######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : القرآن في الفكر الإسلامي #META# cat: الجوامع والمجلات ونحوها #META# bkid: 462 #META# الكتاب: القرآن في الفكر الإسلامي #META# bkord: 407 #META# iso: القران في الفكر الاسلامي #META# comp: 1 #META# bk: القرآن في الفكر الإسلامي #META# max: 72 #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO القرآن في الفكر الإسلامي هل هو مخلوق أم قديم ؟ # بقلم الأستاذ / ماجد بن هاشم المتوكل # --------- ### | AUTO الحلقة الأولى ### || AUTO مدخل تاريخي :- # مسألة خلق القرآن - الذي هو كلام الله - من أبرز وأشهر المسائل الكلامية ~~وأكثرها خصوصية وحساسية في تاريخ الفكر الإسلامي بشكل عام ، وعلم الكلام ~~بشكل خاص مع أنها فرع وليست أصلا كونها تندرج تحت أصل التوحيد لدى العدلية ~~، وخصوصيتها تعود إلى ما قيل في إحدى التفسيرات من أن علم الكلام سمي بهذا ~~الاسم نسبة إلى موضوعها الأساسي الذي دار حوله خلاف فكري حاد بين المسلمين ~~وهو ( كلام الله عزوجل هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟) . # أما شهرتها وحساسيتها - دون غيرها من مسائل ومباحث أصول الدين وعلم ~~الكلام - فتعود إلى تلك الأحداث التاريخية المأساوية التي عرفت في كتب ~~التاريخ بالمحنة ، واختلط فيها الفكر بالسياسة ، وكان لهذه الأخيرة دور ~~رئيسي في إخراج المسألة من إطارها الفكري ، وتأجيج الصراع بين المعتزلة ~~وأهل الحديث ، وإشعال الفتنة والعداء الفكري بينهما الذي امتد للأسف الشديد ~~وألقى بظلاله بعد ذلك على سائر المسلمين ومدارسهم سواء بالموافقة لهذا ~~الطرف (فكريا ) أو ذاك . PageV01P001 # إثر تدخل الدولة السافر آنذاك - ممثلة في الخلفاء العباسيين بدءا بالمأمون ~~عام 218ه - لحسم الخلاف والصراع الفكري بالقوة لصالح هذا الطرف ضد ذاك ثم ~~العكس زمن المتوكل العباسي عام 232ه - من خلال ممارسات قمعية علنية بدأت ~~أحداثها من زمن الخليفة العباسي المأمون الذي عرف بميله إلى مذهب المعتزلة ~~ومنهجهم العقلي ، فقربهم - بعد كبت واضطهاد فكري وقمع سياسي سابق - وتبنى ~~مذهبهم وآراءهم - بعد أن كان محظورا عليهم نشرها أو الإعلان عنها - وقلد ~~أحد رجالاتهم القضاء والوزارة ، ( وهو القاضي المعتزلي أحمد ابن أبي داود ) ~~، وفي عام 218ه كتب كتابا بإيعاز ابن داود - إلى ولاته وعماله على الأمصار ~~والأقاليم يأمرهم فيه بأن يحملوا الناس على القول ب ( خلق القرآن ) ، ~~ويمتحنوا القضاة والمحدثين والفقهاء في ذلك ، ... الخ . PageV01P002 # وبدأت المأساة بعقدة لتلك المجالس في بغداد لامتحانهم ومناظرتهم والتي يشرف ~~عليها ويعقدها بعد ذلك ابن أبى داود ليتعرض الكثيرون للجلد والسجن ms01 وقطع ~~الأرزاق ، وبلغ الأمر حد قتل البعض وقد أجاب منهم من أجاب خوفا ورهبه ~~وامتنع آخرون ومنهم الإمام احمد بن حنبل ،واستمرت تلك السياسة والمحاكمات ~~في عهد المعتصم ثم الواثق وبإشراف من أبي داود قرابة أربعة عشر عاما انتهت ~~عام 232ه ، عرفت في تاريخ الفكر الإسلامي ب( محنة خلق القرآن )بعد أن طالت ~~سنواتها واشتد الأمر فيها على أهل الحديث وطغت مظاهر الاضطهاد والقمع ~~والتنكيل بالعلماء وازداد خلالها سخط العامة ونقمتهم وكراهيتهم للمعتزلة ~~وانعكس ذلك وبشده على موقفهم من فكر المعتزلة والآراء الكلامية ومسألة خلق ~~القرآن بشكل خاص ناهيك عن كونها من المسائل الكلامية التي يصعب عليهم فهمها ~~واستيعابها وإدراك موضوعها الكلامي وهضم أدلتها العقلية ما يجعلهم يرفضونها ~~وينفرون منها فما بالك وقد فرضت عليهم بالقوة وتعرض للجلد والسجن بسببها ~~صلحاؤهم وعلماؤهم من أهل الفقه والحديث الذين هم اكثر ارتباطا بهم وتأثيرا ~~عليهم وانقيادا لهم . PageV01P003 # ومن المؤسف أن المعتزلة لم يكونوا مجرد مؤيدين بل كانوا وراء كل ذلك منذ ~~البداية برغم انهم تعرضوا من قبل للإضطهاد والكبت والإرهاب الفكري والقمع ~~السياسي بسبب آرائهم وحوربوا من قبل التيار النصوصي الغالب لاسيما مدرسة ~~أهل الحديث التي عرفت بموقفها العدائي منهم ومن منهجهم والمتكلمين بشكل عام ~~واعتبرتهم أهل أهواء وبدع وعبأت العامة ضدهم ، وقد تعرض الكثير من المعتزلة ~~الذين كانوا محظورا عليهم أن يعلنوا عن آرائهم فضلا عن أن ينشروها - تعرضوا ~~للسجن في عهد هارون الرشيد وقد روي انه أقسم أن يضرب عنق بشر المريسي أحد ~~علمائهم لما بلغه انه يقول بأن القرآن مخلوق بل أن ذلك وقع منه بالفعل بحق ~~أحدهم بسبب هذا القول . حيث روى ابن كثير في تاريخه أن بعضهم قال : " دخلت ~~على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل ~~المقتول ، فقال الرشيد قتلته لأنه قال القرآن مخلوق (1) " . # الهوامش :- # (1) نقلا عن أسد حيدر ( الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ) ج2 ص452 . PageV01P004 # ومن جهة أخرى فإن المعتزلة عرفوا بمنهجهم العقلي وتحررهم الفكري ومحاربة ~~الجمود والتقليد ودورهم الذي لا ms02 ينكر في الدفاع عن العقيدة الإسلامية في ~~مواجهة الحملات الفكرية التي كان يشنها أعداء الإسلام من اتباع الديانات ~~الأخرى وغيرهم ضد الإسلام إلى جانب ما تسرب إلى المجتمع الإسلامي وراج بين ~~العامة من أفكار خاطئة ومدسوسة نتيجة ذلك .. كما لا ينكر أن الحضارة ~~الإسلامية على صعيد العلوم والفكر والفلسفة والترجمة شهدت ازدهارا كبيرا ~~خلال الفترة التي سادوا فيها فكريا وسياسيا وبرغم كل ذلك إلا انهم افسدوا ~~أمرهم بارتكابهم لذلك الخطأ القاتل والعمل الشنيع واستغلالهم لنفوذهم في ~~استعداء الدولة ضد خصومهم ودفع المأمون إلى تبني رأيهم في القرآن والإعلان ~~عنها كعقيدة رسمية للدولة وفرضها بالقوة والإكراه على المحدثين والقضاء ~~باعتبار أن استجابة الناس مرهونة باستجابتهم فكان ماكان من محاكمات ~~وامتحانات وحبس وجلد وتنكيل وقتل وغير ذلك مما تجاوزوا فيه حدود الشرع ~~والعقل وخالفوا مبادئهم نفسها القائمة أساسا على الحرية التي اصلوا لها على ~~المستوى النظري أساءوا إليها وصادروها على المستوى التطبيقي فكانت تلك ~~الضجة وتلك المحنة هي غلطتهم الكبرى التي أساءوا فيها للفكر ودفعوا ثمنها ~~غاليا فكرا وفرقة ، بعد أن استمرت محنة خلق القرآن ما يقارب الأربعة عشر ~~عاما حتى إذا ما تولى المتوكل العباسي عام 232ه الذي أراد أن يكسب العامة ~~أقصى المعتزلة ونكل بهم ومنع الكلام والتحدث والجدل والرواية وانتصر ~~للمحدثين وقربهم إليه وأعلى من شأنهم لاسيما الإمام احمد بن حنبل واسند ~~إليهم القضاء وأطلق يدهم على البلاد والعباد جاء انتقام هؤلاء واتباعهم ~~وأنصارهم من العوام والجهله جارفا وعنيفا ومتجاوزا لكل حل ليقضوا على ~~المعتزلة كفرقة والى الأبد وعلى كتبهم ومؤلفاتهم وتراثهم الفكري الضخم ~~والمتميز عدا النزر اليسير مما لم تطاله أيديهم . PageV01P005 # أما على صعيد مسألة خلق القرآن - وهو ما يهمنا هنا - فإنهم لم يترددوا في ~~تجاوز حدود الشرع بتفكيرهم - ومنهم الإمام احمد بن حنبل كما نقله عنه ~~الحنابلة - للقائلين بخلق القرآن كفرا يخرج من الملة !! بل كفر من لم ~~يكفرهم أو يشك في كفرهم !! # ومن ذلك قول أبي حاتم الرازي أحد علماء الحنابلة كما جاء في طبقات ~~الحنابلة ms03 ( 1/286 ) :- ( من زعم انه مخلوق مجعول - يعني القرآن - فهو كافر ~~كفرا ينقل به عن الملة !! ، ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر ) ~~(2) ، ناهيك عن قولهم :" إن من هذه مقالته إن لم يتب لم يناكح ولا يجوز ~~قضاؤه ولا تؤكل ذبيحته ) .(3) . # أما على الصعيد الفكري فإن رأيهم في مسألة خلق القرآن لم يتوقف عند حدود ~~اعتبارها من الأقوال والاعتقادات الكفرية المخرجة عن الملة كما رأينا بل ~~تجاوزوا ذلك إلى الخوض في موضوعها بغير علم أو مستند ليتبنوا وجهة النظر ~~المعارضة وهي القول بأن القرآن قديم وغير مخلوق في مقابل القول بأنه مخلوق ~~(4) ويحملون الناس على ذلك ويرهبونهم ، ويمتحنون كل قادم عليهم من الأمصار ~~الأخرى حتى وإن لم يكن عارفا بقولهم ولا مدركا لموضوعه ، # فإن سئل عن القرآن واكتفى بالقول بأنه كلام الله ، وتوقف ولم يقل ~~بمقالتهم ،لم يقبلوا منه ذلك حتى يقول بمقالتهم فإن أجاب أجازوه وإن أبى ~~وتوقف حكموا بكفره واعتبروه من الواقفة الملعونة !! وفي ذلك يقول الشيخ ~~محمد أبو زهرة في كتابه أحمد بن حنبل ص294 : " كان يكفي أن يقول الرجل ~~القرآن غير مخلوق حتى يستجاز قوله وإن تردد ولو للتروي والتفكير نبذ ورد " ~~. ( 5 ) . # الهوامش :- # (2) نقلا عن المالكي قراءة في كتب العقائد ص113 . # (3) نقلا عن أسد حيدر ( الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ) ج2 ص520 ..... # (4) يدلك على هاجس المعارضة والمخالفة لديهم ما نقله المالكي في كتاب ( ~~قراءة في كتاب العقائد ) ص159 من كتاب السنة والخلال (5/134 ، 136) من أن ~~الحنابلة قالوا : ( إذا قلنا : القرآن كلام الله ثم لا نقول مخلوق ولا غير ~~مخلوق لم يكن بيننا وبين هؤلاء الجهمية خلاف ( !! # (5) نقلا عن أسد حيدر ) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ) ج2 ص520 . PageV01P006 # في حين ان أساس موقف أهل الحديث - الذين تعرضوا بسببه من قبل لما تعرضوا له ~~أبان المحنه - وهو الامتناع عن القول بخلق القرآن والاكتفاء بالقول بأن ~~القرآن كلام الله ولم يكونوا يرون بأن القرآن غير مخلوق أصلا بل كانوا ~~متوقفين ! ، بحجة أن النبي صلى الله عليه وآله سلم ms04 لم يتناول الموضوع برمته ~~كونهم أهل حديث ورواية وليسوا أهل فكر ونظر - ولا خاض فيه الصحابة ولا ~~التابعون الأخيار ولا ورد نص في كتاب الله ولا سنة نبيه تصف القرآن صراحة ~~بأنه مخلوق .. وكانوا ينهون نتيجة لذلك عن الخوض في الاراء الكلامية ~~ويعتبرون ذلك بدعة في الدين .. # وإذا بهم يتجاوزون نهيهم وتبديعهم هذا وحججهم تلك ومنهجهم النصوصي ~~بتبنيهم بعد ذلك القول بأن القرآن غير مخلوق ! ، وهذا خوض واضح فيما نهوا ~~عنه أنكروه بشده على خصومهم وفيما لم يخض فيه الصحابة ودون علم أو دليل ~~أصلا ناهيك عن أن يكون ثمة نص قرآني أو حديث نبوي لاصريح ولا غير صريح يؤيد ~~ما ذهبوا إليه ليتبعهم على ذلك اتباعهم ومقلدوهم من أدعياء العلم والعوام ~~والجهلة وكل من لافهم له أو علم ويرددونه ويحاكمون الآخرين في أمره ~~ويمتحنونهم متمسكين بالألفاظ لا يفهمون معانيها ولا يدركون حقيقتها تعصبا ~~وتقليدا ومتابعة عمياء لا أكثر . # ونشير هنا إلى أن فكرة قدم القرآن كانت قد ظهرت على نطاق ضيق وهناك شواهد ~~تاريخية تشير إلى ذلك ، وتبني أهل الحديث لها بعد ذلك وان كان قد أتى في ~~سياق ردود الأفعال العكسية والمعارضة اللاوعية لأعدائهم المعتزلة ، إلا انه ~~يعتبر نتيجة طبيعة في نهاية المطاف لموقفهم المعارض منذ البداية من القول ~~بخلق القرآن وهو موقف كان له أسبابه الفكرية والمنهجية المعرفية وقد أشرنا ~~سابقا إلى بعضها وسنأتي عليها في الحلقات القادمة إن شاء الله عندما نتناول ~~المسألة في زاوية فكرية محضة .. PageV01P007 # كما يجب أن نشير إلى أن الحنابلة على وجه الخصوص هم الذين أقاموا الدنيا ~~ولم يقعدوها وقادوا حركة الانتقام لذلك وفرضوا أنفسهم كممثلين لأهل الحديث ~~وفعلوا ما فعلوه وخاضوا في المسألة بغير علم ولا فهم وأحدثوا كل تلك الضجة ~~وأثاروا العوام والجهلة ( وجل اتباعهم منهم ( . # وعرفوا دون سائر مذاهب أهل السنة وعلمائها واتباعها بالتعصب الشديد ~~والسطحية والإغراق في النصوصية والحشو والتجسيم والتشبيه واشتهروا بتكفير ~~وتفسيق وتبديع مخالفيهم وهم الذين أطلقوا فتاوى التكفير تلك بحق القائلين ~~بخلق القرآن وتكفير من ms05 لم يكفرهم أو يشك في كفرهم أو يتوقف في أمر القرآن ~~برمته متجاوزين بذلك ابسط الظوابط الشرعية خلافا لغيرهم ممن تبنوا القول ~~بأن القرآن غير مخلوق ،- وذلك من حقهم بالطبع ولا ننكره عليهم- وهم ~~الأشاعرة وجمهور أهل السنة من الشافعية والمالكية والحنفية الذين برغم ~~اتفاقهم مع الحنابلة في أمر القرآن من حيث المبدأ إلا انهم لم يسلموا أيضا ~~من فتاوى التكفير الحنبلية لأنهم خالفوا الحنابلة في التفصيل ، وقالوا بأن ~~) لفظنا بالقرآن مخلوق ( ، فكفر الحنابلة من يقول بذلك ، وقد نقلوا هذا ~~التكفير عن إمامهم احمد بن حنبل وبهذا فإن سائر المسلمين كفار لدى الحنابلة !! ، # حيث وأن المعتزلة والزيدية والإمامية والأباضية يقولون بخلق القرآن ~~والأشاعرة وجمهور السنة يقولون لفظنا به مخلوق !! . PageV01P008 # علما بأن هناك من أئمة أهل الحديث من يقول بهذا القول الأخير وفي مقدمتهم ~~البخاري صاحب الصحيح ، بل إن منهم من ثبت انه يقول بخلق القرآن وحسبنا أن ~~نذكر أحد مشائخ البخاري الكبار ومن كانوا يسمونه أمير المؤمنين في الحديث ~~وهو علي المديني ، إلى جانب عدد من الرواة ممن كانوا يروون عنهم ويوثقونهم ~~قبل المحنه ، وبعد ذلك اتضح انهم يقولون بخلق القرآن أسقطوا عدالتهم وطعنوا ~~فيهم وجرحوهم !! ، وكل ذلك يؤكد بأن كلام الله - ومنه القرآن - هل هو مخلوق ~~أم غير مخلوق ؟ هي أولا وأخيرا وبغض النظر عن أي شيء آخر مسألة فكرية محضة ~~دار حولها الخلاف بين المسلمين ولكل فريق رأيه وأسبابه الفكرية وأدلته ، ~~والعبرة فيها بالدليل والحجة والبرهان ، لا بالتعصب والمعارضة اللاواعية ~~والتقليد الأعمى والتكفير ، وما حدث من فرض المعتزلة لرأيهم فيها بالقوة ~~وتعرض المحدثين لما تعرضوا له من محنه ، أمر يدينه ويستنكره ويرفضه ويحكم ~~بتجاوزه للشرع كل عاقل منصف . # وكذلك الحال بالنسبة لما فعله الحنابلة بالمقابل مما كان أعظم وأشد من ~~المحنة ، وإقرار هؤلاء أو أولئك على ما فعلوه إقرار بالباطل باعثه التعصب ~~والهوى على حساب الشرع والحق . PageV01P009 # ولعله من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن هناك فرقا آنذاك كانت تقول بخلق ~~القرآن ، أئمة وعلماء كبار لهم وزنهم ومكانتهم ms06 بين المسلمين ولهم مدرستهم ~~الفقهية والفكرية الكلامية المتميزة والمستقلة التي كان يقصدها الفقهاء ~~وطلاب العلم من كل مكان وتخرج منها الكثير من أعلام الأمة ، إنها مدرسة ~~أئمة أهل البيت عليهم السلام في المدينة المنورة ، ومن ورائهم شيعتهم من ~~الزيدية وغيرهم ، ولو فتشت في كتب التاريخ وغيرها لما وجدت لأولئك الأئمة ~~الأطهار ذكرا في أمر المحنه ، ولا تصريحا برأيهم في تلك المسألة للعامة ، ~~وحاشاهم أن يقروا المعتزلة والدولة على الباطل والظلم ، أو يرضوا بوقوع ما ~~وقع للمحدثين والعلماء من حبس وجلد وسفك دماء ،....، أو يؤازروا الحكام ~~الظلمة على ظلمهم وتسلطهم وكيف لا وهم يعيشون حالة مواجة مستمرة معهم ، وقد ~~نذروا أنفسهم لمقاومة الظلم والجور والإنحراف ، ولقوا في سبيل ذلك ما لم ~~يلقه أحد من ويلات ومآس وتقتيل وتشريد وملاحقة ...