######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMuhammadCali.MantiqIshraqiCindaSuhrawardi.Hindawi41507040 #META# Tags: philosophy :: history :: religions #META# ID: 41507040 #META# Title: المنطق الإشراقي عند السُّهرَورْدي المقتول #META# AuthorID: 97916307 #META# Author: محمود محمد علي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - السهروردي ... حياته وآثاره‏ # 2 - المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة الصوفية عند السهروردي‏ # 3 - المنطق عند السهروردي وعلاقته بالمنطق الأرسطي القديم‏ # 4 - نقد المنطق الأرسطي ومحاولة إصلاحه عند السهروردي والمناطقة المحدثين‏ # 5 - النزعة الصوفية في المنطق الأوروبي الحديث‏ # 6 - منطق السهروردي ومحاولة قراءة أفكاره في المنطق الأوربي الحديث‏ # نتائج الدراسة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # تصدير‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - السهروردي ... حياته وآثاره‏ # 2 - المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة الصوفية عند السهروردي‏ # 3 - المنطق عند السهروردي وعلاقته بالمنطق الأرسطي القديم‏ # 4 - نقد المنطق الأرسطي ومحاولة إصلاحه عند السهروردي والمناطقة المحدثين‏ # 5 - النزعة الصوفية في المنطق الأوروبي الحديث‏ # 6 - منطق السهروردي ومحاولة قراءة أفكاره في المنطق الأوربي الحديث‏ # نتائج الدراسة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # | المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول # | المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول # تأليف # محمود محمد علي # إهداء # إلى أستاذي الدكتور أحمد الجزار أستاذ الفلسفة بجامعة المنيا ... القيمة العليا في حياتنا ~~الأكاديمية وحياتنا الثقافية ... على حد سواء ... قيمة تعلو على المكان ... وعلى الزمان. # محمود محمد علي # بسم الله الرحمن الرحيم # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا * وإذا جاءهم أمر ~~من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا # سورة النساء، الآيتان: 82 و83 # | تصدير # | بقلم أ.د. عاطف العراقي # العلاقة بين المنطق والتصوف في تراثنا الفكري «السهروردي المقتول (549-587ه) نموذجا»، ~~كان في الحقيقة عنوانا لبحث أجراه لوقت طويل تلميذي الدكتور محمود محمد علي، وهذا البحث كان ~~بعنوان «المنطق الإشراقي عند شهاب الدين السهروردي في ضوء المنطق الأوروبي الحديث»، وكان هذا ~~البحث مجالا لدراسته لدرجة الماجستير من كلية الآداب بسوهاج - جامعة أسيوط (سابقا). # و«المنطق الإشراقي عند شهاب الدين السهروردي في ضوء المنطق الأوروبي الحديث»، موضوع لا ~~أتردد في القول بأنه من الموضوعات الحيوية المهمة في مجال التراث الفلسفي العربي. # وتتمثل أهمية هذا الموضوع في أنه يركز على دراسة تراثنا، ولا ms001 خير فينا إذا أهملنا تراثنا. ~~إن التراث يشكل جزءا من شخصية الإنسان، ومن يهمل دراسة ماضيه؛ فلا حاضر له ولا ~~مستقبل. # صحيح أننا نختلف مع السهروردي في بعض الآراء، في مجال التصوف بصفة عامة والمنطق الإشراقي ~~بصفة خاصة، كما نختلف مع المؤلف حول بعض الآراء التي ذهب إليها، ولكن هذا لا ينفي أهمية دراسة ~~فكر السهروردي في مجال المنطق. # قسم الباحث دراسته إلى مجموعة من الفصول، تحدث في الفصل الأول عن حياة وآثار السهروردي، ~~مقسما هذا الفصل إلى الحديث عن مولده ورحلاته ومأساته وآثاره وحياته الفكرية بشكل عام. وحلل ~~المؤلف الدكتور محمود محمد علي، في الفصل الثاني، موضوع المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة الصوفية ~~عند السهروردي؛ وذلك حين درس مفهوم المنطق عنده، وتقسيم السهروردي للمنطق، وتقييم المنطق ~~الإشراقي. كانت هذه العناصر موضوع الفصل الثاني من فصول كتاب المنطق الإشراقي، والذي يقدمه ~~مؤلفنا الدكتور محمود علي للطبع والنشر؛ وذلك بعد أن كان كما قلنا رسالة جامعية. # أما الفصل الثالث فكان عن المنطق عند السهروردي وعلاقته بالمنطق الأرسطي القديم. وعناصر ~~هذا الفصل تعد عناصر مهمة، ومن بينها الحديث عن المصادر التي استفاد منها السهروردي ~~منطقه الإشراقي، وأوجه الاختلاف والاتفاق بين منطق السهروردي ومنطق كل من ابن سينا وابن ~~تيمية، هذا بالإضافة إلى الإشارة إلى الإضافات التي أضافها السهروردي للمنطق الأرسطي. # هذا عن الفصل الثالث، أما الفصل الرابع فكان موضوعه نقد المنطق الأرسطي ومحاولة إصلاحه عند ~~السهروردي والمناطقة المحدثين. وقد أدار المؤلف حديثه حول نقد السهروردي والمحدثين ~~للمنطق الأرسطي والإصلاحات المنهجية التي أضافها السهروردي والمناطقة المحدثون للمنطق ~~الأرسطي. # وأما الفصل الخامس، والذي عنوانه النزعة الصوفية في المنطق الأوروبي الحديث؛ ففيه ناقش ~~باحثنا ملامح تلك النزعة عند عدد كبير من مناطقة العصر الحديث مناقشة جيدة. # أما الفصل السادس والأخير من فصول كتاب الدكتور محمود علي عن المنطق الإشراقي، فكان موضوعه ~~«منطق السهروردي ومحاولة قراءة أفكاره في ضوء المنطق الحديث»، وقد جاء هذا الفصل مقسما إلى ~~مجموعة من العناصر التي تدخل بوجه عام في إطار الحديث ms002 عن منطق السهروردي، وهذا يدلنا على ~~التزام الباحث بالدقة وعدم حشر موضوعات قد تبدو بعيدة عن المحور أو الفصل الرئيسي الذي قام ~~بتحليله ودراسته. # موضوع هذا الكتاب إذن يعد موضوعا حيويا، كما سبق أن أشرنا، وهو موضوع لا يعد من ~~الموضوعات السهلة، خاصة أنه يبحث في مجال به مصطلحات عديدة، وباحثنا قد بذل جهده في تحليل وصياغة ~~العديد من الآراء التي قام بها السهروردي، كما أن من مزايا هذه الدراسة أن الباحث لم يكن ~~مقتصرا على مجرد العرض الموضوعي لفصول دراسته، بل إنه حاول جهده نقد هذا الرأي أو ذاك من الآراء ~~التي قال بها السهروردي. ومعنى هذا أن البحث يتضمن الرؤية الموضوعية، والرؤية الذاتية ~~النقدية، وإن كنا نجد عند المؤلف نوعا من المبالغة في إثبات فكرة التأثر والتأثير - تأثر ~~السهروردي بمن سبقوه ومدى تأثيره في الذين عاشوا بعده - وهذه المسألة كان ينبغي معالجتها ~~بحذر حتى نبتعد عن الأساليب الخطابية الإنشائية، والتي تعتمد على المبالغة بوجه عام. # الموضوع إذن الذي اختاره الباحث يعد - كما قلنا - موضوعا مهما، والكتاب به معلومات ~~كثيرة يمكن أن تفتح المجال لكثير من طلاب البحث والدراسة؛ أي إن الهدف الذي سعى إليه المؤلف ~~يعد هدفا نبيلا؛ إذ يسعى إلى التعرف على حقيقة الأشياء، ونرجو للمؤلف استكمال دراساته في ~~مجال المنطق عند فلاسفة العرب بوجه عام؛ إذ إن العرب قد بذلوا جهدا كبيرا في سبر أغوار العديد ~~من المشكلات المنطقية وعلاقتها بالمشكلات الفلسفية. # وحين نجد دراسة أكاديمية؛ دراسة تكشف عن ثراء واطلاع صاحبها، دراسة أمينة وموضوعية، فإن ~~هذه كلها أمور تؤدي بنا إلى تقدير صاحب هذه الدراسة الدكتور محمود علي، ونرجو له كل التوفيق في ~~دراساته المقبلة؛ خاصة أن المشكلات المنطقية والفلسفية تعد ثرية ومتنوعة. نرجو له التمسك ~~بالبحث والدراسة طوال سنوات حياته العلمية. # والله هو الموفق للسداد. # أ.د. عاطف العراقي # أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة # مدينة نصر في 16 / 2 / 1998م # | مقدمة المؤلف # يحتل «شهاب الدين أبو الفتوح يحيى السهروردي»، الملقب ب «السهروردي المقتول»، في ~~تاريخ التصوف ms003 الإسلامي مكانة كبيرة؛ إذ يمثل كونه مؤسسا للفكر الفلسفي الإشراقي، الذي يدعو إلى ~~الوصول للمعرفة ، عن طريق الذوق والكشف الروحاني، بخلاف التوجه الفلسفي العام والمستدل بالتقصي ~~والتحليل البرهاني. جمع بين عدة توجهات فلسفية من الفكر اليوناني والفكر الشرقي وغيرهما كنماذج ~~فلسفية لتوضيح الفلسفة الإشراقية، وهو يمثل أكبر من دعا إلى التأمل الروحاني من بين الفلاسفة ~~المسلمين، كما عرف عنه عدم الاقتناع بالمصادر، بل بأسلوب التفكير الذاتي والنفسي. # ويحكي «ابن أبي أصيبعة» عنه فيقول ما مختصره عن السهروردي: «كان أوحد في العلوم ~~الحكمية، جامعا للفنون الفلسفية، بارعا في الأصول الفلكية، مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح ~~العبارة، لم يناظر أحدا إلا بزه، ولم يباحث محصلا إلا أربى عليه، وكان علمه أكثر من عقله. ~~فلما أتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء كثر تشنيعهم عليه، وعملوا محاضر بكفره وسيروها إلى ~~دمشق؛ إلى الملك الناصر صلاح الدين؛ فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في ~~حقه بخط القاضي الفاضل، يقول فيه إن هذا الشاب السهروردي لا بد من قتله، ولا سبيل أن ~~يطلق ولا يبقى بوجه من الوجوه. ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك، وأيقن أنه يقتل، وليس ~~جهة إلى الإفراج عنه، اختار أنه يترك في مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله ~~ففعل به ذلك. وكان ذلك في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب 586ه/1190م.» # 1 # كما يعتبر السهروردي المقتول أيضا، بشهادة بعض ~~الباحثين، صاحب مدرسة إشراقية صوفية، احتلت مكانة الصدارة بين جماعة التصوف والعشق الإلهي، لما ~~قامت به هذه المدرسة من مغامرات عرفانية سحرت بأفكارها العقلانية قلوب معاصريها وعارفيها، ~~وصورت لهم عالم العقول، وعالم النفوس، وعالم المعاد بأسلوب حقاني عميق، أنار النفوس ~~التواقة إلى الخلود والمشاهدة، بواسطة الانفعالات المتوترة الحية، وبالآراء الروحية ~~المكاشفة، والقدرة الخارقة المؤثرة في مشاعر الناس وأحاسيسهم. # 2 # وفي هذا يذكر الشهرزوري أنه كان من السابقين في الحكمة العملية، وأنه كان قلندري # 3 ~~⋆ # الصفة، وكان له رياضات عجز ~~أهل الزمان عنها ... وكان أكثر عباداته ms004 الجزع والسهر والفكر في العوالم الإلهية، وكان قليل الالتفات ~~إلى مراعاة الخلق، ملازما للصمت والاشتغال بنفسه. # 4 # ويقول الدكتور محمد مصطفى حلمي رحمه الله: «... ليس أدل على سعة ثقافته الفلسفية من مؤلفاته ~~العديدة الحافلة بالآراء القيمة، والتي جمع فيها إلى براعة الأنظار العقلية، روعة التعاليم ~~الصوفية، ولطافة الأذواق الروحية ... وترجع أهمية السهروردي في تاريخ الحياة الروحية ~~الإسلامية، لا إلى أنه كان صوفيا من طراز الصوفية الأولين، ولا إلى أنه كان فيلسوفا روحيا ~~يصطنع النظر العقلي الخالص على نحو ما يصطنعه الفلاسفة الخلص، بل هي ترجع إلى مذهبه في حكمة ~~الإشراق، وهو ذلك المذهب الذي نزع فيه منزعا وسطا بين التصوف المعتمد على الذوق، والفلسفة ~~المستندة إلى النظر.» # 5 # كما يدل على ذلك قوله في بيان الطريق الذي حصل به ما حصل من حكمة الإشراق: «... ولم ~~يحصل لي أولا بالفكر، بل كان حصوله بأمر آخر، ثم طلبت الحجة عليه حتى لو قطعت النظر عن الحجة ~~مثلا، ما كان يشككني فيه مشكك ...» # 6 # ومن هنا كانت حكمة الإشراق فلسفة روحانية في كثير من جوانبها؛ حيث تذهب في المعرفة ~~مذهبا ذوقيا قوامه أن المعرفة الإنسانية إلهام من العالم العلوي، كما يدل على ذلك ما يحدثنا ~~به السهروردي نفسه من أنه كتب كتابه «حكمة الإشراق» إجابة لملتمس فريق من أصدقائه طلب إليه ~~أن يكتب كتابا يذكر فيه ما حصل له بالذوق في خلواته ومنازلاته، # 7 # وأن المنهج الذي اصطنعه هو ذوق إمام الحكمة أفلاطون الذي يلقبه السهروردي ~~بصاحب الأيد والنور. # 8 # ويقول الشهرزوري شارح كتب السهروردي في مقدمته لحكمة الإشراق: «وهذه الحكمة الذوقية ~~قل من يصل إليها من الحكماء، ولا يحصل إلا للأفراد من الحكماء المتألهين الفاضلين، وهؤلاء ~~منهم قدماء سبقوا أرسطو زمانا، كأغاثاذيمون، وهرمس، وأنباذوقليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون، ~~وغيرهم من الأفاضل الأقدمين، الذين شهدت الأمم المختلفة بفضلهم وتقدمهم، وهؤلاء وإن كان أكثر ~~وكدهم الأمور الذوقية، فلم يكونوا خالين عن البحث، بل لهم بحوث وتحريرات وإشارات منها تقوى إمام ~~البحث أرسطاطاليس على التهذيب والتفصيل ms005 ... ومنهم متأخرون تأخروا عنه، لكن هؤلاء كانت حكمتهم ~~الذوقية ضعيفة جدا؛ لأن أرسطاطاليس شغلهم بالبحث ... ولم يزل البحث بعد ذلك ينمو والذوق يضعف ~~ويقل ... وضاعت طرق سلوكهم وكيفية معاينة الأنوار المجردة ولطافة مأخذهم في مفارقة الأنفس بعد ~~خراب البدن ... ولم يزل طريق الحكمة مسدودا حتى طلع كوكب السعادة وظهر صبح الحكمة ... بظهور سلطان ~~الحقيقة ... شهاب الملة والحق والدين أبو الفتوح السهروردي، فشرع في إصلاح ما أفسدوا ... وشمر ~~عن ساق الجد في التعصب للحكماء الأول، والذب عنهم ومناقضة من رد عليهم، وبالغ في نصرتهم أشد ~~مبالغة ...» # 9 # وقد تميز السهروردي بتعدد وتنوع المصادر التي استقى منها فكره؛ فتيارات متعددة، وأفكار ~~مختلفة دينية فلسفية وصوفية ومذاهب اليونان والفرس القديمة، قد أسهمت في تكوين مذهبه، وتجلت ~~مهارته في حبك مختلف الاتجاهات والتيارات في نسق متكامل من خلال محاولته التوفيق بين الاتجاه ~~البحثي العقلي والاتجاه الكشفي الصوفي في منهج واحد يبدأ من العقل ويترقى صاعدا، حتى يصل ~~لمرحلة الكشف والإشراق # 10 # ولذا يصرح السهروردي في مقدمة حكمة الإشراق قائلا: «وما ذكرته من علم الأنوار ~~وجميع ما يبتنى عليه وغيره يساعدني عليه كل من سلك سبيل الله عز وجل، وهو ذوق إمام الحكمة ~~ورئيسها أفلاطون، صاحب الأيد والنور، وكذا من قبله من زمان والد الحكماء هرمس إلى زمانه من عظماء ~~الحكماء وأساطين الحكمة مثل أنباذوقليس، وفيثاغورس، وغيرهما، وكلمات الأولين مرموزة وما رد عليهم، ~~وإن كان متوجها على ظاهر أقاويلهم لم يتوجه على مقاصدهم، فلا رد على الرمز، وعلى هذا يبتني ~~قاعدة الشرق في النور والظلمة التي كانت طريقة حكماء الفرس مثل جاماسف وفرشاوشتر وبوزرجمهر، ومن ~~قبلهم، وهي ليست قاعدة كفرة المجوس وإلحاد ماني، وما يفضي إلى الشرك بالله تعالى.» # 11 # وعلى الرغم من هذه الأهمية التي مثلها السهروردي في تاريخ التصوف الإسلامي، وعلى ~~الرغم من عمق فلسفته في كافة المجالات التي بحث فيها، إلا أن هناك جوانب عديدة في فلسفته ~~لم تبحث بحثا منهجيا دقيقا شاملا؛ بحيث يتبين لنا أثر فلسفة هذا الفيلسوف. # ومن الموضوعات ms006 التي لم تبحث بحثا منهجيا دقيقا شاملا نقده للمنطق الصوري الأرسطي نقدا ~~أضفى عليه بعدا إشراقيا؛ حيث يرى بعض الباحثين أن أفكار السهروردي الفلسفية الخاصة لم ~~تتناول أية فكرة رئيسية منها بالقدر الكافي من البحث والتحليل، وفي مقدمتها جميعا نقده للمنطق ~~الصوري الأرسطي؛ فلقد أجريت بعض الانتقادات من جانب المتكلمين والفقهاء، ولكن نقد السهروردي ~~قد جاء في اتجاه مقابل تماما؛ فقد أنزل المقولات العشر إلى خمس، # 12 ~~⋆ # ثم جعل من المنطق سلما ~~صاعدا إلى عالم الإشراق، فإذا ما تأمل القارئ تاريخ المنطق بعد ذلك في الغرب، يدرك ما لنقد ~~السهروردي على المنطق الأرسطي من قيمة بالغة. # إلا أن بعض المستشرقين، من أمثال «هنري كوربان» # Henry Corbin # 13 # و«ماكس هورتن» # Max Horten # 14 # وغيرهما، يقللون من أهمية الجانب المنطقي في «حكمة الإشراق»، ويركزون على الجانب ~~الكوني الميتافيزيقي، وما الجانب الكوني الميتافيزيقي عن النور، إلا تطبيق للمنهج الإشراقي في ~~تصور الفلاسفة المشائين للكون؛ بل يجعل بعض المستشرقين من أمثال «لويس ماسينون» # Louis Massignon # من السهروردي إشراقيا كونيا ~~ميتافيزيقيا خالصا، ويتركون جانب الحكمة ويميلون به إلى التصوف، ويخرجونه من نطاق الفلسفة والمنطق. # 15 # والحقيقة أن القسم الأول من «حكمة الإشراق» عن «ضوابط الفكر» لا يقل أهمية عن القسم الثاني عن ~~«الأنوار الإلهية»، بل هما واجهتان لحقيقة واحدة؛ فالسهروردي يبدأ في القسم الأول من «حكمة ~~الإشراق» بالبحث في أسس الفكر من حيث المعايير المنطقية، ليرى إمكانية التوصل إلى الحقيقة من ~~خلال هذه المعايير العقلية، وعندما يجد أنها لا تفيد في الوصول إلى الحقائق الثابتة والدائمة ~~التي ينشدها، يعمد لنقدها ومحاولة إصلاحها، لتصبح صالحة كمرحلة نحو عالم الموجودات الحقيقية؛ ~~عالم الأنوار والمجردات، وهو ما يعرض له في القسم الثاني من الكتاب؛ حيث يتناول نظرية النور ~~ومراتب الأنوار وما يتعلق بذلك من مباحث كونية وطبيعية. # ولذلك ف «السهروردي» قد حاول في القسم الأول من «حكمة الإشراق»، أن ينقد بعض مباحث المنطق ~~الصوري الأرسطي الذي عرض له في رسائله؛ وبخاصة رسالة «اللمحات في الحقائق» أولا، ثم يضع ms007 مذهبا ~~منطقيا جديدا ثانيا، أو بمعنى أدق أن يختصر المنطق الأرسطي اختصارا مبتكرا ثانيا، ~~ويسمي كثيرا من آرائه المبتكرة مباحث أو ضوابط إشراقية، بحيث يتسنى لنا بأن نطلق على مجموع ~~تلك الآراء «المنطق الإشراقي». # 16 # وعلى ذلك فالمنطق الإشراقي عند السهروردي هو محاولة لإصلاح المنطق الأرسطي وتخليصه من ~~آثار المشائية التي تعني لديه الصورية الفارغة، وللتحرر من الطريق الصوري عند المشائين ~~المتأخرين، وذلك عن طريق الحصول على تجربة روحية تعطي هذا المنطق مضمونه وتعدل في شكله، وتخليص ~~الفلسفة أيضا من المناقشات العقيمة بين الفلاسفة المشائين من أجل إحياء الفلسفة، والعودة إلى ~~النبع الإشراقي الصوفي. # 17 # ومن هذا المنطق فإن هذه الدراسة تسعى جاهدة إلى عرض نقد السهروردي لنواح من المنطق ~~الأرسطي الذي وجد فيه ما يعوق طريقه نحو الإشراق، لنكشف من خلال هذا النقد عن رأيه في المنطق ~~العقلي، وهو الصوفي الإشراقي الذي يرى أن المعرفة أساسها: «معاينة المعاني والمجردات مكافحة لا ~~بفكر ونظم دليل قياسي أو نصب تعريف حدي أو رسمي، بل بأنوار إشراقية متتالية متفاوتة لسلب النفس ~~عن البدن.» # 18 # فما الغاية من عرضه للمنطق ونقده له؟ وما الذي يمكن أن يقدمه في حقل نقد المنطق؟ ~~وهل كان في نقده للمنطق يستند إلى أسس عقلية ينقد من خلالها، فيكون بذلك قد عاد إلى إطار العقل - ~~إن كان ذلك ممكنا -؟ وما قيمة هذا النقد مقارنة بما تعرض له المنطق الأرسطي من نقد في مختلف ~~العصور؟ # والإجابة عن هذه الأسئلة متضمنة في تقسيم السهروردي لقضايا المنطق الإشراقي إلى ثلاثة ~~مباحث، وهذه المباحث تكون كالآتي: ~~(1) # مبحث المعارف والتعاريف، ويضم مباحث اللغة وصلة اللفظ بالمعنى والتصريف. ~~(2) # مبحث الحجج، ويضم مباحث القياس وأشكال القضايا. ~~(3) # مبحث المغالطات، وفيه ينقد السهروردي مباحث المشائين في الطبيعيات والإلهيات؛ أي ~~أنه ينقد بعض نتائجهم على أساس من تجربته الإشراقية. # ففي مبحث المعارف والتعاريف، يغير السهروردي بعض أسماء الألفاظ المنطقية المعروفة، ويضع ~~مكانها أسماء أخرى، فيسمي مثلا القسمة الثلاثية المشهورة لدلالة اللفظ على المعنى: التطابق ~~والتضمين والالتزام - يسميها القصد ms008 والحيطة والتطفل، وهي ألفاظ تدل على جانب شعوري قصدي لا ~~على جانب صوري موضوعي محايد. وفي قسمة الألفاظ إلى عام وخاص، يسمي اللفظ الخاص اللفظ الشاخص، ~~والمعنى الخاص المعنى الشاخص أو المنحط. وواضح في هذه التسمية الجديدة ظهور بعد الشخص كبعد ~~التعين أو تعيين درجته من حيث العلو والانحطاط، والعلو والانحطاط كلاهما يمثلان بعدا صوفيا ~~تترتب فيه الموجودات حسب الشرف والكمال. # 19 # وفي هذا المبحث أيضا ينتقد السهروردي قاعدة المشائين في التعريفات، موضحا أن ~~المشائين يأخذون الذاتي العام؛ أي الجنس، والذاتي الخاص؛ أي الفصل في تعريف الشيء. ولما كان ~~الذاتي الخاص هذا غير معلوم عند من يجهله، فإقحامه في التعريف يناقض القاعدة المشائية القائلة بأن ~~المجهول لا يتوصل إليه إلا بالمعلوم. ثم لو افترضنا أنه اتفق للمعروف الإلمام بهذا الذاتي أو ~~الخاص أو الفصل، فكيف يأمن ألا يكون قد غفل عن ذاتي آخر لا يعرف الشيء إلا به؟! فتكون المعرفة ~~بالشيء آنذاك ممتنعة وكذلك تعريف الشيء ...! # 20 # وهذا النقد الذي يوجهه السهروردي للتعريف الأرسطي يوجهه باسم العلم الكشفي أو المعرفة ~~الحسية؛ أي باسم المشاهدة الباطنية أو الخارجية؛ فالمشاهدة وحدها هي التي تعطي الخاص، وهي أساس ~~المعرفة البعدية وسابقة عليها، وهي تعطي معرفة جديدة لا يمكن للتعريف الأرسطي أن يصل إليها، وهي ~~الضامن لصدق المعرفة الإنسانية ومقياس صدقها؛ فالواقع منه المجهول ومنه المعلوم، والمعرفة ~~الإنسانية جزئية؛ لأنها لا تستطيع إلا أن تحصل على المعلوم دون المجهول؛ في حين أن المعرفة ~~الكشفية-الإشراقية تعطينا المجهول والمعلوم على حد سواء. تحتاج المعرفة الإنسانية إذن إلى معرفة ~~أخرى صوفية إشراقية تكون لها بمثابة الأوليات، حتى نضمن ألا تتسلسل المعارف الإنسانية في أولها ~~إلى ما لا نهاية، المعرفة الصوفية-الكشفية هي النقطة اليقينية الضرورية لكل معرفة إنسانية، وهي ~~التي تعطينا معرفة بالواقع، في حين أن التصورات عاجزة عن الخروج من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان. # 21 # وهكذا ينتهي السهروردي من نقده لمبحث التعريف الأرسطي إلى نتيجة عامة واحدة، وهي أن ~~الإنسان لا يحتاج، لكي يعلم شيئا، إلى ms009 التعريف الأرسطي من الجنس والفصل، من أجل إفساح المجال ~~للمعرفة الإشراقية القائمة على الكشف والإلهام الصوفيين. # 22 # وفي المبحث الثاني، وهو مبحث الحجج، يختصر السهروردي كثيرا من أشكال القضايا؛ لأنها لا ~~يستفاد بها، أو لأنها متشعبة يستغنى عنها بأقل منها، ويستبدل بها ضوابط للفكر قليلة العدد، ~~مختصرة، كثيرة الفوائد، وهذا يعني أن السهروردي يرفض كل ما هو زائد على نظرية متسقة للعقل، ~~وكل ما هو زائد عليه أو متشعبة منه لا دلالة له؛ فمبادئ العقل هي المبادئ الضرورية اللازمة ~~والنافعة؛ أي إنها هي المبادئ الكافية، وقد يكون هذا التشعب والتفريغ أحد معاني الصورية؛ أي ~~الصورية الفارغة. # 23 # ففي القضايا، يقسم السهروردي القضايا إلى كلية وجزئية أو موجبة وسالبة، ويحذف القضايا ~~الشخصية؛ لأن الشواخص لا يطلب حالها في العلوم، وحتى تكون أحكام القضايا أضبط وأسهل. ويقسم ~~السهروردي القضايا أيضا من حيث الجهة إلى ضرورية وممتنعة وممكنة، ولكنه يحذف المجهولة وكمية ~~الموضوع؛ لأن المجهول لا يفيد العلم؛ لأن الكيف هو الذي يميز شيئا عن آخر. وفي التناقض يحذف ~~السهروردي عديدا من الأبحاث؛ لأنه لا يحتاج إليها في نقد المشائين وتفريعاتهم. # 24 # وفيما يتعلق بالقياس الاستثنائي والاقتراني؛ فيقول عن السلبي إنه لا يحتاج إلى تطويل، ~~والضابط الإشراقي فيه مقنع دون كثير من المختلطات. ويقول عن الشكل الثاني إنه ترك التطويل على ~~أصحابه في الضروب والبيان والخلط. ويقول عن الشكل الثالث إنه قد حذف عنه التطويلات. أما الشكل ~~الرابع فإنه يسقطه من حسابه؛ لأنه شكل تابع للأشكال الثلاثة الأولى الأصلية؛ فالسهروردي ~~يستبدل بهذه التعريفات القديمة الفطرة أو الضابط الإشراقي. # 25 # وبالإضافة إلى الحذف والاختصار، فإن السهروردي قام أيضا بتبسيط أشكال القضايا في أربعة ~~مواضع، يسمي كلا منها حكمة إشراقية: ~~(1) # فمن حيث الكيف، يرد السهروردي القضايا السالبة كلها إلى قضايا موجبة، # 26 # وهذا يعني رد الفرع إلى الأصل؛ فالسلب فرع والإيجاب أصل، والسهروردي يبحث ~~عن الأصول لا عن الفروع، والمعرفة الإشراقية أصل المعرفة الإنسانية، وإذا كان السلب جزءا ~~للموضوع أو للمحمول، لم يكن قاطعا للنسبة؛ ms010 فالإيجاب قطع والسلب ظن. ~~(2) # ومن حيث الكم، يرد السهروردي القضايا الجزئية كلها إلى قضايا كلية؛ # 27 # فالكل هو الأصل والجزء فرع عليه، والمعرفة الإشراقية كلية لا جزئية، وفي ~~العلوم لا تطلب البرهنة على القضايا الجزئية، بل على الكلية، والجزئية لا تكون شرطا في ~~التناقض، وبالتالي فهي لا تدخل في أصول القضايا، والكلية لا بد أن تكون محيطة أو ~~حاصرة. ~~(3) # ومن حيث الجهة، يرد السهروردي القضايا الممكنة كلها إلى قضايا ضرورية أو بتاتة؛ # 28 # وذلك لأن الممكن سلب للضروري، والمعرفة الإشراقية معرفة ضرورية وليست ممكنة. ~~ويجعل السهروردي الإمكان والإقناع جزءا من المحمول، ولم يجعله شرطا للتناقض، والقضية ~~البتاتة هي الوحيدة التي تستخدم في العلوم، أما الممكنة أو الممتنعة فلا تستخدم على ~~الإطلاق. ~~(4) # ومن حيث إطلاق الحكم، يرد السهروردي القضايا المنفصلة كلها إلى قضايا متصلة، # 29 # وذلك لأن الاتصال أصل الانفصال، ولأن المعرفة الإشراقية متصلة لا انفصال ~~فيها، والحقائق ليس فيها اختيار بين احتمالين: «إما ... أو»، بل هي حقيقة واحدة متصلة ~~صادقة. # أما من حيث مادة البراهين؛ فالسهروردي لا يستعمل إلا مادة يقينية، سواء أكانت فطرية أو ~~ما يبنى على فطري في قياس صحيح، والحدسيات عند السهروردي تشمل المجريات، وهي مشاهدات مفيدة ~~يقينية تحدث بالتكرار والمتواترات، وهي شهادات يقينية لكثرتها بعيدة عن التواطؤ ومؤيدة بالقرائن ~~أو المشهورات والمخيلات والتمثيلات؛ فكلها لا تفيد اليقين؛ فواضح أن اليقين عند السهروردي هو ~~الحدس، والحدس يشمل المتواترات والمشاهدات أو الوحي والمعرفة الإنسانية على حد سواء. # 30 # ولما كانت مباحث المنطق الإشراقي عند السهروردي على هذا النحو من الجدة والطرافة، فقد ~~اجتهدنا بين الفينة والفينة في أن نقارنه ببعض الأفكار المتضمنة في المنطق الحديث، على ألا تعني ~~تلك المقارنة أن الأفكار التي طرحها السهروردي قد وصلت إلى آخر ما وصلت إليه أفكار المناطقة ~~المحدثين، وإنما يعني وجود نفس الحلول لنفس المشكلات؛ فهناك حقائق منطقية عامة يمكن للمفكرين من ~~شعوب مختلفة الانتساب إليها والاتفاق عليها، دون أن تكون مجرد وجهات نظر خاصة مرتبطة بعصر معين، ~~أو بمزاج خاص، ms011 كما لا تعني المقارنة وجود أوجه تشابه مستمرة بين الأفكار المتضمنة في المنطق ~~الإشراقي والأفكار المتضمنة في المنطق الحديث. # كما لا تعني المقارنة بالضرورة أوجه التشابه والاختلاف؛ بل تعني إلى حد ما إيجاد أوجه ~~التشابه والاختلاف عن طريق المقابلة غير المستمرة بين أفكار السهروردي وأفكار المناطقة ~~المحدثين. # وعلى هذا تشمل المقارنة جانبين: # الجانب الأول: # موضوعات قائمة في المنطق الإشراقي والمنطق الحديث معا؛ مثل نقد المنطق الصوري ~~الأرسطي، ومحاولة إصلاحه، ثم ربط المنطق بنظرية المعرفة. # الجانب الثاني: # موضوعات قائمة في المنطق الإشراقي يمكن تلمسها في المنطق الحديث، مثل: # أولا: # اختصار المنطق الأرسطي، ثم محاولة وضع نسق له. # ثانيا: # نقد التعريف الأرسطي، ومحاولة وضع تعريف جديد له. # ثالثا: # اختصار المقولات الأرسطية. # رابعا: # الاهتمام بالقضايا الشرطية بجانب القضايا الحملية. # خامسا: # رد القضايا السالبة إلى قضايا موجبة. # سادسا: # رد القضايا الجزئية إلى قضايا كلية. # سابعا: # عدم اعتبار القضايا الشخصية قضايا كلية. # ثامنا: # التحلل من عدد أضرب أشكال القياسات الأرسطية. # تاسعا: # إنكار الشكل الرابع. # وتقتضينا الأمانة العلمية أن نشير إلى أن هناك دراسات وبحوثا، قد سبقتنا إلى تناول جانب أو ~~أكثر من جوانب المنطق الإشراقي عند السهروردي؛ # 31 ~~⋆ # لكننا عندما اطلعنا ~~عليها جميعا لم نجد في أي منها معالجة منهجية ودراسة مستوعبة لكل جوانب المنطق الإشراقي. وعلى ~~أية حال فحسب هذه الدراسات السابقة أنها تمثل جهدا لا ينكر لأصحابها من الأساتذة، وأشهد أنني ~~أصبت من بعضها شيئا من الفائدة، ولكن أعظم فائدة من تلك الدراسات هي أنها أكدت عندي العزم على ~~القيام ببحث خاص شامل مستوعب لقضية «المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول». # وقد حاولنا في بحثنا هذا أن نعرض لموضوع المنطق الإشراقي عند السهروردي بمنهج يعالج ما ~~أعرضت عنه أو أغفلته الدراسات السابقة، أو عرضت لجوانب تتصل به في عجالة لا تكشف بدرجة كافية عن ~~فكر السهروردي وفلسفته في هذا الموضوع. ووفقا لفهمنا لنصوص الفيلسوف، وتأويلاتنا لبعضها ~~أحيانا، ومقارنتها بعضها ببعض وبغيرها من الآراء التي سبقته، فقد أدى ذلك إلى أن نقول بآراء ~~تخالف كثيرا ms012 من الآراء التي تضمنتها بعض الدراسات السابقة. على أننا لم نكتف بمجرد عرض آراء ~~الفيلسوف في كل مسألة تتصل بالموضوع، وإلا وقعنا فيما نحذر من الوقوع فيه، وهو أن تكون الدراسة ~~أفقية مسطحة خالية من العمق. # ومن ثم حاولنا دائما، وبقدر ما وسعنا الجهد، أن نبرز آراءه التقريرية والنقدية في كل مسألة، ~~ونقارنها بما سبقها من آراء، ثم نكشف عن انعكاساتها وآثارها فيمن جاء بعده، سواء من مفكري ~~الإسلام أو مفكري العصر الحديث. # على أننا في معالجتنا لموضوع بحثنا آثرنا انتهاج المنهج التحليلي المقارن، من حيث يعتبر في ~~نظرنا - على أقل تقدير - أنسب المناهج وأشدها ملاءمة لطبيعة الموضوع وغاياته؛ فبالتحليل نستنطق ~~النص فتنبعث فيه الحياة من جديد، فيحدثنا بعد صمت، ويتحول من حالة كونه شيئا جامدا إلى ~~صيرورته كائنا حيا ينبض بالمعنى والدلالات التي تظهر بعد كمون، وتنشأ علاقة حميمة مثمرة بينه ~~وبين الباحث، يفيد منها هذا في فهم ما ظهر من النص وما بطن، ويعرف مناسبة ولادته، والدافع إليه، ~~وزمانه ومكانه وقيمته، كما يعرف فحواه ومرماه ومصدره، ويتعرف مكونات البنية العضوية للرأي أو ~~النص أو الدعوى، وما قد يكون قد طرأ عليها من تغيير أو تطوير على يد الرفقاء. # وبالمقارنة ندرك الفروق الفردية والجماعية بين طائفة وطائفة، وفريق وفريق، كما ندرك أوجه ~~الاتفاق والاختلاف وأسبابها، ونتلمس الأبعاد الحقيقية وراء ذلك، ونحكم قبضتنا المعرفية على مختلف ~~التوجهات والدعاوى والمسالك ومضامينها وتأدياتها. # ولسنا ندعي أننا بهذا البحث قد نبلغ الغاية التي تسد الطريق أمام كل بحث بعده، وإنما فقط ~~يمكننا أن نزعم أننا سنحاول هنا تقديم رؤية جديدة تلمسنا أهم أبعادها من خلال دراستنا ~~الاستطلاعية في مؤلفات شهاب الدين السهروردي المقتول، وخاصة كتابه «حكمة الإشراق»، ولكل ~~باحث جهده ورؤاه، وفي اعتقادنا أن الدراسات والبحوث العلمية تتكامل فيما بينها بما يحقق التواصل ~~الفكري ويدعم مشروعيته، وفي هذا ما يضمن لنا استمرارية البحث والدراسة في المنطق العربي - ~~الإسلامي، إحياء وتجديدا وتأصيلا، وإبراز الجوانب المضيئة فيه، وتنقيحا له مما علق به من ~~الشوائب بفعل ms013 الزمن وتقادم التاريخ، أو بفعل بعض المستشرقين المتزمتين الذين يحاولون إنكار هذا ~~المنطق بحجة أنه نسخة مكررة من المنطق الأرسطي. # وقد قسمت هذه الدراسة إلى ستة فصول؛ لأصور بها ملامح وأبعاد المنطق والتصوف عند ~~السهروردي المقتول من شتى نواحيه، تصويرا تعتمد فيه الأجزاء بعضها على بعض؛ فحاولت في الفصل ~~الأول أن أعرف شيئا من شخصيته؛ متى عاش؟ وبمن تأثر؟ ولماذا قتل؟ وأي كتب ألف؟ # كذلك في هذا الفصل حاولنا أن نجيب عن كثير من التساؤلات التي واجهتنا من خلاله، ومنها على ~~سبيل المثال لا الحصر: هل استطاع السهروردي أن يحقق وحدة النظر والذوق، وأن يجمع بين ~~المنطق والتصوف في منهج واحد؟ هل استطاع أن يحقق وحدة المنهج أم بقي ثنائيا؟ فهو منطقي فيلسوف ~~يعتمد على العقل من ناحية، وصوفي إشراقي يعتمد على الذوق من ناحية أخرى. هل يمكننا اعتبار نقد ~~السهروردي للمنطق الأرسطي وتعديلاته المقترحة تمثل الصوفية في شيء أم أنه نقد عقلي منطقي ~~بحت؟ # وفي الفصل الثاني ألقيت الضوء على المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة الصوفية عند ~~السهروردي. أما الفصل الثالث فقد خصصته للمنطق عند السهروردي وعلاقته بالمنطق الأرسطي. ~~أما الفصل الرابع فقد تناول إشكالية نقد المنطق الأرسطي ومحاولة إصلاحه عند السهروردي ~~والمناطقة المحدثين. ثم يأتي الفصل الخامس، وفيه عرضت للنزعة الصوفية في المنطق الأوروبي الحديث. ~~أما الفصل السادس والأخير فقد حاولت فيه أن أتلمس أفكار وقضايا المنطق والتصوف عند السهروردي ~~في المنطق الأوروبي الحديث، من خلال هذا العنوان «منطق السهروردي ومحاولة قراءة أفكاره في ~~المنطق الحديث.» # وعلى ذلك فإن تناولنا لنقد المنطق الأرسطي من قبل السهروردي، وما طرحناه من بديل، قام ~~على أساس أن ما طرحناه من آراء منطقية إنما يمثل جانبا من رؤية كلية أشمل تنعكس في مجمل آرائه ~~ومباحثه، وما المنطق إلا جزء من هذا السياق الفكري العام؛ فغاية البحث بيان أثر المنطلقات الفكرية ~~والعقدية والأيديولوجية في رؤية المفكر أو الفيلسوف لعملية المعرفة ووسائلها وغاياتها ودور العقل ~~فيها. # وفي النهاية أتمنى أن تكون هذه الدراسة قد حققت ms014 ما كانت تهدف إلى تحقيقه؛ حتى تكون ثمرة ~~من ثمار الفكر المفيد في الدراسات التي تهتم بتفاصيل جذور المنطق العربي في المنطق الحديث. # الفصل الأول # | السهروردي ... حياته وآثاره # تمهيد # إن شهاب الدين السهروردي؛ هذه الشعلة الإشراقية العرفانية التي أخمدت بسرعة، بفعل الدس ~~والتآمر والتعصب البغيض، لم ينضب زيتها ويجف بجفاف جسده، بل لا يزال وميضه الروحي، وذوقه ~~العرفاني، يتردد صداه في قلوب عارفيه حتى هذا اليوم، وسيدوم خالدا أبديا يجمع بين النظر ~~والشعور إلى ما لا نهاية، كظل نوراني يمتد بفيئه ليرسم صورة حقيقية رائعة لأسمى معاني العرفان ~~في ثوب الفلسفة والتأمل الفلسفي. # علاوة على ذلك، فإنه لا يمكن أن يتجاهل الكثير من الباحثين والمفكرين أن السهروردي قد ~~قدم لنا مذهبا فلسفيا إنسانيا كاملا؛ حيث ناقش فيه قضايا الفلسفة من خلال المنظومة ~~الرئيسية لها: الله-الكون-الإنسان، فيقدم مفهومه لكل منها، ومفهومه لعلاقة كل منها بالآخر، ~~شأنه في ذلك شأن أي فليسوف. وهو في ذلك يقف على قدم المساواة مع أمثال أرسطو وأفلاطون. # ومذهب السهروردي الفلسفي - شأن أي مذهب فلسفي آخر - فيه جانب التأثر بما سبقه، وفيه ~~جانب النقد ومحاولة تقديم الجديد. # ومن هذا المنطلق نحاول في هذا الفصل أن نكشف النقاب عن حياة السهروردي وآثاره، وذلك ~~على النحو التالي: # أولا: اسمه ولقبه # يرى معظم المؤرخين والمترجمين أن شهاب الدين السهروردي هو «أبو الفتوح يحيى بن حبش بن ~~أميرك»، غير أن «ابن أبي أصيبعة» ذكر أن اسم السهروردي هو «عمر» دون أن يذكر اسم أبيه. # 1 # وقد لاحظ «نللينو» # Nallino # هذا الخطأ الذي وقع فيه ~~«ابن أبي أصيبعة»، ووصفه بالسهو الشنيع والغلط الفظيع. # 2 # أما ياقوت الحموي فيقول إن «اسم السهروردي هو أحمد»، وإن كنيته هي «أبو الفتوح». # 3 # ولكن ابن خلكان يشير إلى أن الاسم الصحيح هو «أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك»، ثم يضبط ~~هذا الاسم ضبطا لغويا لما عسى أن يلتبس في هذا الاسم من ألفاظ غريبة أو عجيبة قد يصعب نطقها ~~أو فهمها؛ فيذكر أن لفظ «حبش» ms015 بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والشين المعجمة. وقال عن ~~لفظ «أميرك» إنه بفتح الهمزة وبعدها ميم مكسورة، ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها راء ~~مفتوحة، ثم كاف، وهو اسم أعجمي معناه «أمير» وهو تصغير «أمير»؛ لأن الكاف التي تلحق بآخر ~~الاسم هي للتصغير. # 4 # ويلقب السهروردي بالمؤيد بالملكوت؛ وذلك لما عرف عنه من العلوم الإلهية والأسرار ~~الربانية التي رمز الحكماء إليها، وأشار الأنبياء إليها، ولما أيد به من قوة التعبير عن ~~هذه الأسرار وتلك العلوم في كتابه العظيم «حكمة الإشراق». # 5 # ويلقب أيضا ب «خالق البرايا»؛ وذلك لما كان يظهره في الحال من العجائب. ويرى ~~الشهرزوري أن واحدا رأى السهروردي في المنام، فقال له الأخير: «لا تسموني بخالق البرايا.» # 6 # ولما كان السهروردي قد قتل بأمر السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة ~~586ه/ 1193م، فلهذا السبب أطلق عليه المؤرخون لقب «الشيخ ~~المقتول»؛ وذلك تمييزا له عن غيره ممن يشتركون معه في النسبة إلى سهرورد؛ فثمة علماء ~~ثلاثة يعرفون باسم السهروردي وهم: ~~(1) # ضياء الدين أبو النجيب عبد القاهر السهروردي، المتوفى سنة 630ه الموافق 1167م ~~أو سنة 1168م. ~~(2) # شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عمويه، مؤلف عوارف المعارف، سنة 632ه، الموافق سنة ~~1234 أو 1235م. ~~(3) # محمد بن عمر، ابن الشيخ شهاب الدين - المتقدم مباشرة - صاحب زاد المسافر في التصوف. # 7 # غير أن «أحمد أمين» يرى أنه ربما لقب ب «الشيخ المقتول»؛ إيماء بأنه قتل استحقاقا لهذا ~~القتل، وإلا كان لقب بالشهيد، وأنه أشاع في «حلب» تعاليمه الفلسفية ورأيه في الحلول، وأن ~~الله والعالم شيء واحد، وتصريحه بذلك ألب الفقهاء والشعب عليه، فاضطر الملك الظاهر بن ~~صلاح الدين حاكم حلب أن يتخلى عن حمايته، فقتل عام «586ه»، وهو في السادسة والثلاثين من عمره. # 8 # ويرجع «الأب جومس نولجانس» أن علة لقب ~~السهروردي بالشيخ المقتول يرجع إلى أنه الاسم الذي تعود عليه الناس فسموه به، ولأنه لم ~~يمت موتا عاديا، وإنما مات مقتولا، ولهذا يكون اللقب الذي تعود الناس تسميته به (المقتول) ms016 ~~يشير إلى أن موته لم يعتبر دليلا على الإيمان الحقيقي الذي يتسم به الشهداء، وإنما مات ~~كافرا، مدانا من السلطات الدينية. # 9 # وهنا يتضح أن السهروردي إذا كان قد لقب بالشيخ المقتول، فذلك لما تواتر عليه جمهور ~~المؤرخين، أما تلاميذه وأتباعه فإنهم يطلقون عليه لقب «الشهيد»؛ حيث اعتبروه شهيد الفكر ~~والعقيدة الإشراقية. # 10 # ثانيا: المولد والنشأة # في منتصف القرن السادس الهجري ولد شهاب الدين السهروردي المقتول عام 549ه الموافق 1153م ~~في «سهرورد»، وهي بضم أوله وسكون ثانيه وفتح الراء والواو وسكون الراء، ودال مهملة، وهي بلدة ~~قريبة من زنجان بالجبال. # 11 # على أنه ليس من الممكن الآن تحديد موقعها بدقة، لكن إذا أردنا تحديد موقعها في العهد ~~القديم، فيمكن القول بأنها كانت تقع في الشمال الغربي من إيران في ميديا القديمة، وهي مدينة ~~كانت مزدهرة إبان الاضطرابات المغولية. # 12 # وبخصوص المولد والنشأة، يعطينا المؤرخون والمترجمون طائفة قليلة من المعلومات التي لا خطر ~~لها ولا غناء فيها، والتي لا تكفي لإظهارنا على صورة واضحة لحياة السهروردي في طفولته ~~وصباه، ولعل كل ما نعرفه عنه أنه ولد في سهرورد، وأن تاريخ مولده يقع بين سنة 545ه (الموافق ~~1150م)، وسنة 550ه (الموافق 1155م)، وأنه قضى حياته الأولى بتلك البلدة القريبة من زنجان، وهي ~~«سهرورد»، وهنالك تلقى أول ما تلقى من ثقافات دينية وفلسفية أو تصوفية. أما على من تلقى هذه ~~الثقافات؟ وما مبلغ وقوفه عليها وتحصيله لها؟ وما الخصائص العلمية وغير العلمية التي امتازت ~~بها بيئته المنزلية من ناحية، وبيئته الاجتماعية من ناحية أخرى؟ ومن أبوه؟ وما مكانة هذا الأب؟ ~~وما أثره في تنشئة ابنه، وتثقيفه وتوجيهه؟ # 13 # فكل ذلك أمور لا يكاد الباحث يظفر بها أو يقف على بعضها فيما بين يديه من ~~المراجع، حتى الشهرزوري، تلميذ السهروردي المباشر وشارح مؤلفاته، لا يخبرنا في ترجمته ~~المطولة بإجابات شافية عن هذه الاستفسارات. # ولعل صغر سن هذا الفيلسوف الصوفي وكثرة أسفاره كانا من العوامل التي قيضت نطاق انتشار ~~علمه، أو ذيوع صيته، فلم يحفل ms017 بتتبع نشأته الأولى. # 14 # ثالثا: رحلاته # كان السهروردي كثير السفر والترحال والتنقل في مختلف الأقطار، فلقد كان السفر من بعض هواياته؛ # 15 # فلا يكاد ينزل ببلدة جديدة حتى يبحث عن العلماء والحكماء، ويأخذ عنهم علمهم، وعن ~~الحكماء حكمتهم، ويصاحب الصوفية، ويجالسهم، ويأخذ نفسه بالتجريد وسلوك طريقتهم من رياضات ~~ومجاهدات كانت سبيله إلى ما أشرقت به نفسه من أنوار المكاشفات. # 16 # فقد حدثنا الشهرزوري ما نصه: «كان قدس الله روحه كثير الجولان والطوفان في البلدان، ~~شديد الشوق إلى تحصيل مشارك له في علومه، ولم يحصل له. قال في آخر «المطارحات»: ها هو ذا قد ~~بلغت سني تقريبا ثلاثين سنة، وأكثر عمري في الأسفار والاستخبار والتفحص عن مشارك مطلع على ~~العلوم، ولم أجد من عنده خبر عن العلوم الشريفة، ولا من يؤمن بها، وأكثر العجب من ذلك.» # 17 # والبلاد التي سافر إليها السهروردي لا تتجاوز كما أخبرنا المؤرخون والمترجمون بلاد ~~الشام، وبلاد الروم. وقد حدثنا الشهرزوري أيضا عن السهروردي في موضع آخر، فقال ما نصه: ~~«... وسافر في صغره في طلب العلم والحكمة إلى مراغة، واشتغاله بها على يد «مجد الدين الجيلي»، في ~~أصفهان، وبلغني أنه قرأ هناك بصائر ابن سهلان الساوي على الظهير الفارسي، والله أعلم بذلك، ~~إلا أن كتبه تدل على أنه فكر في البصائر كثيرا، وسافر إلى نواح متعددة، وصحب الصوفية، ~~واستفاد منهم، وحصل لنفسه ملكة الاستقلال بالفكر والانفراد، ثم اشتغل بنفسه بالرياضات والخلوات ~~والأفكار، حتى وصل إلى غايات مقامات الحكماء ونهايات مكاشفات الأولياء.» # 18 # من هذا النص يتضح لنا أن السهروردي قد أخذ العلم في بداية حياته على يد «مجد الدين ~~الجيلي»، أستاذ فخر الدين الرازي، ثم سافر بعد ذلك إلى أصفهان، وأصفهان إحدى المدن الكبرى التي ~~استقر فيها «ابن سينا» وقتا غير قصير، واتخذ فيها قسطا كبيرا من موسوعته الفلسفية الكبرى ~~«الشفاء»، وكان له فيها تلاميذ وأتباع تعاقبوا إلى أن رآهم السهروردي، واطمأن إلى ~~صحبتهم، واتخذ منهم أصدقاء أولع بهم. وفي أصفهان قرأ السهروردي «بصائر ابن سهلان الساوي» ms018 ~~المتوفى سنة 450ه الموافق سنة 1060م. # وكتاب البصائر النصيرية من أجواد أنواع التلخيصات لمنطق الشفاء لابن سينا، كما أن ~~السهروردي، وهو بأصفهان، خاطب الفكر السينوي؛ فكتب له رسالة «بستان القلوب»، كما ترجم ~~«رسالة الطير» لابن سينا إلى اللغة الفارسية. # 19 # كما اتصل السهروردي بالشيخ «فخر الدين المارديني»، وكانت بينهما صداقات واجتماعات، ~~كما أخبرنا بذلك ابن أبي أصيبعة # 20 # حيث استفاد السهروردي من اتصاله به في تكوين مذهبه المشائي الذي عرض له في ~~«التلويحات واللمحات والمقامات والمطارحات وهياكل النور ...» إلخ. # ثم يذكر الشهرزوري أن السهروردي سافر إلى مناطق متعددة لطلب العلم دون أن يذكر ~~اسمها بالتفصيل، غير أنه أشار إلى أن السهروردي كان يفضل الإقامة ب «ديار بكر»، وقد اتصل ~~بأمير خربوط «عماد الدين قرة أرسلان» حاكم ديار بكر، وأهدى إليه كتابه «الألواح العمادية». # 21 # ويذهب «ماسينون» # Massignon # إلى أن السهروردي أسس مدرسة ~~إشراقية في بلاط هذا الأمير. # 22 # غير أن كتابات المؤرخين والمترجمين لم تؤيد هذا الرأي؛ حيث إن صغر سنه وكثرة ~~أسفاره لا تجعلنا نعتقد أنه كان لديه من الوقت ما يسمح له بتكوين مدرسة فلسفية، ولا سيما وأن ~~إقامته في الأناضول عند الأمير أرسلان لم تطل؛ لأن الشيخ كان كثير السفر، ميالا إلى التجوال. # 23 # على أن حياة التجوال التي كان يحياها السهروردي لم تقف به عند البلاد التي أشار ~~المؤرخون والمترجمون إلى أنه قد دخلها، وأفاد منها ما أفاد من ثقافات، واتصل فيها بمن اتصل من ~~شخصيات، وإنما هي قد امتدت به إلى الشام؛ حيث قدم مدينة حلب سنة 579ه، كما يقول «ابن أبي أصيبعة»، # 24 # وهي آخر البلاد التي سافر إليها، وفيها قتل بسبب معتقداته الفلسفية. # رابعا: مأساته # يحدثنا الشهرزوري بما قاله «فخر الدين المارديني» ما نصه: «ولما فارقنا السهروردي ~~من الشرق، وتوجه إلى حلب، وناظر فيها الفقهاء، ولم يجاره أحد؛ فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره ~~الملك الظاهر، واستحضر الأكابر والفضلاء المتفننة لسماع ما يجري بينهم من المباحث، فتكلم ~~معهم بكلام كثير، وبان له فضل عظيم وعلم ms019 باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر، وقربه وصار ~~مكينا عنده مختصا به؛ فازداد تشنيع أولئك عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيروها إلى دمشق إلى ~~صلاح الدين، وقالوا له: إن بقي أفسد اعتقاد الملك، وإن أطلق أفسد أي ناحية سلك، وزادوا عليه ~~أشياء كثيرة؛ فبعث إلى الملك الظاهر يقول بخط القاضي: «إن هذا الشهاب لا بد من قتله، ولا سبيل ~~إلى إطلاقه بوجه».» # 25 # من هذا النص يتضح لنا أن السهروردي عندما جاء إلى حلب، نزل المدرسة الحلاوية، وحضر درس ~~شيخها الشريف «افتخار الدين»، كما أخبرنا بذلك ابن أبي أصيبعة، # 26 # فأدناه إليه وقرب مجلسه منه ، وأظهر فضله للناس، وعرف مكانه فيهم، على أن ما ظهر من ~~فضل السهروردي وعلمه، وما أظهره من براعة في المناظرة، وإفحام في الحجاج، وما كان له من ~~منزلة كبرى عند الشيخ افتخار الدين، كل أولئك قد أحنق عليه الفقهاء، وأوغر صدورهم، فجعلهم ~~يرجفون به ويشنعون عليه، الأمر الذي ترتب عليه أن استحضره الملك الظاهر بن صلاح الدين، وصاحب ~~حلب في ذلك الحين، وعقد له مجلسا من الفقهاء والمتكلمين يباحثونه ويناظرونه، فيظهر عليهم ~~بحججه، وإذا بالملك يقربه، ويقبل عليه ويتخصص به، وإذا بالحانقين عليه والضائقين به من ~~الفقهاء يزداد حنقهم وغيظهم، وإذ هم يرمونه بالإلحاد والزندقة، ويكتبون إلى الملك الناصر صلاح ~~الدين يحذرونه من فساد عقيدة ابنه الظاهر بصحبته للشهاب السهروردي، ومن فساد عقائد الناس إن ~~هو أبقى عليه، فلم يكن من صلاح الدين إلا أن كتب إلى ابنه الظاهر يأمره بقتل السهروردي، ~~ويشدد عليه في ذلك ويؤكده، وما هي إلا أن استفتى فقهاء حلب في أمره فأفتوا بقتله. # والواقع أن هذه الحملة على السهروردي تدعو إلى التساؤل: هل هي وليدة خصومة شخصية ~~وتباين في الميول والطباع، أم ثمرة خلاف مذهبي؟ # في الحقيقة ذهب بعض المستشرقين، من أمثال ماكس هورتن # M. Horten # وغيره، إلى أن مقتل السهروردي يرجع إلى أسباب سياسية. يقول «هورتن» ما ~~نصه: «إن مذهب السهروردي ينطوي على إحياء المذهب الإسماعيلي القائل بأن أبناء علي ms020 هم ~~صور للتجلي الإلهي، ولهذا أعتبر ثائرا سياسيا يعمل على قلب النظام، وكان مصيره كمصير ~~الحلاج من قبل.» # 27 # ويوافق بعض الباحثين على هذا الرأي؛ فنجد الدكتور عبد الرحمن بدوي يقول إنه «لولا اتصال ~~السهروردي بالملك الظاهر، وما خشيه السلطان من تأثير هذه الصلة على المذهب السني الذي ~~كان يمثله صلاح الدين، لظل السهروردي طليقا حرا يفكر كما يشاء. ونفس ما حدث ل ~~«السهروردي» حدث للحلاج من قبل، فلولا أن الحلاج قد زج بنفسه في التيارات السياسية المضطربة ~~في عصره ومصره بين الشيعة والحنابلة، واتصاله برجال السياسة، لما حدث له شيء مما حدث من تعذيب ~~أو صلب . أما أن تكون أسباب اتهامه هي مسائل ترجع إلى آرائه، فلم يكن إلا تكأة استند إليها ~~السلطان فحسب، وإن في وسعه أن يجد غيرها لينكل به كما فعل لو لم توجد هذه الآراء.» # 28 # وإذا كان بعض المستشرقين والباحثين يرجع حادث مقتل السهروردي إلى أسباب سياسية، فإن ~~هناك أسبابا أخرى يجب ألا نغفل عنها، وهي أن جرأة السهروردي وقسوته على معارضيه هي التي ~~جنت عليه، وهذا الشهرزوري تلميذ السهروردي أقوى شاهد إثبات؛ حيث فصل القول في هذا ~~تفصيلا تاما، وأظهرنا على أن السهروردي كان يصرح في البحوث بعقائد الحكماء، لأنه كان ~~صارما في جدله، مفحما في حجته، لا يأخذ خصومه في هوادة، ولا يخاطبهم في لين. # 29 # هذا بالإضافة إلى ما كان يظهره بقوة روح القدس، وما نسب إليه من العظائم، وأنه ادعى ~~النبوة، فكل ذلك كان سببا في أن يجمع الفقهاء أمرهم على تكفيره وإباحة دمه، والحكم عليه ~~بالقتل. ولكن الشهرزوري يرى أن السهروردي بريء من ذلك. # 30 # من هذا يتبين لنا أن جرأة السهروردي وتهوره وقلة تحفظه من الأسباب التي جنت عليه؛ ~~فمن يدري فلعل السهروردي لو أنه اصطنع كثيرا أو قليلا من التحفظ والاعتدال، وأمسك عن ~~كثير أو قليل من تصريحاته وعباراته، لكان للفقهاء معه شأن آخر؟ ولكنه وقد أطلق نفسه على سجيتها، ~~وأطلق لأذواقه وأفكاره ومذاهبه كل حريتها، لم ms021 يستطع أن يكون غير ما كان، ولا أن يقول غير ما ~~قال، ولم يستطع الفقهاء إلا أن يحرجوه ويدحضوا مزاعمه وينسبوه إلى الكفر والضلال ويفتوا بقتله. # 31 # وينفرد العماد الأصفهاني، الذي كان معاصرا ل «السهروردي»، بإيراد القصة الكاملة ~~لمقتله فيقول ما نصه: «في سنة 588ه، قتل شهاب الدين السهروردي وتلميذه شمس الدين بقلعة ~~حلب. أخذ بعد أيام، وكان فقهاء حلب قد تعصبوا عليه، ما خلا الفقيهين «ابني جهيل» فإنهما ~~قالا: هذا رجل فقيه، ومناظراته في القلعة ليس بحسن، ينزل إلى الجامع ويجتمع لهم، ويعقد له ~~مجلس في الخلاف معه، وقالوا له: أنت قلت في تصانيفك «إن الله قادر على أن يخلق نبيا »، وهذا ~~مستحيل، فقال لهم: ما حد لقدرته، أليس القادر إذا أراد شيئا لا يمتنع عليه؟ قالوا: بلى، ~~قال: فالله قادر على كل شيء، قالوا: إلا على خلق نبي فإنه مستحيل، قال: فهل يستحيل مطلقا أم ~~لا؟ قالوا: كفرت، وعملوا له أسبابا لأنه بالجملة كان عنده نقص عقل لا علم، ومن جملته أنه سمى ~~نفسه المؤيد بالملكوت.» # 32 # وإذا كان السهروردي قد قتل بالفعل، فكيف نفذ فيه حكم القتل؟ وعلى أي وجه قتل؟ # اختلفت الروايات وتضاربت الأقوال في هذا الموضوع، فنجد أن الشهرزوري يقول: «... ورانت ~~الناس مختلفين في قتله، فزعم بعضهم أنه سجن ومنع الطعام.» وبعضهم يقول: «منع نفسه حتى مات.» ~~وبعضهم يقول: «خنق بوتر.» وبعضهم يقول بسيف، وقيل إنه «حط في القلعة وأحرق.» # 33 # كما يخبرنا ابن أبي أصيبعة؛ حيث يقول: «ولما بلغ الشهاب السهروردي ذلك (نبأ قتله)، ~~وأيقن أنه مقتول وليس جهة إلى الإفراج عنه، اختار أن يترك في مكان منفرد، ويمنع من الطعام ~~والشراب إلى أن يلقى؛ ففعل به ذلك.» # 34 # من هذين النصين يتضح أنه لا يمكن أن نرجح كيف قتل السهروردي، غير أنه يمكن القول مع ~~«هنري كوربان»، بأنه قتل بطريقة سرية. # 35 # أما عن معرفة التاريخ الذي وقع فيه حادثة القتل، فنجد أن المؤرخين والمترجمين ~~يختلفون في إيراد وفاته، إلا أن الاختلاف ليس ms022 كبيرا؛ فهو لا يتعدى سنتي 586ه و588ه؛ فنجد أن ~~الشهرزوري يذكر 586ه على أنها السنة التي قتل فيها أستاذه، # 36 # وكذلك العماد الأصفهاني يذكر حادث مقتله 588ه. # 37 # إلا أن معظم الباحثين والمؤرخين والمترجمين يرجحون من بين هذه التواريخ جميعا 587ه # 38 # وهو يوافق 29 يوليو سنة 1191م # 39 # يعني أن عمره كان حينئذ 36 عاما بالتقويم العربي القمري، ويلاحظ أن تاريخ وفاته ~~سابق على التاريخ الذي مات فيه ابن رشد، وذلك بسبع سنين. # خامسا: حياته الفكرية # يعتبر السهروردي أول من تصدى للفلسفة المشائية في القرن السادس الهجري، فقد أعرب في ~~مصنفاته عن تبرمه بالفلسفة المشائية وحرصه على تخطيها بالاتجاه نحو فلسفة إشراقية تنم عن ~~أعماق شجونه الفكرية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن السهروردي متصوف قبل أن يكون ~~فيلسوفا، وقد انتهى من فلسفته إلى حكمة الإشراق التي تدل على مذهبه الحقيقي، وقد تفلسف غيره من ~~متصوفي الإسلام، ولكن أحدا منهم لم يربط الفلسفة بالتصوف مثلما فعل، فهو يضع الفلسفة ~~والتصوف في علاقة خاصة لا نجدها إلا عنده، وهو يميز بين نوعين من الحكمة متقابلين: «الحكمة ~~البحثية» المعتمدة على التحليل والتركيب والاستدلال البرهاني، وتهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، ~~وهي حكمة الفلاسفة، حكمة الإشراقيين، وليس ثمة تعارض حقيقي بين الحكمتين، وإنما هو تعارض ~~ظاهري؛ لأن الإشراقي الحقيقي هو الذي يتقن الحكمة البحثية، وينفذ في الوقت نفسه إلى أسرار ~~الحكمة الذوقية. # 40 # وفي هذا يحدثنا الشهرزوري ما نصه: «جمع (يعني السهروردي) بين الحكمتين، أعني ~~الذوقية والبحثية. أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من سلك سبيل الله عز وجل، وراض نفسه ~~بالأذكار المتوالية، والمجاهدات المتتالية، رافضا عن نفسه التشاغل بالعالم. طالبا بهمته ~~العالمية مشاهدة العالم الروحاني، فإذا استقر قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات ~~أستاره، حتى ظفر لمعرفة نفسه، ونظر بعقله إلى ربه، ثم وقف بعد هذا على كلامه، فلتعلم جيدا أنه ~~كان في المكاشفات الربانية آية، والمشاهدات الروحانية نهاية، لا يعرف غوره إلا الأقلون، ولا ~~ينال شأوه ms023 إلا الراسخون. وأما الحكمة البحثية فإنه أحكم شأنها وشيد أركانها وتميز عن المعاني ~~الصحيحة البارزة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة، وأتقنها ورآها، لا سيما في الكتاب المعروف ~~ب «المشارع والمطارحات»، فإنه استوفى فيه بحوث المتقدمين والمتأخرين، وتفحص فيه معتقد ~~الحكماء الأقدمين، وأكثر تلك البحوث والمتناقضات، والأسئلة والإيرادات، من تصرفات ذهنه ~~ومكنون علمه، وذلك يدلل على قوته في الفن البحثي والعلم الرسمي، واعلم أن قيم كلامه ومعرفة ~~أسراره مشكل جدا على من لا يسلك طريقته.» # 41 # وهذا الجمع المحكم بين الحكمتين «الذوقية والبحثية»، يدل دلالة واضحة على مظاهر الأصالة ~~في التفكير عند السهروردي؛ فبحسب النظرية السهروردية أن المجهود الفكري للنفس ~~الإنسانية، لا يحقق لها الغاية المرجوة، التي هي المعرفة التامة، إلا بالتجربة الداخلية والذوق ~~الباطني، كما أن الاختبار الروحي بدوره، لا يزدهر ويرسخ وينتج ثمراته المطلوبة، إلا إذا قام ~~على أساس ثابت من العلم والفلسفة. # 42 # وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن النظرية السهروردية تدعو إلى «حشد» كل ضروب ~~العهد - بما فيها الإسلام - لشرح «روحية الإشراق» بنقل اعتبار التوجيه للإسلام في المجتمع ~~الإسلامي إلى روحيته الإشراقية. # 43 # وهذه المحاولة تبين لنا أن السهروردي كان موسوعي النزعة، لا يقنع بكتاب، ولا يقف ~~عند شيخ، ويأبى إلا أن يضم الحكماء بعضهم إلى بعض، سواء أكانوا شرقيين أو غربيين، وكأنما كان ~~يطبق الحديث القائل: «الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها»، فجمع بين حكماء الفرس واليونان، ~~وبين كهنة مصر وبراهمة الهند، وآخى بين أفلاطون وزرادشت، وبين فيثاغورس وهرمس، وشاء أن يضم ~~الروحانيين بعضهم إلى بعض دون تفرقة بين جنس ووطن. # 44 # هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى استطاع أن ينبهنا إلى دراسة المنطق والفلسفة، وما لهما من ~~قيمة كبرى وخطر عظيم وأثر كبير في إعداد طلاب الحكمة وتثقيفهم؛ فهو يرى أنه لا بد لطالب العلم ~~والمعرفة من أن يلم إلماما تاما بالفلسفة الأرسطية والمنطق والرياضيات والتصوف، وأن يخلص ~~نفسه من شوائب الهوى والشهوة؛ بحيث يستطيع أن ينمي تدريجيا هذه الحاسة التي تحقق وتصحح ms024 ما ~~يأخذه العقل على أنه نظري خالص، والتي تعرف عند الصوفية باسم الذوق. فإن العقل الذي يعمل ~~وحده دون أن يكون له عون أو مؤيد من الذوق لا يصح أن يوثق فيه ثقة مطلقة أو يطمأن إليه ~~اطمئنانا لا شبهة فيه ولا غبار عليه؛ ومن ثم كان السهروردي حريصا على أن يؤيد العقل بالذوق. # 45 # سادسا: آثاره # لقد كان لمصير السهروردي أثره في أن يظل إنتاجه الفلسفي مختفيا لبعض الوقت، نظرا لما ~~شاع عنه من مروق في الدين، إلا أن تلامذته قد اهتموا بتتبع أخباره، وعلى الأخص الشهرزوري # 46 # الذي ذكر في ترجمته لمصنفات السهروردي تسعة وأربعين كتابا ورسالة، فضلا عما ~~ذكره من مصنفات منثورة ومنظومة تصور عبقرية السهروردي في النثر والنظم. ولم تصل إلينا ~~معظم تلك الآثار والمصنفات التي يعددها الشهرزوري ل «السهروردي»، اللهم إلا كتب ~~ورسائل نشر أقلها وما يزال أكثرها مخطوطا حتى الآن، وتوجد منه نسخ خطية تختلف كثرة وقلة في ~~مكتبات الشرق والغرب، يضاف إلى هذا أن صحة نسبة بعض ما يذكره الشهرزوري إلى السهروردي ~~ما يزال في حاجة ماسة إلى تحقيق وموازنة تكشف عن وجه الحق فيها. # ومهما يكن من شيء، فإن إثبات الشهرزوري لمصنفات السهروردي يمكن أن يعد إثباتا ~~كليا، إذا قيس إلى ثبوت غيره من المؤرخين والمترجمين، من أمثال ابن أبي أصيبعة، وابن خلكان، ~~وياقوت الحموي، وحاجي خليفة، والتي من أخص خصائصها أنها جزئية ذكرت شيئا وأغفلت أشياء، وما ~~أغفلته كان أكثر بكثير مما ذكرته. غير أننا نجد أن محاولة الشهرزوري ليست بحثا في العلاقة ~~بين ترتيب كتب السهروردي وتطور فلسفته، بل إنها تعداد لكتبه ورسائله دون مراعاة لأي اعتبار ~~تصنيفي. # أما أول من قام بمحاولة التصنيف هذه من الكتاب المحدثين فهو ماسينون، # 47 # الذي يقسم كتب السهروردي إلى ثلاثة أقسام بحسب مراحل ثلاث من حياته الفلسفية ~~وسمت كل منها تفكيره بطابع معين. وهذه المراحل هي: ~~(1) # مرحلة الشباب أو «العهد الإشراقي»: وتشمل الألواح العمادية، وهياكل النور أو الرسائل ~~الصوفية، وكان ذلك بالاستناد إلى ms025 ما أورده الشهرزوري. ~~(2) # مرحلة العهد المشائي: وتشمل التلويحات واللمحات والمقاومات والمطارحات. ~~(3) # المرحلة الثالثة: وهي العهد الأخير الذي تأثر فيه بالأفلاطونية المحدثة وابن سينا، ~~وتشمل حكمة الإشراق واعتقاد الحكماء. # ولقد فتحت محاولة المستشرق الفرنسي «ماسينون» باب الخوض في تصنيف كتب «السهروردي» أمام ~~المستشرقين، فذهب سبيز وختك # Spies and Khattak # 48 # ليقررا أن رسائل السهروردي الصوفية والفلسفية، مثل «مؤنس العشاق» و«لغة موران» ~~و«صفير سميرغ»، هي من أعمال السهروردي المبكرة. # إلا أن المحاولة الرصينة التي قام بها المستشرق الفرنسي الأستاذ «هنري كوربان # Henry Corbin ~~» # 49 # بعد ذلك، نقلت هذه المسألة من بحث تاريخي لتصنيف السهروردي إلى بحث في فلسفته ~~والإبانة عن تطور فكره، منذ تحصيله الأول في «مراغة» إلى امتلاك أساليب الجدل في «حلب». كما ~~يذهب أيضا «هنري كوربان» إلى أن كتب السهروردي لا يمكن أن تصنف تبعا لمراحل سيرته، بل ~~إن هذه المؤلفات ، المتجانسة في الغاية، يشير الواحد منها إلى الآخر بشكل ظاهر أو خفي. ولذلك ~~اعتمد تصنيفه على الوحدة الجوهرية لآثار الشيخ، وعلى النهج المعنوي الذي ينظم ويؤلف بين هذه ~~الآثار في دلالتها على مثال واحد؛ فأهمل تصنيفه، وبالتالي التسلسل التاريخي، واعتمد الأواصر ~~المعنوية والنفسية في تقدير المشاكلة. وهو يقسم كتب السهروردي إلى أربعة أصناف: ~~(1) # صنف يشتمل على رسائل يمكن أن يطلق عليها اسم «الرسائل الاعتقادية الكبرى»، وهي مكتوبة ~~بالعربية، وقد وضعت الرسائل الثلاث الأولى، وهي «التلويحات والمقاومات والمشارع ~~والمطارحات» على أن تكون إعدادا وتمهيدا لدراسة الرابعة، وهي حكمة الإشراق التي يعدها ~~السهروردي أهم مصنفاته جميعا. ~~(2) # صنف يشتمل على طائفة من الرسائل الاعتقادية الصغرى، بعضها كتب بالعربية وكتب بعضها ~~الآخر بالفارسية، كما هو الشأن في هياكل النور. ويدخل تحت هذا الصنف «الألواح العمادية» ~~و«بستان القلوب» و«اعتقاد الحكماء» و«كلمة التصوف» و«كشف الغطاء» و«اللمحات في ~~الحقائق». ~~(3) # صنف يشتمل على طائفة أخرى من الرسائل وضعت في صورة أمثال وحكايات توجيهية وقصص ~~رمزية، وقصد بها الإرشاد والتوجيه، ويكاد كلها يكون مكتوبا بالفارسية، إلا القليل منها ~~فقد كتب بالعربية، أو كتب بالعربية والفارسية، كما هو الشأن ms026 في رسالة «الغربة الغربية»، ~~ويدخل تحت هذا الصنف: رسالة عقل، ورسالة «آواز بر جبرائيل»، وكلمات ذوقية (= الأبراج)، ~~ولغة موران، و«مؤنس العشاق» (= العشق)، ورسالة «درخالة طفولية»، ورسالة «روزي باجماعت ~~صوفيان»، و«رسالة الطير»، ورسالة «صفير سميرغ». ~~(4) # صنف يشتمل على مجموعة من الواردات والتقديسات التي هي أشبه ما تكون بالمزامير، وتدور ~~حول طقوس يومية تقديسا للملائكة القائمين على أمر الكون. والمخطوطات التي عثر عليها من ~~هذا الصنف ما تزال نادرة حتى الآن. ويقول الأستاذ كوربان إنه «لم يقف منها إلا على ~~مخطوطات إستانبول». # 50 # ويساير الدكتور سيد حسين نصر # 51 # هذا الترتيب، وذلك في خمسة أقسام: # القسم الأول: # مؤلفات كلها باللغة العربية، وأهمها أربعة، منها ثلاثة عن الفلسفة المشائية تلويحات ~~ومقاومات ومطارحات، أما الأخير فيدور حول حكمة الإشراق. # القسم الثاني: # مؤلفات مكتوب بعضها باللغة العربية وبعضها الآخر باللغة الفارسية ، تتناول بالتفصيل ~~الموضوعي الدقيق بعض الجوانب المتصلة بالمؤلفات الأولى. وهي عموما موجزات، وتشمل ~~العناوين التالية الرئيسية: «هياكل النور، الألواح العمادية، بارتا نامة، اعتقاد ~~الحكماء، اللمحات، يزدان شناخت» التي تنسب أحيانا إلى «عين القضاة» الهمذاني، و«بستان ~~القلوب» الذي ينسب بدوره إلى السيد الشريف الجرجاني أحيانا بعنوان «روضة ~~القلوب». # القسم الثالث: # مؤلفات كلها باللغة الفارسية، وهي أقاصيص وحكايات كتبت بلغة رمزية، تصف الطريق ~~التي يجب على مبتدئي السالكين، واتخاذها كي يصلوا إلى المعرفة الباطنية والإشراقية، ~~وأهمها عقلي سرخ، وأواز بر جبرائيل والغربة الغربية (وهو نفسه مكتوب بالعربية)، لغة ~~موران، رسالة في حالة الطفولية، روزي باجماعت صوفيان، ي صوفيات، رسالة في المعراج، صفير ~~سميرغ. # القسم الرابع: # مؤلفات تشتمل على شروح وترجمات لنصوص فلسفية قديمة ضمنها كتب في المدخل للمذاهب ~~الباطنية، وينبغي أن نعد بينها ترجمته الفارسية لرسالة الطير لابن سينا، والشرح ~~الفارسي لكتاب «الإشارات والتنبيهات» لنفس المؤلف، ورسالته في حقيقة العشق التي ~~تعتمد على رسالة أخرى لابن سينا بعنوان «رسالة العشق»، وشرحه لبعض آيات القرآن ~~ولمجموعة من الأحاديث. # القسم الخامس: # مؤلفات تشتمل على صلوات وأدعية وأوراد وأذكار يسميها السهروردي الواردات ~~والتقديسات. # ولا يشير الدكتور سيد حسين نصر ms027 إلى تصنيف تاريخي لكتب السهروردي؛ فهو، على غرار ~~الأستاذ «هنري كوربان»، يقيم علاقة معنوية بين كتب السهروردي، ويصنفها بحسب تقارب ~~المضمون. # أما الدكتور محمد علي أبو ريان، فيرى - هو أيضا - أن كل محاولة تاريخية لتصنيف كتب ~~السهروردي تعد بعيدة كل البعد عن الروح العلمية؛ لأن التداخل بين أفكار هذه الكتب ~~وظروف تأليفها يحول دون التصنيف المنهجي السليم. # 52 # ويذهب إلى أن مؤلفات الشيخ يجب أن تصنف تصنيفا تعليميا. # 53 # ثم ينصح القارئ أن يبدأ بقراءة «التلويحات» ثم «المقاومات» ثم «المطارحات»، وذلك ~~قبل الشروع بقراءة «حكمة الإشراق»، وهو يرى أن تكون قراءة هذا الأخير تحت إشراف موجه مرشد هو ~~«القائم بالكتاب»، حتى يقف المريد على بعض مبادئ «الإشراق». # والجدير بالذكر أن السهروردي ينصح باتباع هذا الترتيب في قراءة بعض كتبه، وخاصة ~~المطارحات؛ فهو يقول: «وهذا الكتاب، أي المطارحات ، ينبغي أن يقرأ قبل حكمة الإشراق، وبعد ~~التحقيق المختصر الموسوم بالتلويحات، فإذا استحكم الباحث هذا النمط، فليشرع في الرياضات ~~المبرقة بحكم القيم على الإشراق، حتى يعاين بعض مبادئ الإشراق، ثم يتم له مباني الأمور ... ~~وأول الشروع في الحكمة هو الانسلاخ عن الدنيا، وأوسطه مشاهدة الأنوار الإلهية، وآخره لا نهاية له.» # 54 # ومن هذا النص نجد أن الدكتور محمد علي أبو ريان أراد أن يكمل افتراض ما أوصى به ~~السهروردي، وهو لذلك يستحسن أن يقرأ المريد الرسائل أثناء قراءته من حكمة الإشراق؛ لأنها ~~تساعده على مشاهدة الأنوار القاهرة. ويفطن الباحث أخيرا إلى أن السهروردي لم يجعل ل «هياكل ~~النور» مكانا خاصا في ترتيب قراءة الكتاب، فيعود إلى الأخذ بطريقة الأستاذ «هنري كوربان» في ~~اختيار مكان له «بحسب محتوياته». ولما كان محتوى هذا الكتاب وثيق الصلة بما ورد في «حكمة ~~الإشراق»؛ فقد وجد الدكتور محمد علي أبو ريان أنه من المستحسن قراءته قبلها مباشرة. # 55 # وهكذا بدأ الدكتور محمد علي أبو ريان تصنيفه معتمدا على نصح السهروردي في ~~قراءة بعض كتبه، ثم انتهى إلى طريقة الأستاذ «هنري كوربان» في البحث عن محتويات للكتب الموضوعية ~~التي ms028 تؤلف بينها، ثم تحديد مكانها من «حكمة الإشراق». # 56 # من كل ما سبق يتبين لنا أن كل المحاولات التي بذلت لتصنيف كتابات السهروردي، حسب ~~تسلسلها التاريخي، قد وجدت صعوبات كثيرة، وأهم هذه الصعوبات أن السهروردي قليلا ما يذكر ~~سنة تأليفه كتبه، إضافة إلى أنه لم يكن ل «السهروردي» منحى واضح في سيره الفكري، كما هو ~~الحال عند الغزالي، لذلك كانت محاولة تصنيف كتبه حسب التسلسل التاريخي في غاية الصعوبة. وقد عرض ~~الدكتور «إميل المعلوف»، في مقدمته لكتاب اللمحات، إلى المحاولات التي تمت لتصنيف كتبه حسب ~~تسلسلها التاريخي، أو حسب تطوره الفكري، أو اعتمادا على الوحدة الجوهرية للمؤلفات، لينتهي من ~~مناقشة هذه التصنيفات المختلفة إلى أن «كتب السهروردي جميعا تشير إلى ثنائية في التفكير ~~عرفها الرجل في شبابه، وهي عبارة عن ثقافة صوفية فلسفية، توضحت معالمها في كتابه ~~«حكمة الإشراق»؛ ف «السهروردي» لم يبدأ مشائيا ثم انتهى إشراقيا، أو العكس بالعكس، ~~بل إنه سار في الاتجاهين معا منذ ريعان الصبا، ثم راح أحد الاتجاهين يغلب على الآخر في سياق ~~التأليف، وهو دون الثلاثين، فبرز الاتجاه الإشراقي في الرسائل على حساب الاتجاه المشائي، ~~بخلاف ما حصل في الكتب الأرسطوطاليسية، حتى توحد الاتجاهان في حكمة الإشراق الذي لا يخلو من ~~منهجية الفلاسفة وطرقهم في معالجة أبواب المنطق وما بعد الطبيعة، على كون الشيخ لا يباحث فيه ~~إلا أصحابه الإشراقيين». # 57 # ولا شك في أن كل المحاولات التي بذلت من قبل الباحثين لتصنيف كتب السهروردي، برغم ~~الصعوبات التي واجهتها، تنطوي على دقة وإبداع. ومن ثم يمكن حصر مؤلفات السهروردي في ~~مجال المنطق الإشراقي على النحو التالي: ~~(1) # التلويحات اللوحية والعرشية. ~~(2) # المقاومات. ~~(3) # المشارع والمطارحات. ~~(4) # اللمحات في الحقائق. ~~(5) # هياكل النور. ~~(6) # حكمة الإشراق، وهذا الكتاب يمثل خلاصة فكر السهروردي، وهو الأساس الذي نعتمد عليه ~~في عرض آراء السهروردي في المنطق الإشراقي، إلا أنه بحسب تلميذه الشهرزوري: «كنز ~~مخفي وسر مطوي، وله طرق مخصوصة تصل إليه منها، وقل من يسلكها ويعرفها، ولم يتيسر ~~لأكثر من جاء بعده من الأفاضل ms029 أن يصل إليه أو يحل رموزه؛ لاشتغالهم بأمور الدنيا، ولإلفهم ~~وعاداتهم بكلمات المشائين.» # 58 # الفصل الثاني # | المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة الصوفية عند السهروردي # تمهيد # ذهبت الصوفية إلى أن مصدر المعرفة أمر آخر غير الحس والعقل. قد يكون الحدس، وقد يكون ~~الذوق، وقد يكون البصيرة، وقد يكون الإلهام؛ ذلك أن الصوفية لم يهتدوا بعد إلى معرفة كنه هذه ~~الحاسة الغريبة، ولا إلى موضعها من الحياة الروحية، وإن وصفها الجميع، أو بالأحرى وصفوا مظاهرها ~~ووظائفها، بصفات متقاربة؛ فهي نوع ما من التعقل تدرك وتعرف، ومع ذلك ليست هي العقل الذي نعرفه ~~وهي تنزع نحو موضوعها وتتعشقه إلى درجة الفناء فيه؛ أي إن فيها عنصري الإرادة والوجدان، ~~ولكنها مع ذلك ليست الإرادة التي نعرفها، ولا هي واحدة من العواطف التي لنا عهد بها؛ فهي حاسة ~~عاملة مريدة وجدانية مختلفة تمام الاختلاف عن الحواس والقوى العقلية الأخرى التي تدرك عملها في ~~حياتنا الشاغرة. # وقد أطلق الصوفية على هذه الحاسة المتعالية اسم القلب والسر وعين البصيرة، وما إلى ذلك من ~~الأسماء التي تعدو أن تكون رموزا لحقيقة واحدة تفترض وجودها ولا ندرى من كنهها شيئا. # 1 # المهم أن الصوفية لا يعترفون بالحس والعقل مصدرا للمعرفة البشرية الحقة؛ لأنهم يميزون بين ~~ظاهر الشيء وحقيقته، وبين الشكل والمضمون، وهم في تميزهم هذا قد ذهبوا إلى أن المعرفة خاصة ~~بالمحسوسات، وأن العقلية خاصة بالمعقولات الحاصلة عن المحسوسات. ولكن ثمة معقولات أخرى ليس ~~مصدرها الحس أو العقل، وهذه المعقولات الموجودة والموجودات المعقولة لا يمكن إدراكها أو بلوغها ~~لا بالحس ولا بالعقل الذي يعتمد أساسا على الحس، وهذه المعقولات تدرك بالحس الصوفي. # 2 # وهذا يعني أن المعرفة الصوفية وجدانية، أداتها القلب الذي ينشد الصفاء؛ لأن القلب الطاهر ~~هو ينبوع المعرفة الحقة التي يبحث عنها الصوفية ولسان حالهم يقول: «راقب قلبك لأن ملكوت السماء ~~موجود في نفسك.» ويستشهدون بالحديث القائل: «من عرف نفسه فقد عرف ربه.» # 3 # ويعتقد الصوفي أن قلب الإنسان مرآة يجب أن تتجلى فيها الصفات الإلهية كلها، وإذا ms030 انعدم ~~ذلك فمرجعه وجود الصدأ في هذه المرآة، وواجبنا هو الجد والاجتهاد في سبيل إزالة الصدأ والغبار ~~عنها. ونقاء مرآة القلب هو في عرف الصوفية منوط بمجاهدة الفرد أولا، ثم بالفضل الإلهي خاصة؛ ~~أي نتيجة للفيض الرباني الذي يسمى في اصطلاحهم بالتوفيق. ولكن على الإنسان أن يبذل الجهد حتى ~~يجعل نفسه مستعدة وقابلة للفيض، ويصبح مصداقا للآية الكريمة: # والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ~~. # 4 # وقد كتب سعد الدين الحموي في رسالة «علوم الحقائق وحكم الدقائق» فصلا خاصا بعنوان «فصل ~~في المعرفة»، أكد فيه أن المعرفة نوعان؛ أحدهما معرفة بالعقل؛ أي بالاستدلال العقلي، والآخر ~~معرفة الحق بالحق؛ أي لا يمكن تحقيقها إلا بشهود محض وتجل خالص. الأولى كسبية تعليمية، ~~والمشتغل بها عادل عاقل مستدل، والثانية بديهية، وهي من شأن العارف الكامل؛ أي هي المعرفة ~~الصوفية القائمة على خصوصيات محددة، مثل كونها ذوقية تتم عن طريق الكشف والإشراق؛ ذلك أن ~~الصوفي لا يعد طريقة الحكماء الإلهيين والمتكلمين والفلاسفة أيضا كافية للكمال الإنساني ~~ولإيصال الفرد إلى معرفة ربه التي هي هدف كل صوفي. وخلاصة أقوال الصوفية أنه بالإضافة إلى أن ~~التسلح بسلاح العلم والحكمة والمنطق ليس مما يقدر عليه كل إنسان، ولا هو في متناول كل فرد، ~~فإنه أيضا لا يؤدي لنتيجة إيجابية في هذا الاتجاه. وعلاوة على ذلك فالإنسانية تأخذ عن بعضها ~~هذه العلوم وتتوارثها جيلا عن جيل كما قال بها الأسبقون، وفي ذلك تقيد بما قال به القدماء وما ~~رسموه من مقدمات تؤخذ بصفة مسلمة، وهو ما عابه عنهم أبو اليزيد البسطامي في قوله: «أخذ الناس ~~العلم من الأموات ونحن أخذنا العلم من حي لا يموت أبدا. كلهم يقولون بالحق، وإني أقول عن الحق، ~~فلا جرم أن ليس هناك شيء أصعب من متابعة العلم، أي علم تعليم الظاهر.» # 5 # ومن هذا المنطلق فإننا نناقش في هذا الفصل المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة عند ~~السهروردي؛ وذلك على النحو التالي: # أولا: مفهوم المنطق عند السهروردي # ذهب السهروردي في كثير من ms031 كتاباته إلى نوع من العلم لا يأتي عن طريق التجريد الذهني، أو ~~تمثل صورة الموضوع في الذهن، كما هو عليه الفلسفة الأرسطية، بل إنه يرى أن هذا علم لا يزيد ~~شيئا على الذات العارفة؛ بل العلم عند السهروردي تكشف يتحد فيه الموضوع بالعارف؛ لأن ~~الذات العارفة نفسها من نوع الموضوع، فهي نور وشعور بهذا النور، ثم إن موضوع المعرفة هو الأنوار ~~العقلية. # فالمعرفة عند السهروردي لا تقوم على تجريد الصور كما يقرر المشاءون، بل تقوم على ~~الحدس الذي يربط الذات العارفة بالجواهر النورانية ... فعندما يكون الموضوع معروضا للنظر، وترفع ~~الحجب، يحصل للنفس إشراق حضوري على المبصر؛ فتراه النفس بحضوره عندها، وليس عن طريق صورة صادرة ~~عن الموضوع، ومرتسمة في النفس؛ فالنفس عندما تضاء جوانبها بالإشراق تدرك الموضوع الحاضر، وهذه ~~القدرة للنفس على استحضار الموضوع تختص بالنفس وحدها في حالة مفارقتها للبدن وتجردها عن ~~علائقه ... ويتدرج هذا الإدراك حسب درجة النفس في التسلط على قوى الجسد، أو تسلط الجسد على ~~قوى النفس؛ فمن أنوار مشرقة إلى ظلمات غاسقة، وليست هناك شروط خاصة للمعرفة المباشرة عند ~~السهروردي إلا في خلاص النفس من البدن. # 6 # وبناء على هذه النظرية في المعرفة، وبناء على أن العالم الحسي وهم، والوجود الحقيقي هو ~~وجود النفس والروح؛ ومن ثم يرى السهروردي أن الإدراك الحسي أقرب إلى إدراك المعقول منه ~~إلى المحسوس؛ إذ إن موضوعاته ليست المحسوسات فحسب، بل أيضا الإشراقات، وهو أبسط وأول مراحل ~~اتصال النفس بالعالم الخارجي. # 7 # أما الإدراك العقلي؛ فقد قبل السهروردي آراء المشائية فيما يختص بمشكلة العقل التي ~~تقسم العقل إلى عقل هيولاني، وعقل ممكن، وعقل بالملكة، وعقل مستفاد، والروح القدس، إلا أن ~~السهروردي يزيد على هذا الموقف اتجاهه الإشراقي؛ فموضوعات المعرفة ليست المحسوس الذي ~~يجرد العقل منه الصورة المعقولة، بل الموضوع يستثير الذهن العارف فيحل للذهن إشراق حضوري ~~هو فعل المعرفة، وعملية الإشراق تربط بين المحسوس ومثاله حسب نظرية المثل. # 8 # إذن السهروردي يرى، شأنه شأن كثير من المتصوفة، أن وراء طور ms032 الحس والعقل طورا آخر ~~ينبغي اللجوء إليه، والاعتماد عليه، وهو الكشف أو الذوق. # من هذا المنطلق قام السهروردي بمحاولة جادة وصريحة لجذب أرسطو العقلي صاحب البحث ~~والبرهان إلى ميدان الكشف والذوق، ومحاولة استنطاق أرسطو بالمبادئ الإشراقية، ثم الوقوف ضد ابن ~~سينا كثيرا، مستخدما كل أنواع المذهب الإشراقي، سواء عند الفرس أو الصابئة وغيرهم. # 9 # ومبدأ هذا المذهب وأساسه الأول أن: «الله نور الأنوار، ومصدر جميع الكائنات، فمن نوره خرجت ~~أنوار أخرى هي عماد العالم المادي والروحي. والعقول المفارقة ليست إلا وحدات من هذه الأنوار ~~تحرك الأفلاك، وتشرف على نظامها»؛ فالمذهب الإشراقي، على ما يذكر الدكتور إبراهيم مدكور، يعتمد ~~إذن على نظرية العقول العشرة الفارابية مختلطة بعناصر مزدكية ومانوية. # 10 # وإذا كان العالم في جملته قد برز من إشراق الله ~~وفيضه، فالنفس تصل كذلك إلى بهجتها بواسطة الفيض والإشراق. فإذا ما تجردنا عن الملذات ~~الجسمية، تجلى علينا نور إلهي لا ينقطع مدده عنا . وهذا النور صادر عن كائن منزلته منا كمنزلة ~~الأب والسيد الأعظم للنوع الإنساني، وهو الواهب لجميع الصور ومصدر النفوس على اختلافها، ~~ويسمى الروح المقدسة أو بلغة الفلاسفة العقل الفعال، كما يذكر السهروردي في هياكل النور، # 11 # ومتى ارتبطنا به أدركنا المعلومات المختلفة، واتصلت أرواحنا بالنفوس السماوية التي ~~تعيننا على كشف الغيب في حال اليقظة والنوم. وليس للتصوف من غاية إلا هذا الارتباط، ~~والإشراقيون يسعون إليه ما استطاعوا، وكثيرا ما ينعمون به. أما الأنبياء فهم في اتصال دائم ~~وسعادة مستمرة. يقول السهروردي: «إن النفوس الناطقة من جوهر الملكوت، وإنما يشغلها عن ~~عالمها هذا القوى البدنية ومشاغلها، فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية، وضعف سلطان القوى ~~البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر، تتخلص أحيانا إلى عالم القدس، وتتصل بأبيها المقدس، ~~وتتلقى منه المعارف، وتتصل بالنفوس الفلكية العالمة بحركاتها وبلوازم حركاتها، وتتلقى منها ~~المغيبات في نومها ويقظتها، كمرآة تنتقش بمقابلة ذي نقش.» # 12 # هذا بالنسبة للفلسفة عند السهروردي، أما بالنسبة للمنطق، فقد وقف السهروردي، وما ~~يعرضه من مذاهب المشائين في العلوم الفلسفية البحتة؛ ms033 فيقول: «ومن لم يتمهر في العلوم البحثية، ~~فلا سبيل له إلى كتابي الموسوم ب «حكمة الإشراق»، وهذا الكتاب (يعني المشارع والمطارحات) ينبغي ~~أن يقرأ قبله، وبعد تحقيق المختصر الموسوم بالتلويحات وأنا لا نراعي الترتيب ها هنا، ولا ~~نلتزم في بعض المواضع بموضوع علم، بل عرضنا فيه البحث، وإن تأدى إلى قواعد من علوم متقدمة، ~~فإذا استحكم الباحث هذا النمط فليشرع في الرياضات المبرقة بحكم القيم السهروردي أن يختصر ~~المنطق الأرسطي اختصارا مبتكرا، ويسمي كثيرا من آرائه المبتكرة مباحث أو ضوابط إشراقية؛ ~~بحيث يمكننا نحن أن نطلق على مجموع تلك الآراء «المنطق الإشراقي».» # 13 # ويرجع السهروردي مصدر هذا المنطق إلى نظريته في المعرفة القائمة على الذوق، ~~فيصرح بأنه توصل إلى ابتكار هذا المنطق بواسطة الذوق؛ حيث يرى أنه في حكمة الإشراق يبدأ ~~على سياق المشائين الذي يبتني على البحث الصوفي. ويصف هذا السياق الصوفي بأنه: «سياق آخر وطريق ~~أقرب من تلك الطريقة وأنظم وأضبط وأقل إتعابا في التحصيل.» # 14 # وفي ذلك يقول قطب الدين الشيرازي في شرحه لحكمة الإشراق ل «السهروردي» إن ~~المنطق المذكور في حكمة الإشراق موجز محذوف عنه الفروع الكثيرة القليلة الاستعمال بين فيه ~~أشياء كانت في طريقهم غير محصلة ولا مهذبة، ولهذا قال: «وأنظم وأضبط وأقل إتعابا في التحصيل ~~لانضباط هذه الطريقة لتحديد قواعدها، وتهذيب مطالبها، وتلخيص زبدها عن زبدها.» # 15 # ويصف تارة أخرى: «بأنه الآلة الواقية للفكر، جعلناها مختصرة مضبوطة بضوابط قليلة العدد ~~كثيرة الفوائد.» # 16 # وفي ذلك يقول قطب الدين الشيرازي: «الآلة المشهورة ~~الواقية للفكر يعني المنطق يصون الفكر من الخطأ في انتقالاته من المعلوم إلى المجهول، جعلناها ~~مختصرة مضبوطة بضوابط قليلة العدد لتقوي الذهن من التبديد والخاطر عن التبلد، كثيرة الفوائد ~~لكونها لباب ما يحتاج إليه في هذا الفن، مع تصرفات لطيفة وتنفيحات شريفة منها أنه رد الأشكال ~~(القياسية)، بل الضروب المنتجة من كل شكل، إلى ضرب واحد، والمركب من موجبتين كليتين والسالبة ~~موجبة بالعدول، وإما أن السالبة إنما يمكن جعلها موجبة معدولة إذا كانت ms034 مركبة لا بسيطة، وجعل ~~غير الضرورية ضرورية بجعل الجهة جزء المحمول، وهي أن هذه الضوابط يكفيها أقل إشارة، وأدنى ~~إيماء، بخلاف البليد؛ فإنه لا يفهم القليل ولا ينفعه الكثير لطالب الإشراق كافية له أيضا؛ لأنه ~~إذا تفطن لما هو سبيله من شروق الأنوار ولمعان البوارق، فيصير القليل لذلك أكثر المطالب ومهمات ~~المسائل؛ لأن النور السائح هو إكسير المعرفة والحكمة، وما لم يتهيأ الجزم به لتوقفه على الفكر ~~فيكفيه من المنطق الضوابط النورانية لاشتمالها على ما لا بد منه في هذا الفن، وإن كان على سبيل الإجمال.» # 17 # ويرجع السهروردي مصدر المنطق إلى طريق آخر غير العقل فيقول: «ولم يحصل لي أولا بالفكر، ~~بل كان حصوله بأمر آخر، ثم طلبت الحجة عليه مثلا ما كان يشككني فيه مشكك.» # 18 # ويعلق قطب الدين الشيرازي على هذا النص، فيقول: «ولم يحصل بالفكر، بل كان حصوله بأمر ~~آخر؛ أي بالذوق والكشف لما ارتكبته من الرياضات والمجاهدات، ثم أي بعد حصوله لي بالذوق والكشف، ~~ثم طلبت الحجة عليه، أي البرهان بالفكر حتى لو قطعت النظر عن الحجة مثلا ما كان يشككني ~~فيه مشكك؛ لأن حصوله اليقين كان بالعيان لا بالبرهان ليمكن أن يشكك فيه بما يورده الخصم.» # 19 # وما يؤيد ذلك أن السهروردي في مبحث المعارف والتعاريف يغير بعض أسماء الألفاظ ~~المنطقية المعروفة في المنطق الأرسطي، ويضع مكانها أسماء أخرى تحمل بعدا إشراقيا، فيسمي ~~مثلا دلالة اللفظ على المعنى: التطابق والتضمن والالتزام - يسميها القصد والحيطة والتطفل. # 20 # ويسمي اللفظ الخاص اللفظ الشاخص والمعنى الخاص المعنى الشاخص أو المنحط. # 21 # كما انتقد السهروردي التعريف الأرسطي، وبين استحالة حصول العلم عن طريقه، فقد رأى ~~أن المشائين يأخذون الذاتي العام؛ أي الجنس، والذاتي الخاص؛ أي الفصل، في تعريف الشيء. ولما كان ~~الذاتي الخاص هذا غير معلوم عند من يجهله، فإقحامه في التعريف يناقض القاعدة المشائية بأن ~~المجهول لا يتوصل إليه إلا بالمعلوم، ثم لو افترضنا أنه اتفق الإلمام بهذا الذاتي أو الخاص ~~أو الفصل فكيف يأمن ألا يكون ms035 قد غفل عن ذاتي آخر لا يعرف الشيء إلا به، فتكون المعرفة بالشيء ~~آنذاك ممتنعة، وكذلك تعريف الشيء. # 22 # وهذا النقد للتعريف الأرسطي حاول السهروردي توضيحه؛ وذلك بمحاولة إيجاد طريقين للتعريف: # 23 # أولا: # طريق الإحساس؛ فالأمور المحسوسة تدرك تمام الإدراك. # ثانيا: # طريق الكشف والعيان، وهو أدق الطرق وأوثقها. # ومن هذين الطريقين يضع السهروردي التعريف الكامل لديه، ويسميه بالمفهوم والعناية، ~~ويحدده: «بأنه التعريف بأمور لا تختص آحادها الشيء ولا بعضها، بل تخصه للاجتماع.» # 24 # وهذا التعريف عند السهروردي، وإن أخذ صورة الرسم الناقص، إلا أنه يحمل بعدا ~~إشراقيا، وهذا يدل على إيمان السهروردي بحقيقة الجمع بين الحكمة البحثية والحكمة ~~الذوقية. # أما في مبحث القضايا والقياس؛ فنجد السهروردي يختصر كثيرا من أشكال القضايا والقياس؛ ~~لأنها متشعبة يستغنى عنها بأقل منها، ويستبدل بها ضوابط للفكر قليلة العدد، مختصرة كثيرة ~~الفوائد تكفي للذكي، وهو ما قاله ابن تيمية بعد ذلك من أن «المنطق الأرسطي لا يفيد الذكي ولا ~~ينتفع به البليد.» # 25 # وهذا يعني أن السهروردي يرفض كل ما هو زائد عليه أو متشعب منه لا دلالة له؛ فمبادئ ~~العقل هي المبادئ الكافية، وقد يكون هذا التشعب والتفريع أحد معاني الصورية؛ أي الصورية ~~الفارعة. # ففي القضايا، يقسم القضايا من حيث الكم إلى كلية وجزئية، ثم يحذف القضايا الشخصية؛ لأن ~~الشواخص لا يطلب حالها في العلوم، وحتى تكون أحكام القضايا أضبط وأسهل، ثم يرد القضايا الجزئية ~~كلها إلى قضايا كلية؛ فالكل هو الأصل، والجزء فرع عليه، والمعرفة الإشراقية كلية لا جزئية، وفي ~~العلوم لا تطلب البرهنة على القضايا الجزئية، بل على الكلية، والجزئية لا تكون شرطا في ~~التناقض؛ وبالتالي فهي لا تدخل في أصول القضايا، والكلية لا بد أن تكون محيطة أو حاصرة. # 26 # ثم يقسم القضايا من حيث الكيف إلى موجبة وسالبة، ثم يرد القضايا كلها إلى قضايا موجبة، وهذا ~~يعني رد الفرع إلى الأصل؛ فالسلب فرع والإيجاب أصل، والسهروردي يبحث عن الأصول لا عن ~~الفروع، والمعرفة الإشراقية أصل المعرفة الإنسانية. # وإذا كان السلب ms036 جزءا للموضوع أو للمحمول لم يكن قاطعا للنسبة؛ فالإيجاب قطع والسلب ظن، ~~والإيجاب ثابت عيني. أما السلب في الذهن فقط وليس في الخارج. يقول السهروردي: «والحكم ~~الموجب الذهني لا يثبت إلا على ثابت ذهني، والموجب على أنه في العين لا يكون إلا ثابت عيني.» # 27 # فالمعرفة الإشراقية إذن لا سلب فيها، بل كلها إيجاب، وهي لا تسلب صفة عن الوجود، بل تعطيه ~~صفات الإشراق إيجابا لا سلبا. ثم يقسم السهروردي القضايا من حيث الجهة إلى ضرورية وممتنعة ~~وممكنة، ثم يحذف المجهولة وكمية الموضوع؛ لأن المجهول لا يفيد العلم، ولأن الكيف هو الذي ~~يميز شيئا عن آخر. # 28 # ثم يرد السهروردي القضايا الممكنة كلها إلى قضايا ضرورية أو بتاتة؛ وذلك لأن الممكن ~~سلب للضروري، والمعرفة الإشراقية معرفة ضرورية وليست ممكنة. ويجعل السهروردي الإمكان ~~والاقتناع جزءا من المحمول، ولم يجعله شرطا للتناقض. والقضية البتاتة هي الوحيدة التي تستخدم ~~في العلوم. أما الممكنة أو الممتنعة فلا تستخدم على الإطلاق. ثم يرد السهروردي كل أشكال ~~القضايا إلى القضية الكلية الموجبة الضرورية، وهي القضية البتاتة كما يسميها. # 29 # ولم يعرف بفائدة ما للقضية الجزئية إلا في بعض نواحي العكس المستوي والتناقض وبعض ~~ضروب الأقيسة. # 30 # هذا بالإضافة إلى أنه خرج بآراء مبتكرة أيضا؛ ففي التناقض يحذف السهروردي عديدا من ~~الأبحاث؛ لأنه لا يحتاج إليها في نقد المناطقة المشائين وتفريعاتهم. # 31 # وفيما يتعلق بالقياس الاستثنائي والاقتراني، يقول عن السلبي: «إنه لا يحتاج إلى تطويل، ~~والضابط الإشراقي فيه مقنع، ومنه كثير من المختلطات.» # 32 # ويقول عن الشكل الثاني «إنه ترك التطويل على أصحابه في الضروب والبيان والخلط.» # 33 # ويقول عن الشكل الثالث: «إنه قد حذف عنه التطويلات»، # 34 # أما الشكل الرابع «فإنه يسقطه من حسابه؛ لأنه شكل تابع للأشكال الثلاثة الأولى الأصلية.» # 35 # فالسهروردي يستبدل بهذه التعريفات القريحة أو الفطرة أو الضابط الإشراقي، وفي هذا يقول: ~~«ومن كان له قريحة لا يصعب عليه مثل هذه التركيبات بعد معرفة القانون.» # 36 # ويقول أيضا: «إن كفته سلامة القريحة في ms037 معرفة حجة قياسية فليقنع بذلك في جميع ~~المطالب العلمية، فلا يحتاج إلى تطويل في قياس الخلف. ولكن عن التطويل في مثل هذه الأشياء استغناء.» # 37 # تلك هي الإضافات التي أضافها السهروردي للمنطق الأرسطي، وهي تعتبر من أعمق المحاولات ~~في تاريخ المنطق العربي، والتي بدأت تنضج ثمارها اليانعة لدى «عبد الحق بن سبعين»؛ # 38 ~~⋆ # حيث حاول وضع منطق إشراقي، ~~شأنه شأن السهروردي. هذا المنطق يحل محل المنطق الأرسطي الذي يقوم على تصور الكثرة، كما ~~أن هذا المنطق، على حد تعبير أستاذنا الدكتور «أبو الوفا التفتازاني» رحمه الله، يمكن أن ~~يسمى بمنطق المحقق عند «ابن سبعين»، وهو منطق ليس من جنس ما يكتب بالنظر العقلي، وإنما من ~~قبيل النفحات الإلهية التي يبصر بها الإنسان ما لم يبصر، ويعلم ما لم يعلم، فهو إذن منطق ذوقي ~~أو إشراقي لا يقوم على التجربة والاستقراء، وإنما يقوم على أساس الفطرة والمشاهدة. # 39 # ويخصص «ابن سبعين» لهذا الغرض قسما طويلا من كتابه «بد