######OpenITI# #META# URI: 1450MarwaCabdFattahShahata.FannMucasirMuqaddimaQasira.Hindawi72095051 #META# Tags: arts #META# ID: 72095051 #META# Title: الفن المعاصر: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 28373514 #META# Author: جوليان ستالابراس #META# EditorID: 18393159 #META# Editor: ضياء ورَّاد #META# TranslatorID: 30648375 #META# Translator: مروة عبد الفتاح شحاتة #META# Related_books: 1450JulianStallabrass.ContemporaryArtShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # 1 - منطقة حرية؟‏ # 2 - نظام عالمي جديد‏ # 3 - الثقافة الاستهلاكية‏ # 4 - استخدامات الفن وأسعاره‏ # 5 - قواعد الفن الآن‏ # 6 - تناقضات‏ # المراجع‏ # شكر وتقدير‏ # 1 - منطقة حرية؟‏ # 2 - نظام عالمي جديد‏ # 3 - الثقافة الاستهلاكية‏ # 4 - استخدامات الفن وأسعاره‏ # 5 - قواعد الفن الآن‏ # 6 - تناقضات‏ # المراجع‏ # | الفن المعاصر # | الفن المعاصر # | ‏‏‏‏‏‏‏‏مقدمة قصيرة جدا # تأليف # جوليان ستالابراس # ترجمة # مروة عبد الفتاح شحاتة # مراجعة # ضياء وراد # إلى بيتر وأودري # | شكر وتقدير # في حين أن هذا الكتاب يتبنى موقفا ضد جزء كبير من الأدبيات التي تناولت الفن المعاصر، ~~فإنه بالطبع يشكل جزءا منها، وأود أن أعبر عن خالص تقديري لكافة الأشخاص الذين أدرجتهم ~~في قسم المراجع، كما أود أن أحث القارئ على أن يستخدم هذه الرؤية كنقطة انطلاق نحو البحث ~~عن مزيد من التحليلات المفصلة حول الموضوعات التي لم يسعني سوى تناولها بإيجاز في هذا ~~الكتاب. # لقد استفدت جل الاستفادة من المحادثات التي جمعتني بالفنانين والأساتذة الجامعيين ~~والنقاد ومشرفي المعارض، وعلى وجه الخصوص زملاء العمل والطلاب بمعهد كورتولد للفنون. ~~وأتوجه بجزيل الشكر إلى سارة جيمس وهايلا روبيزك اللتين قدمتا لي العون في بحثي، كذلك ~~أتوجه بالشكر إلى كل العاملين بمطبعة جامعة أكسفورد، وتحديدا كاثرين ريف التي دعمت هذا ~~المشروع. # الفصل الأول # | منطقة حرية؟ # فكر بداية في استخدام الفنانين ~~المعاصرين للجسد البشري: تمشيط الشعر في أنماط تمثل الحروف الصينية، أو نسجه داخل بساط، ~~أو نتفه من جسد الفنان لوضعه في تمثيل شمعي صغير لجثمان والد الفنان؛ تقطير الدم من جروح ~~ألحقها الفنان بنفسه فوق لوحة الرسم، أو استخدامه في صنع تمثال نصفي لنفسه؛ وضع علامات فوق ~~اللوحات - أو فوق الصلبان - عن طريق قذف المني فوقها؛ إجراء جراحات تجميلية كفن أدائي؛ أذن ~~بشرية مزروعة في صحون بتري المختبرية؛ وجثة رضيع تطهى (وعلى ما يبدو تؤكل). يبدو أن الفن ~~المعاصر يحيا داخل نطاق حرية، منفصلا عن السمة الدنيوية والعملية للحياة اليومية، وعن ~~قواعدها وتقاليدها. يزدهر داخل ذلك النطاق - جنبا إلى جنب مع لهو فكري وتأمل أكثر ms001 ~~هدوءا - مزيج غريب من الابتكار الكرنفالي، والانتهاكات الهمجية للأخلاق، والإساءات ضد نظم ~~الاعتقاد. إن نقاشات الفن المعاصر - بدءا من المجلات المتخصصة إلى الأعمدة الصحفية الموجزة ~~- تنطوي على تأويلات تتسم بالاحترام، وانحرافات فلسفية معقدة، ودعايات متملقة، وفي ~~النهاية إدانة وتهكم ورفض. بيد أن هذا المشهد المألوف - مدى قدم خرق القواعد في مجال ~~الفن ورسوخه، ومدى رتابة التوصيات والإدانات - يحجب تغيرا حديثا مهما. # جزء من هذا التغير كان مدفوعا بمخاوف داخلية بمجال الفن، في حين أن جزءا آخر جاء ~~استجابة لتحول سياسي واقتصادي أوسع نطاقا. للوهلة الأولى يبدو أنه لا يوجد نظام وفقا ~~له يكون الفن في وقتنا الحالي مختلفا عن الاقتصاد النيوليبرالي العالمي، القائم على نموذج ~~- إن لم يكن ممارسة - التجارة الحرة. يعمل الاقتصاد على نحو صارم وذرائعي وفقا لتقاليد ~~صارمة تفرضها الكيانات الاقتصادية الكبرى متعددة الجنسيات بطريقة جائرة على الشعوب كافة، ~~كما يرسخ هياكل هرمية للثروة والسلطة، ويفرض على الأغلبية العظمى من سكان العالم حياة عملية ~~منظمة ومحكومة بجداول زمنية، فيما يواسيهم برؤى عن حيوات سينمائية اكتسبت دلالتها من خلال ~~المغامرة والحكاية المترابطة (يجعل فيها أبطالها حياتهم حرة عبر خرق القواعد تحديدا)، ~~وبأغان شجية عن التمرد أو الحب. وقد أكد جوناثان ريتشمان على هذا الأمر الشائك في أغنيته ~~التي تبدو في ظاهرها عاطفية «المركز الحكومي»، إليك بعضا من كلمات الأغنية: # سنرقص ونغني في المركز الحكومي # كي نجعل السكرتيرات يشعرن بأنهن أفضل حالا # بينما يلصقن الطوابع البريدية على الخطابات ... # تنتهي الأغنية بصوت قرع جرس الآلة الكاتبة. تخبر الأغنية مستمعيها الغاية من وراء ~~الأغاني الشعبية (في الغالب). # يبدو أن الفن يقف خارج هذا الحيز من الذرائعية الصارمة، والحياة التي تهيمن عليها ~~البيروقراطية، وثقافتها الجماهيرية التكميلية، وما يمكن الفن من فعل ذلك هو اقتصاده ~~المميز الذي يقوم على صناعة أشياء فريدة أو نادرة، وازدراؤه للنسخ الميكانيكي. يقيد ~~الفنانون والتجار - ولو بصورة اصطناعية - من إنتاج الأعمال المصنوعة في نطاق وسائل الإعلام ~~القابلة لإعادة الإنتاج، وذلك من خلال الكتب والصور ومقاطع الفيديو والأقراص المدمجة ذات ms002 ~~الإصدارات المحدودة. إن هذا العالم الصغير - الذي عندما نراه من الداخل يبدو اقتصادا ~~جزئيا مستقلا بذاته تحكمه أفعال قلة مهمة من جامعي التحف والتجار والنقاد ومشرفي ~~المعارض الفنية - يولد حرية الفن من السوق من أجل الثقافة الجماهيرية. غني عن البيان أن ~~أفلام فيديو بيل فيولا لم تعرض تجريبيا أمام جماهير مستهدفة في الغرب الأوسط الأمريكي، ~~كذلك لم يفرض المنتجون على فرق فنية مثل «أوادا» ضمان أن أصواتهم ستبدو غير منفرة عند ~~سماعها في المحلات التجارية، أو أنها ستروق لسوق جوهرية قوامها من الفتيات البالغات من ~~العمر أحد عشر عاما. من ثم فإن هذا المنعزل الثقافي محمي من الضغوط التجارية الفاحشة، ~~بما يسمح بالعبث الحر بالمواد والرموز، إلى جانب الخرق النمطي للتقاليد والمحرمات. # إن حرية الفن أكثر من كونها مبدأ مثاليا. إذا كانت مهنة الفنان أمرا محبوبا للغاية - ~~رغم فرص النجاح الضئيلة - فهذا يعود إلى أنها توفر فرصة لعمل يبدو أنه يخلو من التخصص ~~المحدود، بما يسمح للفنانين - على غرار أبطال الأفلام السينمائية - بإضفاء معان خاصة بهم ~~على العمل والحياة. وبالمثل لمشاهدي الفن، ثمة حرية موازية في استحسان العبث العشوائي ~~بالأفكار والأنماط، ليس في محاولة تفتقر للأصالة للتكهن بنيات الفنانين، بل في إفساح ~~المجال للعمل لاستنباط الأفكار والمشاعر المرتبطة بتجاربهم. يبتاع الأثرياء لأنفسهم ~~المشاركة في هذا المجال الحر عبر الملكية والرعاية، وهم يشترون شيئا ذا قيمة أصيلة، وتكفل ~~الدولة أن يحظى قطاع أعرض من الجمهور على الأقل بفرصة تنسم عبير الحرية الذي ينبعث من ~~العمل الفني لبرهة. # مع ذلك، ثمة أسباب تجعلنا نتساءل: هل تتعارض التجارة الحرة والفن الحر كما يبدوان؟ أولا: ~~إن اقتصاد الفن يعكس عن كثب اقتصاد التمويل الرأسمالي. في تحليل حديث لدونالد ساسون لمعنى ~~الهيمنة الثقافية، يستطلع فيه أنماط استيراد الرواية والأوبرا والأفلام وتصديرها في القرنين ~~التاسع عشر والعشرين، كانت البلدان ذات الهيمنة الثقافية تملك إنتاجا محليا غزيرا يلبي ~~حاجات الأسواق المحلية بها، فتستورد القليل وتصدر الكثير بنجاح. ففي القرن التاسع عشر، ~~كانت فرنسا وبريطانيا تمثلان قوتين ذواتي ms003 هيمنة أدبية، أما الولايات المتحدة فهي الآن إلى ~~حد بعيد البلد الأكثر هيمنة من الناحية الثقافية، تصدر منتجاتها على مستوى العالم فيما ~~تستورد أقل القليل. وكما أوضح ساسون، هذا لا يعني أن الجميع يستهلك الثقافة الأمريكية، بل ~~يعني أن الجزء الأعظم من الثقافة المتداولة عبر الحدود القومية أمريكي. # يستثني ساسون الفنون الجميلة من تحليله بناء على أسباب منطقية بأنها ليست لها سوق ~~جماهيرية. ومن الصعوبة بمكان فهم الأرقام التجارية الخاصة بمؤشرات الهيمنة الثقافية في إطار ~~نظام عالمي بمعنى الكلمة؛ إذ إنه من الممكن أن يشتري جامع تحف ألماني عبر تاجر بريطاني ~~عملا لفنان صيني مقيم في الولايات المتحدة. لكن بإمكاننا أخذ فكرة عن حجم التجارة في كل ~~دولة، وهو ما يقدم بالفعل إشارة على الهيمنة العالمية، في ضوء النسبة المرتفعة للتجارة ~~الدولية في سوق الأعمال الفنية، وهنا تكمن توازيات لافتة للنظر مع توزيع القوى المالية. ليس ~~من المفاجئ أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة، فهي تمثل ما يقل بصورة طفيفة عن نصف ~~المبيعات الفنية في العالم؛ وتمثل أوروبا أغلبية النسبة الباقية، ويأتي نصيب بريطانيا ~~حوالي نصف نسبة أوروبا. تتجه أسعار الأعمال الفنية وحجم المبيعات الفنية إلى التشابه مع ~~أسواق المال كثيرا، وليس من قبيل المصادفة أن المراكز المالية الكبرى بالعالم هي أيضا ~~المراكز الرئيسية لبيع الأعمال الفنية. إن إثارة هذا التوازي تتيح لنا النظر إلى الفن ليس ~~فقط باعتباره منطقة للعبث الحر العشوائي، بل أيضا كسوق مضاربة صغيرة تستخدم فيها الأعمال ~~الفنية من أجل مجموعة من الغايات الذرائعية، بما في ذلك الاستثمار، والتهرب الضريبي، وغسيل ~~الأموال. # ثانيا: في سبيل صرف مثل هذه الاعتبارات الاقتصادية الفجة من أذهان مشاهدي الفن ~~المعاصر، لا بد وأن يبرز الفن المعاصر بصفة مستمرة أمارات حريته وتميزه، عن طريق تمييز ~~إنتاجاته عن ذلك المبتذل من خلال الإنتاج الجماهيري والاستحسان الجماهيري، كذا يمكنه ~~استغلال حالة الغموض أو حتى الملل إلى الحد الذي يصيران فيه تقاليد في حد ذاتهما. إن ~~افتقاره إلى العاطفة هو صورة سلبية للقصص الخيالية ms004 العذبة والنهايات السعيدة المنتشرة في ~~الأغاني الشعبية والأفلام السينمائية والتليفزيون، وفي استكشافات الفن المعاصر الغامضة ~~للنفس الإنسانية - التي عامة ما يفترض الأسوأ فيها - يبدو أنه لا يقدم أية مواساة. مع ~~ذلك، من الطبيعي أن يفضي كل ذلك إلى تقديم مواساة إلى حد ما؛ لأنه من رحم السلبية تظهر ~~رسالة مختلفة تماما، مفادها أن ذاك المجال الحر، والنقد الحر، يمكن أن يصونهما النظام ~~الذرائعي للرأسمالية. # ثالثا: والأكثر خطورة على المبدأ المثالي القائل بالحرية الثقافية غير الملوثة، أننا من ~~الممكن أن نرى تجارة حرة وفنا حرا كمصطلحين غير متعارضين، بل بالأحرى يشكلان نظاما ~~مهيمنا وآخر مكمل له على التوالي. ربما يبدو المكمل كشيء زائد غير ضروري، لكنه (كما جاء في ~~تحليل جاك دريدا الشهير) شأنه شأن خاتمة كتاب أو حاشية سفلية بمقال، يلعب دورا في إتمامه ~~ويتقاسم معه سمته الجوهرية. يحمل الفن الحر تشابها غير معترف به مع التجارة الحرة، ~~فالممارسة الثانوية المكملة تلعب دورا هاما في عمل الممارسة الرئيسية؛ لذا فإن خلط ~~الرموز ومزجها دون كلل في الفن المعاصر في إطار سعيه وراء الابتكار والاستفزاز (من بين ~~الأمثلة الحديثة: أسماك القرش وخزانات العرض الزجاجية، الطلاء والروث، القوارب والنحت ~~الحداثي، طاولات البلياردو البيضاوية) يعكس بدقة مجموعات العناصر اللافتة للنظر في الدعاية، ~~وكلاهما يستفيد من الآخر باستمرار. وكما في عروض المنتجات في الثقافة الجماهيرية، تمتزج ~~الأنماط والعلامات وتتطابق، وكأن كل عنصر من عناصر الثقافة رمز قابل للاستبدال والتداول ~~كالدولار. إن الابتكار الجريء في الفن الحر - في خرقه المستمر للتقاليد - ليس سوى ترجمة ~~باهتة للتبخر المتواصل للقواعد اليقينية التي أفرزها رأس المال نفسه، وهو ما يعصف بأية ~~مقاومة أمام التدفق غير المقيد بين أرجاء الكرة الأرضية للأموال، والبيانات، والمنتجات، ~~وأخيرا أجساد ملايين المهاجرين. وكما جاء على لسان ماركس منذ قرن ونصف في فقرة تحمل قوة ~~معاصرة مثيرة للدهشة: # إن الطبقة البرجوازية - بفعل التحسن السريع في كافة أدوات الإنتاج، وبفعل وسائل ~~الاتصال الميسرة بصورة هائلة - تجذب كافة الأمم، حتى أكثرها همجية، نحو الحضارة. ~~والأسعار الرخيصة ms005 لسلعها هي المدفعية الثقيلة التي تدك بها الأسوار الصينية كلها، ~~وترغم بها الكراهية الشديدة للغاية التي يبديها البرابرة تجاه الأجانب على ~~الاستسلام، وتجبر كل الأمم - إذا شاءت إنقاذ نفسها من الهلاك - على تبني نمط ~~الإنتاج البرجوازي، وترغمها على تقبل ما تصفه بالحضارة ... باختصار، تخلق ~~البرجوازية عالما وفقا لتصورها. # إلا أنه لم تتحطم الحواجز القومية فحسب، فالابتكار المستمر في الصناعة والثقافة يذيب ~~البنى والتقاليد والارتباطات القديمة، كما في قول ماركس الشهير: «كل ما هو صلب يذوب في ~~الهواء ...» # سنرى أن هناك الكثير من الفنانين يسبرون على نحو نقدي أغوار التشابه بين الفن المعاصر ~~ورأس المال بدرجات مختلفة، إلا أنه في التوجه العام للتصريحات في عالم الفن - لا سيما في ~~تلك الموجهة للعامة أكثر منها للمتخصصين - لا يظهر ذلك التشابه. إن أي فرد كثير الاطلاع على ~~الفن المعاصر كثيرا ما تصادفه صياغة ما من قبيل هذه العبارات المكررة التالية: إن هذا ~~العمل الفني، أو عمل هذا الفنان، أو إن المشهد الفني في مجمله يسمو فوق الفهم العقلاني، ~~ويقذف بالمشاهد داخل حالة من الشك المتأرجح تختفي في طياته كافة التصنيفات العادية، وتفتح ~~معها نافذة محيرة على اللامتناهي، جرح فاجع يقطبه في المعتاد المنطق، أو داخل الفراغ. وفقا ~~لهذه الرؤية القياسية، لا تعدو الأعمال الفنية كونها منتجات تصنع وتشترى وتعرض بصورة ~~عرضية، نظرا لكونها جوهريا وسائل نقل خيالية للأفكار والمشاعر، وفارض مهام الإدراك ~~الذاتي الذي يكون أحيانا صارما وأحيانا أخرى لينا. # في كتاب «قواعد الفن» تحليل فذ للأدب الفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ~~يتتبع بيير بورديو الظروف الاجتماعية التي أفضت لظهور فن مستقل، متحرر من مطالب الدين ومن ~~الرعاة الخاصين والدولة، ويشير إلى بقاء هذا الاعتقاد - بأن الفن غير قابل للتفسير - الذي ~~ولد في ذلك الوقت، واستمر حتى الوقت الحاضر: # كنت سأسأل ببساطة: لماذا يغرم كثير من النقاد وكثير من المؤلفين وكثير من ~~الفلاسفة هكذا في الزعم بأن تجربة عمل فني ما تعلو عن الوصف، وأنها بطبيعتها تتجاوز ~~الفهم العقلاني؟ لم ms006 يتلهفون إلى التسليم جدلا دون أي عناء بهزيمة المعرفة؟ ومن ~~أين أتت حاجتهم غير المسئولة إلى الحط من شأن الفهم العقلاني، وهذا الشغف إلى ~~التأكيد على عدم قابلية العمل الفني للاختزال، أو بكلمة ملائمة أكثر، سموه؟ ~~(ص14). # من المفترض اليوم أن الفن قد دخل في عصر مختلف، لا يمت بصلة للموجة الأولى من النشاط ~~الريادي في أعمال فلوبير وكوربيه، والتفاني المتجدد للفن من أجل الفن. بداية من منتصف ~~سبعينيات القرن العشرين، وبقوة متزايدة، كان الغرض من مرحلة ما بعد الحداثة أن تنحي تلك ~~المخاوف جانبا، وتتحدى فئة الفن الراقي نفسه، أو على الأقل تتلذذ بتلوثه من قبل عدد لا ~~حصر له من الأنماط الثقافية. وهكذا نبدأ بأمر مثير للغرابة: أنه في الفنون المرئية اليوم لا ~~تزال تلك الأفكار العتيقة الخاصة بسمو الفن عن الوصف - والتي تناقش من منظور متصوف أكثر ~~منه تحليلي - تلقى رواجا. # إن هذا الإصرار المستمر على عدم قابلية الفن للتعريف غريب بصورة أكبر لأنه كان مصحوبا ~~مؤخرا ببعض الممارسات الفنية الذرائعية على نحو واضح. ولأننا لا يمكننا معرفة ما لا نستطيع ~~معرفته، فهذه العبارة المكررة حول عدم قابلية مجال الفن للتفسير تبرز على أنها دعاية ~~إعلامية فجة. إن استخدامات الفن، وهوية هؤلاء الأشخاص الذين يستخدمونه، غالبا ما تكون غير ~~غامضة على الإطلاق. ومنذ انهيار شيوعية أوروبا الشرقية وظهور الرأسمالية باعتبارها نظاما ~~عالميا حقا، أصبحت تلك الاستخدامات أكثر تقدما وأكثر وضوحا على حد السواء. # ما وراء الحرب الباردة # إن الأحداث العالمية لعام 1989 وما تلاه - إعادة توحيد ألمانيا، وتفكك الاتحاد ~~السوفييتي، وظهور اتفاقيات التجارة العالمية، واندماج التكتلات التجارية، وتحول الصين ~~إلى اقتصاد رأسمالي جزئيا - غيرت من شخصية عالم الفن بشدة. ومنذ أن تحولت عاصمة ~~الفنون من باريس إلى نيويورك بعد الحرب العالمية الثانية، قام عالم الفنون، مع ذلك، على ~~تقسيم الحرب الباردة للعالم إلى الكتلة الشرقية والكتلة الغربية. كان الفن الراقي الذي ~~تدعمه الدولة لكل كتلة يقدم صورة سلبية عن الآخر: إذا كان الفن الخاص بالكتلة الشرقية ~~يتوافق ms007 مع أيديولوجية محددة ويمثلها وله فائدة اجتماعية واضحة، فلا بد إذن أن يكون ~~الفن الخاص بالغرب على ما يبدو خاليا من مثل ذلك الاتجاه، ويحقق انعدام الفائدة التام ~~له. إذا كان الفن الشرقي يحتفي بإنجازات الإنسانية، ولا سيما تلك الخاصة بالإنسان ~~الاشتراكي، فلا بد أن يركز الفن الخاص بالغرب على حدود الإنسانية، وإخفاقاتها، ~~وقسوتها (فيما يبرز الأمل بأن الفن نفسه، في تنقيبه الحقيقي عن تلك المشكلات، ربما يكون ~~إنجازا في حد ذاته). ومع تلاشي هذه الخصومة (ببطء إبان سياسة الجلاسنوست في الاتحاد ~~السوفييتي، ثم بسرعة مع انهيار نظم الحكم في الشرق من تلقاء نفسها)، ومع انتصار ~~الرأسمالية الذي يكثر التفاخر به (إقامة «نظام عالمي جديد» تكون فيه الولايات المتحدة ~~هي القوة العظمى الوحيدة)، سرعان ما أعاد عالم الفن تهيئة نفسه، وكما سنرى، اجتاحت ~~سلسلة من الفاعليات الفنية العالم، فيما حقق فنانون من أمم وأعراق وثقافات عديدة، ~~طالما تجاهلها الغرب، نجاحا على المستويين التجاري والنقدي. # مهد لهذا التحول نقد ما بعد الحداثة الذي أكد - في سلسلة معقدة من الإجراءات ~~النظرية - على ما أجازته السوق ببطء، كاشفا النقاب عن الرجل الأبيض «العبقري» الذي ~~يتخفى وراء مظهر الثقافة الراقية الشامل. وتحدى مناصرو حقوق المرأة الهيمنة الذكورية ~~على الساحة الفنية، وقدموا الكثير لإعادة صياغة معايير الحكم عينها التي كفلت إقصاء ~~النساء. أما تحرك الجماعات العرقية الأخرى فاتخذ وقتا أطول، وفي الولايات ~~المتحدة - كما سنرى - صاحبه جدل ~~عنيف. # تزامن ظهور المعارض متعددة الثقافات الشهيرة تحديدا مع نهاية الحرب الباردة بمعرضين ~~خطط لهما خلال سنوات الجلاسنوست، وحطما الاحتكار المؤسسي للبيض في لندن وباريس، ~~وهما: معرض «سحرة الأرض» بمركز بومبيدو، ومعرض «القصة الأخرى» بمعرض هيوارد جاليري، ~~وأقيما كلاهما في عام 1989. كان كل منهما مثيرا للجدل، واتسما بالتحيز بلا شك، ~~باعتبارهما أولى الغزوات في هذا المجال. تعرض معرض «سحرة الأرض» على وجه الخصوص ~~للانتقاد؛ لأنه اعتبر فناني العالم الثالث غرباء، وهو توجه انعكس في عنوان المعرض نفسه، ~~غير أنه كان أول معرض ضخم يقام في مركز فنون عالمي ms008 حضري يعرض فن العالم الأول والعالم ~~الثالث معا على قدم المساواة. وحارب رشيد آرايين اللامبالاة والتعالي للنخبة الفنية ~~البريطانية ليقدم معرض «القصة الأخرى»، والذي عرض للمرة الأولى لفنانين بريطانيين سود ~~ومن أصول آسيوية في مكان عام بارز. حقق المعرضان رؤية جديدة للفنانين المعاصرين من ~~الملونين، وكلا المعرضين - على الرغم من مخاوف آرايين الذي ساوره القلق بوجه حق بعد ~~سنوات من التهميش حيال أن معرضه لن يعدو كونه «شيئا مثيرا للفضول» منعزلا في وسط ~~يتعذر تحديد ملامحه - أثبت أنه بشائر نظام لم يعد يحتاج في إطاره الفنانون غير البيض أن ~~يتذمروا من أنهم غير مرئيين، واضطروا إلى أن يبدءوا في القلق بدلا من ذلك حيال نوع ~~الاهتمام الذي يحظون به. # عقب انتهاء الحرب الباردة، تزامن أيضا توحد العالم خلف نمط جامح من الرأسمالية، ~~أطلق عليه «النيوليبرالية»، مع ظهور غير البيض على الساحة الفنية. تحت شعار ~~النيوليبرالية، تردد أحاديث عن التجارة الحرة، لكن الكيانات التنظيمية العالمية ~~(البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية) تفرض قواعد تحمي ~~الصناعات والزراعة في الدول الثرية فيما تفتح الاقتصاديات الهشة أمام التجارة غير ~~المنظمة (هذا يشمل إغراق الأسواق بسلع بأسعار أقل من التكلفة)، والخصخصة، وتفكيك برامج ~~الرعاية الاجتماعية. تظهر النتائج العامة عبر أرجاء العالم في الأجور المنخفضة والعمالة ~~غير الآمنة، والبطالة المرتفعة، وإضعاف النقابات. بين جوزيف ستيجلتز - الخبير ~~الاقتصادي بالبنك الدولي سابقا - مؤخرا هذا النظام، وعواقبه الكارثية على الشعوب ~~الأضعف، والذي أوضح، على سبيل المثال، كيف صنع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ~~الأزمات في روسيا وغرب آسيا وفي مناطق أخرى أو فاقمها؛ مما كان له عواقب خطيرة وكثيرا ~~ما تكون وخيمة على قاطني تلك المناطق. مع ذلك، رغم الثروة التي تتدفق على الشركات ~~متعددة الجنسيات - وعلى الساحة الفنية كما سنرى - لم يتجل الأثر الأكبر على الفن في ~~اقتصاده بل في خطابه. تردد صوت جوقة مرتفعة من الأصوات تمتدح تحطيم الحواجز الثقافية ~~الذي صاحب الهدم المفترض للحواجز التجارية، والاختلاط الثقافي المجيد الذي نتج عنه. ليس ~~المجال الفني ms009 وحده في هذا الأمر؛ إذ إن موجة من الحماسة للعولمة اجتاحت الخطابات ~~الاقتصادية والسياسية ، إلى جانب العلوم الإنسانية، بدءا من المؤتمرات الأكاديمية إلى ~~الصحف الليبرالية. انتقد جاستن روزنبرج المنطق وراء تلك الأحاديث انتقادا لاذعا بصورة ~~تحليلية، إذ بين التنافر الذي بزغ من تحليلات تزعم استخدام الصفات المجردة للمكان ~~والزمان باعتبارها المحركات الرئيسية في النظرية الاجتماعية، وتحل بذلك محل المؤشرات ~~الخاصة بالقوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتقدم نتائج غالبا ما تكون مبهمة أو ~~مجرد فصاحة فارغة ليس إلا. أما على الساحة الفنية، فغالبا ما كانت هوجة الحديث عن ~~العولمة يعوزها الزخم وموجودة في كل مكان. # في حين أن المجال الفني تبنى الجانب الليبرالي من الناحية السياسية لهذا الخطاب، ~~وبوجه خاص استحسان منافع الامتزاج أو الاختلاط الثقافي، فإن الرؤية الشاملة وراءه - حلم ~~رأس المال العالمي - سرعان ما انعكست عليه وبصورة كاملة؛ نتيجة لذلك، تغير سريعا ~~الخطاب الفني والمؤسسات والأعمال الفنية. وخلال تسعينيات القرن العشرين، أقيم العديد من ~~البيناليات وغيرها من الفعاليات الفنية في أنحاء العالم، فيما شيدت المدن متاحف جديدة ~~للفن المعاصر، أو قامت بتوسعة القديمة. أضحت أنشطة تلك المتاحف تجارية أكثر بصفة ~~متزايدة مع تبنيها مبادئ المؤسسات التجارية، فأقامت تحالفات مع الشركات التجارية، وجعلت ~~منتجاتها أقرب إلى الثقافة التجارية، وحاكت المحال التجارية والمدن الترفيهية أكثر مما ~~حاكت المكتبات. وفي الوقت نفسه، اتجه الفن المعاصر نحو اتصال أقرب بعناصر منتقاة لثقافة ~~جماهيرية أضحت متغلغلة للغاية لدرجة أن هذا التوجه يختلط أحيانا مع ارتباط جديد ~~«بالواقع» أو «الحياة الواقعية». لطالما كان نجوم الفن من المشاهير، لكن المشهد الفني ~~الآن في مجمله يعامل كثيرا مثل عالم الأزياء أو عالم موسيقى البوب، حتى إن أصحاب ~~الأدوار الثانوية به يظهرون في الوسائل المخصصة لتتبع سير النجوم. وبوجه خاص، تزايد ~~ظهور عالم الفن وعالم الأزياء جنبا إلى جنب مع قيام جمهور الشباب الذي طوق الثقافة ~~ككل بملء عالم الفن أيضا. # إن هذا الكتاب في جله سيناقش الفترة منذ عام 1989 كما لو أنها كيان موحد بحيث ~~يتسنى لنا ms010 فحص بنية العالم الفني ومنتجاته بوضوح أكثر، لكن يجدر بنا أيضا الحديث ~~بإيجاز عن بعض من التغيرات المهمة المرتبطة بالعولمة التي غيرت من الفن المعاصر، وهي ~~قضايا ذات صلة بالفن المسيس في الولايات المتحدة، والدورة الاقتصادية، وتحول النمط ~~القياسي لمعارض الفن المعاصر. # حروب ثقافية # في الولايات المتحدة، كان الفن المعاصر - لا سيما التصوير الفوتوغرافي والفن الأدائي ~~- في قلب معركة سياسية حول التمويل الحكومي المركزي للفنون. أشعل شرارة تلك الحرب عرض ~~أعمال يمكن اعتبارها فاحشة أو تجديفية في أماكن تدعمها الدولة. في عام 1989، مزق ~~ألفونس داماتو أمام زملائه أعضاء مجلس الشيوخ نسخة من صورة فوتوغرافية لأندريس سيرانو ~~باسم «تبول على المسيح»، ويظهر بالصورة صليب عادي مغمور في بول الفنان. في عام 1990 وجد ~~دينيس باري، مدير مركز سنسيناتي للفن المعاصر، نفسه مدانا أمام منصة القضاء باتهامات ~~متعلقة بانتهاك قوانين مكافحة الإباحية؛ وذلك لتقديمه معرض روبرت مابلثورب «اللحظة ~~المثالية». تضمن المعرض تصويرا في صور مابلثورب الفوتوغرافية بالأبيض والأسود شديدة ~~الجمال متعلقة بالجنس بين الشواذ، والسادية المازوخية، وثمار بحث الفنان الطويل عن ~~قضيب «رجل أسود» مثالي الشكل. أبرئ باري من التهم المنسوبة إليه، رغم أن الدفاع اضطر ~~إلى التأكيد أن الصور هي فن، ولم تكن صورا إباحية؛ وذلك لأنه يمكن التمتع بها بصورة ~~تقليدية. استخدمت هذه الأعمال وغيرها بوصفها أساسا لهجوم الحزب الجمهوري على المنحة ~~الوطنية للفنون - المصدر الفيدرالي لتمويل الفنون في الولايات المتحدة. نجح الهجوم ~~جزئيا، وأدى إلى خفض المبلغ المتواضع بالفعل المودع تحت تصرف المنحة الوطنية للفنون ~~خفضا كبيرا، وفي النهاية إخافة المعارضة والمساهمة في إنتاج مشهد أكثر جمودا، رغم ~~الجدل السياسي الغاضب. وكما أوضح دوجلاس ديفيز في وصف رائع وتفصيلي حول سجل إدارة ~~الرئيس كلينتون الخاص بالفنون أن الاستراتيجية المتبعة في وجه الهجمات المحافظة ~~المتتابعة كانت دفاعية ومحدودة، ولم تمتد يقينا إلى أي دعم صريح للفنون المرئية. وكانت ~~النتيجة مزيدا من الاقتطاع المدفوع سياسيا من ميزانية المنحة الوطنية للفنون. # كان غضب المحافظين موجها نحو الأشكال التصويرية والفنون الأدائية التي احتفت ms011 بالشذوذ ~~الجنسي، أو اعترضت على التراخي الحكومي حيال الإيدز، أو عرضت علانية أجسادا سوداء ~~وعلاقات جنسية ، في حين أن تلك الأعمال كان يندد بها علنا بغضب شديد كشف النقاب عن ~~العنصرية ورهاب المثلية الجنسية في جزء كبير من المشهد السياسي بالولايات المتحدة، كذلك ~~امتد الهجوم ليشمل الأعمال السياسية في حد ذاتها، ولا سيما استكشاف العنصرية في الفن ~~برمته. في عام 1994، كان معرض «الذكر الأسود» بمتحف ويتني للفنون - وكانت ثيلما جولدن ~~المشرفة على المعرض - مثار جدل خاص؛ نظرا لاحتوائه على صور كثيرة لأجساد عارية في معرض ~~سياسي بصورة واضحة تعامل مع خوف المؤسسة البيضاء وإخضاع السود. في إحدى الصور التي لخصت ~~على نحو معبر مخاوف العرض كانت صورة ميل تشين «راب ليلي»، التي تظهر هراوة شرطي، ويأخذ ~~المقبض الجانبي بها شكل قضيب منتصب. # شكل 1-1: ميل تشين، «راب ليلي». # 1 # قوبل معرض «الذكر الأسود» باعتراضات ليس فقط من قبل المحافظين البيض الذين أزعجهم ~~الصدى السياسي للموضوع، بل أيضا من النشطاء والفنانين السود الذين انتقدوا تركيزه على ~~العري، ومن ثم التأكيد الممكن على المواقف الفعلية التي شرع لانتقادها. # بصورة أكثر إجمالا، عرض قدر كبير من الفن السياسي الصريح على نحو بارز في الولايات ~~المتحدة في أوائل تسعينيات القرن العشرين، وصدرت ردود فعل حادة ضده حتى بين النقاد ~~المحافظين المعتدلين، على غرار بيتر شيلدال وروبرت هيوز اللذين بذلا محاولة مشتركة ~~لاستبعاد مثل هذه الأعمال من تصنيف «الفن». بعد بضع سنين، نجح أمثال هؤلاء النقاد ~~بالفعل في صناعة شعبية «للجمال» في الفن المعاصر، كما سنرى. على النقيض، فشلت هجمات ~~اليمين المتطرف في النهاية في تغيير مشهد الفن المعاصر بصورة جوهرية. وقليلون فقط هم من ~~استطاعوا تقبل البديل الموصى به؛ ألا وهو الفن الوطني والمبجل الذي خرج مباشرة من ~~العهد المكارثي، لكن كان هناك أيضا تناقض جوهري في موقفهم: إذ إن المظاهر الثقافية ~~التي اعترضوا عليها اعتراضا شديدا أفرزتها القوى الاقتصادية بعينها التي التزموا ~~بالدفاع عنها. # لكن كيف وصل الفن المسيس - الذي صنعه نشطاء يناضلون ms012 ضد الاتجاه السائد منذ زمن ~~بعيد، لكن قليلا ما عرض - إلى هذه الدرجة من الأهمية؟ من ناحية، كان ردة فعل مضادة ~~للفن صديق السوق بالثمانينيات والذي تعرض للهجر على نحو مفاجئ للغاية بفعل الركود. ~~ومن ناحية أخرى، كان توقعا بمنعطف ليبرالي في السياسة؛ فكثير ممن عملوا بمجال الفن ~~دعموا كلينتون في انتخابات عام 1992، حتى إن بعضهم اشترك في جمع التبرعات لحملته ~~الرئاسية. ورغم أن تلك التوقعات خاب أملها على المدى البعيد، فقد أمد دهاء كلينتون في ~~التعامل مع الإشارات الثقافية التي أوحت بتغيير وليد، الكثير بالشجاعة في البداية، ~~الأهم من هذا وذاك كان إعادة تهيئة للفن الأمريكي في وجه عالم فني معولم ~~حديثا. إذا كان ترسيخ مدينة نيويورك ~~بوصفها مركزا لعالم الفن عقب الحرب العالمية الثانية يعني تحولا في تركيز الفن ~~الأمريكي من الشئون المحلية والوطنية إلى موضوعات من المفترض أنها عالمية، فقد استلزم ~~النظام الجديد التخلي عن العالمية لصالح استكشاف التنوع والاختلاف والتهجين. ظل ~~المركز المادي لعالم الفن بعد الحرب العالمية الثانية حيث كان بالضبط، وكما سنرى؛ حيث ~~إن أكثر الشعوب التي تتمتع بتعددية ثقافية - وهي الولايات المتحدة - تملك هذه الميزة ~~بموجب النظام الجديد لتضيف إلى قوتها الثقافية والسياسية، إلا أنها لم تستطع استغلال ~~تلك الميزة إلى أن تمت مواجهة تحيزاتها وإقصاءاتها، والعوائق التجارية. كانت «الحروب ~~الثقافية» والمعركة حول الفن السياسي التي تبعتها عملية تحديثية، وكان مقررا لها أن ~~تتكرر في بلدان أخرى مثل بولندا واليونان؛ حيث يحتل الدين فيهما مكانة مميزة في السياسة ~~والحياة العامة، وشهدتا فضائح فنية مشابهة حول إساءة استخدام الرموز الدينية والمشاهد ~~الجنسية الفاضحة؛ مما أدى إلى فرض الرقابة وفصل مشرفي المعارض الفنية عن العمل. # إذا كان بزوغ نجم هذا الفن السياسي قصيرا نسبيا، فإن ذلك يرجع جزئيا إلى أنه أدى ~~الغرض المرجو منه؛ فقد تنوع الفن بالفعل، وما إن كيف نفسه مع ظروفه الجديدة حتى فقد ~~القدرة على العودة إلى سابق عهده. وإذا أخفق هذا الفن في تحقيق مبادئه الأوسع نطاقا، ~~فهذا يرجع إلى ms013 طبيعته الناقصة، لا سيما انعزاله عن العمليات السياسية الفعلية. ويؤكد ~~بنجامين بوكلو في وصف لاذع - بيد أنه مقنع - للفن المعاصر، أن التوجه طويل الأمد في ~~الولايات المتحدة (ويمكن للمرء أن يضيف بلدا آخر) لانتقال السياسة من المجالات العامة ~~إلى الخاصة، انعكس في فن ركز على هويات الفنانين والطريقة التي يمكن تشكيلها بها عن ~~طريق تجميع إشارات تقليدية. كان من الأيسر استكشاف تلك المخاوف منه عن القضايا ~~المستعصية الخاصة بالطبقة الاجتماعية والمؤسسات السياسية غير المبالية. # شكل 1-2: كارا ووكر، «سيدات كامبتاون». # 2 # بيد أن الهويات التي شكلها كل من المال والطبقة الاجتماعية، وروابطها الوثيقة ~~بهويات أخرى، كانت نسيا منسيا في هذه السياسة؛ لذا لما انتعش الاقتصاد الأمريكي، على ~~وجه التحديد خلال منتصف التسعينيات، برزت إلى السطح أعمال متحولة صديقة للسوق مرة أخرى، ~~أضحت فيها الهويات اتحادات طيفية، وأضحى مزجها ودفعها في كافة الاتجاهات أمرا خاضعا ~~للنزوة الاستهلاكية. أحد الأمثلة الجيدة اللافتة للنظر هو العمل الناجح للغاية لكارا ~~ووكر الذي أثار بما يحويه من مشاهد خيالية تصور الجنس والعنف فوق أرض خضراء جدلا ~~واسعا. # إن الهوية في أكثر صورها الصادمة - الإذلال المطبق للعبودية ~~- نجدها حرفيا في صورة ظلية تظهر أشخاصا ~~كاريكاتوريين يقومون بأكثر أعمال الاستعباد فظاعة بأسلوب القصص الخيالية اللطيف. كما ~~أشارت كوكو فوسكو، لا يوجد ثمة إطار مرجعي أخلاقي واضح في عمل كارا ووكر، وهذا العمل لا ~~يوثق ولا يعظ، لكنه يستميل الخيال والرغبة المكبوتة. السؤال هو: «رغبات من؟» انزعج ~~بعض المعلقين السود، خصوصا بيتي سار، بشدة من النجاح المفاجئ والمثير الذي حققته ووكر ~~على مستوى المؤسسات الفنية السائدة التي اعتبرت العمل مسليا لجمهور من البيض لديهم ~~تأكيد خطير على تحيزاتهم الخاصة. # ولما كان المجال الفني مرتبطا بالاقتصاد ارتباطا وثيقا كما ارتبط آهاب بالحوت ~~الأبيض، فإن ثمة طريقة أخرى للنظر إلى العلاقة نفسها، وهي من خلال الدورة الاقتصادية. ~~إن الفترة محل النقاش في الكتاب - من عام 1989 إلى يومنا الحالي (أخط هذا الكتاب ~~بينما تجتاح القوات الأمريكية مدينة بغداد، مؤسسة بذلك ms014 لنظام إمبريالي جديد ومعاد ~~للعولمة بلا جدال) - يحدها الركود من كلتا الناحيتين: الركود الأول يتمثل في الانهيار ~~الهائل لعام 1989 الذي قضى على عمالقة الفن الأثرياء خلال الوفرة الإنتاجية ~~بالثمانينيات؛ مما أدى إلى تحطيم الزهو والثقة بالنفس اللذين وسما المجال الفني، وعلى ~~مدى أبعد أفرز أعمالا أكثر فظاظة وأكثر شعبية، جنبا إلى جنب مع الفن الملتزم ~~سياسيا. إن الفقاعة التي انفجرت كانت نتيجة لوخزة الانسحاب المفاجئ لليابانيين الذين ~~يشترون من السوق، كنتيجة جزئية لمشكلات اقتصادية أوسع، لكنه أيضا نتيجة للكشف الفاضح ~~بأن جزءا كبيرا من شراء الأعمال الفنية في اليابان كان يتم كطريقة للتهرب من الضرائب ~~على الأرباح العقارية؛ مما كان له تأثير جانبي متمثل في تضخم الأسعار على نحو ~~زائف. # أما الركود العالمي الثاني فكان مسألة تفاقمت تدريجيا في الغرب، نتيجة لإخفاق قطاع ~~التكنولوجيا المتقدمة، وأعقبته انهيارات عامة في سوق الأوراق المالية، وفضائح حول ~~الفساد المالي، وأخيرا الحرب. بين هذين الركودين، كان الانتعاش الاقتصادي غير مؤكد، ~~عدا في الاقتصاديات الأكثر اتباعا للنيوليبرالية تماما بالغرب حيث اعتمدت على ~~التكنولوجيا العالية وفقاعة الإنترنت. في تلك الشعوب، أدت الوفرة الإنتاجية (كما ~~سنرى، على نحو متوقع) إلى ردة فعل ضد الفن المرتبط بالنظرية والسياسة، لصالح الأعمال ~~الفنية التي تشرع في التجميل والإدهاش والتسلية ويمكن بيعها. # أما التغيير البارز الآخر في فن التسعينيات فتمثل في ظهور «فن التجهيز في الفراغ»، ~~وهذا مصطلح معقد ومحل جدال. يراه البعض أنه فن يقاوم بصرامة البيع والشراء، لكونه ~~في حد ذاته سريع الزوال ويصعب أو يستحيل تحريكه؛ لذا، كما أكدت جولي إتش رايس، انتعش فن ~~التجهيز في الفراغ - الذي