######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMahmud.WasailWaGhayat.Hindawi42402513 #META# Tags: philosophy #META# ID: 42402513 #META# Title: الوسائل والغايات #META# AuthorID: 86935306 #META# Author: أولدس هكسلي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 71316163 #META# Translator: محمود محمود #META# Related_books: 1383AldousHuxley.EndsMeans (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - أهداف الإنسانية وسبل تحقيقها‏ # 2 - معنى التفسير‏ # 3 - الإصلاح الاجتماعي الشامل‏ # 4 - الإصلاح الاجتماعي والعنف‏ # 5 - الجماعة التي تسير على خطة مرسومة‏ # 6 - طبيعة الدولة الحديثة‏ # 7 - المركزية واللامركزية‏ # 8 - اللامركزية والحكم الذاتي‏ # 9 - الحرب‏ # 10 - عمل الأفراد في الإصلاح‏ # 11 - عدم المساواة‏ # 12 - التربية‏ # 13 - العادات الدينية‏ # 14 - المعتقدات‏ # 15 - قواعد الأخلاق‏ # 1 - أهداف الإنسانية وسبل تحقيقها‏ # 2 - معنى التفسير‏ # 3 - الإصلاح الاجتماعي الشامل‏ # 4 - الإصلاح الاجتماعي والعنف‏ # 5 - الجماعة التي تسير على خطة مرسومة‏ # 6 - طبيعة الدولة الحديثة‏ # 7 - المركزية واللامركزية‏ # 8 - اللامركزية والحكم الذاتي‏ # 9 - الحرب‏ # 10 - عمل الأفراد في الإصلاح‏ # 11 - عدم المساواة‏ # 12 - التربية‏ # 13 - العادات الدينية‏ # 14 - المعتقدات‏ # 15 - قواعد الأخلاق‏ # | الوسائل والغايات # | الوسائل والغايات # تأليف # أولدس هكسلي # ترجمة # محمود محمود # | الوسائل والغايات # بقلم محمود محمود # وهو بحث لأولدس هكسلي في طبيعة المثل العليا، وفي الوسائل التي تستخدم لتحقيقها، ~~نقدمه إلى قراء العربية. # | تعريف بالمؤلف # بقلم محمود محمود # مؤلف هذا الكتاب أولدس ليونارد ~~هكسلي # Aldous Leonard Huxley # ولد في إنجلترا عام 1894م، ولا يزال حتى اليوم على قيد الحياة، لا ~~يني عن الكتابة والتأليف ولا يفتر. وقد بدأ حياته الأدبية شاعرا، محتذيا في ذلك حذو أكثر ~~الكتاب المعاصرين. ونشر شعره أول الأمر في مجلة هويلز # Wheels ~~، ثم جمعه في ديوان عنوانه «العجلة المحترقة» # The Burning Wheel # نشره عام 1916م. وفي هذه ~~السنة عينها اشترك مع غيره من الأدباء في جمع ديوان «شعر ~~أكسفورد» # Oxford Poetry ~~. وقد بقي شاعرا طوال حياته، مخالفا بذلك الكثيرين من أدباء ~~عصره، الذين انحرفوا من الشعر إلى النثر. وهو الآن شاعر ثائر على العالم الذي يقوم على ~~الأسس العلمية، كما أنه ثائر على ازدياد نفوذ العلم في الحياة. وفي إحدى رواياته يتخيل أن ~~الإنسان سوف يتناسل في المستقبل لا عن طريق الحب والتقاء الرجل بالمرأة، ولكن عن طريق ~~العلم، وتكوين الأطفال بطريقة علمية داخل القوارير. وهكذا يصور لنا هكسلي العلم في ~~صورة تشمئز منها النفوس وتقشعر الأبدان. ولعل هذا ms001 التطرف في الخيال هو الذي جذب إلى ~~هكسلي كثيرا من القراء. # وهو حفيد توماس هنري هكسلي العالم الشهير الذي تلقى عليه العلم ه. ج. ولز، وبين الحفيد ~~وجده شبه كبير في الصورة والقسمات. وينحدر هكسلي من ناحية أمه من أسرة توماس أرنولد ~~ناظر مدرسة رجبي الشهير. ومن بين أقربائه من كان أستاذا، ومن كان عالما، أو شاعرا، أو روائيا. فلو ~~تصورنا هذه المجموعة من الرجال الممتازين حول فراش مولده عام 1894م أدركنا ما في دمائه من ~~مواهب. وقد استطاع بقلمه وذكائه أن يرتفع إلى سماء الشهرة. # وهو رجل طويل القامة نحيل القوام، حتى إن أطفال هامستد # Hampstead # كانوا يتجمعون حوله في شبابه الباكر ويهزءون به. غير أن طول ~~قامته يخيل للناظر إليه أنه يعيش في عالم غير عالمنا، وأنه شامخ بعظمته. وما أبعد ~~هذا عن الصواب؛ فإن هكسلي يتحدث إلى كل من يلقاه في سهولة وتواضع. وهو رجل شديد المرح، لا ~~يتصف بالتزمت. وهو يستعمل في أحاديثه كثيرا من غريب اللفظ، لا لأنه يتكلف في الحديث، ~~ولكن لأن الرجل غريب في تفكيره، وهو بحاجة إلى هذه الألفاظ يعبر بها عما يختلج في ~~نفسه. وهو مولع بلقاء الشواذ من الناس، ومشاهدة الشاذ من المناظر؛ لأن به ميلا نحو ~~الشذوذ. # وقد قاسى كثيرا وهو في طفولته من ضعف بصره، الذي كاد أن يفقده ويعيش ضريرا أعمى البصر. ~~وقضى أياما كثيرة وحده في غرفة مظلمة لا يستطيع القراءة، ولا تقع عيناه على شيء، فانقلب ~~إلى دخيلة نفسه يفكر فيها ويتأمل. وكان لهذه الفترة أثرها الكبير في كل ما كتب فيما ~~بعد. وزال الخطر، واسترد الكاتب بصره، ولكنه لا يزال ضعيف النظر. وتعلم في أكسفورد، ~~وفيها نشر بعض قصائده كما قدمت. وبعدما أتم دراسته في الجامعة اشتغل بالصحافة، ونشر عدة ~~مقالات جمعها في كتابه «على الهامش» # On the Margin # ثم ~~جمع بعضا من قصصه في كتاب سماه «السجن # Limbo ~~»، وهو ~~فاتحة عهد جديد في حياته الأدبية. # وبعد «السجن» مارس كتابة الرواية الطويلة، مستوحيا فيها ms002 الكاتب توماس بيكوك # Thomas Peacock # المعروف بسعة الاطلاع ~~وبروح التهكم. وقد أخذ هكسلي عنه منهجه في الرواية؛ فلم يكن في يوم من الأيام روائيا ~~بالمعنى الصحيح، إنما هو رجل واسع الاطلاع متهكم من الناس. وله قدرة عظيمة على القصة ~~القصيرة، ولكنه حينما يحاول القصة الطويلة يتخذ من خياله الروائي وسيلة لبث آرائه. # وهو كاتب متنوع المواهب متنوع الموضوعات. يقول عنه أخوه جوليان # Julian # إنه الرجل الوحيد الذي يحمل معه دائرة المعارف البريطانية حينما ~~يقوم برحلة طويلة أو يطوف حول العالم. ولكنه - برغم اطلاعه الواسع - لا يقتصر عند حد ~~النظر، بل يتعداه إلى العمل. يستمتع بالفكر كما يستمتع بالحس. فهو كثير الإدمان في القراءة، ~~ولكنه رجل اجتماعي حي. وقل من الناس من يجمع مثله بين هاتين الصفتين. # وفي مجموعة قصصه التي جمعها تحت عنوان «السجن» وفي روايته «الكروم الأصفر» # Crome Yellow # تتبين قدرته العظيمة على السخرية ~~من المتكبرين والأدعياء. ورواياته مليئة بالصور الإنسانية التي تتميز بالتهكم المرح، ~~وقد خص بسخريته أبناء الطبقة الراقية، فأثار على نفسه سخطهم، ولكنه لم يعبأ بهم ولم ~~يكف عن الضحك منهم. وفي روايته «الكروم الأصفر» يعلن تلك المشكلة الكبرى التي حاول أن ~~يحلها في كل ما كتب، جاء في هذه الرواية العبارة الآتية: # يدخل الرجل هذه الدنيا ومعه آراء مجهزة عن كل شيء، وله فلسفة يحاول أن يخضع ~~لها الحياة. في حين أنه كان من الواجب أن يحيا المرء أولا، ثم يحاول بعد ذلك أن ~~يلائم بين فلسفته وبين الحياة كما عرفها ... إن الحياة والحقائق والأشياء معقدة ~~تعقيدا شديدا، مع أن الآراء - مهما تعسرت - تخدعنا ببساطتها. كل شيء غامض ~~مضطرب في عالم الحياة، وكل شيء واضح في عالم الآراء. فهل من العجب بعد هذا أن يكون ~~الرجل منا بائسا في حياته تعسا؟ # ويتبين لنا من هذا أن هكسلي لا يحب أن يتشبث بالمبادئ والأصول وقواعد العلم، وإنما ~~يقيم وزنا كبيرا للمعارف العملية وتجارب الحياة. كان هكسلي من رجال الفكر، وهو يفخر ~~بذلك، ولكنه - برغم هذا - كان ms003 قادرا، بل ومتحمسا، على أن يستفيد من الخبرة ~~والتجربة. # وصل إلى لندن بعدما أتم دراسته الجامعية ورأسه مفعم بالنظريات. ثم أحس بشيء من ~~القلق، ولم يطمئن إلى نظرياته كل الاطمئنان، وأدرك أنها لا تعالج مشاكل الحياة الكبرى، ~~فتتمم الرأي بالخبرة، والعلم بالتجربة. أدرك أن حجرة المعلم لها جمال البساطة، ~~ولكن بالأرض والسماء كنوزا غنية من المعارف لا تخضع لأي نظام فلسفي، ولا يحلم بها رجال ~~الفكر. أدرك هكسلي بعد قدومه إلى لندن أن آراءه لا تقنعه كل الإقناع، واشتغل بالصحافة، ~~ورأى عن كثب سلوك الرجال والنساء، وكيف تسير الأمور، فتعلم ألوف الأشياء التي لم يتطرق ~~إليها منهج الجامعة. فجمع هكسلي بين الثقافة النظرية والخبرة العملية. # وهكسلي من أبناء الطبقة المتوسطة، لا هو بالغني الذي يتوفر له الفراغ، ولا بالمعدم الذي ~~يشغل وقته كله بكسب القوت. وقد تأثر بهذا الوضع الاجتماعي في أدبه، فسخر من أبناء الطبقة ~~الرفيعة، كما عبر عن تقززه واشمئزازه من الفقر المدقع، وإن كان يعطف على الفقراء. ~~وانتهى هكسلي إلى شيء من اليأس، لا يرى نفعا في أي شيء. # ثم مل النقد والسخرية، وانصرف إلى التفكير في مستقبل العلم والعلماء، فكتب من بين ما ~~كتب روايته «عالم جريء جديد» # Brave New World ~~، وفيها ~~يعبر عن خوفه من سيطرة العلم على حياة الناس. يصور في هذا الكتاب مدينة العلماء ~~الفاضلة بكل ما فيها من مساوئ، وهو يرى أن العالم الجديد - عالم العقاقير والآلات - تنتفي ~~منه العاطفة والشعر والجمال. في هذا العالم الجديد كل شيء آلي، وكل شيء مرسوم، أو محفوظ ~~في قارورة، والصفة الإنسانية تكاد تنعدم. ولعل هكسلي من بين الكتاب الأحياء جميعا الكاتب ~~الوحيد الذي يستطيع أن يصور نتائج العلم بجرأة ووضوح، وهو في هذا الكتاب عالم وشاعر، ~~يرسم لنا صورة مدهشة يتقزز منها القارئ كما تقزز منها الكاتب. # ونقدي لهذا الكتاب - بل ونقدي لأكثر ما كتب هكسلي - أنه سلبي؛ أي إن الكاتب يسخر ~~ويتقزز دون أن يقدم لنا جديدا. فهو يهدم ولا يبني، إذا ذهب إلى ms004 السينما شاهد قصصا ~~يقشعر لها بدنه، والجمهور المحتشد في دار السينما في عينيه قذر بليد في جسمه وعقله. ~~آراؤهم سخيفة، وهم مخدوعون في أنفسهم أكبر خداع. وإن قرأ الكتب ألفاها سخيفة ومليئة ~~بالآراء الوضيعة. وإن رحل إلى بلد جديد ألفى سكانه أغبياء بلهاء، لا يختلفون عن أولئك ~~الذين خلفهم وراءه في أرض الوطن. وإن بحث في السياسة وجدها فاسدة، وفي الأخلاق ألفاها ~~دنسة، وفي الروحية لم يجدها سوى مجرد «انتقال ~~أفكار» # telepathy ~~، وفي مملكة الحيوان رآها تأكل وتتناسل وتتكاثر بغير فهم أو إدراك. ~~وهكذا الأمر فيما يتعلق بالمدينة الفاضلة العلمية؛ فهي ليست إلا خيال فئة من العلماء تمتلئ ~~رءوسهم بالتفكير المادي، وتخلو قلوبهم من شعلة الروح. # ولا يذكر لنا هكسلي في أكثر ما كتب ما مثله الأعلى الذي يرمي إليه. وهو يفعل ذلك إلى ~~درجة ما في كتابه «عالم جريء جديد»؛ فهو هنا ينادي بالعودة إلى البساطة القديمة، وإلى ~~الأمومة الصحيحة، إلى الأطفال ترعاهم أمهاتهم، وإلى الريف الذي لم يلوث بالعلم والمادة، ~~ولم يتعرض هكسلي لبحث المثل العليا، وإصلاح عيوب المجتمع بصورة جدية إلا في كتابه هذا ~~«الوسائل والغايات» الذي نقدمه اليوم إلى القارئ العربي. # ويتعجب هكسلي لكمية الجهل في العالم، ولضعف النظرة التركيبية عند المفكرين والباحثين. ~~وهو يريد أن يعرف كل شيء، ويعتقد أنه لا يستطيع أن يصل إلى قرار في شأن من شئون الحياة إلا ~~إن أدرك كل شيء؛ ولذا تراه لا يني عن الدرس والتحصيل. ويميل هكسلي إلى إخضاع المظاهر ~~المختلفة إلى قاعدة واحدة شاملة، وقد يستطيع في مقتبل العمر أن يقود العالم إلى الخير ~~والسعادة. # وفي كتابه هذا «الوسائل والغايات» عرض ونقد وإصلاح لوسائل الحكم والإدارة الحديثة، ~~وللحروب، وفكرة المساواة، والتعليم والدين والمعتقدات والأخلاق. وقد عرضناه على القارئ ~~العربي مسهبين حينا وموجزين أحيانا. وقد أوجزت بصفة خاصة في الفصول الأخيرة من ~~الكتاب التي بحث فيها هكسلي المعتقدات والأخلاق؛ لأنه كان فيها هداما أكثر منه ~~منشئا. # وإنا لنرجو أن يجد كل محب في الإصلاح الاجتماعي هداية في ms005 هذا الكتاب، والله ولي ~~التوفيق. # الفصل الأول # | أهداف الإنسانية وسبل تحقيقها # ليس من شك في أننا جميعا متفقون على الغرض الأسمى من مجهود الإنسان في المدنية الراهنة، ~~وليس من شك في أن هذا الغرض هو عينه الذي سيطر على العقول خلال الثلاثين قرنا الماضية. وقد ~~عبر الرسل والأنبياء والمصلحون جميعا عن هذا الغرض من عهد أشعيا في الزمان القديم إلى ~~عهد كارل ماركس في العصر الحديث وليس بينهم من خلاف. # إن الإنسان ليتطلع إلى عصر ذهبي تسود فيه الحرية والسلام والعدل والحب الأخوي، عصر لا ~~تسل فيه أمة على أمة سيفا ولا يقاتل الإنسان فيه أخاه الإنسان، عصر يؤدي فيه تطور ~~كل أمة وتقدمها إلى تطور الأمم الأخرى جميعا وتقدمها، عصر يعرف الناس فيه جميعا ~~ربهم حق المعرفة ويغمر عقولهم العلم بباريهم كما تغمر المياه البحار. # قلت إننا متفقون جميعا على الغرض الأسمى من مجهود البشرية. ولكن هل نحن متفقون على السبل ~~والوسائل التي تؤدي إلى تحقيق هذا الغرض؟ لا وربي. هنا تختلف الآراء وتتناقض وتتضارب، ~~وهي آراء فطيرة غير ناضجة. ومن عجب أن كل رأي من هذه الآراء - على تناقضها وتضاربها - ~~له أتباع يؤمنون به ويتحمسون له، ويعتنقونه بغير بحث أو تمحيص، ويتعصبون له أشد ~~التعصب. # فمن الناس في الوقت الحاضر من يعتقد أن الطريق الذهبي إلى عالم خير من عالمنا هذا هو ~~طريق الإصلاح الاقتصادي. ومن الناس من يعتقد أن أيسر السبل إلى المدينة الفاضلة والحياة ~~المثلى هو الانتصار الحربي وسيادة دولة معينة على باقي الدول. وآخرون يؤمنون بالثورات ~~الداخلية المسلحة وتسلط الطبقة الممتازة من الشعب على غيرها من الطبقات، وفرض إرادتها ~~وآرائها على الناس أجمعين. وهؤلاء وأولئك جميعا تشغل أذهانهم حين يفكرون في الإصلاح ~~الجماعة الإنسانية وطرق تنظيمها تنظيما شاملا واسعا، وينسون الفرد أو يتناسونه كأنه ~~حجر في بناء شامخ، إذا استقل فقد قيمته، وإذا انضم إلى غيره كان جديرا بالتقدير والنظر. ~~ولكن هناك طائفة أخرى من المصلحين تنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى. هؤلاء يعتقدون أن ms006 ~~الإصلاح الاجتماعي لا يتحقق إلا بإصلاح الأفراد الذين منهم يتألف المجتمع، ومن بين هؤلاء ~~الذين ينحون في التفكير هذا النحو من يعلق آماله على التربية ويضع فيها كل ثقته، ومنهم ~~من يؤمن بالتحليل النفسي كوسيلة لإصلاح الفرد، ومنهم من يعتنق مذهب السلوكيين ويرى فيه ~~سبيل الإصلاح. وهناك طائفة من الناس لا ترى خيرا إلا في العودة إلى الدين وقوة اليقين، ~~ولكن أفراد هذه الطائفة يختلفون فيما بينهم على الدين الذي يجب أن يعتنقه الإنسان. # ومهما يكن من شيء فالكل مجمع على أن الإنسان لا بد أن يرقى، ولا بد أن يرتفع إلى المثل ~~الأعلى. ولا بد لنا لزيادة الإيضاح من أن نقول كلمة في هذا الإنسان المثالي الكامل الذي ~~تتطلع إليه الأنظار ويصبو إليه مريدو الإصلاح. إن لكل عصر وكل طبقة مثلها الأعلى. ~~فالطبقات الحاكمة في بلاد اليونان كانت تقدس الرجل الكريم النبيل عالي النفس، الرجل ~~«العالم المهذب». وكانوا في الهند قديما - كما كان نبلاء العصور الوسطى في أوروبا - ~~يقدسون «الفارس». والمثل الأعلى للرجل في القرن السابع عشر هو «الرجل الأمين». أما في ~~القرن الثامن عشر «فالفيلسوف» هو مثل الإنسانية الأعلى. والقرن التاسع عشر يقدس الرجل ~~الرزين «الموقر». وفي مستهل القرن العشرين آمن الناس بالرجل «الحر»، ثم تطور الرأي ~~العام واتجه إلى عبادة «الزعيم المؤله» الذي تسير وراءه الجماعة سير الأغنام. أما ~~الطبقات الوضيعة الفقيرة فقد كانت خلال العصور جميعا تحلم بالرجل الحر السعيد صحيح البدن ~~الذي لا يناله من غيره ظلم أو اعتساف. # هذه مثل مختلفة متعددة، وهي فوق هذا مضطربة تدعو من يتدبرها إلى الحيرة والارتباك، ~~فأيها نختار لأنفسنا في هذا العصر الحديث؟ لا أظن أن واحدا من هذه المثل يلائم حياتنا ~~الحاضرة؛ لأن كلا منها كان ثمرة لظروف اجتماعية معينة تختلف عن الظروف التي تحيط بنا ~~اليوم. # بيد أنه ينبغي لنا ألا ننسى أن هناك أفرادا من ذوي العقول الممتازة الجبارة استطاعوا ~~في فترات مختلفة من التاريخ أن يتحرروا من ظروف الزمان والمكان، وألا يقيدوا أنفسهم ~~بملابسات ms007 عصورهم وبلادهم. وقد رسم كل فرد من هؤلاء الأفراد للإنسانية مثلا أعلى يختلف عن ~~المثل السائد في عصره. ومما هو جدير بالاعتبار والنظر أن الآراء التي نادى بها هؤلاء ~~الرجال جد متشابهة؛ وذلك لأن أهداف الإنسانية هي بعينها في كل زمان ومكان، وقد استطاع ~~هؤلاء المصلحون أن يدركوها بما لديهم من بصيرة نافذة، وأن يخطوا لتنفيذها خططا ~~متقاربة متشابهة. وقد أمكن لهؤلاء الأفذاذ أن يتحرروا من تقاليد زمانهم لأنهم بدءوا ~~بأنفسهم فحرروا عقولهم من التحيز والهوى، واخترقوا ببصائرهم حجب الحياة المعاصرة، ~~ونفذوا بها إلى الحقائق الأبدية العليا. والواقع أن كلا منا لديه بصيص من هذه البصيرة ~~الوقادة، ولكنه لا يستطيع أن يفيد منها أو يستغلها إلا إذا ترفع عن التحيز لرأي ~~بعينه أو عقيدة بذاتها. غير أنه قل من الناس، بل قل من الفلاسفة الحاذقين، من نجح في ~~تحرير نفسه كل التحرر من سجن عصره وجو بلده الخانق. وربما كان أقرب الناس إلى التحرر ~~العقلي جماعة المتصوفين ومؤسسو العقائد والأديان؛ أولئك الذين يجمعون بين الفضيلة ~~ونفاذ البصيرة. # وقد أجمع هؤلاء الرجال الأحرار - على كر الأجيال - على الصفات التي ينبغي أن تتوفر في ~~الفرد كي يصبح إنسانا مثاليا. إن الرجل الذي يكبل نفسه بتقاليد عصره قد يعجب بهذا ~~المثل حينا وبذاك حينا آخر، ولكن أحرار الرجال في كل زمان ومكان لهم رأي واحد يعتنقونه ~~ولسان واحد ينطقون به. # ومن العسير أن نجد كلمة واحدة تصف وصفا كاملا هذا الرجل المثالي كما يتصوره الفلاسفة ~~الأحرار والمتصوفة وواضعو العقائد والأديان. وربما كانت خير كلمة تعبر عن مجموع صفات مثل ~~هذا الرجل هي «المتحرر». الرجل المثالي هو الرجل المتحرر، المتحرر من أحاسيسه البدنية ~~ومن شهواته، المتحرر من الولع بالنفوذ وحب الامتلاك، المتحرر من الغضب والبغضاء، المتحرر من ~~العشق والهيام، المتحرر من حب الثراء وبعد الصيت والشغف بعلو المركز الاجتماعي، بل ~~المتحرر من قيود العلم والفن وحب الإنسانية. أجل، المتحرر حتى من هذه الصفات التي نحسبها ~~حسنة مرغوبة؛ لأنها جميعا صفات لا تشبع النفس المتعطشة ms008 إلى الخير المحض. ويرى الفلاسفة ~~وواضعو الأديان أن التحرر من الذات ومن شئون الدنيا يؤدي إلى الاتصال بحقيقة عليا ~~أعظم من الذات وأكثر منها أهمية، بل أعظم وأكثر أهمية من خير ما تهبه لنا هذه الدنيا. ولا ~~نحب أن نفصل القول في هذه الحقيقة العليا في هذا الموضع من الكتاب. إنما نحب أن نشير ~~إلى أن فكرة التحرر تقتضينا أن نعترف بوجود حقيقة روحانية عليا تكمن خلف مظاهر الدنيا ~~جميعا وتهيمن على كل الوجود. # وقد يظن القارئ أن «المتحرر» يقف من الحياة موقفا سلبيا، لا يتحرك ولا يعمل، ولكن ~~الواقع غير ذلك؛ إذ إن المرء إن أراد أن يتحرر كان من واجبه أن يتحلى بالفضائل جميعا، بل ~~وأن يمارسها عملا. عليه أن يتصف بالتسامح؛ لأن الغضب والحقد يعوقان النفس عن أن تتصل ~~بما هو أعلى من النفس وأرقى. وعليه كذلك أن يتصف بالشجاعة؛ لأن الخائف ينصرف إلى التفكير في ~~سلامة البدن. والتحرر - فوق ذلك - يربي في المرء قوة الذكاء وعادة الكرم وعدم الاكتراث ~~أو المبالاة. ومن ثم ترى أن التحرر يفرض على من يتحلى به أن يقف من هذه الدنيا ~~موقفا إيجابيا، ينزل إلى ميدان الحياة ولا يحجم عن خوض معركتها. # والتحرر بهذا المعنى معروف منذ ثلاثة آلاف عام. فهو من صميم الهندوسية والبوذية، كما أن ~~لاوتسو الفيلسوف الصيني عرفه وعبر عنه أحسن تعبير. وبشر به الرواقيون في اليونان. ~~وليس إنجيل المسيح سوى إنجيل التحرر من أعراض هذه الدنيا الزائلة حتى يتسنى للمسيحي أن ~~يتصل بربه وبارئه. وقد نادى الفلاسفة المسيحيون بضرورة التحرر، فقال جون تولز # John Tauler ~~: «إن التحرر طهارة تامة، وانفصال كامل عن ~~شئون الدنيا يؤدي إلى البحث عن الله حتى يصبح المرء متحدا بربه أو متصلا به كل ~~الاتصال.» ويقول فيلسوف آخر: «علينا أن نمر بالهموم كألا وجود لها، لا عن خمول أو ~~كسل، ولكن عن حرية عقلية تدفعنا إلى عدم التمادي في حب مخلوق ما إلى حد التطرف.» وهناك ~~أقوال أخرى كثيرة في هذا المعنى لسنا ms009 نرى داعيا لذكرها. كما أن علماء الأخلاق من غير ~~رجال المسيحية يؤكدون ضرورة التحرر بدرجة لا تقل عما يحب المسيحيون. فالفيلسوف ~~اسبينوزا يبشر به، وهو يقصد ب «العبودية الإنسانية» حالة المرء الذي يخضع لرغباته ~~وعواطفه وأفكاره ويسمح لها أن تتحكم فيه. # والرجل المتحرر هو الرجل الذي يضع حدا للألم - على حد تعبير بوذا - فهو لا يتألم ولا ~~يوقع بغيره الألم. ذلك هو الرجل السعيد، وذلك هو الرجل الطيب. # غير أن من بين رجال الأخلاق قلة تنكر قيمة التحرر. من هؤلاء نيتشه، ولعله أكثرهم ~~شهرة وأبعدهم صيتا، ومنهم ماركيز دي ساد # Marquis de sade ~~. ~~ولكن هؤلاء الرجال من غير شك فرائس لأهوائهم ولظروف اجتماعية معينة أحاطت بحياتهم. ~~إنهم كانوا لا يقدرون على التحرر فلم يستطيعوا التبشير به. كانوا هم أنفسهم أرقاء فلم ~~يفهموا مزية الحرية. وهم في هذا شواذ من غير شك. وكذلك كان مكيافلي وهجل، وأمثالهما ~~من فلاسفة الفاشستية والاشتراكية الدكتاتورية المعاصرين، فرائس لظروف اجتماعية معينة. ~~وكلهم شواذ في عالم الفكر السياسي. # هذه هي المثل العليا للفرد والمجتمع، المثل التي اتخذت صيغتها منذ نحو ثلاثة آلاف ~~عام في آسيا، والتي ما زال يتعلق بها الكثيرون حتى وقتنا الحاضر. ولكن أكثر شعوب العالم ~~اليوم - رغم إعجابها بهذه المثل - أبعد ما تكون عن اتباعها أو الاهتداء بنورها. # يقول الدكتور مارت # Marett ~~: «إن التقدم الحق هو أن يحب ~~الناس بعضهم بعضا. أما جميع أنواع التقدم الأخرى فهي ثانوية.» وقد تقدمت الإنسانية ~~خلال العصور التاريخية تقدما حقا، ولكن في فترات متباعدة وبغير نظام، وكان التقدم ~~عظيما حقا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويحب أبناء القرن العشرين بعضهم بعضا ~~في وجوه متعددة، ولكنهم في الأمور السياسية لا يعرفون تبادل الحب والتسامح؛ فرجال الحكم ~~كثيرا ما يحيدون عن جادة العدل والاتزان. بل إن هناك من أصحاب النظريات من يبرر قسوة ~~الدولة على الشعب، ولا يرى غضاضة في ضرب الناس بالسياط، أو في اضطهاد الأقليات أو شن ~~الحروب. # ويترتب على تبادل البغضاء بين الناس انحطاط في ms010 نظرتهم إلى الحق؛ فالدكتاتوريون ~~السياسيون والاقتصاديون في العصر الحاضر يخترعون الأكاذيب بصورة لم يسبق لها مثيل في ~~التاريخ. وهم يبثون أكثر هذه الأكاذيب في الدعاية المنظمة التي تنفث الكراهية ~~والغرور في صدور الناس وتمهد العقول لقبول فكرة الحرب والقتال. # ويجب أن نذكر أن تبادل الحب لا يمكن أن يتمكن من القلوب إلا إذا عاد الناس إلى الدين ~~الصحيح والعقيدة في إله واحد . ولكن العامة اليوم تعبد آلهة متعددة؛ فهي تعبد الأمة أو ~~تعبد طبقة معينة من الناس أو قد تقدس الفرد. # هذا هو العالم الذي نعيش فيه. إذا حكمنا عليه بمعيار التقدم الحق ألفيناه ينحدر في سبيل ~~التأخر والانحطاط. إننا لا ننكر أن التقدم العلمي والفني يسير بخطى حثيثة، ولكن ~~تبادل الحب بين القلوب لا يسير مع هذا التقدم جنبا إلى جنب؛ ولذا فليس من وراء التقدم ~~العلمي والفني فائدة، بل إنه من بواعث التأخر والتدهور في كرم النفوس وطيب ~~الأخلاق. # فكيف لنا إذا أن نتحاشى هذا التأخر الخلقي الذي يملك علينا نفوسنا والذي تقع علينا ~~جميعا تبعته؟ كيف نحول الجماعة الراهنة إلى الجماعة المثالية التي ارتآها لنا الأنبياء ~~والمصلحون؟ كيف يتحول الرجل الطامع إلى الرجل المتحرر الذي يستطيع وحده أن يخلق جماعة ~~خيرا من الجماعة التي نعيش فيها؟ هذه هي الأسئلة التي أحاول الإجابة عنها في هذا ~~الكتاب. # وفي خلال الإجابة عنها سأجدني مضطرا إلى علاج موضوعات كثيرة متنوعة ليس عنها من ~~محيص؛ لأن مناحي النشاط الإنساني معقدة، والدوافع الإنسانية مختلطة كل الاختلاط. وكثير ~~من الكتاب لا يعرفون حق المعرفة هذا التنوع والتعقيد في آراء الناس وأغراضهم وأعمالهم. ~~إنهم يبسطون المسألة أكثر مما ينبغي؛ ومن ثم تراهم يقدمون لها حلا غاية في ~~البساطة والسذاجة. ومن أجل هذا رأيت من الضروري أن أبدأ موضوعات الكتاب الأساسية بمناقشة ~~ما نعنيه من كلمة «التفسير». ماذا نعني حينما نقول إننا فسرنا موقفا معقدا؟ ماذا نعني ~~حينما نتحدث عن حادث معين كأنه سبب في حادث آخر؟ إننا إذا لم نعرف الجواب عن هذه ~~الأسئلة ms011 كانت نظرتنا إلى طبيعة الاضطراب الاجتماعي وطرق علاجه قاصرة ناقصة. # ومن البحث في معنى التفسير يتبين لنا أن المشكلة الإنسانية لا يمكن أن ترجع إلى سبب ~~واحد، بل إن لها لأسبابا متعددة. وينجم عن ذلك أن أمراض المجتمع لا يمكن أن يكون لها علاج ~~واحد شامل. يجب أن نبحث عن علاج الاضطراب الاجتماعي في ميادين متعددة في وقت واحد. وفي ~~الفصول التالية من الكتاب سأبحث في هذه الميادين، بادئا بالسياسي منها والاقتصادي ثم ~~معقبا بالسلوك الشخصي. وسوف أقترح في كل حالة أنواع الإصلاح التي يمكن إدخالها إذا كان ~~لا بد للناس من تحقيق الأغراض السامية التي يعترفون جميعا أنهم يبتغونها. ويضطرني هذا ~~إلى البحث في علاقة الوسائل بالغايات. وسأبين في مواضع كثيرة من الكتاب أن الأغراض ~~الطيبة لا يمكن تحقيقها إلا بالوسائل الطيبة وحدها، ولا يمكن تحقيقها بالوسائل الخبيثة. إن ~~الغاية لا تبرر الوسيلة؛ وذلك لأن الوسائل التي نستخدمها تحدد طبيعة الغاية التي تنجم ~~عنها. # الفصول التالية من الفصل الثاني إلى الفصل الثاني عشر تؤلف كتابا في الإصلاح، وهي ~~تتضمن علاجا سياسيا، وآخر اقتصاديا، وآخر تعليميا، واقتراحا لتنظيم الصناعات ~~والجماعات، وغير ذلك من ضروب الإصلاح. وهي تتضمن كذلك وصفا للطرق التي يجب أن نتحاشاها كي ~~نبلغ ما نصبو إليه من أهداف. # وكتاب الإصلاح هذا يبلغ غايته في القسم الأخير منه، وهو القسم الذي أناقش فيه العلاقة ~~الكائنة بين نظريات المصلحين وأعمالهم من ناحية وطبيعة العالم من ناحية أخرى. أي نوع ~~من أنواع العوالم عالمنا هذا الذي يطمح الناس فيه إلى الخير ولكنهم لا يحققون إلا الشر ~~في كثير من الأحيان؟ ما معنى هذا؟ وأين يقع الإنسان من هذا العالم؟ وما العلاقة بين مثله ~~العليا ومعاييره ومقاييسه وبين العالم الفسيح الواسع؟ سأبحث في هذه المسائل في الفصول ~~الثلاثة الأخيرة من الكتاب. وقد يرى الرجل العملي أن هذه المباحث لا محل لها هنا، ولكنها في ~~الواقع ليست بعيدة عما نرمي إليه من هذا الكتاب. إننا في ضوء معتقداتنا عن طبيعة الحقيقة ~~نصوغ ms012 آراءنا في الصواب والخطأ. وفي ضوء آرائنا في الصواب والخطأ نوجه سلوكنا لا في ~~حياتنا الخاصة فحسب، ولكن كذلك في عالم السياسة والاقتصاد. فلسنا نرى إذا أن معتقداتنا ~~الميتافيزيقية لا محل لها هنا. بل على العكس من ذلك هذه المعتقدات هي العامل البعيد الذي ~~يحدد لنا جميع أعمالنا. ولذا فقد بدا لي من الضروري أن أختم كتابي هذا الذي أقترح فيه ~~علاجا عمليا لأمراض المجتمع ببحث في المبادئ الأساسية والمعتقدات؛ فالفصول الثلاثة ~~الأخيرة، قد تكون أكثر فصول الكتاب خطرا، بل إنها من ناحية عملية بحتة قد تكون أهم ما ~~فيه. # الفصل الثاني # | معنى التفسير # أحب في مستهل هذا الفصل أن أكرر القول بأننا جميعا متفقون على الفرض الأسمى ~~للحياة من قديم الزمن، وليس بيننا من خلاف في نوع المجتمع الذي نحب أن نكون أعضاء فيه، ~~وليس بيننا من خلاف في المثل الأعلى للرجل أو المرأة الذي نحب أن نحتذيه. ولكننا حين ~~نحاول أن نرسم الخطة التي تعيننا على بلاغ الهدف تتضارب آراؤنا وتتناقض؛ فلكل فرد دواؤه ~~الخاص الذي يكفل به علاج أمراض الإنسانية جميعا، وكثيرا ما تشتد الحماسة لهذا الدواء ~~الناجع، بل كثيرا ما تتطاحن الأمم في سبيله. # وإنا لنتساءل: لماذا يتشبث الناس بالعقائد التي يخترعونها ويعتنقونها؟ ولماذا يمقتون ~~أشد المقت غيرهم ممن يعتنقون عقائد أخرى؟ والجواب على ذلك سهل ميسور؛ ذلك أن الثقة ~~البالغة تريح الفؤاد وتنزل الطمأنينة بالنفس، كما أن الكراهية لها فائدة كبيرة في إذكاء ~~العاطفة. بيد أنه ليس من السهل أن نفهم لماذا تنشأ أمثال هذه العقائد التي يتعصب لها ~~معتنقوها ولا يقبلون سواها. ولماذا يراها فريق من الناس صادقة ويتحمس لها أشد الحماسة ~~وتسيغها عقولهم حتى حينما يكون العقل غير متأثر بالعاطفة، ويراها فريق آخر كاذبة لا ~~تشبع ولا تقنع؟ # يجدر بنا هنا في هذا المقام أن نخصص بضعة أسطر لمعنى التفسير: ما معناه؟ ومتى ترضى به ~~العقول وتقنع؟ # إن العقل الإنساني يميل بطبعه ميلا شديدا إلى أن يجمع بين الشتيت المختلف في وحدة ~~مؤتلفة. ms013 إن ما تقع عليه العين يبدو لحواسنا لأول وهلة متعددا متنوعا. غير أن العقل ~~البشري الذي يتعطش دائما لتفسير الغامض وتوضيحه يحاول أن يجعل من الاختلاف ائتلافا. ~~والفكرة التي ترمي إلى توحيد الأشتات، أو التي تصمد لتقلبات الزمان تلقى في نفوسنا ~~رواجا. إن النفس لترتاح إلى الفكرة التي تخضع المتنوعات التي لا ترتبط في الظاهر برباط ~~معقول إلى وحدة معقولة. وإلى هذه الحقيقة السيكولوجية الأساسية ترجع نشأة العلم والفلسفة ~~وعلوم الدين. إننا إذا لم نحاول دائما أن نوجد من الاختلاف ائتلافا تعسر علينا التفكير ~~كل العسر، وبات العالم فوضى لا نظام له، وأضحى سلسلة مفككة من الظواهر التي لا ~~يمسكها رباط. # غير أنا كثيرا ما نغالي حينما نحاول أن نجمع الأشتات في وحدة مؤتلفة. وأكثر الناس ميلا ~~إلى المبالغة في ذلك المفكرون الذين يعملون في ميادين لا تخضع لقواعد العلوم الطبيعية ~~المنظمة. إن علماء الطبيعة يعترفون بأن الكون لا تزال به بقية من الظواهر المختلفة التي لم ~~يستطع العقل حتى الآن أن يكتشف ما بينها من روابط، ولم يتمكن بعد من إخضاعها لوحدة ~~مؤتلفة أو لحكم العقل والمنطق. أما في العلوم غير المنظمة، فالأمر ليس كذلك؛ إذ ~~الاتجاه الأول فيها هو التوحيد وإيجاد الفكرة العامة. ويترتب على ذلك أن يلجأ الباحثون في ~~هذه العلوم إلى المبالغة في التبسيط. # ومن ثم ترى أن الإنسان ينزع أحيانا نحو إدراك الوحدة بين الظواهر المختلفة، كما أنه ~~في أحيان أخرى يرى ما بين هذه الظواهر من خلاف؛ فهو مثلا يرى أن الطباشير والجبن كلاهما ~~مركب من إلكترونات، وكلاهما مظهر مادي وهمي للحقيقة المطلقة الخفية. ومثل هذه النظرة ~~التي ترى من وراء الاختلاف ائتلافا قد تشبع رغبتنا في حب تفسير الظواهر. غير أن لنا ~~جسوما كما أن لنا عقولا، وهذه الجسوم تجوع فتشتهي الجبن ولا تشتهي الطباشير، وحينئذ ندرك ~~ما بينهما من خلاف. وما دمنا حيوانات تجوع وتعطش فلا مناص لنا من أن نعرف أن هناك فرقا ما ~~بين هو نافع للصحة وما هو ضار ms014 بها، وقد يكون إخضاع هذا وذاك لوحدة مؤتلفة صحيحا عند ~~الدراسة، ولكنه في غرفة الطعام لا يجدي نفعا. # إن زيادة تبسيط الأمور فيما يشبه ظاهرة الطباشير والجبن سرعان ما تؤدي إلى نتائج ~~خطرة قاتلة؛ ولذا فإننا قلما نلجأ إلى مثل هذه المبالغة في التبسيط. ولكن هناك ظواهر ~~أخرى لا تعود زيادة التبسيط فيها علينا بضرر، وليس الخطأ فيها جسيما أو مباشرا، بل إن ~~مرتكبي الخطأ أنفسهم لا يحسون بالضرر؛ وذلك لأن الضرر الناشئ لا يحرمهم من خير هم ~~بالفعل مستمتعون به، وإنما يمنع عنهم خيرا كانوا ينالونه لولا ارتكاب هذا الخطأ. خذ مثلا ~~لذلك هذا التبسيط الزائد للحقائق الذي شاع في حين من الأحيان والذي كان يجعل الله مسئولا ~~عن كل ظاهرة لا يمكننا أن نفهمها فهما كاملا. إن فريقا من الناس يغض الطرف عن ~~الأسباب الثانوية ويرد كل شيء إلى الخالق. وهذا التبسيط الشديد في التعليل، وهذا التأليف ~~الشامل بين المختلفات لا ينجم عنه أثر سيئ مباشر. غير أن أولئك الذين يرون سببا واحدا ~~وراء جميع المظاهر لن يكونوا من رجال العلم الباحثين، ولكنهم لا يعرفون ما هو العلم الحق؛ ~~ولذا فهم لا يحسون بأنهم يفقدون شيئا. # إن رد المظاهر جميعا إلى سبب واحد قد ~~بات - في بلاد الغرب على الأقل - أمرا باليا عتيقا ولم يعد من الآراء الحديثة. إن ~~الغربيين لا يحاولون اليوم أن يردوا كل شيء إلى الله ثم يقفون عند هذا الحد من ~~التعليل والتفسير. إنما هم يحاولون أن يخضعوا المختلفات المعقدة التي تحيط بهم إلى ~~نظريات جديدة. فهم مثلا حين يبحثون في الجماعة أو في الأفراد لا يقولون هذه هي إرادة ~~الله، وبذا يبسطون كل أمر، وإنما هم يردون المظاهر إلى أسباب اقتصادية أو جنسية أو ~~إلى عقدة من عقد النقص. وهذه النظريات هي كذلك تبسيط زائد للأمور، والضرر منها ليس كذلك ~~مباشرا أو واضحا. إنما العقوبة التي يقاسيها الغربيون بسبب انتحائهم هذه الناحية من ~~التفكير هي عجزهم عن تحقيق مثلهم العليا وعن الفرار من ms015 الحمأة الاجتماعية السيكولوجية ~~التي يتمرغون فيها. إننا لن ولا نستطيع أن نعالج مشاكلنا الإنسانية علاجا نافعا حتى ~~نتبع سبيل العلماء الطبيعيين، ونخفف من حدة رغبتنا في التبسيط العقلي، وذلك بأن ~~نعترف بأن الأشياء والحوادث ما زالت فيها بقية معينة لا تخضع لتعليل العقل أو للتوحيد ~~والائتلاف. إننا لن نستطيع أن نحول عصرنا هذا من عصر حديدي إلى آخر ذهبي حتى نتخلى ~~عن أطماعنا في إيجاد سبب واحد لجميع الأمراض التي نشكو، وحتى نؤمن بوجود أسباب كثيرة تعمل ~~كلها في آن واحد، وحتى نعتقد في وجود علاقات معقدة وفي تعداد المؤثرات والآثار. # وقد رأينا فيما سلف أن هناك آراء كثيرة متنوعة يتحمس لها معتنقوها أشد الحماسة ويتعصبون ~~لها أشد التعصب، وهي آراء تتعلق بخير السبل التي تؤدي بنا إلى الهدف المقصود. ومن الخير ~~أن نبحث هذه الآراء جميعا؛ إذ إننا إذا رفعنا إلى حد التقديس واحدا منها ارتكبنا خطأ ~~شدة التبسيط الذي أشرنا إليه. # وفي الصفحات المقبلة سأتعرض لبعض الوسائل التي يجب أن تستخدم والتي يجب أن تستخدم كلها ~~في آن واحد لو كنا نريد أن نحقق الغاية التي رسمها المصلحون والفلاسفة للبشر، وتلك الغاية ~~هي أن نعيش في جماعة حرة عادلة تصلح لأن يكون الرجل المتحرر أو المرأة المتحررة عضوا ~~فيها، وهي في الوقت نفسه جماعة لا يستطيع تنظيمها غير المتحررين من الرجال ~~والنساء. # الفصل الثالث # | الإصلاح الاجتماعي الشامل # هناك فريق من المفكرين لهم آراء طريفة جريئة نسميهم - أو يسمون أنفسهم - ~~«المجددين» يرى هؤلاء المفكرون أن الغايات التي نصبو إليها جميعا يمكن أن تتحقق ~~بمعالجة بناء المجتمع. إنهم لا يبشرون «بتغيير نفوس» الأفراد، وإنما ينادون بإنجاز ~~إصلاح شامل معين، في السياسة وفي الاقتصاد بنوع خاص. # إن الإصلاح السياسي والاجتماعي فرع مما نستطيع أن نسميه «الأخلاق الواقية». والغرض من ~~وضع قواعد هذه الأخلاق هو أن نخلق ظروفا اجتماعية معينة من طبيعتها أن تهيئ للفرد فرصة ~~تمكنه من أن يسلك سلوكا طيبا، وتحرره من كل القيود. وكلنا يعلم أن الرجل المسيحي ~~كثيرا ms016 ما يدعو الله ألا يدفع به في سبيل الإغراء. والمصلح السياسي والاقتصادي يرمي ~~بإصلاحه إلى إجابة هذا الدعاء، إنه يعتقد أن البيئة التي يعيش فيها الفرد يمكن أن تنظم ~~بحيث تمتنع جميع ضروب الإغراء، فيعيش الفرد في المجتمع حرا طاهر الذيل لا عن إرادة وقصد، ~~بل لأن الفرص التي تهيئ له الخضوع لشهواته لم تسنح ولم تتيسر له. وليس من شك في أن نظرية ~~المصلحين السياسيين والاقتصاديين هذه فيها من الحق الشيء الكثير. ففي إنجلترا اليوم ~~قلت جرائم القتل كثيرا بالنسبة لعددها في الزمان القديم. وهذه القلة ترجع إلى عدد من ~~الإصلاحات الاجتماعية الشاملة؛ ترجع إلى تشريع يقيد بيع السلاح ويمنع حمله، كما ترجع ~~إلى نظام القضاء الذي يحكم على القاتل المذنب بالقتل وينتقم للضحايا الأبرياء. ثم إنا ~~- فوق ذلك - ينبغي ألا ننسى التغير الذي طرأ على آداب المعاشرة؛ ذلك التغير الذي يجعلنا ~~اليوم نستخف بالمبارزة التي كانت فيما مضى سببا في موت الكثيرين من المبارزين؛ فنحن ~~اليوم لا ندافع عن الشرف الشخصي بالقتال كما كنا نفعل في العصور الوسطى. ويكفي هذا القدر من ~~الأمثلة لكي نبين للقارئ أننا نستطيع عن طريق الإصلاح الاجتماعي أن نغير سلوك الفرد، ~~وأن نخفف من دواعي الإجرام (وفي موضع آخر من الكتاب سأتكلم على بواعث الإجرام الحديثة ~~التي تنشأ عن الإصلاح). وإذا ما اختفت من المجتمع بواعث الإجرام مدة طويلة من الزمن ~~تعود الناس عادات جديدة وتخلقوا بخلق جديد. ومن طبيعة المرء أن ينظر إلى الجريمة ~~التي لا ينساق إليها انسياقا نظرة نفور وتقزز، فلا يفكر البتة في ارتكابها، وهو ~~حينئذ ينسب إلى نفسه فضل النزاهة الخلقية وهي في الواقع من خلق الظروف. خذ مثالا ~~لذلك ميل الإنسان إلى القسوة: كانت كثرة الناس في إنجلترا لا تتورع عن القسوة على ~~الحيوان وعلى الأطفال، فقامت - في وجه معارضة قوية - أقلية صغيرة من المصلحين ذوي ~~القلوب الكبيرة تنادي بضرورة الرأفة بالإنسان والحيوان، وانتهى الأمر بوضع تشريع يعاقب ~~كل من يخالف ذلك. وأزيلت البواعث التي كانت تدفع ms017 الناس إلى غلظة القلب فألف الناس ~~الرحمة، وتطرقت الرأفة إلى قلوبهم وأحست النفوس بالعطف المتبادل. ومن ثم ترى أن ~~التشريع قد أجدى في خلق عادة إنسانية جديدة. والإنجليز اليوم ينفرون أشد النفور من ~~مشاهد القسوة، وقل أن ترى فيهم رجلا فظا غليظ القلب. وقد يظن بعض الناس أنهم بطبعهم ~~رقاق القلوب يحبون غيرهم من الناس وليسوا بحاجة إلى تشريع يحرم عليهم القسوة ، ولكنهم ~~في ظنهم مخطئون. فإنهم حين تتغير الظروف وتسنح لهم الفرص تغلظ قلوبهم وتقسو نفوسهم، ~~وبخاصة حينما تكون القسوة وسيلة لغرض نبيل. ومن ثم كان من الضروري أن نبقي على عادات ~~التأدب والاحتشام القديمة بغير مساس. ومن ثم كذلك كان من الضروري أن نتجنب الحرب - ~~سواء كانت دولية أو أهلية - لأن الحرب حين تشتعل في نطاق واسع لا يقتصر ضررها على إزهاق ~~الأرواح، إنما هي كذلك تهز كيان العادات المألوفة والقانون القائم والثقة المتبادلة بين ~~الناس وآداب اللياقة التي تصدر عن المرء من تلقاء نفسها، والعطف المتبادل بين الأفراد، ~~وحينئذ تصبح الحياة الاجتماعية شديدة لا تحتمل. والإنجليز على الجملة، شعب شفيق طيب ~~المزاج. ولا يرجع هذا إلى أن جذور الفضيلة تمتد في نفوسهم أعمق مما تمتد في نفوس غيرهم من ~~الشعوب، وإنما يرجع إلى أن آخر الغزوات الناجحة التي وجهت إلى جزيرتهم كانت في عام 1066 ~~وإلى أن آخر حروبهم الأهلية حدثت في عام 1688، وقد كانت حربا هينة روعيت فيها أصول ~~اللياقة والأدب إلى حد كبير. وكان من نتيجة ذلك أن فترت في نفوس الإنجليز