######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMahmud.Madaniyya.Hindawi82461796 #META# Tags: philosophy #META# ID: 82461796 #META# Title: المدنية #META# AuthorID: 46850295 #META# Author: كلايف بل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 71316163 #META# Translator: محمود محمود #META# Related_books: 1384CliveBell.Civilization (TRANSL) #META#Header#End# # تصدير‏ # الإهداء‏ # المقدمة‏ # ما ليس بالمدنية‏ # نماذج الكمال‏ # مميزاتهم: الإحساس بالقيم‏ # مميزاتهم: تتويج العقل‏ # المدنية وناشروها‏ # كيف نصنع المدنية؟‏ # تصدير‏ # الإهداء‏ # المقدمة‏ # ما ليس بالمدنية‏ # نماذج الكمال‏ # مميزاتهم: الإحساس بالقيم‏ # مميزاتهم: تتويج العقل‏ # المدنية وناشروها‏ # كيف نصنع المدنية؟‏ # | المدنية # | المدنية # تأليف # كلايف بل # ترجمة # محمود محمود # | تصدير # مؤلف هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم لقراء العربية هو الكاتب ~~الإنجليزي كلايف بل، وهو أديب معاصر اشتهر بنقده للفنون وبتقديره ~~للجمال. ولد في عام 1881م وتخرج في جامعة كمبردج، وله نظريات معروفة ~~في فنون التصوير والنحت والأدب، وفي المسرحيات والموسيقى. # أخرج كتابه هذا عن المدنية عام 1928م، وأعيد طبعه عدة مرات، وقد ~~أهداه للكاتبة العصرية «فرجينيا ولف»، واستهله بمقدمة ذكر فيها أن قادة ~~الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) في إنجلترا كانوا يزعمون أنهم ~~يدافعون عن الحضارة، وبهذه الدعوى دفعوا الشعوب إلى القتال، وفي سبيلها ~~ماتت الملايين. هذه التضحية الكبرى في سبيل المدنية هي التي دفعت ~~الكاتب لأن يتساءل عن معنى المدنية، وأن يخرج فيها هذا البحث الذي لا ~~يطمع أن يعرف فيه الحضارة تعريفا دقيقا، وإنما يؤمل أن يقرب ~~مدلولها إلى أفهام القارئين. # ويناقش الكاتب في الفصل الأول من الكتاب بعض تعريفات المدنية ~~الشائعة؛ هل هي احترام حق الملكية، أو ديموقراطية الحكم، أو حب الوطن، ~~أو الوحدة العالمية، أو التمسك بالدين، أو مكانة المرأة في المجتمع، أو ~~الخضوع المطلق لقانون الطبيعة، أو التحلي بالفضائل الخلقية والعادات ~~الحسنة، أو تقدم العلوم، أو توفير أسباب الراحة للجميع، إلى غير ذلك من ~~التعريفات. # ويفندها الكاتب واحدا بعد الآخر، لأنها صفات مشتركة بين البرابرة ~~والمتحضرين. # ويحاول بعد ذلك أن يصل إلى تعريف للحضارة يستخلصه من أهم ما يميز ~~الجماعات المتحضرة، وهي في التاريخ ثلاث: أثينا في القرنين الخامس ~~والرابع قبل الميلاد، وإيطاليا في عصر النهضة، وفرنسا في القرن الثامن ~~عشر حتى الثورة الفرنسية. والصفات المشتركة التي تنفرد بها هذه ~~الجماعات هي: «تحكيم العقل» و«الإحساس الصحيح بالقيم» و«تقدير ~~الفن». # وهي مقاييس للمدنية متداخلة وإن تنوعت، وتنبثق منها مميزات حضارية ms001 ~~كثيرة : منها إعلاء شأن الفرد فوق الجماعة، وإتاحة الفرصة لكل امرئ لكي ~~يعبر عن نفسه تعبيرا حرا كاملا بغير قيد، وتقدير المعرفة لحد ذاتها ~~لا لما تجلبه للإنسان من منافع، وإعداد النشء للحياة العقلية دون العمل ~~الآلي، وإعلاء الدعوة العالمية فوق الدعوة الوطنية، وسيادة روح السخرية ~~والفكاهة. والشخص المتمدن - عنده - لا بد أن يكون متسامحا، رحيما، ~~يجد متعة في الحياة العقلية ولا يحرم نفسه الملذات الحسية، ولا يؤمن ~~بالخرافة، ذواقة للفن، حسن السلوك، وغير ذلك من الصفات التي يعرضها ~~الكاتب في ثنايا كتابه في إسهاب أو إيجاز حسبما يسوقه الأسلوب ~~والتعبير. # وهو عندما يطبق هذه المعايير على إنجلترا المعاصرة يحكم على بلاده ~~بالتخلف في ميدان الحضارة. # يرى بل أن المدنية مطلب الإنسانية، ولا يمكن أن تتحقق إلا إذا وجدت ~~في الأمة طبقة ممتازة يهيأ لها جو خاص تتوفر فيه أسباب العيش كي تحيا ~~حياة نموذجية نسعى جميعا إلى احتذائها. هذه الطبقة ينبغي أن تتفرغ ~~طيلة العمر، وألا تكلف بعمل من الأعمال، وأن تتوفر لها حرية الفكر، ~~وألا يسند إليها الحكم لأن السلطان يفسد النفوس. ويقول الكاتب هنا: ~~إن فرنسا كانت فيها في القرن الثامن عشر أرستقراطيتان: أرستقراطية ~~الحكم، وأرستقراطية الحضارة، وكانت الثانية تظفر بتعضيد الأولى ~~وتأييدها، ولا يرى الكاتب مانعا من عودة هذا النظام. # ولكي ننهض بالشعوب ينبغي لنا فوق هذا أن نكثر من استعمال الآلات حتى ~~يتوفر الفراغ للناس عامة، وأن نعمل على قلة السكان كي يرتفع مستوى ~~العيش، ولما كانت كل جماعة لا تخلو من السفلة الأدنياء فلا مندوحة عن ~~وجود رجال لحفظ النظام، يكون عملهم حماية المدنية لا فرضها على الناس ~~فرضا، لأن المدنية لا تقوم على استبداد الحاكم بمقدار ما تقوم على ~~إرادة الشعب. # هذه بعض آراء بل في المدنية يفصلها في كتابه تفصيلا شائقا، ~~ويضرب لها الأمثال من الحياة ومن التاريخ في أسلوب جزل يأتلف فيه ~~اللفظ مع المعنى. # وللكاتب في غضون كتابه آراء تقدمية ممعنة في التحرر، لا نوافقه ~~عليها، وكانت أمانة الترجمة تقتضينا ms002 أن ننقلها للقارئ كما أوردها ~~صاحبها، غير أنا رأينا في بعض المواضع أن نخفف من غلوائها، دون أن ~~نتحمل تبعاتها، وهي على كل حال تثير التفكير وتبعث على التأمل ~~العميق. # محمود محمود # القاهرة - مايو 1959م # | الإهداء # إلى فرجينيا وولف # عزيزتي فرجينيا: # إذا كرمت هذه الرسالة بإهدائها إليك، فإني أفعل ذلك فقط وقبل كل شيء ~~لأني بسحر اسمك آمل أن أسحر قارئيها، ولست أخجل من أن أدين بهذا أو ~~بغير هذا من المنافع لما بيننا من صداقة. ولكن الواقع أن ما دفعني ~~حقا إلى ذلك باعث أكرم وأشد تشويقا، دفعني إليه أنك وحدك من بين ~~رفاقي التي شهدت مولد هذا الابن المتخلف المنكود وتابعت تقلبات الحظ ~~معه. أنت وحدك التي تعرفين أنه أول ثمرة لكل ما تأملت فيه، وكل ما عداه ~~(سوى بعض مجموعات من المقالات) تفرع عنه بمعنى من المعاني. إن تاريخ ~~التفكير في هذه الرسالة يرجع إلى عهد طفولتنا. تذكرين يا فرجينيا، أننا ~~كنا في الأغلب اشتراكيين في تلك الأيام، وكنا نهتم بمصير البشرية، ومن ~~ذلك الاهتمام نبعت الفكرة أولا، ثم التخطيط العام، ولما فكرت - بطبيعة ~~الحال - أن يكون «عملي العظيم»، وهو كتاب يعالج كل أمر هام من أمور ~~عصرنا، لا يغفل منها شيئا، كتاب أسميه «النهضة الجديدة». ~~«وكان خيالا صبيانيا»، على حد تعبير للشاعر هود في مكان ما ~~كما أظن. وبرغم من هذا التفكير الصبياني فقد أدركت حتى في ذلك الحين أن ~~تفسير ما بلغناه يقتضي بيان ما صدرنا عنه. كان مقدرا «للنهضة ~~الجديدة» أن يعرض صورة عن الفن المعاصر، والفكر، والتنظيم الاجتماعي، ~~وذلك بتعقب تاريخ هذه المظاهر للمدنية من أقدم العصور حتى الوقت الحاضر ~~- أي حوالي عام 1909م - ولكن ما إن حل عام 1911م حتى كنت قد ازددت ~~حكمة - أو على الأقل كبرت سني قليلا - فأدركت أن موضوعي لا تمكن ~~معالجته. من أجل هذا، وبوحي المعرضين الأول والثاني من معارض «ما بعد ~~التأثريين» اجتزأت من كتابي «النهضة الجديدة» فصلا نشرته في ربيع عام ~~1914م تحت هذا العنوان ms003 البسيط الشامل «الفن». # ثم اشتعلت نيران الحرب، فعدلت من آرائي كثيرا بما كان لها من ~~نتائج سياسية واقتصادية - كما سوف يتبين لك بعد قليل - والواقع أن ~~الفرق بين هذه الرسالة وبين الكتاب الذي اعتدت أن أتحدث عنه في غرفة ~~عملك بميدان فتزروي إنما يعزى لهذا الحادث الفاصل، لأن المهزلة وإن تكن ~~ما تزال قائمة، إلا أن ضوءا جديدا قد ألقي عليها وأقصد بالمهزلة ~~منظر ملايين الرجال والنساء وهم يحاولون عن طريق النظام السياسي ~~والاجتماعي أن يحصلوا على ما يعتقدون - بدرجات متفاوتة - إنهم يريدونه، ~~ويسمون ما يعتقدون أنهم يريدونه خيرا، وما إن حل خريف عام 1918م حتى ~~بدأت نظرتي إلى الأمور تتغير، وتحورت آرائي ومعتقداتي. إن ما كان ~~يبدو لي قيما كغايات ما برح كذلك؛ إلا أن كثيرا مما كنت أحسبه ~~وسائل ممكنة لهذه الغايات بدا لي خلوا من المعنى. نظرت إلى المشكلة ~~القديمة نظرة جديدة. وكانت نظرتي جادة، وربما كانت شائقة، في لحظة من ~~اللحظات. ولذا ففي ذلك الخريف أخرجت المخطوط القذر وشرعت أكتب من ~~جديد. # وما برح القدر يترقبني، أو يترقب المخطوط على الأصح. ففي مستهل عام ~~1919م ألفيت نفسي ناقدا فنيا محترفا وأديبا محترفا - ولم يكن ذلك ~~ذنبي - ومرة أخرى تخليت عن «العمل العظيم»، ولكني استخرجت منه فصلا ~~آخر، ونشرته تحت عنوان «الحرية البريطانية»، وكانت رسالة صغيرة - ~~ولكنها في رأيي تدعو إلى الإعجاب - ولم يلحظها أحد، بيد أني وددت أن ~~أواصل الحديث؛ ومن ثم حملت إلى هذا المكان الهادئ مخطوط عام 1918م ~~واستخلصت منه مقالا من المدنية. # لن تسمعي بعد اليوم عن «النهضة الجديدة» فإن ما تبقى من المخطوط بعد ~~الذي استخلص منه استعمل منذ بضعة أشهر وقودا للنار. هنا تجدين ~~خلاصة جدلنا المعروف القديم، بعد أن حورته الحرب، ولم يحوره شيء ~~آخر، لأنه منذ الحرب، والثورة الروسية والانقلاب الإيطالي، لم يحدث شيء ~~ولم أقرأ شيئا، مما يحولني جديا عن رأيي في المدنية أو عن الوسائل ~~التي تتحقق بها. هنا عصارة خير أيامي وأفكاري مجموعة، وأرجو أن تكون ms004 ~~موحدة، حسنة التغليف والطباعة بالتأكيد، يضعها عند قدميك يا عزيزتي ~~فرجينيا صديقك المحب. # كلايف بل # كاسس ~~- أبريل 1927م # | المقدمة # لما كانت بريطانيا العظمى وحلفاؤها تقاتل فيما بين أغسطس من عام ~~1914م ونوفمبر من عام 1918م من أجل المدنية، فلا يمكن - فيما أعتقد - ~~أن يكون البحث فيما عسى أن تكون المدنية غير ذي موضوع، ولقد كان الناس ~~يحسبون أن «الحرية» و«العدالة» من الكلمات التي تكلفنا كثيرا، بيد أن ~~كثيرا من المفكرين من دافعي الضرائب دهشوا عندما أدركوا أن «المدنية» ~~يمكن أن تكلف في اليوم الواحد من الملايين ما لا أذكر عده، وأن قصة ~~ظهور هذه الكلمة في قمة أغراض الحرب البريطانية عجيبة جدا، أجدني ~~مدفوعا إلى روايتها، حتى إن كانت أقل صلة بالموضوع، والواقع أني لا ~~أستطيع أن أشرح كيف اتخذت هذه المقالة شكلها النهائي إلا برواية هذه ~~القصة. # إن أحكم الزعماء الذين قادونا إلى الحرب وخيرهم كانوا ينادون «إنكم ~~تقاتلون من أجل المدنية» وتلقى الجند هذا النداء فقالوا: «التحقوا ~~بالجيش من أجل المدنية»، وقد أفزعتني هذه الحماسة المباغتة لمبدأ لم ~~يبد بشأنه الساسة وضباط التجنيد حتى ذلك الحين إلا قليلا من ~~الاهتمام، أو لعلهم لم يهتموا البتة به، فناديت بدوري: «وما المدنية؟» ~~وأؤكد لكم أن ندائي لم يكن عاليا؛ لأن النداء المرتفع بمثل هذه الأمور ~~في ذلك الحين كان يؤدي بصاحبه إلى السجون. أما الآن - بعد أن لم يعد ~~السؤال جريمة أو خيانة وطنية - فإني أعتزم البحث فيما عسى أن يكون ذلك ~~الأمر الذي من أجله قاتلنا ومن أجله ندفع. وفي نيتي أن أفحص هدفنا ~~الأساسي من القتال. وسنرى إن كان بحثي سوف ينتهي إلى اكتشاف، وإن كان ~~بين هذا الاكتشاف - إذا انتهيت إليه - وبين معاهدة فرساي أي وجه من ~~وجوه الشبه. # دخلت إنجلترا الحرب - إن صح ما أذكر - لأن ألمانيا انتهكت إحدى ~~المعاهدات، والرأي السائد أن حربا أوروبية أفضل من ترك الإساءة بغير ~~قصاص - أو كما يقول المثل: لتأخذ العدالة مجراها حتى إن أدت إلى انهيار ~~البيت. وقبول هذا ms005 المبدأ المزعج بغير تعديل ربما أثار في العقول ~~المفكرة إحساسا بالقلق، وهو الإحساس الذي ربما دفع المحررين والساسة - ~~الذين كان عليهم أن يبرروا لرواد الكنائس وقراء الصحف الأحرار إعلاننا ~~للحرب - إلى تعزيز الباعث الخلقي بالباعث الديني. وأيا كان الدافع، ~~فذلك هو ما حدث. فأعلن أحدهم، وربما كان مستر لويد جورج نفسه، أو على ~~الأرجح مستر هوراشيو بوتوملي، هذا النداء الجريء: ~~«الصليب ضد كروب» ورحبت الصحف من بداية الأمر بالحرب باعتبارها ~~أرماجدون (أي مسرحا للنضال العظيم بين الأمم)، فبات من المعقول أن ~~يكون قيصر ولهلم الثاني من أعداء المسيح. وليس من شك في أنه كان يشبه ~~نيرون من بعض الوجوه - ربما كان تذوقه المزعوم للموسيقى- وكانت هناك ~~إلى جانب ذلك نبوءات، وشارات، ونذر في السماء، وملائكة تظهر في مونز، ~~وكلها تميل إلى الدلالة على أن الله في جانبنا، وأننا على الأرجح نقف ~~في وجه الشيطان. غير أن بعضنا لم يقنعه هذا التشبيه، وقد تذكروا ما ~~اعتاد صاحب الجلالة الإمبراطورية من وضع كتيب صغير عنوانه «أحاديث مع ~~يسوع» في أيدي الفتيات الصغيرات، ثم - فوق هذا - هل كان من حسن ~~المجاملة أن نصر على أن هذا الأمر يبلغ مبلغ العقيدة، في حين أن ~~الجمهورية الفرنسية لا تتقيد من الوجهة الرسمية بدين، والميكادو يتبع ~~العقيدة الشنتوية؟ وهل من الحكمة أن نزج بإله المسيحيين في نزاع ~~يتحد فيه الكفار الفرنسيون والجاحدون اليابانيون، والمسلمون والمجوس ~~الهنود، والمتوحشون السنغاليون، ضد إمبراطور النمسا السابق، وهو تلك ~~الدعامة من دعائم الكنيسة الكاثوليكية؟ ولذا، ففي الوقت الذي بدأنا ~~نتساءل فيه إن كان من الجائز أن توصف هذه الحرب وصفا دقيقا بأنها حرب ~~صليبية، اكتشف رجل حذر مثقف، أظنه من كتاب الملحق الأدبي بجريدة ~~التايمز، بأن ما يهاجمه الحلفاء حقا هو نيتشه. # وكان هذا الاكتشاف في أول الأمر نجاحا عظيما، وأصبح نيتشه هدفا ~~يصوب إليه كل منا حماسته وثورته البالغة، ويكفي لإدانته من جانب رجال ~~الطبقة الحاكمة أنه كان ألمانيا وشاعرا، وقد قيل عنه أنه يحتقر ~~التوسط ومن ثم كان لدى الطبقتين ms006 الوسطى والدنيا ما يبرر كراهيته، ~~ليسقط نيتشه! وما أمتع الضرب في هذا السافل الدنيء! هذا الرجل الذي زعم ~~أنه يسخر من الأحرار دون أن يعجب بالاتحاد بين الأحرار؛ فلقد ~~كان - كما يبدو - كأنه مصاب بالصرع وداء الخنازير، ولم يكن من الرجال ~~المهذبين. وتحدثنا عنه إلى العمال. قلنا لهم: إنه نبي الإمبريالية ~~الجرمانية، وشاعر بروسيا، وتابع دنيء من أتباع أشراف الشبان الجرمان، ~~وإذا كان منا من درس شيئا الأدب الألماني فخفت كراهيته وبلغت به ~~الخيانة الوطنية أن يجادل في عقائدنا، وصمناه بالغدر وأسكتناه. تلك ~~كانت خير أيام عام 1914م، حينما كانت فرنسا وإنجلترا تدافعان عن باريس ~~ضد نيتشه. في حين كانت الآلات الروسية تدفعه من الخلف. # ومع ذلك، فإن هذا التحصين ضد نيتشه لم يكن كذلك باعثا على تمام ~~الرضا: أولا لأنه مما يجلب على المرء الكآبة أن يقف موقف المدافع في ~~كل مكان، وثانيا لأنه كان من العسير أن تحكم على نيتشه، ومن الشذوذ - ~~فوق ذلك - أن تحارب ضد رجل لم يسمع بوجوده منذ ستة أشهر واحد في كل ~~عشرة آلاف، وقد أردنا ألا نحارب ضد أمر من الأمور فحسب، بل أردنا شيئا ~~نحارب من أجله، من أجل ماذا؟ كانت بلجيكا دولة صغيرة جدا، بل بقعة ~~قذرة، والمسيحية تجافي الحكمة، وتوازن القوى فكرة عتيقة، ونحن أنفسنا ~~سببا بعيد الاحتمال. تطلعنا إلى هدف سام له رنين، وهو برغم هذا مألوف ~~معروف، هدف يفخر به الناس أجمعون ويسرهم أن يدفعوا غيرهم إلى الموت في ~~سبيله، سواء منهم المسيحيون واللادينيون والأحرار، والمحافظون ~~والاشتراكيون، من يحب الحرب دائما ومن يؤمن ببغضها، ومن يغرم منهم ~~بماري كوريلي ومن يؤثر عليها مسترولز، ومن يحب منهم الويسكي ومن يؤثر ~~عليه ليدي آستور، وبعبارة موجزة: سواء منهم من يستمد الرأي من «الديلي ~~نيوز» ومن يستمده من «الديلي إكسبريس». ثم حدث أن طرأ هذا الكشف ~~النهائي الجميل - وهو أننا نقاتل من أجل المدنية - لذهن أكثر شمولا، ~~لذهن رجل لديه حس تاريخي وشعور بأهميته، لذهن رئيس الوزراء أو ~~البروفسور جلبرت ms007 موري فيما أعتقد. ثم طرأ لذهني هذا السؤال العاجل: ~~«وما هي هذه المدنية التي نقاتل من أجلها؟». # ولست آمل أن أقدم تعريفا دقيقا، فلقد كبرت الآن عن سن ذلك الوثوق ~~الجليل الذي مكنني من أن أقول للعالم على وجه الدقة ما هو الفن في ستين ~~ألف كلمة، ومع ذلك فكما يستطيع القائد البريطاني أن يشير اعتباطا بطرف ~~عصاه الغليظ إلى خريطة فرنسا، ويقول مخادعا: إن هدفكم يجب أن يكون في ~~مكان هنا على وجه التقريب، فإني كذلك ربما أستطيع أن ألوث بإشارتي ~~مصورا للآراء العامة وأقول: «إن المدنية تقع هنا على التقريب». # ولنبدأ برأي واضح مملول. يبدو أنه من المعقول أن نفترض أن المدنية ~~خير. فإنها إن لم تكن كذلك لما كاد أن يتوقع أحد منا أن ندفع كل هذا من ~~أجلها. وما دامت المدنية خيرا، فلا بد أن تكون كذلك إما كغاية أو ~~كوسيلة. إننا عندما نتحدث عن «مجتمع عظيم المدنية» قد نقصد «مثل ~~المدنية الأعلى» أو «الكمال المطلق» أو «السماء»، وفيما عدا ذلك فإن ~~المدنية ليست غاية من الغايات. ولما كنا عادة نتحدث عن عيوب المدنية ~~ورذائلها، فإن ذلك يشير إلى أنها عند أكثرنا لا تعدو أن تكون وسيلة من ~~الوسائل. إن السماء تتخطى حدود التمدن، وقد يبلغ المجتمع قمة التمدن، ~~ومع ذلك يقصر عن بلوغ المثل الأعلى، ويترتب على ذلك أن الأمر الذي أنا ~~مقدم على تعريفه، أو الذي أحاول تعريفه ليس الخير المطلق، ولكنه وسيلة ~~معينة من وسائل الخير. وسوف أهتم فيما بعد بتقدير قيمته. أما في الوقت ~~الحاضر فيكفي أن تتفق على أنه ما دامت المدنية خيرا وما دامت حالات ~~العقل الخيرة تعد وحدها عادة غايات خيرة، فالمفروض إذن أن تكون ~~المدنية وسيلة كحالات العقل الخيرة، وهذا بالطبع سبب آخر يدعونا إلى ~~الابتهاج؛ لأن أولئك الذين كانوا يقاتلون من أجلها هم أولئك الذين ~~فازوا في المعركة. # وإذا قلنا بأن المدنية وسيلة للخير، فلنذكر أن ذلك ليس معناه أنها ~~الوسيلة الوحيدة. وأراني مضطرا إلى ذكر ذلك؛ ms008 لأن الرأي أخيرا قد ساد ~~بأنه ما لم تكن الوسيلة للخير هي الوسيلة الوحيدة، فإنها لن تكون البتة ~~وسيلة، ومن أجل هذا لم يظفر العلم برضا جماعة من المفكرين. ولعلي ~~أستطيع أن أقول جماعة من الكتاب، لغير ما سبب سوى أنه من رأيهم بل ومن ~~رأي أكثر الناس، أن الدنيا التي لا يكون فيها إلا العلم دنيا تنقصها ~~العاطفة وينقصها الجمال، كما أن الرأي الذي يقول بأن العاطفة والجمال ~~والعلم قد تكون جميعها خيرا رأي - لسبب لست أدريه - يمقته العقل ~~الخيالي الجديد المفزع، سواء في داخل البلاد أو خارجها. فالمدنية إذن ~~ليست بالتأكيد هي الوسيلة الوحيدة للخير. وما دامت الحياة وسيلة ضرورية ~~لحالات العقل بضروبها كافة، فهي وسيلة من وسائل الخير، وحيث إن الشمس ~~والمطر من وسائل الحياة، فهما كذلك من وسائل الخير، وليس من شك في أن ~~الحياة والشمس والمطر هي كذلك من وسائل المدنية، ما دامت المدنية ~~بغيرها لا يمكن أن تظهر في حيز الوجود. ولكنها ليست هي المدنية، كما ~~أنها ليست من وسائل الخير بمقدار ما هي من وسائل المدنية فحسب، بل إن ~~الحياة والشمس والمطر والخبز والنبيذ والجمال والعلم والمدنية هي - في ~~الواقع - جميعا من وسائل الخير. وما ينبغي لنا أن نذكره هو هذا: إن ~~الجمال وسيلة مباشرة للخير، والمدنية وسيلة وسط، في حين أن الشمس ~~والمطر والحياة نفسها وسائل بعيدة وإن تكن ضرورية. # وما كنت لأنفق المداد والورق في هذا الغرض لولا أني أدركت أنه يؤدي ~~إلى غيره، مطابق له، ومع ذلك كثيرا ما يهمله حتى أولئك الذين يقبلونه ~~في صيغته الأولى الجلية الواضحة، وبخاصة حينما يستحثوننا على أن نقوم ~~بهذا العمل أو ذاك لصالح المدنية: ذلك أن المدنية لا يمكن أن تكون من ~~وسائل الخير إلا إن كانت وسيلته الوحيدة، وبطبيعة الحال لو كانت ~~المدنية هي الوسيلة الوحيدة للخير، لاستتبع ذلك أن يكون كل أمر يؤدي ~~إلى الخير جانبا من جوانب المدنية، وحيث إن المدنية ليست كذلك، فحري ~~بنا ألا نخطئ في الاختيار والانتقاء. ms009 ليس من شك في أن الجن (وهو نوع من ~~أنواع الخمر) والكتاب المقدس من وسائل الخير إذا تناولتهما أيد ملائمة ~~في الوقت الملائم. ومع ذلك فنحن نتساءل إلى أي مدى يبرر التجار ~~الأوروبيون والمبشرون صحة دعواهم من أن ما يحملونه إلى البلدان ~~المتوحشة هو من المدنية. وكثيرا ما كانت العقائد التي لا تنبني على ~~العقل ولا تتسامح، والوطنية العمياء والولاء وسائل لحالات عقلية سامية، ~~وللخير تبعا لذلك، بيد أنها ليست بالمدنية، بل لقد دلت على أنها في ~~أكثر الأحيان معادية لها. المدنية وسيلة معينة للخير. ويجب أن نحذر من ~~أن نزعم بأن كل ما نحب أو نقدر جانب منها. يجب ألا نزعم أنها تشمل كل ~~الفظائع المحببة إلى نفوسنا. فقد نؤثر إيثارا كبيرا أكل شريحة من ~~لحم الضأن المحمر على دراسة الميتافيزيقا. بيد أنه من حماقة الرأي أن ~~نسلم - على هذا الأساس وحده - بأن أكل اللحم من بين هذين العملين ~~العجيبين أقرب إلى المدنية، المدنية - وهي ليست الوسيلة الوحيدة للخير، ~~وليست مجرد وسيلة للخير - وسيلة معينة، نستطيع أن نعتبرها عظيمة ~~الأهمية، استنادا إلى رأي ساسة الحلفاء، وإلى أسباب هي عندي أكثر ~~متانة وأشد صلابة. ولا زلنا - برغم هذا - بعيدين عن اكتشاف ~~ماهيتها. # إن هذه الصفة «متمدن» كما يعلم أولئك الذين قضوا خير سني حياتهم في ~~دراسة هذه الأمور من الناحية اللغوية، مشتقة من حالة للمجتمع اسمها ~~باللاتينية # civitas # اشتقاقا صحيحا ~~شائعا. وحتى منتصف القرن الثامن عشر كان الفرنسيون يشتقون وصفهم ~~«المتمدن» من الاسم اليوناني «للمدنية»، وعندما نتحدث عن عصر متمدن ~~نقصد أن المجتمع الذي يعيش في هذا العصر مجتمع متمدن. «المدنية» - على ~~الأعم والأصح - تنسب إلى جماعة بشرية مؤتلفة منظمة، وهي - في استعمال ~~أقل في عمومه وفي صحته - تنسب إلى أشخاص، أو مواطنين. غير أن العقل ~~الذي لم يتدرب على التصريف والاشتقاق - حتى هذا العقل يستطيع أن يدرك ~~أن المدنية في الواقع لا بد أن تكون من إنتاج الأفراد المتمدنين، وأن ~~أي محاولة لفهم طبيعة هذه الظاهرة أو لتعليل وجودها ms010 تؤدي حتما ومباشرة ~~إلى البشر الذين يبدعونها ويحافظون عليها، والإدراك العام المجرد - فوق ~~هذا - يدلنا على أن الفرصة أمامنا للحكم على الأفراد أجدى وأقرب إلى ~~الاحتمال بكثير من أية فرصة نأمل أن تتاح لنا للحكم على هيئة غامضة ~~متعددة الجوانب كالدولة أو المجتمع. الإنسان قريب التناول، وتستطيع أن ~~تقول شيئا يقرب من التحديد عن رغبات أو ميول جون سمث أو دي سنج، ولكن ~~أي شيء دقيق تستطيع أن تقول عن بريطانيا العظمى أو الصين؟ إذا تحدثنا ~~عن «شرف الصين» أو «مصالح إنجلترا» فمن المستحيل أن نعني شيئا محددا، ~~ومن غير المحتمل أن نعني البتة شيئا. فليست لجميع سكان بريطانيا ~~العظمى نفس المصلحة، وليست لجميع أهل الصين نفس المشاعر. ولكنا نستطيع ~~أن نعين في وثوق العاطفة التي تتحكم في رجل صيني بعينه، وأن نتابع في ~~يقين نوعا من السلوك يكون في مصلحة سمث. ولو أن إنجلترا امتنعت عن ~~إعلان الحرب على ألمانيا لما استطاعت أن ترفع رأسها مرة أخرى كما يعلم ~~كل منا، ولكني أستطيع أن أقول إن سمث يستطيع أن يشمخ بأنفه. # ولما كان الأمر كذلك، فربما يتوقع مني القارئ أن أبدأ بحثي في طبيعة ~~المدنية بأن أحاول الكشف عن العناصر التي يتكون منها الرجل المتمدن، ~~ذلك هو الترتيب المنطقي، غير أن هناك ما يعوق اتباع هذا الطريق. ذلك أن ~~الرأي العام قد يتفق كل الاتفاق على أن جماعات بعينها كانت متمدنة، بل ~~وضالعة في المدنية، في حين أن الرأي لا يمكن أن يجمع بهذه الصورة على ~~الأشخاص. ولما كان مرماي البعيد أن أكشف عن ماهية المدنية، فإن أولى ~~محاولاتي ستتجه نحو اكتشاف الخصائص التي تتميز بها الوحدات المتمدنة ~~باعتراف الجميع. وإذا كنت سأبحث في «الجماعة المتمدنة» قبل أن أبحث في ~~«الفرد المتمدن» فمرد ذلك إلى أن لدينا عن الجماعة المتمدنة «نماذج» ~~يقرها العالم بأسره. # ولكني لن أبدأ بهذا أو بذاك، بل سوف أبدأ بوحدات يعدها العالم ~~طرا غير متمدنة؛ إذ لو صدق حكمي على خصائص هذه الوحدات لوجب أن ms011 أصل ~~إلى نتائج معبرة سلبية لها أهمية أساسية، فسوف أعرف ما ليس بالمدنية، ~~ولا يمكن أن تكون إحدى خصائص الجماعة المتوحشة مميزا من مميزات ~~الجماعات المتمدنة. لا يمكن أن تكون إحدى تلك الخصائص المميزة التي ~~أبحث عنها والتي تفرق بين المدنية والوحشية. ولا يمكن أن تكون من روح ~~التمدن. ولن أحاول أن أكتشف ما هي المدنية بالبحث عن روحها في النماذج ~~التي يقرها العالم طرا حتى اكتشف ما ليس بالمدنية. وعندما ألتمس - ~~إن استطعت ذلك - صفات مشتركة في هذه النماذج لا وجود لها في الجماعات ~~المتوحشة أكون قد انتهيت من الجانب الأول من عملي؛ عندئذ أكون قد ~~اكتشفت الصفات المميزة للمدنية. # سوف أصوغ نظرية محكمة. وإن كنت أريد أن يشاركني قرائي فيها فلا بد ~~أن أقيمها على فروض تبدو لهم عادلة. أعني أنه لا بد لي من أن أستخلص ~~الخصائص المميزة للمدنية من النظر في وحدات يقر لها الجميع بالتمدن ~~أو بعدم التمدن. والوحدات الوحيدة - كما ذكرت من قبل - التي يجمع ~~الرأي فيها حقا على تمدنها أو وحشيتها هي المجتمعات؛ ومن ثم تحتم ~~علي أن أبحث عن الصفات المميزة في المجتمعات لا في الأفراد، فإن وجدت ~~هذه الصفات استطعت أن أواصل البحث في مصدرها الذي لا يمكن أن يكون إلا ~~في عقول الرجال والنساء. وإن جماعة من هؤلاء - كما سيتبين لنا - لهي ~~المنبع الحق. وإذا أرسلنا خيالنا إلى حد البحث فيما إذا كنا بتعزيز ~~الأسباب نأمل أن نضاعف النتائج - أي هل نستطيع أن نزيد من المدنية - ~~فلا شك في أننا سنجد أنفسنا مضطرين إلى البحث عن الوسائل التي يمكننا ~~أن نخرج بها أعدادا وافرة من أناس ذوي مدنية رفيعة. أما في الوقت ~~الحاضر فلا بد لي من الاتجاه إلى المجتمعات أتلمس فيها الخصائص التي ~~أبحث عنها، ففي المجتمعات وحدها توجد النماذج التي يجمع الرأي على ~~توحشها والنماذج التي يجمع على تمدنها. هناك من هذه المجتمعات اثنان أو ~~ثلاثة على الأقل لا يعارض في سمو مدنيتها أي فرد أصاب من التعليم ms012 قدرا ~~معقولا. وسوف أتخذ هذه المجتمعات نماذج الكمال. وهناك ثلاثة أو أربعة ~~مجتمعات أخرى كثيرا ما عدت من بين المجتمعات ذات المدنية الرفيعة، غير ~~أن حقها في هذا الوصف محل تنازع خطير يستند إلى دواع قوية؛ ولذا فلن ~~أتجه إليها. # وكما أن هناك مجتمعات متمدنة باعتراف الجميع، فهناك أخرى يتفق العالم ~~كله على وصفها بالوحشية، وقد تعجب بهذه المجتمعات الوحشية. وقد تعشقها ~~- أو تحسب أنك تعشقها - أكثر مما تعشق المجتمعات المتمدنة. غير أن ~~الإجماع ينعقد على نعتها بالوحشية حتى إن علماء الأنثروبولوجيا ~~يقصدونها ليتلمسوا فيها حال الإنسان البدائي خلال تلك القرون البعيدة ~~أو العصور السحيقة حينما كان ينتقل من البهيمية أو على الأقل من العصر ~~الباليولتك إلى العصر النيوليتك، وقد قام هؤلاء الأنثروبولوجيون ~~العجيبون بدراسات دقيقة في عادات ومعتقدات أكثر الناس وحشية من بين هذه ~~الأقوام المتوحشة، ومن دراساتهم آمل على الأقل أن أعرف ما ليس ~~بالمدنية، ولنذكر أنه ما من صفة - مهما تكن شريفة - يمكن أن تكون من ~~الخصائص المميزة للمدنية، إذا كانت مما تتصف به الجماعات المتوحشة. إن ~~المجتمعات المتمدنة قد تشاطر الجماعات المتوحشة مثل هذه الخصائص بطبيعة ~~الحال، وقد تتصف بها إما كصفات مشتركة بين أفراد البشر جميعا، أو كأثر ~~من آثار البربرية، وكذلك قد تكون هذه الصفات ذات قيمة وجاذبية، وقد ~~يتصف بها كثير من الشعوب ذات المدنية الرفيعة أو أكثرها ولا تقتصر ~~البتة على المتوحشين. ولكن حيث إنها ليست خاصة بالمجتمعات المتمدنة، ~~فلن تعيننا على التعريف، ومع أن بعض الخصائص التي تشاطرها الجماعات ~~المتمدنة مع المتوحشين تشيع بين جميع المجتمعات المتمدنة، إلا أنها ~~ليست من مميزاتها التي تختص بها. وإنما نبحث عن الصفات المميزة (أو ~~الخصائص). نريد خصائص شائعة بين جميع المجتمعات ذات المدنية الرفيعة ~~تخلو منها الجماعات المتوحشة. ولا نأمل أن نعرف ما هي المدنية إلا بعد ~~أن نستخلص هذه الخصائص. # فواجبي الأول إذن هو أن أزيل الموانع من الطريق. يجب أن أستبعد تلك ~~الخصائص التي كان من الممكن اعتبارها من علامات المدنية لولا ms013 أن أسفل ~~القبائل المتوحشة وأشدها تأخرا تشاطر المجتمعات المتمدنة فيها، ولهذا ~~الغرض ينبغي أن أكتب فصلا علميا، يبحث في أسفل صفحاته بعض القراء ~~الذين لهم حق التشكك في علمي عن حشد غزير من الحواشي. بيد أنهم سيبوءون ~~بخيبة الأمل. ففي مقالة خفيفة سطحية كهذه لا تجد الحواشي المستفيضة ~~مكانا لها. ولا بد أن يوجد منها القليل، ولكنه القليل فحسب. وقد رجعت ~~في أكثر ما ذكرت في الفصل الأول إلى ذلك المؤلف الثبت الذي وضعه ~~وسترمارك تحت عنوان «أصل الآراء الخلقية وتطورها». هنا يجد القارئ ~~المتشكك الدليل قائما على كل حقيقة مذكورة، بل أكثر من هذا، هنا يجد ~~القارئ سردا رائعا لعقائد الشعوب المتوحشة وأخلاقها، سردا يستند إلى ~~العلم الرصين، مؤيدا بالمراجع العديدة، وموضحا بالطرائف التي تأخذ ~~بالألباب. أما عن الحواشي، فإن اعتراضي عليها في الأدب الخفيف هو أنها ~~تصرف العين من جهة، وهي في أغلب الأحيان - من جهة أخرى - حيلة للتخلص ~~من العمل البغيض الذي يتطلبه تشكيل كتل جامدة من المادة الخام في صورة ~~مقبولة. وإذا تسامحنا في قبول عادة تكرار طبع المقالات وجب أن نتسامح ~~كذلك في هذه الحواشي المطولة المزيدة. فهي تتمة لا مفر منها للصحافة ~~التي تزعم لنفسها الخلود. أما في مقال خفيف ينم عن الصياغة المجملة ~~من أول لفظ إلى آخر لفظ فيه فهي عادة دليل على الضعف وأمر يشق احتماله. ~~ولست أكره التظاهر بالمعرفة، بل إني على النقيض من ذلك أشعر - كما يشعر ~~غيري - بالروعة التي يسبغها على الصحيفة الاقتباس الموفق أو الاسم ~~المهيب، وكذلك لن يفوت على القارئ المستبشر الذي يتحول إلى عقيدتي راحة ~~الضمير وثبات العقيدة عندما يصادفه خلال النص بعض هذه الاقتباسات ~~والأسماء الجليلة، ولكني عندما اضطر إلى الإدلاء برأي من تلك الآراء ~~التي تنتزع من القارئ المعادي صيحة يعبر بها عن تكذيب ما أذكر - عندئذ ~~فقط سأضطر إلى الإشارة في هامش الكتاب؛ كي أرد عن نفسي ~~الاتهام. # من أجل هذا حاولت أن أدخل السرور على مثل هذا القارئ بوصف مقالتي ~~هذه ms014 بالخفيفة السطحية، وأؤكد أنها ستكون خفيفة بكل ما في الكلمة من ~~معنى، وربما كانت كذلك سطحية، ولكني عندما استخدمت هذه الكلمة كنت أفكر ~~قبل كل شيء في أحدث دلالاتها. قصدت أنني سوف أحاول أن أكون مفهوما، ~~وإني لأعطف على أولئك الكتاب الذين أرغمهم الفقر أو مقتضيات الخدمة ~~الحربية على الانصراف عن التعليم، وإني لأدرك تمام الإدراك لماذا ~~يعرضون عن أولئك الذين كان هدفهم التعبير عن الآراء في بساطة ووضوح ~~وإيجاز بقدر الإمكان. إن أمثال هذه الأساليب اليائسة تختصر أطول الكتب ~~التي ألفها كثير من خيار أنبيائنا إلى صفحات قلائل. فإذا لم يكن لديك ~~الزبد الذي تكسو به الخبر، فإنك لا تستطيع أن تكسو خبزك بطبقة رقيقة ~~منه. وفي مثل هذا القحط، لا يكون بوسعك إلا أن تغوص في الرغيف متعجبا. ~~ويسمى هذا في الأدب تعمقا. وبالرغم من أن هناك من القراء من يغوص ~~إلى أعمق الأعماق فلا يلاقي هناك أصغر ذرة من الزبد الصناعي فيتشجع على ~~وصف هذه الأعماق بالفراغ - برغم هؤلاء نجد أن الأسلوب العميق يلقى ~~التقدير عادة في أجزاء من أوروبا وأمريكا يتصف أهلها بالنشاط وخفة ~~الحركة. وعلى أية حال، فإن صفات الفئران العمياء التي تثقب الأرض وعمال ~~المناجم الذين يغوصون فيها هي عندي من قبيل التظاهر. ثم إن مقالا من ~~هذا النوع - فوق هذا - يختلف عن الشعر الحديث والفلسفة والخيال الفلسفي ~~الحديث في أنه لا يأمل أن يلقى إعجابا من ذلك الجمهور الضخم الذي ~~يغفل - خلال بحثه عن الحياة - كل الفوارق الدقيقة بين الكلام المعقول ~~والكلام الفارغ. إني لا أجرؤ أن أكون عميقا. وأصارحكم القول إن كاتب ~~هذا المقال كان يود أن يدبجه بكل ما أوتي منتسكيو وهيوم وفلتير من ~~وضوح قليل الغور لو أنه عرف سر سطحيتهم. # وسوف أحاول أن أكون مفهوما لأني أود أن يدرك القارئ ما أقول. ولنفس ~~هذا السبب سأكرر ما أقول، وكان من الممكن أن أتعلم من لوحات الإعلانات ~~- من زمان بعيد - أن تكرار القول هو وسيلة الإقناع، ولكني في حداثتي ~~كنت ms015 غرا لا أفهم الناس، فكنت أعتقد أني لكي أنقل إليهم ما أريد ليس ~~علي إلا أن أذكره مرة واحدة في وضوح، وكان في دار النشر لأصحابها ~~السادة شاتو ووندس رجل في مثل سذاجتي، اطلع على مسودات كتابي الأول عن ~~«الفن»، فأشار في رقة بالغة إلى أنني في نقطة من نقاطه - تعريف العمل ~~الفني - ربما بالغت في التكرار. نعم لقد فعلت: و«القارئ» كفرد فذ كان ~~مصيبا كل الصواب، ولكنه كان مخطئا باعتباره ناشرا، بل إني لم أكرر ~~القول بالقدر الكافي للجمهور. وما برح النقاد والأكفاء في إنجلترا ~~وأمريكا حتى اليوم يذكرون أني قصدت «بالعمل الفني» ما قلت على وجه ~~الدقة مرارا أني لا أعنيه؛ ومن ثم فإني أرجو أي قارئ يلاحظ أني في هذا ~~المقال أكرر القول مرارا أن يتفضل بنسبة ما عند المؤلف من إملال إلى ~~خصيصة من خصائص القراء عامة (خصيصة لست بحاجة إلى أن أقول إن السيدة أو ~~السيد الذي تسوقه المصادفة إلى مطالعة هذه الكلمات لا يتصف ~~بها). # | ما ليس بالمدنية # ليس احترام حقوق الملكية من خصائص المجتمعات المتمدنة وحدها. حقا ~~إن الحيوان ليس لديه هذا الاحترام، كما أنه ليس لديه آلات من حجر ~~الصوان. وعند الإنسان المتوحش هذا وذاك، وهذا ما يميزه من الحيوان، ~~ولكن لا يجعله إنسانا متمدنا. إن آلات الصوان واحترام حقوق الملكية ~~قد تكون من وسائل المدنية، غير أن الإحساس بهذه الحقوق لا يمكن أن يعد ~~خصيصة من خصائص المدنية، شأنه في ذلك شأن آلات الصوان، بل إن كثيرا من ~~الأغنياء والمفكرين اعتنقوا رأيا يناقض هذا الرأي. غير أن وسترمارك ~~يقول لنا إن قبائل متوحشة عديدة عندها من دقة التفرقة بين «مالي» ~~و«مالك» ما عند قاض إنجليزي، وتكاد السرقة أن تكون مجهولة بين هنود ~~أمريكا الشمالية حتى جاء الجنس الأبيض الذين من الإنصاف أن نذكر أنهم ~~بذلوا قصارى جهدهم في موازنة أي ضرب من ضروب الانحلال الخلقي ربما ~~أدخلوه معهم بإرسال المبشرين يذكرون الأهالي بأن العقوبة الأزلية تنتظر ~~أولئك الذين يخالفون الوصية الثامنة. ms016 وعلى أية حال، يجب ألا نظن أن ~~الاعتقاد في الله والحياة الآخرة مقصورة على المتمدنين - وليس هذا ~~الاعتقاد هو خاصيتهم الأولى، بل على نقيض ذلك، نجد أن لدى معظم الأجناس ~~المتوحشة عقيدة حية في الإله، وكثير منها يأكله. وأحط سكان الغابات ~~بأستراليا - وربما كانوا أشد المتوحشين توحشا - يعتقدون في وجود كائن ~~أعلى يضع القوانين الخلقية ويحكم بينهم، بل إنهم ليسمونه «الأب» ~~ويعبدونه في صورة سيد عجوز. إن المتوحشين قلما ينكرون وجود الله. وهم ~~مثلنا يتطلعون إلى مستقبل أعظم. # وفي المجتمعات العامة سمعت السيدات يقلن: إن مقياس مدنية الشعوب هو ~~المكانة التي تخص المرأة بها. ترتفع المدنية أو تنخفض بارتفاع ~~مكانتها أو انخفاضها، غير أن هذا يخالف الواقع، فإن للمرأة عند سكان ~~جزر أندمان، وعند البوشمان والفيدا - وليس بين الناس من هم أقرب منهم ~~إلى الحيوانية، كما يقول وسترمارك - اعتبارا أكبر مما كان لها عند ~~الأثينيين لعهد أرسطو. وبينما نجد أن الذكور في كثير من القبائل ~~المتوحشة - برغم حيوانيتهم يستكينون لزوجاتهم ويضعونهن في مستوى يدنو ~~من مستواهم، كان الصينيون في عصر تانج وعصر سونج - وهما العصران اللذان ~~اشتهرا بالمدنية - لا يرفعون زوجاتهم فوق قدر الماشية إلا قليلا، ومن ~~الواضح حقا أن كثيرا من أكلة لحوم البشر يمتلكون عددا لا يحصى من ~~الفضائل العائلية؛ إذ يتصفون بالرفق والأمانة والجد، والكرم مع أفراد ~~قبيلتهم، والجود مع الأغراب. ويترتب على ذلك فيما يبدو أن ما عند عامة ~~البريطانيين من فضائل ليس خاصا بالجماعات المتمدنة. وكثيرا ما أذهل ~~المكتشفين صدق المتوحشين. ويقال: إن الفيدا من أهل سيلان نماذج تحتذى ~~في الصدق، والأندامان الجزريون والبوشمان «يعتبرون الكذب إثما ~~كبيرا»، في حين أن سمعة الإغريق وأهل كريت سيئة في هذا الصدد، وفي حين ~~أن سكان قارة أوروبا يصفون بريطانيا العظمى بصفة خاصة؛ إذ يطلقون عليها ~~«الغادرة». وكثير من المتوحشين لا يتصفون بالصدق فحسب، بل يتصفون كذلك ~~بالنظافة. فالميجي، وهم شعب ساحل الذهب البائس، الذين يخضعون لأولئك ~~المتوحشين المعروفين باسم منتبي «يغتسلون مرتين أو ثلاث مرات في اليوم» ms017 ~~ويغتسلون اغتسالا كاملا، فكم أوروبي من نهاية الإمبراطورية الرومانية ~~حتى اعتلت الملكة فكتوريا العرش اغتسل اغتسالا كاملا مرة في كل ~~عام؟ # كما أن عادات كثير من الشعوب المتأخرة فيما يتعلق بذلك الموضوع الهام ~~- موضوع الأخلاق الجنسية - ليثير فينا الحقد إزاءهم. إن شأنهم في ذلك ~~شأن بزول «ينظرون إلى الزنا بعين الفزع»، فالقبائل التي تقطن غابات ~~البرازيل - على سبيل المثال - تتزمت في التزام الزواج من واحدة، وكذلك ~~يفعل الكثير من قبائل كلفورنيا، ومن المؤلم بل ومن العجيب أن البروفسور ~~وسترمارك - برغم هذا يصف هذه القبائل بقوله: «إنها من جنس منحط وضيع ~~.. وهي من أحط القبائل على وجه الأرض» «والكاردوك لا يسمحون بتعدد ~~الزوجات حتى لزعمائهم، وقد يمتلك الرجل ما يستطيع شراءه من إماء، إلا ~~إنه يجلب على نفسه العار لو أنه عاشر أكثر من واحدة». فإن ذلك يشبه ~~عندهم أن يضاجع الرجل المتزوج طاهيته. ولست على ثقة تامة بما يعني ~~الأستاذ وسترمارك بقوله بأن الزواج من واحدة بين قبائل الفيدا ~~والأندمان الجزريين قاعدة يصر الرجال على التزامها بصرامة إصرار الرجال ~~في أية بقعة من بقاع أوروبا، ولكن الأهالي في كارنيكوبار - على الأقل - ~~لا يجلبون اللوم على أنفسهم في هذا. فالرجل من هؤلاء المتوحشين ~~المحترمين له زوجة واحدة، ويعتبر انعدام العفة إثما مميتا، ويعاقب ~~عندهم - وعند كثير من القبائل المتوحشة الأخرى - من يخالف هذه القاعدة ~~بالنفي أو بالموت. يقول وسترمارك: «مما يستحق الذكر أنه ينتمي إلى هذه ~~المجموعة من الشعوب (المجموعة ذات الإحساس الرقيق في هذه الأمور) ~~متوحشون من طراز منحط كالفيدا من أهل سيلان، والإيجوروت من أهل لوزون، ~~وبعض القبائل الأسترالية». وكان يحق له أن يضيف إلى ذلك أنه مما يستحق ~~الذكر أنه بينما يعتبر أسفل المتوحشين انعدام العفة جريمة شنيعة، فإنها ~~كانت تعتبر في أزهى عصور التاريخ زلة صغيرة على أسوأ تقدير. وخلافا ~~لما كان عليه أهالي كارنيكوبار كان أعمق الناس فكرا وأشدهم حساسية في ~~ألمع العصور التاريخية يغضون الطرف عن خطيئة الزنا الشنيعة، بل لقد ~~نادى أفلاطون بشيوعية النساء. ms018 وكان للعفة وزن خفيف في حلقة القبياديس، ~~وبلاد هادريان ، وحدائق مديشي، وفي الصالونات التي صاغ فيها فولتير ~~وهلفيشيس وديدرو نمطا عقليا جديدا بشروا فيه بفلسفة اللذة. ويبدو ~~أن سقراط وشيكسبير ورفائيل وتيتيان وقيصر ونابليون ودوق ولنجتون وجورج ~~إليت ذاتها قد عاشوا حياة تجعلهم غير صالحين لأحسن مجتمعات إيجوردت في ~~لوزن. ولم تكن الحال خيرا من هذا في العصور العظيمة من تاريخ الصين. ~~ولذا، فحيث إن أهالي كارنيكوبار يعتبرون انعدام العفة إثما مميتا، ~~فنحن مرغمون على الحكم بأن العفة ليست خصيصة من الخصائص المميزة ~~للمدنية. # ودعنا لا نداهن أنفسنا فنحسب أن حب الوطن فضيلة من فضائل المدنية ~~المميزة لها. فقد عرف بها هنود أمريكا الشمالية، حتى لقد قال كارفر عن ~~النودواسيس: «إن أول عاطفة وأقواها تملكا لقلوبهم هي الشعور بشرف ~~قبيلتهم، وسعادة أمتهم»، وكتب ماك جريجور عن اليوروباس في غربي أفريقيا ~~يقول: «ليس بين البشر جنس أشد منهم إخلاصا لبلده»، ومع ذلك فهذه ~~القبيلة - إن صح ظني - قد اتهمت بأكل المبشرين، وكذلك «كثيرا ما يموت ~~السلومون الجزريون من الحنين إلى الوطن وهم في طريقهم إلى مزارع فيجي ~~أو كوينزلاند» وطبقا لما يقول مستر وليامز أخذ أحد أهل فيجي عند ~~زيارته للولايات المتحدة - بناء على أمر من سيده - يعدد الأوجه التي ~~تتفوق فيها هذه البلاد على بلده، فأسكته على الفور المستمعون من أهل ~~وطنه، وصاحوا قائلين: «إنه رجل ثرثار وقح: اقتلوه» ومهما يكن من الأمر ~~في موضوع العفة، فإنه من الواضح أن شعلة الوطنية تتأجج ناصعة في جزر ~~فيجي كما تتأجج في أي جزء من أجزاء أوروبا. وبالرغم من أنه قل من ~~الأمم الحديثة من يتعلم منهم الكثير، فإن كثيرا من الشعوب المشهورة ~~من قديم ربما أفادت من مثالهم. فأهل الصين مثلا سرعان ما تعلموا - بعد ~~عهد كنفيوشس - من فلاسفتهم أنه يجب علينا أن نحب الناس جميعا على ~~السواء. «وطبقا للكتاب الهندي المسمى بانشا تنترا أنه لا يعتبر الرجل ~~واحدا منا أو غريبا عنا إلا ذوو العقول الضيقة». وقد قال ديموقريطس ~~الأبدري: ms019 «إن كل بلد مطروق عند الرجل الحكيم، وأن الأرض بأسرها وطن كل ~~من كان له قلب كريم». كما أن القورنيائيين والكلبيين الأواخر عدوا ~~الوطنية سخرية من السخريات، وتطورت عقيدتهم إلى تلك العالمية الرواقية ~~المتسامحة التي اعتنقها سنيكا وابكتيتس وماركس أوريليس. وكان حكم فلتير ~~النهائي وهو يتكلم عن الحرب: «وأنه من الجلي أن بلدا من البلاد لا ~~يكسب إلا إذا خسر الآخر، ولا يستطيع أن ينتصر دون أن يخلف كثيرا من ~~البائسين». # وأعتقد أنه يجب أن نقر أن الإحساس بحقوق الملكية، والصدق، ~~والنظافة، والاعتقاد في الله والحياة الآخرة والعدالة الأبدية، ~~والشهامة، والعفة، بل والوطنية، ليست جميعا بين الصفات المميزة ~~للمدنية، وإن تكن - برغم هذا - من وسائل المدنية، بل ومن وسائلها ~~القوية الفعالة. ومن الواضح أن روح المدنية شيء لم يحققه المتوحشون؛ ~~ومن ثم فلا يمكن أن يتوقف على الفضائل البدائية، وأن المفارقة بين ~~المتوحش النبيل والرجل المتمدن التي جرت على الألسن في المائتي سنة ~~الماضية لتدل على إجماع الرأي على أن المدنية ليست إنتاجا طبيعيا. ~~ويجب أن نتوقع أن يكون لها شأن بالصفات التي اكتسبتها الإنسانية أخيرا ~~- الشعور بالذات وروح النقد. يجب أن نتوقع أن تكون نتيجة من نتائج ~~التربية، فالمدنية شيء مصطنع. # غير أن هناك رأيا متخلفا يستند أساسا إلى علم ناقص يتمشدق به ~~المدعون وأنصاف المتعلمين. والمدنية بناء على هذا الرأي تتوقف على ~~الخضوع المطلق لقانون الطبيعة. # 1 # والشعار الذي ينادي به أصحاب هذا الرأي هو «خل الطبيعة ~~وشأنها»: إن مملكة الحيوان ومملكة النبات هما مثال التمدن. وهم يقولون ~~بأن الإنسان قد أفسد الأمور؛ لأنه لم يسمح للأصلح بالبقاء، ولن نكون ~~حقا متمدنين حتى نترك الضعيف للموت، وحتى نقر بصفة رسمية أن القوة ~~هي الحق. عندئذ يرث الأرض الصالحون. وهنا يتبادر إلى الذهن بالطبع هذا ~~السؤال: ومن هم الصالحون؟ إذا كان الناقصون من الناحية الجسمانية قد ~~نجحوا في تنظيم المجتمع بحيث أصبح طلبة جامعة لندن لا يخشون بأس رجال ~~الشرطة الذين يحدقون بهم، أفلا يجوز أن يكون ذلك لأن ms020 الناقصين من ~~الناحية الجسمانية هم المتفوقون في الناحية العقلية؟ وإذا وثقنا فيما ~~روته كتب المراجع، فقد كان التطور نتيجة للمكر كما كان نتيجة لقوة ~~الأعصاب. ألم يكسب الإنسان ذلك الحيوان الثديي الضعيف في معركة البقاء ~~ما لم يكسب الماموث الضخم العظيم، وحتى بين بني الإنسان ربما لم يبق ~~إلا من كان أصلح للبقاء. يبدو لي أن حجة الطبيعيين متناقضة، إذا كان ~~بقاء الأصلح من قوانين الطبيعة، فإنا نستطيع أن نفترض أن الأصلح للبقاء ~~هم الباقون فعلا. وليس من غير المحتمل أن تصبح الحرب الحالة الطبيعة ~~للبشر، وإذا كان الأمر كذلك فإن المستقبل سوف يكون مع أولئك الضعفاء ~~الماكرين الذين يكيفون أنفسهم لظروفهم بابتداع الوسائل التي يتحاشون ~~بها الخدمة العسكرية، كما حدث في العصر الجليدي أن بقيت تلك الأنواع ~~التي عرفت كيف تحمي نفسها من حدة المناخ. يقول طلاب العلم: «لقد تدخلتم ~~مع قانون الطبيعة»، ونجيبهم بقولنا: «هذه هي طبيعتنا». # وأخشى أن يطرق أذن العالم البيولوجي المتحمس كلامي هذا كما لو كان ~~سفسطة وشرا. وإذا ما أدرك أنه ينهزم في الجدل فالأرجح أن يلجأ إلى ~~قواعد الأخلاق. وقل من يستطيع أن يتكلم بنغمة خلقية عالية مثل رجل ~~العلم الذي لم يتم نضوجه. فهو يصم - وضميره مطمئن - بالميوعة والتقلب ~~والخيانة والجبن والوضاعة والسخف والاندفاع وراء العاطفة. والشر المطلق ~~- يصم بهذا كل من يعتقد أن من واجبنا ألا نهمل الكسيحين من الأطفال ~~حتى الموت، وألا نخنق الفنانين المصابين بالدرن، وألا نكل إلى ~~البروفسور راي لانكستر اختيار حبيباتنا. يقول هؤلاء العلماء ساخطين: ~~«ينبغي لنا» ولكني أتساءل: أليسوا في هذا أيضا متناقضين؟ ليس في ~~الطبيعة ما «ينبغي» وإنما فيها ما «يكون». حينما يقول العالم البيلوجي: ~~إنه لا ينبغي لنا ألا نتدخل مع الطبيعة، فهو يزن الرأي وزنا خلقيا ~~لا طبيعيا. وإذا كانت المعايير الخلقية تتخذ أدلة في صالح قانون ~~الطبيعة، فهي يمكن أن تتخذ أدلة ضدها بنفس القوة، فنستطيع أن نقول: إنه ~~مما يؤذي حسنا الخلقي أن نقتل الأطفال والشعراء والمصابين وكل من يفقد ~~الأمل ms021 في بلوغ المستوى (ب-1) من الكفاية، فإن مثل هذا العمل لا يؤدي في ~~حكمنا إلى حالات عقلية طيبة. ويقول طالب العلم عابسا: «حسنا، ولكن ~~ثقوا أن الإنسان إذا رفض أن يطيع قانون الطبيعة لا بد أن يهلك»، فنجيب ~~قائلين: وإذا كانت الغاية والغرض الوحيد من وجود الإنسان ليس إلا أن ~~يحافظ على نوعه، وإذا لم تكن للفرد قيمة إلا أن يكون وسيلة لهذه ~~الغاية، فهل يكون ذلك أمرا ذا بال؟ إنه إذا تحتم على أي نوع من ~~أنواع القردة أن يفنى فإن ذلك لا يعني البتة شيئا، وإذا كان الإنسان ~~لا يعيش لأي غرض سوى ما يعيش من أجله القردة، فإن استمرار بقائه يصبح ~~كذلك عديم الأهمية. أما إذا سلمنا بأن الإنسان يعيش من أجل غرض آخر غير ~~الاحتفاظ بنوعه انهار البناء الشامخ كله من أساسه. إذ ربما كانت من أجل ~~هذه الأغراض الأخرى عينها حمايتنا للضعيف واحترامنا للفرد. # إن المشكلة التي أردت أن أجلوها لمصلحة طالب العلم في ساوث كنزنجتين ~~هي هذه: إما أن يكون الحق فيما هو كائن، أو أن الإنسان أوسع معرفة من ~~الطبيعة، وليس في الحالة الأولى ما يدعو إلى الاعتراض، أما في الحالة ~~الثانية فإن لدى العالم البيولوجي مجالا أوسع للاعتراض. فالماستدون ~~(حيوان منقرض يشبه الفيل) بعدما فشل في نضاله من أجل البقاء، تلاشى من ~~الوجود، وأخذ مكانه نوع آخر يحمل رسالته، رسالة الاحتفاظ بالجنس، وهكذا ~~سارت الأمور سيرا حسنا. وكذلك إذا فني جنس علماء سوث كنزنجتين، وحل ~~محله جنس آخر أقدر منه كفاية من الناحية البيولوجية، فماذا يكون الضرر ~~من ذلك؟ إن الأمور هكذا تسير كذلك سيرا حسنا، ويتحقق غرض الطبيعة. ~~لماذا نأخذ على عواتقنا الاحتفاظ بعلماء سوث كنزنجتين ما لم نعتقد أن ~~هدفهم يختلف عن هدف الطبيعة ويدق عنه؟ هنا يقاطعني القارئ متسائلا: ~~«لماذا تفضح نفسك بهذا الانفعال وتلك الإطالة؟ لا شك أن عبارتين اثنتين ~~كانتا تكفيان لإقناع أي فرد بأننا لا نعني بالجماعة المتمدينة نوعا ~~كامل التنظيم لمجرد الاحتفاظ بنفسه؟ أليست النمال ms022 كذلك؟». # بقي أمر أو أمران آخران يصح أن نشير إلى أنهما ليسا من المدنية. ~~فهناك مثلا الحيل الميكانيكية المعقدة، إنها ليست من روح المدنية كما ~~ظن بعضهم، ومن الغباء والخيانة الوطنية أن نحسب أن ألمانيا قبيل الحرب ~~كانت أرقى مدنية من فرنسا برغم أن الألمان في تطبيق العلوم على الصناعة ~~كانوا يفوقون كل الأمم، ربما باستثناء شعب الولايات المتحدة، ولا يتصور ~~أحد أن ملبورن تبلغ اليوم ما بلغت أثينا في عصر بركليز. ونحن على ثقة ~~من أن آخر من يقع في مثل هذا الخطأ هم أرقى المتعلمين من أهل هذه ~~المدينة العظيمة المضاءة بالكهرباء، والتي يسير فيها القطار والترام. ~~إن كثيرا من الفرنسيين يقرون مرغمين أن باريس نفسها في الوقت الحاضر ~~أقل مدنية من أثينا لعهد بركليز، والفرنسيون جميعا، بل وكل المتعلمين ~~من الأمريكان، يتفقون على أن باريس الحديثة أرقى مدنية من نيويورك في ~~حين أن أحدا لا ينكر أن باريس متخلفة في طرق النقل والمواصلات، وفي ~~الإضاءة والتنظيمات الصحية. # اعتدت بعد الحرب الروسية اليابانية مباشرة أن أتناول عشائي في مطعم ~~بحي سوهو، حيث اعتادت فئة من صغار الشبان المثقفين أن تجتمع مرة كل ~~أسبوع بأحد الضباط البريطانيين الجذابين المتواضعين الذين عاشوا طويلا ~~في عالم من واجبهم أن يتغابوا فيه حتى ينسوا تماما مبلغ ما لديهم من ~~ذكاء. وأذكر أننا شرعنا نناقش موضوع هذه المقالة «ما هي المدنية؟» ~~وكانت الفابية متقدمة جدا في ذلك الحين، وأكد بعضنا أنه لا يجوز أن ~~يوصف المجتمع بالمدنية إلا إن عني بالفقراء والمرضى والمجانين، ورأى ~~بعضنا (وكانت الجماعة تضم بعض السيدات) أنه ينبغي أن يكون في الجماعة ~~المتمدنة صوت لكل من يبلغ سن الرشد. ورأى آخرون أن الشعب المتمدن حقا ~~يجب أن يمنح كل شاعر وفنان خمسمائة جنيه في العام، وأن ينشئ معارض ~~للصور في مدن الأقاليم - ورأى آخرون غير هذا وذاك، ولكن ربما لم تعد ~~لآرائهم من الأهمية اليوم ما كان لها في ذلك الحين. وأما الضابط فقد ~~قال: «لا أستطيع أن أقول ms023 لكم ما هي المدنية، ولكني أستطيع أن أقول لكم ~~متى يقال عن الدولة إنها متمدنة. إن أولئك الذين يتفقهون في هذه الأمور ~~يؤكدون لي أن اليابان كان لها خلال مئات السنين فن رائع وأدب عظيم، ~~ولكن الصحف لم تذكر البتة أن اليابان متقدمة في المدنية حتى اشتبكت في ~~حرب انتصرت فيها على دولة أوروبية كبرى». وكان لهذه السخرية موضعها، ~~ولكن الضابط الهمام نفسه ربما كان آخر من يعتقد أن الكفاية في التسليح ~~هي في الواقع مقياس للمدنية. وإني واثق من أنه يستنكر أشد الاستنكار أن ~~يكون البرابرة الذين اجتاحوا الإمبراطورية الرومانية قوما متمدنين، أو ~~أن التتر الذين قهروا أسرة سنج وهدموا في أواسط آسيا الثقافة الإسلامية ~~كانوا أكثر من زمرة من الوحوش الضارية. وكنت أستطيع أن أقنعه ببعض ~~الأمثلة. وكنت أستطيع أن أجابه أولئك المحبين للبشرية بهذه الأمثلة ~~التي تحير اليوم - أو ينبغي أن تحير - كل من يقيس التمدن بالتقدم ~~الآلي، أما ذلك الذي (أو تلك التي) يعتقد أن المجتمع المتمدن هو ~~المجتمع الذي يكون لكل بالغ فيه صوت فإنه (أو فإنها) إنما يتحدث كلاما ~~خلوا من المعنى بشكل جلي. إن النظم السياسية قد تكون من وسائل المدنية ~~وقد لا تكون. ولكنها ليست من روحها. وكثير من القبائل المتوحشة يحكمها ~~زعماء مستبدون في حين أن غيرها يبدو ديمقراطيا، وقد كانت أثينا في ~~أزهى عصورها أوليجاركية من المواطنين الأحرار يعيشون على كدح عبيد ليس ~~لهم حق التصويت. وكادت فرنسا في القرن الثامن عشر أن تكون ملكية مطلقة. ~~فنحن على ثقة من أن المدنية تتعلق بشيء أبعد غورا من أشكال ~~الحكومات. # لقد نجحت الآن - بدرجة أرتاح إليها - في أن أبين أن بعض الصفات التي ~~يظن في بعض الأحيان خطأ أنها من خصائص المدنية ليست - في الواقع - منها ~~في شيء. وقد حاولت أن أستبعد كل ما ليس بالضروري. ورأينا أن الفضائل ~~البدائية لا تتنافى وحالة الهمجية، وأن الأسماك الهلامية تطاوع قانون ~~الطبيعة. ورأينا أن المجتمعات المتمدنة - أو المجتمعات الهمجية - لا ~~يسودها نظام معين ms024 من النظم السياسية، كما رأينا أن القبائل المتوحشة قد ~~أحرزت انتصارات عظيمة وتغلبت على دول قوية. ورأينا أن تلك الجماعات ~~التي يقر لها الرأي العام بين المتعلمين في العالم طرا برقي ~~المدنية لم تبلغ فيها جميعا المخترعات الميكانيكية أو النظم التي تؤدي ~~لخير الإنسانية درجة من الكفاية المرموقة، وإن كنت في هذا أمس موضوعا ~~يتعلق بفصل آت من فصول الكتاب. وسأبحث في الفصل الآتي عن الصفات ~~المميزة المشتركة التي تتصف بها الجماعات التي يقر لها الرأي العام ~~المثقف في العالم طرا برقي المدنية، وسوف أعتبر هذه الصفات أسس ~~المدنية، ولذا فإن كل من لا يشاطر الرأي العام المثقف الاعتقاد في ~~المدنية الرفيعة لدى هذه المجتمعات لن يجد ضرورة لما أصل إليه من نتائج ~~ما دام ينكر ما ابتدأت به من مقدمات. ولن تكون لهذه المقالة عنده قيمة ~~أكثر من أهميتها من الناحية العلمية. وإني لأزعم - بناء على إجماع ~~الرأي العام المثقف الذي يكاد أن يكون شاملا - رقي المدنية في مجتمعات ~~ثلاثة مختلفة. # ولست أزعم، بل ولا أحلم أني أزعم، أن هذه المجتمعات وحدها هي ~~المتمدنة. إنما اخترت المجتمعات الثلاثة التي يبدو لي أنه ليس على رقي ~~مدنيتها أي نزاع، والتي تصادف أني أعرف عنها بعض الشيء. هناك مجتمعات ~~لها حق قوي في أن تعد من المجتمعات المتقدمة في المدنية، غير أن هناك ~~من يدلي إزاء هذا الحق بحجج قوية تنافيه، ومن الواضح أنه لا ينبغي لي ~~أن أتجه إلى هذه المجتمعات باحثا عن مميزات المدنية، كما أن هناك ~~مجتمعات أخرى، نسلم جميعا بتمدنها، بيد أنه عند البحث يتبين لنا ~~أنا لا نعلم عنها إلا القليل حتى إنا لا نكاد نستطيع أن ننسب إليها ~~صفات معينة ونحن واثقون. وإني لأشعر - رغم هذا - أن كثيرا من الناس ~~يصرون على الإضافة إلى القائمة التي تخيرتها. وإني لأرجو هؤلاء الناس ~~ألا يعارضوني فيما وصلت إليه من نتائج حتى يتثبتوا من أن الصفات ~~المشتركة بين المدنيات الثلاث النموذجية التي تخيرتها لا تشاطرها ~~المدنيات التي يودون ms025 إضافتها. ولست أرى داعيا لأن نعتبر ما بيننا ~~خلافا أساسيا ، حتى إن هم رأوا من الضروري أن يدخلوا بالإضافة أو ~~بالنقصان تعديلا في القائمة التي قدمتها عن صفات المدنية. فسوف يظل ~~بيننا ميدان مشترك يكفي لتدعيم تعريفي، وسوف نرى. # | نماذج الكمال # اعتاد المؤرخون الذين ينهجون النهج القديم، والذين يتميزون بأسلوب ~~منمق ممتع في معالجة الماضي أن يحددوا في بيداء التاريخ أربعة عصور من ~~المدنية الرفيعة: العصر الأثيني (بل يجب أن أقول العصر الأيوني، إذا ~~أردت الدقة، ولكني لا أعتزم أن أكون دقيقا) من موقعة ماراتون في عام ~~480ق.م. حتى وفاة الإسكندر في عام 323ق.م. والقرنين الأول والثاني من ~~الإمبراطورية الرومانية، وإيطاليا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ~~وفرنسا من نهاية الفروند (1653م) حتى عصر الكاتب، إن كان الكاتب - مثل ~~فلتير - يكتب في القرن الثامن عشر، وحتى الثورة إن كان يكتب في القرن ~~التاسع عشر. ولا أحسب أن شخصا متعلما من الأحياء - رجلا كان أو ~~امرأة - ينكر رقي المدنية في ثلاثة من هذه العصور الأربعة. ولكن ~~كثيرين يترددون عند ذكر اسم روما، وآخرون يحبون أن يضيفوا تانج وسنج، ~~وما يعرف معرفة غامضة، أو يتحدث عنه باسم المدنية الفارسية. ويكاد ~~الكل أن يجمع على أن يضع المدنية الأثينية على رأس القائمة، غير أن ~~بعضهم يحدد هذه التحفة الاجتماعية بذلك المدى الضيق الذي يمتد خلال ~~ستين عاما مشرقا ما بين 480 وعام 420، ويطلق عليه عصر بركليز، في حين ~~أن بعضهم الآخر يطيل المدى حتى أرسطو والإسكندر، ويمده إلى الوراء حتى ~~سولون. إنني لا أرضخ لأحد في إعجابي بالقرن السادس فيما بلغ من فن ~~النحت الذي أعده أعلى مظهر من مظاهر عبقرية الفنون التشكيلية عند ~~الإغريق، وإعجابي بالحركة العقلية القوية التي منها ينحدر كل تفكير ~~حديث جدي، وبرغم هذا فإني أشاطر الرأي العام عزوفه عن وصف القرن السادس ~~بالمدنية الرفيعة. في حين أني أخلع هذه الصفة دون تردد على القرن ~~الخامس، وبغير تردد شديد على القرن الرابع. وينطوي هذا الاحساس - الذي ~~أعتقد أن أكثر ms026 المتعلمين يشاطرونني إياه - على أهمية كبيرة؛ ذلك أننا ~~نحس أن مدنية عصر من العصور لا تقاس كلية بجمال فنها أو بروعة فكرها. ~~إنا نشعر - أو أنا على الأقل أشعر - أن عصر المدنية الأثينية الرفيعة ~~لا يبدأ قبل ماراتون، في حين أني لا أستطيع بأن أقر بأن هذا العصر ~~ينتهي قبل موت أرسطو في عام 322ق.م. وإن كان يؤلمني أن أعرف انحطاط ~~الفترة التي تلت الحرب في يقظتها العامة، وفي المذاهب الخاصة وإن يكن ~~ذلك بدرجة أقل. أما الفترة التي تقع بين سولون واندحار الفرس نهائيا، ~~فهي تبدو لي - كما تبدو لأكثر الناس - فترة عظيمة، ولكنها ليست كاملة ~~التمدن. في حين أن الفترة التي تقع بين سقوط الديمقراطية الأثينية ~~وغزوات الإسكندر فهي أقل عظمة، ولكنها أرقى في سلم المدنية. ومهما يكن ~~من أمر، فإنه لا يحتمل الآن أن ينكر أحد ذلك الشرف الذي قد تخلعه هذه ~~العبارة «المدنية الرفيعة» على عصر أفلاطون، وما تلاه من عصر أرستوفان ~~وبراكسيتيلس وأرسطو. وقل من ينكر أن هذه الفترة جزء لا يتجزأ من ~~المدنية الأثينية العظيمة التي سوف أعود إليها بين الحين والحين، والتي ~~لا بد بحق أن يدرسها في تعمق وبعقل متفتح كل من يأمل أن يكتشف طبيعة ~~المدنية. # ومن المؤكد أن حق أي فترة من فترات التاريخ الروماني في احتلال مكانة ~~بين عصور المدنية الكبرى - من المؤكد أن هذا الحق يلقى اليوم اعتراضا ~~حارا ذا أثر بالغ. ولن تجد بين النماذج الكاملة للمدنية التي أقدمها ~~فترة رومانية. ولو أني لخصت هنا الحجج التي أقنعتني أنه لا يجوز قبول ~~إحدى هذه الفترات، فمن الواضح أني أتعجل بذلك في ذكر نتائج أرجو أن ~~أبلغها بعد قليل. وما دمنا لم نقرر بعد ما هي صفات المدنية فلا أستطيع ~~أن أزعم أن روما كانت تخلو من هذه الصفات، وكل ما أستطيعه أن أشير إلى ~~الدليل الذي حدا بي إلى إساءة الظن بالعقل الروماني والإحساس الروماني. ~~ولنذكر أن ذلك كله لا يقوم دليلا - ولا ينبغي حقا أن يكون ms027 - ضد حق ~~روما في المدنية الرفيعة. ولا يصرفني عن النظر في تاريخها إلا أن ~~كثيرين ممن لا يمكن أن نغفل إنكارهم للمدنية في روما ينازعون نزاعا ~~جديا حق الرومان فيها، وعلى أية حال فلن تبلغ بي قلة الصراحة أن أزعم ~~أني لا أشاطرهم سوء الظن بتاريخ الرومان. وسوف أبادر إلى ذكر الأسباب ~~أو بعضها التي تدعوني إلى ذلك. أما لماذا - على وجه الدقة - أحسب أن ~~روما لم تكن قط رفيعة المدنية فلن يتضح تماما إلا خلال ~~مقالتي. # يعتقد فلتير أن الثقافة الرومانية بلغت أوجها في القرن الأول من ~~الإمبراطورية. غير أن المعجبين بالرومان اليوم يؤثرون فيها أحسب أن ~~يقفوا عند القرن الثاني. وقد اتضحت للمؤرخين منذ زمان بعيد البربرية ~~والهمجية والوحشية التي اتصفت بها الجمهورية، وبلغ من وضوحها أن بدأ ~~الطلاب الأذكياء يرتابون في العصور المتأخرة. وما إن بدأ الباحثون ~~يتساءلون إن كان من المحتمل أن تكون مغامرات قيصر أو مروءات كاتو قد ~~غيرت نوع الحياة تغيرا أساسيا، ما إن بدءوا يتساءلون في هذا حتى ~~اكتشفوا أن المجتمع الروماني بقي - إلى حد كبير - تحت حكم الأباطرة ~~الرومان الأوائل على ما كان عليه في أيام الجمهورية. من أجل هذا تعتقد ~~الأقلية الصغرى - التي ما زالت تؤمن بعظمة روما - أن القرن الثاني، في ~~السنوات التي تقع بين اعتلاء نرفا العرش وموت ماركس أورينيس، كان عصر ~~نور وعذوبة. وهناك مدرسة أكبر وأحدث، أزعم لنفسي فيها مكانة متواضعة ~~على مقعد التلميذ، تعتقد أن روما في كل تقلباتها السياسية بقيت همجية ~~تافهة في أساسها. لا نجد في آدابها وفنونها وفكرها وثقافتها العامة ~~شيئا ذا قيمة ليس صدى مملا للإغريق، ويبدو لنا أن الغالبية العظمى ~~من الكتاب اللاتينيين لم تعتقد قط أن لغتها تصلح وسيلة للتعبير ~~الذاتي، وإنما استخدموها كما يستخدمها طلاب الصف السادس في المدارس إلى ~~حد كبير، يترجمون إليها بدلا من أن يعبروا بها عن أنفسهم. إنك تلمس في ~~أكثر الأدب اللاتيني طابع التمرين الذي لا يخطئ. وقد كان الكتاب ~~الرومان في أكثر الأحيان ms028 يأملون أن يصدروا كتبا تشبه الكتب. أما أن ~~يكتب المرء ليعبر عن رأيه أو إحساسه الخاص فقد كان بالنسبة إليهم أمرا ~~غير طبيعي. ومن ثم كان الانتقال من هومر إلى فرجيل، أو من سوفوكليز إلى ~~سنكا، كالانتقال من كتاب «رحلة الحاج» إلى موعظة من مواعظ الكنائس ~~الصغرى، فقد كتب هومر وسوفوكليز لأن لديهما ما يقولان، أما فيرجيل ~~وسنكا فقد كتبا لأنه بدا لهما من الصواب أن يقولا شيئا ما، وإذا ~~استثنينا كانلس ولوكريشس، فمن من المؤلفين اللاتينيين حمل إلينا معنى ~~يدل على خبرة حقة؟ هناك - ولا شك - واحد أو اثنان، وهل هناك نحات ~~روماني واحد عبر عن أي معنى من المعاني؟ ليس هناك من أعرفه، وأن ~~الفلسفة الرومانية لتذكر المرء بنقاش مرتفع المستوى بدرجة استثنائية في ~~مجلس العموم. مثل هذا النقاش - بصفة عامة - يتجه وجهة طيبة، ولكنه لن ~~يقرب المرء من قلب الموضوع، والفلسفة التي لا تحاول حتى أن تبلغ اللب ~~قمينة بأن تكون تافهة، وإذا كانت فلسفة الرومان (مثل دي اميكاتيا، أودى ~~بروفد نشيا لسنكا) تذكر المرء بالمناقشات البرلمانية، فإن رسائلهم ~~الخاصة تذكر بأحاديث شيوخ عهد فكتوريا في حجرات التدخين، فهي ودية، ~~معقولة، طريفة، ولكنها ليست البتة قلبية، أو فطنة، أو خيالية، ومن أن ~~تاستس كانت له أمثال، ومع أن هجاء جوفنال صادر من صميم القلب، وفيه ~~فطنة وخيال، إلا إن الرومانيين عامة كانوا لا يدرون شيئا. كانوا ~~يستطيعون أن يتكلموا كلاما معقولا عن الأمور العملية، ولكنه ككلام ~~العرفاء في المدارس الخاصة. كانت لهم نكات، وآراء، وضروب من السخط، ~~وكانت لهم شهوات، وكانوا يحترمون - كما يفعل خيار رجال الأعمال ~~الإنجليز - تلك الواجبات الودية النبيلة التي تربط الإنسان بالإنسان في ~~المكاتب والمحاكم وفي عربات القطارات وفي الملاعب، ولكنهم لم يقتربوا ~~البتة من أي أمر ذي بال، ومن أجل هذا كانت رائحة روما النفاذة تذكرني - ~~وهي تخترق العصور - في أحسن حالاتها بمجلس العموم وحفلات العشاء ~~السياسية، وفي أسوأ حالاتها بالبترول وبرائحة النبات والنسيج والجلد ~~الجديد. # كان الرومانيون فيما أرى عاجزون عن ms029 الحب العنيف لأي شيء، وعن الإحساس ~~العميق بالجمال، وعن التفكير الدقيق، والحديث الساحر، أو الرذائل ~~الجذابة. لم يكن لديهم إحساس بحقيقة عالم الفكر والشعور، وما استطاعوا ~~أن يحصلوا من ثقافة حصلوه في القرن الثاني، وكان إغريقيا خالصا، وأن ~~حفنة من الكتاب والمفكرين الإغريق لتمثل هذا العصر تمثيلا غامضا، ~~ونستطيع أن ندرك كيف أن هذا التفكير لم يتغلغل في كتلة الشعب الروماني ~~لو علمنا أن الخرافة بلغت في ذلك الحين مبلغا عظيما حتى إن خير ~~العقول - كما يقول رينان - مالت قبل كل شيء إلى المسيحية نظرا للأساس ~~العقلي الذي تقوم عليه نسبيا. ولم يتخذ القانون الروماني - وهو أعظم ~~وأنفع ما أخرجته الإمبراطورية - صبغته المألوفة إلا في القرن الثاني - ~~وهو لم ينسق في شكل قانون بطبيعة الحال إلا بعد أكثر من ثلاثمائة عام. ~~والقانون الروماني - كما نعرفه - إغريقي أساسا، ذلك أن الفقهاء ~~البارزين، لم يكونوا سوى رواقيين، يعدلون ويطورون النظريات ~~الرومانية القديمة على الأسس التي يشير إليها مذهبهم الفلسفي، ~~ويستبدلون قانون الشعوب بالقانون الجمهوري. # أما من ناحية الذوق الروماني، فإن مما يعلمه كل إنسان عابر أن ~~هادريان - وهو من أكثر الحكام الرومانيين تهذيبا وتشبعا بالروح ~~الهلينية - شيد لنفسه في تفولى فلا من عجب تذكر المرء بوصفها بأسوأ ما ~~شيد لنفسه مليونير حديث من مأوى، وقد كان ذلك مما يدعو إلى تحمس جريجور ~~فيس، ذلك الرجل الطيب، فهو يقول: «... إن هذه الفلا التي بناها هادريان ~~وفقا لتصميمه، ليست سوى صورة وانعكاس لأجمل ما أعجب به في هذه ~~الدنيا». وقد أطلق على أجزاء معينة من الفلا أسماء بعض المباني في ~~أثينا. فاشتملت على ليسيوم، وأكادمي، وبريتانيم، وبوسيل، بل وعلى وادي ~~تمبى يتدفق في ثناياه بينيس، وكذلك اليزيم وترتارس. كما خصص جزءا ~~لعجائب النيل وأطلق عليه اسم كانوبس وهو اسم ملاعب اللهو الساحرة ~~للإسكندريين .. وبإشارة من الإمبراطور كانت هذه الكهوف والأودية ~~والقاعات تنبض بميثولوجيا أولمبس، وتحج مواكب الكهان إلى كانوبس، وتسكن ~~تارتارس واليزيم صور من هومر، وقد تتجول زرافات من المعربدين خلال وادي ~~تمبي، وربما ms030 سمعت جوقات من يوربديز في المسرح الإغريقي، وقد تعيد ~~الأساطيل معركة زركيس في قتال صوري، ولو أن الكهرباء سرت في كل الأرجاء ~~لبلغت حد الكمال. # ولا ينكر أحد أن تأثير روما على العالم كان بالغا. ولا ينكر أحد ~~أيضا أنه كان كذلك تأثيرا نافعا من وجوه كثيرة. غير أن هذا لا يدل ~~على أن الرومانيين كانوا على مستوى عال من المدنية، إذا أدركنا أنا ~~نستطيع أن نحكم على البرابرة الجرمان الذين اجتاحوا الإمبراطورية ~~وخربوها حكمنا عليهم. إن ما ندين به لروما على وجه الدقة لا يزال موضع ~~نزاع. غير أنه مما لا جدال فيه أن كثيرا من ذوي الرأي الأكفاء ينكرون ~~عليها رقيها في المدنية. ومن ثم فإني لا أستطيع - إن أردت - أن أستخلص ~~من تاريخها حقائق يقبلها الجميع. # وفيما بين وفاة بوكاشيو في عام 1375م وغزو روما في عام 1527م يقر ~~الباحثون عامة أن الإيطاليين بلغوا قنة عالية من قنن المدنية، وإني لا ~~أجد في هذا الرأي بالتأكيد أي مأخذ. نعم هناك من يشكو أساليب السياسة ~~في هذا العصر، ولكني أقول لهؤلاء أولا أننا لسنا على ثقة بعد بأن ~~الأخلاق السياسية ظاهرة ضرورية من ظواهر المدنية الرفيعة، وأقول لهم ~~ثانيا إن الاغتيال السياسي قد يحل محل الحرية، وإن قتل الفرد أفضل ~~عادة من قتل الألوف. وليس من شك في أن الأذكياء والمثقفين من ~~الإيطاليين لعهد النهضة كانوا أشد من الإيطاليين لعهدنا الحاضر ازدراء ~~للقوة الوحشية، وهي مقارنة لا تمت فيما أحسب إلى موضوعنا بسبب ~~كبير. # ولا ننكر أن الكتابة الإيطالية في القرن الخامس عشر - ولا يزال جانب ~~كبير منها باللاتينية - كانت تعاني من تلك العيوب عينها التي أخذناها ~~على الرومان. فبدلا من أن تكون وسيلة للتعبير أمست عملا ثقافيا، ~~وأداء علميا، بينها وبين الأدب نفس العلاقة تقريبا التي بين قراءة ~~الصلوات في الأسرة وبين الدين، ويقول العارفون: «القرن الثالث عشر ~~يتكلم والرابع عشر يهذر»، ومن المؤكد أن من كتاب القرن الخامس عشر من ~~قصد نفس المعنى من أمثالي بيداردو، ms031 وبوتشي، وساشتي، بل ولورنزو ~~نفسه. # أما الفنون البصرية لعهد النهضة، فأظن أنها لا تحتاج إلى تبرير. غير ~~أن الناس ينسون في سهولة جدية محاولة العصر أن يعطي العلوم أساسا في ~~الواقع، وقد عاد الأوروبيون إلى دراسة الطبيعة والطب والتشريح، وعندما ~~قارب العصر الانتهاء كادت العلوم أن تبلغ الحد الذي أوصلها الإغريق ~~إليه. درس العلماء الطبيعة والهندسة إلى الحد الذي بلغه هذان العلمان، ~~ثم تابعا تقدمهما، وقد فهمت كذلك أن علم الحيوان وعلم النبات أخذا ~~مرة أخرى مأخذا جديا، وإذا وازنا بين النهضة والعصور الوسطى رجحت ~~الأولى رجحانا كبيرا، ولكنك إذا امتلكت الشجاعة لكي تدرس محاولة ~~الأفلاطونيين الميديشيين التوفيق بين مختلف المذاهب الفلسفية وجدت أنهم ~~- برغم سخافاتهم - يخفون تحت الحجب الكثيفة من دخان الميتافيزيقا ~~تشبثا صبيانيا بالحق يميزهم عن مجهودات الفلاسفة الرومانيين الذين ~~يكتفون بتكرار المغالطات المألوفة بروح الرجل الذي يؤدي واجبا ~~خلقيا يجد في أدائه مشقة كبرى وراحة للضمير. ولم يكن لوكريشس نفسه ~~مبتكرا، غير أنه كان رجلا استثنائيا. ومن الحق إجمالا أن رجال ~~النهضة ونساءها كانوا يهتمون اهتماما كبيرا بالأمور التي لها وجود ~~حقيقي في عالم الفكر والشعور السامي الذي نسميه عالم الروح. في حين أن ~~كل ما كان ذا أهمية في الفكر الروماني يكاد أن يكون جميعه متعلقا ~~بالأمور العملية. وإذا استبعدنا الاستثناءات النادرة، فإن مغامرات ~~العقل الروماني في الآفاق البعيدة كانت في إمتاعها تشبه ما يشعر به ~~السائحون عند زيارتهم لمعارض الصور من نشوة روحية. # وقد يعترض معترض فيقول: إن عصر النهضة كان عصر خرافة، يؤمن بالتنجيم ~~وبكلام لا معنى له من هذا القبيل، وفي هذا من الحق ما في القول بأن ~~الروح العلمية كانت في ذلك الحين أشد يقظة مما كانت عليه في أوروبا منذ ~~القرن الرابع قبل الميلاد، وقد وقف أصحاب العقول الممتازة - فوق هذا - ~~موقف المقاومة. ففي القرن الرابع عشر وقف بترارك موقفا له أثره، وفي ~~القرن الخامس عشر حمل بيكودلا ميراندولا الرأي العام على متابعته في ~~هجومه المشهور على مروجي الأباطيل. أما الروائيون، ms032 وفي مقدمتهم الأمير ~~فرانكو شاستي، فقد سخروا من العرافين والدجالين. يقول جيوفاني فلاني: ~~«لا تستطيع مجموعة من النجوم أن تخضع حرية الإرادة عند الإنسان أو ما ~~يقضي به الله». ويقول جوكسبارديني: «ما أسعد المنجمين الذين يصدقون ~~إذا هم قالوا صدقا واحدا إزاء مائة أكذوبة، في حين أن غيرهم من الناس ~~يفقدون كل تقدير إذا هم قالوا أكذوبة واحدة إزاء مائة خبر صادق». واضح ~~إذن أن أثر النهضة بوجه عام كان إثارة «الشك»، والصعوبة هي تحديد مبلغ ~~هذا «الشك» على وجه الدقة. وكانت محاكم التفتيش تسميه «إلحادا». وقد ~~استبعدته بغير مبالاة بعد عام 1527م بمساعدة الإسبانيين السود. ولو ~~أمكنني أن أصدر حكما عاما من الحوادث الفردية التي أعرف عنها شيئا ~~ما (غير أنها حوادث جميعها فرنسية بطريق المصادفة) قلت: إن هناك ضربين ~~من التشكك في عصر النهضة: مذهب فولتيري وهمي لا يتعارض وقدر من الخرافة ~~الخفيفة التي يصلح بونافنتير دى برييه أن يكون مثالا له، ومذهب ~~إلحادي جاف جامد، يخلو خلوا تاما من الاعتقاد في كل ما ليس ~~بالأمر الطبيعي، وإن كان لا يخلو من الخرافة التي تحث على حب البشر. ~~ويصلح أتين دولية - وهو من شهداء الحق، لو كان للحق شهداء - أن يكون ~~نموذجا لهذا المذهب. وكان دولية - طبقا لما يقول كالفن - يعلن ~~احتقاره للإنجيل وقد صرح بأن «حياة الروح لا تختلف في شيء عن حياة ~~الكلب أو الخنزير». ولكن برغم الخرافة أو الرذائل الأخرى فإن حق النهضة ~~الإيطالية في الحضارة الرفيعة ليس عليه - في الواقع - اعتراض جدي. ~~ويستطيع مسيو دي جوبنو - الذي لم يفهم أحد الحياة العقلية لهذه النهضة ~~مثله - أن يضع على لسان لوكريزيا بورجيا الحكم التالي: «ليس في هذه ~~الدنيا ما هو أعظم من حب الفنون، ومن حب ما يتعلق بالروح، حب هؤلاء ~~الذين نحبهم»، وكانت لوكريزيا في هذا تعبر عن عصرها. # والمثل الآخر الذي أستطيع أن أسوقه دون أن أخشى كثيرا أن يعترض على ~~هو المدنية التي انتعشت في فرنسا خلال «القرن العظيم» والقرن الثامن ~~عشر. ms033 إن الفترة التي تقع بين عام 1660م وعام 1789م عصر من التاريخ أقل ~~مجدا من عصر بركليز ، ولكنه لا يكاد يقل عنه شهرة. ويجمع الرأي - ولهذا ~~الإجماع دلالته - أن النصف الثاني من القرن السابع عشر وطلائع القرن ~~الثامن عشر أعظم من بقية العصر، فإن النصف الثاني من القرن الثامن عشر ~~(الذي ينتهي في عام 1789م) أرقى مدنية. وهنا نجد دليلا آخر أن ~~المتعلمين يميزون بين عصر عظيم وعصر متمدن، أو يدركون - على الأقل - أن ~~العظمة والمدنية ليسا مترادفين، وإن لم يكن بينها تعارض. وفوق هذا، فمن ~~المحتمل أن تكون إنجلترا قد لعبت في العالم دورا عظيما كما لعبت ~~فرنسا خلال النصف الأول من هذه الفترة - ما بين عودة الملكية ووفاة ~~جورج الأول - ولكن برغم هذا، وبرغم أنه من المؤكد أن انتصاراتها ~~العقلية وإنتاجها الأدبي كانت على الأقل في مستوى واحد مع ما كان يتحقق ~~في أي مكان آخر، وبرغم أن ما حققته من الوجهة الحربية كان جليلا، فإن ~~أحدا لا يحلم بحسبان إنجلترا في ذلك الحين قد بلغت من رقي المدنية ما ~~بلغته جارتها. ويمكنني أن أذكر عرضا حقيقة لا تمس الموضوع، ولكنها ~~لا تخلو من الطرافة، وهي أن إنجلترا لم تكن مثلما كانت فرنسا قوة ~~استعمارية كبرى، خلال الجزء الأول من هذه الفترة، حينما كانت إنجلترا ~~من ناحية الابتكار والتفكير أكثر من صنو لمنافستها فرنسا. إن فرنسا لم ~~تتفوق فكريا إلا بعد صلح باريس في عام 1763م، بالرغم من أن ~~إمبراطوريتها قد سقطت في أيدي الإنجليز الذين استولوا على الهند ~~وأمريكا فكانتا لهم عوضا عن فقدان ملتن ودريدن وكنجريف ومارفل وبرير ~~وبوب وسوفت ونيوتن وبوبل وبنتلي ولوك. # وهناك فترتان أو ثلاث عرفت بالمدنية الرفيعة، لم يذكر عنها المؤرخون ~~الأوروبيون إلا قليلا لأنهم لا يعرفون شيئا عنها. فالظاهر أن ~~الصينيين قد بلغوا مستوى رفيعا من التهذيب تحت حكم أسرة تانج (فيما ~~بين عامي 600-900م تقريبا) بل وأكثر من ذلك تحت حكم سنج (960-1279م). ~~غير أن علمنا بهذين العهدين ضعيف، يخلو ms034 من التفصيل خلوا شنيعا، فلا ~~يحاول أن يستنبط منهما الخصائص المميزة للمدنية إلا صحافي نصف متعلم ~~يزعم أنه مؤرخ فيجرؤ على ذلك. فلدينا الفن الصيني - التصوير والنحت ~~وصناعة الخزف - وفي الحق أنه من الإنصاف أن نفرض أن الرجال الذين ~~أبدعوا هذا الفن - بل وأكثر منهم الرجال والنساء الذين قدروه - بلغوا ~~أقصى درجات المدنية؛ لأن الفن الصيني، وبخاصة في عهد سنج، لم يكن فنا ~~رائعا فحسب، بل كان كذلك متمدنا - وهي تفرقة سوف تنال جانبا من ~~اهتمامي بعد حين. ولدينا نصوص مترجمة من الشعر الصيني وشيء من النثر. ~~بيد أني - من ناحيتي - لا أود أن أبني أحكاما على مترجمات؛ لأن ~~أحدا لا يستطيع أن يعرف مقدار ما أدخله المترجم الحديث من نفسه على ~~النص القديم بطريق لا شعوري. والواقع أن تاريخ الصين الاجتماعي ~~والسياسي قد أهمله العلماء الأوروبيون، ومن ثم فإنا لا نستطيع أن نؤمل ~~في تكوين فكرة واضحة من نتف المعارف التي تلاقينا عن الأسلوب الذي كان ~~يفكر به الرجل الصيني أو السيدة الصينية لعهد تانج أو سنج، أو كيف كان ~~- أو كانت - يحس إزاء الأمور التي لها مساس أو اهتمام، وذلك لأن زواج ~~أهل الصين ونظرتهم التي لا نألفها البتة تحيرنا وتضللنا، ومن الطفولة ~~أن نزعم أنا نستطيع من قليل من الأواني الخزفية والصور والقصائد وقصص ~~الرحالة والكتابات التاريخية (وهي أيضا مترجمة) أن نكون رأيا صحيحا ~~عن أسلوب الحياة وعن العادات العقلية عند الرجل الصيني أو المرأة ~~الصينية. أما عن حياة المواطنين في أثينا لعهد بركليز، وحياة أهل ~~فلورنسة لعهد النهضة، وأهل باريس في القرن الثامن عشر، أما عن هؤلاء ~~فمعرفتنا تمكننا - مع بذل الجهد في التصور - من أن نكون لأنفسنا صورة، ~~بل إنا لنستطيع أن نكون فكرة عامة كيف كانت تكون حياتنا لو عشنا بين ~~ظهرانيهم. نستطيع أن نتصور بيئتنا. وربما استطعنا أن نتصور كيف يتحدث ~~أصدقاؤنا وكيف يسلكون، وكيف كنا نستجيب لما يفعلون وما يقولون. إن مثل ~~هذا الخيال ليس بالمستحيل برغم مشقته، ولكني أميل إلى الاعتقاد ms035 بأن ~~الرجل من أهل الغرب في العصر الحديث يكلف خياله ما لا يطيق لكي يتصور ~~نفسه - في دقة وفي ثقة - وهو يحتسي الشاي ويتبادل الحديث مع جماعة من ~~الموظفين الصينيين وزوجاتهم الشابات في نحو عام 1150م في مدينة هانجشاو ~~المقدسة. # ومثل هذه الاعتبارات تحول بيني وبين البحث عن أمثلة في تاريخ الفرس، ~~ومن الجائز بل ومن المحتمل أن يكون فيما نسميه على وجه التقريب بالفرس ~~عصر أو عصران من المدنية الرفيعة. غير أن تكوين صورة محددة عن الحياة ~~في أصفهان أو الري أو بغداد (وأود أن أذكر عرضا أنها ليست في بلاد ~~فارس) أبعد من محيط معرفتي وفوق قوة خيالي. وقد لاحظت أيضا أن أولئك ~~الذين يستخفون بهذا العمل ليست لديهم أحيانا فكرة دقيقة عن المكان ~~الذي تقع فيه أو الزمان الذي عاشت خلاله بلاد فارس هذه التي يحلمون ~~بها. إن الدولة العباسية كانت في أوج مجدها تمتد من بخارى إلى البحر ~~الأبيض ومن القوقاز إلى أقصى حدود البلاد العربية. وهذه الدولة التي ~~كانت تتركز في بغداد والتي حكمها هارون الرشيد حوالي عام 800م قامت بها ~~مدنية لها شأنها. وهذا أمر واضح جدا عند المدرسة التي تؤمن بمجد ~~الشرق، وربما لا يكون أقل وضوحا عند أولئك المدققين الذين يميزون ~~بينها وبين مدنية أخرى تختلف عنها كل الاختلاف انتعشت في القرنين ~~الحادي عشر والثاني عشر وعملت على ازدهارها مدرسة الفردوسي وعمر ~~الخيام. وماذا نعرف عن هذه أو تلك؟ هناك أدب غزير، ترجم بعض منه. بيد ~~أني أعتقد أن الترجمات التي اطلعت عليها لا يمكن أن تطابق النص، ما ~~دامت سمعة الشعر الفارسي عظيمة عند أولئك الذين يعرفون الفارسية. وقد ~~وضع جونز - ذلك الرجل الذي يستحق الإعجاب - في القرن الثامن عشر أساسا ~~يمكن أن يستند إليه التاريخ الفارسي، ولكني لا أعرف كاتبا حديثا كتب ~~في تاريخ الفرس الوسيط ونجح في جعل الموضوع حقيقة واقعة حتى لنفسه. ~~وأستطيع أن أقول: إن المرء يكون فكرة عن سير الأمور في القرنين ~~العاشر والحادي عشر في ms036 بغداد أو أصفهان من كتاب «تاريخ المسلمين في ~~إسبانيا» لمؤلفه مسيو دويزي أصح من الفكرة التي يخرج بها من أي كتاب ~~حديث يزعم أنه يعالج شئون آسيا. هل كان هناك فن عظيم؟ أجل، ولكنه لسوء ~~الحظ إنتاج عصور وثقافات مختلفة. هنالك الفن الساساني في القرنين ~~الخامس والسادس، الذي استمر في منسوجاته الرائعة بعد الغزو العربي في ~~القرن العاشر بزمن طويل. وهناك صور قليلة رائعة من القرن الثالث عشر - ~~عصر جنكيز خان - يبدو فيها أثر سنج وساسان وكذلك كانت طلائع القرن ~~الثامن عشر عصر الخزف خزف الري المعروف، وفي القرن الرابع عشر نجد فنون ~~تيمور وحافظ وسلطان أباد. غير أن الفن الفارسي العادي الذي يعرفه حق ~~المعرفة أكثر الناس هو الفن الصفوي في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ~~ولهذا الفن ولبلاط شاه عباس في القرن السابع عشر يتجه أولا مؤلفونا ~~الفنيون ومصورونا ومديرو المسارح لتصوير الحياة الفارسية. ويخلط هؤلاء ~~بين فارس والخلافة، ويمزجون بين منسوجات ساسان في القرن السادس عشر ~~وشعر سامان في القرن الحادي عشر، ويزجون بصناع الخزف من الري وحافظ في ~~بلاط شاه عباس، ويخلطون بين الشاه والمغولي الكبير. ومن هذا الخليط ~~يحصلون على مركب حلو مائع يسعدهم أن يطلقوا عليه المدنية الفارسة. ~~ويودون لو استطاعوا أن يعودوا إلى ديارهم من الليفانت ببعض الملاءات ~~التركية والسراويل يرتديها زوجاتهم في حفلات العشاء، كأنهن أميرات من ~~فارس، ولكني لجهلي بالفارسية، ولعلمي بهذه الأشياء، يتعذر علي بل ~~يستحيل أن أكون فكرة عن المدنية الفارسية، ومن ثم فإني خلال بحثي عن ~~صفات المدنية المميزة لن أذكر شيئا عن شجر اللوز في سمرقند أو عن ~~البلابل التي لا تفتأ تترنم فوقها. # وبناء على ما قدمنا، سنتخذ أثينا في القرنين الخامس والرابع، ~~وإيطاليا لعهد النهضة، وفرنسا من الفروند حتى الثورة نماذج للكمال، فإن ~~حقها في المدنية الرفيعة غير منازع، كما أنا نعرف عنها لحسن الحظ بعض ~~الشيء، وما أهدف إليه أولا هو اكتشاف الصفات المشتركة بينها والتي لا ~~تتصف بها القبائل التي عرفت بالهمجية والتوحش، ms037 وإن كنت لا أبوء في بحثي ~~هذا بالفشل فذلك لأني مهدت لرأيي تمهيدا كافيا. وقد ذكرت عند مناقشة ~~مميزات المتوحشين الأدنياء - ولم يعترض علي أحد فيما أحسب - أن ~~الخطوة الأولى التي يتخذها الهمجي نحو المدنية - وكنت بطبيعة الحال ~~أتحدث عن المميزات الخلقية - هي اكتساب الشعور بالذات وعادة التأمل، ~~وليست هاتان المميزتان هما الصفتان المميزتان للمدنية الرفيعة بطبيعة ~~الحال. فقد شاعتا شيوعا كبيرا. ومن الحق أن نقول: إن انعدام الشعور ~~بالذات انعداما يكاد يكون تاما - ولا أقصد ذلك الشعور بالذات ~~الحيواني الذي يبديه الكلب أحيانا حينما يدرك أنك تحملق فيه - بل ~~وانعدام روح النقد الساذجة هو ما يميز أسفل البرابرة عن بقية الجنس ~~البشري. وهو تمييز أنثروبولوجي عريض الخطوط يوازي ذلك التمييز الذي ~~يقيمه علماء الحياة بين النبات والحيوان، ولا يعنينا إلا كنقطة ابتداء، ~~ولكنا لو هذبنا هذه الصفات وجدنا أن الشعور بالذات - الذي يؤدي إلى فحص ~~الحالات العقلية والموازنة بينها - ينتقل بنا إلى الإحساس بالقيم، في ~~حين أن روح النقد إذا طبقت في كافة الميادين تؤدي إلى تحكيم العقل ~~باعتباره الحكم النهائي في المسائل التي تمس الواقع. هاتان صفتان لا ~~يتصف بهما المتوحشون، بل ولا تتصف بهما جميع المجتمعات المختلفة، وعند ~~بحثي في نماذج كمال المدنية التي تخيرتها للعثور على صفات مشتركة خاصة ~~أتوقع أن أجدها جميعا منبثقة من هذه الصفة أو تلك. # ومن رأيي أن «الإحساس بالقيم» و«تحكيم العقل» هما الصفتان الأساسيتان ~~للمدنية الرفيعة، والبحث عن المميزات الذي أنا مقدم عليه سوف ينتهي بي ~~إلى البحث عما تتمخض عنه هاتان الصفتان. ومن المحتمل جدا أن يكتشف ~~أحد من الناس أني - رغم التزامي الطريق القويم فيما سرت إليه - لم ~~أتابع المسير بعيدا، فهناك صفات أساسية أخرى تتولد عنها صفات ثانوية ~~جديدة؛ بيد أن ذلك لا يدحض حتما ما بلغت من نتائج. إن المعترض يبرهن ~~بذلك على أن مقالتي ناقصة، ولكنه لا يبرهن حتما على خطأ ما فيها، ولو ~~أن أحدا من الناس - بعد دراسته لما قدمت من مميزات - يكتشف غيرها ms038 من ~~مميزات تشترك فيها المدنيات الراقية وتختص بها، فمن الواضح أن يكون من ~~واجبي ضمها إلى قائمتي، ولن يدفعني إلى تغيير موقفي إلا البرهان على أن ~~بعض ما تشتمل عليه قائمتي من مميزات تشترك فيها الشعوب ~~المتبربرة. # إن الإحساس بالقيم - كما أفهم هذا التعبير - لا يكون إلا عند أولئك ~~الذين يستطيعون أن يضحوا بالخير الواضح العاجل في سبيل الخير الخفي ~~الآجل، فالأفراد الذين ضحوا بالراحة قصدا في سبيل الجمال - دون أن ~~تكون أمامهم غاية عملية أو خرافية - يبدو لي أن لديهم إحساسا بالقيم، ~~وإيثار التربية الحرة على التربية الفنية العملية، إيثار التربية التي ~~تعلمنا كيف نعيش على التربية التي تعلمنا كيف نكسب، هذا الإيثار ظاهرة ~~أخرى من ظواهر هذا الحس المتمدن الرفيع، والعقل عندي تكون له السيادة ~~إذا شاع الرأي بأن كل أمر يتطلب تفسيرا وتبريرا من العقل، ولا بد في ~~النهاية أن يسمح بهذا التفسير وذلك التبرير. ولكن يجب ألا نفترض أني ~~حينما أصف بالعقل مجتمعا من المجتمعات، أو حينما أقول إن لديه إحساسا ~~بالقيم، أقصد أن كل الأفراد الذين يتألف منهم هذا المجتمع يعملون ~~ويفكرون عادة على أساس من العقل، أو يحسون إحساسا دقيقا؛ فقد يسود ~~العقل في مجتمع تؤمن فيه مئات الألوف بأشنع الخرافات. إن وصف شعب من ~~الشعوب بالعقل أو القدرة على التمييز حكم عام لا يزيد دقة على وصفه ~~بالبياض أو بالسواد. كما أن سيادة العقل تؤدي إلى نتائج تختلف باختلاف ~~الظروف. فقد أدت في أثينا إلى تأمل مبدئي في معنى الخير وطبيعة المادة، ~~وأدت في القرن الثامن عشر إلى الشك الديني وإلى تذوق الاقتصاد السياسي. ~~وإن ما نحن مقدمون على الخوض فيه هو ما تتصف به بعض الوحدات - أو ~~المجتمعات - غير المحدودة من ميول واتجاهات؛ ولذا فإنا لا نأمل أن نصدر ~~أحكاما عامة لا تسمح بالاستثناء. # ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أنه لم تنشأ في التاريخ مدنية كاملة، وإذا ~~تصورنا أن الإحساس بالقيم وتحكيم العقل هما الصفتان الأساسيتان اللتان ~~انبثقت منهما مميزات المدنية، وجب ms039 علينا أن نشبه هذه المميزات بسلة ~~مليئة بالكور المرمرية الزلقة الصغيرة تغترف منها كل مدنية ما استطاعت. ~~وقد تولدت عن الإحساس بالقيم وروح النقد إمكانيات كثيرة: بعضها لم يمكن ~~قط أن ينال وبعضها نالته كل جماعة ارتفعت بنفسها قليلا فوق مستوى ~~الهمجية المجردة، وقليل منها - وهي في أكثر الأحيان تهذيب للصفات التي ~~تشبثت بها كل المجتمعات المتمدنة - مصقول مراوغ إلى حد يجعلها تنزلق ~~بين أكثر الأصابع، ولو أن أياد قليلة ممتازة قد أمسكت بها على درجات ~~متفاوتة من الثبات. هذه الأيدي الممتازة القابضة هي الجماعات، أو ~~المجتمعات، التي اتفقنا على أن نصفها «بالمدنية الرفيعة»، وأنا مقبل ~~على التحدث عن الكشف عن الصفات النادرة المراوغة التي تمسكوا بها، ~~وتملكوها لفترة من الزمن، وتحليل هذه الصفات، ولنذكر هنا أن القبائل ~~الممعنة في الهمجية لم تتمسك بأية صفة من هذه الصفات. # إن إعلاء العقل حتى يصبح الحكم الأول في الحياة أمر مستحيل في ~~الجماعات الهمجية لأسباب عدة، لعل من أوضحها أن الظروف في الجماعات ~~الهمجية شديدة التقلب، وتنازع البقاء - على وجه العموم - جاد جدا لا ~~يسمح بصورة إخضاع غريزتي الاحتفاظ بالذات والاحتفاظ بالأسرة. والواقع ~~أن الرجل الذي يحمل البندقية أحسن إعدادا - إلى درجة كبيرة - لحفظ ~~الذات من الرجل الذي يحمل الهراوة. غير أن الرجل الهمجي لم يعش قط في ~~تلك الظروف التي تشجع على ذلك التأمل المتواصل النافذ الذي يستطيع وحده ~~أن يؤدي إلى مخترعات ميكانيكية معقدة كالبندقية. والهمجي الذي يقف لكي ~~يفكر يتعرض بدرجة قصوى إلى خطر الوقوف الأبدي. ولذا فإن شأنه شأن ~~الطيور وشأن سيرجون فولستاف، يعمل بإملاء الغريزة. وهو يعتمد على ~~الغريزة إلى حد لا يجعل للعقل سوى فرصة يسيرة جدا لكي يكون ذا أثر ~~فعال. إن إعلاء الغرائز قاتل للعقل، وكذلك لا يمكن للمتوحشين أن يتصفوا ~~بإحساس رقيق للقيم، فإنك لن تجد رجلا من الإسكيمو يمكنه أن يدرك أن ~~القيمة البعيدة للأنشودة أكبر من قيمة البيضة المحمرة؛ لأن القيمة ~~المباشرة عنده للبيضة المحمرة محسوسة جدا وضرورة ماسة. ومن العبث ms040 أن ~~تبين لرجل يعيش معرضا في حاضره للموت جوعا أو من برد الصقيع أن ~~التربية الحرة أرقى من التربية العملية البحت؛ إذ لا بد له قبل أن يقدر ~~لبعض الحالات العقلية قدرها أن يكون على درجة من الأمان لشخصه. ومن ثم ~~كانت أحكام المتوحشين غريزية جدا، وعقائدهم تقليدية، وأذواقهم تستند ~~إلى تجارب معدودة لا تسمح بدقة التمييز. والرجل الهمجي الذي يبدأ في ~~نقد عادات قبيلته وتقاليدها نقدا عقليا سرعان ما يقضي على وجوده ~~ويقضي على همجيته، فقد خطا نحو المدنية خطوة كبيرة. وكذلك يخطو نحو ~~المدنية خطوة كبيرة من يبدأ في إدراك أن قيمة الأشياء الحقيقية في ~~قيمتها كوسائل لحالات معينة من العقل، حتى إن كان إدراكه هذا على كثير ~~من الغموض. ولكن طالما بقي الإنسان على الطبيعة، يسير وراء غرائزه، فلن ~~يتقدم نحو المدنية. إن المدنية وليدة التأمل والتربية. إنها ~~مصطنعة. # | مميزاتهم: الإحساس بالقيم # لو سألت اثني عشر رجلا متعلما تعليما كافيا (ولعلي أصبحت ~~مملا بعض الشيء في استعمال هذه الصفة «متعلم»، ولكني إن تخليت عنها ~~أضعفت حجتي) لو سألتهم أن يعينوا لك أبرز صفة في العقل الأثيني، فمن ~~المحتمل أن يجيبك منهم أحد عشر بأنها «حب المعرفة» أو «الحق» أو ~~«الاستطلاع» أو «الإيمان بالعقل» أو المعقولية أو ما يشبه ذلك. أما ~~الثاني عشر فبروح المدقق المتعالي ربما أكد لك أن ما يجعل الأثيني ~~أثينيا (من أتكا) هو إحساسه بالقيم إحساسا دقيقا، بل إن الأحد عشر ~~رجلا - بعد أن تهدأ غضبتهم التي نلتمس لهم فيها المعذرة - يكادون أن ~~يتفقوا قطعا أنهم جميعا محقون، وأن التعقل والإحساس بالقيم صفتان ~~توأمان لأثينا في مجدها. والكلمتان اليونانيتان اللتان تعنيان «التعقل ~~الحلو» و«الجد الملائم» كانتا هما الصفتين اللتين تميزتا بهما الحياة ~~والفكر والفن الإغريقي - كما يتعلم ذلك كل صبي يبدأ في تعلم المواد ~~الكلاسيكية- والصفة الأولى هي العقل يحليه الإحساس بالقيم، والثانية هي ~~الإحساس بالقيم يثبته العقل ويحدده، بل إن كلمة كلاسيكي ذاتها ومعناها ~~الأول في قاموسي: «ما يتعلق باليونان القديمة أو روما (التي ms041 تحاكيها)»، ~~هذه الكلمة تؤدي معنى التعقل والتذوق، وهاتان الصفتان، وما تولد عنهما، ~~اللتان كانتا الصفتين المميزتين لأثينا، سوف نجد أنهما كذلك - ما لم ~~أكن مخطئا - ميزتا كل عصر من عصور المدنية الراقية. # إنا جميعا نتحدث عن تقدير أثينا للفن والفكر، وقصة النحات الذي ~~اتهم بتعذيب شاب - والتعذيب في أعين الأثينيين كان جريمة شنيعة - وأقر ~~على نفسه الاتهام، ولكنه قدم دفاعا عن نفسه التمثال الرائع الذي عاونه ~~في إخراجه ما عاناه نموذجه الحي، فحكم عليه بالبراءة، أقول: إن هذه ~~القصة - وإن تكن خرافية - توضح الأثر الذي تركه على مر العصور حب ~~الأثينيين للجمال. وفي لزبس كانت صورة سافو - وهو الاسم الذي يذكر ~~بالاشمئزاز في أرفع البيوت الإنجليزية - تزين قطع العملة؛ لأن أهل لزبس ~~كانوا يعدون «أعلى رأس في الغناء» أسمى أمجاد الدولة. وأذكر عرضا أن ~~رأس سلفاتور روزا - المصور الوحيد، لا أقول الذي كان ممتازا، بل أقول ~~الذي كان معروفا، ممن أنجبتهم نابلي - لا يزال يزين العملة الورقية ~~التي يصدرها بنك نابلي، وهذا أثر جميل للمدنية الإيطالية نتبينه في ~~جلاء. وتقدير أثينا للأمور العقلية ظاهرة معروفة ساءت سمعتها. فقد كان ~~من أعمالهم الرئيسية أن يناقشوا أية مشكلة تدور برءوسهم نقاشا عقليا ~~عنيفا حرا. يقول ميشليه: «إن هذا الشعب الضاحك المتطلع يقدر السخرية ~~السقراطية أكثر مما يقدر أي لعبة رياضية». ومن ذا الذي يستطيع أن ينسى ~~ذلك الأمر العجيب الذي وقع في أثينا عام 404ق.م. وهو تمثيل لسستراتا ~~على مسرح الدولة وعلى حساب الشعب؟ لم تكن أثينا في ألم مما يمكن وصفه ~~الآن وصفا صادقا بالنضال في سبيل الحياة أو الموت فحسب، بل كانت كذلك ~~تعاني الكارثة الساحقة التي لحقتها من سرقسطة مما أدى إلى انهيارها ~~فيما بعد نهائيا. وكانت حمى الحرب على أشدها. وبرغم ذلك قدمت الدولة ~~في أثينا على مسرح الشعب وعلى حساب الشعب هذه المسرحية المتطرفة في ~~معارضتها للروح الحربية والروح الوطنية. ولم يكترث أحد بالسخرية من ~~الجيش والاستهتار بالعواطف الوطنية والاستهزاء بمن يتعقبون الجواسيس ~~ويلتهمون الأسبرطيين، ونقد زعماء ms042 الديمقراطية نقدا لا هوادة فيه. ~~وإنما كان الناس يتساءلون: هل لسستراتا أفضل كوميديا في هذا العام؟ إن ~~كانت كذلك فينبغي أن تظفر بالجائزة وأن يشهد الجمهور تمثيلها، وقد ~~مثلت. ولا أستطيع أن أذكر حادثا في التاريخ يدل على الإحساس العام ~~بالقيم أكثر من هذا جلاء. # وفي أثينا كانت الأموال التي تخصص للمسرح مقدسة لا يجوز المساس بها. ~~وربما لم يكن من غير الطبيعي لشعب يستطيع أن يقدر أعمق المآسي وأدق ~~الملاهي أن يجعل للفن النصيب الأول من خزانة الدولة. ولم يبخل المواطن ~~الذي كان يعيش في بيئة ساذجة، يعتبرها عامل المناجم في إنجلترا محطة ~~بكرامته الإنسانية، لم يبخل بشيء ينفق على إخراج المسرحيات، وإقامة ~~التماثيل، أو إنشاء المعابد. ويذكرني هذا بشيء كان ينبغي لي أن أذكره ~~في الفصل الأول. وذلك أن الراحة من بين الأشياء الكثيرة التي ليست ~~بالمدنية. إن عيشة المتوحشين حياة لا راحة فيها لا تدل على شيء. ولست ~~أقول إن انعدام الراحة دليل على المدنية، ولكني أقول إن الراحة ليست من ~~مميزاتها، فقد كانت حياة الأثيني - برغم غزارتها وتعقيدها في الفكر ~~والشعور - في أكثر النعم المادية - ناقصة بدرجة مشينة. إن المدنية - ~~كما يفهمها رجل السوق - لم يحقق الأثينيون منها شيئا. ويسرني أن أعرف ~~أن المستر ولز بلغ به الصدق أن يقر باحتقاره لهذا الشعب الذي لم ~~يتهذب. إن أغنى المواطنين كثيرا ما كانوا ينامون فوق مقاعد حجرة ~~الطعام - وكانت في الكثير الغالب مقاعد خشبية - لا يتلفعون إلا في ~~معاطفهم كالكثيرين من ركاب الدرجة الثالثة. وكانت بيوت الأثينيين ~~صغيرة، مبسطة، تخلو من أدوات توفير العمل اليدوي. ولم تكن هناك أسباب ~~للراحة المنزلية. والأثاث والأدوات المنزلية شحيحة ساذجة، تثير الإشفاق ~~وحب الرعاية والحنق عند جامع القمامات الذي يحس إحساسا طبقيا. ولم ~~يكن عدم الاكتراث بالراحة هذا خاصا بالمواطنين أصحاب المدنية الرفيعة ~~في أثينا. فمن ذا الذي لم يسمع السائحين الإنجليز والأمريكان يعيبون ~~على القصور الإيطالية ما فيها من أسباب انعدام الراحة ووجود التيارات ~~الهوائية في الحجرات وقلة وسائل التستر؟ ms043 كانت النهضة تتميز بالترف ~~والفخار، ولكنها لا تعني إلا قليلا بالراحة. ولم تصبح للراحة أهميتها ~~إلا بظهور الطبقة المتوسطة. وفي القرن الثامن عشر احتفظت الأرستقراطية ~~الفرنسية بتقليد العناية بالطراز مع إهمال ما كانوا يسمونه «بالراحة ~~الإنجليزية». وقد عمت الشكوى منذ ثلاثين عاما من أن السياحة في فرنسا ~~كان يفسد متعتها انعدام أسباب الراحة المنزلية. أنهم يغيرون كل ذلك ~~الآن، وليس هذا - على أية حال - من شأني في الوقت الحاضر. وما يهمني أن ~~أذكره هو أن عدم الرغبة عند المتحضرين في تضحية الطراز في سبيل الراحة ~~نتيجة لا مفر منها للإحساس بالقيم. # وليس ما كان يضفيه الإيطاليون لعهد النهضة من شرف زائد على الشعراء ~~والمصورين والفلاسفة والعلماء بأقل اشتهارا من حب الأثينيين للجمال ~~وللتعقل. وكان أهل فلورنسة - وهم في ذلك الوقت أشد الأوروبيين تحمسا ~~للسياسة - يحسون أن فنهم هو أعظم مجد من أمجاد دولتهم. وفي تسكانيا كان ~~القوم يتجادلون في مزايا المصورين والنحاتين كما يفعل أهل يوركشير ~~بالنسبة للاعبي الكرة وراكبي الخيول. ولا تستطيع إيطاليا بأسرها أن ~~تقدم لبترارك وبوكاشيو وبرونليشي ومانتجنا وبمبو وببيينا وبوليتان ~~وأريستو ورفائيل وميشيل أنجلو وتيتان ما يستحقون من تقدير. وليس من ~~المبالغة - حقا - أن نقول: إن الايطاليين في أوائل القرن السادس عشر ~~- على الأقل في روما وفلورنسة - قد اعتبروا رفائيل وميشيل أنجلو أرقى ~~مظهر من مظاهر العبقرية في بلادهم، وذلك برغم معرفتهم وتقديرهم لشخصيات ~~ممتازة مثل لورنزو العظيم، وسافو نارولا، وقيصر بورجيا، ويوليوس ~~الثاني، وليو العاشر. كان الرجال من أمثال رفائيل وميشيل أنجلو يفوقون ~~الملوك والأمراء في تقديرهم. وأهم من ذلك أن الفن - وأقول الفن ولا ~~أقول الفنانين - كان يتفوق على التجارة والسياسة والحرب في التقدير، ~~ودعني أقرر توا أن الولاء للأفراد كان مفرطا، في حين أن تقدير الفن ~~والفكر كان عادلا كما كان عظيما. فكيف لا يمكن لعصر كان من إحدى ~~خصائصه المبالغة في تقدير الفرد أن يؤله عظماء رجاله؟ ولم تكن المبالغة ~~في تقدير الشخصية كذلك أمرا لا محل له بين قوم لم ينقض ms044 عليهم طويل وقت ~~منذ تخلصهم من ظلم العصور الوسطى ومعرفتهم - في عبارة ليون باتستا ~~البرتي - أن «الناس يستطيعون القيام بأي عمل إن أرادوا» وقد رزحت ~~أوروبا خلال ألف عام ثقيلة تحت عقيدة تحتم على الإنسان أن يعتبر نفسه ~~مخلوقا مرذولا بائسا يعجز بطبيعته عن التفكير أو الإحساس أو العمل ~~السليم. كان الإنسان يلقن في غضون ألف عام أن إنسانيته ممقوتة، وتقرير ~~شخصيته جريمة كبرى. أما الآن فبعد اكتشاف الفن والفكر الإغريقي بغتة، ~~فقد أدرك أن الإنسان هو مقياس كل شيء، وأنه يستطيع - بل ينبغي - أن ~~يفكر وأن يشعر وأن يعمل لنفسه، وأن عليه أن يخلق لنفسه، ظروفه، وأن ~~يتسلط على الطبيعة بابتداع التجارب الواسعة والأخذ بها. فأي عجب إذن ~~إذا كان المرء بعد أن أدرك بغتة أن الإنسان في العالم القديم كان سيد ~~مصيره، وأن بوسعه أن يكون كذلك في العالم الجديد، وأن العقل البشري هو ~~وحده الفيصل فما هو حق، وأن إرادة الإنسان تستطيع أن تصنع القوانين ~~والتقاليد كما تستطيع أن تتحلل منها، وأن تغير ما كان يبدو أنه نظام ~~الكون الذي سبق تقديره - أقول أي عجب إذا كان الإيطاليون لعهد النهضة، ~~بعد أن أثملهم ما كشفوا من أن الإنسان هو سيد كل شيء ومعيار كل شيء، ~~يكرمون إلى حد يقرب من التقديس تلك المثل الرائعة من بني جلدتهم الذين ~~تقع عليهم أعينهم، وهم يخلقون الجمال، ويشتتون الجهالة، وتفيض بهم ~~القوة، فيغيروا ظروف الحياة نفسها ويزيدون من خصب مشتملاتها. # إن إيطاليا لعهد النهضة - في إحساسها بالأهمية القصوى للفن والفكر، ~~وهي أولى النتائج وأصدقها للإحساس بالقيم - تكاد لا تقل في ذلك عن ~~أثينا شأنا. وسيبقى شعارها أبدأ «أن ليس في هذه الدنيا ما هو أعظم من ~~حب الفنون، ومن حب ما يتعلق بالروح، ومن حب هؤلاء الذين نحبهم». ومع أن ~~الاتجاه العقلي في القرن الثامن عشر لم يختلف عن هذا الاتجاه في أساسه، ~~إلا أن هذا العصر كان على خلاف مع النهضة أو عصر بركليز في ناحية واحدة ~~هامة. لم ms045 يكن القرن الثامن عشر عصر ابتكار إلى درجة كبيرة. وإنما جاء ~~الدافع إلى الخلق قبل ذلك - في القرن السابع عشر . أما الفترة المتأخرة ~~حينما بلغت المدنية أوجها فقد كانت أميل في اتجاهها إلى ناحية التأمل ~~والتدبر. وهنا دليل آخر على أن الصفة الأساسية للمجتمع المتمدن مدنية ~~رفيعة ليست في القدرة على الابتكار، وإنما هي حسن التقدير. فالشعوب ~~الهمجية تبتكر في عنف شديد. ولقد كان القرن الثامن عشر يدرك أهمية ~~الفن. وكان ذوقه نقيا، وإن يكن محدودا. وكان يستطيع دقة التمييز في ~~الفنون الصغرى والفنون المنزلية. والأغنياء يقبلون على أداء ما يكلفه ~~الجمال لا بالمال فحسب، ولكن بالوقت وتحمل المشقات كذلك. وكان الموسرون ~~من الرجال والنساء في القرن الثامن عشر يهذبون أذواقهم. أما الفقراء - ~~كما سوف أبين فيما بعد - فيسهمون إيجابا في بناء صرح المدنية بما ~~يؤدون من عمل، ويسهمون فيها سلبا بمقدار ما تتلون آدابهم وعاداتهم ~~وآراؤهم وعواطفهم بآثارها - وذلك لأن الفقر معناه عدم التحرر وعدم ~~التعلم. ولو أردنا أن نتلمس الصفات الإيجابية الأكيدة للمدنية، فمن ~~العبث أن نبحث عنها عند العبيد الأثينيين أو الفلاحين الفرنسيين. وإلى ~~أي حد يمكن في المستقبل لمجموع السكان أن يتمدحوا موضوعا لا بد لي أن ~~أستبقيه للفصل الأخير. # والآن أعالج القرن الثامن عشر، وهو عصر ومضت فيه النار في الطبقات ~~العليا وأرسلت أشعتها إلى المتقدمين من الطبقة الوسطى وربما ألقت شيئا ~~من دفئها على من دونهم من تلك الطبقة، ولا أحسب أنها سرت إلى أبعد من ~~ذلك وإن كان بكل - الذي يمكن أن نعده حكما عدلا لم يتحيز لعصر غير ~~عصره - يرى «أن إحدى الصفات الأساسية للقرن الثامن عشر، وهي صفة ميزته ~~قبل كل شيء عن كل ما سبقه، تعطش للمعرفة من جانب تلك الطبقات التي ~~حبست عنها المعرفة حتى ذلك الحين». # 1 # كانت المعرفة هي أكبر الأماني: كان القرن الثامن عشر يقدر ~~الفن، بيد أنه - برغم هذا - توجه بأقصى حماسته نحو ما يتصل بالعقل من ~~أمور. لقد تفوقت أثينا في الأدب، وفي الفنون ms046 التشكيلية، والعلوم، ~~والفلسفة. وكانت حماستها لكل ذلك لا تحد. أما النهضة التي تفوقت في ~~الفن المنظور وفي الدراسات فقد وجهت أشد إعجابها إليهما. في حين أن قلب ~~القرن الثامن عشر السمح خضع لنفس الغريزة، وكان أشد ما اهتز له ما حققه ~~العقل المتأمل، فبرزت في الصدارة البحوث الرياضية والفلسفية والعلمية، ~~وفي عصر كان يفخر بحب البشرية تعمق هذا القرن بطبيعة الحال في علوم ~~السياسة والاقتصاد - وهي دراسات ما عتمت في طفولتها الغضة الجذابة - إذ ~~اعتقدوا - وربما لم يكن ذلك على غير أساس من العقل - إن في ثنايا هذه ~~العلوم تكمن المفاتيح التي سوف تفتح أبواب العالم المثالي في يوم من ~~الأيام. إن قصة شهرة دافيد هيوم في باريس تعطينا فكرة عن تهذيب ~~المجتمع، فإن تعيينه سكرتيرا للسفارة البريطانية كان حدثا دوليا. ~~باريس بأسرها كانت عند قدميه، وربما أغضب ذلك مستر والبول قليلا، ~~الذي يبدو أنه أحس أن هذا المجتمع الرفيع المدنية ربما لم يقدر جودة ~~النطق والعلاقات الأرستقراطية حق قدرها. ولن أؤكد هنا التكريم الذي ~~ناله فلتير وبفون أو ذكرى نيوتن. غير أني لا أتردد في أن أذكر قرائي ~~بأن هؤلاء السيدات والسادة الفرنسيين كانوا بالفعل يقرءون للمؤلفين ~~الذين يعجبون بهم. # ومن هذا الإحساس بالقيم، ومن التطلع العقلي عند الطبقة الراقية، ~~نجمت نتيجة حببت الشعوب المتمدنة دائما في القرن الثامن عشر. ذلك أن ~~هؤلاء السيدات والسادة المهذبين لم يخضعوا لتهديد أو إملال. لم يكونوا ~~من ذلك النوع الذي يحتمل الأساليب التي يسلكها خفاف العقول أو ~~الثرثارون المتشدقون بالعلم، وأصروا على أن يعبر أساتذتهم عن أنفسهم ~~في لغة واضحة شائقة - وكانت كاترين العظمى تغرم بتلقيب نفسها بتلميذة ~~فلتير - وكان الناس يتوقعون أن ينقاد العلم للجمال، أو على الأقل للذوق ~~السائد. كان للقرن الثامن عشر مقاييس يود أن تنال حقها من التقدير، ~~ولم تكن هذه المقاييس قاصرة على كتابة النثر، وإنما كانت للقرن الثامن ~~عشر مقاييس في الحياة. وفي الحق أن مما يميز العصور المتمدنة أنها ~~تتمسك بمقاييس لا ينبغي أن تهبط ms047 عن مستواها الأمور، ويرجع ذلك إلى وجود ~~الإحساس بالقيم. # 2 # ألم تستمع قط إلى رجل فكه عظيم، وقد امتلأت معدته بعشاء باهظ ~~التكاليف في مطعم يسترعي النظر بسوء تأثيثه وشدة إضاءته وقد أثمله ~~النبيذ (الذي اشتهر باسم برييه جويه في عام 1911م)، وحديث تافه طويل لا ~~يقرع سمعك إلا بعض كلماته وقد أغرقته موسيقى أعلى منه في ضوضائها، ألم ~~تستمع إلى مثل هذا الرجل يقول وقد سمح للمناول المشعث أن يختار له أطول ~~سيجار «هذه تناسبني يا بني، وإني ليرضيني دائما أغلى السجائر»؟ إن مثل ~~هذا يحدث حينما يفقد الناس مقاييسهم، وليس في لندن - كذلك - سوى مطعم ~~أو مطعمين العشاء فيهما متعة غير مشوبة. إن الرجل الذي يحمل ميزان ~~المقاييس لا يرضيه دائما أحسن الموجود. إن هذا الرجل يعرف تماما ما ~~يريد ويصر على الحصول عليه. والظاهر أن الرجل الإنجليزي الحديث ليست ~~لديه معايير، وكل ما يستطيع عمله أن يتوجه إلى أحسن المحلات مظهرا ~~ليشتري منه أغلى ما فيه. أما منذ خمسين عاما فقد كانت ربة البيت ~~الرقيقة تفخر بأنها تعرف المكان الصحيح لكل شيء. ففي شارع خلفي رجل ~~صغير يستورد صنف البن الذي تحبه، وهناك آخر يخلط الشاي خلطا هو أكمل ~~ما يكون، وثالث يعرف سر لحم الخنزير المدخن. كل ذلك اختفى اليوم. ولا ~~تفعل ربة البيت سوى أن تذهب إلى المخازن. ولم يعد لغز «مارش هير» لغزا ~~غامضا. ولم نعد نصر على الحصول على ما نحب، وإنما نحن نحب ما نحصل ~~عليه. وربما كان من توافه الأمور أنك قد تتناول عشاءك في أحد المطاعم ~~الستة الأنيقة في لندن، وأن تدفع جنيهين ثمنا لوجبتك، وأنت تعلم عن ~~يقين أن وكيلا من وكلاء التجار المتجولين الفرنسيين نشأ على المعايير ~~القديمة لما ألف في الريف، ربما أرسل في طلب الطاهي ووجه إليه قارص ~~الكلام. ولكن فكر في الدوافع. إنها لا ترجع إلى أن أغلى المطاعم ~~الإنجليزية تقصر في استخدام أعلى الطهاة الفرنسيين أجورا. إنهم ~~يستخدمونهم ولكنهم سرعان ما يهبطون عن المستوى ms048 لأن المطعم لا يتردد ~~عليه أحد ممن يرفعهم دائما إلى هذا المستوى. إن الزبائن ليست لهم ~~معايير. تقول هذا أمر تافه، وأقول ذلك ما يؤدى إلى الهمجية. # إني حينما أقول: إن المدنية تحتم قيام المقاييس لا أقع في ذلك الخطأ ~~القديم الذي يفرض أن المدنية شيء يفرض على الفرد التشابه البغيض. كان ~~النقاد والعلماء لعهد فكتوريا من الخشونة وانعدام الحس بحيث لا يقدرون ~~راسين وبوسان، ويعللون انحطاط شأن هذين الفنانين عن تنيسون وتيرنر ~~بأنهما من ثمرات المبالغة في المدنية التي جعلت التعبير الشخصي الحر ~~أمرا مستحيلا وعارضت معارضة مطلقة في التجريب والتطوير. ويزعم ~~الزاعمون أن العصور ذات المدنية الرفيعة تحتم التشابه المطلق، فتصبح ~~جافة جامدة، والواقع أن الفنانين كانوا أحرارا في تجاربهم في العصور ~~المتمدنة كما كانوا في غيرها من العصور. وتستطيع أن تجد الأمثلة أنى ~~شئت، ففي أثينا فيما يزيد قليلا عن مائة عام حدث انقلاب من الأسلوب ~~العتيق في النحت إلى الأسلوب الفديائي، ومن الفديائي إلى البراكسيتيلي. ~~وفي الأدب من إيسكلس إلى سوفوكليز، ومن سوفوكليز إلى الكوميديا ~~الجديدة. وفي إيطاليا شهد مطلع القرن الخامس عشر ثورة في التصوير - ~~نهاية حركة جيرتو واكتشافات ماساشيو وجاستانيو ومانتنيا، في حين أن ~~رفائيل وميشيل أنجلو كانا قد أدخلا تعديلا على تقاليد الفن وأسسا ~~مدرسة جديدة قبل نهب روما، وكل طالب للأدب الفرنسي يعلم أن المعجبين ~~بكورني قد أدهشهم، بل أغضبهم، أسلوب راسين، كما يعلم أن تطور النثر من ~~القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر أمر لا يرضي المحاضر (لغير طلاب ~~الجامعة) الذي يستعرض تاريخ الأدب أن يجهله ضحاياه الطلاب. كما أن ظهور ~~مدرسة عاطفية طبيعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر موضوع يستفيض ~~فيه عادة - بدافع من الغرور الوطني فيما أظن - أولئك النقاد أنفسهم ~~الذين يعيبون على ذلك العصر ما فيه من تشابه ثابت. أنهم ربما لم يكونوا ~~على علم أن جلك ( # Gluck ~~) وأتباعه كانوا ~~في نفس الوقت يطورون التقاليد الموسيقية تطويرا بالغا مثلما فعل ~~فاجنر بعد ذلك بمائة عام. ms049 # إن العصور المتمدنة تميل من غير شك إلى احترام التقاليد في الفن وفي ~~غيره من الأمور. وهناك ما ينذر بالخطر من أن يتدهور احترام التقاليد ~~إلى عبادة العرف، وهو لا يعدو أن يكون الحيل والعادات لماض قريب توحدت ~~لتعميم استعمالها - مخالفة في ذلك التقاليد، وهي التعبير عن التجارب ~~المتجمعة. وهناك من ناحية أخرى في العصور المتمدنة جمهور حساس مثقف، ~~يعطف على الفنان، ويميل إلى أن يهيئ له أن يعرف على خير وجه خير الأمور ~~بالنسبة إليه. ومثل هذا الجمهور لا يخدع في سهولة فيظن خطأ أن الصيغة ~~المقبولة هي التقليد العظيم. إن ماساشيو وأتباعه، وكذلك مدرسة الكتاب ~~الثائرين في مطلع القرن الثامن عشر، والرومانتيكيين الأوائل في أخريات ~~هذا القرن، إن هؤلاء لم يضطروا إلى الاشتباك في معارك حامية كالتي نشبت ~~حول أسماء هوجو وفاجنر وروزتي وما لرمي وسيزان؛ ذلك لأن الجمهور في ~~العصور المتمدنة يتفوق في حسه كثيرا عن الجمهور في القرن التاسع عشر؛ ~~لأن الظروف كانت أشد مواتاة وأقل ضيقا، وقلما كان الفنان يندفع في ~~احتجاج عالي الضجيج أو مضيع للوقت والجهد. إن الفنان الحق لا يكون ~~بطبعه محتجا، ولا يلعب هذا الدور إلا بضغط من حقد معاصريه. والاحتجاج ~~آفة الفن؛ لأن من يشرع فيه يتعرض لخطر الوقوع في الهاوية. المدنية ~~تميل إلى أن تجعل الاحتجاج أمرا لا ضرورة منه. # والتشابه كما هو في العصور ذات المدنية الرفيعة ربما كانت له مثالبه ~~التي لا بد لي أن أتعرض لها بعد قليل، ولكنه ليس تهلكة للفن، وهو من ~~ناحية - ولا ريب - نتيجة لرأي عام متنور له خطره ولا يقبل أن يستخف ~~به. وهو ينتج - إلى حد كبير - من أن الفنانين بعدما وجدوا أنفسهم في ~~عالم متزن قد تخلصوا من ضرورة القيام باحتجاجات يتظاهرون بها - وبين ~~الفنان والجمهور في المجتمع ذي الحضارة الرفيعة مجال مشترك لا يجد ~~الفنان لديه مبررا لأن يرتاب في خيانته أو لأن يحتقره لاحتمال عقمه، ~~بل على العكس من ذلك نراه يفترض العطف وحسن الإدراك. ولأن الجمهور ms050 ~~المتمدن أقل من غيره احتمالا لأن يحسب بقايا حركة تحتضر تقليدا من ~~التقاليد، نراه لا يحس بالخوف الشديد الذي لا يحتمل من أن يغل العرف ~~يديه. ففي العصر ذي الحضارة الرفيعة لا يعادي الفنان التقاليد ولا يعدم ~~الثقة فيها، وإنما يتناول منها في حرية كل ما يستطيع أن تقدمه. ومن ~~أسباب التشابه الظاهرة في العصور ذات المدنية الرفيعة خصيصة أخرى من ~~خصائص المجتمع ذي الحضارة الرفيعة، وهي خصيصة تنشأ من ناحية عن الإحساس ~~بالقيم - ومن ناحية أخرى، تنشأ عن التعقل، وترتبط ارتباطا وثيقا ~~بإصرار المدنية على المعايير؛ وتلك هي أن المجتمعات ذات المدنية ~~الرفيعة مجتمعات مهذبة. # إن آداب السلوك نعمة لا يغض من قيمتها قوم عندهم إحساس بالقيم. غير ~~أن آداب السلوك تترتب كذلك على التعقل، وهو الصفة الأولية الأخرى من ~~صفات المدنية؛ لأن التعقل يؤدي إلى تفتح الذهن، وإلى الرغبة في ~~الاستماع إلى ما يقوله الآخرون، وإلى النفور من الوسائل الدكتاتورية. ~~وحيث إني الآن أحاول أن أصف العوامل التي تتفرع من الإحساس بالقيم، فلن ~~أعتدي على الموضوع الذي أعتزم أن أتعرض له في فصل آخر. وإن شئتم تركنا ~~التعقل وما يتولد عنه وشأنه. ومن الواضح أن الإحساس بالقيم الذي يسعى ~~لأن يستخلص من الحياة خير ما تعطيه - هذا وحده يكفل أدب المعاشرة أو ~~التهذيب - والخير هنا ما لا يتخلى عنه الفرد لما هو دونه. # 3 # وكذلك تجد أن من يملك الإحساس بالقيم لا يقصر في تقدير ~~التفوق الجوهري المجرد الذي تتميز به المجاملة في السلوك على الوقاحة ~~السليطة. أما كيف يؤثر هذا الذوق المتمدن الذي يؤثر دماثة الأخلاق في ~~الفنانين الناشئين المبتكرين المبتدعين فيتوقف إلى حد ما على ~~أمزجتهم. غير أن هنالك دائما طريقتين لإحداث أي تغيير، إحداهما فطنة ~~لبقة، والأخرى سافلة صخابة. والمتمدنون يؤثرون الطريقة ~~الأولى. # ولم يبلغ بي السخف بطبيعة الحال أن أزعم أن الفنانين في العصور ~~المتمدنة يتفوقون على الفنانين في العصور غير المتمدنة، فالفن قد يزدهر ~~في هذه العصور أو تلك. وقد يستفيد من هذه ms051 أو من تلك، وإنا لنشعر أن بعض ~~الفنانين متقدمون في المدنية، مثل فدياس وسوفوكليس، وأريستوفان، ~~ورفائيل، وراسين، وموليير، وبوسان، وملتن، ورن، وجين أوستن، وموزار، ~~وإنا لنشعر أن غير هؤلاء لم يضربوا في المدنية بسهم وافر، مثل مشيدي ~~الكاتدرائيات الغوطية، وفيلون، وشيكسبير، ورمبرانت، وبليك، ووردزورث، ~~وأميلي بروتني، وهويتمان، وتيرنر، وفاجنر، وصانعي الأوثان في الكنغو. ~~إننا لا نستطيع أن نقول: إن إحدى المجموعتين أرقى من الأخرى، والواقع ~~أن الفرق بينهما ليس أساسيا. إنه فرق في الوسائل وليس في الغايات. إن ~~غاية الفن هي بعينها في كل مكان وزمان - هي التعبير الكامل عن حالة ~~معينة من الإحساس الجمالي - أو لعلي أستطيع أن أقول: إنها خلق صورة لها ~~دلالتها. ولا يختلف الفنانون المتمدنون عن الفنانين غير المتمدنين إلا ~~في الوسيلة التي يحققون بها هذه الغاية، أو في موقفهم من المشكلة أو ~~معالجتهم لها. الفن أحد أمرين في هذه الدنيا لهما صفة ذاتية جدا، ومن ~~ثم فإنه لكي نقدر خصائص الفن المتحضر قدرا كاملا، يجب أن ننظر في ~~خصائص الفرد المتحضر، وحيث إنا سنفرد لهذا الفرد فصلا بأسره بعد قليل ~~أرى أن نسمح للفنان المتحضر بانتظار دوره. ويكفيني الآن أن أذكر أنه من ~~الحماقة أن نفترض أن الفنانين المتحضرين أرقى أو أحط من الفنانين غير ~~المتحضرين. وليس أحكم من ذلك أن نقرر أن المدنية تلائم أو لا تلائم ~~نهوض الفنون. ومن المجتمعات الثلاثة المثالية اخترناها، اثنان مبدعان ~~إبداعا استثنائيا، وثالث مبدع إبداعا عاديا. المدنية لا تشجع ولا ~~تثبط، ولكن، لما كانت الأمزجة المختلفة تنتعش في الأجواء المختلفة، ~~فيبدو أن المدنية - على الأرجح - إما مشجعة أو مثبطة لبعض الفنانين ~~المعينين. كم من أمثال ملتن ورفائيل وموزار، ممن لم يرتفع لهم صوت، ولم ~~يجر على اللسان لهم ذكر، ما كانوا ليفقدوا الأمل أو يهملون في جو ~~الفزع والهمجية الذي ساد العصور المظلمة؟ وهل لم يكن من الجائز أن يسحق ~~القرن الثامن عشر - الذي قص جناحي بليك - الأمل المرفرف لعدد من ~~العباقرة ذوي العقول الغوطية، وأن يسخر من ms052 فنان مثل فاجنر أو وبستر ~~ولا يقدر البتة فكرة تنادي بالتعبير الذاتي؟ # إن النظرية الشائعة التي تقول بأن المدنيات الرفيعة تفرض على الأفراد ~~بالضرورة التشابه والمساواة، هذه النظرية هي ما تقول به عادة النظريات ~~الشائعة: وانظر إلى عهد النهضة تجد الدليل، ومن الواضح - برغم هذا - أن ~~الشخص الشاذ يكون في الوسط الذي يرتقي فيه معيار الثقافة والذكاء أقل ~~ميلا وأبعد احتمالا لتمييز نفسه عن الجموع منه في الوسط الذي ينحط ~~فيه هذا المعيار؛ ومن ثم فربما ظهر الميل إلى التشابه، وهذا خطر من ~~أخطار المدنية، غير أن مجرد نظرة إلى التاريخ تكفي لأن تبين لنا أن هذا ~~الميل إلى التشابه ليس خصيصة من خصائص المدنية. ولكن الخطر قائم على كل ~~حال. وحيث إني أحب الإنصاف، وحيث إني قد أكدت منذ البداية أن المدنية ~~ليست هي المثل الأعلى، فإني أستميحكم العذر في أن أخصص بضع صفحات أحاول ~~فيها أن أبين بالمثال مبلغ هذا الخطر على وجه الدقة. ولنبحث في حالة ~~فرنسا وإنجلترا. # إن الرجل الإنجليزي إذا كان على جانب من الاستعلاء يجب أن يقف على ~~قدميه؛ إذ إنه لا يجد حوله ما يستطيع أن يتفضل بالاستناد إليه. # 4 # لا بد له أن يشق طريقه الخاص؛ لأن الطرق العامة جميعا ~~تسير خلال أرض كئيبة لا تطاق وتؤدي إلى مناطق مقفرة من الحياة العقلية ~~وإلى قرى الضواحي. إن حياة الرجل الإنجليزي أو المرأة الإنجليزية من ~~ذوي المواهب تأكيد مستمر متواصل لشخصيته أو شخصيتها في وجه ظروف لا ~~تعطف عليه، بل تعاديه معاداة إيجابية. الطفل الإنجليزي الذي يولد بشعور ~~رقيق، أو إحساس خاص بالفنون، أو ذكاء خارق مطلق، يجد نفسه منذ البداية ~~في خصومة مع العالم الذي ينبغي له أن يعيش فيه. فهو لا يفكر في قبول ~~تلك المواضعات القومية التي تعبر عن أحقر ما في مجتمع كريه. وهو منذ ~~البداية لا يتوجه أيام الآحاد الى الكنائس أو المعابد. وربما اختلف ~~الأمر لو كان التوجه الى القداس الكاثوليكي. كما أن المواضعات القومية ~~التي تحدد ms053 الحياة العائلية والتي تكاد أن تجعل من المستحيل قيام علاقة ~~وثيقة أو دقيقة، هذه المواضعات لا تثير فيه سوى التشوق إلى الفرار. إنه ~~ربما ينشأ في جو تزدرى فيه كل فكرة لا تؤدي إلى غاية عملية، أو لا ~~تظفر على أحسن تقدير بأكثر من إطراء متكلف. وذلك حينما يشتهر عظيم من ~~العظماء في أوروبا بأسرها برغم المعارضة الشديدة التي يلاقيها، فيكافأ ~~بحق بلقب من الألقاب أو بعمود من أعمدة النعي في صحيفة «التيمس». أما ~~الفنانون فما لم ينجحوا نجاحا تجاريا أو يظفروا باعتراف معرض عام من ~~معارض الصور، فمن المؤكد أن يصبحوا سخرية أسراتهم. وهكذا يثار دائما ~~كل ما لديه من إحساس رقيق، فيحيا حياة شاذة مستوحشة خجلة، و«جون بول» ~~تحت أنفه و«بنش» في زاوية غرفته، حتى يلتحق بمدرسة خاصة، وعندئذ إما أن ~~تحطم روحه الألعاب الإجبارية وتقاليد أرنولد أو أن تجعل منه ثائرا مدى ~~الحياة. # إن أي شاب إنجليزي موهوب جدا، صلب الرأي في معارضته العنيفة لأكثر ~~ما يحيط به، يحتمل أن يزداد تنبهه إلى نفسه وإلى عزلته. في حين أن ~~زميله الفرنسي يمحو شذوذه برفق عن طريق اتصال ميسر، وهو يزداد إحساسا ~~يوما بعد يوم بتماسكه مع شركائه في سر عجيب جليل. إن فرنسا - في ~~الواقع - ما زالت لها مدنية. أما الفتى الإنجليزي فهو يزداد إحساسا ~~بفرديته. يزداد شذوذا يوما بعد يوم، كما يزداد حبا في المغامرة، ~~وتزداد شخصيته وضوحا إنه يقصم كل روابط العرف في يسر وسهولة، ويتعلم ~~أن يعتمد على نفسه اعتمادا كليا، فلا يثق إلا في تقديره الخاص لما ~~هو خير وما هو حق أو جميل. هذا التقدير الشخصي هو كل ما يتعقبه. وفي ~~غضون تعقبه لا يلتقي بعقبة من العرف يحتاج لحظة واحدة إلى التردد في ~~هدمها. المدنية الإنجليزية، أو ما يسمى بالمدنية الإنجليزية، متكلفة ~~منافقة، أبعد ما تكون عن التهذيب، وهي في أعماقها وحشية، حتى إن كل ~~إنجليزي من ذوي المواهب يصبح حتما من الخارجين على العرف والقانون. ~~إنه ينمو برفض ما يحيط ms054 به، وتترعرع شخصيته، لا يراعي عرفا ولا يتمسك ~~به، ولا يعوقه كثيرا - وهذه نقطة هامة أيضا - عسف الحكومة وتعقبها ~~له. لأن الرجل الإنجليزي - حتى بداية الحرب على الأقل - الذي كان يجرؤ ~~على تحدي العرف كان أقل من الفرنسي خشية من القوانين. من أجل هذا كله، ~~كانت إنجلترا بلدا لا يسر العيش فيه رجلا لديه إحساس بالجمال أو ~~بالفكاهة، أو يتذوق الملذات الاجتماعية، أو ذو حس رقيق. ومن ناحية أخرى ~~لدينا تلك الفردية العظيمة التي لا تحد، وذلك الاستقلال، الذي مكن ~~لبعض أفراد من الإنجليز ذوي العبقريات أن يبدعوا أعظم أدب في التاريخ ~~بأسره، وينشئوا أكثر الأفكار الحديثة ابتكارا وعمقا وجرأة. # وإذا كان التشاجر لا يتم إلا بين اثنين، فكذلك التبادل لا يتم إلا ~~بين اثنين، وحتى إذا كان خير الفرنسيين يرغب في الاتفاق مع المجتمع، ~~فلا بد أن يكون ذلك لأن المجتمع لديه ما يقدمه لهم مما يستحق القبول، ~~وما عند المجتمع الفرنسي للتقديم هو المدنية الفرنسية. العرف قيد للفكر ~~والشعور والعمل. ولما كان كذلك، فهو عدو الابتكار والشخصية، ومن ثم كان ~~مقيتا عند الرجال ذوي المواهب الممتازة في الابتكار أو الشخصية؛ غير ~~أن العرف الفرنسي يسوده جو بهيج من التحرر، وتقدم فرنسا لأولئك الذين ~~يتقيدون به المشاركة في أقرب المدنيات الحديثة إلى الكمال، وهي رشوة ~~مغرية. كما أن جرعة الدواء نفسها مشوبة بالحلاوة بدرجة مقبولة. تقول ~~التقاليد الفرنسية: هكذا تشعر، وهكذا تفكر، وهكذا تعمل، وليس ذلك ~~لأسباب خلقية، وأبعد من ذلك أن يكون لأسباب نفعية، إنما هو لأسباب ~~جمالية. ألزم القاعدة، لا لأنها صواب أو لأنها نافعة، ولكن لأنها لائقة ~~- بل جميلة. إننا لا نقول لك كن محترما، وإنما ندعوك ألا تكون فظا ~~غليظا. إننا نقدم لك بغير مقابل علامة لها قدرها في أنحاء العالم ~~بأسره. كم من أجنبي يود لو يقدم عينيه لقاء أن يقال له أو لها: «كم ~~أنت - أو أنت - فرنسية!». # وعند ذكر ما ينجم عن احترام الفرنسيين هذا للقاعدة، يجب علينا أن ~~نسجل ما له ms055 من مزايا وما عليه من مثالب. إن ما فقدته فرنسا في اللون ~~ربحته في الخصوبة، وإذا سجلنا قائمة عالمية للشرف للتفوق العقلي والفني ~~وجدنا عدد الأسماء الفرنسية يزيد كثيرا عما يتناسب مع مساحة البلاد ~~ومقدار ثروتها. ثم إن هذا الأساس من التقاليد هو الذي رفع الثقافة ~~الفرنسية إلى مستوى الامتياز. إن فرنسا لم تكن قط بغير معايير. ومن ثم ~~تطلعت بقية القارة الأوروبية إلى فرنسا دائما تلتمس مقياسا للتفكير ~~الدقيق، والحس الرقيق، وما يستمتع به الناس كافة من ملذات. ولولا العرف ~~الفرنسي لكان بقاء فرنسا هذا الأمد الطويل مركزا للمدنية أمرا ~~مشكوكا فيه. بيد أنه من الحق - من ناحية أخرى - أن الصورة التي يعرضها ~~التاريخ الفرنسي لا يظهر فيها نسبيا إلا القليل من الأعمال الضخمة أو ~~الشخصيات الهائلة. وليس من شك في أن فرنسا كانت شحيحة في هذه الشخصيات. ~~وقد كان أكثر العظماء - وكثير من الطبقة الثانية - من الكتاب والمفكرين ~~والفنانين الإنجليز «شخصيات» عظيمة، في حين أن الحياة الأدبية والفنية ~~في فرنسا كانت تتسم بإدراك صحيح وتهذيب مشوب بشيء من الملل الخفيف، ~~ولا يشذ عن ذلك سوى القليل من الشخصيات الضخمة المدهشة. ولست أشك في ~~أن بعض الفرنسيين يولدون بموهبة تبشر بالقدرة على الابتكار العظيم، ~~ولكنهم لا ينجحون البتة في أن يحيوا حياتهم أو يعبروا عن أنفسهم ~~تعبيرا كاملا؛ لأن التقاليد الفرنسية تستميلهم إلى قبول العرف واتباع ~~القاعدة. وسرعان ما تقفز إلى ألسنة الفرنسيين من ذوي المواهب العقلية ~~والمتفوقين في الثقافة عبارات مثل هذه «ذلك هو العرف» أو «هذا غير ~~مقبول»، وذلك لأنهم لم يرغموا قط، كزملائهم الإنجليز، على أن يفكروا ~~ويشعروا ويشقوا لأنفسهم طريقا محتملين في سبيل ذلك أن يقضوا حياتهم ~~محبوسين - كالمذنبين من أهل الصين - في صندوق لا يستطيعون فيه أن ~~يرقدوا أو يجلسوا أو يقفوا أو يميلوا أو يرتعوا أو يفعلوا أي شيء آخر ~~سوى أن يتمرغوا؛ ولذا فإني أقر بأن الموهوبين من الشبان الفرنسيين ~~يقبلون العرف وقواعد الحياة؛ لأن هذا العرف وتلك القواعد ليست - في ~~فرنسا ms056 - مخيفة أو فظيعة بدرجة كبرى، وهي ليست كذلك - في يقيني - لأنها ~~بقايا تقاليد متمدنة، أما ما لست أقره فهو أن يكون ذلك من عيوب المدنية ~~الكبرى. # وإذا انتقلنا من فرنسا الحديثة وتدبرنا عصر اليونان العظيم وجدنا أنه ~~لا يقل في خصوبته عن إنجلترا في القرن السابع عشر في الشخصيات الحية ~~المبتكرة، وكذلك لم تكن إيطاليا لعهد النهضة مثلا واضحا لاتباع ~~القواعد الخلقية والعقلية. وإذا كانت فرنسا - التي كانت خلال ~~الثلاثمائة سنة الأخيرة - أرقى أقطار أوروبا مدنية تبهرنا بالوفرة في ~~العقول الممتازة وانتشار الثقافة أكثر مما تبهرنا بالعقول النابغة ~~والشخصيات الباهرة، فربما كان مرد ذلك إلى مزاج الجنس وإلى غير ذلك من ~~الأسباب. ومن المحتمل ألا تكون زيادة المدنية في فرنسا سببا في تخلفها ~~في هذا الاتجاه أقوى من أن نقص المدنية في إنجلترا كان سببا في تفوقها ~~فيه. فالهمجية لا تحث من تلقاء نفسها على ظهور العبقرية وقوة الشخصية ~~والاتجاه نحو التعبير الذاتي في اللغة. ولكن إنجلترا - حتى ذلك الحين - ~~شجعت صفة من الصفات ربما كانت هي أقوى الأسباب في ذلك، وتلك هي احترام ~~الحياة الخاصة احتراما يفوق كثيرا ما كان يتمتع به الناس في أقطار ~~القارة الأوروبية. إن الرجل الإنجليزي الشاذ، أو النابغ، أو العبقري، ~~الذي يقذف به الجو السائد إلى الكهوف والأركان المنزوية، كان في تلك ~~الكهوف والأركان يجد مجالا للبقاء والتطور إلى أي حد يريد. ومن هنا ~~كان اشتهار إنجلترا كدار لاحتضان روح الابتكار والشخصيات الفذة، ومن ~~هنا كان حقها في أن تكون بعيدة الصيت في هذا الاتجاه، ولا تزال ~~إنجلترا تشتهر بذلك، ولكنها ربما لا تكتسب هذه الشهرة بعد هذا، فهناك ~~حركة تميل إلى الغض منها؛ لأن الاعتراف بالشذوذ خاصية أرستقراطية، وعلى ~~الإنجليز أن يتعلموا اتباع القواعد، وعليهم وجوب التطور بحكمة في ~~أخاديد مرسومة. وقد باتت الطاعة والخضوع والانصياع أكثر قبولا في ~~إنجلترا منذ أن قبلت الخدمة الإجبارية مستخفة في ذلك بتقاليدها ~~القديمة. ومن المحتمل - إذا ما بلغ حاملو تذاكر الاشتراك من ناحية، ~~ونقابات العمال من ms057 ناحية أخرى، أقصى آثارهم السيئة - أن تفقد إنجلترا - ~~خلال بضعة عقود من السنين - من فوق هامتها العباقرة، والشخصيات، وروح ~~الابتكار، فتبدو عارية في همجيتها المعهودة، وأن تصبح موضع السخرية ~~والازدراء في العالم طرا. إنها بذلك تستبعد فرديتها، دون أن ترتفع ~~في سلم المدنية. # إن من يملك الإحساس بالقيم لا يمكن أن يكون من السوقة؛ إنه يقدر الفن ~~والفكر والمعرفة من أجل ذاتها لا من أجل احتمال نفعها، وحينما أقول من ~~أجل ذاتها أقصد بطبيعة الحال أن تكون وسائل مباشرة لحالات عقلية طيبة ~~هي وحدها الغايات الطيبة. فإن أحدا لا يتصور اليوم أن قطعة فنية ملقاة ~~في جزيرة غير مأهولة لها قيمة مطلقة، أو يشك في أن قيمتها الحقيقية ~~تنحصر في أنها تستطيع في أية لحظة أن تصبح وسيلة لحالة عقلية تتفوق في ~~امتيازها. ولما كانت الأعمال الفنية وسائل مباشرة لمتعة جمالية فهي ~~وسائل مباشرة للخير. والبحث وراء الحقائق العلمية والفلسفية وإدراكها، ~~بحثا وإدراكا مجردا عن الغرض، هذا البحث وذلك الإدراك يمكن ~~اعتبارهما كذلك وسائل مباشرة للخير؛ لأنهما يثيران حالات عقلية مشابهة ~~تتصف بعمق الشعور. بيد أن قيمة المعرفة تختلف عن ذلك. فالمعرفة ليست ~~وسيلة مباشرة للخير، وعملها بعيد عن هذا المحيط. فالمعرفة الدقيقة ~~بتواريخ ملوك إنجلترا وملكاتها لا تستثير النشوة في أحد. المعرفة غذاء ~~له قيمة كامنة لا حد لها، ويجب أن يتمثلها العقل والخيال قبل أن تكون ~~لها قيمة إيجابية. ولن تصبح المعرفة وسيلة مباشرة لحالات عقلية طيبة ~~إلا بعد تمثلها. إلا أنه بغير هذا الغذاء يميل العقل والخيال كلاهما ~~إلى الضمور والالتواء، بل يتعرضان لخطر القحط المميت. # ليس في المعرفة عند أصحاب الإحساس بالقيم ما يستحق التقدير إلا ~~دسامتها، وإن يكن من الواضح أن لها كذلك أهمية عملية. المعرفة تمكننا ~~من صنع السيارات وإصلاح السيقان. وإنما يميز الشعوب المتمدنة أولا ~~أنها قادرة على أن تدرك قيمة المعرفة كوسيلة لبلوغ حالات نفسية رائعة، ~~وأنها تقدر هذه القيمة ثانيا قدرا يفوق أية فائدة بعيدة نفعية أخرى. ~~والجمال بطبيعة الحال ليست ms058 له البتة قيمة عملية، والصورة الحسنة قد تحث ~~على سلوك نافع، ولكن الصورة السيئة كذلك - بل وأكثر من ذلك - تؤدي إلى ~~نفس هذه النتيجة . ومن علامات الرجل الهمجي - أو السوقي - أنه لا يملك ~~الإحساس بالقيم، ولا يستطيع أن يميز بين الغايات والوسائل، وبين ~~الوسائل المباشرة والوسائل البعيدة، فهو لذلك يريد أن يعرف ما للفن ~~والتأمل والعلم البحت من فائدة، فإن أجبته أنها وسائل مباشرة - أو تكاد ~~أن تكون كذلك - لحالات وجدانية لها أكبر القيمة وأعمق الغور لأسباب ~~واضحة جلية، لم تقنعه ولم تبعث في نفسه رضا، ما لم تقل له إنها ~~المفاتيح التي يفتح بها أبواب الجنة، وما لم تستطع بطريقة ما أن تقدم ~~له ثمار الفردوس، وكيف تستطيع أن تقدم له هذه الثمار؟ إن ذلك لا يكون - ~~فيما أحسب - إلا بتمكينه من مشاهدة الفردوس، وأؤكد لكم أنني لا أعرف ~~كيف تستطيع أن تمكنه من هذه المشاهدة، بيد أني أتصور أن هذا ما ينبغي ~~أن تقوم به التربية إذا استطاع المعلمون بطريقة ما أن يجعلوا البنين ~~والبنات العاديين يدركون هذه الحقيقة البسيطة، وهي أن الدنيا ربما لا ~~تقدم له (أو لها) شيئا أفضل من المال اليسير والعمل الكثير، إلا أن ~~كلا منهم يستطيع إن أراد أن يحيا حياة مليئة بالملذات المستساغة إذا ~~استطاع المعلمون أن يجعلوهم يدركون أن المتعة التي يظفر بها المرء وهو ~~وحيد في غرفة متواضعة، هي غرفة نومه وغرفة جلوسه في آن واحد، بعقل ~~متنبه مدرب مزود بالمعرفة ومعه كتاب أكبر من متعته بامتلاك اليخوت ~~وجياد السباق، وأن النشوة التي يحسها من صورة عظيمة أو رباعية من ~~رباعيات موزار أشد من نشوته من الجرعة الأولى من زجاجة الشمبانيا (وأن ~~يصدر ذلك عن ذواقة مخلص). إذا استطاع المعلمون هذا، لحلوا - فيما ~~أظن - عقدة المشكلة الإنسانية. أنا لا أستطيع أن أحل هذه العقدة، ~~ولا أستطيع إلا القول بأن الشعب الوحيد الذي يملك مفتاح قصر الملذات ~~هذا هو الشعب الذي يعرف كيف يقدر الفن والفكر لذاتهما والمعرفة كأداة ~~للثقافة. # إن ms059 السوقة يعيبون على الإغريق في بحثهم وراء الحقيقة خلوهم من الغرض. ~~لقد دفع الإغريق التأمل الرياضي ودراسة الهندسة إلى حد لا يزال يدهش ~~له أولئك الذين يقدرون على قياس الأرض المحسوسة، وهم أساتذتنا في ~~التفكير الميتافيزيقي والخلقي والسياسي؛ في حين أنهم بلغوا في النظريات ~~الميكانيكية حدا مكنهم من أن يخرجوا بطريقة غير مباشرة نموذجا ~~للآلة البخارية، ولكنهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة استغلال هذا الاختراع، ~~مما أذهل العصور التالية. إنهم لم يصنعوا إطلاقا قاطرة، أو بارودا، ~~أو حتى دولابا للغزل. إنهم كانوا يبحثون عن الحقيقة لذاتها، وبوصفها ~~وسيلة للثقافة لا وسيلة للسلطان والراحة، وأهم من ذلك أنهم كانوا ~~يزدرون أولئك الذين يبحثون عنها لفائدة مادية أو لكسب شخصي، لاعتقادهم ~~أن هذه البواعث الدنيئة أحط من كرامة الأحرار ولا تتفق والحياة ~~المهذبة، بل ربما أدهش بعض العلماء أن يعرفوا أن الأثينيين كانوا ~~يحسبون الاشتغال بالتجارة مخلا بالشرف، ومع ذلك فإن أفلاطون وأرسطو ~~كليهما يؤكدان ذلك. كان الأثيني يؤثر أن يحيا حياة غنية على أن يكون ~~غنيا، ومن أجل هذا نعد الأثينيين أرقى الشعوب حضارة في ~~التاريخ. # كان يمر بخاطر الأثينيين أحيانا أن الشيء الجميل يحتاج إلى مبرر ~~آخر غير جماله، وربما يرجع السبب في ذلك أولا إلى أنه قل من الأفكار ~~ما لم يخطر للعقل الأثيني. # أما الإيطاليون لعهد النهضة، فكانوا أقل من الأثينيين تفكيرا في ~~الأمر، بيد أنه ينبغي لنا أن نعترف أن الفرنسيين في أخريات القرن ~~الثامن عشر أساءوا استخدام فن التصوير بغير خجل. فكانت صور جروز مثلا ~~توصف دون حياء لإنهاض الروح المعنوية، فهي تنبه الحس، وتثير الشفقة، ~~وترتب على ذلك أنك تجد حتى اليوم بعض ذوي الأذواق ممن لا يستطيع أن ~~يدرك أي مصور بارع كان جروز حقا. إن القرن الثامن عشر - كما قررت ~~آنفا - كان أصح موقفا فيما يتعلق بالحق منه فيما يتعلق بالجمال، ~~كما كانت النهضة أصح موقفا فيما يتعلق بالجمال منها فيما يتعلق بالحق، ~~ومع هذا فإن تقدير النهضة للدراسة الخالصة التي لا تهدف إلى ms060 غرض كان ~~تقديرا صادقا، وقد جعل ذلك براوننج حقيقة مسلما بها في شعره ~~الخيالي الذي قال فيه: # هذا الرجل الوضيع يبحث عن عمل قليل يؤديه # فيلقاه وينهيه # وهذا الرجل الرفيع، يتابع أمرا جليلا # فيموت قبل إدراكه # هذا الرجل الوضيع يجمع واحدا إلى واحد # فسرعان ما يبلغ المائة # وهذا الرجل الرفيع يهدف إلى المليون # فلا يبلغ غايته # هذا عالمه هنا - فهل يحتاج إلى العالم الآخر؟ # إن هذه الدنيا ترعى شئونه # وذاك يتوجه إلى الله، ودون أن يساوره قلق # يبحث عنه حتى يلقاه # وفي نضاله، تهبط عليه أيدي الموت الخانقة # وتزهقه وهو وراء قواعد النحو يعدو. # ووسط الضجيج، يبحث في أنواع الكلام # إنه يضع قواعد النحو وهو في نطقه يتعثر # بعدما يصيبه في نصفه الأسفل الشلل المميت. # ومهما يكن من الأمر فذلك اتجاه لا يسير فيه السوقة. ~~إنها حياة ينفقها صاحبها في متابعة «العلم الذي لا ينفع». إن النحوي ~~يروعنا ويثير فينا قليلا من السخرية في آن واحد. وهو لا يثير سخريتنا ~~لإهماله للقيم العامة، وإنما يثيرها فينا تركيزه الجنوني على موضوع ~~واحد قيم مع إهمال كل موضوع آخر. إن المتخصص لن يكون إنسانا كامل ~~المدنية. وربما كان القرن الثامن عشر عصرا غير عملي كعصر النهضة. ولا ~~يزال من المألوف بين أبناء الطبقة الدنيا من أصحاب الاتجاهات العقلية ~~أن يعتبوا على ذلك العصر الساحر انكبابه كله على علوم تأملية بحت مثل ~~الرياضيات والهندسة واهتمامه بها أكثر من اهتمامه بعلوم نافعة كعلم ~~الحياة والكيمياء. لقد تمت في عصر العقل مكتشفات ميكانيكية هامة، غير ~~أن أحسن العقول لم تهتم بها إلا قليلا، والعلوم «النافعة» التي حظيت ~~باهتمام شديد هي علوم السياسة وعلم الاقتصاد وحدها، ولا زلت من الطراز ~~القديم الذي يعدها نافعة. وقل من المؤرخين من لا يعزو إلى اشتغال ~~هذا القرن بالمعنويات ما اتصفت به الثورة الفرنسية من الاهتمام بالأمور ~~النظرية، وهم يرون أن جيلا نشأ على آراء دارون وسبنسر لا يمكن أن ~~يطمئن إلى التحيز العلمي أو إلى الدراسات النظرية البحت، ولست ms061 أدري ~~ماذا عساها أن تقول البقية الباقية من الطبقة البرجوازية الروسية في ~~هذا الصدد. # وعن الإحساس بالقيم تنشأ تلك الرغبة وذلك الاعتقاد في التربية الحرة ~~التي لم يخل منها عصر من العصور المتمدنة. إن غاية ما يشتهيه كل إنسان ~~متمدن أن يظفر بأغزر وأوفى حياة ممكنة، حياة تضم أقصى ما يمكن من ~~التجارب الحية الرائعة. ولما كانت تلك هي رغبة الإنسان المتمدن فإنه ~~يهدف إلى تطوير نفسه تطويرا كاملا وإلى التعبير عن ذاته تعبيرا ~~تاما، ولا يستطيع تحقيق ذلك إلا من تعلم التفكير، والشعور، والتمييز، ~~ومن تعلم أن يترك العقل حرا في معالجة كل موضوع، وأن يجعل مشاعره ~~تستجيب استجابة صحيحة لكل باعث، والمعرفة مطلوبة فوق هذا؛ لأن العقل ~~بغير معرفة يبقى عبدا للهوى والخرافة، في حين أن المشاعر لا تتغذى ~~عندئذ إلا بطعام وحشي رتيب. إن الرجل المتمدن يتطلب تعليما يكون بقدر ~~الإمكان وسيلة مباشرة لما هو وحده خير كغاية من الغايات. إنه ينمي قواه ~~في التفكير والشعور، ويتابع الحقيقة، ويكتسب المعرفة، لا لأية قيمة ~~عملية قد تنطوي عليها هذه القوى، ولكن لذاتها، أو لقدرتها على كشف ~~إمكانيات الحياة الغزيرة المعقدة - وهو في ذلك يتميز تمييزا واضحا ~~عمن يأبه بتوافه الأمور والفائز في المسابقات، أما الرجل من السوقة، ~~الذي ينقصه الإحساس بالقيم، فهو يتطلب من التربية أن تنير له الطريق ~~إلى الثراء والسلطان، وهما هدفان ليست لهما قيمة إلا باعتبارهما وسائل ~~بعيدة لذلك الخير النهائي الذي تقودنا إليه مباشرة التربية الحرة. إن ~~التربية الحرة تعلمنا الاستمتاع بالحياة، أما التربية العملية فتعلمنا ~~اكتساب الأشياء التي قد تمكننا أو تمكن غيرنا من الاستمتاع بها. # قل من الأمور ما اهتم به الأثيني اهتمامه بتربية ابنه. ولما أصبح ~~أهل ميتلينيا سادة البحار لفترة ما كانوا يعدون أكبر عقوبة يوقعونها ~~على الذين لا يذعنون لهم من حلفائهم حرمانهم من المدارس، وإذا استثنينا ~~البلاغة واستخدام السلاح فإن منهج التعليم في أثينا لم يهدف مباشرة إلى ~~نتائج عملية. وكانت إيطاليا وريثة اليونان، وليس هناك ما هو ms062 أدل على ~~قوة النهضة وذوقها من أنها فرضت زهاء أربعمائة عام على الطبقات الحاكمة ~~في أوروبا تربية حرة كما كانت في ذلك الحين، ونحن نعرف تمام المعرفة ما ~~كانت تراه خير العقول في إيطاليا في هذه المشكلة الأساسية للتربية؛ لأن ~~بولدا ساركاستجليوني عالج الموضوع في شمول يدعو إلى الإعجاب، ولخص ~~حججه وأمثلته في قوله: إن الآداب هي التي تزين النفس الحقة الكبرى، ~~وكان هناك بطبيعة الحال في المنهج الجديد كثير من الغبار والرماد، إلا ~~إن التقليد الذي ورثته النهضة عن الإغريق كان على كل حال يقوم على أساس ~~اللغة اليونانية، وهو في هذا يختلف اختلافا كليا عن عبث العصور ~~الوسطى وحذلقتها. وبدراسة الأدب والفلسفة الإغريقية أتيحت الفرصة على ~~الأقل لصفوة الشبان في جميع الأمم لاكتساب خير ما يستحق التحصيل. لقد ~~كانت لأوروبا تربية تقليدية حرة في أساسها، وبقي هذا التقليد دون أن ~~يعارضه أحد خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وإن كان المنهج خلال ~~القرن الثامن عشر قد تطور مع تقدم الزمن، دون أن يسف، فأدخل عليه ~~تعليم الرياضيات والهندسة بدرجة أعم وأنظم. أما في القرن التاسع عشر ~~فقد هوجمت هذه التربية هجوما عنيفا وبدأت تتلاشى بصورة محسوسة. وذلك ~~من أثر الثورة الصناعية، وظهور الطبقات الوسطى، وعبادة كسب المال التي ~~كانت تسمى أحيانا «إنجيل العمل» والحماسة لمسايرة الزمن. وقضى عليها ~~نهائيا خلال ما يسميه مستر ه. ج. ولز «الحوادث المحزنة في السنوات ~~الأخيرة القلائل»، # 5 # وما يسميه «بالحرب» من نشأ على التربية الحرة. # إن الإحساس بالقيم والقدرة على التمييز بين الغايات والوسائل، تكفي ~~لأن يؤمن المرء بالفردية، ومن المؤكد أن صفة أساسية أخرى - وهي تتويج ~~العقل - تتولد عنها كذلك الأهمية القصوى للفرد، ولكن لما كنا أثناء ~~نظرنا في رغبة الرجل المتمدن في تقدمه الذاتي اقتربنا من هذه الخصيصة ~~من خصائص المدنية الرفيعة، فيجدر بنا أن نعالجها كذلك فورا. إن كل من ~~يدرك أن حالة العقل الطيبة هي الغاية الوحيدة الطيبة، ومن يدرك أن ليس ~~هناك ما يبرر افتراض وجود عقل ms063 جماعي، كل من يدرك ذلك سيرفع بطبيعة ~~الحال من شأن الفرد الذي لا يوجد الخير المطلق إلا فيه وحده. إن مثل ~~هذا الشخص إذا تجاهل أن كل تعميم يجب أن يقاس في النهاية بتجربة الفرد ~~لا يمكن العفو عنه؛ لأن الحديث عن خير القطيع كأنه شيء يختلف عن خير ~~الأفراد الذين يتألف منهم القطيع أمر وحشي سخيف حتى عند السياسيين ~~حينما يخدم ذلك أغراضهم. ومن ثم فإن الساسة البريطانيين - برغم ~~استعدادهم للحديث عن المصالح البريطانية كأنها تختلف عن مصالح الشعب ~~الذي يسكن في بريطانيا - صعقوا صعقا شديدا لمغالاة الصحفيين الألمان ~~الذين قدسوا الدولة الألمانية فوق الفرد الألماني. إن الدولة لا يمكن ~~أن تكون غاية لذاتها. إنها لا تعدو أن تكون وسيلة لتلك الحالات العقلية ~~الطيبة التي هي وحدها غايات طيبة، ولا تتوفر إلا للأفراد. # وكثيرا ما اضطر الأثينيون إلى التوفيق بين حقوق المواطن وحاجات ~~المدنية، وقد أفلحوا عامة في الاحتفاظ بالمجال حرا للشخصية - وذلك ~~على الأقل حتى بدأت سنوات الحرب تبلد إحساسهم بالقيم - فمكنوا بذلك ~~لظهور تلك المدنية التي ما برحت عجب العالم الغربي وفخاره، وسوف أتحدث ~~طويلا عن الحرية الأثينية في الفصل المقبل، عندما أتعرض للكلام عن ~~مولود العقل الأول - التسامح. ويكفيني في الوقت الحاضر أن أطلب إلى ~~القارئ أن يسلم بها، ولن أذكر هنا سوى أن الإغريق كانوا مخترعين ~~للفردية بصورة ما، وفي عالم يسوده الرق والخرافات الشرقية، كانوا أول ~~من هب لإثبات القيمة الشخصية للمواطن المتعلم الذكي. كانوا أول من فكر ~~في أن المرء بحواسه وعواطفه وذهنه هو سيد العالم، وأن الدنيا قوقعته ~~التي يستطيع أن يفتحها بالذكاء والشجاعة، وأن عقل الفرد يقابل قوى ~~الطبيعة، وأن كل إنسان يستطيع أن يشعر وأن يفكر هو ملك حقا. # وكذلك الإيطاليون لعهد النهضة أحسوا إحساسا قويا بأهمية الفرد ~~باعتباره المصدر الأساسي لكل ما هو مثير فاخر له دلالة، بل ربما غالوا ~~- كما ذكرت من قبل - في تمجيدهم للشخصية، ولم يكفهم أن يزعموا للفرد ~~تمام الحرية في التعبير والتجربة، بل أخذوا ms064 يغذون الشخصية حتى باتت ~~استكبارا وأنانية، وأسوأ من ذلك أنهم كانوا يظنون هذه الصفات البربرية ~~في أساسها امتيازا شخصيا، ولم تقع في هذا الخطأ العصور التي ارتفعت ~~في أوج المدنية عن عصر النهضة مثل عصر بركليز وفلتير، فإن حسن السلوك، ~~والمعاشرة، وغير ذلك من المميزات التي تتقدم كلما أصبحت المجتمعات ~~المتمدنة أكثر تقديرا للذة الحديث، كل ذلك خفف في أمثال هذه العصور ~~الميل الفردي لتقرير الذات بالاعتداء، ولكن لا جدال في أن هذه العصور ~~الثلاثة كانت ممعنة في الفردية، وربما كان خير ما تظهر فيه فردية ~~الإغريق فلسفتهم، وخير ما تظهر فيه فردية النهضة إسرافها. وليست بي ~~حاجة - فيما أحسب - للتدليل على أن القرن الثامن عشر كان فرديا بأن ~~أبين كيف أن كل تلك الآراء السياسية التي بلغت أوجها في الثورة ~~الفرنسية كانت تقوم على أساس حقوق الإنسان وأهميته الخاصة باعتباره ~~بشرا. # وربما كان لا بد لي من ذكر كلمة عن شيء يترتب بالضرورة على الفردية - ~~الفردية التي تتولد من العقل، والفردية التي تصدر عن الإحساس بالقيم - ~~وأعني بذلك «العالمية». إن المرء الذكي الذي يحس بفرديته لا يحتمل أن ~~يحس بالحب الشديد للدولة، التي يعدها - حقا - على أحسن تقدير ضرورة ~~خطرة. إن الميل نحو العالمية القائمة على أساس الفردية، وهو حركة تحرر ~~من غريزة القطيع أمر لا بد أن يلازم تقدم المدنية، بل إن هذا الميل ~~يكاد أن يكون بحق معيار الحضارة. إن السلطان المطلق يتحكم في غريزة ~~القطيع الهمجية. وعند الرجل الهمجي فكرة غامضة جدا عن القيم التي ~~تتخطى حدود القبيلة، وهو لا يعطف على شيء يخرج عن نطاقها، ولكن الرجل ~~المتمدن يعطف على غيره من المتمدنين بغض النظر عن محل ميلادهم أو إلى ~~أي عنصر ينتمون، ويشعر بالقلق مع المتوحشين والسوقة - حتى إن كانت له ~~بهم صلة من صلات الرحم - يقطنون في كنف المنطقة التي يعيش فيها، ولن ~~أورد هنا الأمثلة التي تدل على عالمية القرن الثامن عشر، غير أني سوف ~~أقدم اقتباسا واحدا من رجل بارز حجة ms065 في الموضوع لكي أخفف من القلق ~~الذي يساور رجلا جاهلا قد يضطره عمله إلى مطالعة هذا الكتاب. ~~«بقي علينا أن نشير إلى إحدى مميزات فلسفة القرن الثامن عشر، وهي ~~تعتمد على جميع المميزات الأخرى أو تتصل بها: إنها عالمية، يتمخض عنها ~~أدب عالمي ... إن جيوش الملك قد هزمت على يد رجل بروسي، ولكن هذا البروسي ~~كان يتكلم الفرنسية، وكان بنا أشبه من جندي يموت من أجل الملك ... ومن ثم ~~فإن هازم روزباخ كان مواليا للمدنية الفرنسية. فوطنيتنا تتركز في هذا ~~الانتصار الروحي ... ذلك أن تحرره العقلي (وهو من صفات الفرنسي في القرن ~~الثامن عشر) كان يحول دون تحيزه ضد العنصر أو اللون ... والرجل الذي ~~يستحق هذا الاسم هو الذي لا يخضع إلا للعقل، غير أن هذا الرجل لم يكن ~~فرنسيا أكثر مما كان ألمانيا: إنه أوروبي، إنه صيني، إنه من كل ~~مكان يقطنه الإنسان، وجميع الحقائق التي يحتويها العقل البشري إنما ~~وجدت لمثل هذا الرجل العالمي». # 6 # وقد اقتبست من قبل من كتابات المفكرين الإغريق مقتطفات تدل على ~~عالمية كاملة التطور وازدراء جريء لقيود الوطنية، وتذكرون ما قال ~~ديموقريطس الأبديري من أن «كل بلد تحت منال الرجل الحكيم» وأن الأرض ~~بأسرها موطن الروح الطيبة، وقد سارت النهضة على هذا النهج؛ لأن ~~الإنسان حينما يشرع في تحرير الفكر تخف عنه وطأة الوطنية، ومن ثم فلا ~~عجب أن تجد كوروس أوركيس - وهو اسم نختاره اعتباطا - الرجل الإنجليزي ~~الذي يهتم بالجمال أو الحق أو المعرفة أشد عطفا على الفرنسي أو ~~الألماني أو الصيني الذي يشاركه ذوقه منه على ابن موطنه الذي يشارك في ~~ذوقه مجلة «بنش» أو «جون بول». # غير أن الوطنية هوى يشق أبعاده عن الدولة أو المجتمع. والعالمية - ~~وهي النتيجة المنطقية للفردية - بطبيعتها صفة من صفات الفرد أكثر منها ~~من صفات الجماعة، وليس من شك في أن الأثينيين كانوا وطنيين، إلا إن ~~وطنيتهم تخلو من بعض مساوئها لأنهم كانوا صادقين في حبهم أثينا لما ~~كانت عليه، لا لفكرة وحشية ساذجة وهي ms066 أنها مدينتهم. كانوا يحسون هذا ~~الإحساس عن تفكير، لما في المدينة من صفات معينة محببة، لا عن غباء ~~لعلمها أو اسمها، وكذلك كان للأثينيين عذرهم، فقد كانت دولتهم محاطة ~~بدول أخرى تهددهم وتعاديهم. وكان لا مناص لهم من الإحساس بأنهم يقفون ~~موقف الدفاع، ولما انتصف القرن الخامس عشر هبطت هبوطا كبيرا الحماسة ~~الوطنية للمدن الإيطالية، واستأجر الطغاة جيوش المرتزقة لأغراضهم ~~السياسية. ولم يسهم المواطنون إلا قليلا - أو لم يسهموا قط - في ~~الحروب التي نشبت بين الأسرات، ولو أن الإيطاليين أدركوا أن المدنية ~~الإيطالية في جملتها مهددة - كما كانت - من جانب البرابرة الجرمان أو ~~الإسبان، ولو أنهم سلحوا أنفسهم للدفاع، لهبطوا ولا شك بمستوى مدنيتهم، ~~ولكان لهم في ذلك ما يبررهم كما كان للأثينيين، وتكاد أن تكون جميع ~~حروب القرن الثامن عشر منازعات بين جيوش من الجند المحترفين المدربين ~~على القتال أحسن تدريب؛ فاشتهر المدنيون المتفوقون في تعليمهم بانتفاء ~~العاطفة الوطنية والبغض بينهم. # إن جميع الشعوب المتمدنة عندها إحساس بالقيم، ويختلف هذا الحكم في ~~معناه عن قولنا إنه كان لديهم ناموس للأخلاق. ففي الأخلاق ربما كانوا ~~متشككين كل التشكك، وربما قبلوا نظرية ثابتة مسلما بها، أو نظرية تقوم ~~على الإلهام الشخصي، أو ربما أخذوا بمبدأ النفعية وأقروا أنهم يسعون ~~لتحقيق أكبر قسط من السعادة لأكبر عدد من الناس، ولكنك لن تجد شخصا ~~متمدنا من جميع نواحيه يقبل قانونا للأخلاق يهدف إلى توفير أكبر قسط ~~من السعادة لأكثرية مجموعة مختارة اعتباطا وبغير تمييز. إن الفرد إذا ~~تقدم في المدنية لا يمكن أن يقبل الوطنية كقاعدة خلقية بغير تردد. إنه ~~يميل بحق إلى الإقلال من التفكير في حدود المجموعة. كما أن اعتبار ~~«بلده» وحدة لها مصالح تتميز عن مصالح بقية العالم فكرة تفقد وضوحها ~~تدريجا في نظره، حتى يشعر في النهاية - بعدما يدرك أن الفرد وحدة لها ~~مصالحها المتميزة وهذا الكوكب وحدة أخرى - إن حدود جميع الوحدات ~~المعروفة الأخرى وتخومها غامضة اعتباطية. هناك أفراد وهناك الجنس ~~البشري، وحينما تتدبر العقول القوية المدربة في ms067 حرية وانطلاق تنهار ~~العقيدة في وجود الحواجز المأمونة بين هاتين الحقيقتين الثابتتين، وقد ~~يكون من أسباب التيسير أحيانا -لأغراض تنظيمية أو بيولوجية مثلا - أن ~~ننظر إلى الأفراد أعضاء في جماعات: الرجال، والنساء، والأطفال، أصحاب ~~الساق الواحدة أو الرئة الواحدة، قصار الناس، وطوالهم وأصحاب الشعر ~~الأحمر، والمتعلمون، ومدمنو الخمور، وحمالو السكك الحديدية، والحلاقون، ~~والألمان، والإنجليز والأتراك. إلا أن مثل هذه المجموعات لا يمكن أن ~~تكون لها ما للأفراد من واقع أو من صفة أكيدة أو وجود لا نزاع فيه، أو ~~ما لهم - في الحقيقة - من فردية، وأهم من ذلك أن الجماعات التي تقوم ~~على أساس الوضع الجغرافي أو الفروض الجنسية تبدو في اعتبار المدنية أقل ~~من غيرها واقعية وأقل منها في الصفات المشتركة وأشد غموضا. # العالمية سلاح تميل المدنية إلى الدفاع عن نفسها به حينما يشتد تهديد ~~العصبية الوطنية؛ لأن الوطنية خصم لدود للمدنية. هي مرض قوض في النهاية ~~صرح أثينا، وهدد أكثر من مرة سلامة كيان القرن الثامن عشر، وإنا نشك ~~في أن التعصب الديني نفسه قد تولدت عنه من الويلات البربرية ما يفوق ~~هذه الظاهرة الحديثة من مظاهر غريزة القطيع. كم من ملايين البشر انهار ~~أو أفقر من جراء هذه الظاهرة التي هي من بقايا عصر ما قبل الإنسان؟ كم ~~من إمكانيات الخير العام ما ضحي به في سبيل هذه الزائدة سريعة التهيج؟ ~~والعصبية الوطنية - برغم هذا - غول لا يمكن الاقتراب منه، ولا يستطيع ~~أحد أن يحدثك على وجه الدقة عن ماهية الأمة. إن وجود ألمانيا وإنجلترا ~~يشبه وجود ناديين من نوادي كرة القدم. تستطيع اللجنة التنفيذية في كل ~~منهما أن تختار أحد عشر لاعبا يتبارون مع أحد عشر لاعبا آخرين، يهتف ~~مؤيدوهم من الجانبين ويهللون، ومع ذلك فإن أحدا لا يشك في أن العامل ~~من عمال السكة الحديدية في كرو بينه وبين زميله في شفيلد قدر مشترك ~~أكبر مما بينه وبين رئيس الغرفة التجارية في كرو الذي قد يكون ~~بالمصادفة رئيس نادي كرة القدم. إن الناس جميعا يستطيعون ms068 الانحياز، ~~وأكثرهم يستطيع أن ينحاز إلى أي جانب. من أجل هذا كان من اليسير ~~الإبقاء على روح التعصب الوطني حيا، ولكن إذا كان هناك معنى حقيقي في ~~تقسيم الناس إلى قوميات مختلفة، لا بد بالتأكيد أن تكون هناك صفات ~~مشتركة يختص بها كل من ينتمي إلى قسم معين، فما هي هذه الصفات؟ ما هي ~~الصفات الخاصة التي يشترك فيها ملتن مع بوتملي وشلي ومستر لويد جورج ~~ودارون وسر أولفر لودج ودوق ولنجتن وفستانلي، وأسفف لندن، والأسقف ~~باركلي، وبليك وكولردج وسروليم جوينسن هكس؟ ولما كنا قد بلغنا هذا، ~~فما هي الصفات الخاصة التي اشترك فيها معك أو مع الرجل الذي جلب لنا ~~النصر في الحرب؟ إنه يتكلم الإنجليزية، وكذلك يتكلمها الرئيس ولسن، ~~وكذلك يتكلمها القيصر ولهلم: إن المستر جورج يتكلم لغة ويلز كذلك، التي ~~لا أتكلمها أنا على الأقل، وهناك لغات أخرى قديمة وحديثة أعتقد أننا ~~نتفوق عليه فيها. ومن ثم فإن اللغة، بدلا من أن تضم بعضنا إلى بعض، ~~توحي بتقسيم ربما باعد بيننا. إن ثلاثتنا ولد في الجزر البريطانية، ~~وربما ولد فيها كذلك كارل شيدنتز، وماريوس بيرفت، وديمتري بروتو ~~بوبوف، وسقراط كنبيرفت، والحاج بابا، وعبد اللطيف، وبوشي لنج، وأرنست ~~روتشيلد وشيوزا موني (وهم أجانب من جنسيات مختلفة). فهل أفرض أن التعصب ~~الوطني، ذلك الشيء الذي من أجله يتحمل المرء كثيرا من المشاق، ويتجاوز ~~عن كثير من المزايا، هو نفس الشيء الذي يشترك فيه هؤلاء الرجال معا ~~ومع مستر لويد جورج ومعي؟ إن كان الأمر كذلك، استطعت أن تفهم في يسر ~~لماذا يرى المتمدنون باطلا معينا في تقسيم الناس إلى أمم. # ومن الصفات التي يتميز بها تميزا واضحا الرجل المتمدن من الرجل ~~الهمجي روح الفكاهة، وليست روح الفكاهة - عند التحليل الدقيق - سوى ~~إحساس بالقيم ارتفع كثيرا في سلم التقدم، ولست أقصد بروح الفكاهة ~~استساغة المجون والتهريج، وأستطيع أن أتصور - مثلا - ما يقوم به ~~الفدا في سيلان من وضع الأشواك في حصير الآخرين، أو اليوروبا في غرب ~~أفريقيا من تبادل التسلية ms069 بالحكايات الماجنة، وإنما أقصد بروح الفكاهة ~~القدرة على إدراك الجانب المضحك من أخذ الأمور مأخذا جديا أكثر مما ~~تستحق، وإعطائها أهمية ليست جديرة بها، ولا يتمتع بهذه القدرة إلا ~~أولئك الذين يستطيعون أن يفرقوا بين الوسائل والغايات؛ فما يثير الضحك ~~أن تعزو إلى الوسيلة الأهمية التي تستحقها الغاية. ولما كانت كل أعمال ~~البشر لا تبلغ المثل الأعلى، فإن جميع المحاولات البشرية تبدو أحيانا ~~في عين الرجل المتمدن من جميع نواحيه أمورا تثير الضحك ولو إلى حد ~~ضئيل، غير أن الحماسة في البحث وراء الحب والجمال والحق أمور لا يعلو ~~فيها الضحك ولا يطول إلا من الحمقى الذين لا يستطيعون أن يدركوا هذه ~~الحماسة أو يقدروا الهدف منها. إن الحالة العقلية التي تسيطر على ~~المحب، أو على من يبدع أو يتأمل الجمال، أو على من يتطلع إلى قمم ~~الحق العالية، حالة طيبة في حد ذاتها، ومهما تكن الوسيلة التي تستخدم ~~في بلوغها شاقة أو بغيضة، فإنه يجب ألا تحكم عليها بعدم الملاءمة - وإن ~~كنا في الواقع كثيرا ما نفعل ذلك. إن هذه الأمور غايات طيبة، ومن ثم ~~يشق أخذها مأخذ الجد أكثر مما ينبغي، وإذا ما خرجنا عن هذا النطاق ~~المقدس للغايات وطرقنا باب الوسائل، وشرعنا ننظر إلى الناس الذين ~~يشغلون أنفسهم بالسياسة والتجارة والكرامة والراحة والسمعة والشرف وما ~~إليها، فسرعان ما يتبين لنا أنهم يعالجون هذه الوسائل بالجد الصارم ~~الشديد الذي لا يجوز إلا للغايات. إنهم يأخذون هذه الأمور مأخذا ~~جديا أكثر مما ينبغي. يدلك على ذلك إحساسك بالقيم، وترد عليه روحك ~~الفكاهية بومضة من السرور لها لون معين لا يراه إلا المتمدنون. # هذا السرور الذي لا يستطيع أن يدركه الرجل الهمجي بما لديه من إحساس ~~بدائي بالقيم، وعجز عن التمييز بين الوسائل والغايات، هذا السرور ~~يستمتع به كل رجل تمدن بدرجات مختلفة. إن روح الفكاهة مميز من مميزات ~~الفرد الضالع في المدنية؛ إلا إنه لأسباب أرجو أن أوضحها حالا لا ~~يترتب على ذلك أن يعيش أرقى الأفراد مدنية في ms070 أرقى العصور مدنية، بل ~~على العكس من ذلك يبدو أن أرقى الأفراد مدنية في أي قرن له نصيب من ~~المدنية يجب أن يكونوا أرقى مدنية من نظرائهم في القرن السابق بشرط أن ~~يكون تراث الماضي دائما في منالهم وأن تتوفر لهم وسائل الاستمتاع به، ~~فقد كان أكثر الرجال تمدنا في القرن الثالث عشر أحط في المدنية إلى ~~درجة لا تقاس من الأثيني أو حتى من الروماني المثقف، وذلك لأن العصور ~~الوسطى كان يشق عليها أن تستمد أي شيء من الماضي أو أن تفيد كثيرا من ~~القليل الذي تحدر إليها، وحتى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر لم ~~يكن الطريق بعد معبدا، ولا أتصور أن أشد رجال النهضة تهذيبا كان يظهر ~~بمظهر الشخصية التي لها قيمتها في دائرة أسبسيا # Aspasia # ولكن إذا كانت النهضة ما برحت ~~تتجه إلى أعلى، فمن المؤكد - فيما أظن - أنه عندما انتصف القرن الثامن ~~عشر كان هناك من الرجال والنساء من سموا في المدنية على سابقيهم، ويرجع ~~السبب أولا في ذلك - من غير شك - إلى أنهم تعلموا منهم الكثير؛ إلا إن ~~الرجال والنساء الضالعين في المدنية في القرن الثامن عشر لم يؤثروا ~~برغم هذا في عصرهم تأثيرا قويا عميقا كما فعل المتمدنون في أثينا، ~~وربما يعود ذلك إلى أنهم كانوا نسبة ضئيلة من السكان. كانت مدنية القرن ~~الثامن عشر أحط درجة من مدينة بركليز، ولكني برغم هذا أستطيع أن أقول ~~إنه لم يوجد بين الأثينيين من يبلغ في مدنيته مبلغ فلتير، وعلى أية حال ~~فإن الرجل الكامل المدنية في القرن الثامن عشر كان أرهف حسا في ~~فكاهته من الأثينيين بدرجة واضحة. لم يبلغ أرستوفان نفسه مبلغ لافونتين ~~(منذ البداية) في رقة الحس، أو مبلغ جرسيه، أو منتسكيو، أو ماريفو، أو ~~فلتير، أو بومارشيه، أو - في هذا الشأن - مبلغ كنجريف، أو بوب، أو جولد ~~سمث، أو ستيرن، أو جبن، بل إن أرقى المتمدنين في العصر الحاضر ربما ~~فاقوا كل من عداهم في دقة الحس، من حيث الفكاهة، أو ms071 في تقديرها على ~~الأقل. وإن كان الأمر كذلك فلست في حاجة إلى أن أعزز رأيي بأن أذكر أن ~~ظهور عصفور واحد من عصافير الجنة لا ينبئ بقدوم الصيف. # وأراني في هذه الفقرات الأخيرة كنت أبحث في الموضوع من نهايته إلى ~~بدايته، في حين أنه كان ينبغي أن أرجئ معالجته إلى بعد ذلك وأن أعالجه ~~في جو خاص به. إن روح الفكاهة والعالمية كذلك من صفات الشخص المتمدن ~~أكثر من أن تكون من صفات المجتمع المتمدن، ومع أني أرمي إلى التدليل ~~على أن المجتمع المتمدن ليس إلا مجتمعا لونته حفنة الأشخاص المتمدنين، ~~إلا إني لم أثبت ذلك بعد، وليس غرضي المباشر أن أصف الرجال والنساء ~~المتمدنين، وإنما غرضي أن أكتشف الصفات التي تشترك فيها وتختص بها تلك ~~المجتمعات الثلاثة التي عددتها نماذج الكمال، ولما كنت الآن قد انتهيت ~~من ذكر هذه الصفات التي تنشأ عن الإحساس بالقيم، فلا بد لي أن أتجه ~~نحو تلك الصفات التي تغري إلى تتويج العقل. # | مميزاتهم: تتويج العقل # يرى المؤرخون أن خطاب بركليز - الذي واسى فيه الثكلى من مواطنيه بذكر ~~فضائلهم التي يتميزون بها - يتضمن لب المدنية الأثينية، غير أن ~~المؤرخين يخطئون التفكير أحيانا. إن خطبة بركليز أداء جميل يوحي بجو ~~جميل، ولم يكن ليستطيع إلقاءها إلا رجل عظيم يخاطب بها رجالا يعلون ~~كثيرا فوق متوسط الفكر والشعور في العصر الحديث، وإنها لتنبو في مجلس ~~العموم كما تنبو في مؤتمر اتحادات العمال، ولكني لن أتوجه إلى أي ~~خطاب أو إلى أي رجل سياسي باحثا عن أمر دقيق كلب المدنية. إن الخطب ~~السياسية قد تكون مظاهر للمدنية، وكذلك قد تكون القوانين، والقبعات، ~~وفنون الطهو، ولكنها لن تكون معبرا عن روحها، وأدنى إلى صواب الرأي أن ~~نكشف عن سر أثينا خلال ما كتبه أرستوفان، ويوربديز، وأفلاطون، وتقاليد ~~السفسطائيين، لإخلال خطب بركليز، وإيسوقراط، وفوكيون، وإن كنا نأمل في ~~العثور على ذلك الزعفران الذي يخلع على الثقافة الهلينية طعمها ولونها، ~~فسنجده عند الشعراء والفلاسفة والمؤرخين، ولست أقول إنا لا نجده ms072 إلا ~~عند هؤلاء، بل ولست أقول إنهم كانوا أهم الناشرين لهذا اللون، بل على ~~العكس من ذلك أتعشم بعد قليل أن أبين أن ينبوع المدنية يتفجر عن مصادر ~~ومستودعات غير معروفة - من نوع معين - ولو أنها تصب في مسالك معروفة، ~~وأن أبين أن ناشري الثقافة جماعة من الرجال والنساء أكثرهم لا ينشئ ~~عملا محسوسا ولا يترك أثرا ملموسا، وإن كانوا ينشرون الأثر الذي ~~يتبدى في روح العصر. وعلى أية حال، فمن السخف أن نجعل من السياسي ~~ممثلا للحركة الروحية أو العقلية. إننا لا نحكم على مبدأ النفعية، وهو ~~من إنتاج تفكير آدم سمت وريكارد وبنتام وملز، من خطب هبهاوس ومستر ~~روبك، ومن خطب مستر كوبدن ومستر برايت. كما أن ترجو ونكر - برغم ~~عظمتهما - لا يعطياننا إلا فكرة ناقصة عاجزة عن الحركة «الفلسفية». إن ~~إحياء العلوم وحرية الفكر في شمالي أوروبا كان شيئا يختلف كل الاختلاف ~~عن دعاية لوثر الصاخبة وانتهازية فردريك السكوني وهنري الثامن. إن رجال ~~السياسة - في أوقاتهم - يلمعون في الأفق كما يلمع الممثلون وراكبو ~~الخيول، ثم يتوارون عن أعين الجمهور كما يفعل هؤلاء، ولا يعرفهم بعدئذ ~~إلا الباحث المنقب المتطلع وحده. ~~«سخرية في حياتهم، منسيون بعد مماتهم». # وإذا صدق الشق الثاني من هذا الاقتباس، فلا بد أن يصدق الشق الأول؛ ~~إذ ليس أدعى إلى السخرية من رجل محكوم عليه بهذا النسيان السريع، يختال ~~اختيال الوزراء؟ ثم خبرني، كم صديق لك يستطع أن ينبئك من كان رئيس ~~وزراء إنجلترا في وقت واترلو، ومن كان وزير الحرب، ومن كان قائد ~~الأسطول. وكم من أسماء الساسة الأحياء العاملين في عام 1815م معروف عند ~~جمهور القراء؟ ربما عرفوا كاننج، وكاسلري (وبخاصة لأنه كان موضع سخرية ~~بيرن وشلي) وربما كذلك عرفوا جراي، ولكن هل يعرف أكثر من اثنين من قادة ~~ولنجتن غير طالب متخصص في التاريخ الحربي؟ ومن كان على رأس الأسطول ~~البريطاني حينما اعتلى نابليون متن بلرفون، ولكن إذا كان المثقفون ~~والمثقفات من الإنجليز لا يعرفون اسم رئيس الوزراء الذي انتصر في ms073 حروب ~~نابليون فيما يظن، ولا يعرفون أسماء زملائه الوزراء، ولا أكثر من اثنين ~~من قواده العسكريين، ولا يعرفون أحدا من قواده البحريين، فإن كل طالب ~~جامعي متوسط يستطيع أن يقول لك إن شلي وبيرون وكيتس وورد زورث وكولردج ~~وسذي ولام وهازلت وسكت ومور ورجر زوجين أوستن كانوا يكتبون في ذلك ~~الحين. وتفسير ذلك يسير: إنهم يذكرون هؤلاء لأنه كان لهم - ولا يزال ~~لهم - أثر حقيقي مباشر على عقول الناس، ولأنهم لا يزالون يخلقون ~~الأفكار والمشاعر الجديدة ويستثيرونها، وما برحوا يوحون إلينا بوجهات ~~نظر جديدة، أو يغيرون وجهات قديمة، بل ولأنهم ما فتئوا يضيفون الآن ~~جديدا إلى مستودع الخير في هذه الدنيا. أما رجال السياسة فهم - في ~~أحسن الظروف - لا يقومون إلا باستخدام وسائل الخير التي أنتجها غيرهم ~~وتوزيعها بين البشر. ولكنهم لا يخلقون قط جديدا. وهم لا يذكرون قبل ~~كل شيء إلا بسبب الحوادث الجليلة المسرحية التي ارتبطت بها أسماؤهم، ~~ولكنهم لم يكونوا باعثيها، بل إن هذه الحوادث الجليلة - كما رأينا - لا ~~تنجيهم دائما. إنهم ينتمون - بوجه عام - إلى تلك الطبقة الثالثة أو ~~الرابعة التي لا يمكن أن تلعب دورا رئيسيا في تاريخ الجنس البشري، ~~وإن تكن ربما لعبت دورا مرموقا. إن رجال السياسة يتركون في الأسطوانة ~~خدوشا وندوبا، ولكنهم لا يبدعون النغم. إنهم لا يبتكرون ولا يستنبطون ~~ولا يعدلون كثيرا من تلك الدوافع المحسوسة المنبعثة عن العقل البشري ~~والتي يتشكل بها تاريخ الإنسان. ومن الخطأ إذن أن نتوقع منهم أن يكونوا ~~من بين أولئك الذين يبدعون المدنية، وإن كنا كثيرا ما نجدهم مظاهر لها ~~دلالتها لتلك المدنيات التي هم جزء منها. # ومن أجل هذا، فلن أتوجه إلى بركليز ألتمس عنده سر المدنية الأثينية، ~~وإن كان يسرني أن أعده مثالا لما يمكن أن تنتجه المدنية الأثينية. وفي ~~خطابه جزء واحد أود أن أركز عليه اهتمامي لأن الظاهر أنه يعبر على ~~وجه الدقة عما كان يحسه الأثينيون إزاء أولى وأهم صفة من صفات المدنية ~~التي تنبع من تتويج العقل - وأقصد بها ms074 «التسامح». يقول بركليز: «إن روح ~~الحرية تسود شئوننا العامة كما تسود شئوننا الخاصة. إننا دون أدنى غيرة ~~نتسامح في الاتجاهات الخاصة بجميع ضروبها في حياة كل منا: ولا يعارض ~~أحدنا في أن يسير جاره وفق مزاجه: ولا ينظر أحدنا شزرا، نظرات تضايق ~~وربما لا تؤذي». # 1 # إن هذا النوع من التسامح، وهو من أقوى الدلائل على رقي ~~المدنية، لا يتأتى إلا من الثقة في العقل، فإن حسن الذوق لا يكفي. إن ~~الإحساس بالقيم قد يؤدي بطرق ملتوية إلى الإحساس بضرورة الحرية ~~الشخصية، إلا إن الأساس الثابت الوحيد للتسامح هو الإدراك الذهني ~~الواضح؛ لأن العقل وحده هو الذي يحق له أن يحد من الحرية. العقل وحده ~~هو الذي يستطيع أن يقنعنا بتلك الحقائق الأساسية الثلاث التي لن تكون ~~هناك حرية فعالة دون إدراكها، وهي إن ما نعتقد فيه لا يتحتم صدقه، وإن ~~ما نحب لا يتحتم أن يكون خيرا، وإن كل فرض محتمل. إن إحساسنا بالقيم ~~يجب أن يبين لنا أننا لو حرمنا على أي فرد أن يعبر عن نفسه تعبيرا ~~كاملا أفقرنا حياتنا، ولكن العقل وحده هو الذي يقوى على الحد من تلك ~~الرغبة الجامحة - التي تكمن في صدر كل منا - في إرغام الآخرين على أن ~~يكونوا على غرارنا. ينبغي أن يكون العقل هو الحكم الوحيد، والعقل يسمح ~~لنا بألا نحد من التعبير الذاتي عند الآخرين إلا بمقدار ما يمكن ~~التدليل - عقلا - أن مثل هذا التعبير الذاتي يهدم من أسباب الخير أكثر ~~مما يبني. # إن إحساسنا بالقيم يحملنا على أن نشعر بالرغبة في توفير أكبر قسط ~~ممكن من التعبير الذاتي لكل إنسان؛ ومن ثم وجب علينا أن نتسامح لا ~~فيما يرى غيرنا فحسب، بل كذلك في طرائق سلوكهم في الحياة. ~~••• # إن شعار المدنية عند الأثينيين، وهو من أروع ما يفخرون به يتمثل في ~~هذه العبارة: ~~«لسنا أحرار الفكر في السياسة وحدها. إننا دون أدنى غيرة نتسامح ~~في الاتجاهات الخاصة بجميع ضروبها في حياة كل منا، ولا يعارض أحدنا ~~في أن ms075 يسير جاره وفق مزاجه، ولا ينظر أحدنا شزرا، نظرات تضايق ~~وربما لا تؤذي». # وإذا قلت لي: إن الأثينيين حكموا على سقراط بالموت ما حققت بهذا ~~القول هدفا طيبا؛ فأنا أعلم ذلك من قبل، ولكن إذا كان عصفور واحد من ~~عصافير الجنة لا يخلق جو الصيف، فإن ثلاثة أيام مظلمة لا تخلق الشتاء، ~~إن الأثينيين - بما كان لديهم من حرية الفكر والنقد، واتساع آفاق ~~العقل، والتطلع إلى المعرفة، واستساغة التجريب - قدموا مثالا حاولت ~~خير العصور المقبلة عبثا أن تحاكيه، إن خير عقول الغرب تتجه دائما ~~نحو أثينا تلتمس الوحي والتشجيع. أثينا وحدها تقدم لهم ما يقرب إمكان ~~تحقيق آمالهم في المثل العليا؛ لأن الشهوة الجامحة للحق والجمال نالت ~~شيئا من التحقيق العملي في أثينا وحدها. كان الأثينيون يهتمون ~~بغريزتهم بالجمال ويؤمنون بالحق، وقد أعطاهم هذا الإيمان شيئا يفضل ~~استساغة الحرية. أعطاهم الاعتقاد في ضرورتها المطلقة. كان عند ~~الأثينيين دين للدولة لا تعوقه المذاهب كثيرا، بل ولم يعتنقه في حماسة ~~أصحاب العقول النافذة بعد منتصف القرن الخامس. كان دينا يبدو أنه لم ~~يقف إلا في وجه سقراط - وفي وجه أنكساجوراس لفترة ما - فحال دونهما ~~وحرية التأمل. كانوا بحاجة إلى تقديس محرم أو محرمين قديمين تقديسا ~~رسميا، إلا إن الناموس الأخلاقي الوحيد الذي وضعه القانون والرأي ~~العام موضع الاعتبار العظيم هو ناموس الأخلاق العملي. كان يطلب إلى ~~المواطن ألا يرتكب أفعالا تنافي المجتمع منافاة شديدة، غير أن ~~الأثينيين لم يقصدوا بالأفعال التي تنافي المجتمع أي شيء تمقته ~~الأغلبية أو تسيء فهمه. فلم يعارض أحدهم في أن يسير جاره وفق مزاجه. ~~لقد حاولوا أن يكونوا متسامحين. # وحينما أقول: إن تتويج العقل صفة لازمة من صفات المجتمع الضالع في ~~المدنية، فإني أرجو ألا تتصوروا أني أفترض أن كل أثيني ينظر إلى كل ~~موضوع يمر بحياته نظرة عقلية بحت. لا تتصوروا أن يوليس قيصر حينما قال: ~~إن البلجيكيين جنس شجاع كان يفترض أن كل فرد بلجيكي كان جسورا كالأسد، ~~ومن المؤكد أن القرن الثامن عشر في ms076 فرنسا الذي شغف بالعقل أكثر مما شغف ~~به القرن الخامس الهليني كان يعتقد أنا بحاجة إلى تعديلات يسيرة في ~~النظم لكي نجعل كل امرئ سعيدا عاقلا، أما نحن أبناء القرن العشرين ~~الذين نتمتع بكثير من نواحي الإصلاح والثورات المجيدة فلا مفر لنا من ~~أن نكون أقل حماسة، أما الإيطاليون لعهد النهضة، فقد بذلوا قصارى جهدهم ~~لكي يحطموا حواجز عدم التسامح التي كانت قائمة في العصور الوسطى؛ فكان ~~مقياس نجاحهم هو مقدار ما في الرد على أفعالهم من همجية. ولنذكر أن من ~~آراء بروكارت الحكيم رأي له اعتباره وهو أنه فيما بين منتصف القرن ~~الخامس عشر والفزع الإسباني - الذي تولدت عنه حركة إصلاحية مضادة - كان ~~جميع الإيطاليين المتعلمين يبيحون حرية النقاش في الموضوعات التي تشبه ~~خلود الروح، وبطبيعة الحال لم تكن جميع العصور الضالعة في المدنية على ~~درجة واحدة من التسامح غير أنها كانت جميعا تكافح في سبيل بلوغ ~~الضياء، وهم يحسون أن محاولة فرض طرق التفكير والشعور والحياة بالقوة ~~أمر قبيح. لقد أدركوا، على درجات متفاوتة من الوضوح، أن العقائد ~~الجامدة والموت سواء، وكانوا يميلون فيما يتعلق بما تبقى لديهم من ~~خرافة أن يحتفظوا به لأنفسهم. لم يحاولوا كثيرا أن يفرضوه بالقوة أو ~~بالتهديد بفرض العقوبات الخلقية. كانت النهضة من غير شك - بما لديها من ~~اعتقاد في التنجيم والأدوية الخرافية التي تولد العشق - تؤمن بالخرافة، ~~ولكنها كانت في ذلك أقل من العصور الوسطى بدرجة كبيرة، ومن المواطنين ~~الأثينيين عدد كبير لم يكن يؤمن بالخرافة، بغض النظر عما كانت عليه ~~الحال مع الرعاع المولعين بالألغاز وأكثرهم من الرقيق، أما القرن ~~الثامن عشر في فرنسا، فلم يكن متشككا فحسب، بل اعترف بالخرافة كما ~~كانت قائمة - واعتبرها العدو اللدود لما يجعل للحياة قيمتها - «إنه عار ~~يجب أن يسحق». # لأن الخرافة أمر يحول دون الرجل وإحساسه بالواقع، وتحرمه من تلك ~~الخبرة الغزيرة المثيرة، وهي إدراك الواقع. إن إدراك الحق ورؤية الشيء ~~ذاته، خبرات توازي الحب والاستمتاع بالجمال، ولكن كيف يتوفر لمن يرقب ~~السماوات ذلك ms077 الإحساس الذي يتولد عن ظهور كوكب جديد في محيط بصره إذا ~~كانت الخرافة ترغمه على الاعتقاد بأن السماء إناء مقلوب، والنجوم ~~خصاصات يتطلع خلالها الآلة، وإنه ليست هناك كواكب ؟ وكما أن العاشق يرى ~~معشوقته دائما خلال سحب من الخيال، فلا يدرك قط تلك المتعة السامية ~~التي تنشأ عن ذلك الإدراك الكامل عند إنسان آخر، أو عند موجود آخر، له ~~ما للعاشق من واقع، فكذلك من يتدبر الكون خلال منظار الخرافة لا يمكن ~~أن يدرك ذلك الإحساس الذي يقابل إدراك الحقيقة العارية وقبولها في ~~حماسة شديدة. الخزانة تختلس من العاطفة باعثا من بواعثها الدقيقة، ولا ~~تكتفي بذلك، بل إنها بفرض حدودها على العقل المتنقل تحرمنا لذة من أدق ~~وأرق ملذاتها؛ لأن العقل - وإن كان لا يموت - يتبلد ويترهل في ~~الأسر. إن العقل يستطيع أن يمدنا بكل ما يجعل الحديث مسليا والمجتمع ~~لامعا - النكتة، والتهكم، والتناقض، وحضور البديهة، والعبث العقلي - ~~على شريطة أن يتحرر العقل. يجب ألا تكون هناك محرمات، أو موضوعات لا ~~يجوز المساس بها؛ لأنك لن تظفر من العقل الذي يرسف في الأغلال بشيء خير ~~من مقال رنان أو نكتة عملية. يجب أن يتحرر العقل ليتناول كل ما في ~~السماوات والأرض، لا جادا فحسب بل هازلا كذلك. إنه يستطيع أن يكون ~~مجيدا كالنسر يمتد بصره إلى آفاق بعيدة، ولكنه كذلك كالنسر لو أصابه ~~الكساح تخبط في الظلام. كل ما يكون، وما كان، وما يمكن أن يكون، ألاعيب ~~ملائمة بين يديه. ولكن الخرافة تحصر ميدانه الذي يلعب فيه في طاولات ~~محدودة، وفي هذا المجال، الذي تحده التقاليد الجامدة. يعشي بصره ويصبح ~~صبيانيا في حركاته. فيقف التأمل المثير عند حد، وتنتهي دقة التفكير ~~العقلي. الخرافة تختلس من العقل مجده وجانبا كبيرا من لهوه، وقد أدرك ~~ذلك القرن الثامن عشر، فأعلن الحرب على الخرافة. # إن المتسامحين الذين لا يؤمنون بالخرافة لا يحتمل أن تقسو قلوبهم ~~قسوة شديدة، إلا إن كانوا عن طريق الصدفة ممن يجدون لذة في تعذيب الناس ~~وفي القسوة لذاتها، وهي ms078 صفة لا تفشو بين المتمدنين أكثر مما تفشو بين ~~المتوحشين، ومن المؤكد أنهم يمقتون القسوة التي لا تنفع، وأنهم ليرون ~~أن أكثر الأعمال التي تتسم بالقسوة لا تضر ولا تنفع. كان القانون في ~~أثينا يحرم التعذيب، كما كان يمجه روح الشعب الأثيني، وحينما كان هذا ~~الشعب يقوم جماعة بعمل وحشي غير مألوف، كان يحس إحساسا جماعيا ~~بالخجل، ومهما يكن من أمر، فإن هذا الإذلال كان أندر في وقوعه من أن ~~يعد صفة من صفات المدنية. إن الفردية الصارخة في عهد النهضة أنجبت ~~حشدا من الرجال الممتازين، وقل منهم من نجا من وصمة تلك الصفة المقززة ~~التي كان يتميز بها أبناء الطائفة التي ينتمون إليها. لقد تركوا سجلا ~~من أعمال الوحشية الهائجة التي لا تهدف إلى غرض، سجلا لا يفوت المؤرخ ~~المضني أن ينعم النظر فيه، بيد أن أكثر جرائمهم كانت عملية إلى حد ~~بعيد، ولو ذكرتم - وقد دعوتكم أن تذكروا - أن هذه الجرائم الشخصية ~~كثيرا ما كانت تقوم مقام الحرب، لتساءلتم إن كان من حق عصرنا هذا أن ~~يلقي بالحجر الأول في وجه ساسة النهضة، وقد بلغت الروح الإنسانية عند ~~الفرنسيين في القرن الثامن عشر حدا دعا الجمهور إلى الشعور ~~بالاشمئزاز الشديد حينما اكتشف أن كالاس قد حكم عليه بالإعدام ظلما. ~~وكذلك فلتير لم يمت ميتة غامضة في السجن كما كان من الجائز أن يحدث له ~~في القرن العشرين، وفي عصر الإيمان كان لا مناص للناس من أن يرتابوا في ~~إدراك ما كان يثيره من موضوعات، وكان لا مندوحة لهم عن إحراقه برغم ~~هذا. لا مفر لعصور الخرافة من أن تكون قاسية؛ لأن من خرافة العقيدة ~~عندهم دائما أن الألم وسيلة طيبة، وهو مبدأ يدين به خاصة أولئك الذين ~~يخجلون من الاعتراف بأنهم يعتبرونه غاية طيبة. إن حب التعذيب عند ~~الشواذ في عصور المدنية لا يخرج عن أن يكون بقية من بقايا ~~الهمجية. # إن العقل يميل دائما إلى فحص تلك الغرائز والذكريات الهمجية التي هي ~~بمثابة مصادر الأهواء ومكان عبادتها؛ ms079 لأن الأهواء تصدر إما عن رد الفعل ~~الجثماني، كما يصدر بغضي للجبن، أو من المحرمات المنسية التي كان ~~يمتنع عنها آباؤنا المتوحشون، وما زالت من الشابات حتى يومنا هذا في ~~أواسط أفريقيا من يعشن عيشة مريرة من جراء تكرار رؤيتهن للقمر فوق ~~أكتافهن اليسرى؛ في حين أن غيرهن يتسلل إلى الغابة في فزع دائم إذا ~~فاجأن الابن الثاني لعم إحدى خالاتهن، ومن اليسير على الفتاة أن تفقد ~~شخصيتها في الكنغو كما تفقدها في مدينة كتدرائية. إننا ندين بأكثر مما ~~نظن لجداتنا البعيدات، وقد حدثنا سرأد مندجوس كيف كان اعتقاده بأنه ~~ارتكب إثما في حق الروح القدس عبئا ثقيلا على كاهله في بعض سني ~~طفولته. كما بين لنا مستر جيمس جويس منذ عهد قريب فقط في تلك الدراسة ~~العجيبة التي شرع فيها ولم يتم نضجها أن العقل الذي ما لبث ملوثا ~~بالخرافة يمكن أن يتعذب إلى حد الجنون تقريبا عندما يذكر أنه ارتكب ما ~~يرتكبه أكثر الأطفال وفكر فيما يفكرون فيه. وإني أعترف أن تأنيب ~~الضمير، الذي يشعر به كل إنسان حساس إزاء القسوة العشواء التي صدرت ~~عنهم والملذات التي تمادوا فيها، ليس له من علاج، ولكن ذلك الشعور ~~بالإثم، الذي ما زال يشكو منه كثير من ذوي النيات الطيبة، والذي يحملون ~~كثيرين غيرهم على الشكوى منه، هذا الشعور - بصفة عامة - لا يعدو أن ~~يكون أثرا من آثار الهمجية تمكن معالجته، وعلاجه في حب المعرفة الذي ~~يقوى ويشتد كلما ارتفع الإنسان في سلم الحضارة. # إن المتوحشين يتطلعون إلى المعرفة، ولكنه تطلع محصور وفي نزوات، ~~فهناك عدد معين من الحقائق لا يجسرون على تخطيها في البحث، وهم لا ~~يجسرون على بحثها إلا بأسلوب معين. إنهم لا يطلبون الحق، وإنما يطلبون ~~السلامة. تطلعهم غريزي، لا عقلي، ولا تستطيع أذهانهم المحشوة بالمخاوف ~~أن تحولها إلى معرفة. ولكن لما كان أحد لا ينكر أن الجهل - كما تدل ~~عليه هذه الكلمة عامة - صفة من صفات الهمجية، فلست في حاجة إلى مزيد من ~~الإيضاح لهذه النقطة أكثر ms080 من حاجتي إلى التدليل بالأمثلة على التطلع ~~الحي عند أهل أثينا في عهد بركليز، وأهل فلورنسا في القرن الخامس عشر، ~~والفرنسيين في القرن الثامن عشر، ولا بد لي من أن أؤكد نتيجة واحدة من ~~نتائج هذا التطلع عند المتمدنين، وهي أن الشعوب المتمدنة تستطيع أن ~~تناقش أي موضوع من الموضوعات، لا يحرم عليهم واحد منها ما دام لديهم ما ~~يذكرون بصدده مما يبعث في النفس متعة أو سرورا. ليست هناك في ~~المجتمعات المتمدنة مخاوف عقلية نتوقع من كبار السن صغار العقول أن ~~يغمضوا أعينهم عند رؤيتها، وسوف أستفيض بعد حين في حديثي عن «محاورة ~~المأدبة» ويكفيني الآن أن أذكر أننا نستطيع - من صورة الحديث المثالي ~~بعد تناول العشاء التي لا مثيل لها - أن نرى أنه لم تكن هناك موضوعات ~~يحرم الحديث فيها بين أي جماعة من الأثينيين المثقفين. ويعلم وارسود ~~يكامرون - وقد كان خلال قرنين أحب القراءات عند رجال إيطاليا ونسائها ~~في طول البلاد وعرضها - أنه في عصور بترارك وكوسيمودي مديشي وميخائيل ~~أنجلو، لم يكن ما يعرف «بحقائق الحياة الكبرى» ولا أشد النظم احتراما ~~أو أكثر الأشخاص تقديسا، لم يكن ذلك مما لا يصح أن يتعرض للنقد الحي ~~الجريء، وإذا أردت أن تعرف بأية نظرة حرة كان السيدات والسادة في القرن ~~الثامن عشر ينظرون إلى عالم الحقائق والآراء فإني أوصيك «بأحلام ~~دالمبير» الذي يقدم مؤلفه ديدرو جزءه الثاني - وهو أكثر الأجزاء صراحة ~~- على شكل خواطر يتفوه بها دالمبير في نومه، وتدونها مدموازيل لسبناس؛ ~~في حين أن الجزء الثالث، وهو أشد الأجزاء إثارة للذعر، يتألف من حديث ~~خيالي، ليس من الجلي مستحيلا - بين مدموازيل لسبناس ومسيو ~~بوردي. # إن أردتم مجتمعا متمدنا، فلا بد من أن يتحرر العقل فيعالج كيفما ~~شاء كل ما يمر بخاطره، ولا بد أن يكون حرا في اختيار مصطلحاته ~~وعباراته وصوره، وأن يتعرض لكل أمر بأي أسلوب يريد، يجب ألا تكون ~~بالبيت غرفة محرمة (غرفة بلوبيرد). لأنك إن حرمت على العقل أن يرود ~~إحدى حجرات البيت حكمت عليه ms081 بالتجول الأعرج في باقي الحجرات. من أجل ~~هذا كان تكلف الحشمة عدوا خطرا، وهو أشد خطرا؛ لأن ما يزعمه يثير ~~السخرية. من الجلي أن ما نقبله أو لا نقبله في العاطفة أو التعبير أمر ~~من أمور الذوق. فذوقي لا يسيغ تلك العاطفة التي تحتويها أكثر الأغاني ~~التي تمس قلوب الناس - مثل أغنية «مع السلامة» أو أغنية «سكت القلب» - ~~والتعبير فيها منحط، ولكني برغم ذلك - لا أشير بكبتها عنوة من أجل هذا، ~~فإني أقر بأن ذوقي يختلف عن ذوق زملائي، ولكني لا يمكن قط أن أفترض أن ~~اشمئزازي مما يحبون يمكن أن ينهض سببا لحرمانهم من ملذاتهم، فعندي من ~~العقل ما يحملني على التسامح، ولا أود أن أرى القانون يعاقب على انحطاط ~~الذوق. في عهد الملكة فكتوريا كان ذوق الطبقات الوسطى يتقزز مما كان ~~يبدو ممتعا ومسليا وجميلا لأكثر كبار الشعراء والفنانين والمفكرين ~~والنقاد في العصور الأخرى. وربما ظننت أن آراء أمثال هؤلاء القوم فيما ~~أجمع عليه الرأي أنه يتعلق بالذوق لها شيء من الوزن، وإنها تعتبر حتى ~~عند أولئك القسس والتجار الصغار الذين اكتشفوا بغتة وبدقة عظيمة ما كان ~~دقيقا وما لم يكن، وكل ما أستطيع أن أقول هو أن القسس والتجار كانوا ~~أغلظ ذوقا، ولم يتطرق إليهم أي لون من ألوان الشك في أن أفلاطون ~~وأرستوفان وسافو وكاتلس ولوكسر يشس ودانتي وبوكاشيو ورابليه وشيكسبير ~~وملتن ولافونتين وفلتير وديدرو وبوب وسوفت وفيلدنج كانوا غلاظا عديمي ~~الحس في تلك الأمور التي يستطيعون هم أنفسهم أن يحكموا فيها حكما ~~صائبا، وصغار القسس والتجار - فوق ذلك - يسيطرون على الميدان، ولم ~~يستطع مؤلف حي أن يطبع في إنجلترا شيئا من مثل ما كان يكتبه أفلاطون ~~أو دانتي أو شيكسبير. إن القانون يعترف بانحراف الذوق السليم. إنه ~~يتسامح من غير شك فيما كان يبدو من قبل سوقيا مبتذلا إلى درجة لا ~~يمكن التسامح فيها - فيما كان يبدو كذلك لأولئك العظماء من الرجال ~~الذين تحتاج مؤلفاتهم اليوم منا إلى تبرير. إن القانون يتسامح فيما كان ~~السادة ms082 في عهد فكتوريا يقدرون، وما زالت جمهرة الناس تحب. إنه يقبل ~~الأدب والفنون التشكيلية والموسيقى، التي تعرض عرضا حرا في المكتبات ~~والمتاحف وقاعات الموسيقى - وهي إذلال متصل لأي رجل أو امرأة له ذوق ~~سليم. إنه يقبل آراء الصحفيين الشعبيين وعواطف كتاب المسرحية الشعبيين، ~~بل إنه ليقبل ما عندنا من نصب تذكارية عامة، ويستسيغ تمثال «الممرضة ~~كافل». وفي عبارة موجزة: إنه يتسامح ويرعى نظرة إلى الحياة والفن كان ~~ملتن بنكاته البذيئة وشيكسبير بأغانيه التي تدعو إلى الرثاء، يريانها ~~مجلبة للعار على أحط مخلوق يأخذ بها. دعنا لا نشكو؛ فإن كل فرد حتى ~~سرهول كين ومستر إيفور نوفلد، ينبغي أن يسمح له بالتعبير عن نفسه ~~تعبيرا كاملا بقدر المستطاع، ولكن دعنا نأمل أنه إذا امتزج الذوق ~~السليم بالقوة، كان هذا المزج الموفق للقوى أرقى مدنية من أن يحكم ~~بالإحراق على «الطبيب» و«حديقة الورد» و«دع نار البيت موقدة». # إن كل ما نأمل فيه، وكل ما نصبو إليه في الأمور التي تتعلق بالذوق هو ~~التسامح المطلق. دعنا إذن لا نشكو إيثار لورد تشمبرلين # 2 ~~«شوسن شو» على «ست شخصيات»، وإنما نشكو منه أن يحول دون ~~استمتاعنا بالكتاب الثاني، ومن العجيب - فيما أحسب - أن يسمح لقاضي ~~المحكمة الجزئية أو عضو البلدية، أو الأسقف - في أمور دقيقة رقيقة ~~كأمور الذوق - أن يفضل في معرفته أروع فنان وأدق ناقد، ولكن من رأيي ~~أنه ليس من المرغوب فيه أن يتحكم العقلاء الحساسون في ملذات الأغبياء ~~والسوقة، كما أنه من المؤسف أن يتحكم الأغبياء والسوقة في ملذات في ~~الحساسين والعقلاء. إن أولئك المتحمسين الذين يدعون للإعجاب الذين ~~تتحرك نفوسهم من حين إلى حين فيثيرون في مجلس النواب أسئلة عن الرقابة ~~على الكتب والمسرحيات، بل ويشكون حينما يدركون أن رجال السياسة لا ~~يأبهون مثقال ذرة لشئون الثقافة - هؤلاء يتجهون في عملهم وجهة خاطئة. ~~يجب عليهم ألا يصروا على تفوقهم الجمالي فيما يحبون، بل أن يصروا على ~~مبدأ التسامح العام. إنهم يبدون نوعا من الغرور له شره الوبيل في هذا ~~البلد ms083 وفي أمريكا خاصة، وإن أرادوا أن يتحاشوه، وجب عليهم أن يحاولوا - ~~ولو مرة - أن يتصفوا بالمهارة كما يتصفون بالخير، والواقع أن الحكم في ~~أمر من أمور الذوق يتطلب درجة من الإحساس أعلى من تلك التي يتطلبها ~~الناخب العادي، ولكنا إذا كررنا هذا القول للناخب العادي ما بعثنا فيه ~~قط إحساسا بالسرور. ومن الحق الذي لا مرية فيه أن القوة العقلية ~~والنزاهة الضروريتان للحكم على أي أمر من الأمور بما يستحق، تبلغان ~~حدا يجعل الحكم عامة أبعد من مناله. بيد أنه يميل إلى الحكم، ومن أجل ~~هذا تراه يقبل، بل يحتم المعايير الآلية، وهذه المعايير ليست - بطبيعة ~~الحال - معايير للذوق؛ لأن المعايير الآلية لا يمكن أن تنطبق على ~~الذوق؛ لأن الذوق أمر يتعلق بالاستجابة والإحساس الذاتي. ولكنها تؤدي ~~غرضا لأولئك الذين لم يعرفوا قط استجابة ذاتية من الدرجة الأولى، بل ~~ولم يكونوا حكما على أمر من أمور الذوق. كما أن المعيار الآلي ~~الحسن في يد رجل ثابت في غبائه وانعدام حسه له هذه الميزة الكبرى، إنه ~~يمكن أن يطبق على كل أمر من الأمور. إن مطابقة الحال عندئذ لا يكون لها ~~وجود. وما إن يألف المرء الحكم على الخوخ بوزنه يجد من الميسور والممتع ~~له أن يتجه إلى الكتب والصور. إن الرجل العادي يحب المعيار المجهز الذي ~~يكون مستعدا دائما ويمكن تطبيقه على أي أمر من الأمور. وكما أنه لا ~~يستطيع أن يعرف إذا كان العمل الفني جميلا أو غير جميل، ولكنه يستطيع ~~أن يدرك الدليل على الحكم بأنه ليس من صنع رفائيل، فكذلك لا يستطيع أن ~~يعرف إذا كان الشيء مبتذلا أو غير مبتذل - لأن الابتذال أمر من أمور ~~الحس والتعبير - ولكنه يستطيع أن يعرف إن كانت بضع كلمات بعينها قد سبق ~~ذكرها. إن لديه معياره، ويستطيع أن يطبقه صباحا ومساء في عربة السكة ~~الحديدية، سواء كانت من الدرجة الثالثة أو من الدرجة الأولى. إن تكلف ~~الحشمة تذوق آلي كما أن التظاهر بالتقوى تدين آلي، وكما أن الشخص ~~المتدين حقا ms084 لا يضطرب للنجاسة، فكذلك الرجل الذواقة حقا لا يكترث ~~للفحش أو البذاءة، ولكنك لا تستطيع أن تقنع الناخبين بهذه ~~الحجج. # إن طريق العقل ليس ممهدا دائما، إلا إن من يتابعه مخلصا له أن ~~يثق في الفوز بنوع من أنواع الجزاء الطيب. إنه يتخلص من الخوف من ~~الاستمتاع بما في الحياة من طيب الأشياء - ذلك الخوف الذي ليس له من ~~العقل سند. ثقوا أن العقل يقضي على تلك الخرافات التي تشغل أذهان ~~البرابرة، وتفسد عليهم لذة القنص، وتكبلهم في قيود من النواهي. إن ~~المتعة الخالصة بكل ما تقدمه الحياة لنا ميزة لا يتمتع بها إلا من كملت ~~مدنيته. إن كمال المتعة يتطلب من المرء أن يطهر عقيدته من المحرمات، ~~ويجب أن يتخلص من الاحتشام المتكلف، والخرافة، والخجل الكاذب، والإحساس ~~بالذنب، ولا يحمله على ذلك إلا العقل وحده. ينبغي ألا يستند ناموسه ~~الخلقي إلا على العماد الثاني من عمد المدنية - وأعني به الإحساس ~~بالقيم. إن إحساسه بالقيم يرشده إلى أن الملذات التي تهبها إياه ~~الحواس، أو يهبها إياه الحس الممتزج بالعاطفة، أو الحس الممتزج ~~بالتعقل، ملذات ليست سيئة في حد ذاتها، بل إن إحساسه بالقيم ليرشده إلى ~~أن اللذة - في حد ذاتها - طيبة دائما، وعلى العقل المتمدن ألا يسمح ~~لهذه الملذات قط أن تصبح وسيلة إلى الشر وذلك بوقوفها عقبة في سبيل ~~الخير أو بجعلها هذا الخير مستحيلا، ولنضرب لذلك مثلا: إن الشخص ~~المتمدن حقا لا يرى الشراب خطأ، ولكن المتمدنين جميعا يحتقرون من ~~يدمن على الشراب، فالمدمن سرعان ما يجعل نفسه عاجزا عن بلوغ حالات ~~العقل الطبية، وإنسانا مزعجا للرأي العام ينبغي نبذه، ولكن حفلة ~~للعشاء يسودها المرح، أمر من الأمور التي لا يتحاشاها الرجل المتمدن ما ~~دام في صحة جيدة. ألم يعتقد أفلاطون المتقشف نفسه أن من واجب المواطن ~~أن يسكر في حفل ديونيسيا؟ # 3 # الرجل المتمدن لا يخشى الملذات حينما يسمع أنها تنعت ~~نعوتا سيئة - فيقال عنها فاسدة، وشريرة، ومخجلة. إن أمثال هذه الصفات ~~لا تعني بصفة عامة أكثر ms085 من أن معظم الناس يخشون جوانب الطبيعة ~~الإنسانية التي لم تكتشف بعد أو التي أخطأنا في كشفها، وما دامت اللذة ~~ليست سيئة في حد ذاتها؛ فليس هناك ما يدعو إلى الخجل من أي لذة من ~~اللذات، وإن كانت هناك لذات يرى الرجل المتمدن ألا يسترسل فيها، فليس ~~مرد ذلك إلى أنها سيئة، وإنما مرده أن نتائجها سيئة، ومن المؤكد أنه من ~~المخجل أن تسترق الشهوة المرء إلى حد ينزل العقل عن عرشه فيفقد المرء ~~القدرة على وزن النتائج. من المخجل أن يسمح المرء لنفسه بالإدمان في ~~الملذات الحسية الساذجة حتى يشل قدرته على الاستمتاع بملذات أدق وملذات ~~أشد إثارة للحواس. الرجل المتمدن يخجل إذا لم يكن معدا للاستمتاع ~~بملذات المتمدنين، ويخجل من نقص قدرته على التفكير الصافي والشعور ~~الرقيق يخجله أن يشبع عاطفة لا يمكن إشباعها دون أن ينتهك إحساسه ~~بالقيم ودون أن ينزل عقله عن عرشه، ولا يخجله شيء غير هذا. إن ~~المتوحشين يسمونه رجلا بغير حياء. # ومنذ أن أصبحت دراسة اليونانية جزءا من تثقيف الرجل المهذب، أصبح ~~مما يبعث على الدهشة الأليمة دائما عند أكثر من يؤجرون لتعليم ~~اليونانية أنه لا يوجد شعب من الشعوب أكثر جرأة على الاستمتاع بالحياة ~~من الشعب الأثيني. لا شك أنهم كانوا يعرفون ما هو الخجل؛ لأنهم ~~مخترعوه. اخترعوه لأن الحس عندهم كان مرهفا إلى درجة لم يسبق لها ~~مثيل، ولكن الأثينيين لم يخجلوا من ملذاتهم، واسترسلوا فيها كذلك ~~متحررين إلى حد كبير. إنما كانوا يخجلون من فقدان كل سيطرة على النفس، ~~ومن تحولهم إلى حيوانات أو من وضع أنفسهم موضع السخرية، ويبدو أن وخز ~~الضمير كان يطاردهم في أعمال القسوة والعنف، ولكن ما كان أبعدهم عن ~~ازدراء الملذات التي كانت الفلسفة اليونانية تعدها جزءا لا يتجزأ عن ~~الحياة الطيبة؛ غير أن الأثينيين وضعوا «العقل» - فوق الملذات جميعا ~~بل فوق كل شيء آخر- عاملا من عوامل الاعتدال والانسجام، ولا أحسب ~~معلما من المعلمين يقصر في نقل ذلك إلى تلاميذه حينما يشعر - وهو لا ~~بد ms086 أن يشعر أحيانا - بشدة الصدام بين الأخلاق اليونانية والأخلاق ~~اليهودية. ومن المؤسف أن الإيطاليين لعهد النهضة، الذين استعاروا ~~الكثير من أثينا، لم يستطيعوا أن يستعيروا منها قدرا أكبر من هذا ~~«التعقل الحلو»، ومن المؤسف أنهم أسقطوا هبة الاعتدال بشكل ما من بين ~~مواهبهم الرفيعة. ومن المؤسف أنهم لم يستطيعوا السيطرة على ميلهم إلى ~~المتعة بطريقة أفضل مما فعلوا - إنه أمر مؤسف، ولكنه لا يمس غرضي ~~المباشر، ومن المؤكد أن الرجال والنساء لعهد النهضة لم يكونوا يخافون ~~الأشياء الطيبة في هذه الحياة. كانوا يستطيعون الاستخفاف بالتنجيم ~~والسحر، وكانوا يستطيعون إهمال تلك الخرافات التي كانت تحول بينهم وبين ~~لهوهم. كانوا لا يشعرون بالخجل، وإن لم تصدقني فاقرأ بنفنيوتو شليني في ~~سيرته التي كتبها بقلمه. قال لاون العاشر: «ما دام الله قد أعطانا ~~البابوية فلنستمتع بها»، وهو يعني بالضبط ما يقول. كانت ملذاته ملذات ~~الرجل الضالع في المدنية (كان يمثل عصره خير تمثيل وعصره يمثل حضارة ~~النهضة): وكانت ملذاته تتضمن تقدير الفن والأدب، والموسيقى والدراسة، ~~وكان من بينها الغناء، وكذلك النساء والنبيذ. إن قداسته لم يخجل من شيء ~~من هذا. # واقترب ذلك القرن الثامن عشر المحبوب مرة أخرى من المثل الأعلى عند ~~الإغريق. إن سحر ذلك العصر الساحر ينبعث حقا - ربما أكثر من أي شيء ~~آخر - من تعقله البالغ الذي يحليه إحساس بالقيم لا مثيل له، ولست أشك ~~في أن هذا المزيج هو الذي يعطينا المدنية الرفيعة. وقد بلغت النهضة ~~الإيطالية مدنية أرقى من أي مستوى كان يمكن أن يطوف ببال العصور ~~الوسطى؛ لأن إحساس النهضة الإيطالية الجمالي الغريزي كانت تخفف من حدته ~~وتعززه عقيدة في العقل أكثر جدية بدرجة كبيرة من ذلك الإحساس الذي كان ~~مصدر الوعي لفلاسفة العصور الوسطى المتحذلقين، وإن ما يعطي النصف ~~الثاني من القرن الثامن عشر حلاوته الخاصة به هو هذا؛ بينما كان الرجال ~~- والنساء كذلك - يفكرون بعنف وجرأة في كل أمر من الأمور كما فعل أي ~~قوم غيرهم ممن سبقوهم، وبينما كانوا لا يكتفون بالتأمل، بل كانوا ms087 ~~مستعدين ليروا آراءهم تتحول فعالا، بينما كانوا كذلك مكنهم إحساس ~~بالقيم أن يبثوا دعوتهم للنقد ونشاطهم الهدام بتلك الرقة البالغة التي ~~اتسم به الجيل السابق، وخلصت عقيدتهم في اللذة حتى رأوا أن السياسة ~~نفسها يجب أن تكون مستساغة، وكان يطلب إلى رجال الاقتصاد أن يعرضوا ~~نظرياتهم في صيغة تقبلها السيدات الرقيقات، ولكن يجب ألا ننسى أن ~~السيدة لكي تكون رقيقة كانت ترغم على الاهتمام بالنظريات - إن هؤلاء ~~القوم المحببين إلى النفس الشجعان كانوا يرون أن البحث الجدي في الأمور ~~الأساسية لم يكن يتعارض وصحة المزاج أو الإنسانية، والقرن الذي أنجب ~~فلتير وجبون وهيوم واثنين من البابوات المتفلسفين، لم يتصف بالنزاهة ~~العقلية للتقدميين فحسب، بل اتصف كذلك بالتسامح مع المتشككين وسلوك ~~السيدات والسادة. إن مثل هذا المزج يبدو دائما جذابا، وبخاصة في عصر ~~بلغ به سوء الحظ أن يعاني ثائرين تنقصهم الفطنة كما ينقصهم حسن السلوك، ~~ورجعيين ينقصهم حسن السلوك كما تنقصهم الفطنة. # العقل في القرن الثامن عشر هو الذي كان يرجى منه أن يجعل الأمور ~~مستساغة بتطهير الميول من غلظتها وتوحشها، وكانت اللذة - اللذة ~~المعقولة - هي غاية ما يشتهيه الرجل المخلص. القرن الثامن عشر هو الذي ~~جعل اللذة المحك في الجدل السياسي، كما جعله يحكم على النظم والمشروعات ~~الحكومية بمقدار ما تؤدي إلى ازدياد سعادة الإنسان. القرن الثامن عشر ~~هو الذي اكتشف في حسرة أن الماضي الخيالي كان يتخبط في مسير هذا ~~الاتجاه، وكان بالبؤس المدقع الذي ساد في القرن الحادي عشر أشد منه ~~تأثرا بسحر الحرب الصليبية الأولى، وفي القرن الثامن عشر - للمرة ~~الأولى منذ نهاية العالم القديم - تطورت وشرحت شرحا وافيا فلسفة للذة ~~في مجلدات ممعنة في سلامة التفكير، إن لم تكن ممعنة في البحث والتقصي. ~~فلسفة يمكنك أن تلم بعصارتها إلماما لا بأس به من قصص فولتير ~~وكتاباته المتنوعة. مثال ذلك: ~~«... كان العالم كله يقول بأن الآلهة لم يقيموا الملوك إلا لتكون ~~الأيام كلها أعيادا، على أن تكون منوعة؛ إذ إن الحياة أقصر من أن ~~ننفقها في ms088 غير ذلك. وليست الأفعال والدسائس والحروب ومنازعات رجال ~~الدين التي تستنفد حياة الناس إلا أمورا مزعجة سخيفة: ذلك أن ~~الإنسان لم يولد إلا لكي يستمتع بنفسه. وإنه ما كان ليعشق المتعة ~~دائما وبكل قلبه لولا أنه من أجلها خلق. إن جوهر الطبيعة البشرية ~~هو الاستمتاع بالنفس. وما عدا ذلك حماقة وسخف. وهذا مذهب خلقي ~~ممتاز لم تكذبه قط إلا فعالنا». # وينبغي ألا تفترض أن القرن الثامن عشر صاغ فلسفته لصالح طبقة واحدة ~~فقط، بل على العكس من ذلك كان القرن الثامن عشر يرى أن التقدم ينحصر في ~~نشر جميع وسائل المتعة تدريجا - الوسائل التي تؤدي مثلا إلى إشباع ~~الطبائع «لأن المتعة من صميم الطبيعة الإنسانية». كانت فلسفة اللذة - ~~تحت اسمها المعروف في العالم القديم بحب الإنسانية - شائعة إلى أبعد ~~الحدود؛ أما اليوم فهذه الفلسفة توصم بتقصيرها دون المثل العليا، ما دامت ~~تهدف إلى إرضاء الفرد أكثر مما تهدف إلى تمجيد الجنس، أو المذهب ~~أو الطبقة. إنها فلسفة يمقتها الوطنيون كما يمقتها الشيوعيون، ولم يعد ~~يؤمن بوجاهتها سوى قلة من المتشبثين بالقديم. # ولما كان - من زمن بعيد - من رأى أولئك الذين تؤخذ آراؤهم عامة مأخذ ~~الجد، أن أثينا في أخريات القرن الخامس رفعت المدنية إلى درجة لم يسبق ~~لها مثيل، فليس من الخطأ - فيما أحسب - أن أختم هذا الفصل بتحليل ما ~~اتفق على أنه أحسن صورة للمجتمع الأثيني في أوجه. إذا كان الشعراء ~~والعلماء والفنانون، وكذلك الأساقفة والقضاة، والمثقفون من التجار، ~~وإذا كان الفلاسفة الوثنيون، بل ورعاة الكنيسة - إذا كان هؤلاء جميعا ~~يعدون «محاورة المأدبة» لأفلاطون من أجمل المؤلفات وأبعدها أثرا التي ~~أنجبتها القرائح البشرية، فإن ذلك لا يعود إلى الآراء البراقة التي ~~تضيء لامعة خلال آراء سقراط المعقدة أكثر مما يعود إلى الصورة الرائعة ~~التي تعرض طريقة رائعة من طرق الحياة. في هذا الحوار الجميل نرى لمحة - ~~بل وأكثر من لمحة - من مدنية يبدو أنها أقرب إلى رغبات القلب من أي شيء ~~آخر كانت تعده ممكنا تلك العصور التي لم ms089 تبلغ من نفوسنا مبلغ العصر ~~الأثيني. ومع ذلك فإن هذه الصورة لطريقة معينة من طرق الحياة إنما تشف ~~عن لحظة من اللحظات في تلك الصورة المثالية التي يلمحها الفنان ~~ويخلدها. ولنذكر أن الصورة ليست رؤيا قديس مذهول مستغرق في التفكير، ~~وليست خطة لنموذج سماوي لا نستطيع بلوغه لما في نفوسنا من نقص، وإنما ~~هي صورة عاشها من قبل أناس يجوز عليهم الفناء، ويمكن أن يعيشها الناس ~~مرة أخرى. # هذه قصة يرويها أبولورس نقلا عن أرستوديموس، وهو - كما يقول زنفون - ~~كافر، ضئيل الجسم يسير دائما بغير حذاء، عضو تافه في تلك المجموعة ~~التي كان يلمع فيها سقراط وأجاثون. وفيدرس وبوسانياس وأركسيماكس ~~وأرستوفان والقبيادس - كانوا مجتمعين في حفل عشاء ودي أقامه أجاثون ~~احتفالا بنجاحه في المباراة بين شعراء المأساة، وكان اليوم السابق قد ~~خصص لتهاني الجمهور، وهي دلالة طيبة على الجدية التي كانت تؤخذ بها ~~الفنون في أثينا، وفي طريقه إلى الحفل التقى سقراط - وهو في ثياب فاخر ~~على غير عادته - بأرستوديموس الذي يبحث بطبيعة الحال عن السبب في هذا ~~البهاء الذي لم يألفه، فقال له: «إني متوجه إلى العشاء عند أجاثون»، ثم ~~روى سطرا محرفا عن يوربديز، وقال بعدئذ: «إني أنيق أتوجه في أناقة ~~إلى رجل أنيق»، ثم يشير سقراط - وهو بإجماع الرأي أقبح وأقذر شخص في ~~أثينا - على أرستوديموس أن يرافقه، فيتردد أرستوديموس؛ لأنه لم يدع ~~للحفل. بيد أن سقراط يلح في الرجاء؛ لأنه يعلم أن الكرم وحسن الزمالة ~~من الفضائل التي لا يتحلى بها المتوحشون. ولما لم يفلح في إلحاحه، تخلف ~~متفكرا حتى يصل صاحبه المتردد وحده فيطمئنه أجاثون، الذي يذكر له أنه ~~كان يبحث عنه طيلة النهار مشغوفا برفقته، ولكنه لم يعثر له على ~~أثر. # ويصل المدعوون، ويلتفت أجاثون إلى الخدم قائلا لهم: «أرجو أن تعدونا ~~جميعا ضيوفكم، وأن تعاملونا بهذه الصفة»، وقد كان أجاثون - فوق كونه ~~شاعر مأساة - شخصية ساحرة كما كان رجلا موهوبا، وكان كذلك حسن البزة، ~~فأبى أن يقوم بدور الداعي المضيف، وأخيرا وآخرا يصل ms090 سقراط. ويرفض ~~الجلوس، بل يرفض الاتكاء، إلا بعد أن يستمتع بدور مما لا أستطيع أن ~~أصفه إلا «بالمغازلة الساخرة» مع أجاثون - وهي مداعبة لست في حاجة إلى ~~أن أقول إنها قوبلت بروح طيبة - وفي نهايتها تناول الجميع طعام العشاء. ~~والآن دعنا نلقي عليها نظرة عابرة: كان بين الحاضرين شاعران، أجاثون ~~وأرستوفان، والطبيب أركسيماكوس، وذلك المفلس المشعث الذي يعظ الناس في ~~زوايا الطرقات سقراط، وأخيرا القبيادس، وهو سياسي شعبي حسن النشأة، ~~متأنق في ملبسه، وأغنى رجل في أثينا، وهنا أيضا فيدرس وبوسانياس، وهنا ~~كذلك آخرون لا يذكر عنهم أرستوديموس شيئا؛ لأنه لا يزعم أنه يقدم ~~قائمة كاملة بالأسماء أو سجلا لكل ما قيل، وبين هؤلاء الآخرون ربما ~~كان صناع مهرة وعمال عابرون وسفسطائيون، لا يفضلون المتشردين إلا ~~قليلا، ولكنا على ثقة من أنه لم يكن من بينهم من كرس خير سني حياته ~~لجمع المال. إن الوقت الذي يعده رجال الأعمال في العصر الحديث مالا، ~~كان عند سقراط للعبيد، ولم يخطر في بال أثيني أن إنسانا يخضع نفسه ~~طائعا لذلك النظام الذي هو حياة جامعي المال، أولئك الذين يعيشون ~~للعمل. كان الأثينيون يرون أن الرجل لكي يكون كامل المدنية ينبغي أن ~~يتحرر من الأعباء المادية، وحيث إنه لا بد أن يتوفر له الفراغ الكافي ~~يتمتع فيه بكل جميل يقدمه له العقل أو العواطف أو الحواس، فلا بد من ~~وجود العبيد، وحيث إن هؤلاء العبيد يعيشون لينتجوا لا ليستمتعوا، وحيث ~~إنهم لانعدام الثقافة والفراغ عندهم، يعجزون عن حرية التفكير ودقة ~~الشعور، فقد كانوا أقل شأنا من غيرهم. كانت المساواة مطلقة بين ~~المواطنين، ولم تعترف أثينا بالفوارق إلا في الذكاء والتعليم، وهي - ~~لسوء الحظ من غير شك - حواجز طبيعية تعوق التبادل السهل الممتع. لم يكن ~~بين المواطنين مميزات طبقية، ولم يكن في أثينا من يتعاظم على ~~الآخرين. # وبعد العشاء أثار بوسانياس هذا السؤال: هل يعودون إلى الشراب ~~ويسكرون، ويستمعون إلى الناس، أم يتحدثون، ويخرجون العازفة «تعرف ~~لنفسها، أو - إن أرادت - للخدم في الداخل»؟ نحن ms091 هنا على أبواب محاورة ~~من أسمى المحاورات في تاريخ البشر باعتراف الناس أجمعين، وعلينا أن ~~نلاحظ جيدا موقف أولئك الذين يوشكون أن يجروها. إن العقل يجعلهم لا ~~يخشون ما في الحياة من أشياء طيبة. إنهم لا يخجلون من الاستمتاع - حتى ~~إلى درجة ما يسمونه الإفراط - يمثل الملذات التي توفرها الخمر ~~والعازفات على الناي. إلا إنهم لا يدمنون ولا يفسقون. يدفعهم الإحساس ~~بالقيم، تعززه إلى حد ما ذكرى شرابهم المساء، إلى أن يختاروا - في ~~هذه المناسبة - لذة أروع، وهي لذة الحديث الجدي. وإن لم يكن جديا إلى ~~درجة كبرى، فقد كانوا يستطيعون أن يتناولوه في دعابة؛ يمزحون مزاحا ~~عقليا وجثمانيا، ويتنازعون نزاعا طفيفا عمن يجلس منهم جوار ~~الآخر، يهزلون ويمرحون ويتبادلون الدعابة الصريحة، ومنذ بداية الجدل، ~~حينما حل دور أرستوفان في الكلام، شكا من الفواق، ثم طلب أركسيماكس ~~الطبيب إما أن يأخذ دوره في الحديث أو يشفيه مما أصابه؛ فيسارع ~~أركسيماكس إلى أداء العملين، ويصف علاجا يثير الضحك وإن يكن فعالا. ~~إن الرجال الضالعين في المدنية قلما يتصفون بالوقار. # ويعرف كل امرئ موضوع هذه المحاورة التي ذاع صيتها، كان موضوعها الحب، ~~ولكن كثيرين لا يعرفون أن المتحاورين لكيلا يبطلون ما يصلون إليه من ~~نتائج بتحديد قضايا البحث، لم يستبعدوا في حوارهم أي وجه من وجوه ~~الموضوع. تحدثوا عن الحب في أدعى صوره إلى الإعجاب والتقدير، وكذلك ~~تكلموا كثيرا مثنين على صورة من صور الحب يحكم بسببها على الناس في ~~إنجلترا بالسجن، وإن استجابتي الغريزية لهذه الصورة لتشبه استجابة أكثر ~~زملائي، إني أعجب لها أشد العجب وأقابلها بالتقزز والاشمئزاز، غير أني ~~لم تبلغ بي الغفلة والغرور أن أثق في استجابتي ثقة عمياء وأعترض على ~~عاطفة أحستها، وأرى ثابت ارتأته جماعة من أحكم وخير الناس قاطبة، وإني ~~لأذكر أولئك الناس الضالين المفزعين الذين يأكلون الجبن وأحاول ألا ~~أكون سخيفا، ولا أستطيع أن أعطي نفسي حق الحكم أيهما أفضل ذوقي أو ذوق ~~سقراط وصحبه. ولكن أستطيع أن أصغي باحترام لحجج خصومي الذين يبعثون ~~الذعر ms092 في نفسي، وأستطيع أن أمتنع عن أن أجعل من استجابتي الجثمانية ~~استنكارا خلقيا، وأستطيع أن أحتج من كل قلبي ضد من يصم بالجريمة ما ~~بدا خيرا لكثير من عظماء الرجال. لا يحق لأحد أن ينعت نفسه بالمدنية ~~إلا إن استطاع أن يستمع إلى الطرفين، ولا يفضل الحيوان من لا يتسامح في ~~أمور كثيرة كريهة له شخصيا. # ليس في نيتي أن أناقش «محاورة المأدبة» إلا بمقدار ما تلقي على ~~موضوعي ضوءا. وأستطيع أن أنوه بالرغبة الحقيقية في الحق الذي تنطوي ~~عليه أكثر الخطب، وأن أنوه بالإحساس بالقيم الذي يحمل كل متكلم على أن ~~يعرض قضيته عرضا جميلا بقدر ما يستطيع. وحتى سقراط نفسه لم يجادل ~~لينتصر في الجدال، ولم يكن من بينهم من يمتنع عن التسليم حينما يكون ~~ضعيفا في موقفه. فيدرس يتكلم جادا، وبوسانياس متحذلق قليلا، ~~وأركسيماكوس يميل إلى مهنته. إلا أن الطبيب - على خلاف أكثر زملائه - ~~لا يخشى أن يجابه ما يترتب على علمه من نتائج، ويشير بعقل يدعو إلى ~~الإعجاب أنه ينبغي لنا ألا نخضع لبانديميون فينس (ويقصد بها الشهوة) ~~«إلا بمقدار ما نستمد منها اللذة دون أن نسترسل فيها إلى حد الإفراط، ~~مثلنا في ذلك - طبقا لفننا - مثل ما نلقنه من البحث وراء متعة ~~المائدة، بمقدار ما نستسيغها دون أن يترتب عليها مرض وحسب». (وهذه ~~العبارة نقلا عن ترجمة شلي). وهناك بعد ذلك حديث أرستوفان، وهو عندي ~~حديث بلغ غاية الإشراق. إنه بما يحوطه من دعابة عقلية عذبة يؤدي - بطرق ~~تثير فينا غاية الضحك ولا نتوقعها - إلى نتيجة جدية، يشير إليها الكاتب ~~تلميحا لا تصريحا، لا تكاد تظهر حتى تختفي في أقمطة كثيرة الألوان. ~~وفي هذه الآونة أخاطر بالاستعارة والتشبيه. وأذكر هنا تعثر الآلهة ~~تعثرا لا يحفظ لهم قداستهم بما يدل في جلاء تام على أن هذه الجماعة ~~المتمدنة قد صفوا أمر الخرافات السائدة، ويؤسفني أن أقول: إن الحديث لا ~~يخلو من النكات البذيئة. ولكنا قد اتفقنا على أن الميل إلى الكلام ~~والسخرية في كل أمر مميز ms093 من مميزات الشعب المتمدن. ولا أتصور إلا أن ~~قليلا من العاشقين - حتى أكثرهم رقة وأشدهم تهذيبا - هم الذين يرون ~~موقفهم استثناء من هذه القاعدة. «هؤلاء (أي أولئك الذين عثروا على ~~أنصافهم المفقودة) هم الذين يكرسون حياتهم كلها أحدهما للآخر، في شوق ~~لا طائل تحته ولا يمكن التعبير عنه إلى أن يجد كل منهما عند الآخر ~~شيئا لا يدري ما هو؛ لأن الواحد منهما لا يهدي نفسه للآخر بكل هذا ~~العشق الجدي لمجرد المتعة الحسية من الاتصال، وإنما تتعطش روح كل منهما ~~في وضوح وجلاء إلى شيء عند الآخر لا يمكن التعبير عنه في كلمات، وتقدس ~~ما تسعى إليه، وتتعقب في غموض مظان رغبتها الغامضة». (نقلا عن ترجمة شلي). # 4 # وإن الكاتب ليعود في الفقرة التالية إلى بذاءته، فيقول: ~~إنا إذا لم نرع الآلهة تمام الرعاية فإنه يخشى أن يقطعنا زيوس إلى ~~نصفين مرة أخرى (ونظريته في الحب إننا كنا من قبل منتصفين، وأن الأنصاف ~~تسعى دائما إلى اتحادها)، ثم نسير بعد ذلك - كما يقول - أشبه ما نكون ~~بالصور التي يرسمها الفنانون على الأعمدة، أنوفنا مشقوقة في وسطها، ~~ولست بحاجة إلى القول بأن المرء حينئذ لا بد له من الوثب بساق واحدة. ~~هذه عادة من عادات التمدن: وهي أن يتخلى المرء عن الوقار وهو في حالة ~~الجد، وهي حالة تدعو إلى الحيرة الشديدة. # أما حديث أجاثون، فقد كان غنائيا جميلا فصيحا، وهو يبدأ بقوله ~~هناك فارق بين أن تخاطب الجمهور في مسرح وأن تناشد مستمعين ناقدين ~~حقا. إنه يقول: «بالتأكيد يا سقراط، إنك لا تحسب أن الزهو بانتصاري ~~في المسرح قد بلغ مني حدا يجعلني أجهل أن قلة من الناقدين الأكفاء ~~يخشى العاقل بأسهم أكثر مما يخشى مجموع الناس في الطريق». وهذا الرأي ~~يبدو لي أنه يشير إلى إحساس بالقيم، ولكنه فتح لسقراط بابا للسفسطة ~~والدعابة، التي أوقفها فيدرس بقوله: «إنك يا عزيزي أجاثون لو دخلت في ~~نقاش مع سقراط، فلن تبلغ بهذا النقاش إلى نهاية؛ لأنه لا يفتأ يواصل ~~الجدل ms094 في أي موضوع مع أي مخلوق - أو على الأقل مع أي مخلوق جميل ~~الصورة، وأؤكد لك أنه من الممتع دائما أن تستمع إليه وهو يتحدث، ولكني ~~في هذا المساء لا بد أن أضمن أن «الحب» (موضوعنا المختار) لن يكون ~~محلا لغدر». وهكذا يواصل أجاثون حديثه ويقرر أن الحب كغيره من ~~الموضوعات يمكن أن يجعل من أي إنسان شاعرا، ويروي تأييدا لذلك بيتا ~~من الشعر من نظمه ينم عن تأثير يوريديز. ~~«مهما يكن المرء ثائرا فيما مضى فإن لمسة الحب تجعل منه ~~شاعرا». # فيهيئ بذلك الفرصة فيما بعد لسقراط ليسخر من أستاذ أجاثون الذي لم ~~يكن يحبه، وبعدما انتهى أجاثون من الإفضاء بكل آرائه الجميلة، رد عليه ~~سقراط قائلا: إنه يستحيل عليه أن يفي بما وعد. «إن مثل هذا الثناء لا ~~أفهمه، ولجهلي قبلت أن أنظم المديح». # وصاح بصوت مرتفع على طريقة يوربديز قائلا: # بلساني قط وعدت، ولم أعد بعقلي. # وعندما أصغي إلى أسلوب أجاثون المنمق رفع أحد حاجبيه، وبدأ حديثه ~~المشهور عن طبيعة الحب، والحديث رائع، وإن كان في ذوقي يتسم بشيء من ~~السفسطة، وربما كان مما يستحق الذكر كعلامة من علامات المدنية أن ~~المتكلم في أشد لحظات حديثه حرارة يسخر ضاحكا من حذلقة السفسطائيين ~~المحترفين، أعدائه، وفي أعقاب حديثه يندفع إلى الداخل القبيادس، ~~مخمورا إلى الغاية، تتبعه عازفات الناي، ويتقدم لتويج أجاثون، وبعدما ~~ينتهي من ذلك يقول: إنه يبقى معهم إن أقبلوا على الشراب، وينصرف إن لم ~~يشربوا؛ فيستبقونه بطبيعة الحال. إن الفلاسفة الحقيقيين يستغلون طرفي ~~الحياة. # ويقبلون على الشراب، ويتبادلون المزاح في مهارة فائقة في شئون حبهم، ~~ويبدون تفوقا رائعا يعلو على أقوى لون من ألوان العواطف البربرية ~~جميعا - وأعني به الغيرة، ثم يقول أركسيماكوس: هل هذا عدل؟ وهل من ~~الإنصاف أن يشاركنا القبيادس دون أن يسهم في لهونا؟ ليدل هو الآخر ~~بحديث في مديح الحب. ويرد القبيادس قائلا: إنه يكلفني حياتي أن أثني ~~على أي أمر من الأمور سوى سقراط في حضرة سقراط؛ فيجيبه: حسنا إذن، ~~عليك ms095 بمدح سقراط، وهنا يأتي الحديث الذي بعث في دكتور جويت أشد القلق. ~~إن القبيادس يروي - في شيء من الدقة - قصة ميله الشديد إلى سقراط الذي ~~لم يعد عليه بنفع ، بينما ينتحي سقراط ناحية، ويبتسم ابتسامة دقيقة كما ~~أتخيله، ولم يكن القبيادس بالتأكيد خجلا من مشاعره، وحيث إنه لم يغفل ~~عن أن مشاعره ستبدو لأصدقائه مضحكة إلى حد ما، حيث إنه لم يخطئ فيأخذ ~~نفسه مأخذا جديا أكثر مما ينبغي، فإن اعترافاته جميعا لم تقع من ~~نفوس أصدقائه موقعا ثقيلا مؤلما. كان صريحا، مسليا، لا يشعر ~~بالعار الشديد، وإن كان قد شعر باليسير منه، فهو يشعر به حينما يتهمه ~~سقراط بتقليده العامة في تهليلهم أكثر من إخلاصه للحق والجمال، وهنا - ~~في النهاية - نقف عند أمر يبدو مشينا للرجل المتمدن؛ ذلك أن القبيادس ~~يختتم قصة ويلاته برجاء أجاثون ألا يقع في حب سقراط خشية أن يلاقي ~~مصيرا كمصيره، وهنا نجد سقراط بانتظاره معلنا أنه توقع منذ البداية ~~ألا يكون هذا المديح سوى حيلة ماكرة؛ لكي تسيء العلاقة بينه وبين ~~أجاثون، ولكي يصلحوا ثلاثتهم # 5 # ما فسد يتقارعون - وكانوا يجلسون معا - مقارعة لطفيفة ~~أيهم يمدح الآن الآخر، ومن يجلس إلى جوار الآخر، ولا يوقفهم عن ~~المقارعة إلا تدفق حشد من المعربدين لم يدعوا إلى الحفل «ويسود ~~المكان كله هرج ومرج، ويختل النظام، ويشعر كل حاضر بضرورة الإدمان في ~~الشراب». # ويؤسفني أن أقول: إن هذا الحفل من حفلات العقل - الذي كان محل إعجاب ~~وتقدير خلال ثلاثة وعشرين قرنا - انتهى بما قد يسميه قاض من قضاة ~~الشرطة في لندن «خلاعة مخلة بالآداب». وكان أركسيماكوس المحترف وفيدرس ~~الجاد أول من عادا إلى بيتهما وهما يترنحان. أما أرستوديموس فقد خر ~~نائما حيث كان. واستغرق في نومه طويلا، وكان الفصل فصل الشتاء حيث ~~يطول الليل. وعندما انبثق النهار تيقظ، وكان أكثر المدعوين نياما - ~~وكان من الطبيعي جدا عند الأثينيين البارزين أن يدثروا في عباءاتهم ~~ويناموا على أرض غرفة الطعام - ولكنه تنبه إلى أن أجاثون وأرستوفان ~~وسقراط كانوا ما ms096 يزالون أيقاظا، يشربون من قدح كبير ويسمرون، وعلى ~~قدر ما استطاع أرستوديموس أن يدرك كان سقراط يرغم الآخرين على الاعتراف ~~بأن المأساة والملهاة يتطابقان بالضرورة، ولما كان في حالة نعاس ولا ~~يزال مخمورا لم يكن على ثقة تماما من سير النقاش؛ إلا إنه أيقن أن ~~الكرى أخذ يداعب أجفان أرستوفان، ثم استغرق في النوم، ولما أشرق النهار ~~تبعه أجاثون «ولما خلص سقراط منهما معا سار (يتبعه أرستوديموس) إلى ~~الليسيوم (الندوة العلمية) حيث استحم كعادته وأنفق يومه في العمل، وفي ~~المساء أوى إلى فراشه في بيته». # | المدنية وناشروها # لم أعرف المدنية بعد، ولكني ربما جعلت التعريف أمرا لا ضرورة له، ~~إني أتصور أن كل من تفضل علي بقراءة ما كتبت حتى الآن لا بد أن يكون ~~قد فهم جيدا ما أعني. المدنية صفة من صفات الجماعة، وهي في أبسط صورها ~~الصفة التي تفرق بين ما يسميه علماء الأنثروبولوجي المجتمعات ~~«المتقدمة» وما يسمونه المجتمعات «المنحطة» أو «المتأخرة»، عندما يشرع ~~المتوحشون في تطبيق أحكام العقل على الغريزة، وعندما يكتسبون إحساسا ~~بدائيا بالقيم - أي عندما يميزون بين الغايات والوسائل، أو بين ~~الوسائل المباشرة للخير والوسائل البعيدة - عندئذ يخطون الخطوة الأولى ~~إلى أعلى. إن الخطوة الأولى نحو المدنية هي تصحيح العقل للغريزة، ~~والخطوة الثانية هي أن يتعمد المرء التخلي عن إشباع رغباته الملحة ~~الموقوتة في سبيل تحقيق رغبات أدق منها. إن المتوحش الجائع عندما يمسك ~~أرنبا، يأكله توا في مكانه، أو يحمله معه بحكم غريزته إلى بيته، كما ~~قد يفعل الثعلب، كي يأكله أشباله نيئا، وأول من حمله إلى بيته - برغم ~~جوعه الشديد - وطهاه، كان في طريقه إلى أثينا. كان رائدا، يمكن أن ~~نصفه عدلا كذلك بأنه أول المتدهورين. هذه حقيقة لها دلالتها، فالمدنية ~~شيء مصطنع غير طبيعي، إن التقدم والتدهور، كلمتان يمكن أن تحل إحداهما ~~محل الأخرى. إن كل من زود المعرفة البشرية والحس البشري، بل وأكثر من ~~اكتفى بزيادة أسباب الراحة المادية، هؤلاء هلل لهم معاصروهم الذين ~~استطاعوا أن يفيدوا من مكتشفاتهم واعتبروهم ms097 محسنين عليهم، ووصمهم ~~بالانحلال كل من حالت سنه أو غباؤه أو غيرته دون الإفادة من هذه ~~المكتشفات. ومن السخف أن نختلف اختلافا لفظيا. ولنتفق على أن عادة ~~طهو المأكولات يمكن أن تعد خطوة نحو المدنية، كما يمكن بنفس الصدق أن ~~تعد انحدارا من الكمال البدائي للقرد المنتصب. # من هاتين الصفتين الأوليتين - التعقل والإحساس بالقيم - يمكن أن ~~يتفرع عدد عديد من الصفات الثانوية. تذوق الحق والجمال، والتسامح، ~~والإخلاص العقلي، وشدة التأنق، وروح الفكاهة، وحسن الأدب، وحب ~~الاستطلاع، وبغض الفظاظة والهمجية والمبالغة في التأكيد، والتحرر من ~~الخرافة والحشمة المتكلفة، وقبول ما في الحياة من طيبات دون وجل، ~~والرغبة في التعبير الذاتي تعبيرا كاملا وفي التربية الحرة، وازدراء ~~النفعية والابتذال، أو في كلمتين اثنتين - العذوبة والنور، ولا تدرك كل ~~المجتمعات التي تكافح في التخلص من المدنية جميع هذه الصفات، أو حتى ~~أكثرها، وأقل من هؤلاء من يشتد في تمسكه بإحدى هذه الصفات. من أجل هذا ~~قد تجد عددا كبيرا من المجتمعات المتمدنة وعددا قليلا جدا من ~~المجتمعات ذات المدنية الرفيعة؛ لأن المجتمع لا يكون رفيع المدنية إلا ~~إذا استمسك بعدد لا بأس به من صفات المدنية واشتد في تمسكه بها. # ولكن هل يمكن لوحدة غامضة كالمجتمع أن تملك أو تستمسك بصفات دقيقة ~~كهذه؟ لا يمكن أن يكون ذلك إلا بأشد المعاني غموضا. إن المجتمعات تعبر ~~عن نفسها في صور تتفاوت في ثباتها كما تتفاوت في وضوحها، وهذه الصور هي ~~التي تصبح للأنثروبولوجيين والمؤرخين آثار مدنيات هذه المجتمعات. إنهم ~~يعبرون عن أنفسهم في السلوك والعادات والتقاليد، وفي القوانين والنظم ~~الاجتماعية والاقتصادية، ويعبرون عن أنفسهم - فوق هذا كله - في الأدب ~~والعلم والفن الذي قدروه وشجعوه. كما يحدثوننا عن شيء من أنفسهم - ~~بدرجة أقل وثوقا - خلال الأدب والعلم والفن الذي ربما قدروه وربما لم ~~يقدروه، ولكنه من خلق الفنانين والمفكرين الذين أنجبوهم، ولو ضممنا ذلك ~~كله بعضه إلى بعض أمكننا أن نؤلف - في شيء من الوثوق - رمزا واضحا ~~لنظرة إزاء الحياة سائدة وهذه النظرة - التي تتبدى ms098 في هذه الصور التي ~~تتفاوت في عمومها وثبوتها - هي ما نسميه المدنية. # المدنية - إذا خاطرت باستعمال استعارة لا يمكن الدفاع عنها بسهولة - ~~هي النكهة التي تضفيها نظرة عقلية معينة على التعبير الذاتي لعصر من ~~العصور أو مجتمع من المجتمعات. إنها اللون الذي تخلعه وجهة نظر خاصة ~~سائدة على المظاهر الاجتماعية. من أين تأتي هذه النظرة التي تلون ~~الحياة، وهذه النكهة التي تعطيها طعمها؟ لا شك أنها تأتي من الأفراد؛ ~~لأن الأفراد وحدهم - كما نعلم - هم الذين لهم عقول يقفون بها موقفا ~~معينا أو ينتقون بها وجهة نظر معينة من وجهات النظر. إن عقل الفرد هو ~~منبع وأصل المدنية - لا جدال في ذلك، ولكن عقلا بشريا واحدا نقطة ~~عذبة في محيط، وبقعة قرمزية واحدة على الشاطئ. إن فردا متمدنا واحدا ~~لا يصنع المدنية. ربما لم يخل العالم من السكان المتمدنين خلال الثلاثة ~~آلاف سنة الأخيرة، ومن المحتمل وجود واحد أو اثنين منهم في أظلم العصور ~~- وإن لم يكن بطبيعة الحال من بين القبائل الممعنة في الهمجية ~~والبدائية. في غربي أوروبا في القرن العاشر - ولا نستطيع أن ننحدر إلى ~~أبعد من ذلك وإلا كنا بين قبائل فيدا وبوشمان - يصادفنا جوبرت وهو يبدو ~~كالمتمدن ويظهر غريبا بين قومه، كما يبدو كذلك - وهو على نقيضه - ~~الإمبراطور أوتو الثالث، الذي ربما لم يعد أن يكون متصلفا معجبا ~~بذاته، ولا نستطيع أن نثق أنه حتى في القرن الثامن لم ينزو - مجهولين ~~في الأديرة الهادئة - رجال ما كانوا لينبوا في بلاط لورنزو العظيم. ~~بيد أن عصفورا واحدا من عصافير الجنة لا يخلق جو الصيف، ولا تصبح ~~المدنية ممكنة إلا حينما ينضم عدد كاف من أفراد متمدنين بعضهم إلى بعض ~~تتكون منهم نواة يمكن أن يشع منها الضوء وتفيض العذوبة، ومن ثم فإن ~~ناشري المدنية هم الرجال والنساء الضالعون في المدنية الذين تتألف منهم ~~جماعات لها من النفوذ ما يكفي للتأثير في مجموعات أكبر، وفي مجتمعات ~~بأسرها في نهاية الأمر. إن جماعة من المتمدنين لا يصبحون ممدنين إلا ms099 ~~حينما يمكنهم أن يؤثروا في المجتمع الذي يعيشون فيه حتى يبدأ هذا ~~المجتمع - بعدما يكتسب ما يميز هذه الجماعة من فضائل خاصة - في إظهار ~~هذه الفضائل في طرائق التفكير والشعور ، والنواة المتمدنة تصبح ممدنة ~~حينما يكفي عددها ونفوذها لتلوين الجماهير، و«النواة المتمدنة» مجرد ~~اسم محدد لعدد غير محدد من الرجال والنساء ذوي المدنية الرفيعة. وهؤلاء ~~الرجال والنساء هم خالقو المدنية وناشروها، هم شرط لازم للتمدن لا محيص ~~عنه. # وإنما يجب علينا أن نبحث عن نشأة المدنية والباعث عليها في عقل ~~الإنسان، فالقوانين والعادات والأخلاق والنظم والحيل الميكانيكية، كما ~~يتبين لنا من مجرد النظر إلى المجتمعات المتوحشة والمستعمرات ~~البريطانية، لا تستطيع أن تخلقها. هذه الأشياء لا يمكن أن تصنع لأنها ~~من صنع الإنسان. إنما هو العقل؛ عقل الفرد، الذي يفكر ويبدع وينفذ، ~~وإنما هو تأثير عقول عدة، تفكر وتشعر بالعطف، التي تشكل عادة - على غير ~~وعي منها ودون قصد - المجتمعات والعصور، ومن ثم فقد بلغنا في النهاية ~~شيئا محددا - وذلك هو الإنسان المتمدن؛ ذلك الإنسان رجلا كان أو ~~امرأة - نتوقع أن نجده متصفا - بطريقة أدق وأشد تهذيبا وتأكيدا - ~~بتلك الصفات التي ذكرنا أنها من خصائص المجتمعات المتمدنة. # إن الشخص المتمدن من جميع الوجوه يود في كل لحظة أن يتابع العقل في ~~أسحق الجحور والزوايا، بينما استجابته الغريزية للحياة تتكيف دائما ~~بالذوق. إن الحياة للشخص المتمدن - رجلا كان أو امرأة - ليست مسألة ~~ضرورة فحسب، إنما هي - إلى حد ما - مسألة اختيار. إنه إذا أمسك ~~بالأرنب، سيطر على نفسه في القرار الذي يصدره عن الكيفية والزمان ~~والمكان الذي يأكل فيه هذا الأرنب. الرجل المتمدن متصنع بالضرورة، ومن ~~التصنيع أن تنظف أسنانك وأن تقول «من فضلك» و«شكرا»، ومن غير الطبيعي ~~ألا تصرع رجلا تغاضبه وهو أضعف منك، ولكن لا تشك أيها القارئ في أني ~~أحاول أن أبرهن على أن الرجل المتمدن هو الرجل الطيب. خير الرجال - إن ~~كان للخير معنى - من يطيق خير الحالات العقلية ويستمتع بها أطول وقت ~~ممكن. يجب علينا أن نبحث ms100 عن القديسين في عالم المدنية بين الفنانين ~~والفلاسفة والمتصوفين، لما عندهم من قدرة لا تحد على الاستمتاع بالتأمل ~~والخلق. إن العقل يؤكد للمتمدن إن في هذا يكون خير الأمور، وإن كان ~~الذوق المنحرف قد يهمس قائلا إن خير الأمور لا يتنوع، ومن الأمور ~~الكثير بالطيب مما لا يبلغ أقصى حد للخير فلا يصلح للاستمتاع به. إن ~~الكمال لا يتسع للعوامل التي لا تبلغ الذروة، والمثل الأعلى هو لحظة من ~~لحظات الكمال تستمر إلى ما لا نهاية - إنه أفضل الخير دائما. إنه ~~الشمس المشرقة دائما في السماء؛ إلا إن المرء قد يكون بالغ المدنية ~~بالرغم من أنه يحب ظلال المساء والليالي التي تسطع فيها النجوم، بل ~~ويحب المطر والثلج مما يحمله على أن يزيد من اشتعال ناره. إن المثل ~~الأعلى شيء دائم فريد؛ وقد يجد الرجل الضالع في المدنية نفسه أحيانا ~~على شيء من القلق في نعيم السماء المقيم. # أرجو ألا يفهم أني أقول إن الفنان والفيلسوف والمتصوف لا يمكن أن ~~يكون رفيع المدنية. إنما أقول إن الشخص كامل المدنية لا يمكن أن يكون ~~من النوع الذي ينظر بعين واحدة. لم يكن القديس فرانس، ولا دانتي، أو ~~بليك، أو سزان، أو دستوفسكي، كامل المدنية، ولا يمكن أن يكون كذلك بكل ~~عمله وما يتعلق به، بل إن أفلاطون نفسه، حينما يحلق في سمائه - كما ~~يفعل في «الجمهورية» - ينصرف عن إحساسه بالقيم. إن الرجل الضالع في ~~المدنية أشمل تقديرا من أن يفقد إحساسه بكل شيء سوي موضوع الساعة في ~~أكثر الأحيان أو لفترة طويلة حتى إن كان موضوعه # O ~~Altitudo ~~- ولا ننسى أن لتعدد الجوانب مثالبه كما أن ~~له مزاياه. الرجل الضالع في المدنية مقدر فوق كل شيء. إنه يكتسب في ~~اتساع المدى والتنوع، ولكنه يخسر في جانب الغزارة، والغزارة - كما يزعم ~~الفلاسفة - هي خير الأمور. فإن كان فنانا كان - فيما أظن - ذلك الجانب ~~منه الذي لا ينكب في حماسة شديدة على التعبير الذاتي - ذلك التعبير ~~الذاتي الذي يكاد أن يبلغ تقرير الذات ms101 فيبدو خطره - أقول: كان هذا ~~الجانب هو أرقى جوانبه مدنية، (ومع ذلك فإن هذه القدرة على التقدير عند ~~المتمدن، هذه العادة المثقفة عادة نقد الذات، قدمت لنا كل لون من ألوان ~~الفن، من هوراس، إلى بوب، ومريمي، بل وملتن، ومانتجنا، وبوسان، ورن إلخ ~~...)، ومهما يكن من أمر فإن الرجل المتمدن شديد الحساسية للمؤثرات ~~الجمالية، ولهذه المؤثرات التي ليست من نوع واحد فحسب. إنه ينتقي منها. ~~إنه يميز في تقديره للتجارب الجمالية الجديدة ويتقبلها دائما. وبرغم ~~هذا، وبالرغم من أنه لا بد أن يكون معنيا كل العناية بالجمال والحق ~~والمعرفة، ممتلئ النفس بعرفان الجميل والتقدير الطبيعي للتعبير الجميل ~~عن النفس، فليس من شك في أنه أدق من الفنانين والمفكرين، والعلماء ~~المحترفين، شعورا بأن هناك أمورا أخرى في الحياة تستحق منه اهتماما ~~لا يقل عن اهتمامه بهذه الأمور شدة وحماسة. # وإذا لم يبلغ تعقله حدا يجعل منه فيلسوفا أو عالما متفرغا للعلم ~~أو الفلسفة، فلا أقل من أن يبصره بأهمية الفكر والمعرفة باعتبارها ~~وسائل لحالات عقلية محببة وللتقدم الذاتي. ومن ثم فإن الرجل الضالع في ~~المدنية يؤثر طلب العلم على أي شيء آخر. وميزته التي لا نزاع فيها هي ~~أنه يفتح الباب لعالم رغباته. التعلم والحساسية هما أثمن الأدوات لرجل ~~ذكي يبحث عن اللذة. فإن كان ذا حساسية وبغير معرفة، إن كان - لذلك - لا ~~يستطيع أن يربط تجاربه الشخصية بالحاضر والمستقبل، أو بقوى الطبيعة، إن ~~كان لا يستطيع البحث في أسباب ونتائج آرائه ومشاعره أو يتلاعب ~~بنظائرها، إن هذا الرجل مثله كمن يجرع النبيذ المختار طوال حياته دون ~~أن يقف لحظة عند رائحته، أو يستطعم عطره، أو يبتسم للونه. الرجل بغير ~~تعليم، إن لم يكن شديد الحساسية، يتحتم عليه أن يبقى على هامش التجربة، ~~يعوزه المفتاح لقصر اللذة الداخلي. إن كل فكرة وكل لون من ألوان الشعور ~~له من النغم الدقيق ما لا يطرق سمع الرجل الذي لم يتعلم. إن الاستمتاع ~~بكل واحدة منها عندما ترتفع، ومعرفة ما في الأماكن غير المطروقة ms102 من ~~خفايا غير منظورة، ورؤية موضوع من عدة زوايا مختلفة، وتصور المرء نفسه ~~في ظروف غير ظروفه، وشعوره إنه وريث العصور جميعا وإنه في الوقت ذاته ~~لاه مسكين ينفق الوقت ويتبرم به في غير طائل، وإدراكه أن الدكتور ~~جونسن مفخرة لبني جنسه، وهو في الوقت نفسه حمار مضحك أيضا - هذه هي ~~الملذات التي يجلبها التعليم، ولا يجلبها إلا التعليم وحده. وصدقوني ~~إنها كالشمبانيا أو الكافيار للحياة الروحية، بل وألذ من هذين الشبيهين ~~الماديين. # التعليم حاستنا السادسة، أما عن ذلك التلقين الفني الذي نسميه ~~بالتعليم أحيانا فليس له شأن فيما نتحدث عنه. إن له أهميته، ومن الخير ~~أن يتعلم البنون كيف يحصلون على أكبر قدر ممكن من اللبن من ست بقرات، ~~وأن تتعلم البنات إمساك دفاتر الحساب. إن مثل هذه المعرفة وسيلة للخير، ~~ووسيلة إلى المدنية كذلك، ولكنها وسيلة بعيدة، أما ما عدا ذلك، فإنه من ~~اضطراب الرأي أن نكرم تلقين ما هو مجرد وسيلة «للسير في الحياة» فنطلق ~~عليه اسم «التعليم» الذي هو «استخراج» استخراج لأدق ما لدينا من قوى. ~~وأنا أعلم أنه من الخطأ فلسفيا أن نصف هذا التعليم الحر بأن غايته ~~جمع المعارف، فالمعرفة - كما رأينا - لا تطلب كغاية، ولكن كوسيلة ~~لحالات عقلية لها قيمتها. إن المعرفة في حد ذاتها لا قيمة لها. ومع ذلك ~~فإن القول الشائع بأن الغرض من التعليم الحر هو إثارة حب الاستطلاع ~~لغير ما غرض، هذا القول ليس خطأ، لأنا نفهم منه أنه يعني أن التعليم ~~الحر لا يعين أحدا على «مواصلة السير في الحياة» أو على «النهوض» - أو ~~نقلا عن التعبير الإنجليزي الدقيق «جمع المال» - وإنما يعين على فهم ~~الحياة والاستمتاع بملذاتها الدقيقة. # إن الشخص المتمدن - رجلا كان أو امرأة - في هذا العصر من التاريخ ~~يجب ألا يصدمه أمر من الأمور. يجب أن تتلاشى هذه العلامة من علامات ~~الهمجية، وإذا كان التاريخ، بما يسجله خير عما فكر فيه وشعر به خيار ~~الناس وأحكمهم، وما يسجله عن حكم الاستبداد، وعن البلاهة، والمحرمات، ~~والعلوم، ms103 وبصورته عن الإنسان كشبكة من ردود الأفعال اللاشعورية، إذا ~~كان التاريخ - بهذه الصورة - لم يمكنا في القرن العشرين من التمييز ~~بين الحكم الخلقي والهزة الجثمانية، فإن اللوم لا يقع على «العقل». لقد ~~قيل: إن الآلهة نفسها عبثا ما حاربت الغباء. إن الصدمة النفسية معناها ~~أن العقل قد نزل عن عرشه، والحشمة المتكلفة - كالخوف - تحول بين ~~الإنسان وحكمه الذي لا انحياز فيه. وتجذبنا في هذا الاتجاه وذاك ~~الاتجاه، وتحيرنا في النتائج. حدثني ضباط المدفعية أنه في اللحظة التي ~~يفقد فيها الملاحظ أعصابه يفقد قواه في تصويب بندقيته نحو الهدف ~~تصويبا دقيقا، كما يفقد قواه في الحكم على أثرها في عدوه. عندئذ ~~يستولي الخوف على المرء ويتلاعب به كيفما شاء، ويحرف الحكم لمصلحته، ~~والحشمة المتكلفة لها أثر مشابه. ولو أن علماء التشريح تقززوا من منظر ~~جثة الإنسان، وأشاحوا عنها بوجوههم، وأبوا أن يتابعوا عملية التشريح، ~~لو أنهم فعلوا ذلك لبقينا إلى يومنا هذا في جهل بيولوجي مطبق، وكيف ~~يمكن لأولئك الذين يأبون أن يبحثوا - بل أن يتفهموا إن أمكن ذلك - في ~~الشاذ، أو غير المألوف، من الأذواق والعادات والميول وأنواع الإسراف ~~البدني والعاطفي - كيف يمكن لهؤلاء أن يعرفوا أي شيء من علم النفس أو ~~الأخلاق، لو أنهم ذعروا وصاحوا «لقد صدمنا». إنهم لن يفحصوا أسباب ما ~~يغمهم أو نتائجه. إنهم لا يرون قط الشيء نفسه بكليته في ثبات؛ لأن ~~نوعا من الغثيان الجثماني أو المحرمات البائدة - التي يسرهم أن يسموها ~~«تنكرا خلقيا» أو «إحساسا بالاحتشام» - يثور في نفوسهم ويعمي ~~أبصارهم. إنهم لا يستطيعون أن يمسوا الثعبان لأن أبدانهم تقشعر ~~لملمسه، وربما كان كذلك، وليس هذا مما يؤيدهم في شيء، ولا يجوز أن ~~يجعلوا من العجز البدني فضيلة، ولا يجوز أن يدينوا الثعبان ودارسيه من ~~أجل هذا، ولكنهم «مضطربون». وحقا إنهم ليضطربون، والوصف بهذه الكلمة ~~فيه حسن اختيار ما دام العقل ينبذ، وهم يعلمون أن الثعابين «مريعة» ~~وإن كان علماء الحيوان يؤكدون لهم أنها جميلة ومسلية، وهذه الحشمة ~~المتكلفة تختلف عن الخوف - الذي ms104 كثيرا ما يكون وسيلة للاحتفاظ بالذات، ~~وقد يقوم على العقل - تختلف عنه في أنها تعود بكليتها إلى الخرافة ~~حينما لا تكون مجرد غثيان بدني. إنها محنة لا تقابلها مزية، ونحن لا ~~نستطيع أن نتمنى استبعاد الخوف كلية، غير أننا لو استطعنا أن نخلص ~~أنفسنا من الاحتشام تقدمنا في ألف اتجاه ولم نتقهقر في اتجاه ~~واحد. # إن الرجل الكامل المدنية يعلو على تكلف الحشمة، وحيث إنه يرغب في ~~بلوغ الحقيقة فإنه يحاول أن يعلو كذلك على الغضب والهوى، فإن لهما نفس ~~الأثر في تقييد حرية التفكير. الرجل المتمدن متسامح متحرر. وليس معنى ~~ذلك أنه لا يحتد قط أو يشتطن وكما اكتشف أنه إذا أغلق أحد أبواب ~~العقل بالتحيز فلا مفر من أنه بذلك يصد بعضا من أكثر زائريه سحرا، ~~فكذلك سوف يدرك الرجل المتمدن أنه قل جدا من حوادث الغضب ما لا يمكن ~~إخضاعه للعلاج العقلي. وكما أن الجواب الهادئ يبدد الغضب، فكذلك تطفئ ~~روح الفكاهة نيران الغيظ. لا بد للرجل المتمدن من أن يكون حرا ~~متسامحا. # وإني لعلى يقين من أن أحدا لا يتصور أني حينما أقول «حرا» أفكر ~~في السياسة؛ فلسنا نعرف ماذا عسى أن تكون عليه الآراء السياسية للرجل ~~المتمدن، ولا نؤكد إلا أمرا واحدا؛ ستكون هذه الآراء النتيجة ~~المنطقية لفكرة واضحة عما يريده فعلا، وما يريده قد يكون الخير ~~المطلق، أو أن يكتفي بتوفير أسباب راحته بقدر المستطاع. وكلا الغرضين ~~هدف معقول، وكلاهما - مع حسن إدراكهما وصحة الرغبة فيهما - يمنعه من أن ~~يعلق أقل أهمية على تلك العبارة المذهلة التي يتلاعب بها الساسة ~~المحترفون. الحرية، والعدالة، والمساواة، والإخاء، والمقدسات، والحقوق، ~~والواجبات، والشرف، كل هذه الألفاظ الغالية قد تحمل معنى وقد لا تحمل ~~أي معنى. وسيان إن قلت إنك تؤيد مشروع قانون نقابات العمال لأنه عادل، ~~أو قلت إنك تؤيده لأنه غير عادل، فليس لهذا القول أو ذاك معنى؛ فإن ~~العدالة ليست غاية في حد ذاتها، إن العالم الذي يسوده العدل الشامل ولا ~~شيء غير هذا، عالم تافه ms105 كذلك الذي يسوده الظلم المطلق ولا شيء غير ذلك؛ ~~فإذا كنت تؤيد مشروع قانون نقابات العمال لأنه وسيلة بعيدة للخير ~~المطلق كان ذلك منك قولا جريئا وموقفا كريما (لأن النتيجة ترتكز ~~على مقدمات صحيحة، وليس عليك إلا أن تثبت أن النتيجة قد استنبطت ~~استنباطا طبيعيا) وكذلك إن أنت اعترضت على مشروع القانون لأنك تعتقد ~~أنه سيؤدي في النهاية إلى تخفيض ما تتناول من أجر كان ذلك سببا جميلا ~~جدا للمعارضة. أما إن أيدت القانون لأنه عادل، أو اعترضت عليه لأن ~~جائر، فأنت تؤيد أو تعترض لغير ما سبب صحيح، لغير ما سبب بتاتا. إن ~~السؤال الوحيد الذي يسأله الرجل المتمدن عن أي إجراء سياسي هو هذا «هل ~~هو وسيلة لما أريد، أو هل يؤدي إلى غير ما أريد؟» فإن أحدا لا يريد ~~العدالة أو المساواة في الفضاء، إنما هذه أمور - إن رغبت فيها إطلاقا ~~- رغبت فيها كوسائل، وهنا يتساءل الرجل المتمدن: وسائل لماذا؟ وبطبيعة ~~الحال، قد يحدث أن أرغب أنا وترغب أنت معي في غاية واحدة، ولكنا نختلف ~~فيما إذا كان قانون معين يصدره البرلمان يكون الوسيلة لهذه الغاية. هنا ~~يتسع المجال للجدل والتفسير. وأكثر من ذلك احتمالا أن ما يكون وسيلة ~~لما يريده رجل يكتسب أربعة جنيهات في الأسبوع لا يكون وسيلة لما يريده ~~رجل يكتسب عشرة آلاف جنيه في العام. وحيث إن الإجراء المقترح يحكم ~~عليه بمختلف المعايير، فإن الاتفاق النهائي لا أمل فيه، والتوفيق هو ~~خير ما نأمل فيه، ولكن في مثل هذه الحالة إذا أثار أحد الجانبين كلمات ~~خلابة «كالحقوق» و«الواجبات» أو إذا اتهم أحد الطرفين الآخر بالانحراف ~~عن الأخلاق، ما كان في ذلك من العقل أكثر مما يكون عندما يشتم لاعب ~~الكريكت في جامعة أكسفورد خصمه من كامبردج لأنه هزمه في اللعب. إن ~~أهداف الطرفين معقولة، ولكنها تختلف، وليس هناك مجال للكلام القارص. ~~وإنما ينشأ هذا المجال حينما يرغب غيرنا من الناس في الغاية التي نرغب ~~فيها، ولكنهم يستخدمون وسائل من الواضح أنها لا تؤدي ms106 في النهاية إلى ~~تحقيق الغاية؛ هؤلاء نسميهم أغبياء ولا نسميهم أشرارا. إن النقد ~~الخلقي لا يمكن قبوله في الجدل السياسي إلا إذا اتفق الجميع على ما ~~يكون خيرا كغاية ، وقد يكون ذلك ممكنا، واتفقوا كذلك على أن الإجراءات ~~السياسية وسائل لهذه الغاية، وليس ذلك أمرا ميسورا. هل زيادة راتبي ~~خمسين جنيها في العام يحتمل - في النهاية القصوى - أن تؤدي إلى زيادة ~~الخير المطلق - أي زيادة الحالات العقلية التي لها قيمتها - أكثر مما ~~يؤدي إليه إمداد ملاعب سنت بانكراس بتلال الرمال وصناديق الأوراق ~~المهملة؟ إنه سؤال دقيق لي فيه رأي محدد كما سيتبين لكم إذا طالعتم ~~كتابي حتى نهايته، ولكنكم سوف ترون كذلك أني لا آمل كثيرا في أن أحمل ~~كل إنسان على الاتفاق معي في الرأي. إن الرجل المتمدن من جميع الوجوه ~~يضع كل هذه الأمور في اعتباره، وهو وإن يكن شديد الاهتمام بشئون ~~السياسة أن يرجع إلى تلك المبادئ العتيقة الرنانة، ولن ينظر إلى رغبته ~~الطبيعية في الاستمساك بما لديه على أنها أحق من رغبة خصمه في الحصول ~~عليه لنفسه. إنه لا يخدع نفسه بالكلمات والعبارات. إن صاحب الملايين ~~المتمدن يتفق مع الحكومة الروسية الحالية لأنها تحرم الإضراب، ولو كان ~~مستر لانزبري متمدنا ما أعتقد من صميم قلبه أن أبناء دائرته ~~الانتخابية أحق بأجر العمل من دوق نورثمبرلاند بثروته. إن عجزنا عن أن ~~ندرك أن آمال الفرد أو مخاوفه الخاصة تتفق والخير المطلق - إن عجزنا ~~هذا يجعل من غير المحتمل للرجل الضالع في المدنية أن يظفر بالثقة في ~~انتخاب شعبي. # ولما كان الرجل المتمدن متسامحا لا يميل إلى التدخل في شئون ~~الآخرين، فلا بد أن يكون على سلوك حسن. أن إحساسه بالقيم يقنعه بأهمية ~~هذا السلوك في التنعم بالحياة، حتى إن لم يدله العقل على أنه ضروري ~~للمعرفة، فإذا كان فهمك الناس أجمعين يدعو إلى تسامحك معهم أجمعين، فإن ~~تسامحك يسير بك إلى منتصف الطريق في فهمهم. إذا طمأنت الرجل بحسن سلوكك ~~وجميل خطابك سرت على الدرب الذي يؤدي ms107 بك إلى تأسيس علاقات عاطفية، ~~وبذلك تيسر له أن يقدم خير ما عنده، وإن أنت أقمت تلك الحواجز التي ~~يصطلح على نبذها كل سلوك حسن، إن أنت فعلت ذلك أقمت بينك وبينه الشك، ~~والتوتر، والمضاربة، وتقرير الذات، وثق أنك لن تظفر بشيء أفضل مما ~~أعطيت. لا يغرينا شيء قط بالإفضاء بأعز أسرارنا للمتكبرين ناقصي ~~التربية. من أجل هذا ترى الرجل الدنيء، والوثاب، والمشاغب، مدعي العلم ~~الذي لا يوثق فيه، ومدعي الكمال الذي يفرض شخصيته - هؤلاء يتسللون في ~~هذه الحياة أو تجرفهم الحياة دون أن يتذوقوها. إن كل اتصالاتهم من جانب ~~واحد، وحينما يشتد الواحد منهم يستطيع أحيانا أن يقبض على ناصية ~~الحياة ويهزها هزا. ذلك أن الرجل الذي يحمل المشابك في أطراف يديه ~~يستطيع أحيانا أن يمسك بك من عقبك ويلقيك أرضا، ولكنه لا يستطيع أن ~~يدرك آلاف الهزات العاطفية العجيبة التي يحسها عندما يربت على كتف زميل ~~أو يضغط على كفيه. ليس من شك أن في الحياة كثيرا من الأمور الطيبة ~~يستطيع المرء أن يحققها بمجرد قوة الذهن والشخصية. غير أن هناك ما هو ~~خير منها - أو أدق منها على الأقل - لا تستطيع أن تشتريها بأقل ثمنا ~~من حسن السلوك. ومن هذه أفضلها الحديث - الحديث الحقيقي - تبادل ~~العواطف والآراء بين أفراد عزل من السلاح تماما، قلوبهم مطمئنة، أفراد ~~تخلو نفوسهم من الخوف ومن الريبة، كما يخلون من الأغراض، لا يسعى ~~الواحد منهم إلى فرض نفسه أو التظاهر بها، وإنما يسعى إلى الحقيقة عن ~~طريق اللذة، الحديث متعة لا يعرفها إلا المتمدن وحده. # الرجل الضالع في المدنية - بطبيعة الحال - لا بد أن يكون ذواقة في ~~الحياة. لا بد أن يميز، وأن تكون له حاجات معينة ورغبات معينة. إن ~~المدنية - ذلك المظهر المعقد من مظاهر الذكاء الفردي والحساسية ضد ~~غريزة القطيع، هذه المدنية لا تقبل قط المعايير المنحطة أو تخضع لسلطان ~~السوقة. إن الخراف الهمجية والنعاج البلهاء عبيد للسيد الذي يرتدي لباس ~~السهرة. تحدد لهم السوقة ما ينبغي أن يكون من ms108 اختيارهم الشخصي الخاص. ~~ينتقي لهم السادة هارود وسلفردج النبيذ والسيجار، والمعاطف، والأحذية ~~والقبعات والقمصان، ويعين لهم السادة هتشرد ومودي أي الكتب يقرءون، ~~ويمدهم تجار شارع بوند بالصور، كما يمدهم سر توماس بيتشم وسر هنري وود ~~بالموسيقى وحبوب الدواء، وسر أزولدسنتل وهوليود بالنكتة، والجمال، ~~والإحساس بالخيال. إن ملوك الأسواق الكبرى يصيحون فيهم قائلين: «هنا ~~أيتها السيدات والسادة في الإمبراطورية البريطانية، هنا خير الأصناف»، ~~وتقف سيدات وسادة الإمبراطورية البريطانية طائعين في الصف، ولا يجرؤ ~~على مواجهة هؤلاء المتعهدين بالتوريد الذين يقدمون السلع المزخرفة إلا ~~قليل من الضالعين في المدنية، قائلين لهم: إن ما يقدمونه لا يتفق وما ~~هم في حاجة إليه. # لكي يكون الرجل متمدنا يجب أن يكون لديه ذوق للاختيار والتقدير، ~~ولكني أذكركم مرة أخرى أنه لا ينبغي أن تكون لديه القدرة على الابتكار، ~~فإن ابتكر، فلا بد أن يحمل ابتكاره علامات المدنية، غير أن هذه ~~العلامات - ما دامت كلها عرضية لا تؤثر قط في القيمة الذاتية لعمله - ~~ليست مما يأبه له رجل يقدر الجمال خالصا، وإن تكن لها أهمية قصوى ~~للمؤرخين الذين يحاولون أن يكشفوا عن مميزات العصر الذي صيغت فيه، أو ~~الفنان الذي صاغها، وإذا كانت «الأوديسي» أعلى قدرا من «أغاني رولان»، ~~فليس مرد ذلك إلى أن الأولى تلونت بلون مدنية بازغة، والثانية بهمجية ~~آفلة. إن الفنان المتمدن يظهر في فنه مدنيته، إلا أن هذا المظهر ليس من ~~جوانب الفن التي لا محيص عنها. إن الرجل المتمدن لا يتصف بالخلق أكثر ~~مما يتصف به الرجل الهمجي، ولكن التمييز والتقدير الواعي من صفات الرجل ~~المتمدن، ومن العسير أن نحكم بالمدنية على الرجل الذي لا يتأثر البتة ~~بأي فن من الفنون. # ومهما يكن من أمر، فإن حياة المدنية إذا خلت من الإحساس الجمالي ~~المتصل العنيف تتعرض لخطر الفراغ. إن ملذات حياة المدنية تأملية في ~~أساسها، ومن بين التجارب التي يمارسها المرء خلال تأمله، ربما كانت ~~التجارب الجمالية أكثرها أهمية؛ لأنها وإن تكن أقل غزارة من العواطف ~~التي يستمدها المرء من صلاته ms109 الشخصية إلا أنها أشد تأكيدا وأكثر ~~دواما، وهذا الإيثار للتأمل (وأنا أستخدم الكلمة في أوسع معانيها) ~~وهو من أعز المميزات التي يستمدها المتمدنون من إحساسهم بالقيم، هو ~~الذي يعلل بغضهم المستمر للتدخل في شئون الآخرين، ذلك التدخل الذي ~~يسميه كتاب السير المتميزون «حياة العمل»، وواضح أن من ضروب النشاط ما ~~يمكن أن يكون وسائل للخير، وهذه الضروب لا مناص للرجل المتمدن من ~~تأييدها دائما، ومن ممارستها أحيانا، ولكن لما كانت حياته بالفعل ~~مليئة بوسائل الخير المباشرة، وما دام لديه من الصلات الشخصية ما ~~يستمتع به، ومن الجمال ما يتأمله، أو يبدعه، ومن الحق ما يسعى إليه، ~~فإنه يعزف دائما عن التضحية بهذا المحسوس في سبيل ما قد يتبين أنه وهم ~~من الأوهام. إنه يريد أن يعمل لكي يعيش - إن كان لا بد له من ذلك، ~~فالحياة وسيلة ضرورية من وسائل الخير. ولكنه بعدما يكفل بقاءه، يقف من ~~الحياة موقفا قابلا لا فاعلا. إن حياة العمل - في أحسن حالاتها - قد ~~تكون حياة حركة دائبة في السعي وراء ما قد يتبين أنه وسيلة من وسائل ~~الخير - الخير للعامل - أو على الأرجح - للآخرين، ولكن العمل في حد ~~ذاته عديم القيمة، وقلما تكون للحالة العقلية التي تتولد عنه أية قيمة. ~~وفي أكثر الأحيان يكون العمل باعثا على حالات عقلية سيئة بالنسبة إلى ~~العامل، وباعثا على الإزعاج المتواصل بالنسبة للآخرين. # لقد اعترفت بأن حياة العمل (ولست أسمي الحياة التي يكرسها صاحبها ~~لمجرد اكتساب القوت، حياة عمل - فالعامل الزراعي ليس رجلا من رجال ~~العمل) ربما كانت وسيلة من وسائل الخير، وبخاصة خير الآخرين، إلا أن ~~الأشخاص العاملين حقا - رجالا كانوا أو نساء - لا يشنون الحرب عادة ~~أو يقيمون المذابح، ولا يتسلطون على الضعيف ويستثيرون القوى، ولا ~~يتدخلون في شئون جيرانهم ويقلبون الدنيا رأسا على عقب - لا يفعلون ذلك ~~مدفوعين ببواعث الإيثار، إنهم لا يفعلون ذلك إلا لأنهم لا يستطيعون أن ~~يفرضوا شخصياتهم إلا بالعمل. إن ما يسمونه شخصا عمليا - رجلا كان ~~أو امرأة - ليس إلا فنانا ms110 شائها ناقصا، يتشوق إلى التعبير عن نفسه، ~~ولما كان لا يستطيع ذلك بالخلق والإبداع، فلا مناص له من التدخل في ~~شئون الآخرين. أمثال هؤلاء هم نكبتنا، وما أكثرهم. إنهم لا يكتفون ~~بالمحبة والصداقة، والحديث، وإبداع الجمال أو التأمل فيه، أو متابعة ~~الحق والمعرفة، أو إشباع حواسهم، أو باكتساب قوت يومهم في هدوء، بل لا ~~بد لهم من الظفر بالنفوذ، ولا بد أن يفرضوا أشخاصهم، ولا بد أن يتدخلوا ~~في شئون غيرهم. هم صانعو الأمم والإمبراطوريات، وهم الذين يخلون ~~بالسلام. هم مخرجو الإنسان من خير جوانبه. هم عمد الهمجية - أو إذا ~~تبعنا كتاب السير - هم عمد المجتمع. إنهم غير مهيئين للذات المدنية، ~~ولكنهم لا يسمحون لجيرانهم الذين كانوا أوفر منهم حظا في هذا السبيل ~~بالاستمتاع بها. لا بد لهم من فرض معاييرهم وطرقهم في الحياة. وأسوأ من ~~هذا كله أنهم يدفعون من بين من هم يسيرون في اتجاه المدنية بالطبيعة من ~~كان أقل وضوحا في بصيرته - يدفعون بهؤلاء إلى عمل يدفعون به عن ذواتهم ~~- أو قل يدفعون بهم إلى شبه الهمجية. # 1 # وعن هذه الحشرات تصدر تلك الدعوة الغالية، تقديس العمل؛ ~~كأن العمل يمكن أن يكون خيرا في حد ذاته. وعنهم تصدر الحروب، وأسباب ~~الاضطهاد، وقوانين الشرطة والتحقيقات الظالمة. إنهم يتوهمون أنهم ~~يستطيعون بالقوة أن يفرضوا على غيرهم المعتقدات والميول، وقد بلغ هؤلاء ~~الآخرون من الحماقة أنهم يصدقونهم. إنهم يستطيعون أن يفرضوا - بل إنهم ~~ليفرضون - التوحيد الظاهري، والنظام. إنهم ينظمون العداوة لكل ما ليس ~~بالشائع أو المألوف - أي لكل ما هو متميز نادر. لا شك أنهم قلة مسحوقة، ~~ولكن لما كانوا لا يحسنون عملا سوى السعي وراء السلطان، ولما كانت ~~الغالبية غبية وديعة، فإنهم يظفرون به عادة. # ولنعد إلى الرجل المتمدن. الرجل المتمدن مصنوع لا مطبوع. هو شخص ~~مصطنع، غير طبيعي. إنه يكون نفسه عامدا واعيا، وفي اعتباره الحصول ~~على خير وأدق الموجود والاستمتاع به. وبرغم هذا - بمعنى آخر - إنه وإن ~~يكن متكلفا في كل أموره، إلا أنه أقل الكائنات البشرية ms111 انحرافا، وهو ~~كذلك لأن استجاباته أقل انحيازا، ولكي نفهم هذا التناقض الظاهر يجب ~~علينا أن نسلط أذهاننا على صورتين: على الحياة، أو التجارب، باعتبارها ~~تيارا دائم التدفق، وعلى ذلك المجرى العجيب الذي نجريها فيه. وهو ~~الشخصية، والعجيب في الشخصية أنها تكيف وتتكيف بالتجارب، ولا تجد ~~شخصيتين في شكلهما الأصيل متطابقتين، ولكن خلال السنوات الأولى لحياة ~~كل إنسان تشكل الظروف والتربية الشخصية وتحورها - وأقصد بالشخصية ~~المجرى الذي يسري خلاله تيار التجارب. إنها تنسد وتتضخم من أثر الخرافة ~~المتخلفة أو تراكم العادات التي تلتوي هنا وتنبعج من فعل الأهواء ~~التقليدية، وأحيانا تعيد الثقافة تشكيلها قصدا. ولكي تقدر تقديرا ~~تاما قوة التيار الذي يمر بها وحرارته ونوعه، ولكي تسجل الدوامات ~~والأمواج التي تصطدم بها، ولكي تميز تمييزا واضحا بين التحاريق ~~والفيضان، يجب أن نحافظ في عناية تامة على نظافة هذه الأداة الدقيقة. ~~الشخصية (هذا الموصل للتجارب) تحتاج إلى الجلاء دائما، ولا يستطيع إلا ~~العقل وحده أن يؤدي هذه العملية الأساسية. العقل وحده يخلص الشخصية من ~~الآراء المتعصبة وردود الأفعال العنيفة، وذلك لكي نقاوم دائما ~~المعتقدات الثابتة وردود الأفعال الغريزية. شخصية الهمجي تتلوث ~~بالأهواء والمخاوف الخرافية. أما شخصية المتمدن فليست بالتأكيد تلك ~~الشخصية التي ولد بها، فقد طرقتها الأقدار وشكلتها التربية، ولكنها ~~شخصية نظيفة. ولا تحول بينه وبين الحياة محرمات بالية، أو عرف على غير ~~أساس أو مخاوف لا طائل تحتها، ومن ثم تتاح الفرصة لكي يمارس يوما ما ~~أمرا من الأمور مباشرة ممارسة كاملة وبشخصه، لا باعتباره مسيحيا أو ~~عابد شيطان، ولا باعتباره سيدا إنجليزيا أو من عامة قراء الصحف، ~~وإنما باعتباره الذاتي. # الرجل المتمدن لا يعبث بصفاته الموروثة حبا في توحيدها مع صفات ~~غيره، ولا من أجل الضمان العقلي والعاطفي - وهما من أهداف القطيع ~~الكبرى، ولا يحاول أن يعدل من هذه الصفات إلا حينما تحول بينه وبين ~~إدراك الحياة والاستمتاع بها. إنه يحاول أن يعالج نفسه من حدة الطبع ~~كما يحاول أن يعالج نفسه من لكنة اللسان. إنه يكافح ميول الغيرة كما ms112 ~~يكافح السل في بدايته. إن الميول الهمجية لا تعود بفائدة تدوم متعتها. ~~إنها تهدم السعادة كما تهدمها أمراض الأسنان. إنها تجعلنا نعاني معاناة ~~المرضى ونسلك سلوك المجانين. الرجل المتمدن يبذل كل جهده للتخلص من كل ~~ما يحول بين وعيه والحقيقة، كل ما يحرف الأحكام، كل ما يظلم البصيرة. ~~إنه يحاول أن يبدد الطبيعة بمعول التربية، وهو بهذه المحاولة إنسان ~~متكلف مصطنع. ولهذا فهو وإن كان لا ينبذ لذة من اللذات لأنها تنافي ~~المبادئ، إلا أن عادة التحليل عنده وإحساسه بالقيم سرعان ما تقنعه بأنه ~~يضحي بالأسمى في سبيل الأدنى إن هو سار وراء ميوله الطبيعية. إنه ~~يستبعد أو يحد من تذوق اللذات الدنيا، وإن بدا له أن الجشع يحد من ~~تأثره بالفكر والشعور تحكم في شهوته. الرجل الهمجي يأكل ويشرب حتى ~~يمرض، والرجل نصف المتمدن يفعل ذلك حتى يتبلد. أما الرجل المتمدن ~~فيحاول دائما أن يطور الطبيعة ومن المحتمل أن ينجح. يعزز من نفسه ~~ناحية ويمحو منها ناحية أخرى. إنه لا يقبل الطبيعة كما هي، ولست أرى ~~سببا يدعوه إلى هذا. أما أولئك الذين يقبلون الطبيعة على علاتها. ~~أولئك الذين يرفضون التدخل في هذه الآلهة، أولئك الذين عقدوا العزم على ~~استبعاد كل ما ليس بالطبيعي - هؤلاء أنصحهم بالعودة إلى الصواب بأسرع ~~ما تمكنهم قدراتهم الطبيعية. # هكذا أصور الرجل المتمدن. فهل تصدمك هذه الصورة ولا تلاقي عندك ~~عطفا؟ لم يكن من شأني أن أرسمها على غير هذا الشكل. وسواء رضيت عنها ~~أو لم ترض، وسواء ترققت فأسميتها «رسما تخطيطيا» أو نبذتها قطعا ~~لأنها «ضعيفة». سواء كان هذا أو ذاك فإني أعتقد أنك توافق على أن الشخص ~~الذي قصدت أن أصوره بها، هو في الواقع الشخص الذي نسميه متمدنا. إنه ~~ليس الرجل الطيب، وليس الرجل الطبيعي. إنه ليس الفنان، أو البطل، أو ~~القديس، أو الفيلسوف، ولكنه يقدر الفن، ويحترم الحق، ويعرف كيف ينبغي ~~أن يكون سلوكه. هدفه أن يستمتع بالحياة استمتاعا كاملا، وأن يستمتع ~~بها جملة وفي أدق نواحيها وأشدها خفاء. ووسيلته ms113 الأولى لتحقيق هذا ~~الهدف هي قوة الفكر والشعور، مهذبة إلى أقصى الحدود. إنه صاحب ذوق في ~~كل الأمور. تطلعه الذهني لا حد له، لا يخشى شيئا، ولا ينطوي على غرض . ~~إنه متسامح، متحرر، لا يصدم، وإذا لم يكن دائما ودودا ظريفا، فهو ~~على الأقل ليس شرسا، ولا مرتابا أو متعاليا، إنه ينتقي ملذاته ~~قصدا، ولا يحد انتقاءه خوف أو هوى. إنه يميز بين الوسائل والغايات، ~~ومن ثم تراه يقدر الأمور لدلالتها الوجدانية أكثر مما يقدرها لفائدتها ~~العملية. كل نفاق في الحديث عن «الحقوق» و«الواجبات» و«المقدسات» يهب ~~بعيدا عنه كالقش والرمال، يضايق ولا يؤذي. إحساسه بالقيم، حينما يوجهه ~~بذكائه، كالإبرة التي يفقأ بها الفقاعات المزيدة التي يثيرها الاستنكار ~~الخلقي. إنه ناقد، واع لنفسه، وهو على كل حال - إلى حد ما - يحلل ~~المواقف. ولا مناص له من أن يكون فذا فريدا، ولما كان واعيا لنفسه ~~كفرد كان قليل العطف على إجماع القطيع، ولما كان مهذب العقل والوجدان ~~والحس، فإنه يشق للحياة طريقا يزبل منه - على قدر المستطاع - ما ~~يعترضه من عادات وأهواء. كلا، إنه لن يكون طبيعيا أبدا. # إن النموذج الفذ للإنسان المتمدن قد يوجد - فيما أحسب - منفردا، ~~مستوحشا، مستكفيا بذاته، له قيمته الذاتية، ولكن الرجل المتمدن لا ~~يمسي ممدنا لغيره إلا عندما يجتمع حشد من المتمدنين. فجماعة المتمدنين ~~هي نواة المدنية. يقول فلتير: «في النهاية تتحكم الجماعة الطيبة في ~~الجميع في كل مكان». والجماعة طيبة كانت أو سيئة - لا بد أن تتألف من ~~أكثر من فرد واحد. وعندما توجد «الجماعة الطيبة»، أو نواة التمدين، ~~فإنها لا تسود - إن صح أن ننعتها بالسيادة - إلا بطلاء البيئة بلون ~~خفيف. وهذه البيئة - مدينة كانت أو دولة أو عصرا - لا يمكن أن يقال ~~عنها إنها أصبحت رفيعة المدنية (كبيئة) إلا عندما يصطبغ جانب عظيم من ~~جمهورها بهذه الصبغة الغالبة - وإن بقي هذا الجمهور على قدر كبير من ~~الهمجية إذا قسناه بتلك المعايير الدقيقة التي طبقتها على الأفراد، وفي ~~العصور المحظوظة والبقاع السعيدة نرى أن جانبا ms114 كبيرا من السكان قد ~~أبدى ميلا إلى المناظر والأصوات الجميلة، وبدت عليه علامات تدل على ~~تنبه إلى التطلع الذهني، كما أظهر قلقا من القيود الهمجية على الفكر ~~والشعور التي تدفع بالغالبية عادة إلى تخوم الحيوانية، وقام بتزيين ~~المدن كبار الفنانين الذين فضلت أعمالهم عن وعي وقصد على أعمال ~~الفنانين المتخلفين. وإني لأؤكد عن يقين أن تمثال مس كافل لم يكن ~~بالإمكان أن يعرض في أثينا لعهد بركليز أو فلورنسا المديشية، ولقد مرت ~~عصور بدأ كثير من الناس فيها يحسون ببغض الكذب والجهل، بغضا ينبني على ~~أساس عقلي وأساس جمالي في آن واحد، وفي القرن الثامن عشر سخر فلتير ~~متجاوبا مع الرأي العام من مؤلفين كان لديهم من العقل ما ليس لمستر ~~بلك أو سير آرثر كونان دويل، وفي ذلك العصر كان لا بد أن تكون جنازة ~~فالنتينو نفسه أقل روعة من جنازة سير إسحق نيوتن، وكان الأثينيون ~~يخصصون للفن أضخم اعتماد من الخزانة العامة، وكان الإيطاليون لعهد ~~النهضة يعدون رفائيل أعظم أمجادهم الوطنية، ومن أمثال هذه الريشات ~~يتبين المرء اتجاه الريح، ويؤكد لنا الفحص الدقيق صحة الانطباع الذي ~~تكون لدينا من أنه كانت هناك حقا جماعات سادها وانتشر فيها تقدير ~~عادل - وإن يكن غامضا - للقيم العليا ولما في الحياة من جميل الأشياء، ~~بل سادتها رغبة في متابعة هذه القيم والأشياء ولو على حساب إشباع ~~الرغبات الأكثر وضوحا وجلاء، وكان ذلك من فعل جماعة من الأفراد ~~الضالعين في المدنية؛ هذه الجماعة بتأثيرها في الجماهير لونت عصرها عن ~~غير قصد وبطريقة غير مباشرة في أكثر الأحيان. إن الجماعات الضالعة في ~~المدنية من رجال وسيدات هي التي نشرت الحضارة. # 2 # | كيف نصنع المدنية؟ # بقي أمامنا سؤالان، أولهما: هل نريد المدنية؟ وثانيهما: هل نستطيع أن ~~نظفر بها لو أردناها؟ # هل نريدها؟ هناك من الأسباب - إلى جانب ما يراه ساسة الدول المتحالفة ~~- ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن المدنية أمر مرغوب فيه؛ فهناك الاعتقاد ~~الراسخ في قلب كل رجل مهذب وكل امرأة مهذبة؛ لأن كل إنسان ms115 مهذب - رجلا ~~كان أو امرأة - يحس أن تلك العصور الذهبية - التي حاولت أن أشير إلى ~~صفاتها - كانت ذهبية حقا. وإنا جميعا لنشعر أنها كانت مما يشرف ~~التاريخ. ولا يمنع ذلك من وجود جماعة من الأذكياء يمتعهم أن يتغنوا ~~بجمال الهمجية، ومن العقلاء من يدرك عيوب المدنية ومفاتن الهمجية، وإنك ~~لتلمس بين أرقى المتمدنين ميلا - من حين إلى حين - للثورة على ~~تهذيبهم، وكثيرا ما تجد فيهم شيئا من السذاجة والحيوانية. إن في ~~العودة إلى الطبيعة عن طريق الفنون والحرف، وفلاحة البساتين وسوء فهم ~~فلتير، تناقضا يقبله عادة المتمدنون الذين يحسون الحاجة إلى دواء ~~مسكن - وليس هناك ما هو أقرب إلى الطبيعة من أن يؤلف أمثال هؤلاء ~~جماعات تتحسر في براعة وفي نغم جميل على ملذات الجهل المفقودة ونعمة ~~البلاهة الضائعة. ولا يدعونا البتة إلى الدهشة أن تنال هذه الجماعات ~~العطف الشديد، أو أن يمدهم بالمال أولئك الذين لبثوا على همجيتهم لأنهم ~~عجزوا عن أن يكونوا شيئا أفضل من ذلك - ومهما يكن من أمر فمن المرغوب ~~فيه أن يكون هؤلاء الأذكياء، هؤلاء الذين يبشرون بالحنين إلى العصر ~~الباليوليتك القديم ويجدون من يصغي إليهم، من المرغوب فيه أن يبلغ ~~بهؤلاء ذكاؤهم أن يدركوا أن هناك فارقا جسيما جدا بين نظرية يذكرها ~~صاحبها لمجرد الدعاية، وبين ما يعتقده المرء فعلا. إن كل إنسان ذكي ~~يدرك من صميم قلبه أن حياة المتوحش هي كما وصف هوبز - وذلك برغم ما ~~فيها من فنون النحت، ورقصات الحرب، وتبادل المودة، والأثداء السمراء، ~~وثمر الموز. إنها حياة لا يمكن لنا احتمالها لما فيها من مخاوف غير ~~طبيعية تحدق بالناس وتتهددهم، ولما تنطوي عليه من انعدام الاطمئنان ~~المادي، وانعدام التنوع - قد تهتز نفوسنا لما فيها من فنون خيالية ~~للبناء، وقد نعجب بمظهر التحمس للعقائد، ولكنا ندرك من صميم قلوبنا أن ~~العصور المظلمة كانت حقا مظلمة. إنا نعلم أن تلك الأيام الحالمة كانت ~~تقع علينا كالكابوس لو عشنا فيها، لما سادها من مخاوف مفزعة، وآلام لها ~~ما يبررها وما لا يبررها، ms116 ونقص في الأفكار الجديدة، وموانع عاطفية ~~وذهنية، وتهديد مستمر بالدمار الشامل - وبعد ذلك النموذج الطيب من ~~الهمجية الذي لمسناه بين أغسطس من عام 1914م ونوفمبر من عام 1918م، ~~عرفنا - نحن الذين نحن إلى العقل - أننا عدنا إلى الملذات المصطنعة ~~التي تتيحها لنا حفلات العشاء الحديثة، حيث نستطيع أن نجلس ونثور في ~~أمن واطمئنان ضد سكون الحياة المتمدنة الذي يخلو من دلائل البطولة، وفي ~~أفئدتنا إحساس بالتفريج عن النفس خفي، ولكنه بعيد الغور. # هذه العقيدة الملحة - التي تختفي كثيرا وتتستر أحيانا - بأن ~~المدنية أمر تشتد رغبتنا فيه، هذه العقيدة ربما كانت خير ما لدينا من ~~سبب يدعونا إلى افتراض أن المدنية شيء محبب إلى النفوس. وكل من يريد ~~لذلك سندا من الفلسفة يستطيع أن يلتمس هذا السند. فإن فلاسفة الأخلاق ~~يقولون له إنه ينبغي له أن يرغب في المدنية؛ إذ يبدو أن الفلاسفة على ~~اتفاق تام بأنه ليس هناك ما هو خير في حد ذاته سوى بعض حالات العقل ~~التي تبرز من بينها حالات الخلق والتأمل والتدبر والمحبة، ومن المؤكد ~~أن المدنية لا تقوم بما يعوق الخلق الفني، والفنانون يظهرون في ~~المجتمعات المتمدنة كما يظهرون في المجتمعات المتوحشة، والجو الذي يبلغ ~~فيه التكلف أقصاه قد يكون خانقا لأحد الفنانين، ولكنه لغيره مجال ~~للتنفس. إن نظرة إلى التاريخ تقنع كل من يستطيع قراءته أنه ليست هناك ~~علاقة معينة بين الإنتاج الفني لعصر من العصور، كما وكيفا (وإن كنت ~~لا أقصد الوصف السطحي) وبين درجة حضارة هذا العصر، وإذا كانت المدنية ~~أقل ملاءمة لنشوة العقيدة التي لا تستند إلى عقل، فهي - على الأقل - لا ~~تقاومها مقاومة إيجابية، فهي لا تمنح ولا تضطهد؛ في حين أنها تشجع ~~المتع النفسية الأخرى التي يحسها أولئك الذين يكرسون حياتهم للعلم، ~~والفلاسفة المتفكرون، وعلماء الرياضة، ورجال البحث، وكل باحث وكل مفكر ~~- وليس ذلك فحسب، بل إن المدنية كثيرا ما تكون وحدها العامل الذي يجعل ~~هذه المتعة ممكنة. أما حالات التقدير والتأمل، فهي من صميمها - وكذلك ~~العلاقات الشخصية. ولا ms117 ينكر في الواقع أن الرجل المتمدن الذي يبحث عن ~~المتعة الفائقة، هو بطبيعته - ولا بد له أن يكون كذلك - هاو لحالات ~~عقلية رائعة؛ ومن ثم فليباركه أساتذة الأخلاق. # ولكن المذاهب الأخلاقية عقيمة في أحسن حالاتها، وميل الأساتذة للخلط ~~بين الأخلاق وقواعد العرف كثيرا ما تجعلهم جماعة منفردة، بيد أنا ~~في ثورة غضب ضد هذه الجماعة ننادي بحرارة بأن أشور بانيبال كان محقا ~~في أنكيال # 1 # حينما نقش هذه العبارة التي استرعت نظر أرستوبولوس # 2 ~~«كلوا، واشربوا ... والعبوا. فإن ما خلا ذلك لا يساوي قلامة ~~ظفر». بيد أن أشوربانيال كان مخطئا، وسرعان ما تصبح الحياة التي يوصي ~~بها مملة كالحياة المثالية التي يوصي بها الأخلاقي المحترف؛ فإن ~~الإنسان الذكي لن يقنع طويلا بالملذات الحيوانية، وإنما هو يضع لذة ~~العقل والعاطفة في المقدمة ثم يضع الملذات الحسية في المؤخرة، فتكون ~~أساسا خلقيا فاتنا، وهذا هو المكان الذي تعينه لها المدنية على وجه ~~التحديد. # أما لماذا يرغب الناس في المدنية فسؤال آخر يجدر بي أن أجيب عنه؛ ما ~~هو الدافع الذي يخرج عددا معينا من المتوحشين عن حالتهم الطبيعية ~~التي تسودها الخرافة وغريزة القطيع إلى حالة التأمل والفردية؟ ليجب عن ~~هذا السؤال أولئك الذين يعرفون أنه لا بد أن يكون الباعث على هذا ~~الإخراج دافعا من الدوافع، ولا يدهشني إذا اكتشفوا ذات يوم أن هذا ~~الدافع الفريد لم يكن شيئا أفضل مما عرف عنا من تذوق للذة المجردة، ~~ومهما يكن من أمر فمن الممكن أن يرى الباحث أن المدنية كانت نتيجة لهذه ~~الرغبة العامة؛ لأنك لا تنكر أن أنبل رجل متوحش محروم من كثير من ~~ملذاتنا بسبب الخوف والجهل، سواء شاطرت هوبز الرأي أو لم تشاطره بأن ~~حياة الرجل الطبيعي قذرة وحشية قصيرة. الرجل المتوحش لا يستمتع البتة ~~بأية متعة من المتع التي يستمدها المرء من حرية التفكير، وقلما يستمتع ~~بالمتع التي تتولد عن الذوق، وليس من شك في أنه يستمد متعة من فنون ~~النحت والنسيج عنده، وليس من شك في أنه ينعم ms118 بنوع من أنواع الموسيقى - ~~وكل ذلك مما نقدره نحن أيضا. ولكنك لو عرضت على أنبل المتوحشين مسرحية ~~لأرستوفان أو شيكسبير أو راسين، أو فن الفسيفساء البيزنطي، أو بوسان، ~~أو الموسيقى الحديثة أو السمفوني ، أو حوارا دقيقا، أو حديثا فكها ~~ينم عن ذكاء، أو غزلا معقدا، إن أنت فعلت ذلك، اعترفت فما أظن - ~~بأن ضعف الثقافة يحرمه من ملذات اكتسبنا تذوق الاستمتاع بها. يقول ماك ~~كويدي: «المتوحش لا يضحك مطلقا»، وإني أعتقد أن ماك كويدي مخطئ، ولكني ~~أتصور أن المتوحش قلما يبتسم. إنه يفتح فاه ولا يرفع قط كتفا أو ~~حاجبا وليس للمتع الذهنية أو الظلال الدقيقة للعاطفة معنى لديه. ~~ملذاته محدودة تسير على وتيرة واحدة، وكم من الآلام يحتمل مما هو ضروري ~~وغير ضروري؛ ذلك لأن أقوى أسباب الألم، وألد أعداء المتعة هو الخرافة ~~والجهل والعاطفة التي لا سلطان لصاحبها عليها - وتلك هي مميزات الهمجية ~~الأساسية. إن الرجل الكاثوليكي الحديث، قد يكون بدينا نهما يتناول ~~اللحم والنبيذ، ويمتلئ قلبه بالحقد، ثم يجعجع قائلا إنه سعيد وإنه ~~مؤمن؛ بيد أنه برغم هذا لا يعتقد فعلا في الخرافة، وهو في ذلك يختلف ~~عن الرجل الهمجي. إن كان سعيدا فذلك لأنه يعتقد صادقا في أمور قليلة ~~سوى قدرته على الهضم، ولولا ما تقدمه له المدنية في الوقت الحاضر من ~~أمن وعلم، ما طال اعتقاده في هذه القدرة. إن عقيدته لم تبلغ بها ~~الحرارة أن يدرك ما هو الفزع الخرافي، ولكن الفلاح في العصور الوسطى ~~الذي كان يؤمن بأنه بمتابعة ميوله يسير رأسا إلى الجحيم المقيم، ~~والرجل الهمجي الذي يعيش خائفا من أن يقرب المحرمات - هؤلاء يعرفون ~~الفزع، ويقضون شطرا كبيرا من حياتهم في ألم واضطراب نفساني، وتستطيع ~~المدنية أن تنقذهم بأن تبين لهم أن الحياة شيء يستمتع به المرء، ثم ~~تبين لهم بعد ذلك كيف يستمتعون بها، وذلك بأن تخرجهم عن اعتزازهم بنعمة ~~الامتلاء والرضا بالراحة وبغض كل ما عداها - إن كان بهم أدنى ميل إلى ~~الملذات الدقيقة، كما تظهرهم المدنية كذلك على ms119 عالم من الآراء يكتشفونه ~~ومن العواطف يحسونه. المدنية - كالشيطان - تظهر المرء على كل ممالك ~~العالم - عالم الروح - في لحظة من الزمان، وتدفعه إلى امتلاكها، وربما ~~- بعد هذا كله - كان ذلك الدافع الخفي الذي كنا نبحث عنه هو الشيطان - ~~الذي عرف في بلاد أخرى وعصور أخرى باسم بروميثيوس. # ومهما يكن من أمر، فأنا على يقين، من أن كل امرئ قادر على فهم هذا ~~التعبير إذا خلص في الإجابة عن هذا السؤال: هل أريد المدنية؟ لم يجد ~~مفرا من الاعتراف بأنه يريدها (ولكن كم من الناس يستطيع الإدراك؟)، ~~وأنا أعرف كذلك أن الفلاسفة يقولون له أنه من الواجب عليه أن يريدها؛ ~~غير أنه فوق علمي أن أعرف إن كانت الأكثرية قد أرادت المدنية أو سوف ~~تريدها. أكثر الناس يريد اللذة، ولكنها لا تطيق بعد النظر، والمدنية ~~ليست بالطريق الواضح. إن الهمجي الذي أخذ الأرنب إلى بيته وطهاه كان ~~رجلا شاذا، ومن حسن حظي أنه ليس من شأني أن أحمل الأكثرية على ~~التنبؤ بالمستقبل، ولكن ما دمت قد حاولت أن أفسر ما عنيت بالمدنية، وما ~~دام ذلك غاية أرمي إليها، فسوف أسمح لنفسي بالإشارة إلى الوسائل. سوف ~~أرسم صورة عامة للأداة التي يستطيع بها الناس أن يخلقوا المدنية، إن ~~كانت المدنية ما يريده الناس. # الشعب المتمدن، الذي يتميز عن تلك النواة التي تضفي عليه المدنية، ~~يتألف من رجال ونساء يتخذ الجانب الأكبر منهم موقفا فيه شيء من النقد ~~للحياة، ويتصف بتذوق بدائي للتفوق والامتياز. إنه يحاول بصورة غير ~~مهذبة - وإن تكن واعية - أن يدرب نفسه على استغلال قوى التفكير والشعور ~~التي يمتلكها أكبر استغلال. وقد اكتشف أهل إسبرطة أن مجتمعا بأسره - ~~أو على الأصح الجانب الحر من هذا المجتمع - يمكن أن يدرب نفسه على ~~القتال، وكان الأثينيون - على قدر ما وصل إلينا من علم - أول من دربوا ~~أنفسهم، عامدين، على تقدير الحياة. هذا التدريب المقصود الواعي بنفسه ~~صفة مميزة من صفات المدنية. وما يترتب عليه من استمتاع، تلك الحالات ~~العقلية الطيبة التي تنجم ms120 عنه، هو الغاية التي تعتبر المدنية إحدى ~~وسائلها. وأقول: «إحدى الوسائل» لأن المدنية وإن كانت أخصب ما نعرف من ~~وسائل إلا أنها ليست الوسيلة الوحيدة للخير، وهذه الوسيلة - التي تؤدي ~~على الأرجح إلى الخير - التي استطاعت فطنة الإنسان (حتى الآن) أن ~~تبدعها - كما رأينا - ليست سوى ذلك اللون الذي تضفيه على المجتمع نواة ~~قوية - وإن تكن صغيرة - من الأفراد الضالعين في المدنية. ومن ثم فإن ~~الجماعة التي تريد أن تمدن نفسها لا بد أن تكتشف أولا - ثم تنشئ ~~ثانيا - تلك الظروف التي تلائم إنتاج الممدنين. # لا يستطيع # 3 # امرؤ أن يتفوق في المدنية - وسوف أستعمل منذ الآن «التفوق ~~في المدنية» تعبيرا أميز به بين الممدنين ومجرد المتمدنين الذين ~~يتلونون بلونهم - أقول: لا يستطيع امرؤ أن يتفوق في المدنية دون أن ~~يتوفر له قسط كاف من الأمن المادي. والواقع أن الدولة لم تخرج إلى حيز ~~الوجود إلا نتيجة للرغبة في الأمن المادي. وأرجو ألا تسارعوا فتحسبوا ~~أن الأمن المادي وحده يستطيع أن ينتج أي لون من ألوان المدنية - ولنذكر ~~الجماعات التي تتميز بحسن التنظيم في العالم الحديث؛ غير أن المرء إن ~~أراد أن يحيا حياة متفوقة في المدنية لا بد أن يتوفر له الطعام، ~~والدفء، والمأوى، والمجال، والفراغ، والحرية، ولذا فهنا - من أول الأمر ~~- يواجه الرجل الذي يحب الإنسانية ويتحمس لها، والذي يتأثر بفصاحتي ~~فيصمم على أن يكرس قدراته السياسية لرفع شأن المدنية - يواجه هذا الرجل ~~سؤالا عاجلا شاذا وذلك هو: كيف نستطيع أن نمد القلة الممدنة ~~بالأمن والفراغ اللازمين إلا على حساب الكثرة؟ # والجواب إنه ليست هناك وسيلة أخرى نمدهم بها: أن مواطنيهم ينبغي لهم ~~أن يعولوهم كما فعلوا من قبل دائما. المدنية تحتاج إلى طبقة فارغة، ~~والطبقة الفارغة تحتاج إلى وجود الرقيق - أعني أولئك الذين يخصصون ~~جانبا من فائض وقتهم ونشاطهم لعول غيرهم؛ فإن أحسست أن مثل هذه ~~التفرقة لا يمكن احتمالها، فلتكن شجاعا وتعترف أنك تستطيع أن تستغني ~~عن المدنية، وإن المساواة - لا الخير - هي ما تريد. إن ms121 المساواة التامة ~~بين البشر لا تتفق إلا مع الهمجية التامة، ولكن ليذكر من يزعم حب ~~الإنسانية - قبل أن يدعو إلى الهمجية - أن بين الناس من يرغب في الخدمة ~~أو أن بينهم - إن شاء - من يرضى بالتضحية في سبيل مثل أعلى. # ومهما يكن من أمر، فإنه من الواضح أن المرء لكي يكون كامل المدنية، ~~ولكي يمارس أعمق الحالات العقلية وأروعها لا بد له من الأمن والفراغ. ~~لا بد أن يتوفر له ما يكفي لطعامه وشرابه، وما يضمن له ذلك. ولا بد أن ~~يتوفر له الدفء، والمأوى، وشيء من المجال، وكل ضرورات الحياة وبعض ما ~~فيها من أسباب الترف. والفراغ كذلك ضروري. لا بد له من الفراغ لكي يربي ~~نفسه على الاستمتاع بالخيرات، ومن الفراغ ما يمكنه من متابعة الاستمتاع ~~بها، وكذلك يجب أن تتوفر له الحرية، الحرية الاقتصادية التي ترفعه فوق ~~مستوى الظروف التي تحطم الروح، وتسمح له بالعيش كيفما وحيثما أراد، ~~والحرية الروحية - حرية التفكير والشعور والتعبير والتجربة، يجب أن ~~تتوفر له الحرية لكي ينمي قابليته، وأن يضعها دائما في طريق المغامرة. ~~إن المرء لكي يظفر بخير ما في الحياة يجب أن يعيش من أجل خير ما ~~فيها. # بيد أن الأمن المادي والفراغ والحرية، كلها - لسوء الحظ - تتطلب ~~المال والمال في النهاية لا يمكن الحصول عليه إلا بالعمل المنتج؛ إلا ~~إن كل ضروب كسب المال تقريبا عقبة في سبيل حالات العقل الغزيرة ~~الدقيقة؛ لأن جميعها تقريبا تتعب الجسم وتبلد الذهن، ويؤكد هذه ~~الحقيقة الثابتة مثل الفنانين، الذين يكف أكثرهم عن الخلق بتاتا إذا ~~اضطروا إلى العمل في تحطيم الأحجار أو جمع الأرقام ست أو سبع ساعات كل ~~يوم، ثم إن الرجل الذي يتعلم كيف يكسب العيش لا يمكن أن نحسن تربيته ~~على استغلال الحياة على أحسن وجه؛ فلكي نتيح للشاب أن يمارس خير ما في ~~الحياة لا بد له من تربية حرة محكمة حتى سن الرابعة والعشرين أو ~~الخامسة والعشرين، تبقى في نهايتها الحاجة إلى الفراغ شديدة الإلحاح؛ ~~لأن الإحساسات ms122 المرهفة عالية التدريب لا تعيش إلا في ظروف حرة فسيحة. ~~كم من ألوف المحامين، وموظفي الحكومة، ورجال الأعمال، الذين تخرجوا في ~~أكسفورد أو كمبردج مؤهلين للاستمتاع بخير ما في الحياة، كم من هؤلاء ~~أمسى - بعد ثلاثين عاما من النجاح المتواصل، عاجزا عن الاستمتاع بأي ~~شيء يفضل نشوة الخمر أو الصداقة العاطفية، أو الروايات الرخيصة، أو ~~الصور الأرخص، أو الموسيقى الشعبية، أو الصور المتحركة، أو الجولف، أو ~~ما يروى في غرفة التدخين من حكايات، أو الأمر والنهي، أما عن العمل ~~البدني، فإن من يزعم أنه بعد عمل يوم كامل في الحفر أو السباكة، أو ~~الصيد والقنص، يكون في حالة تمكنه من استساغة نواحي النشاط الروحي الذي ~~تتميز بدقتها، من يزعم ذلك فإنه يقول كلاما ليس له معنى. # بل أكثر من ذلك أن توفر الأمن والفراغ والحرية وحده يمكن أن يعطي ~~المرء ذلك الإحساس بالاطمئنان وتلك النخوة التي لا تبلغ الحياة بغيرها ~~أو في مراحل تطورها وأعلاها، ولا يعرف كيف ينفق المال - على وجه العموم ~~- إلا أولئك الذين لم يضطروا قط لكسب المال؛ أولئك وحدهم لا يزنون ~~المال بأكثر مما يستحق - فهو وسيلة لما يريدون، وإذا كان التحرر من ~~العمل الشاق وحده هو الذي يبقي على المرء حدة ذهنه، فإن الاستقلال وحده ~~هو الذي يعطي المرء الشجاعة على استخدامه، فلا يحتفظ بقوة الفكر ~~والشعور بإخلاص مطلق إزاء كل موضوع إلا أولئك الذين لم يضطروا قط إلى ~~إرضاء سيد أو التقرب إلى زميل. أولئك وحدهم يعرفون كيف يتخلصون من ~~الغرض تماما، وكيف لا يخضعون البتة للأهواء، وكيف يتابعون فكرة دون ~~النظر يمنة ويسرة ليتثبتوا من ملابساتها العملية، وكيف لا تؤذيهم ~~ضمائرهم في اتباع المنطق، وكيف لا ينزلون عن شيء من ميولهم. هل يمكن ~~لقائد من قواد الصناعة مهما يكن ذكيا أن يتجرد من الأهواء تماما ~~حينما يناقش الاقتصاد السياسي؟ وهل يمكن لأسمي أفلاطوني - إن كان كذلك ~~معلما مأجورا لليونانية - أن يحكم على التربية الكلاسيكية بمزاياها ~~فحسب؟ بل إن الاشتراكيين أنفسهم - إن كانوا كذلك ms123 من صغار العمال ~~المأجورين - لا يستطيعون أن يفكروا بعقول متحررة في الموضوع الذي نجادل ~~فيه: هل تتفق المساواة الاقتصادية مع أعلى درجات الخير؟ في حين أن ~~الاشتراكية نفسها من ابتداع المفكرين من الطبقة المتفرغة ، وأولئك ~~أساسا هم الذين دفعوها إلى ميدان السياسة العملية. # إن وجود طبقة متفرغة لا بد منه كوسيلة للخير ووسيلة للمدنية؛ أي إن ~~الرجال والنساء الذين تتألف منهم تلك النواة التي تشع المدنية منها لا ~~بد أن يتوفر لهم الأمن والفراغ، والحرية الاقتصادية، وحرية التفكير ~~والشعور والتجربة. إذا أراد المجتمع المدنية فلا مناص له من أن يدفع ~~ثمنها. لا بد له من أن يعول طبقة متفرغة كما يعول المدارس والجامعات، ~~والمتاحف ومعارض الصور، ويقتضي ذلك التفرقة - التفرقة كوسيلة للخير. إن ~~المدنية كلها استندت إلى هذه التفرقة. فكان للأثينيين عبيدهم، وكان ~~العمال المأجورون الذين ليس لهم حق التصويت في فلورنسة يقومون بأود ~~الطبقة التي أسبغت على فلورنسة ثقافتها، ولا يستمتع بنعمة العدل ~~الاجتماعي سوى الإسكيمو ومن إليهم. لا غنى لنا عن طبقة متفرغة إذ قل من ~~الناس من يولد قادرا على أن يكشف لنفسه عن عالم الفكر والشعور الذي ~~تنبثق منه خير ملذاتنا، وإن قدرات هذه الفئة لتفسد إذا لم تلق الرعاية ~~وتصبح بذورا في العراء، ثم إن المجتمع لكي يتمدن ينبغي أن يتشبع وأن ~~يتغذى دائما بالتأثير اللاشعوري لهذه الفئة الممتازة التي تشع منها ~~المدنية. يجب أن تلقن الغالبية أن عالم الفكر والشعور موجود، ويجب أن ~~تطلع - وهي تكمن خلف عالم مملول من المنفعة العملية - على أهمية العالم ~~العاطفي، وواجب القلة الممتازة أن تشير إلى الطريق. إن أفراد هذه القلة ~~الضالعة في المدنية لا ترشد ولا تحاضر، وإنما تكتفي بأن تحيا حياتها، ~~وسيتبين من عيشهم أن لهم ملذات ورغبات، وقيم ومعايير، وموقف من الحياة، ~~ووجهة نظر، تختلف عما يتصف به الجمهور العامل. إنهم بعيشهم عيشة سلبية ~~يصبحون عوامل إيجابية للخير. إذ إنه عندما يظهر أن القلة قد اكتشفت ~~متعا غزيرة مشبعة لم يتنبه إليها الباحثون عن اللذة ms124 ممن هم أقصر نظرا ~~وأقل موهبة، عندئذ تبدأ الكثرة في التساؤل، فتراهم يتساءلون: أليست ~~هناك ملذات تفضل ما لدينا؟ هل يمكن حقا أن يعني الفن والفكر ونشاط ~~الذكاء والخيال والعلاقات الشخصية الدقيقة لهؤلاء الأفذاذ أكثر مما ~~يعني سباق الخيل وسباق الزوارق، والصيد، وكرة القدم، والسينما ~~والويسكي؟ سوف يتبين ذات يوم مشهود وبغير لبس أو غموض أن ألوان النشاط ~~الأولى تعني فعلا أكثر مما تعني ألوان النشاط الثانية، وإن هناك من ~~الناس من يستطيع الثانية، ولكنه يؤثر الأولى. ويدعونا ذلك إلى التفكير. ~~وقد يظهر بين الحين والحين من الهمجيين من يمعن في البحث والتساؤل. ~~فيساوره الشك والقلق إزاء تلك الملذات الواضحة التي كان يسلم دائما ~~بتفوقها. فهل لا يمكن أن تكون الملذات التي لا يسهل اكتسابها أفضل في ~~السعي وراءها؟ فيهب عليه عبق المدنية خفيفا، كما تهب أحيانا رائحة ~~الحشيش الجاف ذات مساء صائف في أخريات شهر يونية على الأحياء الفقيرة ~~في الضواحي؛ فيشتم في هذا العبق بصورة غامضة رائحة طيبة - أو على الأقل ~~رائحة تفضل ما كان يهب عليه من قبل - وإذ هو يخترق الميدان العام الذي ~~عبره من قبل ألف مرة يفاجئه إحساس بالسعادة لا يستطيع تفسيره، ويجد ~~نفسه وقد وقف يحدق في نافورة جميلة، وشعر بالخجل لهذا الذهول الذي ~~أصابه. وقد يحدث بعد ذلك أي شيء، وقد يغلبه شعور مفاجئ بالرضى حينما ~~يكتشف تناقضا في الصحيفة التي كان يقرؤها حتى ذلك الحين مبجلا لما ~~تحتويه غير ناقد لما فيها، وعلى ناصية إحدى الطرقات قد يستمع إلى خطيب ~~يستنكر بشدة قيام حكومة أجنبية بعمل فشلت حكومته هو في أدائه ليجد في ~~هذا الاستنكار تسلية أكثر مما يجد فيه إحقاقا للحق، وقد يتبين له بغتة ~~أن ما صرح ببطلانه أو بمنافاته للأخلاق أحد الأساقفة أو القضاة لا يقوم ~~على أساس؛ فيجد هذا الهمجي ذات يوم - من أثر المباغتة السارة - أنه ~~يسخر مع بوكاشيو من الرهبان. # ويبدو لي أن الرأي القائل بأن الطبقة المتفرغة وحدها هي التي تتولد ~~عنها فئة ممتازة ms125 متفوقة في المدنية وناشرة لها، يبدو لي أن هذا الرأي ~~تؤيده الحجج الدامغة ويتمخض عنه التاريخ؛ ففي أثينا وفلورنسة وفرنسا ~~في القرن الثامن عشر كانت هناك طبقة دنيا مأجورة تقوم بالعمل الوضيع، ~~والظاهر أن محبي الإنسانية ينسون أن الثقافة الأثينية كان يعولها ~~العبيد؛ بيد أن من يريد أن يكشف الظروف الضرورية لقيام المدنية يجب ~~ألا ينسى، ويجب أن يذكر أن ثلثي - إن لم يكن ثلاثة أرباع - السكان في ~~إتكا كانوا عبيدا، ويجب ألا ينسى أن القبيادس كان استثناء. كانت في ~~أثينا قلة من الأغنياء، وليس هناك تنافر بين المدنية والاشتراكية: إن ~~الدولة الاشتراكية إن أرادت أن تتمدن لا بد لها من أن تعول طبقة عاطلة ~~عن العمل كوسيلة من وسائل الخير، كما لا بد لها أن تعول المدارس ~~والمعامل، والسؤال الوحيد هو كيف ننتقي هذه الطبقة. إنها في الوقت ~~الحاضر تختار بالوراثة، وهو نظام فيه إسراف شديد. ليس هناك ما يدعونا ~~إلى الفرض بأن أبناء الأغنياء أفذاذ في الذكاء والحساسية، والواقع أن ~~نسبة الطبقة المتفرغة الحالية التي يمكن وصفها «بالتفوق في المدنية» ~~ضئيلة إلى حد بعيد. إن إنجلترا الحديثة تعول جمهورا من العاطلين ليس ~~من بينهم عدد من الرجال والنساء المتفوقين في المدنية يمكن أن تتألف ~~منه نواة تمدين. ومن الواضح أن مثل هذا النظام غير اقتصادي، ونستطيع أن ~~نفترض - دون أن يكون تفاؤلنا في غير موضعه - أن المستقبل يمكنه أن ~~يبتكر طريقة من الطرق تستبعد من الطبقة المتفرغة على الأقل ثلثي أولئك ~~الذين تحمل أسماؤهم أسمى الألقاب والذين تتحلى بصورهم المجلات ~~الأسبوعية، وأعتقد أنا نستطيع أن نخفض تكاليف الإنفاق على نواة ~~العاطلين إلى حد كبير دون أن نضحي بما هو أثمن من آسكت وكاوز، وليس من ~~شأني هنا أن أرسم الوسيلة لذلك؛ فالمشروعات في ذهن كل فرد، ونستطيع أن ~~نقول كلمة عن امتحانات المسابقة، نستطيع أن ننقل إلى الطبقة المتفرغة ~~التي تنفق عليها الدولة أوائل الطلبة والطالبات في مدارس الدولة كل ~~عام، وإن كنت مثل تعتقد أن من المهم ms126 أن يبدأ إعداد أبناء الطبقة ~~الممتازة منذ ميلادهم، فليكن الاختيار بالاقتراع. إنك لو اخترت الطفل ~~الذي يكون ترتيبه الألفين بين أقرانه وجعلته عضوا، فإنك سوف تحقق ~~بالتأكيد نتيجة تفضل ما تحققه من النظام الحاضر ، وأذكر كذلك أنه ليس من ~~الضروري أن يكون العاطلون عن العمل جميعا الذين يقع عليهم اختيارك من ~~الطبقة الرفيعة؛ غير أنه من الضروري أن تكون النسبة المختارة كافية؛ ~~فإن أية طريقة تسلكها لا بد أن تؤدي بك إلى أفراد يثبت فيهم سوء ~~الاختيار؛ بيد أن ذلك ليس بأمر ذي بال؛ فالعدد مهما انخفض لا يؤثر في ~~الهدف الأساسي، وهو أن تكون هناك طبقة من الرجال والنساء الذين لا يطلب ~~منهم شيء ما - حتى أن يبرروا وجودهم؛ ذلك لأن كثيرا من أصحاب الفضل ~~على الإنسانية، وأكثر كبار الفنانين والمفكرين، وأكثر المبشرين ~~بالمدنية ممن لا تذكر أسماؤهم من غير شك، أكثر هؤلاء لم يبرروا وجودهم ~~في أعين أغلب معاصريهم. إن عصرهم لم يستطع - على وجه العموم - أن يقدر ~~خدماتهم، ولم يمكنهم من البقاء سوى وجود طبقة متفرغة كانوا ينتمون ~~إليها أو وجدوا من بين أفرادها من يرعاهم، ومن ثم كان وجود طبقة ~~متفرغة مستقلة تمام الاستقلال ليس عليها أي التزام، الشرط الأول، لا ~~للمدنية فحسب، ولكن لأي مجتمع له نوع من الكرامة. إن أعلى الأمور قيمة ~~وأشدها مشقة لا يؤدي بالإرغام، بل ولا يؤدي بدافع من الإحساس بالواجب، ~~ولكنك إن خلقت طبقة لا تتطلب منها شيئا، فكن على يقين أنه سيخرج من ~~بينها أولئك الذين يقدمون لنا الكثير. # وأرجو ألا تحسب تلك الفئة التي تتقاضى أجورا مرتفعة من هذه الطبقة ~~المتفرغة، فإن أولئك الذين يكسبون الألوف العديدة من الأموال كل عام عن ~~طريق تجارتهم أو مهنتهم أو خدماتهم، لا يفضلون في شيء العبيد الذين ~~تغدق عليهم الأجور، وهنالك بطبيعة الحال لهذه القاعدة استثناء، ولكن ~~هؤلاء الذين يشذون عن القاعدة يصبحون - عادة - بطبيعة حياتهم عاجزين عن ~~بلوغ كمال المدنية شأنهم في ذلك شأن العامل اليدوي الذي يعجز كذلك ~~بطبيعة ms127 عمله، والواقع أنه إذا ما أمسى من أولئك الذين يطلق عليهم «قادة ~~الصناعة» أو «كبار مستخدمي العمال» فإنه كسيد يكون أقل مكانة من الرجل ~~العادي. لأن مستخدم العمال والصانع الكبير، بل والصانع الصغير، يميل - ~~في هذا الشأن - إلى اكتساب شهوة الحكم، والاعتقاد في النجاح كمعيار ~~للقيم، وإحساس بأهمية ما يقوم به من عمل، مما يباعد بصفة خاصة بينه ~~وبين التفكير الواضح والشعور الدقيق، ومن ظريف التعليقات على التفكير ~~السياسي الحديث أننا نميز في فرض الضريبة بين الدخل المكتسب والمال غير ~~المكتسب، ونؤثر الأول في المعاملة. إن الرجل الذي يكتسب ماله يستعمله ~~عادة وسيلة للاستزادة منه، ووسيلة للنفوذ، والاعتبار، والتظاهر، ~~والملذات الحيوانية والمتع البربرية. يجب أن تبحث عن تلك الطبقة ~~المتفرغة التي تستخدم المال وسيلة للخير بين أولئك الذين يتناولون ~~دخلا غير مكتسب. إن الرجل الذي يكسب المال يميل إلى الجمود، وقسوة ~~القلب، وضيق الأفق، وانقباض النفس. إنه يتمسك بما يحصل عليه في عنوة ~~وشراسة، ولا يكف عن محاولة الاستزادة. إن أكثر نظريات الحرية ~~والاشتراكية والثورة صدرت عن الرجال المتفرغين، بل عنهم كذلك صدر ذلك ~~التشكك في حق الفرد في الملكية أو النفوذ الذي يكاد اليوم أن يكون صفة ~~من صفات الثقافة. وقلما يكون للدخل المكتسب أي نفع كبير لغير صاحبه ~~- وهو كذلك كرأس مال مجرد في يد الدولة. في حين أن جانبا كبيرا من ~~الدخل غير المكتسب كان دائما يخصص لعول أولئك الذين يقدمون للبشرية ~~أكبر الفوائد من عملهم الذي لا يعود عليهم بالربح الوافر؛ فإذا كان ~~المبدأ الأساسي في فرض الضرائب هو امتصاص دخل الطبقة المتفرغة لمصلحة ~~كاسبي الأجور - صغارا كانوا أو كبارا - فإنما يدل ذلك على أن العصر ~~ناقص المدنية. # يشير رينان في مقال شهير له - بما يدلي من أسباب مقنعة كعادته - إلى ~~أن الوظيفة الحقيقية للطبقة المتفرغة هي أن تبتعد عن مجرى الأمور وتكرس ~~نفسها للاحتفاظ بالمعايير السليمة وذلك بتضحيتهم بالنافع في سبيل ~~الحسن، وبمحافظتهم على كرامة ما في الحياة من أمور رقيقة عسيرة المنال. ~~الطبقة المتفرغة ms128 التي تشب على عادة الاستقلال، هي في رأيه شرط ملازم ~~للمدنية، وإني بطبيعة الحال إلى هذا الحد أتفق معه؛ غير أنه في رأيي لا ~~يقف على أرض صلبة حينما يخلص من ذلك - تلميحا لا تصريحا - إلى أن ~~الطبقة المتفرغة - إن كان لا بد من بقائها - يجب أن تحكم، ولست أرى ~~لذلك ضرورة، بل على العكس من ذلك يبدو لي من العسير إن لم يكن من ~~المستحيل لأي إنسان يشغله السلطان مباشرة وبدرجة قصوى أن يكون كامل ~~المدنية. أليس من تناقض العبارة أن نقول: «الطبقة الحاكمة المتفرغة»؟ ~~إني أرجح إن ما كان بذهن رينان أرستقراطية تنقسم قسمين: طبقة متفرغة ~~وطبقة حاكمة، تنشآن على تقاليد واحدة، وتختلطان في كل موقف من المواقف، ~~وليس من شك في أن هذه الطبقة تؤدي إلى المدنية، فهي تمهد السبيل لقيام ~~طبقة متفرغة وأخرى حاكمة تعطف عليها. وقد كانت فرنسا تقوم على هذا ~~النظام خلال المائة وثلاثين عاما من مدنيتها العالية - بالرغم من أن ~~لويس الرابع عشر قد استمد أكثر رجال إدارته من طبقة لم تكن نبيلة ~~اصطلاحا. ويمكننا بسهولة أن نقسم الأرستقراطية إلى طبقة عاملة وطبقة ~~مفكرة. والطبقة الأخيرة هي التي تمدنا بالمدنية، وأما الأولى فتمدنا ~~بالحكومة. بيد أنه مما يفتقر إلى إثبات أن يكون الأرستقراط العاملون ~~خير الحكام - ولست أقطع في هذا برأي يؤيد أن يعارض، ومن الواضح أنه ~~يجدر بالفئة التي تنشر المدنية ألا تكون لها كلمة في الحكم ما دامت ~~السلطة - كما رأينا - يحتمل أن تعبث بقدرات المرء الدقيقة. وهناك من ~~ناحية أخرى خطر ارتآه رينان من أنه ما لم يكن للحكام تقاليد ومعتقدات ~~وتعاطف ومصالح مادية يشتركون فيها مع ناشري المدنية، فإن الإنسان بحقده ~~وغبائه - وفي ثورته على هذا الاعتراف العام المكلف بالتفرقة بين الناس ~~- يرفض أن يقيم أود الطبقة المتفرغة، فيسمح للمجتمع أن ينزلق إلى ~~الهمجية التي يتساوى فيها الجمع وبحكم فيها الجميع، ومن ثم ينشأ هذا ~~السؤال: أي أنواع الحكم أكثر ملاءمة للمدنية؟ وهو سؤال تكاد أن تستحيل ~~إجابته. # إن ms129 أي نظام للحكم قد يكون ملائما بشرط أن يمد عددا كافيا من ~~الأطفال بالتعليم الحر الكامل من جميع الوجوه، وبشرط الإنفاق على هؤلاء ~~الأطفال طوال حياتهم، وأن تضمن لهم دخلا يكفي حاجاتهم الثقافية، وبشرط ~~- قبل كل شيء آخر - ألا تطلب إليهم أداء أي عمل. إن القول بأن ما ~~نسميه: «النظم الحرة» ضروري للمدنية، قول يناقضه العقل والتاريخ؛ فإننا ~~نعلم أن مدنية النهضة قد أينعت وأثمرت في عصر الطغاة - ولست في حاجة ~~إلى أن أذكر في هذا الصدد شيئا عن الشرق - عن الصين والفرس - فقد ~~اتفقت معكم على ألا أذكر عنهما شيئا؛ لأن «العجز السياسي» - كما يلاحظ ~~بركهارت بحكمة في كتاباته عن الطغاة الطليان - «لا يعوق الميول ~~المختلفة ومظاهر الحياة الخاصة عن الانتعاش بأقصى درجة من القوة والتنوع»، # 4 # ولكن حتى بعد أن تقرر الحكومة، أيا كان نوعها، أن تقيم ~~أود طبقة متفرغة، فإنه لا بد لها من تقدير التكاليف وتوزيعها. يستحيل ~~علينا أن نقدر بكم تماما يستطيع المرء - رجلا كان أو امرأة - أن ~~يحافظ على مدنيته؛ لأن التقدير يختلف باختلاف الظروف. لا أعتقد أن ~~الشخص في الظروف الراهنة يستطيع أن يفعل ذلك بأقل من سبعمائة أو ~~ثمانمائة في العام الواحد، والدولة - بطبيعة الحال - هي المسئولة عن ~~الأطفال، وكذلك يستحيل علينا أن نقدر أية نسبة من السكان يجب أن تبلغ ~~ذروة المدنية كي تمدن بقية السكان إلى درجة معتدلة. كل ما يعرفه المرء ~~أن النسبة في إنجلترا غير كافية، ويبدو أن الأمر يحتاج إلى إيضاح؛ إن ~~مقدار الدخل غير المكتسب في البلاد جسيم، وعدد المنتفعين به عديد، وقد ~~يرجع أحد الأسباب إلى أن عددا ضخما من أولئك الذين يتناولون دخلا ~~غير مكتسب - ويجب بناء على ذلك أن ينتموا إلى الطبقة المتفرغة الناشرة ~~للمدنية - يؤثرون أن يضاعفوا دخلهم بالإنتاج؛ ومن ثم فإنهم يصبحون - ~~على أحسن الفروض - نصف متمدنين، وسبب آخر هو أن مقدارا كبيرا من ~~الدخل غير المكتسب يحشر في جيوب قليلة. هناك إذن إجراءان عمليان واضحان ~~لا بد منهما للنهوض بالثقافة ms130 البريطانية، قانون يرغم الأغنياء على ~~التعطل عن العمل، وقانون يلغي تلك الظاهرة الشاذة البربرية، وهي زيادة ~~دخل الفرد عن ثلاثة آلاف جنيه في العام. # وقد تكون هذه نصيحة سياسية طيبة، غير أني أخشى ألا تقربنا كثيرا إلى ~~الإجابة عن سؤالنا هذا: أي نوع من أنواع الحكومة يكون أكثر ملاءمة ~~للمدنية؟ ولكي نجيب عن هذا السؤال ونحن واثقون ينبغي أن نوجه أولا ~~سؤالا آخر، سؤالا سيكولوجيا: لما كانت الطبيعة البشرية على ما نعلم ~~من حقد وارتياب، فهل يعقل أن يعول الناس بمحض إرادتهم وبعيون متفتحة - ~~من أجل الخير الروحي، ولكن بما يبهظهم ماديا - هل يعولون جماعة من ~~الناس المتفوقين في المدنية يكون لها امتياز خاص، ولكنها في ظاهر الأمر ~~عاطلة عن العمل سعيدة؟ لا يستطيع إلا رجال السياسة وضباط البوليس أن ~~يذكر على وجه التأكيد ما تستطيعه وما لا تستطيعه الطبيعة البشرية، ~~ولهؤلاء أترك هذا الواجب راضيا، ولكني أعرف أمرا واحدا؛ ذلك أنه ما ~~لم يكن الناس قادرين على بذل هذا السخاء المستنير، فإن الديمقراطية لا ~~يمكن أن تتفق والمدنية. # لم تكن هناك قط ديمقراطية متمدنة، ولكن من الحق كذلك أنه حتى القرن ~~العشرين لم تقم في العالم ديمقراطية، أما فيما نسميه ديمقراطية في ~~اليونان وإيطاليا فلم تكن سوى طبقة صغيرة ممتازة هي التي تمارس السلطة. ~~وبرغم ذلك ولأنه كانت هناك خلال القرن التاسع عشر حركة مطردة نحو ~~الديمقراطية - ولو أن جميع السكان البالغين في أي بلد من البلاد لم ~~يظفروا حتى القرن العشرين من النفوذ السياسي بالقدر الذي يهيئ السبيل ~~له نظام التصويت - برغم ما ذكرت ومن أجل ذلك، فإني لو كتبت هذه المقالة ~~عقب تخطيطها مباشرة - منذ عشرين عاما - لقلت: إن مناقشة مستقبل ~~المدنية في ظل أي لون من ألوان الحكم غير الديمقراطية عمل علمي بحت ~~ربما لا يعود بأي نفع؛ غير أن الحرب قد غيرت كل ذلك. إن الحرب - وما ~~استتبعته من كوارث - قد أثبتت لأبناء هذا الجيل تلك الحقيقة المرة، وهي ~~أن الاستبداد الحربي صورة من صور ms131 الحكم لا زالت ممكنة، بل إنها لمحتملة ~~خلال الخمسين سنة المقبلة. ذكرتنا الحرب أن المصدر الحقيقي للسلطان ~~لم يزل كما كان في الماضي لا إرادة الشعب، ولكن هيئة من الناس كاملة ~~التسليح والنظام يمكن أن يوكل إليها تنفيذ أوامر الضباط دون تساؤل. وفي ~~الفترات التي تتوفر فيها الراحة - كما حدث في أخريات القرن التاسع عشر ~~- يميل المرء إلى التغاضي عن هذه الحقيقة؛ لأنه قلما ينشأ في أمثال هذه ~~الفترات موقف يعقد الناس فيه العزم على أن ينفذوا إرادتهم بأكملها بأي ~~ثمن؛ فإن بين ما يحتاج زيد من الناس وما يؤثر عمرو في فترات الهدوء ~~مجال لضروب لا تنتهي من التسوية والتوفيق، ولكن جمال الحرب العظمى - ~~كما عرضه ساسة الحلفاء - ينحصر في أن التوفيق أمر لا يجوز التفكير فيه؛ ~~ومن ثم فإني أعتقد أن ساسة الحلفاء يجب أن يكونوا أقل دهشة مما يبدو ~~عليهم حينما يجدون أن عددا كبيرا من الناس قد أدرك أخيرا أنك إن ~~أردت أن تفرض إرادتك بأكملها على غيرك من الناس، فإن الطريق إلى ذلك هو ~~أن تحمل الآخرين على أن يدركوا أن الأمر إما أن يكون طاعة عمياء أو ~~عذابا وموتا. الحرب أقرت في نفس كل امرئ ما عرفه الفلاسفة السياسيون ~~في جميع العصور السالفة، وهو أن أقوى حجة هي الخوف والقوة. أولئك الذين ~~يستولون على أعظم قسط من القوة ويستطيعون بث الرعب الشامل في نفوس ~~الآخرين يمكنهم دائما - إن أرادوا - أن يحكموا. # وقد رأينا الألوف من الرجال - طبقا لقانون الخدمة العسكرية - ينزعون ~~من بيوتهم ومن أعمالهم وملاهيهم، ويدفعون إلى حياة يمقتونها يعقبها بعد ~~وقت قصير موت يخشونه، وقد التحقوا بالجيش للأسباب عينها التي يدخل من ~~أجلها الغنم المذابح، وأطاعوا لأنهم كانوا يخشون العصيان، وكان الأمر ~~كذلك في كل البلدان المحاربة التي كان التجنيد فيها إجباريا، ولم ~~أقابل قط رجلا أرغم على الالتحاق بالجيش خلال العامين الأخيرين من ~~الحرب لم يقر بأن الدافع الوحيد له إلى القتال هو خوفه من الامتناع ~~عنه، وعلى أية حال، فما ms132 إن حل عام 1917م حتى فقدت القضايا التي كان ~~يحارب من أجلها الجندي العادي كل معنى لها، فإن صدر إليه الأمر أن ~~يتقدم إلى نيران الأتون المقدس الذي كانت تضحي عنده الأطفال (نيران ~~ملوك # Moloch ~~) بدلا من أن يتقدم ضد ~~عدوه، كان الأمر لديه سواء، ولو أن هؤلاء الضحايا المروعون نودوا في ~~تلك السنين من بين صفوفهم لخدمة الإله - وقد نودوا فعلا لذلك - ~~لأدوا ما عهد إليهم من واجبات، وإذن فالحكومة المركزية - التي تعتمد ~~صراحة على الصحافة الموجهة، وعلى المحاكم العسكرية، وذلك الفزع الذي ~~تبعثه في النفوس المحاكمات وأحكام الإعدام - الحكومة المركزية التي ~~تملك النفوذ الذي يحمل الرجال على أداء ذلك، تحمل أيضا النفوذ الذي ~~يحملهم على أداء أي شيء - وقد وجد في روسيا وفي إيطاليا وفي غيرهما من ~~البلدان عدد من الحكام ذوي البصائر النافذة الذين أدركوا هذه ~~الحقيقة. # إن أصدق أصدقاء البلشفية لا يزعمون أنها تقوم على أساس من الرأي ~~العام والعطف، كما أن شعبية الفاشية أمر يبعث على الشك، ومع ذلك ~~فالحكومة الروسية والحكومة الإيطالية تستطيع أن تمنع الإضراب وترغم ~~العمال العصاة على الإنتاج، وهو ما لا تستطيعه أية حكومة ديمقراطية. ~~إنها تستطيع ذلك لأن لينين وموسوليني يملكان الجرأة على تنظيم الحرس ~~البريتوري واستخدامهم دوما استخداما معقولا. وإن النجاح الذي على ~~أساسه أقامت قلة من الرجال القادرين من ذوي العزم والتصميم السلطان ~~المطلق في روسيا وفي إيطاليا - وما يزالون يمارسون هذا السلطان - هذا ~~النجاح لا بد أن يثير الحقد ويجتذب خيال الحكام في البلدان الأخرى ممن ~~لم يصيبوا مثل هذا الحظ، ومن الممكن أن يحتذى في العالم أجمع مثالهم ~~بأية طريقة من الطرق، ولست أعرف أن المدنية تفقد شيئا من قيمتها في ~~نهاية الأمر من جراء هذا التبديل؛ فإن الثورة في أول مراحلها قد تكون ~~هدامة؛ لأن الطبقة الصغيرة المتفرغة التي تنشر المدنية هي عادة أول من ~~يهلك، ومن الطبيعي أن من يبقى من المجاهدين يحس إحساسا قويا بهاتين ~~الحقيقتين: أولاهما أنهم متمدنون، وثانيتهما أن الدمار قد ms133 لحق بهم، ~~فنراهم لهذا يشكون مر الشكوى من وحشية النظام الجديد، ومهما يكن ما ~~تنتهي إليه التجربة فيما بعد، فإن نتائجها المباشرة سيئة بالنسبة ~~إليهم. وهؤلاء المنبوذون المحطمون المجردون من تراثهم لا يمكن أن نتوقع ~~منهم أن ينظروا إلى الموضوع نظرة فلسفية، أما نحن الذين لم يمسسنا سوء ~~تقريبا فليس بوسعنا - إن كنا حقا على شيء من المدنية - أن ننظر إلى ~~الموضوع من وجهة نظر أخرى. وعند النظر إلى الموضوع نظرة فلسفية لا نملك ~~إلا أن نعترف بأنه ليس هناك مبرر قوي يحملنا على الاعتقاد بأن ~~الاستبداد العسكري الروسي سيسير في اتجاهات تختلف كثيرا عن الاتجاهات ~~التي سارت فيها حكومات أخرى عسكرية مستبدة، ويبدو أن إعادة تنظيم ~~الطغمة الحاكمة هو النتيجة المحتمة للثورة في نهاية الأمر؛ فإن رأس ~~الدولة - سواء كان أغسطس أو لينين أو موسوليني أو نابليون - لا بد له ~~لكي يحكم ويدير أن يجمع حوله جماعة من الزعماء المدنيين والعسكريين، ~~ولهؤلاء نفوذ ورغبات، وما يرغبون فيه هو بعينه ما كان يستمتع به ~~المنبوذون والمحكوم عليهم بالإعدام، ولما كان لديهم من النفوذ ما ~~يمكنهم من إشباع رغباتهم، فلا مفر من أن يشبعوها، وتنشأ طبقة جديدة من ~~الملاك، تتفرع منهم الطبقة المتفرغة، ومن هؤلاء قد تنبثق مدنية ~~جديدة. # ويحتمل جدا أن تتم العودة من الرحلة عن طريق أقصر. قل من الأمور ما ~~تشتهيه الحكومة الناشئة أكثر من الجاه، وباستثناء السلطان الحربي ليس ~~هناك ما يضفي عليها تلك الجاذبية الغامضة ما هو أنصع من الثقافة ~~(ولنذكر عرضا أن تكاليف الإنفاق على الثقافة الرفيعة لا تقاس إلى ما ~~ينفق على بضع حملات صغيرة)، ومن أجل هذا كان من أولى الأمور التي تشغل ~~أذهان أكثر الطغاة الغاصبين رعاية الفنون والعلوم وتشجيع نمو الجماعة ~~المثقفة. ومثل نابليون الأول ونابليون الثالث ماثل في جميع الأذهان، ~~وأكثر الأذهان تعلق بها ذكرى عصر أغسطس وزعيمه الذي منحه هذا الاسم ~~التاريخي. إن تلك المدنية التي حققتها روما، إنما حققتها تحت حكم ~~الأباطرة الأوائل، ومن بين هؤلاء كان أكفأهم ms134 - كوسيلة من الوسائل - ذلك ~~الحاكم العسكري المستبد النموذجي هادريان. ويظهر أن كبار الغزاة، كورش ~~والإسكندر وشرلمان وتيمور وأكبر، كانوا جميعا يتعالون بإيمانهم ~~بالثقافة، ولم يكن الأمر يقتضي إلا فترة يسيرة من النضوج حتى يحقق ~~خلفاء جنكيز خان ما حققه الأمراء الرومان، أو أن يبلغوا ما بلغه مديشي ~~في حكم الإمبراطورية الرومانية، ومن المؤكد أن العذوبة والضياء كثيرا ~~ما شعت من بلاط الطغاة والغاصبين؛ لأن الحكام - وإن كانوا لا يستطيعون ~~أن يخدموا الفنانين المبدعين خدمة مباشرة أكثر من توفير النظام والأمن ~~لهم ثم يتركون حبلهم بعد ذلك على غاربه - بوسعهم أن يقدموا للمدنية ~~خدمة كبرى؛ فهم يستطيعون أن ينعموا على طبقة تنشر المدنية ويدفعوا ~~عنها، ومن أجل هذا أفكر في إرسال نسخ من هذا المقال للرؤساء الروس، ~~وللسنيور موسوليني ولمستر ونستن تشرشل. # إني لا أحب الاستبداد، فليس فيه خير أو جمال؛ بيد أني أدهش لتفاهة ~~أولئك القوم الجادين الذين يفترضون - دون أن يفكروا في الأمر لحظة - ~~إنه لا يمكن أن يكون وسيلة للخير، وإذا كان الاستبداد وما يلازمه من ~~استرقاق دائما وفي وقت من الأوقات وسيلة للخير الأعظم - أي إلى الذروة ~~من حالات العقل الطيبة - فلست أعتقد إلا أن الأشرار من الرجال هم الذين ~~ينفرون من استخدام الاستبداد والرق، والواقع أن ما يميل أولئك المحبون ~~للإنسانية الذين لا يفكرون - إن ما يميلون إلى القول به هو أنه لا يمكن ~~بحال من الأحوال أن يكون خيرا، ولا يمكن لمدنية أن تكون جديرة بهذا ~~الاسم، ما لم تقم على أساس من الحرية والعدالة والديمقراطية ... إلى آخر ~~ذلك. إنهم يجعلون هذه الصفات غايات في حد ذاتها، فيضعون أنفسهم موضعا ~~يثير الضحك؛ لأن الديمقراطية والعدالة وما إليهما ليست لها قيمة إلا ~~كوسائل. إن العالم الذي تسوده الحرية الشاملة أو العدالة الكاملة ولا ~~يتصف بشيء غير ذلك يكون في تفاهة العالم الذي يتلون كله باللون ~~القرنفلي أو اللون الأزرق، ولكي نحكم على مدنية من المدنيات بالتجرد من ~~المزايا لا يكفي أن نبين أنها تقوم على الرق ms135 أو الظلم، بل ينبغي أن ~~نبين أن الحرية والعدالة لا بد أن يتمخضا عن شيء أفضل من هذا. # إذا تساوت جميع الظروف فإني أفضل مدنية تقوم على الحرية والعدالة، من ~~ناحية لأنه يبدو لي أن وجود الرقيق قد يكون هادما لتلك الطبقة ~~الممتازة نفسها التي تنبثق منها المدنية، ومن ناحية أخرى؛ لأن العبيد ~~إذا انحطوا إلى درجة كبرى يصبحون عاجزين عن تقبل أدنى لون من الألوان ~~التي تحاول الطبقة الممتازة أن تضفيه عليهم. إن الرجل الحساس الذكي لا ~~يسعه إلا أن يدرك الظروف الاجتماعية التي يتعين عليه أن يعيش فيها، فإن ~~أدرك أن المجتمع يتوقف في وجوده على رقيق غير طائع فلا بد أن يعود عليه ~~ذلك بإحدى نتيجتين: إما إحساس بالقلق، أو برودة تامة، وإنه ليبدو لي أن ~~الفتور العقلي الذي يؤدي إما إلى الانصراف عن جانب من جوانب الحياة ~~الهامة أو إلى جمود العقل، لا بد أن ينتهي بانخفاض قيمة الإنسان ~~المتمدن كغاية وإضعاف كفاءته كوسيلة، وأنا أعلم أن أحسن الآراء ~~الدينية لا تتفق معي في هذا، فإن قداسة لا تكمل دون تلك النشوة التي ~~تصدر عن التأمل في آلام الآثمين، وكان القديس أغسطين يؤمن بأن من الشر ~~المطلق عند النخبة المختارة أن تشفق على من يلحق بهم غضب الله، ولكن ~~معدتي أضعف من معدة الأسقف: وإنه ليزعج فؤادي في الواقع أن أضطر إلى ~~إلقاء اللوم على الطاهي؛ ومن ثم فإني أوثر ديمقراطية اجتماعية تسند ~~وسائل المدنية من تلقاء نفسها على حكم الاستبداد الذي يكفل وجود طبقة ~~متمدنة بتنظيم الرق، وعلى حكومة الأغنياء التي تخشى أن تعرض مصالحها ~~للخطر فتلقي على زملائهم في المدنية درعا واقيا من رجال الشرطة ~~لحمايتهم؛ بيد أن الديمقراطية المستنيرة التي أوثرها لم نسمع بها ~~بعد. # إن كل المدنيات التي سمعنا بها فرضتها إما إرادة حاكم مستبد أو ~~سندتها أوليجاركية حاكمة، وما نطلق عليه خطأ اسم «الديمقراطية ~~الأثينية» كان أوليجاركية تعتمد على الرقيق في وسائلها للمدنية. ففي ~~إتكا - ويبلغ سكانها زهاء نصف مليون - يقدر ms136 العلماء أن من كان له حق ~~التصويت أو ممارسة السلطان على أي لون من الألوان لم يزيدوا عن اثنين ~~وعشرين ألفا، وإذا أضفنا إلى هؤلاء المواليد الأحرار من النساء ~~والأطفال، كان عدد الأثينيين الأحرار زهاء مائة وخمسين ألفا. ومن بين ~~الرقيق الذين كانوا هناك أقل شقاء منهم في أي مكان آخر عدد كبير من ~~الصناع المهرة يؤجرهم أصحابهم، وكثيرون آخرون كانوا يخدمون في البيوت، ~~ويبدو أن هؤلاء كان يحسن استخدامهم ويستمتعون ببعض فوائد الثقافة ~~الأثينية كانوا يرودون المسارح، وإذا كانوا يقدرون هذه المزية فلا بد ~~أنهم كانوا يفوقون أبناء العامة في مدارسنا الإلزامية ذوقا وذكاء ~~وتربية. ولو لم تنشب حرب بلبونيز، بل لو أنها انتهت عند صلح نكياس، ~~لكان من المحتمل أن يكتسب هؤلاء العبيد المتفوقون تدريجا حقوق ~~المواطنين، ولكنا نستطيع أن نؤكد أنهم كانوا يبقون عبيدا، إذا قصدنا ~~بالعبد ذلك الرجل الذي يحرم النفوذ السياسي ويرغم على العمل للآخرين، ~~ودون هؤلاء الخدم المهرة المتعلمون نجد قطيعا من الحيوانات البشرية ~~التي تحمل الأثقال، ويمكننا بالتأكيد أن نستبدل الآلات بهؤلاء في هذا ~~القرن العشرين. # ومن ثم ترون الجهل الذي يطبق على أولئك الذين يزعمون أنهم سياسيون ~~مثقفون، الذين يوردون أثينا مثالا للمدنية التي تقوم على الحرية ~~والعدالة والديمقراطية. إن ما يستطيعون الإصرار عليه بصورة مجدية هو ~~وجود المساواة الاجتماعية والسياسية التامة، والمساواة المالية التي ~~تكاد أن تكون تامة، بين أفراد الطبقة المالكة المتمدنة - أو في الواقع ~~بين المواطنين - ويخيل إلى الناظر لأول وهلة أن طبقة المواطنين هذه ~~تشبه في الكثير تلك الديمقراطية الاجتماعية المتمدنة التي داعبت طويلا ~~أحلام كثير من أفذاذ الرجال، في ظل هذا النظام تجد طبقة تعيش إلى حد ~~كبير على كسب غيرهم، ويعيش جانب كبير منها أساسا - لا كلية - من أجل ~~الأمور العقلية والملذات الدقيقة الرائعة. من بين هؤلاء يتيسر لنا أن ~~نجد نواة ناشري المدنية، كهان وكاهنات الثقافة الكبار، تليهم مباشرة ~~كتلة المواطنين المشربين تماما بروحهم إلى درجة لا تبعدهم كثيرا ~~عنهم، وبقي أن توحد الثقافة بين ms137 الطبقة العليا من العبيد، وهذه الطبقة ~~الدنيا من المواطنين. # وبالنسبة إلينا - نحن أبناء القرن العشرين، المحصنين بالمكتشفات ~~العلمية والمخترعات التي تمت خلال القرنين السابقين - لا يحتاج الوصل ~~بين هاتين الطبقتين إلى وثبة بعيدة الاحتمال؛ فما الذي يمنع إذن ~~مجتمعا حديثا من التمدن؟ والجواب على ذلك لا يحتاج إلى تفكير. كانت ~~أثينا ممكنة لأن الأثينيين كانوا يحبون أن يتمدنوا، ولم تشته «الحياة ~~الطيبة» الطبقة المتفرغة فحسب، بل كان كذلك يشتهيها الصناع والعاملون. ~~أما في إنجلترا فلا يزال لدينا الدخل غير المكتسب الذي يعول طبقة ضخمة ~~من المتفرغين، وقد حقق المنتجون لأنفسهم - بتوجيه من المفكرين ~~المتمدنين - قسطا كبيرا من الأمن والطمأنينة، ولكن الأكثرية من ~~الطبقة التي كان ينبغي أن تكون النواة الصغيرة التي تنشر المدنية، هذه ~~الأكثرية تؤثر أن تتبربر بالعمل المكسب الذي يهدم الروح وبالملذات التي ~~تتصف بالخشونة، في حين أن الصناع والعمال يكرسون مالهم الذي اكتسبوه ~~حديثا للإنفاق في سبيل محاكاة هؤلاء. # إن خير العقول تتجه نحو أثينا دائما تلتمس عندها قبسا من الأمل، ~~ومن ثم يجدر بنا أن نذكر أن أثينا كانت أوليجاركية كبرى، وأن جميع ~~المواطنين من الذكور البالغين كانوا متساوين سياسيا واجتماعيا، ~~وأنه لم يكن بين المواطنين فقير مدقع، وقل من كان ثريا، وأن النساء ~~لم يكن جميعا من الرقيق، وإن لم يكن لهن حق التصويت. إن مركز المرأة - ~~في أثينا خاصة - وفي المدنية عامة لا يمكن إغفاله ونحن بصدد البحث في ~~وسائل المدنية؛ لأن النساء - بطرق واضحة وأخرى خفية - من وسائل ~~المدنية. حقا لقد كانت الزوجة الأثينية العادية تعامل إلى حد كبير ~~كأنها رقيق له احترام كبير، وكان ذلك طبيعيا؛ لأن الزوجية رق، وفي ~~هذا - كما في غيره من كثير من الأمور - كان الأثينيون يحاولون أن يروا ~~الأشياء كما هي؛ كانوا يواجهون الحقائق ويشحذون الذهن لمعالجتها، ~~فشيدوا بذلك مدنية تتقدم على كل ما سبقها وما لحقها. إننا نعترف عادة ~~أن المرأة في الحياة المعاصرة في مركز لا يرضى. لقد ظفرن بحق التصويت، ~~وبدأن يكتشفن قيمة هذه ms138 المنحة التي اكتسبنها بشق الأنفس؛ إلا أنهن ما ~~زلن في موقف لا يحسدن عليه، وسوف يلزمنه حتى يتساوى عمل الأم والزوجة ~~تماما مع عمل الميكانيكي والمحامي؛ لأن الزوجة عاملة، وكان يعترف ~~للزوجة الأثينية بهذا الوضع. وكانت تعامل بالاحترام الذي يستحقه كل ~~عامل مخلص كفء، ولكنها لم تنتم إلى الطبقة الممتازة المتمدنة التي ~~تنشر المدنية؛ لأنها لم تستطع ذلك بطبيعة مصالحها وأعمالها، وكان ~~الأثينيون يقررون لها أهميتها، ولكنهم كانوا كذلك يقدرون أهمية المرأة ~~المتقدمة في المدنية - كانوا يقررون أهميتها كوسيلة من وسائل المدنية. ~~كانوا يدركون أن المدنية إذا خلت من وجهة النظر النسوية ومن الاستجابة ~~النسائية، وإذا خلت من الذوق النسوي، وبصر المرأة، وإلهامها، وفطنتها، ~~ودقتها، وإخلاصها، وعنادها، وريبتها، إذا خلت من ذلك كانت مدنية ناقصة ~~عرجاء، ولوجود هذا العنصر النسوي اعتمد الأثينيون على نظام الهتيرا ~~(المحظيات). أو هكذا على الأقل أدرك الموضوع. هناك خرافة سائدة نشرها ~~فيما أظن بعض أساتذة الجامعات أن الحياة في أثينا كانت تشبه الحياة في ~~كلية أو في دير، لا تلعب فيها المرأة دورا، أو تلعب دورا تافها، وكل ~~ما أستطيع أن أقوله لهؤلاء الأساتذة المسنين أنهم قرءوا الآداب القديمة ~~قراءة جزئية، وأحب أن أوجه أنظارهم أولا إلى كتب «بكر» التي بدأت ~~تختفي، ثم إلى الثقاة الذين ورد ذكرهم في هذه الكتب، ويقيني أن أكثر من ~~كتب من المحدثين عن المجتمع القديم يظهر أنهم رجعوا إلى «بكر» واطلعوا ~~فيه على قائمة بأسماء الثقاة، ولم يفعلوا أكثر من ذلك، وأرجو أن ~~يتابعوا بحوثهم؛ لأن هؤلاء الثقاة سوف يدلونهم على الأقل على الدور ~~العظيم الذي لعبته طبقة خاصة من السيدات العصريات. ~~••• # لو كنت حاكما مستبدا لتنازلت عن حكمي فورا، ولكني لو ورثت مع ~~السلطان تذوفا لفعل الخير، لوجهت أطماعي نحو نشر المدنية، وكخطوة أولى ~~في هذا السبيل أقيم طبقة متفرغة وأمنحها المزايا، على ألا يتناول أي ~~عضو من أعضائها أكثر مما يكفيه، كما أني أجعل من المستحيل على كل فرد ~~من أفراد هذه الطبقة - رجلا كان أو امرأة ms139 - أن يضاعف دخله بأية وسيلة ~~من الوسائل، ويهمني بعد ذلك أن أنظم المجتمع بحيث يتوفر للطبقة الدنيا، ~~طبقة العمال، قدر كاف من الفراغ وراحة العيش يمكنهم من الإفادة من ~~وجود طبقة المتفرغين، ولا بد أن أوفر للطبقة الممتازة تربية كاملة وكل ~~وسائل الثقافة المعروفة، وأن أوفر لبقية أفراد المجتمع من التعليم ومن ~~فرص الاستمتاع بما يهيئه التعليم بقدر ما تسمح به خزانتي. # ولكي أهيئ الوسائل لفراغ مجموع الشعب وراحته أتطلع مستبشرا في ~~اتجاهين: أتطلع إلى المخترعات، التي تمكن رجلا واحدا يشرف على آلة ~~من الآلات من أن يؤدي ما يقوم به مائة من الرجال من خدمات، وأتطلع كذلك ~~إلى الإقلال من السكان، وقد تقدمنا كثيرا في ناحية توفير العمل؛ إلا ~~أن الثروة التي نجمت عن ذلك لم تخصص في أكثر الأحيان لتزجية الفراغ، ~~وإنما خصصت - إلى حد كبير - لمضاعفة الثراء، ولإشعال الحرب، وصنع ~~السلاح، وللمتع الدنيا (مثل دور الصور المتحركة، والجولف، والسيارات، ~~وسباق الكلاب، وكرة القدم) وتربية الأطفال، وسوف يزداد عدد السكان؛ إذ ~~إن العلم عندنا يعطيهم آلة يستطيع المرء أن يؤدي بها عمل مائة رجل، فإن ~~المائة بأسرها، تستطيع - دون أن تهوي في مستوى العيش - أن توفر لنفسها ~~وقتا أوسع. بيد أنهم بدلا من أن يفعلوا ذلك تراهم ينجبون تسعة ~~وتسعين طفلا يستهلكون الفائض، ويبقون هم في مكانهم لا يتزحزحون، أي في ~~حالة من الهمجية الشاقة. وقد سمعت بعض الخبراء يقول: إن ثروة العالم ~~حتى في الوقت الحاضر يمكن - لو نظم الإنتاج تنظيما يقوم على العقل - ~~أن ينتجها نصف السكان، ومعنى ذلك أننا لو نصفنا عدد السكان استطاع كل ~~امرئ أن يضاعف أجره أو دخله مرتين - ولكن الخبراء يؤكدون كل افتراض، ~~وفي دولتي ينفق نصف فائض الثروة الممكنة عن الحاجات المعقولة في ~~الرفاهية المادية - اللهو والسلع - وينفق النصف الآخر في الفراغ، ~~وعندما يقل عدد السكان إلى الحد الذي يوفق توفيقا طيبا بين الإنتاج ~~والفراغ، يثبت عدد السكان على ما وصل إليه. أما الأمر كما هو الآن ~~فمؤداه أن كل ms140 اختراع جديد يعني مجرد زيادة الإنتاج لكي يكفي زيادة ~~السكان مع إضافة وسائل قليلة للراحة، وما دام ازدياد السكان يلاحق ~~المخترعات الجديدة فلن يفيد منها أحد شيئا، وتبقى المدنية - على ~~الأقل - كما كانت دائما بعيدة المنال. # 5 # وإني لأعطي لرعيتي حرية كاملة في التفكير والتعبير، كما أعطيهم حق ~~إجراء ما يرون من تجارب في حياتهم الخاصة، ولكني لن أعطيهم حرية كاملة ~~في العمل؛ لأن العمل لا علاقة له بالمدنية، فهي تتعلق بالحالات ~~العقلية، وسيقع ذلك موقعا شديدا على أولئك البرابرة المنكودين الذين ~~لا يستطيعون أن يعبروا عن أنفسهم إلا بالعمل على هؤلاء أن يقنعوا ~~بإلقاء الخطب، والاشتراك في اللجان، ومحاولة إقناعنا - لا إرغامنا - ~~بأداء ما يرغبون، وأستطيع أن أتخذ منهم رجال الشرطة، وفي دولتي أحبس ~~اللصوص المطبوعين والسفاكين والفضوليين وأصحاب النزعة النابليونية ~~والمتحمسين لتفسير القانون غير المكتوب. إن حرية العمل بغير قيد لا ~~تتفق والمدنية؛ ففي العالم أناس يتدخلون في شئون غيرهم، متعصبين، ~~شرهين، مستهترين، في قلوبهم قسوة الحيوان، لو أتيحت لهم الفرصة سلكوا ~~مسلكا يجعل الحياة غير محتملة والمدنية مستحيلة، وفي دولتي لن تتاح ~~الفرصة لهؤلاء، وربما تصور تولستوي عالما كل سكانه طيبون، فهو لا يحب ~~أن يتدخل في شأن أي فرد سواه، عالم متطهر من الشراهة والبغضاء والحقد ~~والأطماع، عالم لو وجد فيه من يتصف بهذه الصفات فلن يعمل قط بدافع من ~~ميوله الشريرة. والأرجح أن تولستوي كان يعتقد أن العالم لا يخلو قط من ~~المتوحشين الذين يتصفون بالعنف والفضول والشراهة والحقد، الذين يتبعون ~~غرائزهم مهما بلغت سفالتها، ولكنه لم يحسب لوجودهم حسابا ما دام ~~الآخرون يحتفظون بطهارتهم ناصعة من غير سوء. يزعم تولستوي أن طهارة ~~النفس يمكن الاحتفاظ بها إذا استسلم المرء استسلاما سلبيا وعن طيب ~~خاطر وبقاء طهارة النفس ممكن، بل ممكن أيضا أن تزيد أضعافا مضاعفة، ~~ولكن المدنية لا بد أن تهلك، إن عبد الهمجي الذي يعذب ويساق سوق ~~الأغنام يمكن أن يكون قديسا أو رواقيا، ولكنه لن يكون إنسانا ~~متمدنا. إذ ينقصه الفراغ الذي ms141 لا بد منه، والأمن، وفرص الحياة، ومن ثم ~~كانت السيطرة على العمل، التي تعني قوة بوليسية قادرة - فيما يبدو لي - ~~ضرورة في كل مكان إلا في مجتمع من الملائكة أو الحيوان - الحيوان الذي ~~يهبط إلى درك لا أمل البتة في انتشاله منه، ولا يهمنا قط لذلك أن يسيء ~~أحدهم إلى الآخر أو يتسلط عليه. ~~••• # ولا مناص للمتقدمين في المدنية من أن يعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، ~~ومهما يكن إملاء العقل، فإن حساسيتهم تجعل من المستحيل عليهم أن يكيلوا ~~الضربات قاصدين أو أن يوقعوا العقوبات عامدين. إنهم لا يستطيعون البقاء ~~ما لم يعتقد زملاؤهم المواطنون أو السلطة الحاكمة - أيا كانت - في ~~ضرورة عونهم والدفاع عنهم. إذ إنه في اللحظة التي يشرعون فيها في ~~الدفاع عن أنفسهم يفقدون كمالهم، ولم أنس أن كل أثيني كان عرضة ~~لاستدعائه للخدمة العسكرية، وكان ذلك السبب الأول في عدم استقرار ~~الثقافة الأثينية التي تدهورت تدريجا خلال الحرب، وربما هبطت في نهاية ~~الأمر إلى المستوى الإسبرطي لولا أن موقعة إيجوسبو تامي كانت نعمة ~~عظيمة، وإذا كان التنظيم من أجل الدفاع يعبث بمدنية الدولة فكيف يكون ~~أثره الهدام على إنسان حساس كالفرد المتقدم في مدنيته. كان سقراط ~~جنديا حسنا، بيد أن سقراط كان فيلسوفا إلى جانب أنه سقراط وحسب، ~~وقد رمى هوارس درعه في قلبي. ~~••• # أريد في دولتي قوة بوليسية لحماية المدنية لا لكي تفرضها فرضا على ~~الناس؛ فالمدنية لا يمكن أن تفرض بالقوة، ولو كانت تنحصر في الإيمان ~~ببعض الأفكار لاقتضى الأمر حشرها حشرا في حلوق العازفين عنها. أما وهي ~~تنحصر في موقف معين من الحياة، وفي طرق التفكير والشعور، فيجب نشرها. ~~إن من يريد أن ينشر المدنية بين زملائه يجب أن يسمح لهم بأن يكتشفوا ~~بأنفسهم أن للحياة أسلوبا أفضل من أساليبهم: وهكذا كانت المدنيات ~~العليا تنتشر دائما، وكثيرا ما حدث في التاريخ أن أمما همجية عرفت ~~بالسلب والنهب بدأت زحفها وهي تؤمن بتفوقها من جميع الوجوه على الشعب ~~المسالم الذي توشك أن تخضعه وتتمثله. كم ms142 مرة أعاد التاريخ نفسه؟ إن ~~بلاد الإغريق التي استولى عليها غزاة الرومان غزت هؤلاء الأجلاف ونقلت ~~إلى سهل لايتوم الريفي فنون الحضارة. # يرى زعماء الغزاة أولا أن الشعوب المغلوبة تملك أسرارا يجهلونها ~~يقلبون بها ما يبدو لهم خبرة تافهة إلى متعة غزيرة. وسرعان ما يتأثر ~~الملك الهمجي بنفوذ الثقافة الأعلى ويغري بها فيبدأ في الاعتماد في ~~لهوه - ثم فيما بعد في مشورته - على النساء والرجال من العنصر «الأحط». ~~ثم سرعان ما يحتل هؤلاء - بسبب تفوقهم في الإدراك والمعرفة - مكان ~~الثقة والشرف والمنفعة، حتى يصبح الملك في النهاية نصف متمدن، ويتحول ~~معه إلى المدنية الأذكياء من رفاقه القواد وكبار الإقطاعيين. وفي هذه ~~اللحظة بالذات تبدأ الطبقة الأقل ذكاء في تذمرها، ويزداد تمردها، وتنظم ~~معارضة رجعية. عندئذ يكون الملك - لحسن حظه - والزعماء والمرافقون له ~~الذين تأثروا بمن يفضلونهم من الشعب المغلوب، يكون هؤلاء بدورهم قد ~~علموا عددا كافيا من الحشد التابع لهم يقابلون به المدافعين القدامى ~~عن الوحشية التقليدية، وهكذا تفعل الخميرة فعلها: لقد تمدن المغول ~~الغزاة إلى درجة ما على يد الصينيين والفرس الذين غلبوهم، ولاقت جيوش ~~العرب نفس هذا المصير في فارس والهند ومصر، وكذلك تمدن الفاتحون ~~الميديون الأوائل فيما بين النهرين، ونستطيع أن نراقب في روما خلال ~~القرن الأول النزاع بين سذاجة الرومان ومدنية الشرق المغلوب. فكاتو ~~وتيبريوس لم يرتفعا إلى مستوى أوفيد وجوليلي، ومع ذلك فإنا نجد في ~~القرن الثاني شيئا أشبه بالحضارة مما كان يتوقع المرء صدور بهذه ~~السرعة عن الهمجية المظلمة التي خيمت على تلك الجمهورية المروعة، وقد ~~بذل الزعماء حتى في تلك الشعوب التي دخلت الإمبراطورية واستوطنتها في ~~النهاية بعض الجهد - ولكنه جهد متأخر ضعيف - لكي يفيدوا من الثقافة ~~الأعلى التي عرف بها الرومان الإقليميون. بيد أنهم فشلوا، ويرجع السبب ~~الأول في ذلك إلى أن رجال الأقاليم لم يكونوا متمدنين ولم يكن عددهم ~~كافيا للقيام بهذه المهمة. ومن أجل هذا فلم يكتسب البرابرة سوى أهداب ~~من الثقافة براقة يتزين بها بلاط شرلمان والملوك من بيت ms143 أوتو الذي يدعو ~~إلى الرثاء، ولو أنهم تثقفوا ثقافة حقيقية لجنبوا أوروبا العصور ~~المظلمة. # وقد تنشأ وسائل المدنية، وقد توجد الحكومة المحسنة التي تنفق على ~~طبقة متفرغة مثقفة، وتكفل الأمر، وتبيح حرية التعبير في الفن والفكر ~~والحياة، وتنهض بالتعليم وتحد من العمل، ولكن يبقى أمر واحد لا بد منه ~~لكي تخرج المدنية إلى حيز الوجود، وذلك هو الإرادة - إرادة المدنية، ~~وهي قد لا تعدو أن تكون الرغبة في المتعة بعد تهذيبها وسيرها في اتجاه ~~ذهني، ومن الحماقة أن نفترض أن هذه الرغبة عميقة الجذور بعيدة الغور في ~~الطبيعة الإنسانية، وليس أقل من ذلك حماقة أن نعتقد أنها لم توجد قط، ~~وإذا كانت إرادة المدنية لم توجد قط، فكيف خرجت المدنية إلى الوجود؟ هل ~~كان ذلك بالحظ؟ هل خرج الناس من فوضى الهمجية إلى نوع من أنواع النظام ~~بالحظ؟ ولماذا يخرجون؟ إذا كانت هناك حالات قريبة من المدنية، وإذا ~~كانت هناك مدنيات رفيعة، أليس من الحماقة أن ننسب ذلك كله وما يتطلبه ~~من مجهود جبار أليم إلى المصادفة؟ ومن ناحية أخرى، لما كانت المدنية في ~~بعض الأماكن لم تتقدم قط، وفي أماكن أخرى ارتفعت عن مستوى التأخر لتغوص ~~فيه ثانية، وفي أماكن كثيرة نراها تقطع من الشوط بعضه ثم تعجز عن ~~مواصلة المسير، وقلما كان الدافع قويا مستمرا إلى درجة يتمكن بها ~~من رفع المجتمع إلى مقربة من المثل الأعلى المتواضع المعقول، إذا كان ~~الأمر كذلك فمن الحماقة أيضا أن نفترض أن إرادة المدنية التي ذكرناها ~~ظاهرة موحدة في كل مكان، ثابتة، أساسية في الطبيعة البشرية. هناك أسباب ~~عدة تحول دون اعتقادنا في استمرار التقدم، وهناك كذلك أسباب عدة تحملنا ~~على الاعتقاد بأن المستوى الحالي لما نسميه عامة بالمجتمعات المتمدنة ~~ينخفض كثيرا عن الحد المطلوب، وليس هناك من الأسباب ما يدعونا إلى أن ~~نفترض بأن المجتمع سوف يصل إلى هذا الحد أو يعلو عليه، أو أنه لن ~~يبلغه. كل ما نؤكده هو أن الناس لرغبتهم الدائمة في الاستمتاع ~~بالملذات، يوجهون رغبتهم ms144 هذه أحيانا توجيها ذهنيا، ويعتقدون ~~أحيانا أخرى أن الملذات أندر وأبعد وأدق من تلك التي تسوق إليها ~~الغرائز، وإنهم أحيانا يحققون هذه الملذات، ومن الجلي أن المدنية لم ~~تكن هدف ذلك الهمجي الذي أخذ الأرنب إلى بيته وطهاه ؛ بيد أنه تصور ~~واشتهى متعة أدق وأبعد من متعة التهامه نيئا، وهكذا نرى أن الناس ~~بتصورهم واشتهائهم قد يحققون المدنية في نهاية الأمر. # ليس من شك في أن إرادة المدنية قد وجدت، وأنها ربما لم تختف قط من ~~الوجود، ولكنها اختلفت من مكان إلى مكان ومن وقت إلى آخر اختلافا ~~شديدا من حيث قوتها وكفايتها، وهذه الإرادة - من الوجهة النظرية - يجب ~~أن تسير جنبا إلى جنب مع إرادة الخير، التي يزعم بعض الفلاسفة أنها ~~موجودة دائما وأنها وجدت في كل مكان، ومن سوء الحظ أنه من العسير أن ~~نميز بين الغايات والوسائل حتى إن رجال الأخلاق العمليين يخطئون دائما ~~فيحسبون وسائل الخير العتيقة غير المباشرة الخير ذاته، ومن ثم فإن ~~إرادة الخير لا تعين إرادة المدنية دائما فحسب، بل إنها تعرقل سيرها ~~أحيانا عرقلة إيجابية. إن إرادة الخير كثيرا ما توجه نشاطها إلى ما ~~كان في وقت ما وسيلة بعيدة، وهي بذلك تقف عقبة في سبيل الوسائل ~~المباشرة والقريبة. في لحظة معينة من تاريخ أي مجتمع قد يكون شكل ~~الحكومة، أو الدين، أو الناموس الخلقي، وسيلة للخير وللمدنية، ولكنه ~~بعد أن يؤدي غرضه بوقت طويل، وبعدما يصبح أداة تعطيل بوقت طويل، ترى ~~كثيرا من دعاة الخير لا يزالون يكرسون حياتهم للإبقاء عليه، فقد كان ~~الإصلاح البروتستنتي في شمالي أوروبا - من غير شك - وسيلة الخير بمقدار ~~ما كان وسيلة لتطهير العالم من مجموعة من الخرافات. بيد أن هذه ~~الوسيلة، التي بولغ فيها حتى أصبحت غاية من الغايات، وأمست في نهاية ~~الأمر حركة بيوريتانية (تطهيرية) - تركز جهدها في بعض العقائد الدينية ~~والخلقية - وربما وقفت في إنجلترا عقبة وحائلا في سبيل إرادة المدنية ~~أكثر من أي شيء آخر. إن البيوريتان - برغم كل نواياهم الطيبة - أعداء ms145 ~~الخير؛ لأنهم يجعلون الاستمتاع بالحالات العقلية الطيبة أشق على أنفسهم ~~وعلى غيرهم مما ينبغي. إنهم يعلقون على ما كان في وقت من الأوقات وسيلة ~~للخير أهمية لا تتعلق إلا بالغاية، ثم يصرون على هذه الوسائل العتيقة ~~فيعوقون بذلك انتشار الوسائل التي تفضلها في تحقيق الأغراض؛ لأنها أكثر ~~منها ملاءمة، ومن ثم فإن العفة التي ربما كانت من الفضائل في عصر ~~الحيوانية القصوى حينما كان القوم يخرجون للرعي وللغزو والنهب مسلحين، ~~وحينما كانوا لا يمتطون الدواب الاغتصاب النساء - هذه العفة لا يزال ~~لها في القرن العشرين من يصرون على أنها وسيلة للخير تفضل مزايا عيادات ~~الأطباء الشائعة التي تقوم بالتحكم في النسل، ولا يمكن الناس أن يأملوا ~~في التفريق بين الغابات والوسائل أو بين الوسائل المباشرة والوسائل ~~البعيدة إلا بعد أن يتكون لديهم إحساس بالقيم، بشرط أن يكون ذلك في جو ~~من التجرد العقلي. إن الوسائل غير المباشرة تختلف من عصر إلى عصر ومن ~~قطر إلى آخر، وقيمتها محدودة وموقوتة، وتطبيقها محلي، وإلى أن يدرك هذه ~~الحقيقة المحبون للخير فلا بد أن ينصرف جانب كبير من نشاطهم الخلقي إلى ~~الحث على وسائل تناقض ما يهدفون إليه من غايات، وتمسي إرادتهم للخير ~~إرادة سيئة لتلك الوسيلة التي هي أدنى إليهم - وأعني بها ~~المدنية. # ما أكثر ما في إنجلترا من نشاط خلقي أميل إلى وصفه بإرادة للخير ~~منحرفة، ولكن هل هناك إرادة للمدنية؟ إن قدرا كافيا من الدخل غير ~~المكتسب يعول عددا عديدا من العاطلين، بيد أن هذا الدخل يساء ~~إنفاقه، والعاطلون جاهلون، ومن ثم فإن مجموعة المتمدنين في إنجلترا ~~المعاصرة - وإن كنت لا أشك أن بها بضعة آلاف بلغوا من رقي المدنية ما ~~بلغه أي عدد فيما مضى - هذه المجموعة أصغر من أن تكون تلك النواة ~~الفعالة التي تحول الثقافة السلبية إلى قوة ممدنة، وهذه المجموعة - على ~~قلتها - يتضاءل عددها تدريجا. إن روح العصر تقف في وجوههم، ويعترض ~~سبيلهم الإيمان بالعمل، والرأي الذي ينادي بأن الناس إنما أتوا إلى هذا ~~العالم لجمع ms146 المال، ولمباريات اللعب، وارتياد دور السينما وحلبات ~~السباق، وسوق العربات، وإنجاب الأطفال. ذلك هو مذهب المنتجين، ومن يؤمن ~~به لا يفيد من العمل الذي لا ينتج اقتصاديا، أو من الملذات الدقيقة ~~الشاقة. من يؤمن به لا يريد المدنية ، ولكنه يملك النفوذ ~~والسلطان. # إن حكومة إنجلترا تقوم على أساس التوفيق الاعتباطي بين كبار أصحاب ~~الأجور وصغارهم. هي حكومة الأغنياء يخفف من غلوائها نقابات العمال، ~~وحكومة الأغنياء هي صاحبة الكلمة الفصل في السياسة في الوقت الحاضر، ~~وهي التي ترسم طريق الحياة، ولا يعرف هذا الطريق تمام المعرفة إلا ~~أولئك الذين يطالعون الصحف المصورة اليومية والأسبوعية، وهذه الطريق هي ~~ما يريده الناس، وهي أيضا ما يسمونه المدنية، وهي التي حاربوا من ~~أجلها لإرضاء الأغنياء، والتي قد يحاربون من أجلها لإرضاء أنفسهم؛ لأن ~~التوفيق المنشود بين كبار الكاسبين وصغارهم أمر اعتباطي، ولا يفتأ ~~الصغار يخالفون الوصية العاشرة؛ ومن ثم كان هذا الحديث الذي لا ينقطع ~~عن الثورة. والأمر العجيب أن هناك دائما متفائلين ممن يحبون البشرية ~~يتوقعون خيرا من مثل هذه الثورة. إنهم يلومونني جهرا؛ لأني لا أميل ~~إلى التخلي عما أملك أملا في الحصول على ما يظنون أنه ربما كان وسيلة ~~لما هو أحسن. إنهم يؤكدون لي «أن الناس لو تركوا وشأنهم لتحققت كل ~~آمالك في المدنية في لحظة، وينبغي لك أن تعلم أن الناس دائما يحبون ~~الخير والجمال - يحبون الأرقى حينما تقع عليه عيونهم؛ وهنا تقع الطريق ~~التي تبحث عنها». # وإن كنت برغم هذا النداء لم أتخل عن الدرس لأنصرف إلى الحياة ~~العادية، فإنما يرجع ذلك إلى أن العامل الراقي - الذي يترقبون تطوره عن ~~العامل المعروف في إنجلترا من قديم - لا يبدي أية رغبة ملحة للإفادة من ~~وسائل المدنية التي تقع تحت يديه، بل إنه ليبدو لي أن مطامعه تتجه وجهة ~~أخرى، وبدلا من أن أكتشف بين العمال أية إرادة للمدنية، أجدني مساقا ~~إلى الظن بأن العامل البريطاني يحب همجيته حبا جما، بل إنه ليريد ~~المزيد منها. إنه لا يجد مغمزا في ms147 جنة المنتفعين حتى إنه ليود لو ~~كانت له، وهو لا يتطلع إلى ثورة مجيدة لكي يعيد تشكيل الحياة فيقربها ~~من المثل الأعلى، بل لكي يسلك مسلك الأثرياء، والواقع أن العمال ~~المأجورين وأصحاب رءوس الأموال على اتفاق تام في كل أمر من الأمور إلا ~~فيما يتعلق بتقسيم الغنائم. إن العامل في منجم الفحم الثائر لا يتطلع ~~إلى حياة أفضل من حياة صاحب المنجم الرجعي. إنه يتطلع إلى شرب الروم ~~واللبن قبل الفطور، وإلى فطور من أربعة أصناف، وإلى يوم يقضيه في الصيد ~~والقنص، أو في لهو لا تسفك فيه دماء، وإلى الشمبانيا في العشاء، ~~والسيجار الطويل بعد العشاء، وإلى مساء يقضيه في دار الصور المتحركة أو ~~في قاعة الموسيقى، إلى أن يقرأ بين الحين والحين لمس كورلي وميخائيل ~~آرلن، وفي صحيفة «مرور» و«جون بل» أو مجلة «ستراند». هو يعتقد في كل ~~حين اعتقادا نظريا ثابتا في قداسة رباط الزوجية وفي بغض الأجانب ~~والفنانين والمتحذلقين بغضا صادقا، وإن هذه الحياة لتلائم بل جونز ~~كما تلائم لورد ميدنهد. إنها الحياة التي يعجب بها ويفهمها، ولذلك فهو ~~- بطبيعة الحال - يحبها لنفسه. ومن أجل ذلك كان ثائرا، وإنك لتقدر ~~مركزه، وإنك لتدرك تمام الإدراك أنه يود لو استطاع أن يتبادل مع اللورد ~~مكانته، وإنك كذلك لا ترى مانعا من ذلك، بل إنك - أهم من ذلك كله - لا ~~ترى سببا يدعوه إلى أن يتوقع العطف والإعجاب من رجل يقف موقف الحكم ~~المحايد إزاء ما يود أن يسميه «بالنضال من أجل الحرية والعدالة». إن ~~الشد والجذب بين جونز وسيده على ثمار الهمجية أمر يخصهما وحدهما دون ~~سواهما، وليس هناك من الأهداف العامة في هذا النضال ما يتعرض للخطر ~~فيثير أولئك الذين يقفون خارج حلبة النضال. إن من يهتم بالمدنية وما ~~إليها لا يهمه البتة من يحصل على السيارات وحفلات الكوكتيل، وسواء عنده ~~من ينتمي إلى نقابة العمال ومن ينتفع؛ كلاهما تافه، عامي، ساذج، عاطفي، ~~شره، عديم الإحساس، وحيث إن كليهما يسعده أن يبقى كما هو، فلا ينتظر ms148 ~~لأحدهما أن يتحسن. إن إرادة المدنية قد توجد بين الفدا في سيلان أو بين ~~الميجي في ساحل الذهب، ولكن بادرة منها لا نظهر في سوق الأوراق المالية ~~أو في مؤتمر نقابات العمال. ms149