الخ . # ولذا لم ينأوا بأنفسهم عن ذلك فحسب وينكروه بل حرصوا على إخماد تلك ~~الفتنه ، حيث كانوا يأمرون شيعتهم والعامة بعدم الخوض في تلك المسألة ~~وإثارتها ، وكان من الطبيعي أن يقصدهم الناس من مختلف الإتجاهات في تلك ~~المعمعة ويسألوهم عن قولهم في القرآن أهو مخلوق أم غير مخلوق ؟ فلا يزيدون ~~على القول بأنه كلام الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وجعله هدى ورحمة للناس ، وغاية ما يمكن يضيفه أحدهم _ إن ألح عليه السائل _ ~~أن يتلوا قوله تعالى : ( وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم ~~يلعبون ( ، وهذا ما لا يسع أحد من المسلمين أن يرده أو يختلف حوله مع آخر ، ~~ومعلوم أن الذكر هو القرآن ، ومحدث ومخلوق بمعنى واحد . PageV01P010 # وكان من الطبيعي أن ترتفع تلك المسألة من أذهان العامة ، ويتوقف ترديدها ~~وإثارتها في أوساطهم وينحصر تناولها وبحثها والخوض فيها على العلماء ~~والمتكلمين ومن إليهم من أهل الفكر والعلم والبحث والإطلاع من الفرقين ، ~~الزيدية والإمامية والأباضية وهم القائلون بخلق القرآن ، في مقابل ~~الماتريدية والأشاعرة نسبة إلى المذهب الأشعري الذي إنتشر وبات غالبية أهل ~~السنة _ يقلدونه في العقائد ، ليتبعهما وينشر مذهبهما بعد ذلك الشيخ محمد ms07 ~~بن عبدالوهاب النجدي في القرن الثاني عشر الهجري ، وإليه ينتسب التيار ~~الوهابي _ السلفي اليوم الذي يمثل في نهاية المطاف إمتدادا للحنابلة ~~ومذهبهم . PageV01P011 # إلا أن التيار ( الوهابي _ السلفي ( _ وإنطلاقا من شعار العودة إلى ما كان ~~عليه السلف _ عمل اليوم للأسف الشديد على بعث تلك المسألة من جديد ليتردد ~~عنوانها على لسان العامة من أتباعه ، وفي إطار إثارته لعناوين المسائل ~~الكلامية الخلافية القديمة ، ومواقف وآراء أسلافه فيها ، وفي المخالفين لهم ~~في الرأي ، ممن يستهدفهم اليوم ويشن حملاته المذهبية ضدهم ، ويعبئ ضدهم ~~العوام والجهلة وأدعياء العلم من أتباعه وطلابه وخطبائه وغيرهم من خلال ~~إثارتها لتلك العناوين ، معيدا ذات الأقوال والأحكام التكفيرية والتضليلية ~~التي رافقتها من قبل وأطلقها أسلافه الحنابلة بحق خصومهم وسائر القائلين ~~فيها بخلاف قولهم ، ومنها مسألة خلق القرآن التي أخذ بعض الكتاب يشيرون ~~إليها بين الحين والآخر ، ويرددها الكثير من أتباع هذا التيار باعتبار _ ~~كما قدمت لهم _ من الأقوال الكفرية التي أحدثها أهل الأهواء والضلال ، ~~وحاربها ( السلف ) ، وتعرضوا بسببها لتلك المحنه ..!! ، ليتمسكوا بوجهة ~~النظر المعارضة المتمثلة في القول بأن القرآن غير مخلوق أو قديم ، لا ~~باعتبار ذلك ناتجا عن فهم حقيقي للمسألة وإدراك لحقيقة موضوعها ومعرفة ~~بأدلتها بل ومعنى قولهم ذاك ناهيك عن الإطلاع على الرأي الآخر ، بقدر ما ~~يندرج تحت شعار أو مبدأ التمسك بما سمي ب ( عقيدة السلف ) ، وهو ناتج عن ~~تقليد أعمى مع تضليل وجهل وانغلاق .. ، والمشكلة أن هؤلاء يرددون مالا ~~يعرفونه حق معرفته ، ويتمسكون بألفاظ لا يفهمونها ، والأعجب من هذا أنهم ~~ينكرون ويشنعون على مخالفيهم اليوم دون فهم أو علم ، ويكتفون بأن يرددوا ~~على مسامعك ما قاله فلان وفلان من أسلافهم في مسألة خلق القرآن والقائلين ~~بها ، وليت هذا التيار سكت عنها ، وترك أمرها للعلماء وأهل الإختصاص لكان ~~خيرا له من إثارتها على ذلك النحو بين العامة . PageV01P012 # ومن المؤسف أن علماء وأقطاب ومرجعيات هذا التيار المتأخرين والمعاصرين لا ~~زالوا يعتمدون في كتبهم ومؤلفاتهم في العقائد أحكام أسلافهم التكفيرية ، ~~ويقدمون تلك المسألة ms08 لأتباعهم على أنها مجرد قول من أقوال الزنادقة وأهل ~~الضلال والأهواء !! ، ولا يعترفون حتى مجرد الإعتراف بأن المسألة برمتها ) ~~القرآن هل مخلوق أم غير مخلوق ؟) مسألة فكرية خلافية بين المسلمين ، ولا ~~يتركون لأتباعهم من طلاب ودارسين وخطباء وغيرهم مجالا لأن ينظروا إليها ~~باعتبارها جزءا من الفكر الإسلامي ، فضلا عن أن يعرضوا رأي مخالفيهم ~~وأدلتهم بأمانة وموضوعية من كتبهم ، ويقدموا بعد ذلك رأيهم وأدلتهم ~~وتفنيداتهم ، لتكون الصور واضحة ، والحقيقة مطروحة أمام الجميع دون حجب أو ~~تغييب أو تضليل أو تعتيم أو تشويه لرأي الخصم ، ناهيك عن التكفير الذي ~~يفترض أن يعودوا في أمره إلى الشرع وضوابطه ، لا إلى أسلافهم وما حكموا به ~~وتجاوزوا فيه حدود الشرع . # وإنطلاقا من كل ما سبق فقد رأيت أن أتناول هذه المسألة من زاوية فكرية ~~محضة ، موضحا من أمرها ما يجهله غالبية الناس بما فيهم متعلمون ومثقفون ~~وغيرهم ومبينا حقيقتها وموضوعها الكلامي الدقيق لأولئك الذين يرددونها بلا ~~علم ، أو يحملون فكرة مغلوطة عنها أو تصورا خاطئا أو صورة مشوهة أو سطحية ، ~~إلى جانب أولئك الذين باتت تشغل بالهم بعد أن تردد عنوانها وتسامعوا به ~~وأثير ضد بعضهم ، خدمة للفكر الإسلامي وتبصرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع ~~وهو شهيد . PageV01P013 ### | AUTO الحلقة الثانية :- # لعله من الأهمية بمكان قبل الدخول في الموضوع أن نوضح للقارئ الكريم ، ~~وباختصار معاني بعض المصطلحات الكلامية لارتباطها بصلب موضوعنا وتكررها ~~معنا بعد ذلك . ### || AUTO ] القديم والأزلي والحادث [ # اتفق علماء الكلام والأصول على أن القدم من صفات الله تعالى الذاتية ~~كالعلم والقدرة ونحوه ، والحدوث من في صفات كل ماهو مخلوق ومحدث # وذلك أن القديم في اصطلاح المتكلمين هو : الموجود الذي لم يسبق بالعدم ( ~~أي ليس مخلوقا ) وما من موجود على هذه الصفة إلا الخالق تبارك وتعالى ، وقد ~~عرفه الإمام يحي بن حمزة عليه السلام بقوله : ( القديم هو مالا أول لوجوده ) . # وعليه فإن القديم هو الله سبحانه وتعالى ، ولا شيء يشاركه في القدم ، ولو ~~شاركه شيء لكان قديما مثله ( لم يسبق بالعدم ) وبالتالي إلها ms09 آخر ، وهذا ~~محال بالطبع لأنه ما من اله غير الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا ~~شريك له ولا شبيه ، وكل ما سواه فهو مخلوق له ومحدث . # والحادث هو عكس القديم أي الموجود المسبوق بالعدم أو الكائن بعد أن لم ~~يكن (المخلوق) . # أما الأزلي فهو في اصطلاح المتكلمين : ما لا أول له وهو الله سبحانه ~~وتعالى ، لذا فإن القدم والأزلية تشتركان في المعنى ..... PageV01P014 # ومن هنا جاء وصفهم لصفات الذات الإلهية ( الحياة والقدرة والعلم ونحوه ) ~~بأنها أزلية قديمة أي أنها مرتبطة بذاته الأزلية القديمة ( بل هي عين ذاته ~~كما أكدته العدلية ، وقائمة بذاته كما ذهب إليه الأشاعرة والحنابلة ) ، فلم ~~يزل الله سبحانه حيا قادرا عالما قبل أن يكون معه شيء وقبل ان يخلق شيئا ، ~~بخلاف صفات الفعل ( الخالقية والرازقية وغيرها ) فهي ليست أزلية قديمة ~~وإنما اتصف الله بها بعد أن خلق المخلوقين فلا يقال بأن الله سبحانه وتعالى ~~خالقا رازقا محييا مميتا ( في الأزل ) ، لأن ذلك يلزم منه وجود المخلوقين ~~مع الله في الأزل ، وبالتالي انتفاء المخلوقية عنهم ، ومشاركته في القدم ~~والأزلية ، ومن ثم في الألوهية خلافا لصفات الذات الثابتة له في الأزل ~~والتي هي عين ذاته أساسا وليست شيئا آخر غير ذاته ، ولا أمرا زائدا على ~~الذات ، نحو قادر عالم بصير سميع حي غني حكيم ، وغير ذلك من الصفات الجارية ~~على الذات لا باعتبار أمر يفعله - كما عرفها الإمام يحي بن حمزة عليه ~~السلام - في مقابل الجارية على الذات باعتبار أمر يفعله ( كالخلق والرزق ~~ونحوه من صفات الفعل ) . # ونعود الى حديثنا . ### || AUTO ] معنى خلق القرآن وقدمه [ # لا يختلف اثنان من المسلمين في أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى الذي ~~أنزله على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو ~~الذي نتلوه في المحاريب ونقرأه في المصاحف بنصه وحرفه دون زيادة أو نقصان ~~وقد خصه الله تعالى بما لم يخص به سائر الكتب السماوية السابقة التي أنزلها ~~على أنبيائه ورسله ، حيث تكفل بحفظه من التحريف والتبديل والتغيير والضياع ms10 ~~... الخ ، قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) # وهو باقي مابقي الدهر ، وسيظل محفوظا مصانا إلى أن يرث الله الأرض ومن ~~عليها . PageV01P015 # أما بالنسبة لمسألة كونه مخلوقا أم قديما ؟ فهي مسألة خلافية لا علاقة لها ~~مطلقا بما تقدم ، كما أن موضوعها لا يدور حول القرآن تحديدا وحصرا من حيث ~~اختصاصه بالإسلام والمسلمين ، وإنما يدور أساسا حول كلام الله بوجه عام ~~المتمثل في القرآن الكريم بشكل خاص مع إيمانهم بالطبع بالكتب السماوية ~~السابقة له من حيث أنها كتب منزله من عند الله تعالى ، وهي كلامه سبحانه ~~وتعالى قبل أن يجري عليها ما جرى ، فإن قيل بأن كلامه قديما أزليا كان ~~القرآن كذلك وسائر الكتب السابقة ، وإن قيل بأنه مخلوق محدث كان القرآن ~~كذلك وسائر الكتب السماوية أيضا . # وعليه فإن القول بأن القرآن قديم ( أو غير مخلوق ) لا يعني - كما يتصوره ~~البعض - أن هناك مصحفا قديما مكتوبا بحرفه ونصه على النحو الذي هو بين ~~أيدينا اليوم ، كان مع الله في الأزل ثم أنزله بعد ذلك على نبينا محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، وكذلك الحال بالنسبة للكتب الأخرى ، لأن ذلك مصادم ~~تماما لعقيدة التوحيد ، باعتباره إثباتا واضحا وصارخا لقدماء آخرين مع الله ~~( مستقلين بذواتهم ) ، وبالتالي آلهة أخرى مع الله سبحانه وتعالى . # والقائلون بقدم القرآن - وإن كان فيه شيء من ذلك وفق ما يلزم عن قولهم ~~كما سنبينه لاحقا - إلا أنهم لا يقولون بذلك التصور على ذلك النحو ، ولا ~~يقصدونه بقولهم ذاك وإنما يعني أن كلام الله الذي نقرأه مكتوبا بين دفتي ~~المصحف الذي بين أيدينا قديم أزلي ، تكلم الله به في الأزل ! قبل أن يخلق ~~أحدا من الخلق المكلفين والمخاطبين بكلامه ذاك ، وكذلك الحال بالنسبة للكتب ~~الأخرى وكلامه فيها الذي أنزله بعد ذلك على أنبيائه ورسله !!.. # أما بالنسبة للقائلين بخلق القرآن فقد أكدوا من خلال قولهم هذا بأن كلام ~~الله الذي نقرأه في القرآن ليس أزليا قديما ولا تكلم الله به في الأزل ، ~~وإنما خلقه وأحدثه وفصل آياته وأحكمه وأنزله ms11 على نبينا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم . PageV01P016 # ناهيك عن أن القول بقدمه يلزم منه إشراك قديم آخر مع الله وبالتالي إله آخر ~~باعتبار أن القدم من صفات الإله ، وهذا مناف لعقيدة التوحيد ، وهو محور ~~المسألة بالنسبة للعدلية ، ذلك أن موضوعها بالنسبة لهم متعلقة بالدرجة ~~الأولى بعقيدة التوحيد وما تقتضيه من وجوب تنزيه الله عن أن يشاركه أحد في ~~القدم وبالتالي في الألوهية ( وسيتضح ذلك اكثر لاحقا ) . # هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن الخلاف حول القرآن على هذا النحو الذي ~~بيناه سابقا ، ترتب عليه خلاف حول إحدى صفات الله عزوجل وهي صفة التكلم ~~بالنسبة للعدلية ، والكلام بالنسبة لمخالفيهم ، مع اتفاقهم - لفظا - على ~~وصف الله تعالى بأنه متكلم ، غير أنهم اختلفوا في معنى كونه متكلما تبعا ~~لخلافهم حول مسألة القرآن ، ذلك أن القول بقدم القرآن وقدم سائر كلام الله ~~المنزل على رسله على اختلاف كتبه كان يعني أن الله سبحانه وتعالى متكلم ~~بكلام أزلي قديم ، أي لم يزل متكلما كما لم يزل قادرا عالما !! ، وهو ما ~~قالوه بالفعل لتصبح صفة التكلم التي عبروا عنها بالكلام من صفات الله ~~الأزلية القديمة ، ليلحقوها بصفات الذات مثلها مثل القدرة والعلم ، وحتى لا ~~يكون كلام الله الذي وصفوه بالأزلية والقدم شيئا مستقلا ومنفصلا عن الذات ، ~~ما يعني وجود قديم آخر غير الله مستقل بذاته ، فقد قالوا بأن كلام الله ~~قائم بذاته ، كما هو قولهم في سائر صفات الذات . # وعليه فإن المتكلم عندهم من قام بالكلام . PageV01P017 # أما بالنسبة للقائلين بخلق القرآن فالمتكلم عندهم من فعل الكلام ، مؤكدين ~~بأن المتكلمية كالرازقية والخالقية من صفات الفعل وليست من صفات الذات ، ~~وأن التكلم هي الصفة أما الكلام فهو أثرها وليس هو نفسه الصفة ، وهو قائم ~~بغير ذاته ، كونه فعلا من أفعاله يحدثه ويخلقه كيفما شاء إذا أراد مخاطبة ~~المخلوقين كما كلم موسى عليه السلام ، وسمع موسى عليه السلام الكلام من ~~تجاه الشجرة ، والله سبحانه لا يتكلم بآلة ولا جارحة ولا صوت ، وإنما يخلق ~~الكلام خلقا . # هذا باختصار هو ms12 موضوع هذه المسألة ومعنى خلق القرآن وقدمه ، وهو ما أردت ~~أن أوضحه للقارئ الكريم بداية ، وسنفصل القول في ذلك ونعرض الأدلة ~~والإشكالات التي طرحها كل فريق أمام الآخر في الحلقات القادمة بمشيئة الله ~~، ولكن بعد أن نبين الأسباب الحقيقية لنشأة هذه المسألة والقول بخلق القرآن ~~باعتباره أول القولين ظهورا . PageV01P018 ### || AUTO ] أسباب نشوء هذه المسألة وعلاقتها بالخلاف بين الإسلام ~~والمسيحية [ # لم تكن مسألة القرآن أمخلوق أم غير مخلوق ؟ مطروحة من قبل في أوساط ~~المسلمين ولا كان هناك ما يدعوا إلى إثارتها بينهم ، أو طرحها أو بحثها ..، ~~ناهيك عن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتكلم فيها ، ولا خاض فيها ~~أحد من الصحابة ولا ورد في كتاب الله تعالى لفظ (مخلوق) صراحة في وصف ~~القرآن فضلا عن قديم أو غير مخلوق ، وبرغم أن الله سبحانه قد وصف القرآن ~~بأنه محدث في قوله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) ، ومجعول في ~~قوله تعالى : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) ، وجعلناه : أي خلقناه ، إلا أنه ~~كان من الطبيعي أن يفاجأ أغلب المسلمين بالقول صراحة بأن القرآن مخلوق ، ~~ويحدث ردود أفعال عكسية لديهم ، لاسيما أن لفظ (مخلوق) بالذات قد بدا - في ~~أذهانهم - وكأنه مناف لقدسية القرآن بل ومعارض لكونه منزلا ، ناهيك عن ~~ارتباطه ( في وجدان العامة بسوء فهم على درجة كبيرة من الخطورة ، فمن ناحية ~~لقد كاد يلتبس عليهم لفظ الخلق بلفظ الاختلاق ، بل إن هذا المفهوم من معاني ~~لفظ الخلق ، وليس مجرد تشابه لفظي ) .(1) # إضافة إلى التباس آخر ( لا يقل خطورة عن السابق في أذهان العامة هو ما ~~يلزم عن تصور المخلوق حيا أنه لابد أن يموت ، إن كل مخلوق فان ) . ) 2( . # الهوامش : - # (1 ، 2 ) الدكتور أحمد محمد صبحي ( في علم الكلام ) ج1 ص136 ،137 . # ........ PageV01P019 # إلا أن نشوء هذه المسألة لم يكن أساسا نتيجة خلاف فكري وقع ابتداء بين ~~فريقين من المسلمين ، ولا كان مجرد ترف فكري أو إرضاء للأهواء كما لازال ~~يتصوره الكثيرون اليوم ويرددونه تبعا لاتهامات أسلافهم ، وإنما هو في ~~الحقيقة ms13 - التي لازالت خافية وغائبة عن الكثيرين - نتيجة الخلاف الرئيسي ~~بين الإسلام والمسيحية ، المتمثل في الاعتقاد بألوهية المسيح عيسى بن مريم ~~عليه وعلى نبينا افضل الصلاة وأتم التسليم ، وكان الخوض فيها من قبل فريق ~~من علماء ومتكلمي المسلمين ضرورة فرضها واجب الدفاع عن العقيدة الإسلامية ، ~~والحاجة الماسة إلى صياغة ثوابتها ومضامينها القرآنية المجملة ومواقفها ~~الحاسمة من ذلك الاعتقاد بالنسبة للمسيحية ، ومن سائر المعتقدات الضالة ~~والباطلة بالنسبة للديانات الأخرى ، صياغة فكرية كلامية وإثباتها بأدلة ~~عقلية في مواجهة الحملة الفكرية الشرسة - الظاهرة والخافية والمتنوعة ~~الوسائل والأساليب - التي تعرض لها الإسلام والمسلمون آنذاك من قبل أصحاب ~~الديانات الأخرى بعد تغلبه على بلدانهم ، ودخول الكثير من أبنائها في ~~الإسلام ، ليواجه تلك المعتقدات التي كان من بينها - فيما يخص موضوعنا - ~~صلب العقيدة المسيحية المتمثل في الاعتقاد بألوهية المسيح عليه السلام . PageV01P020 # أما علاقة ذلك بمسألة ( كلام الله ) هل هو مخلوق أم قديم ؟ فيعود إلى كون ~~المشكلة الأساسية التي واجهتها المسيحية على إثر ظهور القول بألوهية المسيح ~~عليه السلام ، وإقراره في عهد الدولة الرومانية من قبل المجامع المسكونية ~~فيما عرف بمجمع ) نيقية ( الذي انعقد عام 325ه ، هي أن من صفات الإله أنه ~~قديم وأزلي ، ولم يسبق بعدم ، وأيما شيء سبق بعدم فهو مخلوق محدث ، والقول ~~بألوهية المسيح عليه السلام يلزم منه أن يكون المسيح قديما وأزليا ، في حين ~~انه عليه السلام ذو طبيعة إنسانية محدثة لا يمكن إنكارها ولدته أنثى جزئية ~~محدثة مخلوقة ( السيدة مريم عليها السلام ) ، أي انه ليس له وجود سابق على ~~مولده فكيف تلد إلها والإله قديم أزلي ؟ ) !! ناهيك عن الإشكالات الأخرى ) . # الأمر الذي جعل اعتقادهم ذلك مرهون بإثبات قدم المسيح وأزليته ، وبالأحرى ~~- بعد تبنيهم لذلك المعتقد الخطير - إثبات وجود قديم مغاير لطبيعة الإنسان ~~وسابق على مولده ، ومتقدم - منذ الأزل - على ( التجسد ) الذي قالوا بحدوثه ~~بعد ذلك ممثلا - كما ذهبوا إليه - في نزوله واتصال الألوهية بالإنسانية ~~وامتزاجهما واتحادهما في جسد المسيح ، على نحو اختلفت الكنائس المسيحية ~~آنذاك في كيفيته بعد أن اتفقت بفرقها الثلاث ( الملكانية ms14 وهم الكاثوليكية ، ~~واليعاقبة وهم الأرثوذكسية ،والنساطرة ) ، على القول : ( إن الله واحد ~~بالجوهرية ثلاثة بالأقنومية ) ، والأقانيم هي الصفات ( الوجود والعلم ~~والحياة ) ، أو هي أشخاص : الأب - ويعني بمد الألف في اللغة السريانية ( ~~الله ) ويريدون به الذات - والإبن وروح القدس ، وأن الأقنوم الثاني الذي ~~يشير إلى العلم قد تجسد في شخص المسيح ..) ( 3 ) . # (3) المصدر السابق ، ج1 ص53 . # .... PageV01P021 # وكان الأساس الذي انطلقوا منه وبنوا عليه فكرة قدم المسيح وأزليته وبالتالي ~~ألوهيته ما علموه من قبل وبلغهم أمره وهو ما خص به نبي الله عيسى عليه ~~السلام دون سواه - نتيجة خصوصية مولده أصلا ومعجزة ولادته من غير أب - من ~~وصفه بأنه ( كلمة الله ) التي مثلت بالنسبة لهم العلم ( الأقنوم الثاني ) - ~~باعتبارها مظهرا له - واعتبروها دالة على قدم المسيح وأزليته ومن ثم ~~ألوهيته !!.. حيث ( أجمع المسيحيون على أن كلمة الله في دلالتها على السيد ~~المسيح قديمة ) . ( 5) # ومعلوم أن القرآن الكريم قد وصف المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام دون ~~سواه من الأنبياء والرسل بأنه ( كلمة الله ) التي كان مفهومها في وصف ~~المسيح عليه السلام - لدى المسلمين - مغايرا تماما لما ذهب إليه النصارى من ~~قبل نتيجة قولهم بألوهيته ، ولم تكن تمثل - لدى المسلمين - مصطلحا خاصا ~~يرتبط به عليه السلام كما هو الحال للنصارى ، وإنما تدل -باعتبارها لفظا ~~مفردا - على كلمات الله وكلام الله الذي يتمثل بدوره في القرآن الكريم بشكل ~~خاص ، إضافة إلى دلالتها على أن الله سبحانه ( متكلم ) . # كما أن ( كلمة الله ) لم تكن تنصرف في أذهان المسلمين إلى المسيح عليه ~~السلام ، ناهيك عن أن غالبيتهم العظمى لم يكونوا على اطلاع بعلم اللاهوت ~~لدى النصارى وآرائهم وأفكارهم ويجهلون ما تعنيه ( الكلمة الإلهية ) لديهم ~~وما حملته من دلالة على قدم المسيح ومن ثم ألوهيته . # الهوامش :- # (5) المصدر السابق ج1 ص53 . # .... PageV01P022 # وقد استغل بعض رجالات النصارى وعلمائهم - الذين بقوا على دينهم وآلمهم تغلب ~~الإسلام على بلدانهم ودخول الكثير من المسيحين في دين الله أفواجا - ~~استغلوا ما جاء في القرآن الكريم من وصف المسيح بأنه( كلمة الله ) وإقرار ~~المسلمين جميعا ms15 بذلك ، في إثارة مسالة كلمة الله هل هي مخلوقة أم غير ~~مخلوقة ؟ والترويج لفكرة قدم ( كلمة الله ) في أوساطهم ودفعهم إلى تبنيها ~~والإقرار بها بشكل أو بآخر ، لاسيما أن المسلم سينفر - عند مجادلته وطرح ~~الأمر عليه - من القول بأن كلمة الله مخلوقة ،أو تصور أن الله كان ولا كلمة ~~معه ، لا بخلفية دلالتها على قدم المسيح بالطبع ولا إدراك ما يترتب عليه ~~بهذا الخصوص ، وإنما بخلفية دلالتها تلقائيا على ( كلام الله ) المتمثل ~~بدوره في القرآن ، وما يتبادر إلى الذهن من قيامها بقولنا ( علم الله ) ~~الذي لا يجوز أن يكون مخلوقا محدثا ، ناهيك عن أن لفظ مخلوق سيبدو وكأنه ~~مناف لقدسية كلام الله وللقرآن تحديدا ، ومعارض لكونه منزلا ومصانا من ~~التحريف أو التبديل .... الخ ، ما يجعل فكرة القدم أقرب إلى الأذهان وأسرع ~~نفاذا وتقبلا ..!!! PageV01P023 # ومن هنا كان ظهور الرأي الإسلامي المعارض من قبل المتكلمين الأوائل الذين ~~جادلوا بعض علماء النصارى وأدركوا أبعاد ذلك الطرح وانطلقوا من عقيدة ~~التوحيد الثابتة وحقيقة بشرية المسيح عليه السلام وكونه عبد الله ورسوله في ~~مواجهة فكرة قدم الكلمة لدى النصارى وإبطال ما يترتب عليها من الحكم بقدم ~~المسيح عليه السلام وبالتالي ألوهيته ، وذلك خلال إنكار قدم الكلمة والقول ~~بأنها مخلوقه والتأكيد بأن الله سبحانه وتعالى كان ولم يكن معه شيء في ~~الأزل لا كلمة ولا غيرها ، وكل كلامه مخلوق محدث ، وكان من الطبيعي أن ~~ينصرف هذا القول في بداياته الأولى لدى بعض من تسامعوا به من المسلمين إلى ~~القرآن الذي هو كلام الله ، ويقال بأن هذا يعني بأن القرآن مخلوق؟ ليأتي ~~الرد بالإيجاب بالطبع ، ويصبح القرآن هو عنوان المسألة البارز والمتناقل ~~بعد ذلك في أوساط المسلمين هنا وهناك ، ليواجه القول بخلقه نفورا واستنكارا ~~منذ البداية ، ويجد القائلون به أنفسهم أمام مواجهة ومعارضة ضمن الدائرة ~~الإسلامية نفسها ولأسباب فكرية تخص العقلية المسلمة الغالبة ، والنظرة ~~للقرآن الذي بات مقاومة القول بقدمه والتأكيد على خلقه - بالنسبة لأولئك ~~المتكلمين - أمرا يدفعهم إليه ما يحمله هذا القول من مضاهاة لقول النصارى ms16 ~~في المسيح ، وإشراك القرآن مع الله في القدم ، وتمكين النصارى - في حال ~~الحكم بقدم كلام الله - من إقامة الحجة من كتاب الله على قدم المسيح الذي ~~وصفه القرآن بأنه كلمة الله . PageV01P024 # وحسبنا شاهدا على دور النصارى آنذاك في إثارة المسألة والعمل على تسريب ~~فكرة القدم وترويجها في أوساط العامة ودفعهم إلى تبنيها ليحتجوا بعد ذلك ~~بما جاء في القرآن الكريم من وصف المسيح بأنه كلمة الله على معتقدهم ، ~~حسبنا شاهدا على ذلك أن أحد علمائهم قام بتأليف كتاب آنذاك ينتصر فيه ~~للمسيحية ضد الإسلام وكانت تلك المسألة المتعلقة بصلب العقيدة المسيحية على ~~رأس موضوعاته وذلك بهدف تعليم النصراني كيف يحاجج المسلم ، وهو يوحنا ~~الدمشقي أو يحي الدمشقي الذي كان في خدمة الدولة الأموية !! ( وعملت أسرته ~~بالإدارة المالية للدولة الرومانية ثم الإسلامية وكان أبوه سرجيوس وكيلا ~~ماليا ثم وزيرا لمعاوية ، كذلك اشتغل يوحنا للخليفة الأموي هشام بن عبد ~~الملك ثم استقال لخدمة الدير ،واليه ينسب إليه أول كتاب في النقاش بين ~~المسيحية والإسلام : حوار بين مسيحي وشرقي مسلم ... ( (6). # ومما جاء فيه بخصوص موضوعنا قوله مخاطبا النصراني : ) إذا قال لك المسلم ~~: ما تقول في المسيح ؟ فقل له : إنه كلمة الله حتى يجيبه المسلم قائلا : " ~~كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه " فإن أجاب بذلك فاسأله : هل كلمة الله ~~وروحه مخلوقة أم غير مخلوقه ؟ فإن قال : مخلوقة فيرد عليه : بأن الله كان ~~إذا ولم تكن له كلمة ، قال يحي : فإن قلت ذلك فسيفحم المسلم لأن من يرى هذا ~~الرأي زنديق في نظر المسلمين ( (7) . # ولنلاحظ أن الرجل كان يعمل في خدمة هشام بن عبد الملك ثم استقال أي انه ~~ألف كتابه في العقد الثالث من القرن الثاني ، وان المسألة كانت قد أثيرت ~~بالفعل من قبل ، وتدل عبارته الأخيرة أن القول بأن كلام الله مخلوق قد ظهر ~~، وأن من يقول به أصبح متهما بالزندقة في أوساط المسلمين ..!! . # الهوامش :- # ( 6 ، 7 ) الدكتور أحمد صبحي ( في علم الكلام ) ج1 ص30 ، 31 . # ......... PageV01P025 ### | AUTO الحلقة الثالثة :- # بينا في الحلقة ms17 الماضية السبب الأساسي في نشأة مشكلة كلام الله أمخلوق هو ~~أم قديم ؟ ورأينا كيف أن ذلك إنما كان نتيجة الخلاف الرئيسي بين الإسلام ~~والمسيحية حول المسيح عليه السلام وما كان من استغلال النصارى آنذاك لوصف ~~القرآن له بأنه كلمة الله دون سواه في إثارة فكرة قدم الكلمة الإلهية التي ~~كانوا قد حكموا بقدمها ليثبتوا بذلك قدم المسيح عليه السلام وبالتالي ~~ألوهيته ، فجاء موقف بعض علماء المسلمين ومتكلميهم الأوائل ممن واجهوا ~~المشكلة معارضا لتلك الفكرة ونافيا لها ومؤكدا بأن كلمة الله مخلوقة محدثة ~~سواء في دلالتها على المسيح (ع) أو على كلام الله ، ليشمل هذا القول بطبيعة ~~الحال القرآن الكريم الذي هو كلام الله ، لتتحول بذلك المسألة إلى خلاف بين ~~المسلمين أنفسهم ، له خصوصيته الإسلامية وأسبابه الفكرية وموضوعاته التي ~~ترتبت عليه وإشكالاته وأدلته السمعية والعقلية والتي قدمها كل فريق لإثبات ~~رأيه في مواجهة الرأي الآخر ، والرد علية ومحاولة إبطاله ، وهو ما كنا قد ~~أرجأنا عرضه إلى هذه الحلقة . # ........ PageV01P026 ### || AUTO ] كلام الله وصفة التكلم [ # قلنا في الحلقة السابقة بأن القول بقدم القرآن وأنه غير مخلوق ، قد حدد ~~رأي القائلين به في كلام الله بوجه عام فقالوا - تبعا لذلك - بأنه أزلي ~~قديم كعلمه تعالى ، وهذا بدوره ألقى بظلاله على صفة التكلم ومعنى كونه ~~متكلما ، حيث ألحقوا هذه الصفة بصفات الذات كالقادرية والعالمية ونحوها ، ~~وقالوا : بأنها قائمة بذاته تعالى كما هو قولهم في سائر صفات الذات التي هي ~~عين ذاته لدى العدلية وليست قائمة بذاته ، وهذا مبحث آخر لا مجال للخوض فيه ~~هنا ، كما عبروا عن صفة المتكلمية - تبعا لذلك - ب ) الكلام ( وليس ب ) ~~التكلم ( ، مع أن الكلام أثرها وليس هو نفس الصفة ، كصفة الخلق ، فالخلق هو ~~الصفة والمخلوق أثرها، وليس هو صفة الله ، وهذا وذاك في نهاية المطاف هو ~~أثر ونتاج لقدرته المطلقة ، غير أن قولهم بأزلية كلام الله اضطرهم إلى ~~اعتبار كلامه هو صفته القائمة بذاته ، علما بأننا عند وصفنا له بهذه الصفة ~~- أي المتكلمية - وإثباتها لا نقول بأن الله كلام - إنما ms18 متكلم ، ناهيك عن ~~أن المتكلم عند أهل اللغة هو من فعل الكلام لا من قام به الكلام ، ولا ~~يطلقون هذا اللفظ ( متكلم ) إلا على فاعل الكلام ، قال الإمام يحيى بن حمزة ~~في كتابه الشامل : ) والدليل على أن المتكلم هو فاعل الكلام ، هو أن ~~المتكلم اسم اشتقاقي والاسم الاشتقاقي لا يعقل في إطلاقه إلا بوجود الفعل ، ~~فيجب أن يكون المرجح بكونه متكلما إلى وجود الكلام ، لأنه من أسماء ~~الفاعلين كالمنعم والمكرم ، ولاشك في كونها مشتقة من الأفعال الجارية عليها ~~. ( (1) وليس أدل على ذلك من قوله تعالى : ) وكلم الله موسى تكليما ( ولا ~~يفهم من ذلك إلا أنه فعل الكلام ، غير أن الله سبحانه وتعالى يخلق الكلام ~~ويحدثه كيف يشاء إذا أراد مخاطبة المخلوقين ، ولا يتكلم بآلة أو جارحة أو ~~صوت كما هو حال الإنسان . # .... PageV01P027 ### || AUTO ] الدليل على استحالة أزلية كلام الله وقدم القرآن [ # والأهم من كل ذلك يتمثل في الإشكال الحقيقي والرئيسي الذي طرحه القائلون ~~بخلق القرآن وأثبتوا من خلاله أن كلام الله يستحيل أن يكون أزليا # وبعبارة أخرى : يستحيل أن تكون صفة المتكلمية صفة ذاتية قديمة أزلية ، ~~كما يستحيل أن يكون كلام الله قائما بذاته ، ذلك أن الكلام - من حيث ~~الحقيقة والماهية - ليس سوى هذه الحروف والأصوات والألفاظ المسموعة المركبة ~~منها ، ومن البديهي والمعلوم بالضرورة أن كل مركب حادث ، لم يكن ثم كان ، ~~ومن المعلوم بالضرورة أيضا أن الحروف والأصوات حادثة ومخلوقه لم تكن ثم ~~كانت ، ومحال أن تكون أزلية قديمة ، بدليل أن الحروف منظومة ومتوالية ~~والكلمات المكونة منها متتابعة يتلو بعضها بعضا ، واللاحق منها ينعدم في ~~وجود سابقه أنها مسبوقة ، أي بالعدم حصلت بعد أن لم تكن ، وما ثبت عدمه ~~انتفى وامتنع قدمه ، والقديم لا يجوز عليه العدم بالطبع ، أما الأصوات فهي ~~مقطوعة ومسموعة ، وكل مسموع هو حادث ، وهو غير الخالق له ، ومحال أن يكون ~~صفته ، فما بالك والكلام - الذي نطلقه أو نسمعه - مركب من حروف وأصوات ..... PageV01P028 # ومن المعلوم لكل أحد أن كلام الله الذي بين دفتي المصحف الشريف مكتوبا ms19 ~~ونقرأه ونسمعه ، مؤلف من كلمات وألفاظ مسموعة مركبه من هذه الحروف والأصوات ~~المتتابعة والمتتالية التي لاشك في حدوثها وكونها أصل في معقول الكلام ~~وحقيقته ، وبالتالي يستحيل أن يكون كلام الله - بما فيه القرآن - أزليا ~~قديما ، لأن القول بذلك يلزم منه القول بأزلية وقدم هذه الحروف والأصوات ~~والألفاظ المركبة التي نقرأها في مصاحفنا ونسمعها بآذاننا ، وهذا محال ~~بالطبع ومن قال به فقد جحد وأنكر الضروريات ، وأثبت في نفس الوقت قدماء ~~آخرين مع الله وبالتالي آلة أخرى ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية يستحيل أن ~~يكون كلام الله قائما بذاته ، -كما ذهبوا إليه - لأن ذلك يعني أن تلك ~~الحروف والأصوات ( الحادثة والمخلوقة ) قائمة بذاته تعالى وحالة فيها ، ~~ومحال أن يكون الله محلا للحوادث باتفاق الجميع ، وبالتالي لا يمكن أن يكون ~~كلامه تعالى قائما بذاته . # ولو كان ما بين الدفتين من الحروف والألفاظ والكلمات التي نقرأها ~~بأصواتنا وتنطلق من ألسنتنا وحلوقنا هي كلام الله الأزلي القائم بذاته ~~تعالى وهي بالتالي صفة الله تعالى - باعتبار أن كلامه عندهم هو صفته - للزم ~~أن تكون صفة الله حاله في ذات كل أحد من الناس !!.. وهذا يبطل قولهم . PageV01P029 # وبرغم كل تلك الإشكالات الخطيرة والإلزامات الشنيعة والضرورات العقلية التي ~~لا يمكن إنكارها أو تجاوزها إلا أن الحنابلة ) وهم السلفيون اليوم ( تفردوا ~~من بين سائر الفرق الإسلامية - لاسيما تلك التي توافقهم في القول بأزلية ~~كلام الله وأن القرآن غير مخلوق - بإثبات قدم تلك الألفاظ والحروف صراحة !! ~~، والقول كما جاء في العقيدة الواسطية لابن تيمية - تقديم مصطفى العالم - ص ~~: 51 بأن ) القرآن هو هذه الألفاظ المقروءه بالألسنة والمحفوظة في الصدور ~~والمكتوبة في الصحف .. فالذي نقرأه هو كلام الله تعالى الأزلي القديم ~~القائم بذاته تعالى ...! وقرآتنا له بأصواتنا لا تخرجه عن كونه كلام الله ~~الذي تكلم به بحروفه ومعانيه ليست الألفاظ دون المعاني ولا المعاني دون ~~الألفاظ ( (2) ..!!! # وقد أنكر الفخر الرازي - وهو من علماء الأشاعرة - ذلك أشد الإنكار في ~~كتابه معالم أصول الدين ، واعتبره جحدا للضروريات التي أطبق عليها العقلاء ~~- أي ms20 حدوث تلك الحروف والألفاظ والأصوات - ورد عليهم ، وخلاصة ما قرره أن ~~قولهم بقدم القرآن ( وهو الذي بين الدفتين ) يلزم منه أمران ممتنعان على ~~الذات الإلهية :أن يكون القديم محلا للحوادث ، وأن يحل القديم في الحادث ~~(3) .. وبهذا يكون الأشاعرة - برغم قولهم بأزلية كلام الله وان القرآن غير ~~مخلوق - قد خالفوا الحنابلة في ذلك بل وأنكروا عليهم كما رأينا بعد أن ~~أدركوا أن لامناص من موافقة القائلين بخلق القرآن ، في كون الحروف والأصوات ~~( الكلام اللفظي ) حادثة ، وان ما بين الدفتين ليس قديما أزليا ، وإنما هو ~~حادث ومخلوق . # وبرغم أن هذا يعني أن القرآن مخلوق ، إلا أنهم أكدوا في نفس الوقت بأن ~~القرآن غير مخلوق وأن كلام الله أزلي وقائم بذاته تعالى !!.. PageV01P030 # وغاية ما هنالك انهم أرادوا أن يتخلصوا من تلك الإلزامات الشنيعة التي ~~تترتب على القول بقدم ما بين الدفتين أي قدم الحروف والألفاظ ، وأرادوا في ~~نفس الوقت الحفاظ على فكرة أزلية كلام الله وأن القرآن غير مخلوق # فقالوا : بأن كلامه تعالى الأزلي- عندهم - ليس هو هذه الحروف والأصوات ، ~~وإنما هو كما جاء في قواعد العقائد للغزالي ص182 : ) وصف قائم بذاته ليس ~~بصوت ولا حرف بل لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره ( ~~(4) أي انهم أنكروا حقيقة الكلام الذي هو الكلمات والألفاظ المؤلفة من ~~الأصوات والحروف ) الكلام اللفظي ( # إذا ما هو الكلام ؟ # قالوا - كما جاء في قواعد العقائد للغزالي ص 183 - : ) والكلام بالحقيقة ~~كلام النفس وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات كما يدل عليها تارة بالحركات ~~والإشارات ( (5) . # وقال الرازي في المحصل : ) أما أصحابنا فقد اتفقوا على أن الله تعالى ليس ~~بمتكلم بالكلام الذي هو للحروف والأصوات بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس ( ~~(6) .. وعبروا عنه بالكلام النفسي والكلام الأزلي ، وقالوا عنه : " انه ~~بمعنى قائم في ذات المتكلم به ، وان الألفاظ في الحقيقة ليست كلاما وإنما ~~هي دوال على ذلك المعنى القائم في النفس أو الكلام النفسي الذي هو الكلام ~~حقيقة عندهم !! PageV01P031 ### || CHECK [رد القائلون بخلق القرآرد القائلون بخلق القرآن] # وعليه قالوا ms21 - كما جاء في معالم أصول الدين ص67 - 68 : ) القرآن كلام ~~الله تعالى غير مخلوق ، وهو مكتوب في مصاحفنا ، محفوظ في قلوبنا ، مقروء ~~بألسنتنا ، مسموع بآذاننا ، غير حال فيها ( 7 ) ( ، ومعنى غير حال فيها : ~~أن الكلام الدال غير الكلام المدلول عليه ، وهو ما يؤكده قول الشهرستاني - ~~وهو أحد علماء الاشاعرة - في الملل والنحل 1/96 بأن : ) العبارات والألفاظ ~~المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء عليهم السلام ، - ومنها القرآن ~~بالطبع - دلالات على الكلام الأزلي ، والدلالة مخلوقه محدثة ، والمدلول ~~قديم أزلي ، والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلو ، كالفرق بين ~~الذكر والمذكور فالذكر محدث والمذكور قديم ( (8) . # وقد استدل الأشاعرة على أن الكلام هو الكلام النفسي وليس اللفظي بما ~~مفاده أن المتكلم عندما يتكلم بلغة الألفاظ إنما يعبر بها عن فكرة أو إحساس ~~لديه ويعبر بالكلام اللفظي عما يعتمل في نفسه من أفكار وأحاسيس ، مؤكدين من ~~جهة أخرى بأن الكلام اللفظي محال أن يكون كلام الله الأزلي القائم بذاته ~~لأنه مركب من حروف وأصوات ، وكل مركب حادث ، ويستحيل أن يتصف بالصفة ~~الحادثة .. وهم يستدلون بهذا وكأن فكرة أزلية كلام الله حقيقة مطلقة وثابتة ~~وبالتالي لامناص من القول بالكلام النفسي !!! # ] وقد رد القائلون بخلق القرآن بما نختصره في التالي :- [ # أولا : إن أبناء اللغة لا يقولون للساكت ، وكذلك للأخرس إنه متكلم مع أن ~~المعاني قائمة في نفسها ، وعندما يتوسل إلى إبراز تلك المعاني من خلال ~~الإشارات فإن ذلك لا يعد كلاما . # ثانيا: إن التعبير بالكلام اللفظي عما يعتمل في النفس أي عن الكلام ~~النفسي - كما عبروا عنه - يعني أن الألفاظ تدل على المعنى الموجود في الذهن ~~، وهذا في الحقيقة ينطبق على المخلوق أما الخالق فمحال ، وفي ذلك تشبيه له ~~بالمخلوقين . PageV01P032 # ثالثا : إن الكلام النفسي لا يمكن تصوره وتعقله في الذهن ، وما لا يمكن ~~تصوره لا يمكن إثباته ، ناهيك عن أن يكون هناك دليل عليه من السمع في حق ~~الله تعالى ، يقول الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام ردا على الأشاعرة بهذا ~~الخصوص : ) لا يخلو حال من أثبت على ms22 لله تعالى حالة في الأزل بكونه متكلما ~~: إما أن نقول بثبوت الحروف والأصوات مع هذه المتكلمية في الأزل أو لا نقول ~~، فإن قال : إن هذه الحالة ثابتة في الأزل مع هذه الحروف والأصوات فهذا ~~باطل ، لأن هذه الحروف لاشك في حدوثها فيستحيل حصولها في الأزل ، وإن قال ~~بثبوت هذه في الأزل من دون هذه الحروف فهو محال ، لأن هذه الحروف أصل في ~~معقول حقيقة الكلام ، إذا لا يعقل كلاما من دونها فثبت أن القول بإثبات هذه ~~الحالة يؤدي إلى المحال ، وما أدى إلى المحال فهو محال ( (9) ، أي أن القول ~~بأزلية كلام الله في الحالتين محال ، ولا مناص من القول بحدوثه ، باعتبار ~~أن القول بالكلام النفسي يبطل ويتعين الثاني أي الكلام اللفظي وهذا لاشك في ~~حدوثه . # رابعا : إن قولهم بأن كلامه تعالى وصف أو معنى قائم بذاته مغاير لهذه ~~الصفة والأصوات ، يعني بأن ما نقرأه في القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو ~~ما يدل عليه !!! # وهذا مردود بنص القرآن الكريم في قوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( # فدل ذلك على ان ما بين الدفتين بحروفه وألفاظه هو كلام الله ، وما من شيء ~~يسمع غيرها ... والعجيب أنهم تكلفوا تأويل الآية بما يتفق مع رأيهم ، ~~وقالوا بأن المراد : حتى يسمع ما يدل على كلام الله أو مدلول كلام الله . PageV01P033 # ومن هنا جاء تأكيد الحنابلة والسلفية - كما مر معنا سابقا - في قولهم بأن ~~كلام الله الأزلي عندهم ( ما بين الدفتين ) هو ( الذي تكلم به بحروفه ~~ومعانيه ليس الألفاظ دون المعاني ، ولا المعاني دون الألفاظ ) ، غير أنهم ~~اثبتوا بذلك قدم هذه الألفاظ وتكلم الله بها في الأزل ، وهو محال كما بيناه ~~، وفيه إنكار للضروريات وجعل الله محلا للحوادث وغير ذلك من الإلزامات ~~الشنيعة ، واتفقوا - أي الحنابلة - مع الزيدية والمعتزلة والإمامية ~~والاباضية على أن الكلام الذي نعرفه هو هذه الألفاظ والكلمات المؤلفة من ~~الحروف والأصوات ( الكلام اللفظي ) في مقابل ما ذهب إليه الإشاعرة من القول ~~بالكلام النفسي الذي لاشك ms23 في بطلانه ومصادمته لحقيقة الكلام وعدم إمكانية ~~تصوره أو تعقله أصلا ، ناهيك عن امتناعه في حق البارئ عزوجل إذا أخذناه ~~بمعنى التعبير عن المعنى الموجود في الذهن . # ] خلاصة القول [ # ان الأشعرية والسلفية ) الحنابلة ( قالوا بأن الكلام هو صفة الله وليس ~~المتكلم ، واتفقوا على القول بأن الكلام أزلي قائم بذاته تعالى مع فارق أن ~~القائم بذاته عند الأشاعرة هو المعنى الأزلي ( الكلام النفسي ) ، وعند ~~السلفية الحروف والأصوات ( الكلام اللفظي ) ، وأن معنى كونه تعالى متكلما ~~عند الأشاعرة هو اختصاصه بهذه الصفة القديمة القائمة بذاته والمغايرة لهذه ~~الحروف والأصوات ، وعند السلفية : أنه متكلم بكلام أزلي قائم بذاته هو ~~الكلام اللفظي وليس شيء آخر . # أما بالنسبة للعدلية القائلين بخلق القرآن : فالتكلم عندهم هو الصفة ، ~~وليس الكلام الذي هو فعل من أفعاله عندهم ، وقائم بغير ذاته ، ومعنى كونه ~~متكلما أي يخلق تلك الحروف والأصوات ويحدث الكلام المكون منها ، وينشأه كيف ~~شاء . ويتكلم بلا صوت ولا آلة ولا جارحة لأنه خالق كل ذلك ، ومحال أن يكون ~~محلا لشي من ذلك . # .... PageV01P034 ### || AUTO ] مضامين القرآن الكريم تشهد ببطلان قدمه [ # أكد القائلون بخلق القرآن بأن وجوه الكلام في القرآن من أمر ونهي وخبر ~~واستخبار ووعد ووعيد تدل في حد ذاتها على استحالة قدم القرآن واستحالة أن ~~يتكلم الله به في الأزل مستدلين بعدة استدلالات من القرآن نفسه منها : # 1- أن القرآن الكريم لو كان قديما أو تكلم الله بما فيه أزلا بحروفه ~~وألفاظه - كما ذهبت إليه السلفية - للزم من ذلك الكذب عليه تعالى ، وإيضاح ~~ذلك فيما أورده الإمام يحيى بن حمزة من أنه لو كان قديما : لكان قوله تعالى ~~: ( ولقد نادانا نوح ) ، وقوله : ( وأوحينا إلى إبراهيم ) ....( وآتينا ~~داود زبورا ) وسائر الأخبار والقصص كذبا لا محاله لان الأخبار عن وقوع ما ~~لم يقع في الماضي يكون كذبا والكذب على الله تعالى محال .(10) # 2- أن القرآن لو كان قديما للزم منه العبث والقبيح على الله تعالى ، ذلك ~~أن في القرآن أوامر مثل قوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ~~وحصول ذلك في الأزل قبل ms24 وجود المخلوقين والمكلفين المخاطبين بذلك قبيح وعبث ~~ولا شك أنهما ممتنعان في حق الله تعالى . # 3- لو كان قديما للزم منه العبث والهذيان ، ذلك أن في القرآن الكريم ( يا ~~إبراهيم ....) ( يا موسى إني أنا الله ...) ومناداة أنبيائه قبل أن يخلقوا ~~عبث وهذيان واضحان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ..... إلى آخر ما هنالك ~~مما يلزم نسبة القبائح إلى الله جل وعلا ، وثبوت امتناعها في حقه تعالى أمر ~~لاشك فيه ولا ريب وبذلك يبطل أن يكون القرآن قديما ، وإذا بطل قدمه ثبت ~~حدوثه وخلقه ..... PageV01P035 # ونضيف إلى ذلك ما أكده القائلون بخلق القرآن من استحالة أن يكون الكلام - ~~كما زعموا - ثابت لله كسائر صفاته القديمة ، لأن ذلك يلزم منه حصول النقص ~~في حقه تعالى ، والنقص عليه تعالى محال وبيانه كما أوضحه الإمام يحي بن ~~حمزة أنه : ( لو كان الله تعالى متكلما بكلام قديم لكان لابد وأن يفيد ~~بكلامه فائدة ليخرج الكلام بها عن أن يكون عبثا ، وتلك الفائدة لا يخلو ~~حالها : إما أن تكون راجعة إلى الكلام نفسه ، أو إلى غيره ، أما الفائدة ~~الراجعة إلى نفسه فنحو أن يتكلم ليطرب الله ، كما في التغني ، أو يكرره ~~ليحرز حفظه أو للتعبد به كما تعبد الله بقراءة القرآن فالفوائد الراجعة إلى ~~الكلام نفسه لا تخلو من هذه الوجوه والله تعالى منزه عن هذه المنافع . # وأما الفائدة الراجعة إلى غير الكلام فنحو أن يخاطب به غيره ليفهم مراده ~~ونهيه وإخباره بأمر من الأمور ولما لم يكن في الأزل من يفيد بكلامه هذه ~~الفائدة كان كلامه سفها وعبثا وهذيانا ، تعالى الله عن هذه المقالة وسخف ~~هذه الجهالة علوا كبيرا ، فثبت أنه يلزم من قدم الكلام الذي زعموه حصول ~~النقص في حقه تعالى وهو محال ) . (11) # الهامش :- # (1 )شرح الأساس الكبير للعلامة أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي، تحقيق ~~الدكتور أحمد عطا الله عارف ج2 ص93 . # (2) خلاصة علم الكلام للدكتور عبدالهادي الفضيلي ص124 . # (3) المصدر السابق ص125 ، 126 . # ( 4 ، 5 ، 6 ) المصدر السابق ص117 ، 118 . # ( 7 ، 8 ) المصدر السابق ص126 ms25 . # (9) شرح الأساس الكبير للعلامة الشرفي ج2 ص95 . # (10) المصدر السابق ج2 ص94 . # (11) المصدر السابق ج2 ص101 . # .... PageV01P036 ### | AUTO الحلقة الرابعة :- # استعرضنا في الحلقة الماضية أهم الأدلة العقلية التي احتج بها القائلون ~~بحدوث كلام الله ومنه القرآن ، لاسيما المتعلق منها بحقيقة الكلام والذي ~~أثبتوا من خلاله أن كلام الله يستحيل أن يكون أزليا أو قائما بذاته تعالى ، ~~باعتبار أن ما نسمعه ونقرأه بين الدفتين الذي لا خلاف في كونه كلام الله ~~المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم هو عبارة عن ألفاظ مركبه من حروف ~~وأصوات ، وقد دل العلم الضروري على حدوثها وبالتالي حدوث كلام الله ~~واستحالة قدمه ، لأن القول بقدمه وأزليته يلزم منه القول بقدم تلك الحروف ~~والأصوات والألفاظ المكونة منها ( أي الكلام ) وهذا محال ، إذ أن كل واحد ~~منا يدرك بالضرورة أنها متتابعة ويتلو بعضها بعضا والكلمة اللاحقة منها ~~تأتي بعد السابقة لها أي أنها مسبوقة بالعدم ، وما ثبت عدمه امتنع قدمه ، ~~وثبت بالتالي أن كلامه تعالى يستحيل أن يكون أزليا ، كما يستحيل أن يكون ~~قائما بذاته أيضا ، لاستحالة أن يكون القديم محلا للحوادث ، وما يؤدي إلى ~~محال محال ، والقول به في هذه الحالة فيه إنكار وجحد للضروريات وتجاهلها ~~وتجاوزها من جهة ، وإلزام القائلين به إلزامات شنيعة لا مفر لهم منها من ~~جهة ثانية ، أشنعها جعلهم الله محلا للحوادث وتشبيهه بخلقه ، وهذا ينطبق - ~~كما رأينا في الحلقة السابقة - على السلفية الذين لم يأبهوا بذلك ، ولا ~~قدموا أي رد عليه ، وقالوا صراحة بقدم تلك الحروف والأصوات المركب منها ~~كلام الله الذي نسمعه ونقرأه ( ما بين الدفتين ) وأنه تعالى تكلم به ~~(حقيقة) !! أي بحروف وأصوات أزليه قائمة بذاته !!! وهم الوحيدون الذين ~~قالوا بذلك دون سائر الفرق الإسلامية الموافقة لهم في القول بأزلية كلام ~~الله وعدم خلق القرآن ( الأشعرية والماتريدية والكرامية ) ، واليك ما ورد ~~في أحد كتبهم المعاصرة المعتمدة في العقائد الذي يدرس في كليات الشريعة ~~والأصول والجامعات الإسلامية بالرياض والمدينة المنورة وغيرها.... PageV01P037 # ، وهو ثلاثة مجلدات بعنوان ( معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم ms26 الأصول ~~) تأليف الشيخ / حافظ بن أحمد حكمي ( 1342ه - 1377ه ) حيث يقول : - # ( وإجماع الأمة !! على أن القرآن كلام الله تكلم به حقيقة !! وأنه هو ~~الذي قال تبارك وتعالى :" الم ، آلمر ، طسم ، كهيعص ، طه ، طس ، حم ". وليس ~~كلام الله المعاني دون الحروف ولا الحروف دون المعاني بل حروفه ومعانيه عين ~~كلام الله ) . (1) # وهذا كلام صريح في إثبات قدم تلك الحروف والألفاظ ، كما أن فيها تشبيها ~~واضحا للخالق تبارك وتعالى بالمخلوقين بقوله ( تكلم به حقيقة ) أي بحرف ~~وصوت كما هو الحال بالنسبة لنا ، بل إن بعض الحنابلة وتبعهم على ذلك - ~~اليوم - فريق من أتباعهم السلفيين أثبتوا (الصوت ) لله صراحة !! وقالوا ~~بأنه يتكلم بصوت يسمع !!! واحتجوا ببعض الأحاديث التي أدخل في بعضها لفظ ( ~~صوت وبصوته ) وليس منها ، وأخرى باطلة لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال ( ~~لا سندا ولا متنا ) أو كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري لابد من ~~تأويلها لاستحالة نسبة الصوت إلى الله ، وقد تصدى لهؤلاء أحد علماء ~~الحنابلة أنفسهم وهو ابن الجوزي ( المتوفي عام 597ه ) وأورد تلك الأحاديث - ~~التي روى بعضها البخاري في صحيحه - وناقشها (2) ، وأنكر عليهم إغاراقهم في ~~التشبيه والتجسيم ، وقال في مقدمة كتابه " دفع شبه التشبيه " : ( ورأيت من ~~أصحابنا - يقصد الحنابلة - من تكلم في الأصول بما لا يصلح ...