######OpenITI# #META# URI: 1450MarwaCabdFattahShahata.TaqaddumiyyaMuqaddimaQasira.Hindawi30692714 #META# Tags: history #META# ID: 30692714 #META# Title: الحركة التقدمية في أمريكا: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 70951974 #META# Author: والتر نوجنت #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 30648375 #META# Translator: مروة عبد الفتاح شحاتة #META# Related_books: 1443WalterNugent.ProgressivismShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - المأزق: أسباب السخط في العصر المذهب‏ # 2 - أزمة تسعينيات القرن التاسع عشر: 1889-1901‏ # 3 - تبلور الحركة التقدمية: 1901-1908‏ # 4 - أوج الحركة التقدمية: 1908-1917‏ # 5 - الحرب العالمية الأولى ووباء الأنفلونزا: 1917-1919‏ # 6 - انحسار الحركة التقدمية: 1919-1921‏ # مراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - المأزق: أسباب السخط في العصر المذهب‏ # 2 - أزمة تسعينيات القرن التاسع عشر: 1889-1901‏ # 3 - تبلور الحركة التقدمية: 1901-1908‏ # 4 - أوج الحركة التقدمية: 1908-1917‏ # 5 - الحرب العالمية الأولى ووباء الأنفلونزا: 1917-1919‏ # 6 - انحسار الحركة التقدمية: 1919-1921‏ # مراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | الحركة التقدمية في أمريكا # | الحركة التقدمية في أمريكا # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # والتر نوجنت # ترجمة # مروة عبد الفتاح شحاتة # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # إهداء إلى برنارد إيه وايزبرجر؛ # صديقي المخلص والتقدمي طوال حياته. # | شكر وتقدير # أود أن أتوجه بالشكر إلى كل من: سكوت روك من جمعية أوريجون التاريخية، وليزا مارين ~~من جمعية ويسكونسن التاريخية، وماري-جو ميلر من جمعية نبراسكا التاريخية، وفريق عمل قسم ~~المطبوعات والصور الفوتوغرافية، وإدارة النسخ بمكتبة الكونجرس على مجهودهم في البحث عن ~~الصور التي نريدها من ضمن مجموعات الصور الخاصة بها وتوفيرها ومنحنا تصريحا ~~باستخدامها. # وقد ورد إلي العديد من الاقتراحات المفيدة من قراء مخطوطة الكتاب التابعين لمطبعة ~~جامعة أكسفورد، وهم: روبرت دي جونستون، وتوم دورانس، وشخص ثالث أجهل اسمه. قرأ برنارد إيه ~~وايزبرجر - مؤرخ وصديق لي لعقود - وسوالين هوي مخطوطة الكتاب بالكامل وقدما لي ملاحظات ~~كثيرة، وكيفية الاستفادة من تلك الملاحظات هي مسئوليتي الشخصية بالطبع. # كذلك كانت محررتي بمطبعة جامعة أكسفورد، سوزان فيربر الدءوبة، على استعداد دائم لتقديم ~~العون والمساعدة لي، وذلك على مدار جميع مراحل الكتاب. # | مقدمة # يشير مصطلح «الحركة التقدمية» - في تاريخ المجتمع الأمريكي والسياسة الأمريكية - إلى ~~حركة إصلاحية متعددة الجوانب ظهرت في السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر، وازدهرت بحلول ~~القرن العشرين وحتى عام 1920، ثم تلاشت في مطلع العشرينيات من القرن العشرين. على مستوى ~~السياسة الوطنية، حققت هذه الحركة أعظم إنجازاتها فيما بين عامي 1910 و1917. ms001 وعلى مستوى ~~السياسة المحلية والخاصة بالولايات وجهود الإصلاح الخاصة - مثل الكنائس، ومراكز التكافل ~~الاجتماعي، وحملات مكافحة الأمراض - بدأت التغيرات التقدمية في الظهور في تسعينيات القرن ~~التاسع عشر، واستمرت حتى عشرينيات القرن العشرين. لعب عدد كبير من الناشطات - على الرغم من ~~عدم حصول المرأة على حق الانتخاب - دورا كبيرا في هذه الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة ~~الاجتماعية. وعلى مستوى السياسة الوطنية، برز الزعماء «الأربعة الكبار»: ويليام جيننجز ~~برايان، وثيودور روزفلت، وروبرت إم لافوليت، ووودرو ويلسون. كما قاد العمدتان توم جونسون ~~وسام جونز (صاحب القاعدة الذهبية) تغييرات في مدنهما بولاية أوهايو، وهكذا الحال بالنسبة ~~لهيرام جونسون حاكم كاليفورنيا وجيمس فاردامان حاكم ميسيسيبي. وتزعم لينكولن ستيفنز، وإيدا ~~تاربيل، وباقي المناضلين الإصلاحيين الكاشفين للفساد (المعروفين ب «المنظفين») ما ~~سيطلق عليه فيما بعد الصحافة الاستقصائية. وضم التربويون التقدميون رؤساء جامعات ~~وفلاسفة وعلماء اجتماع. وفي مجال العمل الخيري، دعم جوليوس روزنفالد معهد تاسكيجي الذي ~~أسسه بوكر تي واشنطن، بينما ضخت مؤسسة روكفلر الملايين في مجالي التعليم والصحة في ~~ولايات الجنوب. كذلك قاد المعمداني والتر راوشنبوش، والأسقفي دبليو دي بي بليس، ~~والكاثوليكي جون إيه راين كنائسهم نحو العدالة الاجتماعية، وبحلول عام 1910، أيدت ~~جميع الطوائف البروتستانتية ما أطلق عليه حركة الإنجيل الاجتماعي. وساهمت فكرة مبتكرة ~~هامة ميزت الحقبة التقدمية - وهي مراكز التكافل الاجتماعي - في محاربة الفقر والجهل ~~والمرض والظلم في العديد من المدن، وتزعم هذه الحركة على نحو بارز جين آدمز وإيلين جيتس ~~ستار في شيكاجو، وليليان فالد وفلورنس كيلي في نيويورك، وماري ووركمان في لوس ~~أنجلوس. # تحتاج الحركات الإصلاحية الناجحة إلى مؤيدين بقدر احتياجها إلى قادة، وقد حظيت ~~الحركة التقدمية بملايين المؤيدين في أنحاء أمريكا، الذين انتخبوا المشرعين ممن وضعوا ~~تشريعات تقدمية في قوانين الولايات، بدءا من ماساتشوستس إلى كانساس وكاليفورنيا. وفي حين ~~ضغط بعض التقدميين من أجل إدخال إصلاح واحد أو اثنين، نادى آخرون بإصلاحات واسعة النطاق. ~~وبحلول الوقت الذي وهنت فيه الحركة، كان قد تحقق الكثير من تلك الأهداف، لا سيما تلك ~~التي هدفت إلى ms002 تخفيف بعض من مظاهر الظلم - أو مظاهر الجور كما كان يقول التقدميون - ~~والمشكلات التي تفاقمت وتفشت جراء الاقتصاد الرأسمالي غير المنظم الذي ظهر بعد ~~انتهاء الحرب الأهلية عام 1865. # عكست الحركة التقدمية إجماعا متزايدا - وإن كان مؤقتا - بين الأمريكيين على أن ~~التغيرات الكبرى التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر أسفرت عن أوضاع غير متوازنة غير ~~مرغوب فيها وغير متفقة مع المبادئ الأمريكية في مجتمعهم. تمثلت دلائل هذه الأوضاع في ~~ظهور طبقة جديدة من الأثرياء المولعين بالتباهي، الذين تقدر ثرواتهم بالملايين، ~~والشركات الاحتكارية الخارجة عن السيطرة، والصراع (العنيف في أغلب الأحوال) بين العمال ~~والرأسماليين، وردود الأفعال الفاترة من قبل الحكومات. زاد التخوف التقليدي من المدن، ~~وذلك مع زيادة عدد المدن المتوسطة الحجم وتوسع عدد من المدن الكبيرة الحجم، ولم ينتقل ~~إليها فقط النازحون من الريف الأمريكي، بل أيضا المهاجرون من أجزاء غير معتادة من أوروبا ~~وآسيا. بدا أن المدن تفرز أمراضا اجتماعية - الفقر والبغاء والمرض والسكر واليأس ~~- ولكن هذا لا يعني أن الريف، لا سيما في الجنوب، كان خاليا من تلك الأشياء. لكن المدن، ~~وبخاصة المدن الكبيرة، جذبت انتباها أكبر. # ماذا كان يمكن، أو ينبغي، فعله حيال كل هذا؟ كيف كان يمكن دفع الحكومات كي تكون أكثر ~~استجابة لمطالب «الشعب»؟ وكيف كان يمكن أن تصير الحياة الاقتصادية عادلة مرة أخرى؟ ~~وكيف كان يمكن أن يحافظ المجتمع الأمريكي على التزامه بقيمه الجوهرية التي آمن بها ~~منذ زمن طويل، وفي الوقت نفسه يتواءم مع القوى الجديدة؟ # حاول التقدميون بطرق شتى الإجابة عن هذه الأسئلة. حبذ معظمهم استخدام صورة ~~ومستوى من السلطة الحكومية - محلية أو على مستوى الولايات أو فيدرالية - لحل المشكلات ~~الاقتصادية، وتخفيف حدة الأمراض الاجتماعية، والتوفيق بين التغيير والتقليد. كانت تلك ~~الرغبة في استخدام السلطة الحكومية تمثل ابتعادا عن التوجه المعارض للتوجيه الحكومي الذي ~~ساد «العصر المذهب» الذي سبق الحقبة التقدمية. وبحلول عام 1919 تغيرت أمريكا في الكثير من ~~النواحي الدقيقة؛ فقد حل كثير من المشكلات الاجتماعية (وبخاصة تلك المتعلقة بالبلدات ~~الصغيرة، ms003 والمدن الصغيرة، والبيض الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة)، بينما ظلت مشكلات ~~أخرى كما هي دون أن يتطرق إليها أحد. زال الإحساس بالأزمة الذي كان ملحا للغاية في عام ~~1900، سواء نتيجة للإصلاحات العديدة التي حدثت، أو للإنهاك بعد الحرب، أو للإحساس باتساع ~~نطاق الفرص أمام الفرد. مع ذلك، نجد أن الحقبة التقدمية - على الرغم من هجومها المنقوص ~~وغير الملائم على مشكلات المجتمع - شكلت إحدى أطول الفترات في التاريخ الأمريكي التي ~~لاقت فيها الإصلاحات ترحيبا بوجه عام. # ونظرا لأن الحركة التقدمية كان لها وجود في جميع المناحي، بدءا من تنظيم السكك ~~الحديدية، ومنح المرأة حق الانتخاب، وتقييد الهجرة إلى الفن والأدب الواقعيين، وأولى ~~وسائل الإعلام الحقيقية وتمهيد الطرق؛ فقد كان من الصعب تحديد الهدف الأساسي لها بوضوح. كان ~~«الإصلاح» في حد ذاته هو ذلك الهدف، وهو هدف مبهم شأنه شأن مصطلح الإصلاح ذاته. لكن قدرا ~~كبيرا من الروح التقدمية يجسد في ذلك الانفتاح على التغيير، تلك القناعة ب «الحاجة لفعل ~~شيء ما». إن كيفية تنفيذ تلك التغييرات - ومتى وعلى يد من - هي محور تركيز هذا ~~الكتاب. # كانت القناعة الثابتة لدى كافة التقدميين تقريبا أن «الصالح العام» أو «المصلحة ~~المشتركة» شيء موجود بالفعل. أنكرت مارجريت تاتشر ورونالد ريجان والمحافظون من أصحاب الفكر ~~المتشابه وجود أشياء كهذه، ورأوا أن الحكومة نفسها - كما في القول الشهير لريجان - هي ~~المشكلة وليست الحل. انعكست تبعات ذلك في السنوات التي أعقبت فترة حكم ريجان في ~~التشريعات والأيديولوجية السياسية التي اتسمت بالنزعة الفردية الشديدة، والتي لم تكن بالطبع ~~محافظة بالمعنى الفلسفي التقليدي. باختصار، قام تاريخ تلك السنوات على فرضية مختلفة عن ~~تلك الخاصة بالتقدميين. وسواء حبذنا النظرة الفردية أو المجتمعية أكثر، يمكننا دراسة ~~هؤلاء المصلحين الذين ينتمون إلى القرن الماضي لإدراك أنه كان يوما ما إجماع من نوع ~~مختلف. # لم يكن جميع الأمريكيين في أوائل القرن العشرين تقدميين. وكما هي الحال دائما، قاوم ~~البعض التغيير على كافة المستويات، بينما اعتبر آخرون أن كل الإصلاحات تقريبا لا تحقق ~~التغيير الكافي ms004 المرجو منها، أما الأغلبية التي بين هذين الطرفين فحبذت التغيير ورأته ~~ضروريا. هؤلاء هم مؤيدو الحركة التقدمية، ولولاهم ما استطاع زعماء على غرار برايان ~~وثيودور روزفلت سوى تحقيق القليل؛ فدور الزعماء والمؤيدين كان جوهريا. وبحلول عام 1920 ~~أحرز تقدم بالفعل على أصعدة عديدة؛ فقد قطع المجتمع الأمريكي شوطا كبيرا في التقدم ~~مقارنة بما كانت عليه الحال في عام 1900. مع ذلك لم تتغير كافة الأوضاع؛ فقد حدث بعض ~~التراجع في عشرينيات القرن العشرين التي اتسمت بالتوجه المحافظ، لكن في المجمل استمرت ~~حركة الإصلاح العام؛ فقد كانت الحركة التقدمية في جوهرها حركة إصلاحية، وليست ~~راديكالية. # اهتمت الحركة التقدمية بعدة قضايا، وضمت نطاقا واسعا من الأفراد والجماعات، ~~وظهرت في صور مختلفة في كل منطقة من البلاد، كما تجاوزت الحدود الخاصة بالأحزاب والطبقات ~~والنوع، بل والعرق أيضا؛ ففي منطقتي الشمال الشرقي والغرب الأوسط التي يهيمن عليها ~~التصنيع والتمدن، حارب التقدميون الفساد والمحسوبية في حكومات المدن والولايات، وقمع ~~العمال في المصانع والمناجم، ودافعوا كذلك عن القضايا الخاصة بالتعليم العام ونظافة المدن ~~وسرعة استجابة الحكومات. وفي مناطق الجنوب والسهول الكبرى الزراعية بالدرجة الأولى، حارب ~~التقدميون احتكار السكك الحديدية، ونقص الائتمان، واستغلال عمالة الأطفال، والأمراض ~~المزمنة، ودعموا في ولايات كثيرة حق المرأة في الانتخاب. أما في الغرب الأقصى القصي ~~والقليل السكان، سعى التقدميون من أجل جميع هذه الأمور. وعلى مستوى المشكلات الوطنية ~~الكبرى، على غرار التعريفات الجمركية على الواردات (التي كانت المصدر الرئيسي للإيرادات ~~الفيدرالية قبل عام 1915) أو التوجه الإمبريالي، فقد انقسم موقف التقدميين؛ حيث أيد ~~التقدميون الجمهوريون فرض تعريفات جمركية أعلى، كما هو توجه الجمهوريين على الدوام، ~~وحبذوا في الغالب التوسع الاستعماري العدواني، في حين سعى التقدميون الديمقراطيون إلى ~~خفض التعريفات الجمركية، وعارضوا هذا التوجه الاستعماري على غرار ضم الفلبين في عام 1898. ~~وفي نهاية المطاف، وبحلول العقد الثاني من القرن العشرين، وافق معظمهم على اتخاذ إجراءات ~~واسعة النطاق مثل ضريبة الدخل التصاعدية، والانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، ~~وحق المرأة في الانتخاب، على الرغم من عدم ms005 اتفاقهم دوما على التفاصيل. كما أيدت الأغلبية ~~سياستين لم تشكلا جزءا من ليبرالية «الصفقة الجديدة»، ولاحقا تقييد الهجرة وحظر ~~المشروبات الكحولية. لم يؤمن أغلبية الأمريكيين في مطلع القرن العشرين - ومن بينهم ~~التقدميون - بالمساواة العرقية؛ فقد شهدت تلك السنوات ذروة التفرقة العنصرية، وتطبيق ~~قوانين جيم كرو وعمليات الإعدام دون محاكمة. مع ذلك تكاتف بعض التقدميين لتأسيس الجمعية ~~الوطنية للنهوض بالملونين والرابطة الحضرية الوطنية. لم ينحز أحد إلى الإمبريالية ~~الأمريكية مثلما انحاز إليها ثيودور روزفلت، لكنه كان زعيما تقدميا على نحو لا يقبل ~~الشك. وأيد العديد من التقدميين خوض الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا، لكن جين آدمز ~~وويليام جيننجز برايان وغيرهما الكثير من التقدميين عارضوا ذلك بشدة. # خلاصة القول، كانت هناك أشكال متنوعة للحركة التقدمية وللتقدميين أنفسهم، لكنهم كانت ~~لديهم قناعة مشتركة مفادها أن المجتمع ينبغي أن يعامل أفراده بإنصاف (خاصة الأفراد ~~البيض الذين ولدوا في البلاد)، وأنه يتعين على الحكومات أن تمثل «الشعب» وأن تنظم ~~«المصالح»، وغني عن القول أن مفهوم «المجتمع» في حد ذاته كان موجودا. اشترك زعماء التقدمية ~~«الأربعة الكبار» - برايان وثيودور روزفلت ولافوليت وويلسون - مع غيرهم الأقل صيتا من ~~التقدميين - رغم كل اختلافاتهم - في الإيمان بالمجتمع والمصلحة المشتركة والعدالة ~~الاجتماعية وأن المجتمع يمكن أن يتغير لمكان أفضل. # الفصل الأول # | المأزق: أسباب السخط في العصر المذهب # لماذا ظهرت الحركة التقدمية في الوقت الذي ظهرت فيه تحديدا، ولم تظهر قبله أو بعده؟ ~~ولماذا كان عدد كاف من الأمريكيين «مستعدا للإصلاح» في عام 1900، وراغبا في تحقيقه ~~خلال الخمسة عشر أو العشرين عاما التالية؟ # بدأت الحركة التقدمية في الظهور في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وتطورت بسرعة ~~متزايدة منذ عام 1900 تقريبا حتى عام 1917، وبعدها حدث انقسام داخلها وخبت خلال الحرب ~~العالمية الأولى وبعدها مباشرة؛ أي منذ عام 1917 حتى أوائل العشرينيات من القرن العشرين. ~~لماذا ظهرت في ذلك الوقت بالتحديد؟ السبب باختصار يعود لذلك الشعور الذي تولد داخل ~~الأمريكيين على نحو متزايد بينما كان القرن التاسع عشر في سنواته الأخيرة ms006 بأن مجتمعهم كان ~~يتغير أحيانا للأفضل، لكنه كان يتغير للأسوأ أيضا في جوانب مهمة. لا شك أن تغير المجتمع ~~إلى الأفضل تمثل في الرخاء الذي اتسمت به ثمانينيات القرن التاسع عشر؛ إذ تضاعفت أميال ~~السكك الحديدية؛ مما حفز التنمية الاقتصادية وأتاح تحقيقها، ودخلت الكهرباء لأول مرة إلى ~~شوارع المدن والأماكن العامة، وبنيت أولى ناطحات السحاب. أما على الجانب الآخر، فقد ~~تمثلت التغيرات إلى الأسوأ بكل تأكيد في ظروف العمل في المصانع والمناجم وفي السيطرة ~~الاحتكارية التي فرضتها خطوط السكك الحديدية على ملايين المزارعين، والأهم من ذلك الفروقات ~~الواضحة بنحو متزايد بين دخول أفراد المجتمع الأوفر حظا وتلك الخاصة بجموع الناس. لقد كان ~~الأغنياء يزدادون غنى - بنحو كبير للغاية - عن معظم الناس. بدا ذلك معقولا ومبررا إلى ~~حد معين، ولكن عندما تم تخطي ذلك الحد، ساد شعور بالظلم والجور. وبرز السؤال: ما ~~الذي يمكن فعله حيال هذا الأمر، إن كان بالإمكان فعل أي شيء؟ # ظهرت بوادر السخط مبكرا منذ عام 1880. قبل بضعة عقود من هذا العام، كان الأمريكيون ~~غالبا ما ينظرون إلى المجتمع بوصفه مجموعة متناغمة من الأشخاص المنشغلين بإنتاج الأشياء ~~وتوزيعها؛ إذ كان المزارعون ينتجون الحبوب والقطن ويربون الماشية، بينما كان الحرفيون ~~الماهرون يبنون المنازل ويصنعون حدوات الخيول، والصناع يصنعون المسامير والقضبان، ~~ويبيعها أصحاب المحال التجارية. تألف الاقتصاد من منتجين صغار، وقلما وجد شخص فاحش ~~الثراء أو شديد الفقر، ولم ينبغ لأحد أن يكون كذلك. كان الأشخاص غير المنتجين محل شكوك، ~~وكان يطلق عليهم في بعض الأحيان المتلاعبون بالثروة التي حققها الأشخاص الحقيقيون. لم ~~تتطابق الحقيقة دائما مع هذا النموذج المثالي، ولكن الترابط المتناغم بين المنتجين والدور ~~الثانوي للغاية الذي لعبه غير المنتجين كان هو ما يجدر بالمجتمع الأمريكي أن يكون عليه. ذكر ~~عالم الاقتصاد السياسي الأمريكي الأبرز في القرن التاسع عشر هنري سي كيري الذي نشأ في ~~فيلادلفيا أن المجتمع الصالح قوامه الترابط المتناغم بين أفراده. وكانت عملية الإنتاج ~~ضرورية وتحظى بالاحترام. وذكر المفكر الفرنسي الكبير ألكسي دي توكفيل، ms007 الذي اهتم بدراسة ~~الولايات المتحدة وزارها عام 1831، أن الشعب الأمريكي كان يحب التغيير ولكنه كان يكره ~~الثورة، وذلك لأنهم كانوا من ذوي «الثروات الضئيلة»؛ بمعنى أنهم ليسوا فاحشي الثراء، ولكن ~~يحظى جميعهم ببعض الممتلكات التي يستثمرونها وينمونها ويدافعون عنها. رأى هذان الكاتبان ~~أن سر نجاح المجتمع الأمريكي لم ينبع من المساواة بين أفراده، ولكنه كان يكمن في انتشار ~~الفرص على نطاق واسع والتوزيع العادل للملكية بصفة عامة. # ولكن الظلم الجائر الذي فرضه المجتمع الأمريكي على أفراده من غير البيض لم يذكر في ~~نظرية كيري أو ملاحظات توكفيل. وتناقض الشرخ العميق الذي أحدثته الحرب الأهلية التي كانت ~~قد انتهت حينها منذ وقت قصير وما أعقب ذلك من إعادة إعمار مع الحديث عن الترابط المتناغم، ~~مع الأخذ في الاعتبار أن عدد من لقوا حتفهم في تلك الحرب تخطى ستمائة ألف شخص، وأن ~~العداء الطائفي والعرقي قد استمر بعد ذلك لفترة طويلة. ومع ذلك، ظل عدد كبير من ~~الأمريكيين يرون أن الإجابة عن السؤال الخاص بالوضع الذي ينبغي أن تكون عليه أمريكا تكمن ~~في النموذج المثالي للتناغم وفي الانتشار الواسع والديمقراطي للسلطة الاقتصادية والسياسية ~~التي كانت تدعم هذا النموذج وتسمح بتحقيقه. اتسمت النزعة الإنتاجية بأنها متفائلة وحالمة ~~وخيالية بعض الشيء، ومع ذلك بدا بالفعل أنها تحدد الكيفية التي عمل بها الاقتصاد السياسي ~~للبلاد. # هذا كان حال ذلك البلد في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر: نحو خمسين مليون شخص متناثرين ~~على مساحة ثلاثة ملايين ميل مربع من الأرض فيما بين المحيطين الهادئ والأطلنطي، يعيش نحو ~~ثلثهم في منطقة الغرب الأوسط ويقطن ثلث آخر في الجنوب، بحيث يعيش شخصان من بين كل سبعة ~~أشخاص في منطقة الشمال الشرقي، ويتواجد أقل من شخص واحد من بين كل خمسة وعشرين شخصا في ~~الغرب الشاسع. كان أكثر من ثلاثة وأربعين مليون شخص من البيض، ونحو سبعة ملايين شخص كانوا ~~أمريكيين من أصول أفريقية؛ عاش تسعون في المائة منهم في الجنوب. ولد ثلاثة عشر في المائة ~~من السكان في ms008 أماكن أخرى، أبرزها - وعلى الترتيب - ألمانيا وأيرلندا وكندا وبريطانيا والدول ~~الاسكندنافية. تمثلت الأقليتان الوحيدتان من غير البيض، بخلاف السود، في نحو مائة ألف ~~شخص من الصينيين (يعيش تقريبا جميعهم في مدن الساحل الغربي أو بالقرب من محطات السكك ~~الحديدية) وربما أربعمائة ألف شخص من الهنود الأمريكيين الذين عاشوا أيضا بنحو أساسي في ~~الغرب. باختصار، كان غالبية السكان يتشابهون في كونهم من البيض الذين ولدوا بالولايات ~~المتحدة، ولكن كانت هناك أقليات كبيرة من السود في الجنوب والآسيويين والهنود في الغرب ~~والمهاجرين في مدن الشرق والغرب الأوسط. # فيم اشتغل هؤلاء السكان؟ عملوا في الزراعة في المقام الأول. في بعض الأحيان خلال ~~سبعينيات القرن التاسع عشر بدأ عدد الأشخاص الذين يعملون في أعمال أخرى غير الزراعة يفوق ~~أعداد المشتغلين بالزراعة، ولكن لم يكن هناك عمل واحد يتفوق على الزراعة. انقسم غير ~~المزارعين بنحو أساسي إلى عمال مصانع وعمال بقطاع الخدمات ومهنيين وأصحاب أعمال وعاملين ~~بالتجارة. لطالما كان الأمريكيون شعبا زراعيا واستمرت غالبيته حتى عام 1920 في العيش ~~بالمزارع أو بالقرى الصغيرة حتى وإن كانوا يشتغلون بأشياء أخرى غير الزراعة وتربية ~~الماشية. والعديد من الأشخاص الذين لم يكونوا مزارعين بالفعل، اشتغلوا مع ذلك في أعمال ~~متعلقة بالزراعة؛ فقد كانوا يصنعون حدوات الخيل أو الأسلاك الشائكة أو يديرون المحلات ~~القروية أو يلقون المواعظ في كنائس القرى. علاوة على ذلك، كان العديد من الأشخاص الذين لم ~~يعودوا يقطنون المزارع أو القرى قد ترعرعوا بها ونظروا إلى العالم من منظور قروي. لم يتخط ~~عدد عمال المصانع - وهم يمثلون ثاني أكبر فئة مهنية - عدد المزارعين على مدى عدة عقود بعد ~~سبعينيات القرن التاسع عشر. وحتى بعد عام 1920 بفترة كبيرة، كان الشعب الأمريكي في معظمه ~~شعبا زراعيا سواء في مكان السكن الفعلي والعمل أم في المظهر. # ومن ناحية توزيع الثروة والدخل، لم يكن الأمريكيون متساوين بأي حال من الأحوال في عام ~~1870 أو عام 1880، حتى بالنسبة للأغلبية البيضاء التي ولدت بالبلاد، ولم يختلف الوضع عن ~~ذلك قط. ومع ms009 هذا كان من النادر أن تكون الفروق بين الأغنياء والفقراء كبيرة جدا في شعب من ~~المزارعين والميكانيكيين وأصحاب المحال التجارية والواعظين والأطباء وأصحاب المهن الأخرى ~~المماثلة. كان هناك عدد قليل من أصحاب النفوذ والمال بوول ستريت والمناطق المماثلة لها، ~~وكانت المسافة الاجتماعية بين عمال المصانع ومالكيها واضحة. ولكن عندما اندلعت الحرب ~~الأهلية في عام 1861، لم يكن هناك عدد كاف بعد من أصحاب المصانع أو حتى من المديرين ~~لتشكيل ما يمكن أن يكون طبقة اجتماعية منفصلة للأغنياء. وحتى ذلك الحين، كان كبار المزارعين ~~في الجنوب يمثلون إلى حد بعيد طبقة أرستقراطية إقطاعية قوية بما يكفي لإجبار جيرانهم ~~الأكثر بساطة على تأييد إعلان الانفصال، ولكن الحرب أوهنت قواهم للغاية. وخلال سبعينيات ~~القرن التاسع عشر، استطاع الجنوب والغرب والغرب الأوسط، وحتى الشمال الشرقي الذي تألف من ~~بلدات صغيرة، التشبث بوهم، بل وإلى حد ما، بحقيقة المجتمع الاقتصادي العادل وغير المتكافئ ~~في بعض الأحيان. # على مدار السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وسنوات الحقبة التقدمية، استمر هذا التواجد ~~الكبير للسكان في الريف والمناطق المؤلفة من بلدات صغيرة؛ إذ كان ثلثا السكان يعيشون ~~في الجنوب والغرب الأوسط، وهي مناطق، باستثناء شيكاجو، لا تحتوي فعليا على مدن كبيرة. ~~ولكن كانت هناك أمور كثيرة تتغير؛ ففي ثمانينيات القرن التاسع عشر دخل إلى الولايات المتحدة ~~مئات الآلاف من المهاجرين القادمين من أوروبا، ووصلت أعدادهم إلى ملايين بعد عام 1905، ~~ولم يكن أغلبهم قادمين من شمال غرب أوروبا، ولكن من إيطاليا وبولندا وروسيا والبلقان. ~~وتساءل العديد من أفراد الأغلبية البيضاء المولودة بالبلاد إن كان هؤلاء القادمون من روسيا ~~القيصرية أو الأنظمة الملكية الأخرى يمكن أن يتعلموا الأساليب الديمقراطية أم لا. ~~ازدهرت المزارع العائلية الصغيرة - والتي تعرف عادة بالعزب الريفية - في كانساس خلال ~~ثمانينيات القرن التاسع عشر وعبر السهول الكبرى بعد عام 1900، وأدى هذا إلى نمو المدن على ~~نحو أسرع، وصاحب ذلك ظهور مشكلات عسيرة متعلقة بالصحة العامة والمرافق وحفظ الأمن ~~والتعليم. تضاعفت الأعمال والصناعات واتخذت في الأغلب شكل شركات، وأخذ ms010 حجمها يزداد يوما ~~بعد يوم مما أدى إلى زيادة نسبة أصحاب الأعمال والرأسماليين إلى الموظفين والعمال. ~~وظهرت طبقة جديدة من مديري الإدارة الوسطى، وهم ليسوا من الملاك ولا العمال، وإنما ~~مجموعة من الموظفين البيروقراطيين العاملين بشركات السكك الحديدية ومجموعة أخرى من ~~الأعمال. وبينما كان الشعب الأمريكي لا يزال شعبا قرويا في الواقع الفعلي وليس فقط بحكم ~~التقليد، كان أفراده يتحولون تدريجيا إلى التمدن والتصنيع، وكانوا يحاولون في الوقت ~~نفسه فهم ما يعنيه ذلك وإدراك السبل التي تحول دون أن تستبد بهم الجوانب ~~السلبية لذلك التحول. # دقت أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر ناقوس الخطر؛ فإذا كان ذلك الترابط المتناغم بين ~~المنتجين الذي تكلم عنه هنري كيري قد تواجد، فقد تحطم بحلول ذلك الوقت. فمنذ أن تسبب ~~الذعر المصرفي في سبتمبر عام 1873 في إفلاس مصرف جاي كوك آند كمباني بفيلادلفيا، وهو أكبر ~~مصارف البلاد، غرق الاقتصاد في حالة من الكساد. كان الانكماش الاقتصادي، رغم أنه كان ~~متفاوتا، حادا في العديد من القطاعات، ولم تتحسن الأحوال بصفة عامة حتى عام 1879. وجاءت ~~الصدمة الكبرى مع إضراب عمال السكك الحديدية الذي بدأ في مارتنسفيل بفيرجينيا الغربية ~~وانتقل بسرعة إلى بيتسبرج وشيكاجو وإلى غرب البلاد في صيف عام 1877. كان هذا الإضراب ~~مختلفا عن أي صراع عمالي سابق، نظرا لأنه انتشر على مستوى البلاد. استدعى حاكم بنسلفانيا ~~قوات الدفاع الخاصة بالولاية. كان الشعب المذعور لا يريد تكرار ما حدث أثناء ثورة كومونة ~~باريس العمالية في عام 1871 حينما استولى المتطرفون على العاصمة الفرنسية لوقت قصير. وأطلقت ~~القوات المذعورة النار على الجموع، وفيهم المشاركون في الإضراب والمتفرجون والمناصرون ~~وعائلاتهم، وقتل خمسون شخصا. اندلعت إضرابات متعاطفة على طول خطوط السكك الحديدية في ~~الغرب والشرق، وانتشرت المواجهات العنيفة في أرجاء ولاية نيويورك من بافالو وحتى روتشستر ~~وسيراكيوز وألباني، ولكن سرعان ما كبحت هذه الانتفاضة. وبالإضافة إلى الجرحى والمتوفين ~~كانت هناك ضحية أخرى وهي الثقة في «تناغم الطبقات المنتجة»؛ فإذا كان ذلك التناغم قد وجد ~~بالفعل؛ فمن الواضح أنه لم ms011 يعد له وجود. لقد أضحى المزارعون والعمال يقفون على أحد ~~طرفي انقسام اجتماعي كبير، بينما كان الملاك ~~والمديرون - الرأسماليون - على الطرف الآخر. ولم ~~يعد الشعب الأمريكي يفكر من منظور التناغم وإنما الصراع ؛ فقد أصبح رأس المال في مواجهة ~~العمالة و«المصالح» في مواجهة «الشعب». كان لا بد من حدوث تغييرات جادة، ولكن كيف؟ لم يكن ~~هناك أي حزب سياسي كبير مستعد ولو قليلا لإحداث تغييرات ولو حتى متوسطة، وكان الإصلاح ~~بعيدا جدا. ولكن رأى المفكرون أن أمريكا قد تجاوزت أزمة كبيرة وبدأت تأخذ منعطفا ~~جديدا، وعند ذلك المنعطف ظهرت بعض القوى المنذرة بالخطر للغاية. # لم يكن إضراب عمال السكك الحديدية العظيم عام 1877 هو الاضطراب الوحيد الذي شهدته ~~البلاد؛ ففي عام 1882 أعلن دمج الشركات المنتجة للنفط التي كان يسيطر عليها جون دي ~~روكفلر - والتي كانت كبيرة الحجم بالفعل - في شركة واحدة هي ستاندرد أويل؛ مما أسفر عن ~~شركة تحكمت وحدها وبصورة احتكارية في صناعة حيوية. في ذلك الوقت أصدرت المحكمة العليا ~~الأمريكية أحكاما تعرف الشركة بوصفها شخصية اعتبارية؛ وذلك وفقا لما يعنيه التعديل ~~الرابع عشر للدستور، وبذلك أصبحت الشركات تمتلك حقوقا، مثلها مثل الأشخاص الحقيقيين، لا ~~يمكن أن تنتهكها الحكومات. كانت هيئات السكك الحديدية أيضا تتخذ شكل الشركات، وكانت الأمور ~~تسير في اتجاه استطاعت بموجبه بعض تلك الهيئات «تنظيم» أنفسها في كيانات احتكارية إقليمية. ~~وبحلول أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، كان هناك 80 ألف ميل من خطوط السكك الحديدية تعمل ~~في الأغلب بمنطقتي الشمال الشرقي والغرب الأوسط، وبحلول عام 1890 تضاعفت الخطوط لتمتد ~~لمسافة 167 ألف ميل، تتضمن أربعة خطوط ممتدة عبر القارة وخطا خامسا عبر كندا. أصبحت ~~الشركات الكبرى واقعا يميز الحياة الأمريكية، وكلما ازداد حجم هذه المؤسسات، شعر العامل ~~والمزارع العاديان بضآلتهما المتناهية أمام الأغنياء وأصحاب النفوذ أكثر من أي وقت مضى. هل ~~كانت هذه المؤسسات الكبيرة تحتاج أن تخضع للسيطرة والتنظيم؟ لم ينتبه إلا قلة قليلة من ~~الأشخاص إلى تلك الحاجة أو الاحتمالية في عام 1880، أو للشكل ms012 الذي يمكن أن يتخذه هذا ~~الأمر. لم يدرك هذا الأمر سوى قليلين. # شهدت سبعينيات القرن التاسع عشر زيادة فعلية في الناتج الكلي للاقتصاد الأمريكي والناتج ~~القومي الإجمالي. وخلال ذلك العقد استمر المستوطنون وأصحاب مزارع الماشية في مهاجمة أراضي ~~السكان الأصليين من الهنود الحمر بالسهول الكبرى، ووقعت أشهر مواجهة من بين المواجهات ~~العديدة بين الطرفين عند نهر ليتل بيج هورن في مونتانا في يونيو عام 1876، عندما هزمت ~~كتيبة من الجيش بقيادة المقدم جورج إيه كاستر على يد محاربي قبيلة سو بقيادة المحارب ~~الملقب بالجواد الجامح. أدت حالة كساد على المستوى القومي استمرت من عام 1873 وحتى عام ~~1878 إلى إيقاف عمليات إعادة الإعمار في الجنوب وتقييد الهجرة وتحطم رفاهية وأمان الأفراد ~~عبر جميع أرجاء منطقتي الشمال الشرقي والبحيرات العظمى التي كانت تتحول إلى التصنيع، ~~وأنهكت البطالة آلاف الأسر، وأسراب الجراد التي انتشرت بمينيسوتا وجميع مناطق الغرب ~~الأوسط الأعلى «قضت على الأخضر واليابس ما عدا الرهون العقارية»، ومع ذلك رفضت حكومات ~~الولايات أن تمد يد العون بأي صورة. حتى في ماساتشوستس المستقرة والمتحضرة، بدءا من ~~عام 1875، كان يموت طفل من بين كل أربعة أطفال تقريبا قبل أن يبلغ عامه الأول، ويموت شخص ~~من بين كل ثلاثة أشخاص تقريبا قبل أن يبلغ عمره الحادية والعشرين. # صنفت معظم هذه الأحداث على أنها كارثة طبيعية؛ المخاطر الحتمية التي ينطوي عليها العيش ~~والتي لا يمكن فعل أي شيء للحيلولة دونها. في ذلك الوقت، كان الطب بدائيا، وكانت نظرية ~~جرثومية المرض - ومن ثم الوقاية من العدوى - إما غير معروفة وإما غير مصدقة. وكان من ~~الصعب تزويد المدن السريعة التوسع بشبكات صرف صحي ومصادر آمنة للمياه لتتواكب مع تعداد ~~سكانها الذي يتزايد بسرعة. وكانت البنية التحتية لا يزال ينقصها الكثير من الأشياء الهامة؛ ~~ليس فقط فيما يتعلق بجوانبها المادية ولكن أيضا المعرفة العلمية والتقنية الملائمة ~~واللازمة لقيام كيان صناعي وحضري آمن. أوجدت الحاجة مثل هذه الاختراعات خلال العقدين ~~الأخيرين من القرن التاسع عشر، ولكن التقدم كان بطيئا ومتفاوتا. ms013 كانت منطقتا الشمال ~~الشرقي والبحيرات العظمى، اللتان كانتا تخوضان غمار التحول إلى التصنيع والتمدن، من أكثر ~~المناطق التي تحتاج إلى التغيير الفوري. ولكن الأغلبية القروية وجدت نفسها أيضا محرومة من ~~حق تقرير مصيرها الاقتصادي، فقد سيطرت شركات السكك الحديدية وأسواق الحبوب والماشية وبائعو ~~البضائع التي تحميها حواجز جمركية عالية أكثر فأكثر على عملية اتخاذ القرار، واضعة المنتجين ~~- أي المزارعين وعمال المدن - بين مطرقة الدخول المنخفضة وسندان ارتفاع النفقات. # في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر لم يظهر على السطح سوى مقترحين مهمين للإصلاح: ~~تمثل الأول في سن قوانين للخدمة المدنية تضمن في حال نجاحها أن يحصل موظفو الحكومة ~~على وظائفهم من خلال الكفاءة وليس من خلال المحسوبية الحزبية، وهو تغيير محمود، ولكنه لم ~~يخاطب أصل المشكلات الاجتماعية الموجودة والمتزايدة. أما المقترح الآخر فنادى بالتوسع ~~النقدي عبر إصدار أوراق نقدية أو ما عرف ب «العملات الخضراء»، التي تستند إلى ثقة واعتماد ~~الحكومة وليس إلى أي شيء آخر؛ أي عدم وجود غطاء من الذهب أو الفضة. تم تداول العملات ~~الخضراء بنجاح خلال الحرب الأهلية ومرحلة إعادة الإعمار، ولكن بأقل من سعر الإصدار، وأصبحت ~~العملة الوطنية الرئيسية في العصور الحديثة. # ولكن الاعتقاد الاقتصادي السائد في أواخر القرن التاسع عشر هو أن المعادن النفيسة ~~تتمتع بقيمة جوهرية وأن العملات الورقية يجب أن تكون قابلة للتحويل إلى الذهب (وهو ~~الأفضل) أو الفضة. سيطر هذا الرأي على الفكر الاقتصادي حتى بعد بداية القرن العشرين بوقت ~~كبير. وخلال الفترة بين عامي 1876 و1884، ازداد الضغط في أجزاء من الشرق والغرب الأوسط ~~على الحكومة لإصدار المزيد من العملات الخضراء. ونشأ حزب العملة الخضراء الذي انتخب العشرات ~~من أعضاء الكونجرس وبعض المسئولين الحكوميين الآخرين، ولكن عددهم لم يكن قط كبيرا بما يكفي ~~لتحقيق أي إنجاز سوى إلصاق تهم التطرف والجنون بأنفسهم. لم تصبح مقترحاتهم هي العرف ~~السائد بنحو كامل إلا في ثلاثينيات القرن العشرين، وهي لا تزال كذلك حتى الآن. فلا يمكن ~~للولايات المتحدة أو لأي دولة متقدمة أخرى أن ms014 تعمل اليوم من دون عملات ورقية «ليست» مدعومة ~~بغطاء من الذهب أو الفضة، ولكن في ذلك الوقت لم يصدق هذا الأمر سوى القليل من ~~الأشخاص. # بحلول منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، خبت شعبية الاتجاه المؤيد للتوسع في إصدار ~~العملات الخضراء . ويتمثل أحد أسباب ذلك في أن معظم سنوات ذلك العقد كانت بنحو عام ~~سنوات رخاء؛ فقد ازداد عدد العزب الريفية زيادة قوية وسجلت الهجرة من أوروبا معدلات ~~قياسية وارتفعت مؤشرات الأسواق. وبرز شعور لدى الكثير من الساسة في الأحزاب الكبرى بأنه لا ~~بد من الاستجابة إلى حالة القلق العام بشأن الكيانات الاحتكارية وعدم الإنصاف الذي تمثل ~~في امتلاك ثروات شخصية غير مسبوقة، أحاطت بها مظاهر المغالاة في التباهي. وكانت النتيجة هي ~~صدور قانونين فيدراليين منظمين للشركات بنحو جدي لأول مرة؛ وهما قانون التجارة بين ~~الولايات لعام 1887، وقانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام 1890. وقبل صدور هذين القانونين ~~الفيدراليين، أدى الضغط السياسي الذي مارسه المزارعون وصغار رجال الأعمال وغيرهم إلى ~~قيام عدد من المجالس التشريعية بالولايات في منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر بسن ~~قوانين تنظم رسوم السكك الحديدية. ومنذ ذلك الوقت وخلال الحقبة التقدمية، أصبح مألوفا أن ~~تأخذ الولايات المبادرة فيما يتعلق بالإجراءات الإصلاحية ويتبعها بعد ذلك الكونجرس ~~الفيدرالي. # ولكي يحدث الإصلاح، كان من الضروري أن تتغلب مساعي الضغط المنادية بالتنظيم على سياسة ~~عدم التدخل السائدة والتي ترى أنه لا يجب التدخل في شئون الأفراد والشركات. كانت هذه ~~السياسة إحدى المسلمات القائمة منذ زمن بعيد للحياة الاقتصادية الأمريكية، وكذلك أيضا ~~معارضة العمليات الاحتكارية التي ترسخت على الأقل منذ أن أغلق الرئيس أندرو جاكسون مصرف ~~الولايات المتحدة الأمريكية عام 1832، الذي شجبه مناصروه باعتباره كيانا احتكاريا ~~متوحشا. وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر، انتشر تصور (وكان تصورا دقيقا) عن قدرة ~~شركات السكك الحديدية على التصرف في كثير من الأحيان ككيانات احتكارية؛ فقد كانت الوسائل ~~الوحيدة الفعالة لنقل البضائع والأفراد عبر مسافات طويلة، وبإمكانها رفع الرسوم على ~~شاحني البضائع إلى أقصى حد ممكن. ويتضمن «شاحنو البضائع» المزارعين ms015 الذين يبيعون ~~محاصيلهم أو ماشيتهم، وأصحاب المحال الذين يشترون البضائع التي تصنع في مناطق أخرى، ~~وكبار المصنعين وصغارهم؛ باختصار، تضمنت هذه الشريحة جميع الأفراد الذين احتاجوا إلى ~~استخدام الطرق. استاء هؤلاء من اضطرارهم لدفع الرسوم التي تفرضها عليهم شركات السكك ~~الحديدية، وكانوا كأفراد يشعرون بقلة الحيلة أمام قوة الشركات (وبخاصة شركات السكك ~~الحديدية) التي تفوقهم نفوذا بكثير. وكان الملاذ المنطقي الذي يمكن أن يتوجهوا إليه هو ~~حكومات الولايات والمجالس التشريعية الملتزمة بسن القوانين التنظيمية. # في عام 1886، أقامت شركات السكك الحديدية واباش وسانت لويس وباسيفيك دعوى قضائية على ~~ولاية إلينوي، وادعت شركة واباش أن قانون الولاية المنظم للعمليات التي تقوم بها قد ~~انتهك المادة الموجودة في الدستور الأمريكي والتي تقضي باحتفاظ الحكومة الفيدرالية بحق ~~الرقابة على التجارة بين الولايات، واتفقت المحكمة العليا الأمريكية في الرأي مع شركة واباش ~~وألغت قانون ولاية إلينوي، بل وجميع القوانين المنظمة للسكك الحديدية بالولايات ~~الأخرى. # جاءت ردة فعل الكونجرس سريعة؛ وذلك بتمرير قانون التجارة بين الولايات لعام 1887 بأغلبية ~~من الحزبين، ووقعه الرئيس المنتمي إلى الحزب الديمقراطي جروفر كليفلاند في فبراير من عام ~~1887. نص القانون على أن تكون رسوم السكك الحديدية «معقولة وعادلة»، ومنع تقديم خصومات ~~لشركات الشحن الكبرى مثل شركة ستاندرد أويل أو إقامة شراكات احتكارية معها، وألزم شركات ~~السكك الحديدية بأن تنشر رسومها وألا ترفعها دون إشعار عام قبلها بعشرة أيام. # بعد ذلك بثلاث سنوات، انتقلت السيطرة على الكونجرس والرئاسة من الديمقراطيين إلى ~~الجمهوريين، ولكن الضغط الشعبي المناهض للاحتكار والمنادي بالقوانين التنظيمية ازداد ~~قوة، وشارك الحزبان الكبيران عام 1888 في حملات منادية بإصدار قانون عام لمكافحة الاحتكار ~~لا ينظم فقط عمل شركات السكك الحديدية، ولكن يشمل أي تحالف أو كيان احتكاري. وأدى ذلك ~~إلى تمرير الكونجرس في يوليو عام 1890 قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار، ووقع عليه الرئيس ~~بنجامين هاريسون. انتهت المشكلة، أو هكذا بدا الأمر، بيد أنها لم تنته حقا؛ فكما قال ~~السيد دولي، حكيم شيكاجو الخيالي الذي ابتكره الكاتب فينلي بيتر دن: «ما ms016 أراه أنا وأنت ~~جدارا من الطوب ... يراه محامي أي شركة قوس نصر.» فقد أدت الدعاوى القضائية التي وصلت إلى ~~المحكمة العليا الأمريكية خلال تسعينيات القرن التاسع عشر إلى إضعاف قانون التجارة بين ~~الولايات وقانون شيرمان، وأبطلت في الواقع أجزاء كبيرة منهما. وفي واقعة صارخة، قضت ~~المحكمة في قضية «شركة إي سي نايت ضد الحكومة الأمريكية» في عام 1895 بأن التصنيع - حتى في ~~حالة تحكم شركة واحدة بتسعين في المائة من السوق - يختلف عن التجارة؛ ولذا لا تسري عليه ~~قوانين مكافحة الاحتكار. # ومنذ أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين، هيمن الاتجاه الاحتكاري ~~الذي عرف باسم «حركة الدمج» على الشركات الكبرى بأمريكا، وهو ما أحدث دمجا بين شتى أنواع ~~الشركات، وفي ذلك شركات السكك الحديدية. كانت النتيجة هي شعور قطاعات عديدة من الشعب ~~بالغضب، فقد خدعوا بقانون التجارة بين الولايات وقانون شيرمان اللذين دفعا الشعب إلى ~~الاعتقاد بأن الاحتكار تحت السيطرة؛ وخذلتهم المحكمة العليا المحافظة المنحازة إلى ~~الشركات، وبدأ الأمر يسترعي انتباه نوابهم المنتخبين. # كانت النتيجة هي مطالبة بالإصلاح حظيت بدفعة كبيرة خلال تسعينيات القرن التاسع عشر حتى ~~وصلت بحلول عام 1900 إلى شعور واسع الانتشار