######OpenITI# #META# URI: 1450MarwaCabdSalam.AqmarMushtari.Hindawi49303746 #META# Tags: literature #META# ID: 49303746 #META# Title: أقمار المشتري #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 59292641 #META# Editor: إيمان عبد الغني نجم #META# TranslatorID: 19607415 :: 96473631 #META# Translator: أحمد محمد الروبي :: مروة عبد السلام #META# Related_books: 1450AliceMunro.MoonsOfJupiter (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # آل تشادلي وآل فليمينج (1)‏ # آل تشادلي وآل فليمينج (2)‏ # كنافة البحر‏ # موسم الحبش‏ # الحادثة‏ # حافلة باردون‏ # برو‏ # عشاء عيد العمال‏ # السيدة كروس والسيدة كيد‏ # قصص الحظ العاثر‏ # الزائرون‏ # أقمار المشتري‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # آل تشادلي وآل فليمينج (1)‏ # آل تشادلي وآل فليمينج (2)‏ # كنافة البحر‏ # موسم الحبش‏ # الحادثة‏ # حافلة باردون‏ # برو‏ # عشاء عيد العمال‏ # السيدة كروس والسيدة كيد‏ # قصص الحظ العاثر‏ # الزائرون‏ # أقمار المشتري‏ # | أقمار المشتري # | أقمار المشتري # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # أحمد محمد الروبي # مروة عبد السلام # مراجعة # إيمان عبد الغني نجم # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # القصة القصيرة ليست بحاجة إلى الطول، ولكن جعلها أقصر هو ما يستغرق وقتا ~~طويلا. # هنري ديفيد ثورو # ما من بديل عن قراءة هذه القصص والاستمتاع بمهارات واحدة من أعظم مؤلفي القصص ~~القصيرة في عصرنا. # ويليام فرينش، صحيفة «ذا جلوب آند ميل» # في قصصها المحببة إلى النفس، يبرز لحن يفيض حياة ويسلب الألباب. # مجلة «تايم ماجازين» # إلى بوب ويفر # | شكر وتقدير # نشرت بعض قصص هذه المجموعة من قبل في عدد من المصادر كما يلي: ~~«آل تشادلي وآل فليمينج: (1) الرابطة»: مجلة «شاتيلين»، نوفمبر 1979. ~~«آل تشادلي وآل فليمينج: (2) حجر في الحقل»: مجلة «ساترداي نايت»، أبريل ~~1979. ~~«كنافة البحر»: مجلة «ذا نيويوركر»، 21 يوليو 1980. ~~«موسم الحبش»: مجلة «ذا نيويوركر»، 29 ديسمبر 1980. ~~«الحادثة»: مجلة «تورنتو لايف»، نوفمبر 1977. ~~«برو»: مجلة «ذا نيويوركر»، 30 مارس 1981. ~~«عشاء عيد العمال»: مجلة «ذا نيويوركر»، 28 سبتمبر 1981. ~~«السيدة كروس والسيدة كيد»: مجلة «تاماراك ريفيو»، شتاء 1982. ~~«الزائرون»: مجلة «ذي أتلانتك مانثلي»، أبريل 1982. ~~«أقمار المشتري»: مجلة «ذا نيويوركر»، 22 مايو 1978. # | مقدمة # أجد صعوبة بالغة في التحدث عن أي عمل أؤلفه، أو النظر إليه - ناهيك عن قراءته - بعد ~~نشره، وهو أسير الكتاب الذي طبع فيه. لماذا؟ جزء من هذا مجرد هاجس يراودني: ألم يكن من ~~الممكن أن أكتبه بأسلوب أفضل، أو أن أهتدي إلى طريقة تخدمني بها الكلمات بصورة أصلح؟ ليس ~~مجديا التفكير في ms001 هذا؛ فها هي ملقاة على سطح صفحات جامدة. ولكن ليس هذا كل شيء؛ فالقصة نوع ~~من الامتداد لشخصيتي، شيء كان جزءا مني، ثم انفصل عني، وابتتر الآن، وأصبح مكشوفا ~~ووحيدا. ليس الخجل أو الندم هو ما أشعر به بالضبط؛ فسأكون منافقة لو زعمت أنني أشعر بهذا، ~~بما أن الانكشاف - أو نشر الكتاب - كان بالتأكيد ما يهمني طيلة الوقت، وإنما هو شعور ~~بالانزعاج، أو عدم الرغبة في النظر فيه أو المراجعة. أحاول أن أجيد التحدث عن قصصي؛ لإحساسي ~~أن هذا شيء بدائي وطفولي. وسأحاول الآن. # بعض من هذه القصص أقرب إلى حياتي الخاصة من بعضها الآخر، ولكن ليس من بينها ما اقترب من ~~حياتي بالشكل الذي يتخيله الناس؛ فالقصة التي تحمل عنوان المجموعة القصصية لها علاقة بموت ~~والدي، وهي ترتبط بزيارة قمت بها - خلال الصيف الذي أعقب وفاته - إلى قبة مكلافلن ~~السماوية. ولكن لو انتويت أن أكتب - ولو حتى لأرضي نفسي ~~- وصفا لموت والدي أو الرحلة التي قمت بها مع ~~أصغر بناتي وأخيها غير الشقيق إلى القبة السماوية، فستكون النتيجة مختلفة تماما، ليس فقط ~~من حيث التفاصيل الواقعية أو الأحداث، وإنما من حيث الإحساس. عندما تشرع في تأليف قصة، ~~تجتمع عدة أشياء من أركان بعيدة في عقلك لتسيطر عليه. لربما ظننت أن بعض الأمور ستكون ~~جزءا من القصة ولكنك تغفلها، في حين أنك تضخم أمورا أخرى. وهكذا فأنت تنسج خيوط القصة ~~بمزيج من الأمل والرهبة والاندهاش المتكرر. ولو كانت القصة من نوع ~~معين - بضمير المتكلم، فتبدو ساذجة ومباشرة - ~~يتصور الناس أن كل ما فعلته هو أنك سجلت كل ما حدث في يوم معين. # وإنه لأمر جيد أن يعتقدوا هذا؛ لأنه يعني أن القصة أقنعتهم. # ألفت جميع القصص الواردة - بكل صدق - بالطريقة نفسها. بعضها مبني على تجربة شخصية - مثل ~~«أقمار المشتري» أو «حجر في الحقل» - في حين بني بعضها الآخر على المشاهدات - مثل ~~«الزائرون» أو «السيدة كروس والسيدة كيد». يضيع هذا الاختلاف خلال عملية التأليف، أو هذا ما ~~يجب أن يحدث؛ فقد ms002 ابتعدت تماما بالقصص المأخوذة من تجربة شخصية عن الواقع. أما القصص ~~المعتمدة على مشاهداتي، فتفقد حدودها القصصية؛ نتيجة سيطرة أشكال وأصوات مألوفة ~~عليها. # أو هذا ما آمله على أية حال. # لأوصل فكرتي بوضوح، فإن تأليف قصة «موسم الحبش» قد يلقي بعض الضوء على هذه العملية؛ فقد ~~حاولت بشكل متقطع على مدار سنوات تأليف قصة تدور حول فندق كنت أعمل فيه نادلة، وأنا في ~~التاسعة عشرة من العمر. كان هذا فندقا صيفيا من الدرجة الثانية في مسكوكا. كنت أريد أن ~~أكتب شيئا عن المساعد الأول للطباخ، وهو رجل غامض ومثير للإعجاب، والمساعد الثاني للطباخ ~~مقطب الجبين الذي قد يكون أو لا يكون عشيقه، وشيف الحلويات الذي كان بذيئا بطبعه، وكذلك عن ~~امرأة مبتذلة، والتي وصلت لتطارد المساعد الأول للطباخ، وعن تأثير هذا كله على هذه الفتاة ~~الشابة، العادية، الخرقاء، الفضولية، الخجولة. ولكني لم أبلغ مدى بعيدا في تأليف هذه ~~القصة. ثم عثرت ذات يوم - وسط أوراق أبي - على صورة فوتوغرافية للعمال الموسميين الذين ~~كانوا يعملون في حظيرة ديوك الحبش التي كان يديرها. أعتقد أن الصورة التقطت عشية عيد ~~الميلاد. وثمة مسحة مقترنة بالعصور الوسطى تتسم بها؛ الأثواب الفضفاضة، والعمامات، والمآزر، ~~والوجوه المنهكة، التي تبدو ودودة ومريبة في آن واحد، ساخرة ومطيعة، ماكرة ومستكينة. ~~جعلتني الصورة أفكر في أنواع معينة من العمل الشاق، في جوانب الرضى وروح الألفة والمجهود ~~القاسي. لاحظت أن الشخصيات التي وظفتها في قصة الفندق قد التحمت بهذه القصة؛ فكان المساعد ~~الأول للطباخ هو كبير العمال، بينما اتحد المساعد الثاني للطباخ وشيف الحلويات في هيئة ~~براين، الشاب، العامل المؤقت، غير الكفء. أما المرأة المبتذلة، شديدة التصميم على ملاحقة ~~الطباخ/كبير العمال فجسدتها جلاديس. وقد عرفت عن مارجوري وليلي من القصص التي سمعتها من ~~أقاربي، ولدى مصفف الشعر. وكان مهما للغاية بالنسبة إلي أن أفهم العملية الفعلية ~~لاستخراج أحشاء ديوك الحبش، وقد أسعفني حظي بحصولي على وصف دقيق لها من شقيق زوجي، الذي ~~أهديت له قصة «موسم الحبش». ولكن الآن بعد ms003 أن كشفت خيوط تلك القصة، هل زاد فهمنا لما ~~تدور حوله؟ هل هي عن الجنس؟ أم العمل؟ أم ديوك الحبش؟ أم وسائل الراحة والتسلية لامرأة في ~~منتصف العمر؟ أم اكتشافات الفتاة الشابة؟ عندما أفكر في القصة، أفكر في اللحظة التي تخرج ~~فيها مارجوري وليلي والفتاة من حظيرة الحبش، بينما يتساقط الثلج، فيعقدن أذرعهن ويصدحن ~~بالغناء. أعتقد أنه من الأفضل أن تضم كل قصة بين جنباتها لحظة مشرقة غريبة كهذه، وبطريقة أو ~~بأخرى هذا ما تدور حوله القصة. # كانت قصة «الحادثة» أول قصة أؤلفها في هذه المجموعة، وذلك في شتاء عام 1977. كنت أعمل في ~~المقام الأول وقتذاك على كتابة قصص من أجل مجموعة قصصية أخرى. أما «حافلة باردون»، فكانت ~~القصة الأخيرة في هذه المجموعة، وقد كتبتها في خريف عام 1981. وجميعها ألفته في أثناء ~~إقامتي بكلينتون، أونتاريو. خلال تلك السنوات سافرت إلى أستراليا، والصين، ورينو، وسولت ليك ~~سيتي، والعديد من الأماكن، ولكني لم أجد أن السفر قد ترك أثرا كبيرا في ككاتبة. قصة ~~«حافلة باردون» - على سبيل المثال - تدور بعض أحداثها في أستراليا، ولكنها تدور بشكل أخص في ~~بضعة بيوت غريبة وقذرة وصاخبة في شارع كوين بتورونتو، حيث أعيش غالبا خلال شهور ~~الصيف. # سأحاول جاهدة - الآن - أن أتذكر ما تدور حوله هذه القصص. وهذا شيء غريب. فأنا أؤلفها ~~بحماس وتفان وجهد كتوم، ثم بعد ذلك أفارقها وأتركها، لكي تقوى وتستقر في مكانها المحتوم. ~~هذا يشعرني بالحرية. ما أفعله بعد ذلك أنني أشرع في حشد طاقاتي، والاستعداد للقيام بنفس ~~العمل مرة أخرى. # أليس مونرو # كلينتون، أونتاريو، 1985 # | آل تشادلي وآل فليمينج (1) # الرابطة # قريبتي أيريس من فيلادلفيا، وتعمل ممرضة، وقريبتي إيزابيل من دي موين، وتملك متجرا ~~لبيع الزهور، وقريبتي فلورا من وينيبيج، وهي معلمة، وقريبتي وينيفريد من إدمنتون، وهي ~~محاسبة؛ كن يوصفن جميعا بالعوانس. فقد كان لقب آنسات أرق من أن يصفهن أبدا؛ إذ ~~كانت أثداؤهن ضخمة ومرعبة - ككتلة مصفحة واحدة - وبطونهن ومؤخراتهن ممتلئة ومشدودة ~~بالمشد كأية امرأة متزوجة. في تلك الأيام، بدا أنه ms004 من المحبذ للنساء أن تمتلئ أجسامهن ~~وتنضج حتى تصل إلى مقاس مناسب يبلغ العشرين، هذا إذا أردن أن يحظين بأي شيء في الحياة ~~على الإطلاق. ثم - بحسب الطبقة الاجتماعية والطموحات الشخصية - إما أن تتهدل أجسادهن ~~وترتخي، وتهتز مثل الكاسترد داخل فساتينهن شاحبة اللون ومآزرهن المبللة، أو تتخذ ~~أشكالا ليس لانحناءاتها المشدودة ولا تضاريسها الباعثة على الفخر أية علاقة بالجنس، ~~وإنما تكون مرتبطة أشد الارتباط بالحقوق والنفوذ. # كانت أمي وقريباتها من ذلك النوع الثاني من النساء؛ فكن يرتدين مشدا يرفع أجنابهن ~~بعشرات الكلابات والعراوي، وجوارب تهسهس وتصر عندما يعقدن أقدامهن، وفساتين حريرية ~~لأوقات بعد الظهر (مع العلم أن أمي حصلت على فستانها من إحدى قريباتها)، ويضعن بودرة ~~للوجه (ريتشيل)، وبودرة للوجنتين، وعطرا، ومشابك شعر صدفية أصلية أو مقلدة لتزيين ~~شعورهن. لا يمكن تخيلهن دون هذا المظهر، ما لم تلفهن بالكامل أرواب ستان مبطنة. ~~وبالنسبة إلى أمي، كان من الصعب الإبقاء على هذا المظهر؛ إذ كان يتطلب براعة وتفانيا ~~ومجهودا رهيبا. ومن كان يقدره؟ هي كانت تقدره. # جئن جميعهن ذات مرة لقضاء الصيف معنا. وقد قدمن إلى بيتنا لأن أمي كانت الوحيدة ~~المتزوجة بينهن، ومنزلها كبير بما يكفي ليسع الجميع، ولأنها كانت فقيرة بما لا يتيح لها ~~زيارتهن. كنا نعيش في داجليش بمقاطعة هورون في ويسترن أونتاريو، وقد سجل تعداد سكانها ~~البالغ 2000 نسمة على لافتة عند حدود المدينة. صاحت قريبتنا أيريس، وهي تلهث جاهدة ~~للخروج من مقعد السائق: «الآن أصبح التعداد 2004 نسمات.» كانت سيارتها أولدز موبيل ~~موديل 1939، وقد قادتها إلى وينيبيج لتقل فلورا، ووينيفريد التي جاءتها من إدمنتون ~~بالقطار. ثم توجه ثلاثتهن بالسيارة إلى تورونتو ليجلبن إيزابيل. # قالت إيزابيل: «ونحن الأربعة نخلق مشاكل أكثر من الألفي شخص مجتمعين. أين حدث هذا - ~~أكان في أورانجفيل؟ - حيث ضحكنا من صميم قلوبنا لدرجة أن أيريس اضطرت إلى إيقاف ~~السيارة؟ كانت تخشى أن تسقط بالسيارة داخل القناة!» # أصدرت السلالم صوت صرير تحت أقدامهن. ~~«استنشقن هذا الهواء! أوه، لا يمكن لشيء أن ينافس هواء الريف ms005 النقي. أهذه هي الطلمبة ~~التي تحصلون من خلالها على ماء الشرب؟ ألن يكون هذا ممتعا الآن؟ كوب من مياه ~~الآبار!» # طلبت مني أمي أن أحضر كوبا، ولكنهن أصررن على الشرب من الكوب الصفيح. # بدأن يحكين عن أيريس وكيف أنها دخلت أحد الحقول لتلبي نداء الطبيعة، ثم رفعت رأسها ~~لتجد نفسها محاطة بحلقة من الأبقار الفضولية. # قالت أيريس: «هذا هراء! لقد كانت عجولا مخصية.» # فقالت وينيفريد وهي تجلس على كرسي من الخيزران، وقد كانت أسمنهن: «لمعلوماتك كانوا ~~ثيرانا.» # فردت أيريس: «ثيران! كنت سأعرف لو كانوا كذلك! أرجو أن يتحمل أثاثهم ثقل وزنك يا ~~وينيفريد. لعلمك لقد كنت أجر مؤخرة سيارتي المسكينة جرا. ثيران! يا لها من صدمة! ~~والعجيب أنني استطعت ارتداء سروالي!» # ثم حكين عن المدينة التي بدت وحشية في نورثرن أونتاريو، حيث رفضت أيريس التوقف ~~بالسيارة ولو لشراء مياه غازية. فقد ألقت نظرة واحدة على الحطابين وصرخت: «سنتعرض ~~جميعا للاغتصاب!» # سألت شقيقتي الصغرى: «ما معنى اغتصاب؟!» # فردت أيريس: «امم ... معناه سرقة محفظتك.» # محفظة: كلمة أمريكية لا تنتمي إلى مجتمعنا. ولم نكن أنا وشقيقتي نعلم معناها هي ~~أيضا، ولكننا لم نستطع أن نطرح سؤالين على التوالي. كما أنني كنت أعلم أن هذا ليس معنى ~~الاغتصاب على أية حال؛ فهو يعني شيئا قذرا. # قالت أمي بنبرة مرحة وتحذيرية في نفس الوقت؛ إذ كان الحديث داخل بيتنا يتسم بالتهذيب: ~~«حقيبة. سرقة حقيبتك.» # الآن حانت لحظة فتح الهدايا. علب من القهوة، وبودنج بالجوز والبلح، ومحار، وزيتون، ~~وسجائر جاهزة من أجل أبي. كن جميعا يدخن أيضا، باستثناء فلورا، المعلمة القادمة ~~من وينيبيج. ورغم أن هذه كانت آنذاك علامة على التحضر، فإنها في داجليش علامة على ~~احتمالية انحلال الأخلاق. وقد جعلنها رفاهية تتسم بالاحترام. # كما كانت الجوارب والأوشحة من بين الهدايا أيضا، وبلوزة من نسيج الفوال هدية لأمي، ~~ومئزرتان بيضاوان متيبستان من نسيج الأورجندي هدية لي ولشقيقتي (وكانتا أحدث صيحة، ~~ربما، في دي موين أو فيلادلفيا، ولكنها كانت سقطة في داجليش؛ حيث لم ينفك الناس ~~يسألوننا ms006 عن السبب وراء عدم خلعنا لمئزرتينا). وأخيرا ، علبة شيكولاتة تزن خمسة أرطال. ~~وبعد أن أكلنا الشيكولاتة بوقت طويل، وبعد رحيل قريباتنا، احتفظنا بعلبة الشيكولاتة في ~~درج البياضات في بوفيه غرفة الطعام، في