، فصنفوا كتبا ~~شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على ~~مقتضى الحس ، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته ، فاثبتوا له صورة ~~ووجها زائدا على الذات وعينين وفما ولهوات وأضراسا ....، إلى قوله : وقد ~~أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسموها بالصفات تسمية مبتدعه لا دليل ~~لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن ~~الظواهر إلى المعاني PageV01P038 الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ، ولم ~~يقنعوا بأن يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات ... الخ . ( 3 ) # ومعنى إثباتهم الصوت لله أنه سبحانه يتكلم بصوت يسمع قائم بذاته وصادر ~~عنه مباشرة !! # أي لا يخلقه ويحدثه إذا ms27 أراد مخاطبة المخلوقين ، كما هو الحال في تكليمه ~~لموسى عليه السلام ، وأن هذا المتلو الذي بين أيدينا ( القرآن ) والمركب من ~~حروف وأصوات ونقرأه نحن بأصواتنا ونؤديه بها ، تكلم الله به أزلا بحرف وصوت ~~قائمين بذاته . !! # والعجيب أنهم يحرصون على القول : ( إلا أن قراءتنا له - أي القرآن - تكون ~~بأصواتنا ) !! ، مع أن هذا من المعلومات الضرورية التي يدركها كل إنسان بما ~~فيهم العوام ، غير أن ذلك هو بسبب إثباتهم الصوت لله تعالى !! # وقولهم بقدم كلامه ( القرآن ) الذي نتلوه ونقرأه بأصواتنا التي أرادوا ~~بذكرها على ذلك النحو أن يؤكدوا على عدم دخولها تحت حكم قدم المتلو ، وأن ~~التلاوة هنا - أي بأصواتنا - مخلوقه . PageV01P039 # ومن المؤسف أن إثباتهم الصوت لله لازال قائما إلى يومنا هذا ، لاسيما في ظل ~~وجود تلك الأحاديث التي أخذوا يعيدون إنتاجها ويتوقفون عندها ، وإليك ما ~~جاء في كتاب معارج القبول المعاصر والمعتمد عندهم والمنتشر بينهم - كما ~~أشرنا سابقا - ناقلا قول (السلف) في التأكيد أولا على أن : ( الصوت - الذي ~~نسمعه - صوت القارئ والكلام كلام الباري فإن الصوت معنى خاص بفعل العبد لا ~~يتناول المتلو المؤدى بالصوت البتة ، ولا يصلح أن تقول هذا صوت قل هو الله ~~أحد ولا يقول ذلك عاقل ، وإنما تقول هذا صوت فلان يقرأ قل هو الله أحد أو ~~نحو ذلك)(4) ، ثم يستأنف بعد ذلك الكلام مباشرة مثبتا الصوت لله تعالى ~~بقوله : ) نعم ، إذا سمع كلام الله ثم جعل منه تعالى بدون واسطة كسماع موسى ~~عليه الصلاة والسلام وسماع جبريل عليه السلام وسماع أهل الجنة كلامه منه عز ~~وجل فحينئذ التلاوة والمتلو صفة الباري عز وجل ليس منها شيء مخلوق ( !!! ( 5 ) # والكلام واضح وصريح في إثبات الصوت لله هنا ، فقوله ) حينئذ التلاوة ~~والمتلو صفة الباري عزوجل ليس منها شيء مخلوق ( أي أن الصوت هنا ( التلاوة ~~) هو صوت الله تعالى !! والمتلو ( الحروف والكلمات ) هو كلامه المؤدى هنا ~~بصوته تعالى ! وهذا وذاك - اللذان يتكون منهما الكلام - صفة الباري ليس ~~منها شيء مخلوق أي أنهما قديمان وقائمان بذاته تعالى !! # أما بالنسبة للأشاعرة ms28 - كما بيناه في الحلقة السابقة - فإنهم لما رأوا ~~بأن القول بقدم ما بين الدفتين ( القرآن الكريم ) يلزم منه قدم هذه الحروف ~~والأصوات المسموعة وهذا محال ، لأن العلم الضروري بحدوثها لا ينكره إلا ~~مكابر ، وناهيك عن الالتزامات الشنيعة المترتبة على ذلك والممتنعة في حق ~~الله تعالى ، وافقوا خصومهم في أن ما بين الدفتين من ألفاظ وحروف PageV01P040 ليس قديما وانما مخلوق محدث ، إلا أنهم زعموا أن كلام الله الأزلي - كما ~~يصفونه - ليس مركبا من هذه الحروف والأصوات وإنما كلامه معنى قديم قائم ~~بذاته كالقادرية والعالمية ، وهذه الحروف والأصوات دلالة عليه ، وطرحوا ~~فكرة الكلام النفسي الذي عبروا به عن الكلام الأزلي في مقابل الكلام اللفظي ~~ليحافظوا بذلك على فكرة أزلية كلام الله وعدم خلق القرآن ، فأتوا بما لا ~~يمكن تصوره أو تعقله ، وما كان كذلك لا يمكن إثباته ، ناهيك عن كون ما ~~ذهبوا إليه يعني أن لله كلاما آخر ( نفسيا أزليا ) غير هذا القرآن ، وهذا ~~الأخير ) الكلام اللفظي المخلوق ( إنما هو دال عليه ، أي أن هناك قرآنا آخر ~~قديما أزليا غير هذا الذي بين أيدينا !!!! . # وبقدر ما كان ذلك الدليل الذي احتج به القائلون بخلق القرآن وأثبتوا من ~~خلاله استحالة أزلية كلام الله وقيامه بذاته - فضلا عن الأدلة الأخرى التي ~~قدمناها في الحلقة السابقة - حاسما وقويا ورصينا كونه مبينا - كما رأينا - ~~على حقائق معرفة عقلية قطعية ( الضروريات ) وبراهين جلية ومن ثم نتائج ~~لازمه وملزمة ، وحسبنا أن علماء الأشاعرة - وهم أصحاب مذهب كلامي متكامل ~~ومستقل ) بخلاف الحنابلة ( وفيهم من فيهم من المتكلمين والفلاسفة وفطاحل ~~العلماء ولا مقارنة بينهم وبين الحنابلة على الإطلاق - أقروا بتلك النتائج ~~الملزمة ولم يجدوا بدا من البحث عن مخرج فقالوا بفكرة الكلام النفسي كما ~~رأينا ، وأخفقوا بذلك في تقديم البديل المقنع الذي يدعم رأيهم ، ناهيك عن ~~الحنابلة الذين تجاهلوا كل ذلك وتجاوزوه فضلا عن الرد عليه ..، بقدر ما ~~حاول هؤلاء وأولئك أن يستدلوا باستدلالات تدعم رأيهم ، ألا أنها كانت ضعيفة ~~بل وبحاجة في نفسها إلى إثبات بحجج وبراهين وقد أجاب ms29 عنها خصومهم وفندوها ~~كما سنرى . # .... PageV01P041 ### || AUTO ] أدلة القائلين بأزلية كلام الله وأن القرآن غير مخلوق [ # أولا : من العقل : !! # 1- قولهم كما جاء في معالم أصول الدين للرازي الأشعري : ( إن الكلام من ~~صفات الكمال ، فلو كان محدثا لكانت ) الذات الإلهية ( خالية من صفات الكمال ~~قبل حدوثه والخالي عن الكمال ناقص وذلك على الله محال ((6) # ويقول الشيخ حافظ حكمي في كتابه الذي أشرنا إليه سابقا ، ناقلا رأي السلف ~~( أي الحنابلة بشكل خاص ) ما نصه : ) وكلامه تعالى صفة من صفاته من لوازم ~~ذاته ( (7) ، ويقول في موضع آخر عن تكليم الله لموسى عليه السلام : ) بل ~~أسمعه كلامه الذي هو صفته اللائقة بذاته ( (8) # وهذا يعني أولا أن موسى عليه السلام سمع صفة الله !! القديمة القائمة ~~بذاته - كما يزعمون - فتأمل واعجب !! # علما بأنه من المعلوم والثابت أن كل ما أدركته حواس الإنسان فهو حادث ~~ومخلوق ، ومعلوم أيضا أن القديم لا يمكن أن يكون محلا للحوادث ، وإلا ~~لانتفى قدمه ، وبالتالي ألوهيته # فكيف يحل في ذات الله ما يمكن سماعه بحاسة السمع ؟! # وهل يعقل أن يسمع موسى عليه السلام صفة قديمة قائمة بذاته تعالى ؟!! # بل هل يجوز أن يقال ذلك ؟! # والعجب أنهم قالوا بأن السمع مخلوق والمسموع - أي كلام الله - غير مخلوق ~~!! مع أن المسموع إنما سمع بصوت ولو لم يكن كذلك لما كان مسموعا أصلا ، ~~ولما سمعه موسى عليه السلام بحاسة السمع ، وهم يرون بأن الله كلمه بصوت ~~صادر منه مباشرة ( أي لم يخلقه ويحدثه كما أكدته العدلية ) ، ومعلوم أن ~~الصوت لا يحصل إلا عن حركة واهتزاز ، أو عن اصطكاك الأجسام ، أو بواسطة آلة ~~جارحة يصدر عنها ( كما هو حال المخلوقين ) ، وكل ذلك ممتنع في حق الله لأنه ~~خالقه ، كما أن انتقال الصوت إلى أذن السامع لا يتم إلا عبر الهواء الذي ~~خلقه الله وفطره على حمل الأصوات ، ومحال أن تكون صفته القديمة - كما ~~يزعمون - محتاجة لما هو حادث ومخلوق ،وبهذا يثبت أن المسموع مخلوق محدث ، ~~وما سمعه موسى عليه السلام هو كلامه تعالى الذي أحدثه وخلقه ..... PageV01P042 # وهذا ms30 في الحقيقة لا يعتبر دليلا يمكن الاحتجاج به ، لأنهم بنوه - كما هو ~~واضح - على أساس أن كلامه تعالى هو صفته ومن صفات الذات كالعالمية ~~والقادرية وهذا هو ما قرروه من قبل ، وهو أساس الخلاف بينهم وبين خصومهم ، ~~وما يسعون أساسا إلى إثباته وإقامة الحجة والبرهان عليه من خلال ذلك ~~الاستدلال ، فكيف يكون قولهم ذلك هو نفسه مستندا ....؟! # ومع ذلك فقد أجاب القائلون بخلق القرآن على ذلك بما مفاده - وهو ما ~~أوضحناه سابقا - أن التكلم هو صفته والكلام أثرها ، وليس هو نفسه الصفة ، ~~وأنه عند وصف الله بهذه الصفة لا يقال بأن الله كلام ، وإنما يقال بأنه ~~متكلم ، وما يقال في الأثر من الحدوث ونحوه من الأحكام لا يقال في الصفة . PageV01P043 # ومثال ذلك أن الإنسان مخلوق لله تعالى ، وهناك فرق بالطبع بينه وبين صفة ~~الخلق لأنه أثرها وليس هو نفسه صفة الله ، لذا فإننا نحكم عليه بأنه حادث ~~أي كان بعد أن لم يكن ، أما صفة الخلق فهي وان كانت من الصفات التي لا يوصف ~~الله بها في الأزل ولا تجري عليه باعتبار الذات ، وإنما باعتبار أمر زائد ~~على الذات وهو الفعل ، والجميع متفقون على أنها من صفات الفعل لا الذات ، ~~إلا أنه يصح أن نقول - مجازا - بأنها قديمة ، إذا كان بمعنى أنه سبحانه كان ~~قادرا على الخلق في الأزل بحكم قدرته المطلقة الثابتة له في الأزل لذاته ، ~~وبحكم كونه فعالا لما يريد ، لذا فإننا لا نقول بأن هذه الصفة أو تلك من ~~صفات الفعل مخلوقة وحادثة فليس ذلك مما يقال فيه حق صفات الله لأن آثار تلك ~~الصفات - الراجعة أساسا إلى قدرته المطلقة وعلمه - هي المخلوقة والحادثة ، ~~فإن فهم ذلك صح أن نحكم على الكلام بأنه حادث وعلى التكلم - الذي هو صفة ~~الله - بأنه أزلي ، لذا فإن القائلين بخلق القرآن وحدوث كلام الله بوجه عام ~~، قالوا بأنهم إن أرادوا بقولهم أن الكلام من صفات الكمال وانه من لوازم ~~ذاته أو كما قال بعضهم متكلم لذاته ، أن التكلم أزلي بمعنى : ( أنه ms31 تعالى ~~كان قادر على الكلام في الأزل وقادريته لذاته فهذا لا ننكره ) (9) PageV01P044 غير أن ما أرادوه بذلك هو ما أبطله العدليه واثبتوا استحالته كما رأينا ~~سابقا ، وما أرادوه هو إثبات حالة المتكلمية لذاته تعالى في الأزل ، وأنه ~~لم يزل متكلما بكلام قديم قائم بذاته ( وهو الكلام اللفظي عند الحنابلة ~~والنفسي عند الأشاعرة ) الذي هو صفته الثابتة له في الأزل مثل العالمية ~~والقادرية وسائر صفات الذات القديمة الأزلية ، فكما لا يجوز أن يكون علمه ~~مخلوقا محدثا لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا ، وعليه - وهو ما أرادوا ~~إلزام خصومهم به - لابد أن يكون الله متكلما بكلام قديم قائم بذاته وإلا ~~لحصل النقص في حقه تعالى وكانت ذاته خاليه من صفات الكمال قبل حدوثه ( أي ~~الكلام ) !! # لكنهم في الحقيقة لم يثبتوا المقدمات نفسها ولم يقيموا عليها الحجج ~~والبراهين ، بل إنهم لم يبينوا - على الأقل - وجه النقص الحاصل في حقه ~~تعالى لو لم يكون متكلما بكلام قديم ، ويقدموا الدليل على كونه نقصا يتعارض ~~مع اتصاف ذاته بالكمال المطلق ، ويوجب بالتالي أن يكون الكلام من لوازم ~~ذاته كما قرروه بلا دليل أو برهان . # ومن الواضح أنهم أدركوا أنه ليس أقل من أن يبينوا صفة النقص اللازمة في ~~هذه الحالة ، كما هو بالنسبة للعلم الذي يقابله الجهل ، والقدرة في مقابل ~~العجز ...، فكان أن قالوا بالتالي من باب إلزام خصومهم واعتباره حجة عليهم . # 2- قال الأشاعرة بأن القديم تعالى لو لم يكن متكلما أزليا لوجب أن يكون ~~أخرس أو ساكتا وهذا محال في حقه تعالى !!، مع ملاحظة أن كلامه الأزلي عندهم ~~ليس هو هذه الحروف والأصوات وإنما ما عبروا عنه ب ) الكلام النفسي ( . # أما الحنابلة فقد قالوا بما يشبه ذلك ويدور حول ذات الفكرة وهو قول أحد ~~أسلافهم : ( من قال القرآن مخلوق فانه يعبد صنما ) !!(10) PageV01P045 وهو يقصد أن من قال القرآن - الذي هو كلام الله - مخلوق فهو يعبد إلها لا ~~يتكلم ! ، مع ملاحظة أن الله عزوجل عندهم متكلم أزلا بكلام قديم هو هذه ~~الحروف والأصوات ) الكلام اللفظي ms32 ( . # وفي الحقيقة أن هذا وذاك بالإضافة إلى كونه كلاما غاية في السطحية ~~التهافت ، وأشبه بتصورات العوام فإنه يدل بوضوح على عقلية التشبيه ) تشبيه ~~الله بالمخلوقين ( وقياس صفاته تعالى بصفاتنا ، وتصور أن الإله لابد أن ~~يكون متكلما بكلام قائم بذاته كما نتكلم نحن ، وإلا لكان صنما ولما كان ~~إلها !! .. # ] أما الرد على هذا الاستدلال - كما أجاب القائلون بخلق القرآن - نختصره ~~في الآتي :[ # أولا : إن القائلين بحدوث كلام الله لا يعنون ( بكونه تعالى ليس متكلما ~~أزليا إلا أنه لم يكن فاعلا الكلام دونه أن يعني ذلك سكوتا ولا خرسا ) )11( # وثانيا : أنه لا تلازم بين هاتين الصفتين ) فمن أين يلزم إذا لم يكن يقال ~~متكلما أن يكون أخرس أو ساكتا ، وما المانع من خلوه تعالى عن هاتين ~~الحالتين في الأزل فلا يكون متكلما ولا أخرسا ولا ساكتا ( (12) # ثالثا : أن ذلك أصلا إنما يلزم - كما قال الإمام يحيى بن حمزة عليه ~~السلام - ) في حق الواحد منا إذا لم يكن متكلما أن يكون أخرس أو ساكتا لما ~~كان متكلما بآله يفعل الكلام بها ، فأما الله تعالى فليس متكلما بآله فلا ~~يلزم إذا لم يكن متكلما أن يكن ذا خرس وسكوت ( .