بالنسبة إلى الإنسان الحديث، والتي هي مع ذلك ~~موجودة من قديم الزمان. يجب ألا نضحك خشية أن ننسى أن حكم ~~الله هو علينا كما هو عليهم؛ فنحن مشتركون اشتراكا قويا ~~في ms179 كارثة عصرنا هذا، اشتراكا لا يسمح لنا بأكثر من شهادة ~~مؤقتة ضد ما يسمى المجتمع العلماني. ويرجع ظهور هذا ~~المجتمع - في صورتيه الحرة والماركسية - في الوجود، إلى ~~حد ما، إلى اشتراك المسيحية اشتراكا شديدا في الآثام ~~الاجتماعية لهذا العصر وفي الظلم الاجتماعي الذي لا يلين. ~~وهذا العرض الموجز لآثام الكنيسة يبين المدى البعيد لمقدار ~~اشتراكنا فيها: ~~(1) # ليس هناك شر اجتماعي، وليست هناك صورة من الظلم ~~- سواء من النوع الإقطاعي أو من النوع الاجتماعي - ~~لم تؤيد بشكل ما بالشعور الديني؛ ومن ثم أصبحت ~~أشد صلابة ضد التغير. وإن ما قاله ماركس في هذا ~~الصدد صادق إلى حد ما، وهو «أن بداية كل نقد هي ~~نقد الدين؛ لأن ادعاءات الناس تبلغ أضل صورة لها ~~عند هذا المستوى النهائي، والإثم النهائي يرتكب ~~دائما باسم الدين.» ~~(2) # أعلن جانب من الكنيسة - خشية الاشتباك في ~~متاهات السياسة - أن مشكلات السياسة لا تمت إلى ~~الحياة المسيحية بصلة؛ فترك الإنسان الحديث في ~~حيرة المجتمع الحديث، كما رأى الإخاء يتحطم في ~~المجتمع التقني دونما تأنيب من الضمير، بل إن هذا ~~الحياد كثيرا ما لا يلتزم بنزاهة وإخلاص. ~~والكنيسة المحايدة حليف في العادة للقوة ~~الاجتماعية القائمة. ~~(3) # وجانب من الكنيسة اكتفى - عند مواجهة مركبات ~~النظام السياسي - بنظرة عاطفية لا تحتمل، فأعلن أن ~~هذه المشكلات ما كانت لتظهر لو أن الناس تبادلوا ~~فيما بينهم المحبة، وأصر على أن قانون المحبة ~~سهل ممكن، في حين أن تجاربنا كلها تدل على أن ~~المشكلة الحقيقية في وجودنا هي أننا ينبغي أن ~~نتحاب ولكنا لا نفعل. وكيف نستطيع أن نقيم ~~مجتمعا محتملا في حين أن الناس جميعا - وفيهم ~~المسيحيون - يميلون إلى أن يستغل كل منهم الآخر؟ ~~وحتى يومنا هذا نجد كثيرا من المسيحيين يأملون في ~~بلاهة أن ينطق المجتمع المسيحي ذات يوم بكلمة ~~خلقية يسيرة تنهي بالمحبة الصراع الأليم بين ~~أفراد المجتمع الإنساني. وإن أشد رجال السياسة ~~انتهازا للفرص - الذي يدرك الأمور المعقدة التي ~~يواريها هذا الشعور العاطفي - هو برغم فساده أقرب ~~إلى أن يدخل مملكة ms180 السماء قبل ذلك المنافق الذي ~~يستطيع أن يتصور أنه بوسعنا أن نرتفع بأنفسنا فوق ~~المتناقضات الخلقية المفجعة الكائنة في وجودنا ~~بعمل يسير من أعمال الإرادة. ~~(4) # وجانب من الكنيسة - لوعيه بهذه الأمور المحيرة - ~~تأهب لوضع مشروعات مسهبة مفصلة للعدالة وللقانون ~~لتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية للإنسان تحت ~~مستوى المحبة والشعور النبيل. ولكن هذا الجانب ~~جر نفسه إلى وضع تشريع صارم لا ينطوي على سماحة ~~الشعور، فهو لا يعرف أن كل قانون قد يكون الوسيلة ~~إلى ارتكاب الإثم، وأن أحكام العدالة الصارمة - ~~وبخاصة في الظروف السريعة التغير التي تلازم ~~التطور التكنولوجي الحديث - أقرب إلى أن تعوق منها ~~إلى أن تعين على تنفيذ العدالة الحقة. ومما ينبغي ~~للمسيحية قطعا أن تسهم به في مشكلة العدالة ~~السياسية هو أن تخضع كل أحكام العدالة لقانون ~~المحبة، وتنهي بذلك هذا الجدل العقيم بين أتباع ~~الفلسفة البراجمية (العملية) وأتباع مذهب الحق ~~المشروع، وأن توجد الحرية والقدرة على المراوغة ~~التي لا مناص منها لتحقيق درجة من التوافق المقبول ~~بين الأفراد والشعوب في العلاقات الإنسانية الآخذة ~~في التعقيد. إننا بحاجة إلى نظرة براجمية نحو كل ~~نظام من نظم الملكية ونظم الحكم، فندرك أنه ليس من ~~بين هذه النظم نظام يبلغ من التقديس الحد الذي ~~تريد بعض القوانين المسيحية المزعومة أو القوانين ~~الدنيوية أن تخلعه عليه، وأن كل هذه النظم عرضة ~~للفساد، وأن إلغاءها هو كذلك عرضة للفساد. ولا ~~يمكن أن تنحط هذه الحرية إلى حد الفوضى لو عرف ~~الإنسان «أن كل شيء له، وأنه للمسيح، والمسيح ~~لله». # 2 ~~(1-3) الحق المسيحي في عصرنا # لقد تحدثت حديثا سلبيا، وقلت إن الكنيسة المسيحية ~~ينبغي أن تستنكر كل صورة من صور الكبرياء والغرور، سواء في ~~الثقافة الدنيوية أو المسيحية، وأن تركز اهتمامها في ~~خطايانا خشية أن نجعل المسيح حكما على غيرنا وليس حكما ~~علينا. غير أن الشعور بالندم لا يكفي وحده، فهو جزء من ~~شعور عام بالخلاص، وواجبنا من الناحية الإيجابية هو أن ~~نقدم إنجيل الخلاص المسيحي للأمم كما نقدمه للأفراد. ونحن ~~- طبقا ms181 لما نؤمن به - كثيرا ما نقع في الإثم وفي وهدة ~~الموت؛ لأننا نحاول مستيئسين أن نحيا، وأن نحتفظ ~~بكبريائنا، وأن نبقى على مكانتنا العالية. غير أنه ~~بالإمكان أن نحيا حياة صادقة إذا نحن أنكرنا الحياة على ~~ذواتنا، وإذا حد الإنسان من غروره بأن يأخذ بالحكم الإلهي ~~الذي يقضي بأن الحياة تصلح حقا بالبركة الإلهية. وهذا ~~الوعد بالحياة الجديدة موجه إلى الأفراد، ولكن من ذا ~~الذي يستطيع أن ينكر ارتباطه كذلك بالأمم والدول، ~~وبالمدنيات والثقافات بالرغم من أن هذه الصور الجماعية من ~~الحياة ليس لها ما لروح الفرد من صفاء كامل، ولا يمكنها أن ~~تتصل اتصالا مباشرا بالحكم الإلهي وبالبركة ~~الإلهية؟ # إن الموقف في الحياة الجماعية للإنسان في الوقت الحاضر ~~يدل على أننا حطمنا حياتنا العامة عن طريق القوى الجديدة ~~والحرية التي قدمتها المدنية التكنولوجية لنا ووضعتها بين ~~أيدينا. وهذه الحياة المحطمة، التي تتبدى في بؤس العالم ~~كله وقلقه، هي حكم تاريخي موضوعي علينا، وهي الموت الذي ~~ترتب على حياة الغرور التي تحياها الأمم والشعوب، وهي ~~بغير إيمان ليست إلا فناء، وبغير إيمان تولد الحزن ~~والأسى للدنيا بأسرها، وهذا هو اليأس. وبغير إيمان يكون ~~هذا الاضطراب دليلا على انعدام المعنى الذي يترتب على ~~تدمير النظم المبسطة لمعنى الحياة التي تجعلنا وتجعل ~~شعوبنا وثقافتنا مركزا لها. غير أن الموت - عن طريق ~~الإيمان بالله الذي تكشف في ذلك الذي مات ثم رفع إلى ~~السماء - قد يصبح أساسا لحياة جديدة، كما أن انعدام ~~المعنى قد ينقلب إلى معنى، وكذلك الحكم قد يكون بركة ~~ونعمة. وواجبنا أن نوسط الحكم الإلهي والبركة حتى تستطيع ~~الشعوب والطبقات والدول والثقافات، وكذلك الأفراد، أن ترى ~~السبب السماوي في جراحهم، وحتى تستطيع كذلك أن تدرك إمكان ~~قيام حياة جديدة سليمة. وفي يوم من أيام الرضاء والأمن يجب ~~على الكنيسة المسيحية أن تتوقع القضاء الذي لا بد أن يحل، ~~وأن تعلن أن يوم القيامة سوف يكون ظلاما ليس به بصيص من ~~نور، وفي يوم القضاء ووقوع القدر تكون رسالة الكتاب المقدس ms182 ~~هي الأمل لأولئك الذين يعلنون الندم. # وفي الحق إن موقف البشرية يجعل الندم مطلوبا دائما؛ ~~لأن الشر دائما في نمو وازدياد. غير أنه من الخطأ أن ~~نبشر بهذه الدعوى عامة، كأن التاريخ لم تكن فيه فترات ~~وعصور، وكأنه لم تحدث به وقائع خاصة معينة. ولن يكون من ~~وراء تبشيرنا مغزى إذا اقتصرنا على حث الأفراد والشعوب ~~على الاعتراف بالخطيئة الأولى التي تلوثنا جميعا، ولم ~~نحثهم على الاعتراف بالخطايا الفردية التي ارتكبناها. وليس ~~من أقل واجباتنا أن ننشر العطف والرحمة لكي نخفف وقع ~~الألم على الإنسان الضعيف. وهلا ينبغي لنا أن ننذر الأمم ~~الظافرة أنها تخطئ إذا هي ظنت أن انتصارها دليل على ~~فضيلتها، حتى لا يكبلوا العالم بسلسلة جديدة من الشر ~~بحبها للانتقام الذي ليس إلا الغضب لاسترداد حقها؟ ثم ~~أليست الكلمة التي نوجهها إلى الأمم المهزومة من نوع آخر؛ ~~إذ نذكرهم أن معركتهم هي أن يتبينوا بجلاء أنهم قد لاقوا ~~على يدي بارئهم عقوبتهم على كل ما اقترفوا من إثم؟ # وإن العقاب هو في الحقيقة من عند الله، حتى إن كان لا ~~يتلاءم تماما مع الشر الذي أتوه. وهلا ينبغي لنا أن ننذر ~~الأمم والطبقات القوية الآمنة ألا تثق ثقة عمياء في ~~أهميتها، وأنها عندما تقول إنها ك «الملكة لا تعرف الحزن» ~~يهبط عليها الحزن أكيدا في لحظة مباغتة؟ وهلا ينبغي لنا ~~أن نذكر الضعاف والمخدوعين والمحتقرين أن الله ينتقم ~~للقساوات التي يعانون منها، ولكنه إلى جانب ذلك لن يغفر ~~لهم قسوة الحقد التي توغر صدورهم؟ وهلا ينبغي لنا أن نقول ~~لطبقات المجتمع الغنية الآمنة إن ولاءهم في زهو لقوانين ~~المجتمع وأنظمته التي تكفل لهم مزاياهم إنما يصطبغ ~~بالمصلحة الشخصية؟ وهلا ينبغي لنا أن نقول للفقراء إن ~~حلمهم بقيام مجتمع لا ملكية فيه تتوافر فيه العدالة ~~الكاملة ينقلب إلى كابوس من الظلم جديد؛ لأنه يقوم على ~~إدراك الخطيئة التي يرتكبها غيرهم فحسب، ولا يدرك شيئا عن ~~الخطيئة التي يرتكبها الفقير عندما يزول عنه الفقر ويصبح ~~من طبقة الحكام؟ إن ms183 الحياة تتحول إلى موت في كل مكان؛ ~~لأنها محوطة بخداع النفس، ولأنها تحاول الفرار من الإله ~~الحق بدلا من أن تعمل على لقائه. والكنيسة تعاني في كل ~~مكان هذا الموت؛ لأنها تسمح بإعلان التفاخر القومي والهوى ~~العنصري، كما تسمح بصبغ رسالتها بالمبالغة في تقدير الذات ~~وحب النفس، حتى لقد بدا التدين في عصرنا للمشاهد المتشائم ~~(بل ربما بدا أيضا للإله الحق) كأنه مجهود ضخم لاستجداء ~~العلي القدير لكي نظفر منه بتأييد دعوانا بحكمه ~~المقدس. # وإذا كنا نعني بدعوى أن الكنيسة ينبغي أن تكون للكنيسة ~~شيئا غير انسحابها من الدنيا، أفلا تعني الدعوة إذن أنها ~~بالصلاة والصيام خلصت نفسها على الأقل إلى حد ما من ~~التحالف المحرج من هذه الطبقة أو تلك، أو مع هذا الجنس أو ~~تلك الأمة، حتى تستطيع أن تنطق بكلمة الله وهي أكثر طهارة ~~وأشد استقامة، وتوجهها إلى كل رجل وكل أمة، بل إلى كل جيل ~~وفقا للحاجات الخاصة لكل فرد ولكل ساعة؟ # إن الحياة الجديدة ممكنة لأولئك الذين يميتون ذواتهم ~~القديمة، أمما كانوا أو أفرادا، في أي وقت وفي أي موقف، ~~ولكن من الناحية الإيجابية هناك أيضا كلمات خاصة يخاطب ~~بها العصر إلى جانب الكلمات الأزلية. إن الحياة الجديدة ~~التي نحتاج إليها مجتمعين في عصرنا تتحقق بقيام مجتمع يتسع ~~لأن يجعل اعتماد كل أمة في الدنيا مع غيرها في عصر ~~تكنولوجي أمرا محتملا، وعدالة متزنة اتزانا دقيقا إلى ~~حد يجعل القوى الديناميكية في مجتمع تكنولوجي مؤدية إلى ~~عدالة محتملة لا مؤدية آنا إلى الفوضى التي لا تحتمل ~~وآنا آخر إلى استبداد بغيض. ولكي نبلغ هذا الهدف يجب أن ~~تتلاشى بعض معتقداتنا ليحل محلها قانون المحبة - وهو ليس ~~بالأمر الهين على الفرد أو المجتمع - وأن نرفعه إلى ~~مكانة عالية بحيث يصبح المعيار النهائي لكل مؤسسة أو بناء ~~أو نظام للعدالة. وإلى أولئك الذين يرفعون الحرية إلى ~~مكانة عالية يجب أن نقول إن الحرية بغير شعب متماسك ليست ~~هي المحبة، وإنما هي تؤدي إلى أن يجعل الإنسان من ms184 نفسه ~~الغاية القصوى. وإلى أولئك الذين يرفعون تماسك الشعب إلى ~~مكانة عليا نقول إنه لم يوجد في التاريخ مثل هذا الشعب ~~الذي يستحق كل هذا التقديس من الفرد، ما دام قوام الإنسان ~~وبناؤه يحتمان عليه أن يجعل الله وحده غاية حياته. ويجب ~~أن نصر في وجه أولئك الذين يقدسون الدولة على أن الدولة ~~تميل دائما إلى أن تضع عظمتها في موقف المعارضة الثائرة ~~ضد عظمة السماء. أما أولئك الذين يخشون اتساع الدولة من ~~أجل تنظيم الحياة الاقتصادية الحديثة، فيجب أن نقول لهم إن ~~مخاوفهم كثيرا ما لا تصدر عن الاهتمام بالعدالة، وإنما ~~تصدر عن رغبة غيور في الاحتفاظ بنفوذهم. وليس من اليسير أن ~~نقيم مجتمعا محتملا تحت الظروف الراهنة، ولا تمكن إقامة ~~مثل هذا المجتمع بتاتا إلا إذا أدركنا أن كثيرا مما كنا ~~نعده حقائق مطلقة ليس إلا أمرا نسبيا، وإلا إذا سعى ~~الناس في كل مكان إلى فصل الغث من السمين، وميزوا بدقة ~~بين مصالحهم وما يتطلبه منهم الرب ~~والجار. # 3 ~~(1-4) العلاقة بين الديمقراطية والعقيدة الإنجيلية # إن الحكمة الديمقراطية التي تعرف كيف تتحاشى المذاهب ~~المتصارعة وتلغي أثرها - تلك المذاهب التي تقوم على أساس ~~من المصلحة - هذه الحكمة قد تكون بطبيعة الحالة نتيجة ~~الخبرة لا نتيجة رأي خاص في العقيدة المسيحية. بيد أنا ~~لا نستطيع أن ننكر أن الإيمان بالإنجيل (الذي تستمد منه ~~اليهودية والمسيحية) يتميز بإدراكه ثلاثة أمور في الموقف ~~البشري لا غنى عنها للديمقراطية؛ فهو يفترض أولا وجود ~~مصدر من مصادر السلطة يستطيع الفرد من زاويته (أعني زاوية ~~هذا المصدر) أن يتحدى سلطات هذه الدنيا (يجب علينا أن نطيع ~~الله قبل الإنسان). والأمر الثاني تقدير القيمة الفذة ~~للفرد، الأمر الذي يجعل من الخطأ أن نضعه في أي نظام سياسي ~~باعتباره مجرد أداة. أما الإنسانية العلمية فكثيرا ما ~~تسيء إلى كرامة الإنسان، التي تمجدها في ظاهر الأمر، وذلك ~~بالنظر إلى الكائنات البشرية باعتبارها خاضعة للتجريب، ~~وباعتبارها مجرد أدوات لغايات «يقرها المجتمع». وهذا ~~الميل في عصرنا العلمي هو الذي ms185 يوثق العلاقة بين هذا العصر ~~وبين الحكم الجماعي المستبد، ويبرر حكمنا بأن الإنسانية ~~العلمية لا تضر لسبب واحد، وهو أنها لا تقوم على أساس ~~برنامج سياسي يجعل السلطة حكرا على الصفوة، والتي تفترض ~~نظرياتها دائما وبغير إخلال حيازاتهم لها. # والأمر الثالث هو إصرار المسيحية على أن الحرية الأساسية ~~التي تجعل الإنسان خلاقا هي بعينها التي تجعله بطبيعته ~~هداما خطرا، وإصرارها على أن كرامة الإنسان وشقاوته ~~هما من أجل ذلك من أصل واحد. وهذا الإدراك هو أساس كل ~~واقعية سياسية نجد فيها أن النظرية الدنيوية معيبة، سواء ~~أكانت هذه النظرية هي الحرية أم الماركسية، وهذه النظرة هي ~~التي تبرر النظم الديمقراطية بصورة أشد تأكيدا من أي نظرة ~~عاطفية إلى الإنسان، سواء أكانت هذه النظرة حرة أم ~~انقلابية. # 4 ~~(1-5) نحو مجتمع عالمي # إن كل حجة نسوغ بها قيام حكومة عالمية تستند إلى فرض ~~بسيط، وهو أن الرغبة في نظام عالمي تدل على إمكان تحقيق ~~الحكومة العالمية. غير أن موقفنا المزعزع لا يدل - لسوء ~~الحظ - على قدرة الإنسان الخلقية على إنشاء حكومة عالمية ~~بعمل إرادي، كما لا يدل على القدرة السياسية لهذه الحكومة ~~على إيجاد مجتمع عالمي قبل نمو «التماسك الاجتماعي» بصورة ~~أكثر تدرجا، ذلك التماسك الذي يحتاج إليه أي مجتمع أشد من ~~حاجته إلى الحكومة. # إن أكثر الداعين إلى الحكومة العالمية يزعمون كذلك أن ~~الأمم لا تحتاج إلا إلى أن تحذو حذو المثال الذي ثبتت صحته ~~وسبقها إليه الأفراد في عصر آخر، أولئك الذين نعتقد أنهم ~~حققوا تماسك المجتمع بصياغتهم لما بينهم من اتفاق في صورة ~~قانون وبإقامتهم أداة من نوع ما لتنفيذ القانون. غير أن ~~هذا الزعم يتجاهل الحقيقة التاريخية التي تثبت أن الاحترام ~~المتبادل لحقوق الأفراد في الجماعات المعينة يسبق صياغة أي ~~قانون، وأن أداة تنفيذ القانون لا يمكن أن تكون فعالة إلا ~~إذا كانت الجماعة عموما تطبع قوانينها بطبيعتها، بحيث لا ~~يطبق القانون إجباريا إلا على الأقلية التي تعصي. # إن مغالطة الحكومة العالمية يمكن أن تذكر في عبارتين ms186 ~~بسيطتين؛ الأولى هي أن الحكومات لا تنشأ بالقانون (وإن كان ~~من الممكن أحيانا فرضها بطريقة تعسفية)، وثانيتهما أن ~~قدرة الحكومات على إيجاد التماسك بين أفراد المجتمع ~~محددة. # والواقع أن أحكم فن من فنون السياسة لا يستطيع أن يخلق ~~التماسك الاجتماعي، إنه يستطيع أن يقيم - إلى حد ما - ~~بناء اجتماعيا، وأن يربط بين لبناته أو أن يعيد تصميمه، ~~ولكن التصميم الأول للبناء الذي يعمل على إقامته لا بد أن ~~يكون «معدا» من قبل. # إن المجتمع الدولي لا يفتقر كلية إلى التماسك ~~الاجتماعي، ولكنه تماسك واه إذا قيس إلى ذلك التماسك ~~الذي يوجد في حكومات معينة. ولنذكر الآن في إيجاز ~~العوامل المختلفة التي تؤدي إلى هذا التماسك. إن أهم قوة ~~تدعو إلى التماسك الاجتماعي في المجتمع العالمي هي اطراد ~~الزيادة في اعتماد شعوب العالم بعضها على بعض من الناحية ~~الاقتصادية. غير أنه من المهم أن نوازن موازنة مباشرة بين ~~هذا الاعتماد الاقتصادي وبين المفارقة الشديدة في القدرة ~~الاقتصادية للأمم المختلفة. # وعامل آخر في التماسك الاجتماعي بين أفراد الجماعة ~~العالمية هو الخوف من أن تبيد الشعوب بعضها بعضا، وقد ~~اشتدت القدرة على الإبادة في السنوات الأخيرة بالقوة ~~الجديدة التي أمدت بها المكتشفات الذرية سلاح الموت الذي ~~يملكه الإنسان. وينبغي ألا نهون من شأن هذا الخوف كقوة ~~اجتماعية، كما ينبغي أن ندرك أن بعض الجماعات في التاريخ ~~الذي مضى من التي تعددت فيها الثقافات قد حققت شيئا من ~~التماسك باعتقادها - ولو بقدر يسير - في فضل النظام على ~~الفوضى . ولكن الخوف من الدمار في حد ذاته أقل قوة من ~~الخوف من خطر معين من عدو بذاته. وليس في التاريخ ما يدل ~~على أن الشعوب قد أقامت مجتمعا مشتركا؛ لأن كلا منها ~~كان يخشى الآخر، في حين أن التاريخ يمدنا بأمثلة كثيرة كان ~~فيها الخوف من عدو مشترك عاملا من عوامل قوة ~~التماسك. # إن العامل الحاسم وأهم العوامل في إيجاد التماسك ~~الاجتماعي في المجتمع العالمي هو القوة الروحية. والأفراد ~~المستنيرون في جميع الأمم يحسون بعض الإحساس ms187 بالواجب ~~نحو إخوانهم في البشرية، وهو إحساس يجاوز حدود الدولة التي ~~ينتمون إليها. وهناك على الأقل إحساس خفيف بالواجب نحو ~~المجتمع البشري قاطبة الذي بدأنا نحس وجوده إحساسا ~~طفيفا. وقد عزز الإحساس بهذا الواجب الذي استقر في ضمير ~~البشرية منذ ظهور الفلسفات والديانات العالمية لتحل محل ~~نظائرها المحلية، الضرورة الحتمية لقيام مجتمع عالمي أشد ~~تماسكا. وهذا الإحساس المعنوي المشترك ذو أهمية قصوى ~~لحياة الناس الخلقية والدينية، ولكن أثره السياسي المباشر ~~لا يبلغ القدر الذي نظن أحيانا. إن التماسك السياسي يتطلب ~~عقائد مشتركة في أمور معينة تتعلق بالعدالة، ونحن نفتقر ~~إلى هذه العقائد. # وموجز القول أن القوى التي تعمل على تماسك المجتمع ~~العالمي محدودة. ولا تعني إشارتنا إلى هذه الحقيقة أن كل ~~جهد يبذل في سبيل تعزيز تماسك المجتمع العالمي وتوسيع ~~رقعته عبث لا طائل تحته؛ فإن هذا الواجب ينبغي أن يشغل ~~ضمير البشرية لعدة قرون مقبلة، ولسوف يحدث ذلك قطعا. بيد ~~أن بناء الحكومة الذي سوف نشيده لن يكون سليما نافعا إلا ~~إذا تناسب ارتفاعه مع قوة المواد التي تقيمه منها. والموقف ~~السياسي الراهن يتطلب منا ألا نسعى إلى السلام فحسب، بل ~~نسعى كذلك إلى الاحتفاظ بحضارة نعتقد أنها أفضل من ~~الاستبداد العالمي الذي يهددنا به الاعتداء السوفيتي، ~~وهدفنا هو أن ننجح في هذا الواجب المزدوج، ولا ينبغي لنا ~~أن نحيد عن هذا الهدف ونظن أنه بوسعنا أن نستبدل به ~~غيره. # وأعتقد أن فرصة النجاح في كفاحنا ضد العدو المتعصب تكون ~~أكثر سنوحا لنا إذا نحن خففنا من ثقتنا فيما عندنا من ~~طهارة وفضيلة. إن غرور الأمم القوية وإيمانها بفضلها أشد ~~خطرا على نجاحها في مجال السياسة من حيل الأعداء. وإذا ~~نحن استطعنا أن نجمع بين قدر أكبر من التواضع وعزمنا ~~الأكيد، فقد لا يقف الأمر عند حد زيادة نجاحنا في صد تيار ~~الاستبداد، بل يتخطاه تدريجا إلى إقامة إحساس صادق ~~بمشاركة العدو، مهما تكن هذه المشاركة ضئيلة. ومهما اشتد ~~عنادنا في مقاومة الضغط الروسي، فلا بد لنا من شيء ms188 من الحس ~~بمشاركة الاتحاد السوفيتي، نستمده من حسنا باشتباكنا في ~~مصير مشترك يدعو إلى الأسى الشديد، ومن إدراكنا للإثم ~~المشترك الذي نقترفه بتبادل الخوف والفزع. وإذا كان ~~المجتمع في قواعده الأساسية يقوم بتأثير قوى التاريخ ~~العضوية المختلفة، فلا بد من حفظ كيانه في نهاية الأمر ~~بتبادل الاحتمال ~~والتسامح. # 5 ~~(1-6) الله ومصير الإنسان # ربما فشل جيلنا، وربما أعوزنا التواضع والمحبة والبر ~~الذي يلزم لتحقيق هذا الهدف، بل إن هناك ما ينذر بإمكان ~~فشلنا، بل وباحتماله. وفي الكتاب المقدس وعد بحياة جديدة ~~للأفراد والأمم، ولكن ليس هناك ما يضمن النجاح على مدى ~~التاريخ. وليست هناك وسيلة إلى تحويل العقيدة المسيحية إلى ~~نظام من التفاؤل يدوم ما دام التاريخ. إن الانتصار الحاسم ~~على فوضى الإنسان يكون من عند الله ولا يكون من عند ~~الإنسان، ولكنا مسئولون عن الانتصار المؤقت. والحياة ~~المسيحية إذا خلت من الحس المرهف بالمسئولية عن صحة ~~مجتمعاتنا وشعوبنا وثقافاتنا تتدهور إلى تفكير في العالم ~~الآخر لا يطاق. ونحن لا نستطيع أن ننبذ موطننا فوق الأرض، ~~ولا نستطيع أيضا أن نزعم أن انتصاره أو هزيمته هو الذي ~~يحدد المعنى النهائي لوجودنا. # ولقد بكى المسيح على بيت المقدس وأسف؛ لأن هذا البلد لم ~~يعرف ما يتعلق بأمنه وسلامه. ولدينا في العهد القديم قصة ~~إبراهيم المؤثرة وهو يجادل الرب في عدد الأفراد اللازمين ~~لإنقاذ المدينة، هل يحتاج الأمر إلى خمسين أو أربعين أو ~~ثلاثين؟ واتفق مع الرب في النهاية على عشرين. إن الأمر لا ~~يحتاج إلا إلى خميرة صغيرة. إن مركزا صغيرا من الصحة قد ~~يكون وسيلة إلى النقاهة لمجتمع بأسره. وتحدد هذه الحقيقة ~~المسئولية الضخمة التي تقع على عاتق شعب الله في مدن ~~الخراب في هذا العالم. # غير أن لهذه القصة مغزى بعيدا كثيرا ما نهمله، وهو ~~مغزى خطير يمكن تطبيقه على عصرنا الحاضر؛ فإنه مهما تكن ~~البقية الصالحة التي يحتاج إليها الإله لإعادة بناء ~~مجتمعاتنا صغيرة، فإنها لم تبشر بالظهور في سدوم ~~وعامورة، وربما كان من الصواب أن نقول إن ms189 الأقلية الصالحة ~~في سدوم ربما كانت كافية في عددها، غير أن صلاحها لم يكن ~~كافيا لإنقاذ سدوم وعامورة. وإني لأحس في غير اطمئنان ~~أن اليوم في مثل هذا الوضع؛ ففي مدينتنا الحديثة بأسرها ~~قليل جدا من الصحة، حتى إن المرء ليضل الطريق إلى موضع ~~النظام الذي يقاوم منه الفوضى. وأمسى الاختيار أمامنا ~~محدودا جدا. هل لا بد لنا أن نختار في النهاية بين ~~الفناء بالذرة أو الخضوع لظلم شامل؟ إذا جاء هذا اليوم يجب ~~أن نذكر أن لغز السيادة والرحمة الإلهية يتجاوز مصير ~~الإمبراطوريات والمدنيات. والله باق في علاه حتى بعد فناء ~~هذه الإمبراطوريات والحضارات. ومهما يكن من أمر فإن الله ~~لا يحب الهلاك لهذه الإمبراطوريات والحضارات، وإنما يحب ~~لها أن تتخلى عن وسائلها الشريرة وتحيا، وهو يطلب إلينا أن ~~نعمل في ضوء النهار، ما دام ظلام الليل آتيا، وعندئذ لن ~~يستطيع أحد منا أن ~~يعمل. # 6 # المصادر # كل المختارات في هذا الفصل مقتبسة من كتاب «الواقعية ~~المسيحية والأزمة السياسية» لرينولد نيبور. # 1 # الفصل الثامن «الحق ~~المسيحي في النظام القومي والاجتماعي». # 2 # نفس المصدر ~~السابق. # 3 # نفس المصدر ~~السابق. # 4 # الفصل السابع ~~«الديمقراطية، والدنيوية، والمسيحية». # 5 # الفصل الثاني «وهم ~~الحكومة العالمية». # 6 # من الفصل ~~الثامن. # الفصل التاسع # | سارفيبالي رادا كرشنان # (1888م-...) # إن سارفيبالي رادا كرشنان الفيلسوف، والباحث في الديانات ~~المقارنة، والمربي، ونائب رئيس جمهورية الهند، # 1 # يذكر العالم الحديث بما قال أفلاطون من أن الفلسفة ~~والنفوذ السياسي يجب أن يتضافرا لحكم الناس بطريقة أفضل. ويعد ~~هذا الرجل الفذ، الذي كان فيما سبق زميلا لغاندي ورابندرانات ~~طاغور - وهو اليوم رفيق ملازم لنهرو رئيس وزراء الهند - أعظم مفكر ~~حي في الشرق، وأول ممثل لتقاليده الفلسفية الغنية. وهو يألف كذلك ~~تقاليد الغرب الفلسفية والدينية، كما قام بالتدريس عدة سنوات ~~بأكسفورد، وهو المتحدث الأول اليوم عن التوفيق بين القيم الشرقية ~~والقيم الغربية. وقد أطلق عليه ذات يوم فيلسوف صديق له «الفيلسوف ~~الذي يتحدث بلغتين» الذي يتدبر في مؤلفاته «حكمة العالم ~~الروحية». # ولد رادا كرشنان ms190 في اليوم الخامس من شهر سبتمبر عام 1888م، ~~وتلقى علومه في كلية مدراس المسيحية. وفيما بين عامي 1911 ~~و1916م كان أستاذا مساعدا للفلسفة في كلية الرياسة بمدراس، ثم ~~أستاذا جامعيا للفلسفة في ميسور فيما بين عامي 1918 و1921م، ~~وشغل بعد ذلك كرسي جورج الخامس للفلسفة في جامعة كلكتا، كما شغل ~~كذلك مناصب كبرى في إدارة التعليم في وطنه، منها تسع سنوات نائبا ~~لرئيس جامعة بنارس الهندية. وفي أخريات العقد الثالث من القرن ~~العشرين رحل إلى أمريكا، وزار العاصمة الصاخبة بالغرب الأوسط، حيث ~~ألقى محاضرات هاسكل في الديانة المقارنة بجامعة شيكاغو، ثم ألقى ~~فيما بعد محاضرات هبرت. # ونظرا لتفوقه العقلي، دعي رادا كرشنان ليقوم بعدة خدمات في ~~السياسة الدولية، وكان عضوا في اللجنة الدولية للتعاون الثقافي ~~بجمعية الأمم بجنيف فيما بين عامي 1931 و1939م، كما لعب دورا ~~هاما في الأمم المتحدة التي خلقت عصبة الأمم، وكان رئيسا للمجلس ~~التنفيذي باليونسكو في باريس عامي 1948 و1949م، ثم أصبح عضوا في ~~لجنة الدستور الهندي في الفترة التي تقع بين عام 1947 وعام 1949م، ~~وفي عام 1949 عين سفيرا للهند لدى الاتحاد السوفيتي، وفي عام ~~1952م تقلد منصب نائب رئيس جمهورية الهند. # وفي مجال التنظيم التربوي كان رادا كرشنان كذلك من الرواد. وقد ~~كان رئيسا لمؤتمر التعليم لدول جميع آسيا الذي عقد في بنارس في ~~عام 1930م. وفي عام 1949م عين رئيسا للجنة الجامعات في حكومة ~~الهند. # وبالرغم من كل هذه الأعمال المتنوعة في مجال السياسة والسفارات، ~~استطاع رادا كرشنان بطريقة ما - نظرا لحيويته الكبرى - أن يكون ~~باحثا مبدعا كثير الإنتاج، فأمكنه أن يدبج عشرات المقالات ~~والخطب والمحاضرات والتقارير، كما أخرج مجلدات خاصة ضمها إلى ~~كتبه العديدة الهامة المطولة. ومن بين مؤلفاته الرئيسية كتابه ~~الضخم «فلسفة الهند»، وهو يقع في مجلدين كبيرين، كرس لهما المؤلف ~~زهاء عشرين عاما من البحث والكتابة. وله كتابان آخران لهما أثرهما ~~البالغ، وهما: «نظرة مثالية إلى الحياة»، وهي محاضرات هبرت، ~~و«الديانات الشرقية والتفكير الغربي». وتلمس في كل ما كتب ms191 رادا ~~كرشنان روح البحث في الديانة المقارنة والفلسفة المقارنة. وهي روح ~~يمكن إدراكها على أحسن وجه بالنحو الذي صاغ به سؤالا رئيسيا هو: ~~«هلا جاهدنا في سبيل فلسفة تجمع بين خير ما في الإنسانية ~~الأوروبية والديانة الآسيوية، فلسفة أعمق وأكثر حيوية من هذه وتلك، ~~مزودة بقوة روحانية وخلقية أكبر، تغزو قلوب الناس وترغم الشعوب ~~على الاعتراف بسلطانها؟» وما دامت الفلسفة عند رادا كرشنان هي ~~أسلوبا للحياة وتعودا على متابعة الحق حتى يعرف الإنسان نفسه ~~ويسترشد خلقيا، فهو لا يرى إمكان استبعاد السياسة والشئون ~~الدولية مما يهتم به الفيلسوف. ولقد قال: «إن الدين يتضمن الإيمان ~~بالأخوة البشرية، والسياسة هي أفعل الوسائل التي ترسمها في صورة ~~مرئية؛ فليست السياسة إلا تطبيق الدين.» ~~(1) ديانة الروح وحاجات الدنيا # سارفيبالي رادا كرشنان ~~(1-1) وظيفة الفلسفة # إن الطالب الهندي للفكر الفلسفي الذي يعيش في هذه الفترة ~~التاريخية ذات المعنى العميق أمامه واجبات وعليه مسئوليات. ~~إن أهم ظاهرة في عصرنا ليست هي الحروب أو الدكتاتوريات ~~التي تشوه وجه الدنيا، إنما هي تأثير الثقافات المختلفة ~~بعضها في بعض، وتفاعلها، وظهور مدنية جديدة تقوم على أساس ~~حقائق الروح ووحدة البشرية. إن المآسي والكوارث التي تشغل ~~جانبا كبيرا من أبرز ما في وعينا إنما ترمز إلى انهيار ~~الاتجاهات الانفصالية والسير نحو اتحاد الجماعات القومية ~~في وحدة عالمية. وفي اضطرابات الفترة المعاصرة ينبغي لهذا ~~الجيل، الذي وقع في الخطأ وعانى طويلا وأمسى عاجزا، ألا ~~يغض الطرف عن الحركة الكبرى التي ترمي إلى الوحدة التي ~~يسهم فيها. # وقد عادت الهند مرة أخرى إلى صلتها بالعالم الغربي عن ~~طريق علاقتها ببريطانيا، وتداخل التيارين العظيمين من ~~مجهود الإنسان في مثل هذه الأزمة التي يجتازها تاريخ الجنس ~~البشري لا يخلو من المعنى بالنسبة إلى المستقبل. إن ~~التفكير الهندي، لما يتميز به من إحساس عميق بالواقعية ~~الروحية والتدبر في عالم تجاربنا العادية، وبما يتصف به من ~~بصيرة سامية نافذة وآمال خالدة، ربما استطاع أن يصرفنا نحن ~~المحدثين عن الانشغال التام بالحياة الدنيوية أو بالصيغ ~~الراهنة التي ms192 كثيرا ما أراد التفكير المنطقي أن يحبس فيها ~~الطموح الروحي. والظاهر أننا على غير استعداد عقلي أو روحي ~~إلى تلك المادية المتزايدة التي تنجذب إليها الشعوب ~~البعيدة بقوة الظروف الطبيعية والاقتصادية. إن العالم الذي ~~أمسى اليوم جسما واحدا يبحث عن روحه. فهلا مهدنا ~~لروح العالم الصادقة التي لم تولد بعد بتبادل حر للآراء ~~وتطوير للفلسفة التي تجمع بين خير ما في الإنسانية ~~الأوروبية والديانة الآسيوية، فلسفة أشد عمقا وأكثر ~~حيوية من هذه وتلك، مزودة بقوة روحية وخلقية أكبر، تغزو ~~قلوب الناس وترغم الشعوب على الاعتراف بسلطانها. إن مثل ~~هذه النظرة إلى وظيفة الفلسفة في الحياة الحديثة تتولد عن ~~ضرورة الفكر، وربما استطاع الباحث الهندي أن يقدم شيئا من ~~العون على تطوير النظرة العالمية في ~~الفلسفة. ~~⋆ # وبالرغم من أني لم أدرك الاتجاه الصحيح الذي أسير فيه، ~~ولم أدرك أني إنما ولدت لكي أؤدي ما أؤديه اليوم، فإن ~~أسفاري وصلاتي في أصقاع مختلفة من العالم لأكثر من جيل من ~~الزمان أمدتني بهدف في الحياة. وكان اهتمامي الوحيد ~~الأكبر أن أحاول أن أرد الإحساس بالقيم الروحية إلى ~~الملايين من الناس الذين انحرفوا من الوجهة الدينية، ~~والذين كافحوا لكي يجدوا ملاذا آخر غير الدين في مجالات ~~الفنون والعلوم الطارئة، وفي الفاشية والنازية، وفي ~~الإنسانية والشيوعية. وأول خطوة نحو استرداد الإحساس ~~بالقيم الروحية هي أن نفهم طبيعة الاضطراب الفكري الذي ~~يستولي على اتجاه الملايين من البشر. ومن بين المؤثرات ~~الكبرى التي تنمي روح الشك بالنسبة إلى الحق الديني نمو ~~الروح العلمية، وتقدم الحضارة التكنولوجية، ودين رسمي أو ~~دين مصطنع يجد نفسه في صراع مع ضمير اجتماعي متيقظ، ~~ودراسة مقارنة ~~للديانات. ~~⋆ ~~(1-2) تدهور الدين # أخذ الإنسان يسير سيرا حثيثا منذ عام 1500م نحو تكوين ~~جماعة واحدة. وقد أدت الحربان العالميتان إلى انكماش ~~المسافات وضمور العالم. وهذه الوحدة الطبيعية للعالم تتطلب ~~لبقائها وحدة سيكولوجية. غير أن الحواجز التي تقيمها ~~الديانات المتزمتة تصيب بالعقم جهود الناس التي تبذل في ~~سبيل التنسيق بين قواهم في تشكيل المستقبل؛ فكل ديانة ms193 ~~تنافس الديانات الأخرى. وهناك أمور أخرى أكثر أهمية مما ~~يحمله كل منا من ولاء خاص نحو عقيدة معينة: الحق ~~والإنسانية، وذلك الوعي الديني العالمي الذي تمتلكه ~~الكائنات البشرية جميعا ملكا مشتركا بفضل ما أوتيت