الرغبة في ~~القسوة من عهد بعيد؛ وذلك لانعدام الظروف التي تبعثها. وينبغي أن نلاحظ فوق ذلك أن ~~الإنجليزي شفيق في بلده فحسب، وهو كذلك شفيق في تلك الأجزاء من الإمبراطورية التي انعدمت ~~فيها الحروب أو أشباح الحروب فترة طويلة من الزمن. ولكنه في الهند على غير ذلك، والهنود لا ~~يرون في حكامهم شفقة ولا رحمة. والواقع أن المقاييس الخلقية عند الإنجليز تتحول تحولا ~~شديدا عندما ينتقلون من جو الهدوء والسلام الذي يخيم على ms018 بلادهم إلى جو الهند، وهي تلك ~~البلاد التي فتحوها واحتلوها احتلالا حربيا. فهم يفعلون في الهند ما لا يحلمون بفعله في ~~بلادهم، وقد كانت مذبحة آمر تسار من أشنع ما يسجله التاريخ. # إن انتفاء الحروب الخارجية والأهلية يبعث في القلوب رحمة ورأفة لا تبعثها فيها النصائح ~~الخلقية والدروس الدينية، إن الحرب تبعث على الحرب، والعنف يولد العنف. فإسبانيا مثلا ~~التي ألفت ألا يفتر فيها النضال الداخلي أكثر تعرضا للنزاع الداخلي من بلد ~~تأصلت فيه عادة التعاون السلمي من زمن بعيد. # ومما تقدم نرى أن معالجة النظام الاجتماعي علاجا شاملا قد يباعد كثيرا بين الفرد ~~وأسباب الإجرام، تلك الأسباب التي كان من المستحيل على الفرد أن يقاومها لولا هذا الإصلاح ~~الاجتماعي. ولكن الإصلاح الاجتماعي ليس خيرا كله، وينبغي ألا ننسى أنه قد ينقذ الناس ~~من مجموعة من الشرور ليسوقهم إلى شر جديد. وكثيرا ما يحول الإصلاح الاجتماعي الميول ~~الشريرة عند الفرد من اتجاه قديم إلى اتجاه آخر جديد. إننا كثيرا ما نسد ثغرة ~~قائمة لنفتح غيرها، والشر كثيرا ما يبقى في النفوس، إن عارضته من ناحية وجد له مخرجا ~~من ناحية أخرى، وتستطيع أن تتبع هذا الميل الآثم عند الإنسان في كل مدنية من مدنيات ~~العالم، وتستطيع أن تلمح وراء كل ثقافة من الثقافات عيبا من العيوب، وتستطيع أن تلمس ميل ~~الإنسان نحو الشر في صورة من الصور في كل موقف من مواقف السياسة الدولية. خذ على سبيل ~~المثال التاريخ الحديث لسبب أساسي من أسباب الشر عند الإنسان، وأقصد به شهوة السلطان، ~~والرغبة الشديدة في النجاح الشخصي والسيطرة. نستطيع هنا أن نصف الانتقال من ظروف العصور ~~الوسطى إلى ظروف العصر الحديث كأنه انتقال من العنف إلى الدهاء، ومن النظر إلى السلطان على ~~أنه الشجاعة الحربية وحق الأرستقراطية المقدس إلى النظر إليه على أنه التفوق المالي، ~~الداء واحد ولكنه يظهر في صور مختلفة. في العصر السابق كان السيف وامتياز الطبقة التي ~~ينتمي إليها الفرد دليل السيطرة وأداتها في آن واحد، وقد حل ms019 المال في العصر الحديث محل ~~السيف وامتياز الطبقات. ومنذ عهد قريب جدا أخذت رغبة السيطرة من جديد صورتها في ~~العصور الوسطى؛ فقد عادت الدول الفاشستية إلى الحكم بالسيف وبالحق المقدس، ولا ننكر أن ~~«الحق» هنا هو حق الزعماء الذين رفعوا أنفسهم إلى مكانة الزعامة، وليس حق الأرستقراطية ~~الموروث، ولكنه حق مقدس على كل حال؛ فموسوليني لا يخطئ، وهتلر رسول من عند الله، وفي ~~روسيا الجديدة الموحدة قام نظام رأسمالية الدولة، واختفت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ~~واستحال على الأفراد أن يستخدموا المال وسيلة للسيطرة على زملائهم، وليس معنى هذا أن شهوة ~~السلطان قد أقمعت، بل لقد تحولت من اتجاه إلى آخر؛ ففي نظام روسيا الجديد أصبح المركز ~~السياسي هو دليل السلطان وأداته، لا يصبو الرجال إلى الثراء، ولكنهم يتطلعون إلى المناصب، ~~وما أشد اقتتالهم وتناحرهم على هذه المناصب. وقد ظهر التنافس الشديد على السلطان أثناء ~~محاكمات الخيانة عامي 1936 و1937، في الروسيا - وكذلك إلى حد ما في البلدان الدكتاتورية ~~الأخرى - يشبه الموقف كل الشبه نظام رجال الدين؛ حيث يكون المركز أكثر من المال أهمية. إن ~~الاشتراكيين لم يتخلصوا من رغبة الطموح ولكنه ليس الطموح إلى جمع المال والثراء. إن شهوة ~~السلطان لديهم منزهة عن المادة فهي شهوة خالصة. # من هذا نفهم معنى هذه العبارة: «إنك لا تستطيع أن تغير الطبيعة البشرية»، غير أن علماء ~~الإنسان ينبهوننا إلى أن طبيعة الإنسانية - برغم أنها لا تتغير - تتخذ صورا جديدة غاية ~~في الغرابة والطرافة. ومن الممكن أن ننظم مجتمعا لا تجد فيه شهوة السلطان مخرجا سهلا؛ ~~فأفراد قبائل زوني في الهند مثلا لا يأبهون بالشهرة أو جمع الثروة أو بالنفوذ أو المركز ~~الاجتماعي كما نفعل نحن أبناء المدنية الحاضرة. النجاح في الحياة عندنا مقدس معبود، ~~ولكن هذه القبائل الهندية لا تكترث له أو تعيره التفاتا، وقل بين أعضائها من يفكر في ~~الارتفاع على أقرانه، فإن حاول أحدهم أن يفعل نكلوا به وأوقعوا به أشد العقاب، ليس بين ~~أبناء هذه القبائل من هو شبيه بهتلر ms020 أو كرجرز أو نابليون أو كالفن، ولا تتاح الفرصة ~~لأحدهم لكي يتسلط على غيره. في هذه المجتمعات الهندية الهادئة المتزنة لا تجد المطامع ~~الشخصية سبيلا إلى الظهور، إنهم لا يطمعون في النفوذ السياسي أو في جمع المال أو في السلطة ~~الدينية أو الحربية مثلما نفعل نحن الذين نعد أنفسنا حملة لواء المدنية الحديثة. # غير أنا يجب أن نذكر أن أبناء المجتمع الصناعي الحديث في بلاد الغرب لا يستطيعون بأية حال ~~أن يحذوا حذو قبائل الزوني أو ما شابهها من قبائل الهند؛ وذلك لأن ثقافة هذه القبائل ~~تختلف عن ثقافتنا كل الاختلاف، بل إنا - إن استطعنا أن نحاكي هذه القبائل - لا نحب أن ~~نسير سيرتها أو نتخذها لنا نموذجا ومثالا؛ وذلك لأن هذه القبائل الهندية قد دفعت في ~~سبيل التغلب على شهوة السلطان ثمنا باهظا. أجل إنهم لا يتسابقون في سبيل الثراء أو ~~التفوق الاجتماعي كما نفعل، ولكنهم يتكلفون من جراء ذلك ما لا نطيق، فهم يرزحون تحت ~~عبء ثقيل من التقاليد الدينية، كما أنهم يرتبطون بكل ما هو قديم ويفزعون من كل جديد غير ~~مألوف. إنهم ينفقون وقتا طويلا ونشاطا وافرا في أداء الشعائر السحرية، وفي تكرار صيغ ~~خاصة لا تكاد تنتهي يحفظونها عن ظهر قلب. وإذا كنا نحن نتصف بالكبر والشره والحقد فهم ~~يتصفون بالتراخي، وخاصة بالتراخي العقلي، أو الغباء، وهو ما يحذر علماء الأخلاق ~~البوذيون تلاميذهم منه تحذيرا شديدا. والمسألة التي نواجهها الآن هي هذه: هل نستطيع أن ~~نجمع بين مزايا ثقافتنا الغربية ومزايا ثقافة هذه القبائل الهندية؟ هل نستطيع أن نخلف ~~نوعا جديدا من الحياة تنتفي فيه عيوب هذين اللونين المختلفين من الثقافة؛ الثقافة ~~الهندية والثقافة الغربية الصناعية؟ هل في مقدورنا أن نكتسب عادات هؤلاء الهنود ونتحرر من ~~حب الثراء ومن الرغبة الملحفة في النجاح الشخصي، مع احتفاظنا في الوقت نفسه بتنبهنا ~~الذهني واهتمامنا بالعلم وقدرتنا على إحداث التقدم الفني السريع وتطور الجماعة؟ # هذه أسئلة يتعسر علينا أن نجيب عنها إجابة المتمكن الواثق. ولا نستطيع أن نعرف ms021 إن ~~كان من الممكن أن نجمع بين الثقافتين إلا بالخبرة والتجربة. إن كل ما نعرفه على التأكيد هو ~~أن الشغف بالعلوم والقدرة على إحداث التطور الاجتماعي السريع يرتبطان حتى الوقت الحاضر؛ ~~بمظاهر شهوة الحكم وعبادة النجاح في الحياة. وقد أثبت التاريخ أن التقدم العلمي كان ~~دائما حليف العدوان وإيذاء الآخرين. فهل معنى هذا أن تقدم العلوم والاعتداء متلازمان لا ~~ينفصلان؟ كلا، لسنا نرى ذلك؛ فإن كل ثقافة من الثقافات ترتبط بألوان خاصة من السلوك ~~والفكر والشعور ليست من طبيعتها، إنما هي تسري خلالها اتفاقا وعرضا. وهذا الارتباط قد ~~يدوم طويلا ويعتبر - ما دام قائما - ضروريا وطبيعيا وصائبا. ولكن لا بد أن يأتي ~~وقت - تحت ضغط الظروف المتغيرة - ينهار فيه هذا الارتباط المتين ويحل محله ارتباط جديد ~~بألوان جديدة من السلوك والفكر والشعور، فتبدو هذه الألوان الجديدة طبيعية وضرورية وصائبة ~~كما كانت الأولى كذلك. ولنعرض على القارئ قليلا من الأمثلة لزيادة الإيضاح. في المجتمع ~~الأوروبي في العصور الوسطى وفي أوائل العصر الحديث كان هناك بين الطبقات الغنية ارتباط ~~وثيق بين الأفكار والعادات التي تتعلق بالجنس والزوجية والأفكار والعادات التي تتعلق ~~بالملكية والمركز الاجتماعي، فكان النبيل في العصور الوسطى يتزوج طمعا في إقطاعية، والرجل ~~المتوسط في أوائل العصر الحديث يتزوج طمعا في المهر، والملوك يتزوجون طمعا في دول ~~بأسرها، وكانوا بحسن اختيارهم زوجاتهم يستطيعون بناء الإمبراطوريات. ولم تكن الزوجة تمثل ~~الملكية فحسب، إنما هي نفسها كانت ملكا للزوج. وكانت الغيرة الشديدة (وهي شعور طبيعي ~~يقره الناس أجمعون) ترجع إلى الإحساس بالاعتداء على الملك، كما ترجع إلى انحراف في ~~العاطفة الجنسية، وكان لا يرضى الزوج الغيران إلا أن يقتل زوجته الخائنة. وكانت الزوجة ~~المخلصة في الوقت نفسه تحلى بالجواهر، بدافع الحب الصادق أحيانا، ولإرضاء رغبة الزوج في ~~حب الظهور في أغلب الأحيان. وكانت الزوجة التي تلبس فاخر الثياب نوعا من الإعلان المتحرك ~~عن ثروة زوجها ومركزه الاجتماعي. كان الميل نحو ما يسميه فبلن # Veplen ~~«التظاهر بالاستهلاك» يرتبط في تلك الثقافات بالسلوك الجنسي. كان ms022 ~~الأمر كذلك في الماضي وهو لا يزال كذلك من مميزات العصر الحاضر إلى حد كبير، ولكنه الآن ~~أقل منه في الماضي بدرجة كبيرة. لا ينظر الزوج إلى زوجه اليوم كأنها ملك خاص له بمقدار ما ~~كان يفعل في الزمان القديم. ومن ثم لم يعد من الطبيعي أو من الصواب أن يقتل الزوج ~~شريكته الخائنة. إن فكرة الارتباط الجنسي الذي لا يقوم على المال ولا يرتبط بالمهور ~~والضياع تلقى اليوم رواجا حتى بين الأغنياء، ولم يكن الأمر كذلك في أيام التروبادور ~~مثلا. # وهناك ألوان أخرى من الفكر والشعور كانت في وقت من الأوقات طبيعية لا مفر منها، ولكنها ~~في أوقات أخرى أو في أمكنة أخرى لم تكن معروفة ولم يكن لها وجود. من ذلك أن الفن كان ~~أحيانا يرتبط بالدين (كما كان في أوروبا في العصور الوسطى) ولكنه في أحيان أخرى كثيرة لم ~~تكن له البتة صلة بالدين (كما هي الحال بين قبائل معينة من الأمريكان الهنود وبين ~~الأوربيين في القرون الثلاثة الأخيرة). وكذلك الشئون الجنسية وأمور التجارة والزراعة ~~والمأكل والمشرب، نراها ترتبط بالدين أحيانا وأحيانا لا ترتبط. ومن المجتمعات ما يستصوب ~~الريبة والغيرة والحقد، ومنها ما تراها آثاما خلقية. # وقد يكون ارتباط التقدم الإنساني بروح العدوان اتفاقيا وعرضيا كالعادات العقلية ~~والعادات العملية التي ذكرناها آنفا. وقد يكون لهذا الارتباط من ناحية أخرى جذور متأصلة ~~في أعماق النفس البشرية. وسيتبين لنا فيما بعد أنه من العسير جدا، بل من المستحيل، أن ~~نفصل بين التقدم والعدوان، وهذه المشكلة على كل حال ليست من المشاكل التي يمكن الجزم فيها ~~يقينا. وكل ما نستطيع أن نقوله في هذا الصدد - ونحن على شيء من الثقة - أن الارتباط ~~بينهما لا يلزم أن يكون كاملا كل الكمال كما هو في الوقت الحاضر. # والآن دعنا نلخص ما فات لعلنا نصل إلى نتيجة: # أولا: # رأينا أن «الطبيعة الإنسانية التي لا تتغير» قد تتغير فهي ليست ~~متحجرة كما يظن بعض علماء الإنسان، وكثيرا ما تغيرت تغيرا ~~ملموسا. # ثانيا: # أن أنواع ms023 الارتباط المختلفة التي نشاهدها بين ألوان السلوك المتنوعة في ~~المجتمعات البشرية يمكن فصمها ثم إعادة ربط عناصرها بطرق أخرى. # ثالثا: # أن علاج بناء المجتمع على نطاق واسع قد ينجم عنه تغير معين في ~~الطبيعة الإنسانية. بيد أن هذا التغير قلما يكون أساسيا؛ فهو لا ~~يستأصل الشر من جذوره، وإنما يحوله من مسلك إلى آخر. # رابعا: # إن شئنا أن نحقق الغايات التي نحبها جميعا فالأمر يقتضي أكثر من مجرد ~~تحويل الروح الشريرة عند الإنسان من مجرى إلى مجرى. بل لا بد لنا من ~~القضاء على الشر من منبته، ولا بد لنا من كبح الإرادة الفردية وهي في ~~نشأتها. # ومن ثم نرى أن الإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل لا يحقق لنا أغراضنا. ولا مندوحة ~~لنا عن الهجوم على هدفنا المثالي الأعلى، لا من هاتين الناحيتين وحدهما، ولكن كذلك وفي نفس ~~الوقت من جميع النواحي الأخرى. وقبل أن نتكلم فيما ينبغي عمله من هذه النواحي لا بد لي أن ~~أصف في شيء من التفصيل طريقة الهجوم من الناحية الأولى؛ ناحية الإصلاح الاجتماعي ~~الشامل. # الفصل الرابع # | الإصلاح الاجتماعي والعنف # يقول بارتلمي دي لجت # Barthélemy de Ligt ~~: «كلما اشتد ~~العنف قلت الثورات.» ويجدر بنا أن نتدبر هذه العبارة. # إن بارتلمي في هذه العبارة ينصح باستخدام العنف وسيلة للإصلاح، ولكن العنف في الواقع لا ~~يولد إلا العنف؛ عنف الحاكم يؤدي إلى عنف المحكوم، ويثير في نفسه الريبة والاستياء ~~والحقد. إننا إذا تتبعنا التاريخ ألفينا نتيجة العنف واحدة في كل موقف من المواقف - ~~السخط ومقابلة الشدة بالشدة. # إن الثورة لا تعد ناجحة إلا إذا أدت إلى التقدم، والتقدم في عبارة الدكتور مارت ~~التي سلف ذكرها هو تبادل المحبة بين الناس. فهل من الممكن أن نحقق التقدم بهذا المعنى - ~~تبادل المحبة - بوسائل أبعد ما تكون بطبيعتها عن تبادل المحبة؟ إن التجربة والتاريخ ~~كلاهما يؤكد لنا استحالة ذلك، غير أن المرء يميل إلى أن يعتقد بأنه يستطيع بعمل حاسم ~~جريء أن يرفع مستوى العالم إلى المدينة الفاضلة كما يتصورها، كما ms024 أنه في الوقت نفسه يميل ~~إلى التحيز لمن يشاطره الرأي، ومن ثم تراه يميل إلى استخدام العنف ولا يطيق اللين ~~والهدوء وهما من ضرورات الحكم الرشيد. إن أكثرنا يعتقد أن الغاية الطيبة تبرر الوسيلة ~~الدنيئة. ومن العبارة الآتية التي نقتبسها من كتاب الأستاذ لاسكي عن الاشتراكية يتبين ~~لنا مدى الخطأ الذي نقع فيه من جراء ذلك، ~~يقول لاسكي في معرض حديث له عن تاريخ إنجلترا: «لولا دكتاتورية أسرة جيمس الحديدية ~~لانهارت الجمهورية.» كأن العنف الذي لجأت إليه هذه الأسرة هو الذي حفظ للبلاد الحكم ~~الجمهوري. والواقع الذي يسجله التاريخ هو أن هذه الأسرة بعينها هي التي كانت السبب في ~~انهيار الجمهورية من جراء ما لجأت إليه من قسوة وشدة، بل لقد كانت هذه الأسرة بعينها ~~بسبب عنفها واستبدادها عاملا من العوامل التي أدت إلى الحروب النابليونية الطاحنة، وإلى ~~التجنيد الإجباري - وهو نوع من أنواع الإذلال والاستعباد - كما أدت إلى نشأة الروح القومية ~~القوية التي تهدد كيان المدنية الحاضرة؛ تلك هي نتائج هذه الدكتاتورية الغاشمة التي ~~يتمشدق بها لاسكي، وبرغم هذا كله لا يني أنصار الثورات عن الاعتقاد بأن هذه الوسائل ~~العنيفة وأشباهها تؤدي إلى خير النتائج. إنهم يحسبون أنهم يستطيعون بالثورات أن يرفعوا لواء ~~العدالة الاجتماعية، وأن ينشروا السلام بين الأمم. # إن العنف لا يؤدي إلى التقدم الحق إلا إذا أعقبته الأعمال العادلة اللينة التي ~~تنطوي على حب الخير وحسن النية، حينئذ تصلح هذه الأعمال ما أفسد العنف وتعوض ما ~~فقدته الجماعة من جرائه، والفضل عندئذ لا يرجع إلى العنف ذاته، وإنما يرجع إلى ما ~~يعقبه عادة من إصلاح وتعويض، وعلى سبيل المثال نقول: إن غزو الرومان لبلاد الغال والغزو ~~البريطاني للهند كلاهما عمل عنيف انتهى بالخير وأدى إلى التقدم، وإنما يرجع ذلك التقدم ~~إلى الإصلاح الذي قام به رجال الإدارة من الرومانيين والبريطانيين بعدما ألقى رجال ~~الحرب السلاح، ومع هذا فنحن نؤمن بأن هذا التقدم الذي حدث كان من الجائز أن يتم بغير ~~الغزوات التي شنها المحاربون، أما إذا ms025 لم يتل أعمال العنف الأولى عمل إصلاحي - كما ~~حدث في البلاد التي فتحها الأتراك - فإن البلاد تبقى على حالها من الهمجية ~~والتأخر. # وكلما طال أمد العنف تعسر على القائمين به أن يقوموا بالأعمال الإصلاحية التي تستند ~~إلى سياسة اللين؛ ذلك لأن أعمال العنف تصبح من تقاليد الحكم، كما تصبح الأعمال العنيفة - ~~في أعين الجمهور - أعمالا فاضلة تنم عن الشرف الرفيع، وتدل على البطولة الجبارة، وهذا هو ~~ما حدث أيام التتر، وهذا هو ما يحدث الآن في الدول الدكتاتورية الحديثة، وأقصد بها ألمانيا ~~وإيطاليا والروسيا، وفي مثل هذه الظروف يضعف الأمل في تحويل آثار العنف إلى الأعمال ~~الخيرية العادلة التي قد تعقب الشدة إن قصر أجلها. # ومما تقدم يتبين أن الإصلاح لا يحقق النتائج المرجوة إلا أن كان قائما على حسن النية ~~وفي الوقت الملائم. إن القيام بالإصلاح الاجتماعي الذي يثير معارضة قوية تتطلب استخدام ~~العنف والالتجاء إلى الشدة تهور وإجرام؛ لأن الإصلاح الذي يستدعي العنف لإقراره يفشل في ~~تحقيق الخير المرجو، بل يجعل الحياة أسوأ مما كانت من قبل. إن العنف - كما قلت من قبل - ~~لا يولد إلا آثار العنف، وهذا الآثار لا يمكن محوها إلا بأعمال الإصلاح اللينة التي ~~تعقب العنف وتعوض بعض آثاره. وإن طال أمد العنف أضحى عادة في نفوس مرتكبيه وبات من ~~العسير عليهم أن يسلكوا مسلكا آخر أو أن يتخذوا سياسة أخرى. وقد يقبل الحاكم على العمل ~~العنيف عن قصد نبيل ونية حسنة، ولكن أعماله العنيفة تؤدي إلى نتائج لم تكن لتخطر على ~~باله أو تدور بخلده. فقد انتهت دكتاتورية أسرة جيمس بالاستبداد الحربي، وبحرب دامت عشرين ~~عاما، وبالتجنيد الإجباري في كل أنحاء أوربوا، وبظهور القومية المقدسة، وما كان لأحد من ~~أفراد أسرة جيمس أن يحلم بشيء من هذا. وفي العصر الحديث نرى أن ظلم القياصرة الروس ~~واستبدادهم الذي امتد إلى فترة طويلة من الزمن قد أدى، كما أدت أعمال القسوة في الحرب ~~العظمى، إلى دكتاتورية البلاشفة الحديدية. وما كان للقياصرة أو لرجال الحرب العظمى ms026 أن ~~يتصوروا هذه النتيجة البعيدة. ثم إن الخوف من اشتعال ثورة عالمية عنيفة دعا إلى قيام ~~الفاشستية، وأعادت الفاشستية التسليح، وتطلبت إعادة التسليح من الدول الديمقراطية أن ~~تخرج تدريجا عن قاعدة الحرية التي رسمتها لنفسها، وتشير كل الدلائل اليوم (يونيو 1937) ~~على أن المستقبل مظلم كئيب. # 1 # إذا أردنا إذا أن نقوم بإصلاح شامل لا يثبت بطلانه عند تطبيقه فلا مندوحة لنا عن اختيار ~~الوسائل التي لا تتسم بالعنف والشدة، أو - على الأقل - تلك الوسائل التي تقوم على الحد ~~الأدنى منهما (ويجدر بنا هنا أن نذكر أن الإصلاح الذي ينفذ تحت حافز الخوف من جار ~~أجنبي قوي، والذي يرمي إلى استخدام العنف في الحروب الدولية المنتظرة، لا يبوء إلا ~~بالفشل، ومثله كمثل الإصلاح الذي ينفذ بطريق الإرهاب الداخلي، وقد أدخل الدكتاتوريون ~~تعديلا شاملا في بناء المجتمعات التي يحكمونها دون أن يلجئوا إلى وسائل الإرهاب، ~~فقابلت شعوبهم هذا التعديل بالرضا لأنها آمنت - بفعل الدعاية المنظمة - أن هذا ~~التعديل ضروري لتأمين الدول من العدوان الخارجي. وقد كان بعض هذا التعديل إصلاحا ~~مستحبا، ولكن لما كان هذا الإصلاح موضوعا بقصد تمكين الدولة من إدارة عجلة الحرب، فقد ~~حفز ذلك الدول الأخرى على الاستزادة من قدرتها الحربية، وبذا أصبح نشوب الحرب من جديد ~~أمرا محتمل الوقوع. ولما كانت طبيعة الحرب الحديثة تجعل من المستحيل أن يبقى أي أثر من ~~آثار الإصلاح بعد نهاية الحرب، فإن الإصلاح المرغوب، ذلك الإصلاح الذي لا يلاقي من الشعب ~~معارضة، قد يفشل إذا كان القائمون بالأمر يحملون الجماعة على قبوله بطريق الدعاية التي تثير ~~فيها الخوف من عدوان الآخرين، أو الدعاية التي تمجد العدوان، تقوم به الجماعة لمصلحة ~~نفسها كي تحقق من ورائه خيرا ترجوه. # ولنعد الآن إلى موضوعنا الأساسي - وهو ضرورة تجنب العنف الداخلي عند القيام بالإصلاح. ~~نعود فنقول إن الإصلاح قد يكون مستحبا في حد ذاته، ولكنه لا يلائم الظروف التاريخية ~~القائمة، فيصبح عديم الجدوى من الناحية العملية. ولا أحب أن يؤدي هذا إلى الخطأ الشنيع ~~الذي ارتكبه ms027 هجل، وسار على نهجه الحكام المستبدون المحدثون، مرتكبين الجرائم يبررون ~~بها أعمالهم، ومقدمين من القول سخفا يعللون به آثامهم - وذلك الخطأ الذي أعني هو ~~الاعتقاد بأن الواقع هو المعقول، وأن الظروف المحيطة هي الظروف المثالية التي ينبغي أن تبقى ~~بغير مساس. ليس الواقع هو المعقول وليس كل ما هو كائن حقا ~~وصوابا. إن الواقع - في أية لحظة من لحظات ~~التاريخ - يحتوي على عناصر معقولة وعلى عناصر أخرى تخرج عن حد المعقول. والإدراك السليم ~~يقتضينا عند إدخال الإصلاح أن نبقي على المعقول وأن ننبذ كل ما عداه. # ولما كان نبذ أي تقليد من تقاليد المجتمع أمرا عسيرا على أكثر النفوس، فإنه يجمل ~~بنا أن نبقي كذلك على التقاليد التي لا تنفع ولا تضر، أو التي لا يكون من ورائها ضرر ~~محقق؛ وذلك لأن ميل الإنسان إلى المحافظة على القديم حقيقة لا ينبغي إنكارها أو إهمالها. ~~ويترتب على ذلك أن يمتنع المصلح الاجتماعي عن القيام بتعديل لا يراه جد ضروري، أو ~~تعديل يدرك أنه يدعو إلى النفور الشديد. وواجب المصلح - كلما أمكن ذلك - أن يمد في ~~حبل النظم القائمة التي يألفها الناس، وأن يجعلها أساسا للتطور الذي يرمي إليه حتى يتمكن ~~من بلوغ مأربه. إن المبادئ القائمة التي يقرها العقل السليم ينبغي أن تجد لها محلا في ~~الإصلاح المنشود، وواجب المصلح أن ينقلها من النطاق الضيق إلى النطاق الواسع. # بهذه الطريقة وحدها تخف المعارضة التي لا بد تنشأ عند كل إصلاح جديد، كما تضعف ~~الحاجة إلى استخدام وسائل العنف والشدة. # الفصل الخامس # | الجماعة التي تسير على خطة مرسومة # لم يتعرض قبل الحرب العظمى للكلام على الجماعة التي تسير على خطة مرسومة غير الفابيين ~~(جماعة الاشتراكيين). وفي أثناء الحرب رسمت الخطة لجميع الجماعات المحاربة. وإذا نظرنا ~~إلى السرعة التي تم بها رسم الخطط حكمنا أنها كانت خططا محكمة وضعت بقصد تمكين الدولة ~~من مواصلة العداء. وما كادت الحرب تنتهي حتى قامت المعارضة في وجه سياسة الخطة المرسومة، ~~وكان ذلك طبيعيا بعد حرب ضروس ms028 دامت أربعة أعوام. ثم كانت الأزمة الاقتصادية التي ~~أعقبت الحرب الكبرى، فآمن الناس من جديد بضرورة رسم الخطة للدولة. ومنذ عام 1929 أخذت ~~فكرة تنظيم الدولة في الرواج والانتشار، فرسمت الخطط في نظام وإحكام وعلى نطاق واسع في ~~الدول الدكتاتورية، ورسمت على نطاق ضيق في الدول الديمقراطية، وأخرجت المطابع سيلا ~~جارفا من الكتب في التنظيم الاجتماعي. وكان لكل مفكر مجدد مشروعه في التنظيم. بل لقد ~~أصابت العامة أنفسهم عدوى التفكير في هذا الموضوع. وتنظيم الجماعة اليوم من الأمور ~~المستحدثة المستحبة؛ وذلك لأن العالم يتردى في حمأة من التدهور والضلال. ويبدو لمن ~~يتدبر الظروف الراهنة أنه من المستحيل إنقاذ العالم من الشر الذي يسبح فيه، أو إصلاح ما به ~~من عيوب، دون التفكير في وضع خطة لتنظيمه. غير أننا نخشى - ونحن نحاول إنقاذ العالم أو ~~جزءا منه من اضطرابه الحاضر - أن تكون الخطة المرسومة خطة جهنمية. إننا إذا لا ننتشل ~~العالم من وهدته، إنما نودي به إلى الخراب والدمار؛ فإن من ألوان العلاج ما هو شر من ~~المرض. # لا بد من وضع الخطة لتنظيم المجتمع، ولكن ماذا عسى أن تكون تلك الخطة؟ إننا لا نستطيع أن ~~نجيب عن هذا السؤال، ولا نستطيع أن نحكم على أي مشروع للإصلاح إلا إذا رجعنا إلى مثلنا ~~العليا التي نرمي إليها، فإن كان هذا المشروع يحقق لنا أملنا أو بعض أملنا فهو مشروع ~~مستحب مرغوب، ينبغي لنا عند النظر في أية خطة أن نتساءل: هل تعين هذه الخطة على نشر ~~العدالة والسلام بين الأمم؟ هل تعمل على التقدم العقلي والخلقي، هل تصوغ لنا جماعة من ~~الرجال والنساء المتحررين المسئولين؟ إن كان الأمر كذلك فهي إذا خطة طيبة، وإلا فهي ~~خطة خبيثة لا نرضاها لأنفسنا ولا نقبلها برنامجا لحياتنا. # والخطط الخبيثة في العصر الحاضر ضربان: هناك الخطط التي يضعها ويقوم بتنفيذها قوم ~~يختلفون عنا في نظرهم إلى المثل الأعلى للإنسان. وهناك الخطط التي يضعها ويقوم بتنفيذها ~~قوم يتفقون معنا في النظر إلى المثل العليا للحياة، ولكنهم ms029 يتصورون أن الغايات النبيلة ~~يمكن أن تتحقق بوسائل دنيئة، إنهم يعبدون الطريق إلى جهنم وهم لا يشعرون، والضرر الذي ~~ينجم عن أبناء هذه الطائفة الأخيرة ليس أقل شأنا من الخطر الذي ينجم عن أبناء الطائفة ~~الأولى، وفي هذا تأييد لبوذا الذي كان يعد الجهل والغباء من أمهات الكبائر. # ولنضرب للقارئ بعض الأمثلة التي توضح ما نقول: من أبناء الطائفة الأولى الفاشستيون ~~العسكريون الذين يختلفون عنا في مثلهم الأعلى للحياة الصحيحة، يقول موسوليني: «إن ~~الفاشستية تعتقد أن الحرب وحدها هي التي ترفع النشاط الإنساني إلى أقصاه، والحرب وحدها هي ~~التي تطبع بطابع الشرف تلك الشعوب التي تجد لديها من الشجاعة ما يدفعها إلى النزول إلى ساحة ~~القتال.» ثم يقول في موضع آخر: «إن الفاشستية والسلام فكرتان متعاديتان.» الرجل الفاشستي ~~إذا يعتقد أن ضرب المدن المكشوفة بالنار والقنابل، وإهلاكها بالسموم والمفرقعات (أو ~~بعبارة أخرى الحرب الحديثة) عمل طيب في صميمه، هو رجل ينبذ تعاليم الرسل المصلحين، ~~ويعتقد أن خير الجماعات جماعة قومية تعيش في عداء دائم مع المجتمعات القومية الأخرى، هو ~~رجل لا يتورع عن النهب والفتك، ثم هو يحتقر الرجل المتحرر، ويعجب بالرجل الذي يخضع ~~للحاكم المستبد الغاصب، والذي يتصف بالكبرياء والحسد والحقد وسرعة الغضب، وهي صفات أجمع ~~الأنبياء والفلاسفة على أنها حقيرة لا يصح أن يتحلى بها الإنسان الراقي. إن الخطط ~~الفاشستية جميعا ترمي إلى غاية واحدة: وتلك هي أن تجعل المجتمع القومي قادرا على أن يدير ~~عجلة الحرب بنشاط ونجاح؛ فالصناعة والتجارة والمالية توجه نحو هذا الغرض، الدولة ~~الفاشستية تعمل على أن تستقل عن غيرها من الدول من الناحية الاقتصادية، وتحاول أن تكفي ~~حاجات نفسها دون اللجوء إلى غيرها من الأمم؛ ومن أجل ذلك فهي تشجع الصناعات الوطنية التي قد ~~تكون أقل جودة من الصناعات الأجنبية، كما أنها تحاول أن تستعيض عن الخامات التي تفتقر إليها ~~بخامات مصطنعة محلية، وهي فوق ذلك تفرض الرسوم والضرائب على البضائع الواردة، وتشجع ~~التصدير، وتقلل من تبادل السلع، وتعمل على خسارة منافسيها بكل ms030 وسيلة مشروعة وغير ~~مشروعة، وتسير السياسة الخارجية في تلك الدول على المبادئ المكيافلية صراحة وجهارا، ~~وتدخل الدولة الفاشستية في اتفاقات جدية مع غيرها من الدول، وهي تعلم أنها سوف تنقضها في ~~اللحظة التي يتبين لها فيها أن مصلحتها في نقض المعاهدة، ثم هي تحتمي بالقانون الدولي ~~إن كان ذلك في مصلحتها، وتنبذه إذا كان هذا القانون يقف لها حجر عثرة في سياستها ~~الاستعمارية، ويتحكم في الدولة دكتاتور يربي الشعب على الإخلاص لمبادئ الفاشستية، ويتعلم ~~الأطفال الذلة والخضوع؛ كي ينشئوا على الطاعة لأولي الأمر، وعلى القسوة على من هم أدنى ~~منهم مكانة في المجتمع. يبدأ الطفل بعد أن يترك روضة الأطفال ذلك التدريب العسكري الذي ~~ينتهي بسنوات الخدمة العسكرية الإجبارية، التي تدوم ما دام الفرد قادرا على القيام بأعباء ~~الجندية. ويتعلم الأطفال في المدارس الأكاذيب الملفقة في دروس التاريخ، فيمجد معلموهم ~~الأسلاف من أبناء أمتهم، ويحطون من قدر العظماء في الأمم الأخرى جميعا. وتقوم على ~~المطبوعات والكتب رقابة صارمة حتى لا يتسرب إلى الراشدين رأي لا يحب لهم الدكتاتور أن ~~يعرفوه. وكل من يحاول التعبير عن رأي لا يتفق وأغراض الدولة يضطهد اضطهادا لا رحمة فيه ~~ولا هوادة. وبالدولة نظام محكم للجاسوسية التي تتتبع الأفراد حتى في حياتهم الخاصة. ~~وتشجع الدولة الغيبة والنميمة، وتكافئ كل من يبلغ أولي الأمر عن شخص يعادي النظام ~~القائم. والإرهاب في هذه الدولة مشروع، والقضاء يجري سرا في أكثر الأحيان، والمحاكم أبعد ~~ما تكون عن العدل، والعقوبات شديدة قاسية، والوحشية ووسائل التعذيب المختلفة من أساليب ~~الحكم في البلاد. # هذه هي خطة الفاشست، وهي خطة قوم لا يعترفون بالمثل العليا للمدنية المسيحية، أو ~~المدنيات الآسيوية القديمة التي سبقتها، قوم ساءت نياتهم، وهم لا يحاولون أن يستروا خبث ~~مقاصدهم. ولننظر الآن في أمثلة من الخطط التي يرسمها قادة سياسيون أغراضهم نبيلة ~~ووسائلهم وضيعة. إن أول ما نلاحظه على هؤلاء الرجال هو أن إيمانهم بمثلنا العليا واه ~~ضعيف، وكلهم يعتقد أن الغايات النبيلة يمكن أن تحقق بوسائل دنيئة، إنهم ms031 يختلفون عن ~~الفاشست كل الاختلاف في أهدافهم وأغراضهم، غير أنهم يسلكون الطرق عينها التي يسلكها الدوتشي ~~والفوهرر، هم من دعاة السلم، ولكنهم يعتقدون أن السلم وسيلتها القتال، وهم قوم مصلحون، ~~ولكنهم يتصورون أن العدالة الاجتماعية يمكن أن تكون وسيلتها الظلم والاستبداد. إنهم يحبون ~~الحرية، ولكنهم يرون أن تركيز السلطة واستعباد الجماهير يمكن أن يحقق الحرية للجميع. إن ~~روسيا الثائرة، التي تزعم أنها تعمل على نشر الحرية كاملة بين أفراد الشعب جميعا ، لديها ~~أكبر جيش من جيوش العالم، ولديها بوليس سري يضارع في دقته وصرامته البوليس السري الألماني ~~أو الإيطالي، ولديها رقابة شديدة على الصحافة، ونظام للتعليم ينبني على خضوع الصغير ~~للكبير كالنظام الألماني الهتلري، ولديها نظام شامل للتدريب العسكري يطبق على النساء ~~والأطفال كما يطبق على الرجال، ويحكمها دكتاتور يرتفع إلى مكانة التقديس في شعب ذليل، ~~لا يختلف عما كان عليه رجال روما المتألهون أو رجال برلين المتغطرسون، وبها ~~بيروقراطية لها امتيازات وحقوق، وهي تستخدم سلطة الدولة للاحتفاظ بامتيازاتها ولحماية ~~مصالحها، وبها حزب أوليجاركي يسود الأمة كلها، ولا يتمتع أعضاؤه أنفسهم بالحرية داخل ~~الحزب (إن معظم الطبقات الحاكمة في أكثر الأمم تمنح الحرية على الأقل لأعضائها وإن ~~حرمتها عامة الشعب، ولكن الحزب الروسي الاشتراكي ينكر الحرية على أعضائه كما ينكرها على ~~أفراد الشعب). ولا يسمح في الروسيا بالمعارضة؛ ولذا تكثر المؤامرات الخفية. وقد كانت تلك ~~المؤامرات سببا في محاكمات الخيانة والتطهير التي انعقدت في الروسيا في عامي 1936 و1937. ~~ومعالجة البناء الاجتماعي وتنظيم الدولة تسير في الروسيا على غير ما يحب الشعب ويرضى، ~~وتستخدم في سبيل ذلك كل وسائل القسوة والاستبداد (في عام 1933 هلكت في الروسيا جوعا عدة ~~ملايين من الفلاحين بإرادة أولي الأمر السوفيتيين ورغبتهم). إن القسوة تولد الحقد، ~~والحقد لا يقمع إلا بالقوة الغاشمة، والعنف - كما قلنا من قبل - يولد الرغبة في ~~الاستزادة منه. هذا هو التنظيم الروسي، إنه نظام نبيل في مقصده، دنيء في وسائله، وقد ~~أنتجت هذه الوسائل نتائج تختلف كل الاختلاف عن تلك التي ms032 كان يصبو إليها زعماء الثورة ~~الروسية الأولون. # أما الدول الديمقراطية فهي التي تستخدم عادة الوسائل الطيبة لتحقيق الغايات النبيلة. ~~وحتى هذه الدول كثيرا ما ارتكبت أخطاء شنيعة في الماضي، وهي ما زالت إلى اليوم ترتكب ~~الأخطاء الجسيمة. ويرجع أكثر هذه الأخطاء إلى أن الحاكمين والمحكومين على السواء في هذه ~~البلاد مشبعون بروح العسكرية والقومية برغم عقيدتهم في المثل العليا للإنسانية. حقا ~~إن الإنجليز والفرنسيين يبثون الروح الحربية في البلاد رغبة في تحقيق الهدوء والسلام . ~~غير أن هاتين الدولتين ظفرتا في الماضي بأملاك شاسعة واسعة بطريق النهب والسلب، ~~وأمامهما اليوم منافسون يحبون أن يفعلوا في العصر الحاضر ما فعلوه هم في القرنين الثامن ~~عشر والتاسع عشر. وشعرت إنجلترا وفرنسا بالسخط على مطامع هؤلاء المنافسين، ~~فشرعتا - وهما كارهتان - في الاستعداد لهزيمة ~~القوى الفاشستية بسلاحها، فهما تتأهبان للقتال، شأنهما في ذلك شأن الدول الفاشستية نفسها. ~~ولكن الحرب الحديثة لا يمكن أن تنجح إلا إذا تركزت السلطة في يد حكومة مطلقة تستطيع ~~أن تنفذ ما تريد بغير معارضة؛ ولذا فإن أكثر الخطط التي ترسم اليوم في الدول ~~الديمقراطية تقوم على أساس تحويل هذه الدول إلى نظام أشبه ما يكون بنظام الدول الدكتاتورية ~~التي تنظم للقتل والنهب. وقد سار هذا التحول حتى الآن ببطء شديد؛ لأن العقيدة في ~~المثل العليا الرفيعة كانت دائما تكبح جماح كل من يريد أن يسارع الخطا نحو النظام ~~الفاشستي، ولكن روح الفاشستية كانت - برغم ذلك - تقوى تدريجا وخلف ستار سميك. وإنا لنتوقع ~~إذا ما أعلنت الحرب، # 1 # أو اقترب شبحها من هذه البلاد، أن يقوى ساعد الفاشستية، وتخرج من وراء الستار؛ ~~وذلك لأن الدفاع عن الديمقراطية من خطر الفاشستية يستتبع بالضرورة تحويل الديمقراطية إلى ~~فاشستية. # إن أكثر المحاولات التي قامت بها السلطات الديمقراطية لتنظيم الدول تنظيما شاملا قد ~~أملتها رغبة قوية في تعزيز الروح العسكرية، ومن ذلك محاولة توحيد الإمبراطورية ~~البريطانية في وحدة قائمة بذاتها من الوجهة الاقتصادية؛ فقد كانت خطة أملتها على ~~القائمين بالأمر اعتبارات عسكرية. وأكثر من هذا ms033 تشبعا بالروح العسكرية النظم التي ~~أدخلت على صناعة الأسلحة، لا في بريطانيا العظمى وحدها، ولكن كذلك في فرنسا وفي الدول ~~الديمقراطية الأخرى بقصد زيادة الإنتاج، وهذه المحاولات في التنظيم وأشباهها - مثلها مثل ~~الخطط الفاشستية التي تعمل على تقوية الروح العسكرية - لا بد تنتهي بتعقيد الأمور، وزيادة ~~الموقف سوءا على سوء. فإن الإمبراطورية البريطانية بتحولها من رقعة حرة التجارة، إلى ~~ضيعة خاصة تحميها أسوار من الرسوم الجمركية إنما تعزز العداوة الأجنبية للإمبراطورية ~~البريطانية. ولما كان الإنجليز يملكون سيادة البحار غير منازعين فقد كان بوسعهم أن ~~يظفروا برضا العالم بأسره لو أنهم تركوا أبواب مستعمراتهم مفتوحة للتجارة الخارجية. أما ~~اليوم وقد فقدوا هذه السيادة البحرية، فقد أغلقت أبواب المستعمرات في وجه التجارة ~~الخارجية. أو نستطيع بعبارة أخرى أن نقول إن إنجلترا تدعو العالم لمعاداتها في اللحظة التي ~~لم تعد فيها في مركز يمكنها من تحدي تلك العداوة، ولا يستطيع المرء أن يتصور حماقة ~~أشد من هذه، ولكن ما أحرى أولئك الذين يفكرون تفكيرا عسكريا أن يرتكبوا أمثال هذه ~~الحماقات! # أما فيما يختص بالتسليح، فإنه بالنسبة التي يسير عليها اليوم، وبهذا القدر العظيم الذي ~~تصنع به الأسلحة، لا بد أن يؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما أن تشتعل حرب عامة بعد فترة ~~وجيزة من الزمن أو - إذا أجلت الحرب لبضع سنوات - ينتهي هذا التسابق في التسليح بفتور ~~في هذه الصناعة وتحل بالعالم أزمة اقتصادية لا تقل حدة عن أزمة سنة 1929، والأزمة ~~الاقتصادية تخلق في النفوس القلق. وهذا القلق يدفع الدول الديمقراطية إلى مسارعة الخطأ نحو ~~الاصطباغ بالصبغة الفاشستية، وهذا التحول الفاشستي يجعل الحرب أمرا لا مفر منه. # ويكفينا ما ذكرنا عن الخطط التي تضعها الدول لأغراض عسكرية محضة. غير أن هناك خططا ~~لم تكن أول الأمر عسكرية محضة في صبغتها. تلك خطط رسمتها الحكومات كي تعالج بها آثار ~~الأزمات الاقتصادية، ولكن هذه الخطط - لسوء الحظ - في ظل النظام القائم، لا بد أن تدبر ~~وتنفذ في جو مشبع بالروح العسكرية والقومية. وهذا الجو يعطي كل ms034 خطة دولية صفة ~~حربية عسكرية، مهما حسنت نية القائمين بالأمر (ويجدر بنا هنا أن نشير إلى حقيقة عامة لم ~~يفطن إليها علماء الإنسان القدامى، وتلك الحقيقة هي أن العادات والطقوس والتقاليد تتخذ لها ~~لونا جديدا من الجو السائد، فقد يتخذ الشعبان عادة واحدة، ولكن هذا لا يعني أن هذه ~~العادة تتخذ صورة واحدة عند هذين الشعبين؛ وذلك لأن الجو الاجتماعي السائد بين الشعبين ~~قلما يكون متفقا. وإذا طبقنا هذه القاعدة العامة على المشكلة التي نحن بصددها، أدركنا أن ~~الخطة غير العسكرية التي تنفذ في جو عسكري يرجح أن تتلون بلون يختلف كل ~~الاختلاف عن اللون الذي تصطبغ به في جو غير عسكري). # ولما كانت كل الشعوب اليوم، حتى الديمقراطية منها، عسكرية في روحها، تتعصب للقومية ~~بل تعبدها، فإن كل تنظيم اقتصادي تقوم به الحكومة يبدو للمشاهد الأجنبي استعماريا في ~~صبغته. وهذا مما يفسد العلاقات بين الأمم. وقد لجأت الدول إلى فرض الرسوم الجمركية على ~~السلع الأجنبية وإلى غير ذلك من الحيل للترفيه عن رعاياها. ولكن أمثال هذه التدابير - في ~~الجو الذي يسود العالم - تبدو للدول الأجنبية أعمالا تنطوي على سوء النية ووضاعة المقصد، ~~فتثأر هذه الدول لنفسها، ويتعسر التفاهم بين الأمم، وتصبح الحرب ضرورة لا مندوحة ~~عنها. # وإذا أنعمت النظر في هذه المشكلة ألفيت في الأمر تناقضا شديدا؛ ذلك أن تنظيم كل ~~دولة على حدة يؤدي إلى الفوضى بين مجموع الدول، وتقوية الروح القومية تضعف الروح الدولية، ~~وتماسك الأمة يفضي إلى تفكك مجموعة الأمم؛ فقد كان التبادل الاقتصادي بين الأمم خلال ~~القرن التاسع عشر وفي السنوات الأولى من القرن العشرين سهلا ميسورا حينما كان الاقتصاد ~~القومي يسير في جميع الأمم على غير خطة مرسومة، وكان من مصلحة الأفراد الذين يقومون ~~بالتجارة الدولية أن يتبعوا خطة عادلة ليس فيها إجحاف بأحد؛ كانت الدولة إذا تسير على غير ~~خطة معينة في الشئون الاقتصادية، فكانت النتيجة تعاونا اقتصاديا عالميا. # إننا اليوم على قمة ورطة كبرى؛ فالناس في ~~كل بلد يكابدون حرمانا شديدا من ms035 جراء عيوب النظام الاقتصادي السائد. ولا بد لنا من ~~معونة هؤلاء الناس، ولكنا لا نستطيع أن نعينهم معاونة فعالة إلا إذا تغير وجه النظام ~~الاقتصادي من أساسه. غير أن الخطة الاقتصادية التي تسير عليها الحكومات القومية لمصلحة ~~الشعوب سبب من أسباب الاضطراب في بناء الاقتصاد الدولي. إن الحكومات القومية - وهي ترسم ~~خطة محلية لمصلحة شعوبها - تعرقل سير التجارة الدولية، وتخلق صورا جديدة من المنافسة ~~الدولية، وأسبابا جديدة للشقاق بين الأمم. وفي السنوات الأخيرة الماضية كان لا بد لمعظم ~~الأمم أن تختار أحد هذين الشرين: إما أن تترك ضحايا سوء النظام الاقتصادي لفعل القدر، ~~وفي هذه الحالة يحتمل أن يصوت الضحايا ضد الحكومة فيسقطوها، أو ينفجروا في ثورة عنيفة ~~تقلب نظام الحكم، وإما أن تعين الحكومة ضحاياها بأن تفرض خطة حكومية جديدة على النشاط ~~الاقتصادي الداخلي. وفي هذه الحالة تسيء الحكومة إلى نظام التبادل الدولي، وتؤدي به إلى ~~الفوضى، وتخلق أسباب اشتعال حرب