العارف» على نحو ما صنع ~~السهروردي في «حكمة الإشراق»، وأغلب الظن أنه متأثر به في هذا الصدد. ومباحث هذا المنطق ~~الجديد على حد قول ابن سبعين: «لا يمكن تصورها إلا بالمرشد، ولا تنالها النفوس بالجهد ولا ~~بالتجلد، بل بالنفحات الإلهية، حتى يبصر (الإنسان) ما لم يبصر، ويعلم ما لم يعلم، وتظهر ~~أشياء لا من جنس ما يكتسب.» # 40 # وهذا يذكرنا بما قاله السهروردي: بأنه «لم يحصل لي أولا بالفكر، بل كان حصوله ~~بأمر آخر، ثم طلبت الحجة عليه حتى لو قطعت النظر عن الحجة ما كان يشككني فيه مشكك.» # 41 # تلك أوجه الشبه البارزة التي نجدها بين «منطق ابن سبعين»، و«منطق السهروردي». وعلى ~~الرغم من اعتداد «ابن سبعين» الشديد بنفسه، وعدم اعترافه لأحد من السابقين عليه من الفلاسفة ~~والصوفية بأي فضل، إلا أنه فيما يبدو لبعض الباحثين المحدثين، إذا صرفنا النظر عن الاختلافات ~~بينه وبين السهروردي في تفاصيل مذهبيهما، نجد أنه متأثر بهذا الأخير؛ وذلك على الأقل في ~~محاولته التحرر من المنطق الأرسطي، ms038 ووضع منطق جديد يبنى على الذوق والمشاهدة، وتوجد مباحثه في ~~الخلد (يعني العقل) قبل التصور والتصديق لا بعدهما، ومطالبه الأصلية خارجة عما يذكره الحكماء ~~المشاءون؛ إذ لا نعلم أحدا قبل السهروردي حاول التحرر من سيطرة منطق أرسطو ووضع منطقا ~~جديدا على أساس علمي منظم. # 42 # وأهم النتائج التي توصل إليها «ابن سبعين» في منطقه، أن حقائق المنطق فطرية في النفس ~~الإنسانية، وأن الألفاظ المنطقية الستة، وهي الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض، والجوهر، ~~والشخص، ونشعر بالكثرة الوجودية، فهي محض وهم، والمقولات العشر كذلك، وإن اختلفت وتباينت، فإنما ~~تشير إلى الوجود المطلق؛ فهو إذن يحمل المقولات على الوجود المطلق، وبذلك يجعل المقولات جنسا ~~واحدا أو تحت جنس واحد. # 43 # وهكذا يطبق «ابن سبعين مذهبه في الوحدة في مجال المنطق الأرسطي ليثبت دائما أن كل مباحث ~~هذا المنطق التي تشعر بالكثرة في الوجود وهم على التحقيق أو يتبادل بعض هذه المباحث لتبدو ~~متمشية مع مذهبه العام.» # 44 # ثانيا: خصائص المنطق الإشراقي عند السهروردي # إذا كان السهروردي قد أرجع مصدر منطقه إلى الذوق، فهو بهذا يدعو إلى ضرورة توافق الذوق ~~مع العقل أو المنطق؛ فالعقل الذي يرى ويفكر وحده دون أن يكون له مؤيد له من الذوق، ليس من الثقة ~~فيه والاطمئنان إليه؛ بحيث ينتفي كل شك فيه، وتزول كل شبهة، ولا بد من ازدواجية أداة المعرفة ~~التي تعتمد على الحكمة البحثية المعتمدة على التحليل والتركيب والاستدلال البرهاني، وهي حكمة ~~الفلاسفة المشائية، والحكمة الذوقية التي هي ثمرة مذاق روحي، وهي حكمة يحياها الإنسان، ولا ~~يستطيع التعبير عنها، وهي حكمة الفلاسفة الإشراقيين، وليس ثمة تعارض حقيقي بين الحكمتين، وإنما ~~هو تعارض ظاهري؛ لأن الفيلسوف الإشراقي الحقيقي هو الذي يتقن الحكمة البحثية، وينفذ في نفس ~~الوقت إلى أسرار الحكمة الذوقية. # 45 # ويعطينا الشهرزوري، تلميذ السهروردي، صورة واضحة لهاتين الحكمتين، فيقول: «جمع ~~السهروردي بين الحكمتين، أعني الذوقية والبحثية. أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من ~~سلك سبيل الله عز وجل، وراض نفسه بالأذكار المتوالية، والمجاهدات المتتالية، ms039 رافضا عن نفسه ~~التشاغل بالعالم. بالعالم الظلماني، طالبا بهمته العالمية مشاهدة العالم الروحاني. فإذا استقر ~~قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات أستاره، حتى ظفر بمعرفة ونظر بعقله إلى ربه، ~~ثم وقف بعد هذا على كلامه؛ فلنعلم حينئذ أنه كان في المكاشفات الربانية آية، والمشاهدات ~~الروحانية نهاية، لا يعرف غوره إلا الأقلون، ولا ينال شأوه إلا الراسخون. وأما الحكمة البحثية ~~فإنه أحكم شأنها وشيد أركانها، وعبر عن المعاني الصحيحة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة، ~~وأتقنها إتقانا لا غاية وراءه، لا سيما في كتابه المعروف ب «المشارع والمطارحات» فإنه استوفى ~~فيه بحوث المتقدمين والمتأخرين، ونقض فيه أصول مذاهب المشائين، وشيد فيه معتقد الحكماء ~~الأقدمين، وأكثر تلك البحوث والمتناقضات، وذلك على قوته في الفن البحثي والعلم الرسمي.» # 46 # ويستطرد الشهرزوري فيقول: «واعلم أنه لم يتيسر لأحد من الحكماء والعلماء والأولياء ما ~~تيسر لهذا الشيخ من إتقان الحكمتين المذكورتين، بل بعضهم يسر له الكشف، ولم ينظر في البحث ~~كأبي يزيد البسطامي و«الحلاج» ونظرائهما، وأما إتقان البحث الصحيح بحيث يكون مطابقا للوجود من ~~غير سلوك وذوق فلا يمكن، وجميع الحكماء المقتصرين على مجرد البحث الصرف مخطئون في عقائدهم. ~~فإن أردت حقيقة الحكمة وكنت مستعدا لها، فأخلص لله تعالى وانسلخ عن الدنيا انسلاخ الحية من ~~جلدها عساك تظفر بها.» # 47 # وذلك لأن الحكمة الإشراقية، كما يرى السهروردي، لا يمكن تعلمها لا بفكر ولا ~~بنظم دليل قياسي أو نصب تعريف حدي أو رسمي؛ بل بأنوار إشراقية متناوبة، وتشاهدها فوقها على ~~العناية الإلهية، وهذه الحكمة الذوقية قل من يصل إليها من الحكماء ولا يحصل إلا للأفراد أو ~~الحكماء المتألهين كأنباذوقليس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وغيرهم من الأفاضل الأقدمين الذين ~~شهدت الأمم المختلفة بفضلهم وتقدمهم. # 48 # وإذا كان السهروردي قد جمع بين الحكمتين الذوقية ~~والبحثية؛ فيمكن تلمس هاتين الحكمتين عند الفيلسوف الإنجليزي «برتراند راسل» # Bertrand Russell ~~؛ حيث كتب رسالة في غاية الروعة عن العلاقة ~~بين المنطق والتصوف؛ حيث عقد فصلا هو من أجود ما كتب في حياته الفلسفية، أراد أن ms040 يميز بين ~~قطبي الرحى في حياة الإنسان الثقافية اللذين هما بصورة مجملة التصوف في ناحية، ومنطق العقل في ~~ناحية أخرى؛ ففي الحالة الأولى يكون الإدراك مباشرا وبغير مقومات، وفي الحالة الثانية على ~~«التحليل»، بينما يرفض أصحاب الحالة الأولى كل ضروب «التحليل»، وأطلق «راسل» على بحثه ذاك عنوان ~~«المنطق والتصوف» # Mysticism and Logic ~~، ثم جعل العنوان نفسه ~~عنوانا لكتاب يضم ذلك الفصل من فصول أخرى، وإنه مما يفيدنا في هذا الموضوع أن نوجز ما قاله ~~«راسل» في العلاقة بين المنطق والتصوف؛ يقول «راسل»: «لقد سار الإنسان في محاولته أن يتصور ~~العالم من حيث هو كل واحد مدفوعا بدافعين مختلفين كل الاختلاف، وقد يتلاقى هذان الدافعان معا ~~في إنسان واحد، وقد لا يتلاقيان؛ فأولهما هو الذي يحفز الإنسان إلى النظر إلى الوجود نظرة ~~المتصوف، وأما الثاني فيحفزه إلى النظر بوسيلة العقل نظرة العلماء، ولقد استطاع أعظم الرجال ~~أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الأول وحده، كما استطاع أيضا أعظم الرجال أن يبلغوا قمة ~~العبقرية بالدافع الثاني وحده. ولكن أعظمهم جميعا هم أولئك الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة ~~العقلية وعناصر الإدراك الصوفي في آن معا.» # 49 # ويوضح برتراند راسل ذلك قائلا: «تطورت الميتافيزيقيا، أو محاولة إدراك العالم ككل بوسائل ~~الفكر، منذ البدء عبر وحدة وتصارع دافعين إنسانيين؛ أولهما يحث الناس على التصوف، فيما يحثهم ~~الثاني على العلم. لقد حقق بعض الأفراد ما هو عظيم ضمن الدافع الأول وحده، فيما حققه البعض ~~الآخر عبر الدافع الثاني وحسب. فإذا أخذنا «ديفيد هيوم» مثلا، كان الدافع العلمي عنده هو ~~الغالب دون منازع، فيما نجد عند «بليك» العداء حيال العلم يتعايش مع رؤية صوفية عميقة. لكن ~~الأفراد الأكثر عظمة، والذين هم الفلاسفة، كانوا يشعرون بحاجة لكل من العلم والتصوف؛ فمحاولة ~~خلق تناغم ما بين الاثنين - التي وسمت حياتهم، والتي يجب أن تكون دائما كذلك، بما فيها من ~~توقد غير مستقر - هي التي جعلت الفلسفة تبدو، بالنسبة لبعض العقول شيئا يفوق بعظمته ~~العلم والتصوف.» # 50 # ثم يعطينا برتراند راسل ms041 أمثلة للخصائص التي تميز ~~دافعي العلم والتصوف مأخوذة من حياة فيلسوفين عظيمين امتزجت حياة كل منهما بقوة بما ~~أنجزه. هذان الفيلسوفان هما هيرقليطس وأفلاطون؛ حيث يقول: «قد كان هيرقليطس، كما يعرف الجميع، ~~يؤمن بمقولة التدفق الشامل: الزمن يبني جميع الأشياء ويحطمها. ومع أنه ليس من السهل معرفة كيف ~~توصل إلى آرائه؛ إذ لم يبق لدينا منه سوى شذرات، يمكننا القول إن بعض ما قاله يوحي بأن ~~المراقبة العلمية كانت ينبوع آرائه.» يقول: «الأشياء التي يمكن أن ترى، أو أن تسمع، أو يتم ~~تعلمها، هي التي أثمنها أكثر.» إن لغة كهذه هي لغة أمبيريقية، تشكل فيها المراقبة الضمان ~~الوحيد للحقيقة. وكذلك قوله إن «الشمس جديدة في كل يوم»، واحدة من تلك الشذرات؛ تكشف بوضوح، رغم ~~طابعها المتناقض، أنها كانت تستلهم التفكير العلمي؛ فمما لا شك فيه أن هيرقليطس، عبر ذلك ~~الحكم، كان يحاول تحاشي صعوبة فهم كيف أن الشمس بمقدورها التحرك من الشرق إلى الغرب. ولا بد أن ~~تكون المراقبة العيانية أيضا هي ما أوحى له بنظريته المركزية، القائلة بأن النار هي الجوهر ~~الوحيد الثابت، والذي تمر بفضله جميع الأشياء المرئية عبر مراحل. ففي الاحتراق نرى تحول ~~الأشياء التام، فيما يتصاعد اللهب والحرارة في الهواء ثم يتلاشيان. يقول: «هذا العالم، والذي ~~هو واحد بالنسبة للجميع، لم يصنعه أي من الآلهة أو من البشر، لكنه كان دائما، وهو الآن، كما ~~سيكون دائما، من صنع النار الحية، ثمة مكيال يضيء، فيما يخمد مكيال آخر. تحولات النار هي، ~~قبل أي شيء آخر، بحر؛ ونصف البحر أرض، ونصفه الآخر زوبعة تبقي هذه النظرية، رغم أنها قد أصبحت ~~مرفوضة من قبل كل العلوم، علمية في روحها. كذلك يبقى علميا حكمه الشهير الذي يستشهد به ~~أفلاطون: «لا يمكننا النزول مرتين في النهر الواحد؛ لأننا ننزل دائما في مياه جديدة.» غير ~~أننا نعثر أيضا على حكم آخر ضمن تلك الشذرات «نحن نهبط في النهر الواحد ولا نهبط؛ لأننا ~~موجودون وغير موجودين».» # 51 # ويرى راسل أن مقارنة هذه العبارة ms042 الصوفية، بتلك التي يذكرها أفلاطون، العلمية، تظهر إلى أي ~~حد يتزاوج الدافع الصوفي بالدافع العلمي في نظام هيرقليطس؛ فالتصوف، في جوهره، شيء أكثر من محض ~~توتر أوسع وأعمق في الإحساس حيال الطريقة التي يجري بها فهم الكون؛ وهذا الإحساس قد أدى ~~بهيرقليطس، على أسس علمه، إلى ذلك النوع من الأقوال الغريبة والمؤثرة عن الحياة والعالم؛ ~~كقوله: الزمن طفل يلعب بالنرد، القوة الملكية هي قوة الطفل؛ فالمخيلة الشعرية، لا العلمية، ~~هي من يقدم الزمن باعتباره سيدا طاغيا يتحكم في العالم، بكل ما ينطوي عليه الطفل من طيش ولا ~~مسئولية. والتصوف أيضا هو ما جعل هيرقليطس يؤكد على وحدة المتناقضات: «واحد هما الخير والشر»، ~~كما يقول: كل الأشياء عند الرب لطيفة وخيرة وعادلة، لكن البشر يحسب البعض منها خاطئا والبعض ~~الآخر صحيحا. ترتكز أخلاقية «بليك وهيرقليطس» على الكثير من التصوف. صحيح أن التحديد العلمي ~~هو الذي ألهم حكمه التالي: طبع الإنسان هو مصيره؛ بيد أن المتصوف وحده من يمكنه القول: «تساق ~~كل بهيمة بالصفعات إلى المرعى، وكذلك: يصعب نزاع المرء مع رغبة قلبه. كل ما يرغب الحصول عليه، ~~يتم شراؤه على حساب الروح.» وأيضا: «الحكمة واحدة. إنها معرفة الفكرة التي ترص فيها الأشياء ~~بعضها ببعض.» # 52 # ويزيد راسل في مضاعفة الأمثلة، فيقول: «ثمة مقاطع عند أفلاطون - من بين تلك التي ~~تبين الجانب العلمي من عقله - تشير إلى معرفته الواضحة بذلك الأمر. أكثر تلك المقاطع أهمية هو ~~ذلك المقطع الذي يشرح فيه سقراط، الذي كان شابا، نظرية الأفكار لبارمنيدس. فبعدما أوضح سقراط ~~أن هناك فكرة للخير، لكن ليس ثمة من فكرة لأشياء كالشعر أو الطين أو القذارة، ينصحه بارمنيدس ~~بالمضي، وألا يزدري حتى بالأشياء الوضيعة. وقد كشفت تلك النصيحة عن الطبع العلمي الأصيل؛ إذ لا ~~بد من تركيب الرؤية الصوفية للواقع السامي للخير مع هذا الطبع اللامتحيز، إذا ما كانت الفلسفة ~~تطمح في تحقيق أعظم ممكناتها. بيد أن إخفاقها على هذا الصعيد هو ما جعل الفلسفة المثالية هزيلة، ~~فاقدة للحياة، وبلا مادة؛ فعن ms043 طريق التزاوج مع العالم يمكن لمثلنا جلب ثمارها: لكن إذا ما ~~انفصلت عنه، فستظل تلك المثل عارية. غير أن التزاوج مع العالم لا يعني القيام به عبر مثالية ~~تهرب من الواقع، أو تعلن بدءا بأن على العالم التطابق مع رغباتها.» # 53 # ثم يدلل «راسل» على ذلك ب «بارمنيدس الإيلي» الذي يصف تصوفه بأنه تصوف منطقي ظهر عند ~~كثير من المتصوفة الميتافيزيقيين من يوم «بارمنيدس» إلى «هيجل» وتلاميذه المحدثين، وأساسه هو ~~أننا لا نعرف اللاوجود وما لا نعرفه ليس موجودا. يقول راسل: «كذلك فإن ل «بارمنيدس» نفسه نوعا ~~من التصوف الخاص، المثير للاهتمام، والذي كان يستولي على فكر أفلاطون؛ أي التصوف الذي يمكننا ~~تسميته ب «المنطق»، ما دام يتجسد عبر نظريات في المنطق. فكما هو واضح يجد هذا الشكل من التصوف، ~~بالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بالغرب، جذوره عند بارمنيدس، كما أنه يستحوذ على طرق تفكير ~~المتصوفة الميتافيزيقيين الكبار منذ أيامه وحتى هيجل ومريديه المعاصرين؛ فالواقع، مثلما يقول، ~~لم يخلق، ولا يمكن تحطيمه، ولا تغييره، أو تجزئته؛ فهو مثبت ضمن حدود سلاسل كاملة القدرة، لا ~~بداية له ولا نهاية؛ ما دام المجيء إلى الوجود والخروج منه قد تم إبعادهما عنه، وأزالهما عنه ~~الإيمان الحقيقي؛ فالمبدأ الجذري الذي يوجه بحثه قد عبر عنه بحكم يمكن أن يجد مكانته عند هيجل: ~~«لا يمكنك معرفة ما هو غير قائم - أمر مستحيل - وليس بمقدورك النطق به؛ ذلك لأنه شيء واحد ذلك ~~الذي يمكنه الوجود وما يمكن التفكير به أيضا لا بد من أن يكون ما يقال وما يفكر به موجودا، ~~ذلك لأنه قادر على أن يكون، وليس من الممكن لما هو غير كائن أن يكون». تنتج عن هذا المبدأ ~~استحالة التغيير؛ لأن ما جرى في الماضي يمكن قوله، وهو ما زال قائما تبعا لذات المبدأ.» # 54 # ويستطرد راسل قائلا: «إن أحد الجوانب الأكثر إقناعا في التجلي الصوفي هو الوحي الظاهري ~~بوحدة جميع الأشياء، وذلك ما ولد مذهب وحدة الوجود في الدين والتوحيد في الفلسفة. ثمة ms044 منطق ~~متقن، كان قد بدأ مع بارمنيدس وبلغ ذروته عند هيجل وأتباعه، قد تطور تدريجيا، للبرهنة على ~~أن الكون هو كلية واحدة لا تتجزأ، وما يظهر وكأنه أجزاء له، إذا ما تم التعامل معه باعتباره ~~جوهرا يتمتع بالوجود الذاتي، ما هو إلا وهم؛ فالإيمان بوجود واقع يختلف تماما عن عالم الظاهر، ~~واقع واحد، لا ينقسم ولا يتغير، كان قد أدخل على الفلسفة الغربية من قبل بارمنيدس، ليس ~~لأسباب صوفية أو دينية، على الأقل اسميا، ولكن على أسس الحجة المنطقية القائمة على استحالة ~~اللاوجود، وبأن غالبية النظم الميتافيزيقية اللاحقة كانت حصيلة لتلك الفكرة.» # 55 # ثم يؤكد راسل أن: «المنطق الذي تم استخدامه للدفاع ~~عن التصوف يظهر بأنه خطأ في المنطق، وهو معرض للنقود التقنوية، وذلك ما قمت بشرحه في مكان آخر. ~~لن أكرر هنا تلك النقود، ما دامت طويلة ومعقدة، لكني سأحاول القيام بتحليل للحالة الذهنية ~~التي تولد عنها ذلك المنطق الصوفي. يتولد الإيمان بواقع مختلف تماما عما يظهر للحواس بقوة ~~لا تقاوم في بعض الأمزجة، والتي هي مصدر غالبية التصوف والميتافيزيقيات؛ فحينما يتغلب مزاج ~~كهذا، ينتفي الشعور بالمنطق، وبالتالي فإن أكثر المتصوفة اندفاعا لا يستخدم المنطق، بل يسعى ~~مباشرة للكشف عن رؤيته الداخلية. غير أن التصوف المدفوع إلى هذا الحد قلما نعثر عليه في ~~الغرب؛ فعندما تتواصل قناعة بمثل هذه القوة الانفعالية، يبحث الفرد الممارس للتفكير عن أسس ~~منطقية لصالح الإيمان الذي يجده في نفسه. لكن عندما يكون ذلك الإيمان قائما سلفا، سيكون هذا ~~الفرد منفتحا حيال أية أرضية توحي بنفسها.» # 56 # وأخيرا يرى راسل أن: «... المتناقضات المبرهن عليها بصورة واضحة ضمن منطقه هي في الحقيقة ~~متناقضات التصوف، وتشكل الهدف الذي يعتقد بأن على منطقه بلوغه، إذا ما أراد له أن يكون منسجما ~~مع رؤيته الداخلية. وقد كان الناتج المنطقي هذا سببا في جعل غالبية الفلاسفة عاجزين عن وضع ~~العالم العلمي والحياة اليومية ضمن اعتباراتهم. فلو كانوا مهتمين بأخذ ذلك في نظر الاعتبار، ~~لكان في مقدورهم، ربما الكشف عن الأخطاء ms045 التي يتضمنها منطقهم، غير أن غالبيتهم لا تعير ~~اهتماما لفهم عالم العلم والحياة اليومية، بل تدينه باعتباره غير واقعي لصالح عالم «حقيقي» يقع ~~فيما وراء الحواس. بمثل هذه الطريقة تمت مواصلة المنطق من قبل أولئك الفلاسفة الكبار والذين ~~كانوا من المتصوفة. لكن ما دام التعامل مع المألوف قد أخذ كونه ضامنا لتلك الرؤية المفترضة ~~للانفعال الصوفي، فقد جرى تقديم عقائدهم المنطقية بنوع من الجفاف، وتم احتسابها من قبل ~~مريديهم وكأنها مستقلة عن أي تجل مفاجئ كانت قد انبثقت عنه. ورغم ذلك ظل أصلهم ~~ملتصقا بهم وبقوا، لكي أستعير كلمة نافعة من «سانتيانا»، «خبثاء» إزاء عالم العلم والحس ~~العام. بهذه الطريقة وحسب يمكننا التعامل مع ذلك الرضا الذي قبل بموجبه الفلاسفة تناقض ~~عقائدهم مع جميع الحقائق العلمية العامة التي تبدو أكثر استقامة وجدارة بالإيمان. يظهر المنطق ~~الصوفي، كما هو الأمر في الطبيعة، حالات الخلل المتأصلة في كل ما هو خبيث. إن الدافع ~~المنطقي، الذي لا يمكن الشعور به عندما يهيمن المزاج الصوفي، يعاود التأكيد على نفسه ما إن ~~يتلاشى ذلك المزاج، ولكن مع الرغبة في الاحتفاظ بتلك الرؤية المضمحلة، أو على الأقل البرهنة ~~على أنها لم تكن سوى رؤية داخلية، وبأن ما يناقض ذلك الدافع ما هو إلا وهم. إن نشوء منطق كهذا ~~لا يخلو من المصلحة، فهو يستلهم كراهية معينة حيال العالم اليومي الذي يسعى لتطبيق نفسه فيه. من ~~الطبيعي ألا يؤدي موقف كهذا إلى الوصول لأفضل النتائج. فكل واحد يعرف أن قراءة مؤلف ما من أجل ~~دحضه وحسب ليست بالطريقة الصحيحة لفهمه؛ كما أن قراءة كتاب الطبيعة ضمن الاعتقاد بأن كل شيء ~~فيها وهمي هي بالدقة ما لا يوصل إلى الفهم؛ فإذا كان منطقنا يجد العالم اليومي مفهوما، لا ~~ينبغي أن يكون عدائيا، بل يجب عليه استلهام قبول أصيل له، بطريقة لا نعثر عليها عادة عند الميتافيزيقيين.» # 57 # من كل ما سبق يتضح لنا أن هناك فلاسفة قد أخذوا بالمنهج العقلي الاستدلالي فحصرهم الجدل ~~العقلي الجاف في دائرة مغلقة، ms046 ولكنهم برغم هذا وصلوا إلى قمة العبقرية، ولكن هناك فلاسفة جمعوا ~~بين المنهجين؛ أي تجاوزوا مرحلة الفكر الاستدلالي إلى مقام الرؤية المباشرة أو الكشف. وهؤلاء ~~أعظمهم؛ لأنهم هم الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفي في آن واحد ~~معا كما يقول «راسل». # 58 # والسهروردي خير من جمع بين عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفي؛ وذلك في منطقه ~~الإشراقي القائم على الحكمة البحثية والحكمة الذوقية، وهو بهذا يظل ثنائيا كابن سينا؛ فهو ~~منطقي فيلسوف من ناحية، يعتمد على العقل والبرهان في نقده للمنطق الأرسطي، بصرف النظر عن دوافع ~~هذا النقد - وهي دوافع إشراقية، ثم هو إشراقي من ناحية، يعطينا تصورا للعالم كنور ولدرجات، ~~العالم كدرجات من النور، فهو يمثل الفيلسوف المنطقي الإشراقي؛ أي الحكيم البحاث المتأله. # 59 # ويعطينا السهروردي تصورا لهذا الحكيم البحاث المتأله؛ وذلك في إطار تصنيفه لدرجات ~~الحكماء فيقول: «العالم ما خلا قط عن الحكمة وعن شخص قائم بها عنده الحجج والبينات مصداقا ~~للآية الكريمة: # إني جاعل في الأرض خليفة ~~.» # 60 # ويصنف السهروردي الحكماء إلى حكماء بحثيين وحكماء إشراقيين، ثم حكماء يجمعون بين ~~الحكمتين البحثية والإشراقية، ويرتب الدرجات لكل طائفة، وقد جعلها على أربع درجات؛ التوغل ~~والتوسط والضعف والعدم، ومن ثم يكون لدينا حسابيا درجات ثلاث رئيسية وأربع فرعية، والثلاث ~~الأولى بين التوغل «التأله مثل أكثر الأنبياء» و«الأولياء»، والثلاث الأولى بين التوغل ~~والعدم وهي: ~~(1) # حكيم عديم البحث متوغل في التأله، مثل أكثر الأنبياء والأولياء. ~~(2) # حكيم إلهي متوغل في البحث عديم التأله، مثل كثير من الفلاسفة. ~~(3) # حكيم إلهي متوغل في البحث والتأله، وهذه درجة نادرة لم يبلغها إلا ~~السهروردي كما يذكر الشارح. # 61 # أما الدرجات الفرعية، فهي تتفاوت بين التوغل والتوسط والضعف، وهي: # 62 ~~(أ) # حكيم إلهي متوسط في البحث متوغل في التأله. ~~(ب) # حكيم إلهي متوسط في البحث متوغل في التأله. ~~(ج) # حكيم إلهي متوغل في البحث متوسط في التأله. ~~(د) # حكيم إلهي متوغل في البحث ضعيف في التأله. # كما يصنف السهروردي طلاب الحكمة على درجات متفاوتة ms047 تقابل درجات الحكماء الثلاث، وهي: # طالب البحث والتأله، وهو يطابق الحكيم الإشراقي المتوغل في البحث والتأله. # طالب التأله فحسب، وهو يطابق الصوفي عديم البحث المتوغل في التأله. # طالب البحث فحسب، وهو يطابق الفيلسوف المتوغل في البحث عديم التأله. # والأفضل عند السهروردي الحكيم البحاث المتأله، ثم الحكيم المتأله، ثم الحكيم ~~البحاث. يقول السهروردي: «وكتابنا هذا (يعني «حكمة الإشراق») لطالبي التأله، وليس ~~للباحث الذي لم يتأله أو لم يطلب التأله فيه نصيب.» # 63 # ويعلق قطب الدين الشيرازي على هذا فيقول: «بأن المتوغل في البحث والتأله له الرياسة؛ أي ~~رياسة العالم العنصري لكماله في الحكمتين وإحرازه للشريفين وهو خليفة الله؛ لأنه أقرب الخالق ~~منه تعالى، وإن لم يتفق؛ أي لندرته وعزته؛ فالمتوغل في التأله، المتوسط في الباحث لا يسلم ~~من الشك بخلاف الحاصل من التأله، وإن لم يتفق؛ فالحكيم المتوغل في التأله عديم البحث، وهو ~~خليفة الله الذي يهدي به صراطا مستقيما لا أن يقتله ضلالا مبينا فصار وروده ملكة له، بحيث ~~تلحظ النفس متى شاءت من استبيانه ليمكن أن يبني عليه ما يحتاج إليه من الأحكام. هذه أقل ~~الدرجات وأعظمها أن يحصل له الملكة الثانية الطامسة وهي آخر المراتب.» # 64 # ثالثا: تقسيم السهروردي للمنطق # إن غاية المنطق عند أرسطو هي البرهان، والبرهان نوع ~~من القياس المجرد البسيط، والقياس البسيط مكون من عناصر، هي القضايا، والقضايا تتكون من ~~موضوعات ومحمولات وباختصار من حدود. وعلى ذلك فإن المنطق عند أرسطو والقدماء ينقسم إلى الأقسام ~~الثلاثة الآتية: # القسم الأول: # منطق التصورات أو نظرية التصور: ويختص ~~بمبحث الأسماء والألفاظ المعبرة عن التصورات التي يستخلصها عقلنا من إدراك الأشياء ~~مفردة، وبعبارة أخرى مبحث الحدود بدون اعتبار العلاقات التي قد تكون بينها، وهذا ~~المبحث يؤدي إلى التعريف. # القسم الثاني: # منطق التصديقات أو نظرية الحكم: وهو يبحث في القضايا المعبرة عن الأحكام التي ~~تتكون بإدراك عقلنا لعلاقات بين تصورين أو حدين، أو بعبارة أخرى يبحث في ارتباط فكرة ~~بأخرى في صورة الحكم. # القسم الثالث: # منطق القياس أو نظرية الاستدلال: ms048 وهو يبحث في القياس وقواعده وأشكاله وضروبه التي ~~يرد بعضها إلى بعض، أو بعبارة أخرى يبحث في عمليات التزاوج بين قضيتين، تخرج منهما ~~بنتيجة تجمع بينهما، وهذا المبحث يؤدي بنا إلى البرهان الذي هو في نظر أرسطو قياس ~~مقدمات صادقة ويقينية. # 65 # ولقد تابع ابن سينا أرسطو في تقسيمه للمنطق؛ حيث يقول: «كل معرفة وعلم فإما تصور وإما ~~تصديق، والتصور هو العلم الأول ويكتسب بالحد وما يجري مجراه مثل تصورنا ماهية الإنسان، ~~والتصديق إنما يكتسب بالقياس أو ما يجري مجراه مثل تصديقنا بأن للكل مبدأ. فالحد والقياس آلتان ~~بهما تكتسب المعلومات التي تكون محمولة فتصير معلومة بالرؤية، وكل واحد منهما، ومنه ما هو ~~حقيقي، ومنه ما هو دون الحقيقي، ولكنه نافع منفعة ما بحسبه ومنه ما هو باطل مشبه بالحقيقي.» # 66 # وهنا يتضح أن ابن سينا قصر عمليات المنطق على الحد والقياس، ولم يذكر القضية، ليس معنى ~~هذا أنه لم يبحث القضايا أو أهملها، بل بحثها بحثا وافيا، على أنه من المحتمل أن يكون السبب ~~في إهماله لها في هذا التقسيم أنه يعتبرها عنصرا أساسيا في القياس من ناحية، ومن ناحية أخرى ~~أنها هي الغاية التي يصل إليها المنطق في عملية الاستدلال؛ إذ إن المنطق يصل إلى حكمة، أي إلى ~~قضية، أو بمعنى أدق أن الاستدلال نفسه - كما يرى بعض المناطقة - حكم مركب أو قضية مركبة، ~~والمنطق عند أرسطو - كما قلنا - ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة، وهو مصدر فكرة ابن سينا. # 67 # وقد تابع السهروردي ابن سينا في تقسيمه هذا؛ حيث يقسم المنطق في «رسالة اللمحات في ~~الحقائق» (القسم الأول) إلى تصورات وتصديقات، وذلك في عشرة موارد. وهي تنقسم على النحو ~~التالي: # المورد الأول: # وهو في التصورات، ويحتوي على تسع لمحات، تتناول في اللمحة الأولى بيان غرض المنطق، ~~وتكلم في الثانية عن دلالة الألفاظ، سواء بالمطابقة أو بالتضمن، كما تكلم في ~~اللمحة الثالثة عن أنواع الألفاظ وهي المفردة المركبة، وفي اللمحة الرابعة قسم ~~الألفاظ إلى جزئية وكلية، وعرج من ذلك ms049 إلى اللمحة الخامسة؛ حيث تناول تكثر الألفاظ ~~واتحادها من حيث اللفظ والمعنى. أما في اللمحة السادسة فتكلم عن الموضوع والمحمول، ~~وفي السابعة قسم المحمول ذاتيا وعرضيا وفصلها، وفي اللمحة الثامنة تناول خصائص ~~السؤال والإجابة عنه، وينتهي من هذا المورد باللمحة التاسعة التي بين فيها ~~السهروردي معنى الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام، وهي ما تعرف في المنطق بالكليات. # 68 # المورد الثاني: # وهو في الحدود، ويحتوي على ثلاث لمحات، خصص الأولى لبيان الحد التام والحد الناقص، ~~والثانية لتعريف الرسم، وأعطى في اللمحة الثالثة أمثلة للأخطاء الناتجة عن الخلط بين ~~الكليات الخمس. # 69 # المورد الثالث: # وقد أسماه «في باري أرميناس» ومعناها «في ~~العبارة»، وهو يحتوي على خمس لمحات، بين في الأولى جواز وجود الشيء في الأعيان أو ~~في الأذهان أو في الكتابة ومتى يتم ذلك، وفي الثانية بين أنواع المركب، وخصص ~~الثالثة لتناول تقسيم القضية المنطقية، من حيث الموضوع، إلى قضية جزئية وأخرى كلية، وفي ~~اللمحة الرابعة قسم القضية من حيث السلب والإيجاب. وقد جعلها السهروردي على ~~أربعة أقسام هي الموجبة البسيطة، وهي ما ليس بها أداة سلب، وسالبة بسيطة وهي التي تظهر ~~فيها أداة السلب كلفظ مستقل؛ أي ليس جزءا من الموضوع أو المحمول، ومعدولة موجبة وهي ~~التي بها أداة سلب، وسالبة بسيطة وهي التي تظهر فيها أداة السلب لفظ مستقل؛ أي ليس ~~جزءا من الموضوع أو المحمول، ومن أمثلة ذلك لفظ «لاسلكي»؛ فلفظ «لا» هنا لا يغير ~~السلب لأنه جزء من المحمول، وسالبة معدولة، وهي القضية السابقة عندما تدخل عليها أداة ~~سلب، أما اللمحة الخامسة فيتكلم فيها الفيلسوف عن أنواع الشرطيات. # 70 # المورد الرابع: # وفيه يتكلم السهروردي عن جهات القضايا، ~~ويقصد بذلك أنواع الاستدلال المباشر، وقد قسمه أيضا إلى خمس لمحات، تناول في الأولى ~~نسبة المحمول إلى الموضوع؛ من حيث الضرورة والإمكان والامتناع، ثم تكلم في اللمحة ~~الثانية عن القضية الوجودية، وهي القضية التي يكون موضوعها موجودا فعلا في الطبيعة؛ ~~أي يمكن أن يتعين، ولها حالات للسلب والإيجاب فصلها السهروردي ms050 في هذه اللمحة ليخلص ~~منها إلى اللمحة الثالثة التي خصصها للكلام عن التناقض؛ وذلك حتى يتناول في اللمحة ~~الرابعة حالات الاستدلال المعروفة فيما يسمى بمربع أرسطو، وهي ما نعرفه الآن ~~بالتضاد، والتداخل، والتناقض، والدخول تحت التضاد، ولكل حالة من تلك الحالات الأربع ~~أحكام تطلق على القضايا تبعا لموقعها منها. أما اللمحة الخامسة فقد خصصت لأنواع ~~العكس والنقض؛ أي أحكام جعل الموضوع محمولا والعكس، ولتلك الطريقة في الاستدلال ~~المباشر ست حالات متعددة؛ هي حالة العكس المستوي، وحالة نقض المحمول، وحالة نقض العكس ~~المستوي، وحالة عكس النقيض المخالف، وحالة عكس النقيض الموافق، وحالة النقض التام. # 71 # المورد الخامس: # وهو عن تركيب وأشكال القياس، وفيه ثلاث لمحات، يتناول في الأولى طريقة القياس ~~وضروبه المنتجة، وفي الثانية قياس القضايا والشرطية، وفي الثالثة يبين طريقة ~~الاستثناء في الشرطيات البسيطة من شرطية وحملية، سواء أكانت شرطية متصلة أم منفصلة. # 72 # المورد السادس: # وهو مورد خاص بقياس الخلف، وفي خمس لمحات، يتناول في الأولى شروط القياس، وفي ~~الثانية تعريف قياس الخلف، وفي الثالثة تعريف قياس الدور، وفي الرابعة طريقة الحمل على ~~المقدمات، وفي اللمحة الأخيرة يبين السهروردي كيف أن التسليم بصدق قضية يتضمن ~~التسليم بكذب نقيضها. # 73 # المورد السابع: # وفيه يتناول السهروردي بالشرح طريقة الحكم على القضايا الكلية في الاستقراء، ~~وكيف أن ذلك الحكم ينطبق على جزئيات القضية الكلية. ولهذا المورد شرح عام لم يقسمه ~~السهروردي إلى لمحات كالعادة. # 74 # المورد الثامن: # وهو في أصناف القضايا؛ حيث يتناول القضايا الواجبة القبول، ويقسمها إلى الأوليات ~~والمجربات والحدسيات والمتواترات والمشهورات والوهميات والمقبولات والتقريرات ~~والمظنونات والمشبهات. # 75 # المورد التاسع: # وهو مورد خاص بالبرهان، ويتألف من أربع لمحات، تناول في الأولى تقسيم المطالب إلى ~~تصورية وتصديقية، وفي الثانية تناول أقسام البرهان، وفي الثالثة تقسيم أجزاء العلم إلى ~~موضوعات ومبادئ ومسائل، وفي اللمحة الرابعة تعريف معنى الحد والقسمة والاستقراء. # 76 # المورد العاشر: # وهو المورد الأخير في علم المنطق، وقد خصصه السهروردي للتحذير من بعض الأخطاء ~~والمغالطات التي قد تقع في القياس. # 77 ms051 # هذا هو تقسيم المنطق الأرسطي كما عالجه السهروردي في رسالة «اللمحات في الحقائق»، إلا ~~أنه في كتابه «حكمة الإشراق» أخذ ينقد ويحلل ويختصر منطق اللمحات؛ وذلك في ثلاثة ~~مباحث: ~~(1) # مبحث المعارف والتعاريف: وهذا المبحث يبحث سبعة ضوابط لنظام التعريف، فكان الضابط ~~الأول يخص دلالة اللفظ على المعنى، والثاني تقسيم التصور والتصديق، أما الضابط الثالث ~~فيخص مبحث الماهية، والرابع يبحث الفرق بين الأعراض الذاتية والغريبة، ثم ينتقل إلى ~~بيان ضابط خامس، ينفي فيه وجود الكلي بالخارج، وفي الضابط السادس يبحث التمييز بين ~~المعرفتين الفطرية والمكتسبة. أما الضابط السابع فيدرس فيه شروط التعريف، ثم يختم هذه ~~المقالة بنقد نظرية الحد الماهوي ب «قاعدة إشراقية في هدم قاعدة المشائين في التعريفات.» # 78 ~~(2) # مبحث الحجج ومباديها: وهذا المبحث يقيمه السهروردي على سبعة ضوابط أيضا، ~~الأول، ويبحث فيه السهروردي رسم القضية والقياس، ثم انتقل في الضابط الثاني إلى بيان ~~أقسام القضايا، وبين في الثالث جهاتها، ثم ختم هذه الضوابط الثلاثة بحكمة إشراقية ~~مفادها أن جميع القضايا ترجع كلها إلى الموجبة الضرورية. وبهذا الرأي، نجد السهروردي ~~يسبق فلاسفة المنطق الحديث، من أمثال «دي مورجان» و«رونفييه» وغيرهما، ممن تنبهوا ~~إلى إمكان رد القضايا السالبة إلى موجبة، وفي سياق الاختزال كذلك نلاحظ أنه يرد أيضا ~~القضايا الجزئية إلى الكلية، لكننا هنا لا نراه منسجما مع أساس فلسفته الإشراقية ولا ~~نزوعه النقدي لأسس التفكير المنطقي الأرسطي؛ فنفيه ~~للحد الماهوي وتوكيده على الحد بالرسم وغيره من طرائق التعريف الناقصة لا ينسجم معها ~~إلا تقدير القضايا الجزئية، وهنا نرى أن «ابن تيمية» كان أكثر منه توفيقا وإدراكا لقيمة ~~القضية الجزئية. أما الضابط الرابع فدرس فيه التناقض وبين حده، وفي الخامس درس ~~«العكس» (أي جعل موضوع القضية محمولا والمحمول موضوعا، مع حفظ الكيفية وبقاء الصدق ~~والكذب بحالهما)، وفي الضابط السادس يدرس القياس وما يتعلق به، وبعد هذه الضوابط ~~تتبدى إشراقية السهروردي في مباحث دقيقة كالسلب والشكلين الثاني والثالث من أشكال ~~القياس، فضلا عن تحليله للشرطيات وقياس الخلف. وهنا لا بد أن نشير ms052 إلى أن ~~السهروردي ينكر الشكل الرابع من أشكال القياس، ذاهبا في ذلك مذهب ابن سينا. ومعلوم ~~أن العديد من المناطقة العرب قد أنكروا الشكل الرابع؛ لأنه ليس سوى عكس الأول؛ فالاكتفاء ~~بالثلاثة يغني ويكفي. والحقيقة أن هذا الشكل ليس من وضع أرسطو؛ فمتن الأورجانون ليس فيه ~~سوى ثلاثة أشكال فقط، وإن كانت فيه بعض العبارات الدالة على أن أرسطو كان مدركا لوجود ~~هذا الشكل بناء على قلب الأول؛ أي عكسه، لذا فغالب الظن أن الشكل الرابع لم يكن إلا من ~~إضافة الشراح بناء على تحليلهم وتفسيرهم للمتن الأرسطي ذاته، ونرى من الخطأ أن ننسب ~~هذا الشكل إلى جالينوس، كما يذهب الكثير من مؤرخي علم المنطق، فليس ثمة ما يمكننا من ~~الجزم بهذا. وقد كانت دراسة العالم المنطقي البولندي «يان لوكاشيفيتش» لهذه المسألة دقيقة ~~وكافية في نفي نسب الشكل الرابع إلى جالينوس، وإذا لم يكن قد استطاع أن يخلص إلى تحديد ~~صاحب هذه الإضافة إلى مبحث الأشكال، فإنه على الأقل استطاع نفي نسبتها إلى الشارح ~~«جالينوس». وفي الضابط السابع يبحث السهروردي مواد الأقيسة البرهانية مع فصول في ~~التمثيل وقسمي البرهان (أي اللمي والإني)، مختتما ببيان مطالب تتعلق بأدوات الاستفهام. # 79 ~~(3) # مبحث المغالطات، وبين فيه السهروردي المباحث الطبيعية والإلهية التي عرض لها ~~الفلاسفة المشاءون؛ وذلك على أساس من تجربته الإشراقية. # 80 # وبعد هذا العرض لأقسام المنطق عند السهروردي يمكن تقسيم البحوث والدراسات في المنطق ~~الإشراقي إلى قسمين: ~~(أ) # نظرية التعريف الإشراقية. ~~(ب) # نظرية الحجج الإشراقية. # رابعا: تقييم المنطق الإشراقي # يقلل بعض المستشرقين، من أمثال المستشرق «هنري كوربان» وغيره، من أهمية الجانب المنطقي في ~~حكمة الإشراق، ويركزون على الجانب الكوني الميتافيزيقي، في حين أن الجانب المنطقي بمثابة ~~التمهيد للجانب الكوني الميتافيزيقي؛ إذ عرض السهروردي فيه لأمور هي عنده مقدمات لمطالب في ~~القسم الثاني؛ بمعنى أن الجانب المنطقي هو الذي يعرض لوحدة المنهج: منهج النظر ومنهج الذوق، ~~وما الجانب الكوني الميتافيزيقي عن النور إلا تطبيق للمنهج الإشراقي في تصور المشائين للكون. # 81 # بل يجعل ms053 المستشرقون من السهروردي إشراقيا خالصا، ويتركون جانب الحكمة والتصوف، ~~ويخرجونه من نطاق الفلسفة والمنطق. ولكن ما السبب الذي يجعل بعض المستشرقين يقفون هذا ~~الموقف؟ # أعتقد أنه ربما يرون أن السهروردي لم يعطنا منطقا إشراقيا بقدر ما أعطانا نقدا ~~للمنطق الأرسطي؛ أي إن الجانب السلبي لديه أقوى وأوضح وأكثر من الجانب الإيجابي، هذا من ناحية، ~~ومن ناحية أخرى أن التأليف في المنطق ينافي الاتجاه الإشراقي، خاصة وأن المنطق علم آلي، عقلي، ~~استدلالي، بخلاف الإشراق الذي يعني ذوق، فطرة، مشاهدة. ثم كيف يمكن ربط المنطق بالإشراق؟ وهل ~~للإشراق منطق، والإشراق بطبيعته لا يخضع لقواعد المنطق، بل هو أساسا معرفة كشفية تند عن العقل ~~ولا تحدث إلا بالذوق؟! # ولكننا نخالف هذا القول تماما؛ فالسهروردي إذا كان قد نقد المنطق الأرسطي نقدا ~~سالبا، فإنه خرج من هذا النقد بآراء مبتكرة، وهو يسمي هذه الآراء مباحث أو ضوابط، بحيث يمكن ~~لنا أن نطلق ما ذكرناه سالفا؛ أعني على مجموع تلك الآراء، «المنطق الإشراقي». هذا المنطق كما ~~عرفه السهروردي هو سياق آخر وطريق أقرب تلك الطريقة وأنظم وأضبط وأقل إتعابا في التحصيل، # 82 # أو «الآلة الواقية للفكر» جعلناها مختصرة مضبوطة بضوابط قليلة العدد كثيرة الفوائد. # 83 # ويرجع مصدر هذا المنطق إلى الذوق فيقول: «ولم يحصل لي أولا بالفكر، بل كان حصوله بأمر آخر ~~غير العقل.» # 84 # الفصل الثالث # | المنطق عند السهروردي وعلاقته بالمنطق الأرسطي القديم # تمهيد # قلنا إن للسهروردي تجاه المنطق الأرسطي موقفا مزدوجا؛ فهو يقبل المنطق عامة، ~~ويعتبره إحدى رياضات المتصوفة الإشراقية، ثم يضع منطقا جديدا ثانيا، أو يحاول أن يختصر ~~هذا المنطق ثانيا. وقلنا إنه بهذا يخالف الصوفية الذين لم يقبلوا أية صورة من صور التفكير ~~النظري. وإن كان السهروردي نفسه يصرح بأنه توصل إلى ابتكار هذا المنطق بواسطة الذوق، ويسمي ~~كثيرا من أبحاثه الجديدة ضوابط إشراقية، فيقرر أنه سيجعل الآلة الواقية للفكر مختصرة ~~مضبوطة بضوابط قليلة العدد، كثيرة الفوائد. ولذا سنحاول أن نشرح تفاصيل ذلك في هذا الفصل، وذلك ~~على النحو التالي: # أولا: ms054 المنطق الأرسطي كما يصوره مفكرو الإسلام، وخاصة السهروردي ~~في مؤلفاته # لقد تصور أرسطو أن منطقه آلة لتحصيل العلوم جميعها، أو مقدمة ضرورية لاكتسابها، باعتباره ~~مدخلا للفلسفة التي كانت تشمل في عصره جميع المعارف والعلوم. # وقد ظل المنطق الأرسطي بمثابة كتاب مقدس، تقبل عليه الأجيال، تتدارسه وتشرحه، وتعلق ~~عليه وتقتبس منه # 1 # حتى جاءت العصور الوسطى الإسلامية، فكان لمفكري الإسلام وفلاسفته ومتكلميه ~~وأصولييه وفقهائه ومتصوفيه مواقف متباينة أمام هذا المنطق. # أما الفلاسفة فقد تلقوه بالإعجاب، وأحاطوه بهالة من القدسية، واهتموا به اهتماما كبيرا؛ ~~فقاموا بشرحه والتعليق عليه، والإضافة إليه، واعتبروه يمثل: ~~(1) # القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل، وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب، ونحو الحق ~~في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات أو القوانين التي تحفظه وتحوطه من الخطأ والزلل. # 2 ~~(2) # الصناعة النظرية التي تعرفنا أنه من أي الصور والمواد يكون الحد الحقيقي الذي يسمى ~~بالحقيقة حدا، والقياس الصحيح الذي يسمى بالحقيقة برهانا، وتعرفنا أنه عن أي الصور ~~والمواد يكون الحد الإقناعي يسمى رسما، وعن أي الصور والمواد يكون القياس الإقناعي الذي ~~يسمى ما قوي منه، وأوقع تصديقا، شبيها باليقين جدليا، وما ضعف منه وأوقع ظنا ~~غالبا ومادة يكون القياس الفاسد الذي يسمى مغالطيا وسوفسطائيا، وهو الذي يتراءى ~~أنه برهاني أو جدلي ولا يكون كذلك، وأنه عن أي صورة ومادة يكون القياس الذي لا يوقع ~~تصديقا البتة، ولكن تخييلا يرغب النفس في شيء أو ينفرها ويقززها أو يبسطها أو يقبضها، ~~وهو القياس الشعري. # 3 ~~(3) # قانون صناعي عاصم للذهن عن الزلل، مميز لصواب الرأي عن الخطأ في العقائد، بحيث توافق ~~السليمة على صحته. # 4 # وأما المتكلمون والأصوليون فجنحوا إلى الرواقية، متهمين المنطق الأرسطي بأنه عقيم ~~وتحصيل حاصل، وينطوي على مصادرة على المطلوب، وغير مفيد. وأقام المتكلمون والأصوليون بدلا من ~~القياس الأرسطي قياسا آخر بالمعنى الواسع لكلمة القياس أشبه بالتمثيل الأرسطي سمي بالقياس الأصولي. # 5 # وإذا كان المتكلمون والأصوليون يهاجمون المنطق الأرسطي، إلا أن الإمام أبا حامد الغزالي ~~(ت505ه) في أول ms055 أمره كان يقدس منطق أرسطو، حتى إنه يقول عنه: «إن من لا يحيط به فلا ثقة ~~بعلومه.» وبالغ في جعله ميزانا يزن به العلوم الدينية وسواها من حساب وهندسة # 6 # وكل علم حقيقي غير وضعي، فإني أميز حقه عن باطله بهذه الموازين، وكيف لا وهو ~~القسطاس - المستقيم، الميزان الذي هو الكتاب والقرآن في قوله تعالى: # لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط ~~. # 7 # غير أن «أبا حامد الغزالي»، أنكر أن يكون المنطق سبيلا للوصول إلى المعرفة، ثم مضى يتلمس ~~طريق التجربة الباطنية أو الكشف الصوفي كما صرح بذلك في اعترافاته. # 8 # أما ما سوى هؤلاء من فقهاء المسلمين فكان موقفهم عدائيا تاما، غير أنهم تباينوا؛ ففريق ~~كان مظهر عدائه فتاوى يصدرها محرما بها الاشتغال بالمنطق ك «ابن الصلاح» # 9 ~~⋆ # ومن تبعه، وفريق كان موقفه ~~موقف الناقد بالبرهان وإمام هؤلاء جميعا الإمام «ابن تيمية». # وأما المتصوفة، وخاصة المتصوفة الأوائل، فلم يعنوا بمنطق أرسطو كما عني به غيرهم من ~~مفكري الإسلام كالمتكلمين والفلاسفة والفقهاء، وذلك راجع إلى أنه طريق نظري وهم لا يعنون ~~بالنظر، وإنما تنصرف عنايتهم أولا وأخيرا إلى طريق الذوق والكشف. # 10 # أما السهروردي فهو يشذ عن هذه القاعدة؛ فقد اهتم السهروردي بالمنطق الأرسطي؛ حيث ~~عرض له من خلال اهتمامه بالفلسفة؛ # 11 # حيث أولع منذ شبابه الباكر بالدراسات الفلسفية، ووجد فيها مادة غزيرة فيما وضعه ~~مشاءو العرب، وبخاصة «ابن سينا»، # 12 # ولقد قرأ هذه المادة وأفاد منها، وتتلمذ على بعض شيوخها، ثم أخذ يخرج بدوره سلسلة ~~متصلة من الكتب والرسائل، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ~~(1) رسالة اللمحات في الحقائق # التزم السهروردي هنا في «اللمحات» بالتقسيم الثلاثي التقليدي للعلوم الفلسفية من منطق ~~وطبيعيات وميتافيزيقا؛ ففي المنطق يعني التعريف والقضايا والقياس والبرهان دون أن يهمل مبحث المغالطات، # 13 # وفي الطبيعيات يعالج المادة والجسم والصورة والهيولى، والزمان والمكان. ويعد ~~علم النفس جزءا من الطبيعيات على نحو ما صنع المشاءون العرب، ويفرق بين النفس والبدن، وبين ~~الإدراك الحسي ms056 والإدراك العقلي، ويقف طويلا عند النفس الناطقة ومشكلة الخلاص التي هي هدفه الأسمى؛ # 14 # وفي الميتافيزيقا يفصل القول في مشكلة الواحد والتعدد، ونظريتي الصدور والعقول العشرة. # 15 # ويختم الرسالة بحديث عن النبوة والأحلام والتناسخ، وليس له في كل هذا إلا أن يردد ما ~~قال به مشاءو العرب، فيما عدا بعض أسماء جديدة لمسميات ثابتة، أو إضافات لا تخلو من نقد ~~وملاحظة. # وباختصار أن يرد جل ما ورد على لسانه من بحث فلسفي إلى أصول مشائية، وهذا يدل على أنه ~~بدأ حياته فيلسوفا مشائيا يعتمد على مضامين الفلسفة المشائية؛ وذلك لاعتقاده بأن ~~الفيلسوف الإشراقي لا بد من أن يلم إلماما تاما بالمنطق والفلسفة المشائية، لما لهما من ~~قيمة كبرى وخطر عظيم وأثر كبير في إعداد طلاب الحكمة وتثقيفهم. # 16 ~~(2) رسالة التلويحات اللوحية والعرشية # يذكر السهروردي أن غرضه فيها إنما هو بسط تعليم أرسطو دون التفات إلى شروح ~~الفلاسفة المشائين الشائعة، فهو يقول: «هذا هو الشروع في علم ما بعد الطبيعة من التلويحات ~~اللوحية، والعرشية، لم ألتفت فيها إلى المشهور من مذاهب المشائين، بل أنقح فيها