######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMahmud.Jazira.Hindawi35905946 #META# Tags: novels #META# ID: 35905946 #META# Title: الجزيرة #META# AuthorID: 86935306 #META# Author: أولدس هكسلي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 71316163 #META# Translator: محمود محمود #META# Related_books: 1383AldousHuxley.Island (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # | الجزيرة # | الجزيرة # تأليف # أولدس هكسلي # ترجمة # محمود محمود # | مقدمة المترجم # بقلم محمود محمود # يسرني أن أقدم إلى قراء العربية هذه القصة التي اقترحت على لجنة الترجمة بالمجلس ~~الأعلى للثقافة ترجمتها فتفضلت اللجنة مشكورة بالموافقة. # مؤلف هذه القصة هو الكاتب الإنجليزي المعاصر أولدس هكسلي الذي ولد في عام 1894م ومات في ~~عام 1964م. وقد قضى حياته كلها بين الكتب يقرأ ويكتب في محاولة لإصلاح المجتمع بالنقد البناء ~~ورسم صورة لعالم جديد تتوافر فيه السعادة والحرية للناس أجمعين. # وهو، من ناحية أبيه، حفيد توماس هنري هكسلي العالم الشهير، وينتمي من ناحية أمه إلى أسرة ~~توماس أرنولد ناظر مدرسة رجبي المعروف في عالم التربية في بلاد الإنجليز. ومن بين أفراد ~~أسرته من كان أستاذا، ومن كان عالما، أو شاعرا، أو روائيا. فهو من بيت علم وأدب، تأثر ~~في نشأته بهذا الوسط الثقافي، وتزود بقسط وافر من المعارف وقدر كبير من الألفاظ ~~المعبرة. ولما كان من الأدباء الموهوبين فقد كانت كتاباته دسمة تنطوي على فكر عميق وأسلوب ~~رائع خلاب. # قاسى كثيرا في طفولته من ضعف بصره الذي كاد أن يفقده ويعيش ضريرا كفيف البصر، وقضى ~~أياما كثيرة وحده في غرفة مظلمة لا يستطيع القراءة ولا تقع عيناه على شيء، فانقلب إلى ~~دخيلة نفسه يفكر ويتأمل. وكان لهذه الفترة من حياته أثرها الكبير في كل ما كتب فيما بعد، ~~بعدما زال عنه خطر العمى الكامل واسترد شيئا من قدرته على الرؤية؛ فهو يميل دائما إلى ~~التفكير المستقل والتأمل الصوفي. # غير أن ما أصابه في عينيه ms001 لم يصرفه عن التعلم وإدمان القراءة. وقد بدأ حياته الأدبية ~~شاعرا محتذيا في ذلك حذو أكثر الكتاب من جيله، ولبث شاعرا طوال حياته حتى عندما ~~تحول من التعبير بالكلام المنظوم إلى النثر الفني يكتب به القصص والمقالات. فهو في نثره ~~ينضح من الوجدان أكثر مما يبني على العقل والمنطق، يحلق في الخيال ويستخدم الطريف من ~~التشبيه والاستعارة والكناية. # ولما أتم تعليمه الجامعي في أكسفورد رحل إلى لندن واشتغل بالصحافة، يكتب المقالات ~~والقصص القصيرة. # ثم شرع بعد ذلك يكتب الروايات الطويلة متأثرا بمنهج الكاتب الروائي توماس بيكوك الذي عاش ~~في القرن التاسع عشر، واشتهر بسعة الاطلاع وروح التهكم والخيال الجامح. وأخرج هكسلي العديد ~~من الروايات التي اتخذ منها وسيلة لبث كثير من آرائه التي بشر بها. # وهو كاتب متنوع المواهب متنوع الموضوعات. يقول عنه أخوه العالم جوليان إنه الرجل الوحيد ~~الذي يحمل معه دائرة المعارف البريطانية حينما يقوم برحلة طويلة أو يطوف حول العالم، ولكنه ~~- على الرغم من عمق ثقافته وغزارة علمه - لم يقصر نفسه على مجرد التفكير، بل كان يمارس ~~كثيرا من الأعمال ويعاشر الكثير من الرجال، وكانت حياته الاجتماعية خصبة تمده بكثير من ~~التجارب والخبرات. # يقول في إحدى قصصه التي كتبها في باكورة حياته الأدبية: # أكثر الناس يقبل على معركة الحياة يخوضها بآراء مسبقة عن كل شيء وله فلسفة ~~جاهزة يحاول أن يخضع لها أمور هذه الدنيا بأسرها. وهذا وضع مقلوب، والصحيح هو أن ~~يمارس المرء حياته أولا، ثم يحاول بعد الخبرة أن يصوغ فلسفته وآراءه التي تتفق مع ~~الحياة كما عرفها. # وعلى هذا النهج سار هكسلي في حياته؛ يمارس العمل ويكتسب الخبرة قبل أن يصوغ الرأي، لا ~~تكبله قيود المبادئ والأصول والتقاليد الموروثة؛ ومن أجل هذا كان ثائرا على المألوف. وكانت ~~له آراء عجيبة لا يسيغها المجتمع، ولكنه وضع حريته في الرأي فوق استرضاء الجماهير. # وشغل نفسه طوال حياته بالعلاقة بين العلم والمجتمع، فكتب روايته الشهيرة «العالم الطريف» ~~التي سبق لي أن نقلتها إلى اللغة العربية. وفي هذه ms002 الرواية عبر هكسلي عن خوفه من سيطرة ~~العلم سيطرة كاملة على حياة الناس، وأشفق على المجتمع البشري من المغالاة في تطبيق العلم ~~إلى الحد الذي تنتفي معه في حياته العاطفة والشعر وتقدير الجمال. # في مثل هذا العالم الذي يقوم على قواعد العلم دون غيرها تصبح الحياة آلية يتشابه فيها زيد ~~مع عمرو وتتلاشى المميزات الخاصة لكل فرد. # كان هكسلي في كتابه هذا متشائما في مستقبل البشرية إلى أقصى الحدود. وبعدما مرت السنون ~~أدرك أن هذا التشاؤم لا يؤدي إلى إصلاح أسباب المعاناة والشقاء، فأخرج كتابا آخر أسماه ~~«عود إلى العالم الطريف» راجع فيه آراءه السابقة، وكان أكثر تفاؤلا وأشد ميلا إلى الفكر ~~البناء، ودعا إلى المزيد من الديمقراطية والحرية، وإلى رفع مستوى المعيشة بضبط النسل وتنظيم ~~الأسرة. # ولبث يفكر في تصوير عالم جديد تتوافر للمرء فيه الحرية والسعادة، وأخيرا انتهى إلى رسم ~~صورة خيالية لهذا العالم في قصته «الجزيرة» التي أقدمها اليوم إلى القراء. # ولي مع هذا الكتاب قصة؛ فلقد كنت دائما شغوفا بكل ما كتب هكسلي أقرؤه وأتدبره وأنقل ~~بعضه إلى العربية بنصه الكامل أحيانا وفي صيغة ملخصة أحيانا أخرى. حتى كان صيف عام 1962م ~~حينما أتيحت لي فرصة لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية، وطفت بالعديد من ولاياتها. ولما ~~بلغت سان فرانسسكو بولاية كاليفورنيا وقابلت هناك المسئولين عن تنظيم رحلتي، بادرني أحدهم ~~بقوله إنهم يعلمون عني أني من المولعين بأدب هكسلي. ولما كان الرجل في ذلك الحين يقيم في ~~بركلي على مقربة من مدينة سان فرانسسكو أستاذا زائرا في جامعة كاليفورنيا، يلقي على طلبتها ~~محاضرات في الأدب المعاصر؛ فقد اتصلوا به يخطرونه بقدومي، وتفضل بدعوتي إلى زيارته بمنزله. ~~ولبيت الدعوة بسرور بالغ لأنني وجدت فيها فرصة ألتقي فيها بهذا الكاتب العظيم، وأجري معه ~~حديثا يزيدني علما وبصيرة بفكره ونظراته في الحياة. # ودهشت لبساطة المنزل، وتواضع الرجل، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث زهاء ساعتين، وأذهلني ~~منه عمق ثقافته واتساعها وشمولها؛ فهو على دراية تامة بتقدم العلوم الطبيعية، وبالتاريخ ~~السياسي وتاريخ الأديان، وبكثير ms003 من اللغات الحية واللغات البائدة، وآداب الشعوب، ومشكلاتها ~~السياسية والاقتصادية، ونظريات التطور وعلم النفس الحديث، والفنون القديمة والحديثة بضروبها ~~كافة، وعلوم الفلسفة والتربية ... ماذا أقول! إنني لا أكون مغاليا إذا قلت إن الرجل موسوعة ~~علمية كاملة، امتزجت في شخصه مختلف المعارف والثقافات، وكون لنفسه من هذا المزيج فلسفته ~~الخاصة التي أخرجها في كتب أدبية رائعة تتسم بروعة الأسلوب والأداء. # وراعني من الرجل خاصة وعيه لمشكلات هذه المنطقة من العالم التي نعيش فيها، منطقة الشرق ~~الأوسط، مهبط الوحي والديانات، وعطفه على العروبة وآمالها، وميله إلى التصوف وتقديره له، ~~وإيثاره التصوف الإسلامي على التصوف البوذي الهندي؛ لأن النوع الأول من التصوف منشئ بناء، ~~في حين أن التصوف البوذي سلبي هدام، لا يحث على عمل، ولا يدفع إلى خلق أو ابتكار. وأخذ يروي ~~لي أبياتا من الشعر بالإنجليزية هي ترجمة لشعر جلال الدين الرومي الذي أبدى إعجابا شديدا ~~به. كما عبر عن أسفه الشديد لأنه لا يعرف اللغة العربية لكي يتمكن من أن ينهل من الثقافة ~~الإسلامية من مصادرها الأصيلة. # وأردت أن أظفر من الرجل في نهاية الزيارة بحديث عن أحدث آرائه في الاجتماع والسياسة ~~والاقتصاد وتقدم العلوم والحضارة البشرية عامة، أنشره بعد عودتي لبلادي، فقال: خير من ~~حديث مطول ربما لا يلم بكل أطراف الموضوع أن أهدي إليك آخر مؤلفاتي؛ لعلك واجد فيه بغيتك. ~~ونهض إلى مكتبته وعاد منها بكتاب أمهره بعبارة إهداء لطيفة، فقبلته منه شاكرا، ثم ~~انصرفت. # والكتاب الذي أهداني إياه هو قصة «الجزيرة» التي أشرت إليها من قبل في هذه المقدمة، ولعل ~~هذه القصة هي آخر ما كتب قبل وفاته. وعكفت على الكتاب أقرؤه، وعزمت على أن أنقله إلى اللغة ~~العربية، ومضت السنون دون أن أحقق ما اعتزمت حتى كانت هذه الفرصة الطيبة التي أتاحها لي ~~المجلس الأعلى للثقافة. # والكتاب عبارة عن قصة حول جزيرة خيالية اسمها بالا تقع في بقعة نائية بالمحيط الهادي ~~بعيدة عن حضارات الشرق والغرب، عاش أهلها مائة وعشرين عاما في مجتمع مثالي توافرت فيه ms004 كل ~~أسباب الحرية والسعادة، لا يتقيد بما ألفنا من نظم، فلا هو بالمجتمع الرأسمالي، ولا هو ~~بالمجتمع الشيوعي. أهله متصوفون يؤمنون بالعلم الحديث وإمكاناته، العلم الذي يتحرر به ~~الإنسان، وليس العلم الذي يستعبد الإنسان. وإن كان العلم في قصة «العالم الطريف» قد جعل ~~الحياة على الأرض جحيما؛ فالعلم ذاته في هذا العالم الجديد قد أقام على الأرض ~~نعيما. # وقد تم هذا اللقاء بين الشرق والغرب، وهذا التزاوج بين العلم والإيمان عندما وفد إلى ~~جزيرة بالا طبيب من أهل الغرب يمثل العلم الحديث استدعاه حاكم الجزيرة لمعالجته من مرض عضال ~~ألم به وكاد أن يودي بحياته، وهذا الحاكم رجل بوذي مغرق في تصوفه، وأفلح الطبيب في علاج ~~الرجل فنشأت بينهما صداقة قوية ترمز للجمع بين العلم والدين، واتخذ الحاكم طبيبه وزيرا له، ~~وتعاهدا على إصلاح الأمور في مملكة بالا على هذا الأساس. وسرعان ما أخذ الناس جميعا بهذا ~~الأسلوب الجديد من العيش الذي يجمع بين العلم والإيمان. # وبهذه الجزيرة ثروات طائلة من البترول والمعادن أثارت حسد العالم المحيط بها ومطامع ~~المستعمرين وشركات الاستثمار في أوروبا وأمريكا. فرأى أحد مديري هذه الشركات الذي يملك كذلك ~~الكثير من الصحف أن يبعث إلى بالا وكيلا عنه - هو ويل فارنبي - أحد المحررين في صحفه، ~~ليستطلع مجالات الاستثمار في الجزيرة، ويلتقي بالمسئولين فيها يدرس معهم إمكان إبرام اتفاق ~~مشترك شبيه بما يحدث عادة في بلاد الثروة البترولية. # ويصل ويل فارنبي بعد مشقة إلى الجزيرة ويجوس خلالها ويتعرف على أهلها وأمورها فيرى العجب ~~الذي يستنكره أولا، ولكنه لا يلبث أن يقتنع به ويعتقد فيه. # ماذا رأى ويل فارنبي في جزيرة بالا؟ # رأى قوما يأخذون بالصوفية البوذية مسلكا في حياتهم وبالعلم الحديث طريقا إلى التقدم ~~والتطور. # والصوفية فوق هذه الجزيرة سبيل لتحرير النفوس من سلطان المادة، وطريق إلى بلوغ الاستنارة ~~الكاملة والوعي الشامل بالتأمل العميق في الحياة ومغزاها. # وقد أفاض الكاتب في مواضع عدة من الكتاب في تفصيل الكلام عن البوذية وأشار إلى كثير من ~~معالمها وأعلامها. وقد ms005 أوضحت في هوامش من عندي بنبذ قصيرة ما يشير إليه الكاتب من أسرار هذه ~~العقيدة الدينية، كما حاولت في الهوامش كذلك أن أفسر ما قد يغمض على القارئ من الإشارات ~~والأعلام التاريخية الكثيرة التي يوردها في سياق القصة بفرض أن القارئ على علم مسبق ~~بها. # وأهل بالا يفيدون من قوة الإيحاء والتنويم المغناطيسي في تعليم الأطفال وعلاج المرضى، ~~ويمكنهم بتأثير عقار يتعاطونه اسمه «الموكشا» أن يعيشوا في أحلام حلوة عذبة يتصلون فيها ~~بالواحد الأحد ويتأملون في خلق السموات والأرض، ويتحدون مع الكون بمظاهره كافة؛ وذلك هدف ~~من أهداف التصوف السامية. # ولأهل بالا فلسفتهم الخاصة في التربية وتنظيم الأسرة، وفي الاقتصاد والسياسة، وفي ~~العلاقات الإنسانية، والفنون والثقافة، ونظرة الإنسان إلى الموت، والتكنولوجيا الحديثة، وكل ~~شأن من شئون الحياة، متحررين تماما من العقد وقيود الماضي ومن الاستعمار البغيض. # وفي رواية «الجزيرة» مجال فسيح لعرض هذه الآراء وأمثالها في حوار ممتع؛ لأنها ليست قصة ~~بالمعنى المألوف، فهي تكاد أن تخلو من العقدة، ولا تأبه بتحليل الشخصيات، إنما هي قصة لعرض ~~الآراء والأفكار. # ولست أريد أن أسترسل في مقدمة الكتاب في بسط كل ما جاء به من طريف هذه الآراء والأفكار، ~~وأوثر على ذلك أن أضع الكتاب بين يدي القارئ يستغرق فيه مع خيال الكاتب الذي آمل أن يجد فيه ~~متعة ذهنية ولذة روحية. # ولم يكن هكسلي في كتابه هذا متفائلا كل التفاؤل بسيادة النظام الجديد؛ لأن العالم ما ~~تزال به كثير من الشرور التي تفتك بمحاولات التقدم وبما تحرزه الشعوب من نعمة الحرية ~~والاستقرار والاستقلال. # وفي قمة هذه الشرور نقمة المطامع المادية والاستعمار؛ ولذلك نرى هكسلي يتخيل في نهاية ~~القصة بأن الطامعين من أهل الغرب يحيكون مع أحد الحكام المستبدين في بلد مجاور لبالا مؤامرة ~~للاستيلاء عليها، فيدخل هذا الحاكم المستبد الجزيرة غازيا ليحكمها حكما مطلقا ويمنح ~~المستثمر الأجنبي امتيازات يستولي بها على ثروة البلاد. وبهذا تنتهي القصة وتخضع أرض ~~الأحلام إلى الواقع المرير. # ومما شجعني على القيام بترجمة هذا الكتاب هو تلك ms006 الدعوة التي ينطوي عليها إلى الأخذ ~~بالعلم والإيمان، وإلى الجمع بين فلسفة الشرق الروحية وفلسفة الغرب المادية في كيان واحد، ~~وهو ما نهدف إليه في نهضتنا الجديدة، وما يتطلع إليه المفكرون والمصلحون في العالم ~~الحديث. # عندما نضع مثلا أعلى، لنا أن نفترض ما نشاء على أن نتجنب المستحيلات. # أرسطو # | الفصل الأول # - انتباه! # بهذه الكلمة صاح المنادي، وكأن مزمارا قد نطق فجأة بصوت واضح. ~~- انتباه، انتباه! # هكذا أخذ الصوت يكرر النداء بنفس النغمة العالية الرتيبة التي تخرج من الأنف. # وكان ويل فارنبي مستلقيا بين أوراق الأشجار الذابلة وكأنه جثة هامدة، شعره مشعث، ووجهه ~~ملطخ بصورة بشعة، به كدمات ورضوض، وثيابه رثة ملوثة بالوحل، عندما تيقظ من غفوته ~~مذعورا. # وكأن مولي قد نادته صائحة: لقد آن أن تنهض وترتدي ثيابك لكي لا تتأخر على موعدك ~~بالمكتب. # فاعتدل قائما وقال لها: شكرا لك يا عزيزتي. # وأحس ألما حادا بركبته اليمنى، وبصنوف أخرى من الألم في ظهره، وذراعيه، وجبهته. ~~- انتباه! # أخذ الصوت يردد هذه الكلمة دون أدنى اختلاف في النغم. فاتكأ فارنبي على أحد مرفقيه، وتلفت ~~حواليه، ولشد ما كانت حيرته عندما لم تقع عينه على الحائط المكسو بالورق الرمادي، وعلى ~~السجف الصفراء التي تغطي غرفة نومه في لندن، وإنما وقعت على أرض فضاء وسط الأشجار، وعلى ~~الظلال المستطيلة والأضواء المائلة التي تظهر في الغابة في الصباح الباكر. ~~- انتباه! # لماذا قالت: انتباه؟ # ولكن الصوت أخذ يردد القول: انتباه، انتباه! بشكل يدعو إلى العجب ويخلو من المعنى! # وتساءل: مولي؟ مولي؟ # وكأن هذا الاسم قد فتح في داخل رأسه نافذة. وفجأة وبذلك الشعور الرهيب بالذنب الذي يحسه ~~المرء في أعماقه شم رائحة «الفورمالدهايد»، ووقعت عينه على تلك الممرضة النحيلة خفيفة ~~الحركة وهي تخب في السير أمامه على طول الدهليز الأخضر، وطرقت أذنه خشخشة ردائها المنشى، ~~وكانت تكرر قولها: رقم 55. ثم توقفت، وفتحت بابا أبيض اللون، فولجه، ورأى مولي فوق سرير ~~مرتفع أبيض، مولي بالضمائد تغطي نصف وجهها، فاغرة فاها. # وناداها: مولي، مولي ... # وتهدج صوته، وأخذ يبكي، ms007 ويناشدها: حبيبتي! وليس من مجيب. ومن فمها المفتوح صعدت زفرات ~~خافتة متلاحقة بغير معنى، وهو يكرر النداء: حبيبتي، حبيبتي ... # وعندئذ دبت الحياة فجأة وللحظة قصيرة في اليد التي كان يمسك بها، ثم عادت إلى ~~السكون. # وقال: هذا أنا، أنا ويل. # ومرة أخرى اهتزت أصابعها. وفي بطء زائد وبجهد باد أطبقت على يده، وضغطت عليها لحظة، ثم ~~أرخت أصابعها ثانية ولا حراك فيها. # وصاح ذلك الصوت غير الإنساني: انتباه، انتباه! # وسارع إلى إقناع نفسه بأنها لم تكن سوى حادثة؛ فلقد كان الطريق مبتلا، وانزلقت العربة ~~عبر الخط الأبيض، وهو أمر يتكرر حدوثه، والصحف مليئة بأمثاله، وما أكثر ما أبلغ عن أشباهها، ~~فروي مثلا «أن أما وأطفالها الثلاثة قد لاقوا حتفهم في تصادم عنيف ...» # ولكن هذا لا يهم الآن، وإنما المهم هو أنها عندما سألته إن كانت تلك هي النهاية حقا، رد ~~عليها بالإيجاب. المهم أنه في أقل من ساعة زمن بعدما خرجت تحت المطر من تلك المقابلة ~~الأخيرة المخجلة كانت «مولي» في عربة الإسعاف تلفظ أنفاسها الأخيرة. # ولم يكن قد أعارها التفاتا عندما أولته ظهرها لكي تنصرف. بل ولم يجرؤ على ذلك؛ فإن نظرة ~~أخرى إلى ذلك الوجه الشاحب الذي يعاني الألم قد تفوق قدرته على الاحتمال وكانت قد نهضت من ~~مقعدها وتحركت ببطء شديد تذرع الغرفة من جانب إلى جانب، بل تحركت ببطء لتختفي من حياته. فهل ~~يسترجعها، ويطلب عفوها، ويقول لها إنه ما زال يحبها؟ # وللمرة المائة ناداه المزمار بصوت واضح إلى الانتباه! # وهل أحبها فعلا في أي وقت مضى؟ # وعادت به ذاكرته إلى همستها وهي تتلفت خلفها عند عتبة الباب قائلة: تصحبك السلامة يا ~~ويل. ولقد كانت «هي» التي قالت: إنني ما زلت أحبك يا ويل، على الرغم من كل ما حدث. بصوت ~~هامس يخرج من أعماق القلب. # وبعد هنيهة انغلق باب الغرفة خلفها دون أن يحدث صوتا مسموعا، ثم كانت طقطقة المزلاج ~~التي توارت بعدها عن الأنظار. # وقفز من مكانه وانطلق نحو الباب الخارجي وفتحه واستمع إلى ms008 خطوات تراجعها على الدرج، ~~وكأنها شبح عند منبلج الصباح خلف وراءه عطرا خفيف الرائحة مألوفا أخذ يتلاشى في الهواء. ~~وأغلق الباب مرة أخرى وأخذ يجول في غرفة النوم الرمادية والصفراء وتطلع من النافذة. وبعد ~~بضع ثوان رآها وهي تعبر الطريق وتركب السيارة. واستمع إلى صوت مفتاح التحريك وهو يدور بصوت ~~عال، دفعة أولى، ثم دفعة ثانية. وبعدئذ استمع إلى طنين المحرك، فهل يفتح النافذة؟ وأصغى ~~إلى نفسه وهو يصيح في خياله: مهلا يا مولي، مهلا! # وظلت النافذة مغلقة، وبدأت السيارة في التحرك، ودارت عند الناصية، وأصبح الطريق خاليا. ~~وفات الأوان، واستمع إلى صوت ساخر أجش وهو يكرر القول: الحمد لله، لقد فات الأوان! ومع ذلك ~~فقد كان الإحساس بالذنب في صميم الفؤاد، وتأنيب الضمير يجز في نفسه، ولكنه استطاع برغم هذا ~~التأنيب أن يشعر بشيء من السرور؛ فلقد كان هناك شخص وضيع فاسق همجي، شخص غريب بغيض - ولكنه ~~يعبر في الواقع عما في نفسه - تساوره الفرحة بأنه لم يعد أمامه الآن ما يعوقه عن الظفر بما ~~يريد، وما يريد هو عطر آخر؛ هو الدفء والمرونة ينبعثان عن جسم أكثر نضارة وشبابا. # ثم نادى المزمار: انتباه! # نعم، انتباه! انتباه إلى مخدع بابز الذي يفوح بالمسك، والذي يتوارى في فجوة قرنفلية اللون ~~كالفراولة، لها نافذتان تطلان على شارع تشارنج كروس يتسرب من خلالهما طوال الليل وميض خاطف ~~يصدر عن لوحة مرتفعة عالية تعلن عن «بورترجين» وتقع على الجانب الآخر من الطريق. وكلمة ~~«جين» قرمزية اللون؛ وقد أمست الفجوة لعشر ثوان قلبا مقدسا، ولعشر ثوان معجزة. تلألأ ~~الوجه المتورد - الذي كان يلاصقه - وكأنه وجه صاروفيم. وقد صاغته نار الحب الدفينة في صورة ~~أخرى. ثم حدث بعد ذلك تحول أشد عمقا في ظلام الليل. ودقت الساعة دقة أولى، وثانية، وثالثة، ~~ورابعة ... ربي اجعلها تدق أبد الآبدين! وعندما دقت الساعة الكهربائية دقتها العاشرة تبدت له ~~رؤية أخرى؛ رؤية الموت والفزع الأكبر؛ ذلك أن الأضواء هذه المرة كانت خضراء وتحولت فجوة ~~بابز الوردية لعشر ثوان مقيتة ms009 إلى بؤرة من الوحل، واستحالت بابز إلى ما يشبه الجثة التي ~~أصابها صرع بعد الموت. وعندما اتخذ إعلان «الجين» اللون الأخضر تعذر نسيان ما حدث وحقيقة ~~الإنسان الذي كان. ولم يعد بوسعه إلا أن يغمض عينيه ويغوص - إن استطاع - بدرجة أشد عمقا في ~~العالم الآخر، عالم الشهوات الحسية، وأن يغوص بعنف، وعن عمد، في تلك النوبات التي تطير ~~بصوابك، وهي نوبات كانت مولي المسكينة غريبة عنها تماما؛ انتباه! مولي التي هي الآن في ~~ضمائدها. وفي مثواها الرطب في هايجيت. # ولقد كانت هايجيت - بطبيعة الحال - هي السبب الذي يجعله يغمض العين كلما سقط الضوء الأخضر ~~على بابز وهي عارية فيحيلها إلى لون الجثة. ولم تكن مولي وحدها هي ما جال بخاطره؛ فلقد رأى ~~ويل من خلف جفنيه المطبقين أمه شاحبة اللون كالكاميو (حجر كريم) روحانية الوجه مستسلمة ~~للألم، يداها في صورة بشعة وقد أصابهما التهاب المفاصل فهبط بهما إلى مستوى دون مستوى ~~البشر، كما رأى أخته مود واقفة خلف كرسي المقعدين الذي كانت تعتليه الأم وقد كساها الشحم ~~واهتز جسمها كما يهتز الهلام واستولت عليها المشاعر التي لم تعبر عنها قط تعبيرا صحيحا ~~بالحب الذي يبلغ ذروته. ~~- كيف تستطيع ذلك يا ويل؟ # ورددت مود العبارة قائلة: نعم، كيف تستطيع؟ بصوتها الرنان المرتعش والدمع يساقط من ~~عينيها. # ولم يحر جوابا، أي جواب في ألفاظ يستطيع أن يتفوه بها في حضورهما، وإن استطاع فإن هاتين ~~الشهيدتين - الأم التي استشهدت في زواج غير سعيد، والأخت التي استشهدت في برها بأمها - لا ~~يمكن أن يفقها قوله. لا جواب، اللهم إلا أن كان في لفظ أشد ما يكون موضوعية علمية فاحشة، وفي ~~صراحة مرفوضة، يسألانه كيف استطاع أن يفعل ذلك؟ لقد استطاع، بل لعله أرغم عمليا على ذلك؛ ~~لأن لبابز خصائص بدنية معينة لم تكن من صفات مولي، كما كانت في بعض اللحظات تسلك سلوكا ~~لا يمكن أن يتطرق إليه ذهن مولي. # وسادت فترة طويلة من الصمت، ثم - وعلى غير انتظار - عاد الصوت الغريب يردد قوله: ms010 انتباه، ~~انتباه! # انتباه إلى مولي، وانتباه إلى مود وإلى أمه، وانتباه إلى بابز، وفجأة برزت من ضباب الغموض ~~والاضطراب ذكرى ثانية؛ فلقد أوى إلى ركن بابز القرنفلي ضيف آخر، وارتعش جسمها نشوة من ~~عناقه، فشعر - بالإضافة إلى الإحساس بالذنب - بهم في قلبه وغصة في حلقه. ~~- انتباه! # اقترب الصوت، ونادى من مكان ما جهة اليمين، وأدار ويل رأسه، وحاول أن ينهض حتى يشهد ~~المنظر بصورة أوضح. غير أن الذراع التي كان يستند إليها بدأت ترتعش، ثم هوت وسقط بين أوراق ~~الشجر. ولما كان مجهدا إلى حد لا يستطيع معه استرجاع الماضي فقد استلقى مكانه لفترة طويلة ~~محدقا إلى أعلى من خلال جفنين نصف مغمضين نحو عالم من حوله لم يدرك له كنها. أين هو؟ وكيف ~~وصل إلى هذا المكان؟ ولم يكن ذلك مهما في حد ذاته، إذ لم يكن يهمه في تلك اللحظة سوى ما ~~يحس من ألم ومن ضعف قاتل، ومع ذلك فقد دفعه اهتمامه العلمي إلى ... # هذه الشجرة - مثلا - التي ألفى نفسه (لسبب ليس يعرفه) ملقى تحتها، وهذا الجذع المرتفع ~~بقشرته الرمادية، وبأعلاه عقدان متقاطعان من الأغصان المرقشة بضوء الشمس؛ هذه الشجرة على ~~هذه الصورة لا بد أن تكون من أشجار الزان، ولكنها إن كانت كذلك فإن أوراقها لا يصح أن ~~تكون دائمة الخضرة كما بدت؛ وهنا أعجب ويل بنفسه لوضوح منطقه. ولماذا ترفع شجرة الزان ~~جذورها كالأكواع فوق سطح الأرض على هذا النحو؟ وهذه الدعامات الخشبية العجيبة التي تستند ~~إليها الشجرة الشبيهة بشجرة الزان ما مكانها من الصورة؟ # وما أعجب هذه الفراشات التي تنقض هناك في ضوء الشمس الشديد. لماذا هي في هذا الحجم ~~الكبير، لازوردية بشكل غير مألوف أو سوداء كالمخمل، واسعة العينين بها كلف غير معهود؟ ~~والأرجوان يطل من الكستناء، والفضة منثورة فوق الزمرد، وفوق التوباز (حجر كريم)، وفوق ~~الياقوت الأزرق! ~~- انتباه! # وصاح ويل فارنبي بصوت ظنه عاليا مزعجا: من هناك؟ في حين أن كل ما خرج من فيه لم يكن ~~سوى صوت منخفض رفيع مرتعش. ms011 # ثم ساد سكون طويل ومخيف للغاية فيما بدا. وبرزت من الفجوة التي تقع بين دعامتين خشبيتين ~~من دعامات الشجرة حشرة لها أربع وأربعون رجلا، ضخمة سوداء اللون، وظهرت للعيان لحظة، ثم ~~أسرعت مبتعدة وهي تجري بأرجلها العديدة القرمزية واختفت في فجوة أخرى. # وبصوته الخفيض صاح مرة أخرى: من هناك؟ # وسمع خشخشة في الأشجار التي كانت على يساره، وفجأة ظهر طائر أسود ضخم في حجم الغراب - ~~وليست بي حاجة إلى القول بأنه لم يكن غرابا - وكأنه وقواق قد أطل من ساعة حائط، وصفق ~~بجناحين أطرافهما بيضاء، ثم اندفع في الفضاء الذي يفصله عن ويل، واستقر فوق أدنى أغصان شجرة ~~صغيرة ذابلة تبعد أقل من عشرين قدما عن المكان الذي كان يرقد فيه. ولاحظ ويل أن منقار ~~الطائر برتقالي اللون، وتحت كل عين بقعة صفراء جرداء، وأن له ألغادا صفراء فاتحة تغطي رأسه ~~ومؤخرته، مع لمة كثيفة من اللحم العاري. وهز الطائر رأسه في خيلاء وحدق فيه بعينه اليمنى ~~أولا ثم بعينه اليسرى بعد ذلك، وبعدئذ فتح منقاره البرتقالي، وصفر عشر مرات أو اثنتي عشرة ~~مرة بنغم منخفض على المستوى الخماسي من السلم الموسيقي، وصدر عنه صوت شبيه بالغواق، وفي ~~كلمات غنائية بنغمة «دو دو سول دو» صاح قائلا: الآن، وفي هذا المكان يا قوم، الآن، وفي هذا ~~المكان يا قوم. # وكأن هذه الكلمات قد ضغطت على زناد، وفجأة تذكر كل شيء. هنا بالا؛ الأرض المحرمة، المكان ~~الذي لم يزره صحافي قبل اليوم. ولا بد أن يكون هذا الوقت هو الصباح الذي تلا ذلك المساء ~~الذي فقد فيه رشده فأبحر وحده خارج ميناء راندنج لوبو. تذكر كل شيء: الشراع الأبيض الذي ~~انتفخ بالريح فاتخذ شكل ورقة المنغوليا، والماء يتدفق عند مقدم السفينة، وبريق الماس على ~~قمم الأمواج، والقنوات التي تشبه اليشم المجعد، وعبر المضيق شرقا تلك السحب، وعجائب ذلك ~~اللون الأبيض المنحوت الذي يعلو براكين بالا. وفي جلسته عند ذراع الدفة تنبه إلى نفسه فإذا ~~به يغني ويشعر بسعادة لا تشوبها شائبة ms012 وبدرجة لا يتصورها العقل. # وحملت الرياح فوق موج البحر الصاخب نشيده الذي تغنى فيه بوحدته الموحشة. # وليست بنا حاجة إلى القول بأن ما حذر منه كل الملاحين الحذرين المجربين قد حدث؛ العاصفة ~~الهوجاء تهب من أين لا يدري، والريح العاتية والمطر والموج تثور فجأة مسعورة مجنونة ~~... # وتغنى الطائر: الآن، وفي هذا المكان يا قوم، الآن، وفي هذا المكان يا قوم. # وخطر له أنه من العجيب حقا أن يكون هنا تحت الأشجار ولا يكون هناك في قاع مضيق بالا، بل ~~- وهو أسوأ من ذلك - ألا يكون حطاما عند سفح الجبل؛ لأنه حتى بعد أن استطاع بمحض المعجزة ~~أن يقود سفينته الغارقة خلال الموج ويرسيها على الشاطئ الرملي الوحيد بين تلك الأميال من ~~سواحل بالا الصخرية؛ حتى مع ذلك لم تكن النهاية. فلقد كانت التلال شامخة؛ ولكن في أعلى ~~مكانه المنخفض كان هناك واد ضيق يجري فيه تيار من الماء تقطعه مساقط شفافة متتابعة. وكانت ~~هناك أعشاب وأشجار تنمو بين جدران من الجير الرمادي؛ ستمائة أو سبعمائة قدم من الصخر عليه ~~أن يتسلقها، في حذاء حفيف كحذاء لعبة التنس. وكل مواقع الأقدام زلقة تغمرها المياه. وفوق ~~ذلك تلك الأفاعي، وإحداها سوداء تلتف فوق الغصن الذي كان يتشبث به. وبعد خمس دقائق تكورت ~~الأفعى الخضراء الضخمة هناك فوق صخرة ناتئة في المكان الذي كان يتأهب ليخطو عليه. فزع يتلوه ~~فزع أشد. وقد انخلع قلبه لمرأى الأفعى وسحب قدمه بشدة. وأفقدته توازنه هذه الحركة المفاجئة ~~التي لم يحسب لها حسابا. ومرت به برهة طويلة من الغثيان وهو موقن في جزع شديد أن هذه هي ~~نهايته. وترنح عند الحافة ثم هوى، الموت، الموت، الموت! وبعدئذ ألفى نفسه - وفي أذنيه صوت ~~الخشب يتطاير شظايا - معلقا في أغصان شجرة صغيرة، وجهه مخدوش، وركبته اليمنى مجروحة تسيل ~~منها الدماء، ولكنه ما برح على قيد الحياة. فتابع تسلقه في عناء شديد. وقد آلمته ركبته ~~وأوجعته، ولكنه واصل التسلق، ولم يكن له عن ذلك بديل. ثم أخذ النور يتلاشى. وفي ms013 النهاية كان ~~يتسلق في شبه الظلام، يدفعه الإيمان واليأس القاتل. # وصاح الطائر: الآن، وفي هذا المكان يا قوم. # غير أن ويل فارنبي لم يكن في هذه الآونة ولا هذا المكان. بل كان هناك فوق الصخور وفي لحظة ~~السقوط المفزعة، وخشخشت الأوراق الجافة تحت قدميه وأخذته الرعشة، فكان يرتجف في عنف شديد ~~وعلى غير إرادته من قمة رأسه إلى أسفل قدميه. # | الفصل الثاني # وفجأة لم يعد الطائر واضح العبارة، وبدأ يصيح، وطرق أذنيه صوت بشري حاد يقول: المينة ~~(طائر آسيوي). وأضاف بعد ذلك شيئا في لغة لم يفهمها ويل. ثم استمع إلى صوت خطى فوق أوراق ~~الشجر الجافة، أعقبتها صيحة ذعر. وساد الصمت بعد ذلك. وفتح ويل عينيه فرأى طفلين رائعين ~~يتفرسانه وعيونهما تحملق في دهشة وفزع مريع، أصغرهما صبي نحيل الجسم ربما كان في الخامسة أو ~~السادسة من عمره لا يستره سوى إزار أخضر اللون. وإلى جواره تقف فتاة صغيرة تكبره بأربع أو ~~خمس سنوات تحمل فوق رأسها سلة من الفاكهة. وكانت ترتدي ثوبا قرمزي اللون يكسوها من خصرها ~~حتى عقبيها. أما ما فوق الخصر فقد كان عاريا. بشرتها تتلألأ في ضوء الشمس فتتخذ لون النحاس ~~الباهت المطلي بلون وردي، ووجه ويل نظرته من طفل إلى آخر. ما أجملهما! وما أكملهما! وما أشد ~~ما هما عليه من أناقة! وما أشبههما بالسلالة الأصيلة! أما الصبي فهو مخلوق رائع الحسن قوي ~~متكور وجهه كالملاك، والفتاة مخلوقة أخرى رائعة الجمال، دقيقة الملامح، وجهها صغير الحجم ~~مستطيل جاد النظرات تحوطه ضفيرتان من الشعر الأسود. # ثم كانت صيحة أخرى مباغتة، والطائر في مجثمه فوق الشجرة الذابلة يتلفت في عصبية يمنة ~~ويسرة، وبعد صيحة أخيرة من الذعر انطلق في الفضاء. ومدت الفتاة يدها لمصافحة ويل دون أن ~~ترخي نظرتها إلى وجهه. أما الطائر فرفرف جناحيه، ثم استقر، واهتز هزة كبرى، اتزن بعدها، ~~وبعدئذ طوى جناحيه وشرع فورا في فواق متواصل. وشخص إليه ويل بغير دهشة؛ فأي شيء كان حينذاك ~~ممكن الوقوع، حتى الطيور الناطقة التي تجثم ms014 فوق إصبع طفل صغير. وحاول ويل أن يبسم لهما، ~~غير أن شفتيه كانتا لا تزالان ترتعشان. وقد قصد بابتسامته أن يتودد إليهما ولكنها بدت كأنها ~~حركة في الوجه تدعو إلى الخوف. واختفى الصبي خلف أخته. # وكف الطائر عن الفواق وبدأ يكرر لفظة لم يفهم ويل لها معنى. هل كانت هذه اللفظة «رونا»؟ ~~كلا. كانت «كارونا» بالتأكيد. # ورفع يدا مرتجفة وأشار إلى الفاكهة في السلة المستديرة: المنجة والموز ... وسال اللعاب من ~~فمه الجاف. # وقال: أنا جائع. ثم أحس أن الطفل في مثل هذه الظروف الغريبة قد يكون أكثر تفهما له إذا ~~هو اصطنع اللهجة التي يتحدث بها رجل صيني يلعب دورا في ملهاة موسيقية، فغير من عبارته ~~وجعلها كحديث الأجنبي عن اللغة. # وفي لغة إنجليزية سليمة قال الطفل: هل تريد أن تأكل؟ # فرد علي بقوله: نعم، آكل، آكل. # فهزت الطفلة رأسها وقالت للمينة: ابتعدي. وصدر عن الطائر صوت احتجاج وعاد إلى مجثمه فوق ~~الشجرة الذابلة، ورفعت الطفلة ذراعيها الصغيرتين النحيلتين بحركة كحركة الراقصة ورفعت السلة ~~من فوق رأسها ووضعتها فوق الأرض، وانتقت إصبع موز وقشرته، وبمزيج من الإحساس بالخوف والشفقة ~~تقدمت نحو الرجل الغريب، وبلغة غير مفهومة صاح الطفل منذرا وتشبث برداء أخته. ونطقت الطفلة ~~كلمة تدل على الاطمئنان، ثم وقفت على مبعدة من المخاطر ورفعت إصبع الموز وسألت الرجل: هل ~~تريده؟ # ومد ويل فارنبي يده وهي ما تزال ترتعش، وبحذر شديد تقدمت الفتاة ثم وقفت، ثم قبعت، وتطلعت ~~إليه في إمعان شديد. # وقال وقد نفد صبره: أسرعي. # ولكن الفتاة الصغيرة لم تتعجل، وظلت تحدق في يده تحاول أن تتبين إن كانت بها أدنى إشارة ~~إلى حركة مريبة، ثم انحنت إلى الأمام، ومدت ذراعها في حذر شديد. # وتوسل إليها قائلا: لله! # وباهتمام مباغت كررت الفتاة قوله: الله؟! # وسألته: أي إله، فهناك آلهة كثيرة؟ # وأجابها وقد نفد صبره: من تشائين منهم. # وأجابته: إنني في الواقع لا أحب أيا منهم، إنما أنا أحب الواحد الرحيم. # وتوسل إليها قائلا: إذن فكوني رحيمة بي وأعطيني ms015 هذا الإصبع من الموز. # وتغير تعبيرها، وقالت معتذرة: آسفة. # ونهضت منتصبة القامة وخطت إلى الأمام خطوة سريعة وأسقطت الفاكهة في يده المرتعشة. # وقالت: هاكها. ثم قفزت إلى الخلف بعيدا عن مناله كالحيوان الصغير الذي يتفادى ~~المصيدة. # وصفق الصبي الصغير بيديه وضحك ضحكة عالية. فالتفتت وقالت له شيئا ما، وأومأ برأسه ~~المستدير قائلا: ليكن ذلك يا سيدتي. وهرول بعيدا متسللا وقد شق طريقه خلال جسر من ~~الفراشات الزرقاء والكبريتية، وتوغل بين ظلال الغابة في الجانب البعيد من الوادي. # وفسرت موقفها للرجل قائلة: قلت لتوم كريشنا: اذهب وعد ومعك شخص ما. # وأكل ويل إصبع الموز وطلب إصبعا ثانية وثالثة. ولما تخفف من ألم الجوع أحس الحاجة إلى ~~إشباع رغبته في الاستطلاع. # وتساءل: كيف تتحدثين الإنجليزية بهذه الفصاحة؟ # قالت: لأن كل إنسان يتحدث الإنجليزية. ~~- كل إنسان؟ # قالت: أقصد عندما لا يتحدثون لغة أهل بالا. # ولما كان الموضوع لا يشوقها أدارت وجهها ولوحت بيد صغيرة سمراء، وأخذت تصفر. # ومرة أخرى أخذ الطائر يردد: الآن، وفي هذا المكان يا قوم. ثم هبط من مجثمه فوق الشجرة ~~الذابلة واستقر فوق كتف الفتاة التي أخذت تقشر موزة أخرى أعطت ويل ثلثيها وقدمت ما تبقى ~~للمينة. # وسألها ويل: هل هذا طائرك؟ # وهزت رأسها. # وقالت: المينات كالضوء الكهربائي لا تخص أحدا دون الآخر. ~~- ولماذا يتفوه بهذا الكلام؟ # وأجابته صابرة: إنه تعلمها. وكأنها بنغمة حديثها تقول له: يا حمار! ~~- ولماذا علموه هذا الكلام: «انتباه، والآن، وفي هذا المكان»؟ # وأخذت تفكر في اللفظ الصحيح الذي تعبر به لهذا الأبله العجيب عن الأمر الواضح فقالت: لأن ~~ذلك ما ينساه المرء. أليس كذلك؟ أقصد أنك تنسى أن تتنبه إلى ما هو حادث، وهو ما يعني أنك ~~لست هنا ولا في هذا الزمان. ~~- والمينات تطير هنا وهناك لتذكركم؛ أليس كذلك؟ # فأومأت برأسها بالإيجاب؛ لأن تلك بطبيعة الأمر هي الحال، ثم ساد الصمت. # وسألته: ما اسمك؟ # وعرفها ويل بنفسه. ~~- واسمي ماري ساروجيني ماك فيل. ~~- ماك فيل؟ غير معقول! # وأكدت له أن اسمها ماك فيل. ~~- وأخوك ms016 الصغير اسمه توم كريشنا؟ # وأومأت بالموافقة. ~~- يا للعجب! ~~- وهل أتيت إلى بالا بالطائرة؟ ~~- جئت من البحر. ~~- من البحر؟ وهل لديك سفينة؟ ~~- كانت لي سفينة. وتمثلت في ذهن ويل الأمواج وهي تتكسر فوق حطام السفينة التي جنحت إلى ~~الشاطئ، واستمع في أذنه الباطنية إلى صوت اصطدامها؛ وأخذت توجه إليه الأسئلة فيروي لها ما ~~حدث: العاصفة، والتجاء السفينة إلى الساحل، ومخاطر التسلق المزعجة، والأفاعي، وفزعه من ~~السقوط ... ثم أخذ يرتعش مرة أخرى بدرجة أشد من أي وقت مضى. # وأصغت إليه ماري ساروجيني باهتمام وبغير تعليق. # ولما خفت صوته ثم سكت بعد ذلك تقدمت نحوه والطائر ما يزال جاثما فوق كتفها، وركعت إلى ~~جواره. # وقالت وهي تضع يدها فوق جبهته: اسمع يا ويل، علينا أن نتخلص من هذا الفزع. وكانت تتكلم ~~بنغمة الخبير وهدوء الواثق من أمره. # واصطكت أسنانه وقال: خبريني، كيف يكون ذلك. # فقالت: كيف؟ بالطريقة المألوفة طبعا. اذكر لي ثانية قصة الأفاعي وكيف سقطت. # وهز رأسه قائلا: لا أحب ذلك. # قالت: بالتأكيد أنت لا تحب. ولكن عليك أن تفعل. أصغ إلى ما تقوله المينة. # وكان الطائر ما فتئ ينصح بقوله: الآن، وفي هذا المكان أيها القوم. # واستطردت قائلة: إنك لا تستطيع أن تكون هنا وفي هذه الآونة إلا أن تخلصت من هذه الأفاعي، ~~قص علي قصتها. # وكادت عيناه أن تدمعا وهو يقول: لا أريد، لا أريد. # فأضافت ماري ساروجيني قولها جادة: إذن لن تتخلص منها أبدا. وستظل تزحف داخل رأسك دائما. ~~وأنت تستحق هذا الجزاء. # وحاول أن يتحكم في رعشته، ولكن جسمه لم يعد ملكا له. وكأن شخصا آخر كان صاحب الأمر، ~~وقد عقد العزم على إذلاله بنية سيئة بغية إيقاع الأذى به. # وقالت ماري ساروجيني: تذكر ما حدث لك وأنت طفل صغير. ماذا صنعت أمك عندما ألحقت بنفسك ~~أذى؟ # وكانت أمه عند ذاك قد احتضنته وقالت له: ولدي العزيز، طفلي العزيز. # وفي نغمة تنم عن الدهشة والذهول قالت ماري: هل فعلت ذلك؟! يا للفظاعة! إنها بذلك تضاعف ~~الإيذاء. وكررت القول ms017 في شيء من السخرية: ولدي العزيز، لست أحب إلا أن الإيذاء قد لازمك ~~ساعات متواصلات، وأنك لن تنساه. # ولم يعلق على ذلك ويل فارنبي بشيء، بل استلقى مكانه في صمت، وهو يرتعد في رجفة لا يستطيع ~~كبتها. ~~- إذا أنت لم تفعل، فلا بد لي من أن أفعل ذلك أنا بنفسي. اسمع يا ويل: كانت هناك أفعى ~~كبيرة لونها أخضر. كدت أن تدوسها، فأصابتك بذعر أفقدك توازنك فسقطت، والآن ~~قل هذا الكلام بنفسك؛ هيا. # وفي صوت خافت طائع قال: كدت أن أدوسها، ثم ... ولم يستطع أن يكمل العبارة. وأخيرا استطاع ~~أن يخرج من بين شفتيه قوله: «ثم سقطت»، بصوت يكاد لا يسمع. # وعندئذ استرجع حالة الفزع؛ غثيان الخوف، وهزة الذعر التي أفقدته توازنه، ثم ازدياد ~~المخاوف، والثقة المروعة بأن تلك هي نهايته. ~~- قلها مرة أخرى. ~~- كدت أن أدوسها، ثم ... # واستمع إلى نفسه وهو ينشج. ~~- حسن يا ويل، اصرخ! اصرخ! # وتحول النشيج إلى أنين. ولما شعر بالخجل ضغط على أسنانه وكف عن الأنين. # وصاحت به: لا تفعل ذلك. أخرج أنتك إن كانت تريد أن تنطلق. واذكر تلك الحية يا ويل، وتذكر ~~كيف سقطت. # وخرج الأنين من فيه مرة أخرى وبدأ يرتعش بصورة لم يعهدها من قبل. ~~- والآن اذكر لي ما حدث. ~~- إنني أستطيع أن أرى عينيها، وأستطيع أن أرى لسانها وهي تخرجه وتدخله. ~~- نعم إنك تستطيع أن ترى لسانها، وماذا حدث بعد ذلك. ~~- فقدت توازني وسقطت. ~~- قل ذلك مرة أخرى يا ويل. وكان يتنهد باكيا. # وأصرت على أمرها: قل ذلك مرة أخرى. ~~- سقطت. ~~- مرة ثانية. # فقال: سقطت. وهو يكاد يتمزق إربا إربا. ~~- مرة ثانية يا ويل، مرة ثانية. وقالت ذلك في عناد شديد. ~~- لقد سقطت، سقطت، سقطت ... # وكف عن النحيب شيئا فشيئا، وخرج اللفظ من فيه في يسر، وخفت آلام الذكرى التي أثارتها ~~الكلمات. # وكرر قوله: لقد سقطت. للمرة المائة. # وهنا قالت له ماري ساروجيني: ولكنك لم تسقط سقطة كبرى. ~~- نعم، لم أسقط سقطة كبرى. # وقالت الفتاة: ففيم إذن هذه الضجة؟ # ولم ms018 يكن في نغمتها حقد أو سخرية، ولا أقل إشارة إلى ملامة، إنما كانت توجه إليه سؤالا ~~سهلا صريحا يتطلب ردا سهلا صريحا، أجل، فيم كانت كل هذه الضجة؟ إن الحية لم تلدغه، ~~وعنقه لم يندق. ومهما يكن من أمر فكل ما حدث قد وقع بالأمس. أما اليوم فهناك هذه الفراشات، ~~وهذا الطائر الذي يدعو إلى الانتباه، وهذه الفتاة التي تحدثت إليه مؤنبة ناقدة، وبدت ~~كالملاك مما جاء ذكره في الأساطير العجيبة وعلى بعد خمس درجات من خط الاستواء، واسمها - ~~صدقت أم لم تصدق - ماك فيل. # وضحك فارنبي بصوت عال. # وصفقت الفتاة بيديها وضحكت هي الأخرى. وبعد لحظة شارك الطائر القابع فوق كتفها في الضحك ~~وكأنه شيطان ملأ الوادي بجلجلة صوته الذي رددت صداه الأشجار وكأن العالم بأسره قد انشطر ~~نصفين من هذه المهزلة الكبرى؛ مهزلة الوجود. # | الفصل الثالث # وفجأة سمع ويل فارنبي صوتا عميقا يعلق على ما حدث ويقول: يسرني أن كل ما وقع إنما يدعو ~~إلى الضحك. # وتلفت ويل خلفه ورأى رجلا صغير الحجم نحيلا في زي أوروبي ويحمل حقيبة سوداء، وابتسم ~~الرجل لويل. وقدر ويل أن الرجل في أواخر خمسينياته. وكانت فوق رأسه قبعة من القش تخفي تحتها ~~شعرا أبيض غزيرا، وأنفه عجيب الشكل يشبه المنقار، وعيناه زرقاوان لا تتفقان مع وجهه ~~الأسمر. # ونادته ماري ساروجيني صائحة: جدي! # وتلفت الرجل الغريب من ويل إلى هذه الطفلة. # وسألها: مم تتعجبين؟ # وبدأت ماري تتكلم ثم سكتت عن الكلام برهة لتجمع أفكارها، ثم قالت: كان في سفينة بالأمس ~~وهبت العاصفة فتحطمت السفينة ولجأ إلى الشاطئ هناك، فكان عليه أن يتسلق الجبل. وكان فوق ~~الجبل بضعة أفاع، ثم سقط، ولكن لحسن حظه كانت هناك شجرة ولذلك فلم يحدث شيء سوى إصابته ~~بدرجة من الرعب، الذي سبب له رعشة شديدة؛ ولذلك أعطيته بعض الموز، وحثثته على أن يكرر ما ~~حدث ألف ألف مرة. وبغتة أدرك أن الأمر لم يستحق ما أحسه من ذعر. أقصد أن كل شيء قد مضى ~~وانتهى مما جعله يضحك، ms019 ومع ضحكه ضحكت ، وبعدئذ ضحكت المينة. # وقال الجد موافقا على ما فعلت: حسنا جدا. # والتفت إلى ويل فارنبي وخاطبه بقوله: والآن بعد الإسعاف السيكولوجي دعني أفحص ما يمكنني ~~أداؤه لأخينا هذا الحمار المسكين. وبهذه المناسبة أقول لك: أنا الدكتور روبرت ماك فيل، فمن ~~أنت؟ # وقبل أن يحير الرجل جوابا قالت ماري ساروجيني: اسمه ويل، واسمه الآخر فار... لست أذكر ~~بقية هذا الاسم الثاني. ~~- فارنبي. على وجه الدقة: وليام إسكويث فارنبي. وكان والدي - كما تتوقعون - من الأحرار ~~المتحمسين، حتى وهو مخمور، بل وبخاصة وهو مخمور. وصدرت عنه ضحكة ساخرة عالية لا تشبه في ~~شيء تلك الضحكة المرحة التي ملأ بها شدقيه وعبر بها عن ترحيبه بما تنبه إليه من أنه لم يحدث ~~في الواقع شيء يستحق ما أثار من ضجة. # وسألته ماري ساروجيني باهتمام شديد: وهل أحببت والدك؟ # وأجابها ويل: ليس بالقدر الذي ينبغي. # وأفهم الدكتور ماك فيل الفتاة أن ما يعنيه هو أنه كان يكره أباه. ثم أضاف عرضا: إن ~~كثيرين يكرهون آباءهم. # ثم جلس القرفصاء وشرع يفك أحزمة حقيبته السوداء، وقال مخاطبا ويل: أظن أنك أحد رجالنا ~~الإمبرياليين السابقين. # وقال فارنبي مؤكدا: ولدت في بلومزبري. # فاستنتج الدكتور أنه من الطبقة العليا، ولكنه ليس فردا من فئة الجيش أو أعيان ~~المقاطعة. # وعاد فارنبي إلى الحديث فقال: هذا صحيح. ولقد كان والدي محاميا وصحافيا سياسيا، وذلك ~~عندما لم يكن مشتغلا بتعاطي الخمور. أما أمي؛ فقد لا تصدقون أنها ابنة رئيس الشمامسة، إي ~~والله رئيس الشمامسة! وضحك مرة أخرى كما ضحك من قبل على حب والده للبراندي. # وحدق الدكتور ماك فيل في الرجل لحظة، ثم التفت مرة أخرى إلى أحزمة حقيبته. # وبنغمة العالم الموضوعي قال: عندما تضحك بهذا الشكل يصبح وجهك قبيحا بدرجة ~~عجيبة. # وأخذ ويل بهذه الملاحظة وحاول أن يخفي اضطرابه بشيء من التظرف، فقال: إنه قبيح ~~دائما. ~~- بل على العكس إنه جميل من وجهة نظر بودلير، إلا عندما يعن لك أن تصدر أصواتا كعواء ~~الضبع. لماذا تحدث هذه الأصوات؟ # وقال ms020 ويل: أنا صحافي ، مراسل خاص، يؤجر على تجوله في أنحاء العالم ليروي ما يشاهد من أسباب ~~الفزع الشائعة. أي صوت آخر كنت تتوقع مني؟ كوكو؟ بلا بلا؟ ماركس ماركس؟ وضحك مرة أخرى، ~~ونطق بإحدى طرائفه التي أتقنها، وقال: أنا رجل من الرافضين لكل شيء. # وقال الدكتور ماك فيل: حسنا، حسنا جدا، والآن دعنا نباشر العمل. وأخرج من حقيبته ~~مقراضا وشرع يمزق الجانب المهلهل الملطخ بالدماء من السروال الذي كان يكسو ركبة ويل ~~الجريحة. # وحدق فيه ويل وتعجب إلى حد بقي هذا الرجل أسكتلنديا على أصله وإلى حد استحال إلى ~~بالانيزي (من أهل بالا). عيناه زرقاوان وأنفه بارز ولا شك. أما بشرته السمراء، ويداه ~~الدقيقتان، ورشاقة حركته فهي بالتأكيد من مكان يقع جنوبي تويد (في أسكتلندة) ويبعد عنها ~~كثيرا. # وسأله: هل ولدت هنا؟ # وهز الدكتور رأسه إيجابا: في شيفابيورام، في يوم وفاة الملكة فيكتوريا. # وبعد قصة أخيرة من المقراض وقع جانب السروال وانكشفت ركبة ويل. وفحصها أولا بدقة الدكتور ~~ماك فيل وقرر أنها «ملطخة». ثم أضاف: ولكن لا أظن أن الجرح خطير. والتفت إلى حفيدته وقال لها: ~~أريدك أن تعودي إلى المحطة وتطلبي إلى فيجايا أن يحضر إلى هذا المكان ومعه أحد الرجال ~~الآخرين، وقولي لهم أن يأخذوا نقالة من المستشفى. # وأومأت ماري ساروجيني برأسها ونهضت دون أن تنبس ببنت شفة وأسرعت مهرولة في الوادي. # وتابع ويل بنظرته هذه الفتاة ذات الجسم الصغير؛ ونظر إلى ردائها السفلي الأحمر وهو ~~يتأرجح من جانب إلى آخر، وإلى جذعها ذي البشرة الملساء وقد تلألأ في لون ذهبي وردي في ضوء ~~الشمس. # وقال للدكتور ماك فيل: حفيدتك رائعة حقا. # وبعد فترة من الصمت قال الدكتور: كان أبوها أكبر أبنائي. وقد مات منذ أربعة أشهر في حادث ~~وهو يتسلق الجبل. # وتمتم ويل معزيا، ثم كانت فترة أخرى من الصمت. # وفتح الدكتور ماك فيل زجاجة الكحول، ثم مسح يديه. # وقال لويل محذرا: سيؤلمك هذا قليلا، وأقترح أن تصغي إلى الطائر. ولوح بيده في اتجاه ~~الشجرة الذابلة التي ms021 عادت إليها المينة بعد رحيل ماري ساروجيني. ~~- أنصت إليه جيدا، وركز الإنصات، وسوف أصرف ذهنك عن الألم. # وأصغى ويل فارنبي، وعادت المينة إلى موضوعها الأول. # وكان المزمار الناطق ينادي: انتباه، انتباه! # وسأل ويل: انتباه إلى ماذا؟ آملا أن يظفر بجواب شاف أفضل من الجواب الذي تلقاه من ماري ~~ساروجيني. # قال الدكتور ماك فيل: إلى الانتباه! ~~- انتباه إلى انتباه؟ ~~- طبعا. # وتغنت المينة بلفظة «الانتباه»، وكأنها تؤكد قولها ساخرة. ~~- هل لديكم العديد من هذه الطيور الناطقة؟ ~~- لابد أن يكون هناك ألف منها على الأقل يحلق طائرا فوق الجزيرة، تلك كانت فكرة راجا ~~العجوز. كان يظن ذلك في مصلحة الناس. وربما كان الأمر كذلك، وإن كان في ذلك شيء من الظلم ~~على المينات المسكينة. غير أن الطيور لحسن الحظ لا تفهم حديث البشر، حتى إن كان الحديث من ~~القديس فرنسيس. # 1 # واستطرد قائلا: تصور أن تكون الموعظة لأنوع مختلفة من الطيور الطيبة! أي ادعاء ~~هذا؟! لماذا لم يسكت ويدع الطيور تعظه هو؟ وأضاف قائلا بنغمة أخرى: يحسن بك الآن أن تصغي ~~إلى صاحبتنا التي في الشجرة، فأنا سوف أنظف جراحك. ~~- انتباه! ~~- ها هي ذي. # وجفل الرجل وعض على شفته. ~~- انتباه، انتباه، انتباه! # نعم لقد صدق، فإن أنت أمعنت في الإصغاء، خف عنك الألم. ~~- انتباه، انتباه ... # وقال الدكتور ماك فيل وقد أخذ يضمد الجرح: إنني لا أتصور كيف حاولت أن تتسلق هذا ~~الجبل. # واستطاع ويل أن يضحك، وقال: أذكر بداية قصة أريون # 2 ~~(الأرض المجهولة)؛ فقد جاء فيها: ومن حسن الحظ أن العناية السماوية كانت إلى ~~جانبي. # وطرقت أذنه أصوات صادرة عن الجانب الآخر من الوادي، فأدار ويل رأسه ورأى ماري ساروجيني ~~وهي تخرج من بين الأشجار، إزارها يتأرجح وهي تخطو، وسار من خلفها رجل ضخم كالتمثال البرنزي ~~عاريا إلى خصره ويحمل فوق كتفه أعمدة من الخيزران وقماشا ملفوفا لنقالة خفيفة، ويتبع هذا ~~العملاق شاب مراهق نحيل القوام، أسمر البشرة، يرتدي سروالا قصيرا أبيض. # وعندما اقترب الرجل الشبيه بالتمثال البرنزي قال الدكتور ماك فيل: ms022 هذا فيجايا باتاشاريا، ~~وهو مساعدي . ~~- في المستشفى؟ # وهز الدكتور ماك فيل رأسه وقال: في حالات الطوارئ فقط؛ إذ إنني لم أعد أمارس الطب. هذا ~~الرجل وأنا نعمل معا في محطة للتجارب الزراعية. أما موروجان مالندرا (ولوح بيده مشيرا إلى ~~الفتى الأسمر) فهو معنا مؤقتا، يدرس علم التربة وتربية النبات. # وانتحى فيجايا جانبا ووضع يده الضخمة على كتف زميله، ودفعه إلى الأمام. ونظر ويل إلى ذلك ~~الوجه الغض العابس، وعرف فورا بشيء من الدهشة والذهول أنه ذلك الشاب أنيق الملبس الذي ~~التقى به منذ خمسة أيام في راندنج لوبو، والذي ركب معه سيارة الكولونيل ديبا المرسيدس ~~البيضاء وطاف بها أرجاء الجزيرة. وابتسم، وانفرجت شفتاه للكلام ولكنه تحكم في إرادته، وهز ~~الفتى رأسه بشكل غير ملحوظ ولكن بصورة تؤكد لويل ما طاف بخاطره. # ولمح ويل في عينيه تعبيرا عن توسل المكروب. وتحركت شفتاه دون أن يحدث بهما صوتا وكأنه ~~قال: أرجوك، أرجوك ... وأعاد ويل انضباط وجهه. # وقال في نغمة تنم عن المعرفة عن العارضة الرسمية. ~~- أهلا بك يا مستر مالندرا. # وتنفس موروجان الصعداء وقال: أهلا. وانحنى قليلا إلى الأمام. # وتلفت ويل حواليه ليرى إن كان الآخرون قد لاحظوا ما حدث. أما ماري ساروجيني وفيجايا فقد ~~كانا مشتغلين بالنقالة، وأما الدكتور فكان يعيد أدواته إلى حقيبته السوداء. وتم أداء ~~المهزلة القصيرة بغير مشاهدين. وواضح أن موروجان الصغير كان لديه ما يدعو إلى رغبته في ~~إخفاء أنه كان في راندنج؛ فلقد كان الكولونيل ديبا أكثر من والد للفتى الذي كان يرعاه. كما ~~كان موروجان أكثر من ابن طائع؛ كان يقدس الكولونيل تقديسا. فهل كانت العلاقة مجرد إعجاب ~~طالب برجل قوي قام بتفجير ثورة ناجحة، صفى فيها المعارضة ونصب نفسه دكتاتورا؟ أم هل كانت ~~هناك مشاعر أخرى تساوره؟ هل كان موروجان يؤدي دور أنطونيوس لهذا الهادريان # 3 # صاحب الشارب الأسود؟ ربما كان هذا هو شعوره نحو أعضاء العصابة العسكرية من رجال ~~في منتصف العمر، وربما كان هادريان يحب الفتيان الوسيمين. وتصور ويل أن ذلك ربما ms023 كان السبب ~~في امتناع الكولونيل ديبا عن أن يقدم إليه موروجان تقديما رسميا؛ فكل ما ذكره عنه عندما ~~سمح للفتى بالدخول في مكتب الرياسة هو قوله: هذا هو مورو، صديقي الصغير مورو. ثم نهض ووضع ~~يده على كتف الفتى وسار معه إلى الأريكة وجلس إلى جواره. وسأله موروجان: هل تسمح لي بقيادة ~~المرسيدس؟ وابتسم الدكتاتور ابتسامة الرضى وهز رأسه ذا الشعر الأسود الناعم. وكان في ذلك ~~دليل آخر على الظن بأن العلاقة العجيبة بينهما هي أكثر من مجرد صداقة. وكان موروجان ~~كالمسعور أمام عجلة القيادة في سيارة الكولونيل الرياضية. ولا يمكن أن يسمح أحد بقيادة ~~السيارة لمثل هذا السائق وهو مطمئن على نفسه إلا عاشق مفتون، فما بالك والراكب ضيفه. وقد ~~بلغ مؤشر السرعة العشرة بعد المائة مرتين في السهل الذي يقع بين راندنج لوبو وحقول البترول. ~~ثم كانت الحالة أسوأ كثيرا من ذلك على الطريق الجبلي بين حقول البترول ومناجم النحاس. وفي ~~الطريق كانت هناك فجوات غائرة. وعلا صوت عجلات السيارة وهي تدور عند النواصي، وخرجت العجول ~~المائية من غابات الخيزران وكانت على بعد أقدام قليلة أمام السيارة، وهبطت اللوريات التي ~~تبلغ حمولة كل منها عشرة أطنان وهي تزأر مخطئة في جانب الطريق. واستجمع ويل شجاعته وسأل ~~الشاب: ألست في حالة عصبية إلى حد ما؟ ولكن الشاب كان مخلصا كما كان مفتونا فقال: إذا عرف ~~المرء أنه إنما ينفذ مشيئة الله - وأنا أعرف ذلك - يا مستر فارنبي فليس ثمت ما يدعو إلى أن ~~يكون عصبيا. عندئذ تكون العصبية نوعا من الكفر بالله. وحاول موروجان أن يتفادى عجلا ~~في الطريق فانحرف في مسيره، وفتح العلبة الذهبية للسجائر وقدم إلى ويل واحدة من تبغ ~~البلقان. # ونادى فيجايا قائلا: مستعدون! # وأدار ويل رأسه ورأى النقالة ملقاة على الأرض إلى جانبه. # وقال الدكتور ماك فيل: حسنا! دعنا نحمله عليها، ولنكن جد حريصين ... # وبعد دقيقة واحدة كان الموكب يشق طريقه في طريق ضيق يقع بين الأشجار. وقد ركبت العربة ~~ماري ساروجيني، وجاء جدها في ms024 المؤخرة، وسار بينهما موروجان وفيجايا على طرفي ~~النقالة. # وتطلع فارنبي من سريره المتحرك واخترق بنظره ظلمة الأشجار الخضراء وكأنه في قاع البحار، ~~وفوق رأسه وعند السطح استمع إلى خشخشة أوراق الشجر، وإلى صوت القردة. ثم رأى عددا من طير ~~أبي قردان يتوثب هنا وهناك، وهي أشبه بكائنات من خلق الخيال المضطرب، وكأن الطير يسبح في ~~سحب من الأعشاب. # وسأله فيجايا وقد انحنى لينظر في وجهه وهو جزوع: هل تشعر بارتياح؟ # ورد عليه ويل بابتسامة وقال: أنا مرتاح راحة الترف. # وطمأنه الآخر بقوله: ليس المكان بعيدا، وسوف نبلغه بعد بضع دقائق. ~~- وأين هو المكان؟ ~~- محطة التجارب. إنها أشبه بروثامستد. هل زرت روثامستد عندما كنت في إنجلترا؟ # وقد سمع ويل طبعا بالمكان غير أنه لم يزره قط. # واستطرد فيجايا قائلا: إن العمل يدور به منذ أكثر من مائة عام. # وقال الدكتور ماك فيل: منذ مائة وثمانية عشر عاما على وجه التحديد. وقد بدأ لوز وجلبرت ~~العمل في المخصبات في عام 1843م، وجاء أحد تلاميذهما إلى هذا المكان في أوائل الخمسينيات ~~لمساعدة جدي في تشغيل المحطة. وكانت الفكرة إيجاد روثامستد في المناطق الحارة؛ فيها ومن ~~أجلها. # وشاع الضوء في الخضرة الداكنة وبعد دقيقة واحدة خرجت المحفة من الغابة إلى الوهج الشديد ~~الذي يتميز به ضوء الشمس في المناطق الحارة. ورفع ويل رأسه وتلفت حواليه. وقد باتوا على ~~مقربة من أرض مدرج ضخم. وعلى عمق خمسمائة قدم امتد واد فسيح تتخلله الحقول الخضراء، وتنتشر ~~فوقه مجموعات من الأشجار ومن البيوت المتلاصقة. وفي الناحية الأخرى كانت السفوح تتصاعد آلاف ~~الأقدام متجهة صوب نصف دائرة من الجبال. ومن الوادي إلى القمم التي بدت كالحائط تشقه ~~الشرفات امتدت حقول الأرز على مسطح واحد من الأرض في شكل مصاطب تمتد فوق مصاطب أخرى ذهبية ~~اللون أو خضراء، مما أظهر في وضوح كل ارتفاع أو انخفاض في المنحدر وكأن الصورة قد صممت عن ~~قصد وبذوق سليم. إن الطبيعة هنا لم تعد مجرد طبيعة، والمنظر الطبيعي هنا قد صمم ورد ms025 إلى ~~أصوله الهندسية وقام بأدائه مصور وهب معجزة البراعة الفنية فرسم هذه الخطوط المتعرجة وهذه ~~الأشرطة من الألوان البراقة الصافية. # وبعد صمت طويل شق سكونه الدكتور روبرت بسؤاله: ماذا كنت تصنع في راندنج؟ ~~- أجمع المادة لمقال عن نظام الحكم الجديد. ~~- أظن أن الكولونيل جدير بالإخبار عنه. # وضحك ويل وهو يقول: أنت مخطئ؛ فهو ليس إلا دكتاتورا «عسكريا»؛ ومعنى ذلك أن الموت يلوح ~~في الأفق. والموت دائما خبر من الأخبار. حتى رائحة الموت التي تفوح من بعيد خبر من ~~الأخبار؛ ولذلك طلب إلي أن أمر بهذه الجزيرة وأنا في طريق عودتي من الصين. # وكانت هناك أسباب أخرى آثر ألا يتعرض لذكرها؛ فالصحف ليست إلا هما واحدا من هموم اللورد ~~ألديهايد. وإنما هو من ناحية أخرى يمثل شركة بترول جنوب شرقي آسيا، كما يمثل شركة النحاس ~~الأجنبية الإمبريالية المحدودة. ومن الناحية الرسمية جاء ويل إلى راندنج ليشتم رائحة الموت ~~في جوه العسكري. غير أنه كلف كذلك بالتعرف على آراء الدكتاتور بالنسبة لرأس المال الأجنبي، ~~ومدى استعداده لتخفيض الضرائب، وأية ضمانات يقدمها لعدم التأميم، ومقدار الأرباح التي يسمح ~~بتصديرها؟ وكم من التقنيين والإداريين الوطنيين يجب استخدامهم، ومجموعة أخرى من التساؤلات ~~العديدة. ولكن الكولونيل ديبا كان في الواقع دمثا للغاية ومتعاونا؛ ومن ثم كانت تلك ~~الرحلة بالسيارة التي قادها موروجان بسرعة رهيبة إلى مناجم النحاس. لا تزال بدائية يا ~~عزيزي فارنبي، وبحاجة ماسة كما تلمس بنفسك إلى المعدات الحديثة. وتذكر الآن ويل أنه كان قد ~~اتفق على لقاء آخر في نفس هذا الصباح، وتصور الكولونيل جالسا إلى مكتبه وأمامه بلاغ من ~~رئيس الشرطة بأن المستر فارنبي قد شوهد أخيرا وهو يبحر في قارب صغير وحيدا في مضيق بالا، ~~وبعد ساعتين هبت عاصفة شديدة ... والمفروض أنه قد لاقى حتفه. ولقد كان الأمر غير ذلك؛ فها هو ~~حي يرزق فوق الجزيرة المحرمة. # وكان جو ألديهايد قد ذكر له في آخر مقابلة لهما: إنهم لن يسمحوا لك بتأشيرة دخول. ولكنك ~~ربما تستطيع أن تتسلل إلى الشاطئ متنكرا؛ ms026 فالبس بورنسا أو ما يشبهه كما فعل لورنس ~~العرب. # ووعده ويل جادا: سوف أحاول. ~~- على أية حال إذا أنت استطعت أن تطأ بقدمك أرض بالا فتوجه رأسا إلى القصر. فراني - وهي ~~الملكة الأم هناك - صديقة لي من زمن بعيد. وقد قابلتها للمرة الأولى منذ ست سنوات في ~~لوجانو. وكانت تقيم هناك مع فوجيلي العجوز وهو صاحب بنك الاستثمار، وصديقته مهتمة ~~بالروحانيات وقد أعدت لي جلسة روحانية. الوسيط بوق، والصوت مباشر حقيقي؛ إلا أن الكلام ~~لسوء الحظ كان بالألمانية. وعلى كل حال - بعدما أعادوا الإضاءة - تبادلت معها حديثا ~~طويلا. ~~- مع البوق؟ ~~- لا، لا، مع راني، فهي امرأة رائعة، تتزعم حملة صليبية للإشادة بدور الروح. ~~- وهل هذه الحركة من اختراعها؟ ~~- قطعا، وأنا شخصيا أوثرها على حركة «إعادة التسلح الخلقي». وهي مفضلة في آسيا. ولقد ~~تحدثنا عنها ذلك المساء، ثم تحدثنا بعد ذلك عن البترول، وبالا مليئة به. ولقد حاولت شركة ~~بترول جنوب شرقي آسيا لعدة سنوات أن تستولى عليه. وكذلك فعلت جميع الشركات الأخرى. ولكن ~~دون جدوى، فلم تعط في هذا السبيل امتيازات لأي فرد، وهذه هي سياستهم الثابتة. ولكن راني لا ~~توافق عليها، فهي تحب أن ترى للبترول أثرا طيبا في العالم، كأن يمول الحملة الصليبية ~~للروح مثلا؛ ولذلك فكما قلت لك: إذا هبت إلى بالا فتوجه رأسا إلى القصر، وتحدث معها، لتصل ~~إلى حقيقة أمر الرجال الذين بيدهم إصدار القرارات. واكشف لنا إن كانت هناك قلة تحبذ الإفادة ~~من البترول، واسأل كيف نستطيع أن نعاونهم على الاستمرار في جهودهم الطيبة. # وفي نهاية حديثه ~~وعد ويل بمكافأة مجزية إذا توجت جهوده بالنجاح، مكافأة تكفيه أن يتفرغ عاما كاملا: لا ~~أريد منك بعد اليوم تقارير، لست أريد إلا فنا رفيعا، أريد فنا. وضحك ضحكة عالية داعرة ~~كأنه لم يقل «فنا»، وإنما قال كلمة بذيئة. يا له من مخلوق غير معقول! ولكنه على الرغم من ~~ذلك كان يكتب لصحف تافهة يملكها مخلوق غير معقول، وكان على استعداد أن يرتشي لكي يؤدي عملا ~~قذرا ms027 لرجل وضيع. والآن لا يستطيع أن يصدق أنه فوق أرض بالا. إن العناية السماوية لحسن حظه ~~كانت حليفته لكي يرتكب - لغرض هام بالتأكيد - مهزلة عملية خبيثة مما تكرس السماء لها ~~إرادتها. # وردته إلى الواقع الراهن ماري ساروجيني بصوتها الحاد إذ قالت له: ها نحن قد ~~وصلنا. # ورفع ويل رأسه مرة أخرى، وأدرك أن الموكب الصغير قد انحرف عن الطريق وسار من خلال ثغرة في ~~جدار أبيض يكسوه الجص. وعلى يساره، وفوق مصاطب مرتفعة متتالية رأى صفا من المباني ~~المنخفضة تحوطها الأشجار. وأمامه مباشرة طريق واسع على جانبيه أشجار النخيل ينحدر نحو بركة ~~لوتس يقبع على أبعد أطرافها تمثال حجري ضخم لبوذا. ولما اتجهوا يسرة أخذوا يتسلقون إلى أعلى ~~مصطبة بين الأشجار المزهرة وخلال العطور المختلطة. وخلف أحد الجدران وقف عجل ذو سنام ناصع ~~البياض لا يتحرك منه سوى فكيه وهما يجتران الطعام، متأله بجماله الهادئ غير المفهوم. ~~وعندئذ تراجع عاشق أوروبا # 4 # إلى الماضي، وشهد ويل زوجا من طيور يونو تجرر ريشها فوق العشب، وفتحت ماري ~~ساروجيني مزلاج باب حديقة صغيرة. # وقال الدكتور ماك فيل وقد التفت إلى موروجان: هذا بيتي ذو الطابق الواحد، اسمح لي أن ~~أعاونك على صعود السلم. # | الفصل الرابع # توجه توم كريشنا وماري ساروجيني إلى جيرانهما من أطفال البستاني ليسترخيا بعد الظهر. أما ~~سوزيلا ماك فيل فقد جلست وحيدة في غرفة المعيشة المظلمة في بيتها تسترجع ذكريات سعادتها ~~التي ولت وآلام ثكلها الحاضر. ودقت ساعة المطبخ منتصف الساعة، وآن لها أن تخرج، وتنهدت ~~ثم نهضت وانتعلت صندلها وسارت في الوهج الشديد الذي يسود المناطق الحارة بعد الظهر، وتطلعت ~~إلى السماء ورأت سحبا كثيفة في أعلى البراكين تصعد نحو سمت رأسها. وعرفت أن المطر سوف ~~يسقط بعد ساعة، وتنقلت من بقعة ظليلة إلى أخرى وشقت طريقها على الطريق الذي تقع على جانبيه ~~الأشجار. وانطلق من فوق إحدى الأشجار الباسقة سرب من الحمام محدثا بريشه قعقعة مسموعة، ~~وطار الحمام صوب الغابة بأجنحته الخضراء ومناقيره المرجانية وصدوره التي يتغير ms028 لونها في ~~الضياء كعرق اللؤلؤ. ما أجمل الحمام وما أشد روعته! وأوشكت سوزيلا أن تعود لترى لمحة السرور ~~البادية على وجه ديوجولد، ولكنها تحكمت في إرادتها وصوبت نظرها نحو الأرض؛ فلقد ولى ديوجولد ~~إلى الأبد، ولم يبق لها سوى الألم الذي يشبه التألم الذي يلح على خيال المرء، بل وإحساسه، ~~من عضو من أعضاء الجسم قد تم بتره ولم يعد إلا وهما من الأوهام، وأخذت تحدث نفسها وتقول: ~~البتر، البتر ... وامتلأت عيناها بالدموع، ثم كفت فجأة عن البكاء؛ فالبتر ليس عذرا للأسى. ~~وعلى الرغم من موت ديوجولد فإن الطيور ما برحت على جمالها، وأطفالها وكل الأطفال الآخرين ~~بحاجة قصوى إلى المحبة والعون والتعلم. وإذا كان غيابه حاضرا على الدوام في ذهنها، فإنما ~~ذلك لتذكر أنها منذ لحظة الوفاة يجب أن تحب ولديها وأن تعيش من أجلهما، وتفكر فيهما، كما ~~ينبغي لها أن تتصور الأمور وتتفهمها لا بعينيها وعقلها فحسب بل بما كان له كذلك من عقل ~~وعينين، هما كذلك عقلها وعيناها - قبل الكارثة - فلقد كانا يتحدان في السرور وفي ~~التفكير. # وبلغت بيت الدكتور، وصعدت السلم، وعبرت الشرفة وولجت غرفة المعيشة، وألفت حماها جالسا ~~قرب النافذة يحتسي الشاي البارد من كأس من الفخار ويقرأ «مجلة الفطريات»، ورفع بصره حينما ~~اقتربت، واستقبلها بابتسامة الترحيب. ~~- كم أنا سعيد يا عزيزتي سوزيلا لأنك استطعت الحضور. # وانحنت وقبلت خده الخشن. # وسألته: ما هذا الذي بلغني من ماري ساروجيني. هل صحيح أنها وجدت رجلا ملقى على ~~الشاطئ؟ ~~- من إنجلترا، ولكن عن طريق الصين وراندنج. وقد تحطمت سفينته، وهو صحافي. ~~- ما شكله؟ ~~- شكله كالمسيح المنتظر، ولكنه أكثر فطنة من أن يعتقد فيه أو في رسالته. وهو أرهف حسا - ~~حتى إن آمن بها - من أن ينفذها، عضلاته تريد الحركة ومشاعره تريد الإيمان. ولكن أطراف ~~أعصابه ومهاراته لا تسمحان له بذلك. ~~- أحسب إذن أنه بائس جدا. ~~- بلغ من بؤسه أنه يضحك كالضبع. ~~- وهل يدرك أنه يضحك كالضبع؟ ~~- نعم يدرك، وهو بهذا فخور، بل ويتغنى به فيقول: أنا رجل أرفض ms029 كل شيء. # وسألت: وهل أصابه أذى شديد؟ ~~- ليس شديدا، بيد أن حرارته قد ارتفعت، وقد أعطيته مضادات للجراثيم، وعليك الآن أن تضاعفي ~~مقاومته بالعلاج الطبيعي. ~~- سأبذل جهدي. وبعد فترة من السكون قالت: لقد ذهبت وأنا في طريق العودة من المدرسة إلى ~~لاكشمي. ~~- وكيف وجدتها؟ ~~- تقريبا كما هي. كلا، بل ربما كانت أسوأ قليلا مما كانت عليه بالأمس. ~~- هذا ما أحسسته عندما رأيتها هذا الصباح. ~~- من حسن الحظ أن آلامها لا تسوء كما يبدو. ونستطيع أن نعالجها نفسيا. وقد عالجنا اليوم ~~الغثيان، واستطاعت أن تتناول شرابا، ولا أظن أنها في حاجة بعد ذلك إلى السوائل تتعاطاها عن ~~طريق الأوردة. # قال: الحمد لله! فإن الحقن التي كانت تتعاطاها كانت مصدرا للعذاب، ما أحوج المرء إلى ~~شجاعة كبرى لمواجهة أي خطر حقيقي. ولكن عندما تكون الحقنة تحت الجلد أو في العرق فالفزع ~~مدقع غير معقول. # وعاد بذاكرته إلى أيام الزواج الأولى، حينما فقد أعصابه ذات مرة ووصفها بالجبن لأنها ~~أثارت ضجة كبرى. وكانت لاكشمي قد صرخت واستسلمت لاستشهادها وتوسلت إليه أن يعفو عنها فأشعلت ~~في قلبه نارا. وصاح: لاكشمي، لاكشمي ... وبعد بضعة أيام سوف تلفظ أنفاسها الأخيرة، بعد سبعة ~~وثلاثين عاما، ثم سأل بصوت مرتفع: فيم كنتما تتحدثان؟ # وأجابته سوزيلا: في لا شيء بالذات. ولكنهما في الواقع تحدثا عن ديوجولد، وأنها لم تستطع ~~أن تستعيد ما حدث بينهما. وقالت الأم في همس وهي تموت: هذا وليدي الأول، لم يطرأ على ذهني ~~أن الأطفال يمكن أن يكونوا على هذه الصورة الجميلة. وتلألأت عيناها الفائرتان في محجريهما، ~~وابتسمت شفتاها اللتان هربت منهما الدماء، وواصلت الكلام بصوتها الضعيف الخشن: ما أصغر ~~يديه، وما أحوج فمه الصغير إلى الطعام! وبيد مرتعشة عجفاء لمست موضع ثديها الذي كان يعلوه ~~قبل العملية التي أجريت لها في العام السابق، وكررت قولها: لم أعرف ذلك قط من قبل. وكيف ~~كان يتسنى لها أن تعرف قبل الحادث؟ لقد كان كشفا جديدا، رؤية مارستها باللمس ~~والمحبة. ~~- هل تدركين ما أعني؟ وأومأت سوزيلا برأسها. ms030 وبطبيعة الحال كانت تدرك؛ أدركت ذلك من ~~علاقتها بطفليها، أدركته في رؤى أخرى من اللمس والمحبة أحست بهما مع ديوجولد الرجل وقد ~~استحال صغيرا يداه دقيقتان وفمه جائع شره. وهمست المرأة وهي في فراش الموت: كنت أخشى عليه، ~~فلقد كان قويا، مستبدا، يستطيع أن يوقع بغيره الأذى وأن يهدد وأن يحطم. ولو أنه تزوج من ~~امرأة أخرى ... ولكني أحمد الله أنك كنت له زوجا! وتحركت يدها العجفاء من المكان الذي كان ~~موضعا لثديها ولمست بها ذراع سوزيلا، وأحنت رأسها وقبلتها، وأخذا يبكيان. # وتنهد الدكتور ماك فيل، ونظر إلى أعلى، وهز بدنه هزة خفيفة وكأنه رجل خرج من الماء، وقال: ~~اسم الرجل الذي كان ملقى على الشاطئ فارنبي، ويل فارنبي. # وكررت سوزيلا قولها: ويل فارنبي؟ يحسن بي أن أذهب إليه وأرى ماذا أستطيع أن أصنع له. ثم ~~استدارت بجسمها وانصرفت. # وتابعها الدكتور ماك فيل بالنظر، ثم مال إلى الخلف في كرسيه وأغمض عينيه. وفكر في ولده، ~~وفكر في زوجته، لاكشمي التي تذبل رويدا رويدا حتى تنتهي. فكر في ديوجولد وكأنه شعلة مضيئة ~~مشتعلة انطفأت فجأة. فكر في تتابع التغيرات والمصادفات غير المعقولة التي تتألف منها الحياة. ~~فكر في كل ما هو جميل ومفزع وعبث، الذي يتآلف فيخلق نموذجا لمصير الإنسان لا يمكن تفهمه ~~ولكنه مع ذلك له خطورته المقدسة. وقال محدثا نفسه وقد تذكر وجه سوزيلا عندما أخطرها بما ~~حدث لديوجولد: يا لها من امرأة بائسة! ثم ذكر المقال الخاص بالنبات الفطري المخدر الذي ~~نشرته «مجلة الفطريات»؛ وهذا أمر آخر ناشز يتخذ له مكانة على صورة ما في نموذج الحياة. ~~ووردت على ذهنه الكلمات التي جاءت في إحدى القصائد القصيرة العجيبة التي نظمها راجا ~~العجوز: # كل شيء، # لا يأبه أبدا بغيره، # ولكن الأشياء جميعا، # تعمل في تكامل، # وإن تباعدت، # لخير يتجاوز خيرنا، # ولكائن أكثر خلودا مع زواله، # وأكثر أبدية مع تضاؤله، # من المعبود في علاه. # وسمع ويل للباب صريرا، وبعد لحظة استمع إلى وقع خطوات خفيفة وإلى خشخشة ثياب، ثم أحس ms031 يدا ~~فوق كتفه وسمع صوت امرأة، منخفضا موسيقيا ، يسأله عن حالته. # وأجاب دون أن يفتح عينيه: حالتي سيئة. # ولم ينم صوته عن الأسى على حاله، أو على طلب الحنان؛ ولا يحس السامع فيه إلا غضب الرواقي ~~من الأمر الواقع، وكأنه رجل سئم أخيرا مهزلة الكتمان فأفصح مستاء عن الحقيقة. ~~- حالتي سيئة. # وامتدت إليه اليد مرة أخرى، واستمع إلى صوت يقول: أنا سوزيلا ماك فيل أم ماري ساروجيني. # وأدار ويل رأسه وفتح عينيه على مضض. وإذا بصورة مكبرة لماري ساروجيني أشد منها سمرة تجلس ~~إلى جوار سريره تبتسم له في قلق ينم عن المودة، ولو أنه بادلها ابتسامة بابتسامة لكان ذلك ~~عليه جهدا كبيرا، فاكتفى بقوله: كيف حالك؟ ثم شد ملاءة السرير قليلا إلى أعلى وأغمض ~~عينيه مرة أخرى. # ونظرت إليه سوزيلا في صمت، نظرت إلى الكتفين برزت عظامهما، وإلى القفص الصدري المختفي تحت ~~بشرة شحوبها النوردي جعله يبدو في عينيها البالانيتين ضعيفا بدرجة عجيبة عرضة للأمراض، ~~ونظرت إلى وجهه الذي لفحته الشمس وقد تحددت ملامحه كأنه تمثال منحوت لا يرى إلا على مبعدة؛ ~~وهو مع ذلك شديد الحساسية وقد أصابته رعشة جعلتها - أكثر من وجهه العاري - تراه وكأنه رجل ~~سلخ جلده وترك لآلامه. # وأخيرا قالت له: سمعت أنك من إنجلترا. # وتمتم ويل منفعلا: لا يهمني من أين جئت ولا إلى أين أنا ذاهب. وليكن من الجحيم إلى ~~الجحيم. # واستطردت قائلة: كنت في إنجلترا بعد الحرب مباشرة طالبة. وحاول ألا يصغي. غير أن الآذان ~~ليست لها جفون، ولم يكن هناك مهرب من الصوت المتطفل. # وقال هذا الصوت: كانت لي زميلة في قسم علم النفس، يعيش أهلها في ولز، وطلبت إلي أن أعيش ~~معهم في الشهر الأول من عطلة الصيف. هل تعرف ولز؟ # وكان بالطبع يعرفها، فلماذا تضايقه بذكرياتها السخيفة؟ # واستطردت سوزيلا قائلة: كنت أحب المشي هناك بجوار الماء، أنظر عبر الخندق المائي إلى ~~الكاتدرائية. وبينما كانت تنظر إلى الكاتدرائية فكرت في ديوجولد وهو على ساحل البحر تحت ~~النخيل، فكرت فيه وهي ms032 يعطيها الدرس الأول في تسلق الصخور ويقول لها : أنت على الحبل، في ~~أمان تام، ولا يمكن أن تسقطي ... وكررت هذه العبارة: «لا يمكن أن تسقطي»، في مرارة شديدة؛ ~~ثم تذكرت مبدأ «الآن، وفي هذا المكان»، وتذكرت أن عليها واجبا يجب أن تؤديه، وتذكرت - وهي ~~تلقي نظرة أخرى على الوجه محدد الملامح المسلوخ - أن أمامها إنسانا يتألم، واستطردت قائلة: ~~ما أروعها، وما أشد هدوءها! # وأصبح الصوت كما خيل لويل فارنبي أكثر موسيقية وأشد بعدا بشكل عجيب. وربما كان ذلك ~~السبب في أنه لم يعد يستنكر تطفله. ~~- إحساس بالهدوء غير عادي. شانتي، شانتي، شانتي. إنه هدوء لا يتصوره العقل. # وكأن الصوت كان يتغنى ويأتي من عالم آخر فيما يبدو. وتغنى الصوت قائلا: إنني أستطيع أن ~~أغمض عيني وأرى كل شيء في وضوح. أستطيع أن أرى الكنيسة؛ إنها ضخمة، وأكثر ارتفاعا من ~~الأشجار الباسقة التي تحيط بقصر الأسقف. أستطيع أن أرى العشب الأخضر والماء وضوء الشمس ~~الذهبي وهو يسطع فوق الحجر، والظلال المائلة بين التلال. ثم أنصت! إنني أستطيع أن أسمع ~~الأجراس، الأجراس والغربان، الغربان في البرج؛ هل تسمع الغربان؟ # نعم، إنه يستطيع أن يسمع الغربان في وضوح تماما كما يسمع الآن تلك الببغاوات في الأشجار ~~التي تقع خارج نافذته؛ فلقد كان هنا، كما كان في نفس الوقت هناك؛ هنا في هذه الغرفة ~~المظلمة الحارة الرطبة قريبا من خط الاستواء، ولكنه كذلك كان هناك، في العراء في ذلك ~~المنخفض البارد على حافة منديبس، حيث الغربان تصرخ من فوق برج الكاتدرائية، وصوت الأجراس ~~يتلاشى في صمت الخضرة. # واستأنف الصوت قائلا: وهناك سحب بيضاء، والسماء الزرقاء بين سحابة وأخرى شاحبة، رقيقة، ~~لطيفة للغاية. # وكرر هذه الكلمة «لطيفة». السماء الزرقاء اللطيفة في نهاية الأسبوع في شهر أبريل الذي ~~قضاه هناك مع مولي قبل نكبة زواجهما. كانت هناك وسط العشب أزهار الربيع والدانديليا. وكانت ~~هناك عبر الماء الكنيسة الضخمة تعلو شامخة وكأنها تتحدى جموح سحب أبريل الرطبة بهندستها ~~الصارمة، تتحدى البرية وتكملها في الوقت نفسه وتتفق معها ms033 في انسجام تام. هكذا كانت الحال ~~بينه وبين مولي، وهو ما ينبغي أن تكون عليه الحال. ~~- والإوز العراقي ... وكأنه يصغي الآن إلى الصوت وهو يغني حالما. # نعم الإوز! الإوز الأبيض يتحرك عبر مرآة من اليشم والكهرمان الأسود؛ مرآة تعلو وتهبط ~~وترتعد وكأنها تتنفس، حتى كانت صورها الفضية تتكسر ثم تلتئم، تتجزأ ثم تتكامل. ~~- ما أشبهها بشعارات النبالة المنقوشة. رومانسية، جميلة بصورة تفوق التصديق؛ ومع ذلك فهي ~~طيور حقيقية في مكان حقيقي. ما أقربها إلي الآن فإني لأكاد ألمسها، ومع ذلك ما أبعدها؛ ~~فهي تبعد عني مئات الأميال. بعيدة جدا فوق تلك المياه الساكنة، وكأنها تتحرك بفعل السحر، ~~في هوادة وفي عظمة ... # تتحرك في عظمة وجلال، تعلو بها المياه المظلمة وتهبط كلما تقدمت بصدورها المستديرة، تعلو ~~المياه وتهبط ثم تتراجع في موجات صغيرة تأخذ في الاتساع وخلفها نبات يتألق كما تتألق رءوس ~~السهام. وقد استطاع أن يرى الإوز وهي تتحرك عبر المياه المظلمة، واستطاع أن يسمع صوت ~~الغربان وهي فوق البرج، واستطاع أن يشم - خلال رائحة المطهرات المختلطة بعبق الجاردينيا ~~التي تحيط به - رائحة الخندق الغوطي الذي يشق ذلك الوادي الأخضر البعيد، تلك الرائحة ~~الباردة الهادئة التي تحمل معها عبير الأعشاب. ~~- إنها تطفو بغير جهد. ~~«تطفو بغير جهد»، لقد أعطته هذه الألفاظ إحساسا عميقا بالرضى. # وقالت: كنت أجلس هناك، أنظر وأمعن في النظر، وبعد هنيهة أشعر كأنني كذلك أطفو، أطفو مع ~~الإوز فوق سطح الماء الهادئ الساكن بين الظلمة من تحتي وحنان السماء الشاحبة من فوقي. وأطفو ~~في الوقت ذاته فوق ذلك السطح الآخر بين هنا القريب وهناك البعيد، بين الحاضر والمستقبل. ~~وفيما بين هذه السعادة التي عادت إلى ذاكرتها، وهذا الحاضر الغائب الملح الموجع كانت ~~تجول بخاطرها، وقالت بصوت مرتفع: كنت أطفو على السطح بين الواقع والخيال، بين ما يأتينا من ~~الخارج وما يأتينا من الداخل، من الأعماق السحيقة هنا. # ووضعت يدها على جبينه. وقد تحولت الألفاظ بغتة إلى الأشياء والحوادث التي ترمز لها، ~~وأصبحت الخيالات وقائع؛ فلقد كان فعلا ms034 يطفو. # وألح الصوت في هدوء مرددا: أطفو، أطفو كالطائر الأبيض فوق سطح الماء، أطفو فوق نهر ~~الحياة العظيم؛ نهر عظيم صقيل أملس يتدفق في سكون شديد حتى لتكاد تظنه مسترسلا في نوم ~~عميق، نهر نائم، ولكنه يتدفق بشدة لا تقاوم. ~~- تتدفق الحياة في سكون وبدرجة لا تقاوم وتصب في حياة أخرى أكمل، في هدوء حي أشد عمقا، ~~وأكثر ثراء وأقوى وأتم؛ لأنها تدرك كل آلامك وأسباب تعاستك، تدركها وتضمها إليها وتدمجها في ~~طبيعتها. وفي الهدوء تسبح الآن، تسبح فوق هذا النهر الأملس الساكن الذي ينام ومع ذلك فهو لا ~~يقاوم، وهو لا يقاوم على وجه التحديد لأنه نائم، وأنا أطفو معه. وكانت توجه خطابها إلى هذا ~~الرجل الغريب، ولكنها كانت تخاطب نفسها كذلك ولكن على مستوى آخر. أطفو بغير جهد، لا أقوم ~~بأي عمل. إنما يكفيني أن أترك نفسي على سجيتها، وأسمح لنفسي بأن تسترسل، وأسأل نهر الحياة ~~هذا النائم الذي لا يقاوم أن يحملني إلى حيث يتجه، وأنا على علم تام أنه يتجه إلى حيث أريد، ~~إلى حيث ينبغي لي أن أتجه: إلى حياة أعمق، إلى هدوء حي، مع النهر النائم - بغير مقاومة - ~~إلى الإذعان والقبول التام. # وعلى غير إرادة منه وعلى غير وعي تنهد ويل فارنبي تنهدا عميقا، ما أشد السكون الذي ساد ~~العالم من حوله! يا له من سكون صاف عميق، على الرغم من أن الببغاوات كانت في حركة دائمة ~~وراء نافذته، وعلى الرغم من أن الصوت الذي كان ينصت إليه ما برح يشدو إلى جواره! سكون ~~وفراغ، ومن خلال هذا السكون وهذا الفراغ يتدفق النهر، نائما لا يقاوم. # وحدقت سوزيلا في الوجه المستلقي على الوسادة، وبدا لها فجأة كأنه وجه فتى صغير، كوجه ~~الطفل في صفائه وسكونه. وقد اختفت تجاعيد التجهم التي كانت تخطط جبهته، وانفرجت الشفتان ~~اللتان كانتا مطبقتين من شدة الألم، وخرجت الأنفاس في بطء وانسياب يكاد لا يحسها إنسان، ~~وتذكرت بغتة الألفاظ التي ترددت في ذهنها حينما حدقت ذات ليل مقمر في البراءة ms035 التي بدت على ~~وجه ديوجولد: إنها تعطيها النوم المحبوب. # وقالت بصوت مسموع: النوم، النوم. # وكأن السكون قد أمسى مطلقا والفراغ أشد عمقا. # وأخذ الصوت يقول: نائم على سطح النهر النائم، وفوق النهر، في السماء الشاحبة، ترى سحب ~~ضخمة بيضاء. وعندما تخترق ببصرك السحب تحس كأنك تسبح متجها إليها، نعم تسبح نحوها؛ فالنهر ~~الآن يجري في الهواء، وهو نهر لا يرى يحملك إلى الأمام وإلى أعلى، ثم يسمو بك ويسمو. إلى ~~أعلى خلال الفراغ الصامت. ولقد أمست الصورة هي ذات الشيء والألفاظ هي الخبرة ~~بعينها. # واستطرد الصوت قائلا: من الوادي الحار إلى الجبال الطلقة وبغير جهد. # نعم فلقد كان هناك «يونجفراو» ناصع البياض في زرقة السماء، وكان هناك «مونت روزا» ~~... ~~- ما أنقى الهواء الذي تتنفسه، إنه صاف نقي مشبع بالحياة! # وتنفس بعمق فسرت في بدنه الحياة الجديدة. ثم هبت ريح خفيفة عبر الحقول التي كستها الثلوج، ~~باردة على بشرته، لطيفة مستحبة، وقال الصوت وكأنه يردد ما يدور برأسه من أفكار ويصف ما ~~يمارس من تجارب: البرودة، البرودة، النوم، ومن البرودة إلى مزيد من الحياة، ومن النوم إلى ~~الرضى، إلى التكامل، إلى الهدوء الحي. # وبعد نصف ساعة عادت سوزيلا إلى غرفة الجلوس. # وقال لها حموها: خبريني، هل أفلحت؟ # وأومأت برأسها بالإيجاب. # وقالت: حدثته عن مكان في إنجلترا، فطار إليه صوابه أسرع مما توقعت، وبعدئذ أعطيته بعض ~~الإيحاءات عن حرارته ... ~~- وعن ركبته كما أتعشم. ~~- طبعا. ~~- إيحاءات مباشرة؟ ~~- لا، غير مباشرة؛ إنها دائما أفضل. وجعلته على وعي بصورة جسده، ثم جعلته يتخيل أن جسمه ~~أضخم كثيرا مما هو عليه في واقع الحياة، وأن ركبته أصغر من حقيقتها. شيء صغير تافه يثور ~~على ما هو أضخم منه وأفخم، ولم يعد هناك شك في من يفوز. ثم نظرت إلى ساعة الحائط وقالت: يا ~~الله! لا بد أن أسرع وإلا تأخرت على طلابي في المدرسة. # | الفصل الخامس # كانت الشمس في بداية شروقها عندما دخل الدكتور روبرت حجرة زوجته بالمستشفى، ووقعت عيناه ~~على وهج برتقالي تقابله ظلال متعرجة ms036 للجبال المقابلة، واستحالت الرؤية فجأة إلى وهج على شكل ~~قوس يخطف البصر يقع بين قمتين من قمم الجبال، ثم استكمل القوس شكل نصف الدائرة، واخترقت ~~الحديقة التي تظهر من النافذة الظلال الطويلة الأولى، وأسهم النور الذهبية الباكرة. وعندما ~~صوب نظره مرة أخرى نحو الجبال شهد الشمس المشرقة بكل بهائها الذي لا يحتمل. # وجلس الدكتور روبرت إلى جوار السرير، وأمسك بيد زوجته وقبلها. وابتسمت له ثم التفتت ~~ثانية نحو النافذة. # وقالت هامسة: ما أسرع دوران الأرض! وبعد فترة من الصمت أضافت: وذات صباح سيكون شروق الشمس ~~هو الأخير بالنسبة إلي. # ومن خلال الغناء الجماعي المضطرب من زقزقة الطيور ونقيق الحشرات، أخذت المينة تنشد: ~~كارونا، كارونا ... # وأعادت لاكشي الكلمة: «كارونا»، ثم قالت: الرأفة ... # وألح في الحديقة صوت بوذا المزماري مرددا: كارونا، كارونا. # واستطردت قائلة: ولن أكون بحاجة إليها طويلا بعد ذلك. ولكن كيف تكون حالك أنت يا عزيزي ~~روبرت؟ # قال: إن المرء يجد القوة اللازمة بطريقة ما. ~~- ولكن هل هي القوة الصحيحة، أم قوة الدروع، وقوة الاعتكاف، والقوة التي تلتمسها في عملك ~~وأفكارك دون أن تعير التفاتا إلى أي أمر آخر؟ اذكر كيف كنت آتيك وأجذبك من شعرك لكي تتنبه؟ ~~من يقوم بهذا بعدما أمضي؟ # ثم دخلت إحدى الممرضات ومعها كوب من الماء المحلى بالسكر. ودس الدكتور روبرت إحدى يديه ~~تحت كتفي زوجته ورفعها إلى وضع الجلوس. ولامست الممرضة بالكوب شفتيها، واحتست لاكشمي قليلا ~~من الماء، وابتلعت الماء بصعوبة، ثم شربت مرة ثانية وثالثة، وأدارت وجهها من الكأس المقدمة ~~إليها إلى الدكتور روبرت، وكسا وجهها الذابل نور يضيء بصورة عجيبة لا تتفق مع هذا الموقف ~~الذي يثير الانزعاج. # وأخذت بصوتها الخافت الأجش تنشد ترنيمات تذكرها من عهد الطفولة. ثم صمتت قليلا وقالت: ~~شيء مضحك هذا الذي يعود إلى ذاكرتي. ولكني كنت دائما مضحكة جدا. أليس كذلك؟ # وحاول الدكتور روبرت أن يبادلها الابتسام وقال موافقا: نعم لقد كنت مضحكة جدا. ~~- كنت تقول: ما أشبهك بالبرغوث! لحظة هنا ولحظة أخرى بعيدا هناك. ولا عجب ms037 أنك لم تستطع أن ~~تعلمني! # ورد عليها مؤكدا : ولكنك علمتني. ولولا أنك كنت تجذبينني من شعري وتدعينني إلى أن أنظر ~~إلى العالم وتساعدينني على فهمه، فكيف كانت تكون حالي اليوم؟ أعشى ضعيف الرؤية؛ على الرغم ~~من كل ما تعلمت. ولكن لحسن حظي أني فكرت في الزواج منك، ولحسن الحظ كنت من الغفلة بحيث ~~توافقين. وكانت لديك الحكمة والذكاء اللذين عالجتني بهما. وبعد سبعة وثلاثين عاما من ~~التعلم على كبر كدت أصير إنسانا. # وهزت رأسها وقالت: ولكني لا زلت برغوثا. ومع ذلك حاولت، وبذلت الجهد، ولست أدري إن كنت قد ~~أدركت ذلك يا روبرت. كنت دائما أخطو على أطراف أصابع قدمي، أجاهد في سبيل بلوغ المكان الذي ~~كنت تحتله تؤدي فيه عملك وتفكر فيه وتطلع، على أطراف قدمي، أحاول أن ألحق بك، وأحاول أن ~~أرقى إلى جانبك. ولقد كان ذلك وربي أمرا شاقا على نفسي! ولكم بذلت جهدا إثر جهد! وضاعت ~~كل جهودي هباء؛ لأني لم أكن سوى برغوث أبكم أتوثب بين الناس والزهور والقطط والكلاب. إن ~~حياتك الثقافية الرفيعة كانت أرقى من أن أصعد إليها، بله أن أغوص فيها. وعندما حدث هذا ~~(ورفعت يدها ثانية ووضعتها مكان ثديها المقطوع) كففت عن المحاولة؛ فلا مدرسة ولا مذاكرة ~~منزلية. وكان عندي لذلك عذر دائم. # وساد صمت طويل. # وأخيرا قالت الممرضة: هلا أخذت جرعة أخرى؟ # واتفق معها الدكتور روبرت وقال: نعم يجب أن تتناولي المزيد. # وابتسمت له لاكشمي مرة أخرى وقالت: وأخالف التعاليم المقدسة؟ ومن خلال قناع الشيخوخة ~~والمرض المميت شهد الدكتور روبرت بغتة الوجه الضاحك، الفتاة التي عام بها حبا منذ منتصف ~~عمره، وكأنه عشقها بالأمس فقط. # وعاد الدكتور بعد ساعة إلى بيته. # وبعدما غير الضمادة التي كانت تلتف حول ركبة ويل فارنبي قال له: ستبقى اليوم وحيدا؛ إذ ~~لا بد لي من أن أذهب في عربتي إلى شيفا بورام لاجتماع مجلس الشورى. وحوالي الثانية عشرة ~~سوف تأتي إليك إحدى ممرضاتنا الطالبات لتعطيك الحقنة وتناولك الطعام. وبعد الظهر عندما تنتهي ~~سوزيلا من ms038 عملها بالمدرسة تمر بك. أما الآن فلا بد لي من أن أنصرف. ونهض الدكتور روبرت ~~ووضع يده لحظة فوق ذراع ويل وقال: حتى المساء. # وفي طريقه إلى الباب توقف وتلفت خلفه وقال: لقد كدت أنسى أن أعطيك هذا. وأخرج من أحد ~~الجيبين الجانبيين لسترته المرتخية كتيبا صغيرا أخضر اللون وقال: هذه مذكرات راجا العجوز ~~عن «حقيقة كل شيء وعن التصرف المعقول إزاء حقائق الأمور». # وقال ويل وهو يتناول الكتاب الذي قدم إليه: يا له من عنوان عجيب! # وأكد له الدكتور روبرت أنه سوف يحب كذلك محتواه: إنه يقع في بضع صفحات. ولكنك إن أردت أن ~~تعرف حقيقة بالا فلن تجد ما يعرضها عليك خيرا مما فيه. # وبهذه المناسبة سأل ويل: ومن هو راجا العجوز؟ ~~- بل الأصح أن تقول: من كان هو؛ فلقد مات سنة 38؛ بعدما حكم فترة أطول مما حكمتها الملكة ~~فيكتوريا بثلاث سنوات. ومات ابنه الأكبر قبل موته، وخلفه حفيده، وكان غبيا غير أن حياته لم ~~تطل، وراجا الحالي هو ابن الحفيد. ~~- وهل لي أن أوجه إليك سؤالا شخصيا: كيف جاء في الصورة إنسان اسمه ماك فيل؟ ~~- جاء إلى بالا ماك فيل الأول أيام حكم جد راجا العجوز؛ ونسميه راجا عهد الإصلاح. وفيما ~~بينهما؛ جد راجا العجوز وجدي الأكبر، خلقا بالا الحديثة. # وعزز راجا العجوز عملها المشترك، وسار به شوطا آخر، ونحن اليوم نبذل الجهد لنحذو ~~حذوه. # ورفع ويل كتاب «مذكرات عن حقيقة كل شيء». ~~- وهل يعطيني هذا الكتاب تاريخ الإصلاحات؟ # وهز الدكتور ماك فيل رأسه وقال: إنه يذكر فقط المبادئ الأساسية. اطلع عليها أولا. وعندما ~~أعود من شيفا بورام في المساء أحكي لك شيئا عن التاريخ. وسوف تكون أكثر تفهما لما حدث ~~فعلا إذا بدأت بمعرفة ما يجب عمله؛ ما ينبغي دائما وفي كل مكان أن يفعله أي إنسان لديه ~~فكرة واضحة عن حقيقة كل شيء؛ ولذلك أقول لك: اقرأ هذا الكتاب، ولا تنس أن تشرب عصير الفاكهة ~~المقرر لك في الحادية عشرة. # وراقبه ويل وهو ينصرف، ثم ms039 فتح الكتيب الأخضر وبدأ يقرأ. # أولا # ليس لأحد حاجة إلى أن يذهب إلى مكان آخر؛ فنحن جميعا - لو عرفنا - بالفعل ~~هناك. # لو أني عرفت من أنا في الحقيقة لكففت عن التصرف وفقا لما أظن من أنا، فإذا كففت عن ~~التصرف وفقا لما أظن من أنا إذن لعرفت من أنا. # أنا في الحقيقة - لو سمح لي المانوي # 1 ~~(الذي أظنني هو) أن أعرف - توفيق بين لا ونعم؛ أعيش حياتي في قبول تام وفي ~~تجربة مباركة باللامثنوية. # كل الألفاظ في الدين مبهمة، ومن يتشدق باسم بوذا، أو الله، أو المسيح، يجب أن يتطهر ~~أولا. # إن المانوي المنعزل، الذي أظن أنني هو، يحكم على نفسه بخيبة الأمل التي تتكرر إلى ما لا ~~نهاية، وبالصراعات التي تتكرر إلى ما لا نهاية مع غيره من المانويين الطموحين الخائبين؛ ~~وذلك لأن أمله في ألا يخلد سوى «نعم» في كل أمرين متعارضين لا يمكن - بحكم طبيعة ~~الأشياء - أن يتحقق. # صراعات وإحباطات؛ ذلك هو موضوع التاريخ كله، بل وتقريبا موضوع تاريخ الأحياء كلها. ~~قال بوذا كلمة واقعية وهي: إني أريكم الأحزان. ولكنه كذلك أرانا نهاية الأحزان: معرفة ~~الذات، والقبول التام، وتجربة اللامثنوية المباركة. # 2 # ثانيا # إذا عرفنا من نحن في الحقيقة أدى بنا ذلك إلى الحياة الطيبة، والحياة الطيبة تؤدي إلى ~~أصح أنواع العمل الطيب. ولكن العمل الطيب لا يؤدي في حد ذاته إلى الحياة الطيبة؛ فقد ~~يكون المرء فاعلا للخير دون أن يعرف من هو في الحقيقة. والأحياء الذين يتصفون بفعل ~~الخير ليسوا أناسا طيبين، وما هم إلا أعمدة المجتمع. # وأكثر الأعمدة كأعمدة شمشون؛ فهي قائمة ولكنها إن عاجلا أو آجلا تنهار. ولم يظهر ~~مجتمع كان أكثر العمل الطيب فيه نتيجة للحياة الطيبة ولذلك كان صحيحا دائما. وليس ~~معنى ذلك أنه لن يقوم مثل هذا المجتمع أو أننا في بالا مجانين لأننا نحاول أن نوجد هذا ~~المجتمع. # ثالثا # الرواقي ومن يمارس اليوجا شخصان صالحان ينتهيان إلى نتائجهما الطيبة بدعواهما باطراد ~~أنهما شخصان آخران. ولكنك لست بدعواك أنك ms040 شخص آخر - حتى إن كان هذا الشخص غاية في العمل ~~الطيب والحكمة - بمستطيع أن تخرج من عزلتك المانوية إلى كونك إنسانا طيبا. # الحياة الطيبة هي أن تعرف من أنت في الحقيقة، ولكي تعرف من أنت في الحقيقة يجب أن ~~تعرف أولا لحظة بلحظة من أنت فيما تظن، وما تدفعنا هذه العادة السيئة من التفكير إليه ~~من إحساس وعمل. إن لحظة واحدة من المعرفة الصافية الكاملة لمن أنت فيما تظن - ولكنك لست ~~به في الواقع - توقف لعبة الألفاظ المانوية لحظة من الزمن، فإذا أنت كررت لحظات الإدراك ~~بمن لست به، حتى تصبح هذه اللحظات زمنا متصلا وجدت نفسك بغتة عالما من أنت في ~~الحقيقة. # التركيز، والتفكير المجرد، والتدريب الروحي؛ العزلة المنتظمة في عالم الفكر، الزهد ~~ومذهب المتعة، عزلة منتظمة في عالم الحس والشعور والألم. ولكن الحياة الطيبة هي في ~~العلم بمن أنت في الحقيقة بالنسبة لجميع الخبرات. لتكن إذن واعيا؛ واعيا في كل موقف، ~~وفي كل وقت، أيا كان ما تعمل أو تعاني معقولا كان أم غير معقول، سارا أم غير سار. ~~هذه هي اليوجا الصحيحة، التدريب الروحي الوحيد الذي يستحق الممارسة. ~~- كلما ازددت معرفة بالمفردات ازددت معرفة بالله. هكذا قال اسبينوزا. وإذا ترجمنا لغته ~~إلى لغتنا يمكن أن نقول: كلما ازددت معرفة بنفسك بالنسبة لكل ضروب التجارب، زادت فرصتك ~~في إدراكك - فجأة ذات صباح جميل - من أنت في الواقع. # صدق القديس يوحنا؛ فالكلمة في عالم مبارك صامت لم تكن «مع» الله، إنما كانت هي ~~الله، شيئا يعتقد فيه. الله رمز لما يدور في الأفئدة، اسم مجسد لكلمة مجردة. # إن الإيمان شيء يختلف كل الاختلاف عن العقيدة. العقيدة هي أن تأخذ باطراد كلمات لم ~~تحلل مأخذا جديا للغاية، سواء في ذلك كلمات بولس أو ماركس أو هتلر؛ فإن الناس ~~يأخذونها مأخذا جديا مبالغا فيه، فماذا يحدث؟ إن ما يحدث هو تكافؤ المتناقضين في ~~التاريخ بشكل غير معقول؛ السادية (حب إيذاء الآخرين) إزاء الواجب، أو (وهو أسوأ بدرجة ~~لا تقارن) السادية باعتبارها ms041 واجبا، الورع يقابله جنون العظمة، الإحسان يواسون به ~~ضحايا قضاة التحقيق المنتمين لكنيستهم والصليبيين المتعصبين لمذهبهم. أما الإيمان، فعلى ~~نقيض ذلك؛ لا يمكن أن يؤخذ مأخذا جديا مبالغا فيه؛ لأن الإيمان هو الثقة - التي ~~لها ما يبررها عمليا - في قدرتنا على أن نعرف من نحن في الحقيقة، وعلى أن ننسى ~~المانوي الثمل ونستبدل به الحياة الطيبة، اللهم اعطنا اليوم إيمانا وخلصنا يا رب من ~~العقيدة. # ثم سمع ويل طرقا على الباب، فرفع بصره عن الكتاب ونادى: من هناك؟ # ورد عليه صوت أعاد إليه ذكريات بغيضة عن الكولونيل ديبا وعن الرحلة الخيالية بعربة ~~المرسيدس البيضاء، وقال الصوت: هو أنا. # وفي صندل أبيض على قدميه، وسروال قصير أبيض، وساعة معصم من البلاتين تقدم موروجان نحو ~~سرير ويل. ~~- ما أجمل الشعور الذي دفعك إلى أن تحضر لرؤيتي! # ولو كان الزائر شخصا آخر غير موروجان لبادر بسؤاله: كيف أنت الآن؟ ولكن موروجان كان ~~مشغولا بنفسه كلية مما يفقده القدرة حتى على أن يتظاهر بأدنى اهتمام بأي شخص آخر. ~~وقال متبرما: أتيت إلى بابك منذ ثلاثة أرباع الساعة. ولكن الرجل العجوز كان ما يزال ~~هنا؛ لذلك عدت إلى البيت، واضطررت إلى مجالسة أمي والرجل المقيم معنا وهما يتناولان ~~الفطور ... # وسأله ويل: ولماذا تحرجت من الدخول عندي حينما كان الدكتور روبرت معي؟ هل في حديثك ~~معي ما يتنافى وقواعد السلوك؟ # فهز الفتى رأسه في قلق وقال: كلا بالتأكيد، إنما أردت ألا يعرف السبب في زيارتي. # وابتسم ويل وقال: السبب؟ إن عيادة المريض من عمل الإحسان، وهي أمر مستحب ~~للغاية. # ولم يكن لسخريته أثر على موروجان الذي واصل تفكيره في شئونه الخاصة، وقال: أشكرك لأنك ~~لم تذكر لهم أنك رأيتني من قبل. قال ذلك في اقتضاب يكاد يبلغ حد الغضب، وكأنه كان ~~يستنكر الاعتراف بما ناله من فضل، وتميز غيظا من ويل لأنه أسدى إليه معروفا يستحق ~~العرفان. # وقال ويل: كنت أدرك أنك لم ترد أن أقول شيئا عن ذلك ومن ثم تحاشيت الكلام. # وتمتم موروجان بين ms042 أسنانه قائلا: أردت أن أشكرك. بنغمة تكاد تنم عن قوله : يا لك من ~~خنزير قذر! # وبأدب زائف قال ويل: عفوا. # يا له من مخلوق عذب! بهذا كان يفكر وهو يتطلع في شغف وابتهاج إلى جذعه الذهبي الأملس، ~~وإلى وجهه الملتفت ناحية أخرى، متناسقا كالتمثال لم يعد أولمبيا ولا كلاسيكيا؛ ~~وجه هليني، سهل الحركة إنساني إلى أبعد الحدود. إنه كالوعاء الجميل الذي لا نظير له؛ ~~وماذا عسى أن يحتوي هذا الوعاء؟ وتحسر ويل على أنه لم يوجه هذا السؤال بصورة أكثر جدية ~~قبل أن يتصل ببابز التي لا توصف. ولكن بابز كانت أنثى. ولما كان طبيعيا في علاقته ~~الجنسية فإن هذا السؤال العقلي الذي يتساءله الآن لم يكن ذا موضوع، ولكنه سؤال في محله ~~من غير شك بالنسبة إلى هذا المخلوق الصغير الحقود نصف الإله الذي يجلس في طرف السرير، ~~خاصة إذا كان السائل حساسا نحو الغلمان. # وسأله: أفلم يعلم الدكتور روبرت أنك ذهبت إلى راندنج؟ ~~- كان بطبيعة الحال على علم بذلك. كما كان كل امرئ على علم به. ولقد ذهبت إلى هناك ~~لأعود بأمي. وكانت هناك مع بعض أقربائها، وذهبت إلى هناك لأعود بها إلى بالا. وكان ~~الأمر رسميا مطلقا. ~~- إذن لماذا لم تردني أن أذكر أنني التقيت بك هناك؟ # وتردد موروجان لحظة، ثم حدق ببصره في ويل متحديا، وقال: لأنني لم أردهم أن يعلموا ~~أنني قابلت الكولونيل ديبا. # تلك إذن هي حقيقة الأمر، وقال ويل بصوت مرتفع: إن الكولونيل ديبا رجل يدعو للإعجاب. ~~وأراد بذلك أن يقول كلمة معسولة يستخلص بها ثقة موروجان. # ولما زالت عن موروجان ريبته ظهر في الحال ما كان يكنه في صدره. وتهلل بالحماسة وجهه ~~العابس، وبغتة تجلى أنطونيوس بكل ما كان يتصف به من جمال جذاب، هو جمال مراهقته ~~الغامضة. وقال: أي إنه رجل يدعو للإعجاب. ولأول مرة منذ دخل غرفة ويل بدا أنه أدرك ~~وجوده وقدم له أكثر بسماته مودة؛ ذلك أن ذكر الكولونيل بالإعجاب حمله على أن ينسى ~~ضغينته، ومكنه في ذلك ms043 الحين من أن يهب حبه كل مخلوق؛ حتى هذا الرجل الذي كان يدين له ~~بالعرفان المرير، وأردف قائلا: انظر إلى ما قدم لراندنج! # وقال ويل دون التزام: لا شك أنه يفعل الكثير لراندنج. # ومرت سحابة بوجه موروجان المشرق، وقال مقطبا جبينه: ولكنهم لا يرون ذلك هنا، ويعدونه ~~رجلا فظيعا. ~~- من يظن ذلك. ~~- كل إنسان تقريبا! ~~- ولذلك لم يريدوا لك أن تقابله؟ # وابتسم موروجان ابتسامة عريضة، وعلى وجهه مسحة التلميذ الشرير الذي انتهز فرصة التفات ~~المعلم الذي ولاه ظهره وقال: ظنوا أنني مع أمي كل الوقت. # وانتهز هذه الفرصة ويل توا وسأله: وهل كانت أمك تعلم أنك كنت في مقابلة مع ~~الكولونيل؟ ~~- طبعا. ~~- ولم تعترض؟ ~~- بل أيدتني. # ومع ذلك فإن ويل كان على ثقة تامة من أنه لم يخطئ عندما ظن أن موروجان مع ديبا كان ~~أشبه بأنطونيوس مع هادريان. هل كانت المرأة كفيفة البصر؟ أم هل لم ترد أن ترى ما كان ~~يحدث؟ # وقال بصوت مسموع: ولكن إذا كان الأمر لا يهمها، لماذا كان الدكتور روبرت وزمرته ~~يعارضون؟ ونظر إليه موروجان مرتابا. وأدرك ويل أنه غامر بالخوض في أمر محظور، فغير ~~مجرى الحديث، وقال مبتسما: هل تظن أنه كان يستطيع أن يحولك إلى العقيدة في الدكتاتورية ~~العسكرية؟ # وفي هذا الاتجاه الجديد للحديث سار موروجان. وقد انفرجت أسارير وجهه وابتسم قائلا: ~~لم يكن الأمر كذلك بالضبط. ولكن كان قريبا من هذا. وهز كتفيه وأردف قائلا: الموضوع ~~سخيف، ولا يعدو أن يكون بروتوكولا أحمق. # وتحير ويل حقيقة وقال: ألم يخبروك بشيء عني؟ ~~- لست أعرف أكثر مما ذكر لي الدكتور روبرت بالأمس. # وألقى موروجان برأسه إلى الخلف وقال ضاحكا: تقصد كوني طالبا؟ ~~- وما يضحكك من كونك طالبا؟ # وصرف الفتى نظره مرة أخرى وقال: لا شيء، لا شيء البتة. ثم ساد الصمت، وأخيرا قال ~~وهو لا يزال منصرف النظر: السبب في أنه من المفروض ألا ألاقي الكولونيل ديبا هو أنه ~~رئيس دولة، وأنا كذلك رئيس دولة. وحينما نلتقي يكون في الموقف سياسة دولية. ~~- وماذا ms044 تعني؟ ~~- أنا راجا بالا. ~~- أنت راجا بالا؟ ~~- منذ عام 54 حينما مات أبي. ~~- وأمك إذن هي راني. ~~- هي كذلك. # وتذكر ويل ما قاله له ألديهايد: اذهب رأسا إلى القصر. ولكن ها هو ذا القصر يأتيه ~~رأسا. والعناية السماوية كانت قطعا إلى جانب جو ألديهايد، وتعمل لمصلحته. # وسأله: وهل أنت أكبر الأبناء؟ # وأجابه موروجان: الابن الأوحد. ثم أكد وحدانيته مرة أخرى وقال: الطفل ~~الأوحد. # قال ويل: إذن ليس في الأمر أدنى شك. يا إلهي! لقد كان ينبغي لي أن أناديك بصاحب ~~الجلالة أو بلقب السيد على الأقل. قال ذلك ضاحكا. غير أن موروجان استجاب للحديث بجدية ~~تامة وبالتظاهر فجأة بالكرامة الملكية. # وقال: بهذا تناديني في نهاية الأسبوع القادم، بعد عيد ميلادي. حينما أبلغ الثامنة ~~عشرة؛ أي عندما يبلغ الراجا في بالا سن الرشد. أما حتى هذا الحين فأنا موروجان ميلندرا، ~~مجرد طالب يتعلم شيئا عن كل شيء؛ بما في ذلك تربية النبات. واستطرد في شيء من ~~السخرية قائلا: حتى أكون على علم بما أقوم به حينما يحين الحين. ~~- وإلى أن يحين الحين ماذا عساك فاعل؟ # وقد لمس ويل فيما بين أنطونيوس الوسيم ووظيفته الكبرى تناقضا يثير الضحك حقا، ~~وواصل الحديث بنغمة المزاح، متسائلا: وكيف تنوي أن تباشر العمل؟ هل تطيح بالرءوس، ~~وتقول: أنا الدولة؟ # واشتدت جدية موروجان وكرامته الملكية فقال مؤنبا: لا تكن غبيا. # وفي ابتهاج شديد أخذ ويل يسلك مسلك المعتذر وقال: إنما أردت أن أعرف إلى أي حد سوف ~~يكون حكمك مطلقا. # ورد عليه موروجان في وقار قائلا: بالا ملكية دستورية. # أو بعبارة أخرى، إنك سوف تكون رأسا رمزيا؛ تسود ولا تحكم؛ كملكة إنجلترا. # ونسي موروجان كرامته الملكية فكاد يصيح بقوله: كلا، كلا. ليس كملكة إنجلترا. إن راجا ~~بالا لا يسود فقط، إنما يحكم كذلك. واشتدت ثورة موروجان حتى لم يستطع يجلس في سكون، ~~فقفز إلى أعلى وبدأ يذرع الغرفة جيئة وذهابا، وأضاف قائلا: راجا بالا يحكم حكما ~~دستوريا، ولكنه - وايم الحق - يحكم، إنه يحكم. وسار نحو النافذة وأطل ms045 منها، ثم عاد بعد ~~لحظة سكون وجابه ويل بوجه تحول - من أثر المسحة الجديدة التي انتابته - إلى رمز للقبح ~~النفساني المعروف، في صورة فاتنة ولون رائع. وفي عبارة وبنغمة، استمدهما قطعا من أحد ~~أبطال العصابات الأمريكية التي تظهر في السينما، قال: سوف أريهم من الرئيس هنا. ~~واستطرد وكأنه يتلو من النص الممجوج الشائع على ألسنة أمثال هؤلاء الأبطال: إن القوم ~~هنا يحسبون أني ألعوبة بين أيديهم كما كان أبي ألعوبة بينهم، ولكنهم يخطئون خطأ ~~جسيما. وصدرت عنه ضحكة خبيثة تكاد أن تكون مكبوتة وهز رأسه الجميل البغيض وكرر قوله ~~إنهم يخطئون خطأ جسيما. # وخرج اللفظ من بين أسنانه المطبقة وشفتيه اللتين كادتا ألا تتحركان. وبرز فكه الأسفل ~~وبدا كفك المجرم في مسلسلة هزلية، وأبرقت عيناه في برود بين جفنين شبه مغمضين. وبدا في ~~صورة مضحكة ومريعة في آن واحد. وقد أمسى أنطونيوس كاريكاتيرا لكل الأبطال الذين ~~خلدتهم الصور من قديم الأزل. # وسأله ويل: من كان يدير البلاد حينما كنت قاصرا؟ # وأجاب موروجان في ازدراء: ثلاث مجموعات من الرجعيين القدامى؛ مجلس الوزراء، ومجلس ~~النواب، ثم مجلس الشورى الذي يمثلني أنا الراجا. # وقال ويل: مساكين هؤلاء الرجعيون القدامى، سوف يصدمون صدمة كبرى عما قريب. # وبروح الاستهتار التي اصطنعها في مرح شديد، ضحك ضحكة عالية وقال: كل أملي أن أكون هنا ~~لأرى ما سوف يحدث. # وشاركه موروجان ضحكه، لا بوصفه قويا مرحا خبيثا. ولكن بمزاج مختلف وملامح متغيرة ~~ظهرت فجاة تجعل من العسير عليه - كما أدرك ويل - أن يلعب دور البطل القوي، وإنما ضحك ~~كالتلميذ الشرير الظافر الذي كان على صورته منذ لحظات، وكرر قوله سعيدا: ستكون صدمة ~~حياتهم. ~~- وهل وضعت خططا معينة؟ # قال موروجان: قطعا. وبحركات وجهه أخلى التلميذ الشرير المنتصر مكانه لرجل السياسة، ~~الرزين الذين يصطنع الدماثة عندما يعقد مؤتمرا صحافيا. ستكون الأولوية لتحديث هذا ~~المكان. انظر إلى ما استطاعت راندنج أن تفعله بسبب نصيبها الذي تحصل عليه من عائد ~~البترول. # وسأله ويل بتلك اللهجة الساذجة التي تنم عن جهل مطبق ms046 والتي علمته التجارب الطويلة ~~أنها خير وسيلة لاستخراج المعلومات من السذج وممن يظنون بنفسهم الأهمية الشخصية: وهل لا ~~تحصل بالا على نصيب من عائد البترول؟ # قال موروجان: لا تحصل على قرش واحد. مع أن الطرف الجنوبي من الجزيرة يطفح بالبترول. ~~وإذا استثنينا عددا قليلا من الآبار التافهة التي يستهلك بترولها محليا فإن ~~الرجعيين القدامى لا يحركون ساكنا، بل إنهم لا يسمحون لغيرهم أن يفعل شيئا. وتملك ~~الغضب موروجان السياسي، ونم صوته كما نمت ملامحه الآن عن البطل القوي، وأردف قائلا: ~~لقد تقدمت عروض كثيرة من مختلف الجهات؛ من شركة بترول جنوب شرقي آسيا، ومن شل، ~~والشركة الهولندية الملكية، وشركة ستاندارد في كلفورنيا. ولكن هؤلاء الغافلين لا ~~يعيرونها آذانا مصغية. ~~- وهل لا تستطيع أن تغريهم بالإصغاء؟ # وقال البطل القوي: سأرغمهم على الإصغاء. # وقال ويل: هكذا تكون الهمة. ثم سأل عرضا: وأي العروض تفكر في قبوله؟ ~~- يتعامل الكولونيل ديبا مع شركة ستاندارد بكلفورنيا، ويرى أن الأفضل أن نتعامل معها ~~نحن كذلك. ~~- لو كنت مكانك ما فعلت هذا إلا بعد أن يتقدم إلي بعض المتنافسين على الأقل. ~~- ذلك ما أراه أنا أيضا، وكذلك أمي. ~~- هذه هي الحكمة. ~~- أمي متحمسة لشركة جنوب شرقي آسيا للبترول. وهي تعرف رئيس مجلس الإدارة، اللورد ~~ألديهايد. ~~- هل تعرف اللورد ألديهايد؟ يا للعجب! قال ذلك ويل بدهشة المبتهج التي لها أبلغ ~~الأثر. ثم أضاف: جو ألديهايد صديقي، وأنا أحرر في صحفه، بل أعمل سفيرا خاصا له. ~~وبيني وبينك هذا هو السبب في رحلتنا إلى مناجم النحاس؛ لأن جو يشتغل في النحاس كذلك ~~ولكن بصفة ثانوية. أما ميله الأول فهو نحو البترول. # فقال موروجان وقد حاول أن يبدو داهية في السياسة: كم هو مستعد أن يعرض؟ # وانتهز ويل هذه القصة وأجاب كأحسن ما تكون الإجابة في أسلوب ملوك المال كما يظهرون ~~على الشاشة: أكثر قليلا مما تعرضه شركة ستاندارد. # وقال موروجان وكأنه أيضا يتحدث على الشاشة: هذا عدل. وأومأ برأسه كالحكيم، ثم سادت ~~فترة طويلة من الصمت. ولما عاد إلى ms047 الحديث كان كرجل السياسة الذي يتفضل بمقابلة مع ~~مندوبي الصحف. # قال : سوف أستخدم نصيبنا من عائد البترول بالطريقة الآتية: خمسة وعشرون في المائة من ~~مجموع الأموال التي نحصل عليها تنفق في إعادة بناء العالم. # وسأله ويل في أدب جم: قل لي بدقة ما تراه لإعادة بناء العالم؟ ~~- عن طريق الحرب الصليبية للروح؟ هل تعلم عنها شيئا؟ ~~- بالطبع، ومن ذا الذي لا يعرفها؟! # وقال رجل السياسة جادا: إنها حركة عالمية كبرى كالمسيحية في نشأتها. وقد أسستها ~~أمي. # وبدت على ويل الرهبة والدهشة. # وأعاد موروجان قوله: نعم، أسستها أمي. ثم أضاف مؤكدا: أعتقد أنها الأمل الوحيد ~~للإنسان. # وقال ويل فارنبي: تماما. # واستطرد رجل السياسة حديثه فقال: هكذا أنفق الخمسة والعشرين في المائة الأولى من ~~نصيبي. أما ما تبقى فسوف أنفقه على برنامج مكثف للتصنيع. وغير من نغمة الحديث مرة أخرى ~~وقال: إن الحمقى الكبار هنا يريدون أن يصنعوا بعض المواقع فقط ويتركوا الباقي كما كان ~~عليه منذ ألف عام. في حين أنك تريد أن تذهب بالتصنيع إلى آخر الشوط؛ تصنع من أجل ~~التصنيع. ~~- كلا، بل أصنع من أجل البلاد. أصنع لكي أجعل بالا بلدا قويا، ولكي أجبر غيرنا على ~~احترامنا. انظر إلى راندنج؛ إنهم هناك في غضون خمس سنوات سوف يصنعون كل أنواع البنادق ~~ومدافع الهاون والذخيرة التي هم في حاجة إليها، بيد أن الوقت يحتاج إلى وقت طويل لكي ~~يصنعوا الدبابات، ولكنهم حتى آنئذ يستطيعون أن يشتروها من سكودا بأموال ~~البترول. # وتساءل ويل متهكما: ومتى يرقون إلى صنع القنبلة الهيدروجينية؟ # فأجاب موروجان: إنهم لم يحاولوا ذلك. وأردف قائلا: ومهما يكن من أمر فإن القنبلة ~~الهيدروجينية ليست وحدها السلاح الأساسي. وقد نطق هذه العبارة مستمتعا بها، وكان من ~~الواضح أن ذكر «السلاح الأساسي» كان محببا إلى مسامعه. ثم أضاف: أقصد الأسلحة الكيماوية ~~والبيولوجية؛ إن الكولونيل ديبا يسميها القنابل الهيدروجية التي يملكها الإنسان ~~المسكين. إن من أول مشروعاتي بناء مصنع كبير لمبيدات الحشرات. وضحك موروجان وغمز بإحدى ~~عينيه وقال: وإذا استطعت أن تصنع ms048 مبيدات الحشرات فأنت تستطيع أن تصنع غاز ~~الأعصاب. # وتذكر ويل ذلك المصنع الذي لم يتم بناؤه والذي يقع في إحدى ضواحي راندنج لوبو. # وكان قد سأل عنه الكولونيل ديبا وهما يمرقان قريبا منه في عربة المرسيدس: ما ~~هذا؟ # وأجابه الكولونيل: مبيدات للحشرات. ثم بابتسامة لطيفة كشف بها عن أسنانه الوضاءة أضاف: ~~وقريبا سوف نصدرها لكل أنحاء جنوب شرقي آسيا. # وقد ظن آنئذ - بطبيعة الحال - أن الكولونيل يعني ما يقول. أما الآن - وقد سخر في نفسه ~~- فإنه يرى أن الكولونيلات هم كولونيلات، وأن الصبية - حتى من أمثال موروجان - فهم صبية ~~محبون للمدافع. سووف يكون هناك دائما كثير من المهام للمراسلين الخاصين خاصة بتجارب ~~الموت. # ورفع ويل صوته سائلا: إذن فأنت سوف تقوم بتقوية جيش بالا؟ ~~- قوى الجيش؟ لا، أنا سوف أخلقه؛ فإن بالا ليس لها جيش. ~~- بتاتا؟ ~~- بتاتا، فكلهم مسالمون. وخرجت من فيه هذه اللفظة: «مسالمون»، في اشمئزاز وسخرية: وسوف ~~أبدا من لا شيء. ~~- تعني أنك سوف تخلق الروح العسكرية وتدخل الصناعة؟ ~~- تماما. # وضحك ويل قائلا: عود إلى الآشوريين، سوف ترجع في ثورتك إلى التاريخ القديم. # قال موروجان: هذا ما أرجوه، وهذه سياستي؛ ثورة مستمرة. # وصفق له ويل وقال: حسنا. ~~- سوف أواصل الثورة التي بدأها منذ مائة عام الجد الأكبر للدكتور روبرت عندما قدم إلى ~~بالا وعاون جدي الأكبر على تنفيذ الإصلاحات الأولى. ولقد قاما بعمل جدير حقا ~~بالإعجاب، ولكنهما لم يوفقا في كل ما قاما به من أعمال. ثم هز رأسه بشعره المجعد ~~جادا رافضا رفضا قاطعا لبعض ما قاما به؛ وبرزانة مصطنعة كأنه طالب يؤدي دور ~~بولونيس في مسرحية هاملت في حفل نهاية الفترة الدراسية. ثم أردف قائلا: ولكنهما على ~~أية حال قاما بعمل ما. في حين أننا نحكم اليوم بمجموعة من المحافظين الذين لا يفعلون ~~شيئا ما. إنهم محافظون بدائيون لا يحركون ساكنا لإدخال الإصلاحات الحديثة. وهم كذلك ~~محافظون في الصميم؛ فهم يرفضون أن يغيروا أية فكرة من الأفكار الثورية السيئة القديمة ~~التي يجب أن تتغير. إنهم لا ms049 يصلحون الإصلاحات. والحق أقول لك: إن بعض ما كان يسمى ~~بالإصلاحات يدعو حقا للاشمئزاز. ~~- تقصد الإصلاحات المتعلقة بالجنس؟! # فأومأ موروجان برأسه والتفت ناحية أخرى؛ ولشد ما كانت دهشة ويل عندما لاحظ أن ~~موروجان قد احمر خجلا. # وقال: اضرب لي مثلا. # ولكن موروجان عجز عن الإفصاح عما بنفسه. # وقال: اسأل الدكتور روبرت، واسأل فيجايا، إنهما يحسبان ذلك أمرا يدعو للإعجاب. بل ~~الجميع هنا يرى هذا الرأي؛ ومن ثم فإن أحدا لا يحب التغيير. إنهم يريدون أن يبقى كل ~~شيء كما كان، وبنفس الطريقة التي تدعو إلى الاشمئزاز، دائما وإلى الأبد. # وكرر العبارة بصوت رنان يدعو إلى الضيق قائلا: دائما وإلى الأبد. # ووثب موروجان من مقعده وصاح: أماه! # والتفت ويل فرأى عند الباب امرأة ضخمة متوردة مدثرة في لفائف من الموصلين الأبيض ~~(وذلك في رأيه ينافي الانسجام الطبيعي؛ لأن مثل هذا الوجه وهذا الجسم يتلاءم معه عادة ~~اللون البنفسجي الزاهي واللون الأحمر المشوب بالزرقة واللون الأزرق الكهربي). ووقفت ~~مكانها وعلى فمها تلك الابتسامة التي توحي بإدراكها للغموض المحيط، وذراعها السمراء ~~المترهلة مرفوعة وهي تضغط على جانب الباب وكأنها ممثلة عظيمة، أو المغنية الأولى التي ~~يعترف لها الجميع وقد وقفت عند أول ظهورها لتتقبل تصفيق الاستحسان من المعجبين بها في ~~الجانب الآخر من أضواء المسرح. كما ظهر في الخلف ينتظر في قلق إشارة البدء رجل مديد ~~القامة يرتدي بدلة من الداكرون بني اللون. وقد حاول موروجان أن يتعرف إليه من خلال تلك ~~الكتلة التي كادت أن تملأ المدخل - وهي أمه - ثم حياه باسم باهو. # وكان باهو ما يزال عند أحد جوانب المسرح ولكنه انحنى دون أن ينبس ببنت شفة. # ثم التفت موروجان مرة أخرى إلى أمه، وسألها: هل قدمت على قدميك؟ وكانت نغمته تنم عن ~~عدم التصديق وعن قلقه المشوب بالإعجاب. لم يكن يتصور كيف تمشي إلى هذا المكان، فإن كانت ~~قد فعلت فهي من الأبطال. ثم سألها أخيرا: وهل مشيت الطريق كله؟ # وردت مداعبة بلطف: نعم كل الطريق يا ولدي. ثم أنزلت ms050 ذراعها المرفوعة وطوقت بها جسم ~~الفتى النحيل، وضمته - وهي في ثوبها الفضفاض - إلى صدرها الضخم، ثم أخلت سبيله، وقالت: ~~استولت علي إحدى نزواتي. ولاحظ ويل أنها تحملك على الاستماع إلى لفظها «نزوة» ~~بتأكيدها عليها في نطقها بطريقة خاصة. وبنفس طريقة التأكيد هذه قالت: إن صوتي الضعيف ~~قال لي: اذهبي إلى زيارة الرجل الغريب الذي يقيم في بيت الدكتور روبرت. فسألت هذا الصوت ~~الضعيف: هل أذهب الآن على الرغم من حرارة الجو؟ ونفد صبر صوتي الضعيف فرد قائلا: ~~امسكي لسانك السخيف أيتها المرأة وافعلي كما تؤمرين. وها أنا ذا يا مستر فارنبي. وامتدت ~~يدها يفوح منها شذى قوي من رائحة خشب الصندل، ثم تقدمت نحوه. # وانحنى ويل نحو أصابعها الغليظة المرصعة بالجواهر وتمتم بكلمات اختتمها بقوله: يا ~~صاحبة السمو. # ونادت: باهو! باسمه المجرد من غير ألقاب مستغلة في ذلك حقها الملكي. # واستجابة لهذا النداء دخل الغرفة - بعد انتظار طويل لدوره - هذا الممثل الثانوي، ~~وقدمته باسم صاحب السعادة عبد الباهو سفير راندنج: عبد البيير باهو (وتحدث بالفرنسية) ~~لأن أمه كما قال كانت فرنسية ولكنه تعلم الإنجليزية في نيويورك. # وتصور ويل وهو يصافح يد السفير أنه شبيه بسافونارولا، # 3 # ولكنه سافونارولا بنظارة على إحدى عينيه وحلة قصها خائط في سافيل رو # 4 # بلندن. # وقالت الراني: باهو مستشار الكولونيل ديبا، أو ذهنه المفكر. ~~- اسمحي لي يا صاحبة السمو، إنك أكثر رفقا بي منك بالكولونيل! # وتحدث بلفظ وأسلوب رجل البلاط إلى حد كاد أن يكون تهكميا، يدعو إلى السخرية لأنه ~~أراد أن يمثل به الاحترام والمذلة في آن واحد. # فقال: الذهن في مكانه الطبيعي؛ الرأس. أما أنا فلست سوى جزء من الجهاز العصبي ~~المتعاطف في راندنج. # وقالت الراني: وأي تعاطف! باهو يا مستر فارنبي له صفات كثيرة؛ من بينها أنه آخر ~~الأرستقراطيين، ويجب أن تزور بلاده أما أشبهها «بألف ليلة وليلة». إذا صفقت بيديك كان ~~في خدمتك في الحال ستة من الخدم. وهم هناك يحتفلون بأعياد ميلادهم، ويقيمون الحفلات ~~الليلية في الحدائق. الموسيقى والمرطبات والراقصات، ms051 ومائتا حارس يحملون المشاعل، إنها ~~حياة هارون الرشيد بعد سبكها في صيغة حديثة . # وقال ويل: هذا وصف بهيج. وقد تذكر القرى التي مر بها في عربة الكولونيل ديبا المرسيدس ~~البيضاء؛ تذكر الأكواخ المسقوفة بالقش المضفور بالقضبان، والقاذورات، والأطفال ~~المصابين بالرمد، والكلاب الهزيلة، والنساء اللائي تنوء بالأحمال الثقيلة. # واستطردت راني تقول: ذوقه رفيع، وعقله مليء بالمعرفة. ثم أخفضت صوتها وقالت: ويتخلل ~~ذلك كله إحساس عميق قوي بالمقدسات. # وأحنى مستر باهو رأسه، ثم ساد الصمت بعد ذلك. # وفي أثناء ذلك اجتذب موروجان مقعدا، وجلست فوقه بوزنها الذي يبلغ مائة كيلوجرام ~~الذي تؤكد به جلالتها دون أن تلتفت خلفها، وهي على ثقة ملكية بأن طبائع الأشياء تقتضي ~~أن يكون هناك دائما شخص قريب المنال يكفل امتناع الأحداث السيئة كما يكفل الاحتفاظ ~~بالكرامة. # ووجهت حديثها إلى ويل قائلة له: أرجو ألا تحس أن زيارتي لك نوع من التطفل. وأكد لها ~~أنه لا يشعر بهذا الإحساس، ولكنها - مع ذلك - استمرت في تقديم الأعذار وقالت: كان ينبغي ~~لي أن أخطرك مقدما وأن أحصل على إذن منك. ولكن صوتي الضعيف قال لي: «لا، يجب أن تذهبي ~~فورا، لماذا لست أدري. ولكننا سوف نعرف السبب في الوقت المناسب من غير شك.» وحدقت فيه ~~بعينيها الكبيرتين الجاحظتين وابتسمت له ابتسامة مبهمة، وأردفت قائلة: والآن كيف حالك ~~أولا يا عزيزي مستر فارنبي؟ ~~- كما ترين يا سيدتي، حالتي جيدة للغاية. # وحدقت في وجهه بعينيها الجاحظتين في إمعان ارتبك له، وقالت: حقا؟ إنك في نظري الرجل ~~البطل الذي يراعي شعور الآخرين ويطمئن أصدقاءه حتى وهو على سرير الموت. # قال: أنت تمالقينني. ولكن حقا أنا في حالة جيدة، حالة جيدة بصورة تدعو إلى الدهشة، ~~بل هي - إذا أخذنا كل شيء في الاعتبار - معجزة. # قالت راني: «معجزة» هي الكلمة التي استخدمتها عندما سمعت نبأ نجاتك. لقد كانت حقا ~~معجزة. # وروى ويل مرة أخرى النص الذي ورد في كتاب «الأرض المجهولة» # 5 # وهو «من حسن الحظ أن العناية الإلهية كانت إلى جانبي». # وبدأ مستر باهو ms052 يضحك. ولما لحظ أن الراني قطعا لم تدرك المغزى، غير رأيه. وفي براعة ~~زائدة حول صوت المرح إلى سعال مسموع. # وقالت الراني: ما أصدق هذا القول! في صوت قوي رنان يتذبذب بدرجة تثير الحس، وواصلت ~~حديثها قائلة: إن العناية الإلهية دائما في جانبنا. ورفع ويل حاجبه متسائلا، فأضافت ~~قولها: أقصد في أعين أولئك الذين يفهمون حقا. مؤكدة لفظتي «يفهمون» و«حقا». ويصدق ~~هذا الكلام حتى وإن بدت كل الأمور متآمرة ضدنا، وبالفرنسية قالت: حتى عند الكوارث. ~~واستطردت قائلة: أنت تفهم الفرنسية طبعا يا مستر فارنبي؟ وأومأ ويل بالإيجاب. وواصلت ~~حديثها: الفرنسية كثيرا ما تواتيني أيسر من لغتي القومية، أو الإنجليزية، أو لغة أهل ~~بالا. وبعدما قضيت عدة سنوات في سويسرة في المدرسة أولا ثم بعد ذلك عندما تدهورت صحة ~~ولدي (وهنا ربتت على ذراع موروجان العارية) واضطررنا إلى العيش في الجبال؛ ويوضح ذلك ما ~~ذكرت من أن العناية الإلهية كانت دائما في جانبنا، قالوا لي إن ولدي الصغير على حافة ~~الإصابة بالسل فنسيت كل ما تعلمت، وطار صوابي خوفا وذعرا، وغضبت من ربي لأنه رضي بهذا ~~الذي حدث. ولكن ما كان أشد عماي! فلقد شفي ولدي. وكانت تلك السنوات التي قضيناها وسط ~~الثلوج الدائمة أسعد أيام حياتنا. أليس كذلك يا حبيبي؟ # ووافقها الصبي بقوله: نعم، كانت أسعد أيام حياتنا. بنغمة تنم عن الإخلاص التام. # وابتسمت الراني بشعور الانتصار، ولوت شفتيها الحمراوين، وبصوت خافت فرجتهما لترسل عن ~~بعد قبلة، وواصلت حديثها قائلة: فأنت ترى يا عزيزي فارنبي - والأمر يفصح عن نفسه حقا ~~- أن شيئا لا يحدث مصادفة، هناك خطة كبرى، تتفرع منها خطط عديدة صغرى. هناك خطة صغرى ~~لكل واحد منا. # وفي أدب جم قال ويل: هذا صحيح. # وواصلت الراني حديثها قائلة: لقد انقضى زمن كنت أدرك فيه ذلك بعقلي. أما الآن فأنا ~~أدركه بقلبي، أنا حقا ... وهنا توقفت لحظة لتتأهب لنطق الكلمة الصوفية التالية مؤكدة ~~لها، وهي ... أفهم. # وعندئذ تذكر ويل ما قاله عنها جو ألديهايد وهو أنها «متأثرة بالروحانيات إلى ms053 أبعد ~~الحدود». ولا شك في معرفة هذا الرجل الذي تردد على جلسات استحضار الأرواح طوال ~~حياته. # فقال: أعتقد يا سيدتي أنك روحانية بالطبيعة. # واعترفت بذلك قائلة: منذ ميلادي. ولكن كذلك وفوق ذلك بالتدريب. ولست بحاجة إلى أن ~~أقول التدريب على شيء آخر. مؤكدة هذه العبارة الأخيرة. ~~- شيء آخر؟ ~~- على حياة الروح، والمرء كلما سار شوطا على الطريق فإن كل المواهب الروحية وكل القوى ~~المعجزة تتطور تلقائيا. ~~- أصحيح هذا؟ # وأكد له موروجان فخورا: إن أمي تستطيع أن تقوم بما لا يتصور العقل. # وقالت بالفرنسية: لا تبالغ يا حبيبي. # وأصر موروجان على ما ذكر وقال: ولكنها الحقيقة. # وأضاف السفير: إنها حقيقة أستطيع أن أؤكدها. ثم أردف قائلا وهو يبتسم مخاطرا: ~~أؤكدها على مضض مني. ولقد كنت طوال حياتي من المتشككين في هذه الأمور، ولم أكن أحب أن ~~أرى المستحيل يتحقق. ولكني لسوء الحظ أميل إلى الصدق. فإذا حدث المستحيل فعلا أمام ~~عيني فأنا مضطر على الرغم مني (بالفرنسية) أن أكون شاهدا على ما وقع. إن سموها تقوم ~~فعلا بأمور لا يتصورها العقل. # وتهللت الراني بالسرور وقالت: حسنا، ما دمت تريد أن تعبر بهذه الصورة. ولكن لا تنس ~~شيئا أبدا يا باهو. إن المعجزات ليست لها البتة أية أهمية، وإنما المهم هو «الشيء ~~الآخر»؛ الشيء الآخر الذي يبلغه المرء في نهاية «الطريق». # وبالتحديد قال موروجان: بعد «المرحلة الرابعة» يا أمي ... # ورفعت الراني إصبعا إلى شفتيها وقالت: هذه أشياء لا يتحدث فيها المرء يا حبيبي. # وقال الصبي: أنا آسف. وأعقب ذلك صمت طويل مشحون بالمعاني. # وأغمضت الراني عينيها، وأسقط مستر باهو نظارته ثم أغمض عينيه وأمسى صورة لسافونارولا ~~وهو يصلي في صمت. ماذا كان يجري خلف هذا القناع، قناع استجماع النفس الصارم والذي يكاد ~~أن يتجرد من المادة؟ تعجب ويل لما شاهد وأخيرا قال: هل يجوز لي ~~يا سيدتي أن أسأل كيف ~~بدأت السير في الطريق؟ مؤكدا لفظة «الطريق». # ولزمت الراني الصمت ثانية أو ثانيتين، واكتفت بجلوسها مغمضة العينين، تنفرج شفتاها عن ~~ابتسامة بوذا ms054 التي تنم عن سعادة غامضة، وأخيرا أجابت بقولها: العناية السماوية كشفت لي ~~عن الطريق. ~~- صحيح، لكن لا بد أن تكون هناك مناسبة، ومكان، وأداة بشرية. # قالت: سوف أخبرك. وفتحت جفنيها وألفى نفسه مرة أخرى محط النظر من هاتين العينين ~~الجاحظتين اللتين لمعتا في حملقة لا تحيد يمنة أو يسرة. # حدث ذلك في لوزان في السنة الأولى من تعليمها السويسري. وكانت الأداة البشرية ~~المختارة هي مدام بولوز المحبوبة الصغيرة، وهي زوجة الأستاذ بولوز المحبوب الكبير. ~~والأستاذ بولوز هو الرجل الذي عهد إليه رعايتها والدها المرحوم سلطان راندنج. وكان ~~الأستاذ في السابعة والستين من عمره، يعلم الجيولوجيا، بروتستانتيا ينتمي إلى طائفة ~~متزمتة، ولولا أنه كان يتعاطى كأسا من النبيذ مع العشاء، ويؤدي صلاته مرتين فقط في ~~اليوم، ويلتزم بالزواج بامرأة واحدة لحسبته من المسلمين. وتحت هذه الرعاية يتفتح ذهن ~~أميرة راندنج، وتبقى بغير تأثر من الناحيتين الخلقية والعقائدية. ولكن السلطان لم يحسب ~~لزوجة الأستاذ حسابا. كانت مدام بولوز في الأربعين فقط من عمرها، بدينة، عاطفية، فوارة ~~في حماستها، اعتنقت أخيرا مذهب الصوفية وتحمست له بشدة، وإن تكن من الناحية الرسمية من ~~مذهب زوجها البروتستانتي. وفي حجرة في أعلى بيت مرتفع قريبا من ميدان ريبون اتخذت لها ~~مكانا للتعبد تأوي إليه سرا لتقوم بتدريباتها على التنفس، وتمارس التركيز، وتستحضر ~~كنداليني، كلما توافر لها الوقت. كانت تدريباتها عنيفة. ولكن جزاءها كان عظيما بدرجة ~~حدود العقل. وعند الفجر ذات ليل من ليالي الصيف بينما كان الأستاذ الطيب مستلقيا يغط ~~في نومه غطيطا متواترا تحت المصلى بطابقين، تجلى لها السيد كوت هومي وشعرت بوجوده ~~معها. # وهنا توقفت الراني عن الحديث بشكل مؤثر. # وقال مستر باهو: هذا أمر غير عادي. # وبدافع الواجب ردد العبارة وراءه ويل وقال: أمر غير عادي. # واستأنفت الراني روايتها. وكانت مدام بولوز قد أحست بسعادة لم تستطع إخفاءها فأفشت ~~سرها. وصدرت عنها إشارات غامضة، وتدرجت من الإشارات إلى الثقة، ومن الثقة إلى دعوة ~~لزيارة المعبد وتلقي التعاليم. وبعد فترة وجيزة من الزمن أخذ ms055 كوت هومي يخص الطالبة ~~الجديدة بأفضال تفوق ما كان يقدمه لمعلمتها. # واختتمت الراني حديثها قائلة: ومنذ ذلك اليوم ظل السيد يعاونني على المضي قدما. ~~وأكدت على كلمتي «المضي قدما». # وتساءل ويل بينه وبين نفسه المضي قدما نحو ماذا؟ كوت هومي وحده يعلم. ولكن أيا كان ~~المكان الذي توجهت إليه فإنه لم يشعر بميل إليه. وظهر على ذلك الوجه الوردي الضخم تعبير ~~كان بغيضا إلى نفسه بصورة عجيبة؛ تعبير عن هدوء سائد، وعن احترام للذات ثابت لا ~~يتزعزع. وذكرته بصورة عجيبة بجو ألديهايد. وكان جو أحد هؤلاء الأثرياء السعداء الذين لا ~~يشعرون بوخز الضمير، وإنما يستمتعون بأموالهم بغير وازع، وبكل ما يمكن أن يشتروه بهذه ~~الأموال من نفوذ أو سلطان، وأمامه الآن فصيلة أخرى من فصائل جو ألديهايد، على الرغم من ~~ارتدائها الموصلين الأبيض، ومما يحيط بها من غموض، ومما تثيره من عجب؛ أنثى ثرية تحكمت ~~في السوق؛ ولا أعني سوق النحاس أو فول الصويا، وإنما أعني الروحانية الخالصة والسادة ~~الذين يصعدون إلى السماء، وهي الآن تفرك يديها سعيدة بمجال استثمارها. # وواصلت الراني حديثها قائلة: إليكم مثالا لما قدمه لي: منذ ثمان سنوات - أو على وجه ~~التحديد في اليوم الثالث والعشرين من شهر نوفمبر من عام 1952م - جاءني «السيد» وأنا في ~~حالة التأمل صباحا، جاء بشخصه، وبكل أمجاده وقال لي: لا بد من شن حملة دينية، حركة ~~عالمية لإنقاذ البشرية من تدمير نفسها بنفسها، وأنت يا بنيتي الأداة المكلفة. فقلت: ~~أنا؟ حركة عالمية؟ هذا عبث، فأنا لم ألق طوال حياتي خطابا واحدا، ولم أسطر كلمة ~~واحدة للنشر، ولم أكن قط زعيمة ولا داعية نظام. فقال وقد حياني بابتسامة حلوة من ~~ابتساماته التي تفوق الوصف: وعلى الرغم من ذلك فأنت التي سوف تشنين الحملة؛ الحملة ~~الروحية العالمية، وسوف تقابلين بالضحك، ويدعونك المجنونة، المتهوسة، والمتعصبة. ولكن ~~الكلاب تنبح والقافلة تسير. ولقد قدر للحملة الروحية أن تتحول من دعوات مبدئية تثير ~~الضحك إلى قوة عظمى، قوة للخير، قوة سوف تنقذ العالم في نهاية الأمر. ms056 وبعد هذا تركني، ~~مذهولة، متحيزة، مذعورة لا أعي شيئا. ولكن ذلك أمر عارض، وعلي أن أطيع. ولقد أطعت. ~~فماذا حدث؟ ألقيت الخطب ووهبني هو الفصاحة، وقبلت عبء الزعامة، ولأنه كان يسير متخفيا ~~إلى جانبي تبعني الناس. وطلبت المعونة فتدفق علي المال. وها أنا ذا كما ترون ... ولوحت بيديها ~~الغليظتين وكأنها تغض من شأن نفسها، وابتسمت ابتسامة غامضة، وكأنها تقول: مسكينة أنا، ~~ولكني لا أملك نفسي، بل أنا ملك للسيد كوت هومي. وكررت قولها: وها أنا ذا كما ~~ترون. # وقال مستر باهو مخلصا: ها أنت هنا والحمد لله. # وبعد فترة ما سأل ويل الراني إن كانت قد أصرت دائما على الشعائر التي تعلمتها ~~بالعناية الإلهية في معبد مدام بولوز. # وأجابت بقولها: دائما، ولم أعد أستغني عن التأمل، وكأنه كالطعام لا غنى عنه. ~~- أولم يشق عليك ذلك بعد الزواج؟ أعني قبل أن تعودي إلى سويسرة؛ فلقد كانت عليك ~~بالضرورة واجبات رسمية كثيرة مضنية. # وردت الراني في نغمة تغني عن مجلدات ضخمة من التعليق الذي يسيئ إلى شخصية زوجها ~~الراحل، من حيث فلسفته في السياسة العالمية وعاداته الجنسية وقالت: دع عنك الواجبات غير ~~الرسمية. وفغرت فاها لتفصل ما أجملت ثم لاذت بالصمت، ونظرت إلى موروجان ونادته: يا ~~حبيبي. # وكان موروجان مشغولا بتلميع أظافر يده اليسرى التي وضعها في راحة يمناه، فتطلع في ~~دهشة المذنب وقال: ماذا يا أماه؟ # وتجاهلت الراني ما كان يفعل بأظافره وغفلته الواضحة إزاء ما كانت تقول، وابتسمت له ~~ابتسامة ومغرية وقالت له: كن ملاكا واذهب وأتني بالسيارة. ووجهت حديثها إلى ويل قائلة ~~له: إن «صوتي الضعيف» لا يعترض على أن أعود إلى البيت سيرا على قدمي؛ فهو على بعد بضع ~~ياردات من هذا المكان. ولكن في هذا الجو الحار. وفي مثل سني ... # وكانت كلماتها تستدعي شيئا من النفاق في الرد. ولكن ويل شعر بأن الحرارة التي لا ~~تسمح بالسير على الأقدام لا تسمح كذلك ببذل الجهد اللازم للتظاهر بإخلاص زائف يقنع. ~~ولحسن الحظ كان على مقربة منهما دبلوماسي محترف، ms057 رجل من رجال البلاط المدربين، يستطيع ~~أن يعوض أوجه النقص التي تصدر عن صحافي أخرق. فضحك باهو بملء شدقيه، ثم اعتذر عما بدر ~~منه من مرح. # وقال: معذرة فالموقف يدعو فعلا إلى الضحك. وكرر عبارة الراني: في مثل سني ... وضحك ~~مرة أخرى، ثم أردف قائلا: إن موروجان لم يبلغ الثامنة عشرة بعد، وأنا أعرف عمر أميرة ~~راندنج، وصغر سنها، عندما اقترنت براجا بالا. # وفي تلك الأثناء نهض موروجان مطيعا وقبل يد أمه. # ولما انصرف من الغرفة قالت الراني: الآن نستطيع أن نتحدث بحرية أكثر. وانطلقت في ~~الكلام متحررة؛ ونم وجهها، ونغمة حديثها، وعيناها الجاحظتان، وهيكل جسمها المرتعش كله ~~عن استنكارها ولكنها تجاهلت الأمر وقالت: اذكروا محاسن موتاكم. ولذلك لم تذكر عن زوجها ~~إلا أنه كان رجلا من بالا مثاليا، وممثلا صادقا لبلاده، والحقيقة المؤلمة هي أن ~~وجه بالا المشرق الناعم كان يخفي فسادا مروعا. # ورفعت يديها مرتاعة وخشخشت أساروها في فزع شديد تقول: عندما أذكر ما حاولوا أن يلحقوه ~~بوليدي منذ عامين، عندما كنت أقوم برحلتي العالمية في سبيل الحملة الروحية، أذكر كم ~~قاسيت من فراقه طوال هذه المدة. ولكن «السيد» كان قد بعثني لأداء رسالة وذكرني «صوتي ~~الضعيف» أنه من الخطر أن أصحب وليدي معي. ولقد عاش خارج البلاد زمنا طويلا وآن له أن ~~يعرف البلد الذي سيئول إليه حكمه؛ لذلك قررت أن أتركه هنا. وعين مجلس الشورى لجنة ~~للوصاية: واللجنة امرأتان لكل منهما أبناء بلغوا سن الرشد، ورجلان. # يؤسفني أن أقول (وأسفي أشد من غضبي) إن الدكتور روبرت ماك فيل كان أحدهما. وموجز ~~القول، ما كدت أن أخرج آمنة من هذا البلد حتى شرع هؤلاء الأوصياء الأعزاء الذين عهدت ~~إليهم بوليدي، ولدي الوحيد، يعملون لمحو تأثيري، ويعملون بنظام يا مستر فارنبي على أن ~~يحطموا كل القيم الخلقية والروحية التي تعبت في بنائها خلال العديد من السنين. # وفي شيء من الخبث أبدى ويل دهشته (لأنه بطبيعة الحال كان يعرف ما كانت الراني ~~تتحدث عنه): القيم الخلقية والروحية كلها؟ ومع ms058 ذلك لم يكن بالإمكان لأحد ما أن يكون ~~أكثر شفقة به من الدكتور روبرت والآخرين، ولم يكن بإمكان السامرين الطيبين أنفسهم أن ~~يكونوا أكثر منهم إحسانا. # وقالت الراني: إنني لا أنكر عليهم شفقتهم. ولكن الشفقة ليست هي الفضيلة ~~الوحيدة. # ووافقها ويل وقال: طبعا. وأخذ يعدد كل الصفات التي كان من الواضح إن الراني تفتقر ~~إليها، وقال: هناك أيضا الإخلاص، والصدق، والتواضع، والإيثار ... # وقالت الراني بحدة: لقد نسيت الطهارة. وأكدت على هذه الكلمة: الطهارة أساسية، الطهارة ~~شيء لا بد منه. ~~- ولكني فهمت أنهم هنا في بالا لا يرون هذا الرأي. فقالت الراني: إنهم بالتأكيد لا ~~يرون ذلك. واستطردت تذكر له كيف أن ولديها قد عرض عمدا للنجاسة، بل لقد شجعوه ~~إيجابيا على الاسترسال فيها مع إحدى الفتيات اللائي نضجن قبل الأوان وسلكن سلوكا ~~فوضويا. وفي بالا الكثيرات منهن. ولما عرفوا أنه ليس من طراز الفتيان الذين يغررون ~~بالبنات (لأنها نشأته على أن يعتبر المرأة مقدسة بالضرورة) شجعوا الفتاة على أن تبذل ~~جهدها لكي تغرر به. # وتعجب ويل في نفسه متسائلا: وهل نجحت معه الفتاة؟ أم هل قام أصدقاؤه الذين في مثل سنه ~~بتحصينه ضد الميل إلى البنات، أو قام به بصورة أكثر فعالية واحد ممن يكبرون أنطونيوس ~~أكثر خبرة وأشد فسادا، سويسري سبق الكولونيل ديبا؟ # وأخفضت الراني صوتها وقالت إلى حد الهمس الذي تسمعه على المسرح تعبيرا عن الفزع: لم ~~يكن ذلك أسوأ ما حدث؛ فإن إحدى الأمهات في لجنة الوصاية - وألفت النظر إلى أنها من ~~الأمهات - نصحته أن يتلقى بعض الدروس. ~~- أي نوع من أنواع الدروس؟ # وغضنت أنفها كأنها تشم رائحة المجاري وقالت: دروس فيما يتحشمون ويسمونه الحب. وتحول ~~اشمئزازها إلى سخط وقالت: دروس - اسمح لي أن أقول - من امرأة أكبر سنا. # وصاح السفير: رحماك يا رب! # وردد ويل بعده على سبيل الواجب: رحماك يا رب! وكان يدرك أن هؤلاء النسوة المسنات كن ~~في عين الراني منافسات أشد خطورة حتى من أكثر الفتيات الفوضويات ممن نضجن قبل الأوان؛ ~~فمعلمة الحب ms059 البالغة تكون أما منافسة، تتمتع بميزة الحرية في تجاوز حدود التحريم، ~~وهذا أمر بشع لا يجوز. # وفي شيء من التردد قالت الراني: إنهن يقمن بتعليم طرق خاصة. # واستفسر ويل: أي طرق تقصدين؟ # ولكنها لم تستطع أن تحمل نفسها على الخوض في التفصيلات المنفرة. ومع ذلك فإن ذلك لم ~~يكن ضروريا؛ لأن موروجان (بارك الله فيه) رفض أن يستمع إلى هذه الدروس. دروس في الفسق ~~من امرأة يصح أن تكون له أما؛ إن مجرد الفكرة أصابته بالتقزز. ولا عجب؛ فلقد نشأ على ~~احترام مبدأ الطهارة. هل تعرف معنى براهما شاريا؟ # قال ويل: نعم. ~~- وهذا سبب آخر جعل مرضه نعمة غير منظورة، رحمة من الله حقا جاءت في حينها، ولا أظن ~~أني كنت أستطيع أن أربيه هكذا في بالا؛ فهنا كثير من المؤثرات السيئة. هنا قوى تعمل ضد ~~الطهارة، وضد الأسرة، بل وضد محبة الأم. # وسدد ويل أذنيه ليحسن الإصغاء وقال: هل أصلحوا حتى الأمهات؟ # وأومأت برأسها إيجابا وقالت: إنك لا تتصور إلى أي حد وصلت الأمور هنا. ولكن كوت هومي ~~كان يعلم الأخطار التي لا بد أن نلاقيها في بالا. فماذا يحدث؟ يمرض وليدي وينصحنا ~~الأطباء بالعودة إلى سويسرة لكي نبتعد عن الأذى. # وسألها ويل: كيف سمح لك كوت هومي بالقيام بحملتك الروحية؟ ألم ير ماذا كان عساه أن ~~يحدث لموروجان بمجرد أن توليه ظهرك؟ # وقالت الراني: كان يرى كل شيء، المغريات، والمقاومة، والهجوم المكثف الذي تقوم به قوى ~~الشر مجتمعة، ثم الخلاص في اللحظة الأخيرة. وأضافت لمزيد من الإيضاح: إن موروجان لم ~~يخبرني بما كان يحدث. ولكن بعد ثلاثة أشهر أمست هجمات قوى الشر أقوى مما يحتمل، وصدرت ~~عنه بعض التلميحات غير أني كنت مستغرقة تماما فيما كلفني به «سيدي» فلم أعرها ~~التفاتا. وأخيرا كتب إلي خطابا شرح فيه الأمر كله تفصيلا. فألغيت محاضراتي الأربع ~~الأخيرة في البرازيل وطرت إلى بلدي بأسرع ما استطاعت طائرات الجت أن تحملني. وبعد مضي ~~أسبوع عدنا إلى سويسرة، وليدي وأنا وحدنا وكنا مع «السيد». ms060 # وأغمضت عينيها، وبدت على وجهها لمحة من نشوة التأمل والتفكير. وصرف ويل نظره مشمئزا . ~~هذه المرأة التي قدست نفسها لأنها ظنت أنها سوف تخلص العالم، هذه الأم التي تتشبث ~~بابنها وتلتهمه التهاما؛ هلا نظرت إلى نفسها لحظة كما ينظر إليها الناس؟ هل لديها ~~أدنى فكرة عما فعلت، وعما لا تزال تفعل، بابنها الصغير المسكين التافه؟ أما عن السؤال ~~الأول فالإجابة بالنفي قطعا. أما عن السؤال الثاني فليس بوسع المرء إلا أن يفكر. ربما ~~كانت تجهل حقا ما فعلت بالفتى. ولكن ربما - أيضا - كانت على علم به. ربما عرفت وآثرت ~~ما كان يحدث مع الكولونيل على ما كان يمكن أن يحدث لو قامت على تربية الصبي امرأة؛ ~~فالمرأة قد تحل محلها. أما الكولونيل فلقد كانت تعرف أنه لن يفعل ذلك. ~~- وقال لي موروجان إن في نيته أن يصلح هذه التي يزعمون أنها إصلاحات. # وقالت الراني بنغمة ذكرت ويل بجده رئيس الشمامسة: ليس بوسعي إلا أن أدعو الله أن ~~يمنحه القوة والحكمة ليفعل ذلك. # وسألها ويل: وماذا تظنين بمشروعاته الأخرى: البترول، والصناعات، والجيش؟ # وضحكت ضحكة خفيفة لتذكره بأنه يتحدث إلى شخص مر بالمرحلة الرابعة ثم قالت: أنا لا ~~أكترث كثيرا بالاقتصاد والسياسة، اسأل باهو عن رأيه. # وقال السفير: لا أملك الحق في أن أبدي رأيا؛ فأنا غريب أمثل دولة أجنبية. # وقالت الراني: ليست أجنبية جدا. ~~- في عينيك يا سيدتي. وفي عيني كما تعلمين جيدا، ولكنها في عين حكومة بالا أجنبية ~~تماما. # وقال ويل: ولكن ذلك لا يمنعك من أن يكون لك رأي، إنه يمنعك فقط من أن تعتنق الآراء ~~المحلية المعتمدة. ثم أضاف: وبهذه المناسبة أنا لست هنا بصفتي المهنية، ولا أنت معي في ~~مقابلة صحافية أيها السفير. كل ذلك بعيد كل البعد عن التسجيل. ~~- بعيد كل البعد عن التسجيل؛ لذلك وبصفتي الشخصية وحدها وليس بصفتي الرسمية. أقول إني ~~أعتقد أن صديقنا الصغير على أتم صواب. ~~- ومعنى ذلك طبعا أنك تعتقد أن سياسة حكومة بالا خطأ تماما. # وقال مستر باهو. وقد ضحك ms061 ضحكة فولتيرية تلألأ معها قناع سافونارولا العظمي الحاسم: ~~إنها لا تعد خطأ تماما؛ لأنها على أتم صواب. # وقالت الراني محتجة: صواب! # قال: بل أتم صواب؛ لأنها رسمت تماما بحيث يصبح كل رجل وكل امرأة وكل طفل فوق هذه ~~الجزيرة الساحرة على أتم ما يمكن أن يكون حرا وسعيدا. # وصاحت الراني: ولكنها السعادة الزائفة، وحرية «النفس الدنيا». # وقال السفير وقد انحنى كما يملي عليه الواجب: إنني أنحني لبعد نظرك الثاقب يا صاحبة ~~السمو. ولكن السعادة مع ذلك هي السعادة زائفة أو صحيحة، والحرية ممتعة للغاية علا ~~مستواها أو هبط. وليس من شك في أن السياسة التي شرعها المصلحون الأولون والتي تطورت مع ~~مرور السنين كانت ملائمة - بصورة تدعو للإعجاب - لتحقيق هذين الهدفين. # وقال ويل: وهل تحس أن هذين الهدفين غير مستحبين؟ ~~- بل على العكس من ذلك، كل امرئ يحبهما، ولكنهما لسوء الحظ لم يعودوا مناسبين، وقد ~~باتا غير متلائمين بتاتا مع الموقف الراهن في العالم بعامة وفي بالا بخاصة. ~~- وهل هما اليوم أشد تنافرا مع الظروف مما كانا عليه عندما بدأ المصلحون يعملون على ~~توفير الحرية والسعادة؟ # وأومأ السفير برأسه إيجابا وقال: في تلك الأيام كانت بالا ما تزال مختفية في خريطة ~~العالم، فكانت فكرة تحويلها إلى واحة من الحرية والسعادة أمرا معقولا. إن المجتمع ~~المثالي يمكن أن يعيش ما دام منقطع الصلة عن بقية العالم. ولقد كانت بالا قابلة تماما ~~للحياة حتى عام 1905م. ولكن الدنيا تغيرت تماما بعد ذلك في أقل من جيل واحد. الصور ~~المتحركة، والعربات، والطائرات، والراديو، والإنتاج الكبير، والمذابح الكبرى، والاتصال ~~الجماهيري، وفوق هذا كله مجرد الضخامة؛ تزايد السكان في أحياء الفقراء وفي الضواحي ~~التي أخذت تتضخم وتتزايد، وما إن حل عام 1930م حتى كان بمستطاع أي مشاهد ثاقب النظر أن ~~يرى الحرية والسعادة أمرين لا يتحققان لثلاثة أرباع الجنس البشري. والآن وبعد مرور ~~ثلاثين سنة أخرى أصبحا أبعد عن إمكان التحقيق. ثم إن العالم الخارجي قد أخذ يقترب من ~~هذه الجزيرة الصغيرة، جزيرة الحرية والسعادة. ms062 أخذ يقترب باطراد وفي غير تراخ. وما كان ~~مثاليا قابلا للحياة لم يعد اليوم كذلك. ~~- ولذلك وجب أن تتغير بالا، هل هذا هو ما توصلت إليه؟ # وطأطأ باهو رأسه وقال: تتغير تغيرا جذريا. # وقالت الراني بحماسة المتنبئ السادي: تتغير جذورا وفروعا. # وواصل باهو حديثه قائلا: وذلك لسببين مقنعين، أولهما أنه ليس بالإمكان لبالا أن تبقى ~~مختلفة عن بقية العالم، وثانيهما أنه ليس من حقها أن تختلف. ~~- ليس من حق الناس أن يكونوا أحرارا وسعداء؟ # ومرة أخرى قالت الراني شيئا موحيا عن السعادة الزائفة والحرية الباطلة. # وتقبل مستر باهو مقاطعتها باحترام، ثم نظر إلى ويل. # وقال في إصرار: ليس من الصواب أن تزهو بما أنعم عليك في وجه هذه الكثرة من البائسين. ~~هذه مباهاة وقحة، وإهانة مقصودة لبقية البشر، بل إن ذلك كفران بنعمة الله. # وتمتمت الراني في شغف شديد وقالت: الله، الله ... ثم فتحت عينيها وقالت: إن القوم هنا ~~في بالا لا يؤمنون بإلهكم، ولا يعتقدون إلا في التنويم المغناطيسي وفي وحدة الوجود وفي ~~الحب الذي لا تقيده حدود. وأكدت على هذه الكلمات في سخط واشمئزاز. # وقال ويل: ولذلك فأنت الآن تقترحين أن تجعليهم أشقياء أملا في أن يستردوا بذلك ~~إيمانهم بالله. هذه طريقة للهداية، وربما أفلحت، وربما كانت الغاية تبرر الوسيلة. ثم ~~هز كتفيه وأضاف قوله: ولكني أرى أن هذا الأمر سوف يحدث لامحالة، خيرا كان أم شرا، ~~وبغض النظر عما يحسه أهل بالا إزاءه. وليس من الضروري أن يكون المرء من الأنبياء لكي ~~يتكهن بأن موروجان سوف ينجح، فهو يعتلي موجة المستقبل. وموجة المستقبل هي من غير شك ~~موجة البترول الخام. وبمناسبة الحديث عن الخامية وعن البترول (وهنا وجه نظره نحو ~~الراني) إنني أعلم أنك على معرفة بصديقي القديم جو ألديهايد. ~~- هل تعرف اللورد ألديهايد؟ ~~- جيدا. # ثم أغمضت عينيها ثانية وابتسمت لنفسها وهزت رأسها في بطء وقالت: ولذلك كان صوتي ~~الضعيف ملحا! لقد فهمت. وبنغمة أخرى سألته: كيف حال هذا الرجل العزيز؟ # وأكد لها ويل أنه لا يزال ms063 على صفاته. ~~- ويا لها من صفات نادرة. أنا أسميه الرجل صاحب الطائرة الورقية (قالت ذلك ~~بالفرنسية ). # وتحير ويل وقال: صاحب الطائرة الورقية؟ # وشرحت ما تعني وقالت: إنه يقوم بعمله هنا، ولكنه يمسك بخيط في يده، وفي طرف الخيط ~~الآخر ترتبط الطائرة الورقية، وهي تحاول دائما أن تطير إلى أعلى وأعلى وإلى «الأعلى». ~~وحتى وهو يؤدي عمله يحس الجذب الدائم إلى أعلى، يحس أن الروح في شد وجذب مع البدن. ~~عجبا! رجل من رجال الأعمال، ومن أقطاب الصناعة؛ ومع ذلك فإن الشيء الوحيد الذي يهمه ~~حقا هو خلود الروح. # وبزغ الضياء. لقد كانت هذه المرأة تتحدث عن إدمان ألديهايد للروحانية. فذكر تلك ~~الجلسات الأسبوعية مع السيدة هاربوتل الأوتوماتية (التي تطلق لعقلها الباطن العنان يعبر ~~عن نفسه، ومع السيدة بيم التي كان يسيطر عليها هندي كايوي يدعى باوبو) ومع الآنسة تيوك ~~وبوقها المصقول الذي تخرج منه في همس له صرير كلمات كهنوتية يدونها بالخط المختزل ~~السكرتير الخاص لجو وتقول: اشتر الإسمنت الاسترالي، ولا تنزعج لهبوط أسعار أطعمة ~~الإفطار، تخل عن أربعين في المائة من أسهمك في المطاط واستثمر المال في شركة أ. ب. م ~~وفي وستنجهاوس ... # وسألها ويل: وهل أخبرك عن ذلك السمسار الراحل الذي كان يعرف دائما موقف السوق في ~~الأسبوع التالي؟ # وقالت راني منغمسة في أفكارها: هذه مزايا روحية، مجرد مزايا روحية. ماذا كنت تتوقع ~~غير ذلك؟ ومع ذلك فقد كان من المبتدئين فقط. وفي الحياة الراهنة التجارة هي عمله في ~~الدنيا الذي يحاسب عليه «هورما». وقد كتب عليه أن يقوم بما أداه وما يؤديه وما سوف ~~يؤديه. ثم أضافت مؤكدة بعدما توقفت قليلا وكأنها تصغي، ورفعت إصبعها ومالت برأسها ~~وما سوف يؤديه - كما يحدثني صوتي الضعيف - يتضمن أشياء عظيمة وعجيبة هنا في ~~بالا. # ويا لها من طريقة روحية لقولها هذا ما أريد أن يحدث! لا كما أشاء ولكن كما يشاء الله؛ ~~ولحسن المصادفة مشيئة الله تتفق دائما ومشيئتي. وضحك ويل في نفسه ولكنه احتفظ برأسه ~~مستقيما كأشد ما تكون ms064 الاستقامة. # وسألها: وهل ينبئك صوتك الضعيف بشيء عن شركة جنوب شرقي آسيا للبترول؟ # وأصغت الراني مرة أخرى، ثم أومأت برأسها وقالت: بكل وضوح. # قال ويل: ولكني علمت أن الكولونيل ديبا لا يذكر سوى شركة ستاندارد بكلفورنيا. ~~واستطرد سائلا: وبهذه المناسبة، لماذا تهتم بالا كل هذا الاهتمام بميل الكولونيل إلى ~~شركات البترول؟ # وقال مستر باهو بصوت رنان: إن حكومتي تفكر في إطار خطة خمسية للتعاون والتنسيق ~~الاقتصادي بين مجموعة الجزر. ~~- وهل هذا التعاون والتنسيق بين مجموعة الجزر يعني أن تمنح شركة ستاندارد حق ~~الاحتكار؟ ~~- إذا ما كانت شروط شركة ستاندارد أفضل من شروط منافسيها. # وقالت الراني: أو بعبارة أخرى إذا لم يتقدم أحد بعرض مالي أفضل. # وقال لها ويل: كنت قبل مجيئك إلى هنا أتحدث مع موروجان في هذا الموضوع. قلت له إن ~~شركة جنوب شرقي آسيا للبترول مستعدة لأن تعطي راندنج ما تقدمه لها ستاندارد مع زيادة ~~قليلة. ~~- خمسة عشر في المائة زيادة؟ ~~- لنجعلها عشرة في المائة. ~~- لتكن اثني عشر ونصفا في المائة. # ونظر إليها ويل في إعجاب. وكانت - إذا أخذنا في اعتبارنا أنها بلغت المرحلة الرابعة - ~~رائعة حقا. # وقال: سوف يصرخ جو ألديهايد من الألم. ولكنك سوف تحصلين على الاثني عشر في المائة ~~التي تخصك، وأنا على يقين من ذلك. # وقال مستر باهو: سوف يكون هذا بالتأكيد اقتراحا جذابا. ~~- العقبة الوحيدة هي أن حكومة بالا لن تقبله. # وقالت الراني: إن حكومة بالا سوف تتغير سياستها عما قريب. ~~- هل تظنين ذلك؟ # وأجابت الراني في نغمة دلت تماما على أن معلوماتها قد أتتها رأسا من فم «السيد»؛ إذ ~~قالت: أنا لا أظن، أنا «أعرف». # وسألها ويل: وهل يساعدنا في شيء عندما تتغير السياسة إذا كان الكولونيل ديبا يوصي ~~بشركة جنوب شرقي آسيا للبترول بكلمة منه طيبة؟ ~~- لا شك في ذلك. # واتجه ويل ببصره إلى باهو: وهل أنت مستعد سيدي السفير أن توصي خيرا لدى الكولونيل ~~ديبا؟ # ورد المستر باهو ردا دبلوماسيا مراوغا صاغه في كلمات مركبة كأنه يخاطب جمعية ~~عمومية لإحدى ms065 المنظمات الدولية، وذلك حين قال: نعم من ناحية، ولا من ناحية أخرى؛ الأمر ~~من جهة يبدو أبيض، ومن زاوية أخرى يبدو أسود فاحما. # وأصغى ويل في صمت وأدب، واستطاع أن يرى وأن يسمع - من وراء قناع سافونارولا، ومن خلف ~~المنظار الأرستقراطي الذي يغطي عينا واحدة، ومن خلال لغة السفراء - السمسار الشرقي ~~الذي يطلب العمولة، وينتظر النفحة التي يرجوها في ذلة رسمية حقيرة. وكم توعد جلالة ~~الراني التي تنتسب عضوا في جماعة دينية لقاء حماستها لرعاية شركة جنوب شرقي آسيا ~~للبترول؟ إنه يراهن على أن المبلغ كبير جدا، لا لشخصها طبعا، كلا، كلا! ولكن للحملة ~~الدينية، من أجل مجد أكبر لكوت هومي من غير شك. # وقد بلغ مستر باهو نهاية خطابه أمام المنظمة الدولية وذلك حين قال: ويجب لذلك أن يكون ~~مفهوما أن أي عمل إيجابي من جانبه لا بد أن تحكمه الظروف كلما وحينما وإذا تبينت ~~هذه الظروف، وأرجو أن يكون كلامي واضحا. # وأكد له ويل: إنه غاية في الوضوح. وواصل حديثه بصراحة تعمد أن يجافي بها اللياقة ~~قائلا: دعوني أشرح موقفي من هذا الموضوع، كل ما يهمني أنا شخصيا هو المال، ألفان من ~~الجنيهات دون أن أؤدي نظير ذلك عملا ما، وعاما من الحرية لكي أعاون فيه جو ألديهايد في ~~وضع يده على بالا. # وقالت الراني: إن اللورد ألديهايد رجل كريم إلى درجة تلفت النظر. # ووافقها ويل قائلا: نعم تلفت النظر إذا أخذنا في اعتبارنا العمل الضئيل الذي أستطيع ~~أن أقوم به في هذه المسألة. وليست بي حاجة إلى القول إنه يكون أكثر كرما لأي امرئ ~~يقدم له معونة أكبر. # وساد صمت طويل. ومن بعيد كان طائر المينة يدعو في رتابة إلى الانتباه، انتباه إلى ~~الجشع، وانتباه إلى النفاق، وانتباه إلى السخرية الرخيصة ... ثم سمعوا طرقا على ~~الباب. # وقال ويل: ادخل. ثم التفت إلى مستر باهو وقال له: لنواصل هذا الحديث في وقت ~~آخر. # وهز باهو رأسه قبولا. # وأعاد ويل قوله: ادخل. # ودخلت الغرفة فتاة في أواخر العقد الثاني ms066 من عمرها تخطو خطى رشيقة وترتدي في نصفها ~~الأسفل ثوبا أزرق اللون وفي أعلى سترة من غير إزار تعري وسطها ولا تغطي إلا حينا بعد ~~حين ثديين في استدارة التفاح، وعلى وجهها الأسمر الناعم ابتسامة تحية صداقة شديدة، وعلى ~~جانبي الابتسامة غمازتان في خديها. وبدأت كلامها بقولها: أنا الممرضة آبو، «رادا آبو» ~~ووقعت عينها على زائري ويل فأسرعت قائلة: عفوا، لم أكن أعرف ... # وأشارت إلى الراني في غير مبالاة. # أما مستر باهو فقد نهض قائما مجاملة منه وصاح في حماسة قائلا: الممرضة آبو. هذا ~~الملاك الصغير المسعف من مستشفى شيفا بورام! يا لها من مفاجأة سارة! # وكان واضحا لويل أن المفاجأة لم تكن البتة سارة للفتاة. # وقالت دون أن تبتسم: كيف حالك يا مستر باهو؟ وسرعان ما التفتت إلى جهة أخرى وبدأت ~~تشغل نفسها بأحزمة الحقيبة المصنوعة من القنب والتي كانت تحملها. # وقال مستر باهو: ربما نسيت يا صاحبة السمو أنني كان لا بد لي في الصيف الماضي من ~~عملية جراحية. ثم قال على وجه التحديد: عملية فتق. وقد اعتادت هذه السيدة الشابة أن ~~تأتيني كل صباح وتقوم بغسلي، وكان ذلك بالضبط في الثامنة وخمس وأربعين دقيقة. وبعد ~~اختفائها كل هذه الشهور ها هي ذي الآن مرة أخرى! # وقالت الراني وكأنها تتلقى وحيا: التزامن جزء من خطة كبرى. # وقالت الممرضة الصغيرة وقد وجهت بصرها إلى أعلى بعيدا عن حقيبة العمل، وهي لا تزال ~~تبتسم: مفروض علي أن أعطي حقنة لمستر فارنبي. # وصاحت الراني وقد غالت في أداء دورها الملكي متظاهرة بالملاطفة والمداعبة قائلة: ~~أوامر الطبيب أوامر لا بد أن تطاع. وأضافت قولها: السمع طاعة. ولكن أين سائقي؟ # ونادى صوت مألوف قائلا: سائقك هنا. # وكان موروجان واقفا بالباب وكأنه في جماله صورة لجانيميد، # 6 # وبدت على وجه الممرضة الصغيرة لمحة من السرور. # وعبرت بمجاملة أخرى، إما يأخذها علامة على الاحترام، وإما يعتبرها استهزاء وسخرية، ~~وذلك حين قالت: أهلا موروجان؛ أقصد يا صاحب السمو. # وقال الفتى بنغمة قصد بها أن تكون التحية ms067 عارضة من بعيد: أهلا يا رادا. وسار إلى حيث ~~كانت تجلس أمه مارا بها، وقال: العربة عند الباب، أو الأحرى أن أقول ما تسمينه عربة. ~~وبضحكة تهكمية قال موجها حديثه إلى ويل: إنها من طراز أوستن الصغيرة من إنتاج عام ~~1954م. وهي أحسن ما يمكن أن يقدمه هذا البلد المتقدم في الحضارة لأفراد العائلة ~~الملكية. وأضاف في مرارة: أما راندنج فتعطي سفيرها بنتلي. # وقال مستر باهو وقد نظر إلى ساعته: هذه البنتلي سوف تأتينا إلى هنا بعد عشر دقائق، ~~فهل لي أن أستسمحك يا صاحبة السمو في الانصراف؟ # ومدت الراني يدها، وانحنى نحوها بكل الورع الذي يبديه كاثوليكي مخلص حينما يقبل خاتم ~~الكاردينال، ثم اعتدل قائما والتفت إلى ويل. ~~- أعتقد - وقد أكون مخطئا - أن مستر فارنبي يستطيع أن يحتملني لفترة قصيرة أخرى، فهل ~~أبقى؟ # وأكد له ويل أنه يسر لبقائه. # وقال مستر باهو للممرضة الصغيرة: وأرجو ألا يكون هناك اعتراض من الوجهة ~~الطبية. # وقالت الفتاة بنغمة تدل عن وجود موانع قوية لا تقوم على أساس طبي: ليس من الوجهة ~~الطبية. # وبمساعدة موروجان قامت الراني من فوق كرسيها منتصبة، ومدت يدها المحلاة بالجواهر ~~وقالت بالفرنسية: إلى اللقاء يا عزيزي فارنبي. وابتسمت ابتسامة حلوة رأى فيها ويل ~~الخطر الأكيد كل الخطر. ~~- مع السلامة يا مدام. # واتجهت نحو الممرضة وربتت على خدها ومرقت من الغرفة، وتبعها موروجان كالقارب الصغير ~~الذي يسير خلف سفينة كبرى منتفخة الشراع. # | الفصل السادس # وبعد أن انغلق الباب وراءهما انفجرت الممرضة الصغيرة وقالت: يا إلهي! # وقال ويل: وأنا على اتفاق تام معك. # وتلألأ الضوء الفولتيري لحظة على وجه باهو الإنجيلي، وكرر قوله: يا إلهي! ثم أردف قائلا: ~~ذلك ما تفوه به تلميذ إنجليزي عندما رأى الهرم الأكبر لأول مرة. والراني تترك في الرائي ~~نفس الأثر؛ إنها أشبه بالأثر الضخم. وأخذ الضوء المتلألئ يختفي وعاد وجه باهو كوجه سافونارولا ~~تماما لا لبس فيه، وأمست كلماته - بصورة واضحة - صالحة للنشر. # وبدأت الممرضة الصغيرة فجأة تضحك. # وسألها ويل: ما يضحكك؟ # فقالت وهي ms068 تلهث: لقد شهدت «الهرم الأكبر» بغتة مرتديا الموصلين الأبيض. وهو الرداء الذي ~~يسميه الدكتور روبرت الكسوة الصوفية. # وقال مستر باهو: وصف بارع، بارع جدا. ومع ذلك فقد أضاف بصيغة دبلوماسية: لست أرى لماذا ~~لا يلبس المتصوفون الكساوي البيضاء إن راق لهم ذلك. # وتنهدت الممرضة الصغيرة تنهدا عميقا، ومسحت دموع الفرح التي تقاطرت من عينيها، وشرعت ~~تستعد لإعطاء المريض حقنته. # ووجهت خطابها إلى ويل قائلة له: أعرف تماما ما يدور في خلدك. أنت تراني أصغر من أن أتقن ~~عملا. ~~- أنا بالطبع أرى أنك صغيرة جدا. ~~- أنتم تلتحقون بالجامعة في الثامنة عشرة وتمكثون بها أربع سنوات. أما نحن فنبدأ في ~~السادسة عشرة ونواصل الدراسة حتى الرابعة والعشرين؛ ننفق نصف الوقت في الدراسة ونصفه الآخر ~~في العمل. كنت أدرس علم الأحياء وأقوم في نفس الوقت بهذا العمل لمدة عامين؛ ولذلك فلست بتلك ~~الغفلة التي قد تبدو لك. والواقع أنني ممرضة أتقن عملي. # وقال مستر باهو: هذا كلام أؤيده بغير تحفظ. الآنسة رادا ليست فقط ممرضة تتقن عملها، بل هي ~~ممرضة من الطراز الأول قطعا. # غير أن ما عناه حقا - كما تيقن ويل وهو يتمعن في الملامح التي بدت على ذلك الوجه الذي ~~يشبه وجه الراهب أمام الإغراء الشديد - هو أن الآنسة رادا كان لها خصر من الطراز الأول، ~~وسرة من الطراز الأول، وثديان من الطراز الأول. ولكن صاحبة السرة والخصر والثديين قد ~~استنكرت - كما بدا بوضوح - إعجاب سافونارولا، أو استنكرت على الأقل الأسلوب الذي عبر به عن ~~إعجابه. وقد غالى السفير الذي قابلته بالصدود في أمله في رد الهجوم. # وأشعلت الممرضة المصباح الغازي لتغلي الإبرة فوق ناره. وكانت في هذا الوقت تقيس حرارة ~~مريضها. # وقالت: 99,2. # وسألها مستر باهو: وهل يعني ذلك أني لا بد أن أبعد؟ # وردت عليه الفتاة بقولها: ليس بسببه. # قال ويل: لذلك أرجوك أن تبقي. # وأعطته الممرضة الحقنة المضادة للحيويات، وأخرجت من إحدى الزجاجات التي كانت في حقيبتها ~~سائلا أخضر اللون وصبت منه ملء ملعقة ورجت المحلول في نصف ms069 كوب من الماء. ~~- اشرب هذا. # وكان مذاقه شبيها بالمخلوطات العشبية التي يستبدلها بالشاي المتحمسون للتغذية ~~الصحية. # وسألها ويل: ما هذا؟ # وقالت: إنه مستخرج من نبات جبلي من فصيلة الناردين (عقار مهدئ للأعصاب). # واستطردت الممرضة الصغيرة قائلة: إنه يساعد على إزالة القلق دون أن يحمل من يتعاطاه على ~~النوم. ونحن نعطيه للناقهين، كما أنه يفيد في الحالات العقلية. ~~- ومن أي الفئتين أكون؟ العقليين أم الناقهين؟ # وردت بغير تردد: كلتيهما. # وضحك ويل ضحكة عالية وقال: هذا جزاء من يطلب الثناء. # وأكدت له أنها لم تقصد أن تكون فظة في كلامها. وأضافت: كل ما قصدت أني لم أقابل قط ~~إنسانا من الخارج ليس حالة من الحالات العقلية. ~~- ومنهم السفير؟ # ووضعت السائل موضع المسئول حين قالت: وما رأيك أنت؟ # وأحال ويل الأمر إلى مستر باهو وقال له: أنت خبير في هذا المجال. # وقالت الممرضة الصغيرة: سويا الأمر بينكما؛ إذ علي أن أنصرف لكي أعد طعام ~~المريض. # وراقبها مستر باهو وهي تنصرف، ثم رفع حاجبه الأيسر وأسقط منظاره وشرع بطريقة نظامية في ~~تنظيف العدسة بمنديله، وقال لويل: أنت منحرف بصورة ما، وأنا منحرف بصورة أخرى. أنت فصامي ~~«ألست كذلك؟» وأنا - من الطرف الآخر في الدنيا - مصاب بجنون العظمة. وكلانا من ضحايا أوبئة ~~القرن العشرين. وليس الوباء هذه المرة هو «الموت الأسود»، إنما هو «الموت الرمادي». وبعد ~~لحظة من الصمت سأل صاحبه: ألم تهمك السلطة في أي وقت من الأوقات؟ # وهز ويل رأسه مؤكدا وقال: مطلقا، لا يمكن للمرء أن يملك السلطة ولا يلتزم. ~~- والفزع من الالتزام بالنسبة إليك أشد من المتعة التي تحسها في إزاحة الناس من ~~حولك؟ ~~- بآلاف المرات. ~~- ولذلك لم تكن السلطة تغريك في أي وقت من الأوقات. # وقال ويل: أبدا. وبعد فترة من السكون أضاف بنغمة أخرى: دعنا نتحدث في العمل. # وردد باهو قوله: إلى العمل. اذكر لي شيئا عن اللورد ألديهايد. ~~- إنه، كما قالت الراني، رجل كريم بشكل ملحوظ. ~~- لا تهمني فضائله، يهمني ذكاؤه فقط. إلى أي حد هو حاد الذكاء؟ ms070 ~~- تبلغ به حدة الذكاء أن يدرك أن المرء لا يؤدي عملا بغير مقابل. # وقال مستر باهو: حسنا. انقل له عني أن العمل الفعال الذي يقوم به الخبراء في المواضع ~~الاستراتيجية يقتضيه أن يتأهب لكي يدفع لك على الأقل عشرة أمثال ما سوف يدفعه لك. ~~- سوف أحرر له خطابا بهذا الشأن. # ونصحه مستر باهو «أن يفعل ذلك اليوم»، وأضاف: لأن الطائرة تغادر شيفا بورام غدا مساء، ~~ولن يصدر بعد ذلك بريد لمدة أسبوع كامل. # وقال ويل: أشكرك على ما أخبرتني به. والآن بعدما انصرفت صاحبة السمو وذلك المراهق الذي ~~يصدم لكل شيء دعنا نتحدث في لون آخر من الإغراء. ماذا ترى في الجنس؟ # وبيد عظمية سمراء تتحرك إلى الأمام وإلى الخلف أمام وجهه قام مستر باهو بحركة تشبه ما ~~يفعله المرء عندما يريد أن يتخلص من مجموعة من الحشرات المزعجة وقال: الجنس لا يعدو أن يكون ~~لونا من ألوان التسلية. وهو مصدر للإغاظة يضايق ويذل. ولكن الرجل الذكي يستطيع دائما أن ~~يتصدى له. # وقال ويل: ما أشق أن يدرك المرء رذائل الآخرين! ~~- صدقت، وعلى المرء أن يلتزم بالخطأ الذي يبتليه الله به؛ وهذا ما كان ينصح به لوثر. ومن ~~المهم ألا يأثم المرء غير إثمه، لا إثم غيره. وفوق هذا كله لا تفعل ما يفعله أهل هذه ~~الجزيرة. لا تحاول أن تتصرف وكأنك بالضرورة عاقل وبالطبيعة فاضل. كلنا آثم معتوه نركب سفينة ~~واحدة والسفينة غارقة دائما. ~~- وعلى الرغم من ذلك فإنه ليس لمخلوق مهما يكن تافها أن يترك السفينة. هل هذا ما تريد أن ~~تقول؟ ~~- قليل منهم يحاول أحيانا أن يتركها، ولكنهم لا يذهبون بعيدا. فإن التاريخ والمخلوقات ~~التافهة الأخرى يتكفلون بإغراقهم مع الآخرين؛ ولذلك ليس لبالا أدنى فرصة. # وعادت إلى الغرفة الممرضة الصغيرة حاملة صينية. # وقالت وهي تربط ممسحة حول عنق ويل: هذا كله طعام بوذي ما خلا السمك. ولكننا قررنا أن تكون ~~الأسماك من الخضروات من الناحية العملية. # وشرع ويل في تناول الطعام. # وبعدما ابتلع ما ملأ به فاه ms071 أولا سألها قائلا: كم من الأجانب قابلت في حياتك باستثناء ~~الراني وموروجان وأنا وصاحبي هنا؟ # وأجابت قائلة: قابلت مجموعة الأطباء الأمريكان، جاءوا إلى شيفا بورام في العام الماضي ~~حينما كنت أعمل بالمستشفى المركزي. ~~- وماذا كانوا يفعلون هنا؟ ~~- أرادوا أن يعرفوا لماذا تنخفض عندنا نسبة الإصابة بالأمراض العصبية والشرايين القلبية؛ ~~عجبا لهؤلاء الأطباء! وهزت رأسها ثم قالت: لقد أفزعوني حقا يا مستر فارنبي، وأفزعوا كل ~~من بالمستشفى. ~~- ولذلك أنت ترين أن الطب عندنا بدائي جدا. ~~- هذا وصف خاطئ؛ إنه ليس بدائيا؛ إنه إما مريع وإما منعدم. المضادات الحيوية مدهشة؛ ~~ولكن ليست هناك البتة وسائل لزيادة المقاومة حتى لا تعود للمضادات الحيوية ضرورة. ~~والعمليات الجراحية خيالية؛ ولكن إذا نظرنا إلى تعليم الناس كيف يسلكون في حياتهم دون أن ~~تقطع من جسمهم أجزاء لم نجد شيئا بتاتا. وهكذا على طول الخط. درجة الامتياز لرتقك إذا ~~تقطعت أوصالك، وفشل ذريع في الحفاظ على صحتك. إذا استبعدنا نظم المجاري والفيتامينات ~~المركبة يبدو أنكم لم تفعلوا البتة شيئا في سبيل الوقاية، ومع ذلك يقول المثل عندكم ~~الوقاية خير من العلاج. # قال ويل: ولكن العلاج يدعو إلى الإعجاب أكثر مما تدعو إليه الوقاية. كما أنه يجلب للأطباء ~~كسبا أكثر. # وقالت الممرضة الصغيرة: ربما صح ذلك بالنسبة للأطباء عندكم، ولكنه لا يصح عندنا؛ فأطباؤنا ~~يتقاضون أجورهم للحفاظ على صحة الناس. ~~- وكيف يتم ذلك؟ ~~- لقد سألنا أنفسنا هذا السؤال مائة عام، ووجدنا له إجابات عدة، إجابات كيماوية، وإجابات ~~سيكولوجية، وإجابات تتعلق بما تأكل، وكيف تمارس الحب، وما تسمع وما ترى، وإحساسك بمن تكون ~~في هذا العالم. ~~- وأي الإجابات أفضل؟ ~~- لا تكون إحداها أفضل بغير الإجابات الأخرى. ~~- أي إنه ليس لديكم دواء لكل داء. ~~- وهل يمكن أن يكون هناك؟! ثم روت الأنشودة الصغيرة التي تحفظها كل طالبة تمريض عن ظهر قلب ~~منذ اليوم الأول من تدريبها، وهي: # أنا جمهور، # أخضع لعدد من القوانين، # بمقدار ما عندي من أفراد، # كل كائناتي كيمائيا ملوثة، # وليس هناك علاج واحد، # لما يستحيل أن يخضع ms072 لسبب واحد. # ولذلك فنحن نحارب في جميع الجبهات، سواء كان الأمر وقاية أم علاجا. وأكدت قولها: جميع ~~الجبهات؛ من نظام التغذية إلى الإيحاء الذاتي، ومن الأيونات السلبية إلى التأمل ~~والتفكير. # وعلق على ذلك ويل بقوله: معقول جدا. # وقال باهو: ربما كان أكثر من معقول. هل حاولت مرة أن تتكلم كلاما معقولا مع مجنون؟ ~~وهز ويل رأسه: أنا فعلت ذات مرة. ورفع خصلة الشعر التي وخطها المشيب والتي كانت تميل ~~إلى أحد جانبي جبهته، وظهر تحت حد الشعر أثر جرح مثلم، شاحب اللون غريب الشكل وسط البشرة ~~السمراء. وقال: لحسن حظي أن الزجاجة التي رماني بها كانت رقيقة جدا. وسوى شعره المنفوش ~~ووجه بصره نحو الممرضة الصغيرة. وكان وجهه يتلألأ كله بنوع من المرح الفولتيري المريب وهو ~~يقول: لا تنسي يا آنسة رادا أن لا شيء يطير بصواب من لا عقل له أكثر من العقل. وبالا جزيرة ~~صغيرة يحيط بها إحاطة كاملة ألفان وتسعمائة مليون من مرضى العقول؛ ولذلك حذار من المبالغة ~~في التعقل. وفي بلد المجانين لا يمكن أن يصبح العقل الكامل ملكا. إنهم يعدمونه بغير ~~محاكمة. # وضحك ويل غير مبال، ثم صوب نظره مرة أخرى نحو الممرضة الصغيرة، وسألها: أليس لديكم من يطلب دخول مستشفى الأمراض العقلية؟ ~~- عندما مثل ما عندكم؛ أقصد بالنسبة لعدد السكان. على الأقل هذا ما ورد في الكتب ~~الدراسية. ~~- ولذلك فإن السكنى في دنيا العقلاء لا تختلف عن السكنى في دنيا غير العقلاء. ~~- ليس الأمر كذلك مع أولئك الذين تجعلهم كيمياء أبدانهم من مرضى العقول. هؤلاء يولدون عرضة ~~للمرض. والمتاعب الصغيرة التي قد لا يلاحظها غيرهم تحطمهم تماما. ولقد بدأنا من عهد قريب ~~فقط نكشف عن الأسباب التي تجعلهم عرضة للمرض، وبدأنا نتبناهم قبل أن ينهاروا. وما إن تم ~~فرزهم حتى أمكننا أن نزودهم بقدر من المناعة. الوقاية كما ذكرت من قبل؛ وطبعا من جميع ~~الجبهات في وقت واحد. ~~- إذن فهناك فارق - حتى لمن قدر لهم أن يكونوا من مرضى العقول - بين أن يولد الإنسان ms073 في ~~عالم عاقل أو أن يولد في عالم غير عاقل. ~~- وهناك أيضا فارق بالنسبة للمصابين بأمراض عصبية. نسبة مرضى الأعصاب عندكم واحد لكل خمسة ~~أو حتى أربعة. أما عندنا فالنسبة واحد لكل عشرين. وهذا الواحد المنهار يجد العلاج، في جميع ~~الجبهات. أما التسعة عشر الذين يتماسكون فقد وجدوا الوقاية في جميع الجبهات. ويعود بي هذا ~~الحديث إلى أولئك الأطباء الأمريكان، وكان ثلاثة منهم من أطباء العلاج النفساني، وأحد هؤلاء ~~يدخن السيجار بغير توقف وفي لغته لكنة ألمانية. وقد وقع عليه الاختيار لكي يحاضرنا. ويا لها ~~من محاضرة! وأمسكت الممرضة الصغيرة برأسها بين كفيها وقالت: لم أسمع قط شيئا ~~مثلها. ~~- في أي موضوع كانت؟ ~~- كانت عن طريقة معالجتهم لمن تبدو عليهم أعراض عصبية. ولم نكد نصدق ما سمعنا. إنهم لا ~~يحاربون أبدا في جميع الجبهات، إنما يحاربون في نصف جبهة واحدة. المريض عندهم لا جسم له ~~إذا استثنيا الفم والشرج. إنه ليس كائنا عضويا، ولم يولد بهيكل عام أو بمزاج خاص. كل ما ~~لديه طرفا جهاز هضمي، وأسرة، ونفس. ولكن أي نفس؟ إنها قطعا ليست العقل كله، أي ليست العقل ~~كما هو على حقيقته. وكيف يمكن أن تكون كذلك في حين أنهم لا يأخذون تشريح بدن المريض في ~~اعتبارهم، أو تركيبه الكيماوي الحيوي، أو وظائف أعضائه؟ العقل مستخلص من الجسد، هذه هي ~~الجبهة الوحيدة التي يحاربون فيها، بل وليس في هذه الجبهة بأسرها، واستمر الرجل صاحب ~~السيجار يتحدث عن اللاشعور. ولكن اللاشعور الذي أعاروه انتباههم هو اللاشعور السلبي؛ أي ~~النفايات التي يحاول الفرد أن يتخلص منها بإلقائها في القاع، ولم يذكر كلمة واحدة عن ~~اللاشعور الإيجابي، ولم يحاولوا مساعدة المريض على أن يفصح عن مكنون نفسه لدفعة الحياة أو ~~لطبيعة بوذا. بل ولم يحاولوا أن يعلموه زيادة الوعي في حياته اليومية. وأنت تعرف نداء ~~المينة: الآن في هذا المكان، وانتباه! وحاكت في ذلك طيور المينة، ثم واصلت حديثها قائلة: ~~هؤلاء القوم يكتفون بترك مريض الأعصاب البائس يتمرغ في عاداته القديمة التي ms074 لا تجعله ~~بكليته في مكانه وزمانه. والأمر من أوله إلى آخره بلاهة في بلاهة! والعجيب أن صاحب السيجار ~~لم يعترف بذلك، وكان ماهرا في عرضه غاية المهارة؛ ومن ثم فإن الأمر عنده ليس بلاهة، إنما ~~هو بالضرورة شيء إرادي، شيء ما يدفع المريض نحو مسلكه؛ كأن يكون مخمورا، أو أن يلوك لنفسه ~~فكرة سخيفة حتى يعتقد في صحتها لمجرد ورودها في كتاب مقدس. ثم انظر إلى رأيهم فيما هو ~~طبيعي. صدق أو لا تصدق أن الرجل العادي عندهم هو من يشعر باللذة الجنسية والذي يتكيف مع ~~المجتمع. ومرة أخرى وضعت الممرضة رأسها بين راحتيها. ثم أضافت: إن ذلك أمر لا يتصوره العقل! ~~إنهم لا يفكرون في جدوى اللذة الجنسية، ولا يفكرون في لون مشاعرك أو آرائك أو مدركاتك، ثم ~~ماذا عن المجتمع الذي يفترضون تكيفك معه؟ هل هو مجتمع عاقل أو مجنون؟ وحتى إن كان عاقلا ~~بدرجة قصوى، فهل من الصواب أن تتكيف معه تماما؟ # وقال السفير وعلى شفتيه ابتسامته المتلألئة: من يرد الله لهم الدمار يجعلهم مجانين. ~~وتستطيع أن تقلب القضية وتقول يجعلهم عقلاء؛ وربما كان هذا الوضع المقلوب أبعد أثرا. ثم ~~نهض المستر باهو وسار نحو النافذة وقال: لقد وصلت عربتي، ولا بد لي من العودة إلى شيفا بورام ~~وإلى مكتبي. والتفت إلى ويل وحياه مودعا لفترة طويلة وبعبارات بليغة، وعندئذ تخلى عن صفة ~~السفارة وقال لويل: لا تنس أن تحرر الخطاب؛ إنه غاية في الأهمية. وتبسم تبسم المتآمر وحرك ~~إبهام يمناه على الإصبعين الأولين، وكأنه يعد المال غير المنظور. # وبعدما انصرف قالت الممرضة الصغيرة: الحمد لله. واستوضحها ويل: بم أساء؟ أليس هذا أمرا ~~عاديا؟ # قالت: تقدم مالا لامرأة تريد أن تضاجعها؛ وهي لا تحبك، فتعرض عليها مزيدا من المال. هل ~~هذا من الأمور العادية في البلد الذي وفد منه؟ # وأكد لها ويل: إن ذلك أمر عادي إلى أبعد الحدود. ~~- ولكني لم أستحسنه. ~~- لقد لمست ذلك. وإليك سؤالا آخر. ماذا عن موروجان؟ ~~- وما يدفعك إلى هذا السؤال؟ ~~- حب ms075 الاستطلاع. وقد لاحظت أنكما التقيتما من قبل. فهل كان ذلك عندما كان هنا منذ عامين ~~وحده بغير أمه؟ ~~- وكيف عرفت ذلك؟ ~~- حدثني عصفور صغير، وعلى الأصح عصفور ضخم جدا. ~~- الراني! لا بد أنها روت لك القصة وكأنها تروي عن سدوم وعمورية. ~~- ولكن لسوء حظي أنها حجبت عني التفصيلات المثيرة. مجرد تلميحات غامضة؛ ذلك كل ما باحت به ~~لي، تلميحات - مثلا - عن نساء محنكات من أمثال ميسالينا (إمبراطورة رومانية خانت زوجها) ~~يعطين دروسا في الحب للشبان السذج. ~~- وهل كان بحاجة إلى هذه الدروس؟! ~~- وتلميحات أيضا عن فتاة في مثل سنه فوضوية نضجت قبل الأوان. # وانفجرت الممرضة آبو ضاحكة. ~~- هل تعرفينها؟ ~~- هذه الفتاة الفوضوية التي نضجت قبل الألوان هي أنا. ~~- أنت؟ وهل الراني على علم بذلك؟ ~~- إن موروجان ذكر لها الوقائع، ولم يذكر لها الأسماء، وأنا من أجل ذلك شكورة جدا؛ فلقد ~~سلكت سلوكا سيئا؛ فقد صوابي لشخص لم أحبه في الواقع وآذيت شخصا آخر أحببته. لماذا يكون ~~الإنسان غبيا بهذه الدرجة؟ # قال ويل: للقلب أسبابه، وللهرمونات أسبابها. # وساد صمت طويل. وقد انتهى من تناول السمكة المسلوقة الباردة ومن الخضروات، وناولته ~~الممرضة آبو طبقا من سلطة الفواكه. # قالت: إنك لم تر موروجان قط مرتديا بيجامته الساتان البيضاء. ~~- هل فاتني شيء هام؟ ~~- إنك لا تتصور كم يبدو جميلا فيها. وليس لأحد الحق في أن يكون على هذا القدر من الجمال. ~~إنه يتنافى مع الحشمة، ويعطي صاحبه امتيازا على غيره بغير حق. # إن رؤيته في هذه البيجاما الساتان البيضاء التي حصل عليها من «سلكا» هي التي حملتها في ~~النهاية على أن تفقد صوابها. وقد فقدته فقدانا تاما إلى حد أنها تحولت إلى شخص آخر خلال ~~شهرين؛ وأمست فتاة حمقاء تطارد شخصا لا يطيقها وتهجر شخصا أحبها دائما كما أحبته ~~دائما. # وسألها ويل: إلى أي حد وصلت مع الفتى الذي ارتدى البيجاما؟ # أجابت: حتى الفراش. ولكني لما بدأت أقبله قفز من فراشه وأغلق على نفسه الحمام، وأصر على ~~ألا يخرج منه حتى أناوله بيجامته من ms076 خلال النافذة وأعده وعدا شريفا أني لن أضايقه. والآن ~~أرى ما حدث أمرا يدعو إلى الضحك. أما في ذلك الحين ... وهزت رأسها واستكملت حديثها: فقد ~~كانت مأساة كبرى، ولا بد أنهم قدروا من مسلكي بعد ذلك ما حدث. واتضح أن الفتيات الفوضويات ~~اللائي ينضجن قبل الأوان لا يصلحن، وأن ما هو بحاجة إليه دروس نظامية. # قال ويل: أنا أعرف بقية القصة؛ الابن يكتب لأمه، والأم تعود بالطائرة إلى الوطن وتنقله ~~فورا إلى سويسرة. ~~- ولم يعودا إلا منذ نحو ستة أشهر. وقد قضيا على الأقل نصف هذه الفترة في راندنج في ضيافة ~~عمة موروجان. # وأوشك ويل أن يذكر الكولونيل ديبا. غير أنه تذكر أنه وعد موروجان أن يكون حريصا فلزم ~~الصمت. # وسمع صوت صفارة آتيا من الحديقة. # وقالت الممرضة الصغيرة: عن إذنك. واتجهت نحو النافذة، وابتسمت سعيدة بما رأت ولوحت بيدها ~~وقالت: هذا رانجا. ~~- ومن هو رانجا؟ ~~- صديقي الذي حدثتك عنه. إنه يريد أن يوجه إليك بعض الأسئلة. فهل تسمح له بالدخول دقيقة ~~واحدة؟ ~~- طبعا. # وعادت إلى النافذة ولوحت له بحركة استدعاء. ~~- أفهم من ذلك أن البيجاما الساتان البيضاء قد اختفت نهائيا من الصورة؟ # وأومأت برأسها إيجابا وقالت: لقد كانت مأساة من فصل واحد، وسرعان ما استرجعت صوابي. ~~وعندما استرجعته وجدت رانجا - كما كان دائما - في انتظاري. # وانفتح الباب على مصراعيه وولج الغرفة شاب طويل نحيل في حذاء الألعاب الرياضية وفي سروال ~~خاكي قصير. # وقال معرفا نفسه وهو يصافح ويل: أنا رانجا كاركاوران. # وقالت رادا: لو أنك تعجلت حضورك خمس دقائق لسرك أن تلتقي بمستر باهو. # وكشر رانجا مشمئزا وقال: وهل كان هنا؟ # وسأل ويل: وهل هو على هذه الدرجة من السوء؟ # وأخذ رانجا يعدد اتهاماته وقال: أولا: هو يكرهنا. ثانيا: هو تابع حقير خاضع للكولونسل ~~ديبا. ثالثا: هو سفير غير رسمي لجميع شركات البترول. رابعا: هذا الخنزير الحقير حاول أن ~~يتصل برادا. خامسا: أنه يطوف هنا وهناك محاضرا في ضرورة الإحياء الديني، بل لقد نشر فيه ~~كتابا كاملا قدم له ms077 شخص في مدرسة هارفاد للاهوت. وهو جزء من الحملة التي تشن ضج استقلال ~~بالا. إن ديبا يخفي سيئاته في دعواته للإيمان بالله. لماذا لا يعترف المجرمون بما يقترفون؟ ~~كل هذا الكلام تافه عن المثالية يسبب الغثيان. # ومدت رادا يدها وقرصت أذنه ثلاث قرصات قوية. # فبدا عليه الغضب أولا ثم انفجر ضاحكا وهو يقول: أيتها الصغيرة ... أنت على حق. ومع ذلك ~~فلم تك بك حاجة إلى قرص أذني بهذه الشدة. # واستوضح ويل راندا: هل هذا هو ما تفعلين دائما كلما حاد عن الخط المستقيم؟ ~~- كلما حاد عنه في وقت غير ملائم أو لأمور ليس بوسعه أن يصنع فيها شيئا. # واتجه ويل نحو الفتى وسأله: وهل لا بد لك دائما من أن تقرص أذنها؟ # وضحك رانجا وقال: أنا أوثر أن أضربها على عجزها. ولكن لسوء الحظ أنها قلما تكون بحاجة إلى ~~ذلك. ~~- وهل معنى ذلك أنها أكثر اتزانا منك؟ ~~- أكثر اتزانا؟ إنها عاقلة بدرجة غير عادية. ~~- وأنت عاقل بالدرجة المطلوبة؟ # وهز رأسه وقال: ربما انحرفت عن الوسط قليلا إلى اليسار؛ فأنا أحيانا أصاب باكتئاب ~~شديد؛ أحس أنني لا أصلح لشيء. # قالت راندا: في حين أنه في الواقع جيد إلى درجة أنهم أعطوه منحة لدراسة الكيمياء الحيوية ~~بجامعة مانشستر. ~~- وماذا تصنعين به عندما يقوم إزاءك بهذه الحيل اليائسة التي لا يرتكبها إلا آثم بائس؟ ~~تشدين أذنيه؟ # قالت: نعم أفعل ذلك كما أفعل أشياء أخرى. وتبادلت مع رانجا النظرات، ثم انفجرا ~~ضاحكين. # قال ويل: كفى، كفى. واستطرد قائلا: وهذه الأشياء الأخرى - بحكم طبيعتها - تعني تطلع ~~رانجا إلى مغادرة بالا لمدة عامين؟ # قال رانجا: ليس إلى هذا الحد. # وقالت راندا في ثبات: ولكن لا بد له من الذهاب. # وقال ويل متعجبا: وهل سيكون سعيدا عندما يذهب إلى هناك؟ # قال رانجا: ذلك ما أردت أن أسألك عنه. ~~- لن يعجبك الجو، ولن يعجبك الطعام، ولن تعجبك الضوضاء ولا الروائح ولا العمارة. ولكنك سوف ~~بالتأكيد تعجب بالعمل، وأرجح أنك سوف تحب عددا لا بأس به من الناس. # وسألت ms078 رادا: وماذا عن الفتيات؟ # وأجاب: كيف تريدينني أن أرد على هذا السؤال؟ نفاقا أم صدقا؟ ~~- صدقا. ~~- الحق يا عزيزتي أن رانجا سوف ينجح في هذا المجال نجاحا باهرا. وعشرات الفتيات سوف ~~يجدنه فاتنا بدرجة لا تقاوم، وبعض هؤلاء الفتيات فاتن. فكيف يكون شعورك إذا عجز عن ~~المقاومة؟ ~~- سوف أسر له. # والتفت ويل إلى رانجا وسأله: وهل يسرك إذا التمست عزاءها مع شاب آخر أثناء غيابك؟ # قال: أود أن أكون مسرورا. أما إن كنت أسر فعلا فذلك أمر آخر. ~~- هل سوف تطلب إليها أن تعدك بالوفاء؟ ~~- لن أطالبها بأي وعد. ~~- حتى مع كونها فتاتك؟ ~~- إنها ملك نفسها. # وقالت الممرضة الصغيرة: وهو ملك نفسه له الحرية أن يفعل ما يريد. # وتذكر ويل الفجوة القرنفلية التي كانت تضم سرير بابز وضحك من الأعماق، وأضاف قوله: وله ~~الحرية فوق هذا في أن يفعل ما لا يريد. وألقى نظرة على وجه رانجا ثم على وجه رادا، ولحظ ~~أنهما يرمقانه في دهشة، واستطرد قائلا بنغمة أخرى وبابتسامة مختلفة: ولكني نسيت. أحدكما ~~عاقل بدرجة غير عادية والآخر يميل عن الوسط قليلا إلى اليسار؛ ولذلك فأنتما لا يمكن أن ~~تتفهما ما يتحدث عنه صاحب حالة عقلية مستوردة، مثلي. ودون أن يعطيهما الفرصة لكي يجيبا عن ~~سؤاله سألهما: خبراني، منذ متى ... وكف عن الكلام، ثم قال: ربما كنت في سؤالي غير حكيم. فإن ~~كان الأمر كذلك قولا لي لا تتدخل فيما لا يعنيك. ولكني أود أن أعرف منذ متى قامت بينكما ~~الصداقة، باعتباري من المهتمين بدراسة الإنسان. # وسألته الممرضة الصغيرة: هل تعني صديقين أم تعني عاشقين؟ ~~- ولماذا لا تكونان هذا وذاك ونحن بصدد هذا الحديث؟ ~~- لقد قامت بيننا الصداقة منذ ما كنا طفلين صغيرين، ثم أصبحنا عاشقين منذ ما بلغت الخامسة ~~عشرة والنصف وبلغ هو السابعة عشرة لمدة عامين ونصف العام؛ إذا طرحنا عن اعتبارنا قصة ~~البيجاما البيضاء. ~~- وهل لم يعترض أحد؟ ~~- ولماذا يعترض؟ # وردد ويل بعدها: فعلا لماذا؛ ولكن الواقع أن كل امرئ في الجزء من العالم الذي ms079 جئت منه ~~يعترض فعلا. # وسأل رانجا: وماذا عن الفتيان الآخرين؟ ~~- نظريا هذا أمر أشد تحريما مما هو في حالة الفتيات، وعمليا، تستطيع أن تتصور ما ~~يحدث عندما يتجمع خمسمائة أو ستمائة صبي مراهق في مدرسة داخلية. هل يحدث مثل هذا ~~هنا؟ ~~- طبعا. ~~- إني أتعجب. ~~- تتعجب؟ لماذا؟ ~~- لأن البنات لسن محرمات. ~~- ولكن نوعا من العشق لا يستبعد النوع الآخر. ~~- وكلاهما مشروع؟ ~~- بالطبع. ~~- إذن ما كان لأحد أن يكترث إذا شغف موروجان بصبي آخر يرتدي البيجاما؟ ~~- إذا كانت العلاقة طيبة. # وقالت رادا: ولكن الراني - لسوء الحظ - قد احتاطت لذلك احتياطا شديدا بحيث لم يكن له أن ~~يهتم بأحد غيرها وغير نفسه بطبيعة الحال. ~~- لا فتية. ~~- ربما يحدث ذلك اليوم، لست أدري. كل ما أعلمه أنه في أيامنا لم يكن في دنياه فتية. لا ~~فتية، ولا فتيات بالتأكيد. لم يكن في حياته غير أمه والعادة السرية والأسياد الصاعدون. ولم ~~تكن في حياته سوى أسطوانات الجاز والعربات الرياضية والآراء الهتلرية بأن يكون زعيما ~~عظيما يحول بالا إلى ما يسميه الدولة الحديثة. # قال رانجا: منذ ثلاثة أسابيع كان هو والراني بالقصر في شيفا بورام. ووجها الدعوة إلى جماعة ~~منا من طلاب الجامعة لزيارة القصر والاستماع إلى آراء موروجان؛ في البترول والتصنيع، ~~والتلفزيون، والتسليح، والحملة الروحية. ~~- وهل استطاع أن يهدي أحدا إلى مذهبه؟ # وهز رانجا رأسه وقال: لماذا يستبدل أي إنسان شيئا سيئا هزيلا مملا بشيء دسم جيد شائق ~~إلى أبعد الحدود؟ إننا لسنا بحاجة إلى زوارقكم السريعة أو إلى تلفزيونكم، وحروبكم وثوراتكم، ~~ونهضتكم، وشعاراتكم السياسية، وذلك الكلام الفارغ الميتافيزيقي الذي يصدر عن روما وموسكو. هل ~~لم تسمع من قبل بفكرة ماثيونا؟ ~~- وما تلك؟ # وأجاب رانجا: دعنا نبدأ من الخلفية التاريخية. وبحذلقة طالب الجامعة حينما يلقي محاضرة ~~في موضوعات لم يسمع بها هو نفسه إلا أخيرا تدفق في الحديث قائلا: لقد وفدت البوذية إلى ~~بالا منذ نحو ألف ومائتي عام، ولم تفد إليها من سيلان، كما كان يتوقع، ولكن من البنغال، وعن ~~طريق البنغال فيما بعد ms080 من التبت. وترتب على ذلك أننا صرنا من أتباع ماهاياما، # 1 # وتتشبع بوذيتنا بمبادئ تانترا. # 2 # هل تعرف ما هي تانترا ؟ # واضطر ويل إلى أن يعترف بأنه ليس لديه عنها إلا فكرة غامضة. # وضحك رانجا ضحكة اخترق بها حاجز الحذلقة الذي اصطنعه وقال: في الواقع إن علمي بها لا ~~يزيد عن علمك بها إلا قليلا. تانترا موضوع ضخم، وأكثر ما به في ظني سخف وخرافة لا تستحق ~~الاكتراث، ولكنها لا تخلو في صميمها من المعنى. التانتري لا ينبذ الدنيا ولا ينكر قيمتها. ~~لا يهرب في نيرفانا # 3 # بعيدا عن الحياة، كما يفعل رهبان المدرسة الجنوبية. كلا، في التانترا يقبل ~~المرء العالم ويفيد منه، وهو يفيد من كل ما يصنع ومن كل ما يحدث له، ومن كل ما يسمع ويرى ~~ويلمس ويتذوق، فكلها وسائل لتحريره من سجن نفسه. # وقال ويل في نغمة معتدلة تنم عن الشك: هذا حديث طيب. # وفي إصرار قال رانجا: وهناك أشياء أخرى غير ذلك. # وأضاف - وقد تحولت حذلقة الشباب إلى حماسة الشاب الذي يعتنق مذهبا حديثا: وهذا هو ~~الفارق بين فلسفتنا وفلسفتكم؛ فلاسفة الغرب - حتى خيارهم - ليسوا إلا محدثين يجيدون ~~الحديث. أما فلاسفة الشرق فهم في الأغلب محدثون لا يجيدون الحديث. غير أن هذا أمر لا يهم؛ ~~فالكلام ليس هو المقصود. فلسفتهم براجمية (عملية) وممكنة التطبيق، وهي شبيهة بفلسفة الفيزياء ~~الحديثة؛ غير أن التطبيقات فيها نفسية والنتائج تجاوز الطبيعة. الميتافيزيقيون عندكم ~~يصدرون أحكاما عن طبيعة الإنسان والكون، ولكنهم لا يقدمون للقارئ أية وسيلة لاختبار مدى ~~الصدق في هذه الأحكام. أما نحن فإذا أصدرنا أحكاما تابعناها بمجموعة من العمليات التي ~~نستخدمها لاختبار مدى الصدق فيما نقول. خذ مثالا لذلك قولنا: «أنت هكذا»، وهو لب فلسفتنا، ~~وكرر العبارة: «أنت هكذا»، وقال: وما أشبه ذلك بالفرض في الميتافيزيقا. ولكن ما يعنيه حقا ~~هو التجربة النفسية، ويصف الفلاسفة عندما العمليات التي يمكن للمرء عن طريقها أن يعيش ~~التجربة، بحيث يمكن لأي فرد يرغب في أداء العمليات اللازمة أن يختبر بنفسه صدق ms081 العبارة: ~~أنت هكذا. وهذه العمليات يسمونها يوجا أو ديانا أو زن أو - في حالات معينة خاصة - ~~ماثيونا. ~~- ويؤدي بنا هذا إلى سؤالي الأول، وما هي الماثيونا؟ ~~- ربما كان من الأفضل أن توجه هذا السؤال إلى رادا. # والتفت ويل نحو الممرضة الصغيرة وسألها: ما هي؟ # وأجابت في جد ورزانة: هي يوجا الحب. ~~- مقدسة هي أم دنسة؟ ~~- لا فرق بين الأمرين. # وأضاف رانجا: هذا هو المهم. حينما تمارس الماثيونا، تجد أن الحب الدنس هو الحب ~~المقدس. # وروت الفتاة نصا بالسنسكريتية. ~~- لا تعبري بالسنسكريتية! ماذا تعنين؟ ~~- ترجم يا راندا. ~~- صفة الاستنارة. # وأومأت راندا برأسها موافقة والتفتت ثانية نحو ويل، وقالت: المعنى أن التبوذ (أي أن تكون ~~بوذا) موجود في يوني. ~~- في يوني؟ وتذكر ويل الرموز الحجرية للأنثى الخالدة التي اشتراها هدايا للفتيات اللائي ~~كن يعملن بمكتبه من بائع أحدب في بنارس، وكان يدفع ثمان أنات (عملة هندية) ثمنا لليوني ~~السوداء، واثنتي عشرة للتمثال الأكبر قداسة وهو يوني لنجام، ثم سأل: هل التبوذ في يوني ~~حرفيا أو على سبيل المجاز؟ # وقالت الممرضة الصغيرة وقد ضحكت إحدى ضحكاتها الصادرة من قلبها بغير تكلف والتي تعبر عن ~~سرورها: يا له من سؤال مثير للضحك! وهل تظن أننا نمارس الحب على سبيل المجاز؟ وكررت عبارتها ~~السنسكريتية وقالت: إن هذا الضرب من التبوذ مقصود بحرفيته الكاملة المطلقة. # ثم سأله رانجا: هل سمعت من قبل بجماعة أونيدا؟ # 4 # وأومأ ويل برأسه إيجابا؛ فقد عرف مؤرخا أمريكيا تخصص في مجتمعات القرن التاسع عشر، ~~وسأل بدوره: ولماذا عرفتها أنت؟ ~~- لأنها ذكرت في كل الكتب التي درسناها عن تطبيق الفلسفة، والماثيونا أساسا هي بعينها ما ~~أسماه جماعة أونيدا (عفة الذكور)، وهو ما عرفه الرومانيون الكاثوليك من قبل وأطلقوا عليه ~~مصطلحا لاتينيا معناه التحفظ في الجماع. # وكررت الممرضة الصغيرة كلمة التحفظ وقالت: إن ذلك يثير في الضحك دائما. شاب متحفظ! ~~وبدت غمازتان في خديها كما تلألأت أسنانها البيضاء وهي تضحك. # وقال لها رانجا بحدة: لا تكوني سخيفة. نحن جادون. # وعبرت عن أسفها وقالت: ms082 ولكن التحفظ في الواقع أمر يثير الضحك. # واختتم الحديث ويل قائلا: هو في إيجاز تحديد النسل بغير استخدام موانع الحمل. # وقال رانجا: هذه ليست إلا بداية القصة. ولكن الماثيونا شيء آخر فوق ذلك، شيء أكثر أهمية. ~~وفي صيغة التأكيد قال هذا الطالب الجامعي المتحذلق وقد واصل حديثه جادا: تذكر النقطة التي ~~كان فرويد يضرب على وترها دائما. ~~- أي نقطة؟ كانت نقاطه كثيرة. ~~- النقطة الخاصة بالجنس عند الأطفال. إن ما نولد به، وما نمارسه خلال الطفولة الباكرة ~~والمتأخرة هو شعور بالجنس ينتشر في الكائن العضوي كله. هذا هو الفردوس الموروث. ولكن الطفل ~~يفقد هذا الفردوس كلما نما. والماثيونا محاولة منظمة لاسترداد هذا الفردوس. # والتفت إلى رادا ووجه إليها الخطاب قائلا: ذاكرتك جيدة. ما هي تلك العبارة التي جاءت على ~~لسان اسبينوزا والتي تروى في كتاب الفلسفة التطبيقية؟ # وروت راندا: اجعل الجسم قادرا على أداء كثير من الأشياء، ذلك يساعدك على كمال العقل؛ ~~ولذلك تبلغ الحب العقلي لله. # قال رانجا: ومن هنا كانت كل أنواع اليوجا بما فيها الماثيونا. # وأكدت الفتاة أنها يوجا حقيقية، مثل يوجا راجا ويوجا كرما ويوجا باكتي. بل إنها تفضلها ~~كثيرا عند أكثر الناس. الماثيونا فعلا تبلغ بهم إلى هناك. # وسألها ويل: وأين «هناك» هذا؟ ~~- «هناك» هو حيث تعرف. ~~- أعرف ماذا؟ # قالت: تعرف من أنت في الواقع، أي تعرف أنك هكذا، وأنا هكذا، وهذا هو أنا. وظهرت ~~الغمازتان ثانية وأبرقت الأسنان، وأشارت إلى رانجا وأضافت: وهذا أيضا هو. وأشارت إلى ~~رانجا وقالت: غير معقول. أليس كذلك؟ ثم أخرجت لسانها مشيرة إليه وقالت: ومع ذلك فهذا هو ~~الواقع. # وابتسم رانجا، ومد يده ومس بسبابته طرف أنفها، ثم قال: إنه ليس واقعا فحسب، بل هو حق ~~ملهم؛ ولذلك عليك أن تلزمي الأدب أيتها الشابة. # وقال ويل: إنني أعجب لماذا لا نكون جميعا من المستنيرين؛ أقصد أنه إذا كان الأمر مجرد ~~ممارسة الحب بطرق خاصة. ما جوابكم على هذا؟ # وبدأ رانجا يتحدث، وقال: أقول لك ... # ولكن الفتاة قاطعته قائلة: استمع، استمع! ms083 # وأصغى ويل، واستمع إلى ذلك الصوت العجيب غير الإنساني الذي كان أول ما رحب به في بالا آت ~~من بعيد واضحا وإن يكن خافتا، وكان الصوت يردد: انتباه! انتباه! انتباه! ~~- الطائر الملعون مرة أخرى. ~~- ولكن ذلك هو السر. ~~- انتباه؟ إنك منذ لحظة كنت تقولين إنه شيء آخر، وماذا عن ذلك الشاب «المتحفظ»؟ ~~- إنما ذلك ييسر له الانتباه! # وأمن على ذلك رانجا وقال: إنه فعلا ييسره له، وذلك هو سر الماثيونا. ليست الطرق الخاصة ~~هي التي تجعل من ممارسة الحب يوجا، إنما هو نوع الوعي الذي تجعله هذه الطرق ممكنا. الوعي ~~بما عندك من إحساسات والوعي بما في الحس من لا حس. ~~- وما هو اللاحس؟ ~~- هو المادة الخام للحس الذي تمدني به اللانفس. ~~- وهل تستطيع أن توجه انتباهك إلى اللانفس؟ ~~- طبعا. # والتفت ويل إلى الممرضة الصغيرة وسألها: وأنت أيضا؟ # أجابت: أوجه انتباهي إلى نفسي وإلى لا نفسي في آن واحد، وكذلك إلى لا نفس رانجا، وإلى نفس ~~رانجا، وإلى جسم رانجا، وإلى جسمي وكل ما يحسه، وإلى كل الحب وكل الصداقة، وإلى لغز الشخص ~~الآخر؛ ذلك الغريب تماما الذي هو النصف الآخر لنفسك، والذي هو شبيه بلا نفسك. وفي أثناء ~~ذلك يتنبه المرء إلى كل الأشياء التي يراها المرء بعيدة عن الرومانسية، غليظة، بل خسيسة، ~~إذا كان رقيق العاطفة، أو إذا كان - وهو أسوأ - روحانيا مثل الراني العجوز المسكينة. غير ~~أن هذه الأشياء ليست خسيسة لأن المرء يتنبه كذلك - إذا كان على وعي تام بها - إلى أنها في ~~جمال كل ما عداها. وفي روعة كل شيء سواها. # واختتم رانجا الحديث بقوله: ماثيونا هي ديانا. وقد ظن أن استعمال لفظة أخرى قد يفسر كل ~~شيء. # وسأله ويل: وما هي ديانا؟ ~~- هي التأمل. ~~- التأمل. # وتذكر ويل تلك الفجوة القرنفلية التي تعلو شارع تشارنج كروس. ولم تكن لفظة «التأمل» في ~~ظنه لتتناسب مع الموقف. ولكن عندما فكر في الأمر مرة ثانية وجد أنه حتى في هذا الموقف كان ~~هناك نوع من الخلاص. ولم تكن ms084 تلك اللمحات الخاطفة في الضوء المتغير الذي يعلن عن «بورترز ~~جين» سوى لمحات تنأى به عن إحساساته الذاتية البغيضة أثناء النهار. كما كانت كذلك - لسوء ~~الحظ - لمحات خاطفة تبعده عن بقية كيانه؛ تنأى به عن الحب، وعن الذكاء، وعن الآداب العامة، ~~وعن كل أنواع الوعي ما عدا الوعي بتلك النوبة التي انتابته في الضوء الشاحب أو في الوميض ~~الوردي الذي كان يصدر عن أرخص الأوهام وأشدها ابتذالا. ثم أعاد النظر إلى وجه رادا المضيء. ~~أية سعادة أحس بها! وأي دليل قاطع لا على الخطيئة التي أصر المستر باهو على أن يجعل الدنيا ~~آمنة من أجلها، ولكن على نقيضها الذي يبعث على السعادة والصفاء. وجهها يهز المشاعر هزا ~~عميقا، ولكنه رفض أن يهتز. إنه أمر لا بد أن يطاع، ولكنه غير بؤرة التفكير فاستطاع أن ~~يرى الأمر كله مهزلة أكيدة. ماذا عسانا فاعلون لنظفر بالخلاص؟ الجواب هو أن نلبي نداء ~~الطبيعة. # وابتسم لهذه الفكاهة التي تفكه بها لنفسه، وألقى سؤالا تهكميا حيث قال: هل تعلمتم ~~الماثيونا في المدرسة؟ # وأجابت رادا بواقعية بالغة محت بها كل ما بدا في سؤاله من سخرية كسخرية رابليه، وقالت: ~~نعم في المدرسة. # وأضاف رانجا: كل امرئ يتعلمها. ~~- ومتى يبدأ التعليم؟ ~~- في نفس الوقت تقريبا الذي نبدأ فيه تعليم حساب المثلثات والمستوى الأعلى في علم ~~الأحياء، أي بين الخامسة عشرة والخامسة عشرة والنصف. ~~- وبعدما يتعلم الطالب الماثيونا، ويخرج إلى الدنيا ويتزوج؛ إن كنتم تتزوجون؟ # وأكدت له رادا أنهم يتزوجون. ~~- هل يواصلون ممارستها؟ ~~- لا يمارسها الجميع بطبيعة الحال. ولكن يمارسها الكثيرون. ~~- في كل الأوقات؟ ~~- إلا إذا أرادوا أن يكون لهم طفل. ~~- وماذا عمن لا يريد أطفالا ولكنه ربما أراد شيئا من التحول عن الماثيونا؛ ماذا ~~يفعل؟ # قال رانجا باقتضاب: موانع الحمل. ~~- وهل هذه الموانع ميسورة؟ ~~- ميسورة! الحكومة توزعها مجانا وبغير مقابل؛ إلا بالطبع ما يدفع في سبيلها من ~~ضرائب. # وأضافت رادا: إن ساعي البريد يوزع على كل فرد ثلاثين منها في بداية كل شهر. ~~- ولا يكون هناك أطفال؟ ms085 ~~- فقط من نريد منهم. وليس لأحد أكثر من ثلاثة، وأكثر الناس يكتفي باثنين. # قال رانجا وقد عاد إلى حذلقته وهو يدلي بإحصاءات في حديثه: وكانت النتيجة أن عدد السكان ~~عندنا يتزايد بأقل من ثلث في المائة كل عام. في حين أن نسبة الزيادة في راندنج تبلغ مبلغها ~~في سيلان؛ نحو ثلاثة في المائة. والنسبة في الصين اثنان في المائة. وفي الهند حوالي واحد ~~وسبعة من عشرة. # قال ويل: كنت في الصين منذ شهر واحد فقط. فظيعة! وفي العام الماضي قضيت أربعة أسابيع في ~~الهند، وقبل الهند كنت في أمريكا الوسطى، ونسبة الزيادة فيها تفوق حتى راندنج لسيلان. هل ~~قام أحدكما بزيارة راندنج لوبو؟ # وهز رانجا رأسه إيجابا. # وأضاف قوله: إذا بلغ الطالب الصف السادس في المرحلة العليا من التعليم يقضي ثلاثة أيام في ~~راندنج؛ وهذه الزيارة جزء من الدراسة المتقدمة في علم الاجتماع. إنهم يجعلون الطالب يرى ~~بنفسه ما عليه العالم الخارجي. # وسأله ويل: وما رأيك في العالم الخارجي؟ # وأجاب رانجا بسؤال آخر حيث قال: هل أطلعوك عندما كنت في راندنج لوبو على الأحياء ~~الفقيرة؟ ~~- على العكس، حاولوا جهدهم أن يخفوها عني. ولكني أفلت منهم. # وتذكر في وضوح أنه أفلت منهم وهو في طريقه عائدا إلى الفندق بعد حفلة الكوكتيل الرهيبة ~~التي أقامتها وزارة الخارجية في راندنج. كل من له أية مكانة كان هناك. كل الأعيان وزوجاتهم؛ ~~فكنت ترى الأزياء الرسمية والأوسمة، ومنتجات ديور والزمرد. كل الأجانب من ذوي الأهمية؛ ~~دبلوماسيون كثيرون، ورجال البترول من بريطانيين وأمريكان، وستة أعضاء من البعثة التجارية ~~اليابانية، وصيدلية من ليننجراد، ومهندسان من بولندا، وسائح ألماني هو - بالمصادفة - ابن عم ~~كروب فون بوهلن، ورجل أرمني ملغز يمثل اتحادا ماليا هاما جدا في طنجة، وأربعة عشر ~~تقنيا تشيكيا عليهم سيما الانتصار جاءوا مع شحنة الدبابات والمدافع الكبيرة والمدافع ~~الرشاشة التي وصلت في الشهر الماضي من سكودا. وقد حدث نفسه وهو يهبط فوق درجات السلم ~~الرخامية بوزارة الخارجية إلى ميدان الحرية قائلا: هؤلاء هم القوم الذين يحكمون ms086 العالم. إن ~~ألفين وتسعمائة مليون منا تحت رحمة حفنة من رجال السياسة، وبضعة آلاف من أصحاب المال ~~والقادة العسكريين والمرابين. أنتم سيانيد # 5 # الأرض . والسيانيد لا يفقد أبدا نكهته. # وبعد أضواء حفلة الكوكتيل، وبعد الضحكات والرائحة الزكية التي تفوح من الكانابيه # 6 # ومن النساء المعطرات بالشانيل، بدت تلك الأزقة التي تقع خلف قصر العدالة الجديد ~~الحديث حالكة الظلام عالية الضوضاء. وظهر أولئك الفقراء البائسون معسكرين في «شارع ~~الاستقلال» تحت أشجار النخيل وكأن الله والناس قد تخلوا عنهم بتاتا بدرجة أكبر من تخليهم ~~عن تلك الألوف التي تبيت يائسة بلا مأوى، الذين شهدهم مستلقين كالجثث في طرقات كلكتا. ثم ~~طاف بخاطره ذلك الولد الصغير، ذلك الهيكل العظمي الدقيق ذو البطن المتكور الذي التقطه وهو ~~جريح يرتعش إثر سقوطه من ظهر فتاة صغيرة تحمله وهي لا تكاد تكبره حجما؛ التقطه وسار خلف ~~الفتاة حتى بلغ به إلى مخزن بغير نوافذ هو بيتهما وكان يقطنه تسعة أنفس (وقد عد الرءوس ~~المصابة بالقوباء). # 7 # وقال: إننا نبقي الأطفال أحياء، ونشفي المرضى، ونمنع المجاري من التسرب إلى الماء الذي ~~نشربه؛ هكذا يبدأ الإنسان في عمل أشياء حسنة في حد ذاتها بصورة واضحة. ولكن كيف ينتهي ~~الإنسان؟ إنه ينتهي بمضاعفة مقدار البؤس البشري وتعريض الحضارة للخطر، وكأنها فكاهة عملية ~~كبرى يبدو أن الآلهة تلهو بها حقا. # وابتسم لرانجا وراندا ابتسامة عريضة تنم عن الغضب والنقد المرير. # ورد عليه رانجا قائلا: إن الآلهة لا شأن لها بهذا، والفكاهة ليست من عند الآلهة، إنها من ~~صنع الإنسان وحده. إن هذه الأشياء ليست كالجاذبية أو القانون الثاني لديناميكا الحرارة، ~~وليست من المحتوم أن تحدث؛ فهي لا تحدث إلا إذا بلغ بالناس الغباء أن يسمحوا لها بالحدوث. ~~ونحن هنا في بالا لم نسمح لها بالحدوث؛ ولذلك فإن الفكاهة لا تنطبق علينا. المرافق الصحية ~~عندنا جيدة طوال ما يقرب من قرن من الزمان؛ ولا زلنا خفيفي الزحام، ولسنا من البائسين، ولا ~~نخضع لدكتاتورية. والسبب في ذلك بسيط جدا؛ فقد اخترنا أن ms087 نتصرف بطريقة واقعية ~~معقولة. # وسأله ويل: وكيف تسنى لكم أن تختاروا؟ # قال رانجا: القوم الصحاح كانوا أذكياء في الوقت الصحيح. ولكن يجب الاعتراف كذلك بأنهم ~~كانوا محظوظين. والواقع أن بالا بوجه عام كانت محظوظة بصورة غير عادية؛ فقد حالفها الحظ - ~~أولا - بأنها لم تكن مستعمرة لأي أحد. أما راندنج فلها ميناء عظيمة جلبت لها الغزو العربي ~~في العصور الوسطى. أما نحن فليست عندما ميناء؛ لذلك تركنا العرب وشأننا، وما زلنا بوذيين أو شيفيين؛ # 8 # هذا إذا لم نكن من أتباع مذهب تانترا اللاأدريين. # وسأله ويل: وهل أنت من هؤلاء؛ من أتباع تانترا اللاأدريين؟ # وعلق على ذلك رانجا بقوله: بعد تهذيب المذهب ببعض مبادئ ماهايانا. # 9 # ولنعد إلى راندنج بعد العرب غزاها البرتغاليون. أما نحن فقد نجونا؛ لا ميناء ولا ~~برتغاليين؛ ومن ثم لم تكن لدينا قلة كاثوليكية، ولا هراء الكفاء الذين يقولون إنها إرادة ~~الله أن يتكاثر الناس حتى يسبحوا في حالة من البؤس دون مستوى الإنسانية، ولم نقاوم تحديد ~~النسل بطريقة منظمة. وليس ذلك وحده ما نعمنا به؛ فبعد مائة وعشرين عاما من احتلال ~~البرتغاليين جاء الهولنديون إلى سيلان وراندنج، وبعد الهولنديين جاء الإنجليز، ونجونا من ~~هذين الوبائين؛ فلا هولنديين ولا إنجليز؛ ولذلك لم نعرف كبار المزارعين، ولا مشقة العمال، ~~ولا بيع المحصولات لتصديرها للخارج، ولا استنزاف التربة بطريقة نظامية، كما لم نعرف ~~الويسكي، ومذهب كالفن، ولا مرض الزهري، ولا اللاأدريين الأجانب. تركنا وشأننا لنتحمل ~~مسئولية أعمالنا. ~~- بالتأكيد كنتم محظوظين. # وواصل رانجا حديثه قائلا: وفوق هذا الحظ المذهل كانت إدارة موروجان المصلح، وهي إدارة ~~جيدة مذهلة، وكذلك وجود أندرو ماك فيل. هل حدثك الدكتور روبرت عن جده الأكبر؟ ~~- قليلا. ~~- هل حدثك عن تأسيس محطة التجارب؟ # وهز ويل رأسه. # قال رانجا: محطة التجارب لها دخل كبير في سياستنا السكانية. وكانت بداية كل شيء مجاعة. وقد ~~قضى الدكتور أندرو قبل قدومه إلى بالا بضع سنوات في مدراس. وفي السنة الثانية من إقامته ~~هناك لم تهب الرياح الموسمية، فاحترقت المحاصيل، وجفت الأحواض ms088 بل والآبار. ولم يتوافر ~~الطعام إلا للإنجليز والأغنياء، ومات الناس كما يموت الذباب. وفي مذكرات الدكتور أندرو فقرة ~~مشهورة عن المجاعة؛ وصف لها وتعليق عليها. وكان قد استمع إلى كثير من المواعظ حينما كان ~~صبيا، ومن هذه المواعظ موعظة كانت عالقة بذهنه وهو يعمل بين الهنود الجائعين. وتلك هي ~~«ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان»؛ هذا نصها. وقد بلغ الواعظ من الفصاحة ما حمل الكثيرين إلى ~~اعتناق مذهبه: «ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان.» ولكنه رأى حينئذ أنه بغير الخبز لا عقل ولا ~~روح ولا ضياء باطنيا ولا الآب في السماء. ليس هناك إلا الجوع، واليأس، ثم اللامبالاة، ~~وأخيرا الموت. # قال ويل: وهذه فكاهة كونية أخرى: «من عنده يعطى، ومن ليس عنده يؤخذ منه حتى ما يملك»؛ أي ~~مجرد احتمال أن يكون إنسانا. وهذه أشد الفكاهات قسوة، وأكثرها شيوعا. ولقد رأيت ملايين ~~الرجال والنساء يتأثرون بها، وملايين من الأطفال؛ في كل أرجاء العالم. # ولذلك تستطيع أن تدرك لماذا تركت المجاعة في ذهن الدكتور أندرو هذا الأثر الذي لا يمحى، ~~فاعتزم كما اعتزم صديقه الراجا أن يتوافر في بالا الخبز على الأقل؛ ومن ثم كان قرارهما ~~بإنشاء محطة التجارب. وكانت روثامستد في المنطقة الاستوائية ناجحة نجاحا عظيما؛ فبعد بضع ~~سنوات كانت عندنا أنواع جديدة من الأرز والذرة والدخن وثمرة الخبز، وفصائل أفضل من الماشية ~~والدجاج، ووسائل أفضل للفلاحة والمركبات. وفي الخمسينيات أنشأنا أول مصنع للفوسفات الممتاز ~~شرقي برلين. وبفضل كل ذلك تحسنت التغذية، وطالت الأعمار، وقلت وفيات الأطفال. وبعد عشر ~~سنوات من تأسيس محطة روثامستد الاستوائية أجرى الراجا تعدادا للسكان. وكان عدد السكان من ~~قبل ثابتا إلى حد كبير لمدة قرن. أما الآن فقد بدأ يتزايد. وتنبأ الدكتور أندرو أن بالا ~~سوف تتحول إلى نوع من أحياء الفقراء الفاسدة شبيهة بما عليه راندنج اليوم. فماذا كان يمكن ~~عمله؟ وكان الدكتور أندرو على علم بمالتس. «إنتاج الطعام يتزايد بمتوالية عددية. أما السكان ~~فيتزايدون بمتوالية هندسية.» وليس أمام الإنسان إلا أحد أمرين: إما أن يترك ms089 الأمر للطبيعة ~~التي تحل مشكلة السكان بالطريقة المعروفة القديمة، بالمجاعات والأوبئة والحروب، وإما يحد من ~~عدده بالكبت الذي لا يتنافى وقواعد الأخلاق (وقد كان مالتس من رجال الدين ). # وكررت الممرضة الصغيرة هذه العبارة: الكبت الذي لا يتنافى وقواعد الأخلاق، ونطقت العبارة ~~باللهجة الإندونيسية التي تحاكي بها في سخرية ما قال به هذا الرجل الأسكتلندي المتدين. ~~وأضافت: بهذه المناسبة هل تعلم أن الدكتور أندرو تزوج من عهد قريب بابنة أخ الراجا التي ~~تبلغ من العمر ستة عشر عاما؟ # وقال رانجا: ولقد كان ذلك سببا آخر في مراجعة نظرية مالتس. إما المجاعة وإما الكبت كما ~~قال، لا بد أن تكون هناك طريقة أفضل وأسعد وأكثر إنسانية، هي وسط بين طرفي مالتس. ~~وبالطبع كانت هناك مثل هذه الطريقة حتى في عهد مالتس، حتى قبل عهد الموانع الحديثة لوأد ~~البذور المنوية. كان هناك الإسفنج والصابون والغلاف المانع المصنوع من كل ما عرف من مواد ~~غير مسامية، من الحرير الناعم إلى أحشاء الأغنام المصمتة. كل الدروع التي تضبط النسل على ~~طريقة بالا. ~~- وكيف استجاب الراجا ورعاياه لهذه الطريقة؟ بالفزع؟ ~~- أبدا؛ فهم بوذيون مخلصون، وكل بوذي مخلص يعلم أن الإنسان ليس إلا وأدا مؤجلا. وعلى ~~المرء أن يبذل قصارى جهده لكي يبتعد عن عملية الميلاد والموت، ومن الخير ألا تسترسل في وضع ~~ضحايا في هذه العجلة من غير داع. ضبط النسل عند البوذي له معنى ميتافيزيقي، وله مغزى ~~اجتماعي واقتصادي لمجتمع القرية الذي يزرع الأرض. ولا بد أن يتوافر عدد من الشباب للعمل في ~~الحقول ولكي يعولوا المسنين والصغار. على ألا يزيد عددهم عن المطلوب؛ لأن ذلك لو حدث لما ~~توافر الغذاء للمسنين ولا للعمال ولا لأطفالهم. كان الزوجان في الماضي ينجبان ستة أطفال لكي ~~يبقى منهم اثنان أو ثلاثة. ثم توافر الماء النقي ووجدت محطة التجارب، فأمكن أن يبقى خمسة من ~~الأطفال الستة. وأمست الأنماط القديمة للتكاثر بغير معنى، ولعل الاعتراض الوحيد على تحديد ~~النسل بطريقة أهل بالا هو سذاجتها. ولكن لحسن الحظ كان هناك ms090 لها بديل أفضل منها؛ فلقد كان ~~الراجا ممن يعتنقون مذهب تانترا؛ فتعلم يوجا الحب، وعلم الدكتور أندرو بماثيونا. ولما كان من ~~رجال العلم المخلصين وافق على تجربتها، وتلقى هو وزوجته التعليمات اللازمة. ~~- وماذا كانت النتائج؟ ~~- الموافقة عليها بحماسة. # وقالت رادا: وهذا هو إحساس الناس جميعا بها. ~~- دعينا من هذه التعميمات الكاسحة! هناك من يحس هذا الإحساس، وهناك من لا يحسه. ولقد كان ~~الدكتور أندرو من المتحمسين. ونوقش هذا الموضوع باستفاضة. وفي النهاية قرروا أن موانع الحمل ~~يجب أن تكون كالتربية؛ مجانية، تدعمها الضرائب، تشمل كل فرد بقدر الإمكان وإن تكن غير ~~إلزامية. ولأولئك الذين أحسوا الحاجة إلى شيء أكثر تهذيبا تعليمات خاصة بشأن يوجا ~~الحب. ~~- هل تقصد أن تقول إنهم تعلموها ولم يصبهم أذى؟ ~~- إنها لم تكن في الواقع شاقة جدا. وكانت الماثيونا عقيدة معتمدة، ولم يطلب إلى أحد أن ~~يقترف منكرا يخالف الدين. بل على العكس من ذلك كانت لهم في ذلك فرصة مواتية لكي يلتحقوا ~~بالنخبة الممتازة إذا هم تعلموا أسرارها. # وقاطعته الممرضة الصغيرة قائلة: ولا تنس أهم نقطة في الموضوع. إن يوجا الحب بالنسبة ~~للنساء، كل النساء - ولست أعبأ بما ذكرت عن التعميمات الكاسحة - تعني الكمال، تعني التحول ~~والخروج من أنفسهن للتمام. وكانت فترة من الصمت، أعقبتها بمواصلة الحديث بنغمة أكثر خفة ~~وذلك حين قالت: والآن حان الوقت لكي نتركك لراحتك بعد الظهر. # وقال ويل: أود - قبل أن تنصرفي - أن أحرر خطابا، مذكرة مختصرة لرئيسي أخبره فيها أنني ~~على قيد الحياة ولست في خطر مباشر من التهام المواطنين هنا لي. # وذهبت رادا إلى مكتب الدكتور روبرت تبحث فيه عن ورق وقلم وظرف وعادت بها. # وبخط غير مستقيم كتب ويل: وأخيرا انتصرت، تحطمت بي السفينة، وقابلت الراني ومعاونها من ~~راندنج الذي أفضى إلي أنه يستطيع أن يسلم البضاعة إذا نفحته «بقشيشا» على خدمته. «وكان ~~محدد الطلب» فطالب بعشرين ألف جنيه. فهل أفاوض على هذا الأساس؟ إذا أبرقتني: «موافق على ~~الاتفاق المقترح»، واصلت السعي. أما إذا أبرقتني: «لا داعي ms091 للتعجل في الاتفاق»، أسقطت الأمر من ~~حسابي. أخبر أمي أنني في أمان وسوف أكتب إليها قريبا. # وناول رانجا الظرف مغلقا ومعنونا وقال له: إليك هذا، وهل لي أن أرجوك لتشتري لي طابعا ~~وتلقي هذا الخطاب في البريد في وقت يسمح بإرساله في طائرة الغد؟ # ووعده الفتى قائلا: بغير تأخير. # وانطلقا، وأحس ويل بوخز في ضميره. يا لهما من شاب وشابة فاتنين! ومع ذلك فهو يتآمر مع ~~باهو ومع قوى التاريخ ليقلب دنياهم. وواسى نفسه بأنه إذا لم يفعل ما هو بصدده فإن شخصا آخر ~~سوف يفعل. وحتى إذا ما ظفر جو ألديهايد بالامتياز فسوف يستمران في ممارسة الحب بالطريقة ~~التي ألفاها، أم هل هذا مستحيل؟ # وما إن بلغت الممرضة الصغيرة باب الغرفة حتى التفتت وراءها لتتفوه بكلمة نهائية وأشارت ~~بإصبعها إليه وقالت له: كف عن القراءة وانصرف إلى النوم. وأكد لها ويل باقتناع عنيد أحمق ~~أنه لا ينام أثناء النهار. # | الفصل السابع # إنه لا يستطيع أن ينام أثناء النهار، ولكنه عندما نظر بعد ذلك إلى ساعته وجد أنها بلغت ~~خمسا وعشرين دقيقة بعد الرابعة وكان منتعشا بدرجة مذهلة. فعاد إلى كتاب «مذكرات عن حقيقة ~~كل شيء» وواصل قراءته التي كان قد انقطع عنها. # اللهم هبنا اليوم إيماننا، واحمنا يا رب من العقيدة. # إلى هذه العبارة كان قد وصل في هذا الصباح، والآن إلى جزء جديد، الخامس: # أنا كما أظن نفسي وأنا كما أنا في الحقيقة؛ وبعبارة أخرى الحزن ونهاية الحزن. إن ثلث كل ~~الأحزان تقريبا التي لا بد للشخص الذي أظن أنني هو من تحملها لا مفر منها؛ ذلك هو الحزن ~~الكامن في الظروف البشرية، هو الثمن الذي ينبغي أن ندفعه لقاء كوننا أصحاب حس رقيق وكائنات ~~واعية بنفسها، متطلعين إلى التحرر ولكن خاضعين لقوانين الطبيعة ولأوامر ترغمنا على أن نواصل ~~المسير خلال الزمان الذي لا يمكن أن يعود وخلال عالم لا يبالي البتة بسعادتنا، نحو عجز ~~الشيخوخة والموت الأكيد. أما الثلثان الباقيان من جميع الأحزان فهي من صنع أيدينا، ms092 وهي - ~~فيما يخص العالم - لا لزوم لها. # وقلب ويل صفحة الكتاب. وسقطت على سريره ورقة، فالتقطها وألقى عليها نظرة، فإذا بها تحتوي ~~على عشرين سطرا بخط صغير واضح وذيلت بهذين الحرفين «س. م». إنها قطعا ليست خطابا، هي ~~قصيدة؛ ومن ثم فهي ملك مشاع. وقرأ ما يلي: # في مكان ما بين الصمت الموحش، # والألوف المؤلفة من مواعظ الأحد الماضي، # في مكان ما بين كنيسة كالفن (اللهم احفظنا)، # وشبه جزيرة ليزارد، # 1 # في مكان ما بين الرؤية والحديث، # في مكان ما بين ما يجري على الألسن، # من لغط ملطخ وملوث، # والنجم الأول، # حيث ترفرف الفراشات الكبيرة حول أشباح الزهور، # يقع مكان واضح حيث أنا، # ولم أعد أنا، # برغم ذلك أذكر، # حكمة ليل طويل من الحب، # على الجانب الآخر، # وأذكر كذلك، # وأنا أصغي إلى الريح، # تلك الليلة الأخرى، # الأولى بعد الترمل، # والنوم يجافي الجفنين، # والموت إلى جواري في الظلام. # كل ذلك لي، وأين منه الفرار! # ولكن أنا، # لم أعد أنا، # في هذا المكان الصافي، # بين فكري وصمتي، # أرى كل ما كان لي وضاع مني، # الآلام والمسرات، # وهي تتوهج كزهر الجنطيانا، # وسط أعشاب الألب، # زرقاء اللون صافية متفتحة. # وبين نفسه ونفسه كرر ويل هاتين اللفظتين: «زهر الجنطيانا»، وذكر تلك العطلة الصيفية التي ~~قضاها في سويسرة وهو في الثانية عشرة، وذكر المراعي المرتفعة فوق جريندلوالد وزهورها ~~الغريبة، وفراشاتها التي لا تشبه الفراشات الإنجليزية، وذكر السماء الزرقاء الداكنة وضوء ~~الشمس والجبال الشامخة المضيئة على الجانب الآخر من الوادي، وكل ما عن لأبيه أن يقول هو ~~أنها أشبه ما تكون بإعلان عن شكولاتة نسلة المخلوطة باللبن. وأصر وقد بدت عليه أمارات ~~الاشمئزاز على أنها «ليست شكولاتة حقيقية، بل شكولاتة باللبن». وعقب ذلك تعليق تهكمي على ~~الصورة التي كانت ترسمها أمه بالألوان المائية؛ صورة سيئة (ويا لها من مسكينة) ولكنها ترسم ~~بعناية العاشق صاحب الضمير الحي. «إعلان الشكولاتة باللبن الذي لفظته نسلة». ثم كان دوره: ~~بدلا من أن تنفق وقتك حالما متجولا هنا وهناك بفم مفتوح كالقروي ms093 المعتوه لماذا لا تعمل ~~شيئا فيه ذكاء على سبيل التغيير؟ راجع قواعد اللغة الألمانية مثلا. ومد يده في حقيبته ~~وأخرج من بين البيض المسلوق جيدا والسندويتشات ذلك الكتاب الصغير البني المقيت. يا له من ~~رجل بغيض! ومع ذلك - إن صح ما تقول سوزيلا - يجب أن أكون قادرا الآن بعد كل هذه السنين ~~على أن أراه متألقا كزهر الجنطيانا؛ ثم ألقى ويل نظرة أخرى على آخر سطر من سطور ~~القصيدة: # زرقاء اللون صافية متفتحة. # وسمع صوتا يألفه يقول: ثم ماذا ... # والتفت نحو الباب، وقال: تكلمي عن الشيطان، أو على الأصح اقرئي ما كتب الشيطان. ورفع ~~الورقة إلى أعلى لكي تطالعها. # وألقت عليها سوزيلا نظرة وقالت: تقصد هذا. تكفي النوايا الطيبة لتبدع شعرا طيبا! ~~وتنهدت وهزت رأسها. # واستمر في حديثه قائلا: كنت أحاول أن أرى والدي كزهر الجنطيانا. غير أن كل ما حصلت عليه ~~صورة ملحة لروث مريع. # وأكدت له أن الروث يمكن أن يرى كالجنطيانا. ~~- لا يكون ذلك في ظني إلا في المكان الذي كنت تكتبين عنه؛ ذلك المكان الصافي الذي يقع ~~بين الفكر والصمت. # وأومأت سوزيلا برأسها موافقة. ~~- كيف تبلغين هذا المكان؟ ~~- إنك لا تبلغه، إنما هو يأتي إليك. أو على الأصح «هناك» هو في الواقع «هنا». # وشكا لها بقوله: ما أشبهك برادا الصغيرة؛ ترددين كالببغاء ما يقول راجا العجوز في مستهل ~~هذا الكتاب! # قالت: إذا كنا نردده فلأنه حق. وإذا نحن لم نردده كنا منكرين للواقع. # وسألها: أي واقع؟ إنه بالتأكيد ليس واقعي. # ووافقته قائلة له: ليس واقعك في الوقت الحاضر. ولكن إن أنت فعلت الأشياء التي يوصي بها ~~راجا العجوز ربما صار واقعك. # وبعد صمت قليل سألها: هل كانت لك مشكلات مع والديك؟ أم هل كنت دائما ترين الغائط كزهر ~~الجنطيانا؟ # أجابت: ليس في هذه السن. لا بد أن يكون الأطفال مثنويين مانويين. ذلك هو الثمن الذي ~~يجب أن ندفعه جميعا لكي نتعلم مبادئ إنسانيتنا. أما أن يرى المرء غائطا وكأنه زهر ~~الجنطيانا، أو بالأحرى يرى الغائط والجنطيانا ms094 على حد سواء كأنهما «جنطيانا» فذلك أمر لا ~~يتحقق إلا بعد التخرج من الجامعة. ~~- ماذا إذن فعلت بأبويك؟ تكشرين وتحتملين ما لا يحتمل؟ أم هل كان أبوك وأمك ~~يحتملان ؟ # أجابت: كل منهما محتمل على حدة وبخاصة والدي، ولكنهما معا لا يحتملان؛ لأن كليهما لا ~~يحتمل الآخر. امرأة صاخبة مرحة منطلقة تزوجت من رجل منطو على نفسه شديد الحساسية يجدها ~~مثيرة لأعصابه دائما، خاصة - كما أظن - في الفراش. إنها لم تكف عن الاتصال به، في حين ~~أنه لم يكن البادئ قط. حتى كانت في عينه ضحلة غير مخلصة له، وكان في عينها بلا قلب، محقرا ~~من شأنها يفتقر إلى المشاعر الإنسانية الطبيعية. ~~- كنت أحسب أنكم هنا أكثر حصافة من أن تقعوا في هذا الفخ. # وأكدت له أنهم فعلا أكثر حصافة: فنحن نعلم البنين والبنات بصفة خاصة ماذا يتوقعون من ~~الناس الذين يختلفون عنهم في التكوين البدني وفي المزاج. ولكن يحدث أحيانا - لسوء الحظ - ~~أن الدروس لا يكون لها تأثير كبير فيما يبدو. وليس هناك ما يدعوني إلى أن أذكر أن البعد ~~السيكولوجي بين فرد وآخر يكون في بعض الحالات أكبر من أن يسمح بالاتصال. على أية حال الواقع ~~أن أبي وأمي لم يكونا على اتفاق، والله وحده يعلم كيف وقعا في حب متبادل، ولما اشتد التقارب ~~بينهما وجدت أمي في تزمته إيذاء لها، في حين أن حبها الشديد للزمالة بغير حواجز جعله ينكمش ~~في حيرة من أمره وفي نفور. وكنت دائما أتعاطف مع أبي؛ فأنا شبيهة به في مزاجي وفي تكويني ~~البدني، ولست البتة على شبه بأمي. وأذكر - حتى وأنا في نعومة أظفاري - كيف كنت أتحاشى مرحها ~~الشديد، وقد كانت تعتدي دائما على عزلتي، وما زالت. ~~- هل ترينها كثيرا؟ ~~- قلما أفعل ذلك؛ لها عملها الخاص وأصدقاؤها الخاصون. الأم، في دنيانا اسم لوظيفة بكل ~~معنى الكلمة. وبعدما تؤدي الوظيفة تماما يسقط هذا اللقب، ويبدأ نوع جديد من العلاقة بين ~~الطفل السابق والمرأة التي كانت تدعى «أما». فإن كانا على اتفاق يستمر بينهما ms095 التلاقي في ~~كثير من الأحيان. أما إن كانا على غير اتفاق فإنهما يفترقان. ولا ينتظر منهما أحد أن يتعلق ~~أحدهما بالآخر. وليس هذا التعلق مرادفا للمحبة؛ ولا ينظر إليه كأمر جدير بالتقدير بصفة ~~خاصة. ~~- ولذلك فالأمور كلها الآن على ما يرام. ولكن كيف كانت الأمور حينذاك؟ ماذا حدث عندما كنت ~~طفلة تترعرعين بين شخصين لم يمكن سد الفجوة التي كانت تفصل بينهما؟ أنا أعرف ماذا يعني ذلك؛ ~~أعرف أنه يقلب ما تعودنا أن نختتم به القصص الخيالية، ويجعل النهاية: «وهكذا عاشا بعد ذلك ~~بغير ثبات وغير نبات.» # قالت سوزيلا: وأنا على يقين أننا إذا لم نكن قد ولدنا في بالا لعشنا بعد ذلك، بغير ثبات ~~وغير نبات. وعلى أية حال - إذا أخذنا في اعتبارنا كل الظروف - استطعنا أن نسير معا سيرا ~~طيبا بدرجة ملحوظة. ~~- وكيف تسنى لكم ذلك؟ ~~- لم نفعله بأنفسنا، بل فعله لنا غيرنا. هل قرأت ما قال راجا العجوز عن التخلص من ثلثي ~~الأحزان التي نصنعها بأيدينا بغير مبرر؟ # وأومأ ويل برأسه إيجابا وقال: كنت أقرؤه عندما قدمت. # وواصلت حديثها قائلة: في الأيام السيئة السالفة كانت الأسر في بالا مثلما هي عندكم اليوم ~~مضحية بأفرادها، ظالمة، داعية للكذب. ولقد بلغت من السوء ما حدا بالدكتور أندرو وراجا ~~المصلح أن يقررا ضرورة إعادة النظر فيها. واستغلا الأخلاق البوذية والشيوعية البدائية في ~~القرية لخدمة الأهداف المعقولة. وعلى مدى جيل واحد تغير نظام الأسرة كله من أساسه. وترددت ~~لحظة ثم واصلت الحديث: ولأوضح لك ما أعني في حدود حالتي الخاصة؛ طفلة وحيدة لشخصين لم يكن ~~بينهما تفاهم وكانا دائما على خلاف في الأهداف أو في شجار فعلي. في الأيام الخوالي كانت ~~الفتاة الصغيرة التي تنشأ في مثل هذه الظروف تنتهي إما إلى الهلاك، وإما إلى التمرد، وإما ~~إلى الاستسلام للنفاق من أجل الالتزام بالتقاليد. أما في ظل النظام الجديد فلم يكن لزاما ~~علي أن أتحمل عناء لا ضرورة له، فلم أتحطم ولم أضطر إلى التمرد أو الاستسلام. لماذا؟ لأنه منذ اللحظة ms096 التي استطعت فيها ~~أن أمشي كانت لي حرية الهروب. # وكرر قوله: الهروب؟ الهروب؟ هذا أمر حسن جدا بدرجة لا تصدق. # وشرحت له كيف أن «الهروب» من صلب النظام الجديد ، إذا صار «بيت الأبوين، البيت الحلو» كما ~~يقولون غير محتمل، يسمح للطفل، بل يشجع على الهجرة إلى بيت من بيوته الأخرى، ووراء هذا ~~التشجيع ثقل الرأي العام كله. ~~- وكم بيتا للطفل في بالا؟ ~~- نحو عشرين في المتوسط. ~~- عشرون! يا إلهي! # ووضحت له سوزيلا ذلك بقولها: كلنا ننتمي إلى ناد من نوادي التبني المتبادل (ويختصر هكذا: ~~ن. ت. م)، وكل ناد من هذه النوادي يتألف من نحو خمسة عشر إلى خمسة وعشرين زوجا مختلطا. ~~العرائس والعرسان المنتخبون حديثا، والقدامى أصحاب الأطفال الكبار، والأجداد وآباء الأجداد؛ ~~كل فرد في النادي يتبنى كل فرد آخر. لكل منا بخلاف أقربائه بصلة الرحم عدد معين من نائبات ~~الأمهات ونواب الآباء، ونائبات العمات والأعمام، ونواب الإخوة والأخوات، ونواب صغار الأطفال ~~والأطفال الذين هم في مرحلة المشي والأبناء المراهقون. # وهز ويل رأسه: ذلك ينمي عشرين أسرة بعدما كانت أسرة واحدة هي التي تنمو. # ولكن ما كان ينمو من قبل هو نوع الأسرة عندكم. أما العشرون فكلها نوع الأسرة عندنا. ثم ~~قالت وكأنها تقرأ تعليمات في كتاب للطهو: خذ عبدا مأجورا عاجزا، عاجزا جنسيا، وأنثى ~~ساخطة، واثنين (وإن شئت) ثلاثة من صغار مدمني التلفزيون، وانقع ذلك في مخلوط من مذهب فرويد ~~والمسيحية المخففة، واحفظ كل ذلك في زجاجة محكمة الغلق في شقة ذات أربع غرف، ودعه يطهى ~~ببطء في عصيره لخمسة عشر عاما. أما طريقة طهونا فمختلفة تماما: خذ عشرين زوجا راضين ~~جنسيا وذريتهم، وأضف إليهم العلم والبداهة والفكاهة بكميات متساوية، واغمس ذلك في بوذية ~~تانترية، ودع ذلك يغلي ببطء؛ إلى ما لا نهاية في وعاء مكشوف في الهواء الطلق فوق لهب فوار من ~~المحبة. # وسألها: وماذا يخرج من الوعاء المكشوف؟ ~~- نوع من الأسرة مختلف تماما. ليس مانعا كالأسرة عندكم. وليس مقدسا ولا ملزما. هي ~~أسرة جامعة. ليست مقدرة، ms097 وهي اختيارية، عشرون زوجا من الآباء والأمهات، وثمانية أو تسعة من ~~الآباء السابقين والأمهات السابقات وأربعون أو خمسون طفلا منوعا من جميع الأعمار. ~~- وهل يبقى الناس في ناد واحد للتبني طوال حياتهم؟ ~~- كلا بالطبع. الأطفال الكبار لا يختارون آباءهم أو إخوتهم أو أخواتهم الخاصين بهم. بل ~~ينطلقون ليختاروا مجموعة أخرى ممن يكبرونهم، ثلة أخرى من زملائهم ومن يصغرونهم. ويتبناهم ~~هذا النادي الجديد كما يتبنى - عندما يحين الوقت - أبناءهم. علماء الاجتماع عندنا يسمون هذه ~~العملية تهجين صغار الأحياء، وهي في مجالها نافعة كتهجين الفصائل المختلفة من الذرة أو ~~الدجاج، علاقات أصح في جماعات أكثر مسئولية، وتعاطف أوسع وتفاهم أعمق. وهذا التعاطف ~~والتفاهم متاح لكل فرد في «ن. ت. م» من الأطفال الرضع إلى من يجاوزون المائة عام. ~~- يجاوزون المائة عام؟ ما مدى طول العمر عندكم؟ # أجابت: إنه يطول عاما أو عامين أكثر منه عندكم. عشرة في المائة منا فوق خمسة وستين. ~~والكبار يتقاضون معاشا إذا عجزوا عن الكسب. ولكن المعاش بطبيعة الحال لا يكفي؛ فهم يحتاجون ~~إلى شيء نافع ويبعث على التحدي، وهم يحتاجون إلى أناس يعنون بهم ويجدون منهم المحبة لقاء ~~هذه العناية، و«ن. ت. م» يلبي هذه الحاجات. # قال ويل: هذا كلام أرتاب في مماثلته للدعاية التي نسمعها عن أحد المجتمعات (الكميون) ~~الصغيرة الجديدة. # وأكدت له قائلة: ما أبعد التشابه بين «ن. ت. م» والكميون؛ فالنادي «ن. ت. م» لا تديره ~~الحكومة، وإنما يديره أفراده. ونحن لسنا عسكريين، ولا يهمنا تخريج أعضاء ملائمين للحزب، ~~إنما يعنينا أن نخرج كائنات بشرية جيدة. ونحن لا نغرس في الأذهان تعاليم خاصة. ثم إننا لا ~~نبعد الأطفال عن آبائهم، بل على العكس من ذلك نعطيهم آباء إضافيين كما نعطي الآباء أطفالا ~~إضافيين. ومعنى ذلك أننا حتى في دار الحضانة نتمتع بدرجة معينة من الحرية. وتزداد هذه ~~الحرية كلما نما الفرد وبات بوسعه أن يتعامل مع مجال في الخبرة أكثر اتساعا وأن يتحمل ~~مسئوليات أضخم. في حين أنك لا تجد في الصين حرية بتاتا. ms098 الأطفال يعهد بهم إلى مروضي أطفال ~~رسميين، من واجبهم أن يحولوهم إلى خدام مطيعين للدولة. والأمور أفضل من ذلك بكثير في ~~عالمكم، ولكنها مع ذلك سيئة. أنتم لا تخضعون لمروضي الأطفال المعينين من قبل الدولة، ولكن ~~مجتمعكم يحكم عليكم بقضاء الطفولة في أسرة مانعة، بها مجموعة واحدة من الأقارب ومجموعة ~~واحدة من الآباء. وهذه المجموعات مفروضة عليكم فرضا بقدر وراثي. لا يستطيع الفرد منكم أن ~~يفر منها، أو أن يستأجز، أو أن يذهب إلى آخرين على سبيل تغيير المناخ المعنوي والسيكولوجي. ~~وقد تسمونها حرية، ولكنها كالحرية في كشك التليفون. # وتوسع ويل في الفكرة وأخذ يروي (وهو يتصور حياته الماضية) فقال: الفرد محبوس مع شخص متنمر ~~ساخر، وشخص مسيحي مضح بحياته، وفتاة صغيرة أدخل المتنمر الرعب في نفسها وهددها الشهيد ~~بمناشدته مشاعرها الطيبة حتى أصيبت بالبلاهة المهتزة. هذا هو البيت الذي لم أفر منه حتى بلغت ~~الرابعة عشرة وجاءت عمتي ماري لتسكن إلى جوارنا. ~~- وأبواك البائسان لم يفرا قط منك. ~~- لم يكن الأمر كذلك؛ فلقد وجد والدي في الخمر مهربا ووجدته أمي في الكنيسة الإنجليزية. ~~وكان لا بد أن أنفذ الحكم الخاص بي دون أي تخفيف. أربعة عشر عاما من العبودية العائلية. ~~كم أحسدك! إنك حرة كالطائر! ~~- ليس إلى هذا الحد الشعري! إنما كنت حرة ككائن بشري نام؛ حرة كشخص مستقبله أن يكون ~~امرأة، ولم تتجاوز حريتي ذلك. التبني المتبادل يكفل للأطفال الحماية من الظلم ومن أسوأ ~~عواقب عدم الكفاءة الأبوية. ولكن لا يكفل لهم الحماية من النظام أو من ضرورة قبول ~~المسئوليات. بل - على النقيض من ذلك - أنه يضاعف من مسئولياتهم، ويعرضهم لضروب مختلفة من ~~النظام. في عائلاتكم المقدرة عليكم، المانعة، يقضي الأطفال - كما قلت - فترة طويلة من الحبس ~~تحت رقابة مجموعة واحدة من السجانين الأبويين. وقد يكون هؤلاء السجانون الأبويون طيبين ~~عاقلين وأذكياء. في هذه الحالة يخرج صغار المساجين بغير أذى إلى حد كبير. غير أن الواقع أن ~~أكثر السجانين الأبويين عندكم ليسوا طيبين أو عاقلين أو أذكياء بدرجة ms099 ملحوظة. وقد يكونون ~~ذوي نية طيبة ولكنهم أغبياء، أو ذوي نية سيئة وعلى طيش، أو عصبيين، أو أحيانا أشرارا ~~تماما، أو مجانين صراحة. كان الله في عون المحكوم عليهم الذين يقضي عليهم القانون والعرف ~~والدين بأن يكونوا تحت رحمتهم! ولكن انظر إلى ما يحدث في الأسرة الكبيرة الجامعة المختارة. ~~ليس بها أكشاك تليفونية، ولا سجانون مقدرون. هنا ينمو الأطفال في عالم يعد نموذجا عمليا ~~للمجتمع العام، عالم هو صورة مصغرة ولكنها دقيقة للبيئة التي سوف يعيشون فيها وهم كبار. ~~«الصحة» و«الكمال» و«القداسة» هذه الكلمات الثلاث بالإنجليزية من أصل لغوي واحد وتدل على ~~درجات مختلفة من معنى واحد. العائلة عندنا - العائلة الجامعة المختارة - هي العائلة المقدسة ~~حقا كما يدل على ذلك الأصل اللغوي وكما هي في الواقع. أما العائلة عندكم فهي العائلة غير ~~المقدسة. # قال ويل: آمين. واستعاد في ذهنه مرة أخرى طفولته، كما عاد بذهنه كذلك إلى موروجان المسكين ~~في قبضة الراني. وبعد فترة من السكون سألها: ماذا يحدث عندما يهاجر الأطفال إلى بيت من ~~بيوتهم الأخرى؟ كم يطول بقاؤهم هناك؟ ~~- يختلف الأمر من حالة إلى أخرى، عندما يملني أطفالي قلما يبتعدون عني لأكثر من يوم أو ~~يومين، وذلك أساسا لأنهم جد سعداء في بيتهم. أما أنا فلم أكن سعيدة في بيتي ولذلك فعندما ~~كنت أخرج منه كنت أحيانا أتغيب عنه لشهر بأكمله. ~~- وهل كان نواب أبويك يعضدونك ضد أبيك وأمك الحقيقيين؟ # ليس في الأمر تحريض من أحد ضد أحد. كل ما نؤيده هو الذكاء والمشاعر الطيبة، وكل ما نعارضه ~~هو البؤس وأسبابه التي يمكن تفاديها. إذا أحس الطفل بتعاسة في بيته الأول نبذل أقصى الجهد ~~له في خمسة عشر أو عشرين بيتا آخر. وفي هذه الأثناء يعالج الأب والأم علاجا نفسيا من ~~قبل الأعضاء الآخرين في نادي التبني المتبادل الذي ينتمون إليه. وبعد بضعة أسابيع يصبح ~~الأبوان صالحين للعيش مع أبنائهما مرة أخرى، والأطفال صالحين للعيش مع أبويهم. ثم أضافت إلى ~~ذلك قولها: ولكن لا تفهم من ذلك أن ms100 الأطفال لا يلجئون إلى نواب آبائهم وأجدادهم إلا في ~~حالات الضيق. إنهم يفعلون ذلك دائما كلما أحسوا الحاجة إلى التغيير أو إلى نوع آخر من ~~الخبرة . إنها دوامة اجتماعية. إن عليهم حيثما يتوجهون كنواب أطفال مسئولياتهم كما أن لهم ~~حقوقهم؛ عليهم مثلا أن يمشطوا الكلب وينظفوا أقفاص الطيور، ويراعوا الأطفال الرضع عندما ~~تكون الأم مشتغلة بعمل آخر. عليهم واجبات كما أن لهم مزايا؛ ولكنها ليست كما هي الحال ~~عندكم في أكشاك التليفون الصغيرة التي لا يدخلها الهواء. إنها واجبات ومزايا في أسرة كبيرة ~~منفتحة جامعة غير مقدرة، تتمثل فيها مراحل العمر السبع للإنسان ومختلف المهارات والمواهب. ~~فيها يتلقى الأطفال خبرات في كل الأمور الهامة ذات المغزى مما يمارسه الإنسان ويكابده؛ ~~العمل، واللعب، والحب، والكبر، والمرض، والموت ... ثم صمتت وفكرت في ديوجولد وأمه، ثم غيرت ~~نغمة صوتها عمدا وقالت: ولكن ما بك أنت؟ لقد شغلت نفسي بالحديث عن الأسر حتى إني لم أسألك ~~عن إحساسك. إنك بالتأكيد تبدو أحسن كثيرا مما رأيتك آخر مرة. ~~- بفضل الدكتور ماك فيل، وكذلك بفضل شخص كان فيما أظن يمارس الطب بغير ترخيص. ما هذا ~~الشيء العجيب الذي فعلته بي أمس مساء؟ # ابتسمت سوزيلا وقالت له مؤكدة: إنما فعلته بنفسك. أما أنا فكل ما فعلته هو أني ضغطت على ~~الأزرار. ~~- أي أزرار؟ ~~- أزرار الذاكرة، وأزرار الخيال. ~~- ويكفي ذلك أن يدخلني في غيبوبة التنويم المغناطيسي؟ ~~- إذا حلا لك أن تسميها كذلك. ~~- وماذا يمكن أن تسمى غير ذلك؟ ~~- ولماذا تطلق عليها اسما؟ الأسماء تفترض صدق ما تعبر عنه، لماذا لا تكتفي بمجرد علمك ~~أنها حدثت؟ ~~- ولكن ما هذا الذي حدث؟ ~~- بادئ ذي بدء أقول: قمنا بنوع من أنواع الاتصال. أليس كذلك؟ # ووافقها قائلا: بالتأكيد لقد فعلنا، ومع ذلك فإني لا أصدق أنني رمقتك ولو بنظرة. # وعلى الرغم من ذلك كان في هذه اللحظة ينظر إليها؛ ينظر ويتعجب من يكون هذا المخلوق ~~الصغير العجيب، وماذا يختفي خلف قناع وجهها الجاد الملس، وماذا كانت العينان السوداوان ~~تريان وهما تردان على ms101 تفرسه، فيم كانت تفكر؟ # قالت: كيف كان يتسنى لك أن تنظر إلي؟ لقد ذهبت في عطلتك. ~~- أم هل أبعدتني عنها؟ # وهزت رأسها وقالت: كلا، لم أبعدك . تستطيع أن تقول إني كنت في وداعك، أو أني عاونتك على ~~المضي. ثم كانت لحظة صمت استأنفت بعدها الحديث وسألته: هل حاولت مرة أن تقوم بعمل ما مع طفل ~~يجاورك؟ # وذكر ويل جارا صغيرا له عرض عليه أن يعاونه في طلاء أثاث حجرة الطعام، وضحك عندما تذكر ~~سخطه. # وواصلت سوزيلا حديثها قائلة: مسكين هذا الصغير! كان حسن النية، وكان يود أن يقدم ~~المعونة. ~~- ولكن الطلاء قد لوث السجادة، وبصمات يده تملأ الجدران ... # لذلك أردت أن تتخلص منه في النهاية فقلت له: اخرج من هنا على عجل أيها الصبي الصغير! ~~والعب في الحديقة. # ثم ساد الصمت. # وأخيرا سألها: ثم ماذا؟ ~~- ألا ترى؟ # وهز ويل رأسه. ~~- ماذا يحدث عندما تمرض. وعندما يصيبك أذى؟ من يصلحك؟ من يداوي جراحك ويبعد العدوى؟ هل ~~تفعل ذلك أنت؟ ~~- ومن غيري؟! # وأصرت على السؤال: أنت؟ أنت؟ الشخص الذي يحس الألم ويصيبه القلق ويفكر في الخطيئة والمال ~~والمستقبل! هل تكون وأنت على هذه الصور قادرا على أن تفعل ما يجب فعله؟ ~~- آه، أنا أدرك الآن ما ترمين إليه. # وقالت ساخرة: أخيرا! ~~- تبعثين بي لكي ألعب في الحديقة حتى يتمكن الكبار من أداء عملهم في هدوء. ولكن من يكون ~~هؤلاء الكبار؟ # أجابت: لا تسألني. هذا سؤال يوجه إلى لاهوتي في الأعصاب. # سألها: ما معنى ذلك؟ ~~- معناه ما يدل عليه اللفظ. شخص يفكر في الناس في حدود «الضوء الصافي» في الفضاء وفي ~~الجهاز العصبي المساعد في آن واحد. الكبار خليط من العقل ووظائف الأعضاء. ~~- والأطفال؟ ~~- هم الصغار الذين يظنون أنهم يعلمون ما لا يعلم الكبار. ~~- ومن ثم وجب أن يقال لهم سارعوا إلى اللعب. ~~- تماما. # وسألها: هل طريقة معالجتك إجراء معتمد في بالا؟ # وأكدت له ذلك بقولها: نعم هي إجراء معتمد. الأطباء في عالمكم يتخلصون من الأطفال بتسميمهم ~~بملح حامض البريتوريك المسكن. أما نحن ms102 فنتحدث إليهم عن الكاتدرائيات والغربان. وهنا تحول ~~صوتها إلى ما يشبه الغناء وأضافت: وعن السحب البيضاء التي تسبح في السماء، وعن الإوز ~~العراقي الذي يسبح فوق نهر الحياة المظلم الصقيل الذي لا يقاوم ... # واحتج على ما تقول وصاح بها: كفى، كفى. لا تذكري شيئا من ذلك! # وأضاءت وجهها الجاد الأسمر ابتسامة خفيفة ثم قهقهت ضاحكة. ونظر إليها ويل في دهشة فخيل له ~~فجأة أنها استحالت شخصا آخر، سوزيلا ماك فيل أخرى، مرحة، عابثة، ساخرة. # وشاركها الضحك قائلا لها: أنا أعرف حيلك. # وهزت رأسها وهي ما تزال تضحك وقالت: حيل! إنما كنت أشرح كيف فعلتها. ~~- أنا أعلم تماما كيف فعلتها، كما أعلم كذلك أنها طريقة فعالة، وفوق ذلك أسمح لك بفعلها ~~ثانية؛ كلما لزم الأمر. # وقالت في جدية أشد: إن شئت. وسوف أريك كيف تضغط على أزرارك بنفسك. إننا نعلم ذلك في كل ~~مدارسنا الابتدائية، نعلمهم القراءة والكتابة والحساب كما نعلمهم مبادئ «ح. أ». ~~- ما هذا؟ ~~- حرية الإرادة. اسم آخر للتحكم في المصير. # ورفع حاجبيه وقال: التحكم في المصير! # وقالت له مؤكدة: كلا، كلا. لسنا من الغفلة كما تظن. نحن نعلم تمام العلم أن جزءا فقط من ~~مصيرنا هو الذي يمكن أن نتحكم فيه. ~~- وأنتم تتحكمون فيه بضغطكم على أزراركم؟ ~~- نضغط على أزرارنا ثم نتصور ما نود أن يحدث؟ ~~- وهل يحدث؟ ~~- في حالات كثيرة. # وبنغمة تهكمية في صوته قال: أمر بسيط! # ووافقته قائلة: بسيط بدرجة مذهلة، ومع ذلك فعلى مدى علمي نحن الشعب الوحيد الذي يعلم «ح. ~~أ» بانتظام للأطفال. أنتم تكتفون بأن تذكروا لهم ما هو مفروض عليهم أن يفعلوه، ثم تتركون ~~الأمر عند هذا الحد، تقولون لهم مثلا أحسنوا السلوك. ولكن كيف؟ إنكم لا تشرحون لهم ذلك قط. ~~كل ما تفعلون هو أنكم تقدمون إليهم النصيحة وتوقعون بهم العقاب. يا لها من بلاهة! # ووافقها على ذلك وقال: إنها محض بلاهة! وتذكر مستر كراب رئيس الأسرة بالمدرسة وهو ينصحهم ~~بتجنب الاستمناء الذاتي، كما تذكر العقوبات البدنية والمواعظ الأسبوعية وصلاة الوعيد ms103 في ~~أربعاء الرماد # 2 # حينما كان يقال لهم: «ملعون من يضاجع زوجة جاره، آمين.» ~~- وإذا أخذ الأطفال عندكم هذه البلاهة مأخذ الجد أصبحوا آثمين بائسين عندما يكبرون . وإذا ~~هم لم يأخذوه مأخذ الجد أمسوا ساخرين بائسين. وإذا هم تصرفوا من منطلق السخرية البائسة ~~كانوا إما بابويين وإما ماركسيين. ولا عجب أن تكون لديكم هذه الألوف من السجون والكنائس ~~وزنزانات الشيوعية. ~~- أفهم من ذلك أن لديكم منها القليل في بالا. # وهزت سوزيلا رأسها وقالت: ليس لدينا ما يشبه سجن الكتراز أو بيلي جريهام أو ماوتسي تنج. ~~ليس لدينا جحيم على الأرض ولا نعيم في السماء، ولا أمل الشيوعية في القرن الثاني بعد ~~العشرين. نحن مجرد رجال ونساء وأطفالهم نحاول أن نستغل «الآن وهذا المكان» غير خير ما ~~يستطاع، بدلا من أن نعيش في مكان آخر كما تفعلون أنتم في أكثر الأحيان. وفي وقت آخر، في ~~عالم خيالي آخر من صنع أنفسنا. والواقع أن الخطأ ليس منكم؛ فأنتم مرغمون تقريبا على هذا ~~الأسلوب من العيش لأن الحاضر يخيب آمالكم. وهو يخيب آمالكم لأنكم لم تتعلموا قط أن تسدوا ~~الفجوة التي تفصل بين النظرية والتطبيق، بين ما تقررون لأنفسكم في رأس السنة وسلوككم ~~الفعلي. # وروى قولهم: أنا لا أعمل على تحقيق الخير الذي أريد، وإنما أعمل على تحقيق الشر الذي لا ~~أريد. ~~- من قال هذا؟ ~~- الرجل الذي نشر المسيحية. القديس بولس. # قالت: هذه أسمى المثل العليا الممكنة بغير وسائل لتحقيقها. ~~- ما عدا الوسيلة فوق الطبيعية التي تعمل على تحقيقها على يد شخص آخر. # وألقى ويل رأسه إلى الخلف وأنشد ما يلي: # من عروق عمانوئيل، # امتلأت بركة من الدماء، # في فيضها ينغمس الآثمون، # ومن خطاياهم يتطهرون. # وسدت سوزيلا أذنيها وقالت: هذا شيء فاحش حقا. # وقال لها ويل: هذه هي الأنشودة المفضلة لأستاذ أسرتي المدرسية. كنا نتغنى بها مرة كل ~~أسبوع تقريبا طوال وجودي بالمدرسة. # قالت: أحمد الله أن البوذية لم يكن بها قط دماء. عاش جوتاما # 3 # حتى بلغ الثمانين من عمره، ومات لأنه ms104 كان مجاملا إلى حد أنه لم يرفض الطعام ~~السيئ. والظاهر أن الميتة العنيفة تستدعي دائما مزيدا من الموت العنيف. «إذا كنتم لا ~~تصدقون أنكم بدماء مخلصي تفتدون أغرقتكم في دمائكم.» في العام الماضي درست في شيفا بورام ~~شيئا من تاريخ المسيحية. # وارتعدت سوزيلا من الذكرى ثم قالت: يا للهول! وذلك كله لأن ذلك الرجل المسكين لم يعرف كيف ينفذ نواياه الطيبة. # قال ويل: وأكثرنا يسير على هذا المنوال. الشر لا نريده ولكنا نفعله، وبأية طريقة! # وكان رد الفعل عند ويل هو ألا يتسامح مع من لا يستحق التسامح، فضحك ساخرا من نفسه. ضحك ~~لأنه كان يعلم طهارة قلب مولي، ولكنه - وبعينين مفتوحتين - اختار الفجوة القرنفلية وما ~~تعنيه من شقاء لمولي، ونهاية لها، وإحساسه بالذنب يفتك بصدره ثم بالألم، الألم المبرح الذي ~~شعر به بدرجة لا تتناسب البتة مع مسبباته الوضيعة الهزلية في طبيعتها، وذلك عندما فعلت بابز ~~في الوقت المناسب ما لا بد أن يتوقعه أي غافل من أنها لا بد فاعلته؛ عندما طردته من ~~فردوسها الجهنمي الذي أضاءه إعلان الخمر واتخذت غيره عشيقا لها. # وسألته سوزيلا: ما بك؟ ~~- لا شيء. لماذا تسألين؟ ~~- لأنك لا تحسن إخفاء مشاعرك. كنت تفكر في أمر جعلك غير سعيد. # قال: عيناك حادتان. ثم صرف عنها النظر. # وساد صمت طويل. هل يخبرها. هل يخبرها عن بابز وعن مولي المسكينة، وعن نفسه، يخبرها عن كل ~~شيء كئيب سخيف لم يخبر به قط أحدا - حتى وهو مخمور - حتى أعز أصدقائه؟ والأصدقاء القدامى ~~يعلمون الكثير عنه، والكثير عن الأطراف الأخرى ذات الشأن، والكثير عن تلك اللعبة الخيالية ~~المضحكة التي دأب عليها وتفنن فيها كما فعل ذلك السيد الإنجليزي الذي كان كذلك بوهيميا ~~وشاعرا منتظرا، كما كان يدافع اليأس لأنه كان يعلم أنه لا يمكن أن يصبح شاعرا مجيدا؛ ~~صحافيا محنكا ووكيلا خاصا لرجل ثري يزدريه على الرغم من أنه يغدق له في العطاء. كلا، ~~الأصدقاء القدامى لا يصلحون. ولكن هذه الغريبة الضئيلة السمراء، هذه الغريبة التي أمسى ~~مدينا ms105 لها بالكثير، والتي أخلص لها على الرغم من أنه لم يكن يعلم عنها شيئا، هذه الغريبة ~~لن تصدر عنها أحكام مسبقة، ولا أحكام متحيزة، بل قد تصدر عنها فيما يأمل (على الرغم من أنه ~~درب نفسه على ألا يأمل أبدا!) استنارة غير مرتقبة، ومعونة إيجابية عملية، (وإله يعلم أنه ~~كان بحاجة إلى المعونة، والله يعلم كذلك جيدا أنه لن يعترف بأنه في حاجة إلى المعونة، ولن ~~يهبط إلى الحد الذي يجعله طالبا لها). # وكالمؤذن وهو فوق المئذنة أخذت تلك الطيور الناطقة تصيح من أعلى نخلة باسقة خلف أشجار ~~المنجة، وتردد قولها: الآن، وفي هذا المكان أيها القوم، الآن، وفي هذا المكان. # فصمم ويل على أن يغامر، بطريقة غير مباشرة؛ وذلك بأن يبدأ هو الحديث لا عن مشكلاته هو ~~ولكن عن مشكلاتها. فبدأ يتكلم دون أن ينظر إلى سوزيلا «لأنه أحس أن ذلك قد لا يتفق وقواعد ~~الاحتشام». ~~- ذكر لي الدكتور ماك فيل شيئا عن ... عما حدث لزوجك. # ووقعت هذه الكلمات من قلبها موقع السهم. ولكن ذلك كان متوقعا، وصوابا وأمرا لا مناص ~~منه. # قالت: تنقضي يوم الأربعاء المقبل أربعة أشهر بعد الحادث، ثم قالت وهي تتأمل وبعد صمت لم ~~يدم طويلا شخصان وكأنهما خلق جديد. وفجأة يبتر نصف هذا المخلوق الجديد، ولكن النصف الآخر ~~لا يموت، ولا يمكن أن يموت، ولا ينبغي أن يموت. ~~- لا ينبغي أن يموت؟ ~~- لأسباب عدة؛ من أجل الأطفال، ومن أجل الشخص ذاته، ومن أجل طبيعة الأشياء كلها. وببسمة ~~خفيفة عززت بها الحزن البادي في عينيها أضافت إلى ذلك قولها: ولست في حاجة إلى أن أقول إن ~~هذه الأسباب لا تخفف من صدمة البتر ولا تجعل ما يترتب عليه أمرا محتملا بدرجة أكبر. ولا ~~يساعد المرء إلا ما كنا نتحدث فيه منذ لحظة؛ أقصد «التحكم في المصير». وهزت رأسها ثم قالت ~~وحتى هذا ... لأن «ت. م» (التحكم في المصير) قد يجعل الميلاد بغير ألم، ولكنه أبدا لن يجعل فقد ~~الحبيب بغير ألم، وذلك بالطبع هو ما ms106 ينبغي أن يكون. ليس من الصواب أن يكون فقدان الحبيب ~~خاليا تماما من الألم. إن ذلك يهبط بك دون المستوى الإنساني. # وكرر عبارتها الأخيرة: «دون المستوى الإنساني»، إنها كلمات ثلاث قصيرة ولكنها تلخص حياته ~~كلها! # وقال بصوت مسموع: والأمر المفزع حقا هو أن يعلم المرء أنه هو المسئول عن موت الشخص ~~الآخر. # وسألته: هل كنت متزوجا؟ ~~- اثنا عشر عاما، حتى الربيع الماضي ... ~~- ثم ماتت؟ ~~- ماتت في حادث. ~~- في حادث؟ إذن كيف كنت مسئولا عن موتها؟ ~~- وقع الحادث لأني ... فعلت الشر الذي لم أرد أن أفعله. وفي ذلك اليوم اقترفته. وأربكها هذا ~~الإيذاء وأطار صوابها، ورفعتها إلى الانطلاق وهي تسوق العربة؛ فاصطدمت صدمة قوية. ~~- هل كنت تحبها؟ # وتردد لحظة، ثم هز رأسه هزا بطيئا. ~~- هل كان هناك شخص آخر كنت به أكثر حفاوة؟ # وبملامح وجهه التي تدل على سخريته من نفسه قال: شخص آخر لم يكن بوسعي أن أحد من حفاوتي ~~به. ~~- وذلك كان الشر الذي فعلته ولم ترد أن تفعله؟ ~~- فعلته وثابرت على فعله حتى قتلت المرأة التي كان ينبغي لي أن أحبها. ولكني لم أفعل، بل ~~وثابرت على فعل هذا الشر حتى بعد أن قتلتها، وعلى الرغم من سخطي على نفسي على هذا الذي كنت ~~أفعل. وكذلك كنت ساخطا على الشخص الذي دفعني إلى ارتكاب ما لم أرد. ~~- دفعتك إلى فعله فيما أظن لأن جسمها كان من النوع المطلوب؟ # وأومأ ويل برأسه، ثم ساد الصمت. # وأخيرا سألها: هل تعرفين كيف يكون شعور المرء عندما يحس أنه ليس هناك شيء واقعي تماما ~~حتى نفسه؟ # وأومأت سوزيلا برأسها وقالت: يحدث ذلك أحيانا عندما يوشك المرء أن يتبين له أن كل شيء - ~~حتى نفسه - أكثر واقعية مما كان يتصور. وما أشبه ذلك بتغيير السرعة في السيارة، إنك تجعل ~~ترسها أولا في درجة السكون ثم تنقله إلى أعلى. # قال ويل: أو إلى أسفل. لم يكن الانتقال إلى أعلى، بل كان إلى أسفل. لا، لم يكن إلى أسفل، ~~بل إلى العكس. حدث ذلك أول ms107 مرة عندما كنت في انتظار أوتوبيس ينقلني من شارع فليت إلى بيتي. ~~وكان هناك ألوف الألوف من البشر، كلهم يتحرك، وكل منهم فريد، كل منهم مركز الكون. ثم ظهرت ~~الشمس من خلف السحب فأشرق كل شيء واتضح بصورة عجيبة، وفجأة وبسرعة خاطفة انقلبوا جميعا إلى ~~ديدان. ~~- ديدان؟ ~~- نعم، تلك الديدان الشاحبة الصغيرة ذات الرءوس السوداء التي ترينها في اللحم الفاسد. ~~وبطبيعة الحال لم يتغير شيء ما، وبقيت وجوه الناس كما هي، وأزياؤهم كما هي. ومع ذلك كانوا ~~جميعا ديدانا. بل لم يكونوا ديدانا حقيقية، وإنما أشباح ديدان، ما يتوهمه المرء أنه ديدان. ~~أما أنا فقد كنت صورة وهمية لمشاهد الديدان، وعشت في عالم الديدان هذا شهورا. عشت فيه، ~~وعملت فيه، وخرجت فيه للغداء والعشاء؛ كل ذلك دون أدنى اهتمام بما كنت أعمل. ودون أدنى ~~متعة أو لذة، فاقد الشهية. وعندما حاولت أن أمارس الحب مع فتاة كنت فيما مضى ألهو بها ~~أحيانا تبين لي أني عاجز تماما. ~~- وماذا كنت تتوقع؟ ~~- هذا بعينه. ~~- إذن لماذا ...؟ # وابتسم لها ويل ابتسامة ساخرة وهز كتفيه ثم قال: من باب الاهتمام العلمي. كنت كعالم ~~الحشرات أبحث في الحياة الجنسية لليرقات الوهمية. ~~- وبعد ذلك بدا لك كل شيء - فيما أظن - أشد إمعانا في اللاواقعية. # ووافقها قائلا: بل أكثر من ذلك. إن كان هذا بالإمكان. ~~- ولكن ما الذي أتى باليرقات أول الأمر؟ # أجاب: أولا. كنت ابن والدي، من مخمور متنمر وشهيدة مسيحية. وسكت برهة ثم قال: وفوق أني ~~كنت ابن والدي. كنت ابن أخ عمتي ماري. ~~- وما شأن عمتك ماري بهذا؟ ~~- كانت الشخص الوحيد الذي أحببت. وعندما بلغت السادسة عشرة أصيبت بالسرطان، وأزيل ثديها ~~الأيمن أولا، ثم ثديها الأيسر ثانيا بعد عام واحد. وبعد ذلك عرضوها للأشعة السينية ~~ولإشعاعات أخرى، ثم بلغ السرطان منها الكبد، وكانت هذه نهايتها. ووعيت ذلك من البداية حتى ~~النهاية. وكان في ذلك لصبي في العقد الثاني من عمره تربية «عقلية حرة». # وسألته سوزيلا: من أي ناحية؟ ~~- من حيث التفاهة في صورتها البحتة ms108 والتطبيقية. وبعد بضعة أسابيع من انتهاء دراستي الخاصة ~~في الموضوع جاءت البداية الكبرى للدراسة العامة؛ الحرب العالمية الثانية، وأعقبتها دراسة ~~تجديدية مستمرة مع الحرب الباردة الأولى. وفي غضون ذلك كله كنت أريد أن أكون شاعرا، وتبين ~~لي أني أفتقر إلى الاستعداد. وبعد الحرب اشتغلت بالصحافة لأكسب المال. وكنت لا أبالي إذا ~~جعت - إذا اقتضى الأمر ذلك - في سبيل محاولتي أن أكتب شيئا مقبولا؛ نثرا جيدا على ~~الأقل بعدما عرفت أنه لا يمكن أن يكون شعرا جيدا. وكان علي ألا أعتمد على والدي ~~العزيزين. وعندما مات أبي في يناير من عام ستة وأربعين كان قد تخلص من المال اليسير الذي ~~ورثته الأسرة، وبعدما ترملت أمي أصبحت عرجاء من أثر التهاب المفاصل وكان لا بد لها من ~~عائل. وهكذا توجهت إلى شارع فليت، # 4 # أعولها في سهولة ونجاح كانا مذلة لي تماما. ~~- ولماذا كانت مذلة؟ ~~- ألا تحسين المذلة إن وجدت نفسك تكسبين المال من أرخص أنواع الأدب الزائف البراق؟ لقد ~~نجحت لأني انحدرت إلى المرتبة الثانية التي لم يكن من الممكن علاجها. ~~- وكان من نتيجة ذلك كله هذه اليرقات؟ # وهز رأسه إيجابا وقال: لم تكن ديدانا حقيقية، إنما كانت ديدانا وهمية. وهنا ظهرت مولي في ~~الصورة، قابلتها في حفلة لليرقات من الطبقة الراقية. وعرفوني بها، ودار بيننا حديث تافه ~~مهذب عن التصوير اللاهادف. ولما كنت لا أريد أن أرى مزيدا من الديدان لم أنظر إليها. ولكن ~~لا بد أنها كانت تنظر إلي. ثم أضاف قوله: وبهذه المناسبة مولي لها عينان زرقاوان ~~رماديتان شاحبتان، عينان ترى بهما كل شيء؛ وكانت شديدة الملاحظة بدرجة لا تصدق، ولكنها ~~تلاحظ بغير حقد أو مراقبة أو محاسبة؛ إذا رأت شرا لا تدينه قط، وتكتفي بالأسف الشديد على ~~الشخص الذي أرغمته الظروف لكي يبوح بهذه الآراء أو يفعل ذلك الشيء البغيض. وأعود فأقول إنها ~~لا بد كانت تنظر إلي ونحن نتبادل الحديث؛ لأنها سألتني بغتة لماذا أنا في حزن شديد. ~~وكنت قد تناولت كأسين من الشراب ولم أر ms109 في طريقة سؤالها وقاحة أو تهجما؛ لذلك حدثتها عن ~~الديدان، واختتمت حديثي عنها بقولي، وأنت واحدة منها. ثم نظرت إليها لأول مرة، دودة لها ~~عينان زرقاوان ووجه كأنه لإحدى أولئك النسوة المقدسات اللائي يظهرن أثناء حفلات الصلب في ~~فلمنك. ~~- وهل أشبعت بذلك غرورها؟ ~~- أظن ذلك. وكانت قد تخلت عن المذهب الكاثوليكي ولكنها ما زالت تميل إلى مثل هذه الحفلات ~~وإلى النسوة المقدسات. على كل حال، في اليوم التالي طلبتني بالتليفون صباحا وقت الإفطار، ~~وسألتني هل أحب أن أخرج معها في نزهة بالعربة في الريف؟ وكان يوم الأحد، وبمعجزة من السماء ~~كان الجو لطيفا في ذلك اليوم. فقبلت الدعوة، وقضينا ساعة في أيكة من شجر البندق، نقطف زهر ~~الربيع وننظر إلى شقائق النعمان الصغيرة البيضاء؛ لأن شقائق النعمان لا تقطف فهي تذبل في ~~غضون ساعة واحدة، وأنعمت النظر في أيكة البندق؛ أنظر إلى الزهور بالعين العارية، ثم أنظر ~~إليها من خلال منظار مكبر كانت مولي قد أحضرته معها. وكان في ذلك علاج نفسي غير عادي لست ~~أدري له سببا؛ مجرد النظر إلى قلوب زهور الربيع وشقائق النعمان. ولم أعد أرى ديدانا بقية ~~النهار، غير أن شارع فليت كان بانتظاري. وما إن حل موعد الغداء يوم الاثنين حتى كان المكان ~~يعج بها كما هي الحال دائما؛ ملايين اليرقات، ولكني الآن أعلم ما أصنع بها. وفي ذلك المساء ~~ذهبت إلى مرسم مولي. ~~- هل هي مصورة؟ ~~- لم تكن مصورة حقيقية. وكانت تدرك ذلك، أدركته ولكنها لم تمتعض له، واكتفت بأن تستغل ~~افتقارها إلى الموهبة. إنها لم تصور من أجل الفن، إنما كانت تصور لأنها تحب أن تنظر إلى ~~الأشياء، وتحب أن تحاول أن تنقل بكل دقة ما تقع عليه عيناها. وفي ذلك المساء أعطتني لوحة ~~وفرجونا، وطلبت إلي أن أفعل فعلها. ~~- وهل أفلحت؟ ~~- أفلحت إلى حد بعيد، حتى إني بعد انقضاء شهرين قطعت تفاحة فاسدة فلم أجد الدودة التي ~~كانت بداخلها على شكل يرقة؛ أعني من الناحية الذاتية. أما موضوعيا فقد كانت كذلك. كانت ms110 ~~تتميز بكل صفات اليرقة. وهكذا صورها كلانا؛ لأننا كنا دائما نصور نفس الأشياء في نفس ~~الوقت. ~~- وماذا عن الديدان الأخرى، الديدان الوهمية خارج التفاحة؟ ~~- إنني ما زلت أنتكس وبخاصة في شارع فليت وفي حفلات الكوكتيل. ولكن الديدان قل عددها ~~بالتأكيد، وخفت مطاردتها يقينا. وفي تلك الأثناء كان يحدث في المرسم شيء جديد. كنت أحب؛ ~~أحب لأن الحب معد وكانت مولي تحبني بدرجة ملحوظة؛ لماذا؟ الله وحده يعلم. # ورمقته سوزيلا بعينها لتسبر غوره، ثم ابتسمت وقالت: هناك عدة أسباب ممكنة، ربما أحبتك ~~لأنك ... ماذا أقول؟ # لأنك شخص جذاب. # وضحك وهو يقول: أشكرك على هذا الإطراء الجميل. # وواصلت سوزيلا حديثها قائلة: ومن ناحية أخرى (ولم يكن هذا الكلام على سبيل الإطراء) إنها ~~ربما أحبتك لأنك حملتها على أن تشعر بالأسف الشديد عليك. ~~- أخشى أن تكون هذه هي الحقيقة؛ لأن مولي ولدت «أختا للرحمة». ~~- وليست «أخت الرحمة» لسوء الحظ «كزوجة للحب». # قال: وذلك ما تبينته في حينه. ~~- بعد زواجكما فيما أظن. # وبعد لحظة من التردد قال ويل: بل قبل ذلك في الواقع؛ لا لأن الرغبة كان تلح عليها، ولكن ~~لأنها كانت حريصة على أن تفعل أي شيء لتسرني؛ لأنها - من حيث المبدأ - لم تعتقد في التقاليد ~~وكانت تميل كل الميل نحو الحب المتحرر. وتذكر الأشياء الفاضحة التي كانت تعبر عنها عرضا ~~وفي هدوء تام حتى مع وجود أمه. ثم أضاف: وأعجب من ذلك أنها كانت تميل إلى الحديث المتحرر عن ~~هذه الحرية. # وأوجزت سوزيلا في العبارة حين قالت: عرفت ذلك من قبل ومع ذلك تزوجتها؟! # وأومأ ويل رأسه إيجابا دون أن ينبس ببنت شفة. ~~- لأنك كنت رجلا مهذبا - فيما أحسب - والرجل المهذب يبر بوعده. ~~- لهذا السبب العتيق من ناحية، ولأني كنت أحبها من ناحية أخرى. ~~- هل كنت فعلا تحبها؟ ~~- نعم، لا، لست أدري. ولكني في ذلك الحين كنت أدري، أو على الأقل ظننت أنني أدري. كنت على ~~اقتناع تام أنني أحبها فعلا. وكنت أعلم - ولا زلت أعلم - سبب اقتناعي. كنت شاكرا لها ~~فضلها ms111 لأنها استأصلت تلك الديدان. ثم إني احترمتها كما اعترفت لها بالجميل. كنت أعجب بها، ~~ولقد كانت أفضل وأشد إخلاصا مني. ولكنك - لسوء الحظ - مصيبة؛ «فأخت الرحمة» ليست مثل «زوجة ~~للحب». ولكني كنت على استعداد لأن أقبل مولي بشروطها لا بشروطي. كنت مستعدا للاعتقاد بأن ~~شروطها أفضل من شروطي. # وبعد صمت طويل سألته سوزيلا: ومتى بدأت في علاقاتك الجانبية؟ # وابتسم ويل في سخرية وقال: بعد ثلاثة أشهر من زواجنا. وكانت المرة الأولى مع إحدى ~~السكرتيرات في المكتب. يا إلهي، لكم كانت مدعاة للسأم! ثم مع مصورة شابة، فتاة يهودية صغيرة ~~فظة كانت مولي قد عاونتها بالمال حينما كانت تدرس الفن على منحة سليد. # 5 # وقد تعودت أن أزورها بمرسمها مرتين كل أسبوع، من الخامسة حتى السابعة. ولم تعرف ~~مولي ما كان يدور بيننا إلا بعد ثلاث سنوات تقريبا. ~~- وأزعجها ذلك فيما أظن؟ ~~- أكثر مما كنت أتوقع. ~~- وماذا فعلت؟ # قال ويل وقد هز رأسه: من هنا بدأت الأمور تتعقد. لم يكن في نيتي أن أتخلى عن قضاء ساعات ~~الكوكتيل مع راشيل. ولكني كنت ساخطا على نفسي لأنني سببت لمولي الشعور بالتعاسة. وفي نفس ~~الوقت كنت أمقتها لهذه التعاسة التي أحست بها. وساءتني آلامها كما ساءني الحب الذي جلب ~~عليها الآلام. وشعرت أنها بآلامها وحبها لم تنصفني، بل كانت تهددني لترغمني على التخلي عن ~~لهوي البريء مع راشيل؛ فلقد كانت بالمبالغة في حبي وبالشقاء الذي تحسه إزاء ~~ما كنت أفعل - ~~وهو ما حملتني هي حقا على فعله - تضغط علي، وتحاول أن تقيد حريتي، ولكنها كانت أثناء ذلك ~~تعسة حقا. ومع أني كنت أمقتها لتهديدها لي بهذه التعاسة فقد أشفقت عليها كل الإشفاق؛ ~~وأعني الإشفاق لا الرحمة؛ فالرحمة مشاركة في الألم، وأما ما كنت أريده بأي ثمن فهو أن ~~أتحاشى الألم الذي كانت تسببه لي معاناتها، وأن أتجنب التضحيات المؤلمة التي أستطيع أن أنهي ~~بها ما تعاني. فكانت استجابتي للموقف هي الإشفاق، آسف لها من خارجي؛ إن كنت تدركين ما ~~أعني، آسف لها كما ms112 يأسف المشاهد، أو عاشق الفن أو الخبير بأسباب العذاب. وهذا الإشفاق الذي ~~مصدره التذوق الفني كان يستبد بي كلما بلغت بها التعاسة ذروتها حتى لقد كدت أظنه حبا. ~~أقول «كدت » لأني لم أخدع نفسي تماما. وعندما كنت أعبر عن إشفاقي بالعطف البدني (وهو ما ~~فعلته لأن ذلك كان الوسيلة الوحيدة لإيقاف تعاستها وإيقاف الألم الذي كانت تعاستها تصيبني ~~به ولو إلى حين) كان هذا العطف يبوء بالفشل قبل أن يبلغ ذروته الطبيعية. أقول كنت أبوء ~~بالفشل لأنها كانت - بحكم مزاجها - مجرد «أخت رحيمة» ولم تكن زوجة. ومع ذلك فلقد أحبتني - ~~على كل مستوى خلا المستوى الحسي - بالالتزام المطلق؛ وهو التزام كان يتطلب الرد بالالتزام ~~من جانبي. ولكني لم أرد أن ألتزم، وربما لم يكن ذلك بوسعي في الواقع، فبدلا من أن أشكر لها ~~عطاءها نفسها لي. كنت أشعر بالاستياء؛ فلقد كان لهذا العطاء حقوق علي أن أؤديها، وهي حقوق ~~رفضت أن أعترف بها. وهكذا كنا في نهاية كل أزمة من الأزمات؛ نعود إلى بداية المسرحية ~~القديمة؛ مسرحية الحب الذي يعوزه الحس يكلف بالالتزام إزاء حس يعوزه الحب، فيثير ردود ~~أفعال مختلطة بشكل عجيب من الإثم والسخط، والإشفاق والامتعاض، وأحيانا من البغض الفعلي ~~(وهناك دائما إحساس دفين بتأنيب الضمير). وكانت تصاحب ذلك في جميع الحالات وتسير معه في ~~تناغم سلسلة من الأماسي المختلسة أقضيها مع «المصورة الصغيرة الفظة». # قالت سوزيلا: أرجو أن تكون على الأقل قد استمتعت بهذه الأماسي. # هز كتفيه وقال: بدرجة معتدلة؛ فإن راشيل لم تنس قط أنها مثقفة. تسألك عن رأيك في بيرودي كوسيمو # 6 # في أحرج اللحظات. أما المتعة الحقيقية - والعذاب الحقيقي بطبيعة الحال - فلم ~~أعرفها حتى ظهرت بابز على مسرح حياتي. ~~- ومتى كان ذلك؟ ~~- منذ أكثر قليلا من عام، في أفريقيا. ~~- أفريقيا؟ ~~- بعث بي إلى هناك جو ألديهايد. ~~- ذلك الرجل الذي يملك الصحف؟ ~~- وغير ذلك. وكان متزوجا من إيلين عمة مولي. وكان فوق ذلك رب أسرة مثالي. ومن أجل ذلك ~~كان على ثقة تامة من استقامته ms113 حتى حينما كانت تشغله العمليات المالية المشينة. ~~- وأنت تعمل لحسابه؟ # وأومأ ويل برأسه إيجابا وقال: تلك كانت هديته لمولي بمناسبة قرانها؛ وظيفة لي في صحف ~~ألديهايد تقريبا بضعف المرتب الذي كنت أتقاضاه ممن كنت أعمل معهم من قبل، هدية سخيفة! ~~ولكنه كان شديد الولع بمولي. ~~- وماذا كان رد الفعل عنده بالنسبة لبابز؟ ~~- لم يعلم عنها شيئا قط؛ ولم يعلم أن هناك سببا ما لحادثة مولي. ~~- ومن ثم فهو يستمر في استخدامك من أجل زوجتك المتوفاة؟ # هز ويل كتفيه وقال: المبرر هو أن أمي بحاجة إلى أن أعولها. ~~- وبالطبع أنت لا ترضى عن فقرك؟ ~~- طبعا لا أرضى. # ثم كانت فترة سكون. # وأخيرا قالت سوزيلا: لنعد إلى أفريقيا. ~~- بعثوا بي إلى هناك لأكتب سلسلة عن وطنية الزنوج. ولست بحاجة إلى القول بأني قمت كذلك ~~بعمليات احتيال صغيرة خاصة في شئون التجارة لصالح العم جو. وفي الطائرة وأنا في طريق العودة ~~من نيروبي وجدت نفسي جالسا إلى جوارها. ~~- إلى جوار الشابة التي أنت أشد ما تكون بغضا لها؟ نعم أشد ما أكون بغضا لها وأكثر ما ~~أكون رفضا لها. ولكن إذا كان المرء مدمنا فلا بد له من جرعة من المخدر؛ وهي الجرعة التي ~~تعلم سلفا أن فيها هلاكك. # وقالت وهي تفكر: هذا شيء عجيب، ونحن في بالا ليس لدينا مدمنون. ~~- ليس لديكم مدمنون حتى في العلاقة الجنسية؟ ~~- مدمنو الجنس هم كذلك مدمنو أشخاص، أو بعبارة أخرى هم محبون. ~~- ولكن المحبين أحيانا يمقتون من يحبون. ~~- هذا أمر طبيعي؛ فانا مثلا لي اسم واحد وأنف واحد وعينان لا يتغيران. ولكن ذلك لا ~~يستتبع أني دائما نفس المرأة. والعلم بهذه الحقيقة والاستجابة لها بشكل معقول جانب من ~~جوانب فن الحب. # وبأقصى ما يمكن من إيجاز روى لها ويل بقية القصة. وهي نفس القصة، بعدما ظهرت بابز في ~~الصورة، كما حدث من قبل. نفس القصة مع الإمعان فيها؛ فبابز ليست إلا راشيل وقد ارتفعت إلى ~~قوة أعظم، قل هي راشيل تربيع، أو راشيل أس ن. كما ms114 أن الشقاء الذي أحلقه بمولي بسبب بابز ~~أكبر نسبيا مما كابدته من ألم بسبب راشيل، وكذلك كان سخطه، وإحساسه بالغضب من تهديدها له ~~بحبها آلامها. وتأنبيه لضميره وإشفاقه، وتصميمه - على الرغم من تأنيب الضمير ومن الإشفاق - ~~على أن يستمر في حصوله على ما يريد، وعلى ما كان يكره نفسه لرغبته فيه، وعلى ما رفض رفضا ~~باتا أن يتخلى عنه؛ كل هذه المشاعر والأحاسيس كانت كذلك أقوى نسبيا في حالة بابز منها ~~في حالة راشيل. وفي الوقت نفسه كانت بابز أشد إلحاحا، وتطلب منه مزيدا من الوقت؛ لا ~~لينفقه فقط في الفجوة القرنفلية. ولكن خارجها كذلك، في المطاعم، والملاهي الليلية، وفي ~~حفلات الكوكتيل الفظيعة التي تدعو إليها أصدقاؤها. وفي قضاء عطلات نهاية الأسبوع في الريف. ~~كانت تقول له: سنكون أنا وأنت وحدنا يا حبيبي. معا في عزلة. معا في عزلة تهيئ له الفرصة ~~لكي يسبر الأغوار السحيقة لتفاهة عقلها وسوقيتها. ولكن شهوته استبدت به على الرغم مما كان ~~يحس من ملل وانحطاط في الذوق، ومن نفور خلقي وثقافي. وبعد إحدى عطلات نهاية الأسبوع هذه ~~أمسى مدمنا لبابز كما كان من قبل بدرجة لا رجاء فيها. وبقيت مولي، من جانبها - من جانب ~~موقفها كأخت رحيمة - على الرغم من كل شيء كذلك مدمنة لويل فارنبي بنفس الدرجة التي لا رجاء ~~فيها. درجة لا رجاء فيها بالنسبة إليه؛ لأن رغبته الوحيدة هي أن تخفف من حبها وأن تسمح له ~~أن يذهب إلى الجحيم في هدوء. أما فيما يتعلق بمولي فقد كان إدمانها دائما وبغير كبت مفعما ~~بالأمل. فلم تكف قط عن توقعها لمعجزة تغير مجرى الأمور فتحوله إلى ويل فارنبي عطوفا، ~~بعيدا عن الأنانية، محبا، وهو (على الرغم من كل الشواهد، وعلى الرغم من كل ما تكرر من ~~خيبة الأمل) ما أصرت في عناد شديد على اعتباره نفسه الحقة. والواقع أنه لم يفصح عن عزمه على ~~هجرها للعيش مع بابز إلا من خلال تلك المقابلة الأخيرة القاضية، عندما كبت إشفاقه وأرخى ~~العنان لاستيائه من ms115 تهديدها له بإحساسها بالتعاسة؛ عندئذ فقط حل اليأس نهائيا محل ~~الأمل. هل تعني ما تقول يا ويل؟ هل تعنيه حقا؟ نعم أعنيه حقا. وفي يأس مطلق سارت ~~إلى العربة وانطلقت بها والمطر يهمي؛ نحو موتها. وفي موكب الجنازة وهم يوارونها التراب أخذ ~~عهدا على نفسه ألا يرى بابز بعد ذلك. أبدا، أبدا لن يراها. وفي ذلك المساء، وهو منكب على ~~مكتبه يكتب مقالا عنوانه «ماذا أصاب الشاب» محاولا ألا يتذكر المستشفى، والقبر المفتوح، ~~ومسئوليته عن كل ما حدث، تنبه مذعورا عندما سمع رنينا قويا من جرس الباب. هذه رسالة ~~عزاء متأخرة من غير شك ... وفتح الباب، وبدلا من البرقية ألفى بابز حزينة بغير زينة ومرتدية ~~ثيابا سوداء. ~~- عزيزي ويل! وجلسا على الأريكة في غرفة الجلوس، تربت شعره وكلاهما يبكي. ~~- عندما يتقطب الجبين من الألم والكروب، تكونين لي كالملاك المعين. ولست بحاجة إلى ~~القول بأنهما أويا إلى الفراش عاريين بعد ساعة من زمان. وبعد ذلك انتقل إلى جوارها في ~~الفجوة القرنفلية. ولا يفوت أي غافل أن يدرك أن بابز في غضون ثلاثة أشهر بدأت تمله، وفي ~~غضون أربعة أشهر ظهر في إحدى حفلات الكوكتيل رجل هائل وافدا من كينيا. # وتسلسلت الحوادث، وبعد ثلاثة أيام عادت بابز إلى بيتها تعد الفجوة لمستأجر جديد ولتنذر ~~المستأجر القديم بالإخلاء. ~~- هل تعنين ذلك فعلا يا بابز؟ # نعم لقد عنت ذلك فعلا. # وسمعت بين الأشجار خارج النافذة خشخشة، وبعد برهة من الزمن بصوت مرتفع مزعج وفي موعد غير ~~مرتقب صاح طائر ناطق يقول: الآن، وفي هذا المكان أيها القوم. # ورد عليه ويل صائحا: اسكت! # وعادت المينة تكرر قولها: الآن، وفي هذا المكان أيها القوم. الآن ... ~~- اسكت! # ثم ساد الصمت. # وقال ويل: كان لا بد لي أن أسكته لأنه طبعا كان على صواب مطلق. هنا يا قوم، والآن يا ~~قوم. أما هناك وآنذاك فلا محل لهما. أليس كذلك؟ وماذا عن موت زوجك مثلا؟ هل هذا أمر لا محل ~~له؟ # وحدقت فيه سوزيلا لحظة في صمت، ثم هزت ms116 رأسها في بطء شديد وقالت: في إطار ما علي أن أفعله ~~الآن؛ نعم الأمر لا محل له بتاتا. وهذا شيء كان لا بد لي أن أتعلمه. ~~- وهل يتعلم المرء كيف ينسى ؟ ~~- ليس الأمر أمر نسيان. ما على المرء أن يتعلمه هو كيف يذكر ويبقى مع ذلك متحررا من ~~الماضي. كيف يكون هناك مع الموتى ومع ذلك يبقى هنا في مكانه مع الأحياء. وابتسمت له ابتسامة ~~حزينة يسيرة وأضافت قولها: ليس الأمر هينا. # وكرر هذه العبارة ويل وقال: نعم ليس الأمر هينا. وفجأة فقد كل حصانته وزال عنه كبرياؤه ~~وقال لها: هل تعينيني؟ # قالت وقد مدت يدها إليه: هذا اتفاق بيننا. وسمع وقع أقدام دفعهما إلى الالتفات. وإذا ~~بالدكتور ماك فيل يدخل الغرفة. # | الفصل الثامن # - مساء الخير يا عزيزتي. مساء الخير يا مستر فارنبي. # قالها بنغمة تنم عن السرور، ولم يكن سرورا مفتعلا، ولكنه طبيعي وصادق كما بدا لسوزيلا ~~لأول وهلة. ومع ذلك فلا بد أن يكون قبل قدومه إلى هنا قد توقف عند المستشفى، ولا بد أن يكون ~~قد قام بزيارة للاكشمي؛ لأن سوزيلا نفسها قد رأتها منذ ساعة أو ساعتين أكثر هزالا من أي ~~وقت سلف. وقد برزت عظامها وتغير لونها. نصف حياة طويلة من الحب والإخلاص والتسامح المتبادل؛ ~~وبعد يوم أو يومين ينتهي كل شيء، ويمسي وحيدا. ولكن يكفي اليوم ما به من شر، كما يكفي ~~المكان ويكفي الإنسان ما ناله من شر. وكان حموها قد قال لها ذات يوم وهما يغادران المستشفى ~~معا: ليس من حق الإنسان أن يخلع حزنه على الآخرين. وليس من حقه بطبيعة الحال أن يزعم أنه ~~ليس حزينا. على المرء أن يقبل مآسيه ومحاولاته العابثة أن يكون رواقيا، وأن يقبل، ويقبل ~~... ثم خانه صوته، ورفعت بصرها إليه وإذا بوجهه تسيل فوقه الدموع، وبعد خمس دقائق كانا ~~جالسين على مقعد على حافة بركة اللوتس في ظل تمثال بوذا الصخري الضخم، وإذا بضفدعة غير مرئية ~~تقفز من إفريزها المستدير المورق وتغطس في الماء محدثة صوتا ms117 مسموعا ومندفعة في شوق إلى ~~الماء، وبرزت من الطين الأعواد الغليظة الخضراء ببراعمها المنتفخة وشقت الهواء، وشوهدت هنا ~~وهناك رموز الاستنارة زرقاء أو وردية اللون تتفتح بتلاتها نحو الشمس ونحو زيارات التفقد التي ~~يقوم بها الذباب والخنافس الصغيرة والنحل المتوحش منبعثة من الغابة. كما شوهد سرب من ~~اليعاسيب الزرقاء والخضراء المتلألئة تندفع طائرة، ثم تتوقف أثناء الطيران، ثم تندفع مرة ~~أخرى سعيا وراء اصطياد الذباب الصغير. # وفي صوت هامس قال الدكتور روبرت «تاثاتا» (صورة مثالية). # ولبثا مكانهما صامتين لفترة طويلة. وفجأة لمس كتفها: انظري! # ورفعت عينيها تجاه ما أشار إليه، ورأت ببغاوين صغيرين وقد حطا على يد بوذا اليمنى يؤديان ~~شعائر الغزل. # وسألت سوزيلا بصوت مرتفع: هل توقفت مرة أخرى عند بركة اللوتس؟ # ابتسم لها الدكتور روبرت ابتسامة خفيفة وأومأ براسه. # وسأله ويل: وكيف وجدت شيفا بورام؟ # أجاب الدكتور: بهيجة ولا يعيبها إلا اقترابها الشديد من العالم الخارجي. هنا يستطيع المرء ~~أن يتجاهل الحماقات المنظمة ويباشر عمله. أما هناك فالعالم الخارجي يخنقك في كل لحظة لوجود ~~أجهزة الاستشعار ومحطات الاستماع وقنوات الاتصال التي لا بد للحكومة من امتلاكها. أنت ~~تسمع العالم الخارجي، وتحسه، وتشمه؛ نعم، تشمه. ~~- هل حدث منذ ما كنت هناك شيء مشئوم فوق العادة؟ ~~- لا شيء فوق العادة في طرفكم من العالم. وكم وددت لو استطعت أن أقول ذلك عن طرفنا ~~منه. ~~- مم تشكون؟ ~~- نشكو جارنا الملاصق، الكولونيل ديبا؛ فأولا عقد اتفاقية أخرى مع التشيك. ~~- مزيد من السلاح؟ ~~- بما قيمته ستون مليونا، ذكر ذلك الراديو هذا الصباح. ~~- وما الداعي؟ ~~- الأسباب المألوفة؛ المجد والقوة، لذة الغرور ولذة تهديد الآخرين، إرهاب واستعراضات ~~عسكرية في الداخل، وغزوات وموسيقى النصر في الخارج. ويؤدي بي هذا إلى البند الثاني من ~~الأخبار السيئة، أمس مساء ألقى الكولونيل خطبة أخرى من خطبه الشهيرة عن راندنج ~~العظمى. ~~- راندنج العظمى؟ ما هذه؟ # قال الدكتور روبرت: لك أن تسأل، راندنج العظمى هي الأرض التي حكمها سلاطين راندنج لوبو ~~فيما بين 1447م و1483م. وكانت تشمل راندنج وجزر نيكوبار وثلاثين ms118 في المائة تقريبا من سومطرة ~~وكل بالا. أما اليوم فهي تقتصر على مقاطعة الكولونيل ديبا الذي يريد أن يسترد كل ما فقدت ~~بلاده من أراض. ~~- وهل هو جاد؟ ~~- بالوجه المستقيم: كلا، أنا مخطئ . بالوجه الأرجواني المشوه وبأعلى الصوت الذي تدرب - بعد ~~طول مران - على أن يجعله شبيها تماما بصوت هتلر: راندنج العظمى أو الموت! ~~- ولكن الدول الكبرى لن تسمح بقيامها. ~~- ربما لا تحب هذه الدول أن تراه في سومطرة. أما بالا؛ فذلك أمر آخر. ثم هز رأسه وواصل ~~الحديث: بالا - لسوء الحظ - لا ذكر لها في أي سجل. نحن لا نريد الشيوعيين، ولا نريد كذلك ~~الرأسماليين. ونمقت أشد المقت التصنيع الكامل الذي يسعى أولئك وهؤلاء إلى فرضه عليها؛ ~~لأسباب مختلفة بطبيعة الحال؛ فالغرب يريد ذلك لأن أجور العمل منخفضة ومن ثم فإن أنصبة ~~المستثمرين مرتفعة. والشرق يريده لأن التصنيع يخلق طبقة البروليتاريا، ويفتح ميادين جديدة ~~للثورة الشيوعية وقد ينتهي إلى إنشاء ديمقراطية شعبية أخرى. ونحن نقول لا لكما؛ ولذلك فنحن ~~لا نكتسب شعبية في أي مكان. إن الدول العظمى كلها - بغض النظر عن أيديولوجياتها - قد تؤثر ~~بالا محكومة من راندنج بما فيها من حقول البترول على بالا مستقلة بغير هذه الحقول. وإذا ما ~~هاجمنا ديبا قالت هذه الدول إن الموقف يرثى له، ولكنها لا ترفع إصبعا. وإذا ما استولى ~~علينا ودعا رجال البترول لدخول البلاد فاضوا سرورا. # سأل ويل: وماذا يمكنكم أن تفعلوا بالكولونيل ديبا؟ ~~- لا شيء غير المقاومة السلبية. ليس لدينا جيش وليس لنا أصدقاء أقوياء. في حين أن ~~الكولونيل لديه الجيش والأصدقاء الأقوياء. أكثر ما نستطيع أن نصنعه إذا بدأ يثير المتاعب أن ~~نلجأ إلى الأمم المتحدة. وفي نفس الوقت نحتج لدى الكولونيل على هذه الإفاضة في الحديث ~~أخيرا عن راندنج العظمى. نحتج عن طريق وزيرنا في راندنج لوبو. ونحتج في وجه الرجل العظيم ~~شخصيا عندما يقوم بزيارته الرسمية لبالا بعد عشرة أيام. ~~- زيارة رسمية؟ ~~- بمناسبة الاحتفال ببلوغ راجا الصغير سن الرشد، وجهت إليه الدعوة منذ زمن بعيد، ms119 ولكنه لم ~~يخطرنا مؤكدا تلبية الدعوة أو رفضها. واليوم تقرر الأمر نهائيا؛ فسوف نعقد مؤتمر قمة كما ~~نحتفل بعيد الميلاد. ولكن دعنا الآن نتحدث فيما هو أجدى، كيف حالك اليوم يا مستر ~~فارنبي ؟ ~~- حالتي ليست جيدة فحسب، إنها رائعة. ولقد شرفت اليوم بزيارة من ملككم الذي يسود ~~بلادكم؟ ~~- موروجان؟ ~~- لماذا لم تخبرني أنه ملككم الذي يسود بلادكم؟ # وضحك الدكتور روبرت وقال: لو فعلنا فربما طلبت المقابلة. # ولكني لم أطلبها لا معه ولا مع الأم الملكة. ~~- وهل أتت الراني كذلك؟ ~~- بوحي من صوتها الضعيف. ولقد أرشدها صوتها الضعيف بالتأكيد إلى العنوان الصحيح. إن ~~رئيسي، جون ألديهايد، من أعز أصدقائها. ~~- وهل أخبرتك بأنها تحاول أن تأتي برئيسك هنا لاستغلال ما عندنا من بترول؟ ~~- نعم بالتأكيد. ~~- رفضنا عرضه الأخير منذ أقل من شهر. هل علمت بذلك؟ # وابتهج ويل لأنه استطاع أن يجيب بصدق بأنه لم يعلم، فلم ينبئه بهذا الرفض الأخير جو ~~ألديهايد أو الراني. وعاد إلى حديثه يقول، ليس بكل الصدق: عملي يتعلق بقسم لباب الأخشاب وليس ~~بقسم البترول. ثم كانت فترة سكون، وأخيرا سأل: ما وضعي هنا؟ أجنبي غير مرغوب فيه؟ ~~- على كل حال - لحسن الحظ - أنت لست من بائعي الأسلحة. # قالت سوزيلا: ولست مبشرا. ~~- ولست من رجال البترول؛ وإن كنت في هذا الصدد قد تعد مذنبا لارتباطك بهم. ~~- ولست فيما نعلم باحثا عن اليورانيوم. # قال الدكتور روبرت: هؤلاء بالدرجة الأولى هم غير المرغوب فيهم. أما كصحافي فأنت في ~~المرتبة الثانية. لست مطلقا الرجل الذي نحلم بدعوته إلى بالا. ولكنك كذلك لست الرجل الذي ~~أفلح في الوصول إلى هنا ونطلب إبعاده فورا. # قال ويل: أحب أن أبقى هنا بمقدار ما يسمح القانون. ~~- هل لي أن أسألك لماذا؟ # تردد ويل؛ فباعتباره وكيلا سريا لجو ألديهايد ومراسلا صحافيا يهوى الأدب هواية قصوى ~~كان لا بد له أن يطيل من مقامه ما استطاع لكي يتفاوض مع باهو ويكتسب سنة التحرر التي وعد ~~بها. ولكن كانت هناك أسباب أخرى يمكن الإباحة بها فقال: أقول لك ms120 إذا لم يكن لديك اعتراض على ~~الملاحظات الشخصية. # قال الدكتور روبرت: أفصح؟ ~~- الواقع أنني كلما زادت معرفتي بكم اشتد حبي لكم. وأنا أريد أن أعرف المزيد عنكم. ثم ~~أضاف إلى ذلك وهو يرمق سوزيلا بنظره: وفي غضون ذلك قد تتبين لي جوانب شائقة عن نفسي، حتام ~~تسمحون لي بالبقاء؟ ~~- الأمر الطبيعي أن نخرجك بمجرد ما تسمح لك صحتك بالسفر. أما إن كنت شديد الحفاوة ببالا - ~~وإن كنت فوق ذلك شديد الاهتمام بنفسك - فقد نطيل بقاءك قليلا. أم هل ذلك لا يجوز؟ ما رأيك ~~يا سوزيلا؟ مع العلم بأنه يعمل فعلا مع لورد ألديهايد. # وكاد ويل أن يحتج ثانية بأن عمله يتعلق بقسم لباب الأخشاب. ولكن الألفاظ انحاشت في حلقه ~~فلم ينبس ببنت شفة. ومرت ثوان فأعاد الدكتور روبرت السؤال. # فقالت سوزيلا أخيرا: نعم؛ لأننا لو سمحنا له بالبقاء كنا مخاطرين. ومن ناحيتي الشخصية أنا ~~على استعداد لأن أخاطر. فهل أنا على صواب؟ والتفتت نحو ويل. # فضحك وحاول أن يجعل من الموضوع فكاهة وقال: أظن أن بوسعك أن تثقي في. على الأقل أرجو أن ~~يكون ذلك بوسعك. ولشد ما كان ضيقه بنفسه وحيرته من أمره حينما شعر بالخجل. مم يخجل؟ وجه هذا ~~السؤال إلى ضميره وهو على مضض. إذا كان هناك كسب لغير من يستحق فهو لشركة ستاندارد ~~بكاليفورنيا. وإذا ما تقدم ديبا، فأي فارق عنده لمن يكون الامتياز؟ من تؤثر أن يلتهمك: ذئب ~~أم نمر؟ إن الأمر لا يهم الحمل. وجو لن يكون أسوأ حالا من منافسيه. ومع ذلك فلكم تمنى لو ~~أنه لم يتعجل بإرسال الخطاب الذي بعث به، ثم لماذا لم تتركه وشأنه تلك المرأة ~~الشنيعة؟ # وأحس من خلال الملاءة أن يدا تمس ركبته السليمة. وقد أكب عليه الدكتور روبرت وابتسم ~~له. # قال: تستطيع أن تقضي شهرا هنا. وسأكون مسئولا عنك مسئولية كاملة، وسوف نبذل جهدنا لكي ~~نطلعك على كل شيء. ~~- أشكرك شكرا جزيلا. # قال الدكتور روبرت: حينما تشك اعمل دائما على فرض أن الناس أكثر شرفا مما ms121 تظن بناء على ~~أسباب ملموسة. هذه النصيحة أسداها إلي راجا العجوز حينما كنت شابا والتفت إلى سوزيلا وقال ~~لها: خبريني، كم كان عمرك عندما مات راجا العجوز؟ ~~- ثمانية أعوام تماما. ~~- وإذن فأنت تذكرينه جيدا. # وضحكت سوزيلا: وهل يمكن لأحد أن ينسى الطريقة التي كان يتحدث بها عن نفسه مؤكدا بها ذاته ~~فوق كل شيء يا له من رجل عزيز على نفسي. ~~- ويا له من رجل عظيم! # ونهض الدكتور ماك فيل واتجه نحو خزانة الكتب التي كانت قائمة بين الباب ودولاب الملابس، ~~واستل من رفها الأسفل ألبوم صور سميك أحمر. وقد تهلهل من أثر الجو الاستوائي ومن أكل ~~الحشرات. وقال وهو يقلب صفحاته: له صورة هنا في مكان ما. ها هي ذي. # ونظر ويل إلى الصورة الباهتة، وهي صورة هندوكي ضئيل عجوز بنظارة ومئزر، يفرغ محتويات صحن ~~فضي كثير الزخرفة فوق عمود قصير سميك. # سأل: ماذا يفعل؟ # أجاب الدكتور: إنه يصب الزيت المقدس فوق رمز للجنس، وهي عادة لم يستطع أبي المسكين أن ~~يصرفه عنها. ~~- وهل كان أبوك لا يرضى عن الأعضاء الجنسية؟ # قال الدكتور ماك فيل: كلا، كلا، بل كان يحبذها، وإنما كان لا يرضى عن الرمز. ~~- ولماذا الرمز؟ ~~- لأنه كان يعتقد أن الناس لا بد أن يأخذوا دينهم بطريق مباشر. إن كنت تفهم ما أعني، ~~بغير تنقيح أو تحريف. ولم يكن يحب أن تصاغ العقيدة في عبارات لاهوتية أو في شعائر أو ~~طقوس. ~~- وكان الراجا يميل إلى مثل هذه العبارات وهذه الطقوس؟ ~~- ليس بوجه عام، ولكن في هذا الموضوع بالذات، كان يرتبط بصفة خاصة بهذا الرمز الجنسي ~~للأسرة. وقد صنع من البازلت الأسود، ويبلغ من العمر ثمانمائة عام على الأقل. # قال ويل فارنبي: لقد فهمت. ~~- يصب فوقه الزيت؛ كان هذا عنده نوعا من العبادة التي تعبر عن عاطفة جميلة نحو فكرة ~~سامية. ولكن حتى أسمى الأفكار تختلف اختلافا بينا عن اللغز الكوني الذي تمثله. والعواطف ~~الجميلة التي ترتبط بالأفكار السامية إذن ليس بينها وبين التجربة المباشرة من اللغز الكوني ms122 ~~عنصر مشترك. بتاتا. ولست في حاجة إلى أن أذكر لك أن الراجا العجوز كان يعلم ذلك حق العلم، ~~أكثر مما كان يعلمه أبي. لقد شرب اللبن من ضرع البقرة رأسا، بل لقد كان هو واللبن شيئا ~~واحدا. بيد أن مسح رمز التناسل بالزيت كان عملا مقدسا لم يحتمل أن يتخلى عنه. ولست في ~~حاجة إلى أن أقول لك إنه ما كان ينبغي لأحد أن يطلب إليه أن يتخلى عنه. وإذا كان الأمر ~~يتعلق بالرموز فإن أبي يكون دائما من المتزمتين، وعلى خلاف مع جيته كان مثله الأعلى العلم ~~التجريبي البحت في طرف والتصوف التجريبي البحت في طرف آخر من الطيف. الخبرة المباشرة على كل ~~مستوى، ثم التعبير الواضح العقلي عن هذه الخبرات. رمز الجنس، الصليب، الزيت، الماء المقدس، ~~الحكم البوذية، التماثيل، الأناشيد؛ كم كان يود أن يلغيها جميعا. # وسأل ويل: وأين كان موقع الفنون؟ # أجاب الدكتور ماك فيل: لم يكن لها البتة موقع. الشعر وحده كان النقطة السوداء عند أبي. ~~قال إنه يحبه. والواقع أنه لم يكن يحبه، الشعر من أجل الشعر، الشعر باعتباره عالما ~~مستقلا، يقع بين الخبرة المباشرة ورموز العلم؛ ذلك شيء لم يدركه، دعني أبحث عن ~~صورته. # وتصفح الدكتور ماك فيل ألبوم الصور مرة أخرى ثم أشار إلى الصورة الجانبية العجفاء ذات ~~الحاجبين الكثيفين. # وعلق ويل عليها بقوله: يا له من رجل أسكتلندي! ~~- ومع ذلك كانت أمه وجدته لأمه من أهل بالا. ~~- إنني لا أرى لهما أثرا. ~~- في حين أن جده لأبيه الذي وفد من بيرث كان شديد الشبه بالراجبوت. # 1 # وحدق ويل في الصورة الفوتوغرافية القديمة لشاب ذي وجه بيضاوي وسبلتين جانبيتين سوداوين، ~~يرتكز بمرفقيه على قاعدة من المرمر فوقها قبعته الطويلة الفارعة وقاعها إلى أعلى. ~~- هل هذا هو جدك الأكبر؟ ~~- أول من وفد إلى بالا من آل ماك فيل، الدكتور أندرو، ولد في عام 1822م في مدينة أسكتلندية ~~(رويال بارا) حيث كان والده جيمس ماك فيل يملك مصنع حبال. وكانت هذه الحبال رمزا ملائما؛ ~~لأن ms123 جيمس كان كالفينيا مخلصا لمذهبه. ولما كان يؤمن بأنه من الخيار فقد كان يستمد ~~طمأنينة نفسية مشرقة من أن هؤلاء الملايين من زملائه يقضون حياتهم وحبل القدر ملتف حول ~~أعناقهم وفي السماء ملاك يعد الدقائق ليوقعهم في شرك الموت. # وضحك ويل. # ووافقه الدكتور روبرت قائلا: نعم، إن الأمر يبدو مضحكا حقا، ولكنه لم يكن كذلك في ذلك ~~الحين، بل كان جدا وأكثر جدية من القنبلة الهيدروجينية في هذه الأيام. كان من المعروف أن ~~تسعة وتسعين وتسعة أعشار في المائة من البشر محكوم عليهم بالجحيم الأبدي. لماذا؟ إما لأنهم ~~لم يسمعوا قط عن يسوع، وإما - إن كانوا قد سمعوا به - لأنهم لم يؤمنوا إيمانا كافيا بأن ~~يسوع قد أنقذهم من عذاب النار. والدليل على أن إيمانهم لم يكن كافيا هو أنه كان من الواضح ~~ومن الناحية العملية أن نفوسهم غير مطمئنة. والإيمان الكامل شيء يعود بالطمأنينة الكاملة ~~للنفوس. ولكن طمأنينة النفس الكاملة شيء لا يملكه في الواقع أحد؛ ومن ثم فإن أحدا - من ~~الناحية العملية - لا يملك الإيمان الكامل؛ ولذلك فكل امرئ مكتوب عليه العقوبة ~~الأبدية. # قالت سوزيلا: إني لأعجب لماذا لما يصابوا جميعا بالجنون؟ # قال الدكتور ماك فيل: أكثرهم لحسن الحظ لم يؤمن إلا بقمة رأسه، وقرع صلعة رأسه. ثم قال: ~~بقمة الرأس كانوا يؤمنون بأن ذلك هو الحق لا ريب فيه. أما بالغدد والأعصاب فقد كانوا ~~يعلمون ما هو أصدق من هذا؛ يعلمون أن كل ذلك هراء، ولم يكن الحق عند أكثرهم حقا إلا يوم ~~الأحد، وحتى في هذا اليوم كان الحق بمعنى بكويكي # 2 # بحت. وكان جيمس ماك فيل على علم بذلك كله، وكان مصمما بألا يكون أبناؤه من ~~المؤمنين يوم الأحد فقط. كان لا بد لهم من الاعتقاد في كل كلمة من الكلمات المقدسة وإن ~~كانت خالية من المعنى حتى في أيام الاثنين، وحتى بعد الظهر في أيام العطلات. # وكان لا بد لهم من الإيمان بكل كيانهم. وليس فقط في قمم رءوسهم. لا بد من إرغامهم ~~على ms124 الإيمان الكامل وعلى الطمأنينة القصوى التي تلازم هذا الإيمان، وكيف يكون ذلك؟ بأن ~~يذيقهم النار الآن ويتوعدهم بالنار فيما بعد، وإذا ركب الشيطان رءوسهم عنادا فرفضوا الإيمان ~~الكامل وما يجلبه من طمأنينة زادهم نارا وتوعدهم جحيما أشد سعيرا، ويقول لهم في الوقت ~~نفسه إن الله غني عما يعملون، ولكنه يوقع بهم عقوبات وحشية لكل مسلك مشين. ويقول لهم إنهم ~~بالطبيعة فاسقون ويضربهم على ما لا مفر لهم منه. # وعاد ويل فارنبي يتصفح ألبوم الصور. ~~- هل لديك صورة لجدك الممتع هذا؟ # قال الدكتور ماك فيل: كانت عندنا صورة زيتية. ولكن الرطوبة أفسدت اللوحة وأخذت تأكلها ~~الحشرات. كان نموذجا رائعا، شبيها بصورة أرميا التي رسمت في عهد النهضة، جليل الطلعة، في ~~عينه الوحي، ذو لحية نبوية تغطي كثيرا من العيوب الخلقية. ولم يبق له أثر سوى رسم بقلم ~~الرصاص لبيته الذي كان يعيش فيه. # وقلب صفحة أخرى فوقعت عينه على الصورة. # واستمر في حديثه: من الجرانيت الصلب، وعلى كل نوافذه قضبان. وفي داخل هذا الباستيل ~~العائلي الدافئ أعمال نظامية من اللاإنسانية! لا إنسانية نظامية ترتكب - ولست في حاجة إلى ~~ذكر ذلك - باسم المسيح ومن أجل العمل الصالح. وقد ترك لنا الدكتور أندرو سيرة ذاتية لم ~~يكملها، ومنها عرفنا كل شيء. ~~- ألم يتلق الأطفال عونا من أمهم؟ # وهز الدكتور ماك فيل رأسه. ~~- كانت جانيت ماك فيل من أتباع كاميرون # 3 # كالفينية مخلصة مثل جيمس نفسه. وقد تكون أكثر كالفينية منه. ولما كانت امرأة ~~فقد كانت أكثر مبالغة، وكان لديها مزيد من أسباب العطف الغرزي التي لا بد من التغلب ~~عليها، ولكنها تغلبت فعلا؛ وببطولة. وبدلا من أن تفل من حدة زوجها كانت تحرضه وتؤيده. ~~كانت العظات الدينية تلقى قبل الفطور وأثناء الغداء، وكان هناك الحوار الديني في أيام ~~الآحاد، وكانت هناك كذلك الرسائل الدينية تحفظ عن ظهر قلب. وفي المساء يحاسب الأطفال على ~~انحرافاتهم أثناء النهار ثم يضربون بطريقة مطردة فوق أردافهم بالسياط المصنوعة من عظم الحوت ~~والتي تستخدم في ركوب الخيل، سواء ms125 في ذلك البنون والبنات وعددهم ستة أطفال واحدا بعد الآخر ~~بترتيب السن. # قالت سوزيلا: إنني أشمئز لسماع ذلك، وإن هي إلا محض سادية. # قال الدكتور ماك فيل: لا ليست سادية محضة، إنما هي سادية تطبيقية، سادية بواعثها عميقة، ~~هي سادية في سبيل مثل أعلى معين، وهي تعبير عن عقيدة دينية معينة. ثم التفت إلى ويل وأضاف ~~إلى ذلك قوله: وهذا موضوع لا بد أن يقوم أحد بدراسته دراسة عميقة تاريخية؛ أعني العلاقة ~~بين اللاهوت وعقوبة الأطفال بدنيا. عندي نظرية مؤداها أن البلاد التي يجلد فيها البنون ~~والبنات بطريقة نظامية تنشأ فيه ضحايا التعذيب على تصور الله بأنه هو «الآخر الكامل»؛ ~~أليست هذه هي اللغة التي تتحدثونها في ذلك الجزء من العالم الذي تسكنونه؟ في حين - على عكس ~~ذلك - أن الأطفال الذين ينشئون دون أن يتعرضوا للقسوة البدنية يرون أن الله موجود في كل ~~الوجود. إن العقيدة الدينية لشعب من الشعوب تعكس مدى تعرض أطفاله للعقوبة البدنية. انظر إلى ~~العبرانيين؛ وهم شعب يضرب أطفاله في حماسة شديدة، وكذلك كان كل المسيحيين الطيبين في عهود ~~الإيمان. من هنا كانت فكرة يهوه، والخطيئة الأولى والآب الذي أخطأ الإنسان في حقه خطأ ~~شنيعا في العقيدة الأصيلة الرومانية والبروتستانتية. في حين أن التربية عند الهندوس ~~والبوذيين اتسمت دائما بعدم العنف، انعدمت عندهم العقوبات البدنية؛ ومن ثم كانت عقيدتهم في ~~أن المرء هو كذلك «روحه من الروح الأعلى». ثم انظر إلى الصاحبيين (الكويكرز)، لقد عدوهم من ~~الزنادقة لأنهم آمنوا «بالضوء الباطني»، فماذا حدث؟ تخلوا عن ضرب الأطفال، وكانوا أول طائفة ~~مسيحية احتجت على نظام الرق. # واعترض على ذلك ويل بقوله: إن ضرب الأطفال لم يعد شائعا في هذه الأيام، ومع ذلك ففي هذه ~~الآونة نفسها أمست الإباحة بفكرة «الآخر الكامل» هي من الفكر المتقدم الحديث. # وفند الدكتور ماك فيل هذا الاعتراض وقال: ليس ذلك إلا من قبيل رد الفعل بعد الفعل. ببلوغ ~~النصف الثاني من القرن التاسع عشر اشتدت حركة الإنسانيين المتحررين في أفكارهم حتى تأثر ms126 بها ~~المسيحيون الطيبون أنفسهم فكفوا عن ضرب الأطفال ولم تعد للضرب آثاره في أجسام الأطفال؛ ولذلك ~~لم يعد هؤلاء الأطفال يرون الله «الآخر الكامل» وأخذ الجيل الجديد يخلق «الفكر الجديد»، ~~و«الوحدانية»، و«العلم النصراني»؛ # 4 # وكلها بدع شبه شرقية الله فيها يتطابق مع الإنسان تطابقا كاملا. وسارت هذه ~~الحركة شوطا بعيدا على عهد وليام جيمس، ثم أخذت تقوى بعد ذلك. غير أن الفكرة دائما تثير ~~نقيضها، وبمرور الأيام ولدت هذه البدع الأرثوذكسية الجديدة، التي قضت على التطابق الكامل ~~بين الله والإنسان وعادت إلى فكرة «الآخر الكامل»! وكانت العودة إلى أوغسطين ومارتن لوثر. ~~وبعبارة موجزة: العودة إلى أشد ما عرف الإنسان في تاريخه كله من الإيذاء البدني بغير هوادة. ~~اقرأ «الاعترافات» واقرأ «حديث المائدة». وكان أوغسطين يتلقى الضرب من معلمه والسخرية من ~~أبويه إذا هو شكا. وتعرض لوثر للضرب المستمر ليس فقط من معلميه ومن أبيه، بل حتى من أمه ~~التي تحبه. ودفع العالم ثمن هذا الضرب المبرح منذ ذلك الحين. ولولا لوثر وعقيدته الدينية ~~التي صاحبها الضرب ما ظهرت في الوجود فظائع البروسية والرايخ الثالث. ثم خذ عقيدة أوغسطين ~~القائمة على القسوة البدنية، والتي بلغت مع كالفين نتيجتها المنطقية واتبعتها برمتها عامة ~~الناس من أمثال جيمس ماك فيل وجانيت كاميرون. القضية الكبرى: الله منفصل عنا تماما، ~~والقضية الصغرى: الإنسان فاسق فسقا كاملا. النتيجة: اضرب أبناءك كما ضربت، وافعل بهم ما ~~فعله أبونا الذي في السماء بجسد الإنسانية جمعاء منذ سقوط الإنسان: الجلد بالسياط بغير ~~هوادة! # ثم سادت فترة من الصمت. وتطلع ويل فارنبي مرة أخرى إلى رسم ذلك الشخص الصخري في مصنع ~~الحبال، وطافت بذهنه كل الصور الخيالية البشعة القبيحة التي ارتفعت إلى مستوى الأمور ~~الخارقة للطبيعة، وكل القساوات الدنيئة التي أوحت بها تلك الصور الخيالية، وكل الآلام التي ~~فرضت على الناس وأسباب الشقاء التي تحملوها بسببها. إذا لم يكن أوغسطين بقسوته المحتملة كان ~~روبسبيير، أو استالين. وإذا لم يكن لوثر يحض الأمراء على قتل الفلاحين كان ماو المعتدل الذي ~~يهبط ms127 بهم إلى مستوى العبودية. # وسأله ويل: ألا يصيبك اليأس أحيانا؟ # وهز ماك فيل رأسه وقال: نحن لا نيأس لأننا نعلم بأن الأمور لا يتحتم بالضرورة أن تكون ~~سيئة كما كانت دائما في الواقع. # وأضافت سوزيلا: نعلم أنه من الممكن أن يكون أفضل كثيرا. نعلم ذلك لأنها بالفعل أفضل، ~~الآن، وفي هذا المكان، فوق هذه الجزيرة غير المعقولة. # قال الدكتور ماك فيل: ولكن هل سنستطيع أن نغريكم أيها القوم لكي تحذوا حذونا، أو هل حتى ~~أن نحافظ على واحتنا الإنسانية الصغيرة هذه وسط بيدائكم الفسيحة التي تسكنها القردة؛ هذا ~~للأسف أمر آخر. ولعل لدينا ما يبرر الشعور بالتشاؤم الشديد فيما يتعلق بالموقف الحالي، أما ~~اليأس، اليأس المطلق، فأنا لا أرى البتة أي مبرر له. ~~- حتى وأنت تقرأ التاريخ؟ ~~- حتى وأنا أقرأ التاريخ. ~~- إني أحسدكم. وكيف استطعتم ذلك؟ ~~- بتذكرنا حقيقة التاريخ؛ إنه سجل لما أكره البشر على فعله من جهلهم، وهو الغرور الأحمق ~~الشديد الذي يجعلهم يقننون جهالتهم لتكون عقيدة سياسية أو دينية. # ثم عاد إلى ألبوم الصور وقال: لنعد إلى بيت «رويال بارا» وإلى جيمس وجانيت وإلى الأطفال ~~الستة الذين وضعهم إله كالفين - بحقده الشديد - تحت رحمتها. «العصا والتأنيب يؤديان إلى ~~الحكمة. والطفل إذا ترك وشأنه جلب على أمه العار.» هذه التعاليم - يعززها التأكيد ~~السيكولوجي والعذاب البدني - هي البنية الكاملة لتجربة بافلوف. ولكن البشر - لسوء حظ ~~الديانة النظامية والدكتاتورية السياسية - لا يخضعون لنتائج التجارب المعملية كما تخضع ~~الكلاب. ولقد أدت عملية التكيف إلى ما قصد منها مع توم وماري وجين؛ فلقد أصبح توم قسيسا، ~~وتزوجت ماري من قسيس وماتت أثناء الوضع، وبقيت جين في البيت وقامت بتمريض أمها وهي تعاني ~~طويلا من سرطان شرس، ولعشرين عاما بعد ذلك ضحت بنفسها شيئا فشيئا من أجل الشيخ الجليل ~~الذي أدركه الهرم وانتهى بشيخوخة عادت به إلى عقل الطفولة. إلى هنا سارت الأمور سيرا ~~طبيعيا. أما مع آني - الطفلة الرابعة - فقد تغير النمط. كانت آني جميلة، ولما بلغت ~~الثامنة عشرة من عمرها عرض عليها ms128 الزواج ضابط في سلاح الفرسان، وكان هذا الضابط ~~إنجليكانيا ورأيه في الفساد الكامل وفيما يرضي الله إجرامي يجانبه الصواب؛ ولذلك كان ~~الزواج محرما. وبدا كأن آني قد كتب عليها ما كتب على جين، واحتملت ذلك عشر سنوات. ولما ~~بلغت الثامنة والعشرين وقعت فريسة لإغراء رجل آخر من سلاح الهند الشرقية. وقضت معه سبعة ~~أسابيع في سعادة شبه جنونية، لم تشعر بمثلها من قبل. وبدت على وجهها مسحة من الجمال غير ~~الطبيعي، وأشرق جسمها بالحياة، ثم أبحر الضابط في سلاح الهند الشرقية في رحلة إلى مدراس ~~وماكاو تستغرق عامين. وبعد أربعة أشهر، وهي حامل، وبغير صديق، ألقت بنفسها في نهر تاي يأسا ~~من الحياة. أما إسكندر وهو الذي يليها في الأبناء فقد هرب من المدرسة والتحق بفرقة ممثلين. ~~ومنذ ذلك الحين لم يسمح لأحد في البيت المجاور لمصنع الحبال بذكره. وأخيرا كان هناك أندرو، ~~وهو أصغرهم، وما أشبهه ببنيامين! ويا له من طفل نموذجي! كان طائعا، يحب دروسه، وقام بحفظ ~~الرسائل الدينية عن ظهر قلب أسرع وأدق مما فعل غيره من الأطفال. وذات مساء شهدته أمه وهو ~~يعبث بجهازه التناسلي. وجاء ذلك في وقت ملائم رد لها إيمانها بسوء النفس البشرية. وضربته ~~بالسوط حتى سال دمه. وعاد إلى فعلته بعد بضعة أسابيع وعادت إلى ضربه، وحكمت عليه بالحبس ~~الانفرادي لا يتناول غير الخبز والماء، وقيل له إنه أذنب في حق الروح القدس وليس من شك في ~~أن أمه قد أصيبت بداء السرطان بسبب ذنبه. ولبث أندرو بقية طفولته تطارده أحلام مزعجة متكررة ~~عن الجحيم. كما طاردته كذلك أسباب الإغراء المتكررة. ولما استسلم لهذه الأسباب (وكان ذلك ~~دائما في وحدته وهو في الحمام الذي يقع في أقصى الحديقة) هاجمته رؤى أشد إزعاجا من ~~العقوبات التي كانت بانتظاره. # وعلق على ذلك ويل فارنبي بقوله: إني لأعجب كيف يشكو الناس من أن الحياة الحديثة خلو من ~~المعنى! انظر كيف كانت الحياة حينما كان لها معنى. أيهما أفضل: قصة يرويها لك أحمق، أم قصة ~~يرويها ms129 لك كالفن؟ ألا فأسمعني قصة الأحمق دائما. # قال الدكتور ماك فيل: أنا أتفق معك. ولكن ألا يمكن أن يكون هناك احتمال ثالث؟ قصة يرويها ~~شخص لا هو بالأحمق ولا هو بالمجنون المرتاب؟ # قالت سوزيلا: شخص عاقل كل العقل على سبيل التغيير. # وأعاد الدكتور عبارتها: نعم على سبيل التغيير، التغيير المبارك. ومن حسن الحظ كان هناك - ~~حتى في ظل النظام القديم - كثيرون لم تفسدهم التربية الشيطانية حتى وهي في ذروتها. إذا ~~أخذنا بقوانين فرويد وبافلوف كان ينبغي أن ينشأ جدي الأكبر على انحراف عقلي. والواقع أنه نشأ ~~سليم العقل. وأضاف إلى ذلك الدكتور روبرت في عبارة معترضة قوله: وهو يدل دلالة قاطعة على أن ~~النظريتين السيكولوجيتين اللتين أشدتم بهما ناقصتان نقصا فاحشا. نظرية فرويد، والنظرية ~~السلوكية - على ما بينهما من خلاف شديد - تتفقان تماما عند تطبيقهما على الفوارق الطبيعية ~~الفطرية بين الأفراد. كيف يعالج علماء النفس عندكم الذين تعزونهم إعزازا شديدا هذه ~~الفوارق؟ بمنتهى البساطة، يتجاهلونها، ويزعمون بكل رفق أنها لا وجود لها؛ ومن ثم كان عجزهم ~~التام عن مواجهة الموقف الإنساني كما هو قائم، بل عجزهم عن تعليله نظريا. انظر - مثلا - ~~إلى ما حدث في هذه الحالة الخاصة. إن إخوة أندرو وأخواته إما روضوا بتكييعهم وأما تحطموا، ~~في حين أن أندرو لم يروض ولم يحطم. لماذا؟ لأن عجلة الوراثة لم تدر حوله. كانت بنيته أكثر ~~مرونة من غيره، تشريحه البدني على خلاف مع الآخرين، كيمياؤه الحيوية مختلفة، مزاجه مختلف. ~~بذل أبواه معه من الجهد ما بذلا مع بقية إخوته أصحاب الحظ السيئ، ولكنهما باءا بالفشل؛ فلقد ~~خرج أندرو من المعركة مرفوع الراية دون أن يصيبه أذى. ~~- برغم ما اقترف من ذنب ضد الروح القدس؟ ~~- ذلك لحسن الحظ شيء تخلص منه خلال سنته الأولى من دراسة الطب في أدنبره. كان آنئذ فتى ~~لا يجاوز السابعة عشرة من عمره إلا قليلا (فقد كانوا يبدءون تعليمهم صغارا في تلك ~~الأيام). وفي غرفة التشريح ألفى الفتى نفسه مصغيا لأسوأ الألفاظ الفاحشة والسباب مما كان ms130 ~~زملاؤه يتفوهون به لكي يرفعوا من روحهم المعنوية وهم بين الجثث التي أخذت في التعفن. كان ~~يصغي أول الأمر مذعورا، وهو في خشية يقشعر لها بدنه من أن الله لا بد أن ينتقم. ولكن ~~شيئا لم يحدث؛ فلقد ازدهر المجدفون، ونجا من تلوثت شفاههم بألفاظ السباب السافلة ولم تصبهم ~~سوى لوثة من الأمراض السرية بين الحين والآخر. واختفى الخوف من نفس أندرو وحل محله إحساس ~~عجيب بالفرج والخلاص، واكتسب جرأة شديدة فبدأ يخاطر ببعض النكات البذيئة من عنده. نطق أول ~~لفظة بذيئة. ما كان أشد إحساسه بالتحرر، وما كان أغزرها من خبرة دينية صادقة! وفي أوقات ~~فراغه قرأ قصة «توم جونز» وقرأ مقال هيوم عن «المعجزات»، وقرأ الكافر جيبون. واستغل ~~الفرنسية التي درسها في المدرسة فقرأ «لامتري» وقرأ «الدكتور كابانيه». الإنسان آلة، يفرز ~~منها المخ فكرا كما تفرز الكبد الصفراء. الأمر في غاية البساطة، وفي غاية الوضوح المضيء! ~~وبكل حماسة المهتدي في اجتماع ديني قرر أن يلحد، وما كان يتوقع منه غير ذلك في مثل هذه ~~الظروف، لم يستطع أن يستسيغ القديس أوغسطين، ولم يكن بوسعه أن يكرر الهراء الذي ورد على ~~لسان أثاناسيوس. وكما يتخلص المرء من الماء القذر في الحوض بفتح البالوعة، فعل ذلك! ما أشد ~~سعادته! ولكن هذه السعادة لم تدم طويلا؛ فقد تبين له أن شيئا ما ينقصه. نعم لقد لفظ الطفل ~~التجريبي مع المخلفات اللاهوتية القذرة. ولكن الطبيعة تمقت الفراغ المطلق. فزالت عن نفسه ~~سعادتها وحل محلها قلق مزمن، وأصيب كما أصيبت بعده الأجيال المتلاحقة بما جاء به وزلي وبوزي ~~ومودي وبيلي وأمثالهم - سندي وجراهام - كلهم يعمل كالآلة لاسترداد اللاهوت الذي سقط في ~~البالوعة. إنهم بالطبع يأملون في استرداد الطفل التجريبي، ولكنهم لا ينجحون أبدا. كل ما ~~يستطيعه من يحاول إحياء الدين أن يسترد مما تردى في البالوعة قليلا من الماء القذر، الذي ~~يلقي به مرة أخرى بمرور الأيام، وهكذا إلى ما لا نهاية. الأمر في الواقع ممل إلى أقصى ~~الحدود، ولا ضرورة له بتاتا ms131 كما أدرك ذلك الدكتور أندرو في نهاية الأمر. وها هو ذا الآن في ~~بداية استرداده لحريته الجديدة، منفعلا، جذلا؛ ولكنه منفعل في هدوء، وجذل خلف ظاهر من ~~الانعزال الجاد الدمث الذي يبديه عادة على الملأ. # وسأل ويل: وماذا عن أبيه؟ هل نشبت بينهما معركة؟ ~~- لم تنشب لأن أندرو لم يحب المعارك. كان من ذلك الطراز من الرجال الذين يذهبون مذهبهم ~~دائما، وإن كان لا يعلن عن هذه الحقيقة، ولا يجادل غيره ممن يسلكون مسلكا آخر. ولم يعط ~~الرجل العجوز قط فرصة لكي يفعل ما فعل أرميا، ولم يفصح بشيء ما عن هيوم ولامتري وأدى ~~الحركات التقليدية. ولما انتهت دراسته لم يعد إلى بيته وتوجه إلى لندن واشتغل جراحا ~~وعالما في الطبيعة على سفينة ميلامبوس، وأرسل إلى البحار الجنوبية يحمل تعليمات ليرسم ~~ويمسح ويجمع عينات مختلفة ولكي يحمي البعثات البروتستانتية والمصالح البريطانية. واستغرقت ~~رحلة السفينة ميلامبوس ثلاث سنوات. وتوقف عند تاهايتي، وقضى شهرين في ساموا وشهرا في جزر ~~ماركيساس. وبعد بيرث بدت الجزر وكأنها جنة عدن؛ ولكنها جنة خلت من الكالفينية والرأسمالية ~~ومن الأحياء الصناعية الفقيرة ولكنها - لسوء الحظ - خلت كذلك من شيكسبير وموزار، ومن ~~المعارف العلمية والتفكير المنطقي. كانت فردوسا، ولكنها لا تكفي. # وواصل رحلته البحرية، وزار فيجي وكارولينز وسولومونز. ورسموا خريطة السواحل الشمالية ~~لغينيا الجديدة. ولما بلغوا بورنيو نزلت جماعة منهم على البر، واصطادوا أورانجوتان حاملا، ثم ~~تسلقوا قمة جبل كينابالو، وقضوا بعد ذلك أسبوعا في باناي وأسبوعين في أرخبيل ميرجوي، ~~واتجهوا بعد ذلك غربا حتى إندامانز ومنها إلى أرض الهند الرئيسية. # وبينما كانوا على الساحل سقط جدي الأكبر من فوق ظهر حصانه وانكسرت ساقه اليمنى. واختار ~~قائد السفينة ميلامبوس جراحا آخر وأبحر عائدا إلى الوطن. وبعد شهرين بدأ أندرو يعمل من ~~جديد طبيبا في مدراس. وكان الأطباء ندرة في تلك الأيام والأمراض منتشرة بصورة مزعجة. ونجح ~~الشاب في عمله. غير أن الحياة مع التجار والموظفين في مقر الرياسة كانت مملة لا تطاق. كان ~~في المنفى، ولكنه منفى يخلو ms132 مما يعوض عنه؛ فلا مغامرة ولا غرابة؛ إبعاد إلى الأقاليم، إلى ~~ما يشبه سوانسي وهدرسفليد في المناطق الاستوائية. ومع ذلك فقد قاوم الإغراء بحجز مكان في ~~أول سفينة تبحر عائدة إلى الوطن؛ لأنه إن احتمل العيش هنا خمس سنوات استطاع أن يجمع من ~~المال ما يفتح به عيادة طبية في أدنبره؛ لا، بل في لندن، في الحي الغربي. وبدا له المستقبل ~~ذهبيا ورديا؛ سوف تكون له زوجة يؤثر أن تكون ذات شعر ذهبي داكن، متواضعة في ثرائها، ~~وسوف يكون له من الأطفال أربعة أو خمسة، سعداء، من الملحدين الذين لا يجلدون، وسوف ينمو في ~~مهنته، يقصده المرضى من طبقات مرتفعة. الثراء، والشهرة، والكرامة، بل ورتبة الفروسية. تصور ~~نفسه السير أندرو ماك فيل ينزل من سيارته في ميدان بلجريف. السير أندرو العظيم، طبيب ~~الملكة. يستدعى لسنت بيترزبورج ليجري عملية جراحية للدوق العظيم، ويستدعى للتويلري، ~~وللفاتيكان، وللباب العالي. ما أحلى هذه الخيالات! ولكن ما حدث كان أروع كثيرا من ذلك. جاء ~~إلى غرفة العمليات ذات صباح جميل رجل غريب أسمر البشرة. وعرفه بنفسه في إنجليزية متعثرة. ~~إنه من بالا وقد أمره صحب السمو الراجا أن يبحث عن جراح ماهر من الغرب ويعود به. وسيكون ~~الجزاء ملكيا. وأكد له ذلك: جزاء ملكي. وفي التو والحين قبل الدكتور أندرو الدعوة من أجل ~~المال إلى حد ما. ولكن في الأغلب لأنه كان قد سئم، وبحاجة إلى التغيير، وبحاجة إلى نوع من ~~المغامرة، هذه رحلة إلى الأرض المحرمة؛ والأغراء لا يقاوم. # وقاطعته سوزيلا قائلة: واذكر أن بالا في تلك الأيام كانت أشد تحريما منها الآن. # وهكذا تستطيع أن تتصور كيف أن دكتور أندرو الشاب قد اغتنم متلهفا هذه الفرصة التي هيأها ~~له سفير الراجا. وبعد عشرة أيام رست سفينته بعيدا عن الشاطئ الشمالي للأرض المحرمة، واستقل ~~قاربا صغيرا ملحقا بالسفينة وشق به عباب الموج وهو يحمل صندوق الدواء وحقيبة الأدوات ~~وصندوقا كبيرا من الصفيح بداخله ملابسه وبضعة كتب لا غنى عنها. ولما بلغ الساحل حملوه فوق ms133 ~~محفة وساروا به خلال شوارع شيفا بورام واستقر في الفناء الداخلي للقصر الملكي. وكان مريضه ~~الملكي بانتظاره في شعف. ولم تتح له فرصة يحلق فيها ذقنه أو يغير ملابسه، قبل أن يسمحوا له ~~بالمقابلة. فمثل وهو مشفق في حضرة رجل ضئيل أسمر في أوائل الأربعينيات من العمر، نحيل الجسم ~~يرتدي عباءة فاخرة مطرزة، وجهه منتفخ مشوه حتى لا تكاد تحسبه من البشر، وقد انخفض صوته حتى ~~أمسى همسا فيه خشونة. وفحصه الدكتور أندرو، وألفى تورما منتشرا في كل اتجاه في أحد جيوب ~~فكه الأعلى حيث تبدأ جذور الورم. وامتد الورم حتى ملأ الأنف، وانتشر إلى أعلى حتى بلغ محجر ~~عينه اليمنى، وسد نصف حلقه، وتعذر التنفس، وأصبح الابتلاع أليما، والنوم مستحيلا؛ إذ كلما ~~غفا اختنق وتيقظ كالمجنون يتلمس الهواء. # كان واضحا - بغير جراحة أساسية - أن الراجا يشرف على الموت في غضون شهرين، والجراحة ~~الأساسية تعجل كثيرا بموته. ولنذكر أن ذلك كان في الزمن القديم الذي كانت تجرى فيه عمليات ~~التسمم الدموي بغير مخدر، وفي أحسن الظروف كانت الجراحة تنتهي بوفاة مريض من كل أربعة، ~~وحينما لا تكون الظروف مواتية زادت نسبة الوفيات؛ فتبلغ خمسين في المائة، أو سبعين، أو ~~مائة في المائة. وتشخيص هذه الحالة لم يكن مبشرا؛ فالمريض ضعيف، والعملية قد تطول، وتزداد ~~صعوبة وتسبب آلاما مبرحة، والفرصة كبيرة في موته وهو على طاولة العمليات، ومن المؤكد أنه ~~حتى إن نجا من العملية فوفاته أمر محتوم بعد بضعة أيام من تسمم الدم. وفكر الدكتور أندرو ~~ماذا يكون مصيره إذا مات وقيل إن جراحا أجنبيا قد قضى على حياة الملك. ثم من ذا الذي ~~يمسك المريض وهو يتلوى أثناء العملية من أثر المبضع؟ ومن من خدمه أو حشمه يجرؤ على عصيان ~~الأمر إذا صاح السيد من الألم أو طلب منهم بصراحة أن يخلوه وشأنه؟ # ربما كان التصرف الحكيم أن يقول فورا إن الحالة ميؤس منها، وأنه لا يستطيع أن يقوم بعمل ~~ما، ويرجو إعادته إلى مدراس في الحال. ثم أعاد ms134 النظر إلى الرجل المريض، وبادله الراجا بنظرة ~~من خلال القناع البشع الذي بدا فيه وجهه المشوه، وقد حدق بعينين كأنهما عينا مجرم مدان ~~يتوسل إلى القاضي أن يشمله برحمته. ومس هذا الرجاء شغاف القلب من الدكتور أندرو فابتسم له ~~مشجعا، وربت على يده النحيلة. وفي أثناء ذلك نبتت في ذهنه فكرة؛ فكرة سخيفة لا يفكر فيها ~~إلا مخبول العقل، فكرة مخزية، ولكن على الرغم من ذلك ... # تذكر أنه منذ خمس سنوات، عندما كان لا يزال في أدنبره، اطلع على مقال في مجلة «لانست» ~~يهاجم فيه كاتبه الأستاذ أليتسون، ذلك الرجل الذي ساءت سمعته، لأنه تحدث بحماسة عن إمكان ~~تنويم الحيوان تنويما مغناطيسيا. وقد بلغت به جرأة الرأي أن يتحدث عن إجراء عمليات بغير ~~ألم حينما يكون المرضى في غيبوبة تنويم مغناطيسي. # فالرجل إما أحمق ساذج وإما وغد بلا ضمير؛ لأن الأدلة التي يبرر بها هذا الهراء كانت تافهة ~~بشكل واضح. الأمر كله احتيال ودجل وخداع؛ وغير ذلك مما ورد في مقال من ستة أعمدة كلها ~~استنكار لما ينطوي عليه هذا الادعاء من انحطاط خلقي. وقد قرأ الدكتور أندرو هذا المقال في ~~ذلك الحين بدرجة من التصديق؛ لأنه كان ما يزال متأثرا بلامتري وهيوم وكابانيه. ثم نسي ~~بعد ذلك كل ما يتعلق بتنويم الحيوان مغناطيسيا. والآن وهو إلى جوار سرير الراجا عادت إليه ~~الذكريات؛ الأستاذ المخبول، والإشارات المغناطيسية، والبتر بغير ألم، وانخفاض نسبة الوفيات ~~والشفاء العاجل. ربما كان في الأمر شيء. وكان مستغرقا في هذه الأفكار عندما قاطع سكونه ~~الرجل المريض بحديثه إليه. وقد تعلم الراجا الحديث بالإنجليزية بطلاقة ولكن بمحاكاة تامة ~~للرجل الذي علمه إياها فكان في نطقه لكنة عامية قوية. وقد أخذ اللغة عن فلاح شاب ترك سفينته ~~عند راندنج بولو واستطاع أن يعبر المضيق ليصل إلى الراجا. # وضحك الدكتور ماك فيل وواصل سرد القصة وقال: هذه اللهجة العامية يشير إليها جدي الأكبر في ~~مذكراته حينا بعد حين. وكان يرى أنه من غير الملائم بتاتا لملك أن يتحدث كما ms135 كان يفعل سام ويلر. # 5 # وعدم الملاءمة في هذه الحالة لم تكن اجتماعية فحسب؛ فالراجا - فوق أنه ملك - ~~كان رجلا مثقفا وعلى درجة كبيرة من التهذيب. لم يكن رجلا ذا عقائد دينية قوية فحسب (فأي ~~أبله ساذج قد يكون ذا عقائد دينية قوية) ولكنه كان كذلك رجلا ذا تجارب دينية وبصيرة ~~روحية. فإذا عبر مثل هذا الرجل عن نفسه بالعامية كان ذلك بالنسبة لرجل أسكتلندي من عهد ~~فيكتوريا الباكر قرأ «مذكرات بكويك» أمرا لا يمكن التسامح فيه. ولم يستطع الراجا أن يتخلص ~~من هذه اللهجة الإنجليزية العامية على الرغم من مهارة جدي الأكبر في تعليم اللغة له. ولكن ~~ذلك كله حدث في المستقبل. أما في اللقاء المأسوي الأول فقد تأثر جدي الأكبر تأثرا غريبا ~~بهذه اللهجة التي تتحدث بها الطبقة الدنيا والتي تؤذي السمع. وهمس المريض بهذه اللهجة ~~قائلا: أعني يا دكتور ماك فيل. وقد ضم راحتيه تضرعا. ~~- وكانت هذه الضراعة حاسمة؛ فقد تناول الدكتور أندرو يدي المريض النحيلتين - دون أدنى تردد ~~- ووضعهما بين يديه، وبدأ يتكلم بنغمة الواثق عن علاج عجيب جديد كشف عنه في أوروبا حديثا ~~ولم يمارسه حتى الآن سوى حفنة من مشاهير الأطباء. ثم التفت إلى الحاضرين الذين كانوا طوال ~~هذا الوقت يطوفون حول المكان، وأمرهم أن يغادروا الغرفة. ولم يفقهوا قوله، ولكن نغمة الكلام ~~وما صاحبها من إشارات كانت واضحة لا لبس فيها، فانحنوا احتراما وانسحبوا. وخلع الدكتور ~~أندرو معطفه وطوى أكمام قميصه وشرع في أداء الإشارات اليدوية المغناطيسية المعروفة والتي ~~قرأ عنها في مجلة لانست مستمتعا بها شاكا فيها، من قمة الرأس إلى الوجه إلى الجذع حتى ~~البطن، مرة تلو المرة حتى يصل المريض إلى حالة الغيبوبة؛ أو حتى يرى الدجال المسيطر أنه قد ~~آن له أن يعلن أن مريضه المخدوع أصبح الآن تحت تأثير المغناطيس، (وقد ذكر حينئذ التعليق ~~التهكمي الذي أدلى به كاتب المقال المجهول). دجل وهراء وخداع. ولكن على الرغم من ذلك ... بدأ ~~يعمل في صمت، عشرون إشارة، خمسون إشارة، وبعدها ms136 تنهد المريض وأغمض عينيه، ستون، ثمانون، ~~مائة، مائة وعشرون. وكانت الحرارة خانقة، وقميص الدكتور أندرو مبتلا بالعرق، وذراعاه تؤلمانه، ~~ولبث يكرر حركاته العابثة وهو متجهم، وبلغ مائة وخمسين، ثم مائة وخمسا وسبعين، ثم مائتين. ~~وكل ذلك خداع وهراء، ولكنه على الرغم من ذلك كان مصمما على أن يسوق هذا البائس إلى النوم ~~حتى إن استغرق في ذلك يومه كله، وقال بصوت مرتفع وهو يؤدي الإشارة للمرة الحادية عشرة بعد ~~المائتين: أنت ستنام. وبدا كأن الرجل المريض قد غرق في وساداته، وفجأة نمى إلى سمع الدكتور ~~أندرو صوت صفير مخشخش، وهو صوت التنفس، فقال على عجل، إنك لن تختنق هذه المرة؛ فهنا مكان ~~فسيح يسمح للهواء أن يتحرك، ولن تختنق. وبدأ الراجا يتنفس في هدوء وقام الدكتور أندرو ببضع ~~إشارات أخرى، ثم رأى أن يستريح قليلا ليكون في جانب الأمان، ومسح وجهه، ثم نهض ومد ذراعيه ~~وذرع الغرفة جيئة وذهابا. وعاد إلى جوار السرير وتناول أحد معصمي الراجا وكان أشبه بالعصا، ~~وجس النبض. وكان منذ ساعة قريبا من مائة، أما الآن فقد هبط إلى سبعين. ورفع الذراع، وتعلقت ~~يد الرجل مرتخية كأنها يد ميت من الأموات. ثم ترك هذه اليد فسقطت الذراع من تلقاء نفسها من ~~أثر ثقلها، جامدة لا تتحرك من مكان سقوطها. وصاح به: «يا صاحب السمو!» ورفع صوته ثانية ~~صائحا: «يا صاحب السمو!» فلم يحر جوابا. الأمر كله دجل وهراء وخداع، ولكنه - مع ذلك - فعل ~~فعله، ما في ذلك شك. # ورفرفت حشرة كبيرة براقة اللون (هي فرس النبي) حول إحدى قواعد السرير الذي كان يستلقي ~~عليه ويل، وطوت الحشرة جناحيها القرنفلي والأبيض، ورفعت رأسها الصغير المسطح، ومدت رجليها ~~الأماميتين ذواتي العضلات القوية التي لم يعهدها واتخذت وضع الصلاة. واجتذب الدكتور ماك فيل ~~منظارا مكبرا وانحنى إلى الأمام لفحص هذه الحشرة. # ونطق اسمها باللاتينية وقال: إنها تشكل نفسها لتبدو كالزهرة. وعندما يأتي الذباب والسوس ~~ليرشف رحيق النبات ترشفها الحشرة، وإذا كانت أنثى أكلت عشاقها. ثم نحى المنظار جانبا واتكأ ms137 ~~على مسند مقعده وقال مخاطبا ويل فارنبي: أكثر ما أحبه في الكون ما فيه مما هو بعيد ~~الاحتمال. انظر إلى هذه الحشرة، وإلى الإنسان المفكر، وإلى مقدم جدي الأكبر إلى بالا، وإلى ~~التنويم المغناطيسي. هل هناك ما هو أبعد من هذا احتمالا؟ # قال ويل: لا شيء اللهم إلا قدومي إلى بالا والتنويم المغناطيسي، بالا التي بلغتها عن طريق ~~سفينة محطمة وصخرة ناتئة، والتنويم المغناطيسي عن طريق مناجاتي لنفسي عن كاتدرائية ~~إنجليزية. # وضحكت سوزيلا وقالت: لم أكن مضطرة لحسن الحظ أن أقوم معك بكل هذه الإشارات، في مثل هذا ~~الجو! إني معجبة حقا بالدكتور أندرو، والتخدير بهذه الإشارات يستغرق أحيانا ثلاث ~~ساعات. ~~- ولكنه أفلح في النهاية؟ ~~- وانتصر. ~~- وهل أجرى العملية فعلا؟ # قال الدكتور ماك فيل: نعم أجراها. ولكن ليس في التو؛ فلقد أعد لها إعدادا طويلا. وقد ~~بدأ الدكتور أندرو بأن أوعز إلى مريضه بأنه سوف يستطيع منذ ذلك الحين أن يبتلع بغير ألم، ~~وفي خلال الأسابيع الثلاثة التالية تولى إطعامه، وفيما بين الوجبة والوجبة كان يدخله في ~~غيبوبة ويبقيه نائما حتى يحل موعد الوجبة التالية. ما أعجب ما يقدمه جسم المرء لصاحبه إذا ~~هو أعطاه الفرصة. استرد الراجا اثني عشر رطلا وأحس كأنه رجل آخر، رجل آخر مليء بالثقة ~~والأمل المتجدد. وعرف أنه سوف يجتاز المحنة، وكذلك أيضا عرف الدكتور أندرو. وبينما كان ~~الدكتور يقوي من إيمان الراجا كان في الوقت عينه يقوي من إيمانه الشخصي، ولم يكن إيمانا ~~أعمى؛ فقد كان على ثقة تامة من أن العملية سوف تحظى بالنجاح. ولكن هذه الثقة التي لم تتزعزع ~~لم تمنعه من أن يفعل كل ما يمكن أن يعاون على نجاحها؛ فمنذ بداية ما اتخذ من إجراء كان ~~يستغل الغيبوبة، وكان يقول لمريضه إن هذه الغيبوبة تشتد عمقا يوما بعد يوم، وسوف تكون في ~~يوم العملية أعمق منها في أي وقت سبق، وكذلك سوف يطول أمدها. وكان يؤكد للراجا أنه سوف ينام ~~أربع ساعات كاملة بعد انتهاء العملية، ولن يحس أدنى ألم ms138 بعد أن يفيق. وقد عبر الدكتور أندرو ~~عن هذه التأكيدات بمزيج من الشك المطلق والثقة التامة؛ ذلك أن العقل وخبراته الماضية كانت ~~تؤكد له أن ذلك كله من ضروب المستحيل. ولكن الخبرة الماضية أثبتت غير ذلك في هذه الحالة ~~التي يعالجها؛ فلقد حدث المستحيل فعلا عدة مرات، ولم يكن ثمت ما يدعو إلى ألا يتكرر وقوع ~~المستحيل. المهم هو أن «يقول» إنه سوف يحدث؛ لهذا قال به مرة بعد أخرى. كل ذلك حسن، وخير ~~منه ابتداعه فكرة إجراء التجربة. ~~- أي تجربة؟ ~~- تجربة الجراحة؛ فقد أدى إجراءاتها ست مرات. وكانت التجربة الأخيرة صبيحة يوم العملية؛ في ~~السادسة صباحا جاء الدكتور أندرو إلى غرفة الراجا، وبعدما بادله حديثا مرحا قصيرا بدأ ~~في إجراء إشاراته. وبعد بضع دقائق استغرق المريض في غيبوبة عميقة، وأخذ الدكتور أندرو في ~~وصف ما كان مقدما على أدائه خطوة خطوة. ولمس عظم الخد عند العين اليمنى للراجا وقال له: ~~سأبدأ بمط الجلد وبهذا المشرط (وسير فوق الخد طرف قلم من الرصاص) أشق الجلد، ولن تحس ألما ~~بطبيعة الحال؛ لا مشقة على الإطلاق. عندئذ أقطع الأنسجة السفلى ولن تشعر بأي شيء بتاتا. ~~ما عليك إلا أن تستلقي هنا، في سبات مريح أثناء قيامي بقطع الخد حتى الأنف. وبين الفينة ~~والفينة أتوقف قليلا، أتوقف قليلا لأربط أحد الأوعية الدموية، ثم أواصل العمل. وبعدما ~~أنتهي من هذا الجزء من العمل أكون على استعداد لأبدأ في الورم الذي تقع جذوره في تحويف ~~العظم وقد امتد إلى أعلى تحت عظم الخد حتى بلغ محجر العين ثم إلى أسفل حتى المريء، وبعدما ~~أنزع الورم تكون مستلقيا هنا كما كنت لا تحس شيئا، في أتم شعور بالراحة، مسترخيا ~~استرخاء كاملا، وعندئذ أرفع رأسك. وطابق الدكتور أندرو بين حركاته وكلماته ورفع رأس ~~الراجا وأمالها إلى الأمام فوق عنقه المرتخي وقال: أنا أرفع الرأس وأثنيه لكي تتخلص من ~~الدماء التي سالت في فمك وحلقك. وقد تسرب شيء من الدم في القصبة الهوائية، فعليك أن تسعل ~~قليلا لتتخلص ms139 منه، ولن يوقظك هذا من نومك. وسعل الراجا مرة أو مرتين. وبعدما أرخى ~~الدكتور أندرو قبضته سقط الرأس فوق الوسادة والمريض ما يزال مستغرقا في نومه. «ولن تختنق ~~حتى وأنا أعمل في الطرف الأسفل من ورم المريء .» وفتح الدكتور أندرو فم الراجا ودفع بإصبعين ~~في حلقه. الأمر كله لا يعدو مجرد النزع. وليس في ذلك ما يجعلك تختنق. وإذا لزمك أن تطرد ~~الدم بالسعال فأنت تستطيع ذلك أثناء النوم، نعم أثناء نومك، هذا النوم العميق ~~العميق. ~~- تلك كانت نهاية التجربة. وبعد عشر دقائق بعدما قام ببضع إشارات أخرى وأوحى إلى مريضه ~~أن يعمق من نومه، شرع في إجراء العملية. مط الجلد، وشقه، وشرح الخد، وقطع الورم من جذوره في ~~التجويف العظمي. واستلقى الراجا مكانه مسترخيا تماما، ثابت النبض معتدلا فيه وهو في ~~الخامسة والسبعين، ولم يحس ألما أكثر مما أحس والطبيب يجري له تجربة العملية ويوهمه ~~بإجرائها. وأعمل الدكتور أندرو مبضعه في الحلق ولم يحدث أي اختناق، وتدفق الدم في القصبة ~~الهوائية، وسعل الراجا ولم يتيقظ. وبعدما انتهت العملية بأربع ساعات كان لا يزال نائما، ~~وفي اللحظة المقدرة تماما فتح عينيه وابتسم للدكتور أندرو من خلال ضماداته، وسأل بعاميته ~~الإنجليزية الرتيبة متى تبدأ العملية. وبعد إطعامه وغسله، قام الدكتور بإجراء بضع إشارات ~~أخرى وأوحى إليه أن ينام أربع ساعات أخرى وأن يبرأ بسرعة. ساعة من الغيبوبة كل يوم، وثمان ~~ساعات من الصحو. وكاد الراجا ألا يحس ألما من أي نوع. وعلى الرغم من ظروف التلوث التي أجرى ~~الطبيب فيها العملية، والتي كان يجدد فيها الغيارات، التأمت الجروح دون تقيح، وكاد الدكتور ~~أندرو ألا يصدق عينيه وقد تذكر الأهوال التي شهدها في مصحة أدنبره، وما هو أشد منها في ~~عنابر الجراحة في مدراس. وكانت هذه فرصة ثانية بالنسبة إليه تثبت له ما يمكن أن يفعله ~~المغناطيس الحيواني. وكانت كبرى بنات الراجا في شهرها التاسع من حملها الأول، فأرسلت الراني ~~في طلب الدكتور أندرو متأثرة بما قام به لزوجها، وألفاها جالسة مع ms140 فتاة ضعيفة مرتاعة في ~~السادسة عشرة من عمرها لا تتحدث إلا قليلا من العامية الإنجليزية المتعثرة التي مكنتها من ~~أن تقول له إنها سوف تموت هي ووليدها. أكدت لها ذلك ثلاثة طيور سوداء حلقت في طريقها في ~~ثلاثة أيام متتالية. ولم يحاول الدكتور أندرو أن يجادلها، بل طلب إليها أن تستلقي، ثم بدأ ~~يؤدي إشاراته. وبعد عشرين دقيقة استغرقت الفتاة في غيبوبة عميقة، وأكد لها الدكتور أندرو أن ~~الطيور السوداء في بلده تبشر بالخير، وهي علامة على الميلاد والرفاء، سوف تلد طفلها بسهولة ~~وبغير ألم، نعم، بغير ألم مثلما فعل والدها أثناء العملية الجراحية. ووعدها بانعدام الألم ~~بتاتا. ~~- وبعد ثلاثة أيام، وبعد ثلاث أو أربع ساعات من الإيحاء المركز، حدث كل شيء كما توقع، ولما ~~تيقظ الراجا ليتناول طعام العشاء ألفى زوجته إلى جواره، وقالت له: لنا الآن حفيد وابنتنا في ~~صحة جيدة. ولقد قال الدكتور أندور إنك غدا يمكن أن تنقل إلى غرفتها لكي تبارك لها ~~ولطفلها. وبعد شهر حل الراجا مجلس الوصاية وعاد إلى ممارسة سلطاته الملكية، شاكرا للرجل ~~الذي أنقذ حياته وأنقذ حياة ابنته كذلك (وكانت الراني مقتنعة بذلك كل الاقتناع) وعين ~~الدكتور أندرو كبيرا لمستشاريه. ~~- ولذلك لم يعد إلى مدراس؟ ~~- لا إلى مدراس، ولا حتى إلى لندن، وبقي هنا في بالا. ~~- وحاول أن يغير لهجة الراجا؟ ~~- كما حاول - وبدرجة أكبر من النجاح - أن يغير مملكة الراجا. ~~- إلى أية صورة من الصور؟ ~~- ذلك هو السؤال الذي لم يكن بوسعه أن يجيب عنه. في الأيام البعيدة، لم يكن لديه خطة من ~~الخطط. كل ما كان يملكه مجموعة من الاتجاهات التي يحبها ومجموعة أخرى لا يحبها. كانت في ~~بالا أشياء أحبها وأشياء كثيرة أخرى لم يحبها بتاتا، كما كانت هناك في أوروبا أشياء يمقتها ~~وأشياء أخرى يتحمس لها أشد الحماسة. لقي في أسفاره أمورا لها معنى وأمورا أخرى اشمأزت لها ~~نفسه، وبدأ يدرك أن الناس ينتفعون من ثقافتهم وهم في الوقت نفسه من ضحاياها؛ ثقافتهم تزهرهم ~~كما تميتهم أو ms141 تصيبهم بالآفات التي تفتك بازدهارهم في الصميم. فهلا يمكن في هذه الجزيرة ~~المحرمة أن يتفادى سكانها الآفات وأن يبلغوا بذبول ازدهارهم حده الأدنى، وأن يترعرع الفرد ~~في صورة أكثر جمالا؟ هذا هو السؤال الذي حاول الدكتور أندرو والراجا أن يجدا له الإجابة ~~عرضا في أول الأمر ثم بوعي متزايد بعد ذلك بما كانا يتصديان له. ~~- وهل وجدا حلا؟ # قال الدكتور ماك فيل: عندما أعود بذاكرتي إلى الماضي يذهلني ما أنجزه هذان الرجلان؛ ~~الطبيب الأسكتلندي وملك بالا، الرجل الكالفيني الذي ألحد والبوذي الماهاياني # 6 # الورع التقي؛ يا لهما من اثنين تلاقيا لقاء عجيبا! وسرعان ما انعقدت بينهما ~~صداقة وطيدة. اثنان لكل منهما مزاجه ومواهبه التي يتمم بها مزاج الآخر ومواهبه، فلسفتان ~~تتكاملان، ومعينان من المعرفة يكمل أحدهما الآخر. كل منهما يسد نقائص الآخر، وكل منهما ينشط ~~ويعزز ما عند الآخر من قدرات وراثية. الراجا عقله حاد دقيق، ولكنه لا يعلم شيئا عن العالم ~~الذي يتجاوز حدود جزيرته، لا يعلم شيئا عن العلوم الطبيعية أو التكنولوجيا الأوروبية أو ~~الفن الأوروبي أو طرق التفكير في أوروبا. ولم يكن الدكتور أندرو بأقل منه ذكاء، ولكنه لم يكن ~~بالطبع على علم بالتصوير الهندي أو الشعر أو الفلسفة الهندية. وكذلك - كما تبين له شيئا ~~فشيئا - لم يدر شيئا عن العقل البشري أو عن فن الحياة. وفي الشهور التي أعقبت العملية ~~الجراحية تتلمذ كل منهما على الآخر. ولم يكن ذلك بطبيعة الحال إلا البداية. لم يكونا مجرد ~~مواطنين لا يعبآن إلا بارتقاء شخصيهما؛ فلقد بلغت رعية الراجا المليون وكان الراجا في ~~الواقع رئيس وزرائه، ولم يكن تطورهما الخاص إلا مقدمة لتطوير الجماهير. وإذا كان الملك ~~والطبيب كلاهما يعلم الآخر أن يفيد من العالمين - العالم الشرقي والعالم الأوروبي؛ العالم ~~القديم والعالم الجديد - فلم يكن ذلك إلا لكي يعينا الأمة بأسرها على أن تحذو حذوهما. ماذا ~~أقول؟ أن يفيدا من العالمين؟ كلا بل إن يفيدا من كل العوالم؛ العوالم التي تحققت فعلا في ~~الثقافات المختلفة، وفيما جاوزها، العوالم ذات ms142 الإمكانات التي لم تتحقق بعد، وكان ذلك ~~طموحا ضخما، طموحا يستحيل بلوغه تماما، ولكنه كان على الأقل طموح له ميزة خاصة، وهي ~~أن يحفزهما، ويحملهما على أن يطآ أرضا تخشاها الملائكة؛ وقد حققا من النتائج في بعض ~~الأحيان ما أثبت للناس كافة - وأذهلهم - أنهما لم يكونا من الغفلة كما بدا لهم، أنهما - ~~بطبيعة الحال - لم ينجحا قط في الإفادة من كل العوالم، ولكنهما - بفضل المحاولة الجريئة - ~~أفادا من عوالم أكثر مما كان يحلم أي عاقل أو حكيم بالقدرة على التوفيق والجمع ~~بينها. # ومن الأمثال روى ويل ما قيل من أن الأحمق إذا أصر على حماقته أصبح حكيما. # ووافقه على ذلك الدكتور روبرت وقال: تماما. ولعل أشد الحماقات إسرافا الحماقة التي ~~وصفها بليك؛ وهي الحماقة التي كان الراجا والدكتور أندرو يفكران فيها حينذاك؛ الحماقة ~~الكبرى التي تحث على المزاوجة بين الجحيم والنعيم. ولكنك إن أصررت على هذه الحماقة الكبرى ~~كان جزاؤك وافرا! بشرط أن تصر بذكاء بطبيعة الحال؛ لأن الحمقى الأغبياء لا يحققون شيئا ~~ما. العارفون والماهرون وحدهم هم الذين تجعلهم حماقتهم حكماء أو الذين تعود عليهم حماقتهم ~~بنتائج طيبة. ولحسن الحظ كان هذان الأحمقان على مهارة؛ فقد بلغا من المهارة - مثلا - ما ~~جعلهما يرتكبان حماقتهما بطريقة متواضعة مقبولة. بدآ بما يخفف الالام. وأهل بالا بوذيون، ~~وعرفوا الصلة بين البؤس والعقل. إذا تعلقت بأمر ما وتشبثت به، وإذا اشتدت رغبتك، وإذا فرضت ~~نفسك عشت في جحيم صنعته لنفسك بنفسك، وإذا عزلت نفسك عشت مطمئنا. قال بوذا: «أنا أريكم ~~الأحزان، وأنا أريكم نهاية الأحزان.» وهذا هو الدكتور أندرو بنوع معين من العزلة الفعلية ~~استطاع أن يقضي على الأقل على نوع من أنواع الأحزان؛ أقصد الآلام البدنية. وقد استخدم ~~الراجا نفسه، كما استخدم - من النساء - الراني وابنتها مترجمين له وهو يلقي الدروس في فنه ~~الذي كشف عنه أخيرا لجماعات من القابلات والأطباء والمعلمين والأمهات والمرضى العاجزين. ~~الولادة بغير ألم؛ بهذا انضم إلى جانب المجددين بحماسة شديدة كل نساء بالا. والعمليات ~~الجراحية بغير ألم ms143 في حالات الحصوة وإعتام العين والنزيف؛ بذلك اكتسبوا ثقة الشيوخ ~~والمصابين، وبضربة لازب انضم إلى صفوفهم أكثر من نصف السكان البالغين، وانحازوا لجانبهم، ~~وتوددوا إليهم، أو على الأقل تفتحت عقولهم للإصلاح القادم. # قال ويل: وإلى أين ذهبوا بعد الآلام؟ ~~- إلى الزراعة واللغة، إلى الخبز والمواصلات، استقدموا رجلا من إنجلترا لينشئ لهم ~~روثامستد في المناطق الحارة، وانكبوا على تعليم أهل بالا لغة ثانية. # وكان لا بد أن تبقى بالا جزيرة محرمة؛ لأن الدكتور أندرو اتفق مع الراجا بكل قلبه على ~~أن المبشرين والمزارعين والتجار خطر على بالا لا يمكن أن يحتمل. ولكن إذا هم لم يسمحوا ~~لهؤلاء المخربين الأجانب بدخول البلاد، فلا بد لهم بطريقة ما أن يعاونوا الأهالي على الخروج ~~منها، إن لم يكن بأشخاصهم فبعقولهم على الأقل. غير أن لغتهم، وكتابتهم العتيقة للأبجدية ~~البراهمية كانت سجنا بغير نوافذ. ولا مخرج لهم، ولا أمل في النظر إلى العالم الخارجي إلا ~~إذا هم تعلموا الإنجليزية وأمكنهم أن يقرءوا الخط اللاتيني. وما أحرزه الراجا في مجال اللغة كان مثالا يحتذيه رجال القصر الملكي. وأدخل السادة ~~والسيدات في حديثهم نتفا من العامية الإنجليزية، بل لقد بعث بعضهم إلى سيلان في طلب مربين ~~يتكلمون الإنجليزية. وسرعان ما تحول الأمر من تظاهر بالتجديد إلى سياسة مرسومة. وأنشئت ~~المدارس الإنجليزية واستوردت البلاد من كلكتا مجموعة من الطباعين البنغاليين ومعهم مطابعهم ~~والأطقم الكاملة من الحروف المطبعية بصنوفها كافة. وكان أول كتاب إنجليزي نشر في شيفا بورام ~~مختارات من «ألف ليلة وليلة» والكتاب الثاني ترجمة للحكم الهندوكية، ولم تكن قبل ذلك ميسورة ~~إلا بالسانسيكريتية وفي المخطوطات. وأمسى تعلم الإنجليزية لازما لمن أراد أن يقرأ عن ~~سندباد أو معروف أو لمن كان مهتما بما جاء في «حكمة الشاطئ الآخر»؛ وذلك لسببين هامين. ~~وكانت تلك بداية لعملية تربوية طويلة تحولنا بها في نهاية الأمر إلى شعب يعرف لغتين؛ نتكلم ~~لغة بالا ونحن نطهو، أو نلهو بالفكاهة. وعندما نتكلم عن الحب أو نمارسه. # وبهذه المناسبة نحن هنا في جنوب شرقي آسيا ms144 لدينا أغنى محصول لغوي يعبر عن الحب وعن ~~العواطف. أما في شئون التجارة والعلم أو الفلسفة التأملية فنحن نتكلم عادة بالإنجليزية، ~~وأكثرنا يؤثر أن يكتب بالإنجليزية. وكل كاتب بحاجة إلى أدب يكون له مرجعا، وبحاجة إلى ~~نماذج يحتذيها أو يعارضها. وبالا لديها تصوير ونحت غاية في الجودة، وفن معماري رائع، ورقص ~~مدهش، وموسيقى تعبيرية دقيقة؛ ولكن ليس لديها أدب بالمعنى الصحيح. وليس لديها شعراء أو ~~كتاب مسرحيات أو قصاصون وطنيون. ليس بها سوى شعراء شعبيين يروون الأساطير البوذية ~~والهندوكية، ومجموعة من الرهبان يلقون المواعظ ويتحدثون حديثا مفصلا في ~~الميتافيزيقا. # ولما اتخذنا الإنجليزية لغة قومية ثانية اكتسبنا أدبا له ماض عريق في القدم ومن أكثر ~~الآداب انتشارا في الوقت الحاضر من غير شك، أصبحت لدينا خلفية، ومقياس روحي، وكنز من ~~الأساليب وطرق التعبير، ومصدر للوحي لا ينفد. وبعبارة موجزة: أمست لدينا القدرة على الإبداع ~~في مجال لم نكن من قبل قط من المبدعين فيه. وبفضل الراجا وجدي الأكبر أصبح لدينا أدب ~~أنجلوبالي؛ وسوزيلا مثال طيب معاصر لهذا الأدب. # وعارضت سوزيلا قائلة: إنما أنا أمثل الجانب القاتم منه. وأغمض الدكتور ماك فيل عينيه ~~وابتسم لنفسه وأخذ ينشد مقطوعة شعرية عن جلال الصمت. # ثم فتح عينيه ثانية وقال: ولا أذكر هذا الشعر الذي يمجد الصمت فحسب، بل أذكر كذلك العلم، ~~والفلسفة، وأصول الدين الذي يدعو إلى الصمت ... والآن آن الأوان لكي تنام. ثم نهض واتجه نحو ~~الباب وهو يقول: سآتي لك بكوب من عصير الفواكه. # | الفصل التاسع # - حب الوطن وحده لا يكفي. وأي شيء آخر وحده لا يكفي. العلم لا يكفي، والدين لا يكفي، ~~والفن لا يكفي، والسياسة والاقتصاد وحدهما لا يكفيان، وكذلك الحب لا يكفي، والواجب لا يكفي، ~~والعمل وحده لا يكفي مهما تنزه صاحبه عن الهوى، وكذلك التأمل وحده - مهما سما - لا يكفي، لا ~~يغني إلا كل شيء. # ومن بعيد صاح الطائر: انتباه! # ونظر ويل في ساعته. كانت الثانية عشرة إلا خمسا، فأغلق كتاب «حقائق الأشياء»، وتناول عصا ~~الخيزران ذات الطرف ms145 المدبب التي كانت فيما مضى ملكا لديوجولد ماك فيل وسار بها لكي يحافظ ~~على موعده مع فيجايا والدكتور روبرت. ولا يبعد المبنى الرئيسي لمحطة التجارب عن منزل ~~الدكتور روبرت أكثر من ربع ميل إذا هو سلك الطريق المختصر . وكان اليوم شديد الحرارة، وكان ~~عليه أن يتغلب على مشقة الهبوط على مجموعتين من درجات السلم. والرحلة شاقة بالنسبة لرجل في ~~دور النقاهة، ساقه اليمنى في الجبيرة. # وشق ويل طريقه في بطء وبشعور من الألم على الطريق الملتوي وفوق درجات السلم. وفي أعلى ~~المجموعة الثانية من الدرجات توقف ليلتقط أنفاسه ويمسح جبينه، والتزم الجدار حيث كان إلى ~~جواره شريط ضيق من الظل، وسار نحو لوحة كتب عليها: «المعمل». # وكان الباب الذي يقع تحت اللوحة منفتحا إلى نصفه، فدفعه ليتم انفتاحه، وألفى نفسه على ~~عتبة حجرة طويلة سقفها مرتفع. وكانت هناك الأحواض وطاولات العمل المعتادة، والدواليب ذات ~~الأوجه الزجاجية المألوفة مليئة بالزجاجات والمعدات، وروائح الكيماويات المعتادة، وكذلك ~~الفئران في الأقفاص. وتصور ويل لأول وهلة أن الغرفة خالية من السكان؛ ولكن الأمر لم يكن ~~كذلك؛ فقد كان موروجان الشاب جالسا عند إحدى المناضد مستغرقا في القراءة وتكاد تخفيه عن ~~الأنظار خزانة كتب تبرز من الحائط بزاوية قائمة، وولج ويل الغرفة وهو أشد ما يكون هدوءا؛ ~~لأن مما يسره دائما أن يفاجئ غيره من الناس، وغطى على صوت مقدمه أزيز مروحة كهربائية، ولم ~~يتنبه موروجان إلى وجوده إلا بعدما أصبح على قيد بضع أقدام من خزانة الكتب. وفزع الفتى ~~كأنه مذنب، وألقى كتابه بعجلة المذعور في حقيبة من الجلد، ومد يده نحو كتاب آخر أصغر حجما ~~كان مفتوحا على المنضدة إلى جوار الحقيبة، وجذب إليه الكتاب حتى أصبح على بعد القراءة، ~~عندئذ فقط لفت وجهه نحو الشخص الدخيل. # وطمأنه ويل بابتسامة منه وقال له: هذا أنا. # واستبدل الفتى بنظرة التحدي الغاضبة نظرة الارتياح وبادر بقوله: ظننته ... ولم يتم ~~العبارة. ~~- ظننته شخصا جاء ليؤنبك على إهمالك في أداء ما كان مفروضا عليك أن تؤديه؛ أليس ~~كذلك؟ ms146 # وكشر موروجان وأومأ برأسه ذي الشعر المجعد. # وسأل ويل: أين الآخرون؟ # فرد بنغمة تنم عن الازدراء: في الحقول؛ يشذبون النبات أو يلقحونه أو ما إلى ذلك. ~~- غاب القط فلعب الفأر! ماذا كنت تقرأ بكل هذا الاهتمام؟ # وبمكر بريء رفع موروجان الكتاب الذي كان يتظاهر بقراءته وقال: مبادئ علم البيئة. # قال ويل: سألتك ماذا كنت تقرأ؟ # فهز موروجان كتفيه وقال: هذا. إنه لا يهمك. # وأكد له ويل: إنني أهتم بأي شيء يحاول صاحبه أن يخفيه. هل هو من الأدب المكشوف؟ # وكف موروجان عن التمثيل، وبدا عليه فعلا الشعور بالإساءة وقال: من ذا تظنني أن ~~أكون؟ # وكاد ويل أن يقول إنه يظنه من أوساط الفتيان، ولكنه تحكم في نفسه، فقوله: «أوساط الفتيان» ~~قد يعني بالنسبة لصديق ديبا صاحب الوجه المليح إهانة أو تلميحا؛ فبدلا من ذلك انحنى في ~~احترام زائف وقال: عفوا يا صاحب الجلالة. ثم أضاف بنغمة أخرى: ولكني لا زلت تواقا إلى ~~المعرفة. ووضع إحدى يديه على الحقيبة المنتفخة وقال: هل لي ...؟ # وتردد موروجان لحظة، ثم اضطر إلى الضحك، وقال: استمر. # وأخرج ويل المجلد الضخم من الحقيبة ووضعه على المنضدة وقال: يا له من كتاب ضخم! وقرأ بصوت ~~مرتفع: سيرز وروبك وشركاؤهما، كتالوج الربيع والصيف. # قال موروجان معتذرا: إنه كتالوج العام الماضي. ولكني لست أحسب أن تغيرا كبيرا قد حدث ~~منذ ذلك الحين. # وقال له ويل مؤكدا: في هذا أنت مخطئ. إذا كانت الطرز لا تتغير تماما كل عام امتنع السبب ~~في شراء أشياء جديدة قبل أن يبلى القديم. أنت لا تعرف المبادئ الأولى للاستهلاك. وفتح ~~الكتاب حيثما اتفق وقرأ: «حمالات ناعمة للأحجام الكبيرة»، ثم فتح صفحة أخرى ووجد وصفا وصورة ~~لصدرة قرنفلية اللون من الداكرون والقطن للسيدات، وفتح صفحة أخرى ووجد ما سوف تلبسه صاحبة ~~الصدرة بعد عشرين عاما (ولنذكر أننا جميعا سوف نموت)؛ إزار أمامي يضبطه حزام، ومكور بشكل ~~يسند البطن المتدلية. # قال موروجان الكتاب لا يشوق حقا إلا في نهايته، وبه ألف وثلاثمائة وثمان وخمسون صفحة. ~~وبعبارة ms147 معترضة أضاف: تصور! ألف وثلاثمائة وثمان وخمسون صفحة! # وقفز ويل إلى ما بعد سبعمائة وخمسين صفحة. # وقال: هذا مثال طيب؛ المسدس والأوتوماتيك المعروف عندنا قوة 0,22 وبعد بضع صفحات أخرى وجد ~~الزوارق المصنوعة من ألياف الزجاج، والآلات ذات الدفع الداخلي القوي، وآلة خارجية قوة 12 ~~حصانا بمبلغ 234,95 دولارا بما في ذلك فنطاس الوقود. هذه أثمان منخفضة بشكل غير ~~عادي! # ولكن من الواضح أن موروجان لم يكن ملاحا. فتناول الكتاب وقلب عشرات الصفحات الأخرى بقلق ~~شديد وقال: انظر إلى هذا الطراز الإيطالي لدراجة ذات رجل واحدة! وتطلع إلى الكتاب ويل، وقرأ ~~موروجان بصوت مرتفع: عداد السرعة الأملس هذا يمكن أن يعطيك سرعة مقدارها 110 ميلا لجالون ~~الوقود الواحد، تصور! # وتغير وجهه العابس إلى وميض من الحماسة الشديدة وأضاف: ويمكنك أن تسير بسرعة ستين ميلا ~~للجالون حتى بهذا الموتوسيكل الذي تبلغ قوته 14,5 حصانا. ويضمنون لك خمسة وسبعين ميلا في ~~الساعة؛ مضمونة! # قال ويل: رائع! وفي شغف شديد سأل: هل بعث إليك أحد من أمريكا بهذا الكتاب الفاخر؟ # وهز موروجان رأسه وقال: أعطاني إياه الكولونيل ديبا. ~~- الكولونيل ديبا! يا لها من هدية عجيبة من هادريان إلى أنطونيوس! ونظر مرة أخرى إلى صورة الموتوسيكل ثم إلى وجه موروجان ~~المشرق، وأشرقت عليه الحقيقة، واتضحت له أغراض الكولونيل: «أغوتني الأفعى فأكلت.» إن الشجرة ~~القائمة وسط الحديقة هي شجرة السلع الاستهلاكية، وأدنى تذوق لثمارها، بل ومنظر صورها في ألف ~~وثلاثمائة وثمان وخمسين صفحة - بالنسبة للسكان في كل جنة عدن من جنات الدول النامية - له من ~~التأثير ما يجعلهم يعلمون - على استحياء - أنهم من الناحية الاقتصادية عراة كما ولدتهم ~~أمهاتهم. إن الكولونيل بفعله هذا جعل راجا بالا المقبل يتأكد أنه لا يرتفع عن مستوى حاكم ~~عار تماما على قبيلة من القبائل الهمجية. # وقال ويل بصوت مرتفع: ينبغي لك أن تستورد مليونا من هذه الكتالوجات وتوزعها على رعاياك؛ ~~مجانا بطبيعة الحال مثل موانع الحمل. ~~- لماذا؟ ~~- لكي تسيل لعابهم على الامتلاك، وبعدئذ تراهم صائحين يطلبون التقدم؛ آبار البترول، ms148 ~~السلاح، جو ألديهايد، والتقنيين السوفييت. # وقطب موروجان جبينه وهز رأسه: إن هذا لا ينفع. ~~- تعني أن ذلك لا يغريهم؟ ولا حتى مؤشرات السرعة الملساء وصدرات الأثداء القرنفلية؟ غير ~~معقول! # وقال موروجان بمرارة: قد يكون غير معقول، ولكنها الحقيقة. إنهم لا يعبئون. ~~- حتى الشباب ؟ ~~- بل والشباب بوجه خاص. # وأرهف ويل فارنبي السمع؛ فلقد كان عدم الاكتراث هذا أمرا شائقا جدا، وسأله: هل تقدر ~~السبب؟ # وأجاب الفتى: أنا لا أقدره، بل أعلمه. وبدأ يتكلم بنغمة تنم عن الاستنكار الحق، نغمة كانت ~~لا تتفق أبدا مع سنه ومظهره، وكأنه قرر فجأة أن يحاكي أمه. قال: أولا، الناس هنا منشغلون ~~جدا ب... وتردد في إكمال العبارة. ولكن الكلمة الممقوتة خرجت همسا من بين شفتيه مع تأكيد ~~يثير الاشمئزاز: «بالجنس.» ~~- ولكن كل امرئ مشغول بالجنس، ولا يمنعهم ذلك من السعي وراء مؤشرات السرعة ~~كالبغايا. # وقال موروجان مؤكدا: ولكن الجنس مختلف هنا. # وسأله ويل وقد تذكر الوجه الطروب للممرضة الصغيرة: ذلك بسبب يوجا الحب؟ # وأومأ الفتى برأسه إيجابا وقال: عندهم شيء يجعلهم يظنون أنهم في منتهى السعادة، وهم لا ~~يريدون شيئا آخر. ~~- يا لها من حالة سعيدة. # قال موروجان وقد طقطق بأصابعه: ليس في الأمر ما يسعد؛ الأمر كله غباء ويدعو إلى ~~الاشمئزاز. لا تقدم، الأمر كله جنس في جنس في جنس. ثم هناك أيضا ذلك المخدر الملعون الذي ~~يتعاطونه جميعا. # وأعاد ويل الكلمة في دهشة: مخدر؟ مخدر في مكان قالت سوزيلا إنه ليس به مدمون؟ أي نوع من ~~أنواع المخدرات؟ # وأجاب في صيغة فكهة يحاكي بها نغمة الراني المتذبذبة حينما تثار روحانيها، قال: إنه مصنوع ~~من نوع من أنواع الفطريات السامة. ~~- تلك الفطريات الحمراء الجميلة التي تعودت أن تجلس فوقها الأقزام الذين يحرسون كنوز ~~الأرض؟ ~~- لا، هذه الفطريات صفراء اللون. وقد اعتاد الناس أن يخرجوا لجمعها من الجبال. أما اليوم ~~فهي تنمو في أحواض خاصة بالفطر بمرتفعات محطة التجارب، إنه مخدر يزرع بطريقة علمية. شيء ~~جميل. أليس كذلك؟ # وانفتح الباب محدثا صوتا، وسمعت ضجة ووقع ms149 أقدام تقترب من الردهة، وفجأة اختفت روح ~~الراني الساخطة (التي تقمصها)، وعاد موروجان مرة أخرى ذلك التلميذ حي الضمير الذي حاول خفية ~~أن يستر مظاهر انحرافه. وفي لمح البصر حل كتاب «مبادئ علم البيئة» محل مجلد «سيرز وروبك» ~~واختفت تحت المنضدة الحقيبة المنتفخة المريبة. وبعد لحظة دخل فيجايا الغرفة يذرعها بخطواته ~~عاريا إلى وسطه، لامعا كالبرنز الممسوح بالزيت، يتصبب منه عرق العمل في شمس الظهيرة، وسار ~~من خلفه الدكتور روبرت. ورفع موروجان بصره من كتابه وعليه سيما الطالب النموذجي الذي قاطعه ~~أثناء القراءة من انتهك حرمة المكان من العالم الخارجي الطائش. وبسرور بالغ أخذ ويل لتوه ~~يؤدي بكل إخلاص ذلك الدور الذي وكل إليه أن يؤديه. # وعندما تقدم إليه فيجايا معتذرا عن التأخير، قال: أنا الذي جئت إلى هنا مبكرا؛ مما ترتب ~~عليه أن صديقنا الصغير هنا لم يتمكن من متابعة دروسه؛ فقد كنا منهمكين في الجدل. # وسأل الدكتور روبرت: فيم؟ ~~- في كل شيء، الكرنب، والملوك، والعجلات البخارية، والبطون المتدلية. وعندما جئتم كنا قد ~~بدأنا الحديث في الفطر، وكان موروجان يحدثني عن الفطريات التي تستخدم هنا مصدرا ~~للمخدرات. # وقال الدكتور روبرت ضاحكا: هل يدل الاسم على شيء ما؟ الإجابة، أنه يدل على كل شيء. إن ~~موروجان لسوء الحظ قد نشأ في أوروبا ولذلك يسميه المخدر وشعوره نحوه الاستنكار المطلق الذي ~~تثيره اللفظة القذرة، متأثرا بالفعل المنعكس الشرطي. أما نحن - فعلى عكس ذلك - نطلق على ~~هذه المادة أسماء طيبة؛ نقول عنها «عقار الموكشا»، والكاشفة عن الواقع، وأقراص الحق ~~والجمال. وبالخبرة المباشرة نعلم أنها جديرة بهذه الأسماء الطيبة. أما صاحبنا الصغير هذا ~~فليست لديه معرفة مباشرة بهذه المادة، ولم يمكن إغراؤه بأن يجربها، فهي عنده مخدر، والمخدر ~~- بحكم تعريفه - شيء لا يتعاطاه شخص مهذب. # وسأل ويل: ماذا تقول في هذا يا صاحب السمو؟ # هز موروجان رأسه وتمتم قائلا: كل ما يعطيك إياه مجموعة من الأوهام. لست أدري لماذا أنحرف ~~عن طريقي وأجعل نفسي أضحوكة؟ # قال فيجايا ساخرا متفهكا: نعم لماذا؟ ولك أن ms150 تسأل لأنك في حالتك الطبيعية وحدك من بين ~~أفراد الجنس البشري جميعا الذي لا يستغفله أحد وليس لديك أوهام عن أي شيء! # واحتج موروجان قائلا: إنني لم أقل ذلك قط، وكل ما قصدت هو أنني لا أريد ما عندكم من ~~«سمادهي» زائف. # وسأل الدكتور روبرت: كيف عرفت أنه زائف؟ ~~- لأن الشيء الحقيقي لا يأتي للناس إلا بعد سنوات وسنوات من التأمل و«التابا» # 1 # وكذلك الامتناع عن النساء. # وتعليقا على ذلك قال فيجايا لويل: إن موورجان بيوريتاني «متزمت»، يثور عندما يعلم أن ~~أربعمائة مليجرام من عقار الموكشا في الدورة الدموية يجعل المبتدئين - حتى البنين والبنات ~~الذين يمارسون الحب - قادرين على رؤية العالم كما يراه المرء إذا تحرر من استرقاق ذاته ~~لنفسه. # قال موروجان مؤكدا: ولكنه غير واقعي. # ورد عليه الدكتور روبرت بقوله: غير واقعي! إن ذلك بمثابة قولك إن تجربة الإحساس بسلامة ~~الصحة غير واقعية. # واعترض على ذلك ويل بقوله: إنك تفترض سلفا صدق ما تقول؛ لأن التجربة يمكن أن تكون واقعية ~~بالنسبة لشيء يجري داخل جمجمة الرأس، ولكنها ليست كذلك بتاتا بالنسبة لأي شيء خارجي. # ووافق الدكتور روبرت على ذلك وقال: طبعا. ~~- هل أنت تعلم ما يجري بداخل جمجمتك عندما تتناول جرعة من الفطر؟ ~~- نعرف القليل. # وأضاف على ذلك فيجايا: ونحن نحاول كل مرة أن نزداد معرفة. # قال الدكتور روبرت: لقد عرفنا مثلا أن الناس الذين لا يظهر رسم المخ عندهم حركة الموجة ~~«أ» وهم في حالة استرخاء لا يحتمل أن يستجيبوا لعقار الموكشا بدرجة محسوسة، ويمثل هؤلاء نحو ~~خمسة عشر في المائة من السكان. ومعنى ذلك أن علينا أن نوفر لهم سبلا أخرى للتحرر. # قال فيجايا: وثمت أمر آخر بدأنا ندركه، وهو علاقة الأعصاب بهذه التجربة. ماذا يحدث في ~~المخ عندما تحدث الرؤية؟ وماذا يحدث عندما ينتقل المرء من حالة عقلية تسبق التصوف إلى حالة ~~التصوف الحق؟ # قال ويل: وهل تعرفون؟ ~~- المعرفة كلمة ضخمة. يكفينا أن نقول إننا في وضع يمكننا من الحدس المعقول. الملائكة وصور ~~جديدة لأورشليم وللعذراء ms151 ولأمثال بوذا الذين سوف يظهرون في المستقبل - كل هؤلاء - كل هؤلاء ~~متصلون بنوع غير عادي من أنواع إثارة مناطق المخ التي تتصور الأفكار وكأنها حقائق موضوعية؛ ~~اللحاء البصري مثلا. ولا نعلم حتى الآن كيف يحدث عقار الموكشا هذه الإثارات غير العادية. ~~المهم أنها تحدثها بطريقة ما، وبطريقة ما تفعل شيئا غير عادي في مناطق المخ الساكنة، ~~المناطق التي لا تتعلق خاصة بالرؤية أو الحركة أو الشعور. # واستفسر ويل: وكيف تتجاوب هذه المناطق الساكنة؟ ~~- لنبدأ كلامنا بما لا تتجاوب معه هذه المناطق. إنها لا تتجاوب مع الرؤى أو المسموعات، ~~ولا تتجاوب مع اتصال العقول أو رؤية ما يقع وراء نطاق البصر أو أي نوع من أنواع الأداء الذي ~~يجاوز حدود النفس. لا شيء من المادة الممتعة التي تسبق التصوف. تجاوبها تجربة صوفية كاملة؛ ~~الواحد في الكل والكل في الواحد. التجربة الأساسية وما يترتب عليها؛ الرأفة التي لا تحد، ~~واللغز والمعنى الذي لا يسبر غوره. # وقال الدكتور روبرت: وذلك بخلاف المتعة. المتعة التي يعجز عن وصفها التعبير. # قال ويل: والمجموعة كلها داخل الجمجمة. ~~- أمر خاص جدا، لا إشارة فيه لأي شيء خارجي سوى الفطر. # وقاطعه موروجان قائلا: غير واقعي. وهذا بالضبط ما كنت أحاول أن أقوله. # قال الدكتور روبرت: أنت تفترض أن المخ يحدث الوعي. وأنا أزعم أن المخ ينقل الوعي. وليس ~~شرحي أكثر بعدا في احتماله من شرحك. كيف يمكن أن يمارس المرء مجموعة من الأحداث التي ~~تتعلق بعالم ما على أنها مجموعة من الأحداث متعلقة بعالم آخر مختلف تماما وغير متناسب معه. ~~ليس هناك من لديه أدنى فكرة، كل ما يستطيع المرء أن يفعله هو أن يقبل الوقائع ويلفق الفروض. ~~وكل فرض - من الناحية الفلسفية - له من الصلاحية ما لغيره من الفروض. أنت تقول إن عقار ~~الموكشا يفعل شيئا ما في المناطق الصامتة من المخ مما يجعل هذه المناطق تنتج حوادث ذاتية ~~يسميها الناس «تجربة صوفية». وأنا أقول إن عقار الموكشا يفعل شيئا ما في المناطق الصامتة ~~من المخ مما ms152 يفتح شيئا يشبه صمام المخ فيسمح بقدر أكبر من «العقل العام» أن يتدفق في «عقلك ~~الخاص»، وأنت لا تستطيع أن تثبت صدق فرضك، وأنا لا أستطيع أن أثبت صدق فرضي، وحتى إن استطعت ~~أن تثبت خطئي فهل يكون هناك فرق عملي؟ # قال ويل : كنت أحسب أن هناك فارقا كبيرا. # قال الدكتور روبرت: هل تحب الموسيقى؟ ~~- أكثر من أي شيء آخر؟ ~~- هل لي أن أسألك إلى أي شيء تشير خماسية موزار؟ هل تشير إلى الله أو تاو أو إلى الشخص ~~الثاني من الثالوث المقدس أو إلى أتمان براهمان؟ # وضحك ويل وقال: أرجو ألا يكون هناك شيء من ذلك. ~~- ولكن ذلك لا يقلل مما تعطيه الخماسية لنا. الأمر شبيه بذلك فيما يتعلق بنوع التجربة ~~التي تظفر بها من عقار الموكشا، أو من الصلاة والصيام والتدريبات الروحية. إنها قد لا تشير ~~إلى شيء خارج عنها، ومع ذلك فهي أهم ما يحدث لك. إنها كالموسيقى ولكنها أقوى منها أثرا. ~~وإذا أنت أعطيت للتجربة فرصة، وإذا كنت على استعداد لأن تمارسها، فسوف تجد أن نتائجها أفعل ~~علاجا وأكثر قدرة على تشكيلك بدرجة لا تقارن. ربما كان كل شيء يحدث داخل الجمجمة، وربما ~~كان خاصا بك وحدك، وربما لا تكون هناك معرفة موحدة لأي شيء سوى ما يحدث لوظائف أعضائك ~~أنت. ماذا يهمنا في ذلك؟ الأمر الواقع هو أن التجربة تستطيع أن تفتح عينيك وتجعلك من ~~المباركين وتقلب حياتك كلها. وسادت فترة طويلة من الصمت، واصل بعدها الحديث متوجها إلى ~~موروجان: أحب أن أقول لك شيئا، شيئا لم يكن في نيتي أن أبوح به لأي إنسان. ولكني أشعر ~~الآن أنه ربما كان علي واجب إزاء العرش وإزاء بالا وكل ساكنيها؛ لزام علي أن أحدثك عن ~~هذه التجربة الخاصة. وربما كان حديثي عونا لك لكي تكون أكثر تفهما لبلدك وطرائقها. وصمت ~~لحظة، ثم واصل الحديث بنغمة هادئة تنم عن الثقة التامة فيما يروي، قال: أعتقد أنك تعرف ما ~~جرى لزوجتي. # وبوجه لا يزال متجها وجهة أخرى أومأ ms153 موروجان برأسه إيجابا، وتمتم قائلا: أسفت عندما ~~نمى إلي أنها مريضة. # قال الدكتور روبرت: لم يعد لها سوى بضعة أيام، أربعة أو خمسة على الأكثر، ولكنها لا تزال ~~صافية الذهن، واعية تماما بما يحدث لها. بالأمس سألتني إن كنا نستطيع أن نتناول عقار ~~الموكشا معا. وفي جملة معترضة قال: وكنا نفعل ذلك من قبل مرة أو مرتين كل عام خلال السبعة ~~وثلاثين عاما الماضية؛ منذ أن قررنا أن نتزوج، والآن مرة أخرى؛ للمرة الأخيرة، والأمر لا ~~يخلو من مخاطرة لما قد يترتب عليه من إيذاء لكبدها. ولكنا قررنا أنه خطر يستحق أن نرتكبه. ~~وكنا على حق كما تبين فيما بعد؛ فإن عقار الموكشا - أو المخدر كما تحب أن تسميه - كاد ألا ~~يصيبها بأي سوء، وكل ما حدث لها تحول عقلي. # ثم صمت، وفجأة تنبه ويل إلى خمش الفئران المحبوسة في القفص وصريرها، كما تنبه من خلال ~~النافذة المفتوحة إلى الجلبة التي تتميز بها الحياة في المناطق الاستوائية، وكذلك إلى نداء ~~طائر بعيد من طيور المينة، يصيح: الآن، وفي هذا المكان أيها القوم، الآن، وفي هذا المكان ~~... # وأخيرا قال الدكتور روبرت: أنت مثل هذه المينة؛ دربت على تكرار ألفاظ لا تفقه لها معنى ~~أو تدرك لها مغزى. لا تفتأ تكرر قولك: «غير واقعي، غير واقعي»، ولكنك إذا جربت ما فعلته أنا ~~ولاكشمي بالأمس كنت أكثر من ذلك علما. كنت أكثر واقعية مما يدور في خلدك ومشاعرك في هذه ~~اللحظة. كنت أكثر واقعية من العالم الذي تبصره بعينيك. ولكن «هذا غير واقعي» هي العبارة ~~التي تعلمت أن تجريها على لسانك، «غير واقعي، غير واقعي». ووضع الدكتور روبرت إحدى يديه على ~~كتف الفتى في عطف شديد، وواصل حديثه قائلا: قيل لك إنا لسنا سوى مجموعة من متعاطي المخدرات ~~المدمنين، نغوص في الأوهام والسمادير الكاذبة. اسمع يا موروجان: عليك أن تنسى كل ما نفخوه ~~فيك من لغة باطلة. عليك أن تنساه على الأقل حتى تقوم بالتجربة مرة واحدة. خذ أربعمائة ~~مليجرام من عقار الموكشا ms154 واكشف لنفسك بنفسك تأثيرها، وماذا تستطيع أن تنبئك به عن طبيعتك، ~~وعن هذا العالم الغريب الذي يتحتم عليك أن تعيش فيه، وتتعلم فيه، وتكابد فيه، وأخيرا تموت ~~فيه. نعم؛ لأنه حتى أنت لا بد أن تموت يوما ما؛ ربما بعد خمسين عاما من اليوم، وربما ~~غدا، من ذا الذي يعلم؟! ولكنه لا بد حادث. ومن لا يستعد لهذا اليوم رجل غافل. والتفت إلى ~~ويل وقال له: هل تحب أن ترافقنا ونحن نستحم ونرتدي الملابس؟ # ولم ينتظر منه ردا وسارع إلى الخروج من الباب الذي ينفتح على الردهة الوسطى في البناء ~~الطويل. والتقط ويل عصاه الخيزرانية وخرج من الغرفة في أثره مصاحبا فيجايا. # وبعدما انغلق الباب خلفهما سأل فيجايا: هل تظن أن موروجان قد تأثر بهذا الكلام؟ # وهز فيجايا كتفيه وقال: إني أشك في ذلك. # قال ويل: إنه بتأثير أمه وبشغفه بالآلات ذات الاحتراق الداخلي محصن ضد أي شيء مما تقولون. ~~كم كنت أود لو أنك استمعت إليه وهو يتحدث في موضوع العجلات البخارية! # قال الدكتور روبرت وقد توقف عند باب أزرق في انتظارهما لكي يرافقاه: سمعناه مرارا ~~وتكرارا. عندما يبلغ سن الرشد ستصبح هذه العجلات قضية سياسية كبرى. # وضحك فيجايا وهو يقول: أن تركب العجلة أو لا تركبها، هذه هي المشكلة. # 2 # وأضاف الدكتور روبرت: إنها ليست مشكلة في بالا وحدها، إنها المشكلة التي لا بد أن تجد ~~لها كل البلاد النامية حلا بطريقة ما. # قال ويل: والحل هو هو بعينه دائما. حيثما ذهبت - وقد طفت في كل مكان تقريبا - وجدتهم ~~يختارون ركوب العجلات بكل قلوبهم. # ووافقه فيجايا قائلا: بغير استثناء. يحبون ركوب العجلات من أجل العجلات في حد ذاتها. لا ~~يعبئون البتة بكل ما يتعلق باستكمال أنفسهم أو بتثقيفهم أو تحررهم، ودعك من الصحة العامة أو ~~السعادة. # قال الدكتور روبرت: في حين أننا قد اخترنا أن نكيف الاقتصاد والتكنولوجيا عندنا بما يناسب ~~البشر؛ ولم نكيف البشر ليتقبلوا تكنولوجيا غيرهم واقتصادهم. إننا نستورد ما لا نستطيع أن ~~نصنعه، ولكنا لا ms155 نصنع ولا نستورد إلا ما في وسعنا. وما بوسعنا لا يحدده فقط ما لدينا من ~~الجنيهات والماركات والدولارات، وإنما يحدده كذلك وفي المقام الأول - وأؤكد ما في المقام ~~الأول - رغبتنا في أن نكون سعداء وطموحنا إلى أن نكون إنسانيين بكل ما تعنيه الكلمة. ~~والعجلات - كما قررنا بعدما بحثنا الأمر بكل دقة - من الأشياء العديدة التي ليست في وسعنا. ~~وذلك أمر سوف يتعلمه موروجان بعد مشقة لأنه لم يتعلمه - ولا يريد أن يتعلمه - بيسر ~~وسهولة. # وسأل ويل: وما هي الطريقة السهلة الميسرة للتعلم؟ ~~- التربية وكشف الحقيقة. وموروجان لم ينل هذه ولا تلك. بل قل إنه نال نقيضيهما؛ سوء ~~التربية في أوروبا؛ مربية سويسرية، ومعلمون إنجليز، والصور المتحركة الأمريكية، والإعلانات ~~العامة؛ وقد كانت روحانية أمه من النوع الذي أخفى عنه الحقيقة، ولا عجب بعد ذلك إذا كان قد ~~شغف بالعجلات البخارية. ~~- ولكني علمت أن رعاياه لا يشغفون بها. ~~- وكيف يشغفون؟ وقد تعلموا منذ نعومة أظفارهم أن يكونوا على وعي تام بالعالم، وأن ~~يستمتعوا بهذا الوعي. وفوق ذلك رأوا العالم كما رأوا أنفسهم وغيرهم من الناس كما أضاءتهم ~~وأظهرتهم كاشفات الحقيقة، مما ساعدهم بطبيعة الحال على أن يشتد وعيهم وأن تكون متعتهم قائمة ~~على أساس من الإدراك، حتى لقد بدت لهم الأشياء العادية، والأحداث التافهة كالجواهر ~~والمعجزات، نعم كالجواهر والمعجزات. وقد كرر العبارة للتأكيد ثم أضاف: وإذن لم تكن بنا حاجة ~~إلى اللجوء إلى العجلات أو الويسكي أو التليفزيون أو بيلي جراهام أو أي شيء مما تستخدمونه ~~ليصرف أذهانكم ويعوضكم. # واستشهد ويل بهذه العبارة: لا يغني فعلا إلا كل شيء. ثم قال: أنا أدرك الآن ما تحدث به ~~راجا العجوز، إنك لن تكون اقتصاديا إلا إن كنت من علماء النفس الممتازين، ولن تكون ~~مهندسا ممتازا إلا إن كنت من النوع الصحيح من الميتافيزيقيين. # قال الدكتور روبرت: ولا تنس العلوم الأخرى جميعا؛ علم العقاقير، علم الاجتماع، علم وظائف ~~الأعضاء. ولست بحاجة إلى ذكر علم الإنسان بنفسه نظريا وتطبيقيا، ونيوروثيولوجيا، وما ~~وراء الكيمياء، والتصوف، والعلم ms156 الغائي. قال ذلك مشيحا بوجهه كي يكون أكثر وحدة وهو يفكر في ~~لاكشمي وهي في المستشفى، وأضاف: والعلم الذي سوف نمتحن فيه إن عاجلا أو آجلا؛ أقصد ~~الثانتولوجيا (علم الموت). وصمت برهة ثم قال بنغمة أخرى: والآن دعنا نذهب لنغتسل. وفتح ~~الباب الأزرق، وتقدمهم نحو حجرة الغيار وبها صف من الأدشاش وأحواض الغسيل في جانب، وفي ~~الجانب الآخر صفوف من الصناديق المقفلة ودولاب كبير لتعليق الملابس. # واتخذ ويل له مقعدا، وبينما كان رفيقاه يغتسلان في الأحواض واصل حديثه معهما. # سأل: هل يجوز لأجنبي ممن ساءت تربيتهم أن يجرب قرصا من أقراص الحق والجمال؟ # وكانت الإجابة سؤالا آخر ألقاه الدكتور روبرت مستفسرا: هل كبدك في حالة جيدة؟ ~~- جيدة جدا. ~~- ويبدو أن انفصام الشخصية عندك خفيف؛ لذلك لا أرى مانعا. ~~- وإذن أستطيع أن أقوم بالتجربة؟ ~~- متى ما شئت. # واتجه نحو أقرب كشك من أكشاك الدش وفتح صنبور الماء، وفعل فيجايا مثل ما فعل. # ولما خرجا من تحت الماء وبدأ كل منهما يجفف نفسه سألهما: أليس من المفروض أنكما من ~~المثقفين؟ # وأجاب فيجايا: نحن نقوم بعمل المثقفين. ~~- إذن لماذا كل هذه المشقة فيما تؤدون؟ ~~- لسبب بسيط. كان عندي هذا الصباح قليل من وقت الفراغ. # قال الدكتور روبرت: وأنا كذلك. ~~- لذلك خرجتما إلى الحقول وقمتما بما قام به تولستوي. وضحك فيجايا قائلا: يبدو أنك تتصور ~~أننا نفعل ذلك لأسباب خلقية. ~~- أوليس كذلك؟ ~~- كلا بالتأكيد، إنما أنا أقوم بعمل عضلي لأن عندي عضلات، وإذا أنا لم أستخدم عضلاتي أمسي ~~قعيدا بالعادة حاد المزاج. # قال الدكتور روبرت: بدون أي شيء بين لحاء المخ والأرداف، أو قل مع وجود كل شيء؛ ولكن في ~~حالة من عدم الوعي والركود السام. المثقفون الغربيون جميعا يدمنون الجلوس؛ ولذلك كان ~~أكثركم عليلا بدرجة منفرة. في الماضي كان الدوق نفسه يمشي كثيرا، وكذلك كان الثري الذي ~~يقرض المال، والميتافيزيقي. وعندما لا يسيرون على الأقدام كانوا يهطعون على ظهور الخيل. أما ~~اليوم فمن صاحب رأس المال إلى كاتبه على الآلة الكاتبة، ومن الوضعي ms157 المنطقي إلى المفكر ~~الوضعي، الكل يقضي تسعة أعشار وقته فوق حشايا المطاط. مقاعد إسفنجية لأعجاز إسفنجية؛ في ~~المنازل والمكاتب والعربات والبارات والطائرات والقطارات والأوتوبيس. لا تتحرك الأرجل، ولا ~~كفاح مع المسافات أو مع الجاذبية؛ مجرد مصاعد وطائرات وعربات، ومقاعد من المطاط وجلوس ~~دائم. كانت قوة الحياة تجد لها مخرجا في العضلات المفتولة. أما اليوم فهي ترتد إلى الأحشاء ~~والجهاز العصبي، وشيئا فشيئا تهدمها. ~~- ولذلك فأنتم ترون أن الحفر والتنقيب نوع من أنواع العلاج؟ ~~- للوقاية؛ حتى لا تبقى للعلاج ضرورة. في بالا يخصص كل فرد ساعتين كل يوم للحفر والتنقيب، ~~حتى الأستاذ، وحتى موظف الحكومة. ~~- كجزء من واجباته. ~~- وكجزء من متعته. # وامتعض ويل وهو يقول: لا يمكن أن يكون ذلك جزءا من متعتي. # وشرح له فيجايا الأمر وقال: ذلك لأنك لم تتعلم أن تستخدم عقلك وبدنك في آن واحد بالطريقة ~~الصحيحة. ولو أنك عرفت كيف تصنع الأشياء بالحد الأدنى من المجهود والحد الأقصى من الوعي ~~استمتعت حتى بالعمل الشاق. ~~- أظن أن أطفالكم جميعا يتدربون على ذلك. ~~- منذ اللحظة الأولى التي يبدءون فيها العمل بأنفسهم. ما هي - مثلا - الطريقة الصحيحة ~~التي تتناول بها نفسك وأنت تزرر ملابسك؟ وبدأ فيجايا يزرر قميصه الذي ارتداه، وجعل حركاته ~~تتفق مع كلماته، وواصل حديثه قائلا: نحن نجيب على هذا السؤال بأن نضع رءوسهم وأبدانهم ~~فعلا في أحسن وضع فسيولوجي. وفي نفس الوقت نشجعهم على أن يلحظوا مشاعرهم حينما تكون أبدانهم ~~في أحسن وضع فسيولوجي، وأن يكونوا على وعي بما تتألف منه عملية الزر، من لمسات وضغوط ~~وإحساسات عقلية. وإذا ما بلغ الطفل الرابعة عشرة يكون قد تعلم كيف يستغل كل نشاط يقوم به ~~موضوعيا وذاتيا. عندئذ نعهد إليهم بالأعمال؛ ينفق كل منهم تسعين دقيقة كل يوم في عمل ~~من الأعمال اليدوية. ~~- هذا عود إلى الأيام التي كان الأطفال فيها يعملون! # قال الدكتور روبرت: الأصح أن تقول هذا تقدم من هذا التعطل السيئ المستحدث للأطفال. أنتم ~~لا تسمحون لأطفالكم بالعمل؛ ولذلك تراهم ينفقون نشاطهم في الانحراف أو ms158 يكبتون نشاطهم حتى ~~يستعدوا لأن يصبحوا من مدمني القعود المستأنسين. ثم قال: والآن، حان الوقت لكي ننصرف. سوف ~~أتقدم لكي أرشدكم إلى الطريق. # ولما ولجوا المعمل كان موروجان مشتغلا بإغلاق حقيبته؛ لكي لا تتطلع إليها العيون ~~المتطفلة. قال: أنا مستعد، وتأبط «العهد الأجد» # 3 # الذي يتألف من ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسين صفحة، وتقفى أثرهم في ضوء الشمس. ~~وبعد بضع دقائق، وهم مكدسون في عربة جيب قديمة، انطلق أربعتهم على طول الطريق الذي يؤدي إلى ~~الطريق العام مارين بإصطبل العجل الأبيض، وبركة اللوتس، وتمثال بوذا الحجري الضخم، ومخترقين ~~بوابة مجمع المحطة. وقال فيجايا وهم يغذون السير ويتخبطون في وعورة الطريق: آسف لأننا لا ~~نستطيع أن نمدكم بوسائل للنقل أكثر راحة. # وربت ويل على ركبة موروجان وقال: هذا هو الرجل الذي تقدم إليه اعتذارك، فهو يتحرق شوقا ~~للعربات الفاخرة، الجاجوار وثندربيرد. # ومن مقعده الخلفي قال الدكتور روبرت: أخشى أن يكون شوقا يبقى دائما دون أن يحقق صاحبه ~~الأمل المنشود. # ولم يعلق على ذلك موروجان بشيء ما، واكتفى بابتسامة ازدراء خفية يشير بها إلى أنه أكثر من ~~ذلك علما. # وواصل الدكتور روبرت حديثه قائلا: نحن لا يمكن أن نستورد اللعب. الضروريات فقط. ~~- مثل؟ ~~- سوف ترى بعد لحظة. وسارا حول منحنى، وشاهدوا تحت أبصارهم أسقفا من الخوص وحدائق تظللها ~~الأشجار في قرية كبيرة. والتزم فيجايا جانب الطريق وأوقف المحرك، وقال: ما تشاهده هو ~~روثامستد الجديدة، أرز وخضروات، وطيور، وفاكهة. هنا مصنعان للخزف ومصنع للأثاث؛ ولذلك ترى ~~هذه الأسلاك. ولوح بيده نحو صف من أبراج الأسلاك الكهربائية التي تقع فوق منحدر مدرج خلف ~~القرية، وتختفي عن الأنظار عند قمة التل، ثم تظهر ثانية على بعد وترتفع من قاع الوادي ~~التالي صوب حزام أخضر من غابة جبلية. مع ظهور القمم التي تكسوها السحب بعيدة مرتفعة، وأشار ~~بإصبعه نحو بناء من الإسمنت بغير نوافذ يرتفع وسط البيوت الخشبية قريبا من المدخل الأعلى ~~للقرية بشكل غير ملائم وقال: هذا من الواردات التي ليس عنها غنى؛ أجهزة كهربائية. وبعدما ms159 ~~سخرنا مساقط المياه وعلقنا أسلاك الإرسال كان لدينا شيء آخر له أولوية قصوى. # سأل ويل: وما هو؟ هل هو نوع من أنواع الأفران الكهربائية؟ ~~- لا، الأفران في الجانب الآخر من القرية. أما هذا فهو جهاز عام للتجميد. # وشرح ذلك الدكتور روبرت قائلا: في الماضي كنا نفقد نحو نصف المواد القابلة للتلف مما ~~ننتجه. أما الآن فنحن لا نفقد شيئا قط. كل ما نزرع لنا وليس للبكتريا المحيطة بنا. ~~- ولذلك لديكم الآن ما يكفي للطعام. ~~- أكثر من الكفاية. طعامنا أفضل من طعام أي بلد آخر في آسيا، ولدينا فائض للتصدير. كان ~~لنين يقول إن الكهرباء مع الاشتراكية تساوي الشيوعية. ولكن معادلتنا تختلف عن ذلك. فنحن ~~نقول إن الكهرباء مطروحا منها الصناعة الثقيلة مضاف إليها تحديد النسل تساوي الديمقراطية ~~والوفرة. أما الكهرباء مضاف إليها الصناعة الثقيلة ومطروح منها تحديد النسل فتساوي البؤس ~~والحكم الشمولي والحرب. # وسأل ويل: بهذه المناسبة، من يملك كل هذا؟ هل أنتم رأسماليون أو دولة اشتراكية؟ ~~- لا هذا ولا ذاك. نحن في أكثر الأحيان تعاونيون. الزراعة في بالا كانت دائما تسوية ~~الأرض وريها. ولكن التسوية والري تقتضيان الجهد المشترك والاتفاق الودي. المنافسة القاتلة ~~لا تتفق وزراعة الأرز في بلد جبلي. وقد وجد القوم هنا أنه من السهل جدا الانتقال من ~~التعاون المتبادل في مجتمع القرية إلى وسائل التعاون الميسرة في البيع والشراء والتمويل ~~واقتسام الأرباح. ~~- حتى التمويل التعاوني؟ # وأومأ الدكتور روبرت رأسه إيجابا وقال: ليس عندنا أولئك المرابون مصاصو الدماء الذين ~~تجدهم في كل أنحاء الريف الهندي. وليست لدينا بنوك تجارية على طريقة أهل الغرب. نظام ~~الاقتراض والتسليف عندنا يسير وفقا لنموذج اتحادات الائتمان التي أنشأها في ألمانيا ويلهلم ~~ريفيش منذ أكثر من قرن. وقد أقنع الدكتور أندرو الراجا بدعوة أحد الشبان الذين يعملون في ~~نظام ريفيش لزيارة بالا ووضع نظام تعاوني للبنوك. ولا يزال هذا النظام قائما ويعمل ~~بنشاط. # وسأل ويل: وما هو النقد الذي تستعملونه؟ # أدخل الدكتور روبرت يده في جيب سرواله وأخرج ملء راحته من الفضة ms160 والذهب والنحاس. # وأخذ يشرح قائلا: بالا تنتج الذهب بطريقة متواضعة؛ نستخرج من المناجم قدرا يكفي لضمان ~~العملة الورقية بالمعادن الثابتة، والذهب يكمل صادراتنا. نستطيع أن ندفع نقدا فوريا نظير ~~المعدات المكلفة كأسلاك الإرسال والمولدات الكهربائية التي شهدتها في الطرف الآخر. ~~- يبدو أنكم قد وجدتم حلا ناجحا لمشكلاتكم الاقتصادية. ~~- لم يكن حل هذه المشكلات بالأمر العسير. فنحن أولا لم نسمح لأنفسنا بأن ننجب أطفالا ~~أكثر مما نستطيع أن نطعم ونكسو ونأوي ونربي في سبيل الإنسانية الكاملة. ولما لم تكن لدينا ~~زيادة في السكان كانت لدينا وفرة. وعلى الرغم من هذه الوفرة استطعنا أن نقاوم الإغراء الذي ~~انساق له أهل الغرب؛ أعني الإغراء بالاستهلاك الزائد. لا يصاب أحدنا بالجلطة في الشريان ~~التاجي لأنه يتعاطى من المواد الدهنية ستة أمثال ما يحتاج. ولا نخدع أنفسنا بالاعتقاد بأن ~~اقتناء جهازين من أجهزة التليفزيون يضاعف من سعادتنا باقتناء جهاز واحد. وأخيرا نحن لا ~~ننفق ربع مجموع الإنتاج الوطني في الاستعداد لحرب عالمية ثالثة أو حتى لحرب صغرى تتولد عن ~~الحرب العالمية، تكون الحرب المحلية رقم 3333. التسليح والقروض العالمية والتخطيط لإهمال ~~القديم في سبيل الجديد؛ هذه هي الأعمدة الثلاثة التي تستند إليها الرفاهية في الغرب. لو ~~أنكم ألغيتم الحروب والتبذير وإقراض المال انهارت مجتمعاتكم. وبينما أنتم تسرفون في ~~الاستهلاك يزداد بقية العالم استغراقا في النكبات المزمنة: الجهل، والروح العسكرية وزيادة ~~النسل؛ هذه النكبات الثلاث وأخطرها زيادة النسل. ولا أمل ولا بارقة لإمكان حل المشكلة ~~الاقتصادية حتى يكون ذلك محلا للتحكم. كلما زاد عدد السكان هبط مستوى الرفاهية. وبإصبع ~~ممتدة أشار إلى المنحنى الهابط، ثم قال: وإذا هبط مستوى الرفاهية ساد السخط وعم العصيان ~~(وارتفعت سبابته مرة أخرى وعاد يقول): ويسود الاستهتار السياسي، وحكم الحزب الواحد، ~~والتعصب القومي والميل إلى القتال. وإذا استمرت الحال كذلك عشر سنوات أو خمس عشرة سنة أخرى ~~من الإنسال بغير حظر انتشر في العالم كله - من الصين إلى بيرو عبر أفريقيا والشرق الأوسط - ~~ظهور الزعماء الذين يكرسون كل جهودهم لكبت الحرية، يسلحون ms161 بلادهم إلى الأذقان من روسيا أو ~~أمريكا - وهو الأفضل - منهما معا، يلوحون بالأعلام ويطالبون «بالمجال الحيوي». # وسأل ويل: وما هو الموقف في بالا؟ هل ترحبون بظهور زعيم قائد بعد عشر سنوات من ~~الآن؟ # أجاب الدكتور روبرت: لن يكون ذلك باختيارنا. لقد كنا دائما نبذل الجهد الممكن كله لكي ~~نحول دون ظهور الزعيم القائد. # ولاحظ ويل بطرف عينه أن موروجان يبدي استنكاره واشمئزازه وسخطه؛ فقد كان أنطونيوس (يقصد ~~موروجان) يرى نفسه بالتأكيد بطلا من أبطال كارلايل. والتفت ويل إلى الدكتور روبرت. # وقال له: خبرني كيف استطعتم ذلك؟ # أولا نحن لا نخوض حروبا ولا نستعد لها؛ ومن ثم فليست بنا حاجة إلى نظام التجنيد ~~الإجباري، أو الرتب العسكرية أو القيادة الموحدة. وعندنا إلى جانب ذلك نظامنا الاقتصادي ~~الذي لا يسمح لأحد أن يثري أكثر من أربعة أو خمسة أضعاف المتوسط. ويعني ذلك أنه لا يظهر ~~بيننا قادة في مجال الصناعة أو ممولون ذوو قدرات لا تحد. وأفضل من ذلك ليس لدينا ساسة أو ~~بيروقراطيون ذوو قدرات لا تحد. بالا اتحاد من وحدات تحكم كل منها نفسها بنفسها؛ وحدات ~~جغرافية، ووحدات مهنية، ووحدات اقتصادية؛ ومن ثم فالمجال متسع فسيح للمبادرات على نطاق ضيق، ~~وللقادة الديمقراطيين، ولا يتسع المجال لأي نوع من أنواع الدكتاتورية التي تقوم على رأس ~~حكومة مركزية. وثمة نقطة أخرى: ليست لدينا كنيسة معتمدة، وديانتنا تؤكد التجربة المباشرة ~~وتستنكر الاعتقاد في مبادئ لا يمكن إثباتها والمشاعر التي يثيرها هذا الاعتقاد؛ ولذلك فنحن ~~في أمان من أخطاء البابوية من ناحية، ومن التعصب الديني الرجعي من ناحية أخرى. ومع التجربة ~~التي تجاوز الواقع ندعو بانتظام إلى التشكك. نحث الأطفال على ألا يأخذوا الألفاظ مأخذ الجد، ~~ونعلمهم أن يحللوا كل ما يسمعون أو يقرءون؛ ويشكل ذلك جزءا لا يتجزأ من منهج الدراسة. ~~والنتيجة أن مثيري الغوغاء من أمثال هتلر أو جارنا على الجانب الآخر من المضيق لا يجدون ~~فرصة لهم هنا في بالا ولم يطق موروجان كل هذا ولم يستطع أن يضبط نفسه فانفجر ms162 قائلا: ولكن ~~انظر إلى الطاقة التي يولدها الكولونيل ديبا في شعبه. انظر إلى إخلاصه وإلى تضحيته بنفسه. ~~ليس عندنا هنا في بالا ما يشبه ذلك. # قال الدكتور روبرت: والحمد لله على ذلك. # وردد فيجايا قوله: الحمد لله. # واحتج الفتى قائلا: ولكن هذا السلوك طيب، وأنا معجب به. # قال الدكتور روبرت: وأنا كذلك أعجب به إعجابي بالأعاصير. إن مثل هذه الطاقة وهذا الإخلاص ~~وهذه التضحية بالنفس لا تتفق - لسوء الحظ - مع الحرية، بل ولا تتفق مع العقل أو مع الكرامة ~~الإنسانية. والكرامة والعقل والحرية أمور تسعى بالا إلى تحقيقها منذ سميك موروجان ~~المصلح. # وأخرج فيجايا من تحت مقعده صندوقا من الصفيح، وكشف غطاءه ثم وزع دورة من ساندوتشات الجبن ~~والأفوكاته. وبعد ذلك أدار محرك السيارة وبيد واحدة دفع العربة الصغيرة إلى الطريق، وكانت ~~يده الأخرى مشغولة بالساندويتش وقال: يجب أن نأكل ونحن سائرون. ووجه الخطاب إلى ويل قائلا ~~له: غدا أطلعك على مناظر القرية، وأطلعك على منظر آخر أروع منها، هو منظر أسرتي وهي تتناول ~~طعام الغداء. أما اليوم فعندنا موعد في الجبال. # ولما اقتربوا من مدخل القرية ساق عربة الجيب في طريق جانبي متعرج شديد الانحدار إلى أعلى ~~بين حقول الأرز والخضروات ذات المصاطب، والتي تتخللها حدائق الفاكهة، وتحوطها هنا وهناك ~~مزارع من أشجار صغيرة قال الدكتور روبرت إنها تعد لتمد مصانع الورق في شيفا بورام بالمادة ~~الخام. # واستوضحهم ويل سائلا: كم صحيفة تؤيدها الحكومة؟ ودهش عندما عرف أنها صحيفة واحدة، فسأل: ~~من يحتكرها؟ الحكومة؟ الحزب الحاكم؟ المندوب المحلي لجو ألديهايد؟ # وأكد له الدكتور روبرت أنها ليست حكرا لأحد، وأضاف قائلا: للصحيفة مجلس من المحررين ~~الذين يمثلون ستة أحزاب ومصالح مختلفة. وكل محرر له مساحة من الصحيفة محددة ينشر فيها ~~تعليقه ونقده، بحيث يستطيع القارئ أن يوازن بين آرائهم ثم يكون له بعد ذلك رأيه الخاص. أذكر ~~أنني صدمت صدمة شديدة عندما اطلعت لأول مرة على إحدى صحفكم واسعة الانتشار، عناوينها ~~منحازة. والتقارير والتعليقات لا تمثل إلا جانبا واحدا باطراد، ms163 والشعارات والنداءات تحل ~~محل الجدل والحجة. الصحيفة لا تناشد العقل بصفة جدية، بل على العكس من ذلك تلمس جهدا ~~مطردا لبث ردود أفعال مشروطة في عقول الناخبين - وما خلا ذلك أخبار عن الجرائم والطلاق ~~والنوادر والهذر - أي شيء يصرف ذهن القارئ، وأي شيء يحول دون التفكير. # وواصلت العربة صعودها حتى بلغوا سلسلة من التلال تقع بين منخفضين منحدرين. وقد ظهرت في ~~قاع ممر ضيق إلى يسارهم بحيرة تحف بها الأشجار، وعلى يمينهم واد أكثر اتساعا يقع فيه مصنع ~~ضخم بين قريتين تظللهما الأشجار يشبه في تكوينه شكلا هندسيا غير منتظم. # سأل ويل: مصنع إسمنت؟ # وأومأ الدكتور روبرت برأسه إيجابا وقال: الإسمنت صناعة لا غنى عنها. ننتج منه كل حاجتنا ~~وفائضا للتصدير. ~~- وتمده هاتان القريتان بالقوى العاملة؟ ~~- في الفترات التي تتخلل الزراعة والعمل في الغابة ومصانع نشر الأخشاب. ~~- وهل ينفع عندكم نظام العمل بعض الوقت. ~~- تتوقف الإجابة عن هذا السؤال بما تعنيه بقولك: «ينفع». إن العمل بعض الوقت لا يؤدي إلى ~~أقصى حد من الكفاءة. ولكن الكفاءة القصوى في بالا ليست أمرا يطلب لذاته كما هي الحال ~~عندكم. أنتم تفكرون أولا في الحصول على أضخم إنتاج ممكن في أقصر وقت ممكن. ونحن نفكر أولا ~~في الكائنات البشرية وسد حاجاتها. وتنقل المرء بين المهن لا يؤدي إلى أضخم إنتاج في أقل ~~الأيام. ولكن أكثر الناس يؤثرون التنقل بين المهن على التزام عمل واحد طيلة الحياة. وإذا ~~خيرنا بين الكفاءة الآلية وإشباع الرغبات البشرية آثرنا الثانية. # وتطوع فيجايا بقوله: عندما كنت في العشرين من عمري كنت أعمل أربعة أشهر في مصنع الإسمنت ~~هذا، وأقضي بعد ذلك عشرة أسابيع في صناعة الفوسفات الممتاز، ثم ستة أشهر في الغابة أقطع فيها ~~الأخشاب. ~~- كنت تقوم بكل هذا العمل المضني! # وقال الدكتور روبرت: قبل ذلك بعشرين عاما قمت بعمل في مصهر النحاس، وبعد ذلك حلا لي أن ~~أعمل في البحر صائدا للأسماك في أحد الزوارق. إن اختبار جميع أنواع العمل جزء من برنامج ~~التعليم العام. الطالب يتعلم ms164 كثيرا بهذه الطريقة؛ يعرف كثيرا من الأشياء ومن المهارات ~~والتنظيمات، وعن كل صنوف البشر وطرق تفكيرهم. # هز ويل رأسه وقال: ومع ذلك فإني أوثر أن أستمد المعرفة من الكتب. # قال الدكتور روبرت: ولكن ما تحصل عليه من الكتاب ليس ذات الشيء. ثم أضاف: كلكم في أعماقكم ~~ما زلتم أفلاطونيين، تعبدون الكلمة وتمقتون المادة! # قال ويل: قل ذلك لرجال الدين. إنهم لا يفتئون يقرعوننا لأننا ماديون غلاظ. # ووافقه الدكتور روبرت قائلا: نعم غلاظ، ولكن غلظتكم ترجع إلى أنكم ماديون غير أكفاء. ~~ماديتكم معنوية باعترافكم. أما نحن فيهمنا أن تكون ماديتنا محسوسة؛ فنحن ماديون على المستوى ~~اللالفظي بالرؤية واللمس والشم، والعضلات المشدودة والأيدي المتسخة. المادية المعنوية ~~كالمثالية المعنوية، كلاهما يجعل التجربة الروحية المباشرة في حكم المستحيل. واختبار صنوف ~~العمل المختلفة بالمادية المحسوسة هو الخطوة الأولى التي لا غنى عنها في تربية الفرد لبلوغ ~~الروحانية المحسوسة. # وعقب على ذلك فيجايا بقوله: ولكن حتى أشد الماديات محسوسية لا تبلغ بك شأوا كبيرا إذا ~~كنت على وعي تام بما تعمل وما تمارس. ولا بد أن تكون مدركا تمام الإدراك لجزئيات المادة ~~التي تتناولها، والمهارات التي تمارسها، والأفراد الذين تعمل معهم. # قال الدكتور روبرت: هذا صحيح. وكان ينبغي أن أوضح أن المادية المحسوسة إن هي إلا المادة ~~الخام للحياة الإنسانية الكاملة. وبالوعي، الوعي الكامل الدائم، نحولها إلى روحانية محسوسة. ~~إذا كنت على وعي تام بما تفعل، يصبح العمل هو يوجا العمل، ويصبح اللعب يوجا اللعب، وتصبح ~~الحياة اليومية يوجا الحياة اليومية. # وتذكر ويل رانجا والممرضة الصغيرة وسأل: وما رأيكم في الحب؟ # وأومأ الدكتور روبرت برأسه وقال: وهذا أيضا، الوعي يغير طبيعته، ويجعل ممارسة الحب يوجا ~~ممارسة الحب. # وحاكى موروجان أمه عندما يصدمها الرأي. # وقال فيجايا وقد رفع صوته لكي يمكن الاستماع إليه وسط الخشخشة التي تحدثها العربة وهي ~~تسير بأدنى سرعة لها عندما نقل محرك السرعة: ممارسة الحب وسيلة نفسية بدنية لبلوغ غاية ~~تتجاوز الخبرة البشرية، وذلك - أولا وقبل كل شيء - هو صميم كل أنواع اليوجا. ms165 ولكن أنواع ~~اليوجا كذلك شيء آخر غير هذا. هي حيل للتعامل مع مشكلات السيطرة. وأعاد العربة إلى سرعة ~~أكثر هدوءا وأخفض صوته إلى نغمته الطبيعية وكرر قوله: مشكلات السيطرة، التي تقابلها على كل ~~مستوى من مستويات النظم، كل مستوى؛ من الحكومات الوطنية إلى الحضانات والعروسين في شهر ~~العسل؛ لأن الأمر لا يقتصر على تصعيب الأمور على كبار القادة، فهناك الملايين من صغار ~~المستبدين والذين يضطهدون غيرهم، هناك كثيرون مثل هتلر وإن كانوا صامتين ولا يعلو لهم ذكر، ~~هناك من هم أمثال نابليون في كل قرية، وأمثال كالفن، وتوركمادا # 4 # في كل أسرة. ولا أذكر قطاع الطرق والمتنمرين الذين بلغ بهم الغباء أن يصمهم ~~المجتمع بالإجرام. كيف تروض السطوة الكبرى التي تصدر عن أمثال هؤلاء وتجعلها تعمل بطريقة ~~نافعة، أو على الأقل تحول دون أن تكون مصدرا للأذى؟ # قال ويل: هذا ما أريدك أن تخبرني به. من أين تبدءون؟ # أجاب فيجايا: نبدأ من كل جهة في وقت واحد. ولكن حيث إن المرء لا يستطيع أن يتحدث في أكثر ~~من موضوع واحد في نفس الوقت، دعنا نبدأ بالحديث عن السيطرة من ناحية التشريح ووظائف ~~الأعضاء. أرجو يا دكتور روبرت أن تحدثه عن تناولك للموضوع من ناحيته الكيماوية ~~الحيوية. # قال الدكتور روبرت: بدأت ذلك منذ نحو أربعين عاما عندما كنت أدرس الطب في لندن. بدأت ~~بزيارة السجون في عطلات نهاية الأسبوع وقراءة التاريخ كلما خلوت في المساء. وكرر قوله: ~~التاريخ والسجون. ولقد كشفت عن العلاقة الوطيدة بينهما؛ سجل الجرائم والحماقات ومحن البشر ~~(هكذا قال جيبون. أليس كذلك؟) والمكان الذي تئول إليه الجرائم والحماقات التي لم تنجح لسوء ~~حظ مرتكبيها بصورة ما. طالعت الكتب وتحدثت إلى السجناء، ووجدتني أسائل نفسي: أي صنوف البشر ~~يصبح منحرفا خطرا؛ من كبار المنحرفين الذين ورد ذكرهم في كتب التاريخ، وصغارهم؟ أي صنوف ~~البشر تحركهم شهوة السلطة، والميل إلى التنمر والسيطرة؟ والمستهترون من الرجال والنساء ~~الذين يعرفون ما يريدون ولا تخزهم ضمائرهم إذا ألحقوا بغيرهم أذى أو قتلوهم في ms166 سبيل تحقيق ~~ما يريدون، والوحوش الذين يؤذون ويقتلون لا من أجل منفعة، وبغير مبرر؛ لأن الإيذاء والقتل ~~من أسباب اللهو؛ من يكون هؤلاء؟ وكنت أناقش هذه المسائل مع الخبراء؛ من الأطباء وعلماء ~~النفس، وعلماء الاجتماع، والمعلمين. ولقد انتهى عهد مانتيجازا وجولتون، # 5 # وأكد لي الخبراء أن الإجابات الصحيحة لهذه الأسئلة لا تلتمس إلا في الثقافة ~~والاقتصاد والأسرة. والأمر كله يرجع إلى الأمهات وتربيتهن لأطفالهن، يرجع إلى التكييف في سن ~~مبكرة وإلى البيئات التي تصدم العواطف. الأمهات والتربية الباكرة وما يحيط بالطفل من كلام ~~فارغ؛ هذه كلها أمور هامة بشكل واضح. ولكن هل هي ذات الأهمية القصوى؟ لقد بدأت ألمس أثناء ~~زيارتي للسجن أدلة على نوع من الأنماط في تكوين الأفراد، أو على الأصح على نوعين من أنماط ~~التكوين؛ ذلك أن المنحرفين الخطرين ومثيري الشغب من محبي السلطة لا ينتميان إلى نوع واحد. ~~أكثرهم - كما بدأت أن أدرك حتى في ذلك الحين - ينتمي إلى أحد نوعين متميزين متخلفين؛ فهناك ~~«أصحاب العضلات» وهناك «أنماط بيتر بان». وقد تخصصت في النوع الثاني. # سأل ويل: تقصد الأولاد الذين لا يخرجون من دور الطفولة قط؟ ~~- «قط» تعبير غير صحيح؛ ففي الحياة الواقعية ينتهي بيتر بان دائما بالنمو، وإن يكن نموه ~~لا يأتي إلا متأخرا؛ ينمو فسيولوجيا بدرجة أبطأ من سني حياته. ~~- وماذا عن بيتر بان من الفتيات؟ ~~- إنهن نادرات. أما الفتيان فتبلغ كثرتهم مبلغ حبات العليق، من بين كل خمسة أو ستة أطفال ~~من الذكور تجد بيتر بان. ومن بين الأطفال المشكلين، والأولاد الذين لا يستطيعون القراءة، ~~والذين لا يقبلون التعلم، ولا يصاحبون أحدا، وأخيرا يلجئون إلى الانحراف نحو أشكال العنف ~~المختلفة، تجد من بين هؤلاء سبعة من كل عشرة - إذا أنت أخذت أشعة سينية لعظام المعصم - من ~~طراز بيتر بان، والباقون من «أصحاب العضلات» بشكل ما. # قال ويل: إنني أحاول أن أجد مثالا تاريخيا حسنا لبيتر بان منحرف. ~~- لا تمعن في التفكير. إن أحدثهم، وخير مثال لهذا الطراز وأضخم مثال، أدولف هتلر. # قال موروجان: ms167 هتلر؟! بنغمة المذهول؛ لأن هتلر كان بالتأكيد أحد أبطاله. # قال الدكتور روبرت: اقرأ تاريخ حياة الفوهرر. لو كان هناك بيتر بان واحد لكان هو؛ فاشل في ~~المدرسة، عاجز عن المنافسة والتعاون على حد سواء، يحسد كل الأولاد الناجحين نجاحا ~~طبيعيا، يمقتهم لأنه يحسدهم، ولكي يرفع من معنويات نفسه يحتقرهم باعتبارهم كائنات أحط منه ~~شأنا. ولما بلغ الحلم كان عاجزا جنسيا. كان غيره من الأولاد يتقدمون للبنات فيستجبن ~~لهم. أما هو فقد كان خجولا، شاكا في رجولته. كان عاجزا دائما عن الاستمرار في أي عمل، ~~ولا يطمئن إلا في عالم من الخيال يخلقه لنفسه على سبيل التعويض. عندئذ كان على الأقل مثل ~~ميخائيل أنجلو، ولكنه - لسوء الحظ - لا يستطيع الرسم. مواهبه الوحيدة هي الحقد، والمكر ~~الوضيع، ومجموعة من الأحبال الصوتية التي لا تكل وقدرة على الكلام بغير توقف بأعلى صوته من ~~أعماق جنونه بالعظمة الذي يماثل جنون بيتر بان. ثلاثون أو أربعون مليونا من البشر لاقوا ~~مصرعهم، والله أعلم كم بليون من الدولارات؛ هذا هو الثمن الذي دفعه العالم نظير تخلف ~~أدولف هتلر في نضجه. ولحسن الحظ نجد أن أكثر الأولاد الذين يبلغون سن النضج ببطء شديد لا ~~تتاح لهم فرصة لكي يكونوا شيئا أكثر من صغار المنحرفين. ولكن حتى هؤلاء الصغار - لو كثر ~~عددهم - يمكن أن يفرضوا علينا ثمنا باهظا؛ لذلك نحاول أن نكبتهم وهم في دور البراعم، أو ~~على الأصح، ما دمنا نتحدث عن طراز بيتر بان، نحاول أن نجعل براعمهم المكبوتة تتفتح ~~وتنمو. ~~- وهل تنجحون؟ # أومأ الدكتور روبرت برأسه إيجابا وقال: ليس الأمر عسيرا، وبخاصة إذا بدأت في وقت مبكر. ~~إذا بلغ الطفل عندنا أربعة أعوام ونصفا أو خمس سنوات نفحصه فحصا شاملا. نجري اختبارات ~~معينة لدمه، ونخضعه لاختبارات سيكولوجية، ونتعرف على تكوينه البدني، ثم نصور معاصمهم ~~بالأشعة السينية، ونرسم أدمغتهم، وبذلك نتعرف على أدق دقائق خصائص بيتر بان، ونبدأ في ~~علاجهم علاجا ملائما فورا. وبعد عام واحد يصبحون جميعا طبيعيين تماما. كم من بذور ~~الفشل، والإجرام، والاستبداد، ms168 والسادية (حب إيذاء الغير)، وبغض البشر، والثورة من أجل ~~الثورة، كم من المتصفين بهذه الرذائل حولناهم إلى مواطنين يمكن حكمهم بغير عقوبة وبغير حد ~~السيف. أما عندكم فالانحراف لا يزال متروكا لرجال الدين والمشرفين الاجتماعيين ورجال ~~الشرطة. مواعظ لا تنتهي، وعلاج نفسي، وأحكام بالسجن لعدد من الناس لا يحصى، وما هي النتيجة؟ ~~إن نسبة الانحراف في زيادة مطردة. ولا عجب؛ إن الحديث عن التنافس بين الإخوة، وعن الجحيم، ~~وشخصية يسوع لا تغني عن الكيمياء الحيوية، وسنة في السجن لا تعالج بيتر بان من اضطرابات ~~إفرازات الغدد ولا تعين من كان بيتر بان على التخلص من النتائج النفسية؛ لأن انحراف أمثال ~~بيتر بان لا يحتاج سوى التشخيص المبكر وثلاث كبسولات قرنفلية يوميا قبل كل وجبة. وإذا ~~كانت البيئة محتملة كانت النتيجة تعقلا هادئا وشيئا من الفضائل الأساسية في خلال ثمانية ~~عشر شهرا، وكذلك بالتأكيد فرصة طيبة للاتصاف في النهاية بالحكمة والرأفة، بعدما كان ذلك ~~في حكم المستحيل فيما سبق. والآن سوف يحدثك فيجايا عن «أصحاب العضلات»، ولعلك لاحظت أنه ~~واحد منهم. ثم انحنى الدكتور روبرت إلى الأمام وضرب على الكتف العريضة لهذا العملاق، وقال: ~~لحمه كلحم البقر القوي. ومن حسن حظنا نحن أصحاب الأجسام الضعيفة أن الحيوان ليس ~~متوحشا. # ورفع فيجايا إحدى يديه عن عجلة القيادة، وضرب بها صدره، ورفع عقيرته في زئير وحشي قائلا: ~~لا تضايق الغوريلا. وضحك متفكها، ثم وجه خطابه إلى ويل قائلا له: فكر في الدكتاتور الكبير ~~الآخر، جوزيف فساريوفوفتش استالين. إن هتلر هو خير مثال لانحراف بيتر بان، واستالين خير مثال ~~لانحراف أصحاب العضلات. إن شكله فرض عليه أن يكون منبسطا، لا كالمنبسطين اللينيين الصرحاء ~~الذين لا يخفون ما في صدورهم ممن تعهدونهم، من أولئك الذين يحبون التجمع بغير تمييز. لا، ~~إنه من أولئك المنبسطين الذين يدوسون غيرهم بالأقدام ويسوقونهم سوق الأغنام. إنه من أولئك ~~الذين تدفعهم طبائعهم دائما إلى القيام بعمل ما، لا تساوره قط الشكوك، أو وخز الضمير، أو ~~العطف أو رقة الإحساس. وقد ms169 أوصى لينين خلفاءه أن يتخلصوا من استالين؛ فلقد كان الرجل مغرما ~~بالسلطة مستعدا لإساءة استخدامها إلى أبعد الحدود. ولكن نصيحة لينين جاءت متأخرة؛ إذ كان ~~استالين ثابتا إلى حد يستحيل معه إخراجه. وبعد عشر سنوات أصبحت سلطته مطلقة، وكان تروتسكي ~~قد سحق تماما كما أبعد كل أصدقائه القدامى، وأمسى كالإله تحف به الملائكة مسبحة بحمده، ~~منفردا في سمائه الصغيرة الدافئة التي لا يسكنها إلا المنافقون والطائعون، مشتغلا كل ~~الوقت بلا هوادة يصفي الكولاك، وينظم المزارع التعاونية، ويبني صناعة السلاح، وينقل ~~الملايين رغم إرادتهم من المزارع إلى المصانع. يعمل بجد وكفاءة وذهن واضح مما يعجز عنه ~~تماما بيتر بان الجرماني بأوهامه الغامضة وحالاته العقلية المذبذبة. قارن بين استراتيجية ~~استالين واستراتيجية هتلر في المرحلة الأخيرة من الحرب، تجد الحساب الهادئ قائما إلى جوار ~~أحلام اليقظة التعويضية، والواقعية الواضحة إلى جانب الهراء الطنان الرنان الذي أخذ هتلر في ~~النهاية يكرره ويكرره حتى آمن به. هذان وحشان، كلاهما منحرف بدرجة متساوية، ولكنهما مختلفان ~~في المزاج كل الاختلاف، وفي الدافع اللاشعوري، ثم في الكفاءة. إن من هم على شاكلة بيتر بان ~~يفلحون تماما في إثارة الحروب والثورات. ولكن أصحاب العضلات وحدهم هم الذين يستطيعون أن ~~يسيروا بهذه الحروب والثورات إلى النتائج الناجحة. # ثم غير فيجايا نغمته وأشار بيده نحو تل مرتفع تكسوه الأشجار يعترض مواصلة الصعود وقال: ~~هذه هي الغابة. # وبعد لحظة خرجوا من وهج التل المكشوف ودخلوا نفقا ضيقا من الشفق الذي تلونه خضرة الشجر ~~يتلوى إلى أعلى بين جدران من الخضرة الاستوائية. وتدلت النباتات المتسلقة من الأغصان التي ~~ناءت بحملها. وبين جذوع الشجر كان ينمو الخنشار والخنجل ذو الأوراق الداكنة وسط الشجيرات ~~والأعشاب الكثيفة التي لم يألفها ويل ولم يعرف أسماءها وهو يتلفت حواليه. وكان الجو رطبا ~~خانقا تشم فيه رائحة لاذعة هي رائحة النباتات الغزيرة الخضراء ورائحة التعفن كذلك. ووسط ~~أوراق النبات الكثيفة التي أحاطت بويل من كل جانب، طرق أذنه وقع فئوس من بعيد وصوت منشار ~~يتكرر تكرارا إيقاعيا. وانحنى الطريق ms170 مرة أخرى وفجأة بدد ضوء الشمس ذلك الظلام الأخضر؛ ~~فلقد بلغوا مكانا خاليا في الغابة. كان هناك ستة من قاطعي الأخشاب قاماتهم مرتفعة ~~وأكتافهم عريضة يكادون لا يتسترون بثياب منشغلون بتشذيب الأغصان من شجرة سقطت لتوها. وفي ~~ضوء الشمس شوهدت مئات من الفراشات ذات اللون الأزرق والأرجواني يطارد بعضها بعضا، ترفرف ~~بأجنحتها وتحلق راقصة حيثما اتفق إلى ما لا نهاية. وفي الجانب الآخر من الأرض الفضاء كان ~~رجل عجوز إلى جوار نار مشتعلة يقلب في بطء شديد ما يحتويه مرجل من الحديد. وقريبا منه غزال ~~صغير مستأنس، دقيق الأطراف، مرقش بصورة جميلة، يرعى العشب في هدوء. # قال فيجايا: أصدقائي الأعزاء. ثم صاح بكلمات بلغة أهل بالا، ورد عليه قاطعو الأخشاب ~~ملوحين بأيديهم، وبعدئذ انحنى الطريق انحناءة حادة نحو اليسار، وأخذوا مرة أخرى يصعدون ~~النفق المخضر بين الأشجار. # وقال ويل وهم يتركون الأرض الفضاء: حدثنا عن أصحاب العضلات، هؤلاء أمثلة لهم رائعة ~~حقا. # قال فيجايا: إن هذا الطراز من التكوين البدني يغري صاحبه بصفة مستمرة. ومع ذلك فإني لم ~~أقابل رجلا واحدا متنمرا، أو محبا للسلطة بطبعه بصورة خطرة، من بين هؤلاء الرجال ~~جميعا؛ وقد عملت مع عشرات منهم. # وقاطعه موروجان بازدراء قائلا: أي إنك تعني أن تقول إنه لا يوجد هنا أحد ذو طموح! # سأل ويل: وما سر ذلك؟ ~~- الأمر في غاية البساطة بالنسبة لأمثال بيتر بان. إننا لا نتيح لهم فرصة لاستثارة شهوة ~~السلطة عندهم. نحن نعالج انحرافهم قبل أن يستفحل. ولكن الأمر على خلاف ذلك مع أصحاب ~~العضلات. إنهم عندنا مثلما هم عندكم ذوو عضلات لا ينطوون على أنفسهم، ويريدون أن يدوسوا ~~غيرهم بالأقدام؛ لذلك يتحولون إلى أمثال استالين وديبا، أو على الأقل إلى مستبدين في ~~أوطانهم. أولا: نظمنا الاجتماعية لا تتيح لهم إلا قليلا من الفرص لكي يتنمروا على أفراد ~~أسرهم، كما أن نظمنا السياسية تجعل من المستحيل عليهم أن يتسلطوا على نطاق واسع. ثانيا: ~~نحن ندرب أصحاب العضلات على أن يكونوا حساسين وعلى وعي، ونعلمهم أن ms171 يستمتعوا بالأمور ~~العادية في الحياة اليومية. ومعنى ذلك أن البدائل تتوافر لهم دائما؛ بدائل عن حبهم ~~للرياسة. وأخيرا نحن نعالج أصحاب هذا التكوين البدني بكل صنوفه تقريبا؛ علاجا مباشرا. ~~نشق لحب السلطة هذا قناة يتسرب منها ونغير اتجاهه، نحوله من التسلط على البشر إلى التسلط ~~على الأشياء . نعطيهم كل صنوف العمل لكي يؤدوه؛ العمل الشاق والعمل العنيف الذي يدرب ~~عضلاتهم ويشبع رغبتهم في التسلط؛ لا يشبعها على حساب غيره، وإنما بطرق إما لا تضر وإما ~~تفيد فائدة إيجابية. ~~- ومن ثم كان هؤلاء الرجال الذين يستدعون الإعجاب يسقطون الأشجار بدلا من أن يسقطوا ~~البشر؛ أليس كذلك؟ ~~- تماما، وبعدما يستكفون من الغابات يتوجهون إلى البحر، أو يشغلون أيديهم بالتعدين، أو ~~يسترخون نسبيا بالعمل في حقول الأرز. # وفجأة ضحك ويل فارنبي. ~~- ما الذي يضحكك؟ ~~- تذكرت أبي. ربما كان القليل من قطع الأشجار يجعل منه شخصا آخر وينقذ أسرته البائسة. ~~ولكن لسوء الحظ أنه كان من الإنجليز المهذبين الذين يستبعدون من حياتهم قطع الأخشاب ~~بتاتا. ~~- أولم تكن لديه مخارج بدنية يصرف فيها طاقاته؟ # هز ويل رأسه قائلا: كان والدي إنجليزيا مهذبا، ويظن فوق ذلك أنه من المثقفين. والمثقف ~~لا يشغله صيد ولا قنص ولا يلعب الجولف. إنه يكتفي بالتفكير والشراب. وكانت متعة أبي إلى ~~جانب شرب البراندي أن يتنمر على غيره وأن يلعب البريدج، ويهتم بالنظريات السياسية. كان ~~يتصور نفسه صورة في القرن العشرين للورد آكتون # 6 # آخر الفلاسفة الليبراليين. كم كان يسرك أن تسمعه وهو يتحدث عن مظالم الدولة ~~الحديثة القادرة على كل شيء! كان يقول: السلطة تفسد، والسلطة المطلقة تفسد فسادا مطلقا. ~~نعم مطلقا. وبعدما يردد هذه العبارة يشرب كأسا أخرى من البراندي ثم يعود بحماسة شديدة ~~إلى ملهاته المحببة إلى نفسه؛ الاستبداد بزوجته وأطفاله. # قال الدكتور روبرت: وإذا كان آكتون نفسه لم يسلك هذا المسلك فإنما كان ذلك لأنه كان ~~بالصدفة رجلا فاضلا وذكيا. لم يكن في نظرياته ما يحد من انحراف صاحب العضلات أو ما يمنع ~~بيتر بان - قبل أن ms172 يعالج - من أن يدوس أي فرد يقع في متناول قدميه. تلك كانت نقطة الضعف عند ~~آكتون. كان - ككاتب في النظريات السياسية - يدعو إلى الإعجاب. أما كعالم نفساني عملي فقد ~~كان لا يفقه شيئا. يبدو أنه كان يظن أن مشكلة السلطة يمكن أن تحل بالنظم الاجتماعية ~~الجيدة التي تكملها - بطبيعة الحال - قواعد الأخلاق السليمة، وشيء من الديانات المنزلة. في ~~حين أن مشكلة السلطة تمتد جذورها إلى تشريح الجسم وإلى كيميائه الحيوية ومزاجه. لا بد من ~~كبح السلطة على المستويين القضائي والسياسي. هذا أمر واضح. ولكن من الواضح أيضا أنه لا ~~بد من الوقاية على المستوى الفردي، وعلى مستوى الغريزة والعاطفة، وعلى مستوى الغدد ~~والأمعاء، والعضلات والدماء. لو توافر لدي الوقت لكتبت رسالة عن وظائف أعضاء الإنسان ~~وعلاقتها بالأخلاق والدين والسياسة والقانون. # وردد بعده ويل كلمة «القانون» وقال: كنت على وشك أن أسألك عن القانون. هل أنتم في غنى ~~مطلق عن السلاح وعن العقوبة؟ أم لا زلتم في حاجة إلى القضاة ورجال الشرطة؟ # قال الدكتور روبرت: لا زلنا في حاجة إليهم، ولكنا لسنا بحاجة مثلكم إلى الكثيرين منهم. ~~فأولا نحن بفضل الطب الوقائي والتربية الوقائية لا نرتكب كثيرا من الجرائم. ثم إن معظم ~~الجرائم التي ترتكب نعالجها في «نوادي التبني المتبادل». علاج جماعي في مجتمع يأخذ بنظام ~~المسئولية المشتركة عن المنحرفين. وفي الحالات المستعصية نستكمل العلاج الجماعي بالعلاج ~~الطبي وبفترة محددة من تعاطي عقار الموكشا، بتوجيه من رجل على درجة نادرة من نفاذ ~~البصيرة. ~~- وما دور القضاة؟ ~~- يستمع القاضي إلى الأدلة ويقرر إن كان المتهم بريئا أو مذنبا، فإن كان مذنبا أمر ~~بحجره احتياطيا في «نادي التبني المتبادل» الذي ينتمي إليه. وإذا لزم الأمر يتم حجزه لدى ~~لجنة الخبراء الطبيين والمتصوفين العارفين بأثر الفطريات. وفي فترات متفق عليها يرسل ~~الخبراء كما يرسل نادي التبني المتبادل تقاريرهم إلى القاضي، حتى إذا ما كانت التقارير ~~مرضية انتهت القضية. ~~- وإذا لم تكن مرضية أبدا؟ # قال الدكتور روبرت: إنها دائما ترضي في النهاية. # ثم سادت فترة ms173 من الصمت. # وفجأة سأل فيجايا: هل جربت تسلق الصخور؟ # ضحك ويل وقال: كيف تظنني أتيت بساقي العرجاء؟ ~~- هذا تسلق أرغمت عليه إرغاما. ولكن هل مارست التسلق لهوا؟ # قال ويل: بقدر يكفي لأن يقنعني بأنني لا أحسنه. # واتجه فيجايا ببصره نحو موروجان وسأله: وماذا حدث لك عندما كنت في سويسرة؟ # واحمر وجه الصبي خجلا وهز رأسه وتمتم قائلا: لا يستطيع المرء أن يمارس هذه الأشياء ~~وعنده استعداد للسل. # قال فيجايا: يا للأسف! إن التسلق كان ينفعك كثيرا. # وسأل ويل: وهل يقوم الناس في هذه الجبال بقدر كبير من التسلق؟ ~~- التسلق جزء لا يتجزأ من منهج الدراسة. ~~- لكل فرد؟ ~~- قليل منه لكل فرد. ولأصحاب العضلات الأقوياء مستوى أعلى من تسلق الصخور؛ وهؤلاء يبلغون ~~نحو واحد من كل اثني عشر من البنين، وواحدة من كل سبع وعشرين من البنات. ونحن نتوقع أن نرى ~~قريبا بعض الشبان الذين يقومون بالتسلق لأول مرة على مستوى أعلى من المستوى ~~الابتدائي. # واتسع النفق الأخضر، وأشرقت فيه الأضواء، وفجأة وجدوا أنفسهم خارج الغابة الرطبة وعلى ~~طبقة صخرية مسطحة تكاد تستوي مع الأرض، تحوطها من ثلاث نواح صخور حمراء يبلغ ارتفاعها أكثر ~~من ألفي قدم على شكل ذرى ناتئة وقمم منعزلة. وكان الهواء منعشا. وعندما انتقلوا من ضوء ~~الشمس إلى ظل جزيرة عائمة من الركام، أصبح الجو باردا تقريبا. وانحنى الدكتور روبرت إلى ~~الأمام وأشار من خلال زجاج السيارة إلى مجموعة من المباني البيضاء فوق مرتفع صغير على مقربة ~~من مركز الهضبة. # وقال: هذه محطة المرتفع العالي. إنها تعلو سبعة آلاف قدما، وتبلغ مساحة الأرض المستوية ~~الجيدة فيها أكثر من خمسة آلاف فدان، حيث نستطيع أن نقوم بزراعة أي شيء مما يزرع في جنوب ~~أوروبا؛ قمح وشعير، والفاصوليا الخضراء والكرنب، والخس والطماطم (وهذه الفاكهة لا تصلح حيث ~~تصل درجة الحرارة ليلا أكثر من ثمان وستين درجة)، وعنب الثعلب، والفراولة، والجوز والبرقوق ~~الأخضر، والخوخ والمشمش. وكذلك كل النباتات القيمة التي تصلح زراعتها فوق الجبال العالية ~~التي في مثل هذا الارتفاع؛ ms174 بما فيها الفطر التي يعترض عليها صديقنا الصغير هذا ~~بشدة. # وسأل ويل: وهل هذا هو المكان الذي نقصده؟ # قال الدكتور روبرت مشيرا إلى آخر موقع من سلسلة الجبال، وهو عبارة عن حافة من الصخر ~~الأحمر الداكن تنحدر منها الأرض من إحدى نواحيها نحو الغابة، وترتفع ارتفاعا عموديا من ~~ناحية ثانية نحو قمة مختفية في السحب المتراكمة، قال: لا، نحن نقصد مكانا أكثر ارتفاعا؛ ~~نقصد معبد شيفا # 7 # الذي يؤمه الحجاج في الاعتدالين، الربيع والخريف. وهو من أحب الأمكنة إلى نفسي ~~في الجزيرة كلها. وعندما كان الأطفال صغارا اعتدت أنا ولاكشمي أن نقوم برحلات إلى هناك ~~تقريبا كل أسبوع. كان ذلك منذ عهد بعيد! وظهرت في صوته رنة الأسى، ثم تنهد، وسند ظهره على ~~مقعده وأغلق عينيه. # وابتعدوا عن الطريق المؤدية إلى محطة المرتفع العالي وعادوا إلى التسلق. # قال فيجايا: هذه هي المرحلة الأخيرة من الرحلة، وهي أسوأ المراحل، نقطع سبعة منعطفات حادة ~~ونفقا خانقا يبلغ طوله نصف ميل. # وساق العربة بأدنى سرعة لها فأصبح الحديث مستحيلا، وأخيرا بلغوا نهاية المطاف بعد عشر ~~دقائق. # | الفصل العاشر # أخذ ويل يحرك ساقه العرجاء في حذر شديد، وأخيرا خرج من العربة وتلفت حواليه. وقد بدت ~~فيما بين التلال المرتفعة الحمراء الواقعة إلى الجنوب، والمنحدرات الرأسية في كل اتجاه، قمة ~~التل التي سويت على مستوى مسطح، ووسط هذا المسطح الضيق المستطيل قام المعبد؛ وهو عبارة عن ~~برج ضخم أحمر مشيد من نفس مادة الجبال، كتلة واحدة، له أربعة جوانب رأسية. وظهر المعبد ~~بالمقارنة مع الصخور شيئا متماثلا منتظما ليس كما تنتظم أشكال إقليدس المجردة، ~~ولكن كما تنتظم الأشكال الهندسية الواقعية في الحياة. نعم، هو شيء حي؛ لأن جميع أسطح ~~المعابد الفاخرة المستوية، وكل ما يحدها يتقوس إلى الداخل تقوسا عضويا، ويستدق كلما ~~ارتفع نحو حلقة من المرمر، يتضخم في أعلاها حجر أحمر أشبه بغلاف البذرة في شجرة مزهرة، حتى ~~يتسطح ثانية في شكل قبة متعددة الأضلاع تتوج البناء كله. # قال الدكتور روبرت: شيد قبل الغزو ms175 النورماندي بنحو خمسين عاما. # وعقب على ذلك ويل بقوله: ويبدو كأنه ليس من بناء البشر، وكأنه برز تلقائيا من بين ~~الصخور. وقد نبت كما ينبت الصبار عندما يتفتح ويرتفع كالصاروخ على شكل ساق نباتية طولها ~~اثنتا عشرة قدما تنتهي بالأزهار المتفجرة. # قال فيجايا وقد لمس ذراعه: انظر، هذه جماعة من المبتدئين هابطة. # وشخص ويل ببصره نحو الجبل ووقعت عيناه على شاب في قدميه حذاء بالمسامير يرتدي ملابس ~~التسلق ويجاهد في هبوطه متشبثا بشق الجبل يواجه التل الذي ينحدر انحدارا رأسيا. وعند ~~البقعة التي تهيئ موطئا آمنا توقف ورمى رأسه إلى الخلف وصاح بصوت متصاعد في قوته. وكان ~~هناك فتى يعلوه بخمسين قدما ظهر من خلف دعامة صخرية، وقد تدلى من الإفريز الذي كان يقف ~~فوقه وشرع في هبوطه متشبثا بالشق الجبلي. # والتفت فيجايا، إلى موروجان وسأله: هل يغريك هذا؟ # هز موروجان كتفيه وقد بالغ في ظهوره بمظهر الرجل الرشيد المتطور الذي يشغل نفسه بشيء أفضل ~~من مشاهدة الأطفال وهم يلعبون، وقال: بتاتا. وابتعد ثم جلس فوق تمثال سبع انطمست معالمه ~~من أثر الجو، واستل من جيبه مجلة أمريكية مجلدة تجليدا مزركشا وشرع يقرأ. # سأله فيجايا: ماذا تقرأ؟ # قال: رواية علمية. وفي صوته رنة التحدي. # ضحك الدكتور روبرت وقال: أي شيء يفر به من الواقع. # وزعم موروجان أنه لم يستمع إليه وقلب صفحة من المجلة وواصل القراءة. # وقال فيجايا الذي كان يتابع تقدم الصبي الذي كان يهبط من الجبل: إنه في غاية المهارة. ثم ~~أضاف: عند طرفي الجبل رجلان محنكان. ولا يمكنك أن ترى أولهما، فهو خلف هذه الدعامة يتشبث ~~بشق جبلي آخر على ارتفاع ثلاثين أو أربعين قدما. وفي أعلى شوكة حديدية ثابتة يلف حولها ~~الحبل، ويمكن أن تسقط المجموعة كلها وهي في منتهى الأمان. # وعلى جانبي الشق الضيق أخذ قائد المجموعة يصيح بتعليماته ويشجع المتسلقين وقد بسط ذراعيه ~~ورجليه بين مواقع الأقدام. ولما اقترب الصبي تخلى عن مكانه وهبط عشرين قدما أخرى ثم توقف ~~وصاح مرة أخرى. ومن خلف ms176 النتوء الجبلي ظهرت فتاة في حذاء طويل وسروال، فارعة الطول، شعرها ~~مضفور، وقد هبطت إلى شق الجبل. # قال فيجايا مهللا لها وهو يرقبها: رائع! # وفي أثناء ذلك جاءت مجموعة من الشباب مستطلعة ما يجري، وقد خرجت من مبنى منخفض عند سفح ~~التل، وهذا المبنى المنخفض يمثل كما بدا أكواخ جبال الألب ولكن بما يتفق ومناخ المناطق ~~الاستوائية. وتنتمي هذه المجموعة - كما قيل لويل - إلى ثلاث فرق أخرى من المتسلقين الذين ~~أدوا اختبار المرحلة الثانية بعد المرحلة الابتدائية في باكورة اليوم. # سأل ويل: هل يفوز بالجائزة أحسن الفرق؟ # وأجابه فيجايا: إنهم لا يمنحون هنا شيئا لأي إنسان؛ فهي ليست مسابقة، إنما هي محنة ~~يجتازونها. # وأخذ الدكتور روبرت يشرح قائلا: وهي محنة تمثل المرحلة الأولى من خروجهم من دور الطفولة ~~إلى دور المراهقة. محنة تساعدهم على فهم العالم الذي لا بد لهم من العيش فيه، وتساعدهم ~~على التحقق من أن الموت يحيط بهم من كل جانب، وأن الوجود كله محفوف بالمخاطر. ولكن الرؤية ~~الصحيحة تأتي بعد الامتحان. وبعد بضع دقائق يتناول هؤلاء الفتية والفتيات عقار الموكشا لأول ~~مرة، يتناولونه معا، ويقام في المعبد حفل ديني. ~~- شيء أشبه بصلاة التعميد؟ ~~- غير أن هذا الحفل ليس مجرد حركات دينية لا معنى لها. إنه - بفضل عقار الموكشا - يتضمن ~~ممارسة فعلية للشيء الواقعي. # هز ويل رأسه وقال: الشيء الواقعي؟ هل هناك شيء كهذا؟ وددت لو أنني صدقته. # قال الدكتور روبرت: لا يطلب إليك أن تصدق؛ فالشيء الواقعي ليس افتراضا، إنما هو حالة من ~~حالات الوجود. إننا لا نعلم أطفالنا المذاهب ولا ننشئهم على رموز مشحونة بالانفعالات. عندما ~~يحل الوقت الذي يتعلمون فيه أعمق حقائق الدين، ندفعهم إلى تسلق الجروف ثم نناولهم أربعمائة ~~مليجرام من الرؤية. وهاتان تجربتان مباشرتان يستطيع أي فتى أو فتاة على قدر معقول من الذكاء ~~أن يستمد منهما فكرة طيبة عن حقائق الأشياء. # قال فيجايا: ولا تنس المشكلة القديمة الأولى؛ مشكلة التسلط. إن تسلق الصخور فرع من فروع ~~علم الأخلاق التطبيقي. وهو بديل ms177 آخر عن سلوك المتنمرين. ~~- إذن كان يلزم أبي أن يكون من متسلقي الجبال كما يلزمه أن يكون من قاطعي الأخشاب. # قال فيجايا وقد ضحك من أعماقه: قد يضحكك ما أقول، ولكن الحقيقة هي أن أمثال هذه التجارب ~~تأتي بنتائج طيبة، وتفلح. ولقد استطعت بالتسلق أولا وآخرا أن أنجو من عشرات من أسباب ~~الإغراء الفعلية لكي ألقي بثقلي على ما حولي. ثم أضاف: ولما كان ثقلي له وزنه فقد كانت ~~أسباب الإغراء شديدة لتتناسب معه. # قال ويل: يبدو أن هناك صعوبة واحدة؛ ذلك أنك وأنت تتسلق لكي تنجو من الإغراء قد تسقط و... ~~وفجأة تذكر ما حدث لديوجولد ماك فيل فلم يتم الكلام. # وأتم الدكتور روبرت عبارته فقال في أناة: وتقتل نفسك. ولكن ديوجولد كان يتسلق وحده. وبعد ~~فترة قصيرة من الصمت واصل حديثه قائلا: ولا يعرف أحد ما حدث، ولم نعثر على جثته إلا في ~~اليوم التالي. ثم سادت فترة طويلة من الصمت. # سأل ويل، وقد أشار بعصاه الخيزرانية إلى الأجسام الصغيرة التي تزحف جاهدة فوق سطح تلك ~~البقعة الرأسية من الأرض الجرداء التي لا يكسوها شيء غير الصخور: هل لا زلت تعتقد أنها فكرة ~~حسنة؟ # قال الدكتور روبرت: نعم لا زلت أعتقد أنها فكرة حسنة. ~~- ولكن سوزيلا المسكينة ... # وكرر الدكتور روبرت القول بعده: نعم سوزيلا المسكينة، والأطفال المساكين، ولاكشمي ~~المسكينة، وأنا المسكين. ولكن إذا كان ديوجولد لم يعتد المخاطرة بحياته فربما صار كل امرئ ~~مسكينا لأسباب أخرى. ومن الأفضل أن تتعرض لخطر قتل النفس بدلا من أن تعرض حياة الآخرين ~~للخطر، أو أن تجعلهم من البائسين على الأقل. تؤذيهم لأنك بطبعك عدواني، أشد حذرا أو أكثر ~~جهلا من أن تصب عدوانك على الصخور المرتفعة. وواصل حديثه بنغمة أخرى قائلا: والآن أريد ~~أن أطلعك على المنظر. # وانطلق فيجايا نحو المجموعة التي كانت عند سفح الصخور الحمراء وقال: أما أنا فسوف أذهب ~~إلى هؤلاء الفتية والفتيات وأتحدث إليهم. # وسار ويل في أثر الدكتور روبرت مخلفا وراءه موروجان يقرأ «الرواية العلمية». وشقا ms178 ~~طريقهما خلال باب يقوم على أعمدة وعبرا الرصيف الصخري العريض الذي يحيط بالمعبد. وفوق ركن ~~من أركان هذا الرصيف كانت هناك مقصورة ضيقة تعلوها قبة. ودخلاها وسارا نحو نافذة عريضة بغير ~~زجاج ونظرا من خلالها فظهر لهما البحر مرتفعا عند خط الأفق يشبه جدارا صلبا من اليشم ~~واللازورد، وفي أسفل، وعلى مسقط ارتفاعه ألف قدم بدت خضرة الغابة، وظهرت المنحدرات الواطئة ~~متصلة بواد فسيح تمتد عند حافته البعيدة بين حدائق السوق وساحل البحر الذي تحفه أشجار ~~النخيل مدينة كبيرة، وتقع هذه المنحدرات خلف الغابة ملتوية التواء رأسيا في شكل أودية ~~صغيرة ونتوءات صخرية، وتمتد أفقيا حتى تصل إلى درج ضخم من صنع الإنسان، درج من حقول لا ~~تحصى. ومن هذا الموقع المرتفع بدت المدينة كلها مشرقة، تشبه صورة زيتية صغيرة رسمت بدقة ~~مما يجده المرء في كتب العصور الوسطى. # قال الدكتور روبرت: هذه هي شيفا بورام. ومجمع المباني هذا الذي تراه فوق التل وراء النهر ~~هو معبد بوذا العظيم. بني قبل بوروبودور # 1 # بقليل، وهو في جمال نحته يشبه أي مبنى في الهند القديمة. وسادت فترة من الصمت ~~استأنف الحديث بعدها قائلا: وفي هذا البيت الصيفي الصغير اعتدنا أن نتناول وجباتنا الخفيفة ~~كلما أمطرت السماء. لن انسى أبدا ذلك الوقت الذي كان ديوجولد يلهو فيه بالتسلق فوق إفريز ~~النافذة وهو واقف على ساق واحدة في وضع شيفا وهو يرقص (وكان حينئذ في نحو العاشرة من عمره). ~~مسكينة لاكشمي، كاد عندئذ يطير صوابها. ولكن ديوجولد كان منذ مولده كأنه أحد المشتغلين ~~بترميم أبراج الكنائس وتسلقها؛ مما يجعل الحادث أكثر إبهاما وغموضا. وهز رأسه وصمت ~~قليلا مرة أخرى ثم قال: آخر مرة آتينا فيها إلى هنا كانت منذ ثمانية أو تسعة أشهر. وكان ~~ديوجولد لا يزال على قيد الحياة، ولاكشمي لم تبلغ من الضعف بعد ما يمنعها من الخروج مع ~~أحفادها يوما كاملا. وقد قام بهذا العمل البهلواني يقلد به شيفا لمصلحة توم كريشنا وماري ~~ساروجيني. وقف على ساق واحدة، وأخذ يلوح ms179 بيديه بسرعة عجيبة تجعل الرائي يقسم أنه يحرك أربع ~~أذرع. وهنا توقف الدكتور روبرت عن الكلام، والتقط من الأرض شريحة من الملاط، وقذف بها من ~~النافذة، وقال: إلى أسفل، وأسفل، وأسفل؛ هنا فضاء وفراغ. أليس من العجب أن يكون هذا أقوى ~~رمز للموت وأقوى رمز في الوقت عينه لأكمل حياة وأغناها! وأشرق وجهه فجأة وقال: هل ترى هذا ~~الصقر؟ ~~- صقر؟ # أشار الدكتور روبرت إلى ماكن يقع وسطا بين وكر الصقور فوق التل والظلام الذي يعلو الغابة ~~حيث شاهد تمثالا مجسما صغيرا بني اللون يمثل السرعة والنهب يتحرك وئيدا بأجنحة لا حراك ~~فيها، وقال: هذا يذكرني بقصيدة نظمها راجا العجوز عن هذا المكان. وصمت لحظة وأخذ ~~ينشد: # هنا، # هنا فوق هذا المرتفع، # حيث يرقص شيفا محلقا فوق دنيانا، # هنا تسألني، # ماذا بربك تظن أنك فاعل؟ # لا جواب على سؤالك يا صاح، # ما خلا الصقر من تحتنا يدور، # وتلك الطيور السوداء تنطلق، # في أثر خيوط فضية تمتد في الهواء، # تصيح صياحا حاد النغم، # تقول: ما أبعدها عن وادينا الحار! # وتقول لائما: ما أبعدها عن قومي! # ومع ذلك ما أقربها! # هنا بين السماء ذات الغيوم، # والبحر من تحتنا، # أنفذ إلى سرها المضيء، # كما أنفذ إلى سريرتي، # يشرقان بغتة في نظري. ~~- وأظن أن السر هو هذا الفضاء الخالي. ~~- أو على الأصح هو ما يرمز إليه هذا الفضاء الخالي، طبيعة بوذا في فنائنا الأبدي. إن هذا ~~يذكرني ... ونظر إلى ساعته. # ولما خرجوا إلى وضح النهار سأل ويل: ماذا يأتي بعد ذلك في البرنامج؟ # أجابه الدكتور روبرت: الصلاة في المعبد، وسوف يقدم المتسلقون الصغار ما أنجزوا إلى شيفا، ~~أو بعبارة أخرى إلى صورتهم المثالية التي يؤلهونها. وبعد ذلك يؤدون الجزء الثاني من شعائر ~~العضوية؛ أقصد تجربة تحررهم من أنفسهم. ~~- وهل يكون ذلك بتعاطيهم عقار الموكشا؟ # وأومأ الدكتور روبرت برأسه إيجابا وقال: إن قادتهم يعطونه لهم قبل أن يتركوا كوخ جمعية ~~المتسلقين، ثم يأتون إلى المعبد، ويفعل العقار فعله أثناء الصلاة. ثم أضاف: وبهذه المناسبة ~~أقول لك ms180 إن الصلاة بالسنسيكريتية؛ ولذلك فلن تفهم منها كلمة واحدة. أما فيجايا فسوف يخطب ~~بالإنجليزية؛ وهو يتكلم بوصفه رئيس جمعية المتسلقين، وكذلك سوف أتحدث أنا بالإنجليزية، ~~وبطبيعة الحال سوف يتكلم الشباب كذلك في أغلب الأحيان بالإنجليزية. # المعبد من الداخل رطب مظلم ظلام الكهوف. لا يخفف من عتمته إلا خيط رفيع من ضوء النهار ~~يتسلل من خلال نافذتين مشبكتين، وسبعة مصابيح تتدلى، كأنها هالة من النجوم الصفراء ~~المتلألئة، من فوق رأس التمثال الذي يعتلي المذبح. والتمثال لشيفا، وهو من النحاس ولا يزيد ~~ارتفاعه عن طول الطفل. وحول التمثال هالة مشتعلة من المجد. وهو يشير بأربع أذرع، وشعره ~~المضفور يتطاير بشدة، وقدمه اليمنى تدوس فوق تمثال قزم مقيت أشد ما يكون كآبة، وقدمه اليسرى ~~مرفوعة برشاقة؛ بهذه الصورة يقف التمثال جامدا منتشيا. وقد جلس فوق الأرض نحو عشرين ~~فردا من البنين والبنات ومعهم الشبان الستة الذين كانوا يرشدونهم أثناء التسلق ويصدرون ~~إليهم التعليمات، وكلهم يضع ساقا فوق ساق. ولم يكن الصغار في ملابس التسلق، بل ينتعلون ~~الصنادل، عراة الصدور، يرتدون سراويل قصيرة زاهية الألوان. ويعلو هذه المجموعة، فوق أعلى ~~درجة من درجات المذبح، شوهد كاهن عجوز، حليق الرأس والوجه، يرتدي عباءة صفراء، ويرتل كلاما ~~رنانا غير مفهوم. وقد سار الدكتور روبرت على أطراف أصابع قدميه متجها نحو المكان الذي كان ~~يجلس فيه فيجايا وموروجان وجلس القرفصاء إلى جوارهما، تاركا ويل مستندا إلى قاعدة ~~مريحة. # كان الكاهن يدمدم دمدمة رائعة بالسنسيكريتية أولا، ثم أخذ بعد ذلك ينشد وهو يخنف بأنفه، ~~وراح بعد النشيد يجأر بابتهالات كهنوتية يرددها بعده المصلون. # وأحرق البخور في آنية من النحاس الأصفر، ثم رفع الكاهن العجوز يديه ليصمت الحاضرون، ~~وعندئذ صعد خيط من دخان البخور الرمادي في خط مستقيم متجها نحو الإله في غضون فترة طويلة ~~حافلة بالتأمل يسودها الصمت المطلق. وعندما التقى الدخان بتيار الهواء المندفع من النافذتين ~~انتشر على شكل سحابة غير مرئية تملأ ظلام المكان بعبق عجيب من عالم آخر، وفتح ويل عينيه ~~ورأى أن موروجان وحده ms181 من جميع المصلين يتململ في حالة من القلق، يتحرك حركات عصبية وتبدو ~~على قسمات وجهه علامات الاستنكار وفقدان الصبر. إنه لم يقم قط بالتسلق؛ ولذلك فالتسلق في ~~نظره سخف. وقد رفض أن يتعاطى عقار الموكشا؛ ولذلك فأولئك الذين يتعاطونه يتجاوزون حدود ~~العقل. وكانت أمه تعتقد في الأسياد الصاعدين إلى السماء وتخاطب كوت هومي بانتظام، وإذن ~~فتمثال شيفا وثن مبتذل. وكان الصبي في عين ويل كالممثل الصامت الذي يعبر بالإشارة، ولكن ~~أحدا لم يعر أدنى التفاتة إلى سلوك موروجان لسوء حظه. # وشق الكاهن العجوز السكون الذي طال وقال: شيفاياناما، شيفاياناما. وأشار بيده، فنهضت من مكانها تلك الفتاة الطويلة التي كان ويل قد رآها وهي تهبط من التل المرتفع وصعدت ~~درجات المذبح، ووقفت على أطراف أصابع قدميها وجسدها يلمع وكأنها تمثال نحاسي آخر في ضوء ~~المصابيح، وعلقت باقة من زهور فاتحة صفراء في أعلى ذراعي شيفا اليسريين، ثم ضمت راحتيها ~~وتطلعت إلى وجه الإله الباسم الهادئ، وبدأت تتكلم بصوت متهدج في أول الأمر، ولكنه أخذ يثبت ~~ويستقيم تدريجيا: # أيها الخالق، أيها المدمر، # يا من تطيل العمر كما تنهي الحياة، # يا من ترقص في ضوء الشمس بين الطيور، # ومع الأطفال وهم يلعبون، # ويا من ترقص في ظلمة الليل، # بين جثث الموتى وفوق الأرض المحترقة، # أي شيفا، أنت بيرافا المريع المظلم، # أنت الصورة المثلى، وأنت الوهم، # أنت لا شيء، وأنت كل شيء، # أنت رب الحياة، # ولذا جئت إليك بهذه الزهور، # أنت رب الموت، # ولذا جئت إليك بقلبي، # هذا القلب هو الآن أرضك المحترقة، # نارك سوف تلتهم الجهل والنفس، # لكي ترقص أي بيرافا بين الرماد، # ولكي ترقص يا سيدي شيفا، # في مكان تنمو فيه الزهور، # وأرقص معك. # ورفعت الفتاة ذراعيها ولوحت بهما بإشارة تذكر بالإخلاص القلبي من مائة جيل من المتعبدين ~~الراقصين، ثم ابتعدت وعادت إلى ضوء الشفق. وصاح صائح: شيفاياناما. وشخر موروجان مستهزئا ~~عندما رددت أصوات شابة أخرى: شيفاياناما، شيفاياناما .... وأخذ الكاهن يرتل مقطوعة أخرى من ~~كتابه المقدس. وبينما هو يرتل دخل المعبد من ms182 إحدى النافذتين المشبكتين طائر صغير رمادي ~~اللون رأسه قرمزي، ورفرف بجناحيه بعنف حول مصابيح المذبح، ثم صاح صيحة عالية تنم عن السخط ~~والفزع، انطلق بعدها خارج المعبد ثانية. واستمر النشيد حتى بلغ ذروته وانتهى بصلاة هامسة من ~~أجل السلام: شانتي، شانتي، شانتي. واتجه الكاهن العجوز بعد ذلك نحو المذبح، والتقط شمعة ~~طويلة، وأشعلها من أحد المصابيح المعلقة فوق رأس شيفا وشرع في إضاءة سبعة مصابيح أخرى معلقة ~~في كوة عميقة في أسفل اللوح الذي كانت تقف فوقه الراقصة. وألقت هذه المصابيح ضوءها فوق قطع ~~محدبة من المعدن، وأظهر ضوءها تمثالا آخر؛ هو تمثال شيفا وبرفاتي، تمثال يوجين جالسا، ~~يرفع بيدين من أيديه الأربع رمز الطبلة والنار، ويربت باليدين الأخريين إلهة الحب، ذات ~~الساقين والذراعين الملتوية، وكانت تمتطيه، متعانقين عناقا أبديا بجسدهما المصنوعين من ~~البرنز. ولوح الكاهن العجوز بيده، وظهر هذه المرة صبي ذو بشرة قاتمة قوي العضلات وأخذ يخطو ~~في ضوء المصابيح. وانحنى الصبي وعلق باقة الزهر التي كان يحملها حول رقبة بارفاتي، ثم لف ~~سلسلة الزهور الطويلة وأسقط عقدة أخرى من نبات السحلبية البيضاء فوق رأس شيفا. # وقال: كل منهما يمثل كليهما. # وكررت جوقة الصغار بعده: كل منهما يمثل كليهما. # وهز موروجان رأسه بشدة. # وقال الصبي صاحب البشرة القاتمة: أيها الذاهبون، أنتم أيها الذاهبون إلى الشاطئ الآخر، يا ~~من ألقيتم مراسيكم فوق الشاطئ الآخر، أيتها الاستنارة والاستنارة الأخرى، أيها التحرر الذي ~~اتحد مع التحرر، أيتها الرأفة بين ذراعي الرأفة اللامتناهية. ~~- شيفاياناما. # ثم عاد إلى مكانه، وسادت فترة طويلة من الصمت، وبعدئذ نهض فيجايا على قدميه وبدأ ~~يتكلم. # قال: الخطر، الخطر، الخطر الذي نتقبله راضين متخففين، الخطر تقاسمه صديقا، أو مجموعة ~~أصدقاء، تقاسمه شعوريا، وبأقصى حدود الوعي حتى يصبح الاقتسام والخطر يوجا. صديقان يربطهما ~~حبل في جبهة صخرية، وأحيانا ثلاثة أصدقاء أو أربعة، كل منهم على وعي تام بعضلاته ~~المشدودة، وبمهارته، ومخاوفه، وروحه التي يجاوز بها حدود الخوف، وكل منهم - بطبيعة الحال - ~~على وعي في نفس الوقت بالآخرين جميعا، مهتم ms183 بهم، يفعل الصواب لكي يطمئن على سلامتهم. ~~الحياة في قمة توترها البدني والعقلي، الحياة الأوفر، والأعلى بدرجة لا تقدر بسبب خطر الموت ~~الماثل في كل حين. ولكن بعد يوجا الخطر هناك يوجا الذروة، يوجا الراحة والاسترخاء، يوجا ~~التقبل الكامل الشامل، اليوجا التي تكمن في القبول الشعوري لما يعطى كما يعطى ، دون رقابة من ~~أحكام العقل الخلقية، العقل المشغول بشيء آخر، وبغير إضافة مما جمعه الإنسان من أفكار ~~مبتذلة وما جمعه بصورة أضخم من أوهام التمني، ما عليك إلا أن تجلس بعضلات مرتخية وعقل متفتح ~~لضوء الشمس وللسحب، متفتح للبعيد وللأفق، متفتح في النهاية لذلك الشيء الذي ليس بالفكر ~~والذي لا شكل له ولا يعبر عنه بالكلمات. هذا الشيء الذي يسمح لك سكون القمة بأن تبلغ به ~~المقدس والعميق والدائم في غضون تيار اللغو الذي يسبح فيه التفكير اليومي المعتاد. ~~- والآن حان الوقت للهبوط، لدورة أخرى من يوجا الخطر، حان الوقت لتجديد التوتر والوعي ~~بالحياة في كمالها المشرق وأنتم تتعلقون بحافة الهاوية مخاطرين بأنفسكم. وعند سفح التل ~~المرتفع تفكون الوثاق، وتخطون فوق الممرات الصخرية صوب الأشجار الأولى. وبغتة تجدون أنفسكم ~~في الغابة، حيث ينتظركم نوع آخر من اليوجا، يوجا الغابة، وهي اليوجا التي تتصف بكونكم على ~~وعي تام بالحياة عند حافتها، حياة الغابة بكل ما فيها من ازدهار وعفن، وفساد يزحف، بكل ما ~~فيها من نبات السحلبية وأمهات الأربع والأربعين، وطفيليات وطيور مغردة، وما يشرب الرحيق ~~الإلهي وما يشرب الدماء. الحياة التي تخرج النظام من الفوضى والقبح، الحياة التي تؤدي معجزة ~~الميلاد والنمو، تؤديهما - فيما يبدو - لغير ما سبب غير أن تدمر نفسها، الجمال والفزع، ومرة ~~أخرى أقول الجمال والفزع. وبغتة وأنتم قافلون من إحدى رحلاتكم بالجبال، بغتة تعلمون أن هناك ~~توافقا، بل اندماجا، وهوية واحدة. الجمال يتحد مع الفزع في يوجا الغابة، والحياة في وفاق ~~مع الموت المستمر القريب في يوجا الخطر، الفراغ يتطابق مع الأنانية في يوجا العطلة الدينية ~~التي فوق الذروة. # 2 # وساد الصمت، وتثاءب موروجان بصورة تلفت ms184 النظر، وأشعل الكاهن العجوز عودا آخر من البخور، ~~ولوح به - وهو يتمتم - أمام الراقصة، ولوح به مرة أخرى حول شيفا وإلهه وهما يمارسان حبا ~~كأعمق ما يكون الحب. # قال فيجايا: تنفسوا بعمق، والتفتوا وأنتم تتنفسون إلى رائحة هذا البخور، وأعيروها كل ~~انتباهكم، واعرفوها على حقيقتها؛ إنها حقيقة يعجز عنها التعبير بالكلمات ، ويعجز عن إدراكها ~~العقل والإيضاح، اعرفوها في خامتها، واعرفوها كلغز من الألغاز. البخور الذي تتنفسونه حقيقة ~~لا تفسر، وكذلك تماس بشرة ببشرة، والحب المحسوس، وفوق كل شيء لغز الألغاز، الواحد في تعدده، ~~والفراغ الذي هو كل شيء، وباطن الأشياء الموجود بكليته في كل مظهر. وفي كل نقطة وكل لحظة؛ ~~لذلك أرجو أن تتنفسوا وتتنفسوا. وختم كلامه وهو يجلس قائلا: تنفسوا. # وتمتم الكاهن العجوز منتشيا قائلا: شيفاياناما. # ونهض الدكتور روبرت واتجه نحو المذبح، ثم توقف، وعاد إلى مكانه وأشار إلى ويل ~~فارنبي. # قال في همس عندما أدركه ويل: تعال واجلس معي، إنني أحب أن أرى وجوههم. ~~- ربما اعترض رؤيتك. # هز الدكتور روبرت رأسه، وتقدما معا، واعتليا المذبح. ولما بلغا ثلاثة أرباع السلم الصاعد ~~إليه، جلسا جنبا إلى جنب في شبه الظل بين الظلام وضوء المصابيح. وفي هدوء شديد بدأ الدكتور ~~روبرت يتحدث عن شيفا ناتاراجا، عن سيد الرقص. قال: انظر إلى هذا التمثال، انظر إليه ~~بالعينين الجديدتين اللتين أعطاكهما عقار الموكشا. انظر إليه كيف يتنفس وكيف ينبض، كيف يخرج ~~من ضياء إلى ضياء أشد توهجا. إنه يرقص خلال الزمان وبعد الزمان، يرقص إلى الأبد وفي اللحظة ~~الخالدة. إنه يرقص ويرقص في جميع العوالم في وقت واحد. انظر إليه. # وتمعن ويل في تلك الأوجه الشامخة إلى أعلى، يحدق مرة في هذا الوجه ومرة أخرى في ذلك الوجه ~~فيرى ضياء البهجة والمعرفة والفهم، ضياء مشرقا، يرى علامات التعجب التي يحسها المرء أثناء ~~الصلاة، تلك العلامات التي ترتجف عند حافة النشوة أو حافة الفزع. # وألح عليه الدكتور روبرت أن يزيد من تمعنه. وبعد برهة طويلة من الصمت أعاد قوله: إنه يرقص ~~في جميع ms185 العوالم في وقت واحد. إي والله في جميع العوالم؛ أولا في عالم المادة. انظر إلى ~~الهالة المستديرة الكبرى، التي تحف بها رموز النار، والتي يرقص الرب في داخلها. إنها تمثل ~~الطبيعة، تمثل عالم الكتلة والطاقة. في داخلها يرقص شيفا ناتاراجا رقصة الصيرورة التي لا ~~تنتهي، رقصة الموت. إنها «ليلاه» أو لعبته الكونية. إنه يلعب من أجل اللعب، كالطفل. ولكن ~~هذا الطفل هو ناموس الأشياء، لعبه هي مجموعات الكواكب، وملعبه هو الفضاء الذي لا نهاية له، ~~وبين الإصبع والإصبع فترة مداها ألف مليون سنة ضوئية. انظر إليه هناك فوق المذبح. التمثال ~~من صنع الإنسان، بدعة صغيرة من النحاس لا يتجاوز ارتفاعها أربع أقدام. ولكن شيفا ناتاراجا ~~يملأ الكون، هو الكون. أغمض عينيك وانظر إليه سامقا في ظلام الليل، وتابع تلك الأذرع ~~الممتدة امتدادا ليس له غاية، وذلك الشعر الحوشي يتطاير إلى ما لا نهاية. ~~- ناتاراجا وهو يلعب بين النجوم وفي الذرات. ثم أضاف: ولكنه يلعب كذلك داخل كل شيء حي، ~~وكل مخلوق حساس، وكل طفل وكل رجل وكل امرأة. اللعب من أجل اللعب. ولكن الملعب الآن هو ~~الشعور، وصالة الرقص بوسعها أن تحتمل. هذا اللعب بغير هدف يبدو - بالنسبة لنا - نوعا من ~~الإهانة. وما نريده فعلا هو «الله» الذي لا يحطم خلقه أبدا. وإذا كان لا بد من الألم ~~والموت فليقم على توزيعها إله الحق، الذي يعاقب المسيء ويكافئ الطيب بالسعادة الأبدية. أما ~~في الواقع فالطيب يصيبه الأذى، والبريء يكابد ويعاني. ثم ليكن هناك إله يعطف علينا ويطمئن ~~قلوبنا. ولكن ناتاراجا لا يفعل شيئا غير الرقص. لعبه يتنزه عن الموت أو الحياة، ويتنزه عن ~~كل عمل خبيث وكل عمل طيب. بين يديه اليمنيين يرفع الطبلة التي تستدعي الوجود من اللاوجود. ~~دقة للخلق وليقظة الكون. ثم انظر إلى أعلى يديه اليسريين. إنه يلوح بهما نارا يدمر بها كل ~~ما خلق. إنه يرقص في هذه الناحية؛ ويا لها من سعادة! ثم يرقص في ناحية أخرى، فيكون الألم، ~~والخوف الممقوت، والدمار! ثم قفزة، وخطوة ms186 ووثبة؛ قفز للصحة الكاملة، وخطوة نحو السرطان ~~والشيخوخة، ووثبة من الحياة الكاملة إلى العدم، ومن العدم إلى الحياة مرة أخرى. وعند ~~ناتاراجا كل ذلك لعب، واللعب غاية في حد ذاته، لا يهدف إلى شيء أبدا. إنه يرقص لأنه يرقص، ~~والرقص بالنسبة إليه هو «ماهاسوخا»، هو نعيمه الأبدي الذي لا يحد. نعم نعيم أبدي. ثم أعاد ~~العبارة الأخيرة بصيغة الاستفهام: نعيم أبدي؟ وهز رأسه وقال: بالنسبة إلينا ليس هناك نعيم، ~~ليس هناك إلا تذبذب بين السعادة والفزع وإحساس بالغضب لأن آلامنا في رقص ناتاراجا جزء منه ~~كما أن مسراتنا كذلك جزء منه. موتنا كحياتنا. دعنا نتدبر ذلك في هدوء لبرهة من الزمن. # ومرت الثواني، وازداد السكون عمقا. وفجأة وفي فزع شديد بدأت إحدى الفتيات في النحيب، ~~فترك فيجايا مكانه، وركع إلى جوارها ووضع إحدى يديه على كتفها، فكفت عن النحيب. # وأخيرا واصل الدكتور روبرت حديثه قائلا: المعاناة والمرض والشيخوخة والعجز والموت، «سوف ~~أريكم الأحزان». ولكن ذلك لم يكن الشيء الوحيد الذي أرانا إياه بوذا. لقد أرانا كذلك نهاية ~~الأحزان. # وصاح الكاهن العجوز منتصرا: شيفاياناما. ~~- افتح عينيك مرة أخرى وانظر إلى ناتاراجا وهو فوق المذبح، أنعم النظر. في يمناه العليا - ~~كما رأيت من قبل - يمسك طبلة يدعو فيها العالم إلى الوجود. وفي يسراه العليا يحمل النار ~~المدمرة. الحياة والموت، النظام والانحلال، هذا وذاك بالقسطاس المستقيم. وانظر الآن إلى يدي ~~شيفا الأخريين، تجد أن يمناه السفلى مرتفعة وراحتها مفتوحة إلى أعلى. ما معنى هذه الإشارة؟ ~~معناها: «لا تخف، كل شيء كما يرام». ولكن كيف ينجو من الخوف أي امرئ في قواه العقلية؟ كيف ~~يستطيع أي امرئ أن يزعم أن الشر والألم مما يرام. في حين أنه من الواضح أنهما مما لا يرام؟ ~~الجواب عند ناتاراجا. انظر الآن إلى يسراه السفلى، إنه يشير بها إلى قدميه. ماذا تقوم به ~~قدماه؟ تمعن تجد أن قدمه اليمنى تدوس عدلا وإنصافا على مخلوق صغير مخيف أدنى صورة من ~~الإنسان؛ ذلك هو الشيطان «ميالاكا». إنه قزم ولكنه في ms187 خبثه شديد القوى. مايالاكا تجسيد ~~للجهل، ومظهر لأنانية الجشع وحب التملك. دسه بقدميك، واقصم ظهره! هذا بعينه ما يفعله ~~ناتاراجا. يدوس هذا الوحش الصغير بقدمه اليمنى. ولكني أريدك أن تلاحظ أنه لا يشير بإصبعه ~~إلى قدمه اليمنى التي يدوس بها. إنه يشير إلى قدمه اليسرى، إلى القدم التي يرفعها عن الأرض ~~وهو يرقص. لماذا يشير إليها؟ لماذا؟ هذه القدم التي يرفعها. هذا التحدي بالرقص لقوة ~~الجاذبية؛ رمز الفرج، رمز الموكشا، رمز التحرر. إن ناتاراجا يرقص في كل العوام في وقت واحد؛ ~~في عالم الفيزياء والكيمياء، في عالم التجربة العادية الإنسانية البحت، وأخيرا في عالم ~~المثل، عالم العقل الأكبر، عالم الضوء الصافي ... والآن، وبعد لحظة من الصمت واصل الدكتور ~~روبرت حديثه قائلا: والآن أريدك أن تنظر إلى التمثال الآخر، تمثال شيفا والآلهة. انظر ~~إليهما وهما في كهفهما الصغير المضيء، ثم أغمض عينيك وانظر إليها مرة أخرى؛ يتلألآن، ~~يمتلئان حياة، يسموان. ما أجملهما! وفي تعاطفها أي معنى عميق! أية حكمة تتجاوز كل الحكم ~~التي نتفوه بها وهما في تلك التجربة الحسية، تجربة الاندماج الروحي والتكفير عن الذنوب! ~~الخلود يتحاب مع الزمان. الواحد يرتبط في الزواج بالمتعدد، والنسبي يصبح مطلقا باتحاده مع ~~الواحد. نيرفانا يتطابق مع سمسارا، الظاهر من طبيعة بوذا في الزمن والبدن والشعور. # وأشعل الكاهن العجوز عودا آخر من البخور وقال: شيفاياناما. ثم شرع يشدو بالسنسيكريتية ~~في هدوء وفي فقرات طويلة متتابعة. واستطاع ويل أن يرى علامات السكون والإصغاء، وأن يرى ~~البسمة الخفيفة التي تنم عن النشوة والتي تتهلل للفكر الثاقب المفاجئ، ورؤية الحق والجمال، ~~يرى كل ذلك مرتسما على الوجوه الشابة التي تتطلع إليه. وفي الخلف لمح موروجان مستندا إلى ~~أحد الأعمدة مترهلا مجهدا، يعبث بأنفه الإغريقي الدقيق. # وعاد الدكتور روبرت إلى الكلام فقال: التحرر، نهاية الآلام، الانتهاء من كونك من تظن ~~جهلا أنك هو أن تصبح من في الواقع هو أنت. وبفضل الموكشا سوف تعرف لفترة قصيرة من الزمن ~~كيف يكون إحساسك عندما تكون من في الواقع هو أنت، ms188 ومن في الواقع كنت دائما. إنه نعيم لا ~~يحده زمان! ولكن هذا الزمان اللامحدود - كأي شيء آخر - أمر زائل، وكأي شيء آخر سوف يمضي. ~~وماذا أنت فاعل بهذه التجربة بعد أن يمضي؟ ماذا أنت فاعل بكل الخبرات المشابهة التي يجلبها ~~لك عقار الموكشا في السنوات المقبلة؟ هل تكتفي بأن تستمتع بها كما تستمتع بأمسية تقضيها في ~~مسرح العرائس، ثم تعود إلى عملك المعتاد، وتعود إلى مسلك المنحرفين الحمقى الذين تتصور أنك ~~واحد منهم؟ أم هل - بعد هذه اللمحة - سوف تكرس حياتك للعمل لا كما تعودت ولكن كما أنت في ~~الواقع؟ إن كل ما نستطيعه نحن الكبار بتعاليمنا، وكل ما تستطيع بالا أن تفعله بك بنظمها ~~الاجتماعية هو أن تمدك بالوسائل وبالفرص، وكل ما يستطيع فعله عقار الموكشا هو أن يعطيك ~~لمحات متتابعة من الشعور بالبهجة، ساعة أو ساعتين، من حين إلى آخر، من نعمة الاستنارة ~~والتحرر. والأمر متروك لك بعد ذلك لتقرر إن كنت سوف تستجيب لهذه النعمة وتنتهز هذه الفرص. ~~ولكن ذلك من شأن المستقبل. أما الآن، وفي هذا المكان فكل ما يتحتم عليك أن تفعله هو أن تستمع ~~إلى نصيحة طائر المينة: انتباه! انتبهوا تجدوا أنفسكم وقد أصبحتم - شيئا فشيئا أو بغتة - ~~على وعي بالحقائق الأساسية التي تختفي خلف هذه الرموز فوق المذبح. # ولوح الكاهن العجوز بعود البخور وقال: شيفاياناما! وعند أسفل سلم المذبح جلس الفتية ~~والفتيات بلا حراك كأنهم خشب مسندة، ثم صدر عن أحد الأبواب صرير، وسمع الحاضرون وقع أقدام، ~~والتفت ويل فرأى رجلا قصيرا بدينا يشق طريقه بين جماعة المتأملين، وصعد السلم، ثم انحنى ~~وهمس في أذن الدكتور روبرت، واتجه بعد ذلك صوب الباب. # ووضع الدكتور روبرت إحدى يديه على ركبة ويل، وهمس في أذنه وعلى شفتيه ابتسامة، وهز كتفيه ~~وهو يقول: هذا أمر ملكي، وهذا هو الرجل المسئول عن الكوخ الجبلي. وقد أبلغته الراني ~~تليفونيا أنها تريد أن ترى موروجان في أقرب وقت مستطاع، والأمر عاجل. وضحك ضحكة مكتومة ثم ~~نهض وأقام ويل على ms189 قدميه. # | الفصل الحادي عشر # أعد ويل فارنبي طعام إفطاره بنفسه، وكان عندما عاد الدكتور روبرت من زيارته الصباحية ~~المبكرة للمستشفى يشرب الفنجان الثاني من شاي بالا ويأكل الخبز المحمص مع المربى. # واستفسر عن صحة لاكشمي فأجابه الدكتور روبرت بقوله: لم تتألم كثيرا أثناء الليل، ~~واستغرقت في النوم العميق لمدة أربع أو خمس ساعات، واستطاعت هذا الصباح أن تتناول شيئا من ~~الحساء. # وواصل حديثه قائلا إنه يأمل في مهلة يوم آخر. ولما كان وجوده إلى جانبها باستمرار يقلق ~~راحتها. ولما كانت الحياة لا بد - على أية حال - من أن تسير، وأن تستغل على أحسن صورة ~~ممكنة؛ فقد قرر أن يسوق سيارته إلى «المحطة المرتفعة» يقوم فيها لبضع ساعات بالعمل مع فريق ~~البحث في معمل المستحضرات الطبية. ~~- عمل يتعلق بعقار الموكشا؟ # هز الدكتور روبرت رأسه وقال: كلا. هذا العمل لم يعد إلا تكرارا لعملية مقننة. وقد بات من ~~اختصاص التقنيين. وليس من عمل الباحثين. هؤلاء يشتغلون بشيء جديد. # وبدأ يتكلم عن الأندولات التي عزلت أخيرا عن بذور الأولوليكوي التي استوردت من المكسيك في ~~العام الماضي وزرعت في حديقة النباتات بالمحطة. ثلاثة أندولات على الأقل لم تكن من بينها ~~سوى واحدة فعالة. وقد أثبتت التجارب على الحيوان أن لها تأثيرا على الجهاز الشبكي ... # ولما ترك ويل وحده جلس تحت المروحة التي كانت تعلو رأسه وواصل قراءته في «مذكرات عن حقائق ~~الأشياء»: # نحن لا نستطيع أن نتخلص بالعقل من اللاعقل الأساسي في نفوسنا. كل ما نستطيعه هو ~~أن نتعلم كيف نكون لا عقليين بطريقة معقولة. # بعد ثلاثة أجيال من الإصلاح لم تعد في بالا جموع كقطعان الغنم ولا رعاة طيبون من ~~الكهنوت يجزون صوف القطعان ويخصون ذكورها. ليس هناك قطعان من البقر والخنازير وليس ~~هناك تجار مرخصون للماشية، ملكيون أو عسكريون، رأسماليون أو ثائرون، يسمون ويقيدون ~~ويجزرون، هناك فقط جماعات من الرجال والنساء في طريقهم إلى الإنسانية ~~الكاملة. # النغم أو الحجارة، العمليات أو الأشياء المحسوسة؟ تجيب البوذية كما يجيب العلم ~~الحديث على هذا التساؤل ms190 بإيثار «النغم». ويقول الفلاسفة الغربيون القدامى ~~الحجارة. البوذية والعلم الحديث ينظران إلى العالم في نطاق الموسيقى. أما الصورة ~~التي يتمثلها المرء وهو يقرأ فلاسفة الغرب فهي عبارة عن جسم من الفسيفساء البيزنطي، ~~متماثل، مؤلف من ملايين المربعات الصغيرة المصنوعة من مادة حجرية المثبتة في جدران ~~كاتدرائية كاثوليكية خالية من النوافذ. # إن رشاقة الراقصة، وما يصيبها من التهاب المفاصل بعد أربعين عاما؛ هذا وذاك من ~~وظائف هيكلها العظمي. وبفضل تكوين العظام تستطيع الفتاة أن ترقص الباليه على أصابع ~~القدم، وبسبب هذه العظام عينها، بعدما تتآكل قليلا، يحكم على المرأة العجوز ~~بالتحرك فوق المقعد ذي العجلات. وكذلك فإن الدعامة القوية لأية ثقافة من الثقافات ~~هي الشرط الأول لكل ابتكار أو إبداع يقوم به الأفراد، وهي أيضا عدوهم ~~الأول. # إن الشيء الذي لا يمكن أن نتطور في غيبته حتى يمسي كل منا إنسانا كاملا هو في ~~أغلب الأحيان نفس الشيء الذي يحول دون تطورنا. # وقد أثبت بكل جلاء قرن من البحث في عقار الموكشا أن الشخص العادي قادر تماما على ~~أن تكون له رؤى بل وعلى أن يشعر بالتحرر الكامل. والرجال والنساء - من هذه الناحية ~~- الذين يصنعون الثقافة الرفيعة ويستمتعون بها لا يفضلون أصحاب المعرفة المحدودة. ~~إن الخبرة الرفيعة تتفق تمام الاتفاق مع التعبير الرمزي البسيط. # والرموز التعبيرية التي ابتدعها فنانو بالا لا تفضل الرموز التعبيرية التي ~~ابتدعها الفنانون في غيرها من الأماكن، بل لعلها أضعف أثرا وأقل إقناعا من ~~الناحية الجمالية من الرموز التراجيدية أو التعويضية في البلاد الأخرى؛ ذلك لأن ~~الرموز في بالا هي من ثمرات السعادة والإحساس بالإنجاز، والرموز في غيرها من البلاد ~~من ابتداع ضحايا الإحباط والجهل، والظلم، والحرب والخرافات التي تشجع ارتكاب الذنوب ~~وتحرض على الجريمة. إن تفوق بالا لا يرجع إلى التعبير الرمزي، وإنما يرجع إلى فن ~~يمكن أن يمارسه كل إنسان، وإن يكن أعلى مرتبة وأكبر قيمة من كل الفنون الأخرى؛ ~~ذلك هو فن الممارسة الكافية لكل العوالم التي نقطنها كبشر، فن التعرف المباشر بهذه ~~العوالم. ms191 ثقافة أهل بالا لا تقاس كما تقاس الثقافات الأخرى (لانعدام مقاييس أفضل)، ~~لا تقاس بإنجازات قلة من الموهوبين البارعين في الرموز الفنية أو الفلسفية. لا، ~~إنها تقاس بما يفعل ويمارس كل أعضاء المجتمع، العاديون منهم والمتفوقون، في كل حدث ~~من الأحداث وكلما تقاطع الزمان مع الأبدية. # ودق التليفون، فهل يتركه يرن ، أم هل الأفضل أن يجيب ويخطر المتحدث بأن الدكتور روبرت يقضي ~~يومه في الخارج، وقرر ويل أن يأخذ بالرأي الآخر فرفع السماعة. # وقال محاكيا قدرة السكرتير حينما يرد: هنا بيت الدكتور ماك فيل. ولكن الدكتور خارج البيت ~~طوال اليوم. # وبصوت ملكي غني رد المتحدث على الطرف الآخر من التليفون قائلا: هذا أفضل، كيف حالك يا ~~عزيزي فارنبي؟ # وذهل ويل وتلعثم وهو يشكر صاحبة السمو على تفضلها بالسؤال. # قالت الراني: أخذوك بعد ظهر أمس لتشهد حفلة من حفلاتهم الدينية المزعومة؟ # وأفاق ويل بالقدر الكافي من ذهوله فأجاب بكلمة محايدة وبنغمة لا تلزمه أي التزام، وقال: ~~كانت رائعة. # قالت الراني: نعم رائعة ولكن باعتبارها كاريكاتير للحقل الديني الصادق، كاريكاتير لا ~~يحترم المقدسات. ولفظت كلمة «الصادق» بنبرة تنم عن التمجيد كام تنم عن الازدراء، ثم قالت: ~~إنهم لم يتعلموا قط أن يميزوا تمييزا مبدئيا بين النظام الطبيعي والنظام الخارق ~~للطبيعة. # وتمتم ويل قائلا: تماما، تماما ... # وسألته صاحبة الصوت المتحدث على الطرف الآخر: ماذا تقول؟ # فرفع صوته وقال: تماما. # واستمرت الراني في حديثها قائلة: يسرني أنك توافق. ولكني لم أطلبك على التليفون لأبحث معك ~~الفرق بين الطبيعي والخارق للطبيعة؛ على الرغم من الأهمية القصوى للفارق بينهما. إنما ~~طلبتك لكي أتحدث معك في أمر أكثر عجلة من هذا. ~~- البترول؟ # قالت: نعم البترول. ولقد بلغتني منذ برهة رسالة من ممثلي الشخصي في راندنج. ثم أضافت ~~وبهذه المناسبة أقول له إنه في مركز رفيع وعلى معرفة جيدة. # وتحير ويل من أولئك الضيوف الذين حضروا حفل الكوكتيل في وزارة الخارجية، ممن يحسنون ~~الكلام ويرصعون صدورهم بالأوسمة، من منهم خدع غيره من المخادعين؛ وهو طبعا واحد من ~~هؤلاء. ms192 # وواصلت الراني حديثها قائلة: في الأيام القليلة الماضية وصل بالطائرة إلى راندنج لوبو ~~ثلاثة ممثلين على الأقل لشركات البترول الكبرى الأوروبية والأمريكية. وقد نقل إلي مبلغي أنهم ~~يفاوضون بالفعل أربعا أو خمسا من الشخصيات الرئيسية في الإدارة ممن قد يكون لهم في وقت ~~لاحق نفوذ في تقرير من يعطي الامتياز في بالا. # وطقطق ويل بلسانه طقطقة تنم عن الاستنكار. # وقالت تلميحا أن مبالغ طائلة قد عرضت إن لم يكن بطريق مباشر فعلى الأقل باللفظ وبالتلويح ~~المغري. # قال معلقا: هذا أمر شنيع. # قالت الراني إن وصف شنيع هو اللفظة المناسبة؛ ولذلك كان لا بد من القيام بعمل ما في ~~هذا الخصوص، وأن يتم العمل فورا. وكانت قد علمت من باهو أن ويل قد كتب بالفعل للورد ~~ألديهايد، وأن الرد سوف يرد من غير شك في خلال أيام قليلة. ولكن هذه الأيام القليلة أطول ~~مما يحتمل، والوقت أمر جوهري. ليست فقط بسبب ما كانت تفعله هذه الشركات المتنافسة، ولكن ~~لأسباب أخرى كذلك (وهنا أخفضت الراني صوتها بدرجة غريبة)، وبهذا الصوت المنخفض أخذت تحثه ~~الآن: الآن، وبغير توان! يجب أن تبرق إلى اللورد ألديهايد وتخبره بما يحدث (وأضافت عرضا ~~أن باهو بإخلاصه لها قد عرض عليها أن ينقل الرسالة بالشفرة عن طريق مفوضية راندنج في لندن)، ~~ويجب أن يصحب الرسالة طلب عاجل بأن يفوض اللورد مراسله الخاص في أن يتخذ الخطوات اللازمة ~~لضمان نجاح قضيتهما المشتركة (والخطوات المناسبة في هذه المرحلة تكون أساسا ذات طبيعة ~~مالية). # واختممت حديثها قائلة: ولذلك أرجو أن تسمح لي أن أطلب إلى باهو أن يرسل البرقية فورا، ~~باسمي واسمك يا مستر فارنبي. وأرجو يا عزيزي أن يكون هذا التصرف مقبولا منك. # ولم يكن هذا التصرف مقبولا بتاتا. ولكن ويل لم يجد ما يعتذر به للرفض لأنه كتب من قبل ~~ذلك الخطاب إلى جو ألديهايد؛ ولذلك صاح متظاهرا بالتحمس للفكرة تحمسا يكذبه سكوته الطويل ~~المريب قبل أن يقول إنه يوافق بالطبع، وذلك السكوت الذي كان يبحث خلاله عن رد ms193 آخر. ثم أضاف ~~قوله: يجب أن يصلنا الرد في وقت ما غدا. # وأكدت له الراني أنهم سوف يتلقونه هذا المساء. ~~- وهل يمكن ذلك؟ ~~- إن الله على كل شيء قدير. # قال: هذا صحيح. ولكن ... ~~- إنني أومن بما يوحي إلي به صوتي الضعيف. وهو يقول لي: هذا المساء ويقول: إنه سوف ~~يفوض فارنبي تفويضا كاملا، وكررت عبارتها بحيوية بالغة. ويقول صوتي الضعيف كذلك: إن ~~فارنبي سوف يحقق نجاحا تاما. # قال شاكا: إنني أتعجب. ~~- يجب أن تنجح. ~~- يجب! ~~- نعم يجب. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الله هو الذي أوحى إلي أن أشن حرب الروح الصليبية. ~~- أنا لا أفهم العلاقة تماما. # قالت: ربما كان من الواجب ألا أخبرك. وصمتت برهة ثم قالت: ولكن لماذا لا أخبرك؟ لقد وعدني ~~اللورد ألديهايد أن يؤازرني في الحرب التي أشنها بكل موارده إذا نجحت قضيتنا. وما دام الله ~~يريد أن ننتصر في الحرب، فإن قضيتنا لا يمكن إلا أن تنتصر. # وأراد أن يصيح مجيبا: وهذا هو المطلوب. كأنها معادلة رياضية، ولكنه كبح جماح نفسه، فليس ~~هذا من الأدب. وعلى أية حال فإن الموضوع الراهن ليس من الفكاهة في شيء. # قالت الراني: يجب أن أتصل بباهو حالا يا عزيزي فارنبي. وأنهت المكالمة التليفونية. # وهز ويل كتفيه وعاد إلى «مذكرات عن حقائق الأشياء»، ولم يكن لديه شيء آخر يشغل نفسه ~~به. ~~- الثنائية ... بغيرها يستحيل أن يكون هناك أدب رفيع، وبها لا يمكن - بكل تأكيد - أن تكون هناك ~~حياة طيبة. «أنا» تؤكد أن هناك مادة أنانية منفصلة ثابتة، و«أكون» تنكر أن الوجود كله ~~علاقات وتغير. «أنا أكون»، هاتان كلمتان صغيرتان، ولكنهما تنطويان على باطل ضخم! إن المثنوي ~~صاحب العقل المتدين ينادي الأرواح المصطنعة من الأعماق السحيقة. أما غير المثنوي فينادي ~~الأعماق السحيقة في روحه، أو بعبارة أدق، يجد أن الأعماق السحيقة موجودة فعلا ~~لديه. # وسمع ضجة أحدثتها عربة مقتربة، أعقبها سكون عندما أوقف المحرك، ثم صوت باب ينغلق ووقع ~~أقدام فوق الحصى، وفوق سلم الفراندة. # قال فيجايا بصوته العميق: هل أنت مستعد؟ # وألقى ويل ms194 «مذكراته» جانبا، والتقط عصاه الخيزرانية، ونهض على قدميه، وسار نحو الباب ~~الخارجي. # قال ويل وهو يتجه نحو الفراندة: نعم مستعد. # وأمسكه فيجايا من ذراعه وقال: إذن هيا بنا واحذر درجات السلم. # وكانت تقف إلى جوار عربة الجيب امرأة في منتصف الأربعينيات من عمرها مرتدية ثيابا ~~قرنفلية، وحول رقبتها عقد من المرجان، امرأة مستديرة الوجه. # قال فيجايا: هذه ليلاراو، أمينة المكتبة، وسكرتيرة، وأمنية الصندوق، والمشرفة على النظام ~~العام، لا غنى لنا عنها. # وصافحها ويل، وبدت له شبيهة بالسيدات الإنجليزيات الرقيقات الممتلئات حركة ونشاطا اللائي ~~- بعد أن يكبر أطفالهن - يقمن بالأعمال الخيرية أو يتجهن إلى تثقيف أنفسهن. إنهن لسن على ~~قدر كبير من الذكاء، ولكنهن يتصفن بالإيثار، مخلصات، طيبات حقا، ولكن - لسوء الحظ - ~~باعثات على السأم. وكانت ليلاراو من هذا الطراز لا تختلف عنه إلا ببشرتها السمراء. # وقالت السيدة راو مبادرة بالكلام وهم يسيرون إلى جوار بركة اللوتس ويمرقون إلى الطريق ~~العام: سمعت عنك من صديقي الصغيرين رادا ورانجا. # قال ويل: أرجو أن أكون حائزا لرضاهما كما حازا رضاي. # وأشرق وجه السيدة راو بهجة وسرورا وقالت: يسرني أنك معجب بهما. # وقال فيجايا: إن رانجا ذكي بدرجة غير عادية. # وأضافت إلى ذلك راو أنه غاية في الاتزان، يقف وسطا بين الانطواء والانبساط على العالم ~~الخارجي. يميل دائما - وبكل قوة - إلى الفرار إلى ميزفانا أرهات # 1 # أو إلى جنة العلماء الصغيرة الجميلة المنسقة؛ جنة التجريد المطلق. يميل إلى ~~هذا الاتجاه، ولكنه يقاوم الميل في أغلب الأحيان لأن رانجا العالم كان كذلك رانجا آخر، ~~رانجا يحس في قلبه الرأفة، مستعد - لو عرفت كيف تناشده بالطريقة الصحيحة - أن يفتح قلبه ~~للحقائق المحسوسة في الحياة وأن يكون واعيا، مهتما معينا بشكل إيجابي. ومن حسن حظه ومن ~~حسن حظ الناس جميعا أنه التقى بفتاة مثل رادا الصغيرة، فتاة ساذجة ذكية، فكهة رقيقة، ~~موهوبة في إحساسها بالحب والسعادة! وأفضت السيدة راو بدخيلة نفسها وقالت إن رادا ورانجا من ~~تلاميذها المحببين إليها. # وظن ويل أنهما من تلاميذها في نوع من ms195 المدارس الدينية البوذية، وحسب أنه بهذا الظن يتفق ~~معها في الرأي. ولشد ما كان ذهوله عندما علم أنهما تتلمذا عليها في يوجا الحب، وأن راو؛ ~~هذه العاملة المخلصة في المستوطنات، كانت تلقي عليهما الدروس في السنوات الست الماضية وفي ~~الفترات التي لا تشتغل فيها بالمكتبة. وذلك حسبما ظن ويل بالطرق التي أباها موروجان والتي ~~ارتأتها الراني فظيعة؛ لما كانت تتصف به من حب لبنيها يبلغ حد التملك. وفغر ويل فاه ليلقي ~~إليها بسؤال. ولكن ردود الفعل عنده كانت على مستوى آخر أرفع من ذلك متأثرة بعاملين في ~~المستوطنة من طراز آخر، فلم تخرج الأسئلة من بين شفتيه، وفات أوان السؤال، وبدأت السيدة راو ~~تتحدث عن أعمال أخرى تقوم بها. # قالت: لو عرفت ما نعانيه مع الكتب في هذا الجو! الورق يتعفن، والصمغ يسيل، والغلف تتحلل، ~~والحشرات تلتهم. إن الأدب المكتوب لا يناسب في الواقع المناطق الاستوائية. # قال ويل: وإذا صدق راجا العجوز فإن الأدب لا يتفق كذلك وكثير من الخصائص المحلية هنا ~~بخلاف المناخ؛ إنه لا يتفق وكرامة الإنسان، ولا يتفق والحق الفلسفي، ولا يتفق وصحة عقل ~~الفرد وسلامة النظام الاجتماعي، لا يتفق مع أي شيء سوى الثنائية، والجنون الإجرامي، والطموح ~~المستحيل، والذنب الذي لا لزوم له. وكشر بشراسة وقال: ولكن ما علينا؛ فالكولونيل ديبا سوف ~~يصحح الأوضاع. وبعد أن تغزى بالا ويؤمن جانبها في الحرب والبترول والصناعة الثقيلة، سيكون ~~لكم - من غير شك - عصركم الذهبي في الأدب وأصول الدين. # قال فيجايا: أود أن أضحك، وما يشغلني هو أنك على الأرجح قد أصبت الرأي، وأنا أحس إحساسا ~~مزعجا أن أبنائي سوف يرون - عندما يكبرون - نبوءتك تتحقق. # ونزلوا من عربة الجيب، وأوقفوها بين عربة يجرها ثور ولوري ياباني جديد عند مدخل القرية، ~~وساروا بعد ذلك على الأقدام. وبين البيوت المسقوفة بالقش التي تقع وسط حدائق يظللها النخيل ~~وأشجار الببايا وثمر الخبز كان هناك شارع ضيق يؤدي إلى السوق المركزية. وتوقف ويل واستند ~~إلى عصاه الخيزرانية وتلفت حواليه، وشهد على أحد جوانب ms196 الميدان مبنى شرقيا شديد الزخرفة ~~له واجهة قرنفلية مكسوة بالجص وشرفات في الأركان البعيدة؛ والظاهر أنه مبنى البلدية، وفي ~~مواجهته على الجانب الآخر من الميدان يقوم معبد صغير وردي اللون من الحجر الأحمر يتوسطه برج ~~فوق طوابقه المتتالية تماثيل من الصخر تروي قصة تطور بوذا منذ أن كان طفلا مدللا حتى تاثاجاتا. # 2 # وبين هذين البناءين كانت هناك شجرة استوائية ضخمة تغطي أكثر من نصف المساحة ~~المكشوفة. وعلى طول الممرات الملتوية الظليلة اصطفت أكشاك العشرات من التجار والبائعات. ~~وفيما بين الثغرات في القبو الأخضر الذي يعلو رءوسهم تتسلل خيوط من ضوء الشمس تسطع على صف ~~من جرار الماء السوداء والصفراء هنا، وسوار فضي، ولعبة خشبية، وثوب من القماش القطني هناك، ~~وكومة من الفواكه، وصدار فتاة مرصع بالزهور الزاهية هنا، وبريق أسنان ضاحكة وعيون، والنصف ~~الأعلى العاري من جسد إنسان ذهبي متورد اللون هناك. # وبينما هم يشقون طريقهم بين الأكشاك تحت الأشجار الضخمة علق ويل بقوله: كل امرئ هنا يبدو ~~في صحة جيدة. # قالت السيدة راو: إنهم يبدون أصحاء لأنهم أصحاء، وسعداء على خلاف ما عرفت من قبل. وعادت ~~إلى ذاكرته الوجوه التي شهدها في كلكتا ومانلا وراندنج لوبو، وهي الوجوه التي يراها المرء ~~كل يوم في شارع فليت وشارع استراند؛ الوجوه المكتئبة. وتطلع من وجه إلى آخر ثم قال: حتى ~~النساء يبدون سعيدات. # قالت السيدة راو: ليست لأي منهن عشرة أطفال. # قال ويل: والمرأة في بلادي ليس عندها عشرة أطفال، وعلى الرغم من ذلك ترى على وجهها علامات ~~الوهن وعلامات الهم. وتوقف لحظة لكي يراقب بائعة في منتصف العمر تزن شرائح من ثمر الخبز ~~المجفف بحرارة الشمس لأم شابة تحمل طفلها في كيس فوق ظهرها. واختتم ملاحظته قائلا: هذا نوع ~~من الإشراق. # قالت السيدة راو بشعور الظافر: بفضل ماثيونا، بفضل يوجا الحب. وتألق وجهها بمزيج الحماسة ~~الدينية وكبرياء المهنة. # وساروا تحت ظل الشجرة الكبرى في ضوء الشمس المتوهج، ثم صعدوا مجموعة من الدرجات البالية ~~حتى بلغوا ظلام المعبد، وشهدوا تمثالا ms197 ذهبيا لبوذيساتفا # 3 # ضخما يتلألأ في الظلام، وشموا رائحة البخور والزهور الذابلة. ومن مكان ما خلف ~~التمثال طرق آذانهم صوت عابد مختف يتمتم بابتهالات لا تنتهي. ومن باب جانبي جاءت فتاة صغيرة ~~مسرعة وبغير ضوضاء عارية القدمين. ودون أن تعير هؤلاء الكبار التفاتة اعتلت المذبح برشاقة ~~القط ووضعت غصنا من نبات أبيض اللون في راحة التمثال المفتوحة. وحدقت في الوجه الذهبي ~~الضخم وتمتمت ببضع كلمات، وأغمضت عينيها لحظة، وتمتمت مرة أخرى، ثم عادت، وأخذت تشدو بصوت ~~ناعم وهي تهبط، وأخيرا خرجت من الباب الذي جاءت منه. # قال ويل وهو يراقبها في خروجها: رائعة. وليس هناك ما هو أروع من ذلك. ولكن ماذا عسى طفلة ~~في مثل سنها أن تظن أنها فاعلة بالضبط؟ أية ديانة تؤدي شعائرها؟ # قال فيجايا شارحا: إنها تؤدي الشعائر المحلية لبوذية ماهايانا # 4 # ممزوجة بشيء من الشيفية الهامشية. ~~- وهل تشجعون أنتم المثقفين شيئا كهذا؟ ~~- نحن لا نشجع ولا نثبط. نحن نقبل العقيدة كما نقبل نسيج العنكبوت الذي تراه فوق الإفريز. ~~إن العناكب بطبيعتها لا بد أن تنسج هذه الخيوط، وكذلك البشر بطبيعتهم لا بد أن يكون ~~لهم دين. وليس بوسع العناكب إلا أن تصنع مصائد للذباب. وليس بوسع الإنسان إلا أن يضع ~~الرموز. ذلك هو السر في وجود الذهن البشري؛ أن يحول فوضى الخبرة المعطاة إلى مجموعة من ~~الرموز التي يستطيع أن يتناولها. وأحيانا تقابل الرموز بعض أوجه الحقيقة الخارجية التي ~~تجاوز خبراتناد مقبول. عندئذ يكون العلم والإدراك العام، وأحيانا أخرى - على نقيض ذلك - لا تكون للرموز صلة تقريبا بالحقيقة الخارجية. عندئذ يكون الجنون ~~والهذيان. وفي أغلب الأحيان يكون هناك خليط يجمع بين الواقع والخيال؛ هذا هو الدين. والدين ~~جيد أو سيئ بنسبة تتوقف على درجة المزج بين الاثنين؛ فمثلا من نوع الكالفينية التي نشأ ~~عليها الدكتور أندرو يوجد قدر ضئيل جدا من الواقع مقابل كمية ضخمة من الخيال الخبيث. وفي ~~أحوال أخرى يكون المزيج أصح من ذلك. خمسين في المائة مقابل خمسين في المائة، أو أحيانا ms198 ~~أربعة وستين في المائة أو حتى ثلاثة وسبعين من الصدق والحق. ومزيجنا المحلي يحتوي على قدر ~~ضئيل جدا من السموم. # وأومأ ويل برأسه قائلا: تقديم النبات السحلبي إلى تمثال الرأفة والتنوير شيء لا يضر ~~بتاتا. وبعد الذي رأيته بالأمس أجدني على استعداد لأن أدلي بشهادة طيبة في صالح الرقص ~~الكوني والتزاوج السماوي. # قال فيجايا : وأذكر أن مثل هذه الأمور ليست إجبارية. الفرصة أمام كل إنسان ليتجاوز هذه ~~الحدود. سألتني ماذا تظن هذه الطفلة أنها فاعلة. وأنا أقول لك إنها بجانب من عقلها تخاطب ~~شخصا؛ شخصا ضخما سماويا يمكن التزلف إليه بالنبات السحلبي لكي يعطيها ما تريد. ولكنها ~~أيضا في سنها التي بلغتها لا بد أن تكون على علم بالرموز الأكثر عمقا وراء تمثال أميتابها # 5 # وبالخبرات التي تولد هذه الرموز؛ ولذلك فهي بجانب آخر من عقلها تعلم تمام العلم ~~أن أميتابها # 6 # ليست شخصا. بل إنها لتعلم كذلك - كما شرحوا لها من قبل - أن الدعاء إذا كان ~~أحيانا يستجاب له فإنما لأن الآراء - في عالمنا هذا العجيب المؤلف من النفس والمادة - تميل ~~إلى أن تتحقق إذا أنت ركزت فيها فكرك. وهي تعلم كذلك أن هذا المعبد ليس كما تحب حتى الآن أن ~~يكون؛ بيت بوذا. إنما هي تعلم أنه ليس سوى رسم لما يدور في عقلها اللاشعوري؛ مكان ضيق ~~مظلم صغير تزحف على سقفه السحليات في وضع مقلوب وتسكن شقوقه الصراصير. ولكن الاستنارة تكمن ~~في قلب هذا الظلام القذر. وهناك كذلك شيء آخر تقوم به الطفلة: إنها تتعلم درسا عن نفسها ~~بطريقة لا شعورية؛ فهي تتعلم أنها قد يتكشف لها أن عقلها الصغير هو كذلك العقل الأكبر، وذلك ~~إذا هي كفت عن محاولة إقناع نفسها بما يخالف ذلك. ~~- ومتى تتعلم هذا الدرس؟ متى تكف عن إقناع نفسها بغير ذلك؟ ~~- قد لا تتعلمه بتاتا. كثير من الناس لا يتعلمونه، وكثيرون آخرون - من ناحية أخرى - ~~يتعلمونه. # وجذب ويل من ذراعه وقاده إلى مكان أكثر ظلمة خلف تمثال الاستنارة. وأخذ النشيد يزداد ~~وضوحا، ms199 وكان هناك منشد تكاد العين لا تراه في الظلام، رجل كبار يجلس عاريا إلى وسطه، ~~يلتزم كتمثال أميتابها الذهبي الصمت المطلق، لا يحرك سوى شفتيه. # قال ويل: ماذا يرتل؟ ~~- شيئا بالسنسيكريتية. # كان يكرر سبعة مقاطع ليس لها معنى. ~~- تكرار ليس وراءه طائل. # وعارضته السيدة راو قائلة: إنه ليس بالضرورة من غير طائل؛ فهو أحيانا يذهب بك إلى مكان ~~ما. # وزاد على ذلك فيجايا قوله: نعم إنه يذهب بك إلى مكان ما. ليس لما تعنيه الكلمات أو ما ~~توحي به، وإنما فقط لأنها تتكرر. فأنت إذا كررت قولك «هاي ديدل ديدل» كان لذلك نفس الأثر، ~~كما لو قلت «أوم» أو «كرياليسون»، أو ~~غير ذلك، كل ذلك له في النفس أثره؛ لأنك حينما تشغل ذهنك بالتكرار لا يمكن أن تشغله كله ~~بنفسك. والمشكلة هي أنك بمثل هذا التكرار إما تنخفض وإما ترتفع؛ إما تنخفض إلى حالة من ~~بلاهة اللافكر، وإما ترتفع إلى وعي مطلق مصدره اللافكر. # قال ويل: أفهم من ذلك أنك لا توصي بمثل ذلك لصديقتنا الصغيرة هذه التي كانت تحمل النبات ~~السحلبي؟ ~~- لا أوصي ما لم تكن عصبية أو قلقة بدرجة غير عادية، وهي ليست كذلك. وأنا أعرفها حق ~~المعرفة، فهي تلعب مع أطفالي. ~~- إذن ماذا تفعل في حالتها؟ ~~- أفعل الكثير، ومن بين ما أفعل أقودها، بعد نحو عام، إلى المكان الذي نحن ذاهبون إليه ~~الآن. # أي مكان؟ ~~- غرفة التأمل. # وسار ويل وراءه تحت مدخل تعلوه قنطرة وعلى طول ممر قصير. وفتحت السجف وأذابهم في غرفة ~~كبيرة جدرانها بيضاء ولها نافذة طويلة إلى يسارهم تنفتح على حديقة صغيرة ينمو فيها شجر ~~الموز وثمر الخبز. وقد خلت الغرفة من الأثاث اللهم إلا بضع حشايا مربعة الشكل منتشرة فوق ~~الأرض، وعلى الحائط المقابل للنافذة علقت صورة زيتية كبرى، رمقها ويل بنظرة ثم تقدم نحوها ~~يتمعنها. # وأخيرا قال: يا للعجب! من رسم هذه الصورة؟ ~~- جوبندسنج. ~~- ومن هو جوبندسنج. ~~- أحسن مصور للمناظر الطبيعية أنتجته بالا. مات في عام 48. ~~- لماذا لم نر قط صورة من ms200 صوره؟ ~~- لأننا نحب أعماله حبا جما فلا نصدر أيا منها. # قال ويل: هذا في مصلحتكم، وليس في مصلحتنا. وتطلع إلى الصورة مرة أخرى وسأل: هل ذهب هذا ~~الرجل إلى الصين في حياته؟ ~~- لا، ولكنه درس مع مصور من كانتون كان يقيم في بالا. وكان بالطبع قد شاهد نسخا عديدة من ~~المناظر الطبيعية التي رسمت في عهد سونج. # 7 # قال ويل: أستاذ ينتمي إلى سونج آثر أن يصور بالزيت وكان مهتما بتوزيع الضوء في ~~الصورة. ~~- فقط بعدما ذهب إلى باريس، وكان ذلك في عام 1910م، وهناك عقد صداقة مع فيار. # هز ويل رأسه وقال: يستطيع المرء أن يقدر ذلك من هذا الغنى غير العادي البادي في اللوحة. ~~واستمر في نظره إلى الصورة في صمت، وأخيرا ألقى بهذا السؤال: ولماذا تعلقونها في غرفة ~~التأمل. # ورد عليه فيجايا بسؤال آخر، وقال: ماذا تظن أن يكون السبب؟ ~~- هل لأن هذا هو ما تسمونه رسما يرمز للعقل؟ ~~- المعبد رسم رمزي. ولكن هذا أفضل منه؛ فهو مظهر فعلي، مظهر فعلي للعقل الكبير في عقل ~~الفرد بالنسبة إلى المنظر الطبيعي، وإلى اللوحة، وإلى خبرة التصوير. وبهذه المناسبة أقول لك ~~إنها صورة الوادي الغربي المجاور. # قال ويل: وما أجمل السحب، وهذا الضوء! # وزاد فيجايا من الشرح قائلا: إنه ضوء الساعة الأخيرة قبل الغسق. وقد توقف المطر منذ قليل ~~وظهرت الشمس مرة أخرى أشد ضياء من أي وقت مضى. ضياؤها هو الضياء الخارق للطبيعة، الضياء ~~المائل تحت سقف من السحب. ضوء العصر في آخر النهار الذي ينقش كل سطح يمسه ويعمق كل ~~الظلال. # وحدق ويل في الصورة وهو يكرر هذه العبارة: يعمق كل الظلال، ظل هذه السحابة المرتفعة ~~الضخمة تسود سلاسل من الجبال بأسرها وتضفي عليها الظلام، وهناك في الوسط ظلال السحب الصغيرة ~~المتناثرة، وفيما بين الظل والظل وهج الأرز في أول نموه، أو الحرارة الحمراء تشع من الأرض ~~المحروثة، وتوهج الحجر الجيري المكشوف، والأماكن المعتمة والأوراق دائمة الخضرة التي تتلألأ ~~كالماس. وقد أقيمت وسط الوادي مجموعة من البيوت ms201 المسقوفة بالقش، تبدو من بعيد، صغيرة، ~~ولكنها واضحة للعين، ناطقة تماما، لها دلالة عميقة! نعم لها دلالتها. ولكنك إن سألت نفسك ~~دلالة على أي شيء؟ لم تجد جوابا. ووجه ويل هذا السؤال ملفوظا. # قال فيجايا: تسألني ما معناها، وأقول لك أنها تعني ما هي عليه. وكذلك الجبال، والسحب، ~~والضوء والظلام؛ ومن ثم كانت هذه الصورة صورة دينية حقا . أما الصور الشبيهة بالدينية فهي ~~تشير دائما إلى شيء آخر، شيء يجاوز الأشياء التي تمثلها؛ تمثل شيئا من الكلام الفارغ ~~الميتافيزيقي أو عقيدة باطلة من العقائد المحلية. إن الصورة الدينية حقا تكون دائما ~~مليئة بالمعنى في حد ذاتها؛ ولذلك علقنا هذه الصورة في غرفة التأمل. ~~- وهل الصور دائما للمناظر الطبيعية؟ ~~- تقريبا دائما؛ لأن المناظر الطبيعية تذكر الناس فعلا بمن يكونون. ~~- وهل هي أفضل من صور تمثل حياة قديس أو مخلص؟ # وأومأ فيجايا برأسه إيجابا وقال: الفارق بينهما - أولا - هو الفارق بين الموضوعي ~~والذاتي. إن صورة المسيح أو صورة بوذا إن هي إلا تسجيل لشيء لاحظه سلوكي وفسره رجل من رجال ~~الدين. أما حينما تواجه منظرا طبيعيا كهذا، فمن المستحيل عليك سيكولوجيا أن تنظر إليه ~~بعيني واطسن # 8 # أو بعقل توماس أكونياس. # 9 # إنما أنت مرغم تقريبا على أن تخضع لتجربتك المباشرة، أنت مضطر من الناحية ~~العملية إلى أن تقوم بعملية معرفة للنفس. ~~- معرفة النفس؟ # وأكد له فيجايا مرة ثانية أنها معرفة للنفس وقال: إن هذا المنظر للوادي المجاور إنما هو ~~منظر - إذا ارتفعت درجة واحدة - لعقلك أنت، لعقل كل امرئ كما هو موجود فوق وتحت مستوى ~~التاريخ الشخصي. ألغاز الظلام، ولكن الظلام يموج بالحياة، رؤية الضوء، والضوء يشع من هذه ~~البيوت الصغيرة المهلهلة كما يشع من الأشجار، والحشائش، والمسافات الزرقاء بين السحب. إننا ~~نبذل جهدنا لندحض الحقيقة. ولكن الحقيقة باقية. الإنسان مقدس كالطبيعة، لا نهائي كالفضاء. ~~أراني أقترب من اللاهوت بصورة خطرة، والفكرة العامة لم تنقذ قط أحدا. ألزم الوقائع، وألزم ~~الحقائق المحسوسة. وأشار بإصبعه إلى الصورة وقال: نصف القرية في ضوء ms202 الشمس ونصفها الآخر في ~~الظل وفي الخفاء؛ هذه حقيقة. وهذه جبال لونها نيلي، وتلك جبال من بخار الماء تعلوها، وهي ~~أكثر منها غرابة؛ هذه حقائق. البحيرات الزرقاء في السماء، بحيرات لونها أخضر باهت وأخرى من ~~الترسينا النيئة فوق الأرض التي يسطع عليها ضوء الشمس؛ هذه حقائق. وهذه الحشائش في ~~المقدمة، ومجموعة أشجار الخيزران على بعد خطوات من المنحدر، وتلك القمم البعيدة والبيوت ~~الصغيرة العجيبة التي تقع على بعد ألفي قدم في أسفل الوادي؛ كل هذه حقائق. وأضاف بعبارة ~~معترضة قوله: البعد؛ قدرتها على التعبير عن حقيقة البعد، هذا أيضا مما يجعل صور ~~المناظر الطبيعية من الصور الدينية الصادقة. ~~- لأن البعد يضفي على المنظر سحرا؟ ~~- لا؛ لأنه يضفي واقعا. البعد يذكرنا أن العالم أوسع من أن ينحصر في أشخاص، بل إن ~~الأشخاص لهم ما هو أكثر من أنفسهم. إنه يذكرنا أن هناك أبعادا عقلية داخل رءوسنا تبلغ في ~~ضخامتها هذه الأبعاد التي نراها. إن خبرة البعد، البعد داخل العقل، وخارج العقل، البعد ~~في الزمان والبعد في المكان؛ هذه هي الخبرة الدينية الأولى والأساسية. قال قائل: الموت ~~يمكن في الحياة، وهناك أيام لم تعد أياما. وأنا أقول هناك أماكن لا يحصرها العد ليست هي ~~هذا المكان! هناك متع انقضى عهدها، وسعادات ولت، وبصائر؛ كلها تحيا في الذاكرة، ومع ذلك ~~فهي ميتة، ميتة ولا أمل في بعثها. انظر إلى هذه القرية في أسفل الوادي، واضحة للرؤية حتى في ~~الظلام، واقعية لا شك فيها، ومع ذلك فلا أمل في بلوغها، بعيدة عن المنال. إن صورة كهذه ~~دليل على قدرة الإنسان على أن يقبل كل ما في الحياة من موت، كل غياب يترك فراغا ولكنه يحيط ~~بكل ما هو موجود. وأضاف إلى ذلك فيجايا قوله: عندي أن أسوأ ظاهرة من ظواهر فنكم التجريدي، ~~أنه دائما ذو بعدين، يرفض أن يدخل في حسابه تجربة البعد العالمية. إن قطعة من التعبير ~~التجريدي قد تكون غاية في الجمال مثلها في ذلك مثل الشيء الملون، وهي كذلك يمكن أن ms203 تقوم ~~مقام بقع الحبر في اختبار رورشاخ # 10 # بصورة أروع. يستطيع كل امرئ أن يجد فيها تعبيرا رمزيا عن مخاوفه وشهواته ~~ومكروهاته وأحلام يقظته. ولكن هل يرى المرء فيها ما هو أكثر من الوقائع الإنسانية، مما ~~يكشفه المرء في نفسها عندما يواجه عقله بالأبعاد الخارجية للطبيعة، أو بالأبعاد الباطنية ~~والخارجية في آن واحد لصورة منظر طبيعي كهذه الصورة التي نراها؟ (قلت ما هو أكثر من الوقائع ~~الإنسانية، ولعل من الأصح أن أقول ما هو أكثر من الوقائع الإنسانية في صميمها) كل ما أعرفه ~~أنني لا أجد في صوركم التجريدية الحقائق التي تكشف هنا عن نفسها، وأشك أن أحدا غيري يستطيع ~~أن يجد فيها هذه الحقائق؛ ولذلك فإن التعبيرية المجردة غير الموضوعية التي تتشدقون بها ~~اليوم ليست دينية في أساسها، وأستطيع أن أضيف إلى ذلك أنها في أحسن حالاتها مملة تافهة إلى ~~أبعد الحدود. # وبعد فترة من الصمت سأله ويل: هل تأتي كثيرا إلى هنا؟ ~~- كلما شعرت أني أوثر التأمل الجماعي على التأمل الفردي. ~~- وكم مرة يكون ذلك؟ ~~- مرة كل أسبوع تقريبا. ولكن هناك بطبيعة الحال من يحب أن يأتي أكثر من ذلك؛ وبعضهم ~~أقل، أو لا يزورون المكان مطلقا. إنما يتوقف الأمر على مزاج الشخص؛ فصديقتنا سوزيلا - ~~مثلا - بحاجة إلى جرعات أكبر من العزلة؛ ولذلك فهي قلما تزور غرفة التأمل. في حين أن شانتا ~~(زوجتي) تحب أن تطل على المكان كل يوم تقريبا. # قالت السيدة راو: وكذلك أنا. ثم قالت وهي تضحك: غير أن ذلك أمر متوقع؛ لأن السمان يحبون ~~الصحبة حتى وهم يتأملون. # وسأل ويل: وهل تتأملين في هذه الصورة؟ ~~- لا أتأمل فيها، بل أتأمل منها، إن كنت تدرك ما أعني. والأصح أن أقول بمحاذاتها. أنا ~~أنظر إليها، وينظر إليها الآخرون، وهي تذكرنا جميعا من نكون ومن لا نكون، وكيف يمكن أن ~~ينقلب ما لسنا به إلى ما نحن به. # وسأل ويل: وهل هناك علاقة، بين ما تتحدثين عنه، وما شهدته هناك في معبد شيفا؟ # أجابت: طبعا هناك علاقة. ms204 إن عقار الموكشا يقودك إلى نفس المكان الذي تبلغه ~~بالتأمل. ~~- لماذا يأبه المرء إذن بالتأمل؟ ~~- هذا السؤال كقولك لماذا يأبه المرء بتناوله غدائه. ~~- ولكن عقار الموكشا - وفقا لما تقولين - غداء. # قال مؤكدة: إنها وليمة؛ ولذلك كان لا بد من التأمل. وأنت لا تستطيع أن تقيم الولائم كل ~~يوم؛ لأن الوليمة دسمة جدا ويبقى أثرها طويلا. ثم إن الولائم يعدها من يتعهد بتقديمها، ~~وليس لك أي دور في إعدادها. طعامك اليومي أنت تطهوه، أما عقار الموكشا فهو دعوة خاصة بين ~~الحين والحين. # قال فيجايا: ويمكننا أن نقول - إذا عبرنا بمصطلحات اللاهوت - إن عقار الموكشا يعد المرء ~~لاستقبال النعم بلا مقابل؛ الرؤى التي تسبق حالة التصوف أو التجارب الصوفية الكاملة. ~~والتأمل طريقة من الطرق التي يشارك بها المرء في هذه النعم. ~~- وكيف يكون ذلك؟ ~~- باستثارة حالة من حالات العقل التي تجعل من الممكن تحويل لمحات النشوة الباطنية الخاطفة ~~إلى إنارة مستديمة مألوفة، وبمعرفة الإنسان نفسه إلى درجة لا يرغمه فيها إلا شعوره بأن يفعل ~~القبيح، ويرتكب العبث والباطل مما يفعله المرء في أكثر الأحيان. ~~- تعني أنه يساعد المرء على أن يكون أحد ذكاء؟ ~~- ليس أحد ذكاء فيما يتعلق بالعلم والجدل المنطقي؛ وإنما أحد ذكاء على مستوى أعمق، ~~مستوى الخبرة المحسوسة والعلاقات الشخصية. # قالت السيدة راو: أحد ذكاء على هذا المستوى، حتى إن كان المرء غبيا جدا في ~~المستويات العليا، وربتت على قمة رأسها وقالت: أنا بكماء لا أصلح فيما يصلح له الدكتور ~~روبرت وفيجايا؛ علم الأجنة، والكيمياء الحيوية والفلسفة وما إلى ذلك. وأنا لا أجيد التصوير ~~ولا الشعر ولا التمثيل. ليست عندي مواهب ولا مهارات؛ ولذلك كان من الواجب أن أحس النقص ~~الشديد والكآبة. ولكن في الواقع أنا لا أحس ذلك؛ بفضل عقار الموكشا والتأمل. لا مواهب ولا ~~مهارة. ولكن في شئون الحياة، وفهم الناس ومساعدتهم، أشعر أني أزداد حساسية ومهارة. وفيما ~~يسميه فيجايا النعم بغير مقابل ... وهنا صمتت قليلا ثم قالت: قد تكون أعظم العباقرة في ~~العالم، ولكنك لن تأخذ أكثر ms205 مما أعطيت أنا. أليس كذلك يا فيجايا؟ ~~- منتهى الصدق؟ # ثم عادت إلى ويل تقول له: لذلك ترى يا مستر فارنبي أن بالا مكان الأغبياء. أكبر سعادة ~~لأكبر عدد من الناس؛ ونحن الأغبياء أكبر الأعداد. الناس من أمثال الدكتور روبرت وفيجايا ~~وعزيزي رانجا؛ هؤلاء نعترف بتفوقهم، ونعلم تمام العلم أن نوع ذكائهم غاية في الأهمية. ~~ولكنا نعلم كذلك أن نوع ذكائنا على نفس الدرجة من الأهمية، ونحن لا نحسدهم لأننا أعطينا قدر ~~ما أعطوا، بل أحيانا أكثر مما أعطوا. # قال فيجايا: نعم أحيانا أكثر، لسبب بسيط، وهو أن موهبة العمل بالرموز تغري أصحابها إلى ~~اعتياد العمل بالرموز. واعتياد العمل بالرموز عقبة في سبيل الخبرة المحسوسة وتلقي النعم بلا ~~مقابل. # قالت السيدة راو: لذلك ترى أنك لست بحاجة لأن تشعر بالأسف لحالنا. ثم نظرت إلى الساعة ~~وقالت: يا إلهي. إذا أنا لم أسرع فسوف أتخلف عن وليمة ديليب. # وسارت مسرعة نحو الباب. # وسخر منها ويل قائلا: الوقت، الوقت، الوقت، الوقت، حتى في هذا المكان للتأمل الذي لا يحده ~~وقت. إن وقت العشاء يقطع الأبدية بدرجة لا رجاء في إصلاحها. ثم ضحك. وهو من الرافضين ~~دائما، ويرى أن الرفض هو طبيعة الأشياء. # قالت وهي تبتسم: ولكن أحيانا تقطع الأبدية الوقت - حتى وقت العشاء - بصورة معجزة. مع ~~السلامة. ولوحت بيدها وانصرفت. # وتساءل ويل بصوت مرتفع وهو يقتفي أثر فيجايا في ظلام المعبد حتى خرجوا إلى وضح النهار: ~~أيهما أفضل؛ أن تولد غبيا في مجتمع ذكي، أو تولد ذكيا في مجتمع مجنون؟ # | الفصل الثاني عشر # قال فيجايا: ها نحن قد وصلنا. عندما بلغوا نهاية الشارع القصير الذي يربط ما بين السوق ~~وأسفل التل. وفتح بوابة صغيرة، واصطحب ضيفه إلى حديقة صغيرة يقع في أقصاها بيت صغير مسقوف ~~بالقش قائم على ركائز. # ومن خلف البيت اندفع كلب مهجن أصفر اللون وحياهم بنباح مسعور وأخذ يثب هنا وهناك ويهز ~~ذيله تعبيرا عن سروره البالغ. وبعد لحظة هبط ببغاء كبير أخضر اللون، أبيض الخدين، منقاره ~~أسود فاحم لامع، ms206 جاء من مكان مجهول وحط فوق كتف فيجايا صائحا ومحدثا ضجة كبرى وهو يرفرف ~~بجناحيه. # قال ويل: الببغاوات لك، والمينات لماري ساروجيني الصغيرة. الظاهر أنكم هنا على علاقة طيبة ~~جدا مع حيوانات المنطقة. # وأومأ فيجايا برأسه إيجابا وقال: ربما كانت بالا البلد الوحيد الذي لا يجد فيه ~~اللاهوتيون من عالم الحيوان ما يدعوهم إلى الاعتقاد في الشياطين. ومن الواضح أن الشيطان - ~~عند الحيوان في كل مكان آخر - هو الإنسان. # وصعدا السلم للفراندة ومرقا من الباب الخارجي المفتوح ليدخلا حجرة المعيشة الرئيسية في ~~البيت. وشهدا على مقربة من النافذة امرأة شابة ترتدي ثوبا أزرق وتجلس فوق مقعد منخفض ترضع ~~وليدها. فرفعت وجهها الذي يشبه في شكله القلب، الجبهة عريضة تستدق إلى أسفل حتى الذقن ~~المدببة، وحيتهما بابتسامة. # قال فيجايا وهو ينحني ليقبلها: جئت ومعي ويل فارنبي. # ومدت شانتا يدها الطليقة إلى الرجل الغريب. # وقالت: أرجو ألا يكون لدى السيد فارنبي اعتراض على الطبيعة في حالتها البدائية. وأبعد ~~الطفل فمه عن ثدي أمه ذي الحلمة السمراء وتجشأ، وكأنه يريد أن يؤيد ما تقول أمه. وظهرت بين ~~شفتيه فقاعة بيضاء من اللبن، وانتفخت ثم انفجرت، وتجشأ مرة أخرى، ثم عاود الرضاعة، وقالت ~~أمه: إن آداب المائدة عند راما حتى وهو في الشهر الثامن من عمره بدائية جدا. # قال ويل في أدب جم: إنه نموذج طيب. ولم يكن من المهتمين بالأطفال، وكان دائما يحمد الله ~~كلما أسقطت مولي حملها، مع أن مولي كانت تشعر بخيبة الأمل في إشباع رغبتها في أن يكون لها ~~ولد. # ثم قال: إلى أي منكما سيكون شبيها؛ أنت أم فيجايا؟ # وضحكت شانتا، وشارك فيجايا في الضحك بنغمة مختلفة. # أجابت: إنه بالتأكيد لن يشبه فيجايا. ~~- ولم لا؟ # قال فيجايا: لسبب مقنع، وهو أنني لست مسئولا وراثيا. ~~- بعبارة أخرى أن الطفل ليس لفيجايا. # ونظر ويل إلى الوجهين الضاحكين، ثم هز كتفيه وقال: لقد يئست. # وأوضحت له شانتا الأمر قائلة: منذ أربع سنوات أنجبنا توءمين هما صورتان حيتان لفيجايا، ~~وفكرنا أنه من الأمتع ms207 لنا هذه المرة أن نحدث تغييرا كاملا، فقررنا أن نعزز الأسرة بنوع ~~يختلف كل الاختلاف في تكوينه البدني وفي مزاجه. هل سمعت بجوبندسنج؟ ~~- أراني فيجايا تصويره في غرفة التأمل. ~~- هذا هو الرجل الذي اخترناه أبا لراما. ~~- ولكني فهمت أنه قد مات. # وافقته شانتا على ذلك وقالت: ولكن روحه باقية. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- «ج» و«ت ص». ~~- «ج» و«ت ص»؟ ~~- نعم التجميد والتلقيح الصناعي. ~~- فهمت. # قال فيجايا: في الواقع إننا طورنا التلقيح الصناعي وسبقناكم في ذلك بعشرين عاما. ولكنا ~~لم نفد منه كثيرا بطبيعة الحال حتى توافرت لدينا القوى الكهربائية والثلاجات التي يعتمد ~~عليها، ولم نحصل على ذلك إلا في أواخر الثلاثينيات، ومنذ ذلك الحين ونحن نستخدم التلقيح ~~الصناعي على نطاق واسع. # وقاطعته شانتا قائلة: ولذلك فإن رضيعي قد يصبح مصورا في المستقبل؛ أي إذا ورث هذه ~~الموهبة. وحتى إذا لم يكن التصوير من المواهب التي تورث فسوف يختلف في جوهره ومظهره عن ~~أخويه وعن والديه؛ مما يكون ممتعا ومجالا للدراسة لكل من يهمه الأمر. # سأل ويل: وهل يمارس الكثيرون هذا الصنيع؟ ~~- إن عددهم يتزايد، وأستطيع أن أؤكد أن جميع الأزواج والذين يقررون أن يكون لهم طفل ثالث ~~يمارسون التلقيح الصناعي، وكذلك يمارسه عدد كبير ممن لا يرغبون في أكثر من طفلين. خذ أسرتي ~~مثالا: كان من بيت أفراد أسرة أبي من يعانون من مرض السكر؛ لذلك آثر والداي - أبي وأمي - ~~أن ينجبا طفليهما بالتلقيح الصناعي. أخي ينحدر من ثلاثة أجيال من الراقصين، وأنا - وراثيا ~~- ابنة ابن عم الدكتور روبرت، مالكولم شاكرا فارتي ماك فيل الذي كان يعمل سكرتيرا خاصا ~~للراجا العجوز. # وأضاف فيجايا: وهو مؤلف أحسن كتاب في تاريخ بالا. كان شاكرا فارتي ماك فيل من أقدر رجال ~~جيله. # ونظر ويل إلى شانتا ثم إلى فيجايا. # وسأل: وهل تم توريث هذه القدرة؟ # أجاب فيجايا: إلى درجة أني أجد صعوبة كبرى في الاحتفاظ بمركزي من حيث تفوق الذكورة. ~~شانتا أحد مني ذكاء، ولكنها لا تستطيع - لحسن الحظ - أن تبلغ شأوي في القوة ~~العضلية. ms208 # وقالت شانتا بعده متهكمة: القوة العضلية. إنني أذكر قصة عن امرأة شابة اسمها ~~دليلة. # واستمر فيجايا في كلامه قائلا: وبهذه المناسبة، شانتا لها اثنان وثلاثون أخا من أحد ~~الوالدين وتسع وعشرون أختا من أحد الوالدين. وأكثر من ثلث هؤلاء من ذوي الذكاء ~~النادر. ~~- إذن أنتم تحسنون العنصر؟ ~~- بكل تأكيد. وبعد قرن آخر يبلغ معدل الذكاء عندنا مائة وخمسين. ~~- مع أن معدل الذكاء عندنا، بمعدل التقدم الحالي، يهبط إلى خمسة وثمانين. ومع تحسن العلاج ~~الطبي تبقى العيوب الوراثية ويتوارثها الناس؛ مما يجعل الحكم أيسر كثيرا للدكتاتوريين في ~~المستقبل. # وأضحكته هذه الفكاهة العالمية، وصمت برهة ثم سأل: وماذا عن التلقيح الصناعي من الناحيتين ~~الخلقية والدينية؟ # قال فيجايا: في الأيام الخالية كان هناك عدد كبير من المعارضين من أصحاب الضمائر الحية، ~~أما اليوم وبعدما تبينت مزايا التلقيح الصناعي بجلاء فإن أكثر الأزواج يرون أنه من الأفضل ~~خلقيا أن يغامروا بالحصول على طفل من صنف متفوق بدلا من أن يخاطروا - كالعبيد - بأن ~~يثبتوا بالتناسل ما قد يكون هناك من انحراف أو عيوب في أسرة الزوج. ورجال الدين مشغولون، ~~يبررون التلقيح الصناعي بتناسخ الأرواح ونظرية كارما. # 1 # والآباء الأتقياء يشعرون بالسعادة لأنهم يعطون أطفال زوجاتهم فرصة لإيجاد مصير ~~أفضل لأنفسهم ولذريتهم. ~~- هل قلت مصيرا أفضل؟ ~~- نعم لأنهم يحملون جراثيم وراثية لسلالة أفضل. والسلالة أفضل لأنها مظهر من مظاهر ~~«الكارما» الأفضل، ولدينا بنك مركزي للسلالات الممتازة لكل أنواع التكوين البدني والأمزجة. ~~في بيئتكم الوراثة عند أكثر الناس لا تجد فرصة طيبة، أما في بيئتنا فهي تجد فرصة حسنة. ~~وبهذه المناسبة أقول لك إن لدينا سجلات للأنساب والأجناس البشرية ترجع إلى السبعينيات من ~~القرن التاسع عشر؛ ومن ثم ترى أننا لا نعمل في الظلام. ونحن - مثلا - نعلم أن جدة جوبندسنج ~~من ناحية أمه كانت وسيطا موهوبا وعاشت حتى بلغت السادسة بعد التسعين. # قالت شانتا: ولذلك فنحن قد يكون لدينا في الأسرة عرافة في المائة من عمره. وتجشأ الطفل ~~مرة أخرى، وضحكت، ثم قالت: هذا ما خبرتنا به ms209 الكاهنة بعبارة مبهمة كالعادة. والتفتت إلى ~~فيجايا وقالت له: إذا أردت أن تتناول غداءك في الميعاد تستطيع أن تعده بنفسك، فإن راما سوف ~~يشغلني لفترة عشر دقائق أخرى على الأقل. # ونهض فيجايا، ووضع إحدى راحتيه على كتف زوجته ومسح براحته الأخرى برفق شديد ظهر الطفل ~~الأسمر. # وانحنت شانتا ولمسحت بخدها قمة رأس الطفل الذي نما فوقه شعر خفيف، وهمست له قائلة: هذا ~~أبوك، أبوك الطيب، الطيب ... # وربت فيجايا مرة أخرى بلمسة خفيفة ثم انتصب قائما، ووجه خطابه إلى ويل قائلا له: كنت ~~تتعجب كيف نعيش عيشة طيبة مع الحيوانات المحلية، سوف أريك. ورفع يده، ونادى: بولي، بولي! ~~وقفز الطائر الكبير من فوق كتفه ووقف فوق سبابته الممتدة. وأخذ يغني: بولي طائر طيب جدا. ~~وأرخى يده حتى لامس جسم الطائر جسد الطفل ثم حرك الطائر ببطء شديد. وقد مس ريشه البشرة ~~السمراء، وكرر الحركة إلى الأمام وإلى الخلف، وهو يكرر قوله: بولي طائر طيب جدا. # وأخذ الببغاء يضحك ضحكات خفيفة، ثم انحنى من مكانه فوق إصبع فيجايا إلى الأمام وأخذ يداعب ~~برفق شديد أذن الطفل الصغرى. # وقالت شانتا مرددة في همس شديد عبارة فيجايا: إنه طيب جدا، طيب. # قال فيجايا: لقد لقط الدكتور أندرو هذه الفكرة حينما كان يشتغل عالما طبيعيا في ~~«ميلامبوس». من إحدى قبائل غينيا الجديدة. إنهم من العصر الحجري، ولكنهم - مثلكم أنتم ~~المسيحيين ومثلنا نحو البوذيين - يعتقدون في المحبة. وخلافا لكم ولنا اخترعوا طرقا عملية ~~جدا يجعلون بها عقيدتهم واقعا. وكانت هذه الأساليب أحد كشوفهم السعيدة. ربت على الطفل ~~وأنت تطعمه تضاعف سروره، ثم قدمه وهو يرضع ويتلقى لمسات الحنان إلى الحيوان أو الشخص الذي ~~تريده أن يحبه. لامس بجسده جسده، وأوجد بين الطفل ومن تريده أن يحب تلامسا بدنيا دافئا. ~~وفي نفس الوقت كرر لفظة ما مثل قولك: «طيب». إنه في أول الأمر لن يدرك سوى النغمة والصوت، ~~ولكنه سوف يستوعب المعنى كاملا فيما بعد عندما يتعلم الكلام؛ ذلك أن الطعام مضافا إليه ~~لمسات الحنان مضافا إليه ms210 التلامس وكلمة «طيب» يساوي الحب، والحب يساوي السرور، والحب يساوي ~~الرضا. ~~- هذا بافلوف بعينه. ~~- ولكنه بافلوف للأغراض الطيبة فقط. بافلوف من أجل المودة والثقة والرأفة. في حين أنكم ~~تستخدمون بافلوف في غسل المخ، ولبيع السجائر والفودكا، وتستخدمونه لبث روح الوطنية. ~~تستخدمونه لمصلحة الحكام المستبدين، وقادة الجيوش، وكبار رجال المال. # أبى الكلب الأصفر أن يبقى وحده في الجو البارد فانضم إلى الجماعة وأخذ يلعق كل ما يتحسسه ~~بغير تمييز؛ ذراع شانتا، فيجايا، قدمي الببغاء، ظهر الطفل. وجذبت شانتا الكلب إليها ومسحت ~~بفروة جنبه بشرة الطفل. # وقالت: هذا كلب طيب، طيب. الكلب توبي طيب، طيب جدا، الكلب توبي. # وضحك ويل قائلا: ألا ينبغي لي أن أدخل في هذه العملية؟ # أجابت شانتا: هممت أن أقترح عليك ذلك. غير أني خشيت أن يكون ذلك مما لا يتفق ~~وكرامتك. # قال فيجايا: تستطيع أن تحتل مكاني، فأنا لا بد أن أنصرف لكي أعد الغداء. # وخرج من الباب الذي يؤدي إلى المطبخ وهو لا يزال يحمل الببغاء. وجذب ويل كرسيه، وانحنى ~~إلى الأمام وبدأ يربت على جسد الطفل الصغير. # وهمست شانتا قائلة: هذا رجل آخر، إنه رجل طيب يا ولدي، رجل طيب. # وببسمة خفيفة مكتئبة قال: يا ليت هذا كان صحيحا! ~~- إنه الآن، وفي هذا المكان صحيح. وانحنت مرة أخرى نحو الطفل وكررت قولها: إنه رجل طيب، ~~رجل طيب، طيب. # وحدق في وجهها المنشرح الباسم في صمت، ولمس بأطراف أصابعه جسم الطفل الصغير وأحس نعومته ~~ودفئه، طيب، طيب، طيب ... كان من الممكن أن يعرف كذلك هذه الطيبة؛ لو اختلفت حياته كل ~~الاختلاف عما كانت عليه في الواقع، ذلك الواقع المقزز الخالي من المعنى؛ لذلك لا تصدق كل ما ~~يقال لك حتى لو كان ما يقال لك صادقا كما هي الحال في هذه اللحظة، ونظر مرة أخرى بعين قصد ~~أن يلتقط بها قيمة أخرى فشهد كاريكاتورا لإحدى صور ميملنج # 2 # الدينية. العذراء والطفل، الكلب، بافلوف، والصداقة الطارئة. وفجأة كاد أن يفهم ~~في دخيلة نفسه لماذا كره مستر باهو ms211 هؤلاء القوم كرها شديدا، لماذا صمم - كالعادة وبغير ~~حاجة إلى ذكر ذلك - باسم الله على تحطيمهم. # وما زالت شانتا تتمتم لطفلها: طيب، طيب، طيب. # إنهم أطيب مما يجب؛ تلك كانت جريمتهم. ولم تكن الطيبة أمرا مسموحا به، ومع ذلك ما ~~أثمنها! وكم تمنى من كل قلبه لو أنه كان مشاركا فيها، وقال لنفسه: عاطفية مطلقة! ثم قال ~~بصوت مرتفع: طيب، طيب ، طيب. وكررها متهكما. # وسأل: ولكن ماذا يحدث عندما يشب الطفل عن الطوق ويتكشف له أن أمورا عديدة وأشخاصا ~~كثيرين سيئون، سيئون، سيئون للغاية؟ # أجابت: المودة تبعث المودة. ~~- نعم من الودود، ولكن ليس من الجشعين، أو من المغرمين بالسلطة، أو ممن خابت آمالهم أو ~~كانت في نفوسهم مرارة؛ فالمودة عند هؤلاء ضعف، ودعوة إلى الاستغلال، والتهديد، والانتقام ~~بغير عقوبة. ~~- ولكن على المرء أن يخاطر، وأن يبدأ. وليس هناك - لحسن الحظ - مخلد؛ فإن الناس الذين ~~تكيفوا على الخداع والتهديد والمرارة سيكونون جميعا من الأموات بعد بضع سنين. سوف يموتون ~~ويحل محلهم رجال ونساء نشئوا على الطريقة الجديدة؛ ذلك ما حدث لنا، وما يمكن أن يحدث ~~لكم. ~~- نعم يمكن. ولكن مع القنبلة الهيدروجينية والوطنية وزيادة السكان بنسبة خمسين مليونا كل ~~عام، يكاد ذلك أن يستحيل. ~~- لا تستطيع الحكم حتى تجرب. ~~- ولن نجرب ما دامت الدنيا على حالتها الراهنة، وسوف تبقى على هذه الحالة بطبيعة الحال ~~حتى نحاول فعلا. نحاول وننجح على الأقل مثلما نجحتم، ويعود بي هذا الحديث إلى سؤالي الأول، ~~ماذا يحدث لو أن هذا الذي نشأ على الطيب الطيب الطيب تبين له أن هناك حتى في بالا كثيرا من ~~السيئ السيئ السيئ؟ ألا يصاب مثل هذا الطفل بصدمة غير مستحبة؟ ~~- نحن نحاول أن نطعمهم ضد هذه الصدمات. ~~- كيف؟ هل تصنعون ما لا يسرهم وهم لا يزالون صغارا؟ ~~- لا تقل ما لا يسرهم، بل قل ما هو واقعي؛ نعلمهم الحب والثقة، ولكنا نعرضهم للواقع، ~~الواقع بكل أوجهه، ثم نحملهم مسئوليات. نحن نحملهم على أن يدركوا أن بالا ليست جنة عدن أو ms212 ~~أرض كوكين. # 3 # نعم هي مكان جميل، ولكنه لا يكون جميلا إلا إذا قام كل من فيه بالعمل الطيب ~~وسلك سلوكا طيبا؛ لأن حقائق الحياة هي حقائق الحياة، حتى هنا. ~~- وما هي حقائق الحياة التي ترينها في تلك الأفاعي المروعة التي لقيتها وأنا في منتصف ~~طريقي فوق هذا المرتفع؟ تستطيعين أن تقولي لها: أنت طيبة، طيبة، طيبة، وتكرريها ما شئت، ~~ولكن الأفاعي سوف تعض على الرغم من ذلك. ~~- تريد أن تقول إنها تستطيع أن تعض. ولكن هل هي سوف تستخدم هذه القدرة في واقع ~~الأمر؟ ~~- ولم لا؟ # قالت شانتا: انظر هناك، فأدار رأسه ورأى أن ما كانت تشير إليه فجوة في الحائط من خلفه. ~~وفي داخل الفجوة تمثال من الصخر لبوذا، في نصف الحجم الطبيعي، جالسا فوق قاعدة أسطوانية ~~عليها نقوش عجيبة تعلوه ظلة تشبه لوحا من الرصاص تتهدل خلفه لترتكز فوق عمود عريض. وواصلت ~~حديثها قائلة: هذه صورة مصغرة لبوذا في مجمع المحطة؛ ذلك التمثال الضخم القائم إلى جوار ~~بحيرة اللوتس. # قال: هذه قطعة رائعة من فن النحت. والابتسامة على شفتيه تعطي المرء فكرة عن الرؤية ~~البهيجة كيف تكون. ولكن ما علاقة هذا التمثال بالأفاعي؟ ~~- أعد النظر. # وأعاد النظر، وقال: لا أرى شيئا له دلالة خاصة. ~~- أمعن النظر. # ومرت ثوان، لاحظ بعدها - وقد صدمته الدهشة - شيئا عجيبا بل ومدعاة للقلق. فما كان يظنه ~~قاعدة أسطوانية مزخرفة زخرفة عجيبة تبين له فجأة أنه أفعى ضخمة ملتفة حول نفسها. وتلك الظلة ~~المتدلية التي كان بوذا يجلس تحتها لم تكن سوى قلنسوة مفلطحة لثعبان ضخم، رأسه المسطح وسط ~~طرفها الأمامي. # مذاهب الخصوبة؟ إنها لم تقم أي فواصل، فهل كانت من يكون أحيانا عديم الملاحظة بدرجة ~~عجيبة. ~~- هل هذه هي المرة الأولى التي تشاهد فيها بوذا على هذه الصورة؟ ~~- أول مرة. هل هناك أسطورة حولها؟ # أومأت برأسها إيجابا وقالت: وهي من الأساطير المحببة إلى نفسي، سمعت طبعا عن شجرة ~~بوذا؟ ~~- نعم، أعرفها. ~~- لم تكن هذه الشجرة الوحيدة التي جلس تحتها جوتاما # 4 # وقت ms213 استنارته؛ فلقد جلس بعد شجرة بوذا لسبعة أيام تحت شجرة من أشجار جزر الهند ~~الشرقية اسمها شجرة جوتهيرد، انتقل بعدها إلى شجرة موشاليندا. ~~- من هو موشاليندا؟ ~~- موشاليندا هو ملك الأفاعي. ولما كان من الآلهة فلقد كان يعرف ما يحدث؛ ولذلك فعندما كان ~~بوذا يجلس تحت شجرته. كان ملك الأفاعي هذا يزحف من جحره، ممتدا لعدة أمتار، يقدم ولاء ~~الطبيعة للحكمة، وعندئذ تهب عاصفة شديدة من الغرب، فيلتف الثعبان المقدس حول جسم الإنسان ~~الذي يفوقه قداسة، وينشر ظلته فوق رأسه، ويحمي تاثاجاتا # 5 # من الريح والمطر خلال الأيام السبعة التي يستغرقها تأمله؛ ومن ثم فأنت تراه ~~جالسا هناك حتى يومنا هذا، تحته ثعبان، وفوقه ثعبان، وهو على وعي بالثعبان والضوء الشفاف ~~في آن واحد، يدرك ما بينهما من تطابق في النهاية. # قال ويل: ما أشد الخلاف بين هذا وبين نظرتنا إلى الأفاعي! ~~- ونظرتكم إلى الأفاعي هذه نظرة الإله إليها؛ هل تذكر ما جاء في سفر التكوين؟ # وذكر النص وهو: سأغرس العداوة بينك وبين المرأة، وبين ذريتها وذريتك. ~~- ولكن «الحكمة» لا تغرس العداوة مطلقا. ذلك الصراع الذي لا معنى له ولا هدف منه بين ~~الإنسان والطبيعة، وبين الطبيعة والإله، وبين الجسد والروح! «الحكمة» لا تقيم هذه الفواصل ~~التي لا تستند إلى العقل. ~~- وكذلك العلم. ~~- الحكمة تأخذ العلم في ركابها وتخطو به إلى أبعد من حدوده. # وواصل ويل حديثه قائلا: وماذا عن الطوطم؟ وعن مذاهب الخصوبة؟ إنها لم تقم أي فواصل، فهل ~~كانت من «الحكمة»؟ ~~- بالتأكيد؛ الحكمة البدائية، الحكمة على مستوى العصر الحجري. ولكن بعد فترة ما يبدأ ~~الناس إحساسهم بأنفسهم وتبدو لهم آلهة الظلام القديمة شيئا زريا، ويتغير المنظر، وتظهر ~~على خشبة المسرح آلهة النور، والأنبياء، وفيثاغورس، وزرادشت، واليانيون، # 6 # والبوذيون الأوائل. وهؤلاء فيما بينهم يبشرون بعصر الصراع الكوني؛ أرموزد ضد ~~أهريمان، ويهوه ضد الشيطان والأبعال «الآلهة المحلية»، ونيرفانا إزاء سمسارا، والظاهر إزاء ~~مثل أفلاطون. وباستثناء ما يدور في عقول قلة من أتباع تانترا وماهايانا وتاو ومن الزنادقة ~~المسيحيين، استمر الصراع قرابة ms214 ألفي عام. # وتساءل: وبعد ذلك؟ ~~- بعد ذلك كانت تباشير البيولوجيا الحديثة. # ضحك ويل وقال: قال الله: «ليكن داريون.» فكان نيتشه والإمبريالية وأدولف هتلر. # قالت: نعم حدث هذا. ولكن كان هناك أيضا إمكان وجود نوع جديد من الحكمة لكل إنسان. أخذ ~~داروين الطوطمة القديمة ورفعها إلى مستوى علم الأحياء، وعادت مذاهب الخصوبة القديمة في صورة ~~علم السلالات وهافلوك أليس. وعلينا الآن أن نخطو خطوة أخرى إلى الأمام. كانت الداروينية ~~عبارة عن مفاهيم علمية ترتكز على حكمة العصر الحجري. والحكمة الجديدة التي يعيها الإنسان - ~~أعني نوع الحكمة التي تنبأ بها بصورة خاطفة زن وتاو وتانترا - نظرية بيولوجية متحققة في ~~ممارسة حية، هي الداروينية مرتفعة إلى مستوى الرأفة والبصيرة الروحانية، وختمت حديثها ~~قائلة: ومن ثم ترى أنه ليس هناك سبب فوق الأرض - وبالتالي ليس هناك سبب في السماء - يمنع ~~بوذا أو غيره في هذا المجال من أن يرى الضوء الشفاف متمثلا في الثعبان. ~~- على الرغم من أن الثعبان قد يقتله؟ ~~- نعم على الرغم من ذلك. ~~- وعلى الرغم من أنه أقدم رموز الجنس وأكثرها شيوعا؟ # ضحكت شانتا وقالت: تأملا تحت شجرة موشاليندا؛ هذه هي النصيحة التي نسديها لكل عاشقين، ~~وأثناء تأملات الحب هذه اذكرا ما تعلمتما في الصغر؛ الأفاعي إخوتكم، للأفاعي حق الرأفة ~~والاحترام منكم، الأفاعي بإيجاز طيبة، طيبة، طيبة. ~~- والأفاعي كذلك سامة، سامة، سامة. ~~- ولكنك إن تذكرت أنها طيبة كما هي سامة، وتصرفت على هذا الأساس، فهي لن تستخدم ~~سمومها. ~~- من قال هذا؟ ~~- هي حقيقة ملحوظة، أولئك الذين لا تفزعهم الأفاعي، وأولئك الذين يقتربون منها وليس في ~~عقولهم عقيدة ثابتة بأن الأفعى لا تكون طيبة إلا بعد موتها، أولئك قلما تعضهم الأفاعي. وفي ~~الأسبوع القادم سوف أستعير حية جارنا التي يتلهى بها، وسوف أعطي راما غداءه وعشاءه لبضعة ~~أيام في ثنايا لفائف هذه الحية. # وأتى من خارج المنزل صوت ضحكات عالية، ثم صخب من أصوات الأطفال يقاطع أحدهم الآخر ~~بالإنجليزية وبلغة أهل بالا. وبعد لحظة دخلت الغرفة ماري ساروجيني فارعة القوام عليها سيما ms215 ~~الأمومة إذا وازنتها بمن معها، يحيط بها توءمان متشابهان يبلغ عمر كل منهما أربعة أعوام، ~~ويسير خلفها طفل قوي جميل الصورة، هو الطفل الذي كان يرافقها عندما فتح ويل عينيه على بالا ~~لأول مرة. # ارتمى التوءمان فوق أمهما وقالت ماري ساروجيني عندئذ: التقطنا تارا وأرجونا من روضة ~~الأطفال. # حملت شانتا الرضيع فوق إحدى ذراعيها، وطوقت بالأخرى الصبيين الصغيرين، وتبسمت شاكرة ~~وقالت: هذا فضل منك. # وقال توم كريشنا: مرحبا بكم. وتقدم خطوة إلى الأمام، وبعد لحظة من التردد قال: كنت أفكر ~~... ثم كف عن الكلام، ونظر إلى أخته كأنه يوجه إليها سؤالا، وهزت ماري ساروجيني ~~رأسها. # وسألته شانتا: فيم كنت تفكر؟ ~~- في الواقع كان كلانا يفكر ... هل يمكن أن نتناول الطعام معك؟ # وتطلعت شانتا إلى توم كريشنا وماري ساروجيني على التناوب وقالت: الأفضل أن تذهب إلى ~~فيجايا وتسأله إن كان هناك ما يكفي إطعامكما، فهو الذي يقوم بالطهو اليوم. # وقال توم كريشنا في فتور: سوف أذهب، وبخطى متثاقلة عبر الغرفة وخرج من بابها إلى المطبخ، ~~ونظرت شانتا إلى ماري ساروجيني تسألها: ماذا حدث؟ ~~- لقد حذرته أمه على الأقل خمسين مرة أنها لا تحب أن يحضر معه السحالي إلى البيت، ولكنه ~~أتى بها هذا الصباح؛ ولذلك غضبت عليه. ~~- فقررتما أن تتناولا الطعام هنا؟ ~~- إذا لم يوافقك هذا يا شانتا حاولنا راوس أو راجاجينا داساس. # وأكدت لها شانتا أن هذا يوافقها كل الموافقة وقالت: إنما طاف بخاطري أنه من الخير لتوم ~~كريشنا أن يتبادل الحديث مع فيجايا. # قالت ماري ساروجيني جادة: أصبت تماما. وبصوت جاد نادت تارا وأرجونا لكي يصحباها إلى ~~الحمام، وقالت لشانتا وهي تسير أمامهما: سوف نغتسل. إنهما في غاية القذارة. # وانتظر ويل حتى ابتعدوا بحيث لا يستطيعون السمع، والتفت إلى شانتا وقال: أعتقد أنني شاهدت ~~الآن على الطبيعة ناديا من نوادي التبني المتبادل. # قالت شانتا: نعم، ولكنك - لحسن الحظ - شهدته بصورة مخففة؛ لأن توم كريشنا وماري ساروجيني ~~يتفقان مع أمهما اتفاقا يلفت النظر. وليس في هذه الحالة مشكلة شخصية؛ فقط ms216 مشكلة المصير، ~~المشكلة الضخمة المخيفة، مشكلة موت ديوجولد. # سأل: وهل سوف تتزوج سوزيلا مرة أخرى؟ ~~- أرجو ذلك، فهو في مصلحة الجميع. من صالح الأطفال أن ينفقوا بعض الوقت مع نائب من نواب ~~أبيهم. في مصلحة توم بصفة خاصة؛ فقد بلغ السن التي يكتشف فيها الصبي ذكورته. إنه لا يزال ~~يصيح كالرضيع، ولكن بعد لحظة تراه يتباهى ويتفاخر ويحضر السحالي معه إلى البيت ليثبت أنه ~~رجل مائتين في المائة. من أجل هذا بعثت به إلى فيجايا؛ لأن فيجايا فيه كل الصفات التي يحب ~~توم كريشنا أن يكون عليها، يبلغ من الطول ثلاث ياردات، ومن العرض ياردتين، قوي للغاية، ~~قادر قدرة عظيمة. فإذا ما أرشد توم كريشنا إلى السلوك الصحيح أصغى إليه، ولو أسديت له أنا ~~أو أمه نفس النصيحة ما أصغى إلينا. مع أن فيجايا لا ينصحه إلا بما ننصحه به؛ لأن توم - فوق ~~أنه ذكر مائتين في المائة - حساس للأنوثة خمسين في المائة؛ ولهذا فهو في الواقع قد بدأ ~~حياته الجدية. ثم ختمت حديثها وهي تتطلع إلى الرضيع النائم فوق ذراعها وقالت: والآن لا ~~بد أن أضع هذا الرجل الصغير في فراشه وأستعد للغداء. # | الفصل الثالث عشر # بعدما انتهى التوءمان من الاستحمام وتسريح الشعر جلسا فوق مقعديهما المرتفعين. وحومت ~~ماري ساروجيني حولهما أما فخورة بهما قلقة عليهما، وعند الفرن كان فيجايا يغرف الأرز ~~والخضروات من إناء من الفخار، وبحذر شديد وتعبير على وجهه ينم عن تركيز الفكر حمل توم ~~كريشنا الأطباق بعد ملئها إلى مائدة الطعام. # قال فيجايا بعدما انتهى من ملء الطبق الأخير: انتهينا. ومسح يديه وسار نحو المائدة ~~واتخذ له مقعدا، ثم وجه خطابه إلى شانتا قائلا لها: يحسن أن تخبري ضيوفنا بطريقة صلاتنا ~~قبل البدء في الطعام. # فالتفتت إلى ويل وقالت: في بالا نحن لا نصلي صلاة المائدة قبل تناول الطعام، إنما نصليها ~~ونحن نتناوله. ولعل الأصح أن أقول إننا لا نقول الدعاء وإنما نمضغه. ~~- تمضغونه؟ # قالت: صلاة المائدة هي اللقمة الأولى من كل طبق من أطباق ms217 الطعام؛ نمضغها ونمضغها حتى لا ~~يبقى شيء منها. وفي أثناء المضغ نوجه انتباهنا إلى نكهة الطعام ودرجة نضجه وحرارته، كما ~~نوجه الانتباه إلى الضغط الواقع على الأسنان وإحساس عضلات الفكين. ~~- وأظنكم أثناء ذلك تشكرون الواحد المستنير، أو شيفا، أو أيا كان ما تقدسونه. # وهزت شانتا رأسها مؤكدة قولها: إن ذلك يشتت الانتباه، وتركيز الانتباه هو المقصود، ~~الانتباه إلى ممارسة شيء أعطيته، شيء لم تخترعه. وليس تذكر صيغة من الكلمات موجهة إلى شخص ~~ما في خيالك، وأدارت عينيها حول المائدة، وقالت: هل نبدأ الآن؟ # صاح التوءمان بصوت واحد: هيا. والتقط كل منهما ملعقته. # ولبرهة طويلة ساد الصمت الذي لم يسمع فيه سوى طقطقة التوءمين بشفاههما لأنهما لم يتعلما ~~بعد أن يأكلا إلا بهذه الطريقة. # وأخيرا سأل أحد الصغار: هل نبلع الآن؟ # وأومأت شانتا برأسها موافقة، وقام الجميع بابتلاع الطعام، وحدثت بعد ذلك قرقعة بالملاعق ~~وتفجر الكلام من الأفواه الممتلئة. # وسألت شانتا: كيف أحسست بالنعمة؟ # قال ويل: أحسست مذاق أشياء مختلفة تتتابع، أو لعله من الأصح أن أقول إنها صور مختلفة ~~متتابعة من الموضوع الرئيسي الذي يتألف من الأرز والكركم والفلفل الأحمر (الشطة) وشيء مورق ~~لم أتبينه وغير ذلك. ومن الممتع حقا أن المذاق لم يثبت على شكل واحد، إنني في الواقع لم ~~ألاحظ ذلك من قبل. ~~- وبينما كنت تتنبه إلى هذه الأشياء كنت لوقت ما تتخلص من أحلامك في اليقظة، ومن ذكرياتك، ~~ومن طموحاتك، ومن الآراء السخيفة؛ من كل أعراض «ذاتك». ~~- تقصدين لا أتذوق «نفسي»؟ # ونظرت شانتا إلى الطرف الآخر من المائدة حيث كان زوجها، وسألته: ما رأيك يا فيجايا؟ # قال: الأمر وسط بين من أنا ومن لست أنا. التذوق هو اللاأنا يقوم بشيء لكل كياني العضوي. ~~والتذوق في الوقت نفسه هو أنا في حالة وعي بما يحدث. وهذا هو مغزى صلاة المائدة بالمضغ؛ أن ~~أجعل الأنا أكثر وعيا بما يقوم به اللاأنا. # وعلق على ذلك ويل بقوله: جميل. ولكن ما مغزى هذا المغزى؟ # وتصدت شانتا للجواب وقالت: مغزى المغزى هو ms218 أنك حينما تتعلم أن توجه مزيدا من الانتباه ~~إلى كثير مما هو ليس أنت في هذا المحيط (أعني الطعام) وإلى كثير مما هو ليس أنت في كيانك ~~(أعني إحساسك بالتذوق) ربما وجدت نفسك فجأة متنبها إلى ما ليس أنت في الجانب الآخر من ~~الوعي، ثم قالت: وربما كان من الأفضل أن نعبر عن ذلك بطريقة مخالفة فنقول إن ما ليس أنت على ~~الجانب الآخر من الوعي يجد أنه من الأيسر له أن يجعل نفسه معروفا لك أنت الذي تعلمت أن ~~تكون أكثر وعيا بما لست أنت في جانب الفسيولوجيا (وظائف الأعضاء). وحدث صوت تصادم أعقبه ~~صراخ من أحد التوءمين فقطع ذلك عليها حديثها، وبعدما مسحت ما انسكب على الأرض، واصلت ~~حديثها قائلة: وبعد ذلك على المرء أن يفكر في مشكلة الأنا واللاأنا من حيث علاقتهما بالناس ~~الذين يبلغ طول الواحد منهم أقل من اثنين وأربعين بوصة. من يجد لذلك حلا مضمونا له جائزة ~~قدرها ستة بلايين وأربعمائة ألف روبية. ومسحت عيني الطفل، وجعله ينظف أنفه، ثم قبلته وذهبت ~~إلى الفرن لتأتي بطبق آخر من الأرز. # وبعدما انتهى الغداء سأل فيجايا: ما هي أعمالكم بعد ظهر اليوم؟ # أجاب توم كريشنا جادا: علينا واجب خاص بالفزاعة. # 1 # قالت ساروجيني: في الحقل الذي يقع تحت المدرسة. # قال فيجايا: إذن سأحملكما إلى هناك في العربة. والتفت إلى ويل فارنبي وقال: هل تحب أن ~~ترافقنا؟ # أومأ ويل برأسه موافقا، ثم قال: ولو سمح لي، أود أن أزور المدرسة، وأنا قريب منها، وربما ~~حضرت بعض الدروس في الفصول. # ولوحت لهم شانتا من الفراندة مودعة، وبعد بضع دقائق بلغوا عربة الجيب المركونة. # قال فيجايا وهو يدير محرك السيارة: المدرسة في الطرف الآخر من القرية، وعلينا أن نسلك ~~الطريق الجانبي إلى أسفل ثم نصعد ثانية. # وانحدروا خلال الحقول التي تحيط بها المصاطب، حقول الأرز والذرة والبطاطا، ثم ساروا فوق ~~أرض مستوية، وعلى يسارهم بركة أسماك صغيرة كثيرة الوحل، وعلى يمينهم بستان من أشجار ثمرة ~~الخبز، وأخيرا بلغوا حقولا ms219 أخرى، بعضها أخضر، وبعضها الآخر ذهبي؛ وهناك ظهرت المدرسة، ~~فسيحة بيضاء تظللها أشجار باسقة. # قالت ماري ساروجيني: هناك تقبع الفراغات. # ونظر ويل في الاتجاه الذي كانت تشير إليه، ولاحظ أن الأرز الأصفر الذي ينمو في أقرب ~~الحقول المحاطة بالمصالب كاد أن يستحق الحصاد. وكان هناك صبيان صغيران يرتدي كل منهما ~~إزارا قرنفلي اللون وفتاة صغيرة رداؤها الأسفل أزرق اللون، وثلاثتهم يتناوبون جذب الخيوط ~~التي تحرك عرائس في الحجم الطبيعي متصلة بأعمدة على جانبي الحقل الضيق، والعرائس من الخشب ~~منحوتة نحتا جميلا وليست مكسوة بالخرق وإنما بأردية فاخرة. وتطلع إليها ويل في ~~دهشة. # وصاح: إن سليمان بكل ما كان له من أمجاد لم يكن في زي هذه العرائس. # واسترسل في خياله وذكر أن سليمان لم يكن إلا ملكا من الملوك. أما هذه الفزاعات الفاخرة ~~فهي كائنات من مرتبة أعلى. إحداها بوذا المستقبل، والأخرى تمثل الآب عند أهل جزر الهند ~~الشرقية مرحا مبتهجا، الآب كما يراه الرائي في كنيسة «سيستين» # 2 # وهو ينحني على آدم ذلك المخلوق الجديد. وعند كل جذبة للخيط حرك بوذا المستقبل ~~رأسه وباعد بين ساقيه فلا يكونان في شكل اللوتس، ثم رقص رقصة إسبانية في الهواء، ثم ضم ~~ساقيه مرة أخرى وجلس لحظة بلا حراك، حتى كانت جذبة أخرى للخيط تفيقه من تأملاته. وفي تلك ~~الأثناء يلوح الأب بذراعه الممتدة، ويهز سبابته منذرا، ويفتح ويضم فمه الذي يحيط به الشعر ~~كالحصان، ويدير عينين من الزجاج تشع منهما نار الوعيد يهدد بها أي طائر يجسر على الاقتراب ~~من الأرز. وهبت أثناء ذلك ريح عاتية رفرفت من شدتها أرديته ذات اللون الأصفر الفاقع ~~الموشحة بتطريز بارز - بني وأبيض وأسود - يمثل النمور والقردة. في حين أن ثياب بوذا ~~المستقبل الفاخرة المصنوعة من حرير الرايون الأحمر والبرتقالي تنتفخ وتلتف حوله، وبها عشرات ~~من الأجراس الصغيرة الفضية تشنشن بغير توقف. # سأل ويل: هل كل الفزاعات عندكم مثل هذه؟ # أجاب فيجايا: تلك كانت فكرة راجا العجوز، أراد أن يجعل الأطفال تدرك أن كل الآلهة ms220 من صنع ~~الإنسان، ونحن الذين نشد خيوطهم لنزودهم بالقوة التي يشدون بها خيوطنا. # وقال توم كريشنا: نجعلهم يرقصون، ونجعلهم يهتزون. وضحك مسرورا. # ومد فيجايا يدا غليظة ربت بها على رأس الطفل الأسمر ذي الشعر المجعد، وقال: أحيي فيك هذه ~~الروح. ثم التفت ثانية إلى ويل وقال بأسلوب شبيه بأسلوب راجا العجوز بشكل واضح: إن الصفة ~~الوحيدة الكبرى التي تميز «الآلهة» (بغض النظر عن تخويف الطيور والآثمين ومواساة البائسين ~~أحيانا) تنحصر في هذا: إنها ترتفع فوق الأعمدة؛ ولذلك فإن الناظر إليها يتطلع إلى أعلى. ~~وعندما يتطلع إنسان إلى أعلى؛ حتى إن كان إلى الإله، لا يمكنه أن يرى السماء. وما أدراك ما ~~السماء؟ إنها هواء وضوء منتشر، ولكنها كذلك رمز للفضاء الذي لا يحد، الفضاء الحامل (واعذرني ~~في هذه الاستعارة) الذي منه يخرج كل شيء، الحي وغير الحي، صانعو العرائس وعرائسهم المقدسة، ~~يخرج إلى العالم الذي نعرفه؛ أو على الأصح العالم الذي نظن أننا نعرفه. # وكانت ماري ساروجيني تصيخ لهذا الحديث فهزت رأسها موافقة عليه، وتطوعت بقولها: كان أبي ~~يقول إن النظر إلى الطيور في السماء أفضل. واعتاد أن يقول إن الطيور ليست ألفاظا، إنما هي ~~حقائق، حقائق كالسماء ذاتها. وأوقف فيجايا العربة، وقال والأطفال يقفزون منها: أتمنى لكم ~~وقتا ممتعا. اجعليهم يرقصون ويهتزون. # وهرع توم كريشنا وماري ساروجيني صائحين مهطعين لكي يلحقا بالمجموعة الصغيرة التي كانت في ~~الحقل الواقع في أسفل الطريق. # وأدار فيجايا عربة الجيب إلى الطريق المؤدية إلى المدرسة وقال: لننتقل الآن إلى الأوجه ~~التربوية الجادة. سوف أترك العربة هنا وأعود إلى المحطة سيرا على قدمي، وبعدما تنتهي من ~~جولتك اطلب إلى غيري أن يسوق لك العربة حتى البيت، وأطفأ كهرباء العربة وسلم مفتاحها إلى ~~ويل. # وفي مكتب المدرسة كانت السيدة نارايان مديرة المدرسة تتحدث من خلف الطاولة إلى رجل ذي شعر ~~أبيض ووجه مستطيل حزين كوجه كلب من كلاب الشرطة تظهر عليه خطوط وتجاعيد. # وعند تقديم كل فرد إلى الآخر قال فيجايا: هذا مستر شاندرا مينون وكيل ms221 الوزارة ~~عندنا. # قالت المديرة: وهو يقوم الآن بدورة تفتيشية لنا. # وأضاف إلى ذلك وكيل الوزارة وقد أحنى ظهره احتراما للسيدة نارايان وهو يواجهها: وأنا ~~أوافق كل الموافقة على كل ما شهدت. # قال فيجايا معتذرا وهو يتجه نحو الباب: لا بد أن أعود إلى عملي. # وسأل مستر مينون: هل تهمك التربية بصفة خاصة؟ # أجاب ويل: بل الأصح أن تقول إنني جاهل بها بصفة خاصة، نشئوني ولم يربوني؛ ولذلك أحب أن ~~أرى التربية على حقيقتها. # وأكد له وكيل الوزارة أنه جاء إلى المكان الصحيح: «لأن روثامستد الجديدة من أحسن ~~مدارسنا.» # سأل ويل: وبماذا تقيسون جودة المدرسة؟ ~~- بالنجاح. ~~- النجاح في أي شيء؟ الحصول على المنح الدراسية؟ أم الإعداد للوظيفة؟ أم إطاعة الأوامر ~~على إطلاقها بغير شرط؟ # قال المستر مينون: كل ذلك. ويبقى السؤال الأساسي، لماذا يكون لنا بنون وبنات؟ # هز ويل كتفيه وقال: الإجابة تتوقف على الموطن؛ مثلا لماذا يكون هناك بنون وبنات في ~~أمريكا؟ الإجابة: للاستهلاك على نطاق كبير، ويترتب على الاستهلاك على نطاق كبير الاتصال ~~الجماهيري، والإعلان الجماهيري، والمخدرات الجماهيرية متمثلة في التلفزيون، والتفكير الوضعي، ~~والسجائر، والآن بعدما دخلت أوروبا في تجربة الإنتاج على نطاق واسع، لماذا يكون لهم بنون ~~وبنات؟ للاستهلاك الجماهيري، وما يترتب عليه؛ شأنهم في ذلك شأن البنين والبنات في أمريكا. ~~في حين أن في روسيا إجابة أخرى. البنون والبنات لتقوية الدولة الوطنية؛ ومن ثم كان هناك كل ~~هؤلاء المهندسين ومعلمي العلوم، وخمسون فرقة عسكرية مستعدة للضرب المباغت ومجهزة بكل شيء من ~~الدبابات إلى القنابل الهيدروجينية والصواريخ بعيدة المدى. والأمر كذلك في الصين، مع ~~المبالغة فيه، لماذا يكون لديهم بنون وبنات؟ ليكونوا وقودا للمدافع، وقودا للصناعة، ~~وقودا للزراعة، وقودا لبناء الطرق؛ ولذلك فالشرق شرق والغرب غرب؛ في الوقت الراهن. ولكن ~~الشرق والغرب قد يلتقيان بإحدى طريقتين. الغرب قد يخشى الشرق إلى الحد الذي يجعله يتخلى عن ~~فكرته من أن البنين والبنات للاستهلاك على نطاق واسع، ويقرر - بدلا من ذلك - أنهم وقود ~~للمدافع وأنهم لتعزيز قوى الدولة، ومن الناحية ms222 الأخرى فإن الشرق قد يجد نفسه تحت ضغط ~~الجماهير التواقة للأجهزة والتي تتحرق شوقا لكي تحيا حياة أهل الغرب، إلى الحد الذي يجعل ~~الشرق يغير وجهة نظره ويقول إن البنين والبنات هم في الواقع للاستهلاك على نطاق كبير. ذلك ~~ما سوف يقرره المستقبل. أما الآن فالإجابات الحالية عن سؤالك متعددة تستبعد كل إجابة منها ~~الأخرى. # قال مستر مينون: والإجابة في الشرق والغرب على السواء تختلف عن الإجابة عندنا. لماذا يكون ~~لأهل بالا بنون وبنات؟ إنهم ليسوا للاستهلاك الكبير ولا لتعزيز الدولة. نعم إن الدولة لا ~~بد أن توجد، ولا بد أن يتوافر لكل امرئ ما يكفيه. هذا أمر لا يحتاج إلى نقاش، وبهذين ~~الشرطين يستطيع البنون والبنات أن يتبينوا ما يراد بهم في الواقع؛ بهذين الشرطين فقط ~~نستطيع أن نبرم أمرا. ~~- ولماذا يكون عندكم - في واقع الأمر - بنون وبنات؟ ~~- لكي يحققوا ذواتهم، لكي يصبحوا كائنات بشرية ناضجة. # وأوما ويل برأسه إيجابا وعلق على ذلك بقوله: هذا ما جاء في «مذكرات عن حقائق الأشياء». ~~جاء في هذه المذكرات: كن من أنت في الواقع. # قال مستر مينون: كان الراجا العجوز مهتما أساسا بالناس كما هم في الواقع على المستوى ~~الذي يجاوز الفردية. وبطبيعة الحال نحن من هذه الناحية لا نقل عنه اهتماما. ولكن همنا ~~الأول هو التعليم الأولي. والتعليم الأولي يعالج الأفراد على اختلاف أشكالهم وأحجامهم ~~وأمزجتهم ومواهبهم ونقائصهم. أما الأفراد في وحدتهم التي تجاوز وجودهم المادي فهم من شأن ~~التعاليم العالي. ويبدأ ذلك في سن المراهقة وهو يسير جنبا إلى جنب مع التعليم الأولي في ~~مرحلته المتقدمة. # قال ويل: فهمت أنه يبدأ مع تجربة عقار الموكشا لأول مرة. ~~- وهل سمعت عن عقار الموكشا؟ ~~- شهدته وهو يفعل فعله. # وأوضحت ذلك المديرة بقولها: لقد أخذه الدكتور روبرت بالأمس ليشهد حفلا من حفلاته. # وأضاف ويل: ولقد ترك في هذا الحفل أثرا عميقا. إنني حينما أفكر في تربيتي الدينية ... ولم ~~يكمل العبارة فكان ذلك أفصح منه لو أكملها. # وواصل مستر مينون حديثه قائلا: المراهقون - كما ms223 كنت أقول - يتلقون النوعين من التربية في ~~آن واحد، نساعدهم في ممارسة وحدتهم التي تجاوز وجودهم المادي، وحدتهم مع كل الكائنات ~~الحساسة الأخرى، ونعلمهم في الوقت نفسه في فصول السيكولوجيا والفسيولوجيا أن كل فرد منا له ~~تكوينه الذي يتفرد به، وأن كل امرئ يختلف عن كل امرئ آخر. # قال ويل: عندما كنت في المدرسة بذل المربون جهدهم لكي يزيلوا هذه الفوارق، أو على الأقل ~~يكسونها بنفس المثل التي سادت في الفترة المتأخرة من حكم الملكة فيكتوريا؛ حينما كان المثل ~~الأعلى أن يكون المرء رجلا مهذبا دارسا إنجليكانيا لاعبا للكرة. والآن خبرني ماذا ~~تصنعون وأنتم تعلمون أن كل امرئ يختلف عن كل امرئ آخر. # قال مستر مينون: نبدأ بتحديد الفوارق؛ من هذا الطفل بالضبط أو ما هو من حيث التشريح ~~والكيمياء الحيوية والسيكولوجيا؟ وفي المراتب العضوية أي هذه الأجهزة له عنده الأسبقية: ~~الأمعاء، أم العضلات، أم الجهاز العصبي؟ ما مدى اقترابه من هذه الحدود المحورية الثلاثة؟ ~~ومزيج عناصره التي يتألف منها، بدنية كانت أم عقلية، إلى أي حد هي منسجمة وإلى حد هي ~~متنافرة؟ ورغباته الموروثة، ما مقدار حجمها من حيث حب السيطرة، والروح الاجتماعية، ~~والانزواء في عالمه الداخلي، كيف يقوم بالتفكير والإدراك الحسي والتذكر؟ هل هو ممن يتعلمون ~~بالنظر أو من غير هؤلاء؟ هل يعمل عقله بالصور أو بالألفاظ، أو بهما معا في آن واحد، أو ~~بغير هذا وذاك؟ وقدرته على رواية القصص، إلى حد هي قريبة من السطح؟ هل يرى العالم كما كان ~~يراه وردزورث # 3 # وتراهيرن # 4 # حينما كانا في عهد الطفولة؟ وإذا كان كذلك ماذا نعمل لكي نحول دون أن يتلاشى ~~تألق النفس ونضرتها في ضوء النهار المشترك بين الناس أجمعين؟ وبعبارة أعم، كيف نربي الأطفال ~~على مستوى المفاهيم دون أن نقتل قدرتهم على الخبرة المركزة التي لا يعبر عنها باللفظ؟ وكيف ~~نوفق بين التحليل والرؤية؟ وهناك أسئلة عديدة أخرى يجب أن نسألها وأن نجيب عنها. مثلا، هل ~~هذا الطفل يمتص كل الفيتامينات التي يحتويها طعامه، أم ms224 هل هو عرضة لنقص مستديم إذا نحن لم ~~نتعرف عليه ونعالجه يحد من حيويته، ويظلم مزاجه، ويجعله يرى القبح، ويحس الملل، ويفكر تفكير ~~الأحمق والحاقد؟ وماذا عن مقدار السكر في دمه، وعن تنفسه، وعن وقفته وجلسته والطريقة التي ~~يستخدم بها كيانه العضوي حينما يعمل، أو يلعب أو يدرس، ثم هناك أيضا تلك الأسئلة التي ~~تتعلق بمواهبه الخاصة. هل تبدو عليه أمارات تدل على أن له موهبة موسيقية، أو حسابية ، أو ~~موهبة في تناول الألفاظ، ودقة الملاحظة والتفكير المنطقي والخيالي فيما يلاحظه؟ وأخيرا إلى ~~حد سوف يستجيب للإيحاء عندما يكبر؟ # إن كل الأطفال أفراد يسهل التأثير عليهم بالتنويم المغناطيسي؛ وهم في هذا وسطاء جيدون ~~لدرجة أن كل أربعة من خمسة منهم يمكن أن يساقوا بالكلام حتى يستطيعوا المشي وهم نيام. في ~~حين أن النسبة على عكس ذلك من البالغين. فأربعة من كل خمسة منهم لا يمكن إطلاقا أن تحادثهم ~~حتى يستطيعوا المشي وهم نيام. وإذا أخذنا مائة من الأطفال عشوائيا، من هم العشرون طفلا ~~الذين سوف يكبرون ويصبحون قابلين للإيحاء إلى حد المشي وهم نيام؟ # سأل ويل: وهل تستطيعون أن تحددوهم مسبقا؟ ثم ما جدوى ذلك إن كان هذا ممكنا؟ # أجاب مستر مينون: نعم نستطيع أن نحددهم. ومن الأهمية بمكان أن نتعرف عليهم. بل هو أكثر ~~أهمية في عالمكم الذي يتعيشون فيه؛ فمن الناحية السياسية تجد أن العشرين في المائة الذين ~~يمكن تنويمهم مغناطيسيا بسهولة وإلى حد معين هم أخطر العناصر في مجتمعاتكم. ~~- أخطر العناصر؟ ~~- نعم لأن هؤلاء هم الذين قدر لهم أن يكونوا ضحايا الدعاة. في الديمقراطيات القديمة فيما ~~قبل العصر العلمي كان الخطيب الذي يسحر بلفظه والذي يستند إلى تنظيم من ورائه يستطيع أن ~~يحول هذه العشرين في المائة ممن عندهم استعداد للمشي أثناء النوم إلى جيش منظم من المتعصبين ~~الذين يكرسون حياتهم لجلب المزيد من المجد والسلطة للرجل الذي قام بتنويمهم. وفي ظل النظام ~~الدكتاتوري هؤلاء المنومون أنفسهم يمكن التحدث إليهم وإقناعهم بعقيدة معينة ويمكن تعبئتهم ~~ليكونوا نواة ms225 قوية للحزب الذي يقدر على كل شيء؛ ومن ثم ترى أنه من الأهمية بمكان لأي مجتمع ~~يقيم للحرية قدرها أن يكون باستطاعته أن يتعرف على أولئك الذين يمكن في المستقبل تنويمهم ~~وهم لما يزالون في الصغر. وبعدما يتم التعرف عليهم ينومون ويدربون تدريبا منظما على ألا ~~يستسلموا لتنويم أعداء الحرية. ومن الأفضل - بطبيعة الحال - إعادة تنظيم المؤسسات ~~الاجتماعية لكي يصبح من العسير أو المستحيل أن يظهروا أو أن يكون لهم أي تاثير. ~~- وهذه هي الحال عندكم في بالا على ما أظن؟ # قال مستر مينون: تماما؛ ولذلك فإن الذين لديهم الاستعداد لتلقي التنويم لا يشكلون خطرا ~~ما. ~~- لماذا إذن تجشمون أنفسكم مشقة التعرف عليهم مقدما؟ ~~- لأن موهبتهم لها قيمة كبرى إذا أحسن استخدامها. # سأل ويل: هل ذلك للتحكم في المصير؟ وتذكر ذلك الإوز العراقي الذي يستخدم في العلاج ~~النفسي، وكل ما قالت سوزيلا بشأن إمكان الضغط على أزرار النفس الذي يقوم به كل امرئ ~~لنفسه. # هز وكيل الوزارة رأسه وقال: إن التحكم في المصير لا يتطلب شيئا أكثر من غيبوبة خفيفة. ~~وكل امرئ تقريبا قادر على ذلك. أما أولئك المستعدون لاستقبال التنويم فهم العشرون في ~~المائة الذين يمكن أن يروحوا في غيبوبة عميقة. وفي الغيبوبة العميقة وحدها دون سواها يمكن ~~تعليم الشخص كيف يتلاعب بالزمن. # وسأل ويل: وهل تستطيع أنت أن تتلاعب بالزمن؟ # هز مستر مينون رأسه وقال: لسوء حظي أني لم أستطع قط أن أروح في غيبوبة عميقة. كل ما أعرف ~~تعلمته بالطريقة البطيئة الطويلة. ولكن السيدة نارايان كانت أحسن مني حظا. كانت واحدة من ~~العشرين في المائة أصحاب الامتياز فأخذت كل أنواع الطرق التربوية المختصرة مما لم يتيسر ~~أبدا لي ولأمثالي. # سأل ويل وقد التفت نحو السيدة المديرة: ما هذه الطرق المختصرة؟ # أجابت بقولها: هي طرق مختصرة للتذكر، وللحساب، وللتفكير، وحل المسائل. يبدأ الفرد بأن ~~يتعلم كيف يحس عشرين ثانية وكأنها عشر دقائق، والدقيقة كأنها نصف ساعة، وهذا أمر سهل جدا ~~في حالة الغيبوبة العميقة. يستمع المرء إلى إيحاء ms226 معلمه ويجلس ساكنا لفترة طويلة جدا؛ ~~ساعتين كاملتين، ويستطيع أن يقسم بذلك، وبعد أن يفيق من الغيبوبة ينظر إلى الساعة، فيدرك أن ~~الزمن الذي أحسه ساعتين لم يستغرق سوى أربع دقائق في الواقع. # قال مستر مينون: لا يعرف أحد كيف يكون ذلك. غير أن كل تلك الحكايات التي تروى عن الغرقى ~~الذين يرون حياتهم كلها منبسطة أمامهم في بضع ثوان صادقة كل الصدق. إن العقل والجهاز العصبي ~~- أو لعل من الأصح أن نقول بعض العقول وبعض الأجهزة العصبية - قادران على هذا العمل الفذ. ~~وهذا كل ما يعرفه أي إنسان. وقد عرفنا هذه الحقيقة منذ ستين عاما، ونحن نستغلها منذ ذلك ~~التاريخ، نستغلها - كما نستغل غيرها من الحقائق - لأغراض تربوية. # واستأنفت السيدة نارايان حديثها قائلة: هذه - مثلا - مسألة حسابية، قد تستغرق في الحالة ~~الطبيعية نحو نصف ساعة لحلها. أما اليوم فأنت تستطيع أن تتلاعب بالزمن بحيث تصبح الدقيقة ~~الواحدة في اعتبارك الشخصي مساوية لثلاثين دقيقة. وعندئذ تشرع في حل المسألة. وبعد ثلاثين ~~دقيقة باعتبارك الشخصي تجد أن المسألة قد حلت. ولكن ثلاثين دقيقة باعتبارك الشخصي ليست ~~بمؤشرات الساعة إلا دقيقة واحدة، فأنت كنت تعمل - بغير إحساس بالعجلة أو الإجهاد - بالسرعة ~~التي يعمل بها أحد أولئك الأطفال الذين يحسبون بسرعة غير عادية ممن يظهرون بين الحين ~~والحين. سوف يظهر في المستقبل عباقرة مثل أمبير # 5 # وجوس، # 6 # أو بلهاء مثل ديز؛ كلهم بحيلة التلاعب بالزمن التي نبثها في نفوسهم يستطيع أن ~~يؤدي عمل ساعة في دقيقتين؛ وأحيانا في بضع ثوان. أنا لست إلا طالبة متوسطة، ولكني كنت ~~أستطيع أن أروح في غيبوبة عميقة، فكان معنى ذلك أنه كان من المستطاع تعليمي كيف أختصر الزمن ~~إلى واحد على ثلاثين من طوله الطبيعي؛ والنتيجة أنني استطعت أن أستوعب قدرا من المعرفة ما ~~كان من الممكن أن أستوعبه بالطريقة العادية. وتستطيع أن تتصور ما يحدث إذا عرف إنسان من ~~أصحاب معدلات الذكاء العبقرية أن يتلاعب بالزمن. سوف تكون النتائج خيالية! # قال مستر مينون: إنهم لسوء ms227 الحظ قليلون جدا؛ ففي الجيلين السابقين توافر لنا اثنان فقط ~~من أصحاب العبقريات الحقيقية الذين يستطيعون أن يتلاعبوا بالزمن، ونحو خمسة أو ستة أشخاص من ~~المرتبة الثانية. غير أن ما تدين به بالا لهذه القلة يفوق كل تقدير؛ ولذلك لا عجب أننا نبحث ~~بدقة عمن لديهم استعداد لتلقي التنويم! # وبعد فترة قصيرة من الصمت ختم ويل الحديث بقوله: أنتم بالتأكيد توجهون أسئلة عديدة خاصة ~~بفحص التلاميذ الصغار. ماذا تصنعون عندما تعثرون على ما تبتغون؟ # قال مستر مينون: نبدأ بتعليمهم وفقا لنتائج البحث؛ فنحن مثلا نوجه أسئلة خاصة بالتكوين ~~البدني للطفل وخاصة بمزاجه. وعندما نظفر بالإجابة نفرز أكثرهم خجلا، وأشدهم توترا ~~عصبيا، وأكثرهم سرعة للاستجابة والمنطوين على أنفسهم من الأطفال، ونضمهم في مجموعة واحدة، ~~وشيئا فشيئا تتضخم المجموعة. نضم إليها أولا بضعة أطفال ممن لهم ميول نحو الاجتماع بغير ~~قيود، ثم نضم بعد ذلك طفلا أو طفلين من أصحاب العضلات ممن لهم ميول عدوانية وعندهم حب ~~للسيطرة. وقد وجدنا أن هذه هي أفضل السبل لكي نجعل الأطفال - بنين وبنات - المتطرفين في هذه ~~الاتجاهات الثلاثة متفاهمين متسامحين بعضهم مع بعض. وبعد بضعة أشهر من الاختلاط الذي يخضع ~~للرقابة الدقيقة نجد أنهم على استعداد لأن يعترفوا بأن الناس من أصحاب التكوين الوراثي ~~المختلف لهم من حق البقاء ما لغيرهم. # قالت السيدة نارايان: وهذا المبدأ نعلمه صراحة كما نطبقه تدريجا، في الصفوف الدنيا نقوم ~~بالتعليم عن طريق التشبيه بالحيوانات المألوفة، القطط تحب الاعتزال، والأغنام تحب التجمع. ~~الدلق متوحش لا يمكن استئناسه، وخنزير غينيا رقيق ودود. هل أنت كالقط أو النعجة أو الخنزير ~~الغيني أو الدلق؟ نتحدث في هذا بالحكايات الرمزية، ويتبين لنا أن الأطفال الصغار أنفسهم ~~يمكن أن يدركوا حقيقة التنوع البشري والحاجة إلى التسامح المتبادل والعفو المتبادل. # قال مستر مينون: وفيما بعد حينما يبدءون في قراءة «جيتا» # 7 # نبين لهم العلاقة بين التكوين والدين. أشباه الغنم وأشباه الخنازير الغينية ~~يحبون الطقوس والحفلات العامة والأحاسيس التي تثيرها الاجتماعات الدينية التي تعقد لإحياء ~~الروح الدينية ms228 في النفوس. وهؤلاء يمكن توجيه ميول أمزجتهم نحو طريق العبادة. وأشباه القطط ~~يحبون العزلة ويمكنهم بتأملاتهم الذاتية أن يسيروا في طريق معرفة النفس. وأشباه الدلق ~~يريدون أن يصنعوا شيئا ما، والمشكلة هي كيف نحول رغبة العدوان في نفوسهم إلى طريق العمل ~~المنزه عن الغرض. # قال ويل: وهل طريق العمل المنزه عن الغرض هو ما كنت أشاهد بالأمس؟ الطريق الذي يتمثل في ~~قطع الأخشاب وتسلق الصخور؟ # قال مستر مينون: قطع الأشجار وتسلق الصخور حالات خاصة. وإذا عممنا الأحكام قلنا إن الطريق ~~الذي يبلغ إلى «كل الطرق» يتمثل في إعادة توجيه السيطرة. ~~- وما تلك؟ ~~- المبدأ غاية في البساطة. تأخذ القوة التي تتولد عن الخوف أو الحسد أو كثرة ~~النورأدرينالين، أو عن أي دافع باطني آخر يكون لسبب ما وفي وقت ما في غير موضعه؛ تأخذ هذه ~~القوة وبدلا من أن تستخدمها في القيام بعمل يسيء إلى شخص ما، وبدلا من كبتها وبذلك تفعل ~~بصاحبها شيئا لا يسر، توجهها شعوريا في مجرى يمكن عن طريقه أن تصنع شيئا نافعا، وإن لم ~~يكن نافعا فهو على الأقل لا يضر. # قالت المديرة: إليك مثالا بسيطا، الطفل الغاضب أو الذي خاب أمله يستجمع قوة تمكنه من أن ~~ينفجر باكيا، أو أن يسب أو يقاتل. وإذا كانت القوة التي تولدت تكفي لشيء من هذا فهي تكفي ~~للجري أو الرقص، وأكثر من كافية للشهيق بعمق خمس مرات، وسوف أريك شيئا من الرقص فيما بعد، ~~أما الآن فدعنا نحصر أنفسنا في التنفس. إن الشخص الغاضب الذي يتنفس خمس مرات بعمق يخفف ~~كثيرا من التوتر وبذلك يتيسر له أن يتصرف تصرفا معقولا؛ لذلك نحن نعلم أطفالنا كل أنواع ~~الألعاب التي تعتمد على التنفس، يلعبونها كلما غضبوا أو اضطربوا. وبعض هذه الألعاب تقوم على ~~أساس المنافسة، من المتنافسين مثلا يستطيع أن يشهق بدرجة أعمق ويقول وهو يزفر «أوم» لأطول ~~وقت ممكن. هذه مضاربة بين اثنين تنتهي دائما بالتصالح. غير أن التسابق في التنفس لا يكون ~~في محله - بطبيعة الحال - في كثير ms229 من الحالات؛ ولذلك كان لدينا لعبة صغيرة يستطيع الطفل ~~الغاضب أن يلعبها منفردا، وهي لعبة تقوم على أساس الفنون الشعبية المحلية. إننا ننشئ كل ~~الأطفال في بالا على الأساطير البوذية. وفي أكثر هذه القصص الخيالية الدينية يوجد شخص ما ~~لديه رؤية الكائن العلوي. البوذيساتفا # 8 # مثلا يرى رؤيته في تفجر الأضواء، وفي المجوهرات وأقواس قزح. ومع الرؤية ~~المتألقة هناك دائما حاسة للشم على نفس الدرجة من الروعة؛ فالصواريخ الضوئية تكون مصحوبة ~~بعطر شذى يفوق الوصف. نحن نأخذ هذه الصور الخيالية التقليدية؛ وليس بي حاجة إلى القول ~~بأنها جميعا تقوم على أساس التجارب الخيالية التي تحدث فعلا من أثر الصوم أو حرمان الحواس ~~أو بعض العقاقير، ونطلقها لتفعل فعلها. نقول للأطفال إن المشاعر العنيفة هي كالزلازل، ~~تهزنا هزا شديدا حتى تظهر الشروخ في الجدران التي تفصل ذواتنا عن طبيعة بوذا العالمية ~~المشتركة. يغضب المرء فيتشقق شيء في نفسه، ومن خلال الشقوق تهب نفحة من عطر الاستنارة ~~السماوية، فيها رائحة الشنبق والإيلنغ والفردينيا ولكنها أكثر منها عجبا بدرجة لا تحد. ~~وهذا المعنى السماوي الذي تكشف لك مصادفة يجب ألا يفوتك. هذا المعنى يوجد كلما ثار في نفسك ~~الغضب، استنشقه، وتنفسه، واملأ به رئتيك، مرة بعد أخرى. ~~- وأطفالكم يقومون بذلك فعلا؟ ~~- بعدما نقوم بتعليمهم بضعة أسابيع يفعله أكثرهم كشأن من شئون حياتهم العادية. وكثيرون ~~منهم - فوق ذلك - يشمون فعلا ذلك العطر الذي حدثتك عنه. والنواهي القديمة (لا تفعل كذا، ~~ولا تفعل كذا) تتحول إلى إيجابيات (افعل كذا، وافعل كذا) ويجد ثوابه لما يفعل. لقد حولنا ~~مسار القوة الضارة بطبيعتها إلى اتجاهات لا تكون فيها ضارة، بل قد تعود فعلا بالخير. وفي ~~أثناء ذلك نعطي الأطفال - بطبيعة الحال - تدريبا منتظما ومتدرجا بعناية تامة في الإدراك ~~وفي استخدام اللغة استخداما صحيحا. نعلمهم الانتباه إلى ما يرون وما يسمعون، ونطلب إليهم ~~في الوقت نفسه أن يلاحظوا كيف تؤثر مشاعرهم ورغباتهم فيما يمارسونه في العالم الخارجي، ~~وكيف تؤثر عاداتهم اللغوية في مشاعرهم ورغباتهم بل وفي إحساساتهم. إن ms230 ما تسجله عيناي وأذناي ~~شيء، والكلمات التي أستخدمها والحالة النفسية التي أكون عليها وما تسمح لي بإدراكه وتفهمه ~~والعمل بمقتضاه الأهداف التي أتجه نحوها؛ كل ذلك شيء آخر؛ ومن ثم فأنت ترى أننا نضم ذلك ~~كله بعضه إلى بعض في عملية تربوية واحدة. إن ما نقدمه للأطفال في وقت واحد هو تدريب في ~~الإدراك والتخيل، وتدريب في الفسيولوجيا والسيكولوجيا التطبيقيين، وتدريب في السلوك الخلقي ~~العملي والديانة العملية، وتدريب في استخدام اللغة استخداما صحيحا ، وتدريب في معرفة ~~النفس. وبعبارة موجزة: هو تدريب لمركب الجسم والعقل كله من كل أوجهه. # سأل ويل: ما علاقة كل هذا التدريب المعقد لمركب الجسم والعقل بالتربية النظامية؟ هل هو ~~يعاون الطفل في حل مسائل الحساب، أو التزام قواعد النحو في الكتابة، أو فهم مبادئ ~~الفيزياء؟ # قال مستر منيون: إن ذلك يعاونه كثيرا؛ فمركب الجسم والعقل المدرب يكون أسرع وأشمل كثيرا ~~في تعلمه من هذا المركب إذا لم يدرب. وهو كذلك أقدر على ربط الوقائع بالأفكار، وربطهما معا ~~بحياة صاحبه. وفجأة وعلى حين بغتة أخذ يضحك عاليا. وكانت مفاجأة لأن ذلك الوجه المستطيل ~~الحزين يوحي بأنه لا يتلاءم مع أي تعبير عن المرح أكثر من ابتسامة خفيفة يخرجها صاحبها من ~~قلب حزين. ~~- ما يضحكك؟ ~~- طاف بخيالي شخصان التقيت بهما في زيارتي الأخيرة لإنجلترا، في كمبردج. أحدهما عالم في ~~الذرة، والآخر فيلسوف، وكلاهما من المشاهير. أما أحدهما فعمره العقلي - خارج المعمل - يبلغ ~~نحو إحدى عشرة سنة. أما الآخر فقد كان أكلة بدينا، لا يحاول أن يخفف من وزنه. وهذان مثلان ~~متطرفان لما يحدث إذا أنت أخذت صبيا ذكيا، وأخضعته خمسة عشر عاما لتربية نظامية مركزة ~~وأهملت مركب العقل والجسم الذي يقوم بالتعلم وبالعيش. ~~- أفهم من ذلك أن نظامكم لا يخرج هذا النوع الشاذ من الوحش الأكاديمي؟ # هز وكيل الوزارة رأسه وقال: لم أر قط أحدا من هذا الطراز حتى ذهبت إلى أوروبا. إنهم هناك ~~مبعث للضحك من شدة الغرابة. ولكنهم كذلك مدعاة للأسى. مساكين! إنهم منفرون بدرجة ~~عالية! ms231 ~~- هذا الذي يدعو إلى الأسى والذي ينفر بدرجة عالية هو الثمن الذي ندفعه نظير ~~التخصص. # ووافقه على ذلك مينون وقال: نعم للتخصص، ولكن ليس بالمعنى الذي تستخدمون الكلمة لتدل ~~عليه. التخصص بالمعنى الآخر ضروري ولا مناص منه. وليست هناك حضارة بغير تخصص. ولكنك إن ~~تعهدت بالتربية مركب العقل والجسم كله مع الذكاء الذي يستخدم الرمز، فإن ذلك النوع من ~~التخصص اللازم لا يؤذي كثيرا. ولكنكم لا تتعهدون بالتربية مركب العقل والجسم. وعلاجكم ~~للمبالغة في التخصص العلمي هو بضع دراسات في العلوم الإنسانية. حسنا! إن كل تربية يجب أن ~~تتضمن دراسات في العلوم الإنسانية. ولكن لا تخدعكم الأسماء. إن العلوم الإنسانية وحدها لا ~~تجعل من الطالب إنسانا. وليست إلا صورة أخرى من صور التخصص على المستوى الرمزي. إن قراءة ~~أفلاطون أو الاستماع إلى محاضرة عن ت. س. إليوت لا تربي الإنسان الكامل. إنها تربي الطالب ~~على معالجة الرموز - شأنها في ذلك شأن دراسة الفيزياء أو الكيمياء - وتترك بقية مركب العقل ~~والجسم الحي في حالة بدائية من الجهل البدائي والعجز. ومن هنا كانت تلك المخلوقات المنفرة ~~التي تثير الأسى أمثال أولئك الذين أدهشوني عند أول زيارة لي للخارج. # وسأل ويل: وماذا عن المعلومات التي لا غنى عنها والمهارات العقلية اللازمة؟ هل تعلمون ~~بالطريقة التي نعلم بها؟ ~~- نعلم بالطريقة التي أرجح أنكم سوف تعلمون بها بعد نحو عشر سنوات أو خمس عشرة سنة. خذ ~~الرياضيات على سبيل المثال. بدأت الرياضيات - تاريخيا - بتطوير بعض الحيل النافعة، وحلقت ~~فيما وراء الطبيعة، وأخيرا عبرت عن نفسها في بنيات وتحولات منطقية. ونحن في مدارسنا نعكس ~~هذه المراحل التاريخية. نبدأ بالبنية والمنطق، ونتخطى مرحلة ما وراء الطبيعة، ونسير من ~~المبادئ العامة إلى تطبيقات معينة. ~~- وهل يفهم الأطفال؟ ~~- أفضل بكثير مما يفهمون لو بدأنا بالحيل النفعية. بعد الخامسة من العمر تقريبا يستطيع ~~أي طفل ذكي أن يتعلم أي شيء تقريبا إذا نحن قدمناه له بالطريقة الصحيحة. المنطق والبنية في ~~شكل ألعاب وألغاز. الأطفال يلعبون وبسرعة لا تصدق يدركون المغزى. ms232 وبعدئذ نستطيع أن ننتقل ~~إلى التطبيقات العملية. وإذا نحن علمنا بهذه الطريقة تعلم الأطفال على الأقل ثلاثة أمثال ما ~~يتعلمونه اليوم من حيث المقدار، وأربعة أمثاله من حيث الشمول، في نصف الوقت. خذ مجالا آخر ~~يستطيع المرء فيه أن يستخدم الألعاب في تثبيت فهم المبادئ الأساسية. إن كل التفكير العلمي ~~يقع في حدود الاحتمالات، والحقائق الأزلية الأبدية ليست سوى درجة عالية من الاحتمال. ~~وقوانين الطبيعة التي لا تتغير إن هي إلا متوسطات إحصائية . كيف يمكن أن نقحم هذه الأفكار ~~العميقة غير الواضحة في رءوس الأطفال؟ نلعب معهم الروليت، ونجري القرعة ونسحب اليانصيب. ~~نعلمهم كل صنوف الألعاب بالورق والنرد. # قالت السيدة نارايان: أكثر ما يحب الأطفال لعبة الأفاعي والسلالم المتطورة كما يحبون لعبة ~~الأسر المندلية السعيدة. # وأضاف مستر مينون: وفيما بعد نعلمهم لعبة أكثر من ذلك تعقيدا، يشترك فيها أربعة أشخاص ~~يلعبون بمجموعة من الأوراق مؤلفة من ستين ورقة مصممة برسوم خاصة ومقسمة إلى ثلاثة أصناف؛ ~~هذه اللعبة نسميها البريدج السيكولوجي. توزع الأوراق اعتباطا بالصدفة. ولكن اللعب يحتاج ~~إلى مهارة، وإلى تمويه وتعاون مع الشريك. # قال ويل: ألعابكم فيها التطور، ومندل، والسيكولوجيا. الظاهر أن التربية عندكم متأثرة ~~بالبيولوجيا إلى حد كبير. # قال مينون: هي كذلك. إن اهتمامنا الأول ليس بالفيزياء والكيمياء، إنما هو بعلوم ~~الحياة. ~~- هل هذا مبدأ من مبادئكم؟ ~~- ليس إلى كل الحدود، إنما هو أمر يتعلق كذلك بالملاءمة والضرورة الاقتصادية. ليس لدينا ~~المال الذي يكفي للبحث في الفيزياء والكيمياء على نطاق واسع، والواقع أننا لسنا في حاجة ~~فعلية إلى مثل هذا البحث؛ فليست لدينا صناعات ثقيلة ننافس بها غيرنا ولا تسليح نجعله أشد ~~فتكا، ولا أقل رغبة في الهبوط على ظهر القمر. طموحنا متواضع يقتصر على أن نعيش بإنسانية ~~كاملة منسجمين مع أوجه الحياة الأخرى فوق هذه الجزيرة على خط العرض هذا على هذا الكوكب. ~~نستطيع أن نأخذ عنكم نتائج البحوث في الفيزياء والكيمياء ونطبقها - إن أردنا أو استطعنا ~~ماديا - على أغراضنا الخاصة. وفي الوقت نفسه نركز على البحث ms233 الذي يبشر بأن يجلب الخير ~~الوافر لنا؛ وذلك في علوم الحياة والعقل. وأضاف إلى ذلك قوله: لو أن رجال السياسة في ~~البلاد التي استقلت حديثا تصرفوا بالعقل لفعلوا مثلنا، ولكنهم يريدون أن يبددوا طاقاتهم، ~~يريدون أن تكون لهم جيوش، ويريدون أن يلحقوا بأهل أمريكا وأوروبا الذين يدمنون التحرك ~~بالآلات والنظر إلى التلفزيون، وواصل حديثه قائلا: ليس أمامكم اختيار، فأنتم ملتزمون ~~بتطبيق الفيزياء والكيمياء بلا رجعة، على الرغم من نتائجها السيئة، العسكرية والسياسية ~~والاجتماعية . ولكن البلاد النامية غير ملتزمة. ليس عليها أن تحذو حذوكم، وما زالت حرة ~~تستطيع أن تسلك الطريق الذي سلكنا؛ طريق البيولوجيا التطبيقية، طريق تنظيم التناسل، ~~والإنتاج المحدود والتصنيع المختار الذي يتيحه تنظيم التناسل، الطريق الذي يؤدي إلى السعادة ~~التي تنبع من الباطن وتنعكس على الظاهر، من خلال الصحة، والوعي، وتغيير وجهة النظر إلى ~~العالم. وليس إلى أوهام السعادة التي تسير عكسا من الظاهر إلى الباطن، من خلال لعب الأطفال ~~وحبوب الدواء وأسباب اللهو التي لا تتوقف. هذه البلاد النامية ما زال بوسعها أن تأخذ ~~بأسلوبنا، ولكنها لا تريد، وترغب في أن تكون مثلكم تماما. كان الله في عونها. ولما كان ~~مستحيل عليها أن تفعل ما فعلتم، على الأقل في خلال الفترة التي قدرتها؛ فقد حكمت على ~~نفسها بالفشل وخيبة الأمل، وكتب عليها الشقاء الذي يترتب على الانهيار الاجتماعي والفوضى، ~~ومن ذلك إلى شقاء العبودية للحكام المستبدين. هذه مأساة يمكن التنبؤ بها تماما، وهم يسيرون ~~نحوها وعيونهم مفتوحة. # قالت المديرة: وليس بوسعنا أن نفعل شيئا في هذا الصدد. # قال مستر مينون: لا نستطيع أن نفعل شيئا اللهم إلا أن نستمر في أداء ما نفعل الآن، ونأمل ~~أملا مستحيل التحقيق أن تكون الأمة التي وجدت سبيلها لأن تعيش عيشة سعيدة سعادة إنسانية ~~مثلا يحتذى. الفرصة ضعيفة جدا. ولكن من يدري؟! ربما حدث ذلك. ~~- ما لم تتكون راندنج الكبرى قبل ذلك. # قال مستر مينون جادا وموافقا: نعم، ما لم تتكون راندنج الكبرى قبل ذلك. ومع ذلك فلا بد ~~لنا من ms234 مواصلة السير في ما أخذناه على أنفسنا؛ أعني التربية. هل هناك شيء آخر تريد أن ~~تعرفه يا مستر فارنبي؟ # قال ويل: هناك الكثير؛ مثلا متى تبدءون تدريس العلوم؟ ~~- نبدؤه في نفس الوقت الذي نبدأ فيه تعليم الضرب والقسمة، والدروس الأولى في علم ~~البيئة. ~~- علم البيئة؟ أليس هذا موضوعا معقدا بعض الشيء؟ ~~- من أجل هذا نبدأ به. يجب ألا نعطي الأطفال فرصة لكي يتخيلوا أن أي شيء من الأشياء له ~~كيان مستقل عن غيره من الأشياء الأخرى. يجب أن نوضح لهم منذ البداية أن الحياة كلها علاقات. ~~نريهم العلاقات في الغابات، والحقول، والبرك والمجاري المائية، والقرية والريف من حولها، ~~ولا نكل التكرار. # وقالت المديرة: وأحب أن أضيف إلى ذلك أننا نعلم دائما علم العلاقات موصولا بأخلاقيات ~~العلاقات، الاتزان، الأخذ والعطاء، لا إسراف؛ هذه هي القاعدة في الطبيعة. وإذا نقلنا هذه ~~القاعدة من الوقائع إلى الأخلاق كان من الواجب أن تكون هي كذلك القاعدة بين الناس. وكما قلت ~~من قبل إن الأطفال يجدون أن من اليسير أن يفهموا الفكرة إذا قدمناها لهم في حكاية عن ~~الحيوان، نعطيهم تفسيرا حديثا لحكايات إيسوب الخرافية؛ لا نقص عليهم القصص الذي نضفي فيه ~~صفات الإنسان على الحيوان، وإنما نحكي لهم حكايات صادقة من البيئة تنطوي على أخلاقيات ~~عالمية في صلبها. # ومن الحكايات العجيبة التي نرويها للأطفال قصة التآكل. وليس عندنا هنا أمثلة جيدة للتآكل؛ ~~ولذلك نعرض عليهم صورا لما حدث في راندنج وفي الهند والصين واليونان وبلاد المشرق، في ~~أفريقيا وأمريكا؛ كل الأماكن التي حاول فيها الإنسان بجشعه وغبائه أن يأخذ ولا يعطي، وأن ~~يستغل بغير محبة أو إدراك. إذا أنت أحسنت معاملة الطبيعة أحسنت الطبيعة معاملتك. وإذا أنت ~~آذيت الطبيعة أو حطمتها حطمتك الطبيعة. في منطقة من المناطق التي تتصحر بسبب إجهادها ~~بالزراعة تظهر هذه الحقيقة بجلاء: «افعل بغيرك ما تحب أن يفعل بك»؛ ومن الأسهل للطفل أن ~~يدرك ويفهم هذا المبدأ في الطبيعة أكثر مما يستطيع في أسرة أو قرية متهالكة. إن الجروح ~~النفسية ms235 لا تظهر؛ وعلى أية حال فإن الأطفال لا يعلمون عن الكبار إلا القليل. ولما كانوا ~~يفتقرون إلى معايير للمقارنة فهم يظنون أن المواقف السيئة من المسلمات، كأنها من طبيعة ~~الأشياء. في حين أن الفرق واضح بين عشرة أفدنة من المراعي الخضراء وعشرة أفدنة من الأخاديد ~~الجرداء التي تعصف فيها الرمال. والرمال والأخاديد من الرموز التي نتمثل بها. إذا واجهها ~~الطفل سهل عليه أن يدرك الحاجة إلى المحافظة على الخضرة، ومن المحافظة على الخضرة ينتقل إلى ~~الأخلاق؛ يسهل عليه أن ينتقل من «القاعدة الذهبية» فيما يتعلق بالنبات والحيوان والأرض ~~التي تغذيها إلى «القاعدة الذهبية» فيما يتعلق بالإنسان. # وهنا نقطة هامة أخرى. إن الأخلاق التي يصل إليها الطفل من حقائق علم البيئة ومن الحكايات ~~الرمزية عن التآكل هي أخلاقيات عالمية. ليس في الطبيعة «شعب مختار» ولا «أرض مقدسة» ولا ~~«رؤيا تاريخية فذة». إن الأخلاق القائمة على أساس الاحتفاظ بالخضرة لا تعطي الفرد مبررا ~~لإحساسه بعلو المنزلة، أو لمطالبته بمزايا خاصة. إن مبدأ «افعل بغيرك كما تحب أن يفعل بك» ~~ينطبق على تعاملنا مع كل أنواع الحياة في كل أرجاء الأرض. ولن يبقى الإنسان فوق هذا الكوكب ~~إلا إذا عامل الطبيعة بالرحمة والذكاء. إن مبادئ علم البيئة تؤدي مباشرة إلى مبادئ ~~البوذية. # وبعد لحظة من الصمت قال ويل: منذ بضعة أسابيع كنت أتصفح كتاب ثوروالد عما حدث في ألمانيا ~~الشرقية فيما بين يناير ومايو من عام 1945م. هل اطلع أحدكما على هذا الكتاب؟ # هزا رأسيهما. # فنصحهما ويل ألا يفعلا وقال: كنت في درسدن بعد ضربها بالقنابل في شهر فبراير منذ خمسة ~~أشهر. وفي ليلة واحدة احترق من المدنيين الأحياء خمسون أو ستون ألفا؛ أكثرهم من اللاجئين ~~الهاربين من الروس. وقد حدث كل ذلك لأن أودلف الصغير لم يتعلم علم البيئة. # وابتسم ويل ابتسامته التهكمية الساخرة وقال: إنه لم يتعلم المبادئ الأولية لصيانة ~~الطبيعة. # وأخذ الناس ما حدث مأخذ الفكاهة لأنه كان أفظع من أن يتناولوه بالحديث جادين. # ونهض مستر مينون والتقط حقيبته. # وقال: ms236 لا بد أن أنصرف. وصافح ويل، وكان اللقاء بينهما مصدر سرور له، وتمنى لمستر ~~فارنبي إقامة سعيدة في بالا، وقال له إنه إن أراد أن يعرف المزيد عن التربية في بالا فليس ~~عليه إلا أن يسأل السيدة نارايان، فليس هناك من يفضلها في الإرشاد والتعليم. # وبعدما انصرف وكيل الوزارة قالت السيدة نارايان: هل تحب أن تزور بعض فصول ~~الدراسة؟ # ونهض ويل وسار خلفها حتى خرجا من الغرفة وبلغا إحدى الردهات. # وفتحت المديرة باب فصل من الفصول وقالت: هنا رياضيات، وهذا هو الصف الخامس في المرحلة ~~الأعلى، تقوم بها السيدة أناند. # وانحنى ويل وهي تقدمه إليها، ورحبت به المدرسة ذات الشعر الأبيض مبتسمة وقالت هامسة: نحن ~~كما ترى مستغرقون في إحدى المسائل. # وتلفت حواليه، ورأى عشرين طالبا وطالبة منهمكين وهم في مقاعد جلوسهم في التفكر، منكبين ~~على كراساتهم مركزين الأذهان في صمت وهم يعضون أطراف الأقلام. تتألق في حرارة الجو أجسامهم ~~الذهبية فيما فوق السراويل القصيرة البيضاء أو الكاكي أو فيما فوق الجونيلات الطويلة زاهية ~~الألوان. أجسام البنين يبدو منها القفص الصدري تحت البشرة، وأجسام البنات أكثر امتلاء وأشد ~~نعومة. وقد بدأت أثداؤهن الصغيرة تعلو صدورهن، قوية، جميلة التكوين، رشيقة كأنها من تصميم ~~مثال زخرفة ينحت الحور من الصخر، ولا يلتفت إليهن أحد. وما كان أشد سرور ويل لأن يكون في ~~مكان يباح فيه هذا الذي يعد في مكان آخر إثما من الآثام. # وفي أثناء ذلك كانت السيدة أناند تشرح له - في صوت خافت حتى لا تشتت أذهان المشتغلين بحل ~~المسائل عن أداء واجبهم - كيف أنها تقسم كل فصل دراسي من فصولها مجموعتين، مجموعة الذين ~~يتعلمون بالنظر ممن يفكرون في إطار هندسي كما كان يفعل قدماء اليونان، ومجموعة الذين لا ~~يتعلمون بالنظر الذين يفضلون الجبر والتجريدات التي لا شكل لها. وعلى كره منه صرف ويل نظره ~~عن هذا العالم من الجمال الذي لا تأثيم فيه، جمال الأجسام الشابة، واستسلم لتفكير عميق في ~~تنوع البشر وتدريس الرياضيات. # وانصرفا. وفي الغرفة المجاورة، وهي ms237 عبارة عن فصل دراسي جدرانه باهتة زرقاء معلق عليها صور ~~لحيوانات استوائية كان البوزيساتفا (صغار البوذيين) ومعهم الشاكتي، # 9 # وهم يشكلون الصف الخامس الأدنى، يتلقون درسا في مبادئ الفلسفة التطبيقية ~~يأخذونه مرة كل أسبوعين. وأثداء البنات في هذا أصغر حجما، والأذرع أرق والعضلات أخف، وطلاب ~~الفلسفة هؤلاء لم يتجاوزوا حد الطفولة إلا بعام واحد فقط. # وعندما دخل ويل والسيدة نارايان الغرفة كان الرجل الواقف إلى جوار السبورة يقول: الرموز ~~شائعة. ورسم صفا من الدوائر الصغيرة وأخذ يرقمها 1، 2، 3، 4، ن، وقال تصوروا أن هذه ~~الأرقام تمثل أفرادا من الناس، ومن كل دائرة صغيرة رسم خطا يصل الدائرة بمربع على يسار ~~السبورة. وفي وسط المربع كتب حرف «ر» وقال: هذا الحرف هو نظام الرمز الذي يستخدمه الناس ~~عندما يريدون أن يتبادلوا الحديث، كلهم يتحدث نفس اللغة؛ إنجليزي، بالي، إسكيمو، الأمر ~~يتوقف على المكان الذي يعيشون فيه. الألفاظ عامة، يختص بها كل المتكلمين بلغة ما، وهي مدونة ~~في القواميس، والآن دعنا ننظر إلى الأشياء التي تحدث خارج الفصل. # وأشار إلى النافذة المفتوحة وظهر من خلالها ستة ببغاوات تطير بألوانها الزاهية تحت سحابة ~~بيضاء، ومرت الببغاوات خلف شجرة ثم اختفت، ورسم المعلم مربعا آخر في الجانب الآخر من ~~السبورة وأسماه «أ»؛ وهو الحرف الأول من «أحداث». وربط هذا المربع بالدوائر بخطوط، وقال: ~~إن ما يحدث في الخارج عام؛ أو على الأقل عام إلى حد كبير. وما يحدث عندما يتكلم فرد ما أو ~~يكتب الكلمات عام كذلك. ولكن ما يحدث داخل هذه الدوائر الصغيرة خاص. وأكد كلمة خاص بوضع ~~إحدى يديه على صدره، ثم مسح جبينه، وكرر كلمة «خاص»، ومس جفنيه وطرف أنفه بسبابته السمراء ~~وقال: دعونا الآن نقوم بتجربة صغيرة، رددوا بعدي كلمة «يقرص». # وبصوت واحد أجش ردد الطلاب: «يقرص، يقرص ... ي، ق، ر، ص «يقرص»»، هذه كلمة عامة، تجدونها في ~~المعاجم اللغوية. والآن يقرص كل منكم نفسه، شديدا أشد! # وفعل الأطفال كما أمروا متأوهين: آه، أوه. وهم يقهقهون. ~~- هل يستطيع أحدكم أن يحس ما ms238 أحسه جاره؟ # رددوا جميعا بصوت واحد: لا. # قال الرجل: يبدو أن ... كم عددكم؟ # ونقل بصره على المقاعد التي كانت أمامه وواصل الحديث قائلا: يبدو أنه كان هناك ثلاثة ~~وعشرون ألما منفصلا متميزا عن غيره. ثلاثة وعشرون في هذه الغرفة الواحدة، وما يقرب ثلاثة ~~آلاف مليون في العالم كله، أضف إلى ذلك آلام جميع الحيوانات. وكل ألم من هذه الآلام خاص كل ~~الخصوصية. ليست هناك وسيلة لنقل الخبرة من أحد مراكز الآلام إلى مركز آخر. لا اتصال إلا ~~بطريق غير مباشر عن طريق «ر». وأشار إلى المربع الذي يقع على يسار السبورة، ثم إلى الدوائر ~~التي تقع في الوسط وقال: هنا آلام خاصة في 1، 2، 3، 4، ن؛ وهناك أخبار عن الآلام الخاصة في ~~المربع «ر» حيث يمكنك أن تقول «يقرص» وهي كلمة عامة مدونة في المعجم اللغوي، ولاحظ ما يلي: ~~هناك كلمة عامة واحدة هي «يقرص» لتدل على ثلاثة آلاف مليون تجربة خاصة، كل واحدة منها تختلف ~~عن غيرها بنفس الدرجة تقريبا التي يختلف بها أنفي عن أنوفكم، كما أن أنوفكم يختلف كل واحد ~~منها عن الآخر، الكلمة ترمز فقط للطرق التي تتشابه بها الأشياء أو الأحداث التي هي من نوع ~~واحد عام؛ ولذلك كانت الكلمة عامة. ولما كانت عامة فلا يمكن أن تمثل الطرق التي تختلف بها ~~الأحداث التي هي من نوع واحد عام. # وساد صمت. ثم رفع المعلم بصره إلى أعلى وألقى سؤالا: هل يعرف أحد منكم هنا شيئا عن ~~ماهاكاسيابا؟ # وارتفعت أيد كثيرة، وأشار بإصبعه إلى فتاة صغيرة في إزار أزرق وحول عنقها عقد من الصدف ~~جالسة في الصف الأول. ~~- آميا، تكلمي. # وفي لهفة بدأت آميا تتكلم وفي لسانها لثغة. # قالت: ماهاكاثيابا هو الحواري الوحيد الذي استطاع أن يفهم ما كان يتحدث عنه بوذا. ~~- وفيم كان بوذا يتكلم؟ ~~- إنه لم يكن يتكلم ولذلك لم يفهموه. ~~- ولكن ماهاكاسيابا فهم ما كان يتحدث عنه على الرغم من أنه لم يتكلم؛ هل هذا ما ~~قصدت؟ # وأومأت الفتاة الصغيرة برأسها إيجابا فقد كان ذلك ms239 ما قصدت تماما، وقالت: ظنوا أنه سوف ~~يلقي عليهم موعظة، ولكنه لم يفعل. وكل ما فعله هو أنه التقط زهرة ورفعها إلى أعلى لكي يراها ~~الجميع. # وصاح صبي صغير يرتدي مئزرا أصفر اللون كان يتلوى في مقعده، ويكاد لا يستطيع أن يكبت ~~رغبته في الإفصاح عما كان يعرف، وقال: تلك كانت الموعظة. ولكن أحدا لم يستطع أن يفهم هذا ~~النوع من المواعظ، فيما عدا ماهاكاسيابا. ~~- وماذا قال ماهاكاسيابا عندما رفع بوذا تلك الزهرة؟ # صاح الصبي الذي كان يرتدي مئزرا أصفر اللون بنغمة الظافر: لا شيء! # وأضافت إلى ذلك آميا قولها: ابتسم فقط، ومن ذلك عرف بوذا أنه فهم كل ما كان يقصد إليه؛ ~~ولذلك بادله الابتسام، ولبثا كذلك يبتسمان، ويبتسمان. # قال المعلم: حسنا. والتفت إلى الصبي ذي المئزر الأصفر وقال له: اذكر لنا ما تظن أن ~~ماهاكاسيابا قد فهم. # وساد الصمت، ثم هز الطفل رأسه خجلا وتمتم قائلا: لست أدري. ~~- وهل يدري منكم أحد؟ # وكانت هناك محاولات عدة للإجابة، ربما قد فهم أن الناس قد سئمت الموعظة؛ حتى موعظة ~~بوذا. وربما كان يحب الزهور كما أحبها الواحد الرءوف. وربما كانت الزهرة بيضاء اللون مما ~~جعله يفكر في (الضوء الصافي). وربما كانت زرقاء اللون، وذلك كان لون شيفا. # قال المعلم: هذه إجابات جيدة، وبخاصة الإجابة الأولى؛ فالمواعظ فعلا مملة وبخاصة ~~للواعظ. ولكن هناك سؤالا آخر. إذا كانت إحدى إجاباتكم هي ما فهم ماهاكاسيابا عندما رفع بوذا ~~الزهرة، فلماذا لم يعبر عنها بالألفاظ؟ ~~- ربما كان ممن لا يحسنون الكلام. ~~- بل كان متحدثا ممتازا. ~~- ربما كان في حلقه التهاب. ~~- إذا كان حلقه ملتهبا ما ابتسم مبتهجا كما فعل. # ومن آخر الغرفة صاح صوت أجش قال: خبرنا أنت. # وقاطعته أصوات أخرى قائلة: نعم خبرنا أنت. # وهز المعلم رأسه وقال: إذا كان ماهاكاسيابا والواحد الرءوف لم يستطيعا أن يعبرا بالكلمات ~~فكيف أستطيع أنا؟ والآن دعنا نلق نظرة أخرى على الأشكال المرسومة على السبورة. هناك ~~الكلمات العامة، والأحداث العامة إلى حد ما، ثم الأفراد، وهم مراكز ms240 خاصة كل الخصوصية للألم ~~واللذة. وإني لأتساءل هل هي خاصة كل الخصوصية. ربما كان ذلك لا يصدق كل الصدق. ربما كان ~~هناك نوع من الاتصال بين الدوائر؛ بطريقة غير الطريقة التي أتصل أنا بكم بها الآن، أعني ~~الكلمات؛ طريقة مباشرة. وربما كان ذلك هو ما كان يتحدث بوذا عنه بعدما انتهت موعظته التي ~~ألقاها بالزهر ولم يستعمل فيها الكلمات. قال لتلاميذه: عندي كنز من التعاليم التي لا تخطئ، ~~عقل النيرفانا # 10 # العجيب، الشكل الحقيقي الذي لا شكل له، الذي يجاوز كل الألفاظ؛ أقصد التعليم ~~الذي يعطى ويستقبل خارج جميع المذاهب. هذا التعليم أسلمته الآن لماهاكاسيابا. # والتقط المعلم إصبع الطباشير مرة أخرى ورسم قطعا ناقصا تقريبيا أحاطت خطوطه كل ~~الأشكال الأخرى على السبورة؛ الدوائر الصغيرة التي تمثل الكائنات البشرية، والمربع الذي ~~يمثل الأحداث، والمربع الآخر الذي يمثل الألفاظ والرموز، وقال: كل شكل من هذه الأشكال ~~منفصل، ومع ذلك فكلها واحد. الناس، والأحداث، والألفاظ: كلها مظاهر للعقل الكبير، للحقيقة ~~الكبرى، للفراغ. وما كان يقصده بوذا وما فهمه ماهاياكاسيابا هو أن المرء لا يستطيع أن يعبر ~~عن هذه التعاليم باللفظ. وليس بوسعه إلا أن يكون هو هي، وذلك شيء سوف تتكشفونه حينما يحين ~~أوان دخولكم أعضاء في هذا المذهب. # قالت المديرة هامسة: آن لنا أن نخرج. # ولما انغلق الباب خلفهما وأصبحا في الردهة مرة أخرى قالت لويل: نحن نستخدم هذه الطريقة ~~عينها عند تدريس العلوم، بدءا بعلم النبات. ~~- ولماذا تبدءون بعلم النبات؟ ~~- لأن هذا العلم يمكن ربطه بسهولة بما كان يدور حوله الحديث الآن؛ قصة ~~ماهاكاسيابا. ~~- هل هذه هي نقطة البدء؟ ~~- لا، نحن نبدأ بداية عادية بالكتاب المقرر. نعطي الأطفال كل الحقائق الأولية الواضحة، ~~مرتبة ترتيبا محكما ومصنفة وفقا للقوالب المعروفة. المرحلة الأولى هي مرحلة علم النبات ~~البحت، وتستغرق من ستة إلى سبعة أسابيع، وبعد ذلك يقضي الأطفال يوما كاملا فيما نسميه ~~بناء الجسور، ساعتان ونصف الساعة نحاول خلالها أن نجعل الأطفال يربطون كل ما تعلموا في ~~الدروس السابقة بالفن، واللغة، والدين، ومعرفة ms241 النفس. ~~- علم النبات ومعرفة النفس؛ كيف تقيمون بينهما جسرا؟ # أكدت له نارايان أن الأمر غاية في البساطة وقالت: نعطي كل طفلة زهرة معروفة؛ زهرة ~~الخبيزة مثلا، وأفضل منها زهرة الجاردينيا (لأن زهرة الخبيزة ليس لها أريج). ما هي ~~الجاردينيا من الناحية العلمية؟ مم تتألف؟ أوراق، والسداة، والمدقة، والمبيض، وما إلى ذلك. ~~ونطلب إلى الأطفال أن يدونوا وصفا تحليليا للزهرة موضحين الوصف بالرسم الدقيق، وبعدما ~~يؤدون ذلك نمنحهم فترة للراحة. وفي نهايتها نقرأ لهم قصة ماهاكاسيابا ونطلب إليهم أن يفكروا ~~فيها. هل كان بوذا يعطي درسا في علم النبات؟ أم هل كان يعلم تلاميذه شيئا آخر؟ وإن كان ~~الأمر كذلك فما هو؟ ~~- خبرينا ما هو؟ ~~- وليس هناك - بطبيعة الحال - إجابة يمكن أن تصاغ في الألفاظ؛ كما يتضح ذلك جليا من ~~القصة؛ لذلك نطلب إلى البنين والبنات أن يتوقفوا عن التفكير ويكتفوا بالنظر، ونقول لهم: «لا ~~تنظروا نظرة تحليلية، لا تنظروا كما ينظر العلماء، أو حتى كما ينظر البستاني. حرروا أنفسكم ~~من كل شيء تعرفونه وانظروا ببراءة تامة إلى ذلك الشيء الماثل أمامكم والذي لا تكاد تصدقه ~~العقول. انظروا إليه وكأنكم لم تروا له شبيها من قبل، وكأنه لا يحمل اسما ولا ينتمي إلى ~~فصيلة معروفة. انظروا إليه منتبهين ولكن بموقف سلبي، مستقبلين، دون أن تطلقوا عليه اسما أو ~~تصدروا عليه حكما أو تخضعوه للمقارنة، واستنشقوا لغزه وأنتم تنظرون إليه، وتنفسوا روح ~~الحس، وعطر الحكمة، حكمة الضفة الأخرى.» # وعلق على ذلك ويل بقوله: ما أشبه ما تقولين بما كان يقول الدكتور روبرت في حفل ~~التنصيب. # قالت السيدة نارايان: شبيه به بطبيعة الحال؛ ذلك أن تعلم نظرة ماهاكاسيابا للأمور هو أفضل ~~إعداد لتجربة عقار الموكشا، كل طفل يبلغ سن التنصيب يقبل عليه بعد تربية طويلة على فن ~~الاستقبال؛ أي أن يكون المرء مستقبلا. الجاردينيا أولا كنموذج نباتي، ثم الجاردينيا ذاتها ~~في تفردها، الجاردينيا كما تراها عين الفنان، ثم بعد ذلك الجادرينيا وهي في أشد حالات ~~الإعجاز كما يراها بوذا وماهاكاسيابا. # ثم أضافت إلى ms242 ذلك قولها: ولست بحاجة إلى أن أقول إننا لا نحصر أنفسنا في الزهور. كل دراسة ~~يتلقاها الأطفال تتخللها وقفات دورية لبناء الجسور. كل شيء من الضفدعة المشرحة إلى المجرة ~~اللولبية ينظر إليه الطلاب مستقبلين له ومفكرين فيه، باعتباره تجربة جمالية أو روحانية ~~وباعتباره في الوقت نفسه من حقائق العلم أو التاريخ أو الاقتصاد. والتدريب على الاستقبال ~~متمم ومصحح للتدريب على التحليل ومعالجة الرموز. وكلا التدريبين لا غنى عنهما إطلاقا، إذا ~~أنت أهملت أحدهما فلن تصبح كائنا بشريا كامل النمو. # وساد صمت، وأخيرا سأل ويل: وكيف ينظر المرء إلى الآخرين؟ هل يأخذ بنظرة فرويد أو بنظرة ~~سيزان؟ بنظرة بروست أو بنظرة بوذا؟ # ضحكت السيدة نارايان وسألته: بأي نظرة من هذه النظرات تراني؟ # أجاب: أعتقد أولا أني أراك بنظرة عالم الاجتماع. أنظر إليك باعتبارك ممثلة لثقافة غير ~~مألوفة. ولكني كذلك أدرك من أنت من حيث الانطباع، وأظن - وأرجو أن تسامحيني في ظني - أنك قد ~~تقدمت في السن بصورة تثير الإعجاب. فأنت على صورة طيبة من حيث الجمال والعقل والنفس والروح ~~بأي معنى من معاني هذه الكلمة؛ وإذا أخذت بالانطباع كان لذلك أهميته. أما إذا أنا لم آخذ ~~بالانطباع وحكمت بمفهومي للكلمة كان الأمر كله هراء بحتا. # وضحك ضحكة خفيفة كما يضحك الضبع. # قالت السيدة نارايان: يستطيع المرء دائما - إن أراد - أن يستبدل بالفكرة الشائعة أفضل ~~الأفكار الذهنية التي يستمدها من استقبال المحسوسات. ولكن المسألة هي: لماذا يحتم المرء على ~~نفسه أن يختار إما هذا وإما ذاك؟ لماذا لا يؤثر أن يستمع إلى الجانبين ويوفق بين نظرتيهما؟ ~~صانع المفاهيم التي تحكمه التقاليد والذي يأخذ بالتحليل، ومن يستقبل المؤثرات الخارجية ~~ويكون الصورة وهو متنبه برغم موقفه السلبي؛ إن كلا الطريقين ليس معصوما من الخطأ، وكلاهما ~~مما يؤدي للمرء وظيفة طيبة معقولة. # واستوضحها ويل: إلى أي حد يكون تدريبكم على فن الاستقبال فعالا؟ # أجابت: للاستقبال درجات؛ ففي دروس العلوم - مثلا - قليل جدا منه. العلم يبدأ ~~بالملاحظة. ولكن الملاحظة دائما تتخير؛ فالمرء ينظر إلى العالم من ms243 خلال نافذة مخرمة ~~للمفاهيم التي أسقطت عليه. وإذا أنت أخذت عقار الموكشا كادت هذه المفاهيم أن تتلاشى، فلا ~~تختار وتصنف خبراتك فورا، بل تكتفي بالاستقبال. والأمر في هذه الحالة أشبه بما قاله ~~وردزورث: «هات معك قلبا يشاهد ويستقبل.» وفي ساعات بناء الجسور التي تحدثت عنها يكون هناك ~~قدر كبير من الانتقاء والإسقاط، ولكنه أقل حجما مما كان يحدث في الدروس السابقة للعلوم، ~~فالطفل لا يتحول فجأة إلى تاثاجاتا صغير، ولا يصل إلى حالة الاستقبال الصافية التي تأتي مع ~~عقار الموكشا، ما أبعد الأطفال عن ذلك. وكل ما أستطيع أن أقوله إن الأطفال يتعلمون ألا ~~يأخذوا الأسماء والأفكار السائدة مأخذ الجد. ولفترة قصيرة تراهم يأخذون أكثر مما ~~يعطون. ~~- وماذا يفعلون بما يأخذون؟ # أجابت السيدة نارايان وعلى ثغرها ابتسامة: إننا نكتفي بأن نطلب إليهم أن يحاولوا ~~المستحيل، نطالبهم بأن يترجموا الخبرة إلى ألفاظ. ماذا تكون هذه الزهرة؟ وهذه الضفدعة ~~المشرحة؟ وهذا الكوكب الذي تراه على الطرف الآخر من المنظار المقرب؟ # ماذا تعني؟ بماذا توحي إليك لكي تفكر، أو تشعر، أو تتصور، أو تتذكر؟ نوجه إليهم هذه ~~الأسئلة لتكون جزءا من العطاء البحت الذي لا يخضع للمفاهيم المسبقة. ونطلب إليهم أن يدونوا ~~إجاباتهم على الورق. نقول لهم إنكم بطبيعة الحال لن تفلحوا، ولكن عليكم أن تحاولوا؛ فإن ذلك ~~يساعدكم على إدراك الفرق بين الألفاظ والأحداث، بين أن تعرف عن الأشياء وأن تتعرف عليها. ~~وبعد أن ينتهوا من الكتابة نقول لهم أعيدوا النظر إلى الزهرة، وبعد ذلك أغمضوا عيونكم دقيقة ~~أو دقيقتين، ثم ارسموا ما خطر لكم عندما كانت عيونكم مغمضة، ارسموه أيا كان؛ شيئا ~~غامضا أو واضحا، شيئا كالزهرة أو مختلفا عنها كل الاختلاف. ارسموا ما رأيتم أو حتى ما ~~لم تروا، ارسموه ولونوه بأصباغكم وأقلامكم، واستريحوا مرة أخرى، وقارنوا الرسم الأول بالرسم ~~الثاني، وقارنوا بين الوصف العلمي للزهرة وبين ما كتبتم عنها حينما لم تكونوا تحللون ما ~~ترون، وحينما كنتم تتصرفون وكأنكم لم تعرفوا شيئا عن الزهرة ولم يكن متاحا لكم سوى ms244 لغز ~~وجودها يهبط عليكم طفرة من السماء. ثم قارنوا رسومكم وما كتبتم من رسوم غيركم من البنين ~~والبنات زملائكم في الفصل الدراسي وما كتبوا. سوف تجدون أن الأوصاف والرسوم التحليلية ~~متشابهة. في حين أن الرسوم والكتابات الأخرى يختلف كل واحد منها عن الآخر اختلافا كبيرا. ~~ما صلة ذلك بما تعلمتم من المدرسة، والبيت، والغابة، والمعبد؟ عشرات الأسئلة، وكلها ملحة. ~~إن الجسور يجب أن تقام في جميع الاتجاهات، يبدأ الطالب بعلم النبات - أو بأية مادة أخرى في ~~منهج الدراسة - ويجد أنه في نهاية فترة بناء الجسور يفكر في طبيعة اللغة، وفي الأنواع ~~المختلفة للخبرة، وفيما وراء الطبيعة وسير الحياة، وفي المعرفة التحليلية وحكمة «الشاطئ ~~الآخر». # سأل ويل: إني لأعجب أشد العجب كيف استطعتم أن تعلموا المعلمين الذين يقومون الآن بتعليم ~~الأطفال بناء هذه الجسور؟ # قالت السيدة نارايان: بدأنا تعليم المعلمين منذ مائة وسبعة أعوام. شكلنا فصولا من الشبان ~~والشابات ممن تلقوا تعليمهم بالطريقة التقليدية بين أهل بالا. تعلموا أدب المعاشرة، ~~والزراعة الجيدة، الفنون والحرف الجيدة وشيئا عن الطب الشعبي، وطرائف عن الفيزياء والنبات ~~والعقيدة في قوة السحر، وصدق القصص الخيالية. لا علم، ولا تاريخ، ولا شيء عما يجري في ~~العالم الخارجي. ولكن معلمي المستقبل هؤلاء كانوا من البوذيين التقاة، مارس أكثرهم التأمل، ~~وقرءوا جميعا الكثير من فلسفة ماهايانا أو استمعوا إليها، ومعنى ذلك أنهم في مجالات ~~الميتافيزيقا التطبيقية وعلم النفس كان تعليمهم أكمل وأكثر واقعية عما تتعلمه أية مجموعة من ~~معلمي المستقبل في الجزء من العالم الذي تسكنونه. وكان الدكتور أندرو إنسانيا تدرب ~~تدريبا علميا ولم يأخذ العقائد مأخذ التصديق بغير فحص، كما كشف عن قيمة الماهايانا البحت ~~والماهايانا التطبيقية. وكان صديقه الراجا بوذيا على مذهب نانترا وقد كشف عن قيمة العلم ~~البحت والعلم التطبيقي؛ ومن ثم فلقد رأى كلاهما بكل وضوح أن المعلم الذي باستطاعته أن يعلم ~~الأطفال كيف يكونون إنسانيين كاملين في مجتمع يليق بالكائنات البشرية الكاملة أن يعيشوا فيه؛ ~~هذا المعلم ينبغي أن يتعلم أولا كيف يستغل هذين ms245 العالمين أحسن استغلال. ~~- وماذا كان إحساس هؤلاء المعلمين أثناء إعدادهم إزاء ذلك؟ هل قاوموا هذا الاتجاه؟ # هزت السيدة نارايان رأسها وقالت: كلا، لم يقاوموه لسبب وجيه وهو أن هذا الاتجاه لم يهاجم ~~أي شيء عزيز عليهم؛ فلقد كانت بوذيتهم محلا للاحترام. وكل ما طلب إليهم التخلي عنه هو علم ~~العجائز والحكايات الخرافية. وفي نظير ذلك قدمت إليهم كل ضروب الحقائق التي كانت وأكثر ~~تشويقا والنظريات التي كانت أكثر نفعا. واتحدت الآن تلك الأمور المثيرة الواردة من العالم ~~الغربي، عالم المعرفة والقوة والتقدم، مع نظريات البوذية والحقائق النفسية في الميتافيزيقا ~~التطبيقية. وبمعنى ما خضع علم الغرب لمذهب البوذية. وهذا البرنامج الذي جمع بين أفضل ما في ~~العالمين لم يكن به ما يؤذي إحساس الوطنيين المتدينين حتى أشدهم حساسية وأكثرهم ~~حماسة. # وبعد فترة من الصمت قال ويل: إنني أفكر في معلمي المستقبل عندنا. هل يمكن تعليمهم في هذه ~~المرحلة المتأخرة؟ وهل يمكنهم أن يتعلموا كيف يستغلون أفضل ما في العالمين أحسن ~~استغلال؟ ~~- ولم لا؟ فإنه لا يتحتم عليهم أن يتخلوا عن أي أمر من الأمور التي لها عندهم أهمية ~~حقيقية. غير المسيحيين منهم يستطيعون أن يواصلوا تفكيرهم في الإنسان، والمسيحيون يستطيعون ~~أن يواصلوا عبادتهم لله. لن يحدث أي تغير. غير أن يفكروا في الله باعتباره موجودا في كل ~~الوجود، ويفكروا في الإنسان على أنه يستطيع بطبيعته أن يتجاوز حدود نفسه. # ضحك ويل وقال: وهل تظنين أنهم يتقبلون هذا التغيير بغير احتجاج؟ أنت متفائلة. # قالت السيدة نارايان: نعم متفائلة لسبب بسيط وهو أن الإنسان إذا عالج مشكلة ما بذكاء ~~وواقعية، فإن النتائج لا بد أن تكون طيبة، وهذه الجزيرة تبرر قدرا من التفاؤل. والآن ~~دعنا ننصرف لنشاهد درس الرقص. # وعبرا فناء تظلله الأشجار، ودفعا بابا متحركا، وخرجا من الصمت إلى دق الطبل الإيقاعي ~~وصوت الناي يردد نغمة خماسية كانت في مسمع ويل شبيهة بالنغمة الأسكتلندية. # وسأل: هل هذه موسيقى حية أم معبأة؟ # وأجابت نارايان في اقتضاب: هذا شريط ياباني، وفتحت بابا آخر وكشفت ms246 عن جيمنازيوم فسيح به ~~شابان ملتحيان وسيدة عجوز تسترعي النظر بخفة حركتها وترتدي سروالا من الساتان الأسود، ~~وهؤلاء يقومون بتعليم حركات الرقص الرشيق لنحو عشرين أو ثلاثين من صغار البنين ~~والبنات. # سأل ويل: ما هذا؟ أهو لهو أو تعليم؟ # قالت المديرة: كلاهما، وهو كذلك درس في الأخلاق التطبيقية، شبيه بتمرينات التنفس التي كنا ~~نتحدث عنها منذ لحظة؛ ولكنه أكثر فعالية لأنه أشد عنفا. # كان الأطفال يتغنون غناء جماعيا بهذه العبارة: ضربوا بأقدامكم. ومع الغناء يضربون ~~الأرض - بكل قواهم - بأقدامهم الصغيرة التي يكسونها بالصنادل. وفي المرة الأخيرة وهم يكررون ~~قولهم: اضربوا بأقدامكم، ضربوا الأرض بشدة، وبدءوا حركة راقصة جديدة وهم يدورون ~~ويهتزون. # قالت السيدة نارايان: هذه رقصة راكشاسي على المزمار. # سأل ويل: وما هي راكشاسي؟ ~~- راكشاسي نوع من العفاريت، ضخم جدا، منفر للغاية، كل الميول القبيحة تتمثل فيه. ورقصة ~~راكشاسي على المزمار حيلة للتنفيس عن الطاقة التي يثيرها الغضب والفشل. # وطرقت مسمعي ويل مرة أخرى تلك النصيحة: اضربوا بأقدامكم، يتغنى بها الأطفال مرددين. # وصاحت السيدة العجوز الضئيلة؛ وهي تضرب لهم مثلا قويا قائلة: اضربوا مرة أخرى، بكل ~~قواكم، وكل عنف! # وفكر ويل بينه وبين نفسه: أيهما أفضل للأخلاق وللسلوك الرشيد؟ طقوس العربدة أو «الجمهورية». # 11 # أخلاق نيقوماخوس أو الرقص الكوريبانتي؟ # 12 # قالت السيدة نارايان: كان الإغريق أعقل من أن يفكروا بصيغة إما هذا وإما ذاك. كانوا ~~يفكرون دائما بصيغة ليس هذا فقط، وإنما كذلك. ليس فقط أفلاطون وأرسطو، وإنما كذلك ربات ~~المهرجانات. ولولا تلك المزامير التي تخفف التوتر لعجزت الفلسفة الأخلاقية، ولولا الفلسفة ~~الأخلاقية لما عرفت المزامير في أي اتجاه تسير. كل ما فعلناه هو أننا أخذنا صفحة من كتاب ~~الإغريق القديم. # قال ويل: حسنا ما فعلتم، ثم تذكر أنه رجل لا يصدق كل ما يقال (وكان دائما يتذكر ذلك في ~~الحين أو فيما بعد، ومهما كان سروره ومهما كانت حماسته). تذكر ذلك فانفجر ضاحكا، وقال: إن ~~الرقص الكوريباتي لم يمنع الإغريق من التقاتل، وإن كان ذلك أمر لا أهمية له ms247 على المدى ~~البعيد. ثم ماذا ينفعكم رقص راكشاسي على المزمار إذا قرر الكولونيل ديبا أن يتحرك ضدكم؟ هل ~~يساعدكم الرقص على الرضا بما قدر لكم؟ ربما؛ وهذا كل ما في الأمر. # قالت السيدة نارايان: نعم هذا كل ما في الأمر. غير أن مجرد الرضا بالقدر ميزة كبرى في حد ~~ذاته. ~~- الظاهر أنك تأخذين كل الأمور بنفس مطمئنة. ~~- وما جدوى أن نأخذ الأمور بعصبية؟ إن ذلك لا يجعل موقفنا السياسي أفضل، ولا يترتب عليه ~~إلا أن يكون موقفنا الشخصي أسوأ بدرجة كبرى. # وكان الأطفال يرددون جماعة: اضربوا بأقدامكم. والألواح الخشبية تهتز تحت أقدامهم ~~الضاربة. # وواصلت السيدة نارايان حديثها قائلة: أرجو ألا تتصور أن هذه هي الرقصة الوحيدة التي ~~نعلمها. نعم إن تحويل اتجاه القوى التي تولده المشاعر السيئة أمر هام، ولكن لا يقل عنه ~~أهمية توجيه المشاعر الطيبة والمعرفة الصحيحة نحو الإفصاح عن نفسها. في هذه الحالة تكون ~~الحركات تعبيرية، وكذلك تكون الإشارات تعبيرية. لو أنك زرتنا بالأمس حينما كان الأستاذ ~~الزائر هنا لأطلعتك كيف نعلم هذا النوع من الرقص. ولا أستطيع ذلك اليوم لسوء الحظ، ولن يعود ~~إلى زيارتنا قبل الثلاثاء. ~~- أي أنواع الرقص يعلم؟ # حاولت السيدة نارايان أن تصف هذا الرقص: لا وثب، ولا رفص إلى أعلى، ولا عدو. الأقدام ~~ثابتة دائما فوق الأرض، مجرد انحناءات وحركات جانبية بالركب ومفاصل الأوراك. كل التعبير ~~تقوم به الأذرع والمعاصم والأيدي، والرأس والعنق، والوجه، والعينان خاصة. حركات بالأكتاف ~~إلى أعلى وإلى أمام؛ حركات رشيقة في حد ذاتها ومحملة كذلك بالمعنى الرمزي. الفكر يتخذ ~~شكلا بالطقوس وبالحركات الرشيقة. الجسم كله يتحول إلى حروف هيروغليفية، والحروف يتبع بعضها ~~بعضا، كما تتتابع الأوضاع متغايرة للانتقال من دلالة إلى دلالة، كالقصيدة الشعرية أو قطعة ~~الموسيقى. حركات العضلات تمثل حركات الوعي، والانتقال من الصيغة المثالية إلى الصيغ ~~المتعددة، والانتقال من المتعدد إلى الواحد الموجود في كل مكان وزمان. # وختمت حديثها بقولها: إنه تأمل بالحركة. هو ميتافيزيقا ماهايانا يعبر عنها لا بالكلمات ~~ولكن بالحركات الرمزية والإشارات. # وانصرفا من ms248 الجيمنازيوم عن طريق باب غير الباب الذي دخلا منه، واتجها يسارا سائرين في ~~ممر قصير. # وسأل ويل: وماذا بعد ذلك؟ # وأجابت السيدة نارايان: الصف الرابع الأدنى، وهم الآن يدرسون مبادئ علم النفس ~~العملي. # وفتحت بابا أخضر اللون. # وسمع ويل صوتا ليس غريبا عنه يقول: تعلمون الآن أنه لا داعي لأن يحس أحد بالألم؛ فلقد ~~قلتم لأنفسكم إن الدبوس لا يؤذي، فلم يؤذ. # وولجا الغرفة، ووجدا سوزيلا ماك فيل، طويلة القامة وسط نحو عشرين طالبا، من الصغار ذوي ~~البشرة السمراء، بعضهم بدين وبعضهم هزيل، فابتسمت لهما، وأشارت إلى مقعدين في إحدى زوايا ~~الغرفة، ثم عادت إلى الأطفال. وكررت قولها: لا داعي لأن يحس أي إنسان بالألم. ولكن لا تنسوا ~~أبدا أن الألم دائما يعني أن هناك خللا ما. لقد تعلمتم أن تبعدوا الألم. ولكن لا تفعلوا ~~ذلك بغير تفكير، ولا تفعلوه دون أن تسألوا أنفسكم ما سبب هذا الألم؟ وإذا كان الألم شديدا، ~~أو إذا لم يكن هناك سبب واضح له، أفضوا إلى أمهاتكم به أو إلى معلمكم أو إلى أي كبير في ~~نادي التبني المتبادل الذي تنتسبون إليه، ثم أبعدوا الألم بعد ذلك، أبعدوه وأنتم تعلمون أنه ~~إذا كانت هناك حاجة إلى عمل ما، فلا بد من أدائه. هل فهمتم؟ ... # وبعدما أجابت عن جميع الأسئلة التي وجهت إليها قالت: والآن دعنا نقم ببعض ألعاب ~~التظاهر، أغمضوا عيونكم وازعموا أنكم تنظرون إلى طائر المينة العجوز المسكين صاحب الساق ~~الواحدة الذي يزور المدرسة كل يوم لكي تطعموه. هل ترونه؟ # وطبعا استطاعوا أن يروه، وكان من الواضح أن المينة صاحبة الساق الواحدة صديقة ~~قديمة. ~~- انظروا إليه بالوضوح الذي رأيتموه به اليوم ساعة الغداء، ولا تحملقوا فيه، ولا تبذلوا ~~جهدا، اكتفوا بأن تروا ما ينطبع في أعينكم، ونقلوا عيونكم، من منقاره إلى ذيله، ومن عينه ~~المستديرة الصغيرة اللامعة إلى ساقه البرتقالية. # وتلقائيا قالت فتاة صغيرة: إنني أسمعه كذلك، إنه يصيح: «كارونا، كارونا!» # وبسخط شديد قال طفل آخر: ليس هذا صحيحا، إنه يقول: انتباه! # وأكدت ms249 لهما سوزيلا أنه يقول هذا وذاك: وربما كان ينطق بكلمات كثيرة غير كذلك. ولكنا الآن ~~سوف نقوم بتظاهر واقعي، ازعموا أن هناك طائرين من طيور المينة من ذوي الساق الواحدة، ثلاثة ~~منها، أربعة. هل ترون الأربعة؟ # واستطاعوا. ~~- أربعة طيور من طيور المينة ذوي الساق الواحدة في الأركان الأربعة لأحد الميادين، وطائر ~~خامس وسط الميدان. والآن تخيلوا أن الطيور قد غيرت لونها فصارت بيضاء، خمس مينات بيضاء ~~برءوس صفراء وساق واحدة برتقالية. والآن تخيلوا أن الرءوس زرقاء، فاقعة الزرقة ، والطائر ~~فيما عدا ذلك قرنفلي اللون. خمسة طيور قرنفلية رءوسها زرقاء، وهي في تغير دائم؛ فهي الآن ~~أرجوانية، خمسة طيور أرجوانية رءوسها بيضاء ولكل منها ساق واحدة خضراء باهتة اللون. يا ~~إلهي! ما هذا الذي يحدث! إنها ليست خمسة، بل هناك عشرة. لا، عشرون، خمسون، مائة، مئات ~~ومئات، هل ترونها؟ # واستطاع بعضهم أن يراها دون أدنى صعوبة، وأما أولئك الذين لم يستجيبوا كل الاستجابة فقد ~~اقترحت لهم سوزيلا أهدافا أكثر تواضعا. # قالت: تخيلوها اثني عشر. وإذا استكثرتم هذا العدد فاجعلوها عشرة أو ثمانية؛ فهذا العدد ~~كذلك كبير جدا. # واسترسلت في حديثها بعدما استحضر الأطفال جميعا كل الطيور الأرجوانية التي خلقها كل ~~منهم وفق قدرته، وقالت: والآن تطير المينات. وصفقت بيديها ثم قالت: طارت كلها، ولم تبق ~~واحدة منها، ولن تروا بعد ذلك مينات، سترونني أنا، أنا واحدة صفراء، وأنا مرتين خضراء، وأنا ~~ثلاث مرات زرقاء فوقي بقع قرنفلية، أربعة مني في لون أحمر قان، كأشد ما تكون الحمرة. وصفقت ~~بيديها مرة أخرى وقالت: لقد ولوا جميعا، وهذه المرة ترون السيدة نارايان مع ذلك الرجل ~~العجيب صاحب الساق المتصلبة الذي جاء معها، أربعة من كل منهما، ويقفون في دائرة كبرى ~~بالجيمنازيوم. إنهم الآن يرقصون رقصة الراكشاسي على المزمار وينشدون، اضربوا بأقدامكم، ~~اضربوا بأقدامكم. # وقهقهوا جميعا؛ لأن ويل المتعدد والمديرة المتعددة ظهروا قطعا في صورة هزلية ~~للغاية. # وطقطقت سوزيلا بأصابعها. # وقالت: أبعدوا هذه الصور عن أذهانكم! لقد اختفت! والآن كل منكم يرى ثلاثا من ms250 أمهاتكم ~~وثلاثة من آبائكم يجرون حول الملعب. إنهم يسرعون في الجري، وفجأة يختفون، ثم يظهرون، وبعد ~~لحظة لا ترونهم. إنهم هناك. إنهم ليسوا هناك، هناك، لا ... # وتحولت القهقهة إلى ضحك متواصل. وعندما بلغ الضحك أقصاه دق الناقوس، وانتهى درس مبادئ علم ~~النفس العملي. # وبعدما انصرف الأطفال إلى اللعب وعادت السيدة نارايان إلى مكتبها سأل ويل: ما مغزى هذا ~~كله؟ # أجابت سوزيلا: المغزى هو أن نجعل الناس يدركون أنهم ليسوا تحت رحمة الذاكرة أو التصورات ~~الخيالية كلية. فإذا اضطرب المرء لما يجري في رأسه استطاع أن يفعل شيئا للتخلص من هذا ~~الاضطراب. الأمر كله أن نعلمه ما يفعل ونمكنه بعد ذلك من الممارسة؛ وهي الطريقة التي يتعلم ~~بها المرء كيف يكتب أو يعزف بالمزمار. هؤلاء الأطفال الذين رأيتهم كانوا يتعلمون طريقة غاية ~~في البساطة؛ طريقة سوف ننميها فيما بعد حتى تصبح وسيلة للتحرر. ولن يكون التحرر كاملا ~~بطبيعة الحال. ولكن نصف الرغيف أفضل كثيرا من انعدام الخبز. إن هذه الطريقة لن تسوقك إلى ~~الكشف عن طبيعتك البوذية، ولكنها تعينك على الاستعداد لهذا الكشف؛ تعينك بتحريرك من مطاردة ~~ذكرياتك الأليمة لك، ومطاردة الندم والقلق على المستقبل من غير مبرر. # قال ويل: صدقت، وأحسنت اختيار اللفظ حينما قلت: المطاردة. ~~- ليست المطاردة أمرا محتوما؛ فإن بعض الأشباح يمكن طردها بسهولة كبرى، كلما ظهر شبح ~~منها عالجه بالخيال، وعامله كما تعاملنا مع تلك المينات، ومعك ومع السيدة نارايان. غير زيه ~~وأعطه أنفا آخر، وعدده، ثم مره بالانصراف، واستدعه مرة أخرى واجعله يقوم بعمل يثير الضحك، ~~ثم امحه محوا. تصور ما كان بوسعك أن تفعله بأبيك لو كنت تعلمت قليلا من هذه الحيل الصغيرة ~~في طفولتك! لقد كنت تحسبه عملاقا مخيفا. ولكن ذلك لم يكن ضروريا. كنت تستطيع بخيالك أن ~~تحول هذا العملاق إلى صورة أخرى خيالية، بل إلى مجموعة من الصور الخيالية، فترى عشرين منها ~~ترقص على كعوب أقدامها وتغني وتنشد: رأيت في المنام أني أقطن قاعات من المرمر. إن دراسة ~~مختصرة في مبادئ علم ms251 النفس العملي كان من الممكن أن تجعل حياتك مختلفة كل الاختلاف. # وفكر ويل؛ وهما يتجهان نحو العربة الجيب التي كانت بانتظاره فيما كان يمكنه أن يفعل في ~~حادث وفاة مولي. أي طقوس كان يمكنه أن يمارسها بالتعاويذ الخيالية يطرد بها الأرواح الشريرة ~~التي كانت تتلبس بها تلك الشيطانة البيضاء التي تعطرت بالمسك وجسدت رغباته المقيتة ~~المسعورة؟ # وبلغا عربة الجيب، وسلم ويل سوزيلا المفاتيح واستقر في مقعده بشيء من المشقة. واقتربت ~~منهما عربة قديمة صغيرة من ناحية القرية محدثة ضجيجا عاليا وكأنها تحت دافع عصبي لتعوض ~~حجمها الصغير. ودارت العربة على طريق سير العربات وهي ما تزال تقعقع وتهتز، وأخيرا توقفت ~~إلى جوار عربة الجيب. # والتفتا، وألفيا موروجان مطلا من نافذة العربة أوستن الملكية، ووراءه كانت تجلس الراني ~~بحجمها الضخم مرتدية الموصلين الأبيض ومنتفخة كركام السحاب. وانحنى ويل في اتجاهها واستخرج ~~منها ابتسامة غاية في اللطف، سرعان ما اختفت عندما التفتت إلى سوزيلا التي ردت الراني ~~تحيتها بإيماءة بعيدة برأسها. # وسألها ويل في أدب جم: هل أنتم على سفر بالعربة؟ # قالت الراني: حتى شيفا بورام فقط. # وأضاف إلى ذلك موروجان بشيء من مرارة النفس قائلا: إذا استطاع هذا القفص الصغير المحطم ~~أن يتماسك حتى هناك. # وأدار مفتاح الحرارة، وخرج من المحرك صوت أخير يشبه الفواق ثم توقف تماما. # وواصلت الراني حديثها قائلة: هناك قوم لا بد لنا من لقائهم. وبنغمة مفعمة بدلالات ~~التآمر أضافت قولها: ولعل من الأصح أن أقول إن هناك شخصا واحدا. # وابتسمت لويل وكادت أن تغمز له بعينها. # وزعم ويل أنه لم يدرك أنها تتحدث عن باهو، وعلق بقوله: صدقت. دون أن يلتزم برأي ما، وأشفق ~~عليها من الجهد والقلق اللذين لا بد أن يقتضيهما الحفل الذي يقام في الأسبوع القادم ~~بمناسبة بلوغ موروجان سن الرشد. # وقاطعه موروجان بسؤاله: ماذا تفعل هنا؟ ~~- قضيت بعد الظهر مهتما اهتماما عميقا بالتربية في بالا. # ورددت الراني العبارة الأخيرة فقالت: التربية في بالا. # ومرة أخرى قالت بنغمة حزينة وبفاصل بين الكلمتين: التربية، ms252 في بالا. وهزت رأسها. # قال ويل: أنا شخصيا أعجبت بكل ما رأيت وسمعت عنها؛ من المستر مينون والمديرة حتى الدرس ~~في مبادئ علم النفس العملي كما تعلمه السيدة ماك فيل، محاولا بهذه الأخيرة أن يستدرج ~~سوزيلا إلى الحديث. # وأشارت الراني بإصبع الاتهام الغليظة إلى الفراغات التي ظهرت في الحقول السفلية، وما زالت ~~تتجاهل سوزيلا عن عمد. # وسألت: هل رأيت هذه يا مستر فارنبي؟ # وكان قد رآها فسألها: وأين في غير بالا يجد المرء فزاعات جميلة، قديرة، ولها دلالتها ~~الميتافيزيقية في آن واحد؟ # قالت الراني بصوت يتهدج من الشعور بالسخط والاكتئاب: وهذه الفزاعات لا تفزع الطيور ~~فتبعدها عن الأرز فحسب، بل تفزع كذلك الأطفال وتبعدهم عن فكرة تجسيد الآلهة. ورفعت رأسها ~~وقالت: استمع! # وكان قد انضم إلى كريشنا وماري ساروجيني خمسة أو ستة أصحاب، وكلهم يلعب بشد الخيوط التي ~~تهز العرائس الخارقة للطبيعة. وصدرت عن المجموعة أصوات عالية تغني سويا. # وعندما تكرر الغناء للمرة الثانية تبينت كلمات الأنشودة لويل. كانوا ينشدون: # شدوا هيا شدوا، # بالإرادة القوية شدوا، # الأرباب تهتز، # والسماء في مكانها ثابتة. # قال: برافو. ثم ضحك. # وقالت الراني منفعلة: هذا لا يسرني، ولا يضحكني، إنها مأساة، وأي مأساة. # وأصر ويل على موقفه وقال: أنا أعلم أن هذه الفزاعات الفاتنة كانت من اختراع جد ~~موروجان. # قالت الراني: كان جد موروجان رجلا يدعو للإعجاب، غاية في الذكاء، وبنفس الدرجة غاية في ~~الانحراف؛ مواهبه عظيمة، ولكن للأسف، يستخدمها في الشر والإيذاء! وأسوأ من هذا كله أنه ~~كان مليئا بالروحانية الكاذبة. ~~- الروحانية الكاذبة؟ شخص ويل ببصره نحو أضخم نموذج للروحانية الصادقة، ومن خلال الرائحة ~~الأخاذة لمنتجات البترول استنشق رائحة خشب الصندل التي تشبه رائحة البخور التي ينفثها ~~العالم الآخر. الروحانية الكاذبة؟ # وفجأة ألفى نفسه في حالة من التعجب - وتخيل وقد أخذته الرعدة - على أية صورة تكون الراني ~~إذا هي تجردت فجأة من صفتها الصوفية وتعرضت عارية للضوء بكل ضخامتها وشحمها. والآن تخيل هذا ~~الجسم البدين العاري مضروبا مرة في ثلاثة، ثم مرتين، ثم عشر ms253 مرات؛ لقد طبق السيكولوجيا ~~العملية التطبيقية بروح الانتقام! # وأخذت الراني تكرر قولها: نعم، الروحانية الكاذبة. يتحدث عن التحرر، ولكنه - بسبب رفضه ~~العنيد لاتباع الطريق الحق - يعمل دائما لمزيد من العبودية، ويمثل دور المتواضع. ولكن في ~~قلبه كل الكبرياء - يا مستر فارنبي - حتى لقد رفض أن يعترف بأية سلطة روحانية أعلى من ~~سلطته. السادة، تجسد الآلهة، والتقاليد الموروثة العظمى؛ كل ذلك ليس له عنده معنى؛ ومن ثم ~~كانت هذه الفزاعات المخيفة؛ ومن ثم كان نشيد الكفر الذي تعلم الأطفال التغني به. إنني حين ~~أفكر في هؤلاء الصغار المساكين الأبرياء وكيف يزج بهم عمدا على طريق الانحراف أكاد لا أطيق ~~نفسي يا مستر فارنبي، وأجد ... # قال موروجان الذي كان ينظر في قلق وبشكل واضح إلى ساعة معصمه، اسمعي يا أمي. إذا أردنا أن ~~نعود على وقت العشاء؛ فالأفضل أن ننصرف الآن. # وكان يتكلم بنغمة السلطة الجافة. وأحس بصورة واضحة وهو يمسك بعجلة قيادة السيارة - على ~~الرغم من أنها أوستن قديمة صغيرة - أنه أضخم حقا من حقيقته. وأدار محرك السيارة دون أن ~~ينتظر من الراني ردا، وزاد من سرعتها تدريجيا ولوح بيده ثم انطلق. # قالت سوزيلا: تخلصنا تخلصا حسنا. ~~- ألا تحبين مليكتك العزيزة؟ ~~- إن دمي يغلي منها. # وأنشد ويل: اضربي بقدمك. ساخرا منها. # قالت: صدقت. وهي تضحك. ولكن لسوء الحظ ليس من المعقول في هذه المناسبة أن ترقص رقصة ~~الراكشاسي على المزمار. وتألق وجهها فجأة بنار الشر، وبغير إنذار لكمته في أضلعه لكمة قوية ~~تدعو إلى العجب وقالت: الآن أحس أنني مرتاحة. # | الفصل الرابع عشر # أدارت محرك السيارة وانطلقا؛ هبطا إلى الطريق الجانبي، ثم صعدا إلى الطريق العام الذي ~~يقع بعيدا عن الطرف الآخر للقرية، ثم اتجها نحو مجمع محطة التجارب، وتوقفت سوزيلا عند بيت ~~صغير سقفه من القش، كغيره من البيوت، وصعدا ست درجات إلى الفراندة، ثم دخلا حجرة المعيشة ~~التي طليت جدرانها باللون الأبيض. # وعلى اليسار كانت هناك نافذة متسعة، علقت بين العمودين الخشبيين الواقعين على جانبيها ~~البارزين أرجوحة، فأشارت إليها ms254 وقالت: هذه لك، وتستطيع أن ترفع ساقيك. ولما جلس ويل في ~~الأرجوحة الشبكية سألته بعدما سحبت مقعدا من الأغصان اللينة وجلست إلى جواره، قالت: فيم ~~نتحدث؟ ~~- هل نتحدث عن الخير والحق والجمال؟ # ثم ابتسم ابتسامة عريضة وقال: أم هل نتحدث عن القبح والشر وعما هو أكثر صدقا؟ # قالت وقد تجاهلت محاولته أن يتفكه: نستطيع في ظني أن نواصل الحديث عندما انتهينا إليه في ~~المرة الماضية؛ نتحدث عنك. ~~- هذا بعينه هو ما اقترحته؛ القبح، والشر، والأصدق من كل صدق رسمي. # سألته: هل أنت تستعرض أسلوبك في الحديث، أم هل أنت تريد أن تتحدث عن نفسك فعلا؟ # أكد لها أنه يريد ويستميت في ذلك فعلا: بمقدار ما أستميت في عدم الرغبة في حديثي عن ~~نفسي. ومن ثم، كما رأيت، كان اهتمامي الذي لا يفتر بالفن، والعلم، والفلسفة، والسياسة، ~~والأدب؛ أي شيء إلا ما له في النهاية أية أهمية. # وساد صمت طويل، ثم بدأت سوزيلا تتحدث عن كاتدرائية ولز وكأن ذكراها قد عادت إليها عرضا، ~~وعن استدعاء الغربان، وعن الإوز العراقي الأبيض الذي يسبح بين انعكاسات السحب الطافية. وبعد ~~بضع دقائق كان هو أيضا يسبح. # قالت: كنت سعيدة جدا طوال الوقت الذي قضيته في ولز، سعيدة بشكل عجيب، وكذلك كنت أنت، ~~أليس كذلك؟ # لم يحر ويل جوابا، وكان يستعيد في ذاكرته تلك الأيام التي قضاها في الوادي الأخضر، قبل ~~أن يتزوج مولي، وقبل أن يتحابا. ما أروع السكون! ويا له من عالم صلب حي بغير ديدان، عالم ~~الحشائش والزهور المتفتحة! حينما سرى بينهما شعور طبيعي لم تشبه شائبة، شعور لم يحس مثله ~~منذ تلك الأيام البعيدة وقتما كانت عمته ماري ما تزال على قيد الحياة؛ ذلك الشخص الوحيد ~~الذي أحبه فعلا، ثم كانت مولي خليفة لها. أية سعادة! لقد انتقل الحب إلى مفتاح آخر؛ ولكن ~~اللحن والإيقاع الثري الدقيق هو بعينه. وفي الليلة الرابعة من مقامها طرقت مولي الجدار الذي ~~كان يفصل بين حجرتيهما، ووجد باب غرفتها مفتوحا إلى نصفه فتحسس طريقه في ms255 الظلام إلى الفراش ~~الذي كانت أخت الرحمة تبذل فيه الجهد لتؤدي دور الزوجة العاشقة، وهي عارية مطمئنة الضمير. ~~وبذلت جهدها ولكنها فشلت فشلا ذريعا. # وفجأة، كما كان يحدث تقريبا كل مساء، سمع رياحا عاصفة ووقع الأمطار فوق الخضرة الكثيفة، ~~وقد كتم بعد المسافة صوت المطر؛ واشتد وقع الأمطار المنهمرة كلما اقترب رذاذها. ومرت بضع ~~ثوان طرقت بعدها قطرات المطر زجاج النوافذ، كما كانت تفعل بنوافذ مكتبه في ذلك اليوم الذي ~~تم فيه لقاؤهما الأخير. وذكر قولها: هل تعني حقا ما تقول يا ويل؟ # آلمته الذكريات وأخجلته مما جعله يحس الرغبة في النحيب، وعض شفتيه. # سألته سوزيلا: فيم تفكر؟ # إنه لم يكن يفكر، بل كان يراها فعلا، ويسمع صوتها فعلا وهي تقول: هل تعني حقا ما ~~تقوله يا ويل؟ # ومن خلال وقع قطرات المطر رن في أذنه ما أجاب به حينما قال: نعم أنا حقا أعني ما ~~أقول. # وخف صوت سقوط الأمطار على زجاج النافذة - ولم يدر إن كان هنا أم هناك، الآن أو حينذاك - ~~وخف هبوب العاصفة حتى أمسى تمتمة وهمسا. # وأصرت سوزيلا على سؤالها: فيم تفكر؟ ~~- أفكر فيما فعلت بمولي. ~~- وما ذاك؟ # لم يرد أن يجيب. ولكن سوزيلا كانت عنيدة متصلبة. ~~- خبرني ماذا فعلت. # وعصفت الريح مرة أخرى بشدة حتى شخشخت النوافذ واشتد سقوط المطر، وكأنه - كما ظن ويل - قد ~~اشتد عمدا. وأمطرت السماء بصورة تحتم عليه أن يستمر في تذكر ما لم يرد أن يذكر، وأن يتفوه ~~بصوت عال بأمور مخجلة ينبغي له أن يحتفظ بها لنفسه مهما كان الثمن. ~~- خبرني. # وعلى الرغم من نفسه، وعلى مضض، أخبرها بما حدث. ~~- هل تعني حقا ما تقول يا ويل؟ وبسبب بابز - نعم بابز، كان الله في عونه، صدقت أم لم ~~تصدقي! - كان فعلا يعني ما يقول، وخرجت مولي والمطر ينهمر. ~~- وعندما رأيتها للمرة الثانية كانت في المستشفى. # وسألته سوزيلا: وهل كان المطر ما يزال منهمرا. ~~- نعم كان ما يزال ينهمر. ~~- كما ينهمر الآن؟ ~~- تقريبا. والواقع أن ما سمعه ويل هذا ms256 المساء لم يكن ذلك الرذاذ الذي يسقط في المناطق ~~الاستوائية، بل كان ذلك الطبل الذي كان يدق نافذة الحجرة الصغيرة التي كانت مولي تلفظ فيها ~~أنفاسها الأخيرة. # وكان يقول لها من خلال وقع سقوط المطر: هذا أنا، أنا ويل. ولم يحدث شيء ما. وفجأة أحس ~~بيد مولي تتحرك بين راحتيه حركة تكاد ألا تحس. كانت تضغط على يديه بإرادتها، وبعد بضع ثوان ~~ارتخت يدها بغير إرادتها ارتخاء نهائيا. ~~- خبرني ثانية يا ويل. # هز رأسه؛ فلقد كانت الذكرى أليمة مذلة. # وأصرت على قولها: خبرني مرة أخرى، فتلك هي الوسيلة الوحيدة. # وبجهد جهيد بدأ يروي القصة البغيضة مرة أخرى. هل حقا كان يعني ما يقول؟ نعم، كان حقا ~~يعني ما يقول؛ يعني الإيذاء، وربما يعني القتل «وهل يعرف الإنسان ما ينوي حقا؟» «كل شيء ~~لبابز أو ضاعت الدنيا» ليست دنياه بطبيعة الحال؛ دنيا مولي. وفي وسط هذه الدنيا الحياة ~~التي أوجدتها. تنطفئ جذوتها من أجل تلك الرائحة العطرة في جنح الظلام، ومن أجل استجابات ~~عضلية، من أجل متعة كبرى، ومن أجل تلك المهارات التي لا حياء فيها ولكنها تسكر المرء وتبلغه ~~الذروة. ~~- مع السلامة يا ويل. وانغلق الباب وراءها محدثا طقطقة خفيفة حادة. # وأراد أن يسترجعها، ولكن عشيق بابز تذكر المهارات، والاستجابات، وتذكر جسما يفوح منه شذى ~~العطر ويتأوه من فرط اللذة. تذكر كل ذلك، ووقف عند النافذة يرقب السيارة وهي تشق طريقها وسط ~~الأمطار، راقبها وهي تدور عند الناصية وقد امتلأت نفسه بشعور الانتصار المشين. لقد تحرر ~~أخيرا! بل بات أكثر تحررا - كما تبين له ذلك بعد ثلاث ساعات وهو في المستشفى - مما كان ~~يظن؛ لأنه كان الآن يحس ضغط أصابعها خفيفا في النهاية، ويحس رسالة حبها النهائية. ثم توقفت ~~هذه الرسالة عندما ارتخت يدها وفجأة وبصورة مرعبة انقطعت أنفاسها. وهمس قائلا: لقد ماتت. ~~وأحس بالاختناق: لقد ماتت. # قالت سوزيلا وقد قطعت صمتا طويلا: افرض أنك لم تكن مسئولا عن موتها، وافرض أنها ماتت ~~فجأة دون أن يكون لك دخل في ms257 وفاتها. ألا يكون موتها في هذه الحالة مؤسفا كذلك؟ # سألها: ماذا تقصدين؟ # قالت: أقصد أن الأمر لا يقتصر على مجرد الشعور بالذنب لوفاة مولي. إنما هو الموت نفسه، ~~والموت في حد ذاته، هو الذي تراه مروعا. والآن تذكرت ديوجولد وأضافت قولها: إنه شر لا معنى ~~له. # كرر عبارتها: «شر لا معنى له.» ثم قال: نعم، وربما كان هذا هو الذي حتم علي أن أكون شاهدا ~~محترفا للإعدام؛ لأنه يخلو كلية من المعنى؛ ولأنه وحشي للغاية. تابعت رائحة الموت في ~~الدنيا كلها من أقصاها إلى أقصاها، جشعا كالنسر الوحشي. المرتاحون في هذه الدنيا ليست ~~لديهم أية فكرة عن أحوال العالم. ولست أقصد أحواله في الأوقات الشاذة، كأيام الحرب، ولكن في ~~كل حين، إي والله في كل حين. وبينما كان يتكلم كان يرى - رؤية مختصرة شاملة مفصلة كل ~~التفصيل كرؤية الغريق - كل المناظر البغيضة التي شهدها خلال رحلاته التي تقاضى عليها أجرا ~~عاليا لكل جحيم وكل مجزرة تعافها النفس حتى لا تصلح للرواية. الزنوج في جنوب أفريقيا، ~~والرجل يختنق في غرفة الغاز في سان كنتين، والأجسام التي تكوى في بيت ريفي بالجزائر، ~~والجماهير في كل مكان، ورجال الشرطة ورجال المظلات في كل مكان، والأطفال ذوو البشرة ~~السوداء في كل مكان، وأصحاب الأرجل الخشبية، وأصحاب الكروش، والذباب فوق جفونهم القذرة، ~~والروائح المقززة للجوع والمرض في كل مكان، ورائحة الموت النتنة. وفجأة، من خلال رائحة ~~الموت النتنة، كان يتنفس شذى المسك الذي كانت تتعطر به بابز. يتنفسه ممزوجا ومشبعا برائحة ~~الموت. يتنفس شذاها ويذكر فكاهته عن كيمياء المطهر والفردوس، المطهر تتراثيلين ديامين ~~وهيدروجين كبريتيد، والفردوس سميترينيتر وبسيبوتيل تولوين مع بعض الشوائب العضوية المنوعة، ~~ها، ها، ها! (ألا ما أحلى متع الحياة الاجتماعية!) ثم - وعلى حين غرة - تحل محل روائح ~~الحب والموت رائحة حيوان نتنة؛ رائحة كلب. # واشتد هبوب الريح وطرقت قطرات المطر زجاج النوافذ وانتشرت على سطحه. # سألته سوزيلا: أمازلت تفكر في مولي؟ # أجاب: كنت أفكر في شيء نسيته تماما، ولا أحسب أني جاوزت ms258 الرابعة من عمري عندما حدث، ~~والآن تعود الصورة إلى ذاكرتي. تايجر المسكين. # سألته: من كان تايجر المسكين! # تايجر، كلبه الأحمر الجميل، تايجر مصدر النور الوحيد في ذلك البيت الكئيب الذي قضى فيه ~~طفولته، تايجر العزيز. وسط المخاوف والبؤس وفيما بين الطرفين، الكره السافر لكل شيء وكل ~~إنسان من أبيه، ورقة الشعور والتضحية بالنفس من أمه. كان تايجر يبدي حسن النية بغير جهد، ~~ويظهر الصداقة تلقائيا، يثب وينبح تعبيرا عن سرور لا يمكن كبته! كانت أمه تضعه في حجرها ~~وتحدثه عن الله وعن يسوع. ولكن تايجر كان يحدثه عن الله أفضل مما كانت ترويه له أمه من قصص ~~الإنجيل. كان تايجر عنده هو التجسيد. وذات يوم أصاب هذا الحيوان المقدس سل الكلاب. # سألته سوزيلا: وماذا حدث بعد ذلك؟ ~~- سلته كانت في المطبخ، وكنت هناك جاثما إلى جوارها، أربت عليه. ولكن شعره يختلف في ~~ملمسه عما كان عليه قبل مرضه، أحسه لزجا، وتفوح منه رائحة كريهة، ولولا أني كنت أفرط في ~~حبه لوليت هاربا، لم أحتمل أن أقترب منه. ولكني أحبه، أحبه أكثر من أي شيء وأكثر من أي ~~إنسان. وبينما كنت أربت عليه كنت أقول له إنه سوف يشفى بعد قليل، في وقت قريب؛ صباح الغد. ~~وفجأة يرتعد وأحاول أن أهدئ من رعدته فأمسك برأسه بين يدي، بغير جدوى. وتتحول الرعدة إلى ~~تقلص مريع، وكنت أشعر بالاشمئزاز إذا نظرت إليه، ويتملكني الخوف؛ خوف شديد. وبعدئذ تهدأ ~~الرعدة والرعشة وبعد برهة قصيرة يسكن سكونا مطلقا. وإذا رفعت رأسه وألقيته من يدي سقط ~~الرأس مكانه ثقيلا، كما تسقط قطعة اللحم وبداخلها عظام. # وتهدج صوت ويل، وسال الدمع على خديه، وأخذ يرتعد من النشيج كأنه طفل في الرابعة من عمره ~~يبكي كلبه ويجابه حقيقة الموت المزعجة التي لا يستطيع إدراكها. ثم في لمح البصر تغير ما ~~يجري في وعيه كالعربة تدير مفتاحها فتغير من سرعتها، وعاد رجلا رشيدا، ولم يعد يسبح في ~~الخيال. # ومسح عينيه وتمخط من أنفه وقال: أنا آسف، ولكن هذا كان ms259 أول عهدي بالفزع الأكبر؛ كان تايجر ~~صديقي، وكان عزائي الوحيد، ومن الواضح أن ما حدث كان شيئا فوق طاقة الفزع الأكبر. وحدث مثل ~~ذلك مع عمتي ماري؛ الشخص الوحيد الذي أحببته فعلا وأعجبت به ووثقت فيه، ثم أصابها الفزع ~~الأكبر! # قالت سوزيلا: زدني علما بما حدث. # تردد ويل، ثم هز كتفيه وقال: ولم لا؟ كانت ماري فرانسيس فارنبي الأخت الصغرى لأبي. تزوجت ~~في الثامنة عشرة من عمرها، سنة واحدة قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، من جندي في الجيش ~~العامل، فرانك وماري، وماري وفرانك. أي انسجام بينهما، وأي إحساس بالسعادة! وضحك، ثم استرسل ~~قائلا: حتى خارج بالا يمكن أن يجد المرء هنا وهناك جزرا يسودها العيش الكريم، جزرا ~~صغيرة، بل - ومن حين إلى آخر - جزرا كاملة مثل تاهايتي؛ ولكنها دائما محاطة بالفزع ~~الأكبر. كانا في شرخ شبابهما يعيشان في جزيرتهم بالا الخاصة بهم. وذات صباح جميل في 4 أغسطس ~~من عام 1914م ذهب فرانك وراء البحار في حملة عسكرية. وفي ليلة عيد الميلاد ولدت ماري طفلا ~~مشوها عاش حتى شهدت أمه بعينيها ما يمكن أن يفعله الفزع الأكبر إذا حل بالإنسان. الله وحده ~~يستطيع أن يصنع مخلوقا بهذه البلاهة وضعف العقل. ولست بحاجة إلى أن أقول إن فرانك أصيب بعد ~~ثلاثة أشهر بشظية من قنبلة ومات متسمما من جراحه. وصمت ويل قليلا ثم واصل حديثه قائلا: ~~حدث كل ذلك قبل عهدي. عندما عرفت عمتي ماري لأول مرة كانت في العشرينيات من عمرها، تكرس ~~نفسها لخدمة المسنين؛ المسنين في المؤسسات، والمسنين المحبوسين في بيوتهم، والمسنون يطول بهم ~~العمر وهم عبء على أبنائهم وأبناء أبنائهم؛ أمثال سترلد براج وتيثونس. # 1 # وكلما اشتد عجز المعمر الذي لا رجاء فيه، وأمعن في نزواته وبالغ في شكواه كان ~~أفضل لديها. كنت في صغري أمقت أشد المقت العجائز الذين كانت عمي ماري تعنى بهم. رائحتهم ~~كريهة، قبحهم مخيف، يبعثون الملل ودائما غاضبون. ولكن عمتي ماري كانت تحبهم من كل قلبها؛ ~~تحبهم مهما كانت الظروف، تحبهم على الرغم ms260 من كل شيء. # وكانت أمي تتحدث كثيرا عن فعل الخير في المسيحية. ولكني لسبب ما لم أصدق ما كانت ترويه ~~لي، كما أني لم أحب قط كل الأشياء التي كانت تضحي بنفسها من أجلها وهي ترغم نفسها على ذلك ~~إرغاما؛ لم تكن محبة، بل كان واجبا تؤديه. ولكني لم أكن مع عمتي ماري في أدنى شك. كان ~~حبها أشبه بالإشعاع الطبيعي، شيئا يكاد يحسه المرء إحساسه بالضوء والحرارة. وعندما كانت ~~تأخذني لأقيم معها في الريف، وفيما بعد عندما كانت تفد إلى المدينة وأزورها كل يوم تقريبا، ~~كنت أحس كأني أخرج من ثلاجة إلى ضوء الشمس. كنت أحس الحياة تدب في بدني في الضوء الصادر ~~عنها، في دفئها المشع. وبعدئذ فعل الفزع الأكبر فعله. وكانت تتفكه به أول الأمر، وبعد ~~العملية الأولى قالت: أنا الآن أمازون. # 2 # سألته: ولماذا شبهت نفسها بالأمازون؟ ~~- لأن الأمازونيات كن يبترن أثداءهن اليمنى؛ كن محاربات والثدي يقف عقبة في الطريق وهن ~~يطلقن السهام بالقسي الطويلة. وكرر عبارته: «الآن أنا من الأمازون.» واستطاع بمخيلته أن يرى ~~البسمة على وجهها الذي يشبه وجه النسر، وأن يسمع بذاكرة الأذن نغمة السرور في صوتها الواضح ~~الرنان. واستطرد قائلا: وكان لا بد بعد بضعة أشهر من بتر الثدي الآخر. وكانت بعد ذلك ~~الأشعة السينية والمرض ثم الانهيار شيئا فشيئا. وارتسمت على وجه ويل الضراوة والقسوة، ~~واستطرد قائلا: لولا أن حالتها كانت شنيعة فوق الوصف، لقلت إن الأمر مدعاة حقا للضحك. ~~إنها صورة رائعة لسخرية القدر! هنا روح يشع منه الخير والحب والمحبة النادرة، ثم - ولسبب ~~غير معروف - يحدث شيء من الخلل. وبدلا من أن يستهين الجسم بهذا الخلل، نرى أن جزءا منه ~~يخضع للقانون الثاني للديناميكا الحرارية. ومع تدهور الجسم يفقد الروح فضيلته، هويته ~~الخاصة. ففارقتها بطولتها، وتبخرت منها المحبة وطيبة القلب، ولم تعد في الشهور الأخيرة من ~~حياتها العمة ماري التي أحبها وأعجب بها. كانت إنسانا آخر، إنسانا لا يكاد يتميز عن أسوأ ~~العجائز وأضعفهم الذين صادقتهم في ماضيها وكانت ms261 لهم سندا قويا، «وكانت هذه آخر وأروع لمسة ~~من لمسات القدر الساخر»، لا مناص من إذلالها والحط من قدرها. ولما بلغت أدنى درجات الحطة، ~~ألقى بها إلى الموت في عزلتها، ببطء وبألم شديد. # وألح في قوله إنها كانت في عزلة، لا يستطيع أحد - بطبيعة الحال - أن يعينها، ولا يمكن ~~لإنسان أن يكون إلى جوارها. إن الناس قد يقفون إلى جانبك وأنت تعاني الألم أو تعالج سكرات ~~الموت. ولكنهم في الواقع إلى جوارك في عالم آخر. أما في عالمك فأنت وحيد تماما. وحدك في ~~آلامك وفي موتك، كما تكون وحدك في حبك، وحتى في المتعة التي لا تكون أبدا إلا ~~مشتركة. # روائح بابز وتايجر، ورائحة العمة ماري وهي تموت بعدما أحدث السرطان ثقبا في الكبد وشاعت ~~في جسمها المهزول رائحة نفاذة عجيبة؛ رائحة الدم الفاسد. ووسط هذه الروائح، التي كان يعيها ~~متقززا أو كالمخمور. كان هناك شعور منعزل؛ شعور الطفل، والصبي، والرجل، في عزلة دائمة، ~~وحيدا لا سبيل إلى الخروج من وحدته. ثم قال: وفوق كل شيء آخر، لم تزد هذه المرأة في عمرها ~~عن الثانية والأربعين. ولم ترد أن تموت، ورفضت أن تقبل ما كانوا يفعلون بها. ولكن الفزع ~~الأكبر كان لا بد أن يشدها بقوته إلى أسفل. وكنت هناك، وشهدت ما حدث. ~~- ومن أجل ذلك كنت من الرافضين؟ # ورد عليها بقوله: وهل يمكن لأي إنسان إلا أن يكون رافضا؟! الرضا تظاهر، وتفكير إيجابي ~~وحسب. ولكن الحقيقة الأساسية النهائية هي الرفض دائما. «لا» للروح، «لا» للحب، «لا» للعقل، ~~«لا» لأي مغزى ولأي إنجاز! # هذا تايجر مليء بالحيوية، مرح، فيه شيء لله. ثم يتحول بفعل الفزع الأكبر إلى حزمة من ~~المهملات يأتي الطبيب البيطري ويؤجر على إزالتها، ثم هذه العمة ماري بعد تايجر، تتكسح ~~وتتعذب، وبعدئذ تسحل في الوحل، وتنحط، وأخيرا تتحول - كما تحول تايجر - إلى حزمة من ~~المهملات. غير أن الحانوتي في حالتها هو الذي وكل إليه إبعادها. وقد جيء بقسيس مأجور ~~ليوهمنا أن كل شيء على ما يرام بمعنى ms262 سام وبنظرة بيكويك. وبعد عشرين عاما جيء بقسيس مأجور ~~آخر ليكرر هذا الإجراء المعقد العجيب بعينه بجوار نعش مولي. إذا كنت كغيري من الناس قد ~~قاتلت مع الوحوش في أفسيس، # 3 # فأي فائدة لي من هذا إذا لم يبعث الموتى؟! دعنا نأكل ونشرب؛ لأننا في الغد سوف ~~نموت. # وضحك ويل كالضبع مرة أخرى: أي منطق صارم، أي إحساس، وأي قواعد خلقية مهذبة! # ولكنك من الرافضين، فلماذا تثير أي اعتراض؟ ~~- أنت على حق، وما كان ينبغي لي، ولكن الإنسان بطبيعته يعشق الجمال، ويحب أن يرفض بأسلوب ~~جميل. وأشاح بوجهه ليعبر عن اشمئزازه وهو يردد قوله: دعنا نأكل ونشرب؛ لأننا في الغد سوف ~~نموت. وكشر في نظرته تعبيرا عن شعوره بالاشمئزاز. # قالت سوزيلا: ومع ذلك فالنصيحة رائعة بمعنى ما. الأكل والشرب والموت، ثلاثة مظاهر أولية ~~للحياة العالمية غير الشخصية. الحيوانات تعيش هذه الحياة العالمية غير الشخصية دون علم ~~بطبيعتها. وعامة الناس يعرفون طبيعتها ولكنهم لا يعيشونها. وإذا هم فكروا فيها جديا ~~يرفضون قبولها. أما الشخص المستنير فهو يعلمها، ويعيشها، ويقبلها قبولا كاملا. إنه يأكل ~~ويشرب وإذا جاء أجله يموت؛ ولكنه يأكل وهو مكترث، ويشرب وهو مكترث، ويموت وهو ~~مكترث. # وسأل متهكما: ويبعث مرة أخرى مع الموتى؟ ~~- هذا سؤال كان بوذا يرفض أن يناقشه. إن الاعتقاد في حياة أبدية لم يساعد إنسانا قط على ~~العيش في الأبدية. وبطبيعة الحال لم يساعده على ذلك عدم الاعتقاد؛ لذلك يجب أن تتوقف بتاتا ~~عن الإدلاء بالحجج التي تؤيد أو الحجج التي تدحض (هذه هي نصيحة بوذا) وامض في عملك. ~~- أي عمل؟ ~~- عمل كل إنسان؛ الاستنارة، ومعناها: الآن، وفي هذا المكان، المهمة الأولى لممارسة كل ~~أنواع اليوجا التي تزيد من وعيك. # قال ويل: ولكني لا أريد المزيد من الوعي، بل أريد أن أكون أقل وعيا. أقل وعيا بالأهوال ~~كموت عمتي ماري، والأحياء الشعبية في راندنج لوبو. أقل وعيا بالمناظر المؤذية والروائح ~~الكريهة؛ بل والروائح المستساغة أحيانا. وقد أضاف ذلك عندما تذكر رائحة الكلب وسرطان ~~الكبد ونفحة الطيب ms263 التي كانت تهب عليه من الركن القرنفلي. أقل وعيا بدخلي الكبير مع فقر ~~الآخرين فقرا ينزلهم عن المكانة الإنسانية أقل وعيا بصحتي الممتازة في خضم الملاريا ~~والدوسنتاريا، وأقل وعيا بمتعتي الجنسية المحصنة من الأمراض وسط خضم من الأطفال الذين ~~يموتون جوعا، «اللهم سامحهم لأنهم لا يعلمون ما يفعلون». إنها نعمة. ولكني لسوء الحظ أعلم ~~ما أفعل. ولكني أعلمه أكثر مما ينبغي. ثم تطلبين إلي بعد ذلك أن أكون أكثر وعيا مما أنا ~~عليه؟ # قالت: أنا لا أطلب إليك شيئا، إنما أنا أنقل إليك فقط نصيحة توارثها حكيم عن حكيم بدءا ~~من جوتاما وانتهاء براجا العجوز. وابدأ بأن تكون على وعي تام بما تظن من تكون؛ إن ذلك ~~يعينك على أن تصبح على وعي بمن أنت في الواقع. # هز كتفيه وقال: يظن المرء أنه فذ وعجيب وأنه مركز الكون. في حين أنه ليس في الواقع سوى ~~معوق بسيط في سير الإنتروبيا # 4 # المستمر. ~~- هذا بعينه هو النصف الأول من رسالة بوذا؛ الزوال. ليست هناك روح باقية، وحزن لا مناص ~~منه. ولكن بوذا لم يقف عند هذا الحد، ولرسالته نصف آخر. هذا التباطؤ المؤقت في الإنتروبيا ~~هو كذلك حقيقة من الحقائق المثالية الصافية، وعدم وجود الروح الباقية هو كذلك الطبيعة ~~البوذية. ~~- عدم وجود الروح؛ هذا أمر من اليسير مجابهته. ولكن ماذا عن وجود السرطان، ووجود ~~الانهيار البطيء؟ وماذا عن الجوع وكثرة النسل والكولونيل ديبا؟ هل هؤلاء كذلك من المثالية ~~البحتة؟ ~~- طبعا. ولكني لست في حاجة إلى أن أقول إنه يستحيل إطلاقا على أولئك المنغمسين إلى ~~الأذقان في أي من هذه الشرور أن يكشفوا عن طبيعة بوذا في نفوسهم. إن الصحة العامة والإصلاح ~~الاجتماعي شرطان مسبقان لا غنى عنهما لأي نوع من أنواع الاستنارة العامة. ~~- ولكن على الرغم من الصحة العامة والإصلاح الاجتماعي فإن الناس يموتون. وأضاف ساخرا: ~~حتى في بالا. ~~- ولذلك كانت بوذية ديانا # 5 # من النتائج الطبيعية للرفاهية؛ كل يوجات الحياة والموت لا بد منها، لكي ~~تكون على وعي - حتى عند ms264 الآلام النهائية - بمن أنت في الواقع، على الرغم من كل شيء. # وسمع وقع أقدام على خشب الفراندة، وصوت طفلة ينادي: أماه! # وردت سوزيلا: أنا هنا يا عزيزتي. # وانفتح الباب الخارجي على مصراعيه ودخلت الغرفة ماري ساروجوني على عجل. # وقالت بأنفاس متقطعة: أمي. إنهم يريدونك أن تحضري فورا. إن جدتي لاكشمي ... ووقع بصرها ~~لأول مرة على إنسان في الأرجوحة الشبكية، فذعرت وكفت عن الكلام، ثم قالت: لم أكن أعلم أنك ~~هنا. # ولوح لها ويل بيده دون أن يتكلم، وردت عليه بابتسامة آلية، وعادت تقول لأمها: ساءت حال ~~جدتي لاكشمي فجأة، ولا يزال جدي روبرت في محطة المرتفع العالي، ولم يمكن الاتصال به ~~تليفونيا. ~~- هل أتيت عدوا طوال الطريق؟ ~~- إلا في الأماكن شديدة الانحدار. # وطوقت سوزيلا الطفلة وقبلتها، ثم نهضت على قدميها في خفة وكأنها تتأهب لعمل ما. # وقالت: إنها أم ديوجولد. # قال: هل هي ...؟ # وصوب نظره نحو ماري ساروجيني، ثم عاد فنظر إلى سوزيلا. هل الموت من المحظورات؟ وهل يجوز ~~للمرء أن يتحدث عنه في حضرة الأطفال؟ ~~- تريد أن تقول هل هي تموت؟ # أومأ برأسه إيجابا. # قالت سوزيلا: كنا نتوقع موتها طبعا، ولكن ليس اليوم؛ فقد بدت اليوم أحسن حالا ثم هزت ~~رأسها وقالت: لا بد أن أذهب وأكون إلى جوارها حتى إن كانت في عالم آخر. ثم أضافت قولها: ~~الواقع أنه ليس عالما آخر تماما كما تظن، أنا آسفة لأننا نترك عملنا ناقصا. ولكن سوف ~~تكون هناك فرص أخرى. والآن ماذا تريد أن تفعل؟ تستطيع أن تبقى هنا، وأستطيع أن أنزلك عند ~~الدكتور روبرت، وتستطيع أن ترافقني وماري ساروجيني. ~~- كمحترف لمشاهدة الإعدام. # وأجابت مؤكدة: لا، ليس بهذه الصفة، بل كإنسان، بحاجة إلى أن يعرف كيف يعيش ثم كيف يموت. ~~بحاجة ماسة إلى ذلك، كشأننا جميعا. # قال: بل بحاجة إلى ذلك أكثر من أغلب الناس. ولكن ربما كنت عائقا. ~~- إذا كنت تستطيع ألا تعوق نفسك فلن تكون عائقا لغيرك. # وتناولت يده وساعدته على النزول من الأرجوحة. وبعد دقيقتين كانا يسيران بالعربة ms265 بعد بركة ~~اللوتس، وتمثال بوذا الضخم وهو يتأمل تحت رأس الأفعى، والعجل الأبيض، وولجا البوابة ~~الرئيسية للمجمع، وقد انتهى سقوط المطر، وفي سماء خضراء ومضت السحب الضخمة كأنها ملائكة ~~السماء، وناحية الغرب كانت الشمس متوهجة كأنها من الخوارق. # غروب الشمس والموت، الموت ومن أجله كانت القبلات، القبلات والميلاد ثم الموت لجيل آخر ممن ~~يشاهدون غروب الشمس. # سأل ويل: ماذا تقولون لمن يأتيه الموت عندكم؟ هل تقولون لهم ألا يزعجوا أنفسهم بالخلود، ~~وأن يواصلوا المسير؟ ~~- إذا أردت أن تضع السؤال في هذه الصيغة أقول لك نعم هذا بعينه هو ما نفعل. نستمر في حالة ~~الوعي؛ هذا هو فن الموت كله. ~~- وأنتم تعلمون هذا الفن؟ ~~- أريد أن أضع الحقيقة في صيغة أخرى. إننا نعاونهم على الاستمرار في ممارسة فن العيش حتى ~~وهم يموتون. أن يعرف المرء من هو في الحقيقة، وأن يستشعر الحياة العامة غير الشخصية التي ~~تعيش في كيان كل منا؛ هذا هو فن العيش، وهذا ما نستطيع أن نعين من يموتون منا على ~~الاستمرار في ممارسته، حتى النهاية، وربما بعد النهاية. # سألها: بعد النهاية؟ ولكنك قلت إن هذا شيء تفترضون أن من يجيئه الموت منكم لا يفكر ~~فيه. ~~- إننا لا نسألهم أن يفكروا فيه، إنما نحن نعاونهم - إذا كان هناك شيء من هذا - على أن ~~يمارسوه. إذا كان هناك شيء من هذا (كررت العبارة) وإذا كانت الحياة العامة مستمرة بعدما ~~تنتهي الحياة الخاصة بالفرد. ~~- وهل أنت شخصيا تعتقدين أنها مستمرة؟ # ابتسمت سوزيلا وقالت: إن ما أراه أنا شخصيا ليس في صميم الموضوع. وكل ما يهم هو ما يمكن ~~أن أمارسه لا شخصيا؛ وأنا على قيد الحياة، وأنا أموت، وربما وأنا من الأموات. # وسارت بالعربة حتى مكان أوقفتها فيه وأوقفت محركها ودخلا القرية على الأقدام. وكان عمل ~~اليوم قد انتهى، واشتد الزحام في الشارع الرئيسي حتى تعذر عليها المسير. # وأعلنت سوزيلا أنها سوف تواصل المسير وحدها، ثم التفتت إلى ماري ساروجيني وقالت لها: كوني ~~بالمستشفى بعد ساعة، لا قبل ذلك. وخلفتهما ms266 لتشق طريقها بين جماعات المشاة، وسرعان ما اختفت ~~عن الأنظار. # قال ويل وهو يبتسم للطفلة التي كانت تجاوره: أنت الآن مسئولة. # فأومأت برأسها جادة وأمسكت بيده وقالت: هيا بنا إلى الميدان لنشاهد ما يجري فيه. # وسألها ويل وقد شرعا في المسير في الشارع المزدحم: ما عمر جدتك لاكشمي؟ # أجابت ماري ساروجيني: إنني في الواقع لا أدري. ولكنها تبدو مسنة جدا. وربما كان ذلك ~~لأنها مصابة بالسرطان. # سألها: هل تعرفين ما هو السرطان؟ # وكانت ماري ساروجيني على علم تام به، قالت: إنه ما يحدث عندما ينسى جزء منك كل ما يتعلق ~~ببقية الأجزاء، ويسلك مسلك المجانين، ينتشر وينتشر كأن العالم ليس به أحد غيره. وتستطيع ~~أحيانا أن تعالج الأمر، ولكنه في العادة يواصل الانتشار حتى يموت المصاب. ~~- وهذا ما حدث - كما فهمت - لجدتك لاكشمي. ~~- وهي الآن بحاجة إلى شخص يساعدها على الموت. ~~- وهل أمك كثيرا ما تعاون الناس على الموت؟ # أومأت برأسها وقالت: نعم، إنها تتقن ذلك كل الإتقان. ~~- هل شهدت في حياتك أحدا يموت؟ # أجابت ماري ساروجيني، وقد بدت عليها الدهشة لأن يوجه إليها مثل هذا السؤال وقالت: طبعا. ~~وأخذت تحسب في عقلها وقالت: شهدت خمسة أشخاص وهم يموتون، أو ستة إذا عددنا الأطفال. ~~- أنا لم أر أحدا قط يموت وأنا في مثل سنك. ~~- عجبا! ~~- شهدت كلبا فقط. ~~- موت الكلاب أسهل من موت الناس؛ لأن الكلاب لا يتحدثون عن الموت قبل وقوعه. ~~- وما هو إحساسك نحو ... نحو من يموت من الناس؟ ~~- الموت أسهل من ميلاد الأطفال. الميلاد مريع، أو على الأقل يبدو مريعا. ولكنك يجب أن ~~تذكر أن الميلاد لا يؤذي أبدا؛ فلقد استبعدوا هنا الألم. # قال ويل: صدقت أو لا تصدقين، أنا لم أر قط في حياتي طفلا يولد. # ودهشت لذلك ماري ساروجيني وقالت: أبدا؟ حتى حينما كنت في المدرسة؟ # وتخيل ويل ناظر مدرسته وهو بملابسه الرسمية الكاملة يقوم على تربية ثلاثمائة صبي في ثياب ~~سوداء ويقودهم في رحلة إلى الراقدين بالمستشفى، وقال بصوت مرتفع: حتى حينما كنت في ms267 ~~المدرسة. ~~- لم تر أحدا يموت، ولم تر طفلا يولد، كيف عرفت الحقائق؟ # قال: في المدرسة التي كنت أذهب إليها لم نعرف الحقائق، وكل ما عرفناه هو الألفاظ. # نظرت إليه الطفلة، وهزت رأسها، ثم رفعت يدا صغيرة سمراء وضربت جبهتها ضربة لها دلالتها، ~~وقالت: هذا جنون، أم هل كان معلموك أغبياء؟ # ضحك ويل وقال: كانوا مربين أصحاب العقول الجبارة يؤمنون بأن العقل السليم في الجسم السليم ~~ويتمسكون بتقاليدنا الغربية السامية. والآن خبريني، ألم تخافي أبدا؟ ~~- من منظر النساء وهن يلدن؟ ~~- لا، من منظر الناس وهم يموتون ، ألم يروعك هذا؟ ~~- وبعد لحظة من الصمت قالت: نعم روعني. ~~- وماذا صنعت؟ ~~- صنعت ما علموني أن أصنع؛ حاولت أن أتبين أي جانب مني خاف ولماذا خاف. ~~- وأي جانب وجدت؟ # أشارت ماري ساروجيني بسبابتها إلى فمها المفتوح وقالت: هذا. هذا الذي يقوم بالكلام. كان ~~فيجايا يسميه «المتحدث الصغير». إنه يتكلم دائما عن كل شيء كريه أذكره، وكل شيء ضخم عجيب ~~مستحيل أتصور أني أستطيع أداءه. إنه هو الذي يخاف. ~~- لماذا يخاف؟ ~~- في ظني أنه يخاف لأنه لا يكف عن الحديث عن كل الأمور المفزعة التي قد تحدث لصاحبه. ~~يتحدث أحيانا جهرا وأحيانا سرا. ولكن هناك بين جنبي جانبا آخر لا يخاف قط. ~~- وما هو؟ # ذلك الجانب الذي لا يتكلم؛ إنه يكتفي بأن ينظر ويصغي ويحس ما يجري في باطني. وأضافت ماري ~~ساروجيني إلى ذلك قولها: وهو أحيانا يرى بغتة أن كل شيء جميل حقا. لا، لقد أخطأت، إنه ~~يرى الجمال في كل حين. ولكني لا أستطيع ذلك؛ اللهم إلا إذا نبهني وذلك عندما يحدث فجأة. كل ~~شيء جميل، جميل، جميل، حتى قذارة الكلاب وأشارت إلى عينة منها عند أقدامهما تقريبا. # ومرقا من الشارع الضيق إلى السوق. وكانت الخيوط الأخيرة من الشمس الغاربة لا تزال تسقط ~~على برج المعبد المخروط، وعلى تلك الأبراج الصغيرة القرنفلية المقامة على سطح صالة البلدية. ~~أما في السوق فقد كانت هناك بوادر الشفق، كما أسدل الليل ستاره فعلا تحت شجرة التين ~~الضخمة. ms268 وقد أشعلت النسوة البائعات فوق الأكشاك المصابيح التي تدلت في حبال عقدت على غصون ~~الأشجار. وظهرت تحت ظلال الأشجار بقع لها شكلها ولونها، ومن فراغ تكاد لا تراه العين برز ~~أشخاص سمر البشرة إلى الضوء لحظة ثم اختفوا ثانية في الفراغ المجهول. وفي المساحات التي ~~تقع بين الأبنية المرتفعة رنت أصوات حديث بالإنجليزية المختلطة بلغة أهل بالا، كما ترددت ~~الضحكات، والصيحات ونغمات الغناء ونباح الكلاب وصياح الببغاوات. وفوق أحد الأبراج القرنفلية ~~الصغيرة قبعت مينتان تصيحان بغير كلل نداء الانتباه والرأفة. ومن مطبخ في العراء وسط ~~الميدان هبت نكهة طعام شهي يطهى فوق النار، نكهة البصل والفلفل، والسمك المقلي، والكعك، ~~والأرز المغلي، ومن خلال هذه الروائح القوية الطيبة هبت رائحة زكية حلوة صافية كالأثير، هي ~~رائحة أكاليل الزهر ذات الألوان المتعددة معروضة للبيع بجوار نافورة مياه، وتذكر المرء ~~بالعالم الآخر. # احلولك الظلام وفجأة أشعلت المصابيح التي تدلت من أقواس عليا فوق الرءوس، وتلألأت عقود ~~النسوة وخواتمهن وأسوارهن براقة لامعة على بشرتهن المتوردة النحاسية الزيتية. وفي ضوء ~~المصابيح المتدلية بدت خطوط أجسادهن وأشكالهن أكثر سحرا وأظهر صورة وأقوى وجودا. وفي ~~محاجر العيون وتحت الأنوف والأذقان اشتد عمق الظلال، وبرزت النهود الصغيرة وقد شكلها الضوء ~~والظلام، وظهرت الخطوط والتجاعيد واضحة في أوجه العجائز. # وسارا بيدين متشابكتين وسط الزحام. # وحيت ماري ساروجيني امرأة نصفا، ثم اتجهت نحو ويل وسألته: هل أنت ذلك الرجل الذي وفد من ~~الخارج؟ # وأكد لها أنه من الخارج من كل جانب من جوانبه تقريبا. # وحدقت فيه لحظة في صمت، ثم ابتسمت له مشجعة وربتت على خده. # قالت: كلنا في غاية الأسف لك. # وانطلقا، حتى بلغا حاشية مجموعة من الناس تجمعت عند سفح درجات المعبد لتستمع إلى شاب يعزف ~~على آلة موسيقية طويلة الرقبة تشبه العود ويغني بلغة بالا. وكان يعزف نغما متلاحقا مرة، ~~متقطعا كزقزقة الطير مرة أخرى، وينتهي بنغمة عالية قوية بهيجة في أعقابها صيحة. وتضحك ~~الجماهير، ويتلو ذلك بعض الفواصل الموسيقية وبيت أو بيتان من النشيد، ثم يضرب ms269 المغني ضربته ~~الأخيرة على الوتر. وردد الحاضرون صياح الاستحسان وعلت ضحكاتهم وأخذت جماعة منهم تعلق على ~~ما سمعت بعبارات غير مفهومة. # سأل ويل: ماذا يعني كل هذا؟ # أجابت ماري ساروجيني: إنه نشيد للبنين والبنات وهم يتزاوجون. # وأحس بريبة المذنب. ولما تطلع إلى وجه الفتاة المطمئن أدرك أنه لم يكن ثمت داع لقلقه؛ إذ ~~كان من الواضح أن تزاوج البنين والبنات أمر مسلم به تماما كالذهاب إلى المدرسة أو تناول ~~ثلاث وجبات كل يوم، أو الموت. # واستمرت ماري ساروجيني في حديثها قائلة: إن ما أضحكهم هو قوله: إن بوذا المستقبل لن يغادر ~~منزله ليجلس تحت شجرة بوذا، فسوف تأتيه الاستنارة وهو في فراشه مع الأميرة. # سألها ويل: وهل تظنين هذه فكرة حسنة؟ # أومأت برأسها مؤكدة وقالت: ومعنى ذلك أن الأميرة سوف تستنير كذلك. # قال ويل: أصبت كبد الحقيقة، وإني باعتباري رجلا لم أفكر في الأميرة. # وضرب العازف على أوتار العود ضربات متلاحقة عجيبة، أتبعها بنغمات متماوجة وشرع يغني ~~بالإنجليزية هذه المرة، وأنشد: # الكل يتحدث عن الجنس، # لا تأخذهم مأخذ الجد، # مومسا كانت أم راهبا، # بولس كان أم فرويد، # إذا أنت أحببت، # استحالت شفتاك، # واستحال ثدياها بمعجزة، # إلى طبيعتهما، # إلى الصورة المثلى، # والفراغ المطلق. # وانفتح باب المعبد على مصراعيه. وهبت رائحة البخور ممتزجة بروائح البصل والسمك المقلي من ~~حولهم. وبرزت امرأة عجوز وفي حذر شديد أحنت ظهرها المهتز وهي ترقى درجة بعد درجة. # وسألته ماري ساروجيني وهما يتأهبان للمسير: من هو بولس، ومن هو فرويد؟ # وقص لها قصة الخطيئة الأولى وقصة الخلاص. وأصغت إليه الفتاة باهتمام مركز. # وعلقت بقولها: إنني لا أدهش لما جاء في الأغنية، بألا نأخذهما مأخذ الجد. # قال ويل: ونأتي بعد ذلك إلى الدكتور فرويد ونظرية مركب أوديب. # قالت ماري ساروجيني: أوديب؟ # 6 # هذا اسم استعراض للعرائس، شهدته في الأسبوع الماضي، وسوف يعرضونه مرة أخرى هذا ~~المساء. هل تحب أن تشاهده؟ إنه لطيف. # قال: لطيف؟ لطيف؟ كيف تقولين عنه ذلك. وقد تبين أن المرأة العجوز هي أمه وقد شنقت ms270 نفسها، ~~وفقأ أوديب عينيه؟ # قالت ماري ساروجيني: ولكنه لم يفقأ عينيه. ~~- بل لقد فعل في البلد الذي وفدت منه. ~~- ليس هنا. إنه يقول فقط أنه سوف يفقأ عينه، وهي تقول إنها تحاول فقط أن تشنق نفسها. وقد ~~تم إنقاذهما بالحديث مع كل منهما. ~~- من فعل ذلك؟ ~~- فتى وفتاة من بالا. # سأل ويل: كيف تدخلا في الأمر؟ ~~- لست أدري، ولكنهما هناك. نحن نسمي المسرحية هنا «أوديب في بالا»؛ ولذلك كان وجودهما لا ~~بد منه. ~~- تقولين أنهما تحدثا إلى جوكاستا وأنقذاها من الانتحار، وإلى أوديب وأنقذاه من أن يعمي ~~نفسه؟ # نعم، وفي الوقت المناسب. وكان ذلك عندما لفت الحبل حول رقبتها. وعندما أمسك بدبوسين ~~ضخمين. ولكن الفتى والفتاة من بالا قالا لهما ألا يتصرفا تصرفا أحمق، والأمر كله لم يكن ~~سوى مصادفة، فهو لم يعرف أن الرجل العجوز أبوه. ومع ذلك فإن الرجل العجوز هو الذي بدأ ~~بالعدوان وضربه على رأسه فأفقد أوديب صوابه، ولم يكن أحد قد علمه رقصة راكشاسي على ~~المزمار. ولما نصبوه ملكا تزوج الملكة العجوز؛ وهي في الحقيقة أمه. ولكن كليهما لم يكن ~~على علم بذلك. وبطبيعة الحال كل ما كان ينبغي لهما عمله عندما عرفا الحقيقة أن يتخليا عن ~~الزواج. وقصة زواجه بأمه كانت سببا في أن يموت كل إنسان بفيروس؛ كل هذا هراء، اخترعه قوم ~~أغبياء كان علمهم محدودا. ~~- ولقد ظن الدكتور فرويد أن كل الأولاد الصغار يريدون فعلا أن يتزوجوا من أمهاتهم ~~ويقتلوا آباءهم. والأمر على عكس ذلك مع البنات؛ إنهن يردن أن يتزوجن من آبائهن. # سألت ماري ساروجيني: أي الآباء وأي الأبناء، عندنا الكثير منهم. ~~- تقصدين في نادي التبني المتبادل؟ ~~- في نادينا اثنان وعشرون منهم. ~~- الأمان في كثرة العدد؟ ~~- ولكن أوديب المسكين لم ينتم إلى ناد من هذه النوادي. ثم إنهم - فوق ذلك - علموه تلك ~~الحكايات المريعة التي تروي غضب الآلهة على الناس كلما ارتكبوا خطأ من الأخطاء. # وشقا طريقهما في الزحام حتى بلغا ساحة سورت بالحبال بها مائة أو يزيدون من المشاهدين ~~الذين ms271 استووا على مقاعدهم. وفي أقصى الساحة لمحا مقدمة خشبية زاهية اللون في حمرة ذهبية ~~تتألق في ضوء مصابيح قوية سلطت عليها، هي مقدمة مسرح العرائس. وأخرج ويل حفنة من قطع النقود ~~الصغيرة كان قد أعطاها إياه الدكتور روبرت ودفع ثمن تذكرتين، ودخلا ثم جلسا فوق مقعد أعد ~~لشخصين. # دق الناقوس وارتفع ستار المسرح الصغير في غير جلبة، ووقعت عيونهما على أعمدة بيضاء قائمة ~~على أرض خضراء، تشكل واجهة قصر طيبة الملكي، وظهر تمثال لإله من آلهة اليونان له شعر كث في ~~خديه جالسا وسط سحابة تعلو المثلث الذي أقيم في أعلى واجهة المبنى. ومن اليمين دخل قسيس ~~شبيه بالإله تماما إلا أنه أصغر حجما وأقل فخارا في ردائه، وانحنى للمشاهدين ثم اتجه صوب ~~القصر وصاح بصوت كصوت المزمار لا يتفق بتاتا مع اللحية المهيبة للقسيس بصورة مضحكة، صاح ~~قائلا: «أوديب!» ودقت الطبول إيذانا بانفتاح الباب للملك القادم متوجا ينتعل حذاء يبلغ ~~منتصف الساق كان يلبسه ممثلو التراجيديا اليونانية، وحياه القسيس بانحناءة الاحترام، ثم ~~سمح الملك الدمية له بالكلام. # قال صاحب الصوت المزماري: استمع إلى مآسينا. # أطرق الملك برأسه وأصغى. # قال: إني أسمع أنات الرجال على فراش الموت، وأسمع عويل الأرامل، ونحيب من فقدوا أمهاتهم، ~~وتمتمة دعاء وتضرع. # قال الإله المتلفع بالسحاب: تضرع! حياكم الله، وربت على صدره. # قالت ماري ساروجيني هامسة: أصابهم فيروس، كالحمى الآسيوية، بل وأسوأ منها. # قال القسيس متبرما بصوته الرفيع: إننا لا نكف عن الابتهال، ونقدم الضحايا الثمينة، كلنا ~~أطهار، نكفر عن خطايانا بتعذيب أنفسنا أيام الاثنين والأربعاء والجمعة. ولكن طوفان الموت ~~يزداد انتشارا ويزداد عدد الموتى يوما بعد يوم، أعنا أيها الملك أوديب، أعنا. ~~- الله وحده يعين. # صاح الإله المعتلي: حياك الله، حياك الله. ~~- ولكن كيف؟ ~~- الله وحده يملك القول. # قال الإله بصوته العميق: صحيح، صحيح تماما. ~~- لقد ذهب كريون شقيق زوجتي إلى العرافة يستشيرها. وعندما يعود - ولا بد أن يعود على عجل ~~- سوف نعرف ما تنصح به السماء. # وصححه صاحب الصوت العميق قائلا: بل ما ms272 تأمر به السماء. # ضحك المشاهدون وسألت ماري ساروجيني: هل كان الناس حقا بكل هذه الحماقة؟ # قال لها ويل مؤكدا: حقا وصدقا. # وبدأ الفونوغراف يعزف نشيد الموتى. # ومن اليسار إلى اليمين سار على خشبة المسرح في بطء شديد موكب الثاكلين في ثياب الحداد ~~يحملون النعوش المكسوة بالملاءات، دمية بعد دمية. وما إن اختفت المجموعة جهة اليمين حتى ~~عادت ثانية من اليسار، وكأن الموكب بغير نهاية وجثث الموتى بغير حصر. # قال أوديب وهو يشهد مرور الموكب: هذا ميت، وهذا ميت، آخر، وآخر، وآخر. # قال صاحب الصوت العميق: هذا درس لهم. كل إنسان يتحول إلى شيء تافه! # واستمر أوديب في كلامه فقال: # نعش الجندي، ونعش البغي، # والطفل في برودة الصخر، # ينضم إلى ثديين لم يرضعا، # يحسان ألما خفيفا، # والشابة في هلع تنصرف، # عن الوجه الأسود المنتفخ، # الذي كان فيما مضى، # يرفع الرأس عن الوسادة يفضضها بنوره القمر، # متلهفا للقبل، # ماتوا، كلهم ماتوا، # يبكيهم من من بعدهم يموتون، # ويحملهم من حكم عليه بالفناء، # وبخطى ثقيلة يسيرون، # إلى حديقة من أشجار السرو، # وهناك تستقبلهم حفرة عميقة، # ومنهم تفوح الروائح الكريهة، # في وجه القمر. # وبينما كان يتحدث دخلت من ناحية اليمين دميتان أخريان، فتى وفتاة، في أبهى حلة بالية، ~~واتجها إلى الناحية الأخرى نحو الثاكلين في ثوب الحداد، ووقفا بذراعين متشابكتين على خشبة ~~المسرح على يسار الوسط بقليل. # وما إن انتهى أوديب من كلامه حتى قال الفتى: # ولكنا نحو الحدائق الوردية نسير، # وهناك يتلى هراء من طقوس الرؤيا، # يبعث في الأذهان، # من جلود ممسوسة، # ولحم يذوب، # الأبدي الموجود في كل الوجود. # ومن الفضاء الأعلى دمدم صاحب الصوت العميق سائلا: وماذا عني؟ الظاهر أنكم نسيتم أنني من ~~العالم الآخر الكامل. # وواصل الموكب الحزين الذي لا يكاد ينتهي مسيره نحو المقابر. والآن سكت المترنمون بنشيد ~~الموت، وخفت الموسيقى فلم تسمع إلا نغمة واحدة من البوق والطبل، واستمرت إلى ما لا نهاية، ~~ورفع الفتى يده وقال: أنصتوا! هذا اللحن الرتيب، هذه النغمة الموسيقية المتكررة. وأخذ ~~الثاكلون يرددون سويا على ms273 آلات غير منظورة. ~~- الموت، الموت، الموت، الموت ... # قال الفتى: ولكن الحياة تعرف أكثر من نغمة واحدة. # وقاطعته الفتاة بقولها: الحياة تستطيع أن تغنى بصوت عال وصوت منخفض. ~~- وهذا النغم الرتيب الذي لا ينتهي، نغم الموت، يجعل الموسيقى أكثر غنى. # قالت الفتاة: نعم أكثر غنى. # وشرع الصادح والثلاثي يتغنون غناء شجيا. # وأخذ اللحن الرتيب والغناء يخفتان تدريجا حتى انتهيا إلى الصمت، واختفى آخر الثاكلين ~~وأوى الفتى والفتاة إلى ركن قصي يستطيعان فيه أن يتبادلا القبلات، دون أن يزعجهما ~~أحد. # ودقت الطبول مرة أخرى، ودخل كريون، # 7 # بدينا يرتدي سترة قصيرة ضيقة، قادما لتوه من دلفي. وفي جعبته كثير من إجابات ~~الكهان. ودار الحديث لبضع دقائق بين كريون وأوديب بلغة أهل بالا، وقامت ماري ساروجيني بدور المترجم. ~~- يسأل أوديب ماذا قالت الآلهة، ويرد الآخر إن ما قالته الآلهة هو أن كل ما حدث يرجع إلى ~~أن رجلا ما قتل الملك العجوز، الملك الذي سبق أوديب، ولم يستطع أحد أن يلقي القبض عليه، ~~وهو ما يزال حيا في طيبة، وهذا الفيروس الذي يفتك بالناس جميعا أرسلته الآلهة نوعا من ~~أنواع العقوبة؛ هذا ما روى كريون عما قيل له. ولست أدري لماذا يجازى كل هؤلاء الناس الذين ~~لم يعتدوا على أي أحد. ولكن هذا ما قال إن الآلهة قد أفضت به إليه، ولن يختفي الفيروس حتى ~~يقبضوا على الرجل الذي قتل الملك العجوز ويطردوه من طيبة. ويقول أوديب - طبعا - إنه سوف ~~يقوم بكل شيء بمستطاعه ليعثر على الرجل ويتخلص منه. # وشرع الفتى يلقي خطابا من الركن الذي أوى إليه - وكان الخطاب هذه المرة ~~بالإنجليزية: # هذا الإله، # الذي يكون على حقيقته، # عندما يكون غامضا متساميا، # يتكلم هراء غير رباني، # حينما يكون واضح الكلام، # في غضبة الأسد يقول، # الخطيئة سبب الوباء، # وعليكم يكون الندم، # ونقول: هذه قذارة فاكسحوها. # وضحك المشاهدون. وفي أثناء ذلك ظهرت مجموعة أخرى من الثاكلين من الجانبين وعبرت المسرح في ~~بطء شديد. # قالت الفتاة: كارونا، الرأفة. إن معاناة الأغبياء واقعية كأية معاناة اخرى. ms274 # وأحس ويل بلمسة على ذراعه، وتلفت وإذا به ينظر إلى الوجه العابس الجميل، وجه ~~موروجان. # قال موروجان غاضبا: كنت أبحث عنك في كل مكان. وكأن ويل قد أخفى نفسه عمدا لا لشيء إلا ~~لكي يغضبه. ورفع صوته في الكلام فالتفتت إليه رءوس كثيرة، ونادى بعضهم يطلب الصمت. # واستمر الصبي في تذمره بغض النظر عن صياح الاحتجاج وقال: لم أجدك عند الدكتور روبرت، ولم ~~أجدك عند سوزيلا. ~~- الصمت، الصمت ... # وصاح صاحب الصوت العميق صيحة عالية من بين السحب التي كانت تحيط به وقال: الصمت! وأضاف ~~متضجرا: إن الأمور تتأزم وإلهكم لا يستطيع أن يسمع حديث نفسه. # قال ويل وقد اشترك بضحكه مع الضاحكين: حسنا، حسنا. ونهض قائما وهرع إلى باب الخروج ~~يتبعه موروجان وماري ساروجيني. # سألته ماري ساروجيني: ألا ترى النهاية؟ ثم التفتت إلى موروجان وقالت في نغمة التأنيب: كنت ~~تستطيع أن تبقى. # قال موروجان في اقتضاب: كوني في حالك. # ووضع ويل إحدى يديه على كتف الطفلة وقال: لحسن الحظ إن روايتك للنهاية كانت من الوضوح ~~بحيث لم أرد أن أشهدها بعيني رأسي. ثم أضاف متهكما: وبالطبع صاحب السمو يحب دائما أن يكون ~~في المحل الأول. # واستل موروجان ظرف خطاب من جيب البيجاما الحريرية البيضاء التي كانت تخطف عين الممرضة ~~الصغيرة وسلمها لويل قائلا: هذه الرسالة من أمي، وهي عاجلة. # وعلقت ماري ساروجيني وهي تشم عبير خشب الصندل الحلو الذي كان يفوح من رسالة الراني، ~~وقالت: ما أحلى رائحتها! # وفض ويل الرسالة وهي من ثلاث ورقات في زرقة السماء مزينة بخمس نجوم زهرات من اللوتس ذهبية ~~اللون تحت تاج ملكي. ما أكثر الكلمات التي تحتها خط، وما أكثر الكلمات التي كانت مخطوطة ~~بحرف التاج! وشرع يقرأ: # لقد كان صوتي الضعيف يا عزيزي فارنبي على حق؛ كعادته! قيل لي مرارا وتكرارا عن ~~الدور الذي قدر لصديقنا المشترك أن يؤديه لبالا الصغيرة المسكينة «وعن طريق المعونة ~~المالية التي سوف تسمح له بالا بالإسهام بها للحملة الصليبية الروحية» للعالم أجمع؛ ~~ولذلك لم تكن مفاجأة ms275 لي عندما قرأت البرقية «التي وصلت منذ بضع دقائق عن طريق باهو ~~المخلص وزميله في السلك السياسي في لندن» أن أعلم أن اللورد «أ» قد أعطاك السلطة ~~الكاملة «والتي تخول لك من غير شك» في أن تتفاوض نيابة عنه؛ نيابة عنا؛ لأن مصلحته ~~هي مصلحتك ومصلحتنا «لأننا جميعا صليبيون كل بطريقته الخاصة» ومصلحة الروح! # وليس وصول برقية اللورد «أ» هو النبأ الوحيد الذي أنهيه إليك؛ فالحوادث (كما ~~علمنا اليوم مساء من باهو) تسير على عجل نحو نقطة التحول الكبرى في تاريخ بالا؛ ~~تسير على عجل أكثر مما ظننت من قبل أن يكون في حدود الإمكان. ولأسباب بعضها سياسي: ~~«الحاجة إلى تعويض الانهيار الذي أصاب حديثا شعبية الكولونيل «د»»، وبعضها اقتصادي: ~~«أعباء الدفاع أثقل من أن تتحملها راندنج وحدها»، وبعضها فلكي: «يقول الخبراء إن هذه ~~الأيام مواتية بصورة فذة لمغامرة مشتركة يسهم فيه الحمل «أنا وموروجان» وذلك ~~النموذج للعقرب، الكولونيل «د»»، تقرر التعجيل بالإجراء الذي كان محددا له أصلا ~~ليلة خسوف القمر في نوفمبر القادم. ولما كان الأمر كذلك فإنه من الضرورة بمكان ~~لثلاثتنا هنا أن نجتمع بغير إبطاء لكي نقرر ما يجب عمله، في هذه الظروف الجديدة ~~سريعة التغير، لكي ننهض بمصالحنا الخاصة؛ المادية والروحية. إن «الصدفة» المزعومة ~~التي أتت بك إلى شواطئنا في أشد اللحظات حرجا في هذا الزمن كانت - كما يتبين قطعا ~~لك - إلهية بصورة واضحة. وبقي علينا أن نتعاون كصليبيين مخلصين مع تلك القوى ~~المقدسة التي تناصر قضيتنا بصورة لا لبس فيها؛ لذلك لا بد أن تحضر فورا. ~~وموروجان عنده عربة يحضرك بها إلى بيتنا المتواضع، حيث تلقى بالتأكيد يا عزيزي ~~فارنبي استقبالا حارا جدا من المخلصة لك فاطمة ر. # طوى ويل الأوراق الثلاث العطرة الزرقاء التي خطت فيها الرسالة وأعادها إلى الظرف. ولم ~~يرتسم على وجهه أي تعبير، ولكنه كان يخفي وراء هذا القناع من اللامبالاة غضبا شديدا. غضب ~~لهذا الفتى سيئ الخلق الماثل أمامه، فاتنا في بيجامته الحريرية البيضاء، كريها في سخفه ~~المدلل، وغضب عندما ms276 شم من الخطاب نغمة أخرى لتلك المرأة الهمجية البشعة التي بدأت بإفساد ~~ابنها باسم محبة الأم وطهارة النفس، وهي الآن تحثه باسم الله وباسم جماعة من الأسياد ~~الواصلين لكي يصبح صليبيا روحانيا يرمي القنابل تحت راية جو ألديهايد التي تفوح برائحة ~~البترول. وغضب - فوق هذا وذاك - من نفسه لأنه تمادى في مشاركته لهذا الزوج السخيف الخبيث في ~~مؤامرة - الله وحده يعلم مقدار دناءتها - ضد الأصول الإنسانية التي لم يمنعه قط رفضه لما ~~يشيع بين الناس من الإيمان بها والتحرق شوقا إليها. # قال موروجان بنغمة تظاهر فيها بالثقة : هل ننصرف الآن؟ وكان واضحا أنه يفترض أن من ~~المبادئ المسلم بها أن فاطمة ر، حينما تصدر أمرا كانت الطاعة بالضرورة واجبة بغير ~~تردد. # أحس ويل أنه بحاجة إلى بعض الوقت تبرد فيه حرارة الغضب فلم يسارع بالرد عليه. بل أشاح ~~بوجهه لكي يشاهد الدمى التي ابتعدت عنه الآن. وكانت جوكاستا وأوديب وكريون يجلسون على درجات ~~سلم القصر ينتظرون فيما يبدو وصول تيريسياس. # 8 # وفي أعلى ظهر صاحب الصوت العميق وقد أخذته سنة من النوم. كما كانت مجموعة من ~~الثاكلين المتشحين بثوب الحداد تعبر المسرح. وعلى مقربة من أضواء مقدمة المسرح بدأ الفتى ~~البالي يلقي خطابا في شعر منثور: # الضياء والرأفة، # أمران بسيطان بساطة يعجز عنها التعبير. # وهذه البساطة لبثت جيلا بعد جيل. # بانتظار الحيل الفكرية، # التي تعرف الواحد في المتعدد، # وأن كل شيء هنا حاضر، # وأن الحقيقة مستترة في الخيال. # انتظرت ولا تزال تنتظر، # في تيه من العبث، # وفي غموض شديد، # يتشابكان بغير تمييز، # النزوة تختلط بالمحبة، # والصدق بوظيفة الكلية، # والجمال في الطعام المهضوم، # والصفراء، والسائل المنوي، # واسم الله مع الطعام، # واسم الله مع غياب الطعام، # أو رنين الأجراس، # وهي تدق فجأة، # دقة، دقتين، ثلاث دقات، # في آذان مصغية. # وضرب العازفون على أوتار القيثار، ونفخ النافخون أنفاسا طويلة في المزمار. # وقال موروجان مرة أخرى: هل ننصرف الآن؟ # ولكن ويل رفع يده ليسكته. وتحركت إلى وسط المسرح الفتاة الدمية وهي تغني: # ثلاثة مليارات ms277 من خلايا المخ، # من الداخل إلى الخارج، # ذلك هو الفكر، # وبلايين من أشواط البليارد، # تحدد للإنسان إيمانه وشكه، # الإيمان عندي تصادم بينها، # والمنطق عندي إنزيم لديها، # والأدرينالين القرنفلي رؤياي، # والأدرينالين الأبيض جرائمي، # أنا التنظيم المحسوس، # لعشرات من حركاتها، # وكل ذرة في وحدتها، # تنبئ بالضرورة من أكون. # نفد صبر موروجان فأمسك بويل من ذراعه وقرصه قرصة قوية، وصاح قائلا: هل أنت آت؟ # والتفت إليه ويل غاضبا، وجذب ذراعه ليخلصها من قبضة الفتى وقال له: ما هذا الذي تصنع بي، ~~أيها الأحمق الصغير؟ # وشعر موروجان بشيء من الخوف فغير من نغمته وقال: أردت أن أعرف هل أنت مستعد للذهاب إلى ~~أمي؟ # أجابه ويل: لست مستعدا، ولم أذهب. # وصاح موروجان بنغمة تنم عن دهشة بالغة وقال: كيف لا تذهب، وهي بانتظارك، وهي ... ~~- قل لأمك إنني آسف وعندي موعد سابق مع إنسان يحتضر. ~~- ولكن الأمر غاية في الأهمية. ~~- وكذلك الموت. # وأخفض موروجان صوته وقال هامسا: إن شيئا ما يحدث. # ومن خلال ضجيج الزحام المضطرب صاح ويل: أنا لا أستطيع أن أسمعك. # وتلفت موروجان حواليه وجلا، ثم خاطر برفع صوته قليلا وقال: إن شيئا ما يحدث، شيئا ~~خطيرا. # وبالمستشفى شيء يحدث أشد خطرا! # وبدأ موروجان يتكلم وقال: لقد سمعنا لتونا ... ثم تلفت حواليه مرة أخرى، وهز رأسه، وأكمل ~~العبارة قائلا: لا، أنا لا أستطيع أن أخبرك بالأمر هنا؛ ولذلك لا بد لك أن تأتي إلى ~~المنزل، الآن؛ ليس لدينا وقت نضيعه. # ونظر ويل إلى ساعته وردد عبارته: ليس لدينا وقت نضيعه. ثم التفت إلى ماري ساروجيني وقال: ~~لا بد من الذهاب. # أي الطرق نسلك؟ # قالت: سأريك. وانطلقا بأيد متشابكة. # وقال موروجان متوسلا: مهلا، مهلا! ولما توقف ويل وماري ساروجيني عن المسير شق طريقه في ~~الزحام ليلحق بهما، وصاح في أعقابهما: ماذا أقول لها؟ # وقد كان ما بدا على الصبي من فزع مذلا له بصورة تدعو إلى الضحك. وتغيرت حال ويل من ~~الغضب إلى التفكه، وضحك ضحكة عالية، ثم توقف عن المسير وسأل: ماذا تقولين لها ms278 يا ماري ~~ساروجيني؟ # قالت الطفلة: أقول لها ما حدث بالضبط؛ أقصد لو كانت أمي. وبعد إعادة التفكير قالت: ولكن ~~الراني ليست أمي، وتطلعت إلى موروجان وسألته: هل تنتمي إلى ناد من نوادي التبني ~~المتبادل؟ # وطبعا لم يكن موروجان ينتمي إلى أي ناد منها. كما كانت فكرة هذه النوادي عند الراني من ~~الكفر؛ لأن الله وحده هو الذي يجعل المرأة أما. وأرادت هذه الصليبية الروحانية أن تكون ~~وحدها مع هذه الفريسة التي أعطاها الله إياها. # هزت ماري ساروجيني رأسها وقالت: ليس لك ناد. هذا أمر مريع! لو كان لك ناد لذهبت إلى إحدى ~~أمهاتك ومكثت معها بضعة أيام. # وتملك الرعب قلب موروجان عندما خطر له أنه سوف ينهي إلى أمه الوحيدة نبأ فشله في مهمته. ~~وفي حالة هستيرية عاد إلى الموضوع بصيغة أخرى، وظل يردد قوله: لست أدري ماذا تقول. # قال له ويل: هناك وسيلة واحدة تعرف بها ماذا سوف تقول. اذهب إلى بيتك واستمع. # وتوسل إليه موروجان أن يرافقه وشدد قبضته على ذراع ويل. # قال ويل: قلت لك لا تمسني. فسحب يده القابضة فورا، وابتسم ويل مرة أخرى، ورفع عصاه ~~مشيرا بها للوداع وقال: خيرا فعلت، طبت مساء يا صاحب السمو، ثم التفت إلى ماري ساروجيني ~~وقال بروح مرحة: أرني الطريق يا ماك فيل. # وسألته ماري ساروجيني: هل كنت تتصنع أم هل كنت غاضبا فعلا؟ # وأكد لها أنه فعلا غضب وصدقا. ثم تذكر ما شهده في جيمنازيوم المدرسة، ودمدم بالنغمات ~~الأولى لأغنية راكشاسي المزمارية، وضرب على الرصيف بعصاه ذات الطرف الحديدي. # قال: هل كان ينبغي لي أن أضرب بقدمي؟ ~~- ربما كان أفضل. ~~- هل تظنين ذلك؟ ~~- سوف يمقتك بعدما يتخلص من الرعب الذي تملكه. # هز ويل كتفيه، مستهينا إلى أقصى حد، ثم أخذ الماضي يتراجع والمستقبل يقترب وهما يبتعدان ~~عن قوس المصابيح التي كانت تضيء السوق ويصعدان الشارع المظلم شديد الانحدار الذي يتلوى حتى ~~المستشفى، وعندئذ بدأت تتغير حالته النفسية. قال لها: أرني الطريق يا ماك فيل؛ ولكن إلى ~~أين يتجه ms279 الطريق، ومن أين يتبعد؟ إنه يتجه نحو مظهر آخر من مظاهر الفزع الأكبر ويبتعد عن كل ~~أمل في الاستمتاع بسنة التحرر التي وعده بها جو ألديهايد والتي كان من الميسور (لأن بالا ~~كان محكوما عليها بالهلاك على أية حال) وليس من الخيانة ولا مما يتنافى مع الأخلاق أن يظفر ~~بها، ولا يبتعد عن الأمل في الحرية فحسب، بل ربما يبتعد كذلك عن أي رجاء في أجر عال يتقاضاه ~~نظير استعباده كمراقب محترف للإعدام. إذا شكت الراني لجو وإذا سخط عليه جو سخطا شديدا، ~~فهل يعود. هل يحاول أن يجد موروجان، ويقدم له الاعتذار ويفعل ما تأمره به تلك المرأة ~~المريعة؟ وعلى بعد مائة ياردة في أعلى الطريق بدت له أضواء المستشفى وهي تتلألأ بين ~~الأشجار. # قال: دعنا نسترح لحظة. # سألته ماري ساروجيني جزعة: هل أنت متعب؟ ~~- قليلا. # وتلفت إلى الوراء واستند على عصاه وألقى على السوق نظرة. وفي ضوء قوس المصابيح تألقت صالة ~~البلدية باللون القرنفلي كأنها جرعة ضخمة من شراب التوت. وفوق قمة برج المعبد رأى مجموعة من ~~التماثيل الهندية في ترتيب فوضوي إلى آخر حد وقد علا بعضها بعضا فوق الأفاريز؛ أفيال ~~ومجموعة من البوذيساتفا، والعفاريت، وبنات خارقات للطبيعة ذوات نهود بارزة وأرداف ضخمة، ~~ومجموعة من تماثيل شيفا وهي تطفر مرحا، وصفوفا من بوذات سبقت وبوذات المستقبل هادئة منتشية. وفي أسفل المساحة التي تقع بين صالة البلدية وهذه ~~التماثيل الميثولوجية، كان جمهور من الناس يتزاحم، وظهر بين الزحام وجه عابس وبيجاما بيضاء ~~من الساتان. فهل يعود؟ ربما كان ذلك هو التصرف الصحيح، الآمن، الحكيم. ولكن صوتا باطنيا، ~~وليس صوتا ضعيفا كصوت الراني، ولكنه صوت جهير صاح به: قذارة! قذارة! هل هو الضمير؟ ~~كلا. الأخلاق؟ لا قدر الله! إنما قذارة زائدة، وقبح، وانحطاط لا يرضاها نداء الواجب؛ هذه ~~أشياء لا يمكنه كرجل صاحب ذوق أن يسهم فيها. # قال لماري ساروجيني: هل نواصل السير؟ # ودخلا دهليز المستشفى. وكانت لدى الممرضة الجالسة عند المكتب رسالة من سوزيلا إليهما، ~~مؤداها أن تذهب ms280 ماري ساروجيني مباشرة إلى منزل السيدة راو حيث تستطيع هي وتوم كريشنا أن ~~يقضيا ليلتهما. أما فارنبي فعليه أن يتوجه فورا إلى الغرفة رقم 34. # قالت الممرضة: الطريق من هنا وفتحت بابا متأرجحا. # وتقدم ويل، وبفعل شرطي منعكس قال تلقائيا في أدب جم: شكرا. وابتسم، ولكنه بشعور المكتئب ~~المستاء في أعماقه أخذ يعرج نحو المستقبل المخوف. # قالت الممرضة: الباب الأخير على اليسار، وعادت إلى مكتبها في الدهليز، وقالت والباب ينغلق ~~من خلفه: والآن أتركك لتسير وحدك. # وأخذ يردد لنفسه: وحدي، وحدي. وتطابق المستقبل المخوف مع الماضي الذي يطارده، وتمثل له ~~الفزع الأكبر بغير حدود في الزمان والمكان. إن هذا الممر الطويل بجدرانه الخضراء شبيه كل ~~الشبه بالممر الذي سلكه منذ عام ليصل إلى الغرفة الصغيرة التي رقدت فيها مولي تلفظ أنفاسها ~~الأخيرة، وعاوده الحلم المزعج. وبحكم القضاء والقدر، وبوعي منه، تقدم نحو قمة الأحلام ~~المزعجة، الموت، صورة أخرى من الموت. # وأخذ يعد دقات قلبه، اثنتان وثلاثون، ثلاث وثلاثون، أربع وثلاثون ... وطرق الباب وأخذ ~~يصغي إلى دقات القلب، وانفتح الباب. وإذا به أمام رادا الصغيرة وجها لوجه. # همست قائلة: كانت سوزيلا بانتظارك. # وسار ويل وراءها في الغرفة، وانعطف حول إحدى الستائر فوقعت عينه على صورة جانبية لسوزيلا ~~هي ظلها في ضوء المصباح، وعلى سرير مرتفع، ووجه نحيل أسمر ملقى على وسادة، وذراعين لا ~~تزيدان عن عظام يكسوها الجلد، وعلى يدين كأنهما مخلبان. الفزع الأكبر مرة أخرى. ارتعد ~~وابتعد. وأشارت رادا إلى مقعد بجوار النافذة المفتوحة فجلس عليه وأغمض عينه؛ أغمضها ~~ماديا عن الحاضر ولكنه بذلك فتحهما في دخيلة نفسه على ذلك الماضي البغيض الذي ذكره به ~~الحاضر. رحل بمخيلته إلى تلك الغرفة التي استلقت فيها العمة ماري، أو على الأصح من كانت في ~~وقت ما العمة ماري، أما آنئذ فهي شخص آخر لا تكاد تعرفه، شخص آخر كأنه لم يسمع بفعل الخير ~~وبالشجاعة وهما لب حياة العمة ماري، شخص آخر امتلأت نفسه حقدا على كل ما اقترب منه بغير ~~تمييز، كارهة لهم ms281 أيا كانوا لا لشيء إلا لأنهم لم يصابوا بالسرطان؛ لأنهم لا يتألمون، ولم ~~يحكم عليهم بالموت قبل الأوان، ومع هذا الحسد الخبيث لما يتمتع به غيرها من صحة وسعادة كانت ~~تتبرم بمرارة إشفاقا على نفسها، وتستشعر اليأس القاتل. # لماذا يحدث هذا لي؟ لماذا؟ # في مخيلته استطاع ويل أن يسمع هذا الصوت الأجش الشاكي، وأن يرى هذا الوجه الذي تشوه وسالت ~~فوقه الدموع. وقد كانت الشخص الوحيد الذي أحبه فعلا وأعجب به من كل قلبه. ومع ذلك فقد أحس ~~نحوها بالازدراء وهي تنهار؛ الازدراء بل المقت الشديد. # ولكي يفر من الماضي فتح عينيه، فرأى رادا جالسة على الأرض، تضع ساقا على ساق، معتدلة، ~~وقد جلست جلسة التأمل، وظهرت سوزيلا مثلها في سكون المتأمل جالسة في كرسيها إلى جوار ~~السرير. ثم نظر إلى الوجه المستلقي على الوسادة، وكان كذلك ساكنا، في هدوء يكاد أن يكون ~~هدوء الموت البارد. وفي الخارج في ظلمة الخضرة صاح طاووس على حين غرة. وتلت فترة من الصمت ~~اشتد عمقه بالقياس إلى هذا الصياح، الصمت الحافل بالمعاني الملغزة المريعة. # وضعت سوزيلا إحدى يديها على ذراع المرأة العجوز وقالت: لاكشمي، وأعادت النداء بصوت أعلى: ~~لاكشمي، وما عتم الوجه الذي اكتسى بهدوء الموت جامدا لا يتحرك. # قالت سوزيلا: لا تسترسلي في النوم. # لا تسترسل في النوم؟ ولقد كان النوم - النوم المصطنع الذي أعقب الحقن - بالنسبة للعمة ~~ماري فترة الراحة الوحيدة من تمزق النفس الذي أصابها من إشفاقها على نفسها ومن المخاوف التي ~~ألحت عليها. ~~- لاكشمي! # وعادت الحياة إلى وجهها. # وقالت السيدة العجوز همسا: لم أكن في الحقيقة نائمة. إنما هو الضعف المميت، وكأني أطفو ~~بعيدا عن هذا المكان. # قالت سوزيلا: ولكن لا بد لك أن تكوني هنا، ولا بد لك من أن تعلمي أنك هنا، في كل حين. ~~ودفعت وسادة أخرى تحت كتفي المرأة العجوز، ومدت يدها إلى زجاجة بها أملاح لها رائحة خاصة ~~كانت موضوعة على النضد الصغير المجاور للسرير. # واستنشقت لاكشمي، وفتحت عينيها وحدقت في وجه سوزيلا، وقالت: ms282 لقد نسيت كم أنت جميلة، ولكن ~~ديوجولد كان دائما ذا ذوق حسن. وارتسم على وجهها الأعجف للحظة واحدة شبح ابتسامة مزعجة. ~~وبعد لحظة أخرى غيرت من لهجة حديثها وقالت: ما رأيك يا سوزيلا؟ هل سنراه ثانية؟ أقصد ~~هناك؟ # وفي صمت ربتت سوزيلا على يد المرأة العجوز، ثم ابتسمت بغتة وقالت: كيف كان الراجا العجوز ~~يصوغ هذا السؤال؟ هل تظنين أننا سوف نراه هناك؟ ~~- وماذا تظنين أنت؟ ~~- أظن أننا خرجنا جميعا من ضياء واحد وأننا جميعا سوف نعود إلى نفس الضياء. # ودار بذهن ويل أن هذه كلها كلمات في كلمات في كلمات. وبجهد جهيد رفعت لاكشمي إحدى يديها ~~وأشارت في اتهام إلى المصباح الذي كان على النضد المجاور للسرير. # وهمست قائلة: إنه يتوهج في عيني. # خلعت سوزيلا المنديل الحريري الأحمر الذي كانت تلف به رقبتها ولفت به ظلة المصباح ~~المصنوعة من الرق. وتحول الضوء من أبيض كاشف بلا مواراة إلى معتم وردي يشع الدفء وكذلك الضوء ~~- كما طاف بمخيلة ويل - الذي سقط على فراش بابز المتغضن كلما أضاء الإعلان عن شراب ~~بورترزجين باللون القرمزي. # قالت لاكشمي: هذا أفضل. وأغمضت عينيها، ثم عادت إلى الكلام بعد فترة طويلة من الصمت وقالت ~~فجأة: الضوء، الضوء، إنه لا يزال يسطع، وسادت فترة من السكون، ثم همست أخيرا بقولها: ما ~~أجمله، ما أجمله! وفجأة جفلت وعضت شفتها. # ووضعت سوزيلا يد المرأة العجوز بين راحتيها وسألتها هل الألم شديد؟ # قالت لاكشمي: يكون الألم شديدا لو كان من آلامي، ولكنه - لست أدري كيف - ليس من آلامي. ~~الألم هنا، وأنا في مكان آخر. الأمر شبيه بما يتكشف للمرء عندما يتعاطى عقار الموكشا، لا ~~شيء في الواقع يتعلق به، حتى الألم. ~~- هل لا زلت ترين الضوء؟ # هزت لاكشمي رأسها وقالت: عندما أعود بذاكرتي إلى الوراء أستطيع أن أقول لك متى اختفى، ~~اختفى عندما بدأت أقول إن الألم ليس في الواقع من آلامي. ~~- مع أن ما قلت كلام طيب. ~~- أعلم ذلك. ولكني كنت أعبر عنه «بالكلام». وارتسم على وجه لاكشمي ms283 مرة أخرى شبح العادة ~~القديمة، عادة الانزعاج لغير ما سبب. # سألتها سوزيلا: فيم تفكرين. ~~- في سقراط. ~~- سقراط؟ ~~- ثرثرة في ثرثرة في ثرثرة؛ حتى حينما تناول تلك المادة فعلا، لا تجعليني أتكلم يا سوزيلا، عاونيني على أن أخرج من ضياء نفسي. # وبعد فترة من السكون قالت سوزيلا: هل تذكرين ذلك الوقت الذي ذهبنا فيه جميعا إلى معبد ~~شيفا القديم الذي يقع فوق محطة المرتفع الشاهق؟ أنت وروبرت وديوجولد وأنا والطفلان، هل ~~تذكرين؟ # وابتسمت لاكشمي مسرورة بالذكرى. ~~- أذكر خاصة ذلك المنظر الذي يشاهده الرائي من الجانب الغربي للمعبد؛ المنظر الذي يمتد ~~فوق البحر، اللون الأزرق، والأخضر والأرجواني؛ وظلال السحب كالمداد. والسحب نفسها؛ الثلج، ~~والرصاص، والفحم النباتي، ولون الساتان. ثم ألقيت سؤالا ونحن نشاهد المنظر. هل تذكرين يا ~~لاكشمي؟ ~~- تقصدين سؤالي عن الضوء الصافي؟ # قالت سوزيلا مؤكدة: نعم عن الضوء الصافي. لماذا يتحدث الناس عن «العقل» وكأنه ضوء؟ هل ~~لأنهم رأوا ضوء الشمس فوجدوه من الجمال بحيث يمسي من الطبيعي أن يطابقوا طبيعة بوذا مع أصفى ~~ما يمكن من كل ضوء صاف؟ أم هل وجدوا ضوء الشمس جميلا لأنهم - بالشعور أو باللاشعور - ~~شاهدوا منذ بدء حياتهم للعقل الأكبر رؤى على شكل الضوء؟ وقالت سوزيلا وهي تبتسم لنفسها: ~~وكنت أول من أجاب. وكنت قبل ذلك قد قرأت شيئا لأحد السلوكيين الأمريكان ولم أكف عن التفكير، ~~ولم أقدم إليك سوى «وجهة النظر العلمية». إن الناس يسوون بين العقل «أيا كانت طبيعته» ~~وهلوسة الضوء؛ لأنهم كثيرا ما شاهدوا الشمس وهي تغرب وتأثروا بها أشد التأثر. ولكن روبرت ~~وديوجولد لا يريان هذا الرأي، ويصران على أن الضوء الصافي هو الذي يسبق. ~~- إن المرء يولع بغروب الشمس لأنه يذكره بما يجري دائما - عرف أو لم يعرف - داخل جمجمته ~~وخارج الزمان والمكان. وقد وافقتهما لاكشمي؛ هل تذكرين؟ قلت: «كنت أود أن أؤيدك يا سوزيلا»، ~~على الأقل لأنه ليس من الصواب أن يكون رجالنا على حق في كل الأوقات، ولكنهم في هذه الحالة ~~مصيبون بشكل واضح جدا، وبالطبع كانوا مصيبين ms284 وبالطبع كنت مخطئة كل الخطأ. وليست بي حاجة ~~إلى القول إنك عرفت الإجابة الصحيحة قبل أن تسألي السؤال. # وهمست لاكشمي قائلة: إنني لم أعرف شيئا قط، بل استطعت فقط أن «أرى». # وقالت سوزيلا: أذكر ما قلته لي عن رؤيتك للضوء الصافي. هل تريدينني أن أذكرك به؟ # وأومأت المرأة المريضة برأسها موافقة. # قالت سوزيلا: كانت المرة الأولى وأنت في الثامنة من عمرك، عندما وقعت عيناك على فراشة ~~برتقالية على ورقة من أوراق الشجر ترفرف بجناحيها في ضوء الشمس، وفجأة تألق الضوء الصافي - ~~الذي يرمز للحقيقة الكبرى المثالية البحتة - من خلالها، كأنه شمس أخرى. # وهمست لاكشمي: بل أشد إشراقا منها. ~~- ولكنه ضوء أخف، فأنت تستطيعين أن تحدقي في الضوء الصافي ولا يصيبك العمى. واذكري هذا ~~الآن، فراشة على ورقة خضراء، ترفرف بجناحيها؛ وإذا بطبيعة بوذا حاضرة حضورا كليا، إنه ~~الضوء الصافي الذي يفوق ضوء الشمس في إشراقه. وكنت حينذاك في الثامنة فقط من عمرك. ~~- وماذا فعلت لأستحق ذلك؟ # وتذكر عندئذ ويل تلك الأمسية التي سبقت وفاة عمته ماري بأسبوع أو ما يقرب منه والتي ~~حدثته فيها عن تلك الأوقات السعيدة التي قضياها معا في بيتها الصغير قريبا من أروندل، ~~البيت الذي كانت وصية عليه، والذي قضى به أحسن أيام عطلاته، يشعل النار في أعشاش الدبابير ~~فيطردها منها بدخانها، ويقوم بالرحلات فوق العشب أو تحت أشجار الزان، ويذكر لفائف السجق في ~~بوجنور، وقارئة البخت الغجرية التي تنبأت له أن يصل إلى منصب وزير المالية، وتذكر حامل ~~الصولجان في الكنيسة بردائه الأسود وأنفه الأحمر الذي طاردهما خارج كاتدرائية تشيتشستر؛ ~~لأنهما أغرقا في الضحك. وكررت العمة ماري في مرارة: أغرقتما في الضحك، أغرقتما في الضحك ~~... # وواصلت سوزيلا حديثها قائلة: والآن عودي بذاكرتك إلى ذلك المنظر الذي بدا من معبد شيفا، ~~واذكري تلك الأضواء والظلال على سطح البحر، وتلك البقع الزرقاء التي تتخلل السحاب، اذكريها، ~~ثم أطلقي العنان لفكرك، أطلقي له العنان حتى يظهر اللافكر. أشياء في الفراغ، وفراغ في ~~الحقيقة الكبرى، والحقيقة الكبرى في صورة ms285 أشياء مرة أخرى، داخل عقلك. اذكري ما جاء في سوترا # 9 # وعيك المشرق، الفراغ، الذي لا ينفصل عن الجسم المشرق العظيم، لا يخضع لميلاد ~~أو موت، إنما هو نفس الضوء الثابت الذي لا يتغير، هو بوذا أميتابها. # 10 # وكررت لاكشمي العبارة قائلة: هو نفس الضوء، ومع ذلك فقد أظلمت الدنيا كلها مرة ~~أخرى. # قالت سوزيلا: أظلمت لأنك تجهدين نفسك، وأظلمت لأنك تريدينها أن تضيء، اذكري ما اعتدت أن ~~تقولي لي وأنا طفلة صغيرة: بخفة يا بنيتي، بخفة، تعلمي أن تصنعي كل شيء بخفة، فكري بخفة، ~~واعملي بخفة، واشعري بخفة، نعم اشعري بخفة، حتى إن كنت بعمق تشعرين. دعي الأمور تحدث بخفة، ~~واجهيها بخفة. وكنت في تلك الأيام جادة بشكل غير معقول. كنت صغيرة متزمتة لا تجد الفكاهة ~~إلى نفسي سبيلا. بخفة، بخفة شديدة؛ هذه أغلى نصيحة قدمت لي. والآن أنا أقول لك نفس هذا ~~الكلام يا لاكشمي ... بخفة، يا عزيزتي، بخفة حتى في ساعة الموت. ليس هناك أمر ثقيل، أو ينذر ~~بالشر، أو أكيد. لا فصاحة في الكلام، ولا هزات في الموسيقى، ولا تشخيص يحس صاحبه أنه يحاكي ~~المسيح أو جوته أو نيل الصغيرة. وبالطبع لا لاهوت ولا ميتافيزيقا. مجرد حقيقة الموت وحقيقة ~~الضوء الصافي. ألقي كل أعبائك وسيري إلى الأمام، حواليك رمال متحركة، تجذب قدميك، وتحاول أن ~~تسيخ بك إلى هوة الخوف والإشفاق على النفس واليأس؛ لذلك يجب أن تخففي الوطأ في المسير، ~~مهلا يا عزيزتي، على أطراف أصابع قدميك، لا أعباء على ظهرك، ولا حتى حقيبة الإسفنج، تخلصي ~~من كل العوائق. # تخلصي من كل العوائق ... ذكرت ويل هذه العبارة بعمته المسكينة ماري وهي تغوص إلى أبعاد أعمق ~~وأعمق كلما خطت خطوة في الرمال المتحركة، أعمق وأعمق حتى غابت نهائيا وإلى الأبد في الفزع ~~الأكبر وهي تكافح وتحتج حتى آخر رمق في حياتها. ونظر مرة أخرى إلى ذلك الوجه الأعجف ~~المستلقي على الوسادة ورأى على شفتيه ابتسامة. # واستمع إلى همس أجش ينادي: الضوء، الضوء الصافي، إنه أمامي، أراه وأنا ms286 أحس الألم، على ~~الرغم من الألم. # سألتها سوزيلا: وأين أنت؟ ~~- هناك، في الزاوية. حاولت لاكشمي أن تشير. ولكن الإصبع المرفوعة اهتزت وسقطت على الملاءة ~~بلا حراك، أرى نفسي هناك، وتستطيع هي أن ترى جثماني فوق الفراش. ~~- هل تستطيع أن ترى الضياء؟ ~~- لا، الضياء هنا، حيث يستلقي جسدي. # وانفتح باب غرفة المريضة في هدوء، والتفت ويل وأمكنه أن يرى شبح الدكتور روبرت النحيل ~~يخرج من وراء الستار إلى الشفق الوردي. # ونهضت سوزيلا وأشارت إليه ليجلس مكانها فوق الفراش، وجلس الدكتور روبرت، وانحنى إلى ~~الأمام، وأمسك بيد زوجته في إحدى يديه ووضع يده الأخرى على جبينها. # وهمس قائلا: هذا أنا. ~~- أخيرا ... # قال لها إن شجرة قد سقطت فوق خط التليفون. ولم يمكن الاتصال بمحطة المرتفع العالي إلا ~~بالمسير على الطريق. وقد بعثوا برسول في عربة. ولكن العربة تحطمت، فضاع من الزمن أكثر من ~~ساعتين، وختم الدكتور روبرت حديثه قائلا: ولكن أحمد الله فقد استطعت أن أكون هنا في ~~النهاية. # وتنهدت المرأة التي تعاني سكرات الموت تنهدا عميقا، وفتحت عينيها لحظة، وتطلعت إليه وهي ~~تبتسم، ثم أغمضت عينيها ثانية، وقالت: عرفت أنك حضرت. # وبصوت هادئ قال: لاكشمي، لاكشمي. وسحب أطراف أصابعه فوق جبينها المجعد مرة تلو المرة وهو ~~يقول: محبوبتي. وسال الدمع على خديه، ولكن صوته كان ثابتا وتحدث بحنان يصدر عن قوة لا عن ~~ضعف. # وهمست لاكشمي: لم أعد هناك. # وفسرت سوزيلا لحميها هذه العبارة وقالت: كانت هناك في الزاوية وهي تنظر إلى جسدها هنا في ~~الفراش. ~~- ولكني عدت الآن، أنا والألم، أنا والضياء، أنا وأنتم؛ كل ذلك معا. # وصاح الطاووس مرة أخرى، ومن خلال أصوات الحشرات التي تعد في هذه الليلة الاستوائية نوعا ~~من الصمت، ومن بعيد ولكن في وضوح تام سمع صوت موسيقى مرحة، بالمزامير وعلى الأوتار وبدق ~~الطبول المستمر. # قال الدكتور روبرت: أنصتوا. هل تستطيعون أن تسمعوا؟ إنهم يرقصون. # ورددت لاكشمي وراءه: يرقصون، يرقصون. # وهمست سوزيلا: يرقصون برقة كأن لهم أجنحة. # وارتفع صوت الموسيقى مرة أخرى وطرقت الأسماع. # قالت ms287 سوزيلا: موسيقى الغزل يا روبرت. هل تذكر؟ ~~- وهل أنسى أبدا؟! # وقال ويل لنفسه: هل يستطيع المرء أن ينسى أبدا؟ هل يستطيع المرء أن ينسى تلك الموسيقى ~~الأخرى البعيدة، وقريبا منه، في سرعة وضحل غير عاديين صوت أنفاس النزع الأخير تطرق أذني ~~صبي صغير؟ في البيت القائم على الجانب الآخر من الشارع كان شخص ما يتدرب على موسيقى براهمز ~~فالس التي كانت عمته ماري تحب أن تعزفها، وأخذت تعد ضرباتها، واحد، اثنين، ثلاثة، واحد، ~~اثنين، ثلاثة، ثم ... وووواحد، اثنين، ثلاثة، واحد، واحد، اثنين، ثلاثة، واحد، و... وهنا اهتزت ~~تلك المرأة الغريبة البغيضة، التي كانت فيما مضى العمة ماري وتنبهت من سباتها المصطنع وفتحت ~~عينيها، وظهر على وجهها الشاحب النحيل تعبير عن أسوأ حالة من حالات المرض الخبيث، وكادت ~~تصيح بصوت أجش لا يميز السامع قائله: اذهب وقل لهم كفوا عن العزف. وتحولت آثار المرض الخبيث ~~إلى آثار اليأس، وشرعت هذه الغريبة - هذه الغريبة البغيضة التي تدعو إلى الإشفاق - في ~~النحيب ولم تتمالك نفسها. دقات موسيقى براهمز فالس: تلك كانت قطع الموسيقى - بين كل ما تملك ~~من الأنغام - التي أحبها فرانك أكثر من أي شيء آخر. # وهبت نفحة أخرى من الهواء البارد جلبت معها نغمة أعلى من تلك الموسيقى المرحة ~~البهيجة. # قال الدكتور روبرت: هؤلاء الشباب الذين يتراقصون، وهذا الضحك وهذه الشهوة، وتلك السعادة ~~التي لا تشوبها شائبة! كل ذلك هنا، يخلق جوا، كأنه مجال من مجالات القوة. سرورهم وحبنا - ~~حب سوزيلا، وحبي - كل ذلك يأتلف ويقوي بعضه بعضا؛ الحب والسرور يلفك يا عزيزتي، الحب ~~والسرور يرفعانك إلى هدوء الضوء الصافي، استمعي إلى الموسيقى. هل لا زلت تسمعينها يا ~~لاكشمي؟ # قالت سوزيلا: لقد شطحت مرة أخرى، حاول أن تستعيدها. # ودفع الدكتور روبرت إحدى ذراعيه تحت جسدها المهزول ورفعه قليلا إلى وضع الجلوس، وتدلى ~~رأسها على أحد الجانبين واستند إلى كتفه. # وظل يهمس لها: حبيبتي، حبيبتي ... # وانفرج جفناها لحظة. وفي همس يكاد لا يسمع كرر ويل قوله: اشتدي بريقا. وعندئذ ارتسمت ~~على شفتيها ms288 ابتسامة السعادة، قوية حتى لتكاد أن تكون ابتهاجا، وغيرت من ملامح ~~وجهها. # ومن خلال دموعه بادلها الدكتور روبرت الابتسام، وأخذ يربت على شعرها الأشيب ويقول: الآن ~~تستطيعين أن ترحلي يا عزيزتي. وأخذ يردد قوله: ارحلي، ارحلي، ارحلي عن هذا الجسم المسكين ~~العجوز. إنك لم تعودي بحاجة إليه. دعيه يسقط عنك. اتركيه راقدا هنا ككومة من الثياب ~~البالية. # وفغر فوها في وجهها الأعجف، وفجأة تحولت أنفاسها إلى غطيط. # وضمها الدكتور روبرت إلى صدره وهو يقول: حبيبتي، عزيزتي، ارحلي الآن، ارحلي، اتركي جسدك ~~البالي هنا، واذهبي يا عزيزتي إلى الضياء، إلى السكون ، إلى السكون الحي، سكون الضوء الصافي ~~... # ورفعت سوزيلا إحدى اليدين المرتخيتين ولثمتها، ثم التفتت إلى رادا الصغيرة. # وقالت لها همسا وقد لمست كتفها: آن لك أن تذهبي. # تنبهت رادا من تأملاتها وفتحت عينيها وأومأت برأسها، واتجهت في صمت على أطراف أصابع ~~قدميها صوب الباب وكأنها تزحف زحفا، واستدعت سوزيلا ويل بإشارة منها، وسارا معا خلف رادا. ~~وفي صمت سار ثلاثتهم في الممر خارج الغرفة، وعند الباب المتأرجح استأذنت رادا ~~بالانصراف. # وقالت همسا: أشكركما على استبقائكما لي معكما. # قبلتها سوزيلا وقالت: بل الشكر لك لأنك عاونت لاكشمي على تخفيف الأمر عليها. # وتبع ويل سوزيلا عبر الردهة حتى زلفا إلى الظلام الدافئ العطر. وفي صمت هبطا من الجبل ~~متجهين نحو السوق. # وأخيرا قال وهو تحت ضغط عجيب أراد به أن يخفي مشاعره ويتظاهر بنوع رخيص من السخرية: أظن ~~أنها ستسرع الآن لتمارس شيئا من الماثيونا مع صديقها الفتى. # وقالت سوزيلا في هدوء: الواقع أنها مكلفة بالسهر في أداء واجبها. وإذا لم يكن الأمر كذلك ~~فماذا يمنع انتقالها من يوجا الموت إلى يوجا الحب؟ # ولم يجب ويل في الحال؛ فقد كان يفكر فيما حدث بينه وبين بابز ليلة تشييع مولي. يوجا نقيض ~~الحب، يوجا الإدمان الممقوت، والشهرة وبغض النفس الذي يعزز النفس ويجعلها أكثر مدعاة ~~للبغض. # وأخيرا قال: أنا آسف فقد حاولت أن أكون ممجوجا. ~~- هذا شبح أبيك، وسوف نحاول أن نبعده عنك. ms289 # وعبرا ساحة السوق وبلغا الآن - عند نهاية الشارع القصير الذي يسلكه الخارج من القرية - ~~المكان المكشوف الذي كانت تقف فيه عربة الجيب. وعندما ساقت سوزيلا العربة إلى الطريق العام ~~سطع شعاع المصابيح الأمامية على عربة صغيرة خضراء كانت تسير هابطة من الجبل صوب الطريق ~~الجانبي. ~~- أليست هذه هي العربة أوستن الصغيرة الملكية؟ # قالت سوزيلا: هي بعينها، وتعجبت إلى أين كانت الراني وموروجان يتجهان في هذا الوقت من ~~الليل. # وخطر ببال ويل أنهما لا يقصدان خيرا. وبدفعة مفاجئة أفضى لسوزيلا بمهمة رحلته التي كلفه ~~بها جو ألديهايد، وبمداولاته مع الملكة الأم والمستر باهو. # واختتم حديثه قائلا: ولديك ما يبرر إبعادي عن البلاد غدا. وأكدت له أن ذلك لا يمكن أن ~~يتم الآن وهو بسبيل تغيير رأيه، وأضافت قولها: ومع ذلك فإن ما فعلته لا يمكن أن يكون له ~~تأثير على القضية الحقيقية. عدونا هو البترول بوجه عام. وليس هناك فارق بين أن تستغلنا شركة ~~جنوب شرقي آسيا للبترول أو شركة ستاندارد في كلفورنيا. ~~- هل تعلمين أن موروجان والراني كانا يتآمران ضدك؟ ~~- إنهما لا يخفيان ذلك. ~~- لماذا إذن لا تتخلصين منهما؟ ~~- لأن الكولونيل ديبا يعيدهما في الحال. الراني هي أميرة راندنج. إذا نحن طردناها كان ذلك ~~سببا في اشتعال الحرب. ~~- ماذا إذن تستطيعين أن تفعلي؟ ~~- أحاول أن أردهما إلى الصواب، وأن أجعلهما يغيران رأيهما، وآمل في نتيجة طيبة، وأستعد ~~لأسوأ الظروف. ~~- وماذا أنت فاعلة إذا حلت بك أسوأ الظروف؟ ~~- أحاول أن أستغل الموقف أحسن استغلال؛ فالفرد حتى في أسوأ المجتمعات يستبقي شيئا من ~~الحرية. الإنسان يفكر بينه وبين نفسه، ويتذكر ويتخيل بينه وبين نفسه، ويحب بينه وبين نفسه، ~~ويموت وحيدا، حتى تحت حكم الكولونيل ديبا. وصمتت قليلا ثم سألته: هل سمح لك الدكتور ~~روبرت بتعاطي عقار الموكشا؟ وأومأ برأسه إيجابا، فقالت: هل تحب أن تجربه؟ ~~- الآن؟ ~~- الآن، إذا كان لا يهمك أن تسهر الليل كله بفعله. ~~- ليس عندي ما هو خير من ذلك. # وحذرته سوزيلا قائلة: ربما وجدت أنك لم تحب قط ms290 شيئا أسوأ منه، فعقار الموكشا قد يسمو بك ~~إلى السماء. وقد يقذف بك في الجحيم. وقد يدفع بك إليهما معا في وقت واحد أو بالتناوب. ~~وربما دفع بك (إن كنت حسن الحظ، أو إن أنت تأهبت لذلك) إلى ما وراء كل منهما، ثم إلى ما ~~وراء ذلك، وتعود إلى نقطة الابتداء؛ إلى هنا، إلى روثامستد الجديدة، وإلى عملك المعتاد، ~~ولكن الآن بالطبع هذا الفعل المعتاد مختلف كل الاختلاف. # | الفصل الخامس عشر # دقة، دقتان، ثلاث دقات، أربع ... وهكذا حتى اثنتي عشرة، أعلنت بها الوقت الساعة التي كانت ~~بالمطبخ. أي تناقض هذا ، لأن الزمن لم يعد له وجود! إن جرس الساعة يدق دقات مزعجة لا معنى ~~لها وسط أحداث الحاضر التي لا يحدها زمان، وسط اللحظة الراهنة لا تفتأ تتغير لا بأبعاد ~~الثواني والدقائق ولكن بأبعاد الجمال، والدلالة، والكثافة، والإلغاز الذي يزداد ~~عمقا. ~~- سعادة مشرقة. خرجت الكلمات من أضحال عقله كالفقاقيع، وطفت على السطح ثم اختفت في ~~متاهات الضوء الحي التي كانت تنبض وتتنفس من وراء عينيه المغمضتين، سعادة مشرقة. هذا هو ~~أقرب وصف لما آراه. ولكن ذلك الحدث الذي لا يحده زمان والذي لا يفتأ يتغير كان شيئا لا ~~تستطيع الكلمات أن تعبر عنه إلا بالكاريكاتير والتصغير، ولا يمكنها إطلاقا أن تنقله. لم ~~تكن سعادة فقط بل كان كذلك إدراكا، إدراكا لكل شيء، دون معرفة بأي شيء. المعرفة تقتضي أن ~~يكون هناك من يعرف والأوجه المختلقة المتعددة للمعروف ولما يمكن أن يعرف. أما الآن، وراء ~~عينيه المغمضتين فلا شاهد ولا مشهود. ليست هناك إلا حقيقة واحدة يمارسها، وهي اتحاده في ~~شعور من السعادة مع وحدة الوجود. # 1 # وفي رؤى متعاقبة اشتد الضوء إشراقا، والإدراك عمقا، واشتد الإحساس بالسعادة إلى درجة ~~مستحيلة لا تطاق. قال لنفسه: يا إلهي العزيز! ثم سمع صوت سوزيلا آت من عالم آخر. ~~- هل تشعر أنك تريد أن تقول لي شيئا عما يحدث؟ # وانقضى بعض الوقت حتى استطاع ويل أن يجيب على سؤالها؛ فقد كان النطق عسيرا، لا ms291 بسبب عائق ~~مادي. ولكن لأن الكلام كان يبدو شيئا من السخف الذي لا يتحقق من ورائه هدف. وأخيرا همس ~~قائلا: الضياء. ~~- وأنت هناك تنظر إلى الضياء؟ # وبعد فترة طويلة من صمت التفكير قال: أنا لا أنظر إليه، إنما أنا هو، وكرر قوله مؤكدا: ~~أنا هو. # وفي حضور الضياء كان غيابه، وليام آسكويث فارنبي؛ لم يكن هناك هذا الشخص لا في أساسه ولا ~~جوهره. في الأساس والجوهر لم يكن هناك شيء سوى السعادة المشرقة، والإدراك الذي لا يعرف، ~~والاتحاد مع الوحدة في وعي بغير حدود لا يفرق بين شيء وآخر. هذه - كما اتضح له - هي الحالة ~~الطبيعية للعقل. كما كان هناك - بصورة لا تقل تأكيدا - ذلك المراقب المحترف للإعدام، ذلك ~~المقبل في إدمان على بابز والذي يمقت نفسه لهذا السبب. كان هناك كذلك ثلاثة آلاف مليون نوع ~~من أنواع الشعور كل منها منفصل عن الآخر، وكل منها مركز لعالم من عوالم الأحلام المزعجة، ~~عالم يستحيل فيه لأي مخلوق ذي عينين أو ذرة من الإخلاص مع النفس أن يقبل الأمور على علاتها. ~~أية معجزة خبيثة تلك التي حورت الحالة الطبيعية للعقل إلى هذه الجزر الشيطانية التي تنعزل ~~كل واحدة منها عن الأخرى، جزر البؤس والانحراف؟ # وفي دنيا السعادة والإدراك هذه كانت تعود إلى الذاكرة بين الحين والحين ذكريات قديمة ~~وآثار متخلفة من المشاعر السابقة كالوطاويط نظهر في ضوء الشمس الغاربة. ومن هذه الذكريات ~~القديمة فلسفة أفلوطين، # 2 # ومذهب المعرفة الروحية، # 3 # ومذهب الواحد الأحد وما يتفرع منه. وهكذا أخذ يعود إلى الماضي السحيق حتى أحس ~~الهول المتراكم. ومن المشاعر المتخلفة الشعور بالغضب والاشمئزاز عندما أصبحت الأهوال ~~المتراكمة ذكريات معينة لما رآه وفعله، ولما أصابه من غيره وأصاب غيره منه، وهو (وليام ~~آسكويث فارنبي) الآن لا وجود له أساسا. # ولكن خلف هذه الذكريات المضطربة ومن حولها ومن داخلها بشكل ما ذلك العالم السماوي، عالم ~~السعادة والطمأنينة والإدراك. وقد تبدو بعض الوطاويط في ضوء الشمس الغاربة. ولكن هناك حقيقة ~~ثابتة، وهي أن معجزة الخلق ms292 الرهيبة قد انقلبت؛ فبعد أن كان بائسا منحرفا بصورة خارقة ~~للطبيعة تحول إلى عقل محض، إلى عقل على حالته الطبيعية. ليست له حدود، ولا يميز شيئا عن ~~شيء، سعيدا سعادة مشرقة، مدركا بغير معرفة. # الضوء الآن، والضوء في هذا المكان. ولما كان المكان بغير حدود والزمان بغير توقيت فلم يكن ~~هناك شخص خارج الضوء لينظر إلى الضوء، أمست الحقيقة هي الوعي والوعي هو الحقيقة. # ومن ذلك العالم الآخر، في مكان ما إلى اليمين طرق أذنه للمرة الثانية صوت سوزيلا. # سألته: هل أنت سعيد؟ # اكتسحت موجة من إشعاع أشد إشراقا كل تلك الأفكار والذكريات المضطربة، ولم يعد هناك الآن ~~شيء سوى الشفافية البلورية للنعمة والسعادة. # وبغير أن ينطق، ودون أن يفتح عينيه ابتسم وأومأ برأسه إيجابا. # واصلت حديثها قائلة: هذا ما أسماه إيكهارب # 4 # الله. سعادة ساحرة، مكثفة بدرجة لا يتصورها العقل وتجل عن الوصف. ووسط هذه ~~الحالة يتجلى الله ولا ينطفئ نوره. ~~«يتجلى الله ولا ينطفئ نوره» ... ما أصدق هذا القول! ولشد ما كان تأثيره على ويل فأخذ يقهقه ~~من غرابة التشبيه، وقال وهو يلهث: هل يكون نور الله كالنور ينبعث من بيت يحترق؟ أو كالنور ~~في احتفالات الرابع عشر من شهر يوليو! وانفجر مرة أخرى في ضحكات عالية. # ومن وراء جفنيه المغمضين تدفقت السعادة المشرقة إلى أعلى كأنها شلال منعكس. تدفقت إلى ~~أعلى من اتحاد إلى اتحاد أكمل، ومن انعدام الشخصية إلى ما يجاوز الذاتية بدرجة ~~مطلقة. # كرر لنفسه: هل يكون نور الله كنور الرابع عشر من شهر يوليو! ومن قلب تيار السعادة المتدفق ~~إلى أعلى أطلق ضحكة أخرى تنطوي على الفهم والتمييز. # سألته سوزيلا: وما رأيك في الخامس عشر من شهر يوليو، والصبيحة التالية؟ ~~- ليست هناك صبيحة تالية. # هزت رأسها وقالت: إنني أشتبه في أن تكون في حالة نيرفانا. ~~- وماذا يضير في هذا؟ ~~- هذا روح محض، نقاؤه مائة في المائة؛ هذا شراب لا يستسيغه إلا أشد الناس إدمانا في ~~التأمل. البوذيساتفا يخففون النيرفانا بمقادير متساوية من الحب والعمل. ms293 ~~- هذه حالة أفضل. ~~- تقصد أنها ألذ؛ لذلك كان إغراؤها قويا. الإغراء الوحيد الذي يرضى عنه الله، إنه ثمرة ~~الجهل بالخير والشر. ثمرة حلوة المذاق، كأنها المنجة الفاخرة! هي الطعام الذي تناولته ~~الآلهة بلايين السنين. وفجأة ظهر الإنسان، وتفجرت معرفة الخير والشر، فأنبت الله نوعا ~~جديدا من الثمرات أقل في مذاقه حلاوة. وقد طعمت منذ لحظة شريحة من المنجة الفاخرة الأولى؛ ~~لذلك فأنت تستطيع أن تدرك الله. # وسمع صريرا صادرا من أحد المقاعد، وخشخشة ثياب، ثم سلسلة من أصوات الحركة التي لم ~~يستطع تفسيرها. ماذا كانت تصنع؟ كان يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال لو أنه فتح عينيه. ولكن ~~من ذا الذي يهمه حينذاك ما كانت تصنع؟ لم يعد لأي شيء أهمية سوى بريق هذا التيار من السعادة ~~والإدراك الذي يندفع إلى أعلى. # قالت: من المنجة الفاخرة إلى ثمرة المعرفة؛ سوف أفطمك على مراحل متدرجة. # طرق أذنه طنين. ومن الأضحال طفت إلى سطح الشعور فقاعة من فقاقيع المعرفة. كانت سوزيلا تضع ~~أسطوانة على قرص الحاكي المستدير، وبدأ الفونوغراف يدور. # وسمعها تقول: هذا جوان سباستيان باخ. أقرب الموسيقى إلى السكون، أقربها إلى الروح الصافي ~~مائة في المائة على الرغم من ارتفاع النغم. # وتحول الطنين إلى أصوات موسيقية، وانبثقت إلى أعلى فقاعة أخرى من فقاقيع المعرفة، وكان ~~يستمع إلى كونسرتو براندنبرج الرابع. # كانت بطبيعة الحال هي بعينها كونسرتو براندنبرج الرابع التي كثيرا ما استمع إليها في ~~الماضي، هي بعينها، ومع ذلك فهي على أتم اختلاف معها. هذا الأليجرو (الموسيقى الخفيفة ~~السريعة) كان يعرفه عن ظهر قلب. ومعنى ذلك أنه كان في أحسن وضع ممكن ليتأكد أنه لم يسمع به ~~قط من قبل، فأولا أنه لم يكن هو - وليام آسكويث فارنبي - الذي كان يصغي. وكانت الأليجرو ~~تكشف عن نفسها باعتبارها عنصرا في الحدث الراهن العظيم. كانت مظهرا لا يبعد إلا خطوة ~~واحدة عن السعادة المشرقة، وربما كان ذلك وصفا لها لطيفا، ففي ظروف أخرى يكون هذا ~~الأليجرو هو السعادة المشرقة، هو الفهم الذي لا ms294 يستند إلى معرفة لكل شيء يدرك من خلال ناحية ~~معينة من نواحي المعرفة. كان الوعي الذي لا يميز مجزءا في نغمات وعبارات موسيقية ومع ذلك ~~فما يزال هو هو بعينه بكل مغزاه. وكل ذلك بطبيعة الحال لم يخص أحدا ما؛ فقد كان في نفس ~~الوقت هنا، وهناك، وفي اللامكان. إن الموسيقى التي استمع إليها - باعتباره وليام آسكويث ~~فارنبي - مائة مرة من قبل، ولدت مرة أخرى وعيا لا يمتلكه؛ ولذلك كان الآن يستمع إليها لأول ~~مرة. إن كونسرتو براندنبرج الرابع - وهو ليس ملكا له - من روعة الجمال وعمق المعنى الكامن ~~فيه ما يفوق كثيرا أي شيء التمسه من قبل في نفس هذه الموسيقى عندما كانت ملكا خاصا ~~له. # ثم طفت فقاعة معناها: يا لك من أبله! وكأنها تعليق ساخر. وهذا الأبله دأب على ألا يقبل أي ~~أمر من الأمور إلا ما كان منه في مجال الجمال. وكان دائما ينكر - لأنه لا يمثل إلا نفسه - ~~كل جمال وكل معنى يتمنى قبوله. لم يكن وليام آسكويث فارنبي سوى مصفاة قذرة، يتسرب إليه منها ~~البشر، والطبيعة، بل والفن الذي يعشقه بعدما تعتمه كله سحابة داكنة ويتلوث بالوحل، وتقل ~~قيمته، ويتغير، ويصبح أقبح من حقيقته. أما في هذا المساء فلأول مرة يكون وعيه بقطعة من ~~الموسيقى مباشرا لا يعوقه عائق. بين عقله والصوت، وبين عقله والنموذج، وبين عقله والدلالة، ~~لا توجد بلبلة من سير الأشخاص التي لا علاقة لها بالموضوع، والتي تغرق الموسيقى أو تخلق ~~نشازا ليس له معنى. كونسرتو براندنبرج الرابع هذا المساء حقيقة نقية، لا يفسده تاريخ شخصي، ~~ولا أفكار ثانوية، ولا غباوات متأصلة يغطي بها الأبله المسكين الذي يرفض كل شيء وبخاصة في ~~الفن - شأنه في ذلك شأن كل نفس أخرى - يغطي بها معطيات الخبرة المباشرة. # لم يكن كونسرتو براندنبرج الرابع هذا المساء مجرد شيء غير مملوك في حد ذاته، بل كان كذلك ~~- بطريق المستحيل - حدثا راهنا في فترة من الزمن لا تنتهي. وربما كان من الأصح أن نقول ~~بغير زمان «بطريقة ms295 أكثر استحالة، نظرا لأنه كان يتألف من ثلاث حركات ويعزف بسرعته ~~المعتادة». وبندول الإيقاع يسيطر على كل عبارة من عباراته. ولكن مجموع العبارات لم يكن مدى ~~من الثواني والدقائق. كان هناك «إيقاع» ولم يكن هناك زمن. ماذا كان هناك إذن؟ # أجاب ويل رغما عنه: «الخلود»؛ لأن هذه الكلمة كانت من تلك الألفاظ الميتافيزيقية السخيفة ~~لا يحلم رجل مهذب الفكر أن ينطق بها حتى لنفسه، بله أن يتفوه بها أمام الجمهور. وقال بصوت ~~مرتفع: الخلود يا إخواني، الخلود، هراء في هراء. ولم يكن لسخريته - كما توقع - أي تأثير؛ ~~ففي هذه الليلة كان لهذه الكلمة من الدلالة المحسوسة ما لغيرها من الكلمات الأخرى التي يحرم ~~ورودها على اللسان. وبدأ يضحك. # سألته: ما يضحكك؟ # أجاب: الخلود. وسواء صدقتني أم لم تصدقني، إنه حقيقة ككل ما يفرزه جسم الإنسان. # ووافقته وقالت: حسنا ما قلت! # ولبث هناك ممعنا في الإصغاء لا يتحرك، يتابع بأذنه وبصيرته تيارات الصوت المتشابكة، ~~وتيارات الضوء التي تقابلها وتنسجم معها، والتي تتدفق في تسلسل متعاقب غير محدودة بزمن. وكل ~~جملة من هذه الموسيقى المألوفة المبتذلة كانت كشفا غير مسبوق لصورة من صور الجمال تندفع ~~إلى أعلى كأنها نافورة غزيرة المياه، وتتتابع الرؤى، وكل منها جديد مذهل في حد ذاته، تيار ~~يتداخل في تيار؛ تيار عزف الكمان المنفرد، وتيارات الأسطوانتين، والتيارات المتنوعة من ~~البيان القيثاري والأوركسترا الصغيرة المؤلفة من أوتار متنوعة، كل منها منفصل، متميز، منفرد؛ ~~ومع ذلك فكل تيار كان منسجما مع غيره، كل منها كان على طبيعته بفضل علاقته بالكل الذي هو ~~جزء منه. # وسمع صوته الباطني يقول: يا إلهي. # ووسط هذه التغيرات المتتابعة بغير حدود زمنية كانت الأسطوانات تنفث نغمة طويلة واحدة. ~~نغمة لا تشوبها نغمات جانبية أعلى، واضحة، صافية، فارغة كأنها من السماء. نغمة (وقد خرجت ~~هذه اللفظة فوارة كأنها فقاعة) من التأمل الصافي. وهنا وردت على خاطره كلمة فاحشة أخرى غير ~~موحية وقد اكتسبت الآن معنى ماديا ويمكنه أن ينطق بها دون إحساس بالخجل. تأمل صاف، لا ms296 ~~يعبأ بشيء، يجاوز إمكان الحدوث، ويخرج عن إطار الأحكام الخلقية. ومن خلال الأضواء المندفعة ~~إلى أعلى لمح في ذاكرته صورة لوجه رادا المشرق وهي تتحدث عن الحب باعتباره تأملا، وصورة ~~أخرى لرادا وهي تجلس ساقا على ساق في سكون عميق مركز في مؤخرة السرير الذي كانت لاكشمي ~~تلفظ فوقه أنفاسها الأخيرة. هذه النغمة الطويلة الصافية كانت معنى كلماتها والتعبير المسموع ~~لصمتها، ومع هذا الفراغ السماوي لصوت المزمار الذي يدعو إلى التأمل كان يتدفق دائما من ~~خلاله وبحذائه صوت الكمان الثري، ذبذبة في ذبذبة عاطفية قوية. وتحيط بهما معا - نغمات ~~الانفصال الذي يدعو إلى التأمل ، ونغمات الاشتباك العاطفي - شبكة من النغم الحاد الجاف تنبعث ~~من أوتار البيان القيثاري. الروح والغريزة، العمل والرؤيا؛ تحيط بها كلها شبكة العقل، ~~يدركها بالفكر المنطقي. ولكن من الواضح أنه يدركها من الظاهر فقط في حدود الخبرة التي تختلف ~~اختلافا أساسيا عن الإطار الذي يزعم الفكر المنطقي أنه يوضحه. # قال: إنه شبيه بالوضعي المنطقي. ~~- أي شيء؟ ~~- ذلك البيان القيثاري. # كالوضعي المنطقي ذلك ما كان يجري في إضحال عقله. أما في الأعماق فإن ذلك الحدث الأكبر - ~~حدث الضوء والصوت - كان يتكشف في بيان سرمدي، كالوضعي المنطقي يتحدث عن أفلوطين وجولي دي ليسبيناس. # 5 # وتغيرت الموسيقى مرة أخرى، وأصبح الكمان هو الذي يواصل (بنغمه العاطفي) نغمة التأمل ~~الطويلة. في حين أن الأسطوانتين كانتا تعزفان موضوع المشاركة بالعمل، وتكررانه بما يدعو إلى ~~الانفصال. وهنا بين الحين والحين كان يتردد الوضعي المنطقي، في سخف وإن يكن ليس عنه غنى، ~~يحاول أن يشرح في لغة لا تتناسب مع الحقائق كل ما كان يدور. # وفي الخلود الذي كان واقعا كإفرازات الجسم البشري استمر في إصغائه لهذه التيارات الصوتية ~~المتداخلة، واستمر يشاهد التيارات الضوئية المتشابكة، واستمر في كونه فعلا (هناك. وهنا في ~~اللامكان) كل ما رأى وكل ما سمع. والآن - على حين غرة - تعرضت صفة الضوء لشيء من التغير، ~~فلقد انتفت صفة الاستمرار عن تلك التيارات المتشابكة التي كانت أول عامل من عوامل التميز ms297 ~~المرن لفهم ما يقع على الجانب الأبعد لكل معرفة تفصيلية، وحلت محلها - فجأة - هذه الأشكال ~~التي ينفصل أحدها عن الآخر في تتابع لا ينتهي؛ وهي أشكال لا تزال محملة بصورة واضحة ~~بالنغمة المشرقة للوجود الذي لا يميز شيئا عن شيء، ولكنها الآن محددة، منعزلة، متفردة. ~~ظهرت له سلسلة من الكواكب المضيئة، فضية ووردية، صفراء وخضراء شاحبة وزرقاء جنطيانية، وقد ~~برزت من مصدر خبيء للأشكال، ومع توقيت الموسيقى تجمعت عن عمد في صفوف جميلة مركبة تركيبا ~~لا يصدقه العقل، نافورة لا تنفد تنتشر في تشكيلات يحسها. وفي تشابك من النجوم الحية. وأخذ ~~يرمقها ويحيا حياتها كما يحيا حياة الموسيقى التي كانت تسايرها، وهي تتكاثر في تشابكات أخرى ~~ملأت الأبعاد الثلاثة لفضاء داخلي، وتتحول باستمرار إلى بعد أبدي آخر من أبعاد النوع ~~والدلالة. # سألته سوزيلا: ماذا تسمع؟ # وأجاب: أسمع ما أرى، وأرى ما أسمع. ~~- صف لي ما تشاهد. # وبعد صمت طويل أجاب ويل: مرآها ومسمعها هو الخلق. # ولكنه ليس الخلق الذي يتم دفعة واحدة، إنما هو الخلق الذي يتواصل ولا يتوقف. ~~- خلق متواصل من لا شيء ولا مكان إلى شيء ما ومكان ما؛ هل هو كذلك؟ ~~- هو كذلك. ~~- أنت تحرز تقدما. # لو واتاه اللفظ، ولو كان اللفظ عند النطق به أقل تفاهة، لشرح لها ويل كيف أن الفهم الذي ~~لا يستند إلى معرفة والسعادة المضيئة يفضلان حتى موسيقى جوهان سباستيان باخ. # وقالت سوزيلا مرة أخرى: أنت تحرز تقدما ثم أضافت: ولكن لا يزال أمامك طريق طويل. هل تحب ~~أن تفتح عينيك الآن؟ # هز ويل رأسه مؤكدا رفضه. ~~- آن الأوان لكي تعطي نفسك فرصة لاكتشاف حقائق الأشياء. # تمتم قائلا: حقائق الأشياء هي هذا الذي أرى. # وأكدت له انها ليست هي، وقالت: إن كل ما رأيت وسمعت وكنت ليس إلا الحقيقة الأولى. والآن لا ~~بد لك أن ترى الحقيقة الثانية. تنظر، ثم تضم الحقيقة الأولى إلى الحقيقة الثانية وتجعل ~~منهما حقيقة واحدة؛ لذلك افتح عينيك يا ويل وافتحهما واسعتين. # أخيرا قال وعلى مضض: ليكن ms298 ذلك. وفتح عينيه وهو يستشعر الخوف من حظ سيئ ينتظره. وقد اختفى ~~الضوء الداخلي في نوع آخر من الضوء، وحل محل نافورة الأشكال والأجرام السماوية الملونة وهي ~~مصطفة صفوفا يراها رأى العين والأشكال المشبكة التي تتغير قصدا تكوين ثابت يتألف من أعمدة ~~وخطوط قطرية ومسطحات وأسطوانات منحنية، وكلها منحوت من مادة تشبه العقيق الحي، وكلها يخرج ~~من مصدر واحد للؤلؤ الحي النابض. ونظر ويل إلى هذا في ذهول وشيء من عدم الإدراك كرجل أعمى ~~بل من عماه حديثا ليجابهه للمرة الأولى لغز الضوء واللون. وبعد انتهاء عشرين فاصلة ~~موسيقية من كونسرتو براندنبرج الرابع طفت في شعوره فقاعة من فقاقيع التفسير. # وفجأة عرف ويل أنه ينظر إلى مائدة صغيرة مربعة، خلفها مقعد هزاز، وخلف المقعد حائط غفل ~~أبيض. وكان تفسير ذلك مطمئنا له؛ ذلك أن اللغز الذي واجهه في الأبدية التي مارسها - فيما ~~بين فتح عينيه وظهور المعارف التي شاهدها - قد اشتد عمقه من جمال لا تفسير له إلى ذروة من ~~الغربة المضيئة التي امتلأت بها نفسه وهو ينظر بشيء من الفزع الميتافيزيقي. وهذا اللغز ~~المخيف لم يكن سوى قطعتين من أثاث وحائط فسيح. وخفت مخاوفه. ولكن دهشته تضاعفت، كيف يمكن ~~لأشياء مألوفة عادية أن تكون على هذه الصورة؟ لم يكن ذلك قطعا بالإمكان. ولكن ها هو ذا قد ~~حدث. # وانتقل اهتمامه من التكوينات الهندسية بالعقيق البني إلى خلفيتها اللؤلؤية، وكان يعرف أن ~~اسمها «جدار» ولكنها في واقع الخبرة عملية حية، وسلسلة متصلة من التحول من الجص والطلاء إلى ~~مادة خارقة للطبيعة؛ إلى لحم المسيح الذي ما فتئ يتغير وهو ينظر إليه من مجد إلى مجد. ~~حاولت الكلمات الفقاعية أن تفسر ما رآه على أنه طلاء أبيض للجدار. ولكن روحا لها قدرة ~~التشكيل كانت تثير في مخيلته سلسلة لا نهاية لها من الألوان الأخرى التي يتميز كل منها ~~تماما عن غيره، باهتة أحيانا غزيرة أحيانا أخرى، برزت له من مكان مستتر وألقت نورها ~~المتوهج على ذلك الجلد السماوي المتألق. # يا للعجب! ms299 ولا بد أن تكون هناك معجزات أخرى، عوالم أخرى يغزوها وتغزوه، وأدار رأسه يسارا ~~(وقد ظهرت الكلمات الفقاعية الملائمة في الحال) فوقعت عينه على المنضدة ذات السطح المرمري ~~التي تناولا عليها طعام العشاء. ثم توالت الفقاعات كثيفة يتلو بعضها بعضا. إن هذه الرؤية ~~التي تسمى «المنضدة» يمكن أن يراها الإنسان على أنها صورة رسمها فنان تكعيبي عجيب، إنسان ~~ملهم مثل جوان جري # 6 # بروح تراهيرن # 7 # وموهبة لرسم المعجزات بالأحجار الكريمة وبألوان أوراق الزنبق التي تتغير ~~أطيافها. # وأدار رأسه قليلا نحو اليسار وأذهله بريق المجوهرات التي رآها. أي مجوهرات هذه! ألواح ~~ضيقة من الزمرد والتوباز، ومن الياقوت الأحمر والياقوت الأزرق واللازورد، كلها يتوهج، صفا ~~فوق صف، أشبه ما تكون بقوالب الطوب الأحمر الكثيرة في أحد جردان أورشليم الجديدة. وأخيرا - ~~وليس في البدء - كانت الكلمة، في البدء كانت الجواهر، والنوافذ المصنوعة من الزجاج الملون، ~~وجدران الفردوس، والآن فقط. وفي النهاية البعيدة ظهرت الكلمة (خزانة الكتب) للنظر. # رفع ويل بصره من الجواهر الناطقة وإذا به في قلب منظر طبيعي من المنطقة الاستوائية. ~~لماذا؟ وأين؟ ثم تذكر أنه (وهو في عالم آخر) عندما دخل الغرفة أولا كان قد لاحظ فوق خزانة ~~الكتب صورة كبيرة رديئة بالألوان المائية، بين الكثبان الرملية وآجام النخيل يجري مصب نهر ~~يأخذ في الاتساع كلما اتجه نحو البحر، وتبدو فوق الأفق آكام السحب ترتفع في السماء الشاحبة، ~~ومن أضحال نفسه خرجت كلمة «ضعيفة» كالفقاعة تطفو فوق سطح الماء. ومن الواضح أن الصورة من ~~رسم هاو للفن موهبته محدودة. # ولكن هذا الخاطر ليست له الآن أية أهمية؛ لأن المنظر الطبيعي لم يعد صورة، وإنما هو موضوع ~~الصورة؛ هو نهر حقيقي، وبحر حقيقي، ورمال حقيقية تتوهج في ضوء الشمس، وأشجار حقيقية باسقة ~~في سماء حقيقية، حقيقية إلى ما لا نهاية، حقيقية إلى حد المطلق. # وهذا النهر الحقيقي الذي يختلط بالبحر الحقيقي هو كيانه شخصيا وقد احتوته القدرة ~~الإلهية، وظهرت فوق السطح فقاعة لفظية تتساءل في سخرية: هل هي القدرة الإلهية بين ms300 علامات ~~التنصيص، أم القدرة الإلهية التي تدعو إلى التعجب بالمعنى البكويكي الحديث؟ هز ويل رأسه، ~~والجواب عنده كان هي القدرة الإلهية فحسب؛ ليست القدرة التي يمكن أن يعتقد فيها المرء، ~~ولكنها القدرة الواقعية التي تواجهه وتفصح عن نفسها. ومع ذلك فهذا النهر لا يزال نهرا، ~~وهذا البحر هو المحيط الهندي. وليسا شيئا آخر في ملابس تنكرية، إنما هما هما بعينيهما بغير ~~لبس، ولكنهما كذلك القدرة الإلهية بغير لبس. # سألته سوزيلا: أين أنت الآن؟ # لم يدر رأسه نحوها وقال: في السماء على ما أظن. وأشار إلى صورة المنظر الطبيعي. ~~- ما زلت في السماء! متى تهبط على الأرض؟ # ومن الأضحال الغرينية خرجت فقاعة من فقاقيع الذكريات. ~~- في مكان أعمق يحتويه الضياء، كما قال ورودزورث. ~~- ولكن وردزورث تحدث كذلك عن موسيقى الإنسانية الساكنة الحزينة. # قال ويل: ليس في صورة المنظر الطبيعي التي أشاهدها - لحسن الحظ - بشر. # وضحكت ضحكة خفيفة وقالت: ولا أي حيوان. سحب فقط وخضروات تخدع بمنظرها البريء. ويحسن بك ~~لذلك أن تنظر إلى ما فوق الأرض. # وأرخى ويل بصره. وتمثلت له الفواصل في ألواح خشب الأرضية في صورة نهر بني اللون، وهذا ~~النهر عبارة عن رسم تخطيطي في دوامة لا تفتر عن الدوران للحياة الدنيوية المقدسة. ووسط هذا ~~الرسم تقع قدمه اليمنى، عارية تحت أربطة الصندل الذي ينتعله، ولشد ما كانت دهشته حينما أدرك ~~أن لهذه القدم أبعادا ثلاثة وكأنها قدم من المرمر لتمثال بطل من الأبطال تسطع عليه ~~الأضواء. ومن الألفاظ العفوية التي تفسر له ما يشاهد، الألواح، الفواصل، القدم. ارتد ~~إليه اللغز الذي لا سبيل إلى حله ولكنه مفهوم، على ما في ذلك من تناقض. مفهوم ذلك الفهم ~~الذي لا يستند إلى المعرفة وهو الفهم الذي كان ما يزال مهيأ له على الرغم من الأشياء المحسة ~~والألفاظ التي برزت من الذاكرة. # وفجأة، وبطرف عينه، لمح حركة اندفاع سريع. وتحقق له أن الانفتاح للسعادة والفهم هو كذلك ~~انفتاح للفزع، ولعدم الإدراك بتاتا. وبدأ قلبه يدق بشدة أرجفته، وكأن هذا القلب ms301 مخلوق غريب ~~يسكن صدره ويضطرب من ألم مبرح. واعتقد على كره منه أنه يوشك أن يلاقي الفزع الأكبر فأدار ~~رأسه وأخذ ينظر حواليه. # قالت مطمئنة له: هذه إحدى سحليات توم كريشنا التي يلهو بها. # كان الضوء ساطعا كأي وقت سبق. ولكن السطوع هذه المرة كان يرمز إلى شيء آخر. وميض الشر ~~المطلق يشع من كل قشرة رمادية خضراء على ظهر المخلوق الذي تراءى له، كما يشع من عينين ~~كالسبج، ومن حلقه القرمزي النابض، ومن أطراف خياشيمه المسلحة وفمه المشقوق. وصرف عنه النظر، ~~ولكن عبثا؛ لأن الفزع الأكبر كان يتطلع إليه من كل شيء يقع عليه البصر. إن تلك التكوينات ~~التي رسمها فنان تكعيبي للغز انقلبت الآن إلى آلات معقدة تنفث الضغينة. وذلك المنظر الطبيعي ~~الاستوائي الذي مارس فيه اتحاده مع الله؛ بات الآن - وفي نفس الوقت - أشبه بتلك الصور ~~المقلدة التي تعافها العين والتي شاعت في العهد الفيكتوري، أو كأنها السعير في حقيقته. ~~وصفوف المجوهرات الناطقة خيم عليها وهي على رفوفها حلك الظلام كأشد ما يكون الظلام. هذه ~~الجواهر التي خرجت من أعماق الأعماق تبدو الآن رخيصة، مبتذلة بدرجة لا توصف! وبعد أن كانت ~~ذهبا ولؤلؤا وأحجارا ثمينة لم تعد الآن إلا كزينة شجرة عيد الميلاد، والبريق الزائف يشع ~~من الصفيح الملون والبلاستيك. لا يزال كل شيء ينبض بالحياة، ولكنها الحياة التي تلمسها في ~~أخس صالات البيع والشراء التي تقع فوق سطح الأرض. وهذا - كما أكدت الموسيقى الآن - هو ما ~~تخلقه دائما القدرة الكبرى؛ شيء شبيه بمحلات ولورث على النطاق العالمي، محلات مليئة ~~بالأهوال التي تنتج على أوسع نطاق. أهوال الابتذال، وأهوال الألم، والقسوة، وانعدام الذوق ~~والبلاهة والحقد المقصود. # واستمع إلى سوزيلا وهي تقول: إنها ليست وزغة، # 8 # ليست واحدة من السحالي المنزلية اللطيفة الصغيرة. إنها من ذلك النوع الغريب ~~الضخم تسربت من الخارج، إنها من مصاصات الدماء، ولكنها - بطبيعة الحال - لا تمص الدماء، ~~حلوقها حمراء؛ هذا كل ما في الأمر، يتحول وجهها إلى اللون الأرجواني إذا أنت أثرتها؛ ومن ms302 ~~ثم اكتسبت ذلك الاسم السيئ. انظر إليها! إنها تتحرك هناك! # وطأطأ ويل رأسه مرة أخرى، إنها حقيقة خارقة للطبيعة؛ تلك السحلية المريعة ذات القشور، ~~والعينين السوداوين الخاويين، وفم كفم القاتل، وحلق في حمرة الدماء ينتفخ مع بقاء الجسم ~~ممتدا على الأرض ساكنا سكون الموت؛ هذه السحلية هي الآن على بعد ست بوصات من ~~قدمه. # قالت سوزيلا: لقد رأت بعينيها غداءها. انظر إلى يسارك عند حافة الحصير. # أدار ويل رأسه. # وواصلت حديثها وقالت: جونجيلس جونجيلويديس. # 9 # هل تذكر؟ # نعم كان يذكر، ذكر «فرس النبي» تلك الحشرة الضارعة التي استقرت على سريره. لكن ذلك كان في ~~عالم آخر. إن ما رآه في ذلك العالم لم يكن سوى حشرة غريبة المنظر. أما ما يراه الآن فهو ~~عبارة عن كائنين وحشيين طول كل منهما بوصة، رهيبين للغاية، يتلاقحان، لونهما شاحب في زرقة ~~مخطط ومعروق بلون قرنفلي، ترفرف بأجنحتها باستمرار، كأنها أوراق الزهر يهزها النسيم، ملونة ~~عند أطرافها باللون البنفسجي الداكن، كأنها زهور مقلدة. ولكن المرء لا يخطئ فيها الشكل ~~الحشري، والآن تغيرت حتى ألوانها الزهرية، واستحالت تلك الأجنحة إلى زوائد لأداتين لامعتين ~~مطليتين بالمينا مما يعرض في صالة البيع للأشياء الرخيصة، وكأنهما نموذجين صغيرين مما يراه ~~الإنسان في الكابوس، أو آلتين مصغرتين لعملية اللقاح. والآن أدارت إحدى آلتي الكابوس - وهي ~~الأنثى - رأسها الصغير المفلطح، وكأنها استحالت كلها فما فاغرا، عيناها بارزتان في نهاية ~~عنقها الطويل؛ أدارت رأسها (ويا للعجب) بدأت تلتهم رأس الآلة الذكر. مضغت أولا عينا ~~أرجوانية، ثم أردفتها بالوجه المزرق. وسقط على الأرض ما بقي من الرأس، وترنح العنق المقطوع ~~بوحشية ولم يعقه ثقل العينين والفكين. أما الآلة الأنثى فقد أطبقت بفكيها على القطعة ~~المقطوعة التي كانت ترشح، وأمسكت بها، في الوقت الذي ثابر فيه الذكر مقطوع الرأس على أن ~~يحاكي في سخرية بغير انقطاع آريز # 10 # بين ذراعي أفروديت، وهو يلتهم التهاما. # وبطرف عينه لمح ويل حركة وثب أخرى، فأدار رأسه بحدة وأمكنه أن يرى السحلية وهي تزحف نحو ~~قدمه، وأخذت ms303 تقترب شيئا فشيئا فوجه بصره وجهة أخرى فزعا، وأحس شيئا يمس أصابع قدمه، ~~واستمر يدغدغ مشط القدم، ثم توقفت الدغدغة، ولكنه أحس شيئا من الثقل فوق قدمه، قشورا جافة ~~تلمسها، وأراد أن يصيح، ولكنه كان فاقد الصوت، وحاول أن يتحرك فأبت عضلاته أن ~~تستجيب. # وأخذت الموسيقى تعزف المقطع الأخير السريع بغير توقيت، الفزع يتقدم بنشاط ملحوظ، الفزع في ~~زي مزركش مزخرف يقود الرقص. # الفزع متمثلا في القشور، ساكن تماما، فيما خلا النبض في حلقه الأحمر. هذا الفزع رقد على ~~مشط قدمه يحدق بعينين لا تعبران في فريسته التي حكم عليها القدر. وقد تشابك النموذجان ~~الصغيران للكابوس وأخذا يرتعشان كما ترتعش أوراق الزهر في الريح، ويهتزان في تشنج من أثر ~~الآلام التي يثيرها التلاقح والموت في وقت واحد معا. وانقضت فترة كأنها قرن من الزمان ~~طويل، واستمرت الرقصة المرحة الخفيفة، رقصة الموت، على فاصل موسيقي بعد فاصل آخر. # وفجأة أحس خمشا من أنياب صغيرة تتحرك فوق جلده. لقد زحفت مصاصة الدماء من فوق مشط قدمه ~~إلى الأرض. ولبثت مكانها ساكنة سكونا مطلقا لفترة كأنها عمر طويل. وبسرعة غير معقولة ~~انطلقت فوق الألواح الخشبية وفوق الحصير، وفتحت فاها الذي يشبه الشق ثم أغلقته. ومن بين ~~الفكين القاضمين برز طرف جناح بنفسجي اللون ما زال يرفرف كورقة السحلبية يهزها النسيم. ~~واهتزت ساقان هزا عنيفة برهة من الزمن، ثم اختفتا عن الأنظار. # ارتعد ويل وأغمض عينيه. ولكن فيما بين ما أحس من أشياء وما تذكر وما تخيل - وهو يعبر ~~الطريق - طارده الفزع. وفي وهج الضوء الباطني امتد عمود لا نهاية له من الحشرات التي لمعت ~~كما يلمع الصفيح ومن الزواحف البراقة، متجهة من اليسار إلى اليمين، وخارجة من مصدر خفي ~~للكابوس نحو ذروة وحشية مجهولة. جونجيلس جونجيلويديس بالملايين، تتوسطها مصاصات للدماء لا ~~تعد ولا تحصى، آكل ومأكول؛ إلى الأبد. # وفي أثناء ذلك، كان المقطع الموسيقي الأخير من كونسرتو براندنبرج الرابع يعزف ويعزف ~~باستمرار بالقيثارة والمزمار والكمان. يا لها من موسيقى خفيفة مرحة تعزف نشيد ms304 الموت. يمين، ~~شمال، يمين، شمال ... ولكن ما هي كلمة الأمر للحشرات سداسية الأرجل؟ وفجأت تحولت الحشرات ~~سداسية الأرجل إلى حيوانات تسير على قدمين، وتحول العمود اللانهائي من الحشرات بغتة إلى ~~عمود لا نهائي من الجند، يسيرون كأولئك الجند ذوي القمصان البنية التي كانت تسير في شوارع ~~برلين قبل اندلاع الحرب بعام واحد، ألوف الألوف من الجند، أعلامهم ترفرف، وأزياؤهم الرسمية ~~تتوهج ببريق جهنمي كأنهم نفايات يسطع عليها الضوء الكاشف، كالحشرات يسيرون بأعداد لا حصر ~~لها، وكل واحد منهم يتحرك بدقة الآلة، وبالانقياد الكامل الذي تتصف به الكلاب الوفية، ~~ووجوههم، يا لها من وجوه! لقد شهد من قبل ختام شريط الأنباء الألماني، وها هم يعودون مرة ~~أخرى، بصورة واقعية خارقة للطبيعة حية ذات أبعاد ثلاثة. # وهذا وجه هتلر الوحشي بفمه المفتوح يصيح، وهذه وجوه المستمعين من كافة الفئات المتنوعة، ~~وجوه ضخمة بلهاء تستقبل كل ما يلقى عليها فوق لوحة بيضاء، وجوه أناس يمشون وهم نيام بعيون ~~مفتوحة، ووجوه شباب نوردي ملائكي تسبح في رؤى طوبوية، وجوه قديسين في حلل مزخرفة في بهجة ~~ونشوة، وجوه المحبين وقد بلغت بهم اللذة ذروتها، شعب واحد، مملكة واحدة، قائد واحد، اتحاد ~~في وحدة خلية النحل، فهم بغير معرفة للهراء والشعوذة. # ثم يعود شريط الأنباء إلى الصفوف المكتظة، إلى الصلبان المعقوفة، إلى الفرق النحاسية، ~~ومنومها المغناطيسي يصيح فوق المنصة. وهنا مرة أخرى في وهج ضيائه الباطني يظهر طابور ~~الأشخاص في الزي البني فيما يشبه الحشرات، يسير إلى غير غاية على أنغام هذه الموسيقى ~~التافهة المزعجة، إلى الأمام أيها الجنود النازيون، إلى الأمام أيها الماركسيون، إلى الأمام ~~أيها المسيحيون، إلى الأمام كل شعب مختار، وكل صليبي، وكل صانع للحرب المقدسة، إلى الأمام ~~نحو الشقاء، والشر، والموت. # وفجأة وجد ويل نفسه متطلعا إلى ما سوف يتحول إليه هذا الطابور السائر عندما يبلغ نهاية ~~المسير؛ ألوف الجثث في أوحال كوريا، كتل لا حصر لها من القاذورات تتسخ بها الصحراء ~~الأفريقية. وهنا (وقد أخذ المنظر يتغير بسرعة ومفاجأة مذهلة) هنا ms305 ترقد الجثث الخمس الملوثة ~~التي رآها منذ بضعة أشهر فقط، وجوهها إلى أعلى وحلوقها جريحة في فناء عزبة جزائرية. وهنا - ~~من ماض يسبق هذا التاريخ بنحو عشرين عاما - ترقد تلك المرأة العجوز، ميتة عارية تماما وسط ~~صخور بيت مشيد من الجص في غابة سنت جون. وهنا - بغير انتقال - غرفة نومه الرمادية الصفراء، ~~تنعكس في مرآة خزانة الملابس صورة جسمين شاحبين، جسمه وجسم بابز، يتزاوجان في جنون بمصاحبة ~~ذكرياته عن جنازة مولي، ونغمات موسيقى الجمعة الحزينة من بارسيفال؛ يبثها راديو ~~اشتوتجارت. # وتغير المنظر مرة أخرى. وإذا بوجه العمة ماري يبتسم له في مرح شديد، في مكان يتزين بنجوم ~~من الصفيح ومصابيح خيالية ثم تحول الوجه أمام عينيه إلى وجه تلك الغريبة المنتحبة الخبيثة، ~~التي حلت محلها خلال تلك الأسابيع الأخيرة الشنيعة التي سبقت التحول النهائي إلى النفايات ~~المتخلفة، إشعاع من الحب وعمل الخير، ثم أسدل الستار، وأغلقت النافذة، ودار المفتاح في القفل، ~~وإذا بهما كل في مكانه؛ هي في المقبرة، وهو في سجنه الخاص محكوم عليه بالحبس الانفرادي، ~~وذات صباح جميل لا يعرف أجله يدركه الموت. العذاب في صالة البيع الرخيصة في الدور الأسفل من ~~المبنى، والصلب وسط زينات شجرة عيد الميلاد، في الخارج أو الداخل، والعيون مفتوحة أو ~~والعيون مغمضة، لا مجال للهروب. # وهمس لنفسه: «لا مجال للهروب.» وأكد باللفظ الحقيقة، وحولت كلماته الحقيقة وجعلتها أمرا ~~مؤكدا بغيضا، ينفتح تارة إلى أعلى، وتارة إلى أسفل، وإلى عمق في أثر عمق من الابتذال ~~الخبيث، جحيم إثر جحيم من آلام ليس من ورائها البتة غاية. # وبقوة كقوة الإلهام أدرك أن هذه الآلام لم تكن فقط عديمة الجدوى، بل كانت كذلك تتراكم، ~~وتصبح من تلقاء نفسها أبدية. ومن المؤكد، ومما يفزع كذلك، أن الموت كما جاء لمولي وكما جاء ~~لعمته ماري ولغيرهما، لا بد أن يأتيه، ولكنه لن يبلغ هذا الحد من الخوف، ومن الاشمئزاز، ~~ومن عذابات تأنيب الضمير، وكراهية النفس. الألم سوف يستمر إلى الأبد، على الرغم من خلوه ~~دائما من المعنى، ms306 الإنسان في كل ناحية من نواحيه محدود بشكل بشع وبصورة تدعو إلى الازدراء، ~~ولكنه ليس كذلك من ناحية الآلام. # هذه الجلطة الدموية المكثفة المظلمة الصغيرة في حجمها والتي يسميها المرء «أنا» ... قادرة ~~على تحمل الآلام قدرة ليست لها حدود، وسوف تستمر الآلام إلى أبد الآبدين على الرغم من ~~الموت. آلام الحياة، وآلام الموت، ورتابة الكروب المتتابعة في صالة البيع السفلى، والصلب ~~الأخير في عالم زائف يتوهج وهج الصفيح والبلاستيك؛ هذه الآلام سوف تبقى دائما يتردد صداها ~~وتتضخم على الدوام، وهذه الآلام لا تنتقل من شخص إلى آخر، والعزلة كاملة. إن وعي المرء ~~بوجوده وعي بعزلته دائما، عزلة لا تختلف عن عزلته وهو في سرير بابز الذي يفوح منه المسك، ~~أو عزلته وهو يشكو الألم في أذنه أو ذراعه المكسورة، أو مرضه السرطاني في دوره النهائي، أو ~~وحدته في آلامه الدائمة، بعدما يظن أن كل شيء قد انتهى. # وفجأة أدرك أن شيئا قد طرأ على الموسيقى؛ فلقد تغير إيقاعها، دقت نغمة الانتهاء، نهاية ~~كل شيء لكل إنسان، وعزفت موسيقى الموت القصيرة المرحة يسير على نغمتها المشاة حتى حافة ~~الجبل، وكانوا يترنحون عند سفحه، وواصلت الموسيقى عزف مقطعها الأخير، سقطة الموت، السقوط في ~~حفرة الموت. وفي الوقت المحدد وبالضرورة جاءت النغمتان المتوقعتان، ثم كانت الذروة، ~~فالنهاية التي لا لبس فيها، وأعقب ذلك خمش ثم دقة حادة ساد بعدها السكون. ومن خلال النافذة ~~المفتوحة أمكنه أن يسمع نقيق الضفادع البعيدة، وأصوات الحشرات الخشنة الرتيبة، ومع ذلك فقط ~~ظل الصمت سائدا بشكل عجيب، وكالذباب في كتلة من العنبر، تاهت الأصوات في عالم شفاف لا لغو ~~فيه وعجزت عن شقه أو حتى تحويره، وبقيت فيه نشازا كليا، وازداد الصمت عمقا، يتحول من ~~كثيف إلى أكثف، لا يحده زمان، الصمت في كمين، صمت مترقب متآمر أشد خبثا من مسيرة الموت ~~التافهة المروعة التي سبقتها. # هذه هي الهوة التي ساقه صوت الموسيقى إلى حافتها، إلى الحافة، وإلى ما بعد الحافة، إلى ~~هذا السكون الأبدي. # همس قائلا: الألم ms307 لا نهاية له، ولا تستطيع أن تتكلم، بل ولا تستطيع أن تصرخ. # وقعقع المقعد، ورفرف الحرير، وأحس الهواء الذي جلبته الحركة على وجهه؛ كان ذلك اقتراب ~~إنسان، ومن خلف جفنيه المغمضين أدرك بشكل ما أن سوزيلا تركع أمامه، وبعد لحظة أحس يديها وهي ~~تمس وجهه؛ راحتاها فوق خديه، وأصابعها تعبث بعارضتيه. # وأخذت الساعة الكبيرة في المطبخ تئز ثم بدأت تدق إيذانا بالوقت. دقة، دقتان، ثلاث دقات، ~~أربع ... وهبت في الحديقة الخارجية نسمة هامسة خشخشت بين أوراق الشجر بغير توقف، وصاح الديك، ~~وبعد لحظة، ومن بعيد، جاء الصدى، وتلاه صدى بعد صدى في تلاحق. ثم كان صدى الصدى، وأصداء ~~أخرى تتردد ، ألحان التحدي تتحداها ألحان أخرى، وأنغام الاعتراض تعترضها أنغام أخرى. وبعدئذ ~~انضم إلى الجوقة صوت آخر مختلف، واضح النبرة، ولكنه ليس إنسانيا، ومن خلال صياح الديك ~~وضوضاء الحشرات نادى: انتباه، انتباه، انتباه! # وكررت سوزيلا بعده الكلمة: انتباه! وبينما كانت تنطق بالكلمة أحست أصابعها وقد بدأت ~~تتحرك فوق جبهته. وبخفة سارت بها من حاجبيه إلى شعره، ومن عارضتيه إلى النقطة التي تتوسط ~~بين العينين. وأخذت تحرك أصابعها إلى أعلى وإلى أسفل، وإلى الخلف وإلى الأمام، تخفف من ~~تقلصات العقل، وتسوي أخاديد الحيرة والألم، قالت: تنبه إلى هذا. وضاعفت من ضغط راحتيها على ~~عظام صدغيه، ومن ضغط أطراف أصابعها فوق أذنيه، وكررت عبارتها: تنبه إلى هذا. إلى اللحظة ~~الراهنة، إلى وجهك بين راحتي. ثم خففت من شدة الضغط، وبدأت أصابعها تتحرك مرة أخرى فوق ~~جبهته. # ومن خلال صياح الديك الأجش الذي كان نشازا في تلك اللحظة، نادى الصوت منبها في إلحاف: ~~انتباه، انتباه، انتبا... وهنا قبل أن تتم الكلمة سكت الصوت. # هل يتنبه إلى راحتيها فوق وجهه، أم هل يتنبه إلى وهج الضياء الباطني، أم إلى تلك النجوم ~~المتكاثرة من الصفيح والبلاستيك، أم - من خلال صنوف الابتذال المتدفقة - إلى تلك النفاية ~~التي كانت مولي فيما مضى، أم إلى المرآة في بيت العاهرة، إلى تلك الجثث الملقاة في الوحل ~~والتراب والصخور المتكسرة والتي ms308 لا يحصيها العد؟ وهناك أيضا السحالي وجونجيلس جونجيلويديس ~~بالاميين، وطوابير المشاة، وتلك الوجوه السابحة في عالم آخر، وجوه الملائكة النورديين ~~الممعنين في الإصغاء. # وبدأ طائر المينة ينادي ثانية من الجانب الآخر للبيت: انتباه، انتباه! # هز ويل رأسه وقال: انتباه إلى ماذا؟ ~~- إلى هذا. # وغاصت بأظافرها في جلد جبهته، ثم قالت: هذا، الآن، وفي هذا المكان، وهو ليس شيئا ~~رومانسيا كالمعاناة والآلام، إنه مجرد الإحساس بأظافر أصابعي. وحتى إن كان ذلك أسوأ من ~~الآلام التي عرفتها، فهو لا يمكن أن يدوم إلى الأبد أو يستمر إلى ما لا نهاية. ليس هناك ~~أبدي، ولا لانهائي، اللهم إلا - ربما - طبيعة بوذا. # وحركت يديها ، ولكن اتصالها به هذه المرة لم يكن بالأظافر، إنما كان بالجلد، وانزلقت أطراف ~~أصابعها على حاجبيه، وبخفة شديدة نقلتها إلى جفنيه المغمضين. ولأول ومضة عين استولى عليه ~~خوف قاتل. هل كانت تستعد لفقء عينيه؟ وقبع مكانه متأهبا ليلقي برأسه إلى الوراء ويثب على ~~قدميه عند أول حركة من حركاتها. غير أن شيئا لم يحدث، وتبددت مخاوفه شيئا فشيئا، وبقي ~~وعيه بهذه اللمسة الودود التي لم يكن يتوقعها، والتي يكمن فيها الخطر، وكان الوعي حادا ~~جدا، ولأن العينين حساستان إلى أقصى حد كان هذا الوعي كذلك مشتملا على كل نفسه بحيث لم ~~يبق له ما يدرك به الضوء الباطني أو الأهوال والأمور المبتذلة التي تتكشف له عن طريق هذا ~~الضوء. # وهمست قائلة له: انتبه! # وكان من المستحيل ألا ينتبه. ومهما يكن من أمر فقد تحسست بأطراف أصابعها برفق وفي رقة ~~شديدة أعماق أعماق شعوره، واستطاع الآن أن يرى غزارة الحياة في هذه الأصابع، أي دفء يشع ~~منها ويشعره بوخز خفيف! # تعجب قائلا: إنها كالتيار الكهربائي. # قالت: ولكن الأسلاك لحسن الحظ لا تحمل رسائل، أنت تمس وبهذا المس تمس. اتصال كامل، وليس ~~هناك ما ينقل. الأمر كله تبادل حياة بحياة. وصمتت برهة ثم قالت: هل تدرك يا ويل أنك في هذه الساعات الطوال التي جلسناها هنا معا - وهي في حالتك قرون، ~~وأبد ms309 الآبدين - لم تنظر إلي مرة واحدة؟ هل أنت تخشى ما يمكن أن تراه؟ # وفكر في هذا السؤال وأخيرا أومأ برأسه إيجابا. # ثم قال: ربما كان الأمر كذلك. أخشى أن أرى شيئا يتحتم علي أن أشارك فيه، أمرا ربما ~~تحتم علي أن أفعل شيئا بشأنه. ~~- لذلك تشبثت بباخ وبالمناظر الطبيعية وبالضياء الصافي في الفراغ. # وقال شاكيا: وهو ما حرمتني من النظر إليه. ~~- لأن الفراغ لا يجديك نفعا إلا إن أنت شهدت ضياءه في كل شيء وفي الناس، وهو أحيانا أشد ~~عسرا. # تدبر قولها: أشد عسرا. # وطافت بذاكرته طوابير المشاة وانعكاس الأجساد في المرآة، وكل تلك الجثث الملقاة على وجوه ~~أصحابها في الوحل، وهز رأسه وقال: هذا مستحيل. # وأصرت قائلة: لا، ليس مستحيلا، الضياء والرأفة أمران متلازمان، المتأمل الشره هو الذي ~~يريد أن يمتلك الضياء ولا يعبأ بالرأفة، الناس الطيبون فحسب يحاولون أن يكونوا رحماء ويأبون ~~أن يأبهوا بالضياء، وكما عهدت، المسألة هي أن تفيد من العالمين أكبر الفائدة. ثم قالت: وقد ~~آن لك أن تفتح عينيك وترى كيف يكون شكل الكائن البشري في الواقع. # وتحركت أطراف أناملها من جفنيه إلى جبهته، ثم إلى عارضتيه، وإلى خديه، ثم إلى طرفي فكيه، ~~وبعد لحظة أحس بهما على أصابعه. وكانت تضم يديه إلى راحتيها. # وفتح ويل عينيه ولأول مرة منذ أن تناول عقار الموكشا وجد نفسه يتفرس وجهها بإمعان. # وأخيرا همس قائلا: يا إلهي! # ضحكت سوزيلا وسألته: هل هو قبيح قبح مصاص الدماء؟ # ولكن الأمر لم يكن الآن هزلا. وهز ويل رأسه قلقا، واستمر في تفرسه. كان محجرا عينيها ~~وما يغشاهما من ظلال أمرا ملغزا، وفيما خلا هلال ضئيل من الضوء يسطع على عظام خديها. كان ~~كذلك الجانب الأيمن من خدها بأسره معتما. أما الجانب الأيسر فقد تلألأ بإشعاع ذهبي؛ بريقه ~~خارق للطبيعة، ولكنه بريق لا هو وهج الظلام المبتذل الخبيث الذي يراه ولا هو اللهب البهيج ~~الذي تكشف له في الفجر البعيد لأبديته خلف جفنيه المغمضين، كما تكشف له عندما فتح عينيه في ms310 ~~الجواهر الناطقة، وفي تكوينات الفنانين التكعيبيين العجيبين. وفي المناظر الطبيعية التي ~~تغيرت في شكلها. إن ما يراه الآن هو تناقض الأضداد التي تلاقت لقاء لا فكاك منه، تناقض ~~الضوء يشع من الظلام، والظلام في قلب الضياء. # وأخيرا قال: إنه ليس الشمس وليس مدينة تشارترز # 11 # وليس صالون البيع الجهنمي بحمد الله. إنه كل ذلك في وقت واحد. وأنت أنت، وأنا ~~أنا؛ وإن كان كل منا يختلف عن الآخر تماما. أنا وأنت لو رسمنا رامبرانت، بل وأضعاف ذلك ~~آلاف المرات. # وصمت لحظة، ثم أومأ برأسه ليؤكد ما ذكر، ثم قال: نعم، هو ذاك. الشمس في تشارترز، والنوافذ ~~ذات الزجاج الملون في صالون البيع، وصالون البيع هو كذلك غرفة التعذيب، ومعسكر الاعتقال، ~~والمقبرة تزينها شجرة عيد الميلاد. والآن ينعكس صالون البيع، فيضم تشارترز وشريحة من الشمس، ~~وينقلب إلى هذا؛ أنت وأنا بريشة رامبرانت. هل لذلك أي معنى لديك؟ # وأكدت له أن له عندها كل معنى في هذه الدنيا. # ولكن ويل كان منشغلا بالنظر إليها بدرجة لم تمكنه من الإصغاء إلى ما كانت تقول. وأخيرا ~~قال: أنت جميلة بشكل لا يصدقه أحد، ولو كنت قبيحة بشكل لا يصدقه أحد لما اكترثت؛ فسوف تظلين ~~صورة من رسم رامبرانت مضاعفة آثارها خمسمائة مرة. وأخذ يكرر قوله: جميلة، جميلة، ومع ذلك لا ~~أحب أن أتزوج منك. لا، هذا غير صحيح، بل أحب، وإلى درجة كبيرة جدا حقا. ولكني إذا لم ~~أفعل ما اكترثت؛ فسوف أظل محبا لك، بالطريقة التي يفترض أن يحب بها المرء سواه إذا كان ~~مسيحيا. وكرر قوله: المحبة، المحبة، إنها أيضا من تلك الكلمات التي تلوث معناها. إذا قيل ~~«إنه يحب» أو «يمارس الحب»، فالاستعمال هنا صحيح، ولكن «المحبة» الخالصة؟ هذا فحش لا أستطيع ~~النطق به. ولكن دعينا من هذا الآن ... وابتسم وهز رأسه وقال: صدقت أم لم تصدقي، أنا الآن ~~أستطيع أن أفهم ما يقصدون حينما يقولون: «الله محبة.» قد يبدو ذلك هراء، ولكنه الحق. ثم إن ~~هناك وجهك غير العادي بصورة ms311 لا تصدق. لكأني أنظر إلى كرة من البلور، صورة تتجدد في كل حين. ~~إنك لا تستطيعين أن تتخيلي ... # ولكنها كانت تستطيع أن تتخيل وقالت: لا تنس أنني كنت هناك بنفسي. ~~- وهل نظرت إلى أوجه الناس؟ # أومأت برأسها إيجابا وقالت: نظرت إلى وجهي في المرآة، وطبعا نظرت إلى وجه ديوجولد. ~~ورأيت عجبا! في تلك المرة الأخيرة التي تعاطينا فيها عقار الموكشا! بدا أول الأمر كأنه بطل ~~من أبطال الأساطير المستحيلة؛ أساطير الهنود في أيسلندة، أو الفايكنج في التبت، ثم فجأة ~~وبغير إنذار سابق صار ميتريا بوذا، # 12 # هو بعينه ميتريا بوذا! يشع منه الضوء، ولا زلت أرى ... # وسكتت عن الكلام، وفجأة ألفى ويل نفسه ناظرا إلى الثكل مجسدا وكأن سبعة سيوف تطعن ~~قلبها. رأى علامات الألم في العينين السوداوين، وحول أطراف فهمها ذي الشفتين الغليظتين فعرف ~~أن الجرح كاد أن يقتلها، وأنه لا يزال مفتوحا تسيل منه الدماء؛ عرف ذلك وفي قلبه وخز ~~الألم. ضغط على يديها، وبالطبع لم يكن لديه ما يقول؛ لا كلمات، لا عزاء بفكر فلسفي. لم يكن ~~هناك سوى لغز التلامس المشترك. هذا الاتصال من الجلد إلى الجلد والذي يتدفق بغير ~~نهاية. # وأخيرا قالت: ما أسهل أن يعود المرء إلى الماضي! ذلك أمر غاية في السهولة، وكثيرا ما ~~يتكرر. وتنفست تنفسا عميقا واعتدلت في جلستها. # وقد حدث في وجهها وفي جسمها كله تغير آخر أمام عينيه؛ فلقد رأى في ذلك الجسم النحيل قوة ~~تكفي لمقاومة أي نوع من أنواع المعاناة، إرادة أقوى من كل السيوف التي يمكن للقدر أن يطعنها ~~بها، رابطة الجأش، قوية العزيمة. # وعاد إلى ذاكرته ذلك الصوت الهادئ الذي كان يخاطبه في حديث متدفق لا يقاوم عن الإوز ~~العراقي، والكاتدرائية، وعن السحب والمياه الساكنة. وبينما كان يستعيد ذكرياته بدا له وجهها ~~متوهجا بشعور النصر. إنها قوة كامنة؛ رأى التعبير عنها، وأحس وجودها المريع فتراجع ~~أمامها. # همس قائلا: من تكونين؟ # وحدقت فيه لحظة دون أن تنبس ببنت شفة، ثم قالت في مرح وهي تبتسم: لا ms312 ترع؛ فلست أنثى فرس ~~النبي. # وبادلها ابتسامة بابتسامة؛ وكأنه يرد ابتسامة فتاة ضاحكة تشتهي القبل وتدعو إليها في ~~صراحة. # قال: حمدا لله. وعاد إليه الحب الذي كان قد تقلص من الفزع، عاد إليه يجرفه تيار من ~~السعادة. ~~- على أي شيء تحمده؟ ~~- على أنه أعطاك نعمة الإحساس. # ابتسمت مرة أخرى وقالت: أرى أن القط قد خرج من مخبئه. # قال: كل هذه القوة، وكل هذه الإرادة المريعة التي تدعو إلى الإعجاب. كان من الممكن أن ~~تكوني شيطانا. ولكن لحسن الحظ، وبإرادة الله ... # وفك ارتباط يده اليمنى بيدها، وبطرف سبابته الممتدة لمس شفتيها، واستطرد قائلا: نعمة ~~الإحساس المباركة، كان فيها خلاصك، ثم قال: أقصد نصف خلاصك بتعديل للعبارة الأولى، وقد ~~تذكر الجنون الرهيب الذي ينطوي على حب الذي أصابه في الفجوة القرنفلية. وأضاف: إنه ناحية ~~واحدة من نواحي خلاصك؛ لأن هناك بالطبع ذلك الأمر الآخر: معرفة من أنت في الواقع. وصمت ~~لحظة، واستطرد قائلا: ماري والسيوف تطعن قلبها، وسيرسي، # 13 # ونينون دي لينكلوس، # 14 # والآن، من؟ شخص مثل جوليانا النوريتشية # 15 # وكاترين الجنوية. هل أنت حقا كل هؤلاء؟ # أكدت له أنها كل هؤلاء مضاف إليهن امرأة بلهاء، وأخرى شديدة القلق وأم ليست على قدر كبير ~~من كفاية الأمومة، وهي فوق ذلك شديدة التمسك بالمبادئ حالمة في يقظتها منذ الطفولة، وكذلك ~~تكمن في المرأة العجوز التي تعاني سكرات الموت، والتي نظرت إلي من المرآة في المرة ~~الأخيرة التي تناولنا فيها عقار الموكشا معا. وبعد ذلك نظر ديوجولد ورأى منظره بعد أربعين ~~عاما، وأضافت: وفي أقل من شهر بعد ذلك كان من الأموات. # ما أسهل الرجوع إلى الماضي! وما أكثر الرجوع إليه! ... وفي ظلام شبه اللغز، وفي توهج الضوء ~~الذهبي العجيب تحول وجهها مرة أخرى إلى قناع من الآلام، واستطاع أن يرى عينيها مغمضتين داخل ~~محجريهما المظلمين؛ فلقد عادت إلى زمن آخر وكانت وحيدة في مكان آخر، تخزها السيوف ويسيل ~~الدم من جرحها. وكانت الديوك في الخارج تصيح، وبدأت مينة أخرى تنادي بنغمة أعلى من ms313 سابقتها ~~قليلا مطالبة بالرأفة. ~~- كارونا. # 16 ~~- انتباه، انتباه! ~~- كارونا. # ورفع ويل يده مرة أخرى ولمس شفتيها. ~~- هل تسمعين ما يقولون؟ # ومضى وقت طويل قبل أن تجيب. ثم رفعت يدها وأمسكت بإصبعه الممتدة وضغطتها بشدة على شفتها ~~السفلى، وقالت: شكرا لك. # وفتحت عينيها مرة أخرى. ~~- لماذا تشكرينني؟ أنت التي علمتني ما أفعل. ~~- والآن أنت الذي ينبغي لك أن تعلم معلمتك. # وكمعلمين هنديين روحانيين متنافسين كل منهما يروج لمذهبه الروحاني صاحت المينتان إحداهما ~~تقول: كارونا، والأخرى تقول: انتباه، وكل منهما يحاول أن يغرق حكمة الآخر في المضاربة. وكان ~~هناك في الحديقة المجاورة ديك صغير صاح بصوت قوي معلنا عن تألهه زاعما أنه وحده يملك جميع ~~الإناث ولا يعجز عن إرضائها أبدا، متحديا كل مدع للذكورة كاذب، بإيمان من لا يقهر. # ومن خلال قناع الآلام ابتسمت سوزيلا. وقد عادت من عالمها الخاص - عالم السيوف والذكريات - ~~إلى الحاضر، وقالت: هذا الصياح الذي يصدر عن الديك الصغير كم أعشقه! ما أشبهه بتوم كريشنا ~~حينما يطوف سائلا كل من لاقاه أن يتحسس عضلاته. وهذه المينات التي لا يتصورها العقل، إنها ~~تردد بإخلاص النصائح الطيبة التي لا تفقه لها معنى. إني أعبدها كما أعبد البنطم (دجاج صغير ~~الحجم) الذي أقتنيه. # وسألها: وما رأيك في ذلك النوع الآخر من ذوات القدمين، ذلك النوع الذي لا يفتن إلى هذا ~~الحد؟ # وكانت إجابتها أن انحنت إلى الأمام، وأمسكت به من ناصيته وجذبت رأسه إلى أسفل وقبلته في ~~أرنبة أنفه، وقالت: والآن حان الحين لكي تحرك ساقيك. # ونهضت على قدميها ومدت يدها إليه، وأمسك بها وجذبته من مقعده. # وقالت: بعض ذوات القدمين يصيح صياحا سلبيا، ويلوك كالببغاء كلاما خلوا من ~~الحكمة. # وسألها: ما الذي يضمن لي أني لا أعود إلى الغثيان؟ # وأكدت له في ابتهاج: ربما عدت إليه. ولكنك ربما عدت أيضا إلى هذا. # وتوثبا على الأقدام. # ضحك ويل: هذا عندي تجسيد خفيف للشر. وأمسكته من ذراعه وسارا معا حتى النافذة المفتوحة، ~~وإذا برياح خفيفة تهب متقطعة وتهز سعف النخيل إيذانا ms314 باقتراب الفجر. وفي أسفل ظهرت شجيرة ~~خبيزة تمتد جذورها في الأرض الندية التي تفوح منها رائحة لاذعة؛ وفرة بالغة من أوراق الشجر ~~البراقة اللامعة والنباتات المتسلقة قرمزية اللون وقد أظهرها في ظلام الليل، الذي تزيد من ~~حلكته الأشجار الباسقة، سهم من نور المصباح يخرج من الغرفة. # قال غير مصدق لما يرى: هذا مستحيل. وقد طاف بخاطره نور السماء متمثلا في الرابع عشر من ~~شهر يوليو. # ووافقته بأن ذلك مستحيل وقالت: ولكنه - كأي شيء آخر في الكون - أمر واقع. والآن وقد أدركت ~~وجودي، أسمح لك أن تفعل ما يثلج صدرك. # ووقف مكانه بلا حراك، يحملق ويحملق وتدور بذهنه أفكار عميقة تتزايد ودلالات عويصة تتكاثر ~~في تتابع لا نهاية له، واغرورقت عيناه بالدموع وسالت أخيرا على خديه، فأخرج منديله ~~ومسحها. # واعتذر قائلا: لا أستطيع أن أكفكف الدمع. # لم يستطع ذلك لأنه لم تكن لديه وسيلة أخرى يعبر بها عن الشكران، شكران لامتيازه في أن ~~يبقى على قيد الحياة ويشهد هذه المعجزة، ولا يكفي أن نقول يشهد بل الأصح أن نقول يشارك، أو ~~أن يكون وجها من وجوهها. الشكران لهبة السعادة المضيئة والفهم الذي لا يستند إلى معرفة. ~~شكران لأنه في وقت واحد اتحد مع الوحدة المقدسة مع بقائه هذا المخلوق المحدود بين غيره من ~~المخلوقات المحدودة. # قال وهو يخفي منديله: لماذا يبكي المرء حينما يكون شكورا؟ الله أعلم. ولكن هذا يحدث. ~~وطفت فوق سطح أوحال مطالعاته الماضية فقاعة من فقاقيع التذكر. تذكر قول القائل: الاعتراف ~~بالجميل هو جنة النعيم بعينها. ثم قال: هذا هراء، ولكني الآن أرى أن بليك # 17 # كان إنما يسجل حقيقة بسيطة. إنه جنة النعيم بعينها. # قالت: وهي جنة أكثر نعيما لأنها جنة فوق الأرض وليست جنة في السماء. # وعلى حين غرة، وسط صياح الديوك ونقيق الضفادع، ووسط ضوضاء الحشرات وجدل المعلمين الهنود ~~الروحانيين، سمع صليل أسلحة آتيا من بعيد. # وتعجبت قائلة: عجبي! ما هذا؟ # أجاب مبتهجا: إنهم الأطفال يلعبون بالصواريخ. # هزت سوزيلا رأسها وقالت: إننا لا نشجع هذا ms315 النوع من الصواريخ، بل ولا نقتنيها. # وفي الطريق العام الذي يقع خلف جدران المجمع تعالى صوت عربات ثقيلة تصعد في بطء شديد، وقد ~~شق ضجيج العربات صوت جهير له صرير يلقي من خلال مكبر للصوت كلاما غير مفهوم. # وفي الظلال المخملية بدت أوراق الأشجار كقشور من اليشم والزمرد، ومن قلب بريق هذا الحشد ~~من الجواهر لمعت قطع من الياقوت المنحوت بصورة عجيبة على شكل خمسة أنجم. شكرا، شكرا. ومرة ~~أخرى اغرورقت عيناه بالدموع. # وقد تجمعت مقاطع من الكلمات التي خرجت من مكبر الصوت وتكاملت في ألفاظ مفهومة. وأخذ يصغي ~~على الرغم منه. # سمع المنادي يقول: يا أهل بالا. ثم تحول الصوت في المكبر إلى مقاطع منفصلة، وكان صريرا ثم ~~زئيرا، ثم صريرا، ثم بقية العبارة: أنا الراجا أخاطبكم ... الزموا الهدوء ... رحبوا بأصدقائكم ~~الوافدين عبر المضيق ... # وأشرقت الحقيقة: هذا موروجان. ~~- يصحبه جند ديبا. # صاح الصوت المتردد المنفعل قائلا: التقدم، الحياة الحديثة ... وتنقل من سيرز إلى روبك إلى ~~الراني وكوت هومي، ثم صاح: الحق، القيم ... الروحانية الصادقة ... البترول. # قالت سوزيلا: انظر، انظر! إنهم يتجهون نحو المجمع. # وسطعت أشعة موكب المصابيح الأمامية لحظة على الخد الأيسر لتمثال بوذا الصخري إلى جوار ~~بركة اللوتس ثم اختفت، ثم أشارت مرة أخرى إلى إمكان التحرر المنشود واختفت للمرة الثانية. ~~وقد ظهرت هذه الأشعة من فجوة تفصل بين أجمتين من آجام الخيزران. # صاح الصوت الذي تضخم في مكبر الصوت: عرش أبي ينضم إلى عرش أسلاف أمي. أمتان شقيقتان ~~تسيران إلى الأمام، بأيد متشابكة، نحو المستقبل ... وتعرف منذ الآن باسم مملكة راندنج وبالا ~~المتحدة ... والكولونيل ديبا ذلك القائد السياسي الروحاني هو أول رئيس للوزراء بالمملكة ~~المتحدة ... # اختفى موكب المصابيح الكشافة خلف سلسلة كبيرة من المباني وتشتت الصوت الصادر من المكبر ~~حتى سكت نهائيا، ثم ظهرت الأضواء مرة أخرى ووضح الكلام. # كان المنادي يقول في غضب: الرجعيون والخائنون لمبادئ الثورة الدائمة ... # وهمست سوزيلا قائلة بنغمة تنم عن الذعر: إنهم يقفون أمام منزل الدكتور روبرت. # وصدرت عن الصوت الكلمة الأخيرة، ms316 وأطفئت المصابيح الكشافة، وأوقفت محركات العربات التي ~~كانت تزأر بالضجيج. وفي السكون المظلم المتوقع واصلت الضفادع والحشرات مناجاتها لا تبالي، ~~ورددت المينات نصيحتها الطيبة: انتباه، كارونا. وتطلع ويل إلى شجيرته المحترقة ورأى الحقيقة ~~المثلى للعالم، كما رأى وجوده، يومضان بالضوء الصافي، وهو بعينه الرأفة (كما وضح الآن كل ~~الوضوح!) ذلك الضوء الصافي الذي اختار ويل دائما - كغيره من الناس - أن يعمى عنه، وتلك ~~الرأفة التي آثر عليها التعذيب دائما، التعذيب يتحمله أو يوقعه، في صالات البيع الرخيص، ~~وفي عزلته الزرية، مع بابز الحية أو مع مولي الميتة في مقدمة الصورة، أو مع جو ألديهايد وسط ~~الصورة. وفي الخلفية البعيدة ذلك العالم الكبير عالم القوى المجهولة والأعداد المتكاثرة ~~والمصابين جماعة بالجنون، والشعوذة المنظمة. # وهناك دائما وفي كل مكان صياح المنومين المغناطيسيين أو تسلطهم وهم ساكنون، وفي أعقاب ~~الموحين الحاكمين تسير دائما وفي كل مكان حشود المهرجين والمروجين، ومحترفي الأكاذيب، ~~والمتعهدين الذين يقدمون أسباب اللهو التي لا تمت بصلة إلى الواقع، وضحاياهم في أزياء موحدة ~~يكيفون منذ المهد، وتصرف أنظارهم بلا توقف، وينومون بنظام، فيواصلون المسير إلى الأمام وإلى ~~الخلف طائعين - دائما وفي كل مكان - يقتلون ويقتلون في طاعة تامة كطاعة الكلاب ~~المدربة. # ومع ذلك، وعلى الرغم من موقف الرفض الذي له ما يبرره كل التبرير فهناك حقيقة ثابتة وسوف ~~تبقى على ثباتها دائما وفي كل مكان؛ وهي أن هناك قدرة حتى عند المجنون على التفكير الذكي، ~~وقدرة حتى عند من يعبد الشيطان على المحبة. ستبقى هذه الحقيقة: وهي أن أساس الوجود كله يمكن ~~أن يظهر بتمامه في شجيرة مزهرة، أو في وجه إنسان، وستبقى أيضا هذه الحقيقة: وهي أن هناك ~~ضياء وأن هذا الضياء هو كذلك الرأفة. # وسمعت طلقة من بندقية، ثم انفجار طلقات من بنادق آلية. # وغطت سوزيلا وجهها بيديها، وأخذت ترتجف ولا تملك زمام نفسها. # وطوق بذراعه كتفيها وضمها إليه. # إن عمل مائة عام يتحطم في ليلة واحدة، ومع ذلك فهناك حقيقة ثابتة؛ وهي حقيقة نهاية ~~الأحزان وحقيقة الأحزان ms317 ذاتها. # وأديرت محركات العربات، وأخذت الآلات المحركة واحدة بعد الأخرى تزأر زئير الحركة، وأشعلت ~~الأضواء الكاشفة، وبعد دقيقة من جلبة المناورة، بدأت العربات تتحرك ببطء شديد عائدة من ~~الطريق الذي أتت منه. # ودوى مكبر الصوت بفاتحة النشيد العسكري مصحوبا بأنشودة المرح الفاسق، وعرف ويل أن هذا هو ~~النشيد القومي لراندنج، وسكت النغم وظهر موروجان مرة أخرى. # ونادى الصوت: هذا الراجا يتحدث إليكم. وبعدما عزفت الموسيقى نغمة خاصة توحي بالإعادة، ~~تلا المنادي مرة أخرى ذلك الخطاب الذي ألقاه من قبل عن التقدم والقيم والبترول والروحانية ~~الحق. وبغتة - كما حدث من قبل - اختفى الموكب عن الأنظار والأسماع. وبعد دقيقة واحدة ظهر ~~مرة أخرى مصحوبا بصوت مرتعش يصدر عن رجل يترنم بمزايا أول رئيس للوزراء بالمملكة المتحدة ~~الجديدة. # وزحف الموكب، ومن يمينه هذه المرة سطعت الأنوار الكاشفة لأول عربة مسلحة على وجه ~~الاستنارة الهادئ الباسم. ولبث ذلك لحظة واحدة، ثم تحرك شعاع الضوء فظهر تاثاجاتا # 18 # للمرة الثانية، فالثالثة، فالرابعة، فالخامسة. واختفت العربة الأخيرة، وبقيت ~~حقيقة الاستنارة وقد انصرفت عنها في الظلام الأنظار، وخفت صوت محركات العربات، وتحول صرير ~~مكبر الصوت الذي كان يعلن الخطاب إلى تمتمة غير واضحة، ومع سكون الضوضاء الدخيلة ظهرت ~~الضفادع، والحشرات التي لا تفتر، وطيور المينة تصيح: كارونا، كارونا. وبنغمة أخف: ~~انتباه! ms318