من ~~روحانية. وما دام ولاؤنا الطائفي قويا غلابا فلا يمكن ~~أن ننتمي إلى الجماعة الإنسانية العامة. # إن الدين - بوظيفته التي يؤديها حتى الآن - لا يقوم على ~~أساس علمي أو أساس اجتماعي. ونظرا لهذه المميزات للديانة ~~التقليدية، فإن قطاعات كبيرة من البشرية تقع فريسة للكفر ~~رغما عنها. ونحن نعيش في عصر تفكك من الأفكار وتردد ~~في العمل، وقيمنا غامضة، وتفكيرنا مضطرب، وأهدافنا ~~متغيرة، ومستقبلنا غير واضح. هناك معارف متناثرة هنا ~~وهناك، ولكن ليست هناك صورة واحدة مرئية. وقد أشار الشاعر ~~الإنجليزي و. ب. بيتس إلى حالتنا هذه في كلمات خالدة يجدر ~~بنا أن نتدبرها جيدا، قال: # كل شيء يتداعى والمركز يتلاشى، # والفوضى الشاملة تزحف على الدنيا، # وتيار الدماء يتدفق، # ومكانة الكرامة تنحط في كل مكان، # وأفضل الناس يعوزهم الإيمان، # وأسوءهم يسير مع الأهواء. # ولو أردنا أن نتغلب على المخاطر التي ~~تهددنا، فلا مناص لنا من مواجهتها بشجاعة، ولا بد لنا من ~~الحيطة ضد قدرتها على إيذائنا. وقضية الدين في عصرنا هذا ~~لا تتعلق بالفروق المذهبية والخلافات بشأن الطقوس، وإنما ~~هي تتعلق بوجود الدين ذاته. وإن حالة الجفاء أو عدم ~~المبالاة التي تتجاهل الدين لأشد فتكا من نبذه صراحة. ~~وحتى ماركس ذاته لا ينظر إلى الدين باعتباره أمرا تافها، ~~وإنما ينظر إليه باعتباره شرا وبيلا. إن المثقفين في ~~هذا العصر الحديث يلخصون الموقف في هذه العبارة: يعتقد بعض ~~الناس أن الله موجود، ويعتقد بعضهم أنه غير موجود، والأمر ~~لا يهم في كلتا ~~الحالتين. ~~⋆ ~~(1-3) الحاجة إلى تماسك الرأي # إن العقل العالمي بحاجة إلى التماسك، وهذه النظرة ~~البلهاء التي ننظرها اليوم إلى غير هدف تحتاج إلى أن ~~نستبدل بها هدفا جماعيا معقولا. وإذا كنا نود ألا ~~تؤدي بنا حالة التردد الراهنة إلى اليأس، فلا بد لنا من ~~فلسفة، ومن ms194 اتجاه وأمل. إن العقيدة قد تكون عسيرة، بيد ~~أنه ليس من الحاجة إلى الاعتقاد مفر. إننا نبحث عن دين ~~روحاني، يصلح للدنيا بأسرها، دين حيوي، واضح المعالم، دين ~~يدرك المعنى الجديد للحق والشعور الاجتماعي المتيقظ، وهما ~~من الصفات البارزة في موقفنا من الدين في الوقت الحاضر. ~~ويجب ألا نهمل النزاهة العقلية الصارمة والميل الشديد نحو ~~العدالة الاجتماعية؛ فهما تعبير عن الإخلاص الروحي. إن ~~الدين الذي نعتنقه يجب أن يمدنا بنشاط فكري لا يحاول أن ~~يراوغ مع نفسه، ويجرؤ على الإخلاص، ونشاط إرادي يمدنا ~~بالقدرة على أن نقول ما نعتقد، ونفعل ما نقول. وكثيرا ما ~~دل الشك وإنكار الله على أنا نمر بلحظة من لحظات الجدل ~~في تاريخ الدين، وعلى أنهما من الوسائل التي استخدمها ~~الإنسان ليستزيد من معرفته بالله، ويحرر نفسه من الآراء ~~الدينية المعوجة. # وليس نقيض الدين انعدام الدين، وإنما نقيضه دين آخر؛ ~~ولما أنكر بوذا آلهة الفيدا، فإنما فعل ذلك باسم دين أسمى؛ ~~ولما حكم على سقراط بالموت بتهمة الإلحاد، كان دفاعه أنه ~~إنما نبذ دينا ناقصا. ولما جيء بالمسيحيين إلى البهو ~~الروماني ليستشهدوا في سبيل معتقداتهم، صاح الرعاع من ~~الوثنيين قائلين: «ادفعوا بالملحدين إلى الأسد ~~الضارية.» ~~(1-4) جذور الدين # إن توتر الطبيعة البشرية هو الذي يجعل الإنسان شائقا؛ ~~فبغير هذا التوتر لا يعي الإنسان تفاهته وعجزه، وأنه كمية ~~مهملة، معتمد على غيره، خاو، ضعيف. ولضيقه وآلامه نتيجة ~~إيجابية. وجذور الدين تمتد إلى هذا العذاب الباطني الذي لا ~~بد من تبديده. ولا مناص للإنسان من الكفاح في سبيل الوحدة ~~مع الطبيعة ومع غيره من الناس ومع نفسه، ولا تتحقق له ~~الكرامة البشرية إلا إذا انتصر في هذا الكفاح. إننا نبحث ~~عن عالم لا بد أن ينشأ، ونحن حجاج في رحلة إلى هذا العالم ~~المرتقب؛ إذ إننا قوم رحل في هذه الدنيا. ولا بد لنا من ~~تخطي حدود وعينا الثنائي المنقسم، ولا نستطيع أن نبقى ~~قائمين في عزلة مصمتة من رغباتنا المكبوتة، ولا نستطيع أن ~~نبقى دائما في حالة ms195 من حالات النقص التي يجب أن تسد، بل ~~إن أدنى صورة من صور الحياة لتجاهد في سبيل التلاؤم ~~والتكيف. # ولقد لعب أسلاف الإنسان دورا هاما في هذه المسرحية ~~الكبرى التي تمثل التطور الكوني، بالرغم من أنهم لم يفهموا ~~المسرحية كما لم يفهموا دورهم فيها. وعلى الإنسان أيضا أن ~~يلعب دوره، ولكن مع العلم بتكوين المسرحية ومغزاها، ولا بد ~~له أن يفهم بذكائه الخطة الكونية، وأن يعمل بإرادته على ~~دفعها إلى الأمام. إن التقدم البشري لا يتوقف على فعل ~~القوانين الطبيعية والبيولوجية البطيء. ويمكن أن نسارع به ~~بجهدنا، إذا نحن حررنا أنفسنا من العبودية، وإذا نحن ~~تحاشينا الحياة الجزية، ودخلنا في الحياة الكلية. إن دعاء ~~الأوبانشاد الذي يقول «اللهم أخرجني من غير الواقع إلى ~~الواقع، ومن الظلام إلى الضياء، ومن الموت إلى الخلود»؛ ~~هذا الدعاء يفترض أنا نعيش في عالم من الخوف والهم ~~والعزلة والموت والعدم، وأنا نسعى إلى عالم من الوجود، ~~وعدم الخوف، والحرية والروح والخلود. إننا نسعى إلى أن ~~نتجاوز نهائية الوجود البشري لكي نظفر بالحياة ~~الأبدية. # إننا نتوق أحيانا إلى أن نعود القهقرى، إلى أن نصبح ~~بغير تفكير وبغير خيال، إلى أن نغرق في بساطة الوجود ~~البيولوجي، إلى أن نهبط إلى مستوى الحيوان البدائي. غير أن ~~هذا الاتجاه معناه التضحية المقصودة بسلامة كياننا، ~~والتخلي عن محاولة بلوغ الكمال. إننا لا نستطيع أن نقلب ~~الأوضاع ونلقي ميراثنا عن كواهلنا. والإنسان الواعي بنفسه ~~لا يمكن أن يتحول إلى الحيوان الغرزي. وحتى إن هو أبى أن ~~يفيد من وعيه العاقل، فإنه لن يستطيع أن يسترد الوحدة ~~الأولى مع الطبيعة؛ فذكرى الماضي وتوقع المستقبل يحولان ~~دون ذلك. لقد أراد أيوب أن يجد مأواه في النوم ولكنه لم ~~يفلح. «وحينما أقول إن فراشي سيريحني، وإن سريري سيخفف ~~من بلواي، عندئذ تزعجني بالأحلام وتدخل في نفسي الرعب ~~بالرؤى.» إننا لا نستطيع أن نتخلى عن عقولنا، ولا نستطيع ~~أن نفر من وعينا بأنفسنا. والعلاج من اضطراب نفوسنا لا ~~يكون بالارتداد إلى ظلمة اللاوعي، وإنما يكون ms196 بالتقدم نحو ~~الوعي الخلاق. إن ما نستهدفه هو استنارة الحكيم، لا ~~سذاجة الوليد الجديد وعدم خبرته. # إننا لا نستطيع أن نعالج المحنة التي نعانيها من جراء ~~العقل والانعزال وحالة القلق والضيق، بتعاطي المخدرات، أو ~~بأساطير الدين، أو بالمعتقدات السياسية. إن هذه الخطط التي ~~نرسمها للفرار من سجن حياتنا قد تعين القليلين منا لفترة ~~وجيزة؛ فإذا نحن تناولنا الأفيون فقد نجد بضع لحظات جميلة ~~هادئة إذا قيست إلى العالم الذي يعج في الخارج، ولكنها ~~لا تدوم طويلا. وكذلك العقائد التي لا تستند إلى العلم، ~~والخرافات الساذجة تنبئنا عن عقل الإنسان أكثر مما تنبئنا ~~عن تكوين الحقيقة والواقع، ولا يمكن أن تنقذ الإنسان من ~~الشك. # وإذا كان الفرد المنعزل يتشبث بشيء خارج عنه، فقد يظفر ~~بالطمأنينة، غير أنه يظفر بها على حساب كرامته كفرد. وقد ~~ننبذ حرية البحث ونعصب أعيننا عن مواصلة البحث برباط مذهب ~~حاسم من المذاهب؛ وبهذه الطريقة قد نتخلص من إصدار ~~القرارات أو تحمل المسئولية عن المستقبل. بيد أنا نحس ~~في أعماق نفوسنا بالقلق والاضطراب؛ لأن ظهور الذات الفردية ~~لا يمكن أن يوءد. إن السعادة في الحرية، والحرية في عظمة ~~الروح. # وقد يقال إن التقدم العلمي سيقضي على الشعور بالعزلة ~~التي ننظر بها إلى العالم الخارجي، وسوف ينهي عجز الإنسان ~~عن أن يحدد مصيره بنفسه. # وقد نسلم بأنا نستطيع أن نتنبأ بمجرى الظواهر ~~الطبيعية، بل ونستطيع إلى حد ما أن نتحكم فيها، ولكن ~~الطبيعة لا يمكن أن تروض على تنفيذ إرادة الإنسان، وسوف ~~تستمر أهواؤها العمياء وعواصفها وزوابعها وأعاصيرها ~~وزلازلها في تحطيم عمله وتدمير أحلامه. ولا يستطيع الإنسان ~~أن يغير من حدود حياته أو جسمه. ~~«أيها الغافل! إنك في حاجة إلى روحك هذا المساء!» # إن ازدياد المعرفة بالعلم دون أن يقابله نمو في الحكمة ~~الدينية إنما يزيد من مخاوفنا من الموت، وثقافتنا العلمية ~~لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. لقد سيطرنا على قوى ~~الطبيعة وتحكمنا في البحار وغزونا الفضاء، ولقد زدنا من ~~الإنتاج، وحاربنا المرض، ونظمنا التجارة، وجعلنا ms197 الإنسان ~~سيدا على بيئته، ولكن سيد الأرض لا يستطيع برغم هذا أن ~~يعيش مطمئنا؛ فهو يختبئ في باطن الأرض تارة، ويلبس ~~الأقنعة يتقي بها الغازات تارة أخرى. إن مخاوف الحروب ~~تطارده، فهو يعيش في حالة من الشك دائمة. ولا يمكن أن تكون ~~هذه الحضارة المهددة بالحرب، والمندفعة بقوة الآلة، هي آخر ~~ما يصل إليه الإنسان من كفاحه، وما لم نكن بلهاء مكفوفين ~~أو ضعاف العقول راضين عن أنفسنا، فسوف نعرف أن التنظيم ~~العلمي لا يفي بما تتطلبه روح ~~الإنسان. ~~⋆ ~~(1-5) إخاء في الدين لا اندماج # لا بد لنا أن نسير على طريق يتجاوز كل ما اضطرب به ~~التاريخ الماضي من فوارق، ولا بد للبشر جميعا في نهاية ~~الأمر أن يسلكوا طريقا واحدا؛ فكثيرا ما كان الاعتقاد ~~في دعاوى معينة دون غيرها واحتكار الحق الديني لطائفة دون ~~سواها مصدرا من مصادر الكبرياء والتعصب والشحناء. وموقفنا ~~إزاء الديانات الأخرى يجب أن يتميز بروح تلك العبارة ~~العظيمة التي وردت في إحدى مسرحيات سوفوكليز، على لسان ~~أنتيجون، حيث يقول: «إنني لم أولد لكي أشارك الناس ~~بغضاءهم، وإنما ولدت لكي أشاركهم ~~المحبة.» ~~⋆ # إن العالم لا يسعى إلى اندماج الأديان بمقدار ما يسعى ~~إلى المؤاخاة بينها، تلك المؤاخاة التي تقوم على أساس ~~الصفة الأساسية في تجربة الإنسان الدينية. يقول وليم بليك: ~~«كما أن الناس جميعا متشابهون (برغم تعدد الأفراد تعددا ~~لا حصر له) فكذلك جميع الديانات، ككل المتشابهات، تنبع من ~~مصدر واحد.» تستطيع الديانات المختلفة أن تحتفظ بشخصياتها ~~وبتعاليمها الخاصة وطقوسها المميزة، ما دامت لا تضعف ~~الإحساس بالإخاء الروحاني. إن ضياء الأبدية يعشي أبصارنا ~~إذا سطع في وجوهنا بكل قوته، وهو يتحلل إلى ألوان حتى ~~تستطيع أعيننا أن تدرك شيئا منه . وكذلك التقاليد الدينية ~~المختلفة تشكل الحقيقة الواحدة في صور مختلفة، ويمكن لهذه ~~الصور أن تتقابل وتخصب كل منها الأخرى، فتكسب الجنس ~~البشري الكمال المتعدد الجوانب، من إشعاع الهندوكية ~~الروحاني، إلى طاعة اليهودية المخلصة، إلى حياة الجمال في ~~الوثنية الإغريقية، إلى سمو الرأفة في البوذية، إلى ms198 صورة ~~المحبة المقدسة في المسيحية، إلى روح الاستسلام لإله ~~المسلمين جل جلاله؛ كل ذلك يمثل أوجها مختلفة من الحياة ~~الروحانية الباطنية، وهي صورة ذهنية بارزة لتجارب الروح ~~البشرية التي يعجز عن وصفها اللسان. # وإذا كان الدين هو إدراك طبيعتنا الحقيقية في الله، فهو ~~إذن يعمل على اتحاد جميع البشر على أساس الاتحاد ~~بالأبدية، وهو يرى في كل ديانة أخرى نفس الحاجة العالمية ~~الكبرى ذاتها التي أحسها في نفسه. إن الديانات المختلفة ~~تستمد مصدرها من طموح الإنسان نحو عالم لا يرى، بالرغم من ~~أن الصور التي يتخذها هذا الطموح تتشكل بعوامل البيئة ~~والجو الفكري. ووحدة الديانات تلتمس في ذلك الجانب المقدس ~~أو العالمي في كل منها، ولا تلتمس في ذلك الجانب ~~الموقوت أو الموضعي فيها. وحيثما كان هناك روح الحق فهناك ~~اتحاد. وهناك في مجال الدين - كما أن هناك في المجالات ~~الأخرى - متسع للتنوع دون حاجة إلى التنافر؛ فإذا ادعى ~~داع أن تقليدا دينيا واحدا هو الذي يتميز دون غيره ~~بالحق ويكشف عن وجود الإله الحق، كان في دعواه تناقض مع ~~الاعتقاد في إله حي يخاطب الناس بأقدار متنوعة وبطرق ~~مختلفة. وقد ذكر أفلاطون أن الله بالضرورة متصل بذاته يتصف ~~بالخير الذي لا يشوبه حقد. ليست هناك عقيدة واحدة لا تتغير ~~يتلقاها القديسون. إن الوحي إلهي إنساني. وكما أن الله لا ~~يكشف عن وجوده للحجر أو للنبات، وإنما يكشف عنه للإنسان ~~وحده، فإن صورته تتشكل بقدرة العقل البشري على التفكير. إن ~~روح الخالق مستعدة دائما أن تكشف عن نفسها لروح الإنسان ~~الباحث، بشرط أن يكون البحث صادقا والجهد عسيرا. وليست ~~الكلمة العليا للكشف عن الله في كتاب لا يخطئ أو كنيسة لا ~~تخطئ، وإنما هي في شهود النور الخفي. وما نحن بحاجة إليه ~~ليس الخضوع إلى سلطة خارجية، وإنما هو استنارة باطنية ~~تختبر صحتها - بطبيعة الحال - بالتقليد أو بالمنطق. وإذا ~~نحن تدبرنا الأمر مليا رأينا وحدة التطلع الروحي ~~والجهد الروحي التي تكمن تحت الطرق العليا المتنوعة التي ~~تنم عنها العقائد العالمية ms199 المختلفة. إن تنوع الصيغ ~~التقليدية يميل إلى التناقض كلما صعدنا درجات السلم ~~المؤدي إلى الكمال الروحاني، وكل طرق الصعود تؤدي إلى قمة ~~الجبل. وهذا الميل إلى التلاقي وتلك الدرجة الكبيرة من ~~الاتفاق في نظر أولئك الذين يبلغون قمة الجبل لأقوى دليل ~~على حقيقة ~~الدين. ~~⋆ ~~(1-6) دين عالمي # شريعة الدين تحتم على المرء أن يغير ما بنفسه حتى يجعل ~~الجانب المقدس فيه غلابا. الدين يدعو إلى القضاء على ~~الإنسان كما نعرفه بكل ما لديه من رغبات دنيوية، وإلى ظهور ~~الإنسان الجديد. وليست هذه هي تعاليم الأوبانشاد والبوذية ~~فحسب، بل هي كذلك مما تدعو إليه الألغاز الإغريقية ~~والأفلاطونية وتعاليم الكتب السماوية ومذاهب اللاأدرية. ~~وهذه هي الحكمة التي يشير إليها أفلوطين حينما يقول: «ليس ~~هذا المذهب جديدا، بل لقد عبر عنه الإنسان منذ أقدم ~~العصور، وإن لم يستطع أن ينميه بصورة واضحة. ولا نريد إلا ~~أن نكون شارحين للحكماء القدامى، وأن نبين ببرهان من عند ~~أفلاطون نفسه أنهم كانوا يعتنقون آراء كآرائنا.» هذا هو ~~الدين الذي يذكره أوغسطين في عبارته المشهورة: «إن ما ~~نسميه الدين المسيحي كان موجودا بين القدامى، ولم يعدم ~~وجوده قط، من بداية الجنس البشري حتى جاء المسيح في لحم ~~ودم، وهذا هو الوقت الذي بدأ فيه الدين الحق - الذي كان ~~موجودا من قبل - أن يسمى المسيحية.» إن هذه الحقيقة ~~تطالعنا في لهجات مختلفة عبر القارات وعبر قرون التاريخ. ~~وأولئك الذين يتجاهلون هذه الحكمة الأبدية، ذلك الدين ~~الأبدي الذي يكمن وراء جميع الأديان، وتلك العقيدة ~~الأزلية، الحكمة التي لم يبتدعها أحد، والتي هي اليوم كما ~~كانت في كل وقت مضى، وكما سوف تكون في كل وقت آت، أولئك ~~الذين يتجاهلون هذا ويتشبثون بالأشكال الخارجية، ويختلفون ~~فيما بينهم مسئولون عن المدنية الفوضوية التي نعيش فيها. ~~ومن واجبنا أن نعود إلى هذا اللباب من الدين، إلى هذه ~~الحكمة الأساسية التي طمستها وشوهتها التطورات العقائدية ~~والدنيوية خلال التاريخ. # إننا في أبداننا وعقولنا، وفي قاماتنا وأمزجتنا، ~~ومواهبنا وأذواقنا، نختلف كل الاختلاف أحدنا عن الآخر، ms200 ~~ولكنا في أعمق أعماقنا، في أرواحنا التي هي الأساس الصحيح ~~لوجودنا، يتشابه أحدنا مع الآخر. وإذا أردنا للدين أن يكون ~~قوة فعالة في شئون البشر، وأن يؤدي دور الأساس في نظام ~~العالم الجديد، فلا بد له من أن يكون أكثر باطنية وأكثر ~~عالمية، شعلة تطهر دخائل نفوسنا فتطهر بذلك العالم. ولمثل ~~هذا الدين لا تكون التعابير التاريخية عن الحق الروحاني ~~والمصطلحات النفسية التي تلجأ إليها الأديان ليحملوها الحق ~~العالمي، لا تكون هذه الأمور صخورا مؤذية في الطريق. ~~وهكذا تنهار الحواجز التي تفصل بين الناس وتعود الوحدة بين ~~البشر والاتحاد بين جميع الأفراد، وهي وحدة نسير فيها ~~جميعا سيرا خلاقا، ويأخذ كل منا فيها بنصيب؛ عندئذ ~~يتحقق دعاء سنت جون الذي نادت به في ختام مسرحية برناردشو ~~التي تحمل هذا الاسم، وهو: «يا إلهي، يا من خلقت هذه ~~الدنيا الجميلة، متى تستطيع هذه الدنيا أن تفتح صدرها ~~للقديسين الذين يتبعونك؟» وعندما يجيء الوقت الذي يقطن في ~~هذه الدنيا عنصر من الناس، ليس في تكوينه نقص، ولا على ~~عقله مأخذ، متحرر من نير المرض والحرمان، وكذلك من الكلمات ~~الكاذبة، ومن المحبة التي انقلبت إلى عداوة. وعندما تبلغ ~~الكائنات البشرية كمالها، وتبلغ ذلك العالم الذي لا يرى، ~~مملكة السماء، حينئذ تبدي هذه الكائنات البشرية في ~~العالم الخارجي تلك «المملكة» التي يبطنون في أنفسهم. وفي ~~هذا اليوم الموعود نكف عن تعريف الله في عقائد جامدة، ~~كما نكف عن الجدل في طبيعته ونترك كل امرئ يعبد الله في ~~قلبه، ويبحث عنه حتى يلتقي به. # إنني لم أنجذب قط للرحلة من أجل الرحلة، ولكني قمت ~~بكثير من الرحلات، وعشت في أماكن بعيدة عن أرض الوطن، في ~~إنجلترا وفرنسا وأمريكا وروسيا، وقضيت فترات طويلة لبضع ~~سنوات في إنجلترا، وأثرت في نفسي تأثيرا حسنا صفات ~~الشعب الإنجليزي، كمحبتهم للعدل، وبغضهم للتعصب العقائدي، ~~وعطفهم على الحيوان. وقد كانت «كلية جميع الأرواح» وطنا ~~ثانيا طوال هذه السنين، وزودتني ببصر نافذ في الحياة ~~الثقافية الإنجليزية بما فيها من حرص واستقرار وثقة ms201 ~~ومغامرة. ومهما يكن ما يحسه المرء إزاء لون الحكومة ~~الروسية، فإن الشعب هناك رقيق رحيم، وحياتهم - كحياة الناس ~~في كل مكان - مليئة بالفكاهة والغيرة، والحب والبغضاء. ~~وبالرغم من أني لم أستطع أن أمد جذوري في أي من هذه ~~البلدان الأجنبية، إلا أني التقيت بالكثيرين، من علية ~~القوم وسفلتهم، واستطعت أن أصل إلى الجانب الإنساني في ~~نفوسهم؛ إذ ليست هناك فروق أساسية بين شعوب العالم، فلديهم ~~جميعا المشاعر الإنسانية العميقة، وحب العدالة التي تسمو ~~على مصالح جميع الطبقات، والفزع من إراقة الدماء ومن ~~العنف. إنهم يسعون نحو دين يدعو إلى إمكان وضرورة اتحاد ~~الإنسان بنفسه، وبالطبيعة، وبزملائه، وبالروح الأبدي، الذي ~~ليس العالم المرئي إلا صورة منه، دين يعتقد في ظهور الوعي ~~الكامل كغاية للإنسان ومصير له. إن دياناتنا التاريخية لا ~~بد أن تتحول إلى إيمان عالمي أو تذوي وتنقرض. وقد يبدو هذا ~~الأمل عند بعض الناس عجيبا ولا يرحبون به، ولكنه أمل له ~~صدقه وله جماله، وهو يعتمل في عقول الناس، وسرعان ما يمسي ~~حقيقة واقعة. إن وحدة البشر لا تتوقف على الأصول القديمة، ~~بل على هدف المستقبل واتجاهه على ما نحن سائرون إليه، وعلى ~~الصوب الذي نوليه وجوهنا. ولقد كانت الحضارات القديمة ~~محدودة في مصادرها وآفاقها إذا هي قورنت بالحضارة التي ~~تنتشر الآن فوق سطح الأرض بفضل العلم وتطبيقه. ويزعم ~~العلماء أن الحياة العضوية ظهرت فوق هذا الكوكب منذ نحو ~~1200 مليون عام، ولكن الإنسان ظهر إلى الوجود فوق الأرض ~~خلال نصف المليون عام الذي سبق، ولم تظهر حضارته هنا إلا ~~في العشرة الآلاف عام الماضية. إن الإنسان لا يزال في ~~طفولته، وأمامه فوق هذا الكوكب أمد طويل، إنه سوف يعمل على ~~تحقيق وحدة أسمى، وسوف ينجب رجالا ونساء ذوي عقول ~~عالمية. # إن الدين الأبدي، الذي رسمت خطوطه العريضة في هذه ~~الصفحات، أمر معقول يقوم على أساس علمي، وليس مهربا ~~للإنسان أو منافيا لروحه الاجتماعية. وقبول هذا الدين يحل ~~كثيرا من مشكلاتنا التي يئسنا منها، ويعود بالسلام على ~~أولئك الذين ms202 حسنت نياتهم. # وهذه هي الفلسفة الشخصية التي بلغتها بطرق ومسالك ~~مختلفة، وهي فلسفة انتفعت بها في أشد المحن، في صحتي ~~ومرضي، وفي نصري وهزيمتي. وقد لا يكون مقدرا لنا أن ~~نشهد سيادة الإيمان، ولكن من المقدر لنا أن نجاهد في ~~سبيل ~~سيادته. ~~⋆ # المصادر ~~⋆ # كل ~~المختارات من مقال رادا كرشنان الذي نشره تحت عنوان «ديانة ~~الروح وحاجات الدنيا» (وهي مقتطفات من اعترافاته، مقتبسة من ~~مجلد فلسفة سارفيبالي رادا كرشنان) في مجموعة «مكتبة الفلاسفة ~~الأحياء» التي جمعها بول آرثر شلب. # الجزء الثالث # | مختارات من الفلاسفة الإنسانيين # الفصل العاشر # | جان بول سارتر # (1905م-...) # إن سارتر يبشر في عزم مصمم بفلسفة صاغها خاصة للأزمة التي ~~نعانيها في عصرنا هذا. وهذا الوجودي الفرنسي صاحب الشهرة العالمية، ~~الذي أمسى اليوم أديبا محترفا، كان أستاذا للفلسفة، وكاتبا من ~~كتاب المسرحية والرواية، وأحد الوطنيين الفرنسيين في حركة ~~«المقاومة» التي قامت في أثناء احتلال فرنسا في الحرب العالمية ~~الثانية. وبالرغم من أنه يرث التقاليد التي انبثقت من كركجارد، فإن ~~«وثبة الإيمان» عنده لا ترتفع إلى درجة يبلغ بها الله. وهو ملحد ~~صراحة وعقلا؛ ومن ثم فهو يقبل المشكلة التي أثارها دستويفسكي، ~~وهي أنه إذا لم يكن الله موجودا فكل شيء ممكن، ويضيف إلى ذلك ما ~~يترتب على هذا القول، وهو أنه إذا كان الله موجودا فلن يغير من ~~أمر الإنسان شيئا. أما الإنسان نفسه فهو عبارة عن «هوى لا ~~يجدي»، لا يستطيع أن يفهم وجوده ذاته، معزول، ضعيف، ينفر من انعدام ~~المعنى في كل شيء في الوجود الظاهري، ومن العدم المؤلم لذاته التي ~~لا مبرر لها ولا يعرف لها حدودا؛ ومن ثم فإن الإنسان ليس «إلا ما ~~يصنعه بنفسه». وهذا هو المبدأ الأول من مبادئ الوجودية. وبهذه ~~المعرفة يعتقد سارتر أن الإنسان بوسعه أن يستعد لإلزام نفسه ب ~~«عمل ما»، كما يعتقد أنه على وعي تام بحريته في اختيار القيم التي ~~يريد. وما دامت حرية الإنسان مطلقة لا جذور لها، فهي حالة غامضة، ~~تبعث على الفزع كما تبعث على ms203 التحرر في آن واحد. # ولد جان بول سارتر في باريس في اليوم الحادي والعشرين من شهر ~~يونيو من عام 1905م، وجده لأمه كان أستاذا للغة الألمانية في ~~ليسيه هنري الرابع بباريس. ولا يمكن أن تكون البيئة العائلية ~~المباشرة لسارتر علمية جدا؛ لأن أباه كان ملاحا لقي حتفه في ~~الهند الصينية وسارتر لا يزال في المهد صبيا. وتلقى سارتر ~~تعليمه في الليسيه بسانت روشل وفي ليسيه هنري الرابع، وتلقى ~~تعليمه العالي في مدرسة المعلمين العليا، وفي عام 1928م ظفر ~~بشهادة الأجريجاسيون في الفلسفة، وبعدئذ أصبح أستاذا في لاون، ~~وفي هافر فيما بعد. وبعد ذلك بفترة وجيزة رحل إلى برلين ليدرس ~~الفلسفة الألمانية المعاصرة. ولما عاد إلى فرنسا اشتغل بالتعليم ~~مرة أخرى في ليسيه باستير في نويلي، ثم التحق بخدمة الجيش الفرنسي ~~بخط ماجينو في عام 1939م، وأسر في يونيو من عام 1940م، وأعيد إلى ~~وطنه في ربيع عام 1941م. واشتغل بالتعليم مرة أخرى حتى كان عام ~~1944م، حيث تخلى عنه ليكرس نفسه للأعمال الأدبية يفرغ لها كل ~~وقته. وفي العام التالي قام بزيارة للولايات المتحدة. ولما عاد إلى ~~الوطن مرة أخرى شرع يحرر «الأزمنة الحديثة»، وهي صحيفة كان أول ~~ظهورها في خريف عام 1946م. # وربما كان أقوى الوثائق أثرا مما كتب سارتر بيانه البليغ الذي ~~طبعه في المجلد الذي كتبه تحت عنوان «جمهورية الصمت»، والذي نشره ~~أ. ج. ليبليج بعد انتهاء الحرب ببضع سنوات، في هذا الموقف النهائي ~~الذي يختار فيه المرء بين أن يؤمن مع زملائه في المقاومة ويفقد ~~حياته ولكنه يحتفظ بإنسانيته، وبين أن يخرج على إيمان زملائه، ~~ويسلك الطريق التي يحتفظ فيها بذاته كشيء ما، لا كإنسان، في هذا ~~الموقف يبين لنا سارتر أن مذهبه الوجودي ومذهب البطولة قد يعيشان ~~جنبا إلى جنب ، وفي هذا يقول: «وهكذا عرضت لنا مشكلة الحرية، ~~ووقفنا عند بداية المعرفة العميقة التي يمكن أن يبلغها الإنسان عن ~~نفسه؛ لأن سر الإنسان ليس في مركب أوديب أو مركب النقص، إنما هو ~~في حدود حريته ms204 وقدرته على مقاومة التعذيب والموت.» # وقد يظن أن إعجاب سارتر الظاهر بحركة سياسية معينة وانضمامه ~~إليها يناقض فلسفته العامة، يقول أحد النقاد: «إن حبه للحرية ~~وحبه لنظام سياسي واضح المعالم يتناقضان دائما ... إن سارتر نفسه ~~يعاني من مصير أبطال قصصه الذين نراهم دائما عاجزين عن تحديد ~~الجانب الذي ينضمون إليه.» وقد وهب سارتر مزاياه العقلية الكبرى ~~للحزب الشيوعي الفرنسي في مناسبات عدة، ولكنه عومل - وربما كان ~~ذلك بواقعية قاسية - كأنه حصان طروادة، أثمن من أن يمسه المؤمنون ~~الصادقون. # ويقحم سارتر كتاباته في ميادين الميتافيزيقا والأخلاق والجمال ~~والسير، وذلك بالإضافة إلى رواياته ومسرحياته. وقد أسهم بكثير من ~~المقالات في الموضوعات السياسية والاجتماعية للمجلات الأدبية في ~~فرنسا وأمريكا، ومؤلفه الفلسفي الأكبر هو كتابه الضخم «الوجود ~~والعدم»، الذي نشر في فرنسا عام 1943م، وترجم إلى الإنجليزية في ~~العام التالي. وخير مسرحياته هما المسرحيتان القصيرتان «الذباب» ~~و«لا مخرج». وله سلسلة روايات بعنوان «الطريق إلى الحرية» بلغت ~~الآن أربعة مجلدات. غير أن بعض من يدرسون إنتاج سارتر الأدبي لا ~~يزالون يؤثرون روايته الصغيرة الأولى التي أعطاها عنوانا شائقا ~~هو «غثيان»، ونشرها عام 1937م. ومن بحوثه الهامة التي نشرها في ~~صورة مقالات «الوجودية والإنسانية» عام 1948م، و«ما هو الأدب؟» عام ~~1947م. ~~(1) الوجودية الإلحادية # جان بول سارتر ~~(1-1) اتهام الوجودية # أود بهذه المناسبة أن أدافع عن الوجودية ضد بعض ~~التهم التي وجهت إليها. # اتهمت الوجودية أولا بأنها تدعو الناس أن يلزموا ~~الهدوء يائسين؛ لأنه ما دامت الحلول مستحيلة، فمن الواجب ~~علينا أن ننظر إلى العمل في هذه الدنيا باعتباره أمرا ~~يستحيل تمام الاستحالة، وعلينا إذن أن ننتهي إلى فلسفة ~~تأملية. وما دام التأمل ترفا، فإننا نبلغ في غاية الأمر ~~فلسفة برجوازية. وقد وجه الشيوعيون على الأقل هذه ~~التهم إلى الوجودية. # ثم اتهمنا أيضا من ناحية أخرى بإصرارنا على انحطاط ~~الإنسان، وبإشادتنا في كل مكان بالخسيس والغامض والمبهم، ~~مع إهمالنا للجليل والجميل، وللجانب المشرق من طبيعة ~~الإنسان؛ فاتهمنا مثلا - وفقا لما ذكرته الآنسة ~~مرسييه، وهي ناقدة كاثوليكية - بتجاهل ms205 ابتسامة الطفل. ~~والطرفان يتهماننا بتجاهل التماسك البشري، وباعتبار ~~الإنسان كائنا منعزلا. ويقول الشيوعيون: إن السبب ~~الأساسي في هذا هو أننا نتخذ الذاتية الخالصة، أو مذهب ~~ديكارت «إني أفكر»، نقطة للبداية، أو بعبارة أخرى اللحظة ~~التي يعي فيها الإنسان وعيا كاملا معنى انعزاله. ويترتب ~~على ذلك أنا نعجز عن العودة إلى حالة التماسك مع غيرنا ~~من الناس، وهي حالة لا يمكن أن نبلغها في حالة الذاتية، ~~حالة إيماننا بمذهب «إني أفكر». # كما أنا - من وجهة النظر المسيحية - نتهم بنكران ~~حقيقة العمل الإنساني وجديته؛ لأنا - حينما ننبذ وصايا ~~الله والحقائق الأبدية - لا يبقى لنا شيء سوى الهوى ~~المطلق، حيث يسمح لكل امرئ أن يفعل ما يشاء، وحيث يعجز - ~~من وجهة نظره - عن تقدير وجهة نظر الآخرين وما ~~يعملون. # وسوف أحاول الآن أن أرد عن الوجودية هذه التهم، ~~وسيدهش الكثيرون مما سوف أسوقه هنا بصدد الإنسانية، ~~وسوف نحاول أن نرى بأي معنى تفهم الإنسانية. وعلى أية ~~حال فإن ما يمكن أن يقال منذ البداية هو أنا نعني ~~بالوجودية مذهبا يجعل الحياة الإنسانية ممكنة، مذهبا ~~يعلن - فوق ذلك - أن كل حقيقة وكل عمل يتضمن موقفا ~~إنسانيا، وذاتية إنسانية. # وهذا المذهب في الواقع هو أقل المذاهب عيبا، وأشد ~~صرامة، وهو موجه بحذافيره إلى المختصين والفلاسفة، ومع ~~ذلك فمن اليسير أن نعرفه. غير أن ما يعقد الأمور هو أن ~~هناك نوعين من الوجودية؛ أولهما أولئك المسيحيون، ومنهم ~~ياسبرز وجبريل مارسل، وكلاهما كاثوليكي؛ وهناك ثانيا ~~الوجوديون الملحدون، ومنهم هيدجر، والوجوديون الفرنسيون ~~وشخصي. والأمر الذي يشتركون فيه هو أنهم يعتقدون أن الوجود ~~يسبق الماهية، أو إن شئت قلت إن الذاتية لا بد أن تكون ~~نقطة ~~البداية. ~~⋆ ~~(1-2) الإنسان يصنع نفسه # الوجودية الإلحادية التي أمثلها تقول بأنه إذا لم يكن الله # 1 # موجودا، فهناك على الأقل كائن واحد يسبق ~~وجوده ماهيته، كائن وجد قبل إمكان تعريفه على أية صورة ~~ذهنية، وهذا الكائن هو الإنسان، أو هو - كما يقول هيدجر - ~~الحقيقة البشرية. فماذا نعني هنا حينما نقول إن الوجود سبق ms206 ~~الماهية؟ إننا نعني - أولا - أن الإنسان يوجد ويبرز ويظهر ~~على المسرح، ولا يعرف نفسه إلا فيما بعد ذلك. وإذا كان ~~الإنسان -كما يتصوره الوجوديون - لا يمكن تعريفه، فذلك ~~لأنه في أول الأمر عدم ... ولن يكون شيئا ما إلا فيما بعد. ~~وعندئذ يكون هو نفسه الذي صنع ما سوف يكونه. وهكذا ترى ~~أنه ليست هناك طبيعة بشرية، ما دام ليس هناك إله يتصورها. ~~وليس الإنسان فقط هو الصورة التي يرى نفسه عليها، وإنما هو ~~أيضا ما يريد لنفسه أن يكون بعد اندفاعه هذا نحو ~~الوجود. # ليس الإنسان إلا ما يصنع بنفسه، وهذا هو المبدأ الأول من ~~مبادئ الوجودية، وهو أيضا ما يسمى الذاتية، وهو الاسم ~~الذي نوصم به حينما توجه إلينا التهم. ولكن ماذا نعني ~~من هذا، إذا كنا لا نعني أن للإنسان كرامة تفوق ما للحجر ~~أو الخشب؛ لأنا نعني أن الإنسان يوجد أولا، أي إن ~~الإنسان - قبل كل شيء - هو الكائن الذي يوجه نفسه صوب ~~مستقبل ما، والذي يعي أنه يتخيل نفسه كائنا في المستقبل؟ ~~الإنسان في مبدأ أمره خطة واعية بنفسها أكثر منه كتلة من ~~الطحلب المتخلف، أو قطعة من نفايات اللحوم أو الخضر؛ إذ ~~لا شيء يوجد قبل هذه الخطة. ليس في السماء شيء عنه، وإنما ~~سوف يكون الإنسان ما رسم لنفسه أن يكون، وليس ما يريد أن ~~يكون؛ لأنا بكلمة «الإرادة» نعني عادة قرارا واعيا ~~يترتب على ما سبق أن صنعنا بأنفسنا؛ فقد أريد أن أنتمي إلى ~~حزب سياسي، أو أن أكتب كتابا، أو أن أتزوج، غير أن هذا ~~كله ليس إلا إظهارا لاختيار سابق أكثر تلقائية، نسميه ~~«الإرادة». ولكن إذا كان الوجود يسبق الماهية فعلا، ~~فالإنسان إذن مسئول عما هو عليه؛ فالدعوة الوجودية الأولى ~~إذن هي أن تجعل كل امرئ واعيا بما هو عليه، وأن تلقي ~~بالمسئولية الكاملة لوجوده على كاهله. وحينما نقول إن ~~الإنسان مسئول عن نفسه، لا نعني أنه مسئول عن فرديته فحسب، ~~وإنما نعني أنه مسئول عن الناس جميعا. # ولفظة الذاتية لها ms207 معنيان، وخصومنا يستغلون ما في اللفظة ~~من تورية؛ فالذاتية تعني من ناحية أن الفرد يختار ويصنع ~~نفسه، وهي تعني من ناحية أخرى أنه يستحيل على الإنسان أن ~~يتجاوز الذاتية البشرية. والمعنى الثاني هو المعنى الأساسي ~~للوجودية. وعندما نقول إن الإنسان يختار ذاته، فنحن نعني ~~أن كلا منا يفعل ذلك، ولكنا نعني بذلك أيضا أنه عندما ~~يقوم بهذا الاختيار فهو يختار كذلك جميع الناس. والواقع ~~أننا عندما نخلق الإنسان الذي نريد أن نكونه، فليس هناك ~~عمل واحد من أعمالنا لا يخلق في الوقت نفسه صورة للإنسان ~~كما نعتقد أنه ينبغي أن يكون، واختيارنا أن نكون هذا أو ~~ذاك هو تأكيد في الوقت نفسه لقيمة ما نختار؛ لأنا لا ~~يمكن أن نختار الشر، وإنما نحن نختار الخير دائما، ولا ~~يمكن أن يكون شيء ما خيرا لنا دون أن يكون خيرا ~~للجميع. # وإذا كان الوجود - من ناحية أخرى - يسبق الماهية، وإذا ~~سلمنا بأنا نوجد ونشكل صورتنا في نفس الوقت، فإن ~~الصورة تكون صالحة لكل إنسان ولعصرنا بأكمله؛ ومن ثم فإن ~~مسئوليتنا تفوق كثيرا ما قد نفترضه؛ لأنها تشمل الجنس ~~البشري قاطبة؛ فإذا كنت عاملا وأوثر أن ألتحق بنقابة ~~عمالية مسيحية على أن أكون شيوعيا، وإذا كنت بعضويتي ~~أريد أن أبين أن خير الأمور للإنسان أن يستسلم، وأن ~~مملكة الإنسان ليست في هذه الدنيا، وليس الأمر مما يخصني ~~وحدي، وإنما أنا أريد أن أستسلم ممثلا في ذلك كل إنسان ~~غيري؛ فعملي - نتيجة لذلك - يتضمن البشرية كلها. ولآخذ ~~أمرا أخص من هذا: إذا أردت أن أتزوج وأن أنجب أطفالا - ~~حتى إن كان هذا الزواج يتوقف كلية على ظروفي الخاصة، أو ~~على عاطفتي، أو رغبتي - فإني أجر الإنسانية كلها إلى ~~الزواج ولا أجر نفسي وحدها؛ ولذلك فأنا مسئول عن نفسي ~~وعن كل إنسان آخر؛ لأني أخلق صورة معينة للإنسان كما ~~أختاره بنفسي. وإني حين أختار نفسي، إنما أختار الإنسان ~~عامة. ~~(1-3) «الضيق» و«اليأس» # ويعيننا ذلك على أن ندرك المعنى الحقيقي لبعض الألفاظ ~~المتحذلقة، كالضيق والخذلان واليأس. ms208 والأمر - كما سوف نرى ~~- غاية في البساطة. # أولا: ماذا نعني بالضيق؟ يقول الوجوديون على الفور: ~~الإنسان هو الضيق. ومعنى ذلك أن الإنسان الذي يقحم نفسه، ~~والذي لا يدرك أنه ليس الشخص الذي اختار أن يكونه فحسب، ~~وإنما هو كذلك وفي الوقت عينه واضع لقانون يختار به أفراد ~~البشر جميعا كما يختار نفسه، هذا الإنسان لا يسعه أن يفر ~~من الشعور بمسئوليته الشاملة العميقة. وليس من شك في أن ~~هناك أفرادا كثيرين ليس بهم قلق، ولكنا نزعم أنهم يخفون ~~قلقهم، وأنهم يفرون منه. وليس من شك في أن هناك أفرادا ~~كثيرين يعتقدون أنهم حينما يعملون شيئا ما يحسبون أن ما ~~يعملون يهمهم وحدهم، وإن قال لهم قائل: «وماذا لو أن كل ~~شخص آخر صنع صنيعهم؟» هزوا أكتافهم، وأجابوا قائلين: «إن ~~كل شخص آخر لا يصنع هذا الصنيع.» غير أن المرء - في الواقع ~~- ينبغي أن يسأل نفسه هذا السؤال: «ماذا يحدث لو أن كل ~~إنسان نظر إلى الأمور هذه النظرة؟» ولا مفر من هذه الفكرة ~~المزعجة إلا بالخداع. إن الإنسان الذي يكذب ويقدم لنفسه ~~المعاذير بقوله «إن كل إنسان لا يفعل ذلك» رجل غير مرتاح ~~الضمير؛ لأن أداء الكذب يعني إعطاء الكذب قيمة ~~عالمية. # إن الضيق حقيقة واقعة حتى حينما يختفي. وهذا هو الضيق ~~الذي أسماه كركجارد ضيق إبراهيم، وأنتم تعلمون القصة: لقد ~~أمر أحد الملائكة إبراهيم أن يضحي بأحد أبنائه. ولو أن ~~الذي حدث فعلا أن ملكا جاء إلى إبراهيم وقال له «اذبح ~~ابنك يا إبراهيم»، لكان كل شيء على ما يرام، ولكن أي امرئ ~~قد يتعجب سائلا: «هل هو ملك حقا، وهل أنا حقا ~~إبراهيم؟ أي دليل عندي؟» # كانت هناك امرأة عندها هواجس، واعتاد أحد الناس أن ~~يخاطبها بالتليفون ويلقي عليها الأوامر. وسألها طبيبها: ~~«من هذا الذي يتحدث اليوم؟» وأجابت قائلة: «إنه يقول إنه ~~الله.» أي دليل عندها فعلا على أنه هو الله؟ إذا جاءني ~~ملك، فأي دليل هناك على أنه ملك؟ وإن كنت أستمع إلى أصوات، ~~فأي دليل هناك ms209 على أنها آتية من الجنة وليست آتية من ~~الجحيم، أو من اللاشعور، أو من حالة مرضية خاصة؟ وأي دليل ~~هناك على أن هذه الأصوات موجهة إلي؟ وأي دليل هناك على ~~أنه قد عهد إلي أن أفرض اختياري وأن أفرض فكرتي عن ~~الإنسان على البشرية كلها؟ إني لن أجد دليلا أو علامة ~~تقنعني بذلك. إذا كان الصوت يناديني فعلي دائما أن أقرر ~~أن هذا هو صوت الملك. وإذا كنت أرى أن مثل هذا العمل عمل ~~طيب، فأنا الذي أختار القول بأنه عمل طيب وليس عملا ~~سيئا. # والآن أقول: إني لست أنا إبراهيم، ولكني - برغم هذا - ~~مضطر في كل لحظة إلى أن أؤدي عملا شبيها بالذي أدى؛ لأن ~~كل شيء يحدث لكل إنسان، وكأن البشرية كلها توجه بصرها ~~إليه وتسترشد بما يفعل. وعلى كل امرئ أن يسأل نفسه: «هل ~~أنا حقا ذلك الرجل الذي يملك الحق في أن يعمل بطريقة ~~تستطيع البشرية أن تسترشد فيها بعملي؟» فإن كان لا يسأل ~~نفسه هذا السؤال فهو يخفي عن نفسه همها. # ولسنا نتعرض هنا لنوع الهم أو الضيق الذي يؤدي إلى ~~السكون، وإلى الكف عن الحركة؛ فالأمر ليس إلا نوعا بسيطا ~~من الهم يألفه كل إنسان تحمل شيئا من المسئولية. ~~ولنضرب لذلك مثلا الضابط الحربي الذي يتحمل مسئولية ~~الهجوم، والذي يجلب الموت لعدد من جنوده. لقد اختار ذلك، ~~وهو وحده أساسا الذي قام بالاختيار. وليس من شك في أن ~~الأوامر تأتيه من سلطة أعلى، ولكنها أوامر عامة جدا، وهو ~~الذي يفسرها، وعلى تفسيره تتوقف حياة عشرة أو أربعة عشر أو ~~عشرين رجلا. وهو إذ يصدر قراره لا يسعه إلا أن يحس شيئا ~~من الهم والضيق، وهو ضيق يعرفه كل قائد، ولا يمنعهم هذا من ~~العمل، بل - على العكس من ذلك - هذا الضيق هو الشرط ~~الأساسي لما يقومون به من عمل؛ لأنه يعني أنهم يواجهون ~~عددا من الاحتمالات، وعندما يختارون واحدا منها يدركون ~~أنه ليس لهذا الاحتمال قيمته إلا لأنه مختار. وسوف نرى أن ~~هذا الضرب ms210 من ضروب الضيق، وهو الضرب الذي تصفه الوجودية، ~~أو تفسره - فوق ذلك - مسئولية مباشرة إزاء الأفراد الآخرين ~~الذين يرتبط بهم. وهو ليس حاجزا يفصلنا عن العمل، ولكنه ~~جزء من العمل نفسه. # وعندما نتكلم عن الخذلان، وهو تعبير كان هيدجر مغرما ~~به، إنما نعني أن الله غير موجود، وأنه يتحتم علينا أن ~~نواجه كل ما يترتب على ذلك. # إن الوجودي يعتقد أنه من المؤلم جدا ألا يوجد الله؛ ~~لأن كل احتمال للعثور على قيم في سماء من الأفكار يختفي ~~باختفاء الله؛ وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون هناك خير «سابق» ~~ما دام ليس هناك وعي كامل غير محدود للتفكير فيه. ولم يكتب ~~في أي مكان أن الخير موجود، وأنه يجب علينا أن نكون ~~أمناء، وألا نكذب؛ لأن واقع الأمر هو أننا في مستوى ليس ~~به غير الناس. يقول دستوفسكي: «إذا لم يوجد الله، أمكن كل ~~شيء.» وهذه هي نقطة البداية عينها في الوجودية؛ فالواقع أن ~~كل شيء جائز إذا لم يوجد الله، ويترتب على ذلك شعور ~~الإنسان بالخذلان؛ لأنه لا يجد شيئا بداخله أو بخارجه ~~يتمسك به، وهو لا يستطيع أن يلتمس لنفسه المعاذير. # أما اليأس فمعناه غاية في البساطة، معناه أنا نكتفي ~~بأن نركن إلى ما يتوقف على إرادتنا، أو إلى مجموعة ~~الاحتمالات التي تجعل عملنا ممكنا؛ فعندما نريد شيئا ما ~~نركن دائما إلى الاحتمالات، قد أتوقع قدوم صديق، والصديق ~~قادم بالقطار أو بالترام، وفي هذا افتراض وصول القطار ~~طبقا لموعده، أو أن الترام لن يقفز فوق قضبانه؛ فأنا إذن ~~أقف في مجال الإمكان، ولكن الإمكان لا يركن إليه إلا إلى ~~الحد الذي يتفق فيه عملي مع مجموعة هذه الإمكانيات ولا ~~يتعداه. وفي اللحظة التي تنفك فيها العلاقة الوثيقة بين ~~الإمكانيات التي تقع في اعتباري وبين عملي، يتحتم علي أن ~~أتحلل من هذه الإمكانيات؛ لأنه ليس هناك إله أو نظام ~~يستطيع أن يكيف العالم وإمكانياته طبقا لإرادتي. وعندما ~~قال ديكارت «تغلب على نفسك لا على الدنيا» كان يقصد ~~أساسا إلى ms211 نفس هذا ~~المعنى. ~~⋆ ~~(1-4) الإنسان حرية # إذا كان الوجود حقا يسبق الماهية، فالأمور إذن لا ~~يمكن تفسيرها بالرجوع إلى طبيعة بشرية معينة ثابتة. ~~وبعبارة أخرى ليست هناك حتمية؛ فالإنسان حر والإنسان حرية. ~~ومن ناحية أخرى إذا كان الله غير موجود، فلن نجد القيم أو ~~الوصايا التي نلتفت إليها والتي تقنن سلوكنا؛ ومن ثم ~~فلن يكون وراءنا - في مجال القيم المضيء - معذرة، ولن يكون ~~أمامنا تبرير - نحن وحدنا - بغير معذرة. # وهذه هي الفكرة التي سوف أحاول التعبير عنها حينما أقول ~~إن الإنسان قد حكم عليه بالحرية. أقول حكم عليه؛ لأنه لم ~~يخلق نفسه، ومع ذلك فهو حر من نواح أخرى؛ لأنه بمجرد ~~إلقائه في هذه الدنيا مسئول عن كل عمل يقوم ~~به. ~~⋆ ~~(1-5) الالتزام والعمل # إذا سلمنا بأن الناس أحرار، وأنهم سوف يقررون في ~~غدهم ما سوف يئول إليه الإنسان، فإني لن أكون على يقين ~~من أن المجاهدين من زملائي سوف يواصلون عملي بعد مماتي لكي ~~يصلوا به إلى أقصى درجة من درجات كماله؛ ففي الغد - بعد ~~مماتي - قد يقرر بعض الناس أن يقيموا الفاشية، وقد يكون ~~الآخرون جبناء مرتبكين إلى حد يجعلهم يمكنون الفئة الأولى ~~مما تريد؛ وعندئذ تكون الفاشية هي الحقيقة الإنسانية - ~~ويا لسوء حظ الإنسان حينئذ! # والواقع أن الأمور سوف تقع كما قرر لها الإنسان أن ~~تقع؛ فهل معنى ذلك أنه ينبغي لي أن أستسلم للكون؟ كلا؛ إذ ~~الواجب علي أولا أن أقحم نفسي، ثم أعمل طبقا للناموس ~~القديم، كما قيل: «لا كسب بغير مغامرة.» وليس معنى ذلك ~~أيضا أنه لا ينبغي لي أن أنتمي إلى حزب، وإنما يعني ألا ~~تكون عندي أوهام، وأن أعمل ما أستطيع. ولأضرب لذلك مثلا؛ ~~هب أني سألت نفسي: «هل الاشتراكية - كما نعرفها - سوف ~~تتحقق في يوم من الأيام؟» إني لا أعرف شيئا عن هذا ، وكل ~~ما أعرفه هو أني سوف أبذل كل ما في وسعي لكي أحققها، ولا ~~أستطيع أن أعتمد على شيء آخر غير هذا، أما السكون فهو ~~موقف أولئك الذين ms212 يقولون: «خل غيري يعمل ما لا أستطيع أن ~~أعمله.» والمذهب الذي أدعو إليه نقيض السكون تماما؛ لأنه ~~ينادي ب «أنه ليست هناك حقيقة إلا في العمل»، بل إنه يعدو ~~ذلك لأنه يقول ب «أن الإنسان ليس إلا خطته، وهو لا يوجد ~~إلا بمقدار ما يحقق ذاته؛ وهو لذلك ليس إلا مجموعة أعماله، ~~ليس إلا حياته.» # ونستطيع - طبقا لذلك - أن ندرك لماذا يفزع بعض الناس ~~لهذا المذهب؛ لأن الوسيلة الوحيدة التي يستطيعون أن ~~يحتملوا بها بؤسهم كثيرا ما تكون في حسبانهم. «إن الظروف ~~كانت ضدي، وما كنته وما فعلته لا ينم عن قيمتي الحقيقية. ~~حقا إني لم أحب حبا عظيما، ولم أصادق صداقة كبرى، ~~غير أن ذلك لأني لم ألاق رجلا أو امرأة حقيقا بذلك. ~~والكتب التي ألفتها لم تكن جيدة جدا؛ لأنه لم يتوافر لي ~~الفراغ الكافي. ولم يكن لي أطفال أكرس لهم حياتي لأني ~~لم أعثر على رجل أستطيع أن أقضي حياتي معه؛ ولذا فلا يزال ~~عندي حشد من الميول والاستعدادات والإمكانيات لا يمكن لأحد ~~أن يقدرها من مجرد تسلسل الأمور التي قمت بها، وهي ميول ~~واستعدادات وإمكانيات لم تستخدم برغم حيويتها ~~الشديدة.» # أما الوجودي فلا يرى في الواقع حبا غير ذلك الذي ~~يظهر في شخص المحب ولا يرى نبوغا غير الذي تعبر عنه ~~الأعمال الفنية. إن نبوغ بروست هو مجموع ما أنتجه بروست، ~~ونبوغ راسين هو سلسلة مآسيه. ولا يوجد خارج هذه الدوائر ~~شيء ما. لماذا نقول إن راسين كان بوسعه أن يكتب مأساة أخرى ~~في حين أنه لم يكتبها؟ إن المرء يشتبك في الحياة، ويترك ~~فيها أثره، ولا يقع خارج ذلك شيء ما. وليس من شك في أن هذا ~~الرأي قاس على رجل لم تكن حياته ناجحة، ولكنه - من ناحية ~~أخرى - يحفز الناس على أن يدركوا أن الواقع وحده هو الذي ~~يحسب حسابه، أما الأحلام والآمال وما نتوقع فلا تؤدي بنا ~~إلا إلى أن نعرف الإنسان بالحلم الذي لم يتحقق، والآمال ~~الذي أخفقت، والرجاء الذي خاب. أو ms213 بعبارة أخرى، نحن بذلك ~~نعرف الإنسان تعريفا سلبيا ولا نعرفه تعريفا ~~إيجابيا. ومهما يكن من شيء، فإننا عندما نقول «إنك لست ~~إلا حياتك»، فلا يتضمن ذلك أن الفنان لا يحكم عليه إلا ~~على أساس أعماله الفنية، فهناك ألوف الأشياء الأخرى التي ~~تسهم في تكوين مجموعه. إن ما نعنيه هو أن الإنسان ليس إلا ~~سلسلة من الأعمال التي يؤديها، وأنه عبارة عن حصيلة، أو ~~صورة، مجموعة العلاقات التي تكون هذه الأعمال. # هل لي أن أسأل: هل هناك من اتهم فنانا صور صورة ما ~~بأنه لم يرسم وحيه طبقا لقواعد موضوعة من قبل؟ وهل سأل ~~سائل: «أية صورة يجب عليه أن يصورها؟» من الواضح جليا ~~أنه ليست هناك صورة معينة يجب رسمها، وأن الفنان مرتبط ~~برسم صورته، وأن الصورة التي يجب رسمها هي بعينها الصورة ~~التي أداها. ومن الواضح جليا أنه ليست هناك قيم فنية ~~سابقة، وإنما هناك قيم تظهر فيما بعد في الصورة المؤداة، ~~وفي المقابلة بين النتيجة التي انتهى إليها الفنان وما كان ~~في تصميمه. ولا يستطيع أحد أن يقول على أية صورة سيكون ~~الفنان في غده؛ فالصورة لا نحكم عليها إلا بعد رسمها. وما ~~علاقة ذلك بالأخلاق؟ إننا في نفس الموقف الخلاق، إننا لا ~~نقول قط إن العمل الفني عمل اعتباطي، فإننا حينما نتحدث عن ~~لوحة لبيكاسو لا نقصد قط أنها جاءت اعتباطا؛ فنحن ندرك ~~تمام الإدراك أنه كان يصنع بنفسه ما كان عليه في الوقت ~~ذاته الذي كان يصور فيه، وأن مجموعة عمله تتجسد في ~~حياته. # والأمر كذلك على المستوى الخلقي. وما يشترك فيه الفن ~~والأخلاق هو أننا في كلتا الحالتين نخلق ونخترع، ولا ~~نستطيع أن نقرر سلفا ما سوف يؤدي. وأعتقد أني وضحت ~~ذلك توضيحا كافيا جدا حينما ذكرت حالة الطالب الذي جاء ~~لمقابلتي، والذي ربما التجأ إلى كل النظم الأخلاقية، ~~كانتية كانت أو غير ذلك، دون أن يظفر بأي نوع من أنواع ~~الاسترشاد. وقد اضطر إلى أن يضع قانونه بنفسه. ولا يصح أن ~~نقول إن هذا ms214 الشاب - الذي أحب شخصا معينا، وسلك إزاءه ~~سلوكا فرديا، وعطف عليه عطفا خاصا باعتباره المصدر ~~الأول لأخلاقه، فاختار لذلك أن يبقى مع أمه، أو ذلك الذي ~~آثر أن يضحي فاختار أن يرحل إلى إنجلترا - لا يصح أن نقول ~~إنه اختار اختيارا اعتباطيا، إنما الإنسان يصنع نفسه، ~~وهو ليس مهيأ على صورة خاصة منذ بدايته. إنه عند اختيار ~~قواعده الأخلاقية يصنع نفسه، والظروف تقهره إلى حد أنه لا ~~يستطيع أن يمتنع عن اختيار مجموعة معينة من قواعد الأخلاق. ~~إننا لا نعرف الإنسان إلا من حيث علاقته بالبيئة؛ ومن ثم ~~فمن العبث أن نتهم بالاعتباط في ~~الاختيار. ~~⋆ ~~(1-6) الوجودية والإنسانية # يلومونني لأنني أتساءل عما إذا كانت الوجودية إنسانية! ~~فلقد قيل لي: «ولكنك قلت في مسرحيتك «الغثيان» إن ~~الإنسانيين جميعا على خطأ، وسخرت من نوع خاص من ~~الإنسانيين، فلماذا تعود إليها الآن؟» والواقع أن كلمة ~~الإنسانية لها معنيان يختلفان جد الاختلاف؛ فقد يعني بها ~~المرء نظرية تجعل الإنسان غاية وذا قيمة أعلى. والإنسانية ~~بهذا المعنى يمكن أن تلتمس في قصة ككتو «حول العالم في ~~ثمانين ساعة»، حيث يصرح أحد أشخاص القصة - لأنه يطير فوق ~~الجبال في طائرة - «أن الإنسان مخلوق عجيب». ومعنى ذلك ~~أنني أنا الذي لم أصنع الطائرات، سوف أنتفع شخصيا من هذه ~~المخترعات الخاصة، وإني - كإنسان - سوف أعد نفسي شخصيا ~~مسئولا عن أعمال قامت بها حفنة من الرجال، وسوف ينالني ~~شرف ما قاموا به من عمل. ويتضمن ذلك في معناه أننا نعزو ~~إلى الإنسان قيمة على أساس أسمى ما قام به بعض الناس من ~~عمل. وهذه الإنسانية عبث باطل؛ لأنه لا يستطيع أن يصدر ~~حكما عاما كهذا على الإنسان إلا كلب أو حصان، وحتى ~~هذان الحيوانان لم يفعلا ذلك على الأقل فيما أعلم. # ولا يمكن أن نسلم بأن الفرد يمكنه أن يصدر حكما على ~~الإنسان، والوجودية تعفيه من مثل هذا الحكم، والوجودي لن ~~يعتبر الإنسان غاية لأنه دائما في دور التكوين، بل ولا ~~ينبغي لنا أن نعتقد أن هناك جنسا بشريا ms215 نستطيع أن نضع ~~له شعائر معينة على طريقة أوجست كومت؛ فشعائر الجنس البشري ~~تنتهي بإنسانية أوجست كومت المنطوية على ذاتها، ونستطيع ~~أن نقول إنها تنتهي إلى الفاشية. وهذا الضرب من الإنسانية ~~نستطيع الاستغناء عنه. # غير أن للإنسانية معنى آخر، وهو أساسا أن الإنسان خارج ~~عن نفسه دائما. وهو في إبرازه لنفسه، وفي فقدانه لنفسه، ~~خارج نفسه، يعمل على وجود الإنسان، وبمتابعته لأهداف ~~تتجاوز شخصه - من ناحية أخرى - يستطيع أن يعيش. ولما كان ~~الإنسان هو هذه الحالة من التجاوز، ولما كان لا يتمسك ~~بالأشياء إلا لأن لها أثرا على هذا التجاوز، فهو في صميمه ~~مركز هذا التجاوز. وليس هناك عالم غير العالم البشري، أو ~~عالم الذاتية البشرية. وهذه العلاقة بين التجاوز - ~~باعتباره عنصرا من العناصر المكونة للإنسان، لا بمعنى ~~أن الله يتجاوز الإنسان، ولكن بمعنى أن الإنسان يتجاوز ~~نفسه - وبين الذاتية، بمعنى أن الإنسان ليس منطويا على ~~نفسه، ولكنه كائن دائما في عالم بشري، هو ما نسميه ~~الإنسانية الوجودية، فهي إنسانية؛ لأنا نذكر الإنسان أنه ~~ليس هناك من يضع القوانين غيره، وأنه في خذلانه سيقرر ~~لنفسه، لا بالنظر إلى نفسه، ولكن ببحثه خارج نفسه عن هدف ~~هو هذا التحرير ذاته، وهذا التحقيق للذات عينه. # ومن هذه الآراء القليلة يتبين أنه ليس هناك أشد تعسفا ~~من الاعتراض الذي وجه إلينا. ليست الوجودية إلا محاولة ~~استخراج كل النتائج التي تترتب على النظرة الإلحادية ~~المتماسكة. ليست الوجودية هي البتة محاولة الزج بالإنسان ~~في غمرة اليأس. أما إذا كان المرء يسمي كل نظرة من ~~نظرات انعدام العقيدة يأسا - كما يفعل المسيحيون - ~~فالكلمة إذن لم تستعمل في معناها الأصلي. ولم تبلغ ~~الوجودية من الإلحاد حدا يقضي عليها لأنها تقول بأن الله ~~غير موجود، وإنما هي تعلن أنه حتى إذا كان الله موجودا، ~~فإن ذلك لا يغير من الأمر شيئا . وهذا هو رأينا. إننا لا ~~نعتقد أن الله موجود، ولكنا نعتقد أن مشكلة وجوده ليست هي ~~بيت القصيد. والوجودية بهذا المعنى متفائلة، فهي مذهب عمل. ~~وإنها لخيانة ms216 صريحة من المسيحيين ألا يميزوا بين يأسهم ~~ويأسنا، ثم يقولوا إنا ~~يائسون. ~~⋆ # المصادر ~~⋆ # المقتطفات ~~كلها من كتاب «الوجودية» لجان بول سارتر. # الفصل الحادي عشر # | كارل ر. بوبر # (1902م-...) # كارل بوبر أحد رواد فلاسفة العلم في الوقت الحاضر، وكان أصلا ~~عضوا في جامعة فينا الشهيرة التي كانت مصدر إشعاع لمذهب التجريب ~~المنطقي، ولكنه - على خلاف زملائه - أظهر اهتماما شديدا بتاريخ ~~الفلسفة، وبالفلسفة السياسية والأخلاقية. وأشهر ما يعرف به كتابه ~~«المجتمع الحر وخصومه»، وهو كتاب سرعان ما أمسى من الأصول ~~المعاصرة في النظريات السياسية، وفيه يحلل بعض مبادئ إعادة البناء ~~الاشتراكي في ضوء استعراض ناقد لفلسفة السياسة والتاريخ. «إنه يرسم ~~صورة لبعض الصعاب التي تواجهها المدنية التي ترمي إلى الإنسانية ~~والتعقل وإلى المساواة والحرية ... ويحاول - لذلك - أن يعاون على ~~إدراكنا لمعنى الحكم الجماعي، ومغزى الكفاح الدائم ضد هذا ~~الحكم.» # ولد كارل بوبر بالنمسا في عام 1902م، وتلقى علومه في جامعة ~~فينا، واشتغل بالتدريس في إنجلترا، وفي كلية كانتربري الجامعية، ~~بكريستشرتش في زيلندة الجديدة، وبجامعة لندن حيث هو الآن أستاذ ~~للمنطق والطريقة العلمية. وقد حلل في أحد بحوثه الباكرة في الطريقة ~~العلمية الذي نشره تحت عنوان «منطق الكشف العلمي» طرق علم الطبيعة. ~~وقال إن الاختبار الأساسي لمعرفة ما إذا كانت النظرية - أو الحكم - ~~تجريبية عملية هو بتحديد الظروف الطبيعية التي يمكن أن تبطل فيها ~~النظرية أو الحكم. # وبظهور الحكم الجماعي، تنبه بوبر إلى البحث في طرق العلوم ~~الاجتماعية، واهتم بصفة خاصة ببيان الأسباب التي أدت إلى تأخر ~~العلوم الاجتماعية، وأدى به هذا الاهتمام إلى سلسلة من البحوث التي ~~انتهى بها إلى استحالة التنبؤ بالمستقبل، وقد نشر هذه البحوث تحت ~~عنوان «فقر الطريقة التاريخية». والنقطة الأساسية في دعواه هي أننا ~~لا نستطيع أن نتنبأ بالمستقبل؛ لأن التاريخ البشري يتأثر تأثرا ~~شديدا بنمو المعرفة، ولأنه من المستحيل منطقيا أن نتنبأ بنمو ~~المعرفة ذاته، «ومعنى ذلك أنه ينبغي لنا أن ننبذ إمكان وجود «تاريخ ~~نظري»؛ أي وجود علم اجتماعي تاريخي يقابل «علم الطبيعة ~~النظري».» # وقد قرر ms217 بوبر - حيثما كانت الحجة منطقية بحتا قبل ذلك - أنه ~~من الضروري أن نرى كيف نشأت المغالطة التاريخية، وانتهى إلى عرض ~~نقدي لأعظم قادة الجنس البشري في مجال الفكر، وبخاصة أفلاطون ~~وماركس، لكي يبين موضع فشلهم. وبعدما قام بذلك نشر بوبر دراسته ~~«المجتمع الحر» الذي يتضمن نبذه للشخصيات التاريخية، والذي يحاول ~~أن يرسم الخطوط العريضة لمبادئ إعادة البناء الاشتراكي الديمقراطي ~~الذي أسماه «الهندسة الاجتماعية المفصلة»، تمييزا لها عن «الهندسة ~~الاجتماعية المثالية». # وفي العبارة التي اختارها بوبر في كلمة الإهداء بأحد كتبه يتبين ~~أن المنطق عنده لا يتنافى مع العقائد العاطفية. يقول في هذه ~~العبارة: «أهدي هذا الكتاب إلى العدد العديد الذي لا يحصى من ~~الرجال والنساء من جميع المذاهب والقوميات والأجناس الذين ماتوا ~~ضحايا للعقيدة الفاشية أو الشيوعية التي تؤمن بالقواعد الصارمة ~~التي تحدد مصير الإنسان.» ~~(1) العقل الناقد # كارل بوبر ~~(1-1) الثورة ضد العقل # كان ماركس من العقليين، فكان يعتقد مع سقراط وكانت في ~~العقل البشري باعتباره أساسا لوحدة البشر. غير أن إيمانه ~~بأن المصلحة الطبقية تتحكم في آرائنا عجل بانهيار هذه ~~العقيدة. وكما أن مذهب هيجل بأن المصالح والتقاليد القومية ~~تتحكم في أفكارنا قد عمل على هدم المذهب، فقد عمل مذهب ~~ماركس على هدم عقيدة العقليين في العقل؛ ومن ثم فإن ~~النظرة العقلية إلى المشكلات الاجتماعية والاقتصادية - ~~بالهجوم عليها من اليمين ومن اليسار - لم تكد تقوى على ~~المقاومة حينما هوجمت في جبهتها من مذهب التنبؤ التاريخي ~~ومذهب اللاعقل المبهم. ومن أجل هذا كان الصراع بين العقل ~~واللاعقل أهم قضية فكرية - بل وربما كان أهم قضية خلقية - ~~في عصرنا الحاضر. # ونستطيع أن نقول إن التعقل هو الموقف الذي يقفه المرء ~~مستعدا للإصغاء للحجج النقدية وللتعلم من التجربة، وهو ~~موقف يقر أساسا ب «أني قد أكون مخطئا، وقد تكون أنت ~~مصيبا، ولو بذلنا الجهد فربما اقتربنا من الحقيقة ». وهو ~~موقف لا يتخلى في يسر عن الأمل في أن الناس بوسيلة كوسيلة ~~المحاجة والملاحظة الدقيقة قد يبلغون درجة من الاتفاق على ~~أكثر المشكلات ms218 الهامة. وموجز القول أن الموقف العقلي، أو ~~الموقف الذي ربما أطلقت عليه اسم «المعقولية»، شبيه جدا ~~بالموقف العلمي، وبالعقدة بأنا في البحث وراء الحقيقة ~~نحتاج إلى التعاون، وبأنا بمعونة الجدل قد نحقق شيئا ~~يشبه الموضوعية. # وموقف العقلي الذي ينظر إلى الحجة أكثر مما ينظر إلى ~~صاحبها له أهمية بعيدة المدى؛ فهو يؤدي إلى الإيمان بأنه ~~من الواجب علينا أن نعترف بأن كل من نتبادل معه الرأي هو ~~في صميمه مصدر من مصادر الحجة والمعرفة المعقولة. وهو لذلك ~~يضع الأساس لما يمكن أن نصفه ب «الوحدة العقلية للجنس ~~البشري». # أما النظرية اللاعقلية فيمكن تفصيلها على الأسس ~~الآتية: ربما كان اللاعقلي يعترف بالعقل وبالجدل العلمي ~~أدوات تصلح لأن نخدش بها وجه الأمور، أو وسائل تخدم غاية ~~غير معقولة، إلا أنه يصر على أن «الطبيعة البشرية» ليست ~~في أساسها معقولة. وهو يعتقد أن الإنسان أكثر من حيوان ~~عاقل، وهو كذلك أقل من حيوان عاقل. ولكي نرى أنه أقل من ~~حيوان عاقل يكفي أن ننظر إلى قلة عدد الأفراد القادرين على ~~الجدل. وهذا هو السبب - طبقا لما يراه اللاعقليون - في أن ~~أكثرية الناس يجب أن تعالج دائما بمناشدة عواطفهم ~~وميولهم، أكثر مما تعالج بمناشدة عقولهم. بيد أن ~~الإنسان هو كذلك أكثر من حيوان عاقل، ما دام كل ما يهم ~~فعلا في حياته يتجاوز العقل، فحتى القلة من العلماء الذين ~~يأخذون العقل والعلم مأخذ الجد إنما يتعلقون بنظرتهم ~~العقلية لأنهم يحبونها؛ ومن ثم ترى أن تكوين الإنسان ~~العاطفي دون عقله - حتى في هذه الحالات النادرة - هو الذي ~~يحدد نظرته. كما أن العالم العظيم - فوق ذلك - إنما يتميز ~~ببداهته وبما لديه من بصيرة صوفية في طبائع الأشياء أكثر ~~مما يتميز بما لديه من قدرة على التعليل والاستدلال. ومن ~~ثم فإن المذهب العقلي لا يستطيع أن يقدم تفسيرا كافيا ~~حتى لنشاط العالم الذي يبدو نشاطا عقليا، ولكن ما دام ~~الميدان العلمي هو أصلح مجال للتفسير العقلي، فلا مناص من ~~أن نتوقع للمذهب العقلي أن يكون أشد فشلا ms219 حينما يحاول أن ~~يعالج ميادين النشاط الإنساني الأخرى. ويتابع اللاعقليون ~~حجتهم فيقولون: إن هذا التوقع جد صحيح؛ ولو تركنا جانبا ~~الأوجه الدنيا من الطبيعة البشرية، فقد نرنو إلى أحد ~~الأوجه العليا، إلى أن الإنسان قد يكون خلاقا، وإنما هي ~~تلك القلة الخلاقة من الناس التي تهم في الواقع. إن أولئك ~~الذين يبدعون الآيات الفنية أو الفكرية أو أولئك الذين ~~أسسوا الديانات والدول، هؤلاء الأفراد القلائل الأفذاذ ~~يتيحون لنا أن نرمق عظمة الإنسان الحقيقية. وبالرغم من أن ~~قادة الجنس البشري هؤلاء يعرفون كيف يستخدمون العقل في ~~أغراضهم، فإنهم لم يكونوا قط من رجال العقل، وإنما تمتد ~~جذورهم إلى أعمق من ذلك؛ فالخلق قدرة غامضة لا تنطبق البتة ~~على العقل. # إن التردد بين العقل واللاعقل قديم جدا. وبالرغم من أن ~~الفلسفة الإغريقية بدأت عملا عقليا، فقد كانت هناك بعض ~~علامات التصوف حتى في بدايتها. ففي الطريقة الإغريقية ~~العقلية في أساسها نلمس ذلك التطلع إلى الوحدة المفقودة ~~والشعور القبلي الذي يعبر عن نفسه في هذه العناصر الصوفية. ~~ونشب الصراع المكشوف لأول مرة في العصور الوسطى بين العقل ~~واللاعقل في صورة التعارض بين مذهب المدرسيين ومذهب ~~الصوفيين (وربما كان مما يثير الاهتمام أن المذهب العقلي ~~ازدهر في الأقاليم الرومانية السابقة، في حين أن الرجال ~~القادمين من البلدان «البربرية» كانوا من المبرزين بين ~~المتصوفين). وفي القرن التاسع عشر حينما كان تيار ~~«المادية» العقلية في الصعود، اضطر اللاعقليون إلى ~~الالتفات إليها، وإلى أن يجادلوها. غير أن التيار قد ارتد، ~~وأمست «الإشارات والرموز ذات الدلالة العميقة» - كما يقول ~~كانت - هي الاتجاه الجديد في هذا العصر. وأنشأ المذهب ~~اللاعقلي المبهم الاتجاه نحو إهمال فكرة وجود كائن منحط ~~عقلي، أو على الأقل الرثاء لهذا الكائن إن وجد (وأخص من ~~أرباب هذا المذهب برجسن وأكثرية الفلاسفة وأصحاب الفكر من ~~الألمان). فهؤلاء يرون أن العقلي - أو «المادي » كما يقولون ~~في أغلب الأحيان - والعالم العقلي خاصة، هو رجل فقير في ~~روحه، يتابع ألوانا من النشاط لا روح فيها، آلية إلى حد ~~كبير، ms220 لا يعي البتة مشكلات الحياة والفلسفة التي هي أشد ~~عمقا. ويرد العقليون عادة بنبذ اللاعقل باعتباره عبثا ~~خلوا من كل معنى. ولم يحدث قط أن كان الخلاف على أتمه ~~كما هو ~~الآن. ~~⋆ ~~(1-2) الإيمان بالعقل # إنني - في هذا الصدد - أنضم إلى جانب العقل بكل جوارحي، ~~حتى إنني حينما أحس أن التعقل قد جاوز حدوده أظل مؤيدا ~~له، مؤمنا بأن المبالغة في هذا الاتجاه لا تؤذي حقا إذا ~~هي قورنت بالمبالغة في الاتجاه الآخر. وفي رأيي أن الطريقة ~~الوحيدة التي يحتمل أن تبرهن بها المبالغة في التعقل أنها ~~ضارة مؤذية هي أنها تميل إلى أن تضعف موقفها بنفسها؛ ومن ~~ثم تسارع برد الفعل من جانب اللاعقليين. وهذا الخطر ~~وحده هو الذي يدفعني إلى بحث مزاعم العقليين المغالين ~~بصورة أدق، فأدعو إلى تعقل متواضع ناقد لنفسه يعترف ببعض ~~الحدود التي يقف عندها؛ ومن ثم فسوف أميز فيما يلي بين ~~موقفين عقليين، أسمي أحدهما «التعقل الناقد»، وأسمي ~~الآخر «التعقل غير الناقد» أو «التعقل الشامل». # ويمكن وصف التعقل غير الناقد أو الشامل بأنه ذلك الموقف ~~الذي يقفه الشخص الذي يقول: «إنني على غير استعداد لأن ~~أقبل أي أمر لا يمكن الدفاع عنه بالحجة أو بالتجربة.» ~~ويمكن أن نعبر عن ذلك أيضا في صورة قاعدة تقول بأن كل فرض ~~لا يمكن أن يؤيد بالحجة أو بالتجربة يجب نبذه والتخلي ~~عنه. ومن اليسير أن نتبين أن هذه القاعدة - قاعدة التعقل ~~غير الناقد - متناقضة لا اتساق فيها؛ لأنها ما دامت بدورها ~~لا تستطيع أن تجد التأييد عن طريق الحجة أو الخبرة، فإنها ~~تتضمن في معناها وجوب نبذها ... فالتعقل غير الناقد هو لذلك ~~غير متماسك من الناحية المنطقية، وما دامت الحجة المنطقية ~~المطلقة يمكن أن تبرهن على ذلك، فالتعقل غير الناقد يمكن ~~أن ينهزم بسلاحه الذي اختاره، وهو الحجة. # تتميز النظرة العقلية بالأهمية التي تعزوها إلى الحجة ~~والتجربة. غير أن المنطقية والتجربة كلتيهما لا تستطيعان ~~أن تقيما القاعدة العقلية؛ لأنه لا يتأثر بهما إلا أولئك ~~الذين هم على ms221 استعداد للنظر في الحجة والتجربة، والذين ~~أخذوا - لذلك - بهما من قبل. ومعنى ذلك أن النظرة العقلية ~~يجب أن يؤخذ بها أولا إذا كنا نريد لأية حجة أو تجربة أن ~~تكون ذات أثر؛ ومن ثم فإن النظرة العقلية لا يمكن أن تقوم ~~على أساس الحجة والتجربة (وينفصل هذا الاعتبار كل الانفصال ~~عن هذه المشكلة: هل توجد، أو لا توجد، حجج عقلية مقنعة ~~تؤيد الأخذ بالنظرة العقلية؟) ونستنتج من ذلك أن النظرة ~~العقلية لا يمكن أن تقوم على أساس الحجة أو التجربة، وأن ~~التعقل الشامل أمر لا يمكن الدفاع عنه. # غير أن ذلك يعني أن كل من يأخذ بالنظرة العقلية إنما ~~يفعل ذلك بعدما يتخذ قرارا، أو عقيدة، أو عادة، أو ~~مسلكا، بغير تعليل؛ ومن ثم فإنه لا سند له من العقل. ~~وأيا كان الأمر، فإنا نستطيع أن نصف هذا الموقف بأنه ~~«إيمان بالعقل» لا يستند إلى العقل. # وليس الاختيار الذي نحن بصدده مجرد أمر يتعلق بالفكر أو ~~يتعلق بالذوق، إنما هو قرار أخلاقي؛ لأن اختيارنا بين أن ~~نأخذ بصورة من صور اللاعقل على أية درجة من درجات القوة، ~~وبين أن نأخذ بنظرية التنازل للاعقل بأدنى حد ممكن، وهو ما ~~أسميته «التعقل الناقد» - هذا الاختيار يؤثر أعمق الأثر في ~~موقفنا بأسره إزاء الآخرين وإزاء مشكلات الحياة ~~الاجتماعية. وقد بينا من قبل أن التعقل وثيق الصلة ~~بالاعتقاد في وحدة الجنس البشري. أما اللاعقل الذي لا ~~يخضع لأية قاعدة من قواعد الثبات فقد يتفق مع أي لون من ~~ألوان العقيدة، حتى مع العقيدة في إخاء الإنسان. غير أن ~~إمكان اتفاقه في يسر مع عقيدة مختلفة جد الاختلاف، وبخاصة ~~مع العقيدة الخيالية في وجود هيئة مختارة عندما يقسم ~~الناس إلى قادة ومقودين، إلى سادة بالطبيعة وعبيد ~~بالطبيعة، هذا الإمكان يبين في جلاء أننا عندما نختار بين ~~العقل واللاعقل نصدر ضمنا قرارا أخلاقيا . # إن الحجج لا يمكن أن «تحتم» قرارا أخلاقيا أساسيا، ~~ولا يعني هذا أن اختيارنا لا يمكن أن «يستعين» بأي نوع من ~~أنواع المحاجة، ms222 بل على العكس من ذلك، إننا كلما نواجه ~~قرارا أخلاقيا من نوع أكثر تجريدا، يعيننا كثيرا ~~تحليل النتائج التي يحتمل أن تترتب عليها الأمور المتناقضة ~~التي يتحتم علينا أن نختار من بينها؛ لأننا لا نعرف حقا ~~فيم القرار إلا إذا استطعنا أن نشهد بأعيننا هذه النتائج ~~بطريقة حسية عملية، وإلا أصدرنا قرارا ~~أعمى. ~~⋆ # ويبدو لي أن الصراع الذي نشب في القرن التاسع عشر بين ~~العلم والدين قد انتهى أمره؛ فما دام التعقل «غير الناقد» ~~أمرا غير ثابت، فلا يمكن أن تكون المشكلة هي أن تختار بين ~~المعرفة والإيمان، وإنما هي بين لونين من الإيمان. ~~والمشكلة الجديدة هي هذه: ما هو الإيمان الصحيح؟ وما هو ~~الإيمان الباطل؟ وإن ما أردت أن أبينه هو أن الاختيار الذي ~~يواجهنا هو بين الإيمان بالعقل وبأفراد البشر، وبين ~~الإيمان بالمزايا الغامضة عند الإنسان التي توحد بينه وبين ~~المجموع. وهذا الاختيار هو في الوقت عينه اختيار بين نظرة ~~تعترف بوحدة الجنس البشري ونظرة تقسم الناس إلى أصدقاء ~~وأعداء، إلى سادة ~~وعبيد. ~~⋆ ~~(1-3) نتائج اللاعقل # ولنبحث الآن فيما يترتب على اللاعقل ... إن الرجل الذي ~~يؤمن باللاعقل يصر على أن العواطف والأهواء دون العقل ~~هي المصادر الأساسية للنشاط البشري. فإن رد على ذلك من ~~يؤمن بالعقل بأن من واجبنا - حتى إن صح ذلك - أن نبذل ما ~~في وسعنا لكي نعالج هذه الظاهرة، كما أن من واجبنا أن نجعل ~~العقل يلعب أكبر دور ممكن، أجاب الأول (إن هو تنازل إلى ~~مثل هذا النقاش): إن هذه النظرة غير واقعية إطلاقا؛ لأنها ~~لا تأخذ في اعتبارها ضعف «الطبيعة البشرية» وضعف المواهب ~~العقلية عند أكثر الناس، واعتمادهم الظاهر على العواطف ~~والأهواء. # ويقيني الذي لا يتزعزع أن هذا الاهتمام الزائد - من جانب ~~أولئك الذين لا يؤمنون بالعقل - بالعواطف والأهواء يؤدي في ~~النهاية إلى ما لا أستطيع أن أصفه إلا بالجريمة. وأحد ~~أسباب هذا الرأي هو أن هذه النظرة - التي هي على أحسن ~~الفروض، نظرة استسلام للطبيعة غير العاقلة عند الكائنات ~~البشرية، وعلى أسوأ ms223 الفروض نظرة ازدراء إلى العقل البشري - ~~أقول إن أحد أسباب هذا الرأي هو أن هذه النظرة لا بد أن ~~تؤدي إلى مناشدة العنف والقوة الوحشية لتكون الحكم النهائي ~~في أي خلاف؛ لأنه إذا ما نشب خلاف ما، فإن معنى ذلك أن تلك ~~العواطف والأهواء البناءة التي يمكن بمبادئها أن تتغلب ~~على الخلاف، كتبادل الاحترام، والمحبة، والإيمان بقضية ~~مشتركة، إلى غير ذلك، قد أثبتت عجزها عن حل المشكلة. فإن ~~كان الأمر كذلك، فماذا يبقى لغير العقليين سوى مناشدة ~~العواطف والأهواء الأقل بناء، مناشدة الخوف، والبغض، ~~والحسد، والعنف في نهاية الأمر؟ ويعزز هذا الميل كثيرا ~~نظرة أخرى ربما كانت أكثر أهمية، وهي أيضا عندي كامنة في ~~اللاعقل، وأقصد بها تأكيد ما بين الناس من عدم ~~المساواة. # ولا يمكن بطبيعة الحال أن ننكر أن أفراد البشر - ككل شيء ~~آخر في هذه الدنيا - غير متساوين بتاتا من أوجه كثيرة ~~جدا، ولا يمكن أيضا أن نشك في أن عدم المساواة هذا ذو ~~أهمية قصوى، بل هو مطلوب في كثير من الأمور (ومن أحلام هذا ~~العصر الخوف من أن يكون من آثار تقدم الإنتاج الضخم والحكم ~~الجماعي على الإنسان زوال ما بين الناس من فوارق، أو ~~القضاء على فرديتهم). غير أن هذا كله لا يتعلق بمشكلة ~~التساؤل إن كان من واجبنا أن نقرر معاملة الناس - وبخاصة ~~في القضايا السياسية - باعتبارهم متساوين، أو أقرب ما ~~يكونون إلى المساواة، أقصد أن لهم حقوقا متساوية، ومطالب ~~متساوية في المساواة في المعاملة، كما أنه لا علاقة له ~~بموضوع ما إذا كان من واجبنا أن ننشئ نظما سياسية وفقا ~~لذلك. ليست «المساواة أمام القانون» حقيقة، ولكنها مطلب ~~سياسي يقوم على أساس قرار أخلاقي. وهي مستقلة تمام ~~الاستقلال عن النظرية التي تقول ب «أن الناس جميعا ~~يولدون متساوين»، وهي نظرية تحتمل الخطأ. ولست أقصد أن ~~أقول إن اتخاذ هذا الموقف الإنساني - موقف الحياد - هو ~~نتيجة مباشرة لقرار في صالح التعقل. غير أن الميل نحو ~~الحياد وثيق الارتباط بالتعقل، وليس بوسعنا أن ننحيه ms224 عن ~~مذهب العقليين، ثم إني لا أقصد أيضا أن أقول إن اللاعقلي ~~لا يستطيع - دون أن يناقض نفسه - أن يقف موقفا يتجه نحو ~~المساواة أو الحياد. وحتى إذا لم يستطع ذلك على أساس من ~~المنطق، فهو ليس مرغما على التزام المنطق. غير أني أود ~~أن أصر على أن اللاعقليين لا يستطيعون أن يتجنبوا ~~الوقوف بجانب الرأي الذي يعارض المساواة. وترتبط هذه ~~الحقيقة باهتمامهم بالعواطف والأهواء؛ لأنا لا نستطيع أن ~~نشعر بنفس الشعور نحو كل إنسان. فنحن جميعا - من الناحية ~~العاطفية - نقسم الناس إلى فئة قريبة منا وفئة أخرى بعيدة ~~عنا. وتقسيم الجنس البشري إلى عدو وصديق هو التقسيم ~~العاطفي الواضح، وهذا التقسيم معترف به في الوصية ~~المسيحية التي تنص على «أن يحب المرء أعداءه»! ولكن حتى ~~أفضل المسيحيين الذي يعيش فعلا طبقا لهذه الوصية (وهؤلاء ~~قلة، كما يتبين من موقف الرجل المسيحي الطيب العادي إزاء ~~«الماديين» و«الملحدين»)، أقول حتى أفضل المسيحيين لا ~~يستطيع أن يحس محبة متساوية نحو جميع البشر. إننا لا ~~نستطيع في الواقع أن نحب «حبا مجردا»، إنما نستطيع أن ~~نحب أولئك الذين نعرفهم فقط. وإذن فحتى مناشدة أفضل ~~عواطفنا، الحب والرأفة، لا يمكن إلا أن تقسم البشر فصائل ~~مختلفة، ويكون ذلك أكثر صدقا إذا نحن ناشدنا العواطف ~~والأهواء التي هي في مرتبة أدنى. إن رد الفعل «الطبيعي» ~~عندنا هو أن نقسم الناس إلى عدو وصديق، إلى أولئك الذين ~~ينتمون إلى قبيلتنا وإلى مجتمعنا العاطفي، وأولئك الذين ~~يقفون خارج القبيلة، إلى مؤمنين وغير مؤمنين، إلى مواطنين ~~وأجانب، إلى زملاء في الطبقة الاجتماعية وأعداء لها، ثم ~~إلى قائد ~~ومقود. ~~⋆ ~~(1-4) ليس للتاريخ معنى # هل للتاريخ معنى؟ # لست أحب أن أتعرض هنا لمشكلة معنى «المعنى»، وأسلم ~~بأن أكثر الناس يعرفون بوضوح كاف ما يقصدون حينما ~~يتحدثون عن «معنى التاريخ» أو «معنى الحياة». وبهذا ~~المعنى، بالمعنى الذي نسأل به عن معنى التاريخ، أجيب بأنه ~~«ليس للتاريخ معنى». # ولكي أبرهن على هذا الرأي، لا بد لي من أن أقول أولا ~~شيئا ما ms225 عن «التاريخ» الذي يضمره الناس في عقولهم حينما ~~يتساءلون عما إذا كان له معنى. # ولقد تحدثت حتى الآن أنا نفسي عن «التاريخ» كأنه لا ~~يحتاج إلى تفسير. ولم يعد هذا ممكنا؛ لأني أود أن أوضح ~~أن التاريخ بالمعنى الذي يتحدث به أكثر الناس لا وجود ~~البتة له، وهذا على الأقل أحد الأسباب التي تدعوني إلى أن ~~أقول بأن التاريخ لا معنى له. # كيف وصل أكثر الناس إلى استعمال هذا المصطلح «التاريخ»! ~~إنهم يتعلمونه في المدارس وفي الجامعات، ويقرءون عنه في ~~الكتب، وهم يرون ما تعالجه الكتب التي تحمل اسم «تاريخ ~~العالم» أو «تاريخ الجنس البشري»، فيعتادون أن ينظروا إليه ~~كأنه سلسلة من الوقائع الثابتة إلى حد ما، وهم يعتقدون أن ~~هذه الوقائع هي التي يتألف منها تاريخ الجنس ~~البشري. # غير أن ميدان الحقائق غني «غنى» لا حد له، ولا مناص ~~لنا من الاختيار، فنحن نستطيع - مثلا، طبقا لاهتماماتنا ~~- أن نكتب تاريخا للفن، أو تاريخا للغة، أو تاريخا ~~لعادات الأكل، أو حمى التيفوس (انظر كتاب زنسر «التيفوس والتاريخ»). # 1 # وليس من شك في أن تاريخ الجنس البشري ليس أحد ~~هذه التواريخ (بل وليس كل هذه التواريخ مجتمعة). أما ما ~~يقصده الناس حينما يتحدثون عن تاريخ الجنس البشري، فهو ~~تاريخ المصريين والبابليين والفرس والمقدونيين ~~والإمبراطورية الرومانية، وما إلى ذلك، حتى يومنا هذا. ~~وبعبارة أخرى: إنهم يتحدثون عن «تاريخ الجنس البشري»، ولكن ~~ما يقصدونه وما تعلموه في المدارس هو تاريخ «النفوذ ~~السياسي». # ليس هناك تاريخ للجنس البشري، إنما هناك تواريخ لأوجه ~~الحياة البشرية بشتى ضروبها. وأحد هذه الأوجه هو تاريخ ~~النفوذ السياسي، ويرتفع ذلك إلى تاريخ العالم. ولكنني أقرر ~~أن في ذلك إساءة إلى أية صورة كريمة عن الجنس البشري. وهي ~~لا تكاد تفضل معالجة تاريخ التزوير أو النهب أو دس السم ~~باعتباره تاريخ الجنس البشري؛ لأن تاريخ النفوذ السياسي ~~ليس إلا تاريخ الإجرام الدولي والقتل الجماعي (ومن الحق أن ~~نذكر أنه يتضمن أيضا بعض المحاولات لقمع هذه الاتجاهات). ~~وهذا هو التاريخ الذي ms226 نعلمه في المدارس، وكثير من أكبر ~~المجرمين يقدمون إلى التلاميذ كأنهم من الأبطال. # ولكن هل حقا ليس هناك تاريخ عالمي بمعنى التاريخ ~~المحسوس للجنس البشري؟ يمكن ألا يكون هناك مثل هذا ~~التاريخ. ولا بد أن يكون ذلك هو جواب كل إنساني - فيما ~~أعتقد - وبخاصة من كان مسيحيا. إن التاريخ الملموس للجنس ~~البشري - إن وجد - يجب أن يكون تاريخ الناس جميعا، يجب ~~أن يكون تاريخ كل الآمال البشرية، ومعارك الكفاح، والآلام؛ ~~إذ ليس هناك رجل أكثر أهمية من غيره. ومن الواضح أن هذا ~~التاريخ الملموس لا يمكن تدوينه. ويجب أن نضع الأحكام ~~المجردة، وأن نهمل، وأن نختار، ولكنا بهذا نبلغ التواريخ ~~المتعددة، ومن بين هذه التواريخ تاريخ الإجرام الدولي ~~والقتل الجماعي الذي نشر باعتباره تاريخ الجنس ~~البشري. # ونحن نسأل: لماذا اختير تاريخ النفوذ، ولم يقع الاختيار ~~مثلا على تاريخ الشعر؟! هناك أسباب عدة، من بين هذه ~~الأسباب أن النفوذ يؤثر فينا جميعا، أما الشعر فلا يؤثر ~~إلا في عدد محدود. وسبب آخر هو أن الناس يميلون إلى عبادة ~~القوة. ولكن مما لا شك فيه أن عبادة القوة هي من أسوأ ~~أنواع العبادات البشرية، وهي من بقايا عهد الأسر، وعهد ~~العبودية البشرية. إن عبادة القوة تتولد عن الخوف، وهو ~~إحساس يستحق الازدراء حقا. وسبب ثالث: لماذا جعلنا سياسة ~~القوة هي لب «التاريخ»؟! هو أن أصحاب النفوذ أرادوا أن ~~يعبدوا، وأمكن لهم أن يفرضوا ما أرادوا. وكم من مؤرخ ~~دون التاريخ تحت رقابة قادة الجيوش والحكام ~~المستبدين! # وأنا أعلم أن هذه الآراء سوف تقابل بأشد معارضة، ~~وبخاصة من بعض من يدافعون عن المسيحية؛ لأن الاعتقاد بأن ~~الله يكشف عن نفسه في التاريخ كثيرا ما يعد من العقائد ~~المسيحية، وذلك بالرغم من أن العهد الجديد يكاد يخلو مما ~~يؤيد هذا الرأي، كذلك يعد من العقائد المسيحية أن ~~للتاريخ معنى، وأن معناه هو هدف الإله؛ ومن ثم فإن ~~الاعتقاد في التاريخ يعد عنصرا ضروريا من عناصر ~~الدين. غير أني لا أقر بهذا، وأحتج بأن هذا ms227 الرأي ليس إلا ~~عبادة وثنية وخرافة، ليس من وجهة نظر العقليين والإنسانيين ~~فحسب، ولكن من وجهة النظر المسيحية ذاتها. # ولست أنكر أن تفسير التاريخ من وجهة النظر المسيحية له ~~ما يسوغه، كما أن تفسيره من أية زاوية أخرى له أيضا ما ~~يسوغه. ومما لا شك فيه أنه من الواجب - مثلا - أن نؤكد ~~أنا ندين لتأثير المسيحية بقدر كبير من أهدافنا وغايتنا ~~في الغرب، ومن المذهب الإنساني، والحرية، والمساواة. بيد ~~أن النظرة العقلية الوحيدة، والنظرة المسيحية الوحيدة، في ~~الوقت عينه، حتى إلى تاريخ الحرية هي أنا مسئولون عنها ~~بأنفسنا مسئوليتنا عما نصنع بحياتنا، وأنه لا يحكم علينا ~~إلا ضمائرنا، لا نجاحنا في هذه الدنيا. أما النظرية التي ~~تقول بأن الله يظهر نفسه كما يظهر أحكامه في التاريخ، ~~فلا يمكن أن تتميز عن النظرية التي تقول بأن النجاح ~~الدنيوي هو الحكم النهائي والمسوغ الغائي لأعمالنا. ولا ~~يختلف ذلك عن إيماننا بالمذهب الذي يقول بأن التاريخ سوف ~~يحكم؛ أي إن المستقبل قد يكون على صواب، ولا يختلف عما ~~أسميته «حكم المستقبل الأخلاقي». إن اعتقادنا بأن الله ~~يكشف عن نفسه فيما نسميه عادة ب «التاريخ»، في تاريخ ~~الإجرام الدولي والقتل الجماعي، هو في الواقع كفر بالله؛ ~~لأن ما يحدث فعلا داخل حياة الأفراد قلما يتأثر بهذا ~~القول الصبياني القاسي. إن المضمون الحقيقي للتجربة ~~البشرية خلال العصور هو حياة الفرد المنسي المجهول، أحزانه ~~وأفراحه، وآلامه وموته، فإن أمكن للتاريخ أن يروي ذلك، ~~فإني قطعا لن أقول إنه من الكفر بالله أن نرى تأثير الله ~~فيه، ولكن مثل هذا التاريخ لا يوجد ولا يمكن أن ~~يوجد. ~~⋆ ~~(1-5) نستطيع أن نكسب التاريخ معنى # لقد اعترضت بقولي بأن التاريخ يخلو من المعنى. غير أن ~~هذا الاعتراض لا يعني أن كل ما نستطيع القيام به في هذا ~~الشأن هو أن ننظر مذهولين إلى تاريخ النفوذ السياسي، أو أن ~~ننظر إليه كأنه فكاهة قاسية؛ لأنا نستطيع أن نفسره، ~~بالنظر إلى مشكلات النفوذ السياسي التي نحاول حلها في هذا ~~العصر، نستطيع ms228 أن نفسر تاريخ النفوذ السياسي من وجهة نظر ~~كفاحنا في سبيل المجتمع الحر، وفي سبيل حكم العقل، ~~والعدالة، والحرية، والمساواة، وفي سبيل الحد من الإجرام ~~الدولي. وبالرغم من أن التاريخ ليس له غايات، فإنا ~~نستطيع أن نفرض عليه غاياتنا هذه، و«بالرغم من أن التاريخ ~~لا معنى له، فإنا نستطيع أن نكسبه معنى». # إن الطبيعة والتاريخ كليهما لا يستطيعان أن يهديانا إلى ~~ما ينبغي لنا أن نفعله؛ فالوقائع - سواء كانت طبيعية أم ~~تاريخية - لا تستطيع أن تصدر لنا قرارا، ولا تستطيع أن ~~تحتم الغايات التي نختارها، فنحن الذين نحدد للطبيعة ~~والتاريخ الغرض والمعنى. ليس الناس متساوين، ولكنا ~~نستطيع أن نقر الكفاح من أجل المساواة. والمؤسسات ~~البشرية كالدولة لا تقوم على أساس من العقل، ولكنا نستطيع ~~أن نقرر الكفاح في سبيل إقامتها على أساس من العقل. ~~ونحن أنفسنا، ولغتنا العادية، عاطفيون أكثر منا عقليين على ~~وجه الإجمال، ولكنا نستطيع أن نكون أكثر عقلا، ونستطيع أن ~~ندرب أنفسنا على استعمال لغتنا كأداة لا نعبر بها عن ~~أنفسنا (كما يريد لنا المربون الخياليون)، ولكن كأداة ~~للاتصال المعقول، والتاريخ نفسه - أقصد تاريخ النفوذ ~~السياسي بطبيعة الحال، ولا أقصد قصة تقدم الجنس البشري ~~التي لا وجود لها - ليس له غاية ولا معنى، ولكنا نستطيع ~~أن نكسبه هذا وذاك، نستطيع أن نجعله كفاحنا في سبيل ~~المجتمع الحر ضد خصومه (الذين يحتجون دائما - عندما ~~يتورطون - بعواطفهم الإنسانية، طبقا لما نصح به باريتو)، ~~ونستطيع أن نفسر التاريخ وفقا لذلك، ونستطيع أن نقول مثل ~~ذلك في نهاية الأمر عن «معنى الحياة»، ويتوقف علينا أن ~~نقرر ماذا يكون غرضنا في الحياة، وأن نحدد ~~غاياتنا. # وأعتقد أن ثنائية الوقائع والقرارات أساسية؛ فالوقائع ~~كما تحدث لا معنى لها، ولا يمكن أن تكتسب المعنى إلا بما ~~نصدر من قرارات. وليس الاعتقاد في النظرية التاريخية إلا ~~إحدى المحاولات العديدة للتغلب على هذه الثنائية؛ لأن هذه ~~النظرية إنما تتولد عن الخوف، وتخشى أن تؤمن بأن الإنسان ~~يتحمل المسئولية النهائية حتى عن المعايير التي يختارها. ~~بيد أن ms229 مثل هذه المحاولة تبدو لي كأنها تمثل أدق تمثيل ~~ما نسميه عادة بالخرافة؛ لأنها تفترض أنا نستطيع أن ~~نحصد دون أن نزرع. إنها تحاول أن تقنعنا أننا إذا تمشينا ~~مع التاريخ واكتفينا بذلك فلا بد أن يسير كل شيء سيرا ~~صحيحا، وأنه ليس هناك ما يدعو إلى إصدار قرار أساسي من ~~جانبنا، إنها تحاول أن تنقل مسئوليتنا إلى التاريخ، وعن ~~طريق ذلك تنقلها إلى القوى الشيطانية التي لا سلطان لنا ~~عليها، إنها تحاول أن تقيم أعمالنا على أساس النوايا ~~الخفية لهذه القوى، التي لا تتكشف لنا إلا في ومضات صوفية ~~غامضة وعن طريق الحدس واللقانة؛ وهي لذلك تضع هذه الأعمال ~~وهذه القرارات على المستوى الخلقي لرجل يستوحي النجوم ~~والأحلام فيختار رقم ورقة اليانصيب الفائزة. إن النظرية ~~التاريخية - كالمقامرة - تتولد عن يأسنا من التعقل ~~والمسئولية في أعمالنا. إنها أمل زائف وإيمان زائف، ~~ومحاولة للاستعاضة عن الأمل والإيمان اللذين يصدران عما ~~لدينا من حماسة خلقية، وعن ازدراء النجاح بإيمان يصدر عن ~~علم زائف، علم زائف عن النجوم، أو عن «الطبيعة البشرية»، ~~أو المصير التاريخي. # وأعود فأكرر إن النظرية التاريخية ليست فقط مما لا يمكن ~~الدفاع عنه بالعقل، إنما هي كذلك في صراع مع أي دين يبشر ~~بأهمية الضمير؛ لأن مثل هذا الدين لا بد أن يتفق مع نظرة ~~العقل إلى التاريخ حين يؤكد مسئوليتنا الكبرى عن أعمالنا، ~~وعن صداها في مجرى التاريخ. حقا إننا في حاجة إلى الأمل. ~~والعمل والعيش بغير أمل يتجاوزان ما لدينا من قدرة. ولكنا ~~لسنا في حاجة إلى «أكثر» من ذلك، وينبغي ألا نعطي أكثر من ~~ذلك. إننا لسنا في حاجة إلى اليقين، وينبغي ألا يكون الدين ~~خاصة عوضا عن الأحلام وعن التمنيات، ولا ينبغي له أن يكون ~~شبيها بحيازة ورقة اليانصيب، أو حيازة بوليصة التأمين في ~~شركة من شركاته. إن عنصر النظرية التاريخية في الدين هو ~~عنصر من عناصر الوثنية والخرافة. # وهذا الاهتمام الزائد بثنائية الوقائع والقرارات يحدد ~~أيضا موقفنا إزاء فكرة «التقدم» وما إليها. إذا اعتقدنا ms230 ~~أن التاريخ يتقدم، أو أن تقدمنا أمر محتوم، فنحن إذن ~~نرتكب نفس الخطأ الذي يرتكبه أولئك الذين يعتقدون أن ~~للتاريخ معنى يمكن الكشف عنه فيه، وليست بنا حاجة إلى أن ~~نكسبه إياه؛ لأن التقدم معناه السير نحو غاية من الغايات، ~~نحو غاية موجودة بالنسبة إلينا ككائنات بشرية. و«التاريخ» ~~لا يستطيع أن يفعل ذلك، إنما هو نحن - أفراد البشر - الذين ~~نستطيع أن نفعله، نستطيع أن نفعله بدفاعنا عن تلك المؤسسات ~~الديمقراطية التي تتوقف عليها الحرية، ومعها التقدم ~~وتعزيزنا لها، ونستطيع أن نجيد هذا العمل إذا ازداد وعينا ~~بأن التقدم يتوقف علينا، وعلى يقظتنا، وعلى جهودنا، وعلى ~~وضوح تصورنا لغاياتنا، وعلى اختيارها على أساس من ~~الواقع. # وبدلا من أن نقف موقف المتنبئين يجب علينا أن نصنع ~~مصيرنا بأنفسنا، يجب علينا أن نتعلم صنع الأشياء كأحسن ما ~~نستطيع، وأن نتنبه إلى أخطائنا. وإذا ما نحن تخلينا عن ~~الفكرة التي تقول بأن تاريخ النفوذ سوف يحكم علينا، وإذا ~~ما نحن تخلينا عن القلق الذي يساورنا إن كان التاريخ سيسوغ ~~أعمالنا أو يدينها، إذا نحن تخلينا عن ذلك، فربما نجحنا ~~ذات يوم في إخضاع النفوذ لسلطاننا. بهذه الطريقة قد نسوغ ~~التاريخ نفسه بدورنا، وهو في أمس الحاجة إلى مثل هذا ~~التسويغ. # المصادر ~~⋆ # كل ~~المقتطفات في هذا الفصل مقتبسة من كتاب «المجتمع الحر ~~وخصومه»، تأليف ك. ر. بوبر. # الفصل الثاني عشر # | برتراند رسل # (1872م-...) # لبرتراند رسل تأثير يكاد يكون ساحرا في عالم الفلسفة الإنجليزية ~~الأمريكية امتد إلى نصف قرن من الزمان. ويرجع ذلك، إلى حد ما، إلى ~~قدرته على أن يكتب كالملك الكريم، ولكنه الملك الذي يجرؤ - بالرغم ~~من ذلك - على أن يستعير النكتة اللاذعة من المصادر الشيطانية، كما ~~يرجع ذلك إلى حد أكبر إلى إضافته الضخمة إلى الفلسفة الرياضية في ~~كتابه المشهور «مبادئ الرياضة» الذي يقع في ثلاثة مجلدات، وهو ~~الكتاب الذي ألفه مع نوث ألفرد هوايتهد. وبظهور هذه المجلدات ~~فيما بين عامي 1910 و1913م اكتسب رسل الشهرة التي جلبت له القراء ~~لمؤلفاته التالية. وهذه ms231 المؤلفات التي واصل فيها اهتمامه بالرياضة ~~والمنطق الرمزي، كانت تجول في ميادين نظرية المعرفة، والفلسفة ~~الاجتماعية. ومن الحقائق العجيبة الصادقة عن هذا الفيلسوف الخفيف ~~الروح الذكي اللامع أنه في الوقت الذي يدرس فيه زملاؤه في العلم ~~وخريجو الجامعات كتبه دراسة دقيقة، نجد فيه الطبعات الرخيصة من ~~كتبه التي أعيد طبعها في موضوعات مثل الزواج والتربية والأخلاق ~~مودعة إلى جوار شطائر الطعام في حقائب الغداء التي يحملها العمال؛ ~~لكي يلتهموها مسرورين في الوقت الذي يلتهمون فيه هذه الشطائر. وفي ~~منتصف الثلاثينيات من هذا القرن حينما تقرر أن يلقي رسل إحدى ~~محاضراته العامة في نيويورك في «معبد مكة» توقفت حركة المرور حول ~~الأبنية المجاورة لهذا المكان عندما أقبل جمهور ضخم من المستمعين ~~ليستمتعوا بموكب من مواكب العلم اللامع البراق. # وفي عام 1950م أصبح لورد رسل الفيلسوف الثالث الذي ظفر بجائزة ~~نوبل في الأدب «اعترافا بمؤلفاته الهامة المتعددة الجوانب، التي ~~ظهر فيها دائما مدافعا عن الإنسانية وحرية الفكر». وتشير هذه ~~العبارة إشارة دقيقة إلى عنصر أساسي في كتابات رسل الفلسفية غير ~~الفنية، منذ العهد الباكر الذي نشر فيه مقاله المشهور «عبادة الرجل ~~الحر» في إذاعته من محطة الإذاعة البريطانية في مناسبة عيد ميلاده ~~الثمانين، وإلى كتبه في الموضوعات الأخلاقية والسياسية التي ما ~~فتئت تتدفق من سن قلمه؛ لأن رسل قد يخطئ كثيرا في بعض ما يفترض من ~~آراء، وقد يشتبك في جدل عاصف عنيد مدفوعا بحماسة التأثر السياسي، ~~إلا أنه قد تمكن في جميع الحالات من تذكير الناس بتقاليد المدنية ~~والعدالة التي يتميز بها الروح الحر في الحضارة الغربية من عهد ~~بركليز حتى يومنا هذا. # وبأسلوبه الذي لا يحاكى كتب رسل عن حياته يقول: «ماتت أمي ولم ~~أبلغ من العمر عامين، ومات أبي وأنا في الثالثة من عمري، فتربيت ~~في بيت جدي، لورد جون رسل، الذي أصبح فيما بعد إيرل رسل، ولم أكد ~~أسمع شيئا عن والدي، اللورد والليدي آمبرلي، وكل ما ترامى إلي ~~كان من الضآلة بحيث أحسست إحساسا غامضا بوجود سر ms232 غامض، ولم أتعرف ~~إلى الخطوط الرئيسية في حياة أبوي وآرائهما إلا عندما بلغت ~~الحادية والعشرين من عمري. عندئذ تبين لي - في شيء من الحيرة - ~~أني مررت بنفس المراحل العقلية والعاطفية تقريبا التي مر بها ~~أبي.» وما يشير إليه رسل هنا خاصة هو أن أباه - طبقا للتقاليد ~~العائلية - كان يرجى له أن يشتغل بالحياة السياسية، ولكن معتقداته ~~المتحررة وميوله التي لا يرعى فيها المألوف كانت لا تتفق والنجاح ~~السياسي، وكان أبواه صديقين وتلميذين لجون ستيوارت مل، وقد رفضت ~~كلاهما أن يساير الحشمة التي كان يتطلبها الفضلاء في عهد فيكتوريا. ~~ويستطرد رسل قائلا: «وأراد أبي لي ولأخي أن ننشأ على التفكير ~~الحر، وعين اثنين من أحرار الفكر ليتوليا أمرنا، إلا أن محكمة ~~تشانسري - نزولا على ما طلب أجدادنا - أهملت الوصية، وتهيأت لي ~~نشأة مسيحية أستمتع بما فيها من فوائد.» وقد يكون في هذا التعليق ~~الأخير سخرية بمعنى من المعاني؛ إذ إننا نجد رسل يصدر في شبابه ~~نشرة تحت عنوان: «لماذا أنا لست مسيحيا؟» وبمعنى آخر، كان تقدير ~~الحياة، والحب، والتسامح، والنزاهة الخلقية التي نعتقد أنها من ~~ثمار هذه التربية، من القضايا التي خدمها رسل خلال حياته العملية ~~كلها. # كان إنتاج رسل العقلي ضخما جدا، وجانب من ثبت مؤلفاته ~~ومقالاته ينيف على أربعين صفحة مطبوعة. وهناك ما لا يقل عن خمسين ~~كتابا من هذا الإنتاج العلمي الضخم تمثل أهم مؤلفات رسل، وكثير ~~منا يعرف هذه الكتب معرفة الأصدقاء القدامى المألوفين: مشكلات ~~الفلاسفة (1912م)، معرفتنا بالعالم الخارجي (1914م)، التصوف ~~والمنطق ومقالات أخرى (1918م)، الطريق إلى الحرية (1918م)، مقدمة ~~للفلسفة الرياضية (1919م)، تطبيق البلشفية ونظريتها (1920م)، تحليل ~~العقل (1921م)، تحليل المادة (1927م)، مقالات في الشك (1928م)، ~~الزواج والأخلاق (1929م)، النظرة العلمية (1931م)، التربية والنظام ~~الاجتماعي (1932م)، الحرية والنظام، من 1814م إلى 1914م، (1934م)، ~~السلطان: تحليل اجتماعي جديد (1938م)، بحث في الصدق والمعنى ~~(1940م)، تاريخ الفلسفة الغربية (1945م)، آمال جديدة في عالم متطور ~~(1951م)، والمجتمع البشري في الأخلاق والسياسة (1955م). وقد تشمل ~~هذه القائمة غير ذلك ms233 من الكتب . # وإذا كان رسل في هذه الرحلة العقلية التي كان الذهن فيها قويا ~~والبصر ثاقبا لا يتقلب في رأيه، بل ولا يتناقض، ولا يتنكر لما آمن ~~به، ولا يؤمن بما تنكر له، إذا كان رسل لا يفعل ذلك لثارت في ~~نفوسنا الدهشة والعجب. والمحاضرات العلمية التي تلقى في موقف رسل ~~من الفلسفة تعاني دائما من بسط الموضوع في نفس الوقت الذي قد يكون ~~رسل منكبا فيه على تأليف كتاب يهدم فيه موقفه السابق. ونسوق هنا ~~مرة أخرى تعليقا لرسل يلائم هذه الصفة فيه، قال: «إنني لا أخجل ~~البتة من تغيير آرائي. أي عالم طبيعي كان نشطا في عام 1900م يحلم ~~بالفخر بأن آرائه لم تتغير في نصف القرن الماضي ... ولكن الفلسفة في ~~عقول الكثيرين تتشابه مع الدين أكثر مما تتشابه مع العلم، وعالم ~~الدين ينطق بالحق الأبدي، والمذاهب باقية كما هي منذ «مجلس نيقوه»؛ ~~فحيثما لا يعرف المرء شيئا، فليس هناك ما يدعو إلى تغيير ~~الرأي.» # كان رسل جادا في اهتمامه بالتاريخ والسياسة، وإن كان يتصف ~~فيهما بالتقلب والتناقض نفسيهما اللذين نلمسهما في فلسفته للمعرفة. ~~كان رسل من دعاة السلم في الحرب العالمية الأولى، ولبث في السجن من ~~أجل ذلك ستة أشهر، وكان وسيطا قبل الحرب العالمي حينما شهد ظهور ~~الحكم الدكتاتوري المستبد، ثم أمسى في السنوات القلائل الماضية ~~قائدا من قواد الحملة العالمية التي تستهدف تحريم صناعة القنابل ~~الهيدروجينية في أية دولة ما عدا الولايات المتحدة والاتحاد ~~السوفيتي، مع إرغام الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على تحريم ~~الأسلحة النووية وتحطيمها تحت رقابة دولية. وقد قال رسل في أحد ~~بياناته إنه لو أرغم على أن يختار بين شيوعية العالم وإبادة الجنس ~~البشري في حرب نووية، اختار الأولى. وصاحب هذا البيان بنصيحة خطرة ~~قال فيها إن الاتحاد السوفيتي إذا لم يوافق على رقابة نزع السلاح، ~~فواجب الديمقراطية البريطانية والأمريكية أن تبدأ بالتخلي عن ~~الأسلحة النووية من جانبها. ودار عقب ذلك جدل بين رسل وسدني هوك ~~على صفحات «القائد الجديد» في عام ms234 1958م، وهو جدل لا يزال من أقيم ~~المناقشات في قيم الحرية المنشودة والبقاء المطلوب في الأدب ~~المعاصر. ~~(1) التعقل الفلسفي في عالم متغير # برتراند رسل ~~(1-1) أسباب الحيرة في عصرنا الحاضر # إن الإحساس السائد في عصرنا الحاضر هو الشعور بالحيرة ~~العاجزة؛ فنحن نرى أنفسنا سائرين نحو حرب يكاد لا يرغب ~~فيها أحد من الناس، وهي حرب - كما نعلم - لا بد أن تنتهي ~~بالكارثة على الأكثرية العظمى من الناس. ولكنا نحدق في ~~الخطر دون أن نعلم ماذا نصنع لكي نتفاداه، كالأرانب التي ~~تقف مذهولة أمام الحية، نتبادل الحديث عن القصص المفزعة ~~للقنابل الذرية والقنابل الهيدروجينية، وعن إبادة المدن، ~~والحشود الروسية، والمجاعة والوحشية في كل مكان. ولكن ~~بالرغم من أن العقل يهدينا إلى وجوب الفزع من مثل هذا ~~المصير، فإن هناك جانبا في نفوسنا يستمتع به، فلا نجد ~~العزيمة الثابتة لتفادي الكارثة، كما أن هناك هوة سحيقة في ~~نفوسنا تفصل بين الجانب العاقل والجانب غير العاقل. وقد ~~يهجع الجانب غير العاقل في أوقات الهدوء خلال النهار ولا ~~يتيقظ إلا في الليل. أما في أوقات مثل هذا الوقت فقد ~~يغزو هذا الجانب ساعة اليقظة أيضا، ويفتر كل تفكير عاقل ~~وينفصل عن الإرادة. وعندئذ ترتكز حياتنا على فرض حاد ~~كالصراط المستقيم. إن اشتعلت الحرب كانت طريقة من طرق ~~الحياة معقولة، وإن لم تشتعل كانت طريقة أخرى من طرق ~~الحياة معقولة كذلك. وهذا الوجود الفرضي مقلق للضمير غير ~~محتمل للغالبية العظمى من الناس، فنراهم في حياتهم ~~العملية يتخذون أحد الغرضين، دون الإيمان التام به، فالشاب ~~الذي يجد التربية المدرسية مملة يقول لنفسه: «فيم ~~الاهتمام؟ فسوف أقتل في إحدى المعارك في وقت ~~قريب.» # وبعض الآباء يتشكك في قيمة التضحية التي تتطلبها تربية ~~الأبناء، ما دام الأرجح أن عبثها سوف يثبت. وأولئك الذين ~~يملكون لحسن حظهم مالا وافرا يميلون إلى إنفاقه في حياة ~~صاخبة، ما داموا يتنبئون بأزمة طاحنة تنخفض فيها قيمة ~~العملة حتى تصبح عديمة القيمة. وبهذه الطريقة يقف الشك ~~عقبة تصد الدافع إلى كل جهد شاق، ms235 ويولد شعورا بمرح ~~اليائس نحسبه خطأ لذة حقيقية، يظهر في العالم الخارجي ~~وينقلب بغضا لأولئك الذين نظنهم السبب فيه. وعن طريق هذا ~~البغض يقربنا هذا الشك يوما بعد يوم من الكارثة التي ~~نخشاها، وكأن مصيرا محزنا يحيق بمختلف الأمم، وكأن ~~الآلهة التي أسأنا إليها تعميها، كما كانت تعمي الأشخاص في ~~المسرحية اليونانية. وبهذا الغموض العقلي الذي يخيم على ~~الأمم فيوقعها في الارتباك والحيرة، نراها تسير نحو ~~الهوة وهي تتخيل أنها تبتعد ~~عنها. # 1 # إن في استعمال القنبلة الذرية والقنبلة الهيدروجينية ~~خطرا جديدا، خطرا ليس جديدا في نوعه فقط، ولكنه أعظم ~~من أي خطر سبق في أية حرب سالفة؛ فنحن لا نعرف تماما ماذا ~~عسى أن تكون آثار إطلاق تيارات ضخمة من النشاط الإشعاعي. ~~هناك من يعتقدون أنه قد يؤدي بنا إلى إبادة الحياة كلها ~~فوق هذا الكوكب، ومن هؤلاء أينشتين. فإذا لم يكن هذا، فقد ~~تتحول مساحات شاسعة خصبة من الأراضي إلى أراض قاحلة لا ~~تسكن، فيمحى من الوجود سكان كثير من البلاد. ولا أقول ~~بأن ذلك سوف يحدث إذا استخدم النشاط الذري في الحرب، فليس ~~هناك حتى اليوم من يعرف أهذا سوف يقع أم لا يقع، غير أن ~~خطر وقوعه ماثل أمامنا، ولات ساعة مندم إن هو وقع. # في فن الحرب ذبذبة بين قوة الهجوم وقوة الدفاع. والعصور ~~السعيدة هي تلك التي يقوى فيها الدفاع، والعصور التعسة هي ~~تلك التي يتغلب فيها الهجوم. وفي عصرنا العلمي خطر دائم ~~بأن يكتسب الهجوم في أية لحظة من اللحظات الغلبة القاصمة ~~حقا؛ فالحرب البكتيريولوجية - على سبيل المثال - قد تبيد ~~العدو، ولكنها قد تبيد في الوقت عينه البادئين بها. ~~وازدياد المهارة العلمية يجعل الحرب خطرة في جملتها، حتى ~~إن كانت أقل فتكا في أية لحظة من اللحظات. # والحرب الحديثة - بغض النظر عن شدة فتكها - أسوأ في ~~كثير من الوجوه من أكثر الحروب التي نشبت في سالف الأزمان. ~~وبالنظر إلى إنتاج العمل المتزايد، فمن المحتمل أن نستغني ~~عن جانب أكبر من السكان ليختص في ms236 تبادل القتال، كما أن ~~تفكك الحياة اليومية أشد في العالم الحديث عما كان عليه في ~~أكثر الحروب التي نشبت في سالف الزمان. وقد جعل الخوف من ~~القنبلة الذرية سكنى المدن الكبيرة أمرا غير معقول ... ~~أما في الحروب المسلية المطمئنة التي وقعت في القرنين ~~الثامن عشر والتاسع عشر، فكان المحاربون أساسا هم الذين ~~يتعرضون للآلام. أما هذه الآلام فيتزايد وقعها اليوم على ~~المدنيين. وقد بلغت من العمر عتيا، ولكن أذكر ذلك الوقت ~~الذي كانت فيه الحرب التي تصيب النساء والأطفال أمرا لا ~~يقع في الحسبان. غير أن هذا العصر السعيد قد مضى ~~وفات. # لكل هذه الأسباب كانت الحرب اليوم أشد خطرا مما كانت ~~عليه فيما سلف. ولقد بات تحريم الحرب أمرا لا مفر منه إذا ~~أردنا لحياة المدينة أن تبقى، بل إذا أردنا لأي نوع من ~~أنواع الحياة أن يبقى. ولقد بلغ هذا الأمر من الخطر حدا ~~يحتم علينا ألا نتقاعس عن الأخذ بصور التفكير السياسي ~~الجديد أو عن إدراك المشكلات الجديدة التي كان بالإمكان ~~تجاهلها فيما سلف دون التعرض في النهاية لكارثة من ~~الكوارث، وإن لم يكن دون تعرض للجزاء. ~~(1-2) الحكومة العالمية # قد نتجنب الحرب بالعلاج المؤقت، أو بالحلول الطارئة ~~والدبلوماسية الذكية لوقت ما، ولكن خطرها يظل محلقا فوق ~~رءوسنا. وما دام نظامنا السياسي قائما كما هو، فيكاد يكون ~~من المؤكد أن الحروب العظمى سوف تقع بين الحين والحين. ولا ~~مفر من حدوث ذلك ما دامت هناك دول مختلفة لكل منها ~~سيادتها، ولكل منها قواتها المسلحة، ولكل منها حكمها ~~المطلق فيما يختص بحقوقها في أي نزاع ينشب. وليس هناك سوى ~~طريق واحد يمكن أن يأمن به العالم من الحرب، وذلك هو إنشاء ~~سلطة عالمية واحدة، تحتكر لنفسها جميع الأسلحة ~~الخطرة. # وإذا أردنا للحكومة العالمية أن تمنع وقوع الحروب ~~الخطرة، فلا بد لها من امتلاك قدر معين من القوة. لا بد ~~لها - أولا وقبل كل شيء - من احتكار كل أسلحة الحرب ~~العظمى، ولا بد لها من قدر كاف من القوات ms237 المسلحة ~~لاستخدام هذه الأسلحة، ولا بد من اتخاذ أية خطوات ضرورية ~~لكي تضمن أن تكون القوات المسلحة في جميع الظروف موالية ~~للحكومة المركزية. ومن واجب الحكومة العالمية أن تضع قواعد ~~معينة تتبعها في استخدام قواتها المسلحة، وأهم هذه القواعد ~~هو أن تخضع كل دولة في نزاع مع غيرها لقرار الحكومة ~~العالمية، وأي استخدام للقوة من جانب أية دولة من الدول ضد ~~غيرها يجعل من هذه الدولة عدوا للناس، ولا بد أن ينزل ~~بها العقاب من القوات المسلحة التابعة للحكومة العالمية. ~~هذه هي القوى الضرورية إذا أردنا أن يكون حفظ السلام أمرا ~~ممكنا، فإن سلمنا بذلك، تتابعت بعدئذ غيرها من ~~السلطات. عندئذ تظهر الحاجة إلى هيئات تتولى السلطات ~~القضائية والتشريعية. وسوف تنمو هذه السلطات بطبيعة الحال ~~إذا تحققت الشروط الحربية. أما الأمر الحيوي الشاق فهو ~~وضع قوة لا تقاوم في أيدي السلطة المركزية. # وقد تكون الحكومة المركزية ديمقراطية أو دكتاتورية، وقد ~~تنشأ عن رضا أو عنوة، وقد تكون هي الحكومة الوطنية لدولة ~~انتصرت في غزو عالمي، أو قد تكون سلطة يكون فيها لكل دولة ~~- أو بالتالي لكل كائن بشري - حقوق متساوية. وأعتقد من ~~جانبي أن هذه الحكومة إذا أنشئت سوف تقوم على أساس من ~~الرضا في بعض البقاع، وعلى أساس من الإرغام في البعض ~~الآخر، فقد تنشب حرب عالمية بين مجموعتين من الأمم، فتنزع ~~المجموعة الظافرة السلاح من المجموعة المنهزمة، ثم تشرع في ~~حكم العالم عن طريق توحيد المؤسسات التي تطورت خلال الحرب. ~~وبانطفاء جذوة الخصومة الحربية تنضم المجموعة المنهزمة ~~تدريجا إلى النظام الجديد. ولست أعتقد أن الجنس البشري ~~يملك من الدهاء السياسي أو من القدرة على التسامح المتبادل ~~ما يمكنه من إنشاء حكومة عالمية على أساس من الرضا وحده. ~~ومن أجل هذا أعتقد أن عنصر القوة مطلوب في إنشاء هذه ~~الحكومة وفي الإبقاء عليها خلال السنوات الأولى من ~~وجودها. # ولكن بالرغم من أن القوة قد تكون ضرورية في أول الأمر في ~~بعض بقاع الأرض، فإنه لن يكون هناك استقرار ولن ms238 يكون ~~بالإمكان إنشاء نظام حر ديمقراطي إلا إذا توقفت بعض أسباب ~~النزاع الكبرى عن فاعليتها. ولا يدور بخلدي أسباب النزاع ~~اليومية العادية التي تتميز بها الحرب الباردة في الوقت ~~الحاضر، بل ولا يدور بخلدي ذبذبة سياسة القوة. ولكن ما ~~يرد إلى ذهني هو تلك الأمور التي ينشب بسببها صدام ~~حقيقي - في الظروف الراهنة - بين مصالح جزء من العالم ومصالح الجزء ~~الآخر، ترد إلى ذهني تلك الأمور التي تبلغ من الأهمية ما ~~يجعل كل جانب يؤثر القتال على الإذعان. ولنضرب لذلك مثلا: ~~هل يبقى جنوب شرق آسيا مزدحما بالسكان؟ أو هل تتنازل ~~أستراليا وأمريكا الجنوبية عن أن تكون موطنا للرجل الأبيض ~~وحده؟ أمثلة هذه الأسباب للنزاع العسيرة حقا تدور حول ~~ثلاث مشكلات: السكان، والعنصر، ~~والمذهب. # 2 # والنتيجة التي تسوقنا إليها الحقائق الواقعة، هي أن ~~الحروب العظمى قد لا يمكن تفاديها حتى تنشأ الحكومة ~~العالمية، إلا أن الحكومة العالمية لا يمكن أن تستقر حتى ~~يكون لكل بلد هام عدد ثابت من السكان بقدر الإمكان. وحيث ~~إن ذلك أبعد ما يكون عن الأمر الواقع في الوقت الحاضر، فقد ~~تبدو النتيجة التي وصلنا إليها مدعاة لليأس. غير أن لهذه ~~النتيجة وجها آخر لا يدعو البتة إلى فقدان الأمل؛ فقد كان ~~أكثر الأطفال في الأيام السالفة يموتون في حداثتهم، وكانت ~~نسبة الوفيات بين الكبار مرتفعة جدا، وكانت الغالبية ~~العظمى من السكان في كل بلد تتحمل الفقر المدقع. أما ~~في الوقت الحاضر فقد أفلحت بعض الأمم في حفظ حياة الأغلبية ~~الساحقة من الأطفال، كما أفلحت في تخفيض نسبة الوفيات من ~~الكبار إلى حد كبير، كما كادت تفلح في إبعاد شبح الفقر ~~المدقع. وما كان ذلك ليمكن إطلاقا لولا هبوط نسبة ~~المواليد، وتستطيع أن تبلغ نفس هذا المستوى من رفاهية ~~العيش بعض الأمم الأخرى التي ما زال ينتشر فيها المرض ~~والفقر المدقع أنها لو اتبعت نفس الوسائل، ومن ثم فإن ~~هناك أملا جديدا للجنس البشري، ولا يمكن تحقيق هذا الأمل ~~إلا إذا فهمنا أسباب الشرور القائمة، ولكنه ms239 الأمل الذي ~~يحتاج إلى تأكيد؛ فالإنسان الحديث سيد مصيره، وإنما يعاني ~~ما يعاني لأنه غبي أو شرير، ولا يعانيه لأنه أمر الطبيعة، ~~فالسعادة محققة له لو سلك السبل التي تهيأت ~~له. # 3 ~~(1-3) قيمة الذكاء # إن كراهية الذكاء أحد الأخطار العظمى في العالم الحديث؛ ~~لأن كل تقدم جديد في الوسائل الفنية العملية يصاحبه ازدياد ~~الحاجة إلى الذكاء؛ فتقدم الوسائل الفنية في الصناعة يتوقف ~~على المخترعين، والتقدم في الحروب يتوقف على علماء الطبيعة ~~المختصين في الذرة الذين ما كان لأحد منهم أن يظفر ~~بالاحترام «الجدي» لمعاصريه. والحكمة في الشئون الدولية ~~تتطلب معرفة الجغرافيا، والتعرف إلى عادات الأمم المختلفة، ~~والقدرة على رؤية صورة الدنيا من وجهة نظر أخرى غير وجهة ~~نظر الرائي، ولا يمكن تحصيل أية صفة من هذه الصفات بغير ~~ذكاء. وما برحت الديمقراطيات الكبرى في عصرنا الحاضر تميل ~~إلى الاعتقاد بأن الرجل الغبي أقرب إلى الإخلاص من الرجل ~~الذكي. ويستغل ساستنا هذا الميل بتظاهرهم بغباء أشد مما ~~أعطتهم الطبيعة. # وهذا الخوف العام من الذكاء هو أحد الأخطار الكبرى في ~~عصرنا الحاضر، وهو - كغيره من الميول الأخرى التي تحدثت ~~عنها - من الأمور التي يجب أن تعالجها المدارس قبل غيرها؛ ~~فلو أن المعلمين والسلطات التربوية كانوا أشد إدراكا لنوع ~~الشخص الذي يحتاج إليه العالم الحديث، لاستطاعوا خلال جيل ~~واحد أن يكونوا الرأي الذي يقلب وجه الأرض، ولكن مثلهم ~~الأعلى في الشخصية لا يزال عتيقا؛ فهم أشد ما يكونون ~~إعجابا بالصفات التي تكسب صاحبها القيادة في عصابة ~~لصوص. وإن قلت إن التجارة شيء آخر غير القرصنة، قالوا إنك ~~لين وأعلنوا ضلالك. ويرجع ذلك كله إلى قوة الآراء ~~العسكرية التي انحدرت إلينا من الأزمنة السحيقة. وأعيد ~~القول هنا بأن هذه الآراء كانت تتلاءم مع عصر لم يكن فيه ~~مفر من القحط، ولكنها لا تنطبق على العصر الذي نعيش فيه، ~~حيث إن القحط أينما وجد إنما يرجع إلى غباء الإنسان ولا ~~يرجع إلى أي شيء آخر. وبالرغم من أن هذه هي الحقيقة، فإن ~~أكثرنا لا ms240 يزال يؤثر حكم الهوى على حكم العقل؛ فنحن نحب أن ~~تثار عواطفنا، ونحب أن نستحسن ونستهجن، ونحب أن نعجب وأن ~~نبغض، نحب أن نرى الأشياء إما سوداء وإما بيضاء. ~~وجهازنا العقلي كله يتلاءم مع تحريضنا على الاندفاع إلى ~~القتال مرددين صيحات الحرب الهمجية. # فإن أنت نظرت إلى تطبيق مثل هذه العقلية على أعمال ~~البنوك الدولية، فلن تدهش للتدهور الذي سببته حينما كانت ~~لها السيادة دون قيد، ولن تدهش لاعتقاد النازيين أن ~~التدهور يمكن أن يحد لو أمكن إبادة عدد كاف من اليهود، ~~ولن تدهش لما يعتقده الروس أنا سوف نصبح جميعا من ~~الأغنياء لو أمكن تصفية الرجال الأغنياء. وما كان لمثل هذه ~~الأخطاء أن تقع من قوم الذكاء عندهم قادر على أن يسيطر ~~على الهوى، وما كان لمثل هذه الأخطاء أن تقع من قوم يدركون ~~أن اختلاف المصالح باختلاف المجموعات البشرية إنما يرجع ~~إلى الأهواء التي لا تخضع للعقل، ولا يرجع إلى أية حقيقة ~~طبيعية. # إن العالم يواجه كارثة مقبلة، وهو يتساءل في حيرة: ~~لماذا لم يلوح في الأفق مجال للنجاة من مصير مؤسف لا يرغب ~~فيه إنسان؟ والسبب الرئيسي هو أننا لم نهيئ عقولنا ~~لوسائلنا الفنية، وما زلنا نسمح لأنفسنا بطرق للتفكير ~~والإحساس كانت تتلاءم مع عصر أشد بساطة في وسائله الفنية. ~~فإن أردنا أن نحيا حياة سعيدة بالوسائل الفنية الحديثة - ~~ويمكن للوسائل الفنية الحديثة أن ترفعنا إلى مستوى من ~~السعادة أعلى بكثير مما كان في الإمكان سابقا - إن أردنا ~~ذلك فلا مناص لنا من نبذ بعض الآراء والاستعاضة عنها ~~بغيرها، فنستعيض بالمساواة عن حب السيطرة، ونستعيض ~~بالعدالة عن حب الانتصار، ونستعيض بالذكاء عن الأعمال ~~الوحشية، ونستعيض بالتعاون عن المنافسة. ويجب أن نتعلم ~~النظر إلى الجنس البشري كأسرة واحدة، وننمي مصالحنا ~~المشتركة باستخدام مصادر الثروة الطبيعية استخداما ~~ذكيا، ونسير مجتمعين نحو الرفاهية، لا منفردين نحو الموت ~~والدمار. إن التغير العقلي المطلوب شاق عسير، ولا يتم ~~بين عشية وضحاها، ولكن إذا أدرك المربون الحاجة إليه، ~~وإذا نشأ الصغار كمواطنين في ms241 هذا العالم، لا كمواطنين في ~~عالم من المقاتلين الذين يعيشون على النهب والسلب، وهو ~~عالم انقضى عهده وفات، أمكن تحقيق التغير المنشود خلال جيل ~~واحد، وأمكن أن نأمل في إنقاذ جانب على الأقل من الجنس ~~البشري من الهلاك العالمي الذي يهددنا به السعي وراء تحقيق ~~آراء بائدة. # 4 ~~(1-4) الصراع بين الغرب والعالم السوفيتي # هناك أسباب قوية تدفعنا إلى الخوف من أن تمر الحضارة ~~الغربية - إن لم يكن العالم بأسره - في المستقبل القريب، ~~على الأرجح، بفترة من الآلام والأحزان والمصائب، فترة قد ~~ننسى فيها الأشياء التي نحاول الاحتفاظ بها وسط المرارة ~~والفقر والفوضى، إذا نحن لم نحرص على تذكر هذه الأشياء. ~~فإن أردنا أن ننجو من هذا العهد المظلم بنفوس سليمة، فلا ~~بد لنا من أن نتحلى بالشجاعة والأمل والإيمان الذي لا ~~يتزعزع. وجدير بنا قبل أن يدهمنا الخطر أن نستجمع أفكارنا، ~~ونبعث آمالنا، وأن نبث في قلوبنا إيمانا قويا ثابتا في ~~مثلنا العليا. # هناك صورتان عن الحياة البشرية مختلفتان جد الاختلاف ~~تتصارعان في سبيل السيطرة على العالم. ففي الغرب نرى عظمة ~~الإنسان في الحياة الفردية، فالمجتمع العظيم عندنا مجتمع ~~يتألف من أفراد، سعداء، متحررين، خلاقين، بمقدار ما يستطيع ~~الإنسان ذلك. ونحن لا نعتقد أن الأفراد يجب أن يتشابهوا، ~~إنما نحن نتصور المجتمع كالفرقة «الجوقة» الموسيقية التي ~~يلعب فيها كل عازف دورا مختلفا ويضرب على آلة مختلفة، ~~ولكن التعاون يحدث من الوعي بغرض مشترك. إننا نعتقد أن لكل ~~فرد الحق في الاعتزاز بنفسه بالقدر المناسب، ويجب أن ~~يكون له ضميره الشخصي وأهدافه الشخصية، التي يملك الحرية ~~في إنمائها، اللهم إلا إذا ثبت أنها تلحق الأذى بالآخرين. ~~ونحن نعلق أهمية كبرى على تخفيف الآلام والفقر، وعلى زيادة ~~المعرفة وإنتاج الفن والجمال. والدولة عندنا سبب من أسباب ~~الراحة، وليست شيئا معبودا. # أما الحكومة الروسية، فلديها صورة أخرى عن أهداف ~~الحياة؛ فالفرد عندها غير ذي أهمية، ويمكن التصرف فيه. ~~والمهم هو الدولة التي ينظر إليها كشيء يكاد يكون ~~مقدسا، ولها رفاهيتها الذاتية، وهي ms242 رفاهية لا تنحصر في ~~رفاهية المواطنين. وهذا الرأي الذي استمده ماركس من هيجل ~~يتعارض في أساسه مع الأخلاق المسيحية، التي يؤمن بها في ~~الغرب أحرار الفكر كما يؤمن بها المسيحيون، وليس للكرامة ~~الإنسانية في العالم السوفيتي أية قيمة، وهناك يعد من ~~الحق ومن الملائم أن يكون الناس عبيدا أذلاء، يطأطئون ~~الرءوس أمام أولئك النفر الذين تتجسد فيهم عظمة الدولة، ~~ويكادون يكونون أنصاف آلهة. وحينما يخدع المرء أعز أصدقائه ~~ويكون سببا في الزج به في غياهب الفزع المبهم في معسكر ~~من معسكرات العمل في سيبريا، عقوبة له على زلة من الزلات ~~انزلق فيها في لحظة، وحينما يكون الطالب سببا في الحكم ~~بالإعدام على والديه، نتيجة للتعاليم التي تلقاها من ~~معلمه، وحينما يقدم إلى المحاكمة رجل ذو شجاعة نادرة بعد ~~جهاده في كفاح الرذيلة، ثم يدان، ويضطر إلى أن يقر في ~~ذلة وخنوع أنه كان آثما حينما عارض السلطة «الإلهية» ~~لأصحاب النفوذ، حينما يحدث ذلك، فإن الخداع والاعتراف ~~بالإثم لا يسببان أي إحساس بالعار لمن اقترف الذنب؛ لأنه ~~إنما أن يعمل في خدمة الإله الذي يقدسه. # هذه هي الصورة التي ينبغي لنا أن نكافح ضدها، وهي صورة - ~~في رأيي ورأي أكثر أولئك الذين يقدرون ما يمثله الغرب من ~~عقائد - تسلب الحياة، إن هي سادت، كل ما يكسبها قيمتها، ~~ولا تترك فيها سوى مجموعة مجندة من الحيوانات الذليلة. ولا ~~أستطيع أن أتصور قضية أضخم أو أعمق من هذه نكافح من أجلها. ~~أما إذا أردنا أن نحقق النصر - لا في ميدان القتال وحده، ~~ولكن في قلوب الناس كذلك وفي النظم التي يؤيدونها - فلا بد ~~أن يكون تفكيرنا واضحا فيما نقيم له وزنا، ويتحتم علينا ~~- كما فعل بوثيس - أن نعزز شجاعتنا ضد ما يحيق بنا من ~~أسباب الشدة والضيق. # وإن كانت روسيا لا تقدر الفرد حق قدره، فهناك في الغرب ~~من يبالغ - في غير حق - في انفصال الأفراد كل عن الآخر. ~~إن الذات الفردية ينبغي ألا تنحصر داخل جدران من الجرانيت، ~~بل يجب أن تكون ms243 أطرافها شفافة تنم عما تحتها. إنما ~~الخطوة الأولى نحو الحكمة - بل ونحو الأخلاق الكريمة - هي ~~أن نفتح النوافذ للذات على مصاريعها بقدر ما نستطيع. إن ~~أكثر الناس يجدون قليلا من الصعوبة في إدخال أبنائهم في ~~دائرة رغباتهم، وهم يستطيعون ذلك بدرجة أقل مع أصدقائهم، ~~وإزاء وطنهم إن ألم به خطر. وكثير جدا من الناس يحس أن ~~ما يؤذي بلدهم يؤذيهم. عرفت في عام 1940م بعض الفرنسيين ~~الذين يعيشون في أمريكا عيشة رغدة يتألمون لسقوط فرنسا ~~كما يتألمون لو بترت سيقانهم. غير أنه لا يكفي أن نتوسع ~~في دائرة عطفنا حتى تشمل وطننا، ولو أردنا للعالم سلاما ~~وجب علينا أن نتعلم كيف نشمل الجنس البشري بأسره بنفس ~~العطف الذي نحسه اليوم إزاء مواطنينا. وإن أردنا أن ~~نحتفظ بالهدوء والسكينة في الأوقات العصيبة، عاوننا على ~~ذلك كثيرا أن تشتمل المعارف التي تحتويها عقولنا على ~~العصور الماضية والمستقبلة. # قل من الأشياء ما يطهر تصورنا للقيم مثل ما يطهره ~~تأملنا في ارتفاع الإنسان التدريجي من بداياته الغامضة ~~الشاقة إلى عظمته الراهنة. عند ظهور الإنسان في أول أمره ... ~~كان نوعا نادرا من السهل اصطياده؛ إذ لم تكن له سرعة ~~الغزال، ولا خفة القرد، عاجزا عن الدفاع عن نفسه ضد ~~الوحوش الضارية، لا يحميه فراء دافئ من البرد والمطر، يعيش ~~عيشة غير مستقرة على الطعام الذي يجمعه، ليس عنده سلاح أو ~~حيوان أليف، ولا يعرف الزراعة. # ولكن الميزة الوحيدة التي كانت لديه، وهي الذكاء، كفلت ~~له الأمن في نهاية الأمر، فتعلم استخدام النار، واستخدام ~~القوس والنشاب، واللغة، والحيوان الأليف، ثم تعلم الزراعة ~~أخيرا، وتعلم أن يتعاون في جماعات، وأن يبني القصور ~~والأهرام الشاهقة، وأن يكتشف العالم من جميع الجهات، ~~وأخيرا تعلم كيف يواجه الفقر والمرض، ودرس النجوم، واخترع ~~الهندسة، وتعلم كيف يستعيض بالآلات عن العضلات في العمل ~~الضروري، وبعض من نواحي التقدم هذه حديث جدا، ولا يزال ~~مقصورا على الأمم الغربية. # ونحن أبناء العالم الغربي - حينما واجهتنا الشيوعية ~~بنقدها المعادي - وقفنا موقف المتواضع المدافع أكثر مما ms244 ~~ينبغي. إن طرائق التطور، خلال العصور الطويلة منذ بداية ~~الحياة كما كررنا من قبل، استلزمت الآلام القاسية، ~~والنضال المستمر في سبيل لقمة العيش، بل والموت جوعا - في ~~نهاية الأمر - في أكثر الحالات. هذا هو ناموس مملكة ~~الحيوان، وقد بقي هو ناموس الكائنات البشرية كذلك حتى ~~القرن الحاضر، ثم اكتشفت بعض الأمم في نهاية الأمر كيف ~~تتخلص من الفقر المدقع، وكيف تتخلص من الألم والأسى ~~والإسراف في المواليد التي لا فائدة منها التي يحكم ~~عليها بالموت قبل النضج، وكيف تستعيض بالعقل والحرص عن ~~استهتار الطبيعة الأعمى. # والأمم التي قامت بهذا الاستكشاف هي الوصية على مستقبل ~~البشرية، ويجب أن تكون لديها الشجاعة في طريقتها الجديدة ~~في الحياة، ولا تسمح لنفسها أن تقف مذهولة في حيرة مما ~~تذيعه الأمم شبه المتمدنة من شعارات. ومن حقنا أن نستمسك ~~بالآمال المعقولة، والتي يمكن أن تفصل وأن تعرض في ~~إحصاءات. وإذا نحن رضينا لأنفسنا أن نفقد هذه الآمال في ~~سبيل أحلام غير معقولة، كنا خائنين للجنس ~~البشري. # 5 # ولقد حقق العالم الغربي - إلى حد كبير إن لم يكن إلى ~~كل حد - طريقة للحياة لها بعض المزايا المستحدثة في تاريخ ~~البشرية، فاستطاع أن يتخلص من الفقر تقريبا، وهبط ~~بالأمراض والموت إلى حد كان يعتبر خياليا منذ مائة عام، ~~ونشر التعليم بين الناس جميعا، وحقق درجة جديدة كل ~~الجدة من التوفيق بين الحرية والنظام. وهذه أمور لا تأمل ~~آسيا في بلوغها إذا هي تعجلت استقلالها. ولما أدركنا في ~~الغرب الفقر الشنيع في جنوب شرقي آسيا، واقتنعنا بأن هذا ~~الفقر سلاح دعاية في أيدي الروس، بدأنا نفكر لأول مرة في ~~ضرورة القيام بعمل ما لرفع مستوى الحياة في هذه الأقاليم. ~~غير أن عادات الناس هناك ومعتقداتنا في أعينهم تجعل هذا ~~الواجب في الوقت الحاضر أمرا لا رجاء فيه، وكل زيادة في ~~الإنتاج - بدلا من أن ترفع مستوى الحياة - سرعان ما ~~تبتلعها زيادة السكان. وأهل الشرق لا يعرفون كيف يتفادون ~~ذلك، والمتعصبون من الغربيين يصرفون أولئك الذين يدركون ~~المشكلة عن ms245 نشر المعرفة اللازمة. ما أيسر أن تنتشر مساوئ ~~الغرب: القلق، والروح العسكرية، والغضب، واعتقادنا الجازم ~~في الآلة. أما أفضل ما في الغرب - روح البحث الحر، ~~وإدراك الظروف التي تؤدي إلى الرفاهية العامة، والتحرر من ~~الخرافة - فإن الدول القوية في الغرب تصرف الشرق عن التحلي ~~به. وما دامت هذه الحالة قائمة، فسوف يبقى أهل الشرق على ~~حافة الفقر والعوز، وكلما زادوا قوة زادوا تخريبا من ~~جراء الحقد والحسد، وستكون لهم روسيا - بطبيعة الحال - ~~عونا في هذا، ما لم - أو حتى - تنهزم روسيا أو ~~تتحرر. # 6 ~~(1-5) القواعد الخلقية للسعادة # تحدثت حتى الآن عن الأمور التي تحير الجماهير، ولكن ~~ليست هذه الأمور وحدها هي التي تزعج العقول في الغرب؛ فلم ~~يعد للمذاهب التقليدية في العقائد ولم يعد للنواميس ~~التقليدية للأخلاق والسلوك سلطانها الذي كان لها من قبل. ~~وكثيرا ما يقع الرجال والنساء في شك حقيقي مما هو حق ومما ~~هو باطل، بل حتى في شك من أن الحق والباطل شيء فوق ~~الخرافات القديمة. وعندما يحاولون أن يروا لأنفسهم رأيا ~~في هذه الأمور، يجدون مشقة كبرى لا يطيقونها، فلا ~~يستطيعون الكشف عن أي غرض واضح يسعون نحوه، أو أي مبدأ ~~واضح يهتدون بهداه. وقد تكون لدى المجتمعات المستقرة مبادئ ~~تبدو للبعيد سخيفة باطلة، ولكن ما دامت المجتمعات مستقرة ~~فإن مبادئها تفي بالغرض وفاء ذاتيا. ونعني أنها تكون ~~مقبولة من كل امرئ تقريبا دون تساؤل، وأنها تجعل قواعد ~~السلوك واضحة محددة وضوح قواعد النظم والنغم. بيد أن ~~الحياة الحديثة في الغرب لا تشبع البتة في شيء قواعد ~~النظم والنغم، وإنما هي أشبه شيء بالشعر المرسل الذي لا ~~يميزه عن النثر إلا الشاعر. وهناك مجموعتان كبيرتان من ~~العقائد أمام الرجل الحديث عندما يكون منهوك القوى ~~الروحية، وأقصد نظام روما ونظام موسكو، وكلاهما لا يخلق ~~مجالا للعقل الحر، وهو فخر الرجل في الغرب وسبب عذابه في ~~آن واحد، وهو مصدر العذاب بسبب الآلام المتزايدة. إن ~~الرجل الحر - إذا اكتمل نموه - كان مليئا بالسرور والنشاط ~~والصحة العقلية، ms246 ولكنه يعاني في الوقت ذاته الآلام. # إن العالم - لا في الحياة العامة وحدها، ولكن في الحياة ~~الخاصة كذلك - بحاجة إلى طرق للتفكير والشعور تتلاءم مع ما ~~نعرف، ومع ما نستطيع أن نعتقد فيه، وما نشعر أننا مرغمون ~~على عدم الإيمان به. وهناك طرائق للشعور تقليدية لها كل ما ~~للرأي القديم الموزون من كرامة، ولكنها في الوقت عينه لا ~~تتلاءم مع العالم الذي نعيش فيه، الذي جعلت فيه الوسائل ~~الفنية الحديثة بعض الفضائل الجديدة ضرورية وبعض الفضائل ~~القديمة غير ضرورية. إن أنبياء اليهود - عندما أطاحت بهم ~~الأمم المعادية، وعزموا على ألا يبتلع الغزاة الكفار شعبهم ~~- ابتدعوا مذهبا قاسيا الفكرة الأساسية فيه هي الخطيئة؛ ~~فالكفار يخطئون دائما في كل ما يفعلون، ولكن اليهود - ~~بكل أسف - كانوا مهيئين لأن يقعوا في الخطيئة هم أنفسهم. ~~وعندما فعلوا ذلك انهزموا في المعركة، كان عليهم أن يذرفوا ~~الدمع عند مياه بابليون. وهذا هو النمط الذي استمد منه ~~رجال الأخلاق وحيهم من ذلك الحين، فصور الرجل الفاضل ~~بأنه رجل بالرغم من إحاطته دائما بأسباب الإغراء، وبالرغم ~~من تحريضه بشدة على ارتكاب الذنوب، يفلح - بقوة إرادته ~~التي تكاد تكون فوق القدرة البشرية - في السير على الطريق ~~الضيق المستقيم، ملتفتا في الوقت عينه بازدراء عن يمينه ~~وشماله إلى تلك الكائنات الدنيا التي تلكأت لتلتقط ما ~~يعترض طريقها من أزهار. والفضيلة بهذه الصورة شاقة، سلبية، ~~قاحلة، مجدبة، وهي متزمتة متشككة في السعادة، وهي ~~مدفوعة إلى الاقتناع بأن دوافعنا الطبيعية سيئة، وأن ~~المجتمع لا يمكن أن يتماسك إلا عن طريق النواهي الصارمة. ~~ولست أريد أن أزعم أن المجتمع يحتفظ بتماسكه إذا ارتكب ~~الناس جرائم القتل والسرقة، وإنما أريد أن أقول إن نوع ~~الرجل الذي أحب أن أراه في هذا العالم رجل ليس لديه دافع ~~إلى القتل، ولا يمتنع عنه لتحريمه، وإنما يمتنع عنه لأن ~~أفكاره ومشاعره تباعد بينه وبين دوافع التخريب، وكأن فكرة ~~الذنب كلها قد اندثرت فيما يتعلق على الأقل بالتفكير ~~والشعور الواعي. وأكثر الناس لم يفكر في أي نظام ms247 آخر من ~~نظم الأخلاق، وربما لم ينبذ من الوجهة النظرية النظام ~~القديم. غير أن هذا النظام القديم قد فقد سلطانه عليهم؛ ~~فهم لا يقتلون ولا يسرقون عادة؛ لأنه ليس من مصلحتهم أن ~~يفعلوا ذلك، ولكن موقفهم يختلف عن ذلك إزاء «الوصية ~~السابعة»، وهم في الواقع لا يحبون أن يسايروا النمط ~~القديم. والرجل العادي يحمد الله على أنه ليس مثل هذا ~~المتزمت، ويتصور أنه بسلوكه العادي يدرك فحوى ما جاء في ~~الوصية، ولا يطرأ على ذهنه أن شعوره بالسمو هو موضع ~~الملامة، وأنه سواء أكان هذا الشعور من جانب الرجل العادي ~~أم الرجل المتزمت، فإن ذلك من التفصيلات التي ليست لها ~~أدنى أهمية. # وأود أن أقنع أولئك الذين ماتت في نفوسهم الأخلاق ~~التقليدية، والذين يحسون الحاجة في الوقت عينه إلى غرض ~~جدي يسمو على اللذة الوقتية، أود أن أقنعهم أن هناك ~~طريقة للتفكير والشعور لا تشق على أولئك الذين لم ينشئوا ~~على نقيضها، وهي ليست طريقة كبح النفس وإنكار الذات ~~وإدانتها؛ فالحياة الطيبة - كما أتصورها - حياة سعيدة. ~~ولست أقصد أن الرجل الطيب رجل سعيد، وإنما أقصد أن الرجل ~~السعيد لا بد أن يكون طيبا. إن البؤس عميق الجذور في نفوس ~~أكثر الناس؛ فكم من الناس - كما نعرف جميعا - يسير في ~~حياته متظاهرا بالسرور، وهو مع ذلك دائم السعي وراء ~~التخدير سواء بالخمر أو بغيرها من الوسائل. أما الرجل ~~الطيب فلا يحب التخدير، ولا يحسد جاره فيمقته، وهو يستطيع ~~أن يعيش بدوافعه الطبيعية كالطفل؛ لأن السعادة تجعل دوافعه ~~مثمرة غير مدمرة. وكم من رجل وامرأة يتخيلان نفسيهما ~~متحررين من أصفاد النواميس القديمة، ولكنهما في الواقع ~~لم يتحررا إلا في الطبقات العليا من عقولهم، وتحت هذه ~~الطبقات يختفي الإحساس بالذنب قابعا كالحيوان المفترس في ~~انتظار لحظات الضعف أو عدم الانتباه، ويزمجر بأصوات ~~الغضب الصاخبة التي تطفو على السطح في صور غريبة شائهة، ~~أمثال هؤلاء الناس يخسرون الدنيا والآخرة. # فالإحساس بالذنب يجعل السعادة الحقيقية بالنسبة إليهم ~~مستحيلة، ولكن التخلي بوعي عن نواميس السلوك القديمة ms248 ~~يجعلهم يتصرفون دائما بطرق تملأ بطن الوحش القديم المختفي ~~بالغذاء. ولا يمكن أن يكون أسلوب الحياة ناجحا ما دام ~~مجرد اقتناع بالعقل. وإنما يجب أن يكون الإحساس بالأسلوب ~~عميقا، والاعتقاد فيه عميقا، سائدا حتى في الأحلام. ~~ولست أعتقد أن أفضل نوع من أنواع الحياة ممكن التحقيق في ~~يومنا هذا لأولئك الذين لا يزالون - تحت مستوى الوعي - ~~يحملون عبء الذنب. ومن الواضح أن هناك أمورا لا يحسن ~~أداؤها، غير أني لا أعتقد أن أحسن وسيلة لتفادي أداء أمثال ~~هذه الأمور هو أن نصمها بالذنب، وأن نصورها لأنفسنا جذابة ~~تكاد تستحيل مقاومتها؛ ولذا فإني أحب أن أقدم للعالم ~~شيئا إذا كان لا يجوز أن نسميه بالناموس الخلقي - على ~~الأقل بالمعنى المقبول للكلمة فيما مضى - فهو بالرغم من ~~ذلك شيء ينقذ الناس من الحيرة الخلقية ومن وخز الضمير ~~وإدانة الآخرين. وما أريد أن أضعه محل الناموس الخلقي ~~بالمعنى القديم هو تشجيع جميع الدوافع الخلاقة البعيدة ~~المدى وإتاحة الفرصة لها. أود أن أبذل كل جهدي لتحرير ~~الناس من الخوف، ولا أعني الخوف الذي نعيه وحده، ولكني ~~أعني كذلك المخاوف القديمة البدائية الحبيسة التي جئنا بها ~~من الغابة، وأود أن أوضح - وذلك ليس بمجرد الفرض ~~العقلي، ولكن كموضوع يؤمن به القلب من تلقاء نفسه - أننا ~~لا نحقق السعادة لأنفسنا بإنزال الألم بالآخرين، وإنما ~~السعادة والطريق إليها تتوقف على الانسجام مع غيرنا من ~~الناس. وحينما لا يكون ذلك كله صادرا من أعماق القلب وليس ~~مفهوما بالعقل فحسب، عندئذ يمكن أن يعيش المرء بطريقة ~~تجلب السعادة لنا ولغيرنا على السواء. وإذا أمكن للناس أن ~~يفكروا ويشعروا بهذه الطريقة، تبددت مشكلاتهم الشخصية، ~~كما تبددت أيضا كل مشكلات السياسة العالمية، حتى أكثرها ~~تعقيدا وأشدها صعوبة. عندئذ يتكشف جمال الطبيعة وتتضح ~~معالم الطريق بغتة، كما يحدث عندما ينقشع الضباب من قمة ~~الجبل. لقد بات من الضروري أن نفتح نوافذ قلوبنا وعقولنا ~~لنتيح للشياطين الحبيسة أن تخرج، ونسمح لجمال الدنيا أن ~~يستولي على النفوس. # 7 ~~(1-6) الحب وقوة النفس # إذا كانت ms249 الأيام مظلمة أمامنا، فيجب أن نذكر وهي ~~ماثلة أمام أعيننا مسير الإنسان البطيء الذي كانت تعترضه ~~في الماضي الكوارث والتخلف، ولكنه يواصل دائما حركته نحو ~~التقدم. وقد نصح اسبينوزا - الذي كان من أحكم الناس، والذي ~~عاش حياة متفقة مع حكمته - نصح الناس أن ينظروا إلى ~~الحوادث الجارية «من زاوية الخلود». وأولئك الذين يستطيعون ~~أن يتعلموا ذلك سوف يجدون الحاضر الأليم أكثر في نفوسهم ~~احتمالا منه لو تغيرت زاوية النظر. إنهم يرونه برهة ~~«عابرة»، يرونه مشكلة تحل، وقناة تعبر. إن الطفل الصغير ~~الذي يجرح نفسه يبكي كأن الدنيا ليس فيها غير الأحزان؛ لأن ~~عقله ينحصر في الحاضر. أما الرجل الذي تعلم الحكمة من ~~اسبينوزا فيستطيع النظر إلى حياته حتى لو كانت كلها آلاما ~~باعتبارها لحظة عابرة في حياة الإنسانية. والجنس البشري ~~نفسه من بدايته الغامضة حتى نهايته المجهولة ليس إلا ~~حادثا ضئيلا في حياة الكون. # إننا لا نعرف ما قد يكون حادثا في مكان آخر غير الكون، ~~ولكن ليس من المحتمل ألا يحتوي الكون شيئا أفضل من ~~أنفسنا. وبازدياد الحكمة تكتسب أفكارنا مجالا أفسح في ~~المكان والزمان. إن الطفل يعيش في لحظته، والصبي في يومه، ~~والرجل الغرزي في عامه، والرجل الذي يعي التاريخ يعيش في ~~حقبته. ولا يريد اسبينوزا أن نعيش في اللحظة أو اليوم أو ~~العام أو الحقبة، وإنما يريدنا أن نعيش في الأبدية. وأولئك ~~الذين يتدربون على ذلك سوف يجدون أنه يزيل صفة الهلع من ~~سوء الحظ، ويحول دون الاتجاه نحو الجنون الذي يجيء مع ~~الكوارث الملمة. ولقد قضى اسبينوزا آخر يوم من أيام ~~حياته يروي لضيوفه أبهج القصص، وكتب يقول: «إن الرجل الحر ~~يفكر في الموت أقل مما يفكر في أي أمر آخر، وحكمته تأمل في ~~الحياة لا في الموت.» ولقد قام بتنفيذ هذا المبدأ حينما ~~أقبل عليه الموت. # ولست أعني أن الرجل الذي يتحرر من عسف الجهالة يخلو من ~~العواطف، كلا؛ فهو على العكس من ذلك يحس الصداقة وفعل ~~الخير والرأفة على مستوى أعلى من الرجل الذي ms250 لم يحرر نفسه ~~من الهموم، ولن تقف ذاته حائلا بينه وبين بقية البشر، ~~ولكنه سوف يحس كما أحس بوذا أنه لن يكون كامل السعادة ما ~~دام هناك فرد بائس، وسوف يحس الألم - وهو ألم واسع وأكثر ~~انتشارا من ألم المحب لذاته - ولكنه لن يجد هذا الألم ~~مما لا يمكن احتماله، ولن يدفعه الألم إلى اختراع قصص ~~خرافية مطمئنة تؤكد له أن آلام الآخرين وهمية، ولن يفقد ~~الاتزان والتحكم في النفس، وسوف يردد قول ملتون: # العقل مكتف بذاته. # يجعل من النعيم جحيما، ومن الجحيم ~~نعيما. # وسوف يذكر - فوق كل ذلك - أن كل جيل ~~مسئول أمام الأجيال المقبلة عن الكنوز العقلية والخلقية ~~التي جمعها الإنسان خلال العصور الماضية. حينما جن جنون ~~الملك لير التقى بإدجار الذي تظاهر بالجنون، ولم يرتد ~~سوى خرقة يتستر بها، وتجري الحكمة على لسان لير حينما ~~يقول: «إذا جن جنون المرء فلا يعدو أن يكون حيوانا ~~مسكينا، عاريا، بادي الساقين مثلما تبدو لي.» # وهذا بعض الحق فقط، أما بعضه الآخر فيجري على لسان ~~هاملت حين يقول: «ما أعجب صنع الإنسان! وما أنبله في ~~عقله! وما أعظم قدراته التي لا تحد! إنه يدعو إلى ~~الإعجاب والدهشة في صورته وفي حركته! ما أشبهه بالملاك وهو ~~يعمل! وما أشبهه بالإله وهو يفكر!» # والرجل السوفيتي - وهو يزحف على ركبتيه ليخدع أصدقاءه ~~وأسرته ويقودهم إلى مجزرة بطيئة - ليس البتة جديرا بكلمة ~~هاملت، وإن كان بالإمكان أن يكون الإنسان جديرا بها، ~~ويستطيع كل منا أن يكون قمينا بها؛ ففي إمكان كل منا ~~أن يوسع من أفق عقله، وأن يطلق خياله، وأن ينشر محبته ~~وفعله للخير. وإنما تتطلع البشرية في نهاية الأمر إلى ~~أولئك الذين يفعلون ذلك؛ فالشرق يقدس بوذا، والغرب يقدس ~~المسيح، وكلاهما بشر بالمحبة باعتبارها سر الحكمة. وكانت ~~حياة المسيح على الأرض معاصرة لحياة الإمبراطور تيبريس ~~الذي قضى حياته في أعمال القسوة والاستهتار الشنيع، وكان ~~تيبريس يتمتع بمظاهر العظمة والنفوذ، ترتعد فرائص الملايين ~~إذا أومأ برأسه، ولا يذكره اليوم غير المؤرخين. # إن أولئك ms251 الذين يعيشون عيشة نبيلة - حتى إن كانوا ~~يعيشون في عهدهم مغمورين - لا يخشون أن تذهب حياتهم هباء؛ ~~فإن ضياء يشع من حياتهم نورا يهدي إلى الطريق أصحابهم ~~وجيرانهم، وربما كان ذلك إلى عصور طويلة مقبلة. كم من رجل ~~أقابل اليوم ممن يحس بوقع العجز شديد على نفسه، ويشعر ~~بأنه ليس هناك في متسع المجتمعات الحديثة شيء ذو أهمية ~~يستطيع الفرد أن يؤديه. وهذا خطأ؛ لأن الفرد إذا امتلأ ~~قلبه بمحبة الناس، واتصف ببعد النظر، وبالشجاعة والصبر، ~~يستطيع أن يفعل الشيء