ما استطعت، ~~وأذكر لب قواعد المعلم الأول.» # 17 # ثم يبدأ السهروردي بمناقشة مقولات المنطق الأرسطي غير متقيد بمقتضيات هذا التعليم ~~الشائع؛ وذلك لأن المقولات ليست مأخوذة في عرفه عن المعلم الأول، بل عن شخص فيثاغوري يقال له أرخوطس. # 18 # ولم يكتف السهروردي بهذا، بل يبحث بعد ذلك في مفاهيم الكلي والجزئي، المتناهي ~~واللامتناهي، الحقيقي والذهني، ويعرض في هذه الرسالة لمشكلة مهمة هي قضية الماهية والوجود، # 19 # وهي من مخلفات «ابن سينا» التي عارضها السهروردي بعض المعارضة، فكان موقفه ~~منها أنه لا يجوز أن يقال الوجود في الأعيان زائد عن الماهية؛ لأننا عقلناه دونه، فإن الوجود ~~أيضا كوجود العنقاء فهمناه من حيث هو كذا أو لم نعلم أنه موجود في الأعيان، وإذن فكل ~~منهما للآخر يعد صورة واضحة حصولا في الذهن. أما الأشياء الحاصلة فعلا فإن الوجود والماهية ~~هما شيء واحد؛ وذلك لأن العقل لا يبتني أية ms057 ثنائية في الأشياء الموجودة، بل يدرك وحدة الوجود ~~إلى الماهية ليست ما يظن البعض نسبة المحمول إلى الموضوع؛ لأنه بناء على هذا الافتراض يجوز ~~أن توجد الماهية قبل الوجود أو بعده أو معه، بحيث لا يوجد الكائن الجزئي بحكم الوجود الذي ~~يقرر ماهيته، بل الاستقلال أو بإزائه، وكل ذلك محال. # 20 ~~(3) رسالة المقاومات # في هذه الرسالة يسير السهروردي على نهج التلويحات، وفي هذا يقول: هذا (يعني ~~المقاومات) مختصر يجري من كتابي الموسوم بالتلويحات مجرى اللواحق، وفيه إصلاح ما يحتاج إلى ~~إصلاحه مما كان الأولون يرسلون إرسالا ولم يتيسر إيراده في التلويحات أشده إيجازها، فلم يكن ~~يلائمها ما يحتاج إلى أقل بسط، والإيجاز في مواقع تدارك السهو في العظيمات لا يفيد؛ فأوردناه ~~مضمونا إليه نكتا مشهورة، وسميته «المقاومات». # 21 ~~(4) رسالة المشارع والمطارحات # فقد أورد السهروردي في هذه الرسالة مباحث وضوابط مخرجة مشحذة من تصرفاته، وأنه لم ~~يخرج في هذا عن مآخذ المشائين كثيرا، ولكنه يضيف إلى ذلك أنه أودع هذا الكتاب نكتا ولطائف ~~تومئ إلى قواعد شريفة زائدة على ما يورده المشاءون. # 22 # وهنا تظهر الصلة التي توجد بين مذهب السهروردي الإشراقي الخالص، وما يعرضه من مذاهب ~~المشائين في العلوم الفلسفية البحتة؛ فيقول: «ومن لم يتمهر في العلوم البحثية، فلا سبيل له ~~إلى كتابي الموسوم ب «حكمة الإشراق»، وهذا الكتاب (يعني المشارع والمطارحات) ينبغي أن يقرأ ~~قبله، وبعد تحقيق المختصر الموسوم بالتلويحات وأنا لا نراعي الترتيب ها هنا، ولا نلتزم في ~~بعض المواضع بموضوع علم، بل عرضنا فيه البحث، وإن تأدى إلى قواعد من علوم متقدمة، فإذا ~~استحكم الباحث هذا النمط فليشرع في الرياضات المبرقة بحكم القيم على الإشراق، حتى يعاين بعض ~~مبادئ الإشراق، ثم يتم له مباني الأمور، وأما الصورة الثالثة في الإشراق، وهي علومها لا تعطى ~~إلا بعد الإشراق، وأول الشروع في الحكمة هو الانسلاخ عن الدنيا، وأوسطه مشاهدة الأنوار ~~الإلهية، وآخره لا نهاية له، وسميت هذا الكتاب بالمشارع والمطارحات.» # 23 # وهنا يتضح أن رسالة المشارع والمطارحات، وإن كانت ms058 من الرسائل التي يصرح السهروردي ~~نفسه بأنه كتبها على طريقة المشائين، إلا أنه يصرح من ناحية أخرى، بأنه زاد على ذلك أشياء ~~ليست من طريقة المشائين في شيء، وإنما هي من طريقة الإشراقيين في كل شيء، وهذا يتضح بما ~~عبر عنه بالنكت واللطائف التي تومئ إلى قواعد شريفة. # يضاف إلى هذا أنه قد شرط فهم كتاب حكمة الإشراق بالتمهر في العلوم البحثية؛ أي علوم ~~المشائين، على أنه يبدأ الطالب بالبحث والاطلاع على التلويحات والمقاومات والمطارحات حتى ~~يتسنى له فهم حكمة الإشراق القائمة على البحث والتأله كما يصرح بذلك السهروردي. # 24 ~~(5) كتاب حكمة الإشراق # إذا كان السهروردي قد ذهب في رسالة اللمحات والتلويحات والمقاومات والمطارحات، تلك ~~الرسائل التي تعود معظم الباحثين على تسميتها ب «المؤلفات المشائية»، # 25 # إلا أن غرضه فيها يقتصر على عرض آراء المشائين دون أن يسلم ضرورة بصحتها، لدرجة ~~أنه لا يوضح المدى الذي يريد أن يذهب إليه في نقده لهذه الآراء، بل هو حالات كثيرة يبدو وكأنه ~~يجاريها أو يختار من تأويلها ما هو أيسر مجملا، وهو يؤكد في مواضع عديدة أن موقفه الخاص ~~الصريح منها ينبغي أن يتلمس في مصنفه الكبير الجامع «حكمة الإشراق»، الذي لم يظهر - في زعمه - ~~كتاب يوازيه أو يفوقه. # 26 # وقد جاء موقف السهروردي من المنطق الأرسطي في كتابه «حكمة الإشراق» من خلال اهتمامه ~~بالفلسفة أيضا؛ فهو يبدأ الكتاب بخطبة موجهة ضد الفلاسفة المشائين العرب؛ حيث يرى أن الحكمة ~~التي وضعها هؤلاء هي حكمة متهافتة القواعد، باطلة الأصول. وفي هذا يقول الشهرزوري: «... ولا ~~التي عليها المشاءون أصحاب المعلم الأول أرسطوطاليس بضعف قواعدهم وبطلان معاقدهم، وقد أدى ~~هذا إلى أنهم حرموا من الوصول، أعني معاينة المعاني ومشاهدة الموجودات مكافحة لا بفكر، ~~ولا بنظم دليل قياس، ولا باعتماد ونصب تعريف حدي ورسمي، بل بأنوار إشراقية متتالية.» # 27 # ومن ثم يتضح أن العلة التي هاجم لأجلها السهروردي فلسفة أرسطو أن الفلاسفة المشائين ~~العرب في زعمه «لم يصلوا إلى المعارف الحقة، ما داموا حرموا عن طريق ms059 الكشف، واستخدموا المنطق ~~القياسي الذي حصرهم في دائرة مغلقة من البحث والبرهان.» # 28 # وقد قسم السهروردي كتابه «حكمة الإشراق» إلى قسمين: # 29 # القسم الأول: # في ضوابط الفكر، وقد جعله في ثلاث مقالات: # المقالة الأولى: # في المعارف والتعاريف، ويضم مباحث اللغة، وصلة اللفظ بالمعنى، مع عرضه ~~لنقد نظرية التعريف عند أرسطو والمشائين العرب. # المقالة الثانية: # في الحجج ومباديها، ويضم نقده لمباحث القياس وأشكال القضايا. # المقالة الثالثة: # في المغالطات وبعض الحكومات بين أحرف إشراقية وبعض أحرف مشائية، بمعنى أن ~~السهروردي في هذه المقالة ينقد المباحث الطبيعية والإلهية عند الفلاسفة ~~المشائين على أساس من تجربته الإشراقية. # القسم الثاني: # في النور وحقيقته، ونور الأنوار، ومبادئ الوجود وترتيبها. وقد جعلها في خمس ~~مقالات: # المقالة الأولى: # في النور وحقيقته، ونور الأنوار، وما يصدر عنه أولا. # المقالة الثانية: # في ترتيب الوجود. # المقالة الثالثة: # في كيفية فعل نور الأنوار، والأنوار القاهرة، وتتميم القول في الحركات ~~العلوية. # المقالة الرابعة: # في تقسيم البرازخ وهيئاتها وتركيباتها وبعض قواها. # المقالة الخامسة: # في المعاد والنبوات والمقامات. # والفكرة الرئيسية التي يقوم عليها القسم الثاني هي قوله «إن الله نور الأنوار»، ومصدر ~~جميع الكائنات؛ فمن نوره خرجت أنوار أخرى هي عماد العالم المادي والروحي. # 30 # ويوضح السهروردي هذه الفكرة؛ حيث يشير إلى أن العالم قد برز من إشراق الله وفيضه؛ # 31 # فالأول أو نور الأنوار يفيض عنه النور الإبداعي الأول، وعن هذا الصادر تصدر أنوار ~~طولية يسميها بالقواهر العالية، ثم تصدر عن هذه القواهر أنوار عريضة يسميها بأرباب الأنواع، ~~وهي أنوار تدبر شئون الأنواع الموجودة في العالم الحسي. # يضاف إلى هذا أن السهروردي قد ابتدع عالما أوسط بين العالم الحسي والعالم العقلي، ~~أسماه بعالم البرازخ أو بعالم المثل المعلقة. ويبدو أن الوضع الأنطولوجي لهذا العالم الأوسط ~~هو وضع المثل الرياضية المتوسطة عند أفلاطون. وإذا كان الفلاسفة المشاءون قد جعلوا العقول ~~عشرة، فإن السهروردي يجعل «الأنوار في أعداد لاحقة لها»، بل إنه يشير إلى كثرة لا ~~متناهية من الأنوار التي تنشأ عند تقابل الأشعة الإشراقية والمشاهدية، ms060 والتي لا تحدث أيضا ~~كنتيجة للجهات العقلية المختلفة. ويظهر أن تخطيط الوجود النوراني عند السهروردي سيصل إلى ~~أن يصبح العالم كتلة من الأنوار ذات الطبيعة الواحدة، والتي تتحرك حركات عظيمة لا متناهية، ~~فيظهر فيها الثراء النوراني الضخم مما يعبر عن ديناميكية الوجود الخصبة. # غير أن تفصيل الفيوضات الإشراقية عند السهروردي وتقسيمها إلى مراحل إنما وضع لغاية ~~صوفية؛ حيث إن إيضاح المراحل على هذا النحو إنما يفتح الطريق أمام الواصل لكي ينتقل من مرحلة ~~إلى أخرى تدريجيا حتى يصل إلى جوار الحق أو نور الأنوار. # 32 # ومن الملاحظ أن فكرة الإشراق عند السهروردي تتميز عن باقي النزعات الصوفية الأخرى ~~بشكل عام بما يلي: ~~(أ) # الأساس الفلسفي الفكري للإشراق؛ إذ هو قائم عند السهروردي على أساس من ~~الاستدلال البحثي العقلي، وهو ما سبق أن أكده في كتابه «حكمة الإشراق» أنه لطالب البحث ~~والتأله. غير أن هذا التمييز لا يكفي؛ إذ إن نظرية الاتصال لدى كل من «الفارابي» ~~و«ابن سينا» تقوم على أساس فلسفي؛ لينتهي إلى الاتصال بالعقل الفعال والتلقي المباشر ~~عنه، وكذلك فإن المتصوف الأندلسي «عبد الحق بن سبعين» اعتبر المنطق والفلسفة والفقه ~~والكلام خطوة في طريق التحقيق. ~~(ب) # فكرة إشراق الأنوار الإلهية على النفس الإنسانية، وهذه الفكرة ليست بجديدة في تاريخ ~~التصوف؛ إذ إن فكرة الأنوار الإلهية وإشراقها على أنفس من تهيأ لتلقيها ليست بجديدة، بل ~~هي مشهورة عند معظم الصوفية، ومن تحدث عن المعرفة الذوقية من الفلاسفة. ويذكر هنا كتاب ~~«أثولوجيا أرسطو»، والذي يعد من المصادر الرئيسية في فكر السهروردي، والذي ~~تتكرر فيه فكرة النور والإشراق، وكذلك رسالة «مشكاة الأنوار» للغزالي، والتي كان لها ~~أثر واضح في فكر السهروردي الإشراقي. # بيد أن أهم ما يميز السهروردي هو جمعه بين الخاصيتين، واستناد الثانية منهما إلى ~~الأولى؛ إذ يمثل الأساس الفلسفي لديه مرحلة أولى ممهدة لمرحلة الإشراق؛ فالإشراق يستند إلى ~~أساس فكري ونظري، وطالبه ينبغي أن يكون قد قطع عقبات العلم والبحث. # ثانيا: المصادر التي استمد منها السهروردي منطقه الإشراقي # هناك بعض ms061 المصادر التي تأثر بها السهروردي في منطقه الإشراقي نذكر منها على سبيل ~~المثال لا الحصر: ~~(1) المصدر اليوناني (الرواقية) # تأثر السهروردي بالرواقية؛ وذلك حين اهتم بالقضايا الشرطية (المتصلة - المفصلة)؛ ~~حيث استهل باب القضايا بالحديث عن القضايا الشرطية، وعالجها قبل معالجته للقضايا الحملية؛ فهو ~~يرى أن القضية الشرطية قضية مكونة في أبسط صورها من قضيتين حمليتين، يربط بينهما رابط يفيد ~~الشرط، ويستلزم الجزاء، الذي قد يقترن بكلمة إذن، ويسمى ما بعد الشرط بالمقدم، ويسمى الجزاء ~~بالتالي؛ وذلك مثل كلمة «كلما طلعت الشمس كان نهارا». # ويقسمها السهروردي، شأنه شأن المناطقة العرب من أمثال ابن سينا وغيره، إلى لزومية ~~تامة وغير تامة، وإلى اتفاقية أو غير لزومية. # 33 # ومن الواضح أن السهروردي متأثر تماما بالرواقية المشائية التي تمثلت عند الفارابي ~~وابن سينا وابن رشد وأبو البركات البغدادي. وفي هذا يقول قطب الدين الشيرازي في شرحه لحكمة ~~الإشراق إن «أرسطو أهمل في كتبه المتصلات والمنفصلات والاقترانات الشرطية التي زادها المتأخرون.» # 34 # ومما يؤكد تأثر السهروردي بالرواقية، ما قرره في القياسات الشرطية بأن شرائطها تشبه ~~شرائطها القياسي الحملي، ولذلك لم يجد السهروردي داعيا لتكرار بحثها. # 35 # ومما يزيد تأثر السهروردي بالرواقية، محاولته نقد الحد الأرسطي (التعريف التام) ~~القائم على الجنس والفصل؛ وذلك لأن الإتيان بالحد كما التزم به المشاءون من تأليفه من ~~الجنس والفصل القريبين غير ممكن للإنسان، لجواز الإخلال بذاتي لم يعرف، وصعوبة تمييز الأجناس ~~والفصول من اللوازم العامة والخاصة. # 36 # وإن كان السهروردي قد تأثر بالرواقية في إنكار ~~التعريف التام، فهو يأخذ بالتعريف الناقص كما يذكر قطب الدين الشيرازي؛ # 37 # فالرواقيون يعترضون على التعريف التام لصعوبته، ويعمدون إلى التعريف الناقص أو ~~الرسم المؤلف من خواص الشيء؛ فتعريف الأشياء عند الرواقية تكون بذكر الأمور التي تخصها، ~~وإحصاء الفروق التي تميزها عن غيرها. # 38 ~~(2) المصدر الإسلامي # حين كان ينقد السهروردي المنطق الأرسطي كان ~~يمثل بهذا امتدادا لنقد المدرسة الكلامية والأصولية للمنطق الأرسطي، ولا شك في أن ~~السهروردي قد تأثر بهذه المدرسة في هذا الجانب، خاصة أن ms062 المنطق الأرسطي قوبل في المدرسة ~~الكلامية والأصولية حتى القرن الخامس الهجري أسوأ مقابلة، فهاجمته جميع الفرق الإسلامية ~~الكلامية والأصولية من معتزلة أو أشعرية أو شيعية أو كرامية. يقول ابن تيمية: «ما زال نظار ~~المسلمين لا يلتفتون إلى طريقتهم، بل الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وسائر الطوائف من ~~أهل النظر كانوا يعيبون فسادها، وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي.» # 39 # ويقول في فقرة أخرى: «ما زال نظار المسلمين بعد أن عرب وعرفوه (يعني ~~المنطق الأرسطي) يعيبونه ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله في موازينهم العقلية والشرعية.» # 40 # ومما يثبت هذا إثباتا واضحا: # أولا: # اختلاف نظرة المتكلمين والمناطقة المشائين في مبحث الحد وثقة الأولين لمبحث الحد ~~الأرسطي. # ثانيا: # رفض المتكلمين لمبحث القياس الأرسطي. # ثالثا: # وجود نصوص كثيرة عن المتكلمين تثبت أنهم نقدوا المنطق الأرسطي، من هذه النصوص ~~ما كتبه الباقلاني والنوبختي وإمام الحرمين «أبو المعالي الجويني» و«أبو سليمان السجستاني». # 41 # ولكن إذا كانت المدرسة الكلامية والأصولية قد نقدت المنطق الأرسطي، فذلك لارتباطه ~~بالنزعة الميتافيزيقية، هذه النزعة التي انبروا يهاجمونها أشد الهجوم، ورأوا أنها تدعو إلى ~~القول بقدم العالم وعدم الإيمان بالتوحيد، # 42 # غير أن نقد المدرسة الكلامية والأصولية للمنطق الأرسطي أدى إلى محاولتهم إيجاد ~~منطق خاص يخالف منطق أرسطو. # 43 # ولا شك في أن السهروردي قد قام بنفس هذه المهمة؛ حيث نقد المنطق الأرسطي نقدا ~~مبتكرا، وخرج من هذا النقد بقواعد تخالف قواعد منطق أرسطو، وهذا ما سوف نوضحه فيما بعد ~~بالتفصيل. # ثالثا: أوجه الاتفاق والاختلاف بين منطق السهروردي ومنطق كل من ابن سينا وابن ~~تيمية # هناك محاولات لدى مفكري وفلاسفة المسلمين تقترب من محاولة السهروردي، ويمكن توضيح ~~ذلك بأن نقول إننا إذا كنا قد حاولنا سابقا وضع مقارنة بين منطق السهروردي ومنطق «ابن ~~سبعين»، فإننا نرى أنه يمكن تلمس ذلك أيضا لدى كل من «ابن سينا» و«ابن تيمية». ~~(1) ابن سينا # يتفق السهروردي مع ابن سينا في مسألة تجديد وتنسيق المنطق الأرسطي؛ فابن سينا حاول ~~أن يتلمس بعض الثغرات ms063 في منطق أرسطو؛ فهو يقول في الذاتي: «يكاد المنطقيون الظاهرون عند ~~التحصيل لا يميزون بين الذاتي وبين المقول في جواب وهو.» # 44 # ويقول في النوع: «ومما يسهو فيه المنطقيون ظنهم أن النوع في الموضوعين له دلالة واحدة ~~ومختلفة بالعموم والخصوص.» # 45 # ويذكر في العرض قوله: «ومتخلفو المنطقيين يذهبون إلى أن العرض هو العرض الذي يقال مع ~~الجوهر، وليس هنا من ذلك بشيء، بل معنى هذا العرض العرضي.» # 46 # وفي مبحث الموجهات يقول: «ومن ظن أنه لا يوجد في الكليات حمل غير ضروري فقد أخطأ.» # 47 # كما يعبر بطرحه عن الخلاف بقوله: «والقوم الذين سبقونا لا يمكنهم في أمثلتهم ~~واستعمالاتهم أن يصالحونا على هذا، وبيان هذا يطول ...» # 48 # ومن أبرز المسائل والقضايا التي يحدد فيها ابن سينا بحثه في التناقض إذ يقول: «فهكذا يجب ~~أن تفهم حال التناقض في ذوات الجهة، وتملى عما يقول به الأولون.» # 49 # ويقول في بحثه للقياس: «القياس على ما حققناه نحن.» # 50 # ويقول أيضا في مبحث القياس: «ولا نلتفت إلى ما يقال من أن البرهانية واجبة، ~~والجدلية ممكنة أكثرية، والخطابية ممكنة ومساوية لا ميل فيها، والشعرية كاذبة ممتنعة؛ فليس ~~الاعتبار بذلك، ولا أشار إليه صاحب المنطق.» # 51 # من هذه النصوص يتضح أن ابن سينا - بالنسبة للمنطق - كان ناقدا ومنسقا، وهذا هو مصدر ~~أصالته التي استمدها أستاذه «الفارابي»؛ # 52 # ففي اهتماماته المنطقية معالجة كاملة وشاملة لم يتردد في سد الثغرات التي ~~خلفتها مناقشات من سبقوه أو في تصحيح أعمالهم، كما لم يكن «ابن سينا» مجرد جامع أو شارح ~~تحليلي، بل هو عقلية أصلية على وجه قوي. وعلى الرغم من إخلاصه لمصادره المنطقية، فإن اهتمامه ~~كان في الشرح وفي التنسيق، كما أنه لم يكن يثير اعتراضات تافهة عند الابتكار حين تستدعي ~~المعالجة الملائمة لمشكلة معينة منطلقا جديدا. # ومن بين مساهمات ابن سينا المنطقية على حد تعبير المستشرق «نيقولا ريشر» يمكن تعداد ما ~~يلي: ~~(1) # معالجة الاعتبارات المنطقية في نظرية القضايا الحملية، بما في ذلك تسوير المحمول ~~على طريقة هاملتون ms064 # Hamilton ~~. ~~(2) # نظرية تفصيله للقضايا الشرطية المتصلة والمنفصلة تضم منطوقا واضحا بالنسبة للكم ~~والكيف. ~~(3) # إعداد نظرية للقضايا الشخصية (المفردة) على طريقة الرواقيين. ~~(4) # تحليل تفصيلي لمفهوم الوجود، وإعداد تمييز بين الوجود والماهية. ~~(5) # نظرية للتعريف والتصنيف وعلاقتها معا، وهي نظرية تنطوي على عناصر أصلية. # 53 # على أن هذا ليس معناه أن «ابن سينا» لم يتأثر بمنطق أرسطو، بل بالعكس تأثر به كل ~~التأثر، وعول عليه كل التعويل، فحاكاه في ترتيبه للمنطق، واستمد منه مواد كثيرة، ولا ~~يتردد في أن يصرح بذلك، فيقول: «... ولما افتتحت هذا الكتاب (يعني المدخل)، ابتدأت بالمنطق، ~~وتحريت أن أحاذي به ترتيب كتب صاحب المنطق، وأوردت في ذلك من الأسرار واللطائف ما تخلو عنه ~~الكتب الموجودة، ثم تلوته بالعلم الطبيعي، فلم يتفق لي في أكثر الأشياء محاذاة تصنيف المؤتم ~~به في هذه الصناعة وتذاكيره.» # 54 # وهنا يتضح أن «ابن سينا» إذا كان له بعض الملحوظات على المنطق الأرسطي، فإنه يتمسك ~~بما قاله أرسطو، بينما السهروردي عكس ذلك تماما. ويمكن توضيح ذلك من خلال المقارنة ~~التالية بين منطق الإشراق عند السهروردي ومنطق المشرقيين عند ابن سينا؛ فمنطق الإشراق ~~يختلف عن منطق المشرقيين؛ وذلك لأن منطق المشرقيين لا يوجد فيه نقد للمنطق الأرسطي يأخذ ~~بعدا إشراقيا، بل ذكر لبعض مسائل المنطق الأرسطي المختلف فيها؛ لأن المنطق المتفق ~~عليه عرفه ابن سينا من قبل للعامة في الشفاء، ووضع مسائل الخلاف الخاصة في منطق المشرقيين. ~~يقول ابن سينا: «... وبعد لا نلتفت فيه لفت عصبية أو هوى أو إلف، ولا نبالي من مفارقة تظفر ~~منا ما ألفه متعلمو كتب اليونانيين إلفا عن غفلة وقلة فهم.» # 55 # غير أننا نلاحظ أن منطق المشرقيين عند ابن سينا، وإن كان يستعمل نفس اللفظ «شرق»، إلا ~~أنه لا صلة بينه وبين منطق الإشراق؛ فلفظ «المشرقيين» عند ابن سينا لا يدل على منطق خاص، بل ~~هو لفظ من اللغة العادية لا يعني به ابن سينا أكثر من عنوان لكتاب يذكر فيه بعض جوانب المنطق ~~الأرسطي التي ثار حولها خلاف في ms065 عصره، بصرف النظر عن اختلاف أو اتفاق ما يصل إليه «ابن ~~سينا» على ما جرى العرف عليه في كتابات المناطقة المشائين السابقين. # وهنا نستشهد بما لمحه السهروردي نفسه إلى مخطط «ابن سينا»؛ حيث يقول: «ولهذا صرح ~~الشيخ أبو علي (يقصد ابن سينا) في كراريس نسبها إلى المشرقيين توجد متفرقة غير ملتئمة، ~~بأن البسايط ترسم ولا تحد، وهذه الكراريس، وإن نسبها إلى المشرق، فهي بعينها من قواعد ~~المشائين، والحكمة العامة، إلا أنه ربما غير العبارة، أو تصرف في بعض الفروع تصرفا لا ~~يباين كتبه الأخرى بونا يعتد به، ولا يتقرر به الأصل المشرقي المقرر في عهد العلماء ~~الخسروانية، فإنه هو الخطب العظيم.» # 56 # ومعنى هذا أنه لا مجال للتفرقة بين منطق الإشراق ومنطق المشرقيين من حيث المضمون. أما ~~من حيث اللفظ؛ فالسهروردي لا يقصد في كلمة «إشراق» أي معنى جغرافي، بل يقصد معنى ~~صوفيا، ولهذا يجعل من المشرق دلالة مجازية على الإشراق، # 57 # ذلك لأن الإشراق يعني الإضاءة بالشعاع، والمشرق هو مكان الشروق والنسبة ~~إليه مشرقة، # 58 # فيقال «منطق المشرقيين»، وليس منطق «الإشراقيين». # ولكن بعض الباحثين مالوا إلى القول بضم الميم في كلمة «مشرقية» باعتبارها تعني حالة ~~الشروق دون مكانه، وقد دفعهم إلى ذلك فقدان الجرأة في النصوص القديمة، إلا أن «نللينو» أوضح ~~الخطأ اللغوي الكامن في هذه القراءة، وأنهى الجدل الطويل الذي قام به أنصار «المشرقية» ~~وأنصار «المشرقية»، مؤكدا صواب القراءة الأولى. # 59 # وهنا يتضح أن منطق المشرقيين يختلف أيضا عن منطق الإشراق من حيث اللفظ. ~~(2) ابن تيمية # إن الخلاف بين الصوفية والفقهاء خلاف قديم جدا، نشأ مع المحاولات الأولى لتأويل ~~النصوص القرآنية من قبل مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية المتنازعة؛ فنشأ خلاف بين أهل ~~الظاهر وأهل الباطن، ونظر كثير من الصوفية إلى الفقهاء على أنهم أهل ظواهر ورسوم، ومجالهم ~~العبادات والأحكام، وإلى أنفسهم على أنهم أهل الحقائق والبواطن، وبحثهم يتعلق بالقلوب ~~وأعمالها؛ فعلمهم علم الحقيقة، وعلم الفقهاء علم بأحكام الشريعة، وعلم الحقيقة أعلى مرتبة. ~~وفي مقابل ذلك أنكر أهل الظاهر ms066 ما يدعيه الصوفية من مخصوص العلم وقالوا: لا نعرف إلا علم ~~الشريعة الظاهرة التي جاء بها الكتاب والسنة، ورفضوا التمييز بين علم الظاهر وعلم الباطن. # 60 # وعلى الرغم من اختلاف الرؤية بين الصوفية والفقهاء، ~~إلا أنهم اتفقوا على محدودية العقل واقتصاره على عالم الكثرة والتناهي، كما اتفقوا على نقد ~~المنطق الأرسطي؛ بمعنى أنه إذا كان السهروردي قد نقد المنطق الأرسطي، فلا شك أن ~~محاولته هذه قد وجدت صدى لمن جاء بعده، من أمثال ابن تيمية؛ والدليل على ذلك نقول حين وضع ~~ابن تيمية كتابيه «الرد على المنطقيين» (المسمى بنصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق ~~اليونان) و«نقض المنطق» في بيان تهافت الأسس التي يقوم عليها المنطق الأرسطي، وأهمها الحد ~~(التعريف) والقياس، إلا أن ابن تيمية لم ينقد المنطق الأرسطي أو يهاجمه على أسس إشراقية، ~~وإنما نقده على أسس تجريبية؛ حيث تناوله في جزئياته المتعددة بملاحظاته النقدية القيمة التي ~~كانت بداية انطلق منها المناطقة الأوروبيون في العصر الحديث، خاصة «فرنسيس بيكون» و«جون ~~استيوارت مل» و«ديفيد هيوم» في الهجوم على منطق أرسطو، ولم يكن ابن تيمية متعصبا في هجومه ~~على المنطق لمجرد أنه يوناني الأصل، وإنما نظر إلى فائدته في تحصيل اليقين فوجدها معدومة، ~~على عكس ما وجدها المناطقة المشاءون. # ولقد استهل ابن تيمية كتابه «الرد على المنطقيين» بقوله: «إن هذا المنطق (يعني المنطق ~~الأرسطي) لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به الغبي، وقد كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيت ~~صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه.» # 61 # ثم يكشف ابن تيمية بطريقة منهجية - شأنه شأن السهروردي - عن قصور هذا المنطق، وفساد ~~قضاياه، وذلك في أربعة مقامات: مقامين سالبين، ومقامين موجبين؛ فالأولان قولهم: إن التصور ~~المطلوب لا ينال إلا بالحد، وإن التصديق لا ينال إلا بالقياس، والآخران أن الحد يفيد العلم ~~بالتصورات، وأن القياس يفيد العلم بالتصديقات. ثم يتناول ابن تيمية هذه الدعاوى بالنقد، ~~محاولا إبطالها بالأدلة العقلية. # 62 # ولا شك في أن محاولة ابن تيمية ms067 هذه كانت نتيجة ثمار مرجوة تركها السهروردي وغيره من ~~المتكلمين والأصوليين، إلا أنها محاولة عميقة، حتى إن أستاذنا الشيخ مصطفى عبد الرازق - ~~رحمه الله - يقول عنها: «ولو أن الدراسات المنطقية سارت منذ عهد «ابن تيمية» على مناهجه في ~~النقد بدل الشرح والتفريع والتعميق لبلغنا بهذه الدراسات من التجديد والرقي مبلغا عظيما.» # 63 # من كل ما سبق يتضح أن السهروردي أراد إظهار المنطق، وكأنه يقود الفكر إلى نتائجه ~~الإشراقية؛ أي إن آراءه الإشراقية كانت نتاج بحث منطقي عقلي مجرد، بينما كانت في الحقيقة ~~نتاجا لا يمكن بحال من الأحوال اجتزاؤها عن أساسها الفكري الإشراقي. وكذلك فإن الآراء ~~الفقهية والأصولية والعقدية لابن تيمية لم تكن نتاج بحث منطقي صرف، وإنما كانت آراؤه الفقهية ~~نتاج هذه الأبحاث العقدية والتصورات الميتافيزيقية. وعلى ذلك لا يمكننا أن نقيم جهود ~~السهروردي وابن تيمية إلا استنادا إلى الأسس التي انطلقا منها؛ فالأساس الفكري الذي ~~انطلق منه السهروردي وابن تيمية، والذي أنتج آلية معرفية مرتبطة بطبيعة هذا الفكر، هو ~~المعيار المتبع؛ أي قدرة كل منهما على الاتساق مع ذاته في المقام الأول؛ فما ارتضاه ~~السهروردي من رؤية للعالم والفكر، من المفترض ألا يناقضه بعد ذلك؛ إذ إن المنهج الذي ~~وضعه، وضعه كتبرير لهذا الفكر من ناحية، وكتفسير له من ناحية أخرى، وكذلك ابن تيمية، من ~~المفترض أن يبقى متسقا مع ذاته؛ فما رفضه من آراء وأفكار من غير المقبول أن يقبل بما يقود ~~إليها أو ينتج عنها بشكل مباشر، وهنا مفارقة في النظريات المنطقية؛ إذ إن الأسس الفكرية ~~والميتافيزيقية تنتج منطقا متسقا معها، ويتم بعد ذلك الاستعانة بهذا المنطق في تأييد هذه ~~الأسس، وهذا ما ظهر واضحا من خلال آراء السهروردي وابن تيمية المنطقية؛ إذ حاولا إعادة ~~توظيف المنطق المؤسس على طبيعة فكرهما الخاص لتأييد هذا الفكر مرة أخرى ... فما قدمه ~~السهروردي من آراء منطقية إن اتصفت بالاتساق الداخلي فهي صحيحة ضمن إطار فكره ~~الإشراقي، وما قدمه ابن تيمية من آراء منطقية هي صحيحة ضمن إطار فكره الفقهي ms068 وأسسه العقدي. # 64 # رابعا: الإضافات التي أضافها السهروردي للمنطق الأرسطي # إذا كان السهروردي قد عرض للمنطق الأرسطي في مؤلفاته في ضوء عرضه للفلسفة، إلا أنه نقد ~~هذا المنطق في القسم الأول من حكمة الإشراق. ونقد السهروردي للمنطق الأرسطي ينم عن وجهة نظر ~~خاصة. يقول الدكتور سيد حسين نصر: «... فلقد أجريت بعض الانتقادات في الفكر الإسلامي من جانب ~~المتكلمين أو المتشرعين كابن تيمية. ولكن نقد السهروردي قد جاء في اتجاه مقابل تماما؛ حيث ~~أنزل المقولات العشر إلى خمس.» # 65 # ثم جعل من المنطق الأرسطي سلما صاعدا إلى عالم الإشراق، فإذا تأملنا تاريخ المنطق ~~الحديث بعد ذلك في الغرب ندرك ما لنقد السهروردي من قيمة بالغة. # 66 # وهذا يعني أن السهروردي قد نقد المنطق الأرسطي ~~نقدا بناء. هذا النقد كان من أجل إصلاح هذا المنطق وتخليصه من آثار الفلسفة المشائية التي ~~تعني لديه الصورية الفارغة، وللتحرر من الطريق الصوري؛ وذلك عن طريق الفلاسفة المشائين ~~المتأخرين؛ كابن سينا وابن رشد وأبو البركات البغدادي، وذلك عن طريق الحصول على تجربة روحية ~~تعطي لهذا المنطق مضمونه وتعدل في شكله، ولتخليص الفلسفة أيضا من المناقشات بين الفلاسفة ~~والمشائين، من أجل إحياء الفلسفة الإشراقية الحقة، والعودة إلى النبع الذي أخذ من معينه الذي ~~لا ينضب كل من «أفلاطون، ومن قبله سقراط وهرمس وأغاذيمن وأنباذوقليس.» # 67 # ومما يدل على ذلك: ~~(1) # نقد السهروردي لنظرية التعريف في المنطق الأرسطي، ومحاولة وضع تعريف جديد. ~~(2) # نقد السهروردي لمبحث القضايا والقياس. ~~(1) نقد السهروردي لنظرية التعريف في المنطق الأرسطي، ومحاولة ~~وضع تعريف جديد # نقد السهروردي مبحث المعارف والتعاريف في المنطق الأرسطي نقدا هداما، حتى إنه ~~يغير بعض أسماء الألفاظ المنطقية المعروفة، ويضع مكانها أسماء أخرى؛ ~~فيسمي مثلا القسمة الثلاثية المشهورة لدلالة اللفظ على ~~المعنى: التطابق والتضمن والالتزام - يسميها القصد والحيطة والتطفل، # 68 # وهي ألفاظ تدل على جانب إشراقي. وفي قسمة الألفاظ إلى عام وخاص يسمي اللفظ ~~الخاص اللفظ الشاخص، والمعنى الخاص المعنى الأخص أو المنحط. # 69 # ولكن الأكثر دلالة على المنطق الإشراقي هو نقد ms069 السهروردي للتعريف الأرسطي، وبيان حصول ~~العلم عن طريقه؛ وذلك لاستناده إلى فكرة الماهية؛ أي الجنس والفصل. يقول السهروردي: «سلم ~~المشاءون أن الشيء يذكر في حده الذاتي الذي ليس بجزء لذاتي عام آخر للحقيقة سموه فضلا، ~~ثم سلموا أن المجهول لا يتوصل إليه إلا بالمعلوم؛ فالذاتي الخاص للشيء ليس بمعهود لمن يجهله ~~في موضع آخر، فإنه إن عهد في غيره لا يكون خاصا به، وإذا كان خاصا به وليس بظاهر للحس ~~وليس بمعهود فيكون مجهولا لا معرفة. فإذا عرف ذلك الخاص أيضا أن عرف بالأمور العامة دون ما ~~يخصه فلا يكون تعريفا له. والجزء الخاص ما له على ما سبق فليس العود إلا أن أمورا ~~محسوسة أو ظاهرة من طريق آخر، إن كان يخص الشيء جملتها بالاجتماع.» # 70 # ويعلق «قطب الدين الشيرازي» على هذا النص فيقول: «لما كان التعريف بالحد عند المناطقة ~~التقليديين الأرسططاليسيين يقوم على الذاتيين؛ أي الجنس والفصل. ولما كان المجهول لا ~~نتوصل إليه إلا بالمعلوم، فإن مبحث التعريف بالحد ينهار من أساسه؛ وذلك لأن الفصل ليس إلا ~~الصفات الكلية التي يتميز بها أفراد حقيقة واحدة عن أفراد غيرها من الحقائق التي يشترك معها ~~في جنس واحد، أو الفصل بمثابة الذاتي الخاص؛ فمتى وجد في غير المحدود ولم يكن خاصا به وغير ~~محسوس فهو مجهول مع الشيء. فلا يمكن التعريف به لوجوب تقدم العلم بالمعرف على المعرف به. ~~أما إذا عرف بالأمور العامة - أي الشاملة له ولغيره فلا يختص به هو بالذات - فلا يكون ~~خاصا كما افترض من قبل.» # 71 # ثم يستطرد الشيرازي؛ # 72 # حيث يذكر بأن السهروردي يحدد طريقتين أخريين للتعريف، ويكون ~~ذلك: ~~(1) # إما عن طريق الإحساس؛ فالأمور المحسوسة تدرك تمام الإدراك. ~~(2) # وإما طريق الكشف والعيان، وهو أدق الطرق وأوثقها. وإذا كان السهروردي قد ~~توصل إلى أن المشائين يأخذون الذاتي العام؛ أي الجنس، والذاتي الخاص؛ أي الفصل في ~~تعريف الشيء. ولما كان الذاتي الخاص هذا غير معلوم عند من يجهله، فإقحامه في التعريف ~~يناقض القاعدة المشائية القائلة بأن ms070 المجهول لا يوصل إليه إلا بالمعلوم، ثم ~~يعطينا سببا آخر لهدمه لنظرية التعريف الأرسطية، بأنه لو افترضنا أنه اتفق للمعروف ~~الإلمام بهذا الذاتي الخاص أو الفصل، فكيف يأمن ألا يكون قد غفل عن ذاتي آخر لا يعرف ~~الشيء إلا به، فتكون المعرفة بالشيء آنذاك ممتنعة، وكذلك تعريف الشيء. # 73 # وفي هذا يقول السهروردي: # 74 ~~«من ذكر ما عرف من الذاتيات لم يأمن وجود ذاتي آخر غفل عنه، وللمستشرح ~~أو المنازع أن يطالبه بذلك. وليس للمعرف حينئذ أن يقول لو كانت صفة أخرى لاطلعت ~~عليها؛ إذ كثير من الصفات غير ظاهرة.» ويستطرد فيقول: «لأن الحقيقة إنما تكون عرفت؛ ~~إذا عرف جميع ذاتها، فإذا انقدح جواز ذاتي، لم تكن معرفة الحقيقة متيقنة، بل تكون ~~مشكوكة.» ويقرر فيقول: «إن صاحب المشائين - أي أرسطو طاليس - اعترف بصعوبة الإتيان بالحد.» # 75 # وهنا يتضح أن السهروردي يتأدى إلى التصريح بأن الإتيان - كما التزم به المشاءون؛ أي ~~تركيبة من الجنس والفصل - غير ممكن، وفي هذا يقول الشيرازي في تحليل ذلك: «إما بجواز الإخلال ~~بذاتي لم يعرف، وإما بصعوبة تمييز الأجناس والفصول من اللوازم العامة والخاصة، ولهذا عدل ~~المناطقة الأرسططاليسيون إلى الرسوم المؤلفة من الخواص.» # 76 # ومن ناحية أخرى يهاجم السهروردي التعريف الأرسطي القائم على الجوهر؛ حيث يقول «إن ~~المشائين أوجبوا ألا يعرف شيء من الأشياء؛ إذ الجواهر لها فصول مجهولة. والجوهرية عرفوها بأمر ~~سلبي، والنفس والمفارقات لها فصول مجهولة عندهم، والعرض - كالسواد مثلا - عرفوه بأنه لون ~~يجمع البصر؛ فجمع البصر عرض، واللونية عرفت حالها؛ فالأجساد والأعراض غير مقصورة أصلا. وكان ~~الوجود أظهر شيء لهم، وقد عرفت حاله. ثم إن فرض التصور باللوازم؛ فللوازم أيضا خصوصيات يعود ~~مثل هذا الكلام إليها، وهو غير جائز؛ إذ يلزم منه - أي لا يعرف في الوجود شيء ما. والحق أن ~~السواد شيء واحد بسيط، وقد عقل وليس له جزء آخر مجهول، ولا يمكن تعريفه لمن يشاهده كما هو أو ~~من شاهده استغنى عن التعريف، وصورته في العقل كصورته في الحس؛ فمثل هذه ms071 الأشياء لا تعريف لها، ~~بل قد تعرف الحقائق المركبة من الحقائق البسيطة، كمن تصور الحقائق البسيطة متفرقة فيعرف ~~للمجموع بالاجتماع في موضع ما. واعلم أن المقولات التي حرروها كلها اعتبارات عقلية من حيث ~~مقولتيها ومحمولتيها وبعضها المشتق منه؛ أي البسيط الذي منه أخذ المحمول بخصوصه أيضا صفة ~~عقلية كالمضاف والأعداد بخصوصها - كما سبق - وكل ما يدخل فيها الإضافة أيضا، ومنها ما يكون ~~في نفسه صفة عينية. أما دخوله تحت تلك المقولات لاعتبار عقلي، كالرائحة مثلا والسواد، فإن ~~كونهما كيفية أمر عقلي معناه أن هيئة ثابتة كذا أو كذا، وإن كانا في أنفسهما صفتين محققتين ~~في الأعيان. ولو كان كون الشيء عرضا أو كيفية ونحوهما يعد موجودا آخر، لعاد الكلام ~~متسلسلا على ما سبق.» # 77 # ومعنى هذا أن: ~~(1) # الجواهر لها فصول مجهولة، مثل النفس والمفارقات الأخرى الجوهرية. ~~(2) # الجوهرية معرفة بأمر سلبي يحتاج إلى تعريف. ~~(3) # الأجسام والأغراض غير مقصورة أصلا، بل تعرف بالحس والمشاهدة. ~~(4) # معرفة الجواهر باللوازم، واللوازم لها خصوصيات تعريف بلوازم أخرى إلى ما لا نهاية؛ ~~ومن ثم فلا يمكن أن يعرف شيء في الوجود. ~~(5) # اللونية معروفة، وهي عرضية ولا تحتاج إلى التعريف؛ لأنها شيء بسيط وليس لها جزء ~~آخر مجهول. ~~(6) # هناك فرق بين عالم الأعيان وعالم الأذهان، والمقولات كلها لا توجد إلا في عالم ~~الأذهان، ولا يمكن الانتقال منها إلى عالم الأعيان، الأول عالم التصورات والثاني عالم ~~الحس. # وإذا كان السهروردي أنكر أنه يتكون الحد (التعريف) من الذاتيين (الجنس والفصل)، ~~وقرر أننا لا نصل إليهما إطلاقا، ولا ندركهما، وأن الطريق الوحيد للتعريف هو إما طريق ~~الإحساس، والأمور المحسوسة تدرك تمام الإدراك، وإما طريق الكشف والعيان، وهو أدق الطرق ~~وأوثقها؛ فهو يضع التعريف الكامل لديه ويسميه بالمفهوم وبالعناية، ويحدده بأنه «التعريف ~~بأمور لا تختص آحادها الشيء ولا بعضها، بل تخصه للاجتماع.» # 78 # وتفسير هذا، كما يعلق عليه قطب الدين الشيرازي، «بأن التعريف يجب بأمور تخصه؛ أي شخص ~~تلك الأمور، ذلك الشيء بأحد وجوه ثلاثة، فإن غير المختص بالشيء يمتنع تعريفه، أما ms072 عبارة ~~لتخصيص الآحاد، وهو أن يكون كل واحد من تلك التي هي أجزاء المعرف مختصا بالشيء قولنا في ~~تعريف الإنسان إنه ناطق ضاحك كاتب متفكر، ويعتبر الشارح هذا التعريف إذا ما حاولنا أن نرده ~~إلى صورة منطقية يونانية رسما ناقصا لخلوه عن الجنس.» # 79 # أما عبارة لتخصيص البعض فهو أن يكون بعض أجزاء المعرف مختصا بالمعرف دون البعض «ويعتبر ~~الشارح هذا التعريف حدا تاما أو رسما تاما إذا كان جزء المعرف غير المختص جنسا ~~قريبا وجزء المعرف المختص إما فصلا وإما خاصة، فإذا أردنا أن نعرف الإنسان قلنا إنه حيوان ~~ناطق أو ضاحك، والتعريف الأول حد تام والثاني رسم تام، ويعتبره حدا ناقصا أو رسما ناقصا، ~~إن كان الجزء المعرف غير المختص جنسا بعيدا، أو إن كان الجزء المعرف المختص إما فصلا ~~وإما خاصة. فإذا أردنا أن نعرف الإنسان قلنا إنه جوهر ناطق ضاحك.» # ويرى الشيرازي هذا أيضا إذا ما أبدلنا الجنس القريب بالعرض فنقول «إنه إما شيء ناطق أو ضاحك.» # 80 # أما عبارة «للاجتماع» فيشرحها الشيرازي «بأن يكون التعريف بأمور لا تختص آحادها ~~الشيء ولا بعضها بل تخصه للاجتماع - هو أن يختص مجموعها بالشيء من أجزائه.» ويعتبر ~~الشيرازي هذا التعريف رسما ناقصا؛ لأنه بالخاصة المركبة؛ أي إن اختصاصه إنما يحصل بالتركيب، ~~فنقول في تعريف الخفاش إنه طائر ولود - أعم من الخفاش - ومجموعهما ما يختص به. # 81 # وهنا يتضح أن التعريف يكون على ثلاثة أنواع: ~~(1) # أمور تختص الشيء لتخصيص الآحاد. ~~(2) # أمور تختص الشيء لتخصيص البعض. ~~(3) # أمور تختص الشيء لتخصيص الاجتماع. # وهذا النوع الأخير من التعاريف يعتبره السهروردي أكمل أنواعها. يقول الشيرازي نقلا ~~عن كتاب السهروردي «المشارع والمطارحات»: «ليس عندنا إلا تعريفات تخص الاجتماع؛ كقولنا ~~في تعريف الإنسان: إنه المنتصب القامة البادئ البشرة العريض الأظفار؛ لأن كلا منهما، وإن ~~جاز وجوده في غيره، لكن المجموع يختص به دون غيره مما نعرفه من الماهيات، وما به يتحصل ~~تميزه. ولا يقدح فيه جواز كون المجموع في ماهية أخرى لا نعرفها، ولا يخفى أن ms073 هذه الصعوبة إنما ~~هي في الحد بحسب الحقيقة والماهية لا بحسب المفهوم والعناية، فإنه إذا عبر عن هذا الاصطلاح ~~عليه ولا يجوز تبديله بأن يقال: هو حيوان ناطق عريض الأظفار، فإن كان واحد مما ذكر في الأول ~~ذاتي بحسب المفهوم والعناية، ولا يجوز تبديل وإثبات الحد ولا الزيادة ولا النقصان فيها، وهذا ~~ليس برسم؛ لأنه باللوازم والراسم يعرف أن هذا الاسم ليس لهذه المحمولات، بل لأمر ينتقل الذهن ~~منها إليه بخلاف الحاد، بحسب العناية، فإن الاسم عنده لمجموع هذه المحمولات التي كلها ذاتي ~~بحسب المفهوم. # 82 ~~(2) اختصار السهروردي للمقولات العشر الأرسطية # حصر أرسطو فكرة الأجناس العالية في عشرة، وهذه الأجناس العشرة هي: مبحث المقولات. وقد عرف ~~المسلمون هذه المقولات معرفة تامة؛ حيث هاجمها المتكلمون منذ وقت مبكر مهاجمة شديدة، وأدت ~~هذه المهاجمة - من وجهة نظر منطقية - أن نشأ في العالم الإسلامي مشكلة لم يبحثها أرسطو ولا ~~الشراح من بعده، وهي: هل هذه المقولات منطقية أم ميتافيزيقية؟ # انقسم المناطقة العرب تجاه هذا مواقف مختلفة: ~~(1) # فابن رشد - وهو يمثل أكبر حد للاتجاه الأرسطي - اعتبر المقولات من منطق أرسطو ~~وعالجها على هذا الأساس، وهو في هذا يحترم نظرية المقولات الأرسطية، ويرى أن عددها فوق ~~النقد والملاحظة. # 83 ~~(2) # أما ابن سينا فلم يعتبر المقولات من مباحث المنطق، بل من مباحث الميتافيزيقا؛ حيث ~~إن المقولات عنده تنصب على الأمور الموجودة في الذهن أو في الخارج، ولهذا عالجها في ~~الجزء الثاني من قسم الشفاء، إلا أنه في منطق النجاة لا يعرض لها إلا في ثنايا نظرية ~~التعريف. أما في منطق الإشارات والتنبيهات فيغفلها إغفالا تاما. # 84 # ولقد سار على نهج ابن سينا معظم المناطقة العرب، وعلى رأسهم الغزالي والسهروردي؛ ~~فالغزالي لم ير أية حاجة إلى ذكرها في معظم كتبه المنطقية، سواء كتابيه «معيار العلم» أو ~~«محك النظر». أما السهروردي فهو نفس الشيء؛ حيث يغفلها إغفالا تاما في القسم الأول من ~~رسالة اللمحات في الحقائق، في حين أنه يعرضها في القسم الثالث من نفس الرسالة (القسم ~~الميتافيزيقي)، ms074 كما يعرضها بالتفصيل في مجموعة الحكمة الإلهية (التلويحات والمقاومات ~~والمطارحات)، إلا أنه في كتابه حكمة الإشراق يغفلها تماما. # وهو في هذا يسير على نهج ابن سينا من حيث طبيعتها، إلا أنه يخالفه من حيث عددها. # وقد توسع السهروردي في المشارع والمطارحات في الحديث عن المقولات، ولكن مع ملاحظة أنه ~~في جميع كتبه التي تناول فيها المقولات كان يعرض لها في القسم المتعلق بالميتافيزيقا لا في ~~قسم المنطق، والمقولات الأساسية لديه هي الجوهر والكم والكيف والإضافة والحركة، أما الباقي ~~فترتد إلى هذه، على اعتبار أنها حال من أحوالها، فهو يذكر الأنواع العشرة، ثم يرد بعضها إلى ~~بعض. يقول السهروردي: «أما متى فليست البتة إلا نسبة الشيء إلى زمانه، ومحال أن يعقل متى ~~إلا بالنسبة»، وكذلك ترد الأين إلى النسبة؛ حيث إن الشيء إذا لم يوضع له نسبة إلى المكان لم ~~يفهم الأينية فيه، وحال الكون في المكان كحال الكون في الزمان على ما ذكرنا، وكذلك الوضع ~~يستحيل أن يعقل إلا بنسبة الأجزاء، وعلى ذلك تعد الأين والمتى والوضع نسب. ويذكر أن «متى» ~~يمكن أن ترد إلى «الحركة» إن كانت هيئة أخرى غير الإضافة إلى الزمان؛ فإما أن تكون قارة أو ~~غير قارة، فإن كانت قارة؛ فلا نسبة لها، وإن كانت غير قارة؛ فهي حركة، فمتى في نفسها حركة.» # 85 # ويشير في رسالة «المشارع والمطارحات» إلى حصر «ابن سهلان الساوي»، صاحب البصائر ~~النصيرية، للمقولات في أربع، وهي «الجوهر والكم والكيف والنسبة»، فيرفضه لإسقاط الحركة التي ~~لا تدخل تحت مقولة جوهر ولا مقولة الكم والكيف ولا النسبة. # 86 # ويعلق الإمام التهانوي على هذه المشكلة فيقول: اعلم أن حصر المقولات في العشر: «الجواهر ~~والأعراض التسع»، من المشهورات فيما بينهم، وهم معترفون بأنه لا سبيل لهم سوى الاستقرار ~~المفيد للظن. ولذا خالف بعضهم فجعل المقولات أربعة: «الجوهر والكم والكيف والنسبة الشاملة ~~للسبعة الباقية»، والشيخ المقتول (السهروردي) جعلها خمسة؛ فعد الحركة مقولة برأسها. وقال ~~«العرض» إن كان قارا فهو الحركة، وإن كان قارا، فإما ألا يعقل ms075 إلا مع الغير فهو النسبة أو ~~الإضافة، أو يعقل بدون الغير، وحينئذ - إما أن يقتضي لذاته القسمة - فهو الكم وإلا فهو الكيف. # 87 # والتهانوي يعني أن المقولات عند السهروردي هي الحركة والعرض يتشكل بأشكال مختلفة؛ ~~فأحيانا يكون حركة، وأحيانا يكون نسبة، وتارة يكون كما، وطورا يكون كيفا. # وهذا واضح عند السهروردي؛ فهو يورد على حصره للمقولات في خمس، حججا وشواهد شتى في ~~كل من التلويحات والمطارحات، متذرعا في خروجه على العرف الذي درج عليه المناطقة العرب بذريعتين: # الأولى: # أن الفضلاء من شيعة المشائين يعترفون بأنه لا برهان لهم على الحصر. # 88 # الثانية: # أن المقولات ليست مأخوذة من المعلم الأول أرسطو، بل عن شخص فيثاغوري يقال له ~~أرخوطس. وأرخوطس هذا، # 89 # كما يرى بعض الباحثين، هو الفيلسوف الرياضي الصقلي الذي تعرف إليه ~~أفلاطون لدى زيارته الأولى إلى صقلية سنة 388 ق. م. # 90 # ويرى السهروردي أن البحث في المقولات وفي عددها غير ذي عناء، «فإنها قليلة الفائدة في ~~العلوم جدا. ولا يضر التقصير فيها»، # 91 # وذلك لاختلاف المناطقة في هذه المقولات. # وبذلك يكون قد حصر المقولات العشر في خمس، وهي: الجوهر والحركة والإضافة والكم والكيف، ~~ويعتبر مقولات «متى وأين والملك والوضع» ضروبا من الإضافة، ومقولتي «الفعل والانفعال» ضربا ~~من الحركة. وفي هذا يقول: «متى وأين والملك والوضع لا تعقل إلا وأن تعقل الإضافة قبلها، ~~والفعل والانفعال حركة تضاف تارة إلى الفاعل وأخرى إلى القابل.» # ويتضح لنا أن السهروردي إذا كان قد سار على نهج ابن سينا في معالجة المقولات في ~~الجانب الميتافيزيقي، وليس في الجانب المنطقي؛ فذلك لأنه في المقولات يختلط المنطق بأبحاث ~~ميتافيزيقية، بالإضافة إلى أبحاث لغوية وأنطولوجية وسيكولوجية، وهذا واضح في تناول أرسطو ~~للمقولات عندما كان يصنف الموجودات نفسها إلى جواهر وأعراض. ~~(3) محاولة السهروردي وضع نسق جديد لمنطق القضايا والقياس ~~يرجع أساسا إلى القضية البتاتة # عندما أعلن السهروردي في كتابه حكمة الإشراق أن الآلة الواقية للفكر تم جعلها ~~مضبوطة بضوابط قليلة العدد كثيرة الفوائد، ظهر ذلك واضحا من خلال ms076 رفضه للتقسيمات المشهورة ~~لمبحث القضايا من حيث الكم والكيف والجهة، والعمل على ردها جميعا إلى أصل واحد، هو القضية ~~الكلية الموجبة الضرورية، والتي يسميها القضية البتاتة. ويمكن توضيح ذلك بشيء من التفصيل ~~على النحو التالي: # أولا: # من حيث الكيف: يرد السهروردي القضايا السالبة إلى القضايا الموجبة، وذلك كما ~~يذكر الشيرازي: «بأن يجعل السلب في المحيطة جزء المحمول والموضوع، حتى لا يكون لنا ~~إلا قضية، أما جزء المحمول وذلك بأن يجعله بعد الرابطة لأنه إذا وضع قبلها كان قاطعا للنسبة.» # 92 # يقول السهروردي: «السالبة هي أن تكون سلبها قاطعا للرابطة، وفي ~~العربية ينبغي أن يكون السلب مقدما على الرابطة لينفيها؛ لقولهم: زيد ليس كاتبا.» # 93 # وهذه القضية عند السهروردي، كما يذكر الشيرازي، هي السالبة، لكن إذا ارتبط ~~السلب بالرابطة، فصار أحد جزءيها (الموضوع والمحمول)، حينئذ يكون الربط الإيجاب ~~باقيا، كأن يقال مثلا: زيد هو لا كاتب. وقد أصبح السلب جزء المحمول؛ فالمحمول الآن ~~ليس إذن كاتب، بل - لا كاتب، وحينئذ تسمى القضية معدولة. # 94 # إذن رد السهروردي جميع القضايا السالبة إلى قضايا موجبة معدولة الموضوع ~~والمحمول، وعلى هذا تصير القضايا كلها موجبة كلية ضرورية، وهذا يعني رد الفرع إلى ~~الأصل؛ فالسلب فرع والإيجاب أصل، والسهروردي يبحث عن الأصول لا عن الفروع. ~~والمعرفة الإشراقية أصل المعرفة الإنسانية، إذا كان السلب جزءا للموضوع أو المحمول ~~لم يكن قاطعا للنسبة؛ فالإيجاب قطع والسلب ظن، والإيجاب ثابت عيني، أما السلب فهو في ~~الذهن فقط وليس في الخارج؛ فالمعرفة الإشراقية إذن لا سلب فيها، بل كلها إيجاب، وهي ~~لا تسلب صفة الوجود، بل تعطيه صفات الإشراق إيجابا لا سلبا. # 95 # ثانيا: # وأما من حيث الكم، فيرد السهروردي القضايا الجزئية إلى القضايا الكلية: يقول ~~السهروردي: «في المهملة البعضية الشرطية تقول قد يكون إذا كان (أ ب) كانت (ج د)، ~~أو إما يكون (أ ب) أو (ج د)، والبعض فيه إهمال أيضا؛ فإن أبعاض الشيء كثيرة، فلنجعل ~~لذلك البعض في القياسات اسما خاصا - وليكن مثلا (ج) فيقال: كل ms077 (ج) كذا؛ فيصير ~~قضية محيطة فيزول عنها الإهمال المغلط . ولا ينتفع بالقضية البعضية إلا في بعض مواضع ~~العكس والنقيض، وكذا في الشرطيات كما يقال: قد يكون إذا كان زيد في البحر وليس فيه ~~مركب أو سباحة فهو غريق. وكون طبيعة البعض مهملة لا ينكر. وإذا تفحصت عن العلوم لا ~~تجد فيها مطلوبا يطلب فيه حال بعض الشيء مهملا دون أن يعين ذلك البعض؛ فإذا ~~عمل على ما قلنا لا يبقى القضية إلا محيطة؛ فإن الشواخص لا يطلب حالها في العلوم، ~~وحينئذ تصير أحكام القضايا أقل وأضبط وأسهل.» # 96 # إذن السهروردي اعتبر بعض أحوال المقدم في الشرطية كبعض أفراد الموضوع في ~~الحملية، ولما كانت هذه الأفراد في الحملية مهملة أو بعضية وقد افترضت كلية، فيجب ~~أيضا جعل بعض أحوال المقدم البعضية أو الجزئية في الشرطية كلية. فالسهروردي ~~يتخلص من الإهمال والبعضية بالافتراض، وطريقته في هذا هي أن يحذف إرسال كمية ~~الموضوع أو إهمالها من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه يسمي الأبعاض المحكوم عليها في ~~القضايا الجزئية بأسماء معينة. ثم يحكم على هذا الاسم الافتراضي بحكم شامل لكل فرد من ~~أفراد هذا الاسم الافتراضي، وهذه القضايا الكلية هي وحدها التي يرى السهروردي ~~أنها لا تفيد في العلوم من ناحية، وتضبط أحكام القضايا وتسهلها من ناحية ~~أخرى. # ويلاحظ بعض الباحثين في رد السهروردي القضايا الجزئية إلى القضايا الكلية ~~بعدا إشراقيا؛ حيث يقول الدكتور حسن حنفي: «... وذلك لأن الكل هو الأصل، والجزء هو ~~الفرع، والمعرفة الإشراقية كلية لا جزئية، وفي العلوم لا تطلب البرهنة على القضايا ~~شرطا في التناقض، وبالتالي فهي لا تدخل في أصول القضايا، والكلية لا بد أن تكون ~~محيطة أو حاصرة.» # 97 # ثالثا: # أما من حيث الجهة: فيرد السهروردي القضايا الممكنة كلها إلى قضايا ضرورية ~~أو بتاتة؛ وذلك لأن الممكن سلب للضروري. والمعرفة الإشراقية معرفة ضرورية وليست ~~ممكنة. ويجعل السهروردي الإمكان والاقتناع جزءا من المحمول، ولم يجعله شرطا ~~للتناقض، والقضية البتاتة هي الوحيدة التي تستخدم في العلوم، أما الممكنة أو الممتنعة ms078 ~~فلا تستخدم على الإطلاق، وفي هذا يقول السهروردي ما نصه: «لما كان الممكن إمكانه ~~ضروريا والواجب وجوبه أيضا، كذلك فالأولى أن تجعل الجهات من الوجوب وقسميه أجزاء ~~للمحمولات، حتى تصير القضية على جميع الأحوال ضرورية كما تقول «كل إنسان بالضرورة هو ~~ممكن أن يكون كاتبا، أو يجب أن يكون حيوانا، أو يمتنع أن يكون حجرا»، فهذه هي ~~الضرورة البتاتة، فإنا إذا طلبنا في العلوم إمكان شيء أو امتناعه فهو جزء مطلوبنا، ~~ولا يمكننا أن نحكم حكما جازما بتة إلا بما نعلم أنه بالضرورة كذا، فلا نورد من ~~القضايا إلا البتاتة، حتى إذا كان من الممكن ما يقع في كل واحد؛ أي من الأفراد ~~الشخصية، وقتا ما كالتنفس، صح أن يقال كل إنسان بالضرورة يتنفس وقتا ما، وكون ~~الإنسان ضروري التنفس وقتا ما، يلزم أبدا. وكونه ضروري اللاتنفس في وقت غير ذلك ~~الوقت أيضا، أمر يلزمه أبدا، وهذا زائد على الكتابة، فإنها وإن كانت ضرورية الإمكان ~~ليست ضرورية الوقوع وقتا ما.» # 98 # وينبغي أن نلاحظ مسألتين على جانب كبير من الأهمية في رد القضايا الممكنة إلى ~~القضايا الضرورية البتاتة. # أما الأولى: # فهي أنه ليس من اللازم أن ندرج الجهة في المحمول في القضايا الضرورية ~~نفسها، لأنه لا حاجة إلى تكرير الجهة، بينما القرينة دالة على الضرورية؛ ~~فليس من اللازم إذن أن نرد كل إنسان هو بالضرورة حيوان إلى القول - بالضرورة ~~كل إنسان يجب أن يكون حيوانا. # 99 # ويقول السهروردي: «إذا كانت القضية ضرورية كفانا جهة الربط ~~فحسب، أو أن يفرض كونها بتاتة دون إدخال جهة أخرى في المحمول، مثل أن تقول كل ~~إنسان بتة هو حيوان، أما غير هذه القضايا فيجب إدراج الجهة في المحمول.» # 100 # أما المسألة الثانية: # فهي أنه لا ينبغي التعرض للسلب بعد التعرض للجهات، وتفسير هذا كما يقول الشارح: # 101 ~~«أن السلب التام هو ما يكون ضروريا، وهذا السلب الضروري ~~يعتبر إيجابا إذا ما غيرنا مفهومه بمفهوم الامتناع ولفظ السلب بلفظ ~~الامتناع. فكل إنسان ليس بحجر، تنقلب ms079 إلى كل إنسان يمتنع أن يكون حجرا؛ ~~فمفهوم الامتناع هنا أوقع السلب تحت الإيجاب. وعلى هذا لم تكن ثمة حاجة إلى ~~تغيير السلب بعد تغيير الجهة، وهذا ما يحدث أيضا في القضايا الممكنة؛ أي في ~~السلب غير التام، أو السلب الإمكاني؛ فإن السلب في القضية الممكنة ينقلب ~~إلى موجبة، وذلك بمجرد إدراج الجهة في المحمول.» يقول السهروردي: «لنا ~~ألا نتعرض للسلب بعد تعرضنا للجهات - فإن السلب التام من الضروري، وقد ~~دخل تحت الإيجاب إذا ورد الامتناع على ما ذكرنا، وكذا الإمكان. واعلم أن ~~القضية ليست هي باعتبار مجرد الإيجاب قضية، بل وباعتبار السلب أيضا، فإن ~~السلب أيضا حكم عقلي سواء عبر عنه بالرفع أو بالنفي، فإنه حكم في الذهن ليس ~~بانتفاء محض، وهو إثبات من جهة أنه حكم بالانتفاء، والشيء لم يخرج عن ~~الانتفاء والثبوت، أما النفي والإثبات في العقل فهما أحكام ذهنية حالهما ~~شيء آخر؛ فالمعقول إذن لم يحكم عليه بحال ما فليس بمنفي ولا بمثبت، بل هو ~~نفسه إما منتف أو ثابت.» # 102 # يكاد السهروردي يعترف هنا بالسلب؛ فهو يعتبره حكما عقليا، ولكنه يعود فيقول: «إنه ~~إثبات من حيث إنه حكم بالانتفاء - وكل حكم بالإثبات أو بالنفي فهو إثبات.» # 103 # والسبب الذي يدعو السهروردي إلى الاعتراف بالسلب في هذه الصورة هو أهمية السلب في ~~مبحث التناقض. يقول صدر الدين الشيرازي في تعليقاته على شرح قطب الدين الشيرازي لحكمة ~~الإشراق: «إنا معشر الإشراقيين لسنا ممن يجوز أن يطوي جانب اعتبار السلب طيا، ويهمل جانب ~~النقائض إهمالا، فيصير مساغا لتطرق الأغاليق إلى الأذهان، ومحلا لولوج شياطين الأوهام ~~بشرورها وكلماتها إلى سماء الحكمة المحكمة بدعائم البراهين المنورة بإشراقات العقل، بل الواجب ~~اعتبار العقود السالبة البسيطة أولا، ثم عطف النظر إلى إيجاب سلوبها للموضوعات، وجعل ~~الموجبات التي محمولاتها تلك السوالب ضروريات بتاتات.» # 104 # فالسبب الذي يدعو السهروردي وغيره من الحكماء الإشراقيين إلى اعتبار السلب هو أن له ~~عملا مهما في مسألة التناقض، وهي مسألة سوف نعرض لها بالتفصيل. # ولكن اعتبار السلب هذا ms080 وضعه السهروردي في صورة الإيجاب، بل واعتبره إثباتا، وعلى هذا ~~يمكن القول بأن السهروردي لم يعترف في باب الكمية والكيفية والجهة إلا بقضية واحدة، وهي ~~القضية الكلية الموجبة البتاتة. يقول صدر الدين الشيرازي: «الشيخ أراد في هذا الكتاب (يعني ~~السهروردي)، في كتابه حكمة الإشراق، أن يرد جميع القضايا على اختلاف أصنافها وتباين ~~أقسامها إلى القضية الكلية الموجبة الضرورية البتاتة بناء على أن المعتبر في العلوم ~~الحقيقية هو هذه القضية دون غيرها في كيفية ذلك الرد، أما في باب الكمية فبإزالة الإهمال ~~والبعضية بالافتراض، وأما في باب الكيفية فبالعدول أو السلب إذا صار جزء لا حدي إلى شيئين ~~لم يكن قاطعا للنسبة فصارت القضية موجبة. وأما في باب الجهة فيجعل الجهات منه الإمكان ~~والتوقيت وغيرها جزءا للمحمول، حتى تصير القضية دائمة ضرورية.» # 105 # وإذا كان السهروردي رد جميع القضايا إلى القضية الكلية الموجبة الضرورية البتاتة، ~~فقد كانت نتيجة هذا الرد تنطوي على جانب عظيم من الأهمية في مباحث ثلاثة في المنطق: ~~(1) # مبحث التناقض. ~~(2) # مبحث العكس المستوي. ~~(3) # مبحث القياس. # مبحث التناقض # يذكر السهروردي أن التناقض هو اختلاف قضيتين ~~بالإيجاب والسلب لا غير، # 106 # وهو يوافق المناطقة في هذا التعريف، ويوافقهم أيضا في اعتبار شروط التناقض ~~الثمانية: وهي: # 107 ~~(1) # عدم اختلاف الموضوع. ~~(2) # عدم اختلاف المحمول. ~~(3) # عدم اختلاف الزمان. ~~(4) # عدم اختلاف المكان. ~~(5) # عدم اختلاف القوة والفعل. ~~(6) # عدم اختلاف الكل والجزء. ~~(7) # عدم اختلاف الشرط. ~~(8) # اختلاف في الإضافة. # ولكن يبدأ الاختلاف بين السهروردي والمناطقة المشائين حين يضيف المناطقة في ~~القضايا المحصورة شرطا، وهو الاختلاف في الكلية والجزئية؛ فيكون نقيض «ك م»-«ج س» ونقيض «ك ~~س»-«ج م»، وهذا الشرط لازم عند المناطقة؛ لأنه بدونه يمكن أن تكذب القضيتان معا، مثل ~~الكليتين في مادة الإمكان، كما نقول: «كل إنسان كاتب ولا واحد من الناس بكاتب-وأن يصدقا معا.» # 108 # مثل الجزئيتين في مادة الإمكان أيضا. ومن الأمثلة على هذا: «بعض الناس ~~كاتب-بعض الناس ليس بكاتب». # 109 # والحالة الأولى: # أي كذب القضيتين معا يعتبر تضادا؛ لأن التضاد يكون بين «ك ms081 م» و«ك س». وحكم ~~القضيتين المتضادتين أنهما لا تصدقان معا، ولكنهما قد تكذبان معا. # 110 # والحالة الثانية: # دخول تحت التضاد؛ لأنهما بين «ج م» و«ج س»، وهاتان القضيتان قد تصدقان معا. ~~وحكم القضيتين الداخلتين تحت التضاد أنهما لا تكذبان معا، ولكن قد تصدقان معا؛ ~~فعدم اشتراط الاختلاف في الكمية يخرج هذه القضايا عن أن تكون تناقضا، إلى أن تكون ~~صورا أخرى من الاستدلالات المباشرة - فلا بد إذن من إضافة هذا الشرط. # 111 # ولكن السهروردي لم يقبل إضافة هذا الشرط التاسع، كما أنه لم يقبل إضافة شرط عاشر ~~أيضا، هو الاختلاف في الجهات؛ فقال: «لا يحتاج إلى زيادة شرط، بل يسلب ما أوجبناه بعينه.» # 112 # هذه هي عملية التناقض عند السهروردي «أن يسلب المستدل ما أوجبه بذاته بدون تغيير ~~في الكمية.» # 113 # وهذا ما أملاه عليه مذهبه العام الذي يقرر أن القضية المستعملة في العلوم هي ~~القضية الكلية الموجبة الضرورية البتاتة. يقول الشارح: «كقولنا في القضية البتاتة: كل فلان ~~بالضرورة هو ممكن أن يكون بهمانا، نقيضه ليس بالضرورة كل فلان هو ممكن أن يكون بهمانا. ~~وهكذا في غيره إذا قلنا لا شيء من الإنسان بحجر مثلا، نقيضه ليس لا شيء من الإنسان بحجر، ~~وقد سلب ما أوجبناه بعينه في النقيضين.» # 114 # فالتناقض إذن عند السهروردي هو إدخال حرف السلب لا غير من غير تغيير في جهة ~~أو في كمية؛ فالقضية الأولى التي يعتبرها المشاءون «ك م» نقيضها عندهم «ج س». # والقضية الثالثة «ك س» نقيضها «ج م»، أما السهروردي فاعتبر «نقيض كل من تلك ~~القضيتين إدخال حرف السلب على القضية. ولكن يلزم من القضية النقيض لوازم جزئية، فإذا قلنا ~~بالضرورة كل إنسان حيوان فنقيضه ليس كل إنسان بالضرورة حيوانا، ويلزم من هذا النقيض بعض ~~الإنسان ليس بحيوان بالإمكان. فهذه القضية الجزئية لازم من لوازم القضية ليس كل إنسان ~~حيوانا، وإذا قلنا لا شيء من الإنسان بحجر بالضرورة، فنقيضه ليس لا شيء من الإنسان بحجر ~~بالضرورة، ويلزم من هذا النقيض بعض الإنسان ms082 حجر بالإمكان.» # 115 # يقول السهروردي: «لزم من سلب الاستغراق في الإيجاب تيقن سلب مع جوار ~~الإيجاب في البعض، ومن سلب الاستغراق في السلب تيقن سلب البعض.» # 116 # وهذه هي فائدة القضية الجزئية، وقد اعترف السهروردي بفائدة هذه القضية في بعض نواحي ~~التناقض والعكس المستوي فقال: «ولا ينتفع بالقضية البعضية إلا في بعض مواضع العكس والنقيض.» # 117 # ولكن هذه الفائدة هي أنها مجرد لوازم للنقيض، وليس لها بعد ذلك ثمة فائدة في ~~التناقض؛ لأنه ليس لها هي نفسها نقيض. يقول السهروردي: «القضية التي خصصت بالبعض لم يكن ~~لها من البعض نقيض.» # 118 # أي ليس لها نقيض من جنسها؛ لأننا إذا أدخلنا حرف السلب على البعضية أدى هذا الإدخال ~~إلى تغاير الموضوعين، فلا يصح أن نقول: «بعض الحيوان إنسان، ليس بعض الحيوان إنسانا»؛ لأنه ~~مهمل التصور؛ فيجوز أن يكون البعض الذي هو إنسان غير البعض الذي ليس بإنسان. فلم يكن موضوع ~~القضيتين في السلب والإيجاب لا غير، ولكن الطريقة التي تستطيع الحصول على نقيض الجزئية هي ~~أن نردها إلى محيطة، والمحيطة لها نقيض من ذاتها لا يختلف معها إلا في الكيفية. # 119 # يقول السهروردي: «إذا عينا البعض وجعلنا له اسما كما ذكرنا من جعله ~~مستغرقا كان على ما سبق.» # 120 # وهنا يتضح أن رد السهروردي القضايا جميعا إلى القضية الكلية الموجبة الضرورية له ~~أثر على مبحث التناقض عنده؛ حيث خالف المناطقة المشائين في هذا الأمر، كما أنه لم ينكره ~~إطلاقا لفائدته في التناقض، كما أنه اعترف بفائدة الجزئيات في بعض مواطن التناقض؛ لذا يرى ~~السهروردي أن مبحث التناقض - كما يعرضه - يغني عن كثير من الأبحاث التي وضعها ~~المشاءون، ويخلص المنطق من كثير التطويلات التي لا فائدة لها. # 121 # وهكذا نجد السهروردي في مبحث القضايا لم يخرج عن نطاق المنطق الأرسطي ونسقه العام، ~~وإن قد غير العديد من شروطه، وذلك بهدف توظيف المنطق في اتجاه تربوي ليجعل المنطق ممهدا ~~للإشراق، وإن كانت الفكرة الأساسية التي استند إليها في خروجه عن هذا المنطق الأرسطي، ms083 قد ~~استمدها من هذا المنطق ذاته؛ أي فكرة العدول، فنقلها من نطاق الكيفية إلى نطاق الكمية ~~والجهة، لتصبح القضايا كلها كلية موجبة ضرورية، وهذا ما أثر على مبحث النقض والعكس، وسيظهر ~~أثره واضحا على مبحث القياس أيضا. # أما مبحث العكس المستوي # إن السهروردي يعترف أيضا بفائدة القضية الجزئية ولزومها؛ وذلك أن العكس كما ~~يقول: «هو جعل موضوع القضية بكليته محمولا، والمحمول موضوعا، مع حفظ الكيفية، وبقاء ~~الصدق والكذب بحالهما، فإذا أردنا أن نأتي بعكس القضية كل إنسان حيوان لم نستطع أن نقول: كل ~~حيوان إنسان؛ وذلك لأن الموضوع في القضية الأولى أخص من المحمول؛ لأن المحمول أعم من ~~الموضوع. ولكن في العكس حملنا المحمول على الموضوع؛ أو بمعنى أدق حملنا الخاص على كل أفراد ~~العام، فخرجنا إذن على شرط أساسي من شروط العكس، وهو عدم استغراق حد في العكس لم يكن ~~مستغرقا في الأصل. فحيوان لم يستغرق في الأصل واستغرقت في الفرع.» # 122 # ويعترف السهروردي بهذا، ولكن يبدأ الخلاف بينه وبين المناطقة المشائين في مسألة عكس ~~القضية الموجبة الضرورية؛ فالسهروردي يرى أن عكس القضية الموجبة الضرورية قضية موجبة ~~ضرورية، سواء كانت جهتها قبل أن ترد إلى ضرورية إمكانا أو امتناعا أو وجوبا؛ فالقضية: ~~بالضرورة كل إنسان هو ممكن أن يكون حيوانا، عكسها: بالضرورة بعض ما يمكن أن يكون كاتبا ~~فهو إنسان. والقضية: بالضرورة كل إنسان يجب أن يكون حيوانا - تعكس إلى: بالضرورة بعض ما ~~يمتنع أن يكون حجرا فهو إنسان. # 123 # فالسهروردي إذن ينقل الجهة كما هي إلى العكس لتصبح القضايا كلها ضرورية بتاتة، ~~وفي هذا يقول ما نصه: «عكس الضرورية البتاتة الموجبة ضرورية بتاتة موجبة، مع أي جهة كانت؛ ~~فللمحيطة وللجزئية انعكاس على أن شيئا من المحمول يوصف بالموضوع مهملا.» # 124 # ويعلق قطب الدين الشيرازي على هذا؛ حيث يذكر أن المناطقة المشائين لم يوافقوا على ~~عكس الموجبة الضرورية ضرورية؛ لأنه قد يجوز أن يكون المحمول ضروريا للموضوع في الأصل: كل ~~كاتب إنسان والمحمول غير ضروري للموضوع في العكس (كل ms084 إنسان كاتب)؛ لأنه يكون بالمكان لا ~~بالضرورة، ولهذا اعتبروا عكس القضية الضرورية الموجبة قضية ممكنة موجبة. أما السهروردي ~~فلم يقبل هذا؛ لأن القضية الوحيدة عنده في العلوم هي القضية البتاتة الضرورية. غير أن ~~السهروردي لم يعكس القضية: بالضرورة كل كاتب يجب أن يكون إنسانا إلى القضية: بالضرورة ~~كل إنسان يجب أن يكون كاتبا، بل إلى: بالضرورة بعض ما يجب أن يكون إنسانا فهو كاتب. # 125 # أما عكس السالبة الكلية الضرورية عند السهروردي فهي سالبة كلية ضرورية؛ حيث يرى ~~السهروردي أنه إذا كان بالضرورة لا شيء من الإنسان بحجر. عكسها: لا شيء من الحجر ~~بإنسان. ويعلق الشيرازي على هذا فيقول: «إذا كان السهروردي قرر من قبل أنه يلزم من ~~سلب الاستغراق في السلب تيقن الإيجاب في البعض، وهذه القضية إذا ما عكست كانت - بعض الإنسان ~~حجر - وينتج عن هذا كذب الأصل والعكس. أما الأصل، وهو بالضرورة لا شيء من الإنسان بحجر، فقد ~~كذب لصدق بعض الإنسان حجر، أما العكس: وهو لا شيء من الحجر بإنسان لصدق بعض الحجر إنسان.» # 126 # ومن ناحية أخرى يقول السهروردي إن «الضرورية البتاتة إذا كان الإمكان جزء محمولها، ~~فإن معها سلبا ينقل أيضا، كقولهم - بالضرورة كل إنسان هو ممكن ألا يكون كاتبا، فهي بتاتة ~~موجبة عكسها بالضرورة شيء مما يمكن ألا يكون كاتبا فهو إنسان.» # 127 # ويستطرد السهروردي فيقول: «إن السلب ينبغي أن ينقل مع الإمكان؛ لأن العكس جعل ~~المحمول بكليته موضوعا والموضوع بكليته محمولا. وقد سلبنا في الكلية السالبة المحمول عن ~~الموضوع سلبا كليا؛ فيجب أن ينقل هذا السلب الكلي في العكس لأنه جعل الموضوع محمولا ~~بكليته لا يجزأ منه.» والسهروردي يتفق مع المناطقة المشائين في أن عكس السالبة الكلية ~~- أي «ك س» - سالبة كلية - أي «ك س». # غير أن السهروردي يختلف معهم أيضا في مسألة الجهة، فهم لا ينقلون الموجبة الضرورية ~~- وهي التي تعود إليها سالبة السهروردي الكلية - إلى موجبة ضرورية، ولكنهم ينقلونها إلى ~~موجبة ممكنة. # 128 # أما السالبة الجزئية، فيعلق عليها قطب الدين ms085 الشيرازي بقوله بأنها «لا تنعكس ~~عند المناطقة المشائين.» ولكن السهروردي يرى أنه من الممكن انعكاسها؛ فإذا قلنا ليس بعض ~~الحيوان إنسانا، وعينا هذا البعض من الحيوان الذي ليس بإنسان؛ وذلك بأن نجعله فرسا أو ~~غيره من الحيوانات غير الإنسانية، وجعلناه كليا فقلنا: لا شيء من الفرس بإنسان، استطعنا ~~ببساطة أن نعكس فنقول: لا شيء من الإنسان بفرس، ونستطيع كذلك أن نعكس الجزئية السالبة؛ وذلك ~~بجعل السلب جزء المحمول؛ فليس بعض الحيوان إنسانا نجعلها بعض الحيوان هو غير إنسان، ثم ~~نعكسها إلى بعض غير الإنسان حيوان، أما في الحالة الأولى فإننا رددنا القضية الجزئية ~~السالبة إلى قضية كلية سالبة؛ وذلك بأن نعين النوع الذي سلب عنه المحمول، ونعتبره كليا ~~ثم نسلب عنه المحمول سلبا كليا. أما في الحالة الثانية؛ فرددنا القضية الجزئية الموجبة؛ ~~وذلك بأن نجعل السلب بعد الرابطة؛ أي مرتبطا بالمحمول، والسهروردي يعتبر السلب الحقيقي ~~ما كان مرتبطة أداته بالرابطة، وتلك الحالتان هما اللتان يمكن فيهما انعكاس الجزئية ~~السالبة. # وأخيرا يرى السهروردي الأمر أن «ذكر النقيض والعكس والمهملات البعضية لا فائدة منه ~~على الإطلاق، ولكن ينبغي ذكرها لمعرفة القوانين المنطقية اقتداء بأصحاب تلك الصناعة من ~~المتقدمين، بل من المتألهين.» # 129 # أما القياس # يعرف السهروردي القياس بأنه عند المناطقة: «قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنه ~~لذاته قول آخر.» # 130 # غير أن السهروردي لا يعرض لقواعد القياس، وأغلب الظن أنه ربما كان يعتقد أن ~~قواعد القياس ليست هي قواعد بالمعنى الدقيق تضمن لنا صحة الحجة القياسية، هذا من ناحية، ~~ومن ناحية أخرى: أن هذه القواعد تتضح بصورة أدق حين نتناول أشكال القياس على حدة، ~~لنبين القواعد اللازمة لكل من الأشكال حتى يأتي الضرب في القياس منتجا. وهذا ما قام ~~به السهروردي بالفعل؛ حيث شرع في مبحث القياس إلى عرض أشكال القياس، وهذه الأشكال كما ~~يقول السهروردي: «الحد الأوسط إما أن يكون محمول الصغرى وموضوع الكبرى ويسمى ~~«الشكل الأول» لظهوره في نفسه، ويتبين غيره به، وهو الأشرف لإنتاجه جميع المطالب من ms086 ~~المحصورات الأربعة، وأما موضوع الصغرى ومحمول الكبرى (الشكل الرابع) فهو بعيد عن الطبع لا ~~يتفطن لقياسته إلا بصعوبة وكلفة، وأما محمولها جميعا وهو الثاني (الشكل الثاني) وموضوعها ~~وهو الثالث (الشكل الثالث)، ويكاد الطبع يتفطن لقياستهما دون الحاجة إلى بيان ما على ما ~~سنذكره واشتراك الثلاثة في أن لا نتيجة فيها عن الجزئيتين، ولا عن سالبتين، ولا عن سالبة ~~صغرى وجزئية كبرى، إلا في سوالب هي في حكم الموجبات، وأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين في ~~الكيف والكم، وما استثني من الكيف قائما في سوالب هي في حكم الموجبات بلا حاجة إلى الاستثناء.» # 131 # من هذا النص يتضح أن السهروردي يجاري المناطقة المشائين، وخاصة ابن سينا في أن ~~أشكال القياس ثلاثة وهي: # الشكل الأول: # وهو أكمل الأشكال وأكثرها صحة ومشروعية. # الشكل الثاني: # وهو لا ينتج إلا السوالب، ولذلك فهو يبرهن على القضايا السالبة التي تبرهن عن ~~استحالة انتماء للمحمول؛ فهو يستبعد كل منهما الآخر. # الشكل الثالث: # وهو لا ينتج إلا الجزئيات، حتى إذا كانت المقدمتان قضيتين كليتين، وهو يبرهن ~~على أمثلة جزئية مستنتجة من القضايا العامة، محتملة الصدق أو الكذب. ولذلك يعبر هذا ~~الشكل عن العرضية والاحتمال في انتماء الموضوع للمحمول. # الشكل الرابع: # هذا الكل يسقطه السهروردي من قائمة الأشكال؛ وذلك لكونه «السياق البعيد ~~الذي لا يفطن لقياسته من نفسه ولذلك حذف.» # 132 # وهنا يتضح أن السهروردي يخالف المناطقة المشائين في رد كل أضرب أشكال القياس إلى ~~الضرب الأول من الشكل الأول. ويمكن شرح ذلك بالتفصيل على النحو التالي: # الشكل الأول # ويقول السهروردي عنه بأنه «أكمل الأشكال» - كما بينا آنفا - فهو «الأول المقام ~~في الاقترانيات ما يكون الأوسط محمول المقدمة الأولى فيه، فهو السياق التام.» # 133 # والسهروردي في الشكل يرد القضية السالبة إلى الموجبة، والقضية الكلية إلى القضية ~~الجزئية. على أن يتكون هذا الشكل من ضرب واحد مكون من قضيتين موجبتين بتاتين - كل «ج ب» ~~بتة وكل «أ ب» بتة فينتج عنهما كل «ج أ» بتة. ويقول السهروردي: «اعلم أن الفرق بين ms087 ~~السلب إذا كان في القضية الموجبة وبين السلب إذا كان قاطعا للنسبة الإيجابية، هو أن ~~الأول لا يصح على المعدوم؛ إذ لا بد للإثبات من أن يكون على ثابت، بخلاف الثاني؛ فإن ~~النفي يجوز على المنفي، ولكن على هذا الفرق يكون في الشخصيات لا في القضايا المحيطة وجملة ~~التصورات؛ فإنك إذا قلت: «كل إنسان هو غير حجر» أو «لا شيء من الإنسان بحجر» هو حكم على كل ~~واحد من الموصوفات بالإنسانية متحققة حتى يصح أن تكون موصوفة بها؛ فإذا زال الفرق فيجعل ~~السلب في المحيطة جزء المحمول أو الموضوع حتى لا يكون لنا إلا قضية موجبة، ولا يقع الخبط في ~~نقل الأجزاء في مقدمات الأقيسة، ولأن السلب له مدخل في كون القضية السالبة قضية؛ إذ هو ~~جزء التصديق على ما سبق فنجعله جزءا للموجبة، كيف وقد دريت أن إيجاب الامتناع يغني عن ذكر ~~السلب الضروري والممكن إيجابه وسلبه سواء. والسياق الأتم ضرب واحد كل «ج ب» بتة وكل «ب أ» ~~بتة فينتج كل «ج أ». وإذا كانت المقدمة جزئية فنجعلها مستغرقة مثل «أن يكون بعض الحيوان ~~ناطقا» و«كل ناطق ضاحك» مثلا - فلنجعل لذلك البعض مع قطع النظر عن الناطقية اسما كان ~~معها وليكن «د» فيقال «كل د ناطق» وكل ناطق كذا على ما سبق، ثم لا يحتاج أن نقول: «بعض ~~الحيوان د» على أنه مقدمة أخرى لأن «د» اسم ذلك الحيوان فكيف يحمل اسم حيوان، فهو غير حجر، ~~ينتج أن كل حيوان هو غير حجر، فلا يحتاج إلى تكثير ضروب وحذف بعض واعتبار بعض.» # 134 # من هذا النص يتضح أن السهروردي يتخلص من السلب في المقدمة السالبة بجعله جزءا ~~للمحمول حتى تنقلب المقدمات السالبة إلى موجبة، كما يتخلص السهروردي من الكمية ~~البعضية في المقدمات الجزئية بواسطة الافتراض؛ وذلك في رده للقضية الجزئية إلى قضية ~~كلية. # أما عن الجهات، فيرى السهروردي أنه ينبغي أن تجعل جزء المحمول حتى تكون كلها بتاتة. ~~وفي هذا يقول: «لما كان الطرف الأخير يتعدى إلى الطرف ms088 الأوسط بتوسط الأوسط؛ فالجهات في ~~القضية الضرورية البتاتة تجعل جزء المحمول في المقدمتين أو إحداهما فيتعدى إلى الأصغر، مثل ~~أن كل إنسان بالضرورة هو ممكن الكتابة، وكل ممكن الكتابة فهو بالضرورة واجب الحيوانية أو ~~ممكن الشيء - ولا يحتاج إلى تطويل كثير من المختلطات.» # 135 # وينتهي السهروردي إلى القول بأن الضابط الإشراقي مقنع، والسياقان الآخران - يقصد ~~الشكلين الثاني والثالث - ذنابتان لهذا السياق. # 136 # وليس معنى هذا أن السهروردي لم يبحث هذين الشكلين، بل بحثهما في ضوء مذهبه. # 137 # وما فعله السهروردي في الشكل الأول سيكرره في الشكلين الآخرين؛ إذ هما حسب تعبيره، ~~كما أوردنا عنه، ذنابتان لهذا السياق، ورغم كونهما للسياق الأول، إلا أنه سيبحثهما من خلال ~~رأيه في القضايا. # الشكل الثاني # يرى السهروردي أن هذا الشكل إذا كان ينتج سوالب عند المناطقة المشائين، فهو عند ~~الإشراقيين لا ينتج إلا ضروريات بتاتات. يقول السهروردي: «إذا كانت قضيتان محيطتان ~~مختلفتا الموضوع يستحيل إثبات محمول على الآخر من جميع الوجوه أو من وجه واحد، فاعلم يقينا ~~أنه لو كان أحدهما مما يتصور أن يدخل تحت الآخر ما استحال عليه محموله. إذن أن يوصف أحدهما ~~بالآخر أيهما جعل هو موضوعا في النتيجة وأيهما حمل؛ فالنتيجة ضرورية بتاتة.» # 138 # أما إذا كان هناك في مقدمات ضروب هذا الشكل مقدمة جزئية، فينبغي أن تقلب كلية. يقول ~~السهروردي: «إن كان في هذا السياق جزئية فلتجعل كلية.» # 139 # والسهروردي في هذا يرد الضربين الثالث والرابع # baroco ~~، # festino # من هذا الشكل إلى الضربين الأولين # camestres ~~، # cesare ~~. ولم يكن هذا هو الاختلاف الوحيد بين السهروردي وأرسطو في ~~هذا الشكل، بل حاول أن يرد قضايا الضربين الأول والثاني إلى قضيتين موجبتين # barbara ~~. # وأما طريقته في الرد فهو أن يجعل الجهات والسلوب جزء المحمول؛ فالمقدمة: كل إنسان ~~بالضرورة ممكن الكتابة، جعل فيها الإمكان جزء المحمول. وكل حجة بالضرورة ممتنع الكتابة. في ~~هذه المقدمة جعل السلب الضروري جزء المحمول؛ وذلك بأن أبدل السلب بالامتناع. ينتج من هاتين ~~المقدمتين السالفتين غير متحد؛ فهو في ms089 القضية الأولى: ممكن الكتابة، وفي القضية الثانية: ~~ممتنع الكتابة. # 140 # أما عند أرسطو فينبغي أن يكون المحمول - أي الحد الأوسط - في المقدمتين واحدا. غير أن ~~السهروردي «لا يشترط اتحاد المحمول من جميع الوجوه في هذا السياق». # 141 # ويلاحظ أيضا أن المقدمتين غير مختلفتين في الكيف بل هي موجبة. يقول قطب الدين ~~الشيرازي: «إن هذا الشكل لا يشترط اختلاف مقدمتين في الكيف عند الإشراقيين بخلاف المشائين.» # 142 # ويعلق صدر الدين الشيرازي في صدر تعليقاته على كلام قطب الدين الشيرازي في شرحه لحكمة ~~الإشراق، فيذكر أن الإشراقيين يقررون اختلاف المقدمتين في الكيف بأحد الوجهين؛ أي أن تكون ~~إحداهما موجبة محصلة والأخرى سالبة بسيطة، أو تكونا موجبتين لكن يكون محمول إحداهما فقط ~~مشتملا على سلب. # 143 # وأما عن اشتراك المحمول في المقدمتين فيقول السهروردي: «إنما يعتبر الشركة فيما ~~وراء الجهة المجعولة جزء المحمول.» # 144 # فقد اشترك المحمولان المذكوران في المقدمتين الآنفتي الذكر في الكتابة، ولكن ~~اختلفت الجهة، فكانت إحداهما إمكانا والأخرى امتناعا؛ أي أن تكون الجهة التي تجعل جزء ~~محمول المقدمة الصغرى مختلفة عن الجهة التي تجعل جزءا من محمول المقدمة الكبرى؛ فالمحمولان ~~إذن يتغايران في الجهة. ويقول السهروردي: «يجوز تغاير جهتي القضية فيه.» # 145 # والحد الأوسط لا ينبغي على هذا الأساس تكراره بتمامه في هذا الشكل؛ لأنه يراعى ~~فيه أن هناك سلبا في إحدى المقدمتين تحت صورة الامتناع، كما أن الجهة قد تكون امتناعا في ~~أحدهما وإمكانا أو إيجابا في الآخر، يكفي إذن في الإنتاج أن يتحد المحمولان أو الحد ~~الأوسط فيما وراء الجهة. # 146 # إذن يختلف المنطق الإشراقي عن المنطق المشائي في الشكل الثاني؛ وذلك في ثلاثة ~~وجوه: ~~(1) # أنه ينقل المحمول في الشكل الثاني بتمامه من المقدمة الصغرى إلى المقدمة الكبرى ~~بدون اختلاف في الكم أو الكيف أو الجهة. ~~(2) # أنه لم يبين في صورة هذا الشكل الاتحاد أو نقل الحد الأوسط بتمامه من الصغرى إلى ~~الكبرى. ~~(3) # أنه لم يوافق في شروط هذا الشكل على اختلاف المقدمتين في الكيف، بل رد السالبة ms090 ~~في كل حالة إلى موجبة. # والسهروردي يرى أنه يمكن بيان هذا القياس بالشكل الأول فيقول: «ومخرجه من السياق ~~الأول أن هذين القولين قضيتان استحال على موضوع إحداهما ما أمكن على موضوع الأخرى؛ ~~فموضوعاتهما بالضرورة متبائنان.» ينتج أن «هذين القولين قضيتان موضوعهما بالضرورة متبائنان.» # 147 # ويلزم أيضا عن تباين الموضوعين واختلافهما: ~~(أ) # إذا كان المحمول لإحدى المقدمتين في البتاتة ممكن النسبة، مثل: «كل إنسان ~~بالضرورة كاتب»، وأن محمول المقدمة الأخرى واجب، مثل: «كل حجر بالضرورة غير كاتب» ~~فيلزم «أن الإنسان بالضرورة غير حجر». ~~(ب) # إذا كان محمول إحدى المقدمتين في البتاتة ممكن النسبة، ومحمول الأخرى ممتنع ~~النسبة: مثل كل إنسان بالضرورة ممكن الكتابة، وكل حجر بالضرورة فهو ممتنع الكتابة، ~~فينتج أن الإنسان بالضرورة ممتنع الحجرية؛ فاختلاف النسبة في الجهة ينتج تباين الموضوعين. # 148 # وهذا ما يؤيد النتيجة التي استخلصها السهروردي ببيانه لهذا الشكل بواسطة الشكل ~~الأول، وهذه النتيجة هي «أن هذين القولين قضيتان موضوعهما بالضرورة متبائنان». # وينتهي السهروردي من هذا الشكل بقوله: «إنه ترك التطويل على أصحابه في الضروب ~~والبيان والخلط.» # 149 # أي يغني هذا عن تطويل المنطق الأرسطي في هذا الشكل، واعتبار ضروبه أربعة، وهي ~~في منطق الإشراق عند السهروردي واحدة. # أما عن الشكل الثالث # ويعرفه السهروردي بقوله: «إذا وجدنا شيئا واحدا معينا كالأوسط وصفا لمحمولين، ~~علمنا أن شيئا من أحد المحمولين موصوف بالمحمول الآخر ضرورة.» وهذا التعريف للشكل الثالث ~~يتفق مع التعريف الأرسطي له؛ فالحد الأوسط هو موضوع في المقدمتين. والنتيجة أن شيئا من ~~المحمولين موصوف بالمحمول الآخر. ومعنى هذا أن النتيجة لا بد أن تكون جزئية. والأمثلة ~~التي يعطيها السهروردي تثبت هذا، فمثلا «أن يكون زيد حيوانا أو زيد إنسانا» علمنا ~~أن شيئا من الحيوان إنسان، بل وشيء من الإنسان حيوان على أي طريق كان. وإذا كان هذا الشيء ~~المعين معنى عاما، فيكون مستغرقا كقولنا: كل إنسان حيوان وكل إنسان ناطق. فصار هذا ~~الحصر شيئا معينا موصوفا بالأمرين فيلزم أن يكون شيء من أحدهما هو الآخر. # 150 # وهذه ms091 النتيجة هي بعض الحيوان ناطق. بل إن السهروردي يعترف صراحة بأن ~~النتيجة في ضروب الشكل الثالث جزئية فيقول: «يلزم اتصاف كل واحد من المحمولين بالآخر في هذا ~~السياق، فإن المحمولين أو أحدهما، ربما يكون أعم من الموضوع الذي هو الأوسط. والطرف الآخر ~~فلا يلزم اتصاف كل أحدهما بالآخر، بل شيء من أحدهما هو الآخر.» # 151 # وإذا كانت النتيجة جزئية، فلا بد أن تكون إحدى المقدمتين جزئية؛ لأن النتيجة ~~تتبع الأخس من المقدمات. # وعلى هذا لا يشترط في هذا الشكل كلية المقدمتين - تبعا لمذهب السهروردي العام الذي ~~يقرر أن القضايا ينبغي أن تكون كلها كلية - بل تكفي فيه كلية إحدى المقدمتين: كل إنسان ~~حيوان، وبعض الإنسان كاتب، تنتج بعض الحيوان كاتب. يقول السهروردي: «وإن كان إحدى ~~المقدمتين مستغرقة والأخرى غير مستغرقة بعد الشركة في الموضوع، فيجوز أن يخلو من الكل، ومن ~~يلزم اتصاف شيء من أحد المحمولين الآخر. أما عن السلب، فيتفق السهروردي فيه مع مذهبه ~~العام فيقرر نقله إلى المحمول، حتى تصير القضايا كلها موجبة: كل إنسان حيوان، وكل إنسان فهو ~~غير الحجر، لينتج بعض الحيوان هو غير الحجر. وإذا ما جعل السلب جزء المحمول، كانت القضايا ~~في هذا السياق موجبة. ولم تعد ثمة حاجة إلى سالب. وكان من الممكن حمل كل من المحمولين ~~على الموضوع بالإيجاب - ونتج عن هذه نتيجة موجبة؛ فمثلا كل إنسان هو طائر، وكل إنسان هو لا ~~فرس. أنتج أن شيئا مما يوصف بأنه لا طائر هو لا فرس. ويرى السهروردي أننا إذا جعلنا ~~الجهات والسلوب أجزاء للمحمول في المقدمتين، استغنينا عن ضروب كثيرة. ثم يقول: «مدار هذا ~~الشكل هو تيقن اتصاف شيء واحد بشيئين، ومخرجه عن الشكل الأول أن هذين القولين قضيتان ~~فيهما شيء ما وصف بكلا المحمولين، وكل قضيتين فيهما شيء ما وصف بكلا المحمولين، فبعض ~~موصوفات أحد المحمولين يوصف بالآخر، فهذان القولان هكذا حالهما.» # 152 # القضايا الشرطية وقياس الخلف # يذكر السهروردي أننا قد نؤلف من الشرطيات قضايا اقترانية، مثل قولنا: كلما كانت ~~الشمس ms092 طالعة فالنهار موجود، وكلما كان النهار موجودا فالكواكب خفية، إذن كلما كانت الشمس ~~طالعة فالكواكب خفية. ولا يضيف السهروردي شيئا في هذا الباب وإنما يقول: «الشرايط ~~والحدود حالها كما سبق.» # 153 # أما قياس الخلف فيعرفه السهروردي بقوله: «القياس الذي يتبين فيه حقية المطلوب ~~بإبطال نقيضه.» # 154 # أي يبرهن فيه المطلوب عن طريق إبطال نقيضه، أو كما يحدده الشيرازي شارح كتاب ~~حكمة الإشراق: «الاستدلال بامتناع أحد على حقية النقيض الثاني.» # 155 # وتركب من قياسين؛ قياس اقتراني وقياس استثنائي، فإذا أردنا أن نثبت أن لا شيء ~~من الإنسان جماد، فنثبت ذلك عن طريق إبطال نقيضها، وهو أن الإنسان جماد؛ وذلك عن طريق قياس ~~شرطي، وهو أنه إذا كان بعض الإنسان جمادا لم يكن كل الإنسان حيوانا؛ لأنه لا شيء من ~~الجماد بحيوان، وينتج ليس كل إنسان حيوانا، ويلزم أن يكون بعض الإنسان جمادا؛ أي إذا كذب ~~لا شيء من: ~~«أ ب» يصدق بعض «ب أ»، وإذا أردنا أن نثبت أن لا شيء من «أ ب»، نثبت ذلك عن طريق فرض أن ~~بعض «أ ب»، وإذا بعض «أ ب» وكان هذا باطلا، وهي أن بعض الإنسان جماد، ونقيضها صحيح، وهو ~~المطلوب؛ أي «لا شيء من الإنسان جماد»؛ أي أثبتنا صدق هذه القضية عن طريق إثبات بطلان ~~نقيضها أو لازم نقيضها.» # 156 # وما ذكرناه الآن توضيح لفكرة البرهان كما عرضها السهروردي وشارحه، وجديد فيها، على ~~حد تعبير السهروردي نفسه، والذي يقول عن القياسات الشرطية بأن «شرائطها تشبه شرائط ~~القياس الحملي. ولذلك لم يجد السهروردي لتكرار بحثها.» # 157 # مواد الأقيسة البرهانية # أما من حيث مادة البراهين؛ ف «السهروردي» لا يستعمل إلا مادة يقينية، سواء أكانت ~~فطرية أم ما ينبني على فطري على قياس صحيح. والحدسيات عند السهروردي تشمل المجريات، ~~وهي مشاهدات مفيدة يقينية تحدث بالتكرار والمتواترات، وهي شهادات يقينية لكثرتها بعيدة عن ~~التواطؤ، ومؤيدة بالقرائن. أما المشهورات والمخيلات فكلها لا تفيد اليقين؛ فواضح أن اليقين ~~عند السهروردي هو الحدس، والحدس يشمل المتواترات والمشاهدات؛ أي الوحي ms093 والمعرفة ~~الإنسانية على حد سواء. # 158 # أما طرق الاستدلال الأخرى كقياس التمثيل، والذي يحدده السهروردي بقوله: «ما ~~يدعى فيه شمول حكم لأمرين، بناء على شمول معنى واحد لهما.» # 159 # ويعني بذلك القياس الفقهي، وهو برأيه «غير مفيد لليقين، لاحتمال أن يكون مناط ~~الحكم وصف غفلوا عنه.» ويذكر السهروردي العديد من الاعتراضات التي وجهت للقياس الفقهي، ~~والتي تحفل بها كتب أصول الفقه والكلام، من كون الحكم مخصوصا بالأصل ولا يتعدى، أو أنه ~~لمجموع الأوصاف لا لعلة واحدة، أو كون العلة المحددة عن طريق السبر والتقسيم قابلة ~~للانقسام، والحكم ملائم لأحدهما فقط أو غفلتهم عن وصف هم مناط الحكم ... ويضيف الشيرازي شارح ~~حكمة الإشراق: «هذا استقراء ناقص؛ فيجوز أن يكون حال ما لم يستقرأ يخالف حال من استقرئ.» ~~والكثير من الانتقادات التي ذكرها قد طرحت للنقاش من قبل الأصوليين أنفسهم، وتجادلوا فيها، ~~ورد بعضهم عن بعض. وكون قياس التمثيل يفيد الظن لا اليقين، فهذا الرأي قد أخد به الكثير من ~~الفقهاء، على اعتبار أن اليقين يستند إلى النص القطعي، أما القياس فهو اجتهاد. # 160 # هذه هي أهم الجوانب المتعلقة بالمنطق كما تناولها السهروردي في نقاشه لها، وقد ~~حاولنا أن نركز على الجانب النقدي دون الجانب الذي اتفق فيه مع المشائين، وإن كنا ذكرنا ~~الكثير من آرائه التي وافقت آراء المشائين؛ فذلك بهدف توضيح فكره المنطقي بشكل كامل. # الفصل الرابع # | نقد المنطق الأرسطي ومحاولة إصلاحه عند السهروردي والمناطقة المحدثين # تمهيد # كشف لنا المنطق الإشراقي عند السهروردي على أنه يمثل محاولة من أعمق المحاولات في ~~تاريخ المنطق العربي؛ إذ لا نجد لها مثيلا لدى مناطقة العرب، فقد وضع السهروردي، كما ~~رأينا، مبحثا في التعريف، ثم وضع مبحثا في القضايا، حاول أن يرد فيه جميع القضايا إلى القضية ~~التي أسماها بالقضية البتاتة. ولم يعترف بفائدة ما للقضية الجزئية إلا في بعض نواحي العكس ~~والتناقض وبعض ضروب الأقيسة؛ فغير بهذا كثيرا من أصول المنطق الأرسطي. والسهروردي يشبه ~~إلى حد كبير الكثير من مناطقة العصر الحديث الذين ms094 حاولوا نقد المنطق ثم محاولة إصلاحه؛ بحيث ~~يتواءم مع التوجه الفلسفي الذي يسعى إليه كل عالم من علماء المناطقة. وهنا نحاول أن نكشف ذلك ~~بالتفصيل خلال هذا الفصل؛ وذلك على النحو التالي: # أولا: نقد السهروردي والمناطقة المحدثين للمنطق الأرسطي # بينا في الفصول السابقة كيف نقد السهروردي المنطق الأرسطي، ثم كيف حاول إصلاح هذا ~~المنطق من خلال مذهبه العام القائم على الإشراق، الأمر الذي حدا بنا لأن نطلق على مجموع هذه ~~الإصلاحات «المنطق الإشراقي». والموضوعية العلمية تجعلنا نشير إشارة عابرة عن هذا نظرا لموقف ~~المحدثين تجاه المنطق الأرسطي؛ حيث إن موقف المحدثين من المنطق الأرسطي لم يعد بالجديد بعد أن ~~تبين لنا أن السهروردي قد نقد المنطق الأرسطي نقدا علميا منظما. وقد كانت له بجانب هذه ~~الانتقادات وجهات نظر خاصة قد خلعها على المنطق الأرسطي، سواء بالإضافة أو بالتجديد. # ومن ثم نريد أن نغطي الجانب الحديث من المنطق لبيان وجهات النظر المؤيدة والناقدة للمنطق ~~الأرسطي، مع توضيح وجهات النظر الجديدة؛ حيث نعقد مقارنة بين السهروردي والمحدثين في نقد ~~المنطق؛ وذلك على النحو التالي: # في عصر النهضة الأوروبية، تعرض المنطق الأرسطي لهجوم شديد قام به أول الأمر المغرمون ~~بالدراسات الإنسانية؛ حيث هاجم بطرس راموس P. Ramus ~~(1515-1572م) المنطق الأرسطي هجوما عنيفا، مؤكدا أنه عقيم بالنسبة للعلم وبالنسبة للحياة، ~~والمنطق الأرسطي لا يفيد - من وجهة نظره - مهارة فن الكلام ولا قدرة له على اكتساب العلم أو ~~الشعر، ولا يوصل إلى الحكمة. # 1 # ومن ثم حاول راموس أن يقيم بدلا منه جدلا ومنهجا فلسفيا، ولكنه فشل في إقامة هذا المنهج، # 2 # إلا أنه نجح في إيجاد منطق إنساني يتناسب مع النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر. # 3 # ونقد راموس للمنطق الأرسطي أدى إلى ظهور الكثير من المعارضين للمنطق الأرسطي؛ ففي القرنين ~~السابع عشر والثامن عشر تعرض المنطق الأرسطي لإهمال ملحوظ؛ وذلك بسبب قيام الفيزياء الحديثة على ~~يد جاليليو # Galileo ~~(1642م) ونيوتن # Newton ~~(1643-1827م)، والتحقق من أن الاكتشاف يحتاج إلى ~~مناهج أخرى غير القياس الأرسطي ms095 وإلى تقدم الرياضيات، وأخذ العلماء يحاولون لإقامة مناهج جديدة ~~للعلم والاكتشاف فيه تعتمد على معايير غير أرسطية. # 4 # ومن أشهر من نقد المنطق الأرسطي في العصر الحديث، على سبيل المثال لا الحصر: ~~(1) فرنسيس بيكون # F. Bacon ~~(1531-1626) # وجد بيكون أن حملة التطهير التي ينبغي القيام بها من أجل إرساء التفكير الفلسفي والعملي ~~على أسس سليمة، لا تتم إلا عن طريق نقد المنطق