انتظار استخدامها لغرض احتفالي لم يحل علينا قط. ~~كانت لم تزل ممتلئة بأكواب الشيكولاتة الورقية الفارغة السوداء والمحززة. خلال الشتاء ~~أذهب أحيانا إلى غرفة الطعام الباردة وأشم الأكواب، مستنشقة رائحتها الدالة على جودة ~~الصنع والرفاهية، وأقرأ ثانية الأوصاف الموجودة في الصورة المطبوعة على الوجه الداخلي ~~لسطح العلبة: البندق، والنوجا القشدية، والحلوى التركية، والطوفي الذهبي، والقشدة ~~بالنعناع. ~~••• # نامت قريباتنا في غرفة النوم بالطابق السفلي، وعلى الأريكة السريرية المفرودة في غرفة ~~المعيشة. ولو ارتفعت حرارة الجو خلال الليل لم يجدن حرجا في جر الفراش إلى الشرفة، أو ~~حتى إلى الفناء. وكن يجرين القرعة لاختيار من ستنام في الأرجوحة الشبكية، ولكن لم يكن ~~من حق وينيفريد الاشتراك في هذه القرعة. وبعد منتصف الليل كان يمكن سماعهن يقهقهن، ~~ويسكتن بعضهن بعضا، ويصرخن: «ماذا كان ذلك؟» ولأننا كنا بعيدين عن أضواء شوارع ~~داجليش، فقد أعجبهن الظلام، وعدد النجوم الهائل على صفحة السماء. # وذات مرة قررن الغناء: # جدف، جدف، جدف بقاربك. # ادخل به النهر برفق. # بمرح، ومرح، ومرح، ومرح. # فما الحياة إلا حلم. # كن يرين داجليش حلما يتخطى الواقع. وقد قدن سيارتهن إلى أعلى المدينة، وحكين عن ~~غرابة أصحاب المتاجر، وكن يكررن أشياء سمعنها مصادفة في الشارع. وفي صباح كل ~~يوم، كانت القهوة التي جلبنها معهن تملأ البيت برائحتها الأمريكية غير المألوفة، ثم ~~يجلسن باسترخاء ويسألن عمن لديها فكرة عن كيفية قضاء يومهن. تمحورت إحدى الأفكار حول ~~قيادة السيارة داخل الريف وجمع التوت. فتعرضن للخدش وارتفاع درجة الحرارة، وفي مرحلة ~~ما علقت وينيفريد تماما - بلا حراك - بسبب الأغصان الشائكة، وجأرت طلبا لمن ينجدها. ~~ومع هذا فقد قلن إنهن استمتعن بوقتهن كثيرا. وتمحورت فكرة أخرى حول استعارة صنارات أبي ~~والذهاب إلى النهر. ثم عدن إلى البيت بصيدة من سمك القاروص، وهو نوع من الأسماك عادة ms007 ~~ما نعيده إلى النهر. كما نظمن رحلات ، فكن يلبسن ثيابا عتيقة، وقبعات قديمة من القش، ~~وبدلات العمل الخاصة بأبي، ويلتقطن الصور بعضهن لبعض. هذا غير أنهن صنعن كعكات متعددة ~~الطبقات، وسلاطات مقولبة رائعة تتخذ شكل المعابد، وملونة مثل الحلي. # وذات مساء أقمن حفلا موسيقيا. وقامت أيريس بدور مغنية أوبرا. وأخذت المفرش الذي ~~كان يغطي المنضدة بغرفة الطعام لتكسو نفسها به، وأرسلتني لأجمع لها ريش الدجاج لتضعه ~~في شعرها. غنت «نداء الحب الهندي» و«النساء متقلبات». ثم أدت وينيفريد دور لص بنوك، ~~حاملة معها مسدس ماء اشترته من أحد المتاجر. وكان على كل فرد أن يفعل شيئا؛ فأنشدنا ~~أنا وشقيقتي «زهرة تكساس الصفراء» والتسابيح. أما أمي، فلدهشتنا الكبرى، ارتدت سروال ~~أبي ووقفت على رأسها. # وسواء كانت قريباتنا متفرجات أو مؤديات، فقد كن معا، خلال كل لحظة يقظة. وأحيانا ~~خلال نومهن؛ إذ كانت فلورا تتحدث في أثناء نومها. وبما أنها أيضا كانت أكثرهن تهذيبا ~~وحرصا، كانت الأخريات يبقين مستيقظات ليطرحن عليها أسئلة، ليجبرنها على قول شيء ~~يحرجها. وقد أخبرنها أنها كثيرة اللعن، وقلن: إنها نهضت فجأة وطلبت قائلة: «لماذا لا ~~يوجد إصبع طباشير بحق الجحيم؟» # لقد كانت أقلهن معزة لدي؛ لأنها كانت تحاول ~~شحذ عقلينا - أنا وشقيقتي - بطرحها أسئلة حسابية ذهنية علينا: «لو استغرقت سبع دقائق ~~لأتخطى سبعة أحياء سكنية، وكانت خمسة أحياء بنفس المسافة، ولكن كان الحيان الآخران ضعف ~~المسافة ...» # قالت أيريس، التي كانت أكثرهن وقاحة: «أوه، أنت لا تعرفين شيئا عن هذا يا ~~فلورا!» # لو لم يجدن أية أفكار جديدة، أو كان الجو حارا بما لا يتيح القيام بأي شيء، كن ~~يجلسن في الشرفة يحتسين عصير الليمون، أو عصير الفواكه المسكر، أو جعة الزنجبيل، أو ~~الشاي المثلج، مع التوت الأسود وقطع الثلج المتكسرة من الكتلة الضخمة الموجودة ~~بثلاجتنا. أحيانا كانت أمي تزين الأكواب بتغطيس حوافها في بياض البيض المخفوق، ثم في ~~السكر. وكانت قريباتنا يقلن: إنهن منهكات، وإنهن لا يجدن عمل شيء. ولكن كان لشكاواهن ~~صوت مسموع، كما لو أن حرارة ms008 الصيف نفسها قد وجدت لتضيف المزيد من التعاسة إلى ~~حياتهن. ~~••• # كفانا تعاسة. # في العالم الأرحب، وقعت أمور لهن: حوادث، وعروض زواج، ومواجهات مع مخابيل وأعداء. كان ~~يمكن لأيريس أن تصبح ثرية؛ فقد وصلت أرملة مليونير إلى المستشفى في يوم من الأيام، ~~وهي امرأة عجوز اعتراها الجنون وترتدي شعرا مستعارا أشبه بكومة القش، وقد جاءت على ~~كرسي متحرك، متعلقة بحقيبة سفر قماشية. ما الذي سيكون بداخل الحقيبة سوى مجوهرات، ~~مجوهرات حقيقية، زمرد وألماس ولؤلؤ كبير كبيض الدجاج. وما من أحد سوى أيريس استطاع ~~التعامل معها؛ فأيريس هي من أقنعتها بإلقاء الشعر المستعار في القمامة (إذ كان مليئا ~~بالبراغيث)، وإيداع مجوهراتها في خزانة البنك. فتعلقت هذه المرأة العجوز بأيريس ~~كثيرا لدرجة أنها أرادت أن تعيد كتابة وصيتها، وأن تترك لأيريس المجوهرات والأسهم ~~والأموال والمباني السكنية. لكن أيريس رفضت ذلك، من منطلق الأخلاق المهنية. ~~«أنا موضع ثقة. يجب أن تكون الممرضة موضع ثقة.» # ثم حكت عن الممثل الذي عرض عليها الزواج وهو يحتضر نتيجة انغماسه الشديد في ~~الملذات. لقد سمحت له بأن يتجرع زجاجة مطهر للفم لأنها لم تر أن فارقا سيحدث. كان ~~ممثلا مسرحيا؛ وبالتالي لم نكن سنعرف اسمه حتى لو أخبرتنا، وهو ما لم تفعله. # كما أنها رأت شخصيات أخرى مهمة، من مشاهير وعلية القوم في فيلادلفيا، وهم في أسوأ ~~حالاتهم. # قالت وينيفريد: إنها اطلعت على بعض الأمور أيضا. فالحقيقة الفعلية، الحقيقة المفزعة ~~الفعلية حول بعض هؤلاء الأثرياء وعلية القوم تنكشف عندما تلقي نظرة على ~~مالياتهم. ~~••• # كنا نعيش عند نهاية طريق يمتد غربا من داجليش فوق أرض قذرة تعلوها مساكن خشبية صغيرة ~~وأسراب من الدجاج والأطفال. كانت الأرض مرتفعة إلى مستوى مقبول حيث كنا نعيش، ثم ~~تنحدر في الحقول والمروج الواسعة، مزينة بشجر الدردار، نزولا إلى منعطف النهر. وكان ~~منزلنا متواضعا أيضا؛ مجرد بيت قديم مبني من الطوب بحجم مناسب، ولكنه كان في مواجهة ~~الرياح، ومبنيا بطريقة غير مريحة، وزخارفه بحاجة إلى الطلاء. كانت أمي تنوي إصلاحه ~~وتغييره بشكل جذري بمجرد ms009 حصولنا على بعض المال. # لم تفكر أمي كثيرا في مدينة داجليش؛ فعادة ما تعود بذاكرتها إلى الوراء، إلى مدينة ~~فورك ميلز، في وادي أوتاوا، حيث ارتادت وقريباتها المدرسة الثانوية، وهي أيضا المدينة ~~التي حط فيها جدهم قادما من إنجلترا. كما كانت تحن إلى إنجلترا، التي بالطبع لم ~~ترها قط. كانت تشيد بفورك ميلز بسبب بيوتها الحجرية، ومبانيها العامة البديعة غير ~~المبهرجة (المختلفة تماما - حسب قولها - عن مقاطعة هورون؛ حيث سادت فكرة تشييد بشاعات ~~حجرية وإلصاق الأبراج بها)، وشوارعها الممهدة، ورقي الخدمات في متاجرها، والجودة ~~العالية التي تتميز بها المعروضات، والطبقة الراقية التي ينتمي إليها السكان. من يعتبر ~~نفسه راقيا في داجليش، فسيكون مثار سخرية العائلات الكبرى في فورك ميلز. ولكن مع هذا، ~~كانت تلك العائلات الكبرى في فورك ميلز هي نفسها التي ستتعامل بتواضع لو احتكت بعائلات ~~معينة في إنجلترا، والتي ترتبط بها أمي. # الرابطة. هذا كل ما يهم. كانت قريباتنا في حد ذاتهن عرضا يستحق المشاهدة، ولكنهن كن ~~يمثلن رابطة تصل بيننا وبين العالم الواقعي والخصب والخطير. كن يعرفن كيفية التعامل ~~معه، وجعله يلاحظ وجودهن. كن يستطعن السيطرة على فصل مدرسي، أو على جناح الولادة في ~~مستشفى، أو على الجمهور بشكل عام. كن يعلمن كيفية التعامل مع سائقي سيارات الأجرة ~~ومحصلي التذاكر في القطارات. # أما الرابطة الأخرى التي وفرنها - ووفرتها أمي أيضا - فكانت الرابطة مع إنجلترا ~~والتاريخ. فمن المعروف أن الكنديين من أصل اسكتلندي - الذين نسميهم في مقاطعة هورون ~~اسكتلنديين - وأحفاد الأيرلنديين سيخبرونك بتحرر تام أن أجدادهم قد جاءوا خلال مجاعة ~~البطاطس بثيابهم المهلهلة، أو أنهم كانوا يعملون في رعي الغنم أو الزراعة، أو كانوا ~~فقراء بلا أراض يتملكونها. ولكن أي شخص جاء أجداده من إنجلترا سيروي لك قصة عن أنه كان ~~منبوذا في عائلته أو أنه كان الابن الأصغر الذي حرم من إرثه، أو عن النكسات المالية، ~~أو المواريث المفقودة، أو الهروب للزواج من أشخاص غير مناسبين. وقد يكون هناك قدر من ~~الحقيقة في هذه الروايات؛ فالأوضاع في ms010 اسكتلندا وأيرلندا كانت تدفع دفعا نحو الهجرة ~~الجماعية، في حين قد يكون الإنجليز قد قرروا هجرة وطنهم لأسباب شخصية أقل ~~درامية. # كان هذا هو الوضع في حالة آل تشادلي؛ عائلة أمي. لم تكن كل من إيزابيل وأيريس ~~منتميتين بالاسم إلى آل تشادلي، ولكن كانت أمهما كذلك. كما كانت أمي منتمية إلى آل ~~تشادلي، رغم أنها تنتمي الآن إلى آل فليمينج. أما فلورا ووينيفريد فلم تزالا منتميتين ~~إلى آل تشادلي. وجميعهن انحدرن من جد ترك إنجلترا في شبابه لأسباب لم يتفقن عليها ~~إلى حد ما؛ فقد كانت أمي تعتقد أنه كان طالبا في جامعة أكسفورد، ولكنه خسر كل ~~الأموال التي أرسلتها عائلته له، فخجل من العودة لوطنه. لقد خسر أمواله في لعب القمار. ~~كلا - حسب زعم إيزابيل - كانت هذه مجرد شائعة، وما حدث فعلا هو أنه ورط إحدى ~~الخادمات في خطب ما واضطر إلى الزواج منها والذهاب بها إلى كندا. كانت عزب العائلة ~~قريبة من كانتربري، حسب قول أمي. (حيث حجاج كانتربري، وأجراس كانتربري.) ولكن لم تكن ~~الأخريان واثقتين من هذا؛ فقد قالت فلورا: إنهم كانوا يعيشون في غرب إنجلترا، وقيل: إن ~~اسم تشادلي مرتبط بتشولموندلي؛ حيث كان هناك من يسمى باللورد تشولموندلي، وربما يكون آل ~~تشادلي فرعا منتميا إلى هذه العائلة. ولكنها قالت إن هناك أيضا احتمالية بأن يكون ~~الاسم فرنسيا، وكان أصله # Champ de laiche ~~، والذي يعني ~~حقل البردي. في هذه الحالة، قد تكون العائلة قد قدمت على الأرجح إلى إنجلترا مع ~~دخول ويليام الفاتح. # قالت إيزابيل: إنها ليست مثقفة، وإن الشخصية الوحيدة التي تعرفها في التاريخ ~~الإنجليزي هي ماري ملكة اسكتلندا. وقد أرادت أن يخبرها أحد ما إن كان ويليام الفاتح قد ~~جاء قبل ماري ملكة اسكتلندا، أم بعدها. # فقال أبي بلطف: «حقول البردي، لم يكن هذا ليجعلهم أثرياء.» # فردت أيريس: «حسنا، أنا لم أكن لأفرق بين البردي والشوفان. ولكنهم كانوا أثرياء ~~بما يكفي في إنجلترا، وحسبما قاله جدي، فقد كانوا من الطبقة الأرستقراطية هناك.» # قالت فلورا: «هذا ms011 في السابق، كما أن ماري ملكة اسكتلندا لم تكن حتى إنجليزية.» # ردت إيزابيل: «خمنت هذا من الاسم، لقد أضحكتني.» # كانت كل منهن تعتقد - بغض النظر عن التفاصيل - أن العائلة قد تعرضت لانتكاسة ~~كبرى، ونكبة غامضة، وأن في إنجلترا - بعيدا عن متناولهم - توجد أراض وبيوت وراحة ~~وشرف. كيف يفكرن بغير ذلك وهن يتذكرن جدهن؟ # لقد عمل موظفا بهيئة البريد - في فورك ميلز - وأنجبت له ~~زوجته - سواء أكانت خادمة مغررا بها أم ~~لا - ثمانية أطفال، ثم ماتت. وبمجرد خروج الأطفال الأكبر سنا إلى العمل والمساهمة في ~~الإنفاق على البيت - إذ لم تكن هناك فائدة من تعليمهم - ترك الأب العمل. وكان شجاره مع ~~مدير مكتب البريد هو السبب المباشر، ولكنه في الحقيقة لم يكن ينوي العمل لفترة أطول، ~~وكان قد اتخذ قرارا بالبقاء في البيت ليعوله أبناؤه. وكان يتسم بروح الرجل النبيل، ~~وكان كثير الاطلاع، وبليغ الخطاب وشديد الاعتداد بنفسه. ولم يتردد أبناؤه في إعالته، ~~فانغمسوا في وظائفهم المتدنية، ولكنهم دفعوا أبناءهم - بعد أن اكتفوا بطفل أو اثنين ~~لكل واحد، وكان معظمهم من البنات - للالتحاق بكليات إدارة الأعمال والمعلمين والتمريض. ~~وكثيرا ما تحدثت أمي وقريباتها - اللاتي كن هؤلاء الأبناء - عن جدهن الذي اتصف ~~بالعناد والأنانية، ونادرا ما تحدثن عن آبائهن المطحونين المحترمين. كن ينتقدن تكبره، ~~وفي نفس الوقت يشدن بوسامته حتى بعد أن تقدمت به السن. كانت إهاناته للناس جاهزة ~~ومطابقة للموقف، وانتقاداته لاذعة. وذات مرة - في تورونتو البعيدة، وفي الطابق الأرضي ~~بإيتون في واقع الأمر - خاطبته زوجة صانع السروج القادمة من فورك ميلز، وهي امرأة بلهاء ~~غير مؤذية، صائحة: «حسنا، أليس من الرائع أن أقابل صديقا قادما من وطني ~~البعيد؟» # فقال الجد تشادلي: «سيدتي، أنت لست صديقتي.» # قلن: إنه كان يحب وضع الحدود. «سيدتي، أنت لست صديقتي!» يا له من عجوز متكبر! كان ~~يختال في المكان رافعا أنفه في السماء كذكر الإوز المنتصر. وهناك سيدة أخرى من طبقة ~~اجتماعية أدنى - حسب وصفه - كانت من اللطف لتجلب له بعض الحساء عندما أصابته نزلة ms012 برد. ~~ورغم جلوسه في مطبخ ابنته - ليس حتى بيته هو - وهو ينقع قدميه في الماء - أثناء مرضه بل ~~احتضاره في حقيقة الأمر - لم يزل بالوقاحة ليدير ظهره لها، ويترك لابنته مهمة شكرها. ~~كان يحتقرها، فقد كانت شنيعة في استخدام القواعد النحوية، وكانت بلا أسنان. ~~«ولكنه أيضا كان بلا أسنان! في هذا الوقت كان قد فقد جميع أسنانه!» ~~«يا له من مغفل عجوز مدع!» ~~«وعالة على أبنائه.» ~~«مجرد كتلة من الغرور والتكبر. هذا كل ما كان عليه.» # ولكنهن في أثناء سرد هذه القصص - وهن يتضاحكن - كن ممتلئات هن أنفسهن بالغرور ~~والتبجح. لقد كن فخورات لانتمائهن إلى مثل هذا الجد. كن يؤمن أن رفض مخاطبة ~~الأشخاص المتدنين شيء مشين وحقير، وأن إظهار التميز على الغير شيء سخيف، خصوصا عندما ~~يفقد المرء أسنانه، ولكنهن ما زلن معجبات به نوعا ما. هذا حقيقي. كن معجبات بإهاناته ~~التي صبها على رئيسه - مدير مكتب البريد الكادح - وبسلوكه المتفاخر الذي صبه على ~~جيرانه، مواطني كندا الديمقراطيين. (يا له من شيء مشين ألا يتعرف علي، هكذا قالت ~~جارته المسكينة العجوز عديمة الأسنان.) ربما يكن حتى معجبات بقراره بترك أبنائه ~~للعمل. كن يصفنه بالرجل النبيل. وكان حديثهن متناقضا، ولكن انتماءهن إلى هذا الجد ظل ~~أمرا يسرهن. # لم أستطع فهم هذا، سواء في ذلك الوقت أو بعده. كانت الدماء الاسكتلندية هي التي تجري ~~في عروقي؛ دماء أبي. فأبي لم يكن ليعترف أبدا بوجود أشخاص أقل شأنا أو أعلى شأنا. ~~كان مؤمنا كثيرا بالمساواة، مشددا على ألا «نشتكي» - حسب قوله - لأي شخص، وألا نخضع ~~لأحد، وألا نتعالى على أحد أيضا، وأن نتصرف كما لو لم يكن هناك فروق بين الناس. لقد ~~سلكت نفس الطريق. كانت هناك أوقات - لاحقة - تساءلت فيها ما إذا كان التعقل المسبب ~~للعجز هو الذي شكل لديه هذا الرأي، بقدر مساهمة أي مشاعر مرهفة أخرى؛ وتساءلت عما إذا ~~كنت أنا وأبي لا نحمل في قلوبنا أفكارا سليمة ومنيعة عن التفوق والأفضلية، الأمر الذي ~~لا يمكن لأمي وقريباتها بغطرستهن ms013 البريئة مضاهاتها أبدا. ~~••• # لم يكن استلام خطاب من عائلة تشادلي في إنجلترا - بعد ذلك بسنوات ~~- بهذا القدر من الأهمية بالنسبة إلي. كان ~~الخطاب من امرأة عجوز تبحث في شجرة العائلة. اتضح في النهاية أنه كانت للعائلة فعلا ~~أصول في إنجلترا، وأنهم لم ينبذوا فروعهم التي تعيش في الخارج، بل كانوا يحاولون الوصول ~~إليها. كان جدي الأكبر معروفا لديهم. كان اسمه في شجرة العائلة: جوزيف إلينجتون ~~تشادلي. وقد ذكر سجل الزواج أنه كان يعمل صبيا لدى جزار. كان متزوجا من هيلينا روز ~~أرمور - وهي خادمة - في عام 1859. إذن فقد تزوج فعلا خادمة. ولكن ربما لم يكن أمر ~~ديونه من لعب القمار في أكسفورد حقيقيا. فهل كان النبلاء الذين لم يحققوا النجاح في ~~أكسفورد يذهبون للعمل لدى جزار؟ # خطر لي أنه لو كان استمر في مهنة الجزارة، لتمكن أبناؤه من دخول المدرسة. وربما كان ~~يمكن أن يصبح رجلا ثريا في فورك ميلز. لم تذكر كاتبة الخطاب ارتباطه بتشولموندلي، أو ~~حقول البردي، أو ويليام الفاتح. لقد كنا ننتمي إلى عائلة محترمة، من الخدم والحرفيين، ~~الفلاحين أو التجار الموسميين. في وقت من الأوقات ربما كنت سأصاب بالصدمة عند اكتشافي ~~هذا الأمر، وربما لم أكن سأصدقه. ولكن في وقت آخر - لاحق - خلال انهماكي بالتخلص من ~~جميع المفاهيم الخاطئة، وجميع الأوهام، كنت سأشعر بالنصر. وبمجرد انكشاف الأمر، لم أعد ~~أكترث، بأي شكل من الأشكال. كنت قد نسيت تقريبا كانتربري وأكسفورد وتشولموندلي، وتلك ~~الصورة الأولى التي كونتها عن إنجلترا من أمي، تلك الأرض السحيقة التي يسودها الوئام ~~والشهامة، والفرسان الممتطين خيولهم، والأخلاق الحميدة (رغم أن عائلة جدي عانت بالتأكيد ~~تحت وطأة الحياة الخشنة)، وسيمون دي مونتفورت، ولورنا دون، وكلاب الصيد، والقلاع، ونيو ~~فوريست، تلك المعالم النقية الريفية البهيجة والمتحضرة المرغوبة إلى الأبد. # كما كانت عيني قد تفتحت على أمور أخرى بفضل زيارة قريبتنا أيريس. # حدث هذا خلال إقامتي في فانكوفر. كنت متزوجة من ريتشارد آنذاك ولدي طفلان صغيران. ~~وذات مساء يوم سبت رد ريتشارد على الهاتف وجاء ms014 ليناديني. ~~«احذري، يبدو أنه أحد من داجليش.» # لطالما تفوه ريتشارد باسم موطني كما لو كان لقمة غير مستساغة في فمه يريد أن يلفظها ~~فورا. # ذهبت إلى الهاتف وتنفست الصعداء عندما وجدت أنه لم يكن أحد من داجليش على الإطلاق. ~~لقد كانت قريبتنا أيريس. فلم يزل شيء من لكنة وادي أوتاوا عالقا بكلامها، شيء ريفي - ~~لم تكن هي نفسها لتشك في هذا ولم تكن لتسر به - وشيء مبهج ومرح جعل ريتشارد يفكر في ~~أصوات داجليش. قالت: إنها في فانكوفر، وإنها تقاعدت الآن وانطلقت في رحلة، وكانت ~~تتلهف لرؤيتي. فطلبت منها المجيء لتناول الغداء معنا في اليوم التالي. ~~«لحظة، تقصدين بالغداء وجبة المساء، أليس كذلك؟» ~~«بلى.» ~~«أردت فقط أن أستوضح الأمر، لأننا حين كنا ~~نزوركم - أتذكرين؟ - كان أهلك يتناولون ~~الغداء في الظهيرة. كنتم تسمون وجبة الظهيرة غداء. لم أكن أحسب أنكم ما زلتم تفعلون ~~هذا، ولكني أردت أن أتأكد.» # أخبرت ريتشارد بأن إحدى قريباتي من طرف أمي ستأتي على الغداء، وأخبرته أنها تعمل - أو ~~كانت تعمل - ممرضة، وأنها تعيش في فيلادلفيا. # قلت له: «إنها رائعة.» وقصدت من ذلك أنها نالت قدرا من التعليم، وأنها لبقة وحسنة ~~الخلق. وأردفت: «لقد سافرت إلى كل مكان، وهي شخصية لطيفة إلى حد كبير. وبحكم عملها ~~كممرضة قابلت جميع أنواع الشخصيات.» ثم حكيت له عن أرملة المليونير وعن المجوهرات التي ~~كانت تحملها في حقيبتها القماشية. وكلما تحدثت عنها أكثر، أدرك ريتشارد شكوكي وحاجتي ~~إلى الاطمئنان، وزادت مراوغته وإثارته لقلقي. كان يعلم أنه يتمتع بميزة يتفوق بها ~~علي، وكنا قد وصلنا إلى مرحلة في زواجنا لا يمكن فيها التخلي عن أية ميزة ~~بسهولة. # كنت أتمنى أن تسير الزيارة على ما يرام. أردت هذا من أجل نفسي، ولكن لم تكن بواعثي ~~لتشرفني. كنت أريد أن تظهر قريبتي أيريس كأحد أفراد عائلتي الذين لا أخجل منهم، وأردت ~~أن يرفعني ريتشارد وأمواله وبيتنا في نظر قريبتي أيريس إلى الأبد، لينتشلني من تصنيف ~~القريبة الفقيرة. أردت أن يتحقق كل هذا بمهارة ولياقة ms015 وضبط نفس، وأن تكون النتيجة ~~اعترافا مرضيا بقيمتي، من الجانبين كليهما. # اعتدت التفكير بأنني لو استطعت أن أقدم لريتشارد واحدا من أقربائي، ثريا وحسن ~~الخلق ومهما، فسيتغير موقفه تجاهي. قاض أو جراح كان ليصلح في هذا الدور. لم أكن ~~متأكدة على الإطلاق مما إذا كانت أيريس ستصلح بديلا. وكنت قلقة من طريقة تفوه ريتشارد ~~بكلمة «داجليش»، وذلك الأثر المتخلف عن العيش في وادي أوتاوا - إذ كان ريتشارد يمقت ~~اللكنات الريفية، بعد معاناته مع لكنتي - وشيء آخر في صوت أيريس لم أستطع استبيانه. هل ~~كانت شديدة التلهف لمقابلتي؟ هل تفترض أن لها حقا عائليا لم أعد أومن أنه ~~مبرر؟ # لا يهم. بدأت أذيب الثلج عن فخذ حمل لطبخه، وصنعت فطيرة بمرينج الليمون. وكانت فطيرة ~~مرينج الليمون هي ما تعدها أمي عندما تأتي قريباتنا لزيارتنا. كانت تلمع شوكات ~~الحلويات، وتكوي فوط المائدة. فقد كنا نملك شوكات للحلويات (أردت إخبار ريتشارد بهذا)؛ ~~أجل، وكانت لدينا فوط للمائدة، رغم أن مرحاضنا كان في القبو، ولم تكن لدينا مياه جارية ~~حتى انتهت الحرب. اعتدت حمل الماء الساخن إلى غرفة النوم الأمامية في الصباح كي تغتسل ~~قريباتنا. وكنت أصبه في إبريق يشبه الأباريق التي تعرض اليوم في معارض التحف، أو التي ~~ترص اليوم على مناضد القاعات الكبيرة، وهي ممتلئة بنباتات الزينة. # ولكن ألم يكن يهمني أي من هذا حقا، أي من هذا الهراء عن شوكات الحلويات؟ هل كنت ~~- أو هل أنا الآن - ذلك النوع من الأشخاص الذي يتصور أن امتلاكه هذه الأشياء يعني أن ~~موقفه تجاه الحياة متحضر؟ كلا، على العكس، أو ليس تماما، نعم ولا. نعم ولا. كان ~~ريتشارد يستخدم كلمة الخلفية: «خلفيتك» في نبرة منخفضة تحذيرية. أم كان هذا ما سمعته ~~أنا، ولم يقصده هو؟ عندما يقول داجليش، حتى وهو يناولني دون أن يتفوه بكلمة واحدة ~~خطابا من موطني، أشعر بالخزي، كما لو أن شيئا دنسا يحيط بي، عفن، شيء قذر ومقبض ~~ومحتوم. الفقر - بالنسبة إلى عائلة ريتشارد - كان أشبه برائحة النفس الكريهة أو ms016 ~~التقرحات المفتوحة؛ كان بلوى يجب على المبتلين بها تحمل جزء من اللائمة عليها. ولكن لم ~~يكن من حسن الخلق أن أعلق على هذا. ولو قلت يوما أمامهم أي شيء عن طفولتي أو عائلتي، ~~فإنهم ينسحبون بعض الشيء كما لو أنهم قد شاهدوا فحشا. ولكن من المحتمل أنني أصبح حادة ~~وخجولة، مثل الشخصية متدنية التنشئة لدى فيرجينيا وولف والتي تؤكد أنها لم تذهب يوما ~~إلى السيرك. ربما كان هذا ما يحرجهم. لقد كانوا لبقين في التعامل معي، أما ريتشارد فلم ~~يستطع أن يكون بمثل هذه اللباقة، بما أنه وضع نفسه في موقف محفوف بالمخاطر، بزواجه مني. ~~أراد أن يبتر هذا الماضي من حياتي والذي بدا له متاعا رثا. كما كان يقظا لأية ~~إشارات تدل على عدم اكتمال عملية البتر، التي بالطبع لم تكتمل. # لم تزرنا قريبات أمي مجددا، أقصد بعضهن مع بعض؛ فقد ماتت وينيفريد فجأة ذات شتاء، ~~بعد هذه الزيارة الخالدة بثلاث أو أربع سنوات على الأكثر. كاتبت أيريس أمي لتخبرها بأن ~~الشمل قد تفرق الآن، وأنها تشك أن وينيفريد كانت مريضة بالسكر، ولكن وينيفريد لم ترد ~~اكتشاف هذا بسبب حبها للطعام. وأمي نفسها لم تكن بصحة جيدة، فزارها من تبقى من ~~قريباتنا، ولكن كل منهن بشكل مستقل، وبالطبع ليس كثيرا بسبب بعد المسافة. وفي كل ~~خطاب من خطاباتهن تقريبا، كن يشرن إلى الوقت الممتع الذي قضينه جميعا خلال ذلك ~~الصيف. ومع دنو أجل أمي قالت: «يا إلهي، أتعرفن فيم أفكر؟ في مسدس الماء. هل تذكرن ~~ذلك الحفل؟ وينيفريد وهي تمسك مسدس الماء! كل منا كانت تؤدي دورا في الحفل. ما الذي ~~فعلته أنا؟» ~~«وقفت على رأسك.» ~~«أجل، لقد فعلت.» ~~••• # كانت قريبتنا أيريس - عندما زارتني - قد اكتسبت مزيدا من الوزن، وتوردت وجنتاها بسبب ~~بودرة الوجه. كانت تلهث وهي تتقدم بصعوبة عبر الشارع. لم أرغب في أن أطلب من ريتشارد ~~الذهاب لإحضارها من الفندق. لا أقول إنني كنت خائفة من طلب هذا، ولكنني ببساطة لم أرغب ~~في أن تبدأ الأمور بشكل ms017 غير صحيح، بأن أجبره على عمل لم يعرض القيام به. وقلت لنفسي: ~~إنها ستستقل سيارة أجرة. ولكنها أتت إلينا بالحافلة. # كذبت عليها قائلة: «كان ريتشارد مشغولا. لكن هذه غلطتي؛ فلم أتعلم ~~القيادة.» # قالت أيريس بثبات جأش: «لا عليكما. لقد انقطع نفسي، ولكني سأكون بخير بعد دقيقة. ~~الشحوم على جسمي هي ما تفعل بي هذا. وهذا ما أستحقه.» # ما إن قالت «انقطع نفسي» و«الشحوم على جسمي» حتى عرفت كيف سيدور اللقاء مع ريتشارد. ~~بل عرفت من قبل أن تقول شيئا. فقد علمت بمجرد رؤيتي لها على باب بيتي، بشعرها الذي ~~أتذكر أنه كان بنيا مائلا للرمادي، وقد أصبح الآن ذهبيا وملفوفا في كتلة واحدة ~~يعلوها الرذاذ الرغوي، وفستانها الغالي الأزرق كلون الطاوس والمزركش عند إحدى الكتفين ~~بحلية ذهبية. الآن وأنا أفكر في الأمر، أرى أنها بدت مذهلة. ليتني قابلتها في مكان آخر. ~~ليتني قدرتها قدر ما تستحق. ليت كل شيء تم بشكل مختلف. # قالت ببشاشة: «حسنا، انظري إلى نفسك الآن، لقد حققت النجاح بالفعل!» نظرت إلي، ~~وإلى الحديقة الحجرية وأشجار الزينة والنوافذ الواسعة. كان بيتنا يقع في كابيلانو هايتس ~~على أحد جوانب جبل جراوس. فأضافت: «اسمحي لي أن أقول إنه مكان فخم يا عزيزتي.» # استقبلتها وعرفت ريتشارد بها، فقالت له: «إذن أنت زوجها. حسنا، لن أسألك عن أحوال ~~عملك؛ لأنني أستطيع أن أرى أنها ممتازة.» # كان ريتشارد محاميا، وكان الرجال في عائلته يعملون إما محامين أو سماسرة بورصة. ولم ~~يشيروا قط إلى ما يمارسونه في عملهم بأنه نوع من التجارة، بل لم يشيروا إلى ما يفعلونه ~~في عملهم قط. فالحديث عما تفعله في عملك يعتبر تصرفا سوقيا، كما أن الحديث عن أحوالك ~~المادية كان سوقيا بشكل غير مقبول بالمرة. ولو لم أكن حتى الآن سريعة التأثر بنقد ~~ريتشارد فلربما كنت سأستمتع برؤيتها وهي تقابله بهذا الود مباشرة. # قدمت المشروبات فورا، على أمل أن أفصل نفسي عما يحدث قليلا. كنت قد أخرجت زجاجة من ~~الخمر الإسباني، معتقدة أن هذا ما يعرضه المرء ms018 على السيدات العجائز اللائي لسن معتادات ~~على الشراب . ولكن أيريس ضحكت وقالت: «أوه، أريد مشروب جين وماء تونيك مثلكما.» # ثم قالت: «أتذكرين تلك المرة التي زرناكم فيها جميعا في داجليش؟ كان الجو حارا ~~للغاية! وكانت أمك لم تزل تتمتع بأخلاق فتيات البلدات الصغيرة، ولم تكن تسمح بدخول ~~المشروبات الكحولية إلى بيتها؛ رغم أنني لطالما اعتقدت أن أباك قد يوافق على شرب ~~الكحوليات، لو أقنعه أحد بتجربتها. ولم تكن فلورا تشرب الكحول اعتقادا منها أنه أمر لا ~~يصح، ولكن وينيفريد كانت مدمنة له. هل تعلمين أنها كانت تحتفظ بزجاجة شراب في ~~حقيبتها؟ كنا نتسلل إلى غرفة نومها ونأخذ رشفة، ثم نتغرغر بماء الكولونيا. كانت تسمي ~~بيتكم بالصحراء الكبرى. وها نحن نعبر الصحراء الكبرى. ليس معنى هذا أنكم لم تقدموا لنا ~~ما يكفي من عصير الليمون والشاي المثلج لإغراق سفينة حربية، أو إغراق أربع سفن حربية، ~~أليس كذلك؟» # ربما تكون قد لاحظت شيئا عندما فتحت لها الباب - بعض المفاجأة أو الفشل في ~~الترحاب. ربما كانت متهيبة، رغم أنها كانت في الوقت نفسه سعيدة كثيرا بالبيت والأثاث، ~~الذي كان أنيقا وكئيبا، ولم يكن كله من اختيار ريتشارد. أيا كان السبب، كانت نبرة ~~صوتها - وهي تتحدث عن داجليش وأبوي - فيها شيء من التعالي. لا أعتقد أنها أرادت أن ~~تذكرني بموطني ومكانتي. أعتقد أنها أرادت أن تثبت نفسها، وأن تبين لي أن هذا ~~مكانها، أكثر من هناك. ~~«أوه، يا لها من متعة أن أجلس هنا وأنظر إلى إطلالتكم الرائعة! هل هذه جزيرة ~~فانكوفر؟» # رد ريتشارد على نحو غير مشجع: «بوينت جراي.» ~~«حسنا، كان يجب أن أعلم. لقد اتجهنا إلى هناك بالحافلة أمس، ورأينا الجامعة؛ فأنا ~~بصحبة فوج سياحي يا عزيزتي، هل أخبرتك؟ تسع عوانس وسبع نساء أرامل وثلاثة رجال أرامل. ~~لا يوجد بيننا زوجان. ولكن كما أقول، لا يمكن للمرء التنبؤ بشيء أبدا، والرحلة لم ~~تنته بعد.» # ابتسمت، بينما قال ريتشارد إن عليه أن ينقل رشاش الماء. ~~«سنتجه إلى جزيرة فانكوفر غدا، ثم سنبحر بالسفينة ms019 متوجهين إلى ألاسكا. سألني الجميع ~~في موطني عن سبب ذهابي إلى ألاسكا، وقد قلت لهم: لأنني لم أزرها قط من قبل، أليس هذا ~~بسبب كاف؟ لا يوجد شخص غير متزوج في الفوج، أوتعرفين لماذا؟ لأنهم لا يعيشون حتى ~~يبلغوا هذه السن! هذه حقيقة طبية. أخبري زوجك؛ أخبريه أنه قام بالعمل الصائب. ولكني لا ~~أنوي التحدث عن عملي. كل مرة أذهب فيها في رحلة ويكتشفون أنني ممرضة يظهرون لي عمودهم ~~الفقري ولوزهم وأيما شيء آخر. يريدونني أن أتفحصهم وأجري لهم تشخيصا مجانيا. وأنا ~~أقول لهم: إنني اكتفيت، وإنني متقاعدة الآن، وأريد الاستمتاع بحياتي. هذا أفضل كثيرا ~~من الشاي المثلج، أليس كذلك؟ ولكن المسكينة اعتادت إنهاك نفسها كثيرا. اعتادت تجميل ~~الأكواب ببياض البيض، أتتذكرين؟» # حاولت إقناعها بالحديث عن مرض أمي، وعن طرق علاج جديدة، وعن تجاربها في المستشفى، ليس ~~فقط لأن هذا كان مشوقا بالنسبة إلي، ولكن لأني ارتأيت أن هذا قد يهدئها ويجعلها ~~تبدو أكثر ثقافة. كنت أعلم أن ريتشارد لم يخرج، وأنه كان متواريا في المطبخ. # ولكنها طلبت عدم الحديث عن عملها. ~~«بياض البيض المخفوق، ثم السكر. أوه يا عزيزتي، كان علينا الشرب باستخدام الماصة، ~~ولكنه كان أمرا ممتعا، والمرحاض الموجود في القبو، وكل ذلك؛ لقد استمتعنا بوقتنا ~~حقا.» # كان أحمر شفاه أيريس، وشعرها الممشط اللامع، وفستانها الملون، ودبوسها المزخرف الضخم، ~~ونبرة صوتها وحديثها؛ كل ذلك كان جزءا من سياسة ليست بالسيئة: كانت تحب التنقل، ~~والضوضاء، والتغيير، والبهرجة، والمرح الصاخب، والشجاعة. أمر ممتع. كانت ترى أن الآخرين ~~يجب أن يحبوا هذه الأشياء أيضا، وحكت لي عن جهودها خلال رحلتها. ~~«أنا من يبدأ المرح. البعض يشعر بالحزن خلال الرحلة، أو يصابون بعسر الهضم، فيتحدثون ~~عن الإمساك. ودائما أحاول إبعاد أذهانهم عن ذلك. يمكنني أن ألقي بدعابة، أو أن أصدح ~~بالغناء. كل صباح أستطيع فعليا أن أسمعهم يقولون: يا ترى، ما الأمر المجنون الذي ~~ستفعله سليلة تشادلي اليوم؟» # قالت إنه ما من شيء ينغص عليها حياتها. وحكت لي عن رحلات أخرى. عن ms020 أيرلندا. خافت ~~الأخريات من النزول لتقبيل حجر بلارني ، ولكنها قالت: «لقد قطعت كل هذه المسافة لأقبل ~~هذا الشيء اللعين!» وهذا ما فعلته، بينما أمسك رجل أيرلندي ملحد بكاحليها. # شربنا وأكلنا، ثم جاء الأطفال فأثنت عليهم، وجاء ريتشارد وذهب، ولم ينغص شيء عليها ~~أمسيتها. كانت محقة في هذا؛ لم يوقفها شيء عن سرد حكاياتها عن نفسها، وكان كم الوقت ~~الذي قضته بلا كلام محدودا. حكت لي مجددا عن الحقيبة القماشية وعن أرملة المليونير. ~~وأخبرتني عن الممثل الفاجر. كم حديث انطلقت فيه بهذا الشكل - تضحك وتلح وتنتقل من حكاية ~~إلى أخرى وتعود بذاكرتها إلى الوراء. تساءلت بيني وبين نفسي ما إذا كانت ستصف هذه ~~الأمسية بالممتعة. بالتأكيد ستصفها؛ البيت والسجاجيد والأطباق وكل ما يوحي بالمال ~~الوفير. قد لا يهمها أن ريتشارد قد تعامل معها بازدراء. ربما سيكون من الأفضل في رأيها ~~أن يزدريها قريب ثري عن أن يرحب بها قريب فقير. ولكن هل كانت دائما على هذه الحال: ~~دائما متهورة وطماعة وخائفة، لطيفة وربما حتى مثيرة للإعجاب، ولكنها تظل مع هذا ~~شخصا تتمنى ألا تضطرك الظروف إلى الجلوس بجواره لمدة طويلة في حافلة أو حفل؟ لم أكن ~~صادقة حين قلت: إنني تمنيت أن أقابلها في مكان آخر، وإنني تمنيت أن أقدرها حق قدرها، ~~حين أشرت إلى أن أحكام ريتشارد هي العائق الوحيد. ربما كان بوسعي أن أقدرها أكثر، ولكني ~~لم أستطع أن أبقى معها وقتا أطول. # كان من الضروري لي أن أتساءل عما إذا كان هذا هو كل ما وصل إليه الأمر، عن الابتهاج ~~الذي أتذكره، الابتهاج والكرم، والانغماس في الشئون الدنيوية. سيكون من الأفضل أن أفكر ~~في أن الزمن قد أفسد شيئا كان جميلا وأفقده قيمته، أو أن الصعاب قد غيرت كلتينا، ~~دون أن يكون هذا التغيير للأفضل. قد تكون الأماكن والأشخاص القاسية هي ما جعلتنا ~~قاسيتين في الأفعال والآراء؛ فقد كنت أحب في الماضي النظر إلى إعلانات المجلات التي ~~تعرض نساء يرتدين الفساتين الشيفون، ومن فوقها الكابات فوق أكتافهن والرداءات ms021 ~~الملفوفة حول خصورهن دون تثبيت، وهن يتكئن بمرافقهن على حاجز السفينة، أو يشربن ~~الشاي بجوار نبتة موضوعة في أصيص. وكنت معتادة على فهم حياة الأناقة ورقة الشعور ~~بفضلهن. فكن نافذتي على العالم، بينما كانت قريباتنا نافذة أخرى. في حقيقة الأمر ~~كانت فساتين قريباتنا المكسوة بالأزهار تذكرني بهن، رغم أنهن كن أكثر امتلاء، وغير ~~جميلات. حسنا، الآن وأنا أفكر في الأمر، ما الذي كانت هؤلاء السيدات في المجلات يتحدثن ~~عنه، ويظهر في بالونات الحوار فوق رءوسهن؟ كن يناقشن مزيلات رائحة العرق، أو يشدن ~~بحسن حظهن لأنهن ما عدن يصبن بالحكة لأنهن أصبحن يستخدمن فوط كوتيكس الصحية. # استعادت أيريس السيطرة على نفسها - أخيرا - وسألتني عن موعد آخر حافلة. كان ~~ريتشارد قد اختفى مجددا، ولكني قلت لها إنني سأعيدها إلى فندقها في سيارة أجرة. إلا ~~أنها رفضت وقالت إنها ستستمتع حقا برحلة الحافلة؛ لأنها دائما ما تنخرط في حوار مع ~~أحد الركاب. جلبت جدول الحافلات ثم أوصلتها إلى المحطة. قالت إنها تأمل ألا تكون قد ~~أرهقتني وريتشارد بحديثها، وسألتني عما إذا كان ريتشارد يتسم بالخجل. قالت لي إن بيتي ~~جميل، وأسرتي لطيفة؛ مما جعلها تشعر بالسعادة لنجاحي في حياتي. اغرورقت عيناها بالدموع ~~وهي تضمني إلى صدرها لتودعني. # قال ريتشارد وهو يدخل إلى غرفة المعيشة بينما كنت أجمع فناجين القهوة: «يا لها من ~~عجوز مثيرة للشفقة!» تبعني إلى المطبخ، مسترجعا أمورا قالتها - أمورا ادعتها - ~~معظمها للتباهي. أشار إلى أخطائها النحوية، وإلى ما كان سيعتبر تنويعا مهذبا. تظاهر ~~بالشك. ربما شعر بهذا حقا، وربما يكون قد ظن أنه سيكون من الأنسب أن يبدأ الهجوم ~~فورا، قبل أن أوبخه على مغادرته الغرفة، وتصرفه بوقاحة، وعدم عرض توصيلها إلى ~~الفندق. # كان لم يزل يتحدث في اللحظة التي ~~ألقيت فيها طبق البيركس تجاه رأسه. كانت به قطعة من فطيرة مرينج الليمون. لم يصبه ~~الطبق، واصطدم بالثلاجة، ولكن الفطيرة طارت وطالت جانب وجهه تماما مثل الأفلام القديمة ~~أو برنامج «أحب لوسي». ظهرت على وجهه نفس أمارات الذهول التي تظهر ms022 في الأفلام، بالإضافة ~~إلى البراءة المفاجئة، من جانبه . توقف عن الكلام، فاغرا فاه. أنا أيضا انتابني ~~الذهول؛ لأن ما يعتبره الناس دائما مضحكا في مثل هذه المواقف يصبح حكما صادما ~~للغاية في الحياة الواقعية. # جدف، جدف، جدف بقاربك. # ادخل به النهر برفق. # بمرح، ومرح، ومرح، ومرح. # فما الحياة إلا حلم. # أرقد في الفراش إلى جوار شقيقتي الصغرى، وأستمع إلى غنائهن في الحديقة. تغيرت ~~الحياة، بهذه الأصوات، بهذه الكيانات، بأرواحهن المعنوية المرتفعة، واعتدادهن الشديد ~~بأنفسهن وبعضهن ببعض. والداي - بل جميعنا ~~- في إجازة. مزيج الأصوات والكلمات معقد ومتنوع للغاية لدرجة بدا معها هذا الارتباك ~~- وهذا التنافس المرح - أنه سيستمر إلى الأبد، ثم فجأة ولدهشتي - لأنني أصبت بالدهشة، ~~رغم معرفتي بنمط الأدوار - يخفت صوت الأغنية، وبإمكاني سماع صوتين يناضلان: # بمرح، ومرح، ومرح، ومرح. # فما الحياة إلا حلم. # ثم صوت وحيد، إحداهن فقط تواصل الغناء - ببسالة - حتى النهاية. صوت واحد به مسحة غير ~~متوقعة من الاستعطاف، من التحذير، وهو يترك الكلمات الأربع منفصلة تتطاير في الهواء. ~~«ما الحياة ...» انتظروا «إلا ...» مهلا «حلم». # | آل تشادلي وآل فليمينج (2) # حجر في الحقل # لم تكن أمي تقضي جل وقتها في تزيين حواف الأكواب وإيهام نفسها بأنها تنحدر من أصول ~~أرستقراطية؛ فقد كانت سيدة أعمال في واقع الأمر؛ تاجرة وبائعة. كان منزلنا مكتظا ~~بأشياء لم تدفع ثمنها بالمال، وإنما أخذتها في نوع معقد من المقايضة، وقد لا نستطيع ~~الاحتفاظ بها. ولبعض الوقت استطعنا أن نعزف على البيانو، وأن نستعين بالموسوعة ~~البريطانية، وأن نأكل طعامنا فوق مائدة من خشب البلوط. ولكن في أحد الأيام كنت أعود إلى ~~البيت من المدرسة لأجد أن كلا من هذه الأشياء قد ذهب لشخص آخر؛ فمرآة حائطية يمكن أن ~~تذهب بسهولة، أو حامل للأباريق الزجاجية، أو مقعد مزدوج كان قد حل سابقا محل أريكة ~~كانت قد حلت محل أريكة سريرية من قبل. باختصار: كنا نعيش في مخزن. # كانت أمي تعمل لصالح - أو مع - رجل يدعى بوبي كالندر، وكان يتاجر في التحف، ولم يكن ~~لديه متجر: ms023 هو أيضا كان يملك بيتا مزدحما بالأثاث، وما كان في بيتنا هو مجرد الفائض ~~لديه. كان يملك خزانات أطباق تواجه ظهورها ظهور بعض وحواشي فراش زنبركية مسندة إلى ~~الحائط. كان يشتري الأشياء - أثاثا وأطباقا وملاءات سرير ومقابض أبواب وأذرع ~~للطلمبات ومماخض لبن ومكاوي غير كهربائية وأي شيء - من أشخاص يعيشون في المزارع أو في ~~قرى صغيرة بالريف، ثم يبيع ما اشتراه إلى معارض التحف في تورونتو. لم تكن ذروة موسم ~~التحف قد بدأت بعد، فقد كان ذلك الوقت الذي يغطي فيه الناس الأشغال الخشبية القديمة ~~بالطلاء الأبيض أو عجينة الباستيل بأقصى سرعة يستطيعونها، متخلصين من الأسرة ذات ~~الأعمدة الخشبية، ليحل محلها أثاث غرفة النوم من خشب القيقب الأصفر، ويغطون الألحفة ~~المرقعة بملاءات من قماش الشنيل. لم يكن شراء الأشياء صعبا؛ فقد كان ثمنها بخسا، ~~ولكن كان بيعها تجارة بطيئة، وهو ما يفسر سبب تحولها إلى جزء من حياتنا طيلة موسم كامل. ~~وبالمثل، كان بوبي وأمي على المسار الصحيح. ولو كانا استمرا، ربما كانا سيصبحان ~~أثرياء ويحصلان على تصريح بالعمل. ولكن بطبيعة الحال، كان بوبي يتجنب الخسارة والمغامرة ~~بينما عجزت أمي عن جمع الكثير من المال؛ فاعتقد الجميع أنهما مخبولان. # لم يستمرا في هذا العمل؛ فأمي أصابها المرض، بينما دخل بوبي السجن بتهمة التحرش في ~~أحد القطارات. # كانت هناك بيوت في المزرعة لم يكن بوبي محل ترحاب فيها. وكان الأطفال يسخرون منه ~~بينما تغلق الزوجات الأبواب في وجهه لدى رؤيته مارا عبر أفنيتهن في ثيابه ~~السوداء المتشحمة، وهو يدير عينيه بطريقة شهوانية أو سخيفة جنونية، مناديا بصوت ناعم ~~ويناشد: «هل من أحد هنا؟» وفوق هذا كان ألثغ ومتلعثما. وكان أبي يقلده بشكل جيد. ~~وكانت هناك بيوت تغلق الأبواب في وجه بوبي، وبيوت أخرى - عادة لأناس ذوي سمعة سيئة - ~~يقابل فيها بالترحاب والتحيات وواجب الضيافة، كما لو كان طائرا غريبا غير مؤذ سقط ~~من السماء ووجد من يقدر أهميته لغرابته الشديدة. وحيثما لا يجد ترحابا لا يعود، ~~وبدلا من ذلك كان يرسل ms024 أمي. لا بد وأنه قد كون في رأسه خريطة للمناطق الريفية ~~المحيطة بكل بيت فيها، ومثلما تحتوي كل خريطة على نقاط لتبين مواضع الموارد المعدنية أو ~~الأماكن ذات الأهمية التاريخية، كانت خريطة بوبي تحدد موضع كل ما هو معروف ومحتمل من ~~كراسي هزازة أو بوفيهات من خشب الصنوبر أو أكواب لبن أو أكواب مصممة لحماية الشوارب ~~من الاتساخ بالشراب. كنت أسمعه يقول لأمي وهما مجتمعان في غرفة الطعام وينظران إلى شيء ~~وكأنه علامة تجارية على إناء مخللات قديم: «لماذا لا تذهبين وتلقين نظرة عليه؟» لم يكن ~~يتلعثم وهو يتحدث إليها، وهو يتحدث في أمور العمل. ورغم أن صوته كان ناعما فإنه لم ~~يعكس انكسارا، بل كان يوحي بأنه يعوض خسارته، وربما يحقق انتقامه. ولو جاءت معي ~~صديقة من المدرسة إلى البيت، كانت تسألني متعجبة: «هل هذا بوبي كالندر؟» كانت تندهش وهي ~~تسمعه يتحدث كشخص عادي، وتندهش لرؤيته داخل بيت أحد. كنت أمقت كثيرا ارتباطه بنا لدرجة ~~أنني كنت أود أن أرد بالنفي. # لم يسبب بوبي - حقا - الكثير من المشاكل بميوله الجنسية. وربما يكون الناس قد ~~تصوروا أنه ليست لديه أي منها. فعندما قالوا: إنه غريب الأطوار. لم يقصدوا أكثر من ~~هذا: غريب، ومتقلب، ومزعج؛ فتلعثمه وعيناه العاجزتان عن التركيز ومؤخرته السمينة ومنزله ~~المكتظ بالأشياء التي تخلصت الناس منها؛ كل ذلك اجتمع تحت هذه الصفة. لا أعلم ما إذا ~~كانت شجاعة بالغة منه أن يحاول كسب قوت يومه في مكان مثل داجليش حيث كان كل ما يحصل ~~عليه هو الإهانات العشوائية والشفقة غير المستحقة، أو ما إذا كان مجرد شخص يفتقر كثيرا ~~إلى الواقعية. بالتأكيد لم يكن من الواقعية أن تبدر منه إيحاءات لاثنين من لاعبي ~~البيسبول في قطار ستراتفورد. # لم أعرف أبدا كيف تعاملت أمي مع سوء حظه الأخير، أو ما الذي كانت تعلمه عنه. بعد ~~سنوات قرأت في الجريدة أن معلما في الكلية التي كنت أرتادها قد تم القبض عليه نتيجة ~~شجار في إحدى الحانات من أجل رفيق. سألتني ms025 أمي ما إذا كانوا يقصدون أنه كان يدافع عن ~~صديق، ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم يقولوا هذا؟ لماذا قالوا: «رفيق»؟ # ثم قالت: «مسكين يا بوبي، هناك دائما من يحاولون النيل منه. لقد كان ذكيا للغاية ~~بطريقته الخاصة. البعض لا يمكنهم العيش في مكان كهذا؛ هذا غير مسموح، لا.» ~~••• # كان مسموحا لأمي استخدام سيارة بوبي، من أجل رحلات العمل، وأحيانا في عطلة نهاية ~~الأسبوع، عندما يذهب إلى تورونتو. وإذا لم يكن ينوي تحميل الكثير من الأشياء، فإنه كان ~~يسافر - لسوء الحظ، كما قلت - بالقطار. كانت سيارتنا معطلة بما لا يسمح بتصليحها ~~مطلقا، لدرجة أننا لم نكن نستطيع الخروج بها من المدينة. فقط كنا نذهب بها إلى داجليش ~~ونعود، وليس أكثر من هذا. كان والداي مثل الكثير من الأشخاص الآخرين الذين شهدوا الأزمة ~~الاقتصادية الكبرى (الكساد الكبير) وهم أصحاب أملاك، مثل سيارة أو فرن، والتي سرعان ما ~~توقفت عن العمل بصورة تدريجية ولم يعد بالإمكان تصليحها أو استبدالها. فعندما نتمكن من ~~السفر بها على الطرق، كنا نذهب إلى جودريتش مرة أو مرتين خلال الصيف، حيث البحيرة. وفي ~~بعض الأحيان كنا نزور عماتي اللاتي كن يعشن خارج المدينة. # لطالما قالت أمي إن أبي ينتمي إلى عائلة غريبة. وقد كانت غريبة لأنها ضمت سبع بنات ~~وولدا واحدا. كانت غريبة لأن ست بنات من هؤلاء الأبناء الثمانية ما زلن يعشن معا، ~~في نفس البيت الذي ولدوا فيه؛ إذ كانت إحدى شقيقات أبي قد ماتت في سن مبكرة بسبب ~~حمى التيفود، بينما رحل أبي من البيت. كانت هؤلاء الشقيقات الست أنفسهن شديدات ~~الغرابة، على الأقل في نظر الكثيرين، في الوقت الذي عشن فيه. كن بقايا زمن بائد، حقا. ~~هذا ما قالته أمي. كن ينتمين إلى جيل آخر. # لا أذكر أنهن جئن لزيارتنا يوما. لم يرغبن في المجيء إلى مدينة بكبر حجم داجليش، أو ~~في المخاطرة بالابتعاد عن موطنهن. كانت المسافة بيننا وبينهن أربعة عشر أو خمسة عشر ~~ميلا بالسيارة، وهن لم يمتلكن واحدة. كن يركبن ms026 عربة يجرها حصان، أو مزلجة يقودها حصان ~~في الشتاء، رغم توقف الجميع عن استخدامها منذ سنوات طويلة. وبالتأكيد كانت هناك مواقف ~~تضطرهن للتوجه إلى المدينة، لأني رأيت إحداهن ذات مرة في العربة التي يجرها الحصان بأحد ~~شوارع المدينة. كان للعربة سقف عال بديع، وكأنه قلنسوة سوداء، وأيا كانت العمة التي ~~رأيتها فقد كانت تجلس بانحراف على الكرسي، ونادرا ما كانت تنظر إلى أعلى بقدر ما ~~يلزمها لتوجيه الحصان. ويبدو أن نظرات الناس الفاحصة كانت تسبب لها الكثير من الألم، ~~ولكنها كانت عنيدة. فجلست في مكانها على المقعد، منكمشة وعنيدة، وكان منظرها غريبا ~~بطريقتها الخاصة، مثلما كان بوبي كالندر غريبا بطريقته الخاصة. لم أستطع حقا تخيل ~~أنها عمتي؛ فالرابطة بيننا بدت مستحيلة. ومع هذا كان بإمكاني تذكر وقت سابق ذهبت فيه ~~إلى المزرعة - ربما أكثر من مرة؛ إذ كنت صغيرة جدا بما لا يتيح لي التذكر - ولم أشعر ~~بهذه الاستحالة ولم أفهم سبب غرابة هؤلاء القريبات. كانت تلك المرة حينما كان جدي ~~مريضا وملازما الفراش، يحتضر حسب اعتقادي، وفوقه مروحة ورقية ضخمة بنية اللون ~~تعمل بواسطة نظام من الأحبال كان مسموحا لي بشدها. كانت إحدى عماتي توضح لي طريقة ~~تشغيلها في اللحظة التي نادتني فيها أمي في الطابق السفلي؛ فنظرت أنا وعمتي إحدانا إلى ~~الأخرى تماما كما ينظر طفلان أحدهما إلى الآخر حين يناديهما أحد الكبار. لا بد وأنني ~~قد شعرت بشيء غريب في هذا الأمر، أو بغياب شيء كان متوقعا، بل وحتى ضروريا، في طريقة ~~الاتزان، أو الحدود بيننا، وإلا ما كنت تذكرت الموقف. # كانت هناك واقعة أخرى لي مع إحدى عماتي، وأعتقد أنها كانت نفس العمة، ولكن ربما كانت ~~عمة أخرى، كانت جالسة معي على السلالم الخلفية لبيت المزرعة، بينما توجد على درجة السلم ~~بجوارنا سلة سعتها ستة كوارتات وتحتوي على مشابك الغسيل. كانت تصنع لي عرائس ومانيكانات ~~من المشابك مستديرة الرأس، وكانت تستخدم قلم شمع أسود وآخر أحمر لترسم أفواهها وعيونها، ~~ثم أخرجت بعض الغزل من جيب مئزرها ms027 لتلفه حولها وتصنع الشعر والملابس. وكانت تتحدث معي ؛ ~~أنا متأكدة أنها كانت تتحدث. ~~«هذه سيدة. لقد ذهبت إلى الكنيسة مرتدية شعرها المستعار، هل ترينها؟ كانت فخورة ~~بنفسها. ماذا سيحدث لو هبت الريح؟ ستطير شعرها المستعار. أترين؟ انفخي أنت مقلدة ~~الريح.» ~~«هذا جندي. هل ترين أنه يملك ساقا واحدة؟ لقد فقد ساقه الأخرى بسبب قذيفة مدفع في ~~معركة ووترلو. هل تعرفين معنى قذيفة مدفع؟ تلك التي تخرج من المدفع الضخم عندما تكون ~~هناك معركة: بووووم!» ~~••• # والآن سنخرج متجهين إلى المزرعة - في سيارة بوبي - لزيارة عماتي. رفض أبي أن يقود ~~سيارة شخص آخر - قاصدا بذلك أنه لن يقود سيارة بوبي، ولن يجلس مكانه - ولذلك قادت أمي ~~بدلا منه؛ مما جعل الرحلة كلها مشكوكا فيها بسبب سوء توزيع الأدوار. كان ذلك في يوم ~~حار من أيام الآحاد في نهاية الصيف. # لم تكن أمي متأكدة من الطريق، بينما انتظر أبي حتى اللحظة الأخيرة ليطمئنها. كنا نعلم ~~أنه يغيظها، ومع هذا لم يمر الأمر دون تحفظات أو توبيخ: ~~«هل ننعطف هنا؟ أم المنعطف التالي؟ سأعرف حين أرى الجسر.» # كان الطريق معقدا. في داجليش كانت معظم الطرق مستقيمة، ولكن هنا كانت الطرق تنحرف ~~حول التلال أو تتوارى في المستنقعات، وبعضها يضيق وينقسم إلى طريقين يفصلهما صف من نبات ~~لسان الحمل والهندباء البرية. وفي بعض الأماكن كانت أشجار العليق تلقي فروعها المعترشة ~~على الطريق؛ ذكرتني هذه الأشجار المرتفعة الكثيفة المليئة بالأشواك، ذات الأوراق لامعة ~~الخضرة التي بدت أقرب إلى السواد، بأمواج البحر الذي انشق من أجل موسى. # ثم ظهر الجسر، وبدا كعربتي قطار متحدتين تم تجريدهما من هيكلهما الخارجي، وكان في ~~اتساع حارة واحدة. كما كانت هناك لافتة تقول: إن الطريق غير آمن لعربات النقل. ~~«لن ننجو.» هكذا قال أبي ونحن نتخبط في أرض الجسر. «ها هو ميتلاند العتيق.» # سألت شقيقتي: «أين؟ من؟ أين هو؟» # قالت أمي: «نهر ميتلاند.» # نظرنا إلى الأسفل، حيث الدرابزين المنهار على جانبي الجسر، ورأينا المياه الصافية ~~بنية اللون تتدفق فوق أحجار ضخمة ms028 ومظلمة، بين ضفتين نمت عليهما أشجار الأرز، ثم ~~تنكسر في صورة تموجات مبهجة بعد ذلك. كان جسدي يشتاق إليها. # سألت: «هل يذهبن للسباحة؟» كنت أقصد عماتي. فكرت في أنهن لو كن يذهبن للسباحة، فربما ~~يأخذنني معهن. # قالت أمي: «السباحة؟ لا أستطيع تخيلهن. هل يفعلن هذا؟» وجهت السؤال لأبي. ~~«ولا أنا أيضا أستطيع تخيلهن يسبحن.» # كان الطريق يصعد بنا لأعلى التل، بعيدا عن شجيرات الأرز الكئيبة على ضفاف النهر. ~~بدأت أقول أسماء عماتي: ~~«سوزان. كلارا. ليزي. ماجي. جينيت هي من ماتت.» # قال أبي: «وآني، لا تنسي آني.» ~~«آني. ليزي. قلت اسمها قبلا. من فاتني اسمها؟» # ردت أمي وهي تنقل سرعة السيارة بدفعة صغيرة غاضبة: «دوروثي.» وصلنا إلى قمة التل، ~~تاركين وراءنا المنطقة الغائرة التي تضم الشجيرات داكنة اللون. وعلى القمة هنا كانت ~~توجد تلال عشبية مغطاة بحشيشة اللبن المزهرة ذات اللون الأرجواني، وأزهار البازلاء ~~البرية المتفتحة، وأزهار السوزان ذات العيون السوداء. نادرا ما وجدت الأشجار هنا، ~~ولكن ثمة الكثير من شجيرات البلسان التي تنمو بطول الطريق. بدت كما لو أنها رشت ~~بالثلج. وكان هناك تل مكشوف يعلو غيره من التلال. # قال أبي: «قمة هيبرون. هذه أعلى نقطة فوق الأرض في مقاطعة هورون. أو هكذا كانوا ~~يخبرونني دائما.» # قالت أمي: «الآن أعرف أين أنا. سنراه بعد لحظات، أليس كذلك؟» # ثم ظهر بيت خشبي ضخم لا تدنو منه الأشجار، وتقع خلفه الحظيرة والتلال البنية ~~المزهرة. كان مخزن العربات التي تجرها الخيول هو الحظيرة الأصلية، وكانت مبنية من ~~الخشب. لم يكن طلاء البيت أبيض اللون كما كنت أظن على نحو قاطع، بل كان أصفر، ومعظمه ~~قد تساقط. # وأمام البيت - وسط مساحة ضيقة ظليلة نظرا لانحسار الظل في هذا الوقت من اليوم - جلس ~~عدة أشخاص على كراسي مستقيمة الظهر. وعلى حائط المنزل خلفها علقت سطول اللبن ~~المصقولة وأجزاء من فرازة القشدة. # لم يتوقعن مجيئنا؛ إذ لم يكن لديهن هاتف؛ وبالتالي لم نتمكن من إخبارهن بقدومنا. كن ~~يجلسن فقط هناك في الظل، يتطلعن إلى الطريق الذي ms029 نادرا ما تمر عليه سيارة طيلة فترة ~~ما بعد الظهيرة. # نهضت إحداهن وهرولت نحو جانب البيت. # فقال أبي: «هذه سوزان. إنها تخشى الناس.» # قالت أمي: «ستعود عندما تدرك من نحن؛ فهي لا تميز السيارة الغريبة.» ~~«ربما. لا أعتمد على هذا.» # وقفت الأخريات، وعلى نحو رسمي للغاية جهزن أنفسهن، وأيديهن مشبكة أمام مآزرهن. ~~وعندما خرجنا من السيارة وتعرفن علينا، خطت واحدة أو اثنتان منهن بضع خطوات تجاهنا، ثم ~~توقفتا، وانتظرتا اقترابنا منهن. # قال أبي: «هلموا.» ثم قادنا إلى كل واحدة منهن بالدور، قائلا فقط أسماءهن للتعارف، ~~بلا أحضان، ولا مصافحات، ولا قبلات: ~~«ليزي. دوروثي. كلارا.» # لم يكن الأمر مجديا؛ فلن أستطيع مطلقا التمييز بينهن. لقد بدون جميعا ~~متشابهات. لا بد وأن الفارق في العمر بينهن كان اثني عشر أو خمسة عشر عاما، ولكن ~~بالنسبة إلي بدون جميعا في الخمسين من العمر تقريبا، أكبر من والدي، ولكنهن ~~لسن طاعنات فعلا في السن. كن جميعا نحيلات وممشوقات القوام، وربما كن في وقت من ~~الأوقات طويلات القامة إلى حد ما، ولكنهن الآن محدبات الظهر، بسبب العمل الشاق ~~والإذعان. كان شعر بعضهن مقصوصا فبدت التسريحة طفولية بسيطة، وبعضهن ضفرنه ولففنه فوق ~~رءوسهن. لم يكن شعر إحداهن أسود بالكامل أو رماديا بالكامل. كانت وجوههن شاحبة، ~~وحواجبهن سميكة وكثيفة الشعر، وعيونهن غائرة ولامعة، رمادية زرقاء أو رمادية خضراء أو ~~رمادية فحسب. وكن يشبهن أبي كثيرا وإن كان ظهره غير محدب مثلهن، كما كان وجهه متهللا، ~~بعكسهن، فبدا رجلا وسيما. # كن يشبهنني كثيرا. لم أدرك ذلك وقتها ولم أكن لأرغب في ذلك. ولكن ماذا لو افترضت ~~أنني توقفت عن الاهتمام بشعري، الآن، وأنني توقفت عن وضع مساحيق الزينة وتشذيب حاجبي، ~~وارتديت فستانا دميما مطبوعا عليه إحدى الصور ومئزرا، ووقفت مطأطئة الرأس أحتضن ~~مرفقي؟ أجل. وبالتالي عندما ألقت أمي وقريباتها نظرة علي، ووجهنني بقلق نحو الضوء، ~~يسألن: «هل تنتمي إلى آل تشادلي؟ ما رأيكن؟» لقد كن يتطلعن إلى وجه ينتمي إلى آل ~~فليمينج، ولأكون صادقة، كان وجها أجمل من ms030 وجوههن. (ليس الأمر أنهن كن يدعين الجمال، ~~ولكن كان مجرد انتمائهن إلى آل تشادلي كافيا.) # كانت يدا إحدى عماتي حمراوين كلون أرنب مسلوخ. ولاحقا في المطبخ جلست تلك العمة على ~~كرسي يستند إلى صندوق الحطب، شبه متوارية خلف الموقد، ورأيت كيف ظلت تفرك هاتين اليدين ~~وتلويهما في مئزرتها. أذكر أنني رأيت هاتين اليدين قبلا، في واحدة من الزيارات ~~القديمة، منذ أمد بعيد، وقد أخبرتني أمي أن السبب هو أن هذه العمة - هل كانت دائما نفس ~~العمة؟ - كانت تنظف الأرضيات والمناضد والكراسي بغسول القلى لتبقى بيضاء. وهذا ما فعله ~~الغسول بيديها. وبعد هذه الزيارة أيضا، في طريقنا إلى البيت قالت أمي بنبرة اتهام عام، ~~مليئة بالأسى والاشمئزاز: «هل رأيتم هاتين اليدين؟ لا بد وأن العمة حصلت على استثناء ~~كنسي حتى تنظف في أيام الآحاد.» # كانت الأرضية من خشب الصنوبر، وكانت بيضاء، ولامعة، ولكنها كانت في نفس الوقت ناعمة ~~مثل المخمل. وكذلك الكراسي والمناضد. جلسنا جميعا في أرجاء المطبخ، الذي كان أشبه ببيت ~~صغير متصل بالبيت الرئيسي، حيث البابان الأمامي والخلفي مواجهان أحدهما للآخر، والنوافذ ~~موجودة في ثلاثة اتجاهات. كان الموقد الأسود البارد يلمع أيضا بدهان التلميع، وكانت ~~حوافه مثل المرايا. كان مطبخهن أكثر نظافة وخلوا من الأثاث مقارنة بأي مطبخ رأيته من ~~قبل. لم يكن هناك أثر للعبث، ما من إشارة على أن النساء اللاتي يعشن هنا سعين قط إلى ~~الترفيه. فلا يوجد راديو، ولا صحف ولا مجلات، وبالتأكيد ولا كتب أيضا. لا بد وأنه كان ~~هناك إنجيل في البيت، وبالتأكيد هناك نتيجة للتقويم، ولكننا لم نرهما. كان من الصعب ~~الآن حتى أن نصدق بوجود عرائس تم تشكيلها من مشابك الغسيل وأقلام الألوان والغزل. أردت ~~أن أسأل أيهن صنعت لي العرائس، وهل كان هناك فعلا سيدة بشعر مستعار وجندي بساق واحدة؟ ~~ولكن رغم أن الخجل لم يكن في العادة إحدى صفاتي، فقد انتابني شلل غريب في هذه الغرفة، ~~كما لو أنني قد أدركت للمرة الأولى أن أي سؤال سأطرحه قد يكون ms031 وقحا، وأن أي رأي سأعرضه ~~قد يكون خطيرا . # العمل هو ما كان يملأ حياتهن، وليس الحوار. العمل هو ما كان يضفي على يومهن معنى. ~~أعلم هذا الآن؛ فحلب الأبقار من ضروعها الخشنة، وجر المكواة للأمام والخلف على لوح ~~الكي الذي تصدر منه رائحة الشياط، وإلقاء ماء المسح المحتوي على مواد التبييض على ~~الأرضية المصنوعة من خشب الصنوبر؛ كل هذا كفيل بتحويلهن إلى بكم، وربما كن راضيات ~~بهذا. لا يتم العمل هنا كما كان يتم في بيتنا، حيث كانت الفكرة السائدة هي سرعة إنجاز ~~العمل. بل العمل هنا يمكن - بل لا بد - أن يستمر إلى الأبد. # ما الذي يمكن أن يقال في هذا السياق؟ عماتي - كمن ينخرطون في دردشة مع أسرة ملكية - ~~لا يبادرن بأي تعليقات من تلقاء أنفسهن على الإطلاق، ولكنهن يكتفين بالإجابة عن ~~الأسئلة. كما لم يعرضن تقديم واجب الضيافة. وكان من الواضح أنهن يبذلن مجهودا كبيرا ~~ليمنعن أنفسهن من الفرار والاختباء، مثل عمتي سوزان، التي لم تعاود الظهور طيلة الوقت ~~الذي قضيناه هناك. ما يمكن الإحساس به في تلك الغرفة هو ألم التواصل الإنساني. كنت ~~مبهورة به. الألم المذهل، والاحتياج المهين. # كان أبي يعلم كيف يبدأ الحديث، فبدأ بالطقس: عن الحاجة إلى المطر، والأمطار التي هطلت ~~في يوليو وأفسدت التبن، والربيع الرطب في العام الماضي، والفيضانات التي كانت تحدث في ~~الماضي السحيق، واحتمالات أو عدم احتمال أن يكون الخريف ممطرا. أعاد إليهم هذا الحديث ~~الهدوء. ثم سأل عن الأبقار، وحصان العربة الذي كان اسمه نيلي، وحصاني العمل: برينس ~~وكوين، والحديقة، هل أصابت الآفات الطماطم؟ ~~«كلا، لم تصبها.» ~~«كم كوارتا جمعتن؟» ~~«سبعة وعشرين.» ~~«هل صنعتن أي صلصة حارة؟ هل أعددتن بعض العصير؟» ~~«أجل، عصير وصلصة حارة.» ~~«إذن لن تتضورن جوعا خلال الشتاء القادم. ستزددن سمنة المرة القادمة.» # صدرت قهقهات من اثنتين منهما وتشجع أبي وواصل إغاظتهن. سألهن ما إذا كن يرقصن ~~كثيرا هذه الأيام. وهز رأسه وهو يتظاهر بأنه يتذكر ما كان معروفا عنهن بملاحقتهن ~~للحفلات الراقصة في أرجاء ms032 البلد، والتدخين والمرح. قال: إنهن كن يسئن التصرف ، وإنهن ~~رفضن الزواج لأنهن كن يفضلن المغازلة، وإنه لم يكن يستطيع أن يرفع رأسه لأنهن كن مصدر ~~خزي له. # تدخلت أمي عندئذ. لا بد وأنها كانت تريد إنقاذهن، متصورة أنه من القسوة إغاظتهن بهذه ~~الطريقة، والإسهاب في الحديث عما لم يمتلكنه أو يفعلنه يوما. # قالت: «هذه قطعة أثاث بديعة؛ أقصد هذا البوفيه، لطالما أعجبني!» # أكمل أبي بأنهن لم يراعين الأعراف، هكذا كن، في ذروة شبابهن. # ذهبت أمي لتلقي نظرة على خزانة المطبخ المصنوعة من خشب البلوط، والتي كانت ثقيلة ~~للغاية وعالية. لم تكن مقابض جميع الأبواب والأدراج مستديرة تماما، بل كانت غير منتظمة ~~الشكل إلى حد ما، إما بسبب سوء التصنيع أو بسبب كثرة استخدامها. # قالت أمي: «يمكنكن إحضار تاجر تحف إلى هنا وسيعرض عليكن مائة دولار مقابل شراء هذه ~~الخزانة. ولو حدث هذا، لا تقبلن. وكذلك المناضد والكراسي. لا تسمحن لأي أحد أن يقنعكن ~~ببيعها قبل أن تعرفن قيمتها الحقيقية. أعلم ما أقوله لكن.» ودون أن تطلب الإذن تفحصت ~~الخزانة، وتحسست المقابض، وألقت نظرة على الظهر. ثم قالت وهي تقرع خشب الصنوبر بترو: ~~«لا أستطيع أنا أن أخبركن بقيمتها، ولكن لو قررتن بيعها فسأجلب أفضل شخص يمكنني إيجاده ~~ليقوم بتثمينها. وهذا ليس كل شيء؛ لديكن أثاث يساوي ثروة في هذا البيت، ولكنكن تحتفظن ~~به. فلديكن الأثاث القديم الذي تم تصنيعه هنا، ولم يعد هناك مثيل له. فالناس تخلصت منه، ~~في بداية القرن، واشتروا أثاثا من الطراز الفيكتوري بعد أن ازدهرت أحوالهم. الأثاث ~~الذي لم يتم التخلص منه يساوي ثروة، وستظل قيمته في صعود. صدقنني.» # كانت صادقة، ولكنهن لم يصدقنها. ما عدن يستطعن فهمها أفضل مما لو كانت تهذي. ربما لم ~~تكن كلمة تحف معروفة بالنسبة إليهن. كانت تتحدث عن خزانة مطبخهن، ولكن من منظور لم ~~يفهمنه: لو جاء تاجر إلى بيتهن وعرض عليهن مالا؟ ما من أحد يأتي إلى بيتهن. وربما كان ~~بيع الخزانة أمرا يصعب عليهن تخيله مثلما هو صعب ms033 عليهن تخيل بيع حائط المطبخ؛ فقد كن ~~ينظرن تحت أقدامهن فحسب. # قال أبي ليلطف الأجواء: «إذن أعتقد ~~أن ذلك كان من حسن حظ أولئك الذين لم تزدهر أحوالهم.» ولكنهن لم يجبن عليه هو أيضا. كن ~~يعرفن معنى كلمة مزدهر، ولكنهن لم يستخدمنها قط، ولم يحركن ألسنتهن بها من قبل، ولم ~~تفكر عقولهن بفكرة ازدهارهن. كن يلاحظن أن بعض الناس - حتى جيرانهن - ينفقون المال في ~~شراء الجرارات وماكينات الحصد وماكينات الحلب، وكذلك السيارات والمنازل، وأعتقد أن هذا ~~بدا لهن شيئا مفزعا غير مرغوب فيه على الإطلاق؛ نوع من تضييع الأملاك وعدم القدرة على ~~السيطرة على الذات. كن يشفقن على الناس الذين يفعلون هذا، بشكل من الأشكال، بنفس ~~الطريقة التي قد يشفقن بها على الفتيات اللاتي كن يهرولن فعلا إلى الحفلات الراقصة، ~~ويدخن ويغازلن ويتزوجن. ربما يشفقن على أمي أيضا. كانت أمي تنظر إلى حياتهن وتفكر في ~~أنهن يجب أن يبتهجن ويتفتحن. لنفترض أنهن بعن بعض الأثاث ووصلن المياه الجارية ~~إلى البيت، واشترين غسالة، ووضعن مشمعا على الأرضية، وابتعن سيارة وتعلمن قيادتها. ~~ولم لا؟ كانت أمي تسألهن وهي تنظر إلى الحياة في ضوء التغيير والاحتمالات. تخيلت أمي ~~أنهن قد يتقن لبعض الأشياء، ليس فقط أشياء مادية، ولكن لظروف وقدرات، لم يزعجن حتى ~~أنفسهن بالندم على افتقارهن لها، ولم يفكرن في رفضها، بما أنهن مقيدات بما يملكنه وبما ~~كن عليه، ولا يمكنهن تخيل أنفسهن في وضع مختلف. ~~••• # عندما أودع أبي في المستشفى في آخر مرة، أصبح خفيف الظل كثيرا ومهذارا تحت تأثير ~~الحبوب التي كانوا يقدمونها له، وقد تحدث إلي بشأن حياته وعائلته. أخبرني كيف ترك ~~بيته. في الواقع لقد تركه مرتين؛ المرة الأولى وقعت خلال الصيف الذي بلغ فيه الرابعة ~~عشرة من العمر. كان أبوه قد أرسله لشق بعض جذوع الأشجار. فكسر يد الفأس، وشتمه أبوه، ~~وجرى وراءه بمذراة. وكان معروفا عن أبيه مزاجه الحاد واجتهاده في العمل. صرخت ~~الشقيقات، بينما ركض أبي - وهو صبي في الرابعة عشرة من العمر - عبر الزقاق ms034 بأقصى سرعة ~~لديه. ~~«هل كن يستطعن الصراخ؟» ~~«ماذا ؟ أجل، آنذاك. نعم كن يستطعن ذلك.» # كانت نية أبي هي أن يجري فقط بعيدا بطول الطريق، ويتسكع قليلا، ثم يعود عندما ~~تخبره شقيقاته بأن الطريق آمن. ولكنه لم يتوقف عن الركض حتى قطع نصف المسافة إلى ~~جودريتش، ثم فكر أن يقطع المسافة المتبقية. عمل على قارب في البحيرة، وقضى بقية ~~الموسم يعمل عليه، ثم خلال الشهر الذي سبق الكريسماس، بعد انقضاء موسم الملاحة، عمل في ~~طاحونة دقيق. كان يستطيع العمل هناك، ولكنه كان قاصرا، وخشي أصحاب الطاحونة من المفتش؛ ~~ولذلك سرحوه. كان يريد العودة إلى موطنه على أية حال لقضاء الكريسماس. كان مشتاقا ~~إلى وطنه. فاشترى هدايا لأبيه وشقيقاته. كانت هدية أبيه ساعة. غير أن هذه الساعة وثمن ~~التذكرة بددا كل مليم كان معه. # وبعد الكريسماس ببضعة أيام كان في الحظيرة يضع القش، وجاء أبوه باحثا عنه. ~~«هل معك أي أموال؟» # فرد أبي بالنفي. ~~«حسنا، هل تعتقد إذن أنني وشقيقاتك قضينا الصيف والخريف بطولهما نتأمل مؤخرات ~~الأبقار، لتعود أنت إلى البيت ونعولك في الشتاء؟» # كانت هذه هي المرة الثانية التي يفارق فيها أبي البيت. # ارتج جسده على سرير المستشفى من الضحك، وهو يخبرني بذلك. ~~«نتأمل مؤخرات الأبقار!» # ثم قال لي: إن الشيء الغريب أن أباه نفسه قد هرب من بيته في طفولته، بعد شجار مع أبيه ~~نفسه. فقد عنفه أبوه وضربه لاستخدامه العربة اليدوية. ~~«كان الأمر يتم بهذه الطريقة: كانوا دائما يحصلون على العلف لتقديمه إلى الخيول، ~~دلوا دلوا. ولكن في الشتاء تكون الخيول داخل الإسطبل. ولهذا فكر أبي في حمل العلف ~~إليها في العربة اليدوية. بالطبع كان هذا أسرع. ولكنه تعرض للضرب بسبب تكاسله. هكذا ~~كان الوضع لديهم؛ أي تغيير من أي نوع كان مرفوضا، والكفاءة كانت كسلا بالنسبة إليهم؛ ~~هذا هو تفكير الفلاحين.» # قلت له: «ربما يتفق معهم تولستوي في هذا، وغاندي كذلك.» ~~«تبا لتولستوي وغاندي! فكلاهما لم يعمل وهو صغير.» ~~«ربما لا.» ~~«ولكن العجيب أن هؤلاء القوم تمتعوا يوما ms035 بالشجاعة الكافية ليأتوا إلى هنا. لقد ~~تركوا كل شيء، وأداروا ظهورهم لكل شيء عرفوه وجاءوا إلى هنا. كانت مواجهة شمال الأطلسي ~~شيئا مخيفا في حد ذاتها، ثم مواجهة هذا البلد الذي كان بريا. وكذلك الأعمال التي ~~مارسوها، والتجارب التي مروا بها. وعندما وصل جدك الأكبر إلى أراضي هورون كان معه أخوه، ~~وزوجته وأمها، وولداه الصغيران. وبعد وصولهم مباشرة سقطت شجرة على أخيه فأودت بحياته. ~~وفي الصيف التالي أصيبت زوجته وأمها والولدان الصغيران بالكوليرا، وماتت الجدة ~~والطفلان؛ فعاش وزوجته وحيدين، ومضيا ينظفان مزرعتهما ويؤسسان عائلة جديدة. أعتقد ~~أنهما قد استنفدا كل ما لديهما من شجاعة. وأنهكتهما طريقة تنشئتهما ودينهما، والتزامهما ~~الشديد بالتصرف وفقا لما هو مقبول، وكذلك كبرياؤهما. كانت الكبرياء هي ما بقي لهما بعد ~~أن استهلكا ما لديهما من روح المبادرة.» # قلت له: «لكن ليس أنت؛ أنت هربت.» ~~«لم أهرب بعيدا.» ~~••• # بعد أن كبرت عماتي في السن قمن بتأجير المزرعة، ولكنهن واصلن حياتهن بها. إحداهن ~~أصيبت عيناها بالمياه البيضاء، وأخرى أصيبت بالتهاب المفاصل، ولكنهن استمررن على ~~حالهن واعتنين بعضهن ببعض، ومتن هناك، كلهن باستثناء آخرهن، عمتي ليزي، التي ~~اضطرت إلى الذهاب لدار المسنين الحكومية التابعة للمقاطعة. لقد عشن سنوات طويلة، ورغم ~~كل شيء، كن عائلة ذات قدرة كبيرة على الاحتمال، مقارنة بآل تشادلي، الذين لم يصل ~~أحدهم إلى سن السبعين. (ماتت قريبتنا أيريس بعد ستة أشهر من زيارتها ألاسكا.) اعتدت أن ~~أرسل إليهن بطاقة معايدة في عيد الميلاد، وكنت أكتب عليها: «إلى جميع عماتي، مع حبي، ~~وعيد سعيد.» كنت أفعل هذا لأني لم أستطع تذكر أيهن ماتت وأيهن لم تزل على قيد الحياة. ~~كنت قد رأيت شاهد قبرهن عندما دفنت أمي. كان نصبا تذكاريا متواضعا ومحفورا عليه ~~جميع أسمائهن وتواريخ ميلادهن، بالإضافة إلى تاريخ وفاة اثنتين منهن (جينيت - طبعا - ~~وربما سوزان)، أما مكان باقي التواريخ ففارغ. ربما يكون الآن قد امتلأ ~~بالتواريخ. # كن يرسلن إلي بطاقة معايدة أيضا، عليها إكليل أو شمعة، ومعلومات عنهن في بضع ~~جمل: ~~«الشتاء لطيف حتى ms036 الآن، والجليد لم يتساقط كثيرا. كلنا بخير باستثناء أن عين كلارا ~~لم تتحسن. أجمل تمنياتنا.» # فكرت فيهن وهن مضطرات إلى الخروج لشراء بطاقة المعايدة، ثم الذهاب إلى مكتب البريد ~~وشراء الطوابع. كان تصرفهن ينم عن الوفاء، أقصد أن يكتبن ويرسلن تلك الجمل إلى مكان لا ~~يمكنهن تخيله مثل فانكوفر، إلى شخص من دمهن يعيش حياة غريبة تماما بالنسبة إليهن، ~~شخص سيقرأ البطاقة وكله إحساس بالذهول والذنب غير المبرر. لقد شعرت فعلا بالذنب ~~والذهول وأنا أفكر أنهن ما زلن يعشن هناك، وما زلن متعلقات بي. ولكن أي رسالة من موطني ~~- في تلك الأيام - كانت تشعرني بأنني خائنة. # في المستشفى، سألت أبي ما إذا كان لأي من شقيقاته حبيب. ~~«لا يمكن أن تسميه حبيبا. لا. كانت هناك دعابة حول السيد بلاك. كان يقال إنه بنى ~~كوخه هناك لأنه معجب بسوزان، ولكني لا أعتقد هذا. كان رجلا بساق واحدة بنى كوخه في ~~جانب من الحقل في الناحية الأخرى من الطريق، ومات هناك. كل ذلك قبل أن أولد؛ فقد كانت ~~سوزان هي أكبرنا - كما تعلمين - وكانت في العشرين أو الحادية والعشرين عندما ~~ولدت.» ~~«إذن أنت لا تعتقد أنها مرت بقصة حب؟» ~~«لا أعتقد هذا. كانت مجرد دعابة. كان الرجل نمساويا أو شيئا من هذا القبيل. وكان ~~بلاك هو الاسم الذي أطلق عليه، أو ربما ما أطلقه هو على نفسه. ما كنا لنسمح لها ~~بالاقتراب منه. وقد دفن هناك تحت جلمود كبير. ثم هدم أبي الكوخ واستخدم الأخشاب ليبني ~~عشة الفراخ.» # أتذكر هذا. أتذكر هذا الجلمود. أتذكر جلوسي على الأرض وأنا أراقب أبي وهو يصلح ~~أعمدة السور. سألته ما إذا كانت هذه ذكرى حقيقية. ~~«أجل، ربما. لقد كنت معتادا على الخروج وإصلاح الأسوار عندما مرض والدي ولازم ~~الفراش. لم تكوني كبيرة جدا وقتها.» ~~«كنت جالسة أراقبك، وقد قلت لي: هل تعلمين ما هذا الحجر الكبير؟ إنه شاهد قبر. لا ~~أذكر أنني سألتك لمن هذا الشاهد؛ ربما اعتقدت أنك تمزح.» ~~«لم أكن أمزح. كان بالفعل شاهد ms037 القبر. ~~كان السيد بلاك مدفونا تحتها. هذا يذكرني بشيء آخر. ألم أخبرك بكيفية موت الجدة ~~والولدين الصغيرين؟ كانت الجثث الثلاث موجودة في البيت في نفس الوقت، ولم يكن لديهم ما ~~يصنعون به الأكفان باستثناء ستائر الدانتيلا التي جاءوا بها من موطنهم القديم. أعتقد ~~أنه كان يجب التصرف سريعا عندما تكون الوفاة بسبب الكوليرا، خصوصا في الصيف؛ وبالتالي ~~كان هذا ما دفنوهم فيه.» ~~«ستائر الدانتيلا!» # بدا أبي خجلا، كما لو أنه قد أعطاني هدية، وقال بفجاجة: «حسنا، أعتقد أن هذا النوع ~~من التفاصيل هو ما قد يكون مشوقا بالنسبة إليك.» ~~••• # في وقت ما بعد موت والدي، كنت أقرأ صحيفة قديمة على قارئ ميكروفيلم في مكتبة ~~تورونتو، وكان الأمر مرتبطا بنص وثائقي أعمل عليه من أجل التليفزيون. استرعى اسم ~~داجليش بصري، ثم اسم فليمينج، الذي عشت من دونه فترة طويلة: # وفاة شخص وحيد قرب داجليش # أذيع أن السيد بلاك - وهو رجل في الخامسة والأربعين من العمر - واسمه الأول ~~غير معروف، قد مات في مزرعة السيد توماس فليمينج، حيث كان يعيش على مدار ~~السنوات الثلاث الماضية في كوخ سمح له السيد فليمينج ببنائه في جانب من الحقل. ~~كان يزرع البطاطس، ويعيش بشكل أساسي عليها وعلى الأسماك والطرائد الصغيرة. ~~ويعتقد أنه جاء من بلد أوروبي ما، ولكن أطلق عليه اسم بلاك، ولم يكشف عن ~~تاريخه. وفي مرحلة ما من حياته، فقد إحدى ساقيه؛ مما دفع البعض إلى تصور أنه ~~ربما كان جنديا. وكان هناك من يسمعه وهو يتحدث إلى نفسه بلغة أجنبية. # منذ ثلاثة أسابيع تقريبا، تقصى السيد فليمينج عن أحوال الرجل بعد أن توقف ~~الدخان عن الانبعاث من كوخه، فوجده طريح الفراش. كان يعاني من سرطان في اللسان. ~~أراد السيد فليمينج نقله إلى منزله الخاص ليعتني به ولكن السيد بلاك رفض، رغم ~~أنه وافق في النهاية على نقله إلى حظيرة السيد فليمينج، حيث ظل هناك، في طقس ~~معتدل، تعتني به بنات السيد فليمينج الصغيرات اللاتي يسكن في المنزل. وهناك ~~مات، ودفن بناء على ms038 طلبه بجوار كوخه، حاملا لغز حياته معه. # بدأت أفكر في رغبتي في رؤية الحجر، ورؤية ما إذا كان لم يزل هناك. لم يعد أحد من ~~أقاربي يعيش في هذا البلد بعد الآن. قدت سيارتي في يوم أحد من شهر يونيو، واستطعت أن ~~أتجنب داجليش تماما بعد أن تغير الطريق السريع. توقعت أن أواجه بعض الصعوبة في إيجاد ~~المزرعة، ولكني بلغتها قبل أن أصدق أن هذا ممكن. لم تعد مكانا نائيا. فقد استقامت ~~الطرق الخلفية، وشيد جسر خرساني جديد ومتين من حارتين. واقتطع نصف قمة هيبرون من أجل ~~إنشاء طريق مغطى بالحصى، بينما زرعت الحقول العشبية البرية بالذرة. # كان مخزن العربات التي تجرها الخيول - المبني بالخشب - قد اختفى من المشهد الجديد، ~~واكتسى البيت من الخارج بألواح من الألومنيوم ذات لون أخضر فاتح. وكانت هناك عدة نوافذ ~~واسعة جديدة. كما تحول الرصيف الإسمنتي الذي كان يوجد في الواجهة، حيث اعتادت عماتي ~~الجلوس على كراسيهن مستقيمة الظهر لمشاهدة الطريق، إلى فناء مرصوف يضم أحواضا لنباتات ~~القويضة وإبرة الراعي، ومنضدة معدنية فوقها مظلة، بالإضافة إلى الأثاث المعتاد القابل ~~للطي ذي الشرائط البلاستيكية اللامعة المستخدمة في تنجيد الكراسي والأرائك. # كل هذا جعلني أرتاب في الأمر، ولكني طرقت الباب على أية حال. أجابتني امرأة شابة ~~حامل، ودعتني للدخول إلى المطبخ، الذي كان عبارة عن غرفة مبهجة، يفترشه مشمع الأرضية ~~الذي بدا كالطوب الأحمر والبني، ويحوي دواليب مبنية في الجدار بدا خشبها أشبه كثيرا ~~بخشب القيقب. كان هناك طفلان يشاهدان فيلما تليفزيونيا بدت ألوانه متلاشية بسبب سطوع ~~ضوء النهار، وزوج شاب يبدو جادا ويعمل على آلة حاسبة، وكان من الواضح أنه غير ~~منزعج بالضوضاء التي يصدرها التليفزيون مثلما لم ينزعج طفلاه بضوء الشمس. خطت المرأة ~~الشابة فوق كلب ضخم لتغلق صنبور الحوض. # لم ينفد صبرهما وهما يسمعان قصتي، على عكس ما حسبت. في الحقيقة كانا مهتمين بالأمر ~~ومتعاونين، وكانا يعلمان بعض الشيء عن الحجر الذي أبحث عنه. قال الزوج إن قطعة الأرض ~~الموجودة على الجانب الآخر من ms039 الطريق لم تبع لأبيه، الذي اشترى هذه المزرعة من ~~عماتي؛ إذ كانت قد بيعت من قبل. كان يعتقد أن الحجر موجود هناك، وقال إن والده أخبره ~~بأن ثمة رجلا مدفونا هناك، تحت صخرة كبيرة، حتى إنهما قد ذهبا للتمشية ذات مرة ~~ليلقيا نظرة عليها، ولكنه لم يتذكر أمرها لسنوات. وقال إنه سيذهب ليبحث عنها ~~الآن. # اعتقدت أننا سنتوجه إليها مشيا، ولكننا عبرنا الطريق بسيارته. ترجلنا منها وخطونا ~~بحذر داخل حقل الذرة. بلغت الذرة ركبتي تقريبا؛ ما يعني أن الحجر واضح بالضرورة على ~~مرأى العين. سألت إن كان الرجل الذي يملك هذا الحقل سيمانع وجودنا، فرد مالك المزرعة ~~بالنفي، فالرجل لم يقترب من الحقل قط، ويؤجر شخصا آخر ليعمل فيه بدلا منه. ~~«إنه رجل يملك ألف فدان ذرة في مقاطعة هورون وحدها.» # قلت له: إن أصحاب المزارع أصبحوا أشبه برجال الأعمال اليوم، أليس كذلك؟ بدا الرجل ~~سعيدا بقولي هذا، وبدأ يشرح لي السبب. ثمة مخاطر يجب تقبلها، والنفقات تبلغ عنان ~~السماء. سألته ما إذا كان يملك واحدا من تلك الجرارات ذات الكابينات المكيفة فرد ~~بالإيجاب. وتابع: لو أحسن المرء إدارة أموره، فستكون المكاسب - وأقصد المكاسب المادية - ~~ضخمة، ولكن هناك محن ومصائب لا يعرف معظم الناس عنها شيئا. في الربيع القادم، لو سارت ~~الأمور على ما يرام، فسيذهب هو وزوجته لقضاء أول عطلة لهما. سيتجهان إلى إسبانيا. لكن ~~الطفلين يريدانهما أن يتغاضيا عن إجازتهما ويبنيا حوض سباحة، ولكنه كان يريد السفر. إنه ~~يملك مزرعتين الآن، وكان يفكر في شراء مزرعة ثالثة. وفي اللحظة التي طرقت فيها بابه كان ~~يحسب حسبته. من ناحية لم يكن يستطيع شراءها، ومن ناحية أخرى لم يكن يستطيع ألا ~~يمتلكها. # في أثناء حوارنا هذا كنا نسير ذهابا وإيابا عبر صفوف الذرة باحثين عن الحجر. بحثنا ~~في أرجاء الحقل ولم يكن موجودا. قال: إن جانب الحقل بالطبع آنذاك ليس بالضرورة هو نفس ~~جانب الحقل اليوم. لكن الحقيقة أنه ربما خلال زراعة الحقل بالذرة كان الحجر يقف في ~~الطريق، فقرروا ms040 جره إلى مكان آخر. قال: إن بوسعنا الذهاب إلى كومة الأحجار الموجودة ~~بالقرب من الطريق لنرى ما إذا كنا سنتعرف عليه. # فقلت له: إننا يجب ألا نزعج أنفسنا بهذا؛ فأنا لست متأكدة من أنني سأتعرف عليه وسط ~~أكوام من الحجارة. # فرد: «ولا أنا.» وكان صوته يحمل نبرة إحباط. سألت نفسي ما الذي كان يتوقع رؤيته، أو ~~الإحساس به. # تساءلت عما أتوقع أنا نفسي أن أراه أو أحس به. # لو كنت أصغر سنا، لتصورت قصة ما: كنت سأصر أن السيد بلاك وقع في غرام إحدى عماتي، ~~وأن إحدى عماتي - ليست بالضرورة من يحبها - تحبه. كنت سأتمنى أن يأتمنهن - أو يأتمن ~~إحداهن - على أسراره، وعلى سبب قضاء حياته في كوخ بمقاطعة هورون، بعيدا عن موطنه. ~~ولاحقا، كان يمكن أن أصدق أنه أراد ذلك، ولكنه لم يسر لهن بهذا ولا بحبه. كنت ~~سأعقد رابطة منطقية ومرعبة بين صمته وطريقة موته. الآن ما عدت أصدق أن أسرار الناس ~~واضحة ويمكن تناقلها، ولا أن مشاعرهم متفتحة ويسهل اكتشافها؛ لا أصدق هذا. الآن أستطيع ~~فقط أن أقول إن عماتي كن يفركن الأرضية بغسول القلى، ويجمعن الشوفان، ويحلبن ~~الأبقار بأيديهن. ولا بد أنهن قد أخذن لحافا إلى الحظيرة ليموت عليه الرجل، ولا بد ~~أنهن قد تركن الماء يقطر من الكوب الصفيح على فمه المعذب. هذه كانت حياتهن. قريبات ~~أمي كن يتصرفن بشكل مختلف؛ كن يتأنقن، ويلتقطن الصور بعضهن لبعض، وينطلقن في ~~رحلات. وكيفما كانت طريقة تصرفهن، فقد متن جميعا. أحمل شيئا منهن داخلي في كل مكان ~~أذهب إليه. لكن الجلمود قد اختفى، وقمة هيبرون اقتطعت من أجل الحصى، والحياة التي ~~دفنت هنا هي حياة يجب أن تفكر مليا قبل أن تندم عليها. # | كنافة البحر # في نهاية الصيف، أبحرت ليديا بالقارب إلى جزيرة على مقربة من الساحل الجنوبي لنيو ~~برانزويك، حيث كانت تنوي قضاء الليلة؛ فقد تبقت لها بضعة أيام قبل رحيلها إلى أونتاريو. ~~وكانت تعمل محررة لدى أحد الناشرين بتورنتو، كما كانت أيضا شاعرة، ولكنها لم تكن ms041 تذكر ذلك ~~ما لم يكن الناس يعرفونه بالفعل . وطيلة الثمانية عشر شهرا الماضية كانت تعيش مع رجل في ~~كينجستون، ولكن انتهى الأمر الآن؛ حسبما ترى. # كانت ليديا قد لاحظت شيئا انتابها، في هذه الرحلة إلى ماريتايمز، وهو أن الناس لم تعد ~~مهتمة بالتعرف عليها. لم يكن السبب أنها قد أحدثت كثيرا من الجلبة، سابقا، ولكن كان هناك ~~شيء تستطيع أن تعول عليه. كانت في الخامسة والأربعين من العمر، ومطلقة منذ تسع سنوات. ~~وكان ولداها قد استقلا بحياتهما، رغم بعض فترات التراجع والارتباك. لم يزد وزنها أو ~~يقل، ولم يسؤ مظهرها بأية صورة تنذر بالخطر، ولكنها مع هذا انسلخت عن المرأة التي كانت ~~عليها وتحولت إلى امرأة أخرى، وقد لاحظت هذا في رحلتها. لم تفاجأ لأنها كانت في حالة ~~جديدة وغريبة آنذاك. لقد بذلت مجهودات كبيرة، وحاولت محاولات متتالية، وظلت المحاولة تتبع ~~الأخرى إلى أن نجحت في مساعيها. أحيانا كانت توشك على الفشل. وفي أحيان أخرى، كان مجرد ~~ترويها وسيطرتها الظاهرية على ما كانت تفعله، وطريقة حياتها؛ كل ذلك كان يرفع ~~معنوياتها. # وجدت ليديا فندقا سياحيا يطل على رصيف الميناء الذي تنتشر عليه أفخاخ سرطان البحر، ~~بالإضافة إلى المتاجر والبيوت القليلة المبعثرة التي تشكل القرية. وأخذتها امرأة في مثل ~~عمرها تقريبا، كانت تطهو الغداء، إلى غرفة رخيصة وعتيقة الطراز في الطابق العلوي. لم تلحظ ~~ليديا وجود أي نزلاء غيرها، رغم أن الغرفة المجاورة لها كانت مفتوحة وبدا لها أن أحدا يقيم ~~فيها، ربما طفل. أيا كان النزيل، فقد ترك العديد من الكتب المصورة على الأرضية بجوار ~~السرير. # ذهبت للتمشية في الزقاق شديد الانحدار الواقع خلف الفندق، وشغلت نفسها بذكر أسماء ~~الشجيرات والأعشاب. كان نباتا عصا الذهب والزهرة النجمية البرية قد ازدهرا، وبدا نبات خشب ~~البقس الياباني شائعا هنا، رغم ندرته في أونتاريو. وكانت الحشائش فارعة الطول وخشنة، بينما ~~اتسمت الأشجار بالقصر. كان ساحل الأطلسي، الذي لم تره قط من قبل، كما تخيلته تماما: ~~الحشائش المثنية، والمنازل الخاوية، وضوء البحر. فبدأت تتساءل ms042 عما سيكون عليه شكل الحياة ~~هنا، سواء ظلت المنازل متدنية الأسعار أو بدأ الناس من الخارج في شرائها كلها. شغلت نفسها ~~في أغلب الوقت خلال هذه الرحلة بحسابات من هذا النوع، وأيضا بأفكار حول كيفية كسب قوت ~~يومها بطريقة جديدة، تختلف عن أي شيء مارسته من قبل. لم تفكر في كسب قوت يومها من كتابة ~~الشعر، ليس فقط لأن دخلها عندئذ سيكون متدنيا جدا، ولكن لأنها فكرت - مثلما فكرت مرات ~~لا تحصى في حياتها - أنها قد لن تكتب قصائد بعد الآن. فكرت في أنها لا تجيد الطهي بدرجة ~~كافية تمكنها من ممارسته مقابل المال، ولكنها تستطيع التنظيف. كان هناك فندق سياحي آخر ~~على الأقل بخلاف ذلك الذي كانت تمكث فيه، كما أنها رأت لافتة تعلن عن استراحة على الطريق ~~العام. كم عدد ساعات التنظيف التي يمكن أن تحصل عليها لو نظفت الأماكن الثلاثة، وما ثمن ~~ساعة التنظيف الواحدة؟ # كان هناك أربع طاولات صغيرة في غرفة الطعام، ورجل واحد جالس هناك، يتجرع عصير الطماطم، لم ~~يلتفت إليها. وخرج رجل من المطبخ، ربما يكون زوج المرأة التي قابلتها سابقا. كانت لحيته ~~شقراء رمادية، ونظرته حزينة. سأل ليديا عن اسمها واصطحبها إلى الطاولة التي يجلس عليها ~~الرجل. نهض الرجل، على نحو رسمي، وتعرف بليديا. كان اسم الرجل السيد ستانلي، وخمنت ~~ليديا أن يكون في الستين من عمره. ودعاها هذا الرجل بأدب للجلوس. # دخل ثلاثة رجال بثياب العمل وجلسوا حول طاولة أخرى. لم تصدر عنهم ضوضاء بشكل لافت أو ~~مزعج، ولكنهم فقط دخلوا ونظموا أنفسهم حول الطاولة، محدثين اضطرابا مسليا؛ بمعنى أنه كان ~~ممتعا لهم، وبدوا كأنهم يتوقعون من الآخرين أن يشاركوهم نفس الإحساس. انحنى السيد ستانلي ~~تجاههم انحناءة احترام. كانت بالفعل انحناءة صغيرة، وليست مجرد إيماءة برأسه. ألقى عليهم ~~تحية المساء، ثم سألوه عن المتاح للعشاء، فقال إنه يعتقد أنه الأسقلوب، وفطيرة القرع ~~للتحلية. # قال لليديا: «يعمل هؤلاء الرجال في شركة تليفونات نيو برانزويك. فهم يوصلون كبلات ~~التليفون إلى إحدى الجزر الصغرى، وسيبقون ms043 هنا طوال هذا الأسبوع.» # كان أكبر سنا مما خمنت في البداية. لم يظهر هذا في نبرة صوته التي كانت واضحة ~~وأمريكية اللكنة، ولا في حركة يديه، وإنما ظهر في أسنانه البنية المتباعدة الصغيرة، وفي ~~عينيه اللتين اتسمتا بطبقة لبنية رقيقة تعلو قزحيتيه ذواتي اللون البني الفاتح. # جاء الزوج بطعامهم، ثم تحدث إلى العمال. كان نادلا كفؤا، ولكنه كان يتعامل برسمية ~~وبطريقة غير ودية، أشبه بشخص يسير في أثناء نومه، بل في واقع الأمر، كأنه لا يمارس هذا ~~العمل في حياته الواقعية. قدمت الخضراوات في أطباق ضخمة، فبدءوا يخدمون أنفسهم. كانت ~~ليديا سعيدة برؤية كل هذا الكم من الطعام: بروكلي، ولفت مهروس، وبطاطس، وذرة. أخذ الأمريكي ~~قدرا صغيرا من كل صنف وبدأ يأكل بتأن، موحيا بأن الترتيب الذي يرفع به الشوكة المليئة ~~بالطعام إلى فمه لم يكن عشوائيا، وأنه كان يقصد أن يتناول اللفت بعد البطاطس، وأن يقطع ~~الأسقلوب المقلي جيدا - والذي لم يكن كبيرا - إلى نصفين متساويين. رفع رأسه بضع مرات كما ~~لو كان يفكر في قول شيء، ولكنه لم ينطق به. سيطر الهدوء على العمال أيضا الآن، وهم منشغلون ~~بتناول الطعام. # تحدث السيد ستانلي أخيرا وقال: «هل تعرفين الكاتبة ويلا كاثر؟» ~~«أجل.» اندهشت ليديا، لأنها لم تر أي شخص يقرأ كتابا طيلة الأسبوعين الماضيين، ولم تلحظ ~~حتى أي رف للكتب ذات الغلاف الورقي. ~~«هل تعرفين إذن أنها كانت تمضي كل صيف هنا؟» ~~«هنا؟» ~~«على هذه الجزيرة. كان منزلها الصيفي هنا. لا يبعد أكثر من ميل عن المكان الذي نجلس فيه ~~الآن. ظلت تأتي إلى هنا على مدار ثمانية عشر عاما، وألفت العديد من كتبها هنا أيضا. ~~كانت تكتب في غرفة تطل على البحر، ولكن الأشجار نمت الآن وحجبت هذه الإطلالة. كانت بصحبة ~~صديقتها المقربة، إديث لويس. هل قرأت «سيدة ضائعة»؟» # فأجابت ليديا بأنها قرأته. ~~«إنه المفضل لدي من بين جميع كتبها. لقد ألفته هنا. أو على الأقل، كتبت جزءا كبيرا ~~منه هنا.» # كانت ليديا تدرك أن العمال ينصتون لهما، ms044 رغم أنهم لم يرفعوا أعينهم عن الطعام. شعرت أنهم ~~حتى دون أن ينظروا إلى السيد ستانلي أو بعضهم إلى بعض ربما يجمعهم الشعور بالازدراء الذي ~~يمكنهم التغاضي عنه. فكرت في أنها لا تهتم ما إن كانت أو لم تكن محط هذا الازدراء، ولكن ~~ربما لهذا السبب لم تجد الكثير لتقوله عن ويلا كاثر، أو تخبر السيد ستانلي أنها تعمل لصالح ~~أحد الناشرين، ناهيك عن كونها هي أصلا كاتبة. أو ربما يكون الأمر فقط في أن السيد ستانلي ~~لم يعطها فرصة كافية لذلك. # قال لها: «لقد كنت معجبا بها لأكثر من ستين عاما.» ثم توقف عن الكلام، ممسكا سكينه ~~وشوكته فوق طبقه. «لقد قرأت لها مرارا، وفي كل مرة يزداد إعجابي بها. ليس بيدي حيلة. ~~ثمة أشخاص هنا يتذكرونها. والليلة سأقابل امرأة، امرأة كانت تعرف ويلا وتحدثت معها. ~~إنها في الثامنة والثمانين من عمرها، ولكنهم يقولون إن ذاكرتها لم تزل سليمة. لقد بدأ الناس ~~هنا يعرفون اهتماماتي؛ ومن ثم عندما يتذكرون شخصا يعرفها يبلغونني ويرتبون لقائي ~~به.» # ثم أردف في نبرة جادة: «سيسعدني هذا كثيرا.» # وطوال الوقت الذي كان يتحدث فيه، كانت ليديا تحاول التفكير فيما يذكرها به أسلوبه في ~~الحديث. لم يذكرها بشخص معين، رغم أنها ربما تكون قد قابلت معلما أو اثنين في الكلية ~~يتحدثون بهذا الأسلوب. جعلها هذا تفكر في وقت لم تكن فيه قلة قليلة من الناس - فقط القليل ~~منهم - يشغلون بالهم أبدا بأن يتحدثوا بديمقراطية أو بتملق؛ فقد كانوا يتحدثون بجمل رسمية ~~ومدروسة ومتفاخرة بعض الشيء، رغم أنهم كانوا يعيشون في بلد قد لا يجلب عليهم التزامهم فيه ~~بالرسميات والتحذلق سوى السخرية. كلا، لم تكن هذه الحقيقة كاملة. لقد جلب عليهم السخرية ~~والإعجاب المسبب للضيق. ما فكرت ليديا فيه بسببه، فعلا، هو الثقافة العتيقة للمدن ~~الإقليمية في الماضي (شيء لم تعرفه قط بالطبع، ولكنها استشعرته من الكتب)، ونبل المشاعر، ~~واللياقة في التعامل، وكراسي الحفلات المخملية الصلبة، والمكتبات الهادئة. كان إعجابه ~~بالكاتبة المختارة جزءا من هذا. كان ms045 متقادما بنفس تقادم حديثه. فكرت في أنه لا يمكن أن ~~يكون معلما؛ فهذا العشق ليس من سمة المعلمين، حتى في مثل سنه. ~~«هل تدرس الأدب؟» ~~«لا، أوه، لا. لم أحظ بهذا الامتياز. كلا، حتى إنني لم أدرس الأدب. لقد بدأت العمل منذ ~~أن كان عمري ستة عشر عاما. وقتها لم تكن هناك خيارات كثيرة؛ فعملت في الصحف.» # تبادر إلى ذهنها صحيفة متحفظة وتقليدية إلى حد السخف تصدر في نيو إنجلاند بأسلوب نثري ~~رجعي. # سألته: «أيها؟» ثم أدركت أن فضولها لا بد وأنه بدا فظا بالنسبة إلى أي شخص ~~متحفظ. ~~«ليست صحيفة معروفة. مجرد صحيفة يومية لبلدة صناعية. بالإضافة إلى عملي في صحف أخرى عندما ~~كنت في مقتبل العمر؛ هذه كانت حياتي.» ~~«والآن، هل تريد تأليف كتاب عن ويلا كاثر؟» لم يبد هذا السؤال في غير محله بالنسبة ~~إليها؛ لأنها كانت تتحدث دائما إلى أشخاص ممن يريدون تأليف كتب عن موضوع ما. # فقال بجدية: «كلا، حالة عيني لا تسمح لي بقراءة أو كتابة أي شيء بخلاف ما هو ~~ضروري.» # لهذا السبب كان متأنيا في تناوله للطعام. # واصل قائلا: «كلا، لا أعني أنني لم أفكر في وقت من الأوقات في ذلك، أقصد تأليف كتاب عن ~~ويلا. كنت سأكتب شيئا عن حياتها على هذه الجزيرة وحسب. لقد كتبت سيرة حياتها بالفعل، ~~ولكنها لم تتناول كثيرا تلك المرحلة من حياتها. الآن تخليت عن هذه الفكرة، وأتقصى في الأمر ~~لمتعتي الشخصية. اعتدت أن آخذ كرسيا خفيفا إلى هناك لكي أجلس تحت النافذة التي كانت ~~تكتب فيها وتتطلع إلى البحر. لا يذهب أحد إلى هناك مطلقا.» ~~«ألم يتم الحفاظ على المكان؟ ألم يتحول إلى نوع من النصب التذكارية؟» ~~«كلا، في الواقع لم يتم الحفاظ عليه على الإطلاق؛ فالناس هنا، رغم تأثرهم الشديد بويلا، ~~وإدراك بعضهم لعبقريتها - أعني عبقرية شخصيتها؛ لأنهم ما كانوا ليدركوا عبقرية عملها - فإن ~~البعض الآخر منهم اعتبرها غير ودودة ولم يحبها. شعروا بالإهانة لأنها لم تكن اجتماعية، رغم ~~اضطرارها إلى ذلك، لكي تمارس ms046 الكتابة.» # قالت ليديا: «يمكن أن يصبح مشروعا. ربما يمكنهم جمع المال من الحكومة. الحكومة الكندية ~~والأمريكية أيضا. يمكنهم ترميم البيت.» ~~«حسنا، لا يعود القرار إلي في هذا.» ثم ابتسم وهز رأسه قائلا: «لا أعتقد هذا. ~~كلا.» # لم يكن يريد أن يأتي أي عشاق آخرين ليزعجوه وهو جالس على كرسيه. لا بد وأنها كانت تعلم ~~ذلك. ما قيمة رحلته المقدسة الخاصة هذه لو شاركه فيها آخرون، ورفعت اللافتات الإعلانية، ~~وطبعت المنشورات الدعائية؛ لو أعيدت تسمية هذا الفندق، الذي يسمى الآن «إطلالة البحر»، ~~ليصبح «ظلال على الصخرة»؟ كان سيفضل هدم البيت ودفنه تحت الحشائش المتنامية على أن يرى ~~هذا يحدث. ~~••• # بعد محاولة ليديا الأخيرة الاتصال بدانكن - الرجل الذي كانت تعيش معه في كينجستون - ~~تمشت بطول الشارع في تورنتو، وهي تعلم أن عليها الذهاب إلى البنك، وشراء بعض الطعام، ~~وركوب قطار الأنفاق. كان عليها أن تتذكر الاتجاهات، وترتيب القيام بالأشياء: أن تفتح دفتر ~~شيكاتها، وتتقدم إلى الأمام عندما يحين دورها في الطابور، وأن تختار نوعا معينا من الخبز ~~بدلا من نوع آخر، وأن تلقي قطعة معدنية في الفتحة المخصصة للعملات. بدت لها هذه الأشياء ~~أصعب ما قامت به في حياتها. كانت تواجه صعوبة بالغة في قراءة أسماء محطات قطار الأنفاق ~~والنزول في المحطة الصحيحة، لكي تستطيع الذهاب إلى الشقة التي تقطن فيها. كانت تعجز عن وصف ~~هذه الصعوبة. كانت تعرف جيدا المحطة الصحيحة، وتعرف المحطة التي قبلها، وتعرف أين هي، ~~ولكنها لم تستطع أن تربط بين نفسها وبين الأشياء الموجودة خارج ذاتها؛ وبالتالي فالنهوض ~~ومغادرة العربة وصعود السلالم والسير في الشارع، كل ذلك بدا أنه ينطوي على مجهود غريب. فكرت ~~بعد ذلك أنها قد تعطلت، كما يقال عن الآلات. وحتى في ذلك الوقت الذي كانت ترسم فيه صورة ~~معينة عن نفسها، تخيلت نفسها شيئا مثل كرتونة البيض؛ مجوفة من الخلف. # عندما وصلت إلى الشقة جلست على كرسي في الردهة. جلست قرابة ساعة أو أكثر قليلا، ثم دخلت ~~الحمام، وخلعت ملابسها، وارتدت قميص نومها، ms047 وخلدت إلى الفراش. وفي الفراش، أحست بالانتصار ~~والراحة ، بأنها عالجت الصعوبات كافة ودفعت بنفسها إلى المكان الذي من المفترض أن تكون فيه ~~وليس عليها أن تتذكر أي شيء آخر. # لم تشعر على الإطلاق بالرغبة في الانتحار. لم تكن لتستطيع التحكم في الأدوات أو الوسائل ~~المساعدة، ولم تكن لتعرف أيها تستخدم. تعجبت لتفكيرها في أنها قد اختارت رغيف الخبز والجبن، ~~اللذين كانا ملقيين على الأرض في الردهة. كيف تخيلت أنها ستمضغهما وتبلعهما؟ ~~••• # بعد الغداء جلست ليديا في الشرفة مع المرأة التي طهت الوجبة. وكان زوج المرأة قد تولى ~~عملية التنظيف. # قالت المرأة: «حسنا، إن لدينا طبعا غسالة أطباق. ولدينا ثلاجتان ووحدة تبريد ضخمة. على ~~المرء أن يقوم بالاستثمار. وإذا كان طاقم العمل يقيم معه، فعليه إطعامه. هذا المكان يمتص ~~المال وكأنه قطعة إسفنج. سنحفر حمام سباحة في العام القادم؛ إذ نحتاج إلى مزيد من عوامل ~~الجذب. يجب على المرء أن يتقدم ليحافظ على مكانه. يتصور الناس أنها حياة لطيفة وسهلة. يا ~~إلهي!» # كان وجهها حاد القسمات ومليئا بالتجاعيد، وشعرها ناعما وطويلا. وكانت ترتدي الجينز ~~وبلوزة مطرزة وسترة رجالية. ~~«منذ عشر سنوات كنت أعيش في كوميون بالولايات المتحدة. والآن أنا هنا. أعمل أحيانا ~~ثماني عشرة ساعة في اليوم. وما زال علي الليلة أن أعلب غداء الطاقم؛ أطهو وأخبز، أطهو ~~وأخبز. وجون يقوم بالباقي.» ~~«هل لديكم من يقوم بالتنظيف؟» ~~«لا يمكننا تحمل تكلفة تعيين شخص آخر. جون يتولى هذا. وهو يغسل الغسيل - وكل شيء. لقد ~~اضطررنا إلى شراء مكواة من أجل الملاءات، وكان علينا أن نجلب فرنا جديدا؛ فحصلنا على ~~قرض من البنك. أعتقد أن هذا مضحك؛ لأني كنت متزوجة من مدير بنك، ولكني تركته.» ~~«أنا أيضا أعيش بمفردي الآن.» ~~«أحقا؟ لا يمكنك أن تعيشي وحدك بقية عمرك. لقد قابلت جون، وقد كان على متن نفس ~~السفينة.» ~~«كنت أعيش مع رجل في كينجستون، في أونتاريو.» ~~«صحيح؟ أنا وجون نعيش في سعادة تامة. كان قسا في فترة من حياته، ولكنه كان قد احترف ~~النجارة ms048 حين قابلته. كلانا عاش على هامش المجتمع نوعا ما. هل تحدثت مع السيد ~~ستانلي؟» ~~«أجل.» ~~«هل سمعت يوما عن ويلا كاثر؟» ~~«أجل.» ~~«هذا سيفرحه. أنا نادرا ما أقرأ، والأمر لا يعني شيئا بالنسبة إلي. أنا شخصية تميل ~~إلى المرئيات. ولكني أعتقد أنه شخصية رائعة، السيد ستانلي العجوز، إنه مثقف بالفعل.» ~~«هل اعتاد المجيء إلى هنا منذ فترة طويلة؟» ~~«كلا، هذا عامه الثالث. يقول إنه لطالما أراد المجيء إلى هنا، ولكنه لم يستطع. كان عليه ~~الانتظار لحين موت أحد أقربائه لأنه كان يعتني به. ليس زوجته. ربما يكون أخاه. لقد اضطر ~~إلى الانتظار على أية حال. كم يبلغ من العمر في ظنك؟» ~~«سبعين؟ خمسة وسبعين؟» ~~«لقد بلغ الرجل واحدا وثمانين عاما. أليس هذا رائعا؟ يعجبني حقا الأشخاص من أمثاله. ~~فعلا، يعجبني الأشخاص الذين يواصلون حياتهم.» ~~••• # قالت ليديا: «الرجل الذي أعيش معه - أقصد، الرجل الذي كنت أعيش معه في كينجستون - كان يضع ~~ذات مرة بعض صناديق الأوراق في حقيبة سيارته، وكان هذا في الريف، في بيت ريفي قديم، عندما ~~شعر بشيء يلكزه فنظر إلى الأسفل. كان ذلك في أول الليل تقريبا، في يوم حالك الظلام. فظن ~~أنه كلب كبير ودود، كلب أسود يلكزه، فلم يعره أي انتباه. حثه فقط قائلا: اذهب، الآن، ~~ارحل، أحسنت. ثم بعدما نظم الصناديق التفت فوجد أنه دب. كان دبا أسود.» # حكت هذه القصة في وقت لاحق من نفس تلك الأمسية، في المطبخ. # سأل لورانس، الذي كان قائد طاقم العمل في مهمة كبلات التليفون: «ماذا فعل حينها؟» كان ~~لورانس وليديا ويوجين وفينسنت يلعبون الكوتشينة. # ضحكت ليديا: «قال «عذرا!» هذا ما ادعى أنه قاله.» ~~«كل ما كان لديه في الصناديق مجرد أوراق؟! لا طعام؟!» ~~«إنه كاتب. يكتب كتبا تاريخية. وهذه الأوراق كانت مادة يحتاجها في عمله. أحيانا يضطر ~~إلى الخروج وجمع المادة التي يحتاجها من أشخاص يتسمون بالغرابة الشديدة. لم يخرج هذا الدب ~~من البرية، بل كان مروضا في الواقع، وقد تم فك أسره من السلسلة التي تربطه، من ms049 أجل ~~الدعابة؛ فقد كان هناك شقيقان عجوزان، جمع منهما هذه الأوراق، وقد أطلقا سراح الدب ~~ليرعباه.» # سأل لورانس: «أهذا ما يمارسه؟ يجمع الأشياء القديمة ويكتب عنها؟ أعتقد أن هذا ~~مشوق.» # شعرت بالندم فورا لسردها هذه القصة. لقد عرضتها لأن الرجال كانوا يتحدثون عن الدببة. ~~ولكن لم يكن سردها مفيدا ما لم يحكها دانكن بنفسه؛ فهو يستطيع أن يبين نفسه رجلا مهيبا ~~ولطيفا ومتحضرا، وهو يقدم اعتذاراته الكيسة للدب. بإمكانه أن يجعلك ترى الرجلين ~~العجوزين الشقيقين مستترين خلف ستائرهما الرثة. ~~«عليكم أن تقابلوا دانكن.» هذا ما قالته غالبا. ألم تقل هذه القصة لتوضح فقط أنها كانت ~~تعرف دانكن، أنها كانت تعيش مؤخرا مع رجل، رجل مشوق، رجل مسل ومغامر؟ أرادت أن تؤكد لهم ~~أنها لم تكن دائما وحيدة ومنطلقة في أسفارها بلا هدف. كان عليها أن تبين ارتباطها بأحد. ~~وقد كانت غلطة؛ فليس من المرجح أن يعتبروا المرء مغامرا لجمعه الأوراق القديمة من البخلاء ~~وغريبي الأطوار لكي يؤلف كتبا عن أحداث وقعت منذ مائة عام. ما كان يجب حتى أن تقول إن ~~دانكن كان رجلا تعيش معه. كل ما قد يعنيه هذا، بالنسبة إليهم، أنها امرأة عاشرت رجلا دون ~~زواج. # لم يبلغ لورانس قائد الطاقم سن الأربعين بعد، ولكنه كان ناجحا. كان سعيدا وهو يحكي عن ~~نفسه. كان مقاول عمالة مستقلا، ويملك منزلين في سانت ستيفن، ويملك أيضا سيارتين وشاحنة ~~وقاربا. أما زوجته فكانت معلمة. ورغم خصره السمين، ككرش سائق شاحنة، فقد بدا نشيطا ~~ومفعما بالحيوية. ويمكن ملاحظة ذكائه المتجلي بصورة كافية، في معظم المواقف، محققا أغراضه ~~الخاصة؛ بثقة كافية وقسوة كافية. وقد تبدو عليه البهرجة وهو متأنق، وثمة أماكن وأشخاص ~~معينة يمكنها أن تثير لديه الاكتئاب والقلق وتجعله عدائيا. # قال لورانس إنه ليس كل ما كتب صحيحا - كل الأمور التي كتبوها عن الماريتايمز. وقال إن ~~ثمة الكثير من فرص العمل لمن لا يهاب العمل، رجالا كانوا أم نساء. وقال إنه لم يكن ضد ~~حرية المرأة، لكن الحقيقة كانت - وستظل دائما ms050 - أن هناك أعمالا يجيدها الرجال أكثر من ~~النساء ، وأعمالا تجيدها النساء أكثر من الرجال، ولو هدأ الطرفان وأدركا ذلك فسيكون كلاهما ~~أكثر سعادة. # قال إن أبناءه وقحون، وإن حياتهم مريحة؛ فهم يحصلون على كل شيء - هكذا هي الحال هذه ~~الأيام، وما بيد المرء حيلة. الأطفال الآخرون يحصلون أيضا على كل شيء: ثياب ودراجات وتعليم ~~وأسطوانات. أما هو، فلم يحصل على أي شيء بسهولة؛ كان يخرج ويعمل ويقود الشاحنات. فذهب إلى ~~أونتاريو، حتى بلغ ساسكاتشوان. ولم يبلغ سوى الصف العاشر في المدرسة، ولكنه لم يسمح لذلك ~~بأن يعيقه. ومع هذا، كان يتمنى أحيانا لو نال قسطا أكبر من التعليم. # قال يوجين وفينسنت، اللذان يعملان لدى لورانس، إنهما لم يتخطيا قط الصف الثامن، في الوقت ~~الذي كان هذا أقصى ما يمكن للطفل بلوغه في المدارس الريفية. كان يوجين في الخامسة والعشرين، ~~بينما كان فينسنت في الثانية والخمسين. وكان يوجين كنديا من أصول فرنسية ينتمي إلى شمال ~~نيو برانزويك، وبدا أصغر من سنه. كان وجهه ورديا، ونظرته حالمة ومراوغة، يتمتع بجمال ~~ذكوري رغم أنه كان لين الجانب ودمثا وحييا. نادرا ما يوجد رجال أو صبية يتسمون بهذا ~~المظهر اليوم. أحيانا ترى هذا المظهر في صورة قديمة، لعريس أو لاعب سلة، بشعره الكثيف ~~الممشط والمبلل بالماء، ووجهه الطفولي المتورد في جسد رجل يافع. لم يكن يوجين حاد الذكاء، ~~أو ربما لا يميل إلى التنافس. خسر أمواله في اللعبة التي كانوا يلعبونها؛ كانت لعبة بأوراق ~~الكوتشينة يسمونها «سكات». تذكرت ليديا أنها لعبت هذه اللعبة في طفولتها، وكانت تسميها ~~«واحد وثلاثون». كانوا يلعبون مقابل ربع دولار لكل دور. # لم يعترض يوجين على إغاظة فينسنت ولورانس له بسبب خسارته في اللعبة، ولأنه ضل طريقه في ~~سانت جون، وبسبب النساء اللائي كان يحبهن، ولكونه كنديا فرنسيا. وبلغت مضايقات لورانس ~~له حد التنمر. حرص لورانس على أن يرسم على وجهه تعبيرا وديا، ومع ذلك بدا كما لو أن ~~شيئا قاسيا وثقيلا موجود بداخله - قدر كبير من الاعتداد بالنفس كان ms051 يثقل حركته بدلا من ~~أن يدفعه إلى الأمام . لم يكن فينسنت يحمل هذا العبء الإضافي، ورغم أنه أيضا كان قاسيا في ~~مضايقاته - إذ كان يضايق لورانس مثلما يضايق يوجين - فلم يكن هناك إحساس بالقسوة أو الخطر. ~~وبإمكان المرء أن يلحظ أن نبرته الطبيعية هي نبرة دردشة عادية وسخرية عفوية. كان حادا ~~وماكرا، ولكنه لم يكن لحوحا. وكان دائما قادرا على ذكر أكثر الأشياء بعثا على التشاؤم ~~دون أن يبدو تعيسا. # كان فينسنت يملك مزرعة، كانت ملكا لعائلته من قبله، وقد نشأ فيها، بالقرب من سانت ستيفن. ~~قال إن المرء ليس بوسعه اليوم جني ما يكفي من المال للإنفاق على نفسه من الزراعة وحسب. في ~~العام الماضي، زرع محصول البطاطس، وكان هناك صقيع في شهر يونيو، وسقطت الثلوج في سبتمبر. ~~كان موسما قصيرا جدا بلا شك. وقال إن المرء لا يستطيع أن يتنبأ بحدوث أشياء كهذه. ~~والسوق كلها تحت السيطرة الآن، حيث يديرها التجار الكبار والمصالح الكبرى. وكل امرئ يفعل ما ~~بوسعه، بدلا من الاعتماد على الزراعة. كما تعمل زوجة فينسنت أيضا. فقد تلقت دورة تدريبية ~~وتعلمت تصفيف الشعر. لم يكن أبناؤه مجتهدين في العمل مثل والديهما. كل ما يحبون عمله هو ~~التجوال بالسيارات محدثين ضجة. وهم متزوجون، وأول شيء تريده زوجاتهم هو فرن جديد؛ يردن ~~فرنا يطهو فعليا الغداء ويضعه على المائدة. # لم تكن هذه هي عادة الأمور. فأول مرة امتلك فيها فينسنت حذاء برقبة خاصا به - حذاء ~~جديدا لم يلبسه أحد قبله - كانت عندما التحق بالجيش. وكان سعيدا لدرجة أنه سار إلى الخلف ~~وسط الأوحال ليرى الآثار التي يتركها حديثة وكاملة. وفي وقت لاحق، بعد الحرب، اتجه إلى سانت ~~جون ليبحث عن عمل. كان منشغلا في البيت بأعمال المزرعة لمدة، حتى بليت ثياب الجيش - فلم ~~يكن متبقيا لديه سوى بنطال واحد لائق. وفي إحدى الحانات بسانت جون، قال رجل له: «هل تريد ~~امتلاك بنطال مقبول ورخيص؟» فأجاب فينسنت بنعم، فقال له الرجل: «اتبعني.» وهكذا تبعه ~~فينسنت. وأين انتهى بهما ms052 المطاف؟ لدى الحانوتي! فالحقيقة أن عائلة الشخص المتوفى عادة ~~ما تجلب معها حلة لإلباسه إياها، وهو لا يحتاج سوى أن يرتدي ما يستره حتى الخصر، هذا كل ~~ما يظهر في التابوت. ومن ثم باع الحانوتي البنطال؛ هذا حقيقي. أعطى الجيش فينسنت أول ~~حذاء جديد برقبة، بينما تبرعت الجثة بأفضل بنطال ارتداه يوما، حتى ذلك الوقت. # كان فينسنت دون أسنان، وكان هذا يظهر بوضوح من الوهلة الأولى، ولكن لم يجعله هذا يبدو ~~دميما، وإنما عمق مظهره المتكتم والساخر. كان وجهه طويلا وذقنه غائرا، ولم تكن نظرته ~~مثيرة للاهتمام ولكنها أيضا ليست بالساذجة. كان رجلا هزيلا، غير أنه لم يفقد قدرته ~~العضلية، وكان شعره أسود مائلا للرمادي. بوسعك أن ترى جميع سنوات الكفاح بادية عليه، وبعض ~~السنوات اللاحقة أيضا، وعلى الجسد كذلك، حتى استحال إلى عجوز لا يقوى على شيء، متضائل ~~الوزن، غير شكاء، متشبث ببضع نكات. # بينما كانوا يلعبون سكات، كان الحديث صاخبا وتتم مقاطعته طوال الوقت بعبارات التعجب، أو ~~تهديدات هزلية متعلقة باللعبة، أو الضحك. بعد ذلك أصبح أكثر جدية وخصوصية. كانوا يشربون ~~بيرة محلية مسماة موس، ولكن عندما انتهت اللعبة اتجه لورانس إلى شاحنته وعاد ببعض زجاجات ~~بيرة أونتاريو، التي يعتقد أنها أفضل. كانوