######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMahmud.CalamTarif.Hindawi42941753 #META# Tags: novels #META# ID: 42941753 #META# Title: العالم الطريف #META# AuthorID: 86935306 #META# Author: أولدس هكسلي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 71316163 #META# Translator: محمود محمود #META# Related_books: 1383AldousHuxley.BraveNewWorld (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # | العالم الطريف # | العالم الطريف # تأليف # أولدس هكسلي # ترجمة # محمود محمود # | مقدمة المعرب # بقلم محمود محمود # مؤلف هذه القصة أولدس ليونارد ~~هكسلي # Aldous Leonard Huxley # ولد في إنجلترا عام 1894، ولا يزال حتى اليوم على قيد الحياة، ~~لا يني عن الكتابة والتأليف ولا يفتر، وقد بدأ حياته الأدبية، شاعرا محتذيا في ذلك ~~حذو أكثر الكتاب المعاصرين، ونشر شعره أول الأمر في مجلة هويلز # Wheels ~~، ثم جمعه في ديوان عنوانه «العجلة المحترقة» # The Burning Wheel # نشره في عام 1916. وفي هذه السنة عينها اشترك مع غيره ~~من الأدباء في جمع ديوان «شعر إكسفورد» # Oxford Poetry ~~، وقد ~~بقي شاعرا طوال حياته، مخالفا بذلك الكثيرين من أدباء عصره، الذين انحرفوا من الشعر إلى ~~النثر، وهو الآن شاعر ثائر على العالم الذي يقوم على الأسس العلمية، كما أنه ثائر على ~~ازدياد نفوذ العلم في الحياة. وهو في هذه القصة التي نقدمها إلى قراء العربية يتخيل أن ~~الإنسان سوف يتناسل في المستقبل، لا عن طريق الحب والتقاء الرجل بالمرأة، ولكن عن طريق ~~العلم، وتكوين الأطفال بطريقة علمية داخل القوارير، وهكذا يصور لنا هكسلي العلم في ~~صورة تشمئز منها النفوس وتقشعر الأبدان. ولعل هذا التطرف في الخيال هو الذي جذب إلى هكسلي ~~كثيرا من القراء. # وهو حفيد توماس هنري هكسلي العالم الشهير الذي تلقى عليه العلم ه. ج. ولز، وبين ~~الحفيد وجده شبه كبير في الصورة والقسمات. وينحدر هكسلي من ناحية ms001 أمه من أسرة ~~توماس أرنولد، ناظر مدرسة رجبي الشهير ، ومن بين أقربائه من كان أستاذا، ومن كان عالما، ~~أو شاعرا، أو روائيا. فلو تصورنا هذه المجموعة من الرجال الممتازين حول فراش مولده عام ~~1894، أدركنا ما في دمائه من مواهب، وقد استطاع بقلمه وذكائه أن يرتفع إلى سماء ~~الشهرة. # وهو رجل طويل القامة، نحيل القوام، حتى إن أطفال هامستد # Hampstead # كانوا يتجمعون حوله في شبابه الباكر ويهزءون به، غير أن طول ~~قامته يخيل للناظر إليه أنه يعيش في عالم غير عالمنا، وأنه شامخ بعظمته، وما أبعد هذا عن ~~الصواب، فإن هكسلي يتحدث إلى كل من يلقاه في سهولة وتواضع، وهو رجل شديد المرح، لا يتصف ~~بالتزمت، وهو يستعمل في أحاديثه كثيرا من غريب اللفظ؛ لا لأنه يتكلف في الحديث، ولكن لأن ~~الرجل غريب في تفكيره، وهو بحاجة إلى هذه الألفاظ يعبر بها عما يختلج في نفسه، وهو ~~مولع بلقاء الشواذ من الناس، ومشاهدة الشاذ من المناظر؛ لأن به ميلا نحو ~~الشذوذ. # وقد قاسى كثيرا وهو في طفولته من ضعف بصره، الذي كاد أن يفقده ويعيش ضريرا أعمى ~~البصر، وقضى أياما كثيرة وحده في غرفة مظلمة لا يستطيع القراءة، ولا تقع عيناه على شيء، ~~فانقلب إلى دخيلة نفسه يفكر فيها ويتأمل، وكان لهذه الفترة أثرها الكبير في كل ما كتب فيما ~~بعد، وزال الخطر، واسترد الكاتب بصره، ولكنه لا يزال ضعيف النظر، وتعلم في إكسفورد، ~~وفيها نشر بعض قصائده كما قدمت، وبعدما أتم دراسته في الجامعة اشتغل بالصحافة، ونشر عدة ~~مقالات جمعها في كتابه «على الهامش» # On the Margin # ثم جمع ~~بعضا من قصصه في كتاب سماه «السجن» # Limbo ~~، وهو فاتحة ~~عهد جديد في حياته الأدبية. # وبعد «السجن» مارس كتابة الرواية الطويلة، مستوحيا فيها الكاتب توماس بيكوك # Thomas Peacock # المعروف بسعة الاطلاع وبروح التهكم، ~~وقد أخذ هكسلي عنه منهجه في الرواية، فلم يكن في يوم من الأيام روائيا بالمعنى الصحيح، ~~إنما هو رجل واسع الاطلاع متهكم من الناس، وله قدرة عظيمة على ms002 القصة القصيرة، ولكنه حينما ~~يحاول القصة الطويلة، يتخذ من خياله الروائي وسيلة لبث آرائه. # وهو كاتب متنوع المواهب متنوع الموضوعات، يقول عنه أخوه جوليان # Julian # إنه الرجل الوحيد الذي يحمل معه دائرة المعارف البريطانية، حينما ~~يقوم برحلة طويلة أو يطوف حول العالم، ولكنه - برغم اطلاعه الواسع - لا يقتصر عند حد ~~النظر، بل يتعداه إلى العمل، يستمتع بالفكر كما يستمتع بالحس، فهو كثير الإدمان في القراءة، ~~ولكنه رجل اجتماعي حي، وقل من الناس من يجمع مثله بين هاتين الصفتين. # وفي مجموعة قصصه التي جمعها تحت عنوان «السجن»، وفي روايته «الكروم الأصفر» # Crome Yellow # تتبين قدرته العظيمة على السخرية من ~~المتكبرين والأدعياء، ورواياته مليئة بالصور الإنسانية التي تتميز بالتهكم المرح، وقد خص ~~بسخريته أبناء الطبقة الراقية، فأثار على نفسه سخطهم، ولكنه لم يعبأ بهم ولم يكف عن الضحك ~~منهم، وفي روايته «الكروم الأصفر» يعلن تلك المشكلة الكبرى التي حاول أن يحلها في كل ما ~~كتب، فقد جاءت في هذه الرواية العبارة الآتية: # يدخل الرجل هذه الدنيا ومعه آراء مجهزة عن كل شيء، وله فلسفة يحاول أن يخضع ~~لها الحياة، في حين أنه كان من الواجب أن يحيا المرء أولا، ثم يحاول بعد ذلك أن ~~يلائم بين فلسفته وبين الحياة كما عرفها. إن الحياة والحقائق والأشياء معقدة ~~تعقيدا شديدا، مع أن الآراء - مهما تعسرت - تخدعنا ببساطتها. كل شيء غامض مضطرب ~~في عالم الحياة، وكل شيء واضح في عالم الآراء، فهل من العجب بعد هذا أن يكون الرجل ~~منا بائسا في حياته تعسا؟ # ويتبين لنا من هذا أن هكسلي لا يحب أن يتشبث بالمبادئ والأصول وقواعد العلم، وإنما يقيم ~~وزنا كبيرا للمعارف العملية وتجارب الحياة. كان هكسلي من رجال الفكر، وهو يفخر بذلك، ~~ولكنه - برغم هذا - كان قادرا، بل ومتحمسا، على أن يستفيد من الخبرة والتجربة. # وصل إلى لندن بعدما أتم دراسته الجامعية ورأسه مفعم بالنظريات، ثم أحس بشيء من القلق، ~~ولم يطمئن إلى نظرياته كل الاطمئنان، وأدرك أنها لا تعالج مشاكل الحياة الكبرى، ms003 فتمم الرأي ~~بالخبرة، والعلم بالتجربة. أدرك أن حجرة المعلم لها جمال البساطة، ولكن بالأرض والسماء ~~كنوزا غنية من المعارف ، لا تخضع لأي نظام فلسفي، ولا يحلم بها رجال الفكر. أدرك هكسلي ~~بعد قدومه إلى لندن أن آراءه لا تقنعه كل الإقناع، واشتغل بالصحافة، ورأى عن كثب سلوك ~~الرجال والنساء، وكيف تسير الأمور، فتعلم ألوف الأشياء التي لم يتطرق إليها منهج الجامعة، ~~فجمع هكسلي بين الثقافة النظرية والخبرة العملية. # وهكسلي من أبناء الطبقة المتوسطة، لا هو بالغني الذي يتوفر له الفراغ، ولا بالمعدم ~~الذي يشغل وقته كله بكسب القوت، وقد تأثر بهذا الوضع الاجتماعي في أدبه، فسخر من أبناء ~~الطبقة الرفيعة، كما عبر عن تقززه واشمئزازه من الفقر المدقع، وإن كان يعطف على الفقراء، ~~وانتهى هكسلي إلى شيء من اليأس، لا يرى نفعا في أي شيء. # ثم مل النقد والسخرية، وانصرف إلى التفكير في مستقبل العلم والعلماء، فكتب من بين ما ~~كتب روايته هذه التي أقدمها إلى قراء العربية «العالم الطريف» # Brave New ~~World ~~، وفيها يعبر عن ~~خوفه من سيطرة العلم على حياة الناس، يصور في هذا الكتاب مدينة العلماء الفاضلة بكل ما ~~فيها من مساوئ، وهو يرى أن العالم الجديد - عالم العقاقير والآلات - تنتفي منه العاطفة ~~والشعر والجمال، في هذا العالم الجديد كل شيء آلي، وكل شيء مرسوم، أو محفوظ في قارورة، ~~والصفة الإنسانية تكاد تنعدم، ولعل هكسلي من بين الكتاب الأحياء جميعا الكاتب الوحيد ~~الذي يستطيع أن يصور نتائج العلم بجرأة ووضوح، وهو في هذا الكتاب عالم وشاعر، يرسم لنا صورة ~~مدهشة يتقزز منها القارئ، كما تقزز منها الكاتب. # في هذا الكتاب يتخيل هكسلي أن العلم سوف يصل بنا إلى حد الاستغناء عن الزواج وتكوين ~~الأجنة في القوارير بطريقة علمية بدلا من تكوينها في الأرحام، والأطفال - بحكم تركيبهم ~~الكيمائي - طبقات خمس: «أ، ب، ج، د، ه»، وكل طبقة تعد إعدادا خاصا يلائم تكوينها ~~الجثماني واستعدادها العقلي، وعليها أن تؤدي في الحياة عملا معينا لا تغيره ولا تحيد عنه، ~~وبين ms004 أبناء الطبقة الواحدة تشابه كبير في الخلق والخلق، حتى إن الفرد تكاد تنعدم ~~شخصيته انعداما باتا. العالم الجديد ينكر الفردية والاختلاف الشخصي والتقلقل من حال إلى ~~حال، وشعاره الذي يطالعك به الكاتب في الفصل الأول من الكتاب هو: «الجماعة، والتشابه، ~~والاستقرار»، والعالم الجديد تهمه السعادة أكثر مما تهمه المعرفة، وهي سعادة آلية محضة لا ~~توجهها الميول الشخصية، وإنما تفرض على النفوس فرضا. # إذا أردت شيئا في العالم الجديد، فإنك لا تفكر فيه ولا تسعى إليه، وإنما يكفيك أن تضغط ~~على زر أو تدير مقبضا - كما يقول هكسلي - ليكون لك ما تريد، ولا شك أن هذه الحياة - رغم ~~يسرها الشديد - تدعو إلى الملل، كما تؤدي إلى إهمال الفنون الرفيعة، والشعور الديني، ~~والروح العلمية الصحيحة التي تهتم باكتشاف أسرار الطبيعة، أكثر مما تهتم بإسعاد الإنسان ~~وراحته. # كل هذه الآراء يبثها هكسلي في قصة «العالم الطريف»، وهي ليست قصة بالمعنى المألوف؛ فهي ~~تنعدم فيها العقدة أو تكاد، ولا تأبه بتحليل الشخصيات، وإنما هي قصة أساسها علمي، تهتم بشرح ~~الآراء وتحليل الأفكار، وبنقد الحضارة الإنسانية من أساسها، وكثيرا ما يرسل الكاتب فيها ~~نفسه على سجيتها، لا يتقيد بترتيب معين أو منطق خاص، يدون الأفكار وفقا لتواردها في ~~ذهنه، فيجمع بين المتناقضات، ويؤلف بين القريب والبعيد، والعلوي والسفلي في أسطر قلائل، ~~ويؤدي به هذا أحيانا إلى شيء من الغموض. # ونقدي لهذا الكتاب - بل ونقدي لأكثر ما كتب هكسلي - أنه سلبي؛ أي إن الكاتب يسخر ~~ويتقزز دون أن يقدم لنا جديدا، فهو يهدم ولا يبني. إذا ذهب إلى السينما شاهد قصصا يقشعر ~~لها بدنه، والجمهور المحتشد في دار السينما في عينيه قذر بليد في جسمه وعقله، آراؤهم ~~سخيفة، وهم مخدوعون في أنفسهم أكبر خداع، وإن قرأ الكتب ألفاها سخيفة ومليئة بالآراء ~~الوضيعة، وإن رحل إلى بلد جديد ألفى سكانه أغبياء بلهاء، لا يختلفون عن أولئك الذين ~~خلفهم وراءه في أرض الوطن، وإن بحث في السياسة وجدها فاسدة، وفي الأخلاق ألفاها ~~دنسة، وفي الروحية لم يجدها سوى ms005 مجرد «انتقال ~~أفكار» # telepathy ~~، وفي مملكة الحيوان رآها تأكل وتتناسل وتتكاثر بغير فهم أو إدراك، ~~وهكذا الأمر يتعلق بالمدينة الفاضلة العلمية؛ فهي ليست إلا خيال فئة من العلماء تمتلئ ~~رءوسهم بالتفكير المادي، وتخلو قلوبهم من شعلة الروح. # ولا يذكر لنا هكسلي في أكثر ما كتب ما مثله الأعلى الذي يرمي إليه، وهو يفعل ذلك إلى ~~درجة ما في كتابه هذا «العالم الطريف»؛ فهو هنا ينادي بالعودة إلى البساطة القديمة، وإلى ~~الأمومة الصحيحة، إلى الأطفال ترعاهم أمهاتهم، وإلى الريف الذي لم يلوث بالعلم والمادة. ~~ولم يتعرض هكسلي لبحث المثل العليا، وإصلاح عيوب المجتمع بصورة جدية إلا في كتابه ~~«الوسائل والغايات»، الذي سبق لي أن نقلته إلى اللغة العربية ونشرته لجنة التأليف ~~والترجمة والنشر. في هذا الكتاب عرض ونقد وإصلاح لوسائل الحكم والإدارة الحديثة وللحروب، ~~وفكرة المساواة، والتعليم والدين والمعتقدات والأخلاق، وغير ذلك من الموضوعات التي تهم ~~جمهور القراء المثقفين. # ويتعجب هكسلي لكمية الجهل في العالم، ولضعف النظرة التركيبية عند المفكرين والباحثين. ~~وهو يريد أن يعرف كل شيء، ويعتقد أنه لا يستطيع أن يصل إلى قرار في شأن من شئون الحياة ~~إلا إن أدرك كل شيء؛ ولذا تراه لا يني عن الدرس والتحصيل، ويميل هكسلي إلى إخضاع المظاهر ~~المختلفة إلى قاعدة واحدة شاملة، وقد يستطيع في مقتبل العمر أن يقود العالم إلى الخير ~~والسعادة. # وإني لأرجو أن أكون قد وفقت في تعريب هذا الكتاب، وأتمنى أن ينتفع الناس بآراء الكاتب ~~ونظرياته، والله ولي التوفيق. # إن المدائن الفاضلة تبدو اليوم أدنى إلى التحقيق مما كنا نعتقد قديما، حتى إنه ~~ليؤلمنا الآن أن نواجه هذا السؤال: كيف نستطيع أن نحول دون تحقيق هذه المدائن الفاضلة؟ ~~... إن المدائن الفاضلة ممكنة التحقيق، والحياة تسير نحوها، وربما كنا في بداية عصر جديد، عصر ~~يحلم فيه المفكرون وأبناء الطبقة المثقفة بالوسائل التي يتجنبون بها المدائن الفاضلة، ~~والتي تعيد إليهم مجتمعا لا يتسم بصفاتها، مجتمعا أقل «كمالا» ولكنه أكثر حرية. # نقولا بردييف # | الفصل الأول # البناء منخفض متين، رمادي اللون، ms006 يتكون من أربعة وثلاثين طابقا فحسب، وقد كتبت على ~~مدخله الرئيسي هذه العبارة «مركز لندن للتفريخ والتكييف»، كما كتب على إحدى اللوحات شعار ~~الحكومة العالمية، وهو «الجماعة، والتشابه، والاستقرار». # وتواجه الحجرة الفسيحة في الطابق السفلي ناحية الشمال. وبرغم الصيف القائظ خلف الألواح ~~الزجاجية، وبرغم الحرارة الاستوائية داخل الحجرة نفسها، كنت ترى شعاعا من الضوء باردا، ~~قويا دقيقا، يتألق خلال النوافذ وكأنه يتجه في لهفة صوب إنسان، أشبه ما يكون بالتمثال ~~الخشبي المدثر باللباس، أو صوب رجل عالم شحب لونه واقشعر بدنه، ولكنه لا يسطع إلا على ~~الزجاج والنيكل وخزف المعادن، الذي لا يكاد يتميز بلون من الألوان، وكل ما بالمكان ينم ~~عن مظاهر الشتاء. أما العمال فيرتدون ثيابا بيضاء، ويغطون أيديهم بقفازات من المطاط لونها ~~شاحب باهت، والضوء بارد لا حياة فيه، وكأنه شبح من الأشباح، وهو لا يستمد مادة حيوية كثيفة ~~من نوع ما إلا إن نظرت إليه خلال مواسير المناظير المكبرة، فتراه يقع على الأنابيب ~~الصقيلة كأنه الزبد، طبقة تعلوها طبقة شديدة الحلاوة، ثم يرتد الضوء فوق مناضد ~~العمل. # وفتح المدير الباب قائلا: «هذه هي حجرة التلقيح.» # وعندما دخل الغرفة مدير التفريخ والتكييف كان بها ثلاثمائة ملقح، منكبين على آلاتهم ~~ومستغرقين في صمت تكاد تنقطع فيه الأنفاس، ومنهمكين في عملهم أشد الانهماك، عقولهم ~~شاردة، يناجون أنفسهم وهم يغنون أو يصفرون، وسارت في إثر المدير جماعة من الطلبة الذين ~~وصلوا حديثا، وهم شباب أحداث من ذوي البشرة الحمراء الملساء، ترتعد فرائصهم ويحسون ~~بالوضاعة، وكل منهم يحمل كراسة يدون فيها على عجل - وهو قانط - كل ما يتفوه به الرجل ~~العظيم، يأخذون عنه مباشرة، وتلك ميزة نادرة، وكان مدير التفريخ والتكييف هذا لمنطقة مركز ~~لندن يهتم أشد الاهتمام دائما بمرافقة طلبته الجدد خلال الأقسام المختلفة. ~~«وذلك لكي يعطيهم فكرة عامة» كما يقول وهو يشرح لهم؛ إذ كان لا بد لهم - بطبيعة الحال ~~- من فكرة عامة من نوع ما، إن كانوا يريدون أن يؤدوا عملهم بذكاء. ولتكن تلك الفكرة ~~العامة يسيرة ما ms007 أمكن ذلك، إن كانوا يريدون أن يكونوا في المجتمع أعضاء طيبين سعداء؛ لأن ~~التفصيل - كما يعلم كل امرئ - يؤدي إلى الفضيلة والسعادة، في حين أن التعميم شر عقلي ~~لا بد منه، فأساس المجتمع يتألف من النشارين وجامعي الطوابع ولا يتألف من ~~الفلاسفة. # ثم يقول المدير، وهو يبتسم لهم بابتهاج لا يخلو من شيء من التهديد: «غدا تستقرون في ~~العمل الجدي، ولن يتسع لكم الوقت لدراسة النظريات، أما الآن ...» # وكانت تلك فرصة طيبة لهم، يدونون في مذكراتهم رأسا من فم الرجل، ويسرعون في الكتابة ~~كأن بهم مسا من جنون. # وتقدم المدير في الغرفة، وهو رجل طويل نحيل، غير أنه معتدل القامة، له ذقن طويل ~~وأسنان كبيرة بارزة، إذا كف عن الحديث أمكنه أن يغطيها بشفتيه الممتلئتين المقوستين في ~~تورد، ومن العسير أن تقول إن كان شيخا أو شابا، وإن كان في الثلاثين أو الخمسين أو ~~الخامسة والخمسين، ولكنك على أية حال لا تشعر بضرورة التساؤل عن ذلك، ففي سنة الاستقرار هذه ~~- عام 632ف # 1 # لا يطرأ للمرء أن يسأل عن ذلك. # قال المدير: «سأبدأ الموضوع من أوله.» وسجل الطلبة المتحمسون هذه العبارة في مذكراتهم، ~~ثم لوح بيده قائلا: «هذه هي الحاضنات.» ثم فتح بابا معزولا وأشار إلى رفوف يعلو ~~بعضها بعضا مليئة بأنابيب الاختبار المرقومة، ثم أخذ يشرح قائلا: «هذه هي البويضات ~~التي حصلنا عليها هذا الأسبوع، حفظناها في درجة حرارة الدم.» ثم فتح بابا آخر، وقال: «في ~~حين أن جامبيط # 2 # الذكور لا بد أن يحفظ في حرارة درجتها خمس وثلاثون بدلا من سبع وثلاثين، ~~إن درجة حرارة الدم الكاملة تسبب العقم.» إن الكباش إذا أحيطت بدرجة حرارة الجسم ~~الإنساني لا تنسل الحملان.» # ولبث المدير متكئا على الحاضنات، ثم شرع يعطي للطلبة وصفا موجزا لطريقة التلقيح ~~الحديثة، وأقلامهم تنطلق على الصفحات بخط غير مقروء، وتحدث بطبيعة الحال أول الأمر ~~عنها من الناحية الجراحية قائلا: «إن العملية الجراحية تجرى طوعا لمصلحة الجماعة، ~~ولست بحاجة أن أذكر لكم أنها تأتي بمكافأة تبلغ ms008 راتب ستة شهور.» ثم واصل الحديث بشيء من ~~التفصيل عن الطريقة الفنية لحفظ المبيض المستأصل حيا، بحيث ينمو نموا سريعا، ثم ~~انتقل إلى الكلام عن درجة الحرارة الملائمة، وعن الملوحة واللزوجة، ثم أشار إلى السائل ~~الذي تحفظ فيه البيضات المنفصلة الناضجة، ثم سار بطلبته إلى مناضد العمل، وأراهم فعلا ~~كيف يسحب هذا السائل من أنابيب الاختبار، وكيف يسكب قطرة قطرة فوق الألواح الزجاجية ~~للمناظير المكبرة، تلك الألواح التي أدفئت لذلك خصيصا، وكيف كان البيض الذي يحتويه ~~السائل يفحص ويستبعد منه ما ليس طبيعيا، ثم يعد وينقل إلى وعاء ذي مسام، وكيف ~~يغمر هذا الوعاء في حساء دفيء يحتوي على حيوانات منوية تسبح بغير قيد وتتجمع - كما ~~يؤكد المدير - بنسبة لا تقل عن مائة ألف في كل سنتيمتر مكعب (وهنا أخذ المدير الطلبة ~~لمشاهدة العملية)، وكيف يرفع الوعاء عن السائل بعد عشر دقائق ويعاد فحص محتوياته، وكيف ~~تغمس في السائل ثانية - بل وثالثة إذا لزم الأمر - كل بيضة بقيت بغير تلقيح، وكيف ~~تعاد البويضات الملقحة إلى الحاضنات، حيث يبقى هناك المرقوم منها بالألف أو الباء، حتى ~~توضع نهائيا في القوارير. أما المرقوم بالجيم أو الدال أو الهاء فيخرج ثانية بعد ست ~~وثلاثين ساعة فقط؛ لتجرى عليه عملية بوكانوفسكي. # وكرر المدير عبارة «عملية بوكانوفسكي»، ووضع الطلبة خطوطا تحت هذه الكلمات في دفاترهم ~~الصغيرة. # إذا تطورت البيضة الواحدة إلى جنين واحد، والجنين إلى مراهق كان ذلك أمرا طبيعيا، ~~أما البيضة التي تجرى عليها عملية بوكانوفسكي، فإنها تتبرعم وتتكاثر وتنقسم، ويبلغ عدد ~~البراعم التي تخرج من البيضة الواحدة من الثمانية إلى الستة والتسعين، وكل برعم ينمو حتى ~~يصبح جنينا كامل التكوين، وكل جنين يتطور إلى مراهق ذي حجم تام، وبذلك ينمو ستة وتسعون ~~كائنا بشريا، بدلا من واحد فحسب كذي قبل، أليس هذا تقدما؟ # واختتم المدير هذا الحديث قائلا: «إن طريقة بوكانوفسكي هي في أساسها عملية لإيقاف ~~التطور؛ إننا نوقف النمو الطبيعي للبيضة، ولكنها - من عجيب المتناقضات - تقابل ذلك ~~بالتبرعم.» # وجرت أقلام الطلبة بهذه ms009 العبارة الأخيرة. # ثم أشار المدير إلى فرقة تتحرك ببطء شديد وتحمل رفا مليئا بأنابيب الاختبار، التي ~~تدخل صندوقا معدنيا كبيرا يخرج منه رف آخر ممتلئ، وقد صدر عن الآلات صرير خافت. وذكر ~~المدير للطلبة أن الأنابيب تستغرق في هذه العملية ثماني دقائق تتعرض خلالها لأشعة إكس ~~الشديدة، وهي أقصى ما تستطيع البيضة أن تحتمل. وبعض البيض يموت، أما ما تبقى فإن أقله ~~حساسية ينقسم قسمين، أما أكثره فينتج أربعة براعم، وبعضه ينتج ثمانية، وكله يرد إلى ~~الحاضنات حيث تبدأ البراعم في النمو، وبعد يومين يبرد فجأة ويوقف نموه، والبراعم ~~بدورها تتبرعم إلى اثنين فأربعة فثمانية، وبعدما تتبرعم تجرع الكحول حتى تكاد تموت، ~~وينجم عن ذلك أنها تتكاثر ثانية، وبعدما تتبرعم - برعم من برعم من برعم (لأن إيقاف التبرعم ~~بعد ذلك مميت عادة) - تترك لكي تنمو في هدوء؛ وعندئذ تسير البيضة الأولى شوطا كبيرا ~~في طريق التكاثر، إلى أي عدد بين الثمانية أجنة والستة والتسعين جنينا. «وأنتم لا شك ~~توافقونني على أن ذلك تحسين هائل في الطبيعة. إننا نحصل على توائم متشابهة، ولكنها ليست ~~توءمين أو ثلاثة فحسب، كما كان يحدث في أيام التوالد السابقة، حينما كانت البيضة تنقسم ~~أحيانا بطريق الصدفة، إنما هي توائم تعد بالعشرات في وقت واحد.» # ثم كرر المدير كلمة «العشرات» ملوحا بذراعيه، كأنه يوزع الهبات. # غير أن أحد الطلبة بلغ به الحمق أن يسأل عن الفائدة من ذلك. # فرد عليه المدير بحدة قائلا: «أي بني العزيز! ألست ترى؟ أفلا ترى؟» ورفع إحدى يديه، ~~وكان رزينا في تعبيره، ثم قال: «إن طريقة بوكانوفسكي إحدى الوسائل العظمى للاستقرار ~~الاجتماعي!» # وسجل الطلبة هذه العبارة «الوسائل العظمى للاستقرار الاجتماعي». # بذلك يصبح الرجال والنساء على غرار واحد، ويكونون مجموعات متشابهة، فيمكن للمصنع الصغير ~~أن يقوم بأسره على رجال من إنتاج بيضة واحدة أجريت عليها عملية بوكانوفسكي. # وارتجف صوت الرجل من شدة الحماسة، وهو يقول: «ستة وتسعون توءما متشابها يديرون ستا ~~وتسعين آلة متشابهة!» ثم أردف قائلا: «إنكم لا شك تعلمون أين ms010 أنتم، وذلك لأول مرة في ~~التاريخ.» وردد شعار الكوكب الذي يقطنه وهو: «الجماعة والتشابه والاستقرار.» ما أعظم هذه ~~الكلمات! ثم قال: «لو استطعنا أن نتوسع في طريقة بوكانوفسكي إلى ما لا نهاية، لانحلت ~~المشكلة بأسرها. # فيكون عندنا بيض متشابه من النوع «ج» وبيض لا يختلف من النوع «د»، وبيض موحد من النوع ~~«ه»، ويتوفر لنا الملايين من التوائم المتشابهة، وهكذا ينطبق مبدأ الإنتاج الكبير في ~~النهاية على الأحياء.» # ثم هز المدير رأسه قائلا: «ولكنا للأسف لا نستطيع أن نسير في طريقة بوكانوفسكي إلى ~~ما لا نهاية. # والظاهر أن ستة وتسعين هي الحد الأقصى، وأن اثنين وسبعين متوسط لا بأس به. إنهم يصنعون من ~~المبيض الواحد ومن جاميط الذكر الواحد أكبر عدد ممكن من مجموعات التوائم المتشابهة - وهذا ~~خير ما يستطيعون - وإن يكن لسوء الحظ أقل مما نبغي، ولكنه مع ذلك شاق عسير. # لأن المائتي بيضة تستغرق بطبيعتها ثلاثين عاما كي تبلغ حد النضوج، ولكن من واجبنا أن ~~نقر السكان توا وبغير توان، وماذا يعود علينا لو أخذنا نخرج التوائم خلال ربع ~~قرن؟ # لا فائدة البتة من ذلك ولا شك، ولكن طريقة بدسناب الفنية ساعدت إلى حد كبير على ~~الإسراع في عملية النضوج؛ فهم واثقون من نضوج مائة وخمسين بيضة على الأقل في خلال عامين. ~~إنك إذا لقحت البيض ثم أجريت عليه طريقة بوكانوفسكي - أو بعبارة أخرى: إذا ضاعفته اثنين ~~وسبعين مثلا - حصلت في المتوسط على ما يقرب من أحد عشر ألفا من الإخوة والأخوات في مائة ~~وخمسين مجموعة من التوائم المتشابهة، وذلك في خلال عامين من العمر الواحد. # ونستطيع في الحالات الشاذة أن نجعل المبيض الواحد ينتج ما يزيد عن خمسة عشر ألفا من ~~الأفراد البالغين.» # ثم أشار إلى شاب أشقر الشعر متورد اللون، كان يسير إلى جوارهم مصادفة في تلك اللحظة، ~~وناداه: «يا مستر فستر.» فاقترب منه الشاب المتورد، وسأله المدير: «هل تستطيع أن تخبرنا عن ~~أكبر عدد ينتجه مبيض واحد يا مستر فستر؟» # فأجاب مستر فستر بغير تردد: ms011 «ستة عشر ألفا واثنا عشر في هذا المركز.» وكان يتحدث على ~~عجل شديد، وهو رجل له عينان زرقاوان يفيضان بالحيوية، ويبتهج ابتهاجا ملحوظا وهو ~~يدلي بالأرقام ، قال: «ستة عشرة ألفا واثنا عشر في مائة وتسع وثمانين مجموعة من ~~المتشابهات.» ثم جلجل بصوته قائلا: «ولكنهم بالطبع بذونا في بعض المراكز الاستوائية، ~~فسنغافورة كثيرا ما أنتجت ما ينيف على الستة عشر ألفا والخمسمائة، وقد بلغت ممباسا فعلا ~~سبعة عشر ألفا، ولكنهم في أمثال هذه المراكز يتمتعون بمزايا لا تقوم على أساس من العدل. ~~انظر إلى الطريقة التي يستجيب بها المبيض الزنجي للمخاط! إنها لتدهشك أشد الدهش إذا ~~كنت ممن يألفون العمل بالمواد الأوروبية.» ثم ضحك ولمعت عيناه ببريق المعارضة، ورفع ذقنه ~~متحديا، وقال: «ومع ذلك فقد اعتزمنا أن نتفوق عليهم إن استطعنا. إنني في هذه اللحظة أعمل ~~بمبيض عجيب من نوع «−د» أتم ثمانية عشر شهرا من العمر من عهد قريب جدا، عندنا الآن ~~أكثر من اثني عشر ألفا وسبعمائة طفلا، بعضهم ما يزال جنينا وبعضهم خرج إلى الحياة، وهم ~~جميعا أصحاء، إننا لا بد متغلبون في النهاية.» # فصاح المدير قائلا: «هذه هي الروح التي أعجب بها.» وضرب المستر فستر ضربة خفيفة على ~~كتفه، ثم قال: «تعال معنا، واشرح لهؤلاء الشبان خلاصة خبرتك.» # وابتسم المستر فستر متواضعا وقال: «بكل سرور.» ثم انطلقوا. # وكنت تسمع في حجرة القوارير أصواتا مؤتلفة وترى نشاطا منظما، وكانت ترتفع إلى الأرض ~~في مصاعد صغيرة قطع طازجة من بريتون الخنازير، قطعت على الأحجام الملائمة، وأخرجت من ~~مخزن الأعضاء في الطابق السفلي. وكنت تسمع صفيرا ثم طقطقة، وذلك عندما تتفتح أبواب ~~المصاعد. وليس على مبطن القوارير إلا أن يمد يده، ويتناول قطعة من البريتون، ثم يدخلها في ~~القارورة في يسر شديد، وقبل أن يتم ضم القارورة إلى ذلك الصف من القوارير الذي لا تجد ~~نهايته، تسمع الصفير والطقطقة عندما تندفع قطعة أخرى من البريتون من الأعماق، وقد أعدت ~~للانزلاق في قارورة أخرى، كي تنضم إلى تلك المجموعة التي تتزايد ms012 شيئا فشيئا، حتى لا يكاد ~~يحصى عددها. # ويقف الفاحصون إلى جانب المبطنين، وتتقدم مجموعة القوارير، وينقل البيض واحدة بعد ~~الأخرى من أنابيب الاختبار إلى الأوعية الكبيرة ، ثم تفصل البطانة البريتونية بمهارة ~~فائقة، وتوضع العلقة في مكانها، ويصب محلول الملح ... وهكذا تمر القارورة، ويأتي دور ~~واضعي البطاقات، الذين ينقلون من أنبوبة الاختبار إلى القارورة نوع الوراثة وتاريخ ~~التلقيح وعضوية مجموعة بوكانوفسكي وأمثال هذه التفاصيل، ويسير موكب القوارير بعد ذلك سيرا ~~بطيئا، ولم تعد مجهولة الاسم، بل لقد بات كل منهما مسمى معروفا، ثم تدخل في نافذة ~~في الحائط، حتى تصل بسيرها البطيء إلى حجرة «القضاء والقدر الاجتماعي». # وبينما كان الطلبة يلجون الغرفة، قال لهم المستر فستر، وهو في غبطة شديدة: «هنا ~~ثمانية وثمانون مترا مكعبا من الفهارس.» # وعقب على ذلك المدير قائلا: «وهي تحوي كل المعارف المتصلة بالموضوع. # ويضم إليها المعارف الجديدة كل صباح. # ويضم بعضها إلى بعض؛ لتنسيق المعرفة كل مساء. # وعلى أساسها تقدر الأعداد.» # وقال المستر فستر: «فنعرف كم فرد من هذا النوع أو ذاك. # وتوزع على أقدار مختلفة. # ونعرف أحسن نسبة للتحول من وعاء إلى وعاء، في كل لحظة من اللحظات. # ونستفيد في الحال من الكميات الفاسدة، التي لم نكن نتوقعها.» # وكرر هذه العبارة المستر فستر، قائلا: «تستفيد في الحال إذا عرفت كم من الوقت الزائد ~~أدخلت في حسابي بعد زلزال اليابان الأخير!» ثم ضحك متفكها وهز رأسه. ~~«ثم يرسل «رجال القضاء والقدر» أرقامهم للملقحين. # وهؤلاء يقدمون لهم الأجنة التي يطلبون. # ثم تأتي القوارير إلى هذا المكان؛ كي يكتب لها قضاؤها وقدرها بالتفصيل. # ثم ترسل بعد ذلك إلى مخزن الأجنة. # إلى حيث نحن الآن ذاهبون.» # وفتح المستر فستر بابا، وقادهم إلى سلم هبطوا منه إلى الطابق السفلي. # وما زالت الحرارة هناك استوائية، وهبطوا جميعا إلى مكان؛ جوه أشبه ما يكون بالشفق ~~الكثيف، وكان هناك بابان وممر يلتوي مرتين، كي يكفلوا للمخزن بعده عن إمكان تسرب ضوء ~~النهار. # ودفع المستر فستر الباب الثاني، وقال في فكاهة ومجون: «الأجنة كالأفلام ms013 ~~الفوتوغرافية، لا تحتمل غير الضوء الأحمر.» # والواقع أن الظلام والحرارة والرطوبة التي ولجها الطلبة في إثره كانت ملحوظة، وكان ~~الجو قرمزي اللون، وما أشبه هذا الظلام بما ترى العين المغمضة في يوم قائظ بعد ~~الظهيرة، والأجنحة البارزة من صفوف القوارير المتعاقبة، والطبقات المتراصة من هذه ~~القوارير، كانت كلها تتألق بالياقوت الذي لا يعد، وبين الياقوتة والياقوتة تتحرك ~~أطياف معتمة حمراء، من الرجال والنساء من ذوي العيون الأرجوانية اللون، وعليهم جميعا ~~أعراض مرض السل الجلدي. # وكان طنين الآلات ودويها يهز الهواء هزا خفيفا. # وقال المدير وقد أنهكته كثرة الكلام: «أعطهم بعض الأرقام، يا مستر فستر.» # واغتبط المستر فستر بعض الاغتباط، وهو يدلي لهم بقليل من الأرقام. # قال: «إن المكان يبلغ مائتين وعشرين مترا طولا، ومائتين عرضا، وعشرة ارتفاعا.» وأشار ~~إلى أعلى، ورفع الطلبة أعينهم صوب السقف النائي، كما تفعل الفراخ وهي تحتسي ~~الماء. # وكان بالمكان ثلاث طبقات من الرفوف: إحداها في مستوى الأرض، يعلوها رواق ثان ~~فثالث. # وهذه الأروقة المتراصة مصنوعة من الصلب، وشبيهة بنسج العنكبوت، وهي تتلاشى خلال الظلام ~~من جميع النواحي، وبالقرب منهم ثلاثة أشباح حمراء، منهمكون في إنزال القوارير من درج ~~متنقل. # وذلك هو السلم المتنقل الذي يخرج من حجرة القضاء والقدر. # وتوضع كل قارورة على واحد من الرفوف الخمسة عشر، وكل رف حامل ينتقل بسرعة ثلاثة ~~وثلاثين وثلث سنتيمتر في الساعة - ولكن المشاهد لا يلحظ هذه الحركة - ويسير مائتين وسبعة ~~وستين يوما، بسرعة ثمانية أمتار كل يوم، فيكون المجموع ألفين ومائة وستة وثلاثين مترا، ~~وتلك دورة واحدة حول المخزن في مستوى الأرض، ودورة في الرواق الأول، ونصف دورة في الرواق ~~الثاني. وفي صباح اليوم السابع والستين بعد المائتين يتسرب ضوء النهار إلى حجرة التفريغ، ~~وذلك ما يسمونه الوجود المستقل. # واختتم المستر فستر حديثه قائلا: «وقد استطعنا خلال هذه الفترة أن نفرغ من الكثير ~~منها.» وضحك ضحكة العارف الظافر. # وقال المدير ثانية: «هذه هي الروح التي أعجب بها، دعنا الآن نتابع سيرنا، خبرهم بكل ~~شيء يا مستر فستر.» ms014 # وقد خبرهم مستر فستر في التو عن الجنين الذي ينمو على بريتونه المفروش، وأذاقهم المادة ~~الدسمة التي يتغذى بها عوضا عن الدم، وشرح لهم لماذا كان من الضروري أن ننبهه بنبات ~~المشيمة وبإفراز الغدة الدرقية. ثم حدثهم عن عصارة بعض خلايا المبيض، ثم أطلعهم على ~~المنافذ التي يحقن منها بطريقة آلية عند كل جزء من اثني عشر من المتر، وذلك من الصفر إلى ~~2040، وتكلم بعدئذ عن الجرعات المخاطية التي تزاد باطراد، والتي تعطى في الستة والتسعين ~~مترا الأخيرة من سيرها، ووصف الدورة الدموية الصناعية التي تتسم بها كل قارورة بعد 112 ~~مترا، وأطلعهم على خزان المادة التي يستعاض بها عن الدم، وعلى المضخة الطاردة التي ~~تحرك السائل دائما فوق المشيمة ثم تطرده خلال الرئة الصناعية ومرشح الفضلات. ~~وأشار إلى استعداد الجنين للأنيميا، وما يترتب عليه من مشقة، وإلى الجرعات الضخمة من ~~خلاصة معدات الخنازير، وكبد جنين الفرس الذي يتحتم أن نمده به تبعا لذلك. # ثم أطلعهم على الآلات البسيطة التي تستخدم في المترين الأخيرين من كل ثمانية أمتار؛ ~~لهز الأجنة كلها في وقت واحد حتى تألف الحركة، وأشار إلى خطورة ما يعرف ب «دوخة ~~التفريغ»، وعدد الاحتياطات التي تتخذ لتخفيف أثر هذه الصدمة الخطرة إلى الحد الأدنى، ~~وذلك بتدريب الجنين المحفوظ في القارورة تدريبا ملائما. وحدثهم عن الاختبارات الجنسية ~~التي يقومون بها بعد مائتي متر من الدورة، وشرح طريقة وضع البطاقات: وهي حرف «ت» للذكور، ~~ودائرة للإناث، وعلامة استفهام سوداء على صفحة بيضاء للخنثى. # وقال المستر فستر: «لأن التلقيح ليس في أكثر الأحوال - بطبيعة الحال - إلا مضايقة. إن ~~مبيضا واحدا من كل 1200 يكفي تحقيق أغراضنا تماما، ولكن لا بد لنا من حسن الاختيار، ~~وبالطبع لا بد أن نحسب حسابا كبيرا لسلامة المبيض؛ ولذا فنحن نسمح لثلاثين في المائة من ~~إناث الأجنة أن تنمو نموا عاديا، أما البقية فتعطى جرعة من هرمونات الذكور كل 24 ~~مترا من بقية الشوط، والنتيجة أنها تفرخ خناثا، وتركيبها طبيعي جدا (واعترف أنها تشذ ~~فقط ms015 في أن لديها ميلا طفيفا جدا لإرسال اللحى) ولكنها عاقر، وعقمها مضمون.» وواصل ~~المستر فستر حديثه قائلا: «وهذا يؤدي بنا في النهاية إلى الخروج من دائرة تقليد الطبيعة ~~تقليدا أعمى إلى عالم الاختراع الإنساني، وهو أشد تشويقا للنفوس.» # وفرك يديه؛ لأنهم بالطبع لم يقتنعوا بمجرد تفريخ الأجنة، فأية بقرة تستطيع ذلك. # ثم قال: «ونحن كذلك نكتب القدر ونتحكم في الظروف، إننا نفرخ صغارنا كائنات بشرية ~~اجتماعية، من نوع «أ» أو «ه»، ونقدر لهم أن يكونوا في المستقبل من العمال الذين يزيلون ~~أقذار المصارف أو ...» وأوشك أن يقول: «منظمي العالم.» ولكنه صحح نفسه، وقال بدلا من ذلك: ~~«مديري مراكز التفريخ.» # وقابل المدير هذا الثناء بابتسامة. # وكانوا يمرون عند نقطة 320 مترا في الرف الحادي عشر، حينما شاهدوا عاملا ميكانيكيا ~~شابا، من نوع «−ب»، يعمل بمفك ومقياس في مضخة المادة التي تحل محل الدم والخاصة ~~بقارورة كانت تمر به. وكان دوي المحرك الكهربائي يشتد نغمه بدرجات طفيفة وهو يدير الأزرار، ~~ثم هبطت القارورة إلى أسفل، وأدار العامل المفك دورة نهائية، ورمق بعينه المنضدة ~~الدائرة، وانتهى بعد ذلك من عمله، وتحرك بعدئذ خطوتين إلى أسفل، وبدأ العملية نفسها في ~~المضخة التالية. # وأخذ المستر فستر يشرح لهم، قائلا: «إذا أنقصنا عدد الدورات في الدقيقة الواحدة تقل ~~سرعة دوران المادة التي تشبه الدم، فتمر خلال الرئة في فترات أكثر تباعدا، ويقل مقدار ما ~~يأخذه الجنين من الأكسجين، وليس هناك ما يجعل الجنين أقل من المستوى المطلوب أكثر من نقص ~~الأكسجين.» ثم فرك يديه. # فتصدى للسؤال طالب نابغ قائلا: «ولكن لماذا تريدون أن تبقوا الجنين أحط من المستوى ~~المطلوب؟» # وبعد صمت طويل قال المدير: «ألم يطرأ لك، يا حمار، أن الجنين من النوع «ه»، لا بد أن ~~يعيش في وسط «ه»، وأن ينسل أجنة من نفس النوع؟» # ومن الجلي أن هذه الفكرة لم ترد على خاطر الطالب، فارتبك واضطرب. # وقال المستر فستر: «كلما انحط النوع قل الأكسجين. وأول ما يتأثر من الأعضاء المخ ~~ويليه الهيكل العظمي، ms016 وإذا كان الأكسجين سبعين في المائة من المقدار المعتاد تكونت ~~الأقزام، أما إذا قل الأكسجين عن سبعين، كانت المخلوقات عجيبة بغير عيون.» # وأتبع المستر فستر ذلك قائلا: «وهي لا تجدي البتة.» # ثم تحدث بصوت ينم عن الثقة والاهتمام، قائلا: «إنهم لو اكتشفوا طريقة فنية، يقصرون ~~بها الفترة التي يكتمل فيها النمو، كان ذلك انتصارا كبيرا، وفائدة عظمى للمجتمع. # فكروا في الحصان.» # ففكر فيه الطلبة. ~~«إن نموه يكتمل في السادسة، ويكتمل نمو الفيل في العاشرة، في حين أن الإنسان لا ينضج ~~جنسيا إلا في الثالثة عشرة، ولا يتم نموه إلا في العشرين؛ ومن ثم - بطبيعة الحال - ~~يتأخر نضوج ثمرة كمال التطور - وأقصد الذكاء البشري.» # وقال المستر فستر، وهو جد محق فيما قال: «ولكننا في النوع «ه» لا نحتاج إلى الذكاء ~~البشري. # إنهم لم يحتاجوا الذكاء ولم يحصلوا عليه، ولكن برغم أن العقل «ه» كان تام النضوج في ~~العاشرة، فإن الجسم «ه» لم يكن ملائما للعمل حتى الثامنة عشرة؛ وبذا تنقضي سنوات عدة في ~~حالة عدم النضج، وهي سنوات فائضة عن الحاجة مضاعة، فلو استطعنا أن نسرع في التطور ~~الجثماني حتى يصبح في سرعة نمو البقر، وفرنا على المجتمع الشيء الكثير.» # فتمتم الطلبة قائلين: «الشيء الكثير!» وذلك لأن حماسة المستر فستر انتقلت إليهم ~~عدواها. # ثم أصبح كلامه بعد ذلك فنيا جدا، تحدث عن توحد الإفراز الداخلي الشاذ، الذي يعمل ~~على بطء نمو الإنسان، وسلم بأن ذلك يرجع إلى تغير النطفة، فهل يمكن تحاشي آثار هذا ~~التغيير النطفي؟ هل يمكن أن يعاد الجنين من النوع «ه»، بطريقة فنية خاصة، إلى حالة ~~الكلاب والأبقار العادية؟ تلك هي المشكلة التي تعسر حلها. ~~«لقد استطاع بلكنجتن في ممباسا أن ينتج أفرادا، ينضجون جنسيا في الرابعة، ويتم نموهم ~~في السادسة والنصف، وهذا انتصار علمي، ولكنه لا يجدي من الناحية الاجتماعية، فالرجال ~~والنساء في سن السادسة، أغبى من أن يؤدوا عملا حتى من النوع «ه»، والعملية إما أن تتم ~~كلها، أو لا يكون من ورائها نفع، فإما أنك ms017 تفشل في إدخال أي تعديل، وإما أن تدخل ~~التعديل كله، وهم ما يزالون يحاولون إيجاد الحالة المتوسطة المثالية، بين البالغين في سن ~~العشرين والبالغين في سن السادسة، ولم ينجحوا حتى الآن.» ثم تنهد المستر فستر وهز ~~رأسه. # وواصلوا تجوالهم خلال الشفق القرمزي، حتى بلغوا قرابة 170 مترا على الرف التاسع، ~~ومن هذه النقطة وما بعدها، كان الرف التاسع محاطا بسور، والقوارير التي تكونت منها بقية ~~الرحلة كانت مصففة في نوع من أنواع النفق، تتخلله هنا وهناك فتحات يبلغ اتساع الواحدة ~~منها مترين أو ثلاثة. # وقال المستر فستر: «هنا تكييف الحرارة.» # وكانت النفق الحارة تتعاقب مع النفق الباردة، وكانت البرودة تقترن بشيء من عدم ~~الارتياح، على صورة أشعة إكس القوية، وعندما يحين وقت التفريغ تشعر الأجنة بفزع من البرد ~~شديد، وقد قرر لها أن تهاجر إلى المناطق الحارة؛ كي يكونوا عمالا في المناجم ~~وغزالين للحرير الحمضي، وصناعا في الحديد والصلب، وترغم عقولهم فيما بعد على ~~الاتفاق مع ما قدر لجسومهم. واختتم المستر فستر حديثه قائلا: «إننا نكيفهم على النجاح ~~في الحرارة، وزملاؤنا في الطابق العلوي يدربونهم على حبها.» # وأضاف المدير على ذلك في إيجاز قوله: «وهذا هو سر السعادة والفضيلة؛ أن تحب ما ~~ينبغي لك أن تعمله. إن عملية التكييف كلها ترمي إلى أن تجعل الناس يحبون مصيرهم الاجتماعي ~~الذي لا مفر منه.» # وفي فجوة بين نفقين، كانت إحدى المربيات تسبر برفق غور المحتويات الهلامية ~~بداخل قارورة، مارة بمحقن طويل دقيق، ووقف الطلبة ومرشدوهم يراقبونها بضع لحظات، وهم ~~صامتون. # وبعدما سحبت المحقن أخيرا واستقامت، قال المستر فستر: «أجل يا ليننا!» # فالتفتت الفتاة في فزع، ويستطيع الرائي أن يلحظ عليها جمالا غير عادي، برغم مرضها ~~بالسل الجلدي، وبرغم عينيها الأرجوانيتين. # وصاحت: «هنري!» وأشرقت عليه بابتسامة رقيقة، وأبانت عن صف من الأسنان ~~المرجانية. # فتمتم المدير قائلا: «يا للفتنة!» وربت عليها مرتين أو ثلاث، ظفر في مقابلها ~~بابتسامة تقدير خصته بها. # وسألها مستر فستر في نغمة الرجل ذي المهنة الرفيعة: «ماذا تعطينهم؟» # فقالت: «مرض ms018 التيفود، والنوم المألوف.» # وتصدى المستر فستر لشرح ذلك للطلبة، فقال: «إن تطعيم عمال المناطق الحارة يبدأ عند ~~المتر 150، هنا تكون الأجنة بالخياشيم، إننا نكسب السمكة المناعة ضد أمراض الإنسان في ~~المستقبل .» ثم التفت إلى ليننا وقال: «في الخامسة إلا عشر فوق السطح بعد ظهر اليوم ~~كالمعتاد.» # وقال المدير ثانية: «إنها لفاتنة!» وضربها للمرة الأخيرة ضربة خفيفة، ثم انصرف في إثر ~~الآخرين. # وفوق الرف العاشر شهدوا صفوفا من العمال الكيميائيين للجيل المقبل، يدربون على ~~احتمال الرصاص والصودا الكاوية والقار وغاز الكلور، وكان يمر آنئذ عند علامة المتر 1100 ~~على الرف الثالث الجنين الأول من مجموعة عددها مائتان وخمسون من مهندسي الطائرات ~~الصاروخية، وقد استخدمت آلات خاصة كي تبقى أوعيتهم دائرة بغير انقطاع، وشرح المستر فستر ~~ذلك قائلا: «هذا لتحسين إحساسهم بالتوازن؛ لأن إصلاح الطائرة الصاروخية من الخارج وسط ~~الهواء عمل دقيق. إننا نبطئ الدورة عندما يرتفعون، حتى يكادوا يموتون جوعا، ونضاعف تدفق ~~الماء وهم منقلبون، إنهم يتعلمون أن يجمعوا بين الانقلاب وطيب الحياة، بل إنهم لا يكونون ~~حقا سعداء، إلا وهم واقفون على رءوسهم. # وواصل مستر فستر الحديث قائلا: «والآن أحب أن أطلعكم على تكييف مشوق جدا ~~للأذكياء من درجة «+أ». عندنا طائفة كبيرة منهم على الرف الخامس في مستوى الرواق الأول.» ~~ثم نادى ولدين وقد شرعا يهبطان إلى الطابق الأرضي. # قال: «إنهما عند المتر 900 تقريبا، إنك لا تستطيع أن تقوم بعملية تكييف مجدية لأصحاب ~~الفكر حتى يفقد الجنين ذيله. اتبعوني.» # ولكن المدير نظر إلى ساعته وقال: «إنها الثالثة إلا عشر، وإني لأخشى ألا يتوفر لنا الوقت ~~لنشاهد الأجنة المفكرة، يجب أن نصعد إلى غرف الأطفال قبل أن ينهضوا من نومهم بعد ~~الظهر.» # فشعر المستر فستر بشيء من الضيق، وتوسل إليهم أن يلقوا على الأقل نظرة واحدة على ~~حجرة التفريغ. # فابتسم المدير متلطفا، وقال: «ليكن ذلك، ولتكن نظرة واحدة.» # | الفصل الثاني # بقي المستر فستر وحده في حجرة التفريغ، وولج المدير وتلاميذه أقرب مصعد، وحملهم المصعد ~~إلى الطابق الخامس. # فإذا بلوحة ms019 عليها هذا الإعلان: «حجرات صغار الأطفال - غرف التكييف على طريقة بافلوف ~~الحديثة». # وفتح المدير أحد الأبواب، فإذا بهم في غرفة كبيرة جرداء، شديدة الضوء مشمسة؛ وذلك لأن ~~الحائط الجنوبي بأسره كان نافذة واحدة ، وبالحجرة ست مربيات، يلبسن الزي الموحد ~~المعهود، وهو يتألف من سروال وسترة من تيل أبيض لزج، وشعورهن مختفية تحت غطاء للرأس أبيض ~~اللون، مما يساعد على تطهيرها، وكن يشتغلن بصف آنيات الورد في خط طويل يقطع أرض ~~الغرفة من جانب إلى آخر، والأواني كبيرة تمتلئ إلى قمتها بالزهر؛ فكنت ترى ألوف الأوراق ~~منتفخة مزدهرة، ناعمة كالحرير، كأنها خدود ولدان مخلدين لا يحصرهم العد، وتلك الخدود في ~~ذلك الضوء اللامع، لم تكن وردية آرية فحسب، بل إن منها ما هو صيني براق، ومكسيكي نحاسي، أو ~~به صرع من كثرة النفخ في أبواق السماء، أو شاحب كالموتى، وشحوبه مختلط ببياض المرمر ~~الأصيل. # واعتدل المربيات منصتات عندما دخل المدير. # وقال لهن في جفاء واقتضاب: «انشرن الكتب.» # فصدع المربيات بأمره صامتات، ونشرت الكتب في الحال بين أواني الزهر، وانفتحت صحف صغيرة ~~من صحائف الأطفال في صف واحد، وكأنها تدعو المشاهدين إلى النظر فيها، تظهر في كل منها ~~صورة زاهية الألوان لوحش أو سمكة أو طائر. ~~«والآن أدخلن الأطفال.» # فأسرعن خارج الحجرة وعدن بعد دقيقة أو دقيقتين، كل منهن تدفع قائمة خشبية ذات ~~أربعة رفوف لها شبكات سلكية، محملة بثمانية أطفال، عمر الواحد منهم ثمانية أشهر، وكلهم ~~متشابهون أشد التشابه (ومن الجلي أنهم كانوا من طراز بوكانوفسكي)، وكلهم يرتدون الكاكي ~~(لأنهم من النوع «د»). ~~«ضعوهم على الأرض.» # فأنزل المربيات الأطفال. ~~«والآن أديروهم حتى يستطيعوا رؤية الزهور والكتب.» # فالتفت الأطفال، وصمتوا في الحال، ثم بدءوا يزحفون نحو تلك المجموعات ذات الألوان ~~الملساء، ونحو تلك الرسوم المرحة البراقة فوق الصفحات البيض، وبرزت الشمس من كسوف وقتي ~~خلف السحاب والأطفال يقتربون، واشتعلت الورود كأن عاطفة فجائية تحركت في داخلها، وكأن ~~صفحات الكتب البراقة اكتسبت أهمية جديدة كبرى، وصدرت من صفوف الأطفال الزاحفين صرخات ~~ضعيفة من ms020 أثر الذهول، وقهقهة ومناغاة من أثر السرور. # وفرك المدير يديه وقال: «حسنا، لكأن هذا حدث عن عمد.» # وبلغ الأطفال المسرعون في زحفهم أهدافهم، وامتدت أيد صغيرة في غير ثبات، تلمس الورود ~~التي تغير شكلها، وتقبض عليها وتجردها من أوراقها، كما غضنت الصفحات المضيئة، ولبث ~~المدير حتى كانوا جميعا في شغل مرحين، ثم قال: «ارقبوا بعناية.» ثم رفع يده، وأعطى ~~إشارته. # وكانت رئيسة المربيات واقفة إلى جوار لوحة الأزرار في الجانب الآخر من الغرفة، فضغطت على ~~رافع صغير. # فحدث انفجار عنيف، وانطلقت صفارة بصوت أجش أخذ يزداد بالتدريج حدة، ودقت أجراس ~~الخطر كأن بها مسا من جنون. # وفزع الأطفال وصاحوا، وتجعدت وجوههم فرقا ورعبا. # وكاد الضجيج أن يصم الآذان، فصاح المدير: «والآن نبدأ في إدخال هزة كهربية خفيفة ~~في هذا الدرس.» # ولوح بيده مرة أخرى، وضغطت رئيسة المربيات رافعا آخر، فتغيرت نغمة صياح ~~الأطفال، فكنت تحس في صرخاتهم الحادة المتقطعة، التي يرسلونها شيئا من اليأس، يكاد يبلغ ~~حد الجنون، وامتطت جسومهم الصغيرة وتصلبت، وتحركت أطرافهم واهتزت، كأنها تستجيب ~~لجذب أسلاك غير مرئية. # وصاح المدير وهو يشرح قائلا: «نستطيع أن نكهرب كل هذا الجزء من الأرض.» ثم أشار إلى ~~المربية قائلا: «ولكن كفى هذا.» # وتوقف الانفجار، وكفت الأجراس عن الدوي، وأخذ صياح الصفارة ينخفض نغمه شيئا فشيئا ~~حتى تلاشى، ثم ارتخت الأجسام الممتطة المتصلبة، وتحول نشيج الأطفال المجانين ~~وصياحهم إلى العويل المألوف من أثر الرعب المعهود. ~~«قدموا لهم الزهور والكتب ثانية.» # فلبى المربيات الأمر، ولكن الأطفال انكمشوا فزعين، وعلا صياحهم فجأة عندما ~~اقتربت الورود، ووقعت أبصارهم على صور القطط والديكة والغنم الأسود، التي رسمت رسما ~~يلائم الأطفال، وصبغت بالألوان الزاهية. # وقال المدير ظافرا: «اشهدوا، اشهدوا. # لقد اقترنت في أذهان الأطفال الكتب مع الضجيج المرتفع، والزهور مع الهزات الكهربية، ~~وإذا تكرر هذا الدرس أو شبيهه مائتي مرة، أصبح الاقتران ثابتا لا ينفصم، وما يصله ~~الإنسان تعجز الطبيعة عن فصله. # سوف يشبون على ما اعتاد علماء النفس أن يسموه كرها «غرزيا» للكتب والزهور، هذه ms021 ~~أفعال منعكسة شرطية لا تتغير، سوف يكونون بمنجاة من الكتب وعلم النباب طول حياتهم.» ثم ~~التفت المدير إلى مربياته، وقال: «أبعدوهم ثانية.» # وحمل الأطفال ذوو الأردية الكاكية، وهم ما يزالون يصيحون فوق قوائمهم الخشبية ذوات ~~الرفوف، ودفعتهم العجلات إلى الخارج، مخلفين وراءهم رائحة اللبن الرائب، وصمتا ~~محببا إلى النفوس. # ورفع أحد الطلبة يده، لقد أدرك تمام الإدراك، لماذا لا نستطيع أن يكون لدينا قوم من ~~النوع الدنيء، يضيعون وقت المجتمع في الكتب، كما أدرك أن هناك دائما خطرا من أن ~~يقرءوا شيئا ربما أزال الرابطة بين الشرط والاستجابة؛ وهو شيء لا نرغب فيه. أدرك الطالب ~~ذلك، ولكنه لم يفهم ما حدث بشأن الزهور، لماذا نجشم أنفسنا مشقة كبرى، بأن نجعل من ~~المستحيل من الناحية النفسية للنوع «د» من الناس أن يحب الزهور. # وأخذ المدير يشرح له في صبر وأناة، إذا أرغمنا الأطفال على الصياح عند مرأى الورد، ~~فإنما نفعل ذلك لأسباب سياسية اقتصادية عليا، من عهد غير بعيد جدا (منذ زهاء القرن)، ~~كانت الأنواع «ج»، «د»، بل و«ه» تدرب على حب الزهور خاصة، والطبيعة الجرداء عامة، ~~وكان الغرض من ذلك أن نحببهم في الخروج إلى الريف كلما سنحت الفرصة، فنضطرهم بذلك إلى ~~أن يستخدموا وسائل المواصلات. # فسأل الطالب: «وهل لم يستخدموا تلك الوسائل؟» # وأجاب المدير: «لقد استخدموها كثيرا، ولكنهم لم يفعلوا غير ذلك.» # ثم أشار إلى أن زهور الربيع ومناظر الطبيعة لها عيب واحد خطير: «وذلك أنها مجانية. إن حب ~~الطبيعة يعطل المصانع، فقررنا أن نلغي حب الطبيعة على الأقل من الطبقات الدنيا، ~~قررنا أن نلغي حب الطبيعة، ولكن على أن يبقى الميل إلى استخدام المواصلات؛ لأنه كان من ~~الضروري لهم بطبيعة الحال ألا ينقطعوا عن زيارة الريف، حتى إن كانوا يمقتونه. وأصبحت ~~المشكلة تنحصر في إيجاد سبب اقتصادي لاستخدام المواصلات أقوى من مجرد حب زهور الربيع ~~ومناظر الطبيعة، ولقد عثرنا على السبب في الوقت المناسب.» # وختم المدير كلامه قائلا: «إننا نكيف الجماهير على كره الريف، ولكنا في نفس ~~الوقت ms022 نكيفهم على حب ضروب الرياضة الريفية كلها، وفي الوقت عينه نتأكد من أن ~~جميع ضروب الرياضة الريفية تستلزم استخدام الأجهزة المعقدة؛ وبذا يستهلكون الأشياء ~~المصنوعة، كما يستهلكون وسائل النقل؛ ومن ثم أدخلنا تلك الهزات الكهربية.» فقال الطالب: ~~«لقد فهمت.» ثم صمت مستغرقا في الإعجاب. # ثم كان سكون شامل، وبعدئذ طهر المدير حلقه مما به، ثم بدأ الحديث ثانية، قال: «كان ~~هناك فيما مضى - حينما كان فورد على وجه البسيطة - طفل صغير يدعى روبن رابنوفتش، وكان ~~روبن ولدا لأبوين يتكلمان اللغة البولندية.» ثم قاطع المدير نفسه سائلا: «أحسب أنكم ~~تعرفون ما هي البولندية.» ~~- «إنها لغة ميتة.» # وزاد على ذلك طالب آخر قائلا: «كالفرنسية والألمانية.» وقد أقحم نفسه متظاهرا ~~بعلمه. # ثم سألهم المدير قائلا: «وتعرفون كذلك معنى «الوالد»؟» # فساد الحاضرين صمت مشوب بالقلق، واحمرت وجنات كثير من الأولاد خجلا، إنهم لم ~~يتعلموا بعد أن يدركوا الفارق الهام - الدقيق جدا في غالب الأحيان - بين اللفظ البذيء ~~والعلم البريء، وأخيرا تشجع طالب ورفع يده. # وتلعثم في لفظه واندفع الدم إلى وجنتيه، وهو يقول: «لقد كانت الكائنات البشرية ~~فيما مضى تتناسل باللقاح.» # فأومأ المدير برأسه موافقا وقال: «هذا صحيح.» ~~- «وعندما كان الأطفال يفرغون ...» # فصححه آخر: «بل يولدون.» ~~- «كان هناك الوالدون - ولا أقصد الأطفال بالطبع، إنما أقصد الآخرين.» ثم غلب ~~الاضطراب هذا الولد المسكين. # ولخص المدير الكلام قائلا: «كان الوالدان بالإيجاز: الأم والأب.» وهذه العبارة البذيئة ~~- وهي في الواقع علم صحيح - سقطت كالصاعقة على الأولاد الصامتين، الذين كانوا يغضون ~~الطرف عن المتكلم، ولكن المدير كرر كلمة «الأم» بصوت مرتفع، كي يزيل السكون السائد، ثم ~~ارتد في كرسيه إلى الوراء، وقال في جد ورزانة: «أنا أعرف أن هذه الحقائق لا تسر، ولكن ~~أكثر الحقائق التاريخية كذلك.» # ثم عاد إلى روبن الصغير، قال: «إن أباه وأمه تركوا الراديو مفتوحا سهوا في غرفته ذات ~~مساء. # ويجب أن تذكروا أن الأطفال - في تلك الأيام التي كان الناس يتناسلون فيها بالتلاقح ~~ويتكاثرون - كانوا ينشئون تحت رعاية آبائهم، ولا ينشئون في مراكز ms023 الدولة ~~للتكييف. # وبينما كان الطفل نائما، بدأت لندن فجأة تذيع برنامجا، وفي صبيحة اليوم التالي تيقظ ~~روبن الصغير وهو يكرر، كلمة كلمة، محاضرة طويلة ألقاها ذلك الكاتب العجيب القديم (وهو أحد ~~القلائل الذين سمح لمؤلفاتهم أن تتحدر إلينا) برنارد شو، الذي كان يتحدث عن عبقريته - ~~وفقا لتقليد قديم معتمد - واندهش والدا الطفل لذلك (وهنا تجاسر الجريئون من التلاميذ أن ~~يتجهم كل منهم للآخر)، وقد غمز روبن الصغير بعينه، وأسر في نفسه ضحكة مكبوتة؛ لأن ~~هذه المحاضرة كانت بالطبع غير مفهومة له، ولما تصور الوالدان أن طفلهما قد أصيب فجأة ~~بالجنون، أرسلا في طلب الطبيب، وكان لحسن الحظ يفقه الإنجليزية، فأدرك أن الحديث هو ذلك ~~الذي أذاعه شو في الليلة السابقة، وأدرك أهمية ما حدث، وأرسل خطابا بشأنه لصحيفة ~~طبية.» # قال المدير: «وكان مبدأ التعليم أثناء النوم، أو هبنوبيديا، قد اكتشفت من قبل.» ثم سكت ~~فترة كان لها أثرها في النفوس. ~~«لقد اكتشف المبدأ، ولكن كان لا بد من أن تنقضي سنوات عدة، قبل أن يطبق بطريقة ~~نافعة. # إن حادثة روبن الصغيرة هذه، قد وقعت بعد ثلاثة وعشرين عاما فقط، بعدما عرض في السوق ~~طراز فورد الأول رقم «ت» (وهنا رسم المدير حرف التاء على معدته، وتبعه الطلبة جميعا ~~باحترام) ومع ذلك ...» # وخط الطلبة على عجل هذه العبارة وهم محنقون: «استعملت الهبنوبيديا رسميا أولا في ~~عام 214ف، ولم تستعمل قبل ذلك لسببين: أولهما ...» # وكان المدير يقول: «هذه التجارب الأولى كانت تسير في طريق خاطئ، إنهم كانوا يظنون أن ~~الهبنوبيديا، يمكن أن تكون أداة من أدوات التربية العقلية ...» # ينام الولد الصغير على جانبه الأيمن، ويمد ذراعه اليمنى، ويعلق يده اليمنى مسترخية على ~~حافة السرير، ويتحدث صوت ناعم خلال نافذة مستديرة في جانب أحد الصناديق. # ويقول الصوت: «النيل أطول أنهار أفريقيا، وثاني أنهار العالم طرا في طوله، وهو أقصر ~~من المسسبي والمسوري، غير أنه أول الأنهار من حيث طول حوضه، الذي يمتد خلال 35 درجة من ~~درجات العرض ...» # وفي ساعة الإفطار في صبيحة ms024 اليوم التالي، يسأل سائل: «هل تعلم يا تومي أطول نهر في ~~أفريقيا؟» فيهز تومي رأسه، «ولكن ألا تذكر عبارة تبدأ بهذه الكلمات: النيل ~~أطول ...» # فيجيب تومي: «النيل - أطول - أنهار - أفريقيا - وثاني - أنهار - العالم - طرا - في - ~~طوله ...» ثم تتدفق الكلمات متلاحقة، فيقول: «وهو - أقصر - من ...» ~~- «إذن ما هو أطول نهر في أفريقيا؟» ~~- «لا أدري.» ولا تنم عيناه عن شيء. ~~- «ولكن النيل يا تومي.» ~~- «النيل - أطول - أنهار - أفريقيا - وثاني ...» ~~- «إذن ما أطول الأنهار يا تومي؟» # فينفجر تومي باكيا ويقول: «لست أدري.» ثم يصيح.» # ووضح المدير للطلبة أن هذه الصيحة ثبطت همم الباحثين الأوائل، فتخلوا عن ~~التجارب، ولم يقم أحد بعدئذ بمحاولات لتعليم الأطفال طول النيل أثناء النوم، وقد ~~أصابوا؛ إنك لا تستطيع أن تتعلم علما، إلا إن عرفت في أي شيء يبحث. # ثم تقدمهم المدير نحو الباب، وتبعه الطلبة وهم يدونون كلام المدير على عجل، وفي ~~اهتمام شديد خلال سيرهم، وأثناء ارتفاعهم بالمصعد، قال المدير: «في حين أنهم لو بدءوا ~~التربية الخلقية، تلك التربية التي لا ينبغي - تحت أي ظرف - أن تكون عقلية ...» # وإذ هم يخرجون إلى الطابق الرابع عشر، سمعوا مضخما من مضخمات الصوت يهمس قائلا: ~~«الصمت، الصمت.» وأفواه الأبواق تكرر هذا اللفظ «الصمت، الصمت» في الردهات الفينة ~~بعد الفينة دون أن يصيبها كلال، فنهض الطلبة - بل والمدير نفسه - من تلقاء أنفسهم فوق ~~أطراف أصابعهم، وكانوا بطبيعة الحال من النوع «أ»، ولكن حتى هذا النوع كان حسن التكييف، ~~ودوى الفضاء كله في الطابق الرابع عشر بهذا الأمر المقدس: «الصمت، الصمت.» # وبعد مسير خمسين ياردة على أطراف الأصابع، بلغوا بابا فتحه المدير في حرص شديد، ووطئوا ~~المدخل، فإذا بهم في غرفة نوم ذات نوافذ خشبية موصدة، ضوءها كالشفق، ورأوا ثمانين ~~سريرا صغيرا قائمة إلى جوار الحائط، وطرق آذانهم صوت أنفاس منتظمة خافتة وتمتمة ~~متصلة، كأنها أصوات خافتة جدا تهمس من بعيد. # وعند دخولهم نهضت إحدى المربيات، ووقفت أمام المدير تصغي إليه. # سألها: «ما موضوع الدرس بعد ظهر اليوم؟» # فأجابت: «كان عندنا في ms025 الأربعين دقيقة الأولى شيء عن مبادئ الشئون الجنسية، أما الآن فقد ~~غيرنا الموضوع، وأخذنا ندرس مبادئ شعور الطبقات.» # وسار المدير متباطئا حذاء صف الأسرة الطويل، فرأى ثمانين ولدا وبنتا مستلقين ~~نياما، متوردين مسترخين، يزفرون أنفاسا خافتة، وسمع المدير همسا تحت كل وسادة، فكف ~~عن المسير، وانحنى فوق أحد الأسرة الصغيرة، وأنصت مصغيا. # وقال: «هل قلت مبادئ شعور الطبقات؟ لنكرر هذه العبارة بالبوق بصوت أكثر ~~ارتفاعا.» # وكان في نهاية الغرفة مضخم للصوت يبرز من الحائط، فسار المدير نحوه وضغط على زر من ~~الأزرار. # وسمع صوت ناعم، غير أنه واضح كل الوضوح، يقول: «كلهم يلبس الأخضر.» وقد بدأ العبارة من ~~وسطها، ثم قال: «والأطفال من النوع «د» يلبسون الكاكي. كلا، إني لا أحب أن ألعب مع هؤلاء ~~الأطفال. والأطفال «ه» أسوأ حالا، إنهم أغبى من أن يستطيعوا القراءة أو الكتابة، وفوق ذلك، ~~فهم يلبسون الأسود، وهو لون وحشي، أحمد الله أني من النوع «ب».» # ثم كانت فترة سكون، وبدأ الصوت من جديد، قال: «إن الأطفال «أ» يلبسون الرمادي، وهم أكثر ~~منا عملا؛ لأنهم مهرة جدا، إني حقا جد سعيد؛ لأني من الطراز «ب»؛ لأني لا أعمل ~~كثيرا، ونحن خير من «ج» و«د»؛ فطراز «ج» أغبياء، كلهم يلبسون الأخضر، والأطفال من نوع «د» ~~يلبسون الكاكي. كلا، إني لا أحب أن ألعب مع هؤلاء الأطفال. و«ه» أسوأ حالا، إنهم أغبى من ~~أن يستطيعوا ...» # ودفع المدير الزر إلى الوراء، فصمت الصوت، ولم يبق إلا صداه الخفيف يدق تحت ~~الوسادات الثمانين. # إنهم يكررون ذلك أربعين أو خمسين مرة أخرى قبل أن يستيقظوا، ثم يكررونه يوم الخميس ~~مرة ويوم السبت مرة أخرى. مائة وعشرين مرة، ثلاث مرات كل أسبوع، لمدة ثلاثين شهرا، وبعد ~~ذلك ينتقلون إلى درس أرقى. # الورود والهزات الكهربية، واللون الكاكي الذي يلبسه الطراز «د»، ونفحة من نبات «أبي ~~كبير»، هذه وتلك تقترن اقترانا لا ينفك قبل أن يستطيع الطفل الكلام، ولكن التكييف بغير ~~لفظ ساذج إجمالي لا يظهر الفروق الدقيقة، ولا يقرر في الذهن ms026 طرق السلوك شديدة التعقيد، ~~الألفاظ ضرورية هنا، ولكنها ألفاظ لا تقوم على العقل، هي - بإيجاز - هبنوبيديا. ~~«أعظم قوة خلقية واجتماعية في جميع العصور.» # ودون الطلبة ذلك في كراساتهم الصغيرة رأسا من فم المدير. # ولمس المدير الزر مرة أخرى. # وكان الصوت الناعم الملقن الذي لا يفتر يقول: «مهرة جدا، إني حقا جد سعيد؛ لأني ~~من الطراز «ب»؛ لأني ...» ~~«حقا إن الماء - وإن يكن لا يشبه القطرات - يستطيع أن يشق الثقوب في أشد أحجار ~~الجرانيت صلابة، كما أن القطرات من سائل الشمع الأحمر تلتصق بما تقع فوقه وتغلقه ~~وتتحد به، حتى يصبح الصخر في النهاية كتلة واحدة قرمزية. # حتى يصبح عقل الطفل في النهاية هو هذه الإيحاءات، ومجموع هذه الإيحاءات هو عقل الطفل، ~~وليست عقل الطفل فحسب، إنما عقل الراشد كذلك - طوال حياته. إن العقل الذي يحكم ويشتهي ~~ويقرر يتكون من هذه الإيحاءات، ولكن كل هذه الإيحاءات هي من إيحائنا!» وكاد المدير يصيح ~~من نشوة الظفر، ثم قال: «من إيحاء الدولة.» وضرب على أقرب منضدة ضربة شديدة، وقال: «ويتبع ~~ذلك ...» # وسمع ضجيجا، فالتفت حول نفسه. # ثم قال بنغمة أخرى: «يا لله! لقد أيقظت الأطفال.» # | الفصل الثالث # حانت ساعة اللعب خارج البناء في الحديقة، فكنت ترى ستمائة أو سبعمائة ولدا وبنتا ~~عرايا في شمس يونيو الدفيئة، يجرون فوق الحقول مجلجلين بالصياح، أو يلعبون بالكور، أو ~~يجلسون القرفصاء صامتين اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة بين الشجيرات المزهرة، وكانت الورود ~~متفتحة، وبالغابة عندليبان يناجيان أنفسهما، وبين أشجار الزيزفون وقواق يصدح أنغاما غير ~~منسجمة، والهواء يبعث على النوم، مما فيه من طنين النحل ودوي الطائرات. # ووقف المدير وتلاميذه برهة قصيرة، يرقبون شوطا من لعبة تشبه التنس، وقد تجمع عشرون ~~طفلا في دائرة حول برج من معدن الكروم، يقذف أحدهم الكرة إلى أعلى كي تستقر على إفريز ~~بأعلى البرج، ثم تتدحرج إلى الداخل، وتسقط على قرص سريع الدوران، ثم يلقى بها خلال إحدى ~~الفتحات العديدة، التي تخترق الغلاف الأسطواني، وتمسك بعد ذلك. # وبينما كان الطلبة ينصرفون، قال ms027 لهم المدير سائلا: «ألا يدهشكم أن أكثر الألعاب - حتى ~~يوم عيد فورد - لا تحتاج من الأجهزة أكثر من كرة أو اثنين وعددا قليلا من العصي؛ وربما ~~قطعة من الشبك. تصوروا أن الناس يسمح لهم أن يلعبوا ألعابا معقدة، لا تعمل البتة على زيادة ~~الاستهلاك، أليس ذلك حمقا؟ إنه جنون، إن المراقبين اليوم لا يسمحون بأي لعبة جديدة، إلا ~~إن ظهر أنها تحتاج من الأجهزة، على الأقل، مثل ما تحتاج أشد الألعاب الموجودة ~~تعقيدا.» # وقاطع نفسه قائلا: «هذه مجموعة صغيرة فاتنة.» وأشار إليها. # وكان هناك في منحنى معشوشب بين مجموعة من أشجار الخلنج الطويلة، التي تنمو في منطقة البحر ~~الأبيض المتوسط طفلان، ولد صغير في نحو السابعة من عمره، وفتاة صغيرة قد تكبره بعام واحد، ~~يلعبان لعبة جنسية أولية، وهما جادان، وعليهما سيما العلماء الذين يركزون كل اهتمامهم ~~في عمل كشفي. # وكرر المدير قوله: «يا للفتنة، يا للفتنة!» وقد هزته العاطفة. # وأيده الطلبة في أدب قائلين مثله: «يا للفتنة!» ولكن بسماتهم كانت تنم عن رعاية ~~الكبير للصغير؛ لأنهم تخلوا عن مثل هذه الملاهي الصبيانية من عهد قريب جدا، حتى لقد شق ~~عليهم أن يرقبوها دون شيء من الاحتقار، ما الذي يفتنهم؟ لقد كانا طفلين يلهوان، وهذا كل ~~ما في الأمر، طفلين فقط. # وواصل المدير حديثه في نغمة النشوان التي بدأ بها، وقال: «إنني أظن دائما ...» ثم ~~قاطعه صوت مرتفع يجهش بالبكاء. # وبرزت من الغابة المجاورة مربية، تقود بيدها ولدا صغيرا يصيح أثناء السير، وفي إثرها ~~فتاة صغيرة عليها سيما الاهتمام والقلق. # سألها المدير: «ما الأمر؟» # فهزت المربية كتفيها وأجابت: «الأمر يسير، إن هذا الولد الصغير، كان يحجم قليلا عن ~~الاشتراك في المغازلة العادية، وقد لحظت ذلك من قبل مرة أو مرتين، ولحظت ذلك اليوم مرة ~~أخرى، وقد بدأ الآن يصيح ...» # وعقبت على ذلك الفتاة الصغيرة القلقة قائلة: «إنني - وأيم الحق - لم أقصد أن أوذيه، ~~أو أن أصيبه بأي شيء.» # وقالت الممرضة وهي تطمئنها: «إنك لم تقصدي ذلك بالطبع يا عزيزتي.» ثم ms028 واصلت حديثها، ~~وقد التفتت نحو المدير ثانية، وقالت: «ولذا فأنا سوف آخذه إلى مراقب علم النفس المساعد؛ لكي ~~يرى إن كان به شذوذ.» # قال المدير: «لقد أصبت، خذيه، وابقي أنت هنا أيتها الفتاة الصغيرة.» وانصرفت المربية ~~في صحبة الولد الباكي، الذي عهد به إليها، وسأل المدير الفتاة: «ما اسمك؟» # قالت: «بولي تروتسكي.» # قال المدير: «إنه اسم جميل جدا، انطلقي الآن، وحاولي أن تجدي ولدا صغيرا آخر تلعبين ~~معه.» # فهرولت الفتاة بين الأشجار واختفت عن الأنظار. # وتابعها المدير بالنظر قائلا: «يا لها من مخلوق صغير نفيس!» ثم التفت إلى تلاميذه وقال: ~~«إن ما سأحدثكم عنه الآن، قد يبدو لكم أمرا لا يحتمل التصديق، ولكن المرء إذا لم يتعود ~~العلم بالتاريخ، حسب أن أكثر حقائق الماضي مما لا يحتمل التصديق.» # ثم نطق بحقيقة تدعو إلى الدهشة حقا، قال: «قبل عصر فورد بزمن طويل جدا (فقهقه ~~الطلبة ضاحكين) لم يحسبوه شاذا فحسب، بل كذلك أمرا لا يتفق وقواعد الأخلاق (قال الطلبة: ~~لا نظن ذلك!) ولذا فقد حرموه تحريما باتا.» # وبدت على وجوه المستمعين له نظرة الدهشة وعدم التصديق. # لقد أدهشهم أن يسمعوا أن الأطفال المساكين لم يسمح لهم بإمتاع أنفسهم، ولم يسعهم إلا ~~عدم التصديق. # قال المدير: «حتى المراهقون من أمثالكم ...» ~~- «مستحيل!» ~~- «كانوا يحرمون قليلا استمتاع الفرد بنفسه - خفية - استمتاعا جنسيا، أو تبادل ~~المتعة الجنسية بين أفراد الجنس الواحد. المتعة الجنسية محرمة كل التحريم.» ~~- «كل التحريم! عجبا!» ~~- «أجل، هو كذلك في أكثر الأحوال، حتى يربى الفرد على العشرين من عمره.» # فردد الطلبة هذه الكلمات: «العشرين من العمر!» في صوت واحد ينم عن عدم التصديق. # وكرر المدير كلمة «العشرين»، ثم قال: «لقد قلت لكم إنكم سوف تجدون الأمر بعيد ~~التصديق!» # فسأل الطلبة: «وما الذي حدث؟ وماذا كانت النتيجة؟» ~~«كانت النتيجة مزعجة.» ثم رن وسط حديثهم صوت عميق، أثار فيهم الذعر الشديد. # والتفتوا خلفهم، فإذا برجل غريب ربعة، أسود الشعر، ذي أنف مدبب، وشفتين حمراوين ~~ممتلئتين، وعينين سوداوين نافذتين، يقف عند طرف تلك المجموعة الصغيرة. ms029 # وكان المدير في تلك اللحظة، قد جلس على أحد المقاعد المصنوعة من الصلب والمطاط، التي ~~كانت تنتشر بصورة مريحة خلال الحدائق، ولكنه عند مرأى هذا الرجل الغريب، نهض واقفا واندفع ~~إلى الأمام ويداه مبسوطتان، يبتسم بملء فيه، مبديا كل أسنانه. # فصاح به المدير: «أهلا بالمراقب! يا له من سرور غير منظور! فيم تفكرون أيها الأولاد؟ ~~هذا هو المراقب، هذا صاحب السيادة مصطفى مند.» # حينئذ دقت الرابعة في وقت واحد، أربعة آلاف ساعة كهربية، من الأربعة آلاف حجرة التي ~~يتألف منها المركز، وخرجت من أفواه الأبواق أصوات كأنها صادرة من أجسام حية، وكانت تردد ~~هذا القول: «الآن ينتهي عمل الدور الأول من النهار، ويبدأ عمل الدور الثاني، انتهى دور ~~النهار الأول ...» # وكان هنري فستر ومدير المصائر المساعد بالمصعد، في طريقهما إلى الغرف العليا للتبادل، ~~وقد وليا برنارد ماركس من رجال مكتب علم النفس ظهريهما فجأة، فابتعدا عن رجل له سمعة ~~سيئة. # وما برح طنين الآلات الخافت ودويها يتردد في الجو القرمزي داخل مخزن الأجنة، ~~والرجال الذين يتناوبون العمل يروحون جيئة وذهابا. هذا وجه يعاني السل الجلدي يخلي السبيل ~~لوجه آخر، والحمالون يزحفون قدما بأنوف شامخة وبغير انقطاع، يحملون رجال المستقبل ~~ونساءه. # وسارت ليننا كراون مسرعة نحو الباب. # كان ذلك الرجل صاحب السيادة مصطفى مند! وكادت أعين الطلبة أن تخرج من رءوسهم تحية له، ~~ذلك هو مصطفى مند المراقب المقيم بغرب أوروبا، وهو أحد مراقبي العالم العشرة، وقد جلس مع ~~المدير على المقعد، وسوف يمكث معهم ويتحدث إليهم فعلا، فيدونون مذكراتهم رأسا من فيه، ~~أي رأسا من فم فورد نفسه. # وبرز من الغابة المجاورة طفلان في لون برغوث البحر البني، فحدقا فيهم لحظة بأعين ~~واسعة دهشة، ثم عادا إلى لهوهما بين أوراق الأشجار. # وقال المراقب بصوته القوي العميق: «أحسب أنكم تذكرون جميعا قول فورد الجميل، الذي أوحى ~~له به، وذلك أن التاريخ أكذوبة لذيذة.» وكرر هذه العبارة في بطء شديد. # ثم لوح بيده، وكأنه يزيل التراب بمذبة من الريش لا ترى، ذلك ms030 التراب هو ما يروى عنه ~~هاربا # Harappa # وأور # Ur # في كلديا، وكأنه كذلك يبدد نسيج العنكبوت، وذلك النسيج هو ما يروى عن ~~طيبة وبابل وكنسس # Cnossos # وميسيني # Mycenae ~~، وكأنه بالمذبة كذلك يبدد الأوديسي، وأيوب، والآلهة جوبتر ~~وجوتما # Gotama # ويسوع، وكأنه بالمذبة يزيل تلك البقع ~~القذرة العتيقة، التي نسميها أثينا وروما وبيت المقدس والمملكة الوسطى، وكأنه بها كذلك يمحو ~~المكان الذي كانت تقوم عليه إيطاليا، وبها كذلك يمحو الكنائس الكبرى، والملك لير، وآراء ~~باسكال، وبالمذبة كذلك يبدد العواطف، وصلاة الجنازة، والسمفوني و... و... # وسأل مساعد مدير المصائر هنري قائلا: «هل أنت ذاهب هذا المساء إلى دار الصور المحسة؟ لقد ~~سمعت أن الصورة الجديدة في الهمبرا ممتازة، وأن بها منظر حب فوق سجادة من جلد الدب، ~~يقولون: «إنه جد عجيب، وإن كل شعرة من شعر الدب أمكن إخراجها، وهذه أعجب الصور ~~المحسة».» # قال المراقب: «وذلك هو السبب في أنكم لا تتعلمون التاريخ، أما الآن فقد حان ~~الوقت ...» # ونظر إليه المدير وهو في حالة عصبية؛ فقد نمت إليه تلك الإشاعات العجيبة، عن الكتب ~~القديمة المحرمة المخبأة في إحدى الخزانات في مكتب المراقب، كالإنجيل ودواوين الشعر، وغير ~~ذلك مما لا يعلمه إلا فورد. # واعترض مصطفى مند نظرته الحائرة، والتوت زوايا شفتيه الورديتين تهكما وسخرية، ~~وقال في نغمة تنم عن الازدراء الخفيف: «حقا أيها المدير إنني لن أفسدهم.» # وغلب على المدير الارتباك. # إن أولئك الذين يشعرون باحتقار الآخرين لهم محقون حين ينظرون إلى غيرهم بعين ~~الاحتقار، ولقد ارتسمت على ثغر برنارد ماركس ابتسامة الازدراء، هل أمكن حقا إخراج كل شعرة ~~من شعرات الدب! # وقال هنري فستر: «سوف أهتم بالذهاب.» # وانحنى مصطفى مند إلى الأمام، وهز لهم إصبعه، وقال وقد بعث صوته في حجبهم الحاجزة هزة ~~غريبة مثيرة: «حاولوا أن تدركوا كيف كانت الحال حينما كانت الأمهات تتناسل.» # تلك الكلمة الفاحشة مرة أخرى! ولكن أحدا منهم لم يدر بخلده هذه المرة أن ~~يبتسم. ~~«حاولوا أن تتصوروا معنى «عيش الفرد مع أسرته».» # ولقد حاولوا، وكان من الواضح ms031 أنهم لم يصيبوا أدنى نجاح. ~~«وهل تعرفون ما «البيت»؟» # فهزوا رءوسهم. # وصعدت ليننا كراون سبعة عشر طابقا من غرفتها السفلى المظلمة القرمزية، وخرجت من ~~المصعد، ثم التفتت يمينا، وسارت بحذاء ممر طويل، وفتحت الباب الذي كتب عليه «حجرة اللبس ~~للبنات»، وغاصت في خضم مضطرب من الأذرعة والصدور والأردية الداخلية، وكان هناك مائة حمام، ~~تندفع فيها أو تنبجس منها سيول الماء الساخن، وكنت تسمع الدوي والأزيز يصدر عن ثمانين آلة ~~من آلات التدليك المفرغة المذبذبة، وهي تدلك وتجفف في وقت واحد الأجسام الصلبة، التي ~~لفحتها الشمس بحرارتها لثمانين نموذج رفيع من نماذج الإناث، وكانت كل منهن تتكلم بأعلى ~~صوتها، وكانت هناك كذلك آلة للموسيقى المركبة، تنشد نغمة فردية كأنها من بوق عظيم. # وقالت ليننا إلى الشابة التي كان إلى جوارها المشاجب والصندوق المقفل: «أهلا ~~فاني.» # وكانت فاني تعمل بغرفة القوارير، وكان اسم أسرتها كذلك كراون، ولكن حيث إن الألفي مليون ~~من السكان الذين يقطنون هذا الكوكب، لم يكن لهم سوى عشرة آلاف اسم لهم جميعا، فإن تشابه ~~الأسماء لم يكن أمرا عجيبا. # وجذبت ليننا مشبك سترتها إلى أسفل، وقد أشارت بيديها إلى الفتاتين، اللتين أمسكتا ~~بالسراويل أن يخلعاها، وأشارت إلى غيرهن أن يحللن رداءها السفلي، ثم انطلقت نحو الحمامات، ~~وما برحت تلبس حذاءها وجواربها. # البيت وما أدراك ما البيت: «هو بضع حجرات صغيرة، يزدحم إلى حد الاختناق بساكنيه، وهم ~~رجل، وامرأة تلد بين الحين والحين، وثلة من البنين والبنات من مختلف الأعمار، الهواء فيه ~~منعدم، والفضاء منعدم، كأنه سجن قذر، ينتشر فيه الظلام والمرض والروائح الكريهة.» ~~(وكان تعبير المراقب شديد الوضوح جدا، حتى إن ولدا من الأولاد، أشد حساسية من ~~الآخرين، شحب لونه عند مجرد الوصف، وأوشك أن يخر عليلا.) # وخرجت ليننا من الحمام، وجففت نفسها بالمنشفة، وأمسكت بأنبوبة طويلة مرنة مثبتة في ~~الحائط، ووضعت طرفها فوق ثديها كأنها تزمع الانتحار، ثم ضغطت على المفتاح الضابط إلى أسفل، ~~فإذا بزوبعة من الهواء الدافئ تنثر فوقها مسحوق تالكم الدقيق، وكان فوق حوض ms032 الغسيل ثمانية ~~أنواع مختلفة من العطور والكولونيا تتدفق من الصنابير، وقد فتحت الصنبور الثالث من جهة ~~الشمال، وبللت نفسها «بالشبر»، وحملت حذاءها وجواربها في يدها، ثم خرجت لعلها تجد إحدى ~~الآلات المفرغة المذبذبة خالية من العمل. # والبيت قذر من الوجهة النفسية، كما هو قذر من الوجهة المادية، فهو من الوجهة النفسية أشبه ~~ما يكون بجحر الأرنب أو كومة القاذورات، الحياة فيه مكدسة أشد التكديس؛ ولذا يكثر فيه ~~الاحتكاك وتضطرم العواطف. وما أكثر ما ينشب بين أعضاء الأسرة من تقارب خانق وعلاقات خطرة ~~جنونية فاسدة! والأم تحنو على أطفالها (وأقول أطفالها هي) كالمجنونة، إنها تحنو عليهم كما ~~تحنو الهرة على الهريرات، ولكنها هرة تستطيع الكلام، وتسطيع أن تقول وتكرر قولها: «ولدي، ~~ولدي، هيه يا ولدي، إنه فوق صدري، ما أصغر يديه، إنه جائع، ما أشد سروري به رغم إيلامي! ~~وأخيرا ينام ولدي على جانب فمه فقاعة من اللبن الأبيض، إنه ينام ...» # قال مصطفى مند وقد أومأ برأسه: «نعم، لكم أن ترتعدوا.» # وعادت ليننا من عملية الآلة المفرغة المذبذبة، كأنها لؤلؤة تضيء من داخلها، وتومض ببريق ~~قرنفلي، ثم سألت: «مع من سوف تخرجين هذا المساء؟» ~~- «لا أحد.» # فرفعت ليننا حاجبيها من الدهش. # قالت فاني: «لقد شعرت أخيرا بشيء من التوعك، فنصحني الدكتور ولز أن آخذ «عوضا عن ~~الحمل».» ~~- «ولكنك بلغت التسع عشرة من العمر فقط يا عزيزتي، وعوض الحمل الأول لا يتحتم إلا في ~~الحادية والعشرين.» ~~- «أعرف ذلك يا عزيزتي، ولكن من الناس من يتحسن لو بكر به. لقد خبرني الدكتور ولز أن ~~السمراوات ذوات الحوض الواسع من أمثالي، يجب أن يأخذن عوض الحمل الأول في السابعة عشرة؛ ~~ولذا فإني في الواقع تأخرت عامين، ولم أبكر بهما.» وفتحت باب خزانتها وأشارت إلى صف من ~~الصناديق، وإلى القوارير ذوات البطاقات فوق الرف العلوي. # وقرأت ليننا العبارات بصوت مرتفع: «هذه عصارة بعض خلايا المبيض، أوفارين، طازج مضمون، لا ~~يستعمل بعد أول أغسطس من عام 632ف، خلاصة الغدة الثديية، تؤخذ ثلاث مرات كل يوم، قبل ms033 ~~الوجبات، مع قليل من الماء، المشيمة: ه ج ج، يستعمل للحقن مرة كل ثلاثة أيام.» فارتعدت ~~ليننا وقالت: «أوه إنني أكره حقن الوريد، ألست مثلي؟» # قالت فاني وهي فتاة حساسة جدا: «أجل، ولكنها حين تنفع المرء ...» # كان فورد - أو فرويد، كما كان يحب أن يسمي نفسه (لسبب لا نفهمه)، كلما تحدث عن الشئون ~~النفسية - أول من كشف عن الأخطار المروعة في الحياة العائلية. كان العالم مليئا بالآباء - ~~ولذا كان مليئا بأسباب الشقاء، وكان مليئا بالأمهات - ولذا كان مليئا بكل نوع من أنواع ~~الشذوذ من السادزم (أو الولع بتعذيب الآخرين) إلى العفة، وكان مليئا بالإخوة والأخوات ~~والأعمام والعمات - ولذا فهو مليء بالجنون والانتحار. ~~- «ومع ذلك فمتوحشو ساموا، في بعض الجزر البعيدة عن ساحل غنيا الجديدة ...» # وسطعت الشمس الاستوائية كالشهد الدافئ، فوق أجساد الأطفال العارية، الذين يتقلبون بغير ~~نظام بين زهرات الباسية، وكان البيت في أي منزل من المنازل العشرين ذات السقوف المصنوعة من ~~النخيل، وكان الحمل عند أهل طروبرانده عمل الأسلاف البائدين، ولم يسمع أحد بالأب. # قال المراقب: «إن المتناقضات تتلاقى، لا لشيء إلا لأنها خلقت لكي تتلاقى.» ~~- «يقول الدكتور ولز: إن الاستعاضة عن الحمل ثلاثة شهور، يكون لها أثر كبير في صحتي خلال ~~السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة.» # قالت ليننا: «أرجو أن يكون مصيبا، ولكن هل تقصدين حقا أن تقولي، يا فاني، إنك خلال ~~الأشهر الثلاثة المقبلة لا يصح أن ...» ~~- «كلا يا عزيزتي، إنما يكون ذلك لمدة أسبوع أو أسبوعين فقط، سأقضي هذا المساء في النادي، ~~ألعب البريدج الموسيقي، وأظن أنك ستخرجين، أليس كذلك؟» # فأومأت ليننا برأسها. ~~- «مع من؟» ~~- «مع هنري فستر.» ~~- «مرة أخرى؟» وبدا على وجه فاني الشفيق الشاحب كالقمر، تعبير غير ملائم، ينم عن دهشة ~~الألم وعدم الموافقة، ثم قالت: «هل تقصدين أن تقولي إنك لا زلت تخرجين مع هنري ~~فستر؟» # الأمهات والآباء، الإخوة والأخوات، وكان هناك كذلك الأزواج والزوجات والعاشقون، وكان هناك ~~كذلك الزواج من واحدة والهيام. # قال مصطفى مند: «وإن كنتم ربما لا تعرفون ما هذه ms034 الأشياء.» فهزوا رءوسهم. ~~«الأسرة والزواج من واحدة، والهيام، في كل هذا تلمس التحديد والاهتمام المركز، وتوجيه ~~الدوافع النفسية والنشاط في قناة ضيقة.» # ثم اختتم حديثه مرددا المثل الهينوبيدي: «كل فرد يتعلق بكل فرد آخر.» # فأومأ الطلبة برءوسهم بالموافقة مؤيدين عبارة سمعوها أكثر من 62 ألف مرة في الظلام، ~~مما جعلهم لا يقبلون صدقها فحسب، بل يعتبرونها بدهية توضح نفسها، لا جدال البتة ~~فيها. # واحتجت ليننا قائلة: «ولكني لم ينقض علي أكثر من أربعة أشهر تقريبا منذ رفقتي ~~لهنري.» # قالت فاني: «أربعة أشهر فقط! إني أحب ذلك.» ثم واصلت حديثها مشيرة بأصبعها، كأنها تتهم ~~غيرها، وقالت: «وأكثر من ذلك، لم يكن هناك غير هنري طوال هذه المدة، أليس كذلك؟» # فاحمرت ليننا خجلا، وتوردت وجنتاها، ولكنها تحدت زميلتها بنظرة عينيها ونغمة ~~صوتها، وأجابت في شراسة شديدة، قالت: «كلا، لم يكن هناك رجل آخر، ولست أرى البتة لماذا يكون ~~هناك ثان.» # ورددت فاني عبارتها: «لست أرى البتة لماذا يكون هناك ثان.» وكأنها توجه الخطاب إلى منصت ~~غير مرئي خلف كتف ليننا اليسرى، ثم غيرت نغمة صوتها فجأة، وقالت: «ولكني أظن حقا - وأنا ~~جادة - أنك ينبغي أن تحرصي. إن دوام صحبتك لرجل واحد سيئ جدا، إذا كنت في الأربعين أو ~~الخامسة والثلاثين، فإن الأمر لا يكون سيئا إلى هذا الحد، ولكنه لا يليق بك البتة في سنك ~~يا ليننا، وأنت تعلمين كيف يعترض المدير بشدة على كل تركيز أو مواصلة في أي شأن من الشئون، ~~أربعة شهور مع هنري فستر، دون أن يكون لك رجل آخر، أحسب أنه يغضب لو عرف ...» # قال المراقب: «تخيلوا الماء تحت الضغط في إحدى الأنابيب.» فتخيل الطلبة ذلك، ثم قال: ~~«سأطعنه مرة، وسوف ترون مقدار انبثاقه.» # وطعنه عشرين مرة، فتفجرت عشرون نافورة صغيرة، يتحدر منها قطرات صغيرة من الماء. ~~- «ولدي، ولدي! ...» ~~- «أماه!» إن الجنون معد. ~~- «حبيبي، وحيدي، عزيزي، عزيزي ...» # الأم والزواج من واحدة والهيام. وانبثقت مياه النافورات إلى أعلى، وكان انبجاسها مزبدا ~~شديدا، ولم يكن للدافع سوى مخرج واحد، ms035 حبيبي، ولدي. لا عجب إن كان هؤلاء القوم المساكين ~~السابقون لأبناء العصر الحديث مجانين خبيثين تعساء؛ فإن دنياهم لم تسمح لهم أن يكونوا ~~أصحاء العقول فاضلين سعداء، ذلك أنهم كانوا يعانون وجود الأمهات والمحبين، والمحرمات التي ~~لم يألفوا اقترافها ، ووسائل الإغراء ووخزات الضمير عند الوحدة، والأمراض وآلام العزلة التي ~~لا تنتهي، والشكوك والفقر، وإذا كان إحساسهم بذلك شديدا، يزداد في حالات العزلة الفردية ~~التي لا رجاء فيها، فكيف يستقرون؟ ~~- «ليس ثمة بك حاجة إلى التخلي عنه، ولكن ليكن لك غيره من حين إلى آخر، هذا كل ما في ~~الأمر، فإن لديه بنات أخريات، أليس كذلك؟» # فاعترفت بذلك ليننا. ~~- «بالطبع، وثقي أن هنري فستر هو الرجل المهذب الكامل، وهو دائما على صواب، ثم هناك ~~المدير تعتبرين به، أنت تعرفين أنه يصر على أن ...» # وأومأت ليننا برأسها وقالت: «لقد ضربني من الخلف ضربة خفيفة اليوم بعد الظهر.» # فانتصرت فاني وقالت: «ها أنت ذا، إن هذا يبين لك عقيدته، التقيد بالقديم إلى أبعد ~~الحدود.» # وقال المراقب: «الاستقرار، الاستقرار، لا حضارة بغير استقرار اجتماعي، ولا يكون الاستقرار ~~الاجتماعي بغير استقرار الفرد.» وكان صوته كالبوق، استمع إليه الطلبة فأحسوا بالعظمة ~~وبالدفء. # إن الآلة تدور ثم تدور، إنها تدور إلى الأبد بغير انقطاع، والموت إن وقفت، إن ألف مليون ~~نقشوا قشرة الأرض، ثم بدأت العجلات تسير، وفي خلال مائة وخمسين عاما كان هناك ألفا مليون، ~~ولو وقفت العجلات جميعا هبط العدد مرة أخرى إلى ألف مليون فقط في مائة وخمسين أسبوعا، ~~فإن ألف ألف ألف رجل وامرأة يهلكون ويفنون. # يجب أن تدور العجلات بغير انقطاع، ولكنها لا تدور بغير رقابة، لا بد من وجود الرجال ~~الذين يرقبونها، رجال في ثبات العجلات فوق محاورها، رجال عقلاء، مطيعون، ثابتون في ~~قناعتهم. # ولكنهم يصيحون: «ولدي، أمي، وحيدي، حبيبي الأوحد.» ويثنون قائلين: «خطيبتي، إلهي الجبار.» ~~ويصيحون متألمين، ويدندنون من الحمى، ويولولون من الشيخوخة والفقر؛ فكيف يعنون ~~بالعجلات؟ وإذا لم يعنوا بها ... إن جثث ألف ألف ألف رجل وامرأة يشق دفنها ms036 أو ~~إحراقها. # قالت فاني متلطفة: «وفي النهاية ليس هناك ما يؤلم أو ينفر، إن كان لك إلى جانب هنري رجل ~~آخر أو رجلان، فإن أدركت هذا، فإنه ينبغي لك أن تكوني على شيء من الفوضى ...» # وأصر المدير على أن «الاستقرار هو حاجتنا الأولى والأخيرة، الاستقرار هو سبب كل ~~هذا». # ولوح بيده مشيرا إلى الحدائق، وإلى البناء الضخم، مركز التكييف، وإلى الأطفال ~~العارين، وقد تواروا بين الأشجار أو انطلقوا خلال الحقول. # وهزت ليننا رأسها وقالت: «إنني لم أحس أخيرا بالرغبة الشديدة في الفوضى، إن الإنسان ~~لا يحس ذلك في بعض الأحايين، ألم تصلي إلى هذا أنت كذلك يا فاني؟» # فأومأت فاني برأسها دليلا على العطف والإدراك، ثم قالت في إيجاز: «ولكن لا بد للمرء ~~من بذل الجهد، لا بد له من تمثيل الدور، فكل فرد يتعلق بكل فرد آخر.» # وكررت ليننا هذه العبارة: «أجل، إن كل فرد يتعلق بكل فرد آخر.» في بطء شديد، ثم تنهدت ~~وصمتت لحظة، وتناولت يد فاني وضغطت عليها بخفة، وقالت: «لقد أصبت يا فاني، وسأبذل الجهد ~~كالمعتاد.» # وبعدما تتدفق القطرات المحبوسة، التي تسبب الانفعال، ينبثق فيض من الشعور، أو فيض من ~~العواطف، أو حتى من الجنون؛ فإن ذلك يتوقف على قوة التيار، وعلى ارتفاع الحاجز وقوته، ~~فالتيار الذي لا يقف في سبيله شيء يتدفق بيسر خلال مجاريه المعينة، فيكون الهناءة والهدوء ~~والجنين جائع، والأيام تتوالى ومضخة الدم تدور بغير انقطاع دوراتها الثمانمائة كل دقيقة، ~~ويصيح الطفل في القارورة، فتظهر في الحال مربية ومعها زجاجة من الإفراز الخارجي، ويكمن ~~الشعور في تلك الفترة من الزمن التي تقع بين الرغبة وإنجازها، وإذا قصرت تلك الفترة ~~حطمت كل تلك الحواجز القديمة غير الضرورية. # وقال المراقب: «ما أسعد حظكم يا أبنائي! إننا لم ندخر وسعا في أن نجعل حياتكم سهلة من ~~الناحية العاطفية، لكي نحفظكم - كلما أمكن ذلك - من أن يكون لكم أي نوع من أنواع ~~العواطف.» # وتمتم المدير قائلا: «إن فورد في سيارته الرخيصة، # 1 # وكل شيء في الدنيا ms037 على ما يرام.» # وردد هنري فستر سؤال مساعد مدير المصائر وهو يزم سراويله: «ليننا كراون؟» ثم قال: ~~«إنها فتاة عظيمة، هوائية بدرجة تدعو إلى العجب، ويدهشني أنك لم تظفر بها.» # قال مساعد مدير المصائر: «لا أستطيع أن أتصور كيف كان ذلك، سوف أظفر بها في أول فرصة ~~تسنح.» # وكان برنارد ماركس في الجانب الآخر من الممر في حجرة التغيير، وقد استمع إلى ما كانا ~~يتحدثان به، وشحب لونه. # قالت ليننا: «وأصدقك القول، لقد بدأت أن أمل بعض الشيء ألا يكون غير هنري كل يوم.» وجذبت ~~جوربها الأيسر وسألت بنغمة عرضية جدا، كان من الجلي أنها اضطرت إليها اضطرارا، قالت: ~~«هل تعرفين برنارد ماركس؟» # فبدا الذعر على فاني، وقالت: «لعلك لا تقصدين ...؟» ~~- «ولماذا لا أقصد؟ فإن برنارد من النوع (+أ)، ثم إنه فوق ذلك طلب إلي أن أذهب معه إلى ~~أحد الأماكن المخصصة للمتوحشين، وكنت دائما أتوق إلى أن أرود أحد تلك الأماكن.» ~~- «ولكن سمعته؟» ~~- «فيم تهمني سمعته؟» ~~- «يقولون إنه لا يحب لعبة جولف الموانع.» # وقالت ليننا ساخرة: «إنهم يقولون ويقولون.» # وقالت فاني في صوت ينم عن الرعب: «ثم هو يقضي أكثر وقته وحيدا منعزلا.» ~~- «لكنه لن يكون وحيدا وهو معي، ثم إني لا أدري لماذا تغلظ قلوب الناس معه إلى هذا الحد؟ ~~أظن أنه على كثير من الظرف.» ثم ابتسمت لنفسها، لقد كان يخجل بدرجة غير معقولة - بل قل ~~كان يخشاها - كأنها مراقبة عالمية وهو عامل من نوع «−ج» من عمال الآلات. # قال مصطفى مند: «فكروا في حياتكم، هل اصطدم أحدكم مرة ما بعقبة لا يمكن التغلب ~~عليها؟» # فكانت الإجابة بالصمت الذي يدل على النفي. ~~«وهل اضطر أحدكم إلى أن يعيش فترة طويلة من الزمن بين الإحساس بالرغبة ~~وتحقيقها؟» # وهم أحد الأولاد بالإجابة، ثم تردد. # فقال له المدير: «انطق، ولا تجعل صاحب السيادة في انتظارك.» ~~- «اضطررت مرة أن أنتظر نحو أربعة أسابيع قبل أن تسمح لي فتاة اشتهيتها ~~بحيازتها.» ~~- «وهل أحسست بعاطفة قوية نتيجة لذلك؟» ~~- «بل مزعجة.» # قال المدير: «هي ms038 حقا مزعجة، ولقد بلغ بأسلافنا الغباء وقصر النظر أنهم قاطعوا المصلحين ~~الأوائل، الذين تطوعوا لإنقاذهم من هذه العواطف المزعجة.» # واصطكت أسنان برنارد وهو يقول: «إنهم يتحدثون عنها كأنها قطعة من اللحم، يظفر بها هذا أو ~~يظفر بها ذاك كأنها لحم الضأن، إنهم ينحطون بها فيعاملونها كأنها ضأن، لقد قالت إنها سوف ~~تفكر في الأمر، وقالت إنها سوف تجيبني هذا الأسبوع، أي فورد، يا فورد.» وكان يحب أن يتوجه ~~إليهما ويضربهما على وجهيهما ضربا شديدا مرة بعد أخرى. # وكان هنري فستر يقول: «نعم، إني حقا أنصح لك أن تجربها. # خذوا مثالا ميلاد الأطفال بغير حمل، لقد رسم بفتسنر وكواجوشي الطريقة الفنية لذلك كاملة، ~~ولكن هل أعارتها الحكومة اهتماما؟ كلا، فلقد كان هناك شيء اسمه المسيحية، وكان النساء ~~يرغمن على أن يبقين من الكائنات التي تتناسل بالحمل.» # قالت فاني: «ما أقبحه!» ~~- «ولكني أحب ملامحه.» ~~- «وهو صغير الحجم جدا!» وقطبت فاني وجهها؛ لأن صغر الحجم كان دليلا على انحطاط ~~النوع وبشاعته. # قالت ليننا: «أظن ذلك محببا نوعا ما، فالمرء يحس بالميل إلى تدليله، كأنه قط.» # وكانت تلك صدمة لفاني، قالت: «يقولون إن أحد العمال أخطأ معه - وهو ما يزال في القارورة - ~~حسبه من «ج» ووضع الكحول في دمه، وهذا هو السبب في نقص نموه.» # فقالت ليننا حانقة: «ما هذا الهراء!» ~~- «كان التعلم أثناء النوم محرما بالفعل في إنجلترا، وكان هناك شيء اسمه الحرية، وأصدر ~~البرلمان - إن كنتم تعرفون ما هو - قانونا ضدها، وما زالت السجلات باقية، لدينا خطب عن ~~حرية الموضوع، والحرية في أن تكون عاجزا بائسا، والحرية في أن يضع المرء نفسه موضعا ~~شاذا.» # وربت هنري فستر على كتف مساعد مدير المصائر، وقال: «ولكن أؤكد لك يا عزيزي أنك سوف ~~تلقى ترحيبا، وعلى كل حال؛ فإن كل فرد يتعلق بكل فرد آخر.» # وفكر برنارد ماركس وهو متخصص في التعليم أثناء النوم (هبنوبيديا)، في التكرار مائة مرة ~~ثلاث مرات في الأسبوع لمدة أربع سنوات، إن التكرار 624000 مرة يكون حقيقة واحدة، يا لهم ms039 ~~من بلهاء! ~~- «أو نظام الطبقات، كانوا يقترحونه دائما، وينبذونه دائما، وكان هناك شيء اسمه ~~الديمقراطية، كأن الناس كانوا متساويين في ناحية أخرى غير مساواتهم الجثمانية ~~الكيميائية.» ~~- «كل ما أستطيع أن أقوله أني سوف أقبل دعوته.» # وكان برنارد يمقتهما كل المقت، ولكنهما اثنان، عظيمان، قويان. ~~- «بدأت حرب السنوات التسع عام 141ف.» ~~- «إن ذلك لن يكون حتى لو صدق ما قيل عن الكحول في دمه.» ~~- «فسجين وكلوروبكربن واثيليود واكيتيت وديفينيلكيانارسين وتركلور مثيل كلورفورميت ~~وكلوروثيل سلفايد، ولا داعي لذكر حامض هيدروكيانك.» # واختتمت ليننا الحديث قائلة: «وهو ما لا أصدقه.» ~~- «الضجة التي تحدثها أربعة عشر ألف طائرة تتقدم بنظام صريح، ولكن في كورفرستندام ~~وارندسمنت الثامن، لا يكاد صوت انفجار قنابل الحجرة يعلو على فرقعة كيس من الورق ~~منفوخ.» ~~- «ذلك لأني أحب أن أرى أحد الأماكن المخصصة للمتوحشين. # ك ن # 3 # ك # 6 # يد # 2 ~~(زا # 2 ~~) + ر (ك زا # 2 ~~) = ماذا؟ جحر كبير في ~~الأرض، وكومة من البناء، وقطع من اللحم والمخاط، وقدم لا زالت تلبس الحذاء، تطير في الهواء ~~ثم تسقط على الأرض، وتحدث صوتا وسط نباتات إبرة ~~الراعي - القرمزي منها خاصة، لقد كان معرضا ~~فاخرا في ذلك الصيف!» ~~- «لا رجاء منك يا ليننا، لقد يئست منك.» ~~- «وكانت الطريقة الروسية الفنية لإفساد موارد المياه طريقة فريدة تدل على ~~النبوغ.» # واستمرت فاني وليننا في التغيير صامتتين، وقد ولت كل منهما الأخرى ظهرها. ~~- «حرب السنوات التسع، والانهيار الاقتصادي الكبير، كان الناس أمام أمرين: إما السيطرة ~~على العالم أو دماره، إما الاستقرار أو ...» # وقال مساعد مدير المصائر: «إن فاني كراون فتاة جميلة كذلك.» # انتهى الدرس الأول في شعور الطبقات في حجرات الأطفال، وكانت الأصوات توائم بين الطلبة ~~والإمداد الصناعي في المستقبل، وتهمس قائلة: «أحب الطيران، أحب الطيران، أحب الحصول على ~~الملابس الجديدة، أحب ...» ~~- «ماتت الحرية بالطبع من أثر قنبلة الحجرة، ولكنك مع هذا لا تستطيع أن تفعل شيئا ~~بالقوة.» ~~- «ليست هوائية كليننا.» # واستمر الهمس الذي لا يفتر يقول: «ولكن الملابس العتيقة رديئة جدا، إننا دائما نطرحها ms040 ~~جانبا. الاستغناء عنها خير من إصلاحها، الاستغناء عنها خير من إصلاحها، الاستغناء عنها ~~خير ...» ~~- «الحكم يتم بالجلوس لا بالضرب، فأنت تحكم بالعقل والأرداف، ولا تحكم بقبضة اليد، فكان ~~هناك مثلا تجنيد الاستهلاك.» # قالت ليننا: «أنا مستعدة، دعنا نقيم الصلح يا عزيزتي فاني.» ولكن فاني بقيت صامتة متحولة ~~عنها. ~~- «كل رجل وكل امرأة وكل طفل يرغم على استهلاك قدر معين كل عام، وذلك لمصلحة الصناعة، ~~والنتيجة الوحيدة ...» ~~- «الاستغناء خير من الإصلاح، كلما زاد الرتق قلت الثروة، كلما زاد الرتق ...» # قالت فاني مؤكدة في نغمة محزنة: «سوف يشكل عليك الأمر في يوم من الأيام.» ~~- «اعتراض الضمير الحي بدرجة هائلة، أي شيء لا يستهلك، عود إلى الطبيعة.» ~~- «إني أحب الطيران، إني أحب الطيران.» ~~- «عود إلى الثقافة، نعم إلى الثقافة فعلا، إنك لا تستهلك كثيرا، إذا جلست صامتا وأخذت ~~تقرأ الكتب.» # وسألت ليننا: «هل أنا حسنة المظهر؟» وكانت سترتها مصنوعة من قماش حامض الزجاج الأخضر، ~~وعلى سوارها وبنيقتها فراء لزج. ~~- «إن ثمانمائة رجل ممن يعيشون عيشا بسيطا، حصدتهم المدافع الآلية عند جولدرز ~~جرين.» ~~- «الاستغناء خير من الإصلاح، الاستغناء خير من الإصلاح.» # سراويل قصيرة من المخمل المخطط الأخضر، وجوارب بيضاء من الصوف اللزج مطوية إلى أسفل تحت ~~الركب. ~~- «ثم جاءت مجزرة المتحف البريطاني الشهيرة، ألفا مروحة ثقافية مزودة بغاز دكلورثل ~~سلفايد.» # وكانت تظلل عيني ليننا قبعة خيال ملونة بالأخضر والأبيض، وحذاؤها أخضر لامع، شديد ~~الصقل. # قال مصطفى مند: «أدرك المراقبون في النهاية أن القوة لا تفيد، إن طريقة التناسل بغير حمل ~~والتكييف على طريقة بافلوف الجديدة، والتعلم أثناء النوم أبطأ ولكنها آكد جدا ...» # وأدارت حول خصرها حزاما موشى بالفضة أخضر اللون، مصنوعا من جلد كجلد مراكش، يبرز منه ~~المدد المقرر من المواد التي تمنع الحمل (لأن ليننا لم تكن خنثى). ~~- «إن مكتشفات بفتسنر وكاواجوشي انتفع بها أخيرا، والدعاية الكبيرة ضد التناسل ~~بالحمل ...» # وصاحت فاني متحمسة: «ما أكملك!» إنها لم تستطع مرة من المرات أن تقاوم سحر ليننا طويلا، ~~ثم قالت: «وما أحلى هذا الحزام المالتسي!» ms041 ~~- «مصحوبة بحملة ضد الماضي، وبإغلاق المتاحف، وتحطيم الآثار التاريخية (ولحسن الحظ تحطم ~~أكثرها في حرب السنوات التسع)، وبإعدام كل الكتب التي نشرت قبل عام 150ف.» # قالت فاني: «لا بد لي من الحصول على واحد مثله.» ~~- «كانت هناك - مثلا - أشياء تسمى الأهرام.» ~~- «إن حزامي القديم الأسود اللامع ...» ~~- «ورجل يسمى شيكسبير، إنكم بالطبع لم تسمعوا بهم.» ~~- «إن حزامي هذا شائن لي جدا.» ~~- «هذه هي مزايا التربية العلمية الحقيقية.» ~~- «كلما زاد الرتق قلت الثروة، كلما زاد الرتق قلت ...» ~~- «إن إدخال نموذج فورد الأول رقم «ت» ...» ~~- «إنه عندي منذ ثلاثة أشهر تقريبا.» ~~- «اختير بداية لتأريخ العهد الحديث.» ~~- «الاستغناء خير من الإصلاح، الاستغناء خير ...» ~~- «وكان هناك - كما قلت من قبل - شيء اسمه المسيحية.» ~~- «الاستغناء خير من الإصلاح.» ~~- «إن قواعد الأخلاق والفلسفة التي تتعلق بنقص الاستهلاك ...» ~~- «أحب الملابس الجديدة، أحب الملابس الجديدة، أحب ...» ~~- «كانت ضرورية جدا عندما كان الإنتاج ناقصا، أما في عصر الآلات وتثبيت النتروجين، ~~فهي قطعا جريمة ضد المجتمع.» ~~- «لقد أعطاني إياه هنري فستر.» ~~- «لقد أزيلت رءوس الصلبان جميعا فأصبحت كالحرف # T ~~، وكان ~~هناك شيء يسمى الله.» ~~- «إنه من جلد مراكش الجديد الأصلي.» ~~- «عندنا الآن حكومة عالمية، وعندنا الاحتفالات بيوم فورد، وأغاني الجماعة، وصلوات ~~التماسك.» # وكان برنارد ماركس يفكر ويقول لنفسه: «وحق فورد إني لأمقتهما أشد المقت!» ~~- «وكان هناك شيء اسمه السماء ... ولكنهم كانوا برغم ذلك يشربون كميات كبيرة من ~~الكحول.» ~~- «مثل اللحم، مثل كمية من اللحم.» ~~- «وكان هناك شيء اسمه الروح، وشيء اسمه الخلود.» ~~- «اسألي هنري من أين أتى به.» ~~- «ولكنهم كانوا يتعاطون المورفين والكوكايين.» ~~- «ومما يزيد الأمر سوءا أنها تحسب نفسها كاللحم.» ~~- «وفي عام 178ف أعين بالمال ألفا عالم من علماء العقاقير وعلماء الكيمياء ~~الحيوية.» # قال مساعد مدير المصائر مشيرا إلى برنارد ماركس: «إنه عابس.» ~~- «وبعد ست سنوات أصبحوا ينتجون هذه العقاقير كاملة التركيب، ويعرضونها في ~~السوق.» ~~- «دعنا نغريه.» ~~- «مخدر سار يبعث على اختلاط العقل.» ~~«إن ماركس عابس كالح الوجه.» وقد نبهته ضربة على الكتف فنظر إلى أعلى، فإذا بذلك ~~الرجل القاسي ms042 هنري فستر يقول: «إنك بحاجة إلى جرام من السوما.» # 2 ~~- «كل مزايا المسيحية والكحول، ولا شيء من عيوبهما.» ~~«وحق فورد إني أتمنى أن أقتله!» ولكنه اكتفى بقوله: «كلا، أشكرك.» ونبذ أنبوبة ~~الأقراص التي قدمت له. ~~- «تأخذ من الواقع عطلة كلما أردت، وتعود بغير صداع أو خرافة.» # وألح هنري فستر قائلا: «خذها ، خذها.» ~~- «لقد تأكد الاستقرار عمليا.» # قال مساعد مدير المصائر مرددا عبارة من الحكم الهبنوبيدية المألوفة: «إن سنتيمترا ~~مكعبا واحدا يشفي عشرا من العواطف الحزينة. # ولم يبق إلا أن نتغلب على الشيخوخة.» # وصاح برنارد ماركس قائلا: «تبا لك.» ~~- «على رسلك.» ~~- «هرمونات جونادال # Gonadal ~~، ونقل دم الشباب، وأملاح ~~المغنزيوم ...» ~~- «أذكر أن الجرام خير من التباب.» ثم انصرفوا ضاحكين. ~~- «إن كل الوصمات الجثمانية للشيخوخة، قد أزيلت وزالت معها بالطبع ...» # قالت فاني: «لا تنسي أن تسأليه عن ذلك الحزام المالتسي.» ~~- «وزالت معها كل الخصائص العقلية عند الشيوخ، فالشخصية تبقى ثابتة طوال ~~الحياة.» ~~- «... بقي شوطان من جولف الموانع نتمها قبل الظلام، لا بد أن أطير.» ~~- «العمل واللعب. إن قوانا وذوقنا تبقى في الستين على ما كانت عليه في السابعة عشرة، ~~لقد اعتاد الشيوخ في الأيام السالفة السيئة أن يبتعدوا، ويعتزلوا، ويتدينوا، وينفقوا ~~الوقت في القراءة والتفكير، التفكير!» # وكان برنارد ماركس يقول لنفسه وهو يسير في الممر صوب المصعد: «يا لهم من حمقى ~~خنازير!» ~~- «نعم هذا هو التقدم، الشيوخ يعملون، والشيوخ ينكحون، إن الوقت لا يتسع للشيوخ، فهم لا ~~يفرغون من المتعة، ولا يجدون لحظة واحدة يجلسون فيها للتفكير، وإذا سنحت لهم - لسوء حظهم ~~- فرجة من الوقت تشق لهوهم المتصل، فهناك السوما اللذيذة، يتناولون منها نصف جرام لعطلة ~~نصف اليوم، وجراما لعطلة نهاية الأسبوع، وجرامين لرحلة إلى بلاد الشرق العظيمة، وثلاثة ~~لرحلة أزلية مظلمة في القمر، ثم يعودون من فراغهم آمنين مطمئنين إلى عملهم اليومي المستقر ~~وإلى لهوهم، يفرون من دار من دور الصور المحسة إلى آخر، ومن فتاة إلى أخرى هوائية، ومن ~~شوط من الجولف الممغطس الكهربائي إلى ...» # وصاح المدير غاضبا: «انصرفي أيتها الفتاة ms043 الصغيرة، انصرف أيها الغلام! ألستما تريان أن ~~صاحب السيادة منهمك في العمل؟ انصرفا وتلهيا بالحب في مكان آخر.» # وقال المراقب: «يا لهم من أطفال مساكين!» # وسار الحمالون مبطئين متعاظمين، مصحوبين بدوي الآلات الخفيف، يقطعون ~~ثلاثة وثلاثين سنتيمترا في الساعة، وتألق في الظلام الأحمر عدد من الياقوت لا ~~يحصى. # | الفصل الرابع # 1 # كان المصعد يغص بالرجال من حجرات «أ» للتغيير، وقد قوبلت ليننا عند دخولها ~~بالإيماء الودي والابتسام تحية لها، فلقد كانت فتاة محببة إلى الجميع، قضت مع كل ~~منهم تقريبا ليلة في وقت من الأوقات. # وقالت لنفسها وهي ترد التحية: «إنهم أولاد أعزاء، لهم سحر وفتنة!» وبرغم هذا ~~فكم كانت تود لو لم تكن أذنا جورج أدزل بهذا الحجم الكبير (ربما أعطى نقطة أكثر مما ~~ينبغي من باراثيرويد عند المتر 328)، ونظرت إلى بنتو هوفر فلم يسعها إلا أن تذكر أنه ~~حقا يبدو كثيف الشعر عندما يخلع ملابسه. # والتفتت إلى إحدى الزوايا بعين حزينة، لذكرى شعر بنتو الأسود المجعد، فرأت برنارد ~~ماركس بجسمه الصغير النحيل، ووجه المكتئب الحزين. # فتوجهت نحوه، وقالت: «برنارد! لقد كنت أبحث عنك.» ورن صوتها في وضوح، وعلا على دوي ~~المصعد وهو يرتفع، والتفت الآخرون مستطلعين الخبر، قالت: «كنت أود أن أتحدث معك عن خطة ~~المكسيك الجديدة التي وضعناها.» واستطاعت أن ترمق بطرف عينها بنتو هوفر وهو فاغر فاه ~~من الدهشة، فساءها انفراج فمه، وقالت لنفسها: «يدهشني أني لم أتوسل إليه أن أرافقه مرة ~~أخرى!» ثم رفعت عقيرتها بالكلام مرة أخرى، وقالت بحرارة لم تألفها: «إني أحب أن أرافقك ~~أسبوعا في شهر يوليه.» (وكانت على أية حال ~~تبرهن علانية على خيانتها لهنري، وينبغي أن تسر فاني لذلك، حتى إن كانت الخيانة مع ~~برنارد)، وابتسمت له ليننا ابتسامة حلوة لها معناها، وقالت: «هذا إن كنت لا تزال ~~تحب رفقتي.» # فتدفق الدم في وجه برنارد الشاحب، وساءلت ليننا نفسها متعجبة مندهشة: «ما الذي ~~يدعو إلى ذلك؟» ولكنها في الوقت نفسه تأثرت لهذه الاستجابة العجيبة لنفوذها. # وقال برنارد وهو يتلجلج: «ألا ms044 يجدر بنا أن نتحدث في ذلك في مكان آخر؟» وبدا عليه عدم ~~الارتياح بصورة مزعجة. # وقالت ليننا لنفسها: «كأنني أتحدث عن شيء منفر، لا أحسب أنه يشمئز أ كثر من ~~ذلك، لو أني تفكهت بنكتة قذرة - كأن أسأله من تكون أمه، أو ما شابه ذلك.» # وارتبك واضطرب، ثم قال: «أقصد أنه مع وجود كل هؤلاء حولنا ...» # وضحكت ليننا ضحكة صريحة، لا تنم عن شيء من الحقد، وقالت: «يا لك من رجل مضحك.» ~~وكانت بالفعل تحسبه رجلا مضحكا، وقالت بنغمة أخرى: «إنك سوف تنذرني قبل الموعد ~~بأسبوع على الأقل، أليس كذلك؟ أظن أننا سوف نستقل الصاروخ الهادئ الأزرق، هل يبدأ من ~~برج شارنج-ت أو من هامستد؟» # وقبل أن يستطيع برنارد الإجابة وقف المصعد. # ونادى صوت له صرير: «السطح!» # وكان عامل المصعد مخلوقا صغيرا كالقرد، يرتدي قميصا أسود من قمصان أنصاف ~~المعتوهين من نوع «−ه». ~~- «السطح!» # وفتح الأبواب على مصاريعها، وقد ارتعد قليلا واهتزت جفونه، عندما التقت عيناه ~~بضياء الشمس الدافئ الرائع، بعد ظهر ذلك اليوم، فكرر لفظة «السطح!» في صوت المبتهج، ~~وكأنه تنبه فجأة من سبات مهلك مظلم، فسر لذلك كثيرا، وصاح: «السطح!» # وابتسم في وجه الراكبين ابتسامة المترقب المعجب، فبرزوا إلى الضياء وهم يتكلمون ~~ويتضاحكون، وكان عامل المصعد يرعاهم وهم يخرجون. # وقال مرة أخرى متسائلا: «هذا هو السطح؟» # ثم دق أحد الأجراء، وكان بسقف المصعد مكبر للصوت، أخذ يصدر أوامره بصوت ناعم ~~ثابت. # قال الصوت: «اهبطوا، اهبطوا، الطابق الثامن عشر. اهبطوا، اهبطوا الطابق الثامن عشر. ~~اهبطوا ...» # وأغلق عامل المصعد الأبواب محدثا صوتا عاليا، ثم مس بيده أحد الأزرار، وهبط ~~المصعد في الحال في فجوة تدوي بالطنين، وعاد العامل إلى ضوء كالشفق، هو ضوء السبات ~~الذي ألف. # وكان الجو على السطح دافئا مضيئا، وكانت ساعة الأصيل في فصل الصيف تبعث على ~~النعاس؛ لما يتردد فيها من طنين السيارات ~~الطائرة # helicopters ~~، والدوي الشديد الذي تحدثه الطائرات الصاروخية، وهي تخترق ~~السماء اللامعة مسرعة غير مرئية، على ارتفاع خمسة أميال أو ستة، كان أشبه ms045 ما يكون ~~بملاطفة الهواء اللين، وشهق برنارد ماكس شهيقا عميقا، ورفع بصره نحو السماء وحول ~~الأفق الأزرق، ثم في النهاية إلى وجه ليننا. # وقال في صوت مرتعش: «أليس هذا جميلا!» # فتبسمت له معبرة عن إدراكها لما يعنيه مع عطفها الشديد عليه، وأجابت وهي في نشوة ~~من السرور: «الجو أصلح ما يكون للعبة جولف الموانع، والآن لا بد لي من أن أطير يا ~~برنارد، إن هنري يغضب إذا خليته منتظرا. أخبرني في الوقت المناسب عن التاريخ.» ثم ~~لوحت بيدها، وجرت إلى الجانب الآخر من السطح الفسيح المستوي صوب حظائر الطائرات، ~~ووقف برنارد يرقب بريق الجوارب البيضاء وهي تعود القهقري، والركبتين المحترقتين من ~~حرارة الشمس، وهما تنثنيان ثم تستقيمان بنشاط بالغ مرة بعد أخرى، والسراويل القصيرة ~~المخملية المخططة الملتصقة بجسمها، وهي تدور برفق تحت سترتها التي هي في خضرة ~~القوارير، وارتسمت على وجهه ملامح الألم. # وسمع خلفه صوتا مرتفعا مبتهجا يقول: «لا بد لي أن أعترف بجمالها.» # فتنبه برنارد وتلفت حوله، فإذا بوجه بنتو هوفر الأحمر المنتفخ، يشرق عليه بشيء ~~من الإخلاص البادي، وكان بنتو معروفا بطبعه الطيب، مؤاخذا عليه، ويقول عنه الناس: ~~إنه يستطيع أن يشق طريقه في الحياة دون أن يمس السوما، ولم يصب قط بالحقد وحدة ~~المزاج، التي تصيب غيره من الناس فيستأجزونها، وكانت الحقيقة تسطع دائما لبنتو مشرقة ~~كالشمس. # قال بنتو: «هو هوائي أيضا، ولكن كيف كان ذلك!» وبنغمة أخرى قال: «ولكني أراك ~~مكتئبا، إنك في حاجة إلى جرام من السوما.» ودفع يده في الجيب الأيمن من سرواله، ~~وأخرج منه قنينة، ثم قال: «إن سنتيمترا واحدا مكعبا يشفي عشرة مكتئبين ... ولكن اسمع ~~يا ...» # والتفت برنارد فجأة، ثم انطلق. # وتابعه بنتو بالنظر محدقا فيه، وقال متعجبا: «ماذا عسى أن يكون بهذا الرجل؟» ثم ~~هز رأسه، وقرر أن قصة صب الكحول في دم هذا المسكين، لا بد أن تكون صادقة، ثم قال: «أظن ~~أنه مس ذهنه.» # ثم أعاد قنينة السوما إلى جيبه، وأخرج صندوقا صغيرا من لبان الهرمونات الجنسية، ~~وملأ ms046 أحد شدقيه بقطعة منه، وسار متباطئا نحو حظيرة الطائرات، وهو يمضغ اللبان. # وكانت طائرة هنري فستر قد أخرجت على عجلاتها من مخبئها، وكان وقتما وصلت ليننا ~~معتليا مكان السائق منتظرا. # ولما اتخذت مكانها إلى جانبه لم يزد على قوله: «لقد تأخرت أربع دقائق ...» ثم سير ~~الآلات وأعد طائرته للتحليق، فاندفعت الآلة رأسا في الفضاء، وزاد هنري من سرعتها، ~~وتحول طنين المحرك من صوت الدبور الكبير إلى صوت الدبور الصغير ثم إلى صوت الناموسة، ~~وأظهر مقياس السرعة أنهما كانا يرتفعان ما ينيف عن الكيلومترين في الدقيقة، وتضاءلت ~~لندن تحت بصريهما، وأصبحت المباني ذات السطوح المستوية - بعد بضع ثوان - كحوض من نبات ~~الفطر هندسي الشكل، ينبت وسط خضرة البساتين والحدائق. ووسط تلك المباني كان برج شارنج ~~- ت، وهو كساق نبات الفطر الدقيق، غير أنه أطول منها وأرق - يرفع صوب السماء قرصا من ~~الخرسانة اللامعة. # وانطلقت في السماء الزرقاء، فوق رءوسهم كسف من السحاب كاللحم المترهل، وهي أشبه ~~ما تكون بجذوع الرياضيين الخياليين، ذات الأشكال الغامضة. # قال هنري: «ذلك هو الصاروخ الأحمر، قدم الآن من نيويورك.» ونظر إلى ساعته، وهز رأسه ~~قائلا: «لقد تأخر سبع دقائق، هذه الطائرات التي تعبر الاطلانطيق تخلف مواعيدها ~~بدرجة مشينة.» # ورفع قدمه عن محرك السرعة، فهبط دوي اللوالب فوق رأسه ثماني درجات صوتية ونصف، فسمع ~~مرة أخرى صوتا كصوت الدبور الصغير، فالدبور الكبير، فالنملة، فالخنفساء. وهبطت سرعة ~~الاندفاع إلى أعلى، وبعد لحظة كانا معلقين في الفضاء بلا حراك، ودفع هنري أحد الروافع، ~~فسمعت طقطقة، وبدأ المحرك يدور أمام أعينهما، في حركة بطيئة أول الأمر، ثم أخذ يسرع ~~شيئا فشيئا، حتى أصبح كالضباب المستدير، وأخذت الريح تهب من سرعة الانطلاق الأفقي، ~~وتصفر في الحواجز ويعلو صفيرها شيئا فشيئا، وثبت هنري نظره في عداد الدورات، فلما ~~مست الإبرة العلامة التي تدل على 1200 أوقف لوالب الطائرة، ولكن الآلة تحتفظ بقوة ~~اندفاع تكفي طيرانها بغير محرك. # ونظرت ليننا إلى أسفل خلال النافذة السفلية بين قدميها، فعرفت أنهما كانا يطيران ~~فوق منطقة ms047 الستة كيلومترات من الحدائق، التي تفصل وسط لندن عن الحلقة الأولى من ~~ضواحيها التابعة لها، وقد بدت الأحياء فوق الخضرة كالديدان لبعدها عن النظر، وكانت ~~العمدان المتكاثفة للعبة التنس الجديدة تتألق بين الأشجار، وعند شجيرة الراعي كان ألفا ~~شخص من طراز «−ب»، يختلطون أزواجا أزواجا، ويلعبون تنس ريمان، واصطف في الطريق ~~الرئيسي من نتنج هل إلى ولزدن، صف مزدوج من نوع خاص من الدرج المتحرك، وفي ملعب إيلنج ~~عرض لألعاب جماعة من طراز «د» وغناء جمعي. # وقالت ليننا: «ما أقبح اللون الكاكي.» مرددة ما أوحي إلى أبناء طبقتها بطريقة ~~التعلم أثناء النوم. # وكانت مباني مسرح هاوتسلو للصور المحسة تغطي سبعة هكتارات ونصف، # 1 # وإلى جوارها جيش من العمال يرتدون الأسود والكاكي، منهمكين في إعادة تزجيج ~~سطح طريق الغرب الكبير، وكانت إحدى البوتقات الضخمة تقرع وهما يطيران فوقها، ويصب ~~الحجر المنصهر في مجرى يعبر الطريق من جانب إلى آخر ويتوهج توهجا يبهر العين، ~~وأسطوانات الاسبستس (وهو مادة لا تحترق) تتحرك جيئة وذهابا، وفي ذيل عربة للري ~~معزولة، كانا يريان البخار يرتفع على هيئة سحب بيضاء. # وعند برنتفورد بدا مصنع شركة التلفزيون كالمدينة الصغيرة. # قالت: «لا شك أنهم يغيرون الدور.» # وتجمع البنات من طراز «ج» اللائي كن في خضرة أوراق الشجر، وأنصاف المعتوهين السود، ~~حول المداخل كما تتجمع الندوات العسلية أو النمال، ووقف بعضهن في صفوف؛ كي تأخذ كل منهن ~~مكانها بدورها في عربات الترام، التي تسير على قضيب واحد، أما الأشخاص من طراز «−ب» ~~الذين كانوا في لون التوت، فكانوا يسيرون جيئة وذهابا بين الجمهور المحتشد، وكان سقف ~~البناء الرئيسي يموج بحركة الصعود في طائرات الهلكبتر والرحيل على متنها. # قالت ليننا: «كم أنا مسرورة لأني لست من الطراز «ج».» # وبعد عشر دقائق بلغوا ستوك بوجز، وبدءوا الشوط الأول من لعبة جولف الموانع. # 2 # أسرع برنارد إلى الجانب الآخر من السطح، وعيناه في أكثر الوقت منكستان، وإذا وقعتا ~~على زميل ما تحولا عنه بغتة وخلسة، وكأنه رجل مطارد، يقتفي أثره أعداء لا ms048 يحب أن ~~يراهم؛ خشية أن يظهروا له أشد عداوة مما كان يحسب، وخشية أن يزيد إحساسه بالإثم ~~وبالعزلة التي ليس له فيها معين. # هناك مثلا بنتو هوفر، ذلك الرجل البشع، كان رجلا حسن النية، ولكن ذلك كان يزيد ~~الأمر سوءا من ناحية ما، فإن أولئك الذين حسنت نياتهم كانوا لا يختلفون في سلوكهم ~~عن أولئك الذين ساءت نياتهم، ولقد كان يقاسي حتى من ليننا، وتذكر تلك الأسابيع التي ~~لازمه فيها الجبن والتردد، حينما كان يتطلع ويتشوق، ولكنه يائس من التشجع على سؤالها، ~~هل كان يجرؤ على مواجهة الخطر الذي ينشأ عن إذلاله برفض مشوب بالازدراء؟ ولكنها إن قالت ~~نعم شاع في قلبه السرور، والآن ها هي ذي تقول نعم، ولكنه لا يزال بائسا حزينا؛ لأنها ~~رأت مساء ذلك اليوم خير الأمسية للعبة جولف الموانع، فهرولت للقاء هنري، ولأنها حسبته ~~رجلا غريب الأطوار؛ لأنه لم يرد أن يتحدث علنا في أخص شئونهما. إنه - بعبارة أخرى - ~~بائس؛ لأنها سلكت كما تسلك أية فتاة إنجليزية صحيحة البدن، ولم تسلك سلوكا آخر شاذا ~~غير عادي. # وفتح باب محبسه ونادى خادمين مسترخيين من طراز «−د»، وطلب إليهما أن يدفعا طائرته إلى ~~الخارج فوق السطح، وكان يقوم بالعمل في حظائر الطائرات جماعة بوكانوفسكية واحدة، ~~والرجال هناك توائم متشابهون، صغار الحجوم، سود يبعثون التقزز والاشمئزاز. وألقى برنارد ~~أوامره في نغمة حادة، تشف عن الاستعلاء بل والاعتداء، وهي النغمة التي يتحدث بها ~~الرجل، إذا لم يكن مطمئنا إلى سموه على غيره، وكان برنارد دائما يشعر بالضيق الشديد ~~عند التعامل مع أفراد الطبقات الدنيا؛ لأن تركيبه الجثماني - لسبب ما - لم يكد يتفوق ~~على التركيب الجثماني للفرد المتوسط من طراز «ج» (ويحتمل جدا أن تكون الإشاعة السائدة ~~عن وجود الكحول في دمه صحيحة؛ لأن أمثال هذه الحوادث قد تقع). كان طوله ينقص ثماني ~~سنتيمترات عن رجل أصيل من الطراز «أ»، وكان نحيفا نسبيا، وكان اتصاله بالأفراد من ~~الطبقات الدنيا دائما يذكره بهذا النقص الجثماني ويؤلمه، وكان يردد في نفسه هذا ms049 القول: ~~«وددت لو لم أكن كما أنا.» وكان إحساسه بنفسه شديدا وباعثا على الضيق، وكلما التقى ~~برجل من طراز «د»، ورأى أنهما في مستوى واحد، وأنه لا ينظر إليه من عل، أحس بالذلة ~~والخنوع، وتساءل هل يعاملني هذا المخلوق بالاحترام الواجب لأبناء طبقتي؟ وكان هذا ~~السؤال يؤرقه في كل حين، وله في ذلك المعذرة؛ لأن «ج ، د، ه» قد تكيفوا إلى حد ما ~~على ربط ضخامة الجسم بعلو المكانة الاجتماعية، وفي الحق: إن شيئا من الإعجاب بالضخامة ~~كان شائعا من أثر الإيحاء أثناء النوم، ومن ثم كان النساء اللائي يتقرب إليهن يسخرن ~~منه، وأضرابه من الرجال يهزءون به، فكان من أثر السخرية يحس بأنه رجل غريب، ويدفعه هذا ~~الإحساس إلى أن يسلك سلوك الغريب، فكان ذلك يزيد من التحيز ضده، ويقوي الاحتقار ~~والازدراء والعداوة، التي تثيرها عيوبه الجثمانية، وهذا بدوره يزيد من إحساسه بالغرابة ~~والعزلة، وتولد لديه خوف دائم من استخفاف الناس به، فكان يتحاشى أضرابه، ويقف ممن ~~دونه موقف الرجل، لا يفارقه الإحساس بكرامته، وكان شديد الحسد للرجال من أمثال هنري ~~فستر وبنتو هوفر - أولئك الذين لا يشعرون بضرورة الصياح للناس من طراز «ه»، كي يطاع لهم ~~أمر، أولئك الذين لا يفكرون في مراكزهم، أولئك الذين يتحركون وسط هذا النظام الطبقي، ~~كما تتحرك السمكة في الماء، فهم مطمئنون أشد الاطمئنان حتى إنهم لا يدركون وجود أنفسهم، ~~ولا يدركون العناصر النافعة المريحة التي نشئوا في أحضانها. # وظن برنارد أن الخادمين التوءمين أخرجا طائرته إلى السطح على عجلاتها متباطئين ~~متمنعين. # فقال ثائرا: «أسرعوا!» فرمقه أحدهم بنظرة، وهل كان ما يراه في أعينهم الرمادية، التي ~~لا يرتسم عليها شيء، ضربا من ضروب الاحتقار الدنيء؟ فعلا صوته بالصياح قائلا: ~~«أسرعوا!» وكان بصوته خشونة قبيحة. # واعتلى الطائرة، وحلق بها بعد دقيقة واحدة جنوبا صوب النهر. # كان مقر مكاتب الدعاية المختلفة وكلية هندسة العواطف، في بناء واحد من ستين طابقا ~~في شارع فليت، وكنت ترى بالدور السفلي وفي الطوابق الدنيا مطابع ومكاتب صحف لندن ~~الثلاثة ms050 الكبرى، وهي: «راديو الساعة»، وهي صحيفة للطبقة العليا، و«الغازيت «ج»» ذات ~~اللون الأخضر الشاحب، و«المرآة «د»» وهي صحيفة لونها كاكي وكل كلماتها من مقطع ~~واحد، وتأتي بعد ذلك على التتابع مكاتب الدعاية بالتليفزيون، وبالصور المحسة، وبالصوت ~~الصناعي والموسيقى، وهي تشغل اثنين وعشرين طابقا، وتعلوها معامل البحث والحجرات ~~المبطنة، التي يؤدي فيها كتاب الشارات الصوتية والمؤلفون الصناعيون عملهم الدقيق، ~~أما الطوابق الثمانية عشر العليا فكانت تشغلها كلية هندسة العواطف. # وهبط برنارد بطائرته على سطح بيت الدعاية، ثم نزل منها. # وأمر حمالا من طراز «+ه» أن يدق الجرس لمستر هلمهلتز واطسن، ويخبره أن برنارد ~~ماركس بانتظاره فوق السطح. # ثم جلس وأشعل لفافة تبغ. # وكان هلمهلتز واطسن يكتب حينها بلغته الرسالة. # فرد قائلا: «قل له إني آت في الحال.» ثم علق السماعة، والتفت إلى سكرتيرته وقال ~~لها محتفظا بنغمة الكلام الرسمية غير الشخصية: «سأتركك لتحفظي أشيائي هذه.» وتجاهل ~~ابتسامتها المشرقة، ونهض وسار بهمة نحو الباب. # كان رجلا قوي البنية، واسع الصدر، عريض المنكبين، ضخما غير أنه سريع الحركة، خفيف ~~لدن العود، ويرتكز فوق عمود رقبته القوي المستدير رأس جميل التكوين، شعره أسود ~~مجعد، وملامحه واضحة القسمات، شديد الأناقة، قوي التأثير في الناظر إليه، وكل سنتيمتر ~~منه يدل على أنه «+أ»، كما تقول سكرتيرته وتكرر القول بغير كلال، مهنته محاضر بكلية ~~هندسة العواطف (قسم الكتابة)، وفي فترات تتخلل أعماله التعليمية يشتغل كمهندس للعواطف، ~~وكان يكتب بانتظام في «راديو الساعة»، ويؤلف صورا للسينما المحسة، بارعا أشد ~~البراعة في صياغة كلمات الشعار، ونظم عبارات الإيحاء الهبنوبيدي. # يحكم عليه رؤساؤه أنه «قدير، وربما كانت قدرته أشد مما ينبغي»، ويقولون عنه ذلك وهم ~~يهزون رءوسهم، ويخفضون أصواتهم تخفيضا له مغزاه. # أجل لقد كانت قدرته أشد مما ينبغي، ولقد أصابوا فيه الحكم، وقد أحدث التفوق العقلي ~~في هلمهلتز واطسن آثارا شديدة الشبه، بما أحدثه النقص الجثماني في برنارد ماركس، ~~كان برنارد قليل العظام كثير العضلات، فانعزل عن قرنائه. ولما كان هذا الإحساس بالعزلة ~~بكل المعايير السائدة تفوقا عقليا، فقد ms051 أصبح بدوره سببا في زيادة الاعتزال، ~~وكذلك شدة اقتدار هلمهلتز جعلته شديد الإحساس بنفسه وبعزلته بدرجة مقلقة، فكان ~~الرجلان يشتركان في العلم بأنهما فريدان بين أضرابهما - كان برنارد ذو العيب الجثماني ~~يعاني طوال حياته من إحساسه بالعزلة، ولكن هلمهلتز واطسن لم يدرك تفوقه العقلي إلا منذ ~~عهد قريب جدا، فأصبح كذلك يدرك الخلاف بينه وبين الناس المحيطين به، كان هذا الرجل ~~بطلا في لعبة السكواش على الدرج المتحرك، كان عاشقا لا يفتر (يقال إنه اتصل بستمائة ~~وأربعين فتاة مختلفة في أقل من أربع سنوات)، ولكنه أدرك فجأة أن الألعاب والنساء ~~والنشاط الاجتماعي بالنسبة إليه مزايا ثانوية، أما في الواقع وفي حقيقة الأمر فقد كان ~~يهتم بشيء آخر، ولكن بماذا؟ تلك هي المشكلة التي أتى برنارد ليناقشه فيها - أو قل ~~إنه أتى ليستمع إلى صديقه مرة أخرى وهو يناقشها؛ لأن هلمهلتز كان دائما يقوم وحده ~~بالحديث. # والتقى به وهو يخرج من المصعد ثلاث فتيات فاتنات، من مكتب الدعاية بالصوت ~~الصناعي. # فتعلقن به وتوسلن إليه قائلات: «عزيزنا هلمهلتز، رجاؤنا أن ترافقنا إلى إكسمور، ~~وتتناول معنا طعام العشاء.» # فهز رأسه وشق طريقه وسطهن قائلا: «كلا، كلا.» ~~- «إننا لن ندعو رجلا آخر.» # ولكن هلمهلتز لم يهتز حتى بعد هذا الوعد الجميل، فأجاب قائلا: «كلا، إنني مشغول.» ~~وواصل سيره في عزم شديد، فتعلق البنات بأذياله، ولم ييئسن من متابعته إلا بعدما اعتلى ~~فعلا طائرة برنارد وأغلق بابها، ولم يخل من تأنيبهن. # وارتفعت الطائرة في الفضاء وهو يقول: «عجبا لهؤلاء النسوة!» وهز رأسه وقطب جبينه، ثم ~~قال: «ما أشد إزعاجهن!» ووافقه برنارد نفاقا ودهانا، متمنيا - وهو يتفوه بالكلام ~~- أن يكون له من البنات ما لهلمهلتز وبقليل من المشقة مثله، ثم استولت عليه فجأة ~~رغبة ملحة في الزهو بنفسه فقال: «إنني سوف أصطحب ليننا كراون إلى المكسيك الجديدة.» ~~وقد تكلف أن يكون الحديث عرضيا غير مقصود. # ولم يهتم هلمهلتز البتة لذلك فقال: «أفهذا صحيح؟» وصمت برهة ثم قال: «لقد انقطعت ~~خلال الأسبوع أو الأسبوعين السابقين عن جمعياتي ms052 وفتياتي جميعا، ولا تستطيع أن تتصور ~~الضجة التي أحدثوها في الكلية من أجل ذلك، ولكن الأمر كان يستدعي ذلك فيما أظن، ~~والنتائج ...» وهنا تردد في الكلام ثم قال: «ماذا أقول؟ إنها عجيبة جدا.» # إن النقص الجثماني قد يسبب فيض النشاط العقلي، والظاهر أن العكس صحيح، فالنشاط ~~العقلي المتوفر يجوز - لأغراضه الخاصة - أن يؤدي بصاحبه إلى عزلة مقصودة، يتكلف فيها ~~العمى والصمم، كما يؤدي إلى الزهد، الذي يتصنع فيه العجز المطلق. # ولبثا بقية الرحلة الهوائية القصيرة صامتين، ولما بلغا غرفة برنارد واستلقيا ~~مسترخيين فوق الأرائك الهوائية عاد هلمهلتز إلى الحديث. # فقال في بطء شديد: «هل أحسست مرة كأن شيئا بداخلك ينتظر منك أن تتيح له الفرصة ~~كي ينطلق؟ ضربا من ضروب القوة الفائضة التي لا تستخدمها - كالماء الذي يتدفق من ~~المساقط بدلا من أن يتخلل الآلات البخارية.» وألقى على برنارد نظرة المستفهم. ~~- «تقصد العواطف التي يحس بها المرء، حينما تسير الأمور على غير ما ~~يهوى؟» # فهز هلمهلتز رأسه، وقال: «ليس هذا بالضبط ما قصدت إليه، إنما أقصد ذلك الشعور ~~العجيب الذي ينتابني أحيانا، وهو الشعور بأن لدي أمرا هاما أريد أن أعبر عنه، ~~كما أن لدي القدرة على التعبير، غير أني لا أدري ما هو، فلا أستطيع أن أستفيد من ~~قدرتي على التعبير، لو كانت هناك طريقة أخرى للكتابة ... أو لو كان هناك شيء آخر أكتب عنه ~~...» وسكت عن الكلام لحظة، ثم عاد يقول: «إنني بارع في اختراع التعابير - إنك تعرف ذلك ~~الضرب من الكلمات، التي تجعلك تثب بغتة كأنك جالس على دبوس، لقد بلغت هذه الكلمات ~~درجة كبيرة من الجدة والقدرة على الإثارة والتنبيه، حتى إن كانت تعبر عن شيء ~~واضح من وجهة الإيحاء النومي، ولكن هذا لا يكفي، لا يكفي أن تكون العبارات جيدة، ~~وإنما ينبغي كذلك أن تؤدي بها عملا طيبا.» ~~- «ولكن أعمالك طيبة يا هلمهلتز؟» # فهز هلمهلتز كتفيه وقال: «هي كذلك إلى حد ضئيل، فهي ليست من الأهمية بمكان، وإني ~~أحس أنني أستطيع أن أؤدي عملا أكثر ms053 من ذلك أهمية، وأكثر غزارة وأشد عنفا، ولكن ماذا ~~عسى أن يكون ذلك؟ وماذا عساي قائل مما هو أكثر أهمية؟ وكيف يستطيع المرء أن يكون ~~عنيفا في الأشياء التي ينتظر منه أن يكتب عنها؟ إن الكلمات يمكن أن تكون كأشعة إكس ~~إذا أحسنت استعمالها - إنها تخترق أي شيء، تقرؤها فتطعنك. هذه إحدى الأشياء التي ~~أحاول أن أعلمها تلاميذي: كيف يكتبون كتابة تطعن القارئ، ولكن ما الجدوى من إحساس ~~القارئ بالطعنات من مقال عن الغناء الجمعي، أو عن أحدث التحسينات في أعضاء الشم؟ ~~ثم هل تستطيع أن تجعل الكلمات طاعنة حقا - كأقوى أشعة إكس - حينما تكتب عن مثل هذه ~~الأشياء؟ هل تستطيع أن تقول شيئا عن لا شيء؟ هذا ما يئول إليه الأمر في النهاية، إني ~~أحاول وأحاول ...» # وقال برنارد بغتة: «أنصت!» ورفع إصبعه منذرا صاحبه، وأصغيا، ثم همس قائلا: ~~«أعتقد أن أحدا ما عند الباب.» # فنهض هلمهلتز، وسار على أطراف أصابعه إلى الجانب الآخر من الغرفة، وفتح الباب على ~~مصراعيه بحركة حادة سريعة، ولكنه بالطبع لم يجد أحدا. # فقال برنارد وقد أحس بسخفه، وبدا عليه هذا الإحساس، آسف، وما أحسب إلا أن أعصابي ~~مضطربة بعض الاضطراب، إذا ارتاب الناس في أمرك داخلتك الريبة في أمورهم. # وحرك يده فوق عينيه، ثم تنهد، وقال يبرر نفسه في صوت الشاكي: «لو عرفت ما كان ينبغي ~~لي أن أقاسي في العهد الأخير، لو علمت ذلك ...» وامتلأت عيناه بالدموع، وأشفق على نفسه ~~إشفاقا، انبثق منه كما تنبثق مياه النافورة، إذا أطلقتها بغتة. # واستمع إليه هلمهلتز واطسن وقد أحس بشيء من القلق، وقال محدثا نفسه: «مسكين ~~برنارد!» ولكنه أحس في نفسه الوقت بالخجل من أجل صاحبه، وود لو أن برنارد أظهر شيئا ~~من الكبرياء أكثر من ذلك. # | الفصل الخامس # 1 # لما بلغت الساعة الثامنة أخذ الضوء يتلاشى، وبدأ مضخم الصوت في برج نادي ستوك ~~بوجس، يعلن انتهاء أشواط اللعب في صوت أقوى من صوت الإنسان، فكفت ليننا وهنري عن ~~اللعب وسارا عائدين نحو النادي، وسمع خوار ms054 آلاف الماشية صادرا من ميادين «اتحاد ~~الإفراز الداخلي والخارجي»، وهي الماشية التي تمد بهرموناتها وألبانها المواد الخام ~~للمصنع العظيم في فارنهام الملكي. # وملأ الجو ساعة الأصيل دوي طائرات الهلكبتر الذي لا ينقطع، وكان دق الجرس وصياح ~~الصفافير يعلن كل دقيقتين ونصف قيام إحدى القاطرات الخفيفة، التي تسير على قضيب واحد ~~حاملة لاعبي الجولف، من الطبقات الوضيعة من ميدانهم المنفصل إلى العاصمة. # واعتلت ليننا وهنري طائرتهما ثم انطلقا، وعلى بعد ثمانمائة قدم مس هنري المفاتيح ~~ليبطئ سرعة الطائرة، ولبثا معلقين دقيقة أو دقيقتين فوق المناظر الطبيعية ~~المتلاشية، ووقعت أبصارهما على غابة برنام من أشجار الزان، وكأنها بركة عظيمة من ~~الظلام، تمتد نحو الأفق الغربي المشرق بالضياء، واختفت الشمس الغاربة تحت الأفق ~~القرمزي خلال اللون البرتقالي، الذي تعلوه الصفرة فاللون الأخضر الشاحب المائي، وفي ~~الشمال خلف الأشجار وفوقها كان النور الكهربي القوي اللامع، يشع من نوافذ الطوابق ~~العشرين، التي يتألف منها مصنع الإفرازات الخارجية، وتحتها تقع مباني نادي الجولف - ~~الثكنات الضخمة للطبقة الدنيا، وعلى الجانب الآخر من حائط فاصل ~~البيوت الصغيرة، المحجوزة للأعضاء من طراز «أ» ~~و«ب»، واسودت مشارف محطة القطار الذي يسير على قضيب واحد بأبناء الطبقة الدنيا، ~~الذين كانوا يدبون كالنمال المتكاثرة، ومن تحت القبو الزجاجي اندفع في الفضاء قطار ~~مضيء، وسار في طريقه الجنوبي الشرقي يخترق السهل المظلم، فانجذبت عيون الناس نحو ~~المباني الفخمة التي كانت تستخدم كحمأة لإحراق الجثث، وكان لها أربع مداخن طويلة ~~ينعكس عليها الضوء، وعلى قممها علامات الخطر القرمزية لهداية الطائرات التي تحلق ~~أثناء الليل، فكان المكان علما من معالم الطريق. # وسألت ليننا قائلة: «لماذا وضعت حول المداخن هذه الأشياء التي تشبه ~~الشرفات؟» # فأخذ هنري يشرح لها في عبارة موجزة ~~إيجاز البرقيات، قال: «استرداد الفسفور، إن الغازات في سيرها إلى أعلى المداخن تمر ~~بأربع عمليات، كان فر # 2 # # 2 # فيما مضى يخرج ~~من الدورة رأسا كلما أحرقوا شخصا من الأشخاص، أما الآن فهم يستردون أكثر من 98 في ~~المائة منه، وذلك أكثر من كليو ونصف ms055 من جثة الرجل البالغ، ويكون ذلك أكثر من أربعمائة ~~طن من الفسفور كل عام في إنجلترا وحدها.» وكان هنري يتحدث في سرور وإعجاب، مبتهجا ~~بكل قلبه بهذه النتيجة، كأنها نتيجة عمله الخاص، ثم قال: «ما أجمل أن نعرف أننا ~~نبقى نافعين للمجتمع حتى بعد الممات! إننا نساعد النبات على النمو.» # وكانت ليننا في تلك الأثناء قد ~~حولت عينيها عن هذا المنظر، وصوبت نظرها عموديا إلى أسفل عند محطة القطار الذي ~~يسير على قضيب واحد، وقالت: «أجل هذا جميل، ولكن من العجب أن الأفراد من «أ» و«ب» لا ~~ينبتون زرعا أكثر من أفراد «ج» و«د» و«ه» الصغار القذرين الذين أراهم تحت ~~بصري.» # فقال هنري موجزا: «كل الناس متساوون ~~في التركيب الطبيعي والكيمائي، ثم إن الأفراد جميعا حتى من طراز «ه» يؤدون خدمات لا ~~غنى عنها.» # وذكرت هذه العبارة «حتى الناس من طراز «ه» ...» ليننا فجأة بحادث وقع لها أيام أن ~~كانت طفلة بالمدرسة، وذلك أنها تيقظت مرة في منتصف الليل، وأدركت لأول مرة الهمس الذي ~~كان لا يبارحها كلما نامت، عاد إلى ذاكرتها شعاع القمر، وصف الأسرة الصغيرة البيضاء، ~~ورن في أذنها ثانية ذلك الصوت الناعم الذي كان يردد هذه العبارة: «كل فرد يعمل ~~للأفراد الآخرين، إننا لا نستغني عن أحد، حتى أبناء «ه» نافعون، لسنا بغنى عنهم، كل ~~فرد يعمل للأفراد الآخرين، إننا لا نستغني عن أحد ...» (وقد ذكرت الكلمات بنصها، ولم ~~تغب عن ذاكرتها - ولن تغيب - بعد تكرارها عدة ليال طوال)، وتذكرت ليننا أول صدمة من ~~صدمات الخوف والاندهاش، وتأملاتها خلال نصف ساعة من ساعات اليقظة، ثم تذكرت ما كان ~~يحدث لها تحت تأثير ذلك التكرار، الذي لا ينتهي من هدوء عقلي تدريجي، هدوء يزحف عليها ~~خفية وخلسة. # وقالت بصوت مرتفع: «أظن أن أفراد «ه» لا يهمهم فعلا أنهم من طراز «ه».» ~~- «طبعا لا يهمهم ذلك، وكيف يهتمون وهم لا يعرفون كيف يكون المرء غير ذلك، نحن ~~طبعا يهمنا الأمر، ولكن ذلك لأننا تكيفنا بطريقة أخرى، ثم إنا فوق ms056 ذلك نبدأ ~~بوراثة تختلف عن وراثتهم.» # قالت ليننا وهي واثقة: «أحمد الله أني لست من «ه».» # قال هنري: «ولو كنت من «ه» لتكيفت على صورة تجعلك تحمدين الله، على أنك لست من ~~الألف أو الباء.» وأدار المحرك الأمامي ودفع بالطائرة نحو لندن، وكاد يتلاشى خلفهم في ~~الغرب لون السماء القرمزي والبرتقالي، وزحفت سحب الظلام إلى كبد السماء، وبينما كانا ~~يطيران فوق محرقة الجثث، اندفعت الطائرة إلى أعلى في عمود الهواء الساخن المرتفع من ~~المداخن، ثم هبطت بغتة عندما مرت بالمنطقة الباردة خلف المداخن. # وضحكت ليننا مسرورة وقالت: «ما أعجب هذه الحركة الرجعية!» # ولكن هنري أخذ يتحدث في اكتئاب فترة وجيزة من الزمن، قال: «هل تعلمين ما هذه الحركة ~~الرجعية؟ هي كائن بشري اختفى نهائيا، لقد ارتفع في دفعة من الغاز الساخن، وإنك ~~لتعجبين من يكون ذلك الشخص - رجلا أو امرأة، من الألف أو الهاء ...» ثم تنهد وختم حديثه ~~بصوت ينم عن الابتهاج والعزيمة، قائلا: «على أية حال، هنالك أمر واحد نستطيع أن ~~نكون منه على ثقة، أيا كان ذلك الشخص فقد كان سعيدا حينما كان على قيد الحياة، فإن ~~كل إنسان اليوم سعيد.» # ورددت ليننا عبارته قائلة: «أجل إن كان إنسان اليوم سعيدا.» فقد سمعا هذه الكلمات ~~تتكرر مائة وخمسين مرة كل مساء مدة اثني عشر عاما. # وهبطت الطائرة فوق سطح بيت هنري ذي الطوابق الأربعين في وستمنستر، فتوجها توا إلى ~~قاعة الطعام، حيث تناولا معا وجبة فاخرة وهما يصيحان من فرط السرور، أخذت ليننا قرصين ~~زنة الواحد منهما نصف جرام، وأخذ هنري ثلاثة. ولما بلغت الساعة التاسعة والثلث عبرا ~~الشارع إلى مرقص (كاباريه) وستمنستر آبي الذي افتتح من عهد قريب، وكانت ليلة غير ~~مقمرة صافية مرصعة بالنجوم، ولكن هنري وليننا لم يدركا - لحسن الحظ - هذه الحقيقة ~~المقبضة؛ لأن «علامات السماء» الكهربية أخفت الظلام الخارجي كل الإخفاء، وطالعا هذه ~~العبارة «كالفن ستو بز وفرقته المكونة من ستة عشر عازفا على السكسوفون»، وقد كتبت خارج ~~مرقص آبي الجديد بخط عريض براق ms057 يجذب المارين، وطالعا كذلك هذه العبارة: «أجمل أراغين ~~لندن للعطور والألوان، أحدث موسيقى مركبة.» # ودخلا المرقص، وكان الهواء حارا ساكنا تشم فيه عبير العنبر وخشب الصندل، وعلى ~~قبة سقف الردهة كان أرغن الألوان في تلك اللحظة، يشع ضياء كضياء الشمس الغاربة في ~~المناطق الحارة، وكان العازفون على السكسوفون الست عشرة ينشدون الأغنية القديمة ~~المحبوبة ، التي تبدأ بهذه العبارة: «ليس في العالم كله قارورة مثل قارورتي الصغيرة ~~العزيزة.» وكان بالقاعة أربعمائة زوج يدورون حول أرض الردهة الصقيل، وهم يرقصون ~~الرقصة ذات الخمس خطوات، وسرعان ما انضم هنري وليننا إلى هذه المجموعة الراقصة، وكانت ~~آلات السكسوفون تنوح كأنها القطط ذات الصوت الرخيم تحت القمر، وتئن بصوت مرتفع مرة ~~ومنخفض مرة أخرى كأن الموت يقترب منها، والجوقة ذات الصوت المرتجف - وهي غنية بما ~~تعرف عن علم قواعد الألحان - علت نغماتها حتى بلغت القمة، لقد أخذت تعلو ثم تعلو حتى ~~لوح في النهاية رئيس الفرقة بيده، فانطلقت النغمة الأخيرة للموسيقى الأثيرية وقضت ~~على غيرها من النغم، وبذا بدد الرئيس الستة عشر عازفا من البشر العادي من الوجود، ~~وقصف الرعد من أحد المفاتيح، ووسط الضجيج والأضواء ارتفعت بالتدريج نغمة عجيبة، وأخذت ~~نغمة أخرى في الانخفاض شيئا فشيئا، وظلت خافتة فترة ما، فكانت مجموعة عجيبة من ~~الأنغام، وأخيرا حدث انفجار فجائي، صحبه الستة عشر عازفا منشدين: # قارورتي، كنت دائما بحاجة إليك! # قارورتي، لماذا أفرغوني منك؟ # السموات بداخلك زرقاء، # والجو هناك دائما جميل؛ # إذ ليس في العالم بأسره قارورة # مثل قارورتي. # وما عتم هنري وليننا يرقصان رقصة الخطوات الخمس مع الأربعمائة ~~الآخرين حول وستمنستر آبي، وكأنهما يرقصان في عالم آخر ... عالم إجازة السوما الدفيء ~~الغني بالألوان، العالم الودي إلى أقصى الحدود. كان كل امرئ شفيقا، جميل المحيا، ~~مسليا يبعث على السرور! «قارورتي، كنت دائما بحاجة إليك ...» ولكن هنري وليننا ظفرا ~~بما كانا يطلبان ... فهما في الداخل، في تلك اللحظة وفي ذلك المكان - مطمئنون في الداخل ~~مع الهواء العليل، والسماء ذات الزرقة الدائمة، ولما أنهك الموسيقيون الست عشرة ms058 ~~طرحوا سكسفوناتهم جانبا، وأخذ جهاز الموسيقى المركبة يترنم بأحدث الأنغام والأغاني، ~~حينئذ شعر هنري وليننا كأنهما جنينان توءمان يترجحان معا فوق محيط قنيني من الدم ~~الجديد. # وألقت مضخمات الصوت أوامرها مستترة في أدب موسيقي بهيج، قالت: «عموا مساء يا ~~أصدقائي الأعزاء، عموا مساء يا أصدقائي الأعزاء، عموا مساء ...» # وخلف هنري وليننا المكان طائعين مع الآخرين جميعا، وكانت النجوم التي تبعث في ~~النفوس الضيق، قد تقدمت في مسيرها مسافة طويلة في السماء، ومع أن الستار الحاجز من ~~«علامات السماء»، قد تبدد الآن إلى حد كبير، غير أن الفتى والفتاة ما برحا ينعمان ~~بجهلهما حقيقة المساء. # وقبل موعد الإغلاق بنصف ساعة، كانا قد تناولا الجرعة الثانية من السوما، فأقامت بين ~~عقليهما وبين العالم الواقعي سدا منيعا، وعبرا الطريق وهما يحسان كأنهما في ~~القوارير، وكذلك اعتليا المصعد إلى حجرة هنري في الطابق الثامن والعشرين، كانت ليننا ~~تحس كأنها في القارورة، وكانت قد تناولت جراما ثانيا من السوما، ولكنها برغم ذلك لم ~~تنس أن تتخذ كل احتياط ضد الحمل وفقا للقواعد المتبعة، وكانت تتخذ هذا الاحتياط ~~بطريقة آلية كلمح البصر من أثر الإيحاء، أثناء النوم الذي تعرضت له سنوات عدة، ومن أثر ~~التدريب المالتسي الذي خضعت له بين الثانية عشرة والسابعة عشرة ثلاث مرات كل ~~أسبوع. # وقالت وهي عائدة من الحمام: «إن هذا يذكرني بأن فاني كراون تريد أن تعرف أنى ~~لك هذا الحزام الأخضر الجميل، المصنوع من جلد كالجلد المراكشي الذي ~~أعطيتنيه.» # 2 # كانت أيام الخميس الجديدة هي الأيام التي يؤدي فيها برنارد صلاة الجماعة، يتناول ~~عشاءه مبكرا في الأفروديتيم (التي انتخب لها هلمهولتز من عهد قريب وفقا للبند ~~الثاني)، ثم يستأذن صاحبه، وينادي سيارة أجرة فوق السطح، ويطلب إلى سائقها أن يطير به ~~إلى بيت الغناء الجمعي لصاحبه فوردسن، فترتفع السيارة مائتي متر، ثم تتجه رأسا نحو ~~الشرق، وعند دورانها يرى برنارد أمام عينيه بيت الغناء، وهو بناء ضخم جميل، من المرمر ~~الأبيض طوله 320 مترا، ينعكس فوقه الضوء فيشرق فوق لدجيت ms059 هل متوهجا كالثلج الناصع، ~~وله رصيف للطائرات، عند كل ركن من أركانه الأربعة حرف # T # ضخم، يتلألأ باللون القرمزي أثناء الليل، وبالمكان أربعة وعشرون بوقا ذهبيا كبيرا، ~~تتجلجل من أهوائها موسيقى مركبة مقدسة. # ولما وقعت عينا برنارد على «ساعة هنري الكبيرة» في بيت الغناء، قال محدثا نفسه: ~~«ألا لعنة الله علي! لقد تأخرت.» ودقت الساعة فعلا وهو يدفع للسائق أجره، ورددت ~~الأبواق الذهبية في صوت منخفض غليظ هذه الكلمة: «فورد، فورد، فورد ...» وترنمت بها تسع ~~مرات، وركض برنارد صوب المصعد. # وكانت قاعة الاجتماعات الكبرى التي يقام فيها الاحتفال بعيد فورد، كما تلقى فيها ~~الأناشيد الدينية الجمعية في أسفل البناء، وفوق هذه القاعة سبعة آلاف حجرة، مائة في كل ~~طابق، تستخدمها «فرق الجماعة» في صلواتهم التي يؤدونها مرة كل أسبوعين، وهبط هنري إلى ~~الطابق الثالث والثلاثين، وانطلق في دهليزه مسرعا، ثم وقف خارج الغرفة رقم 3210 برهة ~~من الزمن مترددا، ثم التوى بجسمه وفتح الباب ثم ولج الغرفة. # وحمد برنارد فورد أن لم يكن آخر الداخلين، فقد بقيت ثلاثة مقاعد من الاثني عشر ~~المنظمة حول المائدة المستديرة فارغة، فدلف إلى أقربها، وحاول ما استطاع ألا يلحظه أحد، ~~وتأهب للغضب عند دخول القادمين بعده في أي وقت يصلون. # والتفتت نحوه الفتاة التي كانت على يساره وسألته: «ماذا كنت تلعب بعد ظهر اليوم؛ ~~الموانع أو المغناطيسية الكهربية؟» # ونظر إليها برنارد، ولشد ما كانت دهشته لما عرف أنها مرجانة رستشيلد، واعترف لها ~~في خجل شديد أنه لم يلعب هذه أو تلك، فحدقت فيه مرجانة في دهشة شديدة، ثم كانت فترة ~~من الصمت يسودها القلق. # والتفتت بغتة إلى الرجل الرياضي الذي كان إلى يسارها ووجهت إليه الخطاب. # واكتأب برنارد وظن أن تلك اللحظة كانت بداية صالحة لصلاة الجماعة، وارتقب لنفسه ~~الفشل مرة أخرى في أن يظفر بالتكفير، وكان يود لو أنه أعطى لنفسه الفرصة، كي يتلفت ~~حواليه بدلا من الإسراع إلى أقرب المقاعد، كان يستطيع أن يجلس بين فيفي برادلاف ~~وجوانا ديرل، ولكنه استقر إلى ms060 جوار مرجانة بغير تفكير. لك الله يا مرجانة! يا لحاجبيها ~~الأسودين - أو حاجبها على الأصح - لأنهما كانا يلتقيان فوق أنفها. عجبا! وعلى يمينه ~~كلارا دترتدنج، حقا إن حاجبيها لم يلتقيا، ولكنها كانت ~~هوائية جدا، في حين أن فيفي وجوانا كانتا كاملتين ~~من جميع النواحي، كانتا ممتلئتين، شقراوين، متوسطتي الجسم ... وقد ظفر بالمقعد المتوسط ~~بينهما ذلك الفظ الغليظ توم كاواجوشي. # وكانت ساروجيني انجلز آخر من حضر. # فقال لها رئيس الجماعة في قسوة شديدة: «لقد تأخرت، وأرجو ألا يحدث ذلك مرة ~~أخرى.» # فاعتذرت ساروجيني واتخذت لنفسها مقعدا بين جم بوكانوفسكي وهربرت باكونن، واكتملت ~~الفرقة الآن، وأمست جماعة الصلاة تامة لايشوبها نقص. وقد جلسوا حول المائدة في دائرة ~~كاملة، كل رجل إلى جوار امرأة، وكل امرأة إلى جوار رجل، كانوا اثني عشر شخصا مستعدين ~~لأن يندمجوا في واحد، ويرتقبون التماسك والاندماج التام، فيفقد كل منهم مميزاته ~~الشخصية، ويتلاشى في كائن واحد كبير. # ونهض الرئيس على قدميه، ورسم علامة الحرف # T ~~، وأدار ~~الموسيقى المركبة، وأطلق دق الطبول المستمر، وجوقة من الآلات الموسيقية المختلفة، التي ~~أخذت تردد في نغمة مثيرة الألحان القصيرة، ذات الأثر الشديد في النفوس من نشيد ~~الجماعة الأول، وتكرر النشيد مرة بعد أخرى، ولم يستمع الحاضرون إلى نغمة النابض ~~بآذانهم، وإنما استمعوا إليه بحجبهم الحاجزة، ولم يؤثر عويل تلك النغمات المتكررة ~~ورنينها في العقول، وإنما كان يلعب بعواطف الرحمة والشفقة في نفوسهم. # ورسم الرئيس حرف # T # مرة أخرى ثم جلس، وبذلك بدأت ~~الصلاة، وقد وضعت أقراص السوما المهداة وسط مائدة الطعام، ودارت كأس الحب من يد إلى ~~أخرى، وقد أترعت بعصير الشليك المثلج الممزوج بالسوما، ونهلوا منها جميعا مرددين ~~هذه العبارة: «إني أشرب نخب فنائي.» ثم ترنموا جميعا بنشيد الجماعة الأول على إيقاع ~~جوقة الموسيقى المركبة، وهذا هو النشيد: # أي فورد، نحن اثنا عشر، اللهم فاجعل منا واحدا، # فنصبح كقطرات الماء يتكون منها تيار الجماعة. # اللهم مكنا الآن من أن نجري معا # مسرعين كسيارتك الرخيصة اللامعة. # وأنشدوا اثنتي عشرة فقرة في شغف ms061 شديد، ثم دارت عليهم كأس الحب مرة ~~أخرى، فتناولوها مرددين الآن هذه العبارة: «إني أشرب نخب الكائن العظيم.» وشربوا ~~جميعا، وأخذت الموسيقى تصدح بغير انقطاع، ودقت الطبول، وعلت النغمات وتضاربت واشتد ~~تأثيرها في العواطف حتى أشبعتها، وأخذوا يترنمون بنشيد الجماعة الثاني قائلين: # هيا، أيها الكائن الأكبر، يا صديق الجماعة، # يا من فنينا فيك وحدك نحن الاثني عشر. # إننا نشتهي الموت ؛ لأن حياتنا الكبرى # لا تبدأ إلا بعد الممات. # وأنشدوا اثنتي عشرة فقرة أخرى، وبعدئذ أخذت السوما تفعل فعلها، ~~فأبرقت العيون، وتوردت الخدود، وأشرقت الوجوه ببسمات السعادة والود، وقد بعثها ضياء ~~الخير العام، حتى إن برنارد نفسه أحس بشيء من النشوة، فلما التفتت إليه مرجانة ~~رستشيلد وأشرقت عليه، سعى جهده أن يبادلها الإشراق - ولكن حاجبها - ذلك الحاجب المزدوج ~~- كان للأسف ما يزال ملحوظا لا يستطيع تجاهله مهما حاول ذلك، ولم تبلغ النشوة به حدا ~~كبيرا، وربما لو كان جالسا بين فيفي وجوانا ... وللمرة الثالثة دارت كأس الحب، وقالت ~~مرجانة رستشيلد: «إني أشرب نخب قرب مجيئه.» وقد جاء دورها أن تكون هي من بين أعضاء ~~الدائرة جميعا هي البادئة بالشعائر، وكان صوتها مرتفعا متهللا، وشربت وسلمت الكأس ~~لبرنارد فكرر بعدها هذه العبارة: «إني أشرب نخب قرب مجيئه.» وقد حاول مخلصا أن يحس ~~بقرب المجيء، غير أن الحاجب ما عتم متسلطا على ذهنه، و«المجيء» بالنسبة إليه جد ~~بعيد، وشرب وناول الكأس كلارا دتردنج، وقال محدثا نفسه: «إني واثق من فشلي مرة أخرى.» ~~ولكنه ما برح يبذل جهده كي يبدو مشرق الجبين. # ودارت كأس الحب دورة كاملة، فأشار الرئيس للجمع رافعا يده، فصاحت الجوقة فجأة ~~مترنمة بنشيد الجماعة الثالث: # ألا تشعرون كيف يقبل علينا الكائن الأكبر؟! # ابتهجوا، حتى تموتوا من شدة الابتهاج! # ولتذب نفوسكم في موسيقى الطبول؛ # ذلك لأني أنا أنت وأنت أنا. # وتلاحقت الفقرات المنظومة، وأخذت أصواتهم تشف عن التأثر العميق، ~~وكان إحساسهم بقرب المجيء شبيها بالتوتر الكهربي في الهواء، وأسكت الرئيس الموسيقى، ~~وعند النغمة الأخيرة من الفقرة الأخيرة ساد الصمت الشامل؛ صمت ms062 الارتقاب الطويل الذي ~~يسري في النفس، ويهزها كأنه الكهرباء، ومد الرئيس يده، وإذا بصوت مفاجئ يسمعونه فوق ~~رءوسهم، صوت قوي عميق، فيه نغم موسيقى لا يتوفر للصوت الإنساني المجرد! صوت غير بشري، ~~غني، حار، يدل على الحب والشوق والرأفة، صوت عجيب غريب غير مألوف. قال الصوت: «أي فورد، ~~فورد، فورد» في بطء شديد، وبنغمة تنخفض شيئا فشيئا، وشع من الشباك العصبية ~~المعوية إحساس بالدفء، أثار كل الأطراف من أجسام المستمعين، وتحدر الدمع في أعينهم، ~~وأحسوا كأن قلوبهم وأمعاءهم تتحرك في داخلهم كأن بها حياة مستقلة وذابوا وتحللوا ~~عند سماعهم هذه الكلمة «فورد، فورد»، ثم صدر الصوت مرة أخرى وكأنه من بوق، وقال بغتة، ~~وبنغمة أخرى تثير الذعر: «أنصتوا، أنصتوا!» فأنصتوا، وبعد فترة سكون وجيزة تحول ~~الصوت إلى همس، ولكنه همس أشد نفاذا من أعلى صياح، وأخذ يكرر هذه العبارة: «هذا وقع ~~أقدام الكائن الأكبر.» ثم كاد الهمس يتلاشى ثم قال: «إن أقدام الكائن الأكبر فوق ~~الدرج.» ثم ساد الصمت مرة أخرى، وكانت الأعصاب قد توترت من الانتظار، ثم استرخت برهة، ~~فتوترت الآن مرة أخرى، وكادت أن تتمزق من شدة التوتر ارتقابا للقادم، فلقد سمعوا ~~أصوات الكائن الأكبر، وهي تدب دبا خفيفا فوق الدرج، وتقترب شيئا فشيئا فوق ~~السلم غير المرئي، وظلوا ينصتون إلى وقع أقدام الكائن الأكبر، وأخيرا بلغ بهم ~~التوتر أقصاه، ووثبت مرجانة رستشيلد على قدميها، وحملقت بعينيها، وانفرجت شفتاها، ~~ثم صاحت قائلة: «إني أسمعه!» # وصاحت ساروجيني انجلز، وقالت: «إنه آت.» # وهب توم كاواجوشي وفيفي برادلاف على الأقدام في وقت واحد معا، وقالا: «أجل إنه آت، ~~وإني لأسمعه.» # وأكدت جوانا صدق قولهما في لفظ غير واضح. # وصرخ جم بوكانوفسكي قائلا: «إنه آت.» # وانحنى الرئيس إلى الأمام، وبلمسة خفيفة أطلق الأصناج تهذي والآلات النحاسية ترن، ~~ودقت الطبول كأنها محمومة. # وصاحت كلارا دتردنج قائلة: «آه إنه آت.» وكأن أحدا يحز رقبتها. # وأحس برنارد أنه قد حان له أن يفعل شيئا ما، فقفز إلى أعلى وصرخ قائلا: «إني ~~أسمعه، إنه آت.» ولم ms063 يكن صادقا، فإنه لم يسمع شيئا، ولم يكن هناك بالنسبة إليه أحد ~~مقبل، برغم الموسيقى وبرغم الاضطراب المتزايد، ولكنه هز ذراعيه، وصاح مع خيارهم، ~~ولما بدأ الآخرون يرقصون ويدبون ويتنقلون، رقص وتنقل معهم. # وساروا في موكب مستدير وهم يرقصون، وقد وضع كل منهم يديه على مؤخرة الراقص السابق، ~~وأخذوا يدورون في المكان صائحين معا، وهم يدبون على أنغام الموسيقى ، ويرقصون على ~~توقيعها وأيديهم فوق أدبار السابقين، وكانت أيديهم جميعا تضرب معا كأنها يد واحدة، ~~والأدبار ترد صدى الضربات معا كأنها ألواح، فكان الاثنا عشر شخصا كأنهم شخص واحد، ثم ~~قالوا معا: «إني أسمعه، إني أسمع قدومه.» وأسرعت الموسيقى، ودبت الأقدام مسرعة، ~~وأسرعت الأيدي الموزونة في وقعها على الأدبار، وانفجرت بغتة نغمة مركبة عظيمة، ~~معلنة اقتراب التكفير وبلوغ الاتحاد حده الأقصى، وقدوم الاثني عشر موحدين في فرد واحد، ~~والكائن الأكبر المجسد، وردد النغم هذه الكلمات: «شولم، شولم»، بينما واصلت الطبول دقها ~~كأنها محمومة: # شولم، شولم، يا فورد يا مبعث السرور، # قبل البنات واجعل منهن واحدة، # وانشر السلام فوق البنات والبنين موحدين. # شولم، شولم، إنك تحرر النفوس. # وردد الراقصون هذه العبارات الدينية وكرروها، وبدأت الأضواء تتلاشى ~~مبطئة وهم يغنون - وتلاشت الأضواء وازدادت في الوقت نفسه دفئا وغنى وحمرة، حتى باتوا ~~في النهاية يرقصون في الشفق القرمزي، الذي يشاهد في مخزن الأجنة، وفي هذا الظلام ~~الدموي الذي يشبه الضوء في بيوت الأجنة، واصل الراقصون دورانهم، وظلوا يرقصون على ~~هذا النغم الذي لا يفتر، مرددين تلك العبارات الدينية «شولم، شولم ...» ثم ترنحت ~~دائرتهم وانحلت، وانفرط عقدها فوق حلقة الأرائك، التي كانت تحيط بالمائدة ومقاعدها ~~الاثني عشر - دائرة حول أخرى، وتغنى «الصوت» العميق برفق، وترنم بالنشيد الديني مرددا: ~~«شولم، شولم ...» وكأن حمامة ضخمة سوداء كانت في ذلك الشفق الأحمر، تنشر جناحي الخير، وهي ~~تحلق فوق الراقصين وقد انبطحوا الآن أرضا، واستلقوا على ظهورهم. # كانوا واقفين فوق السطح، وقد دقت ساعة هنري الكبرى الحادية عشرة منذ لحظة، وكان ~~المساء هادئا دفيئا. # وقالت فيفي برادلاف: «ألم يكن ms064 الأمر جد عجيب؟» ونظرت إلى برنارد وفي عينيها نشوة ~~السرور، ولكنه السرور الذي لا تلمس فيه بارقة من الاضطراب أو التأثر؛ لأن الاضطراب ~~معناه أن الشخص لا يزال يتطلب المزيد، وأحست بالنشوة الهادئة التي يشعر بها كل من يبلغ ~~مأربا، كما أحست بنوع من الطمأنينة التي لا يبعثها مجرد الإشباع أو الفراغ، وإنما ~~تلك الطمأنينة التي تبعثها الحياة المتزنة ، والنشاط المستقر المعتدل، وهي طمأنينة قوية ~~حية؛ لأن صلاة الجماعة قد أعطتهم بمقدار ما أخذت، وسحبت من نفوسهم لتعيد امتلاءها، ~~فكانت ممتلئة النفس، كاملة، وما برحت تحس كأنها أكبر من نفسها، وأصرت على سؤالها ~~السابق لبرنارد وهو: «ألست تظن أن الأمر كان عجيبا؟» وحدقت في وجهه بعينين لامعتين ~~خارقتين للطبيعة. # وقال كاذبا: «أجل، لقد ظننت الأمر عجيبا.» ثم أشاح بوجهه، وكان منظر وجهها الذي ~~تغيرت ملامحه تهمة له بانفصاله ومذكرا ساخرا بذلك، وأحس حينئذ بعزلة البائس كما أحس ~~بها عندما بدأت الصلاة، بل لقد أحس بزيادة العزلة من جراء فراغ نفسه الذي لم يمتلئ ~~وشبعه القاتل. كان منفصلا بذاته لم يشعر بغفران ذنوبه، في حين أن الآخرين قد اندمجوا ~~في الكائن الأكبر. أحس بالعزلة حتى وهو بين أحضان مرجانة - بل أشد عزلة من أي عهد سبق ~~له في حياته، وشعر بأنه لم يتغير بتاتا، فشاع اليأس في نفسه، ولقد خرج من ذلك الشفق ~~القرمزي إلى الضوء الكهربي العام، وقد تعزز شعوره بنفسه إلى حد الإيلام، كان بائسا ~~كل البؤس، وربما كانت تلك غلطته الشخصية (وقد اتهمته بذلك عيناها البراقتان)، وكرر ~~قوله: «كان الأمر عجيبا جدا.» ولكنه لم يفكر إلا في حاجب مرجانة. # | الفصل السادس # 1 # لقد حكمت ليننا على برنارد ماركس بالشذوذ الخارق، وقد بلغ به الشذوذ أنها ساءلت ~~نفسها خلال الأسابيع التالية أكثر من مرة: «هل لا تستطيع أن تغير رأيها في عطلة ~~المكسيك الجديدة، وتستبدل بها رحلة إلى القطب الشمالي مع بنتو هوفر، ولم يقلقها إلا ~~أنها كانت تعرف القطب الشمالي، وأنها زارته مع جورج إدزل في الصيف الماضي، ms065 وأنها - فوق ~~ذلك - وجدته مكانا شديد العبوس، لم تجد هناك ما يشغلها، والفندق قديم الطراز جد ~~عتيق، ولم يكن بحجرات القوم تلفزيون، ولم يكن هناك أرغن العطور، ولم تسمع غير الموسيقى ~~المركبة الفاسدة، ولم يكن هناك أكثر من خمسة وعشرين ملعبا للعبة «سكواش السلم المتحرك» ~~لأكثر من مائتي زائر. كلا، لقد قر رأيها على أنها لا تستطيع أن تجابه القطب الشمالي مرة ~~أخرى، ثم إنها - فوق ذلك - لم تزر أمريكا غير مرة واحدة، وحتى تلك الزيارة لم تكن ~~كافية، لقد زارت نيويورك في عطلة من عطلات نهاية الأسبوع الرخيصة، ولم تذكر إن كانت تلك ~~الزيارة برفقة جين جاك حبيب الله أم بوكانوفسكي جونز، غير أنها كانت - على أية حال - ~~عديمة الأهمية، فكان الأمل في الطيران غربا مرة أخرى مدة أسبوع كامل شديد الإغراء لها، ~~ثم إنهما - فوق ذلك - سوف يقضيان ما لا يقل عن ثلاثة أيام من هذا الأسبوع في الأماكن ~~المخصصة للمتوحشين، ولم يزر هذه الأمكنة أكثر من ستة أشخاص في المركز كله، وكان ~~برنارد بوصفه عالم نفس من درجة «+أ»، أحد الرجال القلائل الذين يستطيعون - فيما تعلم - ~~الحصول على التصريح بالزيارة، وكانت تلك فرصة نادرة لليننا، ولكن شذوذ برنارد كذلك نادر ~~جدا، حتى لقد ترددت في انتهاز الفرصة، وفكرت فعلا في المخاطرة بزيارة القطب ~~الشمالي مرة أخرى مع بنتو الصديق المضحك القديم، فلقد كان بنتو على الأقل رجلا ~~طبيعيا في حين أن برنارد ...» # وكانت فاني تعلل شذوذه بوجود الكحول في دمه، ولكن هنري شبه برنارد المسكين بوحيد ~~القرن ذات مساء، وهو في الفراش مع ليننا، عندما تباحثا معا بشأنه في شغف شديد؛ لأنه ~~كان عشيق ليننا الجديد. # قال هنري بأسلوبه الموجز القوي: «إنك لا تستطيعين أن تعلمي وحيد القرن حيلة جديدة، ~~ومن الرجال من يشبه هذا الحيوان، فهم لا يستجيبون استجابة صحيحة لعملية التكييف. ~~مساكين أمثال هؤلاء، وبرنارد واحد منهم، ولكنه - لحسن حظه - ممتاز في عمله، وإلا لما ~~احتفظ به المدير.» ثم قال معزيا: «ولكني أظن - على أية ms066 حال - أنه عديم الأذى.» # ربما كان عديم الأذى، ولكنه كان كذلك شديد الإزعاج، فعنده أولا ذلك الجنون الذي ~~يحبب إليه العمل وهو منعزل، ومعنى ذلك عمليا أنه لا يعمل البتة شيئا؛ لأن المرء لا ~~يستطيع أن يؤدي عملا وهو وحيد (إذا استثنينا طبعا ساعات النوم، ولا يستطيع أن يقضي ~~فيها المرء عمره). أجل لم يكن هناك ما يستطيع المرء أن يؤديه وحيدا إلا القليل ~~النادر، وكان أول يوم خرجت فيه ليننا مع برنارد ساعة الأصيل معتدلا جميلا، فاقترحت ~~ليننا أن يسبحا في نادي توركي الريفي، ثم يتناولا العشاء في اتحاد إكسفورد، ولكن برنارد ~~خشي كثرة الزحام، فاقترحت ليننا شوطا من لعبة الجولف المغناطيسي المكهرب في سنت ~~أندروز، ولكن برنارد رفض مرة أخرى؛ لأنه كان يعتبر هذه اللعبة مضيعة للوقت. # فسألته ليننا في شيء من الاندهاش: «وما فائدة الوقت إذن؟» # الوقت عنده - على ما يبدو - ينبغي أن ينفق في النزاهة، سيرا على الأقدام في منطقة ~~البحيرات، وقد اقترح ذلك الآن، وأراد أن يهبطا فوق قمة مكدو، ثم يسيران ساعتين فوق ~~العشب في العراء: «معك وحدك يا ليننا.» ~~- «ولكننا سنقضي الليل كله وحدنا يا برنارد.» # فاحمر برنارد خجلا وأشاح بوجهه، وتمتم قائلا: «إنما قصدت أننا سنكون وحدنا ~~نتحدث.» ~~«نتحدث؟ فيم؟» المشي والحديث؛ تلك طريقة شاذة جدا في قضاء اليوم بعد الظهر. # وأغرته في النهاية - برغم إرادته - على أن يطيرا إلى أمستردام؛ ليشهدا المباراة ~~الشبيهة بالنهائية بين النساء لبطولة المصارعة بين ربات الوزن الثقيل. # وتذمر قائلا: «هذا زحام كالمعتاد.» وبقي طيلة عصر ذلك اليوم مكتئبا معاندا، لم ~~يتحدث إلى أصدقاء ليننا (وقد قابلا منهم عشرات في مقصف السوما الممزوجة بالقشدة المثلجة ~~بين أشواط المصارعة). وبرغم بؤسه رفض رفضا باتا، أن يتناول نصف الجرام من كاساتا ~~التوت، الذي قدمته له، قائلا: «إني أوثر أن أكون أنا نفسي، في اكتئابي، على أن أكون ~~شخصا آخر مهما يكن مرحا.» # فأجابت ليننا قائلة: «إن الجرام الواحد في حينه يغنيك عن تسعة إذا فات الأوان.» وهي ~~في هذا ms067 التعبير إنما تستعيد ثروتها القيمة من الحكمة التي لقنتها أثناء النوم. # ولكن برنارد أبعد الكوب الذي قدم إليه وقد عيل صبرا. # فقالت له: «لا تحتد، واذكر أن سنتيمترا واحدا مكعبا يشفي عشرا من العواطف ~~الحزينة.» # فصاح بها: «وحق فورد لتسكتن.» # فهزت ليننا كتفيها وقالت: «إن الجرام خير دائما من ضيق النفس.» # وختمت حديثها محتفظة بكرامتها، وشربت الكساتا بنفسها. # وأصر برنارد ، وهما في طريقهما عائدين فوق القنال الإنجليزي، أن يوقف محرك طائرته، وأن ~~يحلق باللوالب على ارتفاع مائة قدم من الموج؛ لأن الجو قد ساء، وعصفت ريح جنوبية غربية، ~~وتكاثفت السحب في السماء. # وقال آمرا: «انظري!» # قالت ليننا: «الجو مريع.» ثم انكمشت وراء النافذة، فلقد راعها فراغ الليل المقبل، ~~والمياه التي رقش سطحها الزبد المكفهر، وهي تجيش تحت بصريهما، ووجه القمر الشاحب ~~وقد بدا تحت السحب المسرعة نحيلا مشتتا، ثم قالت: «هيا بنا نفتح الراديو بسرعة!» ومدت ~~يدها نحو المفتاح فوق اللوحة الأمامية وأدارته حيثما اتفق. # فإذا بستة عشر صوتا أجش مذبذبا تذيع: «السموات زرقاوات بداخلكم، أما الجو ~~فدائما ...» # ثم أعقب ذلك فواق (زغطة) وصمت، وأوقف برنارد تيار الإذاعة، وقال: «إني أحب أن أنظر ~~إلى البحر وأنا هادئ مطمئن، إن المرء لا يستطيع أن ينظر إليه وسط هذا الضجيج ~~المزعج.» ~~- «ولكنه ممتع، وأنا لا أحب أن أنظر إلى البحر.» ~~- «ولكني أحب، ويجعلني ذلك كأني ...» وتردد قليلا باحثا عن الكلمات التي يعبر بها عن ~~نفسه، ثم قال: «كأني أكثر مما أنا - إذا كنت تفهمين ما أعني، أكثر من نفسي على ألا ~~تتغير طبيعة نفسي، ولا أقصد أن أكون جزءا من شيء آخر مختلف عني كل الاختلاف، لا أحب ~~أن أكون خلية في جسم المجتمع فحسب، ألا يبعث فيك هذا المنظر شعورا كهذا ~~يا ليننا؟» # ولكن ليننا ما برحت تصيح مرددة: «إنه مزعج، إنه مزعج.» ثم قالت: «وكيف تستطيع أن ~~تبوح بحديث كهذا، وتقول إنك لا تحب أن تكون جزءا في جسم المجتمع؟ ألا ترى أن كل فرد ~~يعمل لكل فرد آخر؟ إننا ms068 لا نستغني عن أحد، حتى «الهاء» ...» # قال برنارد بازدراء: «أجل إني أعلم ذلك، وأعرف «أن «الهاء» نفسها نافعة!» بل حتى ~~أنا، وكم وددت لو لم أكن.» # وصعقت ليننا لهذا الكفران، واحتجت عليه بصوت ينم عن الدهشة والضيق، قالت: ~~«برنارد، كيف تستطيع ذلك؟» # وقال متفكرا، وفي صوت مختلف مرددا عبارتها: «كيف أستطيع؟ كلا، إن المشكلة ~~الحقيقية هي هذه، كيف لا أستطيع ، أو بعبارة أخرى (لأني أعرف تمام المعرفة لماذا ~~أستطيع)، كيف تكون حالي لو استطعت، ولو كنت حرا غير مستعبد لما كيفت عليه.» ~~- «برنارد، إنك تصرح تصريحات خطيرة.» ~~- «ألست تتمنين أن تكوني حرة يا ليننا؟» ~~- «لست أدرك ما تعني، إنني حرة، وأستطيع لو شئت أن أقضي وقتا سعيدا، كل فرد سعيد في ~~هذه الأيام.» # فضحك وقال: «أجل «إن كل فرد سعيد في هذه الأيام.» ونحن نعلم الأطفال هذه الحقيقة ~~وهم في الخامسة، ولكن ألا تحبين يا ليننا أن تكون لك الحرية، في أن تسعدي بطريقة أخرى؟ ~~ولتكن تلك مثلا طريقتك الخاصة، لا طريقة كل فرد آخر.» # وكررت قولها: «لست أدرك ما تعني.» ثم التفتت إليه، وقالت متوسلة إليه: «هيا بنا ~~نعود يا برنارد، إني أمقت هذا المكان مقتا شديدا.» ~~- «ألا تحبين رفقتي؟» ~~- «إني طبعا أحب ذلك يا برنارد، ولكني أمقت هذا المكان المريع.» ~~- «ظننت أننا نكون ألصق رفقة هنا - وليس حولنا إلا البحر والقمر، هنا نكون ألصق صحبة ~~منا وسط الزحام، أو حتى في حجراتي، ألست تفهمين ذلك؟» # فأجابت مصممة: «لست أفهم شيئا!» وقد اعتزمت أن تحتفظ بعدم إدراكها بغير مساس، ~~وواصلت حديثها بنغمة أخرى، قالت: «لست أفهم شيئا.» وبخاصة لماذا لا تتناول السوما ~~عندما تساورك هذه الأفكار المزعجة، إنك لو فعلت لنسيتها بتاتا، ويحل المرح الشديد في ~~نفسك محل الشقاء، ثم انفرجت شفتاها عن ابتسامة، قصدت من ورائها أن تداهنه وترغبه ~~وتثير شهوته، برغم ما كان يجول في عينيها من القلق والحيرة. # ونظر إليها صامتا بوجه لم يتأثر بها، عليه سيما الجد، وحدق فيها، وبعد بضع ثوان ~~حولت ليننا عنه ms069 عينيها، وصدرت منها ضحكة يسيرة عصبية، وحاولت أن تفكر في موضوع تتحدث ~~فيه فلم تستطع، وامتد بهما الصمت زمنا. # وأخيرا تكلم برنارد بصوت منخفض متعب، قال: «سوف نعود كما أردت.» وداس مفتاح السرعة ~~بشدة فانطلقت الطائرة في الهواء، وعند رقم أربعة آلاف أدار المحرك، وطارا صامتين ~~دقيقة أو اثنتين، ثم بدأ برنارد يضحك بغتة، وكان الضحك في رأي ليننا شاذا ، ولكنه ضحك ~~على كل حال. # ثم تجرأت ووجهت إليه هذا السؤال: «هل أنت الآن أحسن شعورا؟» وبدلا من أن يجيبها ~~على ذلك رفع إحدى يديه من الآلات التي تسير الطائرة، ووضع ذراعه حول خصرها وبدأ ~~يداعب ثدييها. # فقالت لنفسها: «أحمد الله، لقد اطمأن ثانية.» # وبعد نصف ساعة كانا في حجراته، وابتلع برنارد أربعة أقراص من السوما دفعة واحدة، ~~وأدار الراديو والتلفزيون، وبدأ يخلع ملابسه. # ولما تقابلا في عصر اليوم التالي فوق السطح، سألته ليننا في مكر شديد قالت: «هل تظن ~~أننا تمتعنا بالأمس؟» # فأومأ لها برنارد برأسه، ثم اعتليا الطائرة، وبعد هزة خفيفة انطلقت بهما. # وقالت ليننا مفكرة، وهي تربت على ساقيها: «يقول الناس جميعا إني هوائية ~~جدا.» # قال هنري: «جدا.» وفي عينيه تعبير عن الألم، ودار بخلده أنها «كاللحم»، ورفعت ~~بصرها في قلق شديد، وقالت: «ولكن لعلك لا تراني سمينة جدا!» فهز رأسه، وكانت في ~~نظره كاللحم المكتنز. # قالت: «هل تراني صالحة؟» فأومأ بالإيجاب ... قالت: «من جميع النواحي؟» # فقال بصوت مرتفع: «أنت كاملة.» ثم فكر في نفسه: «إنها تحب نفسها كذلك، وإنها لا ~~يهمها أن تكون كاللحم.» # وابتسمت ليننا ابتسامة الظافر، غير أن رضاها كان سابقا لأوانه، وبعد فترة سكون واصل ~~الحديث قائلا: «ولكني - برغم ذلك - كنت أحب أن ينتهي الأمر على خلاف ما ~~حدث.» ~~«على خلاف ما حدث؟» هل هناك نهايات أخرى؟ # ففسر ما قصد إليه قائلا: «لم أر أن ينتهي الأمر بذهابنا إلى الفراش.» # فذهلت ليننا. ~~- «لا يكون ذلك بغتة، ولا يكون في اليوم الأول.» ~~- «وإذن فماذا ...؟» # فشرع يتحدث حديثا لا معنى له خطرا غير مفهوم، وبذلت ms070 ليننا جهدها محاولة ألا ~~تستمع إلى الحدث أو تتفهمه، ولكنه كان بين الفينة والفينة يصر على أن يلقي عبارته ~~بدرجة مسموعة، سمعته يقول: «... كي أجرب أثر كبح دوافعي.» وكأن هذه الكلمات مست ~~زنبركا في عقلها. # فقالت جادة: «لا تؤجل إلى الغد ما تستطيع اليوم من لهو.» # فلم يجب على ذلك بأكثر من قوله: «التكرار مائتي مرة، مرتين كل أسبوع، من الرابعة ~~عشرة إلى السادسة عشرة والنصف.» وهكذا واصل كلامه الجنوني السيئ بغير انقطاع، وسمعته ~~يقول: «أحب أن أعرف ما الهوى، أحب أن أحس بشيء ما إحساسا قويا.» # ونطقت ليننا هذه العبارة: «إذا أحس الفرد، ترنحت الجماعة.» ~~- «ولماذا لا تترنح قليلا؟» ~~- «برنارد!» # ولكن برنارد لم يشعر بالخزي. # واستمر يقول: «الكبار من الناحية العقلية وأثناء ساعات العمل، والصغار فيما يمس ~~مشاعرهم ورغباتهم.» ~~- «إن إلهنا فورد قد أحب الصغار.» # وتجاهل برنارد هذه المقاطعة وواصل حديثه، قال: «لقد طرأ لي فجأة ذات يوم أنه من ~~الجائز أن يبقى الإنسان راشدا كل الوقت.» # وقالت ليننا بصوت ثابت: «إني لا أفهم.» ~~- «أعرف أنك لا تفهمين، ومن أجل هذا ذهبنا أمس إلى الفراش معا - كالأطفال - بدلا ~~من أن نبقى راشدين فننتظر.» # قالت ليننا: «ولكننا تمتعنا، أليس كذلك؟» # فأجاب بقوله: «أجل، لقد كانت متعة كبرى.» ولكن صوته كان حزينا وقسمات وجهه جد ~~بائسة، حتى إن ليننا أحست أن كل انتصارها قد تبخر فجأة، ربما وجدها سمينة ~~جدا. # ولما عادت ليننا وأسرت لفاني بمكنون صدرها، قالت لها فاني: «لقد قلت لك ذلك، إنه ~~الكحول الذي وضعوه في دمه.» # فأجابت ليننا: «ولكني برغم ذلك أحبه، ما أجمل يديه، وما أرقه حينما يحرك كتفيه - إنه ~~حينئذ يجذبني جذبا شديدا.» وتنهدت ثم قالت: «ولكني أود لو لم يكن شاذا كما ~~هو.» # 2 # وقف برنارد لحظة خارج غرفة المدير، ثم تنفس نفسا عميقا ورفع كتفيه، واستعد للقاء ~~البغضاء والرفض داخل الغرفة، وقرع الباب ثم دخل. # وقال وهو مبتهج قدر استطاعته: «هذا تصريح لتوقع عليه أيها المدير.» ثم وضع الورقة ~~على المكتب. # ورمقه المدير ms071 بنظرة مريرة، ولكنه لمح في أعلى الورقة ختم «مكتب المراقب المالي»، ~~وفي أسفلها توقيع مصطفى مند بخط أسود كبير، وكان كل شيء على أتم نظام، فلم يكن ~~للمدير بعد هذا خيار، فوقع اسمه بالقلم الرصاص، وتوقيعه عبارة عن حرفين صغيرين باهتين ~~حقيرين تحت توقيع مصطفى مند، وأوشك أن يرد الورقة بغير تعليق وبغير السرعة الفوردية ~~الطبيعية، لولا أن جذبت عينه كلمة مسطورة خلال عبارة التصريح. # قال: «إلى المنطقة المكسيكية الجديدة؟» وقد بدا في صوته وفي وجهه الذي رفعه إلى ~~برنارد نوع من الاضطراب والاندهاش. # ودهش برنارد لدهشته وأومأ برأسه، ثم ساد الصمت. # واستند المدير إلى كرسيه مقطبا جبينه، وقال وكأنه يحدث نفسه ولا يخاطب برنارد: ~~«منذ متى كان ذلك؟ أظن أنه كان منذ عشرين عاما، أو قرابة خمسة وعشرين عاما، لا بد ~~أني كنت في مثل سنك ...» ثم تنهد وهز رأسه. # وأحس برنارد بالقلق الشديد، وتعجب كيف أن رجلا كهذا المدير محافظا على ~~التقاليد، مستقيما إلى درجة الوسوسة، يخلط هذا الخلط في الكلام! فكان برنارد يود لو ~~أخفى وجهه أو يخرج من الغرفة مسرعا، لا لأنه كان هو شخصيا يعترض على حديث الناس عن ~~الماضي في حد ذاته، فإن ذلك كان من الأهواء الإيحائية التي خيل لنفسه أنه تخلص منها ~~بتاتا، وإنما الذي أخجله هو أنه أدرك أن المدير رفض الطلب، وبرغم هذا الرفض كان هو ~~نفسه قد ارتكب هذا الأمر المحرم، ولكن تحت أي دافع باطني يا ترى؟ لقد أنصت له برنارد ~~بشغف وهو في قلق شديد. # كان المدير يقول: «لقد طرأت لي مثلك هذه الفكرة بعينها، وأردت أن أشاهد المتوحشين، ~~وحصلت على تصريح لزيارة المكسيك الجديدة، وقضيت هناك عطلة الصيف مع الفتاة التي كنت ~~أرافق في ذلك الحين، وكانت «−ب» وأظن (وهنا أغمض عينيه) أنها كانت ذات شعر أصفر. وكانت ~~على أية حال هوائية جدا، وإني لأذكر ذلك جيدا، ذهبنا معا إلى هناك وألقينا على ~~المتوحشين نظرة، وركبنا الخيل وطفنا بالمكان وما إلى ذلك، وبعدئذ - وكان ذلك في ms072 ~~آخر يوم من أيام عطلتي - ضلت سبيلها، لقد صعدنا راكبين أحد تلك الجبال الثائرة، ~~وكان الجو شديد الحرارة ثقيلا، ثم استغرقنا في النوم بعد الغداء، أو على الأقل ~~استغرقت وحدي، ولا بد أن تكون قد خلفتني ومشت وحدها، وعلى كل حال فإني لم أجدها ~~إلى جواري عندما تيقظت، وقد بدأت تهب علينا أشد عاصفة شهدت في حياتي، وأمطرت السماء ~~وأرعدت وأبرقت ، وانحلت الخيل وانطلقت وحدها، وحاولت أن ألحق بها ولكني تعثرت ~~وآذيت ركبتي وتعسر علي المسير، غير أني لم أكف عن البحث والصياح، ولكني لم أعثر ~~لرفيقتي على أثر، فرجحت أنها عادت وحدها إلى الاستراحة، فدلفت إلى الوادي واتبعت ~~الطريق الذي سلكناه عند مجيئنا، وكانت ركبتي تؤلمني أشد الإيلام، وكنت قد فقدت ما ~~عندي من السوما، فاستغرق الطريق مني ساعات، ولم أبلغ الاستراحة إلا بعد منتصف الليل، ~~غير أني لم أجدها، لم أجدها.» ثم ساد الصمت. # واستأنف الحديث أخيرا قائلا: «وفي اليوم التالي واصلنا البحث، ولكنا لم نجدها، ~~ورجحنا أنها وقعت في أحد الخنادق في مكان ما، أو ربما التهمها سبع جبلي، والعلم عند ~~فورد، كان الأمر عجيبا وقد أزعجني كثيرا في ذلك الحين، أزعجني أكثر مما ينبغي؛ لأنه ~~حادث قد يقع لأي إنسان، وجسم الجماعة بالطبع باق كما هو مهما تغيرت الخلايا التي ~~يتركب منها.» ولكن يظهر أن العزاء الذي تلقنه أثناء النوم لم يكن شديد الأثر، فهز ~~رأسه وواصل حديثه بصوت منخفض، قال: «إني - في الواقع - أحلم بهذا الحادث أحيانا، أحلم ~~كأني أستيقظ على قصف ذلك الرعد فلا أجدها، وأحلم كأني أبحث عنها تحت الأشجار.» ثم ~~استرسل في صمت الذكريات. # قال برنارد وهو يكاد يحسده: «أحسب أنها كانت صدمة شديدة لك.» # ولما قرع صوته مسمع المدير، تنبه إلى موقفه وأحس كأنه آثم، فرمق برنارد بنظرة ~~سريعة، ثم حول عنه عينيه وأظلم وجهه خجلا، ثم عاود النظر إليه بشيء من الريبة ~~المباغتة، وغضب لكرامته، وقال: «لا تتصور أني كنت على صلة خبيثة مع هذه الفتاة، لم ~~نتبادل العواطف ولم ms073 نتعمق في العلاقات، إنما كانت الصلة بيننا طيبة طبيعية إلى كل حد.» ~~ثم سلم برنارد الجواز قائلا: «إني لست أعرف حقا لماذا ضايقتك بهذه القصة التافهة.» ~~وثار على نفسه؛ لأنه أفشى سرا مشينا، فانفجر في برنارد غاضبا، واتقدت عيناه بالشر ~~الصريح، ثم قال: «وإني لأحب أن أنتهز هذه الفرصة يا مستر ماركس؛ كي أذكر لك أني لست ~~راضيا البتة عن التقارير ، التي وردت إلي عن سلوكك في غير ساعات العمل، قد تقول إن ~~هذا ليس من شأني، ولكني أقول لك إنه ... فإن سمعة المركز تهمني، ولا بد أن يترفع عمالي ~~عما يثير الريب، وبخاصة إن كانوا من الطبقات الراقية، فنحن نكيف أبناء طبقة «أ» بحيث لا ~~يضطرون إلى تكلف السلوك الصبياني في عواطفهم، ويقتضيهم ذلك أن يبذلوا جهدا خاصا في ~~العمل وفقا لما نريد، إن من واجبهم أن يكونوا كالأطفال، حتى إن كان ذلك ضد ميولهم؛ ~~ولذا فلست أظلمك إن أنا أنذرتك يا مستر ماركس.» واهتز صوت المدير هزة الغضب، وكان في ~~غضبه عادلا غير متحيز - فهو يعبر عن عدم رضا المجتمع نفسه، ثم قال: «فلو نمي ~~إلي مرة أخرى أنك انحرفت عن المستوى الصحيح للسلوك الصبياني، فسوف أطلب نقلك إلى مركز ~~فرعي - وإني عندئذ أختار لك أيسلنده، والآن اذهب مع سلامة الله.» ثم استدار في كرسيه، ~~وأمسك بالقلم وشرع يكتب. # وقال محدثا نفسه: «هذا درس له.» ولكنه أخطأ فيما زعم؛ لأن برنارد خرج من الغرفة ~~مترنحا، ثم أغلق الباب محدثا خلفه صوتا عاليا، هو مغتبط لأنه يقف وحده في كفاحه ~~ضد النظم القائمة، نشوان لأنه ثمل من إحساسه بأهمية شخصيته المستقلة وخطرها، حتى ~~إن فكرة الاضطهاد نفسها لم تزعجه، بل لقد أكسبته قوة أكثر مما أكسبته انقباضا، وأحس ~~بالقدرة الكافية على ملاقاة المصائب والتغلب عليها، وعلى أن يواجه أي شيء حتى أيسلنده، ~~وقد عزز هذه الثقة في نفسه؛ لأنه لم يعتقد لحظة أنه سيدعى فعلا لملاقاة أي خطر. إن ~~الناس لا ينقلون لمثل هذه الأسباب، وليست أيسلنده سوى وعيد ms074 وتهديد، وهو وعيد منبه للنفس ~~وباعث على الحياة، وسار في الردهة وهو يصفر فعلا. # وكان كالأبطال ذلك المساء وهو يروي ما دار بينه وبين المدير، وختم الرواية ~~قائلا: «ولذا فقد طلبت إليه أن يعود إلى الماضي السحيق، ثم تركت الغرفة، وهذا كل ما ~~حدث.» ونظر إلى هلمهلتز واطسن يترقب منه ما يستحق من عطف وتشجيع وإعجاب جزاء له على ~~ما فعل ، ولكن هلمهلتز لم ينبس ببنت شفة، ولبث صامتا محدقا في أرض الغرفة. # كان يحب برنارد، وكان شاكرا له؛ لأنه الصديق الوحيد الذي يستطيع أن يتحدث معه في ~~الموضوعات التي يؤمن بأهميتها، ولكن برنارد - برغم ذلك - كانت له صفات لا يحبها، منها - ~~مثلا - هذا الزهو، وما يستتبعه من تحمسه في إشفاقه على نفسه إشفاقا شديدا، ومنها ~~تعوده الجرأة عقب كل حادث، وحضور بديهته بدرجة غير مألوفة، وهو بعيد عن ذلك الحادث، ~~وهي عادة ممقوتة، كان يكره منه هذه الصفات؛ لأنه كان يحبه، ومرت الثواني وما فتئ ~~هلمهلتز يصوب نظره نحو الأرض، واحمر برنارد خجلا ثم انصرف بغتة. # 3 # لم يقع أثناء الرحلة حادث ما، وبلغت طائرة الباسفيك الأزرق الصاروخية نيو أورليانز ~~مبكرة دقيقتين ونصف، وضيعت أربع دقائق في العاصفة التي هبطت على تكساس، ولكنها طارت في ~~تيار هوائي ملائم عند خط الطول 95 غربا، واستطاعت أن ترسو عند سانتا فيه، وقد تأخرت ~~أقل من أربعين ثانية عن الموعد المقرر. # قال: «أربعون ثانية في رحلة جوية دامت ست ساعات ونصف، لا بأس.» وأذعنت له ~~ليننا. # وناما تلك الليلة في سانتا فيه في فندق فاخر، لا يقاس إليه البتة - مثلا - فندق ~~أورورا بورا بالاس المريع، الذي عانت فيه ليننا كثيرا في الصيف السابق، كل غرفة ~~هنا مزودة بالهواء السائل، والتلفزيون وبآلة التدليك المفرغة المذبذبة، والراديو، ~~ومحلول الكافيين المغلي، وأدوية حارة ضد الحمل، وثمانية أنواع مختلفة من العطور، وكانت ~~آلة الموسيقى المركبة تعزف عندما دخلا القاعة الكبرى، ولم يبق لهما ما يشتهيان، وقرآ ~~في المصعد إعلانا بأن الفندق به ستون ملعبا لسكواش السلم، ms075 وأن جولف الموانع والجولف ~~المغناطيسي المكهرب يمكن كلاهما أن يلعبا في الحديقة. # فصاحت ليننا قائلة: «ما أجمل هذا! وودت لو أقمنا هنا ستون ملعبا لسكواش ~~السلم ...» # فأنذرها برنارد قائلا: «ولكنك لن تجدي في منطقة المتوحشين ملعبا واحدا، ولن تجدي ~~هناك عطورا أو تلفزيونا، بل ولا ماء ساخنا، فإن كنت تعتقدين أنك لا تحتملين ذلك، ~~فالبثي هنا حتى أعود.» # فامتعضت ليننا وقالت: «أستطيع بالطبع أن أحتمل ذلك، وإنما قلت: إن المكان جميل ~~هنا؛ لأن ... لأن التقدم جميل، أليس كذلك؟» # فأجاب برنارد وكأنه يحدث نفسه من شدة الانهيار: «التكرار خمسمائة مرة كل أسبوع، من ~~الثالثة عشرة حتى السابعة عشرة.» ~~- «ماذا تقول؟» ~~- «قلت: إن التقدم جميل؛ ومن ثم فلا ينبغي لك أن تأتي إلى منطقة المتوحشين إلا ~~إن كنت حقا تحبين ذلك.» ~~- «إني لأحب ذلك.» # فقال لها برنارد، وكأنه يهددها: «حسنا، وليكن ذلك.» # وكان جوازهما يقتضي توقيع حارس المنطقة، فقدما له نفسهما في مكتبه في الوقت المناسب ~~في اليوم التالي، وتسلم بطاقة برنارد بواب زنجي من طراز «+ه»، وسمح لهما بالدخول ~~فورا. # وكان الحارس رجلا أشقر اللون، صغير الرأس، من نوع «−أ»، قصيرا متوردا، وجهه ~~كالقمر، عريض المنكبين، ذا صوت قوي مرتفع، يلائم أشد الملاءمة النطق بحكم الإيحاء ~~أثناء النوم، وكانت لديه ثروة من المعارف التي لا تتصل بالموضوع، يسدي النصيحة الطيبة ~~دون أن يطلب ذلك إليه أحد، وإن بدأ أخذ يتدفق بصوت كقصف الرعد. ~~- «خمسمائة وستون ألف كيلومتر مربع، مقسمة إلى مناطق فرعية منفصلة، يحيط بكل منها ~~سور من الأسلاك الشديدة التوتر.» # وفي هذه اللحظة ولغير ما سبب واضح، تذكر برنارد فجأة أنه ترك صنبور الكولونيا في ~~حمامه، مفتوحا يتصبب منه العطر. ~~- «وتستمد التيار من محطة المجاري المائي الكهربي الكبير.» # ورأى برنارد بمخيلته الإبرة فوق مقياس العطر، تتقدم تدريجا بسرعة النملة ولكنها لا ~~تفتر، فقال: «إن ذلك يكلفني ثروة طائلة حتى أعود، فخابروا هلمهلتز تلفونيا على ~~عجل.» ~~- «أكثر من خمسة آلاف كيلومتر من الأسوار بقوة ستين ألف فولت.» # فقالت ليننا: «لا تقل ms076 ذلك.» ولم تدرك البتة ما قاله الحارس، ولكنها فهمت ما يعني ~~تلميحا من سكوته، الذي كان يحاكي سكوت الممثلين، وكانت قد ابتلعت نصف جرام من السوما ~~دون أن يراها أحد، قبلما يشرع الحارس في الكلام بصوته المجلجل، فكانت النتيجة أنها ~~استطاعت الآن أن تجلس هادئة غير مصغية، لا تفكر في شيء مطلقا، وعيناها الزرقاوان ~~الواسعتان محدقتان في وجه الحارس كأنها متنبهة مشغوفة. # وقال الحارس جادا: «ومن يلمس السور يمت في الحال، وليس من منطقة المتوحشين ~~مفر.» # وقد أوحت هذه الكلمة الأخيرة «مفر» لبرنارد، أن ينهض قليلا ويقول: «يجب أن نفكر في ~~الانصراف الآن.» وقد تخيل الإبرة الصغيرة السوداء دائبة في مسيرها، كالحشرة تأكل ما له ~~قضما مع كر الساعات. # فرده الحارس إلى كرسيه، وكرر قوله: «لا مفر.» وحيث إنه لم يوقع بعد على الجواز فلم ير ~~برنارد بدا من الطاعة، ثم قال الحارس: «إن أولئك الذين يولدون في المنطقة، لا بد ~~لهم أن يموتوا فيها.» ثم قال وقد نظر إلى ليننا شزرا ورمقها بنظرة فاحشة، وتحدث في ~~همس غير مألوف: «اذكري يا آنستي العزيزة أن الأطفال لا يزالون يولدون في المنطقة. أجل ~~إنهم ليولدون، وقد يبدو لك ذلك أمرا منفرا ...» (وكان يأمل أن تخجل ليننا هذه الإشارة ~~إلى موضوع مخجل، ولكنها اكتفت بالابتسام وتكلفت الإدراك، وقالت: «لا تقل ذلك.» ~~فشعر الحارس بالخذلان). # لا بد أن يموتوا ... عشر لتر من الكولونيا كل دقيقة، أي ست فترات في الساعة، فحاول ~~برنارد الكلام مرة أخرى، قال: «يجب أن نفكر في ...» # وانحنى المدير إلى الأمام، وقرع المائدة بسبابته وقال: «تسألونني كم من الناس يعيش ~~في المنطقة، وأجيبكم أني لا أعرف، لكني أستطيع أن أحدس.» وأحس بإحساس الرجل ~~الظافر. ~~- «لا تقل ذلك.» ~~- «آنستي العزيزة، إني أقول لذلك.» # 6 × 24، بل ما يقرب من 6 × 36، فاستولى القلق على برنارد وشحب وجهه وارتجف، ولكن ~~جلجلة الحارس استمرت بغير انقطاع. ~~- «ما يقرب من ستين ألف هندي ومولد ... في منتهى التوحش ... ومفتشونا بين الفينة ~~والفينة يزورون ... وإلا انقطعت كل صلة ms077 لهم بالعالم المتمدن ... لا يزالون يحتفظون ~~بعاداتهم وطبائعهم المنفرة ... الزواج، إن كنت تفهمين ما أعني يا آنستي العزيزة، ~~والعائلات ... وعدم التكييف ... والخرافات الشنيعة ... والمسيحية والطوطمية # 1 # وعبادة الأسلاف ... واللغات البائدة مثل لغة زوني والأسبانية والأثباسكانية ... ~~والسبع الجبلي والقنافد والحيوانات المفترسة الأخرى ... والأمراض المعدية ... والقسس ... ~~والسحليات السامة ...» ~~- «لا تقل ذلك!» # وانصرفا أخيرا! فأسرع برنارد إلى التليفون، ولكنه استغرق ما يقرب من خمس دقائق حتى ~~استطاع أن يتصل بهلمهلتز واطسن، وشكا قائلا: «ربما كنا الآن بين المتوحشين بالفعل، ألا ~~قاتل الله العجز!» # واقترحت عليه ليننا أن يتناول جراما. # ولكنه رفض وآثر أن يبقى غاضبا، وأخيرا حمد فورد؛ لأنه استطاع أن يتصل بهلمهلتز فشرح ~~له ما حدث، ووعده هلمهلتز أن يذهب رأسا إلى الصنبور فيغلقه، ولكنه انتهز هذه الفرصة، ~~وبلغه ما قاله المدير علنا مساء الأمس. # فقال برنارد في صوت ينم عن الألم: «ماذا؟ لعله يبحث عن أحد يحله محلي، وهل انتهى ~~الأمر على ذلك؟ هل ذكر أيسلنده؟ تقول إله؟ يا لله! أيسلنده ...» ثم علق السماعة والتفت ~~إلى ليننا، وكان وجهه شاحبا وعلى وجهه سيما الحزن الشديد. # فسألته: «ما الأمر؟» # وأجابها: «الأمر أنني سوف أبعث إلى أيسلنده.» ثم خر على أحد المقاعد ~~متثاقلا. # ولطالما تعجب في الماضي ماذا يكون إحساس المرء، إذا أصابته محنة أو ألم أو تعرض ~~لاضطهاد (وهو لا يتناول السوما، ولا يعتمد إلا على موارده الباطنية)، بل لقد كان يود لو ~~أصابته إحدى الملمات، ومنذ أسبوع واحد فقط، وهو في مكتب المدير، تخيل أنه سوف يقاوم ~~بشجاعة، وسوف يتقبل المصيبة هادئا دون أن يتفوه بكلمة واحدة، وقد جعله تهديد ~~المدير يحس بعلو النفس فعلا، ويشعر كأنه أعظم من الحياة نفسها، ولكنه أدرك الآن أنه ~~إنما أحس بذلك؛ لأنه لم يتلق التهديد جادا، ولم يعتقد أن المدير سوف يبرم أمرا ~~عندما يتحرج الموقف، والآن حينما أدرك برنارد أن المدير سوف ينجز بالفعل ما هدد به من ~~قبل أصابه ذعر شديد، ولم تبق بنفسه بارقة من ذلك الهدوء الذي كان يتخيله أو ms078 تلك ~~الشجاعة النظرية. # ثار في وجه نفسه - يا له من أحمق! - وثار ضد المدير - إنه لم يكن عادلا؛ لأنه لم ~~يعطه الفرصة الأخرى، التي لم يشك الآن في أنه كان دائما يعتزم انتهازها، ثم إن ~~أيسلنده، أيسلنده ... # وهزت ليننا رأسها وقالت: «لقد جعلتني وسوف تجعلني عليلة، سأتناول جراما وأعود كما ~~كنت.» # وفي النهاية أغرته أن يبتلع أربعة أقراص من السوما، وبعد خمس دقائق اختفت الجذور والثمار ، # 2 # ولم تبق إلا زهرة الحاضرة متوردة متفتحة، ثم بلغهما حارس الباب رسالة من ~~الحارس، فحواها أن حارسا من حراس المنطقة قد وصل بطائرته، وهو بانتظارهما فوق سطح ~~الفندق فصعدا في الحال، وحياهما رجل يجري فيه بعض دم الزنوج، ويرتدي زيا أخضر كزي ~~طبقة «ج»، ثم شرع يتلو برنامج الصباح. # نظرة عاجلة لعشر قرى أو اثنتي عشرة قرية من قرى الزنوج الكبرى، ثم يهبطان للغداء في ~~وادي مالبي في بيت مريج، وفي تلك القرية يحتمل أن يكون المتوحشون محتفلين بعيد الصيف، ~~ويكون ذلك الاحتفال إذن خير مكان يقضيان فيه المساء. # واتخذا مكانهما من الطائرة وانطلقا، وبعد عشر دقائق كانا يعبران الحدود، التي تفصل ~~المدنية من الهمجية في الأودية وفوق التلال، وعبروا الصحراوات الملحية والرملية، وخلال ~~الغابات، وفي أعماق الأخاديد البنفسجية اللون، وفوق القمم والصخور الناتئة والهضاب ~~المستوية، وكأنه الخط المستقيم أو الرمز الهندسي، الذي يدل على قوة الإرادة الإنسانية ~~التي لا تقاوم، وعند سفح السور، هنا وهناك، كانت العظام البيضاء الشبيهة بالفسيفساء، ~~والجثث التي لم تتعفن بعد الملقاة على الأرض التي لفحتها الشمس، تدل على أن الغزلان ~~والعجول والسباع والقنافد والذئاب وذكور الباز الشرهة، قد جذبتها رائحة الجيف، وكأن ~~العدالة الإلهية قد أثارت سخطها، فاقتربت جدا من الأسلاك المهلكة. # قال السائق ذو الزي الأخضر: «إنهم لا يتعلمون أبدا.» وأشار إلى الهياكل الملقاة على ~~الأرض تحت أبصارهم، ثم قال: «ولن يتعلموا!» وضحك كأنه انتصر شخصيا على الحيوانات التي ~~قتلتها الكهرباء. # وضحك برنارد كذلك، وكان قد تناول ~~جرامين من السوما، فتصور أن النكتة طيبة لسبب ما، ms079 ضحك ثم غلبه النعاس في الحال، وحلق ~~وهو نائم فوق تاوز وتسك، وفوق ناسب ويكيورس بوجوك، وفوق سيا وكوشيتي، وفوق لاجونا ~~وأكوما وميزا المسحورة، وفوق زولي وكيبولا وأوجو كالينتيه، ثم تيقظ أخيرا فألفى ~~الطائرة واقفة فوق الأرض، وليننا تحمل حقائب الملابس في بيت صغير مربع، والحارس الذي ~~يجري فيه الدم الزنجي، والذي يرتدي زي «ج» الأخضر يتحدث حديثا غير مفهوم مع رجل هندي ~~شاب. # وقال قائد الطائرة حينما كان برنارد ~~خارجا منها: «نحن في مالبي، وهذه هي الاستراحة، وفي عصر هذا اليوم رقص في قرية ~~الزنوج.» وأشار إلى الرجل الهمجي الشاب المكتئب قائلا: «إنه سوف يصحبك إلى هناك.» ثم ~~قال متجهما: «إنه مضحك، وكل ما يفعله الناس من أمثاله يثير الضحك.» ثم نزل في ~~الطائرة وأدار المحركات، وقال: «سأعود غدا» - ثم قال لليننا مؤكدا عليها: «واذكري ~~أنهم في منتهى الألفة، إن هؤلاء الهمج لن يصيبوك بأذى، إن لديهم تجارب كافية عن ~~القنابل الغازية، فهم يدركون أن العبث لا يجوز.» وحرك لوالب الطائرة وهو ما يزال يضحك، ~~وزاد من سرعتها، ثم اختفى. # | الفصل السابع # كانت الهضبة شبيهة بسفينة راسية في بوغاز من رمال لونها كلون الأسد، والقنال يلتوي ~~بين السواحل الرأسية، وينحرف من حائط إلى آخر عبر الوادي شريط أخضر - وذلك هو النهر ~~وما حوله من حقول، وفي مقدمة تلك السفينة الصخرية وسط المضيق، كانت تقع قرية مالبي ~~للزنوج، وكأنها جزء من المقدمة، وهي نتوء صخري عار ذو شكل هندسي، وكنت ترى البيوت سامقة ~~طابقا فوق طابق، وكل طابق أصغر مما تحته، كأنها أهرام مدرجة مبتورة تناطح السماء ~~الزرقاء، وتقع عند سفوحها مبان منخفضة متناثرة، وهي عبارة عن مجموعة من الحوائط ~~المتقاطعة، وجوانب الهضبة من ثلاث جهات تنحدر رأسا في قلب الوادي، وكانت بعض أعمدة ~~الدخان ترتفع رأسا في الهواء الساكن، ثم تختفي. # فقالت ليننا: «يا للعجب، يا للعجب!» وقد اعتادت هذه الكلمات إذا سخطت على شيء، ثم قالت: ~~«إني لا أحب هذا النظر، ولا أحب ذلك الرجل.» وأشارت إلى المرشد ms080 الهندي الذي عين ~~لمرافقتهما إلى القرية، وكان من الجلي أن الرجل يبادلها مقتا بمقت، حتى إن ظهره وهو ~~يتقدمهم كان ينم عن العداوة والازدراء والغم الشديد. # وأخفضت صوتها وقالت: «وفضلا عن ذلك؛ فإن له لرائحة كريهة.» # ولم يحاول برنارد أن ينكر ذلك، ثم تابعا المسير. # وشعرا فجأة كأن الهواء قد تحرك، ونبضت عروقهما بحركة الدم التي لا تفتر، وكانت ~~الطبول تدق في مالبي، فوقعا بأقدامهما على ذلك النغم العجيب، ثم أسرعا الخطى، وأدى ~~بهما الطريق إلى سطح الجرف، وكانت جوانب الهضبة تعلوهما وترتفع ثلاثمائة قدم. # قالت ليننا وقد نظرت باستياء شديد إلى سطح الصخر المرتفع الأجرد: «وددت لو أنا أحضرنا ~~معنا الطائرة، فإني أكره المشي، كما أن المرء يشعر بصغره الشديد، وهو على الأرض عند سفح ~~التل.» # وسارا معا مسافة ما في ظل الهضبة، ودارا حول نتوء صخري، فإذا بهما عند أخدود شقته ~~المياه، فأخذا يصعدان الدرج المرافق، وكان الطريق إلى أعلى شديد الانحدار يلتوي من جانب ~~إلى آخر فوق سطح الأخدود، وكان دق الطبول حينا ضعيفا غير مسموع، وحينا قويا كأنه على ~~مقربة شديدة منهما. # ولما بلغا منتصف الطريق إلى أعلى طار إلى جانبهما نسر، وكان قريبا منهما جدا حتى إن ~~الريح التي حركتها جناحاها هبت باردة على وجهيهما، وفي فجوة من فجوات الصخر شاهدا كومة ~~من العظام، وكان كل شيء جد عجيب، ورائحة الهندي الكريهة تشتد شيئا فشيئا، وخرجا ~~أخيرا من الأخدود إلى ضوء الشمس القوي، وكانت قمة الهضبة سطحا مستويا من الصخور. # فقالت ليننا: «ما أشبهه ببرج شارنج-ت.» غير أن الفرصة لم تتح لها كي تستمتع بهذه ~~المشابهة القوية طويلا، فقد سمعا وقع أقدام لينة فالتفتا إليه، فإذا باثنين من الهنود ~~يركضان فوق الطريق، وهما عاريان من العنق إلى السرة، وجسماهما الأسمران القاتمان ~~ملونان بخطوط بيضاء (وقد شبهتهما ليننا فيما بعد بملاعب التنس الأسفلتية)، ووجهاهما ~~أسودان كالحديد ملطخان باللوثات القرمزية، فهما لا يشبهان الوجوه البشرية، وشعرهما ~~الأسود مضفور بفراء الثعلب والفانلة الحمراء، وتتطاير فوق أكتافهما عباءة من ms081 ريش الديكة ~~الرومية، ويتوجان رأسيهما بأكاليل الريش الضخمة الزاهية، وأساورهما الفضية وعقودهما الثقيلة ~~المصنوعة من العظم ومن حبات الفيروز تجلجل وتخشخش كلما خطوا إلى الأمام، وتقدما صامتين، ~~وأسرعا هادئين في أخفاف من جلد الغزال، وأمسك أحدهما بفرجون من الريش، وحمل الآخر في ~~كلتا يديه أشياء، بدت على بعد كأنها ثلاثة قطع أو أربع من الحبال، وأحد هذه الحبال يلتوي ~~بعسر شديد، وأدركت ليننا بغتة أن هذه الحبال إن هي إلا ثعابين. # واقترب الرجلان، وحدقا فيهما بعيونهما السود، ولكن دون أن تصدر منهما إشارة تدل على ~~معرفتهما، أو أية علامة تشير إلى أنهما قد رأياها فعلا أو أدركا وجودها، وارتخى الثعبان ~~الملتوي مرة أخرى، وتدلى على بقية الثعابين، ثم مر الرجلان. # قالت ليننا: «إنني لا أحب هذا المنظر بتاتا.» # وكانت أشد مقتا لما لقيته عند مدخل القرية، حيث خلفهما المرشد ودخل البلد كي يتلقى ~~الأوامر. تقززت ليننا أولا من القاذورات ومن أكوام النفايات والتراب والكلاب والذباب، ~~فتجعد وجهها والتوى اشمئزازا، ورفعت منديلها إلى أنفها. # وانفجر صوتها حانقة لا تكاد تصدق ما ترى، وقالت: «كيف يمكنهم العيش هنا؟ (ولقد كان العيش ~~بالفعل مستحيلا في ذلك المكان).» # وهز برنارد كتفيه متفلسفا وقال: «على أية حال، إنهم عاشوا هنا حتى الآن خمسة آلاف ~~عام أو ستة آلاف؛ ولذا فإني أظن أنهم الآن متعودون.» # وأصرت ليننا قائلة: «ولكن النظافة من الإيمان.» # واستمر برنارد قائلا: «نعم والمدنية تعقيم.» مرددا في سخرية الدرس الإيحائي الثاني من ~~مبادئ علم الصحة، ثم قال: «ولكن هؤلاء الناس لم يسمعوا بفورد وهم غير متمدنين؛ ولذا فلا ~~يهم ...» # وقضبت على ذراعه مذعورة، وقالت: «انظر!» # وكان حينذاك رجل هندي عار كله تقريبا، يهبط على السلم المتنقل مبطئا من ردهة الطابق ~~الأول في المنزل المجاور، وأمسك بالقضيب تلو القضيب، وهو يرتجف من الحرص كأنه شيخ عجوز، ~~وكان وجهه أسود عميق التجاعيد، كأنه قناع من الصخر اللامع، وانفرج ثغره عن فم بغير ~~أسنان، وفي طرفي شفتيه وعلى جانبي ذقنه أبرقت بضع شعرات خشنة طويلة بيضاء ms082 وسط البشرة ~~السوداء، وتدلى شعره الطويل غير مضفور في خصل رمادية حول وجهه، وقد احدودب ظهره وهزل جسمه، ~~حتى برزت عظامه وتغضن لحمه، وهبط في بطء شديد، وكان يقف عند كل قضيب من قضبان السلم، قبل ~~أن يجرؤ على الهبوط درجة أخرى. # فهمست ليننا قائلة: «ما علته؟» وقد انفرجت عيناها فزعا ودهشة. # فأجابها برنارد بقدر ما استطاع من إهمال قائلا: «كل ما في الأمر أنه عجوز !» وقد أصابه ~~هو كذلك الذعر، غير أنه بذل الجهد في إخفاء تأثره. # فرددت لفظه قائلة: «عجوز؟ إن المدير عجوز، وكثير من الناس عجائز، ولكنهم ليسوا كهذا ~~الرجل.» ~~- «ذلك لأننا لا نسمح لهم أن يظهروا بهذا المظهر، فنحن نحميهم من الأمراض، ونحفظ لهم ~~إفرازهم الداخلي بطريقة صناعية، على حاله كما كان أيام الشباب، إننا لا نسمح لما عندهم من ~~مغنزيوم الكلسيوم أن يهبط نسبته إلى أقل مما كانت عليه في الثلاثين، إننا ننقل إليهم دماء ~~الشباب، وكذلك نقوي فيهم دائما القدرة على تجديد ما يستهلكون من أبدانهم؛ ولذا فهم ~~بالطبع لا يظهرون بهذا المظهر، ويرجع ذلك - إلى حد ما - إلى أن أكثرهم يموتون قبل أن ~~يبلغوا سن هذا المخلوق العجوز، إنهم يحتفظون بفتوة الشباب كاملة حتى الستين، ثم تنتهي ~~حياتهم فجأة.» # ولكن ليننا لم تصغ إليه، بل كانت ترقب العجوز وقد هبط في بطء شديد، ومست قدماه الأرض ثم ~~التفت، ولمعت عيناه ببريق غير معهود، وهما غائرتان في محجريهما، وصوبهما نحوها برهة طويلة. ~~لا يدلان على شيء، ولا يعبران عن دهشة، كأنها لم تكن هناك، ثم أخذ يحجل متباطئا إلى ~~جوارهما ببطء شديد وبظهر محدودب، ثم اختفى. # فهمست ليننا قائلة: «إنه مريع، إنه مخيف، وما كان ينبغي لنا أن نأتي إلى هذا المكان.» ~~وفتشت في جيبها عن السوما - فوجدت أنها تركت الزجاجة في الاستراحة سهوا، وهو ما لم يحدث ~~لها من قبل، وكذلك كانت جيوب برنارد فارغة. # ولبثت ليننا في مالبي تواجه الفزع بغير معين، وقد تكاثرت أسباب الفزع حولها وتلاحقت، ~~أخجلها مشهد سيدتين في ms083 سن الشباب، وقد قدما أثداءهما لصغارهما فأشاحت عنهما بوجهها، إنها ~~لم تر في حياتها منظرا بشعا كهذا. ومما زاد الطين بلة أن برنارد بدلا من أن يتجاهله ~~بلباقة، بدأ يعلق صراحة على هذا المنظر المنفر الذي يدل على التناسل بطريقة غير طريقة ~~التفريخ، وكان أثر السوما قد زال، فأحس بالخجل من الضعف الذي أبداه في الفندق ذلك ~~الصباح، وأراد أن يظهر قوته وعدم تقيده بالأصول المرعية . # وقال في ثورة متكلفة: «ما أجمل تلك العلاقة وما أحبها إلى النفوس، وما أغزر ذلك ~~الشعور الذي تولده هذه العلاقة! لطالما جال بخاطري أن المرء يفقد شيئا ما إذا لم تكن له ~~أم، ولربما فقدت الكثير يا ليننا؛ لأنك لم تكوني أما، تصوري نفسك جالسة هناك ومعك طفلك ~~الصغير الخاص ...» # وقالت: «كيف تجرؤ على هذا القول يا برنارد؟» ثم صرفها عن غضبها مرور امرأة عجوز، مصابة ~~بالرمد وبمرض جلدي. # ثم قالت: «دعنا ننصرف، إني لا أحب هذه المناظر.» # وعندئذ عاد مرشدهما وأشار إليهما أن يتقفيا أثره، ثم تقدمهما وسار نحو الطريق الضيق ~~الذي يقع بين البيوت، وساروا جميعا حول أحد الأركان، وأبصرا كلبا ميتا ملقى على كومة ~~من المخلفات القذرة، وامرأة تضخمت غدتها الدرقية تبحث عن القمل في شعر فتاة صغيرة، ثم ~~وقف المرشد عند أسفل أحد السلالم المتنقلة، ورفع يده عمودية ثم دفعها أفقية إلى الأمام، ~~وفعلا ما أمرهما به بالإشارة دون الكلام، فتسلقا السلم، وولجا الباب الذي يؤدي السلم ~~إليه، فإذا بهما في غرفة طويلة ضيقة، مظلمة تنتشر فيها رائحة الدخان والدهن المطبوخ ~~والملابس البالية القذرة، وكان في الطرف الآخر من الغربة باب آخر ينفذ منه شعاع من ضوء ~~الشمس وضجيج الطبول القريبة. # ووطئت أقدامهما عتبة الباب فألفيا نفسهما في دهليز فسيح، وتحت أبصارهما ميدان ~~القرية تتحوطه المنازل المرتفعة من جميع النواحي ويموج بالهنود، فلمحوا الأردية ~~البراقة، والريش في الشعر الأسود، ولألأة الفيروز، والجلود السوداء التي تلمع وتشع ~~الحرارة، فوضعت ليننا منديلها على أنفها مرة أخرى، وكان بالفضاء الذي يقع وسط الميدان ms084 ~~رصيفان مستديران مشيدان من الصلصال المضغوط - ومن الواضح أن تلك كانت سطوح حجرات تحت ~~الأرض؛ لأنهما شاهدا وسط كل رصيف بابا مفتوحا، يخرج منه سلم يبرز من الظلام السفلي، وطرق ~~أسماعهما مزمار يعزف في باطن الأرض، غير أنه يكاد يتلاشى في دق الطبول الثابت المتصل الذي ~~لم يعبأ بأحد. # وكانت ليننا تحب دق الطبول، فانغمضت عيناها واسترسلت مع ذلك الصوت المتكرر الذي يشبه ~~قصف الرعد، ومكنته من أن يتغلغل في شعورها وإحساسها شيئا فشيئا، حتى لم يبق في العالم ~~في نهاية الأمر، سوى نبضات الطبل الشديدة المتوالية، وذكرها ذلك الصوت تذكيرا قويا ~~بالضوضاء المصطنعة، التي تحدث في صلاة الجماعة وفي الاحتفال بعيد فورد، فدمدمت قائلة «شولم، ~~شولم.» إذ إن الطبل الذي طرق سمعها كان يدق على هذا النغم. # ثم تفجر الغناء بغتة فتنبهت ليننا. كانت أصوات المئات من الذكور تصيح معا بشدة، ~~وكأنها رنين المعدن الغليظ، وأنشد المغنون بضع نغمات طويلة ثم صمتوا، وبقيت الطبول وحدها ~~تجلجل كالرعد، ثم أجاب النسوة بصوت حاد كأنه الصهيل المرتفع، ثم عادت الطبول إلى دقها، ~~وعاد الرجال المتوحشون إلى غنائهم، بصوت عميق يؤكد رجولتهم. عجيب حقا، كان ذلك المكان ~~عجيبا، وكذلك كانت الموسيقى، وكذلك كانت الأزياء والغدد الدرقية المتضخمة، والأمراض ~~الجلدية والشيوخ المسنون، أما الأداء نفسه فلم يكن فيه ما يستدعي العجب بصفة خاصة. # وقالت لبرنارد: «يذكرني هذا بالغناء الجماعي للطبقات الوضيعة.» # ولكن بعد فترة قصيرة لم يعد هذا الغناء يذكرها - كما كان يفعل من قبل - بغناء الطبقات ~~الفقيرة الذي لا يعود على أحد بالضرر، إذ إنها شهدت بغتة جماعة شاحبة اللون، من أولئك ~~المتوحشين تخرج من تلك الحجرات السفلية وتتجمهر، وكان أفراد تلك الجماعة يبدون في هيئة ~~زرية، يختلفون عن البشر في مظهرهم كل الاختلاف، وقد بدءوا يدبون حول الميدان، وهم يرقصون ~~رقصة غريبة مرتخية، وأخذوا يدورون حول الميدان مرة بعد أخرى مغنين وهم يرقصون - وكانوا ~~يسرعون في كل رقصة عن الرقصة السابقة. وتغير دق الطبول وأسرع في النغم، حتى أصبح مسمعها ~~كنبض ms085 الحمى في الآذان، وشرعت الجماهير تغني مع الراقصين، وعلا غناؤهم، وقد صاحت إحدى ~~النسوة، ثم تبعتها ثانية فثالثة كأنهن يقتلن، وبعدئذ خرج عن الصف بغتة قائد الفرقة ~~الراقصة، واندفع نحو صندوق خشبي كبير قائم في طرف من أطراف الميدان، ثم رفع الغطاء وأخرج ~~ثعبانين أسودين، فانفجرت الجماهير صائحة، وجرى بقية الراقصين نحوه ومدوا له أيديهم، فألقى ~~الثعبانين على أول القادمين، ثم أدخل يده في الصندوق ليخرج غيرهما، وتكاثرت الثعابين، منها ~~الأسود ومنها البني ومنها المرقش - وقد طوحها جميعا، ثم بدأ الرقص مرة أخرى على ~~نغمة أخرى، فداروا حول الميدان يحملون الثعابين ويتلوون مثلها، ويتماوجون تماوجا خفيفا ~~عند الركب والأرداف، ثم أشار لهم قائدهم، فألقيت الثعابين واحدا بعد الآخر وسط الميدان، ~~وظهر حينئذ رجل عجوز من تحت الأرض ونثر فوقها دقيق الحنطة، وخرجت من الفتحة الأخرى امرأة ~~رشت فوقها الماء من وعاء أسود، وعندئذ رفع الشيخ يده، فصمت الجميع مذعورين خائفين، ~~وكفت الطبول عن الدق وكأن الحياة قد انعدمت من كل شيء، وأشار الشيخ صوب الفتحتين ~~اللتين تؤديان إلى العالم السفلي، وقد برز من إحداهما تمثال نسر ملون، رفعته في بطء شديد ~~أياد مختفية، وبرز من الفتحة الأخرى تمثال رجل عار مسمر فوق صليب، وبقيا هناك معلقين، ~~وكأن كلا منهما يقيم نفسه، وكأنهما يرقبان. وصفق الشيخ بيديه، وتقدم من الجمع الحاشد ~~غلام في الثامنة عشرة من العمر تقريبا، عاري الجسد لا يتستر إلا بقطعة يسيرة من القماش ~~عند ردفيه، ووقف أمام الشيخ، ويداه متصالبتان فوق صدره، ورأسه منحن، فرسم الشيخ فوقه علامة ~~الصليب ثم انصرف، فشرع الغلام يسير مبطئا حول كومة الثعابين الملتوية، وبعد ما أتم الدورة ~~الأولى وقطع من الثانية نصفها، تقدم نحوه من بين الراقصين رجل طويل القوام، يتقنع بجلد ~~الذئب ويمسك في يده سوطا من الجلد المضفور، فتحرك الغلام كأنه لا يعلم بوجود الرجل، فرفع ~~الرجل المستذئب سوطه، وتعلقت الأنفاس لحظة طويلة في ارتقاب ما عساه يحدث، ثم تحرك الرجل ~~حركة سريعة أعقبها صفير السوط وهو يهبط، وصوته ms086 الضخم وهو يمس جسد الغلام، واهتز جسم ~~الصبي، ولكنه لم يحدث صوتا، بل واصل سيره محتفظا بخطوته البطيئة الثابتة، وأخذ الرجل ~~المستذئب يضربه مرة بعد أخرى، وعند كل ضربة يعلو من الجمهور اللهاث، الذي يعقبه الأنين ~~العميق، وظل الغلام يدور للمرة الثانية، فالثالثة، فالرابعة، والدم يتدفق منه، ثم دار للمرة ~~الخامسة فالسادسة، فحجبت ليننا لفورها وجهها بيديها، ثم أجهشت بالبكاء، وقالت متوسلة: ~~«أوقفوهم، أوقفوهم.» ولكن السياط توالت بغير انقطاع، ودار الغلام دورته السابعة، ثم ترنح ~~وخر على وجهه صريعا دون أن ينبس ببنت شفة، فانحنى فوقه الشيخ ومس ظهره بريشة طويلة ~~بيضاء، ثم رفع الريشة ليراها الناس، فإذا بها قرمزية اللون، ثم هزها ثلاث مرات فوق ~~الثعابين، وسقطت بضع قطرات، ثم شرعت الطبول تدق مرة أخرى مسرعة تثير الرعب، وسمعت صيحة ~~عالية فاندفع الراقصون إلى الأمام، والتقطوا الثعابين وجروا بعيدا عن الميدان، وتبعهم ~~الرجال والنساء والأطفال وكل الجمع المحتشد، وبعد دقيقة خلا الميدان ولم يبق به غير ~~الغلام، منكفئا على وجهه ساكنا حيث خر، وخرج ثلاث من النسوة العجائز من أحد المنازل، ~~ورفعنه في شيء من المشقة ثم أدخلنه الدار، وبقي النسر والرجل المصلوب برهة يحرسان ~~القرية الخاوية، ثم هبطا مبطئين خلال الفتحتين واختفيا في العالم السفلي، وكأنهما اكتفيا ~~بما شاهدا. # وما برحت ليننا تبكي وتكرر قولها: «هذا شيء مريع! تلك الدماء!» ولم يجدها عزاء برنارد ~~نفعا، وارتعدت رعبا وفزعا، ثم قالت: «وددت لو تناولت السوما.» # وسمع في الغرفة الداخلية وقع أقدام، فلم تتحرك ليننا، بل لبثت مكانها ووجهها بين يديها، ~~في عزلة عن العالم، لا ترى شيئا، والتفت برنارد وحده. # وبرز إلى الدهليز شاب في زي الهنود، غير أن شعره المضفور كان في لون القش، وعيناه ~~زرقاوان شاحبتان، وجلده أبيض برنزي. # قال هذا الرجل الغريب في لغة إنجليزية عجيبة برغم خلوها من الخطأ: «أهلا، عموا غدا، ~~إنكم قوم متمدنون، أليس كذلك؟ أتيتم من العالم الآخر خارج هذه المنطقة.» # فدهش برنارد وبدأ الكلام بقوله: «من ذا عسى أن يكون ...؟» # فتنهد ms087 الشاب وهز رأسه وقال: «إنه رجل بائس!» ثم أشار إلى لوثات الدم وسط الميدان، وقال: ~~«هل ترون تلك البقعة اللعينة؟» وقد تهدج صوته من شدة العطف. # وقالت ليننا من خلف يديها بطريقة آلية: «جرام واحد خير من اللعنة، وددت لو تناولت ~~السوما!» # واستمر الشاب في كلامه، قال: «كان ينبغي أن أكون هناك، لم لم أكن ضحيتهم؟ إذن ~~لاستطعت أن أدور عشر مرات - بل اثنتي عشرة، بل خمسة عشر، أما بالوهتوا فلم يعد السبع، ~~كانوا يستطيعون أن يظفروا من دمي بضعف ما ظفروا منه، يظفرون ببحار واسعة من الدم ~~القاني.» ومد ذراعيه بحركة عنيفة، ثم أرخاهما قانطا وقال: «ولكنهم لم يرضوا بي، ~~إنهم يمقتونني من أجل بشرتي، وقد كانوا كذلك دائما، دائما.» وتجمع الدمع في مقلتيه فخجل ~~وانصرف. # وأنسى الذهول ليننا حرمانها من السوما، ثم كشفت عن وجهها وألقت على الغريب أول نظرة ~~وسألته: «هل تعني أنك كنت تريد أن تضرب بذلك السوط؟» # وكان الشاب منصرفا عنها، ولكنه أشار بالإيجاب وقال: «ومن أجل القرية - كي تهطل ~~الأمطار وينمو القمح؛ ولكي يرضى بوكونج ويسوع؛ ولكي أبرهن أني أستطيع أن أتحمل الألم ~~بغير بكاء.» وتغيرت نغمة صوته، وأدار منكبيه معجبا ورفع ذقنه متحديا متشامخا، وقال: ~~«كي أبرهن على رجولتي.» وشهق ثم صمت وفغر فاه. لقد كانت تلك أول مرة في حياته يشهد فيها ~~فتاة وجهها ليس كالشكولاته أو جلد الكلب لونا، وشعرها مصفر دائم التموج، وملامحها تنم عن ~~الخير، وذلك شيء عجيب غير مألوف، وابتسمت له ليننا، وقد أعجبت أشد الإعجاب بحسن مظهره ~~وجمال قوامه، فتدفق الدم في وجنتي الشاب، وأرخى جفنيه، ثم رفعهما بعد لحظة فوجد أنها ما ~~تزال تبتسم له، فغلبه الخجل والتفت إلى وجهة أخرى، وتظاهر بالتحديق في شيء ما في الجانب ~~الآخر من الميدان. # وأنقذ برنارد الموقف بما وجه إلى الشاب من أسئلة: «من يكون؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن أين؟» وثبت ~~الشاب نظره في وجه برنارد (لأنه كان يتحرق شوقا ليرى ليننا وهي تبسم، حتى إنه لم يجرؤ ~~على مجابهتها ms088 بالنظر)، وحاول أن يشرح حقيقة أمره. كان هو وأمه لندا (وقد بدا القلق على ~~ليننا عندما سمعت لفظة الأم) غريبين في تلك المنطقة، فلقد أتت لندا قبل مولده مع أبيه من ~~العالم الآخر، وهنا رفع برنارد أذنيه مصغيا، ثم قال الشاب: «إن أمه تجولت في تلك الجبال ~~وحدها، وسارت نحو الشمال، ثم سقطت من مكان مرتفع شديد الانحدار وآذت رأسها.» قال برنارد ~~متهيجا: «أسرع، أسرع!» فوجدها بعض الصيادين من مالبي وصحبوها إلى القرية، ولم تر لندا أباه ~~بعد ذلك الحين، وكان اسمه توماكين (وتوماس هو الاسم الأول للمدير)، ولا بد أن يكون قد عاد ~~طائرا إلى العالم الآخر بغير الأم - لقد كان سيئ الخلق قاسيا شاذا. # وختم حديثه قائلا: «وهكذا ترون أنني ولدت في مالبي.» ثم هز رأسه. # ما أقذر ذلك المنزل الصغير الذي يقع في ضاحية من ضواحي القرية! # كانت تفصله عن القرية أرض فضاء تغطيها الرمال والغابات. # وكان لدى كومة القاذورات، عند الباب، كلبان جائعان ينبحان نباحا فاحشا، ولما ولجوا ~~الدار فاجأتهم رائحة كريهة وطنين الذباب. # وصاح الشاب مناديا: «لندا!» # فأجابته من الغرفة الداخلية بصوت نسائي أجش قائلة: «إني آتية.» # وانتظروا، ووقعت أبصارهم على بقايا وجبة، أو وجبات عديدة من الطعام في الأواني الملقاة ~~فوق الأرض. # وانفتح الباب، فإذا بامرأة من الهنود الأمريكيين، بدينة شقراء تطأ العتبة، ثم تقف ناظرة ~~إلى الغريبين محدقة فيهما، فاغرة فاها لا تصدق ما ترى، وتقززت ليننا عندما لاحظت أن ~~المرأة كان ينقصها اثنتان من الأسنان الأمامية، وأن لون ما بقي لها من أسنان ... واقشعر ~~بدنها، لقد كانت أسوأ من الشيخ، بدينة، وجهها مجعد، مترهلة، متغضنة، وقد تجوف خداها ~~وتلطخا بلوثات أرجوانية اللون، وظهرت الحمرة في عروق أنفها، والتهبت عيناها، وما أقبح ~~جيدها، وذلك القماش الغليظ الذي غطت به رأسها، ما أقذره وما أشد تمزيقه، وقد برزت ~~بطنها وردفاها وثدياها تحت ذلك الرداء البني الذي يشبه الجوال. حقا لقد كانت أسوأ من ~~الرجل العجوز! وتفجر هذا المخلوق فجأة بتيار جارف من الكلام، ثم ms089 اندفعت نحوها بذراعين ~~ممدودتين، يا لله يا لله! لقد كانت منفرة جدا، ولو بقيت لحظة أخرى لخرت ليننا عليلة، ~~ثم التصق بها نتوء بطنها وثدييها وقبلتها. يا لله! أفتقبلها، وقد سال لعابها وانتشرت منها ~~الرائحة الكريهة؟! لا شك أنها لم تستحم قط، وكانت تفوح منها رائحة تلك المادة الكريهة، التي ~~توضع في قوارير «د» و«ه» (وليس صحيحا ما يقال عن برنارد)، وتنتشر منها رائحة الكحول ، ~~فحاولت ليننا أن تفر بأسرع ما استطاعت، فالتقت بوجه شائه باك، فقد كانت المرأة تبكي ~~بصوت مرتفع. # وأخذت العجوز تتدفق في الكلام وهي تبكي، وقالت: «عزيزتي، لو عرفت مقدار سروري - بعد كل ~~هذه السنوات - لرؤية وجه متمدن، وزي متمدن، لقد كنت أحسب أني لن أرى قطعة من حرير ~~الحامض مرة أخرى.» ثم لمست بأصبعها كم قميص ليننا، وكانت أظافرها سوداء، ثم قالت: «وهذه ~~السراويل القصيرة الباهرة من المخمل اللين! هل تعلمين يا عزيزتي أني ما زلت أحتفظ في أحد ~~الصناديق بملابسي القديمة التي قدمت فيها أول مرة، وسوف أطلعك عليها فيما بعد، وإن تكن ~~الخروق قد كثرت في الحرير الحمضي، ولكن ما أجمل حزام الكتف الأبيض، وإن كنت أقر بأن حزامك ~~المراكشي الأخضر أجمل منه، غير أني لم أفد كثيرا من حزامي.» وبدأ الدمع ينحدر من عينيها ~~ثانية، ثم قالت: «أحسب أن جون قد أخبرك، لقد عانيت كثيرا، ولم يكن عندي جرام واحد من ~~السوما، لم يكن لدي سوى شراب المسكال، أتناول منه الفينة بعد الفينة، كلما أتاني به بوبي، ~~وبوبي هذا ولد عرفته، ولكن هذا الشراب له أثر سيئ على الحس فيما بعد، إنه يصيب شاربه ~~بمرض البيوتل، وهو فوق ذلك يبعث في الشارب في اليوم التالي إحساسا شديدا بالخجل، ولقد ~~خجلت جدا، هل تتصورون أني حملت وأنا من «ب»، ضعوا أنفسكم مكاني (وهذه الإشارة المجردة ~~أصابت ليننا بالرعدة)، ولكني أقسم لكم إن الخطأ لم يكن مني؛ لأني ما زلت أجهل كيف حدث هذا، ~~وقد قمت بالتدريب المالتسي كله - وهو بالعدد كما تعلمون: 1، 2، 3، 4 ms090 - وأقسم أني ما قصرت، ~~ولكن الحادث برغم ذلك قد وقع، وبالطبع لم يكن هنا مركز للإجهاض. وبهذه المناسبة، هل لا يزال ~~مركز الإجهاض في شلسي؟ (فأجابتها ليننا بالإيجاب) وهل لا تزال تنعكس فوقه الأضواء أيام ~~الثلاثاء والجمعة؟ (فأجابت ليننا بالإيجاب مرة أخرى) ما أجمل ذلك البرج الزجاجي القرنفلي!» ~~ورفعت لندا المسكينة رأسها، وبعينين مغمضتين أعادت إلى مخيلتها - وهي مذهولة - صورة ذلك ~~البرج اللامع، ثم قالت في همس: «وما أبدع النهر في المساء!» وتسرب الدمع الغزير على مهل من ~~بين جفنيها المغمضين، ثم قالت: «وأذكر أنا كنا نعود بالطائرة مساء من ستوك بوجس، ثم نأخذ ~~حماما ساخنا ونستخدم آلة التدليك المذبذبة المفرغة ... ولكن كفى كفى!» وتنهدت تنهدا ~~عميقا، وهزت رأسها، وفتحت عينيها ثانية، واستنشقت مرة أو مرتين، ثم أفرغت مخاط أنفها فوق ~~أصابعها، ومسحته في الجزء الأسفل من ردائها، وكشرت ليننا اشمئزازا وهي لا تشعر، فأجابتها ~~لندا قائلة: «إني آسفة وما كان ينبغي لي أن أفعل ذلك، إني آسفة، ولكن ماذا يفعل المرء إذا ~~لم يكن لديه منديل؟ أذكر كيف كنت أتقزز من مثل هذه القذارة، وليس عندي مطهر، ولقد أصبت ~~بجرح كبير في رأسي عندما أتوا بي هنا أول مرة، وإنك لا تتصورين المادة التي وضعوها عليه، ~~قذارة، وليس غير. وكنت دائما أقول لهم: «المدنية تعقيم.» وأخذت أنشدهم - كأنهم أطفالي - ~~محببة إلى نفوسهم النظافة والحمامات والمراحيض، ولكنهم بالطبع لم يفقهوا قولي، وكيف ~~يفقهون؟ ولكني أعتقد أني اعتدت طبائعهم في نهاية الأمر. وعلى أية حال، كيف يستطيع المرء ~~أن يحتفظ بنظافة الأشياء، إذا لم يكن لديه ماء ساخن، ثم انظري إلى هذه الملابس، إن هذا ~~الصوف الخشن ليس كالحرير الحمضي، إنه يتحمل كثيرا، وعلينا أن نرتقه إن تمزق، ولكني من ~~«ب» وكنت أعمل في حجرة التلقيح، ولم أتعلم شيئا مثل هذا، فلم يكن من عملي، ثم إني تعلمت ~~أن رتق الملابس ليس من الصواب في شيء، كنا نرميها إذا ظهرت فيها الخروق ونشتري غيرها، ~~ومبدؤنا «إذا كثر الإصلاح قل الثراء» أليس ms091 كذلك؟ فإصلاح الأشياء ليس أمرا اجتماعيا، ولكن ~~الأمور هنا تسير على غير ذلك، وكأننا نعيش مع المجانين، كل ما يفعلونه يدل على الجنون، ثم ~~تلفتت حولها، وعرفت أن جون وبرنارد قد تركاها وأخذا يسيران جيئة وذهابا في التراب ~~والقاذورات خارج البيت، ولكنها برغم ذلك أخفضت صوتها، وأسرت إلى ليننا وقد مالت عليها ~~والتصقت بها، حتى إن هبوب دخان سم الجنين قد هز الشعر فوق خدها (وقد تصلبت ليننا ~~وانكمشت)، وهمست بصوت خشن قائلة: «خذي مثلا علاقة أحدهم بالآخر هنا، إنهم مجانين كما قلت ~~لك، بل وفي منتهى الجنون، نحن نعلم أن كل فرد يتعلق بكل فرد آخر، أليس كذلك؟» ثم جذبت كم ~~ليننا وهي تتحمس في كلامها، فحولت ليننا عنها رأسها وأومأت إيجابا، ثم أطلقت نفسها ~~المكتوم واستطاعت أن تتنفس تنفسا آخر غير ملوث نسبيا، وواصلت الأخرى حديثها قائلة: ~~«أما هنا؛ فإن الفرد لا يتعلق بأكثر من فرد واحد، فإذا كانت علاقة أحد الأفراد بالآخرين ~~كما عهدنا، ظنه الناس شريرا يعادي المجتمع، وكرهوه وازدروه، وقد حدث مرة أن جماعة من ~~النسوة أتين إلي، وتشاجرن لأن رجالهن قد أتوني، ولماذا لا يأتون؟ واندفعن نحوي، وكان ~~منظرا مريعا، لا أستطيع أن أحدثك عنه.» وغطت لندا وجهها بيديها وارتعدت فرائصها، ثم قالت: ~~إنني أمقت النساء هنا أشد المقت، إنهن مجنونات قاسيات، وهن بالطبع لا يعرفن شيئا عن تدريب ~~مالتس، أو القوارير، أو التفريغ، أو ما شابه ذلك؛ ولذا فهن يلدن دائما - كالكلاب، وهو شيء ~~منفر، وإني لأصعق حينما أذكر أني ... يا لله، يا لله! ومع ذلك فلقد كان لي في جون عزاء ~~جميل، ولست أدري ماذا كنت أصنع بغيره، وذلك رغم أنه يرتبك أشد الارتباك كلما رأى رجلا ... ~~حتى حينما كان طفلا صغيرا. ولقد حاول مرة - لما شب قليلا ما - أن يقتل وايهو سيده ~~المسكين - أو لعله كان بوبي - لأنه كان يتردد علي بين الحين والحين؛ وذلك لأني لم أستطع ~~قط أن أفهمه أن ذلك هو ما ينبغي للمتمدنين أن يفعلوا، وإني أعتقد ms092 أن الجنون معد، ويظهر ~~أنه انتقل من الهنود إلى جون؛ لأنه كان يرافقهم كثيرا، وذلك رغم قسوتهم عليه وحرمانه من ~~أداء ما يفعل غيره من الصبيان، وكان ذلك حسنا من ناحية؛ لأنه يسر لي تكييفه إلى حد ما، ~~وإن كنت لا تتصورين ما لاقيت في ذلك من مشقة، وكثير من الأمور لا يعلمه المرء، ولم يكن من ~~شأني أن أعلم به، وأعني أن الطفل يسألك: «كيف تسير الطائرة؟ أو من خلق الدنيا؟ فبماذا ~~تجيبين إن كنت من «ب» تشتغلين دائما في حجرة التلقيح؟ بماذا تجيبين؟» # | الفصل الثامن # كان برنارد وجون يسيران مبطئين جيئة وذهابا خارج البيت، في التراب وفوق القاذورات ~~(وكانت الكلاب عندئذ أربعة). # قال برنارد: «يشق علي كثيرا أن أدرك أو أن أتصور، لكأننا نعيش فوق كوكب آخر وفي قرن ~~غير هذا القرن، ما معنى الأمهات، وهذه القاذورات، والآلهة، والشيخوخة، والمرض ...» ثم هز ~~رأسه وقال: «تلك الأشياء لا يكاد يتصورها العقل، ولن أفهم حتى تشرح لي.» ~~- «أشرح ماذا؟» ~~«هذا» وأشار إلى القرية و«ذلك» مشيرا إلى المنزل الصغير خارج القرية، «اشرح لي كل شيء، ~~وفسر لي حياتك كلها». ~~- «ولكن ماذا عساي قائل؟» ~~- «ابدأ من أول الأمر، وعد بذاكرتك إلى الماضي على قدر ما تستطيع.» # فقطب جون جبينه مرددا: «سأعود بذاكرتي إلى الماضي على قدر ما أستطيع.» ثم كان صمت ~~طويل. # كان الجو حارا وقد تناولا قدرا كبيرا من خبز المكسيك ومن الحنطة الحلوة، وقالت ~~لندا: «تعال أيها الطفل وارقد.» واستلقت إلى جانبه فوق السرير الضخم، وأخذت تتغنى بنشيد ~~من أناشيد الأطفال، فيه حث على النظافة وفيه إشارة إلى التفريغ، ثم انخفض صوتها شيئا ~~فشيئا. # وعلا الضجيج فاستيقظ ابنها مذعورا، وإذا برجل ضخم مربع يقف إلى جوار السرير، وكان ~~يلقي بحديث إلى لندا، ولندا تضحك، وكانت لندا ~~قد رفعت غطاءها حتى ذقنها، فجذب الرجل الغطاء إلى أسفل، وكان شعره كحبلين أسودين، وحول ~~ذراعه سوار فضي جميل مرصع بالأحجار الزرقاء، وقد أعجب السوار ابنها ولكنه ذعر برغم ~~ذلك، فأخفى وجهه في جسم ms093 لندا، ووضعت لندا يده فوقه فأحس بالطمأنينة، ووجهت إلى الرجلين ~~كلاما لم يدركه كل الإدراك، قالت: «لا تفعل، وجون هنا.» فوجه الرجل إليه بصره، ثم ~~وجهه إلى لندا، وأسر إليها بضع كلمات بصوت ناعم، أجابته لندا بقوله: «لا.» غير أن الرجل ~~انحنى على السرير نحوه، وكان وجهه ضخما مربعا، وقد مس الغطاء بشعره الأسود المضفور، ~~فكررت ليننا قولها: «لا.» وأحس الولد بيدها تضغط عليه بشدة وهي تقول: «كلا، كلا!» ولكن ~~الرجل قبض على إحدى يديه، وآلمته فصاح، وأخرج الرجل يده الأخرى ثم رفعه إلى أعلى، وما برحت ~~لندا ممسكة به، وهي تقول: «كلا، كلا.» وتفوه الرجل غاضبا بكلمات موجزة وأبعد يديها بغتة، ~~فركله الطفل بقدميه وتلوى قائلا: «لندا، لندا.» لكن الرجل حمله إلى الباب في جانب ~~الغرفة الآخر، وألقى به أرضا وسط الغرفة الأخرى، ثم انصرف بعدما أغلق خلفه الباب، فنهض ~~الولد، وركض نحو الباب، ووقف على أطراف أصابعه حتى استطاع أن يبلغ المزلاج الخشبي الكبير، ~~فرفعه ودفع الباب ولكنه لم ينفتح، فصاح: «لندا، لندا»، ولكنها لم تجبه. # وتذكر غرفة ضخمة حالكة الظلام، تحتوي على أشياء خشبية كبيرة ترتبط بحبال رفيعة، وتقف ~~حولها ثلة من النساء - يصنعن الأغطية كما تقول لندا، وطلبت إليه أن يجلس في ركن الغرفة ~~مع الأطفال الآخرين؛ كي تذهب هي إلى النسوة وتمد إليهن يد المعونة، وظل يلعب مع ~~الأطفال مدة طويلة، ثم بدأ الناس يتحدثون فجأة بصوت مرتفع، ودفع النسوة لندا بعيدا عنهن، ~~فصاحت وتوجهت نحو الباب فتبعها، وسألها فيم غضبهن، فأجابت: «لأني كسرت شيئا.» ثم غضبت ~~هي كذلك، وقالت: «كيف أعرف أن أنسج مثلهن، هؤلاء الهمج المتوحشون؟» فسألها ما تعني ~~بالمتوحشين، ولما عادا إلى البيت كان بوبي بانتظارهما لدى الباب، فدخل معهما، وكانت ~~معه جرة كبيرة ملأى بمادة تشبه الماء وليست به، هي مادة ذات رائحة كريهة تحرق في ~~الشارب وتجعله يسعل، وقد تناولت منها لندا قليلا، كما تناول بوبي، ثم قهقهت لندا ~~بالضحك وتكلمت بصوت مرتفع، ثم رافقت بوبي إلى الغرفة الأخرى، ولما ms094 انصرف بوبي، ~~توجه إلى الغرفة فألفى لندا في الفراش مستغرقة في النوم، ولم يستطع إيقاظها. # واعتاد بوبي أن يتردد على البيت، وقال: «إن المادة التي كانت تحتويها الجرة تسمى ~~«مسكال»»، ولكن لندا قالت: «إنها يجب أن تسمى سوما»، غير أنها تصيب الشارب بالمرض، وكان ~~الولد يكره بوبي، بل كان يكره كل الرجال الذين يأتون لزيارة لندا، وفي عصر ذات يوم - ~~يذكر أنه كان باردا، وأن الثلوج كانت تعمم الجبال - اشترك مع الأطفال الآخرين في ~~اللعب، ثم عاد إلى البيت وسمع في غرفة النوم أصواتا غاضبة، وكانت أصوات جماعة من ~~النسوة يتفوهن بكلمات لم يفقه لها معنى، ولكنه عرف أنها كلمات مريعة، وإذا بشيء ~~ينقلب فجأة ويحدث صوتا عاليا فهاج الناس وماجوا، ثم حدث الصوت مرة أخرى، وأعقبه ضجيج ~~كضجيج البغل قليل العظام حين يضرب، وصاحت لندا «لا تفعلوا، لا تفعلوا، لا تفعلوا!» وجرى ~~نحو الصوت فإذا بثلاث نساء متشحات بإزار أسود، وكانت لندا على فراشها، وإحدى النساء ~~تمسكها من معصميها، والأخرى ترقد فوق ساقيها وتمنعها من الركل بقدميها، والثالثة تضربها ~~بالسوط، وقد ضربتها ثلاث ضربات ضجت منها لندا بالعويل، فتعلق الولد بذيل رداء هذه ~~المرأة، وأخذ يصيح قائلا: «أرجوك وأتوسل إليك!» فدفعته بعيدا عنها بيدها الطليقة، وهبط ~~السوط مرة أخرى فولولت لندا ثانية، فأمسك بين يديه بيد المرأة وهي يد ضخمة سمراء اللون، ~~وعضها بكل قوته، فصاحت وخلصت يدها ودفعته دفعة قوية، خر لإثرها طريحا فوق الأرض، ~~وضربته بالسوط ثلاث ضربات وهو مستلق فوق الأديم، وشعر بألم لم يشعر بمثله من قبل - كأنه ~~النار، ثم نهض، ووقع عليه السوط مرة أخرى فخر ثانية، ولكن لندا هي التي صاحت هذه ~~المرة. # وسألها في تلك الليلة: «لماذا أرادوا إيذاءك يا لندا؟» وكان يبكي؛ لأن علامات السياط ~~الحمراء فوق ظهره ما برحت شديدة الإيلام، ولكنه كان كذلك يبكي لأن الناس متوحشون ~~ظالمون إلى حد كبير؛ ولأنه طفل صغير لم يستطع أن يفعل بهم شيئا، وكانت لندا كذلك تبكي، ~~أجل لقد كانت كبيرة ولكنها ms095 لم تبلغ من ~~الضخامة حدا يمكنها من العراك مع ثلاثة أشخاص، لقد ظلمها النسوة، وكرر الولد سؤاله: ~~«لماذا أرادوا إيذاءك يا لندا؟» ~~«لست أدري، وكيف أدري؟» وكان من العسير أن تسمع ما تقول؛ لأنها كانت مستلقية على بطنها ~~ووجهها مطمور في الوسادة، وواصلت الحديث قائلة: «إنهن يزعمن أن أولئك الرجال رجالهن.» ~~وكأنها لم تكن تتحدث إلى الصبي، بل كأنها تتحدث مع إنسان بداخلها، وألقت حديثا طويلا لم ~~يفقه له معنى، وأخذت في النهاية تصرخ صراخا عاليا ليس لها به عهد. ~~- «لا تصرخي يا لندا، لا تصرخي.» # وضمها إليه، وطوق جيدها بذراعه، فصاحت في وجهه لندا: «مهلا، مهلا، كتفي! أوه!» ~~ودفعته بشدة بعيدا عنها، فاصطدم رأسه بالحائط، ثم صاحت: «يا لك من غر أحمق!» وبدأت ~~تصفعه فجأة، وتوقع عليه الصفعات واحدة تلو الأخرى. # فصاح قائلا: «لندا، أماه، لا تفعلي.» ~~- «لست أمك، ولن أكون لك أما.» ~~«ولكن يا لندا ...» فصفعته على خده وصاحت: «لقد انقلبت امرأة همجية لي صغار كالحيوان، ~~لولاك لذهبت إلى المفتش ولاستطعت الفرار، ولكني لن أفر ومعي طفل، إن هذا لعار ~~كبير.» # ولاحظ أنها تهم بضربه ثانية فرفع ذراعه يحمي بها وجهه، وقال: «بربك لا تفعلي ~~يا لندا.» # فجذبت ذراعه إلى أسفل وانكشف وجهه، وقالت له: «أيها الوحش الصغير.» # فأغمض عينيه وقال لها: «لا تفعلي يا لندا!» وقد توقع أن تضربه، ولكنها لم تفعل، وبعد ~~برهة فتح عينيه ثانية ولاحظ أنها كانت تنظر إليه، وحاول أن يبتسم لها، وطوقته بذراعها ~~بغتة وانهالت عليه بالقبلات. # وكانت لندا أحيانا تلزم الفراش أياما عدة وهي حزينة، وأحيانا تتعاطى شيئا من المادة ~~التي أحضرها بوبي، وتضحك كثيرا ثم تستغرق في النوم، وأحيانا تنتابها العلة، وكثيرا ما ~~كانت تنسى أن تغسل ابنها، ولم يكن لديه ما يأكله سوى الخبز المكسيكي البارد، وتذكر ~~المرة الأولى التي وجدت فيها تلك الحيوانات ~~الصغيرة في شعره، وتذكر كيف صاحت حينئذ وعلا صياحها. # وكانت أحب الأوقات إلى نفسه تلك التي كانت تحدثه فيها عن العالم الآخر، فسألها: «وهل ~~يستطيع ms096 المرء حقا أن يطير حيثما شاء؟» ~~«أجل حيثما شاء.» ثم تحدثه عن الموسيقى الحلوة التي تصدر عن صندوق، وعن الألعاب ~~الجميلة كلها التي يستطيع أن يلعبها الإنسان، وما لذ من مأكل ومشرب، وعن الضوء الذي ~~يظهر عندما يضغط المرء على شيء صغير في الحائط، وعن الصور التي تسمع حديثها وتحسها وتشم ~~رائحتها، كما تستطيع أن تراها، وعن الصندوق الذي يصنع الروائح العطرة، وعن المنازل ~~القرنفلية والخضراء والزرقاء والفضية التي تبلغ الجبال طولا، وكل امرئ سعيد، لا يحزن ولا ~~يغضب، وكل فرد يتعلق بكل فرد آخر، وتحدثه عن الصناديق التي ترى فيها وتسمع ما يحدث في ~~الجانب الآخر من العالم، وعن الأطفال في القوارير الجميلة النظيفة، وكل شيء بالغ النظافة، ~~لا تشم رائحة كريهة، ولا تقع العين على قذارة، هناك لا يشكو الناس العزلة، بل يعيشون معا ~~في سرور وسعادة، كما ترى الناس هنا في مالبي أيام الرقص في الصيف، بل أسعد كثيرا، لا ~~تفارقهم السعادة في يوم من الأيام. # وكان يصغى لها ساعات متواليات، وأحيانا عندما يمل اللعب مع الأطفال الآخرين - ~~يحدثهم أحد شيوخ القرية في لغة عجيبة عن المحور الأكبر للدنيا، وعن الصراع الطويل ~~بين اليد اليمنى واليد اليسرى، وبين الرطوبة والجفاف، وعن أونا ولونا الذي أوجد حوله وهو ~~يفكر في أثناء الليل ضبابا كثيفا، ومن هذا الضباب الكثيف خلق العالم بأسره، ويحدثهم عن ~~الأرض أما والسماء أبا، وعن أهايوتا ومارسليما وهما توءما الحرب والصدفة، وعن يسوع ~~ويوكونج، وعن مريم واتساناتلهى، وهي المرأة التي تستطيع أن ترد الشباب إلى نفسها، وعن ~~الحجر الأسود عند لاجونا والنسر الأكبر وسيدتنا الأكومية وكلها قصص عجيبة، يزيدها عجبا ~~أنها تحكي بتلك اللغة الغريبة، فلا يفهمها تمام الفهم، وحينما يستلقي في الفراش يفكر في ~~السماء وفي لندن وفي سيدتنا الأكومية، وفي ~~الصفوف العديدة من الأطفال المحفوظين في القوارير النظيفة، وفي يسوع وهو يطير ولندا وهي ~~تطير، وفي المدير الأكبر لمعامل التفريخ وفي أوناولونا. # وجاء لزيارة لندا رجال عديدون، وبدأ الصبية يشيرون إليها بأصابعهم، وفي ms097 لغتهم الغربية ~~قالوا إن لندا امرأة سيئة، ونبذوها بشتائم لم يفهم لها معنى، ولكنه أدرك أنها شتائم، ~~وأخذوا ذات يوم يرددون أغنية بشأنها، فقذفهم بالحجارة، وقذفوه، فجرح خده حجر حاد ~~وتدفق الدم وتلوث به. # وعلمته لندا القراءة، ورسمت على الحائط صورا بقطعة من الفحم، رسمت حيوانا قابعا وطفلا ~~داخل قارورة، ثم سطرت بعض الحروف، وكتبت «القط فوق الحصير، والطفل في الإناء»، وتعلم ~~الولد بسرعة وسهولة ، ولما استطاع أن يقرأ كل الكلمات التي كتبتها على الحائط، فتحت لندا ~~صندوقها الكبير الخشبي وأخرجت من تحت السراويل الصغيرة العجيبة الحمراء، التي لم تلبسها ~~قط كتابا صغيرا هزيلا، ولطالما وقعت عيناه على هذا الكتاب من قبل، وكانت تقول له: ~~«تستطيع أن تقرأه عندما تكبر.» وها هو ذا الآن كبير، وبنفسه فخور، ولكنها تقول له: «أخشى ~~ألا تجده شيقا.» ثم تنهدت وقالت: «ولكن ليس عندي سواه، آه لو شهدت آلات القراءة الجميلة ~~التي كانت لدينا في لندن!» ثم بدأ يقرأ: «تكييف الأجنة الكيمائي والبكتريولوجي، إشارات ~~عملية لعمال مخزن الأجنة من النوع «ب»»، واستغرق ربع ساعة في قراءة العنوان وحده، ثم ألقى ~~الكتاب على الأرض وقال: «ما أشنع هذا الكتاب!» ثم بدأ يصيح. # وما برح الصبية ينشدون نشيدهم المريع عن لندا، وكانوا كذلك أحيانا يسخرون من ثيابه ~~الرثة، وكانت لندا لا تعرف كيف تصلح ملابسه إذا تمزقت، وتقول له: «إن الناس في العالم الآخر ~~ينبذون الملابس ذات الخروق ويستبدلون بها الجديد.» واعتاد الصبية أن يسخروا منه بقولهم: ~~«الخرق البالية، الخرق البالية.» ويقوله لنفسه: «ولكني أستطيع أن أقرأ وهم لا يستطيعون، بل ~~إنهم لا يعرفون ما القراءة.» وكان من اليسير عليه - إذا أنعم الفكر في القراءة - أن ~~يتظاهر بعدم الاهتمام بسخريتهم منه، فطلب إلى لندا أن تعيد إليه الكتاب. # وكلما تمادى الصبية في الإشارة إليه وفي الغناء أمعن في القراءة، وسرعان ما أتقن قراءة ~~الكلمات كلها حتى أطولها، ولكنه سأل لندا عن معناها، غير أن المعنى لم يتضح له حتى ~~حينما كانت لندا تستطيع الإجابة، وكانت في ms098 الجملة تعجز عن الإجابة بتاتا. # سألها: «ما هي المواد الكيميائية.» # قالت: «هي مواد مثل أملاح المغنزيوم، والكحول الذي يجعل طبقة «ء» و«ه» صغيرة متأخرة، ~~وكربونات الكلسيوم للعظام، وما شابه ذلك.» ~~- «ولكن كيف تصنعون المواد الكيمائية يا لندا؟ ومن أين تأتي؟» ~~- «لست أعرف، إنها تستخرج من القوارير، وعندما تفرغ القوارير ترسلها إلى مخزن المواد ~~الكيمائية للمزيد، وأحسب أن الموظفين في المخزن هم الذين يصنعون هذه المواد الكيمائية، أو ~~ربما يطلب موظفو المخزن هذه المواد من المصنع. لست أعرف، ولم أشتغل بالكيمياء يوما ما، ~~ولقد كان عملي دائما يختص بالأجنة.» # وكذلك كان الأمر في كل سؤال وجهه إليها، وكأن لندا لم تعرف شيئا، وكان عند شيوخ ~~القرية إجابات أشد من ذلك قطعا. ~~- «بذور الناس وبذور المخلوقات جميعا، وبذور الشمس وبذور الأرض وبذور السماء - كل ذلك ~~خلقه أو ناولونا من ضباب التكاثر، والعالم أربعة أرحام، وقد وضع البذور في أحط هذه ~~الأرحام الأربعة، وبدأت البذور تنمو تدريجا ...» # وذات يوم (حسبه جون فيما بعد وعلم أنه لا بد أن يكون عقب ميلاده الثاني عشر)، عاد إلى ~~البيت وألفى كتابا لم يره من قبل ملقى على الأرض في غرفة النوم، وكان كتابا غليظا عليه ~~سيما القدم، وقد أكلت الفيران جلده، وتفككت بعض صفحاته وتغضنت، فالتقط الكتاب ونظر ~~إلى صفحة العنوان، وقرأ عليها ما يأتي: «مجموعة مسرحيات وليم شيكسبير». # وكانت لندا مستلقية على فراشها ترشف من ~~الكأس شراب المسكال ذا الرائحة الكريهة الشنيع، قالت: «لقد أحضره بوبي.» وكان صوتها غليظا ~~خشنا كأنه صوت شخص آخر، ثم قالت: «كان هذا الكتاب ملقى في أحد صناديق انتلوب كيفا، ~~والمفروض أنه لبث هناك مئات السنين، وأحسب ذلك صحيحا؛ لأني تصفحته وبدا لي كأنه ملئ ~~بالخرافات، إنه كتاب همجي، ولكنه يصلح لتدريبك على القراءة.» ثم تناولت من الكأس الجرعة ~~الأخيرة، وألقتها على الأرض إلى جانب الفراش، وانقلبت على جنبها، وشهقت مرة أو مرتين ثم ~~استغرقت في النوم، وفتح الغلام الكتاب حيثما اتفق وقرأ فيه ما يلي: ~~«عجبا كيف يعيش المرء ms099 في عرق كريه على فراش رث، يدب فيه الفساد، وكيف ينعم ويعشق ~~في بيت قذر كبيوت الخنازير ...» # 1 # ودارت هذه الكلمات العجيبة في رأسه، ورنت في أذنه كالرعد إذا تكلم، أو ~~كالطبل في رقصات الصيف إذا استطاعت الطبول أن تتحدث، أو كالرجال وهم يتغنون بنشيد الحصاد. ~~كان رنينها في الأذن رائعا، تدفع السامع إلى الصياح، كأنها حديث من حديث متسما العجوز، ~~ينطق بكلمات السحر وهو يتزين بالريش، ويمسك بالعصى المنقوشة ويقطع من العظام والحجارة - ~~ويتفوه بألفاظ لا معنى لها، غير أن الألفاظ التي قرأها خير من ألفاظ متسما السحرية؛ لأنها ~~تدل على معان أكثر منها؛ ولأنها تحدثه، وتتحدث بشكل يدعو إلى الإعجاب ولا تفهم كل الفهم، ~~هذه كلمات سحرية جميلة مريعة عن لندا، وهي هناك على فراشها تغط في نومها، وإلى جوار ~~فراشها كأس فارغة ملقاة على الأرض، هذه كلمات عن لندا وبوبي. # واشتد مقته لبوبي، وأدرك أن المرء قد لا يفتر ثغره عن الابتسام وهو وضيع دنيء، يا له من ~~وغد ميت الضمير خائن، داعر غير رفيق، وما معنى تلك الكلمات التي قرأ؟ إنه أدركها ~~إدراكا ناقصا، غير أن سحرها قوي، وما فتئت ترن في أذنه، وأحس كأنه لم يكره بوبي من ~~قبل قط، لم يكرهه لأنه لم يستطع يوما أن يعبر عن مقدار كرهه له، أما الآن فلديه هذه ~~الألفاظ التي تشبه الطبل والغناء والسحر. هذه الكلمات وتلك القصة العجيبة التي اقتبست ~~منها (إنه لم يفهم للقصة مغزى، ولكنها برغم ذلك عجيبة جدا) بررت له كره بوبي، وجعلت ~~كرهه له أمرا حقيقيا، بل جعلت بوبي نفسه شخصا أكثر واقعية في عينيه. # وعاد ذات يوم من اللعب وألفى باب الغرفة الداخلية مفتوحا، ووجدهما مستلقيين على الفراش ~~معا ومستغرقين في نومهما - لندا البيضاء، وبوبي إلى جانبها يكاد يكون أسود اللون، وإحدى ~~ذراعيه تحت كتفيها، واليد الثانية السوداء على صدرها، وإحدى ضفائر شعره الطويل ملقاة ~~حول عنقها، كأنها حبة سوداء تحاول خنقها، وجرة بوبي وإحدى الكئوس ملقاة على الأرض ~~إلى جانب ms100 السرير، ولندا تغط في نومها. # وكأن قلبه اختفى وخلف مكانه ثغرة، كان فارغا باردا وكأنه عليل به دوار، فاستند إلى ~~الحائط كي يعتدل، وجال بخاطره أن الرجل ميت الضمير، خائن، داعر ... وتذكر تلك الألفاظ ~~التي تشبه الطبل، أو تشبه نشيد الحصاد، أو السحر، وأخذت الكلمات تدور في رأسه مرة بعد ~~أخرى، واستحالت برودته بغتة إلى حرارة، واحترقت وجنتاه من الدم المتدفق، وغامت الغرفة ~~أمام عينيه وأظلمت، واصطكت أسنانه، وردد قوله: «سوف أقتله، سوف أقتله.» وتذكر فجأة هذه ~~الكلمات: ~~«حينما يكون مستغرقا في نومه ثملا، أو في ثورة من الغضب، أو في متعة الفراش زانيا مع ~~امرأة لا يجوز له أن يقترن بها ...» # إن هذا السحر يشد أزره، وهو سحر يفسر له ما غمض ويصدر له الأوامر بما يصنع، فتقهقر ~~إلى الغرفة الخارجية، وردد هذه العبارة: «حينما يكون مستغرقا في نومه ثملا ...» وكانت ~~سكين اللحم ملقاة على الأرض إلى جانب النار، فالتقطها وسار على أطراف أصابعه نحو الباب ~~ثانية، وردد مرة أخرى: «حينما يكون مستغرقا في نومه ثملا ...» وعبر الغرفة على عجل وطعن ~~الرجل. يا للدماء! ثم طعنه مرة أخرى، وتحرك بوبي من نومه فرفع يده كي يطعنه طعنة ثالثة، ~~ولكن يدا قبضت على معصمه وأمسكت بها ولوتها ليا شديدا، فلم يستطع أن يتحرك، ووقع في ~~الشراك، ورأى عيني بوبي الصغيرتين السوداوين المتقاربتين وهما تحدقان في عينيه، فصرف عنه ~~البصر، ورأى جرحين في كتف بوبي اليسرى، وصاحت لندا قائلة: «انظروا إلى الدماء، انظروا إلى ~~الدماء!» ولم تستطع يوما أن تحتمل رؤية الدماء، ورفع بوبي يده الأخرى كي يضربه - كما ظن ~~جون، فتصلب استعدادا للقاء الضربة، ولكن اليد التي ارتفعت عادت به تحت ذقن الرجل، ~~ولوت وجهه بحيث لم يسعه إلا أن يحدق في عيني بوبي، وبقي على ذلك ساعات طوالا، ثم لم ~~يسعه بعدئذ إلا أن يتفجر بالبكاء، فقهقه بوبي ضاحكا، وقال له باللغة الهندية العجيبة: ~~«اذهب يا أهايوتا، إنك شجاع.» فانطلق إلى الغرفة الأخرى؛ كي يخفي دموعه. # وقال له متسما ms101 العجوز باللغة الهندية: «أنت في الخامسة عشرة من عمرك، وأستطيع الآن أن ~~أعلمك كيف تشتغل بالصلصال.» # وجلسا القرفصاء على شاطئ النهر وأخذا يشتغلان معا. # وتناول متسما بين يديه قطعة من الصلصال المبتل، وقال: «لنعمل أولا قمرا صغيرا.» وصنع ~~الرجل العجوز من كتلة الصلصال قرصا، ثم ثنى أطرافه إلى أعلى، فأصبح القمر كأسا ~~ضحلة. # وقلد جون حركات الرجل العجوز الدقيقة ببطء وبغير مهارة. # وطرق متسما قطعة أخرى من الصلصال، وصنع منها أسطوانة طويلة لينة، ثم صنع منها حلقة ~~مستديرة ولصقها على حافة الكأس قائلا: «قمر فكأس فثعبان، ثم آخر فآخر.» وهكذا كون متسما ~~جوانب الوعاء من تكرار الحلقات، وكان أسفله ضيقا، ثم انتفخ ثم ضاق ثانية عند العنق، وظل ~~متسما يكور ويدحو، ثم يربت ويكشط حتى تكون الوعاء، وأضحى في شكله كجرة الماء ~~المألوفة في مالبي، غير أنه في بياض القشدة بدلا من السواد، ناعم الملمس. وإلى جوار ~~الوعاء الذي صنعه متسما وعاء آخر يغايره شكلا، خشن غير مستقيم، وهو من صنع جون، فنظر إلى ~~الوعاءين ولم يسعه إلا أن يضحك، ثم قال: «سيكون الثاني خيرا من هذا.» وشرع يبلل ~~قطعة أخرى من الصلصال. # وأحس بنشوة من السرور وهو يشكل الصلصال ويصوره، ويشعر بأصابعه وهي تكتسب مهارة ~~وقوة، وأخذ يغني لنفسه وهو يعمل ويقول: «أ، ب، ج، فيتامين ء، الدهن في الكبد، والحوت في ~~البحر.» وتغنى كذلك متسما بأغنية عن قتل الدب، واشتغلا طيلة النهار، وأحس كل الوقت ~~بسعادة عظيمة أنسته كل شيء. # وقال له متسما العجوز: «في الشتاء القادم سأعلمك صناعة القوس.» # ووقف زمنا طويلا خارج البيت، وأخيرا انتهت الحفلات التي أقيمت بداخله، وفتح الباب ~~وخرجا منه، وظهر كوثلو أولا، وذراعه اليمنى ممتدة، ويده مقبوضة بشدة كأنه يمسك بجوهرة ~~ثمينة، وتبعته كياكيمي ويدها كذلك مقبوضة وذراعها ممتدة، وسارا صامتين، وجاء في إثرهما ~~الإخوة والأخوات وأبناء العم ورتل من العجائز، وهم كذلك صامتون. # وخرجوا من القرية وعبروا الهضبة المستوية، وعند حافة الهضبة كفوا عن المسير وقد طالعتهم ~~الشمس المشرقة، ففتح كوثلو ms102 يده، فظهرت على كفه كمية يسيرة من دقيق الحنطة الأبيض، ~~تنفس عليها وتمتم ببضع كلمات ثم رمى بها نحو الشمس، وكأنها قبضة من التراب الأبيض، وفعلت ~~كياكيمي مثل ما فعل، وعندئذ تقدم أبوها ورفع عصا مريشة يستخدمها عند الصلاة، ودعا ~~دعاء طويلا، ثم قذف العصا في اتجاه الدقيق. # وعندئذ قال متسما العجوز بصوت مرتفع: «انتهى الأمر وأصبحا زوجين.» # وعندما هموا بالانصراف قالت لندا: «كل ما أستطيع أن أقوله أنها جعجعة كبيرة من أجل طحن ~~قليل، أما في الأمم المتمدنة؛ فإن الولد حينما يشتهي الأنثى ليس عليه إلا أن ... ولكن إلى ~~أين أنت ذاهب يا جون؟» # فلم يعرها التفاتا، وأخذ يهرول ويبتعد كي يبلغ مكانا يعتزل الناس فيه. # انتهى الأمر، وتردد صدى كلمات متسما العجوز في فؤاده، انتهى، انتهى ... وفي هذا السكون ~~وذلك المكان القصي نبض قلبه بحب كياكيمي، ولكن بغير أمل أو رجاء، فلقد انتهى الأمر، ~~وهو الآن في السادسة عشرة من عمره. # كانت الأسرار تفشى، بل تؤدى وتحمل في ليالي البدر الكامل في كهف انتلوب، يدخل الأولاد ~~الكهف ويخرجون منه رجالا، وكانوا جميعا في خوف وقلق، وأخيرا حل اليوم الموعود، وغربت ~~الشمس وطلع القمر، فذهب أحد الغلمان مع الآخرين، وكان الرجال واقفين لدى مدخل الكهف ~~كالأشباح في ضوء القمر، وأنزل السلم في أعماق الكهف وقد أشرقت جوانبه بضياء أحمر، وبدأ ~~زعماء الأولاد يهبطون، وتقدم أحد الرجال بغتة، وأمسك الغلام من ذراعه وأخرجه من الصفوف، ~~ولكنه أفلت من قبضته وعاد إلى مكانه بين الآخرين، فضربه الرجل وجذبه من شعره، وقال رجل ~~آخر: «لا عليك يا صاحب الشعر الأبيض، لا عليك يا بن الكلبة.» وضحك الأطفال، وقيل له: ~~«اذهب!» وصاح به الرجال: «هيا اذهب!» وما برح يتلكأ عند أهداب الجماعة، وانحنى أحد الرجال ~~والتقط حجرا ثم رماه قائلا: «اذهب!» ثلاث مرات، ثم كان بعد ذلك وابل من الحجارة، فانطلق ~~الغلام في الظلام وهو يدمى، وعلت من الكهف الأحمر ضوضاء الغناء، وذلك عندما هبط الغلام ~~الأخير على السلم، وكان صاحبنا وحيدا. # بقي ms103 وحيدا خارج القرية فوق الهضبة الجرداء، وكانت الصخور في ضوء القمر كالعظام ~~البيضاء، والذئاب تعوي تحت ضوء القمر في بطن الوادي، وقد آلمته الجروح وتدفقت منها الدماء، ~~ولكنه لم ينتحب من أثر الجراح، وإنما كان يبكي وحدته؛ لأنه طرد وحيدا فوق هذه الصخور التي ~~تشبه في ضوء القمر هيكل العظام، فجلس عند حافة الهضبة، والقمر خلفه، وألقى بصره إلى ظل ~~الهضبة الحالك، أو ظل الموت الأسود، فما عليه إلا أن يخطو إلى الأمام خطوة ثم يقفز ... ~~ومد يمناه في ضوء القمر، وما برحت الدماء تتدفق من معصمه، وتسقط قطرات كل بضع ثوان، وهي ~~تكاد تكون عديمة اللون في ذلك الجو القاتم، سالت الدماء نقطة نقطة، وكأنها تقول له: ~~«غدا، غدا، غدا ...» # في تلك العزلة أدرك صاحبنا الزمان، والموت، والله ... # وكان الشاب يقول: «كنت دائما وحدي.» # فكان لهذه الألفاظ صدى أليم في صدر برنارد، فقال لصاحبه وقد أولاه كل ثقته: «كنت دائما ~~وحدك، وإني لكذلك في عزلة تامة.» # فسأله جون في دهشة بالغة: «هل أنت وحيد؟ لقد كنت أحسب أنكم في العالم الآخر ... أعني أن ~~لندا كانت تقول لي دائما: «إن المرء هناك لا يشعر بالعزلة البتة.».» # فساور القلق نفس برنارد وتدفق الدم في وجنتيه من شدة الخجل، وقال متمتما وقد حول ~~عنه عينيه: «أحسب أني على خلاف مع أكثر الناس، فالمرء إذا أفرغ من القارورة بطريقة ~~مخالفة ...» # فأومأ الشاب برأسه قائلا: «أجل، هو ذاك، إن المرء إذا اختلف عن غيره، فلا مندوحة له عن ~~الشعور بالوحدة، وحينئذ يقسو عليه العالم. هل تعلم أنهم يبعدونني عن كل شيء كل الإبعاد؟ ~~فعندما أرسلوا الغلمان الآخرين؛ ليقضوا المساء فوق الجبال (وأنت تعلم بالطبع شعور المرء ~~عندما يرغم على أن يحلم بالحيوان الذي يجب عليه أن يقدسه) لم يسمحوا لي برفقتهم ولم ~~يبوحوا لي بسر من أسرارهم، ثم قال: «ولكني فعلت ذلك بنفسي، فلم أتناول طعاما مدة خمسة ~~أيام، ثم خرجت ذات مساء وحدي إلى تلك الجبال.» وأشار إليها. # وابتسم له برنارد ابتسامة العطف ms104 وسأله: «وهل حلمت بشيء ما؟» # فأومأ الشاب بالإيجاب وقال: «ولكن لا ينبغي لي أن أذكر لك ما حلمت به.» ثم صمت برهة من ~~الزمن، واصل حديثه بعدها بصوت منخفض، قال: «لقد فعلت مرة أمرا لم يفعله غيري من الآخرين، ~~وقفت تجاه صخرة في رابعة النهار صيفا، وذراعاي ممتدتان إلى جانبي كالمسيح فوق ~~الصليب.» ~~- «عجبا! ولماذا فعلت هذا؟» ~~- «أردت أن أحس بشعور المصلوب، وبقيت هناك في الشمس معلقا ...» ~~- «ولماذا؟» # فقال مترددا: «لماذا؟ ... لأني شعرت بضرورة هذا العمل ما دام المسيح قد استطاعه، ثم إن ~~المرء إذا أخطأ ... وكنت فوق ذلك تعسا، وهذا سبب آخر.» # قال برنارد: «يبدو لي أن هذه طريقة عجيبة لعلاج شقاوتك.» ولكن بعدما عاود التفكير في ~~الأمر، قرر أنها طريقة لا تخلو من المغزى، فهي خير من تناول السوما. # ثم قال الشاب: «وأغمي علي بعد فترة ما، وانكفأت على وجهي، ألا ترى أثر الجرح في ~~وجهي؟» وأزاح شعره الأصفر الغزير عن جبهته، وظهر أثر الجرح على صدغه الأيمن شاحب اللون ~~مغضنا. # ونظر إليه برنارد ثم حول عنه بصره سريعا، وقد أصابته رعدة خفيفة؛ لأنه كيف على ~~أن يكون شديد الاشمئزاز أكثر منه رءوفا رحيما، فإن مجرد الإشارة إلى المرض أو الجراح لا ~~ترعبه فحسب بل تنفره وتقززه، كما تفعل القذارة أو التشويه أو الشيخوخة؛ ولذا أسرع في ~~الانتقال إلى موضوع آخر. # فسأل صاحبه قائلا: «هل لك أن تعود معنا إلى لندن؟» وكان هذا السؤال الحركة الأولى من ~~الحملة التي كان يدبر خطتها سرا مذ أدرك وهو في البيت الصغير من يكون «والد» هذا ~~الشاب الهمجي، ثم قال: «هل تحب ذلك؟» # فتهلل وجه الشاب وقال: «هل تقصد حقا ما تقول؟» ~~- «بالطبع، إذا استطعت أن أحصل على الإذن بذلك.» ~~- «ولندا كذلك؟» # فساورته الشكوك لحظة وتردد في الإجابة، فلقد كانت لندا مخلوقا منفرا، كلا، هذا ~~مستحيل، ما لم ... وطرأ لبرنارد فجأة أن تنفيرها نفسه قد يكون مغنما كبيرا، فقال: ~~«بالطبع!» وعلا صوته كي يعوض تردده الأول، وبالغ في إظهار الإخلاص. # وتنفس ms105 الشاب نفسا عميقا وقال: «ما أشد دهشتي حين أفكر في أن ما حلمت به طوال ~~حياتي قد يتحقق، هل تذكر ما تقول ميراندا؟» ~~- «ومن تكون ميراندا؟» # وكان من الجلي أن الشاب لم يسمع السؤال واستمر يقول: «يا للعجب!» وأبرقت عيناه وتورد ~~وجهه وقال: «كم من مخلوق طيب في ذلك المكان! ما أجمل الإنسان!» وزادت حمرة خديه فجأة، ~~فلقد انصرف ذهنه إلى ليننا، إلى ملاك في زي لزج لونه كخضرة الزجاج، يتألق من عنفوان ~~الشباب ومن دهان البشرة، ممتلئ الجسم، على شفتيه ابتسامة تنم عن الخير، وتهدج صوته، ثم ~~بدأ يقول: «ما أعجب العالم الجديد!» ثم قاطع نفسه فجأة، وزالت حمرة وجنتيه، وأصبح ~~شاحبا كالورق، ثم قال: «هل أنت متزوج منها؟» ~~- «هل أنا ماذا؟» ~~- «متزوج، أعني إلى الأبد، إنهم يقولون «إلى الأبد» في لغة الهنود، إنها علاقة لا ~~تنفصم.» # فلم يتمالك برنارد نفسه من الضحك وقال: «كلا وحق فورد.» # وضحك جون كذلك، ولكن الباعث مختلف، فلقد ضحك من فرط السرور. # وكرر جون قوله: «ما أعجب العالم الجديد؟ ما أعجب هذا العالم الجديد الذي يشتمل على ~~أمثال هؤلاء الناس! لتبدأ رحلتنا توا بغير توان»، فحملق برنارد في الشاب في دهشة وارتباك ~~وقال: «إن لك في بعض الأحايين طريقة غريبة في الحديث، وعلى أية حال ألا يجدر بك أن تنتظر ~~حتى ترى العالم الجديد فعلا؟» # | الفصل التاسع # أحست ليننا بعد هذا اليوم الغريب المرعب أنها قمينة بعطلة تامة مطلقة، فما إن عادا إلى ~~الاستراحة حتى ابتلعت ستة أقراص من السوما، زنة القرص الواحد نصف جرام، واستلقت على سريرها، ~~وفي خلال عشر دقائق أقلعت إلى عالم الخلد القمري، ولا بد من أن تنقضي ثمانية عشرة ساعة ~~على الأقل قبل أن تعود إلى وعيها. # وفي تلك الأثناء استلقى برنارد في الظلام، واسترسل في الفكر وعيناه مفتوحتان، ولم ~~يستغرق في النوم إلا بعدما انتصف الليل بأمد طويل. ولكن أرقه لم يكن بغير جدوى، فلقد دبر ~~لنفسه خطة محكمة. # وفي صبيحة اليوم التالي خرج الرجل الزنجي المولد، ms106 ذو الرداء الأخضر من طائرته في تمام ~~الساعة العاشرة، وكان برنارد بانتظاره وسط أشجار الصبر، فقال له: «إن المس كراون قد رحلت ~~في عطلة السوما، ولا أظنها عائدة قبل الخامسة، وهذا يوفر لنا سبع ساعات.» # فهو يستطيع أن يطير إلى سانتافي ويقضي بها وطره، ثم يعود إلى مالبي قبل يقظتها بوقت ~~طويل. ~~- «وهل تكون هنا آمنة وهي وحيدة؟» # فأكد له الزنجي أنها سوف تكون آمنة كالطائرة. # وامتطيا الطائرة وأقلعا في الحال، وفي الساعة العاشرة والدقيقة الرابعة والثلاثين، هبطا ~~على سطح مكتب البريد في سانتافي، وفي الساعة العاشرة والدقيقة السابعة والثلاثين، وصل ~~برنارد إلى مكتب المراقب العالمي في هوايت هول، وفي الساعة ~~العاشرة والدقيقة التاسعة والثلاثين، كان يتحدث إلى ~~السكرتير الخاص الرابع لسيادته، وفي الرابعة والأربعين بعد العاشرة كان يكرر قصته إلى ~~السكرتير الأول، وفي السابعة والأربعين والنصف بعد العاشرة، رن في أذنيه صوت مصطفى مند نفسه ~~وهو صوت عميق رنان. # فقال برنارد متلجلجا: «لقد جرؤت على الظن بأن سيادتك قد تجد للأمر أهمية علمية ~~كافية ...» # فرد عليه بصوته العميق قائلا: «أجل، إني أجد له أهمية علمية كافية، عد بهذين الشخصين إلى ~~لندن.» ~~- «إن سيادتك تعلم أني سوف أحتاج إذنا خاصا ...» # قال مصطفى مند: «إن الأوامر الضرورية ترسل في هذه اللحظة إلى حارس منطقة المتوحشين، ~~فتوجه لتوك إلى مكتب الحارس، ورافقتك السلامة يا مستر ماركس.» # وساد الصمت برهة، ثم علق برنارد السماعة، وأسرع إلى السطح. # وقال للزنجي الأخضر «د»: «إلى مكتب الحارس.» # وفي الساعة العاشرة والدقيقة الرابعة والخمسين كان يصافح الحارس. # وبصوت مجلجل يدل على الإكرام قال الحارس: «إني جد مسرور يا مستر ماركس، لقد تسلمنا ~~منذ لحظة أوامر خاصة ...» # فقاطعه برنارد قائلا: «أعرف ذلك، إذ كنت أتحدث إلى سيادته تلفونيا منذ لحظة.» وقد تكلم ~~بنغمة مملة، تدل على أنه اعتاد الحديث إلى سيادته في كل يوم من أيام الأسبوع، ثم خر في ~~أحد المقاعد، وقال للحارس مؤكدا: «هل تتكرم باتخاذ الخطوات الضرورية بأقصى ما تستطيع من ~~سرعة؟» وكان في مرح ms107 شديد. # وفي الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثالثة، كانت الأوراق الضرورية كلها في جيبه. # وصحبه الحارس حتى أبواب المصعد، وهناك ودعه بعطف شديد. # ثم قصد الفندق، واستحم، وتدلك بالآلة المذبذبة المفرغة، وحلق بالكهرباء، واستمع إلى أنباء ~~الصباح تذاع بالراديو، وشاهد صور التلفزيون نحوا من نصف ساعة، ثم تناول غداء خفيفا وهو ~~خالي البال، وفي منتصف الساعة الثالثة عاد مع الزنجي طائرا إلى مالبي. # وكان الشاب واقفا خارج الاستراحة. # فصاح: «برنارد، برنارد.» غير أنه لم يظفر برد. # فصعد السلم مسرعا في خف من جلد الغزال لم يحدث به صوتا، وحاول أن يفتح الباب، ولكنه ~~كان موصدا. # عجبا، لقد رحلا! وكان هذا الحادث أشق ما وقع له في حياته، لقد طلبت إليه أن يأتي ~~لرؤيتهما، وها هما ذا الآن قد رحلا، فجلس على السلم وبكى. # وبعد نصف ساعة طرأ له أن يطل من النافذة، وكان أول ما وقعت عليه عيناه حقيبة ملابس خضراء، ~~كتب على غطائها بالألوان هذان الحرفان ل. ك، فاشتعلت نفسه من فرط السرور، والتقط حجرا، ~~وتحطم الزجاج ووقع على الأرض مصلصلا، وكان بداخل الغرفة بعد لحظة، وفتح الحقيبة الخضراء، ~~ففاح منها عبير العطور التي كانت تحملها ليننا، وامتلأت رئتاه برائحتها وذكراها، وأسرعت ~~دقات قلبه، وغاب عن رشده لحظة ثم انحنى على الصندوق الثمين، ومس ما به، ورفعه إلى ~~الضياء وفحصه، ورأى على سروالها القصير اللين المصنوع من المخمل مشبكا حيره أول الأمر، ثم ~~حل لغزه فهش له، وقد افتتن للسهولة التي يفتح بها هذا المشبك السروال ثم يسده، وكان أجمل ~~ما وقعت عيناه عليه خفها الأخضر، وفض رداء داخليا لها يتكون من سترة وسروال متصلين، ~~وينفتح وينسد بمشبك سهل الانزلاق، فاحمرت وجنتاه خجلا، ثم أعاد الرداء إلى الحقيبة على ~~عجل، ثم قبل منديلا من حرير الحمض معطرا، ولف حول رقبته كوفية، وفتح أحد الصناديق ~~فصعدت منه سحابة من المسحوق العطر، وبيض المسحوق يديه، فمسح بهما على صدره وعلى منكبيه ~~وعلى ذراعيه العاريتين، ما ألذ تلك العطور! ثم أغمض عينيه، ومسح ms108 خده على ذراعه التي ~~بيضها المسحوق، فأحس بملمس الجلد الناعم على وجهه، وبعطر المسك في أنفه - بل قل أحس ~~بوجوده الحقيقي فهمس قائلا: «ليننا، ليننا!» # وسمع صوتا ارتاع له، وأحس بجرمه فالتفت، وجمع مسروقاته على عجل في الحقيبة وأغلق ~~غطاءها، ثم أنصت ثانية والتفت، فلم تبد له شارة أو صوت يدل على الحياة، ولكنه لم يشك ~~في أنه سمع صوتا ما - صوتا يشبه التنهد، أو يشبه صريف الألواح، فسار إلى الباب على ~~أطراف أصابعه، وفتحه بحرص شديد فألفى نفسه مطلا على عتبة فسيحة، وفي الجانب الآخر من ~~العتبة باب آخر، مفتوح على مصراعيه فتقدم ورفع الباب وأطل منه. # فإذا بليننا مستلقية على سرير منخفض أزيح فراشه إلى الوراء، مرتدية بيجاما ذات مشبك سهل ~~الانزلاق قرنفلية اللون تتكون من قطعة واحدة، مستغرقة في النوم، رائعة في شعرها ~~المتموج، في سذاجة الطفل بأصابع قدميها الحمراء ووجهها الناعس الجاد، تبعث الطمأنينة ~~بيديها المرتختين العاجزتين وبأطرافها المستلقية، رأى ذلك فتجمع الدمع في مآقيه. # ولج الغرفة بمنتهى الحيطة التي لا لزوم لها؛ لأن ليننا لن تتيقظ من عطلة السوما قبل ~~الموعد المحدد، اللهم إلا إن حدثت إلى جوارها ضجة لا تقل عن صوت انطلاق المسدس، وجثا على ~~ركبتيه إلى جوار سريرها، وحملق فيها وقبض يديه وتحركت شفتاه، وتمتم قائلا: # يا لعينها، يا لشعرها، وخدها، وقدها، وصوتها! # يا لها وهي تلوح في حديثها بتلك اليد، # التي تزري ببياضها كل بياض، # والتي تفوق في نعومتها زغب الأوز ... # وعندئذ طنت حولها ذبابة، فطردها وتذكر هذه الأبيات: # إن الذباب فوق يد جوليت العزيزة ذات البياض العجيب، # قد يستولي ويسرق من شفتيها البركة الخالدة، # وهما تخجلان في تواضع طاهر عذري، # كأنهما تحسبان قبلاتهما إثما من الآثام. # ومد يده في بطء شديد وبحركة تدل على التردد، كأنه يمدها ليربت بهما على ~~طائر خجول لا يخلو من الخطر، وظلت يده معلقة في الفضاء، وهي ترتعد على بعد بوصة من ~~أصابعها المرتخية، وقد أوشك أن يمسها، ولكن هل يجرؤ أن يدنس بيده النجسة ms109 تلك ... كلا، ~~إنه لم يجرؤ، فالطائر شديد الخطر، وأرخى يده، ما أجملها! ما أروعها! # وطرأ له فجأة أن يمسك بالمشبك عند عنقها ويجذبه إلى أسفل جذبة قوية طويلة، ما عليه إلا ~~أن يفعل ذلك ثم ... وأغمض عينيه وهز رأسه بحركة كحركة الكلب يهز أذنيه وهو يخرج من ~~الماء، لقد كانت فكرة ممقوتة! وخجل من نفسه. إن تواضعها طاهر عذري. # وسمع في الهواء طنين، فهل كانت ذبابة تحاول أن تسرق البركة الخالدة؟ أو دبور؟ وتلفت ~~حواليه فلم تقع عينه على شيء، وعلا الطنين وتركز خارج النوافذ الخشبية، إنها لطائرة! ونهض ~~على قدميه مذعورا وهرول إلى الغرفة الأخرى، وأطل من النافذة المفتوحة، وأسرع في مسيره فوق ~~الممر الذي يتخلل أشجار الصبر، ولم يتأخر عن استقبال برنارد ماكس، وهو يخرج من الطائرة في ~~الوقت المناسب. # | الفصل العاشر # أشارت الأربعة آلاف ساعة كهربية جميعا في الأربعة آلاف غرفة، التي يتكون منها مركز ~~بلومز بري إلى الساعة الثانية والدقيقة السابعة والعشرين، وكانت «هذه الخلية الصناعية» - ~~كما كان المدير يغرم بتسميتها - تطن من ضوضاء العمل طنينا عاليا، وكان كل فرد منهكا ~~في عمله، وكل شيء يسير في حركة منظمة، والحيوانات المنوية تبدو تحت المناظير المكبرة، وهي ~~تقتحم البيض برأسها وتضرب بذيولها الطويلة في هياج شديد، والبيض يتمدد بالتلقيح ~~وينقسم، وإن كان ما تجري عليه عملية بوكالوفسكي يفرخ ويتهشم مخرجا شعبا بأسره من ~~الأجنة المنفصلة، والسلالم المتحركة في «حجرة القضاء والقدر الاجتماعي» تهبط إلى الطابق ~~السفلي محدثة ضجيجا عاليا، وهناك في الظلام القرمزي تنمو الأجنة رويدا رويدا، وهي ~~ساخنة كالطعام المسلوق مستقرة على وسادات من البريتون، ومشبعة بالدم المستحدث ~~والهرمونات، وبعضها يسمم فيضعف، ويكف عن النمو ويمسي من الطراز «ه»، والرفوف المتحركة ~~تزحف زحفا بطيئا لا يدركه الرائي محدثة طنينا خافتا وجلجلة خفيفة، وتستعيد في سيرها ~~تطور السنين والقرون، حتى تبلغ حجرة التفريغ حيث الأطفال الذين خرجوا حديثا من قواريرهم ~~يصيحون صيحات الذعر والدهشة الأولى. # ومولدات القوى الكهربية تموء في حجرات تحت الأرض، والمصاعد تنطلق إلى أعلى ms110 وإلى أسفل، ~~وقد حان وقت الإطعام في الطوابق الإحدى عشرة الخاصة بصغار الأطفال، وإذا بألف وثمانمائة طفل ~~قد خرجوا من ألف وثمانمائة قارورة، وعلى كل منهم بطاقة واضحة يرضعون في وقت واحد الكمية ~~المقررة (وهي نصف لتر لكل منهم) من الإفراز الخارجي المعقم على طريقة باستير. # وفوقهم على عشر طبقات متتابعة من غرف النوم الصغار من البنين والبنات، الذين لا يزالون ~~بحاجة إلى النوم بعد الظهيرة، وهم جميعا - وإن كانوا لا يدرون - منهمكون في العمل، ~~شأنهم في ذلك شأن كل فرد آخر، كانوا جميعا ينصتون على غير وعي منهم إلى الدروس التي ~~تلقى أثناء النوم، وكان الدرس حينئذ في علم الصحة وأصول الاجتماع، وفي شعور الطبقات وفي ~~حياة الحب عند الأطفال، وفوق غرف النوم هذه حجرات اللعب، حيث تسعمائة طفل أكبر سنا من ~~هؤلاء يتلهون - وقد أمطرت السماء - بصنع الطوب وتشكيل الصلصال، وبالألعاب المستحدثة وتبادل ~~الغزل. # والخلية لا تفتر عن الطنين، والكل مرح مشغول، وغناء البنات فوق أنابيب الاختبار بهيج، ~~ورجال القضاء والقدر يصفرون أثناء العمل، والعمال في غرفة التفريغ يتبادلون النكات البارعة ~~فوق القوارير الفارغة، غير أن المدير دخل غرفة التلقيح حينئذ مع هنري فستر، بوجه عابس ~~يكاد يتصلب من قسوة الرجل. # وكان يقول: «هنا في هذه الغرفة مثال للجمهور، فهي تحتوي على عمال من الطبقة العليا، ~~أكثر مما تحتويه أية غرفة أخرى في المركز بأسره، وقد طلبت إليه أن يقابلني هنا في منتصف ~~الساعة الثالثة.» # وعلق هنري بقوله: «إنه يتقن عمله كل الإتقان.» وكان في ثنائه هذا منافقا ~~كريما. ~~- «أعرف ذلك، وأرى فيه سببا آخر لقسوتي. إن تفوقه ~~الفكري تقابله تبعات خلقية عليه أن يحملها، كلما اشتد نبوغ الإنسان زادت قدرته على ~~التضليل، ولأن يشقى فرد واحد خير من أن يفسد أفراد كثيرون، فكر في الأمر غير متأثر بالعواطف ~~يا مستر فستر، تجد أن السلوك الذي لا يتفق والتقاليد إثم، لا يساويه إثم آخر في شناعته، ~~إن القاتل يودي بحياة فرد واحد - ثم ما هو الفرد؟» وبحركة سريعة ms111 أشار إلى صفوف المناظير ~~المكبرة، وإلى أنابيب الاختبار والمحاضن وقال: «إننا نستطيع أن نصنع شخصا جديدا بسهولة ~~عظمى - بل نستطيع أن نصنع من الأشخاص بقدر ما نريد، أما السلوك الشاذ فهو يهدد أكثر من ~~مجرد حياة الفرد، إنه يصيب المجتمع في الصميم، إي والله إنه ليفعل ذلك، انظر! ~~ها هو ذا آت.» # ودخل برنارد الغرفة، وتقدم نحوهما خلال صفوف الملقحات، وقد أخفى اضطرابه العصبي بطلاء ~~خفيف من الثقة في النفس وخفة الروح، وقال: «عم صباحا أيها المدير» بصوت مرتفع سخيف، ~~وبنغمة أخرى ناعمة كالصرير تثير الضحك، صحح خطأه قائلا: «لقد طلبت إلي أن آتي للتحدث ~~هنا معك.» # فأجابه المدير بصوت ينذر بالسوء: «نعم يا ماركس، لقد طلبت إليك أن تأتيني هنا، وقد عدت ~~من عطلتك مساء الأمس كما أعلم.» # فأجابه برنارد: «نعم.» # وردد المدير قوله: «نعم.» وقد أطال الميم في «نعم» مدمدما بها. ثم رفع صوته بغتة ~~وانطلق كالبوق قائلا: «سيداتي وسادتي.» # وكف البنات فجأة عن الغناء فوق أنابيب الاختبار، وتوقف عن الصفير والعمل عمال المناظير ~~المكبرة، وساد صمت عميق، وتلفت كل امرئ حواليه. # وكرر المدير قوله: «سيداتي وسادتي، عفوا إن قطعت عليكم حبل العمل، فإن واجبا أليما ~~يدفعني إلى ذلك دفعا، إن أمن الجماعة واستقرارها في خطر، أجل في خطر أيها السادة، إن ~~هذا الرجل ...» وأشار إلى برنارد متهما إياه: «الذي يقف أمامكم هنا، إن هذا الرجل من ~~طبقة «+أ» الذي نال الكثير، وأصبحنا نتوقع منه لذلك الكثير، إن زميلكم هذا - أو هل لي أن ~~أسبق الحوادث وأقول هذا الزميل السابق؟ - قد خان العهد الذي وضعناه في عنقه خيانة عظمى، ~~إنه بزندقته فيما يخص الرياضة والسوما، وبحياته الجنسية المشينة الشاذة، وبرفضه أن يطيع ~~تعاليم فورد ويسلك خارج ساعات العمل، كما يسلك الطفل في قارورته (وهنا رسم المدير هذه ~~العلامة: # T ~~) إنه بذلك برهن على أنه عدو للمجتمع، وإنه ~~ثائر - أيها السادة - على النظام والاستقرار ومتآمر على الحضارة نفسها؛ لهذا أقترح أن ~~نفصله عن الوظيفة التي كان يشغلها في هذا ms112 المركز موصوما بالخزي والفضيحة، وأقترح أن نطلب ~~نقله فورا إلى مركز فرعي من أحط المراكز، وإننا بعقوبته نخدم مصلحة الجماعة؛ لأننا سوف ~~نبعده على قدر ما نستطيع عن كل مركز هام من مراكز السكان، إنه لن يجد في إيسلندة إلا ~~فرصة ضئيلة، تمكنه من تضليل الآخرين بسلوكه الذي يخالف به شريعتنا. وسكت المدير لحظة، ثم ~~ضم ذراعيه واتجه ببصره نحو برنارد، وقال له بنغمة مؤثرة: «هل تستطيع أن تذكر لنا، يا ~~ماركس، سببا يدعو إلى عدم تنفيذ الحكم الذي أصدرناه بشأنك الآن؟» # فأجاب برنارد بصوت مرتفع جدا: «نعم أستطيع.» # فقال المدير: «إذن فاذكره.» وقد ارتاع قليلا، ولكنه ما برح شامخا بأنفه. # قال برنارد: «بالتأكيد، ولكنه في الممر، انتظروني لحظة.» وهرع إلى الباب وفتحه، ثم ~~قال آمرا: «ادخل» ودخل السبب وظهر للعيان. # وشهق الجميع وتمتموا بالدهشة والفزع، وإذا بفتاة صغيرة تصيح، ووقفت إحدى الحاضرات على ~~أحد المقاعد؛ كي تتمكن من مشاهدة المنظر، فانقلبت أنبوبتان من أنابيب الاختبار مليئتان ~~بالحيوانات المنوية، وتقدمت لندا داخل الغرفة وجلست خلال الأبدان الفتية الشابة ذات ~~الوجوه النضرة، وهي امرأة متورعة مترهلة كالوحش المفزع الغريب في منتصف العمر، تبسم ~~ابتسامة مداعبة خفيفة لها طابع غريب، وقد قصدت أن تخطر بصورة تثير الشهوة، فهزت ردفيها ~~الغليظين وهي تمشي، وسار إلى جوارها برنارد. # وأشار إلى المدير قائلا: «ها هو ذا.» # فقالت لندا غاضبة: «وهل كنت تحسب أني لم أعرفه؟» ثم التفتت إلى المدير، وقالت: «عرفتك ~~بالطبع، وكنت أعرفك يا توما كين في أي مكان لو كنت بين ألف، ولكن ربما نسيتني، ألست ~~تذكر؟ ألست تذكر يا توماكين، لنداك.» ووقفت تنظر إليه ورأسها على جانب، ولا زالت باسمة غير ~~أن ابتسامتها أصبحت تدريجا - لقاء ما بدا على المدير من تقزز وتحجر - تنم عن نقص في ~~ثقتها بنفسها، كانت ابتسامة حائرة، ثم تلاشت في النهاية، وكررت سؤالها في صوت متهدج «ألست ~~تذكر يا توماكين؟!» وبدا في عينيها القلق والألم، وتغيرت ملامح وجهه الملطخ المترهل ~~بصورة عجيبة، وظهر عليه تجهم يدل على ms113 الحزن العميق، ومدت ذراعيها قائلة: ~~«توماكين.» وبدأ أحد الحاضرين يضحك همسا. # وقال المدير: «ما معنى هذا المزاح ...؟» # وهرولت نحوه تجرر أذيالها وتنادي: «توماكين!» وطوقت جيده بذراعيها، وأخفت وجهها في ~~صدره. # وتعالى الضحك المكبوت. # وصاح المدير متمما حديثه: «هذا المزاج الوحشي.» # واحمر وجهه وحاول أن يتخلص من عناقها، وتعلقت به مستيئسة، وقالت: «ولكني أنا لندا، ~~أنا لندا!» وضاع صوتها وسط الضحكات العالية، ثم صاحت وعلا صياحها على اللغط، وقالت: «لقد ~~جعلتني آتي بطفل.» فسكت الجميع فجأة مذعورين، وبدا على العيون القلق، ولم يدر أصحابها إلى ~~أين ينظرون، وشحب المدير بغتة، وكف عن النضال، ووقف ممسكا بمعصميها ومحدقا فيها ~~مذعورا، قالت: «نعم، طفل - وكنت له أما.» وقد ألقت هذا الكلام الفاحش كأنها تتحدى ~~الحاضرين في ثورتهم الصامتة، وأفلتت منه بغتة وغطت وجهها بيديها، وأخذت تنتحب من شدة ~~الخجل، ثم قالت: «لم يكن خطئي يا توماكين؛ لأني كنت دائما أدرب نفسي، أليس كذلك؟ كنت ~~دائما أفعل ذلك ولست أعرف كيف ... آه لو علمت يا توماكين شناعة ... ولكنه كان لي برغم ذلك ~~سلوى.» والتفتت نحو الباب ونادت: «جون، جون!» # فدخل في الحال، ووقف داخل الغرفة برهة، وتلفت حوله، ثم عبر الغرفة مسرعا في خفيه ~~المصنوعين من جلد الغزال، فلم يحدث صوتا ما، وجثا على ركبتيه أمام المدير، وقال في صوت ~~واضح: «أبي!» # وهذه الكلمة البذيئة المضحكة خففت الضغط على الأعصاب التي كانت قد توترت إلى درجة لا ~~تحتمل (ولم تكن كلمة «الأب» فاحشة بمقدار ما كانت سخيفة سمجة، كانت كلمة يمجها السمع ~~من ناحية الذوق الأدبي، أكثر مما يمجها من الناحية الخلقية؛ لأنها تدل على شيء من ~~الابتعاد عن حمل الأطفال، الذي تشمئز منه النفوس، وينم عن الانحراف الخلقي)، وانفجر ~~الحاضرون بالضحك، ولم يكفوا عن القهقهة العالية كأن بهم مسا من جنون، إنه ينادي ~~المدير بأبي! أبي! يا للعجب! حقا إنه لأمر لا يحتمل، وتجدد الشهيق والصياح، وأوشكت ~~الوجوه أن تنبسط، وتدفق الدمع مدرارا، وانقلبت أنابيب اختبارية أخرى مليئة بالحيوانات ~~المنوية، أبي! عجبا! # وحملق ms114 المدير حواليه شاحب اللون، وحشي النظرات، وقد أحس بألم الحيرة ~~والإذلال. # أبي! لقد علا الضحك مرة أخرى بعد ما فتر قليلا، فوضع يديه على أذنيه وانطلق من ~~الحجرة. # | الفصل الحادي عشر # وبعد الحادث الذي وقع في حجرة التلقيح، كانت الطبقة العليا كلها في لندن تتأجج شوقا؛ ~~لرؤية ذلك المخلوق العجيب، الذي جثا على ركبتيه أمام مدير التفريخ والتكييف (أو قل أمام ~~المدير السابق؛ لأن المسكين استقال فورا بعد ذلك الحادث، ولم يطأ بقدمه المركز منذ ذلك ~~التاريخ)، وركع تجاهه وناداه ب «أبي» (وكانت النكتة أبرع من أن يؤمن بها السامع) أما لندا ~~- فعلى نقيض ذلك - لم تثر اهتماما، ولم يشعر أحد بالرغبة في رؤيتها؛ لأن وصف المرأة ~~«بالأم» لم يعد من الفكاهة في شيء، إنما كان فحشا من القول، وفوق ذلك فإنها لم تكن ~~همجية حقا، إنما خرجت من قارورة وتكيفت كأي فرد آخر؛ ولذا فلم تكن لديها آراء غريبة ~~حقا، ثم إن مظهر المسكينة - فوق هذا وذاك - كان أقوى الأسباب التي نفرت الناس من ~~الرغبة في رؤيتها. كانت بدينة، وقد فقدت شبابها، وفسدت أسنانها، وتلطخت بشرتها، يا لله! ~~إنك لا تستطيع أن تنظر إلى قوامها دون أن تشمئز نفسك؛ ولذا فإن خيار الناس قد ~~صمموا ألا يشاهدوا لندا، ولندا من ناحيتها لم ترغب في مشاهدتهم، إن العودة إلى ~~المدنية كانت في رأيها عودة إلى السوما، وإلى إمكان ملازمة الفراش في عطلة متصلة، لا ~~يعاني فيها النائم صراعا أو نوبة قيء، ودون أن يحس بذلك الإحساس الذي يشعر به المرء ~~بعد أن يتناول «البيوتل»، كأنك قمت بعمل مشين ضد الجماعة فلا تستطيع أن ترفع رأسك مرة ~~أخرى، أما السوما فلا تفعل شيئا من هذا، والعطلة التي تعطيها لمن يتناولها كاملة، فإذا ~~كان الصباح التالي غير مقبول، فهو ليس كذلك بطبيعته، وإنما بالمقارنة مع متع العطلة، ~~والعلاج هو أن تكون العطلة متصلة، فكانت دائما تضج في شراهة تطلب المزيد وبكميات وافرة، ~~وعارضها الدكتور شو أول الأمر، ثم سمح لها أن تتعاطى ms115 ما تريد، فكانت تتناول مقدار عشرين ~~جراما في اليوم الواحد. # وأسر الطبيب إلى برنارد قائلا: «وسيقضي عليها ذلك في خلال شهر أو شهرين، إن مركز التنفس ~~عندها سوف يشل يوما ما، وتكف عن التنفس، وتنتهي من الحياة، وهو شيء جميل، إننا لو ~~استطعنا تجديد الشباب لاختلف الأمر، ولكنا لا نستطيع تجديد الشباب.» # ولشد ما كانت دهشة الناس أجمعين، عندما تقدم جون معترضا؛ (لأن لندا كانت خلال عطلة ~~السوما في حالة شاذة جدا). # قال: «ألستم تقصرون حياتها بإعطائها هذا المقدار كله؟» # فوافقه الدكتور شو قائلا: «هذا صحيح من ناحية، ~~ولكنا من ناحية أخرى نطيل حياتها.» فحملق الشاب لأنه لم يدرك ما أراد الطبيب، واستمر ~~الطبيب يقول: «إن السوما قد تفقدك بضع سنوات من الزمن، ولكن هل فكرت في الآماد الطويلة، ~~التي لا تحد والتي تعطيكها السوما خارج الزمن؟ إن كل عطلة سومية جزء مما كان يسميه ~~أسلافنا الخلود.» # فبدأ جون يدرك ما يعني الطبيب وقال مدمدما: «إن الخلود كان على شفاهنا وفي ~~أعيننا.» ~~- «ماذا؟» ~~- «لا شيء.» # واستمر الدكتور شو يقول: «وأنت بالطبع لا تستطيع أن تسمح للناس، أن تتسلل إلى الخلود ~~إن كانت لديهم عمل جدي لا بد لهم من أدائه، ولكن لما لم يكن لديها عمل جدي ...» # وأصر جون قائلا: «وبرغم ذلك؛ فإني لا أعتقد في صواب ذلك.» # فهز الطبيب كتفيه وقال: «بالطبع إذا كنت تؤثر أن تراها تصيح كالمجنونة كل ~~الوقت ...» # واضطر جون في النهاية إلى التسليم، وتناولت لندا نصيبها من السوما، ومن ذلك الحين بقيت ~~في غرفتها الصغيرة في الطابق السابع والثلاثين من عمارة برنارد، ولزمت الفراش، والراديو ~~والتلفزيون دائران بغير انقطاع، وعطر البتشولي يتصبب قطرات من الصنبور، وأقراص السوما في ~~متناول يدها. هناك لبثت لندا، ومع ذلك فإنها لم تكن هناك البتة، بل كانت متغيبة كل الوقت، ~~بعيدة جدا في عطلة تامة، في إجازة في عالم آخر، حيث موسيقى الراديو عبارة عن تيه من ~~الألوان الرنانة، تيه زلق نابض، يؤدي (بطريق ملتو جميل لا مناص منه) إلى ms116 مركز مضيء من ~~الثقة المطلقة، حيث الصور الراقصة في صندوق التلفزيون، صور لممثلين في دار الصور المحسة ~~الغنائية الممتعة بدرجة تفوق الوصف، حيث عطر بتشولي ~~المتقطر أكثر من عطر عادي - هو الشمس، أو هو ألوف من السكسوفونات، أو هو بوبي في عشقه، ~~بل هو أكثر من ذلك بدرجة لا تقارن ولا تحد. # وختم الدكتور شو حديثه قائلا: «كلا، إننا لا نستطيع أن نجدد الشباب، ولكنني مسرور إذ ~~أتيحت لي هذه الفرصة؛ لكي أرى مثلا من الشيخوخة في الإنسان، وإني أشكرك كثيرا ~~لاستدعائي.» وصافح برنارد بحرارة شديدة. # وإذن فلقد كان جون هو هدفهم الذي كانوا جميعا يقصدون، ولما كان لا يمكن أن يرى إلا عن ~~طريق برنارد ولي أمره المفوض، فقد وجد برنارد أنه لأول مرة في حياته، لا يعامل معاملة ~~عادية فحسب، ولكنه يعامل كشخص ذي أهمية بارزة، فلم يعد أحد يذكر الكحول في دمه، ولم يعد ~~أحد يسخر من مظهره الشخصي، وأصبح هنري فستر - على غير عادته - يتودد إليه، وقدم له بنتو ~~هوفر هدية من ست لفافات من لبان الهرمونات الجنسية، وأتاه مساعد مدير المصائر وتطفل عليه ~~بشكل زري، يطلب عودته إلى إحدى حفلات برنارد المسائية، أما عند النساء فلم يكن على جون ~~إلا أن يشير إشارة طفيفة إلى إمكان دعوتهن، فيظفر بمن يحب. # وصرحت فاني وهي تشعر بشعور الظافر: «إن برنارد قد دعاني إلى لقاء الهمجي يوم الأربعاء ~~المقبل.» # فقالت ليننا: «إني جد مسرورة، ولعلك تعترفين الآن أنك كنت مخطئة في تقدير برنارد، ألا ~~ترينه عذبا حقا؟» # فأومأت فاني برأسها، وقالت: «ولا بد أن أقر أني دهشت جدا وسررت.» # وتودد إلى برنارد عدد لا يحصى من الوجهاء - منهم رئيس القوارير ومدير المصائر، وثلاثة من ~~وكلاء مساعدي الملقحين العامين، وأستاذ الصور المحسة في كلية هندسة العواطف، وعميد معهد ~~الغناء الجمعي بوستمنستر، ومراقب عمليات بوكانوفسكي. # وأسر إلى هلمهلتز واطسن قائلا: «وكان عندي ست بنات في الأسبوع الماضي: واحدة يوم ~~الاثنين، واثنتان يوم الثلاثاء، واثنتان أخريان يوم الجمعة، وواحدة يوم السبت، ms117 ولو توفر لي ~~الوقت أو لو كان لدي الميل، لظفرت على الأقل باثنتي عشرة بنتا غير هؤلاء كن يتحرقن ~~شوقا ...» # وأصغى هلمهلتز إلى مفاخرته في صمت يدل على عدم الرضا والاكتئاب؛ مما جعل برنارد يستشعر ~~منه الإساءة. # فقال: «أنت حسود.» # فهز هلمهلتز رأسه وأجاب بقوله: «إني حزين، وهذا كل ما في الأمر.» # وانصرف برنارد حانقا، وصمم في نفسه ألا يكلم هلمهلتز مرة أخرى. # ومرت الأيام، وانتشى برنارد من اطراد النجاح، وشعر خلال ذلك بالتوافق التام بينه ~~وبين العالم (كما يفعل أي مخدر جيد)، وكان حتى آنئذ ساخطا عليه، ورضي عن النظام القائم ما ~~دام يعترف له بالأهمية، غير أنه برغم ما كان بينه وبين النظام القائم من وفاق من أثر ~~النجاح، أبى أن يتخلى عن حقه الممتاز في نقد هذا النظام؛ لأن النقد كان يقوي إحساسه ~~بأهميته ويجعله يحس بالعظمة، ثم إنه كان فوق ذلك يعتقد بإخلاص أن هناك من الأمور ما يستحق ~~النقد (وهو في نفس الوقت يحب أن ينجح، وأن يظفر بكل من يريد من البنات)، فكان برنارد ~~يتظاهر بالخروج على التقاليد، وبالنقد أمام أولئك الذين يتوددون الآن من أجل الهمجي، ~~وكان الناس يصغون إليه مؤدبين، ولكنهم يهزون رءوسهم من خلفه، ويقولون: «إن مصير ذلك الشاب ~~سوف يكون سيئا.» متنبئين وهم واثقون أنهم هم أنفسهم سوف يعملون بأشخاصهم في الوقت ~~المناسب على سوء المصير، ثم يقولون: «إنه لن يجد همجيا آخر يعينه على النجاة مرة أخرى.» ~~ولكن الهمجي الأول كان على أية حال لا يزال ماثلا أمامهم، فكانوا متأدبين، وما داموا ~~كذلك فقد كان برنارد يحس بعظمته الشامخة، كان يحس بالعظمة كما يحس بنشوة الغرور، وكأنه ~~أخف من الهواء. # وقال برنارد مشيرا إلى أعلى: «أخف من الهواء.» # وتلألأ منطاد مصلحة الجو الأسير وردي اللون في ضياء الشمس، كأنه لؤلؤة في السماء، تعلو ~~عليهم علوا كبيرا. # وجاء في أوامر برنارد أن: «هذا الهمجي يجب أن يطلع على الحياة المتحضرة من جميع ~~وجوهها ...» # وكان الهمجي آنئذ يشرف من أعلى على ms118 هذه الحياة، ويلقي عليها نظرة عامة من رصيف برج ~~تشيرنج-ت، وقام بإرشاده ناظر المحطة وعالم الطبيعيات المقيم، ولكن برنارد هو الذي تكفل ~~بالقسط الأوفر من الحديث، وكان سلوكه - في نشوته - كأنه على الأقل مراقب عالمي زائر - أخف ~~من الهواء. # وسقط من السماء صاروخ بومباي الأخضر، ونزل منه الركاب، وأطل من النوافذ الجانبية ~~لإحدى غرف الصاروخ ثمانية توائم درافيديين (أي غير آريين) على صورة واحدة، يلبسون الكاكي ~~- وأولئك هم خدام السفينة الطائرة. # وقال ناظر المحطة مؤكدا: «ألف ومائتان وخمسون كيلومترا في الساعة، ما رأيك في هذا أيها ~~الهمجي؟» # وكانت تلك السرعة مدهشة حقا في رأي جون، غير أنه قال: «لكن أربيل يستطيع أن يطوق الأرض ~~في أربعين دقيقة.» # وكتب برنارد في تقريره لمصطفى مند: «من العجيب أن الهمجي يبدي دهشة قليلة جدا - أو ~~رهبة - من مخترعات المدنية، ولا شك أن هذا من ناحية يرجع إلى أنه سمع لندا ... تتحدث ~~عنها». ~~(وقطب مصطفى مند جبينه، وقال: «هل يحسب هذا الغبي أن التقزز يبلغ بي حد ~~الاشمئزاز من رؤية الكلمة مكتوبة بتمامها؟».) ~~«ويرجع من ناحية أخرى إلى تركيزه اهتمامه فيما يسميه «الروح» التي يصر على اعتبارها ~~كائنا مستقلا عن البيئة الطبيعية، في حين أني حاولت أن أفهمه ...» # وغض المراقب طرفه عن العبارات التالية، وأوشك أن يقلب الصفحة باحثا عن شيء مادي أكثر ~~تشويقا، عندما وقعت عيناه على سلسلة من العبارات البالغة في الغرابة، فقرأ ما يلي: «... ~~ولكني أقر أني أوافق الهمجي على أن الطفولة في حياة المدنية يسيرة جدا، أو أنها - على ~~حد تعبيره - تكلفنا أقل مما ينبغي، وأحب أن أنتهز هذه الفرصة؛ لأنبه سيادتكم إلى ~~أن ...» # وتحول غضب مصطفى مند في الحال إلى مرح شديد، فإن تعرض هذا المخلوق لمحاضرته - هو بالذات ~~- بشأن النظام الاجتماعي كان حقا مما يدعو إلى السخرية، لا بد أن يكون الرجل قد أصيب ~~بمس من جنون، وتحدث إلى نفسه قائلا: «ينبغي لي أن ألقي عليه درسا.» ثم طرح رأسه إلى ~~الوراء وقهقه ضاحكا، ولم يستطع - في تلك ms119 الآونة على الأقل - أن يلقي ذلك الدرس. # كان مصنعا صغيرا لأجهزة الضوء في الطائرات، وهو فرع من شركة الإعداد الكهربائي، ~~وقابلهم على السطح نفسه كبير الفنيين ومدير العنصر الإنساني؛ (لأن خطاب التوصية الدوري ~~الذي حرره المراقب كان له تأثير سحري)، وهبطوا إلى المصنع في الطابق السفلي. # وأخذ مدير العنصر الإنساني يشرح لهم، قال: «إن كل عملية تتم على قدر المستطاع ~~بمجهود جماعة واحدة بوكانوفسكية.» # وكان ثلاثة وثمانون شخصا سودا فطس الأنوف دقاق الرءوس من طراز «ء»، يقومون فعلا ~~بعملية ضغط البرودة، وكان يدير الآلات الست والخمسين ذوات المغازل الأربعة التي تنقنق ~~وهي تسير، ستة وخمسون شخصا من طراز «ج» الأشقر ذي الأنف الأقنى، وكان يشتغل في المسبك ~~مائة شخص وسبعة من السنغاليين من طراز «ه»، الذي تكيف بالحرارة، وكان يقطع اللوالب ثلاثة ~~وثلاثون أنثى من طراز «ء»، من ذوات الرءوس الطويلة واللون الرملي والأحواض الضيقة، طول كل ~~منهن متر وتسعة وستون سنتيمترا، لا يزيد على ذلك ولا ينقص أكثر من عشرين مليمترا، وفي ~~حجرة الاجتماع كان يضم المحركات الكهربائية، بعضها إلى بعض، مجموعتان من الأقزام من ~~طراز «+ج»، ومنضدتا العمل المنخفضتان متقابلتان، يزحف بينهما حامل عليه أشلاء متناثرة، ~~وهنا يجابه سبعة وأربعون رأسا أشقر اللون سبعة وأربعين رأسا أخرى سمراء، وسبعة وأربعون ~~أنفا أفطس سبعة وأربعين أنفا مدببا، وسبعة وأربعون ذقنا متراجعة سبعة وأربعين ناتئة. ~~وكان يفحص الآلات الكاملة ثماني عشرة بنتا في صورة واحدة، ذوات شعر مجعد، سمراوات، يلبس ~~زي «ج» الأخضر، ويجمعها في الأقفاص أربعة وثلاثون شخصا، قصار السوق، أيسرين، ذكورا، من ~~طراز «−ء»، ويحملهما في عربات تنتظرها وفي سيارات للنقل ثلاثة وستون شخصا، زرق العيون، ~~يلبسون الكتان، ذوي بشرات منقوطة، ومن طراز «ه»، أنصاف معتوهين. # ووجد الهمجي أن ذاكرته اللعينة قد ذكرته بكلمات ميراندا: «ما أعجب هذا العالم الجديد ~~الذي يحتوي على أمثال هؤلاء الناس». # وختم مدير العنصر الإنساني كلامه، وهم يخرجون من المصنع قائلا: «وإنني أؤكد أننا لا ~~نكاد نجد مشقة مع العمال من أي نوع ms120 كان، إننا نجد دائما ...» # ولكن الهمجي اعتزل رفاقه بغتة، وكان يتهوع بعنف خلف مجموعة من الأكاليل، كأن الأرض ~~كلها طائرة هبطت في جيب من الهواء. # وجاء في تقرير برنارد أن الهمجي يأبى أن يتناول السوما، وهو في نكد شديد؛ لأن المرأة ~~لندا، أمه ... في عطلة دائمة. ومما يجدر ذكره أن الهمجي، برغم شيخوخة أمه ... وبشاعة مظهرها ~~القصوى، كثيرا ما يذهب لزيارتها، والظاهر أنه شديد الولع بها، وهو مثال شائق للطريقة التي ~~يمكن أن يتم بها التكييف في سن باكرة لتعديل الدوافع الطبيعية، بل لنقضها نقضا تاما ~~(والدافع في هذه الحالة هو النفور من الأشياء الكريهة). # وهبطوا في أيتن فوق سطح المدرسة العليا، وفي الجانب الآخر من فناء المدرسة، كان برج لوبتن ~~بطوابقه الاثنين والخمسين، يتألق ناصع البياض في ضياء الشمس، والكلية إلى يسارهم، ومعهد ~~الغناء الجمعي على يمينهم، ترتفع فيها أكوام هائلة من الأسمنت المسلح بالحديد والزجاج، ~~الذي يمكن للأشعة فوق البنفسجية أن تتخلله، وفي وسط الفناء المستطيل يقوم تمثال فورد ~~العجيب العتيق، مصنوعا من الصلب المصبوغ بالكروم. # واستقبلهم الدكتور جافني مدير المدرسة، والمس كيت كبيرة المعلمات، وهم يخرجون من ~~الطائرة. # وألقى الهمجي هذا السؤال متخوفا: «هل عندكم توائم كثيرة هنا؟» وذلك عندما بدءوا ~~طوافهم للتفتيش. # فأجابه المدير: «كلا، إن أيتن محجوزة كلها للبنين والبنات من الطبقة العليا، أبناء البيضة ~~الواحدة التي تنتج فردا بالغا واحدا، وهذا يجعل التربية عسيرة بطبيعة الحال، ولكن ذلك ~~أمرا لا مناص منه؛ لأن طلبة هذه المدرسة سوف يدعون لتحمل التبعات ولمعالجة مشاكل غير ~~منظورة.» ثم تنهد. # وفي تلك الأثناء أحس برنارد بميل شديد نحو مس كيت، وكان يقول لها: «إذا فرغت في أحد ~~أيام الاثنين أو الأربعاء أو الجمعة مساء ...» وهز إبهامه نحو الهمجي وقال: «اعلمي أنه ~~عجيب، وغريب.» # وتبسمت مس كيت (وكانت بسمتها فاتنة في عينه)، وقالت: «شكرا لك، يسرني أن أحضر إحدى ~~حفلاتك.» وفتح المدير الباب. # إن خمس دقائق في غرفة الدرس تلك الخاصة بالطلبة من طراز «+ +أ» قد حيرت جون قليلا ms121 ~~ما. # وأسر إلى برنارد سائلا: «ما هي مبادئ النسبية؟» وحاول برنارد أن يشرح له ما هي، ثم ~~عدل عن الشرح واقترح زيارة غرفة دراسية أخرى. # وسمعوا من خلف باب في الدهليز، الذي يؤدي إلى حجرة الجغرافيا للطلبة «−ب» صوتا عاليا ~~يرن مناديا: «واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة.» ثم ينادي بعد ذلك بصوت يدل على القلق ~~والتعب: «عودوا كما كنتم». # فشرحت لهم كبيرة المعلمات ذلك قائلة: «هذا تدريب مالتسي، إن أكثر بناتنا خناث بطبيعة ~~الحال، وأنا نفسي خنثى.» وابتسمت لبرنارد ثم قالت: «ولكن لدينا زهاء ثمانمائة فرد غير ~~معقمين بحاجة إلى تدريب مستمر.» # وعرف جون في حجرة الجغرافيا للطلبة «−ب» أن «منطقة المتوحشين مكان لا يستحق تكاليف ~~التمدين نظرا للظروف المناخية أو الجيولوجية غير الملائمة، أو لفقر الموارد الطبيعية»، ~~وسمع طقة خفيفة أظلمت الغرفة بعدها، وبغتة ظهرت على الستار فوق رأس الأستاذ صور ~~«التائبين» في أكوما سجدا أمام العذراء مولولين - كما سمعهم جون من قبل - ومعترفين ~~بآثامهم أمام المسيح المصلوب، وأمام تمثال نسر بوكونج، وحق لشباب أيتن أن يقهقهوا عندئذ ~~ضاحكين، ونهض التائبون على أقدامهم وهم لا يزالون يولولون، ونضوا ثيابهم الخارجية وبدءوا ~~يضربون أنفسهم بسياط معقدة ضربات متواليات، وتعالى الضحك حتى لم تعد أناتهم المسجلة ~~بتمامها تبلغ الأسماع. # وسأل الهمجي في حيرة المتألم: «ولكن لماذا يضحكون؟» # والتفت المدير نحوه بوجه ارتسمت عليه ابتسامة عريضة قائلا: «لماذا؟ لأن هذا أمر غاية ~~في الغرابة.» # وفي ضوء خافت كضوء السينماتوغراف، تجرأ برنارد على حركة ما، كان في الماضي لا يجسر على ~~أدائها حتى في الظلام الدامس، ذلك أنه - وقد شجعته أهميته الجديدة - طوق بذراعه خصر ~~كبيرة المعلمات، وطاوعته وتثنى عودها، وأوشك أن يختطف منها قبلة أو اثنتين وقرصة خفيفة، ~~حينما طقطقت النوافذ ثانية، وهي تتفتح. # فقالت مس كيت: «يحسن أن ننصرف، وسارت نحو الباب.» # وقال المدير بعد لحظة: «وهذه هي غرفة مراقبة التعليم بالايحاء.» # وكانت مئات صناديق الموسيقى المركبة - وقد اختصت كل غرفة من غرف النوم بواحد منها - ~~مصفوفة على الرفوف حول ثلاثة من ms122 جدران الغرفة، وعلى الجدار الرابع لفائف من الورق عليها ~~خطوط صوتية، وقد وضعت في عيون وطبعت عليها الدروس الايحائية المختلفة. # وقاطع برنارد الدكتور جافني قائلا: «إنكم تدسون لفافة الورق هنا، وتضغطون على هذا ~~المفتاح إلى أسفل ...» # فصححه المدير مغضبا وقال: «كلا، لا تضغط على هذا المفتاح.» ~~- «إذن فهو هذا، ثم تحل اللفافة، وتحول خلايا السلنيوم الهزات الضوئية إلى موجات ~~صوتية، ثم ...» # وختم الدكتور جافني حديثه قائلا: «وهذا كل ما في الأمر.» # وسأل الهمجي وهم يسيرون في طريقهم إلى معامل الكيمياء الحيوية بجوار مكتبة المدرسة، قال: ~~«هل يقرءون شيكسبير؟» فقالت كبيرة المعلمات، وقد اعتراها الخجل: «كلا بالتأكيد.» # وقال الدكتور جافني: «إن مكتبتنا لا تحتوي إلا على المراجع، فإذا أراد شبابنا الترفيه ~~تلمسوه في دور الصور المحسة، إننا لا نشجعهم على الاعتكاف معتزلين أثناء اللهو.» # وعندئذ انزلق إلى جوارهم على الطريق المزجج خمس سيارات كبيرة، تحمل عددا من البنين ~~والبنات يلقون الأناشيد أو يتعانقون صامتين. # وكان برنارد يسر همسا إلى كبيرة المعلمات يحدد معها موعدا للقاء في ذلك المساء، ~~عندما قال الدكتور جافني: «إنهم عائدون الآن من حمأة إحراق الأجساد، إن تكييف الموت يبدأ ~~بعد ثمانية عشر شهرا، فيقضي كل طفل صغير صباحين من كل أسبوع في مستشفى الموتى، هناك توجد ~~أحسن اللعب، وتقدم إلى الأطفال الشكولاتة بالقشدة في أيام الموت، ويتعلمون أن يتقبلوا ~~الموت كأنه أمر طبيعي.» # وعلقت كبيرة المعلمات على ذلك مبدية أستاذيتها وقالت: «كأية عملية فسيولوجية ~~أخرى.» # في الساعة الثامنة عند سافوي، وتم الاتفاق على كل شيء. # وفي طريق عودتهم إلى لندن وقفوا عند مصنع شركة التلفزيون في برنتفورد، وسألهم برنارد: ~~هل تسمحون بالانتظار هنا لحظة، حتى أذهب وأتحدث بالتلفون ثم أعود؟ # وانتظر الهمجي مراقبا. وكان عمال النهار الأساسيون ينصرفون من العمل آنئذ، وجمهور من ~~عمال الطبقة السفلى يصطف واحدا في إثر الآخر أمام محطة الترام، الذي يسير على قضيب ~~واحد سبعمائة أو ثمانمائة رجل وامرأة من «ج، ء، ه»، يشتركون جميعا فيما لا يزيد عن اثنتي ~~عشرة صورة ms123 مختلفة من صور الوجوه والقامات، وقد أمد العامل المختص بحجز المحلات لكل منهم ~~- وهم يحملون تذاكرهم - صندوقا صغيرا من الورق الغليظ، يحتوي على حبوب للدواء، وكان ~~الصف الطويل من الرجال والنساء يتحرك إلى الأمام ببطء كما تتحرك الدودة. # ولما عاد إليهم برنارد استفسر منه الهمجي - وقد تذكر قصة «تاجر البندقية» - عما بتلك ~~الصناديق. # فأجابه برنارد بشيء من الغموض قائلا: «ذلك مقرر السوما اليومي.» ويرجع ذلك الغموض ~~إلى أنه كان يلوك في فمه قطعة من لبان بنتو هوفر، ثم قال: «إنهم يتناولونها عقب انتهائهم ~~من العمل، أربعة أقراص زنة الواحد منها نصف جرام، وست يوم السبت.» # وتأبط ذراع جون بعطف شديد، وسارا معا عائدين نحو الطائرة. # وأتت ليننا إلى غرفة التغيير وهي تغني. # قالت فاني: «يبدو لي أنك في نشوة من سرور.» # وأجابت قائلة: «نعم إني جد مسرورة.» وزرت ثيابها ثم قالت: «لقد تحدث إلي برنارد ~~بالتلفون منذ نصف ساعة.» وزرت زرين وبرز ساقاها من سروالها القصير، ثم قالت: «إن لديه ~~موعدا لم يكن يتوقعه.» وزرت زرا آخر «وسألني إن كنت أستطيع أن أصحب الهمجي إلى دار ~~الصور المحسة هذا المساء، فلا بد أن أطير.» وهرولت نحو الحمام. # وقالت فاني محدثة نفسها، وهي تراقب ليننا في ذهابها: «إنها فتاة محظوظة!» # ولم يكن في تعقيبها شيء من الحسد، وإنما كانت فاني - وهي تلك الفتاة الطيبة - تقرر ~~حقيقة واقعة. أجل لقد كانت ليننا سعيدة الحظ، كانت سعيدة؛ لأنها ساهمت مع برنارد بنصيب ~~وافر في شهرة الهمجي الواسعة، وكانت سعيدة لأنها اشتركت بشخصها الضعيف، في إشادة المجد ~~الرفيع الطريف، الذي ساد في ذلك الحين، ألم تطلب إليها سكرتيرة جمعية الشابات الفورديات أن ~~تلقي محاضرة في مغامراتها؟ ألم تدع إلى حفلة العشاء السنوية في نادي أفروديت؟ ألم تظهر ~~في الجريدة الإخبارية في دار الصور الغنائية المحسة؟ لقد ظهرت لملايين لا تحصى من ~~البشر فوق هذا الكوكب، فرأوها وسمعوها وأحسوها. # ولم يكن ما أبداه الأفراد البارزون نحوها من اهتمام بأقل من ذلك دهانا، فقد دعاها إلى ms124 ~~العشاء وإلى الإفطار السكرتير الثاني لمراقب العالم المقيم، وقضت عطلة نهاية الأسبوع مرة ~~مع كبير قضاة الدولة، وعطلة أخرى مثلها مع كبير منشدي كنتربري، ولم يفتر عن التكلم معها ~~بالتليفون مدير شركة الإفرازات الداخلية والخارجية، وقد زارت دوفيل مع نائب مدير بنك ~~أوروبا. # واعترفت لفاني بقولها: «حقا إنها لحياة عجيبة، غير أني لا أخلو من الشعور بأني أظفر ~~بهذه الخطوة على دعوى باطلة؛ لأن أول ما يريدون العلم به هو - بالطبع - نوع الشعور الذي ~~يحس به المرء إذا بادله العشق أحد المتوحشين، ولا بد لي أن أقول لهم: إني لا أدري.» ~~وهزت رأسها ثم قالت: «وأكثرهم لا يصدقني بطبيعة الحال، ولكني صادقة وكم وددت لو لم أكن.» ثم ~~تنهدت آسفة وقالت: «إنه جميل للغاية، ألست تظنين ذلك؟» # وسألتها فاني قائلة: «ولكن ألا يحبك؟» ~~- «أظن أحيانا أنه يحبني، وأحيانا أخرى أظن أنه لا يحبني، إنه دائما يبذل ما وسعه من ~~جهد ليتجنبني، فيخرج من الغرفة إذا دخلتها ولا يمسني، بل ولا ينظر إلي، ولكني أحيانا ~~عندما ألتفت فجأة أراه محدقا في، ثم ... أنت بالطبع تعرفين كيف يكون مظهر الرجل إذا أحب ~~المرأة.» # نعم كانت فاني تعرف ذلك. # وقالت ليننا: «لست أدرك الحقيقة.» # إنها لم تدرك الحقيقة، ولم تكن متحيزة فحسب، بل لقد كانت مضطربة كذلك. ~~- «لأني أنا أحبه يا فاني.» # وازداد حبها له تدريجا، والآن أتيحت لها فرصة حقيقية - كما ظنت وهي تشم رائحتها بعد ~~الحمام، تلك فرصة طيبة ارتعدت لها فرائصها، وأخذت تنشد من فرط الطرب: # ضمني إليك يا حبيبي حتى أفقد صوابي، # وقبلني حتى أغيب عن رشدي. # ضمني يا حبيبي، وترفق يا عزيزي؛ # فالحب ممتع كالسوما. # كان أرغن العطور يتضوع بأنغام الروائح المختلفة المنعشة ~~الممتعة - من السعتر والخزامي وحصا البان ~~والريحان والآس وغيرها، وتعقب ذلك ألحان جريئة من مفاتيح الطيب والعنبر، ثم يعود الأرغن ~~إلى نشر عبير الصندل والكافور والأرز والبرسيم المحصود من عهد قريب (ويتخلل ذلك بين ~~الفينة والفينة نشاز طفيف من رائحة حلو الكلى، ونفحة خفيفة من ms125 روث الخنزير)، ثم يعود إلى ~~العطور الخفيفة التي بدأت بها القطعة العطرية، وتلاشت نغمة السعتر الأخيرة، وأظهر ~~الجميع استحسانهم، وأشعلت الأضواء، وفي أثناء عزف آلة الموسيقى المركبة بدأت تنحل لفافة ~~الورق التي ارتسمت عليها الخطوط الصوتية، وامتلأ الجو الآن بالثالوث الصوتي الرخيم، الذي ~~يتألف من الكمان القوي والكمان الأجوف العظيم والمزمار الطريف، وعزفت الموسيقى ثلاثين أو ~~أربعين نغمة، وفي هذا الجو الموسيقي الآلي، أخذ صوت أرق من صوت الإنسان يتغنى، وكان ~~الصوت يخرج من الحلق حينا، ومن الرأس حينا آخر، أجوف كالناي مرة، ومشبعا بالنغمات ~~المؤتلفة الشائعة مرة أخرى، وهو يتدرج بغير عناء من نغمة جاسبارد فرستر المنخفضة، التي ~~تقع على حافة الأنغام الموسيقية إلى النغمة العالية، التي ترتفع كثيرا عن أعلى «ج»، التي ~~لم يتفوه بها بدقة ووضوح غير لوكربزيا آجوجاري وحدها مرة من بين المغنين جميعا في ~~خلال العصور التاريخية كلها (وذلك في عام 1770 في أوبرا الدوق ببارسا، وقد دهش لها موزار ~~دهشة كبرى). # واستقر الهمجي وليننا في مقعدين منتفخين بالهواء، يستنشقان ويسمعان، ثم جاء دور العيون ~~والجلد. # وأطفئت أنوار البيت وظهرت في الظلام أحرف نارية بارزة، كأنها معلقة في الفضاء لا ~~ترتكز على شيء، وقد كتبت هذه الأحرف بخط عريض «ثلاثة أسابيع بالطائرة، دار للصور المحسة ~~المجسمة ذات الغناء الممتاز، والنطق الصناعي، والألوان، مصحوبة بأرغن العطور في آن ~~واحد». # وهمست ليننا قائلة: «اقبض على هذه العقد المعدنية المتصلة بذراعي مقعدك، وإلا ما أحسست ~~بالآثار الملموسة.» # وفعل الهمجي كما أمرت. # وعندئذ اختفت تلك الأحرف النارية، وأظلم المكان ظلاما تاما نحو عشر دقائق، ظهرت ~~بعدها فجأة صورة مجسمة لزنجي ضخم مع امرأة ذهبية الشعر شابة صغيرة الرأس من طراز ~~«+ب»، وهما متعانقان، والصورة تبهر النظر، وهي أشد تجسيما منها لو كانت حية فعلا دما ~~ولحما بدرجة لا تقارن، واقعية أكثر من الواقع بدرجة كبيرة. # وذعر الهمجي، وكان الإحساس على شفتيه! ورفع إحدى يديه إلى فمه، وسكتت الدغدغة حينا ~~فأرخى يده على العقدة المعدنية، فبدأت من جديد، وأرغن العطور ms126 في تلك الأثناء يتنفس عن ~~المسك النقي، وفي النهاية ترنمت حمامة من صندوق صوتي مرددة هذا الصوت «أوه، أوه.» ~~وجاوبتها نغمة محزنة أعمق من النغمة الإفريقية تتذبذب اثنتين وثلاثين مرة في الثانية فقط ~~مرددة هذا الصوت: «آه، آه». وعادت الشفاه المجسمة تردد الصوت الأول، ورددت مرة أخرى ~~المناطق الحسية في وجوه ستة آلاف متفرج في الهمبرا سرورا كهربيا لا يحتمل، عندما سمعوا ~~هذا الصوت: «أوه ...» # وكان موضوع القصة المصورة غاية في البساطة، فقد حدثت للزنجي حادثة في إحدى الطائرات ~~وسقط على رأسه، وأحست الجباه بوقع الصدمة، وعلت أصوات المتفرجين مرددين هذه الأصوات: ~~«أوه، آه» - وذلك كله بعد بضع دقائق من «الأوهات والآهات» الأولى. (وبعدما تغنت فرقتان معا ~~بنشيد من الأناشيد، وبعدما تمثل دور قصير من أدوار الحب فوق جلد الدب المشهور، وكل شعرة ~~فيه تحس وحدها واضحة - ولقد أصاب مساعد مدير المصائر كل الإصابة). # وحورت الصدمة تكييف الزنجي كل التحوير، فاشتد ميله إلى الفتاة الشقراء من طراز «ب» ~~وجن بها، واحتجت، وأصر على ميله، وظهر له منافس، تشاجر معه وطارده وتهجم عليه، ~~وأخيرا اختطفت الفتاة الشقراء وأثارت بذلك هزة كبرى، واغتصبت الشقراء «ب»، وطارت نحو ~~السماء وبقيت هناك محلقة، ولبثت ثلاثة أسابيع في جدل وحشي غير اجتماعي مع الرجل الأسود ~~المجنون، وأخيرا بعد سلسلة كاملة من المغامرات وألعاب بهلوانية كثيرة، نجح ثلاثة شبان من ~~طراز «أ» في إنقاذها، ونقل الزنجي سريعا إلى مركز لإعادة تكييف البالغين، وانتهت القصة ~~المصورة انتهاء سعيدا لائقا، بعدما أصبحت الشقراء «ب» سيدة على منقذيها الثلاثة، وقد ~~قاطعوا أنفسهم لحظة كي ينشدوا رباعية مركبة مصحوبة بأركسترا رفيعة كاملة ورائحة الجاردينا ~~على أرغن العطور، ثم ظهر جلد الدب للمرة الأخيرة، ووسط دوي السكسوفونات تلاشت في الظلام ~~آخر قبلة مجسمة، وبادت الدغدغة الكهربية الأخيرة على الشفاه، كما تبيد السوسة وهي ترتجف، ~~وأخذت تضعف وتفتر حتى سكنت في النهاية سكونا تاما. # ولكن هذا الإحساس لم يفن عند ليننا كل الفناء؛ فإن أثره ما برح يهتز على شفتيها، وما ~~فتئ ms127 يسري في جلدها محدثا رعدة لطيفة من الشوق والسرور، حتى بعد أن أشعلت الأضواء، وهم ~~يخطرون مبطئين مع الجمهور صوب المصاعد، واحمرت وجنتاها، ولمعت عيناها كقطرات الندى، ~~وتنفست الصعداء، ثم أمسكت بذراع الهمجي وضمتها - وهي مرتخية - إلى جنبها، وأطل عليها ~~لحظة، وهو شاحب اللون، متألم، متشوق، وخجل من تشوقه، إنه ليس جديرا ... والتقت عيونهما برهة ~~من الزمن، ورأى في عينيها كنوزا موعودة؛ أنهما ينمان عن مزاج يصح أن تفدى به الملكات، ~~وأشاح ببصره مسرعا، وأطلق ذراعه الحبيسة، وانتابه خوف غامض؛ خشية أن تكف عن ظهورها بمظهر ~~يشعره بأنه غير جدير بها. # قال: «ولست أظن أنه ينبغي لك أن تنظري إلى الأشياء بهذه العين». # وقد حاول في الحال أن ينسب القصور عن الكمال في الماضي، أو احتمال ذلك في المستقبل إلى ~~الظروف المحيطة دون ليننا نفسها. ~~- «أي أشياء؟» ~~- «أمثال هذه القصة المصورة المريعة.» # ودهشت ليننا حقا وقالت: «مريعة؟ إني كنت أحسبها جميلة؟» # فقال محنقا: «لقد كانت وضيعة غير شريفة.» # وهزت رأسها وقالت: «لست أعرف ما تعني.» وتعجبت من شدة غرابته، وتساءلت لماذا يشذ ~~ويفسد الأشياء. # وفي الطائرة التي استأجراها لم يكد ينظر إليها، بل لقد جلس منصرفا عنها في صمت، ~~متقيدا بمواثيق قوية لم ينطق بها أحد، ومطيعا لقوانين لم تسر من زمان بعيد، ~~وأحيانا يهتز جسمه كله بغتة جافلا جفولا عصبيا، كأن أصبعا يضرب على وتر مشدود ~~يكاد ينقطع من التوتر. # وهبطت الطائرة على سطح بيت ليننا، وابتهجت وهي تخرج من الطائرة؛ لأن الرحلة قد بلغت ~~نهايتها، وكأن رفيقها كان غريب الأطوار حتى اللحظة الأخيرة، ووقفت تحت مصباح وتطلعت إلى ~~مرآة يدوية، وأخيرا عادت من رحلتها! وكان أنفها يلمع قليلا فنثرت فوقه مسحوقا دقيقا من ~~قرص ناعم كانت تحمله من أجل ذلك، وانتهزت فرصة الفترة التي كان يدفع فيها أجر الطائرة، ~~ونثرت المسحوق فوق أنفها، وأطفأت بريقه، وفكرت في نفسها: «إنه جميل للغاية، وليست به حاجة ~~إلى الخجل مثل برنارد، ومع ذلك ... فلو كان أي رجل آخر غيره لفعل الفعلة ms128 من زمان طويل، والآن ~~لقد انتهت الرحلة.» وطالعتها بغتة ابتسامة من ذلك الجانب من صورة وجهها الذي انعكس في ~~المرآة الصغيرة المستديرة. # وسمعت صوتا مختنقا خلفها يقول: «مساء الخير.» والتفتت ليننا خلفها، فإذا به واقف لدى ~~باب الطائرة وعيناه مثبتتان محملقتان، وكان محدقا فيها طوال المدة التي كانت تمسح فيها ~~أنفها بالمسحوق، منتظرا ولكن لماذا؟ أو مترددا ومحاولا أن يصل إلى قرار، وسابحا كل ~~الوقت في الفكر، ولم تستطع أن تتصور ماذا عسى أن تكون تلك الأفكار الشاذة، وكرر قوله: ~~«مساء الخير يا ليننا.» وتقلص وجهه تقلصا غريبا وهو يحاول الابتسام. ~~- «ولكن، جون ... لقد كنت أحسب أنك ... أعني ... ألست ...؟» # وأغلق الباب وانحنى إلى الأمام كي يسر إلى السائق بكلمة، ثم انطلقت الطائرة في الفضاء، ~~وأطل الهمجي من النافذة التي في أسفلها، فأمكنه أن يرى وجه ليننا وقد التفتت إلى أعلى، ~~شاحبا في ضوء المصابيح الضارب إلى الزرقة، وثغرها منفرج وهي تنادي، وقد تضاءل حجمها وهو ~~ينظر إليه من عل، وأخذ يغيب عنه شيئا فشيئا، وبدا له السطح المربع وهو يتناقص حجما كأنه ~~يهوي في الظلام. # وبعد خمس دقائق كان في غرفته، وأخرج مجلده من مخبأه وقد قرضته الفئران، وقلب صفحاته ~~الملوثة المتغضنة كأنه يتصفح كتابا مقدسا، وشرع يقرأ مسرحية «عطيل»، وتذكر أن عطيلا يشبه ~~بطل «ثلاثة أسابيع في الطائرة» - كلاهما أسود. # وعبرت ليننا السطح تقصد المصعد وهي تجفف عينيها، وفي طريقها إلى أسفل نحو الطابق ~~السابع والعشرين أخرجت زجاجة السوما، وقررت أن جراما واحدا لا يكفي؛ فإن الكارثة التي ~~ألمت بها أفدح من أن يزيلها جرام واحد، ولكنها إن تناولت جرامين تعرضت لتأخير يقظتها في ~~صبيحة اليوم التالي، فاتخذت حلا وسطا، وهزت صندوق السوما وأفرغت منه في راحة يسراها، ~~بعدما جعلتها شبيهة بالكأس ثلاثة أقراص زنة الواحد منها نصف جرام. # | الفصل الثاني عشر # واضطر برنارد إلى الصياح خلال الباب المغلق، ولكن الهمجي لم يفتحه. ~~- «إنهم جميعا هناك بانتظارك.» # فرد عليه صوت خافت خلال الباب قائلا: «فلينتظروا.» ~~- «ولكنك تعرف جيدا يا ms129 جون أنني دعوتهم عمدا للقائك (وكان من العسير أن يكون حديثه ~~مغريا، وهو يتكلم بأعلى صوته).» ~~- «كان ينبغي لك أن تسألني أولا، إن كنت أريد أن أقابلهم.» ~~- «إنك كنت دائما مقدما يا جون.» ~~- «ومن أجل هذا بالذات لا أحب أن أعود.» # فتودد إليه برنارد وجأر قائلا: «تعال كي تسرني، ألا تحب سروري؟» ~~- «كلا.» ~~- «هل أنت جاد؟» ~~- «نعم.» # وولول برنارد يائسا وقال: «ولكن ماذا عساي صانع؟» # وصرخ جون من الداخل محنقا وقال: «اذهب إلى سقر.» # وكان الدمع ينهمر من عيني برنارد وهو يقول: «ولكن كبير منشدي كانتربري هناك ~~الليلة.» # ولم يستطع الهمجي أن يعبر تعبيرا دقيقا عن إحساسه تجاه كبير المنشدين إلا بلغة زوني، ~~فقال: «آي يا تاكوا!» وبعد فترة عن له أن يقول: «هاني!» ثم قال بوحشية وازدراء: «ستزايد ~~تسارنا.» وبصق على الأرض، كما يفعل بوبي لو كان في موضعه. # واضطر برنارد في نهاية الأمر إلى أن يتسلل - وهو منكمش - إلى مسكنه، ويخبر الجماعة ~~القلقة أن الهمجي لن يظهر ذلك المساء، وقوبل الخبر بالغضب الشديد، وحنق الرجال لأن هذه ~~الخدعة اضطرتهم إلى التأدب في السلوك مع هذا الشخص الزري، صاحب السمعة المنفرة والآراء ~~المتزندقة، وكلما علا الواحد منهم في سلم المراكز الاجتماعية زاد استياؤه. # ولبث كبير المنشدين يكرر قوله: «كيف تسخرون مني أنا هكذا!» # أما النسوة فقد أحسسن وهن حانقات أن مخلوقا من طراز «−ج» الجثماني - رجلا قميئا ~~تعسا صب الكحول في قارورته خطأ - قد خدعهن بالمظاهر الكاذبة؛ فهاج النسوة وعلا صوتهن ~~بالاحتجاج، وكانت كبيرة المعلمات أشدهن شعورا بالإيذاء. # وسكتت ليننا وحدها عن الكلام، وانتحت زاوية من المكان، وعزلتها عمن أحطن بها عاطفة لم ~~يشاركنها الإحساس بها، وشحب لونها وخيمت على عينيها الزرقاوين سحابة من الغم الذي لم ~~تعهده من قبل، لقد أتت إلى هذا الاجتماع يملأ نفسها شعور غريب من الجذل والشوق، كانت ~~تحدث نفسها وهي تدخل الغرفة وتقول: «سوف أراه بعد بضع دقائق، وأتحدث إليه، وأخبره أني ~~أحبه أكثر من أي شخص آخر عرفت (وقد جاءت بهذا العزم ms130 المصمم)، وربما يقول لي بعد ~~هذا ...» ~~- «ماذا يقول؟ لقد تدفق الدم في وجنتيها.» ~~- «لماذا كان غريبا جدا تلك الليلة بعد الذي شهدنا في دار الصور المحسة؟ كان غريبا ~~جدا، ولكني برغم هذا على ثقة تامة بأنه يحبني، إني واثقة ...» # وفي تلك اللحظة ألقى برنارد تصريحه بأن الهمجي لن يحضر الجمعية. # فشعرت ليننا فجأة بكل الإحساسات التي تمر بالمرء عادة عند بدء علاج عاطفة عنيفة من ~~العواطف المستحدثة؛ أحست بفراغ مريع، وبخوف تتقطع منه الأنفاس، وبالقرف الشديد، وكأن ~~قلبها قد سكتت نبضاته. # وحدثت نفسها قائلة: «ربما كان ذلك لأنه يحبني.» وقد تحول هذا الشك بغتة إلى يقين، إن ~~جون قد أبى الحضور لأنه لم يحبها، إنه لم يحبها. # وكانت كبيرة معلمات أيتن تقول لمدير الإحراق واسترداد الفسفور: «عندما أفكر أني ~~فعلا ...» # وسمع صوت فاني كراون وهي تقول: «نعم إن رواية الكحول صادقة جدا، إن إحدى صديقاتي كانت ~~تعرف شخصا ممن كانوا يشتغلون في مخزن الأجنة في ذلك الحين، وقد ذكرت ذلك لصاحبتي، وقالت ~~لي صاحبتي ...» # وقال هنري فستر، وهو يعطف على كبير المنشدين: «الأمر سيئ للغاية، وقد يشوقك أن تعرف أن ~~مديرنا السابق أوشك أن ينقله إلى أيسلنده.» # وكان برنارد في نشوة من ثقة النفس، فوخزته كل كلمة قيلت بشأنه، وتزعزعت تلك الثقة ~~من نواح عدة، وأخذ يتجول بين ضيوفه شاحب اللون، ثائرا مخبولا شاعرا بضعته، يتلجلج ~~بعبارات الاعتذار المتفككة مؤكدا لهم أن الهمجي سيحضر قطعا في الاجتماع التالي، ~~ومتوسلا إليهم أن يتريثوا حتى يتناولوا شطيرة من الشريان السباتي وشريحة من فيتامين ~~«أ» باتي وزجاجة من الشمبانيا الجديدة، وانكبوا على الطعام في الحال وقد تجاهلوه، ~~وشربوا، وجابهه بعضهم بالوقاحة، وتحدث بعضهم إلى بعض بشأنه مسيئين إليه وصائحين كأنه ~~لم يكن معهم. # وقال كبير منشدي كانتربري بذلك الصوت الجميل الرنان، الذي كان يلقي به الخطاب يوم ~~الاحتفال بعيد فورد: «والآن يا رفاقي، أظن أن الوقت قد حان ...» ثم نهض وألقى كوبه، وأزال ~~بالفرجون عن صداره الأرجواني اللزج فتات الوجبة الكبيرة التي تناولها ms131 في غير أوانها، ~~ثم سار نحو الباب. # وانطلق برنارد كالسهم إلى الأمام كي يقطع عليه الطريق. ~~- «هل لا بد لك حقا يا كبير المنشدين ...؟ ما زال الوقت باكرا جدا، وكنت أتعشم ~~أنك ...» # أجل لقد كان كبير الأمل عندما أسرت إليه ليننا أن كبير المنشدين سيلبي الدعوة إن ~~وجهت إليه، قالت: «أعلم أنه لطيف حقا.» وأطلعت برنارد على المشبك الصغير الذهبي على شكل # T ~~، الذي أعطاه إياها كبير المنشدين ذكرى لعطلة نهاية ~~الأسبوع التي قضتها في معهد الغناء بمنطقته. # وذكر برنارد في تذاكر الدعوة متفاخرا: «مقابلة كبير منشدي كانتربري والهمجي.» لكن الهمجي ~~اختار هذا المساء دون الأمسية الأخرى جميعا، ليحبس نفسه في حجرته ويصيح: «هاني.» بل ~~ويقول: «سنز ايسو تسانا!» (وكان من حسن حظ برنارد أنه لا يفهم لغة زونو)، وقد انقلبت اللحظة ~~التي كان ينتظر برنارد أن يبلغ فيها القمة في تاريخ حياته كلها إلى لحظة إذلال ~~شديد. # وتلجلج وهو يكرر قوله: «لقد كنت كبير الأمل ...» وقد رفع بصره إلى ذلك الرجل العظيم ~~الكريم، وفي عينيه دلائل التوسل والذهول. # وقال كبير المنشدين في نغمة مرتفعة تنم عن الجد والقسوة: «صديقي الشاب ...» ثم ساد الصمت ~~بين الجميع: «خذ عني هذه النصيحة.» وهز أصبعه في وجه برنارد: «قبل أن يفوت الأوان، إنها ~~نصيحة طيبة (وأصبح صوته كصوت يرتفع من بين القبور)، أحسن سلوكك يا صاح، أحسن سلوكك أيها ~~الشاب.» ورسم علامة # T # فوقه ثم انصرف، ونادى بصوت آخر: ~~ليننا، عزيزتي تعالي معي. # واقتفت ليننا أثره وهو يخرج من الغرفة، مطيعة له غير باسمة ولا متغطرسة (لأنها لم تدرك ~~ما نالها من شرف)، وتبعهم بقية الضيوف بعد فترة لا بأس بها، وأغلق آخرهم الباب محدثا ~~به ضجيجا، وبقي برنارد وحده. # فاستلقى على أحد المقاعد وقد فقد هيبته، وضاعت كل ثقته في نفسه، وحجب وجهه بيديه وبدأ ~~يبكي، ولكنه بعد بضع دقائق تنبه إلى فكرة طيبة، وتناول أربعة أقراص من السوما. # وكان الهمجي في غرفته بالطابق العلوي، يقرأ مسرحية «روميو وجوليت». # ونزلت ليننا وكبير ms132 المنشدين على سطح معهد الغناء، ونادى كبير المنشدين من أبواب ~~المصاعد، وهو شديد القلق قائلا: «أسرعي يا صديقتي الشابة، أقصد ليننا.» وكانت ليننا قد ~~تلكأت لحظة تتطلع إلى القمر، فأغمضت عينيها وأسرعت تعبر السطح؛ كي تلحق به. # فرغ مصطفى مند لحظة يسيرة من قراءة صحيفة عنوانها: «نظرية جديدة في علم الحياة»، وجلس ~~فترة ما، متأملا متجهما، ثم التقط قلمه وكتب في الصفحة الافتتاحية: «إن طريقة المؤلف ~~الرياضية في علاج فكرة «الغرض» حديثة تدل على نبوغ عظيم، لكنها زندقة، وهي - فيما يخص ~~النظام الاجتماعي الراهن - خطرة وقد تكون هدامة.» ثم عقب على ذلك بهذه العبارة: «هذا ~~الكلام لا ينشر.» ووضع خطا تحت هذه الكلمات، ثم أضاف إلى ذلك قوله: «إن المؤلف سوف ~~يبقى تحت الرقابة، وقد يصبح نقله إلى محطة الأحياء المائية بسنت هيلانة أمرا لا مندوحة ~~منه.» ووقع باسمه وهو آسف. لقد كان عملا جليلا، ولكن المرء إذا بدأ يقبل التفسير ~~«بالغرض»، فلا يعلم إلا الله ماذا تكون النتيجة، ذلك نوع من الآراء قد يفسد تكييف أصحاب ~~العقول المذبذبة من أبناء الطبقة العليا؛ فيفقدهم عقيدتهم في أن السعادة هي الخير ~~الأسمى، وتحل محل ذلك العقيدة بأن الهدف أبعد من ذلك مدى، وخارج عن الدائرة الإنسانية ~~الحاضرة، وإن الغرض من الحياة ليس المحافظة على الرفاهية، وإنما هو تعزيز الوعي وتهذيبه، ~~أو توسيع المعارف، وذلك - كما رأى المراقب - أمر ممكن صحيح، ولكنه غير مقبول في الظروف ~~الراهنة، والتقط قلمه مرة أخرى ورسم خطا ثانيا تحت هذه العبارة «لا ينشر»، أغلظ وأشد ~~من الخط الأول سوادا، ثم تنهد، وفكر في نفسه قائلا: «ما أشدها مهزلة لو أن المرء لم ~~يضطر إلى التفكير في السعادة!» # وبعينين مغمضتين ووجه يتهلل بشرا، كان جون يخطب للفضاء قائلا: # آه! إنها تعلم المشاعل أن تتوهج وهي تحترق، # وكأنها تتعلق بوجنة الليل، # كالجوهرة الثمينة في أذن الحبشية! # هذا جمال أروع من أن يمتهن، وأعز على الأرض ... # كان الحرف # T # الذهبي متلألئا على صدر ~~ليننا، وأمسك به كبير المنشدين لاهيا، ms133 وأخذ يجذبه ويجذبه، فقالت ليننا فجأة بعد صمت ~~طويل كان يسود المكان: «أظن أنه يحسن بي أن أتناول جرامين من السوما.» # كان برنارد حينئذ مستغرقا في النوم، يبسم لفردوس أحلامه الخاصة، لا يفتر ثغره عن ~~الابتسام، وعقرب الدقائق في الساعة الكهربية المعلقة فوق رأسه، يقفز إلى الأمام مرة كل ~~ثلاثين ثانية بغير توان، وهو يدق دقا لا يكاد يلحظه السامع، وتتابعت دقات الساعة حتى ~~كان الصباح، فعاد برنارد إلى ضروب البؤس المختلفة في الزمان والمكان، واستأجر طائرة ~~أقلته إلى مركز التكييف وهو أشد ما يكون اكتئابا، فلقد تبخرت نشوة النجاح، وعاد إليه ~~رشده السابق، وأحس كأن نفسه أثقل من الجو المحيط بها بدرجة لم يسبق لها عنده مثيل، ~~وبخاصة عند مقارنة هذه الحالة النفسية، بالحالة النفسية المؤقتة التي انتابته في الأسابيع ~~الماضية، وكان خلالها فخورا بنفسه مزهوا. # وكان الهمجي شديد العطف على برنارد - بعد ما زال عنه زهوه - بصورة لم تكن ~~متوقعة. # فقال برنارد وهو يقص عليه شكاته: «إنك أشبه بما كنت عليه في مالبي، هل تذكر ساعة تحدثنا ~~معا لأول مرة؟ خارج البيت الصغير، أنت الآن شبيه بما كنت عليه حينذاك.» ~~- «لأن شقاوتي عادت إلي، هذا هو السبب.» ~~- «إني أوثر الشقاء على ذلك الضرب من السعادة الزائفة الكاذبة التي كنت تتمتع بها ~~هنا.» # فقال برنارد بمرارة شديدة: «إني أحب ذلك، وقد كنت أنت السبب في كل ما حدث، أبيت أن ~~تحضر إلى حفلتي فانقلبوا جميعا ضدي!» وكان يعلم أن قوله هذا تعسف باطل، وكان يعترف في ~~دخيلة نفسه - بل وصراحة آخر الأمر - بصدق كل ما كان الهمجي يقول حينئذ عن تفاهة ~~الأصدقاء، الذين ينقلبون أعداء ألداء لمثل هذا الباعث الطفيف، ولكن برغم علمه هذا ~~وإقراره بذلك، وبرغم أن معونة صاحبه له وعطفه عليه هي الآن عزاؤه الوحيد، تمرد برنارد ~~على نفسه وأخذ ينمي في قلبه - إلى جانب محبته الصادقة للهمجي - ضيقا خفيا منه، ويدبر ~~حملة من أنواع الانتقام الخفيفة يصبها فوق رأسه، فإن ضيقه بكبير المنشدين لا يجدي، ولا ms134 ~~يمكن له أن ينتقم من رئيس القوارير أو مساعد مدير المصائر، فكانت للهمجي عند برنارد هذه ~~الميزة الكبرى عليهم، وهي أنه سهل المنال، فهو أصلح للتضحية، إن من وظائف الصديق ~~الرئيسية أن يعاني (بصورة خفيفة رمزية) العقوبات التي نحب - ولكنا لا نستطيع - أن نوقعها ~~على الأعداء. # وكان هلمهلتز هو صديق التضحية الثاني لبرنارد، فلما انهزم أتاه مرة أخرى وتودد إلى ~~صداقته، تلك الصداقة التي لم يكن يرى - وهو في أوجه - أنها جديرة بالرعاية، فمنحه ~~هلمهلتز وده، ومنحه إياه بغير تثريب أو تعليق، كأنه نسي ما قام بينهما من شجار، وتأثر ~~برنارد لذلك، وأحس بذلة النفس من نخوة صاحبه - وهي نخوة غير عادية - ولذا فهي شديدة ~~الإذلال؛ لأنها لا تدين للسوما بشيء وتدين لشخصية هلمهلتز بكل شيء، إن هلمهلتز الذي نسي ~~وتسامح هو هلمهلتز في حياته اليومية، وليس هلمهلتز وهو في عطلة نصف جرام من السوما، وكان ~~برنارد له شاكرا (فلقد كان له في عوده إلى صديقه عزاء وسلوى) كما كان عليه ناقما (لأنه ~~مما يسره أن ينتقم من هلمهلتز لكرم أخلاقه). # وعندما التقيا لأول مرة بعد الفراق، تدفق برنارد في حديثه عن أسباب شقائه وتقبل من ~~صاحبه العزاء، ولم يعلم إلا بعد بضعة أيام أنه لم يكن وحده الرجل الذي عانى المشقات ~~(فدهش لذلك وأحس بشيء من الخجل)، فلقد كان هلمهلتز في نزاع مع أصحاب السلطة والنفوذ، ~~وذلك - كما قال - بشأن القوافي، كنت ألقي دروسي المعتادة في الهندسة العليا لطلبة السنة ~~الثالثة، والمقرر يقع في اثنتي عشرة محاضرة، السابعة منها في القوافي - أو هي على وجه الدقة ~~في «استخدام القوافي في الدعاية الخلقية وفي الإعلان»، ومن عادتي أن أوضح محاضرتي بكثير من ~~الأمثلة الفنية، وقد فكرت هذه المرة أن أقدم إليه مثالا مما كتبت بنفسي من عهد قريب، ~~وهذا بالطبع جنون محض - ولكني لم أستطع المقاومة.» وضحك ثم قال: «وكنت مشغوفا بأن أشهد ~~تأثرهم به.» ثم قال في حزم شديد: «وأردت - فوق ذلك - أن أقوم بشيء من الدعاية، كنت أحاول ms135 ~~أن أهندسهم حتى يحسوا بإحساسي عندما كتبت تلك القوافي، يا لله!» ثم ضحك مرة أخرى وقال: ~~ما أشد ما أثرت من احتجاج! لقد استدعاني المدير، وهدد بفصلي في الحال، فأنا رجل ~~بارز. # فسأله برنارد: «وماذا نظمت من قواف؟» ~~- «قصيدة في العزلة.» # فرفع برنارد حاجبيه إلى أعلى. ~~«سأنشدك إياها إن أردت.» وأنشد قائلا: # كان الاجتماع بالأمس، # والآن هناك العصي، ولكن الطبول محطمة، # والمدينة في منتصف الليل. # ونفخ في المزامير ولكن في الفراغ، # والشفاه مضمومة، والوجوه ناعمة، # والآلات كلها ساكتة، # والأماكن كلها قذرة بكماء، # بعدما هجرتها الجماهير، # وسكن الهرج والمرج. # فابك (رافعا صوتك، أو خافضا له)، # وتكلم بصوت لست أدري لمن. # قل: إن سوزان غائبة، # وكذلك أجيريا. # أين ذراعاها، وما يقابلهما من نهود؟ # أين شفتاها، وأين ردفاها؟ # ليس لها من وجود. # لمن هذا الشيء؟ وإني لأتساءل: # أي كنه باطل له؟ # هذا الشيء الذي لا وجود له، # وهو مع ذلك يعمر الليل الخاوي # عمرانا أشد كثافة من عضو التناسل؟ # ولماذا يبدو لنا كريها هكذا؟ ~~- «قدمت لهم هذه القصيدة مثالا، فرفعوا أمري إلى المدير.» # فقال برنارد: «ليس في هذا ما يدهشني، فهو يعارض بصراحة كل ما تعلموه بالإيحاء، أذكر أنهم ~~أنذروا ربع مليون مرة على الأقل ضد العزلة.» ~~- «أعرف ذلك، ولكني أردت أن أرى ماذا عسى أن يكون الأثر.» ~~- «ولقد رأيت الآن.» # فلم يسع هلمهلتز إلا أن يضحك، وقال بعد فترة سكون: ~~«أشعر كأني بدأت أظفر بموضوع أكتب فيه، كأني بدأت أتمكن من استخدام تلك القوة التي ~~بداخلي - تلك القوة الزائدة الدفينة، كأن شيئا يقبل علي.» وظهر لبرنارد أنه برغم كل ~~متاعبه جد سعيد، وائتلف هلمهلتز مع الهمجي في الحال، وكان ائتلافهما قلبيا حقا، حتى إن ~~برنارد أحس بوخز الغيرة الحاد، فإنه خلال تلك الأسابيع جميعا لم يألف الهمجي تلك الألفة ~~الشديدة، التي حققها هلمهلتز في الحال، وكان أحيانا وهو يرقبهما ويصغي إلى حديثهما، يشتد ~~استياؤه ويود لو أنه لم يجمع بينهما البتة، وخجل من غيرته وقابل ذلك بمجهود إرادي ~~وتناول السوما؛ كي يقي ms136 نفسه من الإحساس به، ولكن جهده لم ينجح كل النجاح، وكان لا مناص ~~من أن تقع بين عطلة سومية وأخرى فترة من الغيرة، وعاودته هذه العاطفة الكريهة بين الفينة ~~والفينة. # ولما التقى هلمهلتز بالهمجي للمرة الثالثة أنشد قصيدته في العزلة، وبعدما أتمها سأله: ~~ما رأيك فيها؟ # فهز الهمجي رأسه وأجاب قائلا: «أصغ لهذه.» وفض قفل القمطر الذي كان يحفظ فيه ~~كتابه الذي قرضته الفيران، وفتحه وقرأ ما يلي: # ليكن ذلك الطائر الصداح، # فوق تلك الشجرة العربية المنعزلة، # نذير الحزن وبوق ... # وثارت مشاعر هلمهلتز تدريجا وهو يصغي إليه، ولما بلغ الهمجي قوله: ~~«الشجرة العربية المنعزلة» ذعر صاحبه، ولما بلغ قوله: «أنت أيها البشير الصارخ» سر ~~سرورا مباغتا فابتسم، وعند قوله: «كل طائر ذي جناح مستبد» تدفق الدم في وجنتيه، ولكنه ~~شحب وهزته عاطفة لا عهد له بها عند قوله: «الموسيقى البائدة.» وواصل الهمجي القراءة ~~منشدا: # وارتاعت الصفات المشتركة؛ # لأن النفس الواحدة قد تقسمت، # والطبيعة واحدة # وإن تعددت أسماؤها ... # وذهل العقل عندما رأى الأجزاء تتحد ... # فقاطع برنارد القراءة بضحكة عالية ممقوتة قائلا: «شولم، شولم، ليس هذا ~~الشعر إلا أنشودة من أناشيد صلاة الجماعة.» وكان ينتقم لنفسه من صديقيه؛ لأن كلا منهما ~~أحب الآخر أكثر مما أحبه. # وكثيرا ما عاد إلى هذه الطريقة الانتقامية في الاجتماعين أو الثلاثة اللاحقة، وكانت ~~طريقة ميسورة وبالغة الأثر؛ لأن هلمهلتز والهمجي كليهما كانا يتألمان أشد الألم، لتهشيم ~~هذه الجوهرة الشعرية المستحبة وتدنيسها، وهدده هلمهلتز في النهاية بطرده من الغرفة، إذا ~~تجرأ على مقاطعتهما مرة أخرى، وعلى ذلك فإنه مما يدعو إلى العجب إن المقاطعة التالية - ~~وهي أشد خزيا من كل ما سبقها - صدرت من هلمهلتز نفسه. # كان الهمجي يقرأ مسرحية «روميو وجوليت» بصوت مرتفع، وكان يقرأ بعاطفة قوية ورعدة شديدة ~~(لأنه كان طوال الوقت يرى نفسه كروميو وليننا كجوليت)، وأصغى هلمهلتز إلى الفصل الذي التقى ~~فيه العاشقان لأول مرة باهتمام تشوبه الحيرة، وسره الشعر الذي جاء في الفصل الذي حدثت ~~وقائعه في الحديقة، لكنه ابتسم للعواطف التي ms137 عبر عنها الشاعر، وأضحكه جدا أن يبلغ العاشق ~~تلك الحال لأنه يشتهي فتاة، ولكن التفاصيل الحرفية كانت قطعة رائعة من فن هندسة العواطف! ~~فقال: «إن هذا الرجل القديم يزري كل الزراية بخيرة الفنيين في الدعاية عندنا.» وابتسم ~~الهمجي ابتسام الظافر المنتصر واستأنف القراءة، وسارت الأمور على ما يرام، حتى كان ~~المنظر الأخير من الفصل الثالث، حيث بدأ كابيولت والسيدة كابيولت يهددان جوليت كي تتزوج من ~~بارس، وكان هلمهلتز قلقا خلال المنظر كله، ولكنه انفجر في ضحك لم يستطع كتمانه، عندما مثل ~~الهمجي جوليت بصوت يثير الحزن، وهي تقول: # أليس في السحب شفقة # تنفذ إلى أعماق حزني؟ # أماه - يا عزيزتي - لا تنبذيني! # أجلي هذا الزواج شهرا، بل أسبوعا، # وإن لم تفعلي فضعي سرير العرس # في ذلك القبر المظلم، حيث يرقد تايبولت ... # عجبا للأم والأب (ويا لهما من لفظتين غاية في الدنس) يرغمان ابنتهما ~~على الزواج من رجل لا تريده! وعجبا لهذه الفتاة البلهاء لا تقول إن لديها رجلا آخر ~~تؤثره! (في ذلك الحين على الأقل) إن الموقف بسخفه وفحشه يثير الضحك بدرجة لا تقاوم، ~~وقد استطاع - بجهد الأبطال - أن يخفف من حدة نشوته، ولكن «الأم العزيزة» (بنغمة الهمجي ~~المرتجفة التي تنم عن الألم) والإشارة إلى تايبولت وهو جثة هامدة وهي - من الجلي - لم ~~تحرق ففقدت فسفورها في قبر مظلم، ذلك كان أكثر مما يحتمل. فاسترسل في الضحك حتى تحدر ~~الدمع على وجهه - ولم يكف عن الضحك، وكان الهمجي في أثناء ذلك - وقد شحب لونه من إحساسه ~~بثورة النفس - ينظر إليه من فوق كتابه، ولما لم يمتنع صاحبه عن الضحك، أغلق الكتاب حانقا، ~~ونهض من مكانه وأعاده إلى القمطر وأحكم عليه القفل، وكأنه - بحركاته - يخفي جوهرة من وجه ~~خنزير. # ولما استرد هلمهلتز أنفاسه واستطاع أن يعتذر، ومهد الهمجي للإصغاء إلى حديثه قال: «مع ~~ذلك فإني أعلم جيدا أن المرء بحاجة إلى مثل هذه المواقف المضحكة الجنونية، وأعلم أن ~~المرء لا يجيد الكتابة حقا في غير ذلك، لماذا كان ذلك الكاتب القديم فنيا ms138 في الدعاية ~~بدرجة تدعو إلى العجب؟ لأنه كانت لديه أشياء عدة جنونية أليمة تثور لها أعصابه، ولا بد ~~للمرء أن يؤذى وأن يضطرب؛ لكي يستطيع أن يصوغ العبارات الجيدة التي تنفذ نفاذ أشعة إكس، ~~ولكن عجبي من الآباء والأمهات!» وهز رأسه ثم قال: «لا تنتظر مني إلا أن أضحك من ذكرهما، ~~ومن ذا الذي يهتم لأن ولدا ظفر بفتاة أو لم يظفر بها؟» (وجفل الهمجي، ولكن هلمهلتز الذي ~~كان يحدق في الأرض مفكرا، لم يبد عليه أي أثر)، واختتم حديثه متنهدا وقال: «كلا، ~~إن هذا لا يغني، إننا بحاجة إلى نوع آخر من الجنون والعنف، ولكن ماذا عسى أن يكون ~~ذلك؟ وأين يوجد؟» وصمت برهة ثم هز رأسه، وقال أخيرا: «لست أدري، لست أدري.» # | الفصل الثالث عشر # ولوح هنري فستر خلال الضوء الخافت في مخزن الأجنة، وقال: «هل تحبين زيارة دار الصور ~~المحسة الليلة؟» # فهزت ليننا رأسها دون أن تنبس ببنت شفة. ~~«هل ستخرجين مع شخص آخر؟» وكان يشوقه أن يعرف من من أصدقائه سيصحب الآخر؟ وسألها: ~~«هل هو بنتو.» # وهزت رأسها ثانية. # وتبين هنري الكلال في تلكما العينين الأرجوانيتين، والشحوب المستتر تحت لمعة السل ~~الجلدي، والحزن الكامن في زوايا فمها القرمزي غير الباسم، وسألها في شيء من القلق: «هل ~~تحسين بالمرض؟» وهو يخشى أن تكون متألمة من الأمراض المعدية القليلة الباقية. # وهزت ليننا رأسها مرة أخرى. # وقال هنري: «ينبغي لك على أية حال أن تزوري الطبيب، فزيارة الطبيب مرة كل يوم تبعد مرض ~~الجمجام.» وأخرج هذه العبارة الأخيرة من قلبه، وكان تأثير هذا القول المأثور الإيحائي ~~قويا في ليننا، وقد ضربها ضربة خفيفة على كتفها، واقترح عليها أنها «قد تكون بحاجة ~~إلى شيء يعوضها عن الحمل، أو علاج بال ع. ع. ج # 1 # القوي الأثر، فأنت تعلمين أن العاطفة السليمة في العالم الجديد قد لا تكون ~~أحيانا ...» # فقالت ليننا، وقد خرجت عن صمتها العنيد: «بحق فورد لا تتكلم.» والتفتت ثانية إلى أجنتها ~~المهملة. # علاج بال ع. ع. ج. حقا! ms139 ولولا أنها كانت على وشك البكاء لضحكت كأنها لا تملك ما ~~يكفيها من ال ع. ع.! وتنهدت تنهدا عميقا وهي تملأ محقنها، وتمتمت لنفسها قائلة: «جون، ~~جون ...» ثم تعجبت قائلة: «يا إلهي! هل أنا أعطيت أو لم أعط هذا الطفل حقنة مرض النوم؟» إنها ~~لم تذكر، وفي النهاية قررت ألا تخاطر بإعطائه حقنة ثانية، وانتقلت إلى القارورة التالية ~~من صف القوارير. # اثنان وعشرون عاما وثمانية أشهر وأربعة أيام من تلك اللحظة، وبعدئذ قد يموت من مرض ~~تربانوسومياسر (مرض النوم) مدير موانزا موانزا من طراز «−أ» وهو في ريعان الشباب - وهذه ~~أولى الحالات لأكثر من نصف قرن - وواصلت ليننا عملها وهي تتنهد. # وبعد ساعة في حجرة التغيير كانت فاني تحتج بقوة، وتقول: «من العبث أن تسمحي لنفسك ~~ببلوغ هذه الحالة، عبث باطل، ولم ذلك؟ من أجل رجل - رجل واحد.» ~~- «ولكنه الرجل الذي أريد؟» ~~- «كأن العالم ليس به ملايين الرجال غيره.» ~~- «ولكني لا أريدهم.» ~~- «كيف تعرفين ذلك حتى تجربي؟» ~~- «لقد جربت.» # وسألتها فاني وقد هزت كتفيها في ازدراء: «كم؟ واحدا أو اثنين؟» ~~«بل عشرات.» وهزت رأسها ثم قالت: «لكنهم لم ينفعوا.» # فقالت فاني في عبارة موجزة: «عليك أن تثابري.» وكان من الجلي أن ثقتها في نصائحها قد ~~تزعزعت، ثم قالت: «إن المرء لا يستطيع أن يتمم شيئا ما بغير مثابرة.» ~~- «ولكني في تلك الأثناء ...» ~~- «لا تفكري فيه.» ~~- «لست أستطيع!» ~~- «إذن فتناولي السوما.» ~~- «إني أفعل.» ~~- «إذن فاستمري.» ~~- «وفي تلك الفترات كنت لا أزال أحبه، وسوف أحبه دائما»، فقالت فاني في عزم شديد: ~~«إذن فإذا كانت هذه هي الحال، فلماذا لا تتوجهين فورا وتحصلين عليه، أراد أو لم ~~يرد.» ~~- «ولكنك لا تعرفين مقدار غرابته!» ~~- «هذا سبب آخر لثباتك وتصميمك.» ~~- «من اليسير أن «تقولي» ذلك.» # وبصوت كالبوق قالت فاني: «لا تتقيدي بباطل من القول، بل اعملي.» وكانت تصلح أن تكون ~~محاضرة في جمعية الشابات الفورديات، تلقي على المراهقين من «−ب» حديثا مسائيا، ثم قالت: ~~«نعم، اعملي - فورا، افعلي ذلك الآن.» # قالت ليننا: «إنني أخشى ذلك.» ms140 ~~- «ما عليك إلا أن تتناولي نصف جرام من السوما أولا، والآن سوف أذهب لأستحم». ~~وانصرفت تجرر منشفتها. # دق الجرس، فوثب الهمجي وهرع إلى الباب؛ لأنه كان يأمل أن يزوره هملهلتز عصر ذلك ~~اليوم، وهو شديد القلق (وقد صمم نهائيا أن يتحدث إلى هلمهلتز في شأن ليننا، ولم يحتمل ~~أن يؤجل الإفضاء بالسر دقيقة واحدة بعد ذلك). # وصاح وهو يفتح الباب قائلا: «كنت أتوقع قدومك يا هلمهلتز.» # وإذا بليننا على عتبة الباب ترتدي معطفا من أطلس الملاحين، الأبيض الحمضي، وعلى رأسها ~~قبعة مستديرة بيضاء، تميل فوق أذنها اليسرى بصورة داعرة. # فقال الهمجي: «أوه!» كأن أحدا هوى عليه بضربة قوية. # لقد كان نصف جرام كافيا لأن ينسي ليننا مخاوفها واضطرابها، فقالت: «أهلا بك يا جون!» ~~وهي تبتسم، وسارت إلى جواره في الغرفة، وأغلق الباب وتابعها متابعة آلية، وجلست ليننا، ثم ~~كان صمت طويل. # وأخيرا قالت: «يبدو لي أنك لست شديد الغبطة برؤيتي.» # ونظر إليها الهمجي عاتبا وقال: «لست مغتبطا؟» ثم جثا على ركبتيه بغتة أمامها، ~~وتناول يدها وقبلها باحترام، ثم قال هامسا: «غير مغتبط؟ آه لو عرفت ...» ثم جرؤ على ~~النظر إلى وجهها وقال: «يا معشوقتي ليننا.» ثم قال: «يا من بلغت قمة إعجابي، يا أعز ما ~~في الدنيا.» فتبسمت له برقة شديدة الحلاوة، ومالت نحوه وقد انفرجت شفتاها، وقالت: ~~«ما أكملك إن خلقك لا نظير له!» واشتد قربها منه وقالت: «أنت خير مخلوق.» ثم زادت منه ~~قربا، ووثب الهمجي على قدميه، وقال وهو يتكلم بوجه منصرف: «وهذا هو السبب في أن أقوم ~~بفعل شيء أولا ... أعني أن أظهر أني جدير بك، ولست أقصد أني سوف أظل كذلك دائما، ولكن ~~لأظهر على الأقل أني لم أكن غير جدير بك مطلقا، أردت أن أفعل شيئا.» # وبدأت ليننا تقول: «لماذا تظن أنه من الضروري ...» ولكنها لم تتم عبارتها، وكانت في صوتها ~~نغمة تنم عن التهيج، لقد مالت إلى الأمام، واقتربت منه وقد انفرجت شفتاها، فوجدت فجأة ~~أنها لا تميل إلى شيء مطلقا - وقد نهضت ms141 على قدميها كالبلهاء - فحق لها أن تغضب فعلا ~~برغم نصف جرام السوما الذي يجري في دمائها. # وكان الهمجي يتمتم بكلام منقطع ويقول: «في مالبي على المرء أن يأتي لها بجلد ليث ~~جبلي - أقصد لو أراد أن يتزوج من فتاة - أو جلد ذئب.» # وقالت ليننا في لهفة: «ليس في إنجلترا أسد.» # فأجاب الهمجي باستياء مفاجئ مشوب بالازدراء قائلا: «ولو كان بها أسد فما أحسب إلا أن ~~الناس يقتلونها بالغاز السام أو بغيره يسقطونه عليها من الطائرات، ولكني لا أفعل ذلك يا ~~ليننا» ولوى كتفيه، وجرؤ على النظر إليها، وقابلتها بنظرة تنم عن عدم الإدراك المشوب ~~بالغضب، فاضطرب واستمر في حديثه، وقد زاد كلامه تفككا، قال: «سأفعل أي شيء تريدين، ~~إنك تعلمين أن من الأعمال ما هو أليم، ولكنه برغم ذلك يسر فاعله، وهذا هو شعوري، أقصد ~~أني أكنس الأرض إن أردت.» # فردت عليه ليننا وهي في حيرة شديدة، قالت: «ولكن لدينا مكانس مفرغة الهواء، فليست بك ~~حاجة إلى ذلك.» ~~- «نعم ليست بي حاجة إلى ذلك، غير أن بعض الأعمال الوضيعة تؤدى بنبل عظيم، وأحب أن ~~أؤدي عملا بنفس نبيلة، فهل تفهمين؟» ~~- «ولكن إذا كانت هناك مكانس مفرغة الهواء ...» ~~- «لست أرمي إلى ذلك.» # واستمرت تقول: «ويشتغل بها قوم أنصاف معتوهين من طراز «ه»، وإذن فلماذا حقا ~~...؟» ~~- «لماذا؟ من أجلك أنت، كي أظهر أني ...» ~~- «وإني لأعجب بالعلاقة بين المكانس المفرغة والأسد.» ~~- «كي أظهر مقدار ...» ~~«وما العلاقة بين الأسد وسرورك برؤيتي ...» وزاد حنقها. # فأجاب يائسا: «مقدار حبي لك يا ليننا.» # وتدفق الدم في وجنتي ليننا دليلا على أن تيار الغرور الباطني قد هاج في نفسها، ~~وسألته: «هل تقصد ما تقول يا جون؟» # فصاح الهمجي، وقد ضم يديه إحداهما إلى الأخرى في شيء من الألم، وقال: «لم أقصد أن أقول ~~ذلك، ولن يكون ذلك حتى ... أنصتي إلي يا ليننا، إن الناس في مالبي يتزوجون.» # قالت: «ماذا تعني؟» وعاد الانفعال إلى صوتها، فيم كان يتكلم الآن؟ ~~- «إلى ما شاء الله، إنهما يتواعدان على العيش معا إلى ms142 ما شاء الله.» ~~- «ما أبشع هذه الفكرة» وقد صدمت ليننا فعلا. ~~- «إنهما يتلازمان بعد زوال الجمال الظاهري، ولهما عقل أسرع تجددا من فساد ~~الدم.» ~~- «ما هذا؟» ~~- «إنه كالذي جاء في شيكسبير: «إنك إن فضضت بكارتها قبل أن ... الحفلات الدينية بكل ~~طقوسها المقدسة».» ~~- «بربك يا جون، تكلم كلاما معقولا، لست أفهم كلمة واحدة مما تقول، أشرت أولا إلى ~~المكانس المفرغة، ثم إلى البكارة، إنك تدفعني إلى الجنون.» ووثبت من مكانها وأمسكته من ~~معصمه، كأنها تخشى أن يفر منها جسما وعقلا، ثم قالت: «أجب عن هذا السؤال: هل تحبني ~~فعلا أو لا تحبني؟» # وساد الصمت برهة ثم قال بصوت منخفض جدا: «إنني أحبك أكثر من أي شيء في ~~الدنيا.» # فصاحت قائلة: «إذن فلماذا لم تقل ذلك؟» وبلغ بها الحنق أنها دفعت أظافرها الحادة ~~داخل جلد معصمه، ثم قالت: «بدلا من الهذيان بذكر البكارة والمكانس المفرغة والأسد، ~~فتسبب لي البؤس عدة أسابيع متوالية.» # وأطلقت يده وأبعدتها عنها وهي غاضبة، وقالت: «لولا أني شديدة الحب لك لثرت في ~~وجهك.» # وطوقت عنقه في الحال بذراعيها، وأحس بنعومة شفتيها على شفتيه، ما أعذب نعومتهما، ما ~~أحرهما وما أشد ما فيهما من كهرباء، فألقى نفسه مضطرا إلى تذكر العناق الذي حدث في ~~قصة «الأسابيع الثلاثة في الطائرة»، وتذكر آهات الفتاة الشقراء المجسدة، وآهات الزنجي، ~~الحقيقة أكثر من الواقع، يا للفزع ... فحاول أن يتحرر من ليننا ولكنها شددت عليه ~~العناق. # وتراجعت بوجهها كي تتمكن من رؤيته وهمست قائلة: «لماذا لم تقل ذلك؟» وبدا في ~~عينيها عتاب رقيق. # قال: «العرين الحالك الظلمة أكثر الأماكن ملاءمة» (وجلجل صوت الضمير مشبعا بالعاطفة ~~القوية) وقويت عزيمته، على أن أشد إيحاء يصدر عن عبقرية الإنسان السافلة لن يدنس شرفي ~~بالشهوة، لن يكون ذلك أبدا». # وكانت تقول: «ما أسخفك من غلام! لقد كنت شديدة الرغبة فيك، وإن كنت راغبا في، ~~فلماذا لم ...؟» # فبدأ احتجاجه قائلا: «ولكن يا ليننا ...» وظن لحظة - وهي ترخي ذراعيها وتبتعد عنه - أنها ~~أدركت تلميحه الذي لم يصرح به، ولكنها فكت ms143 رباط حزامها الأبيض اللامع المخرق، وعلقته ~~بعناية على ظهر مقعد من المقاعد، فبدأ يظن أنه كان مخطئا. # فكرر نداءه وهو خائف وقال: «ليننا!» # ووضعت يدها على جيدها وجذبت جذبة طويلة رأسية، فانشق قميصها الأبيض الذي يشبه قمصان ~~الملاحين حتى الهدب، فتعززت الشكوك في عزيمته الثابتة وقال: «ليننا، ماذا تصنعين؟» # فكان جوابها فك الإزار، ولم تنبس ببنت شفة، وخلعت عنها سروالها الذي تشبه مؤخرته ~~الناقوس، وظهر رداؤها الداخلي الذي يسترها من الفرع إلى القدم قرنفليا باهتا، وتدلى فوق ~~صدرها الحرف الذهبي الذي منحها إياه كبير المنشدين. ~~«إن هذا الطعام الدقيق اللبني الذي يخترق عيون الرجال من خلف قضبان النوافذ ...» تذكر هذه ~~العبارة برنينها ودويها وسحرها، فتضاعف في عينيه خطرها وتضاعفت فتنتها، ما أشد ~~نعومتها، ولكن ما أشد طعنات هذه النعومة! إنها تثقب حكمته وتخرقها، وتفت من عزمه، «إن ~~أغلظ الإيمان كالهشيم أمام النار التي تتأجج في الدماء، ليشتد زهدك وإلا ...» # وفكت مشبكا آخر فتشتت أجزاء ردائها الداخلي القرنفلي كالتفاحة أحكم تقسيمها، لقد ~~حركت ذراعها حركة طفيفة، ورفعت قدمها اليمنى أولا، ثم قدمها اليسرى ثانيا فسقط الرداء ~~على الأرض متغضنا لا حياة فيه. # وتقدمت نحوه وهي ما تزال ترتدي جواربها وحذاءها وقبعتها المستديرة البيضاء المائلة بشكل ~~داعر، ومدت إليه ذراعيها وقالت: «عزيزي، عزيزي! لماذا لم تقل ذلك؟» # ولكن بدلا من أن يجيبها بقوله مثلها: «عزيزتي! عزيزتي!» وبمد ذراعيه نحوها، تراجع الهمجي ~~مذعورا ملوحا بيديه نحوها، كأنه يحاول أن يبعد حيوانا دخيلا مضطرا، وخطا إلى الخلف ~~أربع خطوات، ثم استند إلى الحائط في مأمن منها. # ووضعت ليننا يديها فوق منكبيه وضمت نفسها إليه ضما شديدا، وقالت: «ما أحلاك!» وأمرته ~~أن يطوقها بذراعيه قائلة: «عانقني يا حبيبي حتى تخدرني!» عجبا! إن في صوتها وهي تأمره ~~لشعرا، وإنها لتعرف كلمات كأنها الغناء أو الرقي أو دق الطبول، وأغمضت عينيها وتكلمت ~~بصوت خافت، كأنه همهمة النائم وقالت: «قبلني حتى أفقد رشدي، عانقني يا حبيبي وأثلج ~~صدري ...» # فأمسك بها الهمجي من معصمها، ونزع يديها من فوق كتفيه، ms144 ودفعها بغلظة على بعد ذراع ~~منه. # فتأوهت قائلة: «إنك تؤذينني، إنك ...» وصمت فجأة، لقد أنساها الفزع الألم، وفتحت عينيها ~~وشاهدت وجهه، كلا إنه ليس وجهه، إنما هو وجه رجل غريب متوحش، شاحب اللون، متغضن ملتو من ~~شدة الغضب الجنوني، الذي لم تدرك له سببا، فذهلت وهمست قائلة: «ما بك يا جون؟» فلم يحر ~~جوابا، ولكنه اكتفى بالتحديق في وجهها بتلكما العينين المجنونتين، وارتجفت تلكما اليدان ~~اللتان كانتا تقبضان على معصميها ، وتنفس أنفاسا عميقة بغير انتظام، وسمعت أسنانه بغتة ~~وهي تصطك اصطكاكا خفيفا، لا يكاد يحس ولكنه مفزع مريع، وكادت تصيح قائلة: «ما ~~بك؟» # وكأنها أيقظته بصياحها، فأمسك بها من كتفيها وهزها، وصاح قائلا: «عاهرة! عاهرة! ~~مومس وقحة!» # واحتجت عليه بصوت يرتعد ارتعادا شديدا من أثر هزته، قالت: «لا تفعل، لا ~~تفعل!» ~~- «عاهرة!» ~~- «أرجوك!» ~~- «عاهرة لعينة!» # وبدأت تقول: «إن جراما من السوما خير من ...» # ودفعها الهمجي إلى الوراء بقوة، فترنحت ثم سقطت، فصاح وقد وقف تجاهها يهددها: ~~«اذهبي، واغربي عن نظري وإلا قتلتك» وقبض يديه. # ورفعت ليننا ذراعها كي تخفي وجهها، وقالت: «كلا، أرجوك ألا تفعل، يا جون ...» ~~- «هيا أسرعي.» # ووثبت على قدميها رافعة إحدى ذراعيها، ومتتبعة كل حركة من حركاته بعين مفزعة، وما ~~فتئت تحبو على الأرض وتخفي رأسها، ثم انطلقت إلى الحمام. # وصفعها صفعة قوية أحدثت صوتا كطلق المسدس، فأسرعت في ارتحالها. # وقفزت ليننا إلى الأمام وهي تتأوه. # ولما أوصدت الحمام وأحست بالطمأنينة فرغت لعد جراحها، وولت ظهرها المرآة ولوت ~~رأسها، ونظرت من فوق كتفها اليسرى، فتمكنت من رؤية آثار يد مفتوحة، وقد انطبقت على لحمها ~~اللؤلؤي حمراء جلية واضحة، ومسحت البقعة الجريحة في حرص بالغ كي لا تؤذي نفسها. # وفي الخارج، وفي الغرفة الأخرى، كان الهمجي يذرع الأرض ويسير على موسيقى هذه الكلمات ~~السحرية وطبلها: «إن العصفور يأتيها والذبابة الصغيرة الذهبية تنغمس في الدعارة أمام عيني.» # 2 # ورنت هذه الكلمات في أذنه جنونيا، «إن القط القذر والجواد الدفيء يأتيانها ~~بشهوة ثائرة، إن الأنثى فيما تحت الخصر حيوان خرافي، ms145 وفيما فوقه امرأة من النساء، إنها ~~وريثة الآلهة في نصفها الأعلى، وشيطان في نصفها الأسفل، تلك هي الجحيم، والظلام، وبؤرة ~~الكبريت، تشتعل فيها النار، وتحترق بالماء الساخن، ذلك نتن ودرن، تبا، تبا، تبا، ~~تبا وسحقا، أعطوني درهما من الزباد، وصيدليا ماهرا؛ كي أخفف عن نفسي وطأة ~~الخيال». # وصدر من الحمام صوت ضئيل جريء، ينادي مستعطفا: «جون، جون «إيه أيتها الحشائش، بأروع ~~مظهرك، وما أحلى عبيرك، إنك تثيرين الحس، هل حرر هذا الكتاب الطيب ليكتب عليه ~~«العاهرة»؟ إن الملائكة نفسها تحب أن تشمها ...»» # وما زال عبيرها يملأ المكان حوله، وقد ابيض معطفه بالمسحوق الذي كانت تعطر به جسمها ~~المخمل: «يا لها من عاهرة وقحة!» وظل يردد هذه العبارة ويتنغم بها: «جون! هل ترى أني ~~أستطيع أن آخذ ملابسي؟» # فالتقط السروال الذي تشبه مؤخرته الناقوس، والثياب العلوي، ورداءها الداخلي. # وأمرها بقوله: «افتحي!» وركل الباب بقدمه. # فأجابته متحدية بصوت خافت: «كلا لن أفعل». ~~- «فكيف إذن تتوقعين مني أن أعطيكها؟» ~~- «ادفع بها خلال النافذة فوق الباب.» # وفعل ما أشارت به وعاد يذرع الغرفة بهدوء، كما كان يفعل من قبل: «عاهرة وقحة، عاهرة ~~وقحة، يا لها من شيطانة مترفة، ضخمة الردفين، صفراء الأصابع ...» ~~- «جون!» # ولكنه لم يجب، بل كان يفكر في ردفها الضخم وأصابعها الصفراء. ~~- «جون!» # فسألها بخشونة قائلا: «ماذا تريدين؟» # قالت: «هل تتكرم باعطائي الحزام المالتسي؟» # وجلست ليننا تصغى إلى وقع الأقدام في الغرفة الأخرى، وتتعجب وهي تصغى إلى متى يحتمل أن ~~يبقى هكذا يذرع الغرفة جيئة وذهابا، وهل لا بد لها أن تنتظر حتى يخرج من البيت، وهل ~~تطمئن - بعدما تترك لسورته فرصة من الوقت تهدأ فيها - إلى فتح الحمام والانطلاق ~~منه. # وإذ هي تسبح في هذه التأملات المقلقة، تنبهت بغتة لجرس التلفون وهو يدق في الغرفة ~~الأخرى، فكف صاحبنا عن المسير فجأة، وسمعت صوت الهمجي، وكأنه يتحدث مع السكون: ~~«هلو.» ~~- «...» ~~- «نعم.» ~~- «...» ~~- «أنا هو إذا لم أخدع نفسي.» ~~- «...» ~~- «أجل، ألم تسمعني أذكر لك، أنا الهمجي أتكلم.» ~~- «...» ~~- «ماذا؟ من المريض؟ الأمر يهمني بالطبع.» ~~- «...» ~~- «ولكن ms146 هل المرض خطير؟ وهل هي فعلا في حالة سيئة؟» ~~- «سوف أذهب في الحال ...» ~~- «...» ~~- «ليست في بيتها الآن؟ إلى أين أخذت؟» ~~- «...» ~~- «يا إلهي! ما العنوان؟» ~~- «...» ~~- «3 بارك لين - هل هو هذا؟ 3؟ شكرا.» # وسمعت ليننا طقة السماعة وهو يعيدها إلى مكانها، ثم سمعت خطوات مسرعة، وبابا يغلق ~~بشدة، ثم كان سكون، هل ذهب فعلا؟ # ففتحت الباب ربع بوصة بحرص بالغ، وأطلت من الشق، وشجعها منظر الفراغ فزادت من فتحة ~~الباب قليلا، ثم أبرزت رأسها كله، وأخيرا سارت في الغرفة على أطراف أصابعها، ووقفت بضع ~~ثوان بقلب شديد النبض، ولبثت تنصت وتصغي، ثم اندفعت نحو الباب الأمامي، وفتحته وانسلت ~~منه، وأغلقته بشدة، ثم جرت، ولم تشعر بالطمأنينة والأمان حتى كانت في المصعد، تهبط فعلا ~~إلى أسفل. # | الفصل الرابع عشر # مستشفى بارك لين للموتى، برج من الآجر الأصفر، يتألف من أربعة وستين طابقا. ولما ~~خرج الهمجي من طائرة الأجرة، قابلته حملة من سيارات الموتى الهوائية، ذات الألوان الزاهية ~~وهي ترتفع من السطح بأزيزها، وتنطلق عبر المستشفى وتتجه غربا تقصد حمأة الإحراق، وعند ~~باب المصعد أجابه كبير الحمالين بما استفسر عنه، فهبط إلى الجناح رقم 081 (وقال عنه ~~الحمال: «إنه جناح الشيخوخة المتقدمة في الطابق السابع عشر»). # وكانت الغرفة فسيحة تتلألأ بضوء الشمس وبالطلاء الأصفر، وتحتوي على عشرين سريرا، كلها ~~مشغول، وكانت لندا تموت مجاعة بجميع أسباب الراحة الحديثة، والأغاني المصطنعة المرحة تملأ ~~الجو ولا تنقطع، وفي أسفل كل سرير صندوق تلفزيون يواجه شاغله وهو في النزع الأخير، ~~والتلفزيون لا يفتر كأنه صنبور يتدفق من الصباح حتى المساء، والعطر السائد في الغرفة يتغير ~~من تلقاء نفسه مرة كل ربع ساعة، وقالت الممرضة التي تولت أمر الهمجي عند الباب: «إننا ~~نحاول أن نخلق هنا جوا ممتعا جدا - شيئا وسطا بين فندق من الدرجة الأولى من دور ~~الصور المحسوسة، إن كنت تفهم ما أعني.» # وسألها الهمجي متجاهلا هذا الشرح الذي ألقته بأدب جم: «أين هي؟» # فاستاءت الممرضة وقالت: «الظاهر أنك على عجل.» # فسألها: «هل هناك أمل؟» ~~«تقصد ms147 أملا في عدم موتها؟ (فأومأ برأسه)، كلا ليس هناك بالطبع أمل، عندما يرسل الشخص ~~إلى هذا المكان فليس هناك ...» وراعتها ملامح الغم التي بدت على وجهه الشاحب، فحورت ~~حديثها فجأة وسألته: «ماذا عسى أن يكون الأمر؟» فهي لم تتعود من زائريها ما يشبه ذلك ~~(وليس معنى هذا كثرة الزائرين على أية حال، أو أن هناك ما يدعو إلى كثرتهم) «لعلك لا ~~تحس بالمرض؟» # فهز رأسه، وقال بصوت لا يكاد يسمع: «إنها أمي.» # فرمقته الممرضة بعينين مذعورتين مروعتين، ثم صرفت عنه نظرها بسرعة، وتدفق الدم الحار في ~~وجهها من الحلق إلى العارض. # وقال الهمجي: «أريني السبيل إليها.» وقد بذل جهدا في الكلام بنغمة عادية. # فهدته إلى الجناح السفلي وهي لا تزال في حمرة الخجل، والتفتت إليهما وهما في ~~طريقهما وجوه نضرة، لم تتغضن بعد؛ (لأن الشيخوخة كانت تتقدم بسرعة لم تجد معها الوجوه ~~وقتا تظهر فيه علامات السن - إنما شاخت القلوب والأذهان فقط)، وتبعتهم وهم يتقدمون ~~في مسيرهم عيون الطفولة الثانية الساذجة التي لا تتطلع إلى شيء، وارتعد الهمجي وهو ~~ينظر حواليه. # وكانت لندا ترقد في نهاية صف الأسرة الطويل المحاذي للحائط مباشرة، وكانت ترقب - وهي ~~ترتكز إلى الوسادات - الأشواط النهائية لبطولة تنس سطح ريمان بأمريكا الجنوبية، وهو يلعب ~~في صمت وبصور مصغرة على شاشة صندوق التلفزيون عند أسفل السرير، وكان اللاعبون الصغار ~~(وهم من سكان عالم آخر، صامتون متهيجون) يندفعون بغير ضجيج - كالسمك في حديقة الأسماك ~~- هنا وهناك من أحد جوانب المربع الزجاجي المضيء إلى الجانب المقابل. # وكانت لندا تشاهد الصورة وهي تبسم ابتسامة غامضة تدل على عدم الإدراك، وبدت على ~~وجهها الشاحب المنتفخ الملامح التي ترتسم على وجه السعيد الأبله، وهي تغمض جفنيها ~~الفينة بعد الفينة، وبدت ناعسة لبضع ثوان، ثم تيقظت بشيء من الذعر، فشهدت أبطال التنس ~~الغرباء الصامتين، وسمعت أنشودة «عانقني حتى تخدرني يا حبيبي»، وقد وقعها فوكس ~~ورلتزريانا العجيب، وأحست بتيار من رائحة الليمون يهب من النافذة فوق رأسها - تيقظت ~~على هذه الأشياء، أو قل تيقظت ms148 على حلم يتألف من هذه الأشياء العجيبة، بعد ما صورتها وزينتها ~~السوما في دمائها، ثم تبسمت مرة أخرى بسمتها المتقطعة التي لا مغزى لها، والتي تنم ~~عن قناعة الطفولة. # فقالت الممرضة: «لا بد لي أن أنصرف الآن، فعندي مجموعة من الأطفال سوف يقبلون، وعندي ~~- فوق ذلك - رقم 3.» وأشارت إلى أعلى الجناح «وقد أنصرف الآن في أية لحظة، فاطمئن هنا.» ثم ~~انصرفت على عجل وفي نشاط جم. # وجلس الهمجي إلى جانب الفراش. # وهمس قائلا : «لندا» وأمسك بيدها. # وعندما سمعت اسمها ينادى التفتت، وأشرقت عيناها الغامضتان بدور المعرفة، فضغطت ~~على يده، وتبسمت وتحركت شفتاها، ثم سقط رأسها إلى الأمام بغتة واستغرقت في النوم، وجلس ~~يرقبها - يمعن النظر في جسمها المنهوك، فيتذكر ذلك الوجه الشاب المشرق الذي انحنى على ~~طفولته في مالبي، وتذكر (وقد أغمض عينيه) صوتها وحركاتها، وكل ما حدث لهما في حياتهما ~~معا، وتذكر أناشيد الطفولة التي كانت تغنيها له، ما كان أجمل غناءها! وتذكر تلك الأغاني ~~الصبيانية، ما أعجب سحرها وغرابتها! # أ، ب، ج، فيتامين ء. # الدهن في الكبد، والحوت في البحر. # فأحس بالدمع الحار يتجمع خلف جفنيه وهو يتذكر هذه الكلمات، ويذكر صوت ~~لندا وهي تكررها، ثم تذكر دروس المطالعة: «الشراب في الإناء، والقط فوق الحصير.» كما ذكر ~~الإرشادات الأولية لعمال «ب» في مخزن الأجنة، والأمسية الطويلة بجوار النار، أو فوق سطح ~~البيت الصغير في الصيف، حينما كانت تقص له تلك الأقاصيص بشأن العالم الآخر خارج منطقة ~~المتوحشين؛ ذلك العالم الآخر الجميل! إن ذكر هذا العالم - كذكرى السماء - جنة جميلة ~~فيحاء، ولقد احتفظ بها كاملة لم تمس، لم يدنسها الاحتكاك مع الحياة الواقعة في هذه المدينة ~~الواقعة، لندن، وهؤلاء الرجال والنساء الواقعيون المتمدنون. # وسمع ضجة من أصوات خشنة مباغتة ففتح عينيه، وبعدما مسح دموعه على عجل تلفت ~~حواليه، فإذا بتيار لا ينقطع من ذكور التوائم المتشابهين، الذين يبلغون من العمر ثماني ~~سنوات يتدفق داخل الغرفة، ودخلوا توءما بعد توءم وكأنهم حلم مزعج، ووجوههم - أو قل ~~وجههم المتكرر لأنهم كانوا ms149 جميعا على صورة واحدة - تحدق كالكلاب، كلها أنوف وعيون ~~شاحبة محملقة، وكانوا يرتدون الكاكي، وأفواههم فاغرة، وولجوا الغرفة وهم يصرخون ويثرثرون، ~~وفي لحظة واحدة اندس الحارس معهم كالسوسة، وتكأكئوا حول الأسرة، وتسلقوها وزحفوا تحتها، ~~وتطلعوا داخل صناديق التلفزيون، وحركوا وجوههم للمرضى كي يزعجوهم. # وأدهشتهم لندا بل وأزعجتهم، فوقفت شرذمة منهم متجمعين عند مؤخرة سريرها، وحملقوا ~~مذعورين كأنهم حيوانات غبية متطلعة، جابهها أمر مجهول مباغت. # وتحدثوا بأصوات منخفضة مروعة قائلين: «انظروا، انظروا، ما بها ؟ ولماذا هي بدينة ~~جدا؟» # ولم يروا وجها كوجهها من قبل، لم يروا وجها غير شاب ولا نضر، ولم يروا جسما زالت عنه ~~نحافته واستقامته، لقد كانوا جميعا في سنوات الموت - بين الستين والسبعين - ولا يزال ~~مظهرهم كالفتيات الصغيرات، أما لندا فقد بدت في الرابعة والأربعين - بالمقارنة مع هؤلاء - ~~وحشا مسنا مترهلا مشوها. # فهمسوا قائلين: «أليست مريعة؟ انظروا إلى أسنانها.» # وأطل فجأة من تحت السرير توءم وجهه كوجه الكلب، بين الحائط ومقعد جون، وبدأ يتطلع في ~~وجه لندا الناعس. # ثم شرع يتكلم، قال: «إني أقول ...» غير أن عبارته انتهت بالصراخ قبل أن تتم، ذلك أن الهمجي ~~قد قبض عليه من بنيقته، ورفعه بجلاء فوق المقعد، وضربه بقبضة يده ضربة حادة على أذنه، ~~ودفعه بعيدا عنه وهو يصيح. # وهرولت لإنقاذه كبيرة الممرضات لما طرقت صيحاته مسمعها. # وسألت بحدة: «ماذا كنت تصنع به؟ إنني لا يرضيني أن تضرب الأطفال.» # فقال الهمجي بصوت يرتعد من شدة الغضب: «إذن فابعديهم عن هذا السرير، ماذا يصنع هؤلاء ~~الأطفال الصغار الوقحون القذرون في هذا المكان؟ إنه أمر مشين!» ~~«مشين؟ ماذا تعني؟ إنهم يكيفون على الموت.» ثم قالت وقد أنذرته بشراسة شديدة قائلة: ~~واعلم أنك لو تدخلت في أمر تكييفهم بعد هذا، فسأرسل في طلب الحمالين؛ كي يقذفوا بك بعيدا ~~عن هذا المكان. # ونهض الهمجي على قدميه وخطا نحوها خطوتين، وقد نمت حركاته وملامح وجهه على التهديد ~~الشديد، فاضطرت الممرضة إلى أن تتراجع مرتاعة مذعورة، ولكنه كبح جماح نفسه بجهد عظيم، ~~وعاد إلى مكانه وجلس ms150 إلى جوار السرير، دون أن ينبس ببنت شفة. # وقالت الممرضة، وقد اطمأنت ولكن بعدما اهتزت كرامتها وتزعزعت قليلا: «لقد أنذرتك ~~فاحذر.» ولكنها - مع ذلك - أبعدت التوءمين الفضوليين وأشركتهم في لعبة «صيد المشبك»، التي ~~قامت بتنظيمها إحدى زميلاتها في الجانب الآخر من الغرفة. # وقالت للممرضة الأخرى: «أسرعي الآن يا عزيزتي إلى تناول الفنجان المقرر من محلول ~~الكافيين.» وبهذا الأمر مارست سلطتها فاستردت ثقتها وتحسن شعورها، ثم نادت: «والآن ~~أيها الأطفال!» # وتحركت لندا في عسر شديد، وفتحت عينيها لحظة، ونظرت حولها نظرة غامضة، ثم استرسلت في ~~النوم مرة أخرى، وحاول الهمجي جاهدا وهو جالس إلى جوارها - إنه يسترد حالته العقلية التي ~~كان عليها منذ لحظات، وكرر لنفسه هذه العبارة: «أ، ب، ج، فيتامين ء.» كأن هذه الألفاظ ~~تعويذة ترد الحياة إلى الموتى، ولكن التعويذة كانت عديمة الأثر، فقد أبت بتاتا أن تعود ~~إلى ذاكرته الذكريات الجميلة، ولم يرد على خاطره غير ذكريات الغيرة والقبح والشقاء الكريهة ~~الممقوتة. ذكر بوبي والدم يتقطر من كتفه الجريحة، ولندا وهي مستغرقة في نوم قبيح مرذول، ~~والذباب يطن حول المسكال المسكوب فوق الأرض إلى جانب السرير، والأولاد ينادون تلك ~~الأسماء وهي تمر ... كلا، كلا! فأغمض عينيه وهز رأسه منكرا هذه الذكريات بجهد شاق الكلمات ~~«أ، ب، ج، فيتامين ء ...» لقد حاول أن يذكر تلك الأيام التي كان يجلس فيها على ركبتيها، ~~وتطوقه بذراعيها وتغني له، وتردد الغناء، وتهزه ثم تهزه حتى ينام، وهي تردد هذه الأنشودة: ~~«أ، ب، ج، فيتامين ء، فيتامين ء، فيتامين ء ...» # وارتفعت أنشودة فوكس ولتزريانا الخارقة، حتى أصبحت قطعة موسيقية، عالية باكية، وتلاشت ~~فجأة رائحة الليمون - في نظام الروائح المتتابعة - وحلت محلها رائحة هندية قوية ~~أخرى، واهتزت لندا، ثم تيقظت، وحدقت بضع ثوان متحيرة في اللاعبين في الأشواط النهائية، ~~ثم رفعت وجهها، واستنشقت الهواء بعطره الجديد مرة أو مرتين، وابتسمت فجأة - ابتسامة تنم ~~عن سعادة الطفولة. # وأغمضت عينيها، وتمتمت قائلة «بوبي! إني أحبه حبا جما، إني ...» وتنهدت واسترخت فوق ~~الوسادات. # وتكلم الهمجي متوسلا، ms151 قال: «لندا! ألا تعرفينني؟» لقد حاول جهده وبذل ما في وسعه، ~~فلماذا لم تسمح له بالنسيان؟ وضغط على يدها المسترخية بشيء من العنف، كأنه يريد ~~إرغامها على التخلص مما كانت تحلم به من متع غير بريئة، أو من هذه الذكريات الوضيعة ~~الكريهة - كأنه يريد أن يعيدها إلى الحاضر وإلى الواقع - إلى الحاضر المزعج والواقع ~~المر - ولكنه رفيع، ولكنه خطر، ولكنه هام جدا، والسبب هو اقتراب وقوع ذلك الأمر عينه ~~الذي جعله الواقع مخيفا . ~~- «ألست تعرفينني يا لندا؟» # وأجابته بضغط يدها الخفيف الذي أحس به، وانحدر الدمع من عينيه، وانحنى فوقها ~~وقبلها. # وتحركت شفتاها وهمست ثانية بقوله: «بوبي!» وكأن أحدا ألقى في وجهه دلوا مليئا ~~بالروث. # وغلى دمه بالغضب، وكبحت إرادته للمرة الثانية، ووجدت عاطفة الحزن عنده مخرجا آخر، ~~وتحولت إلى ثورة أليمة. # فصاح قائلا: «ولكني جون، أنا جون!» وفي بؤسه وثورته أمسك فعلا بكتفها وهزها. # ففتحت لندا عينيها في الحال، ونظرت إليه وعرفته - «جون» - لكنها غمرت وجهه الواقعي ويديه ~~العنيفتين في عالم خيالي - غمرته في بحر من العطر الهندي المستحدث والورلتز الخارق، ~~والذكريات المتغيرة والإحساسات التي تبدلت تبدلا عجيبا، والتي كان يتألف منها عالم ~~أحلامها، عرفت أنه جون ابنها لكنها تصورت أنه دخيل على مالبي الفردوسية، التي كانت تنفق ~~فيها عطلة السوما مع بوبي، وأغضبه أنها تحب بوبي، وكان يهزها لأن بوبي كان هناك في ~~السرير - كأن هناك خطأ من الأخطاء، وكأن الناس المتمدنين جميعهم لم يفعلوا مثل ذلك؟ ~~«إن كل فرد يتعلق بكل ...» وانخفض صوتها بغتة حتى أصبح كنقيق الضفادع الخافت الذي لا ~~يكاد يسمع، وانفرج فوها، وحاولت مستيئسة أن تملأ رئتيها بالهواء، غير أنها كانت كمن نسي ~~كيف يتنفس، وحاولت أن تصيح - ولكن صوتا لم يرتفع منها، وتبين من فزع عينيها المحملقتين ~~أنها كانت تعاني ألما مبرحا، وارتفعت يداها إلى حلقها، ثم خدشت بمخالبها الهواء - ~~الهواء الذي لم تستطع بعد أن تتنفسه، الهواء الذي لم يكن له - بالنسبة إليها - ~~وجود. # ونهض الهمجي على قدميه، وانحنى فوقها وسألها متوسلا: ms152 «ما هذا يا لندا، ما بك؟» وكأنه ~~يطلب لنفسه الطمأنينة. # ورمقته بنظرة مليئة بالرعب الشنيع، وكأنها بهذه النظرة المريعة تلقي عليه اللوم ~~الشديد، وحاولت أن تنهض في فراشها، ولكنها سقطت على الوسادات، وأصبح وجهها شديد التشويه ~~وشفتاها زرقاوين. # فالتفت الهمجي خلفه ثم انطلق إلى الجانب الآخر من الجناح. # وصاح قائلا: «أسرعي، أسرعي!» # وكانت كبيرة الممرضات واقفة وسط حلقة من التوائم تلعب «صيد المشبك» فالتفتت حولها، ~~واستولت عليها للحظة الأولى دهشة، أعقبها في الحال شيء من عدم الرضا، وقالت وهي مقطبة ~~الجبين: «لا تصح واذكر صغار الأطفال، إنك قد تفسد تكييف ... ولكن ما هذا الذي تصنع؟» وكان قد ~~شق طريقه وسط الحلقة، فصاح به أحد الأطفال قائلا: «حذار، حذار.» وأمسك جون بكبيرة ~~الممرضات من كمها وقال لها: «أسرعي، أسرعي!» وسحبها وراءه ثم قال: «أسرعي! إن شيئا قد ~~حدث، لقد قتلتها.» # ولما عادا إلى طرف الجناح كانت لندا قد فارقت الحياة. # ووقف الهمجي لحظة في صمت بارد، ثم جثا على ركبتيه إلى جانب الفراش، وأخفى وجهه بين ~~يديه، ولم يتمالك نفسه من شدة البكاء. # ووقفت الممرضة لا تدري ماذا تصنع، تنظر تارة إلى هذا الجاثي إلى جوار السرير (وهو ~~منظر مشين)، وتارة أخرى إلى التوائم (وهم أطفال مساكين) الذين توقفوا عن اللعب وحملقوا ~~من جانب الجناح الآخر بكل عيونهم وأنوفهم، في هذا المنظر المثير الذي كان يمثل حول ~~السرير رقم 20، هل تتحدث إليه؟ هل تحاول أن تعيده إلى جادة السلوك المهذب؟ هل تذكره ~~بالمكان الذي هو فيه؟ وبالضرر المميت الذي قد يسببه لهؤلاء الأبرياء المساكين؟ إنه قد يفسد ~~تكييفهم على الموت تكييفا صحيا بهذا الصياح المقزز - كأن الموت شيء مريع، وكأن الفرد ~~الواحد قد تكون له كل هذه الأهمية! إن عمله هذا قد يبعث فيهم أسوأ الآراء عن الموضوع، وقد ~~يفسد عليهم أمرهم فيستجيبون بطريقة خاطئة جدا لا تتفق البتة ومصلحة الجماعة. # وتقدمت إلى الأمام خطوة ولمست كتفه، وقالت له بصوت خافت غاضب: «هلا تستطيع أن تحسن ~~السلوك؟» لكنها تلفتت حواليها فوجدت ms153 أن ستة توائم قد نهضوا على أقدامهم، وتقدموا إلى ~~الجانب الآخر من الجناح، وانحلت دائرتهم، وبعد لحظة ... كلا، إن الخطر جسيم، والمجموعة ~~كلها قد تتقهقر ستة أشهر وسبعة في عملية التكييف، فهرولت عائدة نحو الأطفال المهددين ~~الذين عهد بهم إليها. # وسألت بنغمة مرتفعة بهيجة، قالت: «من منكم يريد قطعة من الشكلاتة المثلجة؟» # فصاح أفراد الجماعة البوكانوفسكية كلهم في صوت واحد قائلين: «أنا.» ونسي السرير رقم 20 ~~كل النسيان. # وأخذ الهمجي يكرر لنفسه قوله: «يا إلهي، يا إلهي ...» ولم يلفظ بغير هذه الكلمة، وهو في ~~فوضى الحزن وتأنيب الضمير الذي يملأ فؤاده، وهمس ثانية بصوت مرتفع قائلا: «إلهي، يا ~~إلهي ...» # وأجابه صوت قريب منه جدا، واضح، أجش، يتميز وسط أغاني ورلتزر الخارقة، قائلا: ~~«ما هذا الذي يقول؟» # وحملق الهمجي بشدة وعنف وكشف عن وجهه وتلفت حواليه، فرأى خمسة توائم يرتدون ~~الكاكي، يحمل كل منهم في يمناه القطعة التي تبقت من أصبع الشكلاتة المثلجة الطويلة، ~~ووجوههم المتشابهة ملطخة على صور مختلفة بسائل الشكلاتة، وكانوا يقفون في صف واحد ~~يحملقون فيه كالكلاب. # والتقت عيونهم بعينيه وتجهموا جميعا في آن واحد، وأشار أحدهم بقطعة الشكلاتة ~~الباقية في يده، وسأل قائلا: «هل ماتت؟» # وحدق الهمجي فيهم لحظة وهو صامت، ثم نهض على قدميه في صمت، وسار نحو الباب مبطئا في ~~صمت كذلك. # وردد التوءم الطلعة سؤاله وهو يركض إلى جانبه: «هل ماتت؟» فألقى عليه الهمجي نظرة من ~~عليائه ودفعه بعيدا عنه، وهو لا يزال في صمته، وخر التوءم على الأرض وبدأ يعوي في ~~الحال، غير أن الهمجي لم يعره التفاتا. # | الفصل الخامس عشر # كانت هيئة الخدم في مستشفى بارك لين للموتى، تتألف من مائة واثنين وستين فردا من ~~طراز «د»، مقسمين إلى مجموعتين بوكانوفسكيتين، تتكون إحداهما من أربع وثمانين أنثى حمراء ~~الرأس، والأخرى من ثمانية وسبعين توءما ذكرا أسمر اللون من ذوي الرءوس المستطيلة، وكانت ~~الطائفتان تجتمعان في السادسة عندما تنقضي ساعات العمل عند مدخل المستشفى، يقدم إليهما ~~مقرر السوما وكيل نائب الخازن. # وخرج الهمجي ms154 من المصعد وتوسطهم، غير أنه كان يفكر في أمر آخر، كان يفكر في الموت وفي ~~آلامه وندمه، وبدأ يشق طريقه خلال الزحام بصورة آلية بغير وعي. ~~- «من تدفع؟ وأين تظن أنت ذاهب؟» # ولم يسمع غير صوت اثنين؛ أحدهما صرير مرتفع والآخر هدير منخفض، وكلاهما يخرج من عدد ~~عديد من الحلوق المنفصلة، ولم يلتفت نحوه غير وجهين اثنين غاضبين؛ أحدهما حليق كالقمر ~~به نمش حوله هالة برتقالية، والآخر هزيل كوجه الطائر ذي المنقار وقد نبت فيه الشعر ~~ليومين، وقد تكرر الوجهان إلى ما لا نهاية، كأنهما صورتان في عدد من المرايا، وأيقظته ~~من غفوته كلماتهم وغمزات مرافقهم الحادة في ضلوعه، فتنبه مرة أخرى إلى الحقيقة ~~الخارجية، وتلفت حواليه، وأدرك ما وقعت عليه عيناه - أدركه وقد تزايلت أعضاؤه من الفزع ~~والتقزز، وعرف أنه الهذيان الذي يعاوده صباح مساء، وكابوس من المتشابهات المتجمعة ~~التي لا يتميز أحدها عن الآخر، توائم لا تنتهي ... لقد تجمعوا كالديدان حول لندا، وهي ~~تقضي نحبها بصورة غامضة، وتتابعوا واحدا في إثر الآخر، وها هو ذا الآن يشهد الديدان ~~مرة أخرى، ولكنها أضخم حجما، وأكبر نموا، وهم يقطعون عليه حزنه وندمه، فتوقف عن ~~المسير، وبعينين فيهما الحيرة والفزع حدق حوله في الجمهور الذي يرتدي الكاكي، وتوسطه وهو ~~يعلوهم جميعا برأسه كله، «كم مخلوق طيب هنا! ما أجمل الإنسان! يا له من عالم طريف ...» لقد ~~كانت هذه الكلمات ترن في أذنه وتسخر منه بازدراء. # وارتفع صوت يقول: «توزيع السوما! نرجوكم أن تحتفظوا بالنظام، هلموا.» # وفتح أحد الأبواب، وأدخلت في مكان الاجتماع منضدة ومقعد، وكان المنادي شابا خفيف ~~الروح من طراز «أ»، وكان قد دخل وهو يحمل صندوق نقد من الحديد الأسود، وصدرت من التوائم ~~المنتظرة تمتمة تنم عن الرضا، ونسوا كل ما يتعلق بالهمجي، وركزوا الآن اهتمامهم في الصندوق ~~الأسود، الذي وضعه الشاب فوق النضد، وشرع الآن يفضه، ورفع الغطاء. # وصدرت من المائة واثنين وستين فردا جميعا في صوت واحد صيحة تدل على الدهشة، كأنهم ~~يشاهدون الصواريخ النارية. # وأخرج الشاب ms155 ملء قبضة يده من صناديق الحبوب الصغيرة، ثم قال بنغمة حاسمة: «الآن أرجوكم ~~أن تتقدموا، واحدا في إثر الآخر ولا يدفع بعضكم بعضا.» # فتقدم التوائم متتابعين غير متدافعين، وجاء ذكران أولا، ثم أنثى، ثم ذكر آخر، ثم ثلاث ~~إناث، ثم ... # ولبث الهمجي يشاهد ما يجري «يا له من عالم طريف، يا له من عالم طريف! ...» وكأن هذه ~~الكلمات الرنانة قد تغيرت نغمتها في ذهنه، لقد كانوا يسخرون منه وهو في شقوته وندمه، ~~ويزدرونه بنغمة شنيعة تدل على الاستهزاء والسخرية! وقد ضحكوا ضحكات شيطانية، وأصروا على ~~القذارة الوضيعة، وذلك الكابوس القبيح المقزز، والآن ينفخون في الأبواق بغتة للقتال، ~~«يا له من عالم طريف!» كانت ميراندا تنادي بإمكان الجمال، وبإمكان تحويل الكابوس نفسه إلى ~~شيء بديع نبيل، «يا له من عالم طريف!» تلك عبارة تحد، وذلك أمر. # وصاح وكيل نائب الخازن محنقا، قال: «لا يدفع بعضكم بعضا.» وأنزل غطاء الصندوق محدثا ~~صوتا، وقال: «سأكف عن التوزيع ما لم تحسنوا السلوك.» # وزمجر الأفراد من طراز «ء» وتدافعوا قليلا ثم سكنوا، وكان الوعيد مجديا، فقد راعهم أن ~~يحرموا من السوما. # فأعاد الشاب فتح الصندوق وقال: «هذا حسن.» # لقد كانت لندا مستعبدة، ثم ماتت، وسوف يعيش الآخرون أحرارا، وسوف تتزين الدنيا، هذا ~~إصلاح بل واجب، وأشرقت الحقيقة على الهمجي فجأة، وتبين له ما ينبغي له أن يفعل، وكأن ~~نافذة قد فتحت، أو ستارا أزيح. # وقال وكيل الخازن: «والآن ...» # فتقدمت إحدى الإناث خطوة إلى الأمام. # ونادى الهمجي بصوت رنان مرتفع قائلا: «قفوا، قفوا!» # وشق طريقه إلى المنضدة، وحدقت فيه الدالات في دهشة شديدة. # وقال نائب وكيل الخازن في صوت خافت جدا: «يا لفورد، إنه الهمجي!» وأحس بالفزع ~~الشديد. # وصاح الهمجي جادا، قال: «أرجوكم أن تنصتوا، أعيروني آذانا مصغية ...» إنه لم يخاطب ~~الجمهور من قبل قط، فشق عليه الآن جدا أن يعبر عما أراد أن يقول: «لا تأخذوا هذه ~~المادة المريعة، إنها سم، إنها سم.» # فقال له نائب وكيل الخازن وهو يبتسم له ويعطف عليه: «أيها الهمجي، ms156 هل تسمح لي ~~أن ...» # سم للروح كما هو سم للبدن. ~~«أجل، ولكن أرجوك أن تدعني أواصل التوزيع، إنك رجل طيب.» وربت على ذراع الهمجي برفق ~~يشوبه الحرص، كأنه يربت على حيوان مفترس شرير، وقال له: «أرجو أن تدعني ...» # فصاح الهمجي: «كلا!» ~~- «ولكن انظر هنا أيها الشيخ ...» ~~- «اقذفوه جميعا، هذا السم المريع.» # وكأن لهذه الكلمات «اقذفوه جميعا» أثر قوي في وعي الدالات، واخترقت طبقات سميكة من ~~الجهل، وعلت زمجرة الجمهور الغاضب. # فقال الهمجي وقد التفت إلى القوائم: «لقد جئت لآتيكم بالحرية، جئت ...» # ولم يعد نائب وكيل الخازن يسمع شيئا، فقد انسل من المكان وكان يبحث عن رقم في دفتر ~~التلفون. # لخص برنارد حديثه بهذه العبارة: «إنه ليس في بيته، وليس في بيتي ولا بيتك، وليس في ~~الأفروديت ولا في مركز الكلية، فإلى أين يا ترى ذهب؟» # فهز هلمهلتز كتفيه، لقد عادا من عملهما وهما يتوقعان أن يجدا الهمجي بانتظارهما في أحد ~~أماكن اللقاء التي ألفاها، ولكنهما لم يعثرا له على أثر، وقد ضايقهما ذلك لأنهما كانا ~~يريدان أن يهطعا إلى بيارتز في سيارة هلمهلتز الخفيفة ذات المقاعد الأربعة، وسوف يفوتهما ~~موعد العشاء إذا لم يعد سريعا. # فقال هلمهلتز: «سوف نعطيه خمس دقائق أخرى، فإذا لم يعد خلالها فسوف ...» # وقاطعه دق جرس التلفون، والتقط السماعة وقال: «هلو، ها أنا ذا أتكلم.» وأنصت فترة ~~طويلة ثم أخذ يسب، ثم قال: «أنا آت على الفور.» # فسأله برنارد: «ما في الأمر؟» # فقال هلمهلتز: «هذا رجل أعرفه في مستشفى بارك لين، الهمجي هناك، والظاهر أنه جن، والأمر ~~عاجل على أية حال، هل ترافقني؟» # فهرولا معا في الدهليز يقصدان المصاعد. # وكان الهمجي يقول لهم، وهم يدخلون المستشفى: «ولكن هل تحبون أن تكونوا عبيدا؟» وتدفق ~~الدم في وجهه واتقدت عيناه من الهياج والحنق، ثم قال: «هل تحبون أن تكونوا أطفالا؟ ~~نعم، أطفالا تبكون وتتقيئون؟» وقد أحنقه غباؤهم الوحشي، فبدأ يقذفهم بالإهانات وهو الذي ~~جاء لإنقاذهم، ونفذت الإهانات خلال غباوتهم السميكة، فحدقوا فيه وقد بدا في عيونهم ما ~~ينم ms157 عن الاستياء الثقيل الكئيب، فصاح بهم صيحة عالية وقال: «نعم تتقيئون!» ونسي الآن ~~همه وندمه، وعطفه وواجباته، وتشبع بالكره الشديد لهؤلاء الوحوش المنحطين عن البشر، «ألا ~~تريدون أن تكونوا رجالا أحرارا؟ ألا تفهمون ما الرجولة وما الحرية؟» وجعله الغضب فصيحا، ~~فتدفق الكلام تدفقا، وكرر قوله: «ألا تريدون ذلك؟» غير أنه لم يظفر بجواب لهذا السؤال، ~~وواصل حديثه متجهما، قال: «إذن فلأعلمكم وسوف أحرركم سواء أردتم أو لم تريدوا.» وفتح إحدى ~~النوافذ بقوة، وهي تطل على فناء المستشفى الداخلي، ثم بدأ يقذف في الفضاء بصناديق ~~أقراص السوما الصغيرة قبضة بعد قبضة. # وصمت الجمهور الذي يرتدي الكاكي لحظة، وقد تحجروا دهشة وفزعا لمنظر هذا الانتهاك الفاجر ~~للحرمات. # وهمس برنارد، وقد حدق فيه بعينين واسعتين قائلا: «إنه مجنون، سوف يقتلونه، سوف ...» ~~وارتفعت من الجماهير صيحة عالية، مفاجئة، وقد دفعتها حركة خفيفة نحو الهمجي مهددين، فقال ~~برنارد، وقد التفت ناحية أخرى: «كان فورد في عونه.» # فقال هلمهلتز: «فورد في عون من كان في عون نفسه.» وضحك ضحكة ابتهاج فعلي، وشق طريقه ~~وسط الجماهير. # فصاح الهمجي قائلا: «كونوا أحرارا، كونوا أحرارا.» واستمر يقذف السوما بيد واحدة في ~~الفضاء، وأخذ يلكز باليد الأخرى وجوه المعتدين عليه، تلك الوجوه التي لا يتميز أحدها عن ~~الآخر، «كونوا أحرارا.» وأدرك فجأة أن هلمهلتز صديقه الطيب القديم كان إلى جواره، واستمر ~~يلكز ويقول: «لقد صاروا رجالا في النهاية!» وظل بين الفينة والفينة يقذف السم خلال ~~النافذة المفتوحة، وقد ملأ به قبضة يده مرات عدة، «نعم، رجال! رجال!» ولم يبق شيء من السم، ~~فالتقط الصندوق وأطلعهم على فراغه المظلم، وقال: «إنكم أحرار.» # وأعول الدالات وهاجموه بغضب مضاعف. # ووقف برنارد مترددا في حاشية المعركة، ثم قال: «لقد انتهت حياتهم.» ودفعه باعث مباغت، ~~فهرع لمعونتهم، ثم راجع نفسه ووقف، غير أنه خجل فخطا ثانية إلى الأمام، وراجع نفسه ~~مرة أخرى، ووقف متألما من هذا التردد المذل - يخشى أنهم قد يقتلون إذا لم يقدم لهم يد ~~المعونة، وأنه هو نفسه قد يقتل لو فعل ms158 - وفي تلك اللحظة جاء رجال الشرطة مسرعين، عيونهم ~~محملقة، وأنوفهم كأنوف الخنازير وهم يلبسون الأقنعة التي تقيهم الغازات، فحمدا ~~لفورد! # فانطلق برنارد للقائهم، ولوح بذراعيه، وكانت تلك حركة لها قيمتها - وظن أنه قام ~~بعمل شيء ما، وصاح عدة مرات: «المعونة، المعونة!» وعلا صوته تدريجا كي يتوهم ~~المعونة. # فأبعده رجال الشرطة من طريقهم وباشروا عملهم، ونشر بخار السوما في الفضاء سحبا ~~متكاثفة، ثلاثة رجال يحملون آلات للرش شدت إلى أكتافهم، وأخذ اثنان آخران يعملان حول ~~صندوق الموسيقى المركبة الخفيف، وشق طريقهم وسط الجمهور أربعة آخرون يحملون المسدسات ~~المائية محشوة بمخدر قوي، وأخذوا يصرعون أشد المقاتلين افتراسا، ويخدرونهم وهم ~~يطلقون الماء من المسدسات بطريقة منظمة دفعة بعد دفعة. # وصاح برنارد قائلا: «أسرعوا، أسرعوا! إنهم سوف يقتلون إن لم تعجلوا، إنهم سوف ... أوه!» ~~وقد أغضبت ثرثرته هذه أحد رجال الشرطة، فأطلق عليه دفعة من مسدسه المائي، ووقف برنارد ~~لحظة أو لحظتين، وقد جاشت معدته وترنح على ساقيه، كأنهما فقدا العظام والأعصاب ~~والعضلات، فأصبحتا عصوين من الهلام - بل ومن الماء في آخر الأمر، فخر مكوما على ~~الأرض. # وبدأ يتكلم بغتة صوت صادر من صندوق الموسيقى المركبة، وذلك هو صوت العقل، وصوت الشعور ~~الطيب، وانفضت صحيفة الآثار الصوتية، ونطقت عن الخطاب الصناعي رقم 2 (بالقوة المتوسطة) ~~الخاص بمناهضة الثورات، وصدر الخطاب رأسا من أعماق قلب لا وجود له، وقال: «إخواني، ~~أصدقائي!» بنغمة شجية تنطوي على تأنيب بالغ في الرقة، حتى إن عيون رجال الشرطة أنفسهم ~~امتلأت لحظة بالدموع خلف الأقنعة الواقية من الغازات، ثم قال الصوت: «ما معنى هذا؟ لماذا ~~لستم جميعا سعداء طيبين في عشرتكم؟ سعداء طيبين، في سلام آمنين.» ثم ارتعش الصوت وخفت ~~حتى بات همسا ثم تلاشى حينا ما، ثم عاد يقول في حماسة وشغف: «إني أحب لكم السعادة، وإني ~~لا أحب لكم أن تكونوا طيبين! فأرجوكم وألحف في الرجاء، أن تكونوا كذلك وأن ...» # وبعد دقيقتين كان للصوت وبخار السوما أثرهما، فتبادل الدالات القبلات والدمع ينهمر من ~~عيونهم، وتعانقوا - كل ستة توائم ms159 دفعة واحدة في عناق شامل، وحتى هلمهلتز والهمجي كانا ~~يبكيان، وجيء من المخزن بمدد جديد من صناديق الحبوب، ووزعت الأقراص على عجل من جديد، ~~وبعدئذ تشتت التوائم على نغمة الوداع الموسيقية المشوبة بالمحبة الحارة، ينفطرون من البكاء ~~حتى توشك قلوبهم أن تتحطم، «وداعا يا أعز أصدقائي، يحفظكم فورد! وداعا يا أعز ~~أصدقائي ... يحفظكم فورد، وداعا يا أعز ...» # ولما اختفى آخر الدالات أوقف أحد رجال الشرطة التيار، فسكت الصوت الملائكي. # وسأل رئيس الشرطة قائلا: «هل لكم أن تنصرفوا هادئين، أو لا بد لنا من عملية ~~التخدير؟» وصوب مسدسه المائي مهددا. # فأجابه الهمجي: «سوف ننصرف هادئين» وهو يمس على التعاقب مسا خفيفا شفته الجريحة، ~~وعنقه المخدوش، ويسراه المعضوضة. # وأومأ هلمهلتز برأسه مؤيدا، وهو لا يزال يضع منديله فوق أنفه الدامي. # وتيقظ برنارد واسترد قدرته على استخدام قدميه، وقد آثر أن يتحرك في هذه الآونة نحو ~~الباب متخفيا جهد المستطاع. # ونادى رئيس الشرطة قائلا: «أنت هناك!» وأسرع إلى الجانب الآخر من الغرفة شرطي مقنع ~~كالخنزير، وألقى يده على كتف الشاب. # فالتفت برنارد وعليه سيما البراءة المشوبة بالحنق، هل كان يفر من المواقف؟ إنه لم ~~يحلم بذلك، وقال لرئيس الشرطة: «إني لا أستطيع أن أتصور لماذا تريدونني؟» ~~- «ألست صديقا للمساجين؟» # فتردد برنارد في الإجابة ولكنه لم يستطع الإنكار، فسأله: «ولماذا لا ينبغي لي أن ~~أكون؟» # فقال له رئيس الشرطة: «إذن فتعال.» وتقدم صوب الباب نحو سيارة الشرطة ~~المنتظرة. # | الفصل السادس عشر # كانت الغرفة التي دخلها ثلاثتهم مكتب المراقب. # وقال لهم الساقي «ج»: «سوف يأتيكم سيادته بعد لحظة.» وتركهم وحدهم وانصرف. # فضحك هلمهلتز ضحكة عالية وقال: «إن هذا الاجتماع أشبه بحفلة محلول الكافيين منه ~~بالمحاكمة.» واستوى على أفخر كرسي هوائي، ثم قال: «تشجع يا برنارد» وقد وقع بصره على ~~وجه صاحبه الأخضر التعس، غير أن برنارد لم يتشجع، ولم يحر جوابا، بل ولم يلتفت إلى ~~هلمهلتز، بل سار نحو أسوأ الكراسي في الغرفة وجلس عليه، وقد عني بانتقائه وعنده أمل غامض ~~أنه بذلك يفت - على ms160 صورة ما - من حدة غضب السلطات العليا. # وأخذ الهمجي في غضون ذلك يجوس خلال الغرفة قلقا، وتطلع بشغف سطحي غامض إلى الكتب في ~~الرفوف، وإلى صحائف الآثار الصوتية، وإلى أسطوانات آلات القراءة، وقد وضعت كل منها في عين ~~مرقومة، وكان على المنضدة تحت النافذة مجلد ضخم مغلف بجلد بديع أسود طري، ومختوم بحرف # T # المذهب الكبير، فالتقط الكتاب وفتحه، «حياتي وعملي ~~لمؤلفه فورد»، وقد نشرت الكتاب في دتروا جمعية نشر المعارف الفوردية، وتصفح الكتاب ببطء ~~شديد ، وقرأ عبارة هنا وفقرة هناك، وأوشك أن يقرر أن الكتاب لا يشوقه، وعندئذ فتح الباب، ~~ودب في الغرفة المراقب العالمي المقيم لغرب أوروبا. # وصافح مصطفى مند ثلاثتهم، ولكنه وجه الخطاب إلى الهمجي قائلا: «إذن أنت لا تغرم بالمدنية ~~أيها الهمجي.» # فالتفت إليه الهمجي، وكان قد تأهب للكذب والهياج، ولأن يلزم الصمت في اكتئاب، غير أنه ~~آثر الصدق والصراحة، لما اطمأنت نفسه إلى الذكاء وروح الفكاهة الباديين في وجه ~~المراقب، فهز رأسه قائلا: «كلا!» # فذعر برنارد وأصابه الفزع، ماذا يظن المراقب؟ وأزعجه أن تنسب إليه صداقة رجل قال إنه لا ~~يحب المدنية - وقد صرح بذلك إلى المراقب دون الناس أجمعين! وبدأ يقول: «ولكن يا جون ...» ~~غير أن نظرة من مصطفى مند أعادته إلى الصمت والهوان. # واستمر الهمجي في اعترافاته قائلا: «هناك بالطبع أشياء جميلة جدا، فتلك الموسيقى التي ~~تملأ الجو مثلا ...» ~~- «فأحيانا تطن في أذني آلاف الآلات الرنانة، وأحيانا أخرى ترن فيهما ~~الأصوات.» # وتهلل وجه الهمجي بشرا وسرورا، وسأل قائلا: «هل قرأته كذلك؟ كنت أحسب أن هذا الكتاب ~~لم يعرفه أحد في إنجلترا.» # فأجابه بقوله: «يكاد لا يعرفه أحد، وأنا أحد القلائل الذين يعلمون به، إنه محظور، ولكن ~~بما أني أسن القوانين هنا فأنا أستطيع كذلك أن أخرقها، وذلك بغير عقوبة يا مستر ماركس.» ~~والتفت إلى برنارد وقال له: «وهذا ما لا تستطيعه أنت.» # فازداد برنارد شقاء وبأسا. # وسأل الهمجي قائلا: «ولكن لماذا تحظرونه.» وقد ثارت أعصابه؛ لأنه لاقى رجلا قرأ ~~شيكسبير، فنسى في تلك ms161 الآونة كل أمر آخر. # وهز المراقب كتفيه وقال: «لأنه قديم، وذلك هو السبب الرئيسي، إننا هنا لا ننتفع ~~بالأشياء القديمة.» ~~- «حتى إن كانت جميلة؟» ~~- «وبخاصة إن كانت جميلة، فالجمال جذاب، ونحن لا نحب أن ينجذب الناس إلى الأشياء ~~القديمة، إنما نريدهم أن يحبوا الأشياء الجديدة.» ~~«لكن الأشياء الجديدة مملة مزعجة، كتلك المسرحيات التي لا ترى فيها سوى الطائرات ~~المحلقة، والتي «تحس» فيها بقبلات الناس.» وقطب جبينه عابسا ثم قال: «أولئك قردة وماعز!» ~~ولم يجد وسيلة كافية للتعبير عن كراهيته وازدرائه، غير هذه الألفاظ التي تفوه بها ~~عطيل. # فتمتم المراقب مقاطعا إياه وقال: «هي على أية حال حيوانات أليفة جميلة.» ~~- «لماذا لا يشهدون «عطيلا» بدلا من ذلك؟» ~~- «قلت لك إنها قديمة، وهم - فوق ذلك - لا يفقهونها.» # نعم ذلك حق، وتذكر كيف كان هلمهلتز يسخر من «روميو وجوليت»، وسكت فترة ثم قال: «إذن ~~فليشاهدوا شيئا جديدا يشبه عطيلا، ويستطيعون إدراكه.» # فرد عليه هلمهلتز وقد شق بقوله صمتا طال أمده، قال: «هذا ما أردنا جميعا أن ~~نكتب.» # وقال المراقب: «وهذا لن تكتبوه قط؛ لأنه لو كان فعلا شبيها بعطيل، فلن يفقهه أحد مهما ~~يكن جديدا، ولو كان جديدا فلا يمكن أن يشبه عطيلا.» # فقال هلمهلتز: «لماذا؟ نعم لماذا؟» وقد نسي هو أيضا حقيقة الموقف التي لا تسر، ولم ~~يذكرها غير برنارد وقد اخضر وجهه من القلق والخوف، وتجاهله الآخرون وكرروا سؤالهم: ~~لماذا؟ ~~«لأن عالمنا يختلف عن عالم عطيل، إنك لا تستطيع أن تصنع السيارات الشعبية بغير صلب - ولن ~~تستطيع أن تكتب المآسي بغير قلق اجتماعي، إن العالم اليوم مستقر، والناس سعداء، يظفرون بما ~~يريدون، ولا يريدون قط ما لا يستطيعون الظفر به، إنهم أغنياء، آمنون، لا يمرضون قط ولا ~~يخشون الموت، ينعمون بجهلهم العواطف والشيخوخة، لا يرزءون بالأمهات والآباء، ليست لهم ~~زوجات ولا أطفال ولا عاشقون يحبونهم حبا جما، وقد تكيفوا بحيث لا يسعهم فعلا إلا أن ~~يسلكوا كما ينبغي لهم أن يفعلوا، وإذا ساء أمر من الأمور فهناك السوما التي قذفت بها ms162 من ~~النافذة باسم الحرية أيها الهمجي.» ثم ضحك وقال: «نعم الحرية! لقد كنت تحسب أن الدالات ~~تعرف ما هي! والآن تريدهم أن يفقهوا «عطيلا» يا بني العزيز؟!» # وصمت الهمجي برهة وأصر على عناده، وقال: «ولكن «عطيلا» - برغم ذلك - مسرحية جميلة، ~~إنها خير من تلك الصور المحسة.» # فوافقه المراقب قائلا: «بالطبع هي كذلك، ولكن ذلك هو الثمن الذي ندفعه في سبيل ~~الاستقرار، ليس أمامك إلا أن تختار أحد أمرين: إما السعادة، وإما ما تعود الناس أن يسموه ~~الفن الرفيع، ولقد ضحينا بالفن الرفيع، وعندنا بدلا منه الصور المحسة وأرغن ~~العطور.» ~~- «ولكنهما لا يعنيان شيئا.» ~~- «إنهما يعنيان نفسهما، ويعنيان للمستمعين كثيرا من الإحساسات المستحبة.» ~~- «ولكن الذي يرويهما أبله.» # فضحك المراقب وقال: «إنك لم تتأدب لصديقك يا مستر واطسن، إن أحد مهندسي العواطف ~~البارزين عندنا ...» # فقال هلمهلتز مكتئبا: «لكنه مصيب، إنك إن أردت تكتب، وليس لديك ما تقول ...» ~~- «بالضبط، ولكن ذلك يقتضي أشد العبقريات نبوغا، إنك تصنع الطائرات الشعبية بأدنى حد ~~من الصلب - والقطع الفنية من لا شيء البتة سوى مجرد الإحساس.» # فهز الهمجي رأسه وقال: «إن ذلك كله يبدو لي غاية في الشناعة.» ~~- «إنه بالطبع يبدو لك كذلك؛ لأن السعادة الحقيقية تبدو قذرة، إذا قورنت بمضاعفة ~~التعويض عن الشقاء، وليس الاستقرار بالطبع براقا كعدم الاستقرار، وليس في القناعة ما يبهر ~~العين مثل النضال الشديد في وجه الكوارث، وليس فيها ما يخطف البصر مثل مكافحة الإغراء، أو ~~الهزيمة القاضية أمام الشك والعاطفة، إن السعادة لا تكون عظيمة إطلاقا.» # فصمت الهمجي برهة ثم قال: «أظن ذلك، ولكن لا بد أن تبلغ من السوء مبلغ هؤلاء ~~التوائم.» ثم فرك يده فوق عينيه كأنه يحاول أن يزيل ذكرى صورة تلك الصفوف الطويلة من ~~الأقزام المتشابهة، عند المناضد المحتشدة، تلك القطعان من التوائم المتتابعة واحدا بعد ~~الآخر، عند مدخل محطة برنتفورد للقطار الذي يسير على قضيب واحد، تلك الديدان البشرية ~~المحتشدة حول فراش موت لندا، ذلك الوجه المتكرر إلى ما لا نهاية من المعتدين عليه، ونظر ~~إلى ms163 يسراه المضمدة فارتعد وقال: «هذا مريع!» ~~«لكنه نافع! إني ألاحظ أنك لا تحب مجموعات بوكانوفسكي التي عندنا، لكن أؤكد لك أنها ~~الأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر، هي الميزان الذي يعمل على استقرار طائرة الدولة ~~الصاروخية ويسيرها في طريق مستقيم.» هذا ما أجاب به مصطفى مند بصوته العميق المذبذب ~~الأجش، وهو يلوح بيده ممثلا بها الفضاء الذي تمخر عبابه الطائرة وقوة اندفاعها التي ~~لا تقاوم، وكادت فصاحته أن تبلغ حدود الفصاحة الصناعية. # فقال الهمجي: «كنت أتعجب لماذا تبقون عليهم بعد ما رأيت أنكم تستطيعون الحصول على ما ~~تشاءون من تلك القوارير، لماذا لا تصنعون الناس جميعا من طراز «أ» وهم في دور ~~التكوين؟» # فضحك مصطفى مند وأجاب بقوله: «لأننا لا نحب أن تحز رقابنا، نحن نعتقد في السعادة ~~والاستقرار، وإذا كان المجتمع بأسره من طراز «أ» فلا يسعه إلا أن يكون عديم الاستقرار ~~شقيا، تصور مصنعا كل عماله من «أ» - أي من أفراد منفصلين لا صلة بين أحدهم والآخر، من ~~سلالة طيبة، وقد تكيفوا على القدرة (في حدود معينة) على الاختيار وعلى الاضطلاع ~~بالتبعات، تصور ذلك!» # وحاول الهمجي أن يتصور، لكنه لم يفلح كل الفلاح. # فقال المراقب: «إنه عبث باطل، إن الرجل إذا أفرغ من القارورة على أنه من «أ»، وإذا تكيف ~~على طراز «أ» يجن إذا أرغم على أداء عمل «ه» من أنصاف المعتوهين، إما أن يجن أو يشرع في ~~تحطيم الأدوات، إن (الألفات) يمكن أن ينسجموا مع المجتمع كل الانسجام - ولكن على شريطة أن ~~يقوموا بعمل «أ»، ولا يقوم بتضحيات «ه» إلا رجل من طراز «ه»؛ وذلك لسبب معقول وهو أنه لا ~~يرى أنها تضحيات، إنما هو العمل الذي يتطلب منه أيسر مجهود، لقد مد له تكييفه قضبانا ~~يسير عليها، ولا يسعه إلا أن يتبعها، فقد قضي بذلك عليه، إنه حتى بعد التفريغ يبقى كأنه ~~بداخل القارورة - قارورة لا تراها العين من مقتضيات الأطفال والأجنة»، وفكر المراقب قليلا ~~ثم قال: «إن كلا منا بالطبع يسير في حياته، ms164 وكأنه بداخل قارورة، فإن كان من «أ» فإن ~~القارورة تكون ضخمة نسبيا، فيعاني ألما ممضا إذا هو انحصر في حيز ضيق، إنك لا ~~تستطيع أن تصب الشمبانيا الجديدة للطبقات العليا في قوارير الطبقات السفلى، وهذا جلي من ~~الناحية النظرية، وقد ثبتت صحته كذلك من الناحية العملية الواقعية، وقد كانت نتيجة تجربة ~~قبرص جد مقنعة.» # فسأله الهمجي: «وما تلك؟» # فابتسم مصطفى مند وقال: «تستطيع إن شئت أن تسميها تجربة في إعادة الحفظ في القوارير، ~~وكان بدؤها في عام 473 بعد فورد، في ذلك التاريخ أبعد المراقبون عن قبرص كل سكانها الأحياء، ~~وأعادوا تعميرها بطائفة من اثنين وعشرين ألفا من طراز «أ» أعدوا إعدادا خاصا، وسلمت ~~لهم كل المعدات الزراعية والصناعية، وتركوا لإدارة شئونهم بأنسهم، فحققت النتيجة كل ~~النبوءات النظرية بتمامها، فلم تفلح الأرض فلاحة صحيحة، وعم الإضراب جميع المصانع، ولم ~~تراع القوانين وعصيت الأوامر، وأخذ كل امرئ خص بعمل وضيع يدبر الدسائس بغير انقطاع؛ كي يصل ~~إلى الوظائف العليا، ولم يفتأ أصحاب الوظائف العليا يدبرون الدسائس المضادة مهما كلفهم ~~ذلك كي يبقوا في مراكزهم، فاشتعلت بينهم في أقل من ست سنوات حرب أهلية من الدرجة ~~الأولى، وبعدما فني تسعة عشر من اثنين وعشرين ألفا، تقدم الأحياء الباقون إلى المراقبين ~~العالميين بطلب اجتماعي يلتمسون منهم استئناف حكم الجزيرة، فلبى المراقبون الطلب، وكانت ~~تلك نهاية جماعة (الألفات) الوحيدة التي شهدها العالم.» # فتنهد الهمجي تنهدا عميقا. # ثم قال مصطفى مند: «إن السكان الملائمين يصاغون على نسق الجبل الجليدي - تسعة أعشار تحت ~~سطح الماء، والعشر فوقه.» ~~- «وهل هم سعداء تحت سطح الماء؟» ~~- «أسعد منهم فوقه، أسعد من أصدقائك الذين تراهم هنا مثلا.» وقد أشار إليهم. ~~- «برغم ذلك العمل المريع؟» ~~- «مريع؟ إنهم لا يجدونه كذلك، بل إنهم - على العكس من ذلك - ليحبونه، إنه خفيف، ~~وسهل كعمل الأطفال، لا يجهد العقل أو العضل، سبع ساعات ونصف في عمل خفيف لا ينهك، يعقبها ~~مقرر السوما والألعاب والتناكح بغير قيد ودور الصور المحسوسة، ماذا يريدون أكثر من ذلك؟» ~~ثم ms165 قال: «نعم إنهم قد يطلبون ساعات أقل، ونستطيع بالطبع أن نعطيهم ذلك، ومن اليسير جدا - ~~من الناحية الفنية - أن نقلل ساعات العمل لجميع أبناء الطبقات الدنيا إلى ثلاثة أو أربعة كل ~~يوم، ولكن هل تزيد بذلك سعادتهم؟ كلا. وقد أجريت التجربة منذ أكثر من قرن ونصف، فإن كل سكان ~~أيرلنده كانوا يعملون أربع ساعات في اليوم الواحد، فماذا كانت النتيجة؟ القلق وزيادة ~~استهلاك السوما زيادة عظمى، ذلك ما حدث، وكانت الساعات الثلاث والنصف التي انضمت إلى ~~أوقات الفراغ أبعد من أن تكون مصدرا للسعادة، حتى وجد الناس أنفسهم مضطرين إلى الاستئجاز ~~منها، ومكتب المخترعات مفعم بالخطط التي يمكن أن تتبع لتوفير العمل، وهناك الألوف ~~منها.» وأشار مصطفى مند بيده إشارة عنيفة ثم قال: «ولماذا لا نضعها موضع التنفيذ؟ من ~~أجل العمال أنفسهم، فإن أصابتهم بزيادة الفراغ قسوة شديدة، وكذلك الأمر في الزراعة، ~~إننا نستطيع أن نصنع كل لقمة من الطعام إن أردنا، ولكنا لا نفعل، فنحن نؤثر أن نبقي ~~ثلث السكان في الأرض، وذلك لمصلحتهم؛ لأن استخراج الطعام من الأرض يستغرق وقتا أطول من ~~استخراجه في المصنع، ثم عندنا فوق ذلك الاستقرار الذي لا بد لنا من مراعاته، إننا لا نحب ~~التغيير، فإن كل تغيير يهدد الاستقرار، وذلك سبب آخر يحفزنا على الحرص عند تطبيق ~~المخترعات الحديثة، فإن كل اكتشاف جديد في العلوم البحتة يحتمل أن يكون هداما، فالعلم ~~نفسه لا بد أن يعالج أحيانا على أنه قد يكون عدوا للناس، نعم حتى العلم.» ~~- «العلم؟» هنا قطب الهمجي جبينه، فقد كان يعرف هذه الكلمة، ولكنه لم يعرف مدلولها ~~بالضبط، إن شيكسبير وشيوخ القرية لم يذكروا العلم قط، ولم يفهم من لندا سوى إشارات عنه ~~غامضة: العلم شيء تصنع منه الطائرات، شيء يضحك المرء في رقصات الحنطة، شيء يحفظك من ~~التعفن ومن فقدان الأسنان - وبذل جهد اليائس كي يدرك ما رمى إليه المراقب. # وكان مصطفى مند يقول: «نعم ذلك شرط آخر من شروط الاستقرار، ليس الفن وحده هو الذي لا ~~يتفق ms166 والسعادة، إنما العلم كذلك، إنه خطر، ولا بد لنا من سلسلته وتكميمه بحرص ~~شديد.» # فقال هلمهلتز في دهشة شديدة: «ماذا؟ ولكنا نقول دائما إن العلم هو كل شيء، وتلك حقيقة ~~إيحائية معروفة.» # فقال برنارد: «ثلاث مرات كل أسبوع فيما بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة.» ~~- «وكل تلك الدعاية التي ندعوها للعلم في الكلية ...» # فسأله مصطفى مند متهكما، قال: «نعم، ولكن أي نوع من أنواع العلم؟ إنك لم تدرب تدريبا ~~علميا؛ لذلك فأنت لا تستطيع أن تحكم، لقد كنت عالما طبيعيا مجيدا في زماني، كنت ~~مجيدا إلى حد أني أدركت أن علمنا كله ليس إلا بمثابة كتاب في الطهي يحتوي على نظرية ~~تقليدية في الطهي ليس لأحد أن يناقشها، وعلى قائمة من الأوصاف التي لا يجوز الإضافة ~~عليها إلا بإذن خاص من كبير الطهاة، وأنا الآن كبيرهم، ولكني كنت من قبل مساعدا شابا ~~للطاهي كثير السؤال، ثم بدأت أطهي وحدي طهيا غير تقليدي ولا مشروع - أو قل إني في الواقع ~~مارست العلم الحق قليلا.» ثم سكت عن الكلام. # وسأله هلمهلتز واطسن قائلا: «وما الذي حدث؟» # فتنهد المراقب وقال: «حدث ما سوف يحدث لكم تقريبا أيها الشبان، أوشكت أن أنفى إلى ~~إحدى الجزر.» # وهزت هذه الكلمات برنارد هزة عنيفة، فتحرك حركة قوية لا تليق بالمقام، وقال: «هل ~~تنفونني في إحدى الجزر؟» ووثب من مكانه وعبر الغرفة عدوا، ثم وقف أمام المراقب ملوحا ~~بيديه وقال: «إنكم لا تستطيعون إبعادي، إني لم أفعل شيئا، إنما هما الآخران، وأقسم أنهما ~~هما.» وأشار إلى هلمهلتز والهمجي متهما إياهما، وقال: «أرجو ألا تبعث بي إلى أيسلنده، ~~وأعدك أن أفعل ما ينبغي، أعطني فرصة أخرى، أرجو أن تهيئ لي فرصة أخرى.» وانهمر الدمع من ~~عينيه، ثم قال وهو يجهش بالبكاء: «أؤكد لك أنه خطؤها، لا تبعدني في أيسلنده، أتوسل إلى ~~سيادتك، وأرجو ...» وأصابته نوبة من الشعور بالذلة، فارتمى على ركبتيه أمام المراقب، وحاول ~~مصطفى مند أن ينهضه، ولكن برنارد أصر على تذلله، وتدفق منه تيار جارف من الكلام، ~~فاضطر ms167 المراقب في نهاية الأمر إلى أن يدق الجرس مستدعيا سكرتيره الرابع. # وأمره قائلا: «أحضر ثلاثة رجال وخذ المستر ماركس إلى حجرة للنوم، وأعطه كمية كافية من ~~بخار السوما، ثم ضعه فوق السرير واتركه وحده.» # وخرج السكرتير الثالث ثم عاد بثلاثة من مشاة التوائم يرتدون الزي الأخضر، وحمل ~~برنارد إلى الخارج، وهو لا يزال يصيح ويبكي. # وقال المراقب عندما كان الباب يغلق: «إن الرائي يحسب أنه سوف يقتل، في حين أنه - لو كان ~~لديه ذرة من عقل - كان يجب أن يدرك أن عقوبته هي في حقيقتها مكافأة حسنة، إنه مبعوث إلى ~~جزيرة، أي إنه مبعوث إلى مكان يلتقي فيه مع أمتع من تجد في هذا العالم من رجال ونساء - كل ~~من أحس بفرديته لسبب ما إلى حد أنه لم يستطع أن ينسجم مع حياة الجماعة، كل من لم يرض ~~بالتقاليد، ومن كانت له آراء مستقلة خاصة، أو بعبارة أخرى كل فرد له شخصية خاصة، إني ~~لأغبطك يا مستر واطسن.» # فضحك هلمهلتز وقال: «وإذن فلماذا لا تقطن أنت إحدى الجزائر؟» # فأجابه المراقب قائلا: «لأني آثرت ذلك في النهاية، خيرت بين أن أبعث إلى جزيرة ما، ~~حيث كنت أستطيع أن أواصل علومي البحتة، أو أن أنضم إلى مجلس المراقبين، مع الأمل في أن ~~أشغل وظيفة المراقب في الوقت الملائم، فاخترت ذلك ونزلت عن العلوم.» وصمت برهة ثم قال: ~~«وإني لأشعر أحيانا بالأسف على العلوم، فإن السعادة سيد شديد القسوة - وبخاصة سعادة ~~الآخرين، إنها أشد من الحقيقة قسوة إذا لم يكيف المرء على قبولها بغير سؤال.» ثم تنهد، ~~وعاد إلى صمته، ثم استمر في حديثه بنغمة مرتفعة، قال: «ولكن الواجب هو الواجب، ولا يستطيع ~~المرء أن يتبع الطريق التي يؤثرها، إنني أهتم بالحقيقة وأغرم بالعلم، لكن الحقيقة تهدد ~~العالم، والعلم خطر على الجمهور، وخطره لا يقل عن نفعه - لقد أعطانا أكثر ما عرف في ~~التاريخ من الاستقرار المتزن، إن استقرار الصين بالنسبة إليه عديم الطمأنينة، بل إن ~~الجماعات الأموية البدائية لم تكن أشد منا ms168 ثباتا.» وأقول مرة أخرى: «إن الفضل في ذلك ~~يرجع إلى العلوم، لكنا لا نستطيع أن نسمح للعلم بأن يفسد بنفسه عمله الطيب؛ ولذا فنحن ~~نحدد مجال بحثه بحرص شديد، ومن ثم أوشكت أن أنفى إلى إحدى الجزائر، إننا لا نسمح ~~للعلم أن يعالج غير المشاكل المباشرة في اللحظة الراهنة، أما ما عدا ذلك من بحوث فإنها ~~تقاوم بكل شدة». وسكت لحظة ثم قال: «وإني لأعجب حين أقرأ ما كان الناس في عهد فورد يكتبون ~~عن التقدم العلمي ، يظهر أنهم تصوروا أنه يمكن أن يسير إلى ما لا نهاية بغض النظر عن كل ~~شيء آخر، كانت المعرفة هي الخير كل الخير، وكانت للحقيقة أعلى القيم، وكل ما عدا ذلك ثانوي ~~قليل الأهمية. نعم، إن الآراء قد بدأت تتغير حتى في ذلك الحين، وبذل فورد بنفسه جهدا ~~كبيرا في نقل الاهتمام من الحق والجمال إلى الراحة والسعادة، واقتضى الإنتاج الكبير هذا ~~الانتقال، إن السعادة العامة تجعل العجلات دائمة الدوران، أما الحق والجمال فلا يستطيعان، ~~وبالطبع كلما استولت الجماهير على السلطة السياسية كانت بالسعادة أكثر اهتماما منها ~~بالحق والجمال، ومع ذلك بقي البحث العلمي المطلق مصرحا به بالرغم من كل شيء، وما برح ~~الناس يتكلمون عن الحق والجمال كأنهما أعظم الخير، وبقي الأمر كذلك حتى حرب السنوات التسع، ~~عندئذ استبدلوا بالنغمة القديمة نغمة جديدة، ما الفائدة من الحق والجمال أو المعرفة، إذا ~~كانت القنابل المحرقة تفرقع حولك من جميع الجهات؟ وكان ذلك بدء السيطرة على العلم - بعد ~~حرب السنوات التسع، حينئذ استعد الناس لقبول السيطرة حتى على شهواتهم، وبذلوا كل نفيس في ~~سبيل الحياة الهادئة، ومن ذلك التاريخ لم نفتر عن السيطرة على كل شيء، ولم يكن ذلك بالطبع ~~في مصلحة الحق، ولكنه كان في مصلحة السعادة، إنك لا تحصل على شيء بغير مقابل، فكان لا بد ~~من دفع الثمن للسعادة، وأنت نفسك تدفع ثمنها يا مستر واطسن؛ تدفع ثمنها لأنك تهتم بالجمال، ~~وكنت شديد الاهتمام بالحق فساهمت في دفع الثمن.» # وخرج الهمجي ms169 عن صمت طويل وقال: «ولكنك لم تذهب إلى إحدى الجزر.» # فابتسم المراقب وقال: «هكذا دفعت الثمن باختياري أن أخدم السعادة، أقصد سعادة الآخرين - ~~لا سعادتي.» وسكت برهة ثم قال: «ومن حسن الحظ أن بالعالم كثيرا من الجزر، ولست أدري ماذا ~~نصنع لو لم تكن، أحسب أنا كنا نضعكم جميعا في غرفة الموت، وبهذه المناسبة هل تحب جو ~~المناطق الحارة يا مستر واطسن؟ هل تحب جو ماركيزاز - مثلا - أو ساموا؟ أم هل تحب جوا ~~أشد من هذا إنعاشا ؟» # فأجاب هلمهلتز وقد نهض من مقعده الهوائي قائلا: «إني أحب أسوأ أنواع الجو؛ لأني ~~أعتقد أن المرء يحسن الكتاب إذا ساء الجو، وإذا كان هناك - مثلا - كثير من العواصف ~~والأنواء ...» # فأومأ المراقب بالموافقة وقال: «إني أحب فيك هذه الروح يا مستر واطسن، أحبها حبا ~~جما، أحبها بمقدار ما أنكرها، بحكم وظيفتي.» ثم ابتسم وقال: «ما رأيك في جزائر ~~فوكلند؟» # فأجاب هلمهلتز بقوله: «أظنها ملائمة، والآن هل تسمح لي أن أذهب إلى برنارد المسكين كي ~~أرقب تقدمه؟» # | الفصل السابع عشر # ولما اختلى الهمجي والمراقب قال له: «الفن والعلم - الظاهر أنكم دفعتم ثمنا عاليا ~~جدا لسعادتكم، وهل هناك شيء آخر؟» # فأجابه المراقب: «نعم، الدين بالطبع، فقد كان هناك شيء اسمه الله قبل حرب السنوات التسع، ~~وقد نسيت أن أذكر لك ذلك، وأظنك تعرف كل شيء عن الله.» # فتردد الهمجي في الإجابة، وأحب أن يقول شيئا عن العزلة وعن الليل، وعن الهضبة وقد شحب ~~لونها في ضوء القمر، وعن حافة الهضبة الرأسية، وعن الانغماس في الظلام الحالك، وعن الموت، ~~أراد الهمجي أن يتكلم، ولكنه كان يفتقر إلى اللفظ، ولم يجده حتى عند شيكسبير. # وفي تلك الأثناء عبر المراقب الغرفة إلى جانبها الآخر، وأخذ يفض مغاليق خزانة ضخمة، أودعت ~~في الحائط بين رفوف الكتب، وبعد ما انفتح بابها الثقيل، أخذ يعبث في ظلامها الداخلي، ثم ~~قال: «إنه موضوع كثيرا ما كان يشوقني.» ثم أخرج مجلدا غليظا أسود اللون وقال: «إنك - ~~مثلا - لم تقرأ هذا.» # فتناوله الهمجي وقرأ ms170 عنوانه: «الكتاب المقدس، ويحتوي على العهد القديم والعهد ~~الجديد». ~~«ولا هذا» وكان كتابا صغيرا ضاع غلافه: ~~«الاقتداء بالمسيح.» ~~«ولا هذا» وناوله مجلدا آخر عنوانه: «التجارب الدينية المختلفة» لمؤلفه وليم ~~جيمس. # وعاد مصطفى مند إلى مقعده، واستمر يقول: «عندي كثير غير ذلك، مجموعة كاملة من كتب ~~الأدب الداعر، إن كتب الله في الخزانة، وكتب فورد فوق الرفوف.» وأشار وهو يضحك إلى مكتبته ~~التي نوه عنها؛ إلى رفوف الكتب، والعيون المليئة بأسطوانات آلات القراءة وبلفائف الآثار ~~الصوتية. # وسأله الهمجي محنقا، قال: «ولكن إن كنت تعرف الله فلماذا لا تخبرهم به، ولماذا لا ~~تعطيهم هذه الكتب التي كتبت عنه.» ~~- «لنفس السبب الذي لا نعطيهم من أجله «عطيلا»؛ هي كتب قديمة، وهي عن الإله منذ مئات ~~السنين، وليست عن إله اليوم.» ~~- «ولكن الله لا يتغير.» ~~- «غير أن الرجال يتغيرون.» ~~- «وكيف تتغير الحقيقة بذلك؟» # قال مصطفى مند: «إنها تتغير كل التغيير.» ثم نهض ثانية، وسار نحو الخزانة وقال: «كان ~~هناك رجل اسمه الكاردنال نيومان.» ثم صاح مقاطعا نفسه قائلا: «والكاردنال هو رجل يشبه في ~~عمله كبير المنشدين.» ~~- «لقد قرأت عنهم في شيكسبير»، فقد جاء فيه: «إنا باندلف كاردنال ميلان الجميلة.» ~~- «بالطبع لقد قرأت، كنت أقول: «إنه كان هناك رجل اسمه الكاردنال نيومان، وها هو ذا ~~الكتاب».» وأخرجه، ثم قال: «ولأخرج هذا أيضا فهو قريب منه، إنه من وضع رجل اسمه مين دي ~~بيران، كان فيلسوفا، إن كنت تفهم ما أقصد بهذا اللفظ.» # فأجابه الهمجي على الفور: «تقصد رجلا يحلم بأشياء أقل مما يوجد في الأرض ~~والسماء.» ~~- «بالضبط، وسوف أقرأ لك أحد الأشياء التي حلم بها في ~~إحدى اللحظات، أما الآن فأنصت إلى ما قال هذا المنشد الكبير.» وفتح الكتاب عند الصفحة ~~التي أشير إليها بشريط من الورق، وقرأ ما يلي: «إننا لا نملك أنفسنا أكثر مما نملك ما ~~بأيدينا، إننا لم نخلق أنفسنا، ولا نستطيع أن نعلو على أنفسنا، لسنا سادة على أنفسنا، نحن ~~ملك الله، أليست سعادتنا إذن في هذه النظرة إلى الموضوع؟ هل ms171 نسعد أو نطمئن إذا ظننا ~~أننا ملك لأنفسنا؟ قد يحسب ذلك الشباب والمترفون، قد يظن هؤلاء أن تسيير الأمور على هواهم ~~- دون الاعتماد على أحد - أمر عظيم، فلا يفكرون في شيء بعيد عن الأنظار، ويخلصون من ~~مشقة الاعتراف الدائم، والصلاة المتصلة، ونسبة أعمالهم دائما إلى إرادة غير إرادتهم، ~~ولكن كلما تقدم الزمن أدركوا - كما أدرك الرجال الآخرون جميعا - أن الاستقلال لم يخلق ~~للإنسان، وأنه حالة غير طبيعية، وأنه قد يغنينا فترة من الزمن، ولكنه لن يحملنا آمنين حتى ~~النهاية ...» وسكت مصطفى مند لحظة، وألقى الكتاب الأول والتقط الآخر وأخذ يقلب صفحاته، ثم ~~قال: «خذ هذا مثلا.» وشرع يقرأ مرة أخرى بصوته العميق: «إن الإنسان يتقدم في السن، ويحس ~~في نفسه إحساسا قويا بالضعف، والفتور، والقلق، وهي إحساسات تلازم تقدم العمر، ولما ~~كان هذا هو شعور الإنسان فهو يتصور أن به علة من العلل، ويخفف عن نفسه جزعها باعتقاده أن ~~هذه الحالة التي سببت له الضيق، ترجع إلى سبب خاص بأمل أن يشفى منه كما يشفى من أي مرض من ~~الأمراض، ذلك وهم باطل! تلك العلة هي الشيخوخة، وهي علة شنيعة.» يقولون: «إن الخوف من ~~الموت ومما يأتي بعد الموت هو الذي يحول الناس إلى الدين كلما تقدمت بهم السن، ولكن تجربتي ~~الخاصة أقنعتني أن العاطفة الدينية - بغض النظر عن هذه المخاوف والأوهام - تنمو في الإنسان ~~كلما تقدمت به السن، وهي تنمو لأن الميول القوية تهدأ، والخيال والإحساسات تقل حدتها ~~وتضعف قابليتها للتهيج، ويقل اضطراب العقل وما يخيم فوقه من أوهام ورغبات وأسباب للهو ~~يهيم فيها، حينئذ يبرز الله وكأنه يخرج من خلف سحابة، وتحس الروح وترى وتتحول نحو مصدر ~~النور كله تحولا طبيعيا لا مفر لها منه؛ وذلك لأن كل ما كان يعطي الحياة والسحر ~~لعالم الإحساسات بدأ يفلت منا؛ ولأن الوجود الظاهري لم يعد يستند إلى الآثار الباطنة ~~والظاهرة، فنحس بالحاجة إلى الاعتماد على شيء ثابت لا يخدعنا؛ على حقيقة واقعة، أو حق ~~مطلق دائم، نعم لا مفر لنا ms172 من التحول نحو الله؛ لأن هذه العاطفة الدينية بطبيعتها صافية، ~~تسر الروح التي تحس بها، فهي تعوضنا كل ما خسرنا.» وأغلق مصطفى مند الكتاب، ثم استند إلى ~~مقعده وقال: «إن من الأشياء العديدة في الأرض والسماء التي لم يحلم بها هؤلاء الفلاسفة ~~هو هذا (ولوح بيديه)، هو نحن، أو العالم الحديث.» لقد قيل: «إنك لا تستقل عن الله إلا إن ~~كان لديك راحة وشباب، ولكن الاستقلال لا يحملك بأمان حتى النهاية. ونحن الآن نتمتع ~~بأسباب الراحة والشباب حتى النهاية، فماذا يتبع ذلك؟ الاستقلال عن الله من غير شك، وقيل: ~~«إن العاطفة الدينية تعوضنا كل ما خسرنا.» وليست لدينا خسائر نعوضها، فالعاطفة الدينية ~~إذن نافلة من النوافل، ولماذا نتصيد عوضا عن رغبات الشباب، إذا كانت رغبات الشباب لا تفتر ~~قط؟ وعوضا عن المسليات، إذا كنا لا ننقطع عن التمتع بالسخافات القديمة حتى النفس الأخير؟ ~~ما حاجتنا إلى الراحة إذا كانت عقولنا وأبداننا تستمر في تمتعها بالنشاط؟ وما حاجتنا إلى ~~السلوى وعندنا السوما؟ وإلى شيء ثابت وعندنا النظام الاجتماعي؟» ~~- «إذن فأنت تعتقد أن ليس هناك إله؟» ~~- «كلا، أظن أنه يحتمل أن يكون هناك إله.» ~~- «إذن فلماذا ...؟» # فأسكته مصطفى مند قائلا: «لكنه يظهر على صور مختلفة لمختلف الرجال، كان يظهر في ~~الأزمنة السابقة للعصر الحديث ذلك الكائن الموصوف في هذه الكتب، أما الآن ...» # فسأله الهمجي: «كيف يظهر نفسه الآن؟» ~~- «إنه يظهر كأنه غائب، أو كأن لا وجود له البتة ...» ~~- «هذا خطؤكم.» ~~- «بل قل إنه خطأ المدنية، إن الله لا يتفق والآلات والطب العلمي والسعادة ~~العالمية، ولا بد من الاختيار، وقد اختارت حضارتنا الآلات والطب والسعادة؛ لذا أراني ~~مضطرا إلى الاحتفاظ بهذه الكتب في خزانة موصدة. إنها بذيئة، ويصدم الناس ~~لو ...» # فقاطعه الهمجي قائلا: «ولكن أليس من الطبيعي أن يشعر المرء بوجود الله؟» # فقال المراقب متهكما: «كأنك تقول أليس طبيعيا أن يزر المرء سراويله بالمشبك، إنك ~~تذكرني برجل آخر من أولئك القدامى اسمه برادلي. إنه عرف الفلسفة بأنها: التعليل ~~السيئ لما يعتقد المرء بالغريزة، ms173 كأن المرء يعتقد في أي شيء بالغريزة! إن المرء ~~يعتقد في الأشياء لأنه تكيف على الاعتقاد فيها، إنما الفلسفة هي التعليل السيئ لما يعتقد ~~المرء لأسباب أخرى سيئة، إن الناس يعتقدون في الله؛ لأنهم تكيفوا على العقيدة ~~فيه.» # فأصر الهمجي على رأيه وقال: «ولكن بالرغم من ذلك، أرى أنه من الطبيعي أن يعتقد ~~المرء في الله أثناء الوحدة؛ الوحدة المطلقة، في ظلمة الليل، وهو يفكر في ~~الموت ...» # فأجاب مصطفى مند بقوله: «ولكن الناس لا يكونون اليوم قط في وحدة، إننا نجعلهم يمقتون ~~العزلة، ونرتب حياتهم حتى يكاد يستحيل عليهم أن يجدوها.» # فأومأ الهمجي برأسه مكتئبا، وتذكر أنه عانى كثيرا في مالبي؛ لأنهم أقصوه عن نشاط أهل ~~القرية الاجتماعي، وأنه عانى في لندن كثيرا؛ لأنه لم يستطع أن يفر من ذلك النشاط ~~الاجتماعي، ولم يهدأ وحده لحظة. # وقال الهمجي في النهاية: «هل تذكر هذه ~~الأسطر التي جاءت في رواية «الملك لير»: «إن الآلهة عادلة، فهي تجعل من رذائلنا الممتعة ~~أداء لبلائنا، إن ذلك المكان المظلم المرذول الذي أتى بك فيه قد كلفه عينيه».» # 1 # وتذكر أن أدمند أجاب على ذلك وهو جريح في نزع الموت بقوله: «لقد أصبت القول، ~~هذا حق، ولقد دارت العجلة دورة كاملة، وها أنا ذا هنا.» فماذا حدث في هذا اليوم؟ أليس ~~يبدو أن هناك إلها يدبر الأمور، ويجزي بالعقوبة والثواب؟ # فكرر المراقب نفس السؤال وقال: «أليس يبدو ذلك؟ إنك تستطيع أن تنغمس فيما شئت من رذائل ~~ممتعة مع الخناث، دون أن تفقأ عينيك ربة ابنك. لقد دارت العجلة دورة كاملة، وها أنا ذا ~~هنا. ولكن أين يكون أدمند في هذه الأيام، جالسا في مقعد هوائي مطوقا بذراعه خصر ~~فتاة، يلوك لبان الهرمونات الجنسية ويشاهد الصور المحسة، لا شك أن الآلهة عادلة، غير أن ~~الأفراد الذين ينظمون الجماعة هم الذين يملون القوانين في نهاية الأمر، إن العناية الإلهية ~~تأخذ سرها من الناس.» # فسأله الهمجي: «وهل أنت واثق أن عقوبة أدمند وهو في ذلك الكرسي الوثير، ليست أقل ms174 صرامة ~~عنها وهو جريح يدمى حتى الممات؟ إن الآلهة عادلة، أفلا تستخدم رذائله الممتعة أداة للحط ~~من شأنه؟» ~~- «تحطه من أية مكانة؟ ما دام مواطنا سعيدا، مجدا، مستهلكا للسلع فهو إنسان كامل، ~~غير أنك بالطبع إن اخترت معيارا آخر غير الذي نقيس به فقد تحكم عليه بالانحطاط، ولكن ~~ينبغي لك أن تلزم مجموعة واحدة من الفروض، إنك لا تستطيع أن تلعب الجولف الكهربي ~~الممغطس على قواعد التنس الطارد.» # قال الهمجي: «ولكن القيمة لا تنحصر في إرادة معينة، إنها تحفظ للظافر قدره ~~وكرامته، إذا كانت ثمينة في حد ذاتها أو ثمينة من الظافر نفسه.» # فاحتج عليه مصطفى مند قائلا: «مهلا، مهلا، لقد بعدنا عن الموضوع كثيرا، أليس ~~كذلك؟» ~~- «إذا سمحتم لأنفسكم بالتفكير في الله، لم تسمحوا لأنفسكم بالانحطاط بسبب الرذائل ~~الممتعة، إنكم سوف تجدون سببا لتحمل الأرزاء صابرين، وللإقدام على العمل بشجاعة، وقد ~~لاحظت ذلك عند الهنود.» # فقال مصطفى مند: «أنا واثق من أنك لاحظت ذلك، ولكنا لسنا بالهنود، وليست بالرجل ~~المتحضر حاجة إلى أن يتحمل أمرا يضايقه مضايقة شديدة، أما عن أداء العمل فإنا نرجو فورد ~~ألا تتطرق هذه الفكرة إلى رأسه (رأس الرجل المتحضر)، فلو أن الناس يعملون ما تهوى ~~أنفسهم لاضطرب النظام الاجتماعي بأسره.» ~~- «وماذا ترى في إنكار الذات؟» ~~- «لو كان لديكم إله لوجدتم سببا لإنكار الذات.» ~~- «لكن المدنية الصناعية لا تقوم إلا إذا انعدم إنكار الذات، لا بد من الانغماس في ~~شهوات النفس إلى أقصى حد تفرضه قواعد الصحة والاقتصاد، وإلا توقفت العجلات عن ~~الدوران.» # فقال الهمجي: «وسوف تجدون سببا للعفة!» وقد شعر بشيء من الخجل، وهو ينطق بهذه ~~الكلمات. ~~- «لكن العفة معناها حدة العاطفة، ومعناها النورستانيا، والعاطفة والنورستانيا معناهما ~~عدم الاستقرار، وعدم الاستقرار معناه القضاء على الحضارة، لا بد للحضارة الدائمة من ~~كثير من الرذائل الممتعة.» ~~- «لكن الله هو السبب في كل ما هو نبيل وجميل وباسل، لو كان لديكم إله ...» # فقال مصطفى مند: «صديقي الشاب العزيز، إن الحضارة ليست قط بحاجة إلى النبل أو ~~البساطة، ms175 إنما هذه الأشياء من أعراض العجز السياسي، أما في الجماعة المنظمة تنظيما ~~صحيحا - كجماعتنا - فإن الفرصة لا تتاح للمرء لكي يكون نبيلا أو باسلا، لا بد أن تضطرب ~~الظروف كل الاضطراب، إذا كان لا بد من توفر المناسبات لذلك، إن من الجلي أن النبل ~~والبسالة لهما مغزاهما في مجتمع يضطرم بالحروب، وينقسم إلى ولايات، به أسباب للإغراء ~~لا بد من مقاومتها، وأشياء عزيزة يحارب المرء من أجلها ويدفع عنها، ولكن ليست هناك في ~~الوقت الحاضر حروب، ونحن نحرص أشد الحرص ألا يغالي المرء في حب شخص ما، ولا ينقسم ~~العالم إلى ولايات، وكل امرئ يكيف على عدم القدرة على التخلص عما ينبغي له أن يفعل، وما ~~ينبغي لك عمله سار جدا، وكثير من الدوافع الطبيعية تجد لها متنفسا ومخرجا، فلم تبق ~~هناك حقا أسباب للإغراء على المرء أن يقاومها، وإذا حدث - بالصدفة العمياء - أمر لا ~~يسر، فهناك السوما، دائما تعطيك إجازة من الحقائق، وهناك السوما دائما تهدئك من ثائرة ~~الغضب، وتوفق بينك وبين أعدائك، وتجعلك صبورا شديد التحمل، كان الإنسان في الماضي لا ~~يستطيع أن يحقق هذه الأشياء إلا بالجهد الشاق، وبعد سنوات من التدريب الخلقي ~~العسير، أما الآن فما عليك إلا أن تبلع قرصين أو ثلاثة، زنة الواحد منها نصف جرام فينتهي كل ~~شيء، يستطيع كل امرئ اليوم أن يكون فاضلا، ويستطيع أن يحمل على الأقل نصف أخلاقه ~~الطيبة في زجاجة. المسيحية بغير دموع: تلك هي السوما.» ~~- «ولكن الدموع ضرورة لازمة، ألست تذكر قول عطيل: «إذا كانت كل عاصفة يعقبها هذا الهدوء، ~~فمرحبا بالرياح تهب حتى توقظ الموتى.» وقد اعتاد أحد شيوخ الهنود أن يقص علينا قصة عن ~~فتاة متساكي، قال: «إن الشبان الذين أرادوا الزواج منها، كان عليهم أن يضربوا في الحديقة ~~بالفأس صباحا كاملا، وقد تحسب ذلك يسيرا، ولكن أذكر أنه كان هناك ذباب وبعوض وسحرة، ~~وأكثر الشبان لم يستطع أن يتحمل العض واللدغ، ومن استطاع فله الفتاة.».» # فقال المراقب: «هذا شيء فاتن، لكنك في البلدان المتحضرة، ms176 تستطيع أن تحصل على البنات، ~~دون أن تضرب لهن الحدائق بالفئوس، وليس هناك ذباب أو بعوض يلدغك، فقد تخلصنا منها ~~جميعا منذ قرون.» # فأومأ الهمجي برأسه مقطبا الجبين، وقال: «نعم لقد تخلصتم منها، وهذا شأنكم في كل ~~شيء، تتخلصون من كل ما لا يسر بدلا من أن تتعلموا احتماله، وسواء كان خيرا للمرء أن ~~يتحمل الحظ العاثر بنشابه وسهامه، أو أن يتسلح ضد عواصف المشقات فيقضي عليها ~~بمعارضتها ... ولكنكم لا تفعلون هذا ولا ذاك، لا تعانون ولا تعارضون ، إنكم تكتفون بإلغاء ~~النشاب والسهام، وما أيسر ذلك.» # وسكت عن الكلام بغتة وفكر في أمه، وقد كانت لندا في غرفتها في الطابق السابع ~~والثلاثين، تسبح في بحر من الأضواء المغنية والتدليك المعطر - ثم اختفت من المكان ~~والزمان، ومن سجن ذكرياتها وعاداتها وجسمها المسن المترهل، وما زال توماكين المدير السابق ~~لمعامل التفريخ والتكييف في عطلة من الإذلال والألم، في عالم لا يستطيع أن يسمع فيه تلك ~~الكلمات، وذلك الضحك الساخر، ولا يستطيع أن يرى فيه ذلك الوجه القبيح، ولا يستطيع أن يحس ~~فيه بتلك الأذرع المبتلة المترهلة تطوق جيده، كان في عالم جميل ... # واستمر الهمجي يقول: «إن ما تحتاجون إليه هو شيء يستدر الدموع تغيرون به هذه الحال، ~~لست أرى شيئا هنا له قيمة تذكر.» # وكان هنري فستر قد احتج على الهمجي، حينما ذكر له ذلك وقال: «اثنا عشر مليونا ونصف من ~~الريالات؛ هذه هي تكاليف مركز التكييف الجديد، ولا تقل عن ذلك فلسا واحدا.» # ثم سأل مصطفى مند موجها نحوه بصره، قال: «عرضوا كل ما هو فان غير أكيد لكل ما ~~يستطيعه الحظ والموت والخطر، حتى لو ظفرتم بقشر بيضة واحدة، أليس في هذا مغزى؟» ثم قال: ~~بغض النظر عن الله - وإن يكن الإله بالطبع يكفي سببا لذلك - أليس للحياة الخطرة ~~معنى؟ # فأجاب المراقب بقوله: «إن لها لمعنى عظيما، لا بد من تنبيه الغدد التي فوق الكلى عند ~~الرجال والنساء من آن لآخر.» # فلم يفقه الهمجي قوله وقال: «ماذا؟» ~~- «ذلك أحد شروط ms177 الصحة الكاملة، ومن أجل ذلك جعلنا علاج ال ع. ع. ج ~~إجباريا.» ~~- «ع. ع. ج؟» ~~- «العاطفة العنيفة الجديدة، مرة كل شهر باطراد، نغمر الجهاز كله بالأدرنين، وذلك ~~مقابل فسيولوجي كامل للخوف والغضب، إننا نحصل بذلك على كل الآثار المقوية، التي ~~نجمت عن قتل دزدمونا، وجريمة القتل التي ارتكبها عطيل، دون أن نتعرض لما لابسها من ~~مضايقات.» ~~- «لكني أحب المضايقات؟» # فأجابه المراقب: «نحن لا نحبها، ونؤثر أن نؤدي أعمالنا مع الراحة.» ~~- «لكني لا أحب الراحة، أريد الله، وأريد الشعر ، وأريد الخطر الحق، وأريد الحرية، ~~وأريد الخير، وأريد الخطيئة.» # فقال له مصطفى مند: «إنك في الواقع تطالب بحقك في أن تكون غير سعيد.» # فقال الهمجي متحديا: «فليكن ذلك، إنني أطالب بحقي في أن أكون غير سعيد.» ~~- «لست بحاجة إلى أن أذكرك بحقك في الشيخوخة والقبح والعجز الجنسي، وبحقك في أن تصاب ~~بالزهري والسرطان، وحقك في قلة الطعام، وحقك في وباء القمل، وحقك في أن تعيش في خوف ~~دائم مما عساه يحدث في الغد، وحقك في الإصابة بالتيفود، وحقك في أن تعاني العذاب من ~~ضروب الآلام المختلفة التي لا توصف.» # وكان صمت طويل. # وقال الهمجي في النهاية: «أطالب بذلك كله.» # فهز مصطفى مند كتفيه وقال له: «مرحبا بك.» # | الفصل الثامن عشر # كان الباب على مصراعيه فدخلا. ~~- «جون!» # وصدر من داخل الحمام صوت لا يسر السامع، ولكنه يدل على صاحبه، وصاح هلمهلتز قائلا: ~~هل هناك أمر هام؟ # فلم يظفر بجواب، وتكرر الصوت القبيح مرتين، ثم أعقبه سكون. وانفتح باب الحمام عندئذ ~~محدثا صوتا، وخرج منه الهمجي شاحب اللون جدا. # وصاح هلمهلتز جزعا مبلبل الخاطر، قال: «كأن بك علة يا جون!» # وسأله برنارد: «هل أكلت شيئا لم تسغه؟» # فهز الهمجي رأسه قائلا: «لقد أكلت الحضارة.» ~~- «ماذا؟» ~~«سممتني ودنستني.» ثم قال بصوت خافت: «أكلت شقاوتي الخاصة.» ~~- «نعم ولكن ماذا بالضبط؟ أقصد أنك كنت منذ قليل ...» قال الهمجي: «الآن تطهرت، فقد شربت ~~قليلا من الخردل والماء الساخن.» # فحملق فيه صاحباه في دهشة عظيمة. # وسأله برنارد: «هل تقصد ms178 أن تقول إنك فعلت ذلك عامدا؟» ~~- «هكذا يطهر الهنود دائما.» ثم جلس وتنهد ووضع يده على جبهته، وقال: «سوف أستريح ~~بضع دقائق فأنا جد منهوك.» # فقال هلمهلتز: «ليس في ذلك ما يدهشني.» ثم صمت برهة وقال: «لقد أتينا للوداع.» ثم ~~بدل من نغمة صوته وقال: «سنرحل غدا صباحا.» # فقال برنارد: «نعم سوف نرحل غدا.» ولحظ الهمجي على وجهه دليلا على الاستسلام المطلق، ~~ثم استمر في الكلام وقد مال على كرسيه إلى الأمام، ووضع إحدى يديه على ركبة الهمجي ، قال: ~~«وبهذه المناسبة يا جون أحب أن أذكر لك أني أسفت أشد الأسف لما حدث بالأمس.» ثم احمر ~~وجهه خجلا واستمر في الحديث، برغم تذبذب صوته، قال: «ما أشد خجلي! في ~~الحقيقة ...» # فقاطعه الهمجي وتناول يده، وضغط عليها بعطف شديد. # وعاد برنارد إلى الكلام بعدما سكت برهة قصيرة من الزمن، وقال: «لقد كان هلمهلتز عجيبا ~~لي، لولاه ...» # فاحتج عليه هلمهلتز وقال: «كفى، كفى.» # فساد الصمت، وبالرغم مما كان يخيم على الشبان الثلاثة من حزن - بل لسبب هذا الحزن ~~نفسه؛ لأن حزنهم كان دليلا على الحب المتبادل بينهم - كانوا سعداء. # وقال لهم الهمجي في نهاية الأمر: «لقد ذهبت لمقابلة المراقب هذا الصباح.» ~~- «لماذا؟» ~~- «لكي أسأله إن كان يجوز لي أن أرافقكما إلى الجزر.» # ثم سأل هلمهلتز بشغف قائلا: «وماذا قال؟» # فهز الهمجي رأسه وقال: «إنه لم يسمح لي.» ~~- «لماذا.» # قال الهمجي: «قال إنه يريد أن يستمر في التجربة.» ثم تهيج بغتة وقال: «ولكن لعنة الله ~~علي إذا قبلت أن أبقى موضوعا للتجارب، لو أراد ذلك مراقبو العالم أجمعون، ~~ولأرافقنكم غدا.» # فسأله صاحباه معا: «ولكن إلى أين؟» # فهز الهمجي كتفيه وقال: «إلى أي مكان، لا يهمني ذلك ما دمت أستطيع أن أكون ~~وحيدا.» # كان الطريق من جلدفورد ينحدر في اتجاه وادي واي حتى جودلمنج، ومن هناك يسير فوق ملفورد ~~ووتلي إلى هازلمير، ثم يتجه نحو بورتسموث مارا ببيترزفيلد، وبحذائه تقريبا طريق آخر يصعد ~~إلى وربلسدن وتنجهام وبتنهام وألستر وجريشت، وكان بين هجزباك وهندهد نقط ms179 لا يفصل الطريقين ~~عندهما أكثر من ستة أو سبعة كيلومترات، وكانت المسافة صغيرة لا تصلح للطائرين المهملين ~~- وخاصة في المساء وعندما يتناولون نصف جرام أكثر من المقرر، فكانت تقع الحوادث، وبعضها ~~خطير - فقرر أن ينحرف عن الطريق الصاعد بضعة كيلومترات نحو الغرب، وكان يعين اتجاه ~~الطريق القديم بين بورتسموث ولندن أربعة فنارات هوائية مهجورة تقع بين جريشت وتنجهام، وقد ~~بدت فوقها السموات ساكنة لا حياة فيها، وأخذت الطائرات الآن تطن وتزأر زئيرا لا ينقطع ~~فوق ملبورن وبوردن وفارنهام . # واختار الهمجي الفنار القديم الذي يقع فوق قمة التل بين بتنهام وألستد صومعة له، ~~وكان البناء مسلحا بالحديد وفي حالة جيدة جدا، ولما طاف الهمجي بالمكان حسبه - ~~لأول نظرة - مريحا جدا، تتوفر فيه أسباب الترف والحضارة، ولكن خاطره هدأ لما وعد ~~نفسه برياضة نفسية شاقة، يعوض بها هذا الترف، وبتطهير كامل شامل، وتعمد أن ينفق أولى ~~لياليه بالصومعة ساهرا يقظا، فقضى ساعات طوالا جاثيا على ركبتيه، يصلي مرة للسماء ~~التي طلب منها كلوديوس الآثم العفو، ومرة بالزوني لاوناولونا، ومرة أخرى للمسيح وبوكونج، ~~ومرة للنسر - وهو الحيوان الذي كان يتولى أمره - وكان يمد ذراعيه الفينة بعد الفينة كأنه ~~مصلوب، ويبقيهما هكذا عدة دقائق، يتزايد فيها الألم تدريجا، حتى يصبح عذابا ممضا ~~ترتعد له فرائصه، وهكذا صلب نفسه عامدا متطوعا، وأخذ يكرر خلال أسنانه المحكمة ~~(والعرق يتصبب فوق وجهه) قوله: «اعف عني! طهرني! أعني على الخير!» مرة بعد أخرى، ~~حتى أوشك أن يخر صريعا من الألم. # ولما أشرق الصباح أحس بأنه اكتسب الحق في سكنى الفنار - برغم وجود الزجاج في أكثر ~~النوافذ، وبالرغم من أن المنظر من الرصيف كان رائعا؛ لأن السبب عينه الذي من أجله اختار ~~الفنار، كاد أن يصبح في الحال سببا في الذهاب إلى مكان آخر، فقد قرر من قبل أن يقطنه ~~لأن المنظر جد جميل؛ ولأنه - من ناحية منفعته الشخصية - كان كأنه يشاهد كائنا سماويا ~~مجسدا، ولكن من يكون هو حتى يدلل بمنظر الجمال كل يوم وكل ساعة؟ ومن يكون ms180 هو حتى ~~يسكن في حضرة الله المرئية؟ إن كل ما كان يستحق أن يقطنه حظيرة حيوانات قذرة، أو جحرا ~~في الأرض مظلما، كانت أعضاؤه متصلبة متألمة بعد ليله الطويل الأليم، ولكنه كان لنفس هذا ~~السبب مطمئنا في دخيلة نفسه، وبرغم ذلك تسلق حتى بلغ رصيف برجه، ثم أطل على الدنيا تشرق ~~فيها الشمس اللامعة - الدنيا التي استرد حق سكناها - وكان يحد المنظر من الشمال حافة ~~هجزباك الطباشيرية الطويلة، التي ترتفع خلف آخر طرفها الشرقي بروج ناطحات السحاب السبع ~~التي تتألف منها جلدفورد، فلما رآها الهمجي تجهم لها، ولكنه ألفها بمرور الزمن؛ لأنها ~~كانت في المساء تتلألأ بصورة بهيجة في مجموعات هندسية من النجوم، أو ينعكس عليها الضوء ~~فتشير جادة بأصابعها الوضاءة (بحركة لم يفهم مدلولها في إنجلترا حينذاك أحد غير ~~الهمجي) نحو السماء المستوية الغامضة. # وفي الوادي الذي كان يفصل هجزباك عن التل الرملي الذي يقوم فوقه الفنار، كانت تقع بتنهام؛ ~~وهي قرية صغيرة متواضعة يبلغ ارتفاعها تسعة طوابق، وبها أبراج لتجفيف الحشائش، ومزرعة ~~للدواجن، ومصنع صغير لفيتامين ء، وفي الجانب الآخر من الفنار، نحو الجنوب، كانت الأرض تهبط ~~في منحدرات فسيحة من نبات الخلنج حتى تبلغ سلسلة من البرك. # وخلف تلك المنحدرات، وفوق الغابات المتوسطة، يرتفع برج ألستد ذو الطوابق الأربعة عشر، ~~وهندهد وملبورن بقتامها في الجو الإنجليزي المكفهر، تجذبان العين إلى النظر بعيدا في ~~الزرقة التي تبعث الخيال، ولم يكن ذلك البعد وحده الذي جذب الهمجي إلى فناره، فلقد كان ~~القريب مغريا كالبعيد، كانت الغابات والأراضي الفسيحة الطلقة التي ينمو فيها الخلنج ~~والأشجار الشائكة الصفراء، وسيقان شجر الشربين الاسكتلندي المبتورة، والبرك اللامعة وما ~~يعلوها من أشجار البتولا والنيلوفر، وحقول الحلفاء؛ كان كل ذلك جميلا، وكان مذهلا لعين ~~تعودت جدب الصحراء الأمريكية، وكانت هناك فوق ذلك العزلة! وانقضت أيام كاملة لم ير ~~خلالها إنسانا قط، وكان الفنار على بعد ربع ساعة فقط بالطائرة من برج تشيرنج ت، لكن ~~تلول مالبي لم تكن أشد وحشة من مروج سري هذه، وكانت ms181 الجموع التي تترك لندن كل يوم إنما ~~تتركها لتلعب الجولف الكهربي الممغطس، أو لتلعب التنس، ولم تكن ببتنهام ملاعب للجولف، ~~وأقرب ملاعب تنس ريمان لها في جلفورد، فلم يكن هناك ما يجذب العين غير الزهور والمناظر ~~الطبيعية، ولما لم يكن هناك سبب قوي للمجيء، فقد كان المكان غير مطروق، وفي الأيام ~~الأولى كان الهمجي يعيش وحده لا يزعجه أحد. # أنفق جون على معداته أكثر المال الذي كان قد تسلمه عند أول قدومه لنفقاته الشخصية، ~~فاشترى قبل أن يغادر لندن أربعة غطاءات من الصوف اللزج، وحبالا غليظة ودقيقة، ومسامير، ~~وغراء، وبضع آلات، وكبريتا (وإن يكن قد صمم أن يصنع مثاقب نارية في الوقت الملائم) ~~وبضعة أوعية وأوان، وأربعا وعشرين ربطة من الحبوب، وعشرة كيلوجرامات من دقيق القمح (وقد ~~أصر ألا يحمل معه النشاء الصناعي، والدقيق المصنوع من فضلات القطن، حتى إن كان أكثر ~~تغذية)، ولما جاء دور البسكويت المصنوع من مجموعة إفرازات الغدد واللحم البقري الجديد ~~المشبع بالفيتامينات، لم يستطع أن يقاوم اغراء البائع، ونظر الآن إلى العلب فصب على ~~نفسه لوما كبيرا لضعفه، إنها من مواد المدنية الممقوتة! وصمم ألا يأكلها حتى إن أشرف على ~~الموت من شدة الجوع، وفكر في نفسه وهو ناقم: «إن ذلك سوف يكون درسا لهم.» وسوف يكون درسا ~~له كذلك. # وعد ما له، وكان يرجو أن القليل الذي تبقى يكفيه حتى ينقضي فصل الشتاء، ففي الربيع ~~القادم تنتج حديقته ما يكفي استقلاله عن العالم الخارجي، وحتى آنئذ سيتوفر له الصيد ~~دائما، فقد رأى كثيرا من الأرانب وكانت فوق البرك طيور مائية، وشرع يعمل في الحال؛ كي ~~يصنع قوسا وسهاما. # وكان إلى جوار الفنار بعض أشجار لسان العصفور، وغابة بأسرها مليئة بشجيرات البندق ~~المستقيمة الجميلة التي تصلح قنوات للسهام، وبدأ يقطع شجرة صغيرة من أشجار لسان العصفور، ~~وفصل ستة أقدام من السوق التي لا تتصل بها فروع، ونزع عنها قشورها، واحدة بعد الأخرى ~~حتى ظهر الخشب الأبيض، كما علمه متسيما العجوز، حتى استقام له عود يبلغ ms182 قامته طولا، قوي ~~في وسطه الغليظ، لين سهل الالتواء عند طرفيه الدقيقين، وأعطاه هذا العمل متعة كبيرة، ~~فقد كان يسره كثيرا أن يؤدي عملا يقتضي الصبر والمهارة، بعد تلك الأسابيع التي قضاها ~~في لندن خاملا بغير عمل، كلما أراد شيئا ضغط على زر أو أدار مقبضا. # ولما أوشك أن يتم تشذيب العود وتسويته، أدرك في شيء من الدهشة أنه كان يغني - نعم يغني! ~~وكأنه دخل على نفسه فجأة من الخارج، فكشفت ما كانت تعمل وأدركها وهي في حرارة الجريمة، ~~فأحس بخطيئته واحمر خجلا، إنه لم يأت إلى هذا المكان للمتعة والغناء، وإنما أتى فرارا ~~من التمادي في الفساد، تصيبه به حياة الحضارة القذرة، أتى هنا ليتطهر ويصبح إنسانا ~~طيبا، أتى هنا ليكفر عن أخطائه فورا، ولشد ما كانت روعته حينما أدرك أنه - وهو منهمك ~~في تسوية القوس - نسي ما أقسم لنفسه أن يذكر دائما؛ لندا المسكينة، وقسوته القاتلة ~~عليها، وتلك التوائم الكريهة، وقد تجمعت كالقمل ولندا تفارق الحياة بصورة غامضة، تسيء ~~بمحضرها الآلهة أنفسهم كما تسيء إليه وهو في محنته وتوبته، أقسم أن يذكر ذلك، وأقسم ألا ~~يكف عن التكفير، وها هو ذا منكب على تسوية قناته وهو منشرح الصدر، ويغني. # فتوارى في الداخل، وفتح صندوق الخردل، ووضع على النار قليلا من الماء يغليه. # وبعد نصف ساعة كان ثلاثة من عمال الأرض من طراز «−ء» من إحدى مجموعات بوتنهام ~~البوكانوفسكية يسوقون سيارة نحو ألستد، وراعهم أن رأوا على قمة التل شابا واقفا خارج ~~الفنار المهجور عاريا حتى خصره، يضرب نفسه بسوط من الحبال المعقدة، وعلى ظهره خطوط ~~أفقية حمراء، وبين الخط والخط تسيل خيوط خفيفة من الدم، واتجه سائق السيارة نحو جانب ~~الطريق ثم حدق هو وزميلاه في ذلك المنظر العجيب وهو فاغر فاه، وأخذوا يعدون الضربات واحدة ~~بعد الأخرى، وبعد الضربة الثامنة قاطع الشاب كفارته وهرع إلى حافة الغابة، واستلقى هناك ~~يعاني ألما ممضا، ولما انتهى ذلك التقط السوط وبدأ يضرب نفسه من جديد، حتى نيفت ~~الضربات على الاثنتي ms183 عشرة. # وهمس السائق قائلا: «يا لفورد!» وشاركه الرأي توءماه. # وقالا: «يا لفورد!» # وبعد ثلاثة أيام جاء المراسلون، وكأنهم طيور الباز، وهي تهبط على جثة ميتة. # وانتهى الهمجي من إعداد القوس بعد ما جففه، وشده فوق نار بطيئة من الخشب الأخضر، ثم ~~أخذ يشتغل بإعداد السهام. # وكان قد سوى ثلاثين عودا من شجر البندق، وجففها وركب في أطرافها مسامير حادة، وأعدها ~~إعدادا حسنا لربط حبل القوس فيها، وذات مساء أغار على حقل بنتهام للدواجن، وحصل على ريش ~~يكفي لملء مخزن للأسلحة بأسره، وكان يريش سهامه عندما أتاه أول المراسلين، فوقف المراسل ~~خلفه وهو يرتدي حذاءه الهوائي، فلم يحدث صوتا. # قال المراسل: «عم صباحا أيها الهمجي، أنا مندوب «راديو الساعة».» # فوثب الهمجي على قدميه مذعورا، كأنما لدغته حية، وبدد السهام والريش وآنية الغراء ~~والفرجون أيدي سبا. # فقال المراسل، وقد وخزه ضميره وخزا شديدا: «عفوا، إني لم أقصد ...» ومس قبعته - وهي ~~من الأليومنيم وتشبه أنبوبة الموقد، وكان يحمل فيها جهازه اللاسلكي المستقبل وأداة التحويل، ~~ثم قال: «لا تؤاخذني لأني لم أخلع قبعتي فهي ثقيلة نوعا، كنت أقول لك: إني مندوب «راديو ~~الساعة» ...» # فسأله الهمجي وهو عابس، قال: «ماذا تريد؟» ورد عليه المراسل بابتسامة تنم عن ~~العطف. # ومال برأسه جانبا وداعبه بابتسامته قائلا: «إن قراءنا بالطبع يشوقهم كثيرا أن ... ~~يسمعوا بضع كلمات عنك أيها الهمجي.» وفك سلكين مرتبطين ببطارية خفيفة مشدودة إلى خصره على ~~عجل، مؤديا بحركاته سلسلة من الطقوس، ثم وضع السلكين في آن واحد في جانبي قبعته ~~الأليومنيمية، ومس زنبركا في قمتها فانتشر في الهواء كقرني الاستشعار في الحشرة، ثم مس ~~زنبركا آخر في مؤخرة حافة القبعة، فقفز إلى الخارج كالصاروخ ميكروفون وبقي معلقا في ~~الفضاء، يهتز على بعد ست بوصات من أنفه، ثم أرخى على أذنيه سماعتين، وضغط على زر ~~على الجانب الأيسر من القبعة، فصدر من الداخل صوت خافت يشبه طنين الدبور، وأدار عقدة على ~~اليمين، فقاطع الطنين أزيز السماعة وطقطقتها، وصوت فواق وصرير مباغت، فقال في الميكرفون: ~~«هلو، هلو ms184 ...» ورن داخل قبعته أحد الأجراس بغتة: «هل هذا هو أنت يا أدزل؟ أنا بريمو ملن ~~أتكلم، نعم لقد قبضت عليه، وسيتناول الهمجي الميكرفون الآن ويقول بضع كلمات، أليس كذلك أيها ~~الهمجي؟» ورفع بصره نحو الهمجي وعلى شفتيه إحدى تلك الابتسامات الظافرة، وقال: «أخبر ~~قراءنا لماذا أتيت هنا، ما الذي حدا بك إلى الهجرة من لندن بغتة كما فعلت (استمع يا مستر ~~أدزل)، وحدثهم بالطبع عن ذلك السوط.» فذعر الهمجي، وتعجب كيف جاءهم نبأ السوط، ثم قال: ~~نحن جميعا شديدو الشغف بأن نعرف شيئا عن السوط، ثم قل لنا شيئا عن الحضارة، وأنت تعلم ~~ما يقال في مثل هذه الموضوعات: رأيي في الفتاة المتمدنة، قل لنا كلمات قلائل ~~جدا ...» # فأطاعه الهمجي حرفيا وهو في حيرة شديدة، وتفوه بخمس كلمات فقط، خمس كلمات كتلك التي ~~ذكرها لبرنارد عن كبير منشدي كانتربري حينما قال: «هاني! سونز أسو تسينا.» ثم أمسك المراسل ~~من كتفه ودار به عدة دورات (وظهر أن الشاب مدثر دثارا مغريا)، وركله ركلة قوية ~~محكمة، كأنه بطل من أبطال المصارعة في قوته ودقته. # وبعد ثماني دقائق صدرت طبعة جديدة من «راديو الساعة»، وعرضت للجميع في شوارع لندن، وجاء ~~في عناوين الصفحة الأولى «الهمجي العجيب يركل مراسل «راديو الساعة» في العصعص، الهياج في ~~سري». # ولما عاد المراسل إلى لندن وقرأ هذه الكلمات قال لنفسه: «الهياج في لندن ذاتها» وكان ~~هياجا مؤلما، ثم ماذا؟ لقد جلس يتناول غداءه بحرص شديد. # ولم يرتدع أربعة آخرون من المراسلين يمثلون نيويورك تيمز، وحوادث فرانكفورت للأبعاد ~~الأربعة، ومستشار علم فورد، ومرآة «ء»، لم يرتدعوا بما أصاب زميلهم في العصعص من جرح ~~بليغ، فتوجهوا عصر ذلك اليوم إلى الفناء، واستقبلوا استقبالا بالغا في العنف. # وصاح ممثل «مستشار علم فورد» وهو آمن على بعد ولا يزال يمسح عجزه قائلا: «يا لك من ~~أحمق جاهل، لماذا لا تتناول السوما؟» # وهز الهمجي معصمه وقال: «اغرب عني.» # فتراجع الآخر بضع خطوات، ثم التفت ثانية وقال: «إن الشر يتلاشى لو تناولت ~~جرامين.» # فقال ms185 الهمجي: «كوهاكوا أيا ثتكيا» بنغمة التهديد والازدراء. ~~- «الألم وهم.» # قال الهمجي: «نعم إنه.» والتقط عصا رفيعة من شجر البندق، وخطا خطوات واسعة إلى ~~الأمام. # وانطلق مندوب «مستشار علم فورد» نحو الطائرة. # وبعدئذ بقي الهمجي آمنا لفترة من الزمن، ثم جاءت بضع طائرات وحلقت حول البرج متطلعة ~~مستكشفة، وأطلق الهمجي سهما صوبه نحو أقرب الطائرات وأشدها تطلعا، فاخترق قاع الغرفة ~~المصنوع من الأليومنيم، وسمع صياحا أجش، وانطلقت الطائرة مسرعة إلى أعلى في الفضاء، ~~بأقصى سرعة يستطيع أن يمدها بها محركها الكبير؛ ولذا فقد حرص الآخرون فيما بعد على أن ~~يحلقوا على بعد كاف، وتجاهل الهمجي طنين الطائرات المزعج، ولبث يفلح الأرض التي أراد أن ~~تكون له حديقة (وقد شبه نفسه في خياله بأحد خطاب ماتسكا العذراء، الذين يثبتون للحشرات ~~ذات الأجنحة ولا يتزعزعون) ولا شك أن الحشرات تحل بعد فترة ثم تطير، وبقيت السماء فوق ~~رأسه فارغة ساعات متواصلات، وساكنة لا تسمع فيها غير صوت القنابر. # وكان الجو حارا لا يكاد يتنفس المرء فيه، وأرعد الهواء، وقد فلح الحديقة طيلة الصباح، ~~وكان الآن يستريح، متمطيا فوق الأرض، ثم مثلت ذكرى ليننا حية أمام ناظريه فجأة، وتصورها ~~عارية تلمس وهي تقول: «حبيبي!» وتقول: «طوقني بذراعيك!» - وهي معطرة ترتدي الحذاء ~~والجوارب، يا لها من عاهرة وقحة! ولكنه ذكر ذراعيها تطوق بهما عنقه، وذكر ارتفاع ثدييها، ~~وذكر فمها! إن الخلود في شفاهنا وعيوننا، ليننا ... كلا، كلا، كلا! ثم نهض على قدميه وخرج ~~من البيت يعدو وهو نصف عار، وكانت عند حافة حقول الخلنج مجموعة من شجيرات العرعر البيضاء، ~~فارتمى عندها، وعانق ملء ذراعيه من الأشواك الخضراء، بدلا من أن يعانق الجسم الناعم ~~الذي يشتهيه، ووخزته الأشواك المدببة في ألف موضع، وحاول أن يتذكر ليننا المسكينة، وهي ~~منقطعة الأنفاس بكماء، ويداها مقبوضتان، وفي عينيها فزع شديد، لندا المسكينة التي أقسم أن ~~يتذكرها، وما برحت صورة لندا تلازمه، ليننا التي وعد أن ينساها، وقد أحس بوجودها، وكانت ~~حقيقة لا مفر منها حتى من خلال طعنات أشواك ms186 العرعر ووخزاته التي جعلت لحمه يجفل ~~ويفزع، «ما أحلى هذا، ما أحلاه ... وإن أردتني أيضا فلماذا؟ ...» # وكان السوط معلقا على مسمار بجانب الباب، قريب المنال إذا جاءه المراسلون، وفي نوبة ~~جنون كر الهمجي عائدا إلى البيت، وأمسك به، وأداره في يده، وآلمت الحبال المعقدة لحمه ~~ألما شديدا. # وعند كل ضربة كان يصيح: «عاهرة! عاهرة!» كأنها ليننا، (وكم كان يتمنى أن تكون، دون أن ~~يعلم بذلك!)، كأنها ليننا البيضاء الحارة المعطرة المفضوحة التي كان يلهبها، «يا لها من ~~عاهرة !» ثم قال بصوت البائس: «أي لندا، سامحيني، اعف عني يا إلهي، أنا سيئ، أنا شرير، ~~أنا ... كلا، كلا، أيتها العاهرة!» # وكان داروين بونابرت أعظم المصورين الخبراء في شركة الصور المحسة، يرقب كل ما كان يجري ~~من مخبئه في الغابة، الذي أحكم تشييده على بعد ثلاثمائة متر، وقد لقي جزاء صبره ومهارته، ~~أنفق ثلاثة أيام جالسا داخل جذع إحدى أشجار البلوط الصناعية، وثلاث ليال يزحف على بطنه ~~فوق الخلنج، يخفي الميكروفونات في الشجيرات الشائكة، ويدفن الأسلاك في الرمال الناعمة ~~الرمادية، فقضى اثنين وسبعين ساعة في تعب شديد، والآن واتته اللحظة الكبرى - كان يحسبها ~~أعظم لحظة في حياته، وقد طرأت له هذه الفكرة على مهل، وهو يتحرك بين آلاته، أعظم لحظة ~~منذ تصويره المجسم لعرس الغورلا - تلك الصورة المجسمة الشهيرة الصارخة، فقال لنفسه عندما ~~بدأ الهمجي عمله العجيب: «عظيم، عظيم.» وصوب آلات التصوير المقربة نحوه بعناية، وجعلها ~~تلازم هدفها المتحرك، وتعلق بقوة كبرى كي يصور وجه الهمجي المعتوه الشائه «يا للعجب!» ~~وتحرك ببطء نحو نصف دقيقة (وقد تعشم أن يحصل على صورة مثيرة للضحك)، ثم أصغى في أثناء ذلك ~~للضربات والأنات وللهذيان الوحشي، وهي تسجل في الشريط الصوتي عند طرف قلمه، وجرب أثر ~~المبالغة القليلة (وكان ذلك من غير شك تحسينا ملموسا)، وسره أن يسمع - في فترة من ~~الهدوء - غناء القنبرة المرتفع، وتمنى أن يلتفت الهمجي حتى يستطيع أن يصور الدماء التي ~~كانت على ظهره - وفي الحال (لحسن حظه العجيب) جاد الهمجي بالتفاتة واستطاع ms187 أن يصوره صورة ~~دقيقة. # ولما انتهى كل شيء قال لنفسه: «كان ذلك أمرا عظيما حقا!» ومسح وجهه، وكان يأمل أن ~~تظهر الصور عند عرضها في دار الصور بمظهر رائع، إنها سوف تبلغ من الجودة - في رأي ~~داروين بونابرت - «مبلغ حياة الحب عند القيطس»، وتالله إن هذا لنجاح باهر! # وبعد اثنى عشر يوما أخرجت قصة «الهمجي في سري»، وأمكن للناس رؤيتها وسماعها والإحساس ~~بها في كل دار ممتازة للصور المحسة في غرب أوروبا. # وكان تأثير فلم داروين بونابرت مباشرا وعظيما، ففي عصر اليوم التالي لإخراجه، حلقت ~~مجموعة من الطائرات فوق رأس جون فقطعت عليه عزلته الخلوية فجأة. # وكان يفلح حديقته! ويفلح كذلك ذهنه مقلبا مادة فكره بهمة ونشاط، فكر في الموت، وهوى ~~بفأسه مرة ثانية، ثم ثالثة، ثم رابعة، إن كل أيامنا السوالف قد أنارت للحمقى الطريق التي ~~تؤدي إلى الموت في التراب، وجلجل الرعد القاصف خلال هذه الكلمات وهي تجول بخاطره، ثم هوى ~~بالفأس في التراب مرة أخرى، لماذا ماتت لندا؟ لماذا سمح لها أن تقل تدريجا عن الإنسان، ~~وأخيرا ... لقد ارتعدت فرائصه، إنها جيفة تحسن التقبيل، ثم وضع قدمه فوق الفأس وضغط عليه ~~بشدة في الأرض القوية، إننا عند الآلهة كالذباب عند الأولاد الطائشين، # 1 # إنهم يتلهون بقتلنا، # 2 # ثم قصف الرعد ثانية، إنها كلمات تزعم لنفسها الصدق، بل أصدق من الصدق، وقد قال ~~جلستر عينه عن الآلهة: «إنها رحيمة في كل حين، # 3 # وفوق ذلك فإن خير أوقات الراحة هو النوم، وذلك ما تدعيه في أغلب الأحيان، ومع ~~ذلك فأنت تخشى أشد ما تخشى الموت، وهو لا يزيد عن النوم في شيء. إنه النوم، وربما مازجه ~~الحلم الجميل، # 4 # ووقعت فأسه على حجر، فتوقف عن العمل كي يلتقطه، وتساءل: «أية أحلام تلك التي ~~في نوم الموت ...؟» # وأصبح طنين الطائرات المحلقة فوق رأسه زئيرا، وألفى نفسه في الظل بغتة، فقد كان ~~هناك شيء يحول بينه وبين الشمس، ورفع بصره إلى أعلى مذعورا، وتنبه من فلاحته ومن أفكاره، ~~رفع بصره ms188 متحيرا مذهولا، وما برح ذهنه يسبح في ذلك العالم الآخر الأصدق من الصدق، وما ~~فتئ مركزا في محيط الموت والآلهة الفسيح، رفع بصره فرأى قريبا منه مجموعة الطائرات ~~المحلقة، وقد أقبلت كالجراد، ثم بقيت معلقة متزنة، ثم هبطت حوله فوق الخلنج من جميع ~~الجهات، وخرج من بطون هذه الجنادب الضخمة رجال يرتدون الفانلة اللزجة، ونساء يرتدين ~~البيجامات الحمضية الخفيفة (لأن الجو كان حارا) أو سراويل المخمل القصيرة، والقمصان التي ~~بغير أكمام، نصف مفتوحة، وخرج من كل طائرة زوج، وبعد بضع دقائق تجمع منهم عشرات، ووقفوا ~~في حلقة واسعة حول الفنار، يحملقون ويضحكون، مطقطقين بآلات التصوير، يرمون له - كأنه قرد ~~- الفول وحزما من لبان الهرمونات الجنسية وزبد إفرازات الغدد جميعا، وأخذ عددهم يتزايد ~~كل لحظة، وتدفق منهم تيار لا ينقطع عبر هجزباك، وأصبحت آحادهم عشرات، وعشراتهم مئات - وكأنه ~~في حلم مفزع مريع. # وتراجع الهمجي متخفيا، ووقف وقفة الحيوان الآمن المطمئن، ظهره مستند إلى الفنار، ينقل ~~بصره من وجه إلى وجه وهو في فزع، لا ينطق بكلمة كأنه رجل فاقد الرشد. # وأيقظه من هذه الغفوة زيادة إحساسه المباشر بالحقيقة، عندما التصقت بخده ربطة من ~~اللبان أحكم تصويبها، وقد أذهله الألم فاهتزت له أعصابه، فتيقظ يقظة شديدة وثار ~~غاضبا. # وصاح قائلا: «ابعدوا!» # لقد نطق القرد، فانفجروا ضاحكين مصفقين، وقالوا: «مرحبا بك أيها الهمجي العزيز.» ~~وسمع صياحهم: «السوط، السوط!» من خلال الجلبة واللغط. # وعمل الهمجي بما أوحت به هذه الإشارة، فأمسك بطاقة الحبال المعقدة من المسمار الذي كان ~~خلف الباب، وهزها أمام معذبيه. # وكانت هناك صيحة تدل على الاستحسان التهكمي. # وتقدم نحوهم مهددا إياهم، فصاحت إحدى النسوة في جزع شديد، وتخلخل الصف في الموضع ~~الذي تعرض للتهديد المباشر، ثم استقام ثانية، وثبت الواقفون، وقد اكتسب هؤلاء المتفرجون ~~من إحساسهم بالقوة الساحقة شجاعة لم يتوقعها منهم الهمجي، فذعر ووقف ساكنا ثم تلفت ~~حواليه. # وقال: «لماذا لا تتركوني وحدي؟» وكانت في غضبه نغمة تنم عن الشكاة. # وقال له الرجل الذي لو تقدم الهمجي لكان أول من ms189 يهاجم: «خذ قليلا من اللوز المملح ~~بالمغنزيوم» وقدم له ربطة قائلا: «إنها فعلا حسنة جدا.» وابتسم ابتسامة استعطاف عصبية، ~~ثم قال: «وأملاح المغنزيوم تعينك على الاحتفاظ بالشباب.» # وتجاهل الهمجي ما عرض عليه وسأل قائلا: «ماذا تريدون بي؟» متلفتا من وجه عابس إلى ~~آخر: «ماذا تريدون بي؟» # فأجابه مائة صوت مختلطة: «السوط، اعرض علينا كيف تضرب نفسك بالسوط، ودعنا ~~نشاهدك.» # وصاحت شرذمة عند طرف القصف، وقالوا بصوت واحد وبنغمة بطيئة ثقيلة: «نحن، نريد، ~~السوط.» # وأخذ عنهم آخرون هذه الصيحة في الحال، وكرروا هذه العبارة كالببغاوات مرة بعد أخرى، وأخذ ~~صوتهم يضخم تدريجا حتى كان الترديد السابع أو الثامن، لم ينطق أحد بكلمة أخرى غير: «نحن - ~~نريد - السوط». # وكانوا جميعا يصيحون بصوت واحد، وربما ظلوا كذلك ساعات لا نهاية لها، وقد أسكرهم ~~الضجيج والإجماح والإحساس بالتفكير الموسيقي النغم، وعندما كرروا العبارة للمرة الخامسة ~~والعشرين تقريبا كفوا عن الصياح مذعورين، ذلك أن طائرة أخرى وصلت من هجزباك، وحلقت ~~متزنة فوق الجمهور الحاشد، ثم أسقطت في الفضاء بين صف المتفرجين والفنار، على بعد أذرع ~~قليلة من موقف الهمجي، وتلاشى الصياح لحظة وسط زئير اللوالب الهوائية، ولما لمست الطائرة ~~الأرض وأوقفت المحركات، انفجر الجميع مرة أخرى بصوت واحد مرتفع مصرين كما كانوا من قبل، ~~قالوا: «نحن، نريد، السوط». # وفتح باب الطائرة وخرج منها أولا شاب أبيض اللون متورد الوجه، وعقبته شابة في ~~سروال قصير من المخمل، وقميص أبيض وقبعة راكب خيل السباق. # وذعر الهمجي لمرأى الشابة، وانكمش وشحب لونه. # ووقفت الشابة مبتسمة له ابتسامة تردد والتماس بل وذلة، وانقضت بضع ثوان تحركت بعدها ~~شفتاها ونطقت ببضعة ألفاظ، ولكن صوتها تلاشى وسط صياح المتفرجين المتكرر المرتفع. ~~- «نحن، نريد، السوط! نحن، نريد، السوط!» # وضغطت الشابة بكلتا يديها على جانبها الأيسر، وظهرت على وجهها الخوخي اللون، الذي يشبه في ~~جماله جمال الدمى، ملامح غريبة متناقضة تدل على الغم والاهتمام، وكأن عينيها الزرقاوين ~~قد زادتا اتساعا وبريقا، وانحدرت على خديها فجأة دمعتان، وتحدثت مرة أخرى حديثا غير ~~مسموع، ثم ms190 مدت ذراعيها نحو الهمجي بحركة سريعة عاطفية، وتقدمت إلى الأمام. ~~- «نحن، نريد، السوط! نحن، نريد ...» # وأجيبوا فجأة إلى ما طلبوا. ~~«عاهرة!» واندفع الهمجي نحوها كالمجنون، «يا لك من هرة وحشية!» وشرع كالمجنون يضربها ~~بسوطه المصنوع من الحبال الصغيرة. # فجزعت وأرادت الفرار، ولكنها تعثرت وسقطت فوق الخلنج، وصاحت «هنري، هنري!» لكن زميلها ~~المتورد كان قد فر من وجه الأذى خلف الطائرة. # وانفرط عقد الصف هاتفين بصيحات تنم عن السرور والاضطراب، وخطوا جميعا متجمعين في ~~نقطة واحدة، كأن مركزا مغناطيسيا يجذبهم، لقد كان الألم فزعا يأخذ الألباب. # وجن الهمجي وضرب بسوطه ثانية وهو يقول: «يا لك من عاهرة فاجرة!» # وتجمعوا مشغوفين، وهم يتدافعون ويزحفون، كأنهم الخنازير حول حوض العلف. # وضغط الهمجي على أسنانه وقال: «تبا للحم! اقتله، اقتله!» ونزل السوط على منكبيه هذه ~~المرة. # وجذب المشاهدين الجزع من الألم الذي يأخذ بالألباب، ودفعتهم من الباطن عادة التعاون ~~والشغف بالإجماع، والتكفير الذي ثبتته في نفوسهم ثبوتا ملازما طريقة تكييفهم، فبدءوا ~~يقلدون حركاته الجنونية، يضرب أحدهم الآخر كلما ضرب الهمجي بدنه العاصي، أو ذلك الجسم ~~البدين الذي يتجسد فيه الدنس، والذي كان يتلوى فوق الخلنج عند قدميه. # واستمر الهمجي يصيح: «أقتله، أقتله ...» # ثم بدأ أحد الأشخاص فجأة يغني: «شولم، شولم.» وبعد لحظة ردد الجميع هذه العبارة، وبدءوا ~~يرقصون وهم يغنون، ولبثوا يدورون دورة بعد أخرى مرددين: «شولم، شولم.» يضرب أحدهم الآخر ~~ضربات موزونة «شولم، شولم». # ولم ترحل آخر طائرة إلا بعد منتصف الليل، واستلقى الهمجي فوق الخلنج ونام بعد ما أذهلته ~~السوما، وأنهكه الانهماك الطويل في جنون المتع الحسية، ولم يستيقظ إلا بعد ما ارتفعت ~~الشمس في السماء، فاستلقى لحظة يطرف بصره في الضوء، وكأنه بومة لا يفقه شيئا، ثم تذكر ~~فجأة كل شيء. # فستر عينيه بيده وقال: «إلهي، إلهي!» # كان سرب الطائرات التي جاءت تئز عبر هجزباك ذلك المساء كالسحابة المظلمة، يمتد على طول ~~عشرة كيلومترات، وذكرت الصحف جميعا وصف صلاة التكفير التي تمت في المساء السابق. # ونادى الأشخاص الذين وصلوا أولا، وهم ms191 ينزلون من الطائرة قائلين: «أيها الهمجي! أيها ~~الهمجي!» # ولم يظفروا بجواب. # وكان باب الفنار على مصراعيه، فاقتحموه ودخلوا في ضوء كالشفق تحجبه النوافذ، واستطاعوا من ~~خلال قبو في الجانب الآخر من الغرفة، أن يروا قاع سلم يؤدي إلى الطوابق العليا، ~~وتحت قمة القبو تماما تدلت قدمان. ~~- «أيها الهمجي.» # واتجهت القدمان ببطء شديد جدا - كأنهما إبرتا بوصلة تسيران على مهل - يمينا، ~~فشمالا، فناحية الشمال الشرقي، فشرقا فناحية الجنوب الشرقي، فجنوبا، فناحية الجنوب ~~الغربي، ثم توقفتا، وبعد بضع ثوان اتجهتا عائدتين على مهل كذلك يسارا، ثم إلى ناحية ~~الجنوب الغربي، فالجنوب، فالجنوب الشرقي، فالشرق ... ms192