القديم وكشف عيوبه؛ حيث إنه الأداة التي ~~استعان بها الفلاسفة القدماء في الوصول إلى نظرياتهم الباطلة، وقد عبر عن معارضة للمنطق ~~القديم الممثل في منطق أرسطو، والذي استمر فترة طويلة يعرف بالأداة (الأرجانون)؛ وذلك عندما ~~أطلق على الكتاب الذي تضمن منطقه الجديد «الأرجانون الجديد»، ونشره باللغة اللاتينية. # 5 # والحكمة التي يمكن استخلاصها من هذا الكتاب هي: ~~(1) # أن المقصود بالمنطق هو أن يضع لنا المنهج السليم لاكتشاف قوانين العالم الطبيعي، ~~لكي تيسر لنا أن نفهم ذلك العالم ونسيطر على قواه ونخضعه لإرادتنا؛ ومن ثم يمكننا أن ~~نفيد من القوانين العلمية فيما يفيد الفرد والجماعة، ولكن القياس الأرسطي لا يهتم ~~بعالمنا الطبيعي؛ إذ هو استدلال صوري لا يهمه سوى حتمية الانتقال من مقدمات إلى نتائج ~~تلزم عنها، سواء أكانت تلك المقدمات صادقة من حيث الواقع أم كاذبة. لا قيمة للقياس إذن ~~في تحقيق هدفه الأكبر. ~~(2) # يبدأ القياس الأرسطي من أفكار جزئية محسوسة، ويجعلها أفكارا عامة، ويفترض أنها ~~مقدمات صادقة لازمة، لكن ما تلك المقدمات إلا محتوية على أفكار شائعة قد تكون غالبا ~~كاذبة، وإذن فضررها من نفعها. ~~(3) # إذا افترضنا أن المقدمات في القياس الأرسطي صادقة على الواقع، وإذا افترضنا أن ~~انتقالنا إلى النتيجة سليم صحيح، كانت النتيجة عقيمة؛ أي لا تحوي جديدا عما أثبتت من ~~قبل في المقدمات، ولكن ينبغي من المنطق أن يدفعنا إلى نتائج جديدة ومعارف جديدة. إذن ~~فالقياس الأرسطي مضيعة للوقت. # 6 ~~(2) ديكارت # R. Descartes ~~(1596-1650م) # أما ديكارت فقد هاجم المنطق الأرسطي؛ فهو يرى: ~~(1) # أن القياس الأرسطي أو الاستدلالي القياسي لا يؤدي إلى معارف جديدة، والأفضل استخدام ms096 ~~الاستدلال الرياضي. ~~(2) # أن الوحدة الأولى لا تكون قاصرة على القضية الحملية وحدها ذات الموضوع والمحمول، ~~وإنما على كل قضية لا تحتوي على شيء أكثر مما يكون في عناصرها البسيطة. # 7 ~~(3) # وإذا كان ديكارت يهاجم المنطق الأرسطي، فهو يسعى إلى إيجاد منهج جديد يستبعد فيه ~~القياس الأرسطي، ويستخدم الاستدلال الذي يعتمد عليه المنهج الرياضي، والذي يبدأ من ~~الأفكار الواضحة المتميزة، مدركا ما بينها من علاقات، فيتقدم من أبسط الحقائق ويتدرج ~~إلى أعقدها، ويساعده على ذلك الاستنباط الذي يوضح كيف تتحد الطبائع البسيطة، وعلى أي ~~نحو تتألف بعد أن يتضح ما بينها من علاقات ضرورية، وهذا هو التقدم في المعرفة. # 8 ~~(3) برتراند راسل # B. Russell # نقد راسل المنطق الأرسطي؛ حيث ذهب إلى أن من أراد في عصرنا الحاضر أن يدرس المنطق فوقته ~~ضائع سدى لو قرأ لأرسطو أو لأحد من تلاميذه، نعم إن تآليف أرسطو المنطقية دليل على مقدرة ~~ممتازة، وتكاد تكون ذات نفع للإنسانية لو ظهرت في الوقت الذي لم تزل فيه عقول اليونان نشيطة ~~منتجة، ولكنها قد ظهرت في ختام فترة الإبداع للفكر اليوناني؛ ومن ثم تمسك بها الناس على ~~أنها المرجع الموثوق بصحته، حتى إذا ما حان الوقت الذي عادت فيه للمنطق قوة الأصالة ~~والابتكار، كان أرسطو قد أنفق على عرش السيادة ألفي عام؛ مما جعل إنزاله عن العرش الخاص به ~~أمرا عسيرا. # 9 ~~(4) رودلف كارناب # R. Carnap # ذهب كارناب إلى أن المنطق الأرسطي عاجز عجزا تاما عن أن يستوفي الدور الجديد الذي ~~ينبغي أن يلعبه في الفكر، من ثراء في المضمون، ودقة صورية، وفائدة تنتج عن طريق استخدامه؛ ~~لأنه ظل معتمدا على المنطق الأرسطي الذي لم يحرز - حتى في أقصى حالات تطوره - إلا تقدما ~~طفيفا في ذاته. # 10 ~~(5) ألفرد تارسكي # A. Tarski # يقول تارسكي: إنني أعتقد أن المساحة المحدودة التي خصصناها في هذا الكتاب (يقصد كتابه ~~المنطق ومنهج البحث في العلوم الاستدلالية) تتفق والدور الصغير البسيط الذي يلعبه في العلم ~~الحديث، وإنني أعتقد كذلك أن أغلب المناطقة المعاصرين ms097 يشاركونني هذا الرأي. # 11 # مما سبق يتضح لنا أن المنطق الأرسطي لقي هجوما شديدا من المنطق الحديث، يثبت أن هذا ~~المنطق عقيم، وتحصيل حاصل، وينطوي على مصادرة المطلوب، وغير مفيد، وقد أقيمت كثير من الأبحاث ~~والدراسات تثبت النتائج الجوهرية لعدم دقة أرسطو المنطقية؛ ومن هذه النتائج ما يلي: # 12 ~~(1) # خلط المنطق بأبحاث ميتافيزيقية وأنطولوجية ولغوية وسيكولوجية أو عدم صورية ~~المنطق. ~~(2) # اعتبار القياس الصورة الوحيدة للبرهان. ~~(3) # اعتبار القضايا الشخصية كلية. ~~(4) # عدم دقة تعريف القياس في بداية الأمر. ~~(5) # تبرير الاستقرار وذلك برده إلى القياس. ~~(6) # عدم تسمية حدود القياس الثلاثة على أساس واحد. ~~(7) # تضمن الكليات للجزئيات المتداخلة معها. ~~(8) # عدم إقامة نسق للمنطق. ~~(9) # عدم الاعتماد على قضايا حملية، أو عدم إقامة منطق للقضايا الشرطية ~~والمنفصلة. ~~(10) # قلة العلاقات التي يقوم عليها المنطق الأرسطي، وعدم إقامة منطق للعلاقات. ~~(11) # عدم الرمز للثوابت. # ثانيا: الإصلاحات المنهجية التي أضافها السهروردي والمناطقة المحدثون ~~للمنطق الأرسطي # إذا كان السهروردي قد جد في إصلاح المنطق الأرسطي؛ فقد سبق بهذا المحدثين الذين ~~جدوا في إصلاح النقص الذي أصاب المنطق، وانتهت محاولاتهم إلى إقامة مناهج جديدة علمية من ~~أهمها: ~~(1) المنهج الاستقرائي # وهو منهج نشأ نتيجة قصور القياس الأرسطي عن تحقيق الغاية من الاستدلال في كل صوره، وأول ~~من وضع قواعد المنهج الاستقرائي هو «فرنسيس بيكون»؛ حيث رسم الخطوط الأولى لمنطق استقرائي ~~يختلف في جوهره عن المنطق الأرسطي. هذا المنطق يبدأ بالجزئيات غير المحدودة، ويتقدم بالتدريج ~~نحو استنباط القوانين المحددة؛ فهو يستقرئ عددا من الجزئيات ليصل إلى صور الأشياء، التي هي ~~قوانين ثابتة لجزئيات غير محددة. # 13 # والمنطق الاستقرائي عند «فرنسيس بيكون» هو تخطيط لمباشرة عملية المعرفة، ابتداء من ~~الشروع بالتجارب الحسية، حتى نهاية الاستدلالات العقلية. إنه يبدأ بجمع تاريخ طبيعي، ويتقدم ~~شيئا فشيئا عن طريق الملاحظات الدقيقة للأشياء لصياغة القوانين العامة. إنه لا يعير أي ~~التفات للأفكار العامة المسبقة للذهن، ولا يذعن للمعلومات التي تأتي مباشرة عن الحواس. إنه ~~ينتقل من الحقول المختلفة للعلم، دون أن يبدي أي اعتبار لشيء اسمه «مسلمات»، تلك التي ms098 ~~ارتكزت عليها العلوم التقليدية. إن قوانينه مشتقة من التجربة والاختبار، ترتكز على الحواس، ~~وتضبط عن طريق العقل بالاحتكام إلى الطبيعة، ثم نقض واستبعاد ما لا ينسجم معها، ولا يركن إلى ~~جمع الأمثلة الإيجابية فقط، بل يوجه الاهتمام إلى الأمثلة السلبية كذلك، وليس هناك مقياس ~~لجدارة نتائج هذا العلم إلا مدى نفعها وإيجابيتها في الأعمال. # 14 # وقد سار على نهج بيكون كثير من العلماء والفلاسفة، من أمثال جون استيوارت مل، وجون لوك، ~~وديفيد هيوم، وبمحاولات هؤلاء نشأ المنطق الاستقرائي معارضا للمنطق الأرسطي. # 15 # وعلى هذا النحو أضيفت أجزاء جديدة إلى المنطق الأرسطي، وميز بين الاثنين على ~~أساس أن المنطق الأرسطي صوري أو شكلي من حيث إنه يشتغل بالمضمون أو المادة، وإنما يعنى ~~بصورة الفكر فحسب، بينما المنطق الاستقرائي يعنى خصوصا بالفكر أو مادته. # ولقد كان لدخول الجانب الاستقرائي في المنطق أثره في أن يحاول كثير من العلماء والفلاسفة ~~أن يدخلوا على المنطق اعتبارات أو مسائل سيكولوجية ولغوية وميتافيزيقية وبيولوجية واجتماعية ... ~~وهلم جرا. # 16 ~~(2) المنهج الاستنباطي # إذا كان بعض العلماء والفلاسفة قد أدخل الجانب الاستقرائي في المنطق، فإن هناك دائرة من ~~العلماء والفلاسفة رأوا أن المنطق الأرسطي قاصر من حيث شكليته، بل إن فيه بعض المادية التي ~~تحول بينه وبين الانطباق على جميع صور الفكر، وهذا الاتجاه هو ما يسمى بالاتجاه الرياضي. ~~ويتضح ذلك من مهاجمة المنطق؛ وذلك من وجهة رياضية بعيدة عن منطق أرسطو، وهو بصدد تصوره للعلم ~~الحديث، ورأى أن العلم ينبغي أن يستند إلى فكرة الكم لا الكيف، وأبرز مثال وأوضحه للعلم الكمي ~~هو الرياضيات، وقرر أنها هي المنطق الحقيقي للعقل، وأنه لم يعد ثمة مكان للمنطق الأرسطي ~~التصوري القائم على الكيف، وكان ديكارت يحتقر هذا المنطق ويعتبره لا فائدة له. # 17 # غير أن ليبنتز # Leibniz # الفيلسوف الألماني كان أول من خطا ~~خطوة فعلية في إقامة بدايات المنطق الرمزي الحديث. # 18 # وترجع أهمية ليبنتز في هذا الصدد إلى: ~~(1) # أنه فكر في اصطناع منهج عام يمكن اتباعه في أثناء البحث ms099 في كل العلوم؛ وذلك ~~باتخاذ المنهج الرياضي نموذجا يحتذى به في جميع العلوم. ~~(2) # أنه فكر في استخدام لغة علمية يتخذها العلماء والمفكرون وسيلة للتفاهم ~~بينهم، أسماها باللغة العالمية التي تستخدم الرموز بدلا من ألفاظ اللغة العادية، أو ~~باللغة الفلسفية ذات الخصائص العامة. ~~(3) # أنه رد كل المعارف أو الحقائق الضرورية إلى مبدأ واحد هو مبدأ الهوية، وصياغة ~~رمزية عرفت فيما بعد باسم «قانون ليبنتز». ~~(4) # أنه توصل إلى قائمة مبدأ مشترك بين جميع الاستدلالات، وهو مبدأ «استبدال ~~المتكافئات» # Substitution of Equivalents ~~، وذلك الذي ~~أوضحه جيفونز # Jevons # فيما بعد باسم «استبدال المتشابهات». # 19 # وقد خلف ليبنتز وراءه تصورين للمنطق: # الأول: # تصور هندسي، يرى أنه من الممكن أن يعالج المنطق بالطرق الهندسية، باستخدام ~~الأشكال والحدس المكاني في التعبير عن العلاقات بين التصورات. # الثاني: # تصور جبري حاول أصحابه أن يعالجوا المنطق بالطرق الجبرية، مستخدمين الرموز ~~والإشارات والمعادلات الجبرية. وكان «ساكيري» # Saccheri # وجيرجون # Gergonne # من أصحاب الاتجاه الهندسي، وكان ~~«ميمون» # Maimon # من بين أصحاب الاتجاه الجبري، ~~وكان «لامبرت» # Lambert ~~، وبلوكيت Ploucquet # من أصحاب الرياضي بعامة. # وكان هدف هؤلاء إصلاح المنطق، بأن يقيموا منطقا رياضيا. ومع أنهم لم يفلحوا في ذلك، ~~ولم يصلوا إلى ضالتهم، إلا أن ذلك يؤكد باستمرار حياة باطنية لصلة قديمة بين الرياضة والمنطق، ~~تكشف النقاب عن نفسها من وقت إلى آخر في صورة تيارات رياضية ومنطقية. ومن أهم هذه التيارات: ~~التيار الذي حاول أن يصلح المنطق لغرض أن يطبق في الرياضيات - وهذه حركة قام بها ~~الرياضيون أنفسهم، وفي مقدمتهم «جورج بول» # G. Boole # 20 # الذي حاول أن يجعل من المنطق جبرا، عرف ب «جبر المنطق»، وقد اكتمل على يد ~~«جيفونز» # Jevons # و«شريدور» # schroder # و«وايتهد» # Whitehead ~~. # 21 # ومن أهم مميزات هذا الجبر أنه صوري مجرد يقبل تفسيرات كثيرة، وأنه ممكن التناول بواسطة ~~الآلات. وهذه الصلة بين المنطق والرياضة ومنهجها قويت بإقامة «فريجه» # Frege # لحساب منطقي، واستخلاص قضايا حسابية من مقدمات منطقية ~~صرفة. وقد بين فريجه أن الأفكار الأساسية في الرياضيات ترد إلى قوانين الفكر ms100 الأساسية، ~~وبالتالي يجب أن تلحق الرياضيات بالمنطق، على أن تصبح الرياضيات أكثر منطقية والمنطق أكثر ~~رياضة؛ مما يترتب عليه استحالة وضع خط فاصل بينهما؛ إذ الواقع - على حد تعبير «راسل» - أن ~~الاثنين شيء واحد، والخلاف بينهما كالخلاف بين الصبي والرجل؛ فالمنطق شباب الرياضيات، ~~والرياضيات تمثل طور الرجولة للمنطق. # 22 # ولقد تطور هذا الاتجاه، الذي بدأه فريجه على يد كل من بيانو Peano ~~، في كتابه «الصيغ الرياضية # Formulaire ~~de Mathématiques ~~» الذي حلل فيه الرياضيات بغرض ردها إلى المنطق، ~~وبرتراند راسل في كتابه المبادئ الرياضية Principia ~~Mathematica ~~، الذي ظهر في ثلاثة أجزاء من 1910م إلى 1913م، وفي هذا الكتاب ~~بلغت كل الأبحاث في السبيل لإقامة المنطق الرياضي، منذ «ليبنتز» حتى ذلك التاريخ، أوجها وتمام ~~نضجها، وهو أكمل وأنضج وأدق أثر صدر عن حركة المنطق الرياضي حتى اليوم، وقد أشاد البعض بأن ~~مثله بالنسبة إلى هذه الحركة مثل «نقد العقل الخالص» ل «كانط» بالنسبة للفلسفة عموما. # 23 # والواقع أن تطور المنطق الرمزي لا يرجع فقط إلى جهود وأبحاث المناطقة الذين سبقت الإشارة ~~إليهم؛ إذ لا يمكن إغفال جهود كثير من المناطقة مثل لويس # Lewis # وهلبرت # Hilbert # ولوكاشفيتش # Luksiewicz # وغيرهم، الأمر الذي أدى إلى تطور ~~المنطق الرمزي على الصورة البالغة. # 24 # وبعد هذا العرض لمعرفة تطور المنطق الرمزي الحديث، يتضح لنا أن هذا المنطق ما هو إلا ~~مجرد تعديل وإصلاح للمنطق الأرسطي؛ حيث كتب جون ديوي # John ~~Dewey # فصلا كاملا بعنوان «الإصلاح المطلوب في المنطق»، وذلك في كتابه ~~«المنطق ... نظرية البحث»؛ حيث أشار إلى أن الإصلاح المطلوب في المنطق هو وضع منطق يتمشى مع ~~الإجراءات الحديثة، # 25 # أو على حد تعبير بعض الباحثين وضع منطق لا أرسطي، على غرار الهندسية ~~اللاإقليدية والفيزيقا اللانيوتينية، ليواجه التفكير العلمي في تطوره الأخير. # 26 # ولما كانت الرياضة لغة العلم، فيجب وضع منطق يتفق مع الرياضة، وهو المنطق الرياضي، هذا ~~المنطق الذي استطاع العلماء والفلاسفة إنشاءه على هذه الصورة التي تبدو لنا اليوم ليس منطقا ~~جديدا مبتعدا عن المنطق ms101 الأرسطي القديم، إنما هو مجرد تجديد وإصلاح له؛ حيث يرى بعض ~~الباحثين أن أرسطو قد قطع شوطا محدودا في إقامة منطق رمزي، استخدم نوعا واحدا من الرموز، ~~وهي رموز المتغيرات للحدود، ولم يستخدم متغيرات ترمز إلى القضايا، إلا من النادر، كما يدرس ~~أرسطو الثوابت والأسوار دراسة جادة، وبالتالي لم يضع لها رموزا، كما لم يهتم بدراسة القضية ~~الشخصية والقضية الوجودية الاهتمام المرتقب، ولم تكن له مساهمة فعالة في إقامة نظرية العلاقات ~~لاستبداد القضية الحملية به. لكن يمكن القول إن منطق أرسطو ليس إلا جزءا ضئيلا من نظرية ~~الأصناف، وكانت نظريته في القياس أكثر اهتماما بدراسة قواعد الربط الصحيح بين ثلاثة «حدود»، ~~أو دراسة قواعد الاستنباط وذلك من خلال قضايا نظرية القياس بوصفها تمثل جزءا صغيرا من ~~نظرية الأصناف، بمعنى أن الثانية تحوي الأولى وتزيد عليها. بالرغم من كل هذا، فإن لأرسطو ~~الفضل الأول في فتح باب الصورية والرمزية في المنطق. # 27 # وهنا يتضح قول لوكاشفيتش القائل: «يخطئ من يظن أن نظرية القياس الأرسطية قد انتفت بظهور ~~المنطق الرياضي الحديث، والذين يفرقون بين المنطق الأرسطي والمنطق الرياضي، إنما يسيئون فهم ~~العلاقة بينهما؛ فالمنطق الرياضي ليس جنسا آخر من المنطق يباين المنطق الأرسطي، وإنما هو ~~منطق صوري في ثوب جديد.» # 28 # ليس ثمة فاصل إذن بين المنطق الأرسطي والمنطق الرمزي، وإنما يمثل كلاهما حركة أو نزعة نحو ~~التجديد الفكري الخالص نحو بيان الصورة الفكرية عارية من كل مادة وخالية من كل موضوع ذي قوام ~~خارج الذهن. وإذا كانت هذه هي الغاية من المنطق؛ فلا مناص إذن من أن يرتمي في أحضان العلم ~~الذي يمثل هذا الاتجاه نحو التجريد المطلق إلى أعلى درجة، ألا وهو العلم الرياضي؛ فعلى ~~المنطق إذن أن يستعير من الرياضيات مناهجها وأساليب العمل فيها، وأن يطبقها على موضوعه ~~الخاص، إن كان له حقا موضوع خاص؛ حتى يستطيع أن يحقق الغاية التي يأمل بلوغها، فكان ~~المنطق إذن تابعا للرياضيات من حيث طبيعة عملياتها ومناهجها من الناحية الفكرية، وهكذا شعر ~~المنطق ms102 بأنه في مرتبة أعلى من الرياضيات، أو على الأقل بأن الرياضيات والمنطق يسيران معا ~~ويرتبطان فيما بينهما وبين بعض أشد الارتباط، فكان ثمة حركة متبادلة بين المنطق والرياضيات؛ ~~فالمنطق من جانبه يحاول أن «يمنطق الرياضيات»، والرياضيات من جانبها تحاول أن تروض المنطق. # 29 # ولكن كل هذا يجب ألا ينسينا أيضا ما هنالك من فارق كبير بين المنطق الأرسطي والمنطق ~~الرمزي. # ويمكن توضيح ذلك في المقارنة التالية: ~~(1) # المنطق الرمزي صوري صورية كاملة، أو هو على الأقل أكثر تجديدا وصورية من المنطق ~~القديم الذي يجمع بين الصورية ~~والمادية، وإن يغلب عليه الطابع الصوري. وتتبدى ~~هذه الصورية الكاملة في المنطق الرمزي في أنه لا يبحث في العلاقات الواقعية بين ~~الأشياء، إنما يبحث في العلاقات التي يمكن أن تقوم بين القضايا، ولذا فهو يحتوي على ~~تقسيمات ذات مستوى لم تكن تبلغه باتباع المنطق الأرسطي، بمعنى أنه لا يهتم ~~بالمطابقة بين القضايا والواقع الخارجي، بل يميل أصحابه إلى أن تكون قضاياه والعلاقات ~~بينها مما يختلف عن الواقع الخارجي. ~~(2) # إن وسيلة التعبير في المنطق الأرسطي - وهي ألفاظ اللغة - أقل دقة وأدعى إلى ~~الوقوع في الخطأ منها في المنطق الرمزي الحديث، الذي يستخدم بدلا من الألفاظ الرموز ~~المختلفة. ~~(3) # إن منهج الاستدلال في المنطق الأرسطي أقل دقة منه في المنطق الرمزي الحديث؛ لأنه ~~كان مقتصرا على نوع واحد من الاستدلال، هو الاستدلال القياسي. ~~(4) # إن المنطق الأرسطي كاد أن يقتصر في تناوله للعلاقات على علاقة التضمن وحدها، ~~الأمر الذي جعل قضاياه قضايا حملية تتكون كل منها من موضوع ومحمول مرتبطين بعلاقة ~~التضمن أو الاشتمال. أما المنطق الرمزي فقد كشف عن مجموعة كبيرة من العلاقات، وحللها ~~ووضع لها رموزا محددة وحسابا تحليليا دقيقا. ~~(5) # المنطق الأرسطي لم يكن يفرق بين القضية ودالة القضية. أما المنطق الرمزي الحديث ~~فيفرق بينهما، ويجعل أغلب اهتمامه منصرفا إلى دالات القضايا، ما دام يستخدم رموزا ~~ومتغيرات. ~~(6) # المنطق الرمزي الحديث أكثر خصوبة في نتائج الاستدلال؛ وذلك لاستخدامه كم المحمول ~~وحسابه، مما يوسع من قاعدة الاستدلال وكذا تحليل ms103 العلاقات، مما يوسع مجال الاستدلال ونطاقه. # 30 # وفي هذا تقول «سوزان ستيبنج» # Stebbing # إن ~~أنصار المنطق الرياضي يأخذون على المنطق الأرسطي عدة أشياء؛ فهم يأخذون عليه: # أولا: # أنه مقتصر على نوع واحد من أنواع الاستدلال وهو القياس. # ثانيا: # أنه أخفق في وضع رموز موافقة للعلاقات المنطقية. # ثالثا: # أنه أخطأ في تحليل هذه العلاقات. # 31 # ومن ثم يتضح أن المنطق الرمزي اكتشف أنواعا من الاستدلال غير القياس لها أهمية ~~كبرى في التفكير، ففتحت أمامه ميدانا واسعا للبحث، كما استطاع أن يكتشف ويحلل مجموعة ~~كبرى من القضايا والإضافات، يمكن أن يعبر عنها بواسطة الرموز، فإلى جانب إضافة التضمن ~~التي قال بها وحدها المنطق الأرسطي، قال المنطق الرمزي بإضافات أخرى يعبر عنها في اللغة ~~بالأسماء الموصولة وحروف الجر وحروف العطف. # 32 ~~(7) # المنطق الأرسطي منطق تداخل بين أصناف؛ فمبادئه الثلاثة المشهورة: مبدأ الذاتية، ~~والتناقض، والثالث المرفوع، لا تفيد إلا في تصنيف الحدود مأخوذا كل منها على حدة؛ أي ~~بحسبانها منفصلة يندرج الواحد منها تحت الآخر ، ويوضع الواحد منها بالتبادل مكان ~~الآخر، أما المنطق الرمزي فعليه أن يكمل هذا المنطق بمنطق قضايا، فينظر في القضايا من ~~حيث إنها في الواقع الوحدات الأولى الأصلية، كما ينظر المنطق الأرسطي في الحدود؛ أي ~~ينظر في كيفية التداخل بينها، وتقسيمها، وتضمن الواحد منها الآخر كي يمكن ~~الاستدلال. ~~(8) # إذا كان المنطق الأرسطي قد سمح بتضمن الكليات للجزئيات المتحدة معها في الكيف، ~~إلا أن المنطق الرمزي الحديث يرفض الانتقال من مقدمة أو مقدمات كلية إلى نتيجة جزئية؛ ~~وذلك لأن الكلية مجرد فرض، لا يتضمن ذلك الوجود الذي تشير إليه القضية الجزئية، ~~كما أن القضايا الكلية لكونها فروضا تكون صادقة دائما، سواء وجد موضوعها أو لم ~~يوجد، في حين أن القضايا الجزئية قد تصدق وقد تكذب. وبذلك لا يضمن صدق الكليات صدق ~~الجزئيات المتداخلة معها، كما أن افتراض الدلالة الوجودية يضيف مقدمة أخرى مضمرة إذا ~~صرح بها تحول الاستدلال المباشر إلى غير المباشر، وصار للقياس أكثر من مقدمتين، أو صار ~~يتكون من ms104 أكثر من ثلاث قضايا. # 33 ~~(9) # إذا كان المنطق الأرسطي يخلو من إقامة منطق للعلاقات، فإن المنطق الرمزي الحديث ~~حاول إقامة منطق للعلاقات، وتمثل هذا لدى لامبرت # Lambert ~~(1728-1777م)، ودي مورجان # De ~~Morgan ~~(1806-1887م)، وساندرز تشالرز بيرس # S. Peirce ~~. # 34 ~~(10) # إذا كان المنطق الأرسطي قد رمز للمتغيرات فإنه لم يرمز للثوابت، أما المنطق الحديث ~~فقد اهتم بذلك. ~~(11) # إذا كان المنطق الأرسطي لم يحقق الشروط التي تجعل القياس نسقا فرضيا ~~استنباطيا، يبدأ من تعريفات وبديهيات أو مسلمات، يبرهن بها على قضاياه؛ وذلك على ~~الرغم مما قام به من عمليات للرد للأضرب الناقصة إلى الأضرب الكاملة. # 35 # تلك هي أوجه الاختلاف بين المنطق الأرسطي والمنطق الرمزي الحديث، ولكن هذه الاختلافات ~~كانت نوعا من الإصلاح للمنطق الأرسطي القديم. # وقد حاول كثير من المحدثين أن يطبق هذه الفكرة، فنجد مثلا سوزان ستيبنج؛ حيث قامت بعمل ~~مؤلف أسمته «مقدمة حديثة في المنطق»، وفقت فيه بين المنطق الصوري الأرسطي والمنطق الرمزي ~~الحديث، ورأت أن المنطق الرمزي الحديث ما هو إلا تعديل أو إصلاح للمنطق الصوري القديم. كما ~~ذهبت فيما يتعلق بنقطتي قيد البحث إلى أن المنطق علم قوانين الفكر الضرورية. # 36 # الفصل الخامس # | النزعة الصوفية في المنطق الأوروبي الحديث # تمهيد # لقد بينا في الفصل الثاني من موضوع البحث: المنطق وعلاقته بنظرية المعرفة الصوفية عند ~~السهروردي، «حيث اتضح أن المنطق عند السهروردي يعني سياقا آخر وطريقا أقرب من تلك ~~الطريقة وأضبط وأنظم وأقل إتعابا في التحصيل»؛ كما يعني أيضا «الآلة الواقية للفكر مختصرة ~~مضبوطة بضوابط قليلة العدد كثيرة الفوائد.» # ويرجع السهروردي مصدر هذا التعريف إلى الذوق مصداقا لقوله: «ولم يحصل لي أولا بالفكر، ~~بل كان حصوله بأمر آخر مثلا ما كان يشككني فيه مشكك.» وهذا التعريف للمنطق عند ~~السهروردي يتفق مع مذهبه العام الذي يؤمن به ويعتقده. # والموضوعية العلمية تجعلنا نحاول أن نثبت أن هذه المحاولة جديدة من نوعها في المنطق ~~العربي، ويمكن تلمسها في المنطق الأوروبي الحديث، وذلك على النحو التالي: # أولا: تعريف المنطق وربطه بالمعرفة # ليست ms105 المشكلة المنطقية بحثا نظريا مجردا، وإنما هي إشكالية الواقع في ذاته، من حيث هي ~~إمكان إدراكه على ما هو عليه، ووسائل هذا الإدراك. وذلك مرتبط بمعنى الوجود ذاته؛ إذ إن تحديد ~~هذا المعنى سيصوغ الآلية التي يمكن من خلالها التعامل معه؛ فمسألة الوجود هي المحور الذي تدور ~~حوله نظرية المعرفة، من حيث طبيعة المعرفة البشرية وآلياتها ومداها؛ فهي تتعلق بمسألة الحقيقة ~~وقدرة العقل على الوصول إلى اليقين. فهل مجال العقل ينحصر في إطار الوجود الطبيعي أو يتجاوز ~~ذلك إلى ما بعد الطبيعة؟ أوليس للعقل قدرة على الوصول إلى اليقين ويجب تعليق الحكم؟! وإذا كان ~~المنطق بالمعنى العام يشير إلى العمليات العقلية الهادفة إلى معرفة الحقيقة أو الشروط التي ~~ننتقل بها من حقيقة ثابتة لدينا إلى حقيقة أخرى، أو الانتقال من المعلوم إلى المجهول، أو رد ما ~~هو مشكوك فيه إلى ما يعد يقينا، فإن الخلاف سيتركز في تحديد نقطة البداية؛ أي ما الذي يعد يقينا. # 1 # هنا نجد أن الأمر لم يعد يستند إلى رؤية منطقية نسقية موضوعية، وإنما إلى رؤية فكرية ~~وفلسفية يتحدد من خلالها مفهوم العقل ودوره في المعرفة؛ وذلك ما تجلى واضحا من خلال ~~النظريات المنطقية التي طرحت، والتي تعكس بوضوح رؤى فلسفية وميتافيزيقية. فمن خلال نقدها ~~لطبيعة أو قيمة نوع ما من المعرفة، فإنها لا تفعل ذلك إلا لتعارضها مع معرفة أخرى تعد ~~معرفة يقينية بذاتها؛ فهي نقد لنوع محدد من المعرفة لا نقد للمعرفة على العموم؛ فالجانب المنطقي ~~لدى أي مفكر أو فيلسوف هو جزء من نسق فكري عام يتسم بالشمول والاتساق، ونظرية المنطق ~~بارتباطها الوثيق مع نظرية المعرفة تسعى لبيان قدرة العقل على إدراك الواقع ومعرفته، ووسائل هذه ~~المعرفة وحدودها، ليتم بعد ذلك صياغة هذه الوسائل على هيئة نسق مترابط من الآراء المنطقية ~~يطرح تصورا عاما عن المعرفة من حيث طبيعتها وأصلها وقيمتها ووسائلها وحدودها. # 2 # وهذا ما شكل محور هذا البحث من خلال تتبع النزعة الصوفية في المنطق عند ~~السهروردي في ضوء المنطق ms106 الحديث، وأجد لزاما علي أن أقدم نماذج من المناطقة المحدثين ~~لتتبع تلك النزعة لديهم على سبيل المثال لا الحصر على النحو التالي: ~~(1) برنارد بوزانكيت # نجد دعاة المثالية الذاتية، وعلى رأسهم «برنارد بوزانكيت» # B. ~~Bosanquet # يعدون المنطق: «علم صوري وأن العلوم كلها صورية»؛ # 3 # وهذا التعريف يحاول دعاة المثالية الذاتية دمجه داخل نظريتهم في المعرفة، حيث ~~يقول بوزانكيت: «إن طالب المنطق الذي لا يعرف المثالية ~~الذاتية # Subjective idealism # لا يمكن أن يتبين مشكلة ~~المنطق الحقيقية بغير استيعاب المثالية الذاتية.» # 4 # فدعاة المثالية يرون أنه إذا كان المنطق علما صوريا؛ بمعنى أنه يعالج صورة المعرفة لا ~~محتواها أو مادتها، وصورة أي موضوع هي ما يبدو عليه هذا الموضوع، وما يمكن للعقل أن يحتويه، ~~بينما يبقى الموضوع كحقيقة فيزيقية كما هو. # 5 ~~(2) الوضعية المناطقة # كما نجد دعاة الوضعية المنطقية يعرفون بأنه «علم يبحث في صورة الفكر»؛ # 6 # هذا التعريف للمنطق حاول دعاة الوضعية المنطقية فهمه داخل نظريتهم في المعرفة ~~التي تقول إن صور الفكر انطباعات تقع على الحواس؛ فكل فكرة أو تصور يصدر عن الحواس، وليست ~~الأفكار التي تعتبرها أولية إلا أفكارا مركبة من تلك الأفكار الحسية. وهذه المعرفة يمكن ~~تحليلها - من وجهة نظر «راسل» و«فيتجنشتين» بصفة خاصة - إلى ذرات أولية، والذرة الواردة عنها ~~هي قضية أولية يكون موضوعها فردا واحدا أو جماعة من أفراد. # 7 # إن أبرز ما يطرحه دعاة الوضعية المنطقية، هو تأكيد أن معرفتنا عن العالم تأتي عن طريق ~~«التجربة» وحدها، وأن الفلسفة تقوم بالتحليل المنطقي، شأنها شأن بقية العلوم، معتمدين في ~~ذلك على المنطق الرياضي المعاصر آنذاك (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، فقد ~~ظهر في تلك الفترة ما سمي ب «المنطق الرياضي أو الرمزي». يقول برتراند راسل: «بإمكان إرجاع ~~جميع المفاهيم الرياضية إلى علاقات تقوم بين الأعداد الطبيعية، وأن هذه العلاقات ذات طبيعة ~~منطقية بحتة.» ونتيجة لذلك افترض راسل أنه يمكن استنباط الرياضيات كلها من المنطق. أمام هذه ~~التصورات (فعالية المنهج التحليلي المنطقي) راح راسل بعيدا ليقول ms107 أيضا بإمكان حل المسائل ~~الفلسفية، وأن المنطق هو لب الفلسفة. بينما أعلن تلميذه فيتجنشتين أن الفلسفة ليست نظرية، ~~وإنما هي فعالية، وهذه الفعالية تكمن في نقد اللغة؛ أي التحليل المنطقي لها؛ فالفلسفة ~~التقليدية برأيه تقود إلى الاستعمال غير الصحيح للغة، لذلك قال بضرورة وضع لغة كاملة تنص ~~عباراتها إما على أحكام بخصوص الوقائع (العلوم التجريبية)، أو على تحصيل حاصل كما في ~~الرياضيات والمنطق. # 8 # إن ما يجمع أصحاب التيار الوضعي هو: ~~(1) # إيمانهم بأن مهمة الفلسفة هي تحليل لما يقوله العلماء، لا التفكير التأملي الذي ~~ينتهي بالفيلسوف إلى نتائج يصف بها الكون ونتائجه. ~~(2) # ضرورة حذف الميتافيزيقا من مجال الكلام المشروع؛ لأن تحليل عباراتها الرئيسية ~~تحليلا منطقيا بين أن عبارات مثل: «الضرورة - الجوهر - الضمير ... إلخ» لا معنى لها، ~~وبالتالي لا يمكن وصفها بالصواب. ~~(3) # ضرورة الاتفاق على أن العلاقة بين السبب والمسبب هي علاقة ارتباط في التجربة، لا ~~علاقة ضرورة عقلية. ~~(4) # ضرورة اعتبار القضايا الرياضية وقضايا المنطق الصوري تحصيل حاصل لا تضيف إلى العلم ~~الخارجي علما جديدا؛ فالقضية الرياضية مثل: 2 + 2 = 4، ما هي إلا تكرار لحقيقة واحدة، ~~أو لرمزين مختلفين. ~~(5) # كل شيء لا يخضع للتجربة والتحليل غير مفكر به. ~~(6) # ضرورة تأكيد أن وظيفة الفلسفة وعملها هو تحليل المعرفة، وبخاصة المتعلقة ~~بالعلم، وأن المنهج المتبع هو تحليل لغة العلم. ~~(3) الواقعية الجديدة # كما نجد أيضا أنصار الواقعية الجديدة يعدون المنطق علم البرهان، «بمعنى أنه جزء من نظرية ~~المعرفة بالمعنى الفلسفي، ومعنى ذلك أن المنطق ليس علما مستقلا، بل هو جزء من مباحث ~~الفلسفة وهو نظرية المعرفة»؛ وهذه النظرية تقول بوجود عالم خارجي مستقل عن أي عقل يدركه ~~وعن جميع أفكار أو أحوال ذلك العقل، وليست الأمور المدركة في التجربة سوى رموز في العقل، ~~ولكنها رموز تدل على حقائق خارجية واقعية. # 9 # وكما تختلف النظرية المنطقية باختلاف الأساس الذي يذهب إليه الفيلسوف في نظريته في ~~المعرفة، فكذلك تختلف النظرية المنطقية باختلاف الأساس الذي يبتنى عليه العلم في العصر ~~المعين، فكلما غير العلم عن أساسه تغيرت ms108 معه نظرية المنطق؛ وذلك لأن المنطق إن هو إلا تحليل ~~لمفاهيم العلم وطرائقه تحليلا يبرز صورها؛ فقد كان العلم عند اليونان قائما على فلسفة ~~بعينها هي الوجود، وجاء المنطق الأرسطي صورة أمينة تبعا لذلك، وكما تختلف النظرية المنطقية ~~باختلاف الأساس الذي يبنى عليه العلم في عصر معين، كذلك تختلف باختلاف المذهب الفلسفي الذي ~~يذهب إليه صاحب تلك النظرية، فقد يعيش في العصر العلمي الواحد أكثر من فيلسوف ينتمون إلى أكثر ~~من مذهب فلسفي واحد. من ثم تراهم يختلفون في تحليل الأساس العلمي الذي يجعلونه هدفهم ومدار ~~بحثهم، ففي عصرنا هذا مثاليون وواقعيون وبراجماتيون ومنطقيون ووضعيون، ولكل من هؤلاء وجهة ~~للنظر تنعكس على النظرية المنطقية عندهم. # 10 # ومن ثم فقد أول كثير من المناطقة المحدثين وضع تعريفات خاصة من هذا القبيل للمنطق ~~القديم، وهي تثبت فيه اعتبارات ميتافيزيقية ونفسانية وبيولوجية ولغوية. # ولكن الأكثر دلالة هو محاولة بعض المناطقة المحدثين ربط المنطق بالرياضة، ومحاولة تعريفه ~~على هذا النحو. # ومن هذه التعريفات تعريف «جيوسيب بيانو» Peano # للمنطق ~~الرياضي بأنه المنطق «الذي يدرس خصائص الإجراءات والعلاقات الخاصة بالمنطق، وأن موضوعه هو ~~صياغة أبسط نسق من المفاهيم المنطقية صياغة تجعل منه شيئا ضروريا وكافيا لتمثيل الحقائق ~~الرياضية وبراهينها تمثيلا رمزيا.» # 11 # ويعبر كل من هلبرت # Hilbert # وأكرمان # Ackermann # عن المعنى نفسه بطريقة مختلفة إلى حد ما بقولهما: ~~«إن المنطق الرياضي - وليسم كذلك المنطق الرمزي - امتداد للمناهج الصورية الخاصة ~~بالرياضيات إلى مجال المنطق.» # 12 # كما يعرف راسل # Russell # المنطق الرمزي الحديث بأنه «العلم ~~الذي يبحث في القواعد العامة التي تجرى الاستدلال عليها.» # 13 # وهنا يتضح أن هذه التعريفات للمنطق تنبع من وجهات نظر خاصة، والسهروردي قد قام بهذه ~~المحاولة حين عرف المنطق تعريفا خاصا يتفق مع مذهبه العام القائم على الإشراق، وهو بهذا ~~يعتبر إلى حد ما سابقا للمناطقة المحدثين؛ حيث يحظى المنطق الأوروبي الحديث بمناطقة حاولوا ~~وضع تعريفات خاصة للمنطق. ومن هذه التعاريف على سبيل المثال: ~~(أ) # تعريف جيفونز # Jevons # الذي يرى أن المنطق هو ms109 علم ~~قوانين الفكر # The Lows of Thought ~~. # 14 # هذا التعريف للمنطق ينطوي على بعد ميتافيزيقي؛ لأنه يحاول أن يجعل من ~~المنطق قوانين عامة تخضع لها كل الكائنات. ~~(ب) # أما كينز # Keynes # فيعرف المنطق بأنه العلم الذي يبحث ~~في المبادئ العامة للتفكير الصحيح، وموضوعه البحث في خواص الأحكام، لا بوصفها ظواهر ~~نفسية، بل من حيث دلالتها على معارفنا ومعتقداتنا، ويعنى على الأخص بتحديد الشروط التي ~~بها تبرز انتقالنا من أحكام معلومة إلى أخرى لازمة عنها. # 15 # هذا التعريف للمنطق ينطوي على بعد مثالي يختص أساسا بما ينبغي أن نفكر فيه، ولا يبحث ~~فيما يكون عليه تفكيرنا إلا عن طريق مباشر، كوسيلة فحسب. ومن ثم ينبغي أن يوصف بأنه علم ~~معياري أو منظم، وهو يشترك مع علم الأخلاق وعلم الجمال في هذه الناحية، فإذا كان المنطق يبحث ~~في القواعد العامة للسلوك الصحيح؛ فالجمال يبحث في القواعد العامة للذوق الصحيح. # ثانيا: أبعاد الحكمة البحثية والذوقية لدى مفكري العصر الحديث # إذا كان برتراند راسل قد أشار في كتابه المنطق والتصوف إلى أن أعظم الرجال في تاريخ الفكر ~~الإنساني هم الذين قد جمعوا بين عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفي؛ فقد تلمس ~~الباحث هذه المحاولة لدى السهروردي على أنه فيلسوف إسلامي قام بهذه المحاولة على الوجه الأكمل . # 16 # ويرى الباحث أن هناك من مفكري العصر الحديث في أوروبا استطاعوا أن يجمعوا في فلسفتهم بين ~~الحكمة البحثية والحكمة الذوقية، وإن كانوا عبروا عنها في صور مختلفة تتفق مع فلسفتهم الخاصة، ~~فنجد مثلا: ~~(1) باسكال Pascal ~~(1623-1662م) # جمع باسكال بين الحكمة البحثية والحكمة الذوقية، وذلك في بيان حديثه عن نوعين من العقل ~~العلمي # Scientific reason # والعقل الشعوري # Reason of the heart ~~، الأول مصدره البرهان، والثاني مصدره ~~القلب. ولقد عرف باسكال أهمية العقلين للمعرفة؛ فالمعرفة المنطقية المبنية على الإثبات ~~والبرهان المنطقي هي المعرفة العلمية لها قيمتها عند باسكال، ولكن لا يعتقد أن معرفة الأشياء ~~جميعا تأتي عن طريق البرهان. لقد بحث باسكال عن أبعاد أخرى للمعرفة ووجدها في القلب؛ ms110 لأن ~~العقل العلمي بطيء في عمله، وأحيانا كثيرة تنقض الأدلة البرهانية والمنطقية، بينما العقل ~~الشعوري معرفته مباشرة، كما أنه يشعر بوجود الله. لقد اكتشف باسكال العقل العلمي، وأراد أن ~~يذهب إلى أبعد من إيضاحاته، والأمثلة المهمة في حياتنا في نظره لا تجاب بالفروضات العلمية. # 17 ~~(2) اسبينوزا # Spinoza ~~(1632-1677م) # كما يمكن تلمس أبعاد للحكمة البحثية والحكمة الذوقية عند اسبينوزا، وذلك في محاولته ~~التوفيق بين النزعة العقلية الخالصة، التي تتمثل في منهجه الهندسي، وفي ميتافيزيقا الجوهر ~~الواحد، وتعريفه لهذا الجوهر وصفاته وأحواله، وبين النزعة الصوفية التي تتمثل في الأخلاق ~~القائمة على محبة الإنسان لله حبا يصل إلى درجة القداسة والعبادة. # 18 # وقد تمخض عن ذلك قوله بنظرية وحدة الوجود التي نادى بها من قبل «ابن عربي»، والذي يرى ~~أن الوجود واحد في ذاته وحقيقة أمره، أي متواصل ومتلاحم - وإن هو تكثر في أجزائه ~~وأسمائه وما فيه من الصفات والمحمولات. وفضلا عن ذلك، فإن الوجود، عند مستوى اللب أو ~~الماهية، هو الحق إياه وليس سواه؛ ولكنه يصير الخلق عندما ينظر إليه في «أعيانه» وممكناته ~~المضمرة؛ أي في جزئياته وصوره الكثيرة التي لا تحصى. وهذا يعني أن الشيخ قد استعار فكرة ~~«الصورة» و«الهيولى» من أرسطو، فحذف الهيولى، وأحل محلها مقولة الحق الذي هو الاسم الآخر ~~للماهوي أو الكلي؛ بل قل إنه الشارط اللامشروط؛ فأصبح كل شيء يتركب من الصورة التي ~~تخصه وحده، والتي يستتب الحق فيها استتبابا شاملا. يقول الشيخ في فصوص الحكم: فإن للحق ~~في كل خلق ظهورا. فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم، إلا عن فهم من قال إن ~~العالم صورته وهويته. # 19 # ويعلق أستاذنا الدكتور إبراهيم مدكور رحمه الله على ذلك قائلا: «ونستطيع أن نقرر أن ~~ابن عربي واسبينوزا كانا مؤمنين إيمانا عميقا، وإن اتهما بالإلحاد. كانا مؤمنين إيمانا ~~عميقا يملأ قلبيهما، فكانا يريان الله في كل شيء، ولا يكادان يريان شيئا سواه - كانا يعتدان ~~بأخوة الحب والإيمان، فلا يفرقان بين موسوي ومسيحي، ولا بين مسلم وغير ms111 مسلم.» # ويستطرد قائلا: «ولا نزاع في أن فكرة وحدة الوجود في أساسها وليدة فرط إيمان، تدفع إليها ~~عاطفة قوية وشعور فياض، وهي لهذا تلائم الصوفية والروحانيين. ترد كل شيء إلى الله، ولا تدع ~~لغيره مكانا في العالم. ولكنها لا تسلم من نقد واعتراض، فهي تكاد تلغي الكون، ولا تفسر ~~التغير، ولا تحل مشكلة الواحد والمتعدد - وصعابها الدينية لا تقل عن صعابها الفلسفية؛ فهي ~~تقول بإله مطلق مجرد لا نهائي، في غنى عن البرهنة عليه وإثبات وجوده، ولكن أين الإنسان؟ ~~وأين مسئولياته وواجباته؟ إن في القول بوحدة الوجود ما يقضي على الأخلاق والتكاليف.» # 20 ~~(3) ليبنتز # Leibniz ~~(1646-1716م) # كما يمكن تلمس أبعاد للحكمة البحثية والحكمة الذوقية عند ليبنتز، وذلك في محاولته الجمع ~~بين الآلية الحسية الذرية عند ديموقريطس وأبيقور، والاتجاه الروحي عند أفلاطون، بل وربما ~~الاتجاه العقلي عند ديكارت. # 21 # وقد تمخض عن ذلك قوله بنظرية الكمال الإلهي التي نادى بها من قبل «ابن عربي»، ~~والذي يرى أن الوحدة في الوجود بين الموجد والموجود (الله والعالم)؛ فالوجود كله حقيقة واحدة، ~~وإدراك ذلك لا يكون بالعقل لقصوره، ولا للحواس لعجزها، وإنما بالذوق الصوفي، ولقد ذهب إلى ~~أنه قد تكشف له من أسرار الوجود ما تقطع دونه الرقاب. ولآرائه الصادمة للفكر الإسلامي في ذلك ~~الحين، فقد اتهم الرجل في دينه، ورماه الشيوخ بالكفر والزندقة. # 22 # ذهب ابن عربي إلى أن العالم الذي نعيش فيه هو أفضل عالم ممكن، وإذا خيل لأحد أن ~~بالعالم نقصا أو اعوجاجا فإنه لا يعرف سر الخلق والحكمة الإلهية؛ فهذا الاعوجاج هو من كمال ~~الخلق، كما أن اعوجاج القوس هو عين استقامته؛ فإذا أردت أن تقيمه على الاستقامة كسر، ~~والعلماء وحدهم هم من يدركون الكمال في خلق الله. # 23 ~~«النقص في العالم من كمال وجوده»، وإن شئت قلت من كمال العالم؛ إذ لو نقص النقص من ~~العالم لكان (هذا العالم) ناقصا، والكمال المطلق لله وحده. # 24 # العالم غاية في الكمال؛ لأنه من صنع الله الذي له الكمال وحده، ولا يصدر ms112 من الكمال ~~شيء إلا كان على درجة محددة من الكمال تليق به؛ إذ لابد أن تبدو صفة الصانع في صنعته. # 25 # الكمال ذاتي في الأشياء، والنقص عرضي. # 26 # العالم جميل وهو جدير بالحب رغم ما قد يوقعنا عليه الحس من بعض ضروب النقص. # 27 # ذلك أن العارفين قد تكشف لهم أن هذا العالم بأسره غاية في الجمال وليس فيه شيء من ~~القبح، بل قد جمع له الحسن كله والجمال كله؛ فليس في الإمكان أبدع ولا أجمل ولا أحسن من ~~هذا العالم؛ ذلك لأن هذا العالم مرآة ينعكس عليها المعاني الإلهية، والله جميل، ~~والجمال محبوب لذاته. لهذا ينبغي أن نرضى بالواقع فلا نحقر شيئا فيه، فهذا التحقير لا ~~يصدر عن امرئ يتقي الله. # 28 # ومن يقرأ للفيلسوف الألماني ليبنتز # Leibniz # يفاجأ بنظرية ~~تكاد تكون صدى لنظرية الإمام الأكبر ابن عربي؛ فيرى ليبنتز أنه قد كان في مقدور الله أن يخلق ~~عددا لا نهاية له من العوالم، فلماذا اختار الله هذا العالم بالذات ليخرجه إلى الوجود؟ لا ~~بد أنه - سبحانه - قد اختار - كما يقول ليبنتز - أكثرها تجانسا وأرقاها في درجة الكمال؛ ~~حيث تتحقق من جراء ذلك أكمل الغايات. ويقول ليبنتز: «السبب في وجود أفضل عالم ممكن ينحصر ~~في أن الحكمة الإلهية هي التي تكشف للعلم الإلهي أن رحمة الله هي التي تحدد اختياره لهذا ~~العالم، وأن قدرته هي التي تخلقه (كتاب المونادولوجي لليبنتز)؛ فالحكم الإلهية هي السبب في ~~خلق أفضل عالم ممكن، وليس في الإمكان أن يوجد شيء أفضل مما اختاره الله برحمته، وخلقه ~~بقدرته، وحدد غاياته بحكمته.» # 29 ~~(4) تيلش # Tillich ~~(1886-1965م) # كما يمكن تلمس أبعاد للحكمة البحثية والذوقية لدى الفيلسوف الوجودي تيلش؛ حيث إن ~~الحقيقة في نظره ثنائية؛ حيث يرى أن الحقيقة ذات مستويين؛ المستوى الأول وهو ما يمكن أن ~~يسمى بالعقل الأنطولوجي # Ontological Reason ~~، والمستوى الثاني ~~وهو ما يمكن أن يسمى بالعقل الآلي # Technical Reason ~~؛ ~~فالأول ذو عناصر ميتافيزيقية، وهو يعد الممثل الأعلى للحقيقة، لا العقل الآلي الذي يحمل ~~خصائص ms113 التفكير. ويتميز العقل الأنطولوجي بتفهمه للوجود الحقيقي # Actual ~~Existence ~~، كما أنه فعال في المجال العاطفي؛ بينما العقل الآلي لا يهتم ~~بالوجود، بل هو نمط من المعرفة التي يمكن الحصول عليها بطريق الملاحظة. # 30 # ويرى تيلش أن الفلسفة الوضعية خير مثال لهذا التفكير الذي ساد عصرنا وضاعت بسببه كثير من ~~العناصر الإنسانية. ورغم نقد تيلش للعقل الآلي وخصائصه المبنية على الملاحظة والمنطق ~~والموضوعية، إلا أنه - كما يخبرنا - يبقى لا غنى لنا عنه في سعينا نحو الحقيقة المتكاملة ~~التي لا تفهم إلا بوجود نوعي العقل معا؛ الآلي والأنطولوجي، مع الاحتفاظ بالعقل الأنطولوجي ~~بأنه «العقل الأسمى أو الأعلى». # 31 # وهنا يتضح أن السهروردي سبق المفكرين والفلاسفة في العصر الحديث في الجمع بين ~~الحكمة البحثية والحكمة الذوقية. # ثالثا: خصائص المنطق الحديث # إذا كان من خصائص النظرية المنطقية عند السهروردي أنها تقوم على النظر والذوق كما وضح ~~آنفا، فإن من خصائص المنطق الحديث أنه يقسم إلى نوعين من المنطق: ~~(1) # منطق مادي وهو الاستقراء. ~~(2) # منطق صوري وهو الاستدلال. # وهذا التقسيم اعتاد المناطقة عليه منذ أرسطو، ولكن وضح أكثر في العصر الحديث، وإن كانت ~~الناحية الصورية أغلب ظهورا أو وضوحا؛ وذلك عندما أراد المنطق ~~الصوري الرمزي أن يتحرر من رقبة العلوم الأخرى، ارتد إلى ~~الصورة الأرسطية لهذا السبب ملتمسا صوريته من تاريخه. وكان من الضروري على الدوام فهم معنى ~~الصورية الأرسطية فهما وثيقا قبل الإقبال على دراسة المنطق الرمزي. # 32 # ويمكن عقد مقارنة بين خصائص المنطق المادي والمنطق الصوري؛ وذلك على النحو التالي: # أولا: # المنطق المادي هو المنطق المتعلق بالتجربة الخارجية، وهو لذلك يتضمن إخراج ~~واستحداث معرفة جديدة؛ فمن المستحيل بلوغ أي تقدم من وراء الاستدلال الصوري؛ أي إن ~~الاستقراء جسر يعبر من الوقائع إلى القوانين، وهو عملية تستخدم في اكتشاف وتكوين ~~القضايا العامة. أما الاستدلال فتحليل قائم على أساس تفريغ العبارات من أية إشارات إلى ~~جزئيات من أجل تحويلها إلى قضايا رمزية، لا يهمنا فيها إلا سلامة الانتقال من البداية ~~إلى النتيجة. ولا يهتم هنا إلا ms114 التجريد التام للعلاقة بين التصورات والوقائع، ولهذا ~~يؤدي تقسيم المنطق إلى صوري ومادي إلى ظهور شيء جديد نسميه بالتحليل والتركيب. ~~والتحليل دائما صوري؛ لأنه لا يأتي في النتائج إطلاقا بأكثر مما في المقدمات، في ~~حين لا بد أن يولد التركيب شيئا جديدا في نهاية الاستقراء. والاستقراء تركيبي في حين ~~أن الاستدلال تحليلي. # 33 # ثانيا: # المنطق المادي يعتمد على استنباط عقلي، ولكنه يلتمس برهانه في الظواهر الجزئية - أي ~~الوقائع الحسية، بينما المنطق الصوري يعتمد على الاستنباط في العلوم الرياضية، وهو ~~يبدأ من بديهيات - لا جزئيات محسوسة، ويلتمس البرهان عن طريق الإثبات المحض؛ # 34 # بمعنى أنه يبدأ من مسلمات، وهي إما بديهيات أو مصادرات، فأما البديهيات أو ~~الأوليات فهي قضايا بديهية واضحة بذاتها لا تقبل برهانا؛ لأن من يعرف معاني حدودها ~~يسلم بصحتها دون حاجة إلى دليل، وهي تدرك برؤية مباشرة أي بالحدس، ولا تجيء عن طريق ~~خبرة حسية، ولا عن تفكير استنباطي عقلي؛ لأنها أولية فطرية لا تستنبط من أخرى سابقة ~~عليها بالبديهيات المنطقية التي تقول إن الشيء لا يمكن أن يكون موجودا وغير موجود في ~~آن واحد. أما المصادرات فهي قضايا يفترض العالم صحتها منذ البداية مجرد افتراض، بشرط ~~ألا يعود فيفترض صدق نقيضها؛ لأن النقيضين لا يصدقان معا. # 35 # ثالثا: # المنطق المادي يعتمد على قوانين طبيعية احتمالية ترجيحية وليست يقينية كقوانين ~~المنطق والرياضة البحتة؛ وذلك لأن القوانين الطبيعية تقال تفسيرا لمجموعة من الظواهر ~~المتشابهة لم يخضع الكثير منها لما تجريه من ملاحظات وتجارب. # رابعا: # المنطق المادي إذا كان يعتمد على الاستقراء الذي يرقى إلى المقدمات الكلية ~~بمشاهدة الجزئيات؛ فهو بهذا يضمن صحة هذه المقدمات ولا يفترض صدقها مجرد افتراض. ~~في حين أن المنطق الصوري يعتمد على الاستنباط الذي يجعل المقدمات أفكارا بسيطة تدرك ~~بالحدس وتؤمن الزلل من معرفتها، ومنها يتوصل الباحث إلى نظرياته. # 36 # خامسا: # المنطق المادي يبحث في المناهج التي تقدم عليها العلوم المختلفة، كل على حدة، ~~وعلى هيئة مجموعات عامة، ويضع القواعد وفقا للعلوم الخاصة، فهو نسبي، ms115 خاص، مادي، ~~ولكنه يقوم بهذا كله واضعا نصب عينيه القواعد التي وضعها المنطق الصوري؛ لأنها قواعد ~~عامة يخضع لها كل تفكير عقلي. أما المنطق الصوري فيعني البحث في المبادئ العامة للتفكير ~~المجرد، وفي العقل، وفي القواعد الضرورية التي يسير عليها الفكر في بحثه في جميع ~~الموضوعات بلا تمييز، ويضع القواعد ناظرا إلى الشكل فحسب، بصرف النظر عن مضمون المعرفة ~~وموضوعاتها، فهي قواعد تتعلق بصورة الأحكام والاستدلالات، وترمي إلى اتفاق الفكر مع ~~نفسه فحسب. # 37 # سادسا: # إذا كان المنطق الصوري منطقا شكليا يعتمد على الرموز؛ فذلك لأن هذه الرموز ~~تدعو إلى الدقة في التعبير. تقول سوزان ستيبنج إن استخدام اللغة العادية أحيانا ما ~~يؤدي إلى الوقوع في الخطأ، أما إذا استخدمنا رموزا معينة، فإننا نتحاشى الخلط أو اللبس ~~الذي قد ينشأ عن استخدام الألفاظ. # 38 # وتستطرد ستيبنج فتقول: «إن استخدام الرموز يعني الاقتصاد في الجهد والفكر، فضلا عن البساطة ~~والدقة والاتساق والنسقية.» # 39 # وهنا يتضح الفرق بين المنطق المادي والمنطق الصوري من حيث خصائص كل منهما، إلا أن هذه ~~الخصائص مرتبطة بنظرية المعرفة؛ فدعاة المنطق يحاولون فهم المنطق داخل نظريتهم في المعرفة، ~~هذه المعرفة تعتمد على الإحساس وحده دون العقل؛ حيث رفضوا التسليم بالأفكار الفطرية الموروثة ~~والمبادئ العقلية البديهية، والقواعد الخلقية الأولية التي تجيء اكتسابا، وأنكروا هذا الحدس ~~الذي يدرك الأوليات الرياضية والبديهيات المنطقية، وراموا بأن هناك حدوسا متعددة تختلف ~~باختلاف أصحابها، وردوا المعرفة في كل صورها إلى التجربة - مع خلاف بينهم في تعبيرها. # أما دعاة المنطق الصوري فقد حاولوا فهم داخل نظريتهم في المعرفة، هذه المعرفة قائمة على أن ~~في العقل أفكارا ليست آتية من التجربة. وهذه المعرفة العقلية صادقة، وتوجب صدقها ضرورة عقلية ~~أن أحكامها وقضاياها صادقة على الدوام صدقا ضروريا محتويا؛ إذ لا يمكن أن تصدق وتكذب أخرى، ~~كقولك: إذا كانت «أ» أكبر من «ب»، «ب» أكبر من «ج»، كانت «أ» أكبر من «ج»، وهذا الحكم صادق ~~دوما، وتوجب صدقه ضرورة عقلية لا خبرة حسية، ومثل هذا يقال ms116 في قوانين المنطق وأوليات الرياضة. # 40 # رابعا: أقسام المنطق عند المحدثين # لقد ذكر الباحث في الفصل الثاني من هذا البحث أقسام المنطق عند السهروردي؛ حيث اتضح ~~أن السهروردي يجاري عادة المناطقة العرب في تقسيم المنطق، وبالتالي فهو يسير في اتجاه مضاد ~~لبعض المناطقة المحدثين الذين يرون أن اهتمام المنطق ينصب على التفكير، ولما كانت القضايا هي ~~وحدات التفكير، فلا بد أن يكون مبحث القضايا هو أول ما يجب دراسته، بل إن بعض المناطقة المحدثين ~~نادى بحذف مبحث التصورات أو الحدود من مباحث المنطق؛ لأن البحث في القضايا يتضمن البحث في ~~ألفاظها المؤلفة لها، ومن هؤلاء على سبيل المثال: ~~(1) بوزانكيت # Bosonquet # الذي ذهب في كتابه # The essentials of logic # إلى أن المنطق ~~ينقسم إلى قسمين: قسم يبحث في نظرية الأحكام، وقسم يبحث في نظرية الاستدلال. وفي هذا يقول: ~~«إنه لا حقيقة للاسم أو التصور في لغة حية أو تفكير حي إلا عندما يشير إلى مكانه في قضية ~~أو كم»؛ # 41 # بمعنى أنه لا يفهم الصور ولا يتحقق تحقيقا منطقيا، إلا إذا كان موضوعا أو ~~محمولا في قضية؛ فهو حالة ناقصة من حالات العقل، ولا يمكن أن نقوم بذاتها، وإنما يكملها ~~وجودها في قضية أو حكم. ~~(2) برادلي # Bradley # يذهب برادلي في كتابه # The Principles of Logic # إلى مهاجمة ~~المنطق الأرسطي والمنطق التجريبي؛ حيث يعد الحكم لا التصور في منطقه؛ هو الوحدة الحقيقية ~~للفكر؛ الصورة المنطقية الأولى. وأن هذا الحكم متصل بالوعي الكامل، وأننا حين نحكم إنما نقتطف ~~من هذا الوعي أو الشعور المتصل جزءا منه، بينما هذا الجزء لا يمكن فصله على الحقيقة من هذا ~~التيار المتصل. # 42 ~~(3) جوبلو # Goblot # أما جوبلو فقد أخذ إنكار مبحث التصور على يديه صورة أخرى؛ حيث عبر عن ذلك بتقسيمه ~~المنطق إلى: ~~(أ) # نظرية الحكم: وفيها ندرس الأحكام التي إما أن تقوم مباشرة على التجريد، وهذه تسمى ~~بأحكام التجربة، وإما لا تقوم مباشرة مع التجربة، بل تصدر عن غيرها من الأحكام. وهذه ~~تسمى بأحكام البرهان. ~~(ب) ms117 # نظرية الاستدلال: وفيها ندرس الانتقال من حكم أو أحكام إلى حكم آخر، ويسمى حكما ~~برهانيا يكون صادقا إذا كانت المقدمات صادقة. # 43 # وإذا كان بعض المناطقة المحدثين قد رأوا أن التقسيم الأرسطي الثلاثي للمنطق لم يعد قائما ~~الآن، وإنما أصبح المنطق منقسما إلى قسمين فقط هما: الأحكام والقضايا. # ولعل المشكلة تقسيم المنطق على هذا النحو أو ذاك لم تعد شاغل المفكرين والمناطقة ~~المحدثين الذين اهتموا بالمنطق الرياضي؛ فإذا ما تأملنا المذاهب المختلفة التي تعرضت لمثل هذا ~~في المنطق الرياضي، فإننا لن نجد عند أي منهم أي اتجاه لهذا التقسيم. # إن ما اهتم به المنطق الرياضي هو فكرة الاستنباط من المسلمات والتعريفات لكل قضايا ~~المنطق، أو محاولة إقامة نسق استنباطي، برهن فيه على كل القضايا ابتداء من مجموعتين من ~~المسلمات والتعريفات. # إن المنطق الرياضي هذا استبعد تماما العمليات السيكولوجية من مباحثه، فهو لم يبحث ~~فيما إذا كان التصور يأتي إلى الذهن أولا بمفرده أم لا، كما أنه لم يبحث في ارتباط ~~تصوراتنا سواء أردنا أم لم نرد بأحكامنا، بحيث تصح هذه الأحكام هي البقية المنطقية الأولية، ~~إنه منطق آلي رمزي صرف، واستنباطي صرف لا يتصل بالمعرفة ولا بكيف نعرف، وما إذا كانت ~~معارفنا متصلة أو منفصلة. # 44 # الفصل السادس # | منطق السهروردي ومحاولة قراءة أفكاره في المنطق الأوربي الحديث # تمهيد # ذكرنا من قبل أن النظرية المنطقية تختلف باختلاف الأساس الذي يذهب إليه الفيلسوف في نظريته ~~في المعرفة، فكذلك تختلف النظرية المنطقية باختلاف الأساس الذي يبتنى عليه العلم في العصر ~~المعين، فكلما غير العلم عن أساسه تغيرت معه نظرية المنطق؛ وذلك لأن المنطق إن هو إلا تحليل ~~لمفاهيم العلم وطرائقه، تحليلا يبرز صورها؛ فقد كان العلم عند اليونان قائما على فلسفة ~~بعينها هي الوجود، وجاء المنطق الأرسطي صورة أمينة تبعا لذلك، وكما تختلف النظرية المنطقية ~~باختلاف الأساس الذي يبنى عليه العلم في عصر معين، كذلك تختلف باختلاف المذهب الفلسفي الذي ~~يذهب إليه صاحب تلك النظرية؛ فقد يعيش في العصر العلمي الواحد أكثر من ms118 فيلسوف ينتمون إلى أكثر ~~من مذهب فلسفي واحد؛ من ثم تراهم يختلفون في تحليل الأساس العلمي الذي يجعلونه هدفهم ومدار ~~بحثهم؛ ففي عصرنا هذا مثاليون وواقعيون وبراجماتيون ومنطقيون ووضعيون، ولكل من هؤلاء وجهة ~~للنظر تنعكس على النظرية المنطقية عندهم. # من هذا المنطلق نحاول في هذا الفصل أن نستعرض أهم الآراء المنطقية عند السهروردي، ~~ونتلمس أوجه التقارب الفكري بينها وبين مناطقة العصر الحديث. # أولا: اختصار المنطق الأرسطي ثم محاولته وضع نسق له # بعد أن عرض السهروردي للقضايا الأرسطية وتقسيماتها المعهودة في كتب المنطق الأرسطي من ~~حيث الكمية والكيفية والجهة، يعود لينقد هذا التقسيم من حيث الكمية والكيفية والجهة، ويرى أنه ~~كثير الفروع والتشعبات، والتي يمكن الاستغناء عن الكثير منها، وذلك ما سيعمل السهروردي على ~~إيضاحه خلال رد القضايا الجزئية إلى قضايا كلية، ورد القضايا السالبة إلى قضايا موجبة، ورد ~~الجهات من حيث الإمكان والامتناع إلى الضروري، فلا يبقى لدينا من تقسيمات القضايا الأرسطية ~~وتفريعاتها إلا قضية واحدة، وهي القضية الكلية الموجبة الضرورية، وهي ما يطلق عليها ~~السهروردي اسم «البتاتة»؛ أي الجازمة والقاطعة؛ # 1 # ولم يعترف السهروردي بفائدة ما للقضية الجزئية إلا في بعض نواحي العكس المستوي ~~والتناقض، فغير بهذا كثيرا من أصول المنطق الأرسطي القديم. # والسهروردي هنا يشبه إلى حد كبير المناطقة الرياضيين في أوروبا الذين حاولوا اختصار ~~منطق أرسطو، وإن كان هناك خلاف بينه وبينهم فهذا لأن المناطقة الرياضيين رأوا أن المنطق مقتصر ~~على صورة واحدة من صور الاستدلال، فاصطنعوا صورا أخرى أكثر خصوبة في نتائج الاستدلال تقوم على ~~كم المحمول وحسابه، ثم تحليل العلاقات، الأمر الذي يوسع مبحث الاستدلال من حيث قواعده ومجاله ~~ونطاقه، وأما السهروردي فقد رأى ما في المنطق الأرسطي من تطويل فحاول أن يرد صور أشكال ~~القضايا والقياس إلى صورة واحدة، وهي القضية البتاتة. # 2 # وفي رد السهروردي لمبحث أشكال القضايا والقياس إلى القضية البتاتة، يعني أن ~~السهروردي قد حاول جاهدا وضع نسق للمنطق، وهو بهذا قد سبق المناطقة المحدثين من أمثال ~~«فريجه» و«بيانو» و«راسل» و«هيلبرت» ms119 و«فيتجنشتين» و«روسير» و«جينتزن» وغيرهم، وهؤلاء وإن اتفقوا ~~مع السهروردي في المبدأ، لكنهم اختلفوا معه في الغاية؛ حيث إنهم وضعوا أنساقا جد مختلفة ~~عن نسق السهروردي. # ثانيا: نقد التعريف الأرسطي ومحاولة وضع تعريف جديد # كان السهروردي قد رفض المفهوم المشائي للحد، والمؤلف عن طريق الجنس والفصل المميز ~~لسببين؛ أولهما أن المميز مجهول مع المعرف، وإن كان معلوما عن طريق آخر فلا يصلح للتمييز؛ ~~لأنه لم يعد خاصا. وثانيهما أن من تمام شروط الحد عند المشائين إيراد جميع الصفات الذاتية، ~~وذلك مستحيل عقلا؛ لأن معرفة جميع الذاتيات مرتبط بمعرفة ماهية الشيء، وماهية الشيء هنا ~~تقتنص عن طريق الذاتيات فنقع في دور لا مخرج منه، وعلى فرض ذكرنا الذاتيات الخاصة بالشيء كيف ~~لنا أن نعلم أنه ليس هناك ذاتي آخر مجهول بالنسبة لنا. ونجد أن كلا السببين يرتد في النهاية ~~إلى فكرة الدور في الحد الأرسطي، وهذه الفكرة كانت من أكثر ما استند إليه كل من رام نقد الحد ~~الأرسطي. ونتيجة للأسباب المانعة للتعريف على طريقة المشائين، اقترح السهروردي طريقا آخر ~~للتعريف هو ما يسميه التعريف بالمفهوم والعناية. # 3 # وإذا كان السهروردي قد أنكر التعريف الأرسطي القائم على الجنس والفصل باعتباره قائما ~~على نزعة ميتافيزيقية، فهو بهذا يكون قد سبق بعض المناطقة المحدثين في إنكار هذا التعريف، فنجد ~~إيتون # Eaton # يهاجم نظرية أرسطو في المحمولات التي هي أساس ~~نظريته في التعريف، هذه النظرية - فيما يذهب «إيتون» - نظرية ميتافيزيقية ووجودية وليست نظرية ~~منطقية، وإن كانت مقدمة للقياس باعتبارها جزءا من تحليل القضايا، فهي تعكس وجهة نظر أرسطو ~~الميتافيزيقية في الأصناف وفي الأجناس والماهيات المحددة، كما تعكس وجهة نظر الفلسفة العامة في ~~أن المعرفة العلمية تكون تدرجا من الصور وتعرض المحمولات الأربعة التي تكلم عنها أنماط ~~العلاقات المختلفة التي من الممكن أن تقوم بين الصور المعبرة عنها في القضايا؛ فكل محمول يعبر ~~عن نمط من هذه العلاقات بين الكليات. وقد ميزت النظرية بين العلاقات الضرورية والعرضية، وأساس ~~هذا التمييز هو الواقع الأنطولوجي. # 4 # ومن ثم ms120 يتضح موقف «إيتون» من تعريف أرسطو أنه يهاجم نظرية التعريف الأرسطية لأنها مختلطة ~~بمباحث ميتافيزيقية وأنطولوجية. غير أن دعاة الوضعية المنطقية يعترفون بأن هذه النزعة ~~الميتافيزيقية في التعريف الأرسطي نزعة متسامية، ولكنها لم تصل إلى الدرجة التي يمكن معها أن ~~تكون نظرية علمية، بمعنى أن دعاة الوضعية المنطقية يرون أننا لن نصل إلى الحدود الحقيقية إلا ~~نادرا؛ لأن معرفة وإثبات الشيء الذي تتألف منه ماهيتها أمر صعب؛ لأن عملية الحد لا تتيسر لكل ~~إنسان؛ فإن هذا لا يرفع الإشكال من الناحية العملية؛ لأن الأشياء لا تعرف بحقائقها فحسب، بل ~~تعرف بعلاقاتها بالأشياء، بمعنى أن الشيء المعرف ينقسم إلى عنصرين أساسيين؛ وهما: الجنس ~~والفصل، وإنما الغاية هي تجديد الطريقة التي تستعمل بها كلمة من كلمات اللغة، فكأنهم حينئذ لا ~~يبحثون عن جوهر الأشياء، بل يبحثون عن معنى اللفظ في اللغة التي اتفق على استعمالها لأداء المعاني. # 5 # وهم في هذا الاتجاه يراعون المظهر الخارجي للأشياء، وليشتقوا منه الصفات التي يمكن أن ~~تكون من العوامل الأساسية في التعريف، بخلاف ما درج عليه المنطق التقليدي الأرسطي في النظر إلى ~~الأشياء نظرة جوهرية لا تتغير بتغير الأعراض الخارجية، ويظهر الفرق واضحا بين النظرية ~~الوضعية والنظرية الأرسطية في مثال «الماء» إذا تجمد أو تبخر؛ فالماء والثلج والبخار صور ثلاث ~~لطبيعة واحدة، والنظرية الجوهرية لا تختلف في نظرتها إلى هذه الطبيعة مهما تغيرت عوارضها؛ ومن ~~ثم يكون التعريف واحدا لها حتى إن اختلفت صورها. # 6 # وإذا كان السهروردي سبق المناطقة المحدثين، وبخاصة دعاة الوضعية المنطقية في عدم ~~الأخذ بالتعريف القائم على الجنس والفصل، وعدم الوصول إلى الماهية، فقد حاول السهروردي ~~أيضا وضع تعريف جديد مختلف تماما عن التعريف الأرسطي ، # 7 # وهذا التعريف يمكن إدراكه إما عن طريق الإحساس، والأمور المحسوسة تدرك تمام ~~الإدراك، وإما طريق الكشف والعيان، وهو أدق الطرق وأوثقها، وتفسير هذا أن هناك طريقين لإدراك ~~التعريف الصحيح: ~~(1) # طريق المعرفة الحسية. ~~(2) # طريق المعرفة الإشراقية. # 8 # فالمعرفة الحسية تدرك بالمشاهدة الخارجية، وهي وحدها التي تعطي الخاص، ms121 وهي تعطي معرفة ~~جديدة لا يمكن للتعريف الأرسطي أن يصل إليها، وهي الضامن لصدق المعرفة الإنسانية ومقياس صدقها؛ ~~فالواقع منه المجهول ومنه المعلوم، والمعرفة الإنسانية جزئية لأنها لا تستطيع إلا أن تحصل على ~~المعلوم دون المجهول، في حين أن المعرفة الإشراقية تعطينا المجهول والمعلوم على حد سواء، ~~والمعرفة الإشراقية هي النقطة اليقينية الضرورية لكل معرفة إنسانية، وهي تعطينا معرفة ~~بالواقع، في حين أن التصورات عاجزة تماما عن الخروج من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان، ثم يضع ~~السهروردي التعريف الكامل لديه، ويسميه التعريف بالمفهوم بالعناية، ويحدده بأنه ~~التعريف بأمور لا تختص آحادها الشيء ولا بعضها، بل تخصه للاجتماع. # 9 # ومما لا شك فيه أن السهروردي إذا كان قد ذكر بأن التعريف يتم بأمور تخصه: إما بتخصيص ~~الآحاد والبعض أو الاجتماع (الكل)؛ فالتعريف هو انتقال من العام إلى الخاص، ومن الكل إلى ~~الجزئي، ومن غير المشخص إلى المشخص، في حين أن التعريف الأرسطي انتقال من عام إلى عام، ولكن ~~بدرجة أقل كما هو واضح في الكليات الخمس؛ فهي كليات لا تشير إلى تخصص، ومن ثم يستحيل تعريف ~~الشيء عن طريقها. # 10 # وإذا كان السهروردي قد سبق بعض المناطقة الأوروبيين في العصر الحديث في التعريف الصحيح ~~القائم على الكل أو الاجتماع، إلا أنه يختلف عنهم في أن هذا التعريف، والذي أطلق عليه اسم ~~التعريف المفهومي، هذا التعريف ينتفع به في العلوم نفعا لا يقصر عن التعريف فحسب الماهية والحقيقة. # 11 # لأن التعريف المفهومي عند السهروردي أصح من التعريف بحسب الحقيقة ولا صعوبة فيه؛ ~~لأن التعريف بحسب الحقيقة قد ينقدح وجوده في ماهية لا يعلمها صاحب التعريف (الحاد)، كما أنه ~~يجوز الإخلال بذاتي لم يطلع عليه، وعلى العموم تكثر في هذا التعريف الأغاليط الحدية. # 12 # ويفرق السهروردي بين الحد بحسب المفهوم والعناية وبين الرسم؛ لأن الرسم يحصل ~~باللوازم. بينما الحد المفهومي هو مجموعة المحمولات الذاتية التي نطلقها على الشيء بحسب ~~المفهوم، كما يفرق بين التعريف بحسب المفهوم والعناية، والتعريف بحسب الاسم؛ فالتعريف بحسب ~~المفهوم ms122 والعناية هو تصور أمور موجودة بالفعل، أما التعريف بحسب الاسم فهو تصور مفهومات غير ~~معلومة الوجود في الخارج، سواء كانت موجودة أم لا. # 13 # وتفسير هذا أنه لا بد أن يتم التعريف بأمور تختص مجموعها بالشيء دون شيء من أجزائه. تعرف ~~الخفاش مثلا أنه طائر ولود، وكل واحد من هذين الأمرين أعم من الخفاش، ومجموعها يختص به. أو ~~تعرف الإنسان بأنه المنتصب القامة البادي البشرة، العريض الأظفار. وكل من هذه الصفات وإن جاز ~~وجودها في غيره، ولكن المجموع يختص بها دون غيره مما نعرفه بين الماهيات، وما به ليتحصل تميزه. # 14 # وهنا يتضح أن السهروردي قد سبق بعض المناطقة المحدثين، وبخاصة جون استيوارت ~~مل # G. S. Mill # وبرنارد بوزانكيت # B. ~~Bosanquet ~~. # فإذا كان «جون استيوارت مل» قد رفض التعريف الأرسطي، فإنه يرى أن التعريف الصحيح هو تعديد ~~الصفات الخاصة بكل فرد، # 15 # غير أن «مل» قد سخر هذا التعريف لأسباب خاصة تخدم النزعة التجريبية التي يؤمن ~~بها، ولهذا نجد «مل» يدعو إلى تعريف فردي واسمي يفسر الاسم، ويعدد صفات الفرد التي تتبين لنا ~~عن طريق الإحساس، في حين أن التعريف عند السهروردي هو الذي يعدد صفات الفرد التي تتبين لنا ~~عن طريق الإحساس أو طريق المشاهدة والذوق، فإذا وضح التعريف عن طريق الإحساس لا مانع من الأخذ ~~به، لكن إذا وضح عن طريق المشاهدة والإدراك المباشر كان هذا أفضل. # أما بوزانكيت فقد أشار إلى أن التعريف الصحيح هو جمع الصفات، بمعنى إحصاء كل الصفات ~~الذاتية، التي إذا أخذت جملة لم توجد إلا في الشيء المعرف، ولو أنها قد توجد فرادى في أشياء أخرى. # 16 # وهكذا يتضح أن السهروردي رفض نظرية التعريف كما وضعها أرسطو في الأورجانون، وذلك ~~لأنها تستند إلى الماهية وتكوينها في الجنس والفصل، ويكاد يتفق مع المتكلمين والفقهاء في هذا. ~~كما يعد سابقا لبعض المناطقة الأوروبيين في العصر الحديث. والسبب في هذا يرجع إلى أن نظرية ~~التعريف عند أرسطو ذات طابع ميتافيزيقي. هذا الطابع ترفضه كل الدراسات المنطقية ms123 القديمة ~~والحديثة. # كما سبق السهروردي بعض المناطقة الغربيين في العصر الحديث في محاولة وضع تعريف بديل عن ~~التعريف الأرسطي، وإن اختلف كل منهما في أمر هذا التعريف؛ أي إنهم يتفقون في المبدأ ويختلفون ~~في الغاية. # ثالثا: اختصار المقولات الأرسطية # إذا كان السهروردي قد نقد المقولات العشر عند أرسطو، ثم اختصر هذه المقولات في خمس، وهي ~~الجوهر والكم والكيف والنسبة والحركة؛ فالسهروردي قد سبق معظم مناطقة العصر الحديث في نقد ~~المقولات العشر، باعتبار أن أرسطو لم يكن دقيقا أو متتبعا لمنهج معين، # 17 # بمعنى أدق إذا كان السهروردي قد أكد أن التقصير في المقولات كما وضح آنفا، ~~فذلك لأن هذه المقولات - على حد تعبير عالم المنطق الفرنسي «جوبلو» # Goblot ~~- اختلف المناطقة فيها اختلافا شديدا، حيث لم يستقر ~~بعد لقائمة من قوائم هذه المقولات أي قرار، وليس هذا بغريب، فإن العلم الحديث أيضا غير مستقر، ~~ولكن لا يمنع عدم الاستقرار والغموض في تقدم العلم، بل على العكس هو الدافع له. # ويلاحظ «جوبلو» أن الهندسة اكتملت في كثير من ميادينها، مع العلم أنه لا يوجد تعريف غير ~~منقوض حتى الآن للخط المستقيم. # 18 # ومما لا شك فيه أن محاولة السهروردي رد المقولات العشر إلى خمس، تعد تصنيفا جديدا ~~لمبحث المقولات سبق به السهروردي بعض المناطقة المحدثين الذين حاولوا وضع تقسيمات جديدة ~~للمقولات، وأهمهم كانط # Kant ~~؛ فقد أراد كانط أن يتوج المنطق ~~بقائمة للمقولات على غرار ما فعل أرسطو من قبل، غير أن المقولات، وإن كان بعضها مماثلا لمقولات ~~أخرى عن أرسطو، فليس لها دلالة المقولات الأرسططاليسية، بل إن بين الفلسفتين فارقا أساسيا في ~~وجهة النظر، ذلك لأن الانقلاب الذي أحدثه «كانط»، والذي كان استمرارا لتفكير «ديكارت»، قد أحل ~~المثالية الحديثة محل واقعية الفلسفة القديمة. # 19 # ويقسم «كانط» المقولات إلى اثنتي عشرة مقولة: أربع رئيسية وهي: الكم والكيف والإضافة ~~والجهة، وتنطوي كل منها على ثلاث مقولات فرعية؛ فالمقولات الفرعية للكم هي: «الواقعية ~~والسلبية والتحديد»، والمقولات الفرعية للإضافة هي: الجوهر والعلية والمشاركة، أما المقولات ~~الفرعية ms124 للجهة فهي: «الإمكان والوجود والضرورة». # 20 # ولقد كانت قائمة المقولات عن «كانط» نقطة بداية قوائم أخرى، نسبتها إلى قائمة «كانط» هي نفس ~~نسبة أرسطو للقوائم التي وضعها المناطقة العرب إلى قائمة أرسطو؛ فنجد مثلا عالم المنطق الفرنسي ~~«رونفييه» متأثرا ب «كانط»، وفي ضوء المذهب الكانطي يرى أن المقولات هي قوانين المعرفة الأولية ~~والتي لا يمكن ردها إلى غيرها، وهي العلائق التي بها تعين الصورة وينتظم الآن. أما هذه المقولات ~~عنده فهي الوجود، أو العلاقة، العدد والوضع والتتابع والكيفية والتغيير والعلية والغائية والشخصية. # 21 # كما تطلع «هاملتون» # Hamilton ~~(1856-1907) إلى بناء سلسلة ~~للمقولات، وذلك عن طريق العلية الثلاثية التي سار عليها «كانط»، والمركب من القول ونقيضه، ~~ويحصرها في خمسة مواضع: ~~(1) # الإضافة والعدد والزمان. ~~(2) # الزمان والمكان والحركة. ~~(3) # الحركة والكيف والاستحالة. ~~(4) # الاستحالة والنوعية والعلية. ~~(5) # العلية والغائية والشخصية. # 22 # هذه صورة للمقولات في المنطق الحديث، حاولنا تلمسها لكي نثبت أن السهروردي سبق دعاة ~~المنطق الحديث فيما توصلوا إليه بخصوص اختصار المقولات الأرسطية. # رابعا: الاهتمام بالقضايا الشرطية بجانب القضايا الحملية # عرض السهروردي للقضايا الشرطية بعد عرضه للقضايا الحملية على أساس أنها ما يتركب من ~~القضايا الحملية؛ أي القضايا الحملية هي ما يتركب من الحدود، والقضايا الشرطية هي ما يتركب من ~~القضايا الحملية «قد يجعل من القضيتين قضية واحدة، بأن يخرج كل واحدة منهما عن كونها قضية ويربط ~~بينهما؛ فإذا كان الربط بلزوم، يسمى قضية شرطية متصلة، كقولهم: إذا كانت الشمس طالعة كان النهار ~~موجودا، وما قرن به حرف الشرط من جزءيها يسمى المقدم، وما قرن به حرف الجزاء يسمى التالي.» # 23 # وتحديده هذا للقضية الشرطية المتصلة لا يختلف عما هو معروف لدى ابن سينا، وكذلك ~~الأمر فيما يتعلق بالشرطية المنفصلة التي يذكر فيها التحديد والأمثلة ذاتها «إن كان الربط بين ~~الحمليتين بعناد يسمى شرطية منفصلة، كقولنا: إما أن يكون هذا العدد زوجا وإما أن يكون فردا، ~~ويجوز أن يكون أجزاؤها أكثر من اثنين، والحقيقة هي التي لا يمكن اجتماع أجزائها ولا الخلو عن أجزائها.» # 24 ms125 # ولكن السهروردي لا يحاول رد القضايا الشرطية إلى قضايا حملية، وإن كان ذلك ممكنا ~~لبعضها الذي يكون أقرب إلى الحملية منه إلى الشرطية، لوجود أداة الشرط أو الفصل بعد الموضوع. ~~يقول السهروردي: «اعلم أن الشرطيات يصح إلى الحمليات بأن يصرح باللزوم أو العناد، فيقال: ~~طلوع الشمس يلزمه وجود النهار أو يعانده الليل، فكأن الشرطيات محرفة عن الحمليات.» # 25 # ومعنى هذا أن السهروردي لا يوافق على اعتبار القضية الشرطية حملية، وإن كان بعض ~~الشرطيات من الممكن أن يكون في قوة الحمليات، أو أقرب إلى الحملية منه إلى الشرطية، ومن الممكن ~~رده إلى الحملي، ولكن ذلك لا ينبغي وجود الشرطي، وإن تساوى مع الحملي للتلازم الموجود بين ~~القضايا. # ولقد رفض السهروردي اعتبار القضايا الشرطية حملية، لعدم تساويها وإن وجد تساو بينهما، ~~فإنه لا يقضي على ضرورة وجود الشرطيات. # والسهروردي بذلك يكون على اتفاق مع ابن سينا الذي اهتم بالقضايا الشرطية، ورأى ضرورة ~~استغلالها وعدم إمكان ردها إلى الحملية دون إفساد لطبيعتها، وأن الحملية لا يمكن أن تؤدي المعنى ~~الذي تؤديه الشرطية، وإن كان هناك قضايا شرطية ومنفصلة هي ~~أقرب إلى الحملية منها إلى الشرطية، وهي التي تأتي أداة الشرط أو أداة الفصل بعد الموضوع لا ~~قبله، وقد أوضح ابن سينا ما يميز الشرطية والمنفصلة عن الحملية، وإن كان هناك أمور مشتركة بينهما. # 26 # ومن ثم يتضح مدى تأثر السهروردي بابن سينا، وهذا يدل على أن كلا منهما على اتفاق في ~~نقد المنطق الأرسطي الذي أهمل هذا النوع من القضايا والاستدلالات، الأمر الذي يترتب عليه أن ~~القياس الأرسطي ليس هو المنطق الأولي، وأن المنطق الشرطي سابق عليه منطقيا، لأنه منطق قضايا ~~غير محللة، وبالتالي يكون أقل تعقيدا من منطق أرسطو الذي هو منطق للقضايا المحللة إلى موضوع ~~وسور ورابطة منفية أو مثبتة. # إن اهتمام السهروردي وابن سينا بمبحث القضايا الشرطية يجعل كلا منهما على اتفاق مع ~~المنطق الرياضي الحديث الذي يحلل القضية الحملية الكلية فيردها إلى قضية شرطية، ويحلل القضية ~~الحملية الجزئية، ويردها ms126 إلى قضية متصلة أو عطفية، من الممكن أن تحول إلى منفصلة، وحتى إلى شرطية. # 27 # ومن أشهر من قام بذلك «فريجه»؛ حيث حاول وضع رموز تعبر عن جميع القضايا الحملية، بعد ~~تحليلها تحليلا كاملا وصياغتها بلغة الأسوار والدوال، وقد بين أن جميع التعبيرات الدالية ~~ذات الأسوار عن القضايا الحملية من الممكن أن توضع على هيئة قضايا شرطية، أو على هيئة قضايا من ~~الممكن أن ترد إلى الصورة الشرطية. # 28 # خامسا: رد القضايا السالبة إلى قضايا موجبة # إذا كان السهروردي قد رد القضايا السالبة إلى قضايا موجبة، كما أوضحنا سابقا، فهو بهذا ~~قد نظر نظرة تشبه نظرة العالم المنطقي «رونفييه» و«دي مورجان» و«برجسون» في العصور ~~الحديثة. ~~(1) أما رونفييه # فيرى أن القضية السالبة في أية صورة كانت تساوي دائما موجبة، فنحن نستطيع أن نعبر عن ~~القضيتين «لا واحد من الناس بسعيد» أو «بعض الناس غير عادلين»، بالقضيتين «وكل إنسان شقي» أو ~~«بعض الناس ظالمون»؛ فمن هذا يستنتج أن القضية السالبة ترد إلى موجبة، وتتكون بواسطة نفس ~~العناصر، الشيء الوحيد المختلف هو أن المحمول أو الصفة بدلا من أن تكون محدودة لجنس بحد ~~معين، تتحدد بمجموعة شيء آخر غير هذا الحد المعين. # 29 ~~(2) أما دي مورجان # De morgan # فذكر أن السوالب هي فقط أعراض لغوية أو تعبيرات لغوية بسيطة أمكن إذن التعبير عنها في ~~ألفاظ موجبة، شكل اسم سالب يعبر عنه باسم موجب، ولا محل إطلاقا لوجود قضايا. # 30 ~~(3) أما برجسون # Bergson # فقد عرض للأحكام السالبة وقيمها في كتابه «التطور الخالق»، وهو يصور ذلك في تحليل بارع ل ~~«فكرة العدم»؛ فرد الأحكام السالبة إلى أحكام موجبة، وأنكر وجود تصورات سالبة في العقل. يقول: ~~«النفي (السلب) هو إثبات من الدرجة الثانية، وهو يثبت شيئا لإثبات يثبت بدوره شيئا لموضوع.» # 31 # أي أن النفي (السلب) ليس إلا مسلكا يحذوه الذهن تجاه إثبات المحتمل، فعندما ~~أقول: إن هذه المائدة سوداء فإني أتكلم عن المائدة دون شك؛ فلقد رأيتها سوداء وحكمي يعبر عما ~~رأيت، لكن إذا قلت: ms127 «إن هذه المائدة ليست بيضاء»، فمن المؤكد أنني لا أعبر عن شيء قد أدركته، ~~وذلك لأني رأيت سوادا لا غيبة للبياض، إذن لا أصدر هذا الحكم في الواقع على المائدة نفسها، ~~وإنما أصدره من باب أولى على الحكم الذي يصرح بأنها بيضاء، وأنا أصدر حكما على حكم لا على ~~المائدة؛ فالقضية: هذه المائدة ليست بيضاء، تتضمن أنك تستطيع أن تعتقد أنها بيضاء، أو أنك كنت ~~تعتقد أنها بيضاء، أو أني كنت أوشك أن أعتقد أنها كذلك، فأنا أنبهك مقدما أو أنبه نفسي إلى ~~أن هذا الحكم يجب أن تستبدل به حكما آخر، وحقيقة أني أترك هذا الحكم الآخر غير محدود، وهكذا ~~نجد أن الإثبات إذا كان ينصب على الشيء مباشرة، فإن النفي (السلب) لا ينصب على الشيء إلا ~~بطريق غير مباشر؛ أي خلال إثبات يعترض سبيله؛ فالقضية الموجبة تعبر عن حكم على موضوع، أما ~~القضية السالبة فتعبر عن حكم على حكم. # 32 # علاوة على ذلك فإن «برجسون» يرى أن كل حكم سالب يدخل فيه عنصر اجتماعي يتجاوز المنطق ~~والفكر من حيث هما منطق وفكر؛ فالنفي (السلب) إذن ماهية اجتماعية وتربوية، وذلك لأن عملية ~~السلب هي أن يجيب على حكم: إما ملفوظا وإما بالقوة عند شخص آخر، فليس للحكم إذن من حيث هو ~~نفي (سلب) أية قيمة منطقية في ذاته، وهو لا يكون إلا نصف فعل عقلي، بينما يترك النصف الآخر ~~غير معين، فعلى الشخص الآخر الذي يوجه الحكم إليه أن يعين هذا النصف الآخر غير المعين؛ فالحكم ~~السالب إذن لا قيمة له فعلية. # 33 # وينتهي برجسون إلى القول بأنه لا توجد أحكام سالبة أو أفكار سالبة، وليس في العقل لا وجود ~~لغير الموجود، ويستخرج برجسون نتائج ميتافيزيقية من تحليله، وعلى وجه الخصوص النتيجة التي ~~تقول: «إن العدم هو فكرة مزعومة لا وجود لها». # 34 # سادسا: رد القضايا الجزئية إلى قضايا كلية # إذا كان السهروردي قد رد القضايا الجزئية إلى قضايا كلية ، مؤكدا أنه في العلوم لا تطلب ~~البرهنة على القضايا ms128 الجزئية، بل على القضايا الكلية؛ # 35 ~~⋆ # فالسهروردي هنا كان ~~هدفه هو العمل على التخلص من الإهمال والبعضية بالافتراض؛ أي من خلال فرض أن المجموعة الجزئية ~~تشكل فئة مستقلة ذات خصائص مميزة يمكننا أن نطلق عليها حكما كليا يشمل جميع أفرادها، وإذا تم ~~حمل المحمول على كافة عناصر الموضوع تصبح القضية كلية، وبذلك يمكن رد القضية الجزئية إلى قضية ~~كلية، من خلال الحصر الواضح للأفراد التي ينطبق عليها الحكم، وكأنه عودة بالقضية الجزئية إلى ~~نوع من الاستقراء التام الذي نعمل من خلاله على تكوين فئة مستقلة تامة من هذه الجزئيات؛ أي إذا ~~قلنا «بعض الورود حمراء» نستطيع جعلها قضية كلية من خلال الاستقراء الذي يعمل على تحديد الأنواع ~~الحمراء بشكل دقيق، والتي هي «أ، ب، ج، د»، ونستطيع بعد ذلك أن نحمل عليها حكما كليا. # 36 # وما توصل إليه السهروردي يذكرنا ربما - على حد تعبير «بوزانكيت» # Bosanquet ~~- «أن القضية الجزئية قضية غير علمية؛ فهي تعبر عن ~~وصف ناقص، كما أنها تعبر عن إحصاء غير تام». # 37 # علاوة على أن المناطقة الرياضيين يرون أن الانتقال من مقدمة أو مقدمات كلية إلى نتيجة جزئية ~~غير جائز؛ لأن الكلية مجرد فرض لا يتضمن ذلك الوجود الذي تشير إليه القضية الجزئية، كما أن ~~القضايا الكلية لكونها فروضا تكون صادقة دائما، سواء وجد موضوعها أو لم يوجد، في حين أن ~~القضية الجزئية قد تصدق وقد تكذب. # 38 # ويظهر الفرق واضحا بين القضية الجزئية والقضية الكلية عند «برتراند راسل»، الذي يرى أن ~~القضية الجزئية تحوي السور الوجودي، وثابت الربط، ولا تنطوي على صيغة الشرط، بينما القضية ~~الكلية تحوي السور الكلي، وثابت التضمن، الذي ينطوي على شرط، وذلك لتوضيح أن القضايا الجزئية ~~تقرر وجودا واقعيا لموضوعها، ومن ثم ثابت صيغة الشرط، بينما القضية الكلية لا تتضمن تقرير ~~الوجود الواقعي لموضوعها، ومن ثم صيغت في شرط، وبالتالي يمكن لأفراد موضوعاتها وجود واقعي. # 39 # وإذا كان السهروردي قد رد القضايا الجزئية إلى قضايا كلية، فهو لا ينكر القضايا ~~الجزئية، وإنما ms129 يرى أنه ينتفع بها بعض نواحي التناقض والعكس المستوي. ويمكن تلمس هذه الفكرة ~~بطريق غير مباشر لدى عالم المنطق «كينز» # Keynes # الذي يرى أن ~~للقضية الجزئية فائدتين: ~~(1) # فالمقصود بها غالبا أن تكون نفيا لأخرى أولى من أن تكون وصفا لحالة إيجابية، وبذلك ~~تكون الجزئية الموجبة نفيا للكلية السالبة، ولا تكون الجزئية السالبة نفيا للكلية ~~الموجبة. ~~(2) # أحيانا لا تهم معرفة الكل، بل معرفة البعض؛ ففائدة القضية الجزئية: هي التعبير عن ~~حالة لا تهمني منها أن أعرف الكل، بل إثبات وجود شيء فقط، ويلاحظ كذلك أن القضية الكلية ~~المطلقة لا تكاد توجد؛ لأن القضية الكلية تتكون من إحصاء الجزئيات. والجزئيات لا تتناهى، ~~وبهذا يبقى في كل قضية كلية نوع من الشك أو الاحتمال. ومن هنا قيل إن لكل قاعدة شواذ؛ ~~فالقضية الكلية لا تعبر عن حقيقة الوجود، بل هي تعبير مصطنع يستخدم في التفاهم. # 40 # سابعا: عدم اعتبار القضايا الشخصية قضايا كلية # إذا كان السهروردي قد أنكر القضايا الشخصية حين ذكر بأن «الشواخص لا يطلب حالها في ~~العلوم»؛ فذلك لأنه يرفض تماما اعتبار الشواخص قضايا كلية - كما ذهب أرسطو؛ حيث رأى أرسطو ~~وتلامذته أن القضية الشخصية والكلية من صورة منطقية واحدة، والشواهد على ذلك ما ~~يلي: ~~(1) # كان أرسطو يعتبر القضية الشخصية كما لو كانت قضية كلية إذا دخلت مقدمة في ~~قياس. ~~(2) # تنطوي القضية الكلية على تقرير وجودي لأفراد موضوعها؛ أي أن الحد العام يدل على وجود ~~واقعي، كما أن اسم العلم يشير إلى شيء جزئي في الواقع، ذلك لأن أرسطو كان قد وصل إلى ~~صياغة نظريته الواقعية في المعنى، يكون بمقتضاها للكليات والمعاني العامة قوام واقعي، وإن ~~كان واقعا غير محسوس. ~~(3) # موضوع القضية الشخصية مستغرق كموضوع القضية الكلية، ذلك لأننا ننظر إلى «سقراط» في ~~القضية «سقراط فان» مثلا على أنه حد يسند المحمول كله إليه لا إلى جزء منه، واسم العلم ~~لا يجري عليه التجزيء. # 41 # وبالرغم من أن أرسطو وتلاميذه لم يميزوا تمييزا حاسما بين القضية الشخصية والقضية الكلية، ~~فإنا نجد ms130 عند السهروردي نقطا توحي بإدراكه لهذا التميز حين أشار إلى أن الشواخص لا يطلب ~~حالها في العلوم. # والسهروردي بهذا قد سبق المنطق الحديث الذي يرى أن فكرة اعتبار القضايا الشخصية قضايا ~~كلية اعتبار خاطئ، ويعلل بعض الباحثين هذه الاعتبارات للأسباب الآتية: # 42 ~~(1) # موضوع الكلية حد كلي يشير إلى فئة أو مجموعة، أما موضوع الشخصية فحد فردي أو شخصي ~~يشير إلى شيء واحد بعينه، وليس إلى كثرة من الأشياء. ~~(2) # الكلية قضية مسورة أو تقبل التسوير، أما الشخصية فهي غير مسورة ولا تقبل ~~التسوير. ~~(3) # الكلية قضية من الممكن أن تعكس عكسا كاملا، أو بالعرض، بأن يحل موضوعها محل ~~محمولها، ومحمولها محل موضوعها، مع المحافظة على الكيف والصدق وعدم استغراق الحدود التي ~~لم تكن مستغرقة، وبالنسبة للكم فقد حافظ عليه في حالة العكس الكامل ولا تحافظ عليه في ~~حالة العكس بالتحديد (الذي لا يجيزه المنطق الحديث)، أما الشخصية فلا يمكن أن تعكس في ~~جملة أو قضية مقبولة لغويا. ~~(4) # من الممكن أن نحصل من الكلية على نقض العكس المستوي، وعكس النقيض المخالف والموافق ~~والنقض الجزئي (نقض الموضوع) والنقض التام (نقض الموضوع والمحمول)، أما في الشخصية فلا ~~يمكن الحصول على أي نتيجة لاستحالة إجراء هذه العمليات الاستدلالية ابتداء من الشخصية، ~~نظرا لعدم إمكان عكسها. ~~(5) # بين الكلية الموجبة والكلية السالبة يقوم تضاد، فلا تصدقان معا، وقد تكذبان معا، ~~لإمكانية انطباق الحكم على البعض دون البعض الآخر، وبالتالي لا يصح انطباقه على الكل أو ~~عدم انطباقه على الكل، أما بين الشخصية الموجبة والشخصية السالبة فهناك تناف؛ فلا تصدقان ~~معا ولا تكذبان معا، ووجود أي احتمال آخر فحكمه حكم التناقض، وإن كان لا يشترك مع ~~التناقض إلا في اختلاف الكيف؛ لأنه لا ينطوي على اختلاف في الكم. ~~(6) # بين الكليات والجزئيات المتحدة في الكيف هناك تداخل يقبله ضمنا أرسطو، ويقبله صراحة ~~أتباع أرسطو، ابتداء من «الإسكندر الأفروديسي» الذي أدخله ويرفضه المنطق الحديث، أما بين ~~الشخصيات والجزئيات فلا تقوم مثل هذه العلاقة، بل تقوم علاقتان جديدتان، هما: التمثيل ~~الوجودي في ms131 حالة الانتقال من الجزئيات إلى الشخصيات، والتعميم الوجودي في حالة الانتقال ~~من الشخصيات إلى الكليات. ~~(7) # بين الكليات والشخصيات المعتمدة في الكيف تقوم علاقتان جديدتان هما التمثيل الكلي، ~~إذا انتقلنا من الكليات إلى الشخصيات، والتعميم الكلي إذا انتقلنا من الشخصيات إلى ~~الكليات، وبين كليات متحدة في الكيف لا تقوم أي من هاتين العلاقتين. ~~(8) # بين الكليات والجزئيات المخالفة في الكيف تناقض لا يجتمع فيه صدق القضيتين ~~المتناقضتين أو كذبهما، أما بين الشخصيات والجزئيات المخالفة لها في الكيف فلا توجد أي ~~علاقة. ~~(9) # القضية الكلية من الممكن أن تستخدم كمقدمة كبرى في جميع أشكال القياس، أما القضية ~~الشخصية فلا نستطيع أن نستخدمها كمقدمة كبرى في جميع أشكال القياس، باستثناء الشكل الثالث ~~الذي ننتقل فيه من مقدمات شخصية إلى نتيجة جزئية، وقد سمح أرسطو باستخدام الشخصية كمقدمة ~~في قياس بعد أن كان - فيما يبدو - يرفض ذلك. ~~(10) # القياس الذي يحتوي على قضية كلية من الممكن أن تبرز مشروعيته برده إلى الضرب الكامل، ~~أو بأن يشتق منه إذا لزم الأمر، بإجراء عكس مستو كامل، أو بالعرض على هذه القضية الكلية ~~أو الكلية المناظرة لها في الضرب الكامل، أما القياس الذي يحتوي على قضية شخصية، فلا يمكن ~~أن تبرز مشروعيته برد أو باشتقاق، ما دامت الشخصية لا تعكس. # إذن فاعتبار أرسطو للشخصيات على أنها كليات أمر مرفوض، ويجب علينا أن نعتبر الشخصيات قضايا ~~- مستقلة عن الكليات. # 43 # ثامنا: التحلل من عدد أضرب أشكال القياسات الأرسطية # إذا كان السهروردي قد رد كل ضروب أشكال القياس إلى الضرب الأول من الشكل الأول، فهو في ~~هذا لم يقبل الشكلين الثاني والثالث؛ لأن القضية الوحيدة المنتجة عنده هي القضية الكلية الموجبة ~~الضرورية (البتاتة). # وهنا يتضح أن السهروردي قد حاول لأول مرة في تاريخ المنطق العربي التحلل من عدد أضرب ~~أشكال القياسات الأرسطية، وتلك كانت غاية بعض المناطقة الرياضيين في العصر الحديث، الذين حاولوا ~~اختبار أضرب أشكال القياسات الأرسطية في ثلاث طرق: # 44 ~~(1) # الطريقة الجبرية. ~~(2) # الطريقة الهندسية. ~~(3) # الطريقة المنطقية. # ويمكن أن نعرض لهذه ms132 الطرق بإيجاز: ~~(1) الطريقة الجبرية # وتتمثل هذه الطريقة عند «ليبنتز» و«هاملتون» و«جورج بول». أما «ليبنتز» فقد جعل الشكل ~~الأول مكونا من ستة ضروب، وذلك أنه يستبدل بالنتائج ~~الكلية لكل من # celarent ~~، # barbara # جزئيات متوافقة، كما أنه يضع ستة أضرب للشكل ~~الثاني، وذلك بأن يقيم عملية تداخل لنتائج # cesare ~~، # camestres ~~، وأخيرا يضع ستة أشكال للشكل الرابع، وذلك بأن ~~يقيم عملية تداخل لنتيجة # celarent ~~، ولكن كل هذه التقابلات ~~ليست في الحقيقة إلا أقيسة لاحقة # episyllogism ~~؛ أقيسة تتضمن ~~نتيجة القياس السابق، ولا صلة لها إطلاقا بمقدمات القياس الأصلي، لكن «ليبنتز» اعترف مع ذلك ~~بأن الضروب التقليدية هي وحدها المنتجة. وقد اعترف أيضا بأن أشكال المدرسيين الأربعة تتفاوت ~~دقة وشرفا. الشكلان الثاني والثالث أقل درجة من الأول، والشكل الرابع أقل درجة من الثاني ~~والثالث، وكل الضروب ترد إلى مبدأ الذاتية، وتثبت بواسطة قياس الخلف، وذلك بسبب التعارض الذي ~~يوجد بين المقدمة والنتيجة المتناقضة معها ذات الكم والكيف المختلفة، والتي تصل إلى نفس ~~المقدمتين من هذه النتيجة. # 45 # وأما هاملتون فإن رأيه في عدد الأشكال والضروب إنما يتكيف طبقا لنظرية كم المحمول وتصوره ~~العام عن المنطق الصوري. وقد قام هاملتون بتبسيط الأشكال كلها، وذلك أن محل قضية عنده هو ~~مساواة أو رمز على مساواة كمية تحل محل الرابطة المنطقية الكيفية. ليس هناك إذن حد أكبر ولا ~~أصغر ولا أوسط، ولا يوجد شكل قياس. الشكل: هو تغير عرض للصورة القياسية، إذن ليس ثمة مشروعية ~~في رد الشكل الثالث إلى الأول، والشكلان الثاني والثالث صورتان غير متكاملين، استدلالين غير ~~تامين، والأقيسة الوحيدة هي الأشكال الثلاثة الأولى. وأميز مثال للاستدلال هو: # ب = أ. # ج = ب. ~~∴ # ج = أ. # والمبدأ الذي يسيطر على المنطق عنده ويسوده هو مبدأ إحلال المتشابهات؛ الواحدة محل ~~الأخرى، وهذا مبدأ رياضي بحت، وكانت له أهمية في جيفونز # Jevons # الرياضي فيما بعد. # كان هاملتون يميل إلى اعتبار المنطق جبرا أو علامات تحل محل الأفكار، وقد أدت محاولة ~~هاملتون هذه إلى أنه وضع عددا من الضروب أكثر بكثير ms133 من ضروب المنطق المدرسي؛ ففي الأشكال ~~الثلاثة التي قبلها هاملتون، يكون عدد الضروب المنتجة مائة ضرب لكل شكل؛ 12 ضربا موجبا، و35 ~~ضربا سالبا. # 46 # وأما جورج بول فقد أكد أننا نستطيع أن نبرهن بطريقة جبرية على صحة الأضرب القياسية، ~~ونستطيع بها أن نسقط الأضرب غير المنتجة والفاسدة التي تسقطها الطريقتان اللتان اتبعهما ~~المناطقة المشاءون (الطريقة التجريبية والطريقة التقليدية)، ولكنها تسقط بالإضافة إلى ذلك ~~خمسة أضرب ضعيفة، سمح بها مناطقة العصور الوسطى هي # Barbari ~~، # Celaront ~~، # Cesarop ~~، # Camestro ~~، # Camenop ~~، وأربعة ~~أضرب قوية سمح أرسطو باثنين منها وهما # Darapti ~~، # Felapton ~~، وسمح من أدخل الشكل الرابع ومن تابعه بالاثنين ~~الباقيين، وهما # Bramantip ~~، # Fesapo ~~، وذلك لأن هذه الأضرب تنتقل من كليات تعبر عن فروض ~~إلى جزئيات تؤكد الوجود، وعلى ذلك فهي تقبل خمسة عشر ضربا من