(13) ، ثم يقول بعد ذلك : ) ~~وإذا كان الغرض بالسكوت هو عدم الكلام فنحن نقول هكذا فإنا نقول : الله ~~تعالى ساكت في الأزل بمعنى أنه ليس فعلا للكلام ، وهذا لا استحالة فيه ، ~~وإن كان الغرض بالسكوت هو لحوق آفة وفساد آلة فلسنا نقول بهذا ، فإن الله ~~تعالى ليس بذي آفة ولا له آلة فيلحقها الفساد والتغيير( (14) PageV01P046 وقد عقب العلامة أحمد بن محمد الشرفي على ذلك بقوله : ) وحاصله أن الخرس ~~والسكوت إنما يوصف بهما المتكلم بآله وهو المخلوق لأنه من لغة العرب ، ~~والله تعالى متكلم لا بآلة ، فلا يجوز إطلاق ذلك عليه لإيهامه الخطأ ، ~~ولأنه لا يصح ذلك في حقه تعالى ( ( 15 ) # أما بالنسبة للحنابلة الذين قالوا بقدم القرآن وأن الله تكلم به أزلا ~~بحروفه وألفاظه ، وأوجبوا تبعا لذلك أن يكون الله متكلما أزلا بكلام هو هذه ~~الحروف ms33 والألفاظ واعتبروه من لوازم ذاته أي يحصل النقص في ذاته تعالى لو لم ~~يكن متكلما أزليا ... ، فقد أجاب الإمام يحيى بن حمزة عن ذلك مؤكدا بأن ما ~~ذهبوا إليه هو الذي يفيد النقص في حقه تعالى ، لأن الكلام في هذه الحالة - ~~أي أزلا من الله - لابد أن يفيد فائدة من أجلها خرج الكلام وإلا لكان عبثا ~~وهذا محال على الله ، وبيان ذلك أن : ) فائدة الكلام إما أن ترجع إلى ~~المتكلم نفسه نحو التعبد وقراءة القرآن أو الغناء ليطرب نفسه أو للتكرار ~~ليعتاد الحفظ ، والله منزه عن هذه الوجوه الثلاثة المتعلقة بالحديث مع ~~النفس ، وإما أن يكون الكلام خطابا موجها إلى الغير ليفهم مراده من أمر ~~ونهي وخبر ، ولم يكن في الأزل مخاطبون إليهم يتوجه الكلام ومن ثم فإن القول ~~بقدم الكلام عبث ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ( . ( 16 ) # ويتبع في الحلقة القادمة إن شاء الله بقية أدلتهم العقلية ثم السمعية . # الهوامش : - # (1) ج1 ص261 من الكتاب المذكور ، دار ابن القيم للنشر والتوزيع ، الدمام ~~، الطبعة الأولى عام 1410 ه - 1980 م . # (2) راجع ص250 ، 251 ، 252 من كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) ~~الذي حققه السيد حسن السقاف ، دار الإمام النووي - عمان - الأردن - الطبعة ~~الرابعة 1413 ه - 1992 م . # (3) المصدر السابق بتصرف ، أنظر ص 97 ، 98 ، 99 ، 100 . # (4 ، 5 ) الكتاب المذكور ج1 ص293 . # (6) خلاصة علم الكلام للدكتور عبدالهادي الفضيلي ص126 . # (7) معارج القبول ج1 ص255 . # (8) المصدر السابق ص247 . # (9) كلام الإمام يحيى بن حمزة ، شرح الأساس الكبير للعلامة أحمد بن محمد ~~الشرفي ج2 ص102 . # (10) معارج القبول ج1 ص275 . # (11) الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراءه الكلامية ، تأليف الدكتور أحمد ~~محمود صبحي ، ص77 . # ( 12 ، 13 ، 14 ، 15 ) شرح الأساس الكبير ج2 ص99 ،100 . # (16) الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراءه الكلامية ، تأليف الدكتور أحمد ~~محمود صبحي ، ص77 . # .... PageV01P047 ### | AUTO الحلقة الخامسة :- # وقفنا في الحلقة الماضية على أبرز أدله واستدلالات القائلين بأزلية كلام ~~الله العقلية في إطار سعيهم إلى إثبات رأيهم في القرآن ، ونكمل في هذه ~~الحلقة بقية ms34 الإستدلالات وهو الاستدلال الثالث والأخير :- # 3- حاولوا في هذا الإستدلال أن يثبتوا بطلان القول بأن الله متكلم بكلام ~~محدث ( أي بكلام يخلقه ويحدثه ) ولزوم أن يكون متكلما بكلام قديم ، مستندين ~~في ذلك إلى حقيقة متفق عليها بين الجميع ، وهو أن الكلام لا يعقل ولا يتصور ~~أن يقوم بذاته - أي الكلام - إذ لابد أن يوجد في محل ، ويستحيل أن يكون لا ~~في محل ، كما يستحيل أن يوجد لون لا في جسم ( أيا كان هذا الجسم ) وعليه ~~فإن كلام الله لا يخلو من ثلاث : # إما أن يقوم بذاته تعالى (( أي حال فيه )) ، وهو ما ذهبوا إليه تبعا ~~لقولهم بأزلية كلام الله وعدم خلق القرآن وإما أن يقوم بغيره وهو قول ~~خصومهم الذين قالوا بحدوث كلام الله ومنه القرآن ، وإما أن يوجد لا في محل ~~، وهذا باطل بالإتفاق.... PageV01P048 # ومن هنا جاء استدلالهم بما مفاده : أن كلام الله لو كان حادثا - أي كما ~~يقول خصومهم - لكان إما أن يقوم بذاته تعالى ( وعلى حد تعبير صاحب كتاب ~~معارج القبول : خلقه في ذاته ) وهذا محال لاستحالة أن تكون ذاته محلا ~~للحوادث - وهو ما أكده القائلون بخلق القرآن والأشاعرة أيضا - باعتبار ان ~~حدوث الكلام الذي هو عبارة عن حروف وأصوات من المعلومات الضرورية ، وإما أن ~~يقوم بغيره ( أي خلقه في غيره ) وهذا محال أيضا ، حسب ما ذهبوا إليه بدعوى ~~أن الكلام في هذه الحالة هو كلام ذلك الغير ، واختصاصه به أحق وأولى ، ( ~~وهذا هو محور استدلالهم ) وبهذا - وهو ما أرادوا إلزام خصومهم به - يبطل أن ~~يكون الله متكلما بكلام محدث ، ويثبت كونه متكلما بكلام قديم قائم بذاته .. # وردا على ذلك قال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام : ( والجواب أما أولا: ~~فالمتكلم عندنا هو فاعل الكلام فإذا كان القديم تعالى فاعلا للكلام وجب أن ~~يكون متكلما ، فأما حلول الكلام وعدمه فهو نظر خارج عما ذكرنا ) (1) . # ثم يقول : وأما ثانيا ، فلأنه تعالى إذا جاز أن يكون منعما بنعمة موجودة ~~في غيره ومحسنا بإحسان موجود في غيره جاز أن يكون متكلما ms35 بكلام موجود في ~~غيره ، والجامع بينهما هو أنها كلها أسماء اشتقاقية ، الأصل فيها كلها وفي ~~صحة إطلاقها على فاعلها وجريها على فاعلها وجود الفعل لا غير (2) . PageV01P049 # وحتى تتضح المسألة ويفهم رد الإمام يحيى بن حمزة لابد لنا من الإيضاح ~~وإزالة الالتباس فنقول : إن ما أورده القائلون بأزلية كلام الله أعلاه ليس ~~دليلا على قدم وأزلية كلام الله وبالتالي القرآن ، وإنما هو في الحقيقة ~~اعتراض وشبهه لا وجه لها سوى خلفية قياس الغائب بالشاهد ، أي قياس الخالق ~~تبارك وتعالى بنا نحن المخلوقين في صفة التكلم ، وتصورها في الأذهان ~~بالنسبة لله تعالى من خلال ما ندركه في أنفسنا بخصوصها ، من صدور الكلام ~~عنا مباشرة ، وكذلك صدور الصوت المؤدى به بالطبع ، ويغيب عن ذهن الكثيرين - ~~لاسيما العامة - أن ذلك إنما يتم نتيجة وجود الآله أو الجارحة التي خلقها ~~الله فينا وأقدرنا بها على إحداث الكلام وفعله ، ولو تلفت أو تعرضت لآفة ما ~~، لفقدنا القدرة على الكلام ، ولعجزنا ولا ريب عن إحداثه وخلقه في محل آخر ~~غير ذواتنا بعد تلف تلك الآله المركبة فيها ، وهذا ما يتفرد به الله عز وجل ~~، ومع ذلك فإن التصور الغالب في أذهان الناس - وأغلبهم بدون وعي - أن ~~الكلام يصدر من الله مباشرة أي بحروف وأصوات ( حالة فيه وقائمة بذاته ) كما ~~يخرج من أحدنا !! وأنه لابد وأن يكون متكلما على هذا النحو ، متوهمين أن ~~ذلك من لوازم كماله الإلهي المطلق كما هو - مع الفارق طبعا - من لوازم ~~الكمال الإنساني المتمثل في النطق الذي بلغ من شأنه أن تم تعريف الإنسان ~~بأنه حيوان ناطق ، دون أن يستوعبوا ويدركوا بأن خصوصية اتصافه تعالى بصفة ~~المتكلمية ووجه كماله الإلهي فيها وحقيقة مباينته في هذه الصفة لعباده - ~~كما هو الحال في سائر صفاته تعالى - إنما تكمن في كونه يخلق الكلام خلقا ~~كيف شاء ومتى شاء ويحدثه أينما شاء ، لا أنه قائم بذاته ، ولاصادر عنه ~~مباشرة بصوت مسموع كما هو الحال بالنسبة لنا ، وكونه تعالى يخلق الكلام ~~ويحدثه في غيره ( أي قائم بغيره ) فذلك ms36 هو قطعا ما ليس مقدورأ للبشر على ~~الإطلاق ، وهو ما يجسد حقيقة مباينته لعباده في ذلك PageV01P050 وتفرده ، ويتجلى فيه بوضوح مدى عظمته وقدرته المطلقة علما بأن الأصل ~~والأساس في القول بأن الكلام قائم بغيره ليس هو ما ذكرنا وإنما هو - كما ~~شرحناه في الحلقات السابقة - ما فرضه العلم الضروري بحدوث الحروف والأصوات ~~التي يتركب منها الكلام ، من لزوم الحكم باستحالة أن يكون الكلام قائما ~~بذاته تعالى ، لاستحالة أن يكون ذاته محلا للحوادث باتفاق الجميع ، ~~وبالتالي ما أوجبه مبدأ التنزية من تنزيه الله عن ذلك ، وهذا بطبيعة الحال ~~كان يعني بالضرورة أن كلامه تعالى قائم بغيره ، باعتبار أن الكلام يستحيل ~~أن يقوم بنفسه وأن يوجد لا في محل ، دون أن يكون هذا الغير ( وهو من ~~مخلوقات الله بالطبع ) سوى محل للكلام الذي يحدثه الله فيه ، وبعبارة أخرى ~~محل للحروف والأصوات التي يخلقها الله فيه ليتمكن من يكلمه الله من عباده ( ~~كما حدث لموسى عليه السلام ) من سماع الكلام ، وليس هو المتكلم الذي هو ~~فاعل الكلام وهو الله والكلام بالطبع كلامه لأنه فاعله ومحدثة ، ومثال ذلك ~~بالنسبة لكلامنا نحن البشر ، من حيث محل الكلام أو كما يسميه الإمام أحمد ~~بن سليمان شبح الكلام أي المحل ، ما قاله في كتابه " حقائق المعرفة " من أن ~~: ( شبحه - أي الكلام - في المتكلم ، وشبحه بعد ذلك الهواء لأن الله قد فطر ~~الهواء على حمل الأصوات إلى الآذان السامعات ) . ( 3 ) . # وهذه حقيقة علمية ثابتة ندركها نحن أبناء هذا العصر ونستوعبها جيدا ، ~~وكون الهواء هو محل الكلام بعد ذلك ويقوم الكلام به ، وهو الذي يحمله إلينا ~~وينقله إلى آذاننا ونسمعه بواسطته لا يعني أن الكلام كلامه أو أن اختصاصه ~~به أولى ، وما من أحد يقول ذلك ، لأن الكلام لفاعله أي المتكلم والهواء ليس ~~هو المتكلم ولا فاعل الكلام كما هو معلوم وإنما هو محل لا أكثر . # .... PageV01P051 ### || AUTO ] أبناء هذا العصر أقدر على فهم المسألة : [ # ومن هنا نستطيع أن نفهم المسألة والشبهة السابقة التي أوردها القائلون ~~بأن الله متكلم بكلام ms37 أزلي قائم بذاته ، ذلك أن القول قد اضطرهم منذ ~~البداية إلى مخالفة أهل اللغة ، واعتبار المتكلم : من قام به الكلام وليس ~~من فعل الكلام ليتطابق مع ما ذهبوا إليه بشأن تكلم الله وكلامه . # ومن هنا جاء اعتراضهم على ما أكده خصومهم - تبعا لإثبات هؤلاء حدوث ~~الكلام - من أن كلام الله قائم بغيره ، ليقولوا - في محاولة لإثبات أنه ~~تعالى متكلم بكلام قديم - بأن ذلك يلزم منه أن يكون الكلام في هذه الحالة ~~هو كلام ذلك الغير ، وليس كلام الله ، وما ذاك إلا لأن المتكلم عندهم هو من ~~قام به الكلام وهو هنا ذلك الغير وبعبارة أخرى المحل الذي يخلق الله فيه ~~الكلام !! # وهذا إنما يلزمهم هم ، ولا يلزم خصومهم ، ولا يصح الإحتجاج به أصلا ، لأن ~~خصومهم لا يقولون بذلك ولا يوافقونهم عليه بل إنه محور الخلاف بينهما ، ~~ويفترض أن يقدموا الأدلة والبراهين عليه أولا ، لا أن يعتبروه - ضمنيا - ~~ملزما لخصومهم بل ومبطلا لقولهم الأساس بحدوث الكلام لله !! . # وبهذا نستطيع أن نفهم رد الإمام يحيى بن حمزة السابق والذي حسم فيه ~~الموضوع منذ البداية بقوله : ( أما أولا ، فالمتكلم عندنا هو فاعل الكلام ) ..... PageV01P052 # أي أن ما ذكرتموه إنما يلزمنا لو كان المتكلم عندنا هو من قام به الكلام ، ~~وبالتالي فإن حلول الكلام من عدمه أمر آخر لا علاقة له بذلك ، ولا يغير من ~~حقيقة أن المتكلم هو فاعل الكلام ، ثم يأتي بعد ذلك بما يؤكد على جواز أن ~~يكون الله تعالى متكلما بكلام موجود في غيره ، دون أن يلزم من ذلك نسبة ~~كلامه إلى ذلك الغير ، فما دام قد ثبت انه تعالى منعم بنعمة موجودة في غيره ~~ومحسن بإحسان موجود في غيره ، فيجوز إذا أن يكون المتكلم بكلام موجود في ~~غيره ، مؤكدا بأن الجامع بين هذا وذاك أنها جميعا من الأسماء الاشتقاقية ( ~~من أسماء الفاعلين ) لا يفهم من إطلاقها على الله تعالى سوى أنه فاعل ~~الإحسان والإنعام والكلام ، ولم يقل أحد بأن الإحسان يكون في هذه الحالة هو ~~إحسان ذلك الغير ، أو إنعام ms38 ذلك الغير . # ونلفت النظر هنا إلى أن تلك الشبهة قد جاءت في القرون الماضية مطابقة ~~ومنسجمة مع عقلية العامة وتصوراتهم الحسية السطحية - كما بيناه سابقا - ~~إضافة إلى عدم تصورهم آنذاك أن يسمعوا كلام المتكلم منهم من خلال شيء آخر ~~غيره ( أي محل آخر ) وليس مباشرة ، ناهيك عن استغلال القائلين بقدم القرآن ~~( الحنابلة بشكل خاص ) لتلك الشبهة وذلك التصور في إثارة عواطفهم الدينية ~~ضد خلق القرآن ( جوهر المسألة ) من خلال القول بأن ما ذهب إليه خصومهم من ~~أن كلام الله تعالى قائم بغيره يلزم منه أن يكون القرآن الذي هو كلام الله ~~كلام ذلك الغير ، وليس كلام الله !! وناهيك بالقرآن مكانة في نفوس الناس . PageV01P053 # إلا أن تلك الشبهة اليوم مردودة وغير مقبولة بعد أن ثبت بطلانها بشكل عملي ~~- حسي - يدركه ويستوعبه سائر الناس اليوم ، ونحن أبناء هذا العصر أقدر على ~~فهم المسألة وحجة القائلين بأن المتكلم هو فاعل الكلام ، والتحقق من ~~مطابقتها للحقيقة التي أدركوها وأثبتوها آنذاك بأدلة عقلية ، ذلك أننا ~~اليوم نسمع صوت المتكلم وكلامه من خلال المذياع وأجهزة التلفزة والهاتف دون ~~أن يكون سماعنا لكلام الشخص المتحدث بشكل مباشر وإنما عبر المذياع مثلا ، ~~والجميع اليوم - عوام وغير عوام - يدركون حقيقة أن المتكلم هو ذلك الشخص ~~والكلام كلامه ، وأننا نسمع الكلام من المذياع لا من المتكلم مباشرة ، دون ~~أن يقال بأن الكلام هو كلام المذياع وهو أولى بنسبة الكلام إليه ، لأن ~~المسألة أصبحت حقيقة ثابتة وملموسة ومطابقة تماما لما أدركه وأثبته ~~القائلون بخلق القرآن من كون المتكلم هو فاعل الكلام ، ولو كان المتكلم هو ~~من قام به الكلام كما ذهب إليه القائلون بأزلية كلام الله وقيامه بذاته ~~لكان المتكلم هذا هو المذياع والكلام كلامه !!! وهذا ما لا يمكن أن يقولون ~~به أنفسهم اليوم . # وبهذا يبطل ما ذهبوا إليه دون شك أو ريب ويثبت أن المتكلم : هو فاعل ~~الكلام ، وبثبوت ذلك يثبت أن كلام الله هو فعله ومنه القرآن ، ومحال بالطبع ~~أن يكون فعله قائما بذاته ، وبذلك يثبت أن كلامه تعالى ms39 محدث وليس قديما ، ~~وبالتالي فإن القرآن محدث مخلوق وهو المطلوب . PageV01P054 # وبهذا نكون قد انتهينا من عرض ومناقشة أهم استدلالاتهم العقلية التي دارت ~~كما رأينا حول محاولة إثبات أزلية كلام الله بوجه عام ، وانه متكلم بكلام ~~قديم ، باعتبار أن إثبات ذلك أمر ضروري يتوقف عليه ثبوت صحة رأيهم فيما يخص ~~القرآن تحديدا ، كونه عنوان الصراع المذهبي والخلاف الفكري الرئيسي في هذه ~~المسألة ، وإذا كانوا قد أخفقوا كما رأينا في إثبات رأيهم بخصوص القرآن من ~~خلال ذلك العنوان العام " كلام الله وصفات التكلم " فإنهم على صعيد العنوان ~~الخاص ( القرآن ) - وخلافا لخصومهم - لم يتمكنوا في الحقيقة من تقديم أي ~~استدلالات عقلية مباشرة وخاصة به ، كأن تكون مستندة إلى شيء من مضامينه أو ~~خصائصه أو أي جانب حقيقي من جوانبه التي يمكن الاستدلال من خلالها على قدمه ~~- من وجهة نظرهم على الأقل - أو يلزم منها بطلان حدوثه وخلقه لتحل محلها ~~معارضات سقيمة للحنابلة وعلمائهم الأوائل ، وشبهات سطحية أثاروها ضد القول ~~بخلق القرآن ، والتباسات في المفهوم رسوخها في أذهان العامة ، وأقوال عجيبة ~~نزلوا بها إلى مرتبة العوام ، وغير ذلك مما أنتجته عقلية الحنابلة وأتوا ~~فيها بالعجب العجاب ، ودونوه في كتبهم ، واعتبروها استدلالات قوية ومفحمة ~~للخصم بل وملزمة له بإلزامات شنيعة بعد أن قدموها لأتباعهم على نحو يثير ~~عواطفهم الدينية ، ويحمل نتائج يستعظمونها ومقدمات لا أساس لها ولا مستند ، ~~وقد نأى علماء الأشاعرة بأنفسهم عنها ، ونزهوا كتبهم منها ، غير أنها كانت ~~أكثر حضورا في أذهان الحنابلة ومن جاء بعدهم من السلفية وأعظم أثرا فتوقفوا ~~ولا زالوا يتوقفون عندها ويعتمدونها ويوردونها في كتبهم المعاصرة محتجين ~~بها ، ويكفي أن يقال قال فلان وقال فلان ... حتى يغلقوا عقولهم وينظروا ~~إليها على أنها حجة قاطعة ومفحمة !! في الوقت الذي يجهلون فيه صلب الموضوع ~~وإشكالاته الأساسية وأدلته الحقيقية التي يجب أن تناقش وتطرح مما عرضناه ~~سابقا وبيناه ونظرأ لما ذكرناه سابقا كان لابد من استعراض بعضها . # ..... PageV01P055 ### || AUTO ] معارضات الحنابلة وشبهاتهم ضد القول بخلق القرآن [ # 1- أولها تعود جذوره إلى الإلتباس القديم في ms40 المفهوم الذي أحدثه لفظ " ~~مخلوق " في أذهان العامة عند ظهور هذه المسألة آنذاك ، والمتمثل في تصور ~~القرآن شخصا حيا أو أي حي آخر يموت ويفنى ، وهو ما أورده الحنابلة على شكل ~~استدلال مفاده أن كل مخلوق لازمه الموت والفناء ، وأن القول بأن القرآن ~~مخلوق يلزم منه أن يجري عليه ما يجري على سائر المخلوقات من الموت والفناء . # ونحن في الحقيقة لا نفهم من الموت والفناء إلا جريان الأول على الأحياء ~~من إنسان وحيوان ونبات ، والثاني على المادة بشكل عام ) كل من عليها فان ( # أما بالنسبة للقرآن الكريم فهو عبارة عن