الكثير. # وبمرور العصور الجيولوجية يتضح لنا أنه لم تنقض إلا ~~برهة منذ ظهر الجنس البشري، ولم تمر سوى طرفة عين منذ ~~اخترع الإنسان فنون الحضارة. ولا يحتمل أن يبيد الجنس ~~البشري نفسه تماما بالرغم مما يشعر به بعض الناس من ~~مخاوف. وما دام الإنسان موجودا، فنحن على يقين من أنه سوف ~~ينجو عاجلا أو آجلا مهما كان ما يقاسيه في فترة ما، ~~ومهما انطفأ ما لديه من بريق، وربما نجا وهو أكثر قدرة ~~وأشد قوة بعد فترة من فترات الركود العقلي؛ فالكون فسيح، ~~وليس الناس سوى ذرات دقيقة فوق كوكب عديم الأهمية. ولكنا ~~كلما أدركنا صغارنا وعجزنا إزاء قوى الكون، ازددنا إعجابا ~~بما أنجزه الإنسان. # ويجب أن يشتد إيماننا بما يستطيع الإنسان أن يؤديه. ~~وبهذه العقيدة نستطيع أن نحتمل المتاعب اليسيرة التي ~~يعانيها هذا العصر المضطرب الذي نعيش فيه. ما أعظم الحكمة ~~التي يجب أن نتعلمها، وإذا كنا لا نتعلمها إلا عن طريق ~~المحن، فيجب أن نحاول احتمال المحن بكل ما لدينا من ~~جلد. أما إذا استطعنا اكتساب الحكمة عاجلا، فقد لا ~~تصبح للمحنة ضرورة، وقد يمسي مستقبل الإنسان أسعد من أي ~~وقت مضى من حياته. # إن عصرنا بحاجة إلى بعض الأشياء يكتسبها، وبعضها الآخر ~~يتجنبه؛ فهو بحاجة إلى الرأفة وإلى الميل في سعادة ~~الإنسان، وهو بحاجة إلى حب المعرفة، وإلى العزم على الحذر ~~من أثر الأساطير الخلابة، وهو - فوق كل شيء - بحاجة إلى ~~الأمل الباسل وإلى الدافع إلى الابتداع ms252 والخلق. أما ما ~~يجب عليه أن يتحاشاه، وما أدى به إلى حافة الهوية، فهو ~~القسوة، والحسد، والجشع، والمنافسة ، والبحث عن العقائد ~~الذاتية التي لا تتفق مع العقل، وما يسميه أتباع فرويد ~~بالرغبة في الموت. # 8 # ولب الموضوع شيء غاية في البساطة ومعروف من قديم ~~الزمان، وقد بلغ من البساطة ما يكاد يجعلني أخجل من ذكره، ~~خشية من بسمة السخرية التي يقابل كلماتي بها الحكماء ~~الساخرون. وهذا الشيء - وأرجو أن تقبلوا عذري في ذكره - هو ~~المحبة، المحبة المسيحية، أو الرحمة؛ فإن أحسست بها كان ~~لديك دافع إلى البقاء، ومرشد إلى العمل، وسبب للشجاعة، ~~وضرورة ملحة إلى الأمانة العقلية. إن أحسست بالمحبة ~~امتلكت كل ما يحتاج إليه أي امرئ من الدين، وقد لا تجد ~~السعادة، إلا أنك لن تعرف ذلك اليأس القاتل الذي يحسه ~~أولئك الذين تخلو حياتهم من الهدف والغرض؛ لأن هناك دائما ~~شيئا تستطيع أن تؤديه لتخفف من عبء البؤس البشري ~~الثقيل. # 9 ~~(1-7) التعقل الفلسفي # كنت آمل في شبابي أن أجد في الفلسفة ما يشبعني من ~~الناحية الدينية ... وكنت دائما شديد الرغبة في أن أجد ~~تبريرا للعواطف التي تثيرها بعض الأشياء التي كانت تبدو ~~منفصلة عن الحياة البشرية، وتستحق الشعور بالرهبة. ويحضرني ~~في هذا الصدد أشياء غاية في الوضوح، كالسماء ذات النجوم، ~~والبحر العاصف على الشاطئ الصخري. ويحضرني من ناحية أخرى ~~اتساع عالم العلوم، سواء في الزمان والمكان، إذا قورن ~~بحياة الإنسان. ويحضرني أيضا بناء الحقيقة غير الشخصية، ~~وبخاصة تلك الحقيقة التي لا تكتفي بوصف العالم الذي وجد ~~بالمصادفة كالحقيقة الرياضية مثلا. إن أولئك الذين ~~يحاولون أن يجعلوا من الإنسانية دينا لا يعترف بشيء أعظم ~~من الإنسان لا يشبعون عواطفي، ولكني - برغم ذلك - لا ~~أستطيع أن أصدق أن هناك شيئا - في العالم كما نعرفه - ~~بوسعي أن أجعل له قيمة خارج الكائنات البشرية، وخارج ~~الحيوان بدرجة أقل بكثير. إن السماء ذات النجوم ليست لها ~~روعة إلا بمقدار ما لها من أثر في الإنسان المدرك، ~~والإعجاب بالكون لضخامته سخف وصغار، والحق ms253 المجرد غير ~~البشري وهم من الأوهام. وهكذا ترى أن عقلي يساير ~~الإنسانيين، في حين أن عواطفي تثور عليهم بعنف وشدة. ~~و «عزاء الفلسفة» في هذا الصدد لا يشفي غلتي. # أما في الأمور التي يشتد إمعانها في التجريد العقلي، ~~فقد وجد - على نقيض ذلك - في الفلسفة اقتناع نفساني بقدر ~~ما يتوقع أي إنسان عاقل. كم موضوع حيرني في شبابي لغموض ~~كل ما كان يقال عنه، أصبح اليوم سهل الخضوع لطرائق في ~~البحث دقيقة، تجعل نوع التقدم الذي ألفناه في العلوم ~~ممكنا. وحيثما تكن المعرفة الدقيقة مستحيلة التحقيق، فمن ~~الممكن أحيانا التدليل على عدم إمكان التحقيق، وبالإمكان ~~عادة صياغة فروض دقيقة متعددة، كلها يتفق مع الدليل ~~القائم. إن أولئك الفلاسفة الذين اتبعوا الطرق المستمدة من ~~التحليل المنطقي يستطيعون أن يتبادلوا الجدل، لا بالطريقة ~~القديمة غير الهادفة، ولكن بالتعاون، بحيث يستطيع الجانبان ~~أن يلتقيا بالنسبة إلى ~~النتيجة. # 10 # إنهم يعترفون ~~صراحة بأن العقل البشري يعجز عن إيجاد إجابات حازمة عن ~~كثير من المسائل ذات الأهمية القصوى للإنسان، ولكنهم ~~يرفضون الاقتناع بأن هناك وسيلة للمعرفة «أسمى» نستطيع أن ~~نكشف بها عن الحقائق التي تخفى على العلم وعلى العقل، وقد ~~كان جزاؤهم على هذا الرفض اكتشافهم أن كثيرا من المسائل - ~~التي كانت فيما مضى تختفي في غموض الميتافيزيقا - يمكن أن ~~يجاب عنها في دقة وبوسائل موضوعية لا تستعين بشيء من ~~استعداد الفيلسوف سوى رغبته في الفهم والإدراك. خذ هذه ~~المشكلات مثلا: ما هو العدد؟ ما هو المكان وما هو الزمان؟ ~~ما هو العقل وما هي المادة؟ ولست أزعم أننا نستطيع على ~~الفور أن نعطي إجابات حاسمة عن كل هذه المشكلات القديمة، ~~ولكن أزعم أننا قد اكتشفنا طريقة نستطيع بها - كما ~~استطعنا في العلم - أن نقترب من الحقيقة شيئا فشيئا، ~~طريقة كل خطوة جديدة فيها تنبني على الخطوة السابقة، ولا ~~تقوم على أساس نبذ كل ما سبق. # إن من بين قوى التوحيد القليلة وسط هذا المعمعان الذي ~~تصطرع فيه الحماسات الصدق العلمي، وأعني به اعتياد إقامة ms254 ~~عقائدنا على الملاحظة والاستنتاج المجرد من المؤثرات ~~الذاتية، والخالي من الأهواء الموضعية والمزاجية بقدر ما ~~يستطيع الكائن البشري. والإصرار على إدخال هذه المزية في ~~الفلسفة، وابتداع وسيلة قوية يمكن أن تكون بها مثمرة، هما ~~من أهم مزايا المدرسة الفلسفية التي أنتمي إليها، ويمكن أن ~~تمتد عادة تحري الصدق الدقيق التي يكتسبها المرء بممارسة ~~هذه الطريقة الفلسفية إلى مجال النشاط البشري كله، بحيث ~~يترتب على ذلك - حيث طبقت هذه الطريقة - التخفيف من التعصب ~~مع ازدياد القدرة على التعاطف وتبادل الفهم والإدراك. ~~والفلسفة عندما تتخلى عن جانب من مزاعمها اليقينية ~~التقليدية لا تكف عن الإيحاء والتوجيه نحو أسلوب من ~~أساليب الحياة. # 11 # وقد استحدث هذا كله في أثناء حياتي، هذا التوسع في مجال ~~العقل حتى يشمل ميادين جديدة شيء أقدره قدرا عظيما. إن ~~التعقل الفلسفي قد يختنق بصدمات الحرب وفي غمرة خرافات ~~الاضطهادات الجديدة، ولكني آمل ألا نفقده كلية، أو إلى ما ~~ينيف على بضعة قرون. ولقد كانت حياتي الفلسفية من هذه ~~الناحية حياة سعيدة. # 12 # المصادر # أكثر هذه المقتطفات لبرتراند رسل مقتبس من كتابه الحديث ~~«آمال جديدة في عالم متغير»، وبقية المقتطفات مقتبسة من ~~كتابه «أثر العلم في المجتمع»، وكتاب «فلسفة برتراند رسل»، ~~وكتاب «تاريخ الفلسفة الغربية». # 1 # من كتاب «آمال جديدة في ~~عالم متغير». # 2 # من كتاب «آمال جديدة في ~~عالم متغير». # 3 # من كتاب «آمال جديدة في ~~عالم متغير». # 4 # من كتاب «آمال جديدة في ~~عالم متغير». # 5 # من كتاب «آمال جديدة في ~~عالم متغير». # 6 # من كتاب «آمال جديدة في ~~عالم متغير». # 7 # من كتاب «آمال جديدة في ~~عالم متغير». # 8 # من كتاب «آمال جديدة في ~~عالم متغير». # 9 # من كتاب «أثر العلم في ~~المجتمع». # 10 # من كتاب «فلسفة ~~برتراند رسل». # 11 # من كتاب «تاريخ ~~الفلسفة الغربية». # 12 # من كتاب «فلسفة ~~برتراند رسل». # الفصل الثالث عشر # | سدني هوك # (1902م-...) # يخطئ الطالب اللامع الذي لا يتخصص في الفلسفة إذا هو أقبل على ~~فصل دراسي يلقي فيه الأستاذ هوك إحدى ms255 محاضراته؛ لأن الأرجح أن ~~يتحول هذا الطالب إلى دراسة الفلسفة قبل أن يدق الناقوس الذي ~~يؤذن بانتهاء المحاضرة. # سدني هوك - وهو أحد الفلاسفة الطبيعيين في الولايات المتحدة - ~~لديه موهبة يحسد عليها في عرض الرأي عرضا مؤثرا، فهو يجمع في ~~إلقائه بين التحليل الواضح المتفقه في العلم، والفكاهة، والبصر ~~بنفوس الناس. وهذه الصفات العديدة قلما تتوافر في المزاج ~~الفلسفي. # ولد سدني هوك في نيويورك في العشرين من ديسمبر عام 1902م، وقضى ~~طفولته في بروكلن حيث التحق بالمدارس العامة المحلية، وفي كلية ~~المدينة بنيويورك درس الفلسفة مع موريس رفائيل كوهين، ثم التحق ~~بمدرسة المتخرجين في جامعة كولمبيا عام 1923م حيث ترك فيه جون ديوي ~~أثرا لا يمحى. وفي عام 1924م أصبح هوك دارسا جامعيا. وفي عام ~~1926-1927م منح إحدى الزمالات الجامعية في الفلسفة التي يتطلع ~~إليها الكثيرون. وفي نهاية هذا العام حصل على درجة الدكتوراه، وفي ~~العام التالي ظفر بزمالة جونجهيم التي تخول له الدراسة في برلين ~~وميونيخ ومعهد ماركس إنجلز بموسكو. وبعد عودته إلى الولايات ~~المتحدة بدأ في علاقاته التعليمية التي دامت أمدا طويلا مع جامعة ~~نيويورك، حيث دخلها كمعلم للفلسفة بكل ميدان واشنطون عام 1927م، ~~وأصبح مساعد أستاذ في عام 1932م، وأستاذا زميلا ورئيسا للقسم في ~~عام 1933م، وظل أستاذا لبضع سنين بعد ذلك. وفي عام 1947م عينته ~~مدرسة المتخرجين بجامعة نيويورك رئيسا لقسم الفلسفة، وفي عام ~~1948م رئيسا لقسم الفلسفة وعلم النفس، وبقي سنوات عدة يؤدي هذا ~~العمل، محاضرا لجموع كبيرة من المستمعين بالمدرسة الجديدة للبحث ~~الاجتماعي في الفلسفة المعاصرة وعلم الأخلاق والفلسفة ~~الاجتماعية. # إن حياة سدني هوك العملية نشيطة نشاطا غير مألوف، متنوعة في ~~اهتماماتها. كتب كثيرا من الكتب والمقالات الهامة في الفلسفة، ~~ونظريات التربية، والنقد الاجتماعي، وفلسفة التاريخ، وسياسة ~~الديمقراطية. وظهر اهتمامه مبكرا بهيجل وماركس في كتابين ~~أصدرهما؛ الأول بعنوان «نحو إدراك كارل ماركس» في عام 1933م الذي ~~قيل إنه «خير عرض لفلسفة كارل ماركس الاجتماعية باللغة ~~الإنجليزية»، والثاني تحت عنوان «من هيجل إلى ماركس» في عام ms256 1936م. ~~ولكن اهتمام هوك بالماركسية كان يخلي السبيل فيما بعد عام 1930م ~~لاهتمام أشد عمقا بالدراسات القديمة في المذهب البراجمي الأمريكي، ~~وبخاصة بالمذهب العملي الذي بشر به ديوي، وانعقدت أواصر صداقة ~~وثيقة بين الفيلسوف المسن والزميل الشاب، واشترك هوك في العمل ~~مع ديوي اشتراكا مباشرا في كثير من مخطوطاته في هذه السنوات وما ~~تلاها. وفي عام 1939م حينما أقبل ديوي على الثمانين من عمره، نشر ~~هو كتابه «عرض لآراء جون ديوي»، الذي ما برح حتى اليوم أحسن عرض ~~لأفكار ديوي الأساسية، وظهرت له مجموعة مقالات في الفلسفة السياسية ~~عام 1940م عالج فيها «العقل، والأساطير الاجتماعية، ~~والديمقراطية»، كما ظهر له في عام 1943م «بطل التاريخ» الذي نال به ~~هوك وسام بتلر الفضي في عام 1945م من جامعة كولمبيا، ووصفت براءة ~~الوسام الكتاب بأنه «جهد هام في المحاولات الأخيرة لتفسير التاريخ ~~من وجهة المذهب الطبيعي الأمريكي والمذهب التجريبي». والكتاب الهام ~~الذي أخرجه هوك بعد ذلك هو «التربية لإنسان العصر الحديث» عام ~~1946م، وهو دفاع ملهم الفلسفة التربوية الحرة في أمريكا في عصر ~~بلغت فيه القمة تجارة «الكتب العظيمة» وبروجرام كلية سنت ~~جون. # وقد اتجه هوك بجهوده نحو التبشير بحيوية الحرية التي يعارض بها ~~الشيوعية، وفي هذا أصدر أخيرا كتابين؛ أحدهما «زندقة لا مؤامرة» ~~في عام 1953م، وهو دراسة للحرية الثقافية في الولايات المتحدة ~~عالج فيها مذهب الحرية ليخرج منه بنقد الشيوعية نقدا لاذعا؛ ~~والآخر كتاب «الرأي العام والتعديل الخامس» في عام 1957م، وهو ~~دراسة لمادة «اتهام النفس» في القانون، كتبت، كما قال المؤلف، من ~~وجهة نظر «مذهب الحرية الذي لم يدخله تعديل، وهو المذهب الذي يعترف ~~بتفوق الأخلاق على القانون وتركيز التفكير في الأخلاق». وبعد سنوات ~~عدة قضاها هوك في الكتابة والتبشير بالمبادئ الأساسية للتفكير ~~والبحث المستقل، رأى الحاجة إلى تكوين مؤسسة للدفاع عن الحرية ~~العقلية ضد الخداع الذي لا ينقطع والاعتداء الواقع على الديمقراطية ~~الذي يصدر عن أوكار الشيوعية والأركان التي تعطف عليها، فتأسست ~~لجنة الحرية الثقافية، وكان أول رئيس لها ms257 سدني هوك، ولهذه اللجنة ~~الآن تسع «جماعات وطنية» تابعة للجنة الأمريكية. ~~(1) المذهب الطبيعي والديمقراطية # سدني هوك ~~(1-1) فتور الحماسة # في الفصل الثالث الشهير من كتاب «أربع مراحل في الديانة ~~الإغريقية» يقول جلبرت مري: «إن الفترة التي تقع بين عام ~~300ق.م. والقرن الأول المسيحي تتميز ب «فتور الحماسة»، وقد ~~تبين هذا الفتور في ظهور الزهد والتصوف، أو التشاؤم بمعنى ~~من معانيه، يتميز بفقدان الثقة بالنفس، والأمل في هذه ~~الحياة، والإيمان بالجهود البشرية المألوفة، يتميز باليأس ~~من الأناة في البحث، والحاجة إلى وحي لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه، كما يتميز بعدم المبالاة برفاهية الدولة، ~~والارتداد عن دين الله.» # ولو تصفحنا الاتجاهات الثقافية في عصرنا الحاضر ~~لتبين فيها دلائل كثيرة تشير إلى فتور جديد في الحماسة ~~في المدنية الغربية؛ من ذلك إحياء العقيدة في فساد الطبيعة ~~البشرية من قديم الزمان، والتنبؤ بانهيار الثقافة الغربية، ~~بغض النظر عمن يكسب الحرب أو السلام، والبحث عن قيم ~~تتجاوز اهتمام الإنسان، وتقديس «الزعيم» إلى درجة العبادة، ~~وازدراء كل البرامج والفلسفات الاجتماعية، نظرا لفشل ~~بعضها فشلا واضحا، والهجوم العنيف على حب الدنيا، ~~والمناداة بتنمية الطهارة الروحية، والاهتمام بالألغاز ~~أكثر من الاهتمام بالمشكلات، والاعتقاد بأن الأساطير ~~والألغاز هي من أساليب المعرفة. وليس هذا إلا بعض الدلائل ~~الثانوية على الفتور الجديد في حماسة الإنسان. # أما الدليل الأول على الفتور الجديد في الحماسة فينحصر ~~في النظرة التي تصاحب كل الحركات والآراء التي ذكرناها ~~آنفا، وكثير غيرها كذلك. وهو يتبين في فقدان الثقة في ~~الطريقة العلمية كما يتبين في البحث بمختلف الصور عن ~~«المعرفة» و«الحق»، بوسيلة تختلف كل الاختلاف عن تلك ~~الوسائل التي ينتهجها البحث العلمي. وكثيرا ما تكون هذه ~~الحقائق المختلفة الفذة - دون اعتبار كبير لمراعاة ~~المنطق - «أسمى» من تنوع العلم الذي يبهر الأبصار ومما ~~يكتسبه الإنسان بالحس السليم. وكثيرا ما نخفي عدم الثقة ~~في الطريقة العلمية بقولنا إن العلم - بطبيعته - له نوع من ~~الصحة في ميدانه الخاص ومجاله المعين، وإن مزاعم الفلسفة ~~العلمية وحدها - المذهب الطبيعي، والمذهب التجريبي، ~~والمذهب ms258 الوضعي - هي التي توضع موضع النقد. وبالرغم من ~~ذلك، فإن أمثال هؤلاء النقاد لا يتجهون نحو الطرائق ~~الفعلية للبحث العلمي بغية تصحيح هذه العبارة أو تلك من ~~الفلسفة العلمية، إنما يتجهون نحو طريقة أخرى تمدنا بمعرفة ~~ما يجاوز قدرة الطريقة العلمية، وهم يزعمون بين الحين ~~والحين في جرأة وشجاعة أن طريقتهم التي يبشرون بها ~~تمدنا بمعرفة أكمل وأصح حتى عن الموضوعات التي تعالجها ~~العلوم. أي بيان في ذلك أبلغ مما تتضمنه عبارة رينولد ~~نيبور التي يقول فيها «إن العلم الذي ينحصر في العلم لا ~~يمكن أن يتصف بالدقة العلمية»؟! # وفقدان الثقة في الطريقة العلمية يتحول إلى عداوة صريحة ~~كلما طالبت إحدى الحقائق «الخاصة» المتميزة بإعفائها من ~~المعايير الموضوعة لحماية العقل من الأوهام. وهذه الدعاوى ~~بطلب الإعفاء تتخذ لها صورا عديدة، وهي قلما تكون مباشرة ~~علنية، وإنما هي في العادة تتخذ صور النتائج الحتمية ل ~~«نظريات» المعرفة الخاصة، أو للحياة، أو للتجربة. وهناك من ~~يفسر العلم والمعرفة المتقطعة عموما بأنها مجرد طريقة ~~لتثبيت ما نعرفه من قبل بالفعل، معرفة أكيدة وإن تكن ~~غامضة، بوسائل أخرى من الاختبار والتجربة. وإذا كانت وسائل ~~البحث العلمي لا تؤدي إلى هذا التثبيت، فلا بد أن تكون ~~خاطئة، ولا بد من إيجاد وسيلة أخرى تؤكد صحة الحكمة ~~البدائية وتنقلها إلى عقولنا. ويزعم آخرون أن الطريقة ~~العلمية لا تمدنا إلا بحقائق جزئية، لا تقل فيها صفة ~~الجزئية بإخضاعها لفحص علمي أدق، وإنما تقل بضمها إلى نظام ~~ديني أو ميتافيزيقي. وهناك من يصرح علنا بأن من ~~البديهيات أن كل تجربة وكل شعور أو عاطفة إنما يعبر ~~مباشرة عن حقيقة لا يمكن أن تكفل صحتها التجربة أو ~~الاستدلال، بل وليست في حاجة إلى هذه الكفالة. # وهذه بصراحة مداخل إلى الاستهتار الذهني والخلقي. وربما ~~كان أدق من ذلك أن نقول إنه مما يحملنا إلى أبعد من هذه ~~المداخل أن نؤمن بأن كل طريقة من طرق التجربة تمدنا بمعرفة ~~مباشرة معتمدة؛ لأن هذه النظرة غالبا ما تكون دفاعا عن ~~غموض مقصود؛ ms259 إذ إنها تبدأ بافتراض أن كل خبرة تعطينا معرفة ~~معتمدة بالعالم الموضوعي، بدلا من أن تعطينا مادة للحكم ~~عليها، وهي تجعل من أمعائنا وسائل للمعرفة، وتبرر كل ~~هوى عاطفي بزعمها أننا لو أحسسنا إزاء شيء ما إحساسا فيه ~~من العمق الكفاية، فلا بد أن تعلن مشاعرنا عن بعض الحق ~~المتعلق بالشيء الذي أثار هذا الشعور، فيكون هذا الحق ~~مشروعا مشروعية الحكم الذي نصدره ونكشف به عن أصل ~~الشعور الذي أحسسناه في لحظة من لحظات الانحراف الشخصي. ~~أوليست هذه هي الحالة التي يقتنع فيها كل متعصب يسعى وراء ~~الزندقة وكل متحمس يهذي أن المشاعر والرؤى والأهواء التي ~~تثور في نفسه تعبر عن الحقيقة؟ وليس هتلر هو الوحيد الذي ~~يرى أن الدلائل تعد عرضية إذا لم يرفضها المرء باعتبارها ~~أمورا أخطأها الداء. وإذا كان صوت الشعور لا يخطئ، فكل ~~خلاف يكون دعوة إلى القتال، وكل عقل مختل يستطيع أن يزعم ~~لنفسه النبوة. إننا لسنا بحاجة إلى حماية الطريقة العلمية ~~النقدية دفاعا عن أنفسنا ضد أولئك الذين يقفون عند حافة ~~الخلل العقلي فحسب؛ لأن كل مصلحة خاصة في الحياة ~~الاجتماعية، وكل مزية لا تقاوم على أساس المساواة، وكل ~~«حقيقة» تصدر باعتبارها حقيقة وطنية أو طبقية أو عنصرية، ~~تنكر قدرة البحث العلمي على تقويم ما تدعيه هذه القدرة، بل ~~إن أشخاصنا العادية لا تخلو من الميل إلى أن تحسب غزارة ~~الشعور أو الإيمان الذي نعتنق به العقائد دليلا على صحتها ~~لا شك فيه. # وهناك من يرى أن ما يكشف عنه الشعور والبداهة والعاطفة ~~لا بد أن يتفق وقوانين الاستدلال العلمي. غير أن هذا الرأي ~~لا يمكن أن يقبل؛ لأنه عبارة عن حكم شرعي اعتباطي بشأن ~~الرؤى التي يمكن قبولها والتي لا يمكن قبولها، وأيها يجوز ~~أن يوجد وأيها لا يجوز. والشكوى قائمة من أن مثل هذا ~~الرأي يقفر مصادر الخيال، ويقضي على الرؤى التي لا يكون ~~بغيرها نمو أو معرفة جديدة، ولا تؤدي على الأكثر إلا إلى ~~عبث أخرق بالقوانين والطرائق. ومثل هذا التفسير ms260 - فيما ~~يتعلق بمشاهدة الرؤى واكتساب الحقائق الجديدة - يدعو إلى ~~السخرية الشديدة. أما النقطة الأساسية - حينما تنشأ ~~مشكلة المعرفة والحق - فهي: هل شهد أحدنا رؤيا؟ أو هل كان ~~فريسة للوهم؟ وإذا لم نشأ أن نسأل بهذه الصيغة، قلنا: هل ~~يرى الواحد منا رؤيا يوثق بها، أو رؤيا لا يوثق بها؟ إن ~~بعض الناس يزعمون أنهم يرون أشياء نعرف أنها غير موجودة. ~~وإذا كانت المشاهدة تؤدي إلى العقيدة، فمن الجائز أن ~~يخدع الناس دائما. # ولكن المطالبة بالدليل من الناحية العقلية لا تدعو إلى ~~شلل رواد الحق الذين يدركون لمحات مما لم يحلم به أحد حتى ~~آنئذ؛ لأن العلوم ذاتها لا تتطلب إثباتا كاملا أو ~~دقيقا للفرض منذ البداية، وإنما تتطلب من الإثبات ما يكفي ~~لمواصلة البحث. وتاريخ العلم دليل كاف على أن دقة طريقته ~~لا تحول البتة دون اكتشاف الحقائق الجديدة، بل إنها عون ~~إيجابي على اكتسابها. أما عن الحكم على ما هو «موجود» أو ~~على ما يمكن أن يوجد، فليس في الطريقة العلمية ما «يحرم» ~~وجود أي شيء. إنما الطريقة العلمية لا تهتم إلا بتبعة ~~الأقوال التي تزعم وجود شيء ما. إنها لا تسخر من الذهول ~~الصوفي الذي يصيب المرء من فرط السرور، بل إنها تكتفي ~~بإنكار ما يدعيه التصوف من معرفة تأملية لا يقوم على ~~صحتها دليل سوى حدوث الغيبوبة. # إن الطريقة العلمية لا تستلزم أية نظرية ميتافيزيقية ~~للوجود، ولا تستلزم قطعا أية مادية ميتافيزيقية، ومهاجمة ~~الطريقة العلمي - لكي يكون المرء حرا في الإيمان بأي ~~صوت يناديه - هي في الحقيقة فرار من المسئولية. وهذه هي ~~الصفة السائدة من صفات فتور ~~الحماسة. # 1 ~~(1-2) المذهب الطبيعي والديني # بغض النظر عن تنوع المذاهب الخاصة التي نادى بها ~~الطبيعيون من عهد ديموقريطس حتى ديوي، فإن ما يوحد بينها ~~جميعا هو قبول الطريقة العلمية قبولا تاما باعتبارها ~~الطريقة الوحيدة التي يعتمد عليها لبلوغ الحقائق التي ~~تتعلق بعالم الطبيعة، والمجتمع، والإنسان. ويمكن بسهولة ~~أن نعلل الخلاف بين الطبيعيين في تاريخ الفكر مما يأتي: ~~(1) التصورات التاريخية ms261 المختلفة لأي الميادين وأي ~~المشكلات تخضع للمعالجة العلمية. (2) التهذيب الذي حدث ~~تدريجا في وسائل البحث ذاتها. وكل ما بينهم من أسباب ~~الخلاف يمكن أن يزول من حيث المبدأ بالرجوع إلى «الطريقة» ~~التي يدينون لها جميعا بالولاء المشترك، اللهم إلا فيما ~~يتعلق بتلك الفوارق في المزاج التي تؤدي إلى الاهتمام ~~باتجاه دون الآخر أو إلى اختيار منحى دون منحى ، وهو ما ~~لا يزعم أحد من الطبيعيين أنه طريق مؤد إلى الحقيقة؛ ~~فالقاسم المشترك الأعظم إذن بين كل المذاهب الطبيعية ~~التاريخية ليس في مجموعة من المذاهب المعينة بمقدار ما هو ~~في طريقة التجريب العقلي أو العلمي. # والمذهب الطبيعي يتعارض مع جميع مذاهب ما وراء الطبيعة، ~~لا لأنه يستبعد مقدما ما يمكن وجوده وما لا يمكن، ولكن ~~لأنه لم يوجد دليل معقول يؤيد العقيدة في الكليات والقوى ~~التي يعزى إليها النظر إلى ما وراء الطبيعة؛ فالطبيعيون ~~ينكرون وجود الله والخلود والأرواح التي لا تسكن الأجساد، ~~والأغراض والإرادات الكونية - كما كانت تفهمها دائما ~~الديانات النظامية الكبرى - لنفس الأسباب العامة التي من ~~أجلها ينكرون وجود الجنيات والعفاريت والأشباح. وهناك - من ~~غير شك - تصورات أخرى عن الإله، والطبيعيون مستعدون - من ~~حيث المبدأ - أن يفكروا فيما تدعيه من صحة الوجود، وما ~~دامت لا تتناقض في معناها، وكل ما يتطلبونه أن يبلغ التصور ~~من التحديد ما يجعل بالإمكان أن نرتب عليه الشروط التي ~~تعين أوجه الصورة؛ الكيفية، والزمان، والمكان؛ الذي يقوم ~~فيه بعمله الإله المزعوم. ومما يعيب أكثر التصورات عن ~~الإله التي تختلف عن التصورات التقليدية هو أنها إما أن ~~تكون أغمض من أن يفهم أي إنسان ما تعنيه هذه التصورات، أو ~~تعرف شيئا يدخل في خبرة الإنسان مع وجود تعبير سابق ~~يلائمه كل الملاءمة. # 2 # وإحياء الدين في العصر الحاضر لا يرجع إلى كشف حجج ~~جديدة، أو دلائل جديدة تبرهن على وجود عنصر وراء الطبيعة، ~~ولا يرجع إلى تحليل أشد عمقا لمنطق العقيدة الدينية. ~~ويتضح من ذلك أن رجال الفكر أكثر انجذابا إلى علوم الدين ~~الصوفية منهم ms262 إلى علوم الدين العقلية، وإلى مبدأ الذاتية ~~منهم إلى مبدأ الموضوعية، وإلى ما يروى عما كان يعانيه ~~أوغسطين من تجارب أليمة منهم إلى الحجج الواضحة - وإن تكن ~~معيبة - التي كان يسوقها أكويناس. والقدر الضئيل من ~~الأدلة التي يقحمها رجال الفكر يستمدونها من الشعور، ~~الشعور بالرهبة والسمو، وبالقداسة وضعف الإنسان، وهو شعور ~~يفسر تفسيرا عقائديا بأنه إشارة إلى الألوهية، ~~وبافتراضهم أن هناك حقائق عن طبائع الأشياء، يدركها المرء ~~إدراكا غامضا في كل تجربة غزيرة - بافتراضهم هذا - ~~يقللون من شأن العقل. إن البعث الديني في عصرنا هو في ~~حقيقته جزء من حركة لا عقلية أشمل في الفكر الحديث. # ذلك لأن الإله الذي يبحث عنه رجال الفكر هؤلاء ليس هو ~~علم اللاهوت بمقدار ما هو تسويغ لوجود الله نظرا لانتشار ~~الشر فوق الأرض، وليس مجرد الحق، أو الحق أولا وقبل كل ~~شيء، إنما هو تسويغ واطمئنان. # وفي هذا نجد أقوى مصادر العقيدة الدينية وأكثرها دواما، ~~لا لرجال الفكر هؤلاء فحسب، ولكن لأكثر الناس، وبخاصة في ~~أوقات الأزمات الاجتماعية وكذلك في فترات الأزمات الشخصية. ~~والمذهب الطبيعي - كفلسفة - يكفي لسد جميع حاجات الإدراك ~~المشروعة دون أن يستسلم إلى الغرور بأن الذكاء البشري على ~~كل شيء قدير، وأن جميع المشكلات يمكن أن تحل، ولكن ~~بإدراكه حقيقة الشر والأمور المفزعة التي تمر بخبرة ~~الإنسان، وبقبوله فكرة محدودية الإنسان ومحدودية كل مخلوق ~~وكل قوة، وبرفضه قبول تلك الجهود الساذجة أو العويصة التي ~~تبذل في سبيل تصوير نظام الكون في صورة خلقية، إنه بذلك ~~يعجز عن تقديم ذلك الاطمئنان الذي لا بد منه لرقاق العقول ~~إذا أرادوا أن يكون وجودهم محتملا ذا معنى. وليس ذلك لأن ~~صاحب العقيدة تنقصه الصلابة العقلية التي تدعو إلى إدراك ~~الشر، ولكنه إن أراد ألا يختنق بهذا الشر حتى الممات - كما ~~حدث لإيفان كرامازوف - فلا مناص له من أن يثلم حده القاطع، ~~وأن يتعلم الاعتقاد - على غير أسس عقلية - أنه يؤدي غرضا ~~«أسمى» لا يراه. # والمذهب الطبيعي الذي يقوم على أساس العقل - مهما يكن ms263 ~~حصيفا - يدرك أن هناك، بالإضافة إلى الآلام التي تصدر عن ~~عدم المساواة الاجتماعية، تجارب كبرى من خيبة الأمل والحزن ~~والخسران ليس بوسع الإنسان الحساس أن يتفاداها. ويمكن في ~~خير المجتمعات أن يقهر الموت، ولكن المأساة لا تقهر. وليس ~~الرجل الفقير هو الذي سوف يلازمنا دائما، إنما هو ~~«الإنسان السفلي». إن المعرفة العلمية تضاعف القوى البشرية ~~في نفس الوقت الذي تبصرنا فيه بالقلقلة الأساسية في الوجود ~~البشري. وإني أرى - على نقيض ما يرى برتراند رسل - أن ~~نمو العلم لا يؤدي إلى الضلال الديني، أو إلى نقص في ~~التواضع العقلي. لماذا تصبح الدنيا أقل مدعاة للعجب أو ~~أقل إثارة للرهبة، إذا استطعنا ذات يوم أن نثب من كوكب ~~إلى كوكب، أو إذا استطعنا تركيب الخلية الأولى، أو أزلنا ~~الظلام عن عقول المجانين؟ # إن المذهب الطبيعي حينما يجيء في حينه لن يكون مثاليا ~~كفيلا بالسعادة لجميع البشر؛ فهو يدرك أن المعرفة والحكمة ~~لا تضمنان الرفاهية، وأنهما لا تستطيعان أن تقللا من آلام ~~الضعاف والمقبوحين والمحرومين من المحبة والصداقة، أو ~~لعلهما لا تستطيعان البتة ذلك. والمذهب الطبيعي لا يستطيع ~~أن يعد بالضمان الشامل، حتى حين يدرك حاجات أولئك الذين ~~يسعون إلى تحقيقه. # ويرى ماكس وبر في مكان ما أن الديانات الكبرى هي ~~تفسيرات للدنيا تحاول أن تجد في الآلام التي ليس لها داع ~~في حياة الإنسان معنى. وإذا كان هذا الرأي لا يحل المشكلة ~~كلها، إلا أني أعتقد أنه يعبر عن شيء لا بد منه في نظر ~~الشخص المتدين، الذي لا بد أن يكون للألم عنده معنى، وأن ~~عمل الخير لن يمنى قط بالهزيمة في النهاية. حقا إن بعض ~~الطبيعيين كانوا متفائلين تفاؤلا سطحيا، وهو شيء من ~~السهل علاجه في ضوء المزيد من المعرفة، غير أن التهمة ليست ~~البتة في موضعها، ومنشؤها أصحاب العقائد الدينية الذين أدت ~~بهم نزعاتهم العاطفية إلى قبول التفاؤل على أوسع نطاق يمكن ~~تصوره. # ومن الطبيعيين من يخالفون زملاءهم؛ لأن بهم ميلا نحو ~~العقائد التقليدية الرقيقة، فهم يأخذون على فلسفة ms264 المذهب ~~الطبيعي «فتور الحماسة»؛ لأنه لا يكفي لتحليل عزلة رجل ~~الفكر في العصر الحديث ومشكلاته الخلقية. وضعف الحجة في ~~هذه النظرة يبدو حينما نفكر في أن المذهب الطبيعي الفلسفي ~~لم يبتعد حتى الآن عن فجاجة المادية الناقصة كما هو اليوم. ~~وهذه النظرة لا تفسر لنا لماذا يبدي الرجل المفكر في العصر ~~الحديث الذي يبحث عن الخلاص عزوفا شديدا عن محاولة ~~التفسير العلمي في التاريخ وعلم النفس، ولماذا لا يستعيض ~~عنه بزيادة الإمعان في النظريات العلمية، وإنما يستعيض عنه ~~بالمبالغة في الأساطير، كما تدل على ذلك حماسته لتوينبي؛ ~~فسخطه عاطفي وليس عقليا. أما النقاد الذين يحنون ~~إلى رقة السلوك فيتطلعون إلى المذهب الطبيعي ليمدهم بإيمان ~~يعيشون به يتكافأ مع الإيمان الديني. وذلك بعينه ما لا ~~يستطيع المذهب الطبيعي أن يفعله إذا هو أخلص لوقائع ~~التجربة. إن هؤلاء ينسون أن الإيمان الديني لا يمكن أن ~~ينفصل عن العقيدة الدينية أو اليقين الثابت، ولا يمكن في ~~النهاية أن ينفصل عن قضية الحق، وإلا عبثنا عبثا شديدا ~~بموضوع الأخلاق وموضوع الجمال، أو بحثنا في الموضوع ~~بمصطلحات دينية. # إن فلسفة فورباخ الدينية التي ترى سر اللاهوت في ~~الأنثروبولوجيا الفلسفية، هذه الفلسفة إذا طهرت مما يشوبها ~~من عاطفية، وجدنا فيها بصيرة نافذة. وإن ما فعله ماركس ~~لم يكن إنكار هذه البصيرة، وإنما أراد أن يبين أن الحاجات ~~العاطفية التي تعتبر الدين تعبيرا عنها ومشبعا لها في ~~آن واحد لا يمكن أن تنفصل عن أصلها الثقافي، ولكنه بالغ ~~في الرأي حتى بات على أيدي أولئك الذين يتصورون أنفسهم ~~أتباعا له سخرية مضحكة. # وما دام الدين متحررا من صوره التي تخضع للنظم ولأصحاب ~~السلطان، وما دام لا يتصور إلا على أسس شخصية، وما دامت ~~المبالغة في الاعتقاد فيه مصدرا من مصادر المتعة البريئة، ~~وما دام طريقة نتغلب بها على العزلة في هذا الكون، وما دام ~~تدريبا على العيش مع ما فيه من آلام وشرور وإلا كان العيش ~~غير محتمل ولا علاج له، وما دام ذلك الذي يؤدي عمل ms265 الوهم ~~الضروري للحياة أو عمل الأسطورة الشعرية لا يعرض باعتباره ~~حقيقة عامة يعمى عن وجودها البشر، وما دام الدين لا يشل ~~الرغبة والإرادة للكفاح ضد عذابات الخبرة التي لا ضرورة ~~لها؛ ما دام الدين كذلك، فيبدو لي أنه يقع في دائرة يمكن ~~أن نكف فيها عن النقد العقلي. وبهذا المعنى يبرر المرء ~~لنفسه دينه بالطريقة التي يبرر بها لنفسه حبه. ولكن لماذا ~~يريد أن يجعل منه ثقافة عامة؟ ولماذا نطلب إليه أن يبرهن ~~على أن محبوبته هي أجمل المخلوقات في هذه الدنيا؟ وبالرغم ~~من ذلك فلا يزال من الحق أن الدين - باعتباره مجموعة من ~~العقائد المدركة - فرض تأملي درجة الاحتمال فيه ضعيفة إلى ~~أقصى الحدود. # 3 ~~(1-3) فلسفة الديمقراطية # حقا إن أثمن ما في تجارب الإنسان يتعرض للتهديد - في ~~المأزق الحاضر - على مستوى عالمي، لا من جانب الديانات ~~المتسلطة التي قاست العذاب مما لاقته من آلام على أيدي ما ~~ينافسها من العقائد الدنيوية، ولكن من جانب التوسع المريع ~~في الاستالينية وما يصدر عنها من إرهاب شامل مطلق. وإن ما ~~نريده شعارا لنا هو الحرية وليس الخلاص. وقد يختار المرء ~~الخلاص لروحه ويخسر الدنيا في سبيل هذا الخلاص، كما أن ما ~~يراه أحد الناس خلاصا يراه غيره خرافة. ومن المؤكد أن ~~نخسر المعركة في سبيل عالم ديمقراطي إذا سمحنا للبابا أن ~~يتزعم حربا صليبية ضد البلشفية. إن كفاح العقل الخالي من ~~الأصفاد ضد الأرثوذكسية المنظمة يجب أن يستمر بالرغم من أن ~~المذاهب الأرثوذكسية المتصارعة تجد نفسها - بسبب اهتمامها ~~بتحررها الديني - متحالفة في الوقت الحاضر ضد أرثوذكسية ~~أعلى لا تحتمل معارضة، حتى إن كانت عن طريق الصمت. # وكما أن قيادة الكفاح الدولي ضد الاستالينية باسم ~~الرأسمالية قاتل، مع العلم بأن اتفاقها مع الرأسمالية ~~المحتضرة أيسر لها من اتفاقها مع الاشتراكية الديمقراطية، ~~فكذلك الأمر مع شعارات ديانات الغرب الإقليمية التي لا ~~تقبلها أكثرية البشر. أما ما يوحد بين المسيحيين وغير ~~المسيحيين على السواء في كفاح مشترك في سبيل الحرية، فهو ~~فلسفة الديمقراطية التي ms266 يجمع عليها كل ~~الناس. # 4 # وبالديمقراطية كطريقة من طرق الحياة نعني طريقة لتنظيم ~~العلاقات الإنسانية تتجسد فيها مجموعة معينة من المثل ~~الخلقية. إننا جميعا على علم ببعض المواقف التي نقول فيها ~~إن الديمقراطية السياسية قد هتكت مثلها التي تنادي بها. ~~وكلما وجهنا نقدا إلى دول قائمة تسير وفقا للتعريف ~~السياسي للديمقراطية على أساس أنها ليست ديمقراطية بالقدر ~~الكافي، وكلما قلنا إن الديمقراطية الأثينية كانت مقصورة ~~على الأحرار من الرجال وحدهم، أو إنها في بعض أجزاء أمريكا ~~الجنوبية مقصورة على البيض وحدهم، أو إنها في بعض البلدان ~~مقصورة على الرجال وحدهم، كلما قلنا ذلك كنا بمثابة من ~~يستحث قيام مبدأ ديمقراطي أشمل نتقيد به ونحتكم إليه عندما ~~نصدر أحكاما مقارنة. وهذا المبدأ من المبادئ ~~الخلقية. # ما هذا المبدأ الذي تتمثل فيه الديمقراطية المثالية؟ إنه ~~مبدأ المساواة، المساواة لا في المركز الاجتماعي ولا في ~~النشأة، ولكنها المساواة في الفرص، وفي الوظائف الملائمة، ~~وفي المشاركة الاجتماعية (لماذا نعامل الأفراد ذوي المواهب ~~والاستعدادات المتفاوتة كأنهم أشخاص لهم حقوق متساوية في ~~الاعتبار والرعاية المناسبة؟) لن أقدم في الإجابة على هذا ~~السؤال بحثا شاملا، ويكفيني أن أذكر الأسباب دون التوسع ~~في الحاجات الملموسة للوضع الاجتماعي التي تسعى ~~الديمقراطية إلى سدها والطرق الدستورية التي يجب أن تسدها ~~وفقا لها. ~~(1) # إن هذه الطريقة من طرق معاملة الأفراد أكثر ~~نجاحا من أية طريقة أخرى من حيث إثارتها للحد ~~الأقصى من الحد التلقائي الخلاق من جانب جميع ~~أعضاء المجتمع. وإذا ما نحن طبقنا هذه الطريقة ~~تطبيقا صحيحا، قدمنا لكل فرد في المجتمع ~~سندا، واستنبطنا منه أقصى ما يمكن من ولاء ~~معقول. ~~(2) # هذه الطريقة توسع أفق تجاربنا؛ لأنها تمكننا من ~~اكتساب النظر الثاقب في حاجات الآخرين ودوافعهم ~~وآمالهم؛ فإن معرفتنا بالطريقة التي تسير بها ~~الحياة في مجالات أخرى من الخبرة حافز لخيالنا ~~ومدرب له في آن واحد، وفي معاونتنا غيرنا على ~~النمو نعاون أنفسنا أيضا على النمو. ~~(3) # إن رغبتنا في إدراك وجهة نظر رجل آخر دون أن ~~يتحتم علينا الاستسلام له ms267 يجعل من الأرجح أن تلتقي ~~وجهات النظر المختلفة، وتسوي ما بينها من خلاف، ~~وتتعلم كيف تتعايش في سلام. إن المجتمع الديمقراطي ~~لا يمكن أن يخلو من النضال في عالم توجد فيه ~~دائما أسباب لعدم المساواة. غير أن القواعد ~~الخلقية لهذا المجتمع - إذا ما طبقت تطبيقا ~~معقولا - تجعل من الأرجح الحد من هذا النضال، أو ~~تحوله إلى صور أقل ضررا من الناحية الاجتماعية ~~مما يحدث لو أنا أنكرنا مبدأ المساواة. والنتيجة ~~أن يقل التزلف، ويقل الخوف، ويقل التضارب في ~~المجتمع الذي تسوده المساواة عما يحدث في المجتمع ~~الذي يسوده عدم المساواة. ~~(4) # إننا حينما نتعهد قدرات كل فرد من الأفراد حتى ~~تبلغ أقصى ما تستطيع أن تحققه، نقتسم على أحسن ~~صورة ممكنة ما لدينا من كنوز الحق والجمال، ونكتشف ~~أبعادا جديدة في هذين المجالين. وكيف يعترض - دون ~~تناقض - أي شخص وهب حياته لقيم العلوم والفنون على ~~سياسة ترفع إلى الحد الأقصى إمكان اكتشاف الحق ~~العلمي والمعاني الفنية، ونشرها على أوسع ~~نطاق؟ ~~(5) # إن تقدير ما لدى كل فرد من الأفراد من إمكانيات ~~يؤدي إلى التخفيف من قسوة الإنسان على الإنسان، ~~وبخاصة حينما تكون القسوة نتيجة للتعامي عن حاجات ~~الآخرين أو الجهل بها. والمجتمع الذي يقوم على أسس ~~ديمقراطية لا يقسو إلا حيثما يفشل في العيش طبقا ~~لمثله. أما المجتمع الذي يخضع للحكم الدكتاتوري ~~فهو في كل الظروف لا يحس الحاجات الشخصية لأعضاء ~~الطبقة المنبوذة التي يقع عليها سخط الحاكم، بل ~~ولا يحس حاجات أكثرية الشعب المبعدين عن مناقشة ~~السياسة العامة وتشكيلها. وليست هناك وسيلة لتحديد ~~هذه الحاجات الشخصية - في أحسن الظروف - سوى تفسير ~~الحاكم المستبد وخبرائه الذين يعملون باعتقاد جازم ~~بأنهم يعرفون مصالح شعبهم أكثر مما يعرفها أفراد ~~الشعب نفسه. أما في أسوأ الظروف فالدكتاتور لا ~~يزعم أنه يعبر عن رعاياه فحسب، بل إنه يحس أيضا ~~ويفكر - بطريقة غامضة - نيابة عنهم. وأعتقد أن ~~الديمقراطية في العالم الغربي في القرنين التاسع ~~عشر والعشرين، بالرغم من قصورها الشديد الذي عانت ~~منه - وهو قصور من وجهة ms268 نظر مثلها العليا - أعتقد ~~اعتقادا جازما وبالدليل القاطع أن الحياة ~~الاجتماعية إجمالا في ظل هذه الديمقراطية - وقد ~~تأثرت هذه الحياة بالسياسة - قد ظهر فيها من ~~القسوة أقل مما ظهر في الحياة الاجتماعية في أية ~~فترة تاريخية أخرى. ~~(6) # إن معقولية النتائج، حينما تختلف وجهات النظر ~~والمصالح، تتوقف على درجة التشاور المتبادل ~~والاتصال الفكري الحر بين من بيدهم الأمر من ~~أفراد. والطريقة الديمقراطية في الحياة تجعل ~~بالإمكان قيام أشكال مختلفة من تبادل المشورة ~~والاتصال على أوسع نطاق ~~ممكن. # 5 ~~(1-4) الوظيفة الخلقية للذكاء # إذا كان الخير يعرف من حيث علاقته بالحاجات البشرية ~~أو المصالح البشرية (أو من حيث الإيثار، أو الرغبة، أو ~~الاطمئنان) - أو، بعبارة أخرى، إذا كنا نتصور أن طبيعة ~~الأخلاق لها أية علاقة بالطبيعة البشرية - إذا كان ذلك ~~كذلك، فإن كل حكم عن الخير والأفضل - في أي موقف من ~~المواقف - له معنى وصفي، ويمكن تقديره من حيث المبدأ ~~بالإشارة إلى الحاجات أو المصالح المتعلقة به. وطبيعة ~~الطبيعة البشرية - وبالأخص وجود مصالح مشتركة في خبرة ~~مشتركة، أو إمكان وجود مثل هذه المصالح المشتركة - تكون في ~~كل موقف من المواقف ذات علاقة ملموسة. وإن ما يزعم جون ~~ديوي من وجود «اتفاق نفساني في الطبائع البشرية، فيما ~~يتعلق ب «الحاجات» الأساسية ... وفي بعض الظروف التي لا بد ~~من مقابلتها لكي يتحتم الإبقاء على أية صورة من صور ~~الاجتماع البشري ...» أمر خاضع للتجربة، معرفته عسيرة وإن ~~لم تشق على الفحص والدراسة. وما دمنا نعلم أن الناس لا ~~يدرون دائما أين تكون مصلحتهم، وأن مصلحتهم (أو نظرتهم) ~~كثيرا ما تتغير في ضوء معرفتهم بأسبابها ونتائجها. وما ~~دام الذكاء كذلك طبيعيا عند الإنسان، فإنا في مواطن ~~الصراع نستخدم الطريقة العقلية للبت في أوجه الخلاف، ~~وذلك ببحثنا عن مصلحة أشمل تمكننا إما من العيش مع ما ~~بيننا من فوارق، وإما من الحد منها، وإما التجاوز ~~عنها؛ وبذلك نحول نزاعنا على القيم إلى خلافات بشأنها ~~يمكن التوفيق بينها. وهذه هي الوظيفة الخلقية البناءة ~~للذكاء، ولكي يكون لها أثر ms269 يجب أن نتخذ لها صورة من صور ~~النظم العامة - في التربية، والاقتصاد، والسياسة. # إن كل من ينظر إلى التاريخ نظرة هادئة لا يمكن أن يميل ~~إلى القول بأن كل ما بين أفراد البشر من خلاف يجب أن ~~يستسلم للاتفاق بتأثير العقل، أو أنا يمكن أن نكون على ~~يقين من أن الناس بينهم من أوجه الشبه ما يمكنهم من خلق ~~الوسائل التي تجعلهم أشد اتفاقا ، أو على قدر من التشابه ~~يمكنهم من الاتفاق على قدر من التسامح في الخلاف. إن ~~العزوف عن استخدام الذكاء حيث يمكن استخدامه لا يتناقض مع ~~القول بأنه لو استخدم لأمكن - بل لتحتم أحيانا - الكشف ~~عن بعض المصالح المشتركة المعينة. # ومن المهم - على أية حال - أن نشير إلى أنه من السهل أن ~~نبالغ في الفوارق بين الناس التي لا يمكن التوفيق بينها، ~~وأن نحول - بالحكم النظري - المناسبات التي يقع فيها ~~الخلاف إلى خلافات نهائية في النظر إلى القيم لا يمكن أن ~~يوجد لها حل، فإن أكثر ما بين الناس من فوارق يتعلق ~~بالأهداف الموقوتة التي يركزون فيها اتجاههم، سواء أكانت ~~هذه الأهداف بعيدة أم قريبة، ولا تتعلق بالقيم البعيدة ~~التي يؤمنون بها جميعا، والتي يقر أكثر الناس في الثقافة ~~الغربية - على الأقل - باتفاقهم بشأنها، إلى الحد الذي ~~يجعل فرانكو يتحدث عن «أخوة البشر تحت رعاية الله»، ~~ويجعل استالين يتحدث عن «الحرية ...» # إن وجود الذكاء عند الإنسان أمر واقع في طبيعته بمقدار ~~ما هو كذلك من حيث الحاجات والرغبات التي يسعى إلى ~~إشباعها. وما دام إشباع هذه الحاجات بدرجة ناجحة يتوقف على ~~معرفة جميع أنواع الظروف والنتائج، فليست هناك إذن مشكلة ~~قائمة بشأن تبرير استخدام الذكاء بقدر ما عند كل فرد منه؛ ~~فاهتمامه باستخدام الذكاء أمر له فيه مصلحة طبيعية؛ لأن ~~ازدهار جميع المصالح الأخرى يتوقف عليه. # وإذا تدبرنا الطبيعة الاجتماعية للذات البشرية، ونجاح ~~الطرق التجريبية في العلوم الطبيعية، وما يكلفنا إياه ~~غيرها من الطرق التي تتبع في بحث شئون الناس دون جدوى، ~~سرنا شوطا بعيدا في تسويغ ms270 استخدام الذكاء في فض ما بين ~~المجموعات والطبقات من ~~«نزاع». # 6 ~~(1-5) معنى التحرير في الوقت الحاضر # إن ما يجعل تحليل معنى التحرير أكثر من أن يكون تدريبا ~~علميا هو ما تتحدانا به الحركة الشيوعية، التي تستثير ~~الحريات التي تسود في المجتمع المتحرر لكي تقضي عليها. وقد ~~تقدمت اقتراحات كثيرة لحل هذه المشكلة، وكل هذه المقترحات ~~لا بد لها من أن تواجه هذا السؤال: هل تطبق أو تراعي ~~مبادئ التحرر ذاتها بغير تناقض عن التوصية بالوسائل التي ~~تتبع للقضاء على الشيوعية؟ # لأن نتحدث عما ليس بالتحرر أيسر لنا من أن نتحدث عما ~~هو التحرر. ليس التحرر والاعتقاد في مبدأ «دع الأمور تجري ~~في أعنتها»، أو مبدأ المشروعات الحرة في الاقتصاد بمعنى ~~واحد، وليس التحرر هو التوفيق في كل أمر من الأمور، وليس ~~هو تلك الفكرة المطمئنة التي تقول بأنه من الممكن دائما ~~إيجاد الحل الوسط. # ويترتب على ذلك أن التحرر وإن يكن بطبيعته مسالما، إلا ~~أنه لا يسلك مسلك السلام، فهو لا يجعل من «التعقل العذب» ~~وثنا يعبد في حالة الاعتداء، وهو يدرك أن التهدئة قد ~~تكون أشد إثارة للصراع المسلح من استعراض القوة استعراضا ~~حكيما مشروعا دليلا على القدرة على المقاومة. وتاريخ ~~علاقات الحلفاء مع هتلر دليل قاطع مع ذلك. # ولا يمكن أخيرا أن نفهم التحرر على أنه الاعتقاد ~~التقليدي في بعض الحقوق المعينة المطلقة التي لا يمكن ~~التخلي عنها؛ لأن كل حق من هذه الحقوق إنما يقوم في الواقع ~~في حدود نتائجه بالنسبة إلى المجتمع، وهو لذلك يخضع ~~للتعديل. إن حقا من الحقوق قد يحد من حق آخر، والحكم ~~النهائي في هذا الصراع القائم بين الحقوق يصدر في الضوء ~~الذي ينعكس من الموقف كله، أو من تلك المجموعة من الحريات ~~التي نؤثرها عقلا، والتي قد يستتبع وجودها الانتقاص ~~المؤقت من إحدى الحريات. وإذا قلنا إنا لا نستطيع أن ~~نحتفظ بحرياتنا بالتضحية بها فلن يكون ذلك إلا من قبيل ~~الفصاحة الجوفاء؛ لأن إحدى الحريات المعينة لا بد أن ~~يضحى ms271 بها أحيانا للاحتفاظ بالحريات الأخرى. # إن أشمل وأوفى تعريف في تعبير إيجابي لمعنى التحرر، من ~~عهد سقراط حتى جون ديوي، توحي به تلك الكلمات المأثورة ~~لهولمز التي يقول فيها إن التحرر هو الاعتقاد «في حرية ~~الاتجار بالأفكار؛ فمعيار الصدق في الرأي هو قدرته على ~~الرواج في منافسة السوق». وليس هذا برنامجا للعمل، وليس ~~نظرية فلسفية عن الحق، وإنما هو نظرة - أو مزاج عقلي - ~~إزاء كل برنامج . وقد يختلف دعاة الحرية فيما بينهم على كل ~~شيء غير هذا، ولكنهم جميعا يؤمنون بذلك؛ فهو عقيدة تميز ~~الثقافة المتحررة من الثقافة التحكمية، وكل عمل يقيد حرية ~~الأفكار في نموها أو ذيوعها عمل ينافي الحرية. # وهناك على الأقل افتراضان سابقان لهذه العقيدة في سوق ~~الآراء الحرة: # الأول: هو أن التعبير الحر عن الأفكار وإذاعتها قد ~~يوأد كلما شكلت الآثار المحتملة لهذا التعبير وهذه ~~الأفكار خطرا واضحا مؤكدا على السلام العام أو أمن ~~البلاد. وهذا تطبيق خاص للمبدأ الذي يقول بأن الحق لا يكون ~~مطلقا إذا عرض للخطر حقوق أخرى لها ما له من صحة، أو أكثر ~~مما له. وهذا أمر شائع في شئون الناس العادية؛ فحق البحث ~~مباح، ولكنه لا يكون كذلك إذا كان يؤدي بالباحث إلى أن ~~يجري في الكائن البشري تجربة ليعلم منها إلى أي مدى ~~يستطيع هذا الكائن أن يعيش بعد تعذيبه. وحق الكلام ثمين، ~~ولكنه ليس كذلك حينما يعصف بسمعة شخص باتهامه تهمة يشهر ~~به فيها. والصدق مقدس، ولكن الشخص الذي يبوح به، وهو ~~يعلم أنه سوف يستخدم في تدمير بلاده، خائن لوطنه. # والافتراض الثاني في عقيدة التحرر في سوق الآراء الحرة: ~~هو أن يكون التنافس على أسس نزيهة صريحة؛ لأنه ما لم تكن ~~هناك قواعد معينة للتنافس النزيه، شبيهة بتلك القواعد التي ~~تتبع في ميادين التجربة والبحث الأخرى، فإن حرية الاختيار ~~تمسي وهما من الأوهام؛ لأن الأسهم إذا ارتفعت قيمتها في ~~السوق بعملية شراء مفتعلة، أو بالقوة أو بالخداع، فإن ~~سعرها لا يدل البتة على حقيقتها. وإذا كانت القدرة ms272 على ~~مقاومة المنافسة النزيهة ليست شرطا كافيا لضمان الصدق، ~~فهي على الأقل شرط ضروري. وليست المبادئ «التي تستوجب ~~الموت» من وجهة نظر المتحرر هي ما يخشاه؛ لأن إيمانه ~~بالعقل يبلغ حدا يجعله على وثوق من أن أكثر الناس - عند ~~تبادل الآراء تبادلا حرا نزيها - يختارون الحياة ولا ~~يختارون الموت، وإنهم إذا اختاروا الموت فإنهم يستحقون ما ~~ينتهي إليه مصيرهم، أما ما يخشاه المتحرر فهو الإفساد ~~المنظم لسوق الآراء الحرة بضروب من النشاط تجعل الاختيار ~~المعقول مستحيلا. إن ما يخشاه في عبارة موجزة هو التآمر ~~وليس الزندقة. # والقصور في إدراك الفرق بين الزندقة والتآمر يقضي على ~~الحضارة المتحررة؛ لأن النتيجة التي تترتب على ترادفهما ~~إما أن تكون القضاء على النفس إذا عوقبت بالزندقة ~~باعتبارها تآمرا، وإما الموت على أيدي الأعداء إذا ~~تسامحنا مع المؤامرة واعتبرناها من قبيل الزندقة. # الزندقة مجموعة من الأفكار أو الآراء غير الشائعة التي ~~تتعلق بموضوعات ذات أهمية قصوى للمجتمع. وحق التصريح علنا ~~بالزندقة على أي شكل من الأشكال، وفي أي موضوع من ~~الموضوعات، عنصر هام من عناصر المجتمع الحر. والرجل الحر ~~مستعد للدفاع عن الزنديق المخلص مهما اختلف هذا الزنديق ~~في رأيه عن الرأي الذي يعارضه. ويكفي الزنديق أن يدفع ثمن ~~عدم شعبيته التي لا يجد عنها محيصا. وكل منا زنديق في ~~بعض النواحي، ولكن المجتمع الحر لا يستطيع أن يفرض ~~معتقدات رسمية بذاتها، تستتبع معارضتها فقدان الحرية أو ~~الحياة. # أما المؤامرة فتتميز عن الزندقة بأنها حركة سرية أو ~~باطنية تسعى إلى تحقيق أغراضها، لا بالطرق السياسية أو ~~التربوية العادية، ولكن بالعمل استثناء من القواعد ~~المشروعة. والمؤامرة لا يمكن أن تحتمل في المجتمع الحر دون ~~أن يختل منطق التفكير؛ لأنها تهدم الشروط الضرورية لكي ~~تتنافس المذاهب تنافسا حرا في سبيل انتشارها، ولأنها - ~~عندما تفلح - تحطم كل زنديق أو منشق بغير رحمة. # ومذهب التحرير في القرن العشرين لا بد أن يشتد أزره؛ ~~لأنه يشتغل بالنضال في جبهات كثيرة متنوعة. يجب أن يدافع ~~عن سوق الآراء الحرة ضد المؤمنين ms273 بالعنصرية، والمحترفين ~~للوطنية، والمدافعين عن الحالة الراهنة الذين يودون أن ~~يجمدوا عدم التكافؤ القائم في الفرص والقوى الاقتصادية ~~بخنق حرية النقد. ولا بد أيضا من حماية مذهب التحرير من ~~عملاء الاستبداد الشيوعي والمدافعين عنه، الذين بدلا من ~~أن يدافعوا بنزاهة عن زندقتهم، يلجئون إلى وسائل تآمرية ~~تقوم بها جمعيات سرية، وغير ذلك من حيل الطابور ~~الخامس. # ومذهب التحرر الواقعي يدرك أن البقاء يقتضينا أن نجد ~~حلا لمشكلات شاقة كثيرة، كما يدرك أنها لا يمكن أن ~~تحل إلا عن طريق العقل، لا عن طريق الفصاحة وحجة ~~العقيدة. إن الخطر الأكبر الذي يهددنا ليس هو الخوف من ~~الأفكار، وإنما هو «انعدام» الأفكار، وأقصد الأفكار ~~الخاصة، التي تعالج المشكلات الملموسة على الفور، وهي ~~مشكلات بلغت من التعقيد حدا لا يستطيع الزعم بإيجاد حلول ~~لها جميعا إلا الجاهلون. # ومذهب التحرر - أخيرا - لا يتصور الحياة في مجرد البقاء ~~وفي السلام بأي ثمن، وإنما يتصورها في ضوء الآراء والمثل ~~التي لا يمكن أن تتحقق بدونها حياة جديرة ~~بالإنسان. # 7 ~~(1-6) عقيدة الطبيعي # من الحق بغير شك أن الموطن الكوني للإنسان يحد من قوته ~~إن لم يحد من أحلامه؛ فهو مصدر دائم لتذكيره بقصوره إزاء ~~صعوبة انقياد الأشياء وصفة الزوال في كل ما يبني. ولكن من ~~الحق أيضا أن قصور الإنسان هو مصدر فرصة، وهو شرط ضروري ~~لكل عمل يؤديه. ومن هذا الحق وذاك لا نستطيع أن نستنتج أن ~~الطبيعة كفيلة بمثل الإنسان العليا، أو هي على الأقل ليست ~~كفيلة بمثله الديمقراطية، ولكنها أيضا ليست عدوا للمثل ~~الإنسانية، إنما أصدقاء الإنسان وأعداؤه هم غيره من بني ~~الإنسان؛ فالديمقراطية لا تحتاج إلى تعضيد كوني سوى «فرصة» ~~فعل الخير. وهذه الفرصة تتوافر لها؛ لأن الإنسان جزء من ~~الطبيعة. وليس من المعقول أن نتطلب أكثر من ذلك، حتى إن ~~كان يستحق الطلب. والطريقة التي يعمل بها الإنسان وفقا ~~لما لديه من فرص دليل آخر على ما في الوجود من إمكانيات ~~موضوعية وقدرة على التجديد. والرجل الديمقراطي العاقل ~~يواجه مخلصا إمكانيات ms274 الوجود، وغيبياته، وما ظهر منه، ~~وتقلباته، وهو يواجه ذلك بمقدار صلته بمجرى الأمور، وهو ~~رجل متحرر من الجنون الخيالي الذي يسعى إلى نبذ حقائق ~~العلم، ومن تلك العقيدة العجيبة التي تؤمن بأن الطبيعة ~~جمهورية ديمقراطية، وهي عقيدة لا يمكن قبولها إلا ~~باعتبارها خيالا شعريا. إنه يقبل الدنيا كما يصفها ~~العلم، وهو يستخدم معرفته بالدنيا لكي يزيد من سلطان ~~الإنسان على الأشياء، ويحد من سلطانه على الإنسان، ولكي ~~يقوي الزمالة بين الأشخاص الأحرار المتساوين الذين يجاهدون ~~في سبيل قيام مجتمع أسعد ~~وأعدل. # 8 # المصادر # المقتطفات التي اخترناها هنا لسدني هوك مقتبسة من كتابه ~~«زندقة لا مؤامرة»، ومن مقالاته «المذهب الطبيعي والديمقراطية» ~~في كتبه «المذهب الطبيعي وروح الإنسان»، ومن مقاله «المستحب ~~والعاطفي في أخلاق ديوي» في كتابه «جون ديوي: فيلسوف العلم ~~والحرية»، ومن مقاله «الدين ورجال الفكر» في «مجلة الحزبي». # 1 # من كتاب «المذهب ~~الطبيعي وروح الإنسان». # 2 # من كتاب «المذهب ~~الطبيعي وروح الإنسان». # 3 # من كتاب من مقاله ب ~~«مجلة الحزبي». # 4 # من كتاب من مقاله ب ~~«مجلة الحزبي». # 5 # من كتابه «المذهب ~~الطبيعي وروح الإنسان». # 6 # من كتابه «جون يوي: ~~فيلسوف العلم والحرية». # 7 # من كتابه «زندقة لا ~~مؤامرة». # 8 # من كتابه «المذهب ~~الطبيعي وروح الإنسان». # الفصل الرابع عشر # | كارل ياسبرز # (1883م-...) # كان ياسبرز أحد مؤسسي الوجودية الألمانية، تلقى تعليما ~~مهنيا في الطب، وقضى حياة عملية ناجحة في العلاج النفساني، ثم ~~انصرف إلى الفلسفة حتى أمسى أستاذ الفلسفة الأول في ألمانيا. وفي ~~عام 1937م فصل من وظيفة الأستاذية بجامعة هيدلبرج على أيدي ~~النازيين؛ لأن زوجته كانت يهودية، ولما حرم من التدريس ومن النشر ~~عاش متقاعدا عن العمل فيما بين عامي 1937 و1945م عندما وصل جيش ~~الاحتلال الأمريكي وحرر آل ياسبرز فعلا من خضوعهم للتهديد ~~الدائم بالقضاء على حياتهم، الذي كانوا يعيشون في ظله، وبعدئذ سعت ~~إليه السلطات الأمريكية سعيا حثيثا تطلب منه المشورة، وسرعان ما ~~أعيد تعيينه بهيدلبرج مديرا للجامعة، وأصبح منذ عام 1948م ~~أستاذا للفلسفة بجامعة بازل في سويسرا. ms275 # وفي عام 1950م أعلن ياسبرز أنه يؤثر أن يعد فيلسوفا عقليا ~~على أن يعد «فيلسوفا وجوديا»؛ لأن واجب الفلسفة في عصرنا هو ~~أن يؤيد قضية العقل ضد اللاعقل، وكل صنوف التعصب ونظم الفكر ~~التحكمية التي تفترض نفسها نظما «نهائية»، وكان ياسبرز دائما ~~يؤمن بأن الوجودية تعتمد على إدراك أن وجودنا الصحيح يقوم على أساس ~~شيء آخر يتجاوزه، وهو جهاد بشري خاص بالإنسان ويجاوز حدوده، كما ~~يؤمن بأن العقل يتمم طبيعة هذا الجهاد؛ فنحن على حد تعبير ياسبرز ~~«نعلم أننا جميعا تحت رحمة الحوادث التي لا تخضع لسلطاننا، ولكن ~~في حدود هذا المصير الذي يتحتم علينا أن نخضع له، يريد الإنسان أن ~~يحاول - برغم ذلك - بما لديه من قدرة على إصدار القرارات أن يحيا ~~حياة قوامها العقل، وأن يمارس الذاتية والمعنى بمعونة العقل.» ~~ويعترف ياسبرز أن العقل كان دائما موجودا كقيمة من القيم في كل ~~كتاباته الأولى، غير أن ما دفعه إلى تفصيل الكلام فيه، بل إلى ~~تمجيده، هو «حقائق الاشتراكية الوطنية في ألمانيا». بيد أن ~~ياسبرز مستعد أيضا للاعتراف بأن إيمانه هو دعامة تفكيره، وهو ~~إيمان إنجيلي - وإن لم يكن كنسيا - في منشئه الميتافيزقي. # وقد أخرج ياسبرز قدرا كبيرا من الصحائف المكتوبة، وأنفق سنوات ~~تقاعده في التأمل والكتابة، كتب يقول: «حينما سألني صديق شاب في ~~عام 1938م: «لماذا تكتب؟ فلن ينشر لك بأية حال من الأحوال، وسوف ~~تحرق كل مخطوطاتك في يوم من الأيام!» أجبته مداعبا: «إن الإنسان ~~لا يدري ماذا عساه يحدث، وأنا أستمتع بالكتابة، وإن ما أفكر فيه ~~يزداد وضوحا في أثناء الكتابة. وأخيرا، لا أحب إذا ما انقلب ~~الحكم ذات يوم أن أقف خالي الوفاض.» # وأول مؤلفاته، الذي طبع الطبعة الأولى في عام 1913م، وأعيد ~~طبعه بعد مراجعته في عام 1919م، وهو مؤلف في علم النفس، يشير إلى ~~التحول في مركز اهتمامه من علم النفس إلى الفلسفة، ويصف الآراء ~~والنظرات العالمية التي تقع في حدودها الحياة العقلية للفرد، كما ~~يصف الإطارات العقلية التي تمثل «ما هو نهائي ms276 وكامل في الإنسان، من ~~الناحية الذاتية كخبرة من الخبرات وقدرة وعقيدة، ومن الناحية ~~الموضوعية كعالم مركب من الأشياء.» وأكثر مؤلفاته اتباعا لطريقة ~~موحدة كتابه «الفلسفة» الذي أخرجه في ثلاثة مجلدات، ونشر في ~~ألمانيا في عام 1932م. وفي عام 1947م ظهرت له دراسة ضخمة للمنطق ~~الوجودي. غير أن صيت ياسبرز يتسع ذيوعه في أوساط قراء ~~الإنجليزية من مقالاته الفلسفية ذات المجال الفسيح، مثل «الوجودية ~~والإنسانية»، و«العقل واللاعقل في زماننا»، و«المجال الدائم ~~للفلسفة»، و«منشأ التاريخ وأهدافه». # وقد ولد كارل ياسبرز في أولدنبرج بألمانيا في الثالث والعشرين ~~من شهر فبراير من عام 1883م من أسرة «متحررة محافظة» من الطبقة ~~العليا، والآن وهو في منتصف سبعينياته نراه يتدبر في «الشيخوخة»، ~~يقول: «عندما يبلغ المفكر سن الشيخوخة يكون شعوره ببلوغ النهاية ~~أقل منه في أي وقت مضى. قال «كانت»: إذا ما تقدمت شوطا بعيدا ~~واضحا بحيث لا نستطيع حقا أن نبدأ من جديد، وجب علينا أن ننسحب ~~ونترك الأمر في أيدي الناشئين ... غير أن قوة العقل الممتدة لا تنحصر ~~في دائرة الحياة البيولوجية. وقد تسيطر على المرء حالة عقلية - ~~تتناقض مع سن الشيخوخة - تجعل البصر يمتد إلى آفاق جديدة بفضل ما ~~لدى المرء من تجارب روحية».» ~~(1) إنسانية جديدة # كارل ياسبرز ~~(1-1) عصر تغير أساسي # كلنا يعلم أن عصرنا قد غير مجرى التاريخ تغييرا ~~أساسيا أكثر مما فعل أي عصر آخر مما نعرف، وهو يكاد يشبه ~~العصر المجهول الذي أشعلت فيه جذوة النار الأولى، والذي ~~اخترعت فيه الآلات، والذي أنشئت فيه أقدم الدول. أما ~~ما استحدث من وقائع فهو التكنولوجيا الحديثة وما ترتب ~~عليها من وسائل العمل عند الإنسان وفي المجتمع، ووحدة ~~الكرة الأرضية التي خلقتها وسائل الاتصال الحديثة، والتي ~~جعلت الأرض أصغر من الدائرة الأرضية - مثلا - التي عرفها ~~الرومان، والحد الأصغر المطلق الذي يتمثل في ضآلة الكوكب ~~الذي نعيش عليه، والتناقض القائم بين الحرية والعمل ~~المثمر، والشخصية والجمهرة والنظام العالمي والحكومات ~~المستقلة، والأهمية القصوى لازدياد السكان، الذي تحول من ~~أمم إلى جماهير تستطيع في الظاهر ms277 أن تدرك التطورات وأن ~~تسهم فيها، في حين أنها قد تحولت في الواقع إلى رقيق ~~مستغل، وانهيار كل المثل العليا في النظام القديم، ~~والحاجة إلى إيجاد نظام إنساني جديد ينقذنا من تفاقم ~~الفوضى، والتشكك في كل القيم التقليدية، التي يجب أن تثبت ~~على صحتها أو أن تتغير، ثم في الموقف السياسي الملموس، ~~الذي تتحكم فيه القوى العالمية، والولايات المتحدة وروسيا، ~~وقارة أوروبية ممزقة من داخلها، يتضاءل حجمها فيزداد ~~ابتعادها عن إدراك وجودها، ويقظة الجماهير الضخمة في آسيا، ~~وهي في طريقها إلى أن تكون عوامل فعالة في القوى ~~السياسية. # وقد سار بنا مجرى الأمور من عصر بورجوازي يتوافر فيه ~~الرضا والتقدم والتربية، ويشير إلى ماض تاريخي دليلا على ~~أنه حقق الأمن، إلى عصر حروب مدمرة، والموت الجماعي ~~والقتل الجماعي (مصحوبا بجهل لا ينفد من الجماهير ~~الجديدة)، عصر يقوى فيه الإحساس بالخطر إلى درجة مزعجة، ~~عصر تتبدد فيه الإنسانية، ويسود فيه الانحلال والفوضى كل ~~أمر من الأمور فيما يبدو. # فهل كل ذلك ثورة روحية؟ أو هل هو عملية خارجية لا مناص ~~منها، مصدرها التكنولوجيا وما ترتب عليها من نتائج؟ هل ~~هو كارثة وأمر ضخم محتمل لا تتضح بعد معالمه، وشيء يقتصر ~~على الهدم حتى يتيقظ الإنسان ويصبح قادرا على مقابلته، ~~حتى يتبين له أنه وسط ظروف وجوده الجديدة كل الجدة ولا ~~ينكر هذه الظروف على غير وعي منه؟ # وصورة المستقبل أكثر اهتزازا وأشد غموضا، ولكنها ربما ~~كانت مبشرة ومثبطة في آن واحد أكثر من أي وقت مضى. وإذا ~~كنت أدرك واجب الإنسانية، لا فيما يتعلق بحاجات الوجود ~~المباشرة، ولكن فيما يتعلق بالحق الأبدي، فلا مندوحة لي عن ~~البحث فيما يتصل بموقف الفلسفة. ماذا ينبغي للفلسفة أن ~~تفعله في الموقف العالمي الراهن؟ # إن مذهب العدم يتخذ في الواقع صورا متعددة؛ فمن الناس ~~من يتخلى عن كل أمر باطني، ولم يعد لأي شيء عندهم قيمة، ~~يتخبطون في عالم المصادفة بين لحظة وأخرى، يموتون بغير ~~مبالاة ويقتلون بغير مبالاة، ولكنهم فيما يبدو يعيشون في ~~صور ms278 ذهنية عددية تخدر أعصابهم، وفي عصبية للرأي عمياء ~~يتنقلون بها من أمر إلى أمر، تدفعهم عواطف بدائية غير ~~معقولة غلابة ولكنها سريعة الزوال، وينساقون في نهاية ~~الأمر بدافع غريزي نحو متعة اللحظة التي هم فيها. # وإذا نحن استرقنا السمع إلى الألفاظ التي تخرج من ~~الأفواه وسط هذا الخضم بدت لنا كأنها استعداد للموت ~~مستور. وقد جعلت تربية الجماهير الناس عميانا بغير فكر، ~~جديرين بأي شيء في غيبوبة أذهانهم، حتى أمسوا في نهاية ~~الأمر يقبلون الموت والقتل، وبات الموت الجماعي في الحرب ~~الآلية أمرا عاديا. # غير أن أشد الفلسفات وضوحا يستهدف كذلك تمكين الإنسان ~~من مجابهة الموت. إن الفلسفة تسعى إلى إيجاد قاعدة لا يكون ~~الموت على أساسها - بالتأكيد - مقبولا من الناحية ~~العقلية، وإنما يكون محتملا في معمعان الآلام، لا في شيء ~~من عدم المبالاة باللذة أو الألم، ولكن في ثبات الراغب ~~الواثق. # 1 ~~(1-2) الرسالة الراهنة للفلسفة # الرأي العام السائد ينظر إلى الفلسفة باعتبارها على ~~الأقل نافلة من النوافل؛ لأنه يرى أن الفلسفة تعمى عن ~~الحاضر وقواه وحركاته، وهو يتساءل: ما فائدة الفلسفة؟ إن ~~الفلسفة لا تعين؛ فقد كان أفلاطون عاجزا عن معونة ~~الإغريق، ولم ينقذهم من التردي إلى أسفل، بل لقد عاون في ~~الواقع على انهيارهم. # وكل استنكار للفلسفة يصدر عن شيء خارج عن الفلسفة، أما ~~عن مضمون إيمان معين قد تعرضه الفلسفة للخطر، أو عن أهداف ~~عملية لا تجدي فيها الفلسفة أو عن مذهب العدم الذي ينبذ كل ~~شيء؛ ومن ثم فهو ينبذ الفلسفة باعتبارها عديمة ~~القيمة. # غير أن في الجهد الفلسفي شيئا لا يراه كل أولئك الذين ~~ينبذون الفلسفة. في الفلسفة يعيد الإنسان الكشف عن مصدره ~~الأول. والفلسفة - بهذا المعنى - مطلقة لا تهدف إلى غرض، ~~ولا يمكن تبريرها عن طريق شيء آخر، أو على أساس المنفعة ~~لأي غرض من الأغراض. إنها ليست دعامة نستند إليها، أو قشة ~~نتمسك بها. ولا يستطيع إنسان ما أن يطوع الفلسفة له، أو ~~أن يتخذها وسيلة من الوسائل. # وأنا أجد الشجاعة لأن ms279 أقرر أن الفلسفة لا يمكن أن تتوقف ~~ما دام الإنسان حيا؛ فالفلسفة تؤيد الأمل في إدراك معنى ~~الحياة الذي يتجاوز كل الأغراض الدنيوية، وهي تبرز المعنى ~~الذي ضم كل هذه الأغراض، وبمعنى ما تنفذ في الحياة لكي ~~تؤدي هذا المعنى بالواقع الفعلي، وهي لن تحط من شأن ~~الإنسان أو من شأن فرد ما إلى مستوى الآلة المجردة. # وهدف الفلسفة هو أن تحقق في كل الأزمان «استقلال» ~~الإنسان كفرد، وهو يكتسب هذا الاستقلال بإيجاد علاقة بينه ~~وبين الوجود الذي لا شك فيه، وهو يكتسب استقلال كل شيء يقع ~~في هذه الدنيا بعمق ارتباطه بما يجاوز الطبيعة. وما وجده ~~لاوتسي في تاو وجده سقراط في الرسالة المقدسة وفي المعرفة، ~~ووجده أرميا في يهوه الذي كشف عن نفسه له، وهو ما عرفه ~~بوثيس وبرونو واسبينوزا، وذلك هو ما أكسبهم صفة الاستقلال. ~~وهذا الاستقلال الفلسفي ينبغي ألا يختلط بالتحكم الشديد ~~الذي يوحي به الاستهتار بالأمور أو بالطاقة الحيوية التي ~~تتحدى الموت. # ومهمة الفلسفة تتسم دائما بهذا «التناقض». إن الاستقلال ~~يلتمس في البعد عن العالم، وفي نبذه واعتزاله، أو يلتمس ~~في الدنيا ذاتها، وفي خلالها والإسهام فيها، ولكن دون ~~الخضوع لها؛ ومن ثم فإن الفيلسوف الذي لا يحب لنفسه ~~الحرية إلا إذا توافرت لغيره، ولا يحب لنفسه الحياة إلا ~~باتصاله بغيره من الناس، هذا الفيلسوف ينطبق عليه ما أطلقه ~~رجل أحمق على كونفوشيوس من أنه «الرجل الذي يعرف أن الأمر ~~مستحيل، ولكنه برغم ذلك يسعى إليه»، وهي حقيقة تنطبق على ~~المعرفة المحدودة التي تجعل من ظواهرها شيئا مطلقا، ~~ولكنها حقيقة لا تزعزع حقيقة أخرى، هي حقيقة الإيمان ~~الفلسفي، التي هي أبعد منها غورا. # إن الفلسفة تخاطب الفرد. وفي كل عالم، وكل موقف، يرد ~~الاجتهاد الفلسفي الفرد إلى نفسه؛ لأن الفرد الذي يكون ~~نفسه - ويستطيع أن يبرهن على ذاته في عزلته - هو وحده الذي ~~يستطيع حقا أن يشرع في الاتصال بغيره. # فهل نستطيع الآن - في حدود هذه الواجبات الثابتة للفلسفة ~~التي صورتها - أن نقول شيئا عن ms280 مهمتها الراهنة؟ # سمعنا أن الإيمان بالعقل أشرف على نهايته، ويقال إن ~~الخطوة الواسعة التي خطاها القرن العشرون هي الابتعاد عن ~~المنطق، أو عن الفكرة التي تقول بوجود نظام عالمي. وبعض ~~الناس يهلك عندما يدرك أن الحياة بذلك قد تحررت، وبعضهم ~~ينحي باللائمة على هذا الخداع الأكبر للعقل، هذه الكارثة ~~لا بد أن تؤدي إلى انهيار البشرية. # ويمكن أن يقال في هذا الصدد إن الخطوة المذكورة تنطوي ~~على شيء من الصدق؛ لأنها قضت على الثقة الذاتية في عقل ~~تخلت عنه الحكمة، وكشفت القناع عن توهمنا وجود انسجام ~~عالمي، وأنهت اعتمادنا على حكم القانون، وعلى القانون ~~ذاته. وقد كانت هذه الألفاظ رنانة تخفي وراءها تفاهة ~~الحياة التي كشف عنها التحليل النفساني. وهذه الحركة التي ~~عمادها العلاج النفساني اتسعت رقعتها حتى تحولت إلى شبه ~~فلسفة تستمد جانبا من حقيقتها من علاقتها بعصر فاسد ~~واعتمادها عليه. # وبعدما يزول كل هذا الزبد، تبقى الجذور عارية. والجذور ~~هي المصدر الأول الذي نمونا منه، والذي نسيناه في شبكة ~~الآراء والعادات والصيغ الأيديولوجية. # وواجبنا اليوم أن نلتمس في الوجود نفسه أساسا جديدا ~~للعقل. هذا هو الواجب العاجل في الموقف الروحي الذي عرفه ~~كركجارد ونيتشه وباسكال ودستويفسكي. # وتحقيقه لا يمكن أن ينحصر في العودة إلى ما كان، إنما ~~الظاهر أنه ينطوي اليوم على العناصر الآتية: ~~(1) # أننا نلتمس هدوء العقل باحتفاظنا باليقظة ~~الدائمة. ~~(2) # أننا ننتقل من حالة الإيمان بالعدم إلى تمثيل ~~تقاليدنا القديمة. ~~(3) # أننا نبحث عن العلوم الخالصة من الشوائب كمقدمة ~~لصدق الفلسفة التي نقوم بوضعها. ~~(4) # أن العقل يصبح رغبة في الاتصال لا حد ~~لها. # 2 ~~(1-3) هدوء العقل # هدوء العقل هو الهدف من التفكير الفلسفي. # إننا نحب أن نكون على يقين - وسط هذا الانهيار العظيم - ~~مما يتبقى لنا؛ لأنه هو الشيء الدائم. إننا نتدبر نشأتنا ~~الأولى عند الملمات، وعندما يهددنا خطر الموت نبحث عن فكرة ~~تثبت عزائمنا. # وتستطيع الفلسفة حتى في عصرنا هذا أن تمدنا بما أدرك ~~بارمنيدز حينما بنى معبدا للإله شكرا له على هدوء العقل ~~الذي جاءه ms281 عن طريق الفلسفة، ولكنا نملك اليوم قدرا كبيرا ~~من الرضا والاطمئنان. # ومن الحقائق المؤلمة اليوم - بالرغم من كل ما يحيط بنا ~~من انقلاب وتدهور - أننا ما زلنا في خطر العيش والتفكير ~~كأن شيئا هاما في الواقع لم يحدث، وكأن كارثة كبرى قد ~~أزعجت حياتنا الطيبة نحن الضحايا المساكين وحسب، ولكن كأن ~~الحياة يمكن الآن أن تستمر على الأسلوب القديم كأن شيئا ~~لم يحدث. وسواء أحسسنا اليوم بالخوف أم بالعجز أم بالغضب، ~~فنحن نتهم غيرنا. وكل من يشعر هذا الشعور لا يزال في ~~الشباك التي لا تجعل في الإمكان سوى هدوء عقلي خداع، ~~وهذا الهدوء ينبغي أن يتحول إلى انعدام الهدوء؛ لأن الخطر ~~الأكبر هو أن ما حدث قد يمر باعتباره ليس إلا كارثة عظمى، ~~دون أن يحدث لنا نحن البشر شيء باعتبارنا بشرا، دون أن ~~نسمع صوتا أبعد عن حدود أنفسنا، ودون أن نبلغ نفاذ ~~البصيرة أو أن نعمل طبقا لهذا النفاذ. والهبوط الشديد في ~~وضوح الإدراك يدفعنا عندئذ إلى التدهور نحو وجود ضيق ~~الحدود. # 3 ~~(1-4) من مذهب العدم إلى التقاليد القديمة # إذا أبينا لنفوسنا رضاها، فمعنى ذلك أن مذهب العدم أمر ~~حقيقي ممكن الوقوع في حدود خبرتنا. إننا ندرك انهيار ~~المعايير الصحيحة، وندرك كيف يكون العالم مقلقلا حينما لا ~~يدعو إلى تماسكه إيمان أو وعي جماعي. وقل من الناس من ~~اجتاز هذه التجربة حتى في عهد نيتشه، وبعضهم مر بها منذ ~~عام 1933م، وبعضهم مر بها بعد ذلك، أما اليوم فقلما ~~نجد رجلا مفكرا لم يمر بها، وربما كنا اليوم نقترب من ~~النقطة التي نكون عندها على استعداد لأن نستمع إلى الرسالة ~~التي تحملها إلينا جميع العهود التاريخية التي تدهورت فيها ~~الثقافة ونداء المفكرين في هذه العهود. إن مذهب العدم - ~~كحركة ذهنية وخبرة تاريخية - يصبح تحولا إلى تمثيل أشد ~~عمقا للتقاليد التاريخية. ولم يكن مذهب العدم من عهد قديم ~~هو الطريق المؤدية إلى النشأة الأولى فحسب - ومذهب العدم ~~قديم قدم الفلسفة - وإنما هو كذلك المحك الذي يبرهن على ms282 ~~قيمة الحقيقة. # كان في الفلسفة منذ البداية شيء لا يمكن أن يعوض ~~بغيره؛ فهي دائما وسط كل ما يحدث من تغير في الظروف ~~البشرية، وفيما تتطلبه الحياة العملية، وخلال كل تقدم في ~~العلوم، وكل تطور في طرق التفكير وأساليبه، تهتم بإدراك ~~الحقيقة الأبدية الوحيدة في ظل الظروف الجديدة، مع اتباع ~~طرق جديدة، ربما كانت أشد احتمالا في إمكان ~~التوضيح. # ومن واجبنا اليوم وسط مذهب العدم المتطرف أن نثبت هذه ~~الحقيقة مرة أخرى، ويفترض ذلك سلفا أن نتمثل تقاليدنا، ~~ولا يكفي أن نعرفها ظاهرا، وأن نكتفي بالتأمل فيها، وإنما ~~ينبغي لنا أن نستحوذ عليها في الباطن باعتبارها ملكا ~~لنا. # ولكي نحقق هذا الهدف، يجب أن تنبذ الفلسفة أمورا عدة، ~~منها فكرة التقدم، التي تجوز في العلوم وفي وسائل الفلسفة. ~~إن المؤمنين بهذه الفكرة اعتقدوا باطلا أن ما يأتي مؤخرا ~~لا بد أن يتمم ما يأتي مقدما باعتباره أقل شأنا ومجرد ~~خطوة نحو التقدم، وباعتباره ذا قيمة تاريخية فحسب. وبهذا ~~التصور نخطئ فنحسب الجديد باعتباره جديدا هو الحق. ~~وباكتشاف هذا الأمر المستحدث يحس المرء أنه على قمة ~~التاريخ. وقد كانت هذه هي النظرة الأساسية لكثير من ~~الفلاسفة في القرون الغابرة، فكم من مرة اعتقدوا فيها أنهم ~~تجاوزوا حدود الماضي كلها عن طريق شيء جديد كل الجدة، وإن ~~الوقت - بذلك - قد آن في النهاية لبداية الفلسفة ~~الحقيقية. # إذا نحن نزعنا أنفسنا عن الأساس التاريخي في سبيل شيء ~~جديد، وإذا نحن استخدمنا التاريخ كمحجر نستمد منه المادة ~~التي نشكلها في صورة تتفق وما نهوى، إذا نحن فعلنا ذلك كنا ~~على الطريق التي تؤدي إلى ظلام العقيدة في العدم، ولكن ... ~~مذهب العدم - بالجهد الشاق - فسوف يردنا إلى الحق الموثوق ~~في صحته. # لقد انبثقت من العدم طريقة أساسية جديدة تهدينا إلى أن ~~ننظر نظرة أخرى إلى تاريخ الفلسفة. إن ثلاثة آلاف عام من ~~تاريخ الفلسفة تصبح كأنها حاضر واحد؛ فالمذاهب الفلسفية ~~المتعددة تحوي في طياتها الحقيقة الوحيدة. وقد كان هيجل ~~أول من جاهد في سبيل إدراك ms283 وحدة هذه الفكرة، غير أنه ما ~~برح ينظر إلى كل أمر سبق كأنه مرحلة تمهيدية وحق جزئي يؤدي ~~إلى فلسفته الخاصة، ولكن الأمر الأساسي هو أن نتمثل ما ~~بلغته الفلسفة في كل عصر من العصور، وذلك بأن نبقى دائما ~~على اتصال متجدد بالأعمال العظيمة التي قام بها الماضي، ~~وأن ننظر إليها كأمر واقع لا كأمر تجاوزه الإنسان. # وإذا نحن نجحنا في إيجاد اتصال ودي بكل التفكير الفلسفي، ~~عرفنا أن صورة الفلسفة الحاضرة قد انبثقت أيضا من المصدر ~~الأول، وعرفنا أن التقاليد العالمية لا غنى لنا عنها، ~~فهي الذاكرة التي بغيرها نهبط إلى التفاهة المطلقة للخطة ~~المجردة التي ليس لها مستقبل ولا ماض. وفي وجودنا ~~المؤقت الزائل نعرف واقعية الحقيقة الأساسية وملازمتها ~~لكل حقيقة أخرى، نعرف «الفلسفة الدائمة» التي تمحو الزمان ~~في جميع الأزمان. # 4 ~~(1-5) العلم الحديث والفلسفة # العلم الحديث هو المقدمة المنطقية للتكنولوجيا التي تقلب ~~حياتنا من أساسها. غير أن آثار هذا العلم تمتد إلى أبعد من ~~ذلك بكثير؛ فهذا العلم يمثل نقطة تحول بعيد الغور في ~~تاريخ البشرية، ولكنه على خلاف مع التكنولوجيا لا يعرف ~~معرفة كاملة إلا لنفر قليل من الناس، بل وأقل من هذا النفر ~~من يسهم فيه مساهمة فعالة، في حين أن الكتل البشرية ~~تسير في حياتها على أساس الصور الفكرية التي سبقت العلم، ~~وتستخدم نتائج العلم كما كانت الشعوب البدائية فيما سبق ~~ترتدي القبعات الأوروبية وملابس السهرة وعقود ~~الزينة. # إنما هو العصر الحديث - بعد المحاولات الساذجة التي قام ~~بها أفراد في العهود القديمة، والإغريق بخاصة - منذ نهاية ~~العصور الوسطى، الذي طبق أولا البحث المطلق الحقيقي - ~~مصحوبا بنقد ذاتي إلى أبعد الحدود - على كل ما يحدث، وكل ~~ما يمكن أن يحدث في هذا العالم. # العلم يسير على نهج منطقي، وهو يفترض قبوله في كل أرجاء ~~الأرض؛ ومن ثم فهو يلقى في الواقع موافقة إجماعية، ما ~~دامت الحال كذلك. والعلم يدرك وسائله إدراكا ناقدا، وهو ~~يحقق كل ما يشمله في كل وقت من الأوقات وبطريقة منظمة، ms284 وهو ~~لا ينتهي أبدا، وإنما يعيش في حالة من التقدم هدفها غير ~~منظور. كل ما يظهر في هذه الدنيا يجعله العلم موضوعا له، ~~إنه يشحذ وعينا بالموجود ويزيده وضوحا، وهو يمدنا ~~بالمقدمات التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف التي لا يحددها ~~تحقيقا علميا، تلك الأهداف التي تصبح بدورها موضوع ~~بحثه. # العلم حالة ضرورية سابقة للفلسفة. غير أن الموقف الروحي ~~الذي نشأ نتيجة للعلم قد ألقى على الفلسفة أعباء ثقيلة ~~جديدة. ولم تكن العهود السابقة كعهدنا في مثل هذا الوعي ~~الواضح بثقل هذه الأعباء. ~~(1) # يجب أن يكون العلم «بحتا» مطلقا؛ لأنه عند ~~الممارسة العملية والتفكير المتوسط تشوبه أقوال ~~ونظرات لا تمت إلى العلم بصلة. وقد حقق أفراد ~~من العلماء العلم البحت الدقيق عند تطبيقه على ~~دائرة الموجودات كلها، ولكن حياتنا الروحية لا ~~تزال - على وجه الإجمال - بعيدة عنه. ~~(2) # يجب أن تتعرض العقائد الخرافية في العلم لوضح ~~النهار؛ ففي عصرنا الذي يتميز بالتشكك وعدم ~~الاستقرار، اتجه الناس نحو العلم وظنوه أساسا ~~ثابتا، ووضعوا ثقتهم فيما أسموه نتائج البحث ~~العلمي، وأخضعوا أنفسهم خضوعا أعمى لمن افترضوا ~~أنهم خبراء، واعتقدوا أن الدنيا ككل يمكن أن ~~تنتظم بالتخطيط العلمي، وتوقعوا من العلم أن يمدهم ~~بأهداف الحياة - وهو ما لا يطيقه العلم بتاتا - ~~وتوقعوا معرفة الوجود ككل، وهو ما يخرج عن دائرة ~~العلم.(3) ~~(3) # وينبغي أن يعاد توضيح الفلسفة ذاتها بطريقة ~~منطقية منظمة؛ فهي العلم بالمعنى الناضج الثابت ~~للتفكير المنطقي، ولكنها ليست العلم بالمعنى ~~الحديث البحت، وهو البحث في الأشياء بحثا يؤدي ~~إلى المعرفة العالمية الصحيحة القاطعة، التي يراها ~~كل الناس على صورة واحدة. # إن ما قال به ديكارت من الانطباق الخاطئ بين العلم ~~والفلسفة - وهو صورة ذهنية قاطعة تساير روح هذه القرون ~~الأخيرة - جعل العلم معرفة يفترض فيها الشمول، كما حطم ~~الفلسفة ذاتها. # إن نقاء الفلسفة يجب أن يكتسب اليوم بمسايرته لنقاء ~~العلم. إنهما شيئان لا ينفصلان، ولكنهما ليسا شيئا ~~واحدا؛ فليست الفلسفة علما خاصا يسير مع العلوم الخاصة ~~الأخرى! وليست الفلسفة علما يتوج غيره من العلوم ms285 وينشأ ~~عنها، وليست الفلسفة علما يضع الأساس لغيره من العلوم ~~التي نحصلها بالبناء على هذا الأساس. # الفلسفة مرتبطة بالعلم، وتفكر في الوسط الذي تفكر فيه ~~العلوم الأخرى. وبغير نقاء الحقيقة العلمية لا يمكن بلوغ ~~الحقيقة الفلسفية. # للعلم دولته الخاصة، وهو يسترشد بالآراء الفلسفية التي ~~تنمو في جميع العلوم، وإن تكن هذه الآراء ذاتها لا يمكن ~~تسويغها تسويغا علميا. # إن أملنا الحديث في وعي الحق لم يصبح ممكنا إلا على ~~أساس علوم القرن الماضي، ولكن هذا الأمل لم يتحقق بعد. ~~والعمل المطلوب لتحقيقه هو من بين الحاجات العاجلة جدا ~~للخطة التاريخية الحاضرة. # يجب أن يتضافر البحث العلمي مع الفلسفة لهدايتنا إلى ~~الطريق التي تؤدي إلى الحق الأصيل، فيقفا معا في وجه ~~انحلال العلم إلى تخصصات لا رابطة بينها، وفي وجه الخرافة ~~العلمية عند الجماهير، وفي وجه السطحية التي جلبها إلى ~~الفلسفة الخلط بين العلم ~~والفلسفة. # 5 ~~(1-6) الإيمان بالاتصال الذي لا يحد # لقد نشأ بين الناس نوع من التماسك قلما جعل الاتصال ~~بالآخرين حالة خاصة، ودام هذا التماسك حتى العصر الحاضر، ~~وذلك بفضل صحة مبدأ عام تخلل الحياة اليومية كلها، صحة لا ~~شك فيها. واستطاع الناس أن يقنعوا أنفسهم بقولهم: إننا ~~نستطيع أن نصلي معا، ولكنا لا نستطيع أن نتكلم معا. ~~أما اليوم ونحن نستطيع حتى أن نصلي معا، فقد أمسينا في ~~النهاية على علم تام بأن الإنسانية تتضمن نوعا من الاتصال ~~لم يحتفظ به الإنسان. # إن الوجود الظاهر يتفتت بتعدد مصادر الإيمان، وتعدد ~~الصور التاريخية لمجتمعاتنا، حيث لكل منها أساسه الخاص ~~به. وأما الشيء الوحيد الذي نشترك فيه اشتراكا كليا، ~~فهو العلم والتكنولوجيا كما يتمثلان في ضروب الإدراك ~~العامة. وحتى العلم والتكنولوجيا لا يتوحدان إلا في وعي ~~عالمي معنوي. أما من الناحية العملية فهما أسلحة فتاكة ~~ووسائل للاتصال في آن واحد. # كل شيء حقيقي لدى الإنسان تاريخي، ولكن العقيدة في ~~التاريخ تعني أيضا تعدد التواريخ؛ ومن ثم كانت الفروض ~~الأساسية للاتصال الحقيقي هي ما يأتي: ~~(1) # أن يهتم المرء بما هو ms286 مختلف في التاريخ، دون أن ~~يكون كاذبا بالنسبة لتاريخه الخاص. ~~(2) # أن يكشف عن نسبية الحقيقة العلمية، مع علمه ~~التام بصحة ما تزعمه هذه الحقيقة. ~~(3) # أن يتخلى عن الإيمان بعقيدة لا تسمح بوجود ~~العقائد الأخرى؛ بسبب ما يعني ذلك من تمزيق ~~الاتصال، وذلك على ألا يفقد المرء إطلاق أساسه ~~الخاص. ~~(4) # أن يقوم بالكفاح الذي لا مفرح منه ضد ما يختلف ~~من حيث التاريخ، على أن يسمو بالمعركة إلى مستوى ~~المحبة، والاتصال عن طريق الحق الذي ينمو حينما ~~يشترك الناس في العمل، ولا يعملون أفرادا ~~مجردين. ~~(5) # أن نوجه أنفسنا نحو الأعماق التي لا تتكشف إلا ~~بالانقسام إلى تواريخ متعددة، والتي أنتمي إلى ~~واحد منها، ولكنها جميعا تهمني، وكلها مجتمعا ~~يرشدني إلى ذلك المصدر. # إن الإيمان الفلسفي لا ينفصل عن الاستعداد الكامل ~~للاتصال؛ لأن الحق المعتمد لا ينشأ إلا عندما تلتقي ~~العقائد لدى «الشمول المطلق»؛ ومن ثم كان من الحق أن ~~المؤمنين وحدهم هم الذين يستطيعون تحقيق الاتصال. وانعدام ~~الحق، من ناحية أخرى، يصدر عن جمود مضمون الإيمان الذي ~~يكتفي بأن يصدر مضمون إيمان آخر؛ ومن ثم كان من المستحيل ~~أن تتحدث إلى المتعصبين. إن الإيمان الفلسفي يرى في كل ~~اضطرار إلى قطع الموصول وفي كل رغبة فيه حاجزا ~~سميكا. # ولقد قيل إن هذا الإيمان الفلسفي بالاتصال أمر خيالي. ~~ويزعم ناقدو هذا المذهب أن الناس ليسوا كذلك، فهم يندفعون ~~بعواطفهم وبحبهم للسلطة وبمصالحهم العملية المتضاربة. ~~ويكاد الاتصال يفشل دائما، وهو يفشل بكل تأكيد عند ~~الجماهير. وخير حل - وفقا لهذه النظرية - أن نخضع الناس ~~للتقاليد والقوانين التي تعمل على إخفاء الشر والفوضى ~~الشاملة، اللذين لا يعملان على الاتصال. بيد أن أحسن ~~وسيلة لتحطيم البشر هي أن تتطلب منه أكثر مما ~~ينبغي. # وردا على ذلك نقول: ~~(1) # ليس الناس كما نراهم، وهم أنفسهم مشكلة وعبء، ~~وكل الأحكام العامة التي تتعلق بهم تقول أكثر مما ~~نستطيع أن نعرف. ~~(2) # إن الاتصال بكل صوره جزء من الإنسان كإنسان في ~~أعماق وجوده، إلى حد أنه يجب أن يبقى دائما ~~ممكنا، ms287 وليس بوسع المرء قط أن يعرف إلى أي مدى ~~سوف يبلغ هذا الاتصال. ~~(3) # إن إرادة الاتصال الذي لا يقف عند حد ليست ~~برنامجا، ولكنها ماهية الإيمان الفلسفي ذاتها، ~~ومنها تنبثق أهداف الاتصال الخاصة ووسائله في جميع ~~مستوياته. ~~(4) # إن الاستعداد للاتصال استعدادا لا يقف عند حد ~~ليس نتيجة لأية معرفة، إنما هو قرار باتباع طريق ~~إنساني. إن فكرة الاتصال ليست خيالية، وإنما هي من ~~الإيمان. وكل امرئ تواجهه هذه المشكلة: هل هو ~~يجاهد في سبيل الاتصال؟ وهل هو يؤمن به إيمانا ~~ليس كإيمانه بشيء من العالم الآخر، ولكن كإيمانه ~~بأمر واقعي واقعية مطلقة؟ هل هو يعتقد في قدرتنا ~~على أن نعيش معا حقا، وعلى أن نتحادث، وأن نجد ~~طريقنا إلى الحق عن طريق هذه المعية، وبذلك نمسي ~~في النهاية أنفسنا على صورة ~~أصيلة. # 6 ~~(1-7) الحاضر باعتباره نقطة التحول في العصور ~~التاريخية # توجد في الوقت الحاضر لأول مرة وحدة حقيقية بين الناس، ~~يدل عليها أنه لا يمكن أن يقع شيء أساسي في أي مكان لا يهم ~~جميع الناس. والثورة التكنولوجية - في هذا الصدد - التي ~~قام بها الأوروبيون بالعلم والاكتشاف ليست سوى الأساس ~~المادي والسبب العاجل للكارثة الروحية. # ومن هذه الخبرة في موقفنا التاريخي بوصفه نقطة التحول في ~~العصور التاريخية، يرتد الطرف المرة تلو الأخرى. وعندما ~~تساءلنا: هل حدثت مثل هذه التغيرات الأساسية من قبل؟ أجبنا ~~بأننا لا نعرف شيئا عن عصر بروميثيوس عندما تملك ~~الإنسان دنياه عن طريق آلاته وعن طريق النار والكلام. ولكن ~~نقطة التحول الكبرى في غضون التاريخ هي «العصر ~~المحوري» # 7 ~~؛ أي الفترة التي تقع ~~حوالي عام 500ق.م. في العملية الروحية التي حدثت بين ~~عامي 800 و200ق.م. هنا نلتقي بأعمق خط فاصل في التاريخ؛ ~~فالإنسان - كما نعرفه اليوم - ظهر إلى الوجود. # إن أكثر الحوادث بعدا عن المألوف تتركز في هذه الفترة، ~~إذ كان كونفوشيوس ولاوتسي يعيشان في الصين، وظهرت إلى ~~الوجود كل مدارس الفلسفة الصينية، بما فيها مدرسة موتي ~~وشوانج تسي وليه تسو وكثير غير هؤلاء، وأخرجت الهند ms288 ~~أوبانشاد وبوذا، وكما حدث في الصين وقعت كل سلسلة ~~الاحتمالات الفلسفية حتى الشك، والمادية، والسفسطة، ~~والعدم. وفي إيران بشر زرادشت بفكرة التحدي في العالم ~~التي تتخذ صورة النضال بين الخير والشر. وفي فلسطين ظهر ~~الأنبياء، من إليشع وأرميا حتى أشعيا الذي ورد ذكره في سفر ~~التثنية. وشهدت اليونان ظهور هومر، ومن الفلاسفة برامينيدس ~~وهرقليطس وأفلاطون، وكتاب المأساة، وثيوسيديد وأرشميدس. ~~وكل ما تدل عليه هذه الأسماء تطور خلال هذه القرون ~~القلائل في آن واحد تقريبا في الصين والهند والغرب، دون ~~أن يعلم أي إقليم من هذه الأقاليم بغيره. # وما استجد في هذا العصر، في أركان الدنيا الثلاثة، هو ~~أن الإنسان أصبح واعيا بالوجود ككل، وبنفسه، وبقدراته ~~المحدودة، فهو يحس بما في العالم من رعب وبعجزه إزاء ذلك، ~~وهو يوجه إلى نفسه أسئلة أساسية، وهو يواجه الفضاء فيجاهد ~~في سبيل التحرر والخلاص. وبإدراكه حدوده إدراكا واعيا ~~يضع لنفسه أسمى الأهداف. إنه يمارس الإطلاق في أعماق ذاتية ~~وفي جلاء ما يسمو عن ~~العقل. # 8 # وإذا كنا اليوم قد دخلنا في طور تحول أساسي جديد في ~~الإنسانية، فليس ذلك تكرارا لما حدث في العصر المحوري، ~~وإنما هو حدث يختلف عنه من جذوره. # فمن «الظاهر» أولا نجد أن عصرنا هذا - عصر التكنولوجيا ~~- ليس عالميا نسبيا فحسب، كتلك الحوادث التي جرت في ~~تلك العوالم المستقلة الثلاثة في وقت واحد في «العصر ~~المحوري»، وإنما هو عصر عالمي مطلق؛ لأنه كوكبي. ليس عصرا ~~تسير فيه الأمور على اتصال متبادل في معناها، وعلى انفصال ~~في واقعها، إنه كل واحد، الاتصال فيه متبادل باستمرار، ~~وهو يحدث اليوم بوعي عالمي، ولا مناص له من أن ينتهي إلى ~~قرار مختلف بشأن الإنسانية عن ذلك القرار الذي بلغه ~~الإنسان في العصور الماضية. فبينما كل عهود التغير الأساسي ~~السابقة محلية، عرضة للاستكمال بحوادث أخرى، في أماكن ~~أخرى، وفي عوالم أخرى، إلى حد أنها لو أخفقت بقي احتمال ~~جواز خلاص الإنسان بحركات أخرى، على حين كان ذلك في ~~الماضي، فإن ما يحدث اليوم قاطع بات؛ ms289 إذ لم يعد شيء خارجا ~~عنه. # أما في «الباطن» فهناك شيء يختلف اختلافا بينا ~~جدا عن «العصر المحوري». الكمال فيما مضى، والنقص في ~~الحاضر. وإذا كنا ندرك نقطة التحول، فنحن نعلم أننا ما ~~زلنا في المرحلة التحضيرية. العصر الحاضر عصر إعادة ~~التشكيل حقا في الشئون التكنولوجية والسياسية، ولم يبلغ ~~بعد أن يكون عصر خلق روحاني دائم. ونستطيع بحق أن ~~نشبه أنفسنا - بما لدينا من مكتشفات علمية ضخمة ~~ومخترعات تكنولوجية - بعصر اختراع الآلات والأسلحة، عصر ~~استخدام الحيوانات الأليفة والخيل لأول مرة؛ فنحن بذلك ~~أشبه منا بعصر كنفشيوس وبوذا وسقراط. ويتبين من الميل ~~الحالي، الذي تطرد شدته، إلى الرجوع بأبصارنا نحو نشأتنا، ~~أننا نعالج واجبا ثقيلا هو واجب إعادة بناء البشرية من ~~أصولها، وأننا نحس المشكلة الكبرى، مشكلة الطريقة التي ~~نستطيع بها - بإيمان - أن نصبح كائنات بشرية بصفة خاصة. لا ~~بد مرة أخرى من إظهار الجوف العميق الذي منه خرجنا، ولا ~~بد من إظهار الحقيقة الخاصة التي اختفت وراء حجاب المركبات ~~الثقافية الثانوية، ووراء الأساليب اللفظية، والتقاليد ~~والنظم. وفي غضون هذه العملية، عملية فهم أنفسنا عن ~~طريق معرفة مأتانا، ربما برهنت مرة أخرى صفحة «العصر ~~المحوري» العظيم للبشرية على أنها من دواعي الاطمئنان ~~الأساسية. # 9 ~~(1-8) احتمالات المستقبل: إمبراطورية عالمية أم نظام ~~عالمي؟ # كل الظواهر في الحاضر تتخذ صورة المعركة التمهيدية نحو ~~نقطة الانطلاق إلى المعركة النهائية في سبيل نظام كوكبي. ~~إن السياسة العالمية المعاصرة تبحث عن قاعدة للتسوية ~~النهائية، وهل تتحقق بالوسائل الحربية أو السلمية. وإلى أن ~~نبلغ ذلك فكل الظروف وكل علاقات الدول موقوت. # والمشكلة هي: بأية وسيلة نبلغ وحدة النظام العالمي؟ قد ~~نبلغها عن طريق القوة اليائسة، كما كان بالإمكان تحقيق ~~وحدة ألمانيا ب «الحديد والدم» كما جاء على لسان بسمارك، ~~وقد نبلغها عن طريق نظام ينشأ بالمفاوضة عن تبادل الفهم ~~الناضج بنفس الطريقة التي التمست بها ولايات شمالي أمريكا ~~طريقها إلى الوحدة في القرن الثامن عشر، على حساب التنازل ~~عن جانب أساسي من جوانب سيادتها الخاصة في سبيل ms290 سيادة ~~المجموع. # ويكون شكل النظام في الحالة الأولى هو السلام الثابت ~~الذي يفرضه حكم الاستبداد، وشكله في الحالة الثانية هو ~~مجتمع سلمي يضم الجميع، وعرضة للتغير في إطار من التطور ~~والإصلاح الذي ترسمه الديمقراطية الدائمة. ونستطيع أن ~~نختصر هذين الاحتمالين إلى طرفين بسيطين متناقضين، فيصبح ~~الخيار بين الطريق إلى الإمبراطورية العالمية أو الطريق ~~إلى النظام العالمي. # الإمبراطورية العالمية: هذه هي السلام العالمي على يد ~~دولة واحدة، تفرض إرادتها على الجميع من نقطة واحدة فوق ~~الأرض، وهي تحتفظ بكيانها باستخدامها القوة، وهي تستخدم ~~الإرهاب والتخطيط الشامل لصب الجماهير في قالب واحد بعد ~~إزالة الفوارق بينها. ويرغم الجميع على الأخذ بوجهة نظر ~~عالمية واحدة، تحددها خطوط عريضة مبسطة تنتشر عن طريق ~~الدعاية، وتضطر الرقابة وتوجيه النشاط الروحي هذه الدعاية ~~إلى أن تلعب دورها في الخطة الراهنة التي قد يتناولها ~~التعديل في أية لحظة من اللحظات. # النظام العالمي: هذه هي الوحدة دون استخدام أية قوة في ~~التوحيد سوى تلك التي نقبلها بقرار مشترك بعد المفاوضة. ~~ويمكن تبديل النظم المتفق عليها بقرارات أخرى تسير وفقا ~~للطريق الثابت المشروع. وقد قبل الجميع سيادة هذه الطريقة ~~وسيادة قرارات الغالبية، وهي تضمن الحقوق المشتركة بين ~~الجميع، التي تحمي كذلك أولئك الذين تتكون منهم الأقلية في ~~الوقت الحاضر. وهذه الحقوق تبقى نظاما بشريا يتبع في ~~كل حركة وفي رد النفوس إلى الصواب. # والنظام العالمي، مع إلغاء السيادة المطلقة، يعني إلغاء ~~الفكرة القديمة عن «الدولة» في سبيل إسعاد البشرية. ولن ~~تكون النتيجة حكومة عالمية (فتلك معناها إمبراطورية ~~عالمية)، وإنما تكون النتيجة نظاما يعاد تأسيسه دائما ~~بالتفاوض وإصدار القرارات، نظاما من دول تحكم نفسها داخل ~~مساحات مشروعة محددة، نظاما فدراليا ~~شاملا. # 10 ~~(1-9) إيمان المستقبل # إذا قيل إنه من غير المحتمل أن ينمو نظام عالمي دون وحدة ~~في الإيمان، فإني أجد في نفسي الشجاعة على أن أقول غير ~~هذا؛ فإن شيوع نظام عالمي في جميع بقاع الأرض إجباري ~~للجميع (نظام يتباين مع الإمبراطورية العالمية)، لا يكمن ~~تحقيقه إلا إذا بقيت ms291 مضامين الإيمان المتعددة حرة في ~~اتصالها التاريخي، دون وحدة في الهدف، أو في مضمون مذهبي ~~يقبله جميع الناس. إن العنصر المشترك في الإيمان كله من ~~حيث علاقته بالنظام العالمي يمكن ألا يعدو رغبة كل إنسان ~~في تنظيم أسس الوجود، في مجتمع عالمي يجد فيه مجالا ~~للتطور بالوسائل الروحية السلمية. # إن فينا نقصا، شيئا يشبه الانتظار، ويشبه الاستعداد. ~~والفلسفة ناقصة، ويجب عليها أن تدرك هذه الحقيقة، إذا هي ~~شاءت ألا تهبط إلى مستوى المغالطة. إننا نهيم في ظلام ~~المستقبل، على حذر من أعداء الحقيقة، عاجزين عن التخلي عن ~~تفكيرنا الشخصي، طاعة لمعرفة تفرض علينا. ولكنا فوق هذا ~~وذاك مستعدون إلى الإصغاء والرؤية عندما تنير طريق الحياة ~~مرة أخرى الأفكار العميقة والرموز التي تحقق ~~الأغراض. # والتفلسف يؤدي في غضون ذلك واجبا أساسيا على أية حال ~~من الأحوال، فإن مما يجدينا نفعا من الناحية الفكرية أن ~~نقاوم السخافات والمغالطات والانحرافات، وادعاء الملكية ~~الكاملة للحق التاريخي، والتعصب الأعمى. الفلسفة تقودنا ~~على طول الطريق إلى النقطة التي تكتسب فيها المحبة عمقها ~~بالاتصال الحقيقي. وعندئذ - بهذه المحبة، وعن طريق نجاح ~~الاتصال - تتكشف الحقيقة التي تربط بيننا جميعا لأولئك ~~الذين يباعد بينهم اختلاف نشأتهم التاريخية. # إن الأفراد اليوم حقائق محسة. ومن يريد أن يعيش في ~~مجتمع من كائنات بشرية لكل منها كيانها، مجتمع غير مغلق ~~وغير منظم ولا يخضع لإمكان التنظيم، من يريد أن يعيش فيما ~~كان يسمى ب «الكنيسة» غير المنظورة، إنما يعيش في ~~الواقع اليوم كفرد يتحالف مع غيره من الأفراد المنتشرين ~~فوق سطح الأرض، وهو تحالف يقوى على احتمال كل الكوارث ~~ويعيش رغما عنها، وهو نوع من اعتماد الفرد على غيره ~~اعتمادا لا يرتبط بميثاق أو بأمر معين، إنه يعيش في حالة ~~من عدم الاكتفاء الكامل، ولكنه عدم اكتفاء جماعي، وهو يسعى ~~في عناد مع غيره إلى طريق الصواب في هذه الدنيا لا خارجا ~~عنها. هؤلاء الأفراد يتقابلون ويتبادلون المشورة والتشجيع، ~~إنهم ينبذون هذا التأليف الحديث بين المضمون الفذ للإيمان ~~وممارسة الواقعية التي تدعو ms292 إلى مذهب العدم؛ فهم يعلمون أن ~~الواجب الملقى على عاتق الإنسان هو أن يحقق في هذه الدنيا ~~ما يمكن للإنسان، كما يدركون أن هذا الممكن ليس فريدا ~~منعزلا، بل إن من واجب كل فرد أن يعلم أين يقف ولأي غرض ~~يعمل، وكأن كل فرد قد لقي من الرب تكليفا بالعمل والعيش ~~من أجل الانطلاق الذي لا حد له، ومن أجل العقل المعتمد، ~~والحق والمحبة والإخلاص، دون الالتجاء إلى القوة التي ~~تميزت بها الدول والأديان التي يتحتم علينا العيش في ظلها، ~~والتي نحب أن نقف في وجه ما تتصف به من عدم ~~الاكتفاء. # 11 ~~(1-10) أي شيء بعد ذلك له قيمة حقيقية؟ # أي شيء إذن ضروري إذا كان من الجائز أن تكون نهاية كل ~~شيء نحبه وشيكة الوقوع؟ ما هي المعايير ما برحت لها ~~قيمتها إذا كانت نهاية كل شيء تقترب منا؟ # يبدو لنا أنه دون كرامة الإنسان أن يتردد بين خوف هدام - ~~خوف يشمل كل ضرب من ضروب النشاط - وبين انسياق أعشى ننسى ~~فيه أنفسنا، انسياق تستمر فيه عادات التفكير القديمة، ~~انسياق له يعد فيه الحب هو الباعث على الحياة الفكرية، ~~ولكنها حياة فكرية مضمونها الوحيد انشغال بغير هدف وبغير ~~تفكير، حيث يؤدي العمل من أجل العمل فحسب، بغض النظر عن ~~الهدف الذي يخدمه في نهاية الأمر. # وواجب العقل في وجه هذا الخطر الذي يهددنا هو أن يحتمل ~~التوتر، وأن يؤدي ما هو ضروري، فيخضع حياته اليومية ~~للمعايير المستنيرة، وأن يواصل بغير ملل نشاطا لا يكون ~~ممكنا بالضرورة إلا على أساس بعيد المدى. ولا يدري أحد ~~أهو يؤدي إلى النجاح، أم إن الإخفاق هو معناه الحقيقي ~~ونهايته المحققة؟ غير أن «العقل» لن يفقد الأمل في موقف ~~لا يبشر بالرجاء فيما يبدو. إن كل من يعمل في عالم العقل ~~لا بد أن يقول لنفسه: ما دمت حيا وسط الأحداث المزعجة، ~~فأنا مصمم على أن أكون مستعدا بقدر ما أستطيع. إنني ~~أحاول أن أبني حياة من النشاط الباطني تسير نحو هدف ~~حددته ms293 عبقريتي الممتازة، هدف ليس واضحا كل الوضوح، ~~ولكنه واضح من حيث الخطوة التي يجب اتخاذها اليوم في ظل ~~ظروف الحياة الواقعية. # من واجبنا أن نملأ الوقت الحاضر بمضمون ما؛ فالوقت لم ~~يعط لنا لكي نهمله، ولن يكون للمستقبل معنى إلا بحاضر ~~نعيشه عيشة كاملة. إن المستقبل يصبح ممكنا - دون قصد منا - إذا ما ~~قام كل فرد منا بأداء كل ما يستطيع في ~~حاضره. # أما إذا كانت حقائق الحياة البشرية التي يمكن لنا ~~معرفتها بحثنا على أن نشك في «العقل»، فخليق بنا أن نقول ~~إذا نحن أخذنا معيارنا من هذه الحقائق: إن من المعجزات أن ~~تواصل الفلسفة سيرها خلال التاريخ، وإنها لم تختف كلية ~~منذ ظهورها للعيان في أول أمرها ، ومن المعجزات أن تكون في ~~«العقل» الذي يتحقق المرة تلو الأخرى في صورة الحرية قدرة ~~على الاحتفاظ بنفسه. وإذا كان الأمر كذلك فالعقل إذن يشبه ~~السر المفضوح الذي يمكن لكل امرئ أن يعرفه في أي وقت من ~~الأوقات، وهو الفضاء الهادئ الذي يمكن لكل امرئ أن يلجه من ~~خلال تفكيره الخاص. # 12 # المصادر # اخترنا هذه المقتطفات لكارل ياسبرز من ثلاثة كتب صدرت ~~حديثا، هي: «المجال الدائم للفلسفة»، «نشأة التاريخ والهدف ~~منه»، «العقل واللاعقل في العصر الحاضر». # 1 # من فصل بعنوان «فلسفة ~~المستقبل» في كتاب «المجال الدائم للفلسفة». # 2 # من فصل بعنوان «فلسفة ~~المستقبل» في كتاب «المجال الدائم للفلسفة». # 3 # من فصل بعنوان «فلسفة ~~المستقبل» في كتاب «المجال الدائم للفلسفة». # 4 # من فصل بعنوان «فلسفة ~~المستقبل» في كتاب «المجال الدائم للفلسفة». # 5 # من فصل بعنوان «فلسفة ~~المستقبل» في كتاب «المجال الدائم للفلسفة». # 6 # من فصل بعنوان «فلسفة ~~المستقبل» في كتاب «المجال الدائم للفلسفة». # 7 # من فصل بعنوان «موقف ~~العالم في الوقت الحاضر» في كتاب «نشأة التاريخ والهدف ~~منه». # 8 # من فصل بعنوان «موقف ~~العالم في الوقت الحاضر» في كتاب «نشأة التاريخ والهدف ~~منه». # 9 # من فصل بعنوان «موقف ~~العالم في الوقت الحاضر» في كتاب «نشأة التاريخ والهدف ~~منه». # 10 # من فصل بعنوان ms294 «موقف ~~العالم في الوقت الحاضر» في كتاب «نشأة التاريخ والهدف ~~منه». # 11 # من فصل بعنوان «موقف ~~العالم في الوقت الحاضر» في كتاب «نشأة التاريخ والهدف ~~منه». # 12 # من كتاب «العقل ~~واللاعقل في العصر الحاضر». ms295