عالمية عامة. وبين هذين الطريقين الشائكين طريق ~~مفتوح واضح تستطيع الأمم المختلفة أن تسير فيه، وذلك أن تلجأ الدول إلى التشاور، وأن توحد ~~نشاطها كي لا تعرقل خطة قومية معينة خطة قومية أخرى، ولكن الدول لا تستطيع أن تسلك ~~هذا الطريق في ظل النظام القائم؛ فالدول الفاشستية لا تزعم أنها تريد السلام والتعاون ~~الدولي، بل إن الحكومات الديمقراطية نفسها التي تنادي بالسلام بأعلى صوتها هي في نفس الوقت ~~قومية في صبغتها، حربية استعمارية في صميمها. إن التفكير السياسي في القرن العشرين ~~بدائي ساذج إلى حد غير معقول؛ فالأمة لا تزال تتصور أنها كائن حي له عواطفه ورغباته ~~وإحساساته، وهذا الكائن الحي، أو هذه الشخصية القومية، أكبر من الإنسان العادي في حجمها ~~ونشاطها، ولكنها أحط منه في أخلاقها، الشخصية القومية لا تعرف الصبر أو الاحتمال أو ~~العفو، بل هي لا تعرف الإدراك السليم أو النظر إلى المصلحة الشخصية نظرة مستنيرة؛ ولذا فهي ~~تسيء السلوك إلى حد كبير. والرجال الذين يسلكون في حياتهم الخاصة سلوكا معقولا قائما ~~على قواعد الأخلاق ms036 يتحولون عندما يعملون كممثلين للشخصية القومية إلى رجال بدائيين، ~~يتصفون بالغباوة والهستيريا، تراهم يغضبون لأتفه الأسباب أشد الغضب؛ ومن أجل ذلك فإننا لا ~~نرتجي خيرا في الوقت الحاضر من المؤتمرات الدولية العامة، ولا يمكن أن يقوم نظام للتعاون ~~الدولي إلا إذا كانت جميع الدول على أهبة لأن تضحي ببعض سيادتها وحقوقها، وهي لن تفعل ~~ذلك ما دامت القومية تسيطر عليها وتتحكم فيها. # إذا فلا مناص من أن نتخلى - ونحن كارهون - عن خير الطرق التي يجدر بالأمم أن تسلكها، ~~ونقصد به طريق التشاور وتوحيد الجهود. لتتخل الدول عن هذا الطريق الأسمى في الوقت ~~الحاضر لتسلك طرقا أخرى غيره، وإن تكن أكثر التواء وأقل استواء. إن التنظيم القومي ~~يؤدي - كما رأينا - إلى الفوضى في ميدان التجارة الدولية والسياسة الدولية، ونستطيع أن ~~نعالج هذه الفوضى علاجا جزئيا بإحدى الطريقتين الاتيتين أو بكلتيهما: # أولا: # يمكن لبعض الدول التي تتقارب في وجهة النظر أن تنظم مشروعات للتعاون ~~بين بعضها وبعض، وقد حدث ذلك فعلا بين الدول التي تتعامل بالإسترليني، وهي ~~تشمل بلدانا رأى حكامها من الحكمة أن يوحدوا بين الخطط القومية ~~المنفصلة حتى لا تقف إحداها في سبيل الأخرى، وربما رأت بعض الحكومات ~~الأخرى في المستقبل القريب أن من مصلحتها أن تنضم في اتحاد كهذا. ولكننا ~~لا نحب أن نكون شديدي التفاؤل من هذه الناحية. إن الزمن قد يبين للدول ~~مزايا التعاون الدولي، ولكن الزمن كذلك يكسب المصالح المكتسبة التي ~~أوجدتها الخطط القومية المختلفة قوة ومنعة. إن الاشتراك في مشروع ~~تعاون دولي قد يكون في مصلحة الأمة عامة، ولكنه قطعا ليس في مصلحة بعض ~~الطوائف المعينة داخل تلك الأمة. وإذا كانت هذه الطوائف قوية من ~~الناحية السياسية فإن فائدة الأمة كثيرا ما يضحى بها في سبيل فائدة تلك ~~الطوائف. # ثانيا: # يمكن لكل دولة أن تستقل عن غيرها من الدول من الناحية الاقتصادية؛ بذلك ~~يخف أثر الفوضى الاقتصادية الدولية، وتصل أسباب الاحتكاك السياسي إلى ~~الحد الأدنى. ولما كان اتصال الدول بعضها ببعض - في ظل الروح القومية ms037 ~~السائدة - غالبا ما ينتهي بالصراع الدولي، فإن التخفيف من أسباب الاتصال ~~بين الأمم يؤدي - على الأرجح - إلى إبعاد شبح الحرب. # إن مثل هذا الاقتراح يبدو في أعين القائلين بحرية التجارة خطأ كبيرا، بل إجراما ~~شديدا. إنهم يرون - وهم على حق - أن حقائق الجغرافيا والجيولوجيا لا مفر منها؛ فالأمم ~~تختلف في إنتاجها بحكم طبيعة أرضها ومناخها، والشعوب تختلف في استعدادها بحكم الإقليم ~~والبيئة؛ ولذا فمن أصالة الرأي أن يتقسم العمل بين الأمم، وأن تستبدل كل دولة بالسلع ~~التي يسهل عليها إنتاجها تلك التي تتعسر عليها، وتتيسر في بقعة أخرى من الأرض. # هذا ما يرى أنصار حرية التجارة، وحجتهم في ظاهرها معقولة مقبولة. ولكنك إن أنعمت فيها ~~النظر من ناحية عملية تبين لك ما فيها من شطط؛ ذلك أن أكثر الدول اليوم ترمي إلى توسيع ~~نفوذها السياسي، وتخشى الحرب وما يترتب عليها من نتائج؛ لذلك تراها تبذل كل جهدها في ~~إنتاج كل ما تستطيع من سلع داخل بلادها، مهما كلفها ذلك، ومهما كانت العقبات الطبيعية، ~~وذلك رغبة منها في الاستغناء عن الدول الأخرى إن دعا إلى ذلك داع. وقد ساعد تقدم العلوم ~~والفنون هذه الدول كثيرا على تنفيذ هذه السياسة الاستقلالية واتباعها في كثير من الأمور. ~~أجل إن فكرة الاستقلال الاقتصادي والاكتفاء بالإنتاج المحلي سخيفة جدا في نظر أنصار ~~حرية التجارة، ولكنها ممكنة التحقيق إلى حد كبير نظرا لتقدم فنون الصناعة. إن العلم لا ~~وطن له؛ ولذا فإنه إن تقدم في بلد من البلدان انتقل إلى البلدان الأخرى وانتفع به قوم ~~آخرون. ويترتب على ذلك أنه إذا نجحت أمة من الأمم في تنفيذ سياسة الاستقلال الاقتصادي ~~لتقدم العلم فيها كان من اليسير على غيرها من الأمم أن تنقل عنها علمها وفنها لتستقل هي ~~بدورها استقلالا اقتصاديا. هذه حقيقة لا مفر منها، ومن الخير ألا نتجاهلها وأن ~~نستغلها لمصلحة المجموع. # إن الدول الدكتاتورية في الوقت الحاضر تستغل التقدم العلمي في أغراض الحرب وحدها. ولكن ~~ليس هناك ما يدعونا إلى استخدام فكرة الاستقلال الاقتصادي ms038 في الاستعداد للحرب دون غيرها؛ ~~فنحن نستطيع أن نستخدمها في نشر لواء السلام؛ وذلك أن قوة الشعور بالقومية تهددنا ~~بقيام النزاع بين الأمم، فإذا نحن استطعنا أن نباعد بين هذه الدول من الوجهة الاقتصادية ~~أمكننا أن نبعد شبح الحرب ولو إلى حين. والمكتشفات العلمية الحديثة تعاوننا على تنفيذ ~~سياسة الاستقلال الاقتصادي؛ ولذلك فمن الخير لنا أن نشجع هذه المكتشفات. # ولننظر على سبيل المثال في مشكلة الغذاء. إن كثيرا من ~~الحكومات - ومنها إنجلترا وألمانيا وإيطاليا ~~واليابان - تبرر استعدادها للحرب وحبها الاستعمار بنقص الأغذية في بلادها نقصا يجعل ~~إمداد جميع السكان بالطعام الكافي أمرا مستحيلا. ومما يزيد الطين بلة أن هذا النقص ~~الطبيعي يعززه نقص وضعي منشؤه سياسة خاطئة في نظام النقد تمنع بعض البلدان من الحصول ~~على مواد الغذاء اللازمة من الخارج، وهذه السياسة الخاطئة في نظام النقد نتيجة للروح ~~العسكري السائد. وتؤثر الحكومات في هذه البلدان أن تنفق كل مصادر الثروة القومية في ~~شراء الأسلحة بدلا من أن تنفقها في شراء الغذاء والكساء، تؤثر أن تشتري المدافع بدلا من ~~الزبد؛ ومن ثم ترى أن الدولة لا تستطيع أن تشتري الغذاء لأنها تستعد للحرب، كما أن ~~الدولة لا بد لها أن تحارب لأنها لا تستطيع شراء الأغذية؛ فهي حلقة مفرغة. # إن سياسة النقد الخاطئة قد تحول دون شراء الأغذية من الأمم الأجنبية، ولكن هناك أسباب ~~أخرى تحتم على بعض الأمم أن تشتري بعض أطعمتها من الخارج؛ فهناك دول - منها بريطانيا ~~العظمى وألمانيا واليابان - لا يكفيها إنتاجها الداخلي في الوقت الحاضر، نظرا لازدحامها ~~بالسكان إلى درجة كبيرة؛ ومن ثم فإن حكام هذه البلاد يرون الاستعمار ضرورة لا ~~مندوحة عنها. ولكن هل يمكن اعتبار ازدحام السكان عذرا مشروعا للاستعداد الحربي ولضرورة ~~الاستعمار؟ إن الخبراء الزراعيين المحدثين لا يرون ذلك، ونحن نحيل القارئ على كتاب ~~الدكتور ولككس # Dr. Wilcox # وعنوانه «تستطيع الأمم أن ~~تعيش في أوطانها»؛ فهو عرض منظم لآراء علماء الزراعة المحدثين. يزعم الدكتور ولككس ~~أن الدولة التي تتبع في زراعتها نظم الإنتاج ms039 الحديثة تستطيع أن تكفي حاجة سكانها مهما ~~كانت نسبة ازدحامهم؛ أي حتى إن بلغت كثافة السكان أقصى ما بلغته في أي زمان وأي مكان. ~~وقد استخدمت بالفعل الطرق التي اقترحها ولككس في التجارة وأتت بفائدة جليلة. أما ~~الطريقة الزراعية الجديدة التي اخترعها الأستاذ جرك # Gericke # في كاليفورنيا فلا تزال في دور التجربة، وإذا ثبت نفعها فإنا نرجو ~~أن تمدنا بكميات كبيرة من الأطعمة بجهد يسير وعلى مساحة أصغر مما تتطلبه أية ~~طريقة أخرى. وطريقة جرك هذه ثورة على النظم الزراعية المألوفة، إذا قورنت بها الثورة ~~الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بدت انقلابا تافها. # 2 # إن الاختراعات الفنية النافعة لا يمكن أن تقاوم. وإذا ثبتت فائدة طريقة جرك هذه فلا ~~شك أنها ستعم جميع البلدان، وربما كان لذلك أثره في استتباب السلام العالمي. بل إني أرى ~~أنه - سواء نجحت هذه الطريقة أو لم تنجح - في استطاعة الأمم بحسن الرأي والتدبير «أن تعيش ~~في أوطانها.» كما يقول ولككس، بل وتعيش - إذا لم ترتفع نسبة المواليد ارتفاعا فجائيا - ~~في رغد لم يسبق له مثيل. ويهمنا في هذا الصدد أن يتنبه القارئ إلى أن الحكومات على ~~اختلافها لم تبذل حتى الآن مجهودا جديا للاستفادة من الطرق الزراعية الحديثة على نطاق ~~واسع، حتى تستطيع أن ترفع مستوى الشعب المادي فتستغني بذلك عن ضرورة الغزو والاستعمار. وفي ~~هذا وحده دليل على أن أسباب الحروب ليست اقتصادية فحسب، إنما هي سيكولوجية كذلك؛ فالأمم ~~تتأهب للحروب لأسباب من بينها أن الحرب تقليد قديم له قوته وسلطانه على النفوس، ومنها ~~أن الحرب مثيرة للشعور باعثة على الاهتمام، كأنها رواية مسرحية تمثل، ومنها تنشئة ~~الشعب على الإعجاب بالروح العسكرية، ومنها كذلك أننا نعيش في مجتمع يعبد النجاح مهما تكن ~~وسيلته، مجتمع يقوم على التنافس أكثر مما يقوم على التعاون. ومن هنا ينشأ النفور من ~~اتباع السياسة الإنشائية التي تعمل على إزالة أسباب الحروب الاقتصادية على الأقل. ومن هنا ~~كذلك يتدفق ذلك النشاط الوافر الذي يبذله الحاكم والمحكوم على ms040 السواء في الدعاية لسياسة ~~الهدم وإثارة الحروب، مثل سياسة التسليح وسياسة تركيز السلطة التنفيذية وتجنيد ~~الجماهير. # تحدثت حتى الآن عن النتائج الدولية للخطط القومية البحتة، وعن السياسة التي ينبغي ~~لأولي الأمر أن يسلكوها كي يخففوا سوء هذه النتائج ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وسأعالج ~~فيما يلي تلك الخطط القومية من الوجهة الداخلية. لقد تعرض غيري من الكتاب بالتفصيل ~~الدقيق وبالإسهاب العظيم لمشاكل تنظيم الدول من الوجهة الفنية المحضة. ولبحث هذه المشاكل ~~أحيل القراء على الكتب العديدة التي كتبت في هذا الموضوع، # 3 # ولكني أحب هنا أن أتعرض لموضوع التنظيم القومي من حيث صلته بمثلنا العليا، ~~كما أني أحب أن أتعرض للظروف التي ينبغي أن تتوفر كي ينجح هذا التنظيم ويحقق لنا تلك ~~المثل. # لقد أوضحت في الفصل الذي كتبته عن «الإصلاح الاجتماعي والعنف» أن أكثر الناس محافظون ~~على القديم، وأبنت أن كل تعديل في نظام المجتمع - مهما يكن طيبا - يثير المعارضة، وأن ~~أية خطة تفرض على الناس بالعنف والشدة لا تؤدي إلى النتائج المرجوة منها. ويستتبع هذا ~~أولا أننا يجب ألا ندخل على المجتمع أي إصلاح إلا إن كان ضروريا جدا، وثانيا ألا ~~نفرض على الناس إصلاحا يثير فيهم المعارضة والمقاومة، مهما يكن هذا الإصلاح ضروريا، ~~اللهم إلا إن كان ذلك تدريجا وبدرجة غير محسوسة. وثالثا عند الإصلاح ينبغي أن نتخذ ~~الوسائل التي تعودها الناس وألفوها من قبل. # ولنطبق الآن هذه القواعد العامة على أمثلة معينة من التنظيم الاجتماعي، ولنطبقها ~~أولا على الخطة الكبرى لكل المصلحين ~~المحدثين - وهي تحويل الجماعة الرأسمالية ~~التي تقوم على مبدأ الكسب الشخصي إلى الجماعة الاشتراكية التي تضع المصلحة العامة في المحل ~~الأول. # القاعدة الأولى: # للإصلاح - كما ذكرنا من قبل - أننا يجب ألا ندخل على المجتمع أي ~~تعديل إلا إن كان ضروريا جدا. فإن أردنا أن نصلح جماعة رأسمالية ~~متقدمة، فما هو التعديل الذي لا يسعنا إلا أن ندخله؟ الجواب على هذا ~~السؤال يسير واضح: إن التعديل الضروري الذي لا مناص منه لا بد أن يعالج ms041 ~~إدارة الإنتاج الكبير، وإدارة هذا الإنتاج في العصر الحاضر تنحصر في أيدي ~~أفراد غير مسئولين، كل همهم أن يضاعفوا أرباحهم، وكل وحدة إنتاجية ~~كبيرة مستقلة تمام الاستقلال عن باقي الوحدات، وليس بين الوحدات اتحاد ~~من أي نوع كان. وهذا التفكك القائم بينها هو الذي يؤدي إلى الأزمات ~~الاقتصادية التي تحل بنا بين الحين والحين، وتنشأ عنها صعوبات جمة ~~للطبقات العاملة في الأمم الصناعية. إن الإنتاج الصغير الذي يتولاه أفراد ~~يملكون الآلات التي يستخدمونها بأنفسهم لا يتعرض لمثل هذه الأزمات التي ~~يعانيها الإنتاج الكبير الفينة بعد الفينة، وللإنتاج الصغير - فوق ذلك - ~~ميزة أخرى، وتلك هي أن الملكية الشخصية لوسائله لا تتبعها عواقب ~~سياسية أو اقتصادية أو سيكولوجية وخيمة كتلك التي تترتب على الإنتاج ~~الكبير - مثل استعباد صاحب العمل لعماله، وخوف العمال الدائم من خطر ~~التعطل، واعتمادهم المطلق على أرباب الأعمال؛ ولذا فإني أرى أن نصبغ ~~إدارة وحدات الإنتاج الكبير بالصبغة الاشتراكية، وأن نبقي على وحدات ~~الإنتاج الصغير دون مساس. بذلك يمكننا أن نحتفظ بالفردية في العمل، ~~وأن يبلغ الاعتراض على إصلاحنا الذي نريده حده الأدنى. # والقاعدة الثانية: # التي وضعناها للإصلاح هي ألا نحاوله البتة إذا كان يحتمل أن يثير ~~المعارضة. ولنفرض على سبيل المثال أن الزراعة الجمعية أكثر إنتاجا من ~~الزراعة الفردية، وأن الفلاح الذي يعمل في مزرعة جمعية هو من الوجهة ~~الاجتماعية خير حالا من الفلاح الذي يملك أرضه ويدير أمرها بنفسه. إذا ~~سلمنا بهذا كان إلغاء الملكيات الفردية أمرا لا بد منه. ولكن هذا ~~الإصلاح - رغم أنه قد يكون مستحبا - لا ينبغي تنفيذه إلا إن كان ذلك ~~تدريجا وبخطوات بطيئة. إنا إذا نفذنا هذه السياسة دفعة واحدة فإنا ~~بذلك من غير شك نثير معارضة عنيفة تفتضينا استخدام العنف والشدة. إن ~~إلغاء الملكيات الفردية في الروسيا وإخضاعها للنظام الجمعي اقتضى الحكومة ~~أن تحكم على عدد كبير من الفلاحين المالكين بالسجن والإعدام والحرمان ~~والجوع. ومن المحتمل أن يكون المعارضون المعروفون اليوم (1937) هناك باسم ~~تروتسكيت # Trotskyite # شديدي الحقد ~~على الحكومة لهذا ولغير ms042 هذا من أعمال الإرهاب. إن إقماع المعارضة يتطلب من ~~الحكومة أن تلجأ إلى وسائل العنف، كما يتطلب منها على حد تعبير الأستاذ ~~لاسكي تعزيزا ل «الدكتاتورية الحديدية». ووسائل العنف هذه والدكتاتورية ~~الحديدية لا يمكن إلا أن تنتهي بالنتائج الطبيعية للوحشية والاستبداد - ~~وتلك هي استعباد الناس وبث الروح العسكرية فيهم، وإخضاع الشعب وإذلاله ~~وتخليه عن الشعور بالتبعات. والزراعة الجمعية أشد خطرا في البلدان ~~الغربية المتقدمة في الصناعة منها في الروسيا؛ فإن المزارعين ~~والفلاحين في أوروبا الغربية وفي أمريكا أقل عددا من سكان المدن. ~~ولما كانوا قلة ملحوظة فإن لكل فلاح قيمته. فإذا نحن اكتسبنا عداوة هذه ~~الأقلية التي لا غنى لنا عنها قل إنتاجها الزراعي، وربما كان في ذلك ~~هلاك سكان المدن. يستطيع أولو الأمر في الروسيا أن يقضوا على حياة بضعة ~~ملايين من الفلاحين دون أن يتأثر بذلك سكان المدن. أما في فرنسا أو ~~ألمانيا أو إنجلترا أو الولايات المتحدة فإن إهلاك العدد اليسير من ~~الفلاحين والمزارعين يقضي على عمال المدن جوعا. # والقاعدة الثالثة: # للإصلاح هي ضرورة إنجازه باستخدام الوسائل التي ألفها الناس من قبل. ~~وسنذكر هنا أمثلة قليلة محسوسة للوسائل التي نستطيع أن نتخذها لتعديل ~~نظام الرأسمالية. تستطيع الحكومة أن تضع حدا للأرباح، وقد طبقت ~~الحكومة البريطانية بالفعل هذا المشروع في شركة الإذاعة البريطانية. ~~ويمكننا أن نعمم مبدأ تحديد الأرباح في جميع ميادين العمل والتجارة. ~~وتستطيع الحكومة كذلك أن تلجأ إلى مبدأ تعاون المستهلكين وتعاون ~~المنتجين؛ فهو مألوف للناس وليس بجديد عليهم. وإذا عرجنا على نظام ~~الضرائب رأينا أن الأغنياء في أكثر الدول قد قبلوا عن رضى أن يدفعوا ~~ضريبة الدخل وضريبة الميراث. فما يمنع الدول الأخرى أن تفرض هذه الضرائب كي ~~تخفف من حدة المفارقات الاقتصادية بين الأفراد والطبقات؟ وتستطيع ~~الدولة كذلك أن ترفع من أجور العمال، وأن تتولى هي بنفسها الإشراف على ~~تنظيم مصانع الإنتاج الكبير وأمواله، بدلا من أن يتولاه ~~الأفراد. # لقد تحدثت فيما سلف عن الإصلاح القومي، وإني ما زلت أشعر أن المشكلة بحاجة إلى ms043 ~~زيادة الشرح والإيضاح لأننا - من الوجهة العملية - لا نستطيع أن نفصل أي نوع من أنواع ~~الإصلاح عن جوه الإداري والحكومي والتعليمي والنفسي. إن الشجرة تعرف بثمارها، وثمار ~~أي إصلاح معين تتوقف كما ونوعا على جو الإصلاح بقدر ما تتوقف على نوع الإصلاح ~~ذاته، كما أن الفاكهة تتوقف عددا وجودة على نوع الشجرة التي تنبتها كما تتوقف على الجو ~~الذي تنبت فيه وتترعرع. إن فائدة الإصلاح لا تتحقق إلا إن كان الجو الاجتماعي من إدارة ~~وحكومة وتعليم وغير ذلك جوا صالحا لا فساد فيه. # خذ مثالا لذلك الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج. هذا الإصلاح في حد ذاته معناه تحرير ~~العمال المستعبدين، ولكن هذا التحرير - في الروسيا المعاصرة - ينمو في جو فاسد ~~مكوناته استيلاء السلطات الحاكمة على المصانع والمزارع الكبيرة، والتربية العسكرية في ~~المدارس، والتجنيد الإجباري في الجيش، واستبداد دكتاتور حاكم تؤيده أوليجاركية من حزبه، ~~وتؤازره البيروقراطية ذات الامتيازات، وهو يسيطر على الصحافة والنشر، ويستخدم قوة كبيرة ~~من رجال البوليس السري. إن الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج لا شك تنقذ العمال من ~~خضوعهم التام لكثير من صغار الدكتاتوريين - وأعني بهم ملاك الأراضي، وأصحاب الأموال، ~~وأرباب المصانع الكبيرة، ومن إليهم، فليسوا إلا كذلك. ولكن إذا كان جو هذا الإصلاح (الطيب ~~في حد ذاته) فاسدا، فلن يظفر العمل بتلك الحرية التي ننشدها لهم، ولكنهم يعانون نوعا ~~جديدا من الاسترقاق السلبي الذي لا يحملهم تبعة من التبعات. أجل إننا بهذا الإصلاح ~~ننقذهم من ظلم كثير من صغار الدكتاتوريين الذين أشرنا إليهم، ولكننا نضعهم تحت وكلاء ~~دكتاتورية واحدة مركزة أقوى من الدكتاتورية الأولى أثرا؛ لأنها تستغل القوى المادية، ~~ويؤيدها نفوذ أدبي يكاد يكون مقدسا، وذلك هو نفوذ الدولة القومية. # إن جو الإصلاح في الدول الديمقراطية أكثر ملاءمة منه في الدول الدكتاتورية؛ ولذلك ~~فالإصلاح في هذه الدول أنفع وأجدى، ولكن هذا الجو الملائم - في العصر الحاضر - يميل إلى ~~التدهور والفساد، وهو بحاجة شديدة إلى رعاية نفر مخلصين حتى لا يتم فساده. وأسباب هذا ~~الاتجاه نحو الانحطاط كثيرة؛ منها أن ms044 الشعوب الديمقراطية نفسها محبة للاستعمار، وهي ~~شديدة الرغبة في هزيمة الدول الفاشستية بأسلوبها؛ أي بطريق الحرب والقتال. وفي سبيل ~~الاستعداد الفعال للحرب الحديثة ترى الحكومة ضرورة تركيز السلطة في يدها، وإلغاء كثير من ~~نظم الحكم الذاتي، والتضييق على حرية الرأي، وصبغ التعليم بالصبغة العسكرية. ومن أسباب ~~فساد الجو في الدول الديمقراطية كذلك أن هذه الدول ما تزال تعاني إلى حد ما حدة ~~الأزمة الاقتصادية التي حاقت بها عام 1929، مما ألجأ الحكومات إلى اتخاذ تدابير اقتصادية ~~استثنائية تحاول بها الترفيه عن شعوبها ، وقد أدى ذلك إلى تعزيز سلطة الحكومة. فباتت ~~السلطة التنفيذية والبيروقراطية والبوليس في إنجلترا اليوم أقوى نفوذا منها في أي عهد ~~سبق. وكلما اشتد نفوذ هذه السلطات قل استعدادها لقبول الحرية الديمقراطية. وثمة ~~نقطة أخرى نحب أن ننبه إليها الأذهان، وتلك هي أن البدء في التنظيم الاقتصادي يؤدي حتما ~~إلى الاستزادة من هذا التنظيم؛ وذلك لأن الأمور معقدة إلى حد يجعل الخطأ ضرورة لا ~~مندوحة عنها. ولا يستطيع أحد أن يضع خطة كاملة من أول الأمر لا عيب فيها ولا نقصان، ~~ثم تعالج هذه العيوب ارتجالا وتوضع لها الخطط الجديدة، وهذه الخطط الجديدة لا تخلو ~~من أخطاء، فتوضع لها خطط أخرى لملافاتها، وهكذا ترى أن التنظيم يستتبع التنظيم، والخطة ~~تتلو الخطة، وكل ذلك يؤدي إلى خنق روح الحرية في البلاد. وإذا ما ارتباط التنظيم بتعزيز ~~السلطة التنفيذية - وهذا هو ما يحدث في كل الدول الديمقراطية - فإن كل خطة تنظيمية جديدة ~~تقتضيها الأخطاء القديمة تسير بالدولة خطوة إلى الأمام نحو الدكتاتورية. ثم إن التنظيم ~~القومي الشامل - كما رأينا من قبل - يؤدي إلى تفكك الروابط الدولية، مما يؤدي إلى ~~التطاحن بين الأمم. وتستطيع أن تقول بعبارة أخرى إن التنظيم القومي يقرب خطر الحرب ~~منا. ولا يمكن إعلان الحرب، ولا يمكن الاستعداد لها، إلا من حكومة قوية مركزة ومن ~~ثم ترى أن التنظيم القومي يؤدي - بطريق مباشر وبطريق غير مباشر - إلى فساد الجو الذي ~~يمكن أن يتم فيه الإصلاح المنشود. # وفي الفصول ms045 التالية من هذا الكتاب سأحصر بحثي كله تقريبا في جو الإصلاح الملائم. ~~ويدعوني إلى ذلك أن كبار المفكرين قد تحدثوا كثيرا وكتبوا طويلا في أنواع الإصلاح ~~المطلوبة، وبخاصة الاقتصادي منها. وكلنا يعرف ما يقترحه هؤلاء المفكرون؛ فهم يرون اشتراكية ~~وسائل الإنتاج، ويرون أن يكون الإنتاج للمنفعة العامة لا للمكسب الشخصي، كما يرون أن تشرف ~~الدولة على المالية العامة للبلاد وطرق استغلالها والاستفادة منها، وما إلى ذلك. كلنا يعرف ~~هذه الآراء، ونحن جميعا مجمعون على ضرورة تنفيذها وتطبيقها على المجتمع، ولكن قل منا من ~~يلتفت إلى الجو الإداري والتعليمي والنفسي الذي ينبغي أن يتم فيه هذا الإصلاح. قل منا من ~~يقف لحظة ليفكر في الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإخراج الإصلاح من ميدان النظر إلى ميدان ~~العمل، غير أن تجاربنا الشخصية ودراسة التاريخ تبين لنا أن الوسائل لا تقل أهمية عن ~~الغايات، بل لقد تكون أكثر منها أهمية؛ لأن الوسائل التي نستخدمها تحدد طبيعة النتائج ~~التي نبلغها، في حين أن الغايات مهما تكن طيبة في حد ذاتها لا يمكنها أن تصمد للوسائل ~~الدنيئة التي قد تتبع لتحقيقها. ثم إن الإصلاح قد يكون مرغوبا فيه، ولكن البيئة ~~جوها فاسد؛ ولذا فالنتائج لا بد أن تكون فاسدة. وهذه الحقائق - على شدة وضوحها وبساطتها - ~~كثيرا ما تهمل ولا يلتفت إليها. وتوضيح هذه الحقائق، وبيان طريقة الاستفادة منها هي ~~الغرض الأساسي الذي أرمي إليه في الصفحات المقبلة من هذا الكتاب. ~~(1) ملحوظة بشأن الخطط التي نرسمها لمستقبل الأمة # إن المجتمعات التي تتقدم فيها فنون الصناعة عرضة للتطور الاجتماعي المستمر، وهذا ~~التطور الاجتماعي كثيرا ما تصحبه الاضطرابات والقلاقل، فهل يمكننا أن ~~نتفاداها؟ # من عهد قريب ألف رئيس الولايات المتحدة جمعية للنظر في هذه المشكلة وقد نشرت ~~تقريرها (الذي أشرنا إليه فيما سبق) في صيف عام 1937، وهذا التقرير وثيقة قيمة. يقول ~~واضعو التقرير إن تقدم الفنون الصناعية لا يمكن أن يؤدي إلى انقلاب في نظام الجماعة ~~لا نستطيع التنبؤ به قبل حدوثه بسنوات عديدة. إن الاختراع الجديد لا ms046 يطبق على ~~نطاق واسع إلا بعد ربع قرن على الأقل من تاريخ ظهوره، وتستطيع الجماعة دائما أن ~~تتنبأ بالنتائج الاجتماعية المحتملة لتقدم أي فن من فنون الصناعة قبل حلولها بوقت ~~غير قصير. فإن حدث في الجماعة تطور غير متوقع ولا منظور، فإنما يرجع ذلك إلى أن ~~أصحاب النفوذ لم يكلفوا أنفسهم مشقة التفكير في النتائج، أو في السبل التي يجب أن ~~تتخذ لتفادي الخطوب. وقد نبهتنا جمعية الرئيس روزفلت إلى التطور الاجتماعي الذي ~~قد ينجم عن المخترعات الحديثة. واقترحت خطة للآلة الإدارية المطلوبة لتخفيف ~~الآثار السيئة لهذا التطور. # ويتناسب الأثر عادة مع قوة المؤثر. ولكن هناك شيئا واحدا، يسيرا في ظاهره، ~~عظيما في آثاره الاجتماعية، وأقصد به صناعة الأسلحة. إن تعديلا طفيفا في رسم آلات ~~الاحتراق الداخلي قد يدفع الملايين من الرجال الأبرياء والألوف من النساء والأطفال إلى ~~هوة الهلاك بفعل النار والسموم والانفجار. وهذه المشكلة لا تخص الفنيين وحدهم، ~~إنما تخص القائمين بالحكم جميعا. وأنا أحيل القارئ فيما يخص علاج هذه المشكلة إلى ~~الفصول التي كتبتها عن الحرب وعن العمل الفردي في إصلاح الأمم. # وهناك مشكلة أخرى، وتلك هي ازدياد نسبة المواليد أو انخفاضها، فهي بالغة الأثر في ~~نظام الجماعة. ولتوضيح الأمر نضرب هذا المثال: إن نسبة السكان في الأمم الصناعية بغرب ~~أوروبا ينتظر بعد نصف قرن أن تقل عما هي الآن وعنها في دول شرق أوروبا؛ فعندما ~~يصبح عدد سكان بريطانيا العظمى 35 مليونا، منهم الأطفال والمتقاعدون المسنون، يكون عدد ~~سكان الروسيا زهاء 300 مليون، فهل تستطيع أمة قليلة السكان مثل بريطانيا في سنة 1990 ~~أن تحتفظ بمركزها كأمة من الأمم العظمى ذات النفوذ الكبير؟ لقد حاولت في الماضي السويد ~~والبرتغال وهولندا أن تقف في صف واحد مع الدول العظمى، ولكنها فشلت فيما حاولت ~~لأنها أمم قليلة العدد. وهذه مسألة لا بد لبريطانيا أن تحسب حسابها من الآن وإلا ~~فقدت ما تتمتع به من نفوذ في العالم. وفي هذا العالم العسكري الذي نعيش فيه لا أمل ~~لأمة من ms047 الأمم قليلة العدد أن تؤسس لها إمبراطورية واسعة. ولقد استطاعت بريطانيا فيما ~~مضى أن تنجح في سياسة الاستعمار حينما كانت كثيرة السكان بالنسبة للدول الأخرى، وساعدها ~~على الاحتفاظ بمركزها انفصالها عن بقية القارة الأوروبية وصعوبة غزوها. ولكن إذا قل ~~سكان بريطانيا أو سهل غزوها تعرضت لخطر ضياع مستعمراتها جميعا. # إن مشكلة السكان هذه كمشكلة الأسلحة، ليست مما يخص الفنيين وحدهم، إنما هي جزء من ~~المشكلة العامة، مشكلة السياسة والحزب، ولا يمكن أن تحل إلا إذا حسنت النيات وطابت ~~النفوس. # الفصل السادس # | طبيعة الدولة الحديثة # أحب في هذا الفصل أن أحلل الحكومات في العهد الحديث بعض التحليل، وسأقتصر على ذكر ~~الحقائق التي تهمنا في تحقيق أغراضنا التي نرمي إليها. # في كل أمة قلة حاكمة وكثرة محكومة. ويتشبع أفراد الطائفة الأولى بحب النفوذ والسلطان، ~~وقلما يحرك نفوسهم الإحساس بواجبهم نحو المجتمع. وهم عادة يتصفون بالكبرياء والقسوة ~~والشره. ومما يدعو إلى العجب أن المحكومين في أكثر الأحيان يتقبلون التبعية لأولي الأمر ~~منهم دون ثورة أو اعتراض، بل ويسلمون بالظلم والاستبداد. والشعوب قلما تثور، فالقاعدة ~~العامة هي الطاعة، والثورة هي الاستثناء. # إن من أهم حقائق التاريخ وأدعاها للعجب ذلك الصبر الذي يتحلى به عامة الناس. إن أكثر ~~الرجال والنساء يحتملون ما لا يحتمل ويطيقون ما لا يطاق. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب؛ أولها ~~الجهل؛ فإن أولئك الذين لا يعرفون إلا أن يحتملوا الصعاب والمشقات لا يدركون أن نصيبهم من ~~هذه الحياة الدنيا يمكن أن ينقلب إلى ما فيه خيرهم ومصلحتهم. وهناك عامل آخر، وذلك هو ~~الخوف؛ فالناس قد يدركون أن الحياة شاقة عصيبة، ولكنهم يخشون عواقب الثورة. ثم إن ~~إحساس الناس بضرورة التماسك الاجتماعي يحملهم على تحمل الإذلال والمشقة دون ثورة أو ~~عصيان؛ فالفرد العادي يشعر بعضويته في المجتمع حتى إن أساء معاملته أولو الأمر في الحكومة. ~~وإنك لترى العمال (وهم من طبقة المحكومين) - إذا ما حزب الأمر - يناضلون في سبيل الأمة ~~(أي في سبيل استقرار الحكم الذي هم عليه ساخطون) ضد العمال من ms048 أبناء الدول الأخرى. # كما أن العادة وسلطان الماضي لهما قوة لا تقاوم، والخروج من مأزق من المآزق الحرجة ~~يتطلب من المرء مجهودا أكبر مما يستطيع أن يبذل. يقول برايس # bryce # في كتابه «دراسات في التاريخ والشرع»: إن أهم ما يدفع الناس إلى ~~الخضوع للقانون هو الكسل؛ فالكسل هو الذي يجعل الغني والفقير على السواء جامدا لا يطمع في ~~تغيير حاله. أليس من العجيب أن يتشبث الفقير بمركزه الوضيع كما يتشبث الغني بثروته؟ وقد ~~أصاب البوذيون وبعض المسيحيين - حينما عدوا التراخي من أمهات الكبائر. ولقد قلت من ~~قبل إن الشجرة تعرف بثمارها، وعلى هذا فقد كان البوذيون وأولئك المسيحيون على حق؛ فإن من ~~بين الثمار السامة الكثيرة التي ينبتها التراخي الحكم الدكتاتوري والخضوع له؛ ولذا فإني ~~أرى أن من واجب المصلحين أن ينقذوا الناس من وهدة التراخي والكسل، كما ينقذونهم من ~~براثن الطمع والشره وشهوة الحكم والسلطان. إن أي إصلاح لا ينقذ الجماهير من حمأة ~~الخضوع لأصحاب النفوذ والسلطان لا يعد رقيا في نظام المجتمع. # 1 # إن الإشادة بفائدة الكسل والخضوع والخوف، وتبريرها تبريرا عقليا، من العقائد الفلسفية؛ ~~فالشعوب تطيع حكامها لأنها - بالإضافة إلى الأسباب الأخرى - تعتقد في بعض النظم ~~الميتافيزيقية الدينية التي تلقي في روعهم أن الدولة يجب أن تطاع، وأن الثورة على أولي ~~الأمر كفران بالله وبالدين. كما أن الحكام من ناحيتهم قلما يقنعون بتحقيق أطماعهم رضي ~~الناس أم سخطوا، وإنما هم يطمعون كذلك في حكم الناس بالحق الشرعي. إن أكثرهم يصل إلى منصب ~~الولاية بالعنف وبالمكر والخديعة، ولكنهم يحاولون بعدئذ أن يستندوا في حكمهم على تأييد ~~الشرع والقانون. وبعضهم يزعم أنه يحكم بالحق الإلهي فيعزز بذلك مركزه أمام المحكومين، ~~ويبرر لنفسه أمام ضميره القلق حقه في الحكم والسلطان. وليست الكثرة العظمى من النظريات ~~السياسية سوى حيل عقلية يخترعها الفلاسفة لإثبات حق القائمين بالأمر في الحكم، وقليل ~~من النظريات السياسية من وضع المفكرين الثائرين. وهذه النظريات الثائرة نفسها، إن كانت ~~لا تبرر الحكم للحاكمين بالفعل، فهي تراه من حق ms049 زعماء الأحزاب التي ينتمون إليها، ولا ~~يأبه واضعو هذه النظريات بالدعوة للعدالة واللين في وسائل الحكم. ولست أحب أن أناقش هذه ~~الآراء لأنها تبعد بنا عن الغرض الأساسي من هذا الكتاب. إننا إن أردنا أن نفكر في النظام ~~السياسي تفكيرا سليما، كان حتما علينا أن نفعل ذلك باعتبارنا من علماء النفس، وليس ~~باعتبارنا مدافعين عن الحكام المستبدين، أو من نحب لهم أن يكونوا حكاما مستبدين. ~~وإن أردنا أن نقدر للدولة قيمتها وجب علينا أن نحكم عليها في ضوء المثل العليا التي ~~يريدها لنا كبار المصلحين والأنبياء . أجل إن هجل يعتبر هذه الأحكام «ضحلة» للغاية، ولكن ~~إذا كان «التعمق» يؤدي بنا إلى تضحية الفرد في سبيل الدولة - كما أدى بهجل إلى ذلك - ~~فمرحبا بضحولة الأحكام. وإني لأوثر أن أكون سطحيا إن كان ذلك في مصلحة المجموع. إننا ~~لن نفهم شيئا عن مشاكل الحكومة إلا إذا درسنا الحقائق السيكولوجية والمبادئ الأولى ~~للأخلاق. # ومما تقدم يتضح لنا أن كل المجتمعات المتمدنة في العالم الحديث تتألف من طبقة ~~صغيرة من الحكام أفسدتها زيادة السلطة، وطبقة كبيرة من المحكومين أفسدتها شدة الخضوع ~~والخنوع. ولا مراء في أن الاشتراك في مثل هذا النظام الاجتماعي يجعل من العسير على الفرد أن ~~يكون حرا عاملا في حياته، فيصبح بذلك إنسانا مثاليا ممتازا. وإنا إذا لم نوفر ~~للأفراد درجة لا بأس بها من التحرير، وإذا لم نفتح لهم مجال العمل، فلا أمل لنا في تحقيق ~~المثل الأعلى للجماعة، الذي يريده لنا كبار المصلحين. إن النظام الاجتماعي الطيب هو ذلك ~~النظام الذي ينقذنا من الشر الذي يمكن تفاديه، والنظام الاجتماعي الخبيث هو ذلك الذي يوقعنا ~~في شرور ما كان أحرانا أن نتحاشاها لو أننا أحسنا تدبير الأمور. وهمي الآن أن أكشف عن ~~الإصلاح الذي يمكننا من تفادي الشر الذي ينجم عن طغيان الحاكم وخضوع المحكوم. وقد ~~بينت في الفصل السابق أن الإصلاح الاقتصادي - وهو عزيز جدا على المجددين من ~~المفكرين - لا يكفي لترقية المجتمع أو ترقية الأفراد الذين يتألف منهم ms050 المجتمع. ثم إن ~~أي إصلاح لا ينفذ في الجو الحكومي والإداري والتعليمي الصحيح لا يؤتي الثمرة المطلوبة. ~~ولكي نوجد الجو الملائم للإصلاح الاقتصادي يجب أن نصلح آلتنا الحكومية، وطرقنا في ~~الإدارة العامة والتنظيم الصناعي، ونظامنا في التعليم، ومعتقداتنا الميتافيزيقية ~~والخلقية، وسأعالج التعليم والمعتقدات في الجزء الأخير من هذا الكتاب. أما الآن فسأتعرض ~~للحكومة وإدارة الشئون العامة وشئون الصناعة، وهذه الموضوعات المنوعة هي في الواقع ~~أجزاء من كل واحد لا يمكن فصل أحدها عن الآخر؛ فإن طرائق الحكم السائدة، والنظم ~~الصناعية القائمة، لا يمكن أن يقوم بإصلاحها إلا قوم تعلموا الرغبة في الإصلاح. كما أن ~~الحكومات - بصورتها الراهنة - لا يمكن أن تصلح نظام التعليم السائد إصلاحا يؤدي إلى قلب ~~طرائق الحكم رأسا على عقب؛ فالمشكلة هنا حلقة مفرغة، لا مفر لنا منها إلا بجهد ~~عظيم يبذله في مصلحة المجموع أفراد أحرار أذكياء، على علم عظيم وخلق متين، ائتلفت ~~قلوبهم واجتمعت على فعل الخير والجميل. وسأتحدث فيما بعد عن ضرورة ائتلاف هؤلاء الأفراد، ~~وعلى الدور الهام الذي يستطيعون أن يلعبوه في مستقبل البشر وفي إصلاح المجتمع. أما الآن ~~فسأبحث في الأداة الحكومية وفي إدارة الصناعات. # الفصل السابع # | المركزية واللامركزية # اتضح لنا من الفصول السابقة أننا مجمعون على مميزات المجتمع المثالي والإنسان ~~المثالي، بل إن أكثر المصلحين السياسيين في القرن الماضي على درجة عظيمة من الاتفاق ~~على الوسائل التي يصح اتباعها في تنظيم الدول حتى تبلغ الغايات التي ترمي إلى تحقيقها. ولا ~~ينكر أحد أن الحكم الاستبدادي وشدة تركيز السلطة من بين العقبات الكبرى في طريق التقدم ~~الاجتماعي والفردي، وحتى الاشتراكيون أنفسهم يمقتون المركزية وحكم الاستبداد. وقد وصف ماركس ~~الدولة بأنها «حيوان طفيلي يعيش على جسم المجتمع»، وكان يتطلع إلى الوقت الذي تتلاشى ~~فيه الدولة من تلقاء نفسها. ولكن إلى أن يتم هذا التلاشي لا بد من دكتاتورية العامة ولا بد ~~من تعزيز نفوذ السلطة التنفيذية المركزية؛ فالدولة الروسية الحديثة أوليجاركية تتركز في ~~يدها السلطة، ويجند رعاياها رجالا ونساء وأطفالا تجنيدا إجباريا. وفي ms051 الروسيا نظام ~~دقيق للبوليس السري لرعاية المدنيين، وهناك فوق ذلك رقابة على الطبع والنشر. ونظام ~~التعليم يقوم على مبدأ الخضوع والروح العسكرية، وهو بعينه النظام التعليمي الذي كان معروفا ~~في روسيا القيصرية، والذي يسود في إيطاليا تحت حكم موسوليني وفي ألمانيا قبل الحرب العظمى ~~وتحت سيطرة هتلر. إن أعوان حكومة استالين يريدوننا أن نعتقد أن أقصر الطرق إلى الحرية ~~وأحسنها هو الخدمة العسكرية! وأن خير استعداد لتأليف حكومة مسئولة مستقلة هو الحكم ~~الاستبدادي الذي يستخدم الجاسوسية البوليسية والإرهاب ورقابة المطبوعات! وأن التعليم ~~الملائم الذي ينشئ لنا رجالا أحرارا يحبون السلام هو ذلك التعليم الذي يستخدمه العسكريون ~~البروسيون! # إننا نعيش على أرض كرية مستديرة؛ فيستطيع المرء أن يسافر من باريس إلى روان عن طريق ~~شنغهاي. ولكننا نعيش في زمن مسطح مستو، ولن يستطيع المرء أن يصل إلى هدف تاريخي ~~معين إلا إذا اتجه رأسا إليه، ومهما أمعن في السير في الطريق المضاد فليس ببالغ ~~غايته في يوم من الأيام. # والهدف الذي يرمي إليه المصلحون الاجتماعيون هو الحرية والعدالة والتعاون السلمي بين ~~الأفراد المتحررين، الذين يحملون التبعات برغم تحررهم، والذين يتوفر فيهم النشاط الجم ~~والحركة الدائمة. فهل هناك ما يدعونا إلى أن نعتقد أننا نستطيع أن نبلغ هذا الهدف عن طريق ~~تجسس البوليس، والرق العسكري، وتركيز السلطة، وتسلط طبقة على طبقة، وكم الأفواه، وحبس ~~الحريات، وفرض نظام استبدادي للتعليم؟ إنا لا نظن ذلك، ولا نحسب أن أحدا عاقلا يظن ~~ذلك. # كان ماركس يعتقد أن الدولة ستتلاشى من تلقاء نفسها في الوقت الملائم، وهذا رأي جدير ~~بالنظر في شيء من التفصيل. إن الدولة في رأي ماركس تقوم في المجتمع لأسباب عديدة منها ~~ضمان امتيازات الطبقة الحاكمة؛ ففي الجماعة الإقطاعية مثلا تكون الدولة أداة يضمن ~~بوساطتها أصحاب الأراضي من النبلاء أن يمسكوا زمام الحكم. وعند الرأسماليين الدولة هي ~~الأداة التي تمكن للبورجوازي من الاستيلاء على الحكم والاحتفاظ بالثروة. والدولة في ظل ~~الاشتراكية القومية هي الأداة التي تدافع بها البيروقراطية الحاكمة عن المركز الذي ارتفعت ms052 ~~إليه. والدولة الدكتاتورية التي تتركز فيها السلطة إلى حد بعيد قد تحطمها الحرب، وقد ~~تقلبها ثورة داخلية، ولكنها لن تذوي من تلقاء نفسها كما يحسب كارل ماركس. كما أن ~~دكتاتورية العامة ليست في الواقع سوى دكتاتورية فئة صغيرة من الناس لها في البلاد بعض ~~الامتيازات. ومثل هذه الدكتاتورية لا تؤدي إلى الحرية والعدالة والتعاون بين الأفراد ~~المتحررين العاملين المسئولين. إنما تؤدي إما إلى تقوية نفوذ الدكتاتورية أو إلى الحرب ~~أو الثورة، أو تؤدي إلى هذه النتائج الثلاث على التتابع. # كلا، إن الطريق السياسي الذي يؤدي بنا إلى ترقية المجتمع (ولنذكر أننا إن كنا نريد أن ~~نبلغ أهدافنا فعلينا أن نسلك طرقا أخرى متعددة غير الطريق السياسي) هو طريق اللامركزية ~~والحكم الذاتي الذي يتحمل التبعات. أما الدكتاتورية التي نزعم أنها طريق قصير للإصلاح ~~المنشود فلن تؤدي بنا إلى الغاية التي نحب. ينبغي أن نقصد إلى الهدف بغير التواء، فإن ~~وليناه ظهورنا أطلنا المسافة التي تفصل بيننا وبينه. # وأقول ثانية إن الطريق السياسي لترقية المجتمع هو طريق اللامركزية والحكم الذاتي ~~المحمل بالتبعات. غير أن الظروف الراهنة لا تتيح لأمة من الأمم أن تسلك هذا الطريق؛ ~~وذلك لسبب يسير ذكرته من قبل، وأجدني مضطرا إلى إعادة ذكره هنا؛ وذلك أن الدولة التي ~~تستعد للحرب لا يسعها إلا أن تجمع السلطة في أيديها؛ لأن توحيد القيادة ضروري قبل إعلان ~~الحرب كما هو ضروري بعد إعلانها. إن الأمة التي تريد أن تستخدم الحرب الحديثة أداة سياسية ~~لا بد لها من سلطة تنفيذية شديدة التركيز قوية النفوذ (ومن ثم كان من التناقض في ~~القول أن نتحدث عن الدفاع عن الديمقراطية بقوة السلاح؛ فالديمقراطية التي تستعد استعدادا ~~جديا لحرب علمية حديثة لا بد لها من التخلي عن ديمقراطيتها؛ فالدولة لا تستطيع أن ~~تستعد استعدادا صحيحا للحرب الحديثة إلا إذا تولى أمرها حاكم مستبد على رأس بيروقراطية ~~مدربة طيعة). # قلت إن الأمة التي تريد أن تستخدم الحرب الحديثة أداة سياسية لا بد لها من سلطة ~~تنفيذية شديدة التركيز ms053 قوية النفوذ. ومثل هذه الدولة أقرب إلى إعلان الحرب من أمة السلطة ~~فيها لا مركزية والشعب فيها يحكم نفسه بنفسه، ولذلك دواع عدة؛ منها أن الدكتاتوريات ~~قلما تكون آمنة، وكلما أحس الحاكم المستبد بزوال سلطانه لجأ إلى العاطفة القومية يستغلها كي ~~يقوي مركزه. ومحاكمات الخائنين والمذابح الكبرى وما إليها هي الحيل العادية التي يلجأ ~~إليها الدكتاتور لإحياء حماسة شعبه الفاترة. فإن فشلت هذه الحيل لجأ إلى إعلان الحرب. ~~وكلما اشتد نفوذ الحاكم ازداد رغبة في أن ينظر إلى نفوذ الأمة الأدبي على أنه نفوذه الأدبي ~~الشخصي . وعبارة «أنا الدولة» # L’etat C’est moi # وهم كثيرا ~~ما ينزلق فيه الملوك والدكتاتوريون، بل ومن أقل منهم من الحكام ورجال السياسة. وأمثال ~~هؤلاء الحكام الواهمين يرون فقدان نفوذ الأمة الأدبي ضربة موجهة إلى كبريائهم الشخصي، ~~كما أنهم ينظرون إلى انتصار الأمة كأنه انتصار شخصي لهم. إن شدة تركيز السلطة تهيئ للحكام ~~الذين بيدهم الأمر أنهم والدولة شيء واحد. وحينئذ تصبح الحرب أو التهديد بها طريقة من ~~الطرق التي يفرض الحاكم المستبد بها شخصيته على أبناء أمته. وتمسي الدولة أداة لتنفيذ ~~الأغراض الشخصية، من اضطهاد الأعداء إلى التظاهر بالكبر والخيلاء؛ ومن ثم نرى أن ~~المبالغة في تركيز السلطة أمر لا مندوحة عنه لنجاح الحرب بعد إعلانها، كما أنها كذلك عامل ~~من عوامل شن الحروب. # وفي الظروف الراهنة خاصة تحس الطبقات الحاكمة في الأمم جميعا بضرورة الاستعداد للحرب. ~~ومعنى هذا أن تسعى الحكومة نحو توسيع سلطتها التنفيذية، وهذا التوسع نفسه يشجع على ~~إشعال نار الحرب، فيزداد تركيز السلطة بعد إعلان الحرب، وهكذا دواليك حتى يصبح الصراع ~~قويا بين الأمم. # وما دامت الدول المتمدنة تواصل استعدادها للحرب فلا يحتمل البتة أن تتخذ إحداها ~~اللامركزية سياسة لها، أو أن تتوسع في مبدأ الحكم الذاتي، بل على العكس من ذلك سيزداد تركيز ~~السلطة لا في الدول الدكتاتورية وحدها، بل في الأمم الديمقراطية كذلك، فتفتر روح ~~الديمقراطية والحرية. وهذه الحركة تجري الآن في الدول الديمقراطية؛ فهي آخذة في التباعد عن ms054 ~~المبادئ الصحيحة ومقبلة على تركيز السلطة والاستبداد العسكري؛ ففي فرنسا مثلا اتخذت ~~الحكومة لنفسها حق تجنيد كل فرد وتعبئة كل شيء في حالة اشتعال الحرب. وفي إنجلترا يدرب ~~موظفو الحكومة سرا وبطريقة منظمة على وسائل الحيطة من الغارات الجوية. وفي بلجيكا ~~وهولندا والدول الإسكنديناوية - كما هو الحال في الدول الديمقراطية الكبرى - تنفق على ~~التسليح مبالغ طائلة، وزيادة التسليح معناها تقوية الروح العسكرية؛ فالدول الديمقراطية - ~~في الواقع - تسير في طريق الفاشستية التي تمقتها وتعاديها. # وقد نجحت الحكومة المركزية نجاحا ظاهرا. # والناس من يلق خيرا قائلون له # ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل # ولذا فإن سياسة المركزية في العالم المعاصر لم تظهر بمظهرها الصحيح، ولم يفهمها الناس - ~~كما يجب أن يفهموها - على أنها شر محض فرضه على العالم خطر الحرب، شر لا يمكن التخلص ~~منه إلا بعسر شديد وبعد مجهود ضخم وتضحيات بالغة. يعتقد الناس أن المركزية سياسة سليمة ~~في حد ذاتها. ولما كان رجال الحكم آخذين في تركيز السلطة في أيديهم فإن الناس يميلون إلى ~~تحبيذ هذه السياسة؛ وذلك لأن من طبيعة البشر أن يحسبوا الأمر الواقع خير الأمور. # ولكل دكتاتورية لغتها الخاصة، وقد تختلف الألفاظ في إحداها عن الأخرى، ولكن أغراض ~~الدكتاتوريات جميعا واحدة، وذلك أن يكون الاستبداد سياسة مشروعة، وأن يعترف للقائمين ~~بالأمر بالحق الإلهي في الحكم. وهذه الأغراض البعيدة لا تقل إيذاء للناس عن البوليس السري ~~أو رقابة المطبوعات. وفي اللغة التي يستعملها الحكام المستبدون ألفاظ يبررون بها الظلم ~~والجرائم. هؤلاء الحكام يصبون أغراضهم في قوالب لغوية تهيئ المظلوم لتحمل الظلم، بل ~~إنها لتجعله يعبد الظالم المجرم المجنون. # ومما هو جدير بالملاحظة أن هناك كلمة واحدة شائعة بين اللغات الدكتاتورية كلها، وهي ~~تستعمل لتبرير الفاشستية والنازية والاشتراكية على السواء. وتلك الكلمة هي «الأمر ~~الواقع». # فدكتاتورية العامة «أمر واقع لا بد منه» وكذلك الفاشستية؛ إذ يدعي أنصارها أن لهم ~~رسالة تاريخية عظمى يحتمها عليهم الواقع، وتلك الرسالة هي تكوين إمبراطورية عظيمة، أو ~~بعبارة أخرى الفتك بالشعوب الضعيفة باستعمال الغازات السامة ms055 والمدافع. وكذلك يرى الألمان ~~أن الجنس الآري - بحكم الواقع والتاريخ - أرقى من الأجناس الأخرى. وهذه الحقيقة الواقعة في ~~نظرهم تبرر أن يرتكب الرجال ذوو الشعر الأشقر والعيون الزرقاء أشنع الجرائم وأشدها ~~حماقة. # إن الاستناد إلى التاريخ والواقع أمر يفيد منه الطغاة كثيرا؛ وذلك لأن هذا الاتجاه ~~معناه - تلميحا إن لم يكن صراحة - أن الواقع هو المعقول، كما يزعم هجل (أو بعبارة أخرى أن ~~الحادث هو ما ينبغي أن يحدث). فإن انتصرت القوة على الحق - مثلا - فالقوة أمر واقع ~~لا مناص من التسليم لها. # ثم إن السلطة المطلقة لها أثر عجيب في تخدير الأعصاب؛ ولذا فإن أصحاب هذه السلطة ~~يستخدمون - وهم آمنون - أية وسيلة مهما تكن دنيئة للاحتفاظ بنفوذهم؛ فالتجسس والبلاغات ~~السرية والتعذيب والسجن الاعتباطي والإعدام في كل أمة دكتاتورية هي الوسائل المألوفة للحكم ~~الداخلي. إن هذه الأمور تحدث بالفعل؛ فهي «أمر واقع» ولذا فهي وسائل معقولة ~~ومشروعة. # فلا عجب بعدئذ أن يرى الحاكم المستبد المطلق «أن الواقع هو المعقول» وأن يعلم ~~الناس هذه العقيدة، وإنما الذي يدعونا إلى العجب أن الملايين من غير الحكام المستبدين، ~~بل وممن يقاسون مغبة هذا الرأي يعتنقون هذا المبدأ. ولا شك أن العقيدة بأن الكائن هو ما ~~ينبغي أن يكون تفسد المعايير الخلقية والسياسية وتعوق التقدم والإصلاح ~~الاجتماعي. # ولنعد الآن إلى موضوع السلطة المركزية ولنضرب للقارئ مثالا محسوسا. إن الظروف التي ~~تسود العصر الحاضر - العاطفة القومية، والتوسع الاستعماري الاقتصادي، وشبح الحرب، وما ~~إلى ذلك - كلها عوامل تعمل على تركيز السلطة، وينشأ عن ذلك الحد من الحرية الفردية ~~وتجنيد الجماهير، حتى في البلدان التي تمتعت حتى الوقت الحاضر بصورة من صور الحكم ~~الديمقراطي. والرجل المثالي يرثي لهذا الاتجاه نحو الظلم والاستعباد، ويعتقد أن نتيجته ~~سيئة ولا محالة. وليس كذلك من يحسب الأمر الواقع خير الأمور. وكلا الرجلين قد يرميان ~~إلى غرض واحد، ولكن الرجل الثاني يرى - بناء على عقيدته - أن الطريق الذي تعينه له ~~الظروف لا بد أن يؤدي إلى الغرض المنشود. إنه يعتقد أن حكم ms056 الاستبداد لا بد منته بالحكم ~~الديمقراطي، وأن الاستعباد ينتهي بتحرير الفرد، وأن تركيز النفوذ السياسي والاقتصادي ينتهي ~~بالحكم الذاتي؛ أو بعبارة أخرى أنه لا يرى مانعا من أن يأخذ بنصيب في أي عمل شرير؛ ~~لأنه يعتقد أن هناك عناية ربانية «واقعية» تعمل على تحقيق الغايات الطيبة بالوسائل ~~الدنيئة. # إن من واجبنا أن نبث في العالم هذا الرأي، وهو أن «الأمر الواقع» ليس بالمقياس الصحيح، ~~وأن ما تحملنا الظروف على عمله ليس هو الواجب الذي ينبغي أداؤه. إن ذلك لخير للناس وأبقى. ~~إن «الأمر الواقع» في العصر الحاضر شر محض ، فإذا نحن استسلمنا له وعملنا على تعزيزه ~~وتأييده فإننا بذلك إنما ننصر الظلام على النور. # الفصل الثامن # | اللامركزية والحكم الذاتي # يقترح علينا الفوضويون إلغاء الدولة. والواقع أن الدولة تستحق الإلغاء لأنها أداة ~~تستخدمها الطبقة الحاكمة للاحتفاظ بامتيازاتها، ولأنها وسيلة تمكن المولعين بحب ~~السلطان من إشباع شهواتهم في التسلط والنفوذ، كما تمكنهم من تنفيذ أحلامهم الخيالية ~~بالمجد والعظمة. غير أن الدولة في المجتمعات المعقدة، ومنها المجتمع الذي نعيش فيه، لها ~~وظائف أخرى نافعة تؤديها؛ فمن الواضح - مثلا - أنه ينبغي أن تكون في المجتمع هيئة ~~مسئولة عن توحيد نشاط الجماعات المختلفة التي يتألف منها المجتمع. ومن الواضح كذلك أنه ~~ينبغي أن تكون هناك هيئة لها سلطة العمل باسم المجتمع بأسره. وإذا كانت لفظة «الدولة» ~~مرتبطة ارتباطا كريها بفكرة الظلم الداخلي والحرب الخارجية، وبالسيادة الخالية من ~~التبعات، وبخضوع العامة الذي لا يقل عن سيادة الحاكمين خلوا من التبعة، إذا فلنطلق ~~على هذه الأداة الاجتماعية اسما آخر. وليس هناك في الوقت الحاضر اتفاق على ما عسى أن يكون ~~هذا الاسم؛ ولذا فسوف أحافظ على استعمال هذه الكلمة القديمة المرذولة حتى نتفق على اسم ~~جديد. # مما سلف ذكره في الفصول السابقة يتضح أن الإصلاح ~~الاقتصادي - مهما يكن طيبا في حد ذاته - لا يمكن أن يؤدي إلى ترقية الفرد والجماعة إلا إذا ~~تم في جو صالح وبوسائل صالحة، والجو الصالح للإصلاح فيما يختص بنظام الدولة هو ~~اللامركزية ms057 والحكم الذاتي في جميع الشئون، والوسائل الصالحة لتنفيذ الإصلاح هي الوسائل ~~الهينة اللينة. # وإذا انتقلنا من التعميم إلى التخصيص، ومن المعنوي إلى المحسوس، واجهتنا الأسئلة الآتية: # أولا: # بأي الوسائل يمكن تطبيق مبادئ الحكم الذاتي على الحياة اليومية للرجال ~~وللنساء؟ # ثانيا: # إلى أحد يطرد الحكم الذاتي للأجزاء المكونة للمجتمع مع قدرة المجتمع ~~على وجه الإجمال؟ # ثالثا: # إذا كانت هناك حاجة إلى هيئة مركزية لتوحيد نشاط الأجزاء المستقلة، فما ~~الذي يمنع هذه الهيئة المركزية من أن تصبح أوليجاركية حاكمة من النوع الذي ~~نألفه ونمقته؟ # إن طريقة الحكم الذاتي للناس العاديين في أعمالهم العادية أمر لا يمكن مناقشته مناقشة ~~جدية إلا إن كان لدينا فكرة واضحة عما يمكن أن نسميه التاريخ الطبيعي للجماعات ~~وسيكولوجيتها. إن «الجماعة» تختلف عن «الجمهور» في العدد، كما تختلف عنه في نوع الحياة ~~العقلية التي يحيياها الأفراد. الجمهور عدد كبير من الناس، أما الجماعة فقليلة العدد، ~~والجمهور يحيا حياة عقلية أحط من الحياة العقلية للأفراد. والجمهور لا يستطيع أن يسيطر ~~على عاطفته كما يستطيع الفرد. أما الحياة العقلية عند الجماعة فليست أحط ذهنيا ولا ~~عاطفيا من الحياة العقلية للأفراد الذين تتألف منهم الجماعة، بل لقد تكون في بعض الأحيان ~~أعلى من عقلية الأفراد. # وهذه هي الحقائق السيكولوجية الهامة عن الجمهور: الجمهور يميل بطبيعته إلى اللهو ~~والعربدة. إن الفرد في الجمهور يتحلل من قيود شخصيته، وهو أشبه ما يكون بالرجل الثمل. ~~والمعروف أن أكثر الناس يحبون أن يفروا من شخصياتهم، وهم يضيقون بأنفسهم ذرعا فيلجئون ~~إلى المخدرات أو إلى الاختلاط بالجمهور. ونجاح الدكتاتوريين يرجع إلى حد كبير إلى ~~قدرتهم على استغلال رغبة الناس في الفرار من أنفسهم؛ فهم يهيئون الفرص لرعاياهم لأن ~~يفلتوا من أنفسهم ولأن ينحطوا في ميولهم وعواطفهم؛ فالاشتراكيون يخدرون الناس بالجمع ~~بينهم في مجتمعات سياسية. ويلجأ الدكتاتوريون الفاشستيون إلى هذه الطريقة كذلك؛ فالدول ~~الدكتاتورية تتيح للناس أن يفروا من أنفسهم إلى العالم السفلي - عالم عواطف الجماهير. ~~ومن الثابت أن الإنسان إما أن يفر من نفسه إلى عالم ms058 علوي كعالم الأديان، أو إلى ~~عالم سفلي كعالم المخدرات. ويؤثر الدكتاتوريون أن يفر أتباعهم إلى العالم ~~السفلي؛ لأنهم إذا فروا إلى العلا حرروا أنفسهم من عبادة الأمة والحزب والطبقة والزعيم. ~~إن تخطي حدود النفس والفرار من سجن الذات إلى الاتحاد بما هو أعلى من الذات يتم عادة في ~~العزلة، وهذا هو السبب في أن الحكام المستبدين يحبون أن يجمعوا رعاياهم في تلك الجماهير ~~الكبيرة التي ينحط فيها الفرد إلى الدرك الأسفل. # والآن لنبحث في الجماعة. إن أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو هذا السؤال: متى ~~تصبح الجماعة جمهورا له مميزاته السيكولوجية؟ دلت التجربة على أن حركات الجماعة ~~ومشاعرها تتعقد إلى حد كبير إذا زاد عدد أفرادها عن عشرين أو قل عن خمسة. والجماعات ~~التي تتألف لأداء عمل يدوي معين يصح أن يفوق عددها تلك التي تأتلف لغرض سياسي أو ~~للصلاة الدينية أو للهو والمرح. الجماعة في الأغراض العملية يمكن أن تؤدي عملها بنجاح إذا ~~بلغ عددها العشرين أو الثلاثين. أما في الأغراض الأخرى فمثل هذا العدد الكبير قد يكون ~~عاملا من عوامل الفشل. ومما هو جدير بالذكر أن رسل المسيح لم يزيدوا عن اثني عشر. وقد ~~وجد أن اللجان التي يزيد عددها على اثني عشر عضوا تتعسر إدارتها لكثرة الأعضاء. وإني أرى ~~أن حفلة العشاء تكون على أتمها إذا كان أفرادها ثمانية. ورجال التربية مجمعون على أن ~~العدد الملائم للفصل الدراسي يتراوح بين ثمانية وخمسة عشر، وأصغر الوحدات في الجيوش تتكون ~~من عشرة جنود. وإذا فكل الدلائل تدل على أن العدد الملائم لتكوين جماعة أغراضها اجتماعية ~~أو دينية أو عقلية هو عشرة أفراد، والعدد ~~الملائم لتكوين جماعة تؤدي عملا يدويا يتراوح بين العشرة والثلاثين. وعلى ضوء هذه ~~الحقائق نرى أن الحكم الذاتي يجب أن يتألف من وحدات محدودة العدد. # وقد بحث الاقتصادي الفرنسي هياسنت ~~دبريل # Hyacinthe Dubreuil # طريقة الحكم الذاتي في دوائر الصناعة وقدم لنا ثروة من الأمثلة ~~المحسوسة في كتاب قيم عنوانه «لكل فرصته». يقول دبريل: ms059 إن أكبر دوائر الصناعات يمكن ~~تنظيمها بحيث تتألف من عدد من الجماعات المستقلة في حكمها والمتحدة في عملها في آن واحد، ~~كل جماعة منها تتكون من نحو ثلاثين عضوا، وكل جماعة تعمل داخل المصنع عمل المقاول الثانوي ~~يتعهد بأداء جزء معين من العمل. وللجماعة حق توزيع الأرباح بين الأفراد، ولها كذلك حق ~~حفظ النظام في داخلها، وانتخاب ممثليها وزعمائها. إن مثل هذا النظام يحبذه العمال لأنه ~~يعيطهم قدرا من الاستقلال، كما أنه يؤدي إلى زيادة الإنتاج. ولهذا النظام مزايا أخرى مثل ~~تدريب الأعضاء على التعاون وتحمل التبعات. # ولكن أكثر المصانع - في ظل النظام السائد - أشبه ما تكون بدكتاتوريات صغيرة بعضها يميل ~~إلى الخير وبعضها يميل إلى الشر، وطاعة العمال لرؤساء فرضوا عليهم فرضا بغير انتخاب ~~محتمة في كلتا الحالتين. وهؤلاء العمال قد يكونون - من الوجهة النظرية - تابعين لدولة ~~ديمقراطية، ولكنهم - في الواقع - ينفقون حياتهم رعايا لحكام مستبدين هم أصحاب المصانع ~~التي يعملون بها. ومشروع دبريل يدخل الديمقراطية الحقة داخل المصنع، وبغير هذا المشروع أو ~~ما يماثله لا فرق عند العامل بين أن يكون المصنع ملكا للدولة أو ملكا لفرد أو لجمعية ~~تعاونية؛ لأن طاعته واجبة في جميع الأحوال، ولكنا إذا وضعنا مشروع دبريل موضع التنفيذ ~~ظفرنا برضى العامل عن الإدارة، حتى إن تولاها من لا يحسنها؛ وذلك لأن العامل يعلم في ~~قرارة نفسه أنه هو الذي اختار رئيسه، وأنه اشترك في وضع لائحة مصنعه. فهو مطمئن من الناحية ~~النفسية. # ويعتقد لينين أن العامل لا يهتم بالديمقراطية لأنه فقير يملك عليه فقره كل تفكيره. ولكنا ~~ينبغي في الواقع أن نرفع من مستواه المادي حتى يتوفر له الفراغ والمعرفة والعلم فيهتم ~~بالديمقراطية والسياسة. ويجب ألا ننسى أن الناس أنماط مختلفة، فلا بد من إيجاد أنظمة ~~مختلفة من الديمقراطية والحكم الذاتي، حتى يجد الرجل ذو الفكر المحدود مجالا لنوع قدرته ~~السياسية في الجماعات المستقلة استقلالا ذاتيا داخل دوائر الصناعة أو التجارة أو الإدارة ~~المحلية. وهكذا يصبح كل فرد عضوا في جماعة مستقلة ولا ms060 يخضع لغيره خضوعا أعمى. # ويجدر بنا هنا أن نشير إلى تطور اجتماعي طرأ علينا في العصر الحديث وكان له أثره في ~~إحساسنا بروح الجماعة. وأسباب هذا التطور كثيرة أهمها ما يأتي: # أن تحديد النسل جعل الأسرة العادية قليلة العدد، ولأسباب متعددة سنبينها فيما بعد ~~انتهى العهد الذي كان يتزوج فيه الابن ويقطن مع أبيه وجده. في ذلك العهد كانت الأسر ~~الكبيرة والجماعات العائلية مجتمعات يتعلم فيها الأطفال فن التعاون وتحمل التبعات، غير ~~أن هذه المدارس الساذجة التي كانت تبث في الفرد روح الجماعة قد زالت الآن من ~~الوجود. # ثم إن طرق النقل الحديثة قد أدخلت تعديلا كبيرا على حياة القرى والمدن الصغيرة. ~~إلى عهد قريب جدا كانت القرى تكفي حاجات نفسها بنفسها، فكان لكل مهنة رجل فني يمثلها. ~~وكان الإنتاج المحلي إما يستهلك كله أو يستبدل به السكان محصولات أخرى من منتجات القرى ~~المجاورة. وكان الرجل لا يغادر قريته، والأهالي يعتمدون على مواهب أبناء القرية أو المدينة ~~في العلم واللهو وأمور الدين. أما اليوم فقد تغير كل شيء؛ ونظرا لما طرأ على طرق النقل ~~من وسائل الترقية والتحسن اتصلت القرية ببقية العالم الاقتصادي؛ فهي تستورد حاجاتها كما ~~تستورد الرجال الفنيين من بعيد، كما أن عددا كبيرا من السكان يخرج من القرية للعمل في ~~المصانع والمكاتب والمدن الكبيرة النائية، وهم يستمتعون بالموسيقى والتمثيل غير معتمدين ~~في ذلك على المواهب المحلية، بل على متن الأثير ودور الصورة المتحركة. # انقضى عهد كان فيه كل أفراد المجتمع يعيشون في بقعة واحدة. إنك اليوم - بفضل السيارات ~~- قلما تجد القرويين في قراهم. فانحطت الجماعة القروية في لهوها وعبادتها وثقافتها؛ لأن ~~الفرد يقضي شطرا كبيرا من حياته وفراغه في المدائن الكبرى. وقد عملت السيارة والتلفون ~~على تفكيك روابط الجيرة. كما أن تقدم الصناعات قد أضعف كثيرا من الصلات الشخصية والروحية ~~بين أعضاء المجتمع. وكذلك أدى تركيز الأعمال في أيدي الدولة إلى فتور الحب المتبادل بين ~~القلوب والتعاون المشترك بين الأفراد؛ فالمستشفيات التي تتعهدها الدولة وتمدها ~~بالأطباء والممرضات ms061 خير من معونة الجار، ولكنها تضعف من شعور الجار بالتبعة نحو ~~جاره؛ ومن ثم فإن التنظيم الاشتراكي يقضي على التعاطف بين الناس. # وقد شهدت الأجيال الثلاثة الماضية زيادة عظيمة في حجم المدن الكبيرة وعددها. والحياة ~~في المدن الكبيرة أشد إثارة للشعور وأكثر إدرارا للربح منها في القرن والمدن الصغيرة، وقد ~~شجع ذلك أهل الريف على الهجرة إلى المدينة. وسار في مقدمة المهاجرين ركب من ~~المغامرين الطموحين وذوي المواهب الممتازة، فأقفرت القرى وعمرت المدائن بالممتازين ~~من الرجال. # ومن العسير أن نحث الفلاحين وصغار المزارعين على الاستفادة من الطرق العلمية الحديثة؛ ~~وذلك لأسباب عدة؛ منها هجرة الأذكياء من القرويين إلى المدن. وترتب على ذلك كله أن ~~ضعفت الحياة الاجتماعية في الريف، ولم تحل محلها حياة اجتماعية قوية في المدن؛ وذلك ~~لأن الفوضى كانت تدب في المدن وهي آخذة في التضخم والاتساع. أجل هناك بين سكان المدن ~~نوع من الصلة، ولكنها صلة سطحية آلية. الحياة في المدينة مفككة وكأن كل فرد فيها ~~يقول لنفسه: «إن أحدا من الناس لا يهتم بي، فلماذا أهتم بسواي؟» # وفي ضوء هذه الأسباب الآنفة التي تعمل على انحلال المجتمع وإضعاف روح الجماعة عند ~~الأفراد، أقدم هذا الاقتراح لعلاج الأمور. نستطيع أن نحول المدارس والكليات إلى ~~جماعات عضوية، تعوض الفرد في فترة قصيرة من حياته عن ذلك التدهور الذي حل بحياة ~~الأسرة والقرية الصغيرة، وذلك بأن يقوم الطلبة بحكم أنفسهم وبالاشتراك في الألعاب الجمعية ~~والنشاط الثقافي. ولو أن القرية نفسها قامت بمثل ذلك لأصبحت الحياة فيها مستساغة مقبولة، ~~وقلت الهجرة منها إلى المدن. ثم إن عدم تركيز الصناعة، وارتباطها بالزراعة، يمكن ~~ساكن القرية من أن يكسب في القرية ما تدره عليه المدينة. ولكنا نلاحظ أن الصناعة في ~~الوقت الحاضر ما زالت مركزة في وحدات كبيرة برغم تيسير توزيع القوى الكهربائية على ~~البلاد. إن المدن المزدحمة بالسكان كثيرة العدد، مثل لندن وباريس، لها قدرة عجيبة على جذب ~~الصناعات إليها وتركيزها فيها. وربما يرجع ذلك إلى أن كثرة السكان تدعو إلى ms062 توسيع السوق، ~~وتوسيع السوق يجذب إليها الصناع. كما أن الصناعات الجديدة تنشأ عادة في ضواحي المدن ~~الكبيرة فتزيد تضخما واتساعا. وإذا تنبهنا إلى سهولة الإغارة الجوية على المدن الكبيرة ~~أدركنا أن عدم تركيز الصناعة فيها ضرورة ماسة لا مندوحة عنها. # إن الحياة في المدينة مفككة، ولا بد من إيجاد الرابطة بين الأفراد. # لقد حاولت فيما سلف من هذا الفصل أن أجيب عن السؤال الأول من الأسئلة التي وجهتها في ~~مستهل الفصل، ووصفت الطرائق المختلفة التي نستطيع بها أن نطبق مبادئ الحكم الذاتي على ~~الحياة اليومية للرجال والنساء. وسأحاول الآن أن أجيب عن السؤال الثاني، وهو: كيف نستطيع ~~تنسيق مجهود الفروع المختلفة المستقلة بحيث لا يضعف التماسك الاجتماعي بوجه عام ~~والإنتاج الصناعي بوجه خاص؟ لقد جربت الروسيا في السنوات الأولى من ثورتها استقلال ~~الصناعات المختلفة وحكمها حكما ذاتيا فرديا، ولكنها عادت فركزت الإدارة في يد ~~الدولة، وأشرف حزب الاشتراكيين على النظام داخل المصانع بعد أن كان يشرف عليه ممثلون ~~منتخبون من جمعية العمال السوفييت. وقد ذكر كاجانووتش # Kaganowitch # الروسي في خطاب له أن الإدارة معناها السيطرة على الماديات ~~وحق التعيين والفصل، والسيادة التامة على العمل. وهذا تعريف دكتاتوري للإدارة لا يختلف ~~عما يراه زعماء الصناعة في البلدان الرأسمالية. # ويزعم أنصار الحكومة الروسية الحاضرة أن التحول من الحكم الذاتي إلى الإدارة المركزية ~~يؤدي إلى زيادة الإنتاج. وقد يكون ذلك صحيحا في بلد كالروسيا، العمال فيه جهال قليلو ~~الخبرة غير قادرين على حكم أنفسهم أو على الإنتاج المثمر. ولكن الأمر ليس كذلك في غرب ~~أوروبا وفي الولايات المتحدة. وقد برهن دبريل على أن الحكم الذاتي داخل المصنع يؤدي إلى ~~زيادة الإنتاج. وإذا ففي البلاد التي تحسن فيها تربية الرجال والنساء وتدريبهم، والتي ~~تعود الناس فيها النظم الديمقراطية، لا يؤدي الحكم الذاتي داخل المصنع إلى انهيار ~~النظام أو قلة الإنتاج، اللهم إلا إن كان أولو الأمر يريدون تعبئة الأمة كلها، رجالها ~~وصناعاتها، للأغراض الحربية العسكرية. حينئذ تفشل اللامركزية؛ لأن تعدد الهيئات المستقلة ~~يجعل مهمة ms063 الدكتاتور عسيرة شاقة. ومن هنا كانت الحرب عاملا قويا في تركيز الحكم وإلغاء ~~النظام اللامركزي. وسأعالج في الفصل المقبل هذا الشر الاجتماعي المستطير - وأقصد الحروب. ~~أما ما بقي من هذا الفصل فسأخصصه لمعالجة المسألة الثالثة التي أثارها البحث في ~~اللامركزية والحكم الذاتي، وأعني بها قدرة المجتمع المكون من وحدات «مستقلة متحدة» على ~~الإنتاج، وطبيعة الهيئة التي يوكل إليها الجمع بين مجهود هذه الوحدات. # بين لنا دبريل أن أكبر الهيئات الصناعية يمكن أن تنظم بحيث تتألف من عدد من ~~الجماعات المتحدة والمستقلة في نفس الوقت استقلالا ذاتيا. وقدم لنا البرهان على أن مثل ~~هذه الهيئة يزيد إنتاجها على غيرها من الهيئات المركزة. وقد طبقت هذه الديمقراطية ~~الصناعية في بعض المصانع الكبيرة وأتت بأطيب الثمرات، ولكن هذه الديمقراطية الصناعية تتعارض ~~ونظام الرأسمالية والاشتراكية الوطنية؛ لأن الرأسمالية تخلق عددا من صغار الدكتاتوريين، ~~كل منهم يسيطر على مملكته الصناعية الصغيرة. كما أن الاشتراكية الوطنية تتطلب لإدارتها ~~دكتاتورا عظيما، يتركز النفوذ في يده، ويملك زمام السلطة كلها على الشعب بأسره ~~مستعينا بعدد من العملاء البيروقراطيين. # إن الهيئات المتعاونة قائمة بالفعل، وعملها يسير بيسر تام. فإذا نحن أكثرنا من هذه ~~الهيئات ووسعنا من دائرتها فلن يكون ذلك عملا ثوريا، ولن يبعث على المعارضة التي ~~يثيرها مبدأ جديد على الناس كل الجدة. # وجلي أن الهيئات الصغيرة المستقلة لا بد لها من سلطة عليا توحد جهدها وتنسق ~~عملها، فما الذي يكفل لنا أن هذه السلطة العليا لا تتحول إلى دكتاتورية مستبدة؟ الواقع ~~أن هذا التحول شديد الاحتمال في الدول التي تتأهب للحرب. إن الروح العسكرية تفسد أي ~~نوع من أنواع الإصلاح، وفي الأمم التي تستعد للقتال كثيرا ما يتجه الإصلاح الذي يرمي إلى ~~نشر اللامركزية والروح الديمقراطية توجيها حربيا، فيتعزز مركز الدكتاتور أو الأوليجاركية ~~الحاكمة. # وإذا ما ساد العالم جو عسكري، اتخذ الدكتاتور من الحاجة إلى الدفاع معذرة للاستيلاء ~~على السلطة المطلقة. ثم يزول شبح الحرب، ولكن الدكتاتور يتشبث بنفوذه ويسيء استخدامه؛ ~~لأن ذلك من شيم النفوس. فما ms064 هو السبيل إلى التخلص من هذا الشر؟ لقد بحثت هذه النقطة ~~بشيء من التوسع في الجزء الأخير من الفصل الذي عقدته على عدم المساواة، وإني أحيل ~~القارئ على هذا الفصل. إن مقاومة الطمع من أشد الأمور، وخير سبيل لذلك تعويد الطفل على ~~الاعتدال وهو ما يزال في دور التربية. إن المجتمع الذي نعيش فيه يشجع على الاستزادة من ~~النفوذ والسلطان؛ لأن صاحب النفوذ مهاب مقدس. ويكفي لتأييد ذلك أن تعلم أن الكتب التي ~~كتبت عن نابليون أكثر من التي كتبت عن أي رجل آخر. فماذا عسى إذا أن تكون أحلام الرجل ~~الذي يرى أن صاحب النفوذ هو البطل الذي يتردد اسمه على ألسنة الناس في كل زمان ومكان؟ إن ~~الدوتشي والفوهرر وأضرابهما لن يكفوا عن إفساد العالم حتى ينظر الناس إلى أمثال هؤلاء ~~المغامرين كأنهم من المخادعين المختالين، وما دام الناس يعبدون قيصر ونابليون فسيظهر ~~من بينهم أمثال قيصر ونابليون يسومونهم سوء العذاب. كان كارليل يقدس البطل، أما ~~بيكن # Bacon # فيقول عن الحاكم المستبد الطموح: «إنه ~~كالقرد الذي كلما علا في تسلق الشجرة تفنن في ألاعيبه.» ولقد كان بيكن أصدق من كارليل ~~نظرا. إننا نتطلع إلى اليوم الذي يمتنع فيه ظهور الدكتاتوريين، وإلى أن يحين هذا الوقت ~~لا بد أن نقنع بوضع العراقيل الشرعية والإدارية في طريق الطامعين حتى لا يكون من ورائهم ~~أثر أو خطر. # الفصل التاسع # | الحرب # إن الحرب والاستعداد لها والتهديد بإثارتها تسد - إن عاجلا أو آجلا - كل طريق يؤدي ~~إلى ترقية المجتمع. هذه هي الحقيقة المرة التي لا مفر منها، الحقيقة التي اتضحت لنا من ~~البحوث التي قدمناها في الفصول السابقة من هذا الكتاب. # والآن سوف نبحث بإيجاز شديد في طبيعة الحرب، وأسبابها، وما يمكن أن يحل محلها إذا أمكن ~~لنا أن نستغني عنها، وطرق علاج هذا الجنون العسكري الذي أصاب الناس في هذه الأيام. ~~(1) طبيعة الحرب ~~(أ) # الحرب ظاهرة إنسانية محضة. إن الحيوانات الدنيا قد تتبارز، وهي في ~~حرارة التهيج الجنسي، وقد تقتتل في سبيل ms065 القوت، أو لهوا ولعبا؛ فالذئب ~~لا يلتهم الشاة إلا وهو جائع، وهو في هذا كالقصاب يقتل الذبيحة ليبيعها ~~لنا طعاما نأكله. والهرة قد يحلو لها أن تلعب بالفأر فتقاتله من أجل ذلك، ~~وهي حينئذ أشبه ما تكون بالصائد يخرج للصيد فيقتل في سبيل لهوه الحيوان. ~~إن عمل الذئب والهرة، كعمل القصاب والصائد، ليس فيه من الروح الحربية - ~~كما نعرفها - لمحة ولا إشارة. وكذلك القتال بين الكلاب الجائعة، أشبه ما ~~يكون بالشجار بين السكارى في الحان - ليس من الحرب في شيء. ~~إنما الحرب معناها الفتك ~~بالألوف في نظام متعمد مقصود، أجل إن هناك حشرات اجتماعية تخرج إلى ~~القتال في جيوش منظمة، ولكنها توجه هجماتها دائما نحو عدو من ~~جنس آخر غير جنسها، إن الإنسان لفريد في تنظيم قتل الألوف من أبناء ~~جنسه. ~~(ب) # إن بعض علماء البيولوجيا - ومن أبرزهم سر أرثر كيث - يرون أن الحرب وسيلة ~~الطبيعة في تطهير المجتمع، وهي الوسيلة التي تكفل له بقاء الأصلح من ~~الأفراد والأمم المتمدنة. ولكن هذا زعم باطل؛ إذ إن الحرب تفتك بالشبان ~~والأقوياء، وتبقي على المرضى والضعفاء. وليس هناك ما يحملنا على أن نعتقد ~~أن الشعب الذي ألف وسائل العنف وأجاد فنون الحرب أرقى من الشعوب الأخرى؛ ~~فليس أرقى الأمم أشدها جرأة على القتال. ولم يبرهن التاريخ على أن أقدر ~~الناس على الحرب هم أصلحهم للبقاء. الحرب دائما تقضي على نخبة من الرجال ~~الأقوياء الممتازين، وهي بالنسبة للأمم والشعوب لا تسير على قاعدة ~~معروفة مرسومة؛ فهي أحيانا تضمن السيادة والبقاء للشعوب التي تجيد فن ~~القتال، وأحيانا أخرى تنتهي بدمار هذه الشعوب وتبقي على الشعوب التي لا ~~تتقن فنون الحرب. ~~(ج) # توجد في العصر الحاضر مجتمعات إنسانية بدائية، مثل الإسكيمو، لا تعرف ~~الحرب، بل ولا تخطر لها على بال. في حين أن كل المجتمعات المتحضرة ~~مجتمعات محاربة، فهل الحرب والمدنية أمران متلازمان؟ وهل الحرب ضرورة ~~للحضارة لا مفر منها؟ تدل البحوث الأثرية على أن المدنيات القديمة كانت ~~تعرف الحرب وتجيدها، وأن الشعوب المتأخرة تتخذها ms066 وسيلة لتحقيق أغراضها؛ ~~فهي إذا ليست من مستلزمات الحضارة وضروراتها. وأغلب الظن أن نشأة الحروب ~~مرتبطة بظهور زعماء يحسون بالعظمة وتمتلئ رءوسهم بفكرة السيادة الشخصية ~~والشهرة وخلود الاسم بعد الموت. وما تزال فكرة «المجد» و«الشهرة الخالدة» ~~تختمر في رءوس الدكتاتوريين وقادة الحروب، وتلعب دورا هاما في إثارة ~~الحروب، حتى في عصرنا هذا الذي تعد فيه الاعتبارات الاقتصادية ذات أهمية ~~قصوى. ~~(د) # يجب أن نعلم أن مدنيات العالم المختلفة قد وقفت من الحرب مواقف مختلفة؛ ~~فالصينيون والهنود يختلفون في نظرتهم إليها عن أهل أوروبا. هؤلاء (أي ~~الأوروبيون) يعبدون البطل العسكري، وهم منذ نشأة المسيحية يقدسون الرجل ~~الذي يموت استشهادا في الجهاد. وليس كذلك الصينيون؛ فإن الإنسان المثالي ~~عند كونفيوشس هو الإنسان العادل العاقل الشفيق المثقف، الذي يعيش مسالما ~~في مجتمع منظم منسجم. والكنفوشية تؤثر حكمة العقل على الشجاعة ~~البدنية، ويصرح أئمتها أن التضحية بالحياة قبل الأوان لا تليق بالرجل ~~الحكيم. أما إعجاب الأوروبيين بالبطولة العسكرية وبالاستشهاد في القتال ~~فقد حدا بأكثرهم إلى العقيدة بأن الميتة الطيبة خير من الحياة الطيبة، وأن ~~المرء يستطيع أن يكفر عن حياة طويلة مليئة بالجرائم والآثام بعمل ~~واحد ينم عن الشجاعة والبطولة. وصوفية لاوتسو # Lao Tsu # الصيني تتمم مذهب كونفيوشس العقلي؛ فالإنسان - ~~عند لاوتسو - الذي يحب أن يعيش عيشة هادئة طيبة ينبغي له ألا يفرض ~~شخصيته على غيره، وألا يشعر بأهميته، وألا يبدأ غيره بالعدوان، كما ~~ينبغي له أن يتصف بالتواضع، وأن يرد الشر بالخير. # وقد باتت المثل الصينية العليا منذ عهد كونفيوشس ولاوتسو تجنح إلى الهدوء والمسالمة. ~~أما الشعراء الأوروبيون فقد مجدوا الحرب وشادوا بها. كما أن رجال الدين ~~الأوروبيين يبررون الاضطهاد الديني والاعتداء القومي. ولم يكن الأمر كذلك في بلاد ~~الصين في العهود السالفة؛ فإن الفلاسفة والشعراء في تلك البلاد كانوا - وما يزالون - ~~ينفرون من الروح العسكرية الحربية. الجندي في تلك البلاد رجل وضيع لا يرتفع إلى ~~مستوى العالم أو رجل الإدارة. ومن مآسي التاريخ الكبرى أن إدخال المدنية الغربية على ~~الصين كان معناه ms067 إدخال الروح العسكرية على ثقافة ظلت زهاء ثلاثة آلاف عام تدعو ~~بغير توان إلى سياسة السلم والكف عن القتال. أما في العصر الحديث فقد تبدلت هناك ~~الأمور، وفرض التجنيد الإجباري على عدد كبير ~~من الصينيين عام 1936، والجندي هناك اليوم ~~يظفر بإعجاب الجماهير. ومما ساعد على تقوية الروح الحربية في الصين وتعزيزها الاعتداء ~~الياباني المتكرر. وقد تصبح الصين بعد جيلين دولة استعمارية معتدية. # ويعبر بوذا في تعاليمه أحسن تعبير عن حب الهنود للسلام؛ فالبوذية - كالهندوكية - ~~تعلم المرء ألا يؤذي غيره من الكائنات. البوذية تحرم على الرجل أن يشتغل بصناعة ~~الأسلحة أو بيعها أو بصناعة السموم والمخدرات، أو بالجندية، أو قتل الحيوان. البوذية ~~وحدها من بين ديانات العالم العظمى هي التي شقت طريقها بغير قتال وبغير اضطهاد أو ~~رقابة أو تعذيب؛ فهي من هذه الناحية أرقى من المسيحية التي شقت طريقها بين الناس ~~بالسيف وإراقة الدماء. والغضب عند البوذيين مشين بكرامة الإنسان. أما المسيحيون ~~فيرون أن من حق المرء أن يحنق وأن يغضب؛ ومن ثم فإن الأمم المسيحية ترى نفسها ~~مصيبة إذا هي غضبت لكرامتها، فشنت من أجلها الحرب، وارتكبت في سبيلها الفظائع ~~والآثام. # الحرب إذا ليست طبيعية، ولا يبررها العقل، ويمكن أن تزول من وجه الأرض، كما زالت ~~المبارزة بين الفرسان من أجل المرأة، وقد كانت عادة مألوفة في العصور الوسطى، وكما ~~زالت - إلى حد كبير - جرائم قتل الزوجة الخائنة أو عاشق الأم أو الأخت. وكان الناس ~~فيما مضى يحسبون هذه الجرائم طبيعية ولا يحاسب عليها مقترفوها. الواقع أن طبيعة ~~الإنسان مرنة يمكن تشكيلها على صور مختلفة؛ فالرجل المتمدن الآن قد يغار على حبيبته، ~~ولكنه قلما يثور لخيانتها إلى حد قلتها. وعلى هذا القياس نقول إنه بوسعنا - إن صحت ~~عزائمنا - أن نتخلص من وباء الحروب، كما تخلصنا من قتل الزوجات الخائنات وعشاقهن. ~~ليست الحرب من قوانين الطبيعة، وليست من طبيعة الإنسان، إنما هي تشتعل لأن الناس يريدون ~~إشعالها، ونستطيع أن نريد شيئا آخر غيرها فنستبدله بها. وأنا أعترف بأن تغيير الإرادة ms068 ~~الإنسانية أمر شاق عسير، ولكنه ليس بالأمر المستحيل. ~~(2) أسباب الحروب # أقول ثانية إن الحرب تشتعل لأن الناس يحبون إشعالها، وهم يحبونها لأسباب متعددة ~~متنوعة، نذكر منها ما يلي: ~~(أ) # كثير من الناس يحبون الحرب؛ لأن أعمالهم وقت السلم مذلة مخيبة ~~لآمالهم، أو لأنها مملة لا تبعث فيهم اشتياقا ولا حماسة. وقد دلت ~~البحوث الحديثة في أسباب الانتحار على أن نسبته تهبط إلى الثلثين بين ~~المدنيين غير المقاتلين في أوقات الحروب، # 1 # ويرجع ذلك إلى بساطة العيش إبان القتال، وإلى الحماسة ~~الوطنية التي تدفع الأفراد إلى البقاء للعمل في سبي الوطن، وإلى أن الحياة ~~في زمن الحرب ترمي إلى هدف معين - هو الانتصار على الأعداء. ويرجع ~~تشبث الناس بالحياة كذلك إلى الأمل في انقلاب الأمور وتحسن الأحوال، ~~وإلى التخفف من سآمة العمل وملل الوظيفة؛ لأن العمال والموظفين ~~يشعرون أنهم يؤدون عملا نبيلا نحو أوطانهم بمعونتهم رجال الحرب على تسيير ~~عجلة القتال. ثم إن اتساع الصناعات الحربية يوجد عملا للمتعطلين ~~ويخلق نوعا من الرفاهية المؤقتة بين العمال. ويلاحظ - فوق ذلك - أن ~~الأفراد يتحررون إلى حد كبير من قيود الأخلاق الجنسية؛ لأنهم - وسيف ~~الموت مسلط فوق رءوسهم - يحبون أن يظفروا من الدنيا بخير ما فيها من ~~متع. أضف إلى ذلك كله أن الحياة في زمن الحرب شائقة جدا، على الأقل في ~~السنوات الأولى منها؛ وذلك لأن كثرة الإشاعات، وما تذيعه الصحف كل صباح ~~من أنباء المعارك يرهف الحس ويثير المشاعر. وقد كان المدنيون حتى نهاية ~~الحرب العظمى بعيدين عن أخطار القتال، إذا استثنينا سكان المناطق التي ~~كانت عرضة للغزو المباشر. ولكنهم في الحروب المقبلة سيتعرضون لما ~~يتعرض له الجندي في ساحة الوغى. وسوف يترتب على ذلك أن تفتر حماسة ~~المدنيين للحرب. أما إذا برهنت الغارات الجوية على أنها أقل خطرا مما ~~يرى الخبراء، فقد لا تنطفئ جذوة الحماسة للقتال بتاتا، على الأقل في ~~الأشهر الأولى من اندلاع اللهيب. # ويدل تاريخ الحرب العظمى على أن عددا كبيرا من المحاربين أنفسهم ~~كانوا يستمتعون ببعض ضروب ms069 القتال. وكان يرحبون بفرارهم من الأعمال ~~المملة الميتة التي كانوا يمارسونها وقت السلم، حتى إن كان هذا الفرار ~~على حساب التعب البدني والمخاطرة بالموت وبالتشويه الجثماني. غير أنا ~~نرجح أن ظروف الحروب المقبلة سوف تكون قاسية مروعة مما يجعل ذلك ~~النفر من البشر الذين يحبون المغامرة والقتال بطبعهم يمقتون الحرب ~~ويخشون ويمجون النزول إلى ساحاتها. ولكن هذا الإحساس ببغض القتال لن ~~يتولد حتى تشتعل الحرب فعلا بين الأمم. وإلى أن يحين هذا الحين ستعمل ~~جميع الحكومات بجد ونشاط على نشر الدعاية القوية الخبيثة ضد من تتوسم ~~فيهم العداوة لا ضد الحرب في حد ذاتها. هذه الحكومات تنذر رعاياها بأنها ~~ستضرب بالقنابل من الجو تسقطها عليهم أساطيل محتشدة من طائرات ~~الأعداء. وهي تقنعهم - أو ترغمهم - بضرورة التدريب على الاحتياط من ~~الغارات الجوية، وعلى غير ذلك من ضروب التدريب العسكري. وهي تدعي ضرورة ~~التسليح ضد الهجمات وللدفاع. وهي تنفق على هذا التسليح ما يقرب من نصف ~~ميزانيتها. وهي تصنع ملايين الأقنعة الواقية وتوزعها على السكان للوقاية ~~من الغازات السامة - وهي تعلم أن هذه الأقنعة لا تحمي حاملها ولا تقيه، ~~كما أن الأطفال والمرضى والمسنين لا يستطيعون استعمالها، وهي لا تصلح ~~وقاية من أكثر أنواع الغازات السامة. غير أن الحكومة تصم آذانها عن ~~الاستماع إلى ما ينصح به الخبراء المحايدون. # وأعود فأقول إن مجهود الحكومات جميعا موجه إلى الدعاية ضد الأعداء، ~~وإلى الدعوة لضرورة الحرب وإلى زيادة التسليح. وهناك سببان لنجاح هذه ~~الدعاية: أولهما ما ذكرت من قبل وهو أن كثيرا من المحاربين وغير ~~المحاربين يرحبون بالحرب لأنهم يجدون فيها مخرجا من ملل السلم ~~الرتيب، وثانيهما سأذكره فيما يلي عندما أعالج وجها آخر من أوجه الأسباب ~~السيكولوجية لاشتعال الحروب. ~~(ب) # الشعور بالقومية وحب الوطن سبب قوي من أسباب الحروب. إن فكرة القومية ~~محببة إلى النفوس لأن فيها إرضاء لبعض رغبات الإنسان؛ فالقومية عقيدة ~~دينية، الإله المعبود فيها هو الدولة، ورمزها الملك أو الدكتاتور ~~المقدس. والفرد في هذه الدولة المقدسة يعتبر نفسه أرقى من ms070 جميع ~~الأفراد في جميع الشعوب الأخرى. وإذا ففي هذه العقيدة القويمة علاج لعقدة ~~النقص. وقد أدرك الدكتاتوريون هذه الحقيقة، فتراهم يؤججون نيران الغرور ~~القومي، فيجنون ثمار ما يعملون في اعتراف الملايين لهم بالجميل؛ لأن هذه ~~الملايين تنعم بالاعتقاد بأنها تتشرف بالعضوية في أمة مقدسة مجدها ~~أثيل. إن الفرد العادي فقير لا أهمية له ولا قيمة؛ ولذا فهو يجد في انتمائه ~~إلى أمة مجيدة بعض العوض عن ضعته وتفاهته. # واحترام النفس ينشأ عنه دائما الحط من قدر الآخرين. والغرور والخيلاء ~~والكبر تولد الاحتقار والكراهية لأبناء الشعوب الأخرى. ومن