بوجود أزمة. حتى ذلك الوقت كان من الصعب كسر ~~حالة الإجماع السائدة، وهي إجماع على الداروينية الاجتماعية التي تقول بأن الأفراد ~~يتحملون مسئولية نجاحهم أو فشلهم. لعل أبرز المؤيدين للداروينية الاجتماعية هو ويليام ~~جراهام سمنر من جامعة ييل الذي نشر كتابا في عام 1883 بعنوان «ما تدين به الطبقات ~~الاجتماعية بعضها لبعض»، وقد انتهى في كتابه إلى أن الطبقات الاجتماعية لا تدين بشيء ~~بعضها لبعض. # في ذلك العصر الذي عرف بتقدير آداب اللياقة، كان من غير اللائق التذمر من النظام ~~الاجتماعي والاقتصادي، وكان معظم المحررين والواعظين والسياسيين يسعون لاكتساب الاحترام. ~~ومن وجهة نظرهم كان المزارعون الغاضبون ومناصرو حزب العملة الخضراء أفرادا غير جديرين ~~بالاحترام؛ ولذا كان يمكن غض الطرف عن شكواهم ومقترحاتهم في الوقت الراهن. # الفصل الثاني # | أزمة تسعينيات القرن التاسع عشر: 1889-1901 ms017 # اتسمت ثمانينيات القرن التاسع عشر، في كثير من النواحي، بالتوسعية والرخاء. في أمريكا ~~وأوروبا، بدا العالم ثريا، وظهرت إبداعات عظيمة في العمارة والهندسة، ومن بينها جسر ~~بروكلين (1883) وأول ناطحة سحاب ذات هيكل فولاذي (1885)، واتسعت الرقعة التي امتدت ~~فوقها السكك الحديدية عبر أمريكا. وبحلول عام 1890، افتقر قليل من الأماكن على اختلاف حجمها ~~في الشمال الشرقي والغرب الأوسط إلى خدمة نقل الركاب والبضائع، وكان المهاجرون يرتحلون كل ~~يوم بالآلاف إلى نيويورك وفيلادلفيا وبالتيمور ونيو أورليانز على متن السفن البخارية ~~العابرة للمحيط الأطلنطي الجديدة السريعة، بعضهم أراد المكوث في تلك المدن الساحلية، وأراد ~~أكثرهم التوجه غربا. واستمرت أيرلندا وإنجلترا وألمانيا والدول الاسكندنافية في إرسال ~~الكثير من المهاجرين، ولكن بعد عام 1880 ساهمت إيطاليا وبولندا وروسيا والإمبراطورية ~~النمساوية المجرية المتعددة الأعراق في إثراء التنوع داخل المجتمع الأمريكي. # وفي منطقة السهول الكبرى، أخذ الباحثون عن الأراضي من نورث داكوتا وساوث داكوتا إلى تكساس ~~في توسيع حدود الاستيطان غربا يوما بعد يوم، وسرعان ما أصبحت المناطق الخاصة بالهنود ~~الحمر في السابق، والتي فتحت أبوابها أمام إقامة البيض للعزب الريفية عام 1889، ~~ولاية أوكلاهوما. أما عن الهنود الحمر، فقد اختفت مقاومتهم الأخيرة المنظمة في وجه ~~القوات والمزارعين الأمريكيين إبان ثمانينيات القرن التاسع عشر، وأرغموا على العيش في ~~مستوطنات، حيث كان من المفترض بهم التعايش مع البيض. كانت تلك «فترة الحضيض» بالنسبة ~~للهنود الحمر، ليس فقط من حيث تعدادهم (فقد تراجع تعدادهم الذي قدر بملايين قبل قدوم ~~كولومبوس إلى ما يقرب من 250 ألفا في عام 1900)، ولكن أيضا في كبت ثقافاتهم. وأعلنت ~~مونتانا وإيداهو وواشنطن ووايومنج ونورث داكوتا وساوث داكوتا - الربع الشمالي الغربي ~~بالكامل تقريبا من الولايات المتحدة - كولايات في عام 1889 / 1890. وفي كل ولاية من تلك ~~الولايات، ارتفع عدد السكان، مثلما كانت الحال دوما في السنوات الأولى من عمر المستعمرات ~~الحدودية. لم يتوقف اجتياح الشباب الراغب في العمل بالزراعة وعائلاتهم لمنطقة السهول الكبرى ~~إلا بعد عام 1915، وحينها فقط توقفت إقامة المستوطنات الحدودية التي بدأت في العصور ~~الاستعمارية. # أما ms018 عن التعداد السكاني الوطني، فكشف الإحصاء السكاني عام 1890 أنه في السنوات العشر ~~السابقة لذلك التاريخ زاد التعداد السكاني زيادة مفرطة بنسبة تتخطى 25 في المائة، ~~وارتفع إلى 63 مليونا؛ أي ضعف ما كان عليه قبل ثلاثين عاما فقط، قبيل الحرب الأهلية ~~مباشرة. ساهم في ذلك المعدل العالي للهجرة، والاستيطان السريع للغرب، وكذلك التحول إلى ~~الحياة المدنية. كان كل من التعداد في الحضر والريف على حد سواء يرتفع بسرعة في الوقت ~~نفسه. وإبان ثمانينيات القرن التاسع عشر، ظهر ما يزيد على 500 ألف مزرعة جديدة، في حين أن ~~عدد المناطق الحضرية ارتفع بنسبة 44 في المائة وازداد عدد سكان الحضر بمعدل 8 ملايين فرد، ~~ما يعادل ضعف الزيادة في الريف. وعلى مستوى النواحي الاقتصادية جميعها، كانت الولايات ~~المتحدة تتبوأ مقعدها جنبا إلى جنب مع البلدان الصناعية الكبرى بالقارة الأوروبية، بل ~~وكانت تنذر أيضا بأن تتفوق عليها في معدلات الإنتاج. ومما لا يدعو للدهشة أن الولايات ~~المتحدة كانت أيضا تضارعها في المشكلات الاجتماعية التي تنتج عن النمو الاقتصادي ~~المتسارع. # لم تنجح مساعي الإصلاح المحدودة إبان ثمانينيات القرن التاسع عشر بالقدر المطلوب في ~~مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي أعقبت الحرب الأهلية. بدأت الدعوة ~~لإصلاح الخدمة المدنية منذ ستينيات القرن التاسع عشر أو قبله، وفي عام 1883، بعد صدمة ~~اغتيال الرئيس جيمس إيه جارفيلد قبل عامين، أصدر قانون الخدمة المدنية الفيدرالي الأول، ~~الذي يعرف أيضا بقانون بندلتون. كان ذلك بداية جيدة؛ حيث أصبح هذا القانون ساريا في ~~بعض الهيئات مثل هيئة البريد، ولكنه لم يقض على التعيينات السياسية تماما. بدأ تنظيم ~~المشروعات التجارية الكبرى، الذي كان ضرورة ملحة أخرى، مع قانون التجارة بين الولايات ~~لعام 1887 وقانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام 1890، لكن هذين القانونين لم يكونا سوى ~~لزقات جروح وضعت على جرح نازف، فسرعان ما أفقدت المحكمة العليا الأمريكية الشديدة التحفظ ~~والموالية للشركات هذين القانونين فاعليتهما. وكان من الممكن أن يساعد التوسع النقدي ~~المزارعين وصغار المصنعين، لا سيما في الجنوب والغرب اللذين يفتقران ms019 إلى السيولة النقدية، ~~وكانت المطالبة بالتوسع النقدي السبب الرئيسي وراء تشكل حزب العملة الخضراء، إلا أن ~~نظرية الحزب الخاصة بالتوسع في إصدار الأوراق النقدية تناقضت مباشرة مع الممارسة السائدة ~~الخاصة بمعيار الذهب. وصف مناصرو الحزب بأنهم مهووسون ساذجون، بالرغم من أن بعض ~~الاقتصاديين المعروفين اتفقوا معهم في الرأي. وعندما انتعش الاقتصاد بقدر من الرخاء بعد عام ~~1880، تبخر التوجه المؤيد لإصدار العملات الخضراء. # خارج نطاق الحكومة، روج بعض المصلحين لبرامجهم الإصلاحية على نحو جيد، فقد أيد هنري ~~جورج فرض «ضريبة واحدة» على الزيادات غير المكتسبة في قيمة الأملاك العقارية، واقترح إدوارد ~~بيلامي تأميم قطاعات كبيرة من الاقتصاد. وعلى الرغم من انتشار الجمعيات المؤيدة لبيلامي ~~وجورج في المدن عبر أرجاء البلاد للترويج لأفكارهما، فلم تجذب بنحو أساسي سوى المثقفين ~~والنخب المتخصصة، فلم تكن الحاجة إلى إدخال إصلاحات قد وصلت بعد إلى نطاق أوسع من ~~المجتمع. # مع ذلك، ظلت الحقيقة هي أن ثمار الرأسمالية غير الخاضعة لأي رقابة كان يحصدها فقط ~~أقلية صغيرة في قمة المجتمع. استعان أقطاب مؤسسات وول ستريت وأباطرة السكك الحديدية ~~بمهندسين معماريين عصريين من أجل تشييد قصور عظيمة لهم، بدءا من نيوبورت ورود آيلاند إلى ~~نيويورك وسان فرانسيسكو، وعلى الرغم من عدم تشييد أعداد كبيرة من تلك القصور، فقد أججت ~~مشاعر المهابة والرفعة وكذلك الاستياء. كانت الفجوة بين تلك القصور ومنازل المزارعين أو ~~الحرفيين المتوسطي الحال تشهد على حالة غياب المساواة المتزايدة. كان هناك في الولايات ~~المتحدة فقراء بالحضر (والريف) على مدى وقت طويل، لكن نمو المدن الكبيرة في ثمانينيات ~~القرن التاسع عشر والهجرة غير المسبوقة من أوروبا خلال ذلك العقد أسهما في إبراز الفقر على ~~نحو أكبر بكثير. بدأت مراكز التكافل الاجتماعي - وهي مؤسسات خاصة يقوم على إدارتها رواد ~~العمل الاجتماعي - في الظهور باعتبارها ملاذا يقدم الخدمات الاجتماعية وقدرا من التعليم ~~إلى فقراء الحضر. كان هال هاوس في شيكاجو، الذي تأسس عام 1889، أبرز النماذج المبكرة ~~على تلك المراكز، وتبعه بعد ذلك مراكز عديدة. لكن تلك المراكز لم تصل ms020 بخدماتها إلا ~~إلى عدد محدود من الفقراء؛ فقد احتاجت مشكلات الفقر وعدم المساواة إلى استجابات أوسع ~~نطاقا. حققت المنظمة العمالية الرئيسية في ذلك الوقت - وهي منظمة «فرسان العمل»، التي ~~اتخذت «اتحاد الطبقات المنتجة» شعارا لها وفلسفة تعبر عنها - نجاحات عديدة في أوائل ~~ومنتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، لا سيما أمام شركات السكك الحديدية، واجتذبت ما يقرب من ~~700 ألف عضو بحلول عام 1887. إلا أن أحداث شغب ميدان هايماركت التي قادها دعاة الفوضوية في ~~أكتوبر من عام 1886 بشيكاجو أساءت لسمعة أعضاء المنظمة، على الرغم من عدم مشاركتهم في تلك ~~الأحداث؛ وذلك لأن الصحافة المحافظة (والعامة) ربطت تلقائيا بين «الإضرابات ~~العمالية» والفوضوية. خسرت منظمة فرسان العمل إضرابا عماليا هاما عام 1887، وتراجع ~~مجموع الأعضاء بها إلى ما يقرب من 100 ألف بحلول عام 1890. مع ذلك نجحت المنظمة بوجه عام ~~في بلورة حلم الطبقات المنتجة في وجود تحالف بين المزارعين وعمال المصانع، في الجنوب وفي ~~بعض الولايات الغربية. وبهذا ساهمت بوضع أيديولوجية والدفع بقوة عددية في تشكيل أكبر وأهم ~~حركة سياسية إصلاحية في حقبة ما بعد الحرب الأهلية، وهي حزب الشعب. أصبح هذا الحزب، الذي ~~يطلق عليه أيضا الحركة الشعبوية، ثالث أقوى حزب في ذلك الوقت. # بدأت مشاعر الاستياء الواسعة في التأجج في الغرب والجنوب في أواخر ثمانينيات القرن ~~التاسع عشر، وفي ظل اعتماد الاقتصاد في هاتين المنطقتين بقوة على المنتجات الأساسية (القطن ~~في الجنوب، والقمح والذرة في الغرب)، وعلى السكك الحديدية في جلب تلك المنتجات إلى الأسواق، ~~وفي ظل قصور نظمهما الرأسمالية أو المصرفية، غرقتا في الديون. كان صغار المزارعين في ~~الجنوب أسوأ حالا من نظرائهم بالغرب؛ وذلك نظرا لأن الجنوب كان لا يزال في مرحلة إعادة ~~الإعمار من الدمار الذي سببته الحرب الأهلية. لم يحصل العبيد السابقون أو أبناؤهم على ~~الأراضي التي وعدوا بها في فترة إعادة الإعمار؛ ومن ثم كان عليهم العمل بنظام ~~المزارعة أو استئجار الأراضي الزراعية. وفي مناطق السهول الكبرى التي أهلت بالسكان ~~مؤخرا حينها، من تكساس شمالا ms021 إلى نورث داكوتا وساوث داكوتا، كان يستطيع المزارع وعائلته ~~بسهولة إلى حد ما الحصول على ملكية اسمية لإحدى الأراضي، لكن المزارع كان يحتاج عادة ~~للاقتراض من أجل إدارتها. وكلما توغل المزارعون غربا، زادت أسواقهم بعدا عنهم ~~وارتفعت تكاليف النقل، وزاد احتياجهم للمال والاقتراض لشراء البذور وبناء الأسياج وشراء ~~الأدوات وما إلى ذلك؛ ومن ثم، استفحل دينهم الخاص بالرهن العقاري. احتاج صغار ~~المزارعين وعائلاتهم بالجنوب والغرب إلى تيسير الائتمان أكثر وخفض رسوم السكك الحديدية، ~~وفوق هذا وذاك، احتاجوا إلى تداول مزيد من العملات النقدية؛ فذلك من شأنه أن يقلل من قيمة ~~النقود ويزيد من سعر المحاصيل والماشية التي كانوا ينتجونها؛ ومن ثم يتسنى لهم تحقيق ~~مكسب أكبر يغطي ديون الرهن العقاري الثقيلة ورسوم النقل المرتفعة. # تأصلت حالة الضيق الاقتصادي هذه في الجنوب ومنطقة السهول الكبرى منذ سبعينيات القرن ~~التاسع عشر، لكن في أواخر ثمانينيات القرن ~~التاسع عشر، اجتمعت الأحداث كي تجعل الحياة في هاتين المنطقتين أكثر صعوبة؛ ففي أعوام ~~المحاصيل السيئة، كان الدخل ينخفض نظرا لعدم توفر كميات كبيرة من المحاصيل لبيعها، وفي ~~الأعوام الجيدة، كان يتم إغراق الأسواق بالمحاصيل، وتنخفض الأسعار نتيجة لزيادة المعروض. ~~رأى صغار المزارعين أن النظام لا يعمل في صالحهم، ولم تقدم لهم السياسة أي عون. ~~خاضت قائمة مرشحي اتحاد العمال الانتخابات في عدد من الولايات في عام 1888 لكنها لم ~~تحقق نجاحا كبيرا؛ أما الحزبان الرئيسيان ومرشحاهما الرئاسيان - جروفر كليفلاند مرشح ~~الحزب الديمقراطي، وبنجامين هاريسون مرشح الحزب الجمهوري - فلم يكن بجعبتيهما شيء يمكن ~~تقديمه للمزارعين والعمال. ماذا يمكن فعله إذن؟ بمقدور العمال تنظيم إضراب أو مقاطعة، لكن ~~ليس باستطاعة المزارعين فعل ذلك، إنما باستطاعتهم تأسيس جمعيات تعاونية تحمي الأسعار التي ~~يحصلون عليها، وباستطاعتهم تحليل المشكلات التي كانت تواجههم؛ لذا كان من الطبيعي أن يصير ~~شعار «تحالف المزارعين» الجديد المتنامي «ثر وعلم ونظم.» # وبحلول عام 1889 فاض الكيل بالكثير من المزارعين الصغار، وبدعم من منظمة فرسان العمل ~~والجمعيات التابعة لجورج وبيلامي، ومؤيدي حزب العملة الخضراء السابقين، أسرع ms022 مئات الآلاف ~~إلى الانضمام لتحالفات المزارعين الصغيرة سابقا. ثار تحالف المزارعين الوطني والاتحاد ~~الصناعي، والذي عرف أيضا ب «التحالف الجنوبي» من تكساس شمالا إلى كانساس، وشرقا إلى ~~جورجيا ونورث كارولينا وساوث كارولينا. استاءت تلك الحشود من النظام الاقتصادي الذي ساعد في ~~ثراء البعض، وشعرت بالإحباط من رسوم وممارسات شركات السكك الحديدية التي لم تكن خاضعة لأي ~~رقابة من أي نوع، وانزعجت من تدني الأسعار كثيرا - مقارنة بتكاليف الإنتاج - لدرجة أنه ~~في بعض المناطق كان من الأوفر إحراق الذرة في مواقد الشتاء عن بيعها بلا مقابل تقريبا، ~~وتوافدوا هم وزوجاتهم إلى الاجتماعات التي كانت تعقد في المدارس للاستماع إلى محاضرات ~~التحالف التي كانت تشرح كيف كان يخدعهم النظام وما ينبغي لهم المطالبة به لإصلاحه. وفي ~~كل من الجنوب والغرب، وعلى الرغم من أوجه الاختلاف في آلية عمل أسواق الحبوب بالغرب ~~وأسواق القطن بالجنوب، كانت أوجه التشابه كثيرة للغاية. تمحور برنامج التحالف حول الأرض ~~(تيسير ائتمان الرهن العقاري)، والنقود (طرح عملات أكثر للتداول)، والنقل (رسوم نقل أقل ~~وأكثر عدلا). كانت هذه المطالب الثلاثة هي محور برنامج التحالف، على الرغم من إضافة مطالب ~~أخرى لها في الغالب. ابتعدت حركة التحالف في البداية عن طرح مرشحين لها في الانتخابات، لكن ~~بحلول عام 1890 بات واضحا للغاية أن عددا قليلا للغاية من سياسيي «الأحزاب القديمة» ~~يستمع إلى مطالب الحركة؛ من ثم شرع التحالف في طرح قوائم مرشحين له في الانتخابات في بعض ~~المناطق، وكانت النجاحات متفاوتة لكن مشجعة. # وفي يونيو عام 1890، اجتمع المحتجون ~~والمصلحون على اختلاف مشاربهم في مدينة توبيكا بولاية كانساس، وأنشئوا حزب الشعب بكانساس. ~~مثل رجال تحالف المزارعين نواة ذلك الحزب، وانضم إليهم في حماسة أعضاء منظمة فرسان ~~العمل ومؤيدو هنري جورج ومناصرو الاتحادات العمالية وأعضاء حزب العملة الخضراء وجمعيات ~~المزارعين. اتفق الجميع على خوض الانتخابات بقائمة مرشحين كاملة في نوفمبر، وهكذا فعلوا. ~~انتخبوا خمسة أعضاء في الكونجرس، وبسطوا سيطرتهم على مجلس النواب بالسلطة التشريعية ~~بالولاية، واختاروا السيناتور الأمريكي التالي. كان ذلك شبه ms023 انتصار كاسح، علاوة على ذلك، لم ~~تكن كانساس وحدها في هذا الأمر. حقق الشعبويون - وهو الاسم الذي أطلق على ناخبي حزب الشعب ~~ومؤيديه - إنجازا مماثلا في الولايات الغربية الأخرى وفي مناطق من الجنوب؛ فقد استلزم ~~الانقسام العرقي تشكيل تحالف منفصل هناك، وهو «تحالف السود»، لكن في المناطق التي تركز ~~فيها السود على غرار ساحل نورث كارولينا وشرق تكساس، حقق الشعبويون نجاحا جيدا أيضا ، ~~على نحو زعزع سيطرة القوى التابعة للحزب الديمقراطي بالجنوب، التي تؤمن بتفوق الجنس الأبيض ~~على السود. حال الترويع العنيف، وهو نمط مكرر من الأفراد المنتمين لمنظمات كو كلوكس كلان ~~وغيرهم من إرهابيي أواخر حقبة إعادة الإعمار، دون نجاح الشعبويين الجنوبيين في الانتخابات ~~كنظرائهم في الغرب الأوسط؛ على الرغم من أن الشعبويين بالجنوب امتلكوا قوة جامحة أكبر من ~~نظرائهم بالغرب الأوسط، فقد حققوا انتصارات أقل كثيرا في الانتخابات. فزعت مؤسسات البيض ~~من التهديد المحدق المتمثل في تشكيل ائتلاف سياسي متعدد الأعراق من الطبقتين الدنيا ~~والوسطى الدنيا، وفي السنوات القليلة التالية أخذت ولايات الجنوب الواحدة تلو الأخرى تمرر ~~قوانين جيم كرو لمنع السود وفقراء البيض المشاغبين على حد سواء من التصويت في ~~الانتخابات. أقل ما يقال في هذا الصدد أن الحركة الشعبوية بالجنوب أيقظت روح الديمقراطية ~~بحيث إنه بعد عام 1900 - إبان الحقبة التقدمية - دعم الجنوب بقوة البرامج الزراعية في ~~الوقت نفسه الذي باتت فيه قوانين التفرقة العنصرية أكثر تشددا. # سار الشعبويون في الولايات الأخرى على خطى ما حدث في ولاية كانساس؛ فأسسوا أحزابا على ~~مستوى الولايات وانضموا إلى الحركة الإقليمية. وفي عام 1892، التقى ما يزيد عن 1300 ~~مفوض، من الجنوب والغرب ومنطقة جبال روكي وحتى من مناطق أخرى أبعد شرقا في مدينة أوماها، ~~لصياغة برنامج حزب الشعب واختيار مرشحين لخوض الانتخابات الوطنية لعام 1892. كان «برنامج ~~أوماها» الذي ظهر في الرابع من يوليو من أكثر البرامج التي أعلنها الحزب إسهابا؛ إذ كانت ~~ديباجته الحماسية، التي كتبها المصلح المينيسوتي إجناشيس دونيلي، تعبر عن السخط الشديد ~~الذي يشعر به الملايين، وهي ms024 كالتالي: # إن الظروف التي تحيط بنا جميعا هي خير ما يبرر تعاوننا، فنحن نلتقي وسط أمة ~~على شفا دمار أخلاقي وسياسي ومادي، فقد هيمن الفساد على صناديق الانتخاب والهيئات ~~التشريعية والكونجرس، حتى إنه طال هيبة القضاة، واستبدت مشاعر الإحباط بأبناء ~~الشعب ... فالصحف إما تنطق باسم الدولة أو تكمم أفواهها ... والعمال بالمدن ~~يحرمون من حقهم في تنظيم صفوفهم من أجل حماية أنفسهم ... إن ثمار كدح الملايين ~~تسرق بوقاحة لمراكمة ثروات طائلة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية لقلة ~~قليلة ... إن القدرة القومية لإنتاج الثروة توجه لإثراء حاملي السندات فقط ... إننا ~~نسعى إلى إعادة زمام حكم الجمهورية إلى أيادي «الناس العاديين»، تلك الطبقة التي من ~~أجلها أنشئت الحكومة ... نحن نرى أن سلطة الحكومة - أو سلطة الشعب بعبارة أخرى - ~~ينبغي أن تزيد ... بالسرعة والمقدار الذي تمليه حصافة هذا الشعب الذكي وتعاليم خبرته؛ ~~بحيث يصب ذلك في غاية واحدة؛ وهي القضاء على الاستبداد والظلم والفقر في ربوع ~~البلاد. # ونظرا لأن بنود البرنامج السابق ألهمت التقدميين، بل حققوا معظمها على أرض الواقع بعد ~~بضع سنوات، فإن البرنامج يكشف لنا الأفكار الإصلاحية التي كانت تختمر بالفعل في ذلك ~~الوقت المبكر. لقد استهدف بعضها بوضوح مشكلات الزراعة، مثل قضايا «الأرض والنقود والنقل»، ~~وتلك الأفكار خضعت للتهذيب والتدقيق خلال العامين أو الثلاثة التي تلت اتساع نطاق ~~تحالفات المزارعين. وتركزت في تخفيف أعباء الرهن العقاري وتنظيم عمل شركات السكك الحديدية ~~والتوسع النقدي (سواء العملات الخضراء أو العملات الفضية). كانت العملة، حسب زعم تلك ~~التحالفات، قد انكمشت بالفعل منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، فأرهقت المنتجين الفعليين ~~بشدة، وفي الوقت نفسه ساهمت صور أخرى من النقود (مثل الشيكات، والودائع النقدية، وشهادات ~~الإيداع ما بين المصارف، والأوراق المالية القابلة للتداول) في زيادة كبيرة في العرض النقدي ~~في الأجزاء الأكثر ثراء من البلاد. أشار أحد الشعبويين إلى أن ورقة نقدية بقيمة خمسة ~~دولارات تتناقلها الأيدي عدة مرات يوميا في نيويورك أو شيكاجو ربما لا تنتقل إلا مرة أو ~~مرتين أسبوعيا من يد ms025 إلى أخرى في القرى الريفية؛ من ثم لا يملك الريفيون سوى جزء ~~ضئيل من النقود المتوفرة لسكان المدن. لم يكن حجم الدولارات المتداولة هو المشكلة؛ بل سرعة ~~تدفقها هي ما مثلت نقطة حاسمة. # لكن بخلاف هذه القضايا الرئيسية الثلاث، طالب البرنامج بتغييرات أخرى من شأنها إعادة زمام ~~أمور البلاد إلى «الشعب» - المنتجين - وانتزاعها من أيدي المتلاعبين، والاحتكاريين، وأصحاب ~~النفوذ غير الشرعيين. لم يكن ذلك مجرد احتجاج للمزارعين، بل هجوم خطير - هو الأول من نوعه ~~والأكثر شمولا من أوجه عديدة - على الرأسمالية غير المنظمة. اقترح البرنامج إصلاحات عميقة ~~لا تهدف إلى إلغاء النظام الرأسمالي، بل إلى تمكين الشعب من استرداده، وجاء فيه: «إما أن ~~تملك شركات السكك الحديدية الشعب وإما أن يملك الشعب شركات السكك الحديدية»؛ لذا لا بد ~~للحكومة - التي كانت في وجهة نظر الشعبويين (أو ينبغي أن تكون) تمثل «الشعب» - أن تمتلك ~~الطرق وتديرها بقوانين خدمة مدنية «صارمة». كذلك طالب البرنامج ب «عملة وطنية، آمنة ~~وسليمة ومرنة تصدرها الحكومة فقط»؛ وليس المصارف الوطنية؛ فقد جاء فيه: «صك العملات ~~الذهبية والفضية الحر واللامحدود» بنسبة الستة عشر إلى واحد التقليدية؛ وليس بأقل من خمسين ~~دولارا لكل فرد في عملية التداول. وطالب أيضا ب «ضريبة دخل تصاعدية»، واقترح إنشاء ~~«صناديق ادخار بريدي ... للإيداع الآمن لمكاسب الأفراد.» أما عن نظم الهاتف والتلغراف ~~والسكك الحديدية، «فينبغي أن تعود ملكيتها وإدارتها إلى الحكومة بما يصب في صالح الشعب»، ~~كما هو مطبق في الدول الصناعية الأخرى. وكان تقييد العمالة «غير المرغوب فيها» ~~(والتنافسية)، ووضع قوانين تفرض ساعات عمل أقل للعاملين، وحظر الأفراد التابعين لوكالة ~~بنكرتن الخاصة للتحريات وغيرهم من الأفراد المأجورين بواسطة الشركات لفض الإضرابات، على رأس ~~المطالب الخاصة بالعمال. # لم تكن الحركة الشعبوية - أو هكذا أمل زعماؤها على أقل تقدير - حركة مزارعين فقط؛ فقد ~~نادى برنامج أوماها أيضا بالاحتكام إلى المبادرة والاستفتاء في وضع التشريعات؛ ومن ثم ~~إعطاء «الشعب» سلطة أكبر. وأراد إصلاح عملية الانتخاب من خلال المطالبة بالاقتراع السري ~~وتطبيق النظام الأسترالي في هذا ms026 الشأن (أي تجريه الحكومة لا الأحزاب، وأن تضم أوراق ~~الانتخاب مرشحي جميع الأحزاب، وليس حزبا واحدا فقط). شمل البرنامج مطالب أخرى أيضا، لكنه ~~في جوهره كان يقوم على أمرين: النزعة الإنتاجية، وهي النظرية الاقتصادية التي تقضي بضرورة ~~أن تذهب المكاسب إلى المزارعين والعمال الذين أنتجوا الثروة، وليس إلى أولئك الذين يتلاعبون ~~بها؛ والديمقراطية، وهي النظرية السياسية التي تفيد بأن السلطة يجب أن تكون متروكة ~~«للشعب »، لا للشركات المستغلة. مقت الشعبويون السيطرة غير العادلة لتلك المؤسسات ~~التجارية على الأسواق والحكومات وغير ذلك الكثير (شركات السكك الحديدية والاتحادات ~~الاحتكارية والمصارف)، وما نجم عن ذلك من توزيع سيئ وسافر للثروة. # شكل المزارعون في ولايات الجنوب والغرب غالبية ذلك «الشعب» الذي تحدث برنامج أوماها ~~عن احتياجاته، لكن البرنامج تحدث أيضا عن المطالب الخاصة بالعمال؛ وذلك لأن العمال ~~المنتجين أيضا في حاجة إلى مساعدة. وكان بمنزلة بيان شامل بالمطالب الشعبية للتغيير بدءا ~~من عام 1892، لكن لم يتحول أي منها إلى قانون أو سياسة إلا بعد سنوات عديدة. وهكذا ~~أخفقت الحركة الشعبوية في تحقيق ما كانت تدعو إليه. لكن في غضون سنوات قليلة، تبنى ~~التقدميون الكثير من هذه الإصلاحات، ومع أفول الحركة التقدمية، صار معظم ما جاء في ~~برنامج أوماها قوانين فيدرالية وخاصة بالولايات. وكما قال وورث روبرت ميلر، وهو مؤرخ عن ~~الحركة الشعبوية بولاية تكساس، على نحو محقق (وهذا يسري أيضا على الولايات الأخرى): # تركزت الفكرة الشعبوية حول الالتزام بالنظام الجمهوري الأمريكي ... [الذي] اقتضى ~~مناهضة الاحتكار والفساد اللذين رسخا التمييز من خلال المحاباة. كانت ~~الملكية ذات أهمية بالغة للحرية الفردية. خشي الشعبويون أن الفجوة الآخذة في ~~الاتساع بين الأثرياء والفقراء ستدفع الكثير من الأمريكيين نحو حياة الخنوع ~~والتبعية التي تذكرنا بحياة طبقة الفلاحين بأوروبا. ضمت الحركة الشعبوية ~~بولاية تكساس أولئك المعنيين على نحو أكثر بتلك الفجوة الآخذة في التزايد، ألا ~~وهم المزارعون البيض الفقراء ومتوسطو الحال، والعمال بالحضر، وفي آخر الأمر ~~الأمريكيون من أصول أفريقية. # رغم ذلك سارت الحياة بالنسبة للكثير من الأمريكيين على مدار ms027 السنوات المتبقية من تسعينيات ~~القرن التاسع عشر من سيئ إلى أسوأ. وبنهاية العقد ظهر الإحساس بالأزمة والتغيير الجذري ~~الوشيك في مقالات الرأي الرئيسية بالصحف ومنابر الوعظ والمفكرين بنحو عام. # في بادئ الأمر، اكتسبت الموجة الشعبوية زخما. أصبح العميد السابق في جيش الاتحاد بالحرب ~~الأهلية جيمس بي ويفر - الذي كان مرشحا للرئاسة عن حزب العملة الخضراء في عام 1880 - ~~المرشح الرئاسي لحزب الشعب، وكان حليفه في السباق جيمس فيلد، العميد السابق في الجيش ~~الكونفدرالي. كان من الضروري التعبير عن الفكرة الشعبوية التي تتجاوز الاختلاف بين فصائل ~~الأمة، وتسعى للم الشمل بين الشمال والجنوب؛ حيث قد مر حينها سبعة وعشرون عاما ~~فقط على نهاية الحرب الأهلية، وكانت الذكريات لا تزال حية. استخدم الحزب الجمهوري بالشمال ~~ورقة «شهداء الحرب الأهلية الأبطال» بقوة ونجاح للهجوم على منافسيه، واستغل ذكرى الحرب ~~الأهلية كقضية حاسمة من خلال تكرار العبارة الرنانة: «صوت كأنك تصوب.» وانتشرت ~~الملصقات المؤيدة للمرشح الجمهوري في كل حدب وصوب. مع ذلك، جنى تحالف ويفر وفيلد ما ~~يزيد على مليون صوت شعبي (ما يقرب من واحد من بين كل اثني عشر صوتا على مستوى البلاد) ~~واثنين وعشرين صوتا في المجمع الانتخابي من منطقة السهول الكبرى غربا. كان ذلك أكبر نجاح ~~يحققه حزب ثالث يخوض السباق حتى ذلك الوقت، ولن يتفوق عليه حزب آخر في ذلك حتى حملات ~~الحركة التقدمية المؤيدة لثيودور روزفلت في عام 1912 وروبرت إم لافوليت عام 1924. فاز مرشحو ~~حزب الشعب بمناصب حكام الولايات ومقاعد في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وغير ذلك من المناصب ~~الرسمية. بدا مستقبل الحركة الشعبوية مبشرا بالطبع، ولعل تحركات عام 1892 ما سيدفع إلى ~~انتصار المزارعين والعمال في عامي 1894 و1896. # في تلك الأثناء، كانت الأحوال تزيد سوءا. لم يستطع الجنوب والغرب المعتمدان على الزراعة ~~التعافي من أزمات فساد المحاصيل وتدني الأسعار في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ثم حدث ~~إضراب كبير عن العمل بمصنع هومستيد للصلب بالقرب من مدينة بيتسبرج نظمته نقابة ناشئة ~~لعمال مصانع الصلب في أواخر ms028 يونيو من عام 1892، في الوقت نفسه الذي كان يجتمع فيه مسئولو ~~الحركة الشعبية بأوماها. استطاع المضربون إبعاد قوة من أفراد وكالة بنكرتن الذين استأجرهم ~~المصنع، الأمر الذي دفع حاكم بنسلفانيا إلى استدعاء قوات الدفاع الخاصة بالولاية، واستسلم ~~المضربون أمام تلك القوات التي تفوقهم عددا وسلاحا. تقوضت النقابة نهائيا لدرجة أنه ~~لم تتأسس أي منظمة واسعة النطاق لعمال مصانع الصلب مرة أخرى حتى عام 1937. وفي الوقت الذي ~~بدا فيه المزارعون بالغرب يحققون انتصارات، كان العمال بالشرق يتعرضون للقمع. # وفي صيف عام 1893، تعرضت شركة ريدينج ريلرود، وهي الشركة المالكة لخط السكك الحديدية ~~الشمالي الشرقي، وشركة كبرى أخرى للانهيار، واجتاح الاضطراب وول ستريت، وحدث ذعر مصرفي، ~~وانهارت آلاف الشركات. كان الذعر المصرفي الذي حدث في عام 1893 إيذانا بحالة كساد ~~استمرت في أشد مراحلها وطأة حتى عام 1897، ولم يتعاف الاقتصاد تماما منها حتى عام ~~1901. كان كساد تسعينيات القرن التاسع عشر هو الأسوأ بين حالات الكساد التي شهدتها ~~الولايات المتحدة قبل ذلك التاريخ، وظل هو الأسوأ حتى أزمة الكساد الكبير التي حدثت فيما ~~بين عامي 1929 و1941. ونتج عن ذلك أن أصبح ما يزيد على 18 في المائة من العمال عاطلين عن ~~العمل، وذلك وفقا لأحد التقديرات الجديرة بالثقة، وأغلقت المزارع، ودمرت الحجوزات ~~العقارية وحالات الإفلاس التجارة والمزارع والعائلات في ربوع البلاد. نصب جروفر ~~كليفلاند، المحافظ مرشح الحزب الديمقراطي من نيويورك، رئيسا للبلاد عام 1892، وحاول ~~استعادة الثقة في الموارد المالية للبلاد من خلال دعوة الكونجرس إلى جلسة خاصة لإلغاء ~~مشتريات الحكومة من الفضة، التي أجيزت عام 1890 لاستيعاب الناتج الغربي من الفضة ولتهدئة ~~ضغط التوسع النقدي. وضع اللوم على مشتريات الفضة في التسبب في السحب المفزع من احتياطي ~~وزارة الخزانة من الذهب. زاد امتعاض المزارعين عندما التزم الكونجرس بقرار إلغاء مشتريات ~~الفضة، وعندما أقنع كليفلاند المصرفي جيه بي مورجان وزملاءه بالاستثمار بقوة في سندات ~~الخزانة، التي تستوجب الدفع في النهاية بالذهب، وذلك على حساب دافعي الضرائب. # قضى وقف مشتريات الفضة على اقتصاديات مناطق التعدين ms029 الغربية، وزاد بيع السندات إلى ~~مورجان، رمز وول ستريت، الشعبويين وغيرهم من المصلحين الزراعيين قناعة بأنهم ضحايا نفوذ ~~المؤسسات التجارية. بدأ العاطلون عن العمل من كاليفورنيا والمناطق التعدينية في الخروج في ~~مسيرات في واشنطن في ربيع عام 1894، واستولوا على قطارات البضائع وجابوا البلاد، الأمر ~~الذي أثار فزع المسئولين الحكوميين، ونال استحسان الكثير من البسطاء. توحدت المسيرات ~~تحت قيادة جاكوب كوكسي، صاحب أحد المصانع بأوهايو. نجح عدة مئات من المتظاهرين في صفوف «جيش ~~كوكسي» في الوصول إلى واشنطن، لكن ذلك الجيش المؤلف من العاطلين عن العمل لم يستطع تحقيق أي ~~شيء. اعتقلت حكومة كليفلاند المتظاهرين بتهمة السير فوق حديقة مبنى الكابيتول، وانفضت ~~الانتفاضة. لكن الإضرابات استمرت عبر أرجاء الغرب الأوسط. حدث أشهرها في شهر مايو بمصنع ~~بولمان خارج شيكاجو، عندما أضرب عدة آلاف من العمال عن العمل احتجاجا على تخفيض الإدارة ~~للأجور بنسبة الثلث تقريبا، في حين ظلت قيمة إيجار السكن التابع للشركة كما هي. قمعت ~~القوات الحكومية - التي كانت هذه المرة قوات فيدرالية أرسلتها إدارة كليفلاند على الرغم من ~~المعارضة الشديدة التي أبداها جون بيتر ألتجيلد حاكم ولاية إلينوي - هذا الإضراب أيضا شأنه ~~شأن إضراب مصنع هومستيد للصلب الذي سبقه بعامين. # تفاقم الصراع بين العمال والإدارة، والعمالة ورأس المال، بدرجة خطيرة، في حين ظلت أوضاع ~~المزارعين في الجنوب والغرب قاتمة. كانت نتائج الانتخابات العامة التي أجريت عام 1894، ~~التي منحت الجمهوريين فوزا ساحقا - مما جعلهم يحكمون سيطرتهم على الكونجرس - ~~تعد شكلا من أشكال التوبيخ للديمقراطيين الذين ينتمي إليهم كليفلاند الذي بدأ الكساد ~~في فترة ولايته. صمد الشعبويون بالكاد في تلك الأثناء، وأصبحت الأجواء مهيأة لمواجهة عام ~~1896 الحاسمة. كان الاقتصاد في حالة كساد شديد، وارتفعت نسبة البطالة بدرجة غير مسبوقة، ~~وكان المزارعون يعانون أشد المعاناة. نشر الصحفي والإصلاحي في مدينة شيكاجو هنري ديمارست ~~لويد كتاب «الثروة مقابل الكومنولث»، الذي برز كإدانة شديدة للممارسات التجارية الاحتكارية ~~لشركة ستاندرد أويل المملوكة لجون دي روكفلر. أذكى الكتاب، الذي كان صادما وواسع ~~الانتشار، نيران الدعوة ms030 للإصلاح التي كانت مشتعلة بالفعل، وأقنع الناس الذين لم يتأثروا ~~بنحو مباشر بالأزمات العصيبة التي كان يتعرض لها الكثيرون بأن التغيير لا بد أن ~~يحدث. # ظهر الأمل في وجود توجه جديد وفرصته مع الانتخابات الرئاسية عام 1896. اختار الحزب ~~الجمهوري ويليام ماكينلي من ولاية أوهايو، الذي اشتهر وهو عضو في الكونجرس لاقتراحه ~~«تعريفة ماكينلي» عام 1890 التي هدفت إلى «حماية» المنتجات الأمريكية من المنافسة مع ~~المنتجات المستوردة. ربما اعتبرت حماية «الصناعات الناشئة» بأمريكا في السابق قرارا ~~حكيما، ولكن بحلول تسعينيات القرن التاسع عشر كانت تلك الصناعات تتفوق على الصناعات ~~الأجنبية المنافسة لها بسهولة. تمثلت حجة الجمهوريين في أن التعريفة الوقائية لم تساعد ~~المصنعين وحسب، بل وفرت وظائف للعمال أيضا. استنكر المعارضون، الديمقراطيون والشعبويون ~~على حد سواء، تلك التعريفة بحجة أنها رفعت أسعار السلع الاستهلاكية بدون داع وعلى نحو ~~زائف، وشكوا من أنها تعد ضريبة على الاستهلاك؛ ومن ثم «تضر» بالعائلات العاملة. ~~لكن ماكينلي أصر على أن تلك التعريفة ساعدت العمال، وأعانتهم على «تحسين أحوالهم». # اجتمع أعضاء الحزب الديمقراطي في مؤتمرهم وهم في حالة من الانقسام الشديد. واجه الجناح ~~الشرقي والمحافظ - الذي يتزعمه الرئيس كليفلاند - ثورة من الغربيين، وخاصة فيما يتعلق ~~بالمعيار النقدي. دافع كليفلاند عن معيار الذهب، في حين أيد الغربيون عودة الدولارات ~~الفضية بموجب النسبة التقليدية التي تبلغ ست عشرة أوقية من الفضة إلى أوقية واحدة من ~~الذهب. كان ذلك هو ما كان ينص عليه القانون منذ عام 1792 وحتى عام 1873، عندما تخلى ~~الكونجرس في هدوء عن معيار الفضة. كان استمرار معيار الذهب يعني استمرار نقص النقود ~~والائتمان؛ أما عودة معيار الفضة، فكانت تحمل معها تدفقا أكثر انسيابية للسلع والخدمات. ~~فزع رجال الأعمال والمصرفيون والمستثمرون بالشرق من احتمال تطبيق معيار الفضة الحر وفق ~~النسبة التقليدية؛ وذلك لأنه في ذلك الوقت كانت الفضة مغالى في تقييمها بهذه النسبة. طالب ~~المزارعون بالجنوب والغرب بتطبيق معيار الفضة بكل ما أوتوا من قوة؛ نظرا لأن استعادة هذا ~~المعيار كانت تعني إنعاش العملة وتحسين قدرتهم ms031 إلى حد كبير على الوفاء بتكاليف النقل ~~والرهن العقاري، وبالطبع على تجاوز آثار الكساد. (بعد مرور قرن، زعم ميلتون فريدمان، الذي ~~لا يضارعه أحد في تأييد المذهب النقدي المحافظ، أنه لو لم يجر خفض قيمة الفضة عام ~~1873، لما كان في الغالب قد حدث كساد سبعينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر قط.) انتصر ~~الجناح الغربي بالحزب الديمقراطي، ورشح ويليام جيننجز برايان من نبراسكا البالغ من ~~العمر ستة وثلاثين عاما لخوض السباق الرئاسي. اجتاح الجناح الشرقي الذعر ورفضوا ~~التعامل معه. # اجتمع الشعبويون، الذين أدمتهم سنوات الكساد الزراعي وهم على ولائهم لبرنامج أوماها، بعد ~~أسبوعين. غلبتهم الدهشة من ترشيح الحزب الديمقراطي لبرايان واستيعاب الديمقراطيين لسياسة ~~الشعبويين النقدية، فاختاروا ببساطة برايان في قائمة مرشحيهم، لكن جنبا إلى جنب مع حليف ~~مختلف في السباق، وهو توم واطسون من ولاية جورجيا. لم يعرب برايان قط عن تأييده للحركة ~~الشعبوية، فقد كان ينتمي دائما إلى الحزب الديمقراطي، لكنه لم يرفض ترشيح الشعبويين له. ~~كان برايان قطعا يمثل الزراعيين، وقد أدار حملة انتخابية قوية. # شكل 2-1: ويليام جيننجز برايان، المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي عام 1896، ~~و1900، و1908، وزعيم المزارعين الأمريكيين، وهو يستمتع بقضاء وقت ما بعد ~~الظهيرة برفقة زوجته، ماري بيرد برايان، أمام منزلهما في دي ستريت، مدينة ~~لينكولن، بولاية نبراسكا، في أحد أيام تسعينيات القرن التاسع عشر. # ومنذ ذلك الوقت حتى وافته المنية عام 1925، كان برايان أحد رموز السياسة والثقافة ~~الأمريكية البارزين، كذلك كان مدافعا دائما عن مصالح المزارعين بالجنوب والغرب؛ أو ~~«الشعب» من منظور الشعبويين والتقدميين. استطاع برايان - الذي امتلك صوتا رخيما مدويا ~~في الاحتشادات الهائلة - إثارة حماسة الآلاف برسالته عن الأمل والتقدم. كذلك وجد برايان ~~دائما في بيته الاستقرار والنصيحة السديدة؛ حيث كانت زوجته تتميز بالحكمة والذكاء على حد ~~سواء. وعلى الرغم من النقد الظالم الذي وجه لبرايان لدفاعه في أواخر حياته عن التفسير ~~الحرفي للكتاب المقدس في محاكمة سكوبس الشهيرة ب «محاكمة القرد» بولاية تينيسي عام 1925، ~~فلم يكن أصوليا؛ بل كان مسيحيا يؤمن بمبادئ حركة ms032 الإنجيل الاجتماعي، وساعيا من أجل ~~مجتمع أخلاقي أفضل. واءم برايان بين التفسير الحرفي للكتاب المقدس والالتزام التام بالعدالة ~~الاجتماعية والاقتصادية بدرجة لم يسبقه إليها أي زعيم وطني، وعندما عين في منصب وزير ~~الخارجية بإدارة وودرو ويلسون عام 1913 - وهو أعلى منصب رسمي تولاه على الإطلاق - أبرم ~~عدة معاهدات صداقة وتبادل تجاري، واستقال من منصبه مراعاة لمبادئه عندما خشي أن يخاطر ~~ويلسون بخوض حرب بسبب مذكرة عدائية لألمانيا بعد غرق السفينة لوسيتينيا عام 1915. اعتمد ~~برايان في مسيرته باعتباره رجل دولة وسياسيا ديمقراطيا على تكتل الجنوب (المؤيد للحزب ~~الديمقراطي)، الأمر الذي انطوى على غض الطرف عن ~~قوانين جيم كرو، لكنه كما ذكر كاتب سيرته الذاتية مايكل كازين: # كان أول زعيم من حزب كبير يدافع عن التوسيع المستمر لنطاق سلطات الحكومة ~~الفيدرالية من أجل صالح الأمريكيين البسطاء من الطبقتين العاملة والوسطى ... لقد بذل ~~جهدا خارقا - في الفترة التي تخللت سقوط جروفر كليفلاند وانتخاب وودرو ويلسون - ~~لتحويل حزبه من معقل تأييد اقتصاد عدم التدخل إلى قلعة الليبرالية التي يمثلها ~~فرانكلين دي روزفلت والمؤمنون بأيديولوجيته ممن أتوا من بعده. # مع ذلك، خسر برايان الانتخابات عام 1896، نال عدد أصوات يزيد نحو مليون صوت عن عدد ~~الأصوات التي حصل عليها أي مرشح للحزب الديمقراطي في تاريخ الانتخابات، وما يماثل مجموع ~~الأصوات التي حصل عليها كليفلاند وويفر في انتخابات عام 1892. لكن ماكينلي استقطب لصفه ~~مئات الآلاف من المصوتين الجدد، فقد أقنعت الخطايا التي ارتكبها كليفلاند والكساد ~~الطاحن مجموعة من أولئك المصوتين بإقصاء الديمقراطيين الذين يرون أنهم هم الملومون ~~على تلك الأزمة الطاحنة - إن كان يمكن لوم أحد في الأساس على ذلك - حتى لو حل محل ~~هؤلاء الديمقراطيين برايان ورفاقه. ما يقرب من أربعة من بين كل خمسة يحق لهم الانتخاب ~~أدلوا بأصواتهم، وهي نسبة لم تتحقق مطلقا منذ ذلك الوقت. ألف برايان كتابا سماه ~~«المعركة الأولى» عن الحملة الانتخابية، كان ذلك العنوان دقيقا؛ وذلك لأنه كان سيعود ~~ثانية إلى الساحة هو وقوى الإصلاح الزراعي السياسية. قضت خسارته عام ms033 1896 على حزب الشعب ~~وما يمثله من قوة في الانتخابات الوطنية، لكنها لم تقض على اهتمامات المصلحين الزراعيين ~~بالسياسة الأمريكية، أو على جهود تأسيس ائتلاف يضم المزارعين والعمال. # لكن كان هناك بعض الوقت أمام تلك التطورات حتى تأخذ مجراها. تعافى الاقتصاد بعض الشيء في ~~عامي 1897 و1898، وكان السبب وراء ذلك ظهور التوجه الخاص بالتحالف والدمج اللذين ~~قادهما أصحاب المصارف الاستثمارية وأباطرة السكك الحديدية وغيرهم من أصحاب الشركات الكبرى. ~~لم يمثل ذلك التوجه بشرى سارة للعمال وعائلاتهم، لكنه أسهم في تحسين الصورة ~~الاقتصادية الكلية. ومع تقويض المحكمة العليا الأمريكية للتشريعات المتعلقة بمكافحة ~~الاحتكار والتجارة بين الولايات، سارت «حركة الدمج» بخطا سريعة حتى السنوات الأولى من ~~القرن العشرين. كذلك تم «ترشيد» شركات السكك الحديدية، إذا استخدمنا تعبير مؤسسات وول ~~ستريت، بهدف منع المنافسة على الطرق والرسوم. أما مصانع الصلب (أو أغلبها) فاتحدت معا ~~لتكوين أول مؤسسة تجارية رأس مالها مليار دولار بالبلاد تحت اسم يو إس ستيل، ويعود الفضل في ~~ذلك إلى جيه بي مورجان الذي كان مهندس عملية شراء مصانع أندرو كارنيجي. انتشرت الاتحادات ~~الاحتكارية في مجال النفط والمطاط والنحاس ومجموعة كبيرة أخرى من الصناعات. لم يجن عمال ~~المصانع