ولد في الستينيات - من سباته الطويل إبان سنوات الثمانينيات ~~ذات الدوافع التجارية. في ظهوره الأول (وكان يعرف حينئذ بفن «البيئة») عرض في «بديل» ~~أسس حديثا وأماكن يديرها الفنانون في الغالب. تزامن تجدد شعبية فن التجهيز في ~~الفراغ مع ركود عام 1989، لكنه في صورته المستعادة رسخ نفسه في قلب عالم الفن، في ~~المتاحف. إن تغير الاسم من فن «البيئة» إلى ms015 «التجهيز في الفراغ» يحمل دلالة؛ وذلك لأن ~~المعارض يجب أن تجهز. لم يعد التجهيز في الفراغ يقاوم الطابع التجاري بالضرورة؛ لأنه ~~الآن كثيرا ما يتم تحريكه ويدفع المال من أجله، حتى عندما لا يحدث ذلك، عادة ما ~~يستخدم فن التجهيز في الفراغ فنانون وتجار كسلعة اجتذاب تباع بالخسارة من أجل بيع ~~منتجات أكثر رواجا. # إن التجهيز في الفراغ لا يتغير بتغير الوسيلة، وليس في حد ذاته وسيلة؛ فهو يستوعب ~~الفيديو ووسائل أكثر قدما كالرسم، ولعله يمكن النظر إليه باعتباره فنا مكانيا ~~تندرج فيه كافة الوسائل - حتى عناصر الأداء. مع ذلك، صاحب ظهوره انخفاض نسبي في الوسائل ~~التقليدية كالرسم الزيتي والنحت، إلا أن عالم الفن يقسم رأسيا وأفقيا بتفاوت، ~~متضمنا العديد من الأطر المتداخلة للتنظيم والتجارة. لا يزال الرسم الزيتي - سواء أكان ~~يشغل تركيز الخطاب الفني أم لا - الشكل الفني الأكثر رواجا، ولا يزال يصنع ويباع ~~للأفراد والشركات بنجاح إلى حد ما وفقا للحالة الاقتصادية. يمكن قول الأمر نفسه إلى حد ~~بعيد عن الرسم، والطباعة، وكتب الفنانين، وعدد كبير من الممارسات الأخرى، إلا أن محور ~~التركيز هنا هو على ما يحظى بالأضواء، وما يتم تداوله على المستوى الدولي في أفق الساحة ~~الفنية العالمية. # في هذا السياق، يتسم فن التجهيز في الفراغ بميزتين واضحتين: الأولى تتمثل في المنافسة ~~المستمرة مع الثقافة الجماهيرية - كيفية إقناع جمهور ما بالسفر إلى متحف أو موقع آخر ~~بدلا من مشاهدة التليفزيون، أو الذهاب إلى السينما، أو حفلة موسيقية، أو مباراة كرة ~~قدم، أو التسوق. كان هناك ازدياد لحدة المنافسة في هذا الصدد، تنافس على المشاهدين، ~~خاصة مع تحول التليفزيون - كأحد الأمثلة - إلى شاشة واسعة ضخمة ذات دقة عالية، وبه مسجل ~~دي في دي. لقد رأينا أن الفن يختلف عن الثقافة الجماهيرية في تعامله مع المحتوى، بعيدا ~~عن ذلك، ما لم تحاكيه الوسائل القابلة لإعادة الإنتاج بعد هو إحساس جسم يتحرك في فضاء ~~محدد محاط بأجهزة عرض فيديو ضخمة أو عمل له وزن أو رائحة أو اهتزاز أو ms016 حرارة؛ لذا يحتل ~~فن التجهيز في الفراغ، الذي يسمح لفراغ بأن يملأ بدلا من مجرد تقديم عمل فني يشاهده ~~الناس، مكانة بارزة . # أما الميزة الثانية، فهي أن تفويض عمل فني لموقع محدد تفويضا حصريا هو طريقة لضمان ~~أن المتفرجين سيذهبون حتما إلى هناك، وحشد مجموعات من تلك الأعمال الفنية الخاصة ~~بفنانين ذوي شأن في بيناليات هو عامل جذب قوي لانتباه عالم الفنون. وهكذا، يرتبط ~~التجهيز في الفراغ وخصوصية الموقع بعولمة المجال الفني، وبفن يستخدم بغرض التنمية ~~الإقليمية أو الحضرية. لما كانت هذه هي الاستراتيجية المعتادة الآن، فإن حضور تلك ~~المعارض - ليس فقط في فينيسيا وبازل ومدريد، لكن الآن في ساو باولو ودكار وشنغهاي - ~~أضحى طريقة أخرى للتأكيد على التميز الاجتماعي للمتفرج (ومجرد التعرض الطفيف لثرثرة ~~الساحة الفنية - في أغلب الأحيان نجدها تدور حول آخر المهرجانات الغريبة - سيؤكد ~~ذلك). # في الفصول الأخيرة سنسبر أغوار الروابط التي تصل بين هذه العناصر المختلفة للفن منذ ~~عام 1989؛ إذ قد ينظر إلى الحروب الثقافية في الولايات المتحدة باعتبارها مقدمة محلية ~~للقضايا الأوسع نطاقا الخاصة بالاختلاط العالمي، وأنها نشأت نتيجة لنسق القوى نفسه: من ~~ناحية، الاستهلاكية الليبرالية الملتزمة بتحطيم القيود على التجارة بمعناها الأوسع، ومن ~~ناحية أخرى، القوى المحلية الخاصة بالتقاليد والدين والسلوك الأخلاقي. إن التجهيز في ~~الفراغ (إذا نظرنا إليه من منظور شامل مرة أخرى) يقترن بالمشهد وبالمنافسة مع وسائل ~~الاتصال الجماهيري. إن فن التجهيز في الفراغ المعاصر باهظ الكلفة ويعتمد عامة على ~~الرعاية الخاصة والتمويل العام؛ ومن ثم فهو مرتبط بتدخل المؤسسات التجارية في الفن ~~واستخدام المتاحف في أغراض تجارية، على نحو يتنافى مباشرة مع نشأته الأولى في مشروعات ~~الفنانين بمبادرات خاصة، وهذا بدوره يتصل بالعلاقة بين العولمة والخصخصة التي تكون فيها ~~خصخصة عالم الفن جزءا صغيرا ليس إلا، والتي تدفع المتاحف والمعارض نحو تقديم عروض ~~مذهلة أكثر باستمرار. على نحو مماثل، يعد التكافل بين العناصر الراقية للثقافة ~~الجماهيرية، والدافع إلى التعامل مع «الحياة الواقعية» (أي ثقافة المستهلك وشواغل وسائل ~~الإعلام الجماهيرية) جزءا من ms017 الحافز نفسه. # مخافة أن يبدو هذا الكتاب مقسما على نحو منظم أكثر من اللازم، آمل أن يتضح فيما بعد ~~أن هناك توترات وتناقضات هائلة بين هذه العناصر. وفي الفصول التالية عن العولمة، ~~والعلاقة بالثقافة الجماهيرية، وتكلفة الفن واستخداماته، وسمات الفن وسمات الكتابة عنه، ~~سنسبر أغوار هذه التناقضات. وفي النهاية، تأكيدا على ما هو بين، لا يمكن لكتاب بهذا ~~الطول إلا أن يكون مقدمة فحسب، وقد اضطررت إلى الإقصاء أكثر من الإدراج بكثير. إن ذكر ~~الفنانين والأعمال الفنية لا ينبغي أن يؤخذ على أنه يلمح إلى أي حكم على الجودة، بل ~~إنه بالأحرى إشارة إلى أهميته المحورية في القضايا الجوهرية التي يتناولها الكتاب: ~~تنظيم الفن ودمجه في النظام العالمي الجديد. # | هوامش # الفصل الثاني # | نظام عالمي جديد # دوريس سالسيدو فنانة كولومبية تصنع تماثيل من قطع أثاث كانت في السابق تنتمي لأشخاص ~~«اختفوا» خلال الحرب الأهلية الطويلة في بلادها. خلال ذلك الصراع المرير، مولت الجبهتان - ~~العصابات والحكومة - الحرب من خلال تجارة المخدرات، فيما مولت الولايات المتحدة الجيش ~~الكولومبي ببذخ، رغم سجله الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان. اختطفت الجماعات شبه العسكرية ~~المتحالفة مع القوات الحكومية تحالفا وثيقا الأشخاص وقتلتهم دونما عقاب. في بعض من أعمال ~~سالسيدو، نجد قطعة من الأثاث معشقة بعناية داخل قطعة أخرى، وفي أعمال أخرى، ما يبدو ~~للوهلة الأولى أنه ألياف خشبية يتضح أنه شعر آدمي، تكون هذه التركيبات مملوءة بالأسمنت، ~~والذي أحيانا يغمر أيضا جزئيا بابا أو طاولة مقلوبة رأسا على عقب. عند النظر إلى تلك ~~القطع يتملكك شعور بالانغمار أو التلاشي البطيء للغاية، وكأنها رسم بياني لذكرى ذبلت نتيجة ~~للعنف داخل الذهن، وقضى عليها الصمت والرقابة، ثم عادت غير مرغوب فيها في الأحلام والأفكار ~~اللاإرادية، وفقدت على نحو قاس بالمثل تعريفها الدقيق مع مرور الوقت، وتراكمت ذكريات ~~جديدة وذكريات عن ذكريات فوق القديمة. # إن كاتدرائية جايلز جيلبرت سكوت الإنجيلية بليفربول عبارة عن مبنى شاسع بجدران جرداء ~~قوطية الطراز، وهي تقليدية في فخامتها وتصميمها المعماري، رغم أنها شيدت أثناء القرن ~~الأخير. ms018 يتملكك وأنت تتجول داخلها حس قوي بالغرابة. يفكر الزوار: أين الزخارف التي تحمل ~~الذاكرة التاريخية؟ وأين آثار انمحائها وتآكلها، وكذلك حالة الفوضى المألوفة التي تخلفها ~~القرون؟ إلا أن هذه الكاتدرائية العتيقة جددت مؤخرا وتركت جرداء. # أقيم أول بينالي للفن المعاصر في ليفربول عام 1999، وضم مكونا دوليا، تحت عنوان ~~«اقتفاء الأثر»، وأشرف عليه أنتوني بوند، ووضعت قطع الفن المعاصر في مواقع مختلفة حول ~~المدينة، وظهرت أعمال سالسيدو في الكاتدرائية الإنجيلية. ماذا يمثل هذا الجمع؟ إن السبعين ~~عاما التي مرت على تشييد الكاتدرائية شهدت حربين عالميتين، وظهور الراديكالية السياسية ~~وزوالها في بريطانيا، وتراجع أهمية التصنيع، واكتساح العلمانية للمجتمع؛ فتولد المنتج ~~المكتمل بحجم أكبر من المألوف داخل مدينة ناضبة من العمل والسكان والإيمان. إن عمل سالسيدو ~~الفني - وهو محاولة دقيقة وشاقة لتبجيل الذاكرة - هو النظير المرئي لأعمال إدواردو جاليانو ~~الفذة الخاصة باستعادة الذاكرة السياسية الجماعية في وجه القمع العنيف للاحتجاج كلمة أو ~~فعلا في أغلب بلدان أمريكا اللاتينية. بصورة أكثر تحديدا، كما أوضح تشارلز ميرويزر، ينتقد ~~تجميد الذكرى وكبحها التي يهدف الاختفاء إلى توليدها، فأهل المختفي الحزان ليس لديهم جثمان ~~أو مقبرة أو حتى اليقين بأن حبيبهم توفي. من الناحية البصرية، تلاءمت أعمال سالسيدو ~~الفنية جدا مع المساحات الشاسعة الجرداء بالكاتدرائية، فبدت الخزائن ككراسي اعتراف متحولة ~~أو نعوش عملاقة. إن الغاية من الجمع بين الموقع والعمل الفني في مثل هذه المقاربة هو إثراء ~~أحدهما الآخر، والمقاربة بين الثقافات على نحو مثمر، وتحفيز الفكر، والتزويد بلمحة عن ~~تواريخ وثقافات أخرى. ورغم أن وضع أضرحة داخل كاتدرائية أمر ملائم، فقد بدا الجمع بينهما ~~تضاديا؛ نظرا لأن الأنماط الطقسية للذكرى عند سالسيدو تعارضت مع شبح المذهب الإنجيلي، ~~داخل مبنى شيد وكأن شيئا لم يتغير. # يعد العنوان «اقتفاء الأثر» موضوعا نمطيا لبينالي؛ نظرا لأنه يمكن أن يتسع ليشمل كل ~~شيء تقريبا، ومن ثم لا يعني شيئا تقريبا. إن بينالي ليفربول هو فعالية شاملة تستوعب ~~المعارض السنوية الأقدم، منها معرض نيو كونتمبراريز ومسابقة جون موريس للرسم. إن مدينة ms019 ~~ليفربول ملائمة للغاية لمثل هذه الفعالية؛ مدينة تمتلئ بأحواض السفن، اعتمدت ثروتها العظيمة ~~في السابق على التجارة، بما في ذلك تجارة الرق ، مثلت موقعا ملائما لفن يتدبر في أمر ~~العولمة ووقائعها التاريخية. ونسيجها الحضاري المهترئ الآن به الكثير من المساحات الشاسعة ~~الخالية لعرض الأعمال الفنية، ومناطقها المتهالكة، وجذول الأشجار العائمة التي تناسب ~~التصورات الرومانسية، جاهزة للتحسين والتطوير. كل هذا يهيئ لبعض الفرص المثمرة والاستفزازية ~~لعرض الأعمال الفنية، لا سيما أكياس البهارات المنتفخة لإرنستو نيتو المعلقة في معرض تيت، ~~والتي تملأ فضاء المكان الذي كان في السابق مخزنا لتلك السلع بالفعل بالروائح. على نحو ~~مماثل، قدم فيك مونيز في سلسلة «الأثر» أعمالا عاطفية ومعقدة حول أطفال الشوارع في مسقط ~~رأسه ساو باولو، فقدم للأطفال نسخا من لوحات لفان دايك وإل جريكو وفيلاسكويز، وأقنعهم ~~بتمثيل الأوضاع، ثم التقط لهم الصور الفوتوغرافية، ثم استخدم هذه الصور بعد ذلك كأساس لصور ~~مفصلة مكونة من النفايات والقصاصات الملونة من النوع الذي يترك في الشوارع بعد مرور ~~كرنفال، ومنها تظهر صور تخطيطية للأطفال محاطة بالسكر على نحو طيفي، ثم التقط صورا ~~فوتوغرافية لها وعرض الصور الضخمة في المعرض. اكتسبت الصور التي عرضت في متحف تيت، الذي ~~يحمل اسم أحد أقطاب تجارة السكر، بعدا آخر. # شكل 2-1: فيك مونيز، «الأثر» (أنجيلكا). # 1 # زعمت المقدمة في الكتالوج الخاص بمعرض «اقتفاء الأثر» أن هذا البينالي يعكس «النهضة ~~المدنية الحالية» للمدينة، رغم أنه في عام 1999 كان ذلك مطمحا أكثر منه بيانا للواقع. كتب ~~بوند أن توزيع معارض الفنون حول المدينة «يضمن أن الزوار سيكتشفون الطابع الثري لمدينة ~~ليفربول فيما يشاهدون الأعمال الفنية.» من ثم صرح علانية بارتباط المناسبة بالسياحة، ~~وبالطبع إن مشاهدة زوار المدينة للحدث الفني تتضمن الانتقال من مكان لآخر بوصفهم سياحا، ~~والاستعانة باستمرار بالخرائط. كانت هناك سلسلة محيرة من الأعمال والأماكن، ونقص في المادة ~~السياقية لكلتيهما، وفي ضوء أن مبادئ الحدث كانت مبهمة على أفضل تقدير، أصبحت التجربة بصورة ~~أساسية ممارسة جمالية في رؤية العمل داخل سياق ms020 معماري، فيما عدا للأشخاص المطلعين للغاية ~~على بواطن العالم الفني (الذي ربما أقيم لهم الحدث بصورة أساسية). # أدرج الكتالوج رعاة البينالي والمنظمات المساهمة، والتي اشتملت على شركات تجارية ومؤسسات ~~أكاديمية محلية، وهيئات فنية، ومجالس الفنون القومية، والأجهزة الحكومية التي تدعم الثقافة ~~في الخارج، مثل معهد جوته. كشف هذا المزيج عن نوع التحالفات الذي يولده أي بينالي: مؤسسات ~~تجارية، كبيرة وصغيرة، ترغب في تعزيز شهرة علاماتها التجارية، وشعوب تدفع بمنتجاتها ~~الثقافية، وكيانات إقليمية تأمل في تجديد نشاطها، وجامعات ترغب في رفع تقييماتها ~~البحثية. # إن بينالي ليفربول لا يعدو كونه نموذجا واحدا لظاهرة آخذة في الانتشار أكثر فأكثر. وفي ~~حين أن العالم الفني طالما كان أمميا؛ إلا أن نهاية الحرب الباردة - كما شاهدنا - قد ~~تسببت في إعادة تنظيم ممارساته وعاداته. مثلما طاف المسئولون التنفيذيون بالشركات الكرة ~~الأرضية بحثا عن أسواق جديدة، شرعت مجموعة من مشرفي المعارض الفنية الرحالة الدوليين في ~~فعل الأمر نفسه، فيتنقلون من بينالي إلى آخر متعدد الجنسيات، من ساو باولو إلى فينيسيا إلى ~~كوانج جو إلى سيدني وكاسل وهافانا. من بين تلك الأحداث الفنية في الدول النامية والشيوعية، ~~كان بعضها يقام منذ مدة طويلة (على غرار بينالي ساو باولو الذي انطلق عام 1951، رغم أنه جرى ~~تجديده وتمويله مؤخرا على نطاق أوسع) فيما كانت أحداث أخرى حديثة تماما. إليك بعضا من ~~الأحداث الفنية الجديدة إلى جانب تواريخ انطلاقها: بينالي هافانا (1984)، بينالي الشارقة، ~~الإمارات العربية المتحدة (1993)، معرض كوانج جو، كوريا الجنوبية (1995)، بينالي جوهانسبرج ~~(1995)، بينالي شنغهاي (انطلق عام 1996، وفتح أبوابه أمام الفنانين الدوليين عام 2000)، ~~وبينالي ميركوسور الذي يقام في بورتو أليجري بالبرازيل (1997)، معرض داكار، السنغال (1998)، ~~بينالي بوسان، كوريا (1998)، بينالي برلين (1998)، وترينالي يوكوهاما (2001)، ومعرض براغ ~~(2003). # سارة هي رؤية عالم الفن الشاملة لهذا التطور؛ فقد انهارت أخيرا مبادئ الحداثة الخطية، ~~والفردية، والبيضاء، والذكورية، وحل محلها عدد هائل ومعقد من الممارسات والمخاطبات ~~المتعددة والمتنوعة، والملونة. وردا على السؤال: «ما هي مقومات البينالي؟» أجابت روزا ~~مارتينيز، أحد هؤلاء المشرفين الدوليين: # إن البينالي المثالي هو حدث سياسي ms021 وروحاني في الأساس؛ فهو يتأمل الحاضر برغبة في ~~تغييره، كما يقول آرثر دانتو في تعريف أحبه للبينالي: «هو لمحة ليوتوبيا متعددة ~~الجنسيات.» # إن الهدف من كل حدث، بصورة مثالية، إحداث تبادل لمعايير الفن المعولم الثمينة - عند فحص ~~قوائم البيناليات نلاحظ تكرر نفس الأسماء باستمرار - نحو اتصال مثمر مع الفنانين المحليين ~~والظروف المحلية. على نحو مثالي أيضا، ينبغي أن يفرز هذا مع الوقت مزيجا هجينا من ~~الأنماط الفنية يأتي به أشخاص من خلفيات وارتباطات مختلفة على نطاق واسع، يعبر على المستوى ~~الدولي والمحلي على حد سواء، ويملأ المساحات البينية وينتجها، والتي تقوض التكتلات ~~المتماثلة - لا سيما الدولة القومية - التي تعتمد عليها السلطة. # وهذا مبدأ مثالي له دعم نظري قوي - لا سيما من كتابات هومي بهابها وستيوارت هول - عادة ما ~~يذكر صراحة في المناسبات الفنية وفي المطبوعات المصاحبة، وقد ساهم في زيادة شهرة فنانين من ~~شعوب لم تحقق في السابق هذا النجاح إلا في حالات استثنائية. يجلب هؤلاء الفنانون - من الصين ~~أو كوبا أو روسيا أو جنوب أفريقيا أو كوريا، على سبيل المثال - إلى الساحة الفنية العالمية ~~أصواتا ورؤى وأفكارا وأنماطا جديدة. إن حدة أعمال سالسيدو، والتي تأتي من تعاونها مع ~~الأقارب الحزان للمختفين، بعيدة كل البعد عن القصص الخيالية للعنف غير الأصلية والمستوحاة ~~من الإعلام كما في أعمال داميان هيرست، على سبيل المثال، أو الأخوين تشابمان، والمقارنة ~~تجعلها تبدو مثيرة للسخرية قطعا. غيرت مثل هذه الأعمال المشهد الفني وتصدرت سلاسل ~~المعارض الفنية. اضطرت «ثيرد تكست» - مجلة متخصصة تهدف إلى تعزيز وجهات نظر العالم الثالث ~~حول الفن والثقافة وتحليلها - إلى تبديل غاياتها الأساسية من إظهار مثل هذا الفن والرأي إلى ~~استكشاف ظروف نجاحه الكبير. على حد تعبير جين فيشر، فإن المشكلة الرئيسية لم تعد في التواري ~~عن الأنظار، بل في تركيز الأنظار المفرط الذي حدث؛ لأن الاختلاف الثقافي أضحى سلعة يسهل ~~ترويجها الآن. # يمكننا أخذ فكرة حول الشروط التي حدث هذا النجاح بناء عليها من خلال النظر تباعا إلى ~~البيناليات، وبعض حالات ms022 الفن المتناقضة في مناطق مختلفة، ثم إلى وظيفة وأثر هذه الهوجة ~~الجديدة من إنتاج الفن المعولم واستهلاكه. # إن العدد الهائل للبيناليات مدفوع بالقوى نفسها التي أدت إلى إنشاء هذا الكم الكبير من ~~المتاحف الجديدة، وتوسعة القديمة وترميمها. تدرك الحكومات جيدا أن المدن تتنافس على ~~المستوى العالمي مع بعضها بصفة متزايدة من أجل الحصول على الاستثمارات وإقامة المقرات ~~الرئيسية للشركات بها وجذب السياحة. لا بد أن توفر المدن الأكثر نجاحا مجموعة واسعة من ~~الفعاليات الثقافية والرياضية. والبينالي لا يعدو كونه سهما واحدا في جعبة سهام أية مدينة ~~ترغب في أن تكون عالمية - أو مدينة تتطلع إلى تلك المكانة، كما في أغلب الأحوال - لاجتذاب ~~فئة بعينها من السائحين (بعضهم فاحش الثراء) على أمل إمتاع هؤلاء المقيمين الذين لديهم حرية ~~المغادرة. # في تصريح لمشرف المعارض الشهير، هوه آي هانرو، الذي جمع سلسلة من المعارض تستكشف المدن ~~الآسيوية سريعة النمو والتغير، أوضح فيه اهتمام الساحة الفنية: # إن هذه المدن العالمية الجديدة تمثل قيام قوى اقتصادية وثقافية بل وسياسية جديدة ~~تخلق نظاما عالميا جديدا ورؤى جديدة لكوكب الأرض. إن الشيء الأهم هو أنه مع ~~تراث تلك المدن الخاص بها، أصبحت تلك المدن مساحات جديدة وأصلية يتسنى فيها التعمق ~~في الرؤى والتفاهمات الجديدة للحداثة، واحتمالات جديدة لخيال ~~«اليوتوبيا/الديستوبيا» وإعادة ابتكارها. # من ثم فإن تلك المعارض هي تأكيد ثقافي لقوى اقتصادية وسياسية جديدة، من بين الأمثلة على ~~ذلك بينالي إسطنبول الذي يعد جزءا من جهود الحكومة التركية للتأكيد للاتحاد الأوروبي أن ~~الشعب يمتثل بدرجة كافية للمعايير العلمانية والنيوليبرالية كي تضمن العضوية بالاتحاد. مثال ~~آخر هو بينالي هافانا الذي يهدف إلى تقديم صورة أكثر لينا ومنفتحة ثقافيا للحكومة ~~الكوبية بالتصديق على المعارضة في هذا الإطار الضيق. # للبينالي فائدتان أخريان تميزانه عن معرض لتكنولوجيا جديدة أو مباراة كرة قدم هامة. ~~أولا: رغم كل الرفض الأكاديمي من جانب النقاد وواضعي النظريات، فإن الفن يحتفظ بمجد يسمو ~~فوق الثقافة والترفيه المألوفين، وإشارات نحو العالمية من وجهات النظر العامة والمدنية، ~~وهو في ms023 حد ذاته يؤدي الوظيفة نفسها لمدينة - في ظل التزاحم الفج لنيل مكانة في السوق ~~العالمية - كما تفعل لوحة لبيكاسو معلقة فوق المدفأة لدى تنفيذي بشركة تبغ. ثانيا: إنه لا ~~يجسد فضائل العولمة فحسب، بل يروج لها بفاعلية أيضا. # ثمة أحوال تتعارض فيها فوائد البينالي مع المبادئ المثالية التي من المفترض بها أن ~~تجسدها. تأسس بينالي جوهانسبرج عام 1995، بعد فترة وجيزة من إجراء أول انتخابات حرة في جنوب ~~أفريقيا عام 1994، كان الهدف إعادة ربط جنوب أفريقيا بالعالم الثقافي بعد سنوات من ~~المقاطعة. في البينالي الأول نظمت سلسلة غاية في التنوع من المعارض في محاولة تصوير مدينة ~~جوهانسبرج على أنها مدينة عالمية مكتملة الجوانب. تعرض الفنانون المحليون الذين سيعرضون ~~نظرة مشكلة عن الأمة للإقصاء بصورة عامة، ورأى الكثيرون أن البينالي قدم صورة إيجابية ~~مريبة عن المجتمع الجنوب أفريقي. وفي حين أن البينالي ضم مشرفين جنوب أفريقيين، إلا أنه ~~تعرض لنقد كبير من جانب السكان المحليين لاعتباره غزوة أجنبية داخل مناطق معدمة ومقسمة لم ~~تكن مستعدة على الإطلاق لذلك الحدث. تملكت توماس مكافيلي، من بين آخرين، الدهشة لإدراكه أن ~~الحدث قاطعه كما يبدو جزء كبير من السود الذين نفروا من المغازلة الخانعة لساحة الفن ~~العالمية. # في عام 1998، سعى البينالي الثاني - الذي أشرف عليه أكوي إنويزر وفريق دولي، وكان موضوعه ~~«مسارات تجارية: التاريخ والجغرافيا» - إلى الاستجابة للانتقادات التي وجهت للبينالي ~~الأول، فكان معرضا سياسيا تناول قضايا العرق والاستعمار والهجرة. مجددا، كان البينالي ~~تجربة عولمية ضمت معارض تحت إشراف هوه هانرو وخيراردو موسكيرا، رغم أنه في هذه المرة أكد ~~على الروابط بين بلدان الجنوب. ورغم التغيير في موضوع المعرض، والإشراف صارم التنظير، بدا ~~في مثل هذا الإطار أن الصورة الفعلية للبينالي تعمل ضد نجاحه. هددت الأزمة المالية لمجلس ~~مدينة جوهانسبرج الحدث وتسببت في إرجائه، ومجددا، تبرم الفنانون والنقاد المحليون من أن ~~الإنتاج الأفريقي حل ثانيا لصالح شأن أممي يحمل هجينا عالميا، وأنه لحقه الضرر على وجه ~~الخصوص نتيجة للاهتمام المنصب نحو فنون الميديا التي لا ms024 يملك خبرة بها - أو حتى الفرصة ~~لاكتسابها - سوى عدد محدود من الفنانين المحليين. علاوة على ذلك، رؤي أن الأنماط القياسية ~~للفن ما بعد المفاهيمي والفنون القائمة على التصوير الفوتوغرافي فرضت عنوة على الثقافة ~~المحلية المتلاشية بأسلوب استعماري، فجاءت النتيجة متمثلة في تعذر وصول الجماهير المحلية ~~له وابتعاده عن القضايا التي تشغلهم. عزز هذا التصور نقص أموال الدعاية والإعلان، نتيجة ~~للأزمة المالية للمدينة مرة أخرى. شعر الزوار الأجانب للبينالي بالعزلة، وذلك في ظل مخاطر ~~المدينة بالخارج؛ لذا لم يتدفق التبادل الثقافي في أي من الاتجاهين كما كان مخططا. جذب ~~البينالي عددا أقل من المتوقع بكثير، وأنهى مجلس المدينة فعالياته قبل شهر من موعد ~~انتهائه، وأعلنت المدينة بعد ذلك أنها لم يعد لديها أموال لإقامة بينالي آخر. # ما سبب هذا الإخفاق؟ تؤكد جين بودني أن البينالي كان يسعى إلى اجتذاب جمهور الطبقة ~~المتوسطة (إما من البيض أو القطاع الأسود الصغير حينئذ) ممن لديهم اهتمام ضئيل بالمبادئ ~~الثقافية المثالية للمعرض. إن مواجهة البينالي صعوبة في جذب جمهور محلي أمر لا يدعو إلى ~~الدهشة؛ لأن الكثير من بيض جنوب أفريقيا حافظوا على الفصل العنصري على أرض الواقع ولم ~~يتقبلوا معرضا عن العولمة متعددة الثقافات، في حين أن النخبة السوداء كانت لديها شواغل ~~آنية أكثر، أما باقي أهل البلاد، فإن المعاهدة مع الغرب التي أسفرت عن نهاية سياسة الفصل ~~العنصري، والتي تم الوصول إليها بتعهد بإدارة الاقتصاد تمشيا مع القيود العالمية المعهودة ~~ومن ثم الحكم على أهل البلاد باستمرار الفقر؛ لم يكن في إمكانها الاحتفاء به دون مشاعر ~~متناقضة. # حتى تلك المناسبات التي لاقت نجاحا حوت توترات مماثلة؛ ففي هافانا، جذبت البيناليات - ~~التي تناولت الفن الكوبي وفن العالم الثالث - ~~عددا كبيرا من الجماهير. ومع أن عامة الناس في مدينة هافانا يتمتعون بقدر أكبر كثيرا من ~~الثقافة عن سكان المناطق العشوائية بجنوب أفريقيا، فهذا لا يعني أنهم حظوا باهتمام أفضل من ~~قبل البينالي الذي بدا أنه أقيم في المقام الأول للأجانب. ترددت أقاويل عديدة عن أعمال ms025 ~~وسائطية أوقف تشغيلها بعد الافتتاح، أو عن أماكن أغلقت قبل انتهاء البينالي. كتبت كوكو ~~فوسكو عن إعادة هيكلة الفن الكوبي تحت الرعاية الأجنبية في بينالي هافانا 2000: # وصلت طائرات ممتلئة على آخرها بمشرفي معارض من أمريكا وأوروبا ... تم توجيههم إلى ~~الاستديوهات المنتقاة وحفلات المشروبات الخاصة بهم دون غيرهم، وكذلك مرافقتهم إلى ~~المعرض الرئيسي، وكان حدثا باهظ الكلفة للغاية بدرجة حالت دون حضور أغلب الكوبيين. ~~وهناك، وعلى مدى بضع ساعات، شغل العديد من عروض الفيديو وأقيمت بعض الأحداث ~~المباشرة للمتفرجين الأجانب فقط. لما وصل زوار آخرون في الأيام التالية كانت أجهزة ~~عرض قليلة للغاية هي التي تعمل، هذا إن وجد أي منها من الأساس. # في عمل الفنان سانتياجو سييرا الذي عرض في بينالي هافانا لعام 2000 بعنوان «سانتياجو ~~سييرا يدعوك لمشروب»، يوجه الفنان نقدا لاذعا للعلاقات المحتملة للسلطة والاستغلال بين ~~سياح الفنون وأهل البلاد عن طريق تقديم المال للعاهرات وتخبئتهن في الصناديق التي وضعت ~~كمقاعد لرواد الحفل. # شكل 2-2: سانتياجو سييرا، «وشم خطي طوله 160 سم على أربع سيدات». # 2 # تنزع البيناليات إلى مخاطبة جمهور الفن العالمي أكثر من السكان المحليين. ورثت تلك ~~المناسبات بنيتها من نموذج المعارض الفنية أو التجارية الدولية التي تتنافس فيها الشعوب ~~للدفع بأبرز سلعها الثقافية، في حين أن الكثير من البيناليات ابتعدت عن التجسيد المادي لهذه ~~المنافسة في المعارض الفنية القومية، فأحيانا ما تبقى أجواء المنافسة القومية. علاوة على ~~ذلك، فإن مشرفي تلك المعارض المتخصصين الرحالة هم صنيعة النظام الفني العالمي، وبالطبع هم ~~يصغون إلى الأصوات المحلية ويتشاورون معها ويقدمونها، بيد أن «علة وجودهم» والبيئة التي ~~يتحركون فيها عالمية ومختلطة. كتبت كارول بيكر في تحليل نقدي عن دور المشرف الذي يجوب العالم: # البعض ممن يجوب مثل هذا العالم الراقي للفن والثقافة والكتابة والإنتاج والمعارض ~~يبدون الآن أنهم يستجيبون للساحة الفنية فحسب، ورغم أن العمل يبدو أنه مدفوع ~~اجتماعيا، فإن النتيجة الحقيقية الوحيدة لهذا الجهد النقدي تتمثل في درجة إيجاد ~~عالم الفن للعمل مقبولا أم غير مقبول أم ms026 استثنائيا، وهو الأمر الذي يقاس بقدر ~~التقييمات التي يحظى بها العمل، من حيث جودة الوثائق والسجلات التي يولدها، ~~والمبيعات التي يحققها في نهاية المطاف. # إن انتقاء المادة المحلية عبر النظام الفني يفرز في النهاية التماثل. هذا النظام - ليس ~~فقط الإشراف، بل مصالح كافة الهيئات، الخاصة والعامة أيضا، التي تشكل التحالفات التي ~~تتمحور حولها البيناليات - ينزع إلى إنتاج فن يخاطب الاهتمامات الدولية. بصورة أدق، هو ~~يعزز القيم النيوليبرالية، لا سيما تلك الخاصة بحركة القوى العاملة والفضائل ذات الصلة ~~بالتعددية الثقافية. # من بين الأمثلة البارزة عمل ألفريدو جار، «مليون جواز سفر فنلندي»، الذي عرضه في مهرجان ~~الفنون الدولي إيه آر إس 95 بمتحف الفن المعاصر في هلسنكي. صنع جار نسخا معدلة على نحو ~~طفيف لمليون جواز سفر فنلندي ونظمها في كتلة هائلة تذكرنا بالبنى التبسيطية، ووضعها خلف ~~لوح زجاجي. كانت جوازات السفر ترمز إلى تلك الجوازات التي كان من الممكن أن تمنح إلى ~~المهاجرين في حال سمحت الحكومة الفنلندية بالهجرة بنفس المعدل الموجود في باقي القارة ~~الأوروبية، وبسبب إصرار سلطات الهجرة الفنلندية، دمر عمل جار في وقت لاحق. # كان هذا العمل مثالا نموذجيا للإنتاج الفني المعولم بطرق عديدة، فقد استخدم حرفيا ~~كلا من المادة المحلية واللغة العالمية للفن المعاصر، كما استجاب للقضايا السياسية ~~المحلية وعلق عليها. وهو في فعله ذلك انحاز لمصالح رأس المال العالمي على حساب الاهتمامات ~~المحلية؛ إذ تمثلت رسالة العمل في أن حق الأشخاص في التوطين لا بد وأن يتجاوز أية قرارات ~~قومية، حتى تلك التي تم التوصل إليها بطريقة ديمقراطية، وذلك لحماية التجانس والترابط ~~الاجتماعي. # سنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى، وكذلك إلى التأثير المجانس للنظام الفني العالمي، لكن كي ~~نؤكد أولا على تنوعه، نود مناقشة زوجين من الحالات المتناقضة: الأنماط المختلفة للأعمال ~~الفنية التي خرجت نتيجة لصدمة الاحتكاك بالقوى الاقتصادية النيوليبرالية، في روسيا والدول ~~الإسكندنافية؛ ثم الأعمال الفنية من دولتين أبقتا على الحكومات الشيوعية؛ الصين ~~وكوبا. # روسيا والدول الإسكندنافية # إبان تسعينيات القرن العشرين، كانت روسيا والدول الإسكندنافية ms027 دولا حديثة التعرض ~~للضغوط السوقية القصوى. في روسيا، أوعز خبراء الاقتصاد النيوليبراليون من الغرب للحكومة ~~بأن التعرض السريع والحاد للسوق - «العلاج بالصدمة» - سيثبت أنه قاس على المدى القصير، ~~إلا أنه سيسفر عن ثراء سريع. أضحى عدد ضئيل من الروس فاحش الثراء، لكن النتائج على ~~الشعب ككل كانت كارثية، مع انهيار أكثر الخدمات الأساسية، وتفشي الجريمة، وانخفاض متوسط ~~العمر المتوقع، وانتشار الفقر المدقع على نطاق واسع. # وبدافع من هذه الكارثة، حازت الأعمال الفنية القادمة من روسيا وجمهوريات الاتحاد ~~السوفييتي السابقة اهتماما واسعا؛ إذ قدمت شظايا الانحطاط الاجتماعي لإدخال السرور ~~إلى قلوب الجماهير في الغرب. وأضحى «فن الواقع» فنا مطلوبا، من خلال الأفلام ~~الوثائقية والتصوير الفوتوغرافي والفن الأدائي وفن التجهيز في الفراغ. كان تقديم مثل ~~تلك العناصر الأولية للفن الواقعي مرتبطا بالصدمة (كما يمكن أن يتوقع المرء من وصف هال ~~فوستر بالغ الأثر عن فن حقبة التسعينيات: «عودة الفن الواقعي»)، وعلى وجه التحديد ~~بالأثر المسجل جماعيا للعلاج بالصدمة الاقتصادية. # صنع بوريس ميخايلوف سلسلة من الصور الفوتوغرافية التي يقدم فيها المال لأشخاص ~~مشردين لاتخاذ وضعيات معينة وتعرية أنفسهم أمام الكاميرا، مسلطا الضوء على الاضطهاد ~~المضمن في تقديم الجسد مقابل المال (وهو يقترب في هذه النقطة من سانتياجو سييرا الذي ~~دفع المال أيضا لأشخاص ليفعلوا أشياء مذلة مختلفة ولتعرية أجسادهم). يحاكي بوريس ~~ميخايلوف في صور «قريبا من الأرض» (1991) و«عند الغسق» (1993) مظهر صور أوائل القرن ~~العشرين مصورا الحياة في شوارع أوكرانيا، ويركز مرة أخرى على العديد من قاطني ~~الشوارع، لكنه أيضا يركز على أولئك الذين لديهم منازل لكن بالكاد يستطيعون البقاء على ~~قيد الحياة. # شكل 2-3: بوريس ميخايلوف، «سلسلة عند الغسق». # 3 # إن الموضوع إلى جانب الأسلوب استحضرا عصر ما قبل الثورة، وهنا يكمن تماثل مرئي فعال ~~مع الشعور الذي تملك العديد من أفراد مجتمع ما بعد الاتحاد السوفييتي عن التاريخ ~~والتقدم بعد انتكاسهما، وذلك بعد أن تمخضت الرأسمالية التي كان من المفترض أن تنقلهم ~~إلى حاضر استهلاكي ثري عن تراكم لأطر زمنية، دافعة بذلك ms028 أغلبية الشعب نحو الفقر المدقع ~~الذي ساد عصور القياصرة في روسيا. # شكل 2-4: سيرجي بوجايف أفريكا، «إم آي آر: صنع في القرن العشرين». # 4 # مثل سيرجي بوجايف أفريكا روسيا في بينالي فينيسيا عام 1999 بتجهيز أطلق عليه «إم آي ~~آر: صنع في القرن العشرين». رأيت ذلك العمل الواعد متعدد الوسائط في نيويورك، حيث كانت ~~أرضية المعرض وجدرانه مغطاة ببلاط قصديري يحمل صورا دعائية للحياة أيام الاتحاد ~~السوفييتي، وقد طبعت أيضا لتبدو وكأنها قديمة من عشرات السنين. كانت الأرضية المعدنية ~~تنبعج عند السير فوقها، وكانت الصور الفوتوغرافية تحمل سمة الرسومات الطفولية الموجودة ~~فوق علب البسكويت، وفي منتصف الغرفة توجد كرة معدنية ضخمة تحوي داخلها مقطع فيديو لرجل ~~مقيد بجهاز كهربائي يصرخ ويعض على رباط في ألم. بدا الفيلم أنه مقطع فيديو مكتشف، لكن ~~يمكن تزييفه. كانت ردة فعلي المباشرة على العمل الفني - لأنه في معرض تجاري - أن ظننت ~~أن مقطع الفيديو هو مقطع أدائي، إلا أن الفيديو في حقيقة الأمر نسخ من فيلم وثائقي عن ~~شخص أجبر على خوض علاج بالصدمة الكهربائية، وما كنا نشاهده - نحن جمهورا كيسا نحمل ~~كئوس الخمر بين أيدينا - كان مشهدا حقيقيا لتدمير العقل. سعت قطعة أفريكا الفنية ~~إلى الجمع بين الصدمة النفسية والاجتماعية، في سبيل إماطة اللثام عن القمع المؤلم ~~والوحشي الذي ينطوي عليه النظام الذي صور نفسه بالسماح والبطولة في صوره ~~الفوتوغرافية، وطرح تلك الأوصاف القديمة والحنينية ربما أمام تدمير الذاكرة. # صنع أفريكا بعد ذلك عملا، كان مثارا لجدل أوسع، مستوحى من فيلم وثائقي عن ذبح دورية ~~روسية على يد متمردين شيشان. إن المثالين السابقين يدلان على أهمية فن ما بعد الاتحاد ~~السوفييتي الواقعي في الساحة الفنية الغربية، ربما تجلى في الصور الفوتوغرافية ~~والأفلام، مع تلاشي كافة دروس ما بعد الحداثة القديمة عن التمثيل من الذاكرة، لكن مع ~~ذلك اعتبرت أنها واقعية. وربما نراه في أداء معبر، كما في المشهد الأدائي «الكلب» ~~لأوليغ كوليك، والذي ينقض فيه الفنان العاري على الجمهور محاولا عضهم، وكأنه إنسان ms029 ~~تحول إلى كلب، في تمثيل واقعي على ما يبدو لخسة الروس وانحطاطهم. # إن انجذاب الجمهور الغربي لمثل هذه الأعمال الفنية واضح وضوح الشمس؛ فهي مزيج مدهش من ~~الرأسمالية المزدهرة (بارونات لصوص ومدعين، أو - بعبارة أخرى - محتالين وقتلة على نطاق ~~واسع)، ومن المولد المفاجئ لعالم ثالث أوروبي أبيض، ومن قصة انهيار إمبراطورية «فاسدة» ~~وعدو منهزم (قصة ممتعة لليبراليين والمحافظين على حد سواء)، ومن أيديولوجية أضحت جزءا ~~من الماضي. إن الروسنة التي تنطوي الآن على كل هذا، تظهر على أفضل نحو عندما تعرض على ~~الملأ. # لكن ما قد يصعب على الجمهور الغربي استيعابه هو كيف أن تلك الأعمال الفنية لا تصور ~~بالضرورة الاختلاف الغريب للروح السلافية، أو حتى التاريخ السوفييتي، لكنها تشير ~~بالأحرى إلى الحاضر الرأسمالي. إن عمل ميخايلوف الفني هو عن نتائج الرأسمالية الجامحة ~~التي أضحى فيها كل شيء للبيع ليس إلا، وعمل كوليك «الكلب» هو بالتأكيد نسخة محدثة لقصة ~~بولجاكوف «قلب كلب»، والتي يخضع فيها كلب لعملية جراحية بحيث يأخذ هيئة بشرية، وينجح في ~~العيش بفضل غرائزه الأساسية في المجتمع السوفييتي في عشرينيات القرن العشرين. إلا أن ~~المجتمع الذي تفحصه بولجاكوف تفحصا دقيقا كان يمر بتراجع منهجي من محاولة لإثارة ~~شيوعية ثورية كلية، وكان يستخدم معايير السوق الحرة لتحفيز الاقتصاد مؤقتا؛ إذ ظهرت في ~~فترة «السياسة الاقتصادية الجديدة» طبقة من الأثرياء الجدد ممن يتباهون بثرواتهم التي ~~اكتسبوها بطرق مشبوهة في الغالب. بعبارة أخرى، كان صورة أكثر اعتدالا لروسيا ~~اليوم. # على النقيض من ذلك اضطرت الاقتصاديات الديمقراطية الاشتراكية الفاعلة للدول ~~الإسكندنافية فجأة إلى أن تسلك اتجاها نيوليبراليا خلال التسعينيات عن طريق إلغاء ~~تنظيم الأسواق المالية والتخلي عن ضوابط سوق صرف العملات. ساءت الأوضاع أكثر مع ركود ~~أوائل