كلمات وألفاظ وسور وآيات مكتوبة ~~في الصحف ومحفوظة في الصدور ومسجلة في الأشرطة ، وليس هناك من معنى للموت ~~والفناء في حقه - حسب الفرض السابق - إلا أنه عرضة للتغيير والتبديل والطمس ~~والتحريف " جزءا أو كلا " أو ضياع أصوله ونسخه وارتفاعه من الصدور .... الخ . # وكل ذلك محال وباطل لأن الله سبحانه كما هو معلوم للجميع قد تكفل بحفظه ~~وبنصه وحرفه كما نزل على نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم السلام ~~، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، كما أخبرنا بذلك قوله تعالى : ( إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، وبالتالي فإن ما يجري على سائر ~~المخلوقين والمخلوقات لا يجري عليه ، وممتنع بالنسبة له وتكفل الله بحفظه ، ~~ولو تكفل الله بحفظ أي مخلوق وتخليده إلى آخر الدهر وإبقائه على حاله دون ~~أي تغيير أو تبدل أو موت ، لكان ذلك ولا ريب دون أن يخرجه ذلك من كونه ~~مخلوقا ......... PageV01P056 # بل أن تكفل الله بحفظ القرآن الذي هو كلامه يعتبر في حد ذاته دليلا على أنه ~~مخلوق ، إذ لو كان قديما كما يزعمون لما احتاج إلى حافظ يحفظه ، بل لو كان ~~سائر كلام الله على اختلاف كتبه المنزلة قديما كما يزعمون لما تعرضت تلك ~~الكتب - التي هي كلامه بالطبع - للتحريف والطمس كما هو ثابت ومعلوم ، ما ~~يؤكد بأنها مخلوقه ويؤكد بالتالي أن القرآن مخلوق ، غير أن الله سبحانه ~~وتعالى لم يتكفل بحفظها كما ms41 هو الحال بالنسبة للقرآن الكريم فكان ما كان من ~~أمرها . # 2- أما الاعتراض أو الشبهة الثانية فهي تقوم على انتقاء الآيات القرآنية ~~التي ورد فيها لفظ الجلالة " الله " وغيره من أسماء الله ، وتقديمها على ~~أساس أن القول بخلق القرآن يلزم منه أن الله مخلوق والرحمن مخلوق .... ~~و.... !! # ومن ذلك ما نقله صاحب كتاب معارج القبول " السلفي " عن يحي بن سعيد ~~القطان محتجا بكلامه : ( وقال يحي بن سعيد : كيف يصنعون بقل هو الله أحد ، ~~كيف يصنعون بهذه الآية " إني أنا الله " يكون مخلوقا ؟....!! " (4) ، تأمل ~~استنكاره بقوله : يكون مخلوقا ؟! معيدا الضمير إلى الله - نستغفره ونتوب ~~إليه - مع أن الآية هي المخلوقة وهو مراد القائلين بخلق القرآن ، وكان ~~يفترض به أن يقول : تكون مخلوقه ؟! # ومن ذلك أيضا ما نقله صاحب الكتاب عن عبد الله بن إدريس حيث قال : ( وقرأ ~~ابن إدريس "بسم الله الرحمن الرحيم " فقال : الله مخلوق ؟ والرحمن مخلوق ؟ ~~والرحيم مخلوق ؟ هؤلاء زنادقة ) !!! ( 5 ) . # والحقيقة أن هذا الكلام هو أكثر هبوطا من تفكير العوام ، وفيه جهل فاضح ~~وتضليل واضح للناس ، ومحاولة لجعل القول بخلق القرآن - في نظر العامة - ~~قولا يؤدي إلى الإلحاد بمثل ذلك الكلام التضليلي الهابط والذي لازال للأسف ~~الشديد يتردد إلى يومنا هذا !! ويحتج به !! PageV01P057 # مع أن الرد عليه من قبل أناس عاديين لا يحتاج إلى أكثر من القول : بأن معنى ~~خلق القرآن أن سوره وآياته وألفاظه وكلماته وحروفه مخلوقه محدثة ، فقوله ~~تعالى : ( قل هو الله أحد ) أو ( بسم الله الرحمن الرحيم ) هو المخلوق ، ~~والآية هي المخلوقة ، والكلمات التي تضمنت لفظ الجلالة " الله " أو أي اسم ~~من أسمائه تعالى هي المخلوقة وحروفها مخلوقه وليس الله أو الرحمن أو الرحيم ~~الذي هو الله ، وهناك فرق واضح يدركه أدنى من له مسكة من عقل وفهم ، ومن ذا ~~الذي سيفهم من قولنا : كلام الله مخلوق محدث ، أن الله مخلوق ومحدث !!؟ # والعجيب أنهم لا يدركون بأن مثل هذا التهريج مردود عليهم ومن السهولة ~~إلزامهم بما أرادوا إلزام خصومهم به وبنفس المنطق بل وبما هو أعظم ms42 شناعة ~~وهو أن يقال لهم بأنه على هذا فإن قولكم القرآن قديم وغير مخلوق يلزم منه ~~أن : " إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وعندهم من أسماء المخلوقين الواردة في ~~القرآن قدماء وليسوا مخلوقين وبالتالي آلهة مع الله !! . # 3- أما الثلاثة فتستند إلى ما قرروه وابتدعوه من ذوات أنفسهم انطلاقا من ~~عقلية التشبيه والتجسيم ، وهو أن القرآن وكلامه تعالى خرج منه !! ويوردون ~~في ذلك حديثا لا يمكن قبوله في أي حال من الأحوال ناهيك عن كونه من ~~المراسيل ، وهو ما رواه الحاكم وأبو داوود في المراسيل عن أبى ذر رضي الله ~~عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ) إنكم لا ترجعون ~~إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه ( . # ويعقب صاحب كتاب معارج القبول على ذلك - بعد إيراده الحديث - بقوله : ~~يعني القرآن !!! (6) ثم يأتي بعد ذلك الإحتجاج نقلا عن أسلافهم بالقول : ( ~~فكيف يكون شيء خرج من الرب عز وجل مخلوقا ) !!!؟ (7) . PageV01P058 # وعبارة " خرج منه " في حد ذاتها تدلك أولا على تشبيه الله بخلقه لأن ذلك ~~كما هو معلوم إنما يقال في حقنا نحن البشر ، فنقول : " خرج من فيه الكلام " ~~، وفي حديث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله لعبد الله بن عمرو بن العاص ~~ما معناه : " أكتب فوالله لا يخرج منه إلا الحق " ، وأشار إلى فيه عليه ~~وعلى آله الصلاة والسلام ، واستخدام ذات العبارة في حق الله تشبيه واضح له ~~بخلقه ، ولم يبق إلا أن يقال صراحة : خرج من فيه ، سبحانه وتعالى عما يصفون ~~، وهم في الحقيقة إنما أرادوا بذلك أن يؤكدوا ما ذهبوا إليه من أن الكلام ~~قائم بذاته وانه يتكلم بصوت وكلامه صادر عنه مباشرة فعبروا عنه بذلك ~~التعبير الذي لم يرد في كتاب الله وكفى به حكما ومرجعا . # 4- أما الرابعة فهي كما نقله واحتج به صاحب الكتاب المذكور بقوله : ( ~~وقال عبد الله بن محمد العيشي : " يستحيل في صفة الحكيم أن يخلق كلاما يدعي ~~الربوبية ، يعني - والكلام لصاحب الكتاب - قوله تعالى : " اني أنا الله " ، ~~وقوله : " أنا ربك " (8) ، وهل القول بأن ms43 الله يخلق الكلام ويحدثه يعني أن ~~المتكلم هو الكلام وهو الذي قال : " اني أنا الله " أم الله سبحانه وتعالى ~~هو المتكلم وهو من خلق الكلام وأحدثه وهو القائل ذلك عز وجل ؟!! # وهذه شبهة شبيهه بما عرضناه سابقا في قولهم بأن الكلام ذلك يعتبر ، وهو ~~ما شرحناه ، ويكفي أن نقول هنا بأنه يمكن الرد عليهم بنفس المنطق بما هو ~~أعظم إلزاما لهم ، إذ قد يقال لهم أنكم بهذا الذي أوردتموه يلزمكم الإعتراض ~~على الله سبحانه لأنه خلق فرعون الذي ثبت بنص القرآن أنه ادعى الربوبية ~~وقال : " أنا ربكم الأعلى " ، فكيف يخلق إنسانا يدعي هذا بالفعل ، لا كما ~~ذهبوا إليه من أوهام وترهات بشأن الكلام ؟!! # نكتفي بهذا القدر من إيراد أقوالهم الركيكة على أن نأتي بالأدلة السمعية ~~للفريقين في الحلقة القادمة والأخيرة بمشيئة الله تعالى . # الهامش : - # ( 1 ، 2 ) شرح الأساس الكبير للعلامة أحمد بن محمد الشرفي ، تحقيق ~~الدكتور أحمد عبدالله عارف ج2 / ص102 . # ( 3 ) المصدر السابق ج2 / ص108 . # ( 4 ) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول ج1 / ص276 ، للشيخ ~~حافظ بن أحمد حكمي ، دار ابن القيم للنشر والتوزيع - الدمام ، السعودية ، ~~الطبعة الأولى 1410 ه _ 1990 م . # ( 5 ) المصدر السابق 1/273 . # ( 6 ) المصدر السابق 1/259 . # ( 7 ، 8 ) المصدر السابق 1/277 . # .... PageV01P059 ### | AUTO الحلقة السادسة " الأخيرة " :- # كنا قد عرضنا في الحلقات السابقة أدلة الفريقين العقلية ( القائلين بخلق ~~القرآن، والقائلين بقدمة وأنه غير مخلوق ) # وأقوالهم وآرائهم وردود كل فريق على الآخر واعتراضاته.. إلى آخر ما هنالك ~~مما تركز حول كلام الله بوجه عام وصفة التكلم، في إطار ما فرضه الخلاف ~~بينهم بشأن القرآن الكريم ، من سعي كل فريق لإثبات صحة رأيه في القرآن ~~الكريم عن طريق إثبات ذلك بالنسبة لكلام الله بوجه عام، حتى إذا ما ثبت بأن ~~كلام الله محدث أو ثبت بأنه قديم ثبت تبعا لهذا أو ذاك ثبوت أحدهما بحق ~~القرآن الكريم. # وقد رأينا كيف أن القائلين بقدم القرآن وأنه غير مخلوق أخفقوا في الحقيقة ~~في إثبات ذلك من خلال الأدلة ms44 العقلية التي قدموها، ولم تصمد أمام النقد، ~~فضلا عن إخفاقها في معارضة تلك التي قدمها القائلون بخلق القرآن ، أو ~~التخلص من إلزماتها . # وفي هذه الحلقة نعرض الأدلة السمعية التي ستحسم المسألة ونختتم بها ~~الموضوعنا هذا. ### || AUTO ] أدلة القائلين بخلق القرآن وحدوثه من القرآن [: # وأدلتهم من القرآن انقسمت الى قسمين # القسم الأول: # 1- آيات صريحة في كونه محدثا مجعولا: # * قوله تعالى : (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) ~~(الأنبياء :2) # * وقوله تعالى : (ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين) ~~(الشعراء :54).... PageV01P060 # * وقوله تعالى : (أو يحدث لهم ذكرا) (طه:113) ، والذكر كما هو معلوم هو ~~القرآن وهو احد أسمائه بدليل قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون ). # وعليه فإن الآيات السابقة كماهو ظاهر لكل أحد تنص بشكل صريح وواضح لا لبس ~~فيه ولا غموض ، على حدوث القرآن وأن الله أحدثه ، وتصفه بأنه محدث ، أي لم ~~يكن ثم كان ، وليس قديما أزليا، ومعلوم أن كل محدث هو مخلوق والله خلقه ، ~~وعليه فإن القول بأن القرآن قديم وغير مخلوق يعتبر معارضة صريحة لما تضمنته ~~تلك النصوص القرآنية القطعية الدلالة. # وقد يتساءل القارئ هنا : عن موقف القائلين بقدم القرآن وأنه غير مخلوق ، ~~وكيف جوزوا لأنفسهم إنكار حدوث القرآن ، مخالفين بذلك ما نصت عليه تلك ~~الآيات صراحة؟ وما حجتهم في ذلك؟ # والحقيقة أنهم لم يقدموا أي حجة أو رد ، وكان قدماؤهم يتهربون من الإجابة ~~على من احتج عليهم بتلك الآيات مكتفين فقط بالتأكيد على أن القرآن غير ~~مخلوق ، ومن ذلك - ما نقله صاحب كتاب معراج القبول محتجا بأقوال سلفه في ~~كفر من قال بخلق القرآن -!! أن وكيعا سمع رجلا اسمه مثنى يقول القرآن مخلوق ~~، ( فقال وكيع : هذا كفر ، وقال: من قال أن القرآن مخلوق هذا كفر ، فقال ~~مثنى : يا أبا سفيان ، قال الله : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) فأيش ~~هذا ؟ فقال وكيع : من قال القرآن مخلوق هذا كفر ..) (1) . PageV01P061 # وغاية ما تجده حول ردهم بخصوص تللك الآيات هو ما ms45 نقله الحافظ ابن كثير في ~~(البداية والنهاية 10/327 ) من تأويل محض ، بالظن والاحتمال غايته صرف ~~اللفظ عن ظاهره وحقيقة معناه ليس إلا ، بلا دليل أو قرينة ، وهو للإمام ~~أحمد بن حنبل -رحمه الله- الذي عرف بنصوصيته وشدة كراهيته للتأويل من حيث ~~المبدأ وقراءته للنصوص قراءة حرفية ظاهرية حتى وإن تعارض ظاهرها مع أدلة ~~قطعية توجب التأويل أو قرائن تستدعي ذلك ، فإذا به يقدم تأويلا عجيبا غريبا ~~بلا دليل أو قرينة لتلك الآيات القرآنية ، وحسبنا أن كثيرا من علماء ~~الحنابلة المتأخرين تجاوزوا ذلك التأويل ،ولم يحتجوا به لعدم صلاحيته، وإن ~~أورده أحدهم فإنما يورده على استيحاء من باب النقل دون تعليق أو توقف عنده ~~أو تعويل عليه ، وهذا التأويل كما نقله ابن كثير هو قوله : ( ومن طريق أبي ~~الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل أنه أجاب الجهمية - يقصد المعتزلة- حين ~~احتجوا عليه بقوله تعالى: ( وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه ~~وهم يلعبون ) قال : يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه هو ~~المحدث )(2) !! ، وهذا تأويل محض لا دليل عليه ولا قرينة ، ويكفي قوله ( ~~يحتمل ) !، في حين أن الآية واضحة وصريحة في وصفها للذكر بأنه محدث لا ~~تنزيله ، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن كون الذكر منزلا ، والله أنزله ، ~~هو في حد ذاته دليل على حدوثه لأنه لو كان قديما لما جاز عليه النزول ، ~~ولما وصفه الله بالنزول الذي هو من علامات الحوداث ، على أن الإمام أحمد بن ~~حنبل نفسه لم يقتنع بذلك الاحتمال والتأويل الذي نقضه في وقت لاحق على ما ~~يبدو ، وأتى بآخر أطم وأعجب من سابقه . # وهو ما أورده ابن كثير أيضا عقب ما سبق إيراده مباشرة بقوله : ( وعن حنبل ~~عن أحمد أنه قال : يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن ) (3). PageV01P062 # وعلى هذا فإن الذكر الذي ورد في قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون ) يحتمل أن يكون ذكرا آخر غير القرآن !!؟ الذي أجمع عليه ~~المسلمون كافة ، بأنه هو الذكر وهو الذي تكفل ms46 الله بحفظه ، ثم كيف يمكن أن ~~يكون هناك ذكر آخر غير القرآن هو المحدث وليس القرآن ، مع أنهم يقولون بأن ~~كلام بوجه عام هو قديم وأزلي وسائر كتبه قديمة أزلية؟؟!! ، ومعلوم أن ما ~~كان بعضه محدثا كان كله محدثا ، ألا يدل هذا التخبط والتناقض على أنهم ~~كانوا يخوضون في المسألة - لا سيما بعد انتهاء المحنة وتغلب المحدثين ~~والحنابلة - بلافهم أو علم ، وأن العداء والتعصب المذهبي وردود الأفعال ~~اللاواعية جعل من معارضتهم لخصومهم في مسألة خلق القرآن ومخالفتهم في الرأي ~~هدفا في حد ذاته ، إلى حد أن القضية في أذهانهم اختزلت بدون وعي في مسألة ~~القرآن فحسب دون سائر كلام الله وكتبه المنزلة ؟! ومن ذلك أيضا ما نقله ~~صاحب كتاب معارج القبول عن هشام بن عبيد الله من أنه قال : ( القرآن كلام ~~الله غير مخلوق ، فقال له رجل : أليس الله تعالى يقول : ( وما يأتيهم من ~~ذكر ربهم من محدث) ، فقال : محدث إلينا وليس عند الله بمحدث ) ! (4) . PageV01P063 # على أن المسألة لم تتوقف عند حدود تجاهل تلك الآيات الصريحة وعدم الرد على ~~من احتج بها عليهم، ولا عند حدود تأويل قوله تعالى ( ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث.. ) على ذلك النحو أوغيره ، بل إن منهم من لم يتردد في تجاوز هذا ~~وذاك الى الإنكار اللفظي الصريح وتكفير من قال أن القرآن محدث ، فهذا صاحب ~~كتاب معارج القبول ينقل لنا - في سياق احتجاجه بأقوال (السلف) أيضا - أن ~~وكيعا : ( قال من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث ، ومن زعم أنه محدث ~~فقد كفر) ! ، وفي هذا دليل على أنهم يدركون جيدا ويقرون بأن محدث بمعنى ~~مخلوق ، ومع ذلك ...!