والمناجم - وبصفة عامة العاملون بأجر الذين عملوا بتلك المؤسسات الكبرى - سوى ~~بعض المنافع القليلة من عمليات إعادة الهيكلة تلك. من ناحية أخرى، لاحظ المزارعون أن ~~أسعار المحاصيل بدأت في الارتفاع، فشرع الراغبون في تأسيس المزارع في الزحف غربا مرة أخرى ~~عبر المناطق المرتفعة من السهول الكبرى بعد أن توقف ذلك منذ أواخر ثمانينيات القرن التاسع ~~عشر. # لذلك لم يجد المزارعون والعمال - وهم الحلفاء الطبيعيون بطرق شتى في المواجهة ~~المألوفة مع المؤسسات التجارية الكبرى - سببا واضحا لتوحيد جهودهم. كان الإصلاح الواسع ~~النطاق لا يزال بعيدا. بدأ عمداء المدن ذوو الميول الإصلاحية يظهرون بالفعل على ~~الساحة في بعض المدن، وأبرزهم جونز صاحب «القاعدة الذهبية» في مدينة توليدو وتوم جونسون في ~~كليفلاند، وهما من مكافحي الفساد، عملا وتحدثا بكلمات حماسية تذكرنا كثيرا بلغة ~~الشعبويين. ms034 وفي أغلب الأحيان، وعلى نحو دائم إلى حد بعيد في المدن الكبرى، كان بيع حقوق ~~امتياز مد خطوط الترام بالرشوة، وتعيين المعارف في الوظائف العامة، وشراء السياسيين من ~~قبل رجال الأعمال هي الأمور السائدة. وتطلب إصلاح حكومات المدن، ناهيك عن حكومات ~~الولايات والحكومة الفيدرالية، صحافة يقظة بقدر أكبر ومرشحين أقوى كثيرا مما كان ~~عليه الأمر في مطلع القرن العشرين. وفي غضون خمس إلى ثماني سنوات أخرى، سيأتي كل هذا: ~~صحافة استقصائية وزعماء على مستوى الولايات وعلى المستوى الوطني متأهبون للإصلاح وحركة ~~نقابات عمالية بدأت في تحقيق بعض الانتصارات، سواء على صعيد الإضرابات أم قوانين الولايات ~~التي تحدد ساعات العمل المسموح بها للنساء يوميا وتمنع الأطفال من العمل في المصانع وغير ~~ذلك. # عادة ما تصرف القضايا الوطنية الأنظار عن المشكلات الاقتصادية وتخدم مشكلات شقاقية ~~تفرق الحلفاء السياسيين والاقتصاديين، حدث هذا عام 1898. تلك النزعة الأمريكية المتأصلة ~~بشدة لخوض مغامرات إمبريالية، والتي كانت خامدة بعض الشيء لبضعة عقود، أوقظت بما صوره ~~مروجو القضية الكوبية وبعض الدوائر الصحافية الأمريكية بأنه نضال لتحرير كوبا من قبضة ~~الاستبداد الإسباني. احتشد الديمقراطيون والشعبويون في الكونجرس وفي أرجاء البلاد دعما ~~لفكرة مساعدة المتمردين الكوبيين. أما الجمهوريون الأقل تعاطفا مع القضية، فقد تحمسوا ~~لخوض الحرب بعد حادثة الانفجار الذي تسبب في تدمير البارجة البحرية يو إس إس ماين في ميناء ~~هافانا في فبراير عام 1898، وهي الحادثة التي ألقي باللوم فيها على الإسبان، لكن بعد ~~سنوات عديدة اتضح أن سبب الانفجار كان من داخل البارجة نفسها. دبر ماكينلي الحصول على ~~تفويض من الكونجرس لإرسال قوات وسفن لمساعدة الكوبيين، وفي أبريل عام 1898 أعلنت الولايات ~~المتحدة الحرب على إسبانيا. # دام الصراع لبضعة أسابيع فقط؛ فقد فتك الأسطول الأمريكي بوحدات الأسطول الإسباني في كل ~~من كوبا والمستعمرة الإسبانية الكبيرة الأخرى، جزر الفلبين، التي تقع غرب المحيط الهادئ. ~~أصبحت تلك الأجزاء - جنبا إلى جنب مع مستعمرات أصغر مثل جوام وبورتوريكو - تابعة لأمريكا. ~~وعلى اليابسة، واجه الأمريكيون صعوبات أكبر؛ إذ اندلعت الحرب في واقع ms035 الأمر في الفلبين، ولم ~~تكن بين الأمريكيين والإسبان - الذين تركوا البلاد سريعا - ولكن مع الفلبينيين، الذين من ~~المفترض أن الولايات المتحدة جاءت لتحررهم. وقبل انتهاء الحرب في عام 1902، أودى «التمرد» ~~الفلبيني بحياة ما يزيد على 4200 جندي أمريكي وعشرات الآلاف من الفلبينيين. # على الجانب الآخر، تمثلت أبرز النتائج في كوبا في هجمة عسكرية قام بها سلاح الفرسان تحت ~~قيادة الشاب ثيودور روزفلت، الذي أنشأ كتيبة من مجموعة متنوعة من الأفراد أطلق عليها ~~«الفرسان القساة». مضى ثيودور روزفلت وهو يمتطي جواده شاهرا سيفه لأعلى عند تل كيتل هيل ~~بالقرب من سانتياجو (وليس تل سان خوان، كما كتب أحد الصحفيين)، ثم وصل إلى حكم نيويورك في ~~انتخابات خريف عام 1898، ثم ترشح لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الجمهوري عام 1900. # في تلك الأثناء، نصت معاهدة سلام انتزعتها الولايات المتحدة في باريس في أواخر عام ~~1898 على نقل السيادة على جوام وبورتوريكو والفلبين من إسبانيا إلى الولايات المتحدة. حصلت ~~كوبا على استقلالها اسميا، لكن مواردها المالية وشئونها الخارجية خضعت لسيطرة الولايات ~~المتحدة على مدى عقود لاحقة. وعندما عرضت المعاهدة أمام مجلس الشيوخ عام 1899، أيد ~~الجمهوريون بوجه عام ضم الفلبين، في حين عارض الديمقراطيون والقلة المتبقية من الشعبويين ~~القرار. أثار مناهضو الإمبريالية - وهم مجموعة متنوعة من مارك توين إلى أندرو كارنيجي ورجال ~~حركة الإنجيل الاجتماعي البارزين - تساؤلات خطيرة، وخصوصا تلك الخاصة بقدرة جمهورية مثل ~~الولايات المتحدة على حكم مستعمرة كالفلبين ومنع تطبيق وثيقة الحقوق على شعب الفلبين. لكن ~~الإمبرياليين صدقوا على المعاهدة بفارق صوت واحد. # وبعيدا عن نقل السيادة على المستعمرات إلى الولايات المتحدة، كان صعود ثيودور روزفلت على ~~الأرجح هو أهم النتائج المترتبة على تلك الحرب الوجيزة، فتحول روزفلت إلى أحد أبرز رموز ~~البسالة القتالية والإمبريالية الأمريكية، جنبا إلى جنب مع قائد الأسطول جورج ديوي، الذي ~~حقق النصر البحري في الفلبين. لكن ديوي لم يتمتع بحضور سياسي، على النقيض من روزفلت. ومن ~~باب المفارقة أن ظهور ذلك العسكري الإمبريالي على الساحة السياسية رمز، في جوانب ms036 كثيرة، ~~إلى بداية الحركة التقدمية. # بحلول عام 1900، كان الاقتصاد يتعافى، والموجة الإمبريالية تنحسر، وبثت بهجة وأمل ~~حلول قرن جديد الحماسة في الكثيرين، ولكن ليس الجميع. ففي ذلك العام، استمرت المؤسسات ~~الدينية والصحافة المتأملة - من خلال منابر ~~الوعاظ ومقالات الرأي الرئيسية - في التعبير عن شعور بوجود أزمة اجتماعية عميقة. تشارك ~~المتحدثون في كثير من منابر الوعظ البروتستانتية والسياسيون من الحزبين الكبيرين هذا ~~الشعور. جددت الحرب القصيرة الناجحة على نحو مذهل مع إسبانيا مشاعر الفخر والانتماء للوطن، ~~وقضت على معظم ما تبقى من عداء بين الشمال والجنوب منذ نهاية الحرب الأهلية. ولكن حتى ~~الاستحواذ على بورتوريكو، وهاواي (التي أعلن ضمها في يوليو 1898 أثناء الحرب)، والفلبين، ~~والسيطرة على كوبا لم يخف الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد. ومع ~~اختفاء كساد تسعينيات القرن التاسع عشر، كانت الشركات يتم دمجها و«ترشيدها»، والتشريعات ~~الفيدرالية والخاصة بالولايات غير مؤثرة، والأثرياء يراكمون الثروات. أخذت ولاية تلو الأخرى ~~في الجنوب تمرر قوانين جيم كرو التي تفصل بين الأعراق فصلا عنصريا وتمنع السود وفقراء ~~البيض (ذوي الميول الشعبوية) من التصويت. رفعت إدارة ماكينلي والكونجرس الذي يهيمن عليه ~~الجمهوريون التعريفة الجمركية عام 1897 وصادقت على الذهب باعتباره المعيار النقدي الوحيد ~~عام 1900، وهذان الإجراءان أحكما قبضة الشركات على الاقتصاد وأسعدا الطبقات المالكة. # على الجانب الآخر، لم يجن عمال المصانع والمزارعون بالغرب سوى الفتات التي تسقط من ~~طاولة رجال الأعمال. بدا أن لبرنامج أوماها - ~~وهو أن جشع المؤسسات التجارية والحكومة المتراخية يقسمان الشعب الأمريكي إلى طبقتين: ~~متسولين ومليونيرات - أدلة ثابتة تؤيده أكثر من أي وقت مضى. ولن يختفي هذا التقسيم في ~~وقت قريب؛ فبحلول عام 1915، كانت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، أو حتى بين الأغنياء ~~والطبقة الوسطى، أكثر اتساعا مما ستكون عليه حتى فترة حكم ريجان. شعر أغلبية الشعب ~~الأمريكي بالاستياء عام 1900 من الإضرابات والمقاطعات العمالية المتكررة، لكنهم انحازوا، ~~كالعادة، إلى صف إدارات الشركات و«القانون والنظام»، دعمهم في ذلك موقف السلطة القضائية ~~المحافظ، بدءا من قضاة المحاكم المحلية وحتى قضاة المحكمة ms037 العليا. كذلك تم تجاهل ~~مطالب الشعبويين بالتغيير عندما بدا أن الاقتصاد يتحسن، ولطالما رفض الكثير من سكان منطقة ~~الشمال الشرقي الحضرية الشعبويين باعتبارهم غريبي الأطوار على أي حال. مع ذلك، بدأ يسود ~~شعور بأن هناك مشكلات كثيرة بالبلاد على الرغم من الاقتصاد المتعافي والانتصارات ~~الإمبريالية. كان الاقتصاديون وعلماء الاجتماع يفكرون في الأمور من منظور جديد، ويقوضون ~~القناعات القديمة. كان الإصلاح وشيكا، لكن لم يعرف أحد في عام 1900 كيف سيتبلور، وأين، ~~ومن سيتزعمه، ولكن في غضون سنوات قليلة للغاية توحدت الحركة التقدمية وتبلورت. # الفصل الثالث # | تبلور الحركة التقدمية: 1901-1908 # كانت الانتخابات الرئاسية التي أقيمت في عام 1900 جولة أخرى من المنافسة بين مرشحي ~~الانتخابات السابقة عام 1896 أنفسهما: مرشح الحزب الجمهوري ويليام ماكينلي، ومرشح الحزب ~~الديمقراطي ويليام جيننجز برايان. لكن هذه المرة تفوق ماكينلي بنحو أكبر وتأخر برايان ~~قليلا. من بين أسباب ذلك أن برايان لم يحظ بترشيح حزب الشعب كما في المرة السابقة في عام ~~1896، والأهم من ذلك أن ماكينلي استفاد من حالة الاقتصاد الذي بدأ في التعافي والابتهاج ~~الذي شعر به الكثير من المصوتين بعد الانتصار في الحرب الإسبانية. كما استحوذ الجمهوريون ~~على مقاعد في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وبنحو عام عززوا الأغلبية التي تمتعوا بها منذ ~~عام 1894. وأصبحت النزعة المحافظة - التي تعني دعم شركات السكك الحديدية والمصانع ~~والمؤسسات التجارية الأخرى وليس تنظيمها - أشد رسوخا في الأجهزة الرقابية بالبلاد عن أي ~~وقت مضى. # كان من المستحيل أن يتوقع أحد إلى متى كان سيستمر نهج ماكينلي المحافظ؛ لأن ليون شولجوس ~~- الذي ولد في ولاية ميشيجان وآمن بالفوضوية التي تعلمها بنفسه - أطلق الرصاص عليه في ~~السادس من سبتمبر عام 1901، في معرض البلدان الأمريكية بمدينة بافالو، وبقي ماكينلي على قيد ~~الحياة لبضعة أيام ثم مات. جلب نائب الرئيس ثيودور روزفلت - الذي لم يكمل عامه الثالث ~~والأربعين حينها، وكان أصغر سنا وأكثر نشاطا على المستوى البدني والعقلي من أي رئيس سبقه ~~- عهدا سياسيا جديدا للبيت الأبيض يلائم القرن الجديد. اجتذب روزفلت خلال ms038 فترة توليه ~~الرئاسة التي امتدت لثماني سنوات تقريبا أغلب الأمريكيين إليه بحماسته الشديدة ~~وأخلاقياته وخوضه في مجموعة كبيرة من القضايا، واستخدامه للبيت الأبيض باعتباره «المنصة ~~الرائعة» خاصته؛ أي المنبر المثالي للترويج لبرامجه. وصفه صديق له بأنه مزيج رائع من ~~«القديس فيتوس والقديس بولس». كان روزفلت من المؤمنين بشدة بتفوق «العرق الأنجلوساكسوني»، ~~شأنه شأن الكثير من الأمريكيين البيض حينذاك، وفيهم المصلحون الواسعو الاطلاع، لكنه ~~ألهم الكثير من الإصلاحات وقادها أيضا. وبنهاية السنوات الثمانية التي أمضاها في ~~الرئاسة الأمريكية، تبلورت الحركة التقدمية كحركة متعددة الأوجه. لم يكن روزفلت السبب ~~الأوحد وراء ذلك، بل ساهم الحشد المتزايد من العاملين بمراكز التكافل الاجتماعي، ~~والصحفيين الكاشفين للفساد والقساوسة المتفانين، والأكاديميين وأعضاء النقابات العمالية - ~~الكثير منهم كانوا من النساء - في نسج العديد من الخيوط المبكرة للإصلاح التي ستتضافر ~~معا فيما بعد لتشكل الحركة التقدمية الناضجة. لكن الحركة برمتها احتاجت إلى ~~نساج قائد. لعب برايان ذلك الدور مع أتباعه من مؤيدي الإصلاح الزراعي. أما ثيودور ~~روزفلت، رجل المدينة في منطقة الشمال الشرقي الذي دفعته الظروف لتولي منصب الرئاسة، فقد ~~لعب ذلك الدور مع جمهور ناخبين حضري متشكك وبلا قائد حتى تلك اللحظة. من الصعب تخيل ~~كيف كان يمكن للحركة التقدمية أن تنضج في غياب ثيودور روزفلت الذي أقنع المتشككين ~~وأزعج المحافظين وقاد عملية النسج. # إن قائمة الإنجازات التي حققتها إدارة روزفلت الأولى، من سبتمبر عام 1901 إلى مارس عام ~~1905، قليلة على نحو يثير الدهشة؛ ففي رسالته السنوية الأولى للكونجرس في ديسمبر عام ~~1901 (الخطاب الذي يعرف في وقتنا الحاضر بخطاب «حالة الاتحاد»، والذي كان يبعث إلى ~~الكونجرس لكن لا يقرؤه الرئيس في الواقع أمامه حتى بدأ وودرو ويلسون في فعل ذلك عام 1913)، ~~دعا ثيودور روزفلت إلى «صفقة عادلة» تتألف من قوانين جديدة (ليست كثيرة العدد) وتطبيق ~~أكثر صرامة للقوانين الحالية ذات الصلة بالاتحادات الاحتكارية والاحتكارات، وتجريم الخصومات ~~التي كانت تمنحها شركات السكك الحديدية لعملائها المفضلين مثل شركة ستاندرد أويل، ~~والاعتراف بأن المنظمات العمالية يجب أن تعامل بشيء ms039 من الإنصاف بدلا من كبتها باستمرار ~~من قبل القوات الفيدرالية أو الخاصة بالولايات أو المحاكم. بدأت وزارة العدل في حكومته في ~~الملاحقة القضائية للاتحادات الاحتكارية، وسيصل عدد قضايا مكافحة الاحتكار في النهاية إلى ~~أربع وأربعين قضية. استغرق الكونجرس بعض الوقت، ولكن بحلول عام 1903 مرر بالفعل قانون ~~إلكنز، الذي يحظر الخصومات. # أنشأ الكونجرس أيضا، بضغط من روزفلت، وزارة جديدة للتجارة والعمل، معطيا الاثنين قدرا ~~متساويا من الأهمية للمرة الأولى. ضمت هذه الوزارة «مكتب الشركات»، الذي شرع في إصدار ~~تقارير رسمية حول أنشطة الشركات، بعضها قدم أدلة تستطيع وزارة العدل بناء عليها مباشرة ~~دعاوى مكافحة الاحتكار خاصتها . وفي عام 1915 جرى توسيع نطاق هذا المكتب وتغيير اسمه إلى ~~لجنة التجارة الفيدرالية، والتي لا تزال موجودة حتى الآن. # لكن بعيدا عن هذه القوانين والمبادرات، مارس روزفلت قيادة تنفيذية حازمة. واستكمالا ~~لما أطلق عليه «حركة الدمج»، أسس عدد من كبار رجال الأعمال في مجال المال والسكك ~~الحديدية - جيمس جي هيل من شركة نورذرن باسيفيك، وإي إتش هاريمان من شركة يونيون باسيفيك، ~~وجيه بي مورجان وجون دي روكفلر - اتحادا احتكاريا ضخما أطلقوا عليه اسم شركة نورذرن ~~سيكيوريتيز، بهدف جمع خطوط بيرلينجتون ونورذرن باسيفيك وجريت نورذرن وغيرها من خطوط السكك ~~الحديدية تحت لواء إدارة واحدة. كان من المفترض أن يسفر ذلك عن احتكار شبه تام للنقل ~~عبر السكك الحديدية في الربع الشمالي الغربي من البلاد، لكن الاحتجاج الشعبي كان ~~كبيرا؛ فأعطى روزفلت، الذي لم يمر على توليه الحكم سوى خمسة أشهر، تعليماته إلى ~~النائب العام فيلاندر سي نوكس بإقامة دعوى قضائية بموجب قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام ~~1890 لحل ذلك الاتحاد. وفي ذلك الوقت، كانت المحكمة العليا قد قوضت قانون شيرمان، لكن في ~~عام 1904، قضت تلك المحكمة بالفعل، بحكم خمسة أصوات مقابل أربعة، لصالح الحكومة وضد شركة ~~نورذرن سيكيوريتيز؛ ومن ثم لصالح الشعب. # أوضح روزفلت أنه من وجهة نظره ليست جميع الشركات، أو حتى جميع الاتحادات الاحتكارية، ~~سيئة؛ بل كان هناك بعض «الاتحادات الاحتكارية الجيدة»، ms040 وفي رسالته الأولى إلى الكونجرس في ~~ديسمبر عام 1901، شرح روزفلت الفارق، قائلا: # إن قادة الصناعة الذين قادوا نظم السكك الحديدية عبر أرجاء القارة، والذين ~~بنوا تجارتنا، وطوروا مصانعنا، قد أسدوا صنيعا رائعا في المجمل لشعبنا ... ~~إن آلية عمل التجارة الحديثة دقيقة للغاية لدرجة تستوجب توخي الحذر الشديد كي ~~لا نعترض سبيلها في أجواء من التهور أو الجهل ... إلا أنه من الصحيح أيضا أن ~~ثمة شرورا حقيقية وخطيرة ... ولا بد من بذل جهد حازم وعملي لتصويب تلك ~~الشرور. # بدا للشخصية الخيالية الشهيرة السيد دولي أن روزفلت قال في خطابه إن تلك الاتحادات ~~الاحتكارية إنما هي «وحوش مخيفة ... أوجدتها مؤسسات مستنيرة» ينبغي «سحقها تحت الأقدام ... ~~ولكن ليس بسرعة كبيرة.» سعى ثيودور روزفلت لتنظيم الشركات بين الولايات وفحص طريقة عملها ~~وإظهارها للعلن، وكانت النتيجة إنشاء مكتب الشركات (1903) الذي مهمته مراقبة عمل ~~الشركات وملاحقات قضائية موجهة بعناية لمكافحة الاحتكار. لم يعجب ذلك التوجه الحذر ~~العديد من التقدميين الأوائل، مثلما أغضبت الملاحقات القضائية الكثير من رجال الأعمال، ~~لكن كان من الجلي أن الموقف الذي تبناه كليفلاند وماكينلي الخاص بإطلاق يد الشركات وعدم ~~محاسبتها أصبح ضربا من الماضي. # وكانت الخطوة التي لفتت الانتباه وحازت على الرضا الشعبي بقدر أكبر هي تدخل روزفلت ~~في أواخر عام 1902 لإنهاء إضراب عمالي امتد لستة أشهر نظمه عمال مناجم الفحم الصلب ~~في بنسلفانيا. طالب عمال المناجم الذين مثلهم اتحاد عمال المناجم المتحدين بالاعتراف ~~بهم كنقابة، وثماني ساعات عمل يوميا، ومن 10 إلى 20 في المائة زيادة في الأجور. تصرف رئيس ~~الاتحاد جون ميتشل على نحو استرضائي وتوافقي، على النقيض تماما من الصورة النمطية للمضرب ~~عن العمل الثائر والمتطرف التي روجها المحافظون وإدارات الشركات. وفي المقابل، زعم جورج ~~إف بير، رئيس إحدى شركات السكك الحديدية الكبرى، والمتحدث باسم أصحاب المناجم، أن «العامل ~~الكادح ستجري حمايته والاعتناء به، ولكن ليس من قبل مثيري الشغب من العمال، بل من قبل ~~أصحاب الأعمال المسيحيين الذين وهبهم الرب السيطرة على حقوق الملكية بالبلاد.» وأعلن ~~فيما ms041 بعد أن «هؤلاء العمال لا يعانون، بل إن نصفهم لا يتحدث الإنجليزية.» # لا شك أن انتصار العلاقات العامة حققه ميتشل متغلبا على بير ورفاقه الرأسماليين، ~~وحققه كذلك ثيودور روزفلت الذي عين لجنة عادلة (وناجحة) تمكنت من إنهاء الإضراب ~~مباشرة قبل بداية ما أنذر أنه شتاء قارس البرودة. مجددا، تفادى الرئيس بحذر أي ~~محاولات للراديكالية. لم يدعم الرئيس الاعتراف بالاتحاد، ولم يحصل الاتحاد على ذلك، لكنه ~~تدخل في نزاع عمالي-رأسمالي مهم بطريقة متوازنة على النقيض للغاية من أسلافه الذين كانوا ~~يبادرون على الفور بإرسال قوات لفض الإضراب. أعلن روزفلت أنه يدعم الطبقة الوسطى والعمال ~~المخلصين والمنتجين في مواجهة الاحتكاريين. وهنا خاطب أحد أكثر المعتقدات الراسخة لدى ~~الشعب الأمريكي - وهو الإنصاف - والذي كان أشد رسوخا من النزعة الفردية المؤيدة لمبدأ ~~عدم التدخل. # ينسب لروزفلت الفضل في أشياء عظيمة، لكن في فترة ولايته الأولى اقتصرت الإنجازات ~~الحقيقية على قضايا مكافحة الاحتكار (وأشهرها الخاصة بشركة نورذرن سيكيوريتيز)، وتأسيس مكتب ~~الشركات وتدخله في إضراب عمال مناجم الفحم الصلب. لكن ما السبب في هذا التباين بين ~~الإنجازات (القليلة) والصيت (الكبير)؟ إنه يكمن في الاختلاف بين موقف روزفلت تجاه ~~الاحتكارات، وتجاه المنظمات العمالية، وتجاه التدخل الحكومي بهدف الإصلاح، من جهة، وموقف ~~أسلافه في العصر المذهب تجاه هذه الأمور نفسها من جهة أخرى. مثل الرئيس الشاب - الذي كان ~~في السادسة والأربعين من عمره فقط عندما انتهت ولايته الأولى - للشعب الأمريكي توجها ~~جديدا يبتعد كثيرا عن السياسات الموالية للشركات الكبيرة والمناهضة للعمال التي كانت ~~سائدة في الماضي. لم يكمن التغيير في الإجراءات وحسب، بل قطعا في الأسلوب أيضا. كان ~~روزفلت بالفعل قد سطر لنفسه سيرة ذاتية مثيرة للإعجاب ومتنوعة قبل عام 1901؛ فقد أدار ~~مزرعة في إقليم داكوتا، وألف عدة كتب في التاريخ، وطاف شوارع نيويورك أثناء توليه منصب ~~مفوض الشرطة بها، وقاد كتيبة عسكرية في حرب كوبا، وغير ذلك الكثير. أضفى روزفلت - الذي ~~تمتع بدعم زوجته إديث، حافظة أسراره القربى إليه، وطرائف أطفالهما الصغار الكثيرين - ~~جوا حماسيا على البيت ms042 الأبيض الذي اتسم بالقتامة في السابق، فكان أشبه بالرونق الساحر ~~المرتبط بآل كيندي الذي ظهر بعده بستين عاما. قيل عن سالفه الذي تولى الرئاسة من عام ~~1889 إلى 1893، بنجامين هاريسون، إنه امتلك شخصية «موحشة ككهف مهجور.» أما روزفلت وإديث، ~~وحاشيتهما، فكانوا مختلفين تماما؛ مثيرين للحماسة والبهجة والدهشة. # شكل 3-1: ثيودور روزفلت وإديث كارو روزفلت يجلسان لالتقاط صورة عائلية في حديقة ~~منزلهما بأويستر باي، لونج آيلاند، في عام 1903. تقف ابنة روزفلت أليس ~~(أليس لونجورث بعد زواجها) من زيجته الأولى في الخلف. # في سنواته اللاحقة التي سادها الإحباط، اتسم روزفلت أحيانا بحدة الطبع وسرعة ~~الغضب، لكن حين كان في البيت الأبيض كان بطلا حقيقيا في أعين الكثيرين. وعند مقارنته ~~ببرايان (خطيب نهر بلات الشاب) كانت نشأته كأحد أفراد الطبقة العليا بين نيويورك وجامعة ~~هارفرد أقل إفزاعا بكثير لسكان المدن من الطبقة الوسطى. وعند مقارنة إداراته بالإدارات ~~الليبرالية والتقدمية اللاحقة له، تبدو إنجازاته ضئيلة، بل ومبالغا في تقديرها. إلا أنه ~~في سياق تاريخ العصر المذهب والحرية الكاملة التي تمتعت بها الشركات الكبرى بعد الحرب ~~الأهلية، مثل ثيودور روزفلت روحا جديدة، وأدت إجراءاته، على الرغم من قلتها، إلى حب ~~ملايين الناس له. # استجاب له الشعب بمنحه فترة ولاية أخرى كرئيس للبلاد في انتخابات عام 1904. حاز روزفلت ~~على 60 في المائة من التصويت الشعبي للحزبين، وحظي بأغلبية جمهورية بنسبة اثنين إلى واحد ~~تقريبا بمجلس النواب وأغلبية آمنة جدا أيضا في مجلس الشيوخ. شعر روزفلت الذي انتخب ~~الآن «لجدارته» بأنه قادر على أخذ مكانة أبرز كزعيم إصلاحي، مع تحرره أكثر من قيود أقطاب ~~الحزب المحافظين، وكذلك قيود الحاجة إلى جمع أموال لحملته الانتخابية. استطاع ثيودور ~~بتهديده البارع للحرس القديم بحزبه بأنه سيؤيد تخفيض التعريفات الجمركية - الأمر الذي كان ~~من شأنه تهديد الكثير من المصالح الخاصة الرأسمالية التي كانوا يمثلونها - ضمان تنفيذ عدة ~~إجراءات كانت بعيدة المنال في تسعينيات القرن التاسع عشر. # بعد الانتخابات مباشرة، وبداية من رسالته السنوية إلى الكونجرس في ديسمبر عام 1904 ~~واستمرارا على ms043 مدى السنوات الأربع التالية، اتجه روزفلت تدريجيا وبوضوح أكبر نحو ~~اليسار. كان التوجه الإصلاحي من شتى الأنواع قد بدأ في الظهور، وكان الرئيس قائدا ~~ومناصرا على حد سواء لذلك التوجه. أوصى الرئيس بأن يعزز الكونجرس من فاعلية لجنة التجارة ~~بين الولايات إلى الحد الذي يسمح لها بتحديد رسوم السكك الحديدية؛ رأى المحافظون في ذلك ~~خرقا غير مقبول لحقوق الملكية، أما ناقلو البضائع (ومن بينهم المزارعون وأصحاب الأعمال ~~الصغيرة)، فاعتبروا ذلك استردادا آخر صريحا للعدالة. ذكر روزفلت أن النقابات العمالية ~~كانت «من بين أكثر العوامل المؤثرة التي صبت في صالح المواطنة الصالحة.» لكنه نبه في ~~حذر إلى أنه يجب على تلك النقابات أن تتجنب «العنف أو الوحشية أو الفساد»، ورفض قبول ~~فكرة اشتراط بعض الشركات أن يكون كافة العاملين بها أعضاء بنقابة ما. ومجددا طالب ~~الكونجرس بتمرير قانون مسئولية صاحب العمل في منطقة كولومبيا، ومن أجل السلامة، قصر ساعات ~~العمل إلى ثماني ساعات في مناوبة العمل الواحدة للعمال بالسكك الحديدية بين الولايات. ~~وفي عام 1906، دعم روزفلت قانونا للتجنيس وحد عملية التجنيس ورسخ إجراءات على المستوى ~~الوطني تتولاها إدارة الهجرة والتجنيس الجديدة؛ وهي خطوة هدفت إلى الإشراف على عملية ~~توافد مئات الآلاف من المهاجرين الجدد الذين يصلون كل عام، وليس لإعاقتها. # وفي استجابة للالتماسات القوية من جانب المصلحين في مجالات العدالة الاجتماعية والصحة ~~العامة مثل فلورنس كيلي من رابطة المستهلكين الوطنية وقادة اتحاد النقابات العمالية النسائي ~~الوطني واللجنة الوطنية لعمالة الأطفال، دعا روزفلت لتوفير معلومات أكثر حول ظروف عمالة ~~الأطفال وممارسات صناعة تعبئة اللحوم. أراد روزفلت أن تتمتع لجنة التجارة بين الولايات ~~بسلطة خفض رسوم السكك الحديدية لدى شكوى شاحن البضائع. كما أنه ناصر الهجرة «من النوع ~~الصحيح» - الأفراد المجتهدين والمقتصدين - ولم يطالب بوضع اختبارات خاصة بالإلمام بالقراءة ~~والكتابة أو غيرها من المطالب المفضلة لدى أنصار تقييد الهجرة. # نادى روزفلت، في سنوات حكمه السابقة واللاحقة، بسياسة خارجية قوية، وزيادة القوة البحرية، ~~ومواصلة العمل في قناة بنما. وورد أشهر أقواله عن الشئون ~~الخارجية ms044 في رسالته إلى الكونجرس في ديسمبر 1904؛ وهو ذلك الخاص ب «مبدأ القوة البوليسية» ~~الشهير المكمل لمبدأ مونرو: # إن الممارسات الخاطئة المستمرة، أو الضعف الذي يسفر عن انفراط عام لعقد ~~المجتمع المتحضر، قد يتطلب، في أمريكا وسائر المناطق الأخرى، في النهاية تدخلا ~~من قبل أمة متحضرة، أما عن نصف الكرة الأرضية الغربي، فقد يرغمنا التزام الولايات ~~المتحدة بمبدأ مونرو، رغم أن ذلك قد يكون على مضض، في حالات سافرة لتلك الممارسات ~~الخاطئة أو الضعف، إلى ممارسة دور بوليسي لحفظ النظام الدولي. # بعبارة أخرى، ستقرر الولايات المتحدة بمفردها من يقوم بتلك «الممارسات الخاطئة» وأين ~~ومتى، وتعطي لنفسها حق استعادة النظام. صحيح أن مبدأ روزفلت قد نبذ في أوائل ثلاثينيات ~~القرن العشرين، لكنه برر في تلك الأثناء العديد من التدخلات الواسعة في الجمهوريات ~~الكاريبية، وجعلها «دولا تحت الوصاية» الأمريكية. وأعلن روزفلت أنه «سيتحرك برفق وهو يحمل ~~عصا غليظة»، ومن خلال قبوله النقابات العمالية والمؤسسات التجارية على حد سواء (إذا أحسنت ~~التصرف)، عبر عن قيم الطبقة الوسطى وخاطبها. وبفعله ذلك، حظي بدعم وافر من قطاع ~~عريض من الشعب. # بعد مرور عام، سلم ثيودور روزفلت رسالة سنوية أخرى إلى الكونجرس. لم يتخذ الكونجرس سوى ~~خطوات قليلة بشأن بعض توصياته السابقة، فطالبه روزفلت مجددا بتنظيم رسوم السكك ~~الحديدية، ووضع حد للخصومات، وتحديد مسئوليات صاحب العمل عن إصابات العمال في منطقة ~~كولومبيا وفي أحواض بناء السفن؛ حيث كانت السلطة القضائية الفيدرالية (وليست الخاصة ~~بالولاية) لها اليد العليا. صرح روزفلت: «إن الشركات أنشئت كي تبقى، كما أن النقابات ~~العمالية أنشئت كي تبقى.» أعلنت رسالة عام 1905 أيضا أن وزارة التجارة والعمل ستحقق ~~ليس فقط في الممارسات الخاصة بعمالة الأطفال، بل أيضا في ظروف عمل النساء؛ وهي القضية التي ~~ساقتها إليها العاملات بمراكز التكافل الاجتماعي اللائي يمثلن العاملات في تعبئة ~~اللحوم وغير ذلك من المجالات الصناعية ممن يجدن صعوبة كبيرة في إنشاء نقابات عمالية ~~خاصة بهن. كما جدد دعوته لتخفيض التعريفات الجمركية. وفي ذلك الوقت تقريبا (عام 1908)، ~~أصدرت المحكمة ms045 العليا حكما لصالح قانون خاص بولاية أوريجون يحدد عدد ساعات العمل للنساء. ~~كانت هذه القضية، «مولر ضد ولاية أوريجون»، ذات طابع تقدمي على نحو غير مألوف للمحكمة ~~العليا في تلك الفترة، لكن الأدلة الواقعية التي جمعتها جوزفين جولدمارك من اتحاد ~~المستهلكين الوطني ودافع عنها لويس دي برانديز، المحامي الذي مثل ولاية أوريجون، نجحت في ~~إقناع المحكمة. وبدأت بشائر الدعم القانون والتشريعي لحقوق العاملات واحتياجاتهن في ~~الظهور. # وفي عام 1906، أدرك أعضاء الكونجرس المنتمون إلى الحزب الجمهوري، والخائفون من تخفيض ~~التعريفات الجمركية، أن شعبية ثيودور روزفلت كافية لتوليد ضغط شعبي يلزم بتمرير أي شيء ~~يراه الرئيس. كان روزفلت يؤسس للرئاسة الحديثة، التي تدعمها وسائل الإعلام الموجودة في ~~عهده. وفي النهاية صادق الكونجرس على القانون الخاص بمسئولية صاحب العمل الذي تقدم به ~~روزفلت لحماية العمال في منطقة كولومبيا وفي وسائل النقل الشائعة (على رأسها السكك ~~الحديدية) في التجارة بين الولايات. أثر القانون الجديد الشديد الأهمية على قطاع السكك ~~الحديدية، وسرعان ما عرف القانون باسم قانون هيبورن (على اسم عضو الكونجرس عن ولاية أوهايو ~~الذي أعد مسودته)، والذي خول للجنة التجارة بين الولايات سلطة خفض رسوم السكك ~~الحديدية لدى شكوى شاحن البضائع، كما أنه عزز من سلطة اللجنة بطرق أخرى. أجيز القانون في ~~مايو عام 1906 بعد نزاع مرير مع الكونجرس، انطوى على تهديدات من روزفلت بمناصرته تعديل ~~التعريفات الجمركية، التي كسرت في النهاية تعنت نيلسون ألدريتش (عضو الحزب الجمهوري ~~بمجلس النواب بولاية رود آيلاند ثم رئيس اللجنة المالية بمجلس الشيوخ) وغيره من أنصار شركات ~~السكك الحديدية من أعضاء مجلس الشيوخ. كذلك ناشد روزفلت الشعب للضغط على نوابهم متجاهلا ~~أعضاء الكونجرس. رغم ذلك لم ينل القانون رضا بعض المصلحين، وفيهم عضو مجلس الشيوخ ~~روبرت إم لافوليت عن ولاية ويسكونسن، لكنه كان قانونا إصلاحيا على أي حال. # وبعد مرور شهر، تم تمرير قانونين آخرين غاية في الأهمية. كان وراء ذلك القانونين الجمعيات ~~النسائية والمدافعون عن الصحة العامة والمجموعات القوية من الشرفاء في الجماعات الإصلاحية ~~المتنامية؛ ms046 وذلك لأنهم دعوا بوضوح شديد لوجود معاملة لائقة لجموع المستهلكين في مواجهة ~~جشع الشركات. وهذان القانونان هما قانون فيدرالي لفحص اللحوم، وتلاه «قانون الغذاء ~~والدواء النقي». هدف الأول إلى فرض معايير للنظافة في عملية تعبئة اللحوم، أما القانون ~~الثاني ففرض قيودا على بيع الأدوية المسجلة التي تباع بدون وصفة طبية، والتي كان كثير ~~منها يشتمل على مواد مخدرة وكحول. كان روزفلت يمارس ضغوطا منذ فترة لإصدار قانون فحص ~~اللحوم، واكتسبت جهوده زخما حين نشر الكاتب الإصلاحي أبتون سينكلير رواية «الغابة» التي ~~فضح فيها الأوضاع القذرة بحظائر الماشية. ومجددا التقى الضغط الشعبي مع اهتمام ~~الرئيس. مارست فلورنس كيلي واتحاد المستهلكين الوطني ضغطا قويا لخروج قانوني حماية ~~المستهلك هذين، كما كافح اتحاد النقابات العمالية النسائي الوطني النشط في شيكاجو ونيويورك ~~وبوسطن وغيرها لإلغاء عمالة الأطفال، وتخصيص معاشات للأمهات، وإقرار نظام تعليم إلزامي، ~~وتحسين أوضاع العاملات في المصانع وأجورهن. وعلى الرغم من أن النساء حصلن على حق ~~الانتخاب على المستوى الوطني بعد سنوات من ذلك الوقت، واحتجن إلى ذلك لتحقيق برامجهن ~~الإصلاحية، فقد مثلن قوة فاعلة من خلال منظماتهن والتعاون مع قادة مراكز التكافل ~~الاجتماعي وعلماء الاجتماع ورجال الدين وغيرهم. # شهد عام 1906 إحراز تقدم، إلا أنه لا يضاف إلى سجل الحركة التقدمية. طالب ثيودور روزفلت ~~بتشريع يحمي العمال من الأطفال والنساء، لكن هذا لم يتحقق. حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على ~~مجلسي الكونجرس في انتخابات عام 1906، وكذلك استبقى الحرس القديم من المحافظين على ~~زمام الأمور في أيديهم، إلا أنه في بضع ولايات ودوائر انتخابية، أزاح مرشحون إصلاحيون ~~المحافظين من مقاعدهم. وبدأت البوادر الأولى للحركة التقدمية السياسية في الظهور. مع هذا، ~~وعلى حد صياغة أحد كتاب السيرة الذاتية لروزفلت مؤخرا: «مع توجه روزفلت نحو اليسار ~~سياسيا، وجد أنه ينسلخ عن طبقة الأثرياء التي ينتمي إليها ... فقرر أن الضرائب ~~الفيدرالية على التركات والدخل أمور ضرورية ... وستكون أمريكا أفضل حالا إذا وظفت الثروات ~~الطائلة للصالح العام.» # وعلى مدى العامين التاليين، استمرت المسافة بين روزفلت والحرس القديم ms047 في التباعد، لا ~~سيما نتيجة جهاده الذي لا يلين من أجل إجراءات المحافظة على البيئة واستصلاح الأراضي. دعم ~~روزفلت قانون نيولاندز لاستصلاح الأراضي لعام 1902، والذي سمي كذلك تيمنا بعضو مجلس ~~النواب عن الحزب الديمقراطي بولاية نيفادا الذي طرحه، والذي أصبح ميثاق الزراعة المروية ~~والأشغال العامة في الغرب. وبمرور الوقت، زاد ذلك القانون بدرجة هائلة من المساحات الزراعية ~~المحتملة، وفي نهاية المطاف، من الطاقة الكهرومائية والمواقع الترويحية. يرى المؤرخون أن ~~قانون نيولاندز أهم تشريع فيدرالي تم تمريره فيما يتعلق بالغرب، ولم ينافسه فقط سوى قانون ~~الاستثمار الريفي لعام 1862. كان أساس إنشاء «السدود الكبرى» في ثلاثينيات القرن العشرين ~~وأربعينياته - هوفر وشاستا وجراند كولي وفورت بيك وغيرها الكثير - هو قانون ~~نيولاندز. # وبين عامي 1902 و1909 - عندما ترك الرئاسة - بذل روزفلت جهودا أكبر بكثير من أجل ~~الحفاظ على الطبيعة؛ فقد أضاف روزفلت 17 مليون فدان إلى محميات الغابات الوطنية، وهو الأمر ~~الذي أثار غضب المطورين العقاريين الغربيين (على غرار «تمرد الميرمية» في عهد ريجان بعد ~~سبعين عاما من ذلك التاريخ) الذين أرادوا الاستئثار بالأملاك العامة ومواردها لخدمة ~~مصالحهم الخاصة. أنشأ روزفلت، بموجب إعلانات وقرارات تنفيذية، عشرات المتنزهات العامة ~~ومحميات الحياة البرية والنصب التذكارية الوطنية، كما وضع الغابات والموارد ذات الصلة تحت ~~إشراف إدارة الغابات التابعة لوزارة الزراعة، وعين صديقه جيفورد بينشو رئيسا لتلك ~~الإدارة عام 1905. ومرة أخرى نالت رعاية روزفلت لمؤتمر وطني للحفاظ على الطبيعة عام 1908 ~~رضا الإصلاحيين وحركة الحفاظ على الطبيعة الناشئة وجمهور الطبقة الوسطى، في حين أزعجت الحرس ~~القديم. أصبح الحفاظ على الطبيعة سمة مميزة لإدارة روزفلت، وكان لها بالطبع بالنسبة لغرب ~~الولايات المتحدة تبعات بالغة الأثر وباقية أكثر عن إجراءات مكافحة الاحتكار التي اتبعتها. ~~ظل التزامه بالدفاع عن البيئة، النابع من خبراته في فترة الشباب في إقليم داكوتا، عميقا ~~وثابتا. # في عام 1907 اجتاح ذعر مصرفي عات وول ستريت، وهدد بانهيار النظام المصرفي للبلاد. ~~اضطر روزفلت، ممثلا في وزارة الخزانة، للسماح لمجموعة جيه بي مورجان (والتي ضمت ~~يو إس ستيل) ms048 بالاستحواذ على شركة تينيسي للفحم والحديد، والتي تعد منافسا إقليميا ~~لها، بثمن بخس، في مقابل إعادة الاستقرار إلى أكبر مصارف وول ستريت. هدأ الذعر المصرفي ~~سريعا، لكن روزفلت الغاضب شجب «المجرمين ذوي الثروات الطائلة» في خطاب له ببروفينستاون ~~بولاية ماساتشوستس في 20 أغسطس عام 1907. أصبحت تلك العبارة واحدة من بين العبارات الأكثر ~~اقتباسا على لسانه، لكنها لم تجنبه الحرج فيما بعد، بعد أن ترك منصبه، عندما قاضت وزارة ~~العدل شركة يو إس ستيل لاستيلائها على شركة تينيسي بموجب قوانين مكافحة الاحتكار. # وبحلول عام 1908، كان الرئيس قد قطع شوطا نحو اليسار من حيث توقف في ولايته الأولى أو ~~حتى من موضعه في عام 1905. وفي الكونجرس، اضطر للتعامل مع أكثر عضوين محافظين من المنتمين ~~إلى الحزب الجمهوري في ذلك العصر، وهما رئيس مجلس النواب جوزيف جي كانون من ولاية إلينوي ~~والسيناتور نيلسون ألدريتش. عمل الاثنان معا على إعاقة تحركات روزفلت نحو الإصلاح التقدمي، ~~على الرغم من أن دعم كل من كانون وألدريتش على مضض لمشروع قانون في عام 1909 لتعديل ~~الدستور بحيث يسمح بوضع ضريبة دخل فيدرالية، بدون أي حماسة، ولكن فقط لإحباط تمريره الفوري؛ ~~يعد مؤشرا على المسافة التي قطعتها البلاد نحو الإصلاح بالفعل. في واقع الأمر، أمل ~~الاثنان أن التعديل الدستوري سيفشل التصديق عليه في النهاية من عدد كاف من الولايات. (لكن ~~نجح التصديق عليه بحلول عام 1913.) كان ألدريتش قبل عشر سنوات قد استنكر تلك الفكرة ~~باعتبارها «شيوعية»، وعارض كانون مطالب روزفلت بزيادة القوة البحرية، ومبادراته العديدة ~~الخاصة بالحفاظ على الطبيعة، وأي حديث عن خفض الرسوم الجمركية، وتنظيم السكك الحديدية، وأي ~~إجراء تقريبا يتخذه روزفلت من شأنه زيادة النفوذ الفيدرالي، لا سيما النفوذ التنفيذي، في ~~اتجاه الأمور التنظيمية. كما عارض ألدريتش سن المزيد من التشريعات التنظيمية في مجال ~~السكك الحديدية وكافة التدابير تقريبا التي اعتبرها «تعادي الشركات الكبرى.» # شكل 3-2: السيناتور نيلسون دبليو ألدريتش (ممثل الحزب الجمهوري عن رود آيلاند)، ~~رئيس اللجنة المالية بمجلس الشيوخ ورئيس اللجنة النقدية الوطنية: أبرز ms049 رجال ~~الحرس القديم. رسم هذا البورتريه نحو عام 1905. # لم يعرقل ألدريتش إجراءات روزفلت على الدوام، على العكس من كانون؛ فقد يسر ألدريتش ~~الخطا المضطربة لمشروع قانون الغذاء والدواء النقي عبر الكونجرس عام 1906، وكذلك في عام ~~1908، رعى قانون ألدريتش-فريلاند الذي تأسست بموجبه لجنة نقدية وطنية تهدف إلى إيجاد سبل ~~تحول دون وقوع نكبات مستقبلية مثلما حدث في أزمة الذعر المصرفي العنيفة عام 1907. كان ~~التقرير الذي أصدره ألدريتش ولجنته مناصرا على نحو قاطع لمؤسسات وول ستريت، إلا أن بعض ~~عناصره أصبحت جزءا من قانون الاحتياطي الفيدرالي عام 1913. # تميزت ولاية روزفلت الثانية بصراعات متزايدة - على الرغم من أنها لم تكن بمآزق حرجة في ~~جميع الأحوال - بين رئيس جمهوري نشط يزداد ميله نحو التقدمية يوما بعد يوم وبين الحرس ~~القديم الدائم التعنت للحزب الجمهوري المتزعم للكونجرس. كتبت كاثلين دالتون، كاتبة السيرة ~~الذاتية لروزفلت، تقول: «نادرا ما غاب عنه هدفه الأجرأ في منصبه كرئيس، وهو استخدام ~~الحكومة الفيدرالية لحل المشكلات البشرية التي أفرزها العصر الصناعي، مع أنه سيضطر إلى ~~الحياد عنه في ولايته الثانية بسبب أزمات دولية، وفي بضع مناسبات أخرى، نتيجة لأخطائه ~~الشخصية.» وبقيامه بذلك، أصبح روزفلت تقدميا، وساهم في تحديد ما كانت تعنيه الحركة ~~التقدمية على وجه التحديد. # استهل روزفلت رسالته السنوية الأخيرة للكونجرس، التي بعثها في 8 ديسمبر عام 1908، ~~بطمأنة المشرعين (وغيرهم من المؤمنين ب «الحكومة الرشيدة») أن «الموقف المالي للبلاد في ~~الوقت الحاضر ممتاز»، مع ذلك، انطلق في حديث طويل دافع فيه عن زيادة إخضاع الشركات ~~للقوانين التنظيمية. قال روزفلت إن قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار يمكن أن يوجه دون تمييز ~~نحو أي «اندماج». وما نحتاجه بدلا من ذلك هو إشراف على جميع الشركات، وبخاصة شركات السكك ~~الحديدية، تتولاه لجنة التجارة بين الولايات. إن المساهمين بالشركات وشاحني البضائع ~~(المزارعين وأصحاب المشروعات التجارية الصغيرة)، والموظفين يملكون جميعا مصالح مشروعة، ولا ~~ينبغي أن يحصل أي منهم على «تقدير غير لائق أو غير مستحق.» ينبغي بالمثل إخضاع شركات الهاتف ~~والتلغراف ل «سلطة لجنة التجارة بين ms050 الولايات»، ثم استعرض روزفلت موقفه من الاتحادات ~~الاحتكارية والاحتكارات، والذي سيقوم بتنقيحه وإبرازه على نحو أوضح في السنوات الأربع ~~التالية، التي صاغ فيها برنامجه «القومية الجديدة» للإصلاح الشامل. وعلى الرغم من أنه لم ~~يكن بعد في عام 1908، فقد كانت فكرة الإشراف بواسطة جهة تنظيمية فيدرالية، بدل الملاحقات ~~الخاصة التي تتولاها وزارة العدل، جلية بالفعل. # أكد روزفلت في الرسالة نفسها التي بعثها في ديسمبر عام 1908 تأكيدا شديدا على أن ~~الدستور أعطى «على نحو تام ومطلق» حق الإشراف على التجارة بين الولايات للحكومة الفيدرالية. ~~وهذا «لا يعد ضربا من المركزية، وإنما يعد فقط اعترافا بالحقيقة الجلية أن ~~المركزية قد آن أوانها بالفعل. وإذا أردنا السيطرة على هذا النفوذ التجاري غير المسئول بما ~~يصب في صالح عامة الناس ، فلا يوجد سوى طريقة واحدة لتحقيق هذا، وهي منح سلطة تحكم ~~كافية للجهة السيادية الوحيدة القادرة على ممارسة هذه السلطة، ألا وهي الحكومة القومية.» ~~وفي هذا الموضع كان روزفلت يتحدث على نحو تقدمي أصيل. إن الشركات الخاصة القادرة على أن ~~تكون لها سلطة اقتصادية