التسعينيات، وهو الأمر الذي أجبر الحكومات الإسكندنافية جزئيا على تفكيك ~~البرامج الاجتماعية الخاصة بالصحة والرعاية الاجتماعية، والتي طالما اعتبرها المواطنون ~~أمرا مسلما به. ارتفعت البطالة - التي كانت شيئا مستجدا غير مرحب به - مع انهيار ~~النشاط التصنيعي. بدأت الهجرة الجماعية في تغيير ما كان في ms030 السابق مجتمعات منغلقة ~~ومتجانسة تماما. # كانت الحداثة والديمقراطية الاشتراكية في الدول الإسكندنافية، كما في غيرها، مرتبطتين ~~بقوة. ومثلما تخطت الديمقراطية الاشتراكية على مدى طويل القوى النيوليبرالية واليمينية ~~والتي ألقت بظلالها على كثير من باقي دول العالم منذ أواخر السبعينيات فصاعدا، نجحت ~~حداثة بنيوية ونقية في البقاء على الساحة الفنية الإسكندنافية. أدى الركود وتبعاته إلى ~~تحول في دور الفن من التصميم المنفعي وتأسيس مشروعات بنيوية مثالية إلى النقد الصريح. ~~قدمت الحكومات الديمقراطية الاشتراكية الدعم المالي للفنون، وجعلت الفنانين أشخاصا ~~مطلعين ذوي نفوذ، بطريقة من الصعب إنكارها، مثلما فعل الكثير في بلدان أخرى. استمر ~~هذا التوجه حتى في الفترات النيوليبرالية، حتى مع شروع الفنانين في أعمال معادية ~~للمجتمع. ضمت مجموعة من كتابات الفنانين الإسكندنافيين - حملت العنوان اللاذع «كلنا ~~عاديون (ونريد حريتنا)» - فقرة عبرت عن الأمر جيدا: «يبدو أن الفنان يؤدي دور المؤشر ~~على قدر الحرية في المجتمع الإسكندنافي، وبقدر رفض الفنان للمجتمع - كما هو الدور ~~التقليدي للفنان - يتأكد هذا الدور.» # إن ذلك النقد، الذي تطلبه النظام الجديد، يتوافق عن كثب مع الخطاب الليبرالي الذي ~~صاحب النيوليبرالية. لا تحقق المقاومة المحلية أو القومية للاقتصاد والمجتمع ~~النيوليبرالي سوى القليل من التعبير الثقافي في المجال الفني العالمي، وهذا من شأنه ~~زيادة الشكوك حول احتمال أن الفن قد لعب دورا (ثانويا على نحو لا يمكن إنكاره) في ~~الدعاية، ليس لسياسات الهوية فحسب، بل أيضا للنيوليبرالية نفسها. # إن تصادم تلك المجتمعات التي تتمتع بقدر وافر من الحماية مع القوى الاقتصادية القاسية ~~أثمر عن فيض لامع ومتنوع من الجزيئات الثقافية التي لم تر من قبل، ونتيجة لذلك، وصل ~~الفن الإسكندنافي المعاصر إلى محور الاهتمام العالمي، جنبا إلى جنب مع الموسيقى ~~والسينما الإسكندنافية. انعكست تبعات الوضع الجديد بوضوح في معرض «حرية التنظيم: الفن ~~الإسكندنافي في التسعينيات» عام 2000، كما ذكر ديفيد إليوت - مشرف المعرض - في الدليل ~~الخاص بالمعرض، أن هؤلاء الفنانين «يبدو أنهم غاضبون للغاية» حيال شيء ما، ولديهم ~~مشكلات مع المعمار العقلاني، والأحلام اليوتوبية، والمثالية، والهندسة الاجتماعية (من ~~بين ms031 أشياء أخرى). استخدم جاكوب كولدينج الأشكال النيوية في تجميعات الصور الخاصة به، ~~واضعا رؤى قديمة وراديكالية عن فقدان الاتجاه الشديد (كما يمكن أن نراها في أعمال ~~الطليعيين الثوريين الروس) أمام التخطيط المجتمعي والمعمار المنظم على نحو رفيع اللذين ~~كانا نتاجها الإسكندنافي. ترعرع كولدينج في أحد أحياء كوبنهاجن النموذجية والذي كانت ~~الشوارع فيه آمنة للمشاة، والمحال التجارية والمدارس ورياض الأطفال والعيادات الطبية في ~~المتناول. وهذا، كما لنا أن نفترض، هو مصير مروع، ومما لا شك فيه أنه كان كذلك حتى ~~أغلقت تلك المرافق. # إن «الإنسان» الحداثي العالمي صاحب الاحتياجات الأساسية تمزق إلى شظايا من المصالح ~~المتنافسة والهويات العدوانية. صورت ميريام باكستروم التصميمات الداخلية للمعرض بمتحف ~~شركة إيكيا: سلسلة من المساحات الضيقة والعقيمة. إن شركة إيكيا لها مهمة حداثية تنادي ~~بالمساواة بين البشر والديمقراطية، وهي التطوير العقلاني والاقتصادي والتدريجي للمساحة ~~الداخلية. وترى باكستروم، شأنها شأن باقي الفنانين الإسكندنافيين المعاصرين، أثر ~~الحداثة باعتباره شيئا يثير رهاب الاحتجاز. من السهل تخيل السكان المثاليين الغائبين ~~لتلك المساحات الداخلية، شخصيات راضية متأنية وعقلانية تجلس في المنزل في تجانس. على ~~النقيض من ذلك، يفضح الفنانون خبايا تلك الثقافة العقلانية باستمتاع، ويسلطون الضوء على ~~المشكلات المحيطة بدخول المهاجرين من ثقافات أخرى، ويحتفون بمزاعم العناصر الكثيرة ~~لسياسات الهوية. سافر بيارن ميلجارد - وهو فنان يتناول في أعماله المثلية الجنسية - في ~~رحلة إلى تاهيتي، وما إن وصل إلى هناك حتى استمنى فوق قبر جوجان. إن شبح الحداثة يطارد ~~الدول الإسكندنافية (لم يمر سوى وقت قليل على جنازتها) ويطلب طرد الأرواح الشريرة ~~باستمرار، ولا يزال الكثير من الفنانين منشغلين بدق غطاء التابوت. # مع ذلك، إن الدرب الذي تسير فيه هذه الديمقراطيات الاشتراكية واضح للغاية، بالنظر إلى ~~ظروف الحياة الديمقراطية بمناطق أخرى. يفحص مشروع مانس رانجي «المواطن العادي» الظروف ~~الجديدة التي تحولت فيها السلطة من عامة مشكلة سياسيا إلى أولئك الأشخاص الذين ~~يتلاعبون بالرأي العام والعملية السياسية باحتراف. يتناول المشروع مفهوم المواطن العادي ~~كما شكلته حالة الرفاهية الاجتماعية بالسويد، وبعد أن عين مواطنة ms032 عادية حسب ~~الإحصائيات واستجوبها عن آرائها السياسية مستخدما أدوات احترافية من ضمنها أفراد ~~جماعات الضغط السياسي لتطوير اهتماماتها، وصلت آراؤها إلى عامة الناس في الخطب السياسية ~~ووسائل الإعلام الجماهيرية. واستخدمت الاقتراعات لاختبار فاعلية هذه الاستراتيجيات، ~~وقد حدثت أكثر التدخلات فاعلية عندما ذكرت آراء المواطنة على لسان إحدى الشخصيات ~~بمسلسل تلفزيوني شهير. إن هذا العمل الممتع على نحو لاذع يضع التغير في الحياة العامة ~~محل دراسة، متهكما على كل من التشبث القديم بالوسيلة الإنسانية، وفساد النظام ~~الجديد، هذا إضافة إلى إيحائه بأن تشظي الكيان الاجتماعي تحت وطأة ضغوط الركود ~~الاقتصادي والاختلاف الثقافي لعب دورا في فتح السياسة أمام تلاعب المجموعات المتنافسة، ~~والتي تكون أقواها هي أثراها. # يطلعنا ديفيد ماكنيل في مقالة رائعة عن الفن والعولمة، على حادثة شهيرة بمعرض ~~«الإنتربول» الذي أقيم في ستوكهولم عام 1996، والذي جمع شباب الفنانين من السويد وروسيا ~~ممن كان مفترضا بهم أن يتعاونوا معا. ومع تطور المعرض، أضيف فنانون من دول مختلفة، ~~وصنع الفنان الصيني جو ويندا، دون الإشارة إلى أي فنان آخر، بجهد جهيد نفقا من الشعر ~~الآدمي المجدول. وعند افتتاح المعرض، مزق ألكسندر برينر - وهو فنان أدائي روسي - ~~النفق تمزيقا بمنجل. استدعيت الشرطة وألقي القبض على كوليك وهو متقمص دور الكلب ~~وحاول عض طفل، لكن برينر لاذ بالفرار، في حين أن جو ويندا اعتبر تدمير عمله إحباطا ~~مستوحى من الحركة الدادية، وهو سلوك نمطي لروسيا المتردية والفوضوية، فما أثار ثائرة ~~برينر ليس فقط ما اعتبره معاملة سيئة لبعثة أوروبا الشرقية على يد المشرفين الغربيين، ~~لكن أيضا إضعاف الفكرة الأصلية للمعرض وتحويله إلى تجمع عالمي نمطي لإبداء مشاعر ~~المحبة والصداقة. ما يلي تصريحه الخاص حول فعلته: # في اليوم التالي عقد مؤتمر صحفي لقبت فيه بالفاشي، كلا يا أعزائي، لا ~~أوافقكم الرأي. في هذا المعرض كنت الشخص الديمقراطي الوحيد الذي أعلن صراحة ~~موقفه وأظهر خلافه مع المنظمين. إنها الديمقراطية الراديكالية على أرض الواقع! ~~المحاكاة والابتذال النيوليبرالي تحديدا! # كوبا والصين # إن الفن القادم من الأمم الشيوعية في ms033 عصر النظام العالمي الجديد له جاذبية مختلفة عن ~~ذلك الخاص بالدول التي مرت بالتحول من الشيوعية مثل روسيا. نجحت كل من كوبا والصين ~~حتى الآن في البقاء في ظل النظام العالمي الجديد بطرق مختلفة للغاية دائما. خرج من كلا ~~البلدين أنماط معقدة ومختلفة من الفن، ولا يسعني هنا سوى التحدث بإيجاز عن بعض الأمثلة ~~القليلة التي حققت نجاحا على المستوى العالمي. # بدأت أعمال متنوعة ابتعدت عن مبادئ الواقعية الاشتراكية في الظهور في الصين في أعقاب ~~نهاية الثورة الثقافية؛ ارتبط بعضها بالموضوعات الدينية، فيما أثارت أخرى النزعة ~~الإنسانية الماركسية، والبعض الآخر (منذ أواخر الثمانينيات فصاعدا) تناول الثقافة ~~الاستهلاكية الجديدة سريعة النمو. تحول الاهتمام العالمي نحو الفن الصيني على المدى ~~القصير نتيجة لمذبحة المنشقين عن النظام في ميدان السلام السماوي في يونيو عام 1989، ~~والتي أدت إلى التركيز على الفنانين الذين يمكن فهم أعمالهم على أنها معارضة. عزز ~~الاهتمام العالمي طويل الأمد الظهور الفائق للأسواق المنظمة في الصين والتوليد ~~السريع للثروات الهائلة وانعدام المساواة، هذا إلى جانب وجود تحسن متوسط ملحوظ في ~~مستويات المعيشة لمعظم أفراد الشعب، ونشأة مجموعة واسعة من المستهلكين (على النقيض من ~~روسيا). # حدد جاو مينجلو النزعات الفنية التي ~~أعقبت هذه التغيرات المثيرة، وأشار إلى أنه بحلول عام 1988، مع تسارع وتيرة التطور ~~الرأسمالي في الصين، اتجه الفنانون (من ضمنهم وانج جوانجي) ممن أبدوا اهتماما ~~بالموضوعات الإنسانية والروحانية الجليلة إلى نسيانها لصالح نقد اجتماعي أكثر صراحة. ~~دعا وانج إلى وضع حد للحماسة للحركة الإنسانية، موضحا أن الفن ما وجد إلا ليحقق ~~النجاح في عالم الإعلام وفي السوق فقط. تجلى أحد العناصر المهمة في هذا التوجه الجديد ~~في العودة إلى تمثيل ماو، لكن على نحو معدل ليتناسب والمناخ الثقافي والسياسي الجديد ~~جيدا؛ فظهر تمثيل لماو من عدسة الفن الشعبي، في صورة رديئة ومزعجة في الوقت ~~نفسه. # مما لا شك فيه أن وضع كوبا مختلف للغاية، بحكم أنها جزيرة صغيرة تقع بالقرب من ~~الولايات المتحدة المعادية التي تستمر في فرض الحظر التجاري عليها، ms034 بل وتزيد من وطأته، ~~وتهدد بما هو أسوأ. إن العلاقات مع أفراد الشعب الكوبي المنفي مضطربة وخطيرة أيضا؛ فقد ~~تلقى خيراردو موسكيرا - وهو مشرف معارض ومؤرخ وناقد مشهور لفن أمريكا اللاتينية - ~~دعوة للتحدث في مركز ميامي للفنون الجميلة عام 1996 لكن سحبت الدعوة؛ وذلك نظرا ~~لحقيقة أنه يقيم في كوبا، وهذا يجعله غير مرغوب فيه لدى الجمهور المحتمل، كذلك تعرض ~~المتحف الكوبي للفن والثقافة في ميامي للتفجير مرتين لعرضه لفنانين كوبيين مقيمين فيها. ~~لكن من ناحية أخرى، تتوافق كوبا توافقا جيدا مع الوضع المعولم الجديد نتيجة لمزيجها ~~الثقافي والعرقي، والتكوين المتناغم نسبيا من العناصر الأفريقية والأوروبية ~~والأمريكية. # كانت ردة الفعل الأولى لنظام الحكم جراء انهيار شيوعية أوروبا الشرقية، والتوقف ~~المفاجئ للإعانات السوفييتية، قمع الحرية الفنية؛ إذ أغلقت المعارض الطليعية، وأقيل ~~الوزير الذي أجازها، وسجن أنجيل ديلجادو الذي تغوط علانية على نسخة من صحيفة الحزب ~~الشيوعي الرسمية «جرانما». وردا على ذلك، هاجر في أوائل التسعينيات معظم الفنانين ~~الطليعيين الذين ظهروا في الثمانينيات. # منذ ذلك الحين - كما يروي موسكيرا - صب التركيز الدولي على حقوق الإنسان المقترن ~~بانتعاش اقتصاد السوق والبحث عن الاستثمار الأجنبي في صالح الانفتاح الثقافي. كان جيل ~~التسعينيات من الفنانين الكوبيين الناجحين هو الجيل الأول الذي ظل في كوبا بعد أن سمح ~~لهم بالسفر، والأهم من ذلك، بيع أعمالهم بالدولار؛ مما مكن العديد منهم من التمتع بحياة ~~كريمة للغاية. كذلك أجيز النقد المخفف والمتفق عليه، وأحيانا ما كانت الأعمال تناقش ~~مع المراقبين. كتب موسكيرا: «تكمن الخطورة في أن هذا العنصر الحيوي ربما يصير نمطيا ~~باعتباره ميزة جذابة للتصدير. لقد أصبح النقد السياسي ميزة بيع مغرية لهواة الجمع ~~والمعارض الأجنبية.» # لا تزال وسائل الإعلام الجماهيرية تخضع للرقابة في كوبا، بيد أن الفنانين مباحة لهم ~~حرية محدودة لانتقاد نظام الحكم، وهذه محاولة تشكيل قانونية للبنى الفعلية في الغرب ~~التي تكفل تعزيز وسائل الإعلام الجماهيرية للتوجه السياسي السائد (لطالما كان ذلك موضوع ~~تحليل لنعوم تشومسكي)، وكما في كوبا فإن الفن السياسي الراديكالي هو ms035 الأعلى احتمالا أن ~~يعرض في البيناليات. # في كل من كوبا والصين، أنتج الفن الترويجي لمزيج ~~الرأسمالية-الشيوعية، ويمكن للمرء مقارنة ~~أعمال وانج جوانجي وخوسيه آنخيل تويراك اللذين صنعا صورا لماو وكاسترو على التوالي، ~~تتداخل فيها مواد إعلانية تجارية. # شكل 2-5: خوسيه آنخيل تويراك، «أوبسيشن»، من سلسلة «أوقات جديدة». # 5 # ظهرت صورة كاسترو في تمثيلات الفن الشعبي، شأنه شأن ماو في الصين، فقد أظهر خوسيه ~~آنخيل تويراك كاسترو في إعلان عطر أوبسيشن (هاجس) من كالفن كلاين، ويقصد بالهاجس هنا ~~إصرار الولايات المتحدة على إبعاده. كذلك عندما ظهر كاسترو وهو يدخن سيجارة ويمتطي ~~فرسا في إعلان مارلبورو من تصميم تويراك، أصبح من الجلي أي مغزى يرمز إليه عنوان ~~السلسلة «أوقات جديدة». كما أعاد تقديم صور وثائقية شهيرة للثورة مستعينا بأصدقائه، ~~مؤكدا على السمة البلاغية للصورة الأصلية. # إن أوجه التشابه هذه لا ينبغي أن تثير الدهشة؛ إذ إن الحكومتين الصينية والكوبية ~~أرختا قبضتيهما على اقتصاد البلاد، وأجازتا المشروعات الخاصة المحدودة، وكان عليهما ~~بالضرورة تغيير لغة الخطاب في غضون ذلك؛ مما سمح بتسلل نماذج متنافسة للدعاية التجارية ~~إلى الساحة؛ لذا انهالت دعاية الحكومة ودعاية المؤسسات التجارية على كلا الشعبين، تسعى ~~كل واحدة جاهدة لإقناع الشعب بتفرد منتجاتها. أما في الغرب، فتمثل هذه الأعمال على ~~نحو جميل دور سجلات تشهد على تضاؤل عدوين بعثا في السابق على الخوف وأيديولوجيات إلى ~~صورة فحسب، وكذا أمثلة على الاختلاط الثقافي. إن الموقف المطمئن تجاه الشيوعية الموجودة ~~فعليا سمح بإدماج رموزها داخل الثقافة المعاصرة دون أدنى خوف من خطر يعدو ظهور وجه ~~تشي جيفارا على تي شيرت. # شكل 2-6: وانج جوانجي، «سلسلة الرأسمالية العظمى: كوكا كولا». # 6 # ثمة تشابهات أخرى. فقد وصف الناقد لي شاينتينج الطليعيين الجدد بأنهم «معادون ~~للعقلانية والمثالية، مناهضون للميتافيزيقا والبطولة»، وبالتالي باعتبارهم بعد حداثيين. ~~بالمثل في كوبا، يقتبس يوخينيو فالديز فيجيروا عبارة على غرار البيانات الرسمية لمعرض ~~فني بديل بهافانا - إسباسيو أجلوتينادور: # احتمالات الخطأ لا نهائية. # إذا كان هناك شيء يتجنبه معرض «أجلوتنادور» تجنبا تاما فهو ms036 الاتساق، «صلاح» الضمير ~~المثير للضجر والاشمئزاز. # إن أعمالا مثل طائرات الفنان تاتلين ~~الشراعية ولكن بجسد أنثى من تصميم تانيا بروجيرا - والتي تقدم البنيوية الروسية بمواد ~~رقيقة وشفافة - هي نموذج على هذا النفور من الترابط؛ فهي تأتي بمجموعتين من المصطلحات ~~المتقابلة داخل شكل نحتي واحد، مزجت فيه الذكوري مع الأنثوي، والهندسة مع الحياكة، ~~والبناء اليوتوبي مع البناء العشوائي في مجسم صغير ينعكس على نحو بارز على كل مجموعة من ~~المصطلحات. وكما المألوف في عالم الفن المعاصر، يخلو العمل من أي تركيب أو وضوح. # في كلا البلدين، تعبر الأعمال الفنية الأكثر نجاحا بالمحافل العالمية صراحة عن ~~الطبيعة الصينية أو الكوبية أمام الجمهور الغربي، ومع الإنتاج الفني الكوبي الأكثر ~~شهرة، على سبيل المثال في أعمال كاتشو ولوس كاربينتيروس، ثمة عنصر قوي للإنتاج منخفض ~~التكنولوجيا، والابتكار الإبداعي بمواد مجمعة ببطء وعناية، واستخدام المهارات اليدوية ~~القديمة، ومن المؤكد أن جزءا من هذا الأمر من منطلق الضرورة، لكنه أيضا تلبية لتوقعات ~~الغرب عن كوبا. ويستخدم اثنان من بين أكثر مصدري الأعمال الفنية الصينية فاعلية - جو ~~ويندا وشو بينج (يقيم كلاهما الآن في الولايات المتحدة) - فن الخط الصيني كوسيلة ~~رئيسية للتعبير. بصورة أشمل، إن معايير الاندماج واضحة للغاية؛ إذ يجب أن يعكس العمل ~~الفني الأحوال الصينية المعروفة جيدا والتي تمثل محور اهتمام لدى الغرب، على غرار ~~القمع السياسي والنمو الاقتصادي والنزعة الاستهلاكية، وإخضاع المرأة، وتحديد حجم ~~الأسرة. إن هذه الشئون «الصينية» بشكل واضح يجب أن يجري التعبير عنها في أساليب غربية ~~معاصرة مميزة لإنتاج عمل مهجن بوضوح. # اتضح هذا الأمر لي بجلاء حال رؤيتي ~~مجموعة أعمال منتقاة من «المعرض القومي الصيني التاسع للفنون» في هونج كونج عام 2002. ~~كان قسم اللوحات الزيتية بهذا المعرض عبارة عن عرض كبير وهائل لرسومات اشتراكية-واقعية ~~للحياة الصينية المعاصرة، مرسومة بمجموعة واسعة من الأنماط، وغالبا ما كانت بارعة على ~~المستوى التقني للغاية. بعض الأعمال، مثل لوحة وانج هونججيان الحزينة عن العمال ~~المهاجرين المنتظرين لوسيلة نقل إلى الوطن في ضوء القمر، عبرت مباشرة وببراعة ms037 عن ~~تجارب الناس في مجتمع يتغير سريعا. وأعمال أخرى، على غرار لوحة جين يي عن أناس ريفيين ~~يبتسمون في ضوء الشمس، بدت (من وجهة نظري) رديئة بصورة يائسة؛ فالعنوان «أرواح بسيطة ~~تبرق تحت الشمس» ليس بعنوان يستطيع المرء أن يتجنب التهكم عليه في لندن أو نيويورك. ~~نتيجة لنقص المراجع الغربية المطلوبة (كان هناك العديد حقيقة، لكن لأنماط أقدم، من ~~ضمنها الفن الانطباعي) وظهور انعدام الجدوى لأن جميعها له وظيفة دعائية، كانت تلك ~~الأعمال مختلفة على نحو حقيقي عن الإنتاج الغربي، ومن ثم غير مرئية لنظام الفن ~~العالمي. # على النقيض من ذلك، بإمكاننا فحص نموذجين ناجحين على المستوى العالمي: شو بينج من ~~الصين، وكاتشو من كوبا، واللذين تمثل أعمالهما ما هو منشود في مثل هذا الفن. اكتسب شو ~~بينج - وهو عنصر رئيسي في البيناليات - شهرته بعد أن قدم عملا في معرض بكين عام 1988 ~~بعنوان «كتاب من السماء». # شكل 2-7: شو بينج، «كتاب من السماء». # 7 # كان هذا العمل - على غير العادة - عملا تصنيعيا كثيف العمالة من 1250 حرفا ~~مبتكرا، مستوحى من عناصر الصور الرمزية الصينية لكنها لا تعني شيئا. استخدمت تلك ~~الحروف في صنع تجهيزات لكتب ولفائف ضخمة وهائلة، تبدو للقراء الصينيين على أنها أجزاء ~~عظيمة لنص ذي معنى، لكن جمعيها تتعذر قراءته بشكل معقول. إن هذا العمل مشروع متواصل، ~~يتغير مع تجهيزه في أماكن مختلفة، ويتبنى تكنولوجيا الحاسب الآلي، وينتج كتبا لهواة ~~جمع التحف. أثار العمل جدلا واسعا للغاية في الصين، حيث تعرض للهجوم والدفاع في آن ~~واحد، وأصبح مرتبطا بوضع الإنتاج الطليعي تحت الضغط من قبل السلطات في أعقاب مذبحة ~~ميدان السلام السماوي. وقد قال ستانلي كيه آبي - على لسان شو بينج نفسه - عن الاستقبال ~~الجماهيري الصاخب للعمل، الذي تلا فترة ~~طويلة من العزلة كان يصنع خلالها العمل: # إن تقديم عمل المرء إلى المجتمع يشبه تماما توجيه حيوانات حية إلى المذبح، ~~لم يعد العمل ينتمي إلي؛ فقد أصبح ملكية للناس كافة ممن مسوه، فهو الآن شيء ~~مادي وقذر. ms038 # في مقال جدير بالذكر، خطط آبي القراءات المختلفة لعمل «كتاب من السماء»، وما إن عرض ~~العمل خارج الصين حتى تغير تغيرا عميقا، فلم يحاول أغلب الجمهور الجديد قراءة الحروف ~~أو استشعار ألفتها الغريبة. وعندما عرض العمل في الولايات المتحدة، لم يشاهد إلا من ~~منظور مذبحة ميدان السلام السماوي، بوصفه رمزا للخير (التعبير الفردي) مقابل الشر ~~(الاستبداد الشرقي). لم يوافق شو بينج على هذه التفسيرات لكنه لم يرفضها أيضا. على أية ~~حال، لما كانت التفسيرات تتسع مع الانشغال بقضية ميدان السلام السماوي، فإنه فسر على ~~نحو مطلق ووحيد على أنه انتقاد للتقاليد والمؤسسات والتاريخ الصيني، ولم يفسر أبدا - ~~على سبيل المثال - على أنه تعليق عام على المعنى في حد ذاته. # عبر جاو مينجلو عن مسألة التفسير الخاطئ بقوة، عندما كتب عن إفساح النشاط الطليعي ~~النقدي المجال إلى: # نشاط طليعي جديد براجماتي يسعى جاهدا إلى تخطي المستوى المحلي لصالح القبول ~~على الساحة الدولية. إن هذا التحول هو إلى حد بعيد ثمرة الضغوط الخارجية التي ~~أعقبت الحرب الباردة، لكن ثمة نزعة مثابرة في الغرب لتجاهل هذا التحول وتفسير ~~الفن الصيني المعاصر من المنظور الأيديولوجي للحرب الباردة. # يستمر مينجلو في التأكيد بالقدر نفسه بأن ما يسمى «بالفن الطليعي» متواطئ مع ترويج ~~الثقافة الاستهلاكية في الصين (فالانجذاب إلى الفن الشعبي ليس بمصادفة إذن)، وبأن ما قد ~~يبدو طليعيا عندما نراه من خارج الصين ربما يبدو رجعيا عندما نراه من الداخل. ينافس ~~هذا الفن المطلوب على المستوى العالمي فنا يطلق عليه جاو «فن الشقق السكنية»، ~~ويعرض في أماكن خاصة أو في الشارع، ويتألف من أعمال مؤقتة وغير قابلة للبيع. مثال على ~~ذلك الجدار الثلجي الفذ الذي صنعه وانج جين أمام أحد مراكز التسوق الرئيسية بمدينة ~~تشينجتشو عام 1996، كان مطمورا داخل الجدار الثلجي أغراض استهلاكية ثمينة لجأ العامة ~~إلى استخراجها بحفر الثلج كيفما استطاعوا، وفي النهاية دمروا الجدار. # شكل 2-8: كاتشو، «الحديث عما هو بين لم يكن متعة لنا قط». # 8 # يصنع كاتشو قطعا نحتية، أغلبها من ms039 الخشب، تتألف على نحو نمطي من عناصر تذكرنا بهياكل ~~القوارب الصغيرة. حقق كاتشو نجاحا سريعا للغاية بعد أن عرض أعماله في بينالي هافانا ~~عام 1994 وبينالي كوانج جو في العام التالي. ظفر بعقد مع معرض بارز بنيويورك - باربرا ~~جلادستون - واشترى متحف الفن الحديث منحوتة ضخمة - «العمود اللانهائي 1» - في العام ~~الذي صنعها فيه، عام 1996. كانت هذه القطعة أحد هياكل القوارب البديلة لدى كاتشو، ~~مقرونة بالنحت مع إشارات للحداثة الأوروبية (في هذا الحالة، منحوتة برانكوزي «عمود لا ~~نهاية له» التي صنعها عام 1938)، والتي تشير بوضوح إلى المحاولات المفجعة للهجرة ~~الجماعية للكوبيين بعد إعلان الولايات المتحدة بأن جميع الأفراد الذين نجحوا في الوصول ~~إلى شواطئها سيتم قبولهم بوصفهم مواطنين. وكما في حالة شو بينج، موضوع قومي على نحو ~~واضح يقدم بمهارة فنان، ومؤطر داخل نسق فني معاصر مقبول. # إن جزءا كبيرا من هذه الأعمال الفنية، رغم اعتمادها على صدى القضايا السياسية، لا ~~يتبنى أي موقف، ويتميز بالسياسة التهكمية أو الصامتة. حاولت كوكو فوسكو في مقالة لمجلة ~~«فريز» الفنية الرائعة للغاية (وأعادت طبعها في كتابها «الأجساد التي لم تكن أجسادنا»)، ~~فهم عمل كاتشو من منظور سياسي، لا سيما بفحص استخدامها من قبل السلطات في بينالي ~~هافانا. أمام مثل هذه الجرأة في تحليل عمل محبوب جديد للسوق تلقت كوكو تهديدات، واضطرت ~~المجلة إلى التعامل مع شكاوى من موزعي أعمال كاتشو. يعبر هذا الحدث كثيرا عن مستوى ~~الكتابة الفنية في هذه المجلات - والقدر الذي يضمن به الموزعون ذوو النفوذ والمؤسسات ~~الفنية المؤثرة «النقد» الخانع - لدرجة أن مثل هذا المقال ينبغي أن يبرز كحالة ~~استثنائية بدرجة كبيرة في المشهد النقدي. ثمة حاجة ضئيلة بوجه عام للتهديدات والشكاوى، ~~بالطبع؛ لأن أغلب الكتاب يراقبون أنفسهم. كما تشير المجلة الفنية الصفراء - ~~«كواجيلا» - فإن هذا على وجه التحديد سلوك مثير للشفقة من جانب الكتاب لأنهم (مع ~~استثناءات قليلة للغاية) يكسبون مالا زهيدا من ذلك. # في الفن العالمي المتميز، تستعرض الهويات من أجل ترفيه المشاهدين الدوليين. إن ملامح ~~التمازج الثقافي والتهكم والعرض ms040 الصريح للهوية أمور تبعث على الراحة لدى المشاهد الغربي ~~الذي لا يشعر بالطمأنينة لفكرة الاختلاف إلا إذا لم يكن هو الآخر في واقع الأمر (كما ~~يؤكد على نحو جدلي سلافوج زيزك). أجملت فوسكو النتائج جيدا: إن العولمة غيرت المجال ~~الفني، جنبا إلى جنب مع إدارة الاختلاف الثقافي والعرقي، بحيث يتبع نموذج الدولانية ~~المشتركة. إن الشهرة في عالم الثقافة ليست بضمان على النفوذ السياسي، والخصخصة ~~المتزايدة للمتاحف والمعارض تدمر الأثر الذي ربما تدفق من تلك الشهرة في السابق. ~~عوضا عن ذلك، جرى تطبيع التنوع فيما ابتعد عن المحتوى النقدي له. يمكننا إيضاح هذه ~~النقطة حرفيا أكثر بالنظر إلى هجرة الفنانين أنفسهم؛ فربما تكون أصولهم متنوعة، لكن ~~الكثير منهم - وبالطبع ليس أولئك الذين فروا من دول بها رقابة قانونية فحسب - انتهى بهم ~~المطاف بالعيش في نيويورك، مركز الفنون العظيم. من ثم أفرز التعدد التجانس، مع مواجهة ~~الجميع لإقرار السوق. # بيد أن جزءا كبيرا من هذا الفن - على جاذبيته المريبة في الغرب - يعبر بالفعل عن ~~أشياء رائعة، وينجح على مستوى الحدة والارتباط بدرجة نادرا ما نجدها في المجتمعات ~~المستقرة والرغدة. أكد فريدريك جيمسون على نحو مقنع عندما كتب عن النظرية، على أن أكثر ~~الأعمال النظامية تنتج في ظروف يواجه فيها المفكرون أقصى التناقضات في المشهد؛ نظرا ~~لتطور متحد وغير متجانس، وكأنهم عاشوا في بيئة يتسنى فيها الانتقال من حقبة تاريخية إلى ~~أخرى. ربما يرفع المزارعون في حقول الأرز ناظرهم نحو السماء ليلمحوا جارهم الجديد، ~~بناية شاهقة الارتفاع ما بعد حداثية الطراز. هذا الأمر - على حد زعم جيمسون - يعزز ~~التفكير النظامي والإجمالي عن التغير التاريخي. في الفن، لا توجد توقعات حيال مثل هذه ~~الصفات النظامية، لكن هذه الظروف لها تأثير بالفعل، لا سيما في التفكير فيما وراء ~~الانتشار الواسع للثقافة الاستهلاكية. بالمثل، ربما يمكن للمرء أن يتوقع إنتاج الأعمال ~~الفنية الأكثر ضحالة وتفككا وانهزامية في الاقتصاديات النيوليبرالية الأثرى والأقدم، ~~وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وبالطبع - كما سنرى في الفصل ~~القادم - هو كذلك ms041 بالفعل. # ما فحصناه بإيجاز هنا ليس النسق الكامل للإنتاج الفني العالمي الذي يتسم بالتنوع ~~الشديد وينتج لظروف محلية كثيرة معقدة ومختلفة، لكن بالأحرى ما يمر عبر أداة ترشيح ~~نظام الفن العالمي ليحظى بالشهرة الدولية. ورغم أن هذا النمط من الفن يمكن إنتاجه في ~~الأغلب وفي مخيلتنا النخبة الفنية العالمية، فإن عالم الفن يفصح عما فيه؛ فرغم هيمنة ~~الولايات المتحدة وسطوة المحترفين، فإن منتجاتها الفنية لها صدى أوسع بين جمهور متنوع، ~~الكثير منهم لا يزال يتبنى المعتقد اليوتوبي بأن الفن يحمل رسالة أوسع نطاقا. من وجهة ~~نظرهم، ربما يقدم تجارب متنوعة، بل وأحيانا راديكالية. # ما تحدثت عنه بإيجاز هو فكرة أن تنوع الفن المعولم الذي كثيرا ما يشاد به ربما ~~يخفي فنا آخر، وتجانسات أجدد. ومثلما خرجت الرأسمالية كنظام عالمي من تحت عباءة خصمها ~~المنهزم بعد عام 1989، تبين، في تحولها السريع، أنها النظام الجشع العنيد الذي هي عليه، ~~ومن ثم ربما تكون الحال كذلك مع عالم الفن. إن الغاية من استخدامه كأداة في مواصلة ~~الحرب الباردة بينت ما كان قيد التطور بالفعل: وظيفته الجوهرية كداع للقيم ~~النيوليبرالية. # | هوامش # الفصل الثالث # | الثقافة الاستهلاكية # شكل 3-1: تاكاشي موراكامي، «هيروبون». # 1 # إذا كان التعبير الاقتصادي للنيوليبرالية هو عدم المساواة الأشد قسوة، والتعبير السياسي ~~لها هو رفع القيود التنظيمية والخصخصة، فإن التعبير الثقافي لها هو النزعة الاستهلاكية ~~الجامحة بلا شك. وفي حين أن «النظام العالمي الجديد» دفع الفن إلى إعادة صياغة نفسه عبر ~~عولمة عملياته، فقد خضع الفن في العالم المتقدم لضغط متزايد من شريكه وخصمه القديم: الثقافة ~~الجماهيرية. منذ السنوات الأولى للقرن العشرين على أقل تقدير، مع اختراع السينما، ~~والفونوغراف، والراديو، اجتمع الاثنان في رقصة غير متكافئة، وكانت الثقافة الجماهيرية هي ~~القائد أحيانا كثيرة. # ينزع الفنانون المعاصرون إلى تناول قضية الثقافة الاستهلاكية بافتتان وقلق، وثمة سبب وجيه ~~لكل ردة فعل منهما؛ فالافتتان سببه أن النزعة الاستهلاكية يبدو أنها تتحول إلى سمة ثقافية ~~على نحو متزايد، فاهتمامها بالبيع أو بمجرد عرض الصور والأصوات والكلمات يضاهي ms042 اهتمامها ~~بالأشياء المادية. أما القلق، فمرده إلى أن محركات هذا الإنتاج طائلة للغاية وتمول ببذخ، ~~والناتج صاخب للغاية وواسع الانتشار. وإذا كانت السلع تصير ثقافية، فما المساحة المتبقية ~~للفن إذن؟ # إنه قلق قديم، وجد في الحداثة وأيضا ما بعد الحداثة، وإن كان في أشكال مختلفة . وقف ~~فرنان ليجيه أمام المعروضات من الآلات «بمعرض باريس» عام 1924، مندهشا من الحد الذي غطت ~~فيه هذه المنتجات الخالية من العيوب على الجهود المتواضعة الخجولة للفنانين. إن الحجة ~~القائلة بأن الفن لم يعد ممكنا نظرا لأن عالم المنتجات مشبع بالجماليات هي الصورة ~~المختلفة بعد الحداثية للقلق نفسه؛ حلم حداثي بدمج الفن والحياة يبدو أنه قد تحقق، وإن كان ~~باستسلام الطرف الأضعف أكثر منه بالتوليف بينهما. # وفي حين أن قضية انفصال الفن عن الثقافة السلعية أو دمجه معها لها تاريخ طويل، إبان ~~التسعينيات كان هناك تكثيف للقوى المعنية، كثير منها سمات قديمة للرأسمالية، ساهمت في غلبة ~~الثقافة الاستهلاكية المنتصرة ليس على الفن فقط بل أيضا على كافة أنماط الإنتاج الثقافي ~~الأخرى. بدت السلع أنها تصير أقل تشابها مع الأشياء الوظيفية وأكثر تشابها مع حركات ~~ثقافية زائلة في نطاق لعبة معقدة وذاتية المرجع. انتقلت العلامات التجارية بين منتجات غير ~~متصلة، فيما دار الإعلان بين المرجع، والمرجع الذاتي، والمرجع الوصفي في التهام متسارع ~~للارتباطات الثقافية قديمها وجديدها. أما الأرباح الكبرى فقد تواصل تحقيقها ليس في مجال ~~الصناعة بل في مجال الخدمات، ومعالجة البيانات، والموارد المالية؛ وكان نجاح هذه القطاعات ~~مرتبطا إلى أبعد حد بالاقتصاديات النيوليبرالية، لا سيما في الولايات المتحدة. أما في ~~الغرب، فقد استشعر هذا التغيير في وقت مبكر منذ منتصف السبعينيات، إلا أن التسعينيات شهدت ~~انهيار النماذج البديلة، ليس فقط في أوروبا الشرقية، بل أيضا في الاقتصاديات الصناعية ~~العظمى كألمانيا واليابان اللتين عانتا الركود والتراجع. اتجهت أوروبا القارية نحو تبني ~~النموذج النيوليبرالي الذي كان جذابا للغاية خلال أغلب منتصف وأواخر التسعينيات بحوكمة ~~اشتراكية ديمقراطية اسمية. وسع النموذج النيوليبرالي من نطاقه وعمق من سطوته، شأنه شأن ~~التسليع ms043 نفسه. # لقد شاهدنا أنه في بعض من هذه المناطق (بما فيها الدول الإسكندنافية) التي أدى الركود إلى ~~فتحها مؤخرا أمام قوى السوق الجامحة والمدمرة، قام الفن بدور أداة للنيوليبرالية، ساحقا ~~المحاسن المريحة وإن كانت خانقة للديمقراطية الاشتراكية، وعبر عن المخاوف المحررة من ~~سياسات الهوية، والنزعة الاستهلاكية، والابتذال، والاستمتاع بالانحطاط الأخلاقي. وكانت مثل ~~هذه الأعمال حليفا نافعا، وإن كان بصورة ضئيلة، للخصخصة والقوى الاستعمارية للتسليع، ~~وكثيرا ما نوقشت التشابهات بين تقاليد ما بعد الحداثة وروح السوق الحرة تفصيلا. عبر ~~مايكل هارت وأنطونيو نيجري، في كتابهما بالغ الأثر «الإمبراطورية» عن هذا الأمر جيدا: # إن أيديولوجية السوق العالمية لطالما كانت الخطاب اللاتأسيسي واللاجوهري بلا ~~جدال؛ فالتداول والحراك والتنوع والخلط هي شروطها الفعلية للإمكان. إن التجارة تجمع ~~الاختلافات، وكلما كانت أكثر كانت أفضل! والاختلافات (اختلافات السلع والشعوب ~~والثقافات وما إلى ذلك) يبدو أنها تتضاعف إلى ما لا نهاية في السوق العالمية التي ~~تشن أعنف الهجوم على الحدود الثابتة، وتقهر أي تقسيم ثنائي بتعددياته ~~اللانهائية. # إن هذا الأمر ليس بتشابه وقع من قبيل المصادفة، بل بالأحرى (كما أشار فريدريك جيمسون في ~~مقالته التأسيسية عن حركة ما بعد الحداثة) علاقة وظيفية: عنصر جمالي أدمج داخل الإنتاج ~~العام للبضائع الاستهلاكية، والتي تتغير مع الإيقاع المتزايد دائما للموضة. كما أن الشركات ~~التي تنتج مثل هذه السلع تقدم الدعم المالي لسلاحها البحثي والتدويري: الفنون. تصف مارثا ~~روسلر الموقف في كتابتها عن النزعة الراهنة والباهظة في فن الفيديو ذي الإنتاجية العالية: ~~«لا شيء أكثر ملاءمة لصناعة الوعي من وجود فنانين يلهون عند حدوده، يزينون أنماطه ويصيغون ~~حرفيا إلى حد بعيد استراتيجيات جديدة للإعلانات والجرافيك.» # ربما يمكن تخيل الفن كنزعة استهلاكية تسبح في الأحلام، وتجمع من جديد على نحو لعوب عناصر ~~الثقافة الجماهيرية في تركيبات مضطربة، وفي غضون ذلك، تصادف أشياء نافعة. وفي إعادة مزج ما ~~لم يعد مستخدما وتخزينه، ربما يخدم الفن غاية مشابهة للحمض النووي «المهمل»، الذي يعتقد ~~أنه يدخر التسلسلات العتيقة في حال الاحتياج إليها ثانية. # استوعبت ثقافة ms044 المؤسسات تماما الخطاب الملطف لحركة ما بعد الحداثة. وكما في الثقافة ~~الجماهيرية، أصبح افتقار الفن الفعلي للعرف هو الأمر المتعارف عليه تماما. أصوات ملحة توجد ~~في كل مكان تحث المستهلكين على التعبير عن أنفسهم، وعلى أن يكونوا مبدعين، ومختلفين، وعلى ~~كسر القواعد، والتميز عن الحشود ، بل والتمرد، لكنها لم تعد كلمات نابعة من مثيري الفتنة ~~الراديكاليين، بل من رجال الأعمال. إن الكتاب في مجلة التحليل الثقافي الأمريكية «ذا ~~بافلر» يصفون وصفا حيا مدى هذه الإيعازات والتوحيد القياسي لها، ونجد المثال الموجز على ~~نحو رائع الذي أوردوه لهذا الإلزام هو ظهور ويليام بوروز في إعلان لنايك. إن قدرا كبيرا ~~من المجال الفني منذ عام 1990 قدم تمثيلا واعيا من منطلق هذه الفضائل الراديكالية التي ~~اختلستها ثقافة المؤسسات. # إن نظرية ما بعد الحداثة نفسها، في انتقالها من كونها قصة ليوتوبيا أو ديستوبيا ممكنة إلى ~~وصف سطحي لواقع قائم، فقدت قوتها النقدية والأخلاقية. وفي حالتها المختزلة، حظيت النزعة ~~الاستهلاكية والتمكين المزعوم للمتسوق على أهمية في خطاب ما بعد الحداثة، في حين أنه إبان ~~التسعينيات تعرضت نظرية ما بعد الحداثة لوابل من الانتقادات على سخافاتها الداخلية وإرهابها ~~للقراء بلغة اصطلاحية علمية لا معنى لها (برزت في قضية سوكال)، فلم تستبدل بقدر ما توارت ~~في جزء كبير من عالم الفن الأكاديمي على الأقل، بقبولها كخلفية لا جدال فيها تخرج منها ~~تصريحات بشأن الفن. # معظم ما ورد في نظرية ما بعد الحداثة أكد على أن المحاكاة قد أشبعت العالم بصورة كاملة، ~~ورأى أنه ليس هناك إفادة في بيان الموضع الذي ينتهي فيه التمثيل وتبدأ الحقيقة. مع ذلك، ~~سارت السمة الطيفية للسلعة العصرية، غير المادية