######OpenITI# #META# URI: 1450MahmudMuhammadCali.TafkirCilmi.Hindawi64753194 #META# Tags: philosophy #META# ID: 64753194 #META# Title: التفكير العلمي ومستجدات الواقع المعاصر #META# AuthorID: 97916307 #META# Author: محمود محمد علي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # الدراسة الأولى‏ # الدراسة الثانية‏ # الدراسة الثالثة‏ # الدراسة الرابعة‏ # الدراسة الخامسة‏ # المقدمة‏ # الدراسة الأولى‏ # الدراسة الثانية‏ # الدراسة الثالثة‏ # الدراسة الرابعة‏ # الدراسة الخامسة‏ # | التفكير العلمي ومستجدات الواقع المعاصر # | التفكير العلمي ومستجدات الواقع المعاصر # تأليف # محمود محمد علي # | المقدمة # ما زلت أومن، بل ربما أكثر من أي وقت مضى، بأن التفكير العلمي هو كما قال ~~أستاذنا الدكتور فؤاد زكريا ليس هو تفكير العلماء بالضرورة؛ فالعالم يفكر في ~~مشكلة متخصصة، هي في أغلب الأحيان منتمية إلى ميدان لا يستطيع غير المتخصص أن ~~يخوضه، بل قد لا يعرف في بعض الحالات أنه موجود أصلا، وهو يستخدم في تفكيره ~~وفي التعبير عنه لغة متخصصة يستطيع أن يتداولها مع غيره من العلماء، هي لغة ~~اصطلاحات ورموز متعارف عليها بينهم، وإن تكن مختلفة كل الاختلاف عن تلك اللغة ~~التي يستخدمها الناس في حديثهم ومعاملاتهم المألوفة. وتفكير العالم يرتكز على ~~حصيلة ضخمة من المعلومات، بل إنه يفترض مقدما كل ما توصلت إليه البشرية طوال ~~تاريخها الماضي في ذلك الميدان المعين من ميادين العلم. # 1 # أما التفكير العلمي الذي نقصده فلا ينصب على مشكلة متخصصة بعينها، أو حتى ~~على مجموعة المشكلات المحددة التي يعالجها العلماء، ولا يفترض معرفة بلغة ~~علمية أو رموز رياضية خاصة، ولا يقتضي أن يكون ذهن المرء محتشدا بالمعلومات ~~العلمية أو مدربا على البحث المؤدي إلى حل مشكلات العالم الطبيعي أو ~~الإنساني، بل إن ما نود أن نتحدث عنه إنما هو ذلك النوع من التفكير المنظم، ~~الذي يمكن أن نستخدمه في شئون حياتنا اليومية، أو في النشاط الذي نبذله حين ~~نمارس أعمالنا المهنية المعتادة، أو في علاقاتنا مع الناس ومع العالم المحيط ~~بنا. وكل ما يشترط في هذا التفكير هو أن يكون منظما، وأن يبنى على مجموعة من ~~المبادئ التي نطبقها في كل لحظة دون أن نشعر بها شعورا واعيا، مثل مبدأ ~~استحالة تأكيد الشيء ونقيضه في آن واحد، والمبدأ القائل إن لكل حادث سببا ~~وإن من المحال أن يحدث شيء من لا شيء. # 2 # والتفكير ms001 العلمي يعتمد على منهجية أساسها الموضوعية التي تعني تجرد ~~الباحث عن أهوائه وميوله الذاتية وأغراضه الشخصية، والإذعان للحق والحقيقة، ~~وإسلامنا الحنيف يدعو صراحة إلى هذا البعد الأساسي المنهجي، من حيث ينهى عن ~~اتباع الأهواء والميول والظنون التي لا تغني من الحق شيئا، بل إنه ينعى على ~~من يخضع لهذه المؤثرات جميعا، ويتبدى لنا ذلك في قوله تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت ~~تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون ~~أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا ~~(الفرقان: 43، 44)، ويقول سبحانه: # إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~(النجم: 23)، ويقول عز وجل: # وما يتبع ~~أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا ~~(يونس: 36)، فهذه الآيات وغيرها كثير، صريحة الدلالة على ~~دعوة الإسلام إلى ضرورة الالتزام بالحق والتثبت باليقين، والتجرد من الميول ~~والأهواء والنزعات الشخصية سواء في مجال الاعتقاد أو الفكر أو السلوك الفردي. # 3 # وإذ يضع القرآن هذه القواعد والضوابط، فإنه يحث ويؤكد على طلب العلم ~~والمعرفة والسعي الجاد في تحصيلها بكل ما أوتي الإنسان من وسائل وقدرات. ~~ويظهر ذلك في قوله تعالى: # هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ~~يفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(يونس: 50)، وأظهر من ~~ذلك قوله: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون ~~(النحل: 3). والمقصود بأهل الذكر كل متخصص في مجاله ~~أيا ما كان هذا المجال، بل إن أول آية نزلت في القرآن تتضمن أمرا بالتعلم، ~~وهي قوله تعالى: # اقرأ باسم ربك الذي خلق ~~(1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم ~~(3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم ~~يعلم ~~(العلق: 1-4). ويدعو إلى الاستزادة، لا من المال أو الجاه أو ~~إشباع الشهوات والغرائز، وإنما الاستزادة من العلم، في قوله تعالى: # وقل رب زدني علما ~~(طه: 114). # 4 # وعلاوة على ذلك فإن القرآن يصرح بأن العالم أرفع درجة وأعلى منزلة من ~~الجاهل الذي يصفه بالعمى، وهو يثير القضية في استفهام إنكاري له ms002 مغزاه؛ حيث ~~يقول تعالى: # قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون ~~(الزمر: 9)، طبعا لا يستويان. ثم ~~يعلن حقيقة الأمر في قوله تعالى: # يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات ~~(المجادلة: 11). ويظهر الفرق بين العالم والجاهل؛ حيث ~~يقول سبحانه: # أفمن يعلم أنما أنزل ~~إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ~~أولو الألباب ~~(الرعد: 19)، وكذلك في قوله تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ~~(آل ~~عمران: 18)، وفي هذه الآية قرن الله تعالى العلماء به وبملائكته في شهادة ~~التوحيد، فوضعهم في أسمى مكانة إيمانية. # هذا وقد قد بلغت عناية القرآن بالعلم إلى حد أن قرر أن الإنسان المؤمن ~~الحق، الذي يخشى الله حق الخشية، ويقدر جلال الألوهية حق قدرها، إنما هو ~~العالم الحق، وذلك في قوله تعالى: # إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء ~~(فاطر: 28)، وقوله: # وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون ~~(العنكبوت: 43). وإلى جانب ذلك، هناك آيات كثيرة ~~تشير إلى العلماء. وإن الآيات القرآنية، والآيات الكونية التي يمتلئ بها ~~الكون في آفاقه وظواهره، إنما يفهمها أو يطالب العلماء والباحثين بفهمها ~~والعلم بحقائقها ودلالاتها. # موضوعنا إذن هو التفكير العلمي وهو يمثل موضوع الساعة في العالم العربي؛ ~~ولذلك فقد انتقينا بعض القضايا والإشكاليات، والتي تدخل في صميم إطار التفكير ~~العلمي، وتدور الدراسة الأولى حول «الدراسة الأولى: التفكير العلمي عند العرب ~~في ضوء الرؤية الاستشراقية». في حين جاءت الدراسة الثانية بعنوان «التفكير ~~وإشكالية التجارب الحاسمة بين التأييد والتفنيد (دراسة تحليلية-نقدية في ~~فلسفة العلم المعاصرة)». أما الدراسة الثالثة فتدور حول «التفكير العلمي في ~~ضوء إشكالية الفروض المساعدة ومكانتها في ميثودولوجيا برامج الأبحاث عند إمري ~~لاكاتوش». وأما الدراسة الرابعة «التفكير العلمي وإشكالية حروب العلم في ضوء ~~خدعة آلان سوكال». وأخيرا جاءت الدراسة الخامسة بعنوان «التفكير العلمي ~~وميكانيكا الكوانتم في ضوء مبدأ اللايقين عند هيزنبرج». # والله ولي التوفيق. # أ. د. محمود محمد علي محمد # أستاذ ورئيس قسم الفلسفة # كلية الآداب، جامعة أسيوط # | الدراسة الأولى # التفكير العلمي عند العرب ms003 في ضوء الرؤية ~~الاستشراقية # تمهيد # تعد قضية الاستشراق ظاهرة علمية وثقافية غربية ذات تاريخ طويل، يرجع ~~لدى بعض الدارسين إلى ألف سنة؛ فهو من حيث الزمان نتاج امتداد زمني قديم، ~~ثم هو من حيث المكان الجغرافي ذو جذور ممتدة في بلاد غربية كثيرة، بحيث ~~يمكن القول بأن كل الدول الغربية - تقريبا - قد أسهمت فيه، وإن تكن ~~بريطانيا وفرنسا ثم أمريكا وألمانيا في العصر الحديث هي صاحبة الجهد الأكبر ~~فيه، سواء على مستوى المحتوى الحضاري والثقافي للشرق الذي اهتم به ~~المستشرقون، أو على مستوى تنوع الجهود العلمية النظرية والعملية التي بذلها ~~هؤلاء لتحقيق غايات متعددة. على أن قسما كبيرا من هذه الجهود قد انصب ~~لأسباب متنوعة على دراسة الشرق العربي الإسلامي في علومه وديانته وآدابه ~~وفلسفاته. وهو ما يجعلنا مطالبين - أكثر من غيرنا - بدراسة الحركة ~~الاستشراقية وتقويمها، والتركيز على بيان إيجابياتها وسلبياتها حتى نسهم في ~~تنوير وتوعية عقول شبابنا من الباحثين والدارسين، ومعاونتهم في فهم محتوى ~~وتوجهات هذه الحركة، ليفيدوا من إيجابياتها ويكونوا على دراية وإحاطة ~~بسلبياتها؛ ومن ثم يكونوا في مأمن من التأثر بهذه السلبيات علما وثقافة ~~ومنهجا وسلوكا. # 1 # لقد تناول المستشرقون التراث العربي والإسلامي بالكشف والجمع والصون، ~~والتقويم والفهرسة، لكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل تجاوزوه إلى حيث دراسة ~~هذا التراث وتحقيقه ونشره وترجمته والتنظير له والتصنيف فيه، في منشئه ~~ومصادره وتأثره وتطوره وأثره ومقارنته بغيره، مستعينين في ذلك كله بما أنشئوه ~~من المعاهد والمراكز البحثية والمؤسسات العلمية الجامعية والمطابع والمجلات ~~ودوائر المعارف والمؤتمرات، حتى بلغوا فيه منذ مئات السنين، وفي شتى ~~البلدان وبسائر اللغات، مبلغا عظيما من العمق والشمول والطرافة. وأصبح ~~إنتاجهم العلمي يكون أحد الروافد الرئيسية لوعينا القومي، وأحد مصادر ~~المعرفة المباشرة لتراثنا وثقافتنا العلمية والفلسفية والقومية. # 2 # وكان للعلم العربي نصيب وافر من هذه الجهود الاستشراقية على تنوعها ~~سواء فيما يختص بالكشف عن كنوز تراثه وصيانته وطبعه ونشره وترجمته، أو فيما ~~يتعلق بدراسته وتقييمه ونقده ومعالجة قضاياه ومشكلاته والترجمة لأعلامه. ~~ولم تقصر هذه الجهود ms004 على مجال واحد من مجالات العلم العربي، وإنما شملت ~~جميع مجالاته تقريبا؛ الطب، والفلك، والميكانيكا، والرياضيات، والزراعة، ~~والملاحة والبيطرة ... إلخ. ولولا هذه الجهود الاستشراقية - على ما فيها من ~~سلبيات - لظلت معرفتنا بتراثنا العلمي محدودة في أضيق نطاق. # ولهذا السبب حظي الاستشراق والمستشرقون باهتمام كبير من علمائنا ~~ومفكرينا المعاصرين، ولكن اهتماماتهم انصبت إما على تفنيد آراء المستشرقين ~~في تحقيق هذا التراث وفهرسته ونشره، ولكن بحثنا هذا يركز على جانب واحد من ~~آراء المستشرقين في الفكر العربي، وهو «الرؤية الاستشراقية للعلم العربي ~~بين الأصالة والتبعية». # وطريقتنا في هذا البحث نقوم باستعراض بعض الآراء الأساسية للمستشرقين ~~فيما يتصل بظاهرة العلم العربي، ثم نعقب على ذلك بما نستخلصه من المواقف ~~الاستشراقية إزاء العلم العربي. # ونحن بادئ ذي بدء لا ندخل على المستشرقين هنا دخول المنكر المعاند الباحث عن ~~المثالب، وإنما ندخل عليهم دخول الباحث الذي يتوخى الوصول إلى الحقيقة، ~~وهذا سيجعلنا نتعرف على ما للمستشرقين من إيجابيات تذكر لهم وما لهم من ~~سلبيات تسجل عليهم. # والمحاور الأساسية لهذا البحث تدور على النحو التالي: ~~(1) # موقف المستشرقين من إشكالية وجود علم عربي. ~~(2) # تفنيد رأي المستشرقين القائلين بأن العلم العربي مجرد نقل ~~واقتباس عن علوم اليونان. ~~(3) # موقف العلماء العرب المعاصرين من الرؤية الاستشراقية لظاهرة ~~العلم العربي. # وسوف نعالج هذه المحاور بشيء من التفصيل فيما يلي: # أولا: موقف المستشرقين من وجود علم عربي # لا شك في أن التقدم العلمي الذي عرفته الحضارة العربية-الإسلامية في ~~عصر ازدهارها يعد بحق مثلا رائعا من أمثلة التفاعل الخصب بين الحضارات؛ ~~فنقطة البداية في هذا العلم كان ذلك التفتح الفكري الذي ألهم علماء العرب - ~~تحت رعاية الخلفاء المسلمين في العصر العباسي بوجه خاص - أن ينقلوا كل ما ~~أتيح لهم من علوم القدماء وفلسفاتهم في ترجمات أمينة تعد من أروع الأعمال ~~التي تحققت حتى ذلك الحين. # وهكذا عرف العرب والمسلمون علوم اليونان والفرس والهنود، ولم يترددوا ~~في استخدام كل الذخيرة الضخمة من المعلومات العلمية التي كدستها البشرية ~~حتى ذلك الحين من أجل تلبية حاجات ms005 المجتمع الذي كان ينمو ويزداد تعقدا ~~يوما بعد يوم. # ولقد أسهم في هذه الحركة العلمية النشطة علماء من أصل عربي، وآخرون ~~ينتمون إلى مختلف البلاد التي أصبحت تدين بالإسلام، ولكن الجميع كانوا ~~يكتبون ويفكرون بالعربية، وكان الجو الذي يشيع في كتاباتهم إسلاميا ~~بحتا، وكانوا ينظرون إلى أنفسهم مهما بعدت بلادهم في أقصى أطراف آسيا ~~الوسطى أو الأندلس على أنهم ينتمون قلبا وروحا إلى تلك الحضارة التي ~~انبعثت إشعاعاتها الأولى في قلب الجزيرة العربية. # 3 # ولقد خلف لنا العلماء العرب تراثا علميا لا حصر له، فلما أن ظهرت ~~حركة الاستشراق وقويت منذ مطلع القرن التاسع عشر متوجهة بتياراتها ورجالها نحو ~~هذا التراث العربي-الإسلامي، فقد قال المستشرقون ما وجدوا في هذا التراث ~~من ثراء وتنوع، فانكبوا عليه يدرسونه ويحللونه ويشرحونه ويصنفونه ويكشفون ~~غوامضه، ويجلون واضحه وينشرون مخطوطاته. # وإذا كان معظم المستشرقين قد عنوا بنشر تراثنا العلمي العربي وتحقيقه ~~وفهرسته، فلا شك أنهم بهذا قدموا لنا خدمة جليلة؛ حيث قدموا هذا التراث ~~العلمي الخصيب، والذي لولاهم ما كان لنا أن نقف عليه بمثل هذه الصورة، دون ~~ذلك الجهد. يقول أستاذنا المرحوم الدكتور إبراهيم مدكور: «ولولا قيض الله ~~لفلاسفة الإسلام جماعة من المستشرقين وقفوا عليه بعض بحوثهم ودراساتهم ~~لأصبحنا اليوم ونحن لا نعلم من أمرهم شيئا يذكر». # 4 # ولم تقف جهود المستشرقين عند حد الطبع والنشر، بل حاولوا أن يكشفوا ~~معالم الحياة العلمية والعقلية في الإسلام، وأرخوا لها جملة وتفصيلا، ~~فكتبوا عن العلم والعلماء يشرحون الآراء والمذاهب أو يترجمون للأشخاص ~~والمدارس، وقد يقصرون بحثهم على بعض الأشخاص والنظريات والألفاظ والمصطلحات. # 5 # ولقد وصل بهم التخصص درجة أضحى معها كل مستشرق معروفا بالناحية التي ~~تفرغ لها، ومن ذا الذي يذكر مثلا «روسكا» # 6 # ولا يذكر معه الكيمياء العربية، أو «نلينو» # 7 # ولا يذكر معه الفلك، أو «ماكس مايرهوف» # 8 # ولا يذكر معه الطب، أو «فرانز روزنتال». # 9 # ولا يذكر معه مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي؟ # ويطول بنا السرد لو تتبعنا هؤلاء المستشرقين على اختلاف ms006 اختصاصاتهم ~~وتعدد جنسياتهم. ونكتفي بما قرره أحد أساتذتنا المعاصرين: «بأن الربع الأول ~~من القرن العشرين شهد حركة استشراق نشيطة كل النشاط، وكان للدراسات العقلية ~~والعلمية فيها نصيب ملحوظ». # 10 # بيد أن حركة الاستشراق هذه بتياراتها المتلاحقة، قد أفرزت أحكاما تجنت ~~فيها على العرب والمسلمين تجنيا موغلا، وأثمرت تعصبا ليس له مدى، من حيث ~~شاء بعض المستشرقين أن يبخسوا العرب والمسلمين حقهم في السبق والتقدم ~~والابتكار في شتى مجالات العلم العربي، مع أنهم - أي المستشرقين - كانوا أول ~~الناس وأحراهم بالاعتراف بهذا الفضل، وذلك بما صار لهم من صلة وثيقة بهذا ~~التراث فهما وتمثلا واستيعابا في إطار دراساتهم العلمية التحليلية ~~المقارنة. # لكن قليل القليل من رجال الاستشراق كانوا أمناء مع أنفسهم ومع الحقيقة ~~والتاريخ، فقالوا بما أملته عليهم ضمائرهم الحية وروحهم العلمية الموضوعية؛ ~~ومن ثم قرروا لعلماء العرب ما هم جديرون به ويستحقونه من فضل ~~وعرفان. # إننا هنا نود أن نشير إلى موقف المستشرقين من ظاهرة ما يسمى ب «العلم ~~العربي»، وفي هذا نقول: لقد انقسم المستشرقون بإزاء هذه الظاهرة إلى فريقين ~~رئيسين: ~~(أ) أما الفريق الأول # فقد رأى أن ما يسمى بالعلم العربي ما هو إلا مجرد نقل واقتباس عن ~~اليونان والهند وغيرهما من الأمم، فإذا ما عثر على أمر طريف في هذا ~~العلم، فلا بد أن يكون له في العلوم القديمة أصل. # وأصحاب هذا الرأي يمثله كثير من المستشرقين من أمثال: «رينان»، ~~«سيرسل ألقود»، «دي بور»، وغيرهم. # فنجد المستشرق الفرنسي «رينان» يقول: «كثيرا ما يردد القول عن العلم ~~العربي والفلسفة العربية، وفعلا أن العرب كانوا أساتذتنا فيهما طيلة قرن ~~أو قرنين من العصر الوسيط، ولكننا ما لجأنا إلى ذلك، إلا ريثما نحصل على ~~الأصل اليوناني، فهذا العلم العربي، وهذه الفلسفة العربية لم يكونا إلا ~~نقلا حقيرا للعلم والفلسفة اليونانية. ومتى تركزت اليونانية الحقة ~~أصبحت هذه النقول الداهشة عديمة الجدوى، ولأمر ما شن عليها علماء اللغة ~~في عصر النهضة حربا صليبية شعواء ... هذا إلى أننا إذا تمعنا في كل هذه ~~الآثار، ms007 نجد أن العلم العربي لا شيء فيه، وأن صفحة من روجر بيكون لتحوي ~~من التفكير العلمي الحق أضعاف ما في هذا العلم غير الأصيل بأكمله، فهو ~~دون شك حلقة محترمة من حلقات التراث، إلا أنه لا يشتمل على شيء وافر من الطرافة». # 11 # وفي نفس هذا الاتجاه يسير المستشرق الألماني «دي بور»، حيث يقول: ~~«أخذ العرب عناصر فلسفتهم الطبيعية من مؤلفات إقليدس وبطليموس وأبقراط ~~وجالينوس، ومن بعض كتب أرسطو؛ أخذوها إلى جانب هذا من كتب كثيرة ترجع ~~إلى المذهبين الفيثاغوري الجديد والأفلاطوني الجديد ...» وينتهي «دي بور» ~~إلى أن «العلم العربي» غير أصيل في حد ذاته. # 12 # إلا أن هناك مستشرقين آخرين، يرون أن العلم العربي ليس مأخوذا فقط ~~عن اليونان، بل هو من إنتاج الفرس. ومن هؤلاء المستشرق الفرنسي «سيريل ~~ألقود» الذي يقول: «إن ما عرف بالعلم العربي ما هو إلا إنتاج الفرس.» ~~وسيستشهد «ألقود» على ذلك ب «براون» # Brown # في كتابه عن «تاريخ الفرس» الذي يقول فيه: «إذا حذفنا من علوم العرب ما ~~كان من إنتاج الفرس حذفنا منها أجل ما حوت من مادة.» # 13 # صدرت هذه الأحكام القاسية على تراثنا العلمي العربي، والغريب أن ~~هؤلاء المستشرقين، قد اعتمدوا في آرائهم تلك، كما يذكر المستشرق «مارتن ~~بلسنر»، على ما أكده ابن خلدون من أن العرب الخلص ~~لعبوا دورا صغيرا فحسب في التطور الأساسي للعلوم عند المسلمين، وأن ~~معظم الفضل في ذلك ينبغي أن ينسب إلى الفرس والنصارى واليهود. وهذا ما ورد في مقدمة ابن خلدون: الفصل الحادي والعشرون «في ~~أن العرب أبعد الناس عن الصنائع»، وأيضا في قوله: «من الغريب الواقع أن ~~حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم من العجم.» # 14 # كما يتبنى المستشرق الفرنسي (أ. ف. قويتي) آراء ابن خلدون ~~ويجعل منه عبقرية غربية فيقول: «ومما يلوح للأعين من أول ذلك ينبغي أن ~~ينسب إلى الفرس والنصارى واليهود.» ويستشهد على صحة رأيه في نظره ~~بأن ابن خلدون كان له اهتمام كبير بروح النقد؛ أي إن هذا الشرقي كان ms008 يتصور ~~التاريخ تصورا غربيا: «أليس في الإمكان أن نوقن أنه قد بلغت نفحة من ~~نهضتنا الغربية إلى روح ابن خلدون الشرقية؟» # 15 # وإذا كان بعض هؤلاء المستشرقين قد تمكنوا أن يتبنوا رأيا لرجل فكر ~~عربي مسلم مثل «ابن خلدون»، وأن يؤولوا ظاهرة بما يتلاءم مع نزعتهم ~~العنصرية المستهجنة للجنس العربي، فقد أخطئوا خطأ فادحا؛ فابن خلدون ~~ليس مستهجنا للجنس العربي مستخفا بقدرته على الإنتاج العلمي، وما كان ~~يقصده ابن خلدون بلفظ العرب هم طائفة «الأعراب» أهل البدو الرحل، الظعن ~~ل «ارتياد المسارح والمياه لحيواناتهم»، المتقلبون في الأرض، فيقول بالحرف ~~الواحد: «وهؤلاء هم العرب، وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب، ~~والأكراد والتركمان والترك بالمشرق.» # 16 # وإلى هذا المعنى تفطن المستشرق الفرنسي «دي روسلان»؛ إذ درس بدقة معجم ~~المصطلحات التي استخدمها «ابن خلدون»، وضبط مدلولات ألفاظها، فذكر أن ابن ~~خلدون إنما قصد بالبدو والرحل «الأعراب من سكان البادية، الذين يقيمون في الخيام». # 17 # وهذا يعتبر وضعا اجتماعيا ظرفيا فرضته الحياة البدوية في زمن ~~الأزمة، وهذا الوضع لا يفيد أن أفراده بفطرتهم الأولى، قاصرون علما ~~وعملا، بل إن ابن خلدون يصرح بكل وضوح، ردا على من يعتقد ذلك الذي «ظن ~~أن البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته وليس كذلك؛ فإنا نجد في أهل ~~البدو من هو أعلى رتبة في الفهم والكمال في عقله وفطرته». # 18 # كما يرد على من «يظن من رحالة أهل المغرب أن أهل المشرق أشد ~~نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الأولى، وأن نفوسهم الناطقة أكمل بفطرتها من ~~نفوس أهل المغرب، ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية، ~~يتشيعون لذلك، ويولعون به لما يرون من كيسهم في العلوم والصنائع وليس كذلك». # 19 # ومن هنا يتضح لنا أن ابن خلدون كان يحارب الجمود والتخلف، وأنه لا ~~وجود لعرق متفوق ولا لعرق وضيع ف «الكل له مزية، ولا فضل لعربي على أعجمي ~~إلا بالسعي والعمل الصالح.» # 20 ~~(ب) وأما الفريق الثاني # وقد كانوا أكثر إنصافا؛ حيث أقروا بأن هناك علما عربيا، وإن ظل ~~في ms009 إطاره العام يونانيا، فإنه قد أعاد النظر إلى العلم اليوناني من ~~جديد، وبحث فيه بروح تقديمه وفيه قدر لا بأس به من الاستقلال والإبداع ~~والابتكار. وخير من يمثل هذا الفريق من المستشرقين هو المستشرق الإيطالي ~~«ألدو مييلي # Aldo Mieli ~~» في كتابة «العلم ~~عند العرب وأثره في تطوير العلم العالمي»، حيث أكد بأن القسم الأكبر من ~~العلماء العرب كانوا من الوثنيين والمسيحيين واليهود والفرس، وهذا العلم ~~العربي وإن كان قد تأثر إلى حد كبير بالعلم اليوناني والهندي والإيراني، ~~إلا أن فيه جانبا عظيما من الابتكار والإبداع، وفي هذا يقول: «ولكن ~~ينبغي ألا تظن أن العرب لم يضيفوا شيئا جديدا إلى العلم الذي كانوا ~~أوصياء عليه، بل على النقيض من ذلك، وإذا كانت خطوات التنمية والإنضاج ~~التي خطوها في هذا السبيل كثيرا ما ضاعت وتفرقت في الحشد الكبير من ~~الكتب التي تركوها، فليست تلك الخطوات أقل أصالة وأبعد عن الواقع من أجل ~~ذلك. وليس لأحد أن يقول - كما يقرر ذلك بعض المؤلفين - إن دور العرب ينحصر ~~ببساطة في المزج والنقل لمعارف الأقدمين التي لولاهم لذهبت أدراج الرياح؛ ~~الأمر الذي هو في ذاته عنوان فخر عظيم وشرف لا يستهان به.» # 21 # وينتهي ألدو مييلي إلى أن هناك علما عربيا، وإن كانت التسمية ~~بالعلم العربي، مع كونها ليست دقيقة على الإطلاق، هي برغم ذلك أحسن ~~العناوين التي يمكن إطلاقها على العلم الذي ازدهر من القرن الثامن إلى ~~القرن الثالث عشر الميلادي، في البلدان التي سادها الإسلام، والذي ظهر في ~~الآثار العلمية وأنواع الإنتاج العلمي والأدبي. # 22 # ثم يناقش ألدو مييلي قضية أثارها كثير من زملائه المستشرقين حول هل ~~هناك علم عربي أم علم إسلامي؟ # ويرى ألدو مييلي أن التسمية بالعلم الإسلامي غير دقيقة على الإطلاق، ~~وحجته في هذا أن كثيرا من المسيحيين واليهود والزرادشتيين والوثنيين قد ~~قاموا بقسط وافر في إنضاج ذلك العلم. ثم يستطرد فيقول بأنه ليس من ~~العدالة بحال أن نفصل الكتب التي ألفت في نفس المحيط بالسريانية أو ~~الفارسية أو العبرية؛ ms010 فهي جميعا تؤلف وحدة من حيث روحها - ومن حيث ~~التأثير المتبادل بينها بوجه عام - هذا التقسيم الصناعي المحض في كتب ~~الآداب العربية والفارسية والعبرية ... إلخ. # 23 # كما يذكر أن بعض سميه من المستشرقين يريد أن يفهم هذا التقسيم، بمعنى ~~أن مؤلفي تلك التواريخ يعنون بقوالب الكتب التي يدرسونها في اللغات ~~المختلفة أكثر من عنايتهم بالروح والجو الحقيقيين لهذه الكتب. بيد أنه ~~حتى في هذا المجال يجد القارئ الحصيف مثل هذا التقسيم متعنتا وغير طبيعي. # 24 # ويوضح ألدو مييلي هذا بوضوح فيقول: «إننا إذا رغبنا الدقة في استعماله ~~ينبغي أن نقتصر على العلم الذي يتعلق فقط بالشعوب التابعة للدين الإسلامي. ~~وعلى ذلك نستطيع أن نتحدث عن قانون إسلامي؛ لأن هذا يعترف بالقرآن ~~والحديث أساسا له، كما يطبق فقط على المؤمنين الحقيقيين، على حين أن ~~الأشخاص التابعين لعقائد أخرى يخضعون لقوانينهم الخاصة (الدينية بوجه ~~عام)، بل نستطيع أيضا أن نتحدث عن علم إسلامي، ولكن بمعنى يختلف عن ~~المعتاد، حين نفهم من لفظ «علم» ذلك المعنى الواسع المدى له عند العرب، ~~ناظرين إلى العلوم الإسلامية بوجه خاص؛ أي الفقه وعلم الكلام الإسلامي ... ~~إلخ. وعلى نقيض ذلك ينبغي أن يخرج من هذا المعنى تماما ما نسميه اليوم ~~علما بوجه خاص؛ أي الرياضيات والطبيعة وعلم الأحياء ... إلخ.» # 25 # وعن سبب اختياره تسمية «العلم العربي» بدلا من «العلم الإسلامي»، ~~يعطينا ألدو مييلي ثلاثة مبررات على ذلك: # المبرر الأول: # أن القسم الأعظم من الآثار المتعلقة بالعلم العربي مكتوب باللغة ~~العربية؛ فإن الإيرانيين بعد سقوط الدولة الساسانية اتخذوا العربية ~~لغة لهم - دون استثناء تقريبا - في جميع كتاباتهم العلمية والأدبية، ولا ~~نرى كثرة استعمال الفارسية إلا بعد ذلك منذ نشأت اللغة الفارسية ~~الحديثة ونظم الفردوسي شعره العظيم. بيد أن استعمال الفارسية الحديثة ~~ظهر أيضا بادئ ذي بدء في الآثار الشعرية والأدبية الخاصة فحسب. أما ~~الموضوعات الدينية والفلسفية والعلمية فقد احتفظت العربية فيها ~~بسلطانها الكامل على وجه التقريب إلى زمن متأخر جدا، ولم يتخذ ~~الإيرانيون عادة استعمال الفارسية في كتبهم ms011 العلمية إلا نحو نهاية ~~العصر الذي ندرسه. # المبرر الثاني: # كان المسيحيون السريان - مع كثرة استعمالهم اللغة العربية - ~~يستخدمون اللغة السريانية في كتبهم أيضا في جميع الأزمنة، ولكن من ~~الواضح الجلي أننا لا نستطيع أن ننظر في شخص واحد كابن العبري، أو إلى ~~شخصين اثنين، بأن نبحث كتبه العربية في مكان وكتبه السريانية في مكان ~~آخر. # المبرر الثالث: # ومثل ذلك يمكن أن يقال إلى اليهود في استعمالهم العبرية؛ فإن ~~العلماء العظام منهم، مثل إسحاق الإسرائيلي وموسى بن ميمون كتبوا جميع ~~كتبهم تقريبا بالعربية، ولكن كتبهم هذه سرعان ما ترجمت إلى العبرية. ~~وهناك آخرون كتبوا باللغتين على التناوب، وفي نهاية العصر الذي نحن ~~بصدده نلاحظ عند يهود الأندلس غلبة ظاهرة اللغة العبرية، بل نشاهد أيضا ~~عندهم الميل إلى تعريف شعوب غربي أوروبا بالكتب العلمية العظيمة ~~المؤلفة باللغة العربية، وذلك بواسطة ترجماتها العبرية، فمن الجلي أن ~~جميع هذه الكتب التي كتبت بالعبرية يمكن عدها منفصلة عن جملة العلم ~~العربي في دراسة تاريخية جادة. # 26 # ويختم ألدو مييلي كلامه في ذلك فيقول: «ومفهوم أننا نتحدث في هذا ~~الكتاب عن العلم العربي بوجه خاص»؛ أي بالمعنى الذي ذكرناه أخيرا «ولكن ~~تجنبا لكل التباس ينبغي أن نوضح بصراحة أنه في كل موضع نستعمل فيه لفظ ~~«عربي» دون تحديد خاص (مهما كان المعنى المقصود مبهما أو مختلفا فيه) ~~فنحن نفهم من لفظ «عربي» وحده كل ما كان خاضعا للتأثير المباشر أو ~~غير المباشر للمحيط الذي أوجده الفتح الإسلامي، وما حققه الخلفاء في الدول العربية، أو حققته الدول التي بقيت إسلامية بعد استقلالها.» # 27 # من هنا يتضح لنا أن حديث ألدو مييلي عن العلم العربي يعني تلك ~~الجهود التي بذلها الباحثون في العالم الإسلامي في مجال الدراسات ~~العلمية (سواء كانت دراسات طبيعية أو رياضية) وما تمخضت عنه تلك الجهود ~~من أعمال في هذا المجال سواء كانت هذه الأعمال في صورة مؤلفات أو ~~مترجمات أو شروح أو هوامش تدور حول مسائل علمية، والباحثون في العالم ~~الإسلامي هنا هم كل ms012 من ساهم في حقل العلم أيا كانت صورة هذه ~~المساهمة. # وقد ساير كثير من المستشرقين والباحثين ألدو مييلي في تسمية العلم ~~الذي ساد البلدان الإسلامية من القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر ~~الميلادي ب «العلم العربي»، فنجد مثلا «نلينو» يعرف العلم العربي بأنه ~~يطلق على «جميع الأمم والشعوب القاطنة في الممالك الإسلامية والمستخدمة ~~للغة العربية في أكثر تآليفها العلمية». # 28 # ويذكر «مارتن بلسنر» أن المستشرق الألماني «برجشتريسر». # 29 # يعتبر أن اللغة العربية أداة العلم الرئيسية، وقد قامت في المشرق ~~بالدور الذي قامت به اللغة اللاتينية في المغرب. وقد قام بإنجاز مقنع ~~أن اللغة العربية قدمت منذ البداية الأداة الكافية للتعبير العلمي ~~الدقيق. ولم تحتل العربية هذه المكانة الرفيعة بذاتها، ولكن الموقع ~~المركزي للعربية بوصفها لغة الدين الإسلامي والإرادة، هو الذي أدى إلى ~~تطويعها لتلائم المتطلبات العلمية. وهذا النجاح الذي حققته عملية تطويع ~~اللغة العربية، إنما كان إلى حد كبير نتيجة لجهد متعمد مقصود لذاته، ~~والدليل على ذلك أن الأعمال العلمية العربية يمكن أن تفهم جيدا دون ~~الحاجة إلى معرفة عميقة بالشعر القديم أو النثر (أي دون حاجة إلى معرفة ~~تامة عميقة باللغة العربية)، ناهيك عن أعمال النثر الفني التي كتبت في ~~العصور المتأخرة، على الرغم من أن النحو والصرف وقدرا كبيرا من ~~المقررات في اللغة العربية لم يطرأ عليها سوى تغير طفيف منذ أقدم العصور. # 30 # ويحلل الدكتور «جلال موسى» نظرة المستشرقين للعلم العربي فيذكر ~~بأنها نظرة تدخل في تسمية العرب أمما أخرى من المشاركين في لغة كتب ~~العلم وفي كونهم تبعة الدولة الإسلامية، فكان الاصطلاح «عربي» نسبة إلى ~~لغة الكتب لا إلى الأمة التي هي إسلامية، فانتسب إلى اللغة. # ثم يستطرد فيقول: «فإن قيل: استعمال لفظ المسلمين أصح وأصوب من لفظة ~~العرب، وبذلك يكون العلم إسلاميا لا عربيا. قلنا: إن ذلك غير صحيح ~~لسببين: # الأول: # أن لفظ المسلمين يخرج النصارى واليهود والصابئة وغيرهم ممن ~~كان لهم نصيب غير يسير في العلوم والتصانيف العربية. # الثاني: # أن لفظ المسلمين يستلزم البحث ms013 عما صنفه أهل الإسلام بلغات ~~غير العربية. # 31 # ونحن نؤيد هذا الرأي ونوافق عليه؛ لأن العلم العربي هو العلم الذي ~~كتبت مادته باللغة العربية وأسهم في تقديمه أقوام عاشوا في البلاد ~~العربية أو تدين لسلطان العرب (سواء كانوا عربا أو عجما أو مسلمين أو ~~مسيحيين أو يهودا أو صابئة) ارتبطوا بمصير واحد وجمعوا تراثا مشتركا ~~وتذوق جميعهم العربية، حتى قال قائلهم: «لأن أهجى بالعربية أحب إلي ~~من أن أمدح بالفارسية.» # 32 # إنني مع المؤمنين القائلين بأن العلم لا ينتسب لجنس من الأجناس، بل ~~للغة التي بها حرر وبواسطتها نشر. إن العلم العربي نتاج مجتمع ظهر ~~للعيان بعد الفتح الإسلامي كانت له دار الإسلام وطنا مشتركا، ~~والعربية لغة، وامتزجت فيه الثقافات وانصهر على اليونان بحكمة فارس ~~والهند بتعاليم الإسلام، فأنجب أمة وسطا جمعت بين النظر والعمل - بين ~~العلم والتطبيق - فقال قائلهم: «إذا أضاف المرء إلى العلم والعمل، فقد ~~نال الأمل، ورحل إلى زحل، وسما إلى السماء، ولحق بالملأ الأعلى.» # 33 # ومن ناحية أخرى يجب أن نعترف بأن هناك «علما عربيا» له منهجه ~~وموضوعه، واشتهر بآراء ونظريات، وقام على أمره كثير من المتكلمين ~~والفلاسفة والعلماء، ووضعت فيه بحوث ومؤلفات تعد من بين المؤلفات ~~العلمية الهامة في تاريخ العلم قديمه وحديثه، واعتبرت ثروة بشرية أفادت ~~منها ثقافات مختلفة، أخذ هذا العلم وأعطى، وأخذ عن العلم الإغريقي وعن ~~بعض البحوث العلمية في فارس والهند، وأضاف إليها ما أضاف وأضحى علما ~~عربيا خالصا، أعطى الثقافات المعاصرة له من سريانية وعبرية ~~ولاتينية، وهو جدير بأن يجند كثير من المستشرقين حياتهم لدراسة هذا ~~العلم في أصوله ومصادره، في نشأته ومراحل نموه، في مدارسه وكبار رجاله، ~~وأن يتابعوا أثره، وكيف أفاد الغرب منه في دفع عجلة التقدم والتطور ~~الذي هو عليه الآن. # ويكفينا ما قالته المستشرقة الألمانية «زيغريد هونكه»، في مقدمة ~~كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب»: ولهذا صممت على كتابة المؤلف، ~~وأردت أن أكرم العبقرية العربية، وأن أتيح لمواطني فرصة العودة إلى ~~تكريمها، كما أردت أن أقدم ms014 للعرب الشكر على فضلهم الذي حرمهم من سماعه ~~تعصب ديني أعمى أو جهل أحمق.» # 34 # ثم تشيد زيغريد هونكه بفضل العرب في تطوير علم الفلك، وتفسر اهتمام ~~المسلمين بهذا العلم فتقول: «والواقع أنه لا الرومان ولا الهنود هم ~~الذين ساهموا في تطوير علم الفلك، وإنما كان من دواعي فخر العرب أن ~~يفعلوا ذلك وحدهم ... وكان لعلم الفلك عند المسلمين معنى «ديني» ~~عميق؛ فالنجوم ومدارها، والشمس وعظمتها، والقمر وسيره لبرهان ساطع ~~على عظمة الله وقدرته، الخالق الذي جاء باسمه النبي العربي مبشرا بأنه ~~خالق السموات والأرض، وجاعل الظلمات والنور؛ لذلك وكما قال أبو عبد ~~الله محمد بن جابر البتاني، فإن «علم النجوم هو علم يتوجب على كل أمرئ ~~أن يعلمه، كما يجب على المؤمن أن يسلم بأمور الدين وقوانينه؛ لأن علم ~~الفلك يوصل إلى برهان وحدانية الله، وإلى معرفة عظمته الهائلة وحكمته ~~السامية وقوته الكبرى».» # 35 # وفي الكيمياء، تشيد هونكه باكتشافات العرب العلمية في هذا المجال ~~وبمنهجيتهم في البحث، وسبقهم إلى وضع طرق التجربة والمراقبة المنظمة ~~وأثر ذلك في علم الكيمياء الحديث. وفي ذلك تقول: «كان الفكر الإغريقي ~~يهتم بتفسير المعرفة الحسية بواسطة التأمل الفلسفي، فأوجد الكيمياء ~~النظرية والفلسفة الطبيعية. أما العرب فكانوا أول من أوجد طرق المراقبة ~~والتجربة المنظمة في ضوء الشروط التي كان بإمكانهم في كل حين أن ~~يعيدوها وينوعوها ويراقبوها، فخلقوا بذلك علم الكيمياء التجريبي في ~~مفهومه العلمي، وأوصلوه إلى قمة رفيعة أصبحت بموجبها اكتشافات علمي ~~الكيمياء العضوية والكيمياء غير العضوية الحديثين من الضرورات الماسة ~~لإرجاع الكيمياء التجريبية إلى المستوى الذي أوصلها إليه العرب». # 36 # ثانيا: تفنيد رأي المستشرقين القائلين بأن العلم العربي مجرد نقل ~~واقتباس عن علوم اليونان # إذا كان بعض المستشرقين قد رأى أن العالم العربي هو مجرد امتداد للعلم ~~اليوناني، فلم يكتفوا بهذا، بل أكدوا أن ما قام به العرب في مجال العلم كان ~~يدور في ذلك الإطار الذي حدده اليونانيون قبل ذلك بفترة لا تقل عن ألف عام، ~~بل لقد تجاوزت حدود الموضوعية حين ms015 ذهبوا بأن المرحلة الإسلامية من العلم، ~~إنما كانت همزة الوصل بين الحضارة اليونانية والحضارة الأوروبية الحديثة، ~~وأن فضل العرب والمسلمين ينحصر على التراث العلمي اليوناني ونقله بأمانة ~~إلى أوروبا لتبدأ به نهضتها الحديثة. # وأصحاب هذا الرأي هم بعض المستشرقين أمثال رينان ودي بور وجولد وماكس ~~هورتن ومن تابعهم في هذه المقالة، ورغم اختلاف بعضهم عن بعض فيما يسوقه من ~~مبررات تؤيد رأيه، فإنهم جميعا ينكرون أن يكون للعلم العربي شيء من الجدة ~~والأصالة، وأن يكون لعلماء العرب شيء من التجديد والإضافة والابتكار، بل إن ~~بعضهم قد بلغ حدا من التطرف فقال: «إن ما يدعى بالحضارة العربية لا وجود ~~له ألبتة كظاهرة مبررة للعبقرية العربية، فهذه الحضارة إنما أنشأتها شعوب ~~أخرى كانت لهم مدنيات قائمة قبل أن تستبعد قهرا من قبل الإسلام، فاستمرت ~~خصالها القومية في نمو برغم ما صب عليها الفاتح من ألوان الاضطهاد، ولم يسهم ~~العنصر العربي إلا بمقدار هزيل لا يذكر؛ فالكندي مثلا، وقد كان له صيت ~~عظيم في القرون الوسطى ولقب بالفيلسوف، لم يكن سوى يهودي من الشام اعتنق ~~الإسلام. وما كتبه العلماء العرب في مجال الرياضيات والهندسة والطب ~~والفلسفة وغيرها، ليس إلا مجرد نقل واقتباس من أرسطو وشراحه، وكثيرا ما ~~نسب استنباط علم الجبر إليهم، والواقع أنهم لم يكونوا إلا نسخة عملوا على ~~نقل رسائل «ديوفانطس» الإسكندراني الذي كان حيا في القرن الرابع للميلاد، ~~وفي الطب أيضا لا نجد طرافة ولا ابتكارا، ورسائل أبي القاسم (الزهراوي) ~~وابن زهر وابن البيطار - وثلاثتهم من أصل إسباني - نسخ مطابقة بعض المطابقة ~~للأصل؛ أعني لمؤلفات جالينوس وأطباء الإسكندرية، وقد تم نقلها عن طريق السريانية.» # 37 # ويمكن أن نفند رأي هؤلاء المستشرقين فنقول: نحن لا ننكر أن العلم ~~العربي قد تأثر بالعلم اليوناني، وأن معظم العلماء والفلاسفة العرب أخذوا ~~عن أرسطو معظم آرائه، وأنهم أعجبوا بإقليدس وجالينوس وأرشميدس، وتابعوهم في ~~نواح عدة. ولو لم يكرر الكلام لنفد. ومن ذا الذي لم يتتلمذ على من سبقه ~~ويقتفي أثر من تقدموه؟ # إننا نعترف ms016 بأن ظاهرة التأثير والتأثر بين الحضارات المتعاقبة، بحيث ~~تؤثر الحضارة السابقة في الحضارة اللاحقة حقيقة لا شك فيها، إلا أنه يجب أن ~~نميز بأن هذا التأثير تتعدد إبعاده وتختلف مجالاته؛ فتارة يكون التأثير من ~~جانب السابق في اللاحق تأثيرا قويا عميقا، وعلى درجة من الشمول تكاد ~~تذهب باستقلالية المتأثر وهويته العلمية؛ ومن ثم تظهر العلاقة بين الطرفين ~~في صورة علاقة تابع بمتبوع ومقلد بمبدع. وتارة يكون التأثير ضعيفا في ~~درجته محدودا في مجاله بحيث يظل كل من الطرفين، المؤثر والمتأثر، محتفظا ~~بفردانيته واستقلال نظرته وفكره؛ ومن ثم تتوارى معدلات التأثير فلا تكاد تظهر. # 38 # ولا يختفي على أحد أن العلم اليوناني قد تأسس أصلا وأساسا على ما ~~أخذه علماء اليونان من علوم الشرق القديم في مصر وبابل وآشور. ويبدو هذا ~~التأثير واضحا لدى طاليس وفيثاغورس وأفلاطون وجالينوس بصفة خاصة. ولا ~~يستطيع أحد أن يدعي أن هؤلاء اليونان رغم تأثرهم بالعلم الشرقي كانوا مجرد ~~نقلة ومقلدين لما كان لدى الشرقيين القدماء من هذه العلوم. # ثم إننا نتساءل إذا كان العلماء العرب قد استقوا معظم مادتهم العلمية ~~من التراث اليوناني، فهل وقفوا عند حد التأثر؟ أم تجاوزوه إلى حيث قدموا ~~بعض عناصر الابتكار والإضافة والتجديد؟ # للإجابة على هذا السؤال، نقول: إننا نجد مؤشرات علمية واضحة عند ~~العلماء العرب تدل على الأصالة والإبداع والجدة والابتكار، فهناك مؤشرات ~~نجدها عند ابن سيناء وأبي بكر الرازي في مجال الطب، وأبو القاسم الزهراوي ~~وابن زهر وابن النفيس في مجال علم الجراحة، وابن الهيثم في مجال علم ~~المناظر، وجابر بن حيان في مجال علم الكيمياء، وابن يونس في مجال علم ~~الفلك، وابن بيطار في مجال علم الصيدلية، وثابت بن قرة في مجال على ~~التفاضل والتكامل، والخوارزمي في مجال علم الجبر ... وهلم جرا. # إلا أن هذه المؤشرات رغم أصالتها فلم تبلغ الحد الذي بلغته على يد ~~العلماء اليونانيين، بل هي دونها مستوى؛ لأنها تمخضت عن ذا الينبوع ~~فأخرجت منه الجديد الذي لم يكن من قبل، فكان عملها جديدا ms017 بهذه الدلالة؛ ~~لأنه سينتهي فيما بعد إلى أن يكون هذا الجديد مصدرا لبعض نزعات العلم ~~الأوروبي الحديث. وتلك هبة تغافل عنها المستشرقون وانحسرت أفكارهم دونها ~~ناقصة من اعتراف بجميل أو إنصاف لحق. # ونحن لا نتنكر في هذا السبيل لتأثيرات العلم اليوناني في العلم العربي، ~~ولكننا نجد في العلم العربي جوانب جديدة يتميز ابتكارها بالكيف لا بالكم، ~~والإضافة الحقة تمثلت في عمليتين متتاليتين؛ تحليلية من جهة، وتركيبية من ~~جهة أخرى، تعتمد على عناصر قبلية للتجربة الجديدة في الفكر؛ ففي التحليل ~~نتوصل إلى العناصر الأساسية في الموقف أو التجربة، فنقدم شيئا جديدا في ~~الرؤية التي نريد والصورة التي نقصد. وفي التركيب حال أخرى تعتمد على ~~التدرج من البسيط إلى ما هو أكثر، ومن الأحكام النسبية إلى أحكام أشد ~~عموما وأبعد ضرورة. # وقد تختلف هذه التجربة حدة وشدة باختلاف صانعيها، ولكنها في صميم ~~طبيعتها لا تخرج عن صفة الإبداعية # Creative # التي قصدنا، أو بمعنى آخر أن ~~الأصالة؛ أية أصالة تتفق في مدلولها نوعا وتختلف كيفا، بمعنى أن الأصالة ~~هي تحقيق نحو من التجريد في عملية التأثير الفكري، من حيث إنها في صدرها ~~الأخير تجديد جاء على غير مثال. # 39 # ولا ندعي في حديثنا هذا أن العلم العربي جاء على غير مثال؛ ففي ذلك ~~مبالغة لا نريدها له ولا نضيفها إليه؛ لأنها تفتقر في صدقها إلى معايير ~~التحقيق العلمي الدقيق، بل نعني الجانب النقدي لهذا العلم فيما أضافوه أو ~~حذفوه من العلم اليوناني. # إن أحد الأمثلة المهمة للتدليل على بروز الجانب النقدي في العلم هو ~~انتشار ما يمكن أن نطلق عليه حركة الشك أو كتب الشكوك؛ فكثير من علماء ~~العرب نقدوا العلم اليوناني وشككوا بنتائجه بشكل علمي. وكانت هذه خطوة مهمة ~~للانطلاق نحو معرفة جديدة؛ فلقد كان تقديس علوم السابقين هو أحد معوقات ~~التطور العلمي، سواء في الحضارة العربية الإسلامية أم في أوروبا في العصر ~~الوسيط؛ حيث سيطر أرسطو على حركة الفكر والعلم. وكانت مرحلة إزالة التقديس ~~عن المنهج الأرسطي القديم فاتحة لتطوير المعرفة ms018 الجديدة وتقدمها. # 40 # فهذا ثابت بن قرة الحراني يكتب كتابا في إصلاح المقالة الأولى من كتاب ~~أبلوينوس في قطع النسب المحدودة، # 41 # والكندي يكتب كتبا عديدة في هذا المجال مثل رسالة في إصلاح ~~كتب إقليدس، رسالة في إصلاح المقالة الرابعة عشرة والخامسة عشرة في كتاب ~~إقليدس، رسالة في تصحيح قول أبسقلاس في المطالع، # 42 # ويكتب محمد بن زكريا الرازي كتاب الشكوك على جالينوس، كتاب في ~~الشكوك على برقليس. # 43 # وهذا ابن مفلح في الأندلس يكتب كتابا بعنوان «كتاب الهيئة»: إصلاح ~~المجسطي يحاول فيه إصلاح نظام بطليموس، ثم يأتي بعده البتروجي فيكتب كتابا ~~بالعنوان نفسه وبالموضوع عينه، ويكتب ابن الهيثم في كتابه الموسوم «الشكوك ~~على «بطليموس» قائلا: «إن حسن الظن بالعلماء السابقين مغروس في طبائع ~~البشر، وإنه كثيرا ما يقود الباحث إلى الضلال، ويعوق قدراته على كشف ~~مغالطتهم، وانطلاقه إلى معرفة الجديد من الحقائق، وما عصم الله العلماء في ~~شيء من العلوم ولا تفرقت آراؤهم في شيء من حقائق من الأمور.» فطالب الحق ~~عند ابن الهيثم ليس من يستقي حقائقه من المتقدمين، ويسترسل مع طبعه في حسن ~~الظن بتراثهم، بل عليه أن يشك في إعجابه بهم، ويتوقف عن الأخذ عنهم، ~~مستندا إلى الحجة والبرهان، وليس معتمدا على إنسان تتسم طبيعته بالخلل ~~والنقصان، وعليه أن يخاصم من يقرأ لهم، ويمعن النظر فيما قالوه، حتى تتكشف ~~له أخطاؤهم، ويتوصل إلى حقائق الأمور. # ومن دلالات هذا عند «ابن الهيثم» أنه يقول عن «بطليموس» إنه «الرجل ~~المشهور بالفضيلة، والمتقن في المعاني الرياضية، المشار إليه في العلوم ~~الحقيقية»، وإنه وجد في كتبه «علوما كثيرة ومعاني غريزة، كثيرة الفوائد ~~عظيمة المنافع» ومع ذلك فإن «ابن الهيثم» حين وقف منها موقف من يخاصم ~~صاحبها مع إنصاف الحق منه، وجد فيها مواضع متشابهة، وألفاظا، ومعاني ~~متناقضة». # ويمضي قائلا: «فرأينا في الإمساك عليه هضما للحق وتعديا عليه، وظلما ~~لمن ينظر بعدنا في كتبه في سترنا ذلك عنه، ووجدنا أولى الأمور ذكر هذه ~~المواضع، وإظهارها لمن يجتهد من بعد ذلك في ms019 سد خللها، وتصحيح معانيها، بكل ~~وجه يمكن أن يؤدي إلى حقائقها.» # 44 # أما العالم عبد اللطيف البغدادي (ت629ه) فإنه يؤكد على أن عظمة جالينوس ~~وتمكنه من الطب لا يعنيان علينا تكذيب حواسنا وعقولنا عندما تتناقض مع ما ~~يقوله جالينوس؛ ولذلك فإن علينا ألا نسلم بما يقوله الأقدمون تسليما أعمى ~~مهما بلغ هؤلاء من رجاجة العقل ومن تمكن؛ فإن جالينوس «وإن كان في الدرجة ~~العليا من التحفيظ فيما يباشره ويحكيه إلا أن الحس أصدق منه». # ويسوق البغدادي مثالا أثبتت فيه مشاهدته كذب جالينوس في مسألة «عظم ~~الفك الأسفل» فيقول: «... إن الكل قد أطبقوا (أجمعوا) على أنه (عظم الفك ~~الأسفل) عظمان بمفصل وثيق عند الحنك. وقولنا الكل نعني به هنا جالينوس وحده ~~(وشراحه)؛ فإنه هو من باشر التشريح بنفسه، وجعله دأبه ونصب عينيه، وصنف فيه ~~عدة كتب معظمها موجود لدينا، والباقي لم يخرج إلى لسان العرب. والذي ~~شاهدناه، من هذا العضو أنه عظم واحد، ليس فيه مفصل ولا درز أصلا، ~~واعتبرناه (فحصناه) ما شاء الله من المرات في أشخاص كثيرة تزيد على ألفي ~~جمجمة بأصناف من الاعتبارات، فلم نجده إلا عظما واحدا من كل وجه، ثم إننا ~~استعنا بجماعة متفرقة اعتبروه (فحصوه) بحضرتنا، فلم يزيدوا على ما شاهدناه ~~منه وحكيناه، وكذلك في أشياء أخرى غير هذه. ولئن مكنتنا المقادير بالمساعدة ~~وضعناه مقالة في ذلك نحكي بها ما شاهدناه وما علمناه من كتب جالينوس، ثم ~~إني اعتبرت العظم أيضا بمقابر بوصير القديمة (في مصر) فوجدته على ما حكيت، ~~ليس فيه مفصل ولا درز، ومن شأن الدروز الخفيفة والمفاصل الوثيقة إذا تقادم ~~الزمان أن تظهر وتتفرق. وهذا الفك الأسفل لا يوجد في جميع أحواله إلا قطعة واحدة.» # 45 # أما «البيروني» والذي يسميه المستشرقون العرب، فهو الآخر يشكك في معارف ~~السابقين، ومن قوله في مقدمة «القانون المسعودي»: «ولم أسلك فيه مسلك من تقدمني من ~~أفاضل المجتهدين ... وإنما فعلت ما هو واجب على كل إنسان أن يعمله في صناعته ~~من تقبل اجتهاد من تقدم بالمنة، وتصحيح ms020 خلل إن عثر عليه بلا حشمة، وخاصة ~~فيما يمتنع إدراك صميم الحقيقة فيه من مقادير الحركات، وتخليد ما يلوح له ~~فيها تذكرة لمن تأخر عنه بالزمان وأتى بعده، وقرنت بكل عمل في كل باب من ~~علله، وذكرت ما توليت من عمله، ما يبعد به المتأمل عن تفكيري فيه، ويفتح له ~~باب الاستصواب لما أصبحت فيه، أو الإصلاح لما زللت عنه أو سهوت في ~~حسابه.» # وهكذا أبان البيروني في هذا النص أنه لم يقلد أحدا من سابقيه، وأنه ~~صحح ما وقع فيه أسلافه من أخطاء، ودعا قراءه إلى مناقشة ما أورد، وتصحيح ما ~~يحتمل أن يكون قد أخطأ فيه. # 46 # ويكتب ابن البيطار، أشهر صيادلة مصر، مؤكدا ضرورة تغليب منهج البحث ~~العلمي والحسي على أخبار القدماء ونظرياتهم، فيقول في كتابه «الجامع لمفردات ~~الأدوية والأغذية»: «فما صح عندي بالمشاهدة والنظر، وثبت عندي بالخبر لا ~~بالخبر ادخرته كنزا سريا، وعددت نفسي عن الاستعانة بغيري فيه - سوى الله - ~~غنيا، وما كان مخالفا ... نبذته ظهريا، وهجرته مليا، وقلت لناقله أو ~~قائله لقد جئت شيئا فريا ...» # 47 # وهكذا، فإن العلماء العرب لم يكونوا مجرد شارحين ناقلين مكررين لعلوم ~~اليونان، بل إنهم ترجموا هذه الكتب ودرسوها وتمثلوا ونقدوا نتائجها وأصلحوا ~~ما يمكن إصلاحه، وأقاموا معرفة جديدة بما يتفق مع إمكانيتهم وحاجتهم ومستوى ~~التطور الاقتصادي والاجتماعي لعصرهم الذي عاشوا فيه. # ولقد عبر المستشرق «جون برنال» # Ghon ~~Bernal # عن هذه الحقيقة بالقول: «إن العلم الإسلامي لم ~~ينقل العلم الإغريقي نقلا حرفيا، بل أعاده إلى الحياة من جديد بعد هضمه ~~ومزجه بالثقافة الإسلامية؛ أي إنه مر بنفس العملية التي مر بها تراث الشرق ~~القديم عندما هضمه وتمثله الفلاسفة اليونانيون الأوائل.» # 48 # وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة نود فيها تفنيد بعض آراء المستشرقين في ~~مسألة انعدام الجانب الحسي التجريبي في العلم العربي، فهذا هو المستشرق ~~الألماني «فرانز روزنتال» يذكر بأن هناك مستشرقين عللوا تأخر البحث العلمي ~~عند المسلمين نتيجة انعدام الجانب الحسي التجريبي، وفي هذا يقول: «إن المرء ~~لا يتمالك أن ms021 يرى التناقض الظاهر في الآراء السالفة التي استشهدنا بها. ~~وليس من العسير أيضا أن نجد باحثا يأخذ بوجهات نظر معاكسة تماما لتلك، ~~فيبرهن لك بيسر أن أروع إبداع قام به الباحثون المسلمون كان في حقل التفكير ~~النظري، وأن الباحث المسلم لم يأبه بالملاحظة والتجربة، بل اعتبرهما أمورا ~~ثانوية، وأنهما أحيانا تفقدان فقدانا يثير العجب. كذلك يستطيع المرء أن ~~يدلل لك أن الباحث المسلم لم يكن رجلا نفعيا ماديا، بل كان كثيرا ما ~~يمعن في المغامرات الفكرية دون أن يكون في ذهنه غاية معينة يسعى إليها، أو ~~رغبة في نفع أو كسب.» # 49 # وأعتقد أن هؤلاء المستشرقين الذين ذكرهم «روزنتال» لهم بعض العذر في ~~زعمهم بأن علماء العرب لم يأبهوا بالملاحظة والتجربة في أبحاثهم العلمية، ~~خاصة وأنهم يؤمنون بوجود تقارب بين العلم العربي وتراث اليونانيين؛ إذ إن ~~الأسماء اليونانية، مثل أرسطو وأبقراط وجالينوس، كانت تتردد في المؤلفات ~~العلمية العربية، كما أن الإطار الفكري لهذه المؤلفات كان يحتفظ بقدر غير ~~قليل من مفهوم العلم عند اليونانيين؛ إذ نجد عند فلاسفة العرب نظرة ~~متدرجة إلى العلوم، تعلي من قدر العلم النظري البحت، وتقلل من شأن العلم ~~التطبيقي، وتجعل مكانة أي علم مرتبطة بمكانة الموضوع الذي يبحث فيه. ولكن ~~كتابات الفلاسفة كانت تسير في طريق وممارسة العلماء كانت تسير في طريق آخر ~~مختلف كل الاختلاف؛ إذ إن الاهتمام بالعلم التجريبي وباستخدام البحث العلمي ~~من أجل فهم قوانين الطبيعة المحيطة بنا، كان هو الهدف الرئيسي من أعمال ~~علماء مشهورين مثل جابر بن حيان في الكيمياء، والحسن بن الهيثم في البصريات ~~(علم الضوء)، والبيروني في الفلك والرياضيات، والرازي وابن سيناء وابن النفيس في الطب. # 50 # والشواهد على ذلك كثيرة، نقتطف منها ما يلي: # كان «جابر بن حيان» (ت198ه/813م) الذي قيل إنه يحتل من علماء ~~الكيمياء مكان أرسطو من علم المنطق، يقول في المقالة الأولى من كتاب الخواص ~~الكبير: «ويجب أن نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط - دون ما سمعناه أو ~~قيل لنا وقرأناه - بعد ms022 أن امتحناه وجربناه، فما صح عندنا بالملاحظة الحسية ~~أوردناه، وما بطل رفضناه، وما استخرجناه نحن أيضا قايسناه على أقوال هؤلاء القوم.» # 51 # ومعنى هذا أن الملاحظة الحسية وحدها هي وسيلة لكسب الحقائق، ومصدر ~~المعرفة الصحيحة، وأن شهادة الغير مرفوضة ما لم تؤيدها مشاهدات ~~الباحث. # ولم يكتف جابر بهذا، بل يرى أن أول واجب على الكيميائي، هو أن يعمل ~~ويجري التجارب، وفي هذا يقول: «من كان دربا، كان عالما حقا، ومن لم ~~يكن دربا، لم يكن عالما، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع، أن الصانع ~~الدرب يحذق وغير الدرب يعطل». # 52 # وقد كان جابر يقول أيضا: «وملاك كمال هذه الصنعة العمل بالتجربة؛ فمن ~~لم يعمل ولم يجرب لم يظفر بشيء أبدا.» # 53 # من هنا يتضح لنا أن جابر بن حيان كان من المهتمين بالمنهج التجريبي؛ فهو ~~يحتفي بالملاحظة والتجربة، ويدعو إلى تطهير الكيمياء من شوائب الجدل ومظاهر ~~السحر والتعمية، وقد شهد له بهذا بعض المستشرقين المنصفين، فهذا هو ~~المستشرق «هولميارد» يقول: «لقد أسس جابر الكيمياء على الجانب العملي ~~محاولا تفسير ظواهرها بالنظريات الفلسفية المتفق عليها في عصره، وكان ~~بفعله هذا يؤكد العلاقة الوثيقة بين «النظرية» و«التطبيق» وبين «الفرض» و«التجربة الواقعية».» # ثم يستطرد هولميارد فيؤكد بأن جابر بن حيان يستحق لقب مؤسس علم ~~الكيمياء؛ وذلك لاعتماده البالغ على التجريب والتقنية إلى ضرورة الفعل ~~والمران وفي هذا يقول: «إن التأمل غير المفيد والبعد عن الملاحظة أمران لم ~~نشهدهما في عبقرية جابر الذي كان يفضل العمل تاركا مجال الخيال. لقد كانت ~~وجهات نظرة واضحة متقنة، وبسبب أبحاثه الدقيقة الشاملة استحق لقب المؤسس ~~الأول للكيمياء على قواعد راسخة وأسس سليمة.» # 54 # وقد ساير كثير من العلماء العرب منهج جابر بن حيان في أبحاثهم العلمية، ~~فهذا هو الحسن بن الهيثم (ت420ه/1029م) يعرض في مقدمة كتابه «المناظر» ~~لمراحل المنهج التجريبي فيقول: «ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح ~~أحوال المبصرات، وتميز خواص الجزيئات، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال ~~الإبصار، وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه ms023 من كيفية الإحساس، ثم نرتقي ~~في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، مع انتقاء المقدمات والفحص في ~~النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع ~~الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننقده، طلب الحق الذي به يثلج الصدر، ونصل ~~بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد ~~والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف، وتنسجم بها مواد الشبهات .» # 55 # من هذا النص يتضح لنا أن ابن الهيثم ينصح الباحث أو العالم بملاحظة ~~الظواهر الجزئية وتحديد صفاتها ثم يندرج في بحثه مع التمحيص والحذر من ~~الوقوع في الخطأ حتى يبلغ اليقين. # ولم يكتف ابن الهيثم بهذا بل يرى أنه لا بد للعالم من مزاولة التجربة ~~العلمية على أساس أنها مكملة للملاحظة الحسية وهو يسمي التجربة بالاعتبار ~~«وقد قام هو نفسه في كتابه المناظر بالكثير من التجارب التي مكنته من ~~التوصل إلى كشوفه العلمية. فمن ذلك أنه توصل إلى تحليل العلاقة بين الهواء ~~الجوي وكثافته وأبان عن أثرها في أوزان الأجسام، ودرس بقوانين رياضية فعل ~~الضوء في المرايا الكرية وأثناء مروره في العدسات الزجاجية الحارقة، ولاحظ ~~شكل الشمس الذي يشبه صورة نصف القمر أثناء الخسوف مستخدما جدارا يقوم ~~أمام ثقب صغير في مصارع نافذة فكان هذا أول ما عرف من الغرفة المظلمة التي ~~تستخدم في كل صنوف التصوير الشمس». # 56 # وفي هذا يقول الدكتور «مصطفى نظيف»: «إن ابن الهيثم قد استطاع أن يعرف ~~أن امتداد الأضواء على سمت الخطوط المستقيمة يؤدي رأسا إلى أن الضوء ~~المشرق من جسم مبصر، إذا نفذ من ثقب ضيق في حاجز، واستقبل على حاجز أبيض من ~~خلفه، تكونت على هذا الحاجز صورة منكوسة الجسم، ويمكن الحصول عليها عن طريق ~~جهاز يسمى في كتب الضوء الابتدائية بالخزانة المظلمة ذات الثقب. # ثم يستطرد فيقول: «وهو بهذا قلب الأوضاع القديمة وأبطل علم الناظر ~~اليوناني وإنشاء علم الضوء بالمعنى والحدود التي نريدها اليوم». # 57 # هذه نماذج تدل على أن العلماء العرب لديهم منهج تجريبي بالمعنى الحديث ms024 ~~وبالتالي فليس حقيقة ما يدعيه بعض المستشرقين بأن كتابات علماء العرب تخلو ~~من الجانب التجريبي ويكفينا لتفنيد رأي هؤلاء المستشرقين ما ذكره المستشرق ~~المنصف بريفولت # Briffault # في كتابه «تراث ~~الإنسانية» # making of humanity # بقوله: «إن ~~ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس هو ما قدموه لنا من اكتشافهم لنظريات ~~مبتكرة غير ساكنة. إن العلم يدين للثقافة العربية بأكثر من هذا ... إنه يدين ~~لها بوجوده، وقد كان العالم - كما رأينا - عالم ما قيل العلم، إن علم ~~النجوم ورياضيات اليونان كانت عناصر أجنبية لم تجد لها مكانا ملائما في ~~الثقافة اليونانية. وقد أبدع اليونان المذاهب وعمموا الأحكام. ولكن طرق ~~البحث وجمع المعرفة الوضعية وتركيزها ومناهج العلم الدقيقة والملاحظة ~~المفصلة العميقة، والبحث التجريبي كلها كانت غربية عن المزاج اليوناني ... أن ~~ندعوه بالعلم في أوروبا كنتيجة لروح جديدة في البحث ولطرق جديدة في ~~الاستقصاء ... طريق التجربة وتلك الملاحظة والقياس ولتطوير الرياضيات في صورة ~~لم يعرفها اليونان. وهذه الروح وتلك المناهج أدخلها العرب إلى العالم الأوربي.» # 58 # وثمة نقطة هامة نأخذها على الكثير من المستشرقين، تتمثل في وضعهم ~~لمقاييس صارمة يحكمون بموجبها على نشأة العلم العربي. # إن أحد الأمثلة المهمة لمثل هذه المقاييس نجده عند المستشرق ألدو مييلي؛ ~~حيث يعتقد أن سبب ترجمة الكتب العلمية والفلسفية ونقلها من اللغات الأخرى ~~وبخاصة اليونانية يعود إلى تشجيع الخلفاء والأوامر، وفي هذا: وطبيعي أن هذا ~~النشاط العظيم للمترجمين وجماع العلوم، كانت تساعده وتشد من أزره حماية ~~الخلفاء الرسمية. ولكن كل أسرة من أسر حماة الآداب والعلوم كانت تتنافس ~~أيضا في هذا المضمار مع أمير المؤمنين، وهنا ينبغي أن نذكر ذلك النشاط ~~الخير الذي أبداه - في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي - بنو موسى، ~~وهم الأبناء الثلاثة لموسى بن شاكر، الذين كانوا هم أنفسهم رياضيين فلكيين، ~~ولكنهم كانوا على الأخص حماة العلوم «والمترجمين الذين جعلوهم في خدمتهم». # 59 # أما المستشرق «مارتن بلسنر» فيفسر أن تقدم علم الجغرافيا وتطوره على ~~أيدي الجغرافيين العرب راجع إلى الاهتمام الشخصي لهؤلاء العلماء في ms025 معرفة ~~أحوال البلاد والعباد». # 60 # وهناك أمثلة كثيرة لوجود هذه التفسيرات في كتابات المستشرقين، وهذه ~~التفسيرات يغلب عليها طابع حل المشكلات التاريخية المعقدة بالاعتماد على ~~قاعدة السبب والنتيجة ( # Cause-Effect ~~) ~~معتقدين بإمكانية الإجابة عن أسئلة حضارية معقدة كظاهرة نشوء العلم وتطوره، ~~وهي بلا شك إجابات أحادية الجانب. # إن مثل هذه التفسيرات الساذجة وغيرها كثير تتجاهل الجذور الاجتماعية ~~والاقتصادية والسياسية لنشأة العلم العربي، وتتناسى أن سبب نشوء هذا العلم ~~هو أعقد بكثير من التفسيرات الساذجة أو أحادية الجانب التي طرحها العديد من ~~المستشرقين، فالعلم العربي هو نتاج مباشر لحاجات اقتصادية واجتماعية، تستمد ~~جذورها من طبيعة التطور الذي شهدته الحضارة العربية الصاعدة في عصر النهضة ~~الإسلامي أبان القرنين التاسع والعاشر الميلادي. # وبالتالي يمكن أن نفسر سبب ترجمة الكتب العلمية والفلسفية بأنه كان ~~نتيجة لاحتياجات اجتماعية واقتصادية وسياسية نتيجة حاجة فردية أو ثمرة هوى ~~شخص أو مصادفة عرضية، وإنما كانت الدولة لعربية الجديدة التي كونتها ~~العقيدة الإسلامية، وخرجت بها من حدود العلاقات القبلية في شبه الجزيرة ~~العربية إلى رقعة واسعة من الأرض تضم أجناسا وشعوبا مختلفة، وهذه الدولية ~~الجديدة التي كانت تمثل علاقات إنسانية واسعة ومصالح تجارية جديدة متطورة، ~~وقيما فكرية ودينية وأخلاقية متصارعة ومشكلات إدارية واقتصادية وفنية، ~~تتعقد يوما بعد يوم مع تعقد المجتمع واتساع رقعة الدولة، وهذه الدولية ~~كانت في حاجة إلى خبرة الأمم الأخرى إلى جانب خبرتها الذاتية لتواجه بها كل ~~هذه الشئون والمشكلات، وكان لنقل علوم اليونان وغيرها من علوم الهند وفارس ~~صدى لحاجة هذه الدولة الجديدة إلى فلسفة شاملة تطل منها على الكون العريض ~~وتتيح لها خدمة مصالحها وتطويرها. # 61 # ومن ناحية أخرى يجب أن نعترف بأن العلم هو نتاج ثقافي لحضارة معينة، ~~وأن العلم لا يظهر ولا يتطور إلا في مجتمع وصل إلى مرحلة متقدمة من التطور ~~الاقتصادي والاجتماعي تجعل انبثاق العلم في هذا المجتمع في لحظة تاريخية ~~معينة حاجة موضوعية وليس اختيارا ذاتيا، وتعبيرا عن الحاجة إلى معرفة ~~علمية تؤدي إلى فهم أكبر لظواهر الطبيعة والحياة والإنسان. ms026 # إن علما متطورا كعلم الجغرافيا مثلا لا يمكن أن يكون تطوره وتقدمه ~~على يد الجغرافيين راجعا إلى الاهتمام الشخصي لهؤلاء العلماء في معرفة ~~أحوال البلاد والعباد أو إلى ترجمة كتب بطليموس الجغرافية أو غير ذلك من ~~الأسباب الأحادية الجانب، فرغم أهمية ترجمة الكتب وأهمية حب الاستطلاع ~~والبحث لدى هؤلاء العلماء، فإن المسألة كانت أبعد بكثير من المسائل الجزئية. # 62 # فالدولة العربية-الإسلامية التي امتدت حدودها وشملت أكثر من قارة، ~~أقامت الجيوش وتوسعت بشكل كبير، إن مثل هذه الدولة كان لا بد لها من تطوير ~~المعرفة الجغرافية وما يستتبعها من علوم أخرى كالحساب والمقاييس والأبعاد ~~والأوزان، ومعرفة المناخ والتضاريس والممرات المائية والبحرية؛ فإن جهل ~~حدود الدولة وتضاريسها وأحوال سكانها وطبيعة نشاطهم الاقتصادية وعاداتهم ~~وتقاليدهم، يجعل من المستحيل على الدولة المركزية أن تقوم بعملية جبي ~~الضرائب والمكوس والخراج والجزية والزكاة، ودون رسم الخرائط يكون من الصعب ~~على الجيوش أن تتحرك دون معرفة طبيعة التضاريس والممرات المائية، ويتأخر ~~تطور التجارة الداخلية بين أجزاء الإمبراطورية نفسها ومع العالم الخارجي، ~~سواء أكانت تعتمد على القوافل البرية، أم السفن البحرية لعدم معرفة عواصم ~~هذه البلدان وثغورها ومناخاتها وحركة الرياح والمواسم الزراعية والتجارية. # 63 # ومن الأمثلة على أهمية جغرافية المدن أن «قتيبة بن مسلم الباهلي» عند ~~غزو مدينة بخارى واجهته مشكلة عدم معرفته بهذه البلاد وتضاريسها وعاداتها ~~فأرسل إلى «الحجاج بن يوسف» الذي كتب لقتيبة يطلب منه أن يرسم صورة أو ~~خريطة لمدينة بخارى والمدن المحيطة بها ليسهل عليه دخولها. # 64 # ونجد في كتب الجغرافيين العرب عشرات الأمثلة على ارتباط علم الجغرافيا ~~بالحاجات الاقتصادية والسياسية والعسكرية للدولة الناشئة، فهذا هو الإمام ~~القدسي، الجغرافي الكبير يذكر أنه لقي «علي بن حازم» بساحل عدن وكان الرجل ~~من أعلم الناس بالبحر الصيني لأنه إمام التجار، ومراكبه دائما تسافر إلى ~~أقاصيه فسأله عن صفة البحر فمسح الرمل بكفه ورسم صور البحر أمام المقدس ~~وبين له معارجه وشعبه وخلجانه. # 65 # ولا نريد الاسترسال في الأمثلة، لكن ما نود تأكيده هو أن علم الجغرافيا ms027 ~~بدأ بدراسة كتب بطليموس وغيرها، ودراسة الخرائط التي وضعها اليونان، ولكن ~~العرب الذين كانوا بحاجة إلى علم الجغرافيا للأسباب التي ذكرتها آنفا ~~فاقوا اليونان وطوروا هذا العلم بحسب حاجتهم على يد خرداذبه والإصطخري وابن ~~حوقل والمقدسي وابن فضلان وأحمد بن سهل البلخي والمسعودي والهمذاني وغيرهم، ~~وسار تطور علم الجغرافيا بخط متواز مع تطور علوم الفلك والحساب والهندسة ~~وصناعة الإسطرلابات والبوصلات والسفن البحرية وإقامة المراصد ~~الفلكية. # إن ما ينطبق على الجغرافيا ينطبق هو الآخر على العلوم الرياضية برمتها ~~من فلك وجبر وهندسة، وعلى الجغرافيا ينطبق هو الآخر على العلوم الطبيعة ~~برمتها من كيمياء وفيزياء وطب وغيرها، فلقد تطورت تلك العلوم على أيدي ~~العلماء العرب نتيجة حاجات التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي فرضته الحضارة ~~العربية الناشئة آنذاك. # 66 # وبهذا يتضح لنا مدى تهافت التفسيرات الساذجة التي يفسر بها بعض ~~المستشرقين ظاهرة نشوء العلم العربي. إن هؤلاء لا شك في أنهم يتسمون بروح ~~كسولة لا تكلف نفسها عناء البحث الموضوعي. ويلاحظ هذا عن كتب المستشرقين ~~الألماني المنصف «فرانز روزنتال» فيقول: ومن المزالق التي يندر أن يتحاماها ~~الباحثون الغربيون عند تقديرهم البحث العلمي عند المسلمين، أنهم يضعون ~~مقاييس صارمة يحكمون بموجبها على ما أنتجه الفكر الإسلامي، مقاييس أشد ~~صرامة من تلك التي نطبقها على ذواتنا نحن الغربيين؛ فإن العدل والإنصاف ~~يقتضيان أن نميز بين مختلف أنواع النشاط الأدبي ومراتبه التي من شأنها أن ~~تترك أثرا بعيد الغور في طبيعة النتاج العلمي الرفيع. على أننا قلما نرى ~~عالما غربيا يراعي هذا التمييز عندما يكتب ويؤلف قصد استمالة أتباع يلتفون ~~حول فكرته التي يبشر بها، ولا ننتظر منه أن يدعم كل قول من أقواله بمستندات ~~وكل جملة بإثباتات، فلماذا إذن نتطلب ذلك من المسلم الذي يكتب في إحياء ~~الدين مثلا (يقصد الإمام أبو حامد الغزالي) أن يدلل على صحة كل قول ~~بإثبات وإسناد، حتى وإن كان هذا الكاتب المسلم يتصف بالدقة العلمية والقدرة ~~الفكرية الممتازة؟ ومن جهة ثانية لماذا نبدي سخطنا على كاتب يجمع أسانيد ~~تبعث على ms028 الضجر، أسانيد لا حصر لها تتعلق بسيرة رجل، أو براوية من رواة ~~الحديث الذين عاشوا في دمشق، أو مروا بها لماما، بينما نحن إذا قرأنا مثيل ~~هذا في كتاب من كتب الغرب قلنا صوابا إنه عمل علمي، وإن صاحبه قام ~~بخدمات علمية جليلة؟ # 67 # ثالثا: موقف العلماء العرب المعاصرين من الرؤية الاستشراقية لظاهرة ~~العلم العربي: # يقف كثير من علمائنا ومفكرينا المعاصرين بإزاء الرؤية الاستشراقية ~~لظاهرة العلم العربي إلى فريقين رئيسيين: أحدهما يؤكد هذه الرؤية، وسوف نرى ~~على أي أساس قام تأييدهم هذا، ثم نناقشه لنرى مدى أحقيته، وأما الفريق ~~الثاني فيرفضون تلك الرؤية، وسوف نعرض آراءهم أيضا. ~~(أ) أما الفريق الأول # فيتعامل مع ظاهرة العلم العربي وما حققه العرب والمسلمون في مجال ~~العلوم الرياضية والطبيعية بروح المكابرة والتكبر، منكرين أي دور ريادي ~~للعلماء العرب في تاريخ العلم الإنساني. كما أن هذا الفريق ينكر كل ~~التطور الفكري والعلمي والفلسفي ويطرح حله الجاهز، وهو إعلان الطلاق مع ~~كل التراث العلمي العربي، ويطرح مسألة الارتباط بالفكر الغربي المعاصر ~~كمخرج من الأزمة، ويدعو إلى قطع الجذور مع ماضي الأمة وتراثها. # ولقد صدرت مثل هذه الأحكام للأسف من قبل أناس من أعلى الأساتذة قدرا ~~وأرفع المفكرين شأوا، والدليل على هذا الدكتور «محمد عابد الجابري» وما ~~ذكره في كتابة «مدخل إلى فلسفة العلوم»؛ حيث يقول: «إن تاريخ العلوم ~~السائد الآن تاريخ أوروبي النزعة تتجه أنظاره من اينشتين وماكس بلانك إلى ~~نيوتن وجاليليو، ومنها إلى إقليدس وأرسطو. أما العلم العربي فهو لا يحظى ~~في أحسن الأحوال إلا بإشارات عامة عابرة، أما المسار العام فلا يتخذ منه ~~سوى قنطرة مر عليها التراث الإغريقي إلى العالم الغربي. ومن هنا كان ~~القديم - في هذا المنظور التاريخي الأوروبي - يعني العلم الأرسطي.» # 68 # ثم يصادر الدكتور الجابري على أن العقل العلمي الغربي هو المعاصرة ~~وأن العقل العلمي العربي هو الأصالة، وعلينا الجمع بينهما، وفي هذا يقول: ~~«ولكننا نحن العرب في العصر الحاضر سجناء رؤيتين؛ الأوروبية التي فتحنا ~~عليها أعيننا منذ بدء يقظتنا ms029 الحديثة، وهي تكيف - بل تهيمن على - جانب ~~المعاصرة في شخصيتنا العلمية والحضارية، والرؤية الغزالية-الشهرزورية- العثمانية (نسبة إلى أبي حامد الغزالي وابن الصلاح الشهرزوري والدولة ~~العثمانية) التي تشوش جانب الأصالة في تفكيرنا، وتقف حاجزا بيننا وبين ~~ربط ماضينا بحاضرنا في اتجاه المستقبل المنشود.» # ثم يستطرد فيقول: «إننا نعتقد أن الانكباب على دراسة جاليليو وديكارت ~~وهويجنز وأينشتين دراسة تاريخية واعية ستسلحنا بالأدوات الفكرية التي ~~تمكننا من اكتشاف علمي لا خطابي - موضوعي لا ذاتي - لمختلف الوجوه المشرقة ~~في تراثنا ويا ما أكثرها! هناك طريق واحد يقودنا نحو العلم العربي في ~~الماضي والعلم العربي في المستقبل. إنه الانكباب على دراسة الفكر العلمي ~~الحديث وتطوره والاجتهاد في هضمه وتمثيله.» # 69 # ولم يكتف الدكتور الجابري بهذا، بل نراه يطرح لنا فكرة البداية من ~~الصفر فيما يتعلق بتراث الأمة وماضيها، وذلك على أكتاف العلم الحديث. ~~يقول الدكتور الجابري: «إن الماضي كالمستقبل لا يكتشف ولا يبين أو يعاد ~~بناؤه إلا على أساس الحاضر وانطلاقا منه وحاضرنا العلمي هو العلم ~~الحديث، فلنجعل من دراسة هذا العلم موضوعا ومنهاجا، روحا ومناخا، ~~وسيلة لبناء حاضرنا وبعث ماضينا والانطلاق نحو مستقبلنا، لنتسلح إذن بهذه ~~الرؤية الجدلية التي تجعل الحاضر منطلقا لبعث الماضي وبناء المستقبل». # 70 # ونحن نخالف هذه النظرية الجابرية، وذلك لأنها تتعامل مع تراثنا ~~العلمي العربي بروح استعلائية فلا نجد في هذا التراث ما ينتمي للتقدم ولا ~~تكلف نفسها إعمال الفكر في البحث والتنقيب والدراسة الموضوعية ~~للتراث. # ومن ناحية أخرى نتساءل مع الدكتور رشدي راشد: «عما إذا كان قد حان ~~الأوان كي يتمسك مؤرخ العلوم بالموضوعات التي تقتضيها مهنته، وكي يكف عن ~~استيراد مختلس ل «أيديولوجيات» بغير ضابط ولا رادع عن ترويجها بدون شعور، ~~وكي يتجنب كل المحاولات التي تبرر أوجه الشبه على حساب التباين. كالمعجزة ~~العلمية الحديثة عند السواد الأعظم. ألم يحن الأوان لكتابة التاريخ دون ~~اللجوء إلى البديهيات الكاذبة التي تدعو إلى اصطناعها دواع قومية تكاد ~~لا تخفى؟» # 71 # إذ تطرح هذا التساؤل تهدف إلى إزاحة خرافة المعجزة العلمية الغربية ms030 ~~الحديثة؛ فالمعجزة عنصر إلهي ديني أولا وأخيرا، أو لا شأن للبشر ما دامت ~~هي ما يعجز عنه البشر، فلا بد وأن ننأى عن محاولات تفهم أي واقع إنساني - ~~سواء الواقع العلمي أو سواه - إذا أردنا لهذه المحاولات انضباطا. # 72 # وثمة نقطة هامة نود مناقشتها بالنسبة لهذا الفريق وهي مسألة «حداثة ~~العلم»، فهذا الفريق يعتقد أن العلم لم يبدأ شوطه بمعناه الحقيقي إلا في ~~عصر النهضة الأوروبية في القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين، ~~والقائلون بهذا من علمائنا ومفكرينا المعاصرين كثيرون. # ومن أهمهم الدكتور «زكي نجيب محمود» وذلك في كتابة «المنطق الوضعي» ~~حيث يقول: «إن العلم لم يبدأ شوطه في حياتنا الإنسانية بصفة جدية إلا منذ ~~عصر النهضة. على أن ظهور الروح العلمية أيام عصر النهضة، لم يكن ظهورها ~~مصادفة عمياء جاءت عرضا في سير التاريخ، بل جاءت نتيجة مباشرة لبذور ~~المنهج العلمي على يد فرنسيس بيكون.» # 73 # وقد برر بعض الباحثين ما ذكره الدكتور «زكي نجيب محمود» في هذا النص، ~~بأنه يضع هو وأمثاله من القائلين بحداثة العلم نصب أعينهم الآثار العلمية ~~الهائلة التي ترتبت على ظهور العلم الحديث؛ # 74 # فلو نظرنا في الفترة من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين، ~~نجد أنه قد حدثت ثورة كمية وكيفية هائلة في المجال العلمي، بمعنى أن نطاق ~~العلم قد اتسع إلى حد هائل، كما أن إنجازاته قد اكتسبت صفات جديدة، وأصبحت ~~أهميتها تفوق بكثير كل ما كان العلم يحققه في أي عصر سابق، بل إن هذا ~~التعبير جعل العلم هو الحقيقة الأساسية في عالم اليوم، وهو المحور الذي ~~تدور حوله كل المظاهر الأخرى لحياة البشر. # يقول أستاذنا الدكتور فؤاد زكريا: «... لو نظرنا إلى الأمر من الزاوية ~~الكمية الخالصة ليتبين لنا أن نمو معدل نمو العلم، قد تسارع بصورة مذهلة ~~خلال القرن العشرين؛ إذ تقول الإحصاءات إن كمية المعرفة البشرية تتضاعف ~~في وقتنا الحالي خلال الفترة بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة، وهو ما كان ~~يستغرق في العصور الماضية مئات السنين.» # 75 # ونحن نعترف ms031 بهذا، ولكن كل هذا لا يمنع من القول بحداثة العلم، وأنه ~~وليد القرن السابع الميلاد على يد فرنسيس بيكون، فهذا قول يتنافى مع ~~الحقيقة الموضوعية؛ فليس من اليسير أن نحدد نقطة الصفر التي انطلق منها ~~العلم؛ لأن العلم شأنه شأن صور الفاعليات الإنسانية كائن متطور نام، لم ~~يولد كاملا راشدا، بل لا بد أن يكون قد مر بمراحل طويلة من الصقل ~~والتهذيب لكي يبلغ مرتبته الراهنة من النضج. # إن القائلين بحداثة العلم لا بد أن يضعوا في اعتبارها بأنه من الصعب ~~أن نفسر سرعة التقدم الذي طرأ على العلم الأوروبي في القرن السابع عشر، ~~والذي نقل أوروبا من التفكير في عالم أرسطو الذي لا يتحرك إلا أنه يعشق ~~«المحرك الأول» إلى عالم نيوتن الذي يسوده قانون طبيعي هو قانون الجاذبية ~~الكونية. من الصعب أن نفسر ذلك إلا إذا قلنا بأن عوامل أخرى قد مهدت له ~~بالرغم من أن تأثيرها لم يكن في البداية ظاهرا. # على أن هذه العوامل المتراكمة لم تكن مجرد تطور داخلي للمعرفة ~~العلمية في أوروبا خلال العصر الوسيط؛ فهذه المعرفة مهما تطورت لم تكن ~~تبشر بنتائج ذات قيمة كبيرة، وإن كان هؤلاء العلماء في حاجة إلى دفعة قوية ~~تأتيهم من مصدر خارجي لكي تنير الطريق، وتكشف لهم عن أفضل السبل المتاحة ~~للبحث العلمي في ذلك الحين. وقد تحقق ذلك بفضل تأثر العلم الأوروبي ~~بالعلم العربي الذي كان يحتل المرتبة العليا في ذلك العصر. # 76 # ونحن هنا نخالف القائلين بأن العلم الحديث قد خضع في نشأته وتطوره ~~لمجموعة من العوامل الداخلية فقط، هذه العوامل تنمو بقدراتنا الذاتية ~~بقوة دفعها الخاصة، وتخضع لمنطقها البحت، بل لا بد من عوامل خارجية خصوصا ~~وأن العلم ليس ظاهرة منعزلة، بل إن أشد علمائنا المعاصرين ميلا للتفسير ~~الفردي لتطور العلم لا يستطيعون أن ينكروا وجود تأثير متبادل بين العلم ~~وأوضاع المجتمع الذي يظهر فيه، يقول أستاذنا الدكتور حسن عبد الحميد: ~~«يخضع العلم في نشأته وتطوره لمجموعة من العوامل الخارجية والداخلية التي ~~يؤدي تفاعلها ms032 معا إلى نشأة العلم نفسه.» # 77 ~~(ب) أما الفريق الثاني # وهذا الفريق يقف على نقيض الفريق الأول، ولكنها يصب في نفس المصب ~~نفسه ويصل إلى النتيجة نفسها. وهو فريق يغلب عليه طابع الحماس الشعري ~~والخطابي في تعاطيه مع ظاهرة العلم العربي؛ فهو يتعامل مع هذه الظاهرة ~~بروح التقديس والمبالغة والأساليب الانفعالية. # إن هذا الفريق يحاول إثبات أن العلماء العرب مارسوا كل منهج، وأنشئوا ~~كل علم، وأسسوا كل بحث، وعرفوا كل كشف، وألفوا أصول كل نظرية، وراعوا كل ~~مفهوم، وتلمسوا الطريق إلى كل تقانة. ونسوق مثلا على ذلك ما ذكره صاحب ~~كتاب «تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه» بقوله: «... وإذا اعتز ~~العصر الحاضر بنفر من العلماء فتتوا الذرة وشطروا النواة، وغزوا الفضاء، ~~وأرسلوا الصواريخ والأقمار، وأطلقوا الكواكب الصناعية، تدور في فلك الشمس ~~أو غيرها من النجوم والكواكب، وإذا اعتز عصر النهضة العلمية في أوروبا ~~بأمثال نيوتن وداروين وجاليليو وكوبرنيقوس ودا فنشي وكانط وديكارت وباستير ~~وهلم جرا، فلا ينبغي أن نغمط علماءنا الذين نقل عنهم الغرب في سالف ~~الأيام. وإنه لدين يؤديه العصر الحاضر للعصور العربية الإسلامية الذاهبة. ~~وإنها لأمانة في أعناقنا نحن العرب، أن نحمل المشعل مرة أخرى لنضيء ~~الطريق، ونقود الإنسانية كما فعل أسلافنا أول مرة.» # 78 # ونسوق مثالا آخر لصاحب نفس الكتاب بقوله: «لقد طنطن العالم الغربي ~~في عصر النهضة الأخيرة لآراء كانط وديكارت ونيوتن في الطبيعة والضوء ~~والانكسار والإبصار وما إلى ذلك، وقد ثبت أن أغلبها مأخوذ من ابن الهيثم ~~المصري ... وطنطن العالم مرة أخرى لهارفي قال إنه مكتشف الدورة الدموية، مع ~~أن مكتشفها هو ابن النفيس، واهتز العالم بآراء داروين ولامارك في التطور ~~وها هي ذي قديمة، ذكرها إخوان الصفا وابن خلدون والجاحظ.» # 79 # ولا نريد الاسترسال في الأمثلة، لكن ما يمكن أن نقوله هو أن هذا ~~الفريق يتميز بالتعالي والادعاء الحضاري، ويجهل مجرد تطور الحضارة ~~والتراث العلمي العربي. إن دعاة هذا الفريق لا يترددون في تقديس كل شيء ~~في التراث، منطلقين من مقولتهم التبسيطية بأن ms033 كل المسائل قد حلها الأجداد، ~~وليس أمامنا سوى أن نغرف من بحيرة الماضي السحرية لنحل مشكلات الحاضر على ~~حد تعبير الدكتور أحمد الربيعي. # 80 # وهذا الفريق يربط بشكل ميكانيكي وتعسفي بين الحاضر والماضي؛ فأزمة ~~الحاضر هي العقاب التاريخي للتخلي عن الماضي، والماضي لديه هو الحاضر، ~~ولا جديد تحت الشمس، مع إغفال كل التغييرات الهائلة في أساليب الحياة ~~ونمطها وتطوراتها الفكرية والتكنولوجية. # إن الماضي بالنسبة لهذا الفريق، كما يقول أحمد الربيعي، هو مخدة الريش ~~المريحة التي نضع فوقها رءوسنا المتعبة، وإن أي «تشكيك في ماضينا هو من ~~فعل أعداء المسلمين وبخاصة المستشرقون ، وهم لا يترددون في أن يضعوا ~~مستشرقين مثل بيكر وأرنست رينان وسانتلانا في السلة نفسها مع هاملتون جب ~~وبروكلمان وماسينيون ومايرهوف وبليياييف.» # 81 # إن دعاة هذا الفريق وإن انتقدوا وبحياء نظرية المركزية الأوروبية لدى ~~بعض المستشرقين، فإنهم يضعون مركزيتهم الشرقية في مواجهة غربية. المسألة ~~وكأنها أسلحة فاسدة تقاتل أسلحة فاسدة تأخذ من التراث ما يحلو لها وتترك ~~ما ينسجم مع أطروحاتها الفوقية. # 82 # وخاتمة القول أتمنى أن نكون في هذا البحث قد نجحنا في اختراق صفوف ~~هؤلاء المستشرقين ومن تابعهم من علمائنا العرب، وتقديم وجهة نظر تتعدى ~~مزاعمهم ومنهجيتهم. # تعقيب # من خلال دراستنا الاستطلاعية للرؤية الاستشراقية تولد لدينا اقتناع بأن ~~المستشرقين الذين اهتموا بالعلم العربي وقدموا بخصوصه - من خلال دراساتهم - ~~تنظيرات ورؤى مختلفة في هذا العلم كانوا فريقين؛ أحدهما ويمثله قلة قليلة ~~منهم التزم في بحوثه ودراساته الاستشراقية العلمية بدرجات كبيرة من ~~الموضوعية والنزاهة، وتحرروا إلى حد ما غير كاف، من أهوائهم وميولهم الشخصية، ~~وابتعدوا قدر استطاعتهم عن الزيف والضلال، وطرحوا جانبا، بقدر ما وسعه من ~~الجهد، صنوف التعصب الجنسي والديني والثقافي، فكانوا بذلك منصفين بدرجات ~~مقبولة للحق والحقيقة، فيما يتعلق بآرائهم وأحكامهم ورؤاهم تجاه التراث ~~الفلسفي والعربي. # أما الفريق الآخر، وهم الأكثرية، فكانوا على عكس الأول من حيث قصدوا بوعي ~~وإرادة إلى أن يبخسوا العرب والمسلمين حقهم في السبق والإبداع والابتكار في ~~شتى مجالات العلم والمعرفة. ولما أن ms034 كان الفكر الفلسفي في أية حضارة يعد من ~~أهم الميادين التي يظهر فيها العمل الإبداعي المبتكر من جانب أصحابه، فقد ~~ظهر تجني هذا الفريق على العلم العربي وعلمائه، فوصموهم بوصمة التبعية ~~والتقليد والمحاكاة لنظرائهم السابقين من علماء وفلاسفة اليونان، وسلبوهم ما ~~هم جديرون به من إبداع وابتكار، بل إن هذا الفريق من المستشرقين شاء أن ~~يهدم الأساس الذي تقوم عليه كل فلسفة في كل زمان ومكان، وهو العقل فيما ~~يختص بالعقلية العربية والإسلامية، فاتهموا هذه العقلية بالعجز والجمود ~~والتخلف، لكي يقيموا على هذه الأنقاض دعواهم في عدم وجود ما يسمى بالعلم ~~العربي على الحقيقة، فبنوا هذا على انعدام ذاك. وكان الأجدر والأولى بهؤلاء ~~المستشرقين أن يعترفوا بأحقية العقلية العربية في الإبداع، ثم الاعتراف ~~بوجود علم عربي له موضوعه ومناهجه ونظرياته الخاصة، وذلك بما صار لهم من صلة ~~وثيقة بالتراث الفلسفي العربي الإسلامي، فهما وتمثلا واستيعابا في إطار ~~دراساتهم العلمية التحليلية المقارنة، ولكن غلبت عليهم مقاصدهم فكانوا من ~~الظالمين لأنفسهم بالمقام الأول، ولعلماء العرب والإسلام في المقام ~~الثاني. # وأيضا فإنه لو أن العقلية العربية عاجزة حقا عن التفكير العلمي، كما ~~زعم الكثير من المستشرقين وغيرهم، لما أنتجت هذه العقلية ذلك الكم الهائل ~~المتنوع من الأفكار والآراء والنظريات والمناهج في مجال العلوم المختلفة، ~~كالجغرافيا والتاريخ والرياضة والفلك والطبيعة والطب والكيمياء والصيدلة ~~والجراحة والنبات والحيوان؛ ذلك لأن العلم هو من صنع العقل الذي يرينا ضروب ~~انفعالنا وتأثرنا بالنسبة للعالم الخارجي، ولا يحد هذه الانفعالات مجرد ~~الظواهر التي تمثل لحواسنا بطريق مباشر أو غير مباشر، بل يحدها بوجه خاص ~~موقفنا الذي أخذناه تجاهها من قبل، ويحدها كل موقف أخذه العقل الإنساني منذ ~~القدم تجاه الظواهر المذكورة. # ولو أن العقلية العربية قاصرة عن النظر العلمي الدقيق والتأمل الفلسفي ~~العميق، لما ظهرت الحضارة الإسلامية وازدهرت وتحقق لها التمايز والسيادة ~~خلال ما يزيد على سبعة قرون. # قائمة المصادر والمراجع العربية ~~(1) # إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه، دار المعارف، ~~القاهرة، ط3، 1983م. ~~(2) # أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي ms035 للحضارة الإسلامية ومكانته في ~~تاريخ العلم والحضارة، دار المعارف، 1984م، ص31. ~~(3) # أحمد الربيعي: محاولة تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلامي ~~وتطوره، بحيث ألقي في المؤتمر الفلسفي الثاني الذي نظمته الجامعة ~~الأردنية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1988م. ~~(4) # ______ ~~: ~~أحمد الربيعي: محاولة تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلامي ~~وتطوره، بحيث منشور ضمن بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الثاني الذي نظمته ~~الجامعات الأردنية، والذي وكان عنوانه الفلسفة العربية المعاصرة ~~(مواقف ودراسات)، طبعة مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ~~1988م. ~~(5) # ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، طبعة مصر، بدون ~~تاريخ. ~~(6) # ابن خلدون: المقدمة، دار ابن خلدون، الإسكندرية، بدون ~~تاريخ. ~~(7) # ابن النديم: الفهرست: مكتبة دار المعرفة، القاهرة، بدون ~~تاريخ. ~~(8) # أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة ~~الأقاليم، مطبعة بريل، ليدن، 1967م. ~~(9) # أبو سعدة (د. محمد حسيني): الاستشراق والفلسفة الإسلامية، دار ~~أبو حريبة، ط5، 1995م. ~~(10) # أبو سعدة (د. محمد حسيني): الآثار السينوية في مذهب الغزالي في ~~النفس الإنسانية، دار أبو حريبة للطباعة، القاهرة، 1991م. ~~(11) # أبو علي محمد بن الحسين بن الهيثم: الشكوك على بطليموس، تحقيق ~~د. عبد الحميد صبرة ونبيل الشهابي، مطبعة دار الكتب، 1971م. ~~(12) # توفيق الطويل: في تراثنا العربي الإسلامي، عالم المعرفة، عدد ~~مارس 1985م. ~~(13) # جابر بن حيان: كتاب الخواص الكبير، ضمن مختارات رسائل جابر بن ~~حيان، صححها ونشرها بول كراوس، القاهرة، 1935م. ~~(14) # ______ ~~: ~~كتاب السبعين، ضمن مختارات رسائل جابر التي حققها ونشرها بول ~~كراوس. ~~(15) # ______ ~~: ~~كتاب التجريد، ضمن مجموعة حققها ونشرها هولميارد، طبعة ~~القاهرة. ~~(16) # ج «د» برنال: موجز تاريخ العلم في التاريخ، بيروت، دار الفارابي، ~~1982م. ~~(17) # جلال محمد موسى: منهج البحث العلمي عند العرب في مجال العلوم ~~الطبيعية والكونية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1972م. ~~(18) # جعفر آل ياسين: المنطق السينوي، عرض ودراسة للنظرية المنطقية ~~عند ابن سينا، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1983م. ~~(19) # الحسن بن الهيثم: المناظر، تحقيق د. عبد الحميد صبرة، طبعة ~~الكويت، 1983م. ~~(20) # ألدو مييلي: العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي، ترجمة ~~د. عبد الحليم ms036 النجار ومحمد يوسف موسى، دار القلم، القاهرة، ~~(1381ه/1962م). ~~(21) # زكي نجيب محمود: المنطق الوضعي (الجزء الثاني)، مكتبة الأنجلو ~~المصرية، القاهرة، 1980م. ~~(22) # محمد مهران وحسن عبد الحميد: في فلسفة العلوم ومناهج البحث، ~~مكتبة سعيد رأفت، القاهرة، 1980م. ~~(23) # زيغريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون ~~وكمال دسوقي، منشورات دار الآفاق الجديدة، ط6، 1981م، بيروت. ~~(24) # القفطي: إخبار العلماء بأخبار الحكماء، مكتبة المتنبي، القاهرة، ~~بدون تاريخ. ~~(25) # موفق الدين عبد اللطيف البغدادي: الإفادة والاعتبار في الأمور ~~المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر، القاهرة، مطبعة وادي النيل، ~~1286ه. ~~(26) # عبد الله بن أحمد البيطار: الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، ~~طبعة بولاق، القاهرة، 1875م. ~~(27) # عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، دار ~~المعارف، 1966م. ~~(28) # حسن عبد الحميد: التفسير الإبستمولوجي لنشأة العلم، ملحق ضمن ~~دراسات في الإبستمولوجيا، المطبعة الفنية الحديثة، القاهرة، ~~1992م. ~~(29) # علي سامي النشار: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار المعارف، ~~ط4، 1978م، ص277. ~~(30) # فؤاد زكريا: التفكير العلمي، طبعة الهيئة العامة للكتاب، ~~القاهرة، 1996م. ~~(31) # فرانز روزنتال: مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي، ترجمة ~~د. أنيس فريحة، الدار العربية للكتاب، بيروت، ط4، 1983م. ~~(32) # صلاح قنصوه: فلسفة العلم، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، ~~1981م. ~~(33) # مصطفى نظيف: الحسن بن الهيثم، بحوثه وكشوفه البصرية، المجلد ~~الأول، طبعة القاهرة، 1942م. ~~(34) # مارتن بلستر: العلوم الطبيعية والطبية، ضمن تراث الإسلام، تصنيف ~~شاخت وبوزورث، القسم الثالث، ترجمة د. حسين مؤنس وإحسان صدقي العمد، ~~سلسلة «عالم المعرفة»، ديسمبر 1978 م. # رشدي راشد: مفهوم العلم كظاهرة غربية وتاريخ العلم العربي، ترجمة ~~أحمد حسنواتي، ملحق لتاريخ الرياضيات العربية بين الجبر والحساب، ~~مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989م. ~~(35) # محمد السويسي: آراء بعض المستشرقين حول التراث العلمي العربي ~~والرد عليها، بحث نشر ضمن مناهج المستشرقين في الدراسات العربية ~~الإسلامية، الجزء الثاني، تونس، 1985م. ~~(36) # دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة د. محمد عبد الهادي أبو ~~ريدة، دار النهضة العربية، ط5، 1948م. ~~(37) # محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم (العقلانية المعاصرة) ~~وتطور الفكر العلمي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ms037 ط3، ~~1994م. ~~(38) # محمود أمين العالم: معارك فكرية، طبعة دار الهلال، القاهرة، بدون ~~تاريخ، ص114. ~~(39) # يمنى طريف الخولي: مقدمة لكتاب الرياضيات وفلسفتها عند العرب ~~للدكتور رشدي راشد، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1994م، ~~القاهرة. # المراجع الأجنبية ~~(1) # E. J. Holmyard: Chemistry to the Time of ~~Daltonm, Oxford, 1925, p. 17-18. ~~(2) # Sharif (M. M): A History of Muslim Philosophy, ~~London, 1963. ~~(3) # Wat (M): The Influence of Islam on Medieval ~~Europe, Edinburgh, 1972. # | الدراسة الثانية # التفكير العلمي وإشكالية التجارب الحاسمة بين التأييد ~~والتفنيد (دراسة تحليلية-نقدية في فلسفة العلم المعاصرة) # تقديم # يرجع مفهوم «التجارب الحاسمة» إلى الأصل اللاتيني # Experimentum Crucis ~~؛ حيث # Experimentum # تعني «تجربة»، # Crucis # وتعني «حاسمة» أو فاصلة أو قاطعة، ~~ومنهما اشتقت الكلمة الإنجليزية # Crucial ~~Experiments ~~، وتعني أنه عندما يكون لدينا فرضان أخضعا ~~للاختبار عن طريق التجربة، فإن التجربة وحدها تنفي أحدهما وتثبت الآخر؛ ~~عندئذ يقال إنها «تجربة حاسمة»؛ فحيثما توجد تجربة من هذا النوع، فذلك يفهم ~~منه أن «أحدا يمكن له التحقق من فرض نظري، وذلك بحذف حاسم لكل المنافسين ~~له؛ أي الفروض»، # 1 # وبهذا فإن التجربة الحاسمة هي التي يمكن أن تحسم في لحظة بين ~~عدة نظريات متنافسة، ووضع بدلا من ذلك نظرية لفحص وفرز نتائج سابقة ~~لنظريات متنافسة، ليرى ما إذا كانت فاسدة أو متقدمة. # ويمكن توضيح ذلك بهذا المثال الذي ذكره الفيلسوف الوضعي «كارل همبل # Karl Hemple ~~»؛ حيث يقول: «إذا افترضنا أن ~~ق1، ق2 فرضان متنافسان بخصوص موضوع معين، وأنهما صمدا إلى حد بعيد وبقدر ~~متساو في الاختبارات الإمبريقية لدرجة أن البينة التي في متناول أيدينا ~~لا تفصل أحدهما عن الآخر. ويمكن التوصل إلى اتخاذ قرار بشأنهما، إذا أمكن ~~تحديد اختبار للفرضين عن طريق التنبؤ بنتائج متضاربة؛ أي إذا كان بالنسبة ~~لنوع معين من شروط الاختبار «ط» أنتج الفرض الأول اللزوم الاختباري القائل ~~«إذا كان ط إذن ه1» حيث ه1، ه2 نتيجتان استبعاديتان بالتبادل. هنا إجراء ~~الاختبار الحاسم من المفترض أن يدحض أحد الفرضين ويؤيد الآخر.» # 2 # ويمكن تطبيق ذلك على تلك التجربة الحاسمة ms038 التي أجراها فوكولت # Foucault ~~(1819-1868م) لاتخاذ قرار بصدد ~~تصورين متنافسين عن طبيعة الضوء. أحد التصورين قدمه العالم الهولندي ~~«هويجينز # Huyghens ~~» (1629-1695م) وطوره فيما ~~بعد كل من العالم الفرنسي «فريزنيل # Fresnel ~~» (1788-1827م) والطبيب الإنجليزي ~~«يونج # Yong ~~» (1773-1829م) اللذين قالا بأن ~~الضوء يتألف من موجات عرضية منتشرة في وسط أثيري، وكان التصور الثاني ~~لطبيعة الضوء، هو تصور «إسحاق نيوتن # Isaac ~~Newton ~~» (1642-1727م)، القائل بأن الضوء يتألف من جزيئات ~~صغيرة للغاية متطايرة بسرعة عالية؛ فقد ترتب على كلا الفرضين أنه أصبح ~~بالإمكان استخلاص النتيجة القائلة بأن أشعة الضوء تتطابق مع قوانين ~~الانتشار للأشعة الضوئية في خطوط مستقيمة من جانب، وتتطابق أيضا مع قوانين ~~الانعكاس والانكسار الضوئية. ولكن التصور الموجي أدى إلى اللزوم الاختباري ~~القائل بأن الضوء يسير في الهواء أسرع منه في الماء، بينما التصور الجسيمي ~~يؤدي إلى نتيجة مضادة. وفي سنة 1850م نجح فوكولت في إجراء تجربة قارن فيها ~~بين سرعة الضوء في الهواء مباشرة، فأنتجت صورتين لنقطتين ضوئيتين منبعثتين ~~بواسطة أشعة الضوء المارة عبر الهواء والماء على التوالي، ثم تعكسان في ~~مرآه تدور بسرعة فائقة، واعتمادا على أن سرعة الضوء في الهواء أعظم أو أقل ~~منها في الماء تظهر صورة المصدر الضوئي الثاني؛ ولذلك أمكن أن توضع بإيجاز ~~اللزومات الاختبارية المتضاربة التي تضبطها هذه التجربة على النحو التالي : ~~إذا أجريت تجربة فوكولت تظهر الصورة الأولى إلى يسار الصورة الثانية. وقد ~~أبانت التجربة عن أن اللزوم الاختباري الأول كان صادقا. واعتبرت هذه ~~النتيجة دحضا وعلى نطاق واسع للتصور الجسيمي للضوء، وانتصارا حاسما ~~للتصور الموجي. # 3 # وقد ظهرت فكرة التجربة الحاسمة في القرن السابع عشر، وذلك من خلال ~~«فرنسيس بيكون # Francis Bacon ~~(1561-1626م)» ~~في كتابه «الأورجانون الجديد # Novum ~~Organum ~~»؛ حيث استخدم فكرة الشواهد الحاسمة # Instantiae Crucis ~~، وهي التي تبين لنا ~~عندما نتردد بين صورتين لتفسير طبيعة معينة أن اتحاد إحدى هاتين الصورتين ~~بهذه الطبيعة اتحاد ثابت غير منفك، وأن اتحاد الأخرى متغير؛ هذه الشواهد ~~يمكن إدراج الصورة المتغيرة منها في قائمة الغياب. # 4 ms039 # ومن الشواهد التي استخدمها بيكون ليعبر بها عن التجربة الحاسمة هو مثال ~~«الإشارة بالأصابع # Instance of the ~~Fingerposts ~~» ليعبر به عن مفترق الطرق؛ حيث يذكر أن هناك ~~نظريتين للمد والجزر؛ النظرية الأولى تقول إن المد والجزر يرجع إلى حركة ~~المياه جيئة وذهابا على شواطئ الأرض. بينما النظرية الثانية تثبت أن المد ~~والجزر يرجع إلى حركة الصعود والهبوط الدوري للمياه، وهنا يتساءل بيكون: ~~«أي من هاتين النظريتين صادق وأيهما كاذب؟» وهنا يجيب بيكون بأنه اكتشف ~~من خلال ملاحظاته أن شخصا ما ممن يجيدون السباحة إذا ألقى نفسه من مكان ~~عال ليسقط على حمام السباحة، فإن المياه تندفع في الجزء المقابل للحمام، ~~فيحدث هبوط للمياه أثناء لحظة السقوط وصعود في الجزء المقابل؛ هذا من ناحية. ~~ومن ناحية أخرى يذكر بيكون أن أحد الباحثين اكتشف أنه في حالة وجود فيضان ~~على شواطئ فلوريدا هناك ارتفاع وانخفاض وقتي للمياه، وفي نفس الوقت واللحظة ~~لا يكون هناك ارتفاع وانخفاض للمياه على شواطئ إسبانيا وأفريقيا. ونفس ~~الشيء كذلك أنه في حالة وجود فيضان على شواطئ بيرو فإن هناك ارتفاعا ~~وانخفاضا وقتيا للمياه، وفي نفس الوقت واللحظة فإن المياه على شواطئ ~~الصين لا يكون هناك فيها ارتفاع وانخفاض للمياه. وهنا توصل بيكون إلى أن ~~النظرية الثانية أصدق من النظرية الأولى؛ فقد كشفت النظرية الثانية أن المد ~~والجزر ظاهرتان طبيعيتان تحدثان لمياه المحيطات والبحار بتأثير من القمر؛ ~~فالمد هو الارتفاع الوقتي التدريجي في منسوب مياه سطح المحيط أو البحر، ~~والجزر هو انخفاض وقتي تدريجي في منسوب مياه سطح المحيط أو البحر. # 5 # وفي القرن الثامن عشر استخدم «نيوتن» لأول مرة لفظ # Experimentum ~~Crucis # في سنة 1672م، وذلك من خلال الخطاب الذي أرسله للجمعية الملكية ~~للعلوم يخبرها عن اكتشافه الجديد في الضوء واللون، وهذا الاكتشاف يرد فيه «نيوتن» على ~~التفسير الميكانيكي-الديكارتي للألوان، والذي يعول فيه «ديكارت # Descartes ~~(1596-1650م)» أن «الألوان ميكانيكية، وأن المنشور ~~هو الذي يحول الضوء الأبيض إلى ألوان». لكن هذه النظرية في نظر «نيوتن» لم تكن كافية، ms040 بل ~~غامضة أيضا. وهنا قام بإجراء تجربة حاسمة للكشف عما يحدث عندما يمر ضوء الشمس الأبيض خلال ~~منشور. وقد عمد نيوتن إلى عمل ثقب صغير في النافذة حصل بوساطته على حزمة ضيقة من ضوء الشمس، ~~فاعترض سبيلها بمنشور قبل أن تسقط على ستارة بيضاء أو حاجز خلفه على قرب منه؛ فبدلا من أن ~~يشاهد صورة مستديرة (كالتي يحصل عليها من آلة التصوير ذات ثقب الدبوس) للشمس على الحاجز، كما ~~هي في الحالة من غير المنشور، رأى صورة مستطيلة ذات لون خفيف من الزرقة في قمتها، ولونا ~~خفيفا من الحمرة في القاعدة. ولقد ألهمته هذه النتيجة وقادته إلى فكرة أن ضوء الشمس الأبيض ~~يمكن أن يتكون من أشعة مختلفة الألوان؛ من الأشعة الزرقاء الأكثر قابلية للانكسار، إلى ~~أقلها قابلية للانكسار، وهي الأشعة الحمراء. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من أن تتكون ~~الصورة المستطيلة التي على الحاجز من عدة صور متداخلة للشمس لها ألوان مختلفة، فلا يبقى غير ~~أحد طرفيها النهائيين أزرق خالصا، كما يبقى الطرف الآخر أحمر نقيا، ولكن لكي يتخلص من ~~تداخل صور الشمس على الحاجز أدخل نيوتن على حزمة الضوء عدسة تعمل على تجميع صورة الثقب الصغير ~~الذي بالنافذة على الحاجز. وعند ذلك قنع برؤية حزمة رأسية ذات ألوان ناصعة؛ الأحمر، ~~البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، والبنفسجي، مع جميع الظلال المتخللة أو المتوسطة بين كل ~~زوج منها. وكان هذا أول جهاز من أجهزة المطياف أو «سبكتروسكوب»، وأول برهان حاسم على الحقيقة ~~القائلة إن الضوء الأبيض يتكون من أشعة ذات ألوان مختلفة وتتباين قابليتها للانكسار. # 6 # وفي هذه التجربة تمكن «نيوتن» من أن يوجد برهانا حاسما يثبت أن رواية ~~«ديكارت» حول أصل اللون محض كذب وهراء؛ فقد اعتمد على سؤال هو: هل أصل ~~الضوء الأبيض صاف، وهل المنشور يصنع الألوان بأن يعدلها كما ادعى ديكارت؟ ~~اختبر «نيوتن» هذا التوكيد بأن حفر ثقبا في شاشة مجيزا لجزء الطيف الأحمر ~~فقط من المرور من خلاله، وقد شكل ذلك لحظة الحقيقة؛ بمعنى إذا ms041 كان «ديكارت» ~~محقا، فإن المنشور ثانيا قد يتسبب بتعديل الضوء الأحمر، وينتج عن ذلك ~~ألوان جديدة؟ أما إذا كان «نيوتن» محقا فإن الضوء الأحمر يبقى كما هو ولا ~~يتبدل؟ ولأن الضوء الأحمر مر عبر المنشور الثاني من دون أي تعديل، فإن ~~اختبار «نيوتن» الحاسم برهن على أن المنشور لا يعدل الألوان، وأثبت أن ~~الألوان كالأحمر على سبيل المثال هو لون أساسي، وأن الضوء الأبيض قد تشكل ~~نتيجة دمج الألوان المختلفة لأنه يحتوي على كل ألوان قوس قزح. كما كان ~~نيوتن أول من أثبت من خلال تلك التجربة الحاسمة أن الضوء الملون يمكن ~~تركيبه ليكون ضوءا أبيض. كما أدرك نيوتن أن الأشعة الضوئية ذاتها ليست ~~ملونة، ولكن الإحساس باللون ينتج في الدماغ. باستنتاجه هذا تمكن نيوتن من ~~اختراع التلسكوب العاكس ليتغلب على مشكلة الألوان التي تظهر في التلسكوبات ~~المعتمدة على الضوء المنكسر. # 7 # ومن هذا المنطلق دخلت فكرة التجربة الحاسمة أدبيات فلسفة العلم، حيث ~~استقبلها فلاسفة العلم المعاصرون ما بين مؤيد ومعارض؛ فالمؤيدون ويمثلهم ~~«التجريبيون المناطقة»، قد أكدوا على أهمية ودور التجارب الحاسمة في تاريخ ~~العلم، وهي لديهم نتيجة لإمبريقية المعرفة العلمية؛ لذا قد تظهر في صورة ~~صاحبة الدور العبقري الذي يقدم معايير لتأييد أو تفنيد النظريات العلمية في ~~الحال. # ومن المؤيدين أيضا الفيلسوف النمساوي «كارل بوبر» # Karl Popper ~~(1902-1994م)، والذي يرى أن التجربة الحاسمة عليها ~~عامل كبير في التكذيب، وبالتالي نمو المعرفة العلمية؛ فهي ضرورية من أجل ~~تكذيب النظريات العلمية أو تعزيزها، فالنظريات التي تم تكذيبها بتجربة ~~حاسمة، يجب نبذها واستبدالها بأخرى في الحال، يطلق عليها فرضية تكذيب؛ ~~فالعلم لا ينمو إلا بواسطة التكذيب القائم على التجارب الحاسمة؛ وبالتالي ~~فإن الرؤية العلمية الصحيحة في العلم، كما يرى بوبر، هي أن تتخذ النمط النقدي ~~صوب قوانينه ونظرياته؛ أي إنه على العالم أن ينظر إلى القانون والنظرية من ~~زاوية تقبل النقد، مما يجعل كل الاختبارات الحقيقة محاولات لتفنيدها، وإذا ~~تجاوزت بنجاح هذه التفنيدات، فإنها تصبح معززة عن طريق التجربة الحاسمة. # 8 # وأما ms042 المفندون والمعارضون للتجارب الحاسمة وهم كثر، فقد أداروا ظهورهم ~~لمنطق اليقين التجريبي، واستحدثوا معايير أخرى غير المعايير التي اعتادوا ~~عليها، في ظل فيزياء نيوتن التي سيطرت على العقل العلمي، بسبب اكتشاف زيف فرض ~~الأثير، وأنه فرض ميتافيزيقي، ولا يمكن أن يبنى منطق التحقق المعاصر على ردود ~~الأفعال، بل على الفهم الصحيح لمنطق العلم؛ إذ كيف أتحقق مما لا أراه. إذن ~~في ظل التطورات العلمية المعاصرة ليس هناك تجارب حاسمة فورية ذات واقع ~~تجريبي في تاريخ العلم، فهل عندما نادى ديراك بنظريته عن الوجود السالب ~~(البوزيترون Positron ~~) كان يتكلم عن الواقع ~~التجريبي، أو بالأحرى عن عالم ما وراء الخبرة، فلنقارن مثلا بين تجربة ~~«جاليليو # Galileo ~~» (1564-1642م) من فوق برج ~~«بيزا» عن السقوط الحر للأجسام، وبين تجربة المصعد عند «أينشتين # Einstein ~~» (1879-1955م)، نجد أن الفرق ~~شاسع؛ لأنه فرق بين عصرين؛ عصر كان يعاني من أزمة قديمة، فألقى بكل ثقله ~~على التجربة الحسية الحاسمة المباشرة، ورأى فيها القول الفصل في صدق أية ~~قضية علمية، وعصر آخر لا يرى بأسا من الاعتماد على التجربة التخيلية بعد ~~أن أفلت الواقع من مصداقية الخبرة. # 9 # لكل ما سبق قصدت إلى إنجاز بحث عن «التجارب الحاسمة بين التأييد ~~والتفنيد»، وقد اخترنا أهم ممثلي التأييد: التجريبية المنطقية، وكارل بوبر، ~~كما اخترنا أهم ممثلي التفنيد: العالم والفيلسوف الفرنسي «بيير دوهيم» Pierre Duhem ~~(1861-1916م) والعالم ~~والفيلسوف المجري «إمري لاكاتوش» # Imre ~~Lakatos ~~(1922-1974م). ويمكن توضيح ذلك بشيء من التفصيل ~~وذلك على النحو التالي: # أولا: المؤيدون للتجارب الحاسمة ~~(أ) التجريبية المنطقية # تعد التجريبية المنطقية من أهم تيارات فلسفة العلم المعاصرة؛ فقد ~~تسيدت إلى حد ما المسرح الفلسفي في الربع الثاني من القرن العشرين. ~~ويمكننا القول إنه حتى عام 1960م كانت التجريبية المنطقية هي فلسفة العلم ~~الأنجلو-أمريكية، وبدون منافس يمثل خطرا حقيقيا. فقد قدمت المشكلات ~~الأساسية التي ينبغي على فلسفة العلم أن تعالجها، والمناهج الملائمة ~~لحلها، والأهداف التي ترمي الوصول إليها. وكانت مبادئها من القوة والوضوح ~~بحيث أثرت على كل دارس لفلسفة العلم. ms043 # 10 # إن موقف التجريبية المنطقية المؤيد للتجارب الحاسمة يقوم على أساس ~~عدة مفاهيم جوهرية، أهمها «معيار التحقيق»، وهذا المعيار الهدف منه هو ~~وضع حد فاصل بين القضايا التي لها علاقة بالوقائع، والتي ليست لها علاقة ~~بها؛ وبالتالي لا بد من الربط بين المعنى الواقعي للعبارات، وبين الخبرة ~~- أي محاولة تثبيت حكم ما حول صحتها وكذبها عن طريق اختبارها بالملاحظة. # 11 # ويعد «مورتس شليك» # Murtiz Schlick ~~(1882-1936م) أول من قام بصياغة هذا المبدأ صياغة محددة في عبارته ~~المشهورة التي يقول فيها إنه حتى نفهم قضية ما ينبغي أن نكون قادرين على ~~أن نشير بدقة للحالات الفردية التي تجعل القضية صادقة، وكذلك الحالات ~~التي تجعلها كاذبة، وهذه الحالات هي وقائع الخبرة؛ فالخبرة هي التي تقرر ~~صدق القضايا أو كذبها؛ فالقضية توصف بالصدق أو الكذب عن طريق إحالتها ~~للخبرة مباشرة، لنرى هل هناك في الواقع الخارجي واقعة تشير إلى ما تقوله ~~القضية أم لا. # 12 # أما «نيراث» # Neurath ~~(1882-1945م) فله ~~رأي مختلف في معيار التحقيق عن رأي شليك؛ فهو يرى أن القضايا تقارن ~~بقضايا مثلها، لا بالخبرة أو الوقائع، أو بأي شيء آخر فالخبرة أو الوقائع ~~أمور بلا معنى وتنتمي للميتافيزيقيا؛ وبالتالي لا بد من رفضها، والبحث عن ~~الأصل الذي يخلو من الميتافيزيقيا؛ ومن ثم فإنه يرى أن القضايا لا بد وأن ~~تجيء صياغتها متفقة مع نوع من القضايا التي يطلق عليها قضايا البروتوكول Protocol Propositions ~~، وقضية ~~البروتوكول تحتوي على اسم علم أو وصف معين لشخص ما يلاحظ شيئا محددا، أو ~~تحتوي على كلمات تشير إلى فعل الملاحظة. وفي قضايا البروتوكول نشير إذن ~~إلى أن الشخص فلان يدرك كذا وكذا من المعطيات في زمان محدد تحديدا تاما. # 13 # والواقع أن معيار التحقق قد أثار جدلا واسع النطاق؛ فقد كان قد أوقف ~~علمية القضية على التحقق فعلا، سواء عن طريق الخبرة كما قال شليك أو ~~بمقارنة قضايا البروتوكول بقضايا مثلها كما قال نيراث، فماذا يرى بشأن ~~قضية لا تقبل التحقق الآن لأسباب فنية ربما ms044 قد ترجع إلى قصور أو قلة ~~الإمكانيات أو لأسباب أخرى؟ # ولا شك في أن هذه هي الأزمة التي واجهت التجريبية المنطقية بعد ظهور ~~علم الفيزياء النظري وضرورة تطوير الموقف، فهل تغلبت على الأزمة؟ # الحقيقة لم تتغلب عليها تماما، لكن حاول كبار التجريبيين المناطقة ~~وضع مسكنات لتفادي الأزمة؛ فقد نزع «أير» إلى استبدال مصطلح «مبدأ ~~التحقيق» ب «مبدأ إمكانية التحقيق»، وهو يستند إلى افتراض مسبق يقرر «أنه ~~بالنسبة لكل قضية ينبغي أن يكون ممكنا، حتى إن لم يكن عمليا، إقرار ما ~~إذا كانت القضية صادقة أو كاذبة». # 14 # وقد اتفق «أير # Ayer ~~» (1910-1989م) مع ~~«هيوم # Hume ~~» (1711-1776م) في أنه يمكننا ~~تصنيف القضايا التي لدينا إلى مقولتين أساسيتين؛ الأولى تنطوي على ~~القضايا التي لها معنى، وتشمل القضايا القبلية مثل قضايا الرياضيات ~~والمنطق، التي لا يتوقف صدقها على إجراء تحقيق تجريبي؛ لأنها لا تتعلق ~~بعالم الخبرة ولا تقدم أخبارا عنها؛ ومن ثم فإنها صادقة صدقا مطلقا. ~~والثانية تتضمن القضايا التجريبية التي تتصل بالواقع التجريبي، ويتوقف ~~صدقها بالتالي على عالم الخبرة. والقضايا التي لا تندرج تحت أي من ~~المقولتين وتتسم بكونها قضايا ميتافيزيقية فارغة من المعنى. # 15 # ويقدم لنا «أير» تمييزا بين نوعين من التحقيق في إطار تصنيفه ~~للقضايا إلى قبلية وتجريبية، حيث يميز بين التحقيق بمعناه القوي والتحقيق ~~بمعناه الضعيف. التحقيق بمعناه القوي توصف به القضية إذا كان من الممكن ~~إثبات صدقها إثباتا حاسما. وهذا المعنى للتحقيق تتمتع به القضايا ~~القبلية؛ أي قضايا المنطق والرياضيات والقضايا الأولية، وهي القضايا ~~الوجدانية والقضايا التي تعبر عن الإحساسات والانفعالات الشخصية، ويكون ~~تحقيقها بالرجوع إلى الوقائع مباشرة من حيث تمثل الخبرة الراهنة. أما ~~القضية التي تتصف بأنها ممكنة التحقيق بالمعنى الضعيف؛ فهي تلك التي إذا ~~كان من الممكن للخبرة أن تجعل لتلك القضية صدقا احتماليا، بمعنى الميل ~~للتصديق، وهذا المعنى ينسحب على قضايا العلوم التجريبية مثل الفيزياء. # 16 # وأما كارناب (1891-1970م) فقد استعاض عن مبدأ إمكانية التحقيق بمبدأ ~~القابلية للتأييد أو الاختبار # Confirmability or ~~Testability ~~؛ حيث ميز ms045 كارناب بين نوعين من القضايا ~~القابلة للتأييد بواسطة الملاحظات؛ أما النوع الأول فيتمثل في القضايا ~~القابلة للتأييد والاختبار مباشرة. وأما النوع الثاني فيتمثل في القضايا ~~القابلة للتأييد والاختبار بصورة غير مباشرة. بالنسبة للنوع الأول، ~~ويتمثل عندما تكون الظروف متاحة بحيث تجعلنا بكل سهولة نقول إنها مؤيدة ~~أو غير مؤيدة بناء على عدد قليل من الملاحظات التي تفصل الموافقة أو ~~الرفض؛ فعندما أقول مثلا: «هناك مفتاح في درج مكتبي.» هنا لكي تكون ~~العبارة مؤيدة، أن تتوافر الشروط اللازمة للاختبار، أن أقف قريبا من درج ~~المكتب، أن تكون الإضاءة متوافرة بحيث تتيح الفرصة للرؤية. أما شرط ~~التوافق فهو أن أرى بنفسي المفتاح في درج مكتبي. النوع الثاني يكمن في ~~اختبار وتأييد قضايا مستنتجة من القضايا الكلية موضع التساؤل، ولما كانت ~~القوانين العلمية قضايا كلية، كان من الممكن أن تؤيد بدرجة أعلى أو أقل ~~في ذلك من خلال توافق القضايا المشتقة من هذه القوانين؛ ومن ثم يمكن قبولها. # 17 # إن فهم القضية العامة أو القانون العلمي يتطلب في واقع الأمر أن ~~لدينا القدرة على أن نشير إلى الحالات الجزئية التي تجعل هذه القضايا ~~صادقة، وكذلك الحالات التي تجعلها كاذبة، وهذا لا يكون إلا من خلال وقائع ~~الخبرة؛ فالخبرة هي التي تقرر صدق القضايا وكذبها، # 18 # وفيما يتعلق بصدق القضايا وكذبها، فقد حرص كارناب على أن ~~يميز بين الصادق والمؤيد، والصادق هو الذي يستخدم دون تقيد بالتحديد ~~الزمني، في حين أن المؤيد يستند إلى عنصر الزمن؛ فعندما يقول شخص ما إن ~~هذه العبارة أو تلك مؤيدة بدرجة أعلى، وذلك عن طريق الملاحظات، فإنه من ~~الضروري أن نضيف إلى هذه العبارة «في هذا الوقت أو ذاك». # 19 # وهنا يحاول كارناب أن يبرز فكرة أن الخبرة أساس قوي للاختبار في ~~تأييد القانون العلمي، كما أنه ليس هناك اختلاف نوعي بين القضايا الكلية ~~والقضايا الجزئية، بل كل ما هنالك اختلاف في الدرجة وحسب، فإذا أخذنا ~~القضية «هذا المعدن يتمدد بالحرارة»، فإنه يمكننا التثبت منه بواسطة بعض ~~الملاحظات. ms046 أما في حالة القضية العامة الكلية «كل المعادن تتمدد ~~بالحرارة»، فإننا نختبر القضايا التي نشتقها منها على أساس أن القانون ~~العلمي أو العبارة العامة تقدم استنتاجات أو تنبؤات. ولما كان عدد هذه ~~التنبؤات أو الحالات التي يمكن اشتقاقها منه هو عدد غير محدود ولا نهائي؛ ~~لذلك لا يمكن التحقق منه بصورة تامة وقاطعة. ومن الناحية العملية لن ~~نستطيع الوصول إلى يقين كاف بعد إجراء عدد قليل من التجارب؛ ومن ثم ~~يمكننا أن نقف بعملية التجريب عند بعض الأمثلة الإيجابية، فليس هنالك ~~تحقق كامل وتام، بل كل ما هنالك هو تأييد متزايد وباستمرار. # 20 # ومن جهة أخرى فقد حاول كارناب ربط الفهم الوظيفي للقانون من وصف ~~وتفسير وتنبؤ بالقابلية للتأييد للقانون موضع التساؤل؛ فعندما حاول وضع ~~الطريقة التي يتأيد بها القانون في ضوء البينة المتوفرة لدينا، كان في ~~واقع الأمر، لا يريد سوى تحديد أو معرفة الأسس التي يمكن الاعتماد عليها ~~للتنبؤ بوقوع أحداث مستقبلية أو أحداث لم يتم معاينتها بعد؛ الأمر الذي ~~يجعل القانون العلمي يقوم بمهامه. # ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: كيف يمكن التحقق من النظرية في ضوء ملاحظات ~~التجربة؟ # كانت البداية التي انطلق منها كارناب بشأن التأييد أو عدم التأييد هو ~~أن «العلم يبدأ بملاحظات مباشرة لوقائع مفردة، ولا شيء آخر يمكن ملاحظته. ~~بالتأكيد لا يمكن ملاحظة الانتظام بشكل مباشر، وإنما يتم اكتشاف ~~الانتظامات عندما نقوم بمقارنة العديد من الملاحظات الواحدة بالأخرى. يتم ~~التعبير عن مثل هذه الانتظامات بقضايا تسمى «قوانين»؛ # 21 # ومجموع القوانين يشكل النظرية، والنظرية بحسب مفهوم كارناب ~~لها تتألف من حساب مجرد مقترن بتأويل تجريبي»؛ # 22 # أي تتألف من قوانين نظرية وقواعد للتطابق مهمتها «ربط ~~النظريات بالوقائع أو معطيات الملاحظة». # 23 # وعندئذ تكون «النظريات أنساقا ذات محتوى تجريبي»، # 24 # مما يجعل أمر اختبارها سهلا يسيرا، وذلك عن طريق الملاحظات ~~والوقائع التجريبية. # 25 # وإذا كانت هذه القاعدة عند كارناب تجعل اشتقاقات النظرية قابلة ~~للاختبار تجريبيا من خلال ربطها بأقوال الملاحظة والتجربة، فإن أي ~~اشتقاق منها لا ms047 يكون، في واقع الأمر، ذا أهمية ما لم يكن قابلا للاختبار ~~التجريبي ولو مبدئيا؛ وبالتالي فإن أي نظرية لا تكون مثمرة لتنبؤات أو ~~استنتاجات أو اشتقاقات غير قابلة بدورها للاختبار لا تقبل التأييد أو عدم ~~التأييد تجريبيا. # 26 # وبعبارة أخرى تتلقى النظريات التأييد عندما تمتلك الإمكانية ~~في أن تنتج تنبؤات أو نتائج دقيقة. والتنبؤ يشير دائما إلى حادثة ممكنة. ~~لكن لكي يكون هذا التنبؤ سليما بغض النظر عن كونه صادقا أو كاذبا ~~فينبغي أن يكون محسوبا بدقة. # في هذا الضوء يكون هذا التنبؤ كافيا للعالم أو لفيلسوف العلم لأن ~~يقول بصدده: إنه - أي التنبؤ - ممكن استنباطه. وهنا يظهر دور الملاحظات ~~والتجربة في تأييد النظرية أو فشلها. هذا معناه أنه في ضوء التجربة يمكن ~~مواجهة التنبؤات الخاصة بالنظرية بحالات الملاحظة ... فإذا نجحت التنبؤات ~~هذه كانت النظرية مبررة، وإذا كذبت كانت مفندة أو كاذبة أو غير مبررة؛ أي ~~إن اختبارات الملاحظة للنظرية العلمية موضع التساؤل تمدنا بإشارة نعم أو ~~لا لتنبؤاتها - أي تنبؤات النظرية. # 27 # لكن نتساءل: كيف يمكن لنا أن نختبر نظرية علمية في ضوء فلسفة ~~كارناب؟ # لا بد أن يكون لدينا نظرية قابلة للاختبار التجريبي. # أن نستخدم المنهج الفرضي الاستنباطي؛ حيث يتم اشتقاق نتائج ~~النظرية أو تنبؤاتها. # إعداد إجراء تجريبي أو الملاحظات الخاصة بهذه النظرية، وذلك ~~لتأييدها أو رفضها. # وبعد التوصل إلى تأييد النتائج التجريبية المستنبطة منها يمكن للشخص ~~الحكم على النظرية وصحتها، كما يمكنه أيضا معرفة أن حالات التأييد ~~الكثيرة والمتنوعة لا شك في أنها ترفع من قبول النظريات، والعكس ~~صحيح. # وينتهي كارناب إلى القول بأن التطور العلمي إنما يتم عن طريق «تأييد» ~~المشاهدة المستقاة من التجربة للنظرية المقترحة من العقل، وكلما ظهرت ~~نتائج جديدة لتجارب مختلفة حول نظرية ما تأيدت صدقية هذه النظرية؛ وعلى ~~ذلك فالتقدم إنما يتم بتراكم المعرفة شيئا فشئيا؛ الأمر الذي يستشهد فيه ~~عادة بمقولة إسحاق نيوتن الشهيرة: «إنني لم أستطع أن أرى أبعد من الآخرين ~~إلا عندما صعدت على أكتاف من سبقوني.» ورغم الجهد ms048 الذي بذله كارناب في ~~تنقيح وتعديل «التجريبية المنطقية» لإنقاذها من النقد الشديد الذي وجه ~~إليها، إلا أنها لم تستطع أن تحافظ على بريقها القديم، فنشأت بعدها تيارات ~~فلسفية أخرى، كان من أشدها عليها المنهج التكذيبي الذي تبناه كارل ~~بوبر. # وخاتمة القول فإن التجريبية المنطقية برغم اختلاف أصحابها حول معيار ~~التحقيق، إلا أنهم أجمعوا جميعا على ضرورة الأخذ بالتجربة الحاسمة ~~للمفاضلة بين النظريات، وذلك لأنها بالنسبة لهم تمثل نتيجة لإمبريقية ~~المعرفة العلمية؛ لذا قد تظهر في صورة صاحبة الدور العبقري الذي يقدم ~~معايير لتأييد أو تفنيد النظريات العلمية في الحال. ~~(ب) كارل بوبر # يعد بوبر واحدا من أهم فلاسفة العلم المعاصرين؛ فقد أثرت مؤلفاته ~~على غالبية الدارسين للفلسفة وما زالت تؤثر عليهم حتى اليوم. ومن المعروف ~~أن بوبر كان من أوائل الفلاسفة الذين انتقدوا حركة التجريبية المنطقية ~~منذ بدايتها، واتسمت انتقاداته بالقوة والتأثير إلى درجة أنها مهدت في ~~نهاية الأمر إلى ثورة شاملة على التجريبية المنطقية. ولم يكتف بوبر بنقد ~~هذه الحركة، بل قدم نظرية جديدة عن العلم تتفادى الصعوبات التي واجهتها؛ ~~ولذا شكلت نظريته المنافس الرئيسي لحركة التجريبية المنطقية، كما أنها ~~المدرسة - إن جاز هذا التعبير - التي تخرج فيها معظم فلاسفة العلم المعاصرين. # 28 # إن مفهوم بوبر للتجارب الحاسمة يقوم على أساس مبدأ التكذيب، وليس ~~مبدأ التحقيق والتأييد؛ بمعنى أنه إذا كان دور التجربة أو الخبرة عند ~~التجريبيين المناطقة قائما على فكرة أن العلم يبدأ بمشاهدات أو ملاحظات ~~ويشتق عنها قوانينه ونظرياته بطريقة استقرائية، وأن دورها - بالإضافة إلى ~~ذلك - يؤيد القوانين والنظريات، فإن بوبر يرى أن منهج العلم عكس ذلك؛ فهو ~~قائم على التخمينات والمحاولات المتكررة بوصفها صيغة ل «منهج المحاولة ~~واستبعاد الخطأ» # Method of Trial and ~~Error ~~؛ ومن ثم فإن نمو المعرفة يتقدم ابتداء من حذف ~~الخطأ # Elimination of Error ~~، ويمكن ~~الإشارة إلى هذه العملية بصيغة بوبر الآتية: P1 ~~--- # TT ~~--- # EE ~~--- P2 # حيث نبدأ بمشكلة ما، ونصوغ حلا مؤقتا، أو نظرية مؤقتة، ثم نعرضها ~~بعد ذلك لكل الاختبارات الشاقة ms049 الممكنة في إطار عملية حذف الخطأ الذي ~~يقودنا لصياغة مشكلات جديدة، وهذه المشكلات تنشأ من نشاطنا الخاص المبدع، # 29 # يقول بوبر: «يستند التقدم في العلم أو في الكشف العلمي إلى ~~الاستخدام الثوري لعملية المحاولة النقدية وحذف الخطأ، التي تتضمن بدورها ~~البحث عن اختبارات تجريبية عديدة أو محاولات ممكنة لضعف النظريات العلمية ~~أو تفنيدها.» # 30 # والموقف الذي اتخذه بوبر هنا من العلم قائم على أن هناك سمة أساسية ~~في ضوئها تميز بين ما هو علمي وما هو غير علمي. هذه السمة هي «القابلية ~~للتكذيب # Falsifiability ~~»؛ حيث إن ما يشغل ~~خيالنا بل ويشده فيما يرى بوبر هو تفنيد نظريته المبكرة؛ عندئذ يكتسب ~~العلم دلالته، وخصوصا عندما يكون واحدا من المغامرات الفكرية التي يسعى ~~إلى ممارستها الإنسان. وبوبر هنا يرى أن مبدأ القابلية للتكذيب يقرر ما ~~إذا كانت النظرية تعطينا محتوى إخباريا أم لا، وذلك في ضوء حجج تجريبية ~~وملاحظات ... فمهمة العلماء هي أن يحكموا النظريات في ضوء اختبارات قاسية. # 31 # إذا ما تم لنا اختبار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر قابلية ~~للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوى (سواء المحتوى ~~التجريبي أو المحتوى المنطقي). وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية ~~للتكذيب وبين المحتوى المعرفي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة؛ إذ ~~إن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوى المعرفي لأي ~~قانون أو نظرية. والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل ~~الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن ~~النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة، ~~متذكرين دائما أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوى ~~معرفي أكثر؛ وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب. في ضوء هذه العلاقة، ~~يمكننا تفضيل نظرية أينشتين - مثلا - عن نظرية نيوتن. والسبب هو أن دلالة ~~النظرية الأولى - النسبية - فيما يرى بوبر دائما ما تظهر في اعتمادها ~~على السياقات الأكثر شمولا. # 32 # والمحتوى المعرفي يتضمن الحديث عن المحتوى التجريبي # Empirical Content # والمحتوى المنطقي # Logical Content ~~. والمحتوى التجريبي ms050 ~~يعول على أن النظرية التي تخبرنا بالكثير عن الوقائع المشاهدة هي التي ~~تمنع الكثير أيضا من الوقائع وتحرم حدوثها، بحيث إذا صدقت من هذه ~~الوقائع المحرمة والمناهضة للنظرية تم تكذيب النظرية على الفور. ولا يعني ~~ذلك أن «بوبر» يطالبنا بأن نتفرغ لتكذيب كل النظريات العلمية القائمة، ~~وإنما يطالبنا بالبحث الدءوب عن الأمثلة السالبة للنظرية القائمة. ونجد ~~عند «كارناب» قضايا من نفس النوع وإن اختلفت مشاربه عن «بوبر»؛ حيث يذكر ~~«كارناب» أن القوة الحقيقية للقضية تتمثل في استبعادها بعض الحالات ~~الممكنة. ويؤكد «بوبر» قائلا: إن ما يشير إليه «كارناب»، بالحالات ~~الممكنة يعني طبقا لتصوره عن العلم نظريات أو فروضا ذات درجة عالية أو ~~ذات درجة منخفضة من العمومية. # 33 # وإذا كان المحتوى التجريبي هو فئة المكذبات المحتملة التي تجعل ~~النظرية قابلة للتكذيب، فإن محتواها المنطقي هو فئة النتائج التي يمكن أن ~~تستنتج من القضية العلمية سواء كانت قانونا أو نظرية. في ضوء ذلك، فإن ~~ما يميز هذه النظرية عن تلك أو هذا القانون عن ذاك إنما هو القابلية ~~للاشتقاق، بحيث نتأكد أنه كلما أمكن اشتقاق أكبر عدد من القضايا منها ~~كانت أكثر قابلية للتكذيب، وكانت بالتالي النظرية علمية أكثر من غيرها. # 34 # والسؤال الآن: ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية ~~تتوافر فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي؟ ~~كيف نفاضل بين النظريات ونختار؟ # يذهب بوبر إلى أننا نختار من بين النظريات المتكافئة أو المتنافسة، ~~تلك التي تقدم حلولا عدة لمشكلة واحدة، نختار أكثرها قابلية للتعزيز، ~~ويتسنى لنا هذا باختبار النظرية في المواضع التي تتعارض فيها مع بقية ~~النظريات المتنافسة، ونسترسل في إجراء الاختبارات بين هذه النظريات حتى ~~نضع أيدينا على أكثرها موجبة في التعزيز # Corroboration ~~. # 35 # ودرجات التعزيز عند بوبر هي تقرير موجز لبيان حالة البحث النقدي ~~لنظرية ما في زمن معين، في ضوء طريقة النظرية في حل المشكلات، ودرجة ~~قابليتها للاختبار، وصرامة الاختبارات التي تمر بها النظرية وطريقتها في ~~مواجهة تلك الاختبارات. # 36 # لكن التعزيز هو ms051 فقط بالنسبة للقضايا المختبرة، هي مرة أخرى، ~~اختبارية، وموضع بحث دائما وما أن تنتهي عملية اختبار القوانين أو ~~النظريات إلا ونجد نتيجتين مختلفتين. هاتان النتيجتان من المحتمل ~~وقوعهما، لكن ليس معا، وهما أن تكون النظرية كاذبة أو معززة؛ فالأولى ~~تحدث عندما تناقض التنبؤات المستنبطة مع الواقع التجريبي أو العبارات ~~الأساسية. أما إذا تعرضت النظرية أو القانون إلى اختبار القابلية للتكذيب ~~واستنبطنا منها تنبؤات جديدة، وكانت هذه الأخيرة متوافقة مع الواقع؛ أي مع ~~العبارات الأساسية، فقد تم تعزيز النظرية أو القانون والتعزيز هنا يعني ~~أن القانون خضع لاختبار قاس، وقد اجتازه. # 37 # ويرى بوبر أن النظرية التي تجتاز هذه الاختبارات القاسية يمكن القول ~~بأنه تم تعزيزها. لكن التعزيز لا يثبت صدق النظرية، بل يعني فحسب قبولها ~~بصورة مؤقتة ثم القيام بمحاولات أخرى لنقدها وتكذيبها. وعلى هذا لا يوجد ~~شيء يقيني في العلم؛ إذ إن كل النظريات تقبل المراجعة المستمرة. لكن ~~الفكرة الأساسية التي تكمن وراء التعزيز هي أن النظرية الجديدة لا بد أن ~~تتجاوز نطاق النظريات القديمة وتتنبأ بوقائع جديدة، أو أن الاكتشافات ~~الجديدة تؤيد النظرية الجديدة في حين تكذب وتفند النظرية القديمة؛ ولذا ~~يستشهد بوبر ببعض الاكتشافات، مثل اكتشاف كوكب نبتون # Neptune # أو الموجات الكهرومغناطيسية # Electromagnetic ~~، ثم يقول: كل هذه ~~الاكتشافات تمثل تعزيزات أدت إليها الاختبارات القاسية؛ أي تنبؤات كانت ~~غير محتملة في ضوء معرفتنا السابقة؛ أي تلك المعرفة السابقة على النظرية ~~التي تم اختبارها وتعزيزها. # 38 # ويطور بوبر تلك الفكرة من خلال فكرة التجارب الحاسمة التي نستخدمها ~~عندما نقارن بين نظريتين علميتين متنافستين؛ فهو يلاحظ أن بعض النظريات ~~العلمية لم يتم تفنيدها قبل ابتكار النظرية الجديدة؛ فلم يتم تفنيد نظرية ~~كبلر أو جاليليو قبل ظهور نظرية نيوتن، ولم يتم تفنيد نظرية بطليموس قبل ~~ظهور نظرية كوبرنيقوس؛ وبناء على هذا يقول بوبر: «في حالات مماثلة لهذه ~~تصبح التجارب الحاسمة مهمة على نحو قاطع أو فاصل؛ فليس ثمة ما يدعونا ~~لاعتبار النظرية الجديدة أفضل من النظرية القديمة ... حتى نشتق من النظرية ms052 ~~الجديدة تنبؤات جديدة لم يكن من الممكن الوصول إليها عن طريق النظرية ~~القديمة ... وهذا النجاح وحده هو الذي يبين أن النظرية الجديدة لها لزوميات ~~صادقة؛ أي محتوى صادق، في حين أن النظريات القديمة لها لزوميات كاذبة؛ أي ~~محتوى كاذب.» # 39 # ونستطيع انطلاقا من مفهوم التعزيز والتجارب الحاسمة، أن نعيد بناء ~~تصور بوبر لتقدم العلم. فيبدو أننا نستطيع أن نميز بين حالتين يمكن أن ~~تظهرا النظرية الجديدة أو على وجه أدق تحدث بهما الثورات العلمية. ونبدأ في ~~الحالة الأولى من نظرية واحدة، ثم نخضعها للاختبارات التجريبية، ونحاول ~~نقدها ورفضها في نهاية الأمر. ويرغم التفنيد التجريبي العلماء على أن ~~يبحثوا عن نظرية أخرى أفضل. ونبدأ في الحالة الثانية من فرضين - متنافسين ~~أو أكثر - موجودين في ذات الوقت؛ أي في فترة زمنية قصيرة جدا. وأثناء ~~سياق النقاش النقدي الذي ينتج عن ذلك مباشرة، يتصور العلماء تجربة تقوم ~~بتفنيد أحد الفرضين المقترحين. وهذه التجربة، كما يقول بوبر، هي التجربة الحاسمة. # 40 # وهنا على العالم أن يجري تجارب حاسمة تساعد على تكذيب واستبعاد بعض ~~هذه النظريات. على أننا قد نجد أنفسنا في مواجهة نظريات متكافئة؛ بمعنى ~~أنها تقدم حلولا لبعض المشكلات الفرعية لمشكلة أساسية واحدة، بحيث لا ~~تشارك كل نظرية النظرية الأخرى في هذه الحلول الفرعية. وهنا يقترح علينا ~~بوبر بأن نختار النظرية التي تتميز بأنها تحل المشكلة الأساسية، وتعطي ~~أكبر قدر ممكن من حلول المشكلات الفرعية، والتي تفشل بقية النظريات ~~المنافسة في تقديم حلول مماثلة لها. # 41 # ووصولنا إلى هذه النظرية لا يعني نهاية المطاف؛ فالبحث النقدي لا ~~يتوقف، وإنما على الباحث أن يخضع النظرية في أي وقت لاختبارات جديدة، ~~وكلما تخطت النظرية من هذا النوع ظلت هي الأعظم في المحتوى المعرفي، ومن ~~حيث قوة تفسير، وأبقينا عليها مؤقتا؛ فهي أفضل ما لدينا من نظريات حتى الآن. # 42 # ومن ناحية أخرى فلم تعد التجربة الحاسمة بمثابة تأييد لأحد الفروض ~~كما كان متبعا، وإنما أصبحت التجارب بمثابة اختبارات للنظريات القائمة ~~ومحاولات من جانبنا للبحث عن ms053 الخطأ في النظريات، ومن ثم استبعادها. وإذا ~~كان «التجريبيون المناطقة» قد اعتقدوا أنه يمكن الأخذ بالتجربة الحاسمة ~~وذلك عن طريق التحقق من صدقها، فإنها عند بوبر يؤخذ بها لكونها ترفض ~~النظرية بتكذيبها. # لكن ألا تؤدي التجربة أي دور إيجابي للنظرية؟ إن هذا الدور الإيجابي ~~يتمثل في نجاح النظرية وفشل التجربة؛ بمعنى أنه إذا لم تنجح التجربة في ~~رفض نظرية معينة، فإن النجاح يكون من حظ النظرية، وعندها نقول إن النظرية ~~أصبحت معززة عن طريق التجارب. وكلما تخطت النظرية تجارب جديدة زادت درجة ~~تعزيزها. ودور التجربة هنا وثيق الصلة بتصور بوبر للمعرفة؛ فكلما نجحت ~~تجربة واستبعدنا نظرية كان علينا أن نبحث عن نظرية بديلة أكثر سعة ~~وشمولا طبقا للمنهج البوبري. # 43 # إننا نستطيع أخيرا أن نعترض على فكرة التجارب الحاسمة على أساس أن ~~تلك الفكرة تفترض ثبات معنى الحدود العلمية المتعاقبة. لكن إذا كانت تلك ~~الحدود نظرية فما الذي يضمن لنا أن تقرير ملاحظة لإحدى التجارب الحاسمة ~~سيمكننا بالفعل من الفصل بين النظريتين؟ فلو سلمنا بأن الحدود تتغير ~~معانيها تبعا لتغير النظريات العلمية، فسينتج عن ذلك أن عبارات ~~الملاحظات المستخدمة في التجارب الحاسمة لا تستطيع أن تعزز نظرية أو أن ~~تكذب أخرى. # 44 # إننا نعتقد مع بعض الباحثين أن فكرة التعزيز لا تتجاوز كثيرا فكرة ~~التأييد عند كارناب؛ ذلك لأن كلتا الفكرتين تقوم على أساس تحليل النظريات ~~العلمية في إطار النسق الفرضي-الاستنباطي؛ فالتأييد يقوم على أساس أن ~~النظرية تستلزم تنبؤات أو عبارات ملاحظة. وإذا كان التنبؤ كاذبا، فإن ~~النظرية تكذب، أما إذا كانت هناك تنبؤات عديدة صادقة، فإن النظرية يتم تأييدها. # 45 # يقول هيلاري بوتنام: «ورغم كل الهجوم الذي شنه بوبر على ~~المذهب الاستقرائي، فالشكل الذي يقدمه لا يختلف اختلافا كبيرا. وآية ~~هذا أن النظرية تستلزم تنبؤات؛ أي عبارات أساسية. وإذا كان التنبؤ كاذبا ~~فإن النظرية تكذب. أما إذا كانت هناك تنبؤات عديدة صادقة بدرجة كافية، مع ~~استيفاء شروط إضافية معينة، فإن النظرية يتم تعزيزها بدرجة كبيرة.» # 46 # ثانيا: المفندون للتجارب ms054 الحاسمة ~~(أ) بيير دوهيم # شهد القرن العشرون في فلسفة العلم ظهور مجموعة من الفلاسفة والعلماء ~~أطلق عليهم دعاة المذهب «الأداتي-الاصطلاحي»؛ فقد نظروا إلى القوانين ~~والنظريات والأنساق العلمية بوصفها أدوات أو اصطلاحات للربط بين الظواهر ~~والتنبؤ بها والسيطرة عليها، توصف بالصلاحية أو عدم الصلاحية، وليست ~~تعميمات استقرائية أو قضايا إخبارية ذات محتوى معرفي عن العالم التجريبي ~~لتوصف بالصدق أو الكذب، فتقاس قيمة النظرية العلمية بقدرتها على أداء ~~وظائف العلم، وليس بقدرتها على التعبير عن الواقع بصدق. # 47 # بمعنى أن القوانين العلمية والنظريات والأنساق العلمية ليست صورة ~~عقلية طبق الأصل من الطبيعة، بل الأمر في مجمله أشبه بصياد رمى بشبكة في ~~بقعة ما من البحر يريد صيدا، فهل ما تخرج به الشبكة يعبر عن حقيقة ما ~~يوجد في أعماق البحر، أم أن ذلك يتوقف على المكان الذي اختاره الصياد ~~للصيد ونوع الشباك واتساع فتحاتها وغير ذلك، ولو تغير أحد هذه الأشياء ~~لتغير لذلك الصيد كما وكيفا؟ وهكذا فمفاهيم وقوانين العلم عندهم كشبكة ~~الصياد؛ أي اصطلاحات متعارف على معانيها بين العلماء. إنها مجرد وسائل ~~مفيدة لفهم الطبيعة، فإذا صادفنا ما هو أفضل منها «وظيفيا» بادرنا ~~بالتخلص منها كأي شيء استهلاكي عادي. بيد أن هذا لا يعني أن قوانين ~~الطبيعة هي قرارات عشوائية يتفق عليها العلماء اليوم ليختلفوا غدا، بل ~~لها بالتأكيد مضمون واقعي. # 48 # كما أصر الأداتيون-الاصطلاحيون على أنه لا يمكن اعتبار القانون ~~العلمي مشتقا من الاختبارات التجريبية؛ لأن القانون عام والتجربة ~~جزئية، والقانون محدد بدقة والتجربة تقريبية تحتوي على كثير من التعقيدات ~~يستبعدها القانون، والتجربة منتهية والقانون قابل دائما للتطور والتقدم، ~~فكيف تكون النظرية العلمية نتاجا للواقع التجريبي؟! إنها نتاج العقلية ~~العلمية المبدعة، وتكشف عن عمليات منطقية أكثر مما تكشف عن وقائع تجريبية؛ ~~فقد تتكيف النظرية وفقا لمقتضيات التجربة التي لا تمثل أكثر من مرشد؛ ~~فدورها استشاري فقط لتحديد أنسب الفروض العلمية والأكثر ملاءمة؛ أي الأدق ~~في التنبؤ والأوسع في العمومية، من دون الزعم أن القانون حقيقة متمثلة في ~~الواقع التجريبي. # 49 ms055 # وقد جاء بيير دوهيم ليسحب التفسير الأداتي-الاصطلاحي على العلم ~~بأسره، وذلك في كتابه «هدف وبنية النظرية الفيزيائية»، رأى أن النظرية ~~العلمية تمدنا بنظام صوري عام لضم عدد كبير من القوانين الجزئية، وهي ~~بهذا بنية من كيانات مجردة، ليست وصفا ولا تفسيرا لوقائع العالم ~~التجريبي، بل هي مجرد أدوات اصطلحنا عليها للتنبؤ، صيغت لتكون أكفأ ~~وتنبؤاتها أدق. كل ما يبدو وصفا هو مجرد تعيين لعلاقات تجعل التنبؤ أسهل ~~وأدق. أما التفسير فليس له قيمة ولا دور، مهمة العلم تنحصر في تحديد ~~العلاقات بين الظواهر. # 50 # كما يعتقد دوهيم، إضافة لما سبق، أن الفكرة الاصطلاحية في العلم قد أتت ~~من تحليله لاستحالة التأييد العلمي. وهذا بالطبع، هو ما جعله يفكر في كون ~~هذا الفرض صادقا أو كاذبا. والسبب هو أن العالم منشغل - وبحرية - في أن ~~يغير أي الفروض الماثلة في مقدمات النظرية. وهنا يأتي اصطلاح الفرض؛ أي إن ~~عملية الصدق والكذب ليست واردة هنا. # 51 # وبناء عليه فإن دوهيم قال إن التجربة الحاسمة تبدو مستحيلة ~~في الفيزياء. # A “Crucial Experiment” is Impossible in Physics. # 52 # وقد برهن على ذلك من خلال عدة توجهات: # التوجه الأول: # ويتمثل في التحفظات الخاصة بالتجربة الحاسمة التي أجراها فوكولت عام ~~1850م، والتي حسم بها النظريتين الجسيمية والموجية؛ حيث تبين له أن سرعة ~~الضوء أقل سرعة في الماء عنها في الهواء؛ ومن ثم تأيدت النظرية الموجية ~~وأهملت الجسمية. لم تكن تجربة حاسمة بالمعنى الدقيق، وإنما كانت إجراء ~~فوريا. وهذا الإجراء لم يثبت على طول الخط؛ فقد جاء العالم الألماني ~~«ماكس بلانك # Max Plank ~~» (1858-1947م) ~~ليعلن أن النظرية الجسيمية للضوء لم تكن بالنظرية الفاشلة في تاريخ ~~العلم؛ فلقد أثبت بلانك أن الضوء يتألف من جسيمات هي الفوتونات، وهذه ~~الفوتونات تتكون من طبيعة جسيمية لا موجية. لقد اكتشف بلانك أن الفوتون ~~يسافر عبر الخلاء في خطوط مستقيمة. استدل على ذلك بتجربة بسيطة؛ حين يمر ~~إشعاع في غاز ما فإن عددا قليلا من جزيئات هذا الغاز تتبعثر، بينما لا ~~يتأثر عدد ms056 كبير من الجزيئات بمرور الإشعاع، فإذا كان الإشعاع مؤلفا من ~~موجات تسير عبر الأثير كنا نرى كل جزيئات الغاز تبعثرت؛ ومن ثم أيد ~~بلانك نظرية نيوتن في النظرية الجسيمية في الضوء. وكان «أينشتين» ~~متابعا لنتائج أبحاث بلانك في «الفوتونات Photon ~~»؛ فقد أعلن سنة 1905م أن ~~الإشعاع يتألف من وحدات جسيمية منفصل بعضها عن بعض، وهذه الوحدات تسمى ~~بالفوتونات. # وهنا يعقب دوهيم بأنه إذا كان نيوتن قد قال إن الذرات والضوء من ~~طبيعة جسيمية. وإذا كان هويجنز قد قال إن الذرات والضوء من طبيعة ~~موجية. وظل الخلاف حاسما حتى جاء فوكولت بالتجربة الحاسمة في صف ~~النظرية مؤيدا لهويجنز. لكن لما جاء القرن العشرون عاد بلانك، وأيده ~~ألبرت أينشتين، إلى النظرية الجسيمية للضوء. وظل الأمر كذلك حتى جاء ~~العالم الفرنسي «لويس دي بروي # Louis de ~~Broglie ~~» المولود عام 1892م، والعالم النمساوي ~~«إيرفين شرودنجر # Erwin Schrodinger ~~» ~~(1887-1961م) وعادا إلى النظرية الموجية للضوء والمادة، وعاد الخلاف ~~الحاسم بين النظريتين من جديد. لكن الأمر الآن استقر على موقف تبناه ~~العالم الألماني «فيرنر هيزنبرج # V. ~~Heisenberg ~~» والعالم «بورن # Born ~~»، وهو أن الذرة والضوء يمكن أن ~~يفسرا بالتصور الموجي والجسيمي معا، لكن ليس في لحظة واحدة. المادة ~~والضوء يفسران تفسيرا جسيميا في السرعات المحدودة لحركة المادة، ~~ويفسران تفسيرا موجيا حين تصل سرعة المادة إلى سرعة الضوء. # 53 # وأخيرا يختم دوهيم حديثه بأنه لا توجد ثمة تجربة حاسمة حقيقية في ~~علم الفيزياء. قد تكون هناك تجارب حاسمة في علوم أخرى مثل علم ~~الفسيولوجيا. أما في الفيزياء فإن التجربة الحاسمة تكون مستحيلة؛ ذلك ~~لأنها - أي التجربة - بدلا من ذلك تبدو رحبة، بحيث تقبل الأنساق النظرية ~~(فروضا ونظريات) لنفس الظاهرة موضع التساؤل، فإذا كنا قد ركزنا اهتمامنا ~~على فرضين بصدد الضوء، فإن هذا ليس معناه أنه إذا وجد أكثر من ذلك ~~فتكون غير مقبولة، بل على العكس فإن الاصطلاحية تعلمنا كيف يمكننا طرح ~~أكثر من فرضين متباينين ليغطي ذات الظاهرة، وليس لنا الحق في الحكم على ~~أحد من هذه الفروض ms057 بأنه هو الصادق دون الآخر طالما أن التجربة المرنة ~~قد رحبت وأقرته باعتباره مرشدا فقط. # 54 # التوجه الثاني: # ويتمثل في التحفظات التي أبداها دوهيم في مسألة الفروض المساعدة، ~~حيث طرح دوهيم هذا السؤال: ماذا نفعل عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول ~~دون إتمام الاختبار الحاسم؟ هل يتطلب الأمر دخول فروض جديدة تحل هذه ~~الصعوبة أو تلك؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي الفروض الجديدة، هل هي فروض ~~مساعدة تخل بمعيار التكذيب وتبطل التجربة الحاسمة؟ # يرى دوهيم أن الفيزيائي حين يقوم بإجراء تجاربه لا بد له أن يخضع ~~في عملية التجريب لقاعدة الفروض المتعددة # Multiple ~~hypotheses ~~؛ أي إن العالم لا بد أن يضع أكبر عدد من ~~الفروض، تظل كلها ماثلة أمام الذهن أثناء التجربة، ونتائج التجربة ~~وحدها هي التي تقرر الفرض في النهاية، على حين تكذب نتائج التجربة ~~الفروض الأخرى؛ ومن ثم نستبعدها. ويتضح لنا هذا المعنى من نص «دوهيم» ~~القائل: «إن الفيزيائي لا يمكنه أن يخضع فرضا واحدا بمفرده للاختيار ~~التجريبي، بل مجموعة كاملة من الفروض.» # 55 # وهذا يعني أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة ~~بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به؛ لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضا ~~منفردا للتجريب، بل مجموعة فروض معا. # ومن ناحية أخرى يرى دوهيم أنه عندما تكون التجربة على عدم وفاق مع ~~تنبؤاتهم أو نتائج النظرية تخبرنا بأنه على الأقل، واحد من هذه ~~الفروض المؤلفة لهذه المجموعة خطأ، أو تحتاج إلى تعديل، ولكنها - وهذه ~~هي المشكلة - لا تخبرهم بالفرض تحديدا الذي هو موضع الخطأ الذي يجب ~~تغييره. ويستطرد دوهيم قائلا: «كلا، الفيزياء لم تكن آلة تضع نفسها في ~~فوضى وتفكك ... الفيزياء يجب أن تكون كائنا عضويا قائما، في قطعة ~~واحدة، يستحيل على أي عضو في هذا الكائن أن يقوم بوظيفة دون الإجراءات الأخرى؛ # 56 # وبالتالي فإن ثوب أي نظرية فيزيائية يشكل كلا غير قابل ~~للتجزئة ... كما أنه لو افترضنا أن تأييدا تجريبيا لتنبؤ أو نتيجة من ~~نتائج هذه النظرية أو تلك، فإن هذا التأييد لهذا ms058 التنبؤ أو ذلك لا يكون ~~ألبتة برهانا حاسما للنظرية ... ولا يكون ذلك بمثابة تأكيد على أن ~~النتائج الأخرى لهذه النظرية غير متناقضة عن طريق التجربة.» # 57 # وعندما يقول دوهيم إن ثوب النظرية كل متكامل، فهذا معناه ~~أنه لم يكن ممكنا أن تخضع أجزاء النظرية على انفصال لاختبار التجربة؛ ~~ومن ثم نبعد التحقيق التجريبي المهلهل عن اختبار النظرية؛ # 58 # وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته ~~تكذيبا حاسما للفرض، وليس هناك تجربة حاسمة بصورة قاطعة. # خلاصة القول فإنه في هذا التوجه يتمسك دوهيم بضرورة أن تكون جميع ~~فروض النظرية ماثلة أمام الذهن (وهو ما كان يفعله العلماء قبله) حين ~~يقوم العالم بإجراء عملية حذف أو إسقاط بعض الفروض. بيد أن حذف فرض ما ~~يعني الانتقال من هذا الفرض إلى الآخر، إلى أن يتم حذفها جميعا. وهذا ~~إن أدى إلى شيء، فإنما يؤدي إلى فشل التجارب تماما؛ ومن ثم لا تنتهي ~~إلى نتيجة ما في حينها، بل الأمر يتطلب تمثل الفروض جميعا أمام الذهن، ~~مما يتيح لهذا العالم الفرصة في الكشف عن تفسير الظاهرة موضع التساؤل. # 59 # التوجه الثالث: # ويتمثل في التحفظات التي أبدها دوهيم في مسألة صدق وكذب النظريات ~~العلمية؛ حيث يتساءل: كيف نبني النظرية العلمية؟ # وهنا يرى دوهيم أن النظرية العلمية تتألف من نسق من القضايا ~~الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ التي تفضي بنا في النهاية ~~إلى مجموعة من القوانين التجريبية؛ ومن ثم فإنه يميز لنا أربع خطوات ~~تتركب بمقتضاها النظرية العلمية: # 60 # انتخاب الخصائص الفيزيائية التي نجد أنها تمثل مجموعة ~~المبادئ البسيطة، التي تتحكم في اختيار ما يليها من مبادئ. وعن ~~طريق «القياس» # measurement # يمكن ~~أن نرمز لهذه المبادئ برموز رياضية # Mathematical ~~Symbols # ليست بينها وبين الخصائص الفيزيائية ~~«علاقات داخلية» # Internal ~~Relation ~~، بل تستخدم كدلالات. # Relation ~~، بل تستخدم كدلالات. # إيجاد عملية الربط بين مجموعة في قليل من القضايا، التي ~~نستخدمها كمبادئ أساسية في استنباطنا، وهذه المبادئ لا تمثل ~~بدورها علاقات حقيقية بين الخصائص الأساسية ms059 للأجسام، بل إننا ~~نتفق أوليا على صحتها، والاتفاق المنطقي يحكمها، وهذه المبادئ ~~هي ما يسميه «دوهيم» بالفروض. # التأليف بين هذه الفروض، وفق قواعد التحليل ~~الرياضي # Mathematical Analysis # وهنا يتدخل المنطق والرياضيات، وتصبح عملياتها الأساسية هي التي ~~يسير وفقا للتحليل الرياضي. # والنتائج التي نستخلصها من الفروض يتم ترجمتها إلى قضايا، ~~تعبر عن الخصائص الفيزيائية للأجسام. وعن طريق مقارنتها بالنتائج ~~التي نحصل عليها من التجربة، يمكن لنا أن نتبين ما إذا كانت ~~صادقة - إذا ما جاءت مطابقة للنظرية - أو كاذبة - إذا لم تتفق ~~معها. # من خلال هذه الخطوات التي يحددها دوهيم، نجد أن الفرصة الحقيقية ~~تقدم لنا بطريقة مقنعة، مجموعة من القوانين التجريبية. والاتفاق مع ~~التجربة يعد بمثابة «المعيار الوحيد» # Sole ~~Criterion # للصدق بالنسبة للنظرية. # 61 # لكن إذا افترضنا أن هدف العلماء يكمن في الاكتشاف في ضوء الوقائع ~~المطردة في الجزء الملاحظ من العالم، فإن هذا يحتاج بالطبع إلى التجريب. بيد أن هذه الاطردات كثيرا ما نجدها معقدة. وهذا ما يجعل التصميم ~~التجريبي في غاية الصعوبة والغموض. وهنا تأتي الحاجة إلى بناء نظريات ~~ترشد البحث التجريبي؛ فالمعرفة مفترضة، فيما يرى دوهيم، بحيث تكون ~~الملاحظة العلمية نظرية محملة # Theory ~~Loaded ~~، مثل القياسات، وقرارات الخبرة في أول فهم ~~الشيء، على العكس من الفكرة المطروحة عند التجريبية المنطقية وغيرها، ~~التي تؤكد على أن الملاحظة - بدلا من ذلك - تبدو كافية للبرهان على ~~صدق أو كذب النظرية، أو بعبارة أخرى، حل لمشكلة وليس إثارة. لكن ~~المطلوب منها أن تكون السبب لمشكلات لا لحلولها. ومن منطلق أن نظرياتنا ~~العلمية يستحيل أن نبرهن عليها بكونها صادقة أو كاذبة؛ ذلك لأنها غير ~~مستنبطة من النتائج التجريبية. من هذا المنطق فإنه من غير الممكن أن ~~يكون هناك تجربة تحكم على الفرض من فروض النظرية أو النتائج منفصلا. ~~والسبب أنه من الصعوبة بمكان أن نجد فرضا بذاته يمتلك حيثياته من ~~نتائج تجريبية، فإذا رمزنا إلى فرض نظري بصدد نظرية ب «ك» فإنه من غير ~~الممكن أن يكون هذا الفرض أو ذاك قابلا ms060 للتكذيب مثلا، وذلك عن طريق ~~فصله عن كل الفروض الأخرى للنظرية بغرض اختياره. الفروض النظرية ينبغي ~~ألا تكون منفصلة لغرض الاختيار. # 62 # هذه أهم التوجهات والدواعي والتي جعلت دوهيم يصر على أن التجربة ~~الحاسمة مستحيلة في الفيزياء. ولا شك أن هذا الموقف قد كانت له ردود ~~فعل واسعة النطاق، من قبل كثير من فلاسفة العلم، لنذكر منهم، موقف كارل ~~بوبر؛ حيث رفض فكرة تجنب التفنيدات التجريبية والتملص من التكذيب، وذلك ~~بأن نضيف للنظرية فروضا مساعدة تتلافى في ضوئها مواطن الكذب، أو بأن ~~ننكر التجارب المفندة. وفي هذا يقول: «أما بالنسبة للفروض المساعدة، ~~فإننا نقترح أن نضع القاعدة القائلة: إننا نقبل الفروض المساعدة التي ~~لا يكون إدخالها مفضيا إلى تقليل درجة قابلية التكذيب، أو قابلية ~~اختبار النسق موضع التساؤل، وإنما على العكس من ذلك نقبل الفروض ~~المساعدة التي تزيد من قابلية التكذيب أو قابلية الاختبار ... وإذا زادت ~~درجة قابلية التكذيب، فقد أثر إدخال الفروض في النظرية فعلا. لقد كان ~~النسق الآن محكما أكثر مما كان، ويمكن أن نوضح ذلك كما يلي: إن إدخال ~~فرض مساعد يجب أن ينظر إليه دائما على أنه محاولة لبناء نسق جديد. ~~وهذا النسق يجب الحكم عليه دائما في ضوء الاتجاه بأنه يؤلف تقدما ~~حقيقيا في معرفتنا عن العالم.» # 63 # وفي موضع آخر يصب جام غضبه على المذهب الاصطلاحي ورواده بمن فيهم ~~دوهيم، فيقول: «لقد أدرك كل من بوانكاريه ودوهيم استحالة تصور نظريات ~~علم الطبيعة على أنها قضايا استقرائية. وقد تحقق لهما أن المشاهدات ~~القياسية التي قيل إن التعميمات تبدأ منها، هي على العكس من ذلك، ~~تأويلات في ضوء نظريات ... ومن ثم فالنظرية العلمية لا تحوي معرفة صادقة ~~أو كاذبة، فهي ليست إلا أدوات لنا أن نقول عنها فقط إنها ملائمة أو غير ~~ملائمة، مقتصدة أو غير مقتصدة، مرنة، دقيقة أو جامدة؛ لذلك نجد دوهيم ~~يقول إنه لا توجد أسباب منطقية تمنعنا من أن نقبل في وقت واحد نظريتين ~~متناقضتين أو أكثر ... وعلى الرغم من أنني أوافقهما ms061 على ذلك، إلا أنني ~~أختلف معهما عندما اعتقدا باستحالة وضع الأنساق النظرية موضع الاختبار ~~التجريبي، فلا بد أن تكون قابلة للاختبار - أي قابلة للتفنيد من حيث ~~المبدأ وليست أدوات.» # 64 # ومن ناحية أخرى يؤكد بوبر في كتابه براهين وتفنيدات أنه: «إذا كان ~~فرنسيس بيكون قد أعتقد أن التجربة الحاسمة يمكن أن تؤسس أو تثبت ~~النظرية»، أما نحن فنقول بأنها يمكن أن تفند أو تكذب النظرية، ثم يعلق ~~بوبر بأن «دوهيم في نقده المشهور للتجارب الحاسمة نجح في توضيح أن ~~التجارب الحاسمة لا يمكن بحال أن تؤسس النظرية؛ ومن ثم فقد أخفق في ~~توضيح أنها لا يمكن أن ترفض النظرية» # 65 # ومن جانب آخر، يرى «وارتوفسكي أن التجارب الحاسمة في رأي «دوهيم» ~~ليست ممكنة، وهذا ما جعل «دوهيم» يشبه الفيزيائي النظري بالطبيب بدلا ~~من «صانع الساعات»». # 66 # إلا أن فليب كواين يفند دعوى «بوبر» في ثلاثة أدلة متصلة توضح فساد ~~رأيه في نقد «دوهيم»؛ فالحجة الأساسية التي يستند إليها «دوهيم» تقوم ~~على أن التجربة الحاسمة لم توضع لتحقيق فرض نظري واحد، بل لاختبار ~~مجموعة من الفروض، هذا من جهة. كما أن «دوهيم» كان معنيا في المقام ~~الأول بتوضيح أنه لا يمكن أن نبطل فرضا نظريا واحدا عن طريق ~~الملاحظات، هذا من الجهة الثانية. وأخيرا فإن «دوهيم» اهتم في الجزء ~~الثاني من كتابه هدف وبنية النظرية الفيزيائية ببيان أنه يمكن عن طريق ~~التجربة إبطال الفروض النظرية؛ ومن ثم فإن حديث «دوهيم» عن التجارب ~~الحاسمة يعني أنه بالإمكان رفض النظرية والفروض كلها عن طريق التجربة. # 67 ~~(ب) إمري لاكاتوش # في الوقت الذي جاءت فيه أطروحة بيير دوهيم القائلة بأنه لا يجب ~~اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة بل النسق ككل، كان إمري لاكاتوش يصمم ~~نوعا فريدا من العقلانية. وهذه العقلانية تتمثل في نقد وتغيير برامج ~~البحث أو المعرفة العلمية (من مفاهيم وقوانين ونظريات علمية) عبر تاريخ ~~العلم؛ فلقد رفض لاكاتوش فكرة تبرير المعرفة التي تشكل النمو العقلاني ~~للمعرفة العلمية، وتسعى إلى أن تحول ms062 التاريخ الداخلي للعلم مجرد وقائع ~~تجريبية وعبارات صلبة تعقبها تعميمات استقرائية أو قوانين علمية، كما هو ~~واضح عند التجريبية المنطقية أو التيار الاستقرائي بشكل عام، الذي ينصرف ~~إلى صدق القضايا الواقعية والأولية وصحة الاستدلالات الاستقرائية؛ أي ~~إنهم انشغلوا بالمشكلات المعرفية والمنطقية إلى الدرجة التي صرفتهم عن ~~الاهتمام المناسب بالتاريخ الواقعي. # 68 # وبالتالي لم تعد فلسفة العلم عند لاكاتوش مجرد تبرير المعرفة العلمية ~~من خلال التأييد وعدم التأييد أو الصدق والكذب بعيدا عن تاريخ العلم. ~~وهذا ما جعله يرفض النزعة الاستقرائية عموما والتجريبية المنطقية على ~~وجه الخصوص. # ومن ناحية أخرى، اعترض لاكاتوش على بوبر بشأن التقدم العلمي؛ فقد ~~أكد بوبر على اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة. وعد ذلك مسألة جوهرية ~~لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة؛ فالذي لا شك فيه أنه لا يمكن أن ~~يقرر أحد إذا كانت نظرية جسورة مهما كانت، وذلك عن طريق اختيارها على ~~انفصال، لكن فقط عن طريق اختبارها في ضوء سياقها المنهجي التاريخي. # 69 # وهذا معناه أنه إذا كان بوبر في محاولته للتقدم العلمي يؤكد عمومية ~~النظرية العلمية، مع وضع في الاعتبار تكذيب النظرية اللاحقة للنظرية ~~السابقة عند تناقضها، فإن لاكاتوش يؤكد على أن أي نظرية تتمثل وتولد في ~~خضم هائل من التناقضات؛ ومن ثم يمكن عمل تعديل في النسق النظري العلمي. ~~وطبقا لذلك رأى لاكاتوش أن أي برنامج بحث يتألف من قواعد منهجية؛ حيث إن ~~البعض منها يخبرنا بطرق البحث تجنبا للموقف السلبي، والبعض الآخر يوضح ~~لنا طرق تبني الموجه المساعد على الكشف السلبي أو الإيجابي. بيد أن ~~الموجه السلبي لبرنامج البحث دائما ما يعزل النواة الصلبة للقضايا التي ~~لا تعرض للتكذيب، وهذه القضايا يتم التوافق عليها اصطلاحا؛ ومن ثم فهي ~~غير قابلة للتفنيد عن طريق برنامج البحث. أما الموجه الإيجابي فيعد ~~بمثابة استراتيجية لبناء سلسلة من النظريات والاقتراحات الإجرائية ~~للتعامل مع الشواذ المتوقعة. وبينما يتضح برنامج البحث، نجد أن حزاما ~~واقيا من الفروض المساعدة يلتف حول النواة الصلبة. # 70 # ويعطينا «لاكاتوش» مثالا ms063 على ذلك من برنامج البحث النيوتوني؛ حيث ~~يلاحظ أن النواة الصلبة لهذا البرنامج تتمثل في الجاذبية، وأنه لا شك في ~~أن بين النواة والظواهر الحزام الواقي من الفروض المساعدة التي تحتك ~~بالاختبار والتكذيب. ومن هنا قبل الحزام الواقي التعديل والتطوير ليحمي ~~النواة، وهذا التطوير يتم بناء على الموجه الإيجابي المساعد على الكشف؛ ~~أي إننا حين اكتشفنا أن كوكب أورانوس لا يتفق مع التنبؤات الخاصة بنظرية ~~نيوتن لم نستنتج من هذا أن النظرية كاذبة، بل على العكس، فالنظرية أو ~~برنامج البحث النيوتوني عامة لا يزال تقدميا. وبعد فترة من الزمن أصبح ~~هذا البرنامج متفسخا ومتدهورا لظهور برنامج آخر، وهو لأينشتين الذي فسر ~~حركة الكوكب عطارد التي لم يستطع برنامج نيوتن حلها. هذا فضلا عن أن ~~برنامج أينشتين قد تنبأ بانحراف الأشعة الآتية من النجوم تحت تأثير مجال الجاذبية. # 71 # فاختبار أي برنامج يعول مباشرة على الحزام الواقي للفروض المساعدة. ~~ومن هنا أكد «لاكاتوش» أن أي نتيجة اختبار سالبة مفردة لا تفند برنامج ~~البحث ككل؛ الأمر الذي جعله ينتقد «بوبر» عندما عول على أهمية النتائج ~~السلبية؛ حيث إن وجود أي نتيجة اختبار سلبية، إنما هي استراتيجية مثمرة ~~لتعديل الحزام الواقي للفروض المساعدة ليعدل أو يسوي الشاذ. # 72 # وعلى هذا رفض «لاكاتوش» أن يكون نمو العلم مجرد واقعة نافية أو بينة ~~تجريبية معارضة تكذب نظرية على حدة بصورة مستقلة، ليتم رفضها هي فقط في ~~حد ذاتها ويستبدل أخرى تعرض بدورها على محكمة التجريب! وهنا يؤيد ~~لاكاتوش بيير دوهيم، لا سيما عندما رأى أن المعقبات أو النواتج التي تلزم ~~الفرض العلمي الجديد، والتي تكون محكمة للتجريب لا تخص الجديد وحده، بل ~~تخص النسق المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض. # 73 # وهنا يمكننا أن ندلف إلى موقف لاكاتوش من التجارب الحاسمة، حيث ينكر ~~أهمية ودور التجارب الحاسمة في برامج البحث العلمي؛ فهو يقرر أن التجارب ~~الحاسمة ليس لها قوة كي تنحي برنامج بحث؛ حيث يؤكد التسامح المنهجي، فلا ~~وجود للبت القاطع؛ إذ إن إلغاء برنامج ms064 يستغرق زمنا، كما أن قبول برنامج ~~جديد يستغرق زمنا أيضا؛ # 74 # وفي هذا يقول لاكاتوش: «لا يوجد هناك تجارب حاسمة إذا عنينا ~~بذلك تجارب تؤدي مباشرة إلى القضاء على برنامج معرفي معين. وفي الحقيقة ~~فإنه في حال انهزام برنامج بحث معرفي واستبداله ببرنامج معرفي آخر، ~~يمكننا مستفيدين من مرور فترة طويلة من الزمن «تسمية تجربة حاسمة إذا ~~ظهرت جليا أنها كانت مؤيدة للبرنامج المنتصر وداحضة للبرنامج المهزوم»، ~~وبعبارة أخرى لا يعير العلماء آذانهم بسهولة إلى نتائج التجارب السلبية ~~بادئ الأمر، ولا بد من مرور فترة طويلة من الأبحاث والاختبارات كي يقبل ~~سوادهم بفشل النظام المعرفي الذي دحضته التجربة، فلا تصبح هذه الأخيرة ~~حاسمة في انهزامه إلا بعد أن تكون قد ترسخت النظرية الجديدة في الأوساط ~~العلمية، فيمكننا فقط عندها القول بأنها تجربة حاسمة.» # 75 # وقد تأخذ الأمور منحى أكثر تعقيدا حسب لاكاتوش: «فإذا وضع عالم من ~~أنصار المعسكر المهزوم بعد بضع سنوات تفسيرا علميا لما دعي ب «التجربة ~~الحاسمة» يجعلها متفقة مع البرنامج المهزوم، فإن صفة الشرف يمكن نزعها عن ~~تلك التجربة وتتحول بذلك «التجربة الحاسمة» من هزيمة إلى نصر للبرنامج القديم.» # 76 # وهكذا قد تستمر نظرية ما في مقاومة التغيير لفترات طويلة، وقد تصبح ~~عائقا أمام أي محاولات جدية لدحضها فتسد آذان العلماء عن صوت البنى ~~الطبيعية المناقض لها، وتخلق انقطاعا مرحليا في المسار العلمي نحو ~~الحقيقة. وقد يطول هذا الانقطاع أو يقصر جاعلا من مفهوم التقدم نحو ~~البنى الموضوعية مفهوما تاريخيا لا تندرج فيه أية حقبة منعزلة من تطور ~~المعرفة، بل المسار التاريخي برمته. # 77 # ومن ناحية أخرى يؤكد لاكاتوش أن هناك علاقة حميمة بين التجربة ~~الحاسمة من جهة والعقلانية الفورية # Instant ~~Rathionality ~~؛ فالإيمان بالتجربة الحاسمة هو إيمان ~~بالعقلانية الفورية والعكس صحيح كذلك؛ ذلك أن مفهوم التجربة الحاسمة يقوم ~~على تمكين العالم من الاختبار الفوري بين النظريات والبرامج العلمية ~~المتنافسة، لجأ إليها بصورة يوتوبية كل من التجريبيين المناطقة وكارل ~~بوبر، وفي هذ يقول لاكاتوش: «إن فكرة العقلانية الفورية ms065 يمكن أن تكون مثل ~~المدينة الفاضلة «يوتوبيا» لكن هذه الفكرة التي يحلم بها هي خاتم دامغ ~~لكل أنواع نظرية المعرفة. التبريريون يريدون إثبات النظريات حتى قبل ~~نشرها. والاحتماليون يأملون في وجود آلة تستطيع أن تعطي في لمحة قيمة ~~النظرية (درجة التحقيق) التي أعطيت البرهان. والمكذبون السذج يأملون أن ~~يكون الاستبعاد هو النتيجة العاجلة لتحقيق التجربة على الأقل.» # 78 # وهذا النص يوضح أن لاكاتوش ليس استقرائيا ولا تكذيبيا. إن ~~لاكاتوش يميز المعرفة العلمية وفقا لكشفيات برامج الأبحاث العلمية؛ ففي ~~داخل برنامج البحث ليس هناك صوت واحد هو صوت التكذيب أو التحقيق ~~(الجدليين) هما أحد تلك الأصوات، ولكن حين يتم تقديم صوت واحد على بقية ~~الأصوات، فهذا يكون بواسطة عملية انتقائية من قبل التجريبين المناطقة ~~والتبريريين وكذلك التكذيبيين، يقومون بها بعد انتهاء الأحداث، وليس العكس؛ ~~ومن ثم لاكاتوش يرفض التجربة الحاسمة، والعقلانية الفورية في آن واحد، ~~وذلك بصورة عقلانية، دون نفي إمبريقية المعرفة العلمية. # ونجده من أجل هذا، يخصص مساحات من أبحاثه ودراساته لمناقشة التجربة ~~الحاسمة؛ فهو قد كتب مقالتين مستقلتين بذاتهما بخصوص «التجارب الحاسمة»؛ ~~الأولى بعنوان «دور التجارب الحاسمة في العلم». أما الثانية والأهم لأنها ~~تشمل ردودا لأطروحته عن التجارب الحاسمة، بعنوان «الشواذ في مقابل ~~التجارب الحاسمة». # ويرفض لاكاتوش، في العملين المذكورين سلفا، سواء في حاضر أو ماضي ~~المعرفة العلمية، وجود تجربة معيارية، تخضع لقواعد الميثودولوجيا، ويمكن ~~لها أن تفصل بين نظريتين متنافستين. ودليله على ذلك عدم وجود تلك التجارب ~~فعلا في ماضي العلم. أي إن بعض التجارب العلمية في ماضي العلم، والتي ~~يزعم بعض فلاسفة العلم أنها شكلت تجارب حاسمة، لم تكن تجارب حاسمة على ~~الإطلاق في حينها، بل هي كذلك فقط عن طريق استردادها بمناهج ~~الميثودولوجيا، على أرضية حاضر المعرفة العلمية. وينتج عن هذا الرأي إنكار ~~وجود معيار فوري في الماضي أو المستقبل قادر على تقديم معايير لرفض أو ~~قبول النظريات العلمية في الحال، ولكن النتيجة الأكثر أهمية هي عدم شرعية ~~الجانب الإرشادي في الميثودولوجيا على الرغم من استبقاء ms066 الجانب القيمي لها. # 79 # ومن أجل البرهنة على رفضه للتجارب الحاسمة، يقسم لاكاتوش التجارب ~~الحاسمة إلى نوعين من التجارب: # التجارب الحاسمة الصغرى ~~“minor crucial ~~experiments” ~~. # التجارب الحاسمة الكبرى ~~“major crucial ~~experiments” ~~. # التجارب الحاسمة الصغرى هي تجارب علمية تحدث في إطار برنامج بحث ~~محدد، وهي التي ربما تفصل بين نسختين مقترحتين لبرنامج البحث ذاته، ولا ~~يصفها لاكاتوش بأنها «عمل روتيني» يحدث بصورة دورية داخل برنامج البحث ~~العلمي، وهي بالتأكيد التجارب التي تؤكد الطابع الأمبيريقي للمعرفة ~~العلمية، ومع ذلك يصف لاكاتوش ذلك العمل الروتيني بأنه نسبي، بمعنى أنه ~~من السهولة بمكان الهروب من التكذيب لتلك التجارب لصالح إحدى نسخ ~~البرنامج. ولعل هذه الإشارة تعني وضع لاكاتوش للتجارب الصغرى كحقيقة ~~موضوعية بين قوسين، والتشكك في مدى تعبيرها عن حقائق العالم الثالث. ~~ولعله لم يتعمق في دراستها لأنها ليست هي التجارب الحاسمة التي يدور ~~حولها النزاع بينه وبين الوضعيين. # 80 # إن الهروب من التكذيب سوف يؤدي في نهاية الأمر إلى «التصادم بين ~~برامج الأبحاث وبعضها مع البعض الآخر». وإذا وصل مستوى البحث العلمي إلى ~~هذه الدرجة، تبدأ الحاجة إلى التجارب الحاسمة الكبرى، وهي التي يدور ~~حولها النزاع بين لاكاتوش والوضعيين. وتلك التجارب الحاسمة الكبرى من ~~وجهة نظر لاكاتوش، هي التي يفترض أن تحكم أو تفصل بين برامج الأبحاث المتنافسة. # 81 # ويعطينا لاكاتوش مثالا على ذلك من خلال تفسيره للنظرية الجسيمية ~~والنظرية الموجية في الضوء، فيقول: «إن التجارب الحاسمة المشهورة لن تكون ~~لها قوة إلغاء برنامج بحث أو أي شيء يفيد ... فمن خلال منهج البحث للتجارب ~~الحاسمة الصغرى بين الصياغات المتتالية نجد أن التجارب تقرر بسهولة بين # bth ~~، ~~(n+)th # الصيغة العلمية، بما أن ~~(n+)th # ليس فقط متناقضة مع # bth # لكنها أيضا تحل محلها، إذن ~~(n+)th # كان لها محتوى متحقق أكثر ضوءا ~~في نفس البرنامج، وفي ضوء نفس نظريات الملاحظة الثابتة جدا، فإن ~~الاستبعاد يكون علمية روتينية نسبيا. وإجراءات الاستئناف أيضا غالبا ~~ما تكون سهلة؛ ففي حالات كثيرة نجد أن النظرية الملاحظة المتحداة، بعيدا ~~عن أن ms067 تكون ثابتة جيدا، فهي في الحقيقة افتراض مختلف ساذج غير مصاغ، ~~والتحدي هو الوحيد الذي يكشف وجود هذا الافتراض المختفي، ويسبب صياغته ~~واختباره وسقوطه؛ فإن الزمن وأيضا النظريات الملاحظة تكون راسخة في أحد ~~برامج البحث. وفي مثل هذه الحالات يمكننا أن نحتاج إلى تجربة حاسمة كبرى.» # 82 # ويستطرد لاكاتوش فيقول: «وعندما يتنافس برنامجان للبحث، فإن نماذجهما ~~العليا الأولى عادة تعالج مظاهر مختلفة من الميدان. خذ مثلا، المثال ~~الأول للمرئيات شبه الكروية عند نيوتن وصفت على أنها انكسار ضوئي، ~~والمثال الثاني للمرئيات الموجية عند هويجنز وصفت على أنها تداخل ضوئي. ~~وأثناء توسع البرنامجين للبحث، نجد أنهما بالتدرج يتجاوزان كل منهما حدود ~~الآخر. وصيغة # nth ~~(النظرية الجسيمية) ~~للأول نجدها متناقضة بكل وضوح وبطريقة مثيرة مع # mth ~~(النظرية الموجية) الثانية. وأجريت ~~تجربة عدة مرات، وكنتيجة لذلك هزمت الأولى في المعركة، بينما انتصرت ~~الثانية. لكن الحرب لم تنته؛ فأي برنامج بحث مسموح له ببعض الهزائم. وكل ~~ما يحتاجه لكي يعود هو أن يقدم صيغة ~~(n1)th # أو ~~(n+)th # وإثبات لبعض محتوياته الجديدة.» # 83 # ويختم لاكاتوش حديثه فيقول: «لكن إذا لم تكن هذه العودة متوقعة ~~الحدوث، بعد الجهد المعلن، فإن الحرب تكون خاسرة، وترى التجربة الأصلية ~~بتفهم للماضي على أنها تجربة «حاسمة». لكن بصفة خاصة، إذا كان البرنامج ~~الخاسر ناضجا، وكان سريع التطور، وإذا قررنا أن نسلم بصحة نجاحاته ~~العلمية السابقة، ونعترف بفضله العلمي، فإن التجارب الحاسمة المزعومة ~~تتلاشى واحدة بعد الأخرى في صحوة الاندفاع نحو الأمام بثورة هائلة.» # 84 # والسؤال الآن: ما هي مبررات لاكاتوش في رفض التجارب ~~الحاسمة؟ # يمكن أن نحدد السبب الرئيسي لهذا الرفض من تاريخ العلم نفسه؛ فقد سرد ~~لاكاتوش بصورة مجملة، العديد من التجارب العلمية التي لم تؤخذ على أنها ~~حاسمة، إلا بعد عقود من إجرائها. ومن هذه التجارب تجربة «ميكلسون-مورلي # Michelson-Morley Experiment ~~»، والتي ~~يزعم التكذيبيون أنها كانت حاسمة بين برنامج بحث نيوتن من جهة، وبرنامج ~~بحث أينشتين من جهة أخرى. ويرى لاكاتوش أن التجربة سوف تكون كذلك فقط، ~~إذا نظرنا ms068 إليها من وجهة نظر الوضعية؛ فلقد مرت تلك التجربة بمراحل عديدة ~~من التمحيص والنقد والتعديل، ربما لا يجعلها تستقر على نتيجة ثابتة ~~وفاصلة. بالإضافة إلى هذا لم تكن الملهم الرئيسي لأينشتين؛ فهو لم يبدأ ~~منها، بل كانت مجرد نتيجة بعدية من نتائج نظريته. # 85 # لقد كان الهدف الرئيسي والمعلن من تجربة ميكلسون هو اختبار كل من ~~نظريتي «فرينيل» # Fresnel # من جهة و«ستوك» # Stock # من جهة أخرى، وهما النظريتان ~~المتنافستان بخصوص حركة الأرض نسبة للأثير؛ فقد ذهب فرينيل في نظريته إلى ~~أن تلك الحركة إيجابية، سواء قرب سطح الأرض، أو على بعد ملايين الأميال. ~~أما ستوك فقد ذهب إلى التأكيد أن تلك الحركة تساوي صفرا قرب سطح الأرض؛ ~~لأن الأثير يتحرك تبعا لحركة الأرض؛ لذا فهو ثابت كما هو الحال بالنسبة ~~للأجسام الثابتة على سطح الأرض؛ لذلك فليس هناك ضرورة لافتراض وجود الريح ~~الأثيرية التي افترضها فرينيل. # 86 # وتزعم الاستقرائية والتكذيبية أن النتائج السلبية الفورية التي انتهت ~~إليها تجربة ميكلسون، قد أدت إلى نبذ برنامج البحث النيوتوني، ومحاولة ~~استبداله ببرنامج أينشتين، مما يجعل تجربة «ميكلسون-مورلي» تجربة فاصلة ~~في وقتها، لدرجة أن نتائجها المكذبة لنظرية الأثير تعد الأساس الذي ~~انطلقت منه نظرية النسبية. # 87 # لقد قدم لاكاتوش تحليلا تاريخيا لتلك التجربة، جعلته يبين أن ~~اعتبارها تجربة فاصلة، هو أمر استردادي قائم على إسقاط تلك الفكرة نفسها ~~من تاريخ العلم؛ فالعلم لم ينم فعلا بسبب التجارب الحاسمة، ولكنه سيبدو ~~وكأنه نما هكذا بسبب استرداد تاريخ العلم على هذا النحو، وهو استرداد لا ~~يؤيده تاريخ؛ فلقد أكد لاكاتوش حقيقة المراجعة المستمرة والتنقيح، بل ~~والبلبلة المستمرة التي مرت بها تجربة «ميكلسون-مورلي» مما يجعلها تجربة ~~ذات نتائج إشكالية، أكثر منها نتائج دوجماطيقية؛ فلاكاتوش يؤكد أن ~~ميكلسون قد أجرى تجربته ثلاث مرات قبل سيادة برنامج أينشتين، وهو أجراها ~~فيما بعد من جديد بعد السيادة العلمية لهذا البرنامج، وفي كل مرة كان ~~يخرج بنتيجة مختلفة؛ فلقد ذهب ميكلسون في تجربته الأولى - لعام 1881م - إلى ~~تأكيد أنها قد أثبتت ms069 بما لا يدع مجالا للشك نظرية ستوك، ودحضت نظرية ~~فرينيل بصورة قاطعة، وهو الأمر الذي تخلى عنه في تجربته الثالثة. والحق أن ~~الاختلاف الموضوعي لنتائج تجربة ميكلسون، لا يدع مجالا للشك في سخف ~~الرأي الذي يؤكد أن تخلي العلماء عن نظرية الأثير، وفقا لنتائج تجربة ~~«ميكلسون-مورلي» هو الذي أدى إلى ظهور نظرية النسبية؛ فالمشكلة بالنسبة ~~لميكلسون ليست نفي أو تأكيد الأثير الذي ترتكز عليه نظرية البصريات ~~النيوتونية، بل توكيد نسخة معينة من برنامج الأثير. # 88 # لقد ذهب ميكلسون في إحدى كتاباته «إلى أن يصف تجربته بأنها فاشلة، ~~وأن النتائج الصفرية أو التي تأكد منها تقترب من الصفر لتلك التجربة ~~مناقضة لكل التوقعات. ولعل هذا الرأي لميكلسون، هو الذي أضعف موقف ~~الوضعيين، وجعلهم يعتبرون أن تجربة ميكلسون قد أدت إلى الفشل في إدراك ~~الأثير الذي هو خطوة ضرورية للنسبية، ولكن عبارة ميكلسون تعبر عن موقف ~~إشكالي، أكثر من كونه موقفا باتا وقطعيا في صالح نظرية ضد أخرى. ~~وآية ذلك أن أينشتين نفسه فكر؛ أي تأثير لتجربة ميكلسون عليه؛ بناء ~~عليه، فإن لاكاتوش ينتهي إلى حقيقة أن التجارب الحاسمة هي اختراع ~~سيكولوجي بعدي، من ابتكار أصحاب العقلانية الفورية». # 89 # وهناك تجارب أخرى على غرار تجربة ميكلسون-مورلي، يشرحها لاكاتوش ~~بتفصيل دقيق، ليثبت أنها لم تؤخذ على أنها تجارب حاسمة، إلا بعد عقود من ~~إجرائها، منها تجارب العالمين الألمانيين «أوتو لومر # Otto ~~Lummer ~~» و«إرنست برنجشايم # Ernst Pringsheim ~~» التي فندت بصورة دامغة النظرية الكلاسيكية ~~للإشعاع، وأدت إلى نظرية الكم؛ # 90 # وتجربة «بيتا» التي ظن كثير من العلماء أنه سيصل بها الأمر ~~إلى أن تقف ضد قوانين البقاء والحفاظ، لكنها في الحقيقة انتهت إلى كونها ~~أكبر دليل دامغ لانتصارها. # 91 # ومن جهة أخرى لقد أثار رأي لاكاتوش في التجارب الحاسمة حفيظة كثير من ~~فلاسفة العلم، وعلى رأسهم «أدولف جرونباوم # A. ~~Grunbaum ~~»؛ فهو على الرغم من كونه فيلسوفا غير ~~تكذيبي، فإنه شعر بوطأة نفي نمو العلم بواسطة التكذيب الصريح والمباشر، ~~مما جعله يقول عن موقف لاكاتوش بخصوص ms070 التجارب الحاسمة إنه «سيؤدي إلى نفي ~~إمبريقية المعرفة العلمية، خصوصا وأن لاكاتوش فيلسوف غير توكيدي». لقد ~~بين لاكاتوش أنه لا يرفض التكذيب كمفهوم منطقي، ولكنه يرفضه كمفهوم ~~مفسر لنمو المعرفة العلمية. إن التكذيب المنطقي للمعرفة العلمية يتم عبر ~~تاريخ طويل لبرنامج البحث، وتلعب فيه التجارب الدرامية دورا كبيرا دون ~~أن تكون تجارب حاسمة، ولهذا فإن لاكاتوش يضع مفهوما للتكذيب التاريخي ~~للنظريات العلمية، وهذا المفهوم هو مفهوم «التآكل الاحتكاكي # Attrition ~~» للنظريات العلمية. # 92 # والمقصود بالتآكل الاحتكاكي للنظريات العلمية أثناء تطور المعرفة ~~العلمية هو نمو العلم من خلال الصراع الحاد والعنيف، وكذا الحوار والنقاش ~~بين مختلف النظريات العلمية. ولعل هذا التآكل الاحتكاكي للنظريات العلمية ~~يشابه من وجوه كثيرة الأنموذج الذي قدمه لاكاتوش لتطور الرياضيات، من ~~خلال تقديم الفروض، ثم نقدها ومحاولة تفنيدها، ثم الدفاع عنها باستخراج ~~الفروض المستترة منها، وتوجيه سهام التكذيب إلى تلك الفروض المستترة أو ~~الحالات المعاكسة المحلية. وإذا كان هذا الرأي صحيحا، فهو من ثم متسق مع ~~القول بأن لاكاتوش لا يفهم الإنجاز النيوتوني، إلا من خلال فهمه للتطور ~~الكشفي للمعرفة الرياضية لمفهوم التآكل الاحتكاكي - الذي لم يجد للأسف ~~الشديد عناية فكرية من قبل لاكاتوش أو حتى من قبل تلاميذه - هو المعادل ~~الكشفي للمنطق الجدلي والكشفي لشروط تطور المعرفة الرياضية؛ ولذلك يقول ~~لاكاتوش: «إنه حين يرى التكذيبيون تجارب سلبية حاسمة، أرى أنا وأتنبأ خلف ~~أية مبارزة ضاربة بين النظرية والتجربة ب: «حرب معقدة بين برنامجي بحث ~~متنافسين بواسطة التآكل».» # In the war of attrition between two Programmes. # 93 # وهنا يستبدل لاكاتوش مفهوم التجربة المعيارية الفورية الحاسمة بين ~~النظريات العلمية أو برامج الأبحاث، بمفهوم التآكل الاحتكاكي الذي يؤكد ~~تاريخية نمو المعرفة العلمية، وتشبث العلماء بقضاياهم. هذا بالإضافة إلى ~~تأكيده صعوبة التكذيب السريع لقضايا المعرفة العلمية، وذلك دون أن يذكر ~~استبعاد العلم لبرامج الأبحاث ومن ثم للقضايا والنظريات العلمية؛ فقبول ~~برنامج بحث معين ليس نتيجة للتكذيب الفوري لمنافسه أو التوكيد الفوري ~~لنواته الصلبة، بل هو «نتيجة تاريخية يتخذها العلماء، بعد فترة ms071 طويلة من ~~دراسة المعطيات المتاحة من بينات تجريبية وقوى تفسيرية للبرنامج ... إلخ.» # 94 # نخلص مما سبق أن لاكاتوش ينكر وجود التجارب الحاسمة، كحقيقة فعلية في ~~مسيرة تقدم المعرفة العلمية. وهو حين يقبل التجارب الحاسمة، فهو يقبلها ~~فقط كحقيقة استردادية زائفة - مثلها مثل الوقائع الاستردادية للأساطير - ~~تطرحها المنهجيات الاستقرائية والتكذيبية بطريقة أيديولوجية، من خلال ~~تدعيم منطقهما الكشفي؛ وبالتالي فهو كما يرى بعض الباحثين يرفض اعتبار ~~التجارب الحاسمة كبناء عقلي قويم للمعرفة العلمية. وعلى هذا، يمكننا ~~النظر إلى عمل لاكاتوش كإعادة بناء كشفية في مقابل إعادة البناء التي ~~قدمتها كل من الاستقرائية والتكذيبية للتجارب الحاسمة. # 95 # نتائج البحث # بعد هذه الجولة السريعة من عرض «التجارب الحاسمة بين التأييد ~~والتفنيد»، فإنه يمكننا أن نخلص إلى أهم النتائج، وذلك على النحو التالي: ~~(1) # إن التجريبيين المناطقة بداية من مورتس شليك حتى رودلف كارناب ~~وهمبل يضعون آمالا موضوعية كبيرة على التجارب الحاسمة؛ فتلك التجارب ~~هي حجر الزاوية في بنائهم الفلسفي، إذا ما لم يتم خلعه من مكانه فقدت ~~تلك المذاهب موضوعيتها؛ ولذلك سعوا بكل ما استطاعوا من قوة من خلال ~~مبدئهم في التحقيق التأييد على أهمية ودور التجارب الحاسمة في تاريخ ~~العلم، وهي لديهم نتيجة لإمبريقية المعرفة العلمية؛ لذلك فالتجربة ~~الحاسمة تظهر بوضوح صاحبة الدور العبقري الذي يقدم معايير لتأييد أو ~~تفنيد النظريات العلمية في الحال. ~~(2) # إن التجربة الحاسمة عند كارل بوبر عليها عامل كبير في التكذيب؛ ~~وبالتالي نمو المعرفة العلمية؛ فهي ضرورية من أجل تكذيب النظريات ~~العلمية أو تعزيزها؛ فالنظريات التي تم تكذيبها بتجربة حاسمة، يجب ~~نبذها واستبدالها بأخرى في الحال، يطلق عليها فرضية تكذيب؛ فالعلم لا ~~ينمو إلا بواسطة التكذيب القائم على التجارب الحاسمة. ~~(3) # إذا كان «التجريبيون المناطقة» قد اعتقدوا أنه يمكن للتجربة ~~الحاسمة بالتحقق من صدقها، فإنها عند بوبر ترفض النظرية ~~بتكذيبها. ~~(4) # فكرة التعزيز عند بوبر لا تتجاوز كثيرا فكرة التأييد عند ~~كارناب؛ ذلك لأن كلتا الفكرتين تقوم على أساس تحليل النظريات العلمية ~~في إطار النسق الفرضي-الاستنباطي؛ فالتأييد يقوم على أساس أن ~~النظرية ms072 تستلزم تنبؤات أو عبارات ملاحظة. وإذا كان التنبؤ كاذبا، ~~فإن النظرية تكذب، أما إذا كانت هناك تنبؤات عديدة صادقة، فإن ~~النظرية يتم تأييدها. ~~(5) # إن بيير دوهيم كان ذكيا عندما أخذ بالفروض المساعدة من بوبر ~~التي تحصن بها ضد التكذيب، ثم حاول تطويرها عن صورتها الماثلة عند ~~بوبر في النظام الفردي للنظريات، وأصبحت مرتبطة بالنسق ككل؛ لذلك فإن ~~الفيزيائي لا يخضع فرضا منفردا للتجريب بل مجموعة فروض ~~معا. ~~(6) # حين أعلن دوهيم بأن التجربة الحاسمة مستحيلة في علم الفيزياء عنه ~~في أي علم آخر؛ فذلك لأنه كان مؤمنا بأن ثوب أي نظرية فيزيائية يشكل ~~كلا غير قابل للتجزئة. كما أنه لو افترضنا أن تأييدا تجريبيا ~~لتنبؤ أو نتيجة من نتائج هذه النظرية أو تلك، فإن هذا التأييد لهذا ~~التنبؤ أو ذلك لا يكون ألبتة برهانا حاسما للنظرية؛ وبالتالي لا ~~يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبا حاسما للفرض، إذن ~~ليس هناك تجربة حاسمة بصورة قاطعة. ~~(7) # إذا كان دوهيم قد أنكر التجربة الحاسمة واعتبرها مستحيلة في علم ~~الفيزياء، فذلك لأنه يريد أن يستبدل بدلا منها نوعا جديدا من ~~التجربة العلمية المرنة التي تواكب التقدم العلمي المعاصر، الذي ينفي ~~كل تأييد وتفنيد للقانون والنظرية العلمية. ~~(8) # إن النقد الذي وجهه بوبر لدوهيم والذي يقول فيه إن التجارب ~~الحاسمة لا يمكن بحال أن تؤسس النظرية؛ ومن ثم فقد أخفق دوهيم في ~~توضيح أنها لا يمكن أن ترفض النظرية إن لم يكن نقدا قويا؛ وذلك ~~لأن الحجة الأساسية التي يستند إليها «دوهيم» تقوم على أن التجربة ~~الحاسمة لم توضع لتحقيق فرض نظري واحد، بل لاختبار مجموعة من الفروض، ~~هذا من جهة. كما أن «دوهيم» كان معنيا في المقام الأول بتوضيح أنه ~~لا يمكن أن نبطل فرضا نظريا واحدا عن طريق الملاحظات، هذا من ~~الجهة الثانية. وأخيرا فإن «دوهيم» اهتم في الجزء الثاني من كتابه ~~هدف وبنية النظرية الفيزيائية ببيان أنه يمكن عن طريق التجربة إبطال ~~الفروض النظرية؛ ومن ثم فإن حديث «دوهيم» عن التجارب الحاسمة ms073 يعني ~~أنه بالإمكان رفض النظرية والفروض النظرية كلها عن طريق ~~التجربة. ~~(9) # إن لاكاتوش نجح في أن يقنع المجتمع العلمي بأنه لا يوجد في حاضر ~~أو ماضي المعرفة العلمية، تجربة معيارية، تخضع لقواعد الميثودولوجيا، ~~ويمكن لها أن تفصل بين نظريتين متنافستين. ودليله على ذلك عدم وجود ~~تلك التجارب فعلا في ماضي العلم؛ أي إن بعض التجارب العلمية في ماضي ~~العلم، والتي يزعم بعض فلاسفة العلم أنها شكلت تجارب فاصلة، لم تكن ~~تجارب فاصلة على الإطلاق في حينها، بل هي كذلك فقط عن طريق استردادها ~~بمناهج الميثودولوجيا، على أرضية حاضر المعرفة العلمية. وينتج عن هذا ~~الرأي إنكار وجود معيار فوري في الماضي أو المستقبل قادر على تقديم ~~معايير لرفض أو قبول النظريات العلمية في الحال، ولكن النتيجة الأكثر ~~أهمية هي عدم شرعية الجانب الإرشادي في الميثودولوجيا على الرغم من ~~استبقاء الجانب القيمي لها. ~~(10) # إن لاكاتوش حين ميز المعرفة العلمية وفقا لكشفيات برامج الأبحاث ~~العلمية، أكد على أنه في داخل برنامج البحث ليس هناك صوت واحد هو صوت ~~التكذيب أو التحقيق (الجدليين) هما أحد تلك الأصوات، ولكن حين يتم ~~تقديم صوت واحد على بقية الأصوات، فهذا يكون بواسطة عملية انتقائية ~~من قبل التجريبيين المناطقة والتكذيبيين، يقومون بها بعد انتهاء ~~الأحداث، وليس العكس. ~~(11) # إذا كان لاكاتوش قد أنكر وجود التجارب الحاسمة، فقد أنكرها ~~كحقيقة فعلية في مسيرة تقدم المعرفة العلمية، وكذلك حين قبلها، فهو ~~يقبلها فقط كحقيقة استردادية زائفة - مثلها مثل الوقائع الاستردادية ~~للأساطير - تطرحها المنهجيات الاستقرائية والتكذيبية بطريقة ~~أيديولوجية، من خلال تدعيم منطقهما التبريري والكشفي. # المراجع ~~(أ) قائمة المصادر والمراجع العربية ~~(1) # أسامة عرابي: كارل بوبر مدخل إلى العقلانية النقدية، بيروت، ~~1994م. ~~(2) # إمري لاكاتوش: برامج الأبحاث العلمية، ترجمة الدكتور ماهر عبد ~~القادر، الجزء السادس من فلسفة العلوم، دار النهضة العربية، بيروت، ~~لبنان، 1997م. ~~(3) # بدوي عبد الفتاح: الاصطلاحية وسأم العقل، بحث منشور ضمن الكتاب ~~التذكاري للمرحوم الدكتور توفيق الطويل، كلية الآداب، جامعة ~~القاهرة، 1995م. ~~(4) # جورج جاموف: قصة الفيزياء، ترجمة وتقديم د. محمد جمال الدين ~~الفندي، ms074 دار المعارف، القاهرة، 1964م. ~~(5) # د. حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، دار الثقافة، الدار ~~البيضاء، المغرب، 1981م، ص83. ~~(6) # رودلف كارناب: الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة د. السيد نفادي، ~~دار الثقافة الجديدة. ~~(7) # سهام النويهي: تطور المعرفة العلمية، مقال في فلسفة العلم، ~~دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1988م. ~~(8) # د. سيد نفادي: معيار الصدق والمعنى في العلوم الطبيعية ~~والإنسانية «مبدأ التحقق عند الوضعية المنطقية»، دار المعرفة ~~الجامعية، الإسكندرية، 1991م. ~~(9) # عبد النور عبد المنعم عبد اللطيف: التفسير الأداتي للقانون ~~العلمي، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، ~~2000-2001م. ~~(10) # ______ ~~: ~~عقلانية التقدم العلمي عند إ. لاكاتوش، بحث منشور بمجلة كلية ~~الآداب، جامعة سوهاج، العدد الثامن والعشرون، الجزء الأول، مارس، ~~2005م، ص159. ~~(11) # عصام محمود بيومي مصطفى: إبستمولوجيا التقدم العلمي عند توماس ~~كون، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عين شمس، القاهرة، ~~1996م. ~~(12) # كارل بوبر، أسطورة الإطار، ترجمة يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم ~~المعرفة، ع292، يناير 2003م، الكويت، ص7. ~~(13) # ______ ~~: ~~منطق الكشف العلمي، ترجمة د. ماهر عبد القادر، دار النهضة العربية، ~~بيروت، لبنان، 1986م. ~~(14) # ______ ~~: ~~عقم المذهب التاريخي، ترجمة عبد الحميد صبرة، الإسكندرية، منشأة ~~المعارف، 1959م، ص129. ~~(15) # كارل همبل: فلسفة العلوم الطبيعية، ترجمة وتعليق د. جلال موسى، ~~دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، القاهرة-بيروت، القاهرة-بيروت، 1976م. ~~(16) # د. ماهر عبد القادر: نظرية المعرفة العلمية، دار النهضة ~~العربية، بيروت، لبنان، 1985م. ~~(17) # ______ ~~: ~~فلسفة العلوم «المنطق الاستقرائي»، الجزء الأول، دار النهضة ~~العربية، بيروت، لبنان، 1984م. ~~(18) # د. محمد محمد قاسم: كارل بوبر «نظرية المنهج العلمي في ضوء ~~المنهج العلمي»، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1986م، ~~ص170-171. ~~(19) # هاني مبارز حسن: إبستمولوجيا تقييم العلم وتأريخه، دراسة تحليلية-نقدية في ميثودولوجية برامج الأبحاث، رسالة ماجستير غير منشورة، ~~كلية الآداب، جامعة عين شمس، 2003م. ~~(20) # هيربرت فايجل: التجريبية المنطقية في فلسفة القرن العشرين، ~~ترجمة عثمان نويه، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، 1963م. ~~(21) # هيلاري بوتنام: تعزيز النظريات، مقال منشور ضمن كتاب الثورات ~~العلمية، تحرير إيان هاكينج، ترجمة وتقديم الدكتور السيد نفادي، ~~دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996م. ~~(22) # د. يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم ms075 في القرن العشرين (الأصول - ~~الحصاد - الآفاق المستقبلية)، عالم المعرفة، عدد 264، ديسمبر (كانون ~~الأول)، 2000م، الكويت، ص298. ~~(ب) قائمة المصادر والمراجع الأجنبية ~~(1) # Bacon, F., Advancement of Learning and Novum ~~Organum: With Special Introduction by James Edward Creighton: ~~The World’s Great. Classics The Colonial Press. New York, ~~London, 1900. ~~(2) # Carnap, R.: Truth and Confirmation, In; Feigl. ~~H. and Sellars (Eds): Reading of Philosophical, New York, ~~Apploton-Century-Crofts, 1949. ~~(3) # Carnap, P.: The Interpretation of Physics, ~~In; Feigl. H. and Brodbeck (Eds): Reading in Philosophy of ~~Science, New York, Apploton-Century-Crofts, ~~1953. ~~(4) # Carnap, P.: Formal and Factual Science, In; ~~Feigl. H. and Brodbeck (Eds): Reading in Philosophy of ~~Science, New York, Apploton-Century-Crofts, ~~1953. ~~(5) # Fetzer, J. H. and Almeder, R. F.: Glossary of ~~Epistemology, Philosophy of Science, Paragan House, New York, ~~1993. ~~(6) # Giere, N.: Testing Theoretical Hypothesis, In ~~Earman, J., (Ed), Testing Scientific Theories, Un. of ~~Minnessota, USA, 1988. ~~(7) # Imre Lakatos: Changes in The Problem of ~~Inductive Logic, Amsterdam, North Holland, ~~1968. ~~(8) # Imre Lakatos: The Role of Crucial Experiments ~~in Science, In Studies in History and Philosphy of Science, Part A, Volume 4, Issue 4, February, ~~1974. ~~(9) # Imre Lakatos: Anomalies Versus Crucial ~~Experiments, (Rejoinder to Professor Grunbaum), In: Imre ~~Lakatos: Philosophical Papers Mathematics, Science and ~~Epistemolgy, Edited By John Worrall and Gregory Currie, ~~Cambridge, Cambridge University, 1993. ~~(10) # Karl R. Popper: Realism and the Aim of ~~Science, Great Britain, Gwild Ford and King’s Lynn, ~~1983. ~~(11) # ______ ~~: # Objective Knowledge-An Evolutionary Approach, ~~Oxford, At The Clarendon Press, 1972. ~~(12) # ______ ~~: # Conjectures and Refutations-The Growth of ~~Scientific Knowledge, London, Routledge and Kegan Paul, ~~1963. ~~(13) Pierre Duhem: The Aim and Structure of Physical Theory, Translated from The French by Philip P. ~~Wiener, Princeton, New Jersey, Perceton University Press, ~~1954. ~~(14) Pierre Duhem: Essays in The History and Philosophy of Science, Translated by Ariew(R) and Baker(P), ~~Cambridge, Hackett Publishing Company, ~~1996. ~~(15) # Quine, P. I., What Duhem Really Meant, in ~~Methodological and Historical Essays in The Natural and Social ~~Sciences, Edited by ms076 Robert S. Cohen Marx W. Wartofsky, D., ~~Reidel Publishing Company, Dordrecht-Holland/Boston-U.S.A., ~~1964. # | الدراسة الثالثة # التفكير العلمي في ضوء إشكالية الفروض المساعدة ومكانتها في ~~ميثودولوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش # تقديم # إن الثورة العلمية التي أحدثها «إسحاق نيوتن» # Isaac ~~Newton ~~(1642-1727م)، قبل القرن التاسع عشر، وبالذات في ~~مجال الرياضيات والبصريات، وما استتبعها من نتائج عملية في مجال الرياضيات ~~التطبيقية، وعلى وجه الدقة في الميكانيكا والفيزياء العملية، أفضت إلى ~~استخدام التجريب بصورة تكاد تكون شبه دقيقة إلى حد ما في مجالات العلم ~~المختلفة. ومع ازدياد التجريب أصبحت النتائج التي أمكن الحصول عليها من ~~التجارب بمثابة محصول نظري جديد يسمح لنا بتنبؤات وتجارب أخرى. وعلى هذا ~~الأساس نتجه إلى مزيد من التجريب إذا ما أيدت هذه التنبؤات مشاهدات ووقائع ~~جديدة تتفق مع المعطيات النظرية؛ أي إنه بصورة أو بأخرى يمكن لنا القول بأن ~~حصيلة البحث في الاتجاه الاستقرائي ازدادت بصورة ملحوظة بعد عصر نيوتن، مما ~~جعل الباحثين يتصدون لتفسير الوقائع على أسس منهجية. # 1 # ومن هذا المنطلق كان الاهتمام الرئيسي لأصحاب الاتجاه الاستقرائي ينصب ~~حول الطريق المؤدي إلى الكشف عن القوانين. واعتقدوا أنه من الممكن رسم منهج ~~لتحقيق ذلك، فنجد أن كلا من «فرنسيس بيكون» # Francis ~~Bacon ~~(1561-1626م)، و«جون ستيوارت مل» # J. S. Mill ~~(1806-1873م)، قد حاولا تشييد ~~منطق للكشف موازيا لمنطق البرهان، وقاما بصياغة المناهج التي من وجهة ~~نظرهما، تمكن من اكتشاف قوانين الظواهر كنتيجة لتحليل وقائع الملاحظة ~~والتجربة. كما وضع كل منهما منطقا منهجيا على غرار المنطق الأرسطي من ~~أجل الوقوف على الحقائق الكونية؛ ومن ثم ادعت بأن قواعد الاستقراء تفسر ~~العملية المنطقية للكشف عن القوانين. # 2 # ولذلك نشأ تصور للاستقراء باعتباره وسائل منطقية لصياغة العمليات ~~الخاصة بتكوين واكتشاف المعرفة العامة للارتباطات القائمة بين الظواهر على ~~أساس معرفة الوقائع الجزئية. وبصفة عامة رد الاستقراء إلى ما يسمى بالمنهج ~~الاستقرائي للبحث، والذي تمثل في الخطوات التالية: # 3 # الخطوة الأولى: # الملاحظة التجريبية؛ فلا بد أن يقوم العالم بملاحظة أمثلة عدة ~~للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة ms077 دقيقة مقصودة منتقاة وهادفة، مرتبة ~~ومتواترة، تتصف بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب استخدام ~~الأجهزة المعملية إلى أقصى حد ممكن للتعميم الدقيق. وما التجربة ~~المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها. # الخطوة الثانية: # هي التعميم الاستقرائي للوقائع التي لوحظت، فإذا اشتعل الخشب ~~كلما تعرض للهب في سائر الوقائع التي لوحظت، أمكن الخروج بالتعميم ~~الاستقرائي: الخشب قابل للاشتعال. # الخطوة الثالثة: # هي افتراض فرض يعلل أو يفسر هذا التعميم، كافتراض أن الخشب ~~قابل للاشتعال لأنه يتحد بالأكسجين. # الخطوة الرابعة: # هي التحقق من صحة الفرض عن طريق اختباره تجريبيا. ويكون قبول ~~الفرض أو تعديله، أو رفضه والبحث عن فرض آخر إذا دحض كل هذا وفقا ~~لنتائج محكمة التجريب، تنفيذ حكمها يعني الخطوة الأخيرة للمنهج، ~~وهي بلوغ معرفة جديدة، والإضافة إلى بنيان العلم. # وقد أشار «بيفردج» إلى كل ذلك (خاصة فيما يتعلق بالخطوة الرابعة)، وإلى ~~ضرورة عدم التشبث بالأفكار التي لا تثبت صلاحيتها «فينبغي أن نكون على ~~استعداد للتخلي عن فروضنا أو تعديلها طالما يتضح أنها لا تتمشى مع الوقائع. ~~وليس هذا بالأمر الهين كما يبدو للوهلة الأولى؛ فعندما يبتهج المرء أن يرى ~~إحدى بنات أفكاره الجميلات تبدو قادرة على تفسير كثير من الحقائق التي ~~لولاها لكانت متنافرة. وعندما يجد هذه الفكرة مبشرة بالمزيد من التقدم، فقد ~~يغريه هذا بالتغاضي عن أية مشاهدة لا تتفق مع الصورة التي نسجها، أو على ~~التخلص منها بأي تفسير؛ فليس من النادر أبدا أن يتمسك الباحثون بفروضهم ~~المهلهلة، متغافلين عن الأدلة المعارضة لها، وأن يتعمدوا إخفاء النتائج ~~المخالفة لفروضهم؛ أي المكذبة لها. بل وحل بيفردج هذا بقاعدة شبيهة بقاعدة ~~بوبر، لكن طبعا ليس في دقتها إذ قال: إذا فشلت نتائج التجربة أو المشاهدة ~~الأولى في دعم الفرض، فمن الممكن أحيانا بدلا من نبذه كليا في أن نوفق ~~بينه وبين الحقائق المعارضة له بواسطة فرض إيضاحي ثانوي؛ أي مساعد، المهم ~~دائما هو قبول النقد.» # 4 # ومعني هذا أنه عندما يضع العالم فرضا لتفسير ظاهرة ما، فإنه يقوم ~~بالاستنتاج من هذا الفرض ms078 بعض النتائج التي تمثل اختيارا لهذا الفرض. ~~والحقيقة أن عملية الاستنتاج لا تكون من الفرض وحده؛ ذلك أن العالم يقوم ~~بالاستنتاج من الفرض مقترنا مع مجموعة إضافية من الفروض، وهي ما يطلق ~~عليها الفروض المساعدة # Auxiliary ~~Hypotheses ~~(الفرض المساعد هو الذي يمكن اختياره في حد ~~ذاته، وتؤيده أمور أخرى غير التي وضع لتفسيرها فتزيد من مضمون النظرية ~~وقوتها). وقد تكون هذه الفروض المساعدة غير مذكورة صراحة مع الفرض الأساسي. ~~ولكن أحيانا ما يكون الفرض الأساسي متضمنا لها. # 5 # ويعطينا كارل همبل مثالا قائلا: «ولنأخذ على سبيل المثال فرض سيملويز ~~القائل بأن حمى النفاس يحدثها التلوث بالمادة المعدية. لنفحص اللزوم ~~الاختباري القائل بأنه إذا كان على الأشخاص القائمين على رعاية المرضى أن ~~يغسلوا أيديهم بمحلول الجير المنقى بالكلور فإن نسبة الوفاة حينئذ من حمى ~~النفاس تقل. هذه القضية لا تنتج استنباطا من الفرض وحده؛ فاشتقاقها يفترض ~~مسبقا المقدمة الإضافية القائلة بأنه بخلاف الصابون والماء وحدهما سيقضي ~~محلول الجير المنقى بالكلور على المادة المعدية. هذه المقدمة التي يسلم بها ~~ضمنا في البرهان تلعب دورا فيما نطلق عليه الفرض المساعد في اشتقاق ~~القضية الاختبارية من فرض سيملويز؛ ومن ثم لا يجوز لنا أن نقرر أنه إذا كان ~~الفرض «ف» صادقا كان اللزوم الاختباري «ل» كذلك، ولكن إذا كان كل من ف ~~والفرض المساعد صادقين كان اللزوم الاختباري «ل» كذلك. الاعتماد على الفروض ~~المساعدة هو القاعدة أكثر منه الاستثناء في اختبار الفروض العلمية، وله ~~نتائج هامة لمسألة ما إذا كانت نتيجة من نتائج الاختبار غير موافقة لواحدة ~~من النتائج التي تبين أن «ل» كاذبة. فقط يمكن التمسك بها لدحض الفرض موضع الاختبار.» # 6 # وغالبا ما يتم تغيير وتعديل في الفروض المساعدة بغرض المحافظة على الفرض. # 7 # ويختلف فلاسفة العلم بشأن عملية التعديل والتنقيح التي تتم ~~للفروض المساعدة، فنجد أن البعض مثل «توماس كون # T. Kuhn ~~» (1922-1996م)، يذهب إلى أنه يمكن أن تعدل كل النظريات ~~بدون أن تفقد خطوطها الرئيسية بواسطة التعديل في الفروض المساعدة. ms079 بينما ~~يعتقد البعض الآخر مثل «كارل بوبر» # Karl Popper ~~(1902-1994م) أن التعديل في الفروض المساعدة يمكن ~~أي فرض من أن يكون متفقا مع الظواهر، وهذا مما قد يسعد الخيال، لكن لن ~~يساعد على تقدم المعرفة. ويرى «بوبر» أن إدخال الفروض المساعدة يكون ~~مقبولا إذا كانت تزيد من قابلية الفرض للاختبار. والحقيقة أن عملية إدخال ~~الفروض المساعدة أو تعديلها أو تنقيحها قد تؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه ~~ب «الفروض الغرضية»، كما أن قبول أو رفض هذا النوع من الفروض يتوقف على الغرض منها. # 8 # ويجب أن نميز بين الفروض المساعدة والفروض العينية على أساس أن الفروض ~~العينية مغرضة، وهي التي تعني (في نظر كارل بوبر وأتباعه)، التملص من ~~التكذيب. والفرض العيني هو الفرض الذي يوضع لتفسير ظاهرة بعينها أو حدث ~~بعينة، وليس له ما يؤيده غير هذه الظاهرة أو هذا الحدث. ويقابله الفرض الذي ~~تقوم على صدقه بينة مستقلة؛ أي الذي تؤيده أمور أخرى غير التي وضع أصلا ~~لتفسيرها، وهذا هو الفرض المساعد حقيقة. والفرض العيني لا يمكن اختباره ~~مستقلا عن النسق ككل، بعكس الفرض المساعد. ويمكن دائما وضع فرض عيني ~~يغطي موضع الكذب الذي نكشفه في النظرية مما يحمي النظرية من التفنيد؛ ومن ~~ثم يجعل محاولة التكذيب مستحيلة الوصول إلى نهاية معينة. وحل هذه المشكلة ~~كما يثيرها الاصطلاحيون - أو أي سواهم - يكون بالتمييز بين الفروض المساعدة ~~والفروض العينية، فنقبل الأولى ونرفض الثانية. والتمييز بين الفرض العلمي ~~والفرض المساعد، مثل أي تمييز ميثودولوجي، أمر مبهم يكون فقط على وجه ~~التقريب. مثلا قدم فولفجانج باولي فرض (لنيوترينو) تماما فرض عيني ولم ~~يأمل في إمكانية التوصل يوما إلى دليل مستقل له، بل وكان مثل هذا الدليل ~~مستحيلا في وقته، لكن مع تطور المعرفة عن جسيمات الذرة أصبح فرضا مساعدا ~~وأمكن اختباره مستقلا؛ لذلك لا يجب أن نتحامل بقسوة على الفروض العينية؛ ~~فقد تصبح يوما ما قابلة للاختبار المستقل، وقد يكون اختباره مفندا فيؤدي ~~بنا إلى التخلي عن الفرض، والتوصل إلى فرض ms080 عيني جديد، قد يصبح مع الأيام ~~فرضا مساعدا، وهكذا. # 9 # لكل ما سبق قصدت إلى إنجاز بحث عن «الفروض المساعدة ومكانتها في ~~ميثودولوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش» # Imre ~~Lakatos ~~(1922-1974م)، ساعيا من خلالها للتعرف على مفهوم ~~الفرض المساعد ووظائفه وأهميته، وهل نجح لاكاتوش في الوصول إلى تفسير ~~إبستمولوجي لبرامج الأبحاث أم لا؟ كل هذه الأمور سوف نكشف عنها من خلال ~~إلقاء الضوء على فلسفة لاكاتوش في تفسير الفروض المساعدة ودورها في ~~ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية، ثم إعادة بنائها في ضوء المناقشات التي ~~أحاطت بها، والانتقادات التي تعرضت لها. وعلى هذا فإن هذا البحث يرمي إلى ~~فهم وتأويل فلسفة لاكاتوش في الفروض المساعدة، برؤية تحليلية نقدية. # وقد اعتمدنا في هذه المهمة على منهجين، وهما: المنهج التاريخي والمنهج ~~النقدي. وقد استخدمنا المنهج التاريخي بمعنيين؛ أولا بمعنى الرجوع إلى ~~الوقائع التاريخية التي يعتمد عليها لاكاتوش. وثانيا بمعنى تطور فكر ~~لاكاتوش عبر مراحله الزمنية. واستخدمنا كذلك المنهج النقدي بمعنيين؛ قصدنا ~~بالمعنى الأول فحص وتحليل النتائج التي انتهى إليها لاكاتوش، على أساس الأهداف ~~التي حددها لفلسفته في الفرض العلمي. وقصدنا بالمعنى الثاني محاولة تقييم ~~أفكار لاكاتوش في الفروض المساعدة في ضوء الانتقادات الفلسفية التي تعرضت ~~لها، وفي ضوء إمكان تطوير هذه الأفكار وحدود هذا التطوير. # وبهذا تتجسد محاور البحث على النحو التالي: # أولا: # موقف كارل بوبر من الفروض المساعدة. # ثانيا: # الفروض المساعدة وأطروحة دوهيم كواين. # ثالثا: # موقف لاكاتوش من توجهات بوبر إزاء الفروض المساعدة. # رابعا: # دور الفروض المساعدة في قبول أو رفض برنامج بحث. # خامسا: # الفروض المساعدة ودورها في برنامج البحث النيوتوني. # أولا: موقف كارل بوبر من الفروض المساعدة # ذهب «كارل بوبر» إلى أن منهج العلم قائم على التخمينات والمحاولات ~~المتكررة بوصفها صيغة ل «منهج المحاولة واستبعاد الخطأ» # Method of Trial and or ~~؛ ومن ثم فإن نمو ~~المعرفة يتقدم ابتداء من حذف الخطأ # Elimination of ~~Error # ويمكن الإشارة إلى هذه العملية بصيغة بوبر ~~الآتية: P1 ~~--- # TT ~~--- # EE ~~--- P2 # حيث نبدأ بمشكلة ما، ونصوغ حلا ms081 مؤقتا، أو نظرية مؤقتة، ثم نعرضها ~~بعد ذلك لكل الاختبارات الشاقة الممكنة في إطار عملية حذف الخطأ الذي ~~يقودنا لصياغة مشكلات جديدة، وهذه المشكلات تنشأ من نشاطنا الخاص المبدع؛ ~~يقول بوبر: «يستند التقدم في العلم أو في الكشف العلمي إلى الاستخدام ~~الثوري لعملية المحاولة النقدية وحذف الخطأ، التي تتضمن بدورها البحث عن ~~اختبارات تجريبية عديدة أو محاولات ممكنة لضعف النظريات العلمية أو تفنيدها.» # 10 # بيد أن الموقف الذي اتخذه بوبر هنا من العلم قائم على أن هناك سمة ~~أساسية في ضوئها تميز بين ما هو علمي وما هو غير علمي. هذه السمة هي «القابلية ~~للتكذيب # Falsifiability ~~»؛ حيث إن ما يشغل ~~خيالنا بل ويشده، فيما يرى بوبر، هو تفنيد نظريته المبكرة؛ عندئذ يكتسب العلم ~~دلالته، وخصوصا عندما يكون واحدا من المغامرات الفكرية التي يسعى إلى ~~ممارستها الإنسان. وبوبر هنا يرى أن مبدأ القابلية للتكذيب يقرر ما إذا ~~كانت النظرية تعطينا محتوى إخباريا أم لا، وذلك في ضوء حجج تجريبية ~~وملاحظات؛ فمهمة العلماء هي أن يحكموا النظريات في ضوء اختبارات قاسية. # 11 # ولذلك إذا ما تم لنا اختبار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر ~~قابلية للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوى (سواء ~~المحتوى التجريبي أو المحتوى المنطقي). وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية ~~للتكذيب وبين المحتوى المعرفي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة؛ إذ ~~إن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوى المعرفي لأي ~~قانون أو نظرية. والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل ~~الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن ~~النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة، متذكرين ~~دائما أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوى معرفي أكثر، ~~وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب. # 12 # والسؤال الآن: ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية تتوافر ~~فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي؟ كيف ~~نفاضل بين النظريات ونختار؟ # وفي نظر بوبر إذا تعرضت النظرية لاختبار القابلية ms082 للتكذيب، واستنبطنا ~~منها عبارات أساسية جديدة، وكانت هذه العبارات متوافقة مع الواقع، بعبارة ~~أخرى لم نجد فئة عبارات أساسية تناقضها، فأثبتت مادتها، فلا بد من قبولها ~~فقط لأننا ليس لدينا داع لرفضها؛ فالتعزيز - الذي هو جواز مرور الفرض إلى ~~عالم العلم - هو مدى صمود الفرض أمام اختبارات منهج العلم القياسية. وكلما ~~كانت الاختبارات أقسى حازت النظرية التي تجتازها على درجة تعزيز أعلى. ~~وكلما كانت النظرية أعظم؛ أي أغزر في المحتوى المعرفي، وأجرأ في القوة ~~السارحة، وأكثر اقترابا من الصدق - أي أكثر قابلية للتكذيب - تمكنت من ~~الصمود أمام اختبارات أكثر قسوة؛ وبالتالي كانت درجة تعزيزها أعلى؛ ~~لذلك كان بوبر يؤكد دائما على قسوة الاختبار حتى لا تستطيع النظرية أن ~~تعزز وتعبر إلى نسق العلم بسهولة. # 13 # ولكن ماذا نفعل عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول دون إتمام ~~الاختبار؟ # يجيب «بوبر»: ينبغي أن ندخل فروضا جديدة يمكن أن نطلق عليها الفروض ~~المساعدة لتفسير صعوبة ما عند إجراء عملية الاختبار، أو لمساعدة النظرية على ~~اجتياز الاختبار. وهذه الفروض تختبر بذاتها أو مستقلة، على حين تقابلها ~~الفروض العينية غير القابلة للاختبار مستقلة، ووضعت فقط للتملص من التكذيب. ~~إن الفروض المساعدة هي من أهم أساليب تطور النظرية وإعادة تعديلها. هذا ~~يعني أنه من منطلق الحرص على تقدم المعرفة والاقتناع، بل طرح الفروض القابلة ~~للتكذيب هو أضمن أساليب هذا التقدم؛ لأننا حين نضع يدنا على مواطن الكذب ~~سوف نتمكن من الوصول إلى الفرض الأصوب الذي يتجنبها. وهكذا دواليك. # ومن هنا لا بد وأن نأخذ على خط مستقيم قاعدة منهجية، وهي أن نحكم الفروض ~~المساعدة بحيث تتفادى عملية إبطال عملية التكذيب؛ أي أن نقبل فقط الفروض ~~التي تقلل درجة قابلية التكذيب للنسق المطروح للبحث، بل على العكس تزيدها. ~~وهذا الفرض الجديد الذي سيزيد درجة القابلية للتكذيب، وأن يؤخذ دائما ~~لمحاولة بناء نسق جديد، نسق نحكم عليه على أساس ما إذا كان سيمثل بالفعل ~~تقدما ما في معرفتنا بالعالم الخارجي أم لا. وفي هذا يقول: «... أما بالنسبة ~~للفروض المساعدة، ms083 فإننا نقترح أن نضع القاعدة القائلة: إننا نقبل الفروض ~~المساعدة التي لا يكون إدخالها مفضيا إلى تقليل درجة قابلية التكذيب، أو ~~قابلية اختبار النسق موضع التساؤل، وإنما على العكس من ذلك نقبل الفروض ~~المساعدة التي تزيد من قابلية التكذيب أو قابلية الاختبار ... وإذا زادت درجة ~~قابلية التكذيب، فقد أثر إدخال الفروض في النظرية فعلا.» # 14 # مثال: # عندما لوحظ أن ثمة انحرافات في مدار كوكب أورانوس، افترض لافيري وآدمز ~~ضرورة وجود كوكب آخر كي يفسر هذه الانحرافات البسيطة. وقد انتهى الأمر ~~بمحاولة لهما بمساعدة آخرين إلى اكتشاف كوكب نبتون بالفعل. وهنا نلاحظ أن ~~الفروض المساعدة لا تخل بمعيار القابلية للتكذيب، بل على العكس زادت ~~به. # والنتيجة أن نظرية الجاذبية عند نبتون أعيدت للاختبار من جديد، متمثلا ~~ذلك في الكشف عن هذا الكوكب. وهذا الاكتشاف فيما يرى «بوبر» تجربة حاسمة ~~صارمة أخرى اجتازتها نظرية نيوتن وبنجاح، أو تعزيز عبور نظرية نيوتن من ~~التكذيب هنا عن طريق فرض مساعد ليبقى معناها أنها غير قابلة للتكذيب. # 15 # ولذلك راح بوبر يعلن أن النظرية (أو الفرض) يمكن إنقاذهما دائما من ~~مأزق التكذيب إذا عززناها بفروض إضافية مساعدة، وطبقا لبوبر يكون هذا ~~مسموحا به فقط لو أن الفرض المساعد الجيد (أو الفروض) تزيد من عدد النتائج ~~الملاحظة؛ ذلك لأنها ينبغي أن تزيد من «المضمون التجريبي» للنظرية. وإن لم ~~تفعل ذلك، ينظر إلى الفرض المساعد بأنه وضع لغرض معين، وهو غير مسموح به ~~طبقا للقواعد المنهجية المفضلة لبوبر. # 16 # معنى هذا أن «بوبر» يرى أن إدخال الفروض المساعدة يكون مقبولا إذا ~~كانت تزيد من قابلية الفرض للاختبار. والحقيقة أن عملية إدخال الفروض ~~المساعدة أو تعديلها أو تنقيحها قد يؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه ب «الفروض ~~الغرضية»، كما أن قبول أو رفض هذا النوع من الفروض يتوقف على الغرض منها. # 17 # وهنا يشجب بوبر الفروض المساعدة التي يدعي الاصطلاحيون أنها يمكن أن ~~تبطل دائما عملية التكذيب، ويؤكد أنه يمكن أن نحكمها بقاعدة نتفادى بها ~~هذا، وهي: ms084 تقبل فقط الفروض التي لا تقلل درجة قابلية تكذيب - أي اختبار ~~النسق المطروح للبحث - فعلى العكس تزيدها. وهذا الفرض الجديد الذي سيزيد ~~درجة القابلية للتكذيب، من شأنه أن يقوي النظرية، فيجعلها تستبعد أكثر وتمنع ~~أكثر مما كانت تمنعه قبل طرح الفرض. وعلى هذا يصبح تقديم فرض مساعد جديد، ~~يجب أن يؤخذ دائما لمحاولة لبناء نسق جديد، نسق نحكم عليه على أساس ما إذا ~~كان سيمثل بالفعل تقدما في معرفتنا بالعالم الخارجي أم لا. وبهذا نلاحظ أن ~~تقديم الفروض المساعدة لا يشكل عقبة ميثودولوجية في وجه القابلية للتكذيب، ~~بل على العكس سيساهم في تأكيدها؛ إذ سيساعد على نمو العالم. وهذا هو الرد ~~على كل من يتمسك بإمكانية تحصين النظريات ضد التكذيب سواء أكان اصطلاحيا ~~أم غير اصطلاحي. # 18 # وفي موضع آخر يصب جام غضبه على المذهب الاصطلاحي ورواده، فيقول: «لقد ~~أدرك كل من بوانكاريه ودوهيم استحالة تصور نظريات علم الطبيعة على أنها ~~قضايا استقرائية. وقد تحقق لهما أن المشاهدات القياسية التي قيل إن ~~التعميمات تبدأ منها، هي على العكس من ذلك، تأويلات في ضوء نظريات ... ومن ثم ~~فالنظرية العلمية لا تحوي معرفة صادقة أو كاذبة؛ فهي ليست إلا أدوات لنا أن ~~نقول عنها فقط إنها ملائمة أو غير ملائمة، مقتصدة أو غير مقتصدة، مرنة، ~~دقيقة أو جامدة؛ لذلك نجد دوهيم يقول إنه لا توجد أسباب منطقية تمنعنا من ~~أن نقبل في وقت واحد نظريتين متناقضتين أو أكثر ... وعلى الرغم من أنني ~~أوافقهما على ذلك، إلا أنني أختلف معهما عندما اعتقدنا باستحالة وضع ~~الأنساق النظرية موضع الاختبار التجريبي؛ فلا بد أن تكون قابلة للاختبار - ~~أي قابلة للتفنيد - من حيث المبدأ وليست أدوات.» # 19 # ثانيا: الفروض المساعدة وأطروحة دوهيم-كواين # إذا كان «كارل بوبر» قدم بناء عقلانيا للعلم يتمثل في أن التقدم ~~العلمي سلسلة من الحدوس والتفنيدات؛ أي إن النظرية الجديدة يجب أن تمر من ~~الاختبارات الجديدة القاسية؛ فلكي تكون النظرية علمية ينبغي أن تكون قابلة ~~للتكذيب بدون زيادة مستمرة تبدو قليلة الأهمية، فإنه ms085 على الطرف الآخر طرح ~~«بيير دوهيم»، الفيلسوف الاصطلاحي الفرنسي الشهير، هذا السؤال: ماذا نفعل ~~عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول دون إتمام الاختبار الحاسم؟ هل يتطلب الأمر ~~دخول فروض جديدة تحل هذه الصعوبة أو تلك؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي الفروض ~~الجديدة، هل هي فروض مساعدة تخل بمعيار التكذيب وتبطل التجربة ~~الحاسمة؟ # وقد أجاب «بيير دوهيم» Pierre Duhem ~~(1861-1916م) أن الفيزيائي حين يقوم بإجراء تجاربه لا بد له أن يخضع في ~~عملية التجريب لقاعدة الفروض المتعددة # Multiple ~~hypotheses ~~؛ أي إن العالم لا بد أن يضع أكبر عدد من ~~الفروض، تظل كلها ماثلة أمام الذهن أثناء التجربة، ونتائج التجربة وحدها هي ~~التي تقرر الفرض في النهاية، على حين تكذب نتائج التجربة الفروض الأخرى؛ ~~ومن ثم نستبعدها. ويتضح لنا هذا المعنى من نص «دوهيم» القائل: «إن الفيزيائي ~~لا يمكنه أن يخضع فرضا واحدا بمفرده للاختبار التجريبي، بل مجموعة كاملة ~~من الفروض.» # 20 # وهذا يعني أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة ~~بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به؛ لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضا ~~منفردا للتجريب، بل مجموعة فروض معا. # 21 # ويوضح ذلك قائلا: «لا يمكن مطلقا لأية تجربة في مجال علم الفيزياء أن ~~تحكم على فرض معزول، لكن يمكنها فقط أن تحكم على مجموعة نظرية من الفروض ككل.» # 22 # ثم يفسر الأطروحة لاحقا في هذا القسم على النحو التالي: ~~«وخلاصة الأمر أن عالم الفيزياء لا يستطيع مطلقا أن يخضع فرضا معزولا ~~لاختبار تجريبي، لكنه يستطيع أن يخضع مجموعة برمتها من الفروض، وحينما لا ~~تتوافق التجربة مع تنبؤاته، فإن ما يتعلمه هو أن واحدا على الأقل من ~~الفروض المكونة لهذه المجموعة غير مقبول وينبغي تعديله، لكن التجربة لا ~~تحدد أيا من هذه الفروض هو الذي ينبغي إدخال تعديلات عليه.» # 23 # ولكي نناقش أطروحة «دوهيم»، من المفيد أن نقدم الفكرة المتعلقة ل «قضية ~~الملاحظة». أما الآن فسوف نتناول قضية ملاحظة ولتكن قضية يمكن الاتفاق ~~مؤقتا على أنها إما صادقة أو كاذبة بناء على ms086 الملاحظة والتجربة. وفقا ~~لأطروحة دوهيم، لا يمكن قط تكذيب فرض معزول في مجال علم الفيزياء؛ إذ من ~~الأمور المشكوك فيها، وجود تعميم يغطي كل الفروض المتعلقة بعلم الفيزياء؛ ~~لأن هذا العلم يتضمن على ما يبدو، بعض الفروض القابلة للتكذيب. # 24 # ومن ناحية أخرى يرى دوهيم أنه عندما تكون التجربة على عدم وفاق مع ~~تنبؤاتهم، أو نتائج النظرية تخبرنا بأنه على الأقل، واحد من هذه الفروض ~~المؤلفة لهذه المجموعة خطأ أو تحتاج إلى تعديل، ولكنها - وهذه هي المشكلة - ~~لا تخبرهم بالفرض تحديدا الذي هو موضع الخطأ الذي يجب تغييره. ويستطرد ~~دوهيم قائلا: «كلا، الفيزياء لم تكن آلة تضع نفسها في فوضى وتفكك ... ~~الفيزياء يجب أن تكون كائنا عضويا قائما، في قطعة واحدة يستحيل لأي عضو ~~في هذا الكائن أن يقوم بوظيفة دون الإجراءات الأخرى؛ # 25 # وبالتالي فإن ثوب أي نظرية فيزيائية يشكل كلا غير قابل ~~للتجزئة ... كما أنه لو افترضنا أن تأييدا تجريبيا لتنبؤ أو نتيجة من ~~نتائج هذه النظرية أو تلك، فإن هذا التأييد لهذا التنبؤ أو ذلك لا يكون ~~ألبتة برهانا حاسما للنظرية ... ولا يكون ذلك بمثابة تأكيد على أن النتائج ~~الأخرى لهذه النظرية غير متناقضة عن طريق التجربة.» # 26 # وعندما يقول دوهيم إن ثوب النظرية كل متكامل، فهذا معناه أنه لم يكن ~~ممكنا أن تخضع أجزاء النظرية على انفصال لاختبار التجربة؛ ومن ثم نبعد ~~التحقيق التجريبي المهلهل عن اختبار النظرية، # 27 # وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبا ~~حاسما للفرض، وليس هناك تجربة حاسمة بصورة قاطعة. # إذن في هذا التوجه يتمسك دوهيم بضرورة أن تكون جميع فروض النظرية ماثلة ~~أمام الذهن (وهو ما كان يفعله العلماء قبله) حين يقوم العالم بإجراء عملية ~~حذف أو إسقاط بعض الفروض. بيد أن حذف فرض ما يعني الانتقال من هذا الفرض ~~إلى الآخر، إلى أن يتم حذفها جميعا. وهذا إن أدى إلى شيء، فإنما يؤدي إلى ~~فشل التجارب تماما؛ ومن ثم لا ننتهي إلى نتيجة ما في حينها، ms087 بل الأمر ~~يتطلب تمثل الفروض جميعا أمام الذهن مما يتيح لهذا العالم الفرصة في الكشف ~~عن تفسير الظاهرة موضع التساؤل. # 28 # ويؤيد «أينشتين» «دوهيم» في هذا الرأي؛ حيث أكد الأول على أنه قد ~~استبدل بنظرية «نيوتن» ككل نظرية جديدة في النسبية العامة، وليس بتغيير فرض ~~أو فروض من النظرية العلمية أو من النسق العلمي ككل. وهذا يؤيد صعوبة ~~اختبار فرض من فروض النظرية منفصلا، ويرفض التجربة الحاسمة؛ لأنه من غير ~~الممكن أن يكون هناك تجربة تحكم على الفرض (من فروض النظرية أو النتائج) ~~منفصلا. والسبب في ذلك كما رأينا يرجع إلى أنه من الصعب أن نجد فرضا ~~بذاته يمتلك حيثياته من نتائج التجربة يكون هذا الفرض أو غيره قابلا ~~للتكذيب، وذلك عن طريق فصله عن كل الفروض الأخرى للنظرية بغرض اختباره. ~~الفروض النظرية ينبغي ألا تكون منفصلة لغرض الاختبار. وفي نفس الوقت الذي ~~رفض فيه «دوهيم» اختبار الفروض منفصلة، رأى ضرورة أن تتجنب هذه الفروض ~~التفنيد، وذلك عن طريق معرفة سابقة أو فروض مساعدة. # 29 # كما يتفق مع «دوهيم» «فرانكلين # A. ~~Franklin ~~» حيث يؤكد الأخير على أن وجود الفرض أو القانون ~~العلمي أو النظرية مع الفروض المساعدة الخاصة به أو بها هو ما يحول دون ~~التفنيد؛ أي يمكننا أن نحمي القوانين والنظريات العلمية من التفنيد، وذلك ~~بتعديل وتغيير الفروض المساعدة أو المعرفة السابقة بشأن هذه الفروض أو ~~القوانين أو النظريات الأصلية موضع التساؤل. # 30 # ثالثا: موقف لاكاتوش من توجهات بوبر إزاء الفروض المساعدة # إذا كان بوبر قد ذهب إلى أن النظرية (أو الفرض) يمكن إنقاذهما دائما ~~من مأزق التكذيب إذا عززناها بفروض إضافية مساعدة، وأنه إذا كان طبقا ~~لبوبر يكون هذا مسموحا به فقط لو أن الفرض المساعد الجيد (أو الفروض) تزيد ~~من عدد النتائج الملاحظة؛ ذلك لأنها ينبغي أن تزيد من «المضمون التجريبي» ~~للنظرية. وإن لم تفعل ذلك، ينظر إلى الفرض المساعد بأنه وضع لغرض معين، وهو ~~غير مسموح به طبقا للقواعد المنهجية المفضلة لبوبر. وهذه النقطة بالذات هي ms088 ~~التي تناولها لاكاتوش لكي يطور على أساسها وصفا ل «ديناميكا» النظريات، ~~فعمل على أن يحلل ليس فقط بنية النظريات العلمية، والطريقة التي بها تكذب، ~~وإنما أيضا العمليات التي بها تفسح نظرية (أو فرض) مجالا لنظرية أخرى (أو ~~فرض آخر) في «برنامج بحث» متطور بصورة تدريجية بهدف تجاوز النزعة ~~التكذيبية البوبرية، والتغلب على الاعتراضات التي وجهت إليها. # 31 # ولقد قدم لاكاتوش تفسيرا لذلك من خلال الظروف التي يمكن عن طريقها ~~الحكم على أن برنامج بحث ما متقدم على غيره، وذلك في دراسة له تحمل عنوان ~~«التكذيب وميثودولوجيا برامج البحث العلمي»؛ حيث يتناول لاكاتوش في هذه ~~الدراسة مناقشة معيار القابلية للتكذيب وتطوره عند بوبر، وكيف أن هناك ~~نوعين من التكذيب؛ التكذيب الساذج # Naïve ~~Falsifications ~~، والتكذيب المنهجي # Methodological Falsifications ~~؛ فبالنسبة ~~للتكذيب الساذج، فإن البرنامج أو النظرية تكون مقبولة، ومن ثم متقدمة قابلة ~~للتكذيب بطريقة تجريبية؛ # 32 # إلا أن لاكاتوش يرفض هذا النوع من التكذيب؛ إذ إن كل قضايا ~~العلم قابلة للخطأ. أما النوع الثاني فهو التكذيب المنهجي، ومن خلاله تكون ~~النظرية مقبولة أو علمية فقط إذا عززت المحتوى الإمبريقي بصورة زائدة عن ~~سابقتها أو منافستها. # 33 # ولذلك يعطي لنا لاكاتوش تلخيصا لتصوره بقوله: «إن النظرية العلمية «ت» ~~تكذب إذا اقترحت نظرية أخرى «ت» بالمواصفات التالية: «ت» بها محتوى إمبريقي ~~زائد عن «ت». وهذا معناه أنها تتنبأ بوقائع جديدة، وقائع غير محتملة في ضوء ~~«ت » أو حتى محرمة عن طريقها. «ت» تفسر نجاح «ت» السابق؛ أي إن المحتوى ~~غير المرفوض في «ت» يدخل في محتويات «ت» (من خلال الخطأ الملاحظ). # بعض المحتويات الزائدة في «ت» معززة.» # 34 # ويستطرد لاكاتوش فيقول: «... ولكي نستطيع أن نقيم هذه التعريفات نحتاج ~~إلى أن نفهم الخلفية المشكلة لها ونتائجها. أولا، علينا أن نتذكر الاكتشاف ~~المنهجي للاصطلاحيين من أنه لا توجد أي نتيجة تجريبية تستطيع أن تقتل ~~النظرية، وأن النظرية يمكن أن تنقذ من المناقضة إما بواسطة فرض مساعد أو ~~بإعادة شرح مناسب لألفاظها. وقد حل المكذب الساذج هذه المشكلة ms089 بإبعاد ~~الفروض المساعدة إلى مستودع المعرفة الخلفية الخالية من المشاكل - في ~~تعبيرات حاسمة - مستبعدا منها النموذج المستنبط لاختبار الموقف، وبذلك يجبر ~~النظرية المختارة على العزلة المنطقية، التي تصبح فيها هدفا ساكنا لهجوم ~~التجارب الاختبارية. لكن حيث إن هذه الطريقة لم تقدم إرشادا لإعادة البناء ~~العقلاني لتاريخ العلم، فيمكننا أيضا أن نعيد التفكير في طريقتنا كلية.» # 35 # وإعادة البناء العقلاني للعلم في تصور لاكاتوش قائم على أن النظرية ~~العلمية المتقدمة هي النظرية التي تنتقل فيها نظرية ما إلى الأمام ومعها ~~محتوى معرفي وتجريب منطقي أكبر من نظرية أخرى، مما يؤدي إلى سلسلة من ~~الاكتشافات لوقائع جديدة. إن ما حاول لاكاتوش أن يقوله هنا هو أن النظرية ~~العلمية المتقدمة لم تعد كما كان يؤكد على ذلك أصحاب الوضعية المنطقية، ~~متقدمة باتفاقها مع الوقائع الملاحظة، بل أصبح المعيار التجريبي لتقدمها ~~يكمن في تقديم النظرية العلمية لوقائع جديدة؛ # 36 # يقول لاكاتوش: «إذا قدمنا نظرية لحل تناقض بين نظرية سابقة ومثل ~~مناقض بطريقة تجعل النظرية الجديدة تقدم فقط إعادة تفسير مبني على تناقض ~~المحتويات (لغويا)، بدلا من تقديم تفسير مبني على زيادة في المحتويات ~~(علميا)، فإن التناقض يحل بطريقة لا تتعدى تفسير معاني الكلمات، غير ~~العلمية؛ فواقعة معينة تفسر علميا فقط إذا فسرت واقعة جديدة أخرى معها.» # 37 # ومن هذا المنطلق نود أن نتساءل: ماذا لو كان لدينا سلسلة من النظريات ~~لديها محتوى معرفي أكبر وتتنبأ بوقائع جديدة، ولكن يوجد في هذه السلسلة بعض ~~النظريات المتناقضة؟ يجيب لاكاتوش بأننا لو كان لدينا هذه السلسلة من ~~النظريات ويوجد بينها عدد قليل من النظريات المتناقضة، فإننا لا بد أن ~~نستبعد الواحدة تلو الأخرى من تلك النظريات المتناقضة، حتى إذا كان لدينا ~~نظريتان في النهاية نفاضل بينهما عن طريق معرفة أيهما تقدم المحتوى الأكبر ~~المعزز الذي يمدنا بشكل التقدم الذي تتخذه النظرية. أما سلسلة النظريات ~~المتبقية فإنها تشكل متصلا يستمر ويلتحم ليشكل برامج للبحث. # 38 # وهنا يصل لاكاتوش إلى نفس النتيجة التي وصل إليها كل من بوبر وتوماس ms090 ~~كون، ولكن لأسباب مختلفة، فنحن نعرف أن بوبر ذهب إلى لاعلمية نظريات ~~التنجيم والتحليل النفسي والماركسية لعدم قابليتها للتكذيب، كما أن كون وصل ~~إلى نفس النتيجة ولكن بسبب عجز هذه الأنساق عن تكوين أسلوب لتكوين وحل ~~الألغاز. أما لاكاتوش فيرى أن هذه الأنساق لم تنجح في التنبؤ بوقائع ناجحة ~~غير مطروقة أو غير متوقعة، فهل نجحت الماركسية في ذلك؟ لم يحدث على ~~الإطلاق، على العكس فللماركسية تنبؤات فاشلة معروفة؛ فقد تنبأ الماركسيون ~~بالفقر المطلق والأكيد للطبقات العاملة، كما تنبئوا بحتمية حدوث الثورة ~~الاشتراكية الأولى في أكثر البلدان الصناعية تقدما، وأن المجتمعات ~~الاشتراكية ستخلو من الثورات والإضرابات العمالية، وبعدم حدوث صراع أو ~~تضارب في المصالح بين الدول الاشتراكية. ونحن لا ننكر بالطبع أن هذه ~~التنبؤات العلمية عند نيوتن وأينشتين، ولكن الفارق الأساسي بينهما هو أن ~~هذه التنبؤات الأخيرة فشلت جميعا. وكلنا يعرف ما حدث للاتحاد السوفييتي ~~السابق عقب تفكك الجمهوريات السابقة وانهيار النظام الشيوعي في معظم ~~البلدان التي أخذت به. ويبدو الموقف لنا وكأن لاكاتوش كان لا يستقرئ فعلا ~~ما سوف يحدث بعد وفاته بثلاثة عقود؛ فقد رفض الماركسيون بعد فشل تنبؤاتهم ~~الاعتراف بهذا الفشل؛ ومن ثم حاولوا تفسير وتبرير هذا الفشل، ففسروا ارتفاع ~~مستوى معيشة الطبقات العاملة في البلدان الصناعية باختراع نظرية ~~الإمبريالية العالمية، وفسروا سبب حدوث الثورة الاشتراكية الأولى في روسيا ~~المتخلفة صناعيا آنذاك بدلا من حدوثها في أحد البلدان المتقدمة. كما ~~فسروا حدوث ثورات شعبية في البلدان الاشتراكية كالتي حدثت في برلين عام ~~1953م وبودابست عام 1956م وبراج عام 1968م. وأخيرا فسروا الصراع بين البلدان ~~الاشتراكية ذاتها كالصراع بين روسيا والصين. وقد استعانوا في كل هذه ~~التفسيرات بفروض مساعدة إضافية تم تلفيقها بعد وقوع الأحداث وليس قبلها كما ~~يحدث في النظريات العلمية. # 39 # ومن جهة أخرى اعترض لاكاتوش على بوبر بشأن التقدم العلمي؛ فقد أكد بوبر ~~على اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة، وعد ذلك مسألة جوهرية لتقدم العلم ~~وقياس ما يضاف إليه حقيقة؛ فالذي لا شك فيه ms091 أنه لا يمكن أن يقرر أحد إذا ~~كانت نظرية جسورة مهما كانت، وذلك عن طريق اختبارها على انفصال، لكن فقط عن ~~طريق اختبارها في ضوء سياقها المنهجي التاريخي. # 40 # وهذا معناه أنه إذا كان بوبر في محاولته للتقدم العلمي يؤكد عمومية ~~النظرية العلمية، مع الوضع في الاعتبار تكذيب النظرية اللاحقة للنظرية ~~السابقة عند تناقضها، فإن لاكاتوش يؤكد على أن أي نظرية تتمثل وتولد في خضم ~~هائل من التناقضات؛ ومن ثم يمكن عمل تعديل في النسق النظري العلمي. وطبقا ~~لذلك رأى لاكاتوش أن أي برنامج بحث يتألف من قواعد منهجية؛ يقول لاكاتوش: ~~«طبقا للمثيودولوجيا التي أدعو إليها، فإن الإنجازات العلمية العظيمة ليست ~~سوى برامج بحث يمكن تقييمها في حدود مشكلة الدورات المتقدمة والمتفسخة؛ حيث ~~تشتمل الثورات العلمية على برنامج بحث واحد (يتخطى في التقدم آخر) ويحل ~~محله. وتسعى هذه الميثودولوجيا إلى إعادة بناء عقلاني جديد للعلم.» # 41 # ويؤكد لاكاتوش أن هذه الميثودولوجيا تقدم برامج البحث صورة عن لعبة ~~العلم تختلف كثيرا عن الصورة التي تقدمها ميثودولوجيا التكذيبي؛ حيث إن ~~أفضل استهلال افتتاحي ليس افتراضا يمكن تكذيبه (ويكون لذلك متسقا)، ~~وإنما هو برنامج بحث. # 42 # وهنا يقترح لاكاتوش وحدة جديدة للتقييم؛ فبدلا من النظريات المؤيدة ~~التي قدمها بوبر والنماذج الإرشادية التي قدمها كون، يركز هو على برامج ~~الأبحاث العلمية. ويرفض لاكاتوش السؤال الأساسي للوضعية المنطقية وهو متى ~~تكون النظرية مقبولة؟ أي متى تكون مبررة بالمعنى الذي يوضح أنها صادقة أو ~~على الأقل محتملة الصدق بدرجة ملائمة؟ كما أنه يرفض السؤال الذي طرحه كون ~~وهو: متى يتحتم علينا قبول نموذج إرشادي في العلم؟ حيث تتمثل الإجابة في ~~إجماع العلماء على احترام نموذج إرشادي معين، وحيث يتخلى كون عن معيار ~~الإثبات أو التأييد الاستقرائي التجريبي والذي يعد معيارا موضوعيا، ~~ويتخلى أيضا عن المدى المفاهيمي البوبري للتعزيز بوصفه معيارا عرضة ~~للخطأ، والذي يعد أيضا معيارا موضوعيا، يتخلى كون عن كل ذلك لأجل ~~الاتفاق الذي يتسم بطابع الذاتية. ومثلما فعل كون نجد لاكاتوش أيضا يتخلى ~~عن ms092 سائر الأسئلة المطروحة سابقا ويطرح سؤالا جوهريا مؤداه: متى يكون من ~~المعقول أن نقبل أو نرفض برنامج بحث. # 43 # لم يغفل لاكاتوش الدلالة التاريخية لنمو النسق العلمي أو الأنساق ~~العلمية؛ أي لم ينظر إلى النظرية منفردة، بل برنامج متكامل للبحث، وذلك لأن ~~التقدم العلمي عنده يتم بالانتقال من برنامج متدهور إلى آخر تقدمي، وهذا ما ~~جعله على خلاف مع كثير من فلاسفة العلم المعاصرين، وخصوصا كارل بوبر، على ~~الرغم من أنه أخذ منه الكثير من الأفكار وتطبيقها. ويتألف برنامج البحث ~~العلمي عند لاكاتوش من ثلاثة أشياء: ~~(1) # النواة الصلبة. ~~(2) # الحزام الواقي. ~~(3) # الموجه الإيجابي والسلبي. # أو يتألف من جزأين بنائيين هما: # النواة الصلبة والحزام الواقي في ضوئهما يقدم نظاما من ~~الاستمرارية لأي سلاسل من النظريات العلمية. # قاعدتين منهجيتين رئيسيتين؛ قاعدة الموجه الإيجابي وقاعدة الموجه ~~السلبي. # النواة الصلبة ( # Hard Core ~~): بالنسبة ~~لأي برنامج بحث علمي تبدو ثابتة ومحددة، وتتألف من معتقدات رئيسية للبرنامج، ~~وهي ليست موضع جدال أو تساؤل. وهذا يعني أنه إذا لم يسلم أي باحث بصحة ~~النواة الصلبة بالنسبة لبرنامج البحث، فإنه في حل في أن يترك برنامج البحث؛ ~~أي إن النواة الصلبة بمثابة البديهيات والمصادرات النظرية الأساسية بالنسبة ~~لأي برنامج، كما أنها لا تخضع للتكذيب، ولا تقبل التفنيد فهي فرضيات عامة ~~جدا هي اللب أو الصلب الذي على أساسه ينمو برنامج البحث ويتطور. # 44 # رابعا: دور الفروض المساعدة في قبول أو رفض برنامج بحث # تتناول منهجية لاكاتوش القرارات التي يتخذها العلماء والاختبارات التي ~~يقومون بها. هذه القرارات والاختبارات التي يتخذونها عن طريق تبنيهم لنواة ~~صلبة ولمساعد على الكشف الإيجابي. والمساعد على الكشف الإيجابي هو سياسة ~~للبحث أو «تصميم أو خطة تم تصورها مسبقا» يختار المشتغلون بالعلم تبنيها. ~~والمشاكل التي يختارها العلماء المشتغلون على برامج للبحث اختيارا عقلانيا، ~~هي المشاكل التي يحددها المساعد على الكشف الإيجابي؛ # 45 # ويقول لاكاتوش: «طبقا للميثودولوجيا التي أدعو إليها، فإن ~~الإنجازات العلمية العظيمة ليست سوى برامج بحث يمكن تقييمها في حدود مشكلة ~~الدورات المتقدمة والمتفسخة، حيث ms093 تشتمل الثورات على برنامج بحث واحد (يتخطى ~~في التقدم آخر) ويحل محله.» # 46 # وهنا يقول إيان هاكينج: «كان لاكاتوش يولي اهتماما كبيرا بتعيين ~~الحدود الفاصلة لما هو علم؛ حيث إن الميثودولوجيا التي يدعو إليها معيارية ~~إلى درجة أنها قد تحكم على بعض الأحداث الماضية في العلم بأنها ما كان ~~ينبغي عليها أن تسير على هذا المنوال. بيد أن فلسفته لا تيسر أي تقييمات ~~متقدمة لنظريات علمية متنافسة في الوقت الحاضر. وإنما توجد على الأكثر ~~مؤشرات قليلة بأنها مشتقة من ميثودولوجيته.» فهو يقول إننا ينبغي أن نكون ~~متواضعين في آمالنا المتعلقة بمشروعاتنا الخاصة؛ لأنه قد يكون للبرامج ~~المتنافسة الكلمة الأخيرة. وعندما لا يسير برنامج أحد منا في الطريق القويم ~~ينفسح المجال أمام العناد، فيضحي تكاثر النظريات، والتساهل في التقييم، ~~والتقييم المشرف عندئذ هي الطرق المتبعة لرؤية أي برنامج هو الذي يثمر ~~نتائج ويواجه تحديات جديدة. # 47 # والسؤال الآن: متى يتم استبعاد برنامج بحث علمي طبقا لميثودولوجيا ~~لاكاتوش؟ إن استبعاد برنامج بحث علمي يأتي عندما يقدم برنامج البحث العلمي ~~الجديد المنافس تفسيرا لنجاح برنامج البحث العلمي السابق عليه، وتقديم ~~خطوات تجريبية إيجابية، ويتنبأ بوقائع جديدة أكثر من برنامج البحث العلمي ~~السابق، ولكن ليس معنى هذا الاستغناء عن برنامج البحث العلمي السابق؛ يقول ~~لاكاتوش «إن برنامج البحث العلمي الجديد الذي يدخل في منافسة ربما يبدأ ~~بتفسير وقائع قديمة بطريقة جديدة، ولكن ربما يأخذ وقتا طويلا قبل أن يرى ~~ويقدم وقائع جديدة حقيقية.» # 48 # وفي فقرة أخرى يقول لاكاتوش: «لا يوجد هناك تجارب حاسمة إذا عنينا بذلك ~~تجارب تؤدي مباشرة إلى القضاء على برنامج معرفي معين. وفي الحقيقة فإنه في ~~حال انهزام برنامج بحث معرفي واستبداله ببرنامج معرفي آخر، يمكننا مستفيدين ~~من مرور فترة طويلة من الزمن «تسمية تجربة حاسمة إذا ظهرت جليا أنها كانت ~~مؤيدة للبرنامج المنتصر وداحضة للبرنامج المهزوم»، وبعبارة أخرى لا يعير ~~العلماء آذانهم بسهولة إلى نتائج التجارب السلبية بادئ الأمر، ولا بد من ~~مرور فترة طويلة من الأبحاث والاختبارات كي ms094 يقبل سوادهم بفشل النظام ~~المعرفي الذي دحضته التجربة، فلا تصبح هذه الأخيرة حاسمة في انهزامه إلا ~~بعد أن تكون قد ترسخت النظرية الجديدة في الأوساط العلمية، فيمكننا فقط ~~عندها القول بأنها تجربة حاسمة.» # 49 # وقد تأخذ الأمور منحى أكثر تعقيدا حسب لاكاتوش: «فإذا وضع عالم من ~~أنصار المعسكر المهزوم بعد بضع سنوات تفسيرا علميا لما دعي ب «التجربة ~~الحاسمة» يجعلها متفقة مع البرنامج المهزوم، فإن صفة الشرف يمكن نزعها عن ~~تلك التجربة وتتحول بذلك «التجربة الحاسمة» من هزيمة إلى نصر للبرنامج القديم.» # 50 # وهكذا قد تستمر نظرية ما في مقاومة التغيير لفترات طويلة، وقد تصبح ~~عائقا أمام أي محاولات جدية لدحضها، فتسد آذان العلماء عن صوت البنى ~~الطبيعية المناقض لها، وتخلق انقطاعا مرحليا في المسار العلمي نحو ~~الحقيقة. وقد يطول هذا الانقطاع أو يقصر جاعلا من مفهوم التقدم نحو البنى ~~الموضوعية مفهوما تاريخيا لا تندرج فيه أية حقبة منعزلة من تطور ~~المعرفة، بل المسار التاريخي برمته. # 51 # فعلى سبيل المثال، فإن نظرية الحرارة قد بدت متلكئة وراء نتائج النظرية ~~الفينومينولوجية لعشرات السنين قبل أينشتين-سموكوتشوفسكي للحركة ~~البراونية عام 1905م، بعد هذا ما كان قد بدأ على أنه إعادة لتفسير وقائع ~~جديدة عن الحرارة، على سبيل المثال، قد تحول على أنه اكتشاف لوقائع جديدة عن الذرات. # 52 # وهذا القول يدلنا على أننا لا نستبعد برنامجا للبحث فقط لأنه قد فشل ~~في أن يلحق بمنافسه القوي؛ ذلك لأن هذا البرنامج للبحث يمثل تقدما في غياب ~~منافسه القوي، وأننا لا بد أن نعطي لبرنامج البحث الموجود الفرصة، طالما ~~كانت لديه القدرة على ذلك، لإعادة بناء نفسه من أجل تحقيق التقدم في العلم. # 53 # فالعلم في نظر لاكاتوش يتقدم عن طريق برامج البحث العلمي المتنافسة؛ ~~فبرنامج البحث المتقدم يكون له نواة صلبة لا تقبل التفنيد، وذلك لوجود حزام ~~واق من الفروض المساعدة؛ حيث تتجه التفنيدات إلى هذا الحزام الواقي المكون ~~من الفروض المساعدة التي تتحمل صدمة الاختبارات، وتتعدل مرة بعد أخرى حتى ~~إنها يمكن أن ms095 تستبدل كلية من أجل حماية النواة الصلبة لبرنامج البحث ~~العلمي، فإذا نجح برنامج بحث علمي ما في هذا الاستبعاد للفروض المساعدة ~~وإحلال فروض أخرى تحقق الخطوة الأولى من برنامج بحث متقدم، هي زيادة الفروض ~~المساعدة وزيادة مضمونها التجريبي وقدرته على التنبؤ بوقائع جديدة. وتأتي ~~خطوة ثانية لتحقيق التقدم في برنامج بحث علمي ما، وهي خطوة إيجابية في هذه ~~المرة، والتي تتلخص في «تغيير وتطوير الأشكال المختلفة القابلة للتفنيد ~~لبرنامج البحث، وكذلك كيف تعدل وتطور الحزام الواقي القابل للتفنيد»؛ # 54 # وفي هذا يقول لاكاتوش: «تتميز جميع برامج البحث العلمي ~~ب «جوهرها الصلب». والمحاولة التجريبية السلبية للبحث تمنعنا من توجيه طريقة ~~التفنيد إلى الجوهر الصلب. وبدلا من ذلك، علينا أن نستخدم مهارتنا في ~~صياغة أو ابتكار «افتراضات مساعدة»، تشكل حزام الأمان حول ما هو الجوهر ~~الصلب ويجب أن نعيد توجيه طريقة التفنيد إليها؛ فحزام الأمان من الافتراضات ~~المساعدة هو الذي يجب أن يتحمل حدة صدمة الاختبارات وتتعدل مرة أخرى بعد ~~أخرى، حتى يمكن أن تستبدل كلية لكي تحمي الجوهر الصلب؛ فبرنامج البحث يمكن ~~أن ينجح إذا أدى كل هذا إلى تحول إشكالي تقدمي، ويفشل إذا أدى هذا إلى تحول ~~إشكالي تأخري.» # 55 # ويعطينا «لاكاتوش» مثالا على ذلك من برنامج البحث النيوتوني؛ حيث ~~يلاحظ أن النواة الصلبة لهذا البرنامج تتمثل في الجاذبية، وأنه لا شك في أن ~~بين النواة والظواهر الحزام الواقي من الفروض المساعدة التي تحتك بالاختبار ~~والتكذيب. ومن هنا قبل الحزام الواقي التعديل والتطوير ليحمي النواة. وهذا ~~التطوير يتم بناء على الموجه الإيجابي المساعد على الكشف؛ أي إننا حين ~~اكتشفنا أن كوكب أورانوس لا يتفق مع التنبؤات الخاصة بنظرية نيوتن لم ~~نستنتج من هذا أن النظرية كاذبة، بل على العكس، فالنظرية أو برنامج البحث ~~النيوتوني عامة لا يزال تقدميا. وبعد فترة من الزمن أصبح هذا البرنامج ~~متفسخا ومتدهورا لظهور برنامج آخر، وهو لأينشتين الذي فسر حركة الكوكب ~~عطارد التي لم يستطع برنامج نيوتن حلها. هذا فضلا عن أن برنامج أينشتين قد ms096 ~~تنبأ بانحراف الأشعة الآتية من النجوم تحت تأثير مجال الجاذبية؛ # 56 # يقول لاكاتوش: «والمثل التقليدي لبرنامج البحث الناجح هو نظرية ~~الجاذبية لنيوتن، ربما يكون أنجح برنامج بحث. عندما قدم في بادئ الأمر غرق ~~في محيط من الشواذ (أو الأمثلة المضادة، إذا أردت)، وعارضته نظريات ~~الملاحظة التي تدعم هذه الشواذ. لكن أتباع نيوتن حولوا بذكاء وإصرار واضح ~~الأمثلة المضادة واحدا بعد الآخر إلى أمثلة مثبتة، برفض نظريات الملاحظة ~~الأصلية التي بنيت الأدلة المضادة في ضوئها بصورة رئيسية. وفي أثناء هذا ~~الإجراء قدموا أمثلة مضادة جديدة قاموا أيضا بالرد عليها. ولقد حولوا كل ~~صعوبة جديدة إلى نصر جديد لبرنامجهم. في برنامج نيوتن التجريبية السلبية ~~تطلب منا أن نحول طرق تفنيدنا عن قوانين نيوتن الثلاثة عن الديناميكا ~~وقانونه عن الجاذبية. هذا الجوهر الذي لا يفند عن طريق قرار منهجي من ~~الأنصار. فالشواذ يجب أن تقود التغييرات فقط من أحزمة الأمان المساعدة ~~والافتراضات الملاحظة والظروف الابتدائية. ولقد قدمت مثلا صغيرا جدا ~~مبتكرا للتحول الإشكالي التقدمي لنيوتن. إذا حللناه نجد أن وصلة متتابعة ~~في هذا التمرين تتنبأ بحقيقة جديدة معينة، كل خطوة تمثل زيادة في المحتوى ~~الإمبريقي. والمثل يشكل تحولا نظريا تقدميا مستمرا. وأيضا كل تنبؤ ~~يتحقق في النهاية على الرغم من أنه في ثلاث مناسبات متتالية كان يبدو عليها ~~أنها «مفندة» مؤقتا. بينما التقدم النظري (في المعنى المشروح هنا) يمكن ~~أن يتحقق مباشرة، لا يمكن ذلك بالنسبة للتقدم الإمبريقي، وفي برنامج البحث ~~يمكن أن يصيبنا الإحباط بسبب سلسلة طويلة من «التفنيدات» قبل أن يحول ~~افتراض مساعد متزايد في المحتوى ساذج محظوظ سلسلة من الهزائم - بالبصيرة - ~~إلى قصة نجاح رنانة، إما عن طريق مراجعة بعض الوقائع الخاطئة أو بإضافة ~~افتراض مساعد جديد. ويمكننا أن نقول عند ذلك إننا يجب أن نطلب أن تكون كل ~~خطوة من برنامج البحث تحولا إشكاليا تقدميا بصفة مستمرة. وكل ما نحتاج ~~إليه بالإضافة إلى هذا هو أنه على الأقل من حين لآخر يجب أن يلاحظ أن ~~الزيادة في المحتوى قد ms097 تحققت بأثر رجعي، والبرنامج ككل يجب أن يبين تحولا ~~إمبريقيا تقدميا مترددا.» # 57 # فاختبار أي برنامج يعول مباشرة على الحزام الواقي للفروض المساعدة. ومن ~~هنا أكد «لاكاتوش» أن أي نتيجة اختبار سالبة مفردة لا تفند برنامج البحث ~~ككل؛ الأمر الذي جعله ينتقد «بوبر» عندما عول على أهمية النتائج السلبية؛ ~~حيث إن وجود أي نتيجة اختبار سلبية، إنما هي استراتيجية مثمرة لتعديل ~~الحزام الواقي للفروض المساعدة ليعدل أو يسوي الشاذ؛ # 58 # يقول لاكاتوش متعجبا من بوبر: «هل يستطيع أحد أن يحسن من ~~طريقة دوهيم؟» لقد فعل بوبر ذلك، وحله - صورة واعية للتجزيء المنهجي - أكثر ~~موضوعية وأكثر قوة؛ فبوبر يتفق مع الاصطلاحيين في أن النظريات والفروض ~~المبنية على الوقائع يمكن دائما أن تنسجم مع بعضها عن طريق فروض مساعدة؛ ~~فهو يوافق على أن المشكلة هي كيف نميز بين التعديلات العلمية والعلمية ~~الزائفة وبين التغييرات العقلانية واللاعقلانية في النظرية؛ فطبقا لبوبر، ~~إن إنقاذ النظرية بفضل الفروض المساعدة التي تستوفي ظروفا معينة محددة ~~يمثل التقدم العلمي، لكن إنقاذ النظرية بفضل فروض مساعدة لا تفعل ذلك يمثل ~~التدهور. ويطلق بوبر على هذه الفروض المساعدة مصطلح الفروض العينية «حيل ~~اصطلاحية». لكن بعد ذلك يجب أن نقيم أي نظرية مع فروضها المساعدة والظروف ~~الأولية ... إلخ. وخاصة مع سابقاتها، حتى نرى ما هي التغييرات التي أدت إليها. ~~وبعد ذلك بالطبع نقيم سلسلة من النظريات لا نظريات متفرقة. # 59 # وعلى هذا رفض «لاكاتوش» أن يكون نمو العلم مجرد واقعة نافية أو بينة ~~تجريبية معارضة تكذب نظرية على حدة بصورة مستقلة، ليتم رفضها هي فقط في حد ~~ذاتها ويستبدل أخرى تعرض بدورها على محكمة التجريب! وهنا يؤيد لاكاتوش ~~«دوهيم-كواين»، لا سيما عندما رأى أن المعقبات أو النواتج التي تلزم ~~الفرض العلمي الجديد، والتي تكون محكمة للتجريب لا تخص الجديد وحده، بل تخص ~~النسق المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض؛ # 60 # فيقول: «طبقا لأطروحة دوهيم-كواين، يمكن لأي نظرية (سواء ~~كانت مكونة من افتراض واحد أو عدد محدود من الروابط لكثير منها) ms098 أن تنقذ ~~بصفة دائمة من التفنيد، إذا أعطيت بعض الخيال، بواسطة تعديل مناسب في خلفية ~~المعلومات المرتبطة بها. وكما ذكرها كواين «يمكن أن يعتقد أن أي قضية ~~حقيقية مهما كانت النتيجة» إذا ما أحدثنا تعديلات قوية كافية في مكان آخر ~~من النظام ... وبالعكس، لا يوجد أن النظام ليس شيئا أقل من «كل العلم». يمكن ~~ملاءمة أي تجربة متمردة بأي إعادات للتقييم البديلة المتنوعة في أجزاء ~~مختارة متنوعة من النظام الكلي (بما في ذلك إمكانية إعادة تقييم التجربة ~~المتمردة نفسها). هذه الأطروحة لها تفسيران مختلفان جدا. في تفسيرها ~~الضعيف تؤكد فقط استحالة ضربة معملية مباشرة على هدف نظري محدد بدقة، ~~والإمكانية المنطقية لتشكيل العلم بطرق مختلفة كثيرة ليس لها حدود، والتفسير ~~الضعيف يضرب فقط التكذيب الدجماطيقي وليس المنهجي وهو الذي ينكر إمكانية ~~دحض أي إمكانية، دحض أي مكون منفصل للنظام النظري. وفي تفسيرها القوي تبعد ~~أطروحة دوهيم-كواين أي قاعدة للاختيار العقلاني بين البدائل، هذه الصيغة ~~لا تتلاءم مع كل أشكال التكذيب المنهجي. والتفسيران لا ينفصلان بوضوح عن ~~بعضهما على الرغم من أن الاختلاف حيوي منهاجي. ويبدو أن دوهيم كان مقتنعا ~~بالتفسير الضعيف؛ فبالنسبة إليه، فإن الاختيار هو مسألة «بصيرة» يجب دائما ~~أن نختار الصحيح لكي نقترب من التصنيف الطبيعي.» # 61 # ولكي نفهم فكرة لاكاتوش عن برامج البحث، فمن الملائم أن نناقش الكيفية ~~التي تعدل من خلالها النظريات المكذبة، سواء أكانت هذه النظريات يجب ~~استبعادها تماما أم يتم تغييرها سطحيا فقط؛ حيث نجد أن دوهيم وكون ~~يؤكدان، أن النظرية المكذبة أحيانا لا تستبعد تماما، ولكي نفسر ذلك، ~~افترض لاكاتوش أن برنامج البحث يتوقف على جزأين؛ النواة الصلبة للفروض ~~الرئيسية، والحزام الواقي للفروض المساعدة. # 62 # والنواة الصلبة هي التي تتيح لبرنامج بحث خصائصه المميزة أفضل، وتتكون ~~هذه النواة من بعض الفرضيات العامة جدا، والتي تشكل القاعدة التي ينبغي ~~للبرنامج أن ينمو ويتطور انطلاقا منها. هذه بعض الأمثلة على ذلك. تشكل ~~النواة الصلبة في علم الفلك لدى كوبرنيق من فرضيتين، وهما: أن الأرض تدور ms099 ~~حول الأمثلة على ذلك. تشكل النواة الصلبة من قوانين الحركة ومن الجاذبية ~~الكونية كما تصورها نيوتن. والنواة الصلبة في المادية التاريخية لدى ماركس ~~هي فرضية أن التغير الاجتماعي يجد تفسيره في صراع الطبقات، وهذه الطبقات ~~تتحدد طبيعتها وتفاصيل الصراع بينها، في نهاية التحليل، بالبنية التحتية ~~الاقتصادية. وفيما يتعلق ب «الحزام الواقي» فإن أي عدم تطابق بين برنامج من ~~برامج البحث، وبين معطيات الملاحظة، ينبغي أن ينسب، لا إلى الفرضيات التي ~~تشكل نواته الأصلية، بل إلى أي جزء آخر من أجزاء البنية النظرية. وإن تشابك ~~الفرضيات الذي يشكل هذا الجزء الآخر من البنية لهو ما يسميه لاكاتوش ~~«الحزام الواقي». وهو لا يقوم فقط في فرضيات مساعدة صريحة تكمل النواة ~~الصلبة، بل يقوم أيضا في الفرضيات الضمنية أو المتضمنة في وصف الشروط ~~الابتدائية، وفي منطوقات الملاحظة. ولقد لاحظ لاكاتوش أن الفرضيات أو ~~النظريات التي تؤلف برنامج بحث ليست جميعا متساوية المكانة إذ تعامل بعضها ~~على أنها مقدسة إلى أبعد حد، أو بلغة بوانكاريه أنها «مصطلح» عليها. ~~وتقبل الأخريات لكونها عرضة للتعديل والتغيير، وعندما تعدل تصبح محكمة ~~نتيجة لتطورات برنامج البحث. ويطلق على الأولى اسم «النواة الصلبة» وقد ~~تحدثنا عنها من قبل، وعلى الثانية اسم «الحزام الواقي». # 63 # والحزام الواقي يتألف من محتوى البرنامج بحيث يختلف عن النواة الصلبة ~~والمبادئ الموجهة. يطلق لاكاتوش على هذه المعلومات أو هذا المحتوى الفروض ~~المساعدة التي تبدو - على عكس النواة الصلبة - مادة للتغيير. ومع ذلك يتضمن ~~الحزام الواقي أيضا معلومات تمثل بدورها الشروط الأولية، الشروط التي ~~تحددها سلسلة بارمترية (ثوابت تعسفية تتخذ قيما متباينة وفقا لاختلاف ~~المتغيرات في الحالة موضع التساؤل) بالنسبة لأي نظرية علمية؛ ففي ~~الميكانيكا النيوتونية مثلا، نرى أن الوقت المطلوب لأي جسم لأن يسقط من ~~مسافة يمكن التنبؤ به، وذلك إذا تحددت الشروط الأولية المناسبة، وهي سرعة ~~الجسم والتسارع وقرب الجسم والجاذبية ... إلخ. والواقع أن لاكاتوش قد أطلق ~~على الحزام بأنه الواقي نظرا لأنه يقي النواة الصلبة من التدمير المحتمل ~~للفروض الملاحظة (ولفظ الفرض ms100 الملاحظ هنا يستخدم ليقدم معنى مختلفا عما ~~يطلق عليه النتيجة التجريبية أو الملاحظة)؛ فالاستخدام الواضح هنا للفظ فرض ~~يشير إلى نظرية محملة. هذا يعني أن لاكاتوش دائما يلحق النواة الصلبة ~~بالفروض المساعدة أو الحزام الواقي الذي يواجه التعديلات والتصويبات، وقد ~~يتغير ويستبدل به آخر ليحمي النواة الصلبة. # 64 # مثال يوضح النواة الصلبة والحزام الواقي والفروض المساعدة: برنامج ~~البحث للميكانيكا النيوتونية: هنا تكون النواة الصلبة قوانين نيوتن ~~والجاذبية العامة، ولكي تطبق على ذلك النظام الشمسي فنحن في حاجة إلى ~~معطيات أو عمل فروض متباينة على سبيل المثال، الكتل والشمس والكواكب ~~ومواضعها، كما أننا في حاجة إلى عمل تقديرات رقمية وذلك لتسهيل عملية ~~الحساب؛ فمثل هذه الفروض يمكن أن نطلق عليها الحزام الواقي كما أن هذه ~~الفروض وهذه التقديرات الحسابية من الممكن أن تكون متوافقة أو معدلة وذلك ~~لتلائم الحركات الملاحظة للكواكب؛ لذا يمكن القول، مثلا، إذا قمنا بحساب ~~الحركات المتنبأة متجاهلين تجاذب الكواكب الواحد بالنسبة للآخر في وجود ~~تأثير الشمس، فإننا سوف نلاحظ عدم توافق بين التنبؤات والحركات الفعلية. ~~وقد تحقق هذا في الحركة الشاذة لكوكب أورانوس. وقد تم تفسيرها بوجود كوكب ~~آخر غير ملاحظ مؤثر في مدار أورانوس. وقد كان افتراض هذا الفرض قابلا ~~للاختبار؛ حيث تم حساب مدار الكوكب غير الملاحظ، وفي ضوء ذلك اكتشف نبتون. # 65 # والنواة الصلبة والحزام الواقي في ضوئهما يقدم نظام من الاستمرارية ~~لأي سلاسل من النظريات العلمية قاعدتين منهجيتين رئيسيتين؛ قاعدة الموجه ~~السلبي وقاعدة الموجه الإيجابي. وقاعدة الموجه السلبي لبرنامج ما، هو ~~المطلب الذي يقضي بالحفاظ على نواة البرنامج الصلبة ثابتة غير منقوصة خلال ~~نمو هذا البرنامج وتطوره. وكل عالم يجري تعديلات في النواة الصلبة، فإنه ~~يختار الخروج عن برنامج البحث الذي يشتغل فيه؛ فقد اختار «تيكو براهي»، ترك ~~البرنامج الكوبرنيقى والبدء في برنامج آخر، وذلك عندما اقترح التسليم ~~بفرضية أن جميع الكواكب الأخرى - غير الأرض - تدور حول الشمس، وأن الشمس ~~ذاتها تدور حول أرض مستقرة. أما المساعد على الموجه الإيجابي فهو الذي يوجه ms101 ~~المشتغلين بالعلم إلى ما ينبغي أن يفعلوه. ولقد سبق أن تحدثنا عن وظائفه ~~عندما تعرضنا إلى منهجية برامج البحث. وتجدر الإشارة إلى أن «قاعدة الموجه ~~السلبي» تشترط للبرنامج ألا تكون الفروض الخاصة ب «النواة الصلبة» متغيرة. ~~فإذا ما تغيرت «النواة الصلبة»، عندئذ قد يهجر المرء برنامج البحث ويتحول ~~إلى آخر، أو بلغة كون يتحول إلى نماذج إرشادية أخرى. ومن ناحية أخرى، فإن ~~«المساعد على الموجه الإيجابي» للبرنامج يمكن أن يضع العديد من الفروض ~~الإضافية لتعديل شواذ قد تظهر في البرنامج. ويقال إن البرنامج يكون متقدما ~~طالما كان نطاق الملاحظات الإمبريقية يسبب النمو في المعرفة، خصوصا بمعنى ~~نجاحه في التنبؤ بوقائع جديدة، ويوصف البرنامج بأنه متفسخ إذا لم يستطع أن ~~يفعل ذلك. وكمثال على برنامج بحث متقدم يتخذ لاكاتوش نظرية وليام براوت ~~الجزيئية (1815م)، التي ترى أن الأوزان الذرية لجميع العناصر ينبغي أن تكون ~~أعدادا صحيحة. وكانت «النواة الصلبة» للبرنامج ترى أن جميع الذرات متحدة ~~بذرات الهيدروجين (وهذا يعطي بالفعل وزنا لها بنسبة «1»). ولقد انتصر ~~برنامج براوت الذي استطاع أن يفسر الشواذ في حدود عدم ملاءمة الحزام ~~الواقي. وعلى الرغم من أن نظريته اعتبرت ميتة لسنوات طويلة، إلا أن أفكارا ~~جديدة في بنية الذرة قد انبثقت في غضون السنوات الأولى من القرن العشرين. ~~وفي خضم الأحداث تأسست ترجمة جديدة لفروض براوت، مدعمة من قبل «مساعد على ~~الكشف الإيجابي» لبرنامج البحث. وكانت الآلية المتبعة في حل المشكلات ~~تستوعب الشواذ أولا بأول. إذن لو استمر برنامج البحث في التحسن، لأدى ذلك ~~إلى اكتشاف ظواهر جديدة تعلل بنجاح في حدود الظواهر المتعددة للبرنامج، ~~فنحصل عندئذ على «تغير مشكلة متقدمة» # aprogressive problem ~~shift # لأن الفروض الجديدة الموضوعة في «الحزام الواقي» ~~تزيد من المضمون الإمبريقي للنظرية (أو البرنامج). ولكن في ظروف مبشرة ~~بنجاح أقل، عندما تنتهي القوة الدافعة للبرنامج، فإن الفروض الجديدة ~~المضافة تتحول إلى «غرض خاص»؛ لأنها تنقذ الفروض المسبقة للنواة الصلبة، بيد ~~أنها لا تسمح بالتنبؤ بظواهر جديدة مختبرة. أو بلغة بوبر، ليس لديها ms102 ما ~~تفعله لتحسين المضمون الإمبريقي للنظرية. ويقال في مثل هذه الظروف إن ~~برنامج البحث خاضع لما أسماه لاكاتوش «تغير مشكلة متفسخة» # degenerating problem shift ~~. # 66 # خامسا: الفروض المساعدة ودورها في برنامج البحث النيوتوني # كان «لاكاتوش» قد أكد أن النواة الصلبة لبرنامج البحث عند نيوتن تتمثل ~~في الجاذبية، وأنه لا شك في أن بين النواة والظواهر الحزام الواقي من ~~الفروض المساعدة التي تحتك بالاختبار والتكذيب. ومن هنا قبل الحزام الواقي ~~التعديل والتطوير ليحمي النواة، وهذا التطوير يتم بناء على الموجه الإيجابي ~~المساعد على الكشف؛ أي إننا حين اكتشفنا أن كوكب أورانوس لا يتفق مع ~~التنبؤات الخاصة بنظرية نيوتن لم نستنتج من هذا أن النظرية كاذبة، بل على ~~العكس، فالنظرية أو برنامج البحث النيوتوني عامة لا يزال تقدميا. وبعد ~~فترة من الزمن أصبح هذا البرنامج متفسخا ومتدهورا لظهور برنامج آخر، وهو ~~لأينشتين الذي فسر حركة الكوكب عطارد التي لم يستطع برنامج نيوتن حلها. هذا ~~فضلا عن أن برنامج أينشتين قد تنبأ بانحراف الأشعة الآتية من النجوم تحت ~~تأثير مجال الجاذبية. # 67 # فاختبار أي برنامج يعول مباشرة على الحزام الواقي للفروض المساعدة. ومن ~~هنا أكد «لاكاتوش» أن أي نتيجة اختبار سالبة مفردة لا تفند برنامج البحث ~~ككل؛ الأمر الذي جعله ينتقد «بوبر» عندما عول على أهمية النتائج السلبية؛ ~~حيث إن وجود أي نتيجة اختبار سلبية، إنما هي استراتيجية مثمرة لتعديل ~~الحزام الواقي للفروض المساعدة ليعدل أو يسوي الشاذ. # 68 # وعلى هذا رفض «لاكاتوش» أن يكون نمو العلم مجرد واقعة نافية أو بينة ~~تجريبية معارضة تكذب نظرية على حدة بصورة مستقلة، ليتم رفضها هي فقط في حد ~~ذاتها ويستبدل أخرى تعرض بدورها على محكمة التجريب! وهنا يؤيد لاكاتوش، ~~بيير دوهيم لا سيما عندما رأى أن المعقبات أو النواتج التي تلزم الفرض ~~العلمي الجديد، والتي تكون محكمة للتجريب لا تخص الجديد وحده، بل تخص النسق ~~المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض. # 69 # وقد اعتبر لاكاتوش أن الفرض الأساسي في النظرية العلمية يمثل جوهرا ~~ثابتا، بينما ms103 تمثل الفروض المساعدة نطاقا واقيا حول هذا الجوهر. وإذا ~~أظهرت الاختبارات بعض الحالات السلبية فإن العلماء يدافعون عن الجوهر ~~الثابت بتعديل الفروض المساعدة أو بإضافة فروض مساعدة جديدة. # 70 # ويشرح لاكاتوش ذلك بأن نظرية الجاذبية لنيوتن تتضمن قانون الجاذبية ~~الذي مؤداه: «أي جسمين يتجاذبان فيما بينهما بقوة تتناسب طردا مع مضروب ~~الكتلتين وعكسا مع مربع المسافة بين الجسمين»، وتتضمن أيضا ثلاثة قوانين ~~للحركة: ~~(1) # كل جسم يحتفظ بحالة السكون في حركة منتظمة في خط مستقيم، إلا إذا ~~أجبر على تغيير تلك الحالة من قبل قوى مؤثرة. ~~(2) # معدل التغيير في الاندفاع (كمية الحركة) يتناسب مع القوة المؤثرة ~~ويكون في اتجاه هذه القوة. ~~(3) # رد الفعل يساوي الفعل في المقدار ويعاكسه في الاتجاه؛ أي إن ~~أثيري جسمين أحدهما على الآخر متساويان دائما ومتعاكسان في ~~الاتجاه. # والحقيقة أنه لا يمكن استدلال مضمون يمكن اختباره من هذه القوانين ~~وحدها. وإنما يمكن الاستدلال من هذه القوانين مقترنة مع بعض الفروض ~~المساعدة، فإذا أردنا استنباط مدار الأرض مثلا علينا أن نفترض بعض الفروض ~~المساعدة كما يلي: ~~(1) # لا توجد أجسام سوى الشمس والقمر. ~~(2) # الشمس والأرض يوجدان في فراغ نفاذ. ~~(3) # لا يخضع كل من الشمس والأرض لقوى الجاذبية التبادلية. # 71 # ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه لا يمكن التنبؤ من النظرية فقط، ولكن ~~من ارتباط النظرية مع الفروض المساعدة، وحقيقة فإنه بالكاد يمكن أن تعد ~~الفروض المساعدة جزءا من النظرية؛ فالنظرية هي مجموعة من القوانين، ~~والقوانين هي العبارات التي نأمل أن تكون صادقة، ويفترض أنها صادقة بواسطة ~~طبيعة الأشياء ولا يكون صدقها عرضيا فقط، ولا يكون للفروض المساعدة مثل ~~هذه السمة؛ فمثلا نحن لا نعتقد فعلا أنه لا يوجد أجسام سوى الشمس والأرض ~~مثلا، كما ورد في الفرض المساعد السالف الذكر، ولكن فقط كل الأجسام الأخرى ~~تمارس قوى ضئيلة بدرجة يمكن إهمالها، فلا يفترض أن تكون الفروض المساعدة ~~قوانين طبيعية، بل هي مجرد عبارات خاصة ب «الشروط الحدية # Boundary Conditions ~~» والتي تعتبر كحقيقة ~~في نسق معين. إن أحد الفروق الهامة ms104 بين النظرية والفروض المساعدة هو ~~العناية الفائقة التي يوليها العلماء عد ذكر النظرية، بينما أن الفروض ~~المساعدة هي العرضة للمراجعة والتعديل والتنقيح وليس النظرية. مثال ذلك لقد ~~قبل قانون الجاذبية العامة لأكثر من مائتي عام باعتباره حقيقة لا تقبل ~~المناقشة، واستخدم كمقدمة في مبرهنات علمية لا حصر لها. أما الفروض المساعدة، ~~والتي لم تؤد إلى تنبؤات ناجحة في هذه الأثناء، فإنها هي التي عدلت وليس ~~النظرية؛ فلقد اعتبر أن التنبؤات الخاطئة لم تكن نتيجة خطأ في النظرية ولكن ~~نتيجة خطأ في الفروض المساعدة؛ ومن ثم فإن المتناقضات المصاحبة لنظرية ~~الجاذبية لم تؤد إلى رفضها؛ لأنه من المحتمل أن الخطأ كان في الفروض المساعدة. # 72 # ومثال ذلك عندما لاحظ الفلكيون وجود بعض الظواهر غير المنتظمة في حركة ~~الكوكب أورانوس # Uranus # ولم يكن من الممكن ~~تفسير هذه الظواهر على أساس نظرية الجاذبية العامة افترض كل من لوفيرييه # Le Verrier # في فرنسا، وآدامز # Adams # في إنجلترا وجود كوكب آخر لم يكتشف ~~بعد هو المتسبب في الحركات غير المنتظمة لأورانوس. ولقد ثبت صحة هذا ~~الافتراض عندما اكتشف الكوكب نبتون فيما بعد. # 73 # وفيما يلي رسم تخطيطي لدور الفروض المساعدة في برنامج البحث ~~النيوتوني: # الفروض المساعدة ودورها في برنامج البحث النيوتوني. ~~* # النظرية # الفروض المساعدة # نتائج النظرية المطبقة # ت 1 # موقع الشمس، الشمس والكوكب كتل # الدوران تقريبي بناء على ما استنبطه من قوانين كبلر. # ت 2 # تتحرك الشمس والكوكب حول موقع مشترك من الجاذبية # تحسن الدوران، لكن حركات المشتري وزحل شاذة. # ت 3 # اضطراب واضح ويبحث عن حلول # تحسن الدورات أكثر، وقد وصفت الحركات الشاذة للمشتري وزحل عن ~~طريق النظرية رقم 3 وحركة القمر شاذة. # ت 4 # تصحيح لتوزيع الكتلة غير المنسجمة # وصفت حركة القمر بدقة أكبر عن طريق النظرية رقم 4، كما أنه لوحظ ~~أن حركة شاذة لأورانوس كانت معلومة ضخمة وأصبحت متوفرة. # ت 5 # وجود كوكب أورانوس # اكتشف نبتون بالقرب من مكان كان متنبأ به. ~~* # انظر عبد النور عبد المنعم عبد اللطيف: عقلانية النقد العلمي ms105 ~~عند إ. لاكاتوش، ص174. # ويمكن أن نوضح الرسم التخطيطي لدور الفروض المساعدة في برنامج البحث ~~النيوتوني، وذلك على النحو التالي: # إن نظرية نيوتن الكاملة (ولنرمز لها بالرمز ن) تكونت من ثلاثة قوانين ~~في الحركة (ن1، ن2، ن3) بالإضافة إلى قانون الجاذبية ن4. ومع ذلك، فإنه لا ~~يمكن أن نستمد من ن في حد ذاتها أية نتائج قابلة للملاحظة فيما يخص نظام ~~المجموعة الشمسية، ولكي يتسنى لنا ذلك فنحن في حاجة إلى إضافة عدد من ~~الفروض المساعدة إلى ن؛ منها على سبيل المثال أنه لا توجد قوى أخرى تؤثر في ~~الكواكب غير قوى الجاذبية، وأن التجاذب فيما بين الكواكب ضئيل جدا إذا ما ~~قورن بالتجاذب بين الشمس والكواكب، وأن كتلة الشمس أكبر بكثير من كتلة ~~الكواكب، وهكذا. # 74 # ودعونا نرمز لمجموعة الفروض المساعدة هذه التي تلائم حالة ما، بالرمز ~~أ. ستكون لدينا الآن الصياغة الرمزية الآتية: إذا كانت ن1، ن2، ن3، ن4، أ ~~صادقة فإن ل تكون صادقة، لكن ل كاذبة. # يلزم عن ذلك كذب «ن1، ن2، ن3، ن4، أ» يلزم أن يكون عنصر على الأقل من ~~المجموعة «ن1، ن2، ن3، ن4، أ» كاذبا، لكننا لا نستطيع أن نقول أي منها كذلك. # 75 # وكما يوضح تاريخ العلم، غالبا ما تكمن مشكلة حقيقية في البحث العلمي ~~عند تحديد فرض ينبغي تغييره من بين مجموعة من الفروض، وأن نتأمل على سبيل ~~المثال كشف كل من آدامز ولوفيرييه لكوكب نبتون عام 1846م؛ فمن خلال نظرية ~~نيوتن «ن»، بالإضافة إلى الفروض المساعدة، تمكن الفلكيون من حساب المدار ~~النظري لكوكب أورانوس (أبعد الكواكب التي عرفت وقتها). لم يتفق هذا المدار ~~النظري مع المدار الذي تم ملاحظته. وهذا كان يعني أنه إما أن تكون ن أو أحد ~~الفروض المساعدة كاذبة. توصل آدامز ولوفيرييه إلى حدس افتراضي مفاده أن ~~الفرض المساعد المتعلق بعدد الكواكب كان خاطئا، وافترضا وجود كوكب جديد ~~أبعد من أورانوس، وهو كوكب نبتون، وحسبا كتلته والموقع الذي يجب أن يكون ~~موجودا فيه حتى يتسبب في ms106 الاضطراب الملحوظ في مدار أورانوس. وفي 23 من ~~سبتمبر عام 1846م، تم رصد كوكب نبتون منحرفا 52 درجة فقط بعيدا عن الموقع ~~المتنبأ به. # 76 # وهذا الجانب من القصة معروف جيدا، لكن ثمة أحداثا تالية ترتبط أيضا ~~بدور الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني؛ إذ واجه علماء الفلك في ~~ذلك الوقت صعوبة أخرى، تتعلق بعدم انتظام حركة الحضيض الشمسي لكوكب عطارد، ~~التي وجد أنها تتقدم أسرع قليلا مما ينبغي أن تكون عليه وفقا للنظرية ~~القياسية. حاول لوفيرييه أن ينهج النهج نفسه، الذي اتبعه في تفسير عدم ~~الانتظام الذي كان يعتري حركة كوكب أورانوس، والذي تكلل للنجاح، فافترض ~~وجود كوكب أقرب إلى الشمس من كوكب عطارد، وأطلق عليه اسم فلكان # Vulcan # وله من الكتلة والمدار وإلى غير ~~ذلك ما قد يفسر الزيادة في حركة الحضيض الشمسي لعطارد. ورغم ذلك لم يستدل ~~على وجود مثل هذا الكوكب. # 77 # إن الفرق هنا يكون ضئيلا للغاية. وفي عام 1898م، قدر نيوكومب قيمته بما ~~يساوي 41024 درجة؛ أي بما يقل عن جزء من ثمانين من الدرجة في كل فرض. ورغم ~~ذلك فإن الانحراف الضئيل للغاية في حركة كوكب عطارد قد تم تفسيره بنجاح ~~بواسطة النظرية النسبية العامة «ن» التي توصل إليها أينشتين عام 1915م، لتحل ~~محل نظرية نيوتن «ن»؛ فقيمة الزيادة في الحركة غير المنتظمة للحضيض الشمسي ~~لكوكب عطارد قد تم تقديرها من خلال النظرية النسبية العامة، كانت 42089 درجة ~~في كل فرض، وهو رقم يقع ضمن النطاقات التي وضعها نيوكومب. ونرى أنه على ~~الرغم من التشابه الشديد الذي يبدو للوهلة الأولى لعدم الانتظام في حركة كل ~~من أورانوس وعطارد، فإن النجاح تحقق في إحدى الحالتين بتعديل أحد الفروض ~~المساعدة، أما في الحالة الأخرى فكان من خلال تعديل النظرية الرئيسية نفسها. # 78 # هذا هو الدور الخاص بالفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني، ~~ويمكننا هنا أن نقدم شرحا للمخطط الذي قدمه فيلسوف العلم الشهير «هيلاري ~~بوتنام» لاكتشاف كوكب نبتون في إطار النموذج الاستنباطي الناموسي، وهو في ms107 ~~هذا يعضد الموقف الذي اتخذه لاكاتوش إزاء الفروض المساعدة في برنامج البحث ~~النيوتوني: # يبدأ الأستاذ بوتنام لاكتشاف كوكب نبتون من خلال تقديم مخططات للمشكلات ~~العلمية في إطار النموذج الاستنباطي الناموسي، وهذه المخططات هي: # ويعرض المخطط الأول لمشكلات علمية. وفي نمط المشكلة لدينا نظرية ولدينا ~~نظرية ولدينا بعض العبارات المساعدة # AS # وتوصلنا إلى تنبؤ. ومشكلتنا هي أن نعرف ما إذا كان التنبؤ صادقا أو ~~كاذبا، والحالة مؤكدة بمعيار فلسفة العلم. أما المخطط الثاني للمشكلة فهو ~~مختلف تماما؛ ففي هذا المخطط من المشكلة لدينا نظرية ولدينا واقعة مفسرة، ~~بيد أننا نفتقد بعض العبارات المساعدة # AS ~~، ~~والمشكلة هي أن نعثر على # AS # إن أمكن، وهي ~~صادقة أو صادقة تقريبا (أعني أنها تبسيطات عالية نافعة الصدق)، وقد تلحق ~~بالنظرية لنحصل على تفسير للواقعة. أما المخطط الثالث فيعرض نظرية وبعض ~~العبارات المساعدة، وتصبح مهمتنا هي أن نعرف ما هي النتائج التي يمكننا أن ~~نتوصل إليها. وهذا المخطط الأخير غير مهم لأن المشكلة رياضية بحتة. # 79 # ويوضح بوتنام بعض الأفكار الأساسية التي تظهر في تلك المخططات، فيشير إلى النظرية ~~العامة - مثل نظرية الجاذبية العامة - لا تستلزم أي عبارات أساسية. ويعود ذلك إلى أن كل حركات ~~الأجسام الطبيعية تتفق معها، ما دامت النظرية لا تقول شيئا عن القوى الموجودة بخلاف قوة ~~الجاذبية التي لا تقبل القياس بصورة مباشرة. وعلى هذا فإذا أردنا استنباط تنبؤات من النظرية - ~~كي نطبقها على موقف فلكي - فلا بد من تقديم بعض الافتراضات المساعدة. وعلى سبيل المثال ~~عندما نطبق هذه النظرية على مدار الأرض سيتعين أن نقدم بعض الافتراضات التقريبية؛ مثل: ~~(1) # لا توجد أجسام باستثناء الشمس والأرض. ~~(2) # الشمس والأرض يوجدان في فراغ تام. ~~(3) # الشمس والأرض لا يخضعان لقوى جاذبة العامة مع العبارات المساعدة أن نستنبط بعض ~~التنبؤات. # لكن العبارات المساعدة ليست صادقة تماما؛ ولذا نجد العلماء يقدمونها ~~بصورة غير حذرة وموقنة على العكس مما يفعلون مع النظرية. وبالتالي تخضع هذه ~~العبارات لمراجعة جذرية دائما. ويضرب بوتنام مثلا على فكرته السابقة ~~بمدار كوكب أورانوس؛ ms108 فقد أثبتت ملاحظات العلماء خطأ التنبؤات القائمة على ~~أساس نظرية الجاذبية العامة # UG ~~، ومع افتراض ~~أن الكواكب المعروفة عندئذ هي كل الكواكب الموجودة. وقد تنبأ العالم ~~لوفيرييه في فرنسا وآدامس في إنجلترا بأنه لا بد من وجود كوكب آخر. وتم ~~اكتشاف ذلك الكوكب بالفعل، وكان هو كوكب نبتون. # 80 # إن بوتنام يرى أن تلك الحالة التاريخية تضرب مثلا على فكرة كون عن حل ~~المعضلات، كما يرى أن المخطط الثاني يعتبر النموذج المناسب لعرض هذا النشاط؛ ~~فلو سلمنا بصحة الوقائع المعروفة عندئذ عن مدار أورانوس، والوقائع المعروفة ~~قبل عام 1864م، المتعلقة بالأجسام التي تؤلف النظام الشمسي، والمعيار # AS ~~؛ حيث إن تلك الأجسام تتحرك في فراغ ~~تام، وتخضع فقط لقوى جاذبية متبادلة ... إلخ. ومن الواضح أن مشكلة ما كانت ~~تواجههم؛ إذ لا يمكن حساب محور أورانوس بنجاح إذا افترضنا وجود جميع ~~الكواكب؛ عطارد والزهرة وزحل وجوبيتر وأورانوس، وافترضنا أنها مع الشمس ~~تؤلف النظام الشمسي الكلي، فلنجعل # S1 # متجاورة مع # AS # المتعددة، التي سبق أن أشرنا ~~إليها من قبل، ويشتمل ذلك العبارة التي يحتوي فيها النظام الشمسي على ~~الأجسام المشار إليها على الأقل، ولكن من الضروري فقط. # 81 # وعندئذ تواجهنا المشكلة التالية: # وهذه المشكلة لم تصل إلى قوانين تفسيرية أبعد (برغم أنها قد تصل ~~أحيانا في مشكلة تعبر عنها صورة المخطط 3)، وإنما نصل إلى افتراضات أبعد ~~من الشروط الأولية والحدية المتحكمة في النظام الشمسي، بالإضافة إلى قانون ~~الجاذبية العامة والقوانين الأخرى التي تؤلف # UG ~~(أعني قوانين الميكانيكا النيوتونية) ~~سيتمكن المرء من أن يفسر مدار أورانوس. فإذا لم يفرض المرء أن تكون ~~العبارات المحذوفة صادقة أو صادقة بصورة تقريبية، فسيكون لدينا عندئذ عدد لا ~~نهائي من الحلول المعبر عنها رياضيا إلى حد بعيد. وحتى إذا ضمن المرء في # S1 # أنه ليس ثمة قوى جاذبية تؤثر على ~~الكواكب أو الشمس، فسيظل هناك عدد لا نهائي من الحلول. بيد أن المرء يختبر ~~أولا الفرض الأبسط، أعني: # 82 # وهذه المشكلة تعد مشكلة رياضية ساهم كل من لوفيرييه ms109 وآدامس في حلها ~~(مثال للمخطط 3). لكن حل تلك المشكلة طرح مشكلة أخرى هي: # وتعد هذه المشكلة مثالا للمخطط «1»، وهو مثال يفترض المرء عادة لأن ~~إحدى عبارات # AS ~~؛ أعني العبارة # S2 # لا نعرف على الإطلاق أنها صادقة، ويشار ~~في الواقع إلى # S2 # على أنها فرض ذو مستوى ~~منخفض نروم اختباره. بيد أن الاختبار لا يعد اختبارا استقرائيا بالمعنى ~~المعتاد؛ لأن تحقيق ل # S2 ~~- أو هو بالأحرى ~~الصدق التقريبي ل # S2 ~~(والتي تعد جميعها ذات ~~أهمية قصوى في هذا السياق) - فلم يكن الكوكب نبتون هو الكوكب الوحيد غير ~~المعروف في عام 1846م، وإنما كان هناك بلوتو الذي اكتشف فيما بعد. والواقع ~~أننا كنا نولي اهتماما بالمشكلة عاليه في العام 1846م؛ لأننا نعرف أنه إذا ~~كان التنبؤ سيثبت في النهاية أنه صحيح، إذن فذلك التنبؤ هو على وجه التحديد ~~العبارة # S3 # التي نحتاج إليها للاستنباط الآتي: # 83 # وتشير العبارة # S3 # إلى أن الكوكب المشار ~~إليه في # S2 # له على وجه الدقة المدار «صفر»، ~~وتلك العبارة هي حل المشكلة التي بدأنا بها. # 84 # ويستنتج بوتنام ما يلي: «أريد أن أقترح أن المخطط الثاني يعرض ~~الصورة المنطقية لما يطلق عليه كون اسم معضلة.» ويبحث المرء في هذا النوع من ~~المشكلات العلمية عن شيء ما يسد ثغرة، لكنه لا يحاول استنباط تنبؤات من ~~النظرية؛ فمشكلته بالأحرى تتمثل في إيجاد بعض العبارات المساعدة المناسبة. ~~وبناء على هذا، تصبح النظرية العلمية قابلة للتكذيب أو التأييد؛ ولذا يقول ~~بوتنام: «إن مظاهر الفشل لا تكذب النظرية، نظرا لأن الفشل ليس تنبؤا ~~كاذبا من النظرية عندما نضيف إليها وقائع معروفة موثوقا من صحتها؛ فالفشل ~~هو إخفاقنا في أن نجد شيئا ما؛ أي أن نجد العبارات المساعدة؛ ومن ثم ~~فالنظريات تكون إلى حد ما كبير منيعة من التكذيب أثناء مدة سيطرتها.» # 85 # نتائج البحث # بعد هذه الجولة السريعة من عرض «الفروض المساعدة ومكانتها في ~~ميثودولوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش»، فإنه يمكننا أن نخلص إلى أهم ~~النتائج، وذلك على النحو التالي: ~~(1) # إن ms110 أوجه اعتراض «لاكاتوش» على «بوبر» بشأن التقدم العلمي، هو أن ~~«بوبر» أكد على اختيار الفرض على حدة وبصورة منفصلة، وعد ذلك مسألة ~~جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة ؛ فالذي لا شك فيه أنه ~~لا يمكن أن يقرر أحد إذا كانت نظرية جسورة مهما كانت وذلك عن طريق ~~اختبارها على انفصال، لكن فقط عن طريق اختبارها في ضوء سياقها ~~المنهجي التاريخي. ~~(2) # إن بوبر قد ذهب إلى أن النظرية (أو الفرض) يمكن إنقاذهما دائما ~~من مأزق التكذيب إذا عززناها بفروض إضافية مساعدة، وطبقا لبوبر يكون ~~هذا مسموحا به فقط لو أن الفرض المساعد الجيد (أو الفروض) تزيد من ~~عدد النتائج الملاحظة؛ ذلك لأنها ينبغي أن تزيد من «المضمون ~~التجريبي» للنظرية. وإن لم تفعل ذلك، ينظر إلى الفرض المساعد بأنه ~~وضع لغرض معين، وهو غير مسموح به طبقا للقواعد المنهجية المفضلة ~~لبوبر. وهذه النقطة بالذات هي التي تناولها لاكاتوش لكي يطور على ~~أساسها وصفا ل «ديناميكا» النظريات، فعمل على أن يحلل ليس فقط بنية ~~النظريات العلمية، والطريقة التي بها تكذب، وإنما أيضا العمليات ~~التي بها تفسح نظرية (أو فرض) مجالا لنظرية أخرى (أو فرض آخر) في ~~«برنامج بحث» متطور بصورة تدريجية بهدف تجاوز النزعة التكذيبية ~~البوبرية، والتغلب على الاعتراضات التي وجهت إليها. ~~(3) # إن لاكاتوش حين ميز المعرفة العلمية وفقا لكشفيات برامج الأبحاث ~~العلمية، أكد على أنه في داخل برنامج البحث ليس هناك صوت واحد هو صوت ~~التكذيب أو التحقيق (الجدليين). هما أحد تلك الأصوات، ولكن حين يتم ~~تقديم صوت واحد على بقية الأصوات، فهذا يكون بواسطة عملية انتقائية ~~من قبل التجريبيين المناطقة والتكذيبيين، يقومون بها بعد انتهاء ~~الأحداث، وليس العكس. ~~(4) # يرى لاكاتوش أن الفرض الأساسي في النظرية العلمية يمثل جوهرا ~~ثابتا، بينما تمثل الفروض المساعدة نطاقا واقيا حول هذا الجوهر. ~~وإذا أظهرت الاختبارات بعض الحالات السلبية فإن العلماء يدافعون عن ~~الجوهر الثابت بتعديل الفروض المساعدة أو بإضافة فروض مساعدة ~~جديدة. ~~(5) # إن عملية التعديل والتنقيح التي تتم للفروض المساعدة أضحت موضع ~~خلاف؛ ms111 فنجد أن البعض مثل كون يذهب إلى أنه يمكن أن تعدل كل النظريات ~~بدون أن تفقد خطوطها الرئيسية بواسطة التعديل في الفروض المساعدة. ~~بينما يعتقد البعض الآخر مثل «بوبر» أن التعديل في الفروض المساعدة ~~يمكن أي فرض من أن يكون متفقا مع الظواهر وهذا مما قد يسعد الخيال ~~لكن لن يساعد على تقدم المعرفة. ويرى «بوبر» أن إدخال الفروض ~~المساعدة يكون مقبولا إذا كانت تزيد من قابلية الفرض للاختبار. ~~والحقيقة أن عملية إدخال الفروض المساعدة أو تعديلها أو تنقيحها قد ~~تؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه «الفروض الغرضية»، كما أن قبول أو رفض ~~هذا النوع من الفروض يتوقف على الغرض منها. ~~(6) # إذا كان بوبر في محاولته للتقدم العلمي يؤكد عمومية النظرية ~~العلمية، مع وضع في الاعتبار تكذيب النظرية اللاحقة للنظرية السابقة ~~عند تناقضها، فإن لاكاتوش يؤكد على أن أي نظرية تتمثل وتولد في خضم ~~هائل من التناقضات؛ ومن ثم يمكن عمل تعديل في النسق النظري العلمي. ~~وطبقا لذلك رأى لاكاتوش أن أي برنامج بحث يتألف من قواعد منهجية؛ حيث ~~إن البعض منها يخبرنا بطرق البحث تجنبا للموقف السلبي، والبعض الآخر ~~يوضح لنا طرق تبني الموجه المساعد على الكشف أو الإيجابي. بيد أن ~~الموجه السلبي لبرنامج البحث دائما ما يعزل النواة الصلبة للقضايا ~~التي لا تعرض للتكذيب، وهذه القضايا يتم التوافق عليها اصطلاحا؛ ومن ~~ثم فهي غير قابلة للتفنيد عن طريق برنامج البحث. أما الموجه الإيجابي ~~فيعد بمثابة استراتيجية لبناء سلسلة من النظريات والاقتراحات ~~الإجرائية للتعامل مع الشواذ المتوقعة. وبينما يتضح برنامج البحث، ~~نجد أن حزاما واقيا من الفروض المساعدة يلتف حول النواة ~~الصلبة. ~~(7) # إن لاكاتوش نجح في أن يقنع المجتمع العلمي بأنه لا يوجد في حاضر ~~أو ماضي المعرفة العلمية، تجربة معيارية، تخضع لقواعد الميثودولوجيا، ~~ويمكن لها أن تفصل بين نظريتين متنافستين. ودليله على ذلك عدم وجود ~~تلك التجارب فعلا في ماضي العلم؛ أي إن بعض التجارب العلمية في ماضي ~~العلم، والتي يزعم بعض فلاسفة العلم أنها شكلت تجارب ms112 فاصلة، لم تكن ~~تجارب فاصلة على الإطلاق في حينها، بل هي كذلك فقط عن طريق استردادها ~~بمناهج الميثودولوجيا، على أرضية حاضر المعرفة العلمية. وينتج عن هذا ~~الرأي إنكار وجود معيار فوري في الماضي أو المستقبل قادر على تقديم ~~معايير لرفض أو قبول النظريات العلمية في الحال، ولكن النتيجة الأكثر ~~أهمية هي عدم شرعية الجانب الإرشادي في الميثودولوجيا، على الرغم من ~~استبقاء الجانب القيمي لها. ~~(8) # يتمسك لاكاتوش، شأنه شأن دوهيم، بضرورة أن تكون جميع فروض النظرية ~~ماثلة أمام الذهن (وهو ما كان يفعله العلماء قبله) حين يقوم العالم ~~بإجراء عملية حذف أو إسقاط بعض الفروض. بيد أن حذف فرض ما يعني ~~الانتقال من هذا الفرض إلى الآخر، إلى أن يتم حذفها جميعا. وهذا إن ~~أدى إلى شيء، فإنما يؤدي إلى فشل التجارب تماما؛ ومن ثم لا ننتهي ~~إلى نتيجة ما في حينها، بل الأمر يتطلب تمثل الفروض جميعا أمام ~~الذهن مما يتيح لهذا العالم الفرصة في الكشف عن تفسير الظاهرة موضع ~~التساؤل. ~~(9) # حين أعلن دوهيم بأن التجربة الحاسمة مستحيلة في علم الفيزياء عنه ~~في أي علم آخر، فذلك لأنه كان مؤمنا بأن ثوب أي نظرية فيزيائية يشكل ~~كلا غير قابل للتجزيء. كما أنه لو افترضنا أن تأييدا تجريبيا ~~لتنبؤ أو نتيجة من نتائج هذه النظرية أو تلك، فإن هذا التأييد لهذا ~~التنبؤ أو ذلك لا يكون ألبتة برهانا حاسما للنظرية؛ وبالتالي لا ~~يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبا حاسما للفرض، إذن ~~ليس هناك تجربة حاسمة بصورة قاطعة. ~~(10) # اعترض لاكاتوش على بوبر بشأن التقدم العلمي؛ فقد أكد بوبر على ~~اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة، وعد ذلك مسألة جوهرية لتقدم ~~العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة، فالذي لا شك فيه أنه لا يمكن أن ~~يقرر أحد إذا كانت نظرية جسورة مهما كانت وذلك عن طريق اختيارها على ~~انفصال، لكن فقط عن طريق اختبارها في ضوء سياقها المنهجي التاريخي. ~~وهذا معناه أنه إذا كان بوبر في محاولته للتقدم العلمي يؤكد ms113 عمومية ~~النظرية العلمية، مع وضع في الاعتبار تكذيب النظرية اللاحقة للنظرية ~~السابقة عند تناقضها، فإن لاكاتوش يؤكد على أن أي نظرية تتمثل وتولد ~~في خضم هائل من التناقضات؛ ومن ثم يمكن عمل تعديل في النسق النظري ~~العلمي. ~~(11) # إن التطور الذي حدث مع لاكاتوش، هو تطور نسقي لوجهات نظر بوبر؛ ~~فبوبر نفسه أصبح أكثر وعيا بأن التجربة في الحقيقة لا يمكنها أن ~~تكذب نظرية علمية مرة واحدة وعلى الإطلاق، فإذا كانت المعطيات ~~التجريبية تفسر بالضرورة من خلال النظريات السائدة فإن تكذيب النظرية ~~يكون له معنى فقط في ضوء النظرية المنافسة. ويرى لاكاتوش - على عكس ~~بوبر - أن الشرط الضروري لقبول النظرية ليس هو القابلية للتكذيب فقط، ~~وإنما القابلية للتأييد أيضا. وهذه الحقيقة الإبستمولوجية لها نتائج ~~مهمة بالنسبة للبحث العلمي. ~~(12) # إن «لاكاتوش» كان ذكيا عندما أخذ الفروض المساعدة من «بوبر»، ~~التي تحصن بها ضد التكذيب، ثم حاول تطويرها عن صورتها الممثلة عند ~~«بوبر» في النظام الفردي للنظريات، وأصبحت مرتبطة بالنسق ككل. وهذا ~~هو الذي دفع «لاكاتوش» إلى تأييد «دوهيم» القائل بهذه الرؤية؛ ~~فإنجازات العلم لم تكن النظرية على انفراد بل برنامج متكامل للبحث، ~~مما يعني أن «لاكاتوش» يعمل بأطروحة «دوهيم»-«كواين» عند اختبار ~~برنامج البحث، وتطوير الفروض المساعدة، لتصبح مرتبطة بالنسق ككل، فمن ~~المعلوم لدينا أن أي فرض جديد أو نظرية أو برنامج له نتائج. ~~(13) # إن «بوبر» رفض أطروحة «دوهيم» واختلف مع «لاكاتوش»، على أساس أن ~~اختبار الفرض على هذا الشكل وبصورة منفصلة ينبغي أن تكون مسألة ~~جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة. والتجربة الحاسمة فيما ~~يرى «بوبر»، واقع ماثل في هذا الصدد. لكن بين «لاكاتوش» قصور ~~التعامل مع النظرية بصورة منفردة، بل هي برنامج متكامل للبحث. ~~(14) # في الوقت الذي جاءت فيه أطروحة بيير دوهيم القائلة بأنه لا يجب ~~اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة بل النسق ككل، كان إمري لاكاتوش ~~يصمم نوعا فريدا من العقلانية. وهذه العقلانية تتمثل في نقد وتغيير ~~برامج البحث أو المعرفة العلمية (من مفاهيم وقوانين ونظريات علمية) ms114 ~~عبر تاريخ العلم؛ فلقد رفض لاكاتوش فكرة تبرير المعرفة التي تشكل ~~النمو العقلاني للمعرفة العلمية، وتسعى إلى أن تحول التاريخ الداخلي ~~للعلم لمجرد وقائع تجريبية وعبارات صلبة تعقبها تعميمات استقرائية أو ~~قوانين علمية، كما هو واضح عند التجريبية المنطقية أو التيار ~~الاستقرائي بشكل عام، الذي ينصرف إلى صدق القضايا الواقعية والأولية ~~وصحة الاستدلالات الاستقرائية؛ أي إنهم انشغلوا بالمشكلات المعرفية ~~والمنطقية إلى الدرجة التي صرفتهم عن الاهتمام المناسب بالتاريخ ~~الواقعي. # قائمة المصادر والمراجع ~~(أ) قائمة المصادر والمراجع العربية والمترجمة ~~(1) # أحمد فؤاد: نظرية المعرفة عند ميشيل بولاني، رسالة ماجستير غير ~~منشورة، كلية الآداب، جامعة المنيا، 2007م. ~~(2) # إمري لاكاتوش: تاريخ العلم وإعادة بناءاته العقلانية، تحرير ~~إيان هاكينج، ترجمة وتقديم الدكتور السيد نفادي، دار المعرفة ~~الجامعية، الإسكندرية، 1996م. ~~(3) # ______ ~~: ~~برامج الأبحاث العلمية، ترجمة د. ماهر عبد القادر، دار المعرفة ~~الجامعية، الإسكندرية، 2000م. ~~(4) # إيان هاكينج: فلسفة العلم عند لاكاتوش، مقال منشور ضمن كتاب ~~الثورات العلمية، تحرير إيان هاكينج، ترجمة وتقديم الدكتور السيد ~~نفادي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996م. ~~(5) # د. السيد نفادي: اتجاهات جديدة في فلسفة العلم، عالم الفكر، ~~المجلد الخامس والعشرون، العدد الثاني، أكتوبر-ديسمبر ~~1996م. ~~(6) # د. خالد قطب: منطق التقدم العلمي، دار قباء للطباعة والنشر ~~والتوزيع، القاهرة، 2003م. ~~(7) # دونالد جيليز: فلسفة العلم في القرن العشرين «أربعة موضوعات ~~رئيسية، ترجمة ودراسة»، د. حسين علي، مراجعة وتقديم أ. د. إمام عبد ~~الفتاح، أم القرى للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2007م. ~~(8) # د. سهام النويهي: نظرية المنهج العلمي، دار البيان، القاهرة، ~~1995. ~~(9) # د. عبد النور عبد المنعم عبد اللطيف: التفسير الأداتي للقانون ~~العلمي، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، ~~2000-2001م. ~~(10) # ______ ~~: ~~عقلانية التقدم العلمي عند إ. لاكاتوش، بحث منشور بمجلة كلية ~~الآداب، جامعة سوهاج، العدد الثامن والعشرون، الجزء الأول، مارس، ~~2005م. ~~(11) # عصام محمود بيومي مصطفى: إبستمولوجيا التقدم العلمي عند توماس ~~كون، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عين شمس، القاهرة، ~~1996م. ~~(12) # كارل بوبر: أسطورة الإطار، ترجمة يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم ~~المعرفة 292، يناير 2003م، الكويت. ~~(13) # كارل بوبر: عقم المذهب التاريخي، ms115 ترجمة عبد الحميد صبرة، ~~الإسكندرية، منشأة المعارف، 1959م. ~~(14) # كارل همبل: فلسفة العلوم الطبيعية، ترجمة د. جلال محمد موسى، ~~دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، القاهرة-بيروت، ~~1976م. ~~(15) # د. ماهر عبد القادر: مناهج ومشكلات العلوم (الاستقراء والعلوم ~~الطبيعية)، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1979م. ~~(16) # د. محمد أحمد محمد السيد: التمييز بين العلم واللاعلم، منشأة ~~المعارف، الإسكندرية، 1996م. ~~(17) # هيلاري بوتنام: تعزيز النظريات، مقال منشور ضمن كتاب الثورات ~~العلمية، تحرير إيان هاكينج، ترجمة وتقديم الدكتور السيد نفادي، ~~دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996م. ~~(18) # د. يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين (الأصول - ~~الحصاد - الآفاق المستقبلية)، عالم المعرفة، عدد 264، ديسمبر (كانون ~~الأول)، 2000 م، الكويت. ~~(19) # ______ ~~: ~~فلسفة كارل بوبر «منهج العلم ... منطق العلم»، الهيئة المصرية العامة ~~(ب) قائمة المصادر والمراجع الأجنبية ~~(1) # Frank Zenker: Lakatos’s Challenge? Auxiliary ~~Hypotheses and Non-Monotonous Inference, Journal for General Philosophy of Science (2006) 37: ~~408-410. ~~(2) # Gary Wedekin: Duhem, Quine and Grünbaum on ~~Falsification, Philosophy of Science, Vol. 36, No. 4 (Dec., ~~1969), pp. 375-376. ~~(3) # Jarrett Leplin: The Assessment of Auxiliary ~~Hypotheses, The British Journal for the Philosophy of Science, ~~Vol. 33, No. 3 (Sep., 1982). ~~(4) # John C. Harsanyi: Popper’s Improbability ~~Criterion for the Choice of Scientific Hypotheses, Philosophy, ~~Vol. 35, No. 135 (Oct., 1960). ~~(5) # Imre Lakatos: Changes in The Problem of ~~Inductive Logic, Inductive Logic, Ed. By ~~Lakatos. ~~(6) # Karl Popper: Realism and the Aim of Science, ~~Great Britain, Gwild Ford and King’s Lynn, ~~1983. ~~(7) Pierre Duhem: The Aim and Structure of Physical Theory, Translated from The French by Philip P. ~~Wiener, Princeton, New Jersey, Perceton University Press, ~~1954. ~~(8) # ______ ~~: # Essays in The History and Philosophy of Science, Translated by Ariew(R) and Baker(P), ~~Cambridge, Hackett Publishing Company, ~~1996. ~~(9) # Roger Ariew: The Duhem Thesis, The British ~~Journal for the Philosophy of Science, Vol. 35, No. 4 (Dec., ~~1984). ~~(10) # Yuri Balashov: Duhem, Quine, and the ~~Multiplicity of Scientific Tests, Philosophy of Science, Vol. ~~61, No. 4 (Dec., 1994), pp. 608-609. # | الدراسة الرابعة # التفكير العلمي وإشكالية حروب العلم في ضوء خدعة ms116 آلان ~~سوكال # تقديم # شهدت أقسام العلوم الإنسانية في كليات الآداب بالجامعات الأمريكية في ~~أوائل ثمانينيات القرن العشرين عددا كبيرا من الأساتذة والمفكرين ~~الفرنسيين الذين يتبنون أفكار ما بعد الحداثة. وقد ثبت أن طريقة هؤلاء في ~~معالجة قضايا الواقع ومستجداته خالية من أية معان عميقة، أو بلا معنى على ~~الإطلاق. وقد ذكر الصحفي اللامع الأستاذ «فاضل السلطاني» في مقال له بجريدة ~~«الشرق الأوسط»، بعنوان «الفرنسيون آخر من يعلم»، أن هذا الانطباع عن ~~الفلاسفة والنقاد الفرنسيين المحدثين ليس جديدا في أمريكا؛ فهو معروف منذ ~~دخلت بعض أفكارهم إلى بعض الجامعات الأمريكية العريقة. # 1 # ويصور هذا الانطباع مقال نشر في المجلة الأسبوعية لجريدة نيويورك تايمز ~~منذ عام 1985م، عن «الغزو الفرنسي» لأقسام الأدب في الجامعات الأمريكية (وقد ~~نشرت جريدة الهيرالد تريبيون # Herald ~~Tribune # ملخصا وافيا له؛ بعنوان: التفكيكية وما إليها: ~~من غابة النقد في جامعة ييل). # 2 # وفي أواخر تسعينيات القرن العشرين نشبت ظاهرة حروب العلم # Science Wars # داخل أقسام الإنسانيات ~~بالجامعات الأمريكية؛ حيث أخبرنا عنها المفكر الأمريكي «جيمس تريفل»، ~~قائلا: «يمكن القول في البداية إن حروب العلم نشبت بفعل فلسفة ما بعد ~~الحداثة غير التقليدية، التي سرت كالعدوى داخل أقسام الإنسانيات في الجامعات ~~الأمريكية في أواخر القرن العشرين. وتأسيسا على النظرية الأدبية الفرنسية، ~~فقد أكدت وجهة النظر هذه البناء الاجتماعي للمعرفة؛ ومن ثم فإنها تنكر عادة ~~صواب فكرة الحقائق الموضوعية. ونعرف أن أشد دعاتها تطرفا (وما أكثرهم!) قد ~~انحدروا إلى صورة مبتسرة من الذاتية أو الأحادية المطلقة.» # 3 # ولم يكتف هؤلاء بذلك ، بل شنوا هجوما عنيفا على صحة العلم؛ حيث رأوا ~~أن أحكام العلم لا تعبر عن وقائع طبيعية، ولا تنطلق من أساس تجريبي أو ~~واقعي معين، إنما تنبع من أحكام سابقة سبق أن حصل الاتفاق حولها بنسبة ما، ~~فتكون أحكام العلم مقبولة لدى جماعة العلماء. وهذا القبول لا يأتي من كونها ~~تحمل تفسيرا صائبا لوقائع معينة، ولا من كونها تتمتع بموضوعية ما، بل إن ~~ذلك القبول مشروط بالتضامن بين الجماعة التي ms117 تأخذ بها لاعتبارات ظرفية. ~~وهذا أدى إلى قلق كثيرين في الأوساط العلمية، خاصة ما جرى للغة البناء ~~الاجتماعي من استبدال وتغيير بعض المصطلحات، ومحاولة السيطرة السياسية للعلم ~~في المجتمع. # 4 # وفي عام 1996م أخرجت «جامعة ديوك # Duke ~~» الأمريكية مجلتها الأكاديمية، التي ~~كانت بعنوان «النظرة النقدية لما بعد الحداثة»، وأشارت فيها إلى حروب ~~العلم في مقالات مختصرة ووجيزة؛ فقد استخدم الأكاديميون لغة وفكر ما بعد ~~الحداثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وظهر بذلك دور المجتمع والسياسة ~~في العلم. وفي مقدمة الأطروحة علق المحرر «أندرو روس # Andrew Ross ~~» قائلا: ~~«إن الهجوم على دراسات العلم كان نتيجة تقليص الدعم المادي للعلوم ~~في الولايات المتحدة مع نهاية الحرب الباردة؛ حيث كان الكونجرس يهدد ~~بوضع تخفيضات أخرى من التمويل الحكومي للعلم، بالإضافة إلى نقص ~~التمويل المادي للعلوم الإنسانية.» # 5 # وهذا ما يؤكده بعض الباحثين فيقول: «إن ما يسمى بحروب العلم يتمثل في ~~أن أنصار العلوم الإنسانية يقفون في مواجهة ضد كل ما يتعلق بالعلوم ~~الطبيعية، هذه المواجهة أخذت شكل معارك فكرية حول نظرية المعرفة، ~~والميثودولوجيا، والإبستمولوجيا، والمنطق. واشتعال الحروب بينهم، أثار ~~اهتمام الرأي العام على نطاق واسع، مما أدى إلى قلق كثيرين في الأوساط العلمية.» # 6 # وفي تلك الأثناء قام أحد الأساتذة المتخصصين في الفيزياء الرياضية ~~بجامعة نيويورك، ويدعى «آلان سوكال # Alan ~~Sokal ~~»؛ # 7 # حيث أصبح معنيا أشد العناية بهذا الجانب مما يسمى ما بعد ~~الحداثة، مما دفعه إلى أن يجري تجربة بسيطة، قام فيها بتقليد المفكرين ~~الكبار في كتاباتهم الفكرية وتنميقاتهم الاصطلاحية واستدلالاتهم بمفكرين ~~آخرين، على طريقة عدد من المفكرين الفرنسيين وبعض علماء الاجتماع في ~~الولايات المتحدة؛ فقد جمع «سوكال» عددا من الصفحات لبحث بعنوان «اختراق ~~الحدود: نحو تأويل تحولي للجاذبية الكوانتية» ~~'Transgressing ~~the boundaries: Towards a transformative hermeneutics of quantum ~~gravity’ ~~. وقد كانت ورقة البحث مكتوبة بأسلوب ما بعد ~~الحداثة المتغطرس والمسيس؛ ومن ثم كانت محاكاة سافرة. # وعلى أي حال أرسل آلان سوكال ورقة البحث إلى صحيفة تنتمي بفكرها إلى ~~فكر ما بعد الحداثة ms118 اسمها «النص الاجتماعي» # social ~~text # وهي التي قبلت نشرها بدون تحكيم. # 8 # وبعد أن ظهر المقال مطبوعا كتب سوكال مقالا آخر عنوانه ~~«تجارب عالم فيزياء مع الدراسات الثقافية» # A Physicist ~~Experiments with Cultural Studies ~~، وأرسله إلى صحيفة ~~منافسة هي صحيفة «لينجوا فرانكا» # Lingua ~~Franca # وأعلن سوكال في مقاله هذا أن الأمر كله خدعة، وأوضح ~~أن الصحيفة كانت سعيدة جدا لحصولها على مقال لعالم فيزيائي جشم نفسه مشاق ~~تعلم لغتها، مما حداها على نشر المقال من دون السؤال عما إذا كان فيما ~~يقوله أي معنى مفهوم. # 9 # وعلى ذلك سوف تكون عنايتنا موجهة في هذه الدراسة نحو الكشف عن «إشكالية ~~حروب العلم في ضوء خدعة آلان سوكال»، ولا أخفي على القارئ أن سبب اختياري ~~لتلك الإشكالية، هو حداثة هذا الموضوع؛ فهو وليد الساعة، ولا توجد عنه أية ~~دراسة عربية-فلسفية لا من قريب ولا من بعيد في عالمنا العربي. وليس أدل ~~على ذلك مما وصفه بعض كتابنا المعاصرين بشأن خدعة سوكال، بأنها «سارت ~~بذكرها الركبان - وأعرض عنها إعلامنا الثقافي الوسنان - لما لها من دلالة ~~فائقة تتصل، في العمق، بقيمة ومدى مشروعية المقاربة «المباحثية» لقضايا ~~نظرية العلم». # 10 # ولذلك فإننا في هذا البحث نسعى إلى تحليل قضية «حروب العلم في ضوء خدعة ~~آلان سوكال»؛ حيث نبرز عناصرها الأساسية عبر تطورها، ثم نحاول أن نعيد ~~بناءها في ضوء المناقشات التي أحاطت بها. وعلى هذا فإن هذا البحث يرمي إلى ~~فهم وتأويل خدعة سوكال، والتي على إثرها تم إشعال حروب العلم. وقد اعتمدنا ~~في هذه المهمة على منهجين، هما المنهج التاريخي والمنهج النقدي. وقد ~~استخدمنا المنهج التاريخي؛ بمعنى الرجوع للوقائع التاريخية التي أدت إلى ~~ظاهرة حروب العلم. واستخدمنا كذلك المنهج النقدي بمعنى فحص وتحليل النتائج ~~التي انتهي إليها سوكال في خدعته، على أساس الأهداف التي حددها في فلسفته ~~لإشعال حروب العلم. # ومن هذا المنطلق قمنا بمعالجة «إشكالية حروب العلم في ضوء خدعة آلان ~~سوكال»، في ثلاثة أبعاد: ~~(1) # البعد التاريخي، وفيه نحاول الكشف عن الأبعاد الحقيقية ms119 لقضية ~~حروب العلم؛ حيث نوضح أن حروب العلم نشأت بسبب الهوة العميقة بين ~~المشتغلين بالعلوم الطبيعية، والمشتغلين بالعلوم الإنسانية منذ ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأن هذه الهوة قد اتسعت منذ أيام ~~«تشارلز بيرس سنو # Charles Percy Snow ~~(1905-1980م)»؛ علاوة على أننا سوف نبين في هذا البعد أهم الأسباب ~~والدواعي التي أدت إلى إشعال حروب العلم؛ حيث نناقش موقف فلاسفة ~~العلم المعاصرين من الموضوعية ودور البناء الاجتماعي للمعرفة. ~~(2) # البعد الفلسفي، وفيه نبين أهم المضامين الفلسفية التي كشفت عنها ~~خدعة سوكال، وكيف تمكن «سوكال» من أن يفضح فكرة ما بعد الحداثة ويبين ~~كم هي جوفاء؛ فهي في مداها البعيد والقريب تطرح فكرة أن الجهل باللغة ~~وسوء استخدامها هو المسئول عن الإخفاق العقلي والفوضى الروحية التي ~~سادت التفكير الغربي. ~~(3) # البعد النقدي، وفيه نكشف عن مواقف وتوجهات «سوكال» النقدية ~~والنقضية إزاء إبستمولوجيا ما بعد الحداثة؛ حيث نعرض أهم النصوص التي ~~عول عليها سوكال لتفنيد فكر ما بعد الحداثة، ثم الكشف عن الهراء ~~اللغوي الذي وقع فيه. # أولا: البعد التاريخي # منذ زمن بعيد وللعلم علاقة مضطربة إلى حد ما بغيره من أوجه الثقافة ~~بدليل محاكمة «جاليليو» # Galileo ~~(1564-1642م) بدعوى الهرطقة في القرن السابع عشر أمام الكنيسة الكاثوليكية ~~التي لم تعترف رسميا بخطئها إلا منذ فترة قصيرة، أو بدليل الهراء الذي ~~كتبه الشاعر «وليم بليك» # William Blake ~~(1757-1827م) ضد نظرة «إسحاق نيوتن # Isaac ~~Newton ~~(1642-1727م)» الميكانيكية للعالم. # 11 # علاوة على أن نظرة الأدباء إلى العلم خلال العصر الفيكتوري شهدت نوعا ~~من الاحتقان؛ فعلى سبيل المثال يقول «جوزيف كراتش»: «لقد خاب أملنا في ~~المختبر، لا لأننا فقدنا إيماننا بحقيقة ما يتوصل إليه من نتائج، وإنما ~~لأننا فقدنا إيماننا بقدرة هذه النتائج على مساعدتنا بالشكل الكامل الذي ~~كنا نرتجيه.» # 12 # وهذا أيضا نفس ما ذهب إليه «جورج جينسنغ» # George ~~Ginseng ~~، أحد القصصيين في العصر الفيكتوري إذ يقول: ~~«إنني أمقت «العلم» وأخشاه استنادا إلى قناعتي بأنه سيكون للبشرية عدوا ~~فاقد الضمير، وذلك لمدة طويلة جدا إن لم يكن ms120 للأبد. إني لأراه وقد أتى ~~على كل ما في الحياة من بساطة ووداعة وكل ما في هذا العالم من جمال؛ إني ~~لأراه وقد أعاد الهمجية تحت قناع المدنية؛ إني لأراه ينشر الظلام في عقول ~~البشر ويقسي قلوبهم؛ إني لأراه يجر في أعقابه عهدا من المنازعات الكبرى ~~أين منها «الحروب الألف في العالم القديم»؟ ويبعثر جميع الجهود التقدمية ~~التي بذلها البشر في بحر دموي من الفوضى.» # 13 # وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهي أن الهوة قد اتسعت بين العلم ~~والإنسانيات، كما بين «تشارلز بيرس سنو # Charles Percy ~~Snow ~~(1905-1980م)» في مقاله الكلاسيكي «الثقافتان ~~والثورة العلمية» عام 1959م؛ وهذا المقال كان في الحقيقة عبارة عن محاضرة ~~ألقاها «سنو» في جامعة كامبردج عرفت باسم «محاضرة ريد»، وسببت هذه المحاضرة ~~ملاحاة شديدة وجدلا عنيفا بين مؤيد ومعارض. وفيما بعد نشر «سنو» هذه ~~المحاضرة في كتيب يحمل العنوان «الثقافتان والثورة العلمية». # 14 # ويذهب «سنو» في محاضرته إلى وجود هوة سحيقة ضارة تفصل في الوقت الراهن ~~بين العلوم الطبيعية في جانب، والثقافة التقليدية التي يشكل الأدب جزءا ~~منها في جانب آخر. # 15 # وكان الجدل الذي طرحه «سنو» يتمثل في تأكيده أن الثقافتين منفصلتان ~~تقريبا بلا تواصل، ولا يدري أفراد كل فئة الكثير عن نشاط الفئة الأخرى. ~~الكارثة أن أفراد الثقافة العلمية، قلما يقرءون الأدب أو التاريخ مثلا، ~~وأفراد الثقافة الأدبية لا يعرفون إلا أقل القليل عن القوانين العلمية حتى ~~أبسطها كقوانين الكتلة أو عجلة التسارع. # 16 # وأضاف أن هذه الهوة ليست جديدة؛ إذ إنها كانت قائمة بدرجات متفاوتة منذ ~~ما أسماه بالثورة العلمية (التي بدأت على أقصى تقدير منذ ما يقرب من نصف ~~قرن تقريبا). وكانت نتيجة هذه الهوة الثقافية، أننا نرى المفكرين الأدباء ~~في واد، والعلماء في واد آخر، وقد تقطعت بينهم كل أسباب التفاهم، وتمزقت ~~كل وشائج الاتصال، ويقول «سنو» في هذا الشأن: «أعتقد أن الحياة الفكرية ~~للمجتمع الغربي كله تتزايد انقساما إلى مجموعتين مستقطبتين، هناك عند أحد ~~القطبين مثقفو الأدب، والعلماء عند القطب ms121 الآخر، وأكثر من يمثلهم هم علماء الفيزياء.» # 17 # ويستفيض «سنو» في حديثه عن هذه الهوة التي تفصل بين الأدباء والعلماء، ~~فيقول: «يوجد بين المجموعتين ثغرة واسعة من انعدام الفهم المتبادل. ويوجد ~~أحيانا (خاصة بين الشباب) عداء ونفور، على أنه يوجد فوق كل شيء انعدام ~~للفهم. أفراد كل مجموعة لديهم صورة غريبة مشوهة عن أفراد الأخرى. وتختلف ~~مواقف أفراد كل مجموعة إلى درجة أنه حتى على المستوى الوجداني لا يستطيعون ~~أن يجدوا الكثير من الأرض المشتركة. ينحو غير العلماء إلى التفكير على أن ~~فيهم وقاحة وتبجحا.» # 18 # ويعمل «سنو» على إقامة جسر ليصل ما انقطع من أسباب الوصل بين أصحاب ~~هاتين الثقافتين اللتين آل أمرهما إلى الانفصال التام، ورغبة منه في ~~التوفيق بين هاتين الثقافتين. ويقترح «سنو» على بني جلدته الإنجليز إعادة ~~النظر في برنامجهم التعليمي بقصد تخريج أدباء يلمون بقدر من المعرفة ~~العلمية والأدبية. والرأي عنده أن الأدباء يجهلون أبسط الحقائق العلمية فهم ~~يعجزون عن تعريف أبسط مصطلحات العلم؛ مثل الكتلة والسرعة والقانون الثاني ~~للديناميكا الحرارية. ويتهم «سنو» معظم المشتغلين بالفنون والآداب في القرن ~~العشرين مثل «بيتس» و«إزرا باوند» و«ويندهام لويس» بالرجعية، ويصفهم بأنهم ~~«ليسوا كلهم حمقى سياسيا، بل أشرار سياسيا». # 19 # ولكن «سنو» لا يلقي تبعة الهوة الثقافية على الأدباء وحدهم؛ فنصيب ~~العلماء من المسئولية لا يقل عن نصيب المشتغلين بالفنون والآداب. ويقول ~~سنو: «إن خيبة الأمل تصيبه عندما يجد أن معظم العلماء لا يفقهون شيئا من ~~أعمال ديكنز الأدبية.» # 20 # ولم يكتف «سنو» بذلك، بل يستطرد فيقول: «... على أنه لا ريب في أنهم ~~عندما يقرءون ديكنز، بل عندما يقرءون كل كاتب تقريبا ممن ينبغي أن نقدرهم، ~~فإنهم يكتفون لا غير بإيماءة عن بعد بتحية رسمية؛ فهم لديهم ثقافتهم ~~الخاصة، ثقافة مكثفة، صارمة ودائمة في فعل نشط. تحوي هذه الثقافة قدرا من ~~المناقشات فيها عادة دقة وصرامة أكثر كثيرا مما في مناقشات أفراد الأدب.» # 21 # الكارثة إذن أن أفراد الثقافة العلمية، قلما يقرءون الأدب أو التاريخ ~~مثلا، وأفراد الثقافة ms122 الأدبية لا يعرفون إلا أقل القليل عن القوانين ~~العلمية حتى أبسطها كقوانين الكتلة أو عجلة التسارع، ومثل هذا الكلام يجب ~~أن يطلع عليه المثقفون من الفئتين. وهنا يشير «سنو» إلى الانفصال بين ~~الثقافتين الذي من شأنه أن يضر بالمجتمع؛ ذلك أن الثقافتين كلتيهما من ~~ضروريات تقدم الأمم محليا وعالميا، وأن استمرار هذا الانفصال يعوق ~~كثيرا من تقدم المجتمع، ورفاهية الإنسان عموما، فالكتاب يفضح ما يفعله ~~المثقفون من الجانبين. نعرف أن معظم مثقفينا التقليديين، لا يقرءون إلا في ~~الأدب أو التاريخ، أو كل ما يخص العلوم الإنسانية، ولا يقتربون من العلوم ~~الطبيعية إطلاقا. وقد يتباهى البعض بأنه يعرف علم النفس أو القليل من ~~الفيزياء. وعن هذا يقول سنو: «لدينا مجموعتان مستقطبتان؛ هناك عند أحد ~~القطبين مثقفو الأدب، وهؤلاء فيما يعرض أخذوا في غفلة من الأنظار يشيرون ~~لأنفسهم على أنهم المثقفون»، وكأنه لا يوجد مثقفون غيرهم. ولتوضيح رأيه، ~~أشار «سنو» إلى استخدامنا إلى كلمة # intellectual # التي تعني مفكرا عقلانيا ~~أو مثقفا، وهي لا تنطبق مثلا على علماء الفيزياء أمثال «راذرفورد»، ~~و«إدنجتون»، و«أدرياك». # 22 # ويذكر سنو أن غير العلماء ينحون إلى التفكير في العلماء على أن فيهم ~~وقاحة وتبجحا. ويشير إلى أحاديث الناقد الإنجليزي الكبير «ت. س. إليوت» التي ~~أكد فيها: «أنه لا يمكن لنا أن نأمل إلا أقل الأمل». في حين نرى صوت عالم ~~الفيزياء «راذرفورد» يقول: «هذا هو العصر البطولي للعلم، هذا هو العصر ~~الإلزابيثي!» ويكمل سنو أنه «يوجد لدى غير العلماء انطباع مغروز بعمق بأن ~~العلماء متفائلون تفاؤلا فيه ضحالة، وغير واعين بحال الإنسان. والعلماء من ~~الجانب الآخر يعتقدون أن مثقفي الأدب ينعدم لديهم تماما أي تبصر بالعواقب، ~~وهم على وجه خاص لا يهتمون بإخوانهم من البشر، وهم بمعنى عميق ضد ~~العقلانية، ويعملون بلهفة على أن يقصروا كلا من الفن والفكر على اللحظة الوجودية.» # 23 # على أية حال، لتكن الحياة الأكاديمية على ما هي عليه، فثمة أيضا رؤية ~~جديدة مطروحة بشأن الهوة بين الثقافتين (الثقافة الأدبية والثقافة العلمية) ~~ظهرت خلال ms123 العقدين الأخيرين من القرن العشرين. رؤية لم يكن ليحلم بها سنو. ~~وأشير هنا إلى شيء تطور إلى ظاهرة تسمى حروب العلم في أواخر تسعينيات القرن ~~العشرين؛ والتي قال عنها جيمس تريفل: «... ولا عليك إن لم تكن قد سمعت شيئا ~~عن هذه الحروب؛ وذلك لأن أغلبية العلماء لم يسمعوا عنها أيضا (وكثيرا ما ~~تساءلت في دهشة عما إذا كان بالإمكان القول بأن ثمة حربا قائمة بينما أحد ~~طرفيها لا يدري بها). يمكن القول في البداية إن حروب العلم نشبت بفعل فلسفة ~~ما بعد الحداثة غير التقليدية التي سرت كالعدوى داخل أقسام الإنسانيات في ~~الجامعات الأمريكية في أواخر القرن العشرين (ويقال لي إنها الآن في سبيلها ~~إلى الخمود). وتأسيسا على النظرية الأدبية الفرنسية فقد أكدت وجهة النظر ~~هذه البناء الاجتماعي للمعرفة؛ ومن ثم تنكر عادة صواب فكرة الحقائق ~~الموضوعية. ونعرف أن أشد دعاتها تطرفا (وما أكثرهم!) قد انحدروا إلى صورة ~~مبتسرة من الذاتية أو الأحادية المطلقة.» # 24 # ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل اتجهوا بكافة طوائفهم بفعل فلسفة ما بعد ~~الحداثة إلى شن هجوم عنيف على صحة العلم؛ حيث رأوا أن أحكام العلم لا تعبر ~~عن وقائع طبيعية، ولا تنطلق من أساس تجريبي أو واقعي معين، وإنما تنبع من ~~خلال تفاعل الإنسان دائما مع الحقيقة من خلال اللغة؛ فكل النشاطات العقلية ~~كما يزعمون قائمة على اللغة؛ فنحن نفكر من خلال الكلمات، والناس مرتبطون ~~بالحقيقة من خلال الأسماء التي يعطونها لإدراكاتهم وأفكارهم. وهذه الأسماء ~~هي عبارة عن كلمات تطلق بشكل عشوائي أو اتفاقي من المجتمع. وفي الجملة فإن ~~أنصار العلوم الإنسانية في غمرة تأثرهم بفكر ما بعد الحداثة اعتمدوا كثيرا ~~على اللغة في طرح أفكارهم؛ فما دامت اللغة غير قادرة على المعنى، وما دام ~~النص يمكن تفسيره بعدة تفسيرات، وليس هناك مرجع معتمد لترجيح معنى على ~~الآخر، وحتى ولو حاولنا هذا الترجيح، فسيكون عن طريق اللغة نفسها. وما دامت ~~الحقيقة هي ما تؤديه هذه اللغة، واللغة يبنيها المجتمع، فليس هناك إذن ~~حقيقة مطلقة. # 25 ms124 # ومن جهة أخرى كانت فلسفة العلم حتى منتصف القرن العشرين، قد انصبت كل ~~مجهوداتها في التركيز على أهمية وقيمة المنهج العلمي والمعرفة الموضوعية؛ ~~فنجد أن دعاة الوضعية المنطقية يعولون على أن المنهج العلمي لا بد من ~~تطبيقه في مرحلتي المشاهدة وجمع المعطيات، ومرحلة الحكم والتحليل. وبتعبير ~~«آلان شالمرز»: «وتأتي موضوعية العلم الاستقرائي النزعة من كون الملاحظة ~~والاستدلال الاستقرائي موضوعين هما ذاتهما؛ فمن الممكن أن تجد منطوقات ~~الملاحظة تأكيدها في أي ملاحظ يستعمل حواسه استعمالا عاديا؛ فلا مكان ~~هنا للبعد الشخصي والذاتي؛ فصلاحية منطوقات الملاحظة التي تحصل على نحو ~~صحيح، لا تتوقف على ذوق الملاحظ ولا على رأيه أو آماله أو انتظاراته. وكذلك ~~الأمر بالنسبة للاستدلال الاستقرائي الذي ينتج المعرفة من منطوقات ~~الملاحظة؛ فإما أن تستجيب الاستقراءات للشروط المطلوبة وإما أن لا تستجيب. ~~فتلك ليست مسألة ذاتية متعلقة بالرأي.» # 26 # وإذا انتقلنا إلى موقف «كارل بوبر» # Karl Popper ~~(1902-1994م) من المعرفة الموضوعية، نجد أن ~~الموضوعية عند بوبر ليست صفة يمكن العثور عليها بسهولة، إذا فهمنا ~~الموضوعية بمعنى المطابقة للواقع، إلا أنه يقبل النوع الآخر للموضوعية وهو ~~إمكان الحكم للعموم، وبحسب تعبيره: «ما أقصده من لفظ موضوعي وذهني ليس ~~بعيدا كل البعد عما يقصده كانط منهما؛ فهو يقصد من وصف المعرفة العلمية ~~بالموضوعية أن يكون صوابها بعيدا عن الوهم والرغبات الخاصة بهذا وذاك. ~~والدليل على الموضوعية عنده (كانط) هو أن تكون القضية قابلة للتدقيق لكل من ~~أراد ذلك واستطاعه، ولكن الفرق بيني وبينه، هو أنني أعتقد عدم إمكان الحكم ~~بالصواب بمعناه الكامل على أية نظرية علمية. وعليه، فالموضوعية ليست إلا ~~إمكان التجربة والاختبار للنظرية العلمية فحسب.» # 27 # ولذا يرفض بوبر النظرية الذاتية لدراسة نمو المعرفة، وهي النظرية التي ~~تطابق بين المعرفة العلمية والذوات المنتجة لها، وذلك لأنه يرى أن المعرفة ~~العلمية معرفة موضوعية وتوجد في العالم الثالث # Third ~~world ~~. # 28 # ولقد سار على نهج بوبر في الإيمان بفكرة الموضوعية، العالم والفيلسوف ~~المجري «إمري لاكاتوش» # Imre Lakatos ~~(1922-1974م)، الذي يؤيد النزعة الموضوعية في ms125 العلم. # 29 # وفي عام 1962م، قام «توماس كون # Thomas ~~Kuhn ~~(1922-1996م)» بنشر كتابه (بنية الثورات العلمية)، ~~الذي خصصه لدراسة العلم في أطر جديدة تقوم على تقييم العلم من الناحية ~~الاجتماعية؛ حيث لم يعول على القوانين المنطقية التي قدمها دعاة الوضعية ~~المنطقية في الفلسفة؛ ليس هذا فقط بل عارض كل المواقف التقليدية في فلسفة ~~العلم؛ فهو يقول «لقد بحثت المناقشات التقليدية للمنهج العلمي عن مجموعة من ~~القواعد التي سوف تتيح لأي فرد يحرص على اتباعها أن يصل إلى معرفة ~~صحيحة. وقد حاولت - بدلا عن ذلك - التأكيد على أنه بالرغم من أن العلم ~~يمارسه أفراد، إلا أن المعرفة العلمية في حقيقتها نتاج جماعة. ولن تفهم ~~فعاليتها المميزة ولا الأسلوب الذي تتطور به دون الإشارة إلى الطبيعة ~~الخاصة بالجماعات التي تنتجها.» # 30 # وهذا البعد السوسيولوجي الذي حاول كون إدخاله في فلسفة العلم، جعله ~~ينظر للنزعة الموضوعية في العلم في إطار القيم المشتركة للمجتمع العلمي. ~~وهذه القيم ليست محددة ويختلف تطبيقها من فرد لآخر؛ حيث لا وجود لمشاهدة ~~صرفة محايدة، بل النموذج القياسي الإرشادي العلمي هو الذي يجعل العلماء ~~يرون الواقع بشكل خاص دون غيره. وعليه فإن النموذج الذي يختاره العالم هو ~~الذي يجعله يعتقد أن بعض الأمور المشاهدة مهمة وأساسية وغيرها فرعي لا ~~أهمية له؛ وبالتالي عندما تكون المعايير المتبناة للموضوعية تابعة للنموذج، ~~عندها سوف لن يكون هناك أي معيار موضوعي وغير ذاتي لتقييم المعرفة. ومع ~~أننا نستطيع الموازنة بين النظريات ضمن نموذج واحد، إلا أن تقييم النماذج ~~والحكم على موضوعيتها أمر لا يمكن نيله والوصول إليه. # ويشرح كون هذا بقوله: «إننا لا نعتقد أنه لا توجد قواعد لاستقراء ~~النظريات الصحيحة من الوقائع، كما أننا لا نعتقد حتى إن النظريات - سواء ~~أكانت صحيحة أم لا - يتم استقراؤها على الإطلاق. وبدلا عن ذلك، فإننا نرى هذه ~~النظريات بوصفها تخمينات مبدئية يتم ابتكارها ككل من أجل التطبيق على ~~الطبيعة ... ومن ثم فلن يتم - من منظورنا - ارتكاب خطأ عند الوصول إلى النظام ~~البطلمي؛ ولذا من العسير ms126 أن أفهم ماذا يقصد سير كارل (يقصد هنا كارل بوبر ) ~~عندما يطلق على هذا النظام بأنه خطأ.» # 31 # إن هذا النص يبين أن العلم تحت النموذج القياسي الجديد لا يخضع لأية ~~معايير تجريبية، كدرجة التأييد أو افتراض استقرائي ولا عن طريق التعزيز، ~~وإنما يخضع هذا القبول لمعيار ذاتي اجتماعي؛ أي لا بد أن يكون هناك إجماع ~~بين العلماء وتعلق بهذا النموذج القياسي الجديد. # وإذا انتقلنا إلى «بول كارل فييرآبند» Paul Karl ~~Feyerabend ~~(1924-1994م)، نجد أنه قد تناول في فلسفته ~~العلمية مشكلة الصدق والحقيقة الموضوعيين بالمناقشة والنقد؛ فليس ثمة صدق ~~موضوعي أو حقيقة موضوعية في العلم؛ حيث إن الصدق نسبي من منطقة إلى أخرى، ~~ومن مكان إلى مكان، ومن شخص إلى شخص. ويهتم فييرآبند بالنسبوية ~~الإبستمولوجية التي تنكر أن تكون ثمة أفكار جديدة أو أشكال معرفية جديدة ~~تفرض نفوذها على التقاليد الأخرى، وتثبت أن هناك تقليدا واحدا هو الصحيح ~~بحجة أنه موضوعي؛ ولهذا فإن فكرة الصدق الموضوعي أو الحقيقة الموضوعية، وإن ~~كانت مستقلة عن الرغبات الإنسانية، إلا أنه يتم اكتشافها عن طريق التأثير ~~الإنساني. بالإضافة إلى أن النظريات العلمية تتفرع إلى اتجاهات مختلفة ~~وتستخدم تصورات مختلفة وأحيانا غير قابلة للقياس، فأي من هذه المضامين ~~المتعددة يوصف على أنه دليل على موضوعية نظرية ما؟ وأي منها يوصف على أنه ~~إجراء علمي موضوعي مناسب لها؟ إن الإجابة: لا يوجد. فكل هذا يعتمد على ~~الاتجاهات والحجج التي تتغير من وقت لآخر ومن جماعة بحث إلى جماعة بحث أخرى ~~لاحقة لها. # 32 # إن الفكرة المسبقة التي يعول عليها فييرآبند، هي أن المعرفة تتخذ من ~~الاعتقاد المسبق أساسا تنطلق منه النظرية العلمية المكتشفة، كما تدخل فيها ~~الذات الإنسانية بشكل أساسي. وهذا يؤدي إلى شيئين أو نتيجتين: ~~(1) # استحالة الوصول إلى معرفة موضوعية تماما عن العالم المادي. ~~وإنما تقوم معرفتنا للعالم نتيجة تدخلنا فيه بقدراتنا العقلية ~~وآلاتنا ومقاييسنا وفروضنا المسبقة. ~~(2) # إن معرفتنا عبارة عن تركيب عقلي # Mental ~~Construction # تلعب فيه الذات دورا أساسيا، ~~وليست معرفتنا مطابقة موضوعية للوقائع. ms127 # 33 # ومن هنا ذهب فييرآبند إلى أن العلم لا يتمتع بأي ميزة أو مكانة تجعله ~~يتفوق على الأنشطة والفعاليات الفكرية الإنسانية المختلفة. وهنا نراه يدافع ~~عن المجتمع ضد كل الأيديولوجيات، والعلم من بينها بل قل هو على رأسها. وهو ~~يرى أننا يجب ألا نتعامل مع هذه الأيديولوجيات باهتمام كبير أو نعطيها ~~قدرا أو حجما أكبر مما تستحق، بل ينبغي أن نقرأها كما نقرأ الحكايات الخيالية. # 34 # ومن هذا المنطق والتوجه الفكري القائم على ما بعد الحداثة عند ~~فييرآبند، انطلق معظم مثقفي ما بعد الحداثة في معظم أقسام الإنسانيات في ~~الجامعات الأمريكية، يتبنون فكرة أنه ليس هناك حقيقة مطلقة أو صادقة في ~~ذاتها، بل إن الحقائق يصنعها المجتمع بجوانبه الثقافية المتعددة لأفراده، ~~فليس هناك «حقيقة» يجب أن يقر بها الجميع، وليس هناك حق مطلق، بل الحقيقة ~~تصنع عن طريق اللغة، وفي داخل ذهن الإنسان لوحده؛ وبالتالي فما يقال عن ~~التقدم أو التطور الذي رافق «الحداثة» أو الذي تدعو إليه ليس إلا خرافة، ~~وما يقال عن قدرة العقل على اكتشاف الحقيقة، إنما هو وهم؛ فالحقيقة لا ~~تكتشف؛ لأنه ما ثم حقيقة أصلا، وإنما الحقيقة «تخلق» ولا تكتشف، فالإنسان ~~هو الذي يخلق حقائقه، فأفكارنا ليست إلا انعكاسا للواقع؛ بل قراءة له، وهي ~~قراءة تتخذ صيغا أسطورية وأيديولوجية ودينية ونظرية، وكل منظومة معتقدية ~~تعتقد أنها تمتلك الحقيقة وتميل إلى اعتبار كل ما يناقضها ويخالف حقيقتها ~~أكذوبة أو خطأ. إن فكرة الحقيقة هي المنبع الأكبر للخطأ، والخطأ الأساسي ~~يقوم في التملك الوحيد الجانب للحقيقة. # 35 # إذن فمذهب ما بعد الحداثة يقوم في الجملة على أفكار التشكيك ~~واللاواقعية والذاتية والنفعية والنسبية، حتى أضحى الأمر بأنه عندما يتهور ~~أحد العلماء، ويلفظ كلمة «حقيقة»، فمن الأرجح أنه سيجابه من اللجاج الفلسفي ~~ما يشبه القول بأنه: «لا توجد حقيقة مطلقة. إنك تقترف شيئا من نوع من ~~الاعتقاد الشخصي عندما تتوهم أن المنهج العلمي، بما في ذلك الرياضيات ~~والمنطق، هو الطريق المتميز إلى الحقيقة. هناك ثقافات أخرى قد تعتقد أن ms128 ~~الحقيقة هي ما يعثر عليه في أحشاء أرنب أو في هذيان متنبئ في نوبة خبل. إن ~~ما يؤدي بك إلى تحبيذك لنوعك هذا من الحقيقة هو فحسب أن لديك إيمانا ~~شخصيا بالعلم.» # 36 # وليت الأمر وقف عند ذلك، بل رأينا بعض الدراسات النسائية في العلم في ~~أقسام الإنسانيات في الجامعات الأمريكية تنبذ دراسة المنطق ومناهج البحث ~~لما لها من نزعة تحيز جنسي؛ حيث إن هناك نسخة أنثوية لذلك كشفت عنها بتمكن ~~«دافني باتا» و«نورييتا كورنج»، وهما مؤلفتا «ممارسة مساواة الجنسين: ~~حكايات تحذيرية من العالم الغريب لدراسات النساء»؛ حيث يقولان: «يتعلم الآن ~~طلبة الدراسات النسائية أن المنطق أداة للسيطرة والمعايير القياسية ومناهج ~~البحث العلمي لها نزعة تحيز جنسي # Sexist # لأنها لا تتوافق مع طرائق النساء للإدراك ... هؤلاء النسوة «ذاتيات» النزعة ~~تكون مناهج المنطق، والتحليل، والتجريد ك «مناطق أجنبية تنتمي للرجال»، هن ~~«يعلين من قيمة الحدس كطريقة تناول أكثر أمنا وإثمارا للتوصل إلى الحقيقة».» # 37 # وقد أعرب المدافعون عن العلم عن قلقهم إزاء موقف علماء الاجتماع ~~والفلاسفة وغيرهم من الأكاديميين الذين يشككون في موضوعية العلم. وفي عام ~~1994م، ومن هؤلاء «بول ر. جروس Paul ~~R. Gross ~~(البيولوجي في جامعة فيرجينا)، ونورمان ليفيت # Norman Levitt ~~(الرياضي في جامعة رتكرز)، ~~ففي كتابهما «الخرافة الراقية: اليسار الأكاديمي ومعاركه مع ~~العلم» # Higher Superstition-The Academic Left and its ~~Quarrels with Science ~~، وأكد المؤلفان بأن المجتمع ~~العلمي كان منذ وقت قريب من القوة بحيث يمكنه تجاهل منتقديه، لكنه لم يعد ~~كذلك؛ فمع نقص التمويل المادي للعلوم يجب شجب كل الاتجاهات التي تدعو لعدم ~~صحة العلم، وذلك من خلال الوقوف ضد القوى المضادة للعلم. ومن هنا انبرى ~~جروس وليفيت نحو تقديم نقد لاذع للبنيوية الاجتماعية ولدراسات العلم ~~والنسبوية. ولم يكتف المؤلفان بذلك؛ بل راحا يقودان هجوما مضادا لدعاة ~~ما بعد الحداثة، ورأيا أنهم لا يعرفون سوى القليل عن النظريات العلمية؛ حيث ~~حدث سوء فهم للمناهج النظرية، كما أن قراءتهم كانت خاطئة ولم يكن لديهم ~~الدليل والحجة. # 38 # كما تعهد ms129 جروس وليفيت في هذا الكتاب بتحدي ما أسمياه «صناعة أكاديمية ~~جديدة: النقد النسائي للعلم». لقد أكد هذان المؤلفان أن هذا الهجوم الذي ~~يستند إلى ثقافة رفيعة ويعتمد أيضا على تخصصات ذات صلة بالمجال المعروف ~~باسم «دراسات العلم»، إنما يشكك فيما إذا كان للعلم ادعاء شرعي للحقيقة ~~والموضوعية. وقد كتبا عن معسكر الحركة النسائية يقولان: «إن الجديد كاسح. ~~إنه يدعي الوصول إلى صميم أسس العلم الميثودولوجية والمفاهيمية والإبستمولوجية.» # 39 # ولقد لقي كتاب الخرافة الراقية إقبالا منقطع النظير من قبل أصحاب ~~الثقافة العلمية؛ حيث عقد مؤتمر في مدينة نيويورك عام 1995م، تحت عنوان ~~«الرحلة من العلم والعقل». وحدد المؤتمر خصائص العلم والعقل معا وما ~~يواجههما من تهديدات خطيرة مثل الخلقوية العلمية # Scientific ~~Creationism ~~، التي أخذت تزداد في أواخر تسعينيات القرن ~~العشرين، حتى وصل الأمر إلى التحفظ على تدريس نظرية التطور في بعض المدارس ~~والجامعات، أو المطالبة بتدريس التفسيرات الحرفية للكتب المقدسة على قدم ~~المساواة، باعتبارها رؤية بديلة من حق الدارسين التعرف عليها. ولأن الدين ~~لا يدرس في المؤسسات العلمية في أمريكا، فقد قام أنصار هذا الرأي بإضفاء ~~لباس العلم على تفسيراتهم الحرفية، وأعطوها اسما جذابا؛ الخلقوية # Creationism ~~، معتقدين بذلك أنه يمكن ~~تدريسها في مقابل التطور، مدعين أن التطور ينفي الخلق ويتناقض معه. وهذا ~~أمر غير صحيح، ودعوة إلى تدريس «اللاعلم» كعلم! # 40 # والذين حضروا المؤتمر انتقدوا النظرة الانفعالية ل «جروس» و«ليفيت» ~~و«جيرالد هولتون» والتي نجم عنها تضارب ثقافي بين العلماء غير المتخصصين، ~~والمثقفين في الدراسات الاجتماعية التي تتعامل مع العلم. # 41 # ولم يتوقف هذا الأمر عند ذلك، بل وجدنا العالم «ساكان» من جامعة ~~كورنيل، يؤلف كتابا بعنوان «العالم الذي يسكنه الشيطان»، وقد اهتم ساكان ~~أكثر بمن يعتقدون بوجود الأشباح وباختطاف الناس من قبل كائنات من خارج ~~الأرض وبالخلقوية، وغيرها من الظواهر التي تناقض النظرة العلمية للعالم. # 42 # وفي أوائل سنة 1996م، عقد مؤتمر بعنوان «العلم في عصر المعلومات ~~المضللة» قرب مدينة بافلو. وقد أعلن «ب. كورتز» رئيس لجنة الفحص العلمي ~~لادعاءات الخوارق ms130 ( # CSICOP ~~) الذي نظم ~~المؤتمر قائلا: «إلى حد كبير، يفهم الناس العلم من خلال أجهزة الإعلام. ومن ~~المفترض أن يحصلوه في المدرسة، لكن هذا ليس إجباريا في الكثير من ~~الحالات. إن ثلث الأمريكيين يشاهدون التليفزيون أربع ساعات أو أكثر يوميا، ~~وتبين أن معظم الناس يحصلون معلوماتهم العلمية من التليفزيون.» # 43 # وفي العام نفسه كشف آلان سوكال النقاب عن أن مقالته الساخرة قصد بها أن ~~يفضح ما بعد الحداثة، ويبين كم هي جوفاء، وهذا ما نكشف عنه الآن. # ثانيا: البعد الفلسفي # وهناك عمليا جانب آخر من حروب العلم كان له دور في تحديد موقف ~~العلماء تجاه مشروع ما بعد الحداثة. ويذكر بعض الباحثين أن آلان سوكال، ~~أصبح معنيا أشد العناية بهذا الجانب مما بعد الحداثة، مما دفعه إلى أن ~~يجري تجربة بسيطة؛ حيث كما ذكرنا من قبل بأنه جمع عددا من الصفحات لبحث ~~يحمل عنوان «اختراق الحدود: نحو تأويل تحولي للجاذبية الكوانتية». ونشرته ~~في عددها المزدوج (الربيع والصيف 1996م). وقد قبل المقال للنشر من غير أن ~~يلفت النظر إلى أي شيء غير عادي فيه. # وهنا يعلق ريتشارد دوكنز على ذلك قائلا: «لا بد أن ورقة بحث سوكال بدت ~~وكأنها هدية للمحررين؛ لأن «أحد الفيزيائيين» هو الذي يقول فيها كل الأشياء ~~المناسبة التي يريدون سماعها، فيهاجم «هيمنة ما بعد التنوير» وتلك الأفكار ~~غير الباردة، مثل وجود العالم الواقعي. ولم يدركوا أن سوكال قد حشا ورقة ~~بحثه أيضا بأخطاء علمية مفضوحة، من نوع كان سيكشفه في التو أي محكم حاصل ~~على أدنى شهادة تخرج في الفيزياء. ولكنها لم ترسل قط إلى أي محكم من هذا ~~النوع. إلا أن المحررين «أندرو روس» والآخرين، أرضاهم أن ما فيه من ~~أيديولوجية يتسق مع أيديولوجيتهم، ولعلهم قد أحسوا بما يرضي غرورهم عند ذكر ~~مراجع من مؤلفاتهم هم أنفسهم، وجعلهم عملهم بالنسبة لتحرير هذا المقال ~~المهين يستحقون بجدارة جائزة نوبل 1996م في آداب الجهل.» # 44 # ومن الملاحظ أن ورقة البحث مكتوبة بأسلوب ما بعد الحداثة المتغطرس ~~والمسيس؛ ومن ثم ms131 كان محاكاة تبدو إلى حد ما سافرة. وبدا مثيرا للضحك ~~لأقصى حد، حتى إن جيمس تريفل علق على ذلك قائلا: «وأذكر للحقيقة أنني لا ~~أعرف عالم فيزياء تأتى له أن يقرأ أكثر من فقرة من دون أن ينفجر ضاحكا، ~~حتى الهوامش كانت مضحكة. وعلى أي حال أرسل سوكال البحث إلى صحيفة تنتمي ~~بفكرها إلى فكر ما بعد الحداثة اسمها «سوشيال تكست» # Social ~~Text # للدراسات الثقافية، والتي تتبنى هيئة تحريرها مثل ~~هذه المجموعات، مثل فريدريك جيمسون # Fredric ~~Jameson ~~، وأندرو روس.» # 45 # استقبلت إدارة المجلة مقال آلان سوكال بحماسة وبدون تردد؛ فهو شهادة ~~نفيسة من فيزيائي محترم على مصداقية التوجه «المباحثي» النسبوي الذي ~~تتبناه. وواضح أن الصحيفة كانت سعيدة جدا لحصولها على مقال لعالم فيزياء ~~جشم نفسه تعلم لغتها، ما حداها على نشر المقال من دون السؤال عما إذا كان ~~فيما يقوله أي معنى مفهوم. # 46 # والسؤال الآن، ما هي حيثيات ورقة البحث التي كتبها سوكال بأسلوب ما بعد ~~الحداثة المتغطرس والمسيس، وكيف زيف سوكال تلك المقالة من خلال ~~اعترافاته؟ # المقالة تتكون من سبع وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، ستة عشر صفحة ~~تمثل متن البحث، والباقي هوامش، وقد وضعت الهوامش آخر المتن، وليست أسفل كل ~~صفحة، وكما قلنا من قبل وضعت المقالة ضمن عدد خاص يشمل سلسلة مقالات تحمل ~~عنوان «حروب العلم». # تتكون المقالة من مدخل وستة محاور، حيث تتضمن مراجعة لكثير من المواضيع ~~العلمية التي يشتغل بها العلماء في الفيزياء والرياضيات، ويخلص منها إلى ~~بعض الدروس الثقافية والفلسفية والسياسية المختلفة التي يمكن أن تلاقي ~~قبولا عند أولئك الذين يشكون في موضوعية العلم. # وقد مهد سوكال لذلك بمقدمة ماكرة؛ حيث زعم أن «العديد من علماء ~~الطبيعة؛ وخصوصا الفيزيائيين، لا يزالون يرفضون فكرة أن التخصصات المهتمة ~~بالنقد الاجتماعي والثقافي، يمكن أن تساهم بشكل خارجي في بحثهم. وما زال ~~القليل منهم يستجيب لفكرة أنه يجب إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها ~~نظرتهم للعالم، أو إعادة بنائها في ضوء هذه الانتقادات. وبدلا من ذلك، ms132 ~~يتشدقون بالأيديولوجيا التي تفرضها مرحلة ما بعد التنوير كثيرا حول النظرة ~~الثقافية الغربية، والتي يمكن إيجازها سريعا على النحو التالي: أن هناك ~~عالما خارجيا، يشتمل على خصائص مستقلة عن الوجود الإنساني الفردي، ويجري ~~حقا على البشرية ككل؛ وأن يتم ترميز هذه الخصائص في شكل قوانين فيزيائية ~~«أبدية»؛ وأن الوجود الإنساني يمكن أن يحصل عليها بشكل موثوق، حتى وإن ~~كان يمثل معرفة تجريبية ناقصة بهذه القوانين المؤقتة التي تهدف إلى ~~إجراءات موضوعية وتفنيد إبستمولوجي يوصف من خلال ما يمكن أن يسمى المنهج العلمي.» # 47 # بيد أن التغيرات التصورية العميقة داخل العلم في القرن العشرين، كما ~~يقول سوكال: «قد قوضت هذه الميتافيزيقيا الديكارتية النيوتونية، ودراسات ~~تعيد النظر في تاريخ وفلسفة العلم قد ألقت مزيدا من الشكوك على ~~مصداقيتها، ومعظم الانتقادات الأنثوية وما بعد البنيوية قد ناقشت المحتوى ~~الجوهري للممارسة العلمية الغربية السائدة، كما كشفت عن عقيدة الهيمنة ~~المخبأة وراء واجهة «الموضوعية». لقد أصبح من الواضح بشكل متزايد أن ~~«الواقع» الفيزيائي ليس أقل من «الواقع» الاجتماعي، بحيث يكون في القاع ~~كيانا اجتماعيا ولغويا؛ وأن المعرفة العلمية أبعد ما تكون عن الموضوعية.» # 48 # ثم يعلن سوكال الهدف الذي يسعى إليه من أطروحته، فيقول: «... وهدفي هنا ~~هو تنفيذ هذه التحليلات العميقة في خطوة واحدة أبعد، وذلك مع الأخذ في ~~الاعتبار التطورات الأخيرة في الجاذبية الكوانتية، وبالأخص الفرع المنبثق ~~في فيزياء ميكانيكا الكوانتم عند هيزنبرج والنسبية العامة لأينشتين في ~~بوتقة واحدة. وفي الجاذبية الكوانتية، كما سنرى، الحالات الموضحة للزمان- ~~المكان توجد بوصفها واقعا فيزيائيا موضوعيا، وتصبح الهندسة ذات ~~محمولات علائقية وسياقية؛ ومحمولات تصورية تأسيسية للعلم القبلي بينهم، ~~ويصبح الوجود نفسه نسبيا. هذه الثورة التصورية، سوف أبرهن على أن لها ~~نتائج عميقة لمحتوى ما بعد الحداثة والعلوم التحررية.» # 49 # وينهي سوكال مقدمته قائلا: «تناولي سوف يتمثل على النحو التالي. ~~أولا، أنا سأراجع سريعا جدا بعض الإصدارات الفلسفية والأيديولوجية ~~التي نشأت من خلال ميكانيك الكوانتم، ومن خلال النسبية العامة الكلاسيكية. ~~وبعد ذلك سأرسم الخطوط العامة للنظرية الصاعدة للجاذبية الكوانتية، ms133 ~~وأناقش بعض الإصدارات التصورية التي ظهرت أخيرا، وبعد سأعلق على النتائج ~~الثقافية والسياسية لهذه التطورات العلمية. ويجب أن أؤكد على أن هذا المقال ~~يمثل ضرورة تجريبية وتمهيدية؛ أنا لا أدعي أنني قد أجبت على كل الأسئلة ~~التي واجهتني. وهدفي، بالأحرى هو أن أوجه عناية القارئ إلى هذه التطورات ~~المهمة في العلم الفيزيائي، والتوصل لأهم النتائج الفلسفية والسياسية. ~~وسأحاول جاهدا الإبقاء على الرياضيات بما يحقق الحد الأدنى، وإن كنت على ~~حذر لتزويد القارئ بالإشارات التي يمكن أن تفيده في كل التفاصيل الضرورية.» # 50 # ثم يقسم سوكال محاور البحث على النحو التالي: # المحور الأول: # ميكانيكا الكوانتم: اللايقين، التكاملية، اللااستمرارية ~~والترابط # Quantum Mechanics: Uncertainty, ~~Complementarity, Discontinuity, and ~~Interconnectedness ~~. # 51 # المحور الثاني: # تأويل النسبية العامة الكلاسيكية # Hermeneutics ~~of Classical General Relativity ~~. # 52 # المحور الثالث: # الجاذبية الكوانتية: الزنبرك، التذبذب أم المجال المتشكل؟ # Quantum Gravity: String, Weave, or ~~Morphogenetic Field? ~~. # 53 # المحور الرابع: # الطوبولوجيا والهيمولوجيا التفاضلية # Differential Topology and ~~Homology ~~. # 54 # المحور الخامس: # النظرية المتعددة، مثل الثقوب والحدود: الكليات والحدود # Manifold Theory: (W)holes and ~~Boundaries ~~. # 55 # المحور السادس: # اختراق الحدود: نحو علم تحرري # Transgressing the ~~Boundaries: Toward a Liberatory Science ~~. # 56 # ونلاحظ في تلك المحاور بعد أن قرأناها قراءة متأنية، أن سوكال لا يضيف ~~جديدا، بل هو كلام يألفه الكثير من الطلاب المبتدئين، علاوة على أنها تحوي ~~نقولا من بعض الكتاب الفرنسيين لا يمكن فهمها؛ حيث إن المقالة مكتوبة ~~بأسلوب لغوي مقعر؛ حتى الاستشهادات التي يستشهد بها من العلماء والباحثين ~~غير مفهومة. # وقد ذكر بعض الباحثين أن مقالة سوكال بدت وكأنها هدية للمحررين؛ لأن ~~«أحد الفيزيائيين» هو الذي يقول فيها كل الأشياء المناسبة التي يريدون ~~سماعها، فيهاجم «هيمنة ما بعد التنوير» وتلك الأفكار غير الباردة مثل وجود ~~العالم الواقعي. ولم يدركوا أن سوكال قد حشا ورقة بحثه أيضا بأخطاء علمية ~~مفضوحة، من نوع كان سيكشفه في التو أي محكم حاصل على أدنى شهادة تخرج في الفيزياء؛ # 57 # علاوة على أن اللغة التي كتبت بها ورقة البحث ms134 وإن كانت صحيحة ~~لغويا، إلا أنها لا تحوي أي معنى وكأنها مكتوبة بلغة غير مفهومة؛ حتى ~~الاستشهادات التي يستشهد بها سوكال من العلماء والباحثين غير مفهومة ~~أيضا، وكأنه تعمد أن يقدمها ليضرب بها أنصار بما بعد الحداثة وما بعد ~~البنيوية. ونذكر على سبيل لا الحصر بعض النصوص التي عول عليها؛ إذ تكاد ~~تكون مضحكة. وهناك أمثلة كثيرة في ورقة سوكال لا حصر لها نذكر منها أربعة ~~أمثلة على سبيل المثال لا الحصر: ~~(أ) المثال الأول # وهو مقطع استشهد به سوكال عن الناقد الفرنسي «جاك دريدا»، وهو يتكلم ~~عن ثابت أينشتين: # The Einsteinian constant is not a constant, is ~~not a center. It is the very concept of variability-it is, ~~finally, the concept of the game. In other words, it is not the ~~concept of something-of a center starting from which an observer ~~could master the field-but the very concept of the ~~game. # ويمكن ترجمتها كالتالي: ~~«ثابت أينشتين ليس ثابتا، كما أنه ليس مركزا. إنه مفهوم ~~التنوع نفسه؛ إنه، بعد ذلك كله، مفهوم اللعب. وبكلمات أخرى، فهو ليس ~~مفهوما عن شيء محدد - أي إنه ليس مفهوم مركز يستطيع الملاحظ منه أن ~~يتحكم في المجال، مثلا - لكنه المفهوم الدقيق للعب.» # 58 # ويعلق «ستيفن واينبرج # Steven ~~Weinberg ~~، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لسنة ~~1975م، والأستاذ في جامعة تكساس في أوستن». على ذلك قائلا: ~~«إنني لا أفهم ما الذي يمكن أن يقصد بهذا الكلام # I have no idea what this is intended to ~~mean ~~». # 59 # ثم يقارن «واينبرج» بين اللغة العلمية التي تكتب بها البحوث العلمية، ~~التي تتميز بالوضوح والتحديد وإن كانت تتناول مفاهيم غاية في الدقة ~~والتجريد، وبين لغة دريدا ومنظري ما بعد الحداثة، فيقول: ~~«وعلى النقيض من ذلك فإنه لا يبدو أن دريدا وكتاب ما بعد ~~الحداثة يقولون أي شيء يتطلب لغة تقنية خاصة، كما أنه لا يبدو أنهم ~~يحاولون محاولة جادة أن يكونوا واضحين.» # 60 ~~(ب) المثال الثاني # ونأخذه من ms135 فقرة لجاكوب لاكان يتحدث فيها عن الدور المهم الذي لعبته ~~الطوبولوجيا التفاضلية: # This diagram [the Mobius strip] can be ~~considered the basis of a sort of essential inscription at the ~~origin, in the knot which constitutes the subject This goes much ~~further than you may think at first, because you can search for ~~the sort of surface able to receive such inscriptions. You can ~~perhaps see that the sphere, that old symbol for totality, is ~~unsuitable. A torus, a Klein bottle, a cross-cut surface, are ~~able to receive such a cut. And this diversity is very important ~~as it explains many things about the structure of mental ~~disease. If one can symbolize the subject by this fundamental ~~cut, in the same way one can show that a cut on a torus ~~corresponds to the neurotic subject and on a cross-cut surface ~~to another sort of mental disease. # ويمكن ترجمة النص على النحو التالي: ~~«ويمكن اعتبار هذا الرسم (شريط موبيوس) أساس نوع الكتابة ~~الأساسية في الأصل، في العقدة التي تشكل الموضوع. وهذا قد يؤدي إلى ~~أبعد بكثير مما قد يتصور البعض في البداية؛ لأنه يمكنك البحث عن هذا ~~النوع من السطح القادر على تلقي مثل هذه النقوش. ربما يمكنك أن ترى ~~هذا المجال يمثل رمزا قديما عن طريق المجموع غير المناسب. زجاجة ~~كلاين وكلاين تمر عبر سطح منخفض قادر على الحصول على مثل هذا الخفض. ~~وهذا التنوع مهم جدا؛ لأنه يوضح الكثير من الأمور حول بنية الأمراض ~~العقلية؛ إذ يمكن للمرء أن يرمز لهذا الموضوع من خلال هذا الخفض ~~الأساسي، وبنفس الطريقة يمكن للمرء أن يظهر خفضا في طريقة تورز التي ~~تتطابق مع الموضوع العصابي، وعلى السطح عبر خفض لنوع آخر من المرض العقلي.» # 61 ~~(ج) المثال الثالث # ومن الفقرات أيضا المنقولة هذه الفقرة المقتبسة من كيلي أوليفر حيث ~~تقول: # In order to be revolutionary, feminist theory ~~cannot claim to describe ms136 what exists, or, “natural facts.” ~~Rather, feminist theories should be political tools, strategies ~~for overcoming oppression in specific concrete situations. The ~~goal, then, of feminist theory, should be to develop strategic ~~theories-not true theories, not false theories, but strategic ~~theories. # ويمكن ترجمة النص على النحو التالي: ~~«من أجل أن تكون ثورية لا يمكن للنظرية النسوية أن تدعي وصف ما ~~هو موجود أو الوقائع الطبيعية، بدلا من ذلك ينبغي على النظريات ~~النسوية أن تمثل أدوات سياسية واستراتيجيات للتغلب على الظلم في ~~مواقف محددة وملموسة. الهدف إذن من ناحية النظرية النسوية يجب أن ~~يتطور ليمثل نظريات استراتيجية لا هي صادقة ولا كاذبة، وإنما فقط ~~نظريات استراتيجية.» # 62 ~~(د) المثال الرابع # ومن الفقرات أيضا المنقولة هذه الفقرة المقتبسة من أروفينتس حيث ~~يقول: # Natural objects are also socially constructed. ~~It is not a question of whether these natural objects, or, to be ~~more precise, the objects of natural scientific knowledge, exist ~~independently of the act of knowing. This question is answered ~~by the assumption of “real” time as opposed to the ~~presupposition, common among neo-Kantians, that time always has ~~a referent, that temporality is therefore a relative, not an ~~unconditioned, category. Surely, the earth evolved long before ~~life on earth. The question is whether objects of natural ~~scientific knowledge are constituted outside the social field. ~~If this is possible, we can assume that science or art may ~~develop procedures that effectively neutralize the effects ~~emanating from the means by which we produce knowledge/art. Performance art may be such an attempt. # ويمكن ترجمة النص على النحو التالي: # الأجسام الطبيعية تبنى أيضا اجتماعيا. إنه ليس سؤالا فيما ~~إذا كانت هذه تمثل الأجسام الطبيعية، أو تكون أكثر دقة، وبنية ~~المعرفة العلمية الطبيعية توجد بشكل مستقل في فعل معرفة. وهذا ~~السؤال تكون الإجابة عنه بافتراض الوقت «الحقيقي» مقابل افتراض ~~مسبق وشائع بين الكانتية الجديدة، ذلك الوقت له دائما ms137 مرجعية، ~~وإن التزامن هو إذن نسبي، وصنف غير مشروط. بالتأكيد، الأرض تطورت قبل ~~فترة طويلة من الحياة على الأرض. إن السؤال يتعلق فيما إذا كانت ~~بنية المعرفة العلمية الطبيعية تشكل خارج المجال الاجتماعي. إذن ~~هذا محتمل؛ ومن ثم يمكن أن نفترض بأن العلم أو الفن قد تطورا من ~~خلال الإجراءات التي تحيد التأثيرات عمليا بحيث تنبثق من الوسائل ~~التي فيها ننتج معرفة/فنا. فن الأداء قد يمثل مثل هذا المحاولة. # 63 # هذه النصوص كلها آثرت أن أقدمها بنصها لأبين أن سوكال تعمد أن يقدمها ~~بلسان أصحابها ليبين أنها وإن كانت تبدو إلى حد ما صحيحة في بنائها ~~اللغوي، لكنها بلا معنى. ومع ذلك قبلت المقالة ونشرت، والأنكى أنها نشرت ~~في عدد خاص من المجلة المذكورة مكرس للرد على الانتقادات الموجهة إلى ما ~~بعد الحداثة والبنيوية الاجتماعية بقلم عدد من العلماء البارزين. # والورقة من البداية حتى النهاية تبدو محض هراء. وهي محاكاة هزلية ~~صيغت ببراعة للهذر المتجاوز عند أتباع ما بعد الحداثة. وقد حفز سوكال على ~~تأليفها كتاب لبول جروس ونورمان ليفيت في كتابهما «الخرافة الراقية». # 64 # ووجد سوكال أن من الصعب عليه أن يصدق ما قرأه في هذا الكتاب فتابع ما ~~فيه من مراجع عن أدبيات ما بعد الحداثة، ووجد أن جروس وليفيت لم يبالغا في ~~كتابهما. وقرر أن يفعل شيئا بهذا الشأن، وحسب كلمات جاري كاميا التي عاشت ~~الحدث: «كل من حدث له أن أنفق وقتا كثيرا وهو يخوض هذه الأناشيد ~~المنحرفة الزائفة الظلامية المليئة بالرطانة، والتي تمرر الآن على أنها ~~فكر «تقدمي» في الإنسانيات، كل من حدث له ذلك يعرف أنه سيكون من المحتم ~~إن آجلا أو عاجلا أن يحدث أن: واحدا من الأكاديميين البارعين وقد تسلح ~~بكلمات السر التي هي سرية جدا (مثل «هيرمينوطيقي»، «انتهاكي» «تابع ~~لمذهب لاكان»، «الهيمنة»، ونحن لم نذكر هنا إلا القليل)، سوف يكتب ورقة ~~بحث زائفة بالكامل، ويقدمها إلى أي مجلة «رائجة»، وينال قبولا لها ... ~~يستخدم سوكال في مقاله كل المصطلحات المناسبة. وهو يستشهد ms138 بكل من هم أفضل الكتاب.» # 65 # ثم ما لبث سوكال أن كشف عن حقيقة الخدعة؛ حيث إنه بمجرد صدور العدد ~~الذي يتضمن المقال، بادر إلى الكشف عن خدعته من خلال مقال صادم نشره في ~~مجلة «لينجوا فرنكا» # Lingua Franca # الأمريكية يبين فيها أنه زيف محتوى مقاله الأول. وأعلن سوكال في مقاله ~~هذا أن الأمر كله خدعة. معترفا بأن ما كتبه لا يعدو أن يكون خدعة لفظية ~~وصنعة بلاغية لا يعول عليها؛ يقول سوكال: «لعدة سنوات انشغلت بالانحدار ~~الظاهر والواضح في معايير الصرامة العقلية في الدوائر الأكاديمية ~~بالدراسات الأمريكية، ولكن لأنني فيزيائي فقط وجدت نفسي غير قادر على ~~الإلمام بالموضوع للتمييز والاختلاف؛ ولذلك قررت أن أجري تجربة متواضعة ~~(رغم كونها تمثل عينة لا يمكن التحكم بها): وصحيفة شمال أمريكا للدراسات ~~الثقافية، والتي تتبنى هيئة تحريرها مثل هذه المجموعات، مثل فريدريك ~~جيمسون، وأندرو روس، اللذين نشرا المقالة المتضمنة الخدعة والهراء؛ إذ أن ~~(المجموعة أ) كانت تبدو جيدة، و(المجموعة ب) اشتملت على أيديولوجيا ~~وأفكار المحررين ومفاهيمهم. ولسوء الحظ، فالإجابة كانت بنعم، والقراء ~~المهتمون يستطيعون أن يرجعوا إلى مقالي الذي حمل عنوان «اختراق الحدود: ~~نحو تأويل تحويلي للجاذبية الكمية» والذي نشر ضمن العدد الربيعي-الصيفي ~~في مجلة ال «سوشيال تكست # social text ~~»، ~~ومن الواضح أن مقالي قد نشر ضمن عدد خاص من المجلة، والذي حمل عنوانها ~~اسم «حروب العلم». ماذا يدور هنا؟ هل عجز أعضاء هيئة تحرير المجلة عن ~~معرفة أن مقالي كان يمثل محاكاة ساخرة Parody ~~؟» # 66 # ومن ناحية أخرى يؤكد سوكال بأن هدفه من كتابة المقال يعد «نداء لأي ~~فيزيائي أو رياضي نشيط (أو الفيزيائيين في المرحلة الجامعية أو أغلب ~~الرياضيين) أن يدركوا أنها ضالة أو خدعة # Spoof ~~. وبالفعل فإن المحررين للنص ~~الاجتماعي قد شعروا بالراحة من نشر هذا المقال عن فيزياء الكوانتم بدون ~~الرجوع لأي لشخص ذي معرفة بهذا الموضوع.» # 67 # ثم ينتقل سوكال للكشف عن الأسباب والدواعي التي جعلته يتعمد القيام ~~ببحث عن مكانيكا الكوانتم؛ حيث يؤكد أن ذلك يتمثل في ms139 هدفين: # الهدف الأول: # كما يقول: «أن أقتبس بعض التصريحات الفلسفية المتناقضة ~~لهايزنبرج وبوهر وأقر بلا جدال أن الفيزياء الكمية مرتبطة ~~بإبستمولوجيا ما بعد الحداثة.» # 68 # الهدف الثاني: # كما يقول: «أن أدعو للجمع بين دريدا والنسبية العامة، ولاكان ~~وعلم الهندسة اللاكمية أو الطوبولوجي وبين إيريجاري # Irigaray # والجاذبية الكمية، ~~وذلك من خلال بلاغة غامضة # vague ~~rhetoric # عن ال «غير خطية # nonlinearity ~~» والجريان ~~والترابط # Flux and ~~interconnectedness ~~. وأخيرا فقزت (مرة أخرى ~~بدون جدال) لإثبات أن علم ما بعد الحداثة Postmodern Science # قد ألغى # abolished # الواقع الموضوعي. ~~وهنا الآن ليس هناك ما يشبه النتيجة المنطقية للفكر؛ فالمرء قد ~~يكتشف فقط اقتباسا # citations ~~، ~~وتلاعبا بالألفاظ # plays on ~~words ~~، وتناظرات متكلفة # strained analogies # ومزاعم ~~فارغة # bald assertions ~~» لا أساس لها.» # 69 # وهنا يؤكد سوكال أن الذي دفعه على فعلته تلك هو «أن يفضح المستوى ~~المتدني للمهنية بين المشتغلين بالبحوث الأكاديمية، وبخاصة في العلوم ~~الإنسانية؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هو إحراج النزعة النسبوية ~~المتطرفة، بوصفها تمثل في اعتقاد سوكال خطرا يهدد وجود العلم ذاته، ~~علاوة على اختبار مدى جدية وصرامة المنتسبين إلى «ما بعد الحداثة»، ولا ~~سيما حين يتعلق الأمر بموضوع العلم.» # 70 # ثم يحلل سوكال بعد ذلك تفاصيل الخدعة؛ حيث يقول: «وفي الفقرة الأولى ~~سخرت من المبدأ المفترض من خلال الهيمنة الطويلة لما بعد التنوير الذي ~~ساد النظرة العقلية الغربية: «يوجد عالم خارجي يحمل خصائص مستقلة عند أي ~~شخص أو أي فرد، وإن هذه الخصائص تصنف في قوانين فيزيائية (أبدية)، وإن ~~الموجودات الإنسانية يمكنها أن تحصل على هذه المعرفة غير الكاملة من هذه ~~القوانين، وذلك من خلال الإجراءات الموضوعية الموصوفة بما يسمى المنهج العلمي».» # 71 # ثم يتساءل سوكال: «هل هذا المبدأ في الدراسات الثقافية يكشف عن أنه ~~ليس هناك وجود للعالم الخارجي؟ أو أن هناك وجودا للعالم الخارجي، ولكن ~~العلم ليس لديه معلومات عنه؟» # ويجيب قائلا: «وفي الفقرة الثانية صرحت بلا جدال أو بينة بأن الواقع ~~الفيزيائي # Reality Physical ~~(من الملاحظ ~~الاقتباس بحذر) هو ms140 أساس لبناء اجتماعي ولغوي، وليست نظرياتنا عن الواقع ~~الفيزيائي وأذكرك، ولكن الواقع نفسه. حسنا، وأي شخص يعتقد أن قوانين ~~الفيزياء متواضعات اجتماعية # Social ~~Conventions # تدعو لمحاولة انتهاك تلك المتواضعات من ~~نافذة شقتي (أنا أقطن بالدور الحادي والعشرين).» # 72 # وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة يؤكد عليها سوكال، وهي أن السخافة ~~الرئيسية # the fundamental silliness # لمقاله تنطوي ليس فقط من خلال تماسكها القوي، ولكن توسطها للمنطق الذي يدعمها. # 73 # وهنا يعلق «جيمس تريفل» على هذه المغامرة قائلا: «ولكن ما أذهلني من ~~عواقب هذه المغامرة كلها هو رد فعل محرري صحيفة «سوشيال تكست» ومن ~~يدعمونها. إنهم بدلا من أن يشغلوا أنفسهم باستبطان حالهم وفهم أنفسهم ~~على سبيل المثال: لماذا لم يعرضوا المقال على عالم فيزياء، قنعوا بلوم ~~سوكال لأنه «أساء استخدام ثقتهم.» # 74 # وهذا اللوم استفز سوكال نفسه حتى إنه وصفهم قائلا: «وقبول النص ~~الاجتماعي لمقالتي يوضح الغطرسة والتكبر العقلي # the ~~intellectual arrogance # للنظرية الأدبية لما بعد ~~الحداثة ... وليس من المدهش في أنهم لم يعبئوا باستشارة الفيزيائي.» # 75 # تباينت ردود الفعل حيال خدعة سوكال؛ وتوزع الناس بين مهلل ومسفه ~~ومتفهم، فأثار بذلك ضجة من ردود الفعل عنيفة في الصحافة اليومية ~~والأكاديمية، فالخدعة قد وجدت طريقها في الصفحة الأولى في جريدة # New York Times # بل وفي كل صفحات ~~الجرائد الأمريكية، # 76 # كما أعدت قناة ال # CNN # برنامجا لها بعنوان: العصابة الكبيرة # capital ~~gang ~~، وكذلك ال # rush ~~limbaug ~~. وخدعة سوكال التي قد تناولتها أجهزة الإعلام ~~من راديو وتليفزيون قد نظرت إليها بأنها تمثل فضيحة سياسية رئيسية. # 77 # وذكر واينبرج عنها قائلا: «لقد تسليت مثل كثير من العلماء بخدعة ~~ظريفة ساخرة قام بها الفيزيائي الرياضي آلان سوكال من جامعة نيويورك؛ حيث ~~قدم مقالة كاذبة لإحدى المجلات المهتمة بالدراسات الثقافية وهي مجلة ~~«النص الاجتماعي». وفي هذه المقالة استعرض سوكال عددا من المواضيع ~~الراهنة في الفيزياء والرياضيات، وعرض بطريقة ساخرة بعض القضايا الثقافية ~~والفلسفية والسياسية والأخلاقية التي أخذها من التعليقات الأكاديمية ~~الرائجة التي كانت تشكك في العلم وموضوعيته.» ms141 # 78 # وذهب مارا بلير # Mara Beller # في مقالة ~~له بعنوان # The Sokal Hoax: At Whom are we ~~Laughing # إلى أن: الخدعة التي أعدها سوكال في عام 1996م ~~وسلمها لمحرري مجلة النص الاجتماعي سرعان ما أصبحت معروفة على نطاق واسع ~~ونقاش ساخن # 79 # وذهب «إريتش إيتشمان» # Erich Eichman ~~، ~~حيث كتب مقالة بعنوان «نهاية الخدعة»، حيث قال: «في وقت سابق من هذه ~~السنة، وبشكل ملفت للنظر، قدم الفيزياوي واليساري السياسي آلان سوكال ~~ورقة بحث مليئة بالهراء وسلمها لمحرري مجلة أكاديمية تسمى النص الاجتماعي؛ ~~حيث برهن على أن الواقع الفيزيائي يمثل فقط بناء اجتماعيا. وهو لم ~~يعتقد بذلك ولكنه حاول أن يثبته. وبعد أن نشر المحررون المقالة، أعلن ~~سوكال عن خدعته.» # 80 # ونكتفي بهذا القدر وننتقل للبعد الأخير من أبعاد خدعة سوكال، ~~ألا وهو البعد النقدي ضمن قضية حروب العلم. # البعد النقدي # كشفت خدعة سوكال عن أن الجهل باللغة وسوء استخدامها هو المسئول عن ~~الإخفاق العقلي والفوضى الروحية التي سادت التفكير الغربي؛ وبالتالي فإن ~~اللغة هي أحدث ملاذ للفلسفة والمأوى الآمن من الهجوم الضاري عليها. # ومن هذا المنطلق بادر سوكال يفضح مذهب ما بعد الحداثة الذي أرسى دعائمه ~~الفلاسفة الفرنسيين، ويبين تهافته، فنجده يشارك جين بريكمونت # Jean Bricmont ~~(وهو أستاذ الفيزياء ~~النظرية في جامعة لاوفين في بلجيكا)، في تأليف كتاب بعنوان «اللغو الرائج: ~~عبث المفكرين ما بعد الحداثيين بالعلم # Fashionable ~~Nonsense: Postmodern Intellectuals’ Abuse of Science ~~»، ~~وهذا الكتاب كان قد صدر باللغة الإنجليزية في عام 1998م، بعد أن صدر قبل عام ~~واحد في أصله الفرنسي الذي حمل عنوان # Impostures ~~Intellectuelles ~~. # والسؤال الآن: ما هي قصة هذا الكتاب؟ # يعلن سوكال وبريكمونت أن: «قصة هذا الكتاب بدأت بخدعة؛ فمنذ بضع سنوات ~~والخزن يخيم علينا من بعض الاتجاهات الفكرية في دوائر معينة من الأوساط ~~الأكاديمية الأمريكية. قطاعات واسعة من العلوم الإنسانية والاجتماعية يبدو ~~أنها تبنت فلسفة يمكن أن نطلق عليها «ما بعد الحداثة»؛ تيار فكري تميز بأنه ~~يرفض إلى حد ما التقليد العقلاني للتنوير من خلال ms142 القضايا النظرية المنفصلة ~~عن اختبار تجريبي، وكذلك من خلال النسبوية المعرفية والثقافية والتي تنظر ~~للعلم على أنه ليس أكثر من «السرد»، وهي «أسطورة» أو البناء الاجتماعي من ~~بين أمور أخرى كثيرة.» # 81 # ويؤكد سوكال وبريكمونت: «أنه للرد على هذه الظاهرة قام أحدنا، وهو ~~سوكال، بتجربة غير تقليدية بسيطة، قام فيها بتقليد المفكرين الكبار في ~~كتاباتهم الفكرية وتنميقاتهم الاصطلاحية واستدلالاتهم بمفكرين آخرين، على ~~طريقة عدد من المفكرين الفرنسيين وبعض علماء الاجتماع في الولايات المتحدة؛ ~~جمع سوكال عددا من الصفحات لبحث عن ميكانيكا الكوانتم. وقد كانت ورقة ~~البحث مكتوبة بأسلوب ما بعد الحداثة؛ ومن ثم كان محاكاة سافرة ... والمرء ~~سرعان ما يدرك أن سوكال قد بنى محاكاته الساخرة من خلال الاقتباسات ~~المأخوذة من المثقفين البارزين الفرنسيين والأمريكيين عن الآثار الفلسفية ~~والاجتماعية المزعومة.» # 82 # ويذكر سوكال أنه اختار مجموعة من النصوص لمجموعة من المفكرين ~~الفرنسيين المعاصرين والذين يشار إليهم بالبنان في أمريكا وهم: جيل دولوز # Gilles Deleuze # وجاك دريدا # Jacques Derrida # وفيلكس جيواتاري # Felix Guattari # ولوسي إريجاري # Luce Irigarry # وجاك لاكان # Jacques Lacan # برونو لاتور # Bruno Latour # وجان فرانسوا ليوتار # Jean Francois Lyotard # وميشيل سيريس # Michel Serres # وبول فيريليو Paul Virilio ~~. والاقتباسات تشمل أيضا ~~العديد من الأكاديميين الأمريكيين البارزين في الدراسات الثقافية والمجالات ~~ذات الصلة، ولكن هؤلاء الكتاب في كثير من الأحيان كانوا يشايعون الكتاب الفرنسيين.» # 83 # علاوة على أن الكتاب يهدف إلى فحص ما يمكن أن نسميه «الدجل الفكري» حين ~~يقوم المفكرون بتقديم أطروحات لا معنى حقيقيا لها والاستناد على العلم ~~الطبيعي بطريقة خاطئة وغير دقيقة، والتباهي بعبارات منمقة ولكنها تخلو من ~~المعنى. # ويذهب «ريتشارد دوكنز» أن سوكال وصاحبه بريكمونت، قد بنيا كتابهما على ~~فرضية تقول: «... لنفترض أن لدينا دجالا مثقفا ليس لديه حقا ما يقوله، ~~ولكنه بما لديه من طموحات شديدة لأن ينجح في الحياة الأكاديمية، يجمع زمرة من ~~الحواريين المبجلين، وله تلاميذ في كل أنحاء العالم يضعون تحت السطور المهمة ~~لصفحاته خطوطا بأقلام اللون الأصفر الفاقع المحترم. ما هو نوع ms143 الأسلوب ~~الأدبي الذي سيتخذه؟ لا ريب أنه لن يكون أسلوبا واضحا.» # 84 # علاوة على أن الكتاب يتناول قضية في غاية الأهمية في الفكر الغربي، وهي ~~سوء استخدام العلم في الفكر الغربي الحديث، وتحديدا فكر ما اصطلح عليه بما ~~بعد الحداثة، والمقصود بسوء استخدام العلم أن يعتمد المفكر على معلومات ~~يأخذها من مجالات العلوم المختلفة على نحو تحف به كثير من المشكلات مثل ما ~~يلي: ~~(1) # ألا يكون المفكر فاهما تماما للنظريات العلمية التي يستخدمها ~~في قضاياه الفكرية، ويشمل هذا استخدام مصطلحات علمية دون تقديم شرح ~~لها؛ وهنا يستشهد سوكال وبريكمونت بنص للمحلل النفسي «فليكس جواتاري» ~~وهو واحد من كثيرين من مثقفي الموضة الفرنسيين: # يمكننا أن نرى بوضوح أنه لا يوجد اتفاق مزدوج-أحادي المعنى ~~بين الروابط الخطية ذات المعزى أو الكتابة الرئيسية، بما يعتمد ~~على المؤلف، وبين هذا الحفر الماكيني المتعدد المرجعية، والمتعدد ~~الأبعاد. وما يوجد من سمترية في المقياس، وخطوط مستعرضة، ومن ~~خاصية تمددها على نحو مؤثر غير منطقي؛ كل هذه الأبعاد تنقلنا ~~بعيدا عن منطق الوسط الاستبعادي، وتعزز وضعنا في رفضنا للثنائية ~~الأنطولوجية التي سبق أن انتقدناها. # 85 # ولقد سار جواتاري إلى ما لا نهاية في هذا الاتجاه، ويطرح حسب رأس ~~سوكال وبريكمونت «مزيجا من رطانة العلم والعلم الزائف والفلسفة هو ~~من أذكى ما يلقاه المرء من هذ النوع». وكان لفيلكس جيواتاري # Felix Guattari # شريك حميم هو ~~الراحل جيليز ديلويز # Gilles Deleuze ~~. ~~ولديه موهبة مماثلة في الكتابة: # نجد في المقام الأول أن الأحداث المفردات تناظر تتاليات لا ~~متجانسة تنتظم في منظومة ليست مستقرة، ولا غير مستقرة، وإنما هي ~~بالأحرى «ما بعد المستقرة»، وقد أضفي عليها طاقة كامنة حيث يحدث ~~اضطراب في الاختلافات التي بين المتتاليات ... وثانيا فإن ~~المفردات تمتلك طريقة معالجة للتوحيد الذاتي، هي دائما متنقلة ~~ومزاحة إلى حد أن عنصرا من المفارقة يمر عبر المتتاليات ويجعلها ~~في حالة رنين، ويطوق النقط المفردة المناظرة في نقطة واحدة ~~تصادفية ويطوي كل الانبعاث، وكل قذفات النرد ، رمية واحدة. # 86 # ألف ديلويز وجواتاري ms144 وشاركا في تأليف كتب وصفها الفيلسوف المشهور ~~ميشيل فوكو بأنها «من بين أعظم الكتب العظيمة ... وربما سيأتي يوم ~~يوصف به القرن بأنه ديلويزي». إلا أن سوكال وبريكمونت يعلقان بأنه: # تشمل هذه النصوص حفنة من جمل مفهومة هي أحيانا تافهة ~~وأحيانا خاطئة، وقد علقنا على بعض منها في الهوامش. أما الباقي، ~~فإننا نتركه للقارئ ليحكم عليه. # 87 # ولكن الأمر يصعب على القارئ. لا ريب أنه توجد أفكار يبلغ من ~~عمقها أن معظمنا لن يفهم اللغة التي يتم بها التعبير عنها. ولا ريب ~~أن هناك أيضا لغة قصد بها أن تكون غير مفهومة حتى تأكد غياب أي فكر ~~صادق. ولكن كيف لنا أن نعرف الفارق؟ ماذا لو أن الأمر يتطلب حقا ~~عيونا خبيرة لتكشف ما إذا كان الإمبراطور يرتدي ملابس (إشارة إلى ~~قصة مشهورة بأن محتالا أقنع الإمبراطور بأنه سيحيك له ملابس فاخرة ~~لا يراها الأغبياء ويراها فقط الأذكياء. وحين سار الإمبراطور عاريا ~~صاح الناس إعجابا بالملابس المزعومة حتى هتف طفل بأن الإمبراطور ~~يسير عاريا) وبوجه خاص، كيف سنعرف ما إذا كانت فلسفة الموضة السائدة ~~الفرنسية التي سيطر حواريوها وأنصارها على قطاعات كبيرة من الحياة ~~الأكاديمية الأمريكية، هي حقا فلسفة عميقة أو أنها مجرد خطاب خاو ~~لمشعوذين ودجالين؟ # 88 ~~(2) # استخدام مفاهيم من العلوم الطبيعية في العلوم الإنسانية ~~والاجتماعية دون أي تبرير لهذا الاستخدام العابر للحقول المعرفية (أي ~~من العلم الطبيعي نحو المجالات الإنسانية)؛ وهنا حاول سوكال وبريكمونت ~~أن يقصرا نقدهما على تلك الكتب التي غامرت بالاستشهاد بمفاهيم من ~~الفيزياء والرياضة. وهما ها هنا يعرفان ما يتحدثان عنه، وحكمهما واضح ~~لا لبس فيه؛ كما بالنسبة ل «جاك لاكان # Jacques ~~Lacan ~~» مثلا، الذي يبجل اسمه في الكثير من أقسام ~~الإنسانيات في كل الجامعات الأمريكية والبريطانية. ولا ريب أن هذا في ~~جزء منه بسبب أنه يعمل على محاكاة طريقة فهم عميقة للرياضيات، وهما ~~يقولان عنه: ~~... على الرغم من أن «لاكان» يستخدم عدة كلمات رئيسية من ~~النظرية الرياضية للدموج # compactness ~~، إلا أنه يخلط ~~بينهما خلطا تعسفيا ms145 دون أدنى اعتبار لمعناها. و«تعريفه» ~~للدموج ليس فحسب زائفا؛ وإنما هو هذر بلا معنى. # وهما يواصلان القول بالاستشهاد بالفقرة التالية المذهلة عن ~~الاستدلال بواسطة لاكان: # وبالتالي فإنه بحساب هذه الدلالة حسب الطريقة الجبرية المستخدمة ~~هنا، وهي أن: # لا يحتاج الواحد منا لأن يكون رياضيا ليدرك أن هذا أمر ~~مضحك. وهذا يستدعي للذاكرة شخصية من شخصيات إلدوس هكسلي أثبتت ~~وجود الرب بعملية قسمة للصفر على رقم، وبالتالي يستنتج من ذلك ال ~~«ما نهاية». وفي فقرة أخرى من الاستدلال هي بالكامل نمط من ~~«الجنسانية = # Genre ~~» يواصل ~~«لاكان» الاستدلال ليستنتج أن عضو الانتصاب هو مكافئ للجذر ~~≠ ~~−1 ~~في الدلالة الناتجة أعلاه الدال (−1). # 89 # لا يحتاج الواحد منا إلى الخبرة الرياضية لسوكال وبريكمونت ~~ليتأكد من أن مؤلف هذا الكلام مدلس. أتراه يكون صادقا عندما يتحدث ~~في مواضيع غير علمية؟ إلا أننا عندما نقبض على فيلسوف وهو يساوي عضو ~~الانتصاب بالجذر التربيعي لناقص واحد، فإنه بالنسبة لما أعرف يكون قد ~~نسف كل أوراق اعتماده عندما تصل الأمور إلى أشياء «لا» أعرف عنها أي شيء. # 90 ~~(3) # ادعاء المعرفة من خلال نثر المصطلحات العلمية في ثنايا المقالات ~~الفكرية «دون حياء» مع عدم ارتباط تلك المصطلحات بالقضايا موضع ~~النقاش. وهنا يرى سوكال وبريكمونت أن هناك لوسي إريجاري # Julia Kristeva ~~«الفيلسوفة» نصيرة ~~المرأة، وهي شخصية أخرى عالج أمرها سوكال وبريكمونت في فصل بأكمله. # 91 # تذكر إريجاري محاجة في فقرة تذكرنا بتوصيف مشهور أسمته نصيرة ~~للمرأة على كتاب «المبادئ» لنيوتن؛ حيث وصفته بأنه (كتيب إرشادي ~~لاغتصاب المرأة)، تبرهن إريجاري بأن معادلة الطاقة = الكتلة في مربع ~~سرعة الضوء ~~(e: mc2) (.) # هي «معادلة ~~ذات طابع جنسي». ما هو السبب؟ لأنها تضفي تميزا لسرعة الضوء على ~~سائر السرعات الأخرى الضرورية لنا ضرورة حيوية (إن تأكيدي على ما ~~سأصل سريعا إلى معرفته هو أن الكلام هنا ضمني). ونجد مبحثا عند ~~إريجاري على ميكانيكا السوائل يعطي مثلا نمطيا لهذه المدرسة ~~الفكرية التي ندرسها؛ فهي تقول إن السوائل، كما ترى، قد أهملت ~~إهمالا غير منصف ف ms146 «الفيزياء الذكورية» تضفي امتيازا على الأشياء ~~الصلبة الجامدة . # 92 # ولإريجاري شارحة أمريكية هي «كاترين هيلز» ارتكبت خطأ في أنها ~~أعادت التعبير عن أفكار إريجاري في لغة واضحة (نسبيا)؛ ففي هذه ~~المرة نحصل على نظرة معقولة على الإمبراطور لا يوجد ما يعوقها، ونجد ~~أن نعم، الإمبراطور لا يرتدي ملابس: # إنها ترجع السبب في إضفاء امتياز للميكانيكا الصلبة على ميكانيكا ~~السوائل، وإلى عجز العلم حقا عن التعامل مطلقا مع التدفق المضطرب ~~للسوائل، ترجعه إلى ارتباط السيولة بالأنوثة. ففي حين أن الأعضاء ~~الجنسية لدى الرجال تكون بارزة وتصبح صلبة، فإن النساء لديهن فتحات ~~يتسرب منها الدم والسوائل المهبلية. وبهذا المنظور ما من عجب في أن ~~العلم قد عجز عن التوصل لنموذج ناجح الاضطراب. وليس في الإمكان حل ~~مشكلة تدفق السائل المضطرب لأن مفاهيم السوائل (ومفاهيم النساء) قد ~~صيغت بحيث تخلق بالضرورة بقايا بلا اتساق واضح. # 93 # لا يحتاج المرء لأن يكون فيزيائيا ليشتم السخف المعتوه لهذا ~~النوع من المحاججة (والذي أصبحت نغمته مألوفة لأكثر مما ينبغي)، على ~~أنه مما يفيدنا أن يكون كتاب سوكال وبريكمونت في متناولنا ليخبرنا عن ~~السبب الحقيقي في أن تدفق السائل المضطرب مشكلة صعبة (معادلات ~~نافير-ستوكس معادلات يصعب حلها). # 94 ~~(4) # ادعاء التفلسف وذلك من خلال استخدام كلمات وعبارات وجمل لا تحمل ~~معنى حقيقيا حين يتم فحصها وامتحان دلالتها؛ ويعطينا سوكال ~~وبريكمونت من خلط برونو لاتور # Bruno ~~Latour # بين نظرية النسبية (عند أينشتين) ومذهب ~~النسبية (الفلسفية)، وعلم ما بعد الحداثة عند ليوتار وسوء الاستخدام ~~المنتشر والمتوقع لمبرهنة جوديل ونظرية الكم ونظرية الشواش. وسنجد أن ~~جان بودريلارد المشهور هو مجرد واحد من كثيرين يجدون أن نظرية الشواش ~~أداة مفيدة لخداع القراء. ومرة أخرى فإن سوكال وبريكمونت يساعداننا ~~بأن يحللا لنا الحيل المستخدمة في التلاعب. والجملة التالية «وإن ~~كانت قد بنيت على مصطلحات علمية إلا أنها لا معنى لها من وجهة النظر ~~العلمية». # لعله يجب أن ينظر إلى التاريخ نفسه على أنه تشكيل شواشي؛ حيث ~~التسارع يضع نهاية للخطية، وحيث الاضطراب الذي ms147 يخلقه بالتاريخ ~~انحراف أكيد عن غايته، تماما مثلما يحدث أن يؤدي الاضطراب ~~إلى إبعاد النتائج عن أسبابها. # 95 # ونكتفي بهذا القدر؛ فإنه كما يقول سوكال وبريكمونت، فإن نص ~~بودريلارد «يتواصل في تصاعد تدريجي من الهراء». وهما يلفتان الانتباه ~~مرة أخرى إلى ما يوجد من كثافة عالية للمصطلحات العلمية والزائفة ~~علميا، التي تولج داخل الجمل، وهي - بقدر ما نستطيع فهمه - خاوية من ~~أي معنى. وخلاصة حكمهم على بودريلارد يمكن أن تنطبق على أي من ~~المؤلفين الآخرين الذين انتقدوا هنا، ويحتفى بهم في كل ~~أمريكا: # والخلاصة أن المرء يجد في أعمال «بودريلارد» سيلا غزيرا من ~~المصطلحات العلمية، تستخدم دون أي اعتبار لمعناها، ونجد أنها فوق كل ~~شيء تستخدم في سياق من الواضح أنها لا علاقة لها به. وسواء فسرناها ~~أو لم نفسرها كاستعارات مجازية، فإن من الصعب أن ندرك أي دور يمكن أن ~~تقوم به، إلا أنها تعطي مظهرا من العمق لملاحظات مبتذلة حول علم ~~الاجتماع أو التاريخ. ونجد فوق ذلك أن المصطلح العلمي يخلط بمفردات ~~غير علمية تستخدم بالدرجة نفسها من السبب القذر. وبعد أن يقول ~~بودريلارد وينقل كل ما يشاء فإن لنا أن نتساءل عما سيتخلف من فكره ~~بعد أن نزيل عنه كل ما يغطيه من تلك القشرة الخادعة من الألفاظ. # 96 # خلاصة القول إن سوكال وبريكمونت يريدان أن يوصلا رسالة للعالم كله ~~يعلنان فيها: ~~(أ) # أن عالم الفكر في أحيان كثيرة لا يقدم فكرا حقيقيا، بل ضربا ~~من الموضات الفكرية. ~~(ب) # أن الكتاب يدعو إلى تنقية الفكر من الشوائب غير العلمية، وضرورة ~~اعتماد الفكر على البيانات العلمية الدقيقة في بناء النظريات ~~الفكرية. ~~(ج) # أن أهميته تنطلق من أنه يدعو إلى الفكر الحقيقي الذي يساهم ~~المفكر من خلاله في البناء الإنساني العام، ويدعو إلى فضح «الموضات ~~الفكرية» التي يصبح فيها الكتاب والمفكرون مثل الببغاوات يرددون ~~كلاما غير مفهوم، أو غير قائم على أساس سليم من المعلومات ~~العلمية. ~~(د) # أن الكتاب كشف عن فكرة تجنب أوهام المسرح التي نادى بها «فرنسيس ms148 ~~بيكون»؛ الأمر الذي دعا سوكال وصاحبه إلى مناقشة - بتفصيل - عدد من ~~المفكرين الفرنسيين المشهورين ويفضحا الأخطاء العلمية الخطيرة التي ~~وقعوا فيها. # ولم يكتف سوكال بكتاب «اللغو الرائج» في نقد إبستمولوجيا ما بعد الحداثة، بل ~~كتب دراسة أخرى مطولة كتبها بدون أن يشارك فيها آخرون، وكانت بعنوان «العلم ~~الزائف ومذهب ما بعد الحداثة: أخصوم أم زملاء مسافرون Pseudoscience and Postmodernism: Antagonists or ~~Fellow-Travelers? ~~». وقد ذكر سوكال أن فكرة هذا البحث ~~تعول على أن «العلاقة المحالية بين نوعين عريضين من أنواع التفكير وهما: ~~العلم الزائف ومذهب ما بعد الحداثة (أن كليهما سوف نعرفهم بوضوح أكثر بعد ~~لحظة). من أول وهلة يبدو أن العلم الزائف ومذهب ما بعد الحداثة متعارضان؛ ~~العلم الزائف يتميز بسذاجة مفرطة، بينما مذهب ما بعد الحداثة يتميز بشكوكية ~~مفرطة. وبتوضيح أكثر، فإن أتباع العلم الزائف يعتقدون في النظريات أو ~~الظواهر التي يرفضها العلم السائد تماما كعلم غير قابل للتصديق، بينما ~~أتباع مذهب ما بعد الحداثة يعتقدون في النظريات التي يعتبرها العلم السائد ~~بأنها قد تأسست ما بعد الشك المعقول». # 97 # ويؤكد سوكال بأنه «سوف يبرهن بأنه في بعض الأحيان على الأقل، يوجد ~~تقارب بين العلم الزائف ومذهب ما بعد الحداثة»، ولتحقيق ذلك نراه يحاول أن ~~يميز بين ثلاثة مفاهيم هي «العلم»، «العلم الزائف»، «مذهب ما بعد الحداثة». # 98 # أما مفهوم العلم في نظر سوكال فهو يمثل سياقا مترابطا يجمع بين العلم ~~الطبيعي والعلم الإنساني في وحدة مترابطة؛ يقول سوكال: «أنا أقصد بالعلم ~~أولا وفوق كل شيء وجهة النظر العالمية التي تعطي الأسبقية للسببية ~~والتوضيح والمنهجية بهدف اكتساب معرفة دقيقة عن العالم الاجتماعي والطبيعي. ~~هذه المنهجية صنفت قبل كل شيء من خلال الروح النقدية؛ يعني الالتزام ~~بالاختبار المستمر للتقريرات من خلال الملاحظات والتجارب - الاختبارات ~~الأكثر صرامة، والأفضل - ومراجعة أو تصحيح هذه النظريات التي تفشل في ~~الاختبار. والنتيجة الطبيعية الأولى للروح النقدية تكون قابلة للخطأ # fallibilism ~~؛ الفهم بأن كل معرفتنا ~~التجريبية تكون تجريبية، وناقصة ومفتوحة للمراجعة في ضوء دليل جديد أو ms149 حجج ~~قوية مقنعة (لذا بالطبع فإن غالبية أشكال المعرفة العلمية التي تأسست من ~~الصعب أن تكون نبذت كليا).» # 99 # والموقف الذي اتخذه سوكال هنا من العلم قائم على أن هناك سمة أساسية في ~~ضوئها يمكن التمييز بين ما هو علمي وما غير علمي، وهذه السمة هي التي قال ~~عنها «كارل بوبر» # Karl Popper ~~(1902-1994م) ~~مبدأ «القابلية للتكذيب # Falsifiability ~~»؛ ~~حيث إن هذا المبدأ (القابلية) يقرر ما إذا كانت النظرية تعطينا محتوى ~~إخباريا أم لا، وذلك في ضوء حجج تجريبية وملاحظات؛ فمهمة العلماء هي أن ~~يحكموا النظريات في ضوء اختبارات قاسية. # 100 # ومن جهة أخرى يؤكد سوكال أن كلمة العلم تتميز بأربعة معان هي: «إنها ~~تشير إلى المسعى الثقافي بهدف ربط الفهم العقلاني للعالم الخارجي، الطبيعي ~~والاجتماعي. إنها تشير إلى مجموع المعرفة الجوهرية المقبولة حاليا. وتشير ~~كذلك إلى الجماعة العلماء، بأعرافهم وبناءاتهم الاقتصادية والاجتماعية. ~~وأخيرا إنها تشير إلى العلم التطبيقي والتكنولوجيا». # 101 # ويؤكد سوكال أن العلم في نظره ليس «قاصرا على العلوم الطبيعية، ولكن ~~يتضمن تحقيقات تهدف إلى اكتساب معرفة دقيقة للمواضيع الواقعية المرتبطة بأي ~~شكل للعالم باستخدام مناهج عقلانية تجريبية مماثلة للتي طبقت في العلوم ~~الطبيعية. وهنا «العلم» كما استخدمته (كمصطلح) يزاول بشكل متكرر ليس فقط ~~بواسطة الفيزيائيين أو الكيميائيين أو الأحيائيين، ولكن أيضا بواسطة ~~المؤرخين، والمخبرين والسباكين، وفي الواقع كل إنسان يحتاج في «بعض أشكال» ~~حياتنا اليومية.» # 102 # ثم ينتقل سوكال للحديث عن العلم الزائف، فيرى أن مفهومه متعلق بكل ما ~~يخالف العقلانية والمنهج العلمي، ويقول سوكال: «وفي الحقيقة أن المرء يمكن ~~أن يميز (في أغلب الحالات بسهولة جدا) بين العلم الصادق والعلم المزيف، ~~وهذا لا يعني بالطبع أنه من الممكن رسم خط حاد بينهما. أقل خط يعتمد على ~~الصلابة بكثرة «معيار التمييز» وهذا ما اقترحه الفيلسوف كارل بوبر. ~~وبالأحرى المرء يمكن أن يميز بشكل أفضل لتصور الاستمرارية (الشكل الأول) ~~للعلم الراسخ جيدا (مثل فكرة هذا المادة مكونة من ذرات) في نهاية الطرف ~~الأول، المرور عن طريق علم حافة بداية ms150 القطع (مثل تذبذبات جزيئه محايدة) ~~والاتجاه العام ولكن العلم التخميني (مثل نظرية الخيط) - ومن ثم، الكثير ~~ابتعد عن الطريق، خلال العلم الرديء (مثل أشعة إن الانشطار البارد) - وفي ~~النهاية بعد رحلة طويلة جدا خلال العلم المزيف؛ ولذلك لا يوجد موقع دقيق ~~من بين هذه الاستمرارية حيث يمكن رسم الخط، وعلى الرغم من هذا هناك اختلاف ~~جذري بين تأسيس العلوم الطبيعية والعلم المزيف باعتبار كليهما ينبثق من ~~المنهجية ودرجة الإثبات التجريبي.» # 103 # وبخصوص مفهوم ما بعد الحداثة فيقول سوكال: «ومصطلح» مذهب ما بعد ~~الحداثة «أكثر انتشارا؛ إنه يستخدم لكي يغطي مجرة غامضة من الأفكار في ~~مجالات تتراوح من الفن والهندسة المعمارية إلى العلوم الاجتماعية والفلسفة. ~~أنا أفترض هنا استخدام مصطلح مذهب ما بعد الحداثة بدقة أكثر لشرح الفكر ~~الحالي المميز من خلال أكثر أو أقل للرفض الواضح للتقليد العقلاني من ~~التنوير، ومن خلال المحادثات النظرية غير المتصلة بأي اختبار تجريبي، ~~وبواسطة الثقافة النسبية والإدراكية التي تعتبر العلم ليس أكثر من «رواية»، ~~«أسطورة» أو بناء اجتماعي بين معظم العلوم.» # 104 # ويرى سوكال أن «مذهب ما بعد الحداثة يرفض فكرة المزاعم عن العالم ~~الخارجي الاجتماعي أو الطبيعي الذي يمكن أن يكون موضوعيا (وذلك ثقافيا ~~متعاليا) الصدق أو الكذب، وبالأحرى هم يصرون على أن «الصدق» مرتبط ببعض ~~الجماعات الثقافية أو الاجتماعية. وأخيرا هم يعيدون تعريف كلمة «الصدق» ~~لتدل على مجرد شخصية مخفية متفقة (ضمن بعض المجموعة الاجتماعية المحددة) أو ~~المنفعة العملية (لبعض الأهداف المحددة)؛ ولذا مذهب ما بعد الحداثة يميل ~~إلى رفض الموضوعية كمجرد فكرة نحو الذي يكافح (ومع ذلك بشكل ناقص)؛ كل شيء ~~أصبح يعتمد على وجهة نظر شخصية واحدة، والقيم الجمالية أو الأخلاقية، يستبدل ~~إدراكيا واحدة من معيار لتقييم المزاعم للحقيقة المزعومة.» # 105 # نتائج البحث # بعد هذه الجولة نود أن نلقي الضوء على أهم النتائج التي توصلنا إليها ~~في هذا البحث، وذلك على النحو التالي: ~~(1) # إن الهوة بين العلم والإنسانيات لم تنشأ بسبب حروب العلم، بل ~~تعود إلى القرن السابع والثامن عشر، ms151 بدليل محاكمة جاليليو بدعوى ~~الهرطقة في القرن السابع عشر أمام الكنيسة الكاثوليكية، التي لم تعترف ~~رسميا بخطئها إلا منذ فترة قليلة، وأيضا بدليل الهراء الذي كتبه ~~الشاعر «وليم بليك» ضد نظرة «إسحاق نيوتن» الميكانيكية ~~للعالم. ~~(2) # إذا كان القرن العشرون قد شهد اتساعا في الهوة الفاصلة ما بين ~~العلوم الإنسانية كالفلسفة والآداب من جهة والعلوم الدقيقة كالفيزياء ~~والكيمياء والهندسة من جهة أخرى، ظهرت محاولات للتوفيق ما بين هاتين ~~الطائفتين من المعارف الإنسانية، وقد وصل ببعض هذه المحاولات إلى ~~التبشير بثقافة ثالثة تجمع هاتين الطائفتين لتحل محلهما عند ~~سنو. ~~(3) # لقد كان سنو مبالغا حين دافع عن العلماء دفاعا ضاريا، حط فيه ~~من شأن الأدباء، واصطنع لهم عدوا وهميا، لعل ذلك وقتها كان ~~منطقيا بعض الشيء، حين كان الطلاب يقبلون على الدراسة الأدبية وقليل ~~منهم من يقبل على الدراسة العلمية؛ لأن الطريقة الملكية وقتها لم تكن ~~للعلم وكانت للآداب والحقوق، وكان الأدباء يلقون اهتماما واسعا من ~~الجمهور والملوك، لكن هذا الأمر تغير الآن تماما، انظر إلى ما يحدث ~~في الغرب، حيث يتحدث العلماء بطلاقة وكل غرور، وتراجع الأدباء ~~بشدة. ~~(4) # إن حروب العلم كشفت على أنها تمثل سلسلة من المعارك الفكرية التي ~~حدثت في عام 1990م بين أنصار الواقعية العلمية # Scientific Realist # وأنصار ما بعد ~~الحداثة؛ حيث كان الجدال حول طبيعة النظرية العلمية؛ فقد تساءل دعاة ~~ما بعد الحداثة عن الموضوعية العلمية؛ حيث أجريت انتقادات على نطاق ~~واسع للمنهج العلمي والمعرفة العلمية، وذلك عبر سلسلة من التخصصات، ~~مثل الدراسات الثقافية، والأنثروبولوجيا الثقافية، والدراسات ~~الأنثوية، والأدب المقارن، والدراسات الإعلامية، ودراسات العلوم ~~والتكنولوجيا. ~~(5) # إن حروب العلم التي نشبت بفعل فلسفة ما بعد الحداثة داخل أقسام ~~الإنسانيات في الجامعات الأمريكية في أواخر القرن العشرين كانت ناتجة ~~عن الاتجاه الما-بعد بنيوي، ذلك الاتجاه الذي شن هجوما عنيفا على ~~صحة العلم، ولقد نجح سوكال بخدعته المشهورة في إحراجهم. ~~(6) # إذا كانت فلسفة العلم بفضل الوضعيين المناطقة وكارل بوبر، قد ~~انصبت كل مجهوداتها في التركيز على أهمية وقيمة المنهج العلمي ~~والمعرفة ms152 الموضوعية، إلا أنها مع توماس كون وفييرآبند سارت في اتجاه ~~آخر يحث على مزيد من الاهتمام بالبحث السوسيولوجي حول العلم، وينادي ~~باستحالة الوصول إلى معرفة موضوعية تماما عن العالم المادي. وإنما ~~تقوم معرفتنا للعالم نتيجة تدخلنا فيه بقدراتنا العقلية وآلاتنا ~~ومقاييسنا وفروضنا المسبقة؛ علاوة على أن معرفتنا عبارة عن تركيب ~~عقلي تلعب فيه الذات دورا أساسيا، وليست معرفتنا مطابقة موضوعية ~~للوقائع. ~~(7) # إن حروب العلم التي شنها سوكال ضد أنصار ما بعد الحداثة ~~الفرنسيين كشفت على أن تلك الحروب ليس الهدف منها فقط سوء استخدام اللغة ~~بقدر ما هي حروب ثقافات. ~~(8) # إن الباعث الذي حدا بسوكال إلى أن يكتب بحثا عن ميكانيكا ~~الكوانتم بأسلوب ما بعد الحداثة المتغطرس والمسيس، كان الهدف منه ~~هو إحراج دعاة النسبوية المتطرفة، بوصفها خطرا يهدد وجود العلم ~~ذاته، واختبار مدى جدية وصرامة المنتسبين إلى «ما بعد ~~الحداثة». ~~(9) # أوضحت خدعة سوكال أن إصرار فلاسفة ما بعد الحداثة على أنهم ~~مؤهلون للحديث عن موضوعات صعبة، تأسيسا على قراءات لكتب شعبية ~~رائجة، من شأنه أن يجعل العلماء يحجمون عن أخذهم مأخذا ~~جادا. ~~(10) # لقد كشفت خدعة آلان سوكال عن أهمية النظرة الفيتجنشتينية التي ~~تعول على أننا نكتشف اللغة من خلال استعمالها في مختلف مجالات النشاط ~~الإنساني في حياتنا اليومية. كما كشفت الخدعة أيضا الدعوة إلى ~~مطالبة العقل بالتريث، وأن الجهل باللغة وسوء استخدامها هو المسئول ~~عن الإخفاق العقلي والفوضى الروحية التي سادت التفكير الغربي. ~~(11) # إن خدعة آلان سوكال فضحت دعوة أنصار ما بعد الحداثة القائلين بأن ~~العلم يمثل منتجا ثقافيا مثل المنتوجات الثقافية الأخرى؛ وليس، في ~~أي من أحكامه، أصدق من صدق موسيقى موتسارت مثلا، فلا يوجد أي مقياس ~~لفرز عبارات العلم وتمييزها عن الخطاب العادي. ~~(12) # إن سوكال أراد من خدعته أن يوصل رسالة لجميع أنصار العلوم ~~الإنسانية الذين أجبروه على أن يشعل حروب العلم ضدهم، وهي أن العلم ~~مختلف عن الأنشطة الفكرية الأخرى؛ لأنه يعتمد على حكم منزه للأفكار ~~الطبيعية ذاتها؛ فالبنسبة إلى رجل العلم، بمجرد أن تنطق التجربة، ms153 ~~ينتهي النقاش. وهذا الجانب تحديدا من العلم هو ما يهاجمه فكر ما بعد ~~الحداثة. ~~(13) # كشفت لنا خدعة آلان سوكال على أن العلماء يشكلون - فيما بينهم - ~~مجتمعهم الخاص بهم، وأن هناك قيودا داخلية على البحوث داخل كل مبحث ~~علمي. وهي قيود ليست لها علاقة كبيرة بمتطلبات العلم ذاته؛ ففي ~~الحياة العلمية يمكن لصحيفة مهمة بأن تكون مضطرة إلى تغيير سياستها ~~في مواجهة معلومات كاسحة؛ حيث إن المحررين هم في نهاية الأمر علماء، ~~وإنهم مثل جميع العلماء سيقبلون عمليا، ولو على مضض، حكم رجل العلم ~~الطبيعي. ~~(14) # إن هناك سببا رئيسيا جعل سوكال يشعل بخدعته حروب العلم ضد ~~مفكري ما بعد الحداثة، وهو أن هؤلاء المفكرين استسلموا في فور ~~حماستهم لفكرة أن العلم، شأنه شأن النقد الأدبي، تحكمي وذاتي، وبذلك ~~فإنهم عمليا عمدوا بذلك إلى توسيع الهوة بين الثقافة العلمية ~~والثقافة الأدبية من دون ضرورة. ~~(15) # أظهرت لنا خدعة آلان سوكال أن الهوة الراهنة بين العلوم ~~والإنسانيات كان سببها المفكرين الإنسانيين الذين تبنوا فكر ما بعد ~~الحداثة؛ وذلك لإيمانهم الشديد بأن إحدى الأفكار الأساسية في النقد ~~الأدبي بعد الحداثي هي «أن لا شيء خارج النص». ومعنى هذا في تصور ~~سوكال أنهم يؤمنون بأن الأسلوب الصواب لتحليل أي رأي هو النظر فقط ~~إلى ما هو مسطور عن هذا الرأي، وأن ما يحدث هذا بخاصة بغية الكشف عن ~~الانحيازات والأهواء التي يخفيها المؤلف ويسكت عنها، ولكن سوكال ~~وغيره من العلماء يرون أن السبيل لاختيار أحكام ما هو إجراء التجارب ~~لاستبيان صدقها من عدمه. ~~(16) # بينت لنا خدعة سوكال أن حروب العلم تأججت بفعل السيطرة ~~الاجتماعية على العلم؛ حيث إن ثمة مكونا اجتماعيا في العلم، وأن ~~العمليات الاجتماعية والسياسية يمكن أن تؤدي إلى تسريع أو إبطاء تقدم ~~مجال معين من مجالات العلم. ~~(17) # كشف لنا سوكال في كتابه «الدجل الفكري» أن ما يكتبه كتاب ما بعد ~~الحداثة عن موضوعات مثل «النسبية أو ميكانيكا الكوانتم» يظهر له أن ~~هؤلاء المؤلفين يعرفون بعضا من الكلمات الطنانة الرائجة التي ~~تتضمنها هذه المجالات، ms154 ولكنهم - على ما يبدو - لا يمتلكون ناصيتها، ~~علاوة على أن الكلمات العلمية الواردة في كتاباتهم هي كلمات وعبارات ~~رائجة وليست من أساسيات العلم. ~~(18) # إن ورقة بحث سوكال لم يكن الهدف منها فقط تقليد المفكرين الكبار ~~في كتاباتهم الفكرية وتنميقاتهم الاصطلاحية واستدلالاتهم بمفكرين ~~آخرين، على طريقة عدد من المفكرين الفرنسيين وبعض علماء الاجتماع في ~~الولايات المتحدة، بل تنطلق من الدعوة إلى الفكر الحقيقي الذي يساهم ~~المفكر من خلاله في البناء الإنساني العام، ويدعو إلى فضح «الموضات ~~الفكرية» التي يصبح فيها الكتاب والمفكرون مثل الببغاوات يرددون ~~كلاما غير مفهوم، أو غير قائم على أساس سليم من المعلومات ~~العلمية. ~~(19) # إن الحيلة التي لجأ إليه آلان سوكال في ورقة بحثه عن ميكانيكا ~~الكم، تذكرنا بنفس الحيلة التي لجأ إليها «الأصمعي» الشاعر العربي في ~~قصيدته المشهورة «صوت صفير البلبل هيج قلبي الثمل» في تراثنا العربي ~~الإسلامي مع اختلاف التوجهات. # قائمة المصادر والمراجع ~~(1) # د. أحمد شوقي: إلا العلم يا مولاي، الهيئة المصرية العامة ~~للكتاب، القاهرة، 2004م. ~~(2) # آلان شالمر: نظريات العلم، ترجمة الحسين سحبان وفؤاد الصفا، دار ~~توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، 1991م. ~~(3) # جورج أ. لندبرغ: «هل ينقذنا العلم؟»، ترجمة أمين أحمد الشريف، مؤسسة ~~فرانكلين للطباعة والنشر، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة ~~والنشر، بيروت - نيويورك، 1963م. ~~(4) # جيمس تريفل: «لماذا العلم؟»، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، عدد ~~372، فبراير، 2010م. ~~(5) # د. خالد قطب: العقلانية العلمية: دراسة في فلسفة بول كارل ~~فييرآبند، رسالة ماجستير غير منشورة، آداب القاهرة، 1996م. ~~(6) # خليد كدري: مدخل إلى نظرية العلم عند بول فيرباند، مقال منشور ~~ضمن مجلة الأوان الكويتية، السبت، الثاني من نيسان/أبريل، ~~2011م. ~~(7) # د. رمسيس عوض: س. ب. سنو والثورة العلمية، الهيئة المصرية العامة ~~للكتاب، القاهرة، 1981م. ~~(8) # ريتشارد دوكنز: «العلم والحقيقة: تأملات عن الأمل والأكاذيب ~~والعلم والحب»، ترجمة مصطفى إبراهيم فهمي، مطبوعات المجلس الأعلى ~~للثقافة، القاهرة، 2005م. ~~(9) # عصام محمود بيومي مصطفى: إبستمولوجيا التقدم العلمي عند توماس ~~كون، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عين شمس، القاهرة، ~~1996م. ~~(10) # كارل بوبر: منطق الكشف العلمي، ترجمة د. ماهر ms155 عبد القادر، دار ~~النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1986م. ~~(11) # د. محمد أحمد السيد: نسبية المعرفة العلمية عند بول فييرآبند، ~~بحث منشور ضمن كتاب ثلاث محاورات في المعرفة لبول فييرآبند، ترجمة د. ~~محمد أحمد السيد، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1997م. ~~(12) # فاضل السلطاني: الفرنسيون آخر من يعلم، مقال بجريدة الشرق ~~الأوسط، العدد 6887، في 6 / 10 / 1997م. ~~(13) # د. سالم يفوت: المناحي الجديدة للفكر الفلسفي، دار الطليعة، ~~بيروت، 1999م. ~~(أ) قائمة المصادر والمراجع الأجنبية ~~(1) # Alan Sokal, Jean Bricmont: Fashionable ~~Nonsense: Postmodern Intellectuals’ Abuse of Science, U.S.A., ~~1988. ~~(2) # ______ ~~: Pseudoscience and Postmodernism: Antagonists or ~~Fellow-Travelers?, In Archaeological Fantasies: How Pseudoarchaeology Misrepresents the Past and Misleads the Public, Edited by Garrett G. Fagan (Routledge, ~~2006). ~~(3) # ______ ~~: # A Physicist Experiments with Cultural Studies, ~~Lingua Franca, May/June 1996. ~~(4) # John Omicinski’s, Hoax Article Yanks ~~Academics’ Legs, Gannett News Service, 22 June ~~1996. ~~(5) # ______ ~~: ~~'Transgressing the boundaries: Towards a ~~transformative hermeneutics of quantum gravity’, Social Text, ~~1996, 46/47. ~~(6) # Andrew Ross (Editor): Science Wars, Duke ~~University Press, Durham and London, ~~1996. ~~(7) # Best, S. & Kellner, D.: Postmdernism ~~Theory: Critical Interrogation, 1991. ~~(8) # Bruce Robbins: Co-Editor Social Text, In ~~Tukkun, 15 July 1996. ~~(9) # Bent Flyvbjerg: Making Social Science Matter: ~~Why Social Science Fails and How it Can Succeed Again, ~~Cambridge University Press, Cambridge, ~~2001. ~~(10) # Campbell, C.: “Deconstruction and all that, ~~from Yale’s Critical Jungle” Herald Tribune ~~14-2-1986. ~~(11) # C. B. Snow: The Two Cultures and Scientific ~~Revolution, The Rede Lecture-1959, Cambridge University, New ~~York, 1961. ~~(12) # Dorothy Nelkin: The Science Wars: What is at ~~Stake?, Chronicle of Higher Education, July 26, ~~1996. ~~(13) # Erich Eichman: The end of the affair, the ~~New Criterion December, 1996. ~~(14) # Jay Rosen: Swallow Hard: What Social Text ~~Should Have Done, In Tikkun magazine, Sept. ~~1996. ~~(15) # Fish, S. (1996). “Professor Sokal’s Bad ~~Joke.” The New York Times, (May 21): ~~A23. ~~(16) # Jennifer Daryl Slack and M. Mehdi Semati: ~~Intellectual and Political Hygiene: The “Sokal Affair”, ~~Critical Studies Mass. ~~(17) # Liz McMillen’s “The Science Wars: Scholars ~~Who Study the Lab Say their Work has ms156 Been Distorted”, In The ~~Chronicle of Higher Education, June 28, ~~1996. ~~(18) # Karl Popper: Realism and the Aim of Science, ~~Great Britain, Gwild Ford and King’s Lynn, ~~1983. ~~(19) # Kuhn, T. S.: Logic of Discovery or Psychology ~~of Research?, In: Criticism and The Growth of Knowledge, ~~Eds. I. Lakatos and A. Musgrave, Cambridge University Press, ~~1970. ~~(20) # Nick Jardine and Marina Frasca-Spada: ~~Splendours and Miseries of the Science Wars, Stud. Hist. Phil. ~~Sci., Vol. 28, No. 2, 219-235, 1997. ~~(21) Paul R. Gross and Norman Levitt, Higher ~~Superstition: The Academic Left and its Quarrels with Science ~~Baltimore: Johns Hopkins University Press, ~~1994. ~~(22) Philip Mirowski: The scientific dimensions of ~~social knowledge and their distant echoes in 20th-Century ~~American Philosophy of Science, Stud. Hist. Phil. Sci. 35 (2004) ~~283-326. ~~(23) # Steven Weinberg: Sokal’s Hoax, The New York ~~Review of Books, Volume XLIII, No. 13, August 8, ~~1996. ~~(24) # William Rehg: Cogent Science in Context: The ~~Science Wars, Argumentation Theory, and Habbermas, The MIT Press Cambridge, Massachusetts London, England, ~~2009. # | الدراسة الخامسة # التفكير العلمي وميكانيكا الكوانتم في ضوء مبدأ اللايقين عند ~~هيزنبرج # تقديم # استطاعت الفيزياء الكلاسيكية أن تسيطر على الفكر العلمي ما يقرب من ~~ثلاثة قرون. وقد حققت ذلك عن طريق منهج ثلاثي الخطوات، يجسد منطق التفكير ~~في ذلك العصر، وهو الإيمان الشديد بالعقل، وقدرته على أن يحيط بكل ما في ~~الكون علما. والأهم هو الاعتقاد بأن قوانين الطبيعة ليست اكتشافا لما هو ~~موجود من قبل، بل هي نتاج لعبقرية العقل الذي يفرض مبادئه على الطبيعة؛ ~~الخطوة الأولى هي تبسيط الطبيعة ذهنيا بحيث تكون قابلة للتصور. أما ~~الخطوة الثانية فهي استخلاص النتائج اللازمة عن النظام التصوري، ثم إجراء ~~التقريبات والتعديلات التي تكفل الاقتراب من الواقع التجريبي. أما الخطوة ~~الثالثة، فيتم التحقق من أن التعديلات السابقة قد أدت إلى توافق النتائج مع ~~المشاهدات. ومما هو جدير بالملاحظة، أن المفاهيم الرياضية التي ابتدعتها ~~هذه الفيزياء لم يكن الهدف منها التعبير عن المعطيات التجريبية، بل إعطاء ~~النظرية العلمية قوة تفسيرية أكبر. والنجاح الذي أصابته أوهم ms157 الكثيرين أن ~~هذه النظريات تصور الواقع تصويرا حقيقيا وبطريقة أولية سابقة على التجربة. # 1 # وحتى عام 1880م، كان لدى العلماء طمأنينة وقناعة بنجاحهم العلمي، خاصة بعد تمكنهم من ~~شرح معظم الظواهر الطبيعية في الكون بواسطة ~~قوانين «نيوتن» الميكانيكية مثل نظريات ~~«ماكسويل» الكهرومغناطيسية، وميكانيكا «بولتزمان» الإحصائية والديناميكا الحرارية ... وغيرها. إلا ~~أن بعض القضايا الهامة بقيت دون تفسير؛ من أهمها معرفة خواص «الأثير»، وشرح الطيف الإشعاعي ~~للغازات والأجسام الصلبة. وهذه الظواهر غير المشروحة كانت بمثابة بذور الثورة التي تأججت ~~بفعل سلسلة من الملاحظات والاكتشافات المثيرة التي حدثت في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر. # 2 # إلا أنه بحلول عام 1900م، وبعد أن ظن العلماء أن كل القوانين ~~الفيزيائية الأساسية قد اكتشفت على ما يبدو، ظهر ما لم يكن في الحسبان ~~واضطر العلماء إلى اقتحام عوالم جديدة على مستوى الذرة ونواتها، وعلى مستوى ~~الأجرام السماوية وحشودها، وانبثقت فيزياء جديدة تتعامل مع عالم المتناهيات ~~في الصغر وعالم المتناهيات في الكبر، وواجه العلماء نتائج عملية جديدة ~~بحاجة إلى تفسير جديد غير المألوف عندهم سابقا. واكتشف بلانك نظرية الكم # Quantum theory ~~، كما استحدث «أينشتين» ~~نظرية النسبية # Relativity # الخاصة والعامة. ~~وقد أدت هذه الفيزياء الجديدة التي ظهرت مع أوائل القرن العشرين، وعرفت ~~باسم «الفيزياء الحديثة # Modern Physics ~~» إلى ~~زعزعة ما كان يسمى ب «الحتمية العلمية» # Scientific ~~Determinism ~~(وبالذات الحتمية الميكانيكية عند لابلاس). ~~وبدأ الحديث عن الاحتمالية والنسبية وعدم اليقين والفوضى، وغير ذلك من ~~المصطلحات والمفاهيم التي تميزت بها فيزياء القرن العشرين. وتوالت النظريات ~~الفيزيائية الكبرى التي دفعت بمسيرة هذا العلم قدما، وانعكست آثارها ~~المباشرة على حياة الناس وفهمهم لطبيعة الكون الذي يعيشون فيه. # 3 # ومن هذا المنطلق يدور بحثنا حول «مبدأ اللايقين» # Uncertainty Principle # عند «فيرنر كارل ~~هيزنبرج # Werner Karl Heisenberg ~~» ~~(1901م-1976م) بين ذاتية تفسير كوبنهاجن وموضوعية تفسير أينشتين. # وهيزنبرج هو واحد من أعلام الفيزياء الذرية الحديثة الذين ساهموا في ~~تطوير النظرة العلمية الدقيقة لتفسير ما يحدث خارج الذرة وداخل النواة. ~~ويعتبر التعرف على أفكاره ومبادئه - ومن ms158 ثم نظرته الشاملة إلى الظواهر ~~التكرارية في الكون - مدخلا رئيسيا إلى الفلسفة الطبيعية المعاصرة؛ فهو ~~العالم الذي اكتشف مبدأ عدم الحتمية في الفيزياء الذرية، والذي اعتنقه عدد ~~من الفلاسفة المعاصرين، وأصبح هذا المبدأ بالإضافة إلى مفاهيم فلسفية أخرى ~~نابعة من علم الفيزياء الحديثة مثل «الاحتمالية» و«الإنتروبيا» وغيرها، ~~أصبحت هذه المبادئ تمثل ركائز تقوم عليها الفلسفة الحديثة. # 4 # كما كان هيزنبرج أحد العلماء القلائل الذين أرسوا أسس الفيزياء ~~الحديثة. ولقد لعب دورا قائدا في الصياغة الأولى لميكانيكا الكم، ثم فيما ~~تلاها من تعريف بتضميناتها الثورية. وبالرغم من أن الكثير قد كتب مؤخرا عن ~~الأسس العجيبة لمفاهيم ميكانيكا الكم فإن علينا أن نولي اهتماما خاصا ~~لتأملات هيزنبرج - وحتى وفاته عام 1976م - لشغفه العميق بعالم الكم، ~~وبالتضمينات الفلسفية الهائلة التي تنثال منه. # 5 # لقد رأس إبان الحرب العالمية الثانية فريق العلماء الألمان ~~المشتغلين في مجال الانشطار النووي، # 6 # ومنح جائزة نوبل في الفيزياء عام 1932م، عن حصيلة أبحاثه العلمية ~~على مدى عشر سنوات، وكان عمره في ذلك الوقت واحدا وثلاثين سنة. # 7 # ولد هيزنبرج في الخامس من ديسمبر عام 1901م، بمدينة دويزبرج # Duisberg # قرب دسلدورف بألمانيا، وكان ~~والده حينئذ مدرسا بالجامعة، ودرس الطبيعة النظرية في جامعة ميونخ # Munich # على الأستاذ أرنولد سومرفلد # Arnold Sommerfeld ~~، ونال درجة الدكتوراه ~~عام 1923م، ثم عمل مساعدا لماكس بورن في جامعة جونتجن. ولقد قضى الفترة ما ~~بين 1924م إلى 1927م في جامعة كوبنهاجن # Copenhagen ~~؛ حيث تتلمذ على يد الأستاذ ~~«نيلز بور # Niels Bohr ~~»، ثم عين مدرسا بتلك ~~الجامعة. وبعودته لألمانيا في عام 1927م عين أستاذا للطبيعة النظرية بجامعة ~~ليبزج، ثم مديرا لمعهد ماكس بلانك للطبيعة ببرلين، وأستاذا بجامعة برلين، ~~وذلك من عام 1942م إلى 1945م، ثم انتقل مديرا لمعهد ماكس بلانك للطبيعة بجونتجن. # 8 # وتعتبر جميع أعمال هيزنبرج العلمية، سواء كانت في الطبيعة الذرية أو ~~النووية، من الأركان الهامة في تلك الفروع. وكان لتلمذته على أساطين الذرة ~~أثر كبير في إنتاجه العلمي، خصوصا في أوائل حياته العلمية؛ فلقد ms159 بدأ أعماله ~~بمعالجة عجز نظرية «نيلز بور» عن تفسير الظواهر التي تشاهد في الذرات ~~المعقدة التي تحتوي على أكثر من إلكترون. وعلل ذلك العجز بأن بور أسس ~~نظريته على أمور لا يمكن مشاهدتها مباشرة، كحركة الإلكترونات في مداراتها، ~~فاتخذ لنفسه أساسا لمعالجة الموضوع من وجهة نظر أخرى مبنية على مقادير ~~طبيعية يمكن مشاهدتها وقياسها، كتردد الموجة مثلا وشدة استضاءة الخطوط ~~الطيفية، وبذلك استثنى من افتراض صورة دوران الإلكترونات في مداراتها ~~لتمثيل الذرة. ولقد أدى تطبيق نظريته هذه إلى نتيجة هامة جدا؛ # 9 # هي قاعدة أو مبدأ اللايقين الذي نقوم بدراسته في هذا ~~البحث. # لكل ما سبق قصدت إلى إنجاز بحث عن «مبدأ اللايقين عند هيزنبرج بين ~~ذاتية كوبنهاجن وموضوعية أينشتين»، ساعيا من خلالها للتعرف على مفهوم مبدأ ~~اللايقين، وأهم المضامين الإبستمولوجية التي نجمت عن هذا المبدأ. وهذا ما ~~سوف نكشف عنه من خلال إلقاء الضوء على فلسفة هيزنبرج في فكرة اللايقين، ~~وتحليل عناصرها الأساسية عبر تطورها، ثم إعادة بنائها في ضوء المناقشات ~~التي أحاطت بها، والانتقادات التي تعرضت لها. وعلى هذا فإن هذا البحث يرمي ~~إلى فهم وتأويل فلسفة هيزنبرج في مبدأ اللايقين، برؤية تحليلية ~~نقدية. # وقد اعتمدنا في هذه المهمة على منهجين؛ وهما: المنهج التاريخي والمنهج ~~النقدي. وقد استخدمنا المنهج التاريخي بمعنيين؛ الأول بمعنى الرجوع إلى ~~الوقائع التاريخية التي قام عليها مبدأ اللايقين، والثاني بمعنى تطور مبدأ ~~اللايقين عبر مراحله الزمنية. واستخدمنا كذلك المنهج النقدي بمعنيين؛ قصدنا ~~بالمعنى الأول فحص وتحليل النتائج التي انتهى إليها هيزنبرج على أساس ~~الأهداف التي حددها لفلسفته في مبدأ اللايقين. وقصدنا بالمعنى الثاني ~~محاولة تقييم أفكار هيزنبرج في مبدأ اللايقين في ضوء الانتقادات الفلسفية ~~التي تعرضت لها، وفي ضوء إمكان تطوير هذه الأفكار وحدود هذا ~~التطوير. # وبهذا تتجسد محاور البحث على النحو التالي: # التفسير العلمي لمبدأ اللايقين # البعد الذاتي لمبدأ اللايقين # البعد الموضوعي لمبدأ اللايقين # أولا: التفسير العلمي لمبدأ اللايقين # لقد سادت الفيزياء التقليدية بعض التصورات، كفكرة الزمان، والمكان، ~~والأثير، هذا إلى جانب اقتصار ms160 منهج تلك الفيزياء على التحديد الفردي ~~للظواهر، وذلك بمعرفة سرعاتها الأصلية ومواضعها في لحظة معينة، ولكن سرعان ~~ما واجهت تلك الفيزياء ظواهر جديدة لا تقبل تحديدها الفردي ولا صياغتها ~~القائمة على النزعة التقليدية. ويعد القانون الثاني لنظرية القوى الحرارية ~~- مبدأ «كورنو» - أول تاريخ لبداية هذه الأزمة في الفيزياء التقليدية، ثم ~~توالت الظواهر التي ساهمت في تعميق الأزمة وفي مضاعفة حدتها، كحركة الغازات ~~والحركة البراونية والتحلل التلقائي لذرات الراديوم. وكانت جميعا تدعيما ~~لنوع جديد من الظواهر تتميز باللاارتدادية وبعدم القابلية للتحديد الفردي. ~~وكان حساب الاحتمالات هو الصياغة الكمية الجديدة لهذه الظواهر جميعا. # 10 # وشهدت بداية القرن العشرين، نظريات فيزيائية جديدة، لتحديد التركيب ~~الداخلي للذرة، وقامت هذه النظريات على دراسة ظواهر الإشعاع. وتتميز هذه ~~الظواهر كذلك بالمميزات السابقة من لاارتدادية وعدم إمكانية على التحديد ~~الفردي؛ وبالتالي ضرورة تطبيق حساب الاحتمالات عليها لدراستها وتحديد ~~انتظاماتها. وكانت مسألة طبيعة الضوء من أهم موضوعات الدراسة في تحديد ~~التركيب الداخلي للذرة؛ ذلك لأن الحركة الداخلية للذرة تتم دراستها عن طريق ~~إشعاعاتها. وكان الضوء تتنازعه نظريتان؛ نظرية جسيمية وأخرى موجية؛ # 11 # وقد تم حسم هذا النزاع من خلال التجربة الحاسمة التي أجراها ~~فوكو # Foucault ~~(1819-1868م) لاتخاذ قرار ~~بصدد تصورين عن طبيعة الضوء متنافسين. أحد التصورين قدمه «هويجينز # Huygens ~~» وطوره فيما بعد «فريزنيل» و ~~«يونج»، اللذان قالا بأن الضوء يتألف من موجات عرضية منتشرة في وسط أثيري. ~~وكان التصور الثاني لطبيعة الضوء، هو تصور «نيوتن # Newton ~~»، القائل بأن الضوء يتألف من ~~جزئيات صغيرة للغاية متطايرة بسرعة عالية؛ فقد ترتب على كلا الفرضين أنه ~~أصبح بالإمكان استخلاص النتيجة القائلة بأن أشعة الضوء تتطابق مع قوانين ~~الانتشار للأشعة الضوئية في خطوط مستقيمة من جانب، وتتطابق أيضا مع قوانين ~~الانعكاس والانكسار الضوئية، ولكن التصور الموجي أدى إلى اللزوم الاختباري ~~القائل بأن الضوء يسير في الهواء أسرع منه في الماء، بينما التصور الجسيمي ~~يؤدي إلى نتيجة مضادة. وفي سنة 1850م نجح فوكو في إجراء تجربة قارن فيها بين ~~سرعة الضوء في الهواء ms161 مباشرة فأنتجت صورتين لنقطتين ضوئيتين منبعثتين ~~بواسطة أشعة الضوء المارة عبر الهواء والماء على التوالي، ثم تعكسان في ~~مرآة تدور بسرعة فائقة. واعتمادا على أن سرعة الضوء في الهواء أعظم أو أقل ~~منها في الماء تظهر صورة المصدر الضوئي الثاني؛ ولذلك أمكن أن توضع بإيجاز ~~اللزومات الاختبارية المتضاربة التي تضبطها هذه التجربة على النحو التالي: ~~إذا أجريت تجربة فوكو تظهر الصورة الأولى إلى يسار الصورة الثانية. وقد ~~أبانت التجربة عن أن اللزوم الاختباري الأول كان صادقا. واعتبرت هذه ~~النتيجة دحضا، وعلى نطاق واسع، للتصور الجسيمي للضوء، وانتصارا حاسما ~~للتصور الموجي. # 12 # لكن سرعان ما اكتشف «ماكس بلانك» - صاحب ميكانيكا الكوانتم في القرن ~~العشرين - خطأ رأي فوكو، وأثبت بالتجربة أن قوام الضوء فوتونات Photons ~~، وأن كل شعاع، بما فيه الضوء، ~~يسير وفقا للأعداد الصحيحة لوحدات أولية من الطاقة هي ما أطلق عليه ~~الكوانتم # Quantum ~~، وأن الطاقة قوامها كمات # Quanta ~~، والكوانتم ليس سوى ذرة الطاقة ~~المتوقفة على طول موجة الشعاع الذي ينتقل به الكوانتم. # 13 # ثم جاء «ألبرت أينشتين» وأيد النظرية الجسيمية للضوء؛ فقد تبين أنه إذا ~~ما سلط الفوتون على الذرة فإنها تضطرب وفقا لكمية الطاقة الموجودة في ~~الفوتون، كما يتضمن أن الفوتون في حركة مستمرة، وأن سرعته تماثل سرعة الضوء. # 14 # وانتهى أينشتين إلى تقرير مبدأ ثنائية مذاهب الضوء؛ إذ إن ~~الظاهرة الكهربية لو كانت تقتضي تفسيرا جسيميا؛ فإن علم الضوء الكلاسيكي ~~كان يدرس ظواهر تقتضي القول بالنظرية التموجية (كظاهرة التداخل). وبعبارة ~~أخرى، فإن نوع التفسير الذي كان ينبغي الأخذ به، أعني التفسير الجسيمي أو ~~التموجي، يختلف باختلاف الظواهر الضوئية الخاصة. # 15 # وظل الأمر كذلك حتى جاء «لويس دي بروي»، ليحسم الصراع بين نظريات الضوء ~~في ضوء مفاهيم الفيزياء؛ حيث اكتشف من خلال تجاربه أن الضوء مؤلف من جسيمات ~~وموجات معا. وهذا الكشف الجديد مكنه من نقل الفكرة إلى ذرات المادة التي ~~لم يفسرها أحد من قبله على أساس موجي، فوضع نظرية رياضية يكون فيها كل جزيء ~~صغير من المادة ms162 مقترنا بموجة. # 16 # ثم قام «إيرفين شرودنجر» بعد ذلك بوضع هذا الرأي في معادلة تفاضلية ~~أصبحت الأساس الرياضي للنظرية الحديثة في الكوانتم. ومعنى ما ذهب إليه «دي ~~بروي»، هو ما يكشف عنه «ماكس بورن» من أن الجسيمات الأولية لا تتحكم في ~~سلوكها قوانين علية، وإنما قوانين احتمالية من نوع مشابه للموجات فيما ~~يتعلق بتركيبها الرياضي. وفي ضوء هذا التفسير لا تكون للموجات حقيقة ~~الموضوعات المادية، بل تكون لها حقيقة المقادير الرياضية. وهذا ما جعل ~~«هيزنبرج» يتوصل إلى أن هناك قدرا من اللاتحديد (أو اللايقين) بالنسبة ~~للتنبؤ بمسار الجزيء. # 17 # والسؤال الآن: ما هو مبدأ اللايقين؟ # هو المبدأ المعروف بمبدأ «فيرنر هيزنبرج»، أعلنه عام 1927م، ويعرف ~~أحيانا بمبدأ اللاتحديد أو عدم التحديد أو مبدأ اللايقين أو اللادقة أو ~~مبدأ اللاحتمية أو مبدأ الريبة أو مبدأ الشك؛ حيث درج المترجمون العرب ~~على استخدام التعبير الأخير، ونهج على منوالهم أغلب أساتذة الفيزياء ~~والكيمياء الفيزيائية، أما ترجمة المجمع اللغوي «مبدأ أنه لا يقين في ~~الطبيعة» وهو مبدأ نتج عن تحول معنى الحقيقة تبعا لما اكتشف في علم ~~الفيزياء في هذا القرن مما اختلت به الموازين القديمة كل الاختلال؛ فقد ~~اتضح أن كل المعرفة الطبيعية التي حصل عليها العلم ليست إلا معرفة ~~إحصائية تختفي وراءها حقيقة الأشياء وحقيقة العالم بما فيه من علل ~~ومعلومات، وأن هذا الكون المختفي من وراء ما نعلم من ظواهر ليست معروفة - ~~وغير قابلة لأن تعرف - بل هي أيضا غير قابلة للتصور. # 18 # ومبدأ اللايقين هو خاص بالإلكترون، فلنلخص ما قيل عن اكتشافات علماء ~~الذرة وعلماء الكوانتم في الإلكترون؛ حيث جاء راذرفورد مكتشفا للنواة في ~~الذرة وعرف منها البروتون فقط عام 1911م، ورأى أن الإلكترون أو ~~الإلكترونات تدور حول البروتون دورة كوكبية. ثم جاء نيلز بور عام 1913م ~~وأيد اكتشاف «ثابت بلانك» كما أيده في أن الذرة من طبيعة جزيئية. وافترض ~~بور أن الإلكترون لا يبقى في مدار ثابت محدد حول النواة وإنما يقفز من ~~مدار إلى مدار، وحين يغير الإلكترون ms163 مداره تتغير الطاقة الكلية للذرة؛ ~~ولذلك فإن هذه الطاقة إما أن تنطلق إلى خارج الذرة وإما أن تمتصها. ~~وصور الإلكترون على أنه لا يؤدي حركة متصلة، كما يتحرك القطار على شريط ~~السكة الحديدية، وإنما يتحرك في قفزات تشبه قفزات الكنجارو في حقل. وجاء ~~«دي بروي» و«شرودنجر» ليفترضا أن الذرة والإلكترون من طبيعة موجية حيث لا ~~يكون لهما وضع محدد في المكان. # 19 # جاء هيزنبرج ليكتشف شيئا أكثر غرابة عن الإلكترون؛ حيث حاول بتجاربه ~~ملاحظة موضع الإلكترون وسرعته واتجاهه بأدق ما لديه من مكبرات. بدا له أن ~~ليس للإلكترون وضع محدد وسرعة محددة، ويمكن للعالم رصد ما يفعله ~~الإلكترون بدقة إذا كان يتناول مجموعة من الإلكترونات. لكن حين يريد ~~العالم تحديد مسار إلكترون واحد وسرعته واتجاهه فجهد ضائع. نستطيع فقط ~~أن نجد نقطة من نقط تحركات موجات الإلكترونات كمجموعة تمثل الوضع المحتمل ~~للإلكترون المعين. لكن الإلكترون الواحد منعزلا عن إخوته في مجموعته ليس ~~غير بقعة غير محددة، شأنها في ذلك شأن الريح أو موجات الصوت في الظلام. ~~وكلما قل عدد الإلكترونات التي يلاحظها العالم زاد حيرة. ولا ترجع هذه ~~الظاهرة عند هيزنبرج إلى نقص في آلات العالم، وإنما إلى طبيعة الإلكترون، ~~ولكي يثبت ذلك افترض أن مكبرا خاليا قادر على تكبير الإلكترون إلى قدر ~~قطره بمائة بليون مرة حتى نستطيع رؤيته. وجد هيزنبرج هنا صعوبة جديدة لأن ~~الإلكترون أصغر من موجة الضوء؛ ولذلك يضطر العالم إلى استخدام إشعاع طول ~~موجته أصغر مثل الأشعة السينية، فوجد هيزنبرج أنها عديمة الجدوى؛ لأنها لا ~~تمكننا من رؤية الإلكترون. وجد أن الرؤية قد تكون ممكنة إذا استخدمنا ~~أشعة جاما، وهي أشعة تنبعث من ذرة الراديوم. لكن تجارب العلماء السابقين ~~عليه أثبتت أن الأشعة السينية تؤثر على الإلكترون لدرجة الخطورة على ~~وجودها. وصل هيزنبرج من كل ذلك إلى مبدأ اللايقين الذي يقول إن من ~~المستحيل من حيث المبدأ أن ترصد موضع الإلكترون وسرعة حركته واتجاهها ~~بدقة متناهية في نفس الوقت. يمكنك فقط أن تحدد سرعته بدقة ms164 واتجاهها بنفس الدقة، ~~أو يمكنك تحديد سرعته واتجاهها بكل دقة، وحينئذ لا تستطيع تحديد موضعه المكاني. # 20 # وبالتالي يقضي مبدأ اللايقين بأن الحالة التي يكون لها توزيع احتمالي ~~متمركز جدا لقياسات الموضع سوف يكون لها حتما توزيع عريض المدى ~~بالنسبة لقياسات كمية التحرك، والعكس بالعكس. هناك حد لإمكانية تحديد كل ~~من الموضع وكمية التحرك بدقة عالية في آن معا. وينسحب القول نفسه على ~~أزواج أخرى معينة من الكميات التي يمكن ملاحظتها أو رصدها أو قياسها # Observables ~~. وقد حفظت هذا النظرية في ~~الصياغة الشهيرة التي وضعها هيزنبرج لمبدأ الارتياب أو اللايقين. هذا ~~المبدأ ليس مجرد ضميمة أضيفت إلى ميكانيكا الكم، ولكنه نتيجة فنية نابعة ~~من بنية ميكانيكا الكم ذاتها. ولا يشكل حد هيزنبرج تقييدا لما ينبغي أن ~~يكون عليه الحال بالطبع بالنسبة للأجسام العيانية (الكبيرة) # macroscopic # التي نراها في الحياة ~~اليومية العادية؛ فنحن نستطيع، مثلا، أن نعرف كلا من الموضع وكمية ~~التحرك لقطعة حلوى متحركة بحجم حبة الفول، وذلك بدقة تامة كافية لكل ~~الأغراض العادية. أما على المستوى الذري فإن مبدأ اللايقين يسري على نحو تام. # 21 # وقد أدلى «هيزنبرج»، بهذا المبدأ في صورة قانون طبيعي؛ حيث تخيل ~~تجربة وهمية ومضمون هذه التجربة بسيط يحاول فيها العالم ملاحظة موضع ~~وسرعة الإلكترون واتجاه حركته باستخدام مجهر عملاق للغاية يمكنه تكبير ~~الإلكترون إلى حجم يمكن رؤيته، وأن الضوء المستخدم لإضاءة الإلكترون يجب ~~أن يكون طول موجته قريبا من أبعاد الإلكترون، وحين تتدخل الأجهزة لتسجل ~~ما يحدث كما هو في طبيعته؛ إما أن نقيس وضعه في المكان قياسا دقيقا، ~~ولكن حينئذ لا نستطيع قياس سرعة حركته واتجاهها قياسا دقيقا. وإما أن ~~نقيس سرعته قياسا دقيقا، ولكن ذلك القياس يعبث بالوصول إلى وضعه ~~المكاني بالدقة المطلوبة. # 22 # وصل هيزنبرج إلى أن تحديد موضع وسرعة إلكترون في لحظة واحدة مستحيل؛ ~~فالفيزيائيون يحددون خواص الإلكترون بدقة مناسبة بالاستنباط من خواص ~~مجملة منها، ولكنهم عندما يحاولون تحديد مكان إلكترون معين في الفضاء، ~~فخير ما يقال في هذه الحالة ms165 هو أن نقطة معينة من نقط تحركات موجات ~~الإلكترونات كمجموعة تمثل الوضع المحتمل للإلكترون المعين - فالإلكترون ~~عبارة عن بقعة غير محددة شأنها في ذلك شأن الريح أو الموجات الضوئية. ~~وكلما قل عدد الإلكترونات التي يلاحظها الفيزيائي زادته مشاهدته ~~حيرة وعدم تحديد. # 23 # ويؤكد هيزنبرج استحالة وصف إلكترون وصفا دقيقا، شارحا رأيه بأنه ~~إذا اصطدم إلكترونان أ، ب يتألف منهما نقطة من السيل الكهربي # Drop of Electric Fluid # تلك التي تتفتت ~~من جديد لتؤلف إلكترونين جديدين ج، د لأن الإلكترونين أ، ب لم يعد لهما ~~وجود على الإطلاق. # 24 # إن المحاولة الني قام بها هيزنبرج الرامية إلى توضيح بعض الغموض الذي ~~بقي عالقا بمسألة «انتقال» الإلكترون من مدار إلى آخر، ومسألة طبيعته ~~عندما يكون خلال فترة «الانتقال» بين المدارين. وكانت إجابته عنها، كما ~~يرى بعض الباحثين، بمثابة القطيعة الكبرى مع العلم القديم؛ ذلك أنها تضمنت ~~القول بضرورة التخلي عن تصور الإلكترون كما لو كان جوهرا ماديا صغيرا ~~يخضع لنفس القوانين التي خضع لها العالم المعتاد، وعلى ضرورة تصوره ك «شيء ~~يوجد» بكيفية متأنية في مواقع مختلفة. ونتيجة ذلك، وضع هيزنبرج علاقات ~~تمكننا من ضبط تعين المنظومة الذرية الحاصل عن «انتقال» الإلكترون من ~~محطة إلى أخرى ضبطا احتماليا، وذلك بواسطة علاقات الارتياب، وهي ~~علاقات أدى التعمق في بحثها ودراستها إلى الزيادة في تحديد الحدود ~~الفاصلة بين الفيزياء الحديثة والفيزياء الكلاسيكية، وإلى رسم نقط ~~القطيعة بين مفهومين مختلفين ونظريتين متعارضتين، وإلى التعمق في بنية ~~الذرة. وأخذ العلماء يفحصون الجزئيات الدقيقة وحركاتها الكوانتية، ولاقوا ~~صعوبة كبرى، وانتهوا إلى أنه من المتعذر الزيادة في دقة التنبؤ إن زدنا ~~في دقة الملاحظة وضبط الأجهزة. ومعنى هذا أنه كلما زدنا في تدقيق بعض ~~القياسات زادت دقتنا تلك في مقدار الخطأ المرتكب في القياس الآخر. وهذا ~~ما قالت به علاقة الارتياب عند هيزنبرج، والتي يمكن إحصاء نتائجها فيما ~~يلي: كلما كان قياسنا لموقع الجسيم دقيقا، أثر ذلك على كمية حركته ~~وسرعته، وكلما كان قياسنا لكمية حركته دقيقا، تعذر ms166 علينا قياس ~~موقعه بدقة خالية من الإبهام؛ ولهذا فإنه يستحيل استحالة مطلقة قياس موقع ~~الجسيم وكمية حركته معا قياسا مضبوطا، أو بتعبير آخر يتعذر تعيين ~~الموقع والسرعة الابتدائيين خلاف ما كانت تعتقد الفيزياء الكلاسيكية. ~~وينتج عن هذا التعذر عدم إمكان معرفة موقع الجسيم وسرعته في الأزمنة ~~اللاحقة؛ لذا فإننا إذا قسنا موقع جسيم ما وحركته في آن واحد كان حاصل ~~الخطأ المرتكب في تعيين الموقع والحركة معا يساوي ثابت بلانك أو أكثر منه. # 25 # وقد استطاع هيزنبرج التوصل إلى هذه النتائج من دراسته للمناهج ~~المختلفة المتبعة أو الممكن اتباعها لقياس موقع جسيم وقياس كمية حركته. ~~وقد لاحظنا أننا كلما أردنا أن نعين موقع الجسيم لزمنا أن نعين تعيينا ~~مضبوطا ودقيقا إحداثياته الثلاث، إلا أن كل ذلك يتطلب منا إضاءة الجسيم ~~وتسليط نور قوي عليه. ويؤدي هذا الاحتكاك العنيف بينهما إلى حدوث اضطراب ~~من نتائجه ازدياد نسبة الخطأ المرتكب لقياس حركته. إن سقوط فوتون ضوئي ~~على إلكترون يضاء به، إذا كان الفوتون قوي الطاقة أي قصير الموجة، يؤدي ~~إلى أن يصطدم به ويغير من حركته ويزيحه من موقعه الأصلي بناء على مفعول ~~كمتون. ومن جراء ذلك، يحدث إبهام والتباس لا بد من الإذعان والخضوع له ~~إذا أردنا قياس الموقع بدقة، أو القضاء عليه إن أردنا قياس السرعة والحركة ~~بدقة، لكن سينتج من هذا الاتهام أنه سيميط بالموقع وهكذا باستمرار؛ فكلما ~~أردنا أن نقيس موقع الجسيم وحركته معا، لا بد من أن نخضع لبعض الارتياب ~~حول مقدار كل منهما، ولا بد في ذلك من ارتكاب خطأ تقريبي في قياس الموقع ~~وارتكاب خطأ آخر في قياس كمية الحركة. # 26 # ثانيا: البعد الذاتي لمبدأ اللايقين # انقسم العلماء في مناقشتهم لمبدأ اللايقين في الفيزياء الحديثة بين ~~كونه يمثل صفة موضوعية أم صفة ذاتية؛ فالقائلون بالصفة الموضوعية يؤكدون أن ~~هذا المبدأ ناتج عن عمليات موضوعية خالصة؛ فأداة القياس أداة فيزيائية ~~مركبة من عناصر فيزيائية تقوم بينها وبين الوقائع الفيزيائية ظواهر موضوعية ~~دقيقة غاية الدقة هي التي ms167 يحددها تحديدا دقيقا مبدأ اللايقين أو عدم ~~التحديد. أما القائلون بالصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة فيعولون على ~~تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وإن عملية القياس تعد تأثيرا ~~ذاتيا أو انعكاسا إنسانيا على الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطرابا في ~~العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية. # 27 # والقائلون بالصفة الذاتية يقفون طويلا أمام مبدأ عدم اليقين في فيزياء ~~الكم متخذيه مثالا نمطيا لتداخل الذات الملاحظة في الموضوع «الملاحظ»، ~~ودليلا على ذاتية الفيزياء الحديثة بوجه عام، وفيزياء الكم بوجه خاص؛ ~~ولهذا يرون أن فيزياء الكم لا تصف حالة موضوعية في عالم مستقل، وإنما تصف ~~مظهر هذا العالم كما عرفناه خلال وجهة نظر ذاتية معينة أو بواسطة وسائل ~~تجريبية معينة. # 28 # وأصحاب هذه الصفة ينتمون إلى مدرسة كوبنهاجن # Copenhagen ~~School ~~، وهذه المدرسة مكونة من جماعة من الفيزيائيين ~~الألمان الذين تتلمذوا على يد «نيلز بور» (مدير معهد الفيزياء النظرية في ~~كوبنهاجن) في العشرينيات. وكان «جان لويس ديتوش» ( # Jean ~~Louis Destouches ~~) وكرامر # Kramers ~~، وسلاتر # Slater ~~، وهيزنبرج من أحد أقطابها؛ فقد ~~حاول هؤلاء أن يحلوا التناقضات الكثيرة بين صورة الموجة وصورة الجسيم عن ~~طريق تصور موجة الاحتمال، وذهبوا إلى أن الموجات الكهرومغناطيسية موجات ~~حقيقية تعطي احتمالية تواجد الجسيم في مكان أو آخر. # 29 # ولقد نزعت مدرسة كوبنهاجن في أول عهدها منزعا وضعيا منطقيا في أول عهدها؛ # 30 # علاوة على إيمانها العميق باستحالة معالجة الظواهر الذرية ~~بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات اللايقين، فهي تتخذ الطابع الاحتمالي ~~للظواهر الكوانتية أساسا لنظرية تنكر الوجود المادي الواقعي على الجسيمات الذرية، # 31 # وتلجأ كما تلجأ الوضعية المنطقية الجديدة في الدفاع عن وجهة ~~نظرها إلى تحليل اللغة، وكأن الوجود الواقعي يتوقف فقط على المفاهيم اللغوية. # 32 # كما أثارت مدرسة كوبنهاجن مجموعة من القضايا الإبستمولوجية منها قضية ~~الذاتية والموضوعية في المعرفة العلمية، وبالأخص فيما يتعلق بالعالم ~~المتناهي في الصغر. إن عدم خضوع الجسيمات الأولية للتحديد الدقيق، كما كشف ~~عنه مبدأ اللايقين، يرجع فيه إلى تداخل آلات القياس تدخلا يجعل من الصعب ~~الفصل في ms168 نتائج القياس بين ما يعود إلى الموضوع الملاحظ وما يرجع إلى عملية ~~القياس وأدواته. هذا معطى من معطيات البحث العلمي في مرحلة معينة من تطوره؛ ~~وبالتالي فلا يمكن إهماله. غير أن فكر مدرسة كوبنهاجن قام على فهم العلاقة ~~بين الذات والموضوع فهما وحيد الجانب؛ حيث أكد دعاة تلك المدرسة على الصفة ~~الذاتية في الفيزياء الحديثة، كما عولوا على تداخل أدوات القياس مع الظاهرة ~~العلمية، وأن عملية القياس تعد تأثيرا ذاتيا أو انعكاسا إنسانيا على ~~الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطرابا في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا ~~غير يقينية. # وبالتالي أنكرت مدرسة كوبنهاجن الصفة الواقعية-الموضوعية للشيء ~~الفيزيائي الكوانتي (الدقائق الصغرى كالإلكترونات مثلا) نكرانا كليا أو ~~جزئيا، وذلك بعد أن ركزوا على أن الظواهر التي يدرسها العالم لا تملك أي ~~واقع فيزيائي موضوعي قائم بذاته وباستقلال عن طريق اختبارها وملاحظتها ~~والقياس عليها؛ أي إنها لا توجد إلا بالنسبة لذات تختبرها وتجرب عليها؛ لذا ~~فالقضايا العملية لا تشير إلى الواقع الموضوعي، بل إلى إجراءاتنا وطرقنا ~~التجريبية؛ أي إن الظواهر لن يكون لها وجود موضوعي مستقل عمن يدركها، وهي ~~في الأخير ليست سوى مركبات ذهنية من الإحساسات. وبهذا يعيدون إلى الأذهان ~~سيرة «إرنست ماخ»، الذي يميز بين المعرفة الحسية؛ أي معرفة الواقع مثلما ~~تمدنا به حواسنا، ومعرفة الواقع في ذاته التي هي معرفة مستحيلة؛ وبالتالي ~~يعيدون المثالية الكانطية والتي لم يعمل ماخ سوى على تنقيتها وتطهيرها من ~~الشوائب الميتافيزيقية العالقة بها، كفكرة الشيء في ذاته، حتى تمتزج بآراء ~~هيوم وبركلي وتتفق معها. # 33 # وفي هذا يؤكد «هيزنبرج» أنه «يجب أن نلاحظ أن تفسير كوبنهاجن ~~لنظرية الكم ليس على الإطلاق وضعيا؛ فبينما تركز الوضعية على أن عناصر ~~الواقع هي الإدراكات الحسية للمراقب، فإن تفسير كوبنهاجن يعتبر الأشياء ~~والعمليات التي يمكن وصفها بلغة المفاهيم الكلاسيكية، نعني الواقعية، أساسا ~~لأي تفسير فيزيائي. في نفس الوقت سنلاحظ أننا لا نستطيع تجنب الطبيعة ~~الإحصائية لقوانين الفيزياء الميكروسكوبية؛ لأن أية معرفة عن الواقعي هي ~~بذات طبيعتها معرفة ناقصة بسبب قوانين الكم النظرية.» ms169 # 34 # ومن ناحية أخرى فقد تمكنت مدرسة كوبنهاجن بزعامة بور وهيزنبرج أن تروج ~~لتفسير مفاده استحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية؛ نظرا ~~لعلاقات الارتياب واستحالة الاستمرار في الاعتقاد في الوجود المادي الواقعي ~~والموضوعي للجسيمات الذرية. وبهذا المعنى يغدو من الصعب، في نظرها، الحديث ~~عن «واقع»؛ لأن هذا الأخير في ميدان الذرة يختلف اختلافا أساسيا عن ~~الواقع في الميدان الميكروسكوبي؛ أي في مستوى الظواهر التي نتعامل معها في ~~حياتنا اليومية الاعتيادية. وانطلاقا من نفس الاعتبارات، نفوا أن تكون ~~نتائج قياساتنا وتجاربنا في المستوى الذري نتائج موضوعية، نتيجة ما يؤدي ~~إليه تدخل آلات القياس من تأثير على الظاهرة الملاحظة نفسها تأثيرا ~~بارزا؛ حيث لا يكون للظاهرة الفيزيائية الملاحظة واقع فيزيائي إلا بالنسبة ~~للآلة، أو لوسيلة إدراكه وقياسه. # 35 # وكان معظم ممثلي مدرسة كوبنهاجن يرفضون الحتمية بالمعنى الكلاسيكي الذي ~~أرساه لابلاس، ويقولون بالطابع الإحصائي للقوانين العلمية مع إعطاء مفهوم ~~اللايقين؛ إذ أضحى جل فكر معظم العلماء والفيزيائيين المتخصصين في ميكانيكا ~~الكوانتم، منقادين وراء التفسير الفلسفي الذي اقترحته مدرسة كوبنهاجن ~~لعلاقات اللايقين ولازدواجية الجسيم والموجة والتداخل القائم بين آلات ~~القياس والظواهر، معتبرين أن اللاحتمية واقعة أساسية في الظواهر الكوانتية، ~~وأن التداخل ينزع كل صبغة موضوعية عن الظواهر التي ندرسها وعن النتائج التي ~~نحصل عليها من دراستنا؛ لهذا فإن الشيء أو الموضوع في نظرهم، لم يعد ~~بالنسبة لنا سوى مجرد تركيب من الانطباعات أو الإحساسات التي يتدخل فيها ~~عنصر الاعتباط والاختيار والذاتية، وهم يعتقدون انطلاقا من ذلك أن ~~الاستمرار في القول بأن هدف العلم هو الاطلاع على حقيقة العالم الواقعي ليس ~~سوى وهم أصبح يكذبه العلم الكوانتي. # 36 # ويؤكد تفسير كوبنهاجن على أن الملاحظة الإنسانية تؤدي إلى عدم اليقين ~~في قياس الظواهر الفيزيائية. وهي كما يبدو دعوى بالذاتية في القياس العلمي ~~بشرت به مدرسة كوبنهاجن (هيزنبرج-بور) التي لا تنتبه إلى أن التداخل ~~الموضوعي بين عمليات القياس وبين الظواهر الفيزيائية يحدد بتحديد كمي لعدم ~~التحديد أو عدم اليقين. # 37 # وهنا يذهب ديتوش، وهو أحد المناصرين ms170 لفكر مدرسة كوبنهاجن؛ يؤكد: «إن ~~التصورات الديكارتية هي التي قادت إلى تلك الحتمية التي عرفها العلم ~~الكلاسيكي. وعندما ظهر أن تطبيقها يؤدي إلى تناقضات، وأن التمسك الصارخ ~~بالروح الوضعية يمنع من استعمال عناصر تتطلب، لكي تكون محددة بالفعل، ~~القيام بعمليات لا يمكن إنجازها، كان لا بد من فحص الإمكانات المبدئية ~~المتعلقة بالقياسات الفعلية فحصا دقيقا، والاقتناع بالتالي بأنه ليس في ~~الإمكان قياس «حالة» منظومة ما بالمعنى الذي يفهم به القياس في الفيزياء ~~الكلاسيكية؛ الشيء الذي يعني أنه لا يمكن تحويل «علاقات اللايقين» تحويلا ~~عكسيا، ومن ثم التسليم بوجود لاحتمية أساسية.» # 38 # لهذا تنتهي مدرسة كوبنهاجن إلى إبطال صلاحية التصور الكلاسيكي للواقع ~~على أنه أجسام، والقول بأنه تصور محدود بحدود ظواهر العالم المرئي الذي كانت ~~تدرسه الميكانيكا، ولا يمكنه أن ينطبق على الميدان الميكروفيزيائي. كما تقول ~~بضرورة إبطال صلاحية المنطق الأرسطي الذي نشأ في أحضان نظرة فلسفية جوهرية، ~~باعتباره منطقا يعجز عن استيعاب المظهر التكاملي للظواهر الذرية كازدواجية ~~الجسيم والموجة. وانطلاقا من التأثير الذي تمارسه أدوات وأجهزة قياسنا على ~~الظاهرة المدروسة، قالت بضرورة الإقلاع عن إعطاء الآلة نفسها أو الظاهرة ~~واقعا فيزيائيا قائما بذاته. # 39 # ولم تكتف تلك المدرسة بذلك، بل راحت تعلن رأيها حول الأحداث في العالم ~~الصغير، وذلك على النحو التالي: # 40 ~~(1) # أن جسيمات العالم الصغير لا تكتسب صفة الواقع الموضوعي إلا حينما ~~تسجل بواسطة جهاز مختبري، ويحس بها إحساسا ميكروسكوبيا (القياس أو ~~الرصد). ~~(2) # لا يمكن الفصل فصلا واضحا بين الراصد (الإنسان أو الجهاز) ~~والمرصود (الدقيقة، الذرة)؛ أي بين الذات والموضوع، وأن المرصود ليس ~~له واقع موضوعي مستقل عن الراصد. ~~(3) # التفاعل بين الجسيم الصغير (الدقيقة الميكروسكوبية) وجهاز القياس ~~يخلق اضطرابا في الجسيم لا يمكن السيطرة عليه أو معرفته ~~مقدما. ~~(4) # للراصد إمكانية الاختيار الحر بين ترتيبين مختبرين مختلفين يؤدي ~~كل منهما إلى معلومات عن الجسم الميكروسكوبي تتنافى مع ما يؤدي إليه ~~الترتيب الآخر، إلا أنهما تكملان بعضهما (مبدأ التكميلية). وفسر ذلك ~~بأن الخواص التكميلية (الدقائقية أو الموجية) للدقائق الصغرى تتولد ms171 ~~بتأثير الذات على الموضوع؛ ولذلك لا يستطاع معرفة الشيء (الموضوع في ~~جوهره). وبهذا كانت ثنائية الدقيقة-الموجة وعلاقة اللايقين تفسران ~~تفسيرا لا أدريا. ~~(5) # الإحصاء والسببية أو الاحتمال والحتمية نقيضان يتنافى أحدهما مع ~~الآخر تناقضا مطلقا. ولا يمكن التوفيق بينهما. وإن قوانين ~~الميكانيك الكوانتي الإحصائية تعني اللاحتمية واللاسببية في أحداث ~~العالم الصغير (الميكروسكوبي). ~~(6) # واجب الفيزياء ينحصر في وصف الروابط بين الإحساسات وصفا ~~شكليا. أما الواقع الموضوعي الذي هو مصدر تلك الإحساسات، وإمكان ~~معرفة هذا الواقع، فينبذ من تفكير البعض باعتباره تأملات «غير ذات ~~معنى». # وما يمكننا استخلاصه من هذه الاعتبارات التي قالت بها مدرسة كوبنهاجن، ~~هو أن تقدم العلم جرد المادة من كيفياتها المادية، كما سلخ عنها الصبغة ~~الواقعية التي قالت بها العقلانية الديكارتية بإمكان تحديدها بالشكل ~~والحركة باعتبارها أجساما تتحرك في مكان معين. لقد تغير مفهوم النقطة ~~المادية في الفيزياء الحديثة إذ لم تعد نقطة معينة في المكان تعيينا ~~سكونيا، بل غدت مركزا لحركة دورية تنتشر حولها. وأن محاولة تحديد موقعه ~~أو سرعته تقتضي إنشاءه ذهنيا بحيث إن صفاته يكتسبها من هذه المنظومة ~~ذاتها؛ لهذا نقول بأن محاولة التغلب على الصعوبات التي طرحتها الإشكالية ~~الكوانتية (في المرحلة الأولى) أدت إلى انفتاح آفاق جديدة للتفسير أمام ~~العلم تثبت كلها الطابع الإنشائي التركيبي للعلم، وتؤكد على الصبغة ~~الطرائقية لمفهوم «الشيء»؛ إذ الجسيم الملاحظ لا يعرف إلا في علاقته ~~بالملاحظة وأداة الملاحظة. ومن نتائج ذلك أن بنية التفسير الميكروسكوبي ~~استبعدت صلاحيتها، بل ظهر فشلها كأداة للتفسير في هذا المستوى الجديد من ~~الظواهر؛ وبالتالي انهارت النظرة الكيميائية للذرة التي اعتبرتها جسيمات ~~صلبة يمكن تحديد موقعها وسرعتها بالشكل والحركة. وفي نفس الوقت الذي تنهار ~~فيه المقادير الديكارتية أمام علاقات الارتياب تؤكد نزعة العلم الطرائقية ~~نفسها وتبين عن جداراتها، خصوصا وأن مفهوم الموقع والسرعة يتحول إلى مفهوم ~~طرائقي وكأن تحديده ينتج عن علاقة الجسيم بمنظومة الملاحظ. # 41 # ويعتبر هيزنبرج من أقطاب مدرسة كوبنهاجن، والمتحدث الرسمي عن فكر تلك ~~المدرسة، بل والمدافع عن فكرها؛ حيث راح يعلن أن: ms172 «الوصف الموضوعي للوقائع في ~~الفضاء والزمان غير ممكن»؛ # 42 # كما أنه: لا يمكن أن توجد «فيزياء موضوعية»؛ أي إن من الممكن ~~وضع حد فاصل واضح بين الموضوعي والذاتي. وإن الفيزياء الذرية لا تعالج بنية ~~الذرات، بل أحداثا نحس بها عند الرصد. وليس من الممكن جعل الرصد عملية ~~موضوعية، ولا يمكن اعتبار نتائجه شيئا واقعيا بصورة مباشرة. وكتب: ~~«تنحصر مهمة الفيزياء في وصف الترابط بين الإحساسات وصفا شكليا فقط. ~~وبإمكاننا إيجاز الواقع الحقيقي كما يلي: بما أن جمع التجارب تخضع لقوانين ~~الميكانيك الكوانتي، أصبح خطأ قانون السببية مثبتا إثباتا قاطعا.» # 43 # ومما يجلب الانتباه أن هيزنبرج لم يكن له موقف واضح ثابت من «الواقع ~~الموضوعي»؛ فهو يكتب عن الذرة مثلا: «في الجوهر نجد أن الدقيقة الأولية ~~ليست جسيما ماديا في الفضاء والزمان، إنما هي بشكل من الأشكال مجرد رمز ~~تتخذ قوانين الطبيعة عند تقديمه شكلا سهلا واضحا ... إن خبرات الفيزياء ~~الحديثة تبين لنا أن لا وجود للذرات كجسيمات بسيطة. إلا أن تقديم مفهوم ~~الذرة يمكننا من صياغة القوانين التي تحكم المعطيات الفيزيائية والكيميائية ~~صياغة سهلة.» ولكنه يكتب في نفس المقال: «إن الشرط المسبق للتدخل الفعال ~~العلمي في العالم المادي والموجه لأغراض عملية هو المعرفة الواعية ~~بالقوانين الطبيعية المصاغة بقالب رياضي.» وكتب في مكان آخر: «العلم يسأل ~~بشكل من الأشكال محاولة لوصف العالم بالمدى الذي يكون فيه هذا العالم ~~مستقلا عن فكرنا وعملنا. أما حواسنا فليست سوى وسيلة محدودة الكمال، ~~تمكننا من اكتساب المعرفة عن العالم الموضوعي.» # 44 # لكن هيزنبرج في كتابه «الفيزياء والفلسفة»، يقدم لنا بعضا من أصرح ما ~~رأيت من تأكيدات لهذا الموقف الذاتي الغير موضوعي؛ فهو يقول: «في التجارب ~~التي تجرى على الوقائع الذرية علينا أن نتعامل مع الأشياء والحقائق، مع ~~ظواهر لها نفس واقعية الحياة اليومية. لكن الذرات أو الجسيمات الأولية ~~ذاتها ليست واقعية مثلها. إنها تشكل عالما من الإمكانات أو الاحتمالات لا ~~عالما من الأشياء والحقائق.» توسم آراء أينشتين بأنها واقعية دوجماطيقية، ~~وهي تمثل موقفا طبيعيا جدا ms173 في رأي هيزنبرج. والحق أن الغالبية العظمى ~~من العلماء يدينون به. هم يعتقدون أن أبحاثهم تشير فعلا إلى شيء واقعي ~~«يوجد هناك» في العالم المادي، وأن الكون المادي الشرعي ليس مجرد ابتكار من ~~خيال العلماء. إن النجاح غير المتوقع للقوانين الرياضية البسيطة في ~~الفيزياء يدعم الاعتقاد بأن العالم إنما يطرق واقعا خارجيا موجودا ~~بالفعل. لكن هيزنبرج ينبهنا إلى أن ميكانيكا الكم قد بنيت أيضا على قوانين ~~رياضية بسيطة ناجحة تماما في تفسير العالم المادي، غير أنها لا تتطلب أن ~~لا يكون لهذا العالم وجود مستقل، بالمعنى الذي تقول به «الواقعية ~~الدوجماطية». وعلى هذا فإن العلم الطبيعي ممكن بالفعل دون أساس من الواقعية الدوجماطية. # 45 # وهنا يعلن هيزنبرج عن موقف مدرسة كوبنهاجن من الواقع فيقول: «إن تفسير ~~كوبنهاجن لنظرية الكم يبدأ بمقارنة. إنه يبدأ من حقيقة أننا نصف تجاربنا ~~بلغة الفيزياء الكلاسيكية، بينما نعرف في نفس الوقت أن هذه المفاهيم لا ~~تلائم الطبيعة بدقة، والتوتر بين نقطتي البداية هاتين هو أصل الطبيعة ~~الإحصائية لنظرية الكم. وعلى هذا فلقد اقترح أحيانا أن علينا أن نهجر ~~المفاهيم الكلاسيكية تماما، وأن تغيرا جذريا في المفاهيم المستخدمة ~~لوصف التجارب قد يرجع بنا إلى وصف للطبيعة غير إحصائي، وموضوعي تماما. على ~~أن هذا الاقتراح يبنى على سوء تفهم. إن مفاهيم الفيزيقا الكلاسيكية هي مجرد ~~تهذيب لمفاهيم الحياة اليومية، وهي جزء أساسي من اللغة التي تشكل الأساس ~~لكل العلوم الطبيعية. إن موقفنا الواقعي في العلوم هو أننا نستخدم بالفعل ~~المفاهيم الكلاسيكية لوصف التجارب. ولقد كانت مشكلة نظرية الكم هي أن نجد ~~التفسير النظري للتجارب على هذا الأساس. لا فائدة ترجى من مناقشة ماذا يمكن ~~عمله لو كنا كائنات أخرى غيرنا نحن. وهنا يجب أن ندرك - كما قال فون ~~فايتسيكر - أن «الطبيعة أقدم من الإنسان، لكن الإنسان أقدم من العلوم ~~الطبيعية». والفقرة الأولى من الجملة تبرر الفيزياء الكلاسيكية ومثلها ~~الأعلى هو الموضوعية الكاملة. أما الفقرة الثانية فتخبرنا عن السبب في أننا ~~لا نستطيع أن نهرب من مفارقة نظرية ms174 الكم، نعني حاجتنا إلى استخدام المفاهيم الكلاسيكية.» # 46 # ومن الملاحظ أن هيزنبرج هنا يعتبر الحديث عن عالم موضوعي واقعي تتمتع ~~فيه أصغر الجسيمات بنفس الوجود الموضوعي الذي ننسبه للأجسام ~~الميكروفيزيائية حديثا مستحيلا وغير مقبول؛ إذ الظواهر الميكروفيزيائية ~~لا توجد إلا بالنسبة لذات تدركها وبالنسبة لآلة تقيس عليها؛ فوجودها يكمن ~~في كونها مدركة ومختبرة من طرف عالم، ومن طرف منظومة بين الذات والموضوع ~~الملاحظ نتيجة التداخل والتفاعل بينها؛ أي يعدو من غير الممكن اعتبار ~~الظواهر تتمتع بوجود واقعي فيزيائي مستقل وموضوعي بالمعنى الاعتيادي ~~للكلمة. بل تخلقه خلقا إراديا حرا تلعب فيه مبادرة العالم دورا ~~أساسيا. كما يشكل فيه الاختيار عنصرا رئيسيا. # 47 # وفي الوقت الذي يدافع فيه هيزنبرج عن فكر وتوجه مدرسة كوبنهاجن، نجده ~~يقدم عرضا لمفهوم السببية في ضوء ميكانيكا الكوانتم؛ حيث نراه يقول عن ~~مبدأ السببية: «لقد درج الناس على القول، خلال السنين الأخيرة، إن العلم ~~الذري قد أبطل مبدأ السببية أو على الأقل، أفقده قسطا من سلطته، وذلك إلى ~~درجة أنه لم يعد من الممكن الحديث عن ضبط عمليات الطبيعة، بالمعنى الدقيق ~~لكلمة ضبط، بواسطة قوانين. وأحيانا يقال فقط إن مبدأ السببية لا يسري ~~مفعوله إلى علم الذرة الحديث.» # 48 # ويستطرد هيزنبرج فيقول: «لقد عمل العلم الذري منذ بداية نشأته على ~~صياغة وتطور مفاهيم لا تتفق، والحق يقال، مع هذه الصورة التي رسمناها عن ~~مبدأ السببية، ولكن هذا لا يعني أن هذه المفاهيم الجديدة تناقض الأسس التي ~~قامت عليها تلك الصورة؛ فكل ما في الأمر هو أن طريقة التفكير الخاصة بالعلم ~~الذي كان شائعا، لا بد أن تتميز منذ البداية، عن أسلوب التفكير الذي تقوم ~~عليه الحتمية. لقد سبق لعلم الذرة القديم أن بنى تفسيره للكون على أساس ~~فكرة الترابط الإحصائي بين العديد من العمليات الصغيرة المعزولة، فعمم هذه ~~الفكرة وقدم لنا صورة عن العالم، قوامها أن جميع الكيفيات الحسية التي ~~للمادة، يرجع السبب فيها بكيفية غير مباشرة، إلى وضعية الذرات وحركتها، ~~يقول ديموقريطس: «لا يكون الشيء حلوا ms175 أو مرا إلا في الظاهر. أما في ~~الواقع فلا وجود لشيء آخر غير الذرات والخلاء.» فإذا فسرنا هكذا الظواهر ~~الحسية بواسطة تضافر العديد من العمليات الصغيرة المعزولة نتج من ذلك ~~ضرورة، أننا نعتبر قوانين الطبيعة إحصائية لا غير. والحق أن هناك قوانين إحصائية.» # 49 # ثم يشرح هيزنبرج الطابع الإحصائي لنظرية الكوانتا قائلا: «على الرغم ~~من أن المعرفة الناقصة بمنظومة ما كانت، منذ الاكتشافات التي توصل إليها كل ~~من «جيبس» و«بولتزمان»، مندرجة في الصياغة الرياضية للقوانين الفيزيائية، ~~فإنه لم يقع التخلي عن مبدأ الحتمية إلا بعد ظهور نظرية الكوانتا على يد ~~بلانك. لم يجد بلانك في البداية سوى عنصر واحد يدل على الطابع المنفصل ~~لظواهر الإشعاع التي كان يدرسها. لقد أثبت أن الذرة المشعة لا تصدر الطاقة ~~بكيفية منفصلة على شكل صدمات. إن هذا الانفصال في إصدار الطاقة الذي يشبه ~~تتابع الصدمات، قد أدى، مثله في ذلك مثل جميع المفاهيم المتعلقة بنظرية ~~الذرات، إلى القول بالطابع الإحصائي لظاهرة الإشعاع. ومع ذلك كان لا بد من ~~مرور خمس وعشرين سنة على اكتشاف الكوانتا حتى يصبح في الإمكان إثبات أن ~~نظرية كوانتا، تحتم في الواقع إعطاء الصبغة الإحصائية للقوانين الفيزيائية، ~~والتخلي عن مبدأ الحتمية؛ فمنذ أن ظهرت أبحاث أينشتين وبور وسومرفيلد بدا ~~واضحا أن نظرية الكوانتا هي المفتاح الذي يفتح باب الفيزياء الذرية على ~~مصراعيه. وكان النموذج الذري الذي قال به روتر فورد وبور خير مساعد على ~~تفسير العمليات والتفاعلات الكيماوية مما سمح منذ ذلك الوقت بدمج الفيزياء ~~والكيمياء والفيزياء الفلكية في واحد منصهر، وحتم التخلي عن مبدأ الحتمية ~~المحض عن صياغة القوانين الرياضية للظواهر الطبيعية حسب نظرية الكوانتا.» # 50 # ومن هذا المنطلق شرع هيزنبرج في عقد مقارنة مذهب كانط والفيزياء ~~الحديثة، حيث يقول: «... من اللحظة الأولى سيبدو مفهومه المحوري عن الأحكام ~~التركيبية القبلية، وقد محقته اكتشافات هذا القرن (يقصد القرن العشرين). ~~غيرت نظرية النسبية رؤيتنا للمكان والزمان، بل لقد كشفت في الحقيقة ملامح ~~جديدة للزمان والمكان، ليس بينها ما نراه في صور ms176 كانط القبلية للحدس ~~الخالص. لم يعد قانون العلية يطبق في نظرية الكم ولم يعد قانون حفظ المادة ~~صحيحا بالنسبة للجسيمات الأولية. الواضح أن كانط لم يكن له ليتنبأ ~~بالاكتشافات الحديثة. لكن لما كنت مقتنعا بأن مفهوماته ستكون الأساس لأي ~~ميتافيزيقيا مستقبلية يمكن أن تسمى علما، فمن المشوق أن ترى أين كانت حججه خاطئة.» # 51 # ولم يكتف هيزنبرج بذلك، بل نراه يؤكد قائلا: «دعنا نأخذ قانون العلية ~~كمثال. يقول كانط إنه حينما نلاحظ واقعة فإننا نفترض أن ثمة واقعة سبقتها لا ~~بد للأخرى أن تنتج عنها حسب قاعدة ما. وهذا كما يقرر كانط أساس كل العمل ~~العلمي. أما إمكانية أن نجد دائما هذه الواقعة السابقة من عدمه فهو أمر لا ~~يهم بالنسبة لهذه المناقشة. والواقع أننا نستطيع أن نجدها في الكثير من ~~الحالات. لكن حتى لو لم نستطع، فليس ثمة ما يمنعنا من أن نسأل عما قد ~~تكونه، وأن نبحث عنها. وعلى هذا فقد تم تطويع قانون العلية إلى منهج البحث ~~العلمي. إنه الشرط الذي يجعل العلم ممكنا، ولما كنا نطبق هذا المنهج ~~بالفعل فإن قانون العلية قبلي ولا يشتق من الخبرة. فهل هذا صحيح في ~~الفيزياء الذرية؟ فلنأخذ ذرة راديوم يمكنها أن تطلق جسيم ألفا، لا يمكن أن ~~يتنبأ بالوقت الذي سيطلق في المتوسط في نحو ألفي عام. وعلى هذا فعندما ~~نلاحظ الانطلاق فلن نبحث عن مثل هذه الواقعة، ولا يلزم أن تثبطنا حقيقة أن ~~أحدا لم يلحظ حتى الآن مثل هذه الواقعة. لكن لماذا تغير المنهج العلمي ~~بالفعل في هذه القضية الجوهرية بالذات منذ كانط.» # 52 # يستكمل هيزنبرج الحديث بقوله: «ثمة إجابتان محتملتان لهذا السؤال. ~~الأولى منهما هي: لقد أقنعتنا الخبرة أن قوانين نظرية الكم صحيحة، فإذا ~~كانت كذلك، فإننا نعرف أننا لن نجد واقعة سابقة تعلل انبعاث الجسيم في وقت ~~معين. أما الإجابة الثانية فهي: إننا نعرف الواقعة السابقة، لكن ليس بشكل ~~دقيق تماما. إننا نعرف القوى في النواة الذرية المسئولة عن إطلاق جسيمات ~~ألفا. لكن هذه المعرفة ms177 تحمل اللامحققية الناجمة عن التفاعل بين النواة وبين ~~بقية العالم. فإذا أردنا أن نعرف السبب في إطلاق جسيم ألفا في ذلك الوقت ~~المعين فمن الضروري أن نعرف التركيب الميكروسكوبي للعالم بأكمله بما فيه ~~أنفسنا، وهذ أمر مستحيل؛ ولهذا فلم تعد حجج كانط للصفة القبلية لقانون ~~العلية قابلة للتطبيق هنا.» # 53 # إن قول هيزنبرج باللاحتمية والذاتية في الفيزياء الحديثة استنادا إلى ~~احتمالية هذه الوقائع وإحصائية قياسها، قد فتح باب الاجتهاد لوضع تفسيرات ~~ميتافيزيقية للكون الذري، وأول هذه التفسيرات هو القول بنظرية في الحرية ~~الإنسانية استنادا إلى فكرة اللاحتمية. والعلماء الذين يذهبون هذا المذهب ~~يحددون المسألة على هذا النحو: لا يمكن أن توجد سيطرة حتمية كاملة على ~~الظواهر غير الحتمية ما لم تكن الحتمية مسيطرة على الذهن نفسه، وعلى العكس ~~من ذلك لو أردنا أن نحرر الذهن فينبغي إلى حد ما أن نحرر العالم المادي كذلك. # 54 # ويبرر هؤلاء العلماء موقفهم هذا من خلال مقارنتهم بين ميكانيكا نيوتن ~~وميكانيكا الكوانتم؛ فالأولى قد ضربت على الكون ستارا حديديا من الحتمية ~~الآلية الصارمة، التي تعبر عن سيطرة الضرورة العقلية على الطبيعة والإنسان ~~على السواء؛ فكل شيء مقدر له سلفا وبنوع من الضرورة، ماذا سيكون عليه في ~~المستقبل. وهكذا عاش الإنسان في ظل حتمية نيوتن أو السببية الضرورية كما لو ~~كان يختنق؛ فكل ما يحدث لا بد له من سبب، فإذا عرف السبب كان كالقضاء ~~المبرم الذي لا راد له، بحيث يتحتم على الشيء أن يحدث. وقد أحسن كل من ~~اسبينوزا وكانط التعبير عن هذه الحتمية كل بطريقته الخاصة. وبينما كان كانط ~~على استعداد للتضحية بالضرورة الإبستمولوجية من أجل الأخلاق، كان ديكارت قد ~~سبقه إلى ذلك، حينما قرر أن الإرادة أوسع من الذهن؛ أي إن الإرادة الحرة لا ~~تخضع لمنطق التفكير الرياضي. # 55 # وعلى العكس من ذلك، جاء مبدأ اللاتحديد عند هيزنبرج ليفك الحصار الذي ~~ضربته حتمية نيوتن على الكون بما في ذلك الإنسان. والأساس المنطقي الذي ~~يعتمد عليه هذا اللاتحديد هو نظرية الاحتمالات، بمعنى ms178 أن حتمية نيوتن قد ~~قامت على فكرة المسار الثابت والذي يحتم الجمع بين الموضع والسرعة بالنسبة ~~للشيء المتحرك، ولكن بناء على معادلة هيزنبرج على هامش الخطأ، فمن المستحيل ~~الجمع بين الدقة الكاملة في قياس الموضع والسرعة بالنسبة لحركة الإلكترون، ~~فيقول بعض الباحثين: «إن تركيب الأجهزة لقياس إحداثيات الإلكترون (أي موضعه ~~المكاني) يحول آليا دون وضع المعدات المطلوبة لقياس سرعته في المكان ~~نفسه، والعكس صحيح؛ فعملية القياس ذاتها تحدث في وضع الإلكترون تغيرا لا ~~سبيل إلى التنبؤ به. وهكذا حاول البعض استثمار مبدأ اللاتحديد بطريقة ~~ميتافيزيقية ليؤكد بها حرية الإرادة الإنسانية، بالرغم أن منهم علماء يعرفون ~~حدود العلم، وبالرغم من أن هيزنبرج لم يرتق ببحوثه إلى الإنسان، فقد ذهب ~~«بافينك» و«إدنجتون»، كل منهما على حدة، إلى تفسير عجز العلماء عن التنبؤ ~~بأي الإلكترونات هو الذي سيقفز من مداره، وإلى أي المدارات سيتجه، نقول ~~تأولوا ذلك بأن الإلكترون «حر» في أن يقفز متى وأنى شاء. أفيكون الإنسان ~~وإرادته أقل حرية من الإلكترون؟» # 56 # ولكي نفهم وقع نظرية الكم على تصورنا العام للكون فهما واضحا، فقد ~~يحسن بنا ألا نسأل الفلاسفة والعلماء، وأن نسأل الكتاب الأدباء، الذين ~~عبروا عن مشاعر القرن العشرين. كتب جورج برنارد شو يقول: «إن العالم الذي ~~بناه إسحاق نيوتن، والذي ظل القلعة المنيعة للمدينة الحديثة على مدى ثلاثمائة ~~عام قد تهاوى أمام نقد أينشتين كما تهاوت جدران المعبد. كان عالم نيوتن ~~يمثل معقل المذهب العاقل للحتمية؛ فالكواكب في مداراتها تخضع لقوانين ثابتة ~~لا تتغير، وكذلك تخضع الإلكترونات في مدارها في الذرات لنفس القوانين ~~العامة. إن كل لحظة من لحظات الزمن تحكم اللحظة التي تليها ... إن كل شيء يمكن ~~حسابه، وكل ما وقع كان حتما أن يقع. لقد أزيلت الأوامر من فوق مائدة ~~القوانين، وحل محلها علم الجبر الجاري؛ معادلات الرياضيين.» # 57 # ويصف «برنارد شو» بعد ذلك الإنسان الحديث، حيث أصبحت لديه فيزياء نيوتن ~~بديلا للدين التقليدي. ويستطرد «برنارد شو» قائلا: «هنا كان إيماني، وهنا ~~وجدت عقيدتي في العصمة من ms179 الخطأ. وأنا الذي ازدريت الكاثوليكي وهو يحلم ~~هباء بالإرادة الحرة المسئولة، مثلها ازدريت البروتستانتي بتظاهره بالحكم ~~المتميز.» ويصف «شو» بعد ذلك كيف تهشم هذا الدين البديل بواسطة الفيزياء ~~الذرية ونظرية الكم في القرن العشرين. يستطرد «شو» قائلا «والآن - الآن - ~~ماذا يبقى من ذلك؟ إن مدار الإلكترون لا يخضع لقانون، فهو يختار مسارا ~~وينبذ مسارا آخر؛ فكل شيء يسير على هواه، والعالم الذي كنت تستطيع ~~الاعتماد عليه فيما مضى لم يصبح موضعا للاعتماد عليه.» # 58 # ولكي نفهم على نحو أكثر تحديدا الفائدة من استخدام تماثلات الفطرة ~~السليمة في التفسيرات الميتافيزيقية لمبدأ اللايقين في الفيزياء الذرية، ~~يجب أن ندرس مثالا ورد في كتيب لبرنارد بافنك، وهذا المثال يعود إلى ~~القوانين التي تحكم انتقال الإلكترون من أحد المدارات حول نواة الإيدروجين ~~إلى مدار آخر. وتحدد لنا قوانين ميكانيكا الكم ما هي المدارات التي يمكن أن ~~يتحرك فيها الإلكترون حول النواة، غير أنه إذا كان هناك إلكترون معين يدور ~~حول نواة الذرة، فليس هناك قانون يحدد لنا تحديدا دقيقا، وفي كل لحظة، ما ~~الذي سيفعله هذا الإلكترون في اللحظة التالية، هل سيقفز إلى مدار آخر أم ~~لا يفعل؟ وتستطيع النظرية أن تحدد فقط متوسط عدد الإلكترونات التي تقفز في ~~الثانية التالية، ولكنها لا تستطيع أن تحدد ما إذا كان إلكترون معين سوف ~~يقفز أم لا. ويعطي بعض الباحثين تفسيرا لهذا الوضع قائلا: «يجب أن نتذكر ~~أولا أن الفعل الأولي المفرد (القفزة) لا يمكن حسابه على هذا النحو، ولكنه ~~يترك حرا؛ وأن نتذكر ثانيا أن الجوهر الحقيقي لهذه الحرية ربما كان ~~حدثا فيزيائيا ... وبعبارة أخرى، إن الاختيار «الحر» للفعل الأولي، والذي ~~لا تحدده الفيزياء، لا وجود له في الواقع إلا كجزء من «خط» أو «هيئة»؛ أو ~~هو جزء من مجموعة متسلسلة من الهيئات والأشكال الأرقى يمتص دائما الشكل ~~المختلف ليصنع منه تركيبا أعلى ... والجديد في الأمر هو أن الفيزياء تقترح ~~اختبار هذه الفكرة.» # 59 # وتتضح الخاصية التماثلية لهذا التفسير في هذه الحالة؛ فبما أن قواعد ms180 ~~ميكانيكا الأمواج لا يمكن صياغتها بلغة الفطرة السليمة، فإن المؤلف يقارن ~~سلوك الإلكترون بسلوك الكائن الحي «الحر» في اختيار ما يفعله في اللحظة ~~التالية. وقد استخدمت كلمة «حر» هنا في لهجة الفطرة السليمة الغامضة التي ~~بمقتضاها نصف ما يفعله الكائن الحي بأنه فعل «حر» لأننا لا نعرف القواعد ~~التي نستطيع أن نحدد بها ما سوف يفعله في اللحظة التالية. وبعد أن ترسخ ~~وجود الحرية «الحرية» في العالم الفيزيائي فإن المرء يستخدم هذه «الحقيقة» ~~لكي يصبح من المعقول أن تكون القرارات البشرية قرارات «حرة»؛ فمن المؤكد أن ~~الإنسان لا يمكن أن يكون أقل تحررا من الشيء الفيزيائي غير الحي. وقد كان ~~تبرير مذهب الإرادة الحرة بواسطة الفيزياء الذرية واحدا من الأسباب التي ~~أعلن من أجلها مرارا أن الفيزياء قد صارت اليوم أكثر تآلفا مع الدين ~~التقليدي عما كانت عليه لقرون مضت. # 60 # وبطبيعة الحال، يجب أن نذكر أن نصوصا مثل: «أدخلت التقدمات الأخيرة في ~~الفيزياء عوامل عقلية في العلم.» أو «إن العلوم الحديثة تبرر مذهب «الإرادة ~~الحرة».» هي نصوص لا تتحدث عن الفيزياء من «الوجهة العلمية». إنها في الواقع ~~تتناول التفسيرات الميتافيزيائية للنظريات الفيزيائية الأخيرة، ولكي نحدد ~~المعنى الدقيق لهذه النصوص يجب أن نقول: إن الفيزياء المعاصرة قد تعرضت ~~لتفسير ميتافيزيائي، وطبقا لهذا التفسير يعتبر الإلكترون ناتجا عن قوى ~~روحية، كما أنه في قفزة من مدار إلى مدار، إنما يمارس عملا من أعمال ~~الإرادة الحرة؛ ومن ثم فإن علينا أن نتساءل عما إذا كانت الميكانيكا ~~النيوتونية لا تستطيع أن يكون لها تفسير ميتافيزيائي يرخص بإدخال القوى ~~الروحية والإرادة الحرة إلى الفيزياء. وبما أن كل هذه التفسيرات هي في ~~الأساس عرض لتماثلات من الفطرة السليمة للنظريات الفيزيائية فيمكننا فقط أن ~~نتساءل عما إذا كان من الأقرب إلى «الطبيعة» أو إلى «الفطرة السليمة» أن ~~نفسر ميكانيكا الكم بواسطة القوى الروحية وألا نفعل ذلك بالميكانيكا النيوتونية. # 61 # والحقيقة، أن هؤلاء الذين دافعوا عن الحرية الإنسانية بمنطق العلم، سيان من العلماء أو ~~الفلاسفة أو حتى ms181 من رجال الدين، لم يكن هدفهم هدم الحتمية في العلم أو التهليل للاحتمية، بل فقط ~~تأكيد أن الظواهر لها قوانينها الخاصة المختلفة عن قوانين المادة الصماء. وإنه إذا كانت هناك ~~حتمية فمحلها العالم الفيزيائي. ولا تسري على الباطن الإنساني. وإنه لجدير بنا عدم الخلط بين ~~حقائق العلم المتغيرة وحقائق النفس الثابتة؛ فها هو فالتون شين (أحد رجال الدين الكاثوليك) ~~يقول إن القديس توما الأكويني يؤكد أن التغير في العلم التجريبي لا يستتبع تغيرا في ~~الميتافيزيقيا التي تحكم هذا العلم، ما دامت الفلسفة مستقلة عن العلم. ونحن لو نظرنا للنتائج ~~التي انتهت إليها نظرية الكوانتم ومبدأ اللاتحديد، فلن نجد فيها ما يبرهن على عدم خضوع ~~الحوادث الفيزيائية لمبدأ السببية؛ أي إن المدافعين عن الحرية الإنسانية استثمروا جهل العلماء ~~بالظروف المحيطة بالإلكترون والتي تدفعه لتغيير مداره في ~~تأكيد اللاحتمية. # 62 # من أجل ذلك فمن العبث أن نبحث عن سند فيزيائي لحرية الإرادة؛ لأنها ~~مشكلة الفلسفة في المقام الأول، وليست مشكلة الفيزياء. وهذا ما أكده أحد ~~الفلاسفة الهنود كانتا براهما # N. K. ~~Brahama # وبنفس حجة شين عن استقلال الميتافيزيقا عن ~~الفيزيقا، فيقول معقبا على المحاولات الخاطئة لاستخلاص الحرية الإنسانية ~~من نتائج العلم: «ثم ماذا يمكن أن يحدث فيما لو فاجأتنا تجارب المستقبل بأن ~~اللاحتمية التي يفترض وجودها في حركة الإلكترون، لا وجود لها حقيقة، ألن ~~تجد الفلسفة نفسها عاجزة عن تبرير موقفها، فيما لو أخذت الآن برأي ~~إدنجتون؟! إن الحرية وسائر الحقائق الميتافيزيقية الأخرى لا يمكن البرهنة ~~عليها في عالم الظواهر الذي تسيطر عليه مقولات المكان والزمان والسببية.» # 63 # ثالثا: البعد الموضوعي لمبدأ اللايقين # إذا كانت مدرسة كوبنهاجن، قد استطاعت بزعامة «بور» و«هيزنبرج» ~~و«ديتوش»، أن تروج لتفسير مفاده استحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة ~~مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات الارتياب واستحالة الاستمرار في الاعتقاد في ~~الوجود المادي الواقعي والموضوعي للجسيمات الذرية، وبهذا المعنى يغدو من ~~الصعب، في نظرها، الحديث عن (واقع) لأن هذا الأخير في ميدان الذرة يختلف ~~اختلافا أساسيا عن الواقع في الميدان الميكروسكوبي؛ ms182 أي في مستوى الظواهر ~~التي نتعامل معها في حياتنا اليومية الاعتيادية، فإنه انطلاقا من الاعتبارات ~~نفسها، نفوا أن تكون نتائج قياساتنا وتجاربنا في المستوى الذري نتائج ~~موضوعية، نتيجة ما يؤدي إليه تدخل آلات القياس من تأثير على الظاهرة ~~الملاحظة نفسها تأثيرا بارزا؛ حيث لا يكون للظاهرة الفيزيائية الملاحظة ~~واقع فيزيائي إلا بالنسبة للآلة، أو لوسيلة إدراكه وقياسه. # 64 # ولقد قوبلت هذه الآراء بالترحاب الكبير من طرف كبار العلماء، بل كان ~~لها تأثير فلسفي قوي عليهم؛ فلويس دي بروي انساق تحت تأثيرهم، منذ تاريخ ~~انعقاد سولفي الخامس (1927م) بباريس حتى سنة 1951م، في تفسير احتمالي محض ~~للميكانيكا الكوانتية ونتائجها، والتزم حرفيا بآراء بور وهيزنبرج، وهو ما ~~جعله يتخلى عن آرائه الأولى المناصرة للحتمية الكلاسيكية، # 65 # ويعتنق آراء مدرسة كوبنهاجن هي حذاقة حجج بور ودقة وفطانة ~~براهينه. وانساق الحاضرون في المؤتمر وراءه هو وهيزنبرج ما عدا أينشتين ~~الذي أعلن عن عدم رضاه عن الاتجاه الاحتمالي؛ # 66 # مؤكدا أنه يوجد عالم واقعي وموضوعي خارجا عن الذات وباستقلال ~~عنها، كما أن معرفتنا به معرفة موضوعية لا تتطلب إدراكه في الإحساس والخبرة ~~فقط، بل بالأساس إنشاءه عقليا وإعادة بنائه؛ # 67 # ففي خطاب وجهه أينشتين إلى ماكس بورن في 30 ديسمبر سنة 1947م، ~~يقول: «لقد أدى بنا تطور العلم إلى أن أصبح كل منا على طرف نقيض من الآخر ~~(أنت تؤمن بإله يلعب بالنرد، أما أنا فأومن بوجود قواعد دقيقة وقوانين يخضع ~~لها الكون خضوعا موضوعيا ...)، فالاحتمال الذي تتضمنه الفيزياء الكوانتية ~~الإحصائية لا ينبغي أن ينسينا أن العلم لا يمكنه التخلي عن فكرة خضوع ~~الظواهر للقانون؛ فالإحصاء ليس يمثل حلا نهائيا لمشكل تحديد حركة ~~الجسيمات الدقيقة . يقول أينشتين: «لا يمكنني أن آخذ بالنظرية الإحصائية ~~بصورة جدية؛ لأنها تتعارض مع المهمة الأساسية للفيزياء؛ أي وصف الواقع في ~~المكان والزمان (...) وإني مقتنع تمام الاقتناع بأننا سننتهي بنظرية تكون ~~الروابط والعلاقات فيها حقائق لا احتمالات؛ فالصفة الإحصائية للنظرية ~~الكوانتية الراهنة، ناتجة بالضرورة عن عدم كمال وصفنا للمنظومات الملاحظة، ~~فلا ms183 مبرر يدعونا إلى الاعتقاد بأن أساس الفيزياء سيبقى مستقبلا هو ~~الاحتمال. وإن هيزنبرج وديتوش وغيرهما باعتقادهم أن فكرة اللاحتمية في ~~الفيزياء الكوانتية هي لاحتمية صميمة، يغفلون مسألة أساسية وهي أن النظرية ~~الكوانتية القائمة، لا تمثل سوى مرحلة انتقالية من تطور العلم، ولا يمكن ~~التشبث بها كمنطق أكيد ونهائي لتطور الفيزياء اللاحق؛ فالاحتمال لا يمكن أن ~~يكون أساسا لتطور الفيزياء. وتبقى دائما هناك إمكانية التوصل مستقبلا ~~إلى نظرية نستطيع بواسطتها الإفصاح عن حركة الجسيمات الدقيقة منفردة بواسطة ~~دالة متصلة زمانيا ومكانيا.» # 68 # وانطلاقا من هذا المنظور، انتقد أينشتين تفسير كوبنهاجن لميكانيكا ~~الكم الذي يناصره هايزنبرج، والذي يوقعنا في رفض الواقع الموضوعي لعالم ~~الكم؛ بمعنى أن أينشتين يرفض مثلا أن يكون للإلكترون موقع محدد تماما ~~وكمية حركة محددة تماما في غياب ملاحظة فعلية لموقعه أو لحركته (ولا يمكن ~~أن يكون لكليهما سويا في نفس الوقت قيم قاطعة). وعلى هذا فلا يمكن أن نعتبر ~~الإلكترون أو الذرة شيئا صغيرا بالمعنى الذي تكون فيه كرة البلياردو ~~شيئا. إن كلامنا يكون بلا معنى إذا نحن تحدثنا عما يفعله إلكترون بين ~~ملاحظتين؛ لأن الملاحظة وحدها هي التي تخلق واقع الإلكترون. وعلى هذا فإن ~~قياس موقع إلكترون ما يخلق «إلكترونا له موقع»، وقياس كمية حركته يخلق ~~«إلكترونا له ذا حركة» لكنا لا نستطيع أن نعتبر هذا الكيان أو ذاك ~~موجودا بالفعل قبل أن نجري القياس. # 69 # وفي مقابل ذلك نجد أن صورة العالم الكلاسيكي التي يعتنقها أينشتين في ~~حماس هي صورة تنسجم جيدا مع العقل العام بتأكيدها الواقع الموضوعي للعالم ~~الخارجي. وهي تسلم بأن ملاحظاتنا بالضرورة تقتحم ذلك العالم وتقلقه، لكن ~~هذا الإقلاق ليس سوى اتفاق عرضي يمكن التحكم فيه وتقليله. ثم إن هذه النظرة ~~تعتبر العالم الصغير مختلفا في المدى، لا في مرتبة الوجود، عن عالم ~~الشهادة الكبير؛ فالإلكترون صورة مصغرة من كرة بلياردو عادية، ويشترك مع ~~هذه الأخيرة في مجموعة كاملة من الخصائص الدينامية، مثل صفة الوجود في مكان ~~ما (نعني أن لها موقعا) والحركة ms184 في مسار معين (نعني أن لها كمية حركة)؛ ~~فملاحظاتنا في العالم الكلاسيكي لا تخلق الواقع وإنما تكشفه. وعلى هذا تظل ~~الذرات والجسيمات موجودة تحمل صفات محددة تماما حتى لو لم نكن نلحظها. # 70 # ومن هذا المنطلق شرع أينشتين يدعو إلى استبعاد المنهج الاحتمالي كأساس ~~للفيزياء النظرية بوجه عام، نتيجة لربطه جوهر الفيزياء النظرية بالوصف ~~الفردي الكامل؛ ولهذا كان على الفيزياء أن تبحث لها عن أساس جديد. إن ~~أينشتين يتحرك كما يرى بعض الباحثين في إطار عقيدي خالص؛ فهو يدرك ويسلم ~~بأن قانونية الطبيعة مركبة بحيث يمكن لقوانينها أن تصاغ صياغة كاملة ~~وملائمة في إطار وصفنا غير الكامل، أو يسلم بأن الوصف الإحصائي للظواهر إنما ~~هو وصف كامل لها، وهذا يعني أن هذه الظواهر إحصائية في جوهر تركيبها. إن ~~أينشتين يسلم بهذه الوجهة من النظر، ولكنه يعتقد أن من الضروري البحث عن ~~منهج آخر غير إحصائي، منهج يمكن به وصف الأنظمة الفردية وصفا كاملا؛ ~~فأينشتين يرى أن معرفة الحركة الفردية هي أساس للعلم النظري، معرفتها لا في ~~علاقتها بالأفراد الآخرين. وإنما من حيث إنها عالم مستقل كامل. ولما كانت ~~هذه المعرفة غير قائمة في الفيزياء الحديثة، رفض هذه الفيزياء، واعتبرها ~~مرحلة موقوتة بل لعبة من ألعاب زهرة النرد «لا يمكنه أن يقتنع بها». # 71 # وهنا نلاحظ أن أينشتين قد راعته فكرة اللاتنبؤية المتأصلة في العالم ~~الفيزيقي ليرفضها في غير تحفظ بمقولته الشهيرة «إن الإله لا يلعب النرد مع ~~الكون» فكان يرى أن ميكانيكا الكم قد تكون صحيحة في حدودها، لكنها بالرغم ~~من ذلك ناقصة ولا بد من وجود مستوى أعمق من متغيرات دينامية مخبوءة ~~تؤثر في النظام، وتضفي عليه لاحتمية ولاتنبوءية، في الظاهر لا أكثر . لقد ~~أمل أينشتين أن توجد تحت فوضى الكم صيغة غاية في الدقة من عالم مألوف حسن ~~السلوك من الديناميكا الحتمانية. ولقد عارض هايزنبرج ونيلز بور، وبقوة، ~~محاولة أينشتين للتشبث بهذه النظرة الكلاسيكية للعالم. وامتد الجدل الذي ~~بدأ في أوائل ثلاثينيات هذا القرن لسنين طويلة، كان أينشتين ms185 أثناءها يهذب ~~من اعتراضاته ويعيد صياغتها. كان أكثر هذه الاعتراضات ثباتا هو ما اقترحه ~~مع بوريس بودولكسي وناثان روزين عام 1935م، وهو ما يطلق عليه عادة اسم «أ ب ~~ر» (والواقع أنه ليس ثمة مفارقة حقيقية). تتعلق هذه المفارقة بخصائص نظام ~~من جسيمين يتفاعلان ثم يفترقان وينطلقان بعيدا عن بعضهما مسافة طويلة. تقول ~~ميكانيكا الكم إن النظام يبقى كلا لا يتجزأ بالرغم من انفصال الجسيمين في ~~الفضاء، والمتوقع أن تبين القياسات المتزامنة التي تجرى على الجسيمين ~~المتلازمين (تدل على) أن كل جسيم يحمل (بمعنى يمكن تحديده تحديدا رياضيا ~~جيدا) أثرا لنشاطات الآخر. يحدث هذا التعاضد بالرغم من قيود نظرية ~~النسبية الخاصة لأينشتين نفسه والتي ترفض أي اتصال فوري مادي بين الجسيمين؛ ~~فقد كان أينشتين يرى أن نظام الجسيمين يوضح القصور في ميكانيكا الكم؛ ذلك ~~أن المجرب عندما يجري القياسات على الجسيم الثاني وحده (وهو ما يعني في ~~الواقع استخدام هذا الجسيم بالإنابة كوسيلة للحصول على بيانات عن الجسيم ~~الأول) فقد يستنبط حسب هواه موقع الجسيم الأول في تلك اللحظة أو كمية ~~حركته. يقول أينشتين إن هذا بالتأكيد يعني ضرورة إضفاء قدر من الواقع في ~~تلك اللحظة على الجسيمين كليهما؛ لأن الباحث يستطيع أن يدنو من أي منهما (لا ~~كليهما) مستخدما نظام قياس لا يمكن أن يقلق الجسيم موضع الاهتمام (بسبب ~~قيد سرعة الضوء). # 72 # ومن جهة أخرى رفض أينشتين اتخاذ مبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم مثالا ~~نمطيا لتداخل الذات الملاحظة في الموضوع «الملاحظ»، ودليلا على أن ~~فيزياء الكم لا تصف حالة موضوعية في عالم مستقل، وإنما تصف مظهر هذا العالم ~~كما عرفناه خلال وجهة نظر ذاتية معينة أو بواسطة وسائل تجريبية معينة؛ ~~فخلافا لمدرسة كوبنهاجن ، لم يذهب أينشتين إلى التشكيك في الواقع الموضوعي، ~~كما لم يربطه بالذات الملاحظة وبأدوات القياس. لقد كان على أتم اقتناع ~~بحتمية الظواهر الكونية كبيرها وصغيرها، وبأن الاحتمال لا يعكس خاصية صميمة ~~لمجال الظواهر اللامتناهية في الصغر، بل يعكس جهلنا أمامها، وبإمكان تحديد ~~الظاهر تحديدا ms186 حتميا في المكان والزمان. # 73 # ويذكر عالم الفيزياء «جورج جاموف» أن أينشتين كان ضمن المجموعة التي ~~انتقدت مبدأ اللايقين؛ إذ لم تسمح فلسفته (التي تركزت في تحديد الأشياء) ~~بالسمو بعدم التثبت (اللايقين) إلى مرتبة المبادئ. وكما كان حساده يحاولون ~~إيجاد متناقضات في نظريته الخاصة بالنسبية، حاول أينشتين اكتشاف المتناقضات ~~في مبدأ عدم التثبت الخاص بفيزياء الكم. ومهما يكن من شيء فقد أدت مجهوداته ~~هذه إلى تقوية مبدأ عدم التثبت. ومن الأمثلة الرائعة التي حدثت مصادفة ~~وكانت تدل على ذلك، ما حدث في المؤتمر الدولي السادس للفيزياء الذي انعقد ~~في بروكسل عام 1930م؛ فقد أجرى أينشتين - في أثناء نقاش كان يحضره بور - ~~«تجربة ذهنية» تبين أن الزمن إحداث رابع للمكاني-الزمني، وأن الطاقة مركبة ~~رابعة لكمية التحرك (كتلة في السرعة)، فقال إن معادلة عدم التثبت لهيزنبرج ~~تتطلب أن يتوقف عدم التثبت في الزمن على عدم التثبت في الطاقة، وأن حاصل ~~ضرب الكميتين يساوي على الأقل ثابت بلانك. ه. وراح أينشتين يحاول إثبات خطأ ~~ذلك، وأن الزمن والطاقة يمكن تحديدهما من غير عدم التثبت بتاتا، فقال: خذ ~~مثلا صندوقا مثاليا تبطنه من الداخل مرايا مثالية بحيث يستطيع الإبقاء ~~على طاقة الإشعاع إلى ما لا نهاية من الوقت. عين وزن الصندوق. وبعد فترة ~~تبدأ ساعة ميكانيكية سبق ضبطها - كما تضبط القنبلة الذرية - العمل على فتح ~~بوابة مثالية لينطلق منها بعض الضوء. وبعد ذلك عين وزن الصندوق مرة أخرى. ~~وبطبيعة الحال يكون التغير في الكتلة دليلا على طاقة الضوء التي تم ~~إشعاعها وانبعاثها. وذهب أينشتين أنه يمكن بهذه الوسيلة قياس الطاقة ~~المنبثقة والزمن الذي يتم فيه ذلك إلى أي درجة نريدها من الدقة، مما لا ~~يتفق مع مبدأ التثبت. وفي صباح اليوم التالي، بعد قضاء ليلة ساهرة أذاع بور ~~كلمة هادمة لبرهان أينشتين العكسي، وتقدم بتجربة فكرية مضادة استخدم فيها ~~جهازا مثاليا خاصا به وقد بناه لتفنيد تجربة أينشتين. # 74 # وبصرف النظر عن نجاح تجربة أينشتين الذهنية من عدم نجاحها، إلا أنها لم ~~تغير من ms187 رأيه في مبدأ اللايقين بأنه ناتج عن «عمليات موضوعية خالصة، وأن ~~أداة القياس أداة فيزيائية مركبة من عناصر فيزيائية تقوم بينها وبين ~~الوقائع الفيزيائية ظواهر موضوعية دقيقة غاية الدقة هي التي يحددها تحديدا ~~دقيقا مبدأ اللايقين أو عدم التحديد.» # 75 # ومن هنا شرع أينشتين يقدم مجموعة من الأدلة النظرية لنقد مبدأ اللايقين ~~من خلال مناقشته نقده لميكانيكا الكم التي اتهمها بالذاتية والقصور؛ فقد ~~أكد أن ميكانيكا الكم كأي جانب آخر من الفيزياء لا تتعلق إلا بالعلاقات بين ~~موضوعات فيزيائية. وكافة قضاياها وتعبيراتها إنما تصاغ بدون أي إشارة إلى ~~ملاحظ. والاضطراب الذي يحدثه الملاحظ .. مسألة فيزيائية بأكملها ولا تتضمن ~~أي إشارة إلى تأثيرات صادرة من الكائنات الإنسانية من حيث إنهم ملاحظون. إن ~~أداة القياس تحدث اضطرابا لا لأنها أداة يستعين بها ملاحظون من البشر، ~~ولكن لأنها شيء فيزيائي ككل الأشياء الفيزيائية؛ فلقد رأينا عن طبيعة قياس ~~موضع الإلكترون وسرعته، أنه لتحديد الموضع يستخدم شعاع ضوئي، ولكن هذا ~~الشعاع نفسه مكون من فوتونات وبمقتضى الطول الموجي للشعاع تصطدم هذه ~~الفوتونات بالإلكترونات وتغير من سرعته. كذلك الحال في حالة قياس السرعة. ~~وعلى هذا فليست المسألة إذن تأثير ملاحظ أو ذات على العمليات الفيزيائية. ~~وليس استخلاص حكم بعدم يقين علمي، نتيجة لتدخل الذات. وإنما هو شكل من ~~أشكال التحديد الموضوعي للتداخل بين ظواهر فيزيائية خالصة. وعدم اليقين هذا ~~ليس إلا نتيجة للتداخل الضروري بين عوامل فيزيائية متعددة؛ فمبدأ عدم ~~اليقين ينطبق على الطبيعة سواء كنا ننظر إليها أم لا ننظر؛ ولهذا فهو مبدأ ~~علمي فيزيائي خالص موضوعي وليس نتيجة لحدود المعرفة الإنسانية؛ فهو ليس ~~عجزا إنسانيا، وإنما هو قياس لصفة معينة للإلكترون؛ ومن ثم فهو قياس ~~لصفة فيزيائية خالصة. هذا إلى جانب أنه لا يكشف عن نقص في الإعداد الفني ~~لمقاييسنا العلمية ولا يحدد من دقة هذه المقاييس، بل هو نتيجة هذه المقاييس ~~ودلالة على هذه الدقة؛ لذا فإن الفهم الذاتي لمبدأ عدم اليقين وعدم التحديد ~~فهم غير علمي كما رأينا؛ فعدم اليقين صفة ms188 كمية وتحديد فيزيائي خالص، لا ~~يرتبط بالذات الدارسة ارتباط معلول بعلة. وليس نتيجة لعجز عن الكمال في ~~المعرفة أو لنقص في مقاييسنا العلمية. وإنما هو مظهر للتداخل الموضوعي ~~الخالص بين العمليات الفيزيائية. خلاصة القول فإن أينشتين واحد من العلماء ~~الذين يتهمون فيزياء الكم بالذاتية والقصور، ويجعلون منها مرحلة مؤقتة من ~~مراحل المعرفة، لا يردون ذلك إلى مبدأ عدم اليقين وحده، وإنما إلى الأساس ~~المنهجي الذي تقوم عليه الفيزياء، وهو حساب الاحتمالات باعتبار أن الاحتمال ~~وصف غير كامل للظاهرة الفيزيائية. # 76 # ولذلك استبعد أينشتين المنهج الاحتمالي كأساس للفيزياء النظرية بوجه ~~عام، نتيجة لربطه جوهر الفيزياء النظرية بالوصف الفردي الكامل؛ ففي خطاب ~~وجهه إلى ماكس بورن في 30 ديسمبر سنة 1947م يقول: «إنني بالطبع أرى أن ~~التفسير الإحصائي يقوم على جانب كبير من الصدق، ولكنني لا أستطيع أن أومن ~~به إيمانا جديا؛ ذلك لأن النظرية غير متماسكة مع المبدأ القائل بأن ~~الفيزياء ينبغي أن تمثل حقيقة واقعة في المكان والزمان بدون تأثيرات خيالية ~~عبر المسافات ... إنني مقتنع اقتناعا مطلقا بأن المرء سوف يصل في نهاية ~~الأمر إلى نظرية تكون فيها الموضوعات المرتبطة بقوانين ليست احتمالات وإنما ~~وقائع متصورة.» # 77 # ويذهب بعض الباحثين إلى أن استبعاد أينشتين للمنهج الاحتمالي كان ~~خاطئا إلى حد ما؛ حيث إن القوانين الاحتمالية في فيزياء الكم والميكانيكا ~~الموجية كما يؤكد بعض الباحثين، هي قوانين محققة تحقيقا تجريبيا، وتكشف ~~كشفا صادقا عن طبيعة الظواهر التي تنطبق عليها. إن دخول المنهج الإحصائي ~~ليس معناه إدخال الشك والعوامل الذاتية في مجال ينبغي أن يكون موضوعيا ~~بشكل حاسم، وإنما يدل على سقوط التصور الزائف المحدود للموضوعية في مفهومها ~~التقليدي؛ فتحديد الموضوعية بحدود موضع الجزيء الفرد وسرعته، تحديد جامد؛ ~~إذ إن الموضوعية ليست صفة التفرد، وإنما صفة الترابط والتداخل، والتعدد ~~والتشابك؛ ولهذا تميزت الفيزياء الحديثة بوجه عام، بموضوعيتها لاحتفاظ ~~موضوعات بحثها ونتائجها بهذه الصفات. والاحتمال هو التعبير الدقيق الكامل ~~عن هذه الصفات من ترابط وتداخل وتعدد وقابلية للتغير والاستقلال. وهي ~~الصفات التي واجهتنا ms189 في حركة الغازات واتجاه المحدود # entropy # وحركة الإلكترون وموضع الجسيم في ~~موجة الاحتمال. هي صفات فيزيائية أصيلة، يعبر عنها حساب الاحتمالات تعبيرا ~~دقيقا. والقياس الاحتمالي بشكل عام ليس تحديدا متعسفا للموضوعات ~~المدروسة، وإنما استيعاب لها وامتلاء بحقيقتها وطواعية لإمكانياتها.» # 78 # ولقد عارض هيزنبرج وبقوة دعوة أينشتين في أن مبدأ اللايقين ناتج عن ~~عمليات موضوعية خالصة؛ فأداة القياس أداة فيزيائية مركبة من عناصر فيزيائية ~~تقوم بينها وبين الوقائع الفيزيائية ظواهر موضوعية دقيقة غاية الدقة هي ~~التي يحددها تحديدا دقيقا مبدأ اللايقين أو عدم التحديد؛ فنجد هيزنبرج ~~يعقد فصلا في كتابه «الفيزياء والفلسفة»، بعنوان «نقد تفسير كوبنهاجن ~~لنظرية الكم، والاقتراحات المضادة له»؛ حيث ذكر أن النقد الذي ظهر في ~~العديد من أبحاث أينشتين (وغيره) يركز على قضية ما إذا كان تفسير كوبنهاجن ~~يسمح بوصف متفرد موضوعي للحقائق الفيزيائية. ويمكن أن نعرض حججهم الجوهرية ~~فيما يلي: إن البرنامج الرياضي لنظرية الكم يبدو وصفا كاملا كافيا ~~لإحصائيات الظواهر الذرية. لكن حتى لو كانت تقاريره أن احتمالات الوقائع ~~الذرية صحيحة تماما، فإن هذا التفسير لا يصف ما يحدث واقعيا وصفا ~~مستقلا عن الملاحظات أو بين الملاحظات. لكن شيئا ما لا بد أن يحدث، هذا ~~أمر لا يمكن الشك فيه. وهذا الشيء لا يلزم أن يوصف بصيغة الإلكترونات أو ~~الموجات أو كمات الضوء. ومهمة الفيزياء لا تتم دون أن نصفه بشكل أو بآخر. ~~لا يمكن أن نقر بأنه يشير إلى فعل الملاحظة وحده. لا بد للفيزيائي أن يسلم ~~أنه في علمه إنما يدرس عالما لم يصنعه هو، عالما سيوجد دون تغير يذكر في ~~غير وجوده. وعلى هذا فإن تفسير كوبنهاجن لا يقدم أي تفهم حقيقي للظواهر ~~الذرية يسهل مرة أخرى أن نرى أن ما يتطلبه هذا النقد هو الأنطولوجيا ~~المادية القديمة ، ولكن، ما ستكون الإجابة من وجهة نظر تفسير كوبنهاجن؟ # 79 # ويستطرد «هيزنبرج»: «يمكن القول إن الفيزياء جزء من العلم؛ ومن ثم ~~فإنها تهدف إلى وصف وتفهم الطبيعة. وأي صورة للتفهم - علمية كانت أو غير ~~علمية ms190 - إنها تعتمد على لغتنا، على تبادل الأفكار. إن كل وصف للظواهر، ~~للتجارب ونتائجها، يرتكز على اللغة كسبيل أوحد للاتصال. وكلمات هذه اللغة ~~تمثل مفاهيم الحياة اليومية، وهي مفاهيم هذبت في اللغة العلمية للفيزياء ~~إلى صورة مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية. هذه المفاهيم هي الأدوات الوحيدة ~~لاتصال لا يشوبه غموض حول الوقائع، حول إقامة التجارب وحول نتائجها. وعلى ~~هذا فإذا ما سئل الفيزيائي أن يقدم وصفا لما يحدث واقعيا في تجاربه، فإن ~~كلمات «وصفا» و«يحدث» و«واقعيا» لا تشير إلا إلى مفاهيم الحياة اليومية ~~أو الفيزياء الكلاسيكية، فإذا ما تخلى الفيزيائي عن هذا الأساس، فقد وسيلة ~~الاتصال غير الغامض، فلا يستطع المضي في عمله. وعلى هذا فإن أي تقرير عما قد ~~«حدث واقعيا» هو تقرير صيغ في لغة المفاهيم الكلاسيكية وهو بطبيعته ناقص ~~بالنسبة لتفاصيل الوقائع الذرية، بسبب الثرموديناميكية والعلاقات ~~اللامحققية. إن سؤالنا «أن نصف ما يحدث» (في عملية الكم النظرية) بين ~~ملاحظتين متعاقبتين هو - بصفته - تناقض؛ لأن كلمة الوصف إنما تعني استخدام ~~المفاهيم الكلاسيكية، بينما لا يمكن تطبيق هذه المفاهيم على الفضاء بين ~~الملاحظات، هي لا تطبق إلا عند مواقع الملاحظة.» # 80 # وفي فقرة أخرى يؤكد هيزنبرج قائلا: «تظهر في نظرية الكم أعقد مشاكل ~~استخدام اللغة. لم يكن لدينا في البدء أي دليل بسيط نربط به الرموز ~~الرياضية بمفاهيم اللغة الاعتيادية. كان كل ما نعرفه في البداية هو حقيقة ~~أن مفاهيمنا الشائعة لا يمكن أن تطبق على بنية الذرة. مرة أخرى بدت نقطة ~~البداية الواضحة للتفسير الفيزيقي للصورية هي اقتراب البرنامج الرياضي ~~لميكانيكا الكم من برنامج الميكانيكا الكلاسيكية. وذلك في الأبعاد الأكبر ~~كثيرا من حجم الذرات، وحتى هذا لا نستطيع أن نقوله دون بعض التحفظات؛ ~~فسنجد حتى تحت الأبعاد الكبيرة العديد من الحلول للمعادلات الكماتية ~~النظرية، والتي لا نظير لها في الفيزياء الكلاسيكية، تظهر في هذه الحلول ~~ظاهرة «تداخل الاحتمالات». وهذه ظاهرة لا توجد في الفيزياء الكلاسيكية. ~~وعلى هذا، فلن يكون تافها على الإطلاق - حتى داخل حدود الأبعاد الضخمة - ~~ذلك الارتباط بين الرموز ms191 الرياضية والقياسات والمفاهيم المألوفة، ولكي نصل ~~إلى مثل هذا الارتباط غير الملتبس علينا أن ندخل في اعتبارنا ملمحا آخر من ~~ملامح المشكلة. علينا أن نلاحظ أن النمط الذي تعالجه مناهج ميكانيكا الكم هو ~~في الحقيقة جزء من نظام أكبر (حدوده العالم بأسره)، إنها تتفاعل مع هذا ~~النظام الأكبر، ولا بد أن نضيف أن الخصائص الميكروسكوبية للنظام الأكبر ~~مجهولة - إلى حد كبير على الأقل. لا شك أن هذا وصف صحيح للوضع الواقعي. ~~ولاستحالة أن يكون هذا النظام موضوع قياس وتفحصات نظرية، فإنه لن ينتمي إلى ~~عالم الظواهر ما لم يكن يتفاعل مع مثل هذا النظام الأرحب، الذي يمثل ~~المراقب جزءا منه. والتفاعل مع النظام الأكبر هذا بخصائصه الميكروسكوبية ~~غير المحددة يقدم إذن إلى وصف النظام (الكماتي-النظري والكلاسيكي) عاملا ~~إحصائيا جديدا. وفي الحالة الحدية للأبعاد الكبيرة يحطم هذا العامل ~~الإحصائي آثار و«تدخل الاحتمالات» حتى ليقترب البرنامج «الكماتي- الميكانيكي» الآن من البرنامج الكلاسيكي في الوضع الحدي. وعلى هذا يصبح ~~الارتباط عند هذه النقطة بين رموز نظرية الكم ومفاهيم اللغة الاعتيادية غير ~~مبهم، ويصبح هذا الارتباط كافيا لتفسير التجارب.» # 81 # والملاحظ أن هذا الذي سار فيه هيزنبرج هو نفس الاتجاه الذي طوره ~~«بريدجمان» في كتاب «منطق الفيزياء الحديث» (1927م)، وهو أيضا الذي سار فيه ~~أصحاب مدرسة كوبنهاجن (بور-ديتوش) عندما ركزوا على أن معنى قضية ما مرتبط ~~بطرق تحقيقها وملاحظتها، وأن الظواهر لا تملك أي واقع فيزيائي موضعي قائم ~~بذاته وباستقلال عن طرق تحقيقها وملاحظتها والقياس عليها؛ أي إنها لا توجد ~~إلا بالنسبة لذات تختبرها وتجرب عليها «ويترتب عن وجهة النظر هذه أن ~~القضايا العلمية تشير إلى طرائقنا التجريبية وليست الأشياء ذاتها التي هي ~~موضوع التجربة». وهذا هو السبب الذي من أجله قلنا إن مدرسة كوبنهاجن تمثل ~~لونا وضعيا جديدا يحاول، انطلاقا من الإشكالية الجديدة التي طرحتها ~~الفيزياء الكوانتية، أن يعيد تمييزا تصوره ماخ بين المعرفة الحسية؛ أي ~~معرفة الطبيعة مثلما تمدنا بها حواسنا. وبهذا المعنى لن يكون للظواهر وجود ~~موضوعي مستقل عمن يدركها، ولن تكون ms192 سوى مركبات ذهنية من الإحساسات؛ فمعرفة ~~الشيء في ذاته هي مستحيلة لا سيما وأن الوجود إدراك؛ إذ إن ما نلاحظه ليس ~~الطبيعة في ذاتها، بل الطبيعة في ارتباطها بطرائقنا ومناهجنا؛ أي في ارتباط ~~بما يسمونه «الذات». # 82 # ومن هنا نجد هيزنبرج يعترف أن: «تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم ليس على ~~الإطلاق وضعيا؛ فبينما تركز الوضعية على أن عناصر الواقع هي الإدراكات ~~الحسية للمراقب، فإن تفسير كوبنهاجن يعتبر الأشياء والعمليات التي يمكن ~~وصفها بلغة المفاهيم الكلاسيكية، نعني الواقعية، أساسا لأي تفسير فيزيائي.» # 83 # ولم يكتف هيزنبرج بذلك، بل نراه يصب جام غضبه على الوضعية المنطقية ~~قائلا: «أما المشكلة الأساسية فقد أقرت بها الوضعية الحديثة في وضوح. يعبر ~~هذا الخط من التفكير عن انتقاد للاستخدام الساذج لمصطلحات معينة مثل ~~«الشيء» و«الإدراك الحسي» و«الوجود» وذلك بالمسلمة العامة بأن مسألة ما إذا ~~كان لجملة ما أي معنى على الإطلاق، هي أمر لا بد أن يخضع لفحص دقيق نقدي. ~~والموقف من خلفها، مشتق من المنطق الرياضي. ويصور منهج العلوم الطبيعية ~~كوصلة من الرموز ملحقة بالظواهر. من الممكن أن تجمع الرموز - كما في ~~الرياضيات - حسب قوانين معينة، وبهذه الطريقة يمكن أن تمثل التقارير عن ~~الظواهر بمجاميع من الرموز، فإذا ما كان ثمة مجموعة من الرموز لا تطيع ~~القوانين، فهي ليست خاطئة، إنما هي فقط لا تنقل أي معنى. والمشكلة الواضحة ~~في هذه الحجة هي افتقارنا إلى أي معيار نحكم به عما إذا كانت الجملة بلا ~~معنى؛ فنحن لن نصل إلى حكم حاسم إلا إذا كانت الجملة تنتمي إلى نظام مغلق ~~من المفاهيم والبديهيات، وهذا أمر يعتبر في تطوير العلوم الطبيعية ~~الاستثناء لا القاعدة. يقول التاريخ إن التخمين بأن جملة معينة لا معنى لها ~~قد قاد في بعض الحالات إلى تقدم كبير؛ إذ فتح الباب لتوطيد علاقات جديدة ~~كانت مستحيلة لو كان للجملة معنى. ولقد ناقشنا في نظرية الكم مثالا هو ~~الجملة: «في أي مدار يتحرك الإلكترون حول النواة». لكن المخطط الوضعي ~~المستمد من المنطق الرياضي هو على ms193 العموم نطاق ضيق للغاية في وصف الطبيعة ~~يستخدم بالضرورة كلمات ومفاهيم يصعب تعريفها إلا في صورة مبهمة. ولقد قادت ~~القضية القائلة إن كل المعرفة تتركز في نهاية المطاف في الخبرة، قادت إلى ~~مسلمة تتعلق بالتفسير المنطقي لأي تقرير عن الطبيعة. ربما كان هناك ما يبرر ~~مثل هذه المسلمة في مرحلة الفيزياء الكلاسيكية، لكن قد عرفنا منذ أن ظهرت ~~نظرية الكم أنها لا يمكن أن تحقق، إن موقع وسرعة الإلكترون كلمتان يبدو ~~أنهما محددتان من ناحية المعنى والارتباطات المحتملة، والحق أنهما كانتا ~~مفهومين واضحي التحديد داخل الإطار الرياضي لميكانيكا نيوتن، لكن الواقع ~~أنهما ليستا كذلك، تخبرنا بذلك العلاقات اللامحققية؛ فقد نقول إن الموقع في ~~ميكانيكا نيوتن كان محددا تماما، لكن العلاقة بالطبيعة لم تكن كذلك. وهذا ~~يبين أننا أبدا لن نستطيع أن نعرف مقدما أية قيود قد تكتنف قابلية تطبيق ~~مفاهيم معينة عندما نمد موقفنا إلى مناطق من الطبيعة بعيدة لا يمكننا ~~اختراقها إلا باستخدام أعقد الأدوات. علينا إذن في عملية الاختراق أن ~~نستخدم مفاهيمنا أحيانا بطريقة لا تبرر ولا تحمل أي معنى. والإصرار على ~~مسلمة التفسير المنطقي الكامل سيجعل العلم مستحيلا، وسيذكرنا علم الفيزياء ~~الحديث هنا بالحكمة القديمة القائلة: على كل من يريد ألا يتفوه بخطأ أن يصمت.» # 84 # نتائج البحث # بعد هذه الجولة السريعة من عرض «إبستمولوجيا مبدأ اللايقين عند فيرنر ~~هيزنبرج»، فإنه يمكننا أن نخلص إلى أهم النتائج وذلك على النحو ~~التالي: # إن المفهوم اللاحتمي الذي تمسك به أنصار مدرسة كوبنهاجن إنما هو نتيجة ~~للارتباط والتمسك بمفهوم معين للحتمية هي الحتمية الميكانيكية التقليدية؛ ~~فالميكانيكا التقليدية تتميز بالتحديد الفردي للظاهرة تحديدا مكانيا ~~زمنيا مطلقا؛ أي يرتبط بالماضي والحاضر والمستقبل، ويجعل من التنبؤ بها ~~أمرا يقينيا. # إن إقامة الحرية الإنسانية استنادا إلى حرية الإلكترون ومبدأ عدم ~~التحديد هو تفسير غير سليم من الناحية المنهجية؛ لأننا بهذا نرتكب ذات ~~الخطأ الغائي الذي ارتكبه فلاسفة اليونان، وبالأخص أبيقور عندما جعل من ~~الميل سندا لإثبات حرية الإنسان؛ فتطبيق تصورات فيزيائية على تجربة ~~إنسانية ms194 - هي الحرية - عملية غير ملائمة. # إن فكرة اللاحتمية والذاتية عند هيزنبرج ومدرسة كوبنهاجن قائمة على ~~مبدأ وهو أنهم يحدون الموضوعية والتي يأنفون منها بحدود نيوتونية، بدلا من ~~أن يجعلوا من النيوتونية، مقاربة معينة من الموضوعية. إن التحديد الدقيق ~~لموضع الجسيم وسرعته في لحظة معينة عند نيوتن، ليس هو الحد المطلق للتحديد ~~الدقيق وللموضوعية العلمية، وإنما هو شكل من أشكال التحديد بالنسبة للظواهر ~~التي يمكن عزلها عزلا نسبيا ودراستها دراسة فردية. # إن المفهوم اللاحتمي عند هيزنبرج ومدرسة كوبنهاجن، إنما هو نتيجة ~~للارتباط والتمسك بمفهوم معين للحتمية هي الحتمية الميكانيكية التقليدية. ~~فالميكانيكا التقليدية تتميز بالتحديد الفردي للظاهرة تحديدا مكانيا ~~زمنيا مطلقا؛ أي يرتبط بالماضي والحاضر والمستقبل، ويجعل من التنبؤ بها ~~أمرا يقينيا؛ ولهذا كان التحديد الاحتمالي في الفيزياء الحديثة حتميا ~~لعدم انطباقه على الحتمية الميكانيكية. # إن تفسير كوبنهاجن ليس خاليا من النقائص؛ فما يزال الكثيرون من ~~الفيزيائيين يشعرون بالضيق بالنسبة للنظرية، التي يلزم قبل تطبيقها من ~~توسيع الصورية بفروض إبستمولوجية (معرفية) معينة. أما حقيقة أن تفسير ~~كوبنهاجن يرتكز على قبول الوجود المسبق للعالم الكلاسيكي الكبير، فإنها ~~تبدو حقيقة دائرية ومتناقضة؛ لأن العالم الكبير يتألف من عالم الكم ~~الصغير. # إذا كان أينشتين قد استبعد المنهج الاحتمالي كأساس للفيزياء النظرية ~~بوجه عام، فذلك راجع لكونه يمثل نتيجة لربطه جوهر الفيزياء النظرية بالوصف ~~الفردي الكامل. # إن الخبرة الضخمة التي تمدنا بها الاستعانة بالاحتمال في الفيزياء ~~الحديثة تكشف عن أن الاحتمال ليس وصفا غير كامل للظواهر، وإنما صورة ~~ملائمة وانعكاس دقيق للوقائع الموضوعية؛ فالاحتمال صفة واقعية موضوعية ~~وليست جهلنا نسقطه على الواقع؛ فالظواهر الفيزيائية بما تتميز به من تشابك ~~وتداخل وصيرورة وقابلية للتغير والارتدادية تجد في حساب الاحتمال التعبير ~~عن حقيقتها. إن الظواهر التي تدرسها الفيزياء الحديثة لا تتميز بالحتمية ~~الميكانيكية لا لنقص في معرفتنا أو لقصور منهجي أو لعدم دقة في القياس، ~~وإنما لطبيعة هذه الظواهر نفسها، لطبيعتها غير الارتدادية ولطبيعتها ~~المتداخلة المتشابكة المترابطة التي لا سبيل إلى تجزئتها إلى فرديات منعزلة ~~بدون الخروج بها ms195 عن تلك الطبيعة. عندما قام الفيزيائي الألماني ماكس بلانك ~~بوضع ميكانيكا الكم والكوانتم، والتي تبحث في قوانين الجزيئات والأجسام ~~الصغيرة، كانت المفاجأة حين أعلن بلانك أن حركة الجسيمات لا يمكن التنبؤ ~~بها، وأن حركة الجزيئات لا تخضع لما يعرف بالحتمية المادية، وظل الأمر ~~مستغلقا مريبا إلى أن أتى هيزنبرج، وقام بالتأصيل للنظرية تأصيلا علميا ~~فيما يعرف بمبدأ اللايقين. # لقد نجح هيزنبرج في أن يزيل الغموض الذي بقي يحيط بكيفية انتقال ~~الإلكترون من مدار لآخر؛ إذ ماذا يحدث عندما ينتقل الإلكترون من مدار لآخر؟ ~~وماذا تكون طبيعته وهو «بين» المدارين؟ هل تتم النقلة من مدار إلى آخر ~~بكيفية متصلة أم بكيفية أخرى؟ وقد كانت إجابته تقوم على القول بضرورة ~~التخلي كلية عن تصور الإلكترون كما لو كان يمثل جسيما صغيرا تنطبق عليه ~~قوانين الحركة في الفيزياء الكلاسيكية. وعلى ضرورة اعتباره لا على أنه جسم ~~ينتقل من مكان لآخر، بل كشيء يوجد بصورة متأنية في أمكنة مختلفة؛ وبالتالي ~~لا يمكن أن يوجد «بين» مدارين مختلفين؛ لأن له طبيعة تخالف طبيعة الأجسام ~~القابلة للإدراك تجريبيا. # إن المحاولة التي قام بها هيزنبرج الرامية إلى توضيح بعض الغموض الذي ~~بقي عالقا بمسألة «انتقال» الإلكترون من مدار إلى آخر. ومسألة طبيعته عندما ~~يكون خلال فترة «الانتقال» بين المدارين، كانت بمثابة القطيعة الكبرى مع ~~العلم القديم؛ ذلك أنها تضمنت القول بضرورة التخلي عن تصور الإلكترون كما لو ~~كان جوهرا ماديا صغيرا يخضع لنفس القوانين التي خضع لها العالم ~~المعتاد، وعلى ضرورة تصوره ك «شيء يوجد» بكيفية متأنية في مواقع ~~مختلفة. # إن مبدأ اللايقين كشف عن أن العلم قد جرد المادة من كيفياتها المادية، ~~كما سلخ عنها الصبغة الواقعية التي قالت بها العقلانية الديكارتية بإمكان ~~تحديدها بالشكل والحركة باعتبارها أجساما تتحرك في مكان معين. لقد تغير ~~مفهوم النقطة المادية في الفيزياء الحديثة؛ إذ لم تعد نقطة معينة في المكان ~~تعيينا سكونيا، بل غدت مركزا لحركة دورية تنتشر حولها. # إن أينشتين كان على حق في انتقاداته لتفسير كوبنهاجن؛ فهو ms196 لم يتشكك في ~~الواقع الموضوعي، كما لم يربطه بالذات الملاحظة وبأدوات القياس. لقد كان ~~على أتم اقتناع بحتمية الظواهر الكونية كبيرها وصغيرها، وبأن الاحتمال لا ~~يعكس خاصية صميمة لمجال الظواهر اللامتناهية في الصغر، بل يعكس جهلنا ~~أمامها، وبإمكان تحديد الظاهرة تحديدا حتميا في المكان والزمان. # إن مبدأ اللايقين عند هيزنبرج قد فك الحصار الذي ضربته حتمية نيوتن على ~~الكون بما في ذلك الإنسان. والأساس المنطقي الذي يعتمد عليه هذا اللاتحديد ~~هو نظرية الاحتمالات، بمعنى أن حتمية نيوتن قد قامت على فكرة المسار الثابت ~~والتي تحتم الجمع بين الموضع والسرعة بالنسبة للشيء المتحرك، ولكن بناء على ~~معادلة هيزنبرج على هامش الخطأ، فمن المستحيل الجمع بين الدقة الكاملة في ~~قياس الموضع والسرعة بالنسبة لحركة الإلكترون. # إن النزعة الموضوعية عند أينشتين كان لها مفعول السحر على بعض فلاسفة ~~العلم وبالأخص كارل بوبر؛ إذ أكد بوبر على مناصرته للمعرفة الموضوعية التي ~~يرى أنها معرفة بلا عارف، كما أنها معرفة بلا ذات عارفة؛ فلا توجد في نظرية ~~بوبر قضايا ملاحظة أولية تتجاوز ما - نظريا - يمكن أن تبنى النظرية عليها؛ ~~وبالتالي تتعارض أفكار بوبر مع نظرية الكوانتم؛ حيث إن الذات تقوم بدور ~~محوري داخل هذه النظرية، ولا يمكن فصلها عن موضوع المعرفة. بالإضافة إلى أن ~~قضايا الملاحظة الخاصة بنظرية الكوانتم لا يمكن أن تكون حسية، ولكنها بالفعل ~~تقع فيما وراء الإدراك الحسي. # قائمة المصادر والمراجع ~~(أ) قائمة المصادر والمراجع العربية والمترجمة ~~(1) # د. بدوي عبد الفتاح: فلسفة العلوم، دار قباء، القاهرة، 2000م، ~~ص218-219. ~~(2) # بول موي: المنطق وفلسفة العلوم، ترجمة د. فؤاد حسن زكريا، ~~مراجعة د. محمود قاسم، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1962م. ~~(3) # جان لويس ديتوش: الحتمية واللاحتمية في الفيزياء الحديثة، ~~ترجمة د. محمد عابد الجابري، ضمن كتابه «مدخل إلى فلسفة العلوم: ~~العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي»، مركز دراسات الوحدة ~~العربية، بيروت، الدار البيضاء، ط3، 1994م. ~~(4) # جورج جاموف: قصة الفيزياء، ترجمة وتقديم د. محمد جمال الدين ~~الفندي، دار المعارف، القاهرة، 1964م. ~~(5) # د. ب. جريبانوف وآخرون: أينشتين والقضايا الفلسفية ms197 لفيزياء ~~القرن العشرين، ترجمة ثامر الصفار، الطبعة الأولى، الأهالي للطباعة ~~والنشر والتوزيع، دمشق، 1990م، ص55 وما بعدها. ~~(6) # سام تريمان: من الذرة إلى الكوارك، ترجمة د. أحمد فؤاد باشا، ~~عالم المعرفة، العدد 327، مايو 2006م. ~~(7) # د. سالم يفوت: فلسفة العلم المعاصرة ومفهومها للواقع، دار ~~الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1968م. ~~(8) # د. السيد نفادي: الضرورة والاحتمال بين الفلسفة والعلم، الطبعة ~~الأولى، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1983م، ص145. ~~(9) # عبد الفتاح غنيمة: نحو فلسفة العلوم الطبيعية «النظريات الذرية ~~والكوانتم والنسبية»، القاهرة، بدون تاريخ. ~~(10) # فليب فرانك: فلسفة العلم «الصلة بين العلم والفلسفة»، ترجمة د. ~~علي علي ناصف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، ~~بيروت، 1983م، ص278. ~~(11) # فيرنر هيزنبرج: الطبيعة النووية، ترجمة د. سيد رمضان هدارة، ~~دار العالم العربي، سلسلة ألف كتاب، القاهرة، بدون تاريخ، ص3-4. ~~(12) # ______ ~~: ~~الفيزياء والفلسفة، ترجمة د. أحمد مستجير، المكتبة الأكاديمية، ~~1993م. ~~(13) # ______ ~~: ~~محاورات الكل والجزء «محاورات في مضمار الفيزياء الذرية» لهيزنبرج، ~~ترجمة محمد أسعد عبد الرءوف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ~~القاهرة، 1986م. ~~(14) # ______ ~~: ~~فيزياء الذرة وقانون السببية: ترجمة د. محمد عابد الجابري، ~~ضمن كتابه «مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر ~~العلمي»، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الدار البيضاء، ~~ط3، 1994م. ~~(15) # كارل همبل: فلسفة العلوم الطبيعية، ترجمة وتعليق د. جلال موسى، ~~دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، القاهرة-بيروت، القاهرة ~~- بيروت، 1976م. ~~(16) # د. ماهر عبد القادر: فلسفة العلوم الطبيعية «المنطق ~~الاستقرائي»، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية. ~~(17) # د. محمد زكي عويس: دنيا الفيزياء، المكتبة الأكاديمية، ~~القاهرة، 2000م. ~~(18) # د. محمد عبد اللطيف مطلب: الفيزياء والفلسفة، الجزء الثاني، ~~وزارة الثقافة الأعلام، العراق، 1985م. ~~(19) # د. محمود فهمي زيدان: من نظريات العلم المعاصر إلى الموقف ~~الفلسفي، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ط1، الإسكندرية، ~~2004م. ~~(20) # محمود أمين العالم: فلسفة المصادفة، دار المعارف، القاهرة، ~~1970م. ~~(ب) قائمة المصادر والمراجع الأجنبية ~~(1) # James C. O’Flaherty: Werner Heisenberg on the ~~Nazi Revolution: Three Hitherto Unpublished Letters, Journal ~~of the History of Ideas, Vol. 53, No. 3 (Jul.-Sep., 1992), pp. ~~489-490. ~~(2) # Rudolf Ladenburg and ms198 Eugene Wigner: Award of ~~the Nobel Prizes in Physics to Professors Heisenberg, ~~Schroedinger and Dirac, The Scientific Monthly, Vol. 38, No. 1 ~~(Jan., 1934), pp. 86-91. ~~(3) # Richard Schlegel: Statistical Explanation in Physics: The Copenhagen Interpretation, Synthese, Vol. 21, ~~No. 1, Mar., 1970, pp. 80-81. ~~(4) # Mara Beller: The Rhetoric of Antirealism and ~~the Copenhagen, Philosophy of Science, Vol. 63, No. 2, Jun., ~~1996, p. 183. ~~(5) # Michel Paty: The Nature of Einstein’s ~~Objections to the Copenhagen Interpretation of Quantum ~~Mechanics, Foundations of Physics, Vol. 25, No. 1, 1995, pp. ~~183-184. ~~(6) # Nevill Mott and Rudolf Peierls: Werner ~~Heisenberg. 5 December 1901-1 February 1976, Biographical ~~Memoirs of Fellows of the Royal Society, Vol. 23 (Nov., 1977), ~~pp. 213-251. ~~(ج) المعاجم والموسوعات ~~(7) # Biogrphical Dictionary of Scients, Edited by ~~Trevor Williams, Harper Collins Publishers, Glasgow, 1994, pp. ~~332-234. ms199