الأضرب التي تقبلها الطريقة ~~المشائية الأرسطية، وترفض الأضرب الباقية. # 47 ~~(2) الطريقة الهندسية # وتتمثل لدى «جون فن» # G. Venn ~~، وفي هذه الطريقة حاول فن أن ~~يبرهن برسوم هندسية بدون معرفة أي قاعدة من قواعد القياس العامة أو الخاصة بكل شكل من الأشكال ~~الأربعة، وأن هذه الطريقة الهندسية تسقط كما أسقطت الطريقة الجبرية تسعة أضرب صحيحة عند أرسطو ~~وعند أتباعه، منها أربعة قوية وخمسة ضعيفة، ويسقط منها مبدأ المقول على الكل وعلى اللاواحد ~~الذي يقرر أن ما يصدق على الكل أو نفيا يصدق على كل ما يتدرج تحته؛ لأن هذا الكل قد لا يكون ~~له وجود. # 48 ~~(3) الطريقة المنطقية # وهي طريقة حساب القضايا؛ فهي تبرهن على فساد الأضرب الفاسدة؛ لأننا في حالة هذه الأضرب: ~~إما أن نتوقف فلا نجد من القواعد ما يسعفنا، ولكن ليس التوقف دليلا كافيا على فساد القياس ~~أو الاستدلال، فربما يرجع إلى معرفة القواعد، وإما أننا لا نتوقف ونجد من القواعد ما نستخدمه، ~~ونصل به إلى نتيجة تخالف نتيجة القياس، وذلك كما في الأضرب الضعيفة. # 49 # تاسعا: إنكار الشكل الرابع # إذا كان السهروردي يقبل الشكل الأول لأنه أكمل الأشكال وأوضحها، كما يقبل الشكلين ~~الثاني والثالث، وإن ms134 كانا أقل وضوحا من الشكل الأول، إلا أنه ينكر الشكل الرابع، باعتباره ~~القياس الذي لا يتفطن لقياسيته ولذلك حذف. فقد تأثر السهروردي في هذا بابن سينا الذي ينظر ~~إلى الشكل الرابع، وقد صرحه بالفعل فوضع بحثا خاصا للشكل الأول وآخر للشكل الثاني، وثالثا ~~للشكل الثالث، وألغى اعتباره الشكل الرابع نهائيا الذي كان موضع أخذ ورد؛ لأنه بعيد عن الطبع، ~~ولا تكاد تسبق قياسيته إلى الذهن وفي إثبات حجته كلفة مضاعفة كما يقول. # 50 # وهنا يتضح أن إنكار السهروردي للشكل الرابع يرجع إلى اختلاف المناطقة العرب فيه، فمنهم ~~من ينكره ومنهم من يقبله؛ فالمتقدمون ينكرون هذا الشكل باعتباره: ~~(1) # أنه بعيد عن الطبع وينطوي على كلفة ومشقة. # 51 ~~(2) # أن أرسطو هو واضع هذا الشكل، إنما هو من وضع المتأخرين. # 52 # أما المتأخرون فقد تحدثوا عن هذا الشكل ضمن حديثهم عن أشكال القياس، محددين شروطه وضروبه ~~المنتجة، فتحدثوا عن الضروب الخمسة المعروفة في كتب المنطق العامة. # 53 # وأما في المنطق الأوروبي الحديث، فقد لقي الشكل الرابع كثيرا من الهجوم والدفاع؛ حيث يرى ~~«كينز» أنه لا يكاد يظهر في كتب المنطق إطلاقا قبل بداية القرن الثامن، ولا يزال يتنكر له ~~كثيرون من علماء المنطق المحدثين، ومن هؤلاء «باون» # Bowen # الذي ~~يشير إلى أن الشكل الرابع ما هو إلا بمثابة الشكل الأول عكس حد النتيجة؛ أي أننا لا نستدل على ~~النتيجة الحقيقية من الشكل الرابع، بل نستدل بها من الشكل الأول، ثم إذا دعا الحال عمدنا إلى ~~نتيجة هذا الشكل الأول. # ولقد تابع «باون» كثير من المناطقة في إنكار الشكل الرابع؛ فيذكر «جوبلو» بأنه ليس ثمة غير ~~ثلاثة أشكال للقياس الحملي، وذلك لأنه لكي يمكن الحد الأوسط أن يدخل الأكبر في الأصغر أو ~~يستبعده منه، لا بد أن يكون مرتبطا بالواحد وبالآخر، ولا يمكن إلا أن يكون موضوعا للواحد ~~وللآخر مثبتان له أو منفيان عنه، أو محمولا مثبتا أو منفيا عن الواحد أو عن الآخر أو عن ~~كليهما معا ... والحالة الأولى هي حالة الشكل الثالث، ms135 وفي الحالة الثانية إذا كان الحد الأوسط ~~مرتبطا مع الاستغراق، إما بوصفه موضوعا للشكل الأول، أو بوصفه محمولا للشكل الثاني؛ فإنه ~~يمكنه إدخاله في الموضوع أو إبعاده عنه، ولكن يجب من أجل هذا أن يكون مثبتا للأصغر، أما في ~~الشكل الرابع فإن الأصغر هو الذي سيكون للأوسط أو منفيا عنه؛ فإذا كان من الممكن استنتاج شيء ~~من مثل هذه المقدمات، فإن ذلك لا يكون الصغرى والأوسط موضوعها مساوية لقضية الأصغر تستخرج عنها ~~بواسطة العكس المستوي، هذه الأخيرة هي الصغرى حقا. # كما يهاجم جوزيف # Joseph # الشكل الرابع قائلا إن نظرية ~~القياس قد أصابها كثير من الغموض والفساد بإضافة الشكل الرابع؛ لأن في جعله شكلا مستقلا يؤدي ~~إلى أن يكون التمييز بين الحد الأكبر والحد الأصغر قائما على أساس موضعهما في النتيجة، وليس مع ~~طبيعتيهما، ما يجعل الأكبر أكبر والأصغر أصغر. # كما تعرض بعض المناطقة المحدثين لمشكلة وضع هذا الشكل الرابع؛ فبعض المناطقة يرون أن ~~«جالينوس» هو واضع الشكل، والبعض الآخر يرفض ذلك، إلا أن «يان لوكاشفيتش» يثبت في دراسته ~~الدقيقة لنظرية القياس الأرسطية أن جالينوس ليس هو صاحب الشكل الرابع من أشكال القياس، وإنما ~~انتقل هذا الرأي خطأ إلى المناطقة الأوروبيين في العصر الوسيط عن طريق ابن رشد، ويعتبر ~~لوكاشفيتش الآراء التي حاولت تبرير هذا الرأي بأن ثمة اكتشافا أصلا حول الشكل الرابع من أشكال ~~القياس يثبته من خلال حاشية ضمنها «ماكسيمليان» و«أليس» لمؤلف مجهول، وذلك عند تحقيقه للشروح ~~الأرسطية. ومن بين ما تثبته هذه الحاشية أن الشكل الرابع من وضع شخص آخر غير جالينوس، ولكنه إما ~~أنه لم يفهم من نصوص جالينوس، ولم يطلع عليها أصلا، وقد يكون أراد لرأيه حين نسب هذا الشكل إلى ~~جالينوس على اعتبار أنه من كبار المناطقة بعد أرسطو. # 54 # وعلى ذلك ينادي لوكاشفيتش إلى أن الشكل الرابع من أشكال القياس الحملي ليس من وضع ~~جالينوس، ولكنه أيضا ليس من وضع مؤلف مجهول، إذ إن نصوص أرسطو الواردة في التحليلات الأولى ~~تثبت أصلا معرفته بالشكل ms136 الرابع من أشكال القياس، إلا أنه يأخذ على أرسطو قوله «إن كل قياس لا ~~بد أن يكون في واحد من هذه الأشكال الثلاثة»، ذلك لأن أرسطو ذاته كشف عن وجه رابع ممكن حين أخذ ~~يرد بعض ضروب من الشكل الرابع - الذي لم يتحدث عنه كشكل مستقل - إلى ضروب من الشكل الأول. # 55 # وينتهي إلى النتيجة التالية: ~~«ينتج مما تقدم أن أرسطو يعلم ويقبل كل أضرب الشكل الرابع، وينبغي توكيد ذلك في معارضة ~~الرأي الذي ذهب إليه بعض الفلاسفة القائلين إنه رفض هذه الأضرب، وفي رفضها خطأ منطقي لا نستطيع ~~أن ننسبه إلى أرسطو. ولقد كان الخطأ الوحيد يقوم في إهماله هذه الأضرب في قسمته المنهجية ~~للأقيسة، ولسنا نعرف السبب في ذلك الإهمال.» # 56 # | نتائج الدراسة # بعد هذه الجولة من دراستنا للعلاقة بين المنطق والتصوف في تراثنا الفكري «السهروردي ~~المقتول نموذجا»، نود أن نشير إلى أهم النتائج التي توصلنا إليها، وذلك على النحو ~~التالي: ~~(1) # لا شك أن المنطق الإشراقي عند السهروردي قد انطلق من نزعة إنسانية شاملة ترمي إلى ~~إحياء الحكمة العتيقة التي ما زال أئمة فارس والهند ومصر وقدماء اليونان إلى أفلاطون يدورون ~~عليها ويستخرجون منها حكمتهم؛ فحاول السهروردي من خلال حكمة الإشراق أن يجمع كل ~~التيارات الكبرى في الفكر الشرقي واليوناني في نظام متناسق داخل الحضارة العربية، وذلك ~~بالبحث عن منهج شامل يجمع بين الكشف والبحث، وتجلى ذلك في موقفه من المنطق الأرسطي؛ فقد ~~قبله بشكل عام، وعده إحدى رياضيات المتصوفة الإشراقية، ومن ثم حاول أن يطبعه بطابعه ~~الإشراقي، جاعلا من المنطق الأرسطي سلما صاعدا إلى عالم الإشراق؛ فالطريقة البحثية ~~الخالصة مرحلة أولى تؤدي إلى التأمل المباشر في الحقائق المعقولة، وهذه الطريقة البحثية ~~الخالصة، برغم قصورها، إلا أنها طريقة حسنة لمن لم تهبط عليه «سوانح نورانية»، لكن عقلا ~~دون سند يسنده لا يجدر الوثوق به. ~~(2) # لقد كشف لنا المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول أن منهج الصوفية لا يتعارض مع ~~منهج المناطقة؛ فمنهج الصوفية في نظره يقوم على تجاوز ثنائية ms137 الذات والموضوع، لرؤية الوحدة ~~الكامنة خلف هذه الثنائية وخلف التعدد الظاهر من خلال النور الإلهي، ولا يعني ذلك أن ~~الأشياء تتوحد، بل يرى العارف الوحدة كامنة وراء الأشياء جميعا، ولذا رفض اعتبار المنطق ~~والعقل وسائط بين الذاتين الإلهية والإنسانية، وذلك لا يعني أن الصوفية قد أنكروا دور العقل ~~والمنطق في عملية المعرفة، بل الكثير منهم أقر به، ولكن ضمن نطاق عالم الكثرة والتعدد؛ ~~فالمنطق العقلي منطق كثرة وتعدد لا منطق وحدة واتصال، ولذا رأينا السهروردي، ومن بعده ~~عبد الحق بن سبعين، يعرضان في كتبهما للمنطق الأرسطي لبيان قدرته في التوصل للحقيقة، ثم ~~يعقبانه بالنقد عندما يتجاوز قدرته وعالمه؛ فهذه المعرفة لا تخضع في دلالتها ولا في طريقها ~~إلا لاعتبار واحد هو اعتبار التجربة الداخلية. ~~(3) # إن النزعة الإشراقية التي ينطلق منها السهروردي قد صبغت نقده للمنطق الأرسطي ببعد ~~صوفي يتبدى من خلال محاولته دمج المنطق الأرسطي من خلال منظومته الإشراقية، وإعطائه دورا ~~مهما ممهدا لعملية الإشراق. ~~(4) # إن مسيرتنا خلال هذا البحث كشفت لنا عن أن السهروردي لم يبدأ مشائيا، ثم انتهى ~~إشراقيا أو العكس بالعكس، بل إنه سار في الاتجاهين معا منذ ريعان الصبا، ثم راح أحد ~~الاتجاهين يغلب على الآخر في سياق التأليف وهو دون الثلاثين؛ فبرز الاتجاه الإشراقي في ~~الرسائل على حساب الاتجاه المشائي، وبخلاف ما حصل في الكتب الأرسطية حتى توحد معا في «حكمة ~~الإشراق» الذي لا يخلو من منهجية الفلاسفة وطرقهم في معالجة أبواب المنطق والميتافيزيقا، ~~على كون السهروردي لا يباحث فيه إلا أصحابه الإشراقيين. ~~(5) # لقد تميز السهروردي في منطقه الإشراقي بتعدد وتنوع المصادر التي استقى منها فكره؛ ~~فتيارات متعددة وأفكار مختلفة - سواء دينية وفلسفية وصوفية ومذاهب اليونان والفرس القديمة - ~~أسهمت في تكوين مذهبه، وتجلت مهارته في حبك مختلف الاتجاهات والتيارات في نسق متكامل، من ~~خلال محاولته التوفيق بين الاتجاه البحثي العقلي والاتجاه الكشفي الصوفي في منهج واحد يبدأ ~~من العقل ويترقى صاعدا حتى يصل إلى مرحلة الكشف والإشراق. ~~(6) # إن فكرة الإشراق عند السهروردي قامت على أساس ms138 من الاستدلال البحثي العقلي، وهو ما ~~أكده السهروردي نفسه في حكمة الإشراق، حين أعلن أن الأساس الفلسفي لديه يمثل مرحلة أولى ~~ممهدة لمرحلة الإشراق؛ فالإشراق يستند إلى أساس فكري ونظري، وطالبه ينبغي أن يكون قد قطع ~~عقبات العلم والبحث. ~~(7) # إن السهروردي لم يرفض فلسفة أرسطو والاتجاهات الفلسفية العقلية والبحثية، وإنما ~~أبقى عليها على اعتبار أنها مرحلة أولى ممهدة للحكمة الحقيقية، ومقدمة لما يليها، وأداة ~~العلم في هذه الفلسفة، ألا وهو المنطق، إنما يمثل مرحلة نحو عالم الإشراق؛ فمنطق أرسطو صحيح ~~في عالم الكثرة، وأما عالم الوحدة فيحتاج إلى منطق آخر؛ منطق المحقق كما يسميه ابن سبعين، ~~أو المنطق الإشراقي كما يسميه السهروردي؛ حيث صرح بأنه يمثل الآلة الواقية للفكر، والتي ~~تتسم بأنها مضبوطة بضوابط قليلة العدد كثيرة الفوائد، وهي كافية للذكي ولطالب الإشراق، بيد ~~أن قصور المنطق اليوناني عن الوصول إلى المعرفة الحقة، جعل السهروردي يعمد إلى نقده، ~~ومحاولة إصلاحه ليتلاءم مع منحاه الإشراقي. ~~(8) # إن السهروردي نظر إلى منطقه الإشراقي على أنه يمثل ناحيتين؛ الأولى، وهي اعتباره ~~مرحلة ضرورية ممهدة للإشراق، يبدأ من خلاله العقل بالتمرس على المجردات والمعقولات ~~المنطقية، ويترقى شيئا فشيئا من عالم الحس والمادة إلى عالم المعقولات والمجردات؛ حتى ~~يصبح مهيأ لمعاينة الأنوار المجردة وتلقي الإشراق منها. والثانية، لما كان المنطق في ~~طريق الإشراق، وجب تجاوزه للانتقال إلى ما بعده، ولذا كان لا بد من نقده، ومحاولة إصلاحه ~~ليتفق مع رؤية السهروردي الإشراقية. ~~(9) # عندما بدأ السهروردي في القسم الأول من كتاب حكمة الإشراق بالبحث في «أسس الفكر» من ~~حيث المعايير المنطقية، وذلك ليرى إمكانية التوصل إلى الحقيقة من خلال هذه المعايير ~~العقلية، وعندما اكتشف أنها لا تفيد في الوصول إلى الحقائق الثابتة والدائمة التي ينشدها، ~~لجأ إلى نقدها وحاول إصلاحها لتصبح صالحة كمرحلة نحو عالم الموجودات الحقيقية، عالم الأنوار ~~والمجردات، وهو ما عرض له بالفعل في القسم الثاني من الكتاب حين تناول نظرية الأنوار ~~ومراتبها وما يتعلق بها من مباحث كوسمولوجية وطبيعية. ~~(10) # إن محاولة السهروردي لتجاوز الصعوبات ms139 التي وجدها في الحد الأرسطي، وخاصة ما يتعلق ~~منها بالمفاهيم التصورية العقلية، وجد أن المعرفة تقال على ثلاثة أوجه: أولها المعرفة ~~الحسية المباشرة، وثانيها الكشف والعيان، والمعرفة بالمعنى الثالث هي إدراك التصورات ~~العقلية عن طريق التعريف، فهو لم يرفض المنطق بداية، ولم يرفض الطريق العقلي وفكرة الحد ~~بشكل كامل، وإنما عمل على تعديلها لتتفق مع فكره الإشراقي. ~~(11) # إن السهروردي لا يقصي المنطق العقلي بشكل كامل من اتجاهه الإشراقي، وإنما يسعى ~~لتوظيفه واستخدامه، ولكن بعد أن يتم تعديله وإصلاحه ليتفق مع الاتجاه الإشراقي، والذي يعده ~~طريقا أضبط وأنظم وأقل إتعابا؛ فهو يبدأ من المجاهدات والرياضات الصوفية في محاولة للتخلص ~~من علائق المادة؛ فالبداية من الجزئي الواقعي، ولكن بهدف تخطيه وتجاوزه نحو عالم المعقولات ~~والمجردات والأنوار؛ فهو ترق من مرحلة دنيا في ترتيب الموجودات إلى درجة أعلى؛ فالطريقة ~~البحثية تؤدي إلى التأمل المباشر في الحقائق المعقولة، فيصبح بذلك سلما صاعدا نحو عالم ~~الإشراق. ~~(12) # إن السهروردي بعد أن أسس التعريفات على الحس الظاهر والموجودات الجزئية الواقعية، ~~بدأ في القضايا بما يشبه العروج خطوة خطوة نحو المجردات والكليات، وذلك من خلال آلية منطقية ~~عمل من خلالها على رد القضايا الجزئية، والتي تتصف بالوجود الواقعي، إلى قضايا كلية، ~~والقضايا الكلية قضايا ذهنية عقلية مجردة، فنجد أننا ننتقل هنا من الجزئي إلى الكلي؛ أي من ~~المحسوس إلى المجرد، وكذلك الأمر في القضايا السالبة عمل على ردها إلى قضايا موجبة؛ إذ إن ~~المعرفة الإشراقية معرفة إيجابية لا سلبية، والنفس البشرية في عملية المعرفة ليست متلقية ~~سلبية، بل هي ذاتها نور تشرق على الموضوع فتنيره، وأما القضايا الممكنة فيردها إلى الضروري؛ ~~إذ ليست المعرفة الحقيقية بالمعرفة الممكنة المتشكك فيها، وإنما هي معرفة يقينية ضرورية لا ~~شك أو ظن يشوبها. ~~(13) # إن السهروردي، على الرغم من رفضه للقضايا السلبية والجزئية، إلا أنه يذكرها، ولعل ~~ذلك ربما يكون عائدا إلى الدور التعليمي التربوي الذي نشده في المنطق، أو لعله لم يكن قد ~~تحرر بشكل كامل من التأثيرات المشائية في محاولة إصلاح ms140 المنطق، ولا أدل على ذلك من أنا نجده ~~في جميع المباحث المنطقية، ما قبل منها وما رفض، يسير وفق الترتيب المعهود في الكتب ~~المشائية ككتب ابن سينا والساوي وغيرهما دون أن يخرج عن هذا الترتيب المشائي ~~المعهود. ~~(14) # إذا تأملنا ما قام به السهروردي في قسم المنطق في كتابه حكمة الإشراق، نجد أنه يعد ~~المنطق نوعا من الرياضة الصوفية المهيئة لعملية الإشراق من خلال تمرس الذهن والعقل في ~~الأمور المجردة الكلية، وهذا ما ظهر واضحا من خلال الانتقال نحو القضية البتاتة؛ القضية ~~الموجبة الضرورية؛ فالسالك في نظر السهروردي يبدأ بالتعلق بالنور المحسوس، ثم ينتقل إلى ~~إدراك أن النور المعقول أولى باسم النور من المحسوس، ثم ينتقل إلى مشاهدة الأنوار، ويصل إلى ~~قمة هذه الأنوار، وهو الله حقيقة الحقائق. هذا العروج الروحي أو النفسي من عالم المادة ~~والحس نحو عالم المجردات والمعقولات يظهر بوضوح في التغييرات التي قام بها السهروردي ~~على مبحث القضايا؛ إذ حاول التخلص من علائق المادة عن طريق التخلص من القضايا الوجودية ~~المرتبطة بالمادة والحس، والارتفاع نحو المعقولات والمجردات؛ أي القضايا الكلية في ~~المنطق. ~~(15) # إن السهروردي قد قام بقفزة كبيرة أحدثت فجوة لا يمكن تجاوزها بين ما قدمه في ~~التعريفات من عودة إلى الظواهر والمحسوسات، ثم الانتقال المفاجئ في مبحث القضايا من الجزئي ~~إلى الكلي، فلم يحافظ على وحدة الفكرة، كما طرحها في البداية؛ إذ كان الظاهر والحس هو ~~المرجع هناك، وهنا أصبح الكلي والمجرد هو الأساس؛ فالسهروردي لم يتابع ما بدأه في ~~التعريفات من الاستناد إلى الواقع في المعرفة، وإنما كان الواقع لديه درجة أو مقام من ~~مقامات المعرفة، يبدأ العقل بالمعرفة الحسية المباشرة ليترقى منها نحو المعرفة ~~المجردة. ~~(16) # إن ما قدمه السهروردي في باب القياس لم يأت فيه بجديد وإن تغيرت بعض مباحثه نتيجة ~~التغييرات التي قام بها في مبحث القصايا؛ فظهر مبحث القياس لديه كاستمرار آلي لمبحث ~~القضايا، وهو يتعامل مع نتائج آرائه في القضايا بشكل منطقي بحت، ولم يظهر أثر الإشراق في ~~هذا المبحث، إلا ms141 إذا اعتبرت عمليات رد أشكال القياس إلى الشكل الأول هي استمرار لفكرة رد ~~القضايا؛ أي عودة إلى المصدر الأول الذي صدر عنه كل شيء؛ فهدفه من عرض القياس، وما قام به ~~من إصلاحات، بحسب رأيه، تمنح أشكال القياس القدرة على إنتاج قضايا كلية موجبة ضرورية؛ فحتى ~~عن طريق القياس حاول الانتقال نحو الكلي الموجب الضروري، ولو بدأ من جزئي أو سالب أو ممكن ~~أو غير ذلك مما يشوبه النقص في درجة الوجود، ولكنه يملك إمكانية الترقي نحو الكلي الموجب ~~الضروري. ~~(17) # إن السهروردي أراد أن يعيد سبك الحدود والمفاهيم والقضايا بشكل يخدم رؤيته لموقع ~~المنطق من بنائه الفكري، إلا أنه رغم هذا النقد الذي قدمه، ومحاولة الإصلاح التي قام بها، ~~لم يستطع الخروج عن نطاق هذا المنطق، بل بقي أمينا له في معظم مباحثه، وإن كنا قد نجد ~~أثرا للإشراق في مباحث الحد والقضايا، إلا أننا وجدنا أن آراءه في القياس بقيت امتدادا ~~منطقيا لآرائه في القضايا دون خروج عن قواعد القياس، بل سار بالقضايا إلى نتائجها ~~المنطقية في القياس. ~~(18) # إن ما قام به السهروردي قد يكون جزءا من مشروع أكبر لم يكتمل بسبب مقتله وهو في ~~مقتبل عمره، غير أننا لا يمكن أن نحكم على ما كان يمكن أن ينجز، وإنما نقيم ما تم إنجازه ~~فعليا. ~~(19) # لقد كشفت لنا مسيرتنا خلال هذه الدراسة أن السهروردي كان أول صوفي تصدى للفلسفة ~~المشائية في القرن السادس الهجري، وذلك حين أعرب في كتابه حكمة الإشراق عن تبرمه بها، ~~ونزوعه إلى الفلسفة الإشراقية، وهذا يعني أنه كان صوفيا أكثر من كونه فيلسوفا، على أنه ~~يضع الفلسفة والتصوف في علاقة خاصة لا توجد عند غيره، كما أن الفكر الإنساني في نظره غير ~~قادر وحده على امتلاك المعرفة التامة، ولا بد أن يستعين بالتجربة الداخلية والذوق الباطني، ~~كما أن الاختبار الروحي لا يزدهر، ويثمر إلا إذا تأسس على العلم والفلسفة. إن رؤية ~~السهروردي هذه جعلته موسوعي النزعة، لا يقنع بكتاب، ولا يقتصر على شيخ، ولا يتقيد ms142 ~~بفلسفة، وقد جمع بين حكمة الفرس واليونان وكهنة مصر وبراهمة الهند، وآخى بين أفلاطون ~~وزرادشت، وبين فيثاغورس وهرمس. ~~(20) # إذا كان ابن سينا قد ذكر في كتابه منطق المشرقيين أن الحكمة المشائية هي حكمة العوام ، ~~وأنه في سبيله إلى الحديث عن حكمة الخواص. وبالرغم من صدق السهروردي المقتول من أن ابن ~~سينا لم يحصل على منابع هذه، فإن ابن سينا في رسائله وضع لبنة في بناء هذا الأساس، وهي ~~رسائله: «حي بن يقظان» و«رسالة الطير» و«سالمان وأبسال» و«رسالة في العشق». ولم تغب هذه ~~الرسائل عن خواطر متصوفة الفرس، فكتب فريد الدين العطار «منطق الطير»، ونظم عبد الرحمن ~~الجامي «سالمان وأبسال». ~~(21) # إذا كان السهروردي قد انطلق من نزعة كلية شاملة ترمي لإحياء المعرفة الصوفية ~~اللدنية وتكوين تيار فكري إنساني ومنهج موحد يجمع بين العقل والقلب، إلا أنه يختلف عن ابن ~~تيمية الذي انطلق من نزعة عملية واقعية تستند إلى أساس لاهوتي إسلامي يتداخل فيها التناول ~~العقلي مع إرادة الدفاع عن الأصول وحراسة العقائد من خطر المناطقة الذين اتهموه بالزندقة؛ ~~لذا انطلق ابن تيمية من الواقع والمحسوس، ممهدا بذلك السبيل لنقد نظرية الاستدلالات في ~~صورتها البرهانية، طارحا ما يراه أولى بالاتباع. ~~(22) # إن السهروردي في نقده للحدود والقضايا والقياس كان بحاجة إلى إعادة صياغة المقدمات ~~لتصبح مهيأة لينطلق منها نحو الإشراق، فتركز نقده للقضايا، وجاء القياس لديه وكأنه تحصيل ~~حاصل؛ إذ إن التغييرات التي أجريت على القضايا فرضت نفسها على القياس. ~~(23) # إن مسيرتنا خلال هذا البحث كشفت لنا عن حقيقة مهمة، وهي أن السهروردي بقي مجهولا ~~لفترة طويلة في العالم العربي، إلى أن قام الكثير من المستشرقين من أمثال «هنري كوربان» ~~و«لويس ماسينون» و«ماكس هورتن» وغيرهم بنشر وتحقيق الكثير من أعماله، ودراستها بشكل مفصل، ~~وهذا ما ساعد على إلقاء الضوء على السهروردي الذي امتد أثره قرونا طويلة، وخاصة في ~~فارس، غير أن هذه الدراسات كانت غالبا ما تركز على الجانب الإلهي من فكره المتعلق بالإشراق ~~وفكرة النور، فتم بذلك تجاهل الجانب المنطقي من هذا ms143 الفكر، والذي تكمن أهميته في قدرة ~~السهروردي البارعة في توظيف كل ما يقع عليه لخدمة فكره الإشراقي، بما في ذلك المنطق ~~ذاته، وعلى هذا الأساس بنى نقده للمنطق الأرسطي ، محاولا إعطاءه دورا في عملية الكشف ~~والإشراق. ~~(24) # إذا كان السهروردي قد رد المقولات العشر إلى خمس، وهي الجوهر والكمية والكيفية ~~والإضافة والحركة، وعد متى وأين والملك أنواعا من الإضافة، وأن يفعل وأن ينفعل أنواعا ~~من الحركة، وهذه المحاولات من قبل السهروردي، وإن كانت قد سبقت المنطق الأوروبي الحديث ~~في نظرنا، إلا أن عملية الاختصار والرد تلك للمقولات ليست بجديدة؛ فالمتكلمون، واستنادا ~~إلى رؤيتهم المختلفة للوجود، والتي لا تقبل فكرة الهيولى والصورة، أخذوا بفكرة الجزء الذي ~~لا يتجزأ؛ فنتج عن ذلك مفهوم مختلف للمقولات، وإذا كان ابن سينا وغيره من الفلاسفة العرب قد ~~أخذوا بالمقولات العشر، إلا أن أنصار نظرية الجوهر الفرد من المتكلمين أثناء رفضهم للصورة ~~والهيولى الأرسطية، حاولوا أن يكونوا العالم من جواهر فردة، يخلقها الله دون انقطاع، وهي ~~منفصلة دائما، ولا يكون في تلاقيها أي مركب، وبالتالي ليس هناك ثمة خط ولا سطح ولا كم متصل ~~ولا منفصل ولا زمان ولا إضافة، وكل ما هنالك جواهر فردة، متحركة باستمرار؛ فالمقولات في عرف ~~أنصار نظرية الجوهر الفرد ثلاثة لا عشرة، وهي الجوهر وأعراضه التي يجمعها الكيف، والأين ~~الذي يتحرك فيه. ~~(25) # لقد كشفت لنا مسيرتنا خلال هذا البحث أن القضية البتاتة برأي السهروردي تمتلك ثلاث ~~خصائص: القضية الكلية، ثم القضية الموجبة، ثم القضية الضرورية، والهدف من عمليات الرد هذه، ~~كما أعلن السهروردي، أنه في العلوم الحقيقية لا يطلب البرهنة على قضايا جزئية أو ~~سالبة، وإنما العلوم الحقيقية تطلب الكلي البات. # | قائمة المصادر والمراجع # أولا: كتب السهروردي في مجال المنطق ~~(1) # اللمحات في الحقائق، تحقيق د. محمد علي أبو ريان، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ~~1988م. ~~(2) # اللمحات، تحقيق د. إميل المعلوف، دار النهار للنشر، بيروت، 1969م. ~~(3) # هياكل النور، تحقيق د. محمد علي أبو ريان، المكتبة التجارية، القاهرة، 1957م. ~~(4) # هياكل النور، نشر محمد صبري كرد، ms144 مطبعة السعادة، القاهرة، 1335ه. ~~(5) # مجموعة الحكمة الإلهية، الجزء الأول، إستانبول، 1945م، النشريات الإسلامية، جمعية ~~المستشرقين الألمانية، بتصحيح هنري كوربان، ويحتوي على: ~~(أ) # التلويحات اللوحية والعرشية. ~~(ب) # كتاب المقاومات. ~~(ج) # كتاب المشارع والمطارحات. ~~(6) # مجموعة دوم ، مصنفات الإشراق، شهاب الدين بن يحيى السهروردي، الجزء الثاني، باريس - ~~طهران، 1952م، نشر هنري كوربان، ويحتوي على: ~~(أ) # كتاب حكمة الإشراق. ~~(ب) # رسالة في اعتقاد الحكماء. ~~(ج) # قصة الغربة الغربية. ~~(7) # شرح حال السهروردي، للشهرزوري، 3 / 16-17، ضمن مجموعة مصنفات السهروردي، ~~بعناية هنري كوربان، ط طهران، 1373ه. # ثانيا: المصادر والمراجع العربية ~~(1) # ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، نشر وتحقيق نزار رضا، منشورات مكتبة ~~الحياة، بيروت، 1965م. ~~(2) # ابن تيمية: الرد على المنطقيين، نشر وتحقيق سليمان الندوي، المطبعة القيمة، بومباي، ~~1368ه/1949م. ~~(3) # ابن تيمية: نقض المنطق، تحقيق محمد بن عبد الرازق حمزة، سليمان بن عبد الرحمن الضبع، ~~دار المعرفة، دمشق، دون تاريخ طبع. ~~(4) # ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي: النجوم الزاهرة في أخبار ~~ملوك مصر والقاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1355ه/1936م. ~~(5) # ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ~~ذوي السلطان الأكبر، ج1، القاهرة، دون تاريخ طبع. ~~(6) # ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء أهل الزمان، تحقيق إحسان عباس، ج6، دار ~~الثقافة، بيروت، 1397ه/1977م. ~~(7) # ابن سينا: المدخل (الجزء المنطقي من الشفاء)، وزارة المعارف العمومية، القاهرة، ~~1952م. ~~(8) # ابن سينا: المقولات (الجزء المنطقي من الشفاء)، تحقيق الأب قنواتي وآخرين، تقديم د. ~~إبراهيم مدكور، وزارة المعارف العمومية، القاهرة، 1959م. ~~(9) # ابن سينا: القياس (الجزء المنطقي من الشفاء)، تحقيق سعيد زايد، المؤسسة العامة ~~للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، 1964م. ~~(10) # ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، ~~1971م. ~~(11) # ابن سينا: كتاب النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، نقحه وقدم له د. ماجد ~~فخري، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الأولى، 1980م. ~~(12) # ابن سينا: منطق المشرقيين، المكتبة السلفية، القاهرة، 1328 ه/1910م. ~~(13) # ابن رشد: تلخيص كتاب المقولات، تحقيق بويج، بيروت، 1932م. ~~(14) # ابن ms145 عربي: الفتوحات المكية، القاهرة، 1876م. ~~(15) # أبو البركات البغدادي: المعتبر في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، ج1، دار ~~المعارف العثمانية، حيدر آباد، الركن، 1357ه. ~~(16) # أبو العلا عفيفي: التصوف ... الثورة الروحية في الإسلام، دار المعارف، القاهرة، 1963 ~~م. ~~(17) # أبو ريان (محمد علي): أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي، دار ~~المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1987م. ~~(18) # أبو ريان (محمد علي): الإشراقية مدرسة أفلاطونية إسلامية، مناقشة المصدر الإيراني، ~~بحث نشر بالكتاب التذكاري للسهروردي في الذكرى المئوية لوفاته الذي يصدره المجلس ~~الأعلى لأكاديمية البحث العلمي والعلوم الاجتماعية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1980 ~~م. ~~(19) # أبو ريان (محمد علي): تاريخ الفلسفة في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ~~1980م. ~~(20) # أحمد أمين: حي بن يقظان (لابن سينا وابن طفيل والسهروردي)، دار المعارف، القاهرة، ~~1966م. ~~(21) # أحمد (قيس هادي): نظرية العلم عند فرنسيس بيكون، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، ~~1986م. ~~(22) # إقبال (محمد): تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، القاهرة، ~~1955م. ~~(23) # التفتازاني (أبو الوفا): ابن سبعين فلسفته الصوفية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ~~1973م. ~~(24) # التفتازاني (أبو الوفا): مدخل إلى التصوف الإسلامي، دار الثقافة للطباعة والنشر، ~~القاهرة، 1979م. ~~(25) # التفتازاني (أبو الوفا): ابن سبعين وحكمة الإشراق، من الكتاب التذكاري ~~للسهروردي. ~~(26) # التهانوي: محمد الفاروقي، كشاف لاصطلاحات الفنون، طبعة كلتكا، 1892م. ~~(27) # السيوطي (جلال الدين): صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، تحقيق علي سامي ~~النشار، مطبعة الخانجي، القاهرة، 1970م. ~~(28) # الساوي، ابن سهلان: البصائر النصيرية في المنطق، تحقيق محمد عبده، القاهرة، ~~1898م. ~~(29) # السرياقوسي، محمد أحمد مصطفى، المنهج الرياضي بين المنطق والحدس، دار الثقافة للطباعة ~~والنشر، القاهرة، 1982م. ~~(30) # السرياقوسي، محمد أحمد مصطفى: التعريف بالمنطق الصوري، دار الثقافة للطباعة والنشر، ~~القاهرة، 1980م. ~~(31) # السرياقوسي، محمد أحمد مصطفى: التعريف بالمنطق الرياضي، دار نشر الثقافة، الإسكندرية، ~~1978م. ~~(32) # السرياقوسي، محمد أحمد مصطفى: النتائج الجوهرية لعدم دقة أرسطو المنطقية (ضمن بحوث ~~ومقالات في المنطق)، الدار الفنية للنشر والتوزيع، الجزء الأول، القاهرة، 1988م. ~~(33) # السرياقوسي، محمد أحمد مصطفى: العلاقة الجدلية بين القضية الحملية والقضية الشرطية، ~~ضمن بحوث ومقالات في المنطق، الدار الفنية للنشر والتوزيع، الجزء الأول، القاهرة، ms146 ~~1988م. ~~(34) # السرياقوسي، محمد أحمد مصطفى: الطرق المنطقية والجبرية والهندسية لاختبار القياسات ~~الأرسطية، ضمن بحوث ومقالات في المنطق، الجزء الأول، القاهرة، 1988م. ~~(35) # السرياقوسي (محمد أحمد مصطفى) وآخرون: أساليب البحث العلمي، مكتبة الفلا، الكويت، ~~1988م. ~~(36) # أسين بلاثيوس: ابن عربي ... حياته ومذهبه، ترجمه عن الإسبانية د. عبد الرحمن بدوي، ~~مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1965م. ~~(37) # الشهرزوري (شمس الدين محمد بن أحمد): نزهة الأرواح وروضة الأفراح، نسخة مصورة في ~~جامعة القاهرة، تحت رقم 24-37. ~~(38) # الشيرازي (قطب الدين الشيرازي): شرح حكمة الإشراق، نسخة مصورة في جامعة القاهرة، تحت ~~رقم 6144. ~~(39) # الطويل (توفيق): أسس الفلسفة، الطبعة السابعة، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون ~~تاريخ طبع. ~~(40) # الغزالي: المستصفى في علم الأصول، الجزء الأول، طبعة بولاق، القاهرة 1322ه، ~~1324ه. ~~(41) # الغزالي: القسطاس المستقيم، ضمن مجموعة القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي، نشر ~~محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، القاهرة، بدون تاريخ طبع. ~~(42) # الغزالي: المنقذ من الضلال (ضمن مجموعة بعنوان المنقذ من الضلال وكيمياء السعادة ~~والقواعد العشرة والأدب في الدين)، مكتبة الجندي، القاهرة، بدون تاريخ طبع. ~~(43) # غراب (محمود محمود): شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، ~~القاهرة. ~~(44) # الفارابي: إحصاء العلوم، تحقيق عثمان أمين، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ~~1968م. ~~(45) # الفندي (محمد ثابت): أصول المنطق الرياضي وفلسفة الرياضة، دار المعرفة الجامعية، ~~الإسكندرية، 1987م. ~~(46) # د. قاسم غني، تاريخ التصوف في الإسلام، دار النهضة المصرية، القاهرة، 1970م. ~~(47) # الكيالي (سامي): السهروردي، دار المعارف، بيروت، 1955م. ~~(48) # النشار (علي سامي): مناهج البحث عند مفكري الإسلام ونقد المسلمين للمنطق ~~الأرسططاليسي، دار الفكر العربي، 1947م، وكذلك: النشار (علي سامي): مناهج البحث عند مفكري ~~الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، ~~1984م. ~~(49) # النشار (علي سامي): المنطق الصوري منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة، دار المعارف، ~~القاهرة، 1966م. ~~(50) # النشار (علي سامي): فيدون في العالم الإسلامي، ضمن كتاب الأصول الأفلاطونية، ~~الإسكندرية، 1966م. ~~(51) # أليس أمبروزا، موريس لازيروفيش: أوليات المنطق الرمزي، ترجمة عبد الفتاح الديدي، ~~القاهرة، 1983م. ~~(52) # برتراند راسل: تاريخ الفلسفة الغربية، الجزء الأول، ترجمة زكي نجيب محمود، لجنة ~~التأليف ms147 والترجمة والنشر، القاهرة، 1957م. ~~(53) # برتراند راسل: مقدمة في الفلسفة الرياضية، ترجمة محمد موسى أحمد، مؤسسة سجل العرب، ~~القاهرة، 1980م. ~~(54) # برتراند راسل: أصول الرياضيات، الجزء الأول، ترجمة محمد موسى أحمد وأحمد فؤاد ~~الأهواني، دار المعارف، القاهرة، 1958م. ~~(55) # بول موي: المنطق وفلسفة العلوم، ترجمة فؤاد زكريا، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ~~1961م. ~~(56) # جعفر آل ياسين: المنطق السينوي، منشورات دار الآفاق، بيروت، 1983م. ~~(57) # جون ديوي: المنطق نظرية البحث، ترجمة د. زكي نجيب محمود، دار المعارف، القاهرة، ~~1969م. ~~(58) # جولد زيهر: موقف أهل السنة بإزاء علوم الأوائل، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي (دراسة ~~لكبار المستشرقين)، طبع النهضة العربية ، القاهرة، 1946م. ~~(59) # جومس نولجانس: السهروردي ودوره في الميدان الفلسفي، بحث ضمن الكتاب التذكاري، ~~الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1980م. ~~(60) # روبير بلانشي: المنطق وتاريخه منذ أرسطو حتى راسل، ترجمة خليل أحمد خليل، دار ~~المطبوعات الجامعية، الجزائر، الطبعة الأولى، 1400ه/1980م. ~~(61) # شرف (محمد جلال): النزعة الإشراقية بين الفلسفة والدين في الفكر الإسلامي، دار ~~المعارف، القاهرة، 1972م. ~~(62) # شرف (محمد ياسر): حركة التصوف الإسلامي، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ~~1986م. ~~(63) # د. عبد الرحمن بدوي: الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، دار النهضة المصرية، ~~1947م. ~~(64) # د. عبد الرحمن بدوي: المنطق الصوري والرياضي، وكالة المطبوعات، الكويت، 1981م. ~~(65) # د. عبد الرحمن بدوي: شخصيات قلقة في الإسلام، وكالة المطبوعات، الكويت، ط3، ~~1978م. ~~(66) # عبد القادر محمود: فلسفة الصوفية في الإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، ~~1967م. ~~(67) # عثمان أمين: الفلسفة الرواقية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1971م. ~~(68) # عثمان أمين: ديكارت، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1968م. ~~(69) # عثمان يحيى: الصحف اليونانية، أصول غير مباشرة لفكرة الحكيم المتأله عند ~~السهروردي، بحث نشر ضمن الكتاب التذكاري للسهروردي. ~~(70) # عزمي إسلام: أسس المنطق الرمزي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1970م. ~~(71) # عزمي إسلام: بدايات المنطق الحديث عند ليبتنز، بحث نشر ضمن حوليات كلية الآداب، جامعة ~~عين شمس، المجلد الخامس عشر، 1975-1978م. ~~(72) # علي عبد المعطي: ليبتنز فيلسوف الذرة الروحية، تقديم د. محمد علي أبو ريان، دار ~~المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1980م. ~~(73) # علي عبد المعطي: المنطق الرياضي وأسسه ونظرياته، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ~~دون تاريخ ms148 طبع. ~~(74) # علي عبد المعطي: المنطق الصوري، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1982م. ~~(75) # فخري (ماجد): تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمه عن الإنجليزية كمال اليازجي، نشرته ~~الدار المتحدة، بيروت، 1972م. ~~(76) # فخري (ماجد): السهروردي ومآخذه على المشائية العرب، بحث نشر بالكتاب التذكاري ~~للسهروردي. ~~(77) # كوربان (هنري): تاريخ الفلسفة الإسلامية منذ الينابيع الأولى حتى وفاة ابن رشد، ترجمة ~~نصير مروة - حسن قبيسي، منشورات عويدات، بيروت، 1966م. ~~(78) # كوربان (هنري): السهروردي المقتول، مؤسس المذهب الإشراقي، ترجمة د. عبد الرحمن ~~بدوي، ضمن كتاب شخصيات قلقة في الإسلام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1946م. ~~(79) # ماهر عبد القادر: فلسفة العلوم الطبيعية ... المنطق الاستقرائي، دار المعرفة الجامعية، ~~الإسكندرية، 1979م. ~~(80) # ماهر عبد القادر: المنطق الرياضي، التطور المعاصر، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ~~1980م. ~~(81) # محمد مصطفى حلمي: حكيم الإشراق وحياته الروحية، بحث نشر بمجلة كلية الآداب، جامعة ~~القاهرة، المجلد الثاني عشر، الجزء الثاني، عدد ديسمبر 1970م. ~~(82) # محمد مصطفى حلمي: الحياة الروحية في الإسلام، سلسلة دراسات إسلامية، الهيئة المصرية ~~العامة للتأليف والنشر، 1970م. ~~(83) # محمد مصطفى حلمي: آثار السهروردي المقتول «تصنيفاتها وخصائصها الصوفية ~~والفلسفية»، بحث نشر بمجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، المجلد الثاني عشر، الجزء الأول، ~~عدد مايو 1951م. ~~(84) # محمد مصطفى حلمي: السهروردي وحكمة الإشراق، بحث نشر بدائرة المعارف الإسلامية، ~~المجلد الثاني عشر، طبعة دار الشعب، القاهرة. ~~(85) # محمود (زكي نجيب): المنطق الوضعي، الجزء الأول، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة ~~الخامسة، 1973م. ~~(86) # محمود (زكي نجيب): نحو فلسفة علمية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1980م. ~~(87) # مدكور (إبراهيم بيومي): بين السهروردي وابن سينا، بحث نشر بالكتاب ~~التذكاري. ~~(88) # مدكور (إبراهيم بيومي): في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيق، جزءان، دار المعارف، ~~القاهرة، 1983م. ~~(89) # مدكور (إبراهيم بيومي): وحدة الوجود بين ابن عربي واسبينوزا، الكتاب الذهبي لابن ~~عربي، القاهرة، 1969م. ~~(90) # مصطفى عبد الرزاق: فيلسوف العرب والمعلم الثاني، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ~~1364ه/1945م. ~~(91) # د. مصطفى غالب: السهروردي، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ~~1982م. ~~(92) # ناصر محمد يحيى ضميرية: نقد المنطق الأرسطي بين السهروردي وابن تيمية، رسالة ~~ماجستير غير منشورة بكلية الآداب، جامعة دمشق، سوريا، 2005م. ~~(93) # نللينو (كارل ألفونسو): ms149 علم الفلك وتاريخه عند العرب في القرون الوسطى، منشورات ~~الجامعة المصرية، روما، 1911م. ~~(94) # نللينو (كارل ألفونسو): محاولة المسلمين إيجاد فلسفة شرقية، ترجمة د. عبد الرحمن ~~بدوي، ضمن كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دار النهضة المصرية، 1946م. ~~(95) # نجاح موسى أحمد: فكرة الإرادة عند اسبينوزا، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة أسيوط، ~~1984م. ~~(96) # نوال الصراف الصايغ: المرجع في الفكر الفلسفي، نحو فلسفة توازن بين التفكير ~~الميتافيزيقي والتفكير العلمي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1983م. ~~(97) # ياقوت الحموي: معجم الأدباء، المجلد التاسع عشر، دار المأمون بالقاهرة، بدون تاريخ ~~طبع. ~~(98) # نيكلسون، الصوفية في الإسلام، ترجمة نور الدين شرابية، الهيئة العامة للكتاب، ~~القاهرة، 2012م. ~~(99) # نيكلسون: معجم البلدان، الجزء الثالث، دار صادر، بيروت، 1979م. ~~(100) # يان لوكاشفيتش: نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، منشأة ~~المعارف، الإسكندرية، 1961م. ~~(101) # يحيى هويدي: منطق البرهان، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، 1979م. # ثالثا : المصادر والمراجع غير العربية ~~(1) # Alfred Tarski: Introduction to Logic: And to the Methodology of ~~Deductive Sciences, Oxford university press, New York, 1959. # وقد قام بالترجمة إلى العربية عزمي إسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ~~القاهرة. ~~(2) # Bertrand Russell: Mysticism and Logic and Other Essays, Allen & ~~Unwin, Impression, 1932. ~~(3) # B. Bosanquet: The Essentials of Logic, London, ~~1895. ~~(4) # B. Bosanquet: Logic or the morphology of knowledge, Book 1, CH. 1, Ed ~~2, London 1911. ~~(5) # F. H. Bardley: The Principles of logic, London, ~~1876. ~~(6) # R. Carnap: The old and The New logic, in Logical positivism, edited ~~by A. J. Ayer, The free Press of Glencoe, USA, 4th printing, ~~1963. ~~(7) # E. Carruccio: Mathematics and Logic in History and in Contemporary ~~Thought, Faber & Faber, London 1964). ~~(8) # H. Corbin: Opera metaphysica et mystica, Vol. 1, Paris, ~~1949. ~~(9) # R. M. Eaton: General Logic, Scribner's sons, ~~1931. ~~(10) # L. Gardet: Quelques Reflexions sur I’Ishraq de ~~Suhrawardi. # ضمن الكتاب التذكاري للسهروردي. ~~(11) Père Anawati: La notion de wujud dans le Kitab Al-Mashari ~~Wal-Mutarahat de Suhrawardi. # ضمن الكتاب التذكاري للسهروردي. ~~(12) # E. Goblot: Traité de logique, Ed. 4, Paris, ~~1962. ~~(13) # Hilbert, D. and Ackermann, W.: Principles of mathematical logic, ms150 ~~Chelsea Publishing Company, New York, 1950. ~~(14) # Max Horten: Die philosophie des islam, München, ~~1924. ~~(15) # M. Iqbal: The Development of Metaphysics in Persia, London, ~~1908. ~~(16) # Jevons: Elementary Lessons in Logic, London, Macmillon, ~~1918. ~~(17) # Joseph, H. W. B: An introduction to logic, oxford university press, ~~London, 1931. ~~(18) # W. Kneale and M. Kneale: The development of logic, Oxford at the ~~Clarendon Press, London, 1966. ~~(19) # J. M. Keynes: Studies and exercises in formal logic, Macmillan, ~~London, 4th Ed, 1906. ~~(20) # L. Massignon: Recueil de textes inedits concernant l’histoire de ~~mystique en pays d’Islam, Paris, 1929. ~~(21) # J. S. Mill: A system of logic, Harper and Bros, New York ~~1887. ~~(22) # Seyyed Hossein Nasr: Shihab al Din Suhrawardi Al-maqtul in A History ~~of Muslim Philosophy: With short accounts of other Disciplines and the Modern ~~renaissance in muslim lands, edited and introduced by M. M. Sharif, Vol. 1, Wiesbaden, ~~Otto Harrassowitz, 1963. ~~(23) # S. Stebbing: A Modern Introduction to Logic, Methuen & CO. ~~London, 1950. ~~(24) # Robert Adamson, LL. D: A short history of logic, William Blackwood ~~and sons, Edinburgh and London, 1911. ~~(25) # The New Encyclopedia Britannica, article S. Stebbing, 14eme ed, ~~William Benton, Publisher, London, 1943-1973. ms151