على ما يبدو، جنبا إلى جنب مع ظهور ~~النيوليبرالية. إن هذا النمط العدواني للرأسمالية أضحى ممكنا من خلال التغيرات التكنولوجية ~~بالغة الأثر، لا سيما في مجال اتصالات الكمبيوتر الذي جعل تبادل المعلومات زهيدا وسريعا ~~وسهلا. وكما وصف دان شيلر في كتاب «الرأسمالية الرقمية»، كان تأسيس البنى التحتية الهائلة ~~لشبكات الكمبيوتر مدفوعا باستغلال ms045 خصخصة صناعات وسائل الاتصال المملوكة للدولة، كذلك حول ~~ترقيم البيانات المعلومات المجانية في السابق (على سبيل المثال، في المكتبات) إلى سلع، ~~في تطويق لمشاعات البيانات. # ساهم تطور بارز آخر في إظهار السلعة في صورة أقل مادية، وهو: تحقيق التمييز بعلامة تجارية ~~أهمية أكبر على مدار التسعينيات مع إنفاق الشركات المال الذي ادخرته من تعهيد الإنتاج على ~~تحسين صورتها الخاصة. تؤكد ناعومي كلاين في كتابها الشهير عن استحقاق «بلا شعار» أنه مع ~~تصدير الإنتاج إلى الاقتصاديات منخفضة الأجور، انقطعت الصلة بين مستهلكي منتج ما وصانعيه. ~~وفي المقابل ترقت العلامة التجارية، وتحررت من المنتجات المجردة لتصبح شخصية مجازية، ~~وتجسيدا موثوقا لتركيبات بعينها من الفضائل أو الرذائل المحببة. في بعض الأحيان، كما في ~~حالة رونالد ماكدونالد، تجسدت داخل شخصية رسوم متحركة. كنتيجة لذلك، أخذ الفن والتجارة ~~يقتربان أحدهما من الآخر. # لدى الانتقال إلى صفحة الروابط بموقع الفنان المفاهيمي المحنك كلود كلوسكي، يجد المشاهد ~~قائمة أبجدية بالمواقع الإلكترونية التي تضم أسماء مألوفة، لنقرأ منها أسماء نجوم الفن ~~المعاصر: تبدأ بآدامز، آكرمان، آليس، آمر، آندريه، آراكي. جميع الروابط هي في الحقيقة روابط ~~لمواقع شركات؛ لذا عند النقر فوق # www.billingham.com ~~، على سبيل المثال، ~~تنتقل إلى موقع يبيع حقائب الكاميرات. إن نطاقي المنتجات والخدمات المجتمعين معا اللذين ~~يتشاركان أسماء الفنانين يشكلان قاعدة بيانات صغيرة لافتة للنظر، وهذا الأمر يحث القارئ على ~~التفكير في أسماء الفنانين على أنها علامات تجارية، وفي المواقع الإلكترونية ~~لأعمالهم. # كلما ازداد اكتساب السلع السمة الثقافية، ازداد تسليع الفن أكثر، مع توسع سوقه ومع ازدياد ~~تضمينه داخل المسار العام للنشاط الرأسمالي. أدرك أدورنو التوازي بين الفن والسلع ~~الاستهلاكية حتى في الأيام الأولى لحركة ما بعد الحداثة، لا سيما إبان فترات الانتعاش الاقتصادية: ~~... حيث تتضاءل أهمية قيمة الانتفاع المادية للسلع، وحيث يصير الاستهلاك متعة بديلة ~~للوجاهة الاجتماعية ... حيث يبدو، في النهاية، أن السمة السلعية للمواد الاستهلاكية ~~تختفي تماما. إنها محاكاة تهكمية للوهم الجمالي. # والنتيجة ظهور موقف تجاه الفن يماثل موقف الأشخاص تجاه السلع، والتي تتظاهر ms046 بأنها ليست ~~أقل من الفن. بيد أن هذا ليس بتطور تاريخي حتمي أو غير قابل للتغيير، ولد من منطلق الجوهر ~~المنكشف للفن والسلع، لكنه تطور مرتبط بالإيقاع المتصاعد والمتناقص للدورة الاقتصادية، ولا ~~ينعم به سوى من يتمتع بالثراء الكافي للاستهلاك بتفاخر. # استجابت ممارسات فنية عديدة في التسعينيات إلى هذه التغيرات، واستفادت منها ودفعتها ~~قدما. أخذت سيلفي فلوري ثمار رحلاتها التسوقية إلى المحلات التجارية الراقية ووضعتها فوق ~~أرضية المعرض، أو وضعت أشياء محبوبة وعصرية (فعليا) فوق منصات العرض. تفحصت فلوري أيضا ~~المستويات المختلفة للنشاط الاستهلاكي، وربطت بين الأقل جاذبية والأكثر منفعة والاستهلاك ~~التفاخري من خلال عربات التسوق المطلية بالذهب. # شكل 3-2: سيلفي فلوري، «سيري إي إل إيه 75/كيه (سهل ومريح وجميل)». # 2 # أما جيوم بيل فقد فتح ببساطة محال تجارية داخل نطاق المتحف. وقد تحول معرض «التسوق» ~~بمتحف تيت بليفربول إلى فرع جيوم بيل الخاص لسلسلة متاجر «تيسكو». قدم فريق عمل متاجر ~~تيسكو الدعم، وأخذوا يعيدون ترتيب السلع ويسعرونها وينظمون الأرفف. مع ذلك، لأنه لم يكن ~~متاحا لأحد أن يشتري شيئا بالفعل، وكانت جميع الأرفف ممتلئة بالسلع ومضاءة بأضواء المتحف ~~الكاشفة، أضحى «المتجر» معرضا جماليا لكتل متعددة الألوان من العبوات المتكررة. من ~~ناحية، يذكرنا هذا العمل بعربات تسوق فلوري من حيث تحويل أقل الخبرات التسوقية جمالية إلى ~~مشهد بصري منفصل مثير للاهتمام. شعر المشاهدون الذين لم يعتادوا على التوقع الضمني بأنه ~~ينبغي أن ينظروا إلى العرض التجاري للسلع المعلبة كخبراء بالإحباط. ومن ناحية أخرى، أسهم ~~هذا الشعور بعدم الارتياح كدحض ثانوي للموقف (نجده في كتابات بودريار) أن الجانب الجمالي قد ~~أتم غزوه للتجارة منذ زمن بعيد. # لدى قراءة بعض التصريحات ما بعد الحداثية ربما يمكن أن نغفر للمرء تفكيره في أنه لا توجد ~~منطقة ثقافية محصنة ضد الغزو الفني، وهذا في واقع الأمر ليس القضية؛ فالمجال الفني يختار ~~حلفاءه بتمييز عنصري، فلا يوجد اهتمام مستدام بلعبة رمي السهام أو بهواية اقتناء الحمام، ~~على النقيض من ذلك، بذل الكثير من الجهود للتقريب ms047 أكثر بين الفن وعالم الموضة. يكشف تصريح ~~مثير للضجر من هوجو بوس (راعي معرض فلوري) من خلال اختلاط مصطلحاته ونتيجة لها أيضا، ~~الآلية الأيديولوجية في أرض الواقع: # لطالما سار الفن والموضة جنبا إلى جنب، أحيانا بأسلوب راديكالي وصادم، وأحيانا ~~أخرى بطريقة تقليدية ومحافظة، وكلاهما تصدر الأحكام عليه وفقا لمعايير تذوق ~~ذاتية، وكل منهما يمثل بأسلوبه الخاص أجواء العصور وروحها. إن الفن والموضة ~~يحفزان الحواس ويصنعان أشياء مرغوبة ومعبودات للمجتمعات الثرية وتراثيات ~~ثقافية. # على مدار التسعينيات، ازداد اقتراب صناعة الفن وعالم الموضة أحدهما من الآخر يوما بعد ~~يوم؛ فضمت المجلات الفنية إعلانات أكثر لشركة أزياء برادا، بينما ضمت مجلات الموضة مقالات ~~أكثر عن الفن المعاصر، وظهرت مجلات مختلطة على نحو أصيل (مثل «تانك» أو «فيري») يتعايش فيها ~~العالمان في تكافل. أنتج العديد من مصوري الأزياء على غرار يورجن تيلر وكورين داي كتبا ~~فنية، وظهرت أعمالهم في المعارض إلى جانب ظهورها على الصفحات. يربط ديدريتش ديدريكسون رواج ~~الأعمال الفنية المذهلة بكل من التطور الملحوظ في جودة طباعة المجلات والذي أدى إلى ~~استخدام أكبر للصور (التي حلت محل النص)، وزيادة مجلات الفن والأناقة والموضة المنوعة. ~~وبطبيعة الحال، تميل مثل هذه المطبوعات إلى توليد فن يمكن استيعابه سريعا بمجرد النظر إليه ~~في صورة أو اثنتين. # ارتبطت هذه التطورات بكل من الضغوط التي خضعت لها المعارض والمتاحف العامة لاكتساب ~~الصفات التجارية وميول رعاة المعارض، لكنها عكست أيضا نزعة أوسع نطاقا في الثقافة السلعية ~~لمحاباة الشباب، أو على الأقل ظاهره. إن مرحلة الشباب صفة تسويقية جذابة حتى لتلك المناسبات ~~الفنية التي تجذب جماهير أكبر سنا تحب أن ترى أنفسها كأشخاص مفعمين بالحيوية والنشاط. لقد ~~أضحى الشباب ميزة يتسنى للفنانين استغلالها بطرق عديدة، يستطيع الفنانون البقاء شبابا ~~لفترة طويلة، أو حتى تصنيفهم كشباب. بإمكانهم تصوير مرحلة الشباب، وثمة موجة من هذه ~~التصويرات، لا سيما في التصوير الفوتوغرافي، حيث دوما ما تطمر مرارة التقدم في العمر ~~والموت. يقف العارضون المراهقون بصور رينيكي ديكسترا أمام الكاميرا على نحو مؤلم ms048 على ~~الشواطئ أو في النوادي، أو الفتيات الثريات المرتبكات بصور سارا جونز واللاتي اصطففن عبر ~~غرف أنيقة، يحزنهن دراية ما خفية، أو - في تنسيق مختلف - تستخدم فانيسا بيكروفت في عروضها ~~الأدائية وأفلام الفيديو والصور الفوتوغرافية عارضات يقفن في حالات مختلفة من التعري، ~~ويواجهن المتفرج بشعورهن بالذنب من رغباتهن وتطلعاتهن . # إن جميع هذه الأعمال يمكن اعتبارها أعمالا هامة، ويمكن الاستمتاع بها بالمثل كتجسيدات ~~مميزة من الناحية الثقافية لجمال الشباب. في نهاية المطاف، يستطيع الفنانون الأداء في ~~أعمالهم وكأنهم شباب. تعبر جورجينا ستار، وإليزابيث بايتون، وغيرهما الكثير عن الثقافة ~~الاستحواذية للمعجبين من المراهقين، في حين أنه يكمن في المعارضة الصريحة لإجادة الفنانين ~~البارعين والمتمرسين من الطراز الأول على غرار بيل فايولا - الذي لا يزال يحمل شعلة الجودة ~~الجمالية والعبقرية - ترويح خفيف عن سوء الأداء الخجول المثير للشفقة، كما في أعمال شون ~~لاندرز الهزلية. # شكل 3-3: فانيسا بيكروفت، «في بي 29-243». # 3 # من بين هؤلاء الذين قطنوا العالم الواصل بين المعارض والمجلات، واحد من أكثر الفنانين ~~نجاحا وهو فولفجانج تيلمانس. اكتسب تيلمانس شهرته من عمله العصري والحر بطريقة الصور ~~الفوتوغرافية الخاطفة لمجلات مثل «آي-دي»، و«ذا فيس»، لكنه عرض أيضا بصفة منتظمة في ~~المعارض والمتاحف. فاز بجائزة تيرنر عام 2000، وقدم معرضا هاما في متحف تيت ببريطانيا ~~عام 2003. إن موضوع تيلمانس هو الشباب، وعينه (كما ينبغي أن نستنتج من الطابع غير الرسمي ~~لعمله) هي العين البريئة للشباب، والتي تركز بدهشة على كل جزء مرئي من العالم، سواء كان ~~مبتذلا أو استفزازيا؛ فالطبقة الرفيعة فوق فنجان قهوة سادة، فأر يهرب عبر المصرف، قضيب ~~بجانب صينية فطور بجانب السرير ينظر إليها جميعا بنفس النظرة المحدقة. تلك الرؤية، كما لك ~~أن تتوقع، تجد الجمال في أماكن غير متوقعة، على غرار صورة لمجموعات ملونة بألوان الحلوى ~~لمعطرات الجو منعكسة على السطح المعدني الأملس لمبولة. # إن عالم تيلمانس هو ميدان لشريحة من الشباب الموسرين، البيض في الأغلب، وبعيدا عن ~~الأشخاص الذين يرتدون ملابس مجارية لأحدث خطوط الموضة، يصور تيلمانس الأشخاص ms049 المترددين على ~~النوادي الليلية وموكب الحب ببرلين، ويضعها جنبا إلى جنب مع اهتمامات سياسية شبابية ~~مختلفة: مهرجانات فخر الشواذ، والتشرد، ومعارضة الحرب. وكل هذا يطغى عليه روح الشباب نفسه ~~بصراحته، وجاذبيته الجنسية، ومثاليته، وإدراكه الكئيب بسرعة زوال المرحلة العمرية (كما هو ~~واضح في صور تيلمانس، على نحو تقليدي تماما، بزهور ذابلة وفاكهة ناضجة أكثر مما ينبغي). إن ~~أعمال تيلمانس ذات نفع؛ نظرا لأنها تمثل إلى حد بعيد جزءا كبيرا من إنتاج الفن والموضة ~~في المجلات والكتب والمعارض والتي تعبر فيها عن نفس الارتباطات بالضبط وتفترض القيم ~~نفسها. ونظرا لأهمية هوس الثقافة التجارية بالشباب، فإن لهذه الرؤية زخما هائلا، وإذا ~~نفرنا منها، فسوف يدين هذا المرء على الفور لكونه فظا ورجعيا. # ينبغي طرح السؤال: هل هذه الصور الفوتوغرافية تتأمل التوترات المتأصلة في عقيدة الشباب أم ~~أنها تضرب مثالا لها فحسب؟ هل هذا التجاور بين الصور يبني الدلالة أم فقط يوحي بها؟ لقد ~~ذكر تيلمانس أنه في تصوير السبائك الذهبية يشير إلى شيء له مغزى عن المال والقيمة. إن ~~ملاحظة قديمة لبرتولت بريشت تصلح في هذا السياق: إن صورة فوتوغرافية لمصنع لا تخبرك شيئا ~~عن العلاقات بين الناس داخله. إن عنوان معرضه بمتحف تيت وكتابه أيضا - «إذا كان شيء ما ~~مهما، فكل شيء مهم» - يكشف لنا الأمر، إلى جانب أنه يعكس انحياز المجال الفني مؤخرا ~~للتصوير المباشر «للواقع». إن ما يقدمه هنا هو لمحات طبيعية متنوعة للأشياء والناس، وإن ~~الوصول إلى الواقع يتطلب سعرا أعلى، في الفكر والمعرفة وتشييد البنى، وفي إدراك أن بعض ~~الأشياء لها أهمية أكثر من غيرها. # كل هذا لا يجب أن يقودنا إلى الاعتقاد أن الفن والموضة قد اندمجا معا، مثلما لم يندمج ~~الفن والثقافة الجماهيرية ككل، أو الفن ووسائل الترفيه (كما أشار عرض أخير بمركز ووكر ~~الفني). إن الانجذاب المتبادل ما كان سيصمد إذا لم ينتج عن تقاطع الأقطاب المتقابلة شرارة ~~نافعة: شرارة التميز الثقافي والجدية للموضة، وشرارة رونق وتألق للفن. كيف يدوم هذا الفصل؟ ~~إن الخطاب ms050 الفني الاحترافي يسير في اتجاه واحد مرتبطة به الطريقة التي تشير بها الأعمال ~~الفنية في أغلب الأحيان إلى أعمال فنية أخرى؛ مما يتطلب من المشاهد الخبير معرفة بالتاريخ ~~والمجال المعاصر، إلى جانب امتلاك لغة اصطلاحية فنية. سنرى أيضا في الفصل القادم كيف ~~يتحاشى الفن أي تهديد بالدمج مع الثقافة الأوسع نطاقا عن طريق الدفاع عن استقلاليته من ~~خلال تطلعات لتبوء مكانة احترافية. # مع ذلك، لعل امتزاج الفن مع الموضة أو وسائل الترفيه ليس بتهديد بقدر ما هو ارتباط كامل ~~مع السلعة نفسها. إذا حدث ذلك، فسيفقد الفن كل ادعاءاته بالمثالية وكل تبريراته للإعانات ~~الحكومية. من وجهة نظر ماركس، إن السلعة شيء غريب ومعقد، لكونها شيئا ماديا يقدره ~~المشتري لأن له نفعا، وفي الوقت عينه - بفضل حركة السوق - شيئا يحمل قيمة تبادل نقدية. في ~~حين أن الاستخدامات متنوعة ويستحيل قياسها، فإن قيم التبادل جميعها توضع على مقياس واحد. من ~~وجهة نظر بنجامين بوكلو، في وصفه التشاؤمي للفن المعاصر، رضخت قيمة الانتفاع بصورة متزايدة، ~~والفن - مثله مثل المال - أضحى سلعة لها قيمة تبادل خالصة إلى حد بعيد (ما دام أن المال ~~والفن ظلا أشياء مادية، فلا يمكن لأي منهما إبعاد قيمة الانتفاع كلها، كما ذكر ~~ماياكوفسكي، إبان الحرب الأهلية الروسية كانت الكتب تطبع على النقود التي لم يعد لها ~~استخدام، أما في العمل الاستفزازي الفاضح لدوشامب، فيمكن استخدام لوحة لرامبرانت كمنضدة ~~مكواة). في مرحلة متقدمة، حتى ادعاء تحقيق قيمة الانتفاع في الفن قد توقف، مع توجه ~~الفنانين إلى عكس المشهد الجديد وفحصه ببساطة، والذي لا يوجد فيه تمييز بين الفن والمال، ~~وهم يفعلون ذلك دون نقد أو رغبة في التغيير. # لقد أصبح رفض التحيز في عمل فني ما أو في مناقشته منهجا قياسيا في الفن المعاصر ~~الغربي. والنموذج هنا هو أندي ورهول، بالطبع، الذي تحدث وكتب كثيرا لكن في كلمات فقط صدرت ~~من شخصياته التي تحمل علامته التجارية، وبذا لا يستطيع أحد التأكد من وضعها: «إن إجادة ~~العمل التجاري هي أكثر الأنماط ms051 الفنية روعة» مع اقتراب الفن أكثر وأكثر إلى السلعة ~~القياسية، قد يكون من الحماقة توقع صدور تعليق انتقادي على منتج من صانعه؛ لذا في أعمال ~~بيل وبيكروفت وفلوري، ليس من الواضح ما إذا كانت صناعة الموضة والنزعة الاستهلاكية تتعرض ~~للإشادة أم للإدانة. إن مثل هذه الأعمال تلقي الضوء ببساطة على وجود السلع أو النماذج من ~~خلال إظهارها بمظهر غريب، بتغيير البيئة التي تشاهد فيها هذه الأشياء في المقام الأول. ~~ورغم تصريحات الفنانين والنقاد التي تحيط بهذه الأعمال الفنية، وتؤكد للمشاهد على حياديتها، ~~فإن الازدواجية واضحة تماما. إذا نظرنا إلى هذه الأعمال الفنية باعتبارها انتقادية، فهي ~~أعمال متواضعة وضعيفة، وإذا نظرنا إليها باعتبارها أعمالا إشادية، فهي قوية ولاذعة؛ نظرا ~~لأنه في النهاية - وعلى وجه الخصوص في أعمال فلوري وبيكروفت - ما ينتج على نحو براق وبارع ~~هو مجموعة أخرى من السلع، وترتيبات الدعاية والرعاية التي من خلالها تشاهد وتباع. إن في ~~استهلاك هذه السلع، التي تحمل شيئا من انتقادها لنفسها ولاستهلاكها، التعريف الفعلي لكلمة ~~«معسكر» التي أكدت سوزان سونتاج منذ زمن طويل على أنها المنهج الذي يستخدمه المفكرون لإجازة ~~استمتاعهم بالثقافة الجماهيرية. # من ثم يقترب الفن، وهو التجسيد المادي لقيمة التبادل، من حالة السلعة الأكثر تجريدية، وهي ~~النقود - ويستخدم بالفعل كذلك من قبل الأثرياء كصورة شبه سائلة لرأس المال المضارب - ~~بحيث تخبأ الأعداد الهائلة للأشياء التي تكمن فيها تلك القيمة بعيدا في مخازن آمنة ~~ومشيدة خصوصا لذلك الغرض. # إلا أن هناك اختلالات بهذا المخطط البسيط للتقريب بين الفن والسلع الأخرى في الطابع، كما ~~بين المعارض والمتاجر. إن مادية العمل الفني تبقى حتى في فنون الفيديو وفنون الميديا، والتي ~~حظيت بقبول عام كنمط فني فقط بعد أن دفعت الثمن عن طريق تحولها إلى صورة مادية جزئيا. إن ~~السوق الفنية ما زالت تعتمد على بيع وشراء أشياء نادرة وفريدة مختلفة أيما اختلاف عن السلع ~~التي تنتج على نحو جماهيري وتوجد في المتاجر العادية. في معظم الأسواق، تتحكم بضع شركات ~~مهيمنة في الإنتاج، لكن هناك ms052 عددا محدودا من الأسواق ينظم فيه الاستهلاك. إن عالم الفن ~~التجاري يسعى إلى إحكام قبضته حول الزمامين جيدا، فغالبا ما يكون الإنتاج محدودا على نحو ~~اصطناعي، وغالبا ما يكون للرعاية بعد شخصي. إذا نظرنا إلى عالم الفن المعاصر، فسنحصل على ~~لمحة داخل نظام سوقي أقدم يسبق انتشار التصنيع. # وفوق هذا وذاك، فبما أن السلع العادية تحيا أو تموت وفقا لقرارات ملايين الأفراد بشرائها ~~أو بعدم شرائها، فإن آليات ردود الأفعال التي تقرر مسار الفن المعاصر منظمة وحصرية، وليس ~~للمشاهد العادي للفن أي دخل فيها. أبرز فيتالي كومار وألكسندر ميلاميد هذه القضية من خلال ~~تطبيق المناهج القياسية لاستبيانات المستهلك على الرسم، وأخرجا نتائج تلبي الذوق المتوسط ~~لسكان بلدان مختلفة. كانت النتائج سلسلة من اللوحات المضحكة والمتشابهة على نحو مفاجئ، ~~يسيطر عليها اللون الأزرق بدرجاته، وتسكنها حيوانات جذابة وشخصيات تاريخية شهيرة في مناظر ~~طبيعية رعوية تلائم على نحو مثالي حياة الإنسان. # إن الفنون - بمنأى عن التشددات الكاملة للسوق - بإمكانها مغازلة الثقافة الاستهلاكية فيما ~~تبقى مطمئنة بشأن حدودها الآمنة. لا شك أن تلك الأعمال التي يبدو أنها تهدد مثل هذا ~~الاختلاط بين الفن والسلعة (مثل عمل بيل) تعزز هذه الحدود من خلال إظهارها إياها. ثمة طريقة ~~أخرى لضمان بقاء التمييز واضحا، وهي تحويل التركيز إلى الأمور الداخلية، كما داخل صندوق به ~~مرايا، بحيث يضطلع الانعكاس بدلالة غير مبررة، ويميل النظر إلى تحركات الفنانين مقارنة بتلك ~~الخاصة بفنانين آخرين، ونادرا ما يكون في نطاق العالم الخارجي. وهنا تحاكى أعمال السلف ~~على نحو لاه متكرر، وتستخدم أيضا المواد المستمدة من الثقافة الجماهيرية. # إن هذا الخطاب المطلع المتخصص لا يقدم سوى وهم الهروب من صورة السلعة. يتظاهر ماركس بأن ~~السلعة التي يتمحور حولها تركيز المجتمع بمقدورها الحديث عن حالتها الخاصة، وهذا ما تقوله: # إن قيمة الانتفاع الخاصة بنا ربما تثير اهتمام الإنسان، لكنها لا تنتمي إلينا ~~كأشياء. إن ما ينتمي إلينا كأشياء، مع ذلك، هو قيمتنا. إن ارتباطنا كسلع يبرهن على ~~ذلك، نحن نرتبط ببعضنا كقيم ms053 تبادل ليس إلا. # ورغم أن الفن يسعى إلى حماية نفسه بخطاب داخلي في الأعمال الفنية والتصريحات، بحيث تربط ~~الأشياء الأهم التي تقال عن نمط فني هذا النمط بنمط فني آخر على ما يبدو، فهو يحاكي فقط ~~اللهو بقيم التبادل غير المقيدة التي تتجلى على أبرز نحو في أوقات الوفرة. # منذ لحظة ترسيخ هذه المنطقة المحمية للفن، تحدى الفنانون بالطبع مدى أمانها، وكان هذا ~~جزءا من مغزى لصق صفحات الجرائد على لوحات الرسم، ومحاولة وضع مباول عتيقة بها نقوش في ~~المعارض، أو - على نحو أكثر تطرفا - إجبار الفن على أداء دور خادم للإنتاج الجماهيري. ورغم ~~أن هذه التحديات ارتبطت بالوقت والسياق، فإن الأشياء التي تجسدت فيها لم تكن كذلك، ومع ~~استمرارها على مر التاريخ، عززت صبغتها الراديكالية من بريقها الجمالي وقيمتها السوقية مع ~~تحولها إلى سلع فنية تقليدية يوما بعد يوم. # بعد أن أصبحت الثقافة الجماهيرية أكثر إذهالا واستحواذا باستمرار - مع الأجهزة ~~التليفزيونية عالية الدقة الأضخم وشاشات العرض السينمائي الهائلة، والمنظر المغلق والمدروس ~~بعناية لمركز التسوق أو الحديقة الترفيهية - كان على الفن منافسة ذلك. تمكن الفن من فعل ذلك ~~- كما شاهدنا - من خلال استغلال إغراء الثقافة الجماهيرية فيما يضيف ميزته الجمالية الخاصة ~~والمستبعدة. تمكن الفن من المنافسة عن طريق عكس قواعد الثقافة الجماهيرية؛ فإذا ضربنا فن ~~الفيديو كمثال، تمكن الفن من إنتاج مقاطع بطيئة ومذهلة بدون حركة كاميرا، أو سرد، أو معنى ~~واضح، في مواجهة القصص ذات المغزى الأخلاقي الاعتيادية والواقعة البصرية الاعتيادية ~~للتليفزيون. كما تمكن من تقديم بيئات وأشياء مؤثرة - مختلفة عن تلك الخاصة بمراكز التسوق أو ~~المنتجعات - وغير وظيفية وغير مصممة للبيع (أو على الأقل ليس للأغلبية الكبيرة من ~~مشاهديها)، وأخيرا تمكن من عمل تمثيلات بأحجام، وثراء ألوان، ودقة غير معهودة في وسائل ~~الإعلام الجماهيري. # أثمر هذا النهج الأخير عن بعض من أكثر الأعمال نجاحا على المستوى التجاري في التسعينيات ~~وما بعدها، وهي الصور الفوتوغرافية الملونة الضخمة. إن مثل هذه الصور الفوتوغرافية التي ~~صنعت بكاميرات ذات تنسيق ضخم، وطبعت ms054 أحيانا على ألواح من الألومنيوم لتصل إلى حجم لوحات ~~ضخمة تنقل رؤى العالم المعاصر؛ تتمتع بالوضوح المدهش والعمق اللوني. يغلب إنتاج هذه الصور ~~الفوتوغرافية في طبعات صغيرة وبأحجام مختلفة؛ مما يجعلها ملائمة لعرضها في المتاحف وكذلك ~~بغرفة معيشة شخص يهوى جمع التحف. إبان ركود أوائل التسعينيات، ابتاعت المتاحف التي كانت ~~تبحث عن أعمال مذهلة ومتاحة الكثير من هذه الأعمال الفنية، وبدأت أسعارها في الازدياد بحدة ~~نتيجة لذلك. تنافس أسعارها الآن أسعار أعمال أهم الرسامين؛ ففي عام 2002 بيعت صورة ~~فوتوغرافية ضخمة لجورسكي مقابل أكثر من 400 ألف جنيه استرليني بأحد المزادات، وهو رقم قياسي ~~لصورة معاصرة. # ثمة خيط تاريخي فني ربما يمكن تتبعه من أبرز المصورين الفنيين الألمان (جورسكي، وتوماس ~~ستروث، وكانديدا هوفر، وتوماس روف) رجوعا إلى معلميهم بأكاديمية دوسلدورف للفن، بيرند ~~وهيلا بيشر، ومنهما إلى ذاك الإثنوغرافي الفذ من جمهورية فايمار «أوجست ساندر». فمن جانب، ~~بدأ الأمر بإيمان ساندر بقدرة الصور الفوتوغرافية في سلسلة طويلة ونسبية على نقل المعرفة ~~الاجتماعية، مرورا بالرثاء التسلسلي الغريب لأنماط الحداثة الصناعية لآل بيشر، إلى إصرار ~~روف - مثلا - في الصور التي يبلغ طولها ستة أقدام وتأخذ طراز جوازات السفر على عجز الأداة ~~على نقل أي شيء يحمل دلالة، بصرف النظر عن قدر التفاصيل التي تواجه المشاهد به. لدى تتبع ~~هذا الخط في المعارض (بدلا من النسخ) يتجلى شيء آخر: مطبوعات ساندر البيضاء والسوداء ~~مصنوعة بدقة، وأكبر قليلا بصورة عامة من حجم اليد، وعمل آل بيشر أيضا في الصور البيضاء ~~والسوداء، وطبعا الصور بأحجام مختلفة، وفي أحيان كثيرة وضعا الصور المطبوعة في تقاطعات داخل ~~إطار واحد ليصنعا عملا تبلغ مساحته خمسة أو ستة أقدام، أما أعمال الجيل التالي الفنية فقد ~~تدفقت في صور غنية ومشبعة بالألوان، وفي الأغلب فاقت أعمال السلف على نحو هائل. سمحت أضخم ~~أعمال جورسكي وستروث الفنية، التي بلغ ارتفاعها سبعة عشر قدما، للمتفرج أن يخطو فوقها ~~مباشرة ويتفحص أسطحها الصافية التي تخلو من التحبب، وتفاصيلها الغزيرة. في نطاقها، تبدو ~~القيم الإنتاجية ms055 والجاذبية الواعية والتكلفة أنها الرسم الزيتي التاريخي الجديد، وعلى غرار ~~الرسم التاريخي، فقد صنعت في المقام الأول للعرض في المتاحف. # كثير من هذه الأعمال استعرضت بصورة متزايدة براعته الفنية؛ فقد حول ستروث في مشاهد ~~الشوارع الأولى له تركيز ساندر وأسلوبه نحو ملامح المدينة في صور بيضاء وسوداء بأحجام ~~متوسطة وتجميع بارع، كما أخذ جورسكي المظهر الباهت لصور الهواة الفوتوغرافية القديمة ذات ~~الأطر العادية وطبقها على مشاهد العطلات المبتذلة والمتفرجين الذين يشعرون بالملل. إن هذه ~~الأعمال تدبرت بدرجات متباينة في إرث الحداثة. التقط روف صور المباني التي صممها ميس فان ~~دير روه، ونزع منها الألوان البراقة ليضفي عليها مظهرا عتيقا، مبرزا قدم تلك المباني، أو ~~لون صورا فوتوغرافية قديمة بألوان باهتة ليعطي التأثير ذاته. # شكل 3-4: أندرياس جورسكي، «تايمز سكوير». # 4 # شكل 3-5: توماس ستروث، «تايمز سكوير، نيويورك». # 5 # شكل 3-6: توماس روف، «إتش إي كيه 4». # 6 # وثق ستروث وجورسكي البنيات الجاهزة للعقارات والمكاتب والمباني الصناعية والمنشآت ~~الترفيهية. ومؤخرا، اتسع نطاق الإشارات الفنية التاريخية؛ فكل من جورسكي وستروث تركا ~~المتفرج الآن بشيء من الريبة حول ما يشاهده؛ فكثيرا ما يشير إنتاجهما الباذخ إلى فن الرسم، ~~وغالبا ما يتعاملان مع المعرض نفسه كموضوع العمل. أقام كلاهما مؤخرا معارض بأهم متاحف ~~الفن بنيويورك، حيث عرض جورسكي في متحف الفن الحديث عام 2001، أما ستروث فقد عرض بمتحف ~~المتروبوليتان للفنون عام 2003. أكدت معارضهما والكتالوجات الخاصة بها على تدرج التصوير ~~الفوتوغرافي إلى ذروة الفنون، أما الكتابات (على وجه الخصوص كتابات بيتر جالاسي عن جورسكي) ~~فقد أشارت بصورة أكبر إلى التماثلات في فن الرسم عنه في التصوير الفوتوغرافي. من ثم، يعتمد ~~الشكل الفني بإشارته إلى شكل فني آخر، وأعيدت صناعة التصوير الفوتوغرافي كشيء مبهر ~~بالمتاحف. كذا حثت صورهما الفوتوغرافية المتواضعة الأولى على فهم نقدي للموضوعات وضاهت ~~المشاهد المبتذلة بالصور الفوتوغرافية الجامدة؛ كما مال أحدث إنتاجهما إلى تحويل المشاهد ~~المعاصرة إلى مناظر ملحمية بل ومهيبة، وإلى تعزيز الدهشة أكثر من الفكر. # لا يزال الفن المعاصر يعرف نفسه بوصفه ms056 مقابل الثقافة الجماهيرية، وهذا أمر ضروري؛ نظرا ~~لأنه يتجنب الإنتاج الجماهيري الذي يملك تأثيرا أبعد على موضوعه. زعم ماركس أن الإنتاج ~~والاستهلاك يرتبطان ببعضهما إلى حد الوحدة، فلا يعتمد أحدهما على الآخر ويتممه فحسب، بل ~~دائما ما يتضمن الإنتاج استهلاكا (على سبيل المثال، المواد الخام)، ويتضمن الاستهلاك ~~إنتاجا (على سبيل المثال، يقوي الطعام الجسد العامل). إن التركيز على الاستهلاك وحده في ~~أغلب جوانب عالم الفن مسألة أيديولوجية تنبثق من أهمية الإعلان وغيره من الدعاية المؤسسية، ~~فكلما قل تفكير المستهلكين في الإنتاج (من يعمل؟ وما المقابل المادي؟ وفي أي ظروف؟ وما ~~المخاطر؟ وفي إطار أي شكل من أشكال الإكراه؟ وبأي عواقب بيئية؟) كان أفضل. إن هذا الجهل ~~تعززه الممارسات الإنتاجية العتيقة في عالم الفن، وتفصله عن الشأن العادي للإنتاج ~~الجماهيري. ثمة أعداد هائلة من الأعمال الفنية التي تناولت، على سبيل المثال، الطابع الغريب ~~للدمى في مجال الاستهلاك (لنضرب بعض الأمثلة المتنوعة، في أعمال مارتن أونرت، ومايك كيلي، ~~وماريكو موري، وجورجينا ستار)، وقليل منها يتطرق إلى الكلفة العادلة للتناقض بين استخدامها ~~المنشود والظروف التي صنع معظمها في ظلها، في الصين مثلا، العمالة ذات الضوابط القاسية ~~للنساء صغيرات السن اللاتي يسافرن بين مصنع غير آمن ومهجع مكتظ (ثمة استثناء حديث هو عمل ~~مايكل وولف «قصة الدمية الحقيقية»، والذي عرضه في هونج كونج عام 2004). # هناك بضعة فنانين ممن يجمعون مجالي الإنتاج والاستهلاك في نقطة اتصال ونزاع. تفحص صور ~~جورسكي الفوتوغرافية، للمتاجر والمعارض وأيضا المصانع، التوحيد الثقافي أكثر من الاقتصادي ~~بين الاستهلاك والإنتاج؛ فصوره - مثلا - لمصنع جروندج، ومركز بومبيدو، ومتاجر البيع بأسعار ~~موحدة وزهيدة، تظهر أشخاصا بكما محاطين بأطر شبكية ضخمة. من الممكن أن تصلح هذه الأعمال ~~كرسومات توضيحية نموذجية لحجج ثيودور أدورنو في مقاله «أوقات فراغ» عن الصلة والاعتماد ~~المتبادل السريين بين العمل ووقت الفراغ، التي تتبنى فيها أوقات الفراغ - المقتطعة من ~~أوقات العمل على ما يبدو - هيكل العمل وأنماطه. إن ظهور مثل هذا التفكير في أعمال فنان ~~ألماني له عدة أسباب؛ أحدها هو ms057 النجاح الطويل للاقتصاد الصناعي الألماني الذي عزز داخل ~~الكثير من الفنانين الألمان اهتماما بالإنتاج مستمدا من عقول معظم الفنانين في الولايات ~~المتحدة والمملكة المتحدة اللتين تشهدان عملية لاتصنيع متسارعة. إن هذا الاهتمام دفع أيضا ~~جورسكي وستروث إلى التقاط صور في نظم اقتصادية مماثلة، من بينها اليابان وهونج كونج. يتمثل ~~سبب آخر (ومتصل) في الحراك المستمر للتفكير الحداثي (المشتمل على أعمال أدورنو) في ألمانيا، ~~بعد انتصار حركة ما بعد الحداثة في مناطق أخرى. إلا أن المشهد الاستهلاكي في التسعينيات ~~بوجه عام - الذي تحرك على نحو موات لميول المجال الفني - انتصر على التفكير النقدي حيال ~~الترابط الوثيق بين الإنتاج والاستهلاك. وسنرى في الفصل الأخير كيف بدأ هذا الأمر في ~~التغير. # | هوامش # الفصل الرابع # | استخدامات الفن وأسعاره # ارتبط الفن الطليعي، الذي تأمرك مؤخرا، للمرة الأولى بالأموال الطائلة. وهذا ~~يعود إلى أن أهدافه الغامضة ومستقبله الملتبس قد ترجما بنجاح إلى مصطلحات بسيطة؛ ~~فمن الممكن أن نقرأ «أسهم النمو المضاربة» للحداثة غير التقليدية، و«جاذبية السوق» ~~للجودة الظاهرية، و«التقادم التقني» لتغير الأذواق للضد، وهذا إنجاز لغوي للتبرؤ ~~من تغير الموقف. إن الفن في النهاية ليس كما ظننا؛ فمن المنظور الأوسع، يتعلق الفن ~~بالأمور المادية البحتة. إن الفن بكل جوانبه، متضمنا قمته المتنامية، يشبه ~~بالقيم المألوفة. وبعد عقد آخر، سيكون لدينا صندوق استثمار تعاوني قائم على أوراق ~~مالية في صورة صور مودعة في خزائن البنوك. ~~(ليو ستاينبرج، «معايير أخرى»، محاضرة ألقاها في متحف الفن الحديث، ~~نيويورك، عام 1968) # إن هذه الفقرة، لدى قراءتها بعد أربعين ~~عاما تقريبا، تحمل السمة العجيبة لكونها مفاجئة ومألوفة إلى حد بعيد. عندما كتب ستاينبرج ~~هذا الكلام، كان الفن المعاصر لا يزال في طريقه إلى الوفاق مع المال، مع تخلص السوق من ~~حالتها القديمة كمنطقة اختصاصية وضيقة، وكان هناك اندهاش مقتضب من تغير المشهد الناجم عن ~~ذلك. وفي حين أن ذلك المشهد أضحى ببساطة البيئة المسلم بها التي يعمل الفن في إطارها، فإن ~~المفاجأة سببها صراحة وصف ستاينبرج. إن الافتراض العام في الوقت الراهن ms058 هو أن الحديث عن هذا ~~الأمر إما كلام مكرر أو فظاظة (أو كلاهما). # إن كلا من صنع الأعمال الفنية وبيعها يخضعان للسيطرة على نحو غير مألوف في السوق ~~الفنية، غالبا ما يوقع التجار عقودا حصرية مع الفنانين الذين يشجعون بناء على ذلك على ~~إنتاج أنواع وأحجام وأعداد معينة من الأعمال الفنية أو يكلفون به. كم مرة شاهد المرء في ~~المعارض التجارية منتجات فرعية مزدانة ومعلقة على الجدار لتجهيز متمرد ومعاد للتجارة في ~~ظاهره؟ لأسباب واضحة، إن هذه التحريضات تبقى سرية في العادة. يخضع المشترون للمراجعة في ~~التزامهم بجمع الأعمال الفنية، لأنه قد يكون من الخطير على سمعة فنان ما أو حتى السوق ككل ~~حدوث بيع مفاجئ وغير متوقع لعمل فني. هناك قواعد تنظيمية أقل تحكم ما يسمى ب «السوق ~~الثانوية» بالمزادات العلنية، لكن حتى في تلك المزادات، ليست السوق حرة. وبعيدا عن الفضائح ~~المتعلقة بتحديد الأسعار المنهجي؛ فالأسعار التحفظية تعين، ودونها لا تباع الأعمال ~~الفنية، إضافة إلى أن المزايدة تتعرض للتلاعب من جانب هواة جمع الأعمال الفنية ~~والتجار. # يظهر تفسير هذا الموقف على أبرز نحو في الفنون المصنوعة في الوسائط القابلة لإعادة ~~إنتاجها، فبمقدور الفنانين إنتاج صور فوتوغرافية أو أقراص مدمجة أو مقاطع فيديو بأعداد ~~هائلة وبمال زهيد، وكذلك السعي لتحقيق ملكية واسعة لعملهم. مع ذلك، تنتج الأغلبية العظمى ~~منهم إصدارات محدودة، وكل إصدار مرفق به شهادة توثيق، مقابل أسعار عالية للغاية. تمنح ~~ملكية مثل هذا العمل لمن يقتنيه مكانة اجتماعية، وبالتبادل، يمنح السعر المدفوع مكانة ~~للعمل. # إن هذه هي السمة المميزة للفن مقابل ~~المجالات الأخرى للثقافة الراقية؛ إذ تحقق المسرحيات، والحفلات الموسيقية أو الأوبرا الميزة ~~الحصرية من خلال استيجابها حضور الجمهور للعرض المباشر (وبالطبع، بمقدور الفن الرفيع فعل ~~هذا أيضا)، أما الأشكال الأخرى - الرواية، والشعر، والموسيقى، والأفلام - فتنتج أعمالا ~~تخرج بصورة صناعية بأعداد هائلة ويمكن امتلاكها على نطاق واسع. لكن في الفن الرفيع وحده ~~تكمن التجارة الأساسية؛ حيث إنتاج الأعمال النادرة أو الفريدة التي لا يستطيع امتلاكها سوى ~~من ms059 هم على قدر كبير من الثراء، سواء كانوا دولا، أو شركات، أو أفراد. # عندما ينتج الفن باستخدام أساليب حرفية، يصير معروض أي فنان محدودا بصورة حتمية، وإذا ~~كان الطلب على هذا العمل كبيرا، فسترتفع الأسعار. لكن هناك الكثير من الفنانين ممن لا ~~يزالون يوجدون القيمة من خلال استخدام مقادير هائلة من العمل اليدوي (الذي يقوم به الفنان ~~أو في أغلب الأحوال مساعدوه) على أشياء غير قابلة لإعادة الإنتاج. إلا أنه على مدار ~~التسعينيات اتجه عدد أكبر من الفنانين إلى استخدام الوسائط التقنية والقابلة لإعادة الإنتاج ~~- على رأسها التصوير الفوتوغرافي والفيديو - حتى بدا تقييد الإنتاج شيئا مصطنعا بصورة ~~متزايدة، أدى هذا الوضع إلى بعض الطرق الغريبة للغاية لصنع الأعمال الفنية؛ ففي عمل جيف ~~كونز الأخير، يلتقط صورا تجارية متنوعة، ويجمعها ويغير فيها باستخدام الكمبيوتر. ~~عندما تنتهي هذه العملية، يجري إعداد نسخة مطبوعة عملاقة وتسلم بعدها إلى مساعدي كونز ~~الذين (على حد وصف روبرت روزنبلوم في كتالوج معرض جوجنهايم الألماني) يصنعون «بالدقة ~~التحليلية التي تميز العاملين بالمجالات العلمية» تصويرا فريدا جاهزا للبيع بالزيت على ~~لوح الرسم. إن هذه المرحلة النهائية والأكثر ميكانيكية تؤكد على حالة القطعة الفنية ~~باعتبارها عملا فنيا فريدا. # إن القيد المفروض على العرض يجعل السوق الفنية حالة استثنائية للغاية، إلى الحد الذي جعل ~~الكثير من الخبراء الاقتصاديين راغبين عن تفسيرها باستخدام المصطلحات العادية. عادة، عند ~~التسوق مثلا لشراء علبة حساء، فإن السعر يقابل رغبة المشتري في المنتج، يمكن العثور على ~~العلب المشابهة أو المطابقة في أماكن مختلفة وبأسعار مختلفة، وتتراوح تلك الأسعار حسب العرض ~~والطلب. وعلى حد وصف نيل دي مارشي للموقف في كتاب عن تفكير علماء الاقتصاد في الفنون، ينطبق ~~القليل من هذا الأمر على السوق الفنية. إن الموضة - وليس الاستخدام - لها تأثير كبير على ~~الطلب؛ مما يحطم العلاقة المألوفة بين النفع والرغبة، كذلك يعد الكثير من الأعمال الفنية ~~فريدا؛ مما يحطم قوانين العرض، والتي تصير مسألة إما كل شيء أو لا شيء، من ثم لم يترسخ ~~توازن ms060 يضاهي استجابة العرض والطلب لبعضهما البعض. والأسوأ من ذلك، لدى شراء شيء فريد من ~~مورد احتكاري، لأنه لا تتوفر مقارنة مع أعمال أخرى، فمن الممكن ألا تجد معلومات سوقية ~~موثوقة عن الصفقة. # في واقع الأمر، إن الوضع أكثر نمطية قليلا؛ فكثير من الأعمال الفنية فريد، لكن هذا لا ~~يعني أنه لا يمكن أن يقارنها التجار والمشترون بأعمال يرونها مماثلة، خصوصا أعمال نفس ~~الفنان، رغم أن الحجم وتكلفة المواد والعمل الذي استوعبته القطعة الفنية كلها عوامل تلعب ~~دورا هي الأخرى. قد تكون أسعار المزادات بعيدة عن المؤشرات الخالصة لحكم السوق، لكنها - في ~~بعض الأحيان على الأقل - تكون مقاربة للأسعار التي يحددها التجار. مع ذلك، تبقى السوق ~~مفتقرة إلى المعلومات (كثير منها يبقى في طي الكتمان)، ويخضع العرض فيها للتنظيم، ويخضع ~~الطلب للإدارة، أما التسعير فيتأثر بالموضة والظروف. # شكل 4-1: جيف كونز، «دوائر». # 1 # على النقيض من التصور العام واسع النطاق، المرتكز على الأسعار الرائعة للأعمال الضخمة ~~التي تتحقق في المزاد (وهو تصور تعززه كثيرا بالطبع دور المزادات نفسها)، فإن الفن بوجه ~~عام ليس استثمارا جيدا، وبالتأكيد ليس على المدى البعيد، وأداؤه أردأ من الأسهم والحصص ~~باستمرار. وفي حين أن بعض الفئات من الأعمال الفنية تزداد قيمة بالفعل لبعض الوقت، فإن ~~السعر الحقيقي للفن ينخفض غالبا. إن المضاربة على الفن المعاصر منخفض الثمن هي استثمار ~~محفوف بالمخاطر للغاية. قدم بيتر واطسون وصفا مفصلا عن الأداء الاقتصادي للفن، وزعم أن ~~الاستثمار لا يكون منطقيا إلا على المدى القريب كمضاربة عالية المخاطر، وأن المبالغ ~~الهائلة من المال لا تجنى إلا عند بيع الأعمال الفنية إبان إحدى الانتعاشات السوقية ~~المذهلة؛ من ثم ليس من المفاجئ أن يكون شراء عمل فني يحظى بقيمة عالية بالفعل استثمارا ~~سيئا على الدوام تقريبا. أظهرت دراسات مختلفة أن الاستثمار في الفن على المدى البعيد يصل ~~إلى نصف كفاءة الأنواع الأخرى من الاستثمار. هذا هو المقابل الذي يقدمه المرء لامتلاك عمل ~~فني، وهو يفسر سبب أن عددا قليلا نسبيا من الأثرياء ms061 يهوون جمع الأعمال الفنية، ومن بين ~~هؤلاء الذين يهوون الجمع، يجمع كثير منهم بهدف المتعة والوجاهة الاجتماعية بقدر الجمع بهدف ~~الاستثمار. # إن الفن، شأنه شأن سائر أنواع الاستهلاك التفاخري، يزدهر في أوقات الوفرة ويذبل في أوقات ~~العسرة. إن الفترة الزمنية التي نناقشها هنا مرتبطة بركودين، وكلاهما تفاقما بالحروب ضد ~~العراق: الركود الأول تسبب فيه غربلة الشركات بعد انتعاش الثمانينيات؛ مما أدى إلى القضاء ~~على الكثير من عمالقة المجال الفني. انخفضت قيمة اللوحات الضخمة (باهظة الثمن بدرجة هائلة) ~~شبه التاريخية والتعبيرية الجديدة لأنسليم كيفر أو جوليان شنابل والتي كانت سجلا رائعا ~~لغزارة الإنتاج والأسلوب الفخم في الثمانينيات، وسرعان ما اختفت من صالات البيع (جنبا إلى ~~جنب مع عدد قليل من صالات البيع نفسها). وكانت إعادة تقديمها إلى السوق بعد عدة سنوات مسألة ~~حساسة للغاية، حتى إن ناقدا أعرفه كتب مقالة بكتالوج عن أحد هؤلاء العمالقة لمعرض تجاري، ~~وكان تاجر الأعمال الفنية واقفا إلى جانبه بكل ما في الكلمة من معنى. # كانت للتطورات باليابان أهمية في سرعة الركود في السوق الفنية وعمقه، وعلى وجه الخصوص ~~نتيجة لضخامة حجم مشتريات اليابانيين من الأعمال الفنية على مدار الثمانينيات، وقد تعزز ~~بفعل الزيادة الجامحة التي يتعذر إيقافها على ما يبدو في أسعار العقارات والأسهم، كذلك ~~تفاقم انخفاض الأسعار نتيجة للفساد. قدم بيتر واطسون وصفا تفصيليا حول الفضيحة التي ~~استخدمت فيها الأعمال الفنية لغسيل أموال الفساد الضخمة لصالح ساسة فاسدين والجريمة ~~المنظمة، كما التف حول القيود الحكومية المفروضة على التربح من العقارات عن طريق «شراء» ~~البائعين للوحة الفنية شريطة أن يتم شراؤها منهم سريعا ربما مقابل عشرة أضعاف السعر ~~الأصلي. لم يتمثل الضرر هنا في مجرد الصفقات السرية التي عقدت أو في التهرب الضريبي - وهي ~~السمات الاعتيادية للساحة الفنية اليابانية - لكن في تشويه عمليات النصب للسوق. وفجأة، بدا ~~أن الولع الياباني بدفع مبالغ مالية كبيرة مقابل لوحات انطباعية وما بعد انطباعية غير ~~مرموقة لا يتعلق بسذاجة الذوق بقدر تعلقه بحسابات مجردة من المبادئ الأخلاقية. كان لانكشاف ms062 ~~الفضيحة تأثير وخيم على السوق التي تعرضت لهزة أخرى بالإفلاسات اليابانية الشهيرة، ~~وبالتهديد أن الأعداد الكبيرة من الأعمال الفنية التي بيعت إبان ذروة الازدهار الاقتصادي ~~ربما تباع فجأة؛ مما يؤدي إلى انخفاض أكبر للأسعار. عندما بيعت بعض الأعمال الفنية التي ~~ارتبطت بعمليات الغش عام 1993، كانت مقابل كسر بسيط (ما يقل عن واحد بالمائة) من الأسعار ~~التي دفعت في الأصل. # لم تؤثر الموجات الاقتصادية على حجم الأعمال الفنية التي بيعت فحسب، بل أيضا على طابعها. ~~يخضع فن الرسم الزيتي - أكثر الأشكال الفنية التي يسهل بيعها - لانتعاش متوقع مع كل ازدهار ~~اقتصادي، فيما تنتقل الممارسات التجارية بصورة أقل صراحة - من بينها الفن الأدائي والأنماط ~~المتنوعة للفن ما بعد المفاهيمي - إلى مكانة بارزة مع كل أزمة اقتصادية. يتكشف هذا الأمر في ~~صراع مستمر بين السوق والأنماط التي تبدو غير رائجة (ربما تصب المصداقية في تجنب الأنماط ~~السلعية الصريحة في نهاية المطاف في صالح السوق). إنها عملية ميكانيكية ويمكن التنبؤ بها؛ ~~من ثم، نضرب مثالا واحدا، أسفر الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة في منتصف ~~التسعينيات عن هجوم منسق على الفن السياسي الذي ساد الأعوام السابقة، ومحاولة متواصلة ~~لإعادة اعتبار الجمال في الفن، وتأكيد رأي السوق باعتبارها الفيصل النهائي للذوق (سنعود إلى ~~هذه النقطة في # الفصل الخامس ~~). # استغرق التعافي من انهيار عام 1989 عدة سنوات، وتساءل الكثيرون هل ستستعيد السوق في يوم ~~من الأيام ذروة ازدهار الثمانينيات. في حين أنه في الاقتصاديات النيوليبرالية المتقدمة - لا ~~سيما الولايات المتحدة - كان النمو الاقتصادي قويا بدرجة كبيرة، ففي بلدان أخرى حدثت ~~سلسلة من الكوارث: فوقعت صدمات إقليمية قاسية هددت بانهيار الاقتصاد العالمي في المكسيك ~~(1994)، وجنوب شرق آسيا (1997)، وروسيا (1998)، والأرجنتين (2002). إن تصورات هذه الفترة ~~متنوعة على نحو مذهل، إذ تركن إلى الموقع الذي تنظر منه إلى تلك الفترة، من منظور الولايات ~~المتحدة في أكثره، كانت فترة نمو مستدام وانخفاض للبطالة، ومن منظور المناطق التي مرت ~~بالأزمات الإقليمية، كانت فترة كارثة اقتصادية، صاحبها في الغالب اضطرابات اجتماعية وسياسية ~~وكوارث بيئية. ms063 انعكس هذا الانقسام بوضوح في الأنواع المختلفة للفن الذي أنتج في كل ~~منطقة. # هذا لا يعني أن الفن في المناطق المضطربة عكس فحسب تلك الاضطرابات، لنأخذ المكسيك ~~كمثال: في الأعوام التي تلت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية # NAFTA ~~(نافتا)، والتي خلقت تكتلا تجاريا بين ~~الولايات المتحدة والمكسيك وكندا عام 1992، كان الفن المكسيكي الذي حظي بأكبر نجاح في السوق ~~الدولية تهكميا وفارغا من المحتوى السياسي، رغم الخراب الكبير والمقاومة الثورية في ~~البلد نفسه. أشارت كوكو فوسكو إلى أعمال جابرييل أوروزكو، وفرانسيس أليس، وميجيل كالديرون ~~كنماذج، واصفة محاولة إدخال الفنانين الشباب الملهمين من الناحية المفاهيمية في السوق ~~العالمية، بالتعاون مع المؤسسات الأمريكية؛ وبالتالي ترويج صورة محدثة للثقافة المكسيكية. ~~تصف سينثيا ماكملين كيف أن هذا التحول جاء تحت قيادة إيميليو أزكاراجا - مؤسس شركة ~~تيليفيزا، وأحد أشهر منتجي المسلسلات الاجتماعية بالمكسيك - بالمركز الثقافي للفن المعاصر ~~بمكسيكو سيتي الذي يمتلكه. ارتبطت شركة تيليفيزا بحزب بي آر آي، الحزب الحاكم بالمكسيك على ~~مدار سبعين عاما حتى سقوطه عام 2000، وكانت المصالح التجارية والفن مترابطين على نحو ~~وثيق؛ لذا، عندما شهدت المكسيك أزمة اقتصادية عنيفة منذ عام 1994 فصاعدا - أغرقت أكثرية ~~السكان في فقر مدقع وصل إلى حد المجاعة - استمرت سوق الفن المكسيكي المعاصر، الذي أصبح ~~دوليا وارتبط بالمؤسسات متعددة الجنسيات، في انطلاقتها رغما عن ذلك. لم يكن بعض من هذه ~~الأعمال معتدلا ومنعزلا فحسب، لكن أيضا كان معاديا على نحو فعال للمشاركة السياسية ~~الشعبية؛ إذ أظهر حدث فرانسيس أليس وفيديو «قصص وطنية» (1997) خرافا مساقة في دوائر حول ~~سارية علم عملاقة تقف في مركز ساحة زوكالو، الموقع التقليدي للحشود السياسية في مكسيكو ~~سيتي. # شكل 4-2: فرانسيس أليس، «زوكالو». # 2 # كان لفقاعة نمو البورصة في التسعينيات، المرتبطة على وجه الخصوص بصناعات التكنولوجيا ~~المتقدمة، أثرا تضخميا على أسعار الأعمال الفنية. تحققت مبالغ قياسية بالمزادات على مدار ~~أواخر التسعينيات، وعندما انفجرت الفقاعة مرة أخرى - في أعقاب انهيار سعر أسهم الشركات ~~المعتمدة على الإنترنت، والفضائح المحاسبية (من بينها تلك الخاصة بشركة إنرون)، ms064 وأحداث ~~الحادي عشر من سبتمبر - تراجعت السوق الفنية وقطاع المتاحف أيضا، رغم أن تأثير التراجع حتى ~~الآن كان أقل حدة من الركود السابق. # مع امتداد أمد الركود الاقتصادي، تبددت القناعات الظاهرية للعقد الماضي، وحتى تعاظم ~~القوة الاقتصادية الأمريكية ربما يكون وهما. استخدم روبرت برينر، في كتابه نافذ البصيرة ~~«الازدهار والفقاعة»، تحليلا بعيد المدى للموقف النسبي للكتل التجارية الصناعية العظمى منذ ~~الحرب العالمية الثانية بغية إظهار أن الولايات المتحدة ضحت في بعض الأحيان بالمكسب ~~الاقتصادي القريب (على سبيل المثال، من خلال حفاظها على قوة الدولار) في سبيل حصد فوائد ~~تطور الاقتصاديات في بلدان أخرى على المدى البعيد، وخصوصا في ألمانيا واليابان. أسفر ~~انحسار السخاء الاستراتيجي في التسعينيات عن صعود مؤقت في فرص تفوق الولايات المتحدة وتراجع ~~تلك الخاصة بشركائها التجاريين الرئيسيين، في تطور أدى إلى قدر كبير من التخويف من رجحان ~~كفة النموذج الاقتصادي النيوليبرالي. مع ذلك، مع مواجهة الركود في الولايات المتحدة، الذي ~~تسبب فيه انهيار فقاعة الإنترنت، والفضائح المالية، وأخيرا الحرب، مقرونا بالكساد طويل ~~الأمد في أوروبا وشرق آسيا، تطور موقف منذر للغاية. # إذا كان قد جرى التخفيف من آثار الركود على السوق الفنية حتى الآن، ولم تصل إلى مستويات ~~انهيار عام 1989، فهذا يعود إلى أن أسعار الفائدة المنخفضة للغاية تجعل من الفن استثمارا ~~أكثر جاذبية. كما شاهدنا، تسبب الركود الأخير في موجة من اختفاء الفنانين نتيجة لتغير ~~المناخ، وهو ما تزامن مع موت الكثير من فطاحل التعبيرية الجديدة الأمريكان والألمان. أما ~~الركود الجديد، وهو أضحل لكنه أطول أمدا، ربما ينتهي به المطاف بفعل الأمر نفسه. إذا كان ~~الركود طويل الأمد - الذي يرجع في جزء منه لاتساع نطاق الاقتراض الأمريكي وطابعه المنهجي ~~(الذي ازداد نتيجة للاقتطاعات الضريبية والإنفاق العسكري الضخم تحت إدارة الرئيس بوش) - ~~متوقعا؛ فمن ثم سيصبح الطابع الكامل للسوق الفنية ومنتجاتها عرضة للتغيير مرة ~~أخرى. # ربما تكون السوق الفنية غير مألوفة للمشترين، لكنها غريبة بالمثل للمنتجين. وفقا لهانز ~~آبنج، تحكم الخواص الفريدة للسوق على الأغلبية العظمى من ms065 الفنانين بالفقر المدقع. ورغم أن ~~مكانة المهنة رفيعة للغاية (جزئيا؛ لأنها تدعي أنها منعزلة عن المسار العام للتجارة) ~~ودخول قلة من الفنانين الناجحين فلكية، فإن الطبيعة الإجمالية لاقتصاد الفنون تتنصل منها ~~الأطراف المشاركة فيه، لا سيما الفنانين، ممن يغضون الطرف أو ينكرون توجههم نحو المكافأة ~~المالية. إن الفنانين يجهلون على نحو استثنائي احتمالات نجاحهم، وهم عرضة للمجازفة، وفقراء ~~لكن ينحدرون من أسر ثرية (وهي حالة شاذة؛ لأن معظم الفقراء ينحدرون من أوساط فقيرة، لكن ليس ~~على المرء التنقيب أكثر عن السبب وراء ذلك)، ويميلون إلى دعم أعمالهم الفنية من إيرادات ~~أخرى. إن هذه العوامل، على حد زعم آبنج، تتسبب في أن يصير العالم الفني مزدحما، وتجعل من ~~فقر الفنانين سمة هيكلية (في المملكة المتحدة، تضاعف عدد طلاب الفنون الجميلة الملتحقين ~~بالكليات كل عام ثلاث مرات منذ عام 1981، متجاوزا بكثير الزيادة العامة في أعداد الطلاب). ~~إن فقر الفنانين يسهم في مكانة الفنون؛ نظرا لأن النجاحات القليلة يجب أن ينظر إليها على ~~أنها منتقاة من مجموعة شاسعة، ويجب النظر إلى كافة الفنانين على أنهم يخاطرون بحياة الفقر ~~في سعيهم وراء حرية التعبير. # يذكر آبنج أن سمات هذا الاقتصاد تشبه عصر ما قبل الرأسمالية، من ناحية أهمية الهبات ~~والرعاية، والدور الذي تلعبه تلك الشخصيات في منحها. غير أن سمات أخرى تذكرنا أكثر بالمرحلة ~~المبكرة من الرأسمالية، وعلى وجه التحديد النسبة الضئيلة للنجاحات إلى الإخفاقات. بوجه عام، ~~إن السوق الفنية حيز مغلق عتيق ومصون، ومحصن حتى الآن من رياح الحداثة النيوليبرالية التي ~~اجتاحت الكثير من الممارسات الأقل تجارية الأخرى. إن مكانة الفن تمنحه التميز الاجتماعي ~~وشيئا من الاستقلالية، حتى في بعض الأحيان من السوق الغريبة التي تشكل أساسه. # استقلالية الفن # قدم عالم الاجتماع نيكلاس لومان وصفا فعالا بدرجة كبيرة لاستقلالية الفن، فقد ~~قارنه بالنظم الوظيفية الأخرى في المجتمع الحديث (على غرار العلوم والسياسة والقانون). ~~يتمتع الفن بالميل نفسه نحو «الإغلاق الفعال»، وهو الدافع لاكتشاف وظيفته الخاصة ~~والتركيز عليها وحدها. من وجهة نظر لومان، إن ms066 السمة الحصرية للفن تكمن في استخدامه ~~للتصورات وليس اللغة، ومن ثم هو منفصل عن الأشكال الروتينية للتواصل، ربما يكون دوره هو ~~إدماج الأشياء التي يتعذر توصيلها في شبكات الاتصال بالمجتمع (سنشاهد فيما بعد، على ~~الأقل كوصف للفن الحديث، أن هذا الوصف يتناول مشكلة أن الفجوة بين الاثنين يبدو أنها ~~آخذة في التضاؤل). # من وجهة نظر لومان، كلما حاول الفن غمس نفسه أكثر في الاتجاه العام للمنتجات ~~والمناقشات في المجتمع، انتهى به المطاف معززا استقلاليته أكثر: # ليس من ديدن الشيء العادي أن يصر على أن يعتبره الناس شيئا عاديا، لكن ~~العمل الذي يفعل ذلك يفضح نفسه بمسعاه هذا في حد ذاته. وما يقوم به الفن في مثل ~~هذه الحالة هو إعادة إبراز تمايزه. لكن الحقيقة المجردة أن الفن يسعى إلى إلغاء ~~هذا التمايز ويخفق في مسعاه هذا ربما توحي بالكثير عن الفن أكثر مما يستطيع ~~فعله أي ذريعة أو نقد. # غير أن النظام الفني يحمل سمات مميزة؛ فالمشاركة فيه اختيارية (وهذا لا ينطبق بالطبع ~~على علم الاقتصاد والقانون)، كما أنه يوعز بمستوى ضئيل فحسب من المشاركة (نسبة كبيرة من ~~الشعب البريطاني، على سبيل المثال، ليست من مرتادي المعارض الفنية). إن وسيلته للتضمين ~~والاستبعاد مستقلة عن تلك الخاصة بالنظم الأخرى، وهو مجال نشاط منعزل نسبيا (مرة ~~أخرى، الصلة بين السياسة والقانون وثيقة للغاية، على سبيل المثال). # تعد رؤية لومان وصفا منهجيا، لكنها مثالية أيضا؛ إذ تتجاهل آثار الطبقة ~~الاجتماعية والتميز، وضغوط السوق والدولة على الفن. بمقدورنا أن نكون أكثر دقة فيما ~~يتعلق بمن يشارك في الفن، على سبيل المثال، دققت الدراسة الاجتماعية الشاملة التي ~~أجراها بورديو ومعاونوه «حب الفن» النظر في ~~عادات ارتياد المعارض والمتاحف لدى الأوروبيين، وأبرزت بشدة مدى توقف مثل هذا النشاط ~~على التعليم. ببساطة، الأشخاص الذين يتمتعون بقدر أكبر من التعليم تزيد احتمالات ذهابهم ~~إلى المعارض، ويشعرون بارتياح أكثر هناك، ويمكثون فترة أطول، ويكونون أكثر قدرة على ~~الحديث عما شاهدوه هناك. # مع ذلك، يركز كتاب لومان على الاستقلالية الفعلية ms067 للفن، وهي التي تفسر على نحو ينطوي ~~على تناقض اتصاله بالنظم الأخرى واستخدامها له. إن تلك الاستقلالية، وهي بعيدة تماما ~~عن كونها أمرا وهميا، ذات أهمية محورية للوظيفة الأيديولوجية للفن، وتحافظ عليها ~~المؤسسات المختلفة للفن، من بينها الأوساط الأكاديمية (الكليات الفنية، وأقسام تاريخ ~~الفن والثقافة المرئية)، والمتاحف، والهيئات المتخصصة. وأحيانا ما يكون الفن الذي ينشر ~~في تلك الأوساط متناقضا مع ذلك الذي يحقق النجاح في السوق. # تحلل رؤية هاورد سينجرمان الرائعة عن تطور الفن كفرع من فروع الدراسة في الجامعات ~~نتائج إضفاء الطابع المؤسسي على المنتجات الفنية. تسعى الجامعات إلى فصل الفنانين ~~المحترفين عن الرسامين الهواة، ولا تنتظر من طلبة الفنون التمتع بمهارات يدوية، أو أنهم ~~يجدون متعة ترويحية في عملهم، أو استخراجه من أرواحهم المعذبة. بل يتحتم عليهم إظهار ~~معرفة مميزة يمكن اعتمادها، في لغة نظرية ومقصورة على فئة قليلة، تكفل السمة الحصرية ~~لمهنة الفن ومكانتها. لا يتلقى الفنانون التدريب بالجامعات فحسب، لكن أحيانا ينزلون ~~بها باعتبارهم معلمين بدوام جزئي، أو كمؤدين متجولين يرافقون أعمالهم. إن الفن ~~الأكاديمي الذي يصفه سينجرمان على نحو مقنع - المشتمل على فنون الفيديو والفيلم والأداء ~~- عادة ما يستلزم حضور الفنان لعرض عمله على الأقل، ويروق للجمهور الأكاديمي، ويرتكز ~~على المنح، والزمالات، والأعمال التي قدمها الفنان في المؤسسات الفنية. إن هذا العمل ~~الفني الذي يرافقه الفنان ربما يحقق مبيعات، لكنه يحقق استقلالية عن السوق التجارية؛ ~~لأن وقت الفنان هو ما يشترى فضلا عن عمله. كما أنه يحقق أيضا الاستقلالية عن المسار ~~العام للثقافة الجماهيرية، في مقابل التكيف مع مجموعة أخرى من الاهتمامات المؤسسية، تلك ~~الخاصة بالجامعة الخاضعة للتدقيق المتزايد والإدارة الاحترافية. إن غرضه الأساسي هو ~~توليد حوار بين المتخصصين، لكن النتائج أوسع نطاقا بكثير عن ذلك؛ إذ تطال قدرا كبيرا ~~من الخطاب الفني. # تتمثل النتيجة الأولى في أنه بغية إنشاء قسم للفنون لا بد أن يكون هناك كيان موحد ~~ومحدود، يسمى «الفن». والثانية أن يكون قابلا لإجراء أبحاث حوله، وأن يكون من الممكن ~~وصف الكثير ms068 مما يقوم به الفنانون بحثا. أما النتيجة الثالثة فأن يقتضي هذا المجال ~~وصفا بلغة متخصصة يميز اكتسابها المتخصصين الفنيين. إن جميع هذه النتائج تجنح إلى ~~إنتاج فن يخاطب أفراد المجال الفني على أفضل وجه، ويستبعد الجمهور الأعرض. # هذه الاستقلالية ليست ثابتة، أو وحدوية، أو مسلما بها. إن عالم المتخصصين الذي يخدم ~~السوق مختلف أيما اختلاف عن ذاك المرتبط بالأوساط الأكاديمية. في سبيل الحصول على فهم ~~تقريبي - لكن يفي بالغرض - لهذا الأمر، سنقارن بين نموذجين بارزين: مجلة «فلاش آرت» ~~(انظر جودة ورقها واستنساخ الألوان، وكذلك عدد الإعلانات التي تحملها وطابعها، والأسلوب ~~السهل في الكتابة)، ومجلة «أكتوبر» المتخصصة، بأسلوبها المرئي المتحفظ، ورسوماتها ~~التوضيحية أحادية اللون، وكتابتها النثرية المعقدة والرفيعة، وأعمالها النظرية ~~المبهمة. # علاوة على ذلك، فإن التخصص الذي ترنو إليه الأوساط ~~الأكاديمية - كما سنرى - موجه ضد مبدأ ~~الشعبوية الذي تشجعه الدولة، وبدرجة محدودة، الشركات. إن متخصصي المتاحف من ذوي ~~المهارات العالية ممن أمضوا سنوات في اكتساب الخطاب الفني المتخصص بجهد جهيد، يأمرون ~~بالتغاضي عنه عند التواصل مع العامة؛ فالمعارض في الأماكن العامة لا بد أن يفهمها غير ~~العارفين بالعالم الفني. # شكل 4-3: ليام جيليك، «مقترح تجديد مركز روزيم للفن المعاصر، مالمو». # 3 # من الممكن تبيين هذه التوترات جيدا ~~في النقاش الذي أحاط العمل الناجح جدا الذي قدمه ليام جيليك، الذي ولد الفنان ~~نفسه جزءا كبيرا منه. # بدت الشاشات والقواعد الشفافة ذات ~~الألوان البراقة بمعرض وايت تشابل الذي أقامه جيليك، «طريق الغابات»، أنها تقدم صورة ~~تجارية ليوتوبيا معمارية حداثية تجلب فيها شفافية الزجاج الضوء والنضارة والصفاء الذهني ~~والانفتاح والطبيعة نفسها إلى المساحة الداخلية الكئيبة. إذا أخفق ذلك التصور، فهذا - ~~على حد تعبير إرنست بلوخ اللافت للنظر - يعود إلى أن النافذة ذات الألواح الزجاجية التي ~~تعود للثلاثينيات لم تطل على أي شيء مبهج، بل أطلت بالأحرى على العالم الرأسمالي والفاشي: # إن النافذة الضخمة التي أطلت على عالم خارجي يعمه الضجيج، كانت بحاجة إلى ~~عالم خارجي مليء بالغرباء الفاتنين وليس بالنازيين، أما الباب الزجاجي حتى ms069 ~~الأرض فاستلزم حقا إطلالة أشعة الشمس على المكان وتدفقها إليه، وليس أفراد ~~البوليس السري النازي. # لطالما اهتمت أعمال جيليك بالموقف البيروقراطي والتكنوقراطي المعتدل الذي تتخذ منه ~~معظم القرارات - في العالم المتقدم على الأقل - من قبل الساسة ورجال الأعمال ورجال ~~التخطيط والإدارة. وهو يسأل بإلحاح: كيف يمكن التحكم في المستقبل القريب في موقف ما بعد ~~اليوتوبيا؟ وفي ظل الافتقار إلى الأهداف المطلقة للافتداء الديني والمساواة أو الأمة ~~المتوائمة والنقية، ما الرؤية الضمنية التي تدفع المستقبل قدما؟ يستعين جيليك في صناعة ~~العمل بمادة من عالم المؤسسات التجارية - على غرار الألوان والشعارات وخطوط الطباعة - ~~ويضعها في إطار جمالي عابث. في ظاهره، يهدف هذا الأمر إلى أخذ آلية البيروقراطية ~~الذرائعية والدفع بها في نزاع مع نقيضها: علم الجمال العابث. بيد أن هذه لم تكن المهمة ~~التي نفذت تماما؛ لأنه في حين أن محصلة العرض التجاري والسياسي هي نتيجة ذرائعية ~~(المعادل الحسابي للشراء أو عدم الشراء، أو صوت آخر لصالح مرشح في الصندوق)، فإن ~~الوسيلة إلى تلك الغاية - الموجهة عبر الوعي الإنساني والتحكم في البيئة - مشبعة ~~بالأيديولوجية والجمالية. # إن في صنع عمل يسعى إلى ضرب مثل على التأثير الأيديولوجي والجمالي للبيروقراطية على ~~العالم أكثر منه التوثيق، تكمن الخطورة في أن يصير الفن مماثلا لموضوعه. كان على جيليك ~~التغلب ليس فقط على هذا الخطر، بل أيضا على صعوبات صنع أعمال فنية وعرضها في المعارض. ~~عولجت المشكلة الثانية بصورة جزئية بأسلوب التجرد، فأعماله وكتبه لا تبدو تعبيرية أو ~~تهكمية، وهذا سبب للشعور بالراحة الهائلة لدى مرتادي المعارض التقليديين. يبدو أنها لا ~~تزعم أنها تحظى بمكانة خاصة باعتبارها أعمالا فنية، كما علق جيليك أن العمل الفني يصير ~~إشكالية عندما يفترض الناس أنه يحمل أهمية متأصلة أكثر من البنى المعقدة الأخرى في ~~العالم. مع ذلك تزيد هذه الخطوات، وهي نافعة في حد ذاتها، من الخطر الأول. # تتعامل أعمال جيليك مع هذا الخطر بعدة ~~طرق - أبرزها العبث بالماضي القريب والمستقبل القريب - مستخدمة وسيلة تستند إلى ~~تفكير والتر بنجامين الذي نظر ms070 بالمثل إلى البنى التجارية العتيقة وغير العصرية - ممرات ~~التسوق المقنطرة بباريس - بحثا عن رؤى معمارية مثالية أذنت بيوتوبيا حداثية وشيوعية ~~وشيكة. يتأمل جيليك البنى التجارية والإدارية لماض آخر قريب لا يمكن استعادته حتى ~~اللحظة، وهو السبعينيات، في سبيل جعل البنى الأيديولوجية والجمالية الحالية بارزة ~~وغريبة. # ثمة طريقة أخرى، ألا وهي الهجوم على الحركة الإنسانية. إن لهو جيليك الجمالي، في حين ~~يبدو أنه يوفر فرصة للمشاركة والعمل والحوار الديمقراطي، غالبا ما يثبط تلك التوقعات، ~~بالتنظيم الثابت للطاولات والكراسي الذي يتسم بالغرابة، ومن غير المحتمل أن يشجع على ~~الحوار، وأيضا بكتالوج المعرض الذي وضع بعيدا عن متناول الجمهور، وكذلك بمخطوطة مزيفة ~~ذات صفحات فارغة، وبوجه عام بالتنسيقات - رغم ألوانها التجارية المبهجة - التي تبدو ~~معادية ومنفرة. من ثم ينكشف دور البيروقراطية - الإدارة غير الإنسانية للبشر - بدهاء. ~~إن المعرض والمتحف - خادمي المؤسسات التجارية بوضوح متزايد - هما المكان البارز لعرض ~~هذا الكشف، رغم مكانة الأعمال الفنية نفسها - باعتبارها تمثيلا لتلك الحالة بقدر ما هي ~~رفض لها - تبقى متناقضة بشدة. # زعمت مشرفة المعارض إيفونا بلازفيتش، لدى كتابتها عن معرض «طريق الغابات»، أن جيليك: ~~«أوجد فرصا لنا للالتقاء، ولاسترداد فكرة المناقشة أو المشورة أو التجديد أو الإرجاء، ~~ومن أجلنا كي نصير أبطالا في صياغة سيناريوهات المستقبل المحتملة.» إن كلمة «لنا» في ~~هذه العبارة غير محددة، مما يجعلها محلا للجدال، إن عمل جيليك يبدو بالفعل أنه يقدم ~~تلك الفرص لنخبة محدودة من المعاونين، ومشرفي المعارض، وحتى هواة الجمع، وقد استخدمت ~~مجموعات أكبر من مرتادي المعارض المساحات التي صنعها في أشكال متنوعة من اللهو أو ~~النقاش. مع ذلك كانت الحواجز التي تحول دون مثل تلك المشاركة عالية، وربما أن طابع ~~الحصرية، والتميز، والهرمية في حد ذاتها تضفي على الأشياء والنصوص التي قدمها الجاذبية ~~التي تجلب إليها المجموعة الثقافية المتجانسة معها. # إن ما يظهره عمل جيليك جليا هو بعض من التوترات بين الخطاب الاحترافي للفن ووظائفه ~~ومبادئه المثالية الأوسع. وإذا ما تمت المغالاة في التوجه الاحترافي للفن، فهذا سيقوض ~~مرة ms071 أخرى مزاعم الفن للعالمية (ومن ثم الأسباب الداعية لحمايته). إذا تمت المغالاة في ~~الإتاحة والذرائعية، فسيتلاشى تميز الفن عن سائر جوانب الثقافة بالنتائج ~~نفسها. # إلى جانب هذه التوترات العامة بين النماذج المختلفة من الاستقلالية - التي أوجدها ~~السوق والجامعة والمتحف - هناك بعض القوى الحديثة بعينها التي تهدد بتفكيك نسيج ~~استقلالية الفن، وهي تحديث السوق الفنية، والمطالبات المتنافسة التي تروج لها الدولة ~~والمؤسسات التجارية بأن الفن يجب أن يقدم نفعا. # التحديث # ثمة بعض الدلائل على أن العالم الفني يتعرض لدفعة تحديثية بفعل التغير الاقتصادي ~~والتكنولوجي. لقد مثل الابتكار التكنولوجي تهديدا مستمرا على المنطقة المعزولة ~~المصونة للفن. لم يجر استيعاب التصوير الفوتوغرافي إلا بالتأكيد على الحرفة اليدوية ~~لإنتاج المطبوعة، ومن خلال أساليب أخرى سحبت حافز قابلية إعادة الإنتاج، على غرار ~~استخدام مواد مستقطبة للضوء (وهي مطبوعات فريدة وفردية)، ومؤخرا - كما شاهدنا - تضخيم ~~المطبوعات إلى حجم يناسب المتاحف. استوعب فن الفيديو من خلال التقليل من شأن النقد ~~الاجتماعي اليوتوبي له والتطلعات إلى مشاركة وتوزيع واسعي النطاق لصالح ربطه ~~بالتجهيز في الفراغ لصنع أشياء تبعث على الراحة ومرتكزة في المتاحف، تذكرنا بالرسم أو ~~النحت. # ثمة تحد أكثر حداثة وجوهرية، وهو فنون الإنترنت. فمنذ منتصف التسعينيات فصاعدا، ~~بدأ الفنانون في استخدام شبكة الإنترنت لصنع أعمال ليست قابلة لإعادة الإنتاج فحسب، بل ~~والتوزيع مجانا أيضا. يتسنى نسخ مثل تلك الأعمال على نحو مثالي من جهاز إلى آخر، وجزء ~~كبير من الرموز التي تشغلها متاح للمشاهدة والنسخ وإعادة الصياغة. إذا كانت ثقافة ~~الإنترنت الخاصة بمشاركة البيانات تهدد حتى تلك المجالات التي تبنت مناهج الإنتاج ~~الصناعي، فما مدى السوء الذي يبدو عليه الأمر مع الفن الذي لم يفعل ذلك؟ إن الملكية في ~~مثل هذه الظروف ليست ذات أهمية كبيرة، لا سيما نتيجة لأن منظومة المعتقدات الخاصة بفنون ~~الإنترنت تجنح إلى التركيز على الحوار أكثر من إنتاج أعمال مكتملة، ناهيك عن الغايات. ~~إن فنون الإنترنت لا تتحدى الإنتاج والملكية وبيع الأعمال الفنية نفسها، بل تفتح مجالا ~~جديدا ينتج فيه الفنانون ms072 أعمالا غير مادية يمكن اعتبارها فنا، ويمكن أن تكون بعيدة ~~عن تدخل التجار وبرامج المؤسسات الحكومية والمؤسسات التجارية. لقد كان لهذا الفن تأثير ~~استثنائي، وسنعود إليه في الفصل الأخير. # من الدلائل الأخرى على التحديث دخول دور المزادات الكبرى - التي أصبحت شركات مطروحة ~~أسهمها للتداول العام بالبورصات، ومن ثم صارت ملزمة قانونا بتحقيق أعلى الأرباح - إلى ~~مجال الفن المعاصر. قدمت تلك الدور معارض أشرفت عليها شخصيات مرموقة وصاحبتها ~~كتالوجات لها ثقلها، كسبيل لمساندة أعمال الفن المعاصر التي تأتي لاحقا لعرضها للبيع، ~~كما أنها حاكت الأماكن «البديلة» التي يديرها الفنانون عن طريق تقديم معارض في مبان ~~صناعية مهجورة، بل إنها اشترت وكالات بيع. كانت هذه الخطوات ناجحة في جزء منها نتيجة ~~لأن الفنانين ارتئوا فائدة في كسر احتكار التجار. ومنذ الثمانينيات على الأقل، بيعت ~~أعمال الفن المعاصر بالمزادات بصورة مربحة، وإن وجود مثل هذه السوق «الثانوية» في حد ~~ذاته يوهن من احتكار التجار. # جاء هذا استجابة لظهور نوع من التجار وهواة الجمع في نفس الوقت، كما ساهم في ظهور هذا ~~النوع أيضا، وهم أشخاص يشترون بغرض الاستثمار القائم على المضاربة، غالبا ما يكون ~~خارج الدائرة العادية للمعارض، عبر المزادات أو هواة جمع آخرين. وفي المملكة المتحدة، ~~يعد تشارلز ساتشي أبرز نموذج على هذا النوع؛ نظرا لأنه يتاجر في الأعمال الفنية لأغراض ~~المضاربة، ومجموعته من الأعمال الفنية مرتبطة بالموارد المالية لشركاته، كما أنه يشتهر ~~بشرائه مباشرة من الفنانين أو حتى من معارض التصنيف. تتمثل نتيجة مثل هذا النشاط - كما ~~أكد تيموثي كون - في تضاؤل سيطرة المعارض على الأسعار التي يضعها الفنانون، وأنه صار ~~عليها الاستجابة لمكانة الفنان في السوق الثانوية. مع ذلك، يستطرد كون بقوله إن قدرا ~~كبيرا من تحديد الأسعار ونقص الشفافية لا يزال موجودا. تحدد المزادات أسعار عمل ~~الفنانين، وكثيرا ما تتعرض للتلاعب من قبل هواة الجمع أو التجار الذين يقدمون مبالغ ~~أكثر من المتوقعة بغية تعزيز قيمة ممتلكاتهم. في عالم الفن، مثل هذه الممارسات المتعلقة ~~بتحديد الأسعار والمتاجرة بناء على ms073 معلومات داخلية، والتي يمكن أن تكون غير قانونية في ~~أي مجال آخر من الاستثمار، تبقى شيئا مألوفا. # ثمة عامل آخر ألقى بظلاله بدرجة كبيرة على السوق، وهو جمع المؤسسات التجارية للأعمال ~~الفنية، وهذه ظاهرة حديثة إلى حد ما، تشكلت الغالبية العظمى من تلك المقتنيات الفنية ~~بعد عام 1945، تقريبا منذ عام 1975. استعرض ألكسندر ألبيرو في فترة مبكرة بعضا من ~~العواقب على مسار الفن المعاصر في كتابه المميز عن تسويق الفن المفاهيمي في وقت أضحى ~~فيه جمع المؤسسات التجارية للأعمال الفنية أمرا هاما للمرة الأولى. جمعت المؤسسات ~~التجارية الأعمال الفنية المبتكرة التي تعكس على نحو موات قيمها الخاصة بالإبداع ~~وريادة المشروعات، ورغم أنه كان نشاطا محدودا، منفصلا عن الإدارة العامة للشركة، ~~وغالبا ما يكون مستندا إلى اهتمامات المسئولين التنفيذيين الفردية وميولهم، فقد تغير ~~جمع الشركات للأعمال الفنية مؤخرا. بين المؤسسات التجارية الضخمة، أضحى جمع الأعمال ~~الفنية جزءا من خطة العمل، ويصمم بحيث يتوافق مع صورة الشركة، ولم يعد موجها للبحث ~~عن شيء زخرفي فحسب لتعليقه على جدران المكتب، مع ذلك، يؤكد تشين-تاو وو في رؤيته عن جمع ~~المؤسسات التجارية للأعمال الفنية أنه لا يزال هناك تفضيل بين الشركات للأعمال السطحية ~~الزخرفية التي لا يحتمل أن تثير الجدل حول القضايا الاجتماعية أو السياسية أو الدينية؛ ~~فهذه الأعمال الفنية، في نهاية المطاف، الغرض منها أن تشاهد في إطار ليس خاصا ~~تماما أو عاما تماما. # من الصعوبة بمكان تقييم أثر جمع المؤسسات التجارية للأعمال الفنية على الفن المعاصر؛ ~~نظرا لأن معظم الصفقات تظل في طي الكتمان. بمقدورنا تخمين أن هذا الجمع يشكل قدرا ~~هائلا من مبيعات الفن المعاصر، لكن من الصعب تحديد هذا القدر بالضبط، وذلك لأن شراء ~~الأعمال الفنية غالبا ما يندرج ضمن ميزانيات العلاقات العامة أو الإنشاءات أو تأثيث ~~المكاتب. ويستشهد وو بدراسة أجريت عام 1990 زعمت أن جمع الشركات التجارية للأعمال ~~الفنية في الولايات المتحدة مسئول عما يقرب من عشرين أو ثلاثين في المائة من السوق ~~الفنية في مدينة نيويورك، وخارج المدينة ms074 تصل هذه النسبة إلى نصف السوق الفنية تقريبا. ~~من الجائز أن حجم هذا الشراء المؤسسي الذرائعي يدفع السوق الفنية إلى أن تؤدي كسوق ~~عادية. # يزعم آبنج أن هناك دلائل على أن الطابع الاستثنائي للاقتصاد الفني آخذ في التضاؤل، ~~أحدها موقف الفنانين المبهم على نحو متزايد تجاه مكانة الفن، وزيادة النشاط الاقتصادي ~~المكشوف. وفقا لهذه الرؤية، من الممكن اعتبار كل من الفنانين الذين يهجون ادعاءات ~~العالم الفني (على غرار فناني البنك الجماعي الذي اتخذ من لندن مقرا له وقد انفرط ~~عقده الآن) وأولئك الذين يسعون وراء الثراء على نحو واضح (على غرار كونز وموراكامي أو ~~هيرست) دلائل على أن المكانة الرفيعة للفن، وانفصاله الظاهري عن عالم التجارة المبتذل، ~~لم يعودا بأمان. مع ذلك، من غير الواضح ما إذا كانت هذه السمات هيكلية أم دورية، فترتبط ~~بصعود وهبوط السوق. في نهاية المطاف، يسهل الإشارة إلى نماذج سابقة لكلا النوعين من ~~الفنانين (سرعان ما يتبادر إلى الذهن فنانو جماعة «الفن واللغة» والفنان ورهول للنوع ~~الثاني). # استخدامات الفن # ثمة تحديات جوهرية أمام استقلالية الفن تبدو أقل جدوى من تلك العناصر الخاصة ~~بالتحديث. إن طابع الفن المتمم للنيوليبرالية آخذ في التجلي أكثر مع سعي كل من ~~المؤسسات التجارية والدول، المدركة لغياب التجارة الحرة، إلى تضخيمه من خلال عمل مطالب ~~ذرائعية من الفن. تريد المؤسسات التجارية استخدام الفن بغية ضمان ارتباطها بالعلامة ~~التجارية التي لا يمكن شراؤها بالإعلان، وترغب الدولة في معالجة الآثار المدمرة للتجارة ~~الحرة على التماسك الاجتماعي؛ من ثم، فكلتاهما تسعيان إلى مواجهة القوى الفعلية التي ~~أطلقتاها بالاشتراك معا، حتى إن الدول الغنية تشهد الانهيار الاجتماعي الذي تسبب فيه ~~انعدام المساواة المتزايد؛ مما دفع الكثير من الناس نحو الفقر المدقع وانعدام الأمان، ~~وتضع مزيدا من الضغط على الطبقات الوسطى التي تدعم النظام الكلي للاستهلاكية. لقد ~~رأينا أن ناعومي كلاين زعمت أن «تعهيد» الإنتاج للدول النامية مرتبط بالتأكيد الآخذ في ~~التصاعد على الشعار والعلامة التجارية. وكجزء من هذا الهوس بصورة العلامة التجارية، ~~أضحت مطالب الشركات ms075 من الأعمال الفنية أوسع نطاقا وأكثر منهجية. # انتقلت الشركات من الرعاية الخيرية العرضية للفنون إلى بناء شراكات مع المتاحف أو ~~الفنانين، والتي ترتبط فيها العلامة التجارية لأحدهما بالعلامة التجارية للآخر في مسعى ~~لتعزيز كليهما، كما أنها التفتت أكثر إلى جمع الأعمال الفنية وتكليف فنانين بصناعة ~~أعمال لها، وعرضها في معارض، وفي الآونة الأخيرة، إلى الإشراف حتى على معارض تقام في ~~أماكن عامة. # شكل 4-4: داميان هيرست ، «أبسولوت هيرست». # 4 # هناك مثال معبر على هذا التحالف، وهو مشاركة سلسلة سيلفريدجز في مجال الفن في ~~السنوات الأخيرة، والتي يفحصها كل من نيل كامنجز وماريشا لواندوسكا كجزء من مشروعهما ~~«قيمة الأشياء». رعت سلسلة المتاجر متعددة الأقسام معرضا باسم «النظرة الورهولية» ~~بمعرض باربيكان عام 1998، وانتهزت الفرصة لكساء نوافذ المعرض بمظهر ورشة عمل آندي ورهول ~~التي يطلق عليها «المصنع»، ولعرض جلسة تصوير أزياء مستوحاة من أعمال ورهول. ضم قسم ~~الطعام على نحو متوقع أكواما من علب حساء من ماركة كامبل، وصناديق بريللو، وزجاجات ~~كوكا كولا، جنبا إلى جنب مع مطبوعات خاصة بورهول، كما كان هناك عرض لأفلام ورهول ~~صاحبته دعايات ملائمة في قسم ملابس الرجال. بالطبع، كان ورهول ليحبذ هذه المعاملة ~~تحديدا، لكن هذا لم يكن سوى بداية لمجموعة من الخطوات الاستراتيجية التي اتخذتها سلسلة ~~سيلفريدجز لاستغلال عالم الفن المعاصر لكسب الزبائن. # مثال آخر هو سلسلة إعلانات ولوحات ومنتجات أبسولوت التي أعيد إنتاجها كصفحات مجلات، ~~والتي شكلت تحالفا للعلامة التجارية بين الفنان وشركة مشروب فودكا، أطلق ورهول هذه ~~السلسلة على نحو ملائم عام 1985. لقد استمرت هذه الأعمال، التي جعلت العلاقة بين الفنان ~~والشركة التجارية جلية إلى حد بعيد، حتى وقتنا الحاضر، صنعها الكثير من الفنانين ~~البارزين، من بينهم كيث هارينج، وديفيد ليفينثال، وإد روشا، وفيك مونيز. على نحو مماثل، ~~تحالف تاكاشي موراكامي - وهو فنان يسعى جاهدا بصورة واضحة لتحقيق النجاح التجاري - مع ~~شركة لويس فيتون لتصميم حقائب حققت مبيعات عالية للغاية، ومؤخرا أنتج فيديو فني ~~ترويجي لدار الأزياء هذه. وهذا الفيديو «مونوجرام سوبرفلات» (نسبة إلى ms076 حركة «سوبرفلات» ~~ما بعد الحداثية التي أسسها موراكامي) هو نسخة محدثة من «أليس في بلاد العجائب»، تسبح ~~فيه فتاة باحثة عن هاتفها المحمول، في عالم مثير للحيرة من شعارات الشركة. يعد هذا ~~الفيديو منتجا مختلطا تماما، لكونه إعلانا طويلا وفيديو رسوم متحركة بأسلوب ~~موراكامي المميز، عرض في القاعة الأولى من معرض فرانشيسكو بونامي للرسم الزيتي في ~~بينالي فينيسيا عام 2003، وكذلك بمتاجر لويس فيتون الرئيسية على مستوى العالم ، لتعزيز ~~مبيعات حقائب موراكامي أكثر. # حتى وقت قريب، كانت مشاركة المؤسسات التجارية في الفنون منطقة غامضة، تكتنفها ~~اتفاقيات سرية، ويسلط عليها الضوء في أوقات متقطعة بتلميحات نيرة في الأعمال الشهيرة ~~لهانز هاكي التي خضعت لرقابته، والتي تناولت الصفقات الفاسدة للرعاة الفنيين أو الأنشطة ~~التجارية لأفراد مجالس إدارة المتاحف. نحن محظوظون الآن لأننا نملك رؤيتين مهمتين ~~مفصلتين عن مشاركة المؤسسات التجارية في الفن لتشين-تاو وو ومارك ريكتانوس، وكلاهما ~~اضطر لكتابة عمله رغم السرية المحيطة بالموضوع؛ إذ لا ترغب المؤسسات الفنية أو الشركات ~~الراعية في الإفصاح عن تفاصيل الاتفاقيات مع بعضها. # تركز رؤية وو على الدول النيوليبرالية والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وتصف ~~تفصيلا عملية خصخصة الفن، في المملكة المتحدة على وجه التحديد، حيث سحب تمويل الدولة ~~من المتاحف وغيرها من المؤسسات الفنية. في كلا البلدين انتقلت المؤسسات التجارية إلى ~~رعاية الأحداث الفنية، وتكليف الفنانين بأعمال فنية خاصة، وجمع الأعمال الفنية، وعرض ~~مقتنياتها في أماكن عامة. في المملكة المتحدة كان تغيير الطابع السياسي على نحو مزعج ~~للفن المعاصر هدفا صريحا لحكومة المحافظين تحت قيادة مارجريت تاتشر من خلال جعله أكثر ~~اعتمادا على قوى السوق، وبالمثل، دعم رونالد ريجان شخصيا تدخل الشركات في الفنون، ~~بدءا من شركات النفط والتبغ، من بين شركات أخرى. # إن للرعاية وغيرها من الصفقات الأطول أمدا مع المؤسسات الفنية فوائد واضحة يمكن ~~قياسها للمؤسسات التجارية. هناك اجتذاب لعملاء محتملين يصعب الوصول إليهم: جماهير الفن ~~أكثر ثراء ويتمتعون بقدر أكبر من التعليم في المتوسط من الجمهور العام؛ ومن ثم تقدرهم ~~الشركات كثيرا، كما أن ms077 هناك فائدة أخرى تأتي من المظهر الخيري للشركات. كثير من ~~الشركات الراعية للفنون تعاني مشكلات متعلقة بصورة الشركة، وتسعى إلى تحسين سمعتها ~~بالسخاء الثقافي. هذه هي الحال، على سبيل المثال، مع شركة بريتيش بتروليوم في تحالفها ~~الطويل مع مؤسسة تيت. على نحو مماثل، كانت شركة التبغ الألمانية ريمستما راعية لمعرض ~~«دوكيومنتا» التاسع للترويج لسجائر ويست من خلال علب سجائر وملصقات محدودة العدد، وتظهر ~~النماذج في خلفية كتالوج الحدث. كما يمكن استغلال رعاية الفنون واسعة النطاق لتأثير ~~سياسي. يقدم وو رؤية مثيرة للاهتمام عن مكائد شركة السجائر، فيليب موريس، وهي راع ~~رئيسي للفنون في الولايات المتحدة، والتي عارضت - بغير نجاح كما تبين - تشريعا مقترحا ~~مناهضا للتدخين في نيويورك عن طريق التهديد بسحب دعمها للفن كافة من المدينة. # كما أوضح وو وريكتانوس، تجني الشركات الكثير من الفوائد مقابل ما تقدمه من مال؛ لأنها ~~ترعى المعارض - سبعون في المائة من تكاليف المعارض في أوروبا الآن تأتي من مصادر خاصة - ~~فهي تحصل على أغلب الدعاية المرتبطة بتلك المناسبات. أما تمويل الباقي - الأمور غير ~~الجذابة التي تبدأ من فهرسة المجموعات إلى صيانة مصارف المياه - فيقع على عاتق الدولة ~~التي تقدم بنية تحتية مدعمة تعتمد عليها الهبات المحدودة للشركات. # كل هذا له تأثير مباشر على الثقافة. تملك الشركات معايير خاصة لا بد من الوفاء بها ~~قبل تقديمها للرعاية، والمشروعات التي تقع خارج نطاق تلك المعايير لها فرصة مشاهدة ~~ضئيلة، وبالطبع ليست في المعارض البارزة التي تعتمد على الصفقات مع الشركات. يذكر ~~ريكتانوس أن المعايير الأساسية هي: هل مجال النشاط الثقافي يتوافق مع الأسواق الجوهرية ~~للشركة (فمن غير المحتمل أن ترعى شركة نايك معرضا لرامبرانت)؟ وهل من المحتمل أن يحظى ~~العرض بتغطية إعلامية جيدة؟ وهل الأفراد أو المجموعات المعنية أهداف ملائمة ~~للدعاية؟ # لقد تفحصنا النتائج بالفعل في الفصل السابق، وهي: التأكيد على صورة الشباب، وانتشار ~~أعمال تنسخ جيدا على صفحات المجلات، وظهور فنانين مشاهير، وأعمال تقترب من الثقافة ~~السلعية وعالم الموضة، وتلعب دور عوامل جذب يسيرة للرعاة، ms078 وندرة في الأعمال النقدية، ~~باستثناء في ظروف محددة وخاضعة للسيطرة. بالطبع، إن الشهرة المجددة مؤخرا لهانز هاكي ~~هي مثال على ذلك؛ حيث جرى في منتصف التسعينيات استعراض أعمال هذه الشخصية الموقرة من ~~الماضي السياسي الراديكالي للفن المفاهيمي كتحفة أثرية منعزلة، الأمر الذي حمل معه (عكس ~~نواياه بلا شك) نفحة ثقيلة من حنين آمن وواهن إلى الماضي. # ينزع الرعاة إلى إنتاج أعمال مذهلة وباهظة التكلفة، يعد فيها الإنفاق سمة جلية. إن ~~هذا الاستهلاك التفاخري يؤكد على أهمية الفنان والمتحف والجهة الراعية في آن واحد، ~~وهو يمثل قوة أخرى تحفز فنون التجهيز في الفراغ والفيديو الضخمة وغيرها من عروض ~~التكنولوجيا المتقدمة. علاوة على ذلك، عندما تقدم المؤسسات التجارية الضخمة الرعاية أو ~~تقيم تحالفات مع مؤسسة فنية، فهي تتوقع - في ضوء مداها العالمي وتوقعها الخاص بوفورات ~~الحجم - المشاركة في ثقافة متعددة الجنسيات، وهذا ضغط مألوف آخر على الهيئات الفنية ~~لجعل عروضها ذات نسيج هجين. # تأمل المؤسسات التجارية إعلاء شأنها من خلال الارتباط بما لا يمكنها تجسيده، بما في ~~ذلك العبث الحر في الفن الرفيع. كما يقول الشعار المشهور لشركة فيليب موريس الآن: «الفن ~~ضروري لبناء شركة عريقة.» في الوقت نفسه - كما شاهدنا - تسعى الشركات جاهدة إلى اكتساب ~~سمات إبداعية وثقافية. ذكر ريكتانوس أن حديث الشركات عن الفنون يسهم في إجازة الشركة ~~باعتبارها تملك الإبداع، وكونها راعيا أو تاجرا أو - على الأقل - سمسارا وجامعا ~~للأعمال الفنية، وكجزء لا يتجزأ من جمهور الفن؛ الجماعة التي ينبغي أن تروق لها الفنون. ~~إذا ساعد الفن المؤسسات التجارية في هذه الأنشطة المتعلقة بتحسين صورتها والتي من شأنها ~~زيادة الأرباح، فإن المخاطرة تكمن في أنه إذا أضحت هذه العملية واضحة أكثر مما ينبغي، ~~فسيفقد الفن تشبعه بالاستقلالية التي تمنحه المكانة التي تخول له تنفيذ هذه ~~الوظيفة. # تتمم مطالب الدولة مؤخرا من الفن تلك الخاصة بالمؤسسات التجارية، فكلتاهما لها ~~اهتمامات مشابهة في تعزيز الهدوء والتماسك والاحترام الاجتماعي في وجه رياح الدمار ~~الإبداعي التي تسبب فيها النظام الاقتصادي الذي تلتزم الدولة ms079 بالترويج له باستمرار. ~~تنظر حكومة حزب العمال في بريطانيا إلى الفن باعتباره وسيلة لتعزيز الاقتصاد، لا سيما ~~فيما يسمى «الصناعات الإبداعية»، ومساعدا على التنمية الإقليمية، وعقارا اجتماعيا ~~لمداواة الصدوع الاجتماعية المسببة للشقاق والتي حدثت نتيجة السنوات الطوال من حكم ~~المحافظين. ينبغي أن ينعم الفن بالجودة دون أن يكون نخبويا، ويجب أن يجذب جماهير ~~جديدة ومتنوعة. ثمة خطوات مماثلة في الولايات المتحدة، حيث ظهرت تبريرات لتمويل المنحة ~~الوطنية للفنون - والذي طالما تعرض لهجوم السياسيين المحافظين - مؤخرا أساسها أن الفن ~~له أدوار يلعبها في البرامج الاجتماعية، من بينها خفض الجريمة، والإسكان، والتعليم. ~~تتمثل خطورة مثل هذه الخطوات في كشفها عن الدور الذرائعي للفن، وهي أيضا تكشف بوضوح ~~شديد للغاية العلاقة بين الفن والدولة، والتي من المفترض - رغم كل شيء - أن تبنى على ~~المثالية والقيم الإنسانية الخالدة. إذا مولت الدول الفنون بغية الإعلاء من نفوس ~~المواطنين، فإن هذا التأثير يتحطم إذا جاب مستهلكو الفن تلك المعارض يفكرون في ~~الاستراتيجيات الإعلانية والتنمية الإقليمية، أضحت هذه الأفكار لا يمكن تجنبها بصورة ~~متزايدة. يستطيع الفن الوفاء فقط بالمطالب الذرائعية للشركات والدولة إذا أخفى المبدأ ~~المثالي الخاص بالحرية وظيفته، ودعم بحق انفصاله النوعي عن التجارة الحرة. # تشعر الدولة والشركات بالرضا عن وضع الفن بعيدا عن نطاق مضاعفة الأرباح المجردة؛ ~~فلدى شعوب كثيرة، تلعب الدولة دورا كبيرا في جمع الأعمال الفنية وعرضها، بما يلقي ~~بظلاله على تحديد الذوق ومسار الكتابة الفنية. إذا كانت الأعمال الفنية سلعا حقا ~~شأنها شأن غيرها، ينبغي أن تكون الحكومات راضية عن ترك شرائها والاحتفاظ بها وتصريفها ~~لقوى السوق. ورغم الاعتقاد أن السلع تقسم الهوية وتحددها أيضا، بما يروق لدوافع ~~متنافسة لدى الفرد، فإن ثمة افتراض مثير للريبة بأن العمل الفني داخل المتحف يشكل ~~الترابط الاجتماعي حتى مع احتفائه بالاختلاف، ويعزز الذاكرة الجماعية حتى مع إعادة ~~صياغته للمراجع المتنوعة والمتباينة وإعادة تجميعها. # إن نمو المتاحف في جميع أنحاء العالم على مدار التسعينيات لم يسبق له مثيل، من بين ~~الأمثلة الكثيرة على المتاحف الجديدة: متحف ms080 تيت مودرن، ومتحف هيوستن للفنون الجميلة، ~~ومتحف شيكاغو للفن المعاصر، ومتحف جوجنهايم في بلباو. حدد أدريان إليس على نحو مقنع ~~بعضا من الأسباب المحتملة وراء ذلك؛ أولا: لطالما كانت المتاحف سبيلا للتعبير عن ~~المكانة الاجتماعية التي تمنحها الثروة، وفي التسعينيات أضحت تلك الثروة أكثر تركيزا؛ ~~من ثم فعل الأغنياء ما فعلوه على الدوام، الفارق أنهم باتوا أكثر غنى الآن. ثانيا: ~~تلعب المنافسة القومية والإقليمية دورا، وقد تفحصناه بالفعل. ثالثا: تحتاج البرامج ~~الجديدة التربوية والترفيهية في المتاحف إلى مساحات أكبر. رابعا: إن أنماط قضاء وقت ~~الفراغ المتغيرة تعني التردد على المتاحف أكثر. أخيرا: تخلق توسعات المتاحف المنافسة ~~بين المتاحف نفسها، فالبقاء على الحال نفسها فيما يتوسع كل شيء محيط لا يبدو خيارا ~~جذابا. يستطرد إليس في جداله بأنه في ضوء حالة المتاحف التي ينقصها المال الكافي ~~باستمرار الذي يجعل من الصعب عليها صيانة المباني والاحتفاظ بفريق العمل، غالبا ما يتم ~~اللجوء إلى هذا التوسع من منطلق حالة الضعف. تعتمد المتاحف على الإعانات المتضائلة بوجه ~~عام من الدولة، والرعاية أو غيرها من الاتفاقيات مع الرعاة والشركات. من بين أكثر السبل ~~شيوعا لإعادة التمويل تقديم عروض محبوبة للغاية، والتوسع؛ فالحصول على تمويل خاص ~~لمشروعات توسعية جذابة أيسر كثيرا من دعم الإدارة الاعتيادية للمتحف. تكمن الصعوبة في ~~مسألة التوسع في أنه على المدى البعيد، ما لم يحقق البرنامج نجاحا كبيرا بحيث يولد ~~فرص تمويل أخرى كثيرة، يفاقم المشكلة الضمنية؛ مما يترك المتحف بمبان أضخم تحتاج إضاءة ~~وتدفئة وفريق عمل وصيانة. حث الازدهار الاقتصادي إبان التسعينيات على مزيد من توسعات ~~المتاحف، فمع الارتفاع السريع في البورصة أضحت المتاحف بصورة مباشرة وغير مباشرة على حد ~~السواء أكثر ثراء. لقد أحدث الركود الأخير توقفا كبيرا في الكثير من البرامج - من ~~بينها تلك الخاصة بمتحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون ومتحف ويتني ومتاحف أخرى - وإغلاق ~~فرعين لمتحف جوجنهايم، في منطقة سوهو بنيويورك ولاس فيجاس. # من نتائج هذا النمو الهائل، بوضوح، تحفيز إنتاج الأعمال الفنية. كما أوضح هاورد بيكر، ~~لم ms081 نصادف يوما متاحف فارغة نتيجة لنقص الأعمال الفنية الجيدة بدرجة كافية لعرضها؛ لذا ~~لا بد أن تتسم معايير الحكم وكم الأعمال المنتجة على حد سواء بالمرونة لملء المتاحف. ~~لقد كان هذا بلا شك حافزا آخر في توسيع النطاق العالمي للفن المعاصر، وهو سبيل رئيسي ~~لتوسيع حيز الإنتاج. # في هذه البيئة التي يحتدم فيها التنافس، ميزت المتاحف نفسها بعلامات تجارية. من ~~أبرز الأمثلة على ذلك مؤسسة جوجنهايم ، وهي امتياز عالمي للمتاحف، ومن أشهر فروعها ~~جوجنهايم بلباو. توسعت مؤسسة جوجنهايم، تحت إدارة توماس كرينس، بفروع جديدة في برلين في ~~إطار تحالف مع مصرف دويتشه بنك، وبفرعين آخرين تحولا إلى ضحيتين للركود (كما رأينا). ~~كانت أكثر مشروعات المؤسسة جرأة في بلباو، التي كانت مدينة صناعية ثرية في السابق بعيدة ~~عن درب المعالم السياحية، وانقسمت بفعل السياسة الانفصالية، والتي اشتملت على تفجيرات ~~واغتيالات شنتها منظمة إيتا الانفصالية. جاء في الوصف المفصل لكيم برادلي، أن المتحف ~~ارتبط بتطوير ميناء ومطار المدينة وبناء مترو أنفاق بالمدينة، والأهم من ذلك، متاجر ~~التجزئة ومكاتب ومساكن. لقد كان نجاحا فائقا بكل تأكيد في تحويل بلباو إلى وجهة ~~سياحية، وتميزت المدينة بالمبنى النحتي البارز لفرانك جيري، والذي كساه بمادة ~~التيتانيوم. تكبدت الحكومة الإقليمية مبلغا كبيرا، لتغطية كافة تكاليف مشروع جوجنهايم ~~بدءا من وضع التصور للمكان وتصميمه وبنائه وحتى إدارته. أنشئ صندوق اقتناء بقيمة ~~خمسين مليون دولار، مع أن الأعمال التي ستبتاع ستبقى ملكية لمؤسسة جوجنهايم. والأهم من ~~ذلك، كانت هناك رسوم معفاة من الضرائب بقيمة عشرين مليون دولار لاقتراض باقي مجموعة ~~جوجنهايم ولاستخدام العلامة التجارية. وقد جرى التسويق للمعرض للسائحين الأجانب في ~~الأغلب، وكان مدى تعامل المتحف مع اهتمامات إقليم الباسك مثارا لجدل ساخن في السنوات ~~الأولى له. إضافة إلى أن مشترياته وعروضه، رغم المبلغ المالي الضخم الذي منحته الحكومة ~~الإقليمية بغية تشكيل مجموعة إسبانية وباسكية، كانت «لأساتذة» أمريكيين وأوروبيين ~~مشهورين. لقد رأينا أن فن التجهيز في الفراغ يضمن حضور جمهور الفن الملتزم، يستطيع ~~البذخ المعماري فعل الأمر نفسه، وعادة ms082 ما يجتمع الاثنان في تضامن؛ إذ يستجيب التجهيز في ~~الفراغ مع بيئته. # من منظور أوسع نطاقا، بالنسبة لمنظمة فنية، فإن مؤسسة جوجنهايم مؤسسة تجارية تتسم ~~بالشفافية بصورة خاصة، فمعارضها تركز على مصالحها المالية. كان معرض «فن الدراجة ~~النارية» الأول ضمن عدد من المعارض التي بدا أنها توفر فرصا للرعاة أكثر من تقديم عرض ~~ثقافي. أما معرض «جورجو أرماني»، الذي أقيم في جوجنهايم نيويورك عام 2000، فكان عرضا ~~إطرائيا يرتبط، كما ظن البعض، بصفقة الرعاية المقدرة بخمسة عشر مليون دولار بين دار ~~أزياء أرماني والمتحف. كان المعرض استعراضا للبضاعة المتوفرة في الوقت الحالي أكثر منه ~~استعراضا تاريخيا لمنتجات دار الأزياء، ولم يقدم العرض أو الكتالوج شيئا يعدو ~~الاحتفاء بتصميمات أرماني. استأجر دار أزياء أرماني، في الواقع، المتحف لعرض إعلانات ~~له. # تشير مشروعات جوجنهايم إلى توجهات أوسع نطاقا؛ فقد ازدهرت العلامات التجارية في ~~الساحة الفنية، فطورت المعارض والمتاحف شعاراتها الجديدة بجهد جهيد منها لطبع السمة ~~الخاصة بالعلامة التجارية لها في أذهان الناس. أسفر استخدام «تيت» بوصفها علامة تجارية ~~(يشن العاملون بالتسويق هجوما منهجيا ضد مواد محددة وغير محددة) عن كيان يفوق فروعها ~~المادية المتعددة، ويحقق تضامنا بين علامات تجارية مختلفة عبر صفقات، على سبيل المثال، ~~لمباركة مجموعة من الطلاءات المنزلية التي تباع عند عملاق بيع المواد التي تحمل شعار ~~«اصنعها بنفسك»، بي آند كيو. يكافح الكثير من الفنانين على نحو مماثل لاكتساب تمييز ~~تجاري، وقليل منهم يحالفه النجاح، لقد أضحت تريسي إمين علامة تجارية تستمد منها أعمالها ~~الفنية. إن مثل هؤلاء الفنانين الذين يمثلون علامات تجارية هم شخصيات مجازية ينفذون، ~~على غرار الإنسان الآلي، سلوكا معينا ومتوقعا إلى جانب نتاجات أخرى. في أحد ~~الاجتماعات حول رعاية الفنون - أقيم بالجمعية الملكية للفنون عام 2001 - عبر ممثل ~~سيلفريدجز عن الأمر بصراحة: إن عرض صور لسام تايلور وود على واجهة المحال التجارية ~~أثناء تجديدها يمثل توحيدا لعلامتين تجاريتين، في صالح كل منهما. # لقد لاحظنا أن رعاية الشركات للمعارض تميل إلى مناهضة المحتوى النقدي أو الراديكالي. ~~إن ms083 تمييز المعارض بعلامات تجارية لا يزال يمثل قوى أكثر فاعلية في إخماد الفكر النقدي. ~~إذا أضحت الدار التي تعرض الأعمال الفنية شعارا استثنائيا (يظهر على أكياس التسوق ~~والحلي الصغيرة التي تباع بمتجر المتحف)، وإذا كان المتحف قد صنع على نحو باهظ الكلفة ~~نمطا تسويقيا لنفسه يتسم بألوان وخطوط وصور معينة تشكل هوية العلامة التجارية، فإن ~~محتويات المتحف هي الأخرى مميزة بعلامة تجارية بصورة ضمنية، حتى من خلال المواد التي ~~تطلق عليها تسمية أو تشرح معلومات عنها. إن الاتجاه هنا هو إنتاج عروض تستعرض عملا بعد ~~الآخر بتزكية متساوية، كما لو أن الأعمال الفنية لا تتنافس أو تتعارض فيما بينها أبدا. ~~تحظى محتويات المتحف بغطاء تأميني، وهي تكتسب تمييزا تجاريا بإدراجها الفعلي تحت ~~الغطاء التأميني. # مع استيعاب المتاحف والمعارض الفنية للممارسة التجارية وبحثها عن جماهير أعرض وأكثر ~~تنوعا، تغير طابعها. يقول بورديو في كتاب «حب الفن» عن المتحف الأوروبي في أواخر ~~الستينيات الذي لم يكن تغير بعد، فارضا على مشاهديه فكرة أن ما يختبرونه هناك شيء ~~مختلف أيما اختلاف عن الحياة اليومية: ~~... تعذر لمس الأشياء، والصمت الروحاني الذي يفرض نفسه على الزوار، والجمالية ~~المتزمتة لوسائل الراحة، القليلة دائما وغير المريحة نوعا ما، والغياب شبه ~~المنهجي لأي معلومات، والهيبة العظيمة للزخارف والاحتشام ... # إن زيارة متحف تيت مودرن كافية لإدراك قدر التغيرات التي وقعت؛ فلا تزال الدراما ~~المعمارية تعمل على الترسيخ في ذهن المشاهد أهمية ما يراه، لكن النتيجة ليست مؤثرة. ~~وتكتظ المعارض، التي تلعب دورا ثانويا بالنسبة لوسائل الراحة ومساحات التجوال، ~~بالناس الذين يجدون سعادة في التعبير عن أنفسهم، فالمعلومات غزيرة وهناك مجالات، على ~~الأقل، يشجع فيها التفاعل. # هذه التغيرات كانت من بين أسباب انفتاح الحيز المغلق للفن أمام عمليات العرض السلعي. ~~يضغط توجهان من التوجهات التي تفحصناها في هذا الفصل في اتجاهين معاكسين: الإتاحة ~~والأنماط الأكثر نموذجية للتسليع نحو الاندماج الجزئي على الأقل مع الثقافة التجارية، ~~والمهنية الأكاديمية للفن نحو الاستقلالية والخطاب النخبوي. إن تدخل الدولة يخفف من حدة ~~هذا التناقض؛ ms084 وذلك لأن الغرض الفعلي من المهنية، في المتاحف على الأقل، هو الاتصال ~~العام الفعال. # ثمة مجالات تصل فيها استخدامات الدولة والمؤسسات التجارية للفن إلى توتر أكبر. تسعى ~~الدولة إلى مجابهة تفريغ الديمقراطية من محتواها وتراجع الروح الاجتماعية التي تسببت ~~فيها النزعة الاستهلاكية الجامحة، وهي النتيجة ذاتها لأفعال المؤسسات التجارية. إن ~~الغاية الرئيسية للمؤسسات التجارية بيع سلع لجمهور يزداد ولعا بالانتقاد، ويرتاب في ~~أساليب التسويق التقليدية، كما أن منحنى سياسات الدولة يسير في اتجاه الاحتواء ~~الاجتماعي وتوسيع نطاق جمهور الفن. تكمن مصالح المؤسسات التجارية في السمة الحصرية للفن ~~في حد ذاتها والارتباط بالنخبة والمشاهير، وهو شأن مميز يكسبها مصادقة الثقافة الرفيعة ~~والوصول إلى أرباح وتغطية إعلامية باستمرار، وكلما أصبحت تلك العلاقة أكثر شفافية، تلوث ~~الفن بفعلها، فيبدو أنه ليس سوى جزء آخر من المسار العام للثقافة الجماهيرية بأداتها ~~المرهقة للدعاية والشهرة. لا شك أن جلب مادونا لإعلان جائزة تيرنر بمتحف تيت عام 2001 ~~كان الهدف منه إكساب الحدث شهرة أكبر، وبالمثل إعلاء شأن نجمة البوب في غضون ذلك بربطها ~~بالثقافة الرفيعة. مع ذلك، تجلت النتيجة في إدراك كل متفرج لموقعه، داخل النطاق ~~المألوف تماما للثقافة الجماهيرية، ولعبت الأعمال الفنية المعروضة دور إلهاءات مشوقة ~~إلى حد ما للمشهد الرئيسي الخاص بالسلوكيات السيئة للنجمة المتعطشة للشهرة. # إن حروب العلامات التجارية في التسعينيات جعلت الفن عنصرا أشد أهمية في إدارة الصور ~~التجارية، ربما يمكن لهذا الحط من مكانة الفن أن يستمر فحسب؛ فالمؤسسات التجارية التي ~~تهتم بصورتها العامة أو المشاركة في «الصناعات الثقافية» لا يمكن أن تترك ميزة المساهمة ~~في الفنون لمنافسيها. وعلى نحو نظامي، لا يسع المؤسسات التجارية سوى الاستمرار في تقويض ~~استقلالية الفن، وهي الأساس الفعلي لجاذبيته. # يتمثل التناقض الجوهري في أن الفن الرفيع، من حيزه المنغلق العتيق والمصون، يروج ~~للقوى الفعلية للنيوليبرالية، والتي إذا طبقت على الفن ستؤدي إلى تدميره. يشير بنجامين ~~بوكلو إلى أن النموذج الثقافي الذي تؤيده الدول أصبح مؤسسيا، كما ترغب المؤسسات ~~التجارية في تقليل التجربة الجمالية للأزياء؛ ms085 وهذا النموذج - كما يذكر بوكلو - يتناقض ~~بشدة مع المبدأ المثالي الديمقراطي للثقافة الذي تعرف فيه العامة نفسها وتدركه. إن ~~أطياف هذه المبادئ المثالية لا تزال تتشبث بالفنون (ويستغلها فنانون أمثال جيليك)، كما ~~أنها تظل ذات أهمية محورية في وجهات نظر الكثير من الناس تجاه الفن، بغض الطرف عن مدى ~~عدم الوفاء بتوقعاتهم بانتظام. إن هذه القضية هي العنصر الأهم في معارضة استخدام الفن ~~كخادم للتجارة والدولة، وسنعود إلى هذه النقطة في الفصل الأخير. # | هوامش # الفصل الخامس # | قواعد الفن الآن # من المعتقدات التقليدية الأساسية بعالم الفن، وما يتردد في كل مكان تقريبا، أن الفن ~~المعاصر معقد ومتنوع على نحو يتعذر فهمه. إن تنوع الأنماط والأساليب والموضوعات المعاصرة في ~~الفن محير بالطبع؛ فالوسائط التقليدية للرسم والنحت والطباعة زاد عليها فن التجهيز في ~~الفراغ و«الوسائط الجديدة»، التي يمكن أن تشتمل على أي شيء بدءا من فن الإنترنت إلى ~~البيئات الصوتية حاسوبية التحكم. يرسخ الفنانون لأنفسهم صورا تبدأ من المعلم الروحي أو ~~الديني التقليدي إلى الشخص الانتهازي الوصولي ذي النوايا غير الصادقة، وشخصيات تتضمن ~~الفتيات المراهقات المهووسات بالشهرة أو الأفراد المضطربين المتعالين. إن اهتمامات الفن ~~متنوعة أيضا، فتتطرق إلى الحركة النسائية وسياسات الهوية، والثقافة الجماهيرية، والتسوق، ~~والصدمة. لعل الشرط الجوهري للفن هو أن يكون لا سبيل إلى معرفته (يمكن أن تنطوي تلك ~~المفاهيم المتجسدة في صورة مرئية على تناقض)، أو لعل هؤلاء الذين يعتقدون في هذا الرأي ~~يساهمون في إخفاء تماثل مختلف. # ثمة أسباب عديدة تدعو للارتياب في أن الآراء التقليدية تخفي شيئا ما؛ أولا: معظم ~~الأعمال الفنية تعرف على الفور لكل من المبتدئين والمطلعين على حد سواء، وليس فقط لأنها ~~معروضة في المعرض. ثانيا: إن العشوائية التامة هي شكل من أشكال التماثل التام؛ فكل عنصر من ~~المجموعة المتنوعة للفن يمتزج مع غيره في عملية ~~تقود إلى تجانس أوسع. ثالثا: (وهي في تضارب مع الفكرة الثانية)، كما رأينا، فإن الإباحية ~~بعيدة تماما عن المجموع، وقدر كبير من الإنتاج الثقافي يستثنى على نحو صارم من ms086 عالم الفن ~~المعاصر. أخيرا: ثمة أعمال حالية (على غرار الإعلان) تستخدم رموزا مرئية بطريقة تقليدية ~~إلى حد بعيد؛ لذا لعل قابلية الفن على التعريف آخذة في الازدياد، جنبا إلى جنب مع ~~التصريحات التي تتباهى بغير قابليته جوهريا للتعريف. # بالطبع لا يمكن أن يكون هناك ادعاء بالموضوعية العلمية في أية رؤية من الرؤى الفنية، فلا ~~يمكن أن يكون تحليل ما موضوعيا على غرار دراسة لخنفساء مثلا؛ نظرا لأن أية رؤية لها ~~تأثير على المشهد عينه الذي تفحصه. ساهم التأثير الساحق لرؤية جرينبرج عن تطور الفن الحديث ~~بوصفه تقدما هيجليا نحو التجريد الرسمي في تحفيز الفن الشعبي الذي يمثل تفنيدها ~~الصريح. # منذ ظهور الفن الطليعي، لم يبد سوى الفن الذي ينظر إليه من بعد تاريخي أنه يتسم ~~بالتوجه والترابط، فيما يبدو الحاضر دوما غامضا ومشوشا. إن فقدان التوجيه في الحاضر الذي ~~يبدو أننا نشعر به حين نتأمل الماضي شعور راسخ منذ زمن بعيد. في واقع الأمر، إن هؤلاء ~~الكتاب الذين تبينوا دون غموض، وبقطع النظر عن الظرف، حافزا في الحاضر (على غرار جرينبرج) ~~كانوا الاستثناء. لعل النمط التاريخي في النظر إلى الفن يبسط ما نراه، فيختزله فيما له ~~أهمية للحاضر، لكن لعله ببساطة هذا هو الواجب الضروري للأعمال الفكرية التي لا بد فيها أن ~~تكون الظواهر المتنوعة منظمة، وموضوعة في تراتبات هرمية حسب الأهمية، والكثير يطويه النسيان ~~أو التجاهل، بغية تحقيق منظور هادف حول مشهد ما. تتجلى هذه الأعمال في فترتنا الراهنة، ~~فالفن الذي اعتبر في السابق أنه يقع على الأطراف الهامشية انتقل إلى مركز انتباه الساحة ~~الفنية. # أحيانا ما ينظر إلى الفن في التسعينيات على أنه توليف بين فن الثمانينيات المتسم ~~بالعظمة والإدهاش وبعض من اهتمامات الفن المفاهيمي. وتمثلت النتيجة في ربط اللهو اللغوي ~~والمفاهيمي مع الأشياء المبهرة من الناحية المرئية. ملأ توبياس ريبيرجر في «تخوم العالم ~~السبع»، على سبيل المثال، غرفة بمجموعات من البالونات الزجاجية تتوهج بأضواء مختلفة الألوان ~~في مشهد جميل يتغير ببطء، تعد الأضواء داخل البالونات تمثيلا لأحوال ms087 الإضاءة المحلية في ~~أماكن مختلفة حول العالم، المنقولة عبر الإنترنت. # شكل 5-1: توبياس ريبيرجر، «تخوم العالم السبع». # 1 # إن هذا العمل الفني من الناحية التقنية هو عمل بارع ومدهش وجذاب، وكذلك تجسيد ~~لفكرة. # ربما أن هذا التوليف هو نتيجة لجدل سلبي، والذي لم يفرض على الفن إدراكا بل تحجيما ~~للنقد الراديكالي للفن المفاهيمي، في مصالحة زائفة مع أكثر ما يمقته. هذا بالتأكيد مغزى عمل ~~تجهيزي لفنانين مفاهيميين متمرسين من جماعة «الفن واللغة» بمعرض ليسون عام 2002. وهناك ~~أعادوا صنع عملهم الشهير «الفهرس» - وهو في الأصل قطعة فنية تهدف إلى تشجيع التفاعل والحوار ~~- كتمثال بلا جدوى ملون بألوان قطع الحلوى، يجاور نصا إباحيا بلا معنى، وهو إشارة إلى ~~السلوكيات الغريبة لشباب الفنانين البريطانيين. # يتألف نطاق فني من العناصر المتفاوتة لهذا التوليف، أحد طرفي هذا النطاق - الطرف الأكثر ~~تقليدية والأكثر عرضة للارتباط بالأفكار الرجعية الخاصة بعبقرية الرجال - يمزج أكثر العناصر ~~وضوحا بإطار عمل مفاهيمي مع كميات كبيرة من العاطفة أو الروحانية أو النزعة الإنسانية ~~ليضمن إنتاج أعمال ملحمية. ربما يتبادر إلى أذهاننا هنا بيل فيولا، أو أنيش كابور، أو ~~أنتوني جورملي، و(مؤخرا) ماثيو بارني. وعند الطرف الآخر - وهذا الآن ممارسة عامة أكثر كما ~~شاهدنا - تدفع المفاهيم إنتاج أشياء مادية أو وسائطية منتقاة لتلائمها. يقاوم كلا الطرفين ~~تغلغل وسائل الإعلام؛ فالطرف الأول يقدم للمشاهد مشهدا مهيبا أو جليلا يصور الكميات ~~الهائلة للمادة أو (لاحقا) البيانات، وفي الأداء، يشكل جسد الفنان - وأحيانا دماؤه - ~~تأكيدا لحضور حيوي وفريد، كمقابل لكل ما ينسخ وينقل. وعند الطرف الآخر، توضع العناصر ~~العادية من البيئة أو الوسائط في تلاعب غير عملي، يمكننا تبين هذا بوضوح في أعمال تأخذ ~~مشهدا من وسائل الإعلام وتحذف المشهد ببساطة، مثال واضح على هذا التغيير الرقمي لبول فايفر ~~في فيلم عن مباراة الملاكمة بين محمد علي وجورج فورمان، «هدير في الأدغال»، ليحذف فيه ~~الملاكمين. لقد كان بالطبع هذا العبث بالصور والمواد والوسائل المستعارة سمة مميزة للفن ~~منذ انتهاء الحرب الباردة، والتي وهنت مع فن العباقرة ms088 العميق والجاد حتى بدا ممارسوه - وهم ~~قلة الآن - كناجين غرباء من عصر سابق، فيما لا يسع المتمسكون بالفن التقليدي سوى العويل ~~بسبب هيمنة «الفن المفاهيمي» و«فن التجهيز في الفراغ». # شكل 5-2: بول فايفر، «العد الطويل (هدير في الأدغال)». # 2 # إن ما يميز هذا الإنتاج الجديد دون غيره هو تحريك الرموز والأشياء الجاهزة (أو على الأقل ~~الأشياء التي تميز بسهولة) من مكان إلى آخر، وتجميعها في تشكيلات جديدة. فكر في تناول ~~الفنانين لذلك الشيء الذي يحظى بأكبر تقدير بين الأشياء الاستهلاكية، ألا وهو السيارة: في ~~عمل أوروزكو الشهير «لا دي إس» (1993)، تقسم سيارة سيتروين دي إس طوليا، ويؤخذ جزء من ~~منتصفها، ثم يلصق النصفان معا مرة أخرى ليخرج موديل أنحف، أو عمل جابينيته أوردو أموريس ~~عن سيارة أجرة من طراز لادا المطول (ثلاثة أجزاء جمعت معا) ليصنع سيارة أجرة ليموزين ~~كوبية، منتقدا على نحو جميل غرائب ظهور طبقة الأثرياء الجديدة على الجزيرة الكوبية؛ أو عمل ~~داميان أورتيجا الذي يظهر سيارة فولكس فاجن منفجرة، وتتدلى مكوناتها الداخلية كمخطط ثلاثي ~~الأبعاد لقطع الغيار المجمعة معلقة بأسلاك (ثمة الكثير من الأمثلة الأخرى، من ريبيرجر، ~~وفلوري، وتشارلز راي، وغيرهم). إن هذه العناصر القابلة للتحريك ربما تكون صفات وأشياء ~~أيضا، كما في عمل باولا بيفي لطائرة نفاثة مقاتلة مقلوبة، وأوروزكو «طاولة بلياردو ~~بيضاوية» (1996)، أو عمل موريزيو كاتيلان «الاستاد» (1991)، وهو عبارة عن طاولة ممتدة للعبة ~~كرة القدم يمكن أن تستوعب اثنين وعشرين لاعبا في وقت واحد. # شكل 5-3: صورة جابرييل أوروزكو، «لا دي إس». # 3 # شكل 5-4: باولا بيفي، «بلا عنوان (طائرة)». # 4 # أنتجت مجموعة واسعة من الأعمال الفنية التي ~~تشمل مثل هذه التركيبات البسيطة من العناصر. إن استقصاء عدد كبير من هذه الأعمال يعني ~~حصولنا على انطباع (مخادع) عن وجود آلة في الساحة الفنية تأخذ عناصر من أماكنها الوظيفية في ~~العالم وتعيد تدويرها وتجميعها، بحيث يدرك - بوجه عام - أي تجميع لرموز وأشياء في نهاية ~~المطاف. يعد الإبدال تقنية رئيسية في الإعلان، على غرار الفن، والذي يتحتم ms089 أن يسبب صدمة ~~أو يقدم تسلية أو على الأقل يثير اهتمام المشاهد، والاستخدام وتعيين المكان هما العنصران ~~الرئيسيان اللذان يفصلان الفن عن الإعلان، وبخلاف ذلك يظلان متقاربين ويسرقان بصورة متكررة ~~أحدهما من الآخر. # شكل 5-5: زبجنيف ليبيرا، «معسكر الاعتقال بمكعبات الليجو». # 5 # ثمة سبب هيكلي لهذا الاستكشاف المنهجي لمثل هذه التركيبات يتمثل في تنافس الفنانين على ~~العثور على مكان مميز داخل عالم الفنون. فعلى حد تعبير هاورد سينجرمان: «إن مهمة طالب ~~«الفنون»، على غرار تلك الخاصة بأعماله، أن يجد - ويميز - مكانه.» ومع امتلاء المزيد ~~والمزيد من الأماكن، يبدو كما لو أنه ليس هناك إثم في أي جمع بين العناصر. هناك حالة متطرفة ~~وهي عمل زبجنيف ليبيرا «ليجو» (1996)، وهو عبارة عن سلسلة من معسكرات الاعتقال بنيت بمكعبات ~~الأطفال، وعرضت جنبا إلى جنب مع أعمال استفزازية مشابهة عن الهولوكوست بالمتحف اليهودي في ~~نيويورك في معرض بعنوان «انعكاس الشر» عام 2002. # لدى تأمل هذه الأعمال الفنية من منظور المشروعات الفردية لكل فنان نجد أنها متنوعة ~~ومتميزة وذاتية، وكل منها يحمل معنى خاصا. ولدى تأملها من وجهة نظر العالم الفني بوصفها ~~نظاما، تبدو كأنها أجزاء لآلة تماثلية، تنتج نطاقا ضخما من التركيبات الجديدة يجري ~~اختبارها أمام جماهير مختلفة لمغزى تسويقي. # مخافة أن يعتقد القارئ أن رأي هيوم - بأن خيال البشر أجمع لا يعدو كونه دمجا لعناصر ~~موجودة - ينطبق هنا، يجدر ذكر أن هذه التركيبات قد أضحت أبسط مقارنة بالممارسات الحداثية ~~وحتى بعد الحداثية، وعناصرها موجودة بوضوح أكثر، وإعادة دمجها أضحت أكثر عشوائية، والمغزى ~~الذي تولده أضحى سريع الزوال ومقتضبا أكثر. لعل هناك ارتباطا بين التلاعب السريع بالصور ~~وتطور التجارة الحرة، وتدمير الحواجز، والذكرى التاريخية، والهويات لصالح قابلية الأشياء ~~والرموز والأجساد للاستبدال والتحريك. # إن هذا الارتباط برأس المال غالبا ما ينكر لصالح فهم آخر أكثر توافقا، في حين أن ~~المؤرخين الفنيين رأوا أن التناقض أو التنافر الأسلوبي في الماضي هو تعبير لاشعوري عن ~~التناقضات الاجتماعية (الاقتباس الكلاسيكي هنا هو تحليل ماير شابيرو عن المنحوتات في ~~سوياك)، ms090 يستخدم الآن أداء