على عامة الناس، على نحو «غير ~~مسئول» - أي دون تحمل مسئولية تجاه الأشخاص ~~الذين تتحكم بهم - لا بد من تنظيم عملها من قبل ممثلين لهؤلاء الناس. ثم جاءت أكثر ~~أقواله حدة: «هناك الكثير من الرجال المخلصين الذين يؤمنون الآن بالفردية المطلقة في ~~عالم الأعمال، مثلما كان هناك الكثير من الأشخاص المخلصين في السابق الذين آمنوا ~~بالعبودية.» وبهذا قلص روزفلت بدرجة كبيرة المسافة بين المعتقدات الأساسية للشعبويين قبل ~~عقد سابق الخاصة بالجانب الآخر من البلاد من جهة، وبين نزعته المحافظة السابقة من جهة أخرى، ~~وهذا يعني أن الحكومة هي الشعب وأن الحكومة، التي انتخبها الشعب وأصبحت مسئولة عنه، لا بد ~~أن تشرف على الاتحادات الضخمة للشركات التي يقف أمامها المواطنون بلا حول أو ~~قوة. # بعد ذلك دعا روزفلت إلى وضع تشريعات داعمة لصغار المزارعين، وصغار رجال الأعمال، وصغار ~~المساهمين، وطالب بإنشاء صناديق الادخار البريدي «لتيسير حفظ المدخرات في أمان تام ~~للأفراد ms051 الأكثر فقرا»؛ نظرا لأن المصارف التجارية الكبرى رأت في الحسابات الصغيرة ~~إزعاجا كبيرا. كذلك دعم روزفلت إنشاء طرق جيدة؛ «طرق سريعة وطنية تخدم الناس بعدالة ~~ومساواة»، وأخيرا طلب قائلا: «لا بد من منع عمالة الأطفال، وتقليص عمالة النساء، وتقليل ~~ساعات العمل لجميع العاملين بالأعمال الصناعية.» كان من الضروري سن قانون أفضل لتحديد ~~مسئوليات صاحب العمل - كان قانون قد أجيز في ~~هذا الشأن في وقت سابق لكن صياغته «غير الدقيقة» سمحت للمحاكم بتجاهله - في ظل تخلف ~~الولايات المتحدة كثيرا عن البلدان الصناعية الأوروبية في حماية العمال بهذه الطريقة، كما ~~أنه جدد دعوته لتطبيق ثماني ساعات عمل يوميا على العمال الفيدراليين. # عكست بعض العبارات التي استخدمها روزفلت نزعته المحافظة السابقة؛ فقد قال: «إن الوعي ~~الطبقي» - الاحتجاجات العمالية المفرطة الحماسة - «مصيره حتما الفشل» أو سيؤدي إلى «التسبب ~~في ضرر بالغ الأثر.» إن المجتمع يضم مجموعات متعددة من المصالح المشروعة: مصالح العمال ~~والرأسماليين والمستهلكين، وعدم تعارضها المأمول لن يتحقق بالهجوم على المحاكم، لكن الأمور ~~تغيرت، فقال: «لعل ما كان يعد انتهاكا للحرية قبل نصف قرن هو وسيلة الحفاظ اللازمة ~~للحرية في الوقت الحاضر، ولعل ما كان يعد إضرارا بالممتلكات حينذاك أصبح ضروريا ~~للتمتع بالممتلكات الآن.» # استحوذ الحديث عن الشركات والعلاقات بينها وبين العمال والمحاكم على ما يقرب من ~~نصف رسالة روزفلت الطويلة. خصص روزفلت بقية الرسالة للحديث بصورة رئيسية عن مسائل خاصة ~~بالحفاظ على البيئة - حماية «التربة والأنهار والغابات» بالبلاد، والحاجة إلى حماية ~~المتنزهات والغابات الوطنية (والتوسع فيها) - والعلاقات الخارجية. كان من المستحيل إلى حد ~~بعيد أن تخرج رسالة كهذه على لسان ماكينلي في نهاية تسعينيات القرن التاسع عشر، أو على لسان ~~روزفلت نفسه في أول سنتين من توليه الحكم. لكنه قد تغير، وتغيرت بالمثل القضايا، والفكر ~~المستنير، والدعم الشعبي. ستستمر فلسفة روزفلت في التطور، كما سينعكس في برنامج «القومية ~~الجديدة» الذي كشف النقاب عنه في خطاب له بمدينة أوساواتومي بولاية كانساس عام 1910، وفي ~~حملته الرئاسية عام 1912. لكنه تطور على نحو هائل، وكذلك الشعب ms052 الأمريكي. # رفض روزفلت خوض الانتخابات لولاية رئاسية أخرى عام 1908، واعتبر أنه قضى ولايتين رئاسيتين ~~تقريبا منذ سبتمبر عام 1901، وكان الحد المعهود منذ فترة رئاسة جورج واشنطن هو ولايتين ~~رئاسيتين، بدلا من ذلك، بحث روزفلت عن إداري ناجح وجدير بالثقة بمقدوره تنفيذ برنامجه ~~الإصلاحي؛ ولذلك وقع اختياره على ويليام هاورد تافت، الذي نجح كحاكم للفلبين ووزير حرب. ~~تغلب تافت على ويليام جيننجز برايان، مرشح الحزب الديمقراطي للمرة الثالثة والأخيرة. مرة ~~أخرى، أحكم الجمهوريون سيطرتهم على الكونجرس، باستحواذهم على ما يزيد على أربعين مقعدا في ~~مجلس النواب وما يقرب من ثلاثين مقعدا في مجلس الشيوخ. إلا أن الكثير من هؤلاء الجمهوريين، ~~لا سيما في مجلس النواب، لم يعدوا من المحافظين المؤيدين للفردية المفرطة والمناهضين ~~للتنظيم، والمناصرين لمبدأ عدم التدخل. كان التقدميون قد شرعوا في الفوز في الانتخابات ~~الأولية بالحزب الجمهوري لتحديد مرشحي الحزب للمقاعد المضمونة. لم يكن الكونجرس في عهد تافت ~~يمينيا على نحو جازم مثلما كان في عهد روزفلت الذي اضطر إلى الدخول في صراع معه. ومن ~~المفارقة أنه مع توجه مجلس النواب نحو اليسار، توجهت مؤسسة الرئاسة في عهد تافت نحو اليمين. ~~وسيأتي زخم الإصلاح التقدمي في واشنطن، على مدى أربع سنوات بداية من عام 1909، من الكونجرس ~~وليس من البيت الأبيض. # كانت مؤهلات تافت وأداؤه كإداري عسكري وإمبريالي ما جعله محببا إلى قلب روزفلت، وهذا ~~يرجع في الأغلب إلى أن قدرا كبيرا من نشاط روزفلت نفسه كرئيس للبلاد تركز في المجالات ~~التي برع فيها تافت. لم تكن الشئون الخارجية وتعزيز القوة العسكرية وبناء الإمبراطورية ~~مؤشرات فاصلة بعينها على تبني التقدمية؛ فبعض التقدميين كانوا نشطاء إمبرياليا ~~(ثيودور روزفلت ووودرو ويلسون لاحقا)، وبعضهم كانوا متحفظين بدرجة أكبر (برايان على سبيل ~~المثال) أو دعاة للسلام بصورة صريحة (كجين آدمز وغيرها). كان المؤشر الأوضح - رغم قصوره - ~~على النشاط أو التحفظ هو الانتماء الحزبي، فمنذ عصر لينكولن ووزير خارجيته، ويليام إتش ~~سيوارد، اضطلع الحزب الجمهوري بدور نشط على صعيد الشئون الخارجية والداخلية. تجلى ذلك ~~النشاط ms053 بالتأكيد في تسعينيات القرن التاسع عشر حين ضم ماكينلي وأعضاء الحزب الجمهوري ~~بالكونجرس هاواي (رفض جروفر كليفلاند فعل ذلك عام 1893)، وحين أعلنوا الحرب على إسبانيا ~~وضموا الفلبين بعد ذلك. كان ماكينلي وروزفلت ووزراء الحرب بإدارتهما - إلهو روت وتافت - ~~وأعضاء مجلس الشيوخ من أمثال هنري كابوت لودج (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية ماساتشوستس) ~~صديق روزفلت، وأيضا ألبرت بيفريدج (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية إنديانا)؛ بناة نشطين ~~للإمبراطورية الأمريكية. لم يكن ديمقراطيو العصر المذهب عازفين تماما عن التوسع ~~الاستعماري والإمبراطورية، لكنهم في قضايا ضم الفلبين أو كوبا عام 1899-1900، اتخذوا موقف ~~الحزب المخالف، وهكذا ظلوا في أغلب الأحيان خلال الحقبة التقدمية. كان هناك الكثير من ~~الاستثناءات لدى الطرفين، لكن التوجه العام كان واضحا؛ الحزب الجمهوري مؤيد للإمبريالية، ~~والحزب الديمقراطي مناهض للإمبريالية. # وفي ضوء كل من النتائج البعيدة المدى والأنماط الخاصة لعملية بناء الإمبراطورية ~~الأمريكية التي نتجت عن فترة رئاسة روزفلت، يستحسن أن نلقي نظرة سريعة على هذه العملية ~~وعلى ما ارتكزت عليه من افتراضات خاصة بالعرق، وتفوق العرق الأنجلوساكسوني، والنوع، ~~والنزعة القومية. افترض النشاط الإمبريالي الأمريكي في أوائل القرن العشرين أن ~~الأنجلوساكسونيين، الذين من بينهم الأمريكيون بالتأكيد، يتفوقون على غيرهم من الأعراق ~~الأخرى. كما أنه عبر عن قوة أو رجولة واعية بذاتها، وهي شكل من أشكال المباهاة ~~الأيديولوجية. كانت هذه رؤية روزفلت، التي أيده فيها الكثيرون. # يأتي روزفلت في مرتبة متقدمة في أي قائمة للرؤساء الإمبرياليين. وعلى الرغم من أنه لم ~~يضف إلى المناطق التابعة للولايات المتحدة إضافة كبيرة باستثناء منطقة قناة بنما، فقد ~~أحكم السيطرة على المناطق التي تم الاستيلاء عليها في الحرب الإسبانية الأمريكية الكوبية ~~الفلبينية؛ جوام والفلبين في غرب المحيط الهادئ، وبورتوريكو في منطقة الكاريبي. # علاوة على ذلك، أشرف روزفلت على باكورة شكل جديد للإمبريالية الأمريكية، ألا وهو: فرض ~~«الوصاية» على الجمهوريات الصغيرة في منطقة الكاريبي، بدءا من كوبا وانتهاء ببنما ~~وجمهورية الدومينيكان (ثم نيكاراجوا وهايتي وهندوراس تحت حكم خليفتيه تافت وويلسون). ضم ~~قرار الكونجرس الذي خول لماكينلي إرسال ms054 قوات أمريكية إلى كوبا عام 1898 بندا باسم «تعديل ~~تيلر»، الذي نفى أي نوايا أمريكية لضم كوبا. ولكن في إجراء آخر قام به الكونجرس عام ~~1901، تمثل في «تعديل بلات»، أعطت الولايات المتحدة لنفسها حق الإشراف على العلاقات ~~الخارجية والموارد المالية وحفظ النظام العام في كوبا. وعندما صدقت كوبا على دستورها ~~كدولة مستقلة عام 1903، حرص المحتلون الأمريكيون على أن يكون نص تعديل بلات جزءا لا يتجزأ ~~منه. وبناء عليه ظلت كوبا تحت «وصاية» الولايات المتحدة. # سرعان ما ستصل «الوصاية»، على غرار ما حدث في كوبا، للجمهوريات الأخرى، فلم يكن هناك حاجة ~~إلى ضمها؛ إذ ستسيطر عليها أمريكا من خلال حكام مدنيين، أو البحرية الأمريكية عند ~~«الضرورة». اعترفت القوى الأوروبية بمنطقة الكاريبي كمنطقة «ذات أهمية قصوى» للولايات ~~المتحدة. أوضح مبدأ «القوة البوليسية» الذي ذكره روزفلت عام 1904 الأساس المنطقي لذلك؛ وهو ~~أن «الممارسات الخاطئة المستمرة، أو الضعف» بررت التدخل الأمريكي، وبناء عليه ضمنت حماية ~~المصالح الأمريكية في كوبا والجمهوريات الأخرى؛ الاستثمارات في السكك الحديدية وزراعة السكر ~~والفاكهة والعقارات. وخضعت حرية السكان المحليين للهيمنة الأمريكية. # أشرف روزفلت كذلك، ونظم بالطبع، عملية إنشاء قناة بنما، فمنذ أربعينيات القرن التاسع ~~عشر وأيام الحرب الأمريكية المكسيكية، حلم الأمريكيون الذين رغبوا في بناء إمبراطورية ~~أمريكية بقناة تربط بين المحيطين الأطلنطي والهادئ، لكن تبين أن التمويل، والتصميم ~~الهندسي والعلاقات الدبلوماسية بين الدول المتضمنة في ذلك مشكلات؛ شديدة الصعوبة. لكن في ~~عام 1903 رأى روزفلت فرصة سانحة لتحقيق هذا الحلم. دعم روزفلت وحرض حركة بنمية تسعى ~~للانفصال عن كولومبيا، وأرسل الأسطول الأمريكي للتأكد من نجاح المتمردين البنميين فيما ~~يسعون إليه، ثم منح الولايات المتحدة منطقة عرضها عشرة أميال أنشئت في نطاقها قناة ~~بنما. افتتحت القناة عام 1914 وأصبحت حجر زاوية في الاستراتيجية التجارية والبحرية ~~الأمريكية على مدى جانب كبير من القرن العشرين؛ فكانت على القدر نفسه من أهمية قناة السويس ~~بالنسبة للإمبراطورية البريطانية قبل استقلال الهند عام 1947. # أسس روزفلت ووزيرا الحرب في عهده، إلهو روت وويليام هاورد تافت، هيئة ms055 أركان حرب عامة ~~للجيش وأنشئوا كذلك كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي. وبدعم من الكونجرس أضافوا سفنا ~~حربية وسفنا أخرى إلى الأسطول البحري، وفي عام 1907 أرسل روزفلت الأسطول الجديد، «الأسطول ~~الأبيض العظيم»، حول العالم للتأكيد على مكانة الولايات المتحدة باعتبارها «قوة عظمى». شارك ~~روزفلت في مؤتمرات للسلام لإنهاء الحرب الدامية بين روسيا واليابان عام 1905 ولتسوية أزمة ~~أوروبية حول المغرب عام 1906. توصل عبر تافت وروت لاتفاقيات تخول لليابان توسيع سيطرتها ~~في كوريا ونفوذها في منشوريا، نظير الاعتراف بالاستعمار الأمريكي للفلبين. في هذا الإطار، ~~راقب روزفلت في قلق، وتلاه رضا، الإدارة المدنية للجزر من قبل تافت وآخرين، وتطلع أيضا، ~~كما أخبر الكونجرس، إلى اليوم الذي يصبح فيه الفلبينيون جاهزين للحكم الذاتي، لكن ذلك اليوم ~~كان في المستقبل المجهول. # لم ينتب روزفلت شعور باللوم تجاه معاملة الفلبينيين كرعايا مستعمرين كما هو الحال ~~فيما يتعلق بسيطرته على جمهوريات منطقة الكاريبي؛ فمن وجهة نظره، أن تفوق العرق ~~الأنجلوساكسوني موثق بحكم العرف ويؤيده أفضل علوم العصر. لطالما رفضت «العنصرية ~~العلمية»، كما أطلق عليها منذ ذلك الحين، باعتبارها غير علمية على الإطلاق؛ واعتبرت ~~عنصرية محضة، وبدا أنها تبرر الاستعمار بالخارج كما تبرر قوانين جيم كرو العنصرية بالداخل. ~~قبل روزفلت أيضا التمييز العنصري بين مجموعات المهاجرين، وأسس لجنة يرأسها السيناتور ~~ويليام بي ديلنجهام (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية فيرمونت) عام 1907، واتفق مع رأيها بأن ~~«المهاجرين القدامى» من بريطانيا وأيرلندا وألمانيا واسكندنافيا يلائمون على نحو أفضل ~~كثيرا الأسلوب الأمريكي في الديمقراطية من «المهاجرين الجدد» من دول أوروبا الجنوبية ~~والشرقية الذين شكلوا أغلبية الوافدين في ذلك الوقت. خلصت لجنة ديلنجهام إلى ضرورة فرض قيد ~~ما، وتمثلت توصيته الأساسية للجنة في عمل اختبارات خاصة بالقراءة والكتابة للمهاجرين، ~~مع استثناء أولئك الذين لا يستطيعون الكتابة أو القراءة بأي لغة، ووافق روزفلت على ~~ذلك. # وفيما يتعلق بموقف روزفلت من الأمريكيين من أصول أفريقية، فقد كانت سيرته متباينة. عين ~~روزفلت (أو حاول تعيين) بعض السود في مناصب قضائية، وسعى إلى إنهاء عمالة السخرة ms056 للسود ~~في الجنوب، واستضاف بوكر تي واشنطن على الغداء بالبيت الأبيض (الأمر الذي أثار ضده ~~موجة شديدة من الاستنكار في الجنوب)، لكنه في الوقت نفسه فصل كتيبة عسكرية من السود ~~وعاقبها دون استقصاء كاف للأدلة، بعد أن وجهت إليها اتهامات باطلة بالخروج عن السيطرة ~~وبث الرعب بإطلاق الرصاص عشوائيا بمدينة براونزفيل، بولاية تكساس عام 1906. بعد عدة ~~سنوات تمت تبرئة كل أفراد الكتيبة؛ واتضح أن روزفلت تسرع في توجيه الاتهام وإصدار ~~الحكم. وبنحو عام، بالرغم من أنه لم يكن قط مؤيدا مطلقا للتفرقة العنصرية مثل خليفته ~~وودرو ويلسون، فقد أيد العنصرية الأنجلوساكسونية التي كانت إحدى السمات غير المحببة في ~~الحركة التقدمية. # ثمة سمة أخرى غير محببة وهي التدخل ذو النزعة الأخلاقية في سلوكيات الناس؛ حظر ~~المشروبات الكحولية، وتنظيم الأخلاقيات الجنسية، والرقابة، وقوانين الزواج والطلاق ~~المقيدة، وإجراءات تحسين النسل التي تضمنت عمليات التعقيم الإجباري للمعاقين ~~ذهنيا. مما لا شك فيه أن روزفلت كان زعيما للإمبريالية الأمريكية. انطوت الحركة التقدمية ~~- سواء على خطا روزفلت أو غيره - على جانب كبير من التسلط الأخلاقي في كثير من ~~الأحيان. # أقنعت إدارة ثيودور روزفلت للحكم والمنعطف الحاد الذي سلكته بعيدا عن أسلافه المباشرين ~~الكثير من المؤرخين بتحديد تاريخ بداية الحقبة التقدمية من سبتمبر عام 1901، حين خلف ~~روزفلت ماكينلي في الحكم. وهذا أمر ملائم وليس خطأ تماما؛ فقد كانت فترة تولي روزفلت ~~لمقاليد الحكم مهمة. وبالرغم من صعوبة تقبل نزعته العنصرية أو إيمانه بتفوق العرق ~~الأنجلوساكسوني على غيره أو إمبرياليته المشربة بالروح العسكرية، فقد حفز تضافر الكثير ~~من خيوط الإصلاح المتعثرة والمتصارعة. وقد كان روزفلت سببا للتآزر، وبحلول الوقت الذي ترك ~~فيه كرسي الرئاسة، اضطر حتى المحافظون المتشددون إلى إفساح المجال أمام التغيير. # إلا أنه في واقع الأمر، حدث الكثير من الإصلاحات بمعزل تام عن تأثير روزفلت، وبعضها وقع ~~قبل مجيئه؛ فقد اجتاح القطاع الخاص - لا سيما ~~النساء حتى مع عدم امتلاكهن حق الانتخاب فيما عدا بضع ولايات غربية - موجة من النشاط ~~الإصلاحي منذ عام 1889 على الأقل، ms057 حين أسست جين آدمز وإيلين جيتس ستار مركز التكافل ~~الاجتماعي هال-هاوس في شيكاجو. كان حقل نشاطهما ونجاحهما هو تحقيق التقدم في مجال العدالة ~~الاجتماعية. أسفرت تسعينيات القرن التاسع عشر، التي هيمنت عليها الإضرابات والكساد، عن ~~موجات إصلاحية، لم تقتصر على حزب الشعب وبرنامج أوماها الشامل خاصته الذي ظهر في عام 1892. ~~وفي وقت مبكر منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، انضم الكثير من النساء المنتميات إلى الطبقة ~~الوسطى في المدن من مختلف أنحاء البلاد إلى نواد نسائية وطالبن المسئولين الرجال بالمدن ~~بإشراكهن في إدارة الشئون المحلية، وطالبن بشوارع أنظف ومياه أنقى وأعمال نظافة أفضل وشبكات ~~للصرف الصحي. كانت إلين سوالو ريتشاردز - أول فتاة تتخرج في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا - ~~رائدة في مجال معالجة المياه بالكلور منذ أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر. لم تتول ~~ماري ماكدويل إدارة مركز التكافل الاجتماعي التابع لجامعة شيكاجو في منطقة حظائر الماشية ~~بشيكاجو فحسب، بل جاهدت أيضا في سبيل تنظيف مستودعات القمامة والمجازر، ووقفت للدفاع عن ~~العاملات في مصانع تعبئة اللحوم عندما دخلن في إضراب ضد المديرين الذين خفضوا أجورهن، ولعبت ~~دورا كبيرا في مساعدة أولئك النساء على تكوين نقابة عمالية وتمكين أنفسهن. قادت امرأة ~~أخرى، وهي كيت جوردن بمدينة نيو أورليانز، حملة للموافقة على إصدار سندات حكومية عام 1899 ~~لتحمل تكاليف توفير مياه نقية ونظام صرف صحي للمدينة. وبفضل استعانة الناشطات المصلحات ~~بما سماه أحد المؤرخين «المنهج التقدمي الثلاثي الشعب: الاستقصاء والتثقيف والإقناع»، ~~استطعن جعل الكثير من المدن والأحياء أنظف وأكثر ملاءمة وجاذبية. توسعت التغييرات اللاتي ~~شرعن فيها في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر من حيث النطاق والمساحة بعد عام 1900. ~~وانحسرت الأمراض المعدية بعد معرفة أسبابها ونشرها، ومع ازدياد ضم المجالس الطبية ~~وإدارات النظافة العامة لأشخاص مدربين بصورة علمية، أقنع هؤلاء المتخصصون - ذكورا ~~وإناثا - الناس بحقيقة نظرية جرثومية المرض، على الرغم من معارضة الأطباء لها في ~~البداية. # كان تطوير التعليم، من حيث المحتوى والإتاحة على حد سواء، محل تركيز رئيسيا ~~للتقدميين. في عام 1900، كان ما يقرب من نصف ms058 تعداد الأطفال بالبلاد الذين تتراوح أعمارهم ~~بين خمس سنوات وتسع عشرة سنة ملتحقين بالمدارس؛ وبحلول عام 1920، زادت النسبة إلى الثلثين ~~تقريبا. وتضاعف عدد خريجي المدارس الثانوية إبان تسعينيات القرن التاسع عشر من 44 ألفا ~~إلى 95 ألفا، وتضاعف ثلاث مرات ليصل إلى 311 ألف خريج عام 1920. تراجعت الأمية إلى النصف؛ ~~فانخفضت مما يربو على 13 في المائة من تعداد السكان الذين تبلغ أعمارهم عشر سنوات فما فوق ~~في عام 1890 إلى 6 في المائة في عام 1920. انتشرت الحضانات - التي كانت قليلة للغاية قبل ~~عام 1900 - في وقت مبكر من القرن العشرين، وتأسس ما يقرب من نصف مليون حضانة بحلول عام ~~1920. وعلى الطرف الآخر من السلم التعليمي، توسعت الكليات والجامعات والكليات المهنية ~~في الحجم وفيما تتضمنه مناهجها، مع ازدياد الحاجة إلى أفراد يتمتعون بدرجة أعلى من التدريب ~~والتعليم، وذلك مع تحول المجتمع الأمريكي يوما بعد يوم إلى مزيد من المدنية والاعتماد على ~~التكنولوجيا، في قطاعات بعينها على الأقل. ويرجع تاريخ تأسيس جامعات وكليات «الزراعة ~~والميكانيكا» مثل جامعة كانساس ستيت أو جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفيز إلى قانون موريل لمنح ~~الأراضي للكليات والجامعات عام 1862، لكن بعد عام 1900 أخذت تلك الهيئات التعليمية تدرس ~~«الزراعة العلمية» للتشجيع على الحفاظ على البيئة جنبا إلى جنب مع تحقيق الأرباح. خضع ~~التعليم الطبي، الذي اتسم بالفوضوية في السابق، إلى إصلاح عام بعد عام 1910، وذلك عندما ~~أصدر أبراهام فليكسنر تقريرا كان بمثابة علامة فارقة دعا فيه إلى معايير وعمليات ترخيص ~~منهجية. أيضا كان التعليم القانوني يتغير؛ بدأت الممارسة التقليدية الخاصة بقراءة كتب ~~القانون والعمل تحت التمرين لدى محام ذائع الصيت في التغير إلى دراسة رسمية بكليات ~~الحقوق. # شكل 3-3: «الصديقتان الوفيتان للفقراء.» صورة التقطت في عام 1914 تجمع بين جين ~~آدمز (على اليسار)، التي شاركت في تأسيس مركز هال-هاوس للتكافل الاجتماعي، ~~وماري ماكدويل (على اليمين)، رئيسة مركز التكافل الاجتماعي التابع لجامعة ~~شيكاجو، وتعدان من رواد العمل الاجتماعي. # لم يكن التغير سريعا على الدوام، لكنه حدث، وحدث على الأرجح ms059 على نحو ابتكاري في مجال ~~الدراسات العليا أكثر من أي مجال آخر. تأسست أول جامعة بحثية حقيقية، جامعة جونز هوبكنز، ~~عام 1876، تبعتها جامعة شيكاجو عام 1890 وستانفورد عام 1891، في حين أن المؤسسات الجامعية ~~المرموقة، على غرار هارفرد ويال وميشيجان وويسكونسن وجامعة كاليفورنيا ببيركلي، أعادت تنظيم ~~نفسها بحيث تتضمن أقساما للدراسات العليا وبرامج لرسائل الدكتوراه. ونتيجة لذلك، بدأت ~~العلوم الاجتماعية المهنية (علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والتاريخ والاقتصاد والإحصاء) ~~في الظهور في ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته. وقد وفرت تلك الجامعات مجموعة من ~~الخبراء بعد عام 1900، لعبوا دورا حيويا في الإصلاحات والهيئات التنظيمية على كافة ~~المستويات الحكومية وفي القطاع الخاص. # أنشئت أقسام العلوم الاجتماعية الجديدة بالجامعات البحثية وفقا للنموذج الألماني بصفة ~~عامة، وكثير من الأساتذة الرواد بتلك الأقسام حصلوا على تعليمهم في ألمانيا. من بين هؤلاء ~~كان ريتشارد تي إيلي، الذي حصل على درجة الدكتوراه من جامعة هايدلبرج، وعمل في البداية ~~بجامعة جونز هوبكنز ثم بجامعة ويسكونسن. علم ريتشارد إيلي العديد من قادة الجيل التالي من ~~علماء الاقتصاد، وبخاصة جون آر كومنز، المحلل الرائد لاقتصاديات العمل في عصره. كان من ~~بين علماء الاجتماع الجدد عالم الاجتماع ليستر فرانك وارد، وأستاذ علم النفس التربوي جي ~~ستانلي هول، والمؤرخ تشارلز إيه بيرد. جمعت بين هؤلاء عدة رؤى مشتركة، جميعها تهدم ~~عقائد عدم التدخل العقلانية الجامدة، المنتشرة بصورة شائعة للغاية والمقاومة للتغيير بشدة. ~~آمنوا على نحو رئيسي بأن السياسات والنظم الاقتصادية ينبغي ولا بد لها أن تتغير مع مرور ~~الوقت. لم ينظروا إلى المجتمع على أنه مجموعات من الأفراد المنعزلين، بل كيانات؛ فالأفراد ~~والنظم الاقتصادية والجماعات الاجتماعية لا تعيش بمعزل بعضها عن بعض؛ ومن ثم، ينبغي أن ~~تقوم السياسات على الأدلة التجريبية، التي يقيمها ويفرزها الخبراء في علم الاجتماع ~~والاقتصاد السياسي والعلوم ذات الصلة، الذين سيبتكرون بناء عليها برامج وسياسات تنفذها ~~الحكومة من أجل صالح الكيان الاجتماعي. كان للأدلة أهمية جوهرية، فتحمسوا لجمعها. أنشأت ~~حكومات الولايات والحكومات المحلية العديد من الهيئات على هذا المنوال، من ms060 بين الأمثلة على ~~المستوى الفيدرالي مكتب الشركات (1903)، ولجنة ديلنجهام للهجرة (1907)، ومكتب الطفولة ~~(1912)، الذي حث التقدميون من النساء الرئيس تافت على دعمه. في المجمل، ساهموا في تأسيس ~~قاعدة للتغيير السياسي والاجتماعي حظيت بالاحترام على المستوى الفكري، بالرغم من أن الهيئات ~~ستصبح بيروقراطية ومتزمتة، ولكن جسدوا الروح التقدمية، ومنذ منتصف ثمانينيات القرن التاسع ~~عشر فصاعدا، وبأعداد وقوة متزايدة، طرح علماء الاجتماع الأكاديميون أفكارا وبرامج للإصلاح ~~الحكومي والاجتماعي. # من بين أسباب نجاح بعض علماء الاجتماع الجدد في الترويج لإحداث تغييرات اجتماعية جذرية - ~~وبعضهم (مثل إيلي) أثار غضب مجالس الأمناء المحافظة التي كادت تفصلهم من العمل - أنهم ~~صاغوا أفكارهم ورؤاهم بلغة دينية. كانت «الاشتراكية» حينئذ، كما هي الآن، كلمة ممقوتة في ~~الحديث الأمريكي، ومع أن قلة قليلة على غرار القس الأسقفي ويليام دي بي بليس أيدوا لقب ~~«الاشتراكي المسيحي»، فقد حبذ معظم الأكاديميين ألا يصنفوا كاشتراكيين بل كعلماء ~~اجتماع، رغم كونهم مسيحيين. وبهذا، أصبحوا جزءا من حركة متنامية في العديد من الطوائف ~~البروتستانتية تدعى الإنجيل الاجتماعي. بدأ الشعور بأن الرأسمالية غير الخاضعة للقوانين ~~التنظيمية والتي تميل للاحتكار؛ تسبب الضرر ليس فقط من الناحية الاجتماعية وإنما أيضا ~~هي غير منصفة ومناهضة لتعاليم الدين المسيحي في الازدياد في ثمانينيات القرن التاسع عشر ~~وتسعينياته، لا سيما بين القساوسة البروتستانت الذين كانوا يعتلون المنابر الدينية في المدن ~~الكبيرة ويعملون بصفة يومية وسط الأحياء العشوائية والفقراء. بدأ بعضهم في تحويل أبرشياتهم ~~إلى «كنائس مؤسسية»، تدأب على توفير الطعام والمأوى والخدمات المختلفة للفقراء والمشردين ~~بالأحياء التابعة لها. كانت الفكرة الرئيسية لحركة الإنجيل الاجتماعي - التي ظهرت على نطاق ~~الطوائف البروتستانتية الرئيسية بدءا من الأسقفية إلى المعمدانية - أن جانبا كبيرا من ~~الحياة الحضرية والصناعية فاسد على نحو آثم، ولا بد من تغييره. اقتضت التعاليم المسيحية، ~~لدى فهمها كما ينبغي، ذلك. لم يعد الذنب فرديا بل اجتماعيا. لم يكن السكر ~~والبغاء هما التعديين الأخلاقيين الوحيدين، بل انضم إليهما أيضا ظروف ~~العمل غير الإنسانية، والفقر وسوء توزيع الثروة، وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية. # كان ms061 أفضل عالم لاهوت بين صفوف قادة حركة الإنجيل الاجتماعي هو القس المعمداني والتر ~~راوشنبوش، الذي عمل مع الفقراء بمدينة نيويورك بحي هيلز كيتشن، وهو أحد الأحياء التي ~~تقع بوسط الجانب الغربي. وفي كتابه «المسيحية والأزمة الاجتماعية» (1908)، أدان مستويات ~~الأجور المتدنية وعدم العدالة الاقتصادية، وسيطرة الشركات على حكومات المدن، والتجارة ~~العصرية باعتبارها «لعبة تشبه المصارعة في روما القديمة، لا تعرف الرحمة.» وكتب ~~ملخصا الأمر: # التوبة عن خطايانا الاجتماعية الجماعية، والإيمان بإمكانية وحقيقة الحياة الروحية ~~بين الجنس البشري، وتطويع الإرادة لخدمة أغراض مملكة الرب، والسماح بالوحي الإلهي ~~بتحرير البصيرة الأخلاقية وتوضيحها، تلك هي الواجبات الأكثر جوهرية لرجل الدين الذي ~~سيسهم في بناء العصر المسيحي القادم للبشرية. # بعبارة أخرى، ينبغي أن يكرس المسيحيون جهودهم لتأسيس مملكة الرب على الأرض، وسيكون من ~~الخطأ «تأجيل الانبعاث الاجتماعي إلى عصر مستقبلي يتدشن بعودة المسيح.» لا تنتظروا حلول ~~الألفية القادمة، افعلوا شيئا الآن. # انتشرت حركة الإنجيل الاجتماعي على نهج راوشنبوش وغيره من القساوسة اللاهوتيين الفصيحي ~~اللسان بين الطوائف البروتستانتية الرئيسية على نطاق واسع. وعندما تأسس المجلس الفيدرالي ~~للكنائس (تغير اسمه إلى المجلس الوطني للكنائس فيما بعد) عام 1910، غلبت عليه روح حركة ~~الإنجيل الاجتماعي؛ ومن ثم الروح التقدمية. كانت حركة الإنجيل الاجتماعي شهيرة للغاية حتى ~~إنها أضفت على الحركة التقدمية نفسها صبغة بروتستانتية، وبذلت جهودا كبيرة في سبيل ~~الترويج للإصلاح بين البروتستانت، وخاصة أولئك المنتمين إلى الطبقة الوسطى العليا. كان ~~اليهود والكاثوليك في الولايات المتحدة على الأرجح إما مهاجرين وإما من المنتمين إلى ~~الطبقة العاملة، لكن بعضهم ضارع دعاة حركة الإنجيل الاجتماعي. من بين هؤلاء الحاخام إيميل ~~جي هيرش من شيكاجو، المنتمي إلى الحركة الإصلاحية اليهودية، والذي دعا للحاجة إلى التغيير ~~الاجتماعي وحث جوليوس روزنفالد - مالك شركة سيرز آند روباك الذي كان يحضر مواعظ هيرش بمعبد ~~سيناء - على أن يصير من رواد مجال العمل الخيري. وأيضا جون إيه راين، وهو قس نشأ في مزرعة ~~بمينيسوتا لأبوين من المهاجرين الأيرلنديين، كان من رواد الإصلاح الاجتماعي الكاثوليكي من ~~خلال كتبه ms062 «أجر الكفاف» (1906)، و«العدالة التوزيعية: الصواب والخطأ في توزيع الثروة ~~بعصرنا» (1916)، و«برنامج الأساقفة لإعادة البناء الاجتماعي» (1919)، الذي يعد وثيقة ~~العدالة الاجتماعية الرسمية للكنيسة الكاثوليكية الأمريكية. عكست حياة راين مسيرته ~~الإصلاحية المستمرة؛ ففي شبابه كان شعبويا، وفي منتصف حياته صار تقدميا، وفي أواخر ~~سنوات عمره أصبح مؤيدا صريحا لبرنامج «الصفقة الجديدة» لفرانكلين روزفلت. # من ناحية أخرى، لم يكن جميع البروتستانت مؤيدين لحركة الإنجيل الاجتماعي. في عام 1910، ~~وهو العام نفسه الذي شهد تأسيس المجلس الفيدرالي للكنائس، ظهر البيان الرسمي للبروتستانت ~~المحافظين الذي عرف باسم «الأصول». تألف البيان من عدة أجزاء تؤكد الولادة العذرية ~~للمسيح، والقيامة الجسدية للمسيح، وبصفة عامة أكثر، فكرة أن الإثم فردي وليس اجتماعيا. ~~وإذا كان أتباع حركة الإنجيل الاجتماعي أقلية بين الطوائف البروتستانتية، فقد كان الأصوليون ~~أقلية أصغر في البداية، ولكن في العقود التالية استطاعت الحركة الأصولية، وليس حركة الإنجيل ~~الاجتماعي، اكتساب دعم ونفوذ سياسي أكبر. وفي أوائل القرن العشرين، تذبذب التوازن بين الإثم ~~كمسئولية فردية والإثم كمسئولية اجتماعية على نحو غريب؛ بحيث إن كلا الدربين ~~اللاهوتيين أسهما في دعم التشريعات المنظمة لسلوكيات الناس، التي من أبرزها حظر ~~الكحوليات والمخدرات. شكلت حركة الإنجيل الاجتماعي زخما كبيرا أسهم في تطور الحركة ~~التقدمية، لكنها كانت تعكس أيضا، بنحو مختلف، المسيحية الفردية والتقليدية. # ضاهت حركة مراكز التكافل الاجتماعي حركة الإنجيل الاجتماعي لكن على مستوى علماني ~~بصورة أساسية. كانت تقام تلك المنشآت في الأحياء الحضرية الأكثر فقرا، وهي في الغالب ~~وبنحو رئيسي الأحياء الخاصة بالمهاجرين، وكان من أوليات تلك المنشآت وأذيعها صيتا ~~هال-هاوس في منطقة الجانب الغربي بشيكاجو، وأسستها جين آدمز وإيلين جيتس ستار عام 1889. ~~وكان مركزا التكافل الاجتماعي هنري ستريت - ~~الموجود بالجانب الشرقي الأدنى بنيويورك، والذي ~~أسسته ليليان فالد عام 1893 - وبراونسن هاوس، الذي أسسته ماري جوليا ووركمان بلوس ~~أنجلوس (1901)، من النماذج الهامة الأخرى. لم يسهم مركز التكافل الاجتماعي التابع لجامعة ~~شيكاجو الذي أسسته ماري ماكدويل في منطقة حظائر الماشية في تحسين الأوضاع المعيشية ~~للأيرلنديين والبولنديين والليتوانيين وغيرهم من المهاجرين هناك فحسب، لكنه ms063 ساعدهم أيضا في ~~إنشاء نقابات محلية. درس مركز هال-هاوس وغيره من مراكز التكافل الاجتماعي للمهاجرين ~~مجموعة واسعة من المواد بدءا من اللغة الإنجليزية إلى تجليد الكتب، ووفرت خدمة رعاية ~~الأطفال للأمهات العاملات وأماكن لانعقاد اجتماعات النقابات ومنظمات الأحياء، ونشرت تقارير ~~عن أوضاع السكن والعمالة، وناضلت من أجل إصدار قوانين تقدمية على مستوى المدن والولايات ~~والمستوى الفيدرالي في النهاية. تأسست تلك المراكز في الغالب الأعم وأديرت من قبل نساء، ~~بعضهن استطاع تحطيم الحواجز التعليمية. على الجانب الآخر، اضطلع الرجال - في الغالب رجال ~~أعمال ومهنيون يتمتعون بوعي اجتماعي - بأدوار نشطة أيضا. أيد الكثير منهم بحماسة منح ~~النساء حق الانتخاب والقوانين الهادفة إلى إنهاء استغلال النساء والأطفال في العمل ~~بالمصانع. # اكتسب أتباع حركتي الإنجيل الاجتماعي ومراكز التكافل الاجتماعي قوة متزايدة شيئا ~~فشيئا خلال تسعينيات القرن التاسع عشر وإبان عهد روزفلت، على الرغم من أن روزفلت لم ~~يسهم بالكثير في دعم الحركتين. كذلك لم ترق له الصحافة الاستقصائية كثيرا، والتي ظهرت ~~بداية من عام 1902. كما أتاحت تقنيات مثل ماكينات الطباعة التنضيدية (1884) وماكينات ~~الطباعة الدوارة العالية السرعة إصدار صحف زهيدة الثمن وواسعة التداول ومجلات أيضا. دعمت ~~المجلات الدورية ونشرت استقصاءات مثل استقصاء إيدا تاربيل عن مكائد شركة ستاندرد أويل (مجلة ~~«ماكلورز»، 1902)، واستقصاء لينكولن ستيفنز عن التواطؤ بين الشركات وحكومات المدن في قضايا ~~فساد بعنوان «عار المدن» (مجلة «ماكلورز»، 1903-1904) وأيضا استقصاء دافيد جراهام فيليبس ~~الذي فضح فيه السيناتور نيلسون ألدريتش بعنوان «خيانة مجلس الشيوخ» (مجلة «كوزموبوليتان»، ~~1906). وقد كانت الكتب أيضا وسيلة مهمة للتوجه الإصلاحي القائم على كشف الفضائح. ظهر في ~~البداية كتاب لويد «الثروة مقابل الكومنولث» الذي أدان فيه الممارسات الاحتكارية لشركة ~~ستاندرد أويل (1894)، ثم الروايتان اللتان انتشرتا على نطاق واسع: «الغابة» (1906) لأبتون ~~سينكلير، التي تناولت الأوضاع القذرة والخطيرة في حظائر الماشية بشيكاجو، و«الأخطبوط» ~~(1901) لفرانك نوريس التي تحدث فيها عن فساد ممارسة السلطة من جانب شركة ساذرن باسيفيك ~~ريلرود. تملك روزفلت الغضب في وقت من الأوقات حيال موجات القلق التي يتسبب فيها هؤلاء ~~الصحفيون، فأطلق ms064 عليهم «المنظفين»، على غرار الرجل الذي ورد ذكره في كتاب جون بنيان ~~«رحلة الحاج» وكان دائما ينظف الروث. ارتبط ذلك اللقب بهم، حتى مع ترحيب روزفلت وقطاع كبير ~~من الناس بكثير من الوقائع الخطيرة التي كشفوا فيها الحقائق بموضوعية وشجاعة. # أسهمت جميع هذه التحركات من جانب الكنائس ومراكز التكافل الاجتماعي والصحافة والعمل ~~الاجتماعي في نمو الروح الساعية للإصلاح وزيادة الضغط من أجل إحداثه، وقلما اتسمت ~~بالتطرف. لم يرض المحافظون عن تلك التحركات، لكنها حفزت الطبقات الوسطى في الحضر والريف ~~على حد سواء، فقد أثبتت أن التغيير يمكن أن يأتي دون إسقاط النظام السياسي والاقتصادي، عن ~~طريق الإصلاح وليس الثورة، فيمكن كبح جماح الشركات، ومعالجة الفقر وعدم العدالة في توزيع ~~الثروة دون السقوط في هاوية الاشتراكية. # شرعت حكومات الولايات والحكومات المحلية في اتخاذ إجراءات إصلاحية في تسعينيات القرن ~~التاسع عشر ووسعت من جهودها بعد عام 1900. وكثيرا ما أطلق المؤرخون عليها مختبرات الإصلاح؛ ~~وذلك لأنه كلما حققت الجهود المحلية وفي نطاق الولايات نجاحا أكبر، أصبحت نماذج تتأسى ~~بها القوانين على المستوى الفيدرالي في العقد الأول من القرن العشرين. سنعرض لبضعة أمثلة، ~~من بين أمثلة عديدة من مختلف أنحاء البلاد، لتوضيح هذا الأمر. # كانت ولاية ويسكونسن من أوليات الولايات الرائدة في الإصلاح، خاصة عندما كان روبرت إم ~~لافوليت حاكما لها. أطلق على برامجه إجمالا «سياسة ويسكونسن»، وقد قام جزء كبير منها على ~~الاستقصاءات الاقتصادية والاجتماعية التي أجراها ريتشارد إيلي، وتلميذه وخليفته جون آر ~~كومنز، وغيرهما بجامعة الولاية بماديسون. انتخب لافوليت ممثلا عن الحزب الجمهوري لمجلس ~~النواب الأمريكي ثلاث مرات (1885-1891)، وثلاث مرات حاكما لولاية ويسكونسن (1901-1906)، ~~وأربع مرات عضوا بمجلس الشيوخ (1906-1925). حظي لافوليت بمؤازرة زوجته بيل الدائمة ~~ونصحها الحكيم، وقد كانت أول امرأة تحصل على شهادة في القانون من جامعة ويسكونسن وكانت ~~صحفية ومصلحة عن جدارة. استطاع لافوليت وزوجته معا وضع وتأييد وتطبيق قوانين وسياسات ~~بهدف تحسين أحوال العمال والمزارعين، والأمريكيين السود والمهاجرين، كما دعما حصول المرأة ~~على حق الانتخاب، وبصفتهما داعيين ms065 للسلام، عارضا دخول أمريكا الحرب العالمية الأولى. ~~بدأ لافوليت الذي عرف عنه فصاحة اللسان والشراسة ولقب ب «بوب المناضل» مسيرته ~~السياسية كعضو تقليدي بالحزب الجمهوري، لكنه انفصل عن الحرس القديم بالحزب في تسعينيات ~~القرن التاسع عشر، وأضحى مصلحا حقيقيا عندما تولى منصب الحاكم بولاية ويسكونسن. وبعد ~~عقود كرمه مجلس الشيوخ الأمريكي معتبرا إياه واحدا من بين أبرز خمسة أعضاء في تاريخ ~~المجلس. # شن لافوليت في تسعينيات القرن التاسع عشر حملة ضد نفوذ الشركات داخل حزبه، ومن أجل سن ~~قوانين تنظيمية أقوى على شركات السكك الحديدية، ومن أجل تمتع «الشعب» بسيطرة أكبر على ~~الحكومة. تضمنت «سياسة ويسكونسن»، التي كانت السمة المميزة لسنوات تولي لافوليت منصب ~~الحاكم، قائمة طويلة من الإصلاحات: لجانا خاصة بتنظيم السكك الحديدية، والخدمة المدنية، ~~والنظام الضريبي، وإدارة الغابات، ووسائل النقل، واستخدام الانتخابات الأولية المباشرة ~~بدلا من المؤتمرات الحزبية لاختيار المرشحين للمناصب العامة ، ومدارس حكومية أكثر مركزية في ~~المناطق الريفية، وإنهاء تبرعات الشركات في الحملات السياسية. لم تتحول بالطبع كل هذه ~~الإصلاحات إلى قوانين، لكن سواء تحولت لقوانين أم لا؛ فقد أضحت نداءات معتادة بالمظاهرات، ~~واكتسبت دعما كبيرا من خطابات لافوليت العامة وتأييده لها. ناصر لافوليت حق النساء في ~~الانتخاب والانتخابات المباشرة لأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بالتصويت الشعبي بدلا من ~~الهيئات التشريعية للولايات (من المفارقة مع ذلك أنه كان آخر من انتخب على هذا النحو في ~~ولاية ويسكونسن عام 1905)، وهما الإجراءان اللذان أدخلا فيما بعد كتعديلات تقدمية ~~بالدستور الأمريكي، وبعد أن وصل إلى واشنطن كعضو بمجلس الشيوخ، مرر أتباعه أول قانون ~~لتعويضات العمال في ولاية أمريكية. وأضحت سياسة ويسكونسن نموذجا يقتدي به الإصلاحيون في ~~الولايات الأخرى؛ في إجراءاته الخاصة واعتماده على الخبراء الأكاديميين والباحثين عن ~~الحقائق لبناء المقترحات على أساس واقعي راسخ. # شكل 3-4: السيناتور روبرت إم لافوليت (واقفا)، برفقة زوجته، بيل كيس لافوليت، ~~وأطفالهما: بوب الابن، وفيل، وماري؛ ودكتور فيليب فوكس لافوليت، بمزرعة ~~مابل بلف بالقرب من مدينة ماديسون، بولاية ويسكونسن، عام 1909. # وفي كانساس، وهي ولاية أخرى قادت ms066 الإصلاح التقدمي، دعم الحاكم إدوارد دبليو هوك عام 1905 ~~مشروع قانون للانتخابات الأولية المباشرة يحاكي كثيرا النموذج الخاص بولاية ويسكونسن، ~~يتضمن الانتخاب المباشر لمرشحي مجلس الشيوخ. كذلك أيد هوك إجراء إصلاحات أكبر بالخدمة ~~المدنية، ومحاكم الأحداث، وإصدار قانون للغذاء النقي، وغير ذلك الكثير من الإجراءات التي ~~تعكس حكومة أكثر فاعلية بالولاية. كذلك مررت ولاية كانساس قانونا شاملا لعمالة الأطفال ~~عام 1905. كان هوك، شأنه شأن لافوليت، جمهوريا، لكنه كان منتميا إلى الجناح التقدمي أو ~~المتمرد الآخذ في الازدياد، وأيد (مثل روزفلت) تخفيض التعريفات الجمركية والتطبيق الأشد ~~صرامة لقوانين مكافحة الاحتكار. بعض من قادة الجناح الجمهوري المتمرد بولاية كانساس كانوا ~~من أشد المعارضين للشعبويين إبان تسعينيات القرن التاسع عشر، ومن بينهم جوزيف بريستو الذي ~~عمل محررا بمدينة سالينا، ثم أصبح عضوا بمجلس الشيوخ عام 1909، والمحرر الشهير بمدينة ~~إمبوريا ويليام ألين وايت. أصبح الإصلاح يحظى بالاحترام بين أبناء كانساس هؤلاء المنتمين ~~إلى الطبقة الوسطى، ولم يعودوا ينظرون إليه كتبرم المتذمرين والفلاحين فقط. ربما كان ~~ذلك بحلول عام 1905؛ نظرا لأنه لم يكن لجمهوري أن يدعم الإجراءات الإصلاحية عام 1895. ~~لا شك أن بروز روزفلت أسهم في هذا التحول، وكذلك أيضا السخط المتزايد نتيجة لنفوذ الشركات ~~(لا سيما شركات السكك الحديدية). # وفي ولاية أوكلاهوما المجاورة، وقبيل تحولها إلى ولاية عام 1907، قادت معلمة ~~وكاتبة صحفية تبلغ من العمر واحدا وثلاثين عاما تدعى كيت برنارد حملات لتنظيم عمال ~~مدينة أوكلاهوما سيتي والعاطلين عن العمل بها داخل نقابة محلية تابعة للاتحاد الأمريكي ~~للعمل. كذلك كتبت أبوابا مهمة في الدستور الأول للولاية. وفي عام 1906 قادت بنجاح تحالفا ~~للمزارعين والعمال أدرج فقرات تحظر عمالة الأطفال وتلزم بالالتحاق بالمدارس بالدستور الجديد ~~للولاية، وهو الأمر الذي اعتبرته إسهامها الرئيسي (وإن لم يكن الوحيد). كما أسس الدستور ~~أيضا منصبا بالانتخاب يدعى مفوض الأعمال الخيرية والإصلاحات. ترشحت برنارد لذلك المنصب ~~عن الحزب الديمقراطي عام 1907، وفازت به؛ ومن ثم أصبحت أول امرأة في منصب رسمي منتخب على ~~مستوى الولاية في البلاد. كذلك دعمت إصلاح السجون ms067 والقوانين التي تحظر إدراج العمال الذين ~~أضربوا عن العمل في قوائم سوداء. كتبت صحيفة معاصرة أن مكانة برنارد «في ولاية أوكلاهوما ~~الجديدة تضاهي مكانة جين آدمز في شيكاجو؛ فهي مواطنتها الأولى.» # شكل 3-5: كيت برنارد المصلحة الشابة التي كانت السبب وراء أجزاء كبيرة من ~~الدستور الأول لولاية أوكلاهوما (1907) وقوانين العدالة الاجتماعية الأولى ~~بها. # وفي دنفر، تزعم قاض بمحكمة محلية يدعى بنجامين بي لينزي، يبلغ من العمر واحدا ~~وثلاثين عاما أيضا، إنشاء محكمة للأحداث عام 1901، تفصل المتهمين الذين تقل أعمارهم ~~عن ستة عشر عاما عن محاكمات البالغين وحبسهم. لم تكن تلك المحكمة هي الأولى في البلاد - ~~أنشأت شيكاجو محكمة للأحداث عام 1899 - ولكن بعد تعيين لينزي قاضيا لتلك المحكمة، أضحت ~~الأذيع صيتا ونموذجا لمحاكم أخرى عديدة. هاجم لينزي، شأنه شأن برنارد، عمالة الأطفال ~~وروج لمحاكم الأحداث من خلال المنشورات والكتب والمحاضرات. ومن واقع خبرته، فإن المذنبين ~~الصغار لا يتحملون المسئولية الكاملة على أفعالهم، كما يمكن إعادة تأهيلهم. كانت حجته ~~مقنعة، وانتشرت محاكم الأحداث عبر ربوع البلاد. # أما الجنوب فقد طور نمطه الخاص من الإصلاح التقدمي. لم يشيد الجنوب قط المدن ~~والمصانع بالحجم نفسه الذي شيدت به في منطقتي الشمال الشرقي والغرب الأوسط في العقود ~~التي تلت الحرب الأهلية، بل ظل ريفيا وزراعيا إلى حد كبير. أثار ظهور حزب الشعب ~~في تسعينيات القرن التاسع عشر كتحالف بين المزارعين السود الفقراء والبيض الفقراء فزع ~~قادة الحزب الديمقراطي المستحكم النفوذ عبر أرجاء الجنوب، فأجازوا قيود جيم كرو على التصويت ~~من تكساس إلى فيرجينيا بين أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر وعام 1905، وبذلك حرم ~~السود والبيض الفقراء من حقهم في التصويت، وحرمت النساء السود من التصويت أيضا، ~~لكنهن تعاون أينما تسنى لهن مع النساء البيض للحصول على حق التصويت لجميع ~~النساء. # دافع السياسيون الناجحون بالتأكيد عن المصالح الزراعية - الخاصة بالبيض - لكن ~~الديمقراطيين الجنوبيين كانوا ألد الأعداء للشعبويين، على غرار الجمهوريين في كانساس. ~~وشرعوا - على غرار الجمهوريين بكانساس أيضا - في تبني بعض مقترحات الشعبويين. دعم جيمس ~~كيه ms068 فاردامان بولاية ميسيسيبي، أثناء توليه منصب الحاكم من 1904 إلى 1908: حظر المشروبات ~~الكحولية، ورفع الضرائب على شركات السكك الحديدية وغيرها من الشركات، وسعى وراء إصلاح ~~التعليم والسجون، وعندما أصبح عضوا في مجلس الشيوخ فيما بعد (في الفترة ما بين عامي 1913 ~~و1919)، اتحد مع لافوليت لإنهاء عمالة الأطفال. لكن فاردامان كان عنصريا متشددا ~~ومدافعا عن الإعدام دون محاكمة. وهكذا كان بن تيلمان، وهو سيناتور من ولاية ساوث ~~كارولينا، إلا أنه كان مناصرا قويا لتنظيم عمل شركات السكك الحديدية وإصلاح عملية تمويل ~~الحملات الانتخابية. أما جيف ديفيز، حاكم أركنساس من عام 1901 إلى 1906، فدافع عن تفوق ~~الجنس الأبيض وقضايا المزارعين بالتوازي معا. ومن ناحية أخرى، لم يكن أوسكار بي كولكويت ~~حاكم تكساس من عام 1911 إلى 1915 عنصريا صريحا، وأيد القوانين التي تقر بإصلاح السجون، ~~ووضع قيودا على عمالة النساء والأطفال، وتعويض العمال، والتعليم الحكومي. أما تشارلز بي ~~إيكوك، حاكم نورث كارولينا من عام 1901 إلى 1905، فقد أعلن صراحة عن تأييده لتفوق الجنس ~~الأبيض وقوانين جيم كرو، بيد أنه كان داعما قويا للتعليم الحكومي أيضا؛ من ثم ~~ارتبطت الحركة التقدمية بالجنوب في العادة بالتمييز العنصري ضد الأمريكيين من أصل أفريقي. ~~وعلى الرغم من أن التقدميين في الشمال كانوا قد تخلصوا بالكاد من تلك الآفة، فقد ألقت ~~بظلالها على كافة الأصعدة السياسية تقريبا في الجنوب. # جاء عدد من الإصلاحات التي وقعت في الجنوب بعد عام 1900 بدعم من رواد العمل الخيري ~~بالشمال، بما في ذلك جوليوس روزنفالد، الذي وفر الدعم المعنوي والمادي القوي لمدارس ~~الأمريكيين من أصل أفريقي. كما أحضر أيضا جين آدمز وعشرات غيرها من التقدميين الشماليين ~~عام 1915 إلى معهد تاسكيجي الذي أسسه بوكر تي واشنطن. ترأس واشنطن معهد تاسكيجي بدءا من ~~عام 1881 لتدريب السود بالجنوب للعمل كمعلمين وعلى الفنون الصناعية. أنفق الجنوبيون الأموال ~~القادمة من الشمال على القضايا التقدمية، مثلما فعل إدجر جاردنر ميرفي بألاباما، فقد أسس ~~عام 1901 لجنة عمالة الأطفال بألاباما ومجلس التعليم الجنوبي عام 1903، بدعم ms069 بلغ ما يزيد ~~على 50 مليون دولار في النهاية من مؤسسة روكفلر. اعتمد القضاء على مرضي الحصاف ~~والإنكلستوما سواء عبر الحملات الطبية أم التثقيفية على ما تقدمه لجنة روكفلر الصحية من ~~تمويل وأفراد. قدمت لجنة التعليم العامة، وهي مؤسسة خيرية أخرى تابعة لروكفلر تأسست عام ~~1902، إسهامات كبيرة من أجل تحسين التعليم والصحة العامة والأوضاع الصحية. # ازدهرت الحركة التقدمية في الغرب. في كاليفورنيا، تعددت أوجه الإصلاح. كان الحفاظ على ~~البيئة أحد هذه الأوجه، وتمثل في حماية الجمال الطبيعي للولاية. وهذا الأمر أثار مسألة هل ~~كان ينبغي لأصحاب المصالح الخاصة أو الحكومات المحلية التحكم في المياه والطاقة الكهرومائية ~~أم لا؛ وضع التقدميون ثقتهم في الحكومات المنتخبة، مع ذلك لم ينتصر دعاة الدفاع عن ~~البيئة دوما. فهل كان الهدف هو حماية الجمال الطبيعي، أم الحفاظ على الموارد الطبيعية ~~(واستخدامها)؟ انقسمت الحركة حول قضية الحماية/الحفاظ هذه. لم يستطع زعيم المحافظين على ~~البيئة، جون ميور، ومؤيدوه الحيلولة دون بناء سد عند وادي هيتش هيتشي بالقرب من جبال ~~سييرا نيفادا، صمم لتزويد سان فرانسيسكو بالمياه. شيد المطورون بلوس أنجلوس قناة مائية ~~بطول 200 ميل من وادي أوينز بالجانب الشرقي من جبال سييرا نيفادا لتزويد لوس أنجلوس ~~بالمياه، فبدون المياه سيكبت نمو هاتين المدينتين. اعترض التقدميون المهتمون بالبيئة، لكن ~~التنمية الحضرية كانت تحظى ببعض من الدعم التقدمي أيضا. استطاعت نساء ولاية كاليفورنيا، ~~عضوات الجمعيات والنساء الاشتراكيات معا، انتزاع حق المرأة في الانتخاب عام 1911. كما كان ~~للإصلاح وجه عنصري هناك أيضا؛ فقد مررت كاليفورنيا قانونا عام 1913، وحصنته عام 1920، ~~يحظر على المهاجرين اليابانيين امتلاك الأراضي. # كان هيرام جونسون من أبرز التقدميين في كاليفورنيا، وهو جمهوري تولى منصب حاكم ~~كاليفورنيا من عام 1911 إلى 1917، وأصبح عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي منذ ذلك الوقت حتى ~~وفاته عام 1945. قاد جونسون حملة عام 1910 ضد «الأخطبوط»، شركة ساذرن باسيفيك ريلرود. ~~تذكرنا خطاباته بخطابات الشعبويين والتقدميين في مناطق أخرى، مثل قوله: لا بد أن ينتصر ~~الشعب على «أصحاب المصالح الخاصة»، وفي خطابه الافتتاحي عام ms070 1911، شدد قائلا: «أول واجب ~~يقع على عاتقي أداؤه يتمثل في القضاء على جميع المصالح الخاصة في الحكومة، وأن أجعل الخدمة ~~العامة بالولاية لا تستجيب إلا للشعب وحده.» لا بد أن تتسم الحكومة بالفاعلية - وهي أحد ~~الشعارات التقدمية - وسرعة الاستجابة. استهدف جونسون أيضا الأحزاب السياسية؛ وبناء عليه ~~أيد الإصلاحات التي من شأنها إضعاف الأحزاب؛ أولا: المبادرة التي بموجبها كان يستطيع ~~المواطنون العاديون (من خلال جمع عدد كاف من المصوتين للتوقيع على عريضة) إجراء تصويت على ~~تشريع ما في حالة عدم ارتياحهم لقيام السلطة التشريعية بذلك، وثانيا: الاستفتاء، الذي ~~بموجبه يستطيع جمهور الناخبين التصويت على تلك المبادرة الشعبية، وثالثا: سحب الثقة الذي ~~بموجبه يستطيع الأفراد التصويت لعزل مسئول لا يشعرون بالرضا عن أدائه في منصبه (مثلما فعل ~~أهل كاليفورنيا مع الحاكم جراي ديفيز عام 2003)، كذلك دعا جونسون لوجود لجنة أكثر صرامة ~~لتنظيم عمل شركات السكك الحديدية تتمتع بصلاحية تحديد الرسوم، وسلطة قضائية لا حزبية، ~~والحفاظ على البيئة على خطا ثيودور روزفلت، وقانون يحدد مسئولية صاحب العمل، وغير ذلك. ~~تحقق أغلب ذلك، على الرغم من أن المعلقين منذ ذلك الحين أشاروا إلى أن هذه الإصلاحات ~~الهيكلية تمادت كثيرا؛ وأضعفت الأحزاب السياسية على نحو بالغ الخطورة وزعزعت استقرار حكومة ~~الولاية نتيجة للكم الهائل من مبادرات التصويت التي كان يمكن، للمفارقة، أن يحركها أصحاب ~~المصالح الخاصة أو الأثرياء. تبين بمرور الوقت أن التقدميين استهانوا بنفوذ «أصحاب ~~المصالح الخاصة» المبغوضين في إدارة الإجراءات الإصلاحية ضدهم. ثمة مثال هو خير دليل على ~~هذا الأمر، وهو مبادرة جارفيس-جان عام 1978، الشهيرة ب «المقترح 13»، التي قللت ضرائب ~~الأملاك على نحو شديد لدرجة أنها أضرت بالنظام التعليمي بالولاية وبهيئات أخرى. # كانت أوريجون إحدى الولايات الغربية الأخرى التي ازدهر فيها الإصلاح التقدمي أيضا. ~~حظيت مدينة بورتلاند، على الأخص، بمجموعة متعاقبة من قادة الإصلاح الذين طوروا ما أطلقوا ~~عليه «نظام أوريجون» بين عام 1902 وعام 1908. وعلى النقيض من الوضع في كانساس أو بالجنوب؛ ~~حيث حارب التقدميون في الغالب الشعبويين في وقت سابق، كان ms071 للتقدميين في بورتلاند أصول ~~شعبوية في الأغلب؛ فشهدت تلك المدينة تداخلا بين الحركتين. وإبان تسعينيات القرن التاسع ~~عشر، تحالف كل من تحالف المزارعين وفرسان العمل واتحادات النقابات العمالية معا. وفي عام ~~1902، وتحت زعامة ويليام إس يورين، الذي ولد لأبوين مهاجرين من كورنوال، مرر ذلك ~~التحالف قانونا للمبادرة والاستفتاء بفارق حاسم، حتى قبل قيام كاليفورنيا بذلك. وبعد مرور ~~عامين، جاء التحالف نفسه بقانون الانتخابات الأولية المباشرة، وفي عام 1908 بإجراء سحب ~~الثقة وقانون الممارسات الفاسدة. أعقب ذلك الانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي؛ ~~من ثم كانت الغاية من «نظام أوريجون» هي وضع السلطة على نحو مباشر في أيدي المصوتين. في ~~عام 1912، أصبحت أوريجون الولاية السابعة التي تمنح حق التصويت للنساء. قطعت الديمقراطية ~~المباشرة شوطا كبيرا للغاية، لكنها لم تمتد أكثر من ذلك؛ فبعد عام 1908 تعطل إصدار ~~إجراء يطالب بأن يتم الموافقة على الضرائب فقط من خلال استفتاء وكذلك بإبطال حق الفيتو ~~الخاص بحاكم الولاية، وذلك مع أن التحالف الشعبوي التقدمي - وأصوله المرتكزة على دعم ~~المزارعين والعمال وأصحاب المشروعات الصغيرة - استمر في تحقيق بعض النجاحات. # شكل 3-6: ويليام إس يورين هو من صاغ «نظام أوريجون» وتزعم تشريعه، الذي هو على ~~الأرجح أنجح نموذج جمع بين التوجه الشعبوي والتقدمي على مستوى ~~البلاد. # يرى روبرت جونستون، وهو مؤرخ لنظام أوريجون، أن نجاح ذلك النظام ودعمه ارتكزا على الطبقة ~~الوسطى الدنيا من صغار ملاك المنازل، والعمال المهرة، والعمال الميكانيكيين ممن لم ~~يختلفوا في واقع الأمر كثيرا من حيث الثروة والطبقة عن أصحاب الأعمال الصغيرة؛ إنهم في ~~واقع الأمر انتقلوا في أغلب الأحوال من فئة إلى أخرى على مدار حياتهم العملية. كان هؤلاء ~~«المواطنون العاديون» يشكلون جمهور الناخبين، وقد كانت فلسفتهم السياسية مستمدة بدرجة ~~كبيرة من النزعة الإنتاجية التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر واستنادها إلى التآلف بين ~~«الطبقات المنتجة»، التي لم تشمل قطعا الرأسماليين الذين وظفوا الآلاف في مصانعهم ~~واستغلوهم؛ ومن ثم جمعوا ثروات طائلة. # لم يرتكز الإصلاح في أوريجون، وفي أرجاء البلاد، ms072 على الزعماء المشهورين والمتحمسين ~~أمثال برايان وروزفلت ولافوليت فحسب. ففي واقع الأمر، ما كان سيتحقق أي شيء لولا العمال ~~وأصحاب المحال والمزارعون والمهنيون «الصغار» مثل المعلمين وأمناء المكتبات والقساوسة ~~والمحررين الذين اتبعوا الحركة وانضموا إليها على نحو واسع النطاق. وكان التوجه التقدمي، ~~على مستوى الحكومة وخارجها، سواء ركز على إصلاح الضرائب والدخل أو إجراءات العدالة ~~الاجتماعية ومؤسساتها أو تحسين المنظومة الأخلاقية العامة والشخصية، يلتحم ليشكل حركة وطنية ~~واسعة. اتحدت أفكار المزارعين من برنامج أوماها والنزعة الإنتاجية مع برامج المصلحين ~~الحضريين، وسرعان ما ستتبلور في التشريعات الفيدرالية، ومن بينها التعديلات الدستورية ~~الأربع التي صدرت إبان الحقبة التقدمية (ضريبة الدخل، والانتخاب المباشر لأعضاء مجلس ~~الشيوخ، وحق المرأة في الانتخاب، وحظر المشروبات الكحولية). # كان من النادر أن يتكرر التحالف الذي أسفر عن «نظام أوريجون» في مناطق أخرى بالشكل نفسه، ~~لكن بحلول عام 1908، أخذت الخيوط العديدة للإصلاح، في نطاق السياسة والقانون وخارجهما، ~~تشكل إجماعا متماسكا - ومتزايدا بوتيرة سريعة - على الإصلاح الاجتماعي والسياسي. تم ~~التخلي عن مبدأ عدم التدخل، وحلت محله السلطة الحكومية - على المستوى المحلي ~~والولايات أولا، ثم على المستوى الفيدرالي بعد وقت وجيز. # لم تكشف انتخابات عام 1908 مع ذلك عن حركة تقدمية متماسكة ومكتملة الجوانب في السياسة ~~الوطنية، ولكن سطوة الحزب الجمهوري كانت أكثر تداعيا مما بدت. وبحلول عام 1908، كان ما ~~يقرب من نصف الولايات - اثنتا عشرة منها ليست من ولايات الجنوب - يستخدم الانتخابات الأولية ~~المباشرة لاختيار المرشحين للمناصب الرسمية. وفي عدد من دوائر الكونجرس، أطاح «المتمردون» - ~~الاسم الذي أطلق في ذلك الوقت على الجمهوريين ذوي الميول الإصلاحية - بالمحافظين ~~المتعنتين. وفي بعض المناطق، تقاعد المحافظون ببساطة في وجه قوى الإصلاح في دوائرهم. ~~انطبق هذا الأمر على الأخص بدءا من الجزء العلوي لوادي الميسيسيبي وامتد غربا. كان ~~الولاء الحزبي، خاصة لرئيس مجلس النواب الدكتاتور جوزيف جي كانون من إلينوي، أضعف بدرجة ~~كبيرة بين أعضاء مجلس الشيوخ الجدد المنتخبين عام 1908، الذين تولوا مسئولياتهم في مارس ~~1909. واستطاعوا معا كسر قبضة كانون وآذنوا بالأوج الحقيقي للحركة ms073 التقدمية. إن خيوط ~~الإصلاح العديدة التي شكلت الحركة التقدمية في مرحلتها المبكرة - سواء في نطاق السياسة ~~والقانون والحكومة أو خارجها - ودعاة العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والمصلحين ~~التعليميين والمهتمين بتنظيف الأحياء الفقيرة، سيتلاقون في النهاية لتشكيل حركة سياسية ~~مكتملة النمو. لم يكن يوم اكتمال نمو الحركة قد أتى تماما بعد بحلول انتخابات عام 1908، ~~لكنه أتى بعد وقت وجيز للغاية بعد ذلك؛ ومن باب المفارقة أن ذلك كان بعد رحيل ثيودور ~~روزفلت عن منصبه، الذي لعب دورا حاسما للغاية في تهيئة الاندماج بين المطالب العديدة ~~المنفصلة الخاصة بالتغيير. # الفصل الرابع # | أوج الحركة التقدمية: 1908-1917 # بحلول عام 1908 كانت الحكومات المحلية وحكومات الولايات في كافة قطاعات البلاد قد استجابت ~~بطرقها الخاصة لحالة الاضطراب والشعور بالأزمة المتفاقمين منذ كساد تسعينيات القرن التاسع ~~عشر. كان الاقتصاد بوجه عام قد تحسن منذ تلك الكارثة. وعندما هدد الذعر المصرفي الذي حدث ~~في أكتوبر عام 1907 بحدوث كساد آخر، استدعى روزفلت جيه بي مورجان لحشد موارد مؤسسات وول ~~ستريت لوضع حد للأزمة، وهكذا حدث. ترتب على ذلك حالة من الارتياح شابها التوجس بين ~~عامة الشعب؛ فقد أدرك الناس الآن أن النظام المالي والنقدي للبلاد يحتاج إلى إصلاح جدي. ~~ولكن هذا لن يتحقق إلا بواسطة مؤسسات وول ستريت، غير المنتخبة وغير المسئولة إلا عن ~~نفسها فقط، أو بواسطة حكومة فيدرالية منتخبة. استمرت الثروة في التدفق على نحو غير ~~متكافئ لصالح الأكثر ثراء، ولا تزال الشركات الكبرى تدار في إطار قدر ضئيل من القوانين ~~التنظيمية، وواصلت المحكمة العليا إصدار أحكامها المضادة للنقابات العمالية. # شابت أوائل القرن العشرين صراعات بين العمال والرأسماليين كما كانت الحال في أواخر ~~القرن التاسع عشر. فلم يمر عام منذ أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر إلا وحدث ألف إضراب ~~عن العمل على الأقل؛ وقد حدث ما يزيد على 8 آلاف إضراب عن العمل بين عامي 1917 و1918، ~~عامي الذروة. شهد حي جرينتش فيلدج بمدينة نيويورك في مارس 1911 وفاة 146 عاملا، أغلبهم ~~من النساء الصغيرات المهاجرات، وذلك ms074 عندما اندلع حريق في الأدوار العليا من شركة تراينجل ~~ويست. لم يستطع العمال الهرب لأن الإدارة كانت توصد الأبواب، ولم تستطع سلالم رجال ~~الإطفاء الوصول إلى ذلك الارتفاع لإنقاذ العمال. أجج الغضب الناجم عن تلك الحادثة ~~الشنيعة الدعوات القوية للإصلاح. كان قطاع التعدين أيضا - وهو واحد من أخطر أنواع المهن ~~التي لم تكن تخضع للقوانين التنظيمية الكافية - في حاجة إلى التنظيم. في ديسمبر عام 1907، ~~لقي ما يزيد على 350 من عمال المناجم حتفهم في انفجار بولاية ويست فيرجينيا، ومائة آخرين ~~في نوفمبر من العام التالي في بنسلفانيا. أما في الغرب، بمدينة ترينيداد بولاية كولورادو، ~~أضرب أعضاء «عمال المناجم المتحدين» لمدة أربعة عشر شهرا ضد شركة كولورادو فيول آند أيرون، ~~التي تجاهلت تدابير السلامة، وخدعت عمال المناجم حول وزن الفحم الذي يستخرجونه، وتقاضت ~~منهم ومن أسرهم أسعارا مبالغا فيها بمتاجر الشركة، ورفضت الاعتراف بنقابتهم. استعانت ~~الشركة بوكالة تحريات مسلحة لفض الإضراب. وعندما بدأ الطرفان في تبادل إطلاق النار، ~~أرسل الحاكم قوات الدفاع عن الولاية، ولكن عندما بدا أن القوات منحازة لصف الشركة، تأجج ~~العنف أكثر. كان اليوم الأسوأ هو 20 أبريل عام 1914، حيث قتل ما يزيد على اثني عشر ~~امرأة وطفلا اختناقا داخل حفرة أسفل خيمة مشتعلة. اشتهرت هذه الواقعة باسم «مذبحة ~~لودلو»، وعلى مدار الأسبوعين التاليين، قتل ما يزيد على خمسين من عمال المناجم وحراس ~~الشركة في الاشتباكات. وفي صيف عام 1917، انتهى إضراب في مدينة بيزبي بولاية أريزونا نظم ~~ضد شركة فيلبس دودج وغيرها من شركات تعدين النحاس عندما اقتاد أشخاص مأجورون 1186 من العمال ~~المضربين والمتعاطفين معهم إلى داخل عربات قطار شحن وألقوا بهم في صحراء نيو مكسيكو ~~على بعد أميال بدون طعام أو مأوى. # واكبت الصراعات العمالية صراعات عرقية. اندلعت أعمال شغب عرقية شنيعة في أغسطس عام 1908 ~~بمدينة سبرينجفيلد بإلينوي، قتل على إثرها العديد من الأشخاص، وأضرمت النيران في أحياء ~~السود، وفر الآلاف من المدينة. وكردة فعل على هذه الأحداث، اتحد التقدميون من البيض ~~والسود تحت قيادة ms075 دبليو إي بي دوبويز وإيدا بي ويلز-بارنيت وويليام إنجليش والنج وأوزوالد ~~جاريسون فيلارد معا وشكلوا الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين أوائل عام 1909، وسرعان ما ~~تعززت الجمعية بقيادة مراكز التكافل الاجتماعي من أمثال جين آدمز وفلورنس كيلي والفيلسوف ~~جون ديوي والصحفيين لينكولن ستيفنز وراي ستانرد بيكر وغيرهم، وأسست فروعا لها في نيويورك ~~وشيكاجو ومدن أخرى للترويج للانسجام العرقي ومنع العنف بين الأعراق المختلفة الذي استمر في ~~الحدوث مع ذلك. # شكل 4-1: ويليام إدوارد بيرهارت دوبويز، أول أمريكي من أصل أفريقي يحصل على درجة ~~الدكتوراه من جامعة هارفرد، وهو مؤسس الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، ~~ومحرر مجلة «ذا كرايسيس» التي تصدرها. # كان الأمريكيون من أصل أفريقي - لا يزال ما يزيد على 90 في المائة منهم يعيشون في الجنوب ~~- ممنوعين بحكم القانون من التصويت في جميع ولايات الجنوب، ويعيشون تحت وطأة التهديد ~~المستمر بالإعدام دون محاكمة والطرد من أي ملكية خاصة بهم، وقد تعرضوا لأسوأ نظم التمييز ~~العنصري منذ نهاية العبودية نفسها بتطبيق قوانين جيم كرو. يمكن وصف السياسيين الجنوبيين ~~أمثال فاردامان حاكم ميسيسيبي وتيلمان حاكم ساوث كارولينا بأنهم تقدميون فيما يتعلق ~~بالقضايا غير العرقية (الضرائب والمدارس وإصلاح السجون) ولكنهم أيدوا في الوقت نفسه ~~عمليات الإعدام دون محاكمة كوسيلة للسيطرة الاجتماعية. وخلال العقد التالي، أسفر «النزوح ~~الكبير» عن توجه الكثير من السود الجنوبيين شمالا إلى شيكاجو وديترويت ومدن أخرى، وغربا ~~إلى لوس أنجلوس، تاركين وراءهم مزارع قاحلة. واجههم التمييز العنصري في الشمال أيضا، ~~لكنهم على الأقل لم يعودوا متخوفين من نظام استئجار المدانين للعمل المطبق بالجنوب ~~(الذي سجن بموجبه السود بتهم ملفقة ثم تم استئجارهم من قبل المزارعين ورجال ~~الأعمال البيض مقابل أجر زهيد)، كان هذا النظام هو بديل العبودية في عصر إعادة ~~الإعمار. # وبالرغم من كل هذا الخلل الاجتماعي، استمرت الإصلاحات السياسية في التحقق. ظهرت قوانين ~~الانتخابات الأولية المباشرة في ولاية تلو الأخرى بعد عام 1901، وبحلول عام 1917، كان أربع ~~وأربعون من بين ثمان وأربعين ولاية تطبقها. في عام 1912 كانت ثلاث عشرة ولاية فقط ms076 تتبع ~~الانتخابات الأولية للمرشحين الرئاسيين، ولكن بحلول عام 1916 كان ما يزيد على نصف الولايات ~~يتبع ذلك النهج. وردت قوانين المبادرة والاستفتاء في تشريعات اثنتين وعشرين ولاية بين ~~عامي 1898 و1918، جنبا إلى جنب مع الانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ، في العديد من ~~الولايات قبل تمرير التعديل السابع عشر على المستوى الفيدرالي. وفي ولايات وايومنج ~~وكولورادو وإيداهو ويوتا عام 1908، كانت النساء يدلين بأصواتهن لاختيار الرئيس. انضمت ~~ولاية واشنطن عام 1910 وولاية كاليفورنيا عام 1911 وولاية أوريجون عام 1912 إلى الولايات ~~التي أعطت المرأة الحق في الانتخاب في الغرب. وبالإضافة إلى الإصلاحات التشريعية على ~~المستوى المحلي ومستوى الولايات، استمر الصحفيون الإصلاحيون الكاشفون للفساد في كشف النقاب ~~عن الصلات المشبوهة بين رجال الأعمال والسياسيين، وبيع العقاقير الضارة للمستهلكين، واحتيال ~~شركات التأمين، وغير ذلك من الانتهاكات الشنيعة. قويت شوكة حركتي الإنجيل الاجتماعي ~~ومراكز التكافل الاجتماعي، وبدأ العمل الاجتماعي المهني في التصدي لظاهرة الفقر بالحضر. نشر ~~عالم الاجتماع إدوارد ألسورث روس من ويسكونسن كتابه الذائع الصيت «الخطيئة والمجتمع» ~~عام 1907، الذي أكد فيه أن الخطيئة لم تعد شأنا فرديا فحسب وإنما شأن اجتماعي، وأن ~~انتخاب أشخاص صالحين لم يعد كافيا، وأن المجتمع بحاجة إلى إصلاح هيكلي، كما واصل ~~زميله عالم الاقتصاد جون آر كومنز نشر دراساته التجريبية عن أوضاع العمالة، التي استند ~~إليها التشريع الإصلاحي الذي أصدره الحاكم روبرت إم لافوليت. وفي جامعة شيكاجو، أسس ~~الفيلسوف التربوي جون ديوي «مدرسة مختبرية» عام 1896؛ ومن ثم أطلق العنان للتعليم ~~التقدمي، الذي يبني التعليم على الخبرة لا النظرية. أصبح ديوي وويليام جيمس الأستاذ ~~بجامعة هارفرد هما الداعيين الرئيسيين للبراجماتية، التي تعتبر بالقطع المدرسة ~~الأمريكية في الفلسفة، بتأكيدها على المعرفة العملية بدلا من المجردة، أو على حد تعبير ~~جيمس: «القيمة النقدية للأفكار». ساعدت البراجماتية (التي أطلق عليها ديوي ~~«الذرائعية») في تدعيم الأبحاث التجريبية الخاصة بآلية العمل الحقيقية للمجتمع، التي قادت ~~بدورها إلى القوانين الإصلاحية التقدمية. ازدهرت المناهج والمعايير المهنية في العلوم ~~الاجتماعية (الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا)، وفي التاريخ ms077 وفي التدريب ~~الطبي والقانوني. # كان آخر إجراء هام أثناء عهد تافت هو إنشاء الكونجرس للجنة العلاقات الصناعية ~~الأمريكية في صيف عام 1912. دعم رواد العمل الاجتماعي وعلماء الاجتماع الأكاديميون وأتباع ~~حركة الإنجيل الاجتماعي تلك اللجنة، وحظوا بدعم صامويل جومبرز، رئيس الاتحاد الأمريكي ~~للعمل، والاتحاد المدني الوطني ذي التوجه التجاري. صدق تافت على القانون واقترح قائمة ~~أسماء محافظة بعض الشيء لتكون أعضاء اللجنة. استطاع المؤيدون تأجيل التعيينات حتى تولي ~~وودرو ويلسون عضو الحزب الديمقراطي الرئاسة، الذي عين مجموعة ذات توجه إصلاحي أكثر. ~~كان رئيس اللجنة محاميا صارما من مدينة كانساس سيتي، وهو فرانك بي والش. في عام 1916، ~~قدمت اللجنة تقريرا من أحد عشر جزءا توصي فيه بمعاشات للأرامل، والحضور الإلزامي ~~للطلاب بالمدارس، ومحاكم للأحداث، وغير ذلك الكثير؛ كان ذلك التقرير بمنزلة بيان بمقترحات ~~العدالة الاجتماعية التقدمية. تبنت حكومات الولايات بعضا من هذه المقترحات، وتبنت ~~الحكومة الفيدرالية البعض الآخر. شارك والش في رئاسة مجلس عمالة الحرب بقرار من الرئيس ~~ويلسون عام 1918، وأيد والش حقوق العمال في إنشاء نقابات، وحد أدنى للأجور، وتحديد ~~ساعات العمل بثماني ساعات يوميا، وتساوي النساء مع الرجال في الأجر. كذلك دافع والش عن ~~الحريات المدنية في وجه موجة قوانين التحريض على الفتنة فيما بين عامي 1918 و1920. ~~وقد انعكست فلسفته - التي تعد الجسر الذي يربط بين الحركة التقدمية وبرنامج «الصفقة ~~الجديدة» الخاص بثلاثينيات القرن العشرين - بوضوح في مقال كتبه في ذكرى عيد العمال عام 1918: # وفقا للنظرية التي ... توارثناها، إن الوظيفة الرئيسية للحكومة هي حماية الملكية ~~وإفساح المجال أمام الناس لاكتسابها، وفي الواقع العملي، كما نعرف، كانت وظيفة ~~الحكومة في أحوال كثيرة للغاية ومن منطلق تلك الرخصة هي حماية أصحاب الملكية من ~~أجل استغلال الحياة الإنسانية ... اسمحوا لي ... أن أنضم إليكم في احتفالكم بعيد ~~العمال بوصفه يوما للوعد بأن الحق في الربح لن يكون مجددا أبدا أكثر أهمية من ~~الحق في الحياة. # كانت تلك التغييرات جميعها حضرية، وكانت جزءا مهما وراسخا من تاريخ الحركة التقدمية. ~~لا ريب أن الحركة التقدمية ms078 اكتسبت قدرا كبيرا من دعمها - الدعم الأبرز والأوضح بالطبع - ~~من المحررين وأساتذة الجامعات والسياسيين والمهنيين ومناصرات العدالة الاجتماعية من ~~مختلف الصور. عاش هؤلاء المصلحون في مدن كبيرة ومتوسطة، في الشمال الشرقي، وولايات ~~البحيرات العظمى والغرب من دنفر إلى ساحل المحيط الهادئ. من بين الزعماء «الأربعة الكبار» ~~الذين قادوا الحركة التقدمية الوطنية، كان ثيودور روزفلت فقط من يمكن وصفه بأنه من أبناء ~~المدينة؛ فقد ولد وترعرع في ظروف أرستقراطية في نيويورك. اتخذت وسائل إعلام ذلك ~~العصر من المدن الكبرى مقرات لها، وليس من المفاجئ أن الحركة الإصلاحية في المناطق ~~الحضرية استحوذت على اهتمام وسائل الإعلام. بيد أن برايان لم ينشأ في المدينة، وكان ~~لافوليت منحدرا من بلدة صغيرة، وكان وودرو ويلسون من أبناء الجنوب. # من ثم، لم تكن المدن بأي حال هي المنبع الوحيد للحركة التقدمية. ثمة عنصر رئيسي في ~~الحركة التقدمية - وهو بالتأكيد أساس نجاحاتها على المستوى الفيدرالي - كثيرا ما يتم ~~تجاهله؛ ذلك العنصر هو القاعدة الزراعية القوية للحركة. من المهم تذكر أن الولايات ~~المتحدة قبل عام 1920 كانت مجتمعا ريفيا بدرجة كبيرة، عاش أغلب شعبها في المزارع أو ~~القرى الريفية الصغيرة، وتركز قدر كبير من الاقتصاد والعمل في الزراعة أو ارتبط بها؛ ~~آلاف الشوارع التجارية المركزية في البلدات والمدن الصغيرة، ومكاتب الشحن البريدي ومصانع ~~المعدات الزراعية في المدن والبلدات الكبرى، وصناعات الجرارات والمركبات، والسكك الحديدية ~~وغير ذلك الكثير، إلى جانب الأعداد الكبيرة التي اشتغلت بالزراعة بالفعل. مثل الجنوب ~~أكبر المناطق الريفية (ما يزيد على 77 في المائة عام 1910)، لكن منطقتي الغرب الأوسط ~~(وبخاصة ولايات البحيرات العظمى) والغرب استمرت الأغلبيات الريفية في الهيمنة عليهما قبل ~~عام 1920. كانت منطقة الشمال الشرقي هي الوحيدة التي ضمت أغلبية حضرية، وذلك منذ عام ~~1880. # حظي الزراعيون - ليس فقط الفلاحين، بل سكان البلدات الصغيرة الذين ارتبط نشاطهم ~~الاقتصادي بالزراعة أو اعتمد عليها، والذين أمضوا حياتهم في إطار ثقافات ريفية أو خاصة ~~ببلدات صغيرة - بفرصة الهيمنة على العمل السياسي؛ فقد سيطرت قوتهم الانتخابية على ~~الكثير من دوائر ms079 الكونجرس في الجنوب والغرب الأوسط والغرب، وفي المناطق الحضرية، اضطر ~~العمال الذين ربما اتحدوا مع الزراعيين، والذين شكلوا واحدة فقط من بين الجماعات ذات ~~المصالح المشتركة العديدة إلى التنافس مع المؤسسات التجارية وغيرها للاستحواذ على اهتمام ~~أعضاء الكونجرس؛ لذلك، وعلى الرغم من الجهود المستمرة التي بذلها برايان وغيره من قادة ~~الإصلاح الزراعي، لم يقدم العمال والنقابات العمالية للزراعيين سوى دعم ضعيف ومتقطع. ~~جاءت الانتصارات الزراعية الكبرى فيما بين عامي 1910 و1917، وتمثلت في الفوز بتشريعات ~~فيدرالية تقدمية على يد الديمقراطيين بالجنوب والغرب الأوسط والغرب، والجمهوريين المتمردين ~~في الغرب الأوسط. وكما لاحظت إليزابيث ساندرز، أستاذة العلوم السياسية: «كان الديمقراطيون ~~المهمشون [الزراعيون] وحلفاؤهم من العمال الأقل عددا بالشمال هم من دعم بشدة ~~البرنامج التقدمي.» # حاول حزب الشعب في تسعينيات القرن التاسع عشر، جنبا إلى جنب مع الديمقراطيين من أتباع ~~برايان عام 1896، تشكيل تحالف إقليمي (بين الغرب والجنوب) ولا عرقي بين العمال ~~والمزارعين، لكن الشعبويين تداعوا فوق صخرة القضية العرقية الشقاقية في الجنوب، التي ~~استغلها معارضوهم لاستمالة الناخبين البيض. وعندما كان الشعبويون يؤكد بعضهم لبعض أن ~~السود «في الخندق نفسه مثلنا تماما»، كان بإمكان أحد الديمقراطيين من الجنوب أن يجيب: ~~«لكنهم ليسوا مثلنا، إنهم سود.» رأى الكثيرون أن العرق أهم من الطبقة الاجتماعية، تردد ~~أبناء الجنوب في التخلي عن الولاء التقليدي للحزب الديمقراطي، وتردد أبناء الغرب الأوسط ~~في التخلي عن ولائهم للحزب الجمهوري، من أجل حزب الشعب. كذلك أخفق برايان - لا لانعدام ~~رغبته في المحاولة - في الفوز بدعم العمال في مدن البحيرات العظمى والشمال الشرقي. # بيد أنه بحلول عام 1905 تقريبا، بدأ الكثير من أبناء الجنوب والغرب الأوسط (والغرب) في ~~إدراك أنه لا يتحتم على المرء أن يكون شعبويا كي يصير مؤيدا للإصلاح الزراعي؛ فالمصالح ~~الاقتصادية للمزارعين وهؤلاء المرتبطين بالزراعة فاقت أهمية التوصيفات السياسية؛ إذ يمكن أن ~~يصير المرء ديمقراطيا مؤيدا للإصلاح الزراعي على غرار برايان والكثير من أبناء الجنوب، ~~أو جمهوريا مؤيدا للإصلاح الزراعي على غرار لافوليت أو جورج نوريس أو جيلبرت ms080 هيتشكوك ابن ~~نبراسكا، أو الجمهوريين بولاية كانساس الذين ناهضوا الشعبويين في السابق على غرار جوزيف ~~بريستو أو فيكتور ميردوك أو ويليام ألين وايت. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن الشعبويين ~~لم يظهروا احتراما كبيرا لمؤيدي بريستو ووايت، فقد بدأت أفكارهما تبدو منطقية يوما بعد ~~يوم وحظيت بالدعم في نهاية المطاف. كانت خطط برايان من عام 1896 وعلى مدار العشرين عاما ~~التالية مستوحاة إلى حد بعيد من برنامج أوماها الخاص بالشعبويين لعام 1892، ومن بين ~~مقترحات ذلك البرنامج، لم يظفر مؤيدو الإصلاح الزراعي قط بملكية وطنية للسكك الحديدية ~~ونظام التلغراف؛ أو بالمشروع الأبرز الذي سعى وراءه حزب الشعب بتكساس: الخزانة الفرعية. ~~لقد عجزوا كثيرا عن جعل النظام الرأسمالي ديمقراطيا على نحو جوهري، بيد أنهم خلال ~~الأعوام من 1909 إلى 1918 نجحوا في نقل مجموعة مبهرة من المقترحات إلى داخل الكونجرس، ثم ~~إجازتها كقوانين: تقليل الرسوم الجمركية، وضريبة دخل تصاعدية فيدرالية، وقوانين مناهضة ~~للاحتكار أكثر صرامة، وعملة أكثر تداولا (ليست الفضة، بل الأفضل منها، عملة ورقية تدعمها ~~الحكومة)، وتمويل فيدرالي للتعليم الزراعي، وتسويق المزارع، وإنشاء طرق سريعة، ودعم ~~الجمعيات التعاونية، وانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بالتصويت الشعبي بدلا من الهيئات ~~التشريعية للولايات (القابلة للفساد)؛ واستمرارا في التمسك بأمل الدعم العمالي، سنت ~~قوانين تنظيمية على عمالة النساء والأطفال. # ظل الدعم العمالي هزيلا، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن المحاكم أباحت الممارسات المناهضة ~~للنقابات العمالية على غرار إدراج العمال المضربين في قوائم سوداء وعدم سماحها بالمفاوضات ~~الجماعية بين العمال وأصحاب العمل. ومع ذلك، استمر المصلحون الزراعيون في محاولة تأسيس ~~تحالف، وبذاك قدموا للعمال بعض الانتصارات، على حد قول ساندرز: «بالرغم من الوصف الشائع ~~لزعماء الإصلاح التقدمي كممثلين عن التجارة الحضرية والطبقات المهنية، فقد شكل المزارعون ~~العدد الأكبر للناخبين المؤثرين في النفوذ الشعبي المتسع في ولايات الجنوب والغرب ~~الأوسط؛ حيث كانت الحركات الإصلاحية في أوج قوتها.» # ساهم المتمردون الجمهوريون بآرائهم وأصواتهم الانتخابية في خدمة تلك القضية، في حين ~~اعتمدت خطط المصلحين الزراعيين على الديمقراطيين الأكثر عددا ms081 بكثير، وكثير منهم كان من ~~«تكتل الجنوب» ما بعد عصر إعادة الإعمار. ظهر ذلك التكتل لأول مرة في سبعينيات القرن التاسع ~~عشر في مواجهة جهود إعادة الإعمار التي قام بها الحزب الجمهوري بالأصالة عن العبيد الذين ~~حصلوا على حريتهم مؤخرا. وعليه، كان رجل عنصري مؤيد للإعدام دون محاكمة على غرار فاردامان ~~بميسيسيبي يمكن أن يعد تقدميا قويا في الوقت نفسه. # استوحي دستور أوكلاهوما، عندما أصبحت ولاية عام 1907، من برايان، وساهمت كيت برنارد في ~~كتابته، وكان نموذجا للتقدمية الشعبوية، ولعله البيان الأكمل على الإطلاق للراديكالية ~~الزراعية الديمقراطية. كانت ولايات البحيرات العظمى الشمالية موطنا للكثير من الديمقراطيين ~~الزراعيين، أما كانساس، فقد شذت عن تلك القاعدة، لكن هناك تم انتخاب المتمردين ~~الجمهوريين على غرار بريستو وميردوك. كانت المناطق بدءا من غرب تكساس شمالا، ومرورا ~~بأوكلاهوما وكولورادو ووايومنج ومونتانا والسهول العظمى، تمر بطفرة كبيرة في الهجرة ~~الداخلية وتأسيس العزب الريفية؛ فقد شهد عام 1913 ذروة طلبات استيفاء الشروط اللازمة ~~لتأسيس عزب ريفية - والحصول على سند الملكية النهائي - في التاريخ الأمريكي. لم يكن ~~مؤسسو تلك العزب محافظين على المستوى السياسي، وكما أشار إريك راوتشواي، الأصوات ~~الانتخابية في صالح البرنامج التقدمي «جاءت من جانب الديمقراطيين في الجنوب والغرب الذين ~~أيدوا منهج برايان ... فهؤلاء الأمريكيون لم يضطروا إلى الانتقال إلى مكان يتسنى لهم ~~منه دعم القوانين التنظيمية للشركات؛ فقد ولدوا في ذلك المكان.» ثمانون في المائة من ~~التشريعات التقدمية التي سيتم سنها من عام 1909 حتى الحرب العالمية الأولى ظهرت عندما ~~كان المصلحون الزراعيون يتولون زمام الأمور. باختصار؛ عندما «حادت الحركة الإصلاحية ~~الخاصة بالطبقة المتوسطة عن آمال المزارعين والطبقة العاملة؛ أخفقت.» ورجحان كفة الزراعيين ~~هذا يساهم في تفسير السبب في حظر المشروبات الكحولية الذي أصبح التعديل الثامن عشر في ~~الدستور عام 1918، وفي أن أضحى نظام جيم كرو مستحكما للغاية في الجنوب، مع وجود نسخة أقل ~~عنفا - غير أنها حقيقية - من ذلك النظام في المدن الشمالية. وبحلول ثلاثينيات القرن ~~العشرين أضحت تلك الإجراءات متعصبة على نحو يثير السخرية، ms082 لكنها قبل ذلك شكلت جزءا من ~~الحركة التقدمية. # جاءت انتخابات عام 1908، كما أشرنا آنفا، بويليام هاورد تافت رئيسا وأعادت زمام ~~الكونجرس إلى الجمهوريين، ولكن التغييرات كانت في طريقها للحدوث. أول تلك التغييرات، ويرى ~~البعض أنه أهم الإصلاحات في الحقبة التقدمية بالكامل، هو تمرير الكونجرس للتعديل السادس عشر ~~في الدستور، الذي سمح بتطبيق ضريبة دخل تصاعدية. في تسعينيات القرن العشرين وأوائل القرن ~~الحادي والعشرين، نادت أصوات يمينية صاخبة بتطبيق «ضريبة ثابتة» - وهي ضريبة دخل تحسب ~~بمعدل واحد أو اثنين على الأكثر وتسري على الجميع - تحت ذريعتي «العدالة» و«التيسير». ~~تنطبق وجهة النظر هذه مع تلك الخاصة بمحافظي العصر المذهب الذين عارضوا ضريبة الدخل ~~التصاعدية. شهد ذلك العصر، شأنه شأن عصر ريجان، استحواذ الطبقة الأكثر ثراء التي تمثل خمسة ~~أو واحدا في المائة من الشعب على حصص متزايدة من الثروات. كانت الضريبة الثابتة ستعزز ~~أكثر اختلال التوازن هذا، أما الضريبة التصاعدية - وفقا لمدى ارتفاع معدلاتها - فكانت ~~ستوقف ذلك المسار أو تعكسه. ومن الجدير بالاهتمام فحص أسباب وكيفية اقتناع الكونجرس ~~الأمريكي والشعب، في وقت مبكر من القرن العشرين، بتبني التعديل السادس عشر، وهذا ما ~~سنفعله في السطور التالية. # جرى في وقت سابق تجربة تطبيق ضريبة دخل فيدرالية؛ ففي خلال الحرب الأهلية، فرضت حكومة ~~الاتحاد ضريبة دخل باعتبارها إحدى وسائل جمع الأموال، لكنها سرعان ما ألغيت بعد الحرب. ~~طالب برنامج أوماها عام 1892 الذي أصدره حزب الشعب بتطبيق ضريبة دخل تصاعدية، وفي وقت مبكر ~~من عام 1894، طالب ويليام جيننجز برايان في الكونجرس بضريبة دخل، وإن كانت بمعدل 2 في ~~المائة فقط على الدخول التي تزيد على 4 آلاف دولار، وذلك دون تدرج، واستشهد برايان بست ~~دول أوروبية تطبق ضرائب الدخل على مدار عقود. وعن اعتراض الجمهوريين بأن الضريبة كانت ~~بمنزلة «تشريع طبقي» وستنطبق بدرجة أكبر على منطقة الشمال الشرقي، رد برايان: «لماذا لا ~~تدفع تلك الأجزاء من البلاد الجزء الأكبر بما أنها تستمتع على نحو أكثر؟!» واقتبس قول آدم ~~سميث، الذي يعتبر كتابه «ثروة الأمم» ms083 (1776) الوثيقة التأسيسية للرأسمالية إلى حد ~~بعيد: «يجب أن يسهم رعايا كل دولة في دعم الحكومة، بحسب قدرات كل منهم قدر الإمكان؛ أي ~~نسبة إلى الدخل الذي يتمتع به كل منهم في ظل حماية الدولة.» بيد أن التعريفة الجمركية - ~~الرسوم الجمركية التي أيدها الحزب الجمهوري دوما على مستويات عالية لحماية قاعدته ~~الصناعية - كانت «ضريبة على الاستهلاك» وكان «الفقير هو من يدفعها بما لا يتناسب مطلقا مع ~~الدخل الذي يحظى به.» عرض برايان بيانات من مجلة «بوليتكال ساينس كوارترلي» تذكر أن 91 في ~~المائة من العائلات الأمريكية كانت تمتلك 29 في المائة من الثروة، في حين امتلك 9 في المائة ~~منها 71 في المائة من الثروة، وتساءل: «من الذي يحتاج إلى أسطول بحري على نحو أكثر؟ ... من ~~يطالب بجيش صامد؟» ليس المزارعين أو العمال، بل الرأسماليون الذين يحتاجون إلى حماية ~~ممتلكاتهم الضخمة. في عام 1894، أجاز الكونجرس الذي هيمن عليه الحزب الديمقراطي ضريبة الدخل ~~كجزء من قانون ويلسون-جورمان للتعريفة الجمركية، في أعقاب زعم برايان بأنها أكثر إنصافا من ~~التعريفات الجمركية العالية، وأنها أيضا حل عملي لاستبدال العائد المفقود من خفض الرسوم ~~الجمركية. إلا أن المحكمة العليا أصدرت حكما (خمسة أصوات مقابل أربعة) عام 1895، في قضية ~~«بولوك ضد شركة فارمرز لون آند تراست»، بأن ضريبة الدخل هذه غير دستورية؛ لأنها ضريبة ~~مباشرة على الملكية وليست موزعة حسب التعداد السكاني للولايات. # توقف الأمر عند ذلك حتى عام 1908. نادى البرنامج الانتخابي الخاص بالحزب الديمقراطي ذلك ~~العام بفرض ضرائب على الدخل والتركة. اتفق ثيودور روزفلت في رسالته الأخيرة إلى الكونجرس في ~~ديسمبر عام 1908 مع ذلك الرأي. وبحلول ذلك الوقت، كان السخط بسبب الفجوة الآخذة في الاتساع ~~بين القلة الثرية والأغلبية الفقيرة، والتعريفات الجمركية العالية بوصفها ضريبة على ~~المستهلكين الفقراء؛ قد انتشر حتى بين الجمهوريين. ويوما بعد يوم لم يصبح النقاش يدور حول ~~الحاجة إلى فرض ضريبة على الدخل فحسب، خاصة إذا جرى خفض التعريفات الجمركية، بل حول فرض ~~ضريبة دخل «تصاعدية». وكما أوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة ms084 كولومبيا، إي آر إيه سيلجمان، فإن ~~الضريبة الثابتة: # سوف ... يتأثر بها بدرجة أشد وطأة نسبيا الرجل العادي الذي لا يملك سوى فائض ~~بسيط عن نفقاته الاجتماعية الضرورية، من الرجل العادي الذي يملك فائضا أكبر ~~تناسبيا ... تصبح الأعباء الضريبية في الولايات المتحدة ... غير موزعة بالتساوي ~~يوما بعد الآخر. هذا وتتحمل الطبقات الأكثر ثراء حصة أصغر من العبء العام ~~تدريجيا. فلا بد من فعل شيء لاستعادة التوازن، وهذا الشيء من الصعب أن يتخذ صورة ~~أخرى سوى ضريبة على الدخل. # لم يكن هناك سوى سبيلين للتحايل على حكم المحكمة العليا في قضية بولوك؛ الأول: هو تمرير ~~ضريبة الدخل كقانون عادي وإحالته فيما بعد إلى المحكمة العليا، على أمل أن تبطل المحكمة ~~العليا الحالية حكمها الصادر عام 1895، والسبيل الآخر: هو تعديل الدستور. في يوليو عام ~~1909، اختار الكونجرس السبيل الثاني. تحالف المتمردون الجمهوريون من أمثال ألبرت كامينز من ~~ولاية آيوا ولافوليت مع الديمقراطي تشامب كلارك من ولاية ميزوري، الذي أعلن في الكونجرس: ~~«إننا نفضل كثيرا جعل ضريبة الدخل جزءا من قانون التعريفة الجمركية بدلا من التصويت ~~على ... إحالة تعديل دستوري خاص بضريبة الدخل للولايات لاعتماده.» فقد أدرك هؤلاء أن التعديل ~~الدستوري أمر محفوف بالمخاطر؛ نظرا لأنه قد يفشل إذا رفضته اثنتا عشرة هيئة تشريعية ~~خاصة بالولايات فقط، وعلى أحسن تقدير ، ستتأجل الضريبة حتى تصديق عدد كاف من الولايات ~~عليها؛ واتضح أن ذلك الأمر سيستغرق أربع سنوات تقريبا. استطاع نيلسون ألدريتش وآخرون من ~~الحرس القديم، بمساندة الرئيس تافت، تحاشي إضافة ضريبة الدخل إلى قانون التعريفة، وبذلك ~~دفعوا الأمر نحو إجراء تعديل دستوري. # لم يكشف النقاش بالكونجرس عن حجج جديدة بخلاف تلك التي تؤيد موقف برايان قبل سنوات، ~~بأن هؤلاء الذين يحصلون على الاستفادة الكبرى من المجتمع يدينون بالقدر الأكبر لدعمه. لم ~~يتضمن التعديل كلمة «تصاعدية»؛ حيث إن ذلك كان سيؤدي إلى عدم تمريره على الأرجح. لم يتضمن ~~التعديل السادس عشر (كما تم إقراره) تلك الكلمة، بيد أن عدة أعضاء بمجلس الشيوخ افترضوا ~~جدلا أن التدرج التصاعدي ms085 سيكون سمة أي قانون ضرائب يرتكز إلى ذلك التعديل. وكما ذكر ~~الجمهوري نوريس براون النائب عن ولاية نبراسكا: «إن صلاحية فرض الضرائب تنطوي على صلاحية ~~تدريجها تصاعديا.» وفي الخامس من يوليو عام 1909، صدق مجلس الشيوخ على التعديل ~~بالإجماع، وفي الثاني عشر من يوليو من العام نفسه، أقر مجلس النواب التعديل بأغلبية ~~ساحقة. وشيئا فشيئا اكتسب التعديل التصديقات اللازمة من الهيئات التشريعية للولايات. ~~صوتت الهيئات التشريعية بالغرب - وهي المنطقة التي يوزع بها الدخل على نحو متساو ~~أكثر - بالإجماع في بعض الحالات، وبشبه إجماع في حالات أخرى؛ وكانت يوتا الاستثناء ~~الوحيد، وفي الجنوب، قدمت المناطق التي هيمن عليها الشعبويون في السابق أشد الدعم لضريبة ~~الدخل. وما أثار دهشة الخبراء هو موافقة منطقة الشمال الشرقي على ضريبة الدخل، فيما عدا ~~بنسلفانيا ورود آيلاند وكونيتيكت؛ حيث ظلت منظمات الحرس القديم للحزب الجمهوري باقية على ~~الرغم من الموجة المتمردة. كررت صحيفة «هارتفورد كورانت» الحجة التي صارت قاعدة قياسية ~~آنذاك التي تقول: «كلما زاد دخل المرء، زاد مقدار الحماية التي يتلقاها من الحكومة وزاد ~~التزامه نحو دعم الحكومة.» # أقرت ضريبة الدخل في أنحاء البلاد؛ وذلك لأن المزارعين والعمال والمنتمين إلى الطبقة ~~الوسطى أضحوا مقتنعين بأنها منصفة، وبأن الضرائب الأخرى مثل التعريفة الجمركية ليست ~~كذلك، وبأن توزيع الثروة والدخل أصبح غير متوازن على نحو صارخ. أجيز التعديل الدستوري ~~لضريبة الدخل في الوقت المناسب؛ بحيث تضمن قانون الإيرادات لعام 1913 مجموعة من المعدلات ~~التصاعدية. وبحلول ذلك الوقت، كانت الرئاسة ومجلسا الكونجرس في أيدي الديمقراطيين. # هل أصلح التعديل الدستوري السادس عشر بالفعل عدم المساواة في الدخول؟ الإجابة هي أنه ~~أصلحها بنحو جزئي؛ فقد انخفضت حصة الخمسة في المائة الأعلى دخلا مما يقرب من ثلث جميع ~~الدخول فيما بين عامي 1913 و1916 إلى الربع بحلول عام 1919، لكن ليس أكثر من ذلك؛ فقد كان ~~من الصعب أن تحقق الضريبة أكثر من ذلك؛ نظرا لأنها أثرت على عدد محدود للغاية من ~~الناس، وبمعدلات ضريبية تبدو لنا اليوم منخفضة على نحو يبعث على ms086 السخرية. في قانون عام ~~1913، بدأت الضريبة بواحد في المائة من الدخول التي تزيد على 20 ألف دولار وتدرجت إلى ~~حد أقصى يبلغ 7 في المائة على الدخول التي تزيد على 500 ألف دولار. وحينذاك، كان يحصل ~~الواحد في المائة الأعلى دخلا على ما يقرب من 15 في المائة من جميع الدخول، ويحصل الأربعة ~~في المائة الأعلى دخلا على 33 في المائة من جميع الدخول. وفي عام 1918، وفقا لإحدى ~~الجهات، «ما يقرب من 86 في المائة من الموظفين كانوا يحصلون على دخول تقل عن ألفي ~~دولار سنويا»، مع حصول الأربعة عشر في المائة الأعلى مستوى على ما يزيد على ذلك، بإجمالي ~~40 في المائة من جميع الدخول الشخصية. وفي عام 1918، امتلك إمبراطور النفط جون دي روكفلر ~~1,6 في المائة من الثروة الوطنية بأكملها؛ أي ما يعادل 192 مليار دولار بحسابات عام 2010، ~~وهو ما يزيد على ضعف ما يملكه بيل جيتس ووارن بافيت معا. انخفض الدخل الفيدرالي من ~~التعريفات الجمركية بمقدار الثلث بين عامي 1909 و1916، في حين أن الإيرادات الخاصة بضرائب ~~الدخل تضاعفت تقريبا. بالطبع خضع نظام الضرائب الفيدرالي إلى مراجعة جدية على نحو ~~ديمقراطي وأكثر إنصافا. ومن اللافت للنظر في النقاشات التي دارت آنذاك، كثرة حديث مؤيدي ~~ضريبة الدخل، بلا استثناء تقريبا، عن العدالة والمجتمع وما يدين به أفراد المجتمع كل ~~منهم للآخر؛ تلك الكلمات التي غابت على نحو يثير الدهشة في نقاشات تسعينيات القرن العشرين ~~وأوائل القرن الحادي والعشرين حول «الضريبة الثابتة». # وبالرغم من إقرار التعديل الدستوري الخاص بضريبة الدخل، ثمة أمر أثار سخط المتمردين ~~بالحزب الجمهوري في الكونجرس مع انقضاء عام 1909، فقد نادى البرنامج الانتخابي الخاص بالحزب ~~الجمهوري عام 1908 بخفض الرسوم الجمركية، ودعا الرئيس تافت الكونجرس لعقد جلسة خاصة لذلك ~~السبب. وقدم عضو الكونجرس عن نيويورك، سيرينو إي باين، مشروع قانون بذلك في مجلس النواب، ~~إلا أن السيناتور ألدريتش أعد بديلا آخر أدى إلى رفع التعريفات الجمركية، في المتوسط، ~~في واقع الأمر، وساند تافت ذلك، بعد ذلك ms087 ثار «جدال بالينجر-بينشو». أيد المتمردون، الذين ~~يسيرون على خطا روزفلت، الحفاظ على الموارد الطبيعية بشدة. أتاح وزير الداخلية الجديد ~~بإدارة الرئيس تافت، ريتشارد بالينجر، بعض الأراضي الحكومية أمام أعمال التطوير الخاصة، على ~~العكس من سالفه المحافظ على البيئة. انتقد جيفورد بينشو - الصديق الأرستقراطي لروزفلت الذي ~~عينه رئيسا لإدارة الغابات الأمريكية، ولكنه أصبح الآن مرءوسا لبالينجر - بالينجر على ~~الملأ حول مشكلة خاصة بإدارة الموظفين. ساند تافت بالينجر وحاول تهدئة بينشو، لكن في يناير ~~عام 1910 انتقد بينشو الرئيس تافت في خطاب مفتوح إلى سيناتور متمرد ودعا الكونجرس إلى ~~استجواب بالينجر، وهو ما حدث بالفعل في ربيع ذلك العام. فصل تافت بينشو عن العمل بتهمة ~~التمرد على السلطة، فاستشاط متمردو الحزب غضبا، واتسعت الهوة بينهم وبين تافت، الذي بدا ~~أنه يزداد انحيازا إلى ألدريتش وكانون والحرس القديم. # في الوقت نفسه استطاع متمردو مجلس النواب تقليص السلطات الاستبدادية لرئيس المجلس جوزيف ~~جي كانون. لم تتضمن سلطات رئيس المجلس السيطرة على جميع مناقشات المجلس فحسب، بل ترأس ~~أيضا لجنة القواعد - فما من شيء كان يعرض أمام المجلس بالكامل دون «قاعدة» - وتحكم في ~~التعيينات الأخرى للجنة. مرر المتمردون، تحت قيادة عضو المجلس من نبراسكا جورج نوريس، ~~وبدعم من الديمقراطيين، قرارا ينزع سلطة كانون على لجنة القواعد، وبهذا تبددت القبضة ~~الحديدية لرئيس المجلس. وبعد شهرين، أجاز المتمردون قانون مان-إلكنز، الذي يعزز قانون ~~التجارة بين الولايات بدرجة كبيرة للغاية ويلزم شركات السكك الحديدية بتبرير أي زيادة في ~~الرسوم. لم يختلف تافت والمتمردون حول قانون مان-إلكنز كثيرا، الذي تبين أنه القانون ~~الجديد الوحيد والمؤثر في عام 1910. لكن فيما يتعلق بأي قضية أخرى، ساد الحزب الجمهوري ~~الانقسام على نحو خطير. # بحلول صيف عام 1910، عاد روزفلت من رحلة سفاري طويلة بأفريقيا شرع فيها بعد تركه للرئاسة ~~بوقت وجيز. كان في انتظار عودته مجموعة من المتمردين الساخطين، وكذلك كتاب جديد لهربرت ~~كرولي بعنوان «وعد الحياة الأمريكية». قرأ روزفلت الكتاب وتحدث مع كرولي ومع الأصدقاء ~~والمؤيدين التقدميين. وندم بشدة لعدم خوضه الانتخابات ms088 مرة أخرى عام 1908 وغضب من ميل تافت ~~نحو اليمين، كما يرى المتمردون. وفي 31 أغسطس، ألقى روزفلت خطابا بمدينة أوسواتومي بولاية ~~كانساس بعنوان «القومية الجديدة». قطع الخطاب - الذي تبنى فيه بعضا من أفكار كرولي ~~وفصل فيه ما جاء في رسالته الأخيرة إلى الكونجرس في ديسمبر عام 1908 - شوطا نحو ~~التقدمية مكتملة الجوانب. امتزج نقد كرولي لكل من «فساد الحياة العامة الأمريكية» و«حالات ~~عدم المساواة السافرة في الأوضاع والنفوذ» و«وحوش الاقتصاد»، والشركات التي «استطاعت إحكام ~~نفوذها الفاسد والفادح على التشريعات وممارسته»؛ على نحو رائع مع آراء روزفلت، مثلما امتزج ~~مدح كرولي الصريح لروزفلت مع انتقاده لبرايان. كانت هناك أخطاء كثيرة في الحياة الاجتماعية ~~والاقتصادية بأمريكا من منظور كرولي وروزفلت. والسبيل إلى تصحيح تلك الأخطاء يتمثل في إعادة ~~توزيع الثروة من خلال ضريبة تركات تصاعدية، وإنشاء نقابات عمالية أقوى، وبصفة عامة تعزيز حس ~~«الغاية الجماعية» بدلا من الفردية غير الملجمة. # صرح روزفلت في خطاب «القومية الجديدة» بأوسواتومي بأنه «يجب على كل إنسان أن يخضع ~~ممتلكاته للحق العام للمجتمع في تنظيم استخدامها بأي درجة قد يستلزمها الرخاء العام.» وبهذا ~~التصريح اقترب روزفلت من الاشتراكية الحقيقية أكثر من أي وقت مضى، بقدر يفوق كثيرا رسالته ~~الأخيرة إلى الكونجرس. وقد نشأت الاختلافات «بين الأشخاص الذين يمتلكون أكثر مما استحقوا ~~والأشخاص الذين استحقوا أكثر مما يمتلكون.» ولتدارك هذا الاختلال، يرى روزفلت أن «الشرط ~~الجوهري للتقدم» هو تحقيق «المساواة في الفرص لجميع المواطنين.» وبناء عليه، قال: «أؤيد ~~الصفقة العادلة ... ليس فحسب ... من أجل تحقيق العدالة وفق القواعد الحالية للعبة، بل ... لتغيير ~~تلك القواعد بحيث تعمل من أجل تحقيق مساواة حقيقية أكثر في الفرص والمكافاة مقابل الحصول ~~على خدمة جيدة على حد سواء.» وأضاف قائلا: «لا بد لنا من إقصاء المجموعات ذات المصالح ~~الخاصة من السياسة ... وجميع تلك المجموعات يحق لها التمتع بالعدالة، لكن لا يحق لأي منها ~~التصويت في الكونجرس، أو اعتلاء منصة القضاء، أو التمثيل النيابي في أي منصب عام.» ودعا ~~روزفلت على وجه الخصوص ms089 إلى تنظيم شامل لعمل شركات السكك الحديدية وجميع الشركات الأخرى التي ~~تمتد بين الولايات، وإلى ضرائب تصاعدية على الدخل والتركات، وإلى إصلاح المصارف للحيلولة ~~دون حدوث أي اضطرابات مصرفية مستقبلية، وأيضا إلى إنشاء «جيش قوي وأسطول كبير بما يكفي ~~ليكفل لنا بالخارج ذلك الاحترام الذي هو الضمان الأوثق للسلام»، وإلى الحفاظ على الموارد ~~الوطنية، وسن قوانين للأجور وساعات العمل، وقوانين لتعويض العمال على مستوى الولايات ~~والمستوى الوطني، وإلى تنظيم عمالة الأطفال والنساء، وإلى «قومية جديدة» من شأنها «تقديم ~~الحاجة الوطنية على المصلحة الطائفية أو الشخصية.» # كانت انتخابات الكونجرس ستجرى بعد شهرين فحسب. عزز خطاب روزفلت «القومية الجديدة» من ~~موقف التقدميين أكثر داخل الحزب الجمهوري. وكان لبرايان ونزعته الشعبوية المتجددة تأثير ~~مماثل بين الديمقراطيين. طالب الديمقراطيون من أنصار برايان والجمهوريون المتمردون على حد ~~سواء بزيادة القوانين التنظيمية للسكك الحديدية، وإجراءات أكثر للحفاظ على البيئة، ومعدلات ~~ضريبية تصاعدية، وإنشاء صناديق ادخار بريدي؛ بحيث يتسنى لصغار المودعين امتلاك حسابات ~~(وهو الأمر الذي كانت ترفض المصارف فعله)، وديمقراطية مباشرة أكثر على غرار نموذج أوريجون، ~~بما في ذلك الانتخابات الأولية. وفي كلا الحزبين، برز دور المصلحين الزراعيين؛ من ~~الجنوب في الحزب الديمقراطي، ومن الغرب الأوسط في الحزب الجمهوري. وفي انتخابات نوفمبر عام ~~1910، سيطر الديمقراطيون على نحو كبير على مجلس النواب للمرة الأولى منذ انتخابات عام 1892. ~~وانخفض عدد المقاعد الجمهورية من 219 إلى 182، في حين أن عدد مقاعد الديمقراطيين قفز من 172 ~~إلى 230، وحقق الحزب انتصارات في الغرب والشمال الشرقي، والأهم من هذا وذاك في الغرب ~~الأوسط؛ 23 مقعدا في إلينوي وإنديانا وأوهايو. ظل مجلس الشيوخ في قبضة الجمهوريين الصورية، ~~51 إلى 41، لكن الديمقراطيين فازوا ب 12 مقعدا معظمها في الغرب والغرب الأوسط، وبعض ~~الجمهوريين كانوا من المتمردين الذين سرعان ما ضموا أصواتهم إلى أصوات الديمقراطيين؛ ومن ~~ثم كان الكونجرس الثاني والستون الجديد ذا أغلبية تقدمية في واقع الأمر. # لم يكن تافت رجعيا متشددا مثل السيناتور ألدريتش، لكن المتمردين بالحزب الجمهوري وصفوه ~~بأنه خائن لإرث روزفلت. ms090 وبوصفهم هذا دفعوا تافت نحو اليمين في عام 1911. وقد حدث ذلك بغض ~~النظر عن حقيقة أن وزارة العدل بإدارته أقامت دعاوى قضائية لمكافحة الاحتكار بلغت - حتى ~~منتصف فترته الرئاسية - ضعف ما أقامته وزارة العدل بإدارة الرئيس روزفلت. صدق تافت ~~أيضا على سلسلة من الإجراءات الإصلاحية مررها كل من الكونجرس ذي الأغلبية الجمهورية ~~(1909-1911) والكونجرس ذي الأغلبية الديمقراطية (1911-1913). وكان من بينها قانون مان-إلكنز ~~الخاص بتنظيم السكك الحديدية الذي صدر في عام 1910، والتوزيع المجاني للبريد لسكان الريف، ~~وصناديق الادخار البريدي، وأيضا إنشاء مكتب الطفولة عام 1912 لتتبع «جميع الأمور ~~المتعلقة برفاهية الأطفال وحياتهم»؛ وذلك بفضل الضغط المتواصل من مصلحات مراكز التكافل ~~الاجتماعي والعدالة الاجتماعية فلورنس كيلي، وليليان فالد، وجوليا ليثروب. # وإبان شهري مايو ويونيو من عام 1912، أجاز الكونجرس التعديل السابع عشر للدستور، الذي ~~يتيح الانتخاب الشعبي لأعضاء مجلس الشيوخ، وينهي بذلك الانتخاب بواسطة الهيئات ~~التشريعية بالولايات. كان ذلك إصلاحا شعبيا، وجزءا من الحافز القوي للحركة التقدمية نحو ~~تعميم النظام الديمقراطي، وانتصارا (كما في مصطلحات التقدميين) ل «الشعب» على «أصحاب ~~المصالح الخاصة» المتهمين، كما أوضح الصحفيون الإصلاحيون الكاشفون للفساد، بإفساد المجالس ~~التشريعية. وكما قال أحد الساخرين: «لقد فعلت شركة ستاندرد أويل كل شيء للهيئة التشريعية ~~ببنسلفانيا باستثناء تطهيرها.» أما عن إجراء انتخابات أولية للرئاسة، فقد طبقت ثلاث عشرة ~~ولاية صورا منها بحلول عام 1912. عززت الانتخابات الأولية في بعض الولايات حركة التمرد. ~~أما في الجنوب، فقد عززت الفصل العنصري من خلال إقصاء السود من التصويت في الانتخابات ~~الأولية للحزب الديمقراطي، التي كانت أكثر حسما للأمور عن الانتخابات العامة. # من ثم، لا يمكن النظر إلى السنوات الأربع لإدارة تافت على أنها ارتداد للخلف أو غير ~~تقدمية كلية؛ إذ إنه على مستوى العلاقات الخارجية، واصلت إدارته تحركات روزفلت في منطقة ~~الكاريبي وشرق آسيا. وأنجزت أكثر من المتوسط بدرجة هائلة، بيد أن إدارته تركت ذكرى لشيء لم ~~يرغبه الرئيس: انقسام عميق بين التقدميين والمحافظين في الحزب الجمهوري، وهو الذي سيؤدي ~~إلى خسارته الفترة الرئاسية الثانية عام ms091 1912. # بعد خسارة الجمهوريين لمجلس النواب في انتخابات عام 1910، شرع التقدميون المتمردون داخل ~~الحزب في الالتفاف حول سيناتور ويسكونسن روبرت إم لافوليت ليكون مرشحهم الرئاسي عام 1912. ~~كان لافوليت الشخصية الأبرز بينهم؛ فقد أسس صحيفة أسبوعية خاصة، وأيضا الاتحاد الوطني ~~للجمهوريين التقدميين للترويج لترشحه وبرنامجه الذي تضمن إقرار الانتخابات الأولية ~~والمبادرة والاستفتاء، والانتخاب الشعبي لأعضاء مجلس الشيوخ. كان هدفه كسب دعم التقدميين ~~لهزيمة تافت والفوز بترشيح الحزب الجمهوري عام 1912. لكن سرعان ما اتضح للافوليت في أواخر ~~عام 1911 أن تافت ليس مشكلته الرئيسية، بل ثيودور روزفلت. # في عام 1912، أعلن روزفلت - بعد كثير من التأمل الذاتي - «خوض السباق الرئاسي»، انزعج ~~لافوليت بشدة، وفي خطاب ألقاه في شهر فبراير في حفل عشاء جمعية الناشرين الدوريين، صب ~~لافوليت جام سخطه على الصحافة بدرجة عنيفة للغاية في خطاب مشتت حتى إن تلك الواقعة ~~فسرت على نحو قاس على أنها انهيار عصبي، وتقوض ترشحه للرئاسة. فاز روزفلت بمعظم ~~الانتخابات الأولية القليلة، وفي غضون ذلك، فاقه تافت براعة في المناورات وجمع في هدوء ~~تأييد أغلبية الموفدين إلى مؤتمر الحزب الجمهوري وقيادة اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، ~~التي من المقرر أن تعين أكثر من 250 موفدا، وضعتهم جميعا تقريبا في صف تافت. لم ~~يدرك روزفلت، الذي أضاع الوقت سدى، سيطرة تافت على آليات عمل الحزب الجمهوري قط. وفي ~~مؤتمر الحزب في شيكاجو في يونيو عام 1912، فازت قوى تافت بالأصوات الإجرائية الأولى، والتي ~~تضمنت نزاعات الاعتماد. وقفت القلة المتبقية من مؤيدي لافوليت خلف تافت، وتمت إعادة ~~ترشيحه. وكما جاء على لسان المؤرخ لويس إل جولد، كان المؤتمر «أشبه بمباراة ملاكمة حرة» ~~تفوق فيها تافت المعروف عنه اللطف والدماثة على سالفه المشاكس. # وفي أواخر الشهر نفسه، اجتمع الديمقراطيون في بالتيمور لتحديد مرشحهم الرئاسي. تفوق ~~تشامب كلارك من ميزوري ورئيس مجلس النواب على الديمقراطيين الطامحين في الترشح في ~~الاقتراعات المبكرة، لكنه لم يحقق قط أغلبية الثلثين اللازمة لاختيار مرشح الحزب ~~الديمقراطي في الرئاسة آنذاك. وفي هدوء جمع وودرو ويلسون، حاكم نيوجيرسي، تأييد الموفدين ms092 ~~إلى مؤتمر الحزب، وعندما أعلن برايان - الذي كان لا يزال يمثل قوة كبيرة داخل الحزب وقد كان ~~هو من وضع برنامج الحزب - دعمه لويلسون، احتل ويلسون المرتبة الأولى في الاقتراع السادس ~~والأربعين. كان ويلسون قد انتخب حاكما لنيوجيرسي قبل عامين فقط، وكان ذلك المنصب ~~الانتخابي الوحيد الذي احتله. وقبل ذلك، عمل أستاذ علوم سياسية، ثم رئيسا لجامعة ~~برنستون لثماني سنوات. ولد وودرو ويلسون في مدينة ستانتن بولاية فيرجينيا لقس بالكنيسة ~~المشيخية موال للجيش الكونفدرالي، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز ثم انضم ~~إلى هيئة التدريس بجامعة برنستون عام 1890. كان ويلسون باحثا لامعا، وخطيبا جذابا، لكنه ~~ذو شخصية جافة. أشار أحدهم ذات مرة إلى أن الجميع كان ينادي روزفلت ب «تيدي»، لكن لم ~~يناد أحد قط ويلسون ب «وودي». # وفي أوائل أغسطس عام 1912، التقى ثيودور روزفلت ومؤيدوه في شيكاجو وانشقوا عن الحزب ~~الجمهوري، وهتفوا: «نحن أمام معركة فاصلة، ومعركتنا في سبيل الرب.» وأصبح روزفلت مرشح ~~الحزب التقدمي الوطني، الذي يطلق عليه أحيانا «حزب ثور الموظ»؛ وذلك لأنه عندما سئل ~~روزفلت في يونيو عما يشعر به، صرح: «أشعر أنني في قوة ثور الموظ.» اختير هيرام جونسون حاكم ~~كاليفورنيا، وهو أبرز التقدميين في الغرب، مرشحا لمنصب نائب الرئيس. وعلى مدار شهور الصيف، ~~ازداد روزفلت انزعاجا؛ لأنه ببساطة لم يكن قادرا على تقبل حقيقة أن تافت فاقه براعة ~~في المناورة. عكس برنامج حزب ثور الموظ الكثير من أفكار الرفاهية الاجتماعية التي رددها ~~روزفلت في خطاب أوسواتومي قبل عامين، بيد أنه نادى بمنح المرأة الحق في الانتخاب على ~~المستوى الوطني وأيد قوانين الحد الأدنى للأجور، التي كانت فكرة متطرفة آنذاك. وقد ~~أيد أيضا سحب الثقة بالتصويت الشعبي من القضاة والأحكام القضائية، وهو ما أفقده دعم ~~الجمهوريين المعتدلين. رفض روزفلت «وروحه المنقسمة حول مسألة العرق» بندا ببرنامجه ينادي ~~بالمساواة العرقية تقدمت به الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين. وعليه دعم الكثير من ~~الناخبين السود ويلسون، وهو الأمر الذي ندموا عليه فيما بعد. فبعد تولي وودرو ويلسون ms093 ~~المنصب، فرضت فيرجينيا فصلا عنصريا على إدارة مكاتب البريد ورفضت نقض قانون يحظر الزواج ~~بين الأعراق المختلفة في منطقة كولومبيا. # كان برنامجا الإصلاح التقدميان مختلفين تماما. واصل روزفلت تسمية برنامجه «القومية ~~الجديدة»، وقابله ويلسون بتسمية برنامجه «الحرية الجديدة». اتفق الاثنان على أن التغيير ~~أصبح ضرورة ملحة، وأن «الشعب» من يجب أن يحكم وليس «أصحاب المصالح الخاصة»، وأن ~~الحكومة - الفيدرالية - منوط بها دور هام، وأن ارتقاء المجتمع يعني ارتقاء معيشة أفراده، ~~لكنهما لم يتفقا على كيفية بلوغ تلك الأهداف. # من وجهة نظر روزفلت وبرنامج «القومية الجديدة»، الشركات الكبرى - المؤسسات التجارية ~~الضخمة - لن تزول رغم أنها كانت تتصرف دائما بأنانية وعلى نحو غير ديمقراطي. يكمن الحل في ~~وضع قواعد تنظيمية فيدرالية أقوى، خاصة من خلال هيئات منفصلة عن الكونجرس والسلطة ~~التنفيذية، على غرار لجنة التجارة بين الولايات التي أنشئت عام 1887 وتعززت صلاحياتها عدة ~~مرات منذ ذلك الحين، غير أن اللجنة احتاجت إلى سلطات أكثر بكثير. بالإضافة إلى ذلك، أكد ~~برنامج حزب ثور الموظ على أهمية العدالة الاجتماعية وإدخال النظام الديمقراطي على الحكومة ~~عبر القوانين التي تحد من ساعات العمل للنساء والأطفال، وتقر حدا أدنى للأجور، ورواتب ~~التقاعد لكبار السن، وتقدم تعويضات للعمال. قدم هذا البرنامج قائمة منشودة لكثير من ~~الإصلاحات التي دار حولها الكثير من النقاش، مع وجود لجان تنظيمية فيدرالية قوية في قلب تلك ~~الإصلاحات، لضمان تنفيذها. # بدا برنامج ويلسون «الحرية الجديدة» أقل تطرفا (أو أقل تقدمية، وفقا لمنظور كل فرد) إلا ~~أنه كان يمثل فحسب شكلا آخر من الحركة التقدمية. كان روزفلت يقود حركة انفصالية عن الحزب ~~الجمهوري، وكان من المفترض أن يكفل له الجمهوريون التقدميون الدعم إذا كان سيحظى بأي منه؛ ~~من ثم عكست الإجراءات والمناهج التي أعدها الرغبات الإصلاحية لمنطقتي الشمال الشرقي ~~والجزء العلوي من الغرب الأوسط الحضريتين الصناعيتين، وهما من مناطق النفوذ الجمهوري ~~الإصلاحي، وبدت الإصلاحات مألوفة إلى حد بعيد، في حالات كثيرة؛ إذ تم تجريبها بصور ~~مختلفة على مستوى الولايات. على الجانب الآخر، تمثلت مهمة ms094 ويلسون في تنشيط ما نطلق عليه ~~اليوم «القاعدة الديمقراطية» التي تألفت من الزراعيين بالجنوب والغرب الأوسط بصورة رئيسية. ~~وبناء عليه تحتم على برنامج «الحرية الجديدة» أن يعكس التقاليد والقناعات الطويلة الأمد ~~الخاصة بسلطات الولايات في الجنوب، جنبا إلى جنب مع مصالح الزراعيين من جميع ~~الطوائف. # مما لا شك فيه أن الحزب الديمقراطي شهد إصلاحات كثيرة تحت زعامة برايان، وسيستمر الحزب ~~في دعم تلك الإصلاحات تحت قيادة ويلسون. أكدت الحركة التقدمية، على نمط ويلسون، على تفكيك ~~الاتحادات الاقتصادية (أي الاتحادات الاحتكارية وغيرها من المؤسسات التجارية الضخمة) من ~~خلال ملاحقات قضائية قوية لمناهضة الاحتكار، وخفض التعريفة الجمركية بشدة، والتي لم ~~تحم المنتجات الزراعية، بل استنزفت المزارعين باعتبارهم مستهلكين، ونقل السيطرة على ~~المصارف والعملة بعيدا عن آل مورجان وغيرهم من كبار المصرفيين إلى الشعب. عبر برنامج ~~«الحرية الجديدة» عن الدوائر الانتخابية الديمقراطية ذات الغلبة الزراعية، والأقل مدنية ~~وصناعية، مؤكدا على العودة إلى المنافسة على نطاق أصغر وتكافؤ الفرص، بنحو أقل اعتمادا ~~على الحكومة منه في برنامج «القومية الجديدة»؛ ليس عبر اللجان التنظيمية بالطبع. صرح ويلسون ~~في خطاباته أنه لا يرغب في أن تتحكم الحكومة الفيدرالية في الاقتصاد، كما بدا أنه ما ينشده ~~روزفلت، بل يرغب في الاستعانة بالحكومة لإزالة الحواجز التي تعيق المنافسة مثل التعريفة ~~الجمركية والاتحادات الاحتكارية، وبذلك، كما يمكن لنا أن نقول، «تمهيد ساحة التنافس ~~الاقتصادي»، وحينئذ يمكن للحكومة الخروج من اللعبة. زعم ويلسون أن برنامج الحزب «ينادي ~~بالحرية في حين أن الآخر [برنامج حزب ثور الموظ] ينادي بقواعد تنظيمية.» فعلى النقيض من ~~برنامج «القومية الجديدة»، لم يطالب ويلسون والديمقراطيون بمنح المرأة الحق في الانتخاب، ~~وهو الأمر الذي رآه الجنوب شديد التطرف. بعد بضع سنوات، صدقت هيئة تشريعية واحدة فقط ~~بإحدى ولايات الجنوب (الهيئة التشريعية لتينيسي) على التعديل الدستوري الخاص بحق المرأة في ~~الانتخاب. # تعكس البرامج الحزبية ما يود أن يراه نشطاء الحزب يتحقق. بدأ برنامج الحزب ~~الديمقراطي لعام 1912 بدعوة لإصلاح التعريفة الجمركية؛ حيث إن «التعريفة الجمركية المرتفعة ~~هي السبب ms095 الرئيسي وراء التوزيع غير العادل للثروة، الذي يجعل الأغنياء أكثر ثراء، والفقراء ~~أشد فقرا ... فالمزارع والعامل الأمريكيان من يتكبد المعاناة الكبرى بسبب هذا.» ثم ~~طالب بعد ذلك بتطبيق صارم وتعزيز «القانون الجنائي والمدني على حد سواء في مواجهة ~~الاتحادات الاحتكارية والمسئولين عنها.» ثم أكد مجددا على سلطات الولايات (في إشارة ~~إلى ولايات الجنوب)، ودعا إلى قوانين من شأنها تفعيل التعديلات الدستورية الجديدة الخاصة ~~بضريبة الدخل والانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ، وأيضا دعم الانتخابات الأولية لاختيار ~~المرشح الرئاسي في كل ولاية، وأيد حظر تقديم المؤسسات التجارية تبرعات للحملات السياسية. ~~أراد البرنامج تنظيم عمل «شركات السكك الحديدية، وشركات الشحن السريع، ونظام التلغراف، ~~وخطوط الهاتف المرتبطة بالتجارة بين الولايات» بغية حماية شاحني البضائع والمستهلكين ~~(الزراعيين). كذلك عارض البرنامج إنشاء مصرف مركزي (خشية سيطرة مؤسسات وول ستريت عليه)، ~~ودعا إلى الائتمان الزراعي لحماية ملكية المزارع، والتعليم المهني (لا سيما الزراعي)، ~~وإنشاء وزارة عمل فيدرالية، والحفاظ على الموارد الطبيعية، واتخاذ الإجراءات ذات الصلة. ~~وعلى مستوى السياسة الخارجية، طالب برنامج الحزب باستقلال الفلبين، مرددا مذهب برايان ~~المناهض للإمبريالية عام 1898. وبهذا أنهى الديمقراطيون صلتهم بالجمهوريين ~~الاستعماريين. # وإلى جانب روزفلت وويلسون، اللذين مثلا الوسط التقدمي عام 1912 بطرقهما الخاصة، ضمت ~~المنافسة الانتخابية مرشحين آخرين بارزين: تافت ممثلا لليمين، ويوجين في ديبس، ~~مرشح الحزب الاشتراكي، ممثلا لليسار. يستحق ديبس والاشتراكية الأمريكية (وسبب ضآلة ~~انتشارها) أن نقف عندهما قليلا. استخدمت كلمتا «اشتراكي» و«اشتراكية» كثيرا للغاية في ~~الماضي من قبل الساسة الأمريكيين اليمينيين للدلالة على أي شيء يؤيد الصالح العام أو ~~العدالة الاجتماعية بدرجة حطت من قدرهما. كان الحزب الاشتراكي الأمريكي الفعلي في أوائل ~~القرن العشرين يعد «اتحادا واحدا ضخما» لجميع العمال، مرددا شعار فرسان العمل ~~والشعبويين: «وحدة الطبقات المنتجة»، كما دعا الحزب إلى الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج؛ ~~ومن ثم محو المؤسسات التجارية. انقسم الاشتراكيون في البداية حول ما إذا كان ينبغي استخدام ~~العنف في مواجهة إدارات المؤسسات الرأسمالية، لكن الحزب التزم السلمية، وانفصل عن الجناح ~~المتطرف (الفوضوي بعض الشيء) منه ms096 الذي يدعى «اتحاد العمال الصناعيين الدولي». # كان يوجين في ديبس الزعيم الأبرز للاشتراكية في الحقبة التقدمية. أصبح ديبس، المنحدر من ~~تير هوت بولاية إنديانا، الذي كان ديمقراطيا في الأساس، ناشطا في مجال الحركة العمالية. ~~أسس اتحاد عمال السكك الحديدية الأمريكيين، الذي قاد إضراب بولمان عام 1894. ألقي القبض ~~على ديبس، وأمضى ستة أشهر في السجن، وخرج منه أكثر قناعة من أي وقت مضى بأنه لا بد من ~~القضاء على رأسمالية الشركات من أجل صالح العمال. أصبح ديبس، الخطيب الملهم، مرشح الحزب ~~الاشتراكي للرئاسة عام 1900، ورشح مرة أخرى في انتخابات أعوام 1904 و1908 و1912 و1920. ~~أطلق ديبس تلك الحملة الرئاسية الأخيرة من داخل السجن؛ حيث أودعه منفذو قوانين جرائم ~~التحريض على الفتنة إبان إدارة ويلسون وقت الحرب في السجن لقضاء عقوبة تبلغ عشرين عاما. ~~(أطلق الرئيس وارن هاردينج سراحه يوم عيد الكريسماس عام 1921، بعد حبسه لمدة عامين ونصف.) ~~علق أحد المعلقين على ديبس قائلا إنه: «دعا العاملين من جميع الطبقات لتشكيل مجتمع ~~يتميز بالسخاء الشخصي في الحياة الخاصة، والمسئولية المشتركة في الاقتصاد السياسي، والتضامن ~~الحقيقي عبر كل تلك الحدود التي تفصل الناس وتحطم أرواحهم.» كما آمن بشدة بالديمقراطية ~~الاقتصادية والصالح العام. # حصل ديبس، في انتخابات عام 1912 ذات المرشحين الأربعة، على 900 ألف صوت؛ أي ما يقرب من 6 ~~في المائة من جميع الأصوات المدلى بها. تبين أن ذلك، بحسابات النسب المئوية، أفضل ~~أداء حققه الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية على الإطلاق. لطالما تساءل المؤرخون عن ~~السبب وراء إخفاق ديبس والاشتراكية في تحقيق أداء أفضل؛ وهذا نظرا لأن كثيرا ممن استمعوا ~~إلى خطبه تجاوبوا رغما عنهم مع تأييده لروح الأخوة بين البشر، ومطالب العدالة ~~الاجتماعية، وأخطاء المؤسسات والحكومة التي تدعمها. شهد أوائل القرن العشرين تشكل الأحزاب ~~الاشتراكية وتفوقها في بلدان صناعية أخرى. حظي حزب العمل البريطاني، وحزب الديمقراطيين ~~الاجتماعيين في ألمانيا، والاشتراكيون في فرنسا بدعم شعبي واستمرارية أكبر من الحزب ~~الاشتراكي الأمريكي، بالرغم من قدرات ديبس الخطابية الاستثنائية. # شكل 4-2: أسس يوجين ms097 في ديبس اتحاد عمال السكك الحديدية الأمريكيين عام 1894 ~~ليخوض إضراب بولمان، هذا الخطيب الملهم كان المرشح الرئاسي للحزب ~~الاشتراكي خمس مرات من عام 1900 إلى عام 1920. التقطت هذه الصورة له ~~خلال الحملة الرئاسية لعام 1912. # نشر عالم اقتصاد ألماني، يدعى فرنر سومبارت، في عام 1906 كتابا صغيرا تساءل في ~~عنوانه: «لماذا لا توجد اشتراكية في الولايات المتحدة؟» وكان جوابه المبدئي أن المستوى ~~المعيشي للطبقات العاملة وعائلاتها كان أعلى كثيرا في الولايات المتحدة منه في أوروبا. كتب ~~يقول: «تذهب أي يوتوبيا اشتراكية في بلد يأكل فيه العامل اللحم البقري المشوي وفطيرة التفاح ~~أدراج الرياح.» يستطيع العامل في أمريكا بالفعل إحراز النجاح والتخلص من الحواجز الطبقية ~~الصارمة والاستمتاع ببعض من الأمور الطيبة في الحياة. طرح كثير غيره التساؤل نفسه ~~وتوصلوا إلى إجابات أخرى؛ مثل أن الاشتراكيين الأمريكيين كانوا ماركسيين بنحو علني أكثر ~~من اللازم (لكن أنصار حزب العمل البريطاني كانوا كذلك قبلهم بوقت طويل)، أو أن الحكومات ~~الفيدرالية وحكومات الولايات قمعتهم (لكن هذا ما حدث أيضا في أماكن أخرى وازداد فيها ~~الاشتراكيون قوة)، أو أن هيكل النظام السياسي الأمريكي يمانع وجود حزب ثالث. (ثمة دلالة ~~حقيقية في ذلك القول، إلا أن فشل وجود تلك الأحزاب انطوى في أغلب الأحوال على الأخذ ~~بأفكارها من قبل أحد الحزبين الكبيرين، على غرار الديمقراطيين بل والجمهوريين أيضا في ~~استيعابهم لمقترحات كثيرة خاصة بالشعبويين. وعلى النقيض، لم تستوعب المقترحات الاشتراكية ~~الجوهرية على غرار الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج.) ينطوي رأي سومبارت الخاص ب «اللحم ~~البقري المشوي وفطيرة التفاح» على جانب كبير من الحقيقة؛ كانت أجور العمال وأوضاعهم ~~المعيشية أفضل للغاية بلا شك في الولايات المتحدة منها في أوروبا، وهذا ما يفسر جدا ~~معدلات الهجرة المرتفعة في ذلك الوقت. انقسم عمال الولايات المتحدة، الذين كان أغلبهم من ~~المهاجرين، بفعل اللغة والعرق، وهو الأمر الذي أفسد تضامنهم. يشدد بعض المراقبين أيضا على ~~أن الاشتراكية نجحت بالفعل في الولايات المتحدة بصرف النظر عن إحرازها 6 في المائة فقط في ~~أفضل أداء ms098 انتخابي لها، زاعمين أن أفكارا عديدة من تلك التي صاغها الاشتراكيون من أنصار ~~ديبس سنت كقوانين في نهاية المطاف، على الرغم من أن ذلك لم يحدث حتى ثلاثينيات أو ~~ستينيات القرن العشرين أو حتى أوائل القرن الحادي والعشرين. # لم تكن نتائج الانتخابات في خريف عام 1912 مفاجئة للكثير، حتى أولئك الذين خسروا؛ فبعد ~~أن رحل روزفلت وأتباع حزب ثور الموظ عن الحزب الجمهوري، كان من المتوقع أن ويلسون ~~والديمقراطيين سيسلكون طريقهم نحو الانتصار. يرى بعض المحللين أن الديمقراطيين كانوا ~~سيحققون النصر حتى وإن ظل الحزب الجمهوري متماسكا؛ أي إن روزفلت، وتافت بالطبع، كانا ~~سيخسران المعركة أمام ويلسون إذا كان واحد منهما هو المرشح الجمهوري. في واقع الأمر، فاز ~~ويلسون بأربعين ولاية و433 من أصوات المجمع الانتخابي، أما روزفلت ففاز بست ولايات و88 من ~~أصوات المجمع الانتخابي، وفاز تافت بولايتين و8 من أصوات المجمع الانتخابي، وهي أقل نسبة ~~يحصل عليها رئيس في منصبه ويخوض الانتخابات لولاية ثانية. وجاءت نتائج انتخابات مجلس الشيوخ ~~بفوز الديمقراطيين ب 51 مقعدا، و44 مقعدا للجمهوريين، ومقعد واحد للتقدميين. وفي مجلس ~~النواب، فاز الديمقراطيون ب 63 مقعدا إضافيا بينما خسر الجمهوريون 46 مقعدا. كما فاز ~~التقدميون ب 17 مقعدا، وبعد ضم المقاعد الجديدة استحوذ الديمقراطيون على 291 مقعدا، بينما ~~حصل الجمهوريون على 127 مقعدا. وهكذا أحكم الديمقراطيون سيطرتهم على البيت الأبيض ~~والكونجرس. # على المدى البعيد، رسخت انتخابات عام 1912 توجها جديدا، لكن على نحو معاكس. لم يسمح ~~محافظو الحزب الجمهوري بانتساب أتباع حزب ثور الموظ إلى حزبهم مرة أخرى، وعلى مدى فترة ~~طويلة من القرن العشرين، التزم الحزب الجمهوري السياسة اليمينية ، ولم يقترب مجددا من ~~السياسة التقدمية المعتدلة التي سادت الفترة الرئاسية الثانية لروزفلت، كما لم يرشح ~~للرئاسة شخصا قط يميل إلى اليسار - التقدمي - كروزفلت. زعمت قلة قليلة، مثل رونالد ~~ريجان وجون ماكين، بأن ثيودور روزفلت مثلهم الأعلى، إلا أن الحقائق لا تؤيد مزاعمهم؛ ~~فقد مقتوا بشدة الحكومة التنظيمية القوية التي أيدها روزفلت. على الجانب الآخر، لم ms099 يمثل ~~الديمقراطيون جزءا كبيرا من الأغلبية الزراعية بالبلاد عام 1912 فحسب، بل مهدوا الطريق - ~~عبر برنامج تشريعي قوي - أمام برنامجي «الصفقة الجديدة» و«المجتمع العظيم» اللذين أطلقهما ~~فرانكلين روزفلت وليندون جونسون في وقت لاحق من القرن العشرين. # دعا ويلسون، عندما تولى السلطة في مارس عام 1913، الكونجرس لعقد جلسة خاصة. اعتاد ~~الرؤساء منذ جيفرسون بعث رسائلهم فحسب إلى الكونجرس لقراءتها، بيد أن ويلسون كسر العرف ~~التقليدي وحضر بنفسه إلى الكونجرس حاملا خطاب «الحرية الجديدة» في 13 أبريل عام 1913. ~~وكما وعد في برنامجه، تمثلت أولوياته في خفض التعريفة الجمركية، وإخضاع النظام المصرفي ~~والعملة للسلطة الشعبية، وتشديد قوانين مكافحة الاحتكار. وفي غضون العامين التاليين، نجح ~~ويلسون والكونجرس في إجازة تلك الإصلاحات الثلاثة، جنبا إلى جنب مع عدد من التدابير الخاصة ~~التي عادت بالنفع على المزارعين والعمال. # أطلق على إنجازات ويلسون والكونجرس فيما بين عامي 1913 و1915 «الحرية الجديدة الأولى»، ~~وستكون هناك «الحرية الجديدة الثانية» فيما بين عامي 1915 و1917، التي حفلت على نحو أكثر ~~صراحة بإجراءات خاصة بالعدالة الاجتماعية وبمزايا للمزارعين والعمال. ستنتهي السنوات الأكثر ~~إثمارا للحركة التقدمية، والتي بدأت عام 1911، مع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية ~~الأولى في أبريل عام 1917. # تناول ويلسون والكونجرس قضية التعريفات الجمركية أولا، التي مثلت البند الأول في ~~برنامج الحزب الديمقراطي لعام 1912. ارتكزت الحجة على أن التعريفات الجمركية المرتفعة - ~~التي حددتها تعريفة باين-ألدريتش الجمهورية بمعدلات تزيد عن 40 في المائة في المتوسط - تسلب ~~المستهلكين أموالهم؛ لأنها رفعت أسعار الأشياء التي يحتاجون إلى شرائها على نحو غير مبرر. ~~وبحلول شهر مايو، تزعم عضو الكونجرس عن ألاباما، أوسكار أندروود، تمرير مشروع قانون عبر ~~مجلس النواب يقضي بخفض المتوسط إلى 25 في المائة تقريبا. دخلت ضريبة الدخل ضمن مشروع ~~القانون، وتيسر ذلك بفضل التعديل السادس عشر الذي صدق عليه مؤخرا. واجه مشروع القانون ~~صعوبات أكثر في تمريره عبر مجلس الشيوخ، لكنه أجازه في سبتمبر، وصدق عليه ويلسون كقانون ~~في أكتوبر تحت اسم «تعريفة أندروود-سيمونز». # أصبحت البنود المتعلقة بضريبة الدخل قانونا تحت اسم ms100 «قانون الإيرادات لعام 1913». ~~ومثلما حدث في الجدال الذي أثير حول التعديل الدستوري في عام 1909، كانت أكثر الحجج ~~المؤثرة في صالح التعديل الدستوري هي أن أولئك الذين لديهم أكبر قدرة على الدفع، أولئك ~~الذين كافأهم المجتمع على أفضل نحو، ينبغي لهم سداد أعلى معدل ضريبي. في عام 1913، كان ~~مستوى التردد حول المعدلات الضريبية التصاعدية أقل مما كان عليه في عام 1909، مع ذلك كانت ~~المعدلات التي صدق عليها بعيدة كل البعد عن كونها ضرائب مصادرة للأموال. فأولئك الذين ~~يجنون أقل من 3 آلاف دولار كأفراد أو 4 آلاف كأزواج تم إعفاؤهم تماما. وأولئك الذين يجنون ~~20 ألف دولار (أي عشرة أضعاف المتوسط على الأقل) سيدفعون 1 في المائة؛ وأولئك الذين يجنون ~~50 ألف دولار فما فوق (بحسابات اليوم، 10 ملايين دولار تقريبا)، وهم قلة ضئيلة، سيدفعون ~~الحد الأقصى للضريبة وهو 7 في المائة. وما لا يمكن التنبؤ به هو ما إذا كان مشروع القانون ~~هذا سيتم تمريره، أو حتى التعديل السادس عشر نفسه في المقام الأول، إذا ارتاب المشرعون في ~~أن المعدلات سترتفع بدرجة كبيرة خلال وقت قصير. # التفت ويلسون بعد ذلك إلى إصلاح المصارف. أراد الكثير من الناس - المصرفيون والمزارعون ~~وأصحاب المشروعات الصغيرة، وتقريبا جميع من كان يملك المال أو يكتسبه - إصلاح النظام ~~المصرفي الفوضوي الذي نما منذ الحرب الأهلية. تذكر هؤلاء أزمات الكساد في سبعينيات ~~القرن التاسع عشر وتسعينياته، والذعر المصرفي لعام 1907، وأدركوا أن الإخفاقات المصرفية ~~وندرة العملة لعبتا أدوارا هامة في جميع تلك الأزمات. لكن ما نوع ذلك الإصلاح؟ طالب ~~الزراعيون منذ عهد الشعبويين إبان تسعينيات القرن التاسع عشر بزيادة عدد تداول العملة، على ~~ألا تكون في قبضة المصرفيين، لا سيما من في مصارف وول ستريت الضخمة. على الجانب الآخر، ~~أدرك المصرفيون جيدا ضرورة وجود آليات لتجنب حدوث أزمات الذعر المصرفي والتهافت على سحب ~~الودائع، بيد أنهم رأوا أنهم أفضل من يضطلع بالإشراف على النظام المصرفي مع ضمان حكومي ~~فيدرالي بالقدرة التامة على الوفاء بالديون. انبثقت وجهة نظر المصرفيين ms101 هذه من اللجنة ~~النقدية الوطنية، التي تعرف على نطاق واسع بلجنة ألدريتش، التي أنشئت بعد الذعر المصرفي ~~عام 1907. # بعد استحواذ الديمقراطيين على الكونجرس في أعقاب انتخابات عام 1910، قاموا بمباشرة تحقيق ~~حول ما أطلقوا عليه «المؤسسة النقدية الاحتكارية»، التي كانت أساس جميع الاتحادات ~~الاحتكارية، كما زعموا؛ وذلك لأنها تحكمت في النقود نفسها؛ ومن ثم الائتمان؛ وبناء ~~عليه تحكمت في الاقتصاد بأسره. وعلى مدى عامين، استجوب هذا التحقيق، الذي ترأسه عضو ~~الكونجرس عن لويزيانا، أرسين بوجو، المصرفيين وغيرهم وصولا إلى جيه بيربونت مورجان نفسه. ~~وفي نوفمبر عام 1912، أقر مورجان بأن مصرفه يملك ودائع مقدارها 100 مليون دولار تعود إلى ~~ثلاث وسبعين مؤسسة تجارية تعمل بين الولايات، وأنه بنفسه يتولى إدارة بعض من تلك ~~المؤسسات التجارية، وأن الأهلية الائتمانية لطالب الاعتماد تخضع لقراره الفردي. وصرح ~~قائلا: «إن المعيار الأساسي هو الشخص»، وليس ضمان السداد. واعترف بأن مصرفه ملكية خاصة ~~تماما وليس خاضعا لقوانين فيدرالية أو خاصة بأي ولاية أو أي رقابة عامة، ولا ينبغي له ~~ذلك. من وجهة نظر مورجان، هذا هو الوضع الطبيعي والأفضل للأمور. أما بوجو وقطاع كبير من ~~الشعب، فقد رأوا في ذلك اعترافا سافرا بانعدام المسئولية في القطاع المصرفي. # يجب بطريقة أو بأخرى المواءمة بين وجهة النظر الخاصة بالمصرفيين وبين تلك الخاصة ~~بالزراعيين. حاولت مشروعات قوانين عديدة فعل ذلك، وفي النهاية، ومع تدخل ويلسون الشخصي، ظهر ~~مزيج من المقترحات المختلفة أسفر عن تأسيس ما يقرب من اثني عشر مصرفا إقليميا، تمتلكها ~~المصارف الخاصة التابعة لها، لكن يشرف عليها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي يعينه ~~الرئيس ويصدق عليه مجلس الشيوخ. ستصدر مصارف الاحتياطي الإقليمية عملات («أوراق نقد ~~الاحتياطي الفيدرالي»، كما أطلق عليها منذ ذلك الحين وحتى الآن) تدعمها الحكومة ~~الفيدرالية. تتمتع مصارف الاحتياطي الإقليمية بسلطة تزويد المصارف الأعضاء التابعة لها ~~بالأموال في حالة حدوث ذعر مصرفي أو تهافت على سحب الودائع؛ باختصار، يمكن أن تؤدي دور ~~«المقرض الأخير»، وهو إحدى الوظائف التقليدية لأي مصرف مركزي. وخلال الذعر المصرفي عام ~~1907، اضطلع مورجان ms102 وبضع مصرفيين آخرين بتلك الوظيفة. # أسفرت جلسات الاستماع التي عقدها بوجو عن مطالبة الشعب بدرجة أكبر من المحاسبة العامة. لم ~~تستغل سلطات «المقرض الأخير» الخاصة بالاحتياطي الفيدرالي بفاعلية في مستهل أزمة الكساد ~~الكبير، عندما انهارت آلاف المصارف أثناء تولي هوفر الرئاسة (1929-1933). مع ذلك، أسس ~~قانون الاحتياطي الفيدرالي لعام 1913 أول نظام وطني حقيقي منذ رفض أندرو جاكسون تجديد ميثاق ~~المصرف الثاني للولايات المتحدة عام 1833. أصبح «الاحتياطي الفيدرالي» النظير الأمريكي ~~لمصرف إنجلترا والمصارف المركزية بالبلدان الكبرى الأخرى. مرر مشروع القانون في مجلس ~~النواب في سبتمبر وفي مجلس الشيوخ في ديسمبر، بشبه إجماع بين الديمقراطيين وانقسام بين ~~الجمهوريين، وصدق عليه ويلسون في 23 ديسمبر عام 1913. ومن بين المشروعات الثلاثة الكبرى ل ~~«الحرية الجديدة الأولى»، لم يتبق سوى وضع قانون جديد لمكافحة الاحتكار. # ظل الكونجرس الثالث والستون في حالة انعقاد دائم، حتى انتخابات عام 1914 تقريبا، ~~باستثناء بعض فترات الراحة القصيرة. وفي ربيع عام 1914، أجاز قانون سميث- ليفر، الذي سمي ~~تيمنا بالسيناتور هوك سميث من جورجيا وعضو الكونجرس إيه إف ليفر من ساوث كارولينا، ربط ~~ذلك القانون التعليم المهني في مجال الزراعة والاقتصاد المنزلي بنظام منح الأراضي للكليات ~~الموجود منذ عام 1862. كما وفر دعم الحكومة الفيدرالية للجمعيات التعاونية الزراعية؛ مما ~~أفضى إلى نظام وكلاء المقاطعات الذين ساعدوا المزارعين في زراعة المحاصيل وتربية المواشي ~~بطريقة علمية وفعالة أكثر. تولت الحكومة الفيدرالية بالاشتراك مع حكومات الولايات ~~تمويل هذه الجهود، واستخدم أول اتفاق تمويل مشترك على هذا النحو في غضون بضع سنوات لإنشاء ~~أول شبكة طرق سريعة فيدرالية. ومن باب المفارقة، أصبح نظام وكلاء المقاطعات في حينه مصدر ~~دعم لكبار المزارعين الأكثر ثراء وميلا للتوجه المحافظ، على الرغم من أن قانون سميث-ليفر ~~كان في جميع جوانبه إجراء مناصرا للزراعيين، وحظي بدعم المزارعين الديمقراطيين الأقل ~~ثراء، مع ذلك كان جزءا هاما ونموذجيا من برنامج «الحرية الجديدة»، وصدق عليه ويلسون ~~في 8 مايو 1914. # تمثل الإجراء الرئيسي الأخير في «الحرية الجديدة الأولى» في تشريع لمكافحة الاحتكار، ~~وهنا سلك ويلسون ms103 منعطفا يمينيا بعض الشيء، مع انزلاق الاقتصاد نحو الكساد؛ فبعد أن أنجز ~~أول بندين من أولوياته (خفض التعريفة الجمركية وإصلاح النظام المصرفي)، مضى قدما في وضع ~~تشريع لمكافحة الاحتكار في ربيع وصيف عام 1914. حمل هذا الإجراء الذي من شأنه تعزيز قانون ~~شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام 1890 - الذي ~~جردته المحاكم من جوهره إلى حد بعيد - اسم عضو الكونجرس عن ألاباما هنري كلايتون. حدد ~~مشروع القانون العديد من وسائل وممارسات الاتحادات الاحتكارية التي تعتبر مستهجنة ومتعارضة ~~مع الصالح العام، ومرر القانون في مجلس النواب في مايو، ولكنه توقف في مجلس الشيوخ. # في ذلك الوقت، هب مستشار ويلسون، المحامي لويس دي برانديز، لمساعدة ويلسون. اقترح ~~برانديز أن يدعم الرئيس مشروع قانون آخر يشق طريقه عبر الكونجرس، وينص على إنشاء لجنة ~~تنظيمية قوية من صلاحياتها تحديد الممارسات التجارية غير العادلة حال ظهورها وملاحقتها. كما ~~أنه كان سيكفل مرونة أكثر من مشروع قانون كلايتون. آثر التقدميون الجمهوريون، أتباع حزب ثور ~~الموظ في السابق، هذا النوع من القوانين المنظمة المكافحة للاحتكار على مشروع كلايتون ~~الأكثر صرامة وتصديا (من وجهة نظرهم). كان إنشاء لجنة تنظيمية قوية ما أيده روزفلت ~~تحديدا عام 1912، بينما كان سن تشريع على غرار مشروع كلايتون ما كان يخطط له ويلسون، ومع ~~ذلك وقف ويلسون خلف فكرة إنشاء اللجنة. أقر مجلس الشيوخ قانون لجنة التجارة الفيدرالية في ~~أوائل سبتمبر، وصدق عليه ويلسون في 26 سبتمبر. وبعد أسبوعين تقريبا، أقرت نسخة أقل ~~صرامة من مشروع كلايتون كقانون أيضا، ما أدى إلى الدمج بين نهجي برنامجي «الحرية ~~الجديدة» و«القومية الجديدة». # نجح القانونان معا في مكافحة الاحتكار. استثنى القانونان الاتحادات العمالية والجمعيات ~~التعاونية الزراعية، وبهذا قضيا على الأحكام القضائية المعتادة بأن الإضرابات والمقاطعات ~~كانتا «تعرقلان التجارة»، علاوة على ذلك، أكد قانون كلايتون على أن عمل المرء ليس سلعة ~~تجارية. كان الديمقراطيون الزراعيون بالجنوب والغرب الأشد تأييدا للبنود المؤيدة للاتحادات ~~العمالية. وكانت قرارات اللجنة خاضعة للمراجعة القضائية، ولم تتفق المحاكم مع تلك القرارات ~~على الدوام، إلا أن ويلسون ms104 أوفى بوعده بتحسين قوانين مكافحة الاحتكار بجدية. # وسرعان ما حل موعد انتخابات الكونجرس لعام 1914، وتحول ما يقرب من ستين مقعدا بمجلس ~~النواب من سيطرة الديمقراطيين إلى الجمهوريين، إلا أن الديمقراطيين احتفظوا بأغلبية آمنة ~~بأربعة وثلاثين مقعدا. وفي واقع الأمر استحوذ الديمقراطيون على العديد من المقاعد الإضافية ~~بمجلس الشيوخ. وفي كلا المجلسين، كان باستطاعة رجال ويلسون من الديمقراطيين (جنبا إلى جنب ~~مع أعضاء الكونجرس المنتمين إلى الحزب التقدمي، الذين كانوا يصوتون معهم بوجه عام) ~~الاستمرار في تمرير إجراءات برنامج «الحرية الجديدة». لم تصدر قوانين جديرة بالأهمية في عام ~~1915، باستثناء قانون متعلق بحماية بحارة السفن التجارية في 4 مارس، وقد تبناه لافوليت. ~~حظر ذلك القانون استغلال البحارة من قبل مسئولي السفن وأصحابها بممارسات بعينها مثل: ~~الأجور المنخفضة، والطعام الرديء، وساعات العمل غير المحددة، وتركهم في موانئ أجنبية وهم ~~مدينون لهم بأجور مستحقة. وفي نهاية المطاف، شكل هذا أهم قانون أسهم به لافوليت على المستوى ~~الفيدرالي. # استغرق ويلسون، من جانبه، في أمور شخصية: وفاة زوجته الأولى في أغسطس عام 1914، وعلاقته ~~العاطفية السريعة جدا، وزواجه الثاني في أواخر عام 1915. كما ازداد انشغاله بالقضايا ~~الخارجية؛ فقد أرسل قوات من البحرية الأمريكية إلى هايتي (مثلما فعل في نيكاراجوا عام 1914 ~~ومثلما سيفعل في جمهورية الدومينيكان عام 1916)، وانحاز إلى المتمردين في الثورة المكسيكية، ~~وفوق هذا وذاك حاول تجنب التورط في الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في أوروبا في أغسطس ~~عام 1914. وعندما نسفت غواصة ألمانية السفينة البريطانية لوسيتينيا في مايو عام 1915، وقتلت ~~128 أمريكيا كانوا على متنها، احتج ويلسون بشدة، على نحو مبالغ فيه من منظور برايان ~~الداعي إلى السلام، الذي استقال من منصبه كوزير للخارجية. # شكل 4-3: الرئيس وودرو ويلسون وزوجته الثانية، إديث بولينج جالت ويلسون، في صورة ~~التقطت بعد زواجهما عام 1915 وقبل إصابته بالسكتة الدماغية التي أقعدته ~~عام 1920. # في عام 1916 وأوائل عام 1917، أقرت مجموعة كبيرة من الإجراءات الهامة من قبل الكونجرس ~~الرابع والستين، وصدق عليها ويلسون كقوانين على الفور. فقد صدر في يوليو قانون ms105 القروض ~~الزراعية الفيدرالية، الذي نص على تقديم الائتمان لصغار المزارعين من خلال الجمعيات ~~التعاونية. وفي أغسطس، صدر قانون آخر بتأسيس إدارة المتنزهات الوطنية، التي جمعت المتنزهات ~~الوطنية والمعالم الأثرية والمواقع التاريخية العديدة تحت مظلة هيئة واحدة، الأمر الذي راق ~~للتقدميين المهتمين بقضايا الحفاظ على البيئة. وصدق الرئيس في الأسبوع الأول من سبتمبر ~~فقط على أربعة قوانين هامة أخرى: الأول هو قانون كيتنج-أوين لعمالة الأطفال، الذي يحظر ~~التجارة بين الولايات في أي سلعة صنعها أطفال دون عمر الرابعة عشرة. (أبطلت المحكمة العليا ~~هذا القانون عام 1918 في قضية «هامر ضد داجينهارت».) وبعد يومين، صدق ويلسون على قانون ~~آدمسون، الذي أعطى لعمال السكك الحديدية بالخطوط الممتدة بين الولايات ثماني ساعات عمل ~~يوميا. كان مثل هذا الإجراء الوقائي ملحا للغاية، مع إظهار الإحصاءات أن ساعات العمل ~~الأطول من ذلك ترفع من معدلات الحوادث على نحو كبير. صدر بعد ذلك أول قانون فيدرالي ~~للتعويضات العمالية في 7 سبتمبر، الذي يوفر التأمين الطبي للعمال الفيدراليين الذين يعانون ~~من إصابات عمل. وأخيرا، صدر قانون الإيرادات لعام 1916 في 8 سبتمبر، الذي رفع معدلات ضريبة ~~الدخل ليصل أعلى معدل إلى 15 في المائة، ويسري على الدخول المقدرة ب 2 مليون دولار ~~أمريكي فأعلى. ومع ازدياد الاحتمال غير المرغوب والواضح مع ذلك بدخول الولايات المتحدة ~~الحرب العالمية الأولى، احتاجت الحكومة الفيدرالية إلى المزيد من الأموال، وساعد ذلك ~~القانون في ذلك؛ حيث إنه تضمن أيضا ضرائب فيدرالية على التركات وضرائب على «الأرباح ~~الاستثنائية» للشركات. وفي عام 1917، بعد أن خاضت البلاد بالفعل حربا مع ألمانيا، اضطر ~~الكونجرس إلى رفع الضرائب بشدة. وبفرض عدم وجود ضرائب على الدخل من الأساس، فعلى الأرجح ما ~~كانت الولايات المتحدة لتخوض الحرب العالمية الأولى لعدم امتلاكها المال الكافي ~~لذلك. # ومن ثم، أنشأ الكونجرس والرئيس ويلسون سجلا تقدميا حافلا سيخوضان على أساسه ~~الانتخابات الوشيكة لعام 1916. أنجز ويلسون أمورا كثيرة مما وعد بها في برنامج «الحرية ~~الجديدة» قبل أربعة أعوام. وعندما أعيد ترشيحه، لم يواجه سوى منافس ms106 واحد مهم، وهو مرشح ~~الحزب الجمهوري تشارلز إيفانز هيوز من نيويورك. فاز ويلسون في الانتخابات، لكن كانت الخسارة ~~وشيكة. رشح الحزب التقدمي ثيودور روزفلت مجددا، إلا أنه رفض خوض الانتخابات، ولم يترشح أحد ~~بدلا منه. فاز ويلسون ب 49,4 في المائة من التصويت الشعبي، وهي نتيجة أفضل كثيرا من ~~انتخابات عام 1912، التي حصل فيها على 41,9 في المائة. إلا أن هيوز حقق نسبة أعلى من مجموع ~~الأصوات التي حصل عليها روزفلت وتافت معا في عام 1912. فاز ويلسون بأصوات المجمع الانتخابي ~~بفارق ضئيل للغاية؛ 277 إلى 254، وجاءت نتيجة كاليفورنيا المتأخرة لتدفعه قليلا نحو ~~الصدارة. ولو أن أصوات الناخبين المؤيدين لروزفلت في عام 1912 الذين لا يزالون يشعرون ~~بالاستياء ذهبت إلى هيوز، لخسر ويلسون. كان مستقبل الديمقراطيين مبهما؛ فقد اعتمد فوز ~~ويلسون عام 1912 على انشقاق روزفلت عن حزبه، ويعود الفضل في فوزه في الانتخابات الثانية ~~بقدر كبير إلى شعار الحملة: «لقد جنبنا الحرب»، وهو الشعار الذي ستدحضه الأحداث بعد ذلك ~~بفترة وجيزة جدا. تراجعت الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب إلى ستة مقاعد فقط، وخسروا ~~ثلاثة مقاعد في مجلس الشيوخ. أخفق الحزب الجمهوري مع ذلك في استرجاع الأغلبية التي حظي ~~بها قبل عام 1911، لكنه سيحققها في عام 1918. وهكذا ولت أيام أوج الحركة التقدمية ~~الزراعية. # أسفرت الجلسة الأخيرة للكونجرس الرابع والستين عن التشريع الأخير من برنامج «الحرية ~~الجديدة». كان يجب إدراج الإجراء الأول، قانون الهجرة لعام 1917، ضمن قائمة الإصلاحات ~~التقدمية، لكن من الصعب أن نعتبره جزءا من برنامج «الحرية الجديدة»؛ نظرا لأن الكونجرس ~~أجازه في فبراير عام 1917 رغم استخدام ويلسون لحق النقض. اشترط القانون قدرة المهاجرين على ~~القراءة بالإنجليزية أو بلغة أخرى. طرحت مقترحات مثل هذه بوضع اختبارات الإلمام بالقراءة ~~والكتابة أمام الكونجرس قبل هذا منذ عام 1896. وعلى مدار السنوات الأولى من القرن العشرين، ~~كان هذا الاختبار هو الوسيلة المحبذة للمطالبين بتقييد الهجرة، بما في ذلك لجنة ~~ديلنجهام، التي افترضت أن ذلك سيخفض أعداد الوافدين من جنوب وشرق أوروبا، بما سيسمح بقدوم ms107 ~~الوافدين «المرغوبين أكثر» من شمال وغرب أوروبا. لم يحقق هذا الاختبار ذلك الهدف مطلقا؛ ~~ومن ثم شرع قانون عنصري صريح أكثر في عام 1921، ينص على تحديد نسب معينة للهجرة حسب ~~الجنسيات، مع تخفيض الأعداد الوافدة من الشعوب «المرغوبة بدرجة أقل» بصورة كبيرة أو منعها ~~تماما. كما حظر قانون عام 1917 جميع المهاجرين تقريبا من أي دولة آسيوية. كان تقييد ~~الهجرة جزءا من الحركة التقدمية، أو على الأقل جزءا من أجندة الكثير من التقدميين ~~اليمينيين. # خرجت بضعة قوانين أخرى تابعة لبرنامج «الحرية الجديدة» من الكونجرس بدعم من الزراعيين. ~~صدر في مارس عام 1917 قانون جونز-شافروث الذي منح الجنسية لمواطني بورتوريكو، وقانون ~~سميث-هيوز للتعليم المهني، الذي زاد بنود قانون سميث-ليفر لعام 1914 ودعم تدريب المعلمين ~~والتدريب في مجالات الزراعة والاقتصاد المنزلي والمهن الصناعية. وكان هذا آخر تشريع يستهدف ~~العمال أو التعليم في الحقبة التقدمية. وفي غضون شهر، دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية ~~الأولى. لم تنته الحركة التقدمية تماما؛ فسوف تصدر التعديلات الدستورية الخاصة بحظر ~~المشروبات الكحولية وحق المرأة في الانتخاب لاحقا، غير أن أجندة الأعوام من 1910 إلى 1917، ~~الخاصة بالقوانين المؤيدة للرفاهية الاجتماعية، والبنى الحكومية الأكثر ديمقراطية، وضرائب ~~الدخل والرسوم الجمركية المخفضة، والمصرف المركزي، قد استنفدت. # الفصل الخامس # | الحرب العالمية الأولى ووباء الأنفلونزا: 1917-1919 # علق وودرو ويلسون عندما تسلم مقاليد الحكم أنه من سخرية الأقدار أن تضطر إدارته ~~للتعامل مع الشئون الخارجية بصورة رئيسية. توحي قائمة الإجراءات المثيرة للإعجاب ببرنامج ~~«الحرية الجديدة» من عام 1913 إلى عام 1917 بأن ذلك لن يحدث، إلا أن ويلسون غرق على الفور ~~في المشكلات الخارجية في المكسيك ومنطقة الكاريبي، واستنزفت ولايته الثانية باشتراك ~~الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى. # كانت خبرة ويلسون وتوجهاته، والقضايا التي دفعته نحو الرئاسة، منصبة حقا على الشئون ~~الداخلية أكثر من الخارجية. وفي هذا الصدد، كان مختلفا تماما عن ثيودور روزفلت، الذي ~~تحمس للعب دور الوسيط في نزاعات البلدان الأخرى، الذي «انتزع بنما» (كما أقر)، والذي ~~طالب بقوة بعد عام 1914 بخوض ms108 الولايات المتحدة الحرب إلى جانب فرنسا وبريطانيا، بل وطلب من ~~الرئيس تعيينه قائدا للجيش، إلا أن ويلسون رفض طلبه، مدركا أنه لن يجد من هو أشد ~~تمردا وتهورا من روزفلت كقائد للجيش. أمضى ثيودور روزفلت فترة الحرب في إحباط شديد، ووجد ~~ويلسون نفسه ينزلق نحو الشئون الخارجية التي لجأ فيها، نظرا لافتقاره إلى الخبرة الواسعة، ~~إلى مثاليته القاسية في كثير من الأحيان. # بدأ انخراط الولايات المتحدة في منطقة الكاريبي في عهد ماكينلي، وازداد في عهد روزفلت ~~وتافت، وحظي ذلك بدعم وافر من الجمهوريين أكثر من الديمقراطيين، إلا أن ويلسون لم يواصل ~~النزعة الإمبريالية الأمريكية في تلك المنطقة فحسب، بل وسع نطاقها؛ فعندما تولى السلطة ~~في عام 1913، كانت قناة بنما أنجزت تقريبا. وكانت كوبا ونيكاراجوا دولتين مستقلتين ~~صوريا لكنهما ظلتا «تحت الوصاية» الأمريكية، وحافظ ويلسون على وجود بعض قوات البحرية ~~الأمريكية في نيكاراجوا. وعندما اندلعت الاضطرابات في هايتي عام 1915، أرسل قوات البحرية ~~إلى هناك، وظلت هناك حتى عام 1934. ومع تأزم الأوضاع في جمهورية الدومينيكان عام 1916، ~~أرسل قوات البحرية إلى هناك أيضا، وظلت هناك حتى عام 1924. أدارت حكومات صورية البلدين. ~~وفي يناير عام 1917، صدق ويلسون على شراء جزر الإنديز الغربية الدانماركية، التي أصبح ~~اسمها جزر فيرجين الأمريكية. ومن تلك الجزر شرقا حتى قناة بنما غربا، أصبحت منطقة ~~الكاريبي بحيرة أمريكية. ~~«المثالية الويلسونية» هي منهج في التعامل مع القضايا الخارجية يسعى إلى نشر الفضائل ~~الأمريكية - أو فرضها، إذا اقتضت الضرورة - مثل الديمقراطية والحرية والأخلاق العامة وسيادة ~~القانون في مناطق أخرى، وهي مثل رائعة، إلا أنها لم تكن تناسب دوما تلك المناطق. إبان ~~الوقت الذي تولى فيه ويلسون المسئولية عام 1913، استولى جنرال يدعى فيكتوريانو ويرتا ~~على السلطة في المكسيك وقتل سلفه. رفض ويلسون الاعتراف بحكومة ويرتا وأرسل سفنا حربية ~~عند ساحل المكسيك لتقويض نفوذه. وبعد واقعة القبض خطأ على بعض البحارة الأمريكيين، طلب ~~ويلسون من الكونجرس تفويضه «باستخدام القوة لإخضاع ويرتا». رست قوات البحرية الأمريكية ~~في فيراكروز في أبريل عام 1914 وظلت هناك حتى ms109 نوفمبر. قتل تسعة عشر من القوات، وما لا ~~يقل عن مائتي مكسيكي أيضا. رحل ويرتا عن السلطة، واعترف ويلسون بخليفته «الشرعي ~~دستوريا». مع ذلك ظلت المكسيك في حالة فوضى حقيقية، وبعد عام تقريبا أغار أحد قادة ~~الفصائل، بانشو فيا، على مدن بمحاذاة الحدود الأمريكية. رد ويلسون بإرسال 11 ألف جندي تحت ~~قيادة الجنرال جون جي بيرشنج لمطاردة فيا. لكنهم لم يلقوا القبض عليه قط. ومع دنو ~~الاشتراك في حرب أوروبا، أمر ويلسون بيرشنج وقواته بالعودة إلى البلاد في يناير عام 1917. ~~وأخيرا، حظيت المكسيك بحكومة مستقرة عام 1920، إلا أن ويلسون ومثاليته لم يكن لهما دخل ~~بذلك. # ومع أهمية التدخلات في منطقة الكاريبي والمكسيك، واجه ويلسون والولايات المتحدة المشكلة ~~العظمى الخاصة بتجنب الدخول في الحرب الأوروبية التي بدأت في أغسطس عام 1914. عندما ~~اندلعت الحرب، دعا ويلسون الأمريكيين إلى الحفاظ على حيادهم في الأفكار والأفعال. بيد أنه ~~بحلول أبريل عام 1917، كان الأمريكيون قد أقرضوا الحلفاء (بريطانيا بصفة رئيسية) ما يزيد ~~على ملياري دولار وألمانيا 27 مليون دولار فقط. قاوم ويلسون الاشتراك في الحرب، لكنه وجد ~~أن من المحال عدم الانحياز إلى صف الحلفاء. ومع إغراق سفينة لوسيتينيا في 7 مايو عام ~~1915، أرسل وزير الخارجية ويليام جيننجز برايان مذكرة احتجاجية إلى الحكومة الألمانية، ~~داعيا فيها إلى إيقاف هجمات الغواصات. رأى ويلسون أن الرد الألماني ليس كافيا، وطلب إرسال ~~مذكرة ثانية أشد لهجة. رأى برايان أن المذكرة الثانية ستؤدي مباشرة إلى الدخول في الحرب، ~~ففضل تقديم استقالته في 9 يونيو بدلا من إرساله المذكرة. # لم يعقب ذلك نشوب الحرب مع الولايات المتحدة، وعلقت ألمانيا بالفعل الهجوم بالغواصات، إلا ~~أن إدارة ويلسون مضت قدما في «التأهب»؛ أي في التعزيزات العسكرية السريعة تحسبا ~~لاستئناف ألمانيا هجمات الغواصات. وإذا حدث ذلك، فإن المذكرة الاحتجاجية الثانية أكدت بقوة ~~على أن الولايات المتحدة ستعتبر ذلك سببا مباشرا للحرب، وستعلن الحرب على ألمانيا. وفي ~~يونيو 1916، أجاز الكونجرس زيادة حجم الجيش إلى الضعف تقريبا، وقدم في أغسطس مئات ملايين ~~الدولارات لشراء سفن ms110 حربية جديدة. عارض برايان والسيناتور لافوليت وجين آدمز وغيرهم من ~~التقدميين جهود التأهب هذه، إلا أن الكثير من الديمقراطيين ومعظم الجمهوريين في الكونجرس ~~دعموا ويلسون. أصر التقدميون في الكونجرس، مع ذلك، بقيادة نائب نبراسكا جورج نوريس، على ~~أن هؤلاء الذين سيستفيدون من التعزيزات العسكرية الجديدة - صانعي الذخائر وأحواض بناء السفن ~~والمستثمرين - يجب أن يدفعوا في المقابل. وحرصوا في سبتمبر على أن يضاعف المعدل ~~الأدنى لضريبة الدخل في قانون الإيرادات لعام 1916 من 1 إلى 2 في المائة، مع رفع الضريبة ~~الإضافية على الدخول المرتفعة ليكون حدها الأقصى 15 في المائة، وفرض ضريبة تصاعدية على ~~التركات وضرائب خاصة على أرباح المؤسسات وصانعي الذخائر. لم تكن الولايات المتحدة قد دخلت ~~الحرب بعد، إلا أن التقدميين في كلا الحزبين الرئيسيين بدءوا في الانقسام حول مقدار ~~«التأهب» الذي يجب دعمه. # رأى البعض أن من الممكن القيام بالتأهب للحرب والدعوة إلى السلام على حد سواء، وحتى أوائل ~~عام 1917، لم يخيب ويلسون ظن هؤلاء. حاول ويلسون لم الشمل بين الحلفاء ودول المحور، وفي ~~22 يناير، دعا في خطاب في الكونجرس، إلى «سلام دون انتصار»؛ أي هدنة بالتفاوض. لم يجد هذا ~~الحديث صدى لدى قطاع كبير من الشعب، وكذلك لم يأخذه ~~الحلفاء أو الألمان على محمل الجد. وفي المقابل، أعلنت ألمانيا في 31 يناير - في رهان على ~~الإنهاء السريع لحرب الخنادق الدامية والجامدة التي تحولت إليها الساحة الغربية - بأنها ~~ستستأنف هجمات الغواصات بلا قيود. قطع ويلسون العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا في 3 فبراير. ~~وفي مارس، وأثناء تمرير التشريع المحلي الأخير من برنامج «الحرية الجديدة»، أغرقت الغواصات ~~الألمانية خمس سفن تجارية أمريكية. وفي 2 أبريل، طلب ويلسون من الكونجرس إعلان الحرب على ~~ألمانيا. صوت مجلس الشيوخ على الفور بالموافقة على ذلك، بتصويت 82 إلى 6، وأعقبته موافقة ~~مجلس النواب بأربعة أيام، بتصويت 373 إلى 50، وأعلن ويلسون الحرب في ذلك اليوم. # أظهر تصويت مجلس النواب أن أقلية من التقدميين، وإن كانت هامة، ظلت غير مقتنعة ~~بضرورة خوض أمريكا هذه الحرب. ms111 صوتت جانيت رانكين النائبة عن مونتانا، وهي أول امرأة على ~~الإطلاق تنتخب في الكونجرس، ضد إعلان الحرب. وعارض التقدميان جين آدمز وراندولف بورن ~~دخول أمريكا الحرب، بيد أن جون ديوي، وهو تقدمي كبير بالمثل، دعم القرار كلية، وكذلك ~~أيضا العديد من المصلحين الآخرين. أيدت عامة الشعب الرئيس، مثلما تفعل على الدوام ~~تقريبا في مثل هذه المواقف. كانت الحرب العالمية الأولى على النقيض - بالنسبة للولايات ~~المتحدة، وليس للدول الأوروبية المنهكة - «حربا جيدة»؛ فقد صورت على أنها معركة من ~~أجل الديمقراطية في وجه الطغيان، وانقضت سريعا، فلم تسمح بظهور المشاعر المناهضة للحرب ~~(بعيدا عن الأقلية الداعية للسلام). وصلت أولى القوات الأمريكية إلى فرنسا في يوم 26 ~~يونيو، ووصل عدد الجنود التي أرسلتها الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى مليوني جندي ~~تقريبا. وخلال فصلي الصيف والخريف، كان للحملة العسكرية الأمريكية تأثير حاسم في إنهاء ~~الحرب في 11 نوفمبر عام 1918. # بعد دخول أمريكا الحرب بفترة وجيزة جدا، جاءت التشريعات الصادرة من الكونجرس والقوانين ~~التنفيذية من الإدارة الأمريكية لتمركز الاقتصاد من أجل الجهد الحربي، ولتكبح أي انشقاق ~~مناهض للحرب، ولتكشف عن وجه مظلم للتوجه التقدمي. كانت القواعد التنظيمية للمشروعات ~~الخاصة على اختلاف أنواعها، بدءا من المزارع إلى شركات السكك الحديدية، غير مسبوقة وشاملة ~~في ظل مجلس صناعات الحرب الجديد. كان مجلس عمالة الحرب الوطني مخولا بالتوسط في النزاعات ~~وتفادي حدوث الإضرابات. كما وجهت لجنة الإعلام الأمني بقيادة جورج كريل الرأي العام لدعم ~~الحرب. هذا وجمعت «قروض الحرية» المال من خلال بيع سندات الحرب لعامة الناس. كما جند ~~«قانون التجنيد الإلزامي» الذي صدر في 18 مايو عام 1917 الشباب، وأسس سريعا جيشا أكبر ~~حجما. بعد مرور شهر، مرر الكونجرس قانونا للتجسس، وفي مايو عام 1918 قانونا للتحريض ~~على الفتنة. أباح هذان القانونان معا أشد القيود جورا على حرية التعبير منذ قوانين ~~الأجانب والتحريض على الفتنة التي أجيزت في عهد جون آدمز عام 1798، فيما عدا أن قوانين ~~عامي 1917 و1918 طبقت بحزم أكبر كثيرا. أدين ما يزيد ms112 على ألف شخص بموجب هذين ~~القانونين، وبخاصة الاشتراكيون، وحكم على يوجين في ديبس بالسجن لمدة عشرين عاما. وفي 16 ~~أكتوبر عام 1918، استثنى قانون جديد للهجرة «الأجانب الذين يؤمنون بالإطاحة بحكومة الولايات ~~المتحدة أو بجميع صور القانون بالقوة أو بالعنف أو يؤيدون ذلك» أو «الذين لا يؤمنون بجميع ~~أشكال الحكم المنظم أو يعارضونها.» استهدف القانون المهاجرين الأجانب، إلا أن الرأي وقع ~~ضحيته؛ فبصرف النظر عن مدى خصوصية الرأي، فقد أصبح حينها سببا للترحيل عن البلاد أو ~~الاعتقال. # وعلى مدى ما يزيد على عقدين، كان الضغط يتزايد من جانب الكثير من التقدميين لحظر بيع ~~المشروبات الكحولية. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء يمثل اعتداء واضحا على السلوك ~~الشخصي، فلم ينظر إليه آنذاك على أنه إجراء أحمق أو عديم الجدوى أو اعتداء على الخصوصية، ~~مثلما اتضح فيما بعد، بل اعتبر إجراء يتعلق بالصحة العامة والسلامة والأخلاق. منذ عام ~~1874، روج اتحاد الاعتدال المسيحي النسائي للآثار الضارة لتناول المشروبات الكحولية وحث ~~على حظرها. وبداية من عام 1880، قدم حزب حظر المشروبات الكحولية مرشحين في الانتخابات ~~الرئاسية، وفاز الحزب في جميع الانتخابات تقريبا منذ عام 1888 إلى عام 1920 بما يزيد على ~~200 ألف صوت. أقرت قوانين حظر بيع المشروبات الكحولية في الولايات والمحليات، وشملت ما ~~يقرب من ثلاثة أرباع البلاد بحلول عام 1917. أيدت كنائس مسيحية بعينها قرار الحظر، شأنها ~~شأن التقدميين الذين اعتبروا المشروبات الكحولية مدمرة للعائلات والبيوت ومساهما رئيسيا ~~في انتشار الفقر والأحياء العشوائية وغير ذلك من الآفات الاجتماعية؛ ومن هذا المنطلق، كان ~~حظر المشروبات الكحولية إصلاحا تقدميا. # بعد دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، زاد الضغط من أجل تمرير تعديل دستوري ~~يحظر بيع المشروبات الكحولية وتصنيعها واستيرادها. ثمة أسباب ذات صلة بالحرب وراء ذلك؛ فقد ~~اعتبرت الجعة منتجا ألمانيا، كما احتاج الجهد الحربي إلى الحبوب. وبناء عليه، وبعد ~~محاولات عديدة، أجاز الكونجرس في ديسمبر عام 1917 ما صار لاحقا التعديل الدستوري الثامن ~~عشر وأرسله إلى الولايات للتصديق عليه. وفي يناير عام 1919 صدقت ست ms113 وثلاثون ولاية على ~~التعديل الدستوري وهو العدد اللازم لإيجازه. ومرر قانون لتفعيل هذا التعديل يحمل اسم عضو ~~الكونجرس عن مينيسوتا أندرو فولستيد في أكتوبر 1919، وبدأ الحظر على مستوى البلاد عام 1920، ~~واستمر حتى تم إلغاء التعديل الدستوري في عام 1933. # ومع قدوم مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين إلى فرنسا، تطلع الرئيس ويلسون إلى شكل السلام ~~فيما بعد. وعندما تحدث أمام الكونجرس في 8 يناير عام 1918، أعلن عن خطة من أربع عشرة نقطة، ~~كانت تلك الخطة أيضا وثيقة تقدمية بكل وضوح؛ صورة مختلفة بطعم مثالية ويلسون. تمثلت النقطة ~~الأولى في «اتفاقات سلام مفتوحة، يتم التوصل إليها علانية»؛ أي لا مزيد من المعاهدات ~~السرية، وتأتي بعد ذلك «الحرية التامة للملاحة عبر البحار»؛ وتجارة دولية تخلو من «كل ~~العوائق الاقتصادية»، وخفض التسلح، «وتسوية حرة، وواسعة الأفق ونزيهة تماما لجميع المطالب ~~الاستعمارية»، وتأتي بعد ذلك ضمانات محددة للحكم الذاتي للقوميات الخاضعة للإمبراطوريات ~~العثمانية والروسية والمجرية النمساوية المتداعية. ودعا في النقطة الرابعة عشرة إلى تأسيس ~~«جمعية عامة للأمم ... الغرض منها تقديم الضمانات المتبادلة الخاصة بالاستقلال السياسي ~~والتكامل الإقليمي للبلدان الكبيرة والصغيرة على حد سواء.» نمت هذه الخطة المناهضة ~~للإمبريالية والداعية إلى السلام والليبرالية في الاقتصاد والسياسة عن قائمة أمنيات ويلسون ~~المثالية للعالم فيما بعد الحرب. كما أنها حفلت بالتناقضات فيما يتعلق بحديثه المتداخل عن ~~حق تقرير المصير وتقديراته الشديدة التفاؤل حول ما ستوافق عليه القوى العظمى الأخرى ~~المنتصرة. مع ذلك، عندما افتتح مؤتمر السلام في باريس في يناير عام 1919، صارت نقاط ويلسون ~~الأربع عشرة الإطار العام لمعاهدة السلام. # حضر ويلسون شخصيا إلى المؤتمر ومكث هناك حتى منتصف فبراير لضمان أن النقطة الرابعة عشرة ~~من خطته، التي تدعو لوضع ميثاق عصبة الأمم، جزء من المعاهدة، بعد ذلك عاد إلى الوطن لمدة ~~شهر. برزت معارضة الميثاق في مجلس الشيوخ، على الرغم من أن الأغلبية الديمقراطية في ~~الكونجرس تلاشت مع انتخابات عام 1918، عاد ويلسون إلى باريس والمؤتمر دون أن تضم الحاشية ~~المرافقة له جمهوريا بارزا واحدا، وكان ذلك خطأ سياسيا ms114 جسيما. وفي أوائل يوليو، ~~عاد ويلسون إلى البلاد حاملا معه معاهدة فرساي المتضمنة في طياتها ميثاق عصبة ~~الأمم. # أصبحت المعاهدة الآن بين يدي مجلس الشيوخ للتصديق عليها أو تنقيحها أو رفضها. انقسم ~~أعضاء مجلس الشيوخ إلى أربع فرق: الديمقراطيين الداعمين للمعاهدة، و«المتعنتين» الأربعة ~~عشر (اثنا عشر منهم ينتمون إلى الحزب الجمهوري) الذين لن يصوتوا على المعاهدة تحت أي ظرف، ~~و«المتحفظين» المتشددين، الذين أرادوا إدخال تغييرات كبيرة وتأكيدات على أن السيادة ~~الأمريكية ليست في خطر؛ و«المتحفظين» المعتدلين، الذين كانت اعتراضاتهم ضئيلة نسبيا. بيد ~~أن ويلسون رفض التفكير في إجراء أي تغييرات بالمعاهدة على الإطلاق. وفي سبيل حشد الرأي ~~العام، انطلق في جولة بالقطار حول المدن الصغيرة، قطع فيها 8 آلاف ميل في اثنين وعشرين ~~يوما. وفي مدينة بويبلو، بولاية كولورادو سقط من الإنهاك، عاد به القطار مسرعا إلى ~~واشنطن، وتبين هناك إصابته بسكتة دماغية شللية في 2 أكتوبر. ازداد عناد ويلسون وأصبح لا ~~يتزعزع عن رأيه ولا يقبل بأي تغييرات أو «تحفظات» أيا كانت. أحبط الطرفان المتطرفان - ~~الديمقراطيون الداعمون والمتعنتون في مجلس الشيوخ - المعاهدة المعدلة في 19 نوفمبر؛ 38 ~~صوتا مؤيدا في مقابل 53 صوتا معارضا. نمت ردة فعل الشعب، الذي رحب بعصبة الأمم عن ~~شعوره بالصدمة، وفرضوا أن تتم إعادة نظر في مارس عام 1920. وعلى الرغم من أن أعضاء مجلس ~~الشيوخ المنتمين إلى الحزب الديمقراطي البالغ عددهم واحدا وعشرين صوتوا هذه المرة في صف ~~المتحفظين، فلم تتحقق أغلبية الثلثين اللازمة. # في تلك الأثناء، مر عام 1919؛ ذلك العام المريع. كان تسريح الجند وإلغاء الصناعات ~~والهيئات المرتبطة بالحرب غاية في السرعة وانعدام التنظيم. ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية ~~بشدة، وأعيدت السكك الحديدية، التي تم تأميمها مدة الحرب، إلى ملكية الشركات. وفي أوائل ~~عام 1920، شجع قانون إيش-كامينز على التعاون بين إدارات الشركات، وبهذا ناقض سياسات ~~مكافحة الاحتكار والدمج السارية منذ قضاء ثيودور روزفلت على اتحاد نورذرن سيكيوريتيز الخاص ~~بمورجان وهاريمان عام 1904. ومع زوال قيود زمن الحرب، نشبت اضطرابات بين العمال ~~والرأسماليين؛ فدخل ما يزيد ms115 على 4 ملايين عامل في إضراب عن العمل عام 1919. واستمر «إضراب ~~عام» ل 60 ألف عامل في سياتل لخمسة أيام، وأظهر قوة الاتحادات والنقابات العمالية، لكنه ~~أفزع العامة أيضا، المتخوفين بالفعل من استيلاء البلاشفة والفوضويين على البلاد. وفي ~~سبتمبر بدأ 360 ألف عامل في صناعة الصلب إضرابا لأربعة أشهر. فشل الإضراب في نهاية الأمر، ~~واستطاعت شركات الصلب عرقلة الاتحادات العمالية حتى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين. # اندلع ما يزيد على أربعة وعشرين عمل شغب عرقي حول البلاد، جرى أسوؤها عند أحد شواطئ ~~شيكاجو في يوليو عندما جنح صبي أمريكي من أصل أفريقي نحو منطقة للبيض فقط. وبانتهاء ~~الأحداث كان قد قتل أكثر من ثمانية وثلاثين شخصا وجرح أكثر من خمسمائة شخص. وفي النهاية، ~~ابتداء من شهر نوفمبر، شرعت وزارة العدل بقيادة النائب العام إيه ميتشيل بالمر، المجهزة ~~بقوانين التجسس والتحريض على الفتنة والهجرة، في إلقاء القبض الجماعي على المهاجرين وغيرهم ~~من المشتبه بأن لهم توجهات تخريبية. اعتقلت «حملات بالمر» ما يربو على عشرة آلاف شخص بوقت ~~انتهائها في منتصف عام 1920. وجرى ترحيل ما يزيد على خمسمائة شخص. # لم يتبق سوى إجراء تقدمي واحد، إلا أنه كان هاما، ألا وهو: تشريع حق المرأة في ~~الانتخاب. بحلول عام 1912، كانت ثماني ولايات قد مررت القوانين الخاصة بحق المرأة في ~~الانتخاب، كذلك أدرجه روزفلت في برنامج حزب ثور الموظ. تظاهر المناصرون لحق المرأة في ~~الانتخاب، لكن ويلسون رفض دعمهم؛ يرجع هذا بدرجة ما إلى جذوره و«قواعده» في الجنوب المحافظ ~~على المستوى الاجتماعي، وأيضا ميوله الشخصية، ومع ذلك، زادت الضغوط إبان أوج الحركة ~~التقدمية. # وفي النهاية وافق ويلسون في يناير عام 1918 على دعم تعديل دستوري ينص على حق المرأة في ~~الانتخاب. مرر التعديل على الفور من مجلس النواب، ولكنه تعطل في مجلس الشيوخ، وعندما ~~حل موعد التصويت أخيرا في أكتوبر، أحبط التعديل بفارق ثلاثة أصوات. استهدفت مجموعات ~~الضغط المؤيدة لحق المرأة في الانتخاب بعد ذلك أعضاء الكونجرس الذين رفضوا التعديل في ~~انتخابات نوفمبر. وفي فصل ms116 الربيع، أجاز الكونجرس التعديل الدستوري الخاص بحق المرأة في ~~الانتخاب في يسر؛ فأجازه مجلس النواب في 21 مايو عام 1919 ب 304 أصوات مقابل 89، ومجلس ~~الشيوخ في 4 يونيو ب 56 صوتا مقابل 25. وبالرغم من رفض ولايات عديدة (خاصة في الجنوب) ~~للتعديل، فقد صدق عليه العدد اللازم لإيجازه وهو ست وثلاثون هيئة تشريعية في أغسطس عام ~~1920، وأدرج التعديل التاسع عشر في الدستور. كفل التعديل ما يلي: «لا يجوز للولايات ~~المتحدة ولا لأي ولاية فيها حرمان مواطني الولايات المتحدة حق الانتخاب أو الانتقاص لهم من ~~هذا الحق لعلة الجنس.» وهكذا، في عام 1920، دخل آخر تعديل من بين التعديلات «التقدمية» ~~الأربعة الدستور. # استنفد الآن البرنامج التقدمي الذي صاغه برايان وروزفلت وويلسون ولافوليت، لكن الإصلاح ~~لم ينضب قط، ولا القوانين التي تواجه الآثار السلبية للرأسمالية الصناعية، إلا أنها احتاجت ~~إلى فترة لالتقاط الأنفاس لبضع سنوات. احتاج الدافع التقدمي والإيمان التقدمي (الذي تضرر ~~بطرق عديدة بأحداث عام 1919) والزعامة التقدمية إلى هدنة للتفكير. خرج القادة التقدميون ~~«الأربعة الكبار» جميعهم من المشهد، فعليا أو ضمنيا، قرابة ذلك الوقت. فقد توفي ~~روزفلت، وهو في الواحدة والستين من عمره. وظل لافوليت في مجلس الشيوخ لكن بمهام ضئيلة ~~نسبيا في اللجان؛ خاض السباق الرئاسي عام 1924 وفقا لقائمة ترشيح «تقدمية»، لكنه حصل على ~~ما يقل عن 5 ملايين صوت في التصويت الشعبي و13 صوتا فقط في المجمع الانتخابي، وتخلف كثيرا ~~عن المرشح الجمهوري الفائز، كالفين كوليدج. أما برايان، على الرغم من تمتعه بشعبية دائمة في ~~الجنوب والغرب، فلم يتول ثانية أي منصب سياسي بعد استقالته عام 1915 من منصب وزير ~~الخارجية. ظل ويلسون، بعد إصابته بالسكتة الدماغية، عاجزا وغير مؤثر في الواقع حتى ~~تركه منصبه في مارس عام 1921. وحتى ذلك ~~الوقت، كان في رعاية زوجته إديث وحماها، التي أدارت الفرع التنفيذي لشهور بفاعلية. حل ~~محل التقدميين العظماء الأربعة الرؤساء المحافظون وارن جي هاردينج (1921-1923)، وكالفين ~~كوليدج (1923-1929)، وهيربرت هوفر (1929-1933). # وفوق تلك الآفات الاجتماعية والسياسية جميعها لعامي 1918 و1919، ms117 ضربت البلاد كارثة ~~طبيعية هائلة أيضا. كان خوض الحرب سيئا بما يكفي؛ فقد خدم في الجيش 4 ملايين و700 ألف رجل ~~وامرأة، 53 في المائة منهم خدموا خارج البلاد. قتل منهم أكثر من 53 ألفا في المعارك، ومات ~~63 ألفا آخرون بأسباب أخرى، لكن الأسوأ من ذلك الكارثة الطبيعية - وباء الأنفلونزا ~~العظيم لعامي 1918 و1919 - التي أودت بحياة ما يقرب من 600 ألف أمريكي ومن 50 إلى 100 ~~مليون شخص حول العالم. # ضرب الوباء الولايات المتحدة في ثلاث موجات. في مارس عام 1918، داخل معسكر تدريب للجيش ~~شيد سريعا في كانساس يدعى معسكر فانستن، ظهرت فجأة أعراض الأنفلونزا على عدة مئات من ~~الجنود المستجدين. وبعد أسبوع، برزت أنباء الإصابات بالأنفلونزا في نيويورك. انحسرت هذه ~~الموجة الأولى خلال الصيف، لكن في أواخر أغسطس بدأت موجة أخرى عنيفة للغاية بمنشأة فورت ~~ديفينز العسكرية بولاية ماساتشوستس، وهي منطقة تجميع للجنود تمهيدا لنقلهم إلى فرنسا. ~~أصيب المئات بالمرض، ومات العشرات في يوم واحد، وأفاد كبير الأطباء بأن «جثث الموتى ~~متكدسة في أنحاء المشرحة كما يتكدس الحطب.» حملت ناقلات الجند الجنود المرضى والمرض