، ثم يقول : ( وقيل له إن فلانا يقول إن القرآن محدث ) ~~، وهو ما نص علية القرآن صراحة فتأمل جوابه ( فقال : سبحان الله هذا الكفر) ~~!!! ( 5 ) . # ونحن نقول : يا سبحان الله ، أليس هذا - بإجماع الأمة - هو حكم من أنكر ~~صريح القرآن ولم يثبت ما أثبته لفظا ؟! ، ولئن كانوا قد كفروا من يقول بأن ~~القرآن مخلوق فما بالهم ms47 يكفرون من يقول بأنه محدث مع أن ذلك إثبات لفظي ~~لازم لكل مسلم لما ورد نصا في كتاب الله في وصف القرآن؟. # * أما بالنسبة لكونه مجعولا فقد استدل القائلون بخلقه بقوله تعالى : ( ~~إنا جعلناه قرآنا عربيا) أي : خلقناه ، إذ جعله قرآنا عربيا كما جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا بأن خلقهما كذلك ، مستدلين على أن (جعلناه) بمعنى خلقناه ~~، بقوله تعالى : ( وجعل الظلمات والنور ) ، وغيرها من الآيات . # فجاء رد القائلين بأنه غير مخلوق بإيراد آيات ورد فيها لفظ ( جعل ) دون ~~أن يفيد معنى الخلق كقوله تعالى ( وجعلهم كعصف مأكول ) ، غير أنهم لم ~~يقولوا لنا في هذه الحالة ما الذي تعنيه كلمة جعلناه في قوله ( إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا ) ، بحيث يستقيم المعنى لو افترضنا أنها ليست بمعنى (خلقناه) . # 2-آيات وصف فيها القرآن بأوصاف يلزم منها حدوثه وخلقه وامتناع قدمه: PageV01P064 # وأول هذه الأوصاف أنه منزل, والآيات كثيرة بهذا الصدد ، منها قوله تعالى : ~~(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، ولا خلاف في كونه منزلا ، وهذا ~~في حد ذاته يؤكد بأنه محدث مخلوق ، ولو كان قديما لما جاز وصفه بالنزول ، ~~لأن النزول من صفات الحادث المخلوق لا من صفات القديم الأزلي ، بدليل قوله ~~تعالى : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) وقوله : (وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج ) ، وقوله : (وأنزلنا من السماء ماء مباركا) ، وفي كل هذه ~~الآيات استخدام كما هو واضح لفظ (أنزلنا) و(أنزل) ، و(نزلنا) ولم يقل خلقنا ~~الحديد والأنعام والماء، ومعلوم أن كل ذلك مخلوق. # أما في قوله تعالى : ( والله أنزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ) ~~(الزمر :23) ، فقد وصفه الله تعالى - كما يقول الإمام يحيى بن حمزة - ( ~~بخمس من صفات المحدثات ، وصفه بأنه ( منزل ) والمنزل محدث ، لأنه حصل بعد ~~أن لم يكن ، ووصفه بأنه ( أحسن ) ، والحسن من صفات المحدثات ، ووصفه بأنه ~~(كتاب ) ، والكتاب والكتابة والمكتوب من سمات المحدث ، ووصفه بأنه متشابه - ~~أي يشبه بعضه بعضا في جزالة ألفاظه وجودة معانيه ... إلخ - والقديم لايشبه ~~غيره ، وأخيرا وصفه بأنه (مثاني) ، أي يثنى ويكرر معانيه ، هذه صفات للقرأن ms48 ~~لا يتصف بها ماهو قديم) (6) . # 3- آيات يلزم منها أنه محدث وليس قديما : # * قوله تعالى : ( ومن قبله كتاب موسى ) ( الأحقاف : 12)، وهذا صريح في ~~أنه جاء بعد غيره ، وما تقدمه غيره امتنع قدمه وثبت حدوثه . PageV01P065 # * قوله تعالى : ( وما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بمثلها أو خير منها ) ، ~~وقوله تعالى : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) ( الكهف:109) ، تدل بذلك على أن الله لو ~~أراد أن يغير القرآن كله أو بعضه أو يبدله بغيره أو يأتي بمثله أو يزيد فيه ~~كما شاء لكان ذلك ، كما أن النسخ في أوامر القرآن -كما هو معلوم- جائز ~~وواقع ، وعليه فإن ما جاز ان يتبدل ويتغير وينسخ ويؤتى بمثله ويزاد فيه فهو ~~محدث ولا ريب ،ومحال أن يكون قديما ، لأنه لو كان قديما لما جاز عليه كل ~~ذلك، ألا ترى بأن علمه تعالى - الذي هو صفته القديمة الأزلية بلاخلاف في ~~ذلك - محال أن يتغير أو يتبدل أو يخرج عنه ما سيقع ويحدث قيد أنملة. # * قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، والمحفوظ محدث مخلوق. # * قوله تعالى : (وإذ قال ربك للملائكة ) ، و(إذ) -كماهو معلوم - ظرف زمان ~~، والمختص بزمان معين محدث ، وماكان بعضه محدثا كان كله محدثا. # القسم الثاني : PageV01P066 # وهو ما أثبتوا فيه حدوث القرآن من خلال آيات تدل على أن كلامه تعالى هو ~~فعله والتكلم صفته، وأنها من صفات الفعل لا من صفات الذات ، وتلك الآيات هي ~~: قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) ، وقوله : ( ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه ) ، وقوله تعالى ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ) ~~، والشاهد هنا أنه سبحانه وتعالى عبر عن الكلام في هذه الآيات ونحوها بصيغة ~~الفعل ( كلم ، يكلم) ،وهذا واضح لكل أحد ، وهو دليل أن المتكلم من فعل ~~الكلام لا من قام به الكلام - كما ذهب إليه القائلون بأزلية كلام الله ~~وقيامه بذاته - بدليل أن ms49 ما يتبادر إلى الأفهام ويفهمه أهل اللغة وأبناء ~~العربية من أن معنى أن الله كلم موسى عليه السلام هو أنه فعل الكلام المكون ~~من حروف وأصوات لا غير ، كما أن كلمة )تكليما( الواردة في الآية فيها تأكيد ~~واضح على أنه سبحانه فعل الكلام وأن المتكلمية والتكلم صفته ، وليس الكلام ~~الذي هو أثرها الذي أحدثه الله وأنشأه وخلقه كيف شاء وسمعه موسى عليه ~~السلام. # هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فإن الله سبحانه قد أثبت الكلام في الآيتين ~~الأولى بقوله ( وكلم) ونفاه في الآية الثالثة بقوله ) لا يكلمهم ( ، وهذا ~~دليل يؤكد أن المتكلمية من صفات الفعل ، ولوكانت صفة من صفات الذات لما ~~أثبته تارة ونفاه أخرى . # تلك هي الأدلة الشرعية القرآنية الملزمة التي قدم منها القائلون بخلق ~~القرآن ما يقطع الشك باليقين وأتوا فيها بنصوص صريحة مباشرة وأخرى غير ~~مباشرة ، وثالثة لازمة الدلالة ، ورابعة مؤكدة ، ولا مجال لتجاوزها أو ~~تجاهلها فضلا عن التمسك بالرأي المعارض لها . PageV01P067 # أما من السنة : فقد احتجوا على مخالفيهم بما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - أنه قال : ) ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي ( ~~، وهذا كلام صريح - نصا ولفظا - في أن القرآن مخلوق ، وحجية هذا الحديث ~~وأهميته تتمثل في ورود لفظ ( الخلق ) صراحة ، وفي كونه مرويا عن طريق رجال ~~أهل الحديث وثقاتهم ، وعندما احتج به عليهم في حينه لم ينكروه ولم يطعنوا ~~في صحته ولا قدحوا في رواته ، وإنما أولوه وصرفوا معناه عن ظاهره وحقيقته ~~كما فعلوا بالنسبة لتلك الآيات القرآنية الصريحة - كما رأينا - بل ساءهم أن ~~يظهر هذا الحديث زمن المحنة وما بعدها وأن يحدث به أحد رجالاتهم خوفا من أن ~~ينتشر بين العامة فيضعف موقفهم ويبطل رأيهم . # وإليك ما نقله لنا الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء 10/578 : (قال أبو ~~الحسن عبدالملك الميموني : قال رجل لأبي عبدالله -أحمد بن حنبل-: ذهبت الى ~~خلف البزار أعظه، بلغني أنه حدث بحديث عن الأحوص عن عبدالله بن مسعود ، قال ~~: ما خلق ms50 الله شيئا أعظم من آية الكرسي .. وذكر الحديث ، فقال أبو عبدالله ~~-أحمد بن حنبل -: ما كان ينبغي أن يحدث بهذا في هذه الأيام - يريد زمن ~~المحنة !! ، والمتن .. والكلام لا زال للذهبي -: ( ما خلق الله من سماء ولا ~~أرض أعظم من آية الكرسي )، وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا عليه هذا يوم ~~المحنة : إن الخلق واقع هاهنا على السماء والأرض وهذه الأشياء لا على ~~القرآن)!! (70) # ..... PageV01P068 ### || AUTO ] أدلة القائلين بقدم القرآن وأنه غير مخلوق [ : # من القرآن : ومحور استدلالهم من القرآن يستند إلى آيتين وهي قوله تعالى : ~~( ألا له الخلق والأمر ) (الأعراف : 54 ) # وقوله تعالى : ( إنما أمرنا لشيئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) النحل ~~: ( 40 ) # ووجه استدلالهم هنا على أن كلام الله غير مخلوق يتمثل أولا : في القول أن ~~الله تعالى في الآية الأولى (ميز بين الخلق والأمر فوجب أن لا يكون داخلا ~~في الخلق ) أو كما قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة 19/ ، أنه تعالى ~~: ( لما قال : ( ألا له الخلق ) كان هذا في جميع الخلق ، ولما قال ( والأمر ~~) ذكر أمرا غير جميع الخلق فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق) ( 8 ) . # أما ثانيا : فيتمثل في اعتبار هذا الأمر غير المخلوق - كما قرروه استنادا ~~إلى الآية الأولى - هو الأمر الذي ورد في الآية الثانية ( إنما أمرنا ..) ~~والذي يخلق الله به الخلق والمتمثل في قوله للشيء المراد خلقه ( كن ) !! ، ~~وقوله كن هو كلامه الذي يكون به الخلق ، وكلامه عزوجل الذي به يكون الخلق ~~غير الخلق الذي يكون مكونا بكلامه) ! (9) ، وبالتالي فإن القرآن غير مخلوق ~~!!!، وتأكيدا لهذه النتيجة قالوا : بأن القرآن الذي هو كلام الله وقوله ~~لوكان مخلوقا لوجب - كما قال الأشعري - ( أن يكون مقولا له : كن فيكون ، ~~ولو كان الله عز وجل قائلا للقول : كن ، كان للقول قول ) ، يقصد أن القول ~~(كن ) سيكون في هذه الحالة محتاجا إلى قول آخر ليكون ، وهكذا إلى ما نهاية ~~وهذا مستحيل ، وعليه يقول الأشعري : ( وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله عز ~~وجل ms51 قولا غير مخلوق ) (10) . # والحقيقة أن استدلالهم العجيب هذا باطل من الأساس ، وقد أجاب عليه ~~القائلون بخلق القرآن بما مفاده : إن المراد بالأمر في قوله تعالى ( ألا له ~~الخلق والأمر ) هو التصريف والتدبير ، أما ما ذهبوا إليه من المراد بالأمر ~~القول ، والكلام ، فهو تحكم محض لا دليل عليه مطلقا ومن ذا الذي يفهم من ~~الآية السابقة أن المراد بها أن الله له الخلق والقول الذي يخلق به الخلق ~~؟! ، هذا من جهة..... PageV01P069 # ومن جهة ثانية فإن قوله وتعالى : ( ألا له الخلق وله الأمر ) هو جزء من ~~الآية 45 من سورة الأعراف ، اقتطعوه منها وفصلوه عن سياقها الدال على خلاف ~~ما ذهبوا إليه ، والآية كاملة هي قوله تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه ~~حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين ) . # والآية - كما هو واضح - بدأت بالحديث عن خلق السموات والأرض - بما فيها ~~الشمس والقمر والنجوم وغيرها بالطبع - ثم يؤكد الله بأن هذه مسخرات بأمره ~~أي أنها بعد خلقها خاضعة لتصريفه وتدبيره ومشيئته . # وهذا هو معنى (بأمره) الذي لا يمكن أن يكون المراد به هو القول الذي يخلق ~~الله به الخلق بدليل قوله ( مسخرات بأمره ) وذلك بالطبع بعد خلقه لها ، ثم ~~يأتي ختام الآية بقوله ( ألا له الخلق والأمر ) لتأكيد أنه تعالى هو الذي ~~خلق الأشياء كلها - وليس فقط مانصت عليه الآية - وأنه - وهذا معنى الأمر - ~~هو الذي يدبر ويصرف المخلوقات والكائنات كيف شاء وأن كل شيء خاضع لتصريفه ~~وتدبيره ومشيئته وليس فقط الشمس والقمر والنجوم المسخرات بأمره والتي خصها ~~بالذكر كون الآية جاءت ردا على من يقولون بان لها تأثيرات في هذا العالم ، ~~وبهذا يتضح أن الآية لا علاقة لها بما ذهبوا إليه من معنى الأمر . وليس ~~فيها ما يستدل به على أن كلام الله غير مخلوق . # أما بالنسبة للآية الثانية ( إنما أمرنا لشيئ إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون ) وقوله تعالى ms52 : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ، ~~فقد جاءت بتعبيرات أخرى حيث قال تعالى : ( إنما قولنا لشيئ إذا أردناه أن ~~نقول كن فيكون ) ، وقال تعالى : ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) . PageV01P070 # وهذه الآيات من غرر الآيات القرآنية التي تصف لنا شأنه تعالى ( وهو المراد ~~هنا بأمره ) عند إرادته خلق شيء من الأشياء ، وتصور لنا ذلك بأبلغ بيان ( ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول لن (كن) فيكون ) . بمعنى أن أي شيئ يريد ~~الله خلقه وإيجاده إنما يكون في التو واللحظة بمجرد إرادة الله لخلقه ~~وإيجاده لا أنه عند إرادته لإيجاده وكونه يقول له حقيقة - أي لفظا - (كن) ~~فيكون ذلك ، وبعبارة أخرى : أن قوله تعالى للشيء ( كن) ليس هو قولا لفظيا ~~هو لفظ (كن) يتلفظ به الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لتتحقق إرادته ~~في الخلق والإيجاد ، حتى يقال بناء على مثل هذا الفهم السقيم الممتنع في حق ~~الله أصلا - أن لله قولا غير مخلوق وأن (كن) من كلامه الذي يخلق به الخلق ، ~~وبالتالي فإن كلامه بوجه عام غير مخلوق !! ، واحتجاجهم بأنه قوله (كن) لو ~~كان مخلوقا لاحتاج في نفسه إلى قول آخر لإيجاده وهذا إلى آخر وهكذا يتسلسل ~~إلى ما لا نهاية ، وهذا مستحيل وبالتالي لا مناص من أن يكون غير مخلوق ، ~~احتجاج مبني أساسا على حمل قوله للشيئ (كن) على القول اللفظي ، وأغلبهم لم ~~يجرؤ على التصريح بذلك ، غير أن بعضهم لم يتردد في التصريح به من خلال ~~القول : ( الظاهر أن هناك قولا لفظيا هو لفظ ( كن) ، وإليه ذهب معظم السلف ~~) (11) . # وهذا محال من عدة وجوه : # أولا : أنه ( من المعلوم أنه ليس هناك لفظ يتلفظ به ، وإلا احتاج في ~~وجوده إلى لفظ آخر ، وهلم جرا فيتسلسل ، ولا أن هناك مخاطبا ذا سمع يسمع ~~الخطاب فيوجد به) (12) . # ثانيا : أن ذلك يعني أن الله محتاج إلى كلمة (كن) لإيجاد مخلوقاته ، وأن ~~تحقق إرداته في إيجاد الشيء متوقف على لفظ محدد دون غيره وهو (كن) وليس ms53 ~~مجرد إرادته ، وأنه تعالى عن ذلك يتلفظ بكلمة (كن) بحرف وصوت كما نتلفظ نحن ~~البشر.. ، وكل ذلك محال وممتنع في حق الله تعالى ، ويلزمهم منه إلزامات ~~شنيعة ، وبذلك يثبت بطلان ما ذهبوا إليه. PageV01P071 # وخلاصة القول : # إن إرادته سبحانه وتعالى للشيء هي إيجاده وخلقه لذلك الشيء لا غير ، ~~بمجرد إرادته التي هي إحداثه وفعله لا غير ، يقول له كن فيكون، بلا لفظ ولا ~~نطق بلسان ولا اضطراب ولا همة ولا تفكر إلى آخر ما هنالك مما تنوعت تعبيرات ~~القرآن في تقريبه إلى أذهاننا والإشارة إلى حقيقته بإشارات بليغة غير (كن ~~فيكون) في دلالة واضحة على أن المسألة ليست مسألة قول لفظي أو أمر لفظي ~~،وإنما هي تمثيل وبيان على مدى نفاذ وتحقق إرادته في إيجاد وخلق الأشياء ~~بمجرد التعلق بالإرادة الإلهية لا غير ، كقوله تعالى : ( كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون) ، وقوله تعالى : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح ~~البصر ) ، وقوله: (وكان أمر الله قدرا مقدورا ). # تلك هي أهم أدلتهم من القرآن ، أما السنة فلم يستدلوا منها بشيء يتعلق ~~بصلب الموضوع لا من قريب ولا من بعيد . # وبهذا ينتهي موضوعنا # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # وسلام على المرسلين # والحمد لله رب العالمين. # الهوامش: # ( 1 ) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول ج1 ص 247 للشيخ حافظ ~~بن أحمد حكمي ، دار ابن القيم للنشر والتوزيع - الدمام - السعودية - الطبعة ~~الأولى 1410ه1990 م. # ( 2 ، 3 ) مقدمة كتاب دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ص 12 تحقيق السيد حسن ~~السقاف ،والكتاب تأليف الحافظ ابن الجوزي الحنبلي ، دار الإمام النووي - ~~عمان الأردن الطبعة الثالثة 1413ه 1993م . # ( 4 ) المصدر السابق ص 277 . # ( 5 ) معارج القبول 1 / 274 . # ( 6 ) الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية ص 79 تأليف الدكتور ~~أحمد محمود صبحي . # ( 7 ) مقدمة كتاب دفع شبه التشبيه لمحققه حسن السقاف ص 13 - 14. # ( 8 ) خلاصة علم الكلام للدكتور عبدالهادي الفضيلي ص 28. # ( 9 ) معارج القبول ج1ص278. # (10) خلاصة علم الكلام ص 128 # (11) خلاصة علم الكلام ms54 ص 133. # (12) المصدر السابق ص 132 . PageV01P072 ms55