متعمد تماما لهذه المتناقضات للتأكيد على الوعي بانحطاط ~~الثقافة المعاصرة. بطبيعة الحال، إن هذا الوعي ذاته وتمثيله في الأعمال الفنية يسمح ~~للمشاهدين بالاستمتاع بمشهد الانحطاط، ويضمن لهم أن مجرد الوعي به كاف ليحملهم إلى مستوى ~~أسمى. # ينعكس هذا التماثل في صنع الأعمال الفنية على رؤى نقدية شهيرة عن الفن المعاصر في منتصف ~~التسعينيات، وهو ما ينبغي ألا يدعو للدهشة، لأن إنتاج الأعمال الفنية والكتابات التي تدعمه ~~غير منفصلين. مع ذلك، ثمة تباين صارخ بين الكثير من الكتابات الأكاديمية الخاصة بالفن ~~والنقد الفني؛ فقد نزعت الكتابة الأكاديمية إلى التعلق بالهيمنة المستمرة للتفكيكية، ~~والنماذج الفرويدية واللاكانية العتيقة (وهي غير موثوق بها على نطاق واسع في المجالات ~~الأخرى)، والرؤى القائمة على الهوية. من جانب، تعد الكتابات الأكاديمية التي تتكون من ~~قراءات متعمدة على ما يبدو، وتذخر بالاتحادات الشعرية والقفزات الاعتباطية، انعكاسا للحرية ~~التي توجد على نحو مثالي في الفن نفسه. إن أداء الكاتب عمل إبداعي شأنه شأن أداء الفنان، ~~وقدر كبير من الكتابة الفنية الأكاديمية أيضا يظهر تماثلا خفيا أفرزته الضغوطات ~~المؤسسية، يكمن أسفل أسطحها المتنوعة في الظاهر. تتمثل الميزة الخاصة في الكتابات التفكيكية ~~والنفسية التحليلية المهيمنة في أنها يمكن أن تطبق عشوائيا على أقل الأعمال من حيث ~~الملائمة ومع ذلك يمكن توقع الخروج بنتائج «خطيرة»؛ فما إن يتقن المنهج، فإن أية مادة ~~يمكن إدخالها في الآلة. اكتشفت مؤخرا فراغات صادمة حتى في الأسطح الملساء المصقولة بأعمال ~~سام تايلور وود، وهكذا تلبى حصص النشر التي تطلبها المؤسسات من الأكاديميين الذين أمامهم ~~وقت بحثي محدود. # إن هؤلاء الكتاب ممن يساهمون إلى حد بعيد في العالم الفني، ولديهم جمهور عريض من القراء، ~~لهم اهتمامات مختلفة تماما. في النقد الفني إبان التسعينيات كان هناك إحياء في الكتابة عن ~~موضوع كان مهملا في السابق وهو الجمال، والذي عكس ظهور الفن الزخرفي القابل للبيع مع ~~انتعاش الاقتصاد. يمكن أن ننظر إلى هذا الأمر بصورة جزئية باعتباره سبيلا للتغاضي عن قضايا ~~السياسة والمال والاختلاف والنخبوية التي ms091 مارست ضغوطا (أكثر مما ينبغي بالنسبة للبعض) على ~~الفن في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. # بغية فهم لهذه التطورات، سنتحدث عن ثلاثة من الكتاب الأمريكيين المهمين - وهنا سنعود إلى ~~المركز المهيمن لاستهلاك الأعمال الفنية - وهم يتقاسمون سمات مشتركة، رغم مواقفهم المختلفة ~~بدرجة كبيرة: آرثر دانتو، وتوماس مكافيلي، وديف هيكي. ثلاثتهم ذكور بيض ليبراليون (لذا ~~نستثني هنا المحافظين البارزين المتذمرين من حالة الفنون، على غرار روبرت هيوز وهيلتون ~~كرامر)، وثلاثتهم لهم قاعدة عريضة من القراء. ارتبط دانتو وهيكي بالتركيز المجدد على الجمال ~~في الفن المعاصر. # يكتب آرثر دانتو للمجلة الليبرالية اليسارية «ذا نيشن»، وهو فيلسوف ومنظر ذائع الصيت ~~عن الفن المعاصر، لا سيما ما يعتبره وقفة في الإنتاج الفني بدأه آندي ورهول. وعلى حد زعمه، ~~إذا كانت عبوات سلك الجلي ماركة بريللو التي صممها آندي ورهول لا يمكن تمييزها من الناحية ~~المرئية عن عبوات بريللو الحقيقية، فهذا يترتب عليه أن الفن لا يمكن أن يعرف من منظور ~~التمييز المرئي، ولا بد عوضا عن ذلك أن يعرف من الناحية الفلسفية. أما مكافيلي فهو ~~محاضر متميز في تاريخ الفن بجامعة رايس، وحاصل على الدكتوراه في الفيلولوجيا الكلاسيكية، ~~كما أنه محرر مشارك في مجلة آرت فورم، وقدم الكثير في سبيل تعزيز فهم الفن المعاصر غير ~~الغربي، كما أنه حاز اهتماما واسعا بنقده المنهجي والمتشدد للفرضيات التي انطوى عليها ~~معرض متحف نيويورك للفن الحديث لعام 1984 «البدائية في فن القرن العشرين»، والذي أدى إلى ~~جدال مطول وغاضب مع مشرفي المعرض. أما ديف هيكي، فهو أستاذ نظرية الفن والنقد الفني بجامعة ~~نيفادا بلاس فيجاس، وهو كاتب ذائع الصيت للغاية يملك أسلوبا نثريا مشوقا، وقد حصل على ~~«جائزة النبوغ» من مؤسسة ماك آرثر. جلب كل من هؤلاء النقاد الثلاثة مجموعة من الاهتمامات ~~المحددة والغريبة إلى النقد الفني، مثلما فعل الكثير من أفضل كتاب الفن؛ بالنسبة لدانتو، ~~فقد جلب الفلسفة، وبالنسبة لمكافيلي الأنثروبولوجيا والكلاسيكية، ولهيكي الأدب والموسيقى ~~الشعبية. # يزعم دانتو في كتاب «بعد نهاية الفن» أن ms092 طابع الفن قد تغير بصورة جذرية منذ السبعينيات ~~ومنذ أن لفظ الفن الطليعي أنفاسه الأخيرة، وهو الآن ما بعد تاريخي على الأرجح. إن وجهات ~~النظر الحداثية والطليعية ارتبطت بفكرة التقدم التاريخي ربما نحو التجريد الرسمي، أو امتزاج ~~الفن والحياة. من وجهة نظر دانتو، على النقيض، «تبدأ الحياة فعليا عندما تصل القصة إلى ~~نهاية.» وهؤلاء الذين يتوقعون الآن أن يتقدم الفن أغفلوا المغزى الرئيسي، ألا وهو أن ~~التوليف النهائي قد أدرك بالفعل. وفي حين أن دانتو لم يذكره، فإن هذا الموقف يقترب من موقف ~~الآراء السياسية لفرانسيس فوكوياما في كتاب «نهاية التاريخ وخاتم البشر»، وهو مستمد من ~~الادعاء الهيجلي نفسه بأن التاريخ قد بلغ النهاية، فيما تستمر الأحداث في الوقوع بالطبع، ~~وبأننا اكتفينا للأبد بنسخة من النظام الذي يدعمنا الآن. على نحو مماثل من وجهة نظر دانتو، ~~ما إن اجتاز التاريخ الليل الأسود للسبعينيات (والتي يقارنها، في ظل أعمالها المريعة ~~المعنية بالسياسة، بعصور الظلام)، حتى دخل في الجنان المشرقة للتسامح العالمي، ولن يغادرها ~~أبدا. وفي تلك الجنان، أي مزج بين الأنماط أو وصل بين القصص مقبول من حيث المبدأ كأي شيء ~~آخر. # شاهدنا أن هذا، من منظور واحد، وصف جيد ومعقول للفن المعاصر، وكان له صدى هائل في عالم ~~الفنون، حتى إن الشخصيات التي على خلاف كبير مع دانتو في نواح أخرى تردده. على سبيل ~~المثال، في كتابه «التصميم والجريمة»، يصف هال فوستر - وهو واحد من بين أعمق الكتاب ~~الأكاديميين عن الفن المعاصر أثرا ونفوذا - «انعدام الوزن الرمزي» للفن في الوقت الراهن، ~~وانفصاله عن التاريخ: # زيادة في الإيضاح: لم يعد الفن المعاصر يبدو «معاصرا»، بمعنى أنه لم يعد له ~~تأثير متميز على الحاضر، أو حتى «عرضيا»، على الأقل بقدر يزيد عن أية ظواهر ~~ثقافية أخرى. # يود دانتو أن يقول إن الفن المعاصر هو معاصر لكن هذا يعني ما هو أكثر من مجرد الأعمال ~~الفنية التي تصنع الآن: «إن المعاصرة هي، من منظور واحد، فترة اضطراب معلومات، وحالة من ~~الإنتروبيا الجمالية المثالية، ms093 لكنها بالمثل فترة من الحرية التامة إلى حد بعيد.» تلك ~~الحرية أفرزتها نظرة إلى الفن طرحت أسئلة فلسفية عن شروط وجوده، ولم تعد مرتبطة بأسئلة عن ~~الكيفية التي كان عليها. يستطيع الفنانون بعد أن تحرروا من عبء التاريخ ذاك صنع أعمال «بأية ~~طريقة يرغبونها، أو لأي غرض يرغبونه، أو دون غرض على الإطلاق.» إن هذا إنجاز يوتوبي مكتمل ~~يتردد دانتو قليلا في مقارنته برؤية ماركس وإنجلز عن الشيوعية التي يحقق فيها الناس ~~رغباتهم في نشاطات من اختيارهم. # في كتاب «الفن والاختلاف» - رؤية مكافيلي عن عالم الفن المعاصر ~~- قوض أشخاص آخرون عالميون حظوا بقدر متساو ~~وكامل من التعبير، الحقائق اليقينية الحداثية وسمحوا للتنوع بعد الحداثي بالازدهار. أما ~~الحداثة السيئة والعتيقة والعالمية الغائية (كما يصفها بقراءات مختلفة لكانط وجرينبرج) فقد ~~هزمت على يد حركة ما بعد الحداثة التعددية والتطلعية، ومن خلالها يتسنى لنا أن نلمح ~~مستقبلا يوتوبيا محتملا. إن وصف الحداثة المبين هنا (وهو وصف ربما يحظى بمصداقية أكبر ~~في الولايات المتحدة، حيث لا يزال طيف جرينبرج يلوح في الأفق) يتسم بالسلاسة والوحدوية، ~~وبراء من الكثير من الاختلافات والتناقضات والنزاعات التي كانت تشتمل عليها حركة الحداثة. ~~على أي حال، في ضوء أحكامها العابرة على الجودة - التي اعتبرت في السابق أنها مطلقة - من ~~الممكن تطبيق النسبية عليها، وفي فعل ذلك بمقدورنا الاعتماد على أدوات الأنثروبولوجيا. ومن ~~وجهة نظر مكافيلي: # في أوقات الحراك الاجتماعي الشديد، يمكن للفن أن يسهم في عرقلة أو إخفاء أو تشويه ~~أرجحية المجتمع للتغيير. واليوم، رغم كل الصعاب، يؤدي الفن الدور المعاكس، وفي تتبع ~~المستقبل، يستشعر سبلا ربما تظهر بمحاذاتها ذات جديدة في ضوء تاريخ له معنى ~~جديد. # في مثل أوقات الريبة هذه، ينتج الفنانون أعمالا قاتمة وتكهنية ومبهمة بالضرورة، وتكون ~~انعكاسا صادقا للعصر. جزء من هذه الريبة سببه ظهور وجهات نظر غير غربية متعددة، وتطبيق ~~مصاحب للنسبية على القيم الغربية، والتي رأى مكافيلي أنها انبثقت من الثمانينيات على وجه ~~الخصوص. من وجهة نظر مكافيلي هذا لا يعني نهاية التاريخ، ms094 بل نهاية نظرة واحدة فردية ومحددة ~~له؛ فقد أنتجت الكلية الأيديولوجية للحداثة تعددية عظيمة للمواقف، لكن هذا لا يعني أنه لن ~~يظهر توليف جديد، بل إنه لم تظهر له بارقة بعد فحسب. وفي الوقت الراهن، لا بأس في ذلك تماما: # لماذا لا يتنسم العالم لبرهة دون نظريات ما وراء قصصية تحاصره داخل مساحة ضيقة ~~يزعم أنها نهائية؟ لماذا لا نتركه يستشعر طريقه إلى المستقبل دون تلك الخرافات ~~الجامعة والعولمية والتعميمية والتخليصية التي تتقاسم سمات مشتركة كثيرة مع ~~النبوءات الدينية؟ # هذه الرؤية، شأنها شأن رؤية دانتو، هي رؤية مبهجة عن تنوع مشهد الفن المعاصر، وهي تحظى ~~بالمصداقية لأنه، في حين أن الحداثة لم تكن قط بمثل هذه البساطة أو الوحدوية حسب رؤية ~~مكافيلي، كانت هناك زيادة محسومة وإيجابية في تنوع الأصوات المسموعة في العالم الفني. في ~~كتاباته عن بيئة جمالية محددة في أفريقيا وآسيا، عزز مكافيلي ذلك التغيير وتبين أنه أكثر ~~تأثرا بالمتناقضات والتعقيدات التي ينطوي عليها من المزاعم العامة التي يقدمها في كتاب ~~«الفن والاختلاف». # يرغب ديف هيكي أيضا في أن يسترخي المشاهد ويستمتع بالفن، وعلى وجه الخصوص أن ينسى شرور ~~السوق. يضم كتابه «جيتار هوائي» التماسا للسماح للفن بأن يزدهر متحررا من التجهم في وجه ~~ما يصفه هيكي بأنه اختراع أمريكي خاص: «سوق فنية كبيرة وجميلة» والتي تعكس ببساطة ~~وديمقراطية الذوق العام. يزعم هيكي في كتابته عن موقف الأكاديميين بلاس فيجاس تجاه مسقط ~~رأسهم «أنهم يرون أن كل شيء يتعلق بالمال، وهو ما أتفق دوما على أنه أسوأ سبيل للتمييز بين ~~الأفراد، لكني أخالفهم الرأي بشأن بقية النقاط الأخرى.» ومن ناحية بديل السوق، الذي تولد ~~في كنف تمويل الدولة للفنون ويجري الترويج له في الأوساط الأكاديمية، هو ثقافة ذات إدارة ~~حكومية، سليمة من الناحية السياسية، ومصونة من الناحية النظرية، تتألف من ««نقد للتمثيل»، ~~ويكون في صميمه نقدا للحكومة النيابية؛ أي تأييد صريح لشرطة ثقافية حكومية جديدة.» # استخدم هيكي أسلوبه البياني الرفيع في دعم فكرة أن «الديمقراطية» تتجسد في آليات ms095 السوق، ~~بحيث تحدد قوانين العرض والطلب التراتب الهرمي للأسعار، الذي يعكس في الحقيقة ما يريده ~~الناس من الفن. إن هذه الرؤية ترتبط على نحو عام بالاتجاه القياسي للفكر الليبرالي القائل ~~بأنه لا يمكننا أن تحظى بديمقراطية في غياب السوق. إنها قضية أخرى، مع ذلك، أن تقول بأن ~~السوق يمكنها أن تؤدي دورا بديلا للديمقراطية. إذا كان هذا ادعاء مريبا حتى عند تطبيقه ~~على الأسواق الحرة، فتطبيقه على السوق الفنية - وهي كما شاهدنا سوق عتيقة ومحكومة ومقيدة ~~بدرجة كبيرة - أمر سخيف. # لكي يظهر هذا الرأي معقولا إلى حد بعيد، كان على هيكي الاعتقاد بأن التميز الثقافي ليس ~~له أهمية، وأن النظر إلى الفن لا يتطلب مهارة أو تعليما خاصا، وأن الدخول إلى عالم الفن ~~هو أمر تطوعي تماما (إذا أردت الدخول، فستدخل). ~~إنها نظرة مثالية على نحو مؤثر ليؤمن بها شخص مطلع على أسرار العالم الفني، وبريئة على ما ~~يبدو من آليات التميز الاجتماعي والمال والسلطة. يود هيكي أن يجعلنا نؤمن بأن: ~~«كل فرد» في هذه الثقافة يعي حرية تفويض الفن وإجازته، بعبارة بسيطة: «إن الفن ~~ليس بمستعص على الفهم.» وفيما وراء الميل للاستجابة والإذن لفعل ذلك، ليس هناك ~~شروط مسبقة للنظر إليه. # هناك أجزاء من الحقيقة في هذا الرأي: إن الفن بوصفه مهنة ليس محميا من الدخلاء على غرار ~~الطب أو المحاماة أو الهندسة، فتقدير الفن ليس حتما بمستعص على الفهم، وبمقدور الناس فهم ~~أشياء عنه بمجرد التعرض للمجال العام للثقافة التجارية. مع ذلك، يعد العامل المحدد الأكبر ~~لارتياد المعارض هو التعليم (كما رأينا)، وهذا يعود جزئيا إلى أن الفن على كل المستويات ~~(من الأكاديمية إلى التجارية) يعرف نفسه في مقابل الثقافة الجماهيرية. وفي فعله ذلك، يستخدم ~~بانتظام إشارات مرجعية معقدة لتاريخ الفن تتطلب معرفة متخصصة لدى مشاهديه. هيكي نفسه، وهو ~~بعيد كل البعد عن كونه شخصا عاديا، أمضى سنوات في تحضير الدكتوراه، ومن ثم اجتاز أكبر ~~الحواجز المنيعة أمام الوصول إلى مجال الفن. # يعتبر هيكي نفسه معجبا بالفن، مثلما ms096 هو معجب بالروك آند رول، ولا ينبغي أن يزعج معجب ~~الفنون نفسه بكون الفن سلعة أكثر من قلقه حيال شراء أو بيع الأقراص المدمجة. للرد على هذا ~~الرأي، علينا اللجوء إلى ناقد آخر شهير كتب الكثير أيضا عن الروك، وهو ديدريتش ديدريكسون. ~~في فحص ثاقب النظر لحالة نقد الفن المعاصر، يشير ديدريكسون إلى الاختلاف الواضح بين أدب ~~المعجبين والنقد الفني؛ فأدب المعجبين يكتب لهؤلاء الذين سيشترون المنتج على الأرجح، ~~ويساعدهم في تقرير فعل ذلك أم لا ، ونتيجة لذلك، فهو يتسم بالتركيز والذرائعية بدرجة عالية. ~~أما جمهور النقد الفني أجمع تقريبا، فليس أمامه احتمال امتلاك الأعمال التي يقرءون عنها. ~~تؤدي المؤلفات أيضا - في صورها الأكاديمية المتخصصة والشعبية - وظائف أخرى تماما، يكون ~~فيها الحكم على الجودة لا يذكر صراحة على الإطلاق، أو يذكر فقط على أساس أنه استعراض ذاتي ~~للذوق، وبالطبع تندرج مؤلفات هيكي ضمن الفئة الثانية. # أشرف هيكي مؤخرا أيضا على معرض دولي في إطار حملته لإعادة الجمال إلى حالته السابقة ~~والترويج للفن من خلال إزاحة ما يراه اهتماما نخبويا بالخطط السياسية والاجتماعية. كان ~~المعرض - الذي افتتح عام 2001، وهو البينالي الدولي الرابع في «سايت سانتا في» - تحت عنوان ~~متواضع: «المجتمع الراقي: نحو كوزموبوليتانية مفتداة». في الكتالوج الخاص بالمعرض، ذكر هيكي ~~أن ما تذكره الجماهير عن المعارض هو الأجواء (وليس الأفكار)، ولذا فقد عزم على إضفاء لمسة ~~من الفرح والبهجة على كل شيء. تحولت ساحة تخزين «سايت سانتا في» إلى معرض بحدائق ونافذة ~~ضخمة وتفاصيل معمارية مبهرة، وجرى ترتيب الأعمال الفنية في مشاهد جذابة. كان التقيد ~~بالتقاليد في البيناليات الهدف المفترض للاستعادة المنشودة. زعم هيكي أن هذه المناسبات ~~«مكرسة على نحو خاطئ لتسويق أفكار الهوية الإقليمية والصفة الاستثنائية المحلية باللغة ~~المعيارية للممارسة الفنية ما بعد التبسيطية.» أساء هيكي فهم الغرض من مثل هذه المعارض، ~~بالطبع، فقد رأينا كيف تأسست على فكرة الامتزاج والتبادل الثقافي، رغم أن هيكي محق بشأن ~~اللغة الموحدة التي تنتهي فيها كل هذه الاختلافات، وسوء الفهم هذا سمح لهيكي ms097 بتزكية نزعة ~~أممية تمتزج فيها الموارد الثقافية وتستهدف في الواقع الافتراضات الأساسية التي تنطوي عليها ~~الدولانية التي يتذمر منها. إن التناقض الفعلي هو سياسي بصورة مباشرة أكثر، ويتضح في ~~الادعاءات غير العادية التالية التي يقدمها هيكي، في حين أن المعارض التي تتعامل مع الهوية ~~الثقافية تنزع إلى أن تتألف من الأعمال الفنية التي تطرح مشكلات، فالأعمال الفنية في معرض ~~«المجتمع الراقي» يتطلع إلى حلها: «إن الحل الواضح للتنافر الثقافي له عواقبه الأخلاقية ~~والفكرية، ومجازاته الاجتماعية، واستخداماته ، ووظيفته.» (من الغريب أن البراعة العادية ~~لهيكي مع اللغة البسيطة تخلت عنه هنا، ربما تحت ضغط سخافة الادعاء.) إن تحول البينالي في ~~معرض «المجتمع الراقي» هو تحول تثقيفي. في سبيل الحفاظ على الاحتفاء بالامتزاج، بدل ~~الاستجابة القياسية للعمل من إيجابي إلى سلبي، لكن بأثر دعائي مماثل، يحبذ البينالي ~~التقليدي التعددية الثقافية ويتذمر من أن الحواجز العتيقة والمتحفظة للتجارة والتبادل ~~الثقافي تعيق تقدمه، لكن معرض «المجتمع الراقي» افتخر بنجاحاته الحالية والجمال الذي تولد ~~عنها. # عدد الفنان رينيه جرين بعضا من العبارات المبتذلة بالعالم الفني الحالي، والتي تجسدت ~~في تفكير هيكي: ~~(1) # لا حدود للفن. ~~(2) # إن التفكير يسبب زيادة الجدية وتناقص المرح والجمال، اللذين يعادلان المتعة ~~الجمالية. ~~(3) # أن تفكر يعني أن تفكر أكثر من اللازم، وهو ما يتعارض مع التجريب (الذي يرى ~~بلغة ثنائية ومن ثم يرتبط بالإحساس؛ أي إن الإحساس/التجريب مقابل ~~التفكير). # يفترض هيكي على نحو غريب أن الناس - وجماهير الفن المثقفة على وجه الخصوص - لا يمكنهم ~~الاستمتاع بعمل مرهق، أو عمل سياسي، أو حتى تلاعب بالأفكار. # يصل النقاد الثلاثة، دانتو ومكافيلي وهيكي، عبر طرق مختلفة تماما إلى وجهات مماثلة: أن ~~عالم الفن المعاصر (على حد التعبير الشائن لروبرت فينتوري ومعاونيه في كتاب «التعلم من لاس ~~فيجاس»، والذي يضرب بجذوره في حركة ما بعد الحداثة) «لا بأس به تقريبا». ينبغي على مشاهدي ~~الأعمال الفنية أن يتملكهم السرور جراء التمتع بالتنوع العظيم الذي لا يمكن تطويقه ~~للفن. # رأينا أن هناك أسبابا عديدة وراء تحول هذا التنوع بعينه ms098 إلى تماثل محدد. يشير بورديو إلى ~~سبب آخر: إن كلا من إنتاج الأعمال الفنية واستهلاكها، والتي انبثقت من تقليد مديد خاص ~~بكسر التقاليد، يحملان معهما قدرا هائلا من الإشارات التاريخية، فتصير تاريخية وغير مؤرخة ~~تماما في آن واحد؛ فهي تشير إلى عدد هائل من الأنماط لكنهما لا يذكران أيا منها، أو ظروف ~~نشأتها؛ فيختزل التاريخ في تاريخ خالص للأنماط، ويمتد كأنه طاولة يتسنى انتقاء أي مزيج من ~~الخيارات منها. # إن السمة المميزة لهذا السيناريو هي التقارب بين التفسيرات الأكاديمية للفن وتلك الكتابات ~~الأكثر شعبية التي تحبذ الاستمتاع مطمئن البال بالجمال. يحبذ كل من الأكاديميين الذين ~~يلتزمون بتطبيق مبدأ شفرة أوكام ضد أية مشكلة ثقافية محتملة، والنقاد الذين يجتهدون من أجل ~~وضوح عقلاني ومدروس ومسل، كلهم يحبذون التشظي، الفرد أو النفسية المنقسمة، وحدود المعرفة ~~المولدة اجتماعيا وسوء النية تجاهها، والإحساس المؤثر بالدوار من المجهول، وهم يفعلون ذلك ~~في وقت تزداد فيه هيمنة أساليب وتقنيات معقولة تماما على الفن. # على أية حال، تعرضت مصداقية هذه الآراء مؤخرا لصفعة؛ فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ~~على وجه التحديد، يتعارض ظهور الإمبريالية الصارخة للولايات المتحدة - باستهانتها غير ~~المبالية والفادحة بالقانون الدولي - مع العولمة والتعددية الثقافية المثالية التي تجلت ~~في رؤية مكافيلي. إن عودة المعارضة القوية للرأسمالية، ومعها الفن الطليعي، كان يجب أن تكون ~~مستحيلة إذا كانت رؤيتا فوكوياما ودانتو دقيقتين. أما تأييد هيكي للجمال والسوق، فقد بدا ~~مقبولا فقط ما دام أن الاقتصاد منتعش، واستمر مستهلكو الفن في التلذذ بالأشياء الجميلة. ~~سنرى في الفصل القادم كيف أن هذه العوامل وغيرها فاقمت التوترات الحالية في نظام عالم ~~الفن. # | هوامش # الفصل السادس # | تناقضات # الفن المعاصر، لا بأس، لكن معاصر لأي شيء؟ ~~(بول فيريليو، «الفن والخوف») # من الناحية الأيديولوجية، زعم ماركس وإنجلز أن الأشياء تبدو مقلوبة رأسا على عقب. يحتفي ~~الفن المعاصر بكل ما هو مفروض علينا باعتباره ممارسة للحرية، ويفعل ذلك على نحو معقول لأن ~~الحرية المتحالفة مع الاستهلاك هي تجربة النخبة، التي ترى الفن - من ms099 حيث تبني الأدوار ~~ونبذها، والهويات المتعددة التي تكونت - في ضوء اختيار المستهلك. لقد بدأت أحداث أخيرة - ~~مداهمة ركود عالمي جديد، وظهور الحركات السياسية الراديكالية، والعواقب الكثيرة لمشروع ~~إمبريالي تنتهجه الولايات المتحدة علنا - في تحطيم الاتفاق الذي ظل لفترة طويلة حول دور ~~الفن وطابعه، ونتيجة لذلك، بدأ التعبير عن بعض من الآراء المتنوعة للغاية حول الفن، حتى من ~~داخل نطاق النخبة المثقفة. # ربما يمكن لرؤيتين فرنسيتين حديثتين عن الفن المعاصر تقديم أمثلة على ذلك. من وجهة نظر ~~نيكولا بوريو في كتابه المؤثر «الجمالية العلائقية»، اتصف فن التسعينيات في مجمله بأعمال ~~جعلت من التفاعل الاجتماعي ميدانا جماليا، من خلال تقديم خدمات أو عقود للزائرين أو ~~بتيسير الاتصال بينهم ببساطة. يشرح أحد الأمثلة التي أوردها الفكرة جيدا: يذيع ينس هانينج ~~نكات بالتركية من خلال مكبر للصوت في ميدان في كوبنهاجن، مشكلا رابطا بين هؤلاء الذين ~~يفهمونها ويضحكون. من وجهة نظر بول فيريليو، في محاضرات نشرت تحت عنوان «الفن والخوف» ~~(واستقبلت على نحو سيئ عندما نشرت في فرنسا عام 2000)، ينشغل منطق الفن دوما بكسر ~~المحرمات، وتضخيم المشهد، وتوسيع حدود ما يعد إنسانيا، حتى إلى حد الانشغال بالتلاعب ~~الجيني الإبداعي. إن مثل هذا المنطق يتجه في النهاية نحو اغتيال الغايات الجمالية، وكما ~~رأينا في # الفصل الثاني ~~، صنع سيرجي بوجايف أفريكا فيلما يصور ~~حدثا حقيقيا لمحبي الجمال. إن مثل هذا العمل يصادق على موقف فيريليو حول انعدام الرحمة ~~وسيادة الجلبة بالفن المعاصر، ورغم أن الحقيقة والجمال والأخلاق، بصورة تقليدية ومثالية، قد ~~اجتمعت معا، فإن فيريليو يطرح السؤال التالي: «الأخلاق أم الجمالية؟» كما لو أن الواحد ~~منهما يستبعد الآخر. # إن الانقسام الهائل بين وجهتي النظر يعود جزئيا إلى خلفيات الكاتبين؛ فبوريو مشرف ~~معارض، وهو حاليا مدير مساعد لموقع مخصص للفن المعاصر تديره الدولة في «باليه دو طوكيو» ~~بباريس. وقد تشكلت آراؤه من خلال العمل مع الفنانين والحديث معهم؛ فكتابه لا يقدم نقاشا ~~فحسب، بل ترويجا لأعمال فنية يوصي بها بأسماء أصحابها؛ مثل أعمال فانيسا بيكروفت وليام ~~جيليك ms100 وفيليب بارينو، وروكريت تيراوانيت، وغيرهم. أما فيريليو، فهو فيلسوف ومتخصص في ~~التخطيط العمراني وناشط سياسي محنك، وتعود مساهمته في العالم الفني إلى عمله على الزجاج ~~الملون مع براك وماتيس، كما أن أفكاره - لا سيما المتعلقة بالرؤية والسرعة والحرب - مالت ~~إلى الكابوسية، وليس من المثير للدهشة أنه يكتب عن الفن الحالي باعتباره غير منتم ~~إليه. # من وجهة نظر بوريو، فإن الفن الذي يحث على التفاعل الاجتماعي بين متابعيه يتحرك مباشرة ضد ~~اتجاه عام لزيادة التشظي الاجتماعي ، بدءا من تخصص وظيفي متزايد باستمرار إلى ميل الناس ~~لحبس أنفسهم داخل منازلهم في صحبة الإعلام بدلا من صحبة أشخاص آخرين. يهون الفن من هذه ~~الحالة: «عبر تقديم خدمات بسيطة، يستطيع الفنانون ملء الفراغات بالرابطة الاجتماعية.» لا ~~يقدم الفن تعليمات نظرية فحسب، بل «يوتوبيا تقوم على المشاركة»، يوتوبيا صغيرة وخاطفة ~~وذاتية يستطيع فيها الناس تعلم العيش بطريقة أفضل، إلا أن «ميدان التبادل» هذا يجب الحكم ~~عليه من منظور جمالي عبر تحليل لنمطه، كما تعامل العلاقات الاجتماعية باعتبارها وسيطا ~~فنيا آخر يسهم في الفوتوغرافيا والفيديو والتجهيز في الفراغ. إن هذه الأعمال ربما تتضمن ~~أشياء تبدو أنها قطع فنية تقليدية وربما تشترى وتباع، رغم أنه ينبغي أيضا الحكم عليها في ~~النهاية باعتبارها جزءا من المشهد الكلي للنشاط الاجتماعي. إن هذا النموذج من الفن - كما ~~يزعم بوريو - هو إنساني وديمقراطي. # ثمة مثال معبر عن نوع الفن الذي يحبذه بوريو، وهو عمل جافين تيرك «قصة تشي جيفارا». ~~أعقب هذا الحدث سلسلة من الأعمال التي قدمها تيرك، والتي أدخل فيها وجهه الخاص في صور شهيرة ~~لتشي على لوح إعلانات بالأحمر والأسود وتمثال شمعي بالحجم الطبيعي للصورة الشهيرة التي ~~التقطت لإثبات وفاة الثائر. # شكل 6-1: جافين تيرك، «تشي جيفارا». # 1 # في عام 2001، في ابتعاد طموح عن المسار السابق في العمل، قدم تيرك سلسلة من ~~الاجتماعات والجلسات النقاشية عن حياة تشي وإرثه في قاعة فسيحة في شورديتش. أعقب اجتماعات ~~الاستراتيجية السياسية جلسات نظم فيها نشطاء تظاهرة من المفترض أن تكون ذروة السلسلة. ms101 كانت ~~الفكرة وراء هذا العمل - كما ذكر تيرك - استخدام مكانته بوصفه فنانا يحظى بأهمية إعلامية ~~لإعداد مساحة للنقاش والفعل تحظى بفرصة الظهور في وسائل الإعلام. # إن الانجذاب المتجدد لتشي يعود إلى أن حياته وصورته تمزج سحر الشباب مع الالتزام الثوري ~~الراسخ، وتضفي واحدة شيئا من الخطر شبه الغائب عن البال على الأخرى. من بين أسباب فكرة هذا ~~العمل تسليط الضوء على التباين بين السياسات الثورية لأمريكا اللاتينية والابتذال المحتدم ~~«للفن البريطاني اليافع»؛ ومن ثم التركيز - من وجهة نظر تيرك - على إشراقات التاريخ التي ~~تشع في الحاضر. إن النضالات اليسارية القديمة بدأت في التوهج ثانية نظرا لظهور حركات ~~مناهضة للرأسمالية، والتي طورت سبلا جديدة لإنشاء تحالف بين العمل السياسي والثقافي؛ فهي ~~تجسد ذلك الدمج الخطير للراديكالية الثقافية والسياسية والتي تذكر بها صورة تشي. # دفع تشي عصاباته الثورية إلى قراءة رواية «دون كيشوت»، ومشروع تيرك كان بالفعل كيشوتيا؛ ~~فلا يمكن إحضار مجموعة قليلة متنوعة من الناس على مدى أسبوعين وتصميم برنامج سياسي من لا ~~شيء. كانت المناقشة التي حضرتها مشوقة لكنها كانت أيضا بلا هدف ويعوزها التركيز، وكان ~~آخرون ممن تحدثت معهم وحضروا الجلسات النقاشية يتملكهم شعور مماثل. ومما يدعو للغرابة أن ~~الحدث الختامي هيمن عليه جدال مؤيدي التعري حول حقهم في التعري في العلن. # إن «قصة تشي جيفارا» هي نموذج لطابع الكثير من الأعمال التفاعلية على المستوى الاجتماعي؛ ~~فهناك توازن بين عدد المشاركين وتنوعهم والخطاب المحتمل. ينزع المشاركون النشطاء إلى أن ~~يكونوا قلة، ونخبويين، وانتقائيين، وفي هذه الفقاعات اليوتوبية المؤقتة لا يتم التوصل إلى ~~أية سياسة جوهرية؛ وذلك لأنه حتى بين هؤلاء الذين يحضرون بالفعل، يجري إنكار الاختلافات ~~وتضارب المصالح أو نسيانها بصورة مؤقتة، وتكون النتيجة على الأرجح سياسة رمزية ليس ~~إلا. # من ناحية، فإن استخدام تفاعل الجمهور يدخل من جديد حضورا فعالا لا يقبل الجدال إلى فن ~~يهدد بأن يتحول إلى لهو مفرغ لإشارات وأشياء جاهزة. لم يعد الحضور ذاك الخاص بعبقرية ~~الفنان، بل بالجمهور الذي يتحمس مؤقتا بالمبدأ المثالي ms102 الديمقراطي الذي يتعامل مع أفكارهم ~~وأفعالهم باعتبارها شيئا ذا قيمة، أو على الأقل يميز احتمالهم للمشاركة الإبداعية. # إذا كان هذا العمل بلا فائدة ورمزيا بإدراك ذاتي، فإن ظهور هذا النمط من الفن ربما يكون ~~أقل إيجابية مما يرى بوريو. لدى اقترانه بالتفكير في تفريغ السياسات الديمقراطية من فحواها ~~(تذكر مشروع «المواطن العادي» بالسويد)، فما يصفه بوريو هو استيعاب آخر لعالم الفن لما ~~انتهى أو أهمل، وتمثيل جمالي لما كان في السابق تفاعلا اجتماعيا، وخطابا سياسيا، وحتى ~~علاقات إنسانية عادية. إذا كانت الديمقراطية توجد في الأعمال الفنية فقط، فهي في مشكلة ~~كبيرة. # إن هذا النمط من الفن، مع ذلك، يلائم كلا من الحكومات (لا سيما الحكومات ذات التحول ~~الديمقراطي الاشتراكي، ومن هنا جاء انتشاره في أوروبا إبان التسعينيات)، وعالم المؤسسات ~~التجارية. إن الحكومات - كما رأينا - تنظر إلى الفن باعتباره مهدئا اجتماعيا، وتأمل أن ~~يؤدي الفن التفاعلي على المستوى الاجتماعي دور ضمادة للجروح الخطيرة التي يستمر رأس المال ~~في التسبب فيها. أما المؤسسات التجارية فربما توظفه على وجه خاص لتخفيف وطأة بيئات العمل ~~بلهو إبداعي، وتحرير بنى الشركات ومناهجها بفكر ابتكاري، وهكذا تعاد صياغة الفن باعتباره ~~مستشارا إداريا. # على النقيض من ذلك، لم تكن ملاحظات فيريليو حول الفن المعاصر ما ترغب في سماعه الدول ~~والشركات؛ فهي تحمل الكثير من الأخطاء بالفعل؛ لأن التعبير عنها كان بلغة متشددة وتهويلية، ~~وتحتوي على أخطاء كبيرة، كما أنها استفزازية لإقرانها قدرا كبيرا من إنتاج الفن المعاصر ~~مباشرة بالقتل الجماعي. مع ذلك، فإنها تعبر بوضوح عن قلق حول أن يضع هذا الفن نفسه في ~~مقابل الخطاب الإنساني والسكينة والتأمل، وفي خدمة القوى الذرائعية. لتوحيد آراء بوريو ~~وفيريليو، ربما يمكننا القول إن من بين الأساليب التي اتبعها الفن لفعل هذا الأمر تحديدا ~~تغليف التفاعل الاجتماعي بغلاف الأداء الجمالي. # إن منطق رأس المال تحريك جميع المواد والأجساد والثقافات والارتباطات بقوة في إطار البحث ~~الآلي عن تحقيق الأرباح. يكمن شكل مماثل لهذا الأمر في استبدال الرموز عديم الأهمية في ~~الفن. ms103 من وجهة نظر فيريليو، إن الإبداع الفني - المتحالف مع رأس المال - موجه ضد ~~الإنسانية نفسها، وهو ما يظهر على أبرز نحو في ممارسة التلاعب بالجينات. لقد كانت هناك رؤى ~~عديدة لبشر معدلين وراثيا في التصوير الفوتوغرافي الرقمي الحديث - على سبيل المثال، تلك ~~التي قدمها كل من مارجي جيرلينكس وإينيز فان لامسويردي - ساهمت، بمناظرها المصقولة، في ~~إضفاء طابع سحري لآفاق التغيير الإبداعي في الجينات. تمادى فنانون آخرون في الزعم بأنهم ~~تلاعبوا فعليا في جينات كائنات حية للحصول على أثر فني. سواء أجرى إدواردو كاك تعديلات ~~وراثية على أرنب أخضر فسفوري كعمل فني أم لا، فإن المغزى واضح: يملك الفنان الحق في استخدام ~~التلاعب الجيني لغايات جمالية معلنة. # شكل 6-2: إدواردو كاك، «ألبا، الأرنب الفسفوري». # 2 # في وجه هذا التحول المستمر، فإن الحصن الأيديولوجي الأعظم هو ذاتية المشاهد. منذ وقت ~~طويل، شعر ليو ستاينبرج أن عملا تفاعليا لروبرت روشينبرج اختزله في وظيفة مفتاح كهربائي. ~~حدث هذا قرب استهلال أعمال السبرانية التي كان لها مثل هذه النوايا تجاهنا. ومع ذلك، رغم ~~التلاعبات الواضحة للغاية بالمشاهد، فإن طابعها المنيع وغموضها المقترن باق. يطرح بورديو ~~سؤالا (اقتبسته في # الفصل الأول ~~) عن سبب وجوب تفادي الفن لجميع ~~التفسيرات، فيقول إن السؤال عن تفسيرات «يشكل تهديدا مميتا للتظاهر الشائع للغاية (بين ~~محبي الفن على الأقل) ومع ذلك «المختلف» للغاية عن تفكير المرء في نفسه على أنه فرد يسمو ~~فوق الوصف، وقادر على خبرات تفوق الوصف.» # وفي نهاية المطاف، إن غرض الفن هو أن يكفل لمشاهديه المثقفين أنهم - رغم فساد ~~الديمقراطية، وتلاعب الإعلام، وتلوث البيئة العقلية بالدعاية التجارية القوية التي لا تتوقف ~~- كما هم، لم يمسسهم سوء، ويتمتعون بالحرية. عندما يصادق الفنانون عليه، بإمكانهم المشاركة ~~في نقاش اجتماعي هادف مع غرباء من ذوي الميول المشتركة. # يواجه المشاهد العالمي بعالمية من نوع آخر. بين سيرجي جيلباوت كيف أن النزعة الإقليمية ~~والنزعة القومية - الاهتمامات المحلية الخاصة - بفن الولايات المتحدة أخذتا تتناقصان مع ~~تحرك الولايات المتحدة تجاه ترسيخ هيمنتها العالمية. في ms104 مرحلة متقدمة، بطلت هذه الهيمنة، ~~بحيث أنه لم يعد يشترط أن يكون الفن أمريكيا، بل يجب أن يصنع وفقا للنموذج الأمريكي ~~للنيوليبرالية العالمية. # يمكننا أن نخلص إلى أن الفن المعاصر الذي يحظى بأكثر إشادة هو الفن الذي يسهم في تدعيم ~~مصالح الاقتصاد النيوليبرالي، وكسر الحواجز التجارية، وآليات التكافل المحلية، والارتباطات ~~الثقافية في إطار عملية مستمرة من التهجين. لا ينبغي أن يكون هذا سببا يدعو للدهشة، لكن ~~ثمة تباين ضخم بين نظرة عالم الفن المعاصر لنفسه ووظيفته الفعلية. # يتجاوز الفن حدود الخصوصية المحلية، ويساعد في تغيير ثقافات واقتصاديات العالم ومزجها. إن ~~الجوانب التصاعدية والتنازلية لهذه العملية متصلة على نحو معقد. تنهزم مواطن المقاومة ~~المحلية، وفي أماكن كثيرة تسوء الأوضاع نتيجة لذلك. على نحو مماثل، يمهد الفن الطريق أمام ~~اندماج أكبر، وظهور تضامنات أوسع، أوضحها هارت ونيجري على نحو مقنع للغاية في كتاب ~~«الإمبراطورية». ومع ذلك، فإن أية سمة تصاعدية بدعم عالم الفن للنيوليبرالية هي معاكسة ~~لنظرته الخاصة لأفعاله، والتي تنصب على الخاص والشخصي وغير الذرائعي، وبالطبع ليس على ~~التضحية بالطبائع الخاصة في سياق التجانس العالمي. هذا التباين تحديدا هو الذي يشكل ~~الإسهام الرئيسي للفن، في النهاية، فيما تنفذه الثقافة الجماهيرية بصورة أكثر فاعلية ~~كثيرا: اجتذاب قطاعات من النخبة تسمو فوق ثقافاتها المحلية وتبتعد عنها، وذريعة أيديولوجية ~~فعالة للغاية لأفعال ذلك الجمهور في تواطئه مع رأس المال العالمي. # إلا أن هذا الموقف يتميز بتوترات وتناقضات مختلفة. لقد رأينا أن انعدام جدوى الفن - وهي ~~جدواه الرئيسية - تشوه بحاجات خاصة بالحكومة والشركات. وفي تطور متصل، تعرضت نخبوية ~~الفن للتشكيك نتيجة لمحاولة توسيع نطاق جاذبيتها: إذ تثمن الشركات الفن لسمته الحصرية، ~~فيما تهتم الدول بوجه عام بالنقيض، وترغب في توسيع حيزه. وفي النهاية إن وسيلة الفن ~~الإنتاجية، وهي تكنولوجية بصورة متزايدة، دخلت في صراع مع علاقاته الإنتاجية ~~العتيقة. # تندرج فرص استغلال هذه التوترات ضمن فئات أربع. الأولى: تحطيم الأيقونات؛ فتدمير الفن - ~~أو حتى محاولة فعل ذلك - هو الاعتراض الأساسي على الفكرة الضمنية للفن المعاصر القاضية ms105 بأن ~~كل الرموز متاحة بالتساوي أمام التلاعب. إن أقارب ضحايا مايرا هيندلي رأوا أن صورتها لا يجب ~~أن تكون عرضة لمثل هذا التلاعب، ودعمهم شخصان حاولا تدمير عمل ماركوس هارفي «مايرا» إبان ~~عرضه في معرض «شعور»، بالمثل تعرضت لوحة كريس أوفيلي «مريم العذراء»، التي جاور فيها الرسم ~~الرئيسي بمقصوصات من مجلات إباحية، للهجوم عند عرضها بمعرض «إحساس» بنيويورك. إن مثل هذه ~~الأعمال تتحدى أيضا الرأي الذي يؤمن به الكثيرون بأن جميع الأعمال الفنية جيدة، وهو نتاج ~~التعبير المطلق عن الذات. حين تتعرض الأعمال الفنية العامة للهجوم، يتبين محيطها وغايتها ~~وسياسة مباشرتها. كان الإحراق المتعمد المخطط جيدا في برمنجهام لمنحوتة «إلى الأمام» ~~لريموند مايسون، والذي مقته الكثير من سكان المدينة؛ ممارسة للسلطة المبتذلة على قطعة فنية ~~الغرض منها الدعاية للسلطة المحلية. # أما الفئتان الثانية والثالثة فتتمثلان في مذهب النشاط السياسي في الفن، والاستغلال ~~المتصل لوسائل تكنولوجية لتفادي نظام عالم الفن. كان هناك بعض الانتقادات الصريحة ~~للنيوليبرالية داخل نطاق البيناليات العالمية. اتخذت أحدث مناسبتين لمعارض «دوكيومنتا» من ~~المشاركة السياسية موضوعا لهما: فمعرض «دوكيومنتا العاشر»، تحت إشراف كاثرين ديفيد، اتخذ ~~سمة لا سياسية لعالم الفن في ذروة انتعاش التسعينيات، ونتيجة لذلك أدين أشد الإدانة في ~~مناح كثيرة لكونه يتأمل الماضي ويشتاق إليه؛ ومعرض «دوكيومنتا الحادي عشر»، أشرف عليه أكوي ~~إنويزر، وكان إشارة واضحة أخرى على أن الفن الهامشي انتقل إلى مركز الاهتمام، فقد ضم مجموعة ~~هائلة من الأعمال النقدية، دعمها نقاشات جرت في أماكن كثيرة حول العالم، ونشر حوارات عن ~~الديمقراطية، والصدق والتصالح، والكريولية والمدينة في أمريكا اللاتينية. مع ذلك، ما دام أن ~~هذه الأعمال تبقى داخل نطاق بنى العالم الفني التقليدية، فإن هذه الانتقادات تحتوي تناقضات ~~واضحة في ذاتها توهن من قوتها المحتملة. # في كتاب صغير مازح - يصور حوارا بين ماثيو أرنات وماثيو كولينجز عن معرض «دوكيومنتا ~~الحادي عشر»، ومن خلاله حديث بالمثل عن شخصيهما ولغتهما النقدية - يعبر الكاتبان عن ~~انزعاجهما من استعراض الأعمال المغايرة. وبصورة نمطية، لا يملك كولينجز، وفي سبيل ms106 جعل ~~القارئ غير منزعج من سهوه وقلة خبرته، سوى ذكريات مبهمة ومشوشة عما شاهده، مع ذلك يذكر ~~اعتراضه على الطريقة التي «عبس بها جميع الموجودين فوق المنصة بالمؤتمر الصحفي، ويشعرون ~~بألم المعاناة، أو معاناة الألم، أو على الأقل كانوا يتحدثون بتكلف وكانوا يجفلون كثيرا.» ~~إن المغزى المهم هنا أن مثل ردود الأفعال هذه متفق عليه مقدما. بالنسبة لهؤلاء - أمثال ~~كولينجز - الذين يعادون الافتراضات «السليمة سياسيا»، فمثل هذه الأعمال ضعيفة. # يحدد أرنات، بلغة نثرية منمقة عدوانية، ما يمكن أن يمثله حراك هذه الرؤى من مغزى صنعها ~~إلى فخامة الفن الألماني: # الجميع «يعلم»، وذلك بناء على عرفانية معكوسة - شيء مثل العجرفة ذات المبادئ - ~~التي توظف في «خدمتها» الكائنات الحية بأفريقيا (الغنية بالألوان والراقصة في كل ~~فرصة)، «والمشاعر» المعذبة لضحايا «البشاعات» السياسية والاقتصادية المبعدين ~~جغرافيا، وتوحد بينها. بتلك الطريقة، فإن اعتذار المركز على مركزيته الخاصة ينسحب ~~على إدارة شئونه المريعة والشاذة، إذ يأتي بفاكهة الغيرية العجيبة، ويخفقها لتتحول ~~إلى شيء هلامي القوام؛ كم هو أمر مقزز! # كما يذهب إلى أن هناك تناقضا بين الفردانية الاحترافية لهذا الحدث (يحاول المشرفون، ~~شأنهم شأن الفنانين، شغل مساحة فريدة) وانشغالات الحدث الجذرية (التي يبدو أنها تميل نحو ~~المذهب الجماعي). # إلا أن السوء الذي انطوى عليه عرض هذه المشكلات في الفن لا يكمن في أن هذه الموضوعات هي ~~ردود أفعال انعكاسية للتيار اليساري، ولا في إخفاق في توجيه اللوم إلى أناس تعرض أمامهم مثل ~~هذه الأعمال، بل يكمن في الاحتمال الطفيف للغاية أن العالم الفني وحده يمكنه فعل أي شيء ~~للمساعدة. إذا كانت الأعمال الفنية تعرض دون أي احتمال أن يكون لها صدى، فسيصبح عرضها مجرد ~~أداء ومشاهدتها شكلا من أشكال التسلية. سيقال إن العالم الفني ليس منفصلا بحواجز فاصلة عن ~~باقي المجتمع، بحيث يكون لهذه المعارض تأثير أوسع، وهذا يمكن أن يكون صحيحا بصورة متزايدة ~~إذا استمر تدمير استقلالية الفن، بيد أن تهميش الفن الحالي، عند مقارنته بباقي الجوانب ~~الثقافية، يعني أن تلك الآثار من المحتمل أن ms107 تكون ثانوية. إن وجهة نظر والتر بنجامين ~~القديمة لا تزال قائمة هنا: إن الفن الراديكالي يحتاج إلى فعل شيء أكثر من جعل السياسة ~~موضوعه، لا بد أن يغير من الطريقة التي يصنع ويوزع ويشاهد بها. # كان الخروج من الميدان التقليدي لعروض المعارض والمتاحف أحد ردود الأفعال. منذ منتصف ~~التسعينيات، مع ظهور متصفح الويب، هدد نزع الصفة المادية من الأعمال الفنية - لا سيما في ~~توزيعها اليسير عبر شبكات رقمية - النظام المصون للفنون. ماذا ستصنع السوق بعمل قابل للنسخ ~~بدقة مثالية ، ويمكن وضعه على آلاف من الخوادم وملايين من أجهزة الكمبيوتر في آن واحد، ويمكن ~~للمستخدمين تفكيكه وتعديله؟ كيف يتسنى للمرء شراء أو بيع أو امتلاك مثل هذا الجزء من ~~البيانات؟ وهذا هو الموقف - ذا الأهمية المحورية في نظرية ماركس - الذي يتعارض فيه تحديث ~~وسائل الإنتاج مع علاقات الإنتاج. وفي الفن الرقمي، يتعارض استخدام وسائل التكنولوجيا ~~الجديدة لإعداد العمل الفني وتوزيعه مع الممارسة القائمة على الحرفة ومع الرعاية وكذلك مع ~~النخبوية التي يتسم بها العالم الفني. # أسهم فنانون في عالم الإنترنت، جنبا إلى ~~جنب مع الشركات التجارية التي بذلت جهودا منسقة لتغيير الإنترنت من كونه منتدى إلى مركز ~~تسوق تجاري. لقد كان هذا الاستعمار التجاري موضوعا ثريا لفناني الإنترنت الذين أنتجوا ~~أعمالا فنية ذكية ومعقدة تهدف إلى جذب المتسوق وإدهاشه. من بين أكثر الأعمال شهرة ذلك ~~العمل الذي نشرته مؤسسة الأعمال الفنية إيتوي؛ فعملها «اختطاف رقمي» حول المتصفحين الذين ~~كتبوا في محرك البحث كلمات مثل «مادونا»، و«بورش»، و«بنتهاوس»، ونقروا فوق الموقع الأعلى ~~تصنيفا لإيتوي، ثم حياهم بهذا الرد: «لا تحرك ساكنا، إن هذه عملية اختطاف رقمي.» تلاها ~~تحميل لملف صوتي عن محنة مخترق حاسوب مسجون وهو كيفن ميتنيك، واختطاف الإنترنت من قبل شركة ~~نتسكيب. وآخرون - من بينهم ريتشل بيكر، بفحصها الدقيق للدراسات الاستقصائية الخاصة ~~بالعملاء، والتنقيب في البيانات، وبطاقات خصومات العملاء - دخلوا في نزاع مع الشركات ~~التجارية التي استخدمت قوانين حقوق النشر لكبت حرية التعبير عن الرأي. صممت بيكر موقعا ~~يعد مستخدمي ms108 الويب الذين سجلوا للحصول على بطاقة خصومات العملاء من شركة «تيسكو» بتقديم ~~نقاط لهم أثناء تصفحهم الشبكة، شريطة أن يستكملوا استمارة تسجيل تطرح أسئلة على غرار: «هل ~~تقدم غالبا بياناتك الشخصية للمسوقين؟» و«ما مدى أهمية بياناتك الشخصية لعملاء التسويق؟» ~~وسرعان ما تلقت خطابا من شركة تيسكو تهددها فيه بإرسال أمر زجري قضائي ومطالبة بتعويض عن ~~أضرار. # شكل 6-3: إيتوي، «مؤسسة، موقع توي وور». # 3 # هذا النمط الفني دليل على تطور هائل أوسع نطاقا؛ فمن نوع فتاك مستعاد للرأسمالية - في ~~وقت انتصارها الظاهري - خرجت حركة معارضة متماسكة، مكونة من السياسة المتشظية القائمة على ~~الاهتمام بقضية واحدة. يزعم مايكل هارت وأنطونيو نيجري أن هذا ليس بمصادفة، أن تنبثق القيم ~~التعاونية من تحول الاقتصاديات الأساسية بعينه إلى معالجة البيانات، والتي يمكن أن يمثل ~~فيها التعاون بين الشركات والمستخدمين والمنتجين قوى تنظيمية أكثر أهمية من رأسمال ~~الاستثمار. وتأتي النتيجة في «احتمال ظهور نوع من الشيوعية تلقائي وأولي». إن حركة ~~البرمجيات الحرة - التي قامت على هذا التعاون العالمي التطوعي تحديدا المحمي بصيغة غير ~~أصلية من قوانين حقوق النشر - هي تحد لهيمنة شركة مايكروسوفت وتضرب مثالا بارزا على هذا ~~العمل الجماعي في أرض الواقع. # إن المنهج الرابع في استغلال التوترات داخل نطاق الفن المعاصر هو تحدي وهم انعدام جدوى ~~الفن من خلال إنتاج أعمال لها نفع صريح. إن التأليف بين التقنيات الإنتاجية وغير الإنتاجية ~~في المضمار الرقمي أيقظ شيئين كان الظن أنهما دفنا منذ زمن بعيد حتما: الفن الطليعي، ~~والاستخدام السياسي للفن. من وجهة نظر بنجامين بوكلو، فإن النموذج الفني الرئيسي الذي يحمل ~~قيمة انتفاع هو البنيوية السوفييتية التي تشكلت بعد الثورة لأغراض محددة واضحة المعالم. في ~~عالم الإنترنت على وجه الخصوص، حيث تكون الحدود بين الإنتاج والنسخ واهنة، كان الفنانون ~~يكتشفون من جديد قيمة الانتفاع. حارب بول جارين التسمية الحصرية والمحكومة بصورة مركزية ~~للمواقع على الويب، وهو - كما يزعم - ما يتناقض مع الآفاق الديمقراطية للشبكة. صمم حلا ~~تقنيا عمليا بشأن نطاقات المواقع، # Name.Space ~~، وأصر على ms109 ~~استخدامه العملي ونفعه السياسي في تحد للذين يظنون أن العمل الفني لا بد وأن يكون غير ~~وظيفي. تحالفت أعمال نشطاء آخرين مع الحركات السياسية الجديدة - على غرار برنامج # FloodNet # الذي صممه بريت ستالبوم - وانشغلت بالاختلال ~~المباشر للنزعة الاستهلاكية. أثبتت حملة ضد مؤسسة الإنترنت العملاقة - إيتويز التي استخدمت ~~إجراء قانونيا لإغلاق موقع الجماعة الفنية إيتوي - فعاليتها للغاية لدرجة أن الحملة ~~(جنبا إلى جنب مع الركود) فرضت على الشركة الحراسة القضائية. لعل أكثر الأعمال تطرفا ~~وإنتاجية في غضون السنوات القليلة الماضية لم يكن تلك الأعمال التي ركزت على نطاق قوة ~~النزعة الاستهلاكية وفي إطارها، بل تلك التي استكشفت حدودها، وما يكمن وراءها. # إن الفن على الإنترنت يثير - بدرجة أكثر فاعلية من معالجته العتيقة بالمعارض - قضايا ~~الحوار والديمقراطية بوضوح. إن الديمقراطية هنا منفصلة عن السوق، والحوار سريع، والاقتراض ~~متكرر، والانفتاح جزء من الأخلاقيات العامة، وثمة خط ضبابي بين صناع العمل ومشاهديه. هناك ~~تباشير بالتضحية بالفنان المستقل والمشاهد المنعزلة لصالح المشاركة الجماعية إضافة إلى ~~الصفات الأكثر حتمية ومراوغة بالفن، وردود الأفعال الهادفة والفعالة. # إن مثل هذه الأعمال المفيدة ليست مقيدة بعالم الإنترنت، رغم أنها تزدهر في ذلك العالم ~~نظرا لأن الشركات الراعية والمتاحف المشرفة لا تحدد ما يشاهد. أنتج آلان سيكولا كما ~~ضخما من الأعمال الفنية، تتناسج فيها الصور الفوتوغرافية مع النصوص، وتعالج موضوعات هامة ~~في مشروعات طموحة طويلة الأمد: التجارة البحرية، على سبيل المثال، في كتابه الذي يتسم ~~بالدقة والانعكاس الذاتي «قصة سمكة». ومؤخرا، قدم إسهاما صغيرا ببضع عشرات من الصور التي ~~ظهرت في معارض كعرض شرائح (عرضت على نحو معبر عند النصب التذكاري الفاشي لكريستوفر كولومبوس ~~في لشبونة)، وأعقب أيضا النصوص في كتاب بعنوان «خمسة أيام هزت العالم»، و«الخمسة أيام» هي ~~التظاهرات المناهضة لمنظمة التجارة العالمية التي جرت في سياتل قرب نهاية عام 1999. كانت ~~النصوص التي أحاطت هذه الصور - لألكسندر كوكبرن وجيفري سانت كلير - تصف الأهداف والأساليب ~~والفصائل الموجودة بين المتظاهرين، والرد الوحشي (وبالطبع، القاتل على الأرجح) من الشرطة. ~~لا يدعم سيكولا ms110 نفسه - على غير العادة - الصور بنصوص كثيرة، زاعما أنه في وجه مثل هذه ~~الغرابة «فإن فراسة وصفية بسيطة مكفولة» علاوة على ذلك: # أتمنى أن أصف مواقف المتظاهرين العزل، وأحيانا يتعرون عمدا في صقيع الشتاء، وهم ~~في انتظار قنابل الغاز والطلقات المطاطية والقنابل الارتجاجية. كانت هناك لحظات من ~~الفعاليات بالمجتمع، ولحظات أخرى من الاضطراب بالحضر، وغيرها من لحظات ~~الاحتفال. # شكل 6-4: آلان سيكولا، «في انتظار قنابل الغاز». # 4 # إذن في غضون الانتظار، طبعت لحظات جامدة في إطار فوتوغرافي، لكنها تضم قدرا هائلا من ~~الوقت مضمنا داخلها، وقت يتطلع للمستقبل لكن من المؤكد للغاية في توقع ورهبة، ويتأمل ~~الماضي أيضا؛ لأنه كان هناك سمة عتيقة حيال كل من التظاهرات وتلك الصور، شعور بأن ~~التاريخ يعيد تأكيد نفسه. ماذا أعاد تنشيط الوقت في مثل هذه الصور؟ ليست الأحداث بسياتل ~~وحدها بل الطريقة التي بدت بها تضمنها داخل نظام أوسع للتغيير؛ فالجماعات سريعة الغضب التي ~~ركزت على قضية واحدة في السابق تندمج داخل انتقاد واسع للنحو الذي تسير عليه الأمور. إن ~~المشروع الإيجابي للحركات الحديثة هو مثار جدال، لكن خطوطه العريضة بينة: حماية البيئة، ~~وزيادة المساواة، وجعل الديمقراطية تعني ما هو أكثر من انتخابات دورية للحكام والأحزاب في ~~بلوتوقراطيات (حكومات أثرياء) ثابتة. # مجددا، يحمل هذا العمل قيمة دعائية واضحة، ولا يسعى إلى أن يكون لغزا في ذاته أو إلى ~~تملق المشاهدين عن طريق التأكيد لهم على العمق الهائل لتفكيرهم. لا شك أنه من الممكن أن ~~يصب تقديم المعارض لهذا العمل في صالح تكريم مضيفيه. مع ذلك إن الدور الأكبر الواضح والمحدد ~~للعمل يتعارض مع تلك الوظيفة؛ لأنها لا تتواءم مع المثاليات الضبابية المعتادة التي تدعم ~~مكانة الفن والمعرض. # إن سؤال جدوى الفن يأخذنا، بطبيعة الحال، مرة أخرى إلى حرية الفن. إن اهتمامات الفن ~~بعينها - الإبداع والتنوير والإلحاح والنقد الذاتي - مبنية على أسس ذرائعية بقدر الأشياء ~~التي تساعد في إخفائها - التعاملات التجارية وتصنيف الحكومة للأعمال الفنية والحرب - وهذا ~~هو الاعتبار الذي لا بد من إخفائه. ms111 ويمكن فعل هذا؛ نظرا لأن التحرر المحلي المتوفر في ~~إنتاج الأعمال الفنية، وفي الاستمتاع بها، أصيل. يستشهد بورديو بخطاب لفلوبير حول حرية الفن: # لهذا السبب أحب الفن؛ فهناك - على الأقل - كل شيء يتسم بالحرية في هذا العالم ~~القصصي، وهناك يشعر المرء بالرضا، ويفعل كل شيء؛ فيكون ملكا ورعاياه، نشطا ~~وسلبيا، ضحية وقسا. لا توجد حدود، الإنسانية بالنسبة إليك دمية بها أجراس ~~تقرعها في نهاية الجملة كشعور الإثارة الذي يسببه المهرج. # يلمح فلوبير كثيرا إلى أن السيادة الحرة للفنان (والقارئ أو المتفرج ) هي قوة عاتية. في ~~تحليل بورديو، ابتيعت الحرية عند فلوبير، وتلك الخاصة بالفن الطليعي بوجه عام، مقابل ~~الانفصال الفعلي عن عالم الاقتصاد. كان كتاب بوهيميون آخرون هم السوق الرئيسية وغير ~~الملائمة بصورة فادحة لهذا النمط من الأعمال، وألفت كتب في تحد متعمد للفهم البرجوازي. ~~تشكلت استقلالية الفن من رد فعل ضد كل من المؤلفات البرجوازية الرفيعة والأدب الواقعي ~~المنشغل بالقضايا، وتحقق الاستحسان - إذا كان تحقق على الإطلاق - بعد مرور وقت طويل من ~~الزمن، مع أنماط طليعية جديدة حلت محل القديمة وروضتها. من اليسير رؤية أن شروط تلك الحرية ~~لم تعد موجودة في عالم الفن؛ فالفنانون يشعرون بالراحة في كنف السوق، والأعمال الفنية تصنع ~~للتودد إلى العامة، مع الإبقاء على قدر كاف من الاستقلالية لتعريف الفن على أنه فن، لكن ~~بخلاف ذلك فمعظم الأنماط والموضوعات منغمس فيها، وغالبا ما يأتي النجاح سريعا، أو لا ~~يأتي على الإطلاق. # في مثل هذه الظروف، تتناقص مصداقية حرية الفن وسلطته. من بين الملاحظات الافتتاحية في ~~كتاب «النظرية الجمالية»، قال أدورنو عن الحرية الفنية: «إن الحرية المطلقة في الفن دائما ~~ما تقتصر على شيء خاص؛ مما يتناقض مع غياب الحرية الثابت للكل.» وحتى انمحاء غياب الحرية ~~الأوسع نطاقا هذا، فإن الحريات الخاصة للفن تتخلل الأصابع كالرمال. وفي حين أنها قد تفتح ~~نافذة يوتوبية على عالم أقل ذرائعية، فهي تخدم أيضا دور ذرائع فعالة للاضطهاد. على النقيض ~~من ذلك، تشكل الأعمال التي تحمل فائدة واضحة ضغطا ms112 على التناقضات المتأصلة في النظام الفني، ~~وتسعى إلى تحرير نفسها من عبودية رأس المال. إن انتهاك استقلالية الفن الحر يعني رفع أحد ~~أقنعة التجارة الحرة، أو العكس بالعكس، وإذا تقرر هجر التجارة الحرة كنموذج للتطور العالمي، ~~فسيسري ذلك حتما على حليفها؛ وهو الفن الحر. # | هوامش # | المراجع # الفصل الأول: منطقة حرية؟ # Rasheed Araeen, # The Other Story: ~~Afro-Asian Artists in Post-War Britain ~~(London: ~~Hayward Gallery, 1989). # The Art Sales Index: # www.art-sales-index.com ~~. Pierre Bourdieu, # The Rules of ~~Art: Genesis and Structure of the Literary Field ~~(Cambridge: Polity Press, 1996), p. xiv. # Benjamin Buchloh, 'Critical Reflections’, # Artforum ~~, vol. 35, no. 5, January 1997, ~~pp. 68-9, 102. # Centre Georges Pompidou, # Magiciens de la terre ~~(Paris: Editions de Centre Pompidou, 1989). # Douglas Davis, 'Multicultural Wars’, # Art in America ~~, vol. 83, no. 2, ~~February 1995, pp. 35-9, 41, 43, 45. # Jacques Derrida, # Of ~~Grammatology ~~, tr. Gayatri Chakravorty Spivak ~~(Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1976), ~~pt. II. # Coco Fusco, # The Bodies That Were ~~Not Ours and Other Writings ~~(London: IVA/Routledge, ~~2001). # Thelma Golden, # Black Male: ~~Representations of Masculinity in Contemporary American ~~Art ~~(New York: Whitney Museum of American Art, ~~1994). # Karl Marx and Frederick Engels, # The Communist Manifesto: A Modern Edition ~~(London: ~~Verso, 1998), pp. 39-40. # Julie H. Reiss, # From Margin to ~~Center: The Spaces of Installation Art ~~(Cambridge, ~~Mass.: The MIT Press, 1999). # Justin Rosenberg, # The Follies of ~~Globalisation Theory ~~(London: Verso, ~~2000). # Donald Sassoon, 'On Cultural Markets’, # New Left Review ~~, new series, no. 17, ~~September/October 2002, pp. 113-26. # Joseph Stiglitz, # Globalization ~~and Its Discontents ~~(London: Allen Lane, ~~2002). # الفصل الثاني: نظام عالمي جديد # Carol Becker, 'The Romance of Nomadism: A Series of ~~Reflections’, # Art Journal ~~, vol. ~~58, no. 2, Summer 1999, pp. 22-9 (p. 27). # Alexander Brener, 'Ticket that Exploded’: # http://www.ljudmila.org/interpol/intro2.htm ~~. # Jen Budney, 'Who’s It For? The 2nd Johannesburg ~~Biennale’, # Third Text ~~, no. 42, ~~Spring 1998, pp. 88-94. # Mikhail Bulgakov, # The Heart of a ~~Dog ~~, tr. Mirra Ginsburg (London: Picador, ~~1990). # Eugenio Valdés Figueroa, 'Trajectories of a Rumour: Cuban ~~Art in the Postwar Period’, in ms113 Block (ed.), # Art Cuba: The New Generation ~~, tr. Cola ~~Franzen/Marguerite Feitlowitz (New York: Harry N. Abrams Inc., ~~2001), p. 20. # Jean Fisher, quoted in Kobena Mercer, 'Ethnicity and ~~Internationality: New British Art and Diaspora-Based Blackness’, # Third Text ~~, no. 49, Winter ~~1999-2000, pp. 51-62. # Coco Fusco, # The Bodies That Were ~~Not Ours and Other Writings ~~, (London: ~~inIVA/Routledge, 2001), p. 156. # Eduardo Galeano, # Memory of ~~Fire ~~, tr. Cedric Belfrage (London: Quartet Books, ~~1995). # Hou Hanrou, interviewed in Franklin Sirmans, ~~'Johannesburg Biennale: Meet the Curators of “Trade Routes: History ~~and Geography”’, # Flash Art ~~, vol. ~~30, no. 190, October 1997, pp. 78-82 (p. 78). # Fredric Jameson, 'Marxism and Postmodernism’, in # The Cultural Turn: Selected Writings on ~~the Postmodern, 1983-1998 ~~(London: Verso, ~~1998). # 1st Liverpool Biennial of ~~International Contemporary Art: Trace ~~(Liverpool: ~~Liverpool Biennial of International Contemporary Art/Tate Liverpool, ~~1999). # Rosa Martínez, cited in Carlos Basualdo, 'Launching ~~Site’, # Artforum ~~, vol. 37, no. 10, ~~Summer 1999, pp. 39-40, 42 (p. 39). # Thomas McEvilley, 'Report from Johannesburg: Towards a ~~World-Class City?’, # Art in ~~America ~~, vol. 83, no. 9, September 1995, pp. 45-7, ~~49. # David McNeill, 'Planet Art: Resistances and Affirmation ~~in the Wake of “9/11”’, # Australian and New ~~Zealand Journal of Art ~~, vol. 3, no. 2, 2002, pp. ~~11-32. # Charles Merewether, 'Naming Violence in the Work of Doris ~~Salcedo’, # Third Text ~~, no. 24, ~~Autumn 1993, pp. 31-44. # Gao Minglu, 'Extensionality and Intentionality in a ~~Transnational Cultural System’, # Art ~~Journal ~~, vol. 57, no. 4, Winter 1998, pp. ~~36-9. # Gerardo Mosquera, 'New Cuban Art Y2K’, in Block (ed.), # Art Cuba: The New Generation ~~, ~~tr. Cola Franzen/Marguerite Feitlowitz (New York: Harry N. Abrams ~~Inc., 2001), p. 13. # Moderna Musset, # Organising ~~Freedom: Nordic Art of the '90s ~~(Stockholm, ~~2000). # Tom Patchett (ed.), # Most Art ~~Sucks: Five Years of Coagula ~~(Santa Monica: Smart Art Press, 1998). # Katya Sander and Simon Sheikh (eds.), # We Are All ~~Normal ~~(and We Want Our Freedom): A Collection of ~~Contemporary Nordic Artists’ Writings ~~(London: Black ~~Dog Publishing, 2001), p. 70. # Måns Wrange, 'To Change the World: On Statistical ~~Averages, the Art ms114 of Social Engineering and Political Lobbying’, in ~~Sander and Sheikh, # We Are All ~~Normal. # See also # www.averagecitizen.org ~~. # Slavoj Žižek, 'Multiculturalism, or, the Cultural Logic ~~of Multinational Capitalism’, # New Left ~~Review ~~, no. 225, September-October 1997, pp. ~~28-51. # الفصل الثالث: الثقافة الاستهلاكية # Theodor W. Adorno, # Negative ~~Dialectics ~~, tr. E. B. Ashton (London: Routledge, ~~1973). # Theodor W. Adorno, 'Free Time’, in # The Culture Industry: Selected Essays on Mass ~~Culture ~~, ed. J. M. Bernstein (London: Routledge, ~~1991). # Benjamin H. D. Buchloh, 'Moments of History in the Work ~~of Dan Graham’ and 'Parody and Appropriation in Picabia, Pop, and Polke’, in # Neo-Avantgarde and Culture ~~Industry: Essays on European and American Art from 1955 to ~~1975 ~~, October, Cambridge, Mass. 2000. # Claude Closky, # www.sittes.net/links ~~. # Dallas Museum of Art and Metropolitan Museum of Art, New ~~York, # Thomas Struth, 1977-2002 ~~, ~~Dallas 2002. # Diedrich Diedrichsen, 'The Boundaries of Art Criticism: ~~Academicism, Visualism and Fun’, in Jürgen Bock (ed.), # From Work to Text: Dialogues on Practise and ~~Criticism in Contemporary Art ~~(Lisbon: Fundaçaõ ~~Centro Cultural de Belém, 2002). # Marcel Duchamp, 'Apropos of “Ready-mades”’, in Michel ~~Sanouillet and Elmer Peterson (eds.), # The ~~Essential Writings of Marcel Duchamp ~~(London: Thames ~~and Hudson, 1975). # Thomas Frank and Matt Weiland (eds.), # Commodify Your Dissent: Salvos from The ~~Baffler ~~(New York: W. W. Norton, ~~1997). # Michael Hardt and Antonio Negri, # Empire ~~(Cambridge, Mass.: Harvard University Press, ~~2000), p. 150. # Fredric Jameson, Postmodernism ~~or, the Cultural Logic of Late Capitalism ~~(London: ~~Verso, 1991), chapter 1. # Naomi Klein, # No Logo: Taking Aim ~~at the Brand Bullies ~~(London: Flamingo, ~~2000). # Fernand Léger, 'The Machine Aesthetic: The Manufactured ~~Object, the Artisan, and the Artist’ (1924), in # Functions of Painting ~~, ed. Edward F. ~~Fry (London: Thames and Hudson, 1973). # Karl Marx, # Grundrisse: ~~Foundations of the Critique of Political Economy (Rough ~~Draft) ~~, tr. Martin Nicolaus (Harmondsworth, ~~Middlesex: Penguin Books, 1973). # Karl Marx, # Capital: A Critique of Political Economy ~~, Volume I, tr. Ben Fowkes ~~(Harmondsworth, Middlesex: Penguin Books, 1976), pp. ~~176-7. ms115 # Vladimir Mayakovsky, 'Broadening the Verbal Basis’, # Lef ~~, no. 10, 1927; reprinted ~~in Anna Lawton, (ed.), # Russian Futurism ~~through Its Manifestoes, 1912-1928 ~~(Ithaca, NY: ~~Cornell University Press, 1988). # Martha Rosler, 'Video: Shedding the Utopian Moment’, in ~~Doug Hall and Sally Jo Fifer (eds.), # Illuminating Video: An Essential Guide to Video Art ~~(New York: Aperture/Bay Area Video Coalition, 1990), p. ~~49. # Dan Schiller, # Digital Capitalism: ~~Networking the Global Market System ~~(Cambridge, ~~Mass.: The MIT Press, 1999). # Susan Sontag, 'Notes on “Camp”’, in # Against Interpretation ~~[1961] (London: ~~Vintage, 1994). # Tate Liverpool, # Shopping: A ~~Century of Art and Consumer Culture ~~, ed. Christoph ~~Grunenberg/Max Hollein ~~(Ostfildern-Ruit: Hatje ~~Cantz Publishers, 2002). # Walker Art Center, # Let’s ~~Entertain: Life’s Guilty Pleasures ~~(Minneapolis, ~~2000). # Andy Warhol, # The Philosophy of ~~Andy Warhol (From A to B & Back Again) ~~(New ~~York: Harcourt, Brace, Jovanovich, 1975). # Renate Wiehager (ed.), # Sylvie ~~Fleury ~~(Osfildern-Ruit: Cantz, 1999). # Joann Wypijewski, Painting by ~~Numbers: Komar and Melamid’s Scientific Guide to Art ~~(New York: Farrar, Straus, and Giroux, 1997). # الفصل الرابع: استخدامات الفن وأسعاره # Hans Abbing, # Why Are Artists Poor? The Exceptional Economy of the Arts ~~(Amsterdam: ~~Amsterdam University Press, 2002), p. 286. # Alexander Alberro, # Conceptual Art ~~and the Politics of Publicity ~~(Cambridge, Mass.: The ~~MIT Press, 2003). # Walter Benjamin, # The Arcades Project ~~, tr. Howard Eiland and Kevin McLaughlin ~~(Cambridge, Mass.: The Belknap Press of Harvard University Press, ~~1999). # Ernst Bloch, # The Utopian Function ~~of Art and Literature: Selected Essays ~~, tr. Jack ~~Zipes/Frank Mecklenburg (Cambridge, Mass.: The MIT Press, 1988), p. ~~187. Pierre Bourdieu and Alain Darbel, # The Love of Art: European Art Museums and Their Public ~~, tr. Caroline Beattie/Nick Merriman ~~(Cambridge: Polity Press, 1991). # Kim Bradley, 'The Deal of the Century’, # Art in America ~~, vol. 85, no. 7, July ~~1997, pp. 48-55, 105-6. # Robert Brenner, # The Boom and the ~~Bubble: The US in the Global Economy ~~(London: Verso, ~~2001). # Benjamin Buchloh, 'Critical Reflections’, # Artforum ~~, vol. 35, no. 5, January 1997, ~~pp. 68-9, 102. # Timothy Cone, 'Regulating the Art Market’, # Arts Magazine ~~, vol. 64, no. 7, March ~~1990, pp. ms116 21-2. # Neil Cummings and Marysia Lewandowska, # The Value of Things ~~(Basel: Birkhäuser, ~~2000). # Deutsche Guggenheim, # Jeff Koons: ~~Easyfun and Ethereal ~~(Berlin, 2000), p. ~~56. # Adrian Ellis, 'Museum Boom Will Be Followed by Bust’, # The Art Newspaper ~~, no. 116, ~~July-August 2001, p. 14. # Coco Fusco, # The Bodies That Were ~~Not Ours and Other Writings ~~(London: inIVA/Routledge, ~~2001). # Liam Gillick, # Literally No Place: ~~Communes, Bars and Greenrooms ~~(London: Book Works, ~~2002). # Kassel, Internationale Austellung, # Documenta IX ~~(Stuttgart: Edition Cantz, ~~1992). # Naomi Klein, # No Logo: Taking Aim ~~at the Brand Bullies ~~(London: Flamingo, ~~2000). # Niklas Luhmann, # Art as a Social ~~System ~~, tr. Eva M. Knodt (Stanford: Stanford ~~University Press, 2000), p. 145. # Cynthia MacMullin, 'The Influence of Bi-Nationalism on ~~the Art and Economy of Contemporary Mexico’, in Deichtorhallen ~~Hamburg, # Art and Economy ~~, ed. ~~Zdenek Felix/Beate Hentschel/Dirk Luckow (Ostfildern-Ruit: Hatje ~~Cantz, 2002). # Neil De Marchi and Craufurd D. W. Goodwin, # Economic Engagements with Art ~~(Durham, ~~NC: Duke University Press, 1999). # Mark W. Rectanus, # Culture ~~Incorporated: Museums, Artists and Corporate ~~Sponsorships ~~(Minneapolis: University of Minnesota Press, 2002). # Howard Singerman, # Art Subjects: ~~Making Artists in the American University ~~(Berkeley: ~~University of California Press, 1999). # Leo Steinberg, # Other Criteria: ~~Confrontations with ~~Twentieth-Century ~~Art ~~(New York: Oxford University Press, ~~1972). Peter Watson, From Manet to Manhattan: The Rise of the ~~Modern Art Market (London: Hutchinson, 1992). # Whitechapel Art Gallery, # Liam ~~Gillick: The Wood Way ~~(London, 2002), p. ~~5. # Chin-tao Wu, Privatising Culture: ~~Corporate Art Intervention since the 1980s ~~(London: ~~Verso, 2001). # الفصل الخامس: قواعد الفن الآن Pierre Bourdieu, # The Rules of ~~Art: Genesis and Structure of the Literary Field ~~(Cambridge: Polity Press, 1996). # Arthur C. Danto, # After the End ~~of Art: Contemporary Art and the Pale of History ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, ~~1997) ~~. # Diedrich Diedrichsen, 'The Boundaries of Art Criticism: ~~Academicism, Visualism and Fun’, in Jürgen Bock (ed.), # From Work to Text: Dialogues on Practise and ~~Criticism in Contemporary Art ~~(Lisbon: Fundaçaõ ~~Centro Cultural de Belém, 2002). # Hal Foster, # Design and ms117 Crime (and ~~Other Diatribes) ~~(London: Verso, 2002), pp. 124, 12, ~~and 15. # Francis Fukuyama, # The End of ~~History and the Last Man ~~(New York: The Free Press, ~~1992). # Renée Green, 'Introductory Notes of a Reader and “A ~~Contemporary Moment”’, in Jürgen Bock (ed.), # From Work to Text ~~, p. 248. # Dave Hickey, # Air Guitar: Essays ~~on Art and Democracy ~~(Los Angeles: Art Issues Press, ~~1997), pp. 21, 71, and 107. # Dave Hickey (curator), # Beau ~~Monde: Toward a Redeemed Cosmopolitanism ~~(Site Santa ~~Fe’s Fourth International Biennial, 2002), p. 79. # David Hume, 'An Inquiry Concerning Human Understanding’, ~~in # On Human Nature and the ~~Understanding ~~, ed. Antony Flew (London: Collier, ~~1962). # Thomas McEvilley, # Art and ~~Otherness: Crisis in Cultural Identity ~~(Documentext/McPherson, 1992), pp. 12 and 145. # Museum of Modern Art, ~~'Primitivism’ in Twentieth Century Art: Affinity of the Tribal ~~and the Modern ~~(New York, 1984). # Meyer Schapiro, 'The Sculptures of Souillac’, in # Medieval Studies in Memory of A. ~~Kingsley Porter ~~, ed. Wilhelm R. W. Koehler ~~(Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1939). # Howard Singerman, # Art Subjects: ~~Making Artists in the American University ~~(Berkeley: ~~University of California Press, 1999), p. 186. # Robert Venturi, Denise Scott Brown, and Steven Izenour, # Learning from Las Vegas: The Forgotten ~~Symbolism of Architectural Form ~~(Cambridge, Mass.: ~~The MIT Press, 1977). Paul Virilio, # Art and ~~Fear ~~, tr. Julie Rose (London: Continuum, ~~2003). # الفصل السادس: تناقضات # Theodor W. Adorno, # Aesthetic ~~Theory ~~, tr. Robert Hullot-Kentor (Minneapolis: ~~University of Minnesota Press, 1997). # Matthew Arnatt and Matthew Collings, # Documenta 11 ~~(London: Artswords Press, ~~2002), pp. 10-11 and 12. # Rachel Baker: # http://www.irational.org/tm/archived/tesco/front2.html # Walter Benjamin, 'The Author as Producer’ (1934), in # Selected Writings, Volume 2, 1927-1934 ~~, ~~ed. Michael W. Jennings, Howard Eiland, and Gary Smith (Cambridge, ~~Mass.: The Belknap Press of Harvard University Press, ~~1999). Pierre Bourdieu, # The Rules of ~~Art: Genesis and Structure of the Literary Field ~~(Cambridge: Polity Press, 1996), p. 26. # Nicolas Bourriaud, # Relational ~~Aesthetics ~~, tr. Simon Pleasance/Fronza Woods (Dijon: ~~Les Presses du réel, 2002). # Benjamin H. D. Buchloh, # Neo-Avantgarde and Culture Industry: Essays on ms118 European and ~~American Art from 1955 to 1975 ~~, October, Cambridge, ~~Mass., 2000, p. 198. # Alexander Cockburn, Jeffrey St Clair, and Allan Sekula, # Five Days that Shook the World: Seattle ~~and Beyond ~~(London: Verso, 2000), p. ~~122. # Digital Hijack: # http://146.228.204.72:8080/ ~~. # eToys dispute: # http://www.toywar.com/ ~~. Paul Garrin, Name.Space: # http://name.space.xs2.net/ ~~. # Serge Guilbaut, # How New York ~~Stole the Idea of Modern Art: Abstract Expressionism, Freedom, ~~and the Cold War ~~, tr. Arthur Goldhammer (Chicago: ~~University of Chicago Press, 1983). # Michael Hardt and Antonio Negri, # Empire ~~(Cambridge, Mass.: Harvard University Press, ~~2000). # Karl Marx and Friedrich Engels, # The German Ideology ~~(Amherst, NY: Prometheus Books, ~~1998). # Leo Steinberg, # Other Criteria: ~~Confrontations with ~~Twentieth-century ~~Art ~~(New York: Oxford University Press, 1972), p. ~~xv. Paul Virilio, # Art and ~~Fear ~~, tr. Julie Rose (London: Continuum, ~~2003). ms119