إلى ~~أوروبا. تلاشت الاتهامات الأولية بأن الألمان وراء هذا الوباء كإجراء ضمن حرب بيولوجية ~~عندما عرف أن الألمان أنفسهم يتساقط جنودهم بالسرعة نفسها التي يتساقط بها جنود الحلفاء ~~من المرض. # اجتاح المرض أوروبا، وأعلنت الصحافة الإسبانية عن أعداد وفيات تفوق أي مكان آخر؛ وهذا ~~فقط لأن إسبانيا، كإحدى دول الحياد، لم تكن خاضعة للرقابة العسكرية. ولقاء هذه المصداقية، ~~كان جزاء الإسبان أن سمي المرض «الأنفلونزا الإسبانية». بدأ المرض مع ذلك في كانساس، على ~~الأرجح نتيجة تحور جيني في الدجاج أو الطيور الأخرى انتقل مباشرة إلى الجنود الشباب. ~~تعد الأنفلونزا عادة أكثر خطورة بين الأطفال وكبار السن، لكن هذا النوع هاجم الشباب؛ ~~ربما لأن استجابة أجهزتهم المناعية له كانت قوية جدا. كانت الرئة تمتلئ بالسوائل، فأغرقت ~~المصابين فعليا. لم يمت كل من أصيب بالعدوى، بيد أن معدل الوفيات بهذه الحالة ~~تحديدا كان مرتفعا بدرجة ms118 استثنائية؛ وذلك لأن سلالة المرض كانت أشد فتكا من أي سلالة ~~عادية. كان السبب فيروسيا، وفي عصر كان لا يزال فيه الفحص المجهري والطب ينقصه فعليا أي ~~دراية بالفيروسات، كان العلاج والدواء خاطئين وغير فعالين. # أودت الموجة الثانية بأكثر ضحاياها في خريف عام 1918. كان شهر أكتوبر الأسوأ، بحصيلة ~~معلنة تبلغ 195 ألفا من سان فرانسيسكو إلى بوسطن. طلب من المواطنين تجنب التجمعات ~~الكبيرة؛ فأغلقت دور السينما والمدارس والكنائس أبوابها، ووزعت أقنعة الوجه على نطاق ~~واسع وألزمت بارتدائها بعض المدن. وفي احتفالات النصر في «يوم الهدنة» في 11 نوفمبر، اجتمعت ~~حشود مهللة، فتفشى المرض مرة أخرى. تضاءل المرض في ديسمبر وحتى يناير، إلا أن موجة ~~ثالثة ضربت البلاد في أواخر شتاء عام 1919. وبحلول أواخر الربيع، تراجع المرض ثم تلاشى ~~بالغموض نفسه الذي بدأ به، بعد أن انتشر كالنار في الهشيم بين الأعداد العرضة للعدوى، في ~~الولايات المتحدة وحول العالم. كانت أعداد الوفيات العالمية من وباء الأنفلونزا أعلى كثيرا ~~من أعداد الوفيات في المعارك جراء الحرب العالمية نفسها. # من المؤكد بدرجة كبيرة أن التفشي المبكر للمرض كان أسرع لأنه بدأ في الثكنات ~~العسكرية، وانتقل بعد ذلك إلى ناقلات الجند ثم عبر ساحات المعارك في أوروبا. تمخض غياب ~~المعرفة العلمية بالفيروسات عن عدة محاولات عديمة الجدوى للوقاية من المرض، على الرغم من أن ~~الحقيقة الواضحة بأنه مرض معد شجعت السلطات الحكومية على نحو سليم على تقليل الاحتكاك ~~بين البشر بقدر المستطاع. # تعد الصحة العامة والصرف الصحي وأعمال النظافة وتقليل الأمراض الطفيلية مثل ~~الإنكلستوما، والتطورات في مجال العلوم الطبية والبيولوجية بصفة عامة من إنجازات الحقبة ~~التقدمية. كانت النظافة هدفا رئيسيا للنساء المصلحات، اللائي نجحن في ذلك وساعدن الشعب ~~الأمريكي على التحلي بمظهر أنظف والتمتع بعمر أطول عنه في مطلع القرن. أظهر وباء ~~الأنفلونزا أن البحث والعلاج لا يزال ينقصهما الكثير، وهكذا الحال أيضا بالنسبة للمشروعات ~~التقدمية الأخرى. كانت الفروق في الثروة والدخل تزداد اتساعا، ولم يتغير الوضع تقريبا ~~بالرغم من فرض ضريبة الدخل التصاعدية. ms119 كما أن العلاقات بين العمال وأصحاب رأس المال كانت ~~لا تزال سيئة على نحو ينذر بالخطر، وتكشف هذا من خلال الإضرابات العديدة التي حدثت في ~~عام 1919 ورفض إدارات الشركات والمحاكم الرضوخ لمطالب المفاوضات الجماعية بين العمال ~~وأصحاب العمل. منح حق التصويت للنساء البيض، لكن حرم منه الرجال (والنساء) السود بفعل ~~قوانين جيم كرو في الجنوب إبان الحقبة التقدمية، فنقضت بذلك وعود حق الانتخاب بعصر إعادة ~~الإعمار. (مع ذلك استطاعت النساء السود خارج ولايات الجنوب التصويت الآن.) كما حلت ~~«مشكلة» الهجرة عبر تقييد الهجرة. أدرك التقدميون رجالا ونساء في أعماقهم أن ثمة المزيد ~~من الأمور الأخرى التي يجب فعلها لحل مشكلات المجتمع، لكن على مدى أكثر من عقد، ندرت ~~الإجراءات الإصلاحية، بعد أن عادت الحكومات المحافظة. # الفصل السادس # | انحسار الحركة التقدمية: 1919-1921 # تفاقمت أحداث عام 1919 المثبطة للآمال مع الانكماشات الاقتصادية. بلغ إجمالي الناتج ~~القومي ذروته بسعر الدولار الثابت عام 1918، ثم انخفض في عامي 1919 و1920، وهبط بشدة عام ~~1921. استمر تضخم أسعار وقت الحرب للسلع الاستهلاكية في الارتفاع عام 1919، بينما ركدت ~~الأجور والدخول. تضاعف مؤشر أسعار الاستهلاك للطعام والملابس بين عامي 1915 و1920، ~~وانخفضت الأسعار التي استلم بها المزارعون مقابل بوشل من الذرة أو رطل من القطن - والتي ~~بلغت ذروتها في عامي 1918 و1919 - لأقل من النصف عام 1920. لم يصل ركود ما بعد الحرب ~~الحاد إلى الحضيض تماما حتى عامي 1921 و1922، إلا أن عامي 1919 و1920 كانا قاسيين، وغامضين ~~أيضا. # كانت الزراعة على مشارف هزة سوقية تاريخية، مع أن القوة السياسية للزراعيين ظلت كبيرة في ~~بعض الأحيان على مدار جزء كبير من عشرينيات القرن العشرين رغم انخفاض عدد الأعضاء ~~الديمقراطيين في الكونجرس. وفي منطقة السهول الكبرى وغربا، استأنف الأشخاص الراغبون في ~~العمل بالزارعة تقديم طلبات تأسيس عزب ريفية جديدة عامي 1919 و1920 بمستويات ما قبل الحرب ~~تقريبا، غير أن العدد النهائي لسندات الملكية التي استوفت الشروط انخفض بشدة خلال العقد من ~~8 ملايين فدان في عام 1920 إلى ما ms120 يقل عن مليوني فدان في عام 1930. استمرت الزراعة كقطاع ~~في الاقتصاد في النمو، بنحو رئيسي نتيجة للزيادات في حجم ورسملة المزارع. كان هذا يعني أن ~~المزارعين الصغار، «أصحاب العزب الريفية» سواء بالمعنى الاصطلاحي أو الدارج، بدأ عددهم في ~~التقلص. هناك أسباب عديدة وراء ذلك: الانخفاض الحاد في أسعار السلع؛ ومن ثم في دخول ~~المزارعين عام 1920، والمنافسة من المزارع الأكبر حجما القادرة أكثر على شراء واستخدام ~~الجرارات وغير ذلك من الآلات الجديدة (الباهظة الثمن)، والحقيقة البيئية التي لا يمكن ~~تغييرها المتمثلة في أن حدود المزارع الريفية وصلت إلى منطقة السهول العليا، وحتى نورث ~~داكوتا وتكساس غربا، ووايومنج ومونتانا شرقا، حيث نقص هطول الأمطار أو المياه الجوفية جعل ~~زراعة المحاصيل أمرا مشكوكا فيه ومحفوفا بالمخاطر. # مع ذلك استمر الحلم الزراعي، مجتذبا العائلات الشابة غربا. لا يزال المشتغلون ~~بالزراعة يشكلون 30 في المائة من الشعب الأمريكي، إلا أن الإحصاء السكاني لعام 1920، كأنه ~~جاء ليؤكد على استقرار الزراعة، كشف عن أن الأشخاص الذين يعيشون في قرى ريفية يقل عدد ~~سكانها عن 2500 شخص، إضافة إلى سكان المزارع، لم يعودوا يشكلون أغلبية التعداد السكاني ~~الأمريكي. أصبح سكان المدن - وفقا لذلك التعريف السخي الذي وضعه مكتب الإحصاء السكاني الذي ~~عرف المدينة بأنها ذلك المكان الذي يقطنه 2500 شخص فأكثر - يشكلون أغلبية طفيفة. أبدى ~~الكونجرس ذو الأغلبية الزراعية، للمرة الوحيدة في التاريخ، صدمته ورفض إعادة تقسيم دوائر ~~مجلس النواب وفقا لإحصاء عام 1920، كما هو مطلوب دستوريا (وهو سبب رئيسي وراء القوة ~~المستمرة للزراعيين في عشرينيات القرن العشرين). # مع ذلك لم يعد الكونجرس ديمقراطي الغلبة مثلما كان بين عامي 1911 و1919. استرجع ~~الجمهوريون كرسي الرئاسة بسهولة عام 1920 بحصولهم على 16 مليونا و100 ألف صوت أو 60,3 في ~~المائة من التصويت الشعبي لقائمة هاردينج وكوليدج، في مقابل 9 ملايين و100 ألف صوت أو 34,1 ~~في المائة للديمقراطيين جيمس إم كوكس وفرانكلين دي روزفلت. وكان فارق أصوات المجمع ~~الانتخابي أكبر: 404 إلى 127. لم يستأثر كوكس وروزفلت إلا بأصوات «تكتل ms121 الجنوب» وولاية ~~كنتاكي. كما شهدت الانتخابات فوزا ساحقا للجمهوريين في الكونجرس، لترتفع أغلبيتهم في كل ~~من مجلس الشيوخ (59 في مقابل 37 للديمقراطيين) ومجلس النواب (302 في مقابل 131 للديمقراطيين ~~و2 مستقلين). # وطدت انتخابات عام 1920 التحول الحاسم نحو الجمهوريين. كان أعلى عدد للديمقراطيين في ~~الكونجرس هو 291 مقعدا في مجلس النواب عام 1912، وتراجع إلى 131 عام 1920. وفيما عدا تكتل ~~الجنوب، الذي احتفظوا به، فقد خسروا في مناطق مختلفة؛ الغرب والغرب الأوسط والشرق. وعند ~~مقارنة نتائج انتخابات عام 1920 مع تلك الخاصة بعام 1912، نجد أن الديمقراطيين خسروا 10 ~~مقاعد في نيوجيرسي، و11 مقعدا في كل من ميزوري وبنسلفانيا، وجميع المقاعد الثلاثة عشر في ~~إنديانا، و17 مقعدا في إلينوي، و19 مقعدا في أوهايو، و22 مقعدا في نيويورك، وخسروا ما ~~يقل عن 10 مقاعد في 18 ولاية أخرى. كانت الأغلبيات الديمقراطية في الكونجرس مهمة جدا ~~لتمرير تشريعات برنامج «الحرية الجديدة». قضت الأغلبيات الجمهورية عام 1918 وسطوتها ~~الكبرى عام 1920 على أي فرصة لخروج أي تشريع إصلاحي آخر، باستثناء التعديل الدستوري الخاص ~~بحق المرأة في الانتخاب. كانت التشريعات الأكثر أهمية التي أجازها الكونجرس المنتخب عام ~~1920 هي: قانون جونسون الذي صدر في 19 مايو عام 1921، والذي قيد الهجرة على الأساس العرقي ~~الخاص بالبلد الأصلي، ورفع التعريفات الجمركية، وأعادها إلى مستويات ما قبل عام 1913؛ ~~وقانون الإيرادات لعام 1921، الذي خفض معدلات ضريبة الدخل من المستويات المرتفعة وقت الحرب ~~(مع أنه لم يعدها إلى مستويات ما قبل الحرب؛ كان الحد الأدنى للضريبة 8 في المائة والحد ~~الأقصى للضريبة الإضافية 50 في المائة على الدخول التي تزيد عن 200 ألف دولار). أما على ~~مستوى النشاط الفيدرالي - من جانب الرئاسة أو الكونجرس أو المحاكم - فقد انتهت الحركة ~~التقدمية. # وكما أظهرت بوضوح انتخابات عام 1920، لم يعد يتأثر الناس بالنشاط السياسي بالنيابة ~~عنهم، ولم يعد الشعار التقدمي للمعارك السياسية «الشعب ضد أصحاب المصالح الخاصة» له ~~صدى. كان المزاج العام ساخطا وقمعيا ومحبطا. انتهت الحرب بالانتصار في نوفمبر عام ~~1918، لكن ما ms122 يزيد على 100 ألف أمريكي قتلوا. وقتل وباء الأنفلونزا، «الكارثة الطبيعية» ~~التي حيرت جميع الأفراد والمؤسسات ممن حاولوا إيقافها، خمسة أو ستة أضعاف قتلى ~~الحرب. # أصبحت الآمال العظيمة والخطب الحماسية والمثالية التي أحاطت بنقاط ويلسون الأربع عشرة ~~وعصبة الأم باهتة تماما، ويرجع ذلك إلى حد ما إلى الإعاقة الشخصية للرئيس وعناده. وجد ~~المزارعون أنفسهم محاصرين من الجانبين: الأسعار المنخفضة والتكاليف المرتفعة، كما وجد ~~العمال الصناعيون أن الأجور لا ترتفع لمواكبة التضخم، وحل الكساد. # أما العلاقات العرقية - التي لم تكن قط نقطة مضيئة في سجل التقدميين حتى في أيام مجدهم - ~~فقد ساءت. قبل عقد، اتحد التقدميون البيض والسود لتأسيس الجمعية الوطنية للنهوض ~~بالملونين، وأنشئت الرابطة الحضرية الوطنية بعدها بفترة وجيزة. بيد أن هذه التحركات ~~المهمة نحو العدالة العرقية واجهت صعوبات في سنواتها الأولى؛ فقد عزز ويلسون الفصل ~~العنصري على المستوى البيروقراطي الفيدرالي على نحو أكثر شمولا عن أي وقت مضى، كما أنه عرض ~~فيلم دي دبليو جريفيث السيئ السمعة «ميلاد أمة» - الذي احتفى بجماعات كو كلوكس كلان إبان ~~عصر إعادة الإعمار - في البيت الأبيض. انبعثت جماعة كو كلوكس كلان جديدة في أعقاب الفيلم، ~~وبين عامي 1920 و1925، انضم إليها عدة ملايين من الأعضاء، وأعلنت نفسها جماعة «أمريكية 100 ~~في المائة»، وبعد أن أحرقت الصلبان وروعت السود في الجنوب، أصبحت ذات نفوذ سياسي في ~~أنحاء المنطقة. علاوة على ذلك، امتد تأثيرها إلى الولايات الشمالية أيضا، وهيمنت لبضع ~~سنوات على إنديانا وأوريجون، ولم تستهدف السود فقط، بل أيضا اليهود والكاثوليك ~~والمهاجرين. # اتخذت رغبات الإصلاح القوية التي اندمجت تحت راية الحركة التقدمية قبل الحرب العالمية ~~الأولى منعطفا مريرا بعد عام 1919 نحو الامتثال المجتمعي والتطرف في الوطنية والاستقامة. ~~وبدلا من جهود تعميم النظام الديمقراطي في كافة أعمال الحكومة، وتوسيع نطاق حق الانتخاب ~~وإقامة العدالة الاجتماعية والصناعية، ظهرت أغلبية واضحة عبر البلاد الآن تشيد بالشركات، ~~بما في ذلك المؤسسات التجارية الكبرى، وذلك في ظل اتساع الفجوة في الثروة والدخل بين ~~الطبقات. لم تمجد الشركات وتستحسن ms123 تصرفاتها على هذا النحو من قبل منذ عهد ~~ماكينلي. # هكذا كان الوضع فيما يتعلق بالمزاج العام للبلاد والتشريعات الفيدرالية؛ فقد كان المزاج ~~العام للبلاد محافظا أكثر منه تقدميا، وأما التشريعات الفيدرالية، فلم تعد مبتكرة ~~وأصبحت - في جوانب هامة عديدة مثل الهجرة - متعصبة تماما لمصالح مواطنيها الأصليين على ~~حساب المهاجرين. بيد أن المزاج العام وصياغة القوانين لا يعكسان على الإطلاق قصة الحركة ~~التقدمية بالكامل. ظلت الجوانب المتعلقة بالمدن من الحركة التقدمية باقية، بل ازدهرت ~~خلال العشرينيات. فواصلت مراكز التكافل الاجتماعي أداء دورها التعليمي والاجتماعي بين ~~فقراء المدن سواء من المواطنين الأصليين أم المهاجرين. وأصبح البحث في مجالات العلوم ~~الاجتماعية أكثر مؤسساتية مع نشأة الهيئات غير الحكومية مثل المكتب الوطني للأبحاث ~~الاقتصادية، ومؤسسة بروكينجز، ومجلس أبحاث العلوم الاجتماعية، وغيرها. كما مولت المؤسسات ~~الخيرية المزيد من المدارس وعيادات الصحة العامة الريفية بالجنوب. وسنت قوانين محلية ~~وعلى مستوى الولايات تلزم الأطفال بالالتحاق بالمدارس حتى سن معينة. انتشر منصب مدير ~~المدينة كشكل من أشكال الحكومة المدنية - الذي كان وسيلة لدعم الكفاءة وكبح الفساد - حول ~~البلاد. وبهذه الطرق وغيرها، استمرت التغييرات - وهي بالطبع أقل لفتا للنظر من تغييرات ما ~~قبل عام 1918 ولكنها هامة - على مدار العشرينيات، وما كان يمكن لها أن تحدث دون النشاط ~~التقدمي السابق عليها. وبالرغم من أن الحكومة الفيدرالية أصبحت محافظة، فقد وجد التقدميون ~~في مجالات العدالة الاجتماعية والتعليم والحكومة المحلية - الذين كان أغلبية عظمى منهم من ~~النساء - أمامهم أمورا كثيرة لفعلها؛ فقد طرحوا القضايا وأنجزوا التغييرات التي اكتسبت ~~زخما مع زيادة المكون الحضري للسكان خلال العشرينيات؛ فتقريبا النمو السكاني كله في ~~الولايات المتحدة منذ عام 1920 كان مدنيا أو حضريا، ولم يعد ريفيا، وبهذا النحو ~~مهدوا لإصلاحات برنامج «الصفقة الجديدة» بالثلاثينيات. # ما الذي حققته الحركة التقدمية إذا وضعنا جميع الحقائق في الاعتبار؟ حققت أمورا كثيرة ~~للغاية. كانت الولايات المتحدة عام 1921 مختلفة أيما اختلاف عما كانت عليه في ذلك اليوم ~~من أيام شهر سبتمبر عام 1901 عندما أصبح ثيودور روزفلت رئيسا ms124 للبلاد؛ فقد لجمت الثروات ~~الهائلة، سواء المملوكة للشركات أم الأفراد؛ ليس تماما بأي حال لكن بدرجة واضحة. وبعد ~~إقرار التعديل الدستوري الخاص بضريبة الدخل، جرى تعديل هيكل الضرائب؛ مما خفض الاعتماد على ~~التعريفة الجمركية - تلك الضريبة التي فرضت على المستهلكين - ووفر أيضا مرونة كبيرة ~~للغاية لوضع السياسات. وأدخل النظام الديمقراطي على الحكومات المحلية وحكومات الولايات ~~والحكومة الفيدرالية بطرق هامة؛ الانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ، وقوانين المبادرة ~~والاستفتاء، وحق المرأة في الانتخاب، والانتخابات الأولية المباشرة، وغير ذلك. وصدرت ~~القوانين التي تحدد ساعات العمل للنساء والأطفال، والرجال في بعض الحالات، في اليوم أو في ~~الأسبوع، على الرغم من أن المحاكم ذات النزعة المحافظة كانت تبطلها في بعض الأحيان. كذلك ~~حظيت قوانين تعويض العمال عن الإصابات أثناء العمل بقبول واسع، وأيضا أصبح الفقر ~~والأمراض المستوطنة غير مقبولين، هاجمتهما مراكز التكافل الاجتماعي والعاملون في المجال ~~الاجتماعي والمؤسسات الخيرية غير الحكومية مثل صناديق روكفلر الخيرية. وقدم علماء ~~الاجتماع أبحاثا موثوقة حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ونشأ أول المراكز الفكرية ~~البحثية في تلك السنوات. لقد تحقق التقدم بلا شك على أصعدة عديدة. # لكن ظلت هناك فجوات. لم يتوافق التقدميون قط على أمور بعينها؛ أبرزها العرق والعلاقات ~~العنصرية والحرب والإمبريالية. بعض المصلحين - مثل جين آدمز وقاضي شيكاجو إدوارد أوزجود ~~براون ودبليو إي بي دوبويز وغيرهم من مؤسسي الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين - بذلوا ~~قصارى جهدهم للحد من التمييز العنصري، مع ذلك لم يقدم بعض من زعماء الحركة التقدمية سوى ~~القليل في هذا المجال؛ دعا روزفلت - الذي آمن حتى النخاع بفكرة تفوق العرق الأنجلوساكسوني ~~- بوكر تي واشنطن على العشاء في البيت الأبيض، إلا أنه رفض التعامل بإنصاف مع الجنود ~~السود الذين اعتقلوا بتهمة إثارة الشغب في براونزفيل بتكساس عام 1906 بعقد جلسة استماع ~~عادلة لهم. أما برايان فقد كان يحمل مشاعر التسامح تجاه معظم المجموعات وشعر «ببعض الانزعاج ~~تجاه فكرة تفوق البيض»، لكنه قلما اعترض على قوانين جيم كرو، وهو الأمر الذي كان سيعرض ~~نفوذه السياسي في الجنوب للخطر. أما ms125 وودرو ويلسون، المنحدر من فيرجينيا لأبوين مواليين ~~للجيش الكونفدرالي، فقد كان مؤيدا تماما للفصل العنصري والتمييز العرقي. كانت حركة ~~تحسين النسل جزءا أيضا من الحركة التقدمية؛ التي دعت إلى إجراء عمليات تعقيم إلزامية ~~«لغير اللائقين»، وفيهم «المعاقون ذهنيا» وحاملو الأمراض المزمنة (لا سيما التي تنتقل ~~بالممارسة الجنسية) حتى العاهرات والشديدو الفقر. ارتبط بتلك الحركة النظريات العرقية التي ~~صنفت «النورديين» (و«الأنجلوساكسونيين») باعتبارهم الأصلح بين البشر، ويتفوقون على «أبناء ~~البحر المتوسط» وبالطبع على الأفارقة والآسيويين. ويبدو أن العنصرية التي أيدتها بعض ~~النظريات العلمية سادت مواقف الأمريكيين، بدءا من الأكاديميين إلى رجل الشارع، خلال أوائل ~~القرن العشرين، وساهم التقدميون في ذلك بل أيدوه. # انقسم التقدميون على نحو واضح حول الإمبريالية والحروب. في ذلك الوقت، لم يكن هناك من ~~يضاهي روزفلت في الحياة العامة الأمريكية في نزعته التوسعية والاستعمارية الحماسية. من ~~ناحية أخرى قدم ويلسون نفسه على أنه مناهض للاستعمار وصانع للسلام، كما أيد تشريعا في ~~عامي 1916 و1917 يمنح حق المواطنة لمواطني بورتوريكو ويعد بالاستقلال النهائي للفلبين، ~~لكنه لم يتردد في إرسال قوات من البحرية الأمريكية عندما لم تتفق جمهوريات الكاريبي مع ~~معاييره، أو في إرسال قوات أمريكية إلى المكسيك في محاولة للسيطرة على الأوضاع هناك. عارض ~~برايان بناء إمبراطورية أمريكية في الفلبين وغيرها، وأمضى قدرا كبيرا من وقته أثناء ~~الفترة القصيرة التي كان فيها وزيرا للخارجية في إدارة ويلسون في التفاوض على ثلاثين ~~معاهدة ترسخ آليات التحكيم مع بلدان أخرى، قبل استقالته اتساقا مع مبادئه نتيجة لمذكرة ~~الاحتجاج العدوانية الثانية التي أراد ويلسون إرسالها بخصوص سفينة لوسيتينيا. رفضت جين آدمز ~~والكثير غيرها من التقدميين من خارج الحكومة تأييد إعلان الحرب على ألمانيا في عام 1917، ~~وظلوا بشجاعة دعاة للسلام أثناء الحرب وبعدها، على الرغم من التهديدات التي أحاطت بحريتهم ~~بموجب قانوني التجسس والتحريض على الفتنة. # مع ذلك اتفق التقدميون حول قضايا عديدة، أكثرها جوهرية القناعة بوجود المجتمع وبأن الجميع ~~أفراد به، وأن الصالح العام يؤثر على الجميع وينبغي الحرص عليه بكل طريقة متاحة. ms126 وفي هذا ~~الشأن، تعارضت نظرتهم مع الفردية المطلقة والأنانية اللتين سادتا من قبل في العصر المذهب ~~وعادتا في عشرينيات القرن العشرين (وفي تسعينيات القرن العشرين وأوائل القرن الحادي ~~والعشرين، اللذين أطلق عليهما «العصر المذهب الثاني» نظرا لسوء التوزيع المتزايد للثروة ~~والدخل على وجه الخصوص). وعلى النقيض من الفلسفة الاقتصادية الاجتماعية الخاصة بالروائية ~~العظيمة آين راند، وأنصارها كرونالد ريجان وآلان جرينسبان ويمينيي أوائل القرن الحادي ~~والعشرين، اشمأز التقدميون من فكرة «الجشع أمر جيد»، كما رفضوا الداروينية الاجتماعية، ~~ونظرية «البقاء للأصلح» الاقتصادية؛ لأنهم عرفوا أن الأصلح ببساطة هم الأكثر ثروة ~~ونفوذا، كما أنكروا أن الأسواق تعمل على نحو تلقائي وسليم بموجب «قوانين طبيعية»، مثلما ~~اعتقد محافظو العصر المذهب ومؤيدو السوق الحرة مؤخرا. # إلا أن التقدميين كانوا ذرائعيين، ورأى كثير منهم أن أفضل وسيلة للتقدم تتمثل في الحكومة، ~~على كافة المستويات، وبهذه الطريقة اتفقوا مع الشعبويين الذين سبقوهم في تسعينيات القرن ~~التاسع عشر. انتشر هذا الاعتقاد بين الليبراليين بالحضر على غرار ألفريد إي سميث، حاكم ~~نيويورك في عشرينيات القرن العشرين، والأفراد المحيطين به الذين كان الكثير منهم من النساء ~~و(أو) اليهود أو الأيرلنديين أو من الجماعات الأخرى المهاجرة حديثا. قادت فرانسيس بيركنز ~~رابطة المستهلكين بنيويورك منذ عام 1910 ورشحها حاكم نيويورك سميث لإدارة لجنة نيويورك ~~الصناعية؛ وفي عام 1933 عينها الرئيس فرانكلين روزفلت وزيرة للعمل، فكانت أول وزيرة في ~~تاريخ أمريكا. أما بيل موسكوفيتس فقد أسست لجنة مصانع نيويورك عام 1910 في أعقاب حريق مصنع ~~تراينجل، وأصبحت معاونة أساسية للحاكم سميث. ساعدت كل منهما وغيرهما من أكبر التقدميات ~~في الحفاظ على استمرار الإصلاح خلال عشرينيات القرن العشرين، قيل إن «ثورة أل سميث» سبقت ~~«ثورة روزفلت» في ثلاثينيات القرن العشرين. لم يتوافق سميث - الأيرلندي الكاثوليكي الذي ~~عارض حظر المشروبات الكحولية، وهو أحد أبناء تنظيم تاماني هول السياسي بمدينة نيويورك - مع ~~الملامح التقدمية المعتادة بأي من هذه الطرق، بيد أن سنوات إدارته لنيويورك شكلت جسرا ~~بين السنوات والتوجهات الفكرية بين الحركة التقدمية وبرنامج «الصفقة الجديدة». ms127 # مع ذلك، لم يستطع عدد كبير من التقدميين الذين واصلوا نشاطهم في العشرينيات - لا سيما ~~الجمهوريين منهم أو الذين انتموا إلى حزب ثور الموظ في السابق - قبول برنامج «الصفقة ~~الجديدة»؛ لأنه، من وجهة نظرهم، تمادى كثيرا نحو مركزية الدولة، بما يتعارض مع ما يؤمنون ~~به بشدة من مذهب الفردية، في حين أن تقدميين آخرين أيدوا هذا البرنامج، وسعوا في ~~السياق المختلف تماما لأزمة الكساد الكبير في الثلاثينيات نحو تأسيس مجتمع أكثر إنصافا ~~وسخاء. استنفدت الأجندة والحماسة التقدمية الأصلية بحلول عام 1920، إلا أن أمورا كثيرة ~~تحققت، ولا يمكن الرجوع فيها. لم تنته الحركة التقدمية تماما؛ فقد أحرزت تقدما بالفعل، ~~في بعض الأماكن، مثل ولاية نيويورك تحت إدارة سميث، واستمرت ، لكن كانت هناك حاجة لتحقيق ~~المزيد، وفي أزمة الكساد الكبير الطاحنة التي تلت عام 1929، سيتحقق المزيد في نهاية ~~المطاف. # | مراجع # الفصل الأول: المأزق: أسباب السخط في العصر المذهب # The “scanty fortunes” idea may be found in Tocqueville’s # Democracy in America ~~(Garden ~~City, NY: Anchor Books, 1969), 636-37. # Statistics on U.S. population, economics, and society are ~~most easily found in the # Historical ~~Statistics of the United States: Colonial Times to ~~1970 ~~. 2 vols. (Washington: Government Printing ~~Office, 1975), or the update, # Historical ~~Statistics of the United States: Earliest Times to the Present. # 5 ~~vols. (New York: Cambridge ~~University Press, 2006). # الفصل الثاني: أزمة تسعينيات القرن التاسع عشر: 1889-1901 # Worth Robert Miller’s “Building a Populist Coalition in ~~Texas, 1892-1896,” appeared in # Journal of ~~Southern History # 74 (May ~~2008). # Milton Friedman expressed his pro-silver views in ~~“Bimetallism Revisited,” # Journal of Economic Perspectives # 4 (autumn 1990): 85-104, and “The Crime ~~of 1873,” # Journal of Political ~~Economy # 98 (Dec. 1990): ~~1159-94. # The quotation from Michael Kazin’s # A Godly Hero: The Life of William Jennings ~~Bryan ~~(New York: Anchor Books, 2007), may be found on ~~xviii-xix. # الفصل الثالث: تبلور الحركة التقدمية: 1901-1908 # As Roosevelt used it, the word “bully” had nothing to do ~~with bullying. It ms128 simply meant “outstanding” or “fi rst rate,” as in ~~“Bully for you.” # The TR biographer referred to is Kathleen Dalton: # Theodore Roosevelt: A Strenuous ~~Life ~~(New York: Vintage Books, 2004), quoted here ~~from 298, and later from 272. # The Walter Rauschenbusch quotes are from his # Christianity and the Social Crisis ~~(New ~~York: Macmillan, 1908), 265, 352, 345. # The support of Protestant Social Gospelers and ~~social-justice-minded Catholics for trade unions and the labor ~~movement is perceptively traced in Ken Fones-Wolf, “Religion and ~~Trade Union Politics in the United States, 1880-1920,” # International Labor and Working-Class ~~History # 34 (fall 1988): 39-55. # That men as well as women took an active role at ~~Hull-House: from Rima Lunin Schultz, “Hull-House ~~after Jane Addams: ~~Revisiting the Social Settlement as Women’s Space: 1889-1935,” paper ~~delivered at the Newberry Library Seminar on Women and Gender, ~~Chicago, Dec. 5, 2008. # Robert D. Johnston, # The Radical ~~Middle Class: Populist Democracy and the Question of Capitalism ~~in Progressive Era Portland, Oregon ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, 2003), details the work of U’Ren and the ~~Oregon System. # الفصل الرابع: أوج الحركة التقدمية: 1908-1917 # The Frank P. Walsh statement is part of his essay, ~~“Labor’s Day,” in # American ~~Federationist ~~(a publication of the American ~~Federation of Labor) 25 (Oct. 1918): 895, 897. Also helpful on the ~~U.S. Industrial Relations Commission are Allen Davis, “The Campaign ~~for the Industrial Relations Commission, 1911-1913,” # Mid-America # 45 (Oct. 1963): 211-28; the ~~obituary of Walsh in the # New York ~~Times ~~, May 3, 1939; and Shelton Stromquist, # Reinventing “The People”: The Progressive ~~Movement, The Class Problem, and the Origins of Modern ~~Liberalism ~~(Urbana: University of Illinois Press, ~~2006), esp. chap. 7. # The Elizabeth Sanders quotation is in her book, # Roots of Reform: Farmers, Workers, and the ~~American State, 1877-1917 ~~(Chicago: University of ~~Chicago Press, 1999), 169. The later quotation is on 158. Sanders’ ~~book articulates the thesis that Progressivism’s legislative muscle ~~lay in agrarian parts of the country. Party affiliation-Populist, ~~Democratic, ms129 or insurgent Republican-was less important than ~~connections to the agrarian economy and the concentration of ~~political strength in such districts. In urban or mixed districts, ~~she argues, the interests of labor (the natural ally of agrarians) ~~were diluted by competing forces. Close students may want to know ~~that Sanders’ interpretation is recent and, to me, convincingly ~~solves the problem of interparty, intersectional, urban # and # rural support for Progressivism. ~~Earlier interpretations such as Robert Wiebe’s widely read # The Search for Order ~~(1967) stress ~~reformers’ search for social control of both the new industrial ~~capitalism and the mass of potentially radical people. Others such ~~as Martin Sklar had written in the 1960s, from a Marxist ~~perspective, that Progressive-era reform was a cover for business ~~interests. This became known as the “corporate-liberal” ~~interpretation. In # The Corporate ~~Reconstruction of American Capitalism, 1890-1916 ~~(1988), Sklar explored more subtly and in more detail how capitalism ~~moved “from the competitive to the corporate stage of its ~~development” by 1914. # The Eric Rauchway quotation on Bryanites: in “Armchair ~~Warriors,” # Reviews in American ~~History # 32 (2004): 228. For a comprehensive survey of ~~wealth distribution comparing the Gilded Age and Progressivism with ~~the present, see Louis Uchitelle, “The Richest of the Rich, Proud of ~~a New Gilded Age,” # New York ~~Times, # July 15, 2007, and supportive letters to the ~~editor, July 17, 2007. One of the few contemporary treatments is ~~Willford Isbell King, # Income in the United ~~States, Its Amount and Distribution, 1909-1919 ~~(New ~~York: Harcourt, Brace and Co., for the National Bureau of Economic ~~Research, 1921-22), 146. # Bryan’s speech in Congress, “An Income Tax,” given ~~Jan. 30, 1894, may be found in # Speeches of ~~William Jennings Bryan, rev. and arranged by Himself, with a ~~Biographical Introduction by Mary Baird Bryan, His ~~Wife ~~(New York: Funk & Wagnalls, 1913), ~~I:159-79. Quotations here are from 161, 163-65, and ~~174. # For E. R. A. Seligman, see his # The ms130 Income Tax: A Study of the History, Theory, and Practice of ~~Income Taxation at Home and Abroad ~~(1911; 2d ed., New ~~York: Macmillan, 1914), 33, 640. The # Hartford Courant # quote appears in John D. Buenker, ~~“The Ratifi cation of the Federal Income Tax Amendment,” # Cato Journal # 1 (spring 1981): ~~221-22. # The Herbert Croly quotations are in # The Promise of American Life ~~(1909; New ~~York: Macmillan, 1911), at 118-19, 155-57, 381-82, 409. Theodore ~~Roosevelt’s Osawatomie speech is available online at # www.theodore-roosevelt.com/trnationalismspeech.html ~~. # Biographies of Wilson include H. W. Brands, # Woodrow Wilson ~~(New York: Times Books, ~~2003) and John Milton Cooper, # The Warrior ~~and the Priest: Woodrow Wilson and Theodore Roosevelt ~~(Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, ~~1983). ~~“divided heart on race” of TR: Kathleen Dalton’s phrase, ~~in # Theodore Roosevelt: A Strenuous ~~Life ~~, 92. # Wilson, “ours is a program of liberty,” is in Lewis L. ~~Gould, # Four Hats in the Ring: The 1912 ~~Election and the Birth of Modern American Politics ~~(Lawrence: University of Kansas Press, 2008), 164. Wilson explained ~~his program in # The New Freedom: A Call for ~~the Emancipation of the Generous Energies of a People ~~(Garden City, NY: Doubleday, Page, 1913). # The commentator on socialism is David J. O’Brien, “A Vote ~~for Socialism: Like Christianity, It’s Never Been Tried.” In # Commonweal ~~, July 18, 2008, ~~18. # الفصل السادس: انحسار الحركة التقدمية: 1919-1921 # Bryan’s “certain discomfort with white supremacy” are ~~words taken from Kazin, # A Godly ~~Hero ~~, 227. # | قراءات إضافية # تقدميون يطرحون آراءهم الخاصة # Croly, Herbert. # The Promise of ~~American Life. # New York: Macmillan, ~~1909. # Eisenach, Eldon J., ed. # The ~~Social and Political Thought of American Progressivism. # Indianapolis, IN: Hackett Publishing ~~Company, 2006. # James, William. Pragmatism: A New ~~Name for Some Old Ways of Thinking: Popular Lectures on Philosophy. # New York: Longmans, Green, ~~1907. # Lloyd, Henry Demarest. # Wealth ~~against Commonwealth. ~~[1894] Westport, CT: Greenwood Press, 1976. # Lippmann, Walter. # Drift and ~~Mastery: An Attempt to Diagnose the Current Unrest. # New York: Mitchell Kennerley, 1914. # Rauschenbusch, ms131 Walter. # Christianity and the Social Crisis. # New York: ~~Macmillan, 1907. # Ross, Edward Alsworth. # Sin and ~~Society: An Analysis of Latter-Day Iniquity. # Boston: ~~Houghton, Miffl in, 1907. # نظرة عامة على الحقبة التقدمية # Diner, Steven J. # A Very Different ~~Age: Americans in the Progressive Era. # New York: Hill ~~& Wang, 1998. # Fink, Leon. # Major Problems in the ~~Gilded Age and Progressive Era. # Lexington, MA: D. C. ~~Heath, 1993. # Flanagan, Maureen. # America ~~Reformed: Progressives and Progressivisms, ~~1890s-1920s. # New York: Oxford University Press, ~~2007. # McGerr, Michael. # A Fierce ~~Discontent: The Rise and Fall of the Progressive Movement in ~~America, 1870-1920. # New York: Free Press, ~~2003. # Sanders, Elizabeth. # Roots of ~~Reform: Farmers, Workers, and the American State ~~1877-1917. # Chicago: University of Chicago Press, ~~1999. # Stromquist, Shelton. # Reinventing ~~“The People”: The Progressive Movement, The Class Problem, and ~~the Origins of Modern Liberalism. # Urbana: University ~~of Illinois Press, 2006. # تأريخ # Johnston, Robert D. “Re-Democratizing the Progressive ~~Era: The Politics of Progressive Era Political Historiography.” # Journal of the Gilded Age and Progressive Era # 1 (Jan. 2002): ~~68-92. # تراجم # Brands, H. W. # Woodrow ~~Wilson ~~. New York: Times Books, ~~2003. # Brown, Victoria Bissell. # The ~~Education of Jane Addams. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2004. # Dalton, Kathleen. # Theodore ~~Roosevelt: A Strenuous Life. # New York: Vintage Books, ~~2004. # Davis, Allen F. # American Heroine: ~~The Life and Legend of Jane Addams ~~. Chicago: Ivan ~~Dee, 2000. # Kazin, Michael. # A Godly Hero: The ~~Life of William Jennings Bryan. # New York: Anchor ~~Books, 2007. # Knight, Louise D. # Citizen: Jane ~~Addams and the Struggle for Democracy ~~. Chicago: ~~University of Chicago Press, 2005. # Lewis, David Levering. # W. E. B. ~~DuBois: A Biography. # New York: Henry Holt, ~~2008. # Salvatore, Nick. # Eugene V. Debs: ~~Citizen and Socialist. # Urbana: University of Illinois Press, 2007. # Sklar, Kathryn Kish. # Florence ~~Kelley and the Nation’s Work: The Rise of Women’s Political ~~Culture, 1830-1900. # New Haven, CT: Yale University Press, 1995. # Unger, Nancy C. # Fighting Bob La ~~Follette: The Righteous Reformer ~~. Chapel Hill: ~~University ms132 of North Carolina Press, 2000. # Weisberger, Bernard A. # La ~~Follettes of Wisconsin: Love and Politics in Progressive ~~America. # Madison: University of Wisconsin Press, ~~1994. # موضوعات محددة # Andrews, Thomas G. # Killing for ~~Coal: America’s Deadliest Labor War ~~[the 1914 ~~Colorado coal strike and Ludlow massacre]. Cambridge, MA: Harvard ~~University Press, 2008. # Capozzola, Christopher J. N., # Uncle Sam Wants You: World War I and the Making of the Modern ~~American Citizen. # New York: Oxford University Press, ~~2008. # Deverell, William, and Tom Sitton, eds. # California Progressivism Revisited. # Berkeley: University of California Press, ~~1994. # Flamming, Douglas. # Bound for ~~Freedom: Black Los Angeles in Jim Crow America. # Berkeley: University of California Press, ~~2005. # Flanagan, Maureen. # Seeing with ~~Their Hearts: Chicago Women and the Vision of the Good City, ~~1871-1933. Princeton, NJ: Princeton University Press, ~~2002. # Gordon, Linda. # The Great Arizona ~~Orphan Abduction. # Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999. # Greene, Julie. # The Canal ~~Builders: Making America’s Empire at the Panama ~~Canal. # New York: Penguin Press, ~~2009. # Gregory, James N. # Southern ~~Diaspora: How the Great Migrations of Black and White ~~Southerners Transformed America. # Chapel Hill: ~~University of North Carolina Press, 2005. # Grossman, James R. # Land of Hope: ~~Chicago, Black Southerners, and the Great Migration ~~. ~~Chicago: University of Chicago Press, 1989. # Higham, John. # Strangers in the ~~Land: Patterns of American Nativism, 1860-1925. # New ~~Brunswick, NJ: Rutgers University Press, ~~2002. # Johnston, Robert D. # The Radical ~~Middle Class: Populist Democracy and the Question of Capitalism ~~in Progressive Era Portland, Oregon ~~. Princeton: Princeton University Press, 2003. # Kazin, Michael. # Barons of ~~Labor: The San Francisco Building Trades and Union Power in the Progressive Era. # Urbana: University of Illinois Press, 1987. # Kloppenberg, James T. # Uncertain ~~Victory: Social Democracy and Progressivism in European and ~~American Thought, 1870-1920 ~~. New York: Oxford ~~University Press, 1986. # McMath, Robert C. # American Populism: A Social History, 1877-1898 ~~. New York: Hill ~~& Wang, 1993. Postel, Charles. # The Populist ~~Vision. # New York: Oxford University Press, ~~2007. # Sugrue, Thomas J. ms133 # Sweet Land of ~~Liberty: The Forgotten Struggle for Civil Rights in the ~~North ~~. New York: Random House, ~~2008. # | مصادر الصور # (2-1) Nebraska State Historical Society ~~RG3198-126. ~~(3-1) Library of Congress ~~LC-USZ62-113665. ~~(3-2) Library of Congress ~~LC-H25-16945-F. ~~(3-3) Library of Congress ~~LC-H261-4783. ~~(3-4) Wisconsin Historical Society ~~WHi-65140. ~~(3-5) Library of Congress ~~LC-B2-2464-10. ~~(3-6) Oregon Historical Society ~~ba18217. ~~(4-1) Library of Congress ~~LC-B2-1369-16. ~~(4-2) Library of Congress ~~LC-H261-1734. ~~(4-3) Library of Congress ~~LC-USZ62-118488. ms134