هنا ينشب ~~القتال. # ويكمن وراء تقديس الدولة خطر آخر، وذلك أن أكثر الرجال والنساء يسلكون ~~في الظاهر سلوكا حسنا، ولكنهم يضمرون في نفوسهم دوافع دنيئة لا يقرهم ~~عليها المجتمع، وإنك لتراهم فرحين بقصص العصابات والقرصان والخداع؛ لأنهم ~~عن طريقها ينفسون عما تنطوي عليه نفوسهم الخبيثة، وهم يجدون في الدولة ~~ما يجدون في هذه القصص، بل يجدون فيها أكثر من ذلك؛ لأن الدولة شخصية ~~معنوية مقدسة، عظيمة في قوتها وسلطانها، ولكنها منحطة من الوجهة ~~الخلقية. إن أخلاق الساسة في الشئون الدولية لا تختلف في شيء عن أخلاق ~~عصابات اللصوص والقرصان والمخادعين. ويستطيع المواطن أن ينفس عن رغبته ~~في الإجرام لا في أشرطة السينما فحسب، بل في ميدان العلاقات بين الأمم ~~أيضا. إن الدولة المقدسة - التي ينتمي إليها المواطن - تهدد غيرها من ~~الدول وتخادع وتتبجح بطريقة ترضي فينا الطبائع الدنيئة المكبوتة. إن ~~الرجل قد يحب زوجه وأطفاله، وقد يعطف على جيرانه، ويخلص في عمله، لا يضر ~~أحدا ولا يصيب غيره بأذى، ولكنه يشعر بالنشوة حينما تنتصر بلاده على ~~غيرها من البلدان، وحينما تتسع رقعتها وتخضع غيرها، أو بعبارة أخرى حينما ~~تعتدي على غيرها من الأمم الوادعة وتخدعها وتسرق جهدها ومالها. # إن الأمة معبود عجيب، ولها على النفوس سلطان غريب، إنها تفرض علينا ~~واجبات شاقة فنؤديها، وتطلب إلينا تضحيات عظيمة فنقدمها؛ وذلك لأننا ~~نحبها ونقدسها، إننا نحبها لأنها تثير فينا الطبائع الدنيئة الخبيثة، ~~وهي تقدم لنا ms071 المعاذير لتظاهرنا بالصلف والكبرياء على غيرنا من أبناء ~~الأمم الأخرى، وهي تهيئ لنا الفرصة بما تشن من حروب لأن نشهد المذابح، ~~فنروي برؤية الدماء نفوسا متعطشة إلى الفتك والدمار. # ونكتفي بهذا القدر من الكلام على الأسباب السيكولوجية للحروب. ولنبحث ~~الآن في أسباب الحرب المباشرة، وهي أسباب - وإن تكن سيكولوجية كذلك إذا ~~أخضعناها للتحليل الدقيق - سياسية واقتصادية في ظاهر أمرها. ونحن في ~~الواقع إنما نلجأ إلى هذا التقسيم - سيكولوجي وسياسي واقتصادي - عند البحث ~~في أسباب الحرب لسهولة التبويب. ولكنه تقسيم له مثالبه؛ لأننا بهذا الفصل ~~بين الأسباب ننظر إلى شئون «السياسة» و«الاقتصاد» كأنها عوامل لم تنبع من ~~داخل نفوسنا، وإنما هبطت علينا من عالم آخر، ونحسبها عوامل قد تنفصل عن ~~الطبيعة البشرية. أجل إن للسياسة والاقتصاد أثرهما المستقل، ولكن الإنسان ~~ليس بالآلة الصماء التي تتأثر ولا تؤثر؛ فهو كثيرا ما يتدخل في هذه ~~العوامل السياسية والاقتصادية، ويمسها بالتعديل والتبديل حتى تلائم حاجاته؛ ~~ولذا فلا ينبغي لنا أن ننظر إلى السياسة والاقتصاد كأنهما عاملان لهما ~~أثرهما المستقل، ولهما سلطانهما الذي لم يتفاعل مع نفوسنا؛ لأن هذه النظرة ~~تؤدي بنا إلى نتائج خاطئة. وأنا أكرر القول بأننا حينما نفصل العوامل ~~السياسية والاقتصادية عن العوامل النفسية فإنما نفعل ذلك لتيسير البحث ~~فحسب؛ لأن عوامل السياسة والاقتصاد سيكولوجية في طبيعتها. ~~(ج) # وأول الأسباب السياسية للحرب هي الحرب ذاتها؛ فكم من حرب اشتعلت ~~نيرانها بسبب الاستيلاء على قطعة من الأرض لها قيمة حربية، أو بقصد الوصول ~~إلى الحدود الطبيعية - أي الحدود التي يسهل الدفاع عنها، والتي تجعل الهجوم ~~على الدول المجاورة أمرا ميسورا. إن المزايا الحربية المحضة لها عند حكام ~~الأمم أهمية المزايا الاقتصادية. ثم إن مجرد حشد الجيوش وبناء الأساطيل ~~البحرية والجوية سبب من أسباب نشوب القتال. يقول الرجل العسكري: «يجب أن ~~نستخدم قوانا الحربية كي ندربها على إجادة القتال حتى تكون أقرب إلى النصر ~~في الحرب المقبلة.» # ويجدر بنا هنا أن نقول كلمة في الدور الذي يلعبه التسليح في إثارة ~~الحروب. إن كل رجال ms072 السياسة يزعمون أن تسليح بلادهم إنما هو لأعراض الدفاع ~~فحسب، وأنه لا يقصد به الهجوم. ثم إنهم يزعمون - فوق ذلك - أن تسليح ~~الدول الأجنبية يحتم عليهم تسليح بلادهم. إن كل أمة تتخذ الحيطة للدفاع ~~عن نفسها ضد ما تتخذه الدول الأخرى من أسباب الاحتياطات الدفاعية! ولا مراء ~~في أن هذا التسابق في التسليح لا بد ينتهي بإعلان الحرب والنزول إلى ميدان ~~القتال. إن التسليح يؤدي حتما إلى القتال لسببين: أولهما نفسي؛ وذلك لأن ~~تسليح بلد من البلدان يبعث الخوف والشك والحقد والبغض في البلدان ~~المجاورة. وفي مثل هذا الجو الموبوء ما أسرع أن ينتهي الخلاف والجدال ~~بالقتال والمعارك. والسبب الثاني فني؛ وذلك أن الأسلحة إذا لم تستخدم في ~~حينها تصبح طرازا قديما قد لا يصلح لملاقاة العدو الذي يستخدم أسلحة ~~حديثة الطراز. خذ مثلا لذلك الطائرة. إنها تتقدم كل يوم باطراد؛ ولذا فإن ~~الدولة التي تحس بأنها خير من غيرها تسليحا تسارع إلى إعلان الحرب قبل ~~أن يتفوق عليها غيرها في نوع السلاح، فتحاول أن تجاريها، ويكلفها ذلك مالا ~~طائلا قد لا تتحمله إذا كانت من الأمم الفقيرة. ثم إن أكثر الأسلحة ~~تقوم بصنعها الشركات الأهلية، ومن الجلي أن من مصلحة هذه الشركات الإكثار ~~من صناعة السلاح، وبيعه لأمتها، وللأمم الأجنبية الأخرى بربح عظيم. وذلك ~~من أسباب الحروب الهامة، وسأعود إلى الكلام فيه ثانية في موضع آخر من هذا ~~الفصل. ~~(د) # وقد تشتعل الحرب لنشر عقيدة دينية أو سياسية؛ فحروب الإسلام والحروب ~~الصليبية والحروب الدينية الأوروبية في القرنين السادس ~~عشر والسابع عشر، وحروب الثورة ~~الفرنسية، والحرب الأهلية الأمريكية، والحرب الإسبانية الأهلية الأخيرة، ~~كلها أمثلة لحروب الغرض منها نشر فكرة خاصة أو عقيدة بعينها. حقا إن ~~بعض هذه الحروب قد يرجع إلى أسباب أخرى غير نشر العقيدة، مثل الطمع في جمع ~~الثروة، أو السيادة وبلوغ المجد، أو غير ذلك. ولكن الغرض الأول في جميع هذه ~~الحروب هو نشر الفكرة التي يتحمس لها المقاتلون؛ فلو لم تكن هناك رغبة ~~في نشر عقيدة ms073 جديدة أو الدفاع عن عقيدة قديمة ما قامت هذه الحروب وما ~~قاتل المحاربون فيها بالحرارة والحماسة والشجاعة التي يتصفون بها دائما. ~~وقد حل التعصب القومي في العصر الحديث محل العقائد الدينية والسياسية في ~~الزمان القديم. وتدل الدلائل على أن الحروب المقبلة كلها سوف تهب للدفاع عن ~~رأي من الآراء، كما كانت الحروب في الزمن الخالي تنشب للدفاع عن ~~الدين. ~~(ه) # وثمة سبب آخر من أسباب الحرب ألمعنا إليه من قبل إيجازا، وذلك هو ~~تحقيق «المجد» الذي يعقب النصر. والمجد حلم لذيذ يحلم به الملوك وقواد ~~الجيوش؛ فمن أجل المجد كان ملوك آشور يقاتلون، ومن أجل المجد دوخ ~~الإسكندر الأكبر المشرق والمغرب، ومن أجله قاتل ملوك العصور الوسطى ~~ونبلاؤها، ولويس الرابع عشر، والأسر المالكة في أوروبا في القرن الثامن ~~عشر، ونابليون بونابرت. ومن أجله يقاتل هتلر وموسوليني في العصر الحديث. إن ~~الزهو والغرور والتعطش إلى العظمة والمجد كثيرا ما تدفع الحاكم إلى ~~إقحام بلده في حرب ما كان أغناه عنها، وبخاصة إذا كان الحاكم دكتاتورا ~~مستبدا على رأس أوليجاركية حربية. ~~(و) # ولقد تحسب المجد من خصائص الملوك والقواد وحدهم. كلا؛ فإنه يعود على كل ~~فرد من أفراد المجتمع في البلدان التي تشتد فيها العواطف القومية وتقوى؛ ~~فالفرنسيون جميعا شاطروا لويس الرابع عشر مجده. وقد نجحت الثورة ~~الفرنسية من أثر الدعاية التي كانت تحاول أن تقنع الناس بأن المجد لهم ~~أجمعين. ومثل هذه الدعاية تعم العالم اليوم، فيتصور الرجل العادي أن في ~~نصر أمته فخارا له ومجدا. والصحافة والراديو والسينما تشعر كل فرد أن ~~له في المجد نصيبا. وعندما تسوء الأمور داخل البلد الدكتاتوري، ويبدأ ~~الناس بالتذمر والضجر، كثيرا ما يرى الدكتاتور أن في مجد القتال علاجا ~~لذلك. وقد كان المجد في الماضي أرخص منه في الحاضر؛ لأن المدنيين في العصر ~~الحديث يكابدون مشقات الحرب كما يكابدها المحاربون، وذلك بعد استخدام ~~الطائرة في القتال؛ فكلنا يدفع ثمن المجد إن كنا من الظافرين. والحرب ~~بالوسائل الحديثة تهلك الحرث والنسل؛ فيقاسي منها الرجل في ms074 كسر بيته ~~كما يقاسي منها الرجل في ساحة القتال. ~~(ز) # من أهم الأسباب الاقتصادية في تقاتل الأمم الطمع في أرض خصبة تملكها ~~أمة أخرى؛ فقد أعلن هتلر في خطبه مرارا أن ألمانيا بحاجة إلى أرض ~~جديدة يقطنها السكان الزائدون عما تحتمله مساحة البلاد الألمانية. # وقد أصبحت رغبة السيطرة على البلدان الغنية بالمواد الخام التي لا ~~يستغنى عنها في الصناعة أكثر أهمية في الأزمنة الحديثة من الرغبة في ~~امتلاك الأراضي الخصبة؛ فقد كانت مناجم الفحم والحديد في اللورين سبب ~~النضال بين فرنسا وألمانيا، وترجع حرب اليابان في منشوريا وشمال الصين إلى ~~حاجة اليابان إلى المعادن . ولم تشترك ألمانيا وإيطاليا مع إسبانيا في حربها ~~الأهلية لمجرد نشر آرائها الفاشستية، وإنما كان الدكتاتوران يطمعان في ~~الحصول على مناجم النحاس والحديد في تلك البلاد، وهي المناجم التي كانت قبل ~~اشتعال الحرب تحت السيطرة الإنجليزية. ~~(ح) # وفي ظل الرأسمالية تحتاج الدول الصناعية الكبرى إلى أسواق خارجية؛ لأن ~~الإنتاج يزيد على حاجة السكان، وعلى القوة الشرائية الداخلية. ولقد كان ~~منشأ الرغبة في التوسع الاستعماري عند الدول العظمى في القرن التاسع عشر ~~الحصول على أسواق خارجية تبيع فيها منتجاتها. وما إن ظفرت الدولة بالسوق - ~~إما عن طريق الغزو أو عن طريق التدخل السلمي - حتى شرع أرباب الصناعة ~~الذين يوردون السلع لتلك السوق في إمداد البلدان التي تقوم فيها بالآلات ~~التي تمكنها من إنشاء المصانع والاستغناء عن منتجات الدولة الفاتحة. وهذا ~~العمل من أعجب المتناقضات في نظام الرأسمالية. إن أكثر البلدان المتأخرة في ~~الصناعة قد استوردت الآلات التي تكفيها سد حاجاتها، بل والتي تمكنها ~~من تصدير السلع الزائدة عن حاجاتها إلى الخارج. وقد أمدها بتلك الآلات ~~أصحاب رءوس الأموال الذين كانوا من قبل يتخذون تلك البلاد أسواقا لسلعهم. ~~وتلك ولا شك سياسة جنونية؛ لأن أصحاب رءوس الأموال يفقدون تلك الأسواق في ~~النهاية، فيبحثون عن غيرها، ويثيرون من أجل ذلك الحروب الشعواء. ~~(ط) # ويسوقنا ذلك إلى سبب آخر هام من أسباب الحروب، وذلك هو اهتمام ~~الأقليات القوية بمصالحها الخاصة. ms075 وأقوى هذه الأقليات وأسوؤها أثرا ~~جماعة صناع الأسلحة؛ فمما لا شك فيه أن الحرب والاستعداد لها تدر ~~عليهم ربحا عظيما. ولا مراء في أن مصلحة هذه الطائفة في إشعال نار الحرب؛ ~~ولذا تراهم لا يفتئون يثيرون الفتن ويخلقون أسباب الشقاق بين الحكومات، ~~وذلك بشتى الوسائل - من الدعاية إلى الرشوة. وهم يخدمون كل صوت يرتفع ~~مناديا بنزع السلاح؛ ومن ثم فإن أعضاء حزب اليسار ينادون دائما بضرورة ~~استيلاء الدولة على هذه الصناعة. وقد استولت الحكومة الإنجليزية بالفعل على ~~جانب كبير منها، فتحررت من نفوذ أصحاب رءوس الأموال الكبيرة الذين لا ~~هم لهم إلا زيادة الأرباح . ولكنا يجب ألا ننسى أن التسليح تسليح على ~~أية حال، سواء قامت به الحكومة أم الشركات؛ فإن الطائرة التي تصنعها ~~الحكومة تفتك بالناس مثلما تفتك الطائرة التي تخرج من مصنع تديره شركة ~~رأسمالية، بل إن صناعة الأسلحة في مصانع الدولة يجعل هذه الصناعة مشروعة ~~ويبررها إلى حد كبير، وينجم عن ذلك أن إلغاء هذه الصناعة يصبح عسيرا ~~إذا تولت إدارتها الحكومة. ومما يزيد الطين بلة أن الحكومات المركزية ~~- بعدما تسيطر على صناعة التسليح - لا تحب أن تتخلى عنها لأنها وسيلة ~~فعالة للاستبداد. ثم إن الدولة أقوى من كل صاحب مصنع بمفرده، كما أن ~~العمال المشتغلين بصناعة الأسلحة في مصانع الدولة يمكن تحويلهم بسهولة ~~إلى جيش مدرب تسيطر عليه الحكومة. # وأخيرا يجب ألا نغفل عن المشاكل الدولية التي تترتب على تحويل هذه ~~الصناعة إلى صناعة قومية. إن الدولة التي تصنع الأسلحة تطمع في الربح كما ~~يطمع الأفراد؛ ولذا تراها تبحث عن الدول الضعيفة في هذه الصناعة كي تبيعها ~~أسلحتها. وهي لا تجني من وراء ذلك الربح فحسب، بل إنها تستطيع بذلك أيضا ~~أن تسيطر على سياسة الحكومة المشترية. وهذا من دواعي المنافسة بين الدول ~~الكبرى التي تصنع الأسلحة. وهو لون جديد من ألوان المنافسة، وسبب آخر ~~للنزاع الدولي ولاشتعال الحروب؛ فاستيلاء الدولة على هذه الصناعة إذا ~~معناه استبدال شر بشر. إننا لا نبغي نقل هذه الصناعة من ms076 أيدي الأفراد ~~إلى أيدي الحكومات، إنما نبغي محوها محوا تاما. ولا يكون ذلك إلا إذا ~~اقتنعت الأغلبية بضرورة الإلغاء، وسنتحدث فيما يلي عن طريقة إقناع ~~الأغلبية. # ومن خطل الرأي أن نصب اللوم على صناع الأسلحة وحدهم؛ فإننا جميعا ~~لملومون، وكلنا يتجر بالموت؛ لأننا نؤيد الحكومات التي تسير على سياسة ~~إعادة التسليح، ونعضد سياسة البلاد الاقتصادية والدبلوماسية والحربية ~~التي ترمي إلى التوسع الاستعماري. غير أن التبعة التي تقع على عاتق ~~الأقوياء والأغنياء أجسم من التبعة التي تقع على كواهل الضعفاء والفقراء. ~~وتبعة التاجر الذي يستغل ماله في المستعمرات لا تقل عن تبعة الرجل الذي ~~يصنع السلاح؛ لأن التاجر والصانع كلاهما يجد في المستعمرات مرتزقا ~~ومغنما. # وطائفة التجار والصناع كثيرا ما تجر الدول إلى التطاحن لأنها ترى ~~مصلحتها في هذا التطاحن. وهي تستطيع عن طريق الصحافة أن تقنع العامة ~~الجاهلة البريئة. وإنه ليسيء هذه العامة الساذجة أن ترى دولة أجنبية ~~(لمصلحة أغنيائها) تهدد مصالح الأغنياء من أبناء أمتهم! فتقاتل بحماسة ~~شديدة وتريق دماءها في مصلحة الأقلية الغنية. ~~(3) العلاج والسياسة الجديدة # نكتفي بما قدمنا عن طبيعة الحرب وأسبابها، ونبحث الآن في الطرق التي يمكن اتباعها ~~لمنع اشتعال الحروب، وفي طرق إخمادها بعد أن تشتعل، ثم نبحث بعد ذلك في السياسة الجديدة ~~التي يمكن أن تحل محل السياسة القديمة، وفيما يمكن أن يقوم مقام الحرب من الناحية ~~السيكولوجية. # ويجمل بنا أن نذكر الطرق القائمة الآن فعلا لمنع الحروب. وهي طرق برهنت كلها ~~على الفشل، ولا بد أن نستبدل بها غيرها. # من هذه الطرق عصبة الأمم، وقد انتهت بالفشل والخذلان؛ وذلك لأنها لم تؤسس على ~~المبادئ الصحيحة، وساعد على فشل العصبة أن أمريكا رفضت أن تنضم إليها، كما أن ~~الروسيا والدول المعادية أبعدت عنها عدة سنوات. ولكن العصبة - حتى إن ضمت إليها ~~أمريكا وألمانيا والروسيا - لن تنجح في تحقيق الغرض منها، لأسباب أخرى. إن العصبة تسمح ~~بعضوية الجماعة التي تمتلك جيشا، مهما تكن هذه الجماعة قليلة العدد، في حين أن الجماعة ~~التي ليس لها جيش ms077 لا يكون لها حق العضوية في العصبة، مهما تكن كبيرة. إن العصبة ~~تعرف الأمة عمليا ونظريا «بأنها مجتمع منظم للحرب». والواقع أن هذا التعريف ~~ينطبق على كل أعضاء العصبة. أما أي تعريف آخر يبنى على أساس العنصر أو اللون أو ~~اللغة أو الثقافة، أو حتى الحدود الجغرافية، فهو تعريف ناقص غير جامع ولا مانع؛ ~~فالعصبة إذا إن هي إلا عصبة من مجتمعات منظمة للحرب. # والروح العسكرية التي تسود العصبة تتبين واضحة في الوسيلة التي تقترحها العصبة ~~لضمان السلام؛ فلقد وضع مؤلفو العصبة عبارة في قانونها تقضي بفرض العقوبات الاقتصادية ~~أولا، ثم العقوبات العسكرية ثانيا ، على كل دولة معتدية؛ فالعقوبات العسكرية هي ~~الحرب بعينها. والعقوبات الاقتصادية إذا كانت صارمة أدت في النهاية كذلك إلى إعلان ~~الحرب من جانب الدولة التي تفرض عليها، فتقابلها الدول الأخرى بالمثل. ويسمي مؤيدو ~~فكرة العقوبات الحرب بأسماء مختلفة؛ فهم يسمونها «سلامة المجموع» أو غير ذلك. ~~ولكنا يجب ألا تخدعنا الألفاظ؛ فإن «سلامة المجموع» معناها تحالف حربي في وجه تحالف ~~حربي آخر، وتسمى دول الحلف الأول بدول العصبة، ودول الحلف الثاني بالدول ~~المعتدية. # ويعتقد أصحاب فكرة العقوبات أن مجرد إظهار القوة العسكرية من جانب أعضاء العصبة يكفي ~~لإرهاب الدول التي تعتزم الاعتداء، فتكف عن عزمها. إنهم يزعمون أن القوة كلما زادت قل ~~احتمال استخدامها؛ ولذا فهم يقولون بإعادة التسليح في سبيل السلام. بيد أن حقائق ~~التاريخ لا تؤيد هذا الزعم؛ فإن التهديد لا يرهب أمة قويت عزيمتها، واليائس لا ~~ينكمش من رؤية القوة الساحقة. وليس هناك ما يحملنا في العصر الحاضر على الفرض بأن القوة ~~المتجمعة ضد الدولة المعتدية ستكون قوة ساحقة، نصرها محقق عند الاحتكاك؛ إذ ~~المنظور أن تكون دول العصبة والدول التي تعاديها طرفين متكافئين من مجموعتين من ~~الدول المتحالفة، بل إن هذين الحلفين قد أخذا الآن فعلا في الظهور؛ ففرنسا والروسيا، ~~وقد تنضم إليهما إنجلترا، سوف تمثل دول العصبة. وإيطاليا وألمانيا واليابان هي ~~المعادية. وستبقي الدول الصغيرة محايدة، أو تنضم إلى الطرف الذي تتوقع ms078 له النصر. ~~والخلاصة أن من يستعد للحرب يبدأ سباقا في التسليح، ويؤجج في النهاية سعير الحرب ~~التي كان يستعد لها. # وبناء على نظرية العقوبات تقوم العصبة بالعمل العسكري كي تصل إلى تسوية عادلة بين ~~الخصمين، ولكن الأمل في الوصول إلى تسوية عادلة في نهاية حرب تشنها العصبة أمل واه ~~ضعيف. إنما تنتهي الحروب بالتسوية العادلة حينما يتشبع الظافرون بروح العدل والتسامح ~~وحسن المعاملة. وإذا كانت الحرب شديدة طويلة الأمد، والخسائر التي تسببها فادحة ~~كبيرة، كان الظافر أبعد ما يكون عن العدل والتسامح؛ ففي الحرب الماضية مثلا، اشتدت ~~الحماسة والعداوة إلى حد بات معه من المستحيل من الناحية النفسية أن يرضى المنتصرون ~~بصلح إنساني عادل. وبرغم ولسن وشروطه الأربعة عشر انتهت الحرب بمعاهدة فرساي، وهي ~~المعاهدة التي جعلت من الضروري أن يظهر في ألمانيا رجل مثل هتلر يطالب بالانتقام ~~لما لقيت ألمانيا من ذل وهوان. وإن حربا يشنها أعضاء العصبة المتحالفون كي يفرضوا ~~عقوبة عسكرية على المعتدي لا بد أن تنتهي كما انتهت حرب 1914-1918 بالفتك والدمار، بل ~~لقد تكون أشد فتكا. فهل هناك ما يدعونا إلى افتراض أن دول العصبة المنتصرة ستكون أشد ~~تسامحا من الحلفاء في عام 1918؟ كلا ليس هناك ما يدعونا إلى مثل هذا الفرض. إن أصحاب ~~فكرة العقوبة يعتنقون ذلك الوهم القديم الذي يقول: «إن الحرب تنهي الحرب» أو «القتال ~~أنفى للقتال» وهذا رأي بعيد عن الصواب؛ فالحروب لا تنهيها الحروب، بل إنها كثيرا ما ~~تنتهي بسلم ظالمة تجعل اشتعال حرب انتقامية أمرا لا مفر منه. # ويجدر بنا هنا أن نذكر كلمة عن مشروع «القوة البوليسية الدولية» ويجب أولا أن نشير ~~إلى أن هذه العبارة مضللة إلى حد كبير؛ وذلك لأن عمل البوليس ضد الفرد المجرم ~~يختلف كل الاختلاف عن العمل الذي تقوم به أمة أو جماعة من الأمم ضد أمة مجرمة. ~~البوليس العادي يعمل في دقة بالغة؛ فهو يلقي القبض على المجرم دون سواه. أما الأمم ~~التي تحب أن تتخذ لنفسها سلطة الشرطة على الأمم الأخرى ms079 فهي تؤدي عملها باستخدام قواتها ~~المسلحة، وهذه القوات لا تستطيع إلا أن تعمل بغير دقة، فهي تقتل الملايين أو تشوهم ~~أو تفتك بهم جميعا، وأكثر هذ الضحايا أبرياء لم يرتكبوا جرما من الجرائم؛ ولذا فإن ~~المشابهة بين الجيش وقوة البوليس، وبين الحرب ومنع الجرائم مضللة خاطئة. إن قوة ~~البوليس الدولية ليست في حقيقتها قوة بوليسية، وأولئك الذين يطلقون عليها هذا الاسم ~~إنما يخدعون الجماهير. والمرء لا يستطيع أن يفكر تفكيرا سليما إلا إذا سميت ~~الأشياء بأسمائها الصحيحة. وقوة البوليس الدولية - إذا هي أنشئت - لن تكون قوة ~~بوليسية بالمعنى الذي نفهمه من هذه العبارة، بل ستكون قوة للفتك بالناس بغير تمييز، ~~وهذه خطة لا يقرها أحد. وليس من حقنا أن نخدع الشعوب البريئة بأن نطلق على قوة ~~كهذه نفس الاسم الذي نطلقه على القوة التي تدير حركة المرور، وتلقي القبض على ~~اللصوص. # إن هذه القوة الدولية لم تنشأ بعد، ولا يحتمل أن تنشأ، ولكن من حقنا أن نسأل ~~مقترحيها: كيف يمكن تجنيدها؟ وكيف نمدها بالضباط؟ وكيف نسلحها؟ وأين نضعها؟ ومن ذا ~~الذي يقرر متى تستخدم، وضد من تستخدم؟ ولمن يكون ولاؤها، وكيف نضمن إخلاصها؟ هل من ~~المحتمل أن الضباط الملتحقين بهذه القوة يشتركون في غزو بلدهم وهزيمته؟ وهل يحتمل أن ~~يقذف الطيارون أبناء أمتهم بالقنابل؟ وكيف يمكن إقناع جميع الأمم بمساعدة هذه القوة ~~بالرجال والمواد؟ وهل تقدم كل دولة من المعونة مثلما تقدم الأخرى؟ وإذا لم تكن ~~المعونة متساوية، وأمد عدد قليل من الدول الكبرى الجزء الأكبر من هذه القوة، فماذا ~~يمنع هذه الدول من استبدادها بالعالم بأسره؟ ومن هذه الأسئلة يتبين لنا أن المشروع ~~خيالي غير عملي. # ولذا فلا داعي للتفكير فيه، ويجب أن تلغى المادة السادسة عشرة من قانون العصبة؛ لأن ~~محاولة وقف القتال - بعد نشوبه - بفرض العقوبة العسكرية، أو باستخدام جيش دولي وقوة ~~جوية دولية أمر مقضي عليه بالفشل. إن الحرب لا توقفها الحرب، والقتال لا ينفي القتال. ~~إن محاربة الدول المتحاربة إنما يوسع رقعة التخريب، ويضع عقبات ms080 جديدة في طريق الوصول ~~إلى تسوية عادلة للنزاع الدولي. وينبغي أن تجعل العصبة من واجبها تركيز جهودها لمنع ~~الحرب من الاشتعال، ولا يكون ذلك بإعلانها الحرب على الأمة المعتدية، إنما يكون ~~بالتسوية السلمية للنزاع الدولي، وبتوسيع نطاق التعاون الدولي في دراسة المشاكل ~~الاجتماعية البارزة ومحاولة حلها، ثم بالتفكير في وسائل منع أسباب النضال. وهذه الوسائل ~~قائمة بالفعل اليوم بصورة نظرية، وإنما تحتاج منا إلى قوة العزيمة وصدق النية كي ~~نجعلها وسائل فعالة ذات أثر. # وليست بنا حاجة إلى الإفاضة في القول في طريقة التسوية السلمية والتعاون الدولي. إن ~~هذه الطريقة قد تكون أداة حسنة حقا ، ولكنها تمسي عديمة النفع إذا رفضها الناس أو ~~أساءوا استخدامها. وكثيرا ما ترفض الدول استخدامها إذا كان في الأمر ما يمس «الشرف ~~القومي» أو «المصالح الحيوية». وتؤثر الدول حينئذ أن تسلك طريق العنف والقتال. وحتى ~~في الأحوال التي تقبل فيها الدول التسوية السلمية وسيلة لحسم النزاع تراها تقدم عليها ~~بنية سيئة تقضي على كل أمل في نجاحها. وقد حدث هذا في الخلاف الذي نشب بين شيلي ~~وبيرو عام 1883، والذي لم ينته بالصلح - رغم كل محاولات التسوية السلمية - إلا عام ~~1929، وذلك حينما تدخل الرئيس هوفر في الأمر وأمكنه أن ينقع الفريقين. وحدث هذا أيضا ~~في مؤتمر القوات البحرية سنة 1927، ومؤتمر نزع السلاح الذي انعقد بين عامي 1932 و1934؛ ~~حيث لم يمكن الاتفاق بين الدول لأنها لم تقبل على المؤتمرات بنية حسنة. وقد فشلت كذلك ~~مؤتمرات أخرى كثيرة اقتصادية ومالية لسوء نية المؤتمرين، مع أن وسيلة المؤتمرات في ~~حد ذاتها وسيلة حسنة للتفاهم. # وهناك نظام آخر يلائم الدول المتأخرة، وهو نظام الانتداب، ولكن الدول المستعمرة لا ~~تحب أن تتنازل عن مستعمراتها لتنفيذ هذا النظام، كما أن الدول المنتدبة كثيرا ما تحول ~~الانتداب إلى استعمار. وثمة مثال آخر لسوء نية الدول، وذلك حينما وضعت عصبة ~~الأمم مشروعا لضمان حقوق الأقليات، فرفضت الدول ذات الأقليات المشروع، وأصرت ~~على ظلم الأقليات. # ومما تقدم يتبين أن العصبة لا يمكن أن تعمل ms081 على نشر السلام؛ لأنها بتعريفها وفي ~~حقيقتها عصبة من أمم متأهبة للقتال؛ ولذا فلا يمكن تحويل الأمم الحربية الحاضرة إلى ~~أمم ترغب في السلام وتعمل على تحقيقه إلا بجهد الأفراد المستقلين الذين يعملون ~~وحدهم أو في جماعات. وهؤلاء عملهم شاق عليهم عسير، وسأتحدث عنه في الفصل المقبل. ~~أما ما بقي من هذا الفصل فسأعود فيه إلى ذكر أسباب الحرب السيكولوجية التي تحدثت ~~عنها فيما سلف، ثم أبين كيف يمكن لنا أن نعالج هذه الأسباب: ~~(أ) # وأول هذه الأسباب أن الكثيرين من الناس يرحبون بالحرب لأن أعمالهم ~~وقت السلم مملة مذلة، تافهة لا معنى لها. فلو أنا طبقنا مبدأ الحكم ~~الذاتي في الصناعة وميادين العمل الأخرى استطعنا بذلك أن ننقذ العمال من ~~إحساسهم بالذلة التي تبعثها ضرورة الطاعة للأوامر التحكمية التي يمليها ~~عليهم رؤساء لا يحسون بالتبعة. ثم إن عضوية الفرد في جماعة تعاونية ~~صغيرة تجعل حياة العامل محتملة مقبولة. ويجب - فوق ذلك - لكي نحبب ~~العمل إلى العامل ألا نرغمه على أداء عمل لا يحبه ولا يرضاه. وقد ~~أصر فوريي # Fourier # منذ أمد بعيد على ~~ضرورة تنويع العمل. وقد أخذت بعض المصانع برأيه في السنوات الأخيرة، ~~وجربت نظريته في عدد من مصانع ألمانيا وأمريكا والروسيا وغيرها من ~~الدول، فكانت النتيجة طيبة تبعث على التفاؤل؛ إذ خف الملل وزاد الإنتاج. ~~ويمكننا أن ننوع للعامل عمله تنويعا طفيفا، فينتقل العامل في مصنع ~~السجاير مثلا من عملية لف التبغ في لفافاته إلى حزمه ووزنه. ويمكننا ~~كذلك أن ننوع العمل تنويعا كبيرا، فننقل العامل من الصناعة إلى ~~الزراعة. والآثار النفسية في كلتا الحالتين حسنة طيبة. ~~(ب) # والسبب الثاني السيكولوجي لاشتعال الحرب، أن الناس يشعرون أثناء الأزمات ~~القومية أن للحياة أهمية وهدفا (ومن ثم كان النقص في نسبة الانتحار ~~أثناء الحرب كما ذكرت من قبل). في أوقات الأزمات يكون الغرض الذي نرمي ~~إليه جميعا واضحا جدا، وهو الانتصار القومي، وتكون الواجبات بسيطة ~~ومحددة. وينتهي ذلك الغموض في المثل العليا، وتلك القلقلة في الأغراض التي ~~تسود أيام ms082 السلم، وتحل محلها أثناء القتل مثل عليا محدودة معروفة، وهي: ~~النصر بأي ثمن. كما أن الحياة الاجتماعية المعقدة في زمن السلم تقف عند ~~حد أو تحل محلها حياة اجتماعية بسيطة جذابة تنشأ عن قتال الجماعة من ~~أجل البقاء؛ ذلك أن الخطر يزيد من الإحساس بالتماسك الاجتماعي، ويلهب ~~فينا الحماسة الوطنية، فيصبح للحياة مغزى ومعنى، ويحيا المرء حياته وقلبه ~~مفعم بالعاطفة القوية الحارة. # قلت إن الحياة الحديثة في زمن السلم ليس لها أهمية ولا غرض. ويرجع ذلك إلى أن ~~النظام الذي يسود العالم الغربي على الأقل في هذه الأيام نظام يسميه مستر جرلد هيرد # Mr. Gerald Heard # نظام العلم الحديث الآلي # mechanomorphic ~~، وهو نظام يشبه الكون بآلة كبرى ~~تسير بنا نحو الموت والفناء، مما يجعلنا لا نقيم وزنا إلا للحياة المادية، ونعتبر ~~العقل دون الجسم في الأهمية. في هذا النظام ينظر المرء إلى النجاح الشخصي والرفاهية ~~الحسية وسد حاجات البدن كأنها الأغراض التي ينبغي لأجلها أن يعيش. ولكنا بدأنا نمل ~~هذا النظام، فباتت الحياة من جديد خلوا من المعنى والغرض، ولجأنا إلى وسائل مصطنعة ~~مفتعلة نملأ بها فراغ نفوسنا، كقراءة الصحف، والاسترسال في الأحلام أثناء عرض الشرط ~~السينماتوغرافية، والاستماع إلى الموسيقى والأحاديث تذاع بالراديو، والاشتراك في ~~الألعاب أو مشاهدتها، وغير ذلك من أنواع التسلية الأخرى بجميع ضروبها. ويحاول بعض ~~الزعماء أن يردوا للحياة معناها ومغزاها، ويقدمون لنا المبادئ المختلفة لهذا ~~الغرض فنرحب بها ونصفق لها، ولكنها مبادئ خطرة على السلام العالمي، ومن أمثلتها ~~القومية والاشتراكية؛ فقد كانت القومية هي الباعث المباشر لنشوب الحرب العظمى التي ~~رحبت بها الجماهير؛ لأنها كانت لا ترى لحياتها معنى ولا معزى. وقد فرجت الحرب ~~أول نشوبها عن النفوس قليلا، ولكن سرعان ما تبددت الأوهام، وعاد إلى الناس سأمهم ~~وتشاؤمهم، وعاد إليهم الشعور بأن الحياة لا ترمي إلى غرض. وهذا الشعور أشبه ما يكون ~~بفجوة شاغرة تتطلب الامتلاء بأنواع التسلية المختلفة التي تصرف الذهن عن هموم الحياة، ~~وليست ضروب التسلية هذه في حد ذاتها غرضا للحياة ولا ms083 هدفا لها، ولا يمكن أن يمتلئ بها ~~فراغ النفس. فوجدت مبادئ الاشتراكية والقومية نفوسا مستعدة للإيمان بها، لعلها تلتمس ~~فيها شيئا من الطمأنينة، واعتنق الملايين من الشبان هذه العقائد الجديدة، وأحسوا ~~للحياة بمعنى ولوجودهم بالغرض، فبعثهم ذلك إلى التضحية بالنفس وإلى تحمل المشاق وإظهار ~~الشجاعة والتقشف في سبيل بث هذه العقائد المقدسة. ولكن هذه الفضائل التي تحلى بها ~~الشبان تعد كلها ثانوية، وظلت تنقصهم الفضائل الأولية الضرورية لنشر لواء السلام فوق ~~العالم، وأهمها المحبة والمعرفة الصحيحة. أما الوطنية والاشتراكية فهما من العقائد ~~التي تغرس في النفوس الكبرياء والبغضاء والقسوة، وتضيق دائرة التفكير ~~والتعاطف. # فالاشتراكية والقومية إذا ليستا بالعلاج الناجع لخلو الحياة من المعنى والغرض؛ لأنه ~~علاج يؤدي إلى الحرب، وإنما العلاج الصحيح للداء الذي يشكوه العالم هو أن ننشر بين ~~الناس عقائد جديدة تحل محل العقيدة في النظام الآلي # Mechanomorphic # السائد، أو الفلسفة التي تنطوي ~~عليها القومية والاشتراكية. # هذه العقائد الجديدة ونتائجها الخلقية سوف نبحثها بالتفصيل في فصل آت. أما في ~~الفصل التالي فسوف نبحث في الدور الذي يستطيع الأفراد المستقلون أن يلعبوه في ترقية ~~المجتمع. # الفصل العاشر # | عمل الأفراد في الإصلاح # رأينا من قبل أن الطريقة الفعالة الوحيدة لتنفيذ الإصلاح الاجتماعي الشامل هي طريقة ~~اللين وعدم العنف؛ لأن العنف لا يؤدي إلا إلى نتائجه، ومحاولة فرض الإصلاح بالوسائل العنيفة ~~مقضي عليها - ولا محالة - بالفشل الذريع. ولا تنجح وسائل العنف إلا إذا أعقبتها الأعمال ~~التي ترمي إلى نشر العدالة بين الناس؛ فالحكمة إذا تقضي علينا باستخدام الوسائل اللينة كي ~~لا يفشل الإصلاح الذي ننشده. # ولا تنجح وسائل اللين إلا إن كان أكثر الناس مؤيدا للإصلاح غير معارض له. أما إن كانت ~~الأغلبية لا توافق على الإصلاح المقصود، أو إن وقفت منه موقف الحياد، فإن كل محاولة لفرضه ~~لا بد أن تبوء بالفشل. وقد حاول بعض الملوك في التاريخ القديم أن يصلحوا رعيتهم في نواح ~~مختلفة، ولكن الرعية كانت جامدة لا تريد الإصلاح، ففشلوا فيما حاولوا. ومن هؤلاء الملوك ~~أخناتون الذي ms084 أراد أن يفرض على شعبه إصلاحا دينيا، فثار الشعب في وجهه. # أما في البلاد الانتخابية التي يحكمها رجال اعتلوا مناصب الحكم برضى الشعب، فإن ~~الحكومة قلما تحاول إدخال إصلاح طريف لا يقبله الجمهور. في مثل هذه البلاد تسير حركة ~~الإصلاح في محيط الدائرة إلى مركزها، أي إن الأفراد المستقلين أو الجماعات تصوغ فكرة ~~الإصلاح، ثم تذيعها بين الناس، وبعدما يسيغها الجمهور يأخذ بها رجال الحكم ويدخلونها في ~~تشريع المجتمع. # وقد رأينا أن الحرب في العالم الحديث هي العقبة الكئود أمام كل إصلاح منشود؛ ولذا ~~فالإصلاح الأساسي الذي لا بد منه هو إصلاح في السياسة الحاضرة للأمم من حيث علاقة إحداها ~~بالأخرى. إن جميع الأمم في العصر الحاضر تسير سياستها الخارجية على المبادئ الحربية، إما ~~في ضجيج أو في هدوء. ولا تستثنى من ذلك الدول التي تسمي نفسها ديمقراطية أو مسالمة؛ ~~ولذا فليس من المحتمل أن يتم أي إصلاح في هذا السبيل على أيدي أصحاب النفوذ السياسي في هذه ~~الأيام، ومن ثم ترى أن حركة الإصلاح ينبغي أن تبدأ من الأفراد المستقلين. ومن واجب ~~هذه الفئة من الناس أن تقنع الأكثرية بأن سياسة السلم خير من سياسة الحرب، فإن نجحت ~~هذه الفئة في مهمتها أمكن تغيير تلك السياسة الحربية القومية التي تجعل نشوب حرب أخرى ~~أمرا قريب الاحتمال، والتي تقف عقبة في سبيل كل إصلاح. # ولرب معترض يقول إن أكثر الرجال والنساء في جميع أنحاء العالم يحبون السلام؛ ولذا فليس ~~ثمة حاجة بالأفراد المستقلين إلى القيام بدعاية في سبيل السلام. وردا على هذا ~~الزعم أقول: «إن جميع الناس يرغبون في السلام، ولكن قل منهم من يرغب في وسائله.» أجل إن ~~أكثر الناخبين في مختلف البلاد يحبون السلام، ولكن قل منهم من يحب أن يدفع ثمن السلام، ~~وثمنه في هذه الأيام نزع السلاح من جانب أمة واحدة دون الأمم الأخرى إن اقتضت الضرورة ذلك، ~~والتنازل عن الإمبراطوريات العريضة والتخلي عن سياسة القومية الاقتصادية، والعزم في كل ~~الظروف على استخدام وسائل اللين وعدم ms085 العنف، والتدريب المنظم على هذه الوسائل، فكم ممن ~~يزعمون أنهم من محبي السلام في العالم يقبلون هذه الشروط التي لا محيص عنها إن كنا نريد ~~للعالم سلاما ووفاقا؟ إنهم نفر قليل؛ ومن ثم كان من واجب الأفراد المستقلين أن ~~يقنعوا مواطنيهم بأن الوسائل التي تؤدي إلى السلام ليست مرغوبة لما تؤدي إليه من غايات ~~طيبة فحسب، وإنما هي كذلك مرغوبة في حد ذاتها لأنها تدريب للناس على «التحرر» من ~~القيود. # ويستطيع الفرد أن يعمل وحده أو منضما إلى غيره ممن يشاطره الرأي والعقيدة، وليس عمل ~~الفرد الواحد إلا مقدمة لعمل الأفراد متعاونين. ويستطيع المصلح الفرد أن يأتي بنظرية ~~جديدة، أو أن يوضح عقيدة قديمة. يستطيع أن ينشر الدعاية لرأي طريف من بنات أفكاره، أو ~~لرأي نادى به غيره من قبل. وهو يستطيع ذلك إما عن طريق الكتابة أو الخطابة. ولكني أقول ~~ثانية إن عمل الفرد تمهيدي لعمل الأفراد متعاونين. وعلى الجماعة المتعاونة أن تطبق ~~على نفسها - وعلى غيرها إن استطاعت - النظريات الصحيحة لترقية الفرد والمجموع، عليهم أن ~~يكونوا نماذج حية للإنسان الكامل الذي يصوره لنا الأنبياء والمصلحون. # وقد نشأت أمثال هذه الجماعات المتعاونة في كل عصر وكل بلد، وحاولت أن تشق لنفسها في ~~الحياة طريقا أرقى من الطرق التي يسلكها معاصروهم. وقد لعبت هذه الجماعات في التاريخ دورا ~~هاما، ولها في حفظ المدنية فضل كبير. وستلعب - فيما أعتقد - مثل هذا الدور في المستقبل. ~~ولننظر الآن بإيجاز في الدروس التي نستمدها من تاريخها. # إن أول شرط لنجاح هذه الجماعة أن يعتنق أفرادها جميعا فلسفة واحدة للحياة، وأن تصح منهم ~~العزائم على المساهمة في العمل الذي تأسست من أجله الجماعة. وقد تحقق هذا الشرط في ~~مناسبات عديدة وفي فترات طويلة من تاريخ الرهبانية المسيحية والبوذية، ولكنه لم يتحقق في ~~كثير من الجماعات السياسية والدينية التي تأسست في أمريكا في القرن التاسع عشر. # والشرط الثاني للنجاح هو أن تؤسس هذه الجماعات لأغراض نبيلة. وإن الفرد ليستعذب ~~التضحية والآلام في سبيل الغرض النبيل؛ فالرجل ms086 النازي أو الاشتراكي قد يلاقي الموت راغبا ~~في سبيل المبدأ الذي يؤمن بصحته. # وأعضاء هذه الجماعات لا يخشون الفقر، وإن كانوا كثيرا ما يحصلون على منح مالية كبيرة ~~من الجمهور، فيكونون الثروات الطائلة؛ وذلك لأن الجمهور يعجب بهذه الجماعات ويخشى بأسها ~~في آن واحد. غير أن هذه المنح والعطايا كثيرا ما تؤدي إلى فساد الجماعة؛ لأن الثراء ~~والتحرر النفسي نقيضان لا يتفقان. ثم تظهر طوائف جديدة مغامرة تبدأ العمل من جديد ~~بقليل من المال وكثير من الحماسة، وتنهال عليها العطايا فتفسد، ثم تظهر غيرها، وهكذا؛ ~~فالواقع الذي يؤيده التاريخ أن أمثال هذه الجماعات لا تنقرض البتة من وجه الأرض. # ويلاحظ أن الجماعات الهامة كلها تحمل أعضاءها تبعات مشتركة؛ فهي تعلمهم الاستقلال ~~الشخصي، ويحتم نظامها الاقتصادي أن يتخلى العضو عن ملكه الخاص ليساهم في ملك المجموع. ~~والجماعة أحرص ما تكون على عدم تضخم ثروتها، حتى لا تصبح المادة غرضا من أغراضها، كما ~~أنها لا تحب أن تتضاءل ثروتها إلى الحد الذي يحتم على الأعضاء أن ينفقوا نشاطهم في كسب ~~قوت الغد. # ثم نأتي بعد ذلك إلى مشكلة تنظيم الجماعة. دل التاريخ على أن الجماعة قد تنجح تحت نظم ~~مختلفة بعضها عن بعض كل الاختلاف؛ فقد نجحت جماعة ليولا # Loyola # في ظل نظام عسكري. وخطاب ليولا في وجوب الطاعة مشهور معروف. وقد ~~كانت جماعته مؤسسة على نظام الطاعة العمياء للزعيم. وبين النظام العسكري الذي فرضه ليولا ~~وديمقراطية «جماعة الأصحاب» # Quaker Cmmittee # بون شاسع، ~~وقد نجح النظامان لأن كلا منهما نشأ في ظروف خاصة. # وبدراسة خصائص الجماعات التي سلفت في التاريخ نستطيع أن نتبين ما ينبغي أن تكون عليه ~~الجماعات المقبلة، وما ينبغي أن تفعل، ينبغي أن تتألف الجماعة من أفراد أكفاء، متحدين ~~في العقيدة وفي الإخلاص لمثل أعلى مشترك. وينبغي كذلك أن يشترك الأعضاء في الأملاك ~~والإيراد، ولا بد لهم جميعا أن يشتركوا في التبعة. وقد يتنوع تنظيم الجماعة، ولكن ~~النظام الديمقراطي خير النظم جميعا. ومن الخير للجماعات أن تقوم بعمل يدوي ms087 بالإضافة إلى ~~الدراسة النظرية والرياضة الروحية. # وسأعالج في الفصول المقبلة المعتقدات الدينية والفلسفية والطرق التي يمكننا أن ندرب ~~بها الإرادة ونضيء ظلام الأذهان. أما الآن فسأتعرض للكلام على العمل الذي يصح لأعضاء ~~الجماعة أن يمارسوه: # إن المجتمع لا يرقى إلا إذا استقر السلام واستتب أولا، ثم تخلى الناس بعد ذلك عن ~~التكالب على المال والنفوذ، وقد تبين أن الحكومات لا تشجع على ذلك، والأفراد لا تعمل ~~عليه؛ فهو إذا من واجب الجماعات. إن الفرد قد يصوغ الحقائق النظرية ويذيعها بين الناس، ~~ومن واجب أفراد الجماعة بعد ذلك أن يعيشوا طبقا لهذه الحقائق، وأن يحولوا النظر إلى ~~العمل، وأن تكون حياتهم صورة مصغرة للمجتمع الراقي الذي يحقق لنا المثل العليا ~~الرفيعة. # والآن فلننظر فيما عسى أن تقوم به الجماعات التي تريد إقرار السلام، وتعمل على إيجاد ~~نظام اقتصادي واجتماعي جديد لا يكون للمال والنفوذ فيه شأن كبير. الواقع أن السلام وهذا ~~النظام الاقتصادي الاجتماعي مرتبطان أحدهما بالآخر أشد الارتباط. والجماعة التي تحاول أن ~~تجعل من حياتها نموذجا عمليا لمجتمع لا تخلب لبه شهوة النفوذ، توجد في الوقت نفسه ~~نموذجا عمليا لمجتمع يعيش في سلام بعيدا عن أسباب الحروب. ولسهولة البحث فقط سأفصل بين ~~نشاط الجماعات في سبيل السلام ونشاطها في الشئون الاقتصادية والاجتماعية. # أما نشاطها في سبيل السلام فينبغي أن يقوم على أساس اتباع سياسة اللين التي تحدثت ~~عنها في فصل سابق من هذا الكتاب. وفيما يلي خلاصة لنقط الضعف في سياسة العنف: # إننا إذا رددنا العنف بالعنف انتهينا إلى نضال مادي لا ينتهي، وأثرنا في النفوس ~~الكره والخوف والغضب والحقد. وفي حرارة النضال يتلاشى تأنيب الضمير، ولا تجد الرأفة ~~والتسامح والرحمة محلا في القلوب، وينسى الناس كل شيء سوى النصر. وليس النصر تسوية ~~نهائية لأسباب النزاع، إن الحرب لا تنتهي بشيء من التسوية إلا في الأحوال الآتية: ~~(1) # إذا فني المهزوم فناء يكاد يكون تاما، كما حدث للهنود الحمر في أمريكا ~~الشمالية. ولما كانت الحرب الحديثة تنشب عادة بين أمتين كثيفتي ms088 السكان، ~~فإن الفناء غير محتمل؛ ولذا فإن الحرب تؤدي إلى غيرها. ~~(2) # إذا كانت القوات المحاربة صغيرة جدا، بحيث يبقى مجموع سكان البلد المعادي ~~سليما لم يصبه أذى، قلوبهم نقية لم تدنسها مرارة النزاع. حينئذ قد ينتهي ~~نصر أحد الفريقين بالتسوية الدائمة. أما اليوم فإن مجموع السكان معرض ~~لخطر القتال، ولم تعد الحرب - كما كانت في الماضي - من شأن الجند وحدهم، ولا ~~يتعرض لأذاها غيرهم. ~~(3) # والنصر قد يؤدي إلى سلم دائمة إذا أقام الظافرون بين المهزومين كأقلية ~~حاكمة تهضمها البلاد المحكومة على مر الزمان. وهذا أيضا لا ينطبق على الحرب ~~الحديثة. ~~(4) # إن النصر قد تعقبه أعمال إصلاحية من جانب الظافرين، وهذه الأعمال تخفف ~~من حدة غضب المهزومين ، وتؤدي إلى تسوية دائمة. وهذه هي السياسة التي اتبعها ~~الإنجليز بعد حرب البوير. ومثل هذه السياسة هي بطبيعتها تطبيق لمبادئ اللين ~~وعدم العنف. وكلما طال أمد الحرب وازداد لهيبها تعسرت الأعمال الإصلاحية بعد ~~النصر؛ فقد كان التسامح مستحيلا من الناحية النفسية بعد معاهدة فرساي؛ ومن ~~ثم يتضح أن مبادئ اللين لا ينبغي أن تطبق بعد الحرب حينما يكون ذلك ~~عسيرا، ولكن قبل أن تشتعل نار النضال، حتى لا تلجأ الأمم إلى النضال. # وتقوم سياسة اللين على فلسفة سأناقشها في فصل مقبل. وبغض النظر عن هذه الفلسفة فإن ~~اللين له قيمة عملية. وكلنا - ولا شك - يدرك فائدته في المعاملات الخاصة. كلنا يعرف أن ~~الغضب يثير الغضب، ولكن حدة الغضب تضعف بالصبر والحلم الشديد. وكلنا يعلم أن المرء يخجل ~~من وضاعته حينما يلقى رجلا كريم الأخلاق، حتى إنه كثيرا ما يتخلى عن وضاعته كي يقابل كرم ~~الأخلاق بما يماثله. وكلنا يعرف أن المرء لا يقسو على الرجل الذي لا يتصف بالأنانية وحب ~~الذات. إن استخدام العنف يصحبه الغضب والبغض والخوف والقسوة والحقد الشديد. أما أولئك ~~الذين يتبعون سياسة اللين فهم يتجملون بضبط النفس والشجاعة، لا يغضبون ولا يحقدون، نياتهم ~~حسنة، وعطفهم على الناس شديد. العنف يجعل الناس أسوأ مما هم، واللين يجعلهم خيرا مما ~~هم. # وينظم ms089 مبادئ سياسة اللين في الحياة الاجتماعية العادية قانون «آداب المعاشرة» ~~تنظيما لا بأس به، وإن يكن ما زال ناقصا غير كامل. أما فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية ~~المعقدة التي لا تنحصر في حجرات الاستقبال وفي الطرقات العامة فإن قواعد الدين والأخلاق ~~هي القانون الذي ينظم لها سياسة اللين. # وقد أثبت التاريخ أن قوة اللين تتغلب على الشر وتغلب الغضب والبغضاء. وقد نجحت ~~سياسة اللين في حل مشاكل الجنون والإجرام والتوحش في القرن التاسع عشر. وقد كانت من قبل ~~من المشاكل التي لا تحل. وكانت القسوة على المجانين تؤدي إلى زيادة جنونهم، وكان ~~المجانين في غرب أوروبا حتى عام 1840 يعاملون كأنهم مجرمون، ولكن الأمر تبدل في منتصف ~~القرن التاسع عشر، وأخذ الأطباء يعاملون المجانين بالعطف والشفقة. # وقصة إصلاح السجون شبيهة بقصة إصلاح مستشفيات المجانين. وقد بحث جون هوارد في النصف ~~الثاني من القرن الثامن عشر حالة السجون في أوروبا فوجد أن سجون أمستردام في هولندا هي ~~خيرها وأحسنها معاملة للمساجين، وأن الجرائم في هولندا - من أجل ذلك - أقل منها في أي بلد ~~آخر. كانت السجون بيوتا للتعذيب تنحط فيها أخلاق السجين البريء، ويصبح فيها المجرم أشد ~~إجراما. ولم تصلح السجون إلا في القرن التاسع عشر. وما تزال هناك بقية من المعارضين ~~للإصلاح، ولكن هؤلاء - في الواقع - يريدون أن يروا غيرهم مجرمين مذنبين، كي تظهر إلى ~~جانبهم فضيلتهم وطهارتهم، وبعضهم - فوق ذلك - يستمد اللذة من آلام الآخرين. ولكن السجون - ~~برغم هؤلاء - قد أصلحت إصلاحا كبيرا. ولم يقف الإصلاح إلا في الدول الدكتاتورية؛ وذلك ~~لأنها لا تقوم على مبدأ التسامح، وإنما تقوم على مبادئ الشدة والقسوة. # وقد اكتشف حكام المستعمرات، وعلماء الإنسان، ما اكتشفه من قبل طبيب الأمراض العقلية، ~~ورؤساء السجون. اكتشفوا أن اللين المنظم المعقول هو السياسة العملية التي تؤدي إلى ~~خير النتائج. واستطاع علماء الإنسان بحسن معاشرة المتوحشين أن يكسبوا صداقتهم، فيعلموا ~~عن طرق تفكيرهم ومشاعرهم الشيء الكثير. وكذلك تعلم المستعمرون من علماء الإنسان أن اللين ~~أجدى من العنف وأنفع. # وكما ms090 أن سياسة اللين أجدى الوسائل في علاقة الأفراد بالأفراد، فهي كذلك في علاقة الأهالي ~~بالحكومات. وقبل أن نذكر أمثلة لذلك يجمل بنا أن نعيد النظر بإيجاز في موضوع سبق أن ~~تعرضنا له في فصل سابق، وذلك هو النتائج التي تنجم عن محاولة تنفيذ الإصلاح بالعنف. يدل ~~التاريخ دلالة واضحة على أن الثورة إذا اصطحبت بالعنف الشديد لا تؤدي إلى النتائج التي ~~يرمي إليها مؤججوها، وإنما تؤدي إلى نتائج العنف السيئة المعروفة؛ فالثورة الفرنسية ~~مثلا بعد حكم الإرهاب انتهت بدكتاتورية نابليون العسكرية. كما أن رغبة فرنسا في التوسع ~~الاستعماري انتهت بتقوية الروح القومية في الدول الأوروبية، وبالاستعباد العسكري، ~~والتجنيد الإجباري، والمنافسة الاقتصادية الحادة بين الأمم. وفي الروسيا كان الغرض الأساسي ~~للثائرين أن يتمتع المجتمع بأكبر قسط من الحكم الذاتي في جميع نواحي النشاط. غير أن حكام ~~البلاد لجئوا إلى وسائل العنف التي ورثوها عن النظام القيصري العتيق، فماذا كانت النتيجة؟ ~~إن الروسيا الآن دولة دكتاتورية، الحياة العسكرية والاقتصادية فيها شديدة التركيز، ~~وحكومتها أوليجاركية تستغل وسائل البوليس السري والتجنيد الإجباري والرقابة على المطبوعات ~~والدعاية القوية؛ وذلك لإخضاع الناس والسيطرة عليهم. # ولنذكر بعض الأمثلة لزيادة الإيضاح، ولنبين للناس أن الثورة التي تسلك سبيل اللين ~~وعدم العنف تكون ثورة ناجحة. ولعل أشهر الثورات من هذا القبيل تلك التي نظمها غاندي في ~~جنوب إفريقيا أولا، وفي الهند ثانيا. وقد نجحت حركة جنوب إفريقيا كل النجاح؛ فألغي ~~قانون التمييز بين الهنود والأوروبيين سنة 1914. وكان ذلك الإلغاء نتيجة للمقاومة ~~السلبية وعدم التعاون من جانب السكان الهنود. وكذلك نجح غاندي في الهند إلى حد كبير. ~~وتبين أنه من الممكن لجماعات كبيرة من الرجال والنساء أن يتدربوا على مقابلة المعاملة ~~الوحشية بهدوء النفس وكرم الأخلاق، مما يكون له أثر كبير في نفوس الظالمين. وقد أحرزت ~~هذه الجماعات إعجاب العالم بأسره، ونجح غاندي في تدريب عدد كبير على المقاومة السلبية في ~~زمن وجيز. وقد نجحت في مصر في العهد الحديث حركة المقاومة السلبية وعدم التعاون مع ~~بريطانيا. # من وسائل عدم ms091 التعاون الناجحة المقاطعة التجارية التي استخدمها الصينيون ضد البضائع ~~الإنجليزية بعد ما قتل الجنود الإنجليز بعض الطلبة الصينيين، والتي استخدمها في الهند ~~أتباع غاندي. # ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة لفائدة الوسائل اللينة في علاقات الأفراد بالأفراد، وفي ~~العلاقات بين مجموع السكان والحكومات. والآن لننظر في فائدة اللين إذا اتخذ وسيلة ~~للتفاهم بين الحكومات. # من العجيب أن العالم يقر نوعين مختلفين من الأخلاق، نوعا خاصا بعلاقات الأفراد، ~~وآخر خاصا بالأمم والجماعات؛ فالرجل قد تلقاه في حياته الخاصة أمينا رحيما يراعي شعور ~~غيره من الناس، ولكنه يعتقد أن من حقه - حينما يكون ممثلا لجماعة - أن يخرج على هذه ~~القواعد النبيلة. والأمة في خيالنا تتجسد - كما رأينا - في صورة إنسان أعلى من الإنسان ~~العادي في القوة والمجد، ولكنه أحط منه في الأخلاق؛ فلا نتوقع منها إلا أن تسلك السبل ~~الدنيئة. ولما كان الأمر كذلك، فليس لنا أن نعجب إذا ندرت الأمثلة التي تسلك فيها الدول ~~سلوكا مبنيا على سياسة اللين؛ فكلما كان موضوع النزاع هاما أطلقت الأنانية القومية ~~لنفسها العنان، وتعذر الصلح بين الأمم. # لقد تحدثت طويلا عن سياسة اللين حتى بعدت عن الموضوع الرئيسي. ولكني أرى ذلك أمرا ~~لا مندوحة عنه؛ لأن اللين كثيرا ما يعتبر وسيلة غير عملية لتحقيق الأغراض، أو على ~~الأقل وسيلة لا يستطيع استخدامها إلا القادرون من الرجال والنساء؛ ولذا رأيت من الضروري أن ~~أبين أولا أن اللين وسيلة عملية نافعة، وثانيا أنه يمكن للأفراد العاديين أن ~~يستخدموه. بل إن الملوك والسياسيين وممثلي الأمم أنفسهم يستطيعون استخدامهم بصفتهم الرسمية. ~~(ويلاحظ أن هذه الفئة من الرجال قد تكون منحطة خلقيا في ساعات العمل، ولكنها من أرقى ~~الطبقات خلقا في ساعات الفراغ.) إن الجماعات التي ترغب جادة في الإصلاح لا بد لها من ~~التدريب المنظم على السلوك اللين في جميع علاقات الحياة - العلاقات الشخصية، والعلاقات ~~الاقتصادية، وعلاقات الجماعات بالجماعات، أو الجماعات بالحكومات. ومما يكفل لأعضاء ~~الجماعات أن يتحلوا باللين أن ينظم البناء الاجتماعي للمجتمع بحيث لا يستهوي الأفراد ~~حب النفوذ ms092 والسلطان. وكذلك يجب أن يدرب الأفراد على كبح الخوف والغضب والبغضاء في ~~نفوسهم. إن العضو في الجماعة كما نريدها يجب أن يقابل العنف باللين والشجاعة والإقدام. ~~وسنعالج وسائل تدريب الأفراد على ذلك في فصل آت. # وعلى الأفراد المدربين واجبان أساسيان. عليهم أولا أن يجعلوا حياة الجماعة في مستوى ~~أعلى من مستوى حياة المجتمع المحيط بها. وبذلك يكون منهم لهذا المجتمع نموذج رفيع من ~~التنظيم الاجتماعي. وعليهم ثانيا «أن يخرجوا إلى العالم» حيث تنفعهم كفايتهم المدربة ~~في تهدئة العنف إذا اشتعلت نيرانه، وفي تنظيم المقاومة السلبية للظلم الداخلي وللاستعداد ~~لشن الحروب. # وهناك جماعات أخذت على عاتقها ألا ~~تشترك في أية حرب مقبلة. ومن هذه الجماعات ما هو قائم اليوم بالفعل، مثل الجماعة الدولية ~~لمقاومة الحرب، واتحاد السلام، ولكن هذه الجماعات لا تزال مفككة، أعضاؤها كثيرون ~~مشتتون؛ بحيث لا يمكن اعتبارها جماعات بالمعنى الذي بيناه. وهي - برغم ذلك - تقوم ~~بخدمات هامة جدا للقضية التي يجاهد من أجلها المصلحون؛ فهم في أحاديثهم الخاصة وفي ~~خطبهم في المجتمعات العامة وفي المقالات التي ينشرونها في الصحف دعاة لمبدأ اللين. وقد ~~انبث بين العامة هذا المبدأ - إلى حد كبير - بتأثير هذه الجماعات. وأخذ الكثيرون ~~يعتقدون أن هناك وسيلة أخرى للكفاح غير الثورة والحرب والعنف وضروب الوحشية المختلفة - ~~وتلك هي المقاومة السلبية. # إن الجماعات التي تقاوم الحرب إذا كان عدد أفرادها معقولا، وإذا كانت عند اشتداد ~~الأزمات متحدة في الرأي متفقة، تستطيع أن تمنع الحكومة من إخراج الجيش إلى القتال. وقد حدث ~~هذا فعلا سنة 1920 حينما أرغم «مجلس العمل» لويد جورج على أن يتراجع عن تهديده السوفيت ~~بالهجوم. ولكن هذه الجماعات لا تزال إلى الوقت الحاضر ضعيفة ليس بوسعها أن تقف في وجه ~~الحكومة إن هي أرادت أن تعلن الحرب، وتبررها بأنها حرب دفاعية، أو حرب لإنقاذ ~~الديمقراطية، أو لمناهضة الفاشستية، أو لحسم النزاع وإنهاء القتال. غير أن هذه الجماعات - ~~برغم هذا كله - تستطيع أن تعرقل عمل الحكومة ولو إلى حد. # ويزعم بعض كبار المفكرين أن ms093 أسباب الحرب اقتصادية قبل كل شيء، وأن الحرب - بناء على ~~ذلك - لا غنى عنها إلا إذا نحن أدخلنا على النظام الاقتصادي السائد تعديلا شاملا؛ ولذلك ~~يرى هؤلاء أن سياسة مقاومة الحرب من جانب الأفراد سياسة غير مجدية؛ وهم لذلك يقترحون بدلها ~~الاشتراكية أو إصلاح نظام النقد. ولكن الاشتراكية وإصلاح نظام النقد كليهما لا يكفل لنا ~~امتناع الحروب، بل قد يؤديان إلى تقوية الأمة اقتصاديا إلى حد يثير المخاوف في الأمم ~~الأخرى وينتهي بالنزول إلى ساحة القتال. # ومن ثم ترى أن أولئك الذين يقاومون الحرب، أفرادا وجماعات، عليهم دور هام لا بد من ~~أدائه في المستقبل القريب. وليس معنى هذا أن إصلاح النظام الاقتصادي أو نظام النقد أمر لا ~~ضرورة له، بل هو على النقيض من ذلك من الأمور التي لا غنى عنها، وقد يعاون في النهاية على ~~استتباب السلام. ولكن العاطفة القومية لا تزال قوية في النفوس؛ ومن ثم فإن الإصلاح ~~الاقتصادي والمالي قد يزيد من تحاقد الدول واحتمال وقوع الحرب؛ فمن واجب الفئة التي ~~تقاوم الحرب، أفرادا وجماعات، أن تمنع - إن استطاعت - التعديل الاقتصادي والمالي من أن ~~ينتهي بالنزاع الدولي ثم بالقتال. # ويلاقي المبشرون بسياسة اللين مقاومة شديدة من الحكومات التي ينتمون إليها؛ ولذا ~~فهم مضطرون في كثير من البلدان إلى العمل سرا، ولكن البوليس السري الحكومي المنظم ~~يستطيع في كثير من الأحيان أن يطاردهم. ووسيلتهم الوحيدة بعد هذا هي الدعوة إلى سياسة عدم ~~التعاون مع الحكومة وإلى العصيان المدني. ويدعوهم هذا إلى نشر مبدأ المقاومة السلبية على ~~نطاق واسع؛ لأن العصيان المدني لا يصلح إلا إذا قام به مجموع الأمة. أما الثورات فيمكن ~~في الوقت الحاضر وبالوسائل الحديثة قمعها في الحال. فإن كان الثائرون مسلحين تسليحا ~~قويا انقلب الأمر إلى حرب أهلية كما حدث في إسبانيا. ولا يرجى من الحرب الأهلية خير؛ ~~ولذا فإن سبيل الخلاص الوحيد هو المقاومة السلبية، فهي تستطيع - إن هي نظمت - أن تتغلب ~~على أقوى الدكتاتوريات، لأن الدكتاتورية - أو أية حكومة أخرى - إن لجأت ms094 إلى الشد فقدت ~~عطف الجمهور، وهي أشد ما تكون حاجة إليه. غير أن تأليف جماعات المقاومة السلبية عسير في ~~البلدان الدكتاتورية؛ ولذا فلا أمل في تأسيسها إلا في البلدان الديمقراطية التي يباح فيها ~~للأفراد حرية الاجتماع، وحرية الرأي، والاستقلال عن تدخل الدولة إلى حد كبير. # وليست الشرطة وحدها هي وسيلة الحكومات في اضطهاد هذه الجمعيات ومطاردتها؛ فإن الحكومة ~~تستغل الصحافة والإذاعة، وستستغل التلفزيون في المستقبل القريب، وتتخذ منها جميعا وسائل ~~للتأثير في الرأي العام وضمه إلى جانبها. # وإذا فالواجب الأول للجماعات - كما ذكرت - هو إقرار السلام باتباع وسائله فعلا، وببث ~~هذه الوسائل بين الناس. أما الواجب الثاني فهو أن تعالج الجماعة نفسها، وأن تحاول ~~علاج العالم بأسره بعد ذلك، من التكالب على المال والنفوذ. وعلى هذه الجماعات أن تفكر ~~في الإصلاح الاقتصادي مع مراعاة ضرورة بقاء رءوس الأموال، ووجود الآلات، واستحالة التخلص ~~منها. وليس لهذه الجماعات أن تفر من التفكير في الاقتصاد، كما كانت تفعل قديما؛ إذ كانت ~~تترفع عن التفكير فيه، في حين أنها تعيش على مجهود غيرها وعمله. # ولا يكفي أن يتصف أفراد الجماعة بطيب القلب؛ فالعالم لم يخل من القديسين الذين طابت ~~قلوبهم، ولكنهم عجزوا عن الإصلاح، إما لغبائهم أو لجهلهم. وقل من القديسين من كان ~~عالما أو منظما اجتماعيا، والعالم قد لا يكون مصلحا والمصلح قد لا يكون عالما. وإصلاح ~~العالم يتطلب الجمع بين الطرق العلمية وحسن النية والإخلاص. ولا ينفع أحدهما وحده للسير ~~بالعالم في طريق الخير. وفي الظروف الاقتصادية الحاضرة لا يمكن لجماعات الإصلاح أن تؤدي ~~عملها كاملا إلا إذا تدخلت في شئون الصناعة والزراعة. ويتطلب منها ذلك أن تساهم في ~~رءوس الأموال حتى يكون لها نفوذ كاف، فإذا توفر لها هذا النفوذ كان من واجبها أن تحل ~~لنا كل مشاكل الاجتماع والاقتصاد، ومن أمثلة هذه المشاكل ما يأتي: ~~(1) # على الجماعة أن تبين لنا خير الطرق للجمع بين استقلال العمال وحكمهم ~~أنفسهم حكما ذاتيا وبين الكفاية الفنية - أي أن يتمتع العمال بالحرية ~~ويتحملوا التبعة ms095 مع بقاء الإدارة العلمية مركزة في أيدي من يستطيعون ~~القيام بها. ~~(2) # عليها أن تبين لنا خير سبيل لتنويع أعمال الفرد، بحيث نبعد عنه الملل ~~ونزيد من صلته الثقافية بغيره من الأفراد الذي يعملون في جماعات أخرى مستقلة ~~عليها تبعاتها الخاصة. ~~(3) # عليها أن ترسم لنا خير الطرق للتصرف في الثروة التي تنشأ عن إنتاج الآلات ~~(وقد رأينا من قبل أن صورة من الصور الملكية المشتركة للأموال والإيراد ~~شرط ضروري لنجاح الجماعات التي تأتلف على مبدأ من المبادئ). ~~(4) # أن تبين لنا كيف نستغل الثروة الفائضة. ~~(5) # أن تبين لنا كيف نستغل مواهب الأفراد من العمال، وكيف نحدد لكل فرد ما ~~يلائمه من العمل وفقا لطبيعته النفسية (انظر الفصل الخاص بعدم ~~المساواة ). ~~(6) # أن تبين لنا أحسن صورة من صور حياة الجماعة، وخير السبل لاستغلال ~~الفراغ. ~~(7) # ما هي أحسن الطرق لتربية الأطفال، ولقيام الراشدين بإتمام النقص في تربيتهم ~~(انظر الفصل الخاص بالتربية والفصل الخاص بالعادات الدينية). ~~(8) # ما هي أحسن صورة من صور الحكومة التي يشترك فيها الجميع وأحسن طريقة ~~لاستغلال مواهب الزعماء، دون أن تغريهم شهوة النفوذ بإساءة استخدام ما ~~بأيديهم من سلطان (انظر الفصل الخاص بعدم المساواة). # إن الأفراد المخلصين لمبدأ من المبادئ، الأذكياء العقلاء، الذين يعيشون في جماعة ~~واحدة، ويعملون وفقا لخطة مرسومة، يستطيعون في زمن وجيز أن ينشئوا نموذجا عمليا ~~لصورة من صور المجتمع التي نحبها ونرضاها لأنفسنا. # الفصل الحادي عشر # | عدم المساواة # إن العالم الذي يقطنه الرجل الفقير يختلف عن العالم الذي يقطنه الرجل الغني. وإذا كان ~~لا بد من التعاون بين جميع أعضاء المجتمع فلا بد لهم أن يتفقوا على الأغراض التي يعملون من ~~أجلها، ولا بد لهم من شيء من المساواة الاقتصادية حتى لا تختلف العوالم التي يعيشون ~~فيها. # إن تحقيق المساواة الاقتصادية التامة بين الجميع أمر ترجح استحالته، وقد لا يكون ~~مرغوبا فيه، ولكن شيئا من المساواة المادية يمكن - بل ولا شك ينبغي - أن يتحقق. وقد ~~اعترفت أكثر الدول، حتى الرأسمالية منها، بمبدأ تحديد الحد الأدنى والحد الأقصى ms096 للأجور. ~~وفي الثلاثين سنة الأخيرة أجمع رجال الاقتصاد على أن هناك حدودا لا ينبغي أن يتخطاها ~~الدخل ورأس المال الشخصي؛ ففي فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة تتناقص الثروة عند كل وفاة ~~بنسبة معينة. وبين الوفاة والوفاة يدفع صاحب المال ضريبة عن ماله تتراوح بين ربع ~~الإيراد وثلاثة أخماسه. والآن بعدما قبل الأغنياء مبدأ تحديد الثروة لم تعد ثمة ~~صعوبة في فرض حد أقصى لا يتجاوزه المالك. # ولكن ماذا ينبغي أن يكون الحد الأقصى لدخل الفرد. قال أحد القضاة الإنجليز في العلاقة بين ~~الدخل والسعادة: إنه لاحظ أن زيادة الإيراد تزيد من السعادة الشخصية، إلى أن يصل الإيراد ~~خمسة آلاف جنيه في العام. أما بعد هذا فإن السعادة تبدأ في الانحدار (ويجب أن نذكر هنا أن ~~المرء لا يستطيع أن يتحرر من قيود العيش إذا قل دخله عن ذلك بمبلغ كبير، وأن الثروة ~~الطائلة - كالفقر المدقع - تصرف الأذهان إلى التفكير في الماديات؛ فالفقير يكابد ~~الجوع والحرمان، والغني يفكر في طرق الاستزادة من المال). # ويمكن النظر في مشكلة الحد الأقصى للأجور من ناحية أخرى. يمكن أن نضع السؤال في هذه ~~الصيغة: كم يحتاج المرء - في الظروف الحاضرة - كي يعيش في أعلى مستوى مادي وعقلي يسمح ~~به استعداده البدني والذهني؟ دل البحث على أن الفرد إذا تغذى غذاء صحيحا، وسكن في ~~مسكن صحي، وتعلم تعليما ملائما، وتوفر له فراغ كاف، وعناية طبية كافية، وقام ~~بالرحلات المفيدة، يحتاج إلى دخل يقدر بستمائة جنيه أو سبعمائة في العام، أو ما يقابل ~~ذلك من الخدمات. وإذا كان الفرد عضوا في أسرة أمكن تخفيض هذا المبلغ دون أن تقل وسائل ~~العيش. ولكن أكثر الناس في الوقت الحاضر لا يبلغ إيرادهم هذا الحد. # وليست درجة المفارقة الاقتصادية واحدة في جميع الأمم؛ فالفروق في إنجلترا أكبر منها في ~~فرنسا، حتى بين طبقات الموظفين. إن كبار موظفي الحكومة الإنجليزية يتقاضون قدر ما ~~يتقاضاه صغار الموظفين أربعين أو خمسين مرة. أما في فرنسا فإن رئيس العمل يتقاضى قدر ~~ما يتقاضاه الكاتب على ms097 الآلة الكاتبة عشرين مرة فقط. ومن العجيب أن عدم المساواة ~~الاقتصادية أكبر في الروسيا السوفيتية منه في كثير من الدول الرأسمالية؛ فبينما يتقاضى ~~مدير شركة التعدين في أمريكا قدر ما يتقاضاه عامل المنجم أربعين مرة، يتقاضى مثل هذا ~~المدير في الروسيا قدر ما يتقاضاه أصغر العمال ثمانين مرة. # ويصح لنا - بعد هذا - أن نتساءل: ما مقدار المفارقة الاقتصادية التي ينبغي لنا أن نسمح ~~ببقائها في المجتمع؟ إننا لا نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال إجابة صحيحة في الظروف ~~الحاضرة؛ ففي المجتمعات الفقيرة التي يتقاضى فيها العمال أجورا متواضعة يكون الفرق بين ~~الفقراء والأغنياء أكبر منه في المجتمعات التي تعلو فيها أجور العمال. ولا بد في كل مجتمع ~~من طبقة من الناس يبلغ إيرادها حدا يمكن أفرادها من تنمية شخصياتهم إلى أقصى ما ~~تستطيع من كمال، وإلا ما تقدم المجتمع. # ولا يختلف الناس في القدرة الاقتصادية وحدها، بل هناك من أنواع الخلاف ما هو أكبر وأشق ~~علاجا، ومن ذلك اختلاف الناس في الاستعداد النفسي؛ فالناس تختلف في المدارك «والأبله لا ~~يرى الشجرة عينها التي يراها الرجل الحكيم». إن دنيا زيد تختلف عن دنيا عمرو كل الاختلاف، ~~حتى إن تساوى الرجلان في الدخل السنوي؛ ذلك أن الطبيعة والتربية والبيئة تباعد بين فرد ~~وآخر كل التباعد. وكثيرا ما يتعسر التقريب بين الأفراد؛ فأنا مثلا لا أستطيع أن أتصور ~~شعور الفرد ينبغ في الشطرنج، أو شعور العالم الرياضي العظيم، أو الموسيقي البارع الذي يفكر ~~في حدود الأنغام. ومن الناس من هو حاد البصر، ومنهم من هو دقيق الشم يميز من الروائح ما ~~لا يميزه غيره. ومنهم من هو حاد السمع يجد في الأصوات فروقا لا تدركها الأذن ~~العادية. # وقد قام العلماء بمحاولات كثيرة لتقسيم الناس أنماطا إنسانية حسب مميزاتهم الجسمانية ~~والسيكولوجية؛ فهناك مثلا تقسيم هبقراط # Hippocrat # على ~~أساس الأمزجة الأربعة، وقد سيطرة هذه النظرية على الطب في أوروبا أكثر من ألفي عام. ~~والمنجمون وقارئو الكف يقسمون الناس خمسة أقسام على أساس النجوم. وما زلنا ms098 إلى اليوم ~~نقسم الناس إلى مرح ومكتئب وما إلى ذلك. وقد كتب أرسطو رسالة في الفراسة حاول فيها أن ~~يقسم الأفراد على أساس الصفات المميزة للحيوانات التي يشبهونها. وهذا التقسيم الحيواني ~~للإنسان كان يظهر في علم الفراسة من حين إلى حين خلال العصور التاريخية. # وفي العصر الحديث حاول كثيرون تقسيم الناس على أسس جديدة؛ فمثلا ستكارد # Stockard # في كتابه «الأساس الجثماني للشخصية» يقسم الناس ~~قسمين، ويقسمهم الدكتور وليم شلدن # Dr. William Sheldon # إلى ثلاثة أقسام وهي # Cerebrotonic # و # Viscerotonic # و # Samatotonic # وهو التقسيم الذي أعترف به. وهذه كلها ~~محاولات قد تنتهي إلى علم صحيح؛ فلا ينبغي أن نغض من شأنها. # ومما يجدر ذكره أن في الأمزجة طرزا جديدة، كما أن هناك في الطب والملابس والمعتقدات ~~وجسم المرأة مستحدثات جديدة؛ فكان الناس في القرن الثامن عشر مثلا يعجبون بالمزاج ~~اللمفاوي - مزاج الرجل الحريص بطبعه، المفكر، الذي لا يهتز بسهولة. ثم أفسح فولتير ~~المجال لروسو، وتحول الناس من الإعجاب بالحكمة الباردة إلى الإعجاب بالعاطفة الحارة. ~~وفقد المزاج اللمفاوي نفوذه، وحل محله المزاج الحار - العاطفة القوية والدموع التي لا ~~تجف. وبعد جيل من الزمان أخلى المزاج الحار السبيل لمزاج بيرن - وهو مزيج من حرارة ~~العاطفة والاكتئاب، وخليط عجيب من المتناقضات، هو كالحرارة والرطوبة ممزوجتين بالبرودة ~~والجفاف. ثم قامت محاولة جديدة أيام الحركة الأدبية الإبداعية ترمي إلى إحياء المزاج ~~اللمفاوي. وعقب ذلك المزاج الصفراوي - مزاج الرجل المقحام الجريء في العمل. # ومن الخطأ أن نميز مزاجا على مزاج، إنما ينبغي أن نستغل الأمزجة جميعا؛ فمن حق الفرد أن ~~يكون لمفاويا كما أن من حقه أن يكون بدينا. ولكنا لجهلنا وتعصبنا نحب أن نصوغ جميع الناس ~~في قالب المزاج الحديث، فيصبحون جميعا مكتئبون - مثلا - كما نحبهم أن يكونوا جميعا ذوي ~~قدود رشيقة هيفاء. ويبلغ بنا السخف أحيانا أن نتطلب من الناس مزاجا خاصا لا يتفق ~~وتكوينهم الجثماني. # وكل أنواع التقسيم متفقة على أن الفرد لا ينتمي من جميع نواحيه إلى طراز واحد؛ فكل ~~إنسان مزيج من ms099 عدة أمزجة، وقد يغلب عليه مزاج ما ولكنه لا يعدم بعض الصفات المميزة ~~للأمزجة الأخرى، وإذا كان بالفرد ميل شديد نحو مزاج معين كان التفاهم بينه وبين غيره ~~من أفراد الطرز الأخرى شاقا عسيرا. # وأستطيع هنا أن أضرب مثلا توضيحيا من تجربتي الخاصة. إن طبيعتي بوجه عام لمفاوية ~~المزاج؛ ولذا فمن العسير علي أن أفهم عالم أولئك الذين تثور عواطفهم لأتفه الأسباب، وأنا ~~لا أقف من الكتب العاطفية موقف المتعجب، بل موقف المتحير، ولا أعرف لماذا يهتز الناس ~~في هياج شديد إذا أثرتهم إثارة طفيفة. قرأت مثلا ديوان بليك # Blake # فألفيته مفعما بتشبيهات مستمدة من الرعد والبرق والسحاب ~~والعواصف لوصف آرائه ومشاعره العادية، فقلت لا بد أن تكون لهذا الشاعر عقلية خاصة أو مزاج ~~خاص لا أدركه ولا أستطيع أن أبلغ كنهه، ولكني موقن في الوقت نفسه أني لو التقيت ببليك ~~لوجدت بيني وبينه أرضا مشتركة نستطيع أن نقف عليها متفاهمين، ونرتبط فيها بعلاقات ~~إنسانية قوية. لو لاقيته لعاملته بالرأفة والاحترام والتكريم والثقة، ولقابل معاملتي ~~بمثلها. ومن هذا يتبين أننا نستطيع أن نجمع بين الأفراد المختلفين في الطبيعة والمزاج في ~~ميدان الأخلاق العملية. إن الهوة التي تفصل بين الأفراد المختلفين في المزاج وفي المقدرة ~~لا تغرق الشخصية بأسرها، ومن واجب المصلح الكبير أن ينظم بنيان المجتمع بحيث يضيق ~~الفجوة التي تفصل بين الأفراد المختلفين في المزاج فيسهل بين الناس التفاهم. ومن واجب ~~المربين ورجال الدين أن يقنعوا الأفراد أن التفاهم أمر مستحب، وأن يعلموهم حسن ~~النية في المعاملة. # ويتعسر التفاهم بين الأفراد في المجتمعات التي يبلغ فيها عدم المساواة الاقتصادية ~~والتربوية مبلغا كبيرا، وكذلك في المجتمعات التي يسود فيها النظام الدكتاتوري. ويسهل ~~التفاهم في المجتمعات التي يسود فيها نظام الحكم الذاتي، والتي تتحمل فيها التبعات ~~الجماعات دون الحكومات، وحيث تقل الفروق الاقتصادية والتربوية؛ ولذا فإن النظام الإقطاعي ~~والرأسمالي والدكتاتوري مما يعمل على سوء التفاهم بين الأفراد والطبقات؛ ففي ظل هذه النظم ~~تقوى الفروق الطبيعية، وتتولد فروق جديدة مصطنعة. وأكثر البيئات ms100 ملاءمة لتحقيق ~~المساواة بيئة يملك فيها وسائل الإنتاج أفراد المجتمع جميعا متعاونين، والسلطة فيها لا ~~مركزية، والمجتمع مقسم إلى جماعات صغيرة بينها روابط شديدة، تحكم كل منها نفسها ~~حكما مستقلا محملا بالتبعات. # إن المساواة في المعاملة - أو بعبارة أخرى تبادل السلوك الحسن - هي النوع الوحيد من ~~المساواة الذي له وجود حقيقي. ولكن هذا الضرب من المساواة لا يتم ولا يكمل إلا إذا ~~توفرت الفرص للأفراد المختلفين في النزعة النفسية وفي العمل والمهنة ليجتمعوا فترات ~~طويلة بغير كلفة. ومن واجب المصلح الاجتماعي أن ينظم بناء المجتمع بحيث يمكن ~~للأفراد حرية الاتصال ويهيئ لهم فرصته. وتحويل الجماعة من النظام الاستبدادي إلى نظام ~~التعاون يتطلب منا أن نحطم الحواجز التي تفصل طبقة عن أخرى، والتي تجعل من العسير على ~~الأفراد في الوقت الحاضر أن يجتمعوا كما يشاءون. وهناك طرق متنوعة لإيجاد الصلة بين ~~الأفراد، وقد رسم # Dr. A. E. Morgan # خطة تعليمية لكلية ~~أنطاكية في أوهيو لهذا الغرض. وسأشرح هذه الخطة في الفصل الذي سأخصصه لنظام التربية. ~~ويمكن تطبيق خطة مورجان على المجتمع والاستفادة منها في دائرة أوسع من المدرسة. # إن الفرصة لا تتهيأ للفرد لكي ينشئ بينه وبين غيره من الناس صلات طيبة خلال فترة ~~التربية وحدها. وإنما نحن نستطيع ذلك أيضا إذا مكنا للفرد أن يتنقل في حياته العملية ~~من وظيفة إلى وظيفة؛ فيتعرف إلى زملاء جدد كما يكتسب خبرة جديدة، ويقلل ملله من ~~العمل الرتيب الذي لا يتنوع ومن الجو المحيط الذي لا يتغير (وقد رأينا من قبل أن الملل ~~أحد أسباب الحروب وأن أي تعديل - سواء في بناء المجتمع أو في بناء شخصية الفرد - يعمل على ~~تخفيف الملل، يعمل كذلك على تخفيف خطر نشوب القتال). # وهناك سبل أخرى غير هذه لتعزيز الروابط بين الأفراد مما يؤدي إلى تدريب الرجال والنساء ~~على تحمل التبعات وعلى التعاون المشترك. # ويلاحظ أن الأفراد المتفقين في المزاج يستطيعون تبادل التفاهم بينهم حتى إن كانوا ~~يحملون لبعضهم بعضا حقدا في النفوس دفينا. ولكن الأفراد المختلفين ms101 في المزاج لا ~~يستطيعون التفاهم إلا إن تبادلوا حسن المعاملة. ويلاحظ كذلك أن أرباب المهنة الواحدة ~~يستطيعون التفاهم فيما بينهم، وما أيسر أن يصادق الرياضي أو الموسيقي زميله في العمل. وما ~~أيسر أن ينضم الشواذ بعضهم إلى بعض فإنما الطيور على أشكالها تقع. يجب أن ينظم المجتمع ~~بحيث يهيئ الفرص للناس الذين يختلفون مهمة ومزاجا للاجتماع والتعاون، وهذا - بطبيعة الحال ~~- لا يمنع الأفراد الذين ينتمون إلى لون واحد من ألوان المزاج أن يكونوا جماعاتهم ~~الخاصة بهم. ويستطيع الإنسان أن يكون عضوا في جماعات متعددة في آن واحد؛ فالفرد قد يكون ~~عضوا في أسرة، وفردا في جماعة من الأصدقاء، وعضوا في جماعة فنية أو رياضية أو دينية ~~أو علمية. # ومن المعروف أن الأفراد يختلفون قدرة وذكاء ومزاجا؛ فواجب المجتمع أن يحدد للفرد ~~العمل الذي يلائم مواهبه، وأن يمنع الزعيم الموهوب من استغلال موهبته استغلالا غير مشروع. ~~وقد بين دبريل في كتابه «لكل فرصته» أنه عندما تشتغل الجماعات الصغيرة بعمل معين ~~يتحملون فيه التبعة متعاونين، ويتناولون فيه جزاءهم جماعة لا أفرادا، لا يكون اختيار ~~الزعيم أو تعيين عمل معين لكل فرد من الأمور العسيرة الشاقة. إن كل إنسان - بطبيعته ~~- حكم نافذ البصيرة، يستطيع أن يحكم على المقدرة المهنية والخلقية لزملائه في ~~العمل؛ ولذا ففي الحياة العملية يمكن للأفراد المتعاونين دائما أن ينتخبوا لزعامتهم ~~خيارهم، دون أن يستغل الزعيم نفوذه في غير مصلحة الآخرين. وهذا لا يمكن أن يتم في ظل ~~النظام الدكتاتوري (ويلاحظ أن الهيئات الصناعية دكتاتورية حتى في البلدان الديمقراطية) ~~وذلك لأن الزعيم الدكتاتوري مشبع بروح الانتقام ممن دونه كي يعوض الإساءة التي لحقت ~~به ممن فوقه في تاريخ حياته الباكر؛ فإن الجماعات الإنسانية تشبه جماعات الدجاج في ~~نظامها، تنقر الدجاجة «أ» الدجاجة «ب» فتنقر «ب» الدجاجة «ج» وتنقر «ج» الدجاجة «د» وهكذا. ~~وكذلك الحال في المجتمعات الإنسانية؛ لأن الرئيس المستبد إنما يفعل ذلك لأن غيره استبد ~~به من قبل. إن كبار الدكتاتوريين يولدون صغارهم، كما تولد العقارب العقارب والحية ~~الحية. ms102 غير أن الجماعة المتعاونة التي تتمتع بالحكم الذاتي محصنة من وباء ~~الاستبداد. # إن الزعامة السيئة ممقوتة في المجتمعات الصغيرة، بله المجتمعات الكبيرة؛ لأنها حينئذ ~~تأتي بشر الكوارث. وقد يرتفع إلى عرش السلطان والنفوذ أفراد معتوهون بالحق الوراثي، أو ~~لأن لديهم صفات خاصة تعاونهم على التسلط على الناس، أو لأن مصالح بعض الهيئات في ~~المجتمع تتطلب هذا الزعيم الأبله. وكثيرا ما ترى صاحب المال أو مدير المصنع رجلا شاذ ~~الخلق سيئ السلوك. # وأرى من واجب الجماعة أن تختبر الرجل قبل أن توليه شأنها؛ إذ ليس من المعقول أن تتطلب ~~في الخادم والملاح والكاتب الصغير خلقا خاصا ولا تتطلب مثل ذلك من الرجل الذي ~~تملكه زمام أمرك. ونحن في أكثر الوظائف اليوم لا نقبل الرجل إلا إن توفرت لديه ~~مؤهلات علمية خاصة وكان صحيح البدن، حسن السير والسلوك. ثم إن الموظف بعد هذا ~~كله يتخلى عن العمل عندما تتقدم به السن؛ فلا أقل من أن نفعل ذلك عند اختيار رجال ~~السياسة، وبذلك نتخلص من حكم الأغبياء، الذين يعملون لأنفسهم قبل أن يعملوا لغيرهم، ومن ~~حكم المسنين الجامدين غير القادرين، ومن حكم الخائنين ومن إليهم، مما يؤدي إلى ~~فساد المجتمع. # بيد أن عملية الانتقاء قد تخلصنا من تسلط البلهاء، ولكنها لا تخلص الزعيم من ~~الطموح والطمع. إن الزعامة لن تكون رشيدة حتى ننشئ المعاهد لتخريج مديري الأعمال الأكفاء، ~~والسياسيين ورجال الحكم والإدارة. # ومما تقدم يتبين أن الاختبارات والعضوية في جماعة مهنية تعيننا كثيرا على رفع ~~مستوى الزعامة السياسية والاقتصادية، وعلى إيقاف أطماع الرؤساء عند حد. وإذا فلنحافظ ~~على نظام الامتحانات ونظام الهيئات المهنية، بل لنتوسع في تطبيق هذين النظامين. بذلك ~~نتخلص من كثير من الأخطار الاجتماعية التي تنجم عن عدم المساواة الطبيعية بين ~~الأفراد. # الفصل الثاني عشر # | التربية # إن رجال التربية الفنيين وعلماء النفس يميلون إلى المبالغة في أثر التدريب في زمن ~~الطفولة، وفي أثر الحوادث التي تمر بالإنسان في باكورة الحياة. ويعزو فرويد كل متاعب الفرد ~~العقلية إلى تجاربه في الصغر. وكان ms103 الجزويت يفخرون بأنهم يستطيعون - إذا تولوا أمر الطفل ~~في سن باكرة - أن يخلقوا منه الرجل الذي يريدون. ولكن الجزويت - برغم هذا الزعم - قد ~~تخرج على أيديهم رجال خارجون على الدين ورجال ثائرون، كما تخرج على أيديهم رجال ~~يتبعون أصول الدين. وقد بدأ الكثيرون من علماء النفس يتخلون عن زعمهم بأن جميع الأمراض ~~العصبية ترجع إلى التجارب القاسية التي مرت بالمريض في حداثة العمر، حتى إن يونج يقول: ~~«إن العلاج بالتحليل النفسي كثيرا ما يكون ضارا بالمريض؛ لأنه يضطر إلى أن يبحث في ~~زوايا ذاكرته لمدة تزيد أحيانا على العامين عن حادث وقع له في عهد الطفولة، في حين أن ~~هناك أمورا قريبة العهد ومن الأهمية بمكان لها أثر كبير ولا تنال منه التفاتا.» والواقع ~~أن الإنسان لا يتأثر بماضيه فحسب، إنما يتأثر كذلك بحاضره، وبما يتوقع لمستقبله. إن ~~تجارب الطفولة لا توجه سلوك الرجل الراشد كل التوجيه. وسلوك المرء يمكن - إلى حد ما - ~~أن يعاد تشكيله بتأثير ظروف الحياة في عهد المراهقة والبلوغ. والإنسان حر في إرادته إلى ~~حد ما، ويستطيع أن يعدل من سلوكه باختياره إن أراد، وإن اهتدى إلى الطريق الصحيح. وهذا ~~التعديل قد يكون إلى الخير، كما قد يكون إلى الشر. ونحن كثيرا ما نصب الأطفال في قوالب ~~طيبة وهم في مدارس الحضانة، فإذا ما خرجوا منها إلى المدارس المتقدمة أعيد تشكيلهم في ~~قوالب خبيثة مرذوله. ونلاحظ - برغم الجزويت وفرويد - أن سوء التربية في عهد المراهقة ~~يلغي أثر التربية الحسنة في عهد الطفولة. إننا نربي أطفالنا الصغار على الحرية والذكاء ~~وتحمل التبعات والتعاون الاختياري، في حين أننا نربي الكبار من أطفالنا على قبول ~~التقاليد القديمة بغير جدل، وعلى السيادة إن كانوا من أبناء الطبقة العليا، أو الخضوع إن ~~كانوا من أبناء الطبقة الدنيا. ومن ثم كان نجاح مدارس الحضانة، وفشل المدارس الابتدائية والثانوية، # 1 # وتدل هذه الحقيقة على أن الغرض من التربية في بلدان غرب أوروبا الديمقراطية ~~غير ثابت أو محدود. إننا نحب أن نحتفظ بالتقاليد القديمة ms104 كما نحب أن ندعم أركان الحرية ~~والديمقراطية. ومن أجل هذا ترانا ندرب أطفالنا الصغار على الحرية والحكم الذاتي، ثم ~~يتولانا شيء من الخوف، ونذكر أن مجتمعنا لا يزال يقوم على أساس التسلط والخضوع إلى حد ~~كبير، فنكرس نشاطنا لتعليم كبار الأطفال على أن يكونوا حكاما متسلطين أو محكومين ~~خاضعين. وينبغي أن نلاحظ أن بعض مدارسنا «الحديثة» تغالي في إعطاء الحرية للأطفال، ولكنا ~~يجب ألا ننسى أن الأطفال يحبون أن يشعروا بالحماية، وأن يستندوا إلى قوانين خلقية ~~معروفة؛ ولذا فإن تدريبنا إياهم على الاستقلال والتعاون وتحمل التبعات يجب أن يكون في ~~حدود قواعد الآداب المرسومة إلى حد كبير. يجب أن نتحاشى المبالغة في الناحيتين: المبالغة ~~في منح الحرية مع المسئولية، والمبالغة في التقيد بالقديم، وبخاصة ما كان منه خاطئا؛ لأن ~~التقاليد القديمة قد تكون صالحة في وقت من الأوقات، وغير صالحة في أوقات أخرى، والأطفال ~~قد يطمئنون إلى النظام العسكري، وقد يطمئنون إلى الحرية، ولكن نتيجة التربية لا تظهر إلا في ~~عهد الرجولة. # ويجمل بنا أن نقف هنا متسائلين: هل لو واصلنا نظام التربية في مدارس الحضانة ~~(التربية المؤهلة للحكم الذاتي والتعاون وتحمل التبعات) إلى عهد المراهقة، نستطيع - ~~في الظروف الحاضرة - أن ننجح في ترقية المجتمع والأفراد؟ إننا لا نظن ذلك. ولو أننا أخذنا ~~المراهقين الناشئين على الحكم الذاتي والتعاون وقذفنا بهم في مجتمع قائم على نظام ~~الاستبداد والمنافسة وعبادة النجاح مهما تكن وسائله، لتلاشت تربيتهم المدرسية، واستجابوا ~~للحياة العملية، وحاولوا أن يلائموا بين أنفسهم وبين ظروف الحياة؛ ذلك لأن الحياة متشعبة ~~النواحي. وإصلاح التربية إصلاح لجانب واحد من جوانب الحياة؛ فلا يكفي أن نعدل نظام ~~التربية، ثم نبقي على نظام الحكم والاقتصاد بغير مساس. إننا بذلك لن نبلغ المرمى ولن نصيب ~~الهدف. # فالتربية إذا ليست علاجا ناجعا لجميع العيوب الاجتماعية كما قد يحسب المتحمسون لها، ~~إنها لا تأتي بثمرة طيبة إلا إذا نبتت في ظروف طيبة من نواحي الحياة الأخرى. إنها لا تأتي ~~بثمرة طيبة إلا إذا كانت عقائد الناس ms105 صحيحة ومشاعرهم طيبة. وعكس ذلك صحيح: أي إن ~~المعتقدات والمشاعر لن تطيب إلا إن كان هناك نظام صحيح للتربية. # وقد حان الوقت الذي ينبغي أن نسأل فيه أنفسنا هذا السؤال: ما هي التربية الصحيحة؟ # في الأشهر الأولى والسنوات الأولى من حياة الطفل تكون التربية بدنية أكثر من أي شيء ~~آخر، ويقوم البيت مقام المدرسة. وللتربية المنزلية الأولى كذلك أثر كبير في الحياة ~~العاطفية. أما التربية الخلقية والعقلية فلا تأتي إلا في سن الطفولة المتأخرة. ولا ~~يمكن الفصل بين التربية الخلقية والعقلية، ولكنا سنضطر إلى ذلك اضطرارا لتسهيل البحث ~~وزيادة الإيضاح، ولنبدأ بهذا السؤال: ما هي التربية الخلقية الصحيحة؟ لنذكر دائما أن ~~الهدف الذي ترمي إليه هو تنشئة الناس على حب الحرية والعدل والسلام. فما السبيل إلى ذلك؟ ~~قال برتراند رسل في كتابه الحديث «أين السبيل إلى السلام» ما يأتي: «لقد ارتقت المدارس ~~كثيرا في القرن الحاضر وبخاصة في البلدان الديمقراطية. أما في الدول التي قامت فيها ~~الدكتاتورية العسكرية - بما فيها الروسيا - فقد تأخرت كثيرا في السنوات العشر الأخيرة، ~~وعادت إلى النظام الصارم في التربية، وإلى إخضاع الطلبة لمعلميهم إخضاعا مذلا مشينا. ~~كما أنها اتبعت في التعليم الطرق السلبية دون الإيجابية (أي أن يفرض العلم على الطالب ~~فرضا، ولا يطلب إليه أن يبذل جهدا في تحصيله). ويرمي أولو الأمر من وراء ذلك إلى خلق ~~العقلية العسكرية التي لا تعرف غير السيطرة أو الخضوع، والتوحش أو الجبن ... فالحكام ~~المستبدون في هذه البلاد يدركون العلاقة بين التربية النظامية في المدارس، وحب القتال ~~في سن الشباب والرجولة.» # وتعرضت الدكتورة منتسوري لنفس الموضوع في كتيب صغير أصدرته حديثا، جاء فيه: «إن ~~الطفل الذي لم يتعلم قط أن يعمل وحده، وأن يوجه أعماله بنفسه، وأن يتحكم في إرادته، ~~يصبح - وهو راشد - سهل الانقياد، معتمدا على غيره في كل الأمور. إن الطفل الذي لا يلقى ~~في المدرسة تشجيعا وإنما يتلقى الإهانة تلو الإهانة، ينشأ على عدم الثقة بنفسه وعلى الخوف ~~الذي يسمى خجلا، والذي يتخذ فيما بعد ms106 - في سن الرجولة - صورة الخضوع والجبن. إن ~~الطاعة التي نتطلبها من الطفل في البيت والمدرسة - وهي طاعة لا يبررها عقل ولا عدالة ~~- تجعل منه رجلا يخضع للقوة العمياء بغير جدل. كما أن العقوبة الشائعة في كثير من المدارس ~~التي تقضي بتقريع المذنب علنا أمام قرنائه، تملأ النفس بخوف شديد من الرأي العام، وهو ~~خوف لا يقوم على أساس من العقل، حتى إن كان الرأي العام واضح الظلم والخطأ. وهذه الظروف ~~التي تخلق في النفس عقدة نقص ثابتة تولد روح الإخلاص - بل العبادة - للزعماء.» وكانت ~~تستطيع الدكتورة منتسوري أن تضيف إلى ذلك أن عقدة النقص كثيرا ما تجد منفذا للتعبير عن ~~نفسها في الوحشية والقسوة لتعويض النقص. إن التربية التقليدية تدريب على الحياة في مجتمع ~~عسكري يتسلط فيه الأفراد بعضهم على بعض، مجتمع يخضع فيه الناس خضوعا مذلا لكل من هم أعلى ~~منهم وأرقى، ويقسون على من دونهم قسوة لا هوادة فيها ولا رحمة. والعبد يعوض شعوره ~~بالذلة بتسلطه على من دونه من عبيد. # وفي ضوء هذين الاقتباسين نستطيع أن نفهم بشكل أكثر وضوحا لماذا سار التاريخ في مجراه ~~الذي يسلكه في السنوات الحديثة. إن تقوية الروح العسكرية والقومية، ونشوء الدكتاتورية، ~~وانتشار الحكم الاستبدادي على حساب الحكم الديمقراطي - كل هذه ظواهر كغيرها من حوادث ~~التاريخ لها أسباب متنوعة متداخلة. وأبرز هذه الأسباب - من غير شك - الأسباب ~~الاقتصادية والسياسية، ولكن هناك إلى جانب هذه الأسباب أسبابا أخرى تعليمية وسيكولوجية. ~~وينبغي أن نذكر من بينها خضوع الأطفال في خلال الستين سنة الأخيرة لنظام مدارس الدولة ~~الصارم الاستبدادي. أجل، لقد كان نظام الأسرة جد صارم في عصور مختلفة من التاريخ وبين ~~طبقات معينة من الناس، ولكن نظام التربية لم يكن في عهد من العهود مثلما هو عليه اليوم في ~~البلدان الدكتاتورية خاصة، ومهما يكن نظام الأسرة صارما فلن يبلغ أثره مبلغ ما ينجم ~~عن النظام الذي يخضع مدارس الدولة بأسرها للجد والصرامة. ومما يدل على أن التربية في ~~العصر الحاضر تعمل على تربية الروح ms107 العسكرية أن أبناء الأغنياء الذين تطول مدة دراستهم ~~يكونون أشد ميلا إلى الحرب من أبناء الفقراء الذين يقضون في المدارس سنوات معدودات. ~~ويترتب على ذلك أن نشر التعليم بين الطبقات الفقيرة وإطالة مدة الدراسة يؤدي إلى تعزيز ~~الروح الحربية وانهيار الديمقراطية. # وكان رجال التربية السابقون يعتقدون أن تعميم التعليم الأولي والابتدائي والثانوي - إن ~~أمكن - ينهض بمستوى الأمة، ويمهد الأذهان للديمقراطية. غير أن آمالهم لم تتحقق لأن ~~المدارس لم تعلم الأطفال الحرية والحكم الذاتي، بل علمتهم الذلة والخضوع. والغايات ~~الطيبة - كما ذكرت من قبل - لا تتحقق إلا بالوسائل الطيبة. إن الحق أبلج، ولكننا لا نحب ~~أن نسلك طريقه، ومن أجل ذلك تورط العالم في هذه المآزق التي لا يجد اليوم منها ~~مهربا. # وفي البلدان الغربية الديمقراطية نوعان من المدارس: ~~نوع ينشئ الأطفال على الحرية وتحمل التبعات، ونوع ينشئهم على الخضوع والخنوع؛ ~~فمدارس الحضانة من النوع الأول، وأكثر المدارس الأخرى من النوع الثاني. أما الدول ~~الفاشستية فإن جميع المدارس من النوع الثاني. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن البوليس ~~السياسي في ألمانيا أمر بحل جماعة منتسوري عام 1935. وفي سنة 1936 قرر وزير المعارف في ~~عهد موسوليني إيقاف كل الحركات المنتسورية في إيطاليا. وفي عهد لينين أسست التربية ~~الروسية في كل مراحلها على مبادئ شبيهة بمبادئ منتسوري؛ فألغي نظام تقدير معارف الطفل ~~وسلوكه بالدرجات، كما ألغيت العقوبات والامتحانات ونظام توحيد الأزياء. ولكن حكومة ~~ستالين ضربت صفحا عن كل ذلك وعادت إلى نظام التربية العسكرية الذي تسير عليه الدول ~~الفاشستية. وإذا بقي الخطر بإعلان الحرب وشبوبها، فلا شك أن الدول الديمقراطية نفسها سوف ~~تأخذ كذلك بهذا النظام العتيق. # ولسنا بحاجة إلى أن نذكر أن التربية السيئة تفسد عقول ملايين البشر، وتحدد سلوك ~~الراشدين، لا أقول إلى كل حد، وإنما إلى حد كبير. وإذا كانت الظروف الاجتماعية لا تختلف ~~عن النظام السائد في التربية، فإن الثورة على النظم الممقوتة قد تمسي أمرا مستحيلا. وقد ~~أكد ستالين أن الروح العسكرية سوف تسود جميع مناحي الحياة ms108 الروسية من جراء النظام ~~التربوي السائد. # وليست الطاعة وحدها هي التي تعلم الأطفال متانة الأخلاق، بل لقد يقوم اللعب مقامها. ~~وأثر اللعب في تربية الخلق الإنجليزي واضح غير منكور، ولكن اللعب - ككل أداة أخرى ~~اخترعها الإنسان - يمكن أن يستخدم في أغراض طيبة أو خبيثة. إننا إذا استخدمنا اللعب ~~استخداما حسنا أمكننا أن نستغله في تعليم الأطفال الاحتمال والشجاعة والعدل واحترام ~~القانون والتعاون وإخضاع المصالح الشخصية لمصلحة المجموع. أما إذا استخدم استخداما ~~سيئا فهو يشجع على غرور الفرد والجماعة، وعلى الرغبة الملحة في النصر، وبغض ~~المنافسين، وتكوين روح للجماعة لا تقبل التسامح، واحتقار من دوننا من الناس. وفي كلتا ~~الحالتين يبث فينا اللعب روح التعاون مع تحمل التبعات، ولكن التعاون قد يكون في سبيل ~~الشر كما قد يكون في سبيل الخير؛ فاللعب قد يكون تدريبا على القتال، وقد يكون فيه ~~غناء عن القتال؛ فهو قد يكون وسيلة لحب الحرب أو حب السلام، وقد يخلق رجالا مشبعين ~~بالروح العسكرية، أو رجالا مسالمين في كل نواحي الحياة. وقد اختارت الدول الدكتاتورية أن ~~تجعل من اللعب وسيلة لتدريب الأطفال على الروح العسكرية، كما اتخذته أداة لبث الدعاية ~~القومية؛ فمباريات كرة القدم مع الدول الأجنبية تعد من الأمور التي تقرر الكرامة ~~القومية، والانتصار في اللعب انتصار على العدو، ودليل على التفوق العنصري أو القومي. ~~وينظر المتفائلون إلى اللعب كأنه رابطة قوية بين الأمم، ولكنه في ظل الشعور القومي السائد ~~اليوم سبب جديد من أسباب سوء التفاهم الدولي. إننا نعيش في عالم ليست له عقيدة دينية ~~واحدة أو فلسفة للحياة واحدة، في عالم تعبد فيه كل جماعة قومية وثنها الخاص؛ ومن ثم ~~فإن مباريات كرة القدم والمباريات الرياضية الأخرى لا ينجم عنها إلا الضرر. # قلت إن الدول الدكتاتورية قد اختارت اللعب وسيلة للتدريب على القتال. أما الدول ~~الديمقراطية ففيها اتجاهان: الأول لا يرمي إلى استغلال اللعب وسيلة للتأهب للقتال، ~~والثاني ديكتاتوري النزعة؛ فهو يرى غير ذلك. وما زال الاتجاه الأول أضعف من الثاني؛ ~~فالإنجليز مثلا يقولون: ms109 «إننا كسبنا معركة واترلو فوق ملاعب إيتن.» ولكنا نستطيع كذلك ~~أن نقول إن الإنجليز الذين يحكمون الإمبراطورية في أنحائها المختلفة تعلموا حسن الإدارة ~~فوق هذه الملاعب عينها، والإمبراطورية البريطانية في العصر الحديث أميل إلى الاتجاه الثاني ~~منها إلى الاتجاه الأول. # لقد تحدثت عن التربية حتى الآن كأن هناك لونا واحدا من ألوان التربية الصحيحة، ~~ولكنا رأينا في الفصل الذي عقدناه على عدم المساواة أن الناس أنماط مختلفة. ولما كان ~~الأمر كذلك فمن الخطأ أن نضع لتدريب الأخلاق نظاما واحدا، بل ينبغي أن تكون هناك نظم ~~متعددة تلائم الأمزجة المختلفة، وإن كان هناك - كما رأينا من قبل - قدر مشترك من ~~الميول النفسية عند مختلف الطوائف نستطيع أن نختار له من القواعد الخلقية ملا يلائمه، ~~ونعلم الناس أجمعين هذه القواعد بتدريبهم جميعا على الحكم الذاتي وعلى التعاون ~~وتحمل التبعات في حجرة الدرس وفي ساحات الألعاب. ولا أحب أن أفصل القول في هذه ~~النقطة، وسأنتقل بالقارئ بعد هذا إلى التربية من ناحيتها التعليمية. # التعليم الأولي والابتدائي عام إجباري في أمم الغرب المتمدنة منذ أكثر من ستين ~~عاما، والتعليم الثانوي والعالي ميسر لعدد كبير من الشبان، وبرغم ذلك فإن الناس لا يزالون يقتتلون، ولم يؤد تعميم التعليم الأولي إلى منع اشتعال الحروب كما كان أنصاره ~~يأملون. ولا تزال القلوب قاسية - برغم هذا التعليم - وما زالت العامة تعبد الأبطال من ~~الرجال، وما برحت السياسة الدولية تقوم على التشاؤم إلى حد بعيد؛ ذلك لأن التربية ~~العقلية كالتربية الخلقية فاسدة من أساسها. # إن خير إنتاج العقل البشري قد كرره ملايين المعلمين ملايين المرات على ملايين الآذان، ~~وساعد المعلمين على ذلك نشر الكتب والصحف. وبرغم ذلك ما برحت إلى اليوم تظهر الصحف ~~والكتب المتبذلة، والقصص الوضيعة، والأشرطة السينمائية المنحطة. وهناك إلى جانب ذلك ~~الراديو يذيع الموسيقى الوضيعة، والدعاية الكاذبة ليل نهار - وهذه أدوات كان يمكن أن ~~تستغل لخير البشر، ولكنها تستغل لنشر السخافات والأباطيل. # وهذه هي الثمار الخلقية والذهنية لنظامنا التعليمي! لقد آن الأوان لأن نقوم بعمل ~~نبدل ms110 به طبيعة الشجرة التي تحمل هذه الثمار. # بينت فيما سلف ما ينبغي عمله إن أردنا أن ننشئ جيلا من الناس المتحررين ~~العاملين على حب السلام. والآن لنبحث في خير الطرق لتربية الذكاء وتوصيل المعارف إلى ~~الأذهان. # يتخذ التعليم في الوقت الحاضر صورتين مختلفتين؛ هنالك التعليم العلمي أو «التعليم ~~الحر»، والتعليم الفني. والمفروض أن التعليم العلمي يؤدي للمتعلم غرضين؛ فهو أولا ~~تدريب رياضي يمكن المتعلم من تنمية مواهبه العقلية - من القدرة على التحليل المنطقي إلى ~~القدرة على تقدير الجمال. والتعليم العلمي من ناحية أخرى يمكن المتعلمين من إدراك ~~الروابط القائمة بين المعارف المتنوعة، التاريخية منها والمنطقية والطبيعية والكيميائية ~~والبيولوجية. أما التعليم الفني فهو عملي محض، والمقصود به أن يمد الشبان المتعلمين ~~بالكفاية والمقدرة في مهنة معينة أو فن معين. # وقد دلت البحوث الحديثة يؤيدها الإحصاء أننا نفرض التربية العلمية على عدد كبير من ~~البنين والبنات ممن لا يستسيغونها أو يستمدون منها فائدة تذكر. وقد أدرك المعلم هذه ~~الحقيقة بخبرته الشخصية من زمان بعيد. ولا شك أن عدم القدرة على الاستفادة من التربية ~~العلمية يرجع - إلى حد ما - إلى عيوب طرق التدريس أو إلى عيوب المدرسين (والتعليم فن ~~وليس بعلم، والمعروف في كل الفنون أن الفنانين المجيدين قلة مسحوقة)، وبرغم هذا فمن ~~الواضح الذي لا يحتاج إلى بيان أن كثيرا من الشبان - وربما كانت أغلبيتهم المطلقة - لا ~~يصلحون بحكم استعدادهم الوراثي لأن يسيغوا ما تقدمه لهم التربية العلمية. وليس أقل من ~~ذلك وضوحا أن أكثر أولئك الذين يستطيعون أن يستفيدوا من التربية العلمية يخرجون بعد سني ~~الدراسة ببغاوات يكررون عبارات بنصها لا يفهمونها حق الفهم - وإن فهمومها فهم إما ~~متخصصون يعرفون كل شيء عن موضوع ما ولا يجدون لذة في غيره، أو رجال فكر يعرفون كل شيء ~~من الناحية النظرية، ولكنهم عاجزون عجزا مطلقا في شئون الحياة العادية. وشبيه بذلك ما ~~يحدث لتلاميذ المدارس الفنية؛ فهم يخرجون إلى العالم خبراء في فن من الفنون، ولكنهم لا ~~يعرفون من الأمور الأخرى غير النزر ms111 اليسير ولا يدركون العلاقات المختلفة بين المعارف ~~المتنوعة. # فهل يمكن علاج هذه العيوب في نظم التربية السائدة؟ أظن ذلك. وينبغي أن نبدأ بالاعتراف ~~بأن الناس ينقسمون إلى أنماط مختلفة، وأن لهم استعدادات ودرجات مختلفة من الذكاء. وقد ~~ارتقت اختبارات الذكاء في السنوات الأخيرة، غير أننا لا نفيد منها كثيرا لأنها إن بينت ~~لنا أن «أ» من الناس أذكى من «ب» فلا يكاد يدل ذلك على شيء؛ لأننا يجب إلى جانب ذلك أن نعرف ~~هل ينتمي «أ» و«ب» إلى نمط نفسي واحد أو يختلفان. وإذا فاختبار الذكاء أداة ناقصة، ~~ولكنه أثبت لنا بوجه قاطع أن الناس يختلفون نباهة وذكاء، وإذا ما اقتنعنا بأن الناس ~~ينتمون إلى أنماط مختلفة، وأن لهم مواهب مختلفة ودرجات مختلفة من الذكاء وجب علينا أن ~~نحاول أن نقدم لكل فرد التربية التي تلائمه. وهذا ما تحاوله بعض الحكومات اليوم، ولكن ~~بصورة غير منظمة؛ فالأطفال الذين ينجحون في الامتحانات بتفوق يمنحون مجانية في ~~التعليم الثانوي أو الجامعات. والأطفال الذين لهم مهارة يدوية يرسلون إلى المدارس ~~الفنية كي يتعلموا مهنة من المهن. ولكن لا يزال لهذا النظام عيوب؛ منها أن الطرق التي ~~تستخدم في اختيار الطلاب لأنواع التعليم المختلفة ليست البتة مرضية، ومنها أن أنواع ~~التعليم التي يتلقاها الطلبة الناجحون ليست خالية من النقائص. # أما عن نظام الامتحانات فلست أرى لزاما علي أن أتحدث فيه بشيء من التفصيل. إن معظم ~~المربين مجمعون نظريا أن امتحانا واحدا قاطعا ليس بالاختبار الكامل. وقد تخلى ~~بالفعل كثير من المربين عن الاختبار الواحد القاطع، واستعاضوا عنه بسلسلة من ~~الاختبارات الدورية للمعارف والذكاء، كما أنهم يقيمون لتقارير المعلمين والمفتشين ~~وزنا كبيرا. وإذا ما أكملنا ذلك بتقسيم المتعلمين إلى أنماط مختلفة على أساس صفاتهم ~~النفسية والجسمية كانت هذه الطريقة الثانية في اختبار الطلاب لأنواع التعليم المختلفة ~~طريقة صالحة موفقة كل التوفيق. # والآن فلنبحث في أنواع التربية المختلفة التي ينبغي أن يتلقاها الشبان كل وفقا لمزاجه. ~~رأينا أن نوعي التعليم السائدين، الفني والعلمي (أو الحر) ناقصان ms112 نقصا كبيرا. والمشكلة ~~التي نواجهها الآن هي أن نصلح هذين النوعين بحيث يصبح التعليم الفني أكثر حرية، ~~والتعليم الحر أكثر إعدادا للحياة اليومية في المجتمع الذي نريد أن نصلحه. # التعليم الحر يدرب العقل على التفكير، ويبين للمتعلم العلاقات بين فروع المعرفة ~~المختلفة، أو بعبارة أخرى هو طريقة لتنمية الذكاء، ومصدر لإيجاد الوحدة بين شتيت ~~المعارف، وهذه الوحدة اليوم وحدة علمية تاريخية أكثر من أي شيء آخر، هي وحدة ~~عمادها الحقائق الواقعة والمنطق. والحقائق التي ندرب عليها الذهن المنطقي أكثرها حقائق ~~عن العالم المادي وعن الإنسانية كجزء من العالم المادي (والتاريخ كما يعلم في المدارس ~~والكليات نوعان: تاريخ غير علمي وهو فرع من الدعاية القومية، وتاريخ علمي، ويكاد أن يكون ~~فرعا من فروع علم الطبيعة. ويعالج المؤرخون العلميون الحقائق البشرية كأنها حقائق ~~مادية ، ويكتبون عن الإنسان كأن الناس ذرات غازية يمكن أن تدرس درسا علميا ~~بحتا). # والرجل الذي يتلقى تعليما علميا قد ينقلب ببغاء، يردد ما لا يفهم، وحينئذ نقول ~~إن التربية فشلت في تحقيق الغرض منها. أو قد ينقلب إخصائيا، وحينئذ نقول إن التربية ~~نجحت نجاحا جزئيا. أو قد يصبح من رجال الفكر فيستطيع أن يدرك العلاقات القائمة بين ~~العناصر المختلفة التي تتألف منها مجموعة معارفه. وقد نحسب حينئذ أن التربية قد نجحت كل ~~النجاح. وهذه العلاقات إذا عرفناها بالنسبة إلى المعارف قلنا إنها علمية أو تاريخية، وإذا ~~عرفناها بالنسبة إلى المتعلم قلنا إنها إدراكية أو وجدانية أو إرادية. # إن المتعلم الببغاوي يكرر ما يسمع دون أن يفهم له معنى، والمتخصص في فرع واحد ~~من العلوم يفهم موضوع تخصصه فحسب، ورجل الفكر المهذب يدرك العلاقات الكائنة بين أجزاء ~~المعارف المختلفة من الناحية النظرية وحدها. إنه يعرف، ولكنه لا يحب أن يعمل وفقا لمعارفه، ~~بل ولم يتعلم أن يفعل ذلك؛ ومن ثم نرى أن التعليم الحر لا يخرج لنا رجلا كاملا ~~نرتضيه. # ونحن من ناحية أخرى لا نعلم أبناءنا في المدارس الفنية أن يدركوا الوحدة التي ~~تربط شتيت المعارف، وإنما نكتفي ms113 بتعليمهم حرفة من الحرف. إننا نسلحهم بفن من الفنون ~~وبقدر يسير من النظريات الكامنة وراء هذا الفن يمكنهم من إتقان فنهم؛ فهم يخرجون إلى ~~العالم رجالا ناقصين. وأشتات المعارف في نظر الرجل الذي تعلم تعليما فنيا ليست ~~أجزاء من كل متناسق، وإنما هي أجزاء متناثرة ليس بينها رباط؛ فهي - عنده - كالنجوم التي ~~تسطع وسط تيه من ظلام الجهل. وإذا تكونت في ذهن مثل هذا الرجل صورة للكل المتسق ~~المنسجم فهي صورة رجل العصر البرنزي، أو هي صورة مستعارة من فلسفة الصحف والأشرطة ~~السينمائية؛ ومن ثم ترى أن التعليم الفني الناجح - كالتعليم العلمي الناجح - لا يخرج ~~لنا الرجل الكامل الذي نرتضيه. # فهل لهذه المشكلة من علاج؟ لقد اقترح بعضهم أن تحرر التربية الفنية، كالتربية العلمية، ~~وأن تصبغ بصبغة تعميم المعرفة، وبخاصة معرفة الحقائق العلمية والنظريات، وأن يتعلم ~~الفنيون إدراك الوحدة التي تربط أشتات المعارف. غير أن هذا الاقتراح معيب لأسباب عدة؛ ~~منها أن أكثر الذين يتلقون التعليم الفني غير قادرين - لنقص في استعدادهم الذهني - على ~~إدراك وحدة الكائنات. وأن هذه الوحدة ليشق إدراكها حتى على أولئك الذين يتعلمون التعليم ~~العلمي؛ فإن أكثرهم - كما ذكرنا - يخرج إما ببغاء أو إخصائيا (وعدد كبير من هؤلاء ~~يعودون إلى المدارس معلمين، ويواصلون تدريب ببغاوات جدد وإخصائيين آخرين). قل من ~~العقول ما يدرك العلاقات الكائنة بين الأشياء والحوادث المتباعدة في المكان والزمان، ~~والتي تبدو كأنها متقطعة الأوصال، ليس بين متفرقاتها رباط. والتربية العلمية تحاول أن ~~تخلق في الرجال والنساء الرغبة في إدراك الوحدة الكائنة بين المعارف المختلفة. ولكنها قلما ~~تنجح، وقل من يتخرج فيها ولديه هذه الرغبة؛ ولذا فمن الحمق أن نحاول تدريب الناس على ~~إدراك وحدة الوجود، ونحن على ثقة بأنهم لن يدركوها ولن يستطيعوا أن يستخدموها. # وليس هذا كل ما في الأمر؛ فقد رأينا أن رجال الفكر أنفسهم ناقصون، ولا ترضينا تربيتهم ~~العقلية. صلتهم بالعالم صلة إدراكية فقط، ليس فيها من الوجدان أو الإرادة شيء. ثم إن ~~الرابطة التي ينشئونها بين الأشياء مستمدة من ms114 العلوم الطبيعية والتاريخ الذي يدرس ~~كأنه فرع من هذه العلوم. هذه طائفة من الناس لا تأبه بغير العالم المادي والإنسانية ~~باعتبارها جزءا من هذا العالم. وينجم عن ذلك أن هؤلاء الأفراد عندما يتصلون بالحقائق ~~الإنسانية اتصالا وجدانيا أو إراديا يساورهم قلق شديد. وهم عادة قساة القلوب يرون ~~أن يعامل الناس كغيرهم من أجزاء العالم المادي. # فالتعليم الفني إذا لا يعرف الوحدة بين الكائنات، والتعليم النظري يستغل هذه الوحدة في ~~دائرة الإدراك فحسب، وفي حدود العلوم الطبيعية التي تتعلق بقوانين العالم المادي؛ فنحن إذا ~~بحاجة إلى مبدأ آخر للتوحيد - مبدأ يستطيع الفنيون والعلميون على السواء أن يستخدموه ~~استخداما نافعا، ولا يقتصر على العلاقات العلمية التاريخية بين الأشياء، وهي العلاقات ~~التي يهتم بها رجال الفكر في العصر الحديث. نريد مبدأ للوحدة جديدا يعاوننا على أن ~~نتحول من مجرد متفرجين على منظر الإنسانية إلى مساهمين فيها مساهمة الأذكياء. # فماذا عسى أن يكون هذا المبدأ الجديد؟ الجواب على ذلك واضح. يجب أن يكون نفسيا ~~خلقيا. المبدأ الجديد يوحد بين المعارف والتجارب في حدود إنسانية، وشبكة العلاقات ~~بين الأشياء فيه نسيجها نفسي لا مادي. نريد مبدأ خلقيا يكترث للقيم، ولا يقتصر على ~~الجانب الإدراكي، وإنما يشمل كذلك جانبي الوجدان والإرادة. # وإلى القارئ مثالا محسوسا يوضح ما قصدت إليه. هذا شاب يتعلم الهندسة والميكانيكا، ~~إننا نرجح أن يتخرج في مدرسته وهو يجهل كل شيء ما خلا موضوع تخصصه؛ فلقد فشلت تربيته ~~في إمداده بمبدأ يستطيع به أن يدرك الرابطة بين كل ما يحصل عليه في الحياة من علم وتجربة. ~~إن رجال التربية الذين تعلموا في المدارس العلمية القائمة يعتقدون أننا نستطيع أن نحرر ~~تربية مثل هذا الشاب بتزويده بجانب من النظريات العلمية العامة. وهذا اقتراح ظاهره حسن، ~~ولكنه من الوجهة العملية غير ممكن التحقيق؛ لأن أكثر الشباب لا يجدون لذة في النظريات ~~العلمية العامة، وليست لديهم القدرة - بحكم استعدادهم - على توحيد التجارب والمعارف في ~~حدود قوانين العالم المادي. والواقع الذي يؤيده التاريخ أن تقدم النظريات العلمية ms115 قلما ~~يتم على أيدي رجال الفنون الماهرين؛ لأن الرجل العملي الذي يتقن فنه ويهتم به وحده، أو ~~يهتم معه بقدر يسير من النظريات التي تكمن خلف عمله، مما يمكنه من زيادة الإتقان في ~~فنه، وهو قلما يتطور إلى رجل عالم. وقل من النظريات العامة ما نحن مدينون به لأمثال ~~هؤلاء الرجال. ونستطيع أن نقول على وجه التعميم إن تقدم النظريات العلمية قد تم على ~~أيدي رجال من طراز آخر - تم على أيدي رجال لم يشتغلوا بالمشاكل الفنية، وإنما وقفوا ~~منها موقف المتفرج، محاولين تعليل ما يشهدون واستخلاص النظريات من وراء التجارب. وما ~~أوسع الهوة التي تفصل بين الرجل العملي والرجل الذي يهتم بالنظريات العلمية التي تنتظم ~~الكون بأسره. إنهما من طرازين مختلفين. وإذا فمحاولة تحرير التعليم الفني بقسر رجاله ~~على إدراك الوحدة الكامنة بين الكائنات محاولة فاشلة. # إن الإنسان هو الموضوع الوحيد الذي يهتم به الناس أجمعون، على اختلاف أمزجتهم ونفسياتهم ~~وما لديهم من ذكاء. وقد يكون الطالب الذي يدرس الهندسة غير قادر على التعمق في دراسة ~~قوانين العالم المادي، ولكننا لا نجد مشقة في حمله على الاهتمام بدراسة الإنسان؛ ولذا فإن ~~خير وسيلة لتحرير تربيته الفنية هي أن نحمله على الاهتمام بالدراسات الإنسانية. ومن اليسير ~~عليه أن يدرك الرابطة بين فنه وبين الدراسات الإنسانية والنفسية والخلقية. يجب أن تتمم ~~الدراسة الفنية دراسة تشرح أثر هذا الفن في الحياة مقاسا بمقياس الخير والشر والسعادة ~~والشقاء. يجب ألا يقتصر المهندس على دراسة الميكانيكا، بل ينبغي له كذلك أن يفهم كيف ~~تؤثر الآلة في حياة الناس. ويستطيع أن يبدأ بدراسة تأثير الآلة على الفرد، ثم ينتقل بعد ~~ذلك إلى دراسة آثارها الاجتماعية، مثل أثرها في ترقية البلدان المتأخرة، وفي القضاء على ~~المهن القديمة، وإنشاء صناعات جديدة. بذلك يمكن للطالب أن يدرك بعض ما بين الأشياء من ~~صلات، حتى إن بدت له تلك الأشياء مفككة لا تجمع بينها صلة. ولا نقصد أن تحل العلاقات ~~النفسية والاجتماعية والخلقية محل العلاقات العلمية، وإنما نريد أن ms116 تكون متممة لها. ينبغي ~~لطالب الفن أن يدرك الرابطة بين فنه وبين الدراسات الإنسانية، كما ينبغي لطالب العلوم ~~النظرية أن يدرك الرابطة بين نظرياته والعالم المادي المحسوس. بهذا ننهض بالتربية بنوعيها؛ ~~التربية العلمية والتربية الفنية. # وليس في هذا الكتاب متسع يسمح بتفصيل القول في جميع التجارب الناجحة في التربية التي ~~أجريت في السنوات الحديثة. ولكني سأتعرض للقليل منها. من هذه التجارب محاولة إدخال طريقة ~~منتسوري في المدارس، ولكن هذه المحاولة لم تؤد إلى الغرض المطلوب لأن الطفل الذي يتعلم ~~الحكم الذاتي والتعاون في بلد لا يتعاون مع غيره من البلدان يتعلم في الواقع أن يتعاون مع ~~زملائه ضد بلد آخر، وهي نتيجة غير مرضية. ومثل الطفل المتعلم في ذلك مثل الجندي الذي ~~يتعلم استغلال مواهبه وتعاونه مع غيره من الجند ضد الجيوش الأخرى. # وثمة محاولة أخرى قام بها دكتور ~~مورجان # Dr. A. E. Morgan # كان يرمي من ورائها إلى أن يصبغ الدراسة العلمية بالصبغة ~~الإنسانية، وذلك عقب الحرب العظمى في كلية أنطاكية # Antioch ~~. يقضي الطالب - طبقا لنظام مورجان - فترة في الدرس، تعقبها فترة ~~عمل في المصنع والمكتب والمزرعة، بل وفي السجن ومستشفى المجانين. ثلاثة أشهر دراسية ~~تتمها ثلاثة أخرى عملية. بذلك يستطيع الطالب أن يدرك العلاقات النظرية والعملية بين ~~الأشياء والحوادث، كما يستطيع أن يتصل بنماذج من الحقائق الإنسانية. وهو لا يوحد بين ~~المعارف من الناحية الإدراكية وحدها، بل من ناحية الوجدان والنزوع كذلك. # وشبيه بنظام التربية الذي أخذت به كلية أنطاكية النظام المتبع في المدارس المتصلة ~~بالمصانع في روسيا السوفيتية. وهذه النظم جميعا ليست سوى إحياء للنظام اليهودي القديم مع ~~شيء من التوسع والتنظيم، جاء في التلمود أن «من يعلم ابنه حرفة، إنما ~~يعلمه أن يسرق.» ولم يكن القديس بولس عالما، فحسب، وإنما كان كذلك صانع خيام. ~~ولم تنشأ فكرة التفرغ للعلم دون العمل إلا عند فلاسفة أثينا وأيونيا الذين كانوا يملكون ~~العبيد. ومن سخريات التاريخ أن العالم الحديث أخذ عن اليهود كل ما كان سيئا في تراثهم ~~الثقافي، ms117 ونبذ نظريتهم الصحيحة في التربية التي تجمع بين العلم والفن، وآثرنا عليها التربية ~~الضيقة غير الخلقية التي كان يؤمن بها الهلينيون المعتمدون على الرقيق. نبذنا نظام ~~التربية عند اليهود، وأخذنا عنهم أدبهم الحوشي، وأناشيدهم التي يمجدون بها القتال، ~~وقصصهم عن جرائم القتل والخيانة، وعقيدتهم الساذجة في إله مستبد لا يرحم. # ولكي نفيد من نظام كلية أنطاكية أكبر الفائدة ينبغي أن نمده من الطالب إلى المعلم؛ ~~فيجب أن ينقطع المعلمون عن التعليم من آن إلى آخر بضع سنوات يمارسون فيها حرفة لا علاقة ~~لها البتة بالعلم والتعليم. # وأنتقل بعد هذا إلى تربية العواطف فأقول إننا أعرنا في السنوات الحديثة أهمية كبرى ~~لتربيتها عن طريق الفنون؛ ففي كثير من المدارس والكليات تستخدم الموسيقى وفنون التمثيل ~~والشعر وغيرها من ضروب الفن الأخرى لتوجيه العواطف توجيها صحيحا؛ فالموسيقى مثلا ~~تعلمنا دقة الفكر ونبل الشعور، كما تعلمنا المشاركة العاطفية. والغناء وعزف الموسيقى ~~جماعة يعلماننا أداء الأعمال المعقدة التي تقتضي مهارة عقلية كبرى وتنبها ~~ذهنيا كاملا، كما يعلماننا المشاركة في الشعور والاتحاد في العواطف. # ثم نأتي بعد ذلك إلى الأدب فنلاحظ أن تمثيل المسرحيات يمكن كذلك أن يكون وسيلة من وسائل ~~التدريب العاطفي. إنك حين تمثل دور شخص يشبهك أو لا يشبهك تدرك طبيعتك على حقيقتها ~~وعلاقتك بالآخرين. وربما أدت مشاهدة المسرحيات إلى مثل هذه النتيجة، ولو إلى حد، ولكن ~~ينبغي ألا نعزو إلى المسرحيات فضائل تعليمية لا تتصف بها في الوقت الحاضر؛ فقد وصف أرسطو ~~المسرحية بأنها «مطهر للنفس»، وهذا الوصف لا ينطبق على المسرحية الحديثة والشريط السينمائي ~~الحديث. ولقد كانت المأساة اليونانية أكثر من مسرحية تمثل، كانت صلاة دينية عامة بين ~~المشاهدين. وكان التمثيل توضيحا للعقائد الدينية. أما المسرحية الحديثة فليست من ذلك ~~في شيء، موضوعها دنيوي، ويشاهدها الناس لا ليذكروا فلسفة حياتهم، ولا ليوطدوا الصلة ~~بينهم وبين خالقهم، وإنما يشاهدونها لإدخال السرور على النفس. # إن أكبر قيمة تربوية للأدب أنه يمد القراء بأمثلة من السلوك يستطيعون احتذاءها إن ~~أرادوا. والناس جميعا على حد ms118 تعبير جول دي ~~جولتيير # Jules de Gaultier # بفاريون # bovaristic # أي إن لديهم ~~القدرة على أن يروا أنفسهم على غير حقيقتها، وأن يلعبوا دورا غير الذي أعدتهم له ~~وراثتهم وظروف الحياة التي يضطربون فيها. والكلمة مشتقة من بطلة رواية فلوبير «مدام ~~بوفاري» التي بلغت نهاية مؤسية لأنها سلكت سلوكا لا يتفق وطبيعتها؛ ولذا فلنأخذ من ~~هذه القصة درسا، فلا يحاول أحدنا أن يسلك طريقا لا يستطيع السير فيه. وقد أدرك رجال ~~التربية هذه الحقيقة من قديم، وحاولوا أن يكيفوا شخصيات التلاميذ بعرض نماذج أدبية ~~عليهم يقلدونها في حياتهم الواقعية. وهذه النماذج قد تكون من الأساطير القديمة، أو قد ~~تستمد من التاريخ أو القصص؛ فهركيوليز من الطراز الأول، ورجال السياسة والقادة والقديسون ~~الذين كتب عنهم فلوطارخس من الطراز الثاني، وهاملت وفرتر من الطراز الثالث الذي يحاول بعض ~~الناس أن يصوغوا أنفسهم على غراره . ولا بد من شيء من الفن الأدبي عن عرض الأساطير أو ~~النماذج التاريخية أو الروائية؛ فإنك إن رويت القصة للطالب رواية لا فن فيها ما تأثر ~~بها وما شعر بالرغبة في تقليد بطلها؛ ومن ثم كانت أهمية الفن الجيد حتى في التعليم ~~الخلقي، ثم إن كل جيل ينبغي له أن ينشئ نماذجه الخاصة التي تستحق التقليد ويعرضها في ~~ثوب من الفن الحديث الجميل؛ وذلك لأن الفن الجيد القديم لا يؤثر فينا بمقدار ما يؤثر ~~الفن الجيد الحديث، بل إنه - عند عدد كبير من الناس - لا ينافس الفن الحديث الوضيع. وأكثر ~~الناس يعجبون بالشخصيات التي تصورها قصص المجلات الرخيصة أكثر مما يعجبون بشخصيات ~~شكسبير؛ وذلك لأن هذه المجلات تعالج شخصيات معاصرة، بينما شكسبير قد انقضى عهده من ~~ثلاثمائة عام. ثم إن شخصيات شكسبير تقتضي لتقليدها جهدا خلقيا لا تفتضيه شخصيات المجلات ~~التي تصور أحلامنا الشائعة - الأحلام الجنسية، والنجاح المالي والترف، وعلو المركز ~~الأدبي. أما شخصيات شكسبير فهي أعلى من ذلك مستوى لأنها تصور أحلام اليقظة التي يصعب ~~تحقيقها - الأحلام المسرفة في الأمل والطموح - تصور أحلام أولئك الذين يحبون أن يتفردوا ms119 ~~بإخلاصهم في العشق، أو الذين يحلمون بالمجد القومي، مكرسين حياتهم للوطن طامعين في ~~عبادة الجماهير. أو الأوغاد الذين يملأ قلوبهم الحقد وحب الانتقام. شخصيات شكسبير - ما ~~عدا شخصية واحدة، هي شخصية الدوق في رواية «دقة بدقة» - تمثل الشخص المتحرر من شئون ~~الحياة، والواقع أنك قل أن تجد في الآداب العالمية بأسرها تصويرا لأمثال هذه الشخصيات، ~~وأشخاص الروايات والمسرحيات - مهما طابت قلوبهم - لا يخلون من العيوب. # والواقع أن المثال الأدبي أداة قوية لصياغة الشخصية. ولكن أكثر الأمثلة الأدبية مثل ~~عليا للرجل العادي. وأكثر الشخصيات التي تتميز بالبطولة تتصف بشيء من الجنون، ومنها ما هو ~~طيب القلب غير ذكي، أو فاضل يعيش في وسط دنيء، ولا يدرك الحاجة إلى ترقيته. وربما كانوا ~~أشخاصا تحررت نفوسهم من أوطار الحياة، غير أنهم يخلصون لعقيدة من العقائد مثل ~~الفاشستية أو الاشتراكية أو القومية. ولا شك أن هذه العقيدة تتطلب منهم أحيانا أن يخرجوا ~~على قواعد الأخلاق. نحن بحاجة ماسة إلى الأدباء الفنانين كي ننهض بالناس ونخلق منهم ~~نوعا جديدا من البشر. ولكن أكثر الأدباء الفنانين - لسوء الحظ - أفراد من الطراز ~~القديم، مشبعون بالروح الحربي، حتى إن تأججت في صدورهم رغبة الإصلاح، ولا سبيل إلى ~~تعديل نفوس هؤلاء الأدباء ما دام يتحكم في الدولة دكتاتوريون مستبدون يتطلبون من الناس ~~الطاعة والخضوع، ويحاولون أن يطفئوا جذوة الذكاء في نفوسهم؛ ومن ثم كانوا في مسيس ~~الحاجة إلى استخدام الدعاية. # وفي المجتمعات المتأخرة، التي تسود فيها عقيدة عتيقة أو قانون تقليدي لا ينازع، لا ~~تنشأ الحاجة إلى الدعاية المقصودة؛ لأن الناس يسلكون الطريق التقليدي بالغريزة، ولا يقفون ~~أمامه لحظة ناقدين أو مفكرين. وحتى في مجتمع بلغ من الرقي ما بلغنا، هناك أنواع من ~~السلوك والتفكير والشعور يقبله الناس بغير جدل. وكم من رجل ذكي يستغل ذكاءه في العمل ~~الذي فرضته عليه التقاليد، وقلما يستخدمه في الحكم على قيمة العمل في حد ذاته. ولا عجب ~~- بعدئذ - أن ترى علماء وفنيين يضعون مواهبهم تحت تصرف حكام البلاد، ويستغلونها في ~~الفتك بالناس ms120 بغير تمييز. ولا عجب كذلك أن ترى جماعة من الأدباء يمتهنون مواهبهم في تعزيز ~~الروح القومية بالأكاذيب المفتراة وبقوة التعبير والأسلوب. حتى في الدول الديمقراطية نفسها ~~كثيرا ما يستخدم الذكاء في خلق الوسائل الطيبة لتنفيذ الأغراض الدنيئة، وقلما تجد رجلا ~~ذكيا يستخدم موهبته في خلق الوسائل الطيبة لتنفيذ الأغراض الطيبة. وهؤلاء وحدهم هم الذين ~~يستطيعون ترقية المجتمع، ولكنهم لا يجدون في الدول الدكتاتورية تشجيعا؛ لأن الدكتاتور يحب ~~أن يستغل الأذكياء في تحقيق مآربه الشخصية؛ ومن ثم كان اضطهاده الأفراد المبتكرين، ~~وتكميم الصحافة، ومحاولة إيجاد رأي عام مناصر للاستبداد عن طريق الدعاية، والتدريب ~~العسكري منذ الطفولة، ومراقبة الصحافة والسينما والأدب والإذاعة. ومن يدري! لعل العقاقير ~~تستخدم في المستقبل مع علم النفس للتأثير في الجماهير. ومن المعروف أن من العقاقير ما يزيد ~~في استعداد الشخص لقبول الإيحاء. وليس من شك في أن الدكتاتوريين سوف يستخدمون هذه ~~العقاقير في مستقبل الأيام لتقوية العقيدة التي يحبون أن يعتنقها الشعب. # ولا تزال بالدول الديمقراطية بقية من الحرية للرجال الأذكياء، ولكنا نخشى أن تختنق هذه ~~الحرية بعد حرب أخرى؛ ولذا فمن واجب المربين أن يبذلوا قصارى جهدهم قبل فوات الأوان. ~~عليهم أن يعودوا التلاميذ على مقاومة الإيحاء. وإذا لم نخلق في الأطفال هذه المقاومة، ~~فسيقع رجال الجيل المقبل تحت رحمة أي داعية ماهر يحاول أن يسيطر على أدوات الإذاعة ~~والنشر. ويمكن تدريب الأطفال على المقاومة بطريقين: # أولا: # نستطيع أن نعلم الأطفال الاعتماد على ذكائهم الخاص دون المؤثرات ~~الخارجية. وبذلك تتكون شخصية الطفل، ولا تخدعه أساليب الدكتاتوريون ~~الخلابة التي تأخذ بالألباب. ومن اليسير على أي دكتاتور في بلاد الغرب ~~أن يبث دعايته بين أفراد شعبه؛ لأن الناس أشبه ما يكونون بالمخدرين من ~~إدمان القراءة التي لا ترمي إلى غرض، ومن أثر الاستماع إلى الإذاعة ~~اللاسلكية، ومشاهدة أشرطة السينما بغير غرض؛ فإن هذه المؤثرات تفعل في ~~النفوس فعل الكحول والمورفين. وقد بلغ بأكثر الناس إدمان القراءة ~~والاستماع إلى الراديو والموسيقى ومشاهدة السينما مبلغا لا يستطيعون معه ~~أن ينقطعوا ms121 عن هذه الأشياء بضعة أيام بل بضع ساعات. مثلهم في ذلك مثل ~~مدمن المخدرات يميل إلى الاسترسال في رذيلته لا لأنه يستمد من الإدمان ~~متعة حقيقية، بل لأنه تعود الإدمان ولا يستطيع التخلي عنه. وهؤلاء ~~المدمنون على الصحف والأشرطة السينمائية والراديو يحسون بنقص إذا ~~أبعدت عنهم هذه الأشياء، أو إذا حرمتهم من أنباء الألعاب الرياضية ~~وأخبار الجرائم والمحاكمات، أو من الموسيقى والأحاديث يذيعها الراديو، أو ~~من قصص المغامرات والحب. وحتى أذكياؤنا يعتقدون أن هذه المخدرات ~~السيكولوجية مستحبة، بل ولا مفر منها، ولا يرون خطرا من اعتماد الفرد ~~على المؤثرات الخارجية دون ثروته النفسية الخاصة. وقد قرأت من عهد ~~قريب كتابا صغيرا لعالم أمريكي مبرز في علم الحياة يصور لنا ~~فيه المستقبل كما يراه. يقول هذا الرجل: إن العلم سوف يزيد من سعادة ~~الإنسان وذكائه، وذلك بطرق عدة منها اختراع سينماتوغرافات ميكروسكوبية ~~يستطيع المرء أن يلبسها كما يلبس النظارة فيشاهد قصة شائقة يبعد بها ~~عن نفسه الملل. وما من شك في أن العلم سيمدنا بزجاجات الخمر ~~وبالمحاقن وبالسجاير وبجرعات المخدرات المتناهية في الصغر! ليحي ~~العلم! # ولكنا لا نشجع على ذلك؛ فكيف نستطيع أن ندرب الأطفال على ~~الاعتماد على ثروتهم الروحية وعلى مقاومة إدمان القراءة والاستماع إلى ~~الراديو ومشاهدة السينما؟ أول ما ينبغي عمله أن نعلمهم كيف يسلون ~~أنفسهم ببعض الصناعات اليدوية اليسيرة، وبالعزف على الآلات الموسيقية، ~~وبالدراسات المفيدة التي ترمي إلى هدف معين، وبالملاحظة العلمية، ~~وبممارسة فن من الفنون، وما إلى ذلك. غير أن هذا التدريب اليدوي والذهني ~~لا يكفي. والنفس الإنسانية ينطبق عليها قانون جريشام الاقتصادي، وهو أن ~~العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق؛ فأكثر الناس يميلون إلى ~~أداء الأعمال التي تتطلب أقل مجهود، وأن يشغلوا أنفسهم بأسهل الأفكار، ~~وأن يحسوا بالعواطف المبتذلة، وأن يطلقوا العنان لرغباتهم الحيوانية. ~~وهم يميلون إلى ذلك حتى إن توفرت لهم المعرفة والمهارة التي تمكنهم ~~مما هو أرقى من ذلك. وإنما يجب أن يلازم المعرفة والمهارة الضروريتين ~~صدق العزيمة على استخدامهما في هذا الجو ms122 الذي يغري المرء بأن يمارس من ~~الأعمال أيسرها. غير أن أكثر الناس يحبون أن ينغمسوا في هذا الجو، اللهم ~~إلا إن كانت لديهم فلسفة للحياة متماسكة تدفعهم إلى غير ذلك، ثم ~~توفرت لهم الوسائل لتنفيذ ما يريدون؛ لأن الرأي وحده بغير تنفيذ لا ~~يأتي بفائدة. وماذا عسى أن تكون تلك الفلسفة التي تنقذ صاحبها من فساد ~~الجو السائد، وتلك الوسائل التي تمكنهم من وضع فلسفتهم موضع التنفيذ؟ ~~ذلك ما سنجيب عنه في فصل مقبل. # ونكتفي الآن بهذا القدر من الكلام على الطريقة الأولى التي تمكننا ~~من مقاومة المخدرات النفسية التي أشرنا إليها - وتلك المخدرات هي ~~الصحف والراديو وأنباء الألعاب الرياضية وقصص القتل وموسيقى الجاز والأشرطة ~~السينمائية التي تعرض قصص الحب والمغامرات. والطريقة الأولى التي افترضناها ~~للتخلص من ذلك كله هي تعليم الشبان أن يبعثوا السلوى إلى أنفسهم بأنفسهم. ~~وقد ذكرنا أن المخدرات النفسية يمكن أن يستغلها الداعية لنشر رأيه في ~~السياسة أو الاقتصاد أو الأخلاق؛ ومن ثم كان علاج هذه المخدرات ~~علاجا من خطر الدعاية. # والطريقة الثانية: # للتخلص من أثر المخدرات النفسية عقلية محضة، وتتلخص في تدريب ~~الشبان على نقد الحيل التي يلجأ إليها الدعاة. وأول ما ينبغي أن يعمله ~~المربون لتحقيق ذلك أن يحللوا الكلمات الشائعة في الصحف والخطب ~~والإذاعة. ما معنى كلمة «الأمة» مثلا؟ وإلى أي حد يجوز للخطباء والكتاب ~~أن يتحدثوا عن الأمة كأنها شخص؟ ما هي إرادة الأمة وما مصالحها؟ وهل هذه ~~الإرادة وهذه المصالح تمثل إرادة السكان جميعا ومصالحهم؟ أو تمثل إرادة ~~الأكثرية ومصالحها؟ أو إرادة الفئة الحاكمة ومحترفي السياسة، وهم نفر قليل؟ ~~وما الفرق بين الدولة وبين زيد وعمرو وغيرهما من أصحاب النفوذ السياسي؟ إن ~~كانت الدولة هي هؤلاء فلماذا نقدسها كل هذا التقديس؟ وما معنى الكرامة ~~القومية؟ لماذا تعد بريطانيا فقدان هنج كنج - مثلا - إهدارا للكرامة، ~~ولا تعد الاستيلاء عليها بعد حرب حاولت فيها أن ترغم الصينيين على شراء ~~الأفيون لوثة في الشرف البريطاني؟ و«الأمة» ليست سوى كلمة من مئات الكلمات ~~الرنانة التي ms123 يقبلها الناس بغير تفكير، والتي لا بد لنا أن نخضعها للتحليل ~~الدقيق إن أردنا ألا نخطئ في التفكير وألا نصل إلى نتائج غير صائبة ولا ~~معقولة. # وليس أقل من هذا أهمية أن ندرب الأطفال على إدراك ما وراء الاستعارات ~~والكنايات والكلمات المعنوية التي ترد في المقالات التي يقرءونها والخطب ~~التي يستمعون إليها. يجب أن يتعلموا أن يترجموا هذه الكلمات الجوفاء إلى ~~الحقائق المحسوسة؛ فعندما يقول إسكويث - مثلا - «لن نغمد السيف؛ لأننا لم ~~نسله بغير عناء.» يجب أن يفهم الناس أن «السيف» لم يعد هاما في ~~الحروب الحديثة؛ فلقد كان سيف إسكويث سنة 1914 معناه المفرقعات والقنابل ~~والمدافع والسفن الحربية والغواصات، ومعناه اليوم إلى جانب ذلك الدبابات ~~والطائرات وغيرها من آلات القتل الفتاكة. وكثيرا ما يكون من مصلحة ~~الحكام أن يحجبوا الحقيقة الواقعة وراء قناع كثيف من الألفاظ ~~المضللة. ومن واجب المربين أن يعلموا تلاميذهم أن يترجموا هذه ~~العبارات البراقة الجوفاء إلى لغة الواقع المحسوس. # وليست الدعاية اللفظية بالصورة الوحيدة للإيحاء، وإنما هناك صور أخرى ~~غيرها قد تكون أقوى منها أثرا. من ذلك ربط الفكرة برسم أو وصف أدبي يبعث ~~في النفس السرور؛ فقد يعلن التاجر عن نوع من أنواع الصابون - مثلا - برسم ~~شابة شهوانية مقبلة على حمام من الرخام ومعها قطعة من هذا الصابون. ~~وقد يعلن بائع التبغ عن لفافاته برسم أشخاص يتناولون العشاء في زي فاخر، ~~أو أنجم سينمائية مشهورة، أو أصحاب الملايين، وبأيديهم تلك اللفافات ~~يدخنونها. وقد يعلن بائع الخمر عن النبيذ برسم صورة من الشبان ~~المتأنقين، مسترخين في حجرة فاخرة التأثيث والفراش، يتناولون النبيذ ~~من أيدي سقاة حسني الصورة والهندام. والغرض من هذه الأمثلة جميعا هو ~~ربط البضائع المعروضة للمبيع بصور بهيجة ممتعة تثير في الأذهان متعة ~~الحب أو الثروة أو قوة النفوذ والسلطان. وقد يلجأ المعلن إلى ربط السلع ~~بصور المناظر الطبيعية الجميلة، أو الأطفال الذين يثيرون الشفقة أو يبعثون ~~على الضحك، أو الزهور، أو الحيوانات المدللة، أو مناظر من حياة ~~الأسرة. وقد يرتبط الإعلان التجاري ms124 بالتمثيل الهزلي أو بالموسيقى. ~~والملوك يدعون لأنفسهم بعرض الجند وبالمواكب والقصور الشاهقة، وبكل ما ~~هو فاخر وجميل وكذلك يفعل القواد؛ فهم يعلمون أن الموسيقى العسكرية تلعب ~~بالرءوس كما تلعب الخمر، كما يعلمون أن العرض العسكري يثير في النفوس ~~الشجاعة والحماسة. ويستخدم رجال الدين لدعوتهم مختلف الفنون؛ فالموسيقى ~~تعزف في الكنائس، وكثير من المعابد آيات من آيات البناء! والأزياء التي ~~يرتديها رجال الدين مزركشة مزخرفة. وهم يظهرون كذلك بمظهر الثراء ~~والنفوذ، ويلعبون بالعواطف، فيثيرون في الناس الفرح والفزع، أو القسوة ~~والشهوة. # وقد ثبت أن هذا اللون من ألوان الدعاية لا يقاوم؛ فتدخين التبغ آخذ ~~في الشيوع، والجماهير تحتشد حول العرض العسكري وحول المواكب الملكية ~~والدكتاتورية، والحفلات القومية. ويجدر بنا في هذا المقام أن نعيد ما ~~ذكرناه من قبل من أن أمثال هذه الدعايات يمكن تخفيف وطأتها بتقوية ~~الملكة الناقدة، وواجب المعلمين أن يدربوا أطفالهم على استكناه ~~الحقائق وتخليصها من الشوائب. ويجب أن ينشأ الشبان على النظر في مشاكل ~~الحكم والسياسة والدين وما إليها بعد عزلها عن جو الدعاية الذي يحيطها به ~~نفر من ذوي المصالح. ويمكن أن يبدأ التدريب بالبحث في طرق الإعلان ~~الشائعة. ويجب أن يدرك الأطفال أنه ليست هناك علاقة ثابتة بين الفتاة ~~الجميلة في زيها وبين مزايا دواء الأسنان الذي تعلن عنه. ويمكننا أن ~~نقدم للتلاميذ هذا الدرس بصورة عملية؛ فنقدم الحلوى الجيدة للأطفال ~~في ورق نقشت فوقه صور بشعة كئيبة، كما نقدم لهم الأدوية الكريهة في ~~ورق رسمت فوقه صور الممثلات المحبوبات. وبعدما تنحل الرابطة بين ~~الشيء المعلن عنه والصورة التي يقدم بها في الإعلان التجاري، نشرع ~~في تدريب الشبان على تطبيق هذه الطريقة في ميدان السياسة والدين. ويمكننا ~~أن نبين للأطفال أن الرجل قد يستمتع بروعة الحفلات والمواكب العسكرية ~~والدينية دون أن يكون لهذه المتعة أثر في حكمه على قيمة الحرب كأداة ~~سياسية، أو على صدق عقيدة معينة أو فائدتها الخلقية. يجب أن نعلمهم ~~أن يقدروا الملكية والدكتاتورية ونظم الحكم الأخرى بمزاياها السياسية ~~والخلقية، لا بما ms125 ترتبط به من حفلات ومواكب، ولا بفخامة القصور، أو بلاغة ~~الخطب، أو ما إليها. ويجب أن يعلم الأطفال ذلك بعيدا عن إشراف الدولة؛ ~~لأن الدولة لا يمكن أن تخلص في إشرافها ما دامت تقوم على رأي سياسي ~~معين؛ ومن ثم كانت فائدة التعليم الحر، وضرر إشراف الحكومة على ~~التعليم. # تكلمت فيما سبق على التربية الخلقية والتربية العلمية وتربية العواطف. والآن سأقول ~~كلمة في التربية البدنية، وهي عماد كل أنواع التربية الأخرى. إن الجسم والعقل يكونان ~~كلا عضويا واحدا. ما يحدث في العقل يؤثر في الجسم، وما يحدث في الجسم يؤثر في ~~العقل؛ ولذا وجب أن تكون التربية عملية تدريب بدني وعقلي معا. # فماذا عسى أن تكون طبيعة هذا التدريب البدني؟ هذا سؤال لا تمكن الإجابة عنه إلا في ~~حدود القواعد الأساسية التي قدمناها في هذا الكتاب. ولقد قلت من قبل إن الإنسان ~~المثالي هو الإنسان «المتحرر»؛ وعلى ذلك فإن كل تربية - بما فيها التربية البدنية - يجب في ~~النهاية أن ترمي إلى تحرير الطلاب؛ فإذا أردنا أن نعرف خير أنواع التربية البدنية وجب أن ~~نبدأ ببيان الشروط البدنية للتحرير. # من الواضح أن الرجل العليل لا يمكن أن يكون حرا من القيود؛ ذلك أن الجسم العليل يؤثر ~~في العقل بعدة وسائل؛ وذلك لأن آلام المرض تلزم العليل أن يفكر في علته. والمريض ~~يحسب نفسه دائما دون غيره من الناس، ويرى نفسه ناقصة بمقدار ما في أعضائها من نقائص، ~~وعناء الجسم يسبب عناء النفس. # والجسم هو الأداة التي يستخدمها العقل لإيجاد الصلة بينه وبين العالم الخارجي، وإذا فصحة ~~هذه الأداة تستتبع صحة تلك الصلات. والرجل المريض لا يمكن أن يدرك حقائق الكون، ويقول ~~المتصوفون في الشرق والغرب إن الرجل لا يستطيع التأمل في الوجود إلا إن اتبع قواعد ~~معينة في طعامه وشرابه، واتخذ أوضاعا بدنية معينة؛ ومن ثم كانت خير وسيلة للتربية ~~البدنية هي تلك التي تبعد الناس عن العلة الجسدية. # والإدراك شرط آخر من شروط التحرير. وينبغي أن تعاوننا التربية البدنية على ms126 ذلك. ولا شك ~~أن كثيرا من الألعاب يدرب اللاعبين على حصر الذهن ودقة الملاحظة؛ فلاعب الكرة لا ~~يجيد اللعب إلا إذا تدرب على الحركة السريعة الدقيقة، ولا يتوفر له ذلك إلا بالتفكير ~~السريع الدقيق. # وحكم النفس شرط آخر من شروط التحرير. وهو يكون عقليا لأننا لا نستطيع سلامة التفكير ~~إلا إذا تعلمنا أن نبعد عن أذهاننا الأفكار التي ليست لها علاقة بالموضوع الذي نفكر فيه. ~~ويكون حكم النفس كذلك عاطفيا لأننا لا نستطيع صحة الحكم إلا إذا تخلصنا من الحقد والغرور ~~والشهوة والطمع والغضب والخوف وما شابه ذلك. ويكون حكم النفس كذلك بدنيا؛ وذلك كي نتمكن ~~من أداء الحركات في دقة ورشاقة، وعلى صورة لا يمجها الناظرون. والعقل والجسم - كما ~~قلت - شيء واحد؛ ولذا فإن حكم النفس من الناحية البدنية يعاوننا على حكمها من ~~الناحيتين العقلية والعاطفية. # الفصل الثالث عشر # | العادات الدينية # الدين وسيلة من وسائل تربية النفس، يعيننا على ترقية الفرد والمجتمع كما يعيننا على ~~الإدراك الصحيح لحقائق الأشياء، وعلى توثيق العلاقة بين أنفسنا وبين الكون الذي نحن أجزاء ~~فيه. # هذا هو الدين. فهل تؤدي العقائد والعادات الدينية السائدة إلى هذا الغرض؟ هل تؤدي ~~إلى تقوية الخلق وتقوية الإدراك؟ كلا، وإن أكثر ما نتعلمه ونعمل بمقتضاه باسم الدين ~~فاسد لا يساعد على نشر الخير والفضيلة، ولا ننكر أن هناك عددا قليلا من الناس يستطيعون ~~أن يجعلوا من الدين وسيلة لتحقيق الأغراض النبيلة، وطريقا للوصول إلى بواطن الأشياء وعدم ~~الاكتفاء بظواهرها؛ وذلك لأن الناس يتفاوتون في القدرة على الفهم؛ ولذا فإن الكتب ~~المقدسة والطقوس والشعائر الدينية لها في أذهان الناس معان مختلفة، يصوغونها وفقا ~~لإدراكهم وتجاربهم في الحياة، بل إنهم يستمدون من الكتب المقدسة والشعائر الدينية ما ~~يعزز أهواءهم وميولهم ومعتقداتهم الخاصة. # ونحن نتساءل: إلى أي حد يمكن في العصر الحديث الاستفادة من الشعائر والطقوس الدينية؟ إن ~~الطقوس والشعائر تنشأ من تلقاء نفسها كلما تجمعت الجماهير للاشتراك في حركة عامة تثير ~~فيهم العواطف. ولن تستطيع أن تحمل شخصا لا تهمه ms127 هذه الحركة العامة على أن يؤدي ~~طقوسها وشعائرها؛ فالطقوس تقوي العواطف والأهواء، ولكنها لا تخلقها. # إن شعائر المسيحية التقليدية لم يعد لها أثر في بلدان الغرب الصناعية في الوقت ~~الحاضر، إنها لم تعد تربط الدول المسيحية بعضها ببعض. ولا تستطيع أن تنافس الطقوس الجديدة ~~التي أوجدها الشعور بالقومية؛ فالشعوب الغربية اليوم ألمانية أو إنجليزية أكثر مما هي ~~بروتستنتية، وفرنسية أو فاشستية أكثر مما هي كاثوليكية. وأكثر الناس يمارسون الشعائر ~~الدينية لأنهم يجدون فيها مفرا من مجابهة حقائق الحياة، وهم لا يتخذون من شعائر الدين ~~وسيلة لبث الخير في العالم، مع أنهم يستطيعون ذلك إن أرادوا. # هذه هي أوجه الضرر في شعائر الدين. فهل العادات الدينية (ولا أقول المعتقدات) ليست لها ~~قيمة اجتماعية؟ إنها تمدنا ببعض الوسائل التي نستطيع بها أن نهذب النفوس ونصلح ~~الأخلاق ونوسع دائرة الإدراك. وبعض هذه الوسائل بدني وهي على ضروب مختلفة. # إن أكثر المتوحشين بل وبعضا ممن ~~يعتنقون الديانات الراقية يقومون بأداء حركات متزنة كي يحدثوا بها حالة عقلية خاصة. وهذه ~~الحركات قد تتخذ شكل الخطو البسيط إلى الأمام وإلى الخلف كما يفعل بعض القسس الكاثوليك، ~~وقد تتخذ شكل الرقص المعقد كما تفعل الشعوب البدائية في جميع أنحاء العالم. والظاهر أن ~~تكرار الحركات الموزونة يحدث في النفس ما يحدثه تكرار ألفاظ خاصة أو عبارات موسيقية ~~معينة. إنها تهدئ النفس وتبعث العقل على التأمل العميق، كما يفعل قسس الكاثوليك في ~~عزلتهم، وتدفع المرء إلى الشعور بالاتحاد مع الله ومع غيره من الناس (كما يفعل البدائيون في ~~رقصهم الديني). وقد أخطأت المسيحية حينما سمحت للناس أن يجعلوا الرقص من شئون ~~الدنيا. # والزهد وسيلة بدنية أخرى لتهذيب النفس؛ فإن الصوم والسهر والمشقة، والألم الذي يوقعه ~~الشخص على نفسه، كلها وسائل استخدمها أنصار الديانات المختلفة لتدريب الإرادة وترقية ~~الإدراك، كما اتخذوها وسائل للتكفير عن الآثام. # ويتدرب بعض الزهاد الهنود تدريبا منظما على أداء حركات جثمانية معينة حتى يستطيعوا ~~السيطرة على بعض الوظائف الجسمية التي تحدث عادة بطريق لا شعوري فتقوى ms128 بذلك إرادتهم، ~~وتحدث لهم حالات عقلية غير عادية. # وهناك ما يدل على أن هذه العادات الدينية وأشباهها قد تأتي بخير النتائج؛ فتمكن الشخص ~~من التحرر من هذه الدنيا، ومن الاتصال بالله. ولكن من الناس من يقوم بهذه الحركات الدينية ~~لمجرد المنافسة والظفر بإعجاب الآخرين، وليس لذلك الغرض السامي المقصود منها. كما أن بعضا ~~ممن يعذبون أنفسهم يفكرون في أنفسهم، ولا يفكرون في الله؛ لأن ذلك يقتضي مرانا ~~طويلا ونفسا قوية؛ ولذا يرى بعض المفكرين ضرورة تحاشي هذه الحركات الدينية؛ لأنها تؤدي في ~~النهاية إلى التفاخر بها، ولا تؤدي إلى الغرض النبيل المقصود منها. # والوسيلة الثانية من وسائل تهذيب النفس بالنفس التي تعلمنا إياها الديانات المختلفة هي ~~محاولة إيجاد علاقة عاطفية قوية بين العبد وربه. وهي الطريقة التي يتبعها أكثر ~~المسيحيين. غير أن بعضهم يوجد هذه العلاقة بينه وبين بطل من الأبطال ؛ ومهما يكن البطل ~~عظيما فهو لا يخلو من العيوب والنقائص، حتى إن المسيح نفسه يصوره المؤرخون رجلا لا ~~يأبه بالفلسفة أو الفن أو الموسيقى أو العلم، يتجاهل شئون السياسة والاقتصاد، والعلاقات ~~الجنسية؛ ولذا فإن التشبه بالمسيح يؤدي إلى احتقار الابتكار الفني، والتفكير الفلسفي، ~~ومشاكل الاقتصاد والسياسة. # وفي كثير من الأحيان لا يتوجه الفرد بإخلاصه إلى رجل من الأحياء أو الأموات، ولكن إلى ~~إله أبدي، بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير. ولكنه يضفي عليه بعض الصفات الآدمية ويتخيله ~~على صورة الإنسان؛ ولذا فالاتصال الروحي هنا له عيوبه؛ لأن العبد يعزو إلى ربه بعض صفات ~~الأفراد. وبعض المسيحيين ينظرون إلى الله كأنه إنسان يحس بالغيرة والحقد ولا يستطيع أن ~~يكبح جماح غضبه، وهو في سلوكه أشبه ما يكون بحاكم شرقي مستبد. وكثيرا ما يسلك الفرد ~~سلوكا مشينا تشبها بهذا الإله الذي له بعض صفات الإنسان، وكثير من الجرائم يرتكب ~~باسم الدين. # وهكذا ترى أن العقائد الدينية الفاسدة تؤدي إلى أسوأ النتائج. يقول أحد الكتاب: «كل ما ~~نحن عليه نتيجة لما فكرنا فيه من قبل.» فإن كان تفكيرنا سيئا كانت أعمالنا ms129 سيئة كذلك. ~~كان الأزاتقة يعتقدون أن الشمس كائن حي، غذاؤه الضحايا البشرية، فإذا لم ترق في سبيلها ~~الدماء ماتت، وكان في ذلك الفضاء على كل صورة من صور الحياة فوق الأرض؛ ولذا فإن الأزاتقة ~~قد خصصوا شطرا كبيرا من نشاطهم لإشعال نار الحرب؛ كي يظفروا بالأسرى يقدمونهم طعاما ~~للشمس. # وثمة مثال آخر: إن العقيدة الهتلرية تؤكد أن الجنس النوردي أرقى من الأجناس ~~الأخرى جميعا؛ ومن ثم كان من حقهم أن ينظموا أنفسهم للقتال، وأن يبذلوا قصارى جهدهم ~~للقضاء على قوم كاليهود؛ لأنهم أحط منهم عنصرا. # إذا تخيل الناس ربهم في صورة إنسان أدى بهم ذلك إلى الخطأ والإجرام. # ذكرت حتى الآن طريقتين لتهذيب النفس؛ إحداهما بدنية والأخرى عاطفية. وهناك طرق أخرى ~~غير هذه، منها التأمل. وسنعود إلى الكلام عليه في الفصل المقبل. وتؤدى الطقوس البدنية ~~جماعة في حالة الرقص، وانفرادا في حالة التزهد. وتؤدى الطقوس العاطفية على صورتين. ~~أما التأمل فيحسن أن يكون انفرادا، ولكنه قد يؤدى جماعة إذا كان العدد محدودا، ~~والمجتمعون مدربون على التأمل، وليس بينهم أطفال أو شبان طائشون. # ويلاحظ أن الدكتاتوريين دائما يعارضون الدين؛ لأن التدين يؤدي إلى الانفصال عن ~~الجو المحيط، وهو ما لا يحبه الدكتاتوريون الذين يقدسون الأمة. ثم إنهم لا يحبون أن ~~يروا نفوذ رجال الدين إلى جانب نفوذهم. وهم كذلك لا يحبون أن تخلص الرعية لفكرة غير ~~الفكرة التي يبشرون بها. والدكتاتور - فوق ذلك - لا يطيق أن يرى أشخاصا يميلون إلى ~~العزلة؛ لأنه يحب أن يقوي في شعبه روح الجماعة، كي يسهل عليه التأثير فيهم بما يشاء ~~وقتما شاء. # رجال السياسة عامة - والدكتاتوريون خاصة - يهاجمون الدين؛ ومن ثم كان اضطهاد هتلر ~~للمسيحيين، بروتستانت وكاثوليك. وقد قامت الروسيا ضد الدين بحملات شعواء كما أن مصطفى ~~كمال في تركيا، وابن سعود في بلاد العرب، قد شتتوا الدراويش، وفضوا جماعاتهم. وكذلك ~~موسوليني يستخف بالدين، ويضع قيصر فوق الله، ويدرب الأطفال على الإخلاص للأمة وللحزب ~~الفاشستي وله من دون الله. # الفصل الرابع عشر # | المعتقدات # في الفصول ms130 السابقة كنت أحاول أن أجيب عن هذه الأسئلة: # أولا: # ما هو المثل الأعلى الذي نريد أن نبلغه؟ # ثانيا: # إلى أي حد بلغنا اليوم؟ # ثالثا: # كيف ننتقل من الحالة الراهنة إلى الحالة المثالية التي نحب أن ~~نبلغها؟ # وقد أجبت عن هذا السؤال الأخير بطريقة منظمة في سلسلة من البحوث المعقدة في ~~الطرق والوسائل. أما السؤال الثاني فقد أجبت عنه عرضا في مناسبات مختلفة خلال هذه ~~البحوث. أما السؤال الأول فقد وجهته في الفصل الافتتاحي وأجبت عنه في إيجاز شديد. ~~وأحب هنا أن أتعرض لهذه الإجابة بالنقد والتحليل. سأبحث هنا في المثل العليا التي وضعها ~~المصلحون الاجتماعيون، وفي تلك التي وضعها مؤسسو الأديان، وقد قلنا من قبل: «إن ما نحن ~~عليه اليوم نتيجة لما فكرنا فيه من قبل.» فالناس يعيشون طبقا لفلسفتهم في الحياة وفكرتهم ~~عن الدنيا. وكل فرد - حتى أقل الناس تفكيرا له فلسفته الخاصة. ويستحيل على المرء أن يحيا ~~بغير عقائد ميتافيزيقية، وقد تكون هذه العقائد طيبة وقد تكون خبيثة، وقد تتفق والحقيقة وقد ~~لا تتفق وإياها. ولكنها موجودة على أية حال. وكان ينبغي - بحكم المنطق - أن يسبق هذا البحث ~~في طبيعة الدنيا البحث في الطرق والوسائل العملية للنهوض بأنفسنا وبالمجتمع الذي نعيش فيه، ~~ولكن الترتيب المنطقي ليس دائما هو الترتيب الملائم. وقد آثرت لأسباب عدة أن أرجئ هذا ~~البحث في المعتقدات والمبادئ إلى الفصول الأخيرة من الكتاب. # ولنبدأ بملخص غاية في الإيجاز عما نعرف عن العالم الذي نعيش فيه. العلم في عبارة ~~ميرسن # Meyerson # هو الجمع بين المختلفات في وحدة شاملة. # 1 # وحواسنا هي التي تهدينا إلى المختلفات، وإلى الحقيقة الساذجة التي لم ينظمها ~~العقل. ولكننا لا نقنع بما تهدينا إليه الحواس، إنما نحن نتعطش إلى تفسير المظاهر. ~~والتفسير معناه إيجاد الائتلاف الكامن خلف الاختلاف الظاهر. وكل نظرية تصل إلى توحيد مختلف ~~المظاهر تبدو لنا نظرية طيبة مقبولة. # والطبيعة تروي فينا هذا التعطش العقلي؛ لأن البحث فيها يهدينا إلى ذلك الائتلاف الذي ~~ننشده من وراء الاختلاف. ولكن هذا التفسير ms131 ليس في الحقيقة كاملا؛ فكثير من الحقائق ~~الحسية والحوادث تخرج عن حد المعقول ولا يمكن الجمع بينها في وحدة شاملة مؤتلفة. والعلم ~~يعترف بأن للأشياء خصائص مميزة، كما يعترف بأن بينها تشابها يكمن وراء اختلافها الظاهري. ~~وقد أخطأ هجل حينما تصور أن الطبيعة كلها تخضع لأحكام العقل، وخلص من ذلك إلى إمكان ~~استنتاج الحادث قبل وقوعه، وكم كنا نود لو كان الأمر كذلك! # لقد استطعنا إلى حد كبير أن نخضع العالم المادي إلى وحدة شاملة؛ فعالم الطبيعة يرى ~~المادة كلها اليوم مكونة من عدد محدود من أشكال الطاقة، تختلف في صفاتها متفرقة عنها ~~وهي متجمعة. إن بين ملايين الوحدات الذرية متجمعة والوحدة الذرية المفردة خلافا في ~~النوع كما أن بينهما خلافا في الكم. والعلوم الطبيعية، كالطبيعة والكيمياء وعلم الحياة، ~~تدرس المادة باعتبارها مكونة بدرجات مختلفة من الذرات مما يظهرها في صور ~~مختلفة. والخصائص المميزة للأشياء - كما ندركها بالحواس - تتوقف على عدد الوحدات ~~الذرية وترتيبها. # والعلم يصور العالم المادي على أنه مكون من صور مختلفة من مادة واحدة. أما ~~الإدراك العام فينظر إلى هذه الصور المختلفة كأنها مستقلة، لكل منها وجودها الفردي، ولا ~~علاقة بين إحداها والأخرى. وهذا خطأ؛ لأن هذه الصور المفردة المنفصلة بينها شبكة من ~~العلاقات والروابط، كهربية ومغناطيسية وجاذبية وكيميائية، وعقلية في حالة الكائنات ذات ~~الحس، وهذه الشبكة هي التي تعطي وجودها وحقيقتها معنى. إن الكائن المفرد لا معنى له إلا ~~باعتباره جزءا من كل. أو بعبارة أخرى إنه ليس كائنا فرديا. والأشياء التي نسميها عادة ~~كائنات أو مفردات - كالشجرة أو الرجل أو المنضدة - ليست - حقائق حسية كما قد يحسب ~~الخياليون أعداء العقل، إنما هي مجردات من حقيقة مؤلفة من شبكة من العلاقات القائمة ~~بين الأجزاء التي يتوقف وجود أحدها على الآخر، وهي أجزاء من كل كبير غير محدود؛ فالرجل ~~مثلا لا يعد رجلا إلا بفضل علاقته بالكون المحيط، وجوده كله متوقف على جواره للأرض، ~~وجاذبيتها القوية، وعلى إشعاعات من أنواع مختلفة تجعله معتمدا على أجسام سماوية نائية، ms132 ~~وهو نتيجة لعملية كيميائية مستمرة. وهو من الناحية العقلية يتوقف وجوده على عقول معاصريه ~~وأسلافه. إن الزعم القائل بأننا كائنات مستقلة، نعيش بين كائنات أخرى مستقلة، لا يقوم إلا ~~على أساس من الجهل. وفي الوقت الحاضر فئة من الناس تصر على اعتبار الأفراد كائنات ~~«حسية» مستقلة، وهم يزعمون أن هذه العقيدة - وإن تكن خاطئة - لا تضللنا بمقدار ما ~~يضللنا أصحاب النظريات السياسية الذين يرون أن الأفراد يجب أن يضحى بهم في سبيل ~~كليات عامة، كالأمة والدولة والحزب ومصير العنصر وما إلى ذلك. والواقع أن هناك درجات ~~مختلفة من المجردات المشتقة من الحقائق الفردية؛ فالكليات التي تعالجها النظريات ~~السياسية تنتمي إلى مجردات أرقى من المجردات التي تتمثل في الكائنات المفردة ~~المستقلة، والتي يحسبها الرأي العام كائنات مستقلة حسية فعلا؛ فالنظريات السياسية أشد ~~تجريدا من الكائنات المفردة. وأما الخطر الذي ينجم عن الاهتمام بالمجردات البعيدة ، ~~كالأمة والدولة، فيمكن تفاديه إلى حد ما بإصرارنا على أن الأفراد من رجاء ونساء كائنات ~~حسية، أشد حساسية من الأمة والدولة. # وقد دلت البحوث العلمية الحديثة على أن العالم الذي ندركه بالتجارب الحسية والإدراك ~~الفطري العام ليس إلا جزءا صغيرا من العالم بوجه عام وهو جزء صغير منه لأننا نعيش في ~~نقطة ضئيلة من الكون الواسع، ومعرفتنا بالأجزاء النائية من الكون ضيقة محدودة. ثم إن ~~الأعضاء التي نستخدمها في الاتصال بالعالم الخارجي لا تستطيع فهم الحقيقة كلها. وحتى إن ~~استطعنا أن نقوم برحلات كشفية في عالم الكواكب فسنظل عاجزين عن أن ندرك من الذبذبات ~~الكهربية المغناطيسية ما هو أقصر من البنفسجية أو أطول من الحمراء، وسنظل عاجزين عن رؤية ~~الجزئيات أو الإحساس بها برغم حجمها الكبير. ولا نستطيع أن ندرك الحد الأدنى من وحدة ~~الزمن، وسوف نظل صما بالنسبة للأصوات التي تزيد في الارتفاع على حد محدود وسوف نظل ~~محرومين من تلك الموهبة التي تعين الطيور المهاجرة على معرفة الاتجاه الصحيح، وهكذا. إن ~~كل نوع من أنواع الحيوان يسكن كونا من صنعه الخاص، يشتقه من عالم الحقيقة ms133 عن طريق قواه ~~الذهنية وأعضاء الإدراك لديه. والإنسان - بطبيعة الحال - أقوى ذهنا من الحيوان؛ فهو يستطيع ~~أن يدرك شيئا عن العالم الأكبر الذي يحيطه بكونه الخاص. إنه قد لا يرى من الأشعة ما هو ~~فوق البنفسجية، ولكنه يستنتج وجود الأشعة البنفسجية، بل ويستغلها، برغم أنه لا يدركها ~~بإحدى حواسه، ولا بإدراكه الفطري العام. فالعالم المادي كما نتصوره إذا أوسع مما تدركه ~~الحواس. # وأكتفي بهذا القدر عن الصورة العلمية للعالم المادي. ثم أحاول الكلام على الصورة ~~العلمية للعقل. ليست هناك صورة علمية واحدة للعقل، بل هناك صور متعددة لا يمكن التوفيق ~~بينها. يعتقد بعض العلماء أن العقل ليس إلا مظهرا من مظاهر المادة، يشبهها في كل ~~صفاتها، وأن المخ يفرز الفكر كما تفرز الكبد الصفراء. وأن النشاط العقلي كله يمكن ~~تفسيره بالأفعال الشرطية المنعكسة. والعقل عندهم ليس سوى آلة تكونت أثناء التطور ~~للحصول على الطعام، ولإرضاء الرغبة الجنسية، ولتوفير أسباب البقاء. ويرى آخرون - على العكس ~~من ذلك - أن العقل لا يمكن إدراكه عن طريق المادة التي هي من خلق العقل، وإنما المرء ~~لديه نوع من «الوعي» يمكنه من إصدار الحكم الصحيح على طبيعة العالم، فأي هذين الفريقين ~~على صواب؟ # إن البحث الحديث في الطب وفي علم النفس التجريبي قد ألقى ضوءا على طبيعة العقل، وعلى ~~قيمته في العالم. يعتقد الأطباء أن كثيرا من حالات المرض ينشأ عن حالات عقلية خاصة؛ ~~فالعقل كثيرا ما يحب أن يصاب صاحبه بعلة من العلل، أو قد يكون العقل مضطربا فيعجز عن ~~أن يقي البدن شر المرض. ومهما تكن طبيعة العقل فإن مقاومة المرض تتوقف إلى حد كبير على ~~الحالة النفسية للمريض. ولقد كان من الأبحاث التي دارت في المؤتمر الأمريكي لأمراض الأسنان ~~الذي انعقد عام 1937 أن فساد الأسنان نفسه قد يكون ناشئا من أسباب عقلية. وكما أن العقل ~~يسبب العلة فهو كذلك يجلب الشفاء، ولا شك أن المريض المتفائل أقرب إلى الشفاء من المريض ~~القلق التعس. وقد دلت تجارب التنويم المغناطيسي على أن المنوم ms134 يستطيع في بعض الحالات ~~أن يعالج النائم بما لديه من قوة التأثير، ويستعمل التنويم المغناطيسي كذلك للتخدير؛ ~~فيمكن إجراء العمليات للنائم دون أن يحس. # وأمكن كذلك إثبات «انتقال الأفكار» # Telepathy ~~، ورؤية الأشياء قبل حدوثها، فكيف يتم ~~انتقال الفكر؟ من الواضح أن هذه العملية تختلف عن انتقال الحديث بالراديو؛ لأن قوة الرسالة ~~الفكرية لا تضعف بطول المسافة كما يضعف الحديث المذاع بالراديو. وقد قرر الأستاذ برود # C. D. Broad # أن هناك وسطا عقليا محضا تسبح فيه ~~العقول والأفكار، ولما كنا نستطيع أن ننظر إلى الشيء قبل وقوعه فلا بد لنا أن نفرض وجود ~~الوسط العقلي مستقلا عن الجسم وعن ظروف الحياة الجسمية المتصلة بالزمان والمكان. وإذا ~~فأصحاب نظرية «الوعي» أقرب إلى الصواب من السلوكيين ومن أولئك الذين يعتقدون العقل ~~مظهرا من مظاهر المادة. ~~(ثم يحاول هكسلي بعد ذلك أن يثبت أن الإنسان هو أقدر الكائنات على التطور؛ ولذا فهو ~~أقدرها على تحقيق المثل العليا، ولا أرى ضرورة لتلخيص هذا الجزء من هذا الفصل.) # الفصل الخامس عشر # | قواعد الأخلاق # لكل فلسفة قواعدها الخلقية، والقواعد الخلقية التي نستنبطها من الفلسفة التي قدمناها ~~في هذا الكتاب تقوم على المبادئ الآتية: الخير هو ما يعمل على الاتحاد، والشر هو ما يعمل ~~على الانفصال. أو بعبارة أخرى، إذا استعملنا الألفاظ التي اصطلحنا عليها في الفصول الأولى، ~~قلنا إن الانفصال هو عدم التحرر، وبغير التحرر لا يستطيع الفرد أن يتحد مع الله أو مع ~~الأفراد الآخرين عن طريق اتحاده بالله. وسوف أحاول في هذا الفصل أن أطبق قواعدنا الخلقية ~~على الحياة. # الخير والشر يقعان في دائرة الحس، وفي دائرة العواطف، وفي دائرة العقل. وهذه الدوائر ~~الثلاث لا يمكن من الوجهة العملية فصلها. ويجب علينا أن نضع هذه الحقيقة دائما نصب أعيننا ~~حينما نقسم المظاهر إلى بدنية وعاطفية وذهنية، كي نتحاشى الخطأ في التفكير. # ولنبدأ بالنظر إلى الخير والشر في دائرة الحس ... نستطيع أن نقول إجمالا أن أي إحساس ~~بدني قوي، سواء كان سارا أو أليما، يدفعنا إلى ms135 أن نحصر الفكر فيه، ويكاد المرء أن يصبح ~~ذلك العضو الذي يقع عليه الإحساس دون غيره من الأعضاء، وحينئذ يصبح التسامي بالنفس أمرا ~~عسيرا. إن فرط الألم والسرور يعمل على حرمان النفس من لذة التحرر، ولعل هذا هو ما حدا ~~بالمفكرين الشرقيين إلى الإصرار على صحة البدن كشرط أساسي للاتحاد الروحي بالله. أما ~~المسيحيون فهم على رأيين في ذلك؛ منهم من يرى ضرورة تعذيب الجسم، ومنهم من يصر على ضرورة ~~صحته. ويمثل مؤلف كتاب «سحب الجهل» الرأي الثاني، ويمثل باسكال الرأي الأول؛ فالمرض - ~~عند باسكال - شرط للمسيحية الصادقة؛ لأن المرض يحررنا من النزوات الطائشة، وينقذنا من ~~تشتيت الذهن؛ لأن المرض يحررنا من النزوات الطائشة، وينقذنا من تشتيت الذهن؛ إذ لا شك أن ~~المريض يحصر ذهنه في مرضه، ولا شك أن المرض يبعده عن أماكن اللهو والفساد. ولكن باسكال ~~يتجاهل أن المرض قد يكون عاملا من عوامل تشتيت الذهن ؛ لأنه يبعث على القلق ويسبب الألم. ~~على أن هناك عنصرا من الحقيقة في رأي باسكال؛ فالمرض أو العيب الجثماني - حينما لا يكون ~~كبيرا - قد يذكرنا بأن الدنيا ليست كما يصورها الجانب الحيواني في الإنسان، أو كما ~~تخيلها لنا رغبتنا الشديدة في العلو على الجماعة التي نعيش فيها. والعقل الذي يصل إلى هذا ~~يمكن صاحبه من تركيز إرادته تركيزا لا يستطيعه الرجل العادي، ولما كان باسكال يشيد ~~بقيمة المرض فهو يدافع عن ضرورة إحداث الألم والتدريب على مقاومته. ولكن هذه الطريقة من ~~الخطورة بمكان؛ لأن الألم كثيرا ما نغالبه فيغلبنا، وحينئذ ننتهي إلى عدم التحرر، وهو ~~ما لم نقصد إليه. # أما صاحب كتاب «سحب الجهل» فهو يرى أن المرض عقبة كأداء في طريق الإخلاص لله؛ ولذا فهو ~~إثم من الآثام. # ولا بد لنا ونحن نتكلم عن الخير والشر في دائرة الحس، أن نتعرض للكلام عن الشهوة الجنسية. ~~ليست الشهوة الجنسية نشاطا بدنيا فحسب، إنما هي كذلك نشاط عقلي وعاطفي، وهي قد تكون ~~خيرا في بعض الأحيان، وشرا في أحيان أخرى؛ فهي شر إذا ms136 استرسل فيها الشخص، وأدمنها كما ~~يدمن تعاطي الكحول أو المورفين. وذلك لأن المدمن لا يكاد يفكر في شيء سوى وجوده ~~الحيواني المنفصل. والمدمن نهم لا يشبع، وهو عبد لشهوته، تتحكم فيه ولا يتحكم فيها. ~~المدمن يعمى عن صلته بالله وبالكائنات الأخرى، وهو يدرك هذا النقص في نفسه، وهذا ~~الإدراك يضنيه. # والشهوة شر كذلك حينما يتخذها صاحبها وسيلة لإشباع شهوة السلطان والنفوذ؛ فالحب قد ~~يكون وسيلة لفرض إرادة العاشق على معشوقه. ولا فرق في ذلك بين الماركيز دي ساد الذي كان يجد ~~لذة في ضرب النساء بالسياط وإيذائهن بالسكاكين، وبين الأم التي تتودد إلى ابنها كي تبسط ~~نفوذها عليه؛ فالفرق في الحالتين فرق في الطريقة والدرجة وليس في الطبيعة والنوع. إن ~~الإدمان يحط من قدر المدمن وحده، ولكن شهوة السلطان يمتد ضررها منه إلى أولئك الذين يشبع ~~على حسابهم شهوته. # وقد تتخذ الشهوة الجنسية وسيلة لإشباع الغرور الاجتماعي، وذلك - مثلا - حينما يتزوج ~~الرجل من أجل المال أو الألقاب أو النفوذ الاجتماعي؛ فالشعور الجنسي هنا أداة للشره ~~والطمع، وهما رغبتان ملحتان تحجبان الحقيقة عن الفرد الذي يتصف بهما. ومن الناس من ~~يتزوج من المرأة الجميلة أو ذات الامتياز لمجرد التفاخر أمام الناس، وهذا كذلك نوع من ~~الشره، لا يطمع صاحبه في امتلاك المال، وإنما يطمع في امتلاك إنسان بما لديه من صفات ~~ممتازة. # وتساعد الرغبة الجنسية صاحبها أحيانا - فوق إشباع اللذة وشهوة النفوذ - على الاتحاد ~~بالناس وبالعالم المحيط به. من الأقوال المأثورة: «كل الدنيا تحب العاشق.» وعكس ذلك صحيح؛ ~~فالعاشق يحب الدنيا كلها كذلك. ويقول تراهيرن # Traherne ~~: ~~«إن شدة الشغف بمخلوق واحد ليس سوى شرارة صغيرة من ذلك الحب الذي يحمله المحب نحو العالم ~~بأسره.» والعشق - فوق ذلك - يلهم المرء بإدراك الحقائق العليا. تقول العامة: «الحب ~~أعمى.» ونحن نقول: «الحب مبصر.» لأن المحب يتصل بالعالم وبحقائق الأشياء. # والآن لننظر بإيجاز شديد في العلاقة بين النشاط الجنسي والنشاط العقلي. بحث هذا ~~الموضوع الدكتور أنوين # Dr. J. D. Unwin # في كتابه القيم ~~«الجنس والثقافة»، ms137 وتلخص النتائج التي وصل إليها أنوين مدعمة بالبراهين الدامغة فيما ~~يأتي: # يمكن تقسيم العالم تقسيما ثقافيا أربعة أقسام: الحيواني، والإنساني، والإلهي، والعقلي. ~~أحطها الحيواني، وأرقاها العقلي. وقد دل البحث على أن النشاط الثقافي يساير العفة ~~الجنسية قبل الزواج وبعده؛ ذلك لأن العفة الجنسية تبعث من يلتزمها على التفكير والنشاط. ~~غير أن هذا النشاط أحيانا قد يتخذ صورة الاعتداء، ولكنه - بعد بضعة أجيال - سوف يتجه نحو ~~الإنتاج العلمي والفني والاجتماعي. ولا شك أن هذا الإنتاج سوف يكون له أثر كبير في تهذيب ~~الناس وترقيتهم. # ومما يدعو إلى الأسف أن التاريخ يهدينا إلى أن المجتمع لا يستطيع احتمال العفة الجنسية ~~أجيالا عديدة؛ فسرعان ما يدب الفساد الجنسي في جسم الجماعة، وحينئذ يفتر نشاطها العلمي ~~والاجتماعي. يقول الدكتور أنوين: «للمجتمع الإنساني أن يختار أحد أمرين: إما أن يكون جم ~~النشاط، أو أن يستمتع بالحرية الجنسية، والدليل قائم على أنه لا يحتمل الأمرين معا فترة ~~طويلة من الزمن.» # ومن الحقائق التاريخية القاسية كذلك أن التزام العفة الجنسية والزواج بواحدة يؤديان إلى ~~ظلم النساء والأطفال، والنظر إلى المرأة كأنها من الرقيق، أو كأنها خلقت لمتاع الرجل. ~~ويقول الدكتور أنوين في هذا الصدد: «إن عدم مساواة المرأة بالرجل - لا التزام العفة الجنسية ~~- هو الذي أدى إلى إباحة الزواج بأكثر من واحدة. ولم يفلح مجتمع من المجتمعات في تنظيم ~~الصلات بين الجنسين بحيث تبقى الأعمال الجنسية عند حدها الأدنى زمنا طويلا. والنتائج ~~التي نستخلصها من الشواهد التاريخية أننا إذا أردنا أن نصل إلى هذه الغاية وجب أن يوضع ~~الجنسان على قدم المساواة التامة في الحقوق الشرعية.» # هذا موجز مقتضب جدا لآراء أنوين. وأول ما ~~نستخلصه منها «أن العفة الجنسية تبعث على التفكير، ولا يبعث التفكير عليها.» ثم نلاحظ أن ~~المجتمع في المرحلة الأولى - المرحلة الحيوانية - يسترسل في الاستهتار الجنسي، ولا يدرك ~~الخير والشر، ولا يستطيع أفراده أن يتصلوا بالله أو يتصل بعضهم ببعض اتصالا اجتماعيا ~~نبيلا. والإنسان لا يعلو بفكره إلا إذا أدرك العلاقة بينه وبين العالم، ms138 وبينه وبين غيره من ~~الناس؛ ولذا فإن قدرا من العفة الجنسية يجب أن يسبق هذا الإدراك، كما يسبق أي لون من ~~ألوان النشاط الذهني. ولكن التاريخ يدلنا على أن هذا النشاط الذهني الناشئ عن العفة الجنسية ~~قد يتجه اتجاها غير خلقي، وما أشبه النشاط الذهني والاجتماعي بالمياه المتدفقة، يمكن أن ~~تستخدم لتهديد الضعيف واستغلال الفقير، كما يمكن أن تستخدم في اكتشاف أسرار الطبيعة وخلق ~~آيات فنية كبرى وإيجاد الصلة بين الإنسان وبين الحقيقة النهائية. # العفة إذا فضيلة، وهي من الفضائل الكبرى لأنها ~~توفر للجماعات النشاط الذهني كما تمكن الأفراد من سعة الإدراك والتحرر من ~~الحيوانية، ولكنها تعد من ناحية أخرى من الفضائل الصغرى التي يستطيع المرء أن يستغلها في ~~الخير أو في الشر، كالشجاعة والمعرفة. إنها فضائل إذا لم تستند إلى الفضائل الكبرى - الحب ~~والذكاء - فقد تكون سلاحا ذا حدين. ومن الأمثلة التاريخية لذلك أن البيورتان الإنجليز ~~(المتطهرين) اتجهوا اتجاها حربيا وتشبعوا بالروح العسكرية وحب الاضطهاد والاستغلال ~~الاقتصادي والميل إلى الشدة والقسوة. العفة لا تستلزم بطبيعتها التسامح، بل إنها كثيرا ما ~~تدفع صاحبها إلى ارتكاب الشرور. # وأكتفي بهذا القدر من البحث في مشكلة الخير والشر في دائرة الجسم، وعلاقتهما بالشهوة ~~الجنسية. وأنتقل الآن إلى الكلام على الخير والشر في دائرة العواطف. وليست بنا حاجة إلى ~~الإسهاب في هذه النقطة؛ لأن أحدا لا ينكر أن أكثر الآثام والشرور نتيجة للغضب والحسد ~~والخوف؛ فهي إحساسات تدفع المرء إلى الاهتمام بنفسه دون غيره من الناس. # ولعل أسوأ الرذائل جميعا حب النفوذ والسلطان؛ فالشهوة الجنسية لها حد تقف عنده، أما ~~شهوة النفوذ فلا تعرف الحدود. والظروف الحاضرة تشجع على هذه الرذيلة؛ فالأطفال في ~~أوروبا وأمريكا ينشئون على الإعجاب بالرجل الذي يرقى اجتماعيا وبالرجل الذي ينجح في ~~حياته. إنهم يحسدون الغني المشهور، ولكنهم يحترمونه ويطيعون أمره. أو تستطيع بعبارة أخرى ~~أن تقول إن الطمع يعد من الفضائل! إن عالمنا لن يرتقي حتى يعتقد الناس أن الرجل الذي يطمع ~~في السلطان رجل منحط كزميله النهم أو ms139 كالبخيل، وإن شهوة السلطان كإدمان الشراب أو الشذوذ ~~الجنسي. الطمع رذيلة من أحط الرذائل. يقول لاروشفوكو: «إن الرجل قد يتخلى عن الحب في سبيل ~~الطمع، ولكنه لا يتخلى عن أطماعه في سبيل الحب.» ومما يزيد المشكلة تعقيدا أن الرذائل ~~النفسية قد تختلط بالفضيلة، حينما يزعم صاحبها أنه يتخذها وسيلة لتحقيق أغراض نبيلة. ~~ولكننا رأينا من قبل أن الغايات الطيبة لا تتحقق إلا بالوسائل الطيبة. # وأنتقل بعد هذا إلى الكلام عن الخير والشر كما يتبينان في دائرة العقل. قلت من قبل: ~~إن الذكاء أحد الفضائل الكبرى، وإن التسامح وغيره من الفضائل الصغرى لا تجدي بغير ذكاء. ~~ويمكن تقسيم الذكاء إلى نوعين بالنسبة إلى الغرض الذي يرمي إليه؛ ذكاء ينحصر في معرفة ~~الأشياء والحوادث التي تقع في العالم الخارجي، وفي القدرة على علاجها. وذكاء ينحصر في ~~معركة مظاهر العالم الداخلي، وفي القدرة على علاجه. أو بعبارة أخرى: هناك ذكاء يتعلق ~~بالنفس وذكاء يتعلق بما لا يمت إلى النفوس بصلة. والرجل الذكي حقا هو الذي يأخذ من ~~نوعي الذكاء بنصيب. ولكن قل من الناس من تستطيع أن تسميه كامل الذكاء؛ فكم من رجل يستطيع ~~أن يتعرض للعالم المحس بالنقد والتحليل، ولكنه عاجز عن فهم الآراء المجردة والعلاقات ~~المنطقية والمشاكل العاطفية والخلقية. وكم من رجل متخصص في علم من العلوم أو في الفن أو ~~الفلسفة، ولكنه يجهل طبيعته ودوافعه الباطنة جهلا فاضحا، ويعجز تماما عن السيطرة على ~~ميوله. الفيلسوف هو الرجل الذي يحب الحكمة ويعيش وفقا لها. كم من فيلسوف يملأ قلبه الحقد ~~والحسد والغرور ... ويقول أحد مؤرخي نيتشه الفيلسوف إنه في الوقت الذي كان يكتب فيه عن ~~الإنسان الكامل كان يعجز عن أن يكبح جماح شهوته إلى الكعك والحلوى، وكان يتناول منها حتى ~~يتخم بها. كان نيتشه مشغوفا بالحلوى، ولكنه يمقت المرض والموت! فهل تستطيع أن تسمي ~~نيتشه إنسانا كاملا؟ ثم إنه كان يرفع فلسفة كانت إلى مرتبة التقديس، وفي تقديس أية ~~فلسفة من الفلسفة نزعة صبيانية. وما نشاهده في نيتشه نشاهده في ms140 هجل وغيره من الفلاسفة؛ ~~فهم أذكياء في ناحية، أغبياء في نواح أخرى عديدة. هؤلاء هم من نسميهم الحمقى الأذكياء. ~~ونظامنا التعليمي اليوم يخرج لنا عددا كبيرا منهم، يفهمون العالم الخارجي، ولا يفهمون ~~أنفسهم، أو لا يسيطرون عليها. # ومن هذا ترى أن الخير في دائرة العقل هو ما يعمل على زيادة معرفتنا بأنفسنا. ~~••• # حاولت في هذا الكتاب أن أبحث في مشاكل السياسة الداخلية والدولية، وفي الحرب والاقتصاد، ~~وفي شئون التعليم والدين والأخلاق، وقد قدمت ما هداني إليه الفكر من حلول، ولا أقول إني ~~وفقت كل التوفيق، ولكن المحاولة خير من عدمها في كل حال. ms141