######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMahmud.Suqrat.Hindawi19405037 #META# Tags: philosophy :: biographies #META# ID: 19405037 #META# Title: سقراط: الرجل الذي جرؤ على السؤال #META# AuthorID: 15039283 #META# Author: كورا ميسن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 71316163 #META# Translator: محمود محمود #META# Related_books: 1379CoraMason.Socrates (TRANSL) #META#Header#End# # تصدير‏ # تقديم‏ # 1 - أقريطون يروي البداية‏ # 2 - تلميذ قاطع الحجارة في أثينا‏ # 3 - الآلهة‏ # 4 - المسير الطويل‏ # 5 - أنكسجوراس الملحد‏ # 6 - اكتشاف‏ # 7 - الآلهة تكلفه بالرسالة‏ # 8 - الرسالة‏ # 9 - ألقبيادس‏ # 10 - الحرب العظمى‏ # 11 - سقراط يتوجه إلى المحكمة‏ # 12 - الدفاع‏ # 13 - أقريطون يروي النهاية‏ # تصدير‏ # تقديم‏ # 1 - أقريطون يروي البداية‏ # 2 - تلميذ قاطع الحجارة في أثينا‏ # 3 - الآلهة‏ # 4 - المسير الطويل‏ # 5 - أنكسجوراس الملحد‏ # 6 - اكتشاف‏ # 7 - الآلهة تكلفه بالرسالة‏ # 8 - الرسالة‏ # 9 - ألقبيادس‏ # 10 - الحرب العظمى‏ # 11 - سقراط يتوجه إلى المحكمة‏ # 12 - الدفاع‏ # 13 - أقريطون يروي النهاية‏ # | سقراط # | سقراط # | الرجل الذي جرؤ ~~على السؤال # تأليف # كورا ميسن # ترجمة # محمود محمود # | مقدمة # بقلم حسن جلال العروسي # عبارة قصيرة واحدة، أرادت الكاتبة كورا ميسن أن تعبر بها عما قصدته من هذا الكتاب، وأن ~~تكشف عن الفكرة التي اتخذتها أساسا لرسم شخصية سقراط هي وصفها له بأنه «الرجل الذي جرؤ ~~على السؤال». # هذه هي النظرة التي نظرت بها إلى سقراط، تلك الشخصية التي عاشت بين سنتي 469 و399 قبل ~~الميلاد، وبقيت حية طوال هذه القرون، يحاول الناس والعلماء استجلاء معانيها، وفحص اتجاهاتها ~~ومراميها، فلا يصلون إلا إلى نتائج خير ما توصف به أنها قريبة إلى آرائه. # فالصعوبة القائمة في معرفة آراء سقراط هي أنه لم يخط حرفا ولم يترك أثرا مكتوبا، بل ظل ~~الاعتماد في معرفة آرائه على ما نقله عنه تلميذاه - أفلاطون وزينوفون - وكل منهما قد رسم له ~~صورة قد تختلف عن صورة الآخر وقد تتعارض في بعض الأحيان، ولكن كلا من الصورتين تكمل ~~الأخرى وتنتج عنهما صورة ممتازة تسترعي النظر. # ظل سقراط رجلا عاديا حتى بلغ الثلاثين من عمره، ثم أخذ يشعر بأن عليه رسالة دينية ~~يؤديها، هي أن يعمل على هداية الأثينيين إلى طرق استعمال العقل وإلى فائدة التمسك بالأخلاق، ~~فترك عمله العادي وأهمل أمور نفسه وصار يغشى المجتمعات والمنتديات العامة يتحدث في الفضيلة ~~والعدل والإيمان وما ماثل ذلك من موضوعات، وكانت طريقته هي الجدل والمحاورة، ولم تكن آراؤه ms001 ~~حاسمة متصلبة بل كان فيها الكثير من المرونة والكياسة، ولم يكن في أمر الدين متشددا غير ~~أنه كان من القائلين بالوحدانية، وذاع صيته وصار له أكبر التأثير على حياة الرجال في أثينا ~~لا سيما بين الشبيبة. # وكان من عادة اليونان - في مواسم خاصة - إذا ما أرادوا الاستعانة بالآلهة في أمر من ~~الأمور أن يزوروا معبد أبولو في دلفي ويستطلعوا رأي الآلهة في أمرهم، فكانوا يسمعون من فم ~~الوحي ما يطمئنهم أو ينذرهم، والغالب أن تكون العبارة تحتمل المعنيين، وقد سئل الوحي ذات ~~مرة عن سقراط، فوصفه الوحي بأنه أحكم رجل في بلاد اليونان، وعلق سقراط على هذا القول من ~~بعد بأنه لم يفهم معنى لهذا الوصف إلى أن تبين له أنه بينما غيره من المفكرين يعلنون ~~معرفتهم للأمور وهم غارقون في الجهالة، فإنه الوحيد الذي لا يعرف من الأمور شيئا. # ولا حاجة بنا للإطالة أكثر من ذلك بل يكفي أن نقول: إن إيمانه بآرائه جمع من حوله الأنصار ~~وجر عليه عداوة لم ينطفئ لهيبها إلا بالقضاء على حياته كما حدث لأكثر من واحد من دعاة ~~الحق والفضيلة. ~~••• # ألفت هذا الكتاب كاتبة أمريكية اسمها كورا ميسن درست فقه اللغات القديمة ونالت ~~الدكتوراه من رادكليف، ثم اشتغلت بتدريس الآداب القديمة في عدة مدارس وكليات، وقامت بسياحات ~~واسعة في اليونان، وعرفت أثينا والبلاد المجاورة لها حق المعرفة. # وقد وصفت - في هذا الكتاب - حياة سقراط وصفا أرادت به أن تصل بين هذا الرجل الذي عاش في ~~فترة بعيدة وبين قلوب الجيل الناشئ في هذه الأيام، فخرجت بهذه الصورة الكريمة، وما أصعب أن ~~ترسم صورة جديدة لرجل رسمه أساتذة في فن القلم مثل أفلاطون في «مجلس شرابه» و«محاوراته» ~~وزينوفون في «ذكرياته». # غير أننا ننبه إلى شيء هو أنها لم تمس الآراء إلا مسا رقيقا، وأنها عنيت بأن تخرج ~~كتابا أدبيا لا كتابا فلسفيا ولا بحثا عميقا. # وسترى أنها نجحت إلى حد بعيد، وأن هذا الكتاب إن يقرأ على أنه مقدمة لدراسة كتب ~~أفلاطون وزينوفون يكن ms002 خير مقدمة تدخل إلى النفس مدخلا سهلا. # وقد وفق المترجم في نقل الكتاب للغة العربية إلى حد كبير، وحافظ على الأصل كل ~~المحافظة، والأستاذ محمود محمود معروف في عالم الترجمة والتأليف. # ولعل القراء ينعمون بهذه الترجمة العربية ويستمتعون بها كما استمتع آلاف القراء ~~بكتاب كورا ميسن. # | كلمة المترجم # بقلم محمود محمود # هذا كتاب عن رجل بلغت به الشجاعة الأدبية أن يستقل برأيه في زمن كان الناس فيه يجلون ~~القديم ويقدسون التقاليد، وقد احتمل الموت صابرا في سبيل دفاعه عن حرية الفكر. # وضعت هذا الكتاب بالإنجليزية الكاتبة الأمريكية الدكتورة كورا ميسن أستاذة الآداب ~~الكلاسيكية، وقد رحلت إلى بلاد اليونان وارتادت أرجاءها ودرست عن كثب مدينة أثينا وما ~~جاورها من الريف؛ فكانت الآداب الإغريقية والفلسفة اليونانية حية في ذهنها. # وقد قصدت بهذا الكتاب أن ترسم صورة لسقراط لا باعتباره معلما عظيما أولا، ولكن ~~باعتباره بشرا ينمو ويتطور كما بدا لأصحابه الذين عاصروه، فعرضت علينا الرجل وهو عند صانع ~~الأواني الفخارية، وعرضته علينا وهو يأخذ عن أبيه حرفة نحت الحجارة، وعرضته علينا إنسانا ~~حيا يتنفس، يتساءل عن الحق، ويبحث عن الحقيقة، وصورت لنا أثينا في عصره وكبار الأشخاص ~~في زمنه. # عرضت علينا ذلك كله في أسلوب قصصي، وقدمت لنا مأساة عاطفية تنتهي بموت البطل وبالحزن ~~العميق، وبطل المأساة رجل لا يخشى السؤال، ولا يخاف البحث، يخضع للقانون ولكنه يفكر في ~~صحته، لا يتملق الجماهير ولا يسير في ركبها، فيرتاب الناس في أمره ويصبح موضعا للشك ~~والظنون، هي قصة الصراع القائم بين جمود الرأي وحرية الفكر على مدى الأيام والدهور. # وقد توجهت مؤلفة الكتاب بحديثها إلى الشباب المراهق خاصة كي تدربهم على الطريقة ~~السقراطية في البحث، وتقدم لهم طرفا من الثقافة اليونانية وموضوعات الفلسفة الكبرى، ~~وبابا للموازنة بين الحياة في أثينا القديمة وأمريكا الحديثة. # ماذا نفعل بالأفراد الذين يتحدون النظام القائم والرأي السائد؟ هذه مشكلة نلمسها في كل ~~عصر من عصور التاريخ، وعلى كل مجتمع وكل جيل أن يلتمس منها مخرجا، هل نحكم على ms003 المعارضين ~~بالموت؟ هل نصمهم بالزندقة؟ هل نبعدهم عن أوطانهم؟ هل نلقي بهم في السجون؟ أم نعطيهم حرية ~~التعبير والكلام؟ هذه جميعا حلول مختلفة لتلك المشكلة الأدبية الأزلية . # وكتاب «سقراط: الرجل الذي جرؤ على السؤال» قصة صادقة قوية لرجل واحد استطاع أن يجد ~~للمشكلة حلا بمفرده. # وقد رأيت أن أقدمه لقراء العربية لكي أنهض بشبابهم خاصة نحو المثل العليا الرفيعة ~~التي ضحى من أجلها سقراط بحياته. # والله ولي التوفيق. # | تصدير # هذا عرض لسقراط قائم - قبل كل شيء - على أساس من أفلاطون وزنفون، ولكنه يدين كذلك لغيرهما ~~من الكتاب القدامى ولكثير من العلماء المحدثين دينا لا يسعنا إلا أن نعترف به بوجه ~~عام، بيد أني لا بد أن أذكر خاصة ما أدين به لكتاب «بركليز وأثينا» ~~لمؤلفه أ. ر. بيرن، الذي يحتمل أن يكون قد أعاد فيه بناء ~~قصة حملة حربية غامضة، فتابعتها عندما كتبت «المسير الطويل»، وكذلك ما أدين به لمذكرات جون ~~برنت في طبعته لمحاورات أفلاطون، وللمجلد الثاني من كتاب «بيديا» لورنر جيجر. # ولقد تصرفت بحرية تامة في ألفاظ أفلاطون في بعض ما اقتبست من مقتطفات، وبخاصة في ~~الحوادث التي رويتها ملخصة عن «لاخيس ومجلس الحوار»، ولكني إنما فعلت ذلك لكي أكون أمينا ~~على ما تتضمنه المحاورات، وهي مصدر ثمين لما روي عن سقراط من أحاديث رغم ما يبدو عليها ~~من صبغة شبيهة بالقصصية، وقد قصدت بالمحاورتين القصيرتين في «المسير الطويل» وفي «ألقبيادس» ~~أن أنقل في صورة مصغرة شيئا مما عنى أفلاطون، كما قصدت ذلك أيضا بالفصل الأول، وقد ~~استخدمت ما روي عن أبي سقراط من أنه كان نحاتا كأساس لمعالجة الحياة الباكرة ~~لسقراط. # وأشكر بصفة خاصة العلماء والكتاب الذين قدموا لي المعونة الصادقة دون أن يتحملوا أية ~~تبعة عن الطريقة التي عرضت بها موضوعي، أشكر ~~سترلنج دو لثاقب نقده للنص، ولنصحه بشأن الصور، وأشكر جون فنلي جر لقراءته المخطوط، وروبرت ~~بيل لمعونته الكريمة الفاحصة في المراجعة. # وأخيرا لا بد لي أن أعبر عن شكري الخاص لوالدي للفرصة التي أتاحها ms004 لي لكي أؤلف هذا ~~الكتاب، وللدراسة الكلاسيكية التي أدت إليه. # | تقديم # كل شيخ كان طفلا ذات يوم، طفلا من نوع ما، وقد ترى شيخا دنيئا ساخطا لم يكن كذلك في ~~طفولته، بيد أنه يشق علينا أن نعتقد أن شيخا حاضر البديهة جريئا مقداما مثل سقراط لم ~~يلتقط بذور العظمة إلا عند نهاية رحلته في الحياة. # لم يحدثنا أحد حديثا مفصلا عن شباب سقراط، ومن الواضح أنه لم تكن له لدى الجمهور ما ~~كان لصديقه العارض ألقبيادس من أهمية، ويبدو أنه قضى أيام شبابه - كما قضى كل أيام حياته - ~~في مجرد النمو، فلسبعين عاما كان ينمو فحسب كغيره من الناس إلا أنه أحسن استغلال حياته، ~~نما سقراط وسط الأسمال البالية من ضروب التفكير التي كانت تسود عصره، وإذا كانت للناس من ~~بعده طريقة للتفكير أفضل من الطرق التي سبقتها، طريقة يستطيعون أن يستخدموها إذا شاءوا، فإن ~~الفضل فيها - إلى حد كبير - يرجع إلى سقراط. # ومن ثم كان من المفيد أن نحاول فهم نمو سقراط، حتى إذا قامت بيننا وبين الحقيقة كثير ~~من العوائق والظلمات، إن سقراط نفسه لم يكتب شيئا قط، ولم تكن الكتابة طريقته، غير أن ~~أصدقاءه في سنواته الأخيرة قد كتبوا شيئا عنه، وبخاصة صديقه الموهوب وتلميذه الفيلسوف ~~أفلاطون، ولا يمكن لأحد أن يقرأ محاورات أفلاطون المسرحية عن أستاذه دون أن يحس أن فيها ~~شخصية حقيقية قد تكون إلى حد ما شخصية سقراط، أو هي محبة أفلاطون لسقراط، أو هي إلى حد ما ~~أفلاطون نفسه، موضع الحيرة من قديم، ولقد حاولت أن أستبعد ما استطعت من آراء أفلاطون الخاصة ~~به فلم أضمنها هذا الكتاب، غير أننا لا نجد اليوم من يخلص سقراط من محبة أصدقائه له، وليس ~~هنا في الحقيقة ما يدعونا إلى هذه المحاولة. # وعطفنا على سقراط مجال آخر للخلط، وهو أقرب رجل في العالم الوثني القديم إلى أن نحشره في ~~زمرتنا متجاهلين التطورات التي طرأت في القرون الأربعة والعشرين التي تفصل بيننا وبينه، إن ~~ألفاظنا تحمل معاني ms005 مسيحية، سواء أدركنا ذلك أو لم ندركه، ومن اليسير لنا أن نلتمس معنى ~~مسيحيا في ألفاظ سقراط كذلك، بيد أن هذا ضرب من ضروب الاضطراب في التفكير ، ولقد كان سقراط ~~أشد مقتا لهذا الاضطراب من أكثر الناس، وإنه ليود أن نفهم ألفاظه اليوم كما فهمها أصدقاؤه ~~في زمنه. # وإذن فإن الشباب من أصدقاء سقراط - أفلاطون خاصة وكذلك زنفون الجندي الصحافي - قد قدموا ~~لنا الرجل الواسع الحكمة، المسن الذي جاوز الستين، الذي أحبوه حينما كانوا في العقد الثالث ~~من أعمارهم، أما سقراط الآخر، سقراط في دور النمو، الذي نحتاج إلى معرفته الجندي المتوسط ~~العمر والشاب الدارس والصبي والطفل؛ أما هذا فإنه يتراجع تدريجا إلى أبعد مما كانوا يرون، ~~وإلى أكثر بعدا مما نرى. # ولا نستطيع أن نقول في البداية إلا أن طفلا قد ولد، وكان ذلك حوالي عام 470ق.م، في ~~بيت مغمور من بيوت الطبقة الوسطى، لا هو بالخطير أو الحقير، في مدينة أثينا، وكانت أمه ~~تدعى فيناريتي وأبوه يدعى سفرونسكس، وكانت لفيناريتي - كما يذكر ابنها فيما بعد - ~~سمعة طيبة عن مهارتها الفطرية وصبرها على توليد جاراتها من النساء، أما سفرونسكس فقد كان - ~~على الأرجح - صانعا، والظاهر أن الرجل المهذب أفلاطون قد أشار إلى ذلك مرة بلباقة، وقد روى ~~فيما بعد صراحة أن أباه كان نحاتا، وأن الابن قد أخذ عن أبيه حرفته، ومهما يكن من شيء فقد ~~كان ذلك متوقعا منذ اللحظة التي شب فيها الصبي عن طوق الطفولة. # وإذن فقد كان هناك سفرونسكس النحات، واقفا إلى جوار سرير زوجته، ينظر إلى يدي ابنه ~~الوليد الجديد ويرى فيهما بذرة الصناعة، ولو عرف الحق لأدرك أنه كان طوال الوقت أبا ~~لفيلسوف. # وبطبيعة الحال لم يتم في الواقع مولد سقراط الفيلسوف إلا فيما بعد، وأقصد المولد التدريجي ~~للآراء التي علمته بدوره أن يعين غيره من الشباب على مولد جديد كمولده، ولن نعرف أبدا ~~حقيقة الوقت أو السبب أو الطريقة التي بدأت بها ولادة هذه الأفكار عند سقراط، ولا نستطيع ~~إلا أن نسير ms006 في الاتجاه العام للحقيقة - كما فعل أفلاطون - ثم نخلق من هذا الاتجاه ~~أسطورة. # الفصل الأول # | أقريطون يروي البداية # [نعود إلى أثينا القديمة، قبل أربعة وعشرين قرنا؛ أي منذ أكثر من أربعة قرون ونصف قبل ~~ميلاد المسيح، حينما كانت روما مدينة ريفية تافهة، وحينما كانت إنجلترا أسطورة من أساطير ~~الملاحين، وأمريكا قارة في سبات عميق، والعالم الغربي يتطلع إلى بلاد اليونان. # ولكن أحدا لم ير في مدينة أثينا الإغريقية صبيا باسم سقراط بدأ يتطور إلى فيلسوف، ~~أقول: إن أحدا لم ير ذلك، اللهم إلا إن كان صديقه أقريطون، فلربما رأى ذلك أقريطون وذكره ~~عندما صار شيخا، ورواه في شيء يشبه ما يلي، أما بقية القصة حتى نهايتها فمصدره جهات ~~متعددة، فهو يصدر عن كتاب التاريخ، كما يصدر عن الحجارة القديمة، وعن الصغار من أصدقاء ~~سقراط، وبخاصة صديقه أفلاطون، بيد أن هذا الفصل الأول لا يمكن أن يذكره إلا أقريطون وحده، ~~وعلى أقريطون أن يرويه لنا.] ~~••• # عندما رأيت سقراط لأول مرة - وكان ذلك في المدرسة فيما أذكر، أو ربما كان قبل أيام ~~الدراسة؛ لأن بيته لم يكن يبعد عن منزلي - حسبته أقبح صبي في أثينا، ولم تكن هذه الفكرة ~~صادقة كل الصدق؛ إذ لم تكن بوجهه كآبة أو ندوب أو علة، إنما كانت المادة التي صيغ منها ~~كأنها أكثر خشونة وأشد صلابة من المادة التي صيغ منها غيره من الأطفال، عيناه تجحظان كعيني ~~ضفدعة، وشفتاه غليظتان، وأنفه الأفطس يبدو كأنه دلك على طريقة خاطئة وهو في المعهد، وكانوا ~~يسمونه في المدرسة «وجه الضفدع». # إني أحدثكم عن وجهه، وإن كنت أنا نفسي كففت عن النظر ~~إليه - والصديق يختلف إحساسه بجلد الوجه وعظامه ~~- لأنكم هكذا ستنظرون إليه لأنكم غرباء، ثم إني أعرف أن الأمر يختلف لديه، فلقد سمعته يضحك ~~منه منذ ذلك الحين، سمعته يزعم أن العيون التي تشبه عينيه إنما خلقت لتنظر في جميع ~~الجهات، وأن الأنف الأفطس يلتقط الروائح أحسن مما يلتقطها أنف طويل مستقيم، ولكني أعرف أنه ~~قبل أن يتعلم المزاح ms007 بشأن خلقته كان كثيرا ما يتشاجر بسببها مع الصبية الآخرين، وأنه ~~أحيانا - بعد أن يكف عن الصراع في الخارج - كان يعاني صراعا داخليا. # ولذا كان للقبح تأثير عليه - تأثير أكبر مما يظن أي ~~إنسان - لأنه كان في جملته طفلا سعيدا متطلعا إلى الخارج، ولقد حدثني محدث عن دعاء سمع ~~سقراط مرة يدعوه بعد ذلك بسنوات؛ خرجا معا إلى الريف، وأراد سقراط أن يؤدي صلاة لآلهة ~~المكان الذي قصد إليه، وما أكثر ما كان يفعل سقراط ذلك؛ يصلي عندما يستمتع بحياته، وكذلك ~~كانت صلاته تتفق وما جبلت عليه نفسه، دعا الآلهة أن تهبه كنوز الحكمة، ونفسا متزنة تحمل ~~هذه الكنوز، كما دعاها أن تهبه البساطة، وأن يتفق مظهره مع مخبره، ولكن فاتحة الدعاء هي أشد ~~ما أذهلني، فلقد قال: «اجعليني جميلا في داخلي.» وتذكرت عندما سمعت ذلك أنني كنت هناك ~~عندما بدأت الفكرة لديه، عندما بدأ يوجه الأسئلة عن الجمال منذ سنوات مضت. # وعندما أقول «الجميل» قد تحسبونني في أذهانكم أعني «الظريف»؛ لأنكم أجانب، ولكن لكي ~~تفهموا قصدي اعلموا أنني إنما أعني «الفاخر» أو «الجليل»، ذلك ما يعنيه لنا لفظنا «الجميل»، ~~وكثيرا ما نستخدم هذا اللفظ، ولكن عندما بدأ سقراط يتساءل عن الجميل لم نفهمه بادئ الأمر ~~أكثر مما لو كنتم أنتم تفهمونه. # وأول ما لحظت ذلك كان في درس من دروس الموسيقى، فلقد طلب إلينا جلوكس العجوز أن ننشد ~~الأغاني المألوفة من «الشاعر» في ذلك اليوم، وكثيرا ما كنت لا ألتفت البتة لما كنا نقول ~~إلا أن أصيب في إلقاء الكلمات، بسبب العصا التي كانت في ركن من الأركان، غير أن جلوكس اختار ~~هذه المرة أنشودة من الأجزاء التي كنت أحبها؛ ولذا فقد تنبهت كما تنبه سقراط الذي كان ~~يجلس إلى جواري. # لا شك أنكم تعرفون القصة: كيف تشاجر البطل أخيل مع الملك ورفض أن يقاتل من أجله في ~~المعركة بعد ذلك، غير أن صديقه قتل وهو يحاول أن يحل محل أخيل، وبعدئذ لم يستطع أي شيء ~~أن يصد أخيل ms008 عن القتال، بالرغم من أن أمه الإلهة أنذرته بأنه إنما يسير نحو حتفه، ~~فأجابها أخيل بخطاب جليل عندئذ، قائلا إنه يؤثر الموت على أن يتخلى عن الصديق ، وأنه ~~إن ابتعد عن المعركة في ذلك الحين فإنما يصبح عبئا على وجه الأرض. # وكان خطابا جليلا ترن فيه أصداء المعركة، وقد عرفتم أن أم أخيل كانت على صواب في رأيها ~~عما سيحدث، وأنه كان يعلم صواب رأيها، وأن خيوله ذاتها سوف تحزن عليه بعد وقت قريب، ومن ~~ثم فقد أحسست أن الخطاب كان جليلا، فصوبت نظري نحو سقراط لأعلم رأيه فيه، إذ كان ~~بالفعل يهمني أن أعرف رأي سقراط في كل شيء. # ألقيت عليه نظرة من عل - وكان أقصر مني قامة، وإن كنا في سن واحدة - فرأيت عليه مسحة ~~أحببت من ذلك الحين أن أراها عليه في كثير من الأحيان، انفرجت عيناه العجيبتان الجاحظتان، ~~وتألق وجهه القبيح الصغير بشرا مصدره القلب، وهمس قائلا: «كان خطابا جميلا يا أقريطون، ~~أفسمعت؟» ثم اضطر كلانا إلى الصمت بسبب العصا، وسرعان بعد ذلك ما أطلق شخص ما صرصورا ~~استقر تحت أنف جلوكس تماما، فنسيت ما كان بشأن أخيل. # تذكرت هذا فيما بعد عقب مباراة المصارعة، وكنت بطلا فيها بين أترابي في ذلك الحين رغم ~~حداثتي في التمرين بطبيعة الحال، ولم أتقدم قط للألعاب الكبرى، ولكني أحسنت في ذلك اليوم ~~وعرفت ذلك، وسرني أن سقراط كان حاضرا يشهدني. # ودخلنا معا بعد ذلك غرفة الملابس، وذراعانا متشابكتان، وكلانا تشمله السعادة الكاملة، ~~وقال سقراط: «مصارعة جميلة يا أقريطون.» وأخذ يكرر هذه العبارة، وهي كلمات قد تصدر عن أي ~~إنسان، وإن يكن حملها من المعني أكثر من ذلك، ثم وقف ونظر إلي، وصمت لأني أدركت أنه ~~كان يفكر في أمر ما. # وبعد لحظة قال لي: «أجل جميلة يا أقريطون، وكان الصباح جميلا كذلك، هل تذكر أخيل؟ كان ~~الأمر مختلفا في ذلك الحين، ولكنه جميل أيضا، إني لأعجب ...» ثم شرع يفكر ثانية حتى نبهته ~~فأقلع عن التفكير، ثم انصرفنا معا للتدريب. ms009 # ولم أفهم حينئذ ما كان يدور بخلده، بل ولم أعجب له، حتى كان ذات مساء بعد ذلك في نفس ~~الأسبوع وبينما نحن جلوس بمصنع ماوس، ولم يكن ماوس هذا إلا صانع فخار، أجنبي المولد، ~~ولكنه كان ذائع الصيت في أثينا في تلك الأيام لإتقانه صنع الأواني، وكان فظا مع الناس، ~~ولم يسبق لي قبل اليوم أن اقتربت من بابه إلى هذا الحد، بيد أن سقراط قد تعرف إليه بطريقة ~~ما، وصحبني ذلك المساء لكي نراقبه. # وعندما دخلنا المصنع وجدنا ماوس قد شرع في صناعة إناء جديد على عجلته، فأشار إلي سقراط ~~أن ألزم الصمت، وجلسنا على الأرض قريبا منه وبعيدا عن الطريق، ولست أدري إن كنتم شاهدتم ~~من قبل خبيرا بصناعة الفخار وهو يقوم بأداء عمله، فإن كنتم قد شاهدتموه، فستدركون لماذا لم ~~يدركنا ملل عندما جلسنا لديه نراقبه. # كانت على عجلته كتلة ضخمة من الصلصال، وظل فترة ~~طويلة كأنه لا يفعل شيئا إلا أن يلعب بها، دافعا بها إلى أعلى وإلى أسفل بين يديه، بينما ~~احتفظ طفل من الرقيق بالعجلة دائرة، وبدا كأنه سيبقى على ذلك طيلة المساء، ولكن الموقف تغير ~~فجأة، وإذا بماوس يقلب يديه، ويدفع بإبهاميه إلى وسط الصلصال ويقبض ويرفع حتى تشكل ~~الإناء بشكل ما. # ارتفع الإناء من جذوره كأنه مادة حية، وإن المرء ليحسب من غير شك أن به حياة، ولكن الحياة ~~لم تكن بطبيعة الحال سوى الخطة التي دبرها ماوس في رأسه، وإنك لتراقبه ويصيبك شيء من ~~الدوار، وإنك لتستطيع أن تشهد الخطة وهي تنطلق من ماوس، ومن بين يديه إلى الصلصال، والخطة ~~تخلق من الصلصال شيئا، إن الصلصال لم يكن من قبل شيئا، ولكنه الآن إناء. # ونظرت إلى سقراط، وعرفت أن أمره الآن مثل حاله عند خطاب أخيل وفي المصارعة، وأحسسنا ذلك ~~معا، وبعد برهة أوقف ماوس العجلة لكي يقيس شيئا ما، ووجه إليه سقراط هذا السؤال: إن هذا ~~لجميل يا ماوس، وكان جميلا وهو يتكون، ولكن ما هذا الشيء الذي نسميه بالجميل ms010 يا ماوس؟ وما ~~معناه؟ # قال ماوس وقد بدت عليه الحيرة لحظة، ولمس طرف الإناء الذي كان يصنعه: «جميل؟ عجبا! إنه ~~مثل هذا فيما أحسب، ومثل ذاك الذي تراه، وليس الذي شهدتني أصنعه بالأمس، لقد أفسدته وإن كان ~~أكثر الناس لا يعلمون.» # ووضع سقراط يده على الإناء كذلك لكي يلمس استدارته، وكان جليا أنه لم يكن ~~راضيا. ~~- كلا يا ماوس، ليس الأمر كذلك! ذلك ما يفعله الناس دائما، إنهم يشيرون إلى الأشياء، ~~يشيرون إليها ويقولون: «هذا جميل، وذاك جميل.» والأشياء كلها على خلاف، إناء جميل ومصارعة ~~جميلة وشجاعة جميلة، كل هذه أمور مختلفة، ولكن ماذا عسى أن يكون بينهما من تشابه؟ لا بد ~~أن يكون هناك تشابه ما، وليس الأمر مجرد أن يكون هذا جميل وذاك جميل، وإنما لا بد أن ~~يكون هناك «الجميل» يا ماوس، هذا ما كنت أفكر فيه، وأنت تصنع الأشياء الجميلة، فلا بد أن ~~تكون على علم. # وعرفت عندئذ ماذا يعني، وإن كنت لم أفكر من قبل قط في مثل ذلك، وأدرك ماوس الأمر كذلك، ~~ولكنه لم يبادر بالجواب، وأخيرا قال: «إنني لا أعرف شيئا عن «الجميل» يا سقراط، ولست ~~أعرف سوى الأواني الجيدة، والإناء الجيد عندي إناء جميل.» # فسأله سقراط: «ولكن لماذا يكون جيدا يا ماوس؟» # فقال ماوس مشيرا مرة أخرى حتى حسبته قد نسي: «انظر إلى تلك الجرة، إنها جرة جيدة، إنها ~~جيدة لسبب ما، إنها جيدة في انصبابها، ولو أنك زدت قليلا من تجويف حافتها لانسكب منها ~~النبيذ، ولو فلطحت جوانبها أكثر من ذلك قليلا لسهل سقوطها، وعندئذ تكون جرة رديئة، ولا ~~يسميها من يعرف جرة جميلة، وفي الحق أن من رأيي أنها إذا لم تؤد الغرض الذي قصد منها شق ~~علينا أن نطلق عليها اسم الجرة إطلاقا، إنها مجرد كتلة من الطين.» # فقال سقراط متثاقلا: «إذن لا بد أن تكون الجودة في الأشياء هي التي تجعلها جميلة ~~ونافعة، لا بد أن تكون جودتها هي التي تجعلها أي شيء إطلاقا.» # فأومأ ماوس رأسه بالإيجاب ms011 وأضاف قائلا: «هذا ما يبدو لي كذلك، وإني لأحسب أن كل من ~~يصنع الجرار يجب أن يجيد صنعها.» # فسأله سقراط: «ولماذا لا يفعلون؟» # وأجاب ماوس: «إنهم لا يعرفون الطريقة، والحق أنهم لا يعرفون نموذج الجرة الجيدة، الجرة ~~الحقيقية.» # وقال سقراط: «أجل، وبالطبع إنهم ليحبون أن يحاكوا النموذج لو أنهم حقا عرفوه، ولكن من ~~ذا الذي صنع النموذج يا ماوس؟» ~~- «لست أنا، وليس أبي، لقد استغرق زمنا طويلا، وما زلنا - في الواقع - ندخل عليه ~~تعديلات صغيرة، وربما لم يصنع قط النموذج الحقيقي، إنه دائما في طريق الكشف، ولكنه قد ~~وجد فعلا على صورة ما.» # فسأله سقراط: «وإذن فكيف تكشف عنه؟ هذا ما أريد أن أعرفه يا ماوس، كيف يكون ذلك؟» # وكان هذا آخر سؤال، وقد تطلب من الشيخ العجوز زمنا طويلا لكي يجيب عنه، وفي نهاية الأمر ~~قال: «أشك أنني أستطيع أن أخبرك بذلك يا سقراط، ولكن ينبغي لك أولا أن تعرف الجرار، ولا ~~يكفي أن تعرف شكلها، كما يشاهدها أي زائر للمصنع، ينبغي لك أن تعرف ماذا بها مما يجعلها ~~جرارا جيدة، جرارا حقيقية، تؤدي ما يجب للجرة أن تؤديه، المعرفة هامة جدا يا ~~سقراط.» # وكان الحوار في ذاك المساء بمصنع ماوس كمباراة الكرة، رمي ومتابعة، إلى الخلف وإلى ~~الأمام، وأحسست قرب النهاية كأن المباراة فوق مستواي، وإن كنت قد بدأت من ذلك الحين أحسن ~~فهمها، وربما كان الأمر فوق مستوى سقراط نفسه قليلا في ذلك الوقت، ولم يكن ماوس ~~سوى صانع فخار يتحدث عن الأواني الفخارية، فإن ~~ذكر شيئا عن الجودة على اعتبار أنها نموذج يبحث عنه، فإنه لم يذكره إلا عرضا، بيد أني ما ~~زلت أعتقد أن هذا الحديث مع ماوس كان بداية لشيء هام بالنسبة لسقراط، بداية - على الأقل - ~~كأية بداية أخرى يحتمل أن تصادفك. # الفصل الثاني # | تلميذ قاطع الحجارة في أثينا # ربما كان أقريطون على صواب، وأن سقراط بدأ يفكر كما يفكر الفيلسوف، ويبحث عن معاني ~~الأشياء، وهو لا يزال صبيا في المدرسة، كما اعتاد فيما ms012 بعد أن يعين الصبية الآخرين على ~~التفكير وهم في هذه السن ذاتها تقريبا، معتقدا أنهم يكونون حينئذ على استعداد لذلك، ~~وربما جاءت بداية سقراط بعد أيام الدراسة ؛ لأنه بالتأكيد لم يتجاوز الثالثة عشرة أو الرابعة ~~عشرة حينما أخرجه أبوه من المدرسة. # ولم يأسف لذلك سقراط، فسيبقى معه حتى نهاية حياته بعض ما تعلم في المدرسة، وبخاصة قصائد ~~الشعر في الأبطال القدامى، كما أنه أفاد من تعلمه المصارعة والعدو وما قام به من أعمال في ~~ساحة اللعب، لقد أفاد من ذلك أيضا وإن لم يجعل منه رياضيا من الطراز المألوف، غير أن ~~سقراط كان يعرف كيف يتعلم لا من المعلمين والمدربين فحسب ولكن من كل إنسان يقابله، وقد ~~دأب على هذا اللون من التعلم - بطبيعة الحال - سواء أكان في المدرسة أم لم يكن بها. # وحان الوقت لسقراط - فوق ذلك - لكي يتعلم مهنة أبيه، وقد ولد لأب يشتغل نحاتا كما جاء ~~في قصة قديمة يحتمل صدقها. # وعاش سفرونسكس على مستوى عال من النحت، وكان سقراط يأمل أن يحافظ على هذا المستوى، ~~فهناك عمل كثير لصانع مدرب في الأشغال العامة الكبرى، مثل «الأسوار الطويلة» التي تم ~~بناؤها، التي تصل ما بين أثينا والبحر، وفي النقوش الدقيقة للقوانين وغيرها من المدونات ~~العامة (وكان سقراط يستطيع أن يكثر من هذا الضرب من العمل، ما دامت الديمقراطية المتزايدة ~~في أثينا تحب أن تنشر مدوناتها حتى يراها الناس جميعا)، وبالطبع في المقاولات الخاصة كذلك، ~~وبخاصة في شواهد قبور الموتى، وكانت أكثر أعمال سفرونسكس بطبيعتها بعيدة عن منزله مع ~~العمال الآخرين، وقد أحب سقراط هذه العشرة، وإن يكن قد تعلم أيضا أن يعين أباه في ~~بيته كذلك عاملا في فناء المنزل في بعض صغائر الأعمال. # وكان سفرونسكس يستعمل الرخام في أعماله الدقيقة، الرخام الناعم المتماسك الأبيض الشاهق ~~الذي يقطع من محاجر جبل بنتلكس القريب، ويستخدم الأدوات عينها التي كان يستخدمها من قبل ~~أبوه وجده، وهي المطارق المدببة للعمل الخشن أولا الذي يتعلق بشق الحجر، أما المثاقب، من ~~أمثال ms013 المسامير الكبرى - المدببة أو المربعة الأطراف، فكانت تدق بمطارق حجرية ثقيلة، أما ~~الأزاميل المقدسة أو ذات الأسنان في أطرافها فكانت تستخدم للعمل في تسوية السطوح، كما ~~تستخدم الخرامات لعمل الثقوب، وقد شهد سقراط أباه يستخدم كل ذلك مئات المرات، ثم ~~تناولها بيديه وسنها وتعلم المنافع الخاصة لكل منها. # وظل سقراط - بطبيعة الحال - أمدا طويلا لا يستطيع أن يؤدي سوى المراحل الأولى من ~~عملية النحت، فالرخام أثمن من أن يضيع سدى، فإذا اقتضى الأمر أكثر من تشكيل السطح تشكيلا ~~بسيطا تولاه سفرونسكس، ووقف إلى جواره سقراط يناوله الآلات ويراقبه. # كان أبوه مرة - على سبيل المثال - يريد أن ينحت رأس أسد لنافورة، فتناول الكتلة المستديرة ~~وأخذ يصورها، وكانت الضربة في أول الأمر تغوص في الحجر إلى عمق نصف بوصة، ثم أخذ يتناول ~~الآلات الأدق فالأدق، واستخدم المثقب المربع والمثقب الحاد والأزميل المخلبي، وأخذت تظهر ~~تدريجا تفصيلات الرأس؛ الفم ومن فوقه الأنف الأفطس والعينان المفترستان والمعرفة ~~المتشابكة، واستطاع سقراط الآن أن يقدر المهارة والمعرفة المودعتين في هذا العمل، إن ~~أباه قد استغرق السنوات الطوال لكي يحذق الضرب بالمطرقة ويحسن تناول الآلات، ولما سأل سقراط ~~أباه كيف عرف الطريقة التي يضع بها أزميله وإلى أي عمق يضربه، حاول سفرونسكس جاهدا أن ~~يبين له الجواب. # قال: «عليك بادئ ذي بدء أن ترى الأسد كامنا في الحجر، وتحس كأنه رابض هناك تحت السطح، ~~وعليك أن تطلق سراحه، وكلما أحسنت رؤية الأسد، أحسنت معرفة أين وإلى أي عمق تشق الحجر، ~~والعماد بعد ذلك بطبيعة الحال، على التمرين والتدريب.» # وأنعم سقراط الفكر في هذا القول، وذكره بحديث حدثته به أمه ذات مرة، وكانت الأم تشتهر ~~بين جاراتها بمهارتها في توليد الحبالى من الأمهات، وسألها سقراط مرة كيف تقوم بهذا العمل ~~فأجابته قائلة: «إنني في الواقع لا أفعل شيئا، وإنما أكتفي بأن أعين الطفل على ~~الانطلاق.» # وظن سقراط أن هذا ما حدث أيضا يوم كان في مصنع ماوس، فإن ماوس لم يكون فكرته عن ~~النماذج ويحشرها في ذهن سقراط ms014 حشرا، إنما كانا يتبادلان الحديث، يسألان ويجيبان، ونبتت ~~الفكرة فجأة، وأحس سقراط أنها كانت كل الوقت تكمن هناك على صورة من الصور، وإن يكن ~~إدراكه لمعرفته إياها إدراكا ناقصا، ولم يفعل ماوس شيئا سوى أنه أعان الفكرة على ~~الانطلاق. # وأثار سقراط مجرد التفكير في هذا، فمن ذا الذي يعرف كم فكرة هناك تنتظر الانطلاق، ولو ~~تعلمت أن تسأل السؤال الصحيح لاستطعت أن تحررها. # بيد أن الأفكار شيء - وكان سقراط يكتشف منها الجديد دائما - ورؤية الأسد أو أي مخلوق آخر ~~من هذا القبيل تحت سطح الحجر شيء آخر، ولم يتجاوز سقراط العام عاملا في المصنع حتى بدأ ~~أبوه يدرك أنه لا يحتمل قط أن يصبح سقراط نحاتا فائق المهارة، لا لأن الصبي كان خاملا أو ~~ضعيفا، فقد كان يفيض قوة ونشاطا، بل إن الخطر قد ينشأ من ضربه المطرقة في الحجر بحدة ~~زائدة فيفتته شظايا متناثرة، إذ لم تكن له بطبيعته أصابع رقيقة حساسة كأمه وأبيه، وكانت ~~مهاراته مع الناس لا مع الحجارة. # وعرف سقراط ذلك بنفسه وإن لم يتحدث عنه، وفي تلك الأيام لم يفكر أحد في تغيير عمله، وكان ~~الطفل يأخذ عن أبيه مهنته وينتهي بذلك الأمر، ومع ذلك فقد كان يسر للقاء الزبائن ~~الوافدين، وحينما يخرج إلى المدينة بنفسه، وكان يحب الخروج ومشاهدة ما كان يدور في ~~المدينة. # وإن أردت أن تدرك ما كان يحدث لسقراط في تلك الأيام فلا يكفي أن تذكر المصنع الذي كان ~~يعمل فيه فحسب، بل يجب أن تذكر كذلك المدينة التي كان يعيش فيها، ولم تكن أثينا بالمدينة ~~الكبرى في عداد المدائن، وتمكن سقراط أن يعرف أكثر من فيها من الناس أو يعرف عنهم شيئا، ~~ولكنها كانت مدينة مثيرة، فقد كانت تجرى فيها التجارب وتصاغ فيها الآراء، وتصنع فيها ~~التحف الجميلة، أيام كان يعيش فيها سقراط، أكثر - على ~~الأرجح - مما حدث في أي مكان آخر في تاريخ العالم حين ذاك. # وكانت تعلو أثينا، وتميزها في عيني كل إنسان وفي ذهنه، صخرة الأكروبول أو ms015 «قمة المدينة» ~~وهي قلعة ومعبد في آن واحد، وكان كل طفل يعلم أن إله البحر بوزيدون والإلهة أثينا تنافسا ~~في هذا المكان، كل منهما يحاول أن يبز الآخر في الهدايا القيمة لكي يظفر برعاية المدينة، ~~وقدم بوزيدون جواد الحرب، وضرب الصخرة بصولجان متشعب فتفجر منها ينبوع من الماء، وما عتم ~~الينبوع هناك، ولكنه لملوحته كماء البحر لم يبلغ في قيمته مبلغ هدية أثينا - شجرة الزيتون ~~المقدسة التي ترعرعت إلى جوار الينبوع. # وأمست أثينا الإلهة الملكة على المدينة، وعاشت مدينة أثينا أمدا طويلا على الزيتون، ~~وانتشرت أشجار الزيتون الخضراء القاتمة متكاثفة في السهل المحيط بها، وصدر الأثينيون زيت ~~الزيتون، وقدموه جوائز في المباريات واغتسلوا به وطهوا طعامهم به، وأحرقوه في المصابيح، ~~وكنت تشاهد الشاب الأثيني المهذب وهو في طريقه إلى الملعب حاملا زجاجة من الزيت يتدلك به ~~معلقة بمشبك فوق ذراعه، والأرجح أن يتناول الصانع من أمثال سفرونسكس حفنة من الزيتون مع ~~طعامه في الغداء ظهرا. # وفي عام 480ق.م؛ أي قبل مولد سقراط بنحو عشر سنوات، أحرق الفرس أكروبول أثينا في غزوتهم ~~الكبرى، وشهد سقراط وهو في العقد الثاني من عمره بقايا جذوع الأعمدة التي سودها الدخان ~~قائمة في مكانها، ولما كان في العقد الثالث بدأ برنامج المنشآت الكبرى، وأخذت ترتفع المعابد ~~الرخامية كأنها تنطح السماء، وهي المعابد التي ما فتئت حديث العالم حتى اليوم. # والرجل الذي رسم مشروع المباني هو بركليز، وقد أضحى آنئذ من زعماء السياسة في أثينا، ~~وكان يزمع أن يسد نفقات المعابد من الأموال التي تبرع بها الإغريق في المدن الجزرية وعلى ~~السواحل الشرقية لحمايتها من عودة الفرس، وبدأت أثينا تتزعم هذه الجامعة الدفاعية، فأخذت ~~تتطور شيئا فشيئا إلى أن صارت المدينة ذات السيادة في إمبراطورية بحرية، وكانت جاراتها من ~~المدن ترقبها وقتئذ في غيرة وخشية، هذه المدن المنتشرة فوق بلاد اليونان الأصيلة، وخاصة في ~~الجنوب في شبه الجزيرة الكبرى المعروفة باسم بلبونيسس، وما كانت أسبرطة (مدينة الجند) لتسمح ~~للقوة الأثينية باطراد النمو. # ولا بد أن تؤدي ms016 الغيرة والخوف إلى القلاقل إلى اشتعال الحروب فورا، وإلى القتال ~~الطويل المريع فيما يقبل من الأيام، بيد أن القوة الأثينية في عين سقراط، وهو في العقد ~~الثاني من عمره، كانت مثيرة ولم تكن مخيفة، وكانت إصبع المجلس - وهو اجتماع المدينة الأثيني ~~- الذي ينعقد فوق التل الذي لا يبعد كثيرا عن السوق، تلعب دورها في أمور صقلية ومصر وآسيا ~~الصغرى والبحر الأسود، وتهيأت لسقراط وصحبه الفرصة لكي يشهدوا قوما جذابين من أقاصي ~~البلاد، من فرس شامخي الأنوف متراخين في حركاتهم يعتقدون - كما يقال - في صراحة القول قبل ~~كل شيء، إلى ملاحين من الجزر يعرفون ساحل روسيا الجنوبي كما يعرفون مرافئ بلادهم، وقد ~~قاموا بعشرين رحلة بحرية إلى النيل، إلى فنانين وصناع من جميع أصقاع البحر الأبيض وفدوا ~~إلى أثينا - ولا نذكر الفنانين والصناع الذين أنجبتهم أثينا بنفسها - إلى شعراء وموسيقيين ~~ومخططي المدن ومهندسي المباني ومؤرخين وتجار ومبعوثين دبلوماسيين وأرستقراط مبعدين عن ~~بلادهم، إن سقراط لم يكن بحاجة إلى أن يتطلع بعينيه إلى أبعد من مدينته لكي يرى قوما من ~~أكثر الناس إثارة للاهتمام في العالم. # ولم يكن عجبا في هذه الظروف أن يهوى رجل كسقراط - بما لديه من خيال وتطلع إلى المعرفة ~~- الاستماع إلى الناس والتوجه إليهم بالسؤال، وكان كل فرد في أثينا محدثا، كانوا ~~يتحدثون في السوق صباحا، وفي الملعب بعد الظهر، وفي حفلات العشاء وفي النوادي مساء، ~~كانوا يتحدثون عن الرياضة («من ذا تظن ستكون له الغلبة في المصارعة في الألعاب الأولمبية ~~في هذا الموسم؟») ويتحدثون عن السياسة («قلت في ذلك الحين: إن مشروع بركليز الذي يقضي بدفع ~~الأجور للمحلفين سيكون فيه خراب المدينة!») ويتحدثون عن الحرب والسلم («لماذا لا تبلغنا ~~أي أنباء عن أسطولنا في مصر؟») وكانوا يديرون حكومتهم بالكلام، وهي أول ديمقراطية في ~~العالم، وكان لكل مواطن من الذكور الحق في التعبير عما يدور في نفسه قبل أن يدلي بصوته ~~في المجلس، وربما صاح الأعضاء في وجهه مطالبين إياه بالصمت إذا لم يحسن الحديث. # ومن ثم فقد ms017 أصغى سقراط إلى كثير من الأحاديث، أصغى وفكر فيما كان يقال، ووفق بين ~~مختلف الأحاديث في ذهنه، وأدرك أن كثيرا من الكلام كان يتعلق بأشياء لم يعرف عنها ~~المتكلمون في حقيقة الأمر إلا قليلا، واتضح ذلك من الطريقة التي كان المتكلم يناقض بها ~~نفسه دون أن يدرك هذا التناقض، ومن المؤسف أنهم لم يفكروا في أمورهم تفكيرا كاملا. # ولما شب سقراط واشترك في الحديث لحظ الناس أن له طريقة خاصة به، كان يحب أن يوجه ~~الأسئلة، وينتقل من سؤال إلى آخر، حتى يظهر جليا ما بعقل محدثه من اضطراب، وكانت هذه ~~الطريقة تربك المسئول، ولكنها تسر السامعين وتسري عن نفوسهم، وكان كثير من الناس يحسب ~~سؤال سقراط ضربا من ضروب اللعب تداخله الحيلة ويدعو إلى القلق، وربما كان كذلك بادئ ~~الأمر. # ولم تكن الحياة كلها في أثينا كلاما، وكان لسقراط أصدقاء من سنه، هم جيرانه من ~~الصبية، تتفق أوقاتهم في العمل مع أوقاته، ويتعلمون مهنتهم نحاتين أو نجارين، وكانوا ~~يلعبون في الطرقات معا بعد ساعات العمل، أو وقت الظهيرة حينما كان الشيوخ يخلدون إلى ~~الراحة، وكان أصدقاء سقراط يتبارون ويتصارعون ويتقاتلون مع صبية الأحياء الأخرى، شأنهم في ~~ذلك شأن جميع الصبية في أثينا، كانوا يلعبون بعظام الكعوب ويستخدمونها زهرا، وكونوا ~~النوادي والصداقات الوثيقة ثم فضوها، وكان سقراط فردا في جماعة، ولما شبوا فيما بعد ~~وأصبحوا أساتذة في حرفهم، واهتدى إلى حرفته الحقيقية، رحبت به كل مصانع المدينة. # ولم يعد سقراط يلتقي كثيرا بزملائه الذين تعرف إليهم أيام الطلب، من أبناء الطبقة ~~العليا الذين لا يحترفون سوى السياسة والخدمة العامة، ولم يرافقهم إلا في أيام الأعياد، ~~كانوا يصعدون التل معا مقتفين الموكب العظيم ليشهدوا حفل أثينا الجليل، وكانوا يحشرون في ~~الحشد الذي يشهد سباق الزوارق وسباق الشعلة والمباريات الرياضية والاستعراضات العسكرية، ~~كانوا يجلسون على سفح التل - في الشتاء والربيع - يشهدون سويا حفلات التمثيل، مآسي ~~الأبطال والملاهي الصاخبة، وفي كل حفل خمس عشرة مسرحية جديدة، مليئة بالحكم والخيال ~~والفكاهة التي يضعها أحذق ms018 المفكرين في أثينا. # ولذا فقد كانت مدينة أثينا بأسرها في أيام الحفلات شخصا واحدا، لا يحول حائل بين سقراط ~~النحات وأقريطون الشاب الرياضي المهذب، ولكنه في الأيام الأخرى كان لا بد له أن يتوجه ~~إلى الملعب لكي يلاقي هؤلاء الأصدقاء، فقد كانوا ينفقون طيلة النهار وجميع الأيام هناك، ~~يعملون جادين في الألعاب الرياضية والتمرينات الخلوية التي تلقوا في المدرسة مبادئها، وكان ~~كثير من حديثهم يدور حول الخيل، وكانت تقوم بينهم صداقاتهم الخاصة الوثيقة التي تبعد عنهم ~~سقراط. # وبرغم ذلك كان يحب أن يشاهدهم، وما كان أروعهم وهم يتألقون على طول طريق السباق في ~~الشمس، يكسبهم الزيت لونا بنيا لامعا، أو حين يقذفون الأقراص في رشاقة واتزان وسيطرة ~~تدل على الساعات الطوال التي أنفقوها في التدريب، وكانوا كذلك مهرة كما كان ماوس وسفرونسكس، ~~ولم تكن مهارتهم في الأداء بالنسبة لسقراط أكثر من مهارة الصناع، بيد أنه أحبها كما أحب ~~كل ما هو جميل وحي. # الفصل الثالث # | الآلهة # في تلك الأيام كان سقراط يمارس ويحس بعمل المصنع وحديث المدينة، وبالألعاب في الطرقات ~~وبمواكب الأعياد والمسرحيات، شأنه في ذلك شأن الصبية الآخرين من زمرته، ومع ذلك فقد بدأ ~~بينه وبينهم الخلاف بعدما شب عن طوقه، فمتى بدأ هذا الخلاف؟ # لا بد أن يكون قد نشأ قبل أن يلحظه أكثر الناس بوقت طويل، وربما لحظوا أنه كان أشد ~~رغبة في معرفة الأشياء، ومعرفة الأفكار خاصة، من أغلب أصدقائه، وربما أدركوا أنه أكثر دقة ~~في تفكيره من معظمهم، لم يقنع بشتات من الأفكار المتناثرة، كالطير يسبح في الجو هنا وهناك، ~~وإنما كان يحتاج إلى أن يضم فكرة إلى أخرى ثم يرى الفكرتين تسيران في اتجاه واحد، وربما ~~لحظ ذلك قلة من الناس، ولكن ربما لم يلحظ أحد لفترة طويلة من الزمن ما كان في نظر الأثيني ~~أعجب الفروق جميعا، وهو ما يتعلق بالآلهة. # لما شرع سقراط في وقت باكر جدا يفكر ويسأل الأسئلة عن الآلهة، ألفى خليطا عجيبا من ~~الآراء لا بد من طرقها، كان ms019 صديقه ماوس - ~~مثلا - واحدا من خيار الصناع في المدينة، كان يستطيع أن يصنع الجرار والأواني الجميلة ~~البسيطة المتناسقة، وأن يعمل بدقة، وعلى مستوى واضح في ذهنه، حتى لا يتعارض جانب من ~~التصميم مع جانب آخر، ولكنه إذا ما احتاج إلى التفكير في الآلهة، ظهر أنه لا يسير البتة على ~~أي مستوى من المستويات، ولم يكن التصميم واضحا أو متناسقا في ذهنه. # ولما شب سقراط، واتسعت دائرة كشوفه، وجد أن أكثر من لاقى من الناس يضطرب هذا الاضطراب ~~عينه بشأن الآلهة، وكأن طبقات عديدة من الأفكار قد انضم بعضها إلى بعض في وقت من الأوقات، ~~ولكن الصورة لم ترسم طبقا لمستوى معين، وأسوأ من هذا كله أن قليلا جدا منهم من أدرك ~~إلى أي مدى كان الاضطراب مشوشا، أو من حاول أن يبذل جهدا فيه. # ولذا فلما ألقى سقراط أسئلته عن الآلهة، أجيب بمختلف الأقاصيص، منها الجيد ومنها الرديء، ~~كان الناس في الزمن القديم يحسبون أن للآلهة بهم شأنا أكبر مما لهم بنا اليوم، وكان للآلهة ~~من بين الناس من يخصونهم بفضلهم ويقدمون لهم المعونة، ذلك ما حدث لأوديسيس - مثلا - في ~~القصص القديم، فقد وقفت أثينا الحكيمة إلى جواره تعينه في محنته، مختفية حينا، ظاهرة حينا ~~آخر في صورة امرأة جميلة فارعة، وحينا كإلهة ذات عينين رماديتين براقتين ودرع تتلوى على ~~أطرافه الأفاعي، تستطيع أن تستمع إلى دعواته إن أرادت حيثما كانت، وإن كانت تشغل عنه ~~أحيانا، أو يعوقها إله آخر ممن يمقتونه، وعلى أوديسيس حينئذ أن يشق طريقه وحده، وقد فعل ~~ذلك بشكل يدعو إلى الإعجاب نظرا إلى ما كان أمامه من صعاب حتى استعدت أثينا أن تعينه مرة ~~أخرى. # وكان للآلهة كذلك أعداؤهم الذين يمقتونهم، ونجمت عن ذلك الصعاب الجمة للأبطال، فقد أعمى ~~أوديسيس مرة سيكلوبس، ابن إله البحر بوزيدون، ذا العين الواحدة الذي عرف بالعنف، وفعل ~~ذلك دفاعا عن نفسه، ولكنه أخطأ إذ تفاخر بذلك وأفصح عن اسمه فيما بعد؛ ولذا توجه سيكلوبس ~~بالدعاء إلى أبيه لكي ينتقم ms020 له، وكان كلما شهد بوزيدون أوديسيس بعد ذلك على متن البحر أثار ~~في وجهه عاصفة، وإذا لم يستطع أن يقبض على أوديسيس نفسه، استطاع أن ينزل العقوبة بربان ~~السفينة وملاحيها الذين تفضلوا عليه وحملوه على سفينتهم، ومن أجل ذلك حول بوزيدون مرة ~~إحدى السفن إلى حجر بعد ما خرج منها أوديسيس، واستقرت السفينة وصارت جزيرة تذكر الأحياء ~~بألا يعينوا عدوا من أعداء إله البحر. # هكذا كان الناس يعتقدون في مسلك الآلهة فيما مضى، يتصرفون كما تتصرف الكائنات البشرية ~~في قوة وعناد، ويعيشون إلى الأبد، يقيمون الولائم ويتشاجرون من أجل محسوبيهم من البشر فوق ~~جبل أولمبس الذي يرتفع في أجواز الفضاء، أما الآن فقد أدرك الناس أن الأمر لم يعد كما كان ~~من قبل تماما، فقد بعد موطن الآلهة ولم يعد لهم - فيما ~~يبدو - محسوبون من عامة الناس، ومع ذلك فلربما كانت أحسن الوسائل لوصف الشعور العجيب الذي ~~ينتاب الظافر في المباريات الرياضية أن تستخدم الألفاظ القديمة فنقول: إن إلها من الآلهة ~~يرعاه. # ولا بأس - بطبيعة الحال - من التوجه إلى الآلهة بالدعاء، بل لقد كان المرء حقا يتوسل ~~إليهم ويقدم إليهم العطايا الملائمة في هدوء وبطريقة طبيعية كأنه يتناول وجبة من وجبات ~~الطعام، ولكل عيد موكب وضحية لإله من الآلهة، وكانت المباريات الرياضية والمسرحيات وحفلات ~~الموسيقى من الشعائر المقدسة، وكانوا يضحون بالحيوان، لا يقتلونه فحسب، قبل أن يطهى ~~للغذاء، وكلما ولد طفل أو بلغ سن الرشد أو تزوج أو مات، أو خرج إلى قتال، أو أقلع على ~~ظهر سفينة، أو تولى وظيفة عامة، قدمت الضحايا التي تليق بالمناسبة، وقد أعطى هذا الأسلوب ~~من العيش أسرة سقراط وأصدقاءه شعورا مريحا بأنهم على صلات طيبة بالآلهة وكذلك بعضهم ببعض؛ ~~لأن هذه الحفلات جميعا كانت مناسبات اجتماعية، تختلف عن طريقة الانزواء في ركن من الأركان ~~للصلاة، وكلما شب امرؤ تحدد له في الموكب أو في الضحية مكان، كما تحدد له دور خاص يؤديه، ~~وليس أثينيا البتة من لم يأخذ في عبادة المدينة بنصيب. # وإذا ms021 كانت الآلهة الآن آلهة المدينة، وقد تخلت عن أن تخص بالرعاية قوما دون الآخرين، ~~إلا أنها ما زالت تملك أن تنزل العقوبة بمن تشاء، كانت الآلهة في الزمن القديم تعاقب في ~~أغلب الأحيان من يسيء إليها إساءة شخصية، وبرغم زيادة اهتمامها بالعدالة عامة، فما برحت ~~تعبأ كثيرا بشرفها وكرامتها، وكان ذلك من الأسباب الهامة جدا التي تدعو المرء إلى عدم ~~الحنث بيمين مقدسة، إذا أقسم المرء أن يؤدي عملا، وأشهد زيوس أو أبولو على صحة ما ~~اعتزم، فإنه يقحم بذلك في الأمر كرامة الآلهة. # وكانت الآلهة بالطبع تمقت القتل كذلك، وبخاصة إذا ارتكب في معبد أو عند موقد بيتك؛ لأن ~~الموقد كان كذلك مذبحا، وحتى إن قتلت عن غير قصد فإن الدماء تبقى لطخة تصعب إزالتها، وأهم ~~من ذلك كله كانت الآلهة تمقت الكبرياء؛ لأن المتكبر يرتفع إلى مكانة عليا فوق المستوى الذي ~~يحق له أن يحل فيه. # وتذكر الناس ما حدث منذ أقل من اثني عشر عاما قبل مولد سقراط، حينما غزت بلاد اليونان ~~جيوش أجزرسيس - ملك الفرس - الجرارة، كانت هذه الجيوش الفارسية كأنها الجراد في عددها، شربت ~~من الأنهار حتى جففتها، وظللت سهامها الشمس، وكان أجزرسيس بقوته مزهوا، وشيد من ~~الزوارق قنطرة عبر هلسبنت، ولما حطمت العاصفة القنطرة، ألهب المياه بالسياط ووسمها بالعار ~~كأنها رقيق عصي. # ولم تنس الآلهة كبرياء أجزرسيس، ولا كيف أحرق المعابد فوق الأكروبول في أثينا، وكانت ~~الآلهة ترقب سير المعركة من خليج سلامس المجاور، حيث التقى أسطول الفرس بأسطول الإغريق، ~~وإلا فكيف استطاع الإغريق أن ينتصروا؟ وجلس أجزرسيس موشى بالذهب ومحلى باللون الأرجواني ~~على عرشه فوق الخليج يشهد القتال، ووقف إلى جواره كتابه يحملون الألواح يدونون عليها ~~أسماء القادة - طبقا لأدائهم - للثواب أو العقاب، وكان الفرس أكثر عددا، كما كانوا من ~~الفوز واثقين، وبرغم ذلك اندحروا، وتحطمت سفنهم وغرقت، وقتل جندهم المسلحون، الذين ~~كانوا يحسبون أنهم لا يقهرون، عند الساحل وفي المعركة البرية فيما بعد، وهرع أجزرسيس ~~نفسه عائدا إلى بلاده، حيث قابلته إمبراطوريته ms022 بالعصيان، ومن ذا الذي يشك في أن الآلهة ~~أذلت الغزاة المتكبرين، فالكبرياء إساءة للآلهة؟ # ومن الخطر كذلك أن يتوافر للمرء مزيد من الحظ السعيد، وقد رويت لسقراط قصة ما حدث ~~لبوليكراتس من أبناء ساموس برهانا على ذلك، كان بوليكراتس حاكما قويا على الجزر الشرقية ~~منذ سنوات عديدة، وكان ثريا موفقا في كل ما أدى من عمل حتى استرعى التفات فرعون مصر، ~~وعقد معه حلفا، بيد أن فرعون كان يخشى أن تغار الآلهة مما أصاب بوليكراتس من حظ سعيد، ~~فنصحه أن يستخرج أثمن ما يملك ويلقي به بعيدا؛ لكي يصيب قسطا من سوء الحظ فيتجنب بذلك ~~غضب الآلهة. # وظن بوليكراتس أن هذه النصيحة فكرة طيبة، وبعدما بحث في كل كنوزه استخرج خاتما، صاغه ~~من الذهب صانع ماهر معروف وأودعه فصا من الزمرد، وكان ذلك أغلى ما يملك، وفي سفينة من سفن ~~الدولة يدفعها خمسون مجدافا أقلع إلى مسافة بعيدة عن الساحل وألقى بالخاتم في أعماق ~~المياه، وخيل له أنه بات من بعد ذلك في أمان. # وجاء ذات يوم إلى باب القصر صائد سمك يحمل سمكة جميلة صادها ذلك الصباح، وكانت من الجمال ~~- كما يقول - بحيث لم يرض أن يبيعها لرجل من عامة الناس، وأتى بها هدية لبوليكراتس، وسر ~~بوليكراتس بالهدية وبالثناء، ودعا الصائد للغداء، وأمر أن تعد السمكة للطهو، ولكن ما إن ~~فتحها الطهاة حتى أذهلهم أن يجدوا بداخلها الخاتم عينه الذي حاول بوليكراتس أن يلقي به في ~~اليم. # ولما سمع فرعون مصر بعودة الخاتم فصم في الحال صداقته مع بوليكراتس؛ إذ إنه بات من الجلي ~~أنه رجل تعد له الآلهة مصيرا مريعا، وكان ذلك ما حدث، فسرعان ما قتل بوليكراتس بقسوة ~~وتمزقت إمبراطوريته، إن الآلهة لم تعف عنه لوفرة ما أصابه من حظ سعيد. # تلك كانت الأقاصيص التي ترامت إلى سقراط عن الآلهة وهو في سن الطفولة، آلهة كانت في قديم ~~الزمان تتشاجر وتكذب وتسرق وتهبط في صورة الناس تحمي أصدقاءها أو تؤذي أعداءها، أما الآلهة ~~في زمانه فقد بعدت ms023 مكانتها ولكنها ما برحت جبارة لا تتسامح في نقمتها من السوء والكبرياء أو ~~وفرة الحظ السعيد. # وفي غضون ذلك، وبرغم الأقاصيص المقبضة، كانت تقام الحفلات بما فيها من مواكب وضحايا ~~وولائم، وكان تمثال أثينا الخشبي القديم الذي يشبه جذع الشجرة يؤخذ لحمام سنوي في مياه ~~البحر، كما كانت تقدم للأفعى المقدسة كعكتها في المعبد، وكان الناس يقسمون بالآلهة ~~إيمانا مقدسة، ثم يحنثون في أيمانهم، فينجون برغم ما تروي الأقاصيص، وكان من دواعي ~~الاجتماع ومن الحكمة أن تضحي للآلهة في الأوقات الملائمة، غير أن قلة من شواذ الناس - ممن ~~«تمتلئ قلوبهم بخشية الآلهة» كما كانوا يقولون - كانوا يذهبون في تفكيرهم إلى أبعد من ذلك، ~~ولم ينزعج حقا في تلك الأيام من نقمة الآلهة على السرقات والأكاذيب إلا الشيوخ الذين ~~كانوا يخافون مما عساه يحدث بعد موتهم، ومهما يكن من شيء فإن القوم لم يكونوا ليعبئوا إلا ~~بما يحدث في المحاكم. # تلك كانت الآلهة، وهكذا كان الناس يعبدونهم! فماذا كان رأي سقراط؟ # لحظ في وقت مبكر أن أصدقاءه لم يهتموا ولم يضطربوا، ربما أزعجتهم القصص التي تروى عن ~~حسد الآلهة، ولكنهم يحلمون بالثراء والحظ السعيد لأنفسهم، وربما تندروا بمهارة الآلهة في ~~السرقة والكذب، يحسون مع ذلك بالأسى العميق حين يشهدون المسرحيات التي تعرض عقاب الآلهة ~~للآثام، يستطيعون أن يخدعوا غيرهم في اللعب ومع ذلك يشعرون بالارتياح إلى الصلاة أو تقديم ~~الضحايا، أما سقراط فقد خلق على غرار آخر، كان يتعجب ويطابق بين الأمرين في ~~ذهنه. # وهناك فارق آخر، فإن الناس قد يذكرون عن الآلهة ما يشاءون، ولكن سقراط يضع لنفسه حدا من ~~الخبرة العملية يسير وفقا له، وكان لديه منذ طفولته ما كان يسميه «الإشارة ~~المقدسة». # وكان ينتابه من آن لآخر شعور يحول دون ما كان يوشك أن يؤديه؛ لأنه - كما قال - ليس من ~~الخير له أن يؤديه، وقد كان في مبدأ الأمر يحس بما تعنيه كلمة «الخير» هذه ولكنه لم يستطع ~~تفسيرها، لا بد أن يكون لها شأن بالسعادة؛ لأنه وجد ms024 أنه إذا فعل كما أوحت إليه الإشارة ~~كانت عواقب الأمور جميعها طيبة، ثم عرف أنه يستطيع أن يعتمد عليها، وأن يطيعها دون سؤال، ~~حتى إن لم يدرك لذلك سببا، وجلي أن الإشارة كانت أكثر منه حكمة، وإذن فلا بد أنها هابطة ~~من الآلهة الذين يعرفون كل شيء. # ولم يتحدث سقراط كثيرا عن الإشارة حتى بعد أن صار رجلا، وربما لم يذكرها البتة وهو في ~~عهد الطفولة، فإن الناس ما كانوا ليفهموه آنئذ كما لم يفهموه فيما بعد، لم تكن الإشارة ~~إلها خاصا صغيرا بداخله كما ظن بعض الناس، ولم تكن ضميرا يخبره بما كان قاسيا وما ~~كان رحيما، وما كان صادقا وما كان كاذبا، أحس هذه الفروق كما نحسها، ولكنه لم يذكر قط أن ~~الإشارة بذلك قد خبرته. # وكانت الأعمال التي تمنعه الإشارة من أدائها عادية مما نعمله كل يوم، كالذهاب إلى مكان ~~معين أو الحديث مع شخص بذاته، ولربما ربط الأمر شخصا آخر بالحظ، وجعل منه خرافة، كالامتناع ~~عن الخطو فوق الشقوق أو السير تحت السلم الخشبي، غير أن الطريقة التي استخدم بها سقراط ~~إشارته كانت تختلف عن ذلك كل الاختلاف، فقد اتخذها كمثال بسيط لما لا بد أن يكون قد أحسه ~~قلبه من قبل، إنها تعني - فيما ظن - أن الآلهة كانت تقود إلى طريق الخير، وليس عليه إلا ~~أن يطيع. # كان ذلك أمرا معرفته يسيرة، ولكن سقراط كان إذا عرف شيئا عرفه بكل قلبه؛ ولذا فقد سارت ~~مع الإشارة المقدسة طريقة جديدة بأسرها من طرق التفكير بشأن الآلهة، طريقة لو أخطر بها ~~سقراط أكثر أهل المدينة ما فهموها. # إن الآلهة أولا تعنى بالناس، ولقد عرف سقراط ذلك لأنه أحسه، وهي لم تعن بالملوك أو ~~بأبطال الماضي فحسب، وإنما عنيت به، بسقراط بن سفرونسكس النحات. # ثم كانت الآلهة طيبة كذلك، ولقد عاونته الإشارة على الإيمان بذلك أيضا، كانت فيها كل ~~صفات الخير التي تجدها عند الناس، وهي لم ترد للناس سوى الخير، أما القصص القديمة عن الآلهة ~~التي تكذب ms025 وتسرق وتغار وتغضب فقد وضعها رجال هذا هو مدى ما يعلمون، إن الخير هو العلامة ~~الخاصة التي تتميز بها الآلهة، وكل ما لا يتفق وما لديهم من خير فهو من نسج الخيال. # وقد تحدث بهذه الفكرة قوم آخرون في أثينا بعد ذلك بفترة وجيزة، وقالوا لا بد أن يكون ~~صادقا، وكان سقراط على يقين من صدقه، إن الآلهة طيبة، تتطلب الخير ممن يعبدونها أكثر مما ~~تتطلب أي شيء آخر، والدليل على أن الشخص يعتقد في الآلهة هو طاعته لما تتطلبه من الخير، ولم ~~يكن في حياة سقراط ما يجعله يعدل عن إيمانه بذلك بعدما أدركه، وكان لهذا الإيمان أثر في ~~الطريقة التي أدى بها سقراط أعماله. # وهناك تفصيلات أخرى لم يعرفها سقراط ولم يتساءل عنها، لم يعرف أشكال الآلهة أو عددها، ~~وكان يصلي لأي إله يطيب له، ويتحدث عن «الإله» (وربما كان يعني «الآلهة» عامة، فإن ~~اليونانية لا تبين عن ذلك) أو يتحدث عن الآلهة بغير اعتناء، لم يساوره القلق بشأن ~~التماثيل القديمة أو الضحايا أو الشعائر، وإنما كان يستشعر اللذة في تمجيد الآلهة الطيبة ~~بأية وسيلة من الوسائل. # وكان يقوم بكل ما كان مألوفا في مدينته من جميع وسائل التقديس والعبادة المعروفة، إلا ~~أنه كان أكثر تفكيرا في معنى ما كان يقوم به، فقد لحظ أصدقاؤه مثلا أنه لم يحب أن يستعمل ~~باستخفاف اسم أي إله من الآلهة، وإن أراد أن يؤكد قولا فمن المحتمل ألا يقول: «أقسم بزيوس» ~~كما كان يفعل أكثر الناس، وإنما يقول: «أقسم بكلب مصر»؛ لأن إله مصر الذي يحمل رأس الكلب ~~كان عنده وحشا ولم يكن البتة إلها، وإن هو أقسم بالآلهة لم يكتف بأن يهتم بتنفيذ ما وعد، ~~وإنما حاول كذلك أن ييسر لغيره من الناس أن يفوا بما وعدوا. # ومن ثم ترى أن الفرق عند سقراط الذي نشأ عن طريقة إحساسه بالخير وبالآلهة بدأ يطفو ~~على السطح بوسائل صغيرة في طفولته، ووسائل أكبر منها فيما بعد، وأخذ الناس بمرور الزمن ~~يحسون الفرق ms026 إحساسا قويا، ويحبونه أو يمقتونه من أجل ذلك، ولكن هذا الفارق كان لا يزال ~~كامنا عنده في سني صباه حينما كان يتعلم مهنته مع غيره من الصبية ، ولم يتوقع أحد من ابن ~~النحات شيئا غير عادي. # الفصل الرابع # | المسير الطويل # غربت الشمس خلف الجبال منذ نصف ساعة، وأخذ الظلام يزداد حلكة دقيقة بعد أخرى على المعسكر ~~في الممر الأجوف، وتناول الجند عشاءهم حول النيران، وجاء الحطابون بآخر حمولة من الحطب في ~~ذلك المساء، وخلف النار المتوهجة - قريبا من حافة الغابة - كنت تستطيع أن تستمع إلى تذمر ~~حراس الفترة الأولى، وكان القائد إندوسيديس في ظنهم صارما في فرضه الحراسة الشديدة ذلك ~~المساء، فهم على مسيرة أقل من يومين من أثينا وفوق أرض ميغارا الصديقة، وميغارا كأثينا تقيم ~~فيها حامية أثينية. # وكانت تدور في رأس سقراط هذه الأفكار عينها وهو يستلقي على ردائه إلى جوار النار مع ~~أقريطون وملسياس وجلوكن وأرستون ورفاقه في المخيم، وكانت أول حملة يقوم بها منذ أيام ~~التدريب، وما زال يحس إحساس من يلعب دور الجندية. # ووجه سؤالا إلى أقريطون قائلا: «هل تحسب أن هناك ما يدعو إلى ذلك كله؟ إن الشغب الذي ~~أثارته يوبيا في الشمال لا يكفي وحده سببا لإرسالنا إلى الغرب خلف ميغارا إلى هذا الجحر ~~الجبلي المنكود، وددت لو أن بركليز قد أخذ قبيلتنا معه إلى يوبيا، إذن لاستطعنا أن نقاتل ~~وأن نبلغ بالأمر غايته، إن القائد أندوسيديس قد استقر في هذا المكان كأنه يتوقع أن يلبث ~~هنا شهرا.» # وتمطى أقريطون واسترخى إلى جوار النار وخاطب الآخرين قائلا: «انظروا إلى سقراط عاشق ~~المدينة، لم يغب عن أثينا سوى خمسة أيام حتى جن بالعودة إليها، أما أنا فلست آبه قط، ~~وكنت أزمع أن أهبط إلى المزرعة هذا الأسبوع لكي أعد الكروم للصيف، ولكن الملاحظ سوف يؤدي ~~هذه المهمة خير الأداء، ويبدو أن الصيد سيكون حسنا فوق هذه التلال، هل رأيتم الغزال الذي ~~جاء به ليسكليز إلى خيمته بالأمس؟» # وقال ملسياس: «إنكم لا تعرفون الإسبرطيين قط، ms027 إنني لا أستبعد أن يتسللوا خلال هذه الممرات ~~لكي يضربوا أثينا في غيبة بركليز، هذا ما فكر فيه قومنا في المجلس.» # قال سقراط: «هذا إذا كان القوم يفكرون في المجلس.» ~~وضحك الجميع، وطلب الاستماع إلى النكات القديمة في ذلك المساء وبالجو دخان الحطب ورائحة ~~العشاء، وقمر الربيع يعلو في السماء، ودائرة التلال السوداء تجتذب الجماعة إلى الالتفاف ~~سويا حول النار. # وقال أقريطون مفكرا: «انقضت ست سنوات منذ دعيت جماعتنا للتدريب، وكنا آنذاك ثمانية ~~عشر، أفتذكر يا سقراط؟» # وأومأ سقراط قائلا: «نعم أذكر، وأذكر قولنا في القسم: ولن ألطخ بالعار أسلحتي المقدسة، ~~أو أترك في صفوف المعركة الرجل الذي يقف إلى جانبي.» وكان في هذه العبارة يستشهد بقسم ~~الجنود، ثم استمر: «وسوف أقاتل من أجل ما يتعلق بالآلهة والناس سواء كنت وحيدا أو مع ~~كثيرين آخرين، وسوف أخلف موطن آبائي أعظم وأحسن مما وجدته، ولن يكون أسوأ مما كان.» # ثم توقف عن الكلام ثم عاد واشترك معه الآخرون: ~~«وسوف أحسن الإصغاء للقرارات الحكيمة التي يصدرها القضاة وأطيع القوانين القائمة، وما ~~يوضع منها مستقبلا باتفاق الشعب، سوف لا أخضع لأي إنسان ينبذ القوانين أو يعصاها، ولكني ~~سوف أوقفه سواء كنت وحيدا أو مع الآخرين جميعا، وسوف أقدس معابد آبائي، ولتشهد الآلهة على ~~ما أقول!» # وقال أرستون: «أجل، ظننا أننا سنؤدي عملا عظيما في تلك الأيام، وكان ذلك قبل أن يسيرونا ~~نحو الثكنات عند الميناء ونبدأ تدريبنا، كان يسرني أن «ألطخ شرف أسلحتي المقدسة» باستخدامها ~~في أستاذ التدريب الصغير الأحول - ولست أذكر اسمه - قبل أن ننتهي من عامنا الأول.» # وقال أقريطون: «لم يكن الأمر سيئا جدا، فقد ظفرنا على الأقل ~~بمقاعد أمامية في المسرح، وأذكر أن ذلك كان في ~~العام الثاني، حينما كلفنا بالعمل في الحامية، وقضيت الأسابيع المتتالية في تلك القلعة ~~الجبلية الصغيرة عند فايل، محبوسا هناك مع سقراط وأسئلته الخالدة.» # وضحكوا جميعا مرة أخرى، وكان وفاء أقريطون لسقراط معروفا، وكانت رفقة عجيبة كذلك، ~~أقريطون ابن مالك الأرض، الثري، المتأني، الثقيل، العملي، ms028 وسقراط النحات الذي كان ... حقا ~~إن أحدا لم يستطع أن يضعه موضعه تماما، ولكنه بالتأكيد لم يكن متأنيا ولا ثقيلا. # ولم يخجل الضحك سقراط، وقال: «كنت أحاول أن أتعلم شيئا، وكنت أحسب في تلك الأيام أن ~~الحكمة أمر هين، لو قضيت بضع سنوات باحثا عنها وجدتها، ولكن ها أنا ذا بلغت الرابعة ~~والعشرين من عمري، قضيت منها ستا في الجيش، وصار لي حق الانتخاب منذ أربع سنوات، وإنه ~~ليبدو لي أنني الآن أقل علما مما كنت عليه حينما أقسمت يمين الجندية وأنا في العقد الثاني ~~من العمر، وعلى سبيل المثال حين قلت هذه الكلمات: «سوف أخلف موطن آبائي أحسن مما وجدته» ~~حسبت في ذلك الحين أني أدركت معناها كل الإدراك.» # ووخز أقريطون ملسياس بمرفقه منبها إياه، وأما أريستون - وكان أقل الأربعة معرفة بسقراط - ~~فوقع في الفخ، وتساءل قائلا: «حسنا، وما وجه الصعوبة في ذلك؟» # فأجاب سقراط: «هو في تلك الكلمة الصغيرة «أحسن»، إنني كلما أنعمت فيها النظر، تبين لي ~~أنها أكثر حاجة إلى التعريف، ماذا تعني هذه الكلمة في رأيك؟» # فقال أريستون: «الأمر هين جدا، معناها ... أكبر، زيادة في الفن وزيادة في المباني وفي ~~المال وما إلى ذلك.» ~~(وهمس أقريطون لملسياس قائلا: «لقد تورط.») وأجاب سقراط جادا: «دعنا ننظر إذا كنت قد ~~أصبت فهمك، لا بد أنك قد رأيت كليونيمس، إن المرء كثيرا ما يلقاه في السوق في خيام باعة ~~الحلوى.» # فضحك أريستون من الصورة التي في ذهنه عن أضخم شاب في أثينا وقال: «إن المرء لا يسعه إلا ~~أن يراه، فلديه الكثير مما يرى، ولكن ما شأن ذلك؟» ~~- وأفاجون؟ ~~- الظافر في الأولمبياد؟ قطعا. ~~- أيهما أكبر؟ ~~- كليمونيمس طبعا. ~~- وأيهما رياضي «أحسن»؟ # وقد أدرك أريستون هزيمته منذ ورد ذكر أفاجون وقال: «ولكن لا ينبغي أن تؤاخذني هكذا ~~حرفيا، لقد عنيت طبعا أن المدينة أحسن إذا كانت أقوى وأقدر على أداء الأشياء، حينما ~~تستطيع أن تؤدي كل ما يعن لها أن تؤديه.» # وقال سقراط معتذرا: «فهمت الآن، إذن دعنا ننظر في هذا ms029 كذلك ~~... ولنبدأ أولا بالسؤال: من ذا تفضل أن يكون ~~زميلا لك، الرجل الشجاع أم الرجل الجبان؟» ~~- الشجاع طبعا. ~~- إذن فالشجاع أحسن من الجبان. ~~- قطعا. ~~- وأين يتميز الشجاع من الجبان؟ # فقال أريستون وقد تنبه الآن: «في ساحة الوغى بالتأكيد.» ولكنه لم يستطع أن يدرك إلى أين ~~يؤدي كل ذلك. # وواصل سقراط حديثه قائلا: «أليس في ساحة الوغى كثير من الأشياء التي يستطيع أداءها ~~الجندي عندما يتقدم العدو؟ ألا يستطيع مثلا أن يخر على ركبتيه ويطلب الرأفة، أو يلقي عنه ~~درعه ويعدو في أي اتجاه يشاء؟» # فانفجر أرستون قائلا: «أجل، ولكن الجبان وحده هو الذي يفعل ذلك!» # وقال سقراط: «بالضبط، الجبان وحده، وإذن فكم عملا يؤديه الرجل الشجاع أو يستطيع أن يؤديه ~~باعتباره رجلا شجاعا؟ أليس من الحق أنه لا يستطيع أن يؤدي إلا عملا واحدا، وذلك أن يطيع ~~أوامر ضباطه ويتقدم؟» # فقال أرستون: «حقا.» وقد سار رأسا إلى الفخ، ولم يكن له اتجاه آخر يسير فيه. ~~- إذن فالجبان دون الشجاع في المعركة هو الذي يستطيع أن يؤدي أي عمل يريد. # قال أرستون: «أجل.» ~~- ولكنا قلنا: إن الجبان «أسوأ» والشجاع «أحسن». # فأومأ أستون واعترف بأنه هزم مرة أخرى. # وأنهى سقراط الحديث بقوله: «إذن فإن القدرة على أن «يفعل المرء ما يشاء» ليست دليلا على ~~الحسن، يجب أن نحاول مرة أخرى يا أرستون، فإن هذا المعيار لا يفي!» # وقهقه أقريطون وملسياس وجلوكن بالضحك عاليا، وشاركهم أرستون، وكان رياضيا ~~طيبا. # وقال أقريطون: «ينبغي أن أحذرك يا أرستون، إنك لا تستطيع أن تهزم سقراط في ~~المساجلة.» # وتبسم سقراط، ولكنه هز رأسه وقال: «لست أنا الذي هزمت أرستون، وإنما هزمه الجدل نفسه، ولم ~~تكن مساجلة يا أقريطون.» وأضاف إلى ذلك وقد ازداد جدا: «وأظنك تعرف أنها لم تكن مساجلة.» ~~إن طبقة جديدة منا ممن تبلغ السن تقسم هذه اليمين كل عام، وقد نمزح بشأن «أسلحتنا المقدسة» ~~في مسير طويل حار، ولكنا نقصد كذلك ما نقول، من منا لا يريد أن يترك أثينا خيرا مما ~~وجدها؟ إذن ms030 فكيف ننفذ ما نريد؟ إننا نعنى بالأشياء التي تتعلق بالمدينة ولكنا لا نعنى ~~بالمدينة ذاتها، نبني السفن والمواني والترسانات، كأننا نجعل المدينة أحسن مما كانت بجعلها ~~كبيرة قوية وقادرة على أن تفعل «ما تشاء» بجهلها الأحمق، يا كلب مصر! متى يتيقظ الأثينيون ~~ويدركون مقدار ما علينا أن نتعلمه! # ألقى سقراط هذا الحديث الطويل، وحدق فيه الأربعة الآخرون لحظة في صمت، وكاد أقريطون أن ~~يعود إلى الكلام حينما جاء من الظلام إلى دائرتهم متثاقلا أحد الأشخاص، ذلك هو ليسيكليز من ~~الخيمة المجاورة. # وقال: «لقد حضرت لتوي من لدن القائد أندوسيديز أحمل نبأ، لقد ثار حزب الأرستقراط في ~~ميغارا في وجه حاميتنا هناك، وذبحوا أفرادها، والبلاد كلها في هياج، واشتركت في المؤامرة ~~كورنث وأبيدورس وسيكيون، وفر من الرجال رجل يحذرنا، بيد أن الثوار يستولون على طريق ~~أثينا، ولسنا ندري إن كان قد استطاع أحد الأفراد أن يتسلل إلى بركليز أو لم يستطع، وإنا ~~الآن نتوقع الإسبرطيين من خلفنا في أية لحظة، تأهبوا للمسير عند الفجر.» # وهكذا بدأت مغامرة سقراط العسكرية الأولى، تيقظ مع غيره قبل الفجر، وسار في الظلام يتعثر ~~ويتحسس، وعندما بزغ الخيط الأول من خيوط النهار صدر الأمر، وابتعدوا عن المكان سائرين في ~~أشد ما يكون الصمت، وهبطوا خلال الغابات الندية، مترقبين أن يقابلهم في الطريق كمين، ولكنهم ~~لم يجدوه، وما إن هبط الأثينيون من التلال المرتفعة، حتى كانوا في بقعة لا بد أن يقرر ~~فيها قرار، حيث يتشعب الطريق يمينا ويسارا، يمينا إلى ميغارا ومنها إلى أثينا، وهو ~~الطريق إلى الوطن، الذي يسده جنود العدو، ويسارا إلى الشمال وإلى جبال بيوتيا، جارة أثينا ~~من الشمال، وأصدر أندوسيديز أمره بالاتجاه يسارا. # ويرى كتاب التاريخ المتأخرون أن هذا المسير لم تكن له أهمية تذكر، فما هو إلا مسير ~~القائد أندوسيديز وثلاث فصائل قبلية تشق طريقها إلى الوطن متخذين دروب البغال ومسالك الغنم ~~خلال الجبال الشمالية المقفرة، ولكنه لم يخل من الأهمية بالنسبة لسقراط وصحبه، فلقد قاتل ~~سقراط في معارك شهيرة فيما ms031 بعد، في المعارك التي تحدث عنها الناس الآخرون، وإن كان سقراط لم ~~يذكر قط رأيه فيها، إلا أن الجندي ينبغي أن يلزم مكانه، كان جنديا شجاعا، بل شجاعا ~~يشار إليه بالبنان فيما بعد، ولا بد أنه كان زميلا طيبا لأقريطون ولغيره في هذه ~~الحملة الأولى. # وقد اتخذوا الطريق الشمالي إلى باجي، وهي القرية التي تقع على البحر حيث ينتهي الطريق، ثم ~~تابعوا مسيرهم على دروب البغال إزاء الساحل، ودرب البغال معناه أن يكون الطريق وعرا ~~حجريا غير مستو، وكثيرا ما تنزلق فوقه الأقدام، وساروا هنا في صف واحد، يسير كل منهم ~~على هواه، ولا يوحدون الخطى، وفي أسفل، في السهول المنزرعة الصغيرة التي عبروها مرة أو ~~مرتين، كان الطريق عبارة عن وحل جاف متخلف من فصل الربيع، ولا يقل عن الطريق السابق سوءا، ~~ومروا بقريتين متزاحمتين، وانتهوا عند قلعة رمادية اللون بالقرب من البحر، وكان ذلك عندما ~~كادوا يتأهبون للتوغل داخل البلاد. # وكان لا بد أن يتوغلوا في الداخل، وقد فقدوا الأمل في أن يجدوا هنا سفنا أثينية ~~تنقذهم في الوقت الملائم حتى لو عرف مواطنوهم مكانهم، ولما كانوا جميعا قد ولدوا ونشئوا ~~على شاطئ البحر كان شعورهم إزاءه وديا، يمقتون أن يهجروه إلى الجبال. # وكانت جبالا حقيقية، فمن فوقهم السلسلة الكبرى لجبال سثيرون شامخة تناطح السماء، وقد ~~عرفوا أن الميناد، عبدة ديونيسس إله الخمر أنصاف المجانين قد رقصن فوقها، وهن نساء ~~يستطعن تمزيق الحيوانات الكاسرة إربا إربا بأصابعهن البيضاء، وكان من السهل أن يتصوروا ~~حدوث ذلك فوق هذا الجبل ذي القمم الرمادية، والذي تكسوه أشجار الصنوبر المتشابكة النحيلة، ~~وكذلك كانت الدروب سيئة ومحيرة، وقد يضل الأثيني طريقه إذا لم يرشده مرشد. # ومن حسن الطالع في ذلك الحين أن كان من بينهم بثيون، وقد ضموه إليهم عند باجي في نهاية ~~الطريق، وربما كان راعيا أو حارق فحم؛ لأنه كان يعرف دروب الجبال النائية عن موطنه، وكان ~~بثيون زميلا ودودا ومرشدا مخلصا، وكانت هذه الرحلة المغامرة الكبرى في حياته، وهو الذي ms032 ~~رواها فيما بعد، وأمدنا بالطريق وبأسماء أندوسيديز وفصائله الثلاث، وربما بولغ في القصة ~~أثناء روايتها، وكان بثيون يفخر كثيرا «بتحطيم رمحه في أجساد سبعة من الرجال»، وكان القتال ~~عنيفا فيما يبدو بعد التحاقه بالجيش بفترة ما. # بيد أن كثيرا مما يذكره سقراط من تلك الأيام التي قضاها فوق التلال لا يحسب بثيون - وهو ~~الخبير بالجبال - أنها تستحق الذكر، مثل الساعات التي أنفقها في تسلق الجبال وفي الهبوط ~~منها خلال الأعشاب الشائكة التي تخز الأعقاب، والسير المضطرب وقطع الحجارة التي تترامى عليك ~~ممن يسبقك، وعطش الظهيرة على سفوح الجبال مع ظهور واد صغير في أسفل الجبل كأنه شريط براق، ~~ونسور سوداء تحوم فوق رءوسهم وتتطلع إليهم، وثعالب تصيح في جوف الليل في غابة ~~الصنوبر. # وكانوا دائما في شك مما كان يحدث بأثينا، فيدفعهم الشك إلى الإسراع في الخطى، فكل خطوة ~~تقربهم من الوطن، وفي المساء يحسبون ويعيدون الحساب حول النار الموقدة، كم يستغرق ~~الإسبرطيون ليأتوا خلال الممرات، وإلى أي مدى يسيرون حتى يبلغوا ميغارا ثم إليوسس ثم ~~أثينا؟ ومتى يستطيع الرسول - إن حالفه الحظ - أن يبلغ بركليز في الشمال؟ وكم يستغرق حتى ~~يعود؟ وكل منهم يحسب فرص بركليز حسابا مختلفا، وقل منهم من جرؤ على الاعتقاد بأنهم ~~سيصلون في الميعاد. # وهكذا بلغوا أخيرا القلعة الرمادية عند فايل وأول مشارف الوطن، وبلغت صيحتهم: «هذه ~~أثينا!» آخر الصف وهم يسيرون حول منحنى الجبل، فقد بدت لهم أثينا بعد كل هذه الأيام التي ~~كانت لا تغيب عن مخيلتهم خلالها، ذلك هو الأكروبول بأسواره، وتلك هي السوق في أسفلهم وإلى ~~جوارها مكان الجمعية، ومنازل المدينة المتقاربة، وذلك هو البحر الذي عاشت عليه المدينة، ~~وسلامس حيث دارت المعركة البحرية الكبرى مع الفرس، وهناك في السهل الغربي - كما أشار إليه ~~أحدهم في انفعال نفسي - تستطيع أن تتبين بريق الحراب والتراب الذي يثيره الجيش ~~السائر. # وتبعد فايل عن أثينا نحو أربعة عشر ميلا، ولكن العشرة الأخيرة منها على الطريق المعبد ~~فقطعوها في سرعة فائقة، وقبل أن يرخي الظلام ms033 سدوله كانوا واقفين إلى جوار زملائهم من ~~الفصائل السبع الأخرى، بينما كان العدو ينصب خيامه قريبا جدا من مدخل أثينا الأمامي، ~~واستطاع سقراط في ذلك المساء أن يشهد نيران المعسكر من مقر حراسته فوق سور المدينة، وتوقع ~~أن يكون الغد يوما مشئوما، فالكل يعرف أن العدو يتفوق على الأثينيين في العدد بدرجة ~~كبرى. # ولم يحدث قتال في الغد، ولا في اليوم الذي يليه، بل لم يحدث البتة قتال، ولبث الإسبرطيون ~~يوما أو يومين، ثم جمعوا خيامهم وانصرفوا، وتم الأمر في هذه البساطة، وتجمع الأثينيون ~~فوق مرتفع الأكروبول ليرقبوا، وشق عليهم أن يصدقوا ما وقعت عليه أعينهم، ماذا حدث؟ # لم تر المدينة يوما كهذا كثر فيه الحديث، وهي المدينة التي تخصصت في الحديث، غير أن ~~بركليز لم ينبس ببنت شفة، وإن لم تبد عليه الدهشة لما حدث، ولم يمض وقت طويل حتى أشيع أن ~~الملك الإسبرطي الذي قاد الجيش قد حوكم في مدينته وحكم عليه بغرامة كبيرة، وأرسل مع ~~قواده إلى المنفى، أما بركليز فقد عرض في نهاية العام - حينما قدم حسابه ليصادق عليه ~~الشعب - بندا كبيرا بغير تعليق نصه: «للنفقات الضرورية عشرة تلنتات (التالنت يساوي 250 ~~جنيها تقريبا).» # وكانت نكتة أثينا عدة سنوات، وبدأ الحديث مرة أخرى، وذكر كل امرئ لأخيه: «إن هذا هو شأن ~~الإسبرطيين، إنهم لا يستطيعون أن يقاوموا الرشوة قط.» # ولبث بثيون في أثينا، واعتاد سقراط أن يلقاه بين الحين والحين، ويروي للمستمعين المعجبين ~~قصة مسير الفصائل الثلاث، القصة التي لم يكن بد من زيادة المبالغة فيها كلما تجددت ~~روايتها، ولما مات فيما بعد (ودفن إلى جوار بوابة حارقي الفحم) نقشت القصة على شاهد ~~مقبرته، وتستطيع اليوم أن تطالعها. # الفصل الخامس # | أنكسجوراس الملحد # ولما تقشع الخطر الإسبرطي؛ سر المدينة أن تستقر وأن تعود إلى شئونها السلمية، وامتلأ ~~الملعب مرة أخرى بالرياضيين، وجلس الشيوخ يتبادلون الحديث في أبهاء الأعمدة وهم ينتظرون ~~دورهم لأداء واجبهم كمحلفين، وكانت تنبعث رائحة الخبز الطازج المألوفة يشمها من يمر ~~بمحلات الخبازين، وكذلك كنت ms034 تسمع طرق السندان المعروف يصدر عن حي الحدادين، وطقطقة ~~المطارق في الحجارة في الشارع الذي كان يقطنه سقراط، وإن أنت دخلت بيت سفرونسكس، فالراجح ~~أنك لن تجد سقراط وأباه فيه، ونستطيع أن نتصور أنهما كالكثيرين من أصدقائهما يقومان بأداء ~~عهد عليهما للشعب، وربما كانا يعملان في عمود في معبد أثينا الجديد الذي كان يشيد في ~~الجهة الجنوبية من الأكروبول. # ووجد سقراط أن إقامة عمود للمعبد الجديد كان أشق عمل أداه حتى ذلك اليوم، فالكتل الرخامية ~~- التي تم من قبل تشكيلها في المحاجر على صورة خشنة، كانت تسحب فوق الطريق الوعر من ~~جبل بنتليكوس في عربات ضخمة تجرها الثيران، ثم تفرغها عصابات من العمال غير المدربين ~~يبذلون الجهد وينضحون العرق، ثم يتولى العمل سفرونسكس وسقراط وأعوانهما من الرقيق ~~الماهرين، ويتعاون على العمل الأحرار والعبيد، يقطعون كل حجر على شكل قطاع عمود يشبه ~~الطبلة، يكبر قليلا ما سوف يصير إليه بعد الفراغ منه، وبه أربعة مقابض بارزة تركت دون ~~تهذيب لكي تمسك بها الحبال عند رفعه، وكلما أعدوا طبلة رفعوها بالبكر ووضعوها فوق ~~سالفتها، وركزت في دقة بحيث يلتئم وتد خشبي بالطبلة السفلى في جيب بالطبلة العليا، وكان ~~يلزم لجذع العمود اثنتا عشرة طبلة، ولا بد من إعداد أعلى كل عمود وأسفله في عناية تامة، ~~حتى إذا ما تم العمل ارتفع العمود كأنه حجر واحد، لا ترى فيه سوى خط رفيع عند كل ~~التحام. # وحتى بهذا لم ينته كل شيء، فإن العمود لا ينبغي أن يعتدل إلى أعلى وإلى أسفل على خيط ~~البناء، بل لا بد أن ينحني إلى الداخل قليلا، كما ينبغي أن تتقوس واجهته الجانبية ~~ويدق طرفها، أقل ما يمكن من تقوس، بحيث لا تمكن رؤيته، مثله مثل التقوس العلوي الذي لا ~~يكاد يرى والذي تم بناؤه في أرض المعبد كلها، ولا يعرف الفارق حقا بعد الانتهاء من ~~البناء سوى مهندسي المباني والعمال، أما من عداهم من الناس فإنهم يكونون أكثر اقتناعا ~~على أية صورة من الصور، ويحسون أن السقف ms035 والأرض كلاهما لا يتقوس - كما يبدوان لو أن خطوطهما ~~قد صنعت في استقامة تامة - وأن الأعمدة متينة تحمل العبء في يسر وخفة. # وبعدما يقام العمود، يتسلق سقراط الهيكل الخشبي لكي يبتر الغطاء الحجري الخارجي الواقي، ~~ويتم التخطيط الذي بدئ من قبل في الطبلة السفلى، وكان لا بد من تخطيط عشرين قناة دقيقة ~~التقوس على طول الجذع حتى تاج العمود في أعلاه، وبين القنوات حافات حادة كأنها سكاكين من ~~الحجر. # وقضى سقراط هنا عدة ساعات، على منصته الخشبية عاليا فوق المدينة، وكان يستطيع أن يرى في ~~أسفله المسرح الذي تمثل فيه المسرحيات، خاليا في ضوء الشمس، وإلى يمينه الأسوار الطويلة ~~تؤدي إلى الميناء بمياهه الزرقاء المتلألئة، تنتشر فيه الأشرعة اللامعة، ويستطيع كذلك أن ~~يتطلع إلى الجبال، فهناك تل ليسابتس القريب، وبنتليكوس الذي تقع إلى جانبه محاجر الرخام، ~~وهيمتس موطن نحل العسل، وهيمتس هو الجبل الذي كان وميضه القرنفلي الأرجواني يعطي لأثينا في ~~المساء الصفة التي يحبها أهلها أكثر من سواها؛ «أثينا البراقة المتوجة بالبنفسج»، هذا ما ~~قاله شاعر معروف، ولكنه كان صدقا كما كان شعرا فيما ظن سقراط، وحتى قبل مغيب الشمس في ~~ضوء الأصيل الذهبي، كان من اليسير أن تشاهد المدينة وكأنها المركز البراق لتاج بنفسجي من ~~التلال. # بيد أن منظر الطبيعة بغير سكان كان كأنه الصحراء في عين سقراط، فكان يسره أن يعمل مع ~~أصدقائه في أرض المعبد، وكان الأكروبول في تلك الأيام يزخر بالحياة، وعصابات العمال تنتشر ~~في كل مكان، فها هنا الرخام الجديد يصل من المحاجر، وهناك الطبلة الكبرى ومختلف المواد من ~~المعبد القديم الذي لم يتم بناؤه والذي أحرقه الفرس، كلها تسوى حتى تصبح ملساء بيضاء كي ~~يمكن استخدامها في جذع عمود رقيق في الدهليز الجديد، وأقيمت الهياكل الخشبية، وأخذ أحد ~~المفتشين يراجع تخطيط قاعدة الأعمدة، وكثيرا ما مر الرجل الأول في أثينا - القائد بركليز ~~بنفسه - يصحبه أحد مهندسي البناء، أو مع فدياس كبير النحاتين في هذا العمل. # وأحب بركليز أن يحضر إلى الأكروبول، فلقد كانت ms036 المعابد الجديدة مفخرته الخاصة، كافح من ~~أجلها في الجمعية، وهو الآن يكاد يمر كل يوم ليشهد مسير العمل، وكان برنامج البناء - بطبيعة ~~الحال - مطلوبا لرعاية المتعطلين، ولم يستطع أحد أن ينسى السنوات الشاقة، التي أعقبت إبرام ~~الصلح مع الفرس مباشرة، حينما عاد الأسطول إلى الوطن ليستقر فيه، وكان سقراط في ذلك الحين ~~قد بلغ سن الرشد حديثا، فذكر ذلك جيدا، وكان هناك قوم كثيرون في ذلك الحين وعمل قليل، أما ~~الآن فقد أوجدت المباني الكبيرة عملا كثيرا لكل إنسان، رغم أن مدن الاتحاد قد تذمرت من ~~اضطرارها إلى دفع النفقات، وكانت تحب أن تخصص أموالها في الإنفاق على السفن والملاحين ~~ومقاتلة الفرس، ولا تنفق على المباني. # وكان بركليز يحب أن ينفق أموال الاتحاد - وأمواله أيضا إن كانت إليها حاجة - على ~~المباني؛ لأن هذه المباني كان لها عنده معنى مختلف، لم يكن معناها فقط توفير العمل يشغل به ~~مئات الرجال: من نجارين ونقاشين وعمال في الرخام والبرنز وخشب السرو والعاج والذهب، ولم ~~يكن معناها فقط أن تصبح المدينة قانعة مرتاحة يتوافر فيها الطعام للزوجات والأطفال، وإنما ~~كان بركليز يحلم لأثينا حلما بدا إمكان تحقيقه في فترة وجيزة من الزمن، كان يريد لها أن ~~تمسي مكانا يؤدي فيه الناس خير ما عندهم وأجمل ما لديهم، ويعتقد بركليز أن ليس هناك شيء ~~تقريبا يعجز عنه الإنسان، لا يعز على الإنسان جمال أو مهارة، ومن واجب أثينا أن تثبت ذلك ~~للعالم أجمع، وأن تثبته في كل ما تعمل، على أثينا أن تكون مدرسة اليونان: بحياة أهلها ~~النشيطة المتنوعة الألوان، وبحرية حكومتها، التي يحس فيها كل امرئ أنه جزء مما يحدث، وببهجة ~~حفلاتها وحكمة مسرحياتها، والآن بجمال الأكروبول الذي تتوج به المدينة. # ولم يكن معبد أثينا كل ما بها، فقد بدأ برنامج المنشآت بمعبد هفيستس إله النار عند سوق ~~المدينة. وتضمن البرنامج ثاني الأسوار الطويلة التي تصل أثينا بمينائها بيريس، كما تضمن ~~إنشاء مدينة حديثة التخطيط بدلا من بيريس ذاتها، وأقيمت فوق الأكروبول سلسلة بأسرها ms037 من ~~المباني، يبلغ كل منها أقصى ما يمكن تحقيقه في ضرب من ضروب الجمال. # وأروع هذه المنشآت الجميلة جميعا معبد أثينا، الذي أطلق عليه فيما بعد بيت العذراء ~~أو البارثنون، وقد قامت من حوله مجموعة كبيرة من الأعمدة الرخامية، تتصف بتلك الاختلافات ~~والمنحنيات السرية التي أمكن لسقراط وصحبه أن يروها ويشهدوا بصحتها، أما أكثر الناس فقد ~~أحسوا بها وإن لم يروها، وفي القمة فوق الطنف كان من المزمع أن توضع ألواح منقوشة تصنع ~~في مصنع فدياس، وسيظهر بريق لونها بعد الفراغ منها متباينا مع بياض الأعمدة، وكان في ~~التصميم كذلك حزام من النقوش يمر داخل الصف الأول من الأعمدة، وقد أعدت الرسوم وشهدها ~~سقراط، وفي التصميم أيضا عرض الحياة الجميلة للمدينة وهي تتجمع عند نقطة واحدة في موكب ~~أثينا السنوي، وذلك على هذا الحائط الداخلي، ومن بين مواطني المدينة الفرسان وراكبو العربات ~~والمشاة من الرجال والفتيات يحملن السلال، والكهنة وضباط المدينة بل والآلهة، وستأتي - فيما ~~بعد - مجموعات كبرى من التماثيل الرخامية في أطراف السقف الهرمي الأمامي منها والخلفي، ~~وسيبنى السقف بألواح من المرمر، ويزين داخله الأجوف بزخرفة كأنها خلايا النحل، وفي ~~الداخل - كما كان يعلم كل إنسان - في الظل الرطب للمحراب الداخلي، أزمعت إقامة التمثال ~~الجديد الذي صنعه فدياس للآلهة الواقية من العاج والذهب. # وبطريقة ما انتقلت أحلام بركليز وصحبه الذين كانوا يصممون البناء إلى الرجال الذين كانوا ~~يؤدون العمل بأيديهم، وأعجب نحاتو الحجارة أيما إعجاب بالكمال الذي بلغوه في أدائهم ~~لتفصيلات النقوش في جو مرتفع، وحتى الرقيق والأجانب من العمال الذين كانوا ينحتون ~~وينقلون ويرفعون إلى جانب المواطنين الأحرار أصابتهم نشوة الفرح، وكان بركليز يسر كثيرا ~~كلما مر كل يوم وشهد العمل كما شهد الملامح التي بدت على وجوه العمال. # وجاء إلى الأكروبول كذلك قوم آخرون غير بركليز، وأصبح المعبد مفخرة كل إنسان، ولا تكاد ~~تجد مواطنا لا يأتي في وقت من الأوقات ليرى كيف كان يسير البناء، وحتى النساء أتين - ~~النساء كريمات المولد اللائي قل ما كنت تشاهدهن ms038 في الأماكن العامة - يتخطرن بين العمال ~~الذين يتصببون عرقا كي يلقاهن فدياس بحفاوة في مصنعه، وكثيرا ما دار اللغط حول هذه ~~الزيارات، غير أن إحدى النساء الزائرات كانت مثار الحديث بين كل من كان فوق الجبل، تلك هي ~~إسبسيا الأجنبية الشابة الحسناء التي جاءت من ملطية بآسيا الصغرى، والتي أشيع عن القائد ~~بركليز - ذلك الرجل الصلب صاحب الذهن الصافي - أنه هام بها حبا، ولم تكن لإسبسيا مكانة ~~البتة في أثينا، ولا يمكن - طبقا للقانون الذي وضعه بركليز نفسه ضد الزواج من الأجنبيات - ~~أن يعترف بها شرعا زوجا له، ولا بد من صوت خاص من أعضاء الجمعية لكي يكون ابنهما ~~مواطنا، ولبثت جماعة من أصدقاء سقراط مذعورة من حب بركليز لهذه الفتاة الأجنبية، ولكن ~~سقراط مال إليها عندما لاقاها فيما بعد، فإن بركليز وجد امرأة تستطيع أن تفكر. # وكان لبركليز صديق آخر، زميل لا يكاد يفارقه، وهو أنكسجوراس العالم، وقد جاء كذلك من ~~آسيا الصغرى عندما دعاه بركليز إلى أثينا، وقال عنه الناس: إنه رجل من العالم الآخر، أضاع ~~ثروته في بلاده بينما كان يدرس السماء، وكان يكنى «بالعقل» في أثينا، وقاسى كثيرا من ~~مضايقة الناس، ولم تتهيأ لسقراط الفرصة لكي يتحدث إلى أنكسجوراس، ولكنه أثار اهتمامه كلما ~~رآه، وحاول أن يستنبط من أفكار الرجل ما استطاع، وحدثه الناس عنه كثيرا، وأكثر حديثهم ~~هراء واضح، ولكنه عندما كان يصفي حديث الناس كان يظهر له أن وراءه كلاما معقولا يثير ~~التفكير. # وقد حفز أنكسجوراس على التفكير حجر ضخم ~~أسود هبط من السماء عند مكان يسمى نهر الماعز منذ سنوات عدة مضت، وقد رأى بعينيه الحجر ~~ولمسه فألفاه مختلفا كل الاختلاف عن الصخور المحيطة به، وإذا كان قد هبط من السماء، فمن ~~الواضح أنه لا بد أن تكون بها حجارة، ولم تقذف به الآلهة كما تروي القصص القديمة، وفكر ~~أنكسجوراس طويلا في الأمر بعد ذلك، وخرج أخيرا بالنظرية التي أخذ يتحدث عنها كل امرئ ~~في أثينا، ولم يأبهوا كثيرا لقوله بأن الأرض دائرة ms039 مسطحة، تسبح في الهواء كورقة الشجر فوق ~~الماء، تدور حولها النجوم، فإن كثيرا غيره من العلماء قد اعتقد ذلك من قبل، ولو أن ~~الأثينيين لم يكن من بينهم عالم حي حقا يعيش في أثينا ويؤمن بهذا القول، وإنما كان فيما ~~قاله أنكسجوراس عن الشمس والقمر شيء يشين كرامة الآلهة خاصة. # قال أنكسجوراس: إن الشمس ليست بإله، وإنما هي كتلة متوهجة من المعدن، أكبر من بلبونيز ~~كلها، وهي شبه الجزيرة التي يقطنها الإسبرطيون وستة شعوب أخرى غيرهم، وكأن هذا لم يكفه ~~فتعرض للقمر وقال: إنه من التراب، وليس له ضوء خاص، وإنما هو يعكس ضوء الشمس، وبالقمر تلال ~~ووديان وربما كان مسكونا، وعندما يقع في دورته بيننا وبين الشمس، تبدو الشمس مظلمة في ~~رابعة النهار، وعندما تحجب الأرض ضوء الشمس عن القمر، يظلم كذلك القمر. # كل هذا أثار حديث الناس في أثينا، وجرى الحديث في شدة ولم يكن دائما حديثا وديا، ~~واهتم الناس فجأة أشد الاهتمام بما عسى أن يكون لكل هذا الحديث عن الحجارة والمعدن الذي ~~ابيض من الحرارة من أثر على الدين، وهم أولئك الذين لم يبد منهم من قبل أي اهتمام ~~بالآلهة (اللهم إلا أن يقدموا إليها الضحايا المألوفة بطبيعة الحال)، ولحظ سقراط أن بعضا ~~من مؤيدي الآلهة المتحمسين كانوا كذلك أعداء سياسيين لبركليز، ~~وكان خصوم بركليز يسمون أنفسهم «السادة»، أما بركليز ~~نفسه (الذي انحدر من أعلى الأسر في أثينا، وإن كان يعضد لديمقراطية الناشئة) فكان يحلو له ~~أن يطلق عليهم «القلة»، وسواء كانوا سادة أو غير سادة فقد اتضح لسقراط أنهم كانوا يجرون ~~أنكسجوراس ونظرياته العلمية إلى نزاع سياسي، أما ديوبيثس الكاهن العجوز المتعصب، الذي كان ~~يكسب العيش عن طريق تفسير أسرار السموات وعجائبها، فله شأن آخر، وليس من شك في أنه كان ~~يهتم في إخلاص بقداسة السموات ولو لأسباب عملية فحسب، أما ديون ابن عم ديوبيثس، الذي كان ~~يعمل إلى جوار سقراط في بهو الأعمدة، فقد اعتاد أن يقول صراحة: إن المدينة لا يمكن أن تأمل ms040 ~~في الظفر برضا الآلهة حتى يقتل أنكسجوراس. # وألف سقراط الحديث الخشن من مواطنيه، ومن الجائز أن يؤدي حديثهم إلى القيام بعمل ما؛ لأن ~~الشعب هو الحكومة ولكنه قلما كان يؤدي إلى ذلك في تلك الأيام؛ ولذا فقد ذهل ذات مساء ~~حينما جاءه ديون يقرع بابه ويحمل إليه نبأ جديا. # قال ديون في رزانة تامة وقد ولج الحجرة التي كان يجلس فيها سفرونسكس وسقراط وقلة من ~~أصحابهم: «يجب على كل أثيني مخلص لبلاده أن يبتهج؛ لأنه يشهد هذا اليوم، فقد عاد إلى أثينا ~~رضا الآلهة، فقد أدين الملحد!» # ولم يكن سقراط بحاجة إلى أن يسأل من هو ذلك «الملحد»، وإن كان هو نفسه لم يجد مبررا ~~يدعو هذا العالم المشرد الذهن لكي لا يعتقد في الآلهة كما يعتقد فيهم سواه، واستطاع هو ~~والآخرون - بشق الأنفس - أن يعرفوا من ديون ماذا كان يجري تماما، والأمر في عبارة واضحة هو ~~هذا: لقد اتفق ديوبيثس وصحبه المتعصبون مع «السادة» الذين كانوا يمقتون بركليز، وظفروا ~~بوعود التأييد من كثير من أصحاب الأصوات المحافظين في المدينة، وكان المزارعون - الذين كان ~~ينتظر أن يفدوا إلى أثينا في الغد في جموع حاشدة - ينفرون من أي حديث خطر عن الدين، فقد ~~كانوا يعتمدون على الآلهة في محصولهم، ومن المؤكد أنهم سيصوتون مع جانب الحق. # ولذا فسوف يبدأ الهجوم في الجمعية في اليوم التالي ديوبيثس بنفسه، ولن تكون به حاجة إلى ~~أن يقول شيئا عن أنكسجوراس، وإنما يكتفي بأن يقترح قانونا جديدا ضد الأفراد الذين لا ~~يمارسون الدين، وينشرون النظريات عن «الأشياء العليا»، ومن المؤكد أن يوافق المجلس على ~~القانون، كم من الأعضاء يود أن يعارضه ويسمى بالملحد كذلك؟ وعندئذ يستطيع رجال السياسة ~~أن ينقذوا في المحاكم ما يبقى بعد ذلك، وسيكون هذا كله ~~عملا مشروعا. # ولما فرغ ديون من الإفضاء بهذه الخطة ثارت مناقشة حادة، ودافع عن أنكسجوراس بشدة - أحد ~~رفاق سقراط - وهو أجنبي يدعى فيلينس طوف كثيرا وآمن بالآراء المتقدمة، ووجه خطابه ~~إلى ديون قائلا: «مهما يكن من ms041 شيء، فإن ما يقال عن الشمس والقمر قد يكون صادقا إذا لم تكن ~~هناك حجارة في العلا، فمن أين إذن جاء الحجر الأسود عند نهر الماعز؟» # وقال ديون غاضبا: «ليس من شأننا أن نبحث في مثل هذه الأمور، أنصحك أن تترك الآلهة ~~وشأنها، وليس للناس أن يتساءلوا، سواء كانت هناك حجارة أو لم تكن، هل تريد أن تغضب الآلهة ~~وتجلب للمدينة الطاعون والخراب؟» # وأجاب فيلينس في هدوء: «سل أي طبيب حاذق ينبئك أن الطاعون إنما يأتي إذا فسد الماء أو ~~الهواء، أما عن «الخراب» فأيا كان ما تعني به، ألم يكن حكيمكم الخاص سولون هو الذي قال ~~بأن مدينتكم لن تفنى بإرادة الآلهة، وإنما تفنى بحماقة مواطنيها وشراهتهم؟» # وكان هذا الكلام شديدا على نفس ديون، ثم أطلق على كل كافر فيضا من اللعنات المقدسة، ~~وكان فيلينس بانتظاره عندما أفرغ ما بجعبته من ألفاظ. # فقال: «إنك تتحدث كأنك تألف الآلهة ألفة كبرى، هل رأيت إلها قبل اليوم؟ هل لمست إلها؟ ~~هل تستطيع أن تخبرني بحادث واحد في الحاضر ولا أقول في الماضي، لا يمكن أن تعلله بالأسباب ~~الطبيعية؟» # وكان أكثر الحاضرين معارضين لديون ومبالغته في التقوى، غير أن فيلينس قد غالى كثيرا هذه ~~المرة، وعلت بالاحتجاج الصيحات، وبدءوا جميعا يتكلمون في صوت واحد، وأخيرا رفع ~~سفرونسكس يده يطلب الصمت، وكان رجلا مسنا يحب أن يسود بيته السلام. # وتبسم قائلا: «ربما كان كلا الجانبين مصيبا من ناحية، وربما عرف أنكسجوراس حقيقة الشمس ~~كما يقول فيلينس، وأذكر أنني سمعت بشيء من هذا في شبابي، قد لا يكون حجارة أو ترابا، ~~ولكنه بخار ملتهب، وهو ما لا يقل مروقا على الدين عما زعم أنكسجوراس، غير أنا لم نحسب ~~الموضوع في ذلك الحين مما يعرض على محاكم القضاء.» # ورد عليه ديون محتجا. # وواصل سفرونسكس حديثه مشيرا بإصبع طويلة وقال: «تمهل قليلا، قلت: إننا لم نحسب الموضوع ~~مما يعرض على محاكم القضاء «في ذلك الحين»، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك اليوم، ولست أحب ~~الطريقة التي ms042 يتحدث بها فيلينس، وعندما أتلفت حولي إلى الشباب الناهض في هذه الأيام - وخذ ~~على سبيل المثال كليون ابن الدباغ، بلسانه الحاذق اللاذع، وكراهيته لكل من يعلوه - أتساءل ~~قائلا : أليس قليل من خوف الآلهة القديم مدعاة للسلامة، ولكن الزمن قد تغير ... أجل، لقد تغير ~~الزمن»، ثم استمر في الكلام، وكأنما يتحدث إلى نفسه، وقال: «أذكر كيف كان إحساسنا بعد ~~انتصارنا بحرا في سلامس، عندما أبحر الفرس مبتعدين، وعرفنا أننا أصبحنا أحرارا، «عرفنا» ~~أن الآلهة كانت معنا آنئذ، وما كان لأحد أن يحدثنا بغير ذلك، وماذا كان يهمنا من الشمس ~~والقمر وما إليهما؟ أما الآن أجل، قد يكون ديون على صواب، وربما كان ما زعم ضرورة لكي تحتفظ ~~العقيدة القديمة بحياتنا، من يستطيع أن يحدثنا عما يمكن أن يكون لخير المدينة في مثل هذه ~~الأوقات؟» # ولم يكن سقراط على اتفاق في هذا مع أبيه، بيد أنه لزم الصمت احتراما له، ولم يشترك في ~~الحديث إلا بعد أن أوى سفرونسكس إلى فراشه، واستمر الجدل إلى ساعة متأخرة من الليل، ولم ~~ينته عند حد، وتشبث كل من ديون وفيلينس برأيه في عناد، غير أن سقراط خرج من النقاش وهو أشد ~~إيمانا من أي عهد مضى بأن ديون وإياه كان كلاهما على خطأ. # إن المهم هو الحقيقة كما عرف، إن الحقيقة لا تصيب الآلهة بأذى، إنها تحب الحقيقة، ولكنك ~~إن أردت أن تخفي الحقيقة فهناك خطر آخر، فقد تؤذي أعز ما لديك، وذلك هو نفسك - أيا كانت ~~هذه النفس - وهي أقرب شيء إلى الآلهة، لا شك في أن ديون كان غافلا، وسفرونسكس شيخ حكيم، ~~ولكنه لم يدرك أنه بخنق الحقيقة يؤذي أثينا ولا يعينها. # ولكن ما هي الحقيقة؟ هل كان فيلينس على صواب حينما قال بأن «الأسباب الطبيعية» تفعل كل ~~شيء؟ لا شك في أن فيما زعم صدى للصدق، وبرغم ذلك فإن به شيئا لم يقتنع به سقراط، وأوى ~~إلى فراشه متعجبا. # وفي اليوم التالي فاز ديوبيثس بموافقة المجلس على مشروع قانونه كما توقع الناس ms043 جميعا، ~~وسيق أنكسجوراس إلى المحاكمة بناء على ذلك وتهمته الكفر بالآلهة، وعقوبته المنتظرة هي ~~الموت، وشغلت هذه القضية حديث الناس جميعا في أثينا عدة أيام، ومن حسن حظ ضمائر أهل ~~المدينة أن العالم لم يعدم، فقد أبعده بركليز عن المدينة، ولما عاد أنكسجوراس إلى آسيا ~~الصغرى؛ وجد له حاميا آخر في مدينة لمباسكي، وهنا تابع دراساته حتى نهاية حياته. # وافتقد بركليز وصحبه أنكسجوراس، ولما صدر كتابه في العلوم الطبيعية لقي رواجا كبيرا، ~~بيد أنه قد تبين أن آراءه عن الشمس والقمر لم تكن جديدة كل الجدة أو مما يدعو البتة إلى ~~الدهشة والذهول، وظهر فيما بعد غيره من الرجال ممن يفضلونه في علم الفلك وتابعوا جهوده ~~وصححوا أخطاءه، وربما كان أطفال لمباسكي من بين الناس جميعا خير من ذكره وأطال الاحتفاظ ~~بذكراه، فقد طلب لهم عطلة مدرسية سنوية يوم مماته. # الفصل السادس # | اكتشاف # وكذلك لم يغب أنكسجوراس عن ذكر سقراط الذي لم يعرفه قط تمام المعرفة، فإن الرجل الذي ~~يستطيع أن يقول: إنه لم يولد للمتعة أو الشهرة، وإنما ولد لدراسة الشمس والقمر والسموات ~~لا بد أن يكون لديه شيء من العظمة، وليس من شك في أن المعرفة كانت لها أهميتها القصوى ~~كما ذكر صانع الفخار العجوز ذات مرة، ولكي تعرف لا بد أن تدرس، ولا يكفي أن تتعجب؛ ولذا ~~فقد انغمس سقراط في حماسة شديدة في دراسة ما كان يتناقله الحكماء عن صورة العالم، وكان ~~بالأرض والشمس والسماء أقل اهتماما منه بالناس، ولكن إن كانت للأشياء صور، فقد كانت ~~بالتأكيد لها جميعا صورة واحدة، ولو عرف القوانين التي جعلت من الدنيا ما هي عليه؛ لاستطاع ~~أن يأمل في تفسير الرجال والنساء كذلك. # ومن ثم أقبل على الدرس سقراط، استمع إلى حديث العلماء الذين تجمعوا في غرفة الملابس ~~في الملاعب، أو ساروا بين الأعمدة، ومن بينهم تلميذ لأنكسجوراس يدعى أركيلوس، أطلق عليه ~~فيما بعد اسم أستاذه، وآخرون من أمثال سمياس وسيبيز، من الأجانب الذين تشبعوا بنظريات ~~العالم الرياضي فيثاغورس، أصبحوا ms044 أصدقاء له حميمين. # ولما كان لسقراط ذهن خاطف وعقل متطلع وذاكرة قوية، فسرعان ما عرف هو نفسه بالحكمة، ~~وبات من المقرر أن يلتقي بأي عالم يهبط إلى المدينة ، ولما كان من دلائل التقدم أن تكون ~~هذه الأمور مما يهتم به المرء، فقد كان سقراط يدعى لحفلات العشاء في بيوت لا ترحب بأكثر ~~من يعملون بأيديهم، بيد أن هذا لم يغير من سقراط شيئا، كان يهمه أن يتعرف إلى كل ~~قادم جديد يلاقيه، وكان يهتم بمعرفة الناس أجمعين، غير أنه كان يقيسهم بأفكارهم لا ~~بأكياسهم، أو كان لا يقدرهم البتة أي قدر، فإن ما وجده لديهم من علم أو مهارة لا يمكن أن ~~يقاس إلى الحكمة التي كان يبحث عنها، كان يبحث عن حكمة تفسر له السبب في وجود الأشياء ~~كما هي، كما أن معرفة صانع الفخار الخبير بنموذج الجرة يفسر له شكل كل جرة يقوم ~~بصنعها. # وذهل سقراط حينما عرف عدد الرجال الذين حاولوا من قبل أن يكشفوا عن نماذج الأشياء، فقد ~~لبث الناس يتساءلون لأكثر من قرون من الزمان: مم صنع العالم؟ وكيف بلغ ما صار إليه؟ ~~هذه الأسئلة كان يتساءل عنها أبناء الشرق والغرب من الإغريق، ولا تخطر على بال الأثينيين؛ ~~لأنهم أشد جمودا، ولم يكن أنكسجوراس جديدا في زعمه، مثيرا في تفكيره للأقوام الآخرين، ~~كما بدا للأثينيين الذين كانوا يجابهون الآراء العلمية لأول مرة. # وقد أظهرت المقترحات التي صادفت سقراط عن الدنيا ونشأتها أن العلماء - كغيرهم من الناس - ~~يمكن أن يتعجلوا في التفكير، مثال ذلك فكرة أمباذقليس الصقلي الحديث عن الأسماك، فقد حسب ~~أمباذقليس أن الأحياء المائية يتألف أكثر أجسامها من الماء، كما أن الأحياء الأرضية تتألف ~~غالبا من التراب، والطيور التي تحلق في الهواء من النار، ولكن الأسماء استثناء من ~~القاعدة، فهي مليئة بالنار وتهرب إلى الماء للتبريد، وفهم سقراط - عندما سمع بهذا - أن ~~أمباذقليس كان يحاول أن يفسر شيئا شهده بعينه، لا بد أن يكون قد قصد المرفأ ذات صباح، ~~ورأى الأسماك في زوارق السماكين، ms045 راقدة وهي تلهث طلبا للماء، ولكن لماذا لم يتناول قط سمكة ~~لكي يتأكد من حرارتها؟ ومع ذلك فإن هذا العالم نفسه قد وصف دورة الدم في جسم الإنسان وعملية ~~التنفس، وصفا يثبت ما لديه من ملاحظة دقيقة. # وهكذا سارت الأمور سنوات عديدة، كما كشف سقراط الملاحظة والحدس، الطيب منها والخبيث، ~~يختلط بعضه ببعض في ارتباط واضطراب، وكان التقدم بطيئا في بعض الأوقات، وكان من اليسير أن ~~يثبط بالطريقة التي كان يعارض بها كل عالم غيره ~~من العلماء، ولكن وراء هذا كله لمح سقراط الفكرة السامية عند هؤلاء العلماء التي جعلت حتى ~~من حماقتهم ضربا من ضروب الحكمة، كانوا جميعا يبحثون عن قانون، قانون متوافق لا يتغير، ~~يقسر جميع الأشياء. # فظن أحدهم أن الماء مصدر كل شيء، إذ رأى المخلوقات المولودة حديثا تزحف من الطين في ~~مصر، بعد أن فاض النيل على شاطئيه، وظن الآخر أن العالم المادي مصدره البخار منتشرا أو ~~مضغوطا، وربما رأى البخار يتكاثف ويتحول إلى ماء والماء يتجمد فيصبح جليدا، وقال ثالث: إن ~~الدنيا لا بد أن تكون مصنوعة من النار التي تأتي إلى الوجود ثم تذهب، وثمت فكرة أخرى ~~شاعت بصفة خاصة بين الأطباء في ذلك الحين، وهي فكرة أمباذقليس، الذي ارتأى أربعة عناصر - ~~التراب والهواء والنار والماء، تمتزج بالشوق وتفترق بالنزاع، وهي في خلال ذلك تكون الدنيا ~~والأجسام البشرية. # وفي كل هذه الأفكار عن مادة دنيوية أساسية مأخذ مشترك، وذلك أنه من العسير على أي ~~امرئ أن يفسر كيف ولماذا تتحول هذه المادة - أيا كانت - إلى الأشياء التي نراها، وقررت - ~~في الواقع - جماعة من الإغريق الغربيين أنه من المستحيل أن تقول: إن أي شيء من الأشياء ~~يتحرك أو يتحول. # وكانوا يدلون بكل ضروب الحجج القوية، ومنها الحجة التالية: تصور سلحفاة، وهي أبطأ ~~المخلوقات، وتصور البطل أخيل العداء السريع يتابعها جريا، فهل نستطيع أن نتخيل أن أخيل ~~يمكن أن يلحق بالسلحفاة؟ إنه لن يستطيع لو فكرنا في الأمر مليا؛ لأننا لو فرضنا أن أخيل ~~يبدأ وراء ms046 السلحفاة ويعدو حتى يبلغ النقطة التي بدأت منها السلحفاة، فإنه سيجد أن السلحفاة ~~قد تحركت أصغر ما يمكن من مسافة، ولكن أخيل لم يلحق بها بعد، وقد تمر برهة قصيرة - قد ~~تبلغ جزءا من مائة من الثانية - حتى يصل أخيل إلى النقطة التي كانت بها السلحفاة أخيرا، ~~ولكن السلحفاة قد استغرقت تلك الفرصة من الزمن وتحركت إلى الأمام قليلا، ويمكن أن يتكرر ~~ذلك في المخيلة ولا يلحق أخيل بالسلحفاة مطلقا، وهي فكرة تثير الضحك من غير شك، ولكن لما ~~سخر منها الناس أجابهم زينون - وهو مؤلف اللغز - بأنه من الطبيعي أن يضطرب الأمر في أذهانهم ~~لو اعتقدوا في الأمور المستحيلة مثل التغير والحركة. # هكذا قامت المشكلة، وكلما أمعن سقراط في التفكير اشتدت الأمور تعقيدا، وبدأت الأمور ~~- التي كانت تبدو من قبل يسيرة - تظهر عسيرة لديه كالنمو وإضافة الواحد إلى الواحد، وكأن ~~هذا الجدل بين العلماء لا يؤدي إلى نهاية، وربما كان من الأسباب أنهم يعيرون قليلا من ~~الالتفات لما كان يحدث في الدنيا فعلا، ويصوغون بدلا من ذلك النظريات التي تقوم على غيرها ~~من النظريات، ووجد سقراط أن الأطباء وحدهم هم الذين كانوا يحاولون فعلا أن يمعنوا في ~~الملاحظة، وحتى هؤلاء كانوا يضطربون أحيانا عندما يحاولون أن يدخلوا كل شيء تحت نظرية ~~العناصر الأربعة التي أخذ بها العلماء. # والعلماء أنفسهم في تلك الأيام كانوا يهتمون بما يهتم به الأطباء؛ أعني جسم الإنسان، تعجب ~~العلماء من جسم الإنسان كما تعجب بركليز وصحبه الذين حسبوا الإنسان مخلوقا عجيبا، يكاد ~~يفعل كل شيء تقريبا، وقالوا: ما أعجب الإنسان من مخلوق! إن له عينين يستطيع أن يتلفت بهما ~~إلى أي اتجاه، ويستطيع أن يغلقهما لينام، لهما أهداب لتنقية الهواء، وحاجبان ليبعد بهما ~~العرق، وله أسنان أمامية يقطع بها الطعام، وأسنان خلفية ليطحنه بها، وفمه قريب قربا ~~ملائما لأنفه وعينيه التي ينتقي بها ما يأكله. # ولما فكر أمباذقليس في كل هذا، بدا له أن مخلوقا عجيبا كالإنسان لا يمكن إلا أن يكون ~~قد تطور بعد ms047 كثير من المحاولة والخطأ، ولا بد أن يكون قد مرت بالعالم في الأجيال ~~السابقة مخلوقات عجيبة نجهلها اليوم: مخلوقات لها رءوس وصدور في مختلف الاتجاهات، ثيران لها ~~وجوه الرجال، ورجال لهم وجوه الثيران، وقد اختفوا جميعا عن الأرض وتردوا في هوة النسيان؛ ~~لأنهم لم يصلحوا للبقاء، ولكن لما حدث أن الحيوان الذي كان ظهره من قطعة واحدة - كما كانت ~~الحيوانات جميعا في أول الأمر - قد التوى منه الظهر وانكسر كان هذا التطور مفيدا فاستمر، ~~وظن أمباذقليس أن هذا يفسر لنا لماذا صارت السلسلة الظهرية عند الإنسان اليوم مركبة من قطع ~~صغيرة متكسرة. # ووجد سقراط أن هذا الضرب من ضروب العلم شديد الجاذبية، وبخاصة عندما أخذ العلماء ~~يتحدثون عن عقل الإنسان، كيف يفكر الناس؟ كانت للعلماء في ذلك عدة إجابات، كل منهم يحسب ~~العقل عادة مصنوعا من المادة التي يعتقد أنها المادة الكونية الأساسية، فكان العقل أنقى ~~البخار أو أجمل النار، أو ربما كان الدم الذي يحوط القلب يحمل صورا مما يرى وما يسمع، وذلك ~~هو التفكير، وأمست الفكرة القديمة التي تقول بأن الناس يفكرون بالحجاب الحاجز فكرة بالية، ~~وربما كان للذهن شأن به كما يقول بعض الأطباء. # وبعد ذلك بعدة سنوات، حينما كان سقراط يتحدث إلى بعض الشبان من أصدقائه الذين كانوا ~~يحاولون أن يجدوا حلا لإحدى المشكلات، وقد أخفقوا في المحاولة مرة بعد أخرى، حذرهم من أن ~~يكونوا من «الكارهين للتعليل»، وهو تعبير اخترعه ليصف به الشخص الذي تثبط همته كلما استخدم ~~عقله، فيصبح «كارها للتعليل»، وقال: إن الحال مع مثل هذا الشخص تشبه إلى حد كبير ما يحدث ~~للرجل الذي يبالغ في ثقته بالآخرين ثم يخيب فيهم رجاؤه، «من المؤسف أن الرجل الذي يلجأ إلى ~~التعليل، فيجده صادقا مرة وكاذبا مرة أخرى، لا يلوم نفسه وعجزه، وإنما ينحي باللائمة في ~~ثورة من الغضب على التعليل ذاته، ومن ثم فإنه يمقت التعليل ما دام حيا، ويسيء إليه في ~~الحديث»، وذلك من أسوأ ما يحدث للمرء فيما كان يزعم سقراط، ms048 فكان يحث أصدقاءه ألا يقعوا في ~~حبائله: «دعنا لا ندخل إلى نفوسنا هذه الفكرة، وهي أنه ربما كان التعليل غير سليم، بل ~~لنعتقد - بدلا من ذلك - أننا نحن أنفسنا لسنا سليمين حتى الآن، ولنجاهد كما يجاهد الرجال ~~في سبيل السلامة.» # وأدرك سقراط الخطر الذي يكمن وراء «كراهية التعليل»؛ لأنه هو نفسه قد تعرض لهذا الخطر، ~~وقد استعاد في ذهنه خلال هذه السنوات كل ما ورد على ألسنة الحكماء من ألفاظ: الجدال ~~والتناقض والتفسير والتصحيح، وبدأ سقراط يتساءل إن كان يملك العقل الملائم لهذا الضرب من ~~ضروب البحث، وقد ظن الناس أنه حكيم، ومع ذلك فبرغم كل ما كان يعرفه، فأي شيء هام كان يعلمه؟ ~~إن التفسيرات التي كانت تقنع الآخرين لم تكن لتقنعه، وبدا له أنه أبعد عن الحكمة من أي وقت ~~مضى. # ثم استمع ذات يوم إلى رجل يقرأ من كتاب أنكسجوراس. # ولم يذكر فيما بعد ما كان يكتنف هذا الموقف من ظروف، هل كان ذلك في يوم عطلة ذات مساء ~~بالملعب، أو في حفل عشاء في بيت أحد الأثرياء ممن يهتمون بالمعرفة؟ # وأيا كان الظرف، فإن هناك من كان يقرأ ويستمع إليه سقراط، وكان سقراط يحسب أنه أعلم ~~في تلك الأيام من أن تأتيه المعرفة من أي إنسان، غير أن هذا الكتاب كان جديدا، وصل إلى ~~أثينا منذ عهد قريب، وكأنه كتاب غزير المادة، وكانت أكثر من لفافة من أوراق البردي ملقاة ~~بجانب القارئ، وسر سقراط لما عرف بأن ذلك العالم الذي كرس حياته للعلم، والذي نفته أثينا ~~بجهلها من المدينة، ما زال يواصل التفكير والعمل، وتساءل: أي كشوف جديدة عن النجوم يا ترى ~~قد تمت؟ # والكتاب مستهل بعبارة منسقة عن العناصر الأولى وأصل الأشياء، وقد ذكر أنكسجوراس أن كل ~~الأشياء التي نشاهدها خليط، فهناك حرارة حتى في الشيء البارد، وإنما نسميه باردا؛ لأن فيه ~~من البرودة أكثر مما فيه من الحرارة، يقول أنكسجوراس: «هناك سواد حتى في الشيء الأبيض»، ~~فأطرق سقراط رأسه؛ لأنه شاهد في الثلج بقعا ms049 سوداء، كما أن بياض الثلج يختفي عندما يذوب، إن ~~ذلك شديد الاحتمال. # واستمر القارئ يقول: «إن الأشياء الأخرى فيها جزء من كل شيء، أما العقل فهو غير محدود ~~ويتحكم في نفسه ولا يختلط بشيء، وإنما هو قائم بذاته، له سلطة عليا، ويسود كل شيء فيه حياة، ~~صغيرا كان أو كبيرا، وكل ما قدر وجوده، وكل ما وجد، وكل ما لا يوجد الآن، أو ما ~~يوجد ... كل ذلك رتبه العقل ...» # وقيل كثير غير ذلك، ولكن سقراط لم يستمع إليه، ولو أن الآلهة أرسلت إلى قلبه ضياء ~~خاطفا، لما بهره الضوء مثلما أحس الآن، إذ كان لهذا الكلام في النهاية معنى لديه، فلقد وجد ~~أنكسجوراس الحل الوحيد الذي يفسر كل شيء، فإن في العالم فكرا واحدا يعمل، يرتب كل شيء ~~على أحسن ما يكون الترتيب، ومن المؤكد أن العقل يعمل بهذه الطريقة، ينظر دائما إلى ما هو ~~خير كالصانع الماهر، ولا يصنع الأواني الرديئة إلا صانع الأواني الجاهل. # وهكذا فإن العقل قد صنع - ولا زال يصنع - كل شيء على خير ما يكون! إن تفصيل ذلك كله لا ~~بد أن يكون في ذلك الكتاب، وسوف لا يكفي أنكسجوراس أن يذكر أن الأرض مسطحة أو مستديرة، ~~بل إنه ليذكر أنه من الخير للأرض أن تكون كذلك، كما يذكر الأسباب، وسوف يذكر أية فكرة طيبة ~~كانت في العقل الذي شكل كل شيء، وكاد سقراط أن يذهل عجبا واهتماما بهذا الكشف العظيم، ~~لن يكون بعد اليوم نزاع، ولن يكون عبث بذكر التراب والهواء والنار والماء كأسباب ما أتفهها ~~من أشياء إن هي قورنت بهذا العقل الكبير المتحكم الذي يعمل طبقا لمبدأ الخير! # وأثنى المستمعون على القارئ، وصاحوا قائلين: «ما أمتع هذا! وما أبرع أنكسجوراس!» وكان ~~بعضهم لا يصغي إلا لأن الاهتمام بالعلوم كان واجبا من الواجبات، ولما ألقى بالكتاب جانبا ~~تنفسوا الصعداء، ونقلوا الحديث إلى شيء يستطيعون إدراكه، فتناول سقراط الكتاب وحمله إلى حيث ~~يستطيع أن يدرسه بنفسه. # وأسرع في القراءة بمقدار ما سمحت له طريقة ms050 الكتابة المضطربة التي كانت تستخدم في تلك ~~الأيام، إذ كانت الكلمات كلها تتشابك بغير انفصال، وطالع الكتاب بأجمعه وإن كان قد أحس بعدم ~~الجدوى من القراءة قبل أن ينتهي من الكتاب بوقت طويل؛ لأنه بعدما ألقى الكتاب جانبا عرف ~~دون أدنى أمل في الشك أن أنكسجوراس كان - بعد هذا كله - كغيره من الناس، فقد فسر العالم ~~حقيقة كما فسره غيره بالتراب والهواء والنار والماء، ولم يزج بالعقل إلا لكي يشتت الخليط ~~ويدفع بالأشياء إلى الحركة. # وليس الأمر إلا كأنك تضع يدك في حوض من الماء به أوراق من الشجر وأعواد وريش، كلها طاف ~~فوق سطحه، وتستطيع أن تحدث بيدك دوامة فتتفرق الأشياء على صور مختلفة، بعضها يقذف إلى ~~حافة الدوامة، وبعضها ينجذب إلى مركزها، وليس «عقل» أنكسجوراس سوى اليد التي تحرك ~~الدوامة، وإنما تفعل الدوامة ما بقي. # وأعاد سقراط الكتاب إلى صاحبه، وأخذ يتدبر ~~ما فيه، وأحس بفراغ النفس لأن نشوته إنما كانت لكشف عظيم لم يتحقق، ورأى الآن في هدأته ذلك ~~الحق الذي كان يزحف عليه خلال هذه السنوات التي قضاها في الدرس، إن العلماء قد يكونون محقين ~~فيما يقولون عن التراب والهواء والنار والماء، وقد يجدون الجواب عن «كيف» كانت الأشياء ~~و«كيف» صارت، بيد أن ذلك هو كل ما يستطيعون أن يجدوا، ولن يتبين لهم أبدا ~~«لماذا». # إن السبب (لماذا) لا يتعلق بمادة الأشياء، ~~وإنما يتعلق بالغرض في الذهن، وقد عرف سقراط ذلك منذ اليوم الذي قضاه في محل ماوس، بيد ~~أنه لم يعرفه حق المعرفة إلا في هذه اللحظة، والغرض الثابت في الذهن هو ما يراه المرء ~~خيرا، وسأل سقراط نفسه لكي يختبر هذه الفكرة «لماذا» أجلس هنا؟ و«لماذا» لست في الخارج مع ~~أقريطون والآخرين، أقضي وقتا طيبا، ومحاولا أن أنسي خيبتي وجهلي؟ هل ذلك لأن لي عظاما ~~متصلة تحت الجلد واللحم وعضلات تجذبها إلى هذا الوضع من الجلوس؟ أم هل ذلك لأني أعرف أنه من ~~«الخير» لي ألا أنسى، وأنه من «الخير» لي أن ألبث هنا ms051 وأفكر، وأستخرج الحقيقة حيثما قادتني؟ ~~وكان الجواب الصحيح على ذلك واضحا. # هذه الحقيقة التي جابهها سقراط كانت حقيقة جليلة، وكانت كذلك حقيقة مزعجة من ناحية ما ، ~~وقبل أن يبعدها عن ذهنه فحصها من كل نواحيها ورأى كل جوانبها، وماذا عساها تدفعه إلى أدائه، ~~رأى أن ليس في العالم بأجمعه بعجائبه ومشاهده وأصواته ما يبلغ في أهميته معرفة «الخير»، ~~وما يظنه الناس خيرا هو السبب (لماذا) في كل شيء يفعلون، وهم مرغمون على أداء ما يرونه ~~خيرا، ولو أن رجلا سرق من جاره وانقلب لصا وكاذبا فإنما ذلك لأنه يتوقع أن يجد في هذا ~~العمل خيرا، وليس هناك من يسير وراء الشر وهو عالم بذلك. # ثم ما أفظع أن يكون المرء جاهلا، وأن يخدع فيما هو خير، لا يهم المرء حسن تكوين جسده، ~~ولا صفاء ذهنه؛ لأن حياته كلها تسير في اتجاه خاطئ لو كان «بالخير» جاهلا، لقد كان سقراط ~~دائما يمقت الجهل، ولكنه الآن رأى قبحه أوضح من أي وقت سلف، وأزعجه من التفكير في مدينة ~~أثينا هذه العظيمة، بكل من فيها من أفراد أذكياء عاملين يسيرون وراء ما يظنونه خيرا، ~~ولكنه قد يتبين كذلك أنه شر، إنهم لم يفتحوا أعينهم أبدا حقا لكي يروا ويدركوا. # لقد عاش الناس وفقا لقواعد يسيرة صدقوها وهم خاملون لا يفكرون، «لا تفر من المعركة.» أو ~~«لا تعط المال للشحاذين.» أو «كون لك أصدقاء، فقد تحتاج إليهم ذات يوم.» أو «استخرج ~~المتعة من الحياة بقدر ما تستطيع.» ولكن من ذا الذي اكترث بالبحث عن «الخير»، وهو الغرض ~~الحقيقي من الحياة، الذي ينبغي أن يتحكم في كل عمل، وصاغ كل دقائق الحياة طبقا للنموذج ~~الحق، كالجرة يصنعها الخبير؟ # وعرف سقراط عندئذ أن هذا البحث هو عمله الحق، إن معرفة «الخير» لها من قوة الجذب ما ليس ~~للعضلات والعظام، وما رآه سقراط من أهمية معرفة الخير سوف يصوغ حياته، وسوف يقرر له كل ما ~~يقوم به من عمل. # وأمكنه أن يرى أن أمامه طريقا شاقا، ولسبب ms052 ما سيق سقراط إلى البحث عن أعمق المعارف ~~وأشدها عسرا، وهو النحات الذي أحس أنه أشد الأثينيين جهلا، ولا يستطيع حقا أن يفهم علم ~~العلماء أو صناعات الصناع، وكأن عقله أصغر جدا من أن يبحث عن هذا الأمر الجليل. # ولم يستطع العلماء أن يعينوه أكثر مما فعلوا، وأدرك ذلك الآن في جلاء ووضوح، فقد كانوا ~~يعملون في مشكلة أخرى، وخير وسائلهم وأدقها هي دراسة الأشياء التي يمكن أن ترى وأن ~~تمس، ولكن لكي يفهم المرء السبب (لماذا) لا بد من إيجاد طريقة جديدة، وليست ملاحظة ~~مسير الشمس والقمر، فقد انتهى سقراط من ذلك إلى الأبد، بل وليست دراسة جسم الإنسان ~~العجيب. # لم تكن مشكلة سقراط هي الإنسان ممثلا في عضلاته وعظامه وإنما هي مشكلة الإنسان كذات ~~مفكرة راغبة حية، تهتم بالخير والشر، الإنسان الذي يمكن أن لا تقيسه العضلات والعظام وشق ~~على سقراط أن يجد لهذه «الأنا» من الإنسان اسما فاستعار لفظة كانت لها معان أخرى، وتشجع ~~فأطلق عليها «النفس». # الفصل السابع # | الآلهة تكلفه بالرسالة # ولما تحدث سقراط فيما بعد عن كتاب أنكسجوراس، روى القصة كأنها حدثت كلها في بضع لحظات، ~~في حين أن مجرد قراءة الكتاب كانت عملا طويل الأجل في تلك الأيام، والقرارات بعيدة الغور ~~تقتضي نموا بعيد الغور كذلك، ولا بد أن يكون سقراط قد أخذ في النمو - لسنوات عدة - نحو ~~إدراك عمله الحقيقي، وربما سار في صمت عدة أشهر أخرى قبل أن يتخلى عن نحت الحجارة، ويكرس ~~كل وقته للفلسفة. # ولا بد أن يكون ثبات الغرض - الذي تعشقه أصدقاء مثل أفلاطون - قد أخذت جذوره تمتد خلال ~~تلك الفترة، وكذلك التأكد من أن الآلهة كانت تؤيده؛ لأن شيئا لم يكن أشد ثبوتا في ذهنه ~~فيما بعد من الاعتقاد بأن الآلهة قد كلفته برسالة، فقد أمرته الآلهة الحكيمة أن يبحث عن ~~الحكمة - كما قال - وذكر قصة كاهنه شيرفون دليلا على ذلك. # وكان شيرفون - كما عرف كل إنسان - أحد الشبان المتحمسين الذين بدءوا يلتفون حول سقراط، ~~وهو ذلك الشاب ms053 الذي لقبه أحدهم «بالوطواط» لنحول جسمه واصفرار بشرته، وقد بلغت بشيرفون هذا ~~الجرأة أن يقول: إن سقراط كان أحكم الناس جميعا، بل أكثر من ذلك ناشد الآلهة أن تبرهن على ~~ذلك، فذهب إلى دلفي لكي يسأل كاهنه أبولو. # وكان دلفي، مكان معبد أبولو وكاهنته المعروفة من قديم، يقع في أعلى التلال شمالي وغربي ~~أثينا، وكان مكانا عظيم التقديس، وتروي القصص أن زيوس والدنيا في حداثتها أرسل ذات مرة ~~نسرين من طرفين متقابلين في السماء لكي يقيسا الأرض، والتقى النسران في دلفي، وكان الحجر ~~الذي يتوسط الأرض لا يزال هناك، وتردد على وادي الجبل فيما بعد وحش غريب: هو أفعوان الأرض، ~~وقتل أبولو الأفعوان بقوسه الفضية، وأحل كاهنته ومائدته المقدسة ذات القوائم الثلاث محل حجر ~~الأفعوان، وجاء الرجال من جميع أنحاء اليونان يوجهون إلى الكاهنة الأسئلة؛ لأن أبولو كان ~~إلها يقول الصدق ويعرف الماضي والحاضر والمستقبل، وكل ما تفوهت به الكاهنة كان صدقا ~~مؤكدا. # وكانت توجه إلى أبولو في دلفي كل أنواع الأسئلة، وكانت المدن ترسل سفراءها ليعرفوا لها ~~كيف تتخلص من الطاعون، أو أين تؤسس لها مستعمرة، ووفد كذلك الرجال البارزون ليسألوا إن ~~كانوا سيرزقون أبناء يحملون من بعدهم أسماءهم، وتساءلت المدن الإغريقية - كما تساءل كذلك ~~ملوك الشرق في الزمان القديم - هل تشن الحروب؟ ومن ذا تختار حليفا لها؟ # وبالطبع لم تكن الكاهنة دائما على صواب، وذلك إذا طالعت السجل قبل أن يتوافر للكهان ~~الوقت للتصحيح والتفسير ومع ذلك فما أكثر ما صدقت! وما دام الإغريق يعتقدون في الآلهة، فإن ~~أكثرهم كان يعتقد في كاهنة دلفي، وحتى بعد أن بلغ سقراط شيخوخته تراه ينصح صديقا شابا أن ~~يستشير أبولو قبل أن يشرع في حملة محفوفة بالمخاطر، وأثبت سوفوكليز صديق بركليز، الذي كان ~~قائدا وسياسيا وأمينا على أموال الإمبراطورية، كما كان شاعرا معروفا، أثبت في ~~مسرحياته أن كلمات أبولو لا بد أن تصدق، ومن الإثم أن يشك المرء فيها. # ولذا ذهب شيرفون إلى دلفي ليلقي هناك سؤاله، وسافر على ظهر سفينة ms054 من كورنث مع الحجاج ~~الآخرين، وربما سافر برا بالطريق الذي يتلوى خلال الممرات الجبلية المقفرة من بوتيا، ~~وكان شابا سمع بالكاهنة منذ طفولته، ولما بلغ مطلع الجبل ووقعت عيناه على المكان المقدس ~~لأول مرة تقطعت أنفاسه عجبا، كانت دلفي، باستشرافها عالية في حضن الجبل الأجرد العاري، وهي ~~ترن بأصداء أصوات الحجاج، مكانا من اليسير أن تحس فيه بعظمة أبولو. # وحتى في ذلك الحين كان لا بد لشيرفون أن ينتظر أياما قبل أن يستطيع ولوج المعبد، وعلى ~~كل حاج أن يمثل أمام الإله في دوره الصحيح، وعليه أن يقدم سؤاله للكهان قبل موعد ~~المثول بوقت طويل، وأخيرا جاء دور شيرفون، وقدم الضحايا اللازمة ودخل خلال بهو الأعمدة ~~الرخامية حتى بلغ الحرم المظلم حيث يقوم الحجر المقدس - مركز الأرض - إلى جوار مائدة أبولو ~~المقدسة ذات القوائم الثلاث. # وألقى بسؤاله، وأجابت الكاهنة في صيحات بدت كأن لا معنى لها، إن أبولو كان يتكلم عن ~~طريقها، غير أن الكهان وحدهم هم الذين يستطيعون الإدراك، ولما خرج في النهاية شيرفون إلى ~~ضوء الشمس كان يحمل في يده الجواب الذي دونه الكهان، ~~وكان سؤاله: «هل هناك من هو أحكم من سقراط الأثيني؟» فكان الجواب: «ليس أحكم منه إنسان.» ~~ولم تكن هذه الإجابة في غموض الألغاز - كما كان يحدث في أغلب الأحيان - وإنما كانت في عبارة ~~واضحة لا لبس فيها، وأسرع إلى بلده يحمل هذا النبأ. # ولما عاد إلى أثينا وتحدث عما أجاب به أبولو، كان لكل امرئ على الأمر تعليق، فقال ~~التقاة خاشعين: إن كلمة الإله لا تؤخذ مأخذا هينا، وتحاشى أكثرهم بعد ذلك الحديث مع سقراط ~~ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وزعم المتشككون أن الكاهنة لم تصدق دائما، فهناك تلك النبوءات ~~المشئومة خلال الحرب الفارسية لا بد من تعليلها، ويبدو اليوم أن الإسبرطيين في حظوة عند ~~دلفي، ومهما يكن من شيء فإن الكاهنة تمكن رشوتها، وليس الكهان إلا رجالا. # أما سقراط فلم يتحدث إلا قليلا، واعتقد أن هذه العناية الشخصية التي أخذ يظفر بها لم ms055 ~~تكن البتة ما أراد أبولو، ولما سأله الناس قال: «لا بد أن يكون الإله قد اتخذ من اسمي ~~مثالا، وليس من شك في أن الكاهنة تعني أن الرجل يكون حكيما عندما يدرك جهل نفسه.» # قال سقراط: إن الكاهنة اتخذت اسمه مثالا فحسب، ومع ذلك فإنها قد استخدمت اسمه، وأحس أن ~~هناك رسالة سيقع عليه أداؤها، وكما بحث في طفولته عن معنى «للشارة المقدسة» فسر الآن رسالة ~~الآلهة - دون أن يفخر بذلك أو يعتقد في خرافة - على أنها نداء للعمل طائعا، وهذه الإجابة ~~التي أتت علنا دون سؤال منه - على مسمع من المدينة بأسرها - اتخذها سقراط دليلا على أن ~~عليه واجبا عاما، وأن الآلهة قد بعثت به ليبحث وأخطرته بأن البحث لا يكون لنفسه ~~فقط. # وهذا الإحساس بالقربى من الآلهة الذي جاء مع كاهنة أبولو قد يفسر لنا الحدث الثاني ~~الغريب الذي وقع في ذلك الحين. # التحق سقراط بالجيش مرة أخرى في حملة على الشمال لحصار بوتيديا، وفي هذه السنوات المتوسطة ~~من حياته كانت هناك عدة حملات، وبدأ القواد أنفسهم يلحظون أنه كان جنديا بالغ الشجاعة، ~~كما لحظ مرافقوه أنه لم يكترث قط ببرد أو جوع أو طول مسير، وإذا لزم غيره من الناس دورهم أو ~~لفوا أقدامهم بالجلد والفلين فلقد ذهب بأقدام عارية وبزيه العادي لا يبالي إن كان صيفا ~~أو شتاء، وفي هذه الحملة بالذات اتخذ مكانا له في مقدمة الجيش؛ لكي يحمي صديقا جريحا ~~مخاطرا بحياته، والصديق هو ذلك الشاب الذي يدعى إلقبيادس الذي لعب دورا هاما جدا ~~فيما بعد في حياة سقراط، ولكن تلك قصة أخرى، أما الأمر العجيب الذي حدث في ذلك الحين فلم ~~تكن له صلة بالسير أو القتال أو حتى الأصدقاء، إنما حدث بين سقراط وبين عقله. # كان بالمعسكر ذات صباح في الصيف، وقد انقضى فصل الشتاء بما يتطلبه من عمل لتوفير الدفء ~~والغذاء، وكان العدو ساكنا، ولم يكن لدى أي فرد ما يعمله - اللهم إلا إن كان مكلفا بحراسة ~~- سوى النوم، أو التقاعد ms056 للحديث عن الوطن أو اللعب لقتل الوقت. # ولأول مرة لم يكن سقراط بين المتحدثين، وربما تساءلوا ما دهاه، غير أن أحدا منهم لم يلحظ ~~سببا خاصا حتى قارب النهار أن ينتصف، عندئذ سرت بينهم إشاعة، وأخذ حشد من الجنود ~~المتطلعين يتجمع حول خيمته، وكان سقراط واقفا هناك كما كان منذ الفجر بشهادة الناس، قدماه ~~العاريتان ثابتتان في الأرض، ورداؤه مدلى على كتفه في استرخاء، وعلى وجهه القبيح نظرة ساكنة ~~بعيدة، كأن نفسه كلها قد تركزت فيما كان يفكر فيه. # ولجأ الجند إلى مختلف الحيل لكي يجتذبوا التفاته، فجذبوا رداءه ونادوه باسمه، بيد أنه ~~لم يتحرك أو يتنبه، وبعد فترة من الزمن ملوا انتظار شيء يحدث وتشتتت كثرتهم، وبقيت قلة ~~طيلة العصر قابعة ترقب في انتظار سقراط أن يتنبه. # وكان سقراط في ذلك الحين معروفا لأكثر الأثينيين، وربما شهدوه من قبل مغرقا في التفكير ~~كما يفعل الآن، وإن لم يمتد به التفكير إلى هذا المدى الطويل، وكانت تلك ناحية من غرابة ~~أطواره التي ألفوها، بيد أن إغريق الجزر الملتحقين بالجيش كانوا شديدي الاهتمام، وبعد ~~العشاء أخرج بعضهم حصير نومهم وافترشوه قريبا من موقفه كي يقضوا ليلتهم هناك. # وكانت ليلة هادئة، وبزغت النجوم وأخذت تنتشر تدريجا في السماء، وأخذت الأصوات المضطربة ~~في المعسكر تتلاشى شيئا فشيئا، وشهد المراقبون سقراط كأنه شبح مظلم ساكن، كأنه صخرة أو ~~جذع شجرة يفصل بينهم وبين نجوم السماء، وأخذ الكرى بمعاقد أجفانهم، واستغرقوا في النوم، ~~بينما لبث سقراط واقفا يفكر طول الليل حتى تساقط الندى وتنفس الصباح. # ولما أشرقت الشمس اهتز سقراط، ورأت القلة التي كانت إلى جواره متيقظة ترقبه أنه التفت صوب ~~الشرق، وقد رفع يديه نحو الشمس في صلاة ودعاء، ثم انطلق من مكانه كي يقضي يومه كما ~~اعتاد. # فيم كان يفكر سقراط؟ لم يكن لأحد علم بذلك؛ لأنه لم يخبر به أحدا، وبعد ذلك بفترة طويلة ~~لوحظ أن سقراط كلما تحدث عن حياته كرسالة كلفته بها الآلهة، حلا له أن يقارن نفسه بالجندي ~~الخاضع ms057 لأمر قائده، وربما تم وثوق سقراط من رسالته بينما كان في خدمة الجيش، أو خلال هذا ~~اليوم وتلك الليلة اللذين قضاهما في تفكير هادئ، وربما أحس القربى من الآلهة خاصة في تلك ~~اللحظة التي كان من الطبيعي له فيها أن يؤدي صلاته عند يقظته. # ولم يعتد الأثينيون أن يؤدوا الصلوات في أوقات معينة أو يقدموا التضحيات للشمس، وليس ~~هناك ما يدل على أن سقراط قد فعل ذلك، ولكنا نعلم أنه كان يمقت ظلام الجهل كما كان يحب ~~إدراك الخير إدراكا واضحا جليا، ولما حاول تلميذه أفلاطون، الذي لم يولد بعد حتى ذلك ~~الحين، ولكنه عرف سقراط فيما بعد أكثر مما عرفه أي من أصدقائه الآخرين، لما حاول أفلاطون أن ~~يصور فكرة الخير التي أحبها سقراط وبحث عنها، استخدم لذلك صورة الشمس. # وقد تحدثنا صورة أفلاطون عن سقراط أكثر من أي شيء آخر نستطيع أن نتخيله ~~لأنفسنا. # قال أفلاطون: تخيل كائنات بشرية تعيش في كهف تحت الأرض، وقد عاشت هناك مكبلة في السلاسل ~~محجوبة في الظلام منذ طفولتها، لا تعرف من الضوء إلا ضياء النار الذي يلقي على الجدار الذي ~~يقابلهم ظلالا متحركة، تنفق كل أيامها في مراقبة الظلال، تلاحظ ماذا تشبه وكيف تتحرك، ~~وأبرعها في الحكم على الظلال وفي الحدس أكثرها نيلا للإعجاب. # ولنفرض أن واحدا من هؤلاء السجناء قد تحرر بطريقة ما وتسلل خارج الكهف وشهد ضوء الشمس، ~~لا شك في أن الضوء المفاجئ يعشي بصره، ولربما بدت له الحقائق التي يراها حوله أول الأمر ~~أقل صحة من الظلال التي ألف رؤيتها وكلما اعتادت عيناه ضوء الشمس تدريجا استطاع أن يتلفت ~~حواليه، إنه ينظر إلى صور الرجال في الماء، ثم إلى الرجال أنفسهم، وإلى القمر والنجوم، ~~وأخيرا ينظر إلى الشمس واهبة الحياة والضياء، إنه لا يخشى الضوء بعد ذلك وإنما يعشقه، ولا ~~تبدو له الآن حياة الجهل في الكهف حياة خير. # ماذا يحدث للرجل المتحرر لو عاد إلى الكهف مع السجناء، إن عينيه سوف تظلان مفعمتين ~~بالضياء، ولن يكون ms058 حكما طيبا على الظلال، وسوف يضحك منه السجناء، سوف يقولون: إنه خرج ~~مبصرا وعاد كفيفا، سوف يقولون: إن من الواضح أنه خير للمرء ألا يخرج من الكهف، وسوف ~~يقررون أن كل من يحاول أن يطلق سجينا ويقوده إلى الضياء يجب أن يعدم، أما الرجل ~~الذي شاهد الشمس، فلو أنه دافع عن نفسه في ساحة القضاء أو في أي مكان آخر؛ لكان عمله ~~أمرا غريبا وداعيا للضحك والسخرية؛ لأنه - برغم امتلاء عينيه بالضياء - إنما يتعامل مع ~~الذين لا يعرفون سوى الظلال. # ولما رسم أفلاطون هذه الصورة عن الشمس والكهف، لم يذكر صراحة أنه عنى سقراط بالرجل الذي ~~شهد الشمس، ولم يقل سقراط نفسه إلا أنه كان يبحث عن المعرفة الحقيقية للخير، ولم يقل: إنه ~~وجدها، وما نعرفه على وجه التحقيق هو أن أصدقاء سقراط - شيرفون وأفلاطون وكثيرون غيرهما - ~~قد أحسوا أنه كان أكثر تحررا من ظلام الكهف من أي رجل آخر عرفوه، وأنه كان أقدر على ~~تحرير غيره من أي فرد آخر، وربما كان ذلك النهار وتلك الليلة التي أطال فيها الوقوف ~~متأملا ومفكرا، هو الوقت الذي شهد فيه الشمس بأجلى وضوح: شمس الخير التي كانت بالنسبة ~~إليه وثيقة الصلة بالآلهة. # ونستطيع أن نتصور أن سقراط بعد عودته من حملة الشمال بفترة ما قد أدخل في حياته التحول ~~الذي ظل يفكر فيه سنوات طوالا، فقد كف عن عمله كنحات، ومن الطبيعي أن تنزعج زوجته ~~زانثب، وقد أرغت في ذلك وأزبدت لجيرانها، ولم يكن موقف سقراط مما يدعو إلى اليأس، إذ كان ~~لديه ما أمهرته به زوجته عند قرانها به، كما خلف له أبواه البيت الذي يقطنه ومبلغا ~~يسيرا من المال، وقد حول سقراط هذا المبلغ إلى أقريطون يستغله له، فاستطاع أن يعيش على ~~دخله عيشا بسيطا، غير أن زانثب اعتقدت أن العيش كان يمكن أن يكون أرغد وأكثر ضمانا لو أن ~~زوجها كان بطبيعته عاقلا كغيره من الناس. # وقد لحظ أقريطون شيئا آخر دفع سقراط إلى التفكير، وكان أطول معرفة به ms059 من زانثب، كان ~~سقراط يتأهب لنوع من أنواع النضال، ولم يكن في ذلك شك، وكان أقريطون في زمانه رياضيا، ~~يلمح الدلائل على ذلك، فإن التدريب الذي أخذ سقراط به نفسه قد أثر على مأكله ومشربه ومضجعه، ~~وكما أن العداء يرسم حياته بحيث لا تتدخل هذه الأمور في حذقه العدو، فكذلك كان الأمر مع ~~سقراط، فقد تحاشى النوم الثقيل الذي يعقب الإكثار من الطعام، كما تحاشى النشوة النزقة التي ~~تصاحب الشراب. # ومع ذلك فمن الواضح أن نضاله لم يكن من النوع المألوف، وإن كنت تستطيع أن تلقى سقراط في ~~الملعب في عصر أي يوم من الأيام، إلا أنك تلقاه متحدثا، ولا تلقاه عاديا أو مصارعا، ~~وكان دائما يحب الحديث، ولكنه الآن يتابع حديثه جادا كما يتابع غيره من الناس أعمالهم، ~~فيخرج من بيته عند شروق الشمس، ويقضي النهار في السوق أو الملعب، فما معنى كل هذا؟ # وسر أقريطون لحقيقة لمسها آنذاك، وتلك هي أنه مهما حدث لسقراط الآن فإنه لم يصب بأي ~~ضرر فلا زال يدرك النكتة كما كان، ولم يداخله الغرور، ولو كان هناك خطر من ذلك في أيام ~~حياته العلمية، فقد قضى عليه الآن، واشتد إخلاصه لأصدقائه عن ذي قبل، وكان زميلا طيبا، ~~وقلما تشهد فيه ذلك الغضب المفاجئ الجامح الذي كان ينفجر به فيما مضى من الزمان، وكذلك ~~تخلص من بعض ما كان يساوره من قلق، وفي الحق لقد بدا لأقريطون أن سقراط تحل به أحيانا ~~طمأنينة عجيبة، وكأنه من بين الأثينيين جميعا يعرف إلى أين يسير، وقد أعد نفسه وتأهب ~~للرحيل. # الفصل الثامن # | الرسالة # ولذا ترى سقراط في فترة من فترات كهولته وقد بدأ في أداء الرسالة التي سوف تستغرق بقية ~~حياته، وكانت لديه وسائل عديدة يصف بها طبيعة هذه الرسالة، كان جنديا للآلهة يجب أن يلزم ~~مكانه، وكان شوكة حادة أرسلتها الآلهة لتخز المدينة، وطبيبا يولد أفكار غيره من الناس ~~كما تولد أمه الأطفال، وقال إنه دعا الناس إلى الإدلاء بطريقة عيشهم، وإنه اختبرهم أو ~~فحصهم، ms060 أو إنه «تفلسف» وهو تعبيره عن «ممارسة حب الحكمة». # ومهما ظن في بحثه أول الأمر، فقد بات الآن في جلاء واجبا عاما يؤديه من أجل غيره من ~~الناس كما يؤديه من أجل نفسه، وكان إدراك الخير الذي كان يبحث عنه دائما بعيدا جد البعد ~~عنه، ولكنه أدرك وجوده، كما أدرك أن الأحياء جميعا يجب أن تتجه إليه، أما جيرانه الذين ~~أحبهم فإنهم لم يعموا فقط عما رأى، وإنما يظهر أنهم - كالسجناء في الكهف - قد قنعوا ~~بالعمى وظنوا أنه الإبصار الطبيعي، والواقع أننا لو وضعنا نصب أعيننا تصوير أفلاطون للكهف ~~سهل علينا أن نفهم إحساس سقراط إزاء الحياة الغافلة التي كانت تتصيد الظلال، الحياة التي ~~كان يحياها الناس في مدينته، كما سهل علينا أن نفهم ما كان يحسب أن الآلهة تريد أداءه إزاء ~~ذلك. # كانت أثينا مدينة تتصيد الظلال، ولكنها كانت مع ذلك مدينة عجيبة، مدينة جريئة حرة ~~جليلة، وأحب سقراط أثينا وما كان ليهجرها حتى في عطلة لو استطاع ذلك، وعرف أكثر من أغلب ~~الناس الأشياء الجميلة التي كانت تؤدى في مدينته كل يوم، فالصناع يقومون بالعمل مخلصين بغير ~~رقابة، والأصدقاء يخلصون للأصدقاء، ورجال الأعمال يوفون العهود، والمواطنون في المجلس ~~ينادون بما يظنونه الحق. # وإنما كان سقراط يتوجع لهذا الخير عينه في مدينته؛ لأن كل هذه الأشياء الجميلة كانت تحدث ~~في أكثر الأحيان ولا تحدث دائما، وتحدث بغير إدراك لها، كان الناس يكادون يصطدمون بالخير ~~عفوا، دون أن يعرفوا ماذا هم فاعلون، وربما اصطدموا بالشر في اللحظة التالية، بهذه المعرفة ~~الضئيلة عينها، وأسوأ من هذا كله تقريبا إن أي خير يحصلون عليه لا يستطيعون أن يورثوه ~~أبناءهم، انظر مثلا إلى أبناء بركليز: إنهم لا يفضلون الأبناء العاديين، بل لقد كانوا في ~~الواقع أشد منهم سوءا، فإما أن بركليز لم يأبه بأبنائه، وإما أنه لم يعرف كيف يعلمهم ~~الصفات التي جعلت منه رجلا عظيما. # ووجد سقراط أن المعلمين المحترفين لم يكونوا خيرا من ذلك، فلم يكن لديهم شيء لا تملكه ~~عامة ms061 الناس، سوى مدد كبير من المعارف وتدريب على براعة الحديث، وحتى أكثرهم شهرة بين الناس: ~~السفسطائيون أو «المفكرون الحكماء» الذين زعموا أنهم يبشرون بفن الحياة الخيرة الناجحة، ~~يظهر أنه لم تكن لديهم معرفة حقة بما كانوا يبشرون به. # وتلقى سقراط على أحد السفسطائيين درسا قصيرا لم يكلفه كثيرا، وتحدث إلى أكثرهم، ~~وتخلى عن محاولة التعلم على يديهم، كما تخلى عن محاولة التعلم على أيدي رجال العلم من ~~قبل، وقرر أن الخبراء في الخير ليسوا أولئك الذين يعلمون الخير، إنما هم من يملكونه. # ولذا فحيثما ذهب سقراط كان يبحث عن خبير، وكان يختبر الناس في صيغ الخير نفسها التي كان ~~مفروضا أن يعرفوا أكبر قدر عنها، وكانت تلك ميزة للطرفين، كانت ميزة لسقراط في بحثه عن ~~الإدراك، كما تبين أنها في صالح الخبراء أنفسهم كذلك. # لم يسبق سقراط سائل مثله، ويلذ لنا أن نرى كيف كان يفعل ذلك، خذ لذلك مثلا حديثه مع ~~لاخيس، إن أي حديث لسقراط مما دونه أفلاطون جدير بالتمعن في قراءته، ولكن حديثه مع لاخيس ~~حديث يصلح للبدء به، لم يكن لاخيس رجلا بارعا جدا، وقد تحدث مع سقراط عن لون من ألوان ~~الخير يعرف عنه كل امرئ شيئا ما، وذلك هو الشجاعة. # وكما اعتاد سقراط، اختار الرجل الصحيح ليوجه إليه السؤال، وكان لاخيس قائدا أثينيا ~~معروفا، ولم يكن مجرد سياسي كبعض الآخرين، وإنما كان رجلا يجعل من الحرب عملا له أهميته، ~~ولو كان هناك من الأمور ما يعلمه، فذلك هو القتال، وقد سأله وزميله القائد نسياس بعض ~~الأصدقاء النصيحة بشأن تربية أبنائهم تربية عسكرية، واستدعوا سقراط يستعينون به. # ونزل القواد إلى الملعب مع أصدقائهم وأبناء أصدقائهم لكي يشهدوا عرضا، وكان أحد معلمي ~~القتال بالدرع يقوم بالعرض، ويأمل أن يجتذب إليه بعض التلاميذ الجدد، وراقبه لاخيس ونسياس ~~برهة من الزمن، ثم شرعا يتناقشان إن كان هذا الضرب من التدريب نافعا أو غير نافع في ~~المعركة الحقة. # وظن نسياس أنه نافع، أما لاخيس فلم يكن واثقا من ذلك ms062 مثله، وقال: «بمناسبة الحديث عن ~~العروض، لقد شهدت هذا الرجل عينه يعرض فنه على صورة أخرى من زمان ليس ببعيد، كان واحدا من ~~رجالي، وقد أتى على ظهر السفينة برمح جديد من اختراعه، مقوس كالمنجل، وكان مفروضا أنه ~~يؤدي أعمالا جليلة، ولكي أوجز الكلام أقول: إن رمحه الذي يشبه المنجل اشتبك في حبال سفينة ~~من سفن العدو أثناء قتالنا ونحن مبحرون، فاجتذبه ولم يستطع تخليصه، واضطر إلى أن يعدو على ~~ظهر السفينة خلال مجراها كي يمسك بالمقبض، وأخيرا ألقى عليه أحدهم حجرا سقطت عند قدميه، ~~فترك الرمح وانطلق، وقد ضحك منه الملاحون في كلتا السفينتين، ولم يسعنا غير ذلك، ويا ليتك ~~رأيت الرمح مدلى من الحبال!» وضحك لاخيس من هذه الذكرى، ثم أضاف قائلا: «وإني لجاد حين أشك ~~في أن هذا المعلم بما لديه من مهارات آلية ومن حيل يصلح لمهام الأمور، ماذا ترى يا سقراط؟ ~~بعضهم يؤيده، وبعضهم يعارضه، وعندك الصوت المرجح.» # ولم يكن سقراط يحب أن يتبين الحق من الباطل بعد الأنوف، فأشار قائلا: «ألا تظن أن في ~~أمر هام كتربية أبناء أصدقائك ينبغي لنا أن نبحث عن خبير لنأخذ بمشورته؟» # وبدا هذا الاقتراح مقبولا. # فتساءل سقراط قائلا: «إذن فيم ينبغي أن يكون خبيرنا خبيرا؟» # وأجاب نسياس جوابا معقولا وقال: «ألم نكن الآن نتباحث في أمر القتال بالدروع، وإذا كان ~~من واجب شبابنا أن يتعلمه أو لا يتعلمه؟» # فقال سقراط: «أجل يا نسياس، ولكن أليس هناك أمر آخر ينبغي أن نقرره أولا؟ فإذا سأل المرء ~~مثلا عن وضع دواء في عينيه، فما الذي يهمه في الواقع: الدواء أو العينان؟» # قال نسياس: «العينان طبعا.» ~~- «وعندما يفكر هل يلجم الجواد أو لا يلجمه، فإن الجواد بالتأكيد هو الذي يفكر فيه وليس ~~اللجام، أليس كذلك؟» # فأجاب نسياس: «حقا ما تقول.» ~~- «ألست ترى إذن يا نسياس أن تعلم القتال بالدروع يشبه الدواء كما يشبه اللجام، ليس سوى ~~وسيلة لغاية، إن ما نفكر فيه حقا عندما نتحدث عن ألوان مختلفة من المعرفة هو ms063 الشباب، فإن ~~هذا التدريب سوف يتناول نفوس الشباب أو أرواحهم، إن الطبيب يعرف ما ينفع العين، ومدرب ~~الجياد يعرف ما ينفع الخيل، ولكن من منا يعرف ما ينفع الروح؟ ذلك هو السؤال الحق.» # وضحك نسياس وقال إنه كان يتوقع ذلك من أول الأمر، لقد تحدث مع سقراط من قبل، وكان شديد ~~الرغبة في أن يتعرض للامتحان الذي أدرك اقترابه منه. «ولكن ماذا ترى في ذلك يا لاخيس؟ إني ~~أحذرك!» # وقال لاخيس: إنه ليس بالعادة رجل كلام، اللهم إلا إن عرف أن الرجل الذي يتحدث إليه فعال ~~كما هو قوال، ثم قال: «ولكني كنت مع سقراط ونحن نتقهقر بعدما خسرنا معركة دليم، ولو أن كل ~~امرئ سلك مسلك سقراط لكسبنا المعركة، وإني على استعداد لأن أتلقى الأسئلة في أي يوم من ~~الأيام من رجل كهذا.» # ولذا تلقى لاخيس السؤال الأول، قال له سقراط: «إن الخير كله أوسع من أن نتناوله بالبحث، ~~ولكنا نستطيع أن نتناول منه الجانب الذي يهم في التدريب العسكري، ما هي الشجاعة «عموما» يا ~~لاخيس؟» # وسر لاخيس إذ كان بالشجاعة عليما. ~~- ذلك أمر هين يا سقراط، الرجل الشجاع يلزم مكانه ولا يهرب. # فأجاب سقراط: «حسنا، هذا تعريف جيد للشجاعة كما يراها أحد الجنود المشاة، ولكن ما الرأي ~~في الفرسان الذين يتحركون دائما؟ وأعتقد أن من المناورات المحببة لأهل سيثيا أن يفروا ~~أثناء الصيد إلى الوراء، وماذا ترى في الشجاعة في العواصف البحرية وفي المرض والفقر أو في ~~الحياة السياسية؟ وبعض الناس شجعان عند مواجهة الألم، ولكنهم خائرون حينما تغريهم ملذات ~~الحياة، ما هي الشجاعة «عموما» يا لاخيس؟» # وحاول لاخيس مرة أخرى. ~~- يبدو لي أن الشجاعة ضرب من ضروب احتمال الروح. # وظن سقراط أن هذا التعريف أوسع مما ينبغي، كانت الشجاعة دائما فضيلة، وكانت شيئا ~~حسنا، أليس كذلك؟ وإذن فالاحتمال الذي لا ينطوي على معنى ليس من الشجاعة في شيء، أليس ~~كذلك؟ # ولم يفكر لاخيس في ذلك من قبل. # وقال: «إنما قصدت الاحتمال «الحكيم» وحده.» # فسأله سقراط: «ولكن ماذا ms064 تعني بالاحتمال الحكيم؟» وأورد بعض الأمثلة، قال: «ما الرأي في ~~رجل يحتمل في الحرب ويرغب في القتال، ويقدر تقديرا حكيما، ويعلم أن غيره سيعاونه، وأنه ~~يقاتل ضد رجال أقل عددا ممن يقاتلون إلى جانبه وأشد منهم ضعفا، وأنه أقوى مركزا، هل ~~تقول: إن الرجل الذي يحتمل بهذه الحكمة وهذا الاستعداد أشجع من الرجل الذي يريد أن يقف ~~ثابتا في الجانب الآخر؟» # ولم يشك لاخيس في أن الجندي الذي لم يحسب للمخاطر حسابا أشجع من الآخر. ~~- إذن فالرجل الذي يغطس في بئر ولا يعرف كيف يغطس، أشجع من الغطاس المدرب وإن يكن أشد منه ~~حماقة. # ووافق على ذلك لاخيس مرة أخرى، مع أنه كان يناقض ما ذكره من قبل من ضرورة الحكمة للشجاعة، ~~غير أنه أضحى الآن أكثر اهتماما من ذي قبل، ومن الجلي أن الشجاعة صفة أعظم مما ارتأى من ~~قبل. # وأصر قائلا: «لا زلت أعتقد أني أعرف ما الشجاعة، ولكنها فرت من بين يدي بطريقة ما، ~~ولا أستطيع أن أقبض عليها.» # وجاء دور نسياس في النقاش الآن، وسر لاخيس لكي يرى صديقه في موقف سيئ كما كان هو منذ ~~حين، وزعم سقراط بطبيعة الحال أنه لا يدري من الأمر شيئا. # وأنهى الحديث بقوله: «يحسن بنا أن نلتمس لنا معلما في الحال، فلسنا الآن بالتأكيد خبراء، ~~ولسنا صالحين لإسداء النصح في شئون التربية!» # وقد تحسب أن الحديث لم يؤد إلى غاية، وهكذا كان يبدو عادة، غير أن أصدقاء سقراط سرعان ما ~~تعلموا أن ينتبهوا إلى الأفكار التي ترد أثناء الحديث. # وقد تعلم لاخيس في الواقع الشيء الكثير، وكانت فكرة جديدة عنده أن تتعلق بالشجاعة بأية ~~ناحية سوى الحرب، وأكثر من ذلك جدة أن تكون للشجاعة علاقة بالحكمة، وفي الواقع أن هذه ~~الفكرة - وهي أن المعرفة كالعمل ضرورية للشجاعة الحقة - كانت جد غريبة على لاخيس حتى لقد ~~حيرته كما يبهر الضوء الحبيس عند أول خروجه من الكهف، بيد أنه كان يتجه في تفكيره اتجاها ~~سليما برغم حيرته. # ومشكلة لاخيس التي لا ms065 بد أن يلمسها لو أنه واصل الحديث مع سقراط هي أن الشجاعة عنده ~~كانت محصورة في مجال ضيق لمجرد العادة، عرف لاخيس طريقة معينة للسلوك الصحيح في المعركة، ~~ولكنه لم يعرف المبدأ الذي يجعل سلوك المرء صحيحا في جميع الظروف والحالات، هل هذا الضرب ~~من الشجاعة الذي يمنعه من الفرار من المعركة يمكنه من مقاومة الأسباب الأخرى التي تغري ~~المرء بارتكاب الخطأ؟ ما يغري المرء مثلا بالهروب من المتاعب بالكذب الهين اليسير؟ كيف ~~يمكن للتدريب على شجاعة المعركة أن يعين لاخيس على الوقوف في وجه ذلك؟ # وكانت أفكار لاخيس محدودة من ناحية أخرى، كما تبين عندما قال: إن الشجاع خير دائما، ومع ~~ذلك زعم أن من الشجاعة أن يقفز في البئر غطاس غير مدرب! إنه لم يفكر في أهمية «الغرض»، ~~وإنما اعتاد أن يفكر في عمل بعينه - التقدم وعدم التقهقر - يعده الشجاعة، والخير في ذاته، ~~بيد أن البئر يمكن أن يثب فيها إما حيوان خائف أو رجل شجاع لكي ينقذ طفلا، والغرض أو السبب ~~(لماذا) في قرار الوثب يجعل الأمر خيرا أو شرا، ويقول سقراط: إنه لا يكفي أن يتقدم ~~المرء، إنما يجب أن تتقدم نحو الخير، والموضوع الأساسي لبحث سقراط كان يندفع إلى قمة النقاش ~~عند هذه النقطة، غير أن سقراط لحظ أن لاخيس قد اكتفى بذلك وتخلى عن الموضوع، وكان سقراط ~~يستطيع أن يرد على لاخيس قائلا: «إن الشجاعة هي المعرفة، هي المعرفة التي تكفي المرء أن ~~يختار الخير وينبذ الشر في «كل» حالة من الحالات»، ولكن ما جدوى لاخيس من ذلك لو خبر به، ~~إنه سوف يصل إلى ذلك بنفسه في يوم من الأيام. # ولم يكن لاخيس سوى أحد الخبراء الذين وجه إليهم السؤال في اختصاصهم، وأية صورة جديدة ~~من صور الخير كانت بالنسبة إلى سقراط كالشهد بالنسبة إلى النحلة. # ومر ذات يوم - وقد عاد حديثا من الجيش - بإحدى مدارس المصارعة، وتجمع حوله الناس ~~يتسقطون أنباء المعركة، ثم ظهر كارميدس في أقصى الغرفة، وهو أكثر الشبان أناقة ms066 وشهرة في ~~المدينة في ذلك الحين، ويتناقل عنه الناس أنه جميل في مخبره كما هو جميل في مظهره، طاهر لم ~~يلحقه دنس، وهرع كارميدس للقاء سقراط ، وكان قد نمى إليه أن لدى سقراط علاجا للدوار الذي ~~كان يشكوه، وقبل أن يعرف سقراط ماذا كان يجري جره بشدة إلى بحث في التواضع والسيطرة على ~~النفس. # وعاون ثيتياتوس الشاب، الذي كان يبشر بأنه سيصبح عالما رياضيا عظيما في يوم من ~~الأيام، عاون سقراط على دراسة ما يقصد بالمعرفة، وتساءل سقراط: «هل المعرفة والرؤية ~~والإحساس سواء؟» # وسئل ليسيز ومنكسينس - وهما من زملائه في المدرسة: «ما الصداقة؟ هل هي أن تحب أو أن ~~تحب؟» # أما أوطيفرون - الخبير في شئون الدين - فكان يعبر السوق في طريقه إلى اتهام أبيه الشيخ ~~بالإساءة إلى الآلهة، فالتقى بسقراط وألفاه يتحدث عن التقوى، وأراد سقراط أن يعرف «إن كانت ~~الفعال تعد حقا لأن الآلهة تتطلبها، أم هل تتطلبها الآلهة لأنها حق؟» # وكان هناك قوم آخرون يتساءلون هنا وهناك في أثينا وبخاصة في سني سقراط الأخيرة، وبعضهم ~~ممن استمع إلى سقراط وتعلموا طريقته في السؤال ولكنهم لم يأخذوا عنه الروح والغرض، ومهما ~~يكن من شيء فقد كان ذلك ضربا من ضروب التلاعب يلذ لهم أن يحتذوه، فالمرء يستطيع أن يبرهن ~~بالسؤال على أي أمر تقريبا، لو أنه لم يكترث لتحريف معاني الألفاظ. # فقال السفسطائي ديونيسو دورس - على سبيل المثال - لشاب أثيني، وهما يتحدثان في الملعب: ~~«هل أبرهن لك على أن أباك كلب؟» (وسمع سقراط هذا الحديث وضحك منه، وكان هذا السفسطائي ممن ~~يزعمون التبشير بالخير بطريقة أحسن وأسرع من طريقة أي إنسان آخر على وجه الأرض). # وواصل السفسطائي كلامه قائلا: «هل تقول إن لديك كلبا؟» ~~- أجل، وهو متوحش. ~~- وهل عند الكلب جراء؟ ~~- أجل، وهي شديدة الشبه به. ~~- وهل الكلب أبوهم. ~~- أجل، وأنا من ذلك على ثقة. ~~- أوليس الكلب لك؟ ~~- إنه بالتأكيد لي. # فقال السفسطائي، وقد تلفت حواليه ظافرا: «الكلب إذن أب، وهو لك، وإذن فهو أبوك وأنت أخ ~~للجراء!» # وكان ms067 سقراط يستطيع أن يقوم بهذه الألاعيب لو أراد، كان يستطيع أن يوجه الأسئلة ليتظاهر، ~~كما كان يفعل بعض أصحابه مع أسرهم عند عودتهم إلى بيوتهم للغداء ، بل كان يستطيع أن يقوم ~~بلعبة أخرى أشد من ذلك خطرا كان يؤديها بعض السفسطائيين، إذ كانوا يعلمون تلاميذهم أنهم ~~لن يجدوا الحق مهما بحثوا عنه، وكانت رسالة سقراط تختلف جد الاختلاف عن التلاعب بالسؤال ~~والجواب الذي كان يقوم به غيره، كان يبحث عن أساس متين للحياة، وكان يفعل ذلك من أجل ~~أصدقائه. # وقد أخذ سقراط أمر الصداقة مأخذا جديا، كان له أصدقاء لا تلاميذ؛ ولذلك عنده أهميته، ~~وقد رفض أن يقبل أجرا لما أسماه بعض الناس تعليما منه، برغم استحثاث زانثب له وإصرارها ~~على ذلك، كيف يستطيع أن يعلم وهو إنما يحاول أن يعرف فحسب؟ وفوق ذلك، يستطيع كل امرئ أن ~~يقصده إذا هو لم يتناول أجرا، وكان يريدهم جميعا، ولا يحب أن يستبعد أحدا، ويمكن أن ~~يتبين للشيوخ والشبان والطلاب والمواطنين والأجانب بل وللنساء والعبيد أن في رءوسهم أفكارا ~~طيبة، ويود لو أن كل امرئ في أثينا كان له صديقا لو شاء أن يكون، وكان يحزنه أن بعض ~~الناس - وبخاصة الشيوخ الذين ثبتوا على طرائقهم ولا يريدون لها أن تهتز بعد ذلك - يسيئون ~~إدراك ما كان يفعل. # وأكثر أصدقاء سقراط الذين قصدوه كانوا شبابا في بداية طور النمو، وأحبوا سقراط لأنه كان ~~مثلهم عاشقا للحياة شغوفا بالمعرفة، ورأوا نوعا من الجمال بداخله جعلهم يتمنون أن يكونوا ~~مكانه، وكذلك رأى سقراط فيهم جمالا وقوة، وربما أحسوا هم أنفسهم بذلك، ورأى أنه يمكن لهم ~~أن يسارعوا جريا وراء الفكرة وأن يصارعوا الرأي المتناقض، كما يسارعون في الجري ويصارعون ~~في الملاعب، إنهم لم يتقاعدوا حذرين حينما كان الجدل يدفعهم إلى الأمام، كما عشقوا الخير ~~بمجرد إدراكهم له. # واعتقد سقراط أن الصداقة حق، وأن من أثمن ما في هذه الدنيا: أن يرى الناس جمال الخير في ~~دخائل أنفسهم وأن يهيموا به حبا، إن الناس الذين يتصادقون ms068 لهذا، ولا يتصادقون لأن كلا ~~منهم يعشق ملامح الآخر، إنما يترابطون لإنماء الخير في أنفسهم وفي نفوس الآخرين؛ لأن الصديق ~~يحب الخير لصديقه كما يحبه لنفسه ، كما ينمي في نفسه ما يحبه الصديق، إن الآراء الجميلة ~~والصفات الطيبة إنما تتولد من هذا اللون من الصداقة، والأصدقاء الذين يبدءون بحب الخير ~~لأصدقائهم يرون كذلك الخير ويحبونه حيثما يكون. # قال سقراط مرة: «إنني أكتسب من الأصدقاء الطيبين متعة لا يكتسبها غيري من الجياد المطهمة ~~أو الكلاب الجيدة أو ديوك القتال، وإذا كان لدي شيء من الخير علمته أصدقائي، ووضعتهم مع ~~غيرهم ممن يكتسبون منهم جانبا من الخير فيما أحسب.» # ومن الجلي أن زمرة الأصدقاء كانت لسقراط البيئة الصحيحة الطبيعية التي يواصل فيها بحثه في ~~طبيعة الخير، وفي الحق لقد بلغ البحث إلى حد ما عند سقراط هذا المبلغ؛ لأنه لم يكن أولا ~~معلما أو مناظرا وإنما كان صديقا، وللكلمات وقع مختلف حينما تصدر من صديق، وروح ما يقال ~~وما لا يقال كانت تثب من فرد إلى آخر كما تشتعل النار من النار، وتذكر أصدقاء سقراط صداقته ~~بقدر ما تذكروا قوله، ولما دون أفلاطون ما ذكر من أحاديث أستاذه كان لا بد له أن يصوغه ~~في ملابساته الودية: في الملعب أو السوق أو حفل العشاء أو في نزهة ريفية. # الفصل التاسع # | ألقبيادس # لو استثنينا أفلاطون الذي جاء إلى سقراط متأخرا كان أشهر أصدقائه ألقبيادس، حارس بركليز ~~ومدلل أثينا العجيب إلى أهلها، ولم يخبرنا أحد كيف تقابلا أو ماذا قال أحدهما للآخر، ولكنا ~~نستطيع الحدس مما نعرفه عن كليهما. # ويجب أن نعود بضع سنوات إلى الوقت الذي كان سقراط فيه في أوائل عقده الرابع، لا يزال ~~مشتغلا بالنحت في الأغلب، ولكن عقله قد أخذ يتنبه إلى بحوثه، وكان معبد أثينا أو البارثنون ~~يسير في البناء منذ عشر سنوات، وكان الإفريز الطويل بما يحمل من جياد وثابة وآلهة متعالية ~~حديث عهد بالنحت حول سور المعبد، وتمثال الآلهة الذهبي العاجي يقف بالداخل وقد تم تدشينه ~~من ms069 قبل، ولم يبق ناقصا سوى أطراف السقف الهرمي، وأعمال النحت الحجري الدقيق كانت تنتظر ~~أيدي أكبر النحاتين في المدينة، وقد انتقل النحاتون من أمثال سقراط من قبل إلى العمل ببوابة ~~الأكروبول الرسمية إلى بروبيليا، التي بدأ بناؤها منذ وقت قريب عند حافة التل ~~الغربية. # وقد ألفت يد سقراط الآن المطرقة والأزميل، فكان يستطيع - وهو يؤدي عمله - أن يرقب ضجيج ~~البناء الجديد كله، جماعات الرقيق وهي ترفع الكتب الرخامية، والنجارين وهم يقيمون الهياكل ~~الخشبية، والنحاتين وهم منكبون على الرصف أو التأسيس، فتمكن من رؤية صبي يتسلق منحدرا ~~حادا، يتلمس طريقه وسط جماعات العمال، متجاهلا - لسبب عرفه سقراط فيما بعد - عبدا كان ~~يتبعه على مسافة كبيرة منه، وكان للصبي وجه صبوح، يسير وكأنه يعلم أن الناس يشخصون ~~بأبصارهم إليه، وقد تقدم إلى سقراط ونظر إليه فاحصا دون اضطراب. # قال الصبي: «أهلا.» # وأجابه سقراط في أدب: «أهلا وسهلا» ثم استمر في عمله، وحاول الصبي مرة أخرى. # وقال وعلى فمه ابتسامة حلوة أشرقت على وجهه كله: «أنت تعرف من أنا، أليس كذلك؟ أنا ~~ألقبيادس.» # وأومأ سقراط برأسه ثم تناول أزميلا آخر. # وواصل الصبي حديثه قائلا: «أنت سقراط الحكيم أليس كذلك؟ كان بركليز يتحدث عنك في الليلة ~~الماضية، وليس مفروضا أن أمثل هنا ساعة الغداء بطبيعة الحال، ولكن ها أنا ذا قد أتيت، إنهم ~~لا يستطيعون الوقوف في سبيلي إن أنا أردت ذلك.» وكف عن الكلام فجأة، ثم تناول حجرا، ~~وشخص سقراط ببصره إلى أعلى، واستمع إلى عويل، ثم رأى رأس شيخ تختفي خلف كتلة من المرمر، ~~إذ إن الحجر قد أصابه في أذنه. # ووضح ألقبيادس الموقف مسرورا، وقال: «هذا زوبيرس إنه من عبيدي، وقد اختاره بركليز ليكون ~~مربيا لي ولكي يتابعني حيثما ذهبت، ولست أريد أن يتابعني أحد من العبيد.» # وسأله سقراط في شغف إلى المعرفة: «وكيف عرفت أنه من العبيد؟» # فنظر إليه ألقبيادس في دهشة وقال: «لأن بركليز أعطاه إياي، إنه يفعل ما آمره به أو ما ~~يأمره به بركليز، وهو لا يستطيع ms070 أن يقوم بالعمل الذي يريده لنفسه.» # وتلفت سقراط وجابه ألقبيادس لأول مرة وقال: «وإذن فكيف تعرف «أنك» لست عبدا؟» أما ~~زوبيرس فقد قبع في مخبئه وكادت أنفاسه أن تتقطع، ولسبب ما لم ينفجر ألقبيادس غاضبا، ~~وحدق في سقراط وقال متثاقلا: ~~«إنك تعرف أنني ابن كلينياس ودينوماك، وقد فاز عم أبي بجائزة الشجاعة في القتال البحري ضد ~~الفرس، ومات أبي وهو يقود رجاله عند كورنيا، وأمي ابنة عم بركليز، وأنا أقيم في بيت بركليز، ~~فكيف أكون عبدا؟ ولكنك لم تقصد ذلك.» # قال سقراط: «كلا، لم أقصد ذلك.» # وفكر ألقبيادس برهة ثم قال: «أنت تعني أن العبد هو من لا يستطيع أن يفعل ما يريد، وأنت ~~تسألني إن كنت عبدا بهذا المعنى؟» # فأومأ سقراط برأسه. # فضحك ألقبيادس وقال: «ذلك أمر هين، لقد شهدتني أضرب زوبيرس، إني أفعل ذلك كلما أردت، وإني ~~أقوم بكل ما أريد في أي وقت، ولا أقوم بشيء غير ما أريد.» # قال سقراط: «إني لأعجب.» # وأجاب ألقبيادس: «نعم، هذا عين الحق، سل زوبيرس إني أحيانا أعتقد أني أكثر الناس حرية في ~~أثينا، إذ إن بركليز نفسه عليه أن يتلقى الأمر من المجلس، ولكني أفعل ما أشاء، كنت أعلم ~~كلينياس - وهو أخي كما تعرف - أن يفعل كذلك ما يشاء عندما أبعدوه، وقال بركليز: إن لي على ~~كلينياس أثرا سيئا، ولكني لا أعتقد ذلك، إنما كنت أعلمه كيف يعيش، ولما ابتعد دبرت ~~إضرابا ناجحا جدا ضد دروس المزمار في المدرسة، وربما ترامى إليك ذلك، وأخيرا استسلم لي ~~المعلمون، أجل، إني لأعمل ما أشاء.» # ولم يبد على سقراط أنه تأثر بما سمع، وعاد إلى عمله قليلا، ثم قال: إني لأعجب إذا كنت ~~تفعل ما تريد «حقا» يا ألقبيادس، خذ مثلا هذا الأمر اليسير، أمر إلقاء الحجارة، هب أني ~~ذهبت إلى بركليز وقلت له: «إن ألقبيادس لا يريد يا بركليز أن يكون في الفرسان، كما رسم ~~ورسمت معه، إنه يحب أن يخدم مع الفرق الأجنبية ويستعمل المقلاع؛ لأن إلقاء الحجارة هو ما ~~يحب ms071 أن يقوم به، فهل توافقني لو أنا قلت له ذلك؟» # فقال ألقبيادس: «بالطبع لا أوافقك، إنني لا أريد أن ألقي الحجارة فحسب، إنني ألقي الحجارة ~~على زوبيرس؛ لأنني أريد شيئا آخر، أريد أن أظهر لزوبيرس أنني خير منه.» # فرد سقراط قائلا: «فهمت، ولكن فيم تفضله؟» # ولم يفهم ألقبيادس ما أراد سقراط. # فقال سقراط: «دعني أقدم إليك بعض الأمثلة، ألسنا نقول: إن صانعا من صناع الأحذية يفضل ~~الآخر؟» ~~- «أجل.» ~~- «فيم يفضله؟» ~~- «في صناعة الأحذية بالتأكيد.» ~~- «وإن ملاحا يفضل الآخر في توجيه السفينة، وإن خبازا يفضل الآخر في عمل ~~الخبز.» # قال ألقبيادس: «بالتأكيد، ولكن ما شأن ذلك بي؛ لست خبازا.» # واستمر سقراط يقول: «وإن رامي حجارة يفضل الآخر في رمي الحجارة، ولكنك بالتأكيد لا تعني ~~أن تقول: إنك تتبارى مع زوبيرس في رمي الحجارة، وإنك تريد أن تدل على أنك خير منه في إلقاء ~~الحجارة!» # فأجاب ألقبيادس وقد ضرب الأرض بقدميه: «إنك تعرف حق ~~المعرفة أنني لا أعني يا سقراط بلفظة «أفضل» الأفضلية في عمل الخبز أو صناعة الأحذية أو أية ~~مهنة من مهن الرقيق، بل ولا أعني الأفضلية في إلقاء الحجارة، إنما أعني أنني أفضله كرجل ولا ~~شك!» # وأشرق وجه سقراط القبيح كأنه عثر على كنز غير منظور، وألقى مطرقته ومد يده وقال في صيغة ~~الجد: ~~«ينبغي لي ولك يا ألقبيادس يا ابن كلينياس أن نكون أصدقاء، إن الخير الذي يجعل الرجل أفضل ~~من غيره «كرجل» هو ما يريده كلانا، وإن أنت وافقتني - ورغبت في ذلك - بحثنا معا عنه حتى ~~نلقاه»، ثم عاد إلى عمله، وافتر ثغره عن ابتسامة ماكرة تجعدت منها أركان عينيه وقال: «أشك ~~في أننا سوف نجده بإلقاء الحجارة!» # ولما رأى الناس ألقبيادس يطوف مع سقراط بعد هذا - يتبعه في الملعب، ويدعوه للغداء - ضحكوا ~~وقالوا: إن ألقبيادس يتعلم طريقة جديدة يظهر بها نفسه، وحسبوا أن التلاعب بالسؤال والجواب ~~لن يلبث معه طويلا، ولكنهم أخطئوا فيما حسبوا. # وكان ألقبيادس يقصد سقراط لأول الأمر؛ لأنه كان شغوفا بالمعرفة، ثم انصرف ms072 عنه ليحاكيه، ~~وحاكاه في النظرة الجانبية من العينين الجاحظتين وفي مشية البجعة وفي الحديث عن الخبازين ~~والملاحين وصانعي الأحذية، واختنق أصحابه من الضحك وقالوا: إن ألقبيادس لم يكن من قبل ~~أكثر من ذلك مدعاة للسخرية، غير أن شيئا آخر بدأ يحدث لألقبيادس منذ ذلك اللقاء الأول، ~~شيئا لم يتوقعه، ولم يكن يدركه في ذلك لحين. # إن ألقبيادس لم يتخلف في أمر من الأمور قط في حياته: منذ طفولته حينما فقد أباه وتعلم أن ~~يكيف حياته بغير بيت حقيقي، ومهما حدث - إذا لم يكن ألقبيادس هو البادئ فيه - كان يعرف كيف ~~يشق طريقه ويأخذ مكان الصدارة فيه، كان غنيا وكان أنيقا ومحببا إلى الناس، وكان يهمه أن ~~يكون أكثر من يتحدث الناس عنه في المدينة من الشبان، وظن أنه يعرف كل ما يستحق المعرفة، ~~وأنه يعمل كل ما يستحق العمل حتى التقى بسقراط. # وكان عند سقراط سر من الأسرار، وأحس ذلك ألقبيادس منذ البداية، وشرع في الكشف عنه، وكأن ~~سقراط كان يعيش في مدينة أخرى، كل ما يملك ألقبيادس وكل ما يقيم له وزنا لا يساوي فيها ~~شيئا، وكان سقراط يطوف بشوارع أثينا، يحيا حياتها في عزم وقوة كما يحياها أي إنسان، يتفكه ~~ويداعب ويستمتع، ويتعرف إلى اسم كل من فيها، شغوفا بكل أخبارها وأبنائها، في حين أنه كان ~~خلال ذلك كله يسكن مدينته الأخرى. # ولما تحدث ألقبيادس إلى سقراط رأى في المدينة التي كان يعيش فيها الرجل لمحات غريبة ~~أخاذة أوضح مما رأى غيره من الناس، كان المرء في مدينة سقراط حرا، كان حرا بمعنى جديد ~~لم يدركه ألقبيادس من قبل، كان حرا في أن يعمل كل شيء في اتجاه واحد واضح، لا تتجاذبه ~~مئات الاتجاهات من الدوافع والمخاوف والمكاره، وكأنها مائة أستاذ مختف يجذبونه في هذه ~~الناحية وفي تلك، وبمقياس مدينة سقراط وجد ألقبيادس نفسه عبدا. # كل شيء آخر كان مقلوب الوضع في مدينة سقراط، وربما كانت مدينة سقراط صحيحة الوضع، وغيرها ~~من مدائن الناس مقلوبا، وما ألف ألقبيادس ms073 أن يلقى في أثينا من استحسان وإعجاب، يحسهما ~~على كتفيه كالرداء الأرجواني، انكمش حتى تلاشى في الجو الثاقب الذي كان يسود مدينة سقراط، ~~وحتى جسم الرياضي لم يشاهد هناك، ووقف ألقبيادس في روح عارية ضعيفة صغيرة عندما نظر إليه ~~سقراط وأحس بالبرودة؛ لأن المواطنين في مدينة سقراط كانوا يرتدون ثيابا أخرى كالحق ~~والاستقامة، لا تقليد الحق والاستقامة الذي كان يسود أثينا، ذلك الثوب الكئيب الضيق الذي ~~يخجل المرء أن يرتديه أمام الجمهور، وللحق والاستقامة في مدينة سقراط كل ما للشر في مدائن ~~الناس الأخرى من قوة وحرية. # وكم كان ألقبيادس يود أن ينتمي إلى مدينة سقراط، وكان يعرف أن سقراط يسره أن ينضم إليه، ~~إلا أنه كانت عليه ضريبة لا بد أن يؤديها قبل أن يدخل المدينة، وكان في ذلك برهان آخر ~~على غرابة المدينة، فلقد كان ألقبيادس غنيا، وكان سقراط فقيرا، ومع ذلك فإن ضريبة الدخول ~~في مدينة سقراط كادت أن تربو على ما يستطيع ألقبيادس أن يؤديه، وأسوأ من ذلك أنه بدا ~~لألقبيادس كأن الإقامة في المدينة تقتضيه أن يدفع الثمن عدة مرات حتى يصبح بالنسبة إليه لا ~~شيء كما هو لسقراط. # وقل في أثينا من كان يدرك شيئا مما كان يجري بين سقراط وألقبيادس، وما كان يجري بين ~~ألقبيادس ونفسه، إنهم كانوا يلمسون ما كان يحدث في الظاهر تماما، يشهدونهما متلازمين في ~~أغلب الأحيان حتى باتت صداقتهما الوثيقة حديث العامة، ثم أصبحت أمرا مألوفا، كما كانوا ~~يشهدون ألقبيادس في الوقت ذاته يتطور من طفل مدلل إلى شاب مندفع خطر، وقد أعجبوا بذكاء ~~ألقبيادس في ذلك الحين ودللوه من أجلها، وحملوا سقراط فيما بعد تبعة الضرر. # تلك كانت أعنف ما عقد سقراط من صداقات وأكثرها إثارة للمشاعر، وهي دليل على مقدار ما رأى ~~في ألقبيادس من مكانة حتى آثر أن يتريث وأن يصبر، فإن ألقبيادس سوف يتبع سقراط في لحظة من ~~اللحظات كما يتبعه الكلب المربوط بالحبال، وفي لحظة أخرى سوف ينطلق في مغامرة وحشية فينطق ~~أثينا كلها ms074 بالكلام، وكان سقراط ومدينته في ذهنه شيئا واحدا، فإذا فر من أحدهما فر من ~~الآخر. # وأذكر على سبيل المثال أنه ذاع بين الناس ذات يوم أن ألقبيادس قد سار نحو هبونكس - ذلك ~~الرجل الصلب الواسع الثراء، الذي تزوج من ابنته فيما بعد - وصفعه على وجهه، أتدرون لماذا؟ ~~«أوه، إنكم تعرفون ألقبيادس، ربما كان رهانا أو كان مزاحا!» وذاعت عنه في اليوم التالي ~~قصة أخرى أشد من ذلك رعبا، فلقد تقدم ألقبيادس بالاعتذار فعلا. # وعفا عنه هبونكس بطبيعة الحال، وكان الناس دائما يعفون عن ألقبيادس بقلوبهم، وإن كانوا ~~قد تعلموا ألا يثقوا فيه بعقولهم، وعفا عنه أيضا صديق آخر من أصدقائه يدعى أنتيس، وذلك ~~عندما سطا ألقبيادس على منزله وانتشل نصف ما أعده أنيتس لحفل من الأطباق الموشاة بالذهب ~~والفضة، وقال أنيتس لضيوفه: «نستطيع أن نشكره؛ لأنه ترك لنا نصف الأطباق.» # وظن الناس أن هذه قصة مثيرة سارة، وأرادوا أن يعرفوا كيف أغلق على المصور أجاثاركس بيته ~~حتى غطى جدران البيت كلها بالصور، وكيف حمل زوجه على كتفه وعاد بها إلى بيته، وذلك عندما ~~ذهبت إلى المحكمة تطلب الطلاق منه كما استحق، وربما كان سقراط وحده في المدينة كلها هو ~~الرجل الذي راقب ألقبيادس دون أدنى إعجاب خاص بخروجه على القانون، وكان ذلك مما يدعو إلى ~~الحسرة؛ لأن ألقبيادس كان سريع الإدراك لما يعجب به الناس، سريع الأداء له، ولو أن أحدا ~~غير ألقبيادس نفسه كان يحمل وزر الضرر فيما بعد، فذلكم هم أهل أثينا الذين ظنوا أن شيئا من ~~فعل الشر يثير المشاعر ويجذب الأنظار. # ولما صحب ألقبيادس سقراط استطاع أن يقوم بعمل غير هذا، وقد قضيا خير أوقاتهما في حملة ~~بوتديا، وكان ذلك أول عهد ألقبيادس بالقتال، وقد أذهل أصدقاءه بخدمته في سلاح المشاة، إذ إن ~~كل الشباب من طبقته وثرائه كانت لهم الجياد، وتدربوا لسلاح الفرسان بطبيعة الحال، وقد صار ~~ألقبيادس نفسه من ضباط الفرسان فيما بعد، ولكنه الآن كان يخدم في المشاة ويقاسم سقراط ~~خيمته، والظاهر أنه ms075 تخلى عن كبريائه لكي يصحب زميله. # وفي هذه الحملة رفع ألقبيادس سمعته كجندي، وقد وقع عليه الاختيار من بين صفوف الجيش كله ~~لكي يتسلم جائزة الشجاعة ، ولو أنه أصر على أنها من حق سقراط الذي وقف إلى جواره وأنقذه ~~عندما أصيب بالجراح، وكانت الجائزة شرفا عظيما، وكانت أثينا لا تزال تذكر قريبا له لشيء ~~مثل هذا يعود إلى حروب الفرس، ومما زاد من دهشة الناس الذين عرفوا ألقبيادس في وطنه الطريقة ~~التي سلكها في الخضوع لنظم الجيش، فقد كان يسير ويجوع ويقاسي زمهرير البرد ويقف في حراسته ~~كغيره من الجند، دون أن يكون في ذلك متكلفا ودون أن يتوقع الجزاء، وربما كان يعرف ما يدعو ~~إلى الإعجاب في الجيش، أو ربما استطاع أن يأخذ نفسه بالطاعة بمعونة سقراط. # وهكذا قضى ألقبيادس وسقراط عامهما معا، وكان ذلك هو الوقت الذي توثقت بينهما فيه الصداقة ~~إلى أقصى حدودها، ولما تصرم العام عادا إلى أثينا، حيث يمارس سقراط عمله العام مطيعا في ~~ذلك ربه، وحيث يرتد ألقبيادس إلى السياسة، وبرغم سمعة ألقبيادس الطيبة في الجيش، فإن الفارق ~~بينهما الآن أمسى أكبر من أي عهد مضى، ولما عاد ألقبيادس إلى السياسة بدأ يتأكد بينه وبين ~~نفسه مما كان يتوقعه طوال الوقت الماضي، وذلك أنه لن ينتسب إلى مدينة سقراط، غير أنه ما لبث ~~يحبها كلما أدركها خلال صديقه، أما عن نفسه فإنه في الواقع لم يرد أن يدفع الثمن. # وبعد نحو خمسة عشر عاما - كما يحدثنا أفلاطون - أقيم في أثينا بمنزل الشاعر أجاثون حفل ~~عشاء كبير، وكان أجاثون قد ظفر من عهد قريب بجائزة على أولى مسرحياته، وأقام العشاء ~~احتفالا بفوزه، وكان الحافلون من الممتازين، من بينهم: أرستوفان كاتب المسرحيات الهزلية، ~~وأرستوديمس صديق سقراط، الذي روى القصة فيما بعد وسقراط ذاته، ولم يدع للحفل ألقبيادس، وكان ~~قائدا في الجيش وسياسيا متزعما، ولم يكن عنده أقل من سبع مجموعات من خيل السباق، كل ~~مجموعة منها تتألف من أربعة جياد، يدربها للألعاب الأولمبية القادمة، غير أنه ms076 تحاشى ~~الالتقاء بسقراط. # ولم يغن الضيوف أو يلعبوا أو يشهدوا العبيد في تمثيلهم بعد حفل العشاء عند أجاثون، كما لو ~~فعلوا في منزل آخر، إنما كانت تلك وليمة لرجال الأدب والمفكرين، فانصرف لاعبو المزامير ودار ~~بين المجتمعين حديث رفيع، وكان الحب موضوع المساء، وألقى كل منهم حديثه بشأنه، فكها كان ~~أو علميا أو شاعريا وفقا لمهنته وأسلوبه في التفكير. # ولم يكد سقراط ينتهي من حديثه عن الحب كما عرفه - الحب بين الأصدقاء الذي يؤدي كدرجات ~~السلم إلى نظرات جديدة في الخير - حتى سمع فجأة صوت المزامير وقرع شديد على الباب، وبعث ~~أجاثون بالعبيد للاستطلاع، وبعد برهة كان صوت ألقبيادس مسموعا في الفناء، وكان ثملا جدا ~~وأخذ يصيح قائلا: «أين أجاثون؟ خذوني إليه!» وأخيرا تمكن من التماس الطريق إلى الداخل ~~ومعه فتاة تعزف على المزمار وبعض الرفاق يساندونه. # وكان قادما لتوه من حفل آخر، ودخل مدخلا بارعا، حيث ظهر عند الباب متأبطا الفتاة ~~العازفة على المزمار، ويتحوطه رجاله جميعا، ورأسه متوج بإكليل ضخم من اللبلاب وزهر ~~البنفسج والشرطان. # وقال: «عموا مساء أيها الخلان، هلا سمحتم لرجل ثمل جدا أن ينضم إلى حفلكم؟ أم هل ~~أكتفي بتتويج أجاثون بهذه الأشرطة كما اعتزمت ثم أنصرف؟» # وصاح الضيوف جميعا يطلبون إليه البقاء، وقد سر أجاثون لدعوته، فقاده رجاله إلى الداخل ~~وأجلسوه بين أجاثون وسقراط. # وصاح أجاثون بخدمه قائلا لهم: «اخلعوا نعليه، وأريحوه هنا فوق الأريكة بيننا.» # ورد ألقبيادس قائلا: «أجل، حقا، ولكن من هذا الرجل الآخر؟» وقد شغله تتويج أجاثون ~~بالأشرطة عن الملاحظة، ولما تلفت ووقعت عيناه على سقراط هب مذعورا. # وقال: «أسقراط هنا وحق هرقل! إنها حيلته القديمة، يرقد في انتظاري في مكان هو أبعد ما ~~أتوقع وجوده فيه، أعد إلي بعض أشرطتك يا أجاثون، يجب أن أتوج هذا الرأس العجيب لهذا ~~الرجل، الذي لم ينتصر مرة - كما أنتم الآن - وإنما هو في نصر دائم.» ونزع بعض الأشرطة من ~~رأس أجاثون ووضعها في وقار على رأس سقراط. # وواصل حديثه قائلا: «كنتم أيها القوم ms077 تتبادلون الحديث في الثناء على الحب، وأنا ثمل إلى ~~حد لا يمكنني من ذلك، ولكني أستطيع أن أثني على سقراط.» # وسأله سقراط قائلا: «ماذا تحاول أن تفعل؟ أتهزأ بي؟» # وأجابه ألقبيادس متشاجرا: «الزم الصمت، لن أثني على أحد آخر ما دمت في هذا المكان، وسوف ~~أقول الصدق لو سمحت لي.» # فقال سقراط: «إنما الحق هو ما أريدك أن تقول.» # وأجاب ألقبيادس: «وإذن فلأبدأ، هل رأيتم تلك الأشكال الممسوخة، التي نصفها إنسان، ونصفها ~~الآخر حيوان، التي تباع في محلات التجارة؟ أقصد ذلك النوع الذي يصنع على شكل صندوق؛ مسخ ~~قبيح عجوز يضرب على المزمار من الخارج، وتماثيل جميلة صغيرة للآلهة من الداخل عندما تفتح ~~الصندوق، إن سقراط شبيه بذلك، إلا أنه لا يحتاج إلى مزمار لكي يسحر العالم، ففي كلماته ~~الكفاية.» # وقطب ألقبيادس جبينه وتكلم بجهد كأنه يحاول أن يجمع شتات أفكاره، ولم يكن متحدثا طلق ~~اللسان حتى في أحسن حالاته. # واستمر يقول: «إني أحاول أن أكون في وعيي وأنا أذكر ذلك، ولو أني تكلمت كما أحب عما ~~تفعله بي كلمات سقراط، قلتم: إني فاقد الوعي من الشراب، إن كلماته تثير فؤادي، وتدفعني إلى ~~الرغبة في الصياح. # إنه إحساس عجيب، وقد كان بركليز خطيبا مصقعا، ولكنه لم يفعل بي مثل ذلك قط، لم يجعلني ~~أسخط على نفسي لأني أعيش عيشة العبد، أو أخجل، أجل، أخجل! وهل تظنون أنني كنت أعرف ما ~~الخجل؟ إن سقراط يجعلني أخجل، وهو وحده الذي استطاع ذلك. # إن ما يقوله حق بالطبع، ولا أستطيع إجابته، ولكنه لا يكاد يختفي عن ناظري حتى يغلبني حب ~~الثناء؛ ولذا فإني أفر وأهرب، وعندما أراه مرة أخرى أشعر بالخجل كما ترونني هذا المساء، كم ~~وددت لو مات، ومع ذلك فلو أنه مات لازددت بؤسا، لست أدري ماذا أفعل بهذا الرجل.» # واستلقى ألقبيادس على الأريكة بين سقراط وأجاثون، يتفوه بألفاظ ما كان ليتفوه بها نهارا، ~~وعيناه بالدمع مبتلتان، ويتدلى على جبهته في سخف شديد إكليل ثقيل من اللبلاب والبنفسج، وأخذ ~~يتحدث كيف ms078 اقتفى أثر سقراط كي يتعلم سره، وعن العام الذي قضياه معا في بوتديا، ولكنه كان ~~يعود دائما إلى القوة العجيبة التي كانت تكمن في كلمات سقراط . # ثم قال: «إن كلماته قبيحة كذلك مثل الصندوق الممسوخ، هي كلمات عن الحدادين وصانعي الأحذية ~~والصباغين، حتى إن الرجل الذي يجهلها قد يضحك منها، غير أنك لو فتحت الصندوق وجدت أنه ليست ~~هناك كلمات أخرى لها معنى، إن كلماته مليئة بصور الخير، وهي كلمات ضخمة - ضخمة ضخامة الحياة ~~بأسرها.» # وختم حديثه قائلا: «والآن، هذا هو ثنائي على سقراط ولست وحدي الرجل الذي عانى من جرائه، ~~خذ حذرك يا أجاثون وإلا وقعت أيضا في حباله.» # وأعقب ذلك كثير من الضحك والدعابة، وبعد لحظة وجد بعض الماجنين في الطريق إلى الداخل، ~~واضطرب نظام الوليمة وانحل عقدها، ولم يبق سوى سقراط مع أجاثون كاتب المآسي وأرستوفان كاتب ~~المسرحيات الهزلية يتحدثون حتى مطلع الفجر، أما أرستوديمس الذي روى القصة فيما بعد فقد ~~أخذته سنة من النوم خلال أكثرها، ولكنه ذكر أن سقراط قد أرغم الزميلين الآخرين على الاعتراف ~~بأن المسرحية الهزلية والمأساة يتماثلان في أساسهما، وأن الشاعر التراجيدي يجب أن يكون ~~شاعرا كوميديا كذلك، ولم يستطيعا أن يتابعاه تماما؛ لأن رأسيهما أخذا يميلان، وأخيرا ~~استغرقا في النوم: أرستوفان أولا، ثم أجاثون عند منبثق النهار، ثم نهض سقراط وهم ~~بالانصراف يتبعه أرستوديمس، وقصدا الملعب حيث اغتسل سقراط وقضى نهاره كما ألف، وفي المساء ~~ذهب إلى بيته كي ينام في داره. # هذه هي نهاية قصة أفلاطون، وبعد عام اتهم ألقبيادس بمحاكاة «ألغاز اليوسس»، وهي أقدس ~~الشعائر الدينية التي عرفها الأثينيون وأكثرها غموضا، وقد أوشك ألقبيادس أن يفقد حياته من ~~أجلها، كان يعمل كقائد حربي في صقلية في ذلك الحين، ولم يجرؤ أن يعود إلى الوطن ويقف أمام ~~المحاكمة، وفر إلى الأعداء، ولما وقع الجيش الأثيني في الفخ وهو يتقهقر في صقلية فيما ~~بعد، وقتل ألوف الشبان من الأثينيين أو ماتوا في السجون، كان لنصح ألقبيادس الإسبرطيين شأن ~~كبير بذلك، ولما ms079 تطلع الأثينيون من فوق أسوارهم لكي يشهدوا الغزاة الإسبرطيين وهم قادمون ~~على ظهور الجياد من معسكرهم في حصن دسليا عند الحدود، عرفوا مرة أخرى أن على نصح ألقبيادس ~~تعود اللائمة. # وعفا عنه الأثينيون كما كانوا يعفون عنه دائما، وقضى بعد ذلك أربعة أشهر في أثينا، ثم ~~عاد إلى الخدمة في صفوف الأثينيين، وفاز ببعض الانتصارات الباهرة، غير أن كل تألقه تلاشى في ~~النهاية؛ لأنه فقد ثقة القوم فيه، ولما هزم أسطوله في المعركة، ظن الأثينيون أنه تعمد ~~الهزيمة. # ولذا قضى ألقبيادس نهاية الحرب منفيا في تراقية البربرية، وجلس على الشاطئ وشهد الأسطول ~~الأثيني وهو يتحطم دون أن يستطيع حراكا، ثم حاول أن يفر للاحتماء في بلاد الفرس، وقبض ~~عليه وقتل في الطريق، ومات دون صديق، ولم يخلف بعده شيئا سوى قصة القدرات ~~المضيعة. # كان عبدا يمكن أن يتطور إلى رجل حر عظيم، لو اختار أن يكون حرا. # الفصل العاشر # | الحرب العظمى # إن السنوات التي جعلت من ألقبيادس بطلا فاشلا، السنوات التي كان ينمو فيها أفلاطون ~~ويقوم فيها سقراط بأداء الرسالة التي تلقاها من الآلهة، كانت سنوات الحرب العظمى مع إسبرطة، ~~وكان سقراط في نحو التاسعة والثلاثين من عمره عندما نشبت الحرب، وكان في نحو السادسة ~~والستين من عمره عندما انتهت. # وكان الجيش الأثيني يخرج تباعا كل صيف، كما يبحر الأسطول إلى الأصقاع النائية، وخدم ~~سقراط نفسه في حملتين عرفناهما، وليس من شك في أنه خدم في كثير غيرهما، ولا بد أن تكون ~~زانثب قد أنزلت خوذته البرنزية وصداره الحديدي من الصندوق الذي أودعا فيه بحجرة النوم، كما ~~خلعت الدرع والرمح من جدار حجرة الجلوس، وربما كانت مشابك الصدار الحديدي بحاجة إلى ربط، ~~وهل تتحرك المقابض عند الكتفين في يسر يا ترى؟ ويجب أن يذكر شارة الشرف المصنوعة من شعر ~~الخيل ويتأكد من ملاءمتها وثباتها في الثغرة التي أعدت لها بالخوذة. # ويصقل الدرع حتى يلمع كالمرآة بالرغم مما به من ندوب، وتغسل زانثب رداء سقراط العتيق ~~وتصلحه، ويصر على أنه حسن ms080 على هيئته، ولكنها لا ترضى له بالمظهر الحقير بين زملائه، ثم تحزم ~~له طعام ثلاثة أيام، من سمك مجفف وزيتون، وخبز الشعير والجبن، وتهبط كي تراه وهو ينطلق مع ~~الآخرين من باب المدينة، وبعدما ترزق بطفلها الأول - «الذي ولد متأخرا، وبعد كثير من ~~الدعاء فكان إلى القلوب حبيبا» كما جاء في الشعر القديم - تراها تحمله على كتفها. # لم تكن الحياة يسيرة على زانثب في ذلك الحين أو فيما بعد، وربما اقترن بها سقراط قبل ~~الحرب بزمن ليس بطويل، وربما بعد نشوب الحرب بسنوات، وقد انتقاها عن طريق خاطبة أو عن طريق ~~إحدى قريباته، كما كانت تتم الزيجات في أثينا في ذلك الحين، وربما كانت ابنة جاره، فتاة ~~رآها تحمل جرة الماء إلى البئر من بيت في أقصى الشارع، لم يعرفها قبل أن يقترن بها ولم ~~تعرفه، تزوج منها لأنه كان يريد لنفسه ذرية، وتزوجت منه لأن ذلك ما كانت تتمناه لنفسها ~~دائما، أن تتزوج وأن تنسل وأن تكون ربة بيتها، وحتى لو كان شاذا قبيحا فهو يستطيع أن ~~يكفل لها أمنا وعطفا، وكانت تصغره بعدة سنوات. # وكان سقراط عطوفا على زانثب، وربما تبادلا شيئا من الحب، وإن كانا لم يتبادلا منه ~~الكثير، فالأزواج والزوجات لم يتوقعوا عادة أن يتبادلوا حبا عميقا في أثينا، وكان على ~~الأقل صبورا كلما أنبته وكانت معروفة بتأنيبها، وكان من اليسير عليه أن يبتسم، وأن ~~يدرك أن نيتها طيبة، فيوجه تفكيره إلى أمور أخرى، وكان يقول للأطفال: «إن الكلمات لا ~~تؤذيكم، واذكروا كيف كانت تسهر عليكم في مرضكم.» # وهكذا منح سقراط زانثب عطفه، وإن يكن لم يمنحها ما كانت تعده ضمانا لها، ومنحته هي ~~الأطفال، وكان له أبناء ثلاثة عرفناهم: لامبروكليز، سفرونسكس، ومنكسينس الصغير، وربما كان ~~له كذلك بنات، وإن لم تعش واحدة منهن حتى تكبر؛ إذ لم يعش له أطفال ويكبروا ممن ولدوا قبل ~~أن يبلغ أبوهم الخمسين، ولكن سقراط في سنواته الأخيرة على الأقل كانت له الأسرة التي ~~تمناها، وكان لذلك شاكرا، وأراد أن ms081 تكون زانثب معه في الليلة التي سبقت وفاته. # وبخلاف زانثب والأطفال كان له بطبيعة الحال أصدقاء: أصدقاء قدامى وأصدقاء جدد، وقد نما ~~جيل جديد بأسره من الصبا إلى الشباب خلال الحرب، وأتى أقريطون بابنه كريتوبيولس، وكان يتوقف ~~أحيانا للاستماع شاب صغير طيب القلب يدعى زنفون شديد الاهتمام بالخيل والكلاب، وكان ~~هناك أجاثون الشاعر الشاب، الذي أقام حفل العشاء المشهور، كما كان هناك سفالس الصقلي العجوز ~~صاحب مصنع الدروع، الذي كان بيته عند الميناء مجالا لنقاش آخر لا يقل عن سابقه شهرة ~~وذيوعا، وكان هناك كريتاس وكارميدز من أقرباء أم أفلاطون، ومن قواد الثورة فيما بعد، وقد ~~كانا مثل ألقبيادس خطرا على سمعة سقراط الطيبة، كما كان هناك جلوكن واديمانتس الأخوان ~~الأكبران لأفلاطون، وأخيرا عندما أوشكت الحرب أن تضع أوزارها، كان هناك أفلاطون الشاب ~~نفسه. # ولا يكاد أفلاطون يذكر متى بدأت تبلغه أنباء سقراط من أحد أفراد أسرته، وكان قد سمع عنه ~~قبل أن ينضج للكلام معه بنفسه، وحتى في ذلك الحين بقي في محيط الدائرة لفترة من الزمن، ولو ~~أنك قلت له في تلك السنوات: إنه سوف يصبح فيلسوفا وينشئ مدرسة من الفلاسفة ذات يوم لسخر ~~منك؛ لأن الحياة السياسية كانت الحياة العملية الملائمة الوحيدة لشاب من أسرة كأسرة ~~أفلاطون: أسرة نبيلة، تنحدر من سولون المشرع، بل إنك لو رجعت حقا إلى الزمن السالف ~~القديم، لقلت: إنها تنحدر من بوزيدون إله البحر ذاته. # وقد اختط أفلاطون لنفسه أن يكون من رجال السياسة، ولن يكون بطبيعة الحال رجلا ممن يطعنون ~~الناس من الخلف كما كان الساسة في سني الحرب تلك الذين تزدريهم أسرته، وإنما يرمي أن يكون ~~زعيما وطنيا محافظا للمدينة بأسرها كسلفه سولون، وقد أحس في نفسه القدرة على الزعامة، ~~وسيكون كرتياس ابن عم أمه عونا له على ولوج باب السياسة بمجرد ما تتاح للمحافظين الفرصة ~~مرة أخرى. # وفي غضون ذلك ربما كان يدرس فن التصوير وتأليف الشعر أو «صناعته» كما كان التأليف يسمى في ~~لغته، وكان يلزمه دائما ضرب ms082 من ضروب «الصناعة» كما كان البحث لازما لسقراط، وإن كان لا ~~يستطيع صنع القوانين فهو يستطيع صناعة المسرحيات، وبعدما كتب مسرحيته الأولى - إذا صدقت ~~القصة القديمة المشكوك في صحتها - بدأت كلمات سقراط بعدما كانت من قبل لا تمس إلا ظاهر فكره ~~أولا؛ بدأت تخزه كما وخزت من قبل ألقبيادس وجعلته ساخطا على كل شيء فكر فيه أو أداه ~~فيما سبق، وبدت له مسرحيته ضحلة فألقى بها في النار، ولم يكتب بعد ذلك مسرحيات إلا بعد ~~سنوات، وكانت في صيغة جديدة تعلمها من سقراط. # ونستطيع الآن أن ندرك أن اكتساب أفلاطون كان يفوق كثيرا في أهميته فقدان ألقبيادس، غير ~~أن سقراط بطبيعة الحال لم يستطع أن يتصور ذلك، ولم تكن سني الحرب هذه سهلة مريحة في جملتها ~~لأي امرئ في أثينا، وبخاصة لرجل متوسط العمر ذي أسرة يعولها، وموارد مالية قليلة للانفاق ~~عليها، عنده إدراك للحق أسمى حتى من مستوى الأخلاق في زمن السلم في مدينته، ولديه رسالة ~~تجعله يقف في وجه الظلم والجهالة، ومرت بسقراط أوقات كان مجرد بقائه وبقاء أسرته أحياء ~~مشكلة من المشكلات، وقد صاحب المعركة طاعون لم يكن أقل منها فزعا، وأمسى كل شيء ناقصا ~~لعدة سنوات، نقص في الدفء ونقص في المسكن وفي الطعام، وعانت المدينة أشهرا من الجوع في ~~أعقاب الحرب، وذلك حينما امتلأت باللاجئين، واستولى الأسطول الإسبرطي - الذي كان يسد نفقاته ~~الذهب الفارسي - على البحار من البسفور إلى خليج سلامس، ولم ترد في ذلك الحين السفن محملة ~~بالحبوب. وأغلقت الأسواق لقلة ما يباع فيها من طعام. # وكابد سقراط وزانثب شظف العيش خلال الحرب ~~والطاعون والمجاعة، وكابدت كذلك أسر أخرى، غير أن ما أزعج المفكرين في ذلك الحين، وجعل ~~رسالة سقراط أوجب من أي عهد سبق هو التغير الذي طرأ على قلوب الناس نتيجة فيما يظهر لما ~~كابدوا من الآلام وأعمال العنف، فإن عشرين عاما من القتال كانت أمدا طويلا برغم ما ~~توسطها من سلم شاق تنفس فيه الناس قليلا، ويبدو أن التقاليد والعادات الثابتة ms083 في حسن ~~المعاملة قد أخذت تنهار في سرعة فائقة، كما يبدو أن ثقة بركليز في أن الأثينيين يستطيعون أن ~~يقوموا بأي شيء فيه رقة وجمال - على حساب جيرانهم مؤقتا - قد انقلبت إلى ثقة ألقبيادس ~~في أن من يملك القوة يستطيع أن يقوم بأي شيء، وبدأ التصدع القديم الذي أشاح عصر بركليز ~~بوجهه عن رؤيته، والذي كان يمكن خلال سنوات الدعة - وأقصد به أن الغاية تبرر الوسيلة - بدأ ~~يظهر ثغرات قبيحة في أسس المدينة ذاتها. # فكان من الدلائل السيئة مثلا أن يصوت أهل المدينة في صراحة وجرأة في المجلس على قتل ~~الرجال واسترقاق النساء والأطفال جميعا في جزيرة ملس العاجزة الصغيرة، وكان من الدلائل ~~السيئة كذلك أن يكف كثير من الأثينيين عن العناية بالمرضى من ذوي قرباهم وعن الاهتمام بدفن ~~موتاهم أثناء انتشار الطاعون، وقد أذهلت هذه الأمور القوم من جيل بركليز، أما القوم من جيل ~~ألقبيادس، وأما معلموهم من الشبان السفسطائيين، فقد زعموا أنهم لا يعتقدون في شيء ولا ~~يصعقون لأمر، وكانوا يقولون: «إن القواعد القديمة التي تتعلق بالحق والباطل إنما سنها ~~رجال جبناء في الماضي، ولا يمكن لرجل قوي أن يتقيد بها، إن قانون الطبيعة يتضح من ~~الطريقة التي يسلكها الحيوان، وإن الناس جميعا ليسيرون وفقا لهذه القاعدة لو كانوا ~~شجعانا: انج بحياتك، وخذ ما تريد لنفسك.» # وكثير من الأثينيين المحتشمين المهذبين كان يزعجهم ما يزعم السفسطائيون، وأرادوا أن ~~يبرموا بشأنه أمرا، والتقى سقراط بأنيتس ذات يوم، وهو الصديق الذي ضحك عندما سرق ألقبيادس ~~نصف أدوات المائدة قبل الحفل، ولم يكن أنيتس هذه المرة ضاحكا، وقال لسقراط: إن السفسطائيين ~~ينبغي أن يبعدوا عن المدينة. # وسأله سقراط: «هل استمعت لهم مرة لتعرف ما يقولون؟» # فأجاب أنيتس: «لست في حاجة إلى ذلك، وخير لك أن تراقب لنفسك كذلك يا سقراط، خلال تجوالك ~~ونقدك ساستنا كما تفعل، إنه لأمر خطر!» # ولم يكن أنيتس الرجل الوحيد في أثينا الذي خلط بين سقراط والسفسطائيين، فلما كتب الشاعر ~~أرستوفان مسرحيته الهزلية المشهورة «السحب» ضد السفسطائيين، ms084 جعل سقراط بطلها الشرير، وضحك ~~الناس عندما رأوا سقراط يظهر كأستاذ «لزمرة المفكرين» من السفسطائيين، الذين يعلمون الشباب ~~أن ينكروا الآلهة ويهاجموا آباءهم، ويجادلوا فيما عليهم من ديون فلا يدفعونها. # ضحك الناس، بيد أنهم ذكروا المسرحية، وقد كانت سببا في متاعب سقراط فيما بعد، ولم ~~يدرك الكثيرون أنه يملك الوسيلة الوحيدة الفعالة حقا في معالجة السفسطائيين، فإن أحدا ~~لم يستطع أن يسوق الأسئلة نحو إجابات أحسن، وسأل كالكليز السياسي قائلا: «هل تختار أن تحيا ~~حياتك بجسم عليل؟ بله أن تريد حقا أن تعيش بروح عليل!» # وسأل سقراط السفسطائي ثراسيماكس - الذي كان يفخر بقوله: إن الشر أقوى من الخير: «هل فكرت ~~مرة يا ثراسيماكس فيما يمسك الناس بعضهم إلى بعض؟ وهل تستطيع حتى ثلة من اللصوص أن تبقى ~~قوية موحدة إلا إن كان لديهم شيء من الإحساس بالعدالة فيما بينهم؟ ماذا ينجزون لو أن كل ~~واحد منهم سرق من الآخرين؟ فكيف إذن تكون حال مدينة يقسمها الشر شيعا وأحزابا، وكيف تكون ~~حال الروح إن اضطربت وعارض جانب منها جانبا آخر؟ إن الضعف دون القوة هو بالتأكيد ما ينجم ~~عن الشر!» # وفيما بين حرب جيش مع جيش تدور رحاها خارج المدينة، وصراع الخير والشر تدور معركته في ~~أذهان القوم، كان لدى سقراط عمل يكفي رجلين من عامة الناس، فبقي بعيدا عن ميدان السياسة، ~~كما شجعته حقا إشارته على ذلك، وبرغم هذا كان لا بد أن يستلفت الأنظار لما كان عليه من ~~صفات، وقد اضطر إلى أن يخوض في معمعان الشئون العامة مرتين خلال الأوقات العنيفة التي ~~أعقبت الحرب، وفي كل مرة منهما كاد الأمر أن يكلفه حياته. # وكانت المرة الأولى عند محاكمة القواد الستة بعد معركة آرجنيوزي البحرية الكبرى بعيدا عن ~~ساحل آسيا الصغرى، وقد عبئت السفن لهذه المعركة بكل أثيني تقريبا - عبدا كان أو ~~حرا - يستطيع أن يستخدم المجداف أو يحمل السلاح، أما سقراط الذي كان آنئذ في منتصف عقده ~~السابع، فالأرجح أنه تخلف في وطنه ليقوم بواجب الحراسة، ولكن صديقه ms085 الشاب أفلاطون قد خاض ~~المعركة بالتأكيد وأسهم فيما أحرزته من نصر وما أعقبها من عار بعد ذلك، إذ إنه بعد انتهاء ~~المعركة وبينما كان القادة يتجادلون بشأن من يجمع منهم شمل الأحياء وينقذ حطام السفن التي ~~ظلت طافية حول ميدان القتال، هبت عاصفة ولم ينج البتة أحد في النهاية، وتركت للغرق ~~على مرأى من الساحل اثنتا عشرة سفينة أثينية حربية على الأقل بنيت للسرعة لا للنجاة كما ~~كان ينبغي، فلم تزود بقوارب النجاة أو بوسائل الوقاية من الغرق، ولم تبحر سفينة واحدة ~~لإنقاذ السابحين. # وصعق الناس وغضبوا لما بلغت أثينا رسائل القادة التي تصف النصر والعاصفة وعدد الموتى، ~~وأعفي من القيادة القواد التسعة جميعا الذين كانوا بالمعركة، وأعيدوا إلى الوطن ~~للمحاكمة وقد أدركت المنية أحدهم خلال ذلك، وصمم اثنان منهما ألا يعودا، وعاد إلى أثينا ~~الستة الباقون، وكان أحدهم ابن بركليز وإسبسيا، وكلهم من الموظفين العاملين المعروفين، ~~وطلب إليهم أن يتقدموا بتقاريرهم إلى مجلس الخمسمائة للتحقيق المبدئي. # وكان مجلس الخمسمائة هو الهيئة التنفيذية الكبرى التي تعد العمل «للمجلس»، وحدث أن ~~انتخب سقراط بالاقتراع لكي يكون أحد أفراد مجلس الخمسمائة في ذلك العام، وكان فوق ذلك ~~أحد أفراد المجلس الخمسيني لقبيلته الذين كانوا يقومون بالرياسة في ذلك الشهر، وتكلل ~~بإكليل رسمي من الريحان، وكان يقضي كل يوم في قاعة المدينة حيث كان الأعضاء والرؤساء يعقدون ~~اجتماعاتهم ويتناولون طعامهم، ولا بد أن تكون زانثب قد ارتأت في ذلك وفرا عظيما، بل ~~كان يقضي الليالي هناك أحيانا، إذ كان من المفروض أن يكون بعض الرؤساء ميسورا دائما ~~للحالات الطارئة. # وبعد التحقيق أمام مجلس الخمسمائة، جيء بالقادة الستة أمام المجلس، وهنا بدأت تثور ~~الخواطر، وكان المتهم واحدا من قوادهم البحريين، سياسيا واسع الحيلة يدعى ثرامينس، ~~كانوا قد أصدروا إليه أمرا - متأخرا جدا على الأرجح - لكي يبحر في مهمة الإنقاذ، ~~واستطاع سقراط - الذي تمرس على ملاحظة دوافع الناس الحقيقية - أن يدرك لماذا كان ثرامينس ~~عنيفا جدا في اتهامه القادة، فقد كان ثرامينس يرى أن التهمة ms086 سوف تلتصق بشخص معين لم يرد ~~له أن تلصق به، وربما أدرك قوم آخرون كذلك أن ثرامينس قد تكون لديه دوافعه الشخصية، ومهما ~~يكن من الأمر ، فما إن انتهت الخطب المطولة، ووصف الشهود العاصفة التي حالت دون الإنقاذ حتى ~~بدأت الأكثرية تعتقد أن القادة ينبغي أن يبرءوا، غير أن الظلام قد احلولك في تلك اللحظة ~~حتى أمسى من العسير أن يرى المرء أيدي الرجال مرفوعة للتصويت، فأشار أحدهم - ولم يلاحظ فرد ~~منهم من هو على التحديد - بإعادة القضية إلى مجلس الخمسمائة لتوصي بما يتبع قبل انعقاد ~~المجلس القادم، وكانت الأيام الثلاثة لعيد الأسرة مقبلة، ومن المنظور أن تبرد حرارة القضية ~~عند عرضها مرة أخرى بعد عطلة العيد. # ولما توجه سقراط إلى منزله ذلك المساء سيرا على قدميه سره أن يجد المدينة هادئة بعد أن ~~ثارت خواطرها نهارا، ولم يسمع سوى العويل هنا وهناك حيث كانت الأسر تعلن حزنها على ابن أو ~~أخ ابتلعه اليم، وإذ هو يسير في المدينة انفتح أحد الأبواب وأطل منه رجلان ومعهما الغلام ~~الذي يحمل الشعلة، واستودعا صديقا، حليقا، في ثياب الحزن السوداء، وقف كالظل خلف الباب، ~~ثم أخذا طريقهما وانصرفا، وقد عرفهما كليهما سقراط، إذ كان أحدهما كالكسينس، عضو له نفوذه ~~في مجلس الخمسمائة، والآخر ثرامينس. # وفي اليوم التالي وما بعده وما تلاه؛ كرر ثرامينس زياراته، وازداد في المدينة ظهور الثياب ~~السوداء، وكان عيد الأسرة في العادة عيدا بهيجا في جملته، تقيم فيه العشائر ولائم العشاء، ~~ويرحب فيه الناس بمن استجد من المواليد ومن بلغ سن الرشد في غضون العام، بيد أن عيد ~~الأسرة هذا العام كان مختلفا، زعم الناس فيه أن أشباح الموتى - الذين لم تدفن جثتهم ~~والذين قضي عليهم بالتجوال في عالم الظلام السفلي بغير راحة - ترفع الصوت مطالبة ~~بالانتقام، ولما اجتمع مجلس الخمسمائة في الصباح الرابع ليستأنف النظر في قضية القواد ~~الستة، احتشد خلف قضبان غرفة المجلس جمهور ساخط من المحزونين ذوي الثياب السوداء، ثم نهض ~~كالكسينس للكلام. # واقترح كالكسينس قرارا غير ms087 شرعي، ذهل له سقراط عندئذ، واشتد ذهوله حينما عرض القرار ~~على المجلس فيما بعد، قال كالكسينس متئدا: «لقد تعطلنا طويلا في هذا الموضوع التعس الذي ~~يتعلق بالقواد الستة، إن بين أيدينا من الدلائل ما يكفي، والشعب الأثيني الثائر يطالبنا ~~بالعمل، وإني لذلك أقترح أن يصوت المجلس فورا، ولنعد للتصويت وعاءين، يخصص أحدهما ~~لمن يرون أنهم مذنبون، ويخصص الآخر لمن يرونهم غير مذنبين، وليبرأ القواد جميعا أو يدانوا ~~معا بصوت واحد.» # وكان الجدل في مجلس الخمسمائة طويلا حارا رغم ضجيج الشعب المحتشد عند الباب، وطبقا ~~للقانون الأثيني كان لكل امرئ الحق في أن يستدعي شهوده ويعرض قضيته كاملة، وكان له - قبل ~~كل شيء - الحق في المحاكمة الفردية، وكان أحد القواد المقدمين للمحاكمة على ظهر إحدى السفن ~~التي تحطمت، فكيف يمكن أن يعد مسئولا مثل الآخرين؟! # غير أن كالكسينس أصر على موقفه، واشتد ضغط الجماهير على القضبان، وعزى كل عضو في ~~المجلس نفسه بأنه فرد واحد بين عدد كبير، وإن هذا التصويت لم يكن على قرار وإنما كان على ~~توصية بقرار، وكان سقراط وقليل آخرون من المعارضين لكالكسينس أقلية، فحولت القضية على ~~المجلس بتوصية كالكسينس، وتحول معها الجمهور المجلل في الثياب السوداء. # وبدأ هذا اليوم في المجلس الأثيني - كما ارتآه سقراط من مكانه بجوار منصة الكلام - ~~كالكابوس الذي لا يفوقه فزعا أي شيء عرف فيما مضى، وبدت وجوه أصدقائه وجيرانه الطيبين من ~~تحته كأنها غريبة عنه، وحتى قبل البدء في الخطب بدا له كأن علة من علل النفوس قد أخذت تنتشر ~~في صمت من الرجال ذوي الثياب السوداء المحتشدين حول درجات المنصة إلى الجماهير، وأخذ العضو ~~المجاور له، الشيخ الطيب أرستوجينس الذي ينتمي إلى الجناح الآخر من الحراس، يعبث بعصاه في ~~حالة عصبية، وقال: «إنهم لم يظهروا بهذا المظهر منذ سنوات، منذ الأيام السيئة التي أعقبت ~~الهزيمة في صقلية، ويبدو أن اقتراح كالكسينس المضحك قد يعرض للتصويت فعلا، فماذا عسانا ~~إذن فاعلين؟» # وطاف القوم بالخنزير الرضيع حول مكان الاجتماع في حفل التطهير ms088 التقليدي، وقيلت دعوات ~~الافتتاح، وصبت اللعنة على أي فرد يعمل بما يخالف القوانين في هذا المجلس، وقرأ الرائد ~~اقتراح كالكسينس، ووقف صديق من أصدقاء القادة يعلن بطلانه شرعا، وكاد القوم أن ينزلوه من ~~فوق المنصة، واقترح خطيب شعبي «أن يتركوه يموت مع القادة، وأن يدينوهم جميعا دفعة واحدة!» ~~وصاحت الجماهير بالتأييد. # وفي غضون ذلك اندفع صوب المنصة ملاح زعم أنه يحمل رسالة من رفاقه الموتى، وقال لهم: ~~«لقد كنت أنا نفسي في غمرة المياه عدة ساعات بعد المعركة، ونجوت بتعلقي ببرميل دقيق، وعهد ~~إلي صحابي بهذه الرسالة قبل أن يفارقوا الحياة، قالوا: «قل للأثينيين: إننا متنا بعد ~~المعركة، بعد قتال خاطرنا فيه بكل شيء من أجلهم، وقد تركنا قادتنا للموت»، وكانت الدموع ~~تنهمر على وجه الملاح، واستحال صياح الجماهير إلى زئير، وسواء كان القادة أبرياء أو مذنبين، ~~لم يعد لهم بعد ذلك أمل.» # ولم يكن لسقراط مفر - وهو قريب من المنصة - من أن يسمع ويرى الخطأ الجسيم الذي كان القوم ~~يسيرون فيه، وكان يعرف كل رجل في الحشد تقريبا، وكانوا في جملتهم قوما عطوفين مهذبين ~~يحبون الأطفال، وأكثر من عدول في أكثر الأحيان حتى مع عبيدهم؛ لأنهم مهما عاد بعضهم ~~بالذاكرة إلى الماضي لا يذكرون إلا أنهم كانوا يخوضون معركة من أجل مدينتهم، وأما الآن فهم ~~في عماهم يشنون القتال على بلدهم وعلى أنفسهم وبنيهم، كانوا يحاولون أن يحطموا العقل ~~والعدالة واحترام الأفراد الذي من أجله كافحت أثينا، والأمر الآن أكبر من موت ستة رجال أو ~~حياتهم. # ومال سقراط على أرستوجنيز وقال: «سوف أرفض عرض الأمر في هذا الاجتماع، فهل تؤيدني؟ إنهم ~~لا يستطيعون التصويت ما دمنا نرفضه.» # وابيض لون أرستوجنيز، وكان يفكر في ذلك من قبل، غير أن الفكرة كانت أكبر منه وصاح ~~قائلا: «هل جننت يا سقراط؟! إن القواد سوف يموتون، وتموت معهم لو حاولت أن ~~تتدخل.» # وقال سقراط في تؤدة: «إنني لا أفكر في القادة، وإنما أفكر في وجوه القوم تلك التي ~~أشاهدها، لقد جن أكثرهم، والباقون ms089 في خوف شديد، أعتقد أننا جميعا سوف نموت ذات يوم، غير ~~أن هذا الأمر يجب أن يقف عند حد، ونستطيع نحن على الأقل أن نذكر اليمين التي أقسمناها ~~للاستمساك بالقانون، فهل تؤيدني؟» # فأجابه أرستوجنيز: «لست بطلا، وعندي زوجتي وأطفالي أفكر فيهم.» ولكن لما وقف سقراط، وقف ~~كذلك أرستوجنيز. # ومن العسير أن نفهم ما حدث بعد ذلك، ونعلم أن سقراط عندما قدم احتجاجه كانت تحوطه جماعة ~~صغيرة من الرؤساء، ولا بد أنهم أدركوا ما سوف يحدث، فقد شهدوا ما حدث لصديق القادة الذي ~~حاول أن يتهم كالكسينس قبل ذلك، ومع ذلك فقد نهضوا ورفضوا أن يقدموا الاقتراح للشعب، ولا ~~بد أن يكون ضغط الجماهير شديدا بعد ذلك؛ لأن هؤلاء الرجال الأمناء الشجعان تخلوا عن ~~المعارضة واحدا بعد الآخر، وبقي سقراط وحده، وأصر أنه أقسم أن يطيع القوانين وأنه سوف ~~يطيعها، وليس من شك في أنه قد اتضح بعد وقت قصير أنه كان يعني ما يقول، ومع ذلك فقد عاد ~~سقراط إلى به وإلى زانثب ذلك المساء كعادته، ليس حيا لم يصبه أذى فحسب، لكنه كذلك من ~~الأحرار. # وقدم الاقتراح بطبيعة الحال بالرغم من احتجاج سقراط، وتمت عملية التصويت، وتحقق لثرامينس ~~وكالكسينس ما أرادا، وأوشك القادة أن يعدموا، غير أنه من العسير أن نتصور أن سقراط قد ~~عاش، في حين أن كثيرا من الرجال الآخرين قد اعتقدوا أنه لم تكن له فرصة في الحياة، لولا أن ~~حدث في الاجتماع شيء عجيب، وانقشع الكابوس وعاد للجماهير شيء من الإحساس باللياقة ولو لبرهة ~~من الزمان، ولم ينقض بالتأكيد وقت طويل قبل أن يشعر الأثينيون بالخجل مما فعلوا. # وأوقعوا بكالكسينس العقوبة من أجل ذلك، في حين أنه كان من الأجدر بهم ألا يلوموا إلا ~~أنفسهم، وليس من شك في أن موقف سقراط كان له أثره، وحتى بعد مضي زمن طويل لا بد أن يكون ~~بعض من الأثينيين - وربما كانت قلة منهم، ولكن الفرد الواحد كان عند سقراط ذا قيمة كبرى - ~~قد ذكروا ما شهدوه في ms090 ذلك اليوم وعلموه أبناءهم. # أما القصة الأخرى فلا تستغرق روايتها وقتا طويلا، لما انتهت الحرب بهزيمة أثينا ~~واستسلامها، عاون القائد الأسبرطي ثرامينس على إقامة حكم دكتاتوري في المدينة، وحل ثرامينس ~~وتسعة وثلاثون رجلا آخرون - يسمون الثلاثين - حلوا محل الجمعية في الحكم، وهم رجال ~~معروفون بمودتهم لإسبرطة أو على الأقل بمعارضتهم للديمقراطية، ولما اتضح أن قوة الشرطة التي ~~تخضع لهم وتسمى ب «الجلادين» لم تستطع أن تقمع المعارضة، أسلمهم القائد حامية من ستمائة ~~جندي إسبرطي ليعسكروا فوق الأكروبول وينفذوا لهم ما يأمرون به. # وانقلب الجنود الإسبرطيون دمارا على «الثلاثين»: أولا لأنهم كانوا مكروهين من الجميع، ~~وثانيا لأنه كان لا بد من دفع أجورهم، والوسيلة الهينة على «الثلاثين» للحصول على المال ~~هي أن يأخذوه، ومن ثم فقد ساروا من سيئ إلى أسوأ: يقتلون أولا خصومهم السياسيين، ثم ~~من قد ينقلبون عليهم خصوما سياسيين، وأخيرا أولئك الذين لا سياسة البتة لهم ولكنهم ~~أثرياء، وكان من عادتهم أن يزجوا بالرجال الأمناء في مشاركتهم فيمن يلقون القبض عليهم لكي ~~تمسهم الجريمة، ويلزموا بتأييد الثلاثين فيما بعد، وبطبيعة الحال سقط الثلاثون في النهاية ~~وعادت الديمقراطية، بيد أنها لم تعد إلا بعد مقتل المئات من الرجال الأبرياء، وتحويل ~~مئات آخرين يفوقونهم عددا إلى سفاكين قاتلين. # ولما بلغ الإرهاب ذروته، دعي سقراط مع أربعة رجال آخرين للمثول أمام الثلاثين وطلبوا ~~إليه أن يقبض على رجل ما، وكان الثلاثون يجلسون كعادتهم في قاعة المدينة، حيث كانت مكاتبهم ~~مجاورة لغرفة مجلس الخمسمائة، وقد أبقوا على هذا المجلس - مؤلفا من خاصة رجالهم - وحولوه ~~إلى محكمة لمحاكمة الناس الذين يلقى القبض عليهم، إلا أنهم كانوا يحبون حضور هذه ~~المحاكمات بأنفسهم حتى يتأكدوا أن أحدا منهم لا يبرأ، وقد مثل سقراط أمام الثلاثين مرة ~~قبل هذه، وأمر أن يكف عن «تعليمه»، وهو أمر لم يفكر في طاعته؛ ولذا فلا بد أن يكون ~~الشك قد ساوره هذه المرة، حينما دعاه الداعي، إن كان سوف يعود ذلك المساء إلى ~~العشاء. # وكان سقراط يعرف بعض أفراد ms091 الثلاثين معرفة جيدة، عرف ثرامينس بطبيعة الحال في مشكلة ~~القواد الستة، وكان أكثر معرفة بكرتياس ابن عم أم أفلاطون، الذي بدأ ينتزع الزعامة من ~~ثرامينس الذي كان أكثر منه اعتدالا، وذلك كلما اشتدت الدكتاتورية عنفا، وكان كرتياس ينتمي ~~إلى جماعة سقراط في وقت من الأوقات، منذ سنوات، وإن يكن من الجلي أن مهارة سقراط في الجدل ~~هي التي اجتذبته ولم يجتذبه ما لديه من أفكار، وسر سقراط أن يرى أن أفلاطون لم يكن من ~~بينهم، فإن كارميدس عم أفلاطون قد انضم إلى كرتياس، ولكن أفلاطون نفسه رفض ذلك. # وكانت الأوامر التي تلقاها سقراط والرجال الأربعة الآخرون من الثلاثين مماثلة للأوامر ~~التي صدرت من قبل لكثيرين غيرهم من العاجزين، كان عليهم أن يهبطوا إلى الميناء ثم يعبروا ~~البحر إلى جزيرة سلامس ليلقوا القبض على «الخائن» ليون ليحاكم أمام المجلس، وكان ليون ~~رجلا غنيا، وإن كان الثلاثون لم يذكروا ذلك، ومما لا جدال فيه أنهم سيصمونه بالإثم، ثم ~~ينفذون فيه الإعدام، وقد تم ذلك فعلا؛ لأن الرجال الأربعة الذين صدر إليهم الأمر بالتنفيذ ~~اقتفوا أثر ليون وعادوا به إلى الثلاثين، وتوجه سقراط إلى بيته. # وقد حذر سقراط - كما حذر الآخرون - مما يحيق به لو أنه عصى الأمر، وكان هو وزانثب وأبناؤه ~~يتوقعون وقع أقدام الحرس الإسبرطي عند الباب ساعة بعد أخرى، ولكنهم لم يحضروا لسبب من ~~الأسباب، ولم ينقض وقت طويل بعد ذلك حتى أذهل ثرامينس الأثينيين جميعا بالمخاطرة بحياته في ~~سبيل وقف أحكام الإعدام، ويعتقد زنفون - صديق سقراط الذي دون تاريخ هذه الفترة - أن موضوع ~~ليون السلامسي كان في ذهن ثرامينس عندما قدم دفاعه أمام المجلس في نهاية الأمر، وفشل ~~ثرامينس وقتله كرتياس، واستمر الإرهاب حتى قاتل الديمقراطيون المنفيون وشقوا طريقهم عائدين ~~إلى المدينة. # غير أنه قد حدث بعد ذلك أمر عجيب مرة أخرى، وبقي سقراط دون مساس. # الفصل الحادي عشر # | سقراط يتوجه إلى المحكمة # كان العام الأول من الأولمبياد الخامس والتسعين، وهو العام الذي سمي فيما بعد بعام ~~ثلاثمائة وتسع ms092 وتسعين قبل ميلاد المسيح، وقد جاوز سقراط الآن عيد ميلاده السبعين، وعاش بعد ~~عصر بركليز خلال الهزة المريعة: هزة الحرب مع إسبرطة وخلال الثورة والدكتاتورية، حتى كانت ~~سنوات السلم الأولى من عهد الديمقراطية العائدة. # ولا يرى المرء في الظاهر كثيرا مما يذكره بالحرب وهو يتجول في أثينا في هذا العام، عام ~~399ق.م، فإن أربع سنوات من السفن المحملة بالحبوب والأسواق المترعة بالبضائع قد ملأت وجوه ~~الناس، وإن أربع سنوات من السلام قد وارت خلفها ندوب قتال الشوارع في بيريس، حيث كان ~~الديمقراطيون المنفيون يشقون طريقهم إلى المدينة بالقتال، وسلم قبل ذلك بعامين آخر حصن ~~للثلاثين، وأضحت أثينا ديمقراطية مرة أخرى، وقد عين بها المحلفون بنزاهة وإخلاص، وعاد ~~إليها مجلس السيادة، وأقسم المواطنون جميعا أن يحافظوا على السلام وينسوا الماضي، وكان ~~أفلاطون الآن في الثامنة والعشرين من عمره، يتحرق شوقا إلى أمر يستحق أن يضحي في سبيله ~~بحياته، فبدأ يفكر جديا في الزج بنفسه أخيرا في معمعان السياسة، وبدا له كأن المدينة قد ~~نبذت حكم الرعاع والاستبداد، وأمست مكانا للرجال المهذبين مرة أخرى. # أما في حقيقة الأمر فإن الحرب الأهلية بطبيعة الحال لم تغب عن الذاكرة بهذه السرعة، ولم ~~يكن أن يعود أي شيء حقا إلى ما كان عليه قبل الحرب، برغم أن كل امرئ تقريبا كان يود أن ~~يحاول ذلك، فقد تشتت شمل الأسر، وطالب كثيرون باسترداد أملاكهم، أو بالانتقام لإخوة قتلوا ~~أو أبناء، واستولت المرارة على النفوس، غير أن نصف المدينة قد شاطر الثلاثين في إثمهم، في ~~حين أن النصف الآخر كان قد كابد النفي والحرمان، وإذا لم يستطع النصفان أن يعيشا معا فلن ~~تكون هناك مدينة بعد زمن وجيز. # ولذا فإن الناس إن كانوا بحاجة إلى الشيء الكثير، فقد كانت خشيتهم أشد، وكان أكثر ما ~~يخشون: أي أمر يعكر صفو السلام، وكان الوطنيون المخلصون المحافظون الذين تزعموا المدينة في ~~السنوات الأولى بعد عودة الديمقراطية، متحدين مع أغلبية المواطنين في هذا، وقد عملوا من أجل ~~السلام، وتحدثوا في أدب ms093 إلى الإسبرطيين، وتحملوا صابرين ضياع الإمبراطورية الأثينية، ودفعوا ~~من خزينة هزيلة ما كانوا يدينون به لإسبرطة منذ عهد الثورة، وضحوا بمصالحهم الخاصة للاحتفاظ ~~بالسلام في بلادهم ، وأثنت المدينة بأسرها على واحد منهم، هو أنيتس الوطني الغيور؛ لأنه رفض ~~أن يسترد أملاكه التي بيعت خلال غيبته في المنفى. # وطلبت التضحية من الآخرين كذلك، وحكم المجلس الصغير بالإعدام على أول مواطن حنث في اليمين ~~التي أقسمها لينسى أحزان الماضي، ونفذ فيه الحكم فورا، ولم يرض عن ذلك الكثيرون؛ لأن ~~المحاكم والمجلس الكبير هما وحدهما اللذان يملكان حق الحكم بالإعدام، ولم يسمح بتكرار مثل ~~هذا الحادث، ولكنه أظهر اتجاه النفوس، والتمس الشعراء الهزليون، مثل أرستوفان الناقد صديق ~~سقراط، الذي كان يحب أن يناقش السياسة المعاصرة ويسخر من الساسة، التمسوا لمسرحياتهم ~~موضوعات أخرى أشد من ذلك أمانا، ولم يعد النقد شعبيا في أثينا الآن، بل كان أمرا يتنافى ~~مع الوطنية. # وواصل سقراط بطبيعة الحال عمله كالمعتاد، وكان دائما يريد مدينة نظامية، ويعتقد في طاعة ~~القوانين، غير أنه لم يعتقد قط في كم أفواه الناس كي يبقى ظاهر الأمور مستقرا، وخلال ~~سنوات عدة من العمل استطاع أن يرى حقيقة الخير كامنة في أغوار العقول، كما رأى أبوه من قبل ~~رأس الأسد كامنا في الحجر، وقد ألف سقراط أن يشق السطح كي يبرز إلى النور ما يرى، شأنه في ~~ذلك شأن النحات الماهر، وإذا كان الشق يزعج الناس في أول أمره، فقد اعتاد ذلك سقراط، إن ~~الحق شائع بين الجميع، وبمجرد ظهوره تكون له قدرته الذاتية على فرض السلام والوفاق، وإذن ~~فليستأنف بحثه عن الحق. # وربما لم يتنبأ سقراط بأية متاعب جدية، ولو أنه ما كان ليعيرها اهتماما لو تنبأ بها، ~~وربما لم يساور الشك أقريطون ذاته، فلقد استطاع أن يتغلب هو وسقراط في كثير من أوقات العنف ~~والشدة، وأثينا اليوم مدينة مسالمة تحترم القانون. # وهمس الناس ذات يوم بأمر، وتحول الهمس إلى نبأ يتنقل، ثم شاع النبأ في لحظة في جميع ~~أرجاء المدينة؛ ذلك أن ms094 سقراط قد دعي للمحكمة لكي يحكم عليه بالموت. # ولو استبعدنا الشائعات؛ ألفينا الحقيقة كما يلي: لقد اتهم سقراط بأنه لا يعتقد في ~~الآلهة التي تؤمن بها المدينة، ولكنه يعتقد في مقدسات أخرى، وأنه يفسد الشباب، ولا يعني هذا ~~شيئا على وجه الدقة، ولكنه يمكن أن يحور فيعني أي شيء تقريبا لو تناوله خطيب ماهر، وكان ~~ملتس هو المتهم الرسمي، وهو شاب لم يعرفه أحد حق المعرفة، برغم أنه قد رفع الدعوى من قبل ~~هذا العام على رجل آخر متهما إياه بالزندقة، ورافقه في المحكمة مساعدان رسميان ذوا أهمية ~~أكبر ذلكما هما ليكون الخطيب، ثم أنيتس السياسي، أنيتس الوطني النزيه، الذي كان مجرد ذكر ~~اسمه بين المدعين سببا في إضعاف الفرصة أمام سقراط. # وكان مفروضا أن تعرض القضية خلال الشهر أمام إحدى المحاكم الكبرى التي تتألف من واحد ~~وخمسمائة عضوا، ولكن لم يعرف أحد على وجه التحديد من هم الأعضاء حتى يحل يوم المحاكمة، ~~وبمجرد بلوغ القضية ساحة المحكمة لا بد أن يقضي فيها في يوم واحد، والأغلبية - حتى لو ~~كانت بفرد واحد - تكفي لإدانة سقراط والحكم عليه بالنفي أو بالموت أيا كانت العقوبة التي ~~تحددها المحكمة، وإن كان ملتس لا بد أن يطلب عقوبة الموت، وكان أمام سقراط يوم واحد، ~~وأقل من يوم بكثير، ثم ساعات قلائل بحساب الساعة المائية في المحكمة، لكي يبرهن لما لا يقل ~~عن مائتي وخمسين من زملائه المواطنين على صحة حياته كلها. # وكانت القضية التي تعرض أمام المحكمة دائما مجالا طيبا للغو واللغط في أثينا، ولو ~~استمعت إلى الأحاديث في السوق لوجدت اسم سقراط في كل مكان وإن لم يحضر بشخصه في ذلك ~~الصباح. # يقول الرجل عند لوحات سوق السمك: «لست أعرف رأيك، ولكني كنت أنتظر أمرا كهذا منذ سنوات، ~~ولقد أصاب أنيتس كبد الحقيقة، وليس هناك مدينة من المدن تستطيع أن تجعل شبابها ينقدون ~~آباءهم، وكان ينبغي لنا أن نتعلم الدرس عندما رأينا ما صار إليه ألقبيادس دون أن ننتظر ~~كرتياس وصحبه، إن هذا ms095 الرجل سقراط رجل خطر، إنه لا يمكن أن يبقى في إسبرطة أسبوعين ~~اثنين.» # ويقول آخر عند دكان القصاب: «كلا، لم أكن هناك لما وقع هذا الأمر بطبيعة الحال، ولكنهم ~~يقولون إن ابن أنيتس قد أصابه شيء من أسباب التعب، إنه لم يرد أن يلتحق بعمل أبيه في ~~الصباغة - كما فهمت - وقد أبلغ سقراط أنيتس بذلك، فسقط المقبض من يد الشيخ، وقال: إن ابنه ~~من شأنه، وعليه أن يصدع بما يؤمر به أو شيئا من هذا القبيل، ومهما يكن من شيء، فإن الفتى ~~قد أدمن على الشراب من ذلك الحين، ويبدو أن أنيتس يعتقد أن وزر ذلك يقع على عاتق سقراط، وإن ~~سألتني رأيي في هذا قلت: إن أنيتس قد يكون رجلا عظيما من رجال الدولة كما يقول الناس ~~جميعا عنه ذلك، ولكني سعيد لأنه لم يكن أبي!» # وإن مررت إلى جوار مناضد رجال المال سمعت أحدهم يقول: «هل تحسب أن في قصة شجارهم مع ~~ألقبيادس شيئا وهو في طريق عودته، لقد سمعت ...» # ويقول أحدهم عند بائعي الزيت: «ويقولون: إنه في السبعين من عمره، وله زوجة وثلاثة أطفال، ~~كان بوسعهم أن يتركوا الشيخ آمنا، ثم إني تحدثت إليه ذات مرة، وكان يقف مكانك الآن تماما، ~~ويتحدث في أمور بسيطة جدا، ولم يستخدم ألفاظا ضخمة كما كان يفعل السفسطائيون، ولم يتسع ~~لنا الوقت في ذلك اليوم، إن الوقت لا يتسع لنا مطلقا، ولسوف أحضر محاكمته إذا أغلقت دكاني ~~لأدركها.» # ويقول أحدهم وهو يسير جيئة وذهابا تحت قبة زيوس: «ماذا عسانا فاعلين يا أقريطون؟ لقد ~~رأيت مسلكه حينما أردنا أن نأتي بثياب الحداد المألوفة لزانثب ولأطفاله كي يؤثروا بها على ~~أعضاء المحكمة، وقد رفض أن يأخذ الحيطة كما تفعل عامة الناس، ثم لا تنس موضوع الخطاب الذي ~~يلائم المقام، ربما كان مصيبا عندما رفض أن يحفظ الخطاب الذي أراد ليسياس أن يكتبه له، غير ~~أني لم أره يعد لنفسه خطابا، ثم أرقب، سوف يهبط إلى الملعب كعادته بعد ظهر اليوم، وبعد ~~غد، حتى ms096 تحين المحاكمة، وقد يضحي بنفسه من أجل هؤلاء الشباب، وهم لا يستحقون خنصره، بل ~~إنا جميعا لا نستحقه ... آه يا أقريطون، ماذا عسانا فاعلين؟» # ويقول آخر عند بيت أنيتس الوطني: «استمع إلي يا ليكون: لا بد لنا أن نتجنب الخطأ في ~~القضية، وخير لنا أن نتخلى عنها بتاتا من أن نلفقها ونخلق من الرجل بطلا، ولا تعتمد كذلك ~~كثيرا على مليتس، فلو أن سقراط ساجله السؤال؛ لقلبه رأسا على عقب في لحظة واحدة.» ~~«أليس توجيه السؤال من المتهم فيه شيء مما لم يألفه الناس يا أنيتس؟» ~~«قد يكون الأمر كذلك، ولكن تلك طريقة سقراط، وسوف يلجأ إليها، إنك لا تعرف صلابة الرجل، ~~ومع ذلك فإن هذه الطريقة عينها هي التي سوف تؤلبهم عليه، لو قمنا نحن بواجبنا، لندفعه ~~قليلا بقولنا بأن الأغلبية في ديمقراطيتنا تعرف بالطبع خير المعرفة، ولو أنها خطأت ~~تعاليمه فثق بأنه سوف يوافق على «ضرورة» خطئها، ثم ... أجل ... لقد قصدت أن أذكرك يا ليكون، لا ~~تذكر بالاسم بطبيعة الحال ألقبيادس أو كرتياس، أو أية تهمة يرجع تاريخها إلى ما قبل سقوط ~~الثلاثين، فأنت تعرف أن ذلك هو القانون.» ~~«ولكن ألقبيادس وكرتياس أقوى ما لدينا من نقاط يا أنيتس، لا أظنك تعني ...» ~~«آسف يا ليكون، إذ لا بد لي أن ألح في ذلك، اذكر بالتلميح ما شئت طبعا، ولكن هذا ~~القانون قانون حسن، وهو أملنا الوحيد في تماسك المدينة بضع سنوات، إن اعتراضنا على رجل يحب ~~أن يعكر صفو الأمن في المدينة لا يبرر أن نعكر صفوه نحن بأنفسنا، دعه يسق نفسه إلى ~~المشنقة بكبريائه، ثم هل سمعت حديث الناس في السوق فوق ذلك؟ إن القوم يفكرون بالفعل في ~~ألقبيادس وليسوا في حاجة إلى التذكير.» # هكذا كان الناس الطيبون في أثينا يتحدثون ويأملون ويخشون ويتعجبون ويرسمون الخطط، بعضهم ~~بنية سيئة وبعضهم بنية طيبة، ولكن قليلا منهم من كان واسع الإدراك، ولما عاد سقراط من ~~سماع القضية المبدئي، توجه إلى الملعب كعادته، ولما سأله أحدهم متى يعد خطابه الذي ms097 سوف ~~يلقيه في المحاكمة، أجاب بقوله: «لقد كنت في سبيل إعداده طوال حياتي كلها.» فماذا يستطيع أي ~~امرئ أن يقول بعد هذا؟ # وأشرق صباح يوم المحاكمة كما يشرق أي صباح، واجتمع أقريطون وابنه كريتوبيولس وأفلاطون ~~وبقية هذه الزمرة مبكرين في البيت؛ لكي يصحبوا سقراط إلى المحكمة، ووجدوه في طبيعته المرحة ~~المألوفة، أما زانثب التي بدت عليها قلة النوم فقد زعمت أنه قد طاب نوما، وتبادلوا الحديث ~~وحاولوا المزاح الذي كان أيسر على نفسه منه على أصدقائه، ولحظ أقريطون أنه لزم الصمت قليلا ~~وهو يخطو خارج البيت، ثم لزمه كذلك وهو في الطريق، كأنه يصغي إلى شيء لا يسمعه، ثم ابتسم ~~تلك الابتسامة العريضة التي أحبوها بالألفة، والتي جعلتهم يتألمون في دخيلة أنفسهم ذلك ~~الصباح، ودخلوا المحكمة سويا. # وكان المحلفون الآن في طريقهم إلى المحكمة، وهم أولئك المواطنون الأثينيون الذين يبلغ ~~عددهم واحدا وخمسمائة منتخبين بالاقتراع ليمثلوا المدينة، يتدافعون لكي يحصلوا على شاراتهم ~~من الحاجب، ويحاورون لكي يظفروا بخير المقاعد الأمامية، وكان القاضي الملك أركون على منصته، ~~والمتفرجون - بعضهم متحمس وبعضهم يتطلع فحسب - يتزاحمون حتى قضبان ساحة المحكمة. # وافتتحت إجراءات المحكمة بطنين الصلاة المألوف، وبإعلان الملك أركون القضية إعلانا ~~رسميا، ثم استدعى المنادي المتهمين والمتهم لكي يتقدموا، وقال أقريطون: «ابذل من جهدك ما ~~تستطيع يا سقراط من أجل أصدقائك.» وأخجله أن يكون وجله في الواقع من خسارته الشخصية، ولكن ~~تلك كانت الحقيقة. # وبدأ المتهمون بالكلام، وربما أخلصوا في كلامهم طبقا لمعتقداتهم ومقاييسهم، إلا أنهم لم ~~يذكروا الحق، وأحس سقراط - وهو جالس على منصته ينتظر دوره - أنه لم يمس بما قيل، كانوا ~~يتكلمون عن رجل آخر، رجل يحب الفوضى، رجل ليس لديه أساس لنفسه، ويحطم أسس الآخرين، هل ~~يمكنهم حقا أن يعتقدوا فيما يقولون؟ # وبرغم هذا، فإن سقراط في إصغائه إلى روح الخوف التي تكمن وراء الألفاظ أكثر من إصغائه إلى ~~الألفاظ ذاتها، لا بد أن يكون قد فكر في عدة أمور، وأدرك عدة أمور، ربما لم يدركها ~~بمثل هذا الوضوح من ms098 قبل، فقد أدرك الآن على الأقل - إن لم يدرك من قبل - ما يقصد بهذه ~~المحاكمة حقا. # واهتم بما كان يخشاه هؤلاء الرجال، وبالدافع إلى خشيتهم، لقد كانوا يخشون الخير، لم ~~يكونوا على سوء، ولكن الحياة - كما مارسها سقراط - كانت شديدة الحيوية بالنسبة إليهم، والحق ~~الذي نادى به كان قوي الإرغام عليهم، لقد أحبوا ألوان الخير اليسيرة التي كانت بحوزتهم: ~~الأمن والدعة ومألوف الوسائل، وكانوا يخشون أن يفقدوها يا لهم من حمقى مساكين! لقد أراد ~~سقراط أن يقول لهم: ألا تستطيعون أن تدركوا أنه ليس هناك خيار بين ألوان الخير اليسير ~~والخير الكبير، إن هذا الخير هو مصدر كل شيء. # بيد أن سقراط قد فكر في أن يكون الخيار في ذلك اليوم إن كان هناك خيار، هذا هو السبب ~~الذي من أجله ساقني الله إلى هذا المكان، ليكن هناك خيار حق في هذه المحكمة، لا بين أنيتس ~~وسقراط - فماذا يهم ذلك؟ - ولكن بين المبدأ والعقيدة الواعية من ناحية والخوف والجمود ~~الجاهل من ناحية أخرى، وليكن لأنيتس الخيار وكذلك لمليتس وليكون وأعضاء المحكمة ورجال أثينا ~~جميعا، وفكر سقراط - وهو ينهض للكلام - أن الله ما دام قد أراد ذلك فليبدأ به ~~الخيار. # وعلينا أن نستخرج مما ذكر سقراط فيما بعد ما كان يفكر فيه، ونستطيع أن نعرف ما ذكر؛ لأن ~~أفلاطون كان ماثلا في المحكمة، مائلا إلى الأمام في ثبات لكيلا تفوته كلمة، ولديه ما يبرر ~~تذكره كذلك؛ لأن ما سمع وما أحس ذلك اليوم سيغير حياته كلها ويجعل منه فيلسوفا بدلا من ~~رجل سياسي. # ولذا فقد تذكر أفلاطون خطاب سقراط ودونه على ورق البردي في دقة وعناية، بينما كان أولئك ~~الآخرون الذين استمعوا إليه لا يزالون على قيد الحياة، ولا يزالون يذكرون، وقد أطلق على هذا ~~«دفاع سقراط»؛ لأن «دفاع» تعريب لكلمة يونانية طيبة معناها «خطاب للتبرير»، وإذا كان سقراط ~~قد ألقى الخطاب كما دونه أفلاطون، إذن لقد كان أعجب دفاع سمع في ساحة القضاء. # الفصل الثاني عشر # | الدفاع # بدأ سقراط دفاعه ms099 قائلا: «يا رجال أثينا»، فسرت في المحكمة أول هزة طفيفة، لماذا لم ~~يقل كالمعتاد: «سادتي أعضاء المحكمة»، هل نسي الرجل أنه أمام المحاكمة؟ ~~«يا رجال أثينا ، لست أعرف كيف أحسستم حينما كان متهمي يتكلمون، لقد كانوا يبعثون على ~~الإقناع، وأوشكوا أن ينسوا من أي طراز من الرجال أكون.» # وكانت تلك فكاهة بطبيعة الحال، وقد استمتع بها ولم يره أصحابه من قبل أشد ~~ارتياحا. # وأضاف إلى ذلك جادا، وقد صوب نظره نحو أنيتس وملتس وليكون على المنصة المقابلة، أضاف ~~قائلا: «ومع ذلك فإنهم لم يكادوا يتفوهون بكلمة واحدة من الحق.» # وأسند الملك أركون ظهره إلى مقعدة مستقرا، وكان الكاتب والمنادي كل منهما في مكانه، ~~وأدار حفظة الوقت الساعة المائية، واستتب النظام في كل شيء، وكان جدول أعمال المحكمة في ~~ذلك الحين مشحونا، إذ كانت تقدم إلى المحكمة قضية كل يوم من أيام العمل في العام تقريبا، ~~وظن الناس أن هذه القضية سوف تكون كغيرها من القضايا، ولم يعلموا أن طريقة سقراط في الحق ~~سوف تقلب الأمور رأسا على عقب، ومع ذلك فإن ظاهر خطابه لم ينم عن أي انقلاب، وإذا كان ~~سقراط لم يعده هذا الإعداد من قبل، فإن الله كان الآن يصوغه في أدق تنسيق وأجمله، وكانت ~~الألفاظ من البساطة بحيث يدركها الطفل كما يدركها الرجل الحكيم. # قال سقراط للناس: «لا تدهشوا ولا تقاطعوا، إذا كنتم ~~تسمعونني أصوغ دفاعي في الألفاظ ذاتها التي ألفت استخدامها في السوق إلى جانب مناضد ~~رجال المال، حيث أصغى إلي الكثيرون منكم، أو في مكان آخر، لا تأبهوا لأسلوب حديثي، فإنه ~~يمكن أن يسوء عن ذلك أو أن يتحسن، ولكن وجهوا التفاتكم إلى شيء واحد فقط، وهو: هل ما أقول ~~حق؟ لأن الخير عند القاضي هو في التفاته إلى ما هو حق، كما أن الخير عند المتكلم هو في ذكر ~~الحق.» # وكان هناك الكثير مما يجب أداؤه في هذا الخطاب، ~~ولكن الوقت قصير للأداء، كان على سقراط أولا أن يمهد السبيل، عليه أن يقتلع الأهواء ms100 ~~القديمة والنكات العتيقة من مسرحية قديمة لأرستوفان مثلا، واللغط الدائر الذي لا يمكن ~~استئصاله، وهو من أجل ذلك أشد خطرا، وبعض الناس في هذه المحكمة كانوا لا يزالون يعتقدون أن ~~سقراط «عالم بغير إله» مثل أنكسجوراس، بل إن ملتس - الذي كان ينبغي أن يكون أكثر من ذلك ~~علما - كان يحب أن يصمه بوصمة «الملحد» وبالنظريات القديمة المفزعة عن الشمس والقمر، وبعض ~~الناس حسبوه معلما سفسطائيا، يدرب تلاميذه على أن يجعلوا الخطأ يبدو كالصواب. ~~«وإذن، فإذا لم تكن عالما ولا سفسطائيا فما عملك يا سقراط؟ وفيم الارتياب في أمرك؟» ~~ولذا فقد كان لا بد من رواية القصة القديمة عن كاهنة شيرفون، والرسالة التي صدرت عنها ~~وسؤال الخبراء، وما أحس به حكماء الرجال من ضيق عندما أدركوا أنهم حمقى، إن الحق كان ~~مزعجا، وكانت تلك هي المشكلة الحقيقية، ذلك ما كان يستتر تحت الأهواء القديمة وتهم ملتس ~~الجديدة، وكان ملتس أحمق جاهلا، وقد رد عليه سقراط بالسؤال لكي يظهر فيه ذلك، ولكن ~~كثيرين آخرين شاركوه أساس حماقته. # وقال سقراط في هدوء: «إن ما سوف يحطمني في النهاية - إن تحطمت - لن يكون ملتس أو أنيتس، ~~ولكن حديث العالم السيئ وشعوره السيئ، الذي كان سببا في هدم كثير من الرجال الطيبين ~~الآخرين فيما مضى، أجل وسوف يكون سببا في المستقبل كذلك فيما أحسب، ولن يكون الأمر معي على ~~خلاف ذلك.» # وتمتم الناس عند ذلك، وقال أحد القضاة لجاره وهو غاضب: «استمع إلى هذا الحبيس الذي يمثل ~~دور القاضي! فإذا كنا نحن الخمسمائة جميعا ندينه بالجريمة، ويموت كما يموت المجرم، فإنه ~~يبقى مع ذلك «رجلا خيرا»، أليس كذلك؟ أية مادة هذه التي يعلمها الشباب في ديمقراطيتنا! ~~إني أعرف من أية ناحية أعطي صوتي.» # وربما طرقت التمتمة أذني سقراط، وربما لم تطرقها. # ولكنه واصل حديثه رافعا صوته قليلا حتى أمكن سماعه بسهولة برغم ضجيج الجمهور، وقال: ~~«ربما قال أحدكم: ألم تخجل يا سقراط لأنك ارتكبت أمرا أدى بك الآن إلى خطر الموت؟» وإني ~~أقدم عن هذا ms101 إجابة مخلصة لأي امرئ يتوجه بهذا السؤال فأقول: «إنك تخطئ يا صاح إذا حسبت أن ~~المرء يجب عليه أن يوازن بين فرص موته وفرص حياته، وأقصد المرء الذي له أي قدر، هل تظن أن ~~أخيل أقام للموت والمخاطر وزنا؟» كلا، يا رجال أثينا، إنما الحقيقة في ضوء الحق هي هذه، ~~حيثما يتخذ المرء مكانا - إما لأنه ارتآه بنفسه خير الأمكنة، أو لأنه وضع فيه بأمر رجل ~~من رجال الحكم - فإني أعتقد أنه ينبغي له ألا يبرحه، وعليه أن يجابه المخاطر التي تعترضه، ~~وينبغي له ألا يسمح للموت أو لأي شيء آخر أن يرجح الخجل وزنا. ~~«إني كجندي يا رجال أثينا وقفت حيث أوقفني رؤسائي من الضباط، أولئك الضباط الذين ~~اخترتموهم لكي يكون لهم علي سلطان، وقفت عند بوتديا وعند أمفيبوليس ودليم كما يقف أي ~~إنسان، وعرضت لي فرصة الموت، أما الآن فإن الله هو الذي يوقفني، ذلك ما أعتقده وما أفهمه، ~~إنه الإله الذي يأمرني أن أكرس حياتي لممارسة الفلسفة بالبحث في نفسي وفي غيري، وإني لأرتكب ~~أمرا إدا يا رجال أثينا لو أني تخليت عن هذا الواجب خشية الموت أو أي شيء آخر، إن ذلك ~~يكون أمرا مريعا، لو فعلته جاز لكم أن تتهموني بعدم الاعتقاد في الآلهة.» # وحتى أصدقاء سقراط الذين أحبوه لم يروه مثل ذلك قبل اليوم، وكانوا يفكرون بينهم وبين ~~أنفسهم «بأنه على حق، وإنهم لم يفهموه، لقد كان طوال حياته يستعد لذلك، ولقد نما وأصبح أكبر ~~مما عرفناه.» # وكان أمرا جليلا - وحتى أنيتس ربما أحس ذلك إلى حد ما - وكان كذلك أمرا يدعو إلى ~~الاضطراب أن يؤتى بصغار الرجال ليواجهوا هذه الضخامة وجها لوجه، وكلما استمر سقراط في ~~حديثه، استطاع أصدقاؤه أن يحسوا هزة المعارضة تعلو، تلك المعارضة التي أحسوها في أنفسهم بعض ~~الأحيان قبل أن يتعلموا النظر إلى الأشياء بطريقته وأسلوبه، ولم يكن من الهين أن يرغم ~~المرء باللفظ وبالمثل ضد مقياس لا يلين، على أن يخضع للحكم كل أفكاره وأعماله. # وكان سقراط يفعل ms102 ذلك الآن، لا متريثا بالسؤال والجواب كما قام لهم بذلك من قبل، مشاركا ~~إياهم تقدمهم، ومتقهقرا عند ما لا يكونون مستعدين لمتابعته، إن الوقت لا يتسع لتيسير الأمر ~~على الناس في هذه المحكمة اليوم، وقد تكون هذه المرة آخر فرصة تسنح له لكي يخاطب الأثينيين، ~~وكان عليه أن يقول في جرأة ما كان ينمو في نفسه طوال حياته كلها، ويأمل أن يفهم بعضهم ~~مرماه. # ولذا فإنه لم يذكر لأعضاء المحكمة الأمور السارة التي توقعوا أن يستمعوا إليها تصدر من ~~سجين في قبضتهم، وإنما ذكر لهم الحق الذي ظن أن لا بد لهم أن يعرفوه، ذكر لهم لماذا لم ~~يقبل أن يأتي بأسرته تشفع له، ولديه زانثب وطفلها يبكون ويتوسلون إلى المحكمة أن تخلي ~~سبيله، فتلك كانت التقاليد؛ لأن ذلك يعطي المحكمين إحساسا بالنفوذ وعمل الخير، ولكن سقراط ~~لم يقبل على نفسه ذلك، ووضع الأسباب وذكر المحكمين بهذا القول: «إن القاضي قد أقسم ألا ~~يقدم الفضل كما يشاء له الهوى، بل أن يقيم العدالة طبقا للقانون، ولا ينبغي لنا أن ~~نعودكم الحنث في يمينكم، ولا ينبغي لكم أن تسمحوا لأنفسكم بالانزلاق في هذه ~~العادة.» # وأنبهم كذلك على انعدام المبادئ في الحياة السياسية في مدينتهم، مرددا قصة القواد الستة ~~- القصة التي كانوا يمقتون ذكراها - وقال لهم: إنه من الخطر على المرء أن يقف في معارضة ~~نزيهة سواء تحت الحكم الديمقراطي أو تحت دكتاتورية الثلاثين. «إن الرجل المخلص لا يكاد ~~يستطيع أن يخدمكم في وظيفة عامة مع بقائه حيا!» # ولذا فقد قام برسالة خاصة لكي يعينهم «وتلك أكبر نعمة حبت بها الآلهة هذه المدينة» كما ~~قال، وحتى لو وعدوا أن يخلوا سبيله مقابل التزامه الصمت لرفض أن يلزمه. # وقال في جد مجيبا عن السؤال الذي عرف أنه يتردد في فؤادهم: «يا رجال أثينا، إني صديقكم، ~~وإني أحبكم، ولكني برغم هذا سأطيع الآلهة بدلا من أن أطيعكم، ما دام في صدري نفس يتردد ~~وفي قلبي قوة فلن أكف عن ممارسة الفلسفة، وسوف أشجع كل ms103 رجل ألاقي وأوجهه إلى الحقيقة، ~~وسوف أسأله وأختبره وأفحصه، ولو وجدت أنه لا يملك الخير، وإنما يزعم أنه يملكه وحسب، لمته ~~على ذلك، وسوف أقول له : إنه يقدر بأبخس الأثمان أجل الأمور، وبأعلى الأثمان ما هو أقل ~~منها قيمة، وإذن أيها الأثينيون فإنه سواء لدي أن تطلقوا سراحي أو لا تطلقوه، ولكن أيا ~~ما تفعلون، فلتفعلوه وأنتم تعلمون أني لن أغير مسلكي، حتى لو حكمتم علي بالموت عدة ~~مرات!» # وإن المرء ليكاد يعتقد أنه أراد أن يدان، وقد ظن ذلك بعض من سمع بالخطاب فيما بعد، وقد ~~كان رجلا عجوزا، وربما مل الحياة، ولكن صوته لم ينم عن تعب أو ملل، وكان يدافع عن حياته ~~بأسلوبه الأمين المثير. # قال لهم: «إن أنيتس لا يستطيع إيذائي، ولست أظن أنه يسمح لرجل أفضل أن يؤذى من رجل أسوأ. ~~(ربما استطاع أن يقتل الرجل الخير أو أن ينفيه، وقد يحسب أن القتل والنفي من الشرور الكبرى، ~~ولكني لا أعتقد ذلك، إنما أعظم من ذلك شرا أن يفعل مثلما يفعل الآن)؛ ولذا فإني لا أدافع ~~من أجل نفسي، وإنما أدافع من أجلكم»، ثم قص القصة التي ظلت تروى عنه فيما بعد دائما، ~~وإنها لنكتة - كما سماها - ولكنها صادقة: قصة الجواد العظيم النبيل الكسول الذي يسمى ~~أثينا، والذبابة التي تلدغ: وهي سقراط، الذي أرسله الله لكي تبقى أثينا متيقظة، وليس من ~~شك في أن الأثينيين كانوا ساخطين على الذبابة، كما يسخط النيام حين يوقظون، وظنوا أنهم ~~يستطيعون سحقها بضربة واحدة، ثم يغطون في النوم إلى الأبد، بيد أنه حذرهم قائلا: ~~«خير لكم أن تستبقوني، فلن يتيسر لكم أن تجدوا رجلا آخر مثلي!» # وكانت تلك بالتأكيد نكتة كبرى، ولا أعني الجواد والذبابة فحسب، وإنما أعني الموقف ~~بأسره، وكان ألقبيادس يدرك هذا اللون من فكاهة سقراط الذي يسبب الاضطراب أكثر مما ~~يدركه أكثر الناس، وربما كان يقول في ذلك: «إن سقراط وصدقه قد قلب هذه المحاكمة رأسا على ~~عقب، إنه وصدقه قد اكتسح هذه المحكمة، وإنه يرغم ms104 القضاء على أن يقاضوا أنفسهم، إن السجين ~~هو السيد في هذه المحكمة؛ لأنه يعرف خيرا أسمى، ولأنه لا يخاف، قد يقتلونه الآن - وكثيرا ~~ما تمنيت موته - غير أن هذا نوع من الأذى لا يعترف به، ولو فعلوا فإن روحه لن تريحهم، فأنا ~~نفسي لم أجد الراحة قط.» # وأخيرا، ناشد سقراط الإله والمحكمة في هدوء أن يحكموا بما هو خير لنا كلينا، وانتهى بذلك ~~فجأة الخطاب الذي جاوز حدود المعقول، وجلس سقراط وعاد مرة أخرى الاضطراب والتمتمة التي كان ~~قد كبتها من قبل، وأعلن المنادي أن القضية معروضة للتصويت. # واستمرت إجراءات المحكمة المألوفة، وأعدت أوعية التصويت، وتسلل الواحد والخمسمائة ~~الرجل من المحكمين في أناة مارين بها للإدلاء بأصواتهم، ونقلت الأوعية إلى مناضد العد، ~~هل هو مذنب أو غير مذنب؟ ستعرف النتيجة بعد لحظات ولن يكون بعدها استئناف، إنما العقوبة فقط ~~هي التي يمكن تعديلها، وقد طلب الادعاء عقوبة الموت، ولكن المحكمة قد تقبل النفي لو اقترحه ~~سقراط، وربما كان أنيتس لا يزال يأمل أن يقترح سقراط ذلك. # وهنا جاء المنادي، وقد صدر قرار المحكمة بأغلبية صغيرة فإن ثلاثين صوتا في الجانب الآخر ~~كانت تقلب القرار، وسجل كاتب المحكمة حكمها، ومس المنادي سقراط بعصاه، إشارة إلى أنه ~~وجد مذنبا. # وكان أصحابه يتوقعون هذا، ومع ذلك فقد كان وقعه شديدا عند إعلانه، وحتى في الصفوف ~~البعيدة من المحتشدين، حيث كان يقف عامة المستمعين، كنت تستطيع أن تحس موجة العاطفة تعلو ~~وترتفع، وقد انهمر باكيا ذلك الرجل الصغير الذي جاء من سوق الزيت. # ونهض سقراط، وأخذ يتحدث مرة أخرى - طبقا لقواعد المحكمة - حديثه عن العقوبة. # لم يدهش سقراط لنتيجة التصويت - كما قال لهم - إلا لأنها كانت جد متقاربة، أما الآن وقد ~~جاء دوره لأن يقترح العقوبة التي يراها عادلة، وما دام لم يقدم إساءة، وإنما كان في ~~الواقع يفعل الخير للمدينة، فلا بد له أن يطلب جزاء فاعل الخير: «قدموا لي الطعام بغير ~~مقابل ما دمت حيا في ملجأ المدينة» قال ذلك جادا وإن ms105 كان المزاح قد بدا على وجهه: «إنكم ~~بذلك تكافئون الظافرين في أولمبيا، وقد فعلت أكثر جدا من أن أفوز لكم في سباق، ثم إني - ~~فوق ذلك - رجل فقير في حاجة إلى معونتكم كي أواصل عوني لكم.» # وقد جعلت هذه الكلمات موته أكيدا - وعرف ذلك أصدقاؤه كما عرفه هو نفسه - وصوب نظره نحو ~~وجوههم حينما علا ضجيج الغضب من جانب المحكمين، ثم كف عن المزاح، وقد عرف أنهم كانوا ~~يريدونه أن يقترح النفي، وأنه لو اقترحه، والأصوات ضده أغلبية ضعيفة، لكان الأرجح أن ينقذه ~~هذا الاقتراح، بل إنه من الجائز أن ينقذه الآن. # ثم سأل المحكمة قائلا: «ولكني إن كنت لا أستطيع أن أقول الحق في مدينتي الخاصة أثينا، ~~فكيف يسمحون لي بقوله في أي مكان آخر، وأنا لا أستطيع أن ألزم الصمت؛ لأن الله قد أمرني ~~أن أتكلم، وإن كنت أعرف أنكم لا تؤمنون بذلك، وإذا قلت: إن الواقع أن أعظم خير يصيب الإنسان ~~هو أن يتحدث كل يوم عن الخير، وعن الأمور الأخرى التي سمعتموني أناقشها، باحثا في نفسي وفي ~~غيري، لو قلت: إن الحياة التي لم تبحث لا تستحق أن يعيشها إنسان، لو قلت ذلك لكان إيمانكم ~~به أقل، ولكن الحق هو ما أقول يا رجال أثينا.» # والآن في الختام اقترح عليهم بغتة ما يمكن أن يسموه عقوبة - غرامة يسيرة - تساوي أربعة ~~جنيهات، شيئا يثير فيهم السخرية والضحك، ولكنه كل ما يستطيع أن يدفعه، وأعاد عليهم قوله ~~بأنه لا يستطيع أن يتقدم بعقوبة تؤذيه، ولكن تقديم المال لا يعود عليه بالأذى، ولما ضاعف ~~أصحابه المبلغ ثلاثين مثلا، وهب أقريطون وكريتوبيولس وأبولودورس وأفلاطون صائحين بأنهم ~~يتعهدون بدفع كل ما يستطيعون من جيوبهم الخاصة؛ قابلهم بابتسامة وقبل الهبة منهم، وقال ~~للمحكمة: «إن أصحابي سيدفعون المال، ويمكن لكم أن تثقوا فيهم.» # ولم يبد عجيبا لمن عرفوه أن تخصص بقية الخطاب للحق، في حين أن نهايته كانت ~~لأصحابه. # ولم تحدث بعد ذلك أمور كثيرة، ثم كان التصويت يتبعه الحكم كما توقعه كل ms106 إنسان الآن، ~~وحكم على سقراط بالموت، وكان ينبغي أن يبعد توا، ولكنه - بسبب تأجيل لم يكن في الحسبان ~~- وجد فرصة من الوقت يلقي فيها على المحكمة كلمة أخيرة. # قال للرجال الذين أدانوه: «لا تحسبوا أني زللت لأني لم أجد من اللفظ ما يقنعكم؛ لأن المرء ~~حينما يحيق به أي لون من ألوان الخطر يستطيع أن يلتمس كثيرا من الحيل التي تنجيه من الموت، ~~ولكن الأمر الذي يشق على المرء ليس فراره من الموت، وإنما أشق منه أن تفر من فعل ~~السوء.» ~~«إن الموت بطيء، وقد لحق بي، وأنا شيخ مسن بطيء، أما الشر فسريع، وقد لحق بكم برغم ~~مهارتكم، لا بد لي أن أعاني حكمي، ولكن لا بد لكم كذلك أن تعانوا حكمكم.» # ثم توجه بالعزاء لأصدقائه الذين أرادوا نجاته، وأخذ طيلة النهار يقول لهم: إنه كان يتأهب ~~لشارة التحذير من الآلهة، ولكنها لم تنزل؛ ولذا فقد كان من الخير له أن يتوجه إلى المحكمة، ~~ومن الخير له أن يذكر لهم ما ذكر، سوف تكون النتيجة خيرا كذلك، فإما أن يكون الموت نوما ~~فحسب، أو يستطيع أن يؤدي عمله هناك كما يؤديه هنا. # وأكد لهم «أن هناك أمرا واحدا يجب عليهم أن يدركوا صدقه بقلوبهم، إنه لا يوجد للرجل ~~الخير شر، حيا كان أو ميتا، فإن الآلهة لا تهمل له أمرا.» # وكان عليهم أن يذكروا ذلك بعد لحظات عندما جاء ضباط السجن ليبعدوه. # الفصل الثالث عشر # | أقريطون يروي النهاية # أنا أقريطون صديق سقراط سأروي لكم نهاية قصته: # إننا نحن الأثينيين نبعث كل ربيع بسفينة تحمل رسالة إلى ديلوس، تلك الجزيرة الصغيرة التي ~~ولد فيها الإله أبولو، ونحن نفعل ذلك احتفالا بذكرى نجاتنا من خطر عظيم، وذلك حينما ~~تمكن بطلنا ثيسيس - بمعونة الإله - من قتل ~~مينوتور الكريتي صاحب الثور، الذي كان يفرض علينا ضحية من شبابنا كل عام، وهذه البعثة التي ~~كنا نرسلها كل ربيع هي فرصة للتطهر في المدينة، وما دامت السفينة غائبة - وكثيرا ما كانت ~~الرياح المضادة تطيل غيابها ms107 برغم قصر رحلتها - كان لا يجوز أن ينفذ حكم الموت في سجين من ~~سجناء الدولة، ومن أجل هذا طال مقام صديقنا سقراط معنا أكثر مما توقع أو توقعنا، ولو سارت ~~الأمور سيرها الطبيعي لتناول سم النبات المخدر في اليوم الذي أعقب صدور الحكم عليه مباشرة، ~~ولكن السفينة المقدسة كانت قد كللت بالزهر - وهذا هو الاحتفال الرسمي بافتتاح البعثة - ~~في اليوم الذي سبق المحاكمة، من أجل ذلك ولأن السفينة في غضون إبحارها وعودتها ستهب الرياح ~~مضادة لها يوما بعد يوم، قضى صديقنا في السجن شهرا بأكمله ... # ولست أدري إن كان الانتظار أثر في سقراط، كنا نلازمه كل يوم، ولم نلحظ عليه تغيرا، ~~بالرغم من أن الأصفاد لا بد أن تكون قد آلمت ساقيه، كما أنه لم يعتد أن يحبس عن ضوء ~~السماء، وكان السجان رحيما به على قدر ما يستطيع في هذه الظروف، واعتقد من مسلكه في ~~النهاية أنه أحب سقراط بعض الشيء. # وحرصت أن أصادق السجان أيضا، وأعتقد أن في ذلك نفعا، وقد أوشك جدا أن يكون ~~فيه. # وكما قلت: يظهر أن الانتظار لم يؤثر في سقراط، ولم يكن ~~بوسعه - بطبيعة الحال - إلا أن يمعن في التفكير ~~في الموت، وكان من قبل مشتغلا دائما بالحياة، ولم أعرف في حياتي امرأ يمتلئ كمثله حيوية، ~~ولكنه الآن يجابه مشكلة جديدة، وقد عالجها بما يليق به، فإن شيئا لم يمت قط بين يديه، حتى ~~الموت ذاته، وقد أثقلنا عليه كذلك في ذلك الشهر الأخير، وكان لا بد له من حيوية كافية ~~يشد بها أزرنا جميعا. # ومن العسير أن أوضح لكم كيف كان الأمر معنا، ولقد خلصنا في نفوسنا أثناء محاكمته، وكنت ~~راغبا جدا بإطلاقه في ذلك الحين إن كان لا بد من ذهابه، فلقد كان كبيرا جدا، ورأيت ~~ألا يستصغر نفسه من أجلنا، ولكنك فيما بعد ترى الناس يتحدثون فتعجب؛ لأن الحياة حياة والموت ~~موت مهما يكن من الأمر، وإن المرء ليساوره الشك في حصافة نفسه، وربما كان سقراط كذلك من ~~الغافلين، في ms108 نظر الدنيا على الأقل، والدنيا هي كل ما يهم الإنسان. # ثم عاد سمياس - أحد أصدقائنا - من طيبة يحمل مبلغا جسيما من المال، وقال صديقه سيبيز ~~الذي صحبه كعادته: إنه كان يستطيع أن يحصل على أكثر من ذلك لو دعت إليه الحاجة، وكان هناك ~~كثيرون آخرون متحمسون للمساعدة، وكانت خطتنا أن نرشو السجان والحرس، وأن نطلق سراح سقراط ~~ليلحق برفاقي في تسالي، ونعني نحن هنا في أثينا بالأطفال إن أراد أن يتركهم، وما كنت أظن ~~أنه يرضى أن ينتزعهم الآن من حقوقهم كمواطنين أثينيين، وما زالت حياتهم كلها أمامهم. # وفي الحق لم أكن متفائلا جدا في الخطة بأسرها، حقا كنا نستطيع أن نرشو السجان، ولم ~~يكن التنكر مشكلة، وكان لدى رجل آمن يصاحب البغال، ولكن الأمر كان يتوقف كله على موافقة ~~سقراط، وكنت من أصدقائه حينما كان سمياس وسيبيز لا يزالان طفلين في مهدهما، وكنت أعرفه حق ~~المعرفة، وكنت أعرف أنه لا يخجل البتة من الموت ولا يخشاه إلا قليلا، وقد تلقاه كضرب من ~~ضروب المغامرة التي ليس منها مفر، ولن يقف الآن ويفر منه إلا إن استطعنا أن نبين له أنه من ~~الخير له أن يفر. # واختاروني لكي أحدثه، وكان لسمياس الحق لو أراد ذلك، ويكادون جميعا أن يفضلوني في الحديث ~~ولكنهم اختاروني، ولم يتسع لي الوقت لكي أفكر في الأمر، وفي تلك الليلة وفدت إلى أثينا ~~جماعة من السفينة المقدسة قادمة من رأس سوينم، وذكرت أن السفينة إنما تنتظر هدوء الريح كي ~~تدور حول الرأس، وأنها سوف تصل في اليوم التالي، وسيلاقي سقراط بالطبع موته في اليوم الذي ~~يليه. # وكان السجان صديقي كما ذكرت، وقد سمح لي بالدخول في وقت مبكر في صبيحة اليوم التالي، ~~وكان لا بد أن يعرف بوجه عام ما كنت أرمي إليه، وتركني في الغرفة وحدي، وكان ذلك قبل ~~بزوغ الفجر، وسقراط لا يزال نائما. # وجلست إلى جواره برهة أراقبه وهو نائم، وقد استلقى ساكنا لا حراك به، ثم تيقظ من تلقاء ~~ذاته، وتولى أمر ms109 نفسه توا، وسألني لماذا أتيت، وعن الوقت، ولماذا أذن لي السجان ~~بالدخول، ولماذا لم أوقظه فور وصولي، وعرف في اللحظة الأولى نبأ السفينة، ولم يكن إخطاره ~~بالنبأ أمرا سيئا، إنما كنت أخشى النوع الآخر من السؤال. # ثم قص علي قصة حلم رآه قبيل يقظته: رأى امرأة ترتدي الثياب البيضاء تتفوه بالألفاظ ~~التي استخدمها أخيل عندما كان يفكر في الفرار من طروادة، وقالت له: إنه سوف يعود إلى بيته ~~في اليوم الثالث، وقد فسر ذلك بأنه سيموت بعد غده ولن يموت في غده، ومهما يكن من الأمر فقد ~~اتضح ما كان يدور في رأس سقراط. # ثم شرعت في الحديث، وذكرت له على عجل ما اعتزمت أن أخبره به، قلت: إنه يسيء إلى سمعة ~~رفاقه أولا، وقلت: إننا سنبدو جميعا جبناء، أو كأن حبنا له لا يكفي أن ننفق في سبيل ~~إطلاقه قليلا من المال، وكان في ذهني كما تعلمون أنه لا يريد الفرار من أجل ما قد يصيبنا ~~من أخطار، قلت له إنه لا يجب أن يحسب لذلك حسابا، فإن من حقنا أن نخاطر، وذكرت له ما كان ~~من أمر سمياس وما جاء به من مال، وأصدقائه الآخرين جميعا الذين يودون أن يقدموا له ~~المعونة، وقلت: إننا نستطيع أن نخرج أنفسنا من المأزق بالرشوة لو لزم الأمر، وإن أصدقائي في ~~تسالي سوف يقابلونه بالحب ويوفرون له مكانا آمنا. # وأخيرا لجأت إلى نوع الجدل الذي كنت أعلم أنه كان في انتظاره؛ وذلك أنه ليس من الصواب له ~~أن يستسلم هكذا، ويسمح للمخطئين أن ينتصروا، ويترك أطفاله يتامى، وذكرت له ما سوف يقوله كل ~~امرئ عن قضيته: ما كان ينبغي أن تبلى المحكمة، وما كان ينبغي أن تنقلب إلى ما انقلبت إليه، ~~والآن نراه ونرى أنفسنا جميعا جبناء ضعفاء لا نبرم بشأنها أمرا، وقلت له: إن وقت التفكير ~~قد انقضى، وعلينا أن نعمل، وأن نعمل في تلك الليلة. # ولم يسخر مني - وقد تدفقت مني الكلمات تدفقا كما يحدث لي أحيانا في حالات الانفعال ms110 - ~~ولم يقاطعني، ولما فرغت من حديثي قال: إن حماستي أمر له قيمته لو أنها اتجهت وجهة صحيحة، ~~واقترح أن نبحث في صواب الموضوع وخطئه معا، وأحسست كأني سأختنق عندما ذكر ذلك، فقد كان ~~الوقت ضيقا جدا، والخطر عظيما جدا لو وصلنا إلى قرار خاطئ، ومع ذلك فقد كنت أعرف أنه ~~سوف يقول ذلك، وكنت لسبب ما أريده أن يقوله. # ثم سار قدما ووضع أسس قرارنا، مذكرا إياي بالمبادئ التي اتفقنا عليها عدة مرات من قبل، ~~وبدأ أولا بالنقطة التي ذكرتها عما سوف يقوله الناس، وجعلني أقر أن المرء لا يستطيع أن ~~يحكم بالصواب أو الخطأ بمجرد ما يحكم به الرأي العام، وإن المرأ ليفسد روحه لو اتجه هذا ~~الاتجاه، كما يفسد الرياضي جسمه لو أصغى لكل امرئ سوى مدربه. # وتعرض بعد ذلك للنقطة الثانية وهي أن مجرد الحياة لا يهم، وإنما تهم الحياة التي تلتزم ~~الصواب، ولم يكن لي مناص من أن أقر ذلك أيضا. # والنقطة الثالثة التي تناولها هي أن الشر لا يرد بالشر، وكنت في الماضي البعيد أعتقد أن ~~تلك فكرة مضحكة، وذلك عندما أثارها أولا، ولكني بدأت أدرك أنه كان على صواب، إن الشر لا ~~يمكن أن يصدر عن إنسان خير؛ ولذا فقد اتفقت معه مرة أخرى، وإن يكن قد اشتد علي في ضغطه ~~لكي يرى إن كنت على ثقة تماما مما أقول. # قال: «أعرف أن قليلا من الناس من يعتقد في ذلك، وقليل من سوف يعتقدون فيه في مستقبل ~~الأيام، ومن يعتقد فيه ومن لا يعتقد لن يستطيعوا الاتفاق فيما بينهم على أي أمر من الأمور»، ~~ولكنني اتفقت معه. # ثم تنحى عن الجدل وجعل قوانين مدينتنا تتحدث - وعندئذ عرفت أني قد هزمت، ذكر لي ما تنص ~~عليه القوانين لو لاذ بالفرار - قال: إنها قد عنيت به منذ ولادته، ولما شب وأدركها خضع لها ~~كذلك، ولم يحاول قط أن يفر منها إلى مدائن أخرى أحسن قانونا، كيف يستطيع أن يهدمها ~~الآن؟! ولو هدمها فكيف يستطيع أن يتكلم ms111 عن الخير بعد ذلك؟ # وختم حديثه بقوله: «هذا هو الصوت الذي يرن في أذني يا أقريطون، يا صديقي العزيز، ورنين ~~هذه الكلمات موسيقى يخرس معها كل صوت آخر، فلو أنك عارضتها بالأسلوب الذي أحسه الآن فسوف ~~يكون حديثك عبثا، ومع ذلك فإن كنت ترى أن حديثك سيؤدي إلى الخير فلتتكلم!» # وأجبته بقولي: «ليس لدي ما أقول يا سقراط»، وحقا ما قلت، بيد أن إبلاغ الآخرين ~~بذلك كان أمرا عسيرا. # ووصلت السفينة، وعرفنا ذلك في المساء، ومن ثم فقد كنا بالسجن صباح اليوم التالي ~~مبكرين، ولم يأذن لنا حارس الباب بالدخول بادئ الأمر، وقال إن ضباط السجن مع سقراط يفكون ~~قيده، ويصدرون الضروري من الأوامر، ولما انصرفوا أدخلنا. # وألفينا سقراط على فراشه وسلاسله مفكوكة، وزانثب تجلس إلى جواره تحمل رضيعها، وقد لازمته ~~طوال الليل، ولكنها بدأت الآن تبكي لما ذكرت أن ذلك اليوم كان آخر أيامه، وطلب إلي سقراط ~~أن أبعث بأحد رجالي معها إلى البيت. # ولذا فقد بقينا وحدنا معه، وجلس على سريره يدلك ساقه حيث خدرتها الأصفاد، وقلبنا في ~~أحاديثنا شتى الموضوعات، وقال إنه حاول أن يقرض قليلا من الشعر، بسبب حلم كثيرا ما ~~انتابه في حياته، وطلب إليه أن يؤلف ألحان الموسيقى، وكان يعتقد أن «الموسيقى» ربما تعني ~~ممارسة الفلسفة، وهي بالتأكيد أرقى لون من ألوان النغم الموسيقي، ولكنه وضع نشيدا لأبولو، ~~وروى بعض حكايات أيسوب نظما لمجرد الشعور بثقته من نفسه. # ثم اتجه الكلام إلى الحديث عن الموت ومعناه، وعلى أية صورة سوف يكون فيما بعد، وخجلنا ~~قليلا من التعرض للموت في الحديث، وإن كنا قد أحببنا الخوض فيه، وكان أكثرنا حكمة وكنا ~~متعبين، وكانت تلك فرصتنا الوحيدة في السؤال، ولكنه لم يبد البتة خجلا من الخوض في هذا ~~الحديث، فقد اعتقد أن الموت لن يكون نهايته أو نهاية أي إنسان، ولكنه عرف أنه ربما كان ~~متحيزا في رأيه - في تلك الظروف - وفي اعتقاده فيما أراد أن يعتقد فيه، فسره أن يبحث ~~الأمر معنا. # وأذكر أننا لما ms112 جفلنا مرة من معارضته لأن المعارضة قد تؤذيه، حثنا على أن نفكر في الحق ~~أكثر مما نفكر فيه، وقال: «اتفقوا معي إن ظهر لكم أني أقول الحق، أما إذا لم يظهر لكم ذلك ~~فعارضوني ما وسعتكم المعارضة، وتأكدوا من أني لا أخدعكم وأجرفكم معي في تيار حماستي، ثم ~~أنصرف عنكم كما تنصرف النحلة وقد أودعت فيكم لدغتي.» # ولا أستطيع أن أطيل عليكم فيما حدثنا به، وسيحدثكم أفلاطون عما سمع منه، برغم أنه كان في ~~ذلك اليوم مريضا ولم يستطع مغادرة الفراش لكي يأتي إلى سقراط، بيد أنه سمع من بقيتنا، ~~وأعتقد أن الحديث نما في ذهنه فيما بعد، وذلك ما كان يريد سقراط في النهاية لكل منا: لونا ~~من ألوان النمو، وربما نما ذلك اليوم في ذهني كذلك، ولكن ما أذكره هو صديقنا دون حواره، ~~وكان دائما خير محاور، وأعتقد حتى الرمق الأخير أن الموت لن يقضي عليه، وكلما فكرت فيه ~~أعتقد ذلك أيضا. # وأذكر مظهره حينما تكلم عن الإوز العراقي، وقد ذكرنا بغناء الإوز الحلو عند موته - من ~~أسفها كما تعتقد كثرة الناس، وإن كانت الطيور لا تغني من الألم - وقال: إنها طيور أبولو كما ~~أنه خادم أبولو، كما قال: إن خدام أبولو لديهم موهبة التنبؤ، فهم يرون الأشياء الطيبة في ~~العالم الآخر، ويغنون من فرط السرور. # وحدث في الختام كذلك أمر لن أنساه، فقد أخذ يقص علينا قصة مؤداها أن العدالة والطهارة ~~التدريجية قد تدركانه وتدركان كلا منا بعد الموت، ولم يستطع أن يلح في تفصيل ذلك، ولكنه ~~قال: إنها مخاطرة حسنة، وإنه يجب علينا أن نتشجع وأن نرعى أرواحنا خير رعاية، فنحليها ~~بجمالها الخاص بها، من انسجام واستقامة وشجاعة وكرم وصدق، ثم سألته ماذا نستطيع أن نؤديه ~~له؟ وأجاب: لا جديد، ويكفي أن نرعى أنفسنا. إن الألفاظ الكثيرة الآن لن تغير شيئا من ~~الأمر، وإنما المهم هو الأسلوب الذي نعيش على غراره. # ثم سألته أخيرا كيف يريد أن يدفن، وإني لأكاد أذكر ما قال حرفيا: «على أية ms113 طريقة ~~تحبون، إذا لحقتم بي ولم أفر منكم!» ثم ابتسم لي ابتسامة رقيقة، ووجه نظره نحو الآخرين ~~وقال: «لا أستطيع أن أقنع أقريطون أني نفس سقراط الذي كان يتكلم منذ لحظة ويدلي بالحجج، إنه ~~يعتقد أني ذلك الجسم الميت الذي سوف يراه بعد برهة، وهو يسألني كيف يدفنني؟» ~~«وها أنا ذا في هذا المكان، لبثت أتحدث وقتا طويلا معزيا إياكم ومعزيا نفسي، وقائلا ~~إني لن أبقى معكم ما أتناول السم، بل سوف أذهب إلى جهة تبعث في النفس السرور بين المباركين، ~~ومع ذلك فالظاهر أني لم أحدث بكلامي كله أي أثر في أقريطون؛ ولذا فإني أريدكم أن ~~تضمنوني لدى أقريطون - كما ضمنني أمام المحكمة - ولكن في اتجاه آخر، لقد وعد أن أمكث في ~~أثينا، وعليكم أن تعدوا أني لن أمكث بعد مماتي، بل سوف أختفي، حينئذ لن تسوء مشاعر ~~أقريطون، وحينما يرى جسمي محروقا أو مدفونا لن يحزن من أجلي كأني أكابد مشقة كبرى، ولن ~~يقول في جنازتي: «هذه جنازة سقراط.» # لأن الألفاظ الكاذبة ليست متنافرة في حد ذاتها يا أقريطون، وإنما هي تبعث على الشر في ~~نفوسنا، فابتهج إذن وقل: إنك تدفن جسمي، وافعل به ما بدا له، وما تحسب أنه يتفق مع التقاليد ~~أشد اتفاق.» # وبعد ذلك ترك الآخرين برهة من الزمن، وأبقاني معه بينما كان يستحم ويعود إلى الحديث مع ~~الأطفال ومع زانثب وقريباته اللائي صحبنها، واستغرق ذلك بعض الوقت، ولما عدنا إلى الأصدقاء ~~الذين كانوا بانتظارنا في الغرفة الخارجية، كادت الشمس أن تغيب. # فجالسنا بعض الوقت، لا يتكلم كثيرا، حتى جاء السجان ليقول إن الوقت قد حان، ويستأذنه في ~~هذا، ويبكي وينعته بأنبل وأرق وخير إنسان أتى إلى ذلك المكان، وتحدث إليه سقراط في ~~رفق. # وذكرت لسقراط آنئذ أن الشمس ما برحت فوق الجبال، وأنه ليس بحاجة إلى تناول السم بعد، ~~وكنت أخشى الحديث، ولكنه لم يخش شيئا، وطلب إلي أن أصدر أمري؛ ولذا فقد جاء الرجل ~~بالكأس. # وسأله سقراط: «ماذا تقول؟ هل أصب قليلا داعيا ms114 أني الله؟» وقال الرجل: «لا.» فأجابه ~~بقوله: «لقد فهمت، ولكني أستطيع ذلك بالتأكيد، ولا بد أن أدعو الآلهة أن تكون الرحلة من ~~هنا إلى هناك رحلة سعيدة، ذلك هو دعائي اللهم آمين.» ورفع الكأس وشرب ما بها. # ولم أستطع أن أحتمل المشهد بعد ذلك، فنهضت وسرت إلى الجانب الآخر من الغرفة، لكي أبكي ~~هناك، وجاء معي فيدو الصبي، أما أبولودورس الذي بكى قليلا طوال النهار فقد أطلق صرخة كادت ~~أن تحطمنا جميعا كل التحطيم، لولا أن سقراط قد أوقفها. # وقال في ثبات: «ما هذا الأمر العجيب الذي تفعلون؟! لقد كان ذلك سببا من الأسباب الكبرى ~~التي حفزتني إلى إبعاد النساء؛ كي لا يقعن في هذا الخطأ، لقد سمعت أن الرجل ينبغي أن يموت ~~في صمت، فالزموا السكون وتمسكوا بالصبر.» # فانتابنا الخجل واستطعنا أن نكف عن ذرف الدموع، ومشى سقراط إلى الخارج برهة طبقا لما ~~أمر به، ثم استلقى على السرير، وبعد برهة أزال الغطاء عن وجهه - وكانوا قد ألقوه فوقه - ~~وقال - وكان ذلك آخر ما قال: «نحن مدينون يا أقريطون لإله الشفاء بديك، فهلا قدمته؟ لا ~~تنس ذلك.» # وضحيت بالديك في اليوم التالي، وسوف يدرك إله الشفاء أي خير قصد من وراء ذلك سقراط، ~~ودفنا جثته، وأظن أن سقراط نفسه لم يكن هناك، وأظن أن الخاتمة كانت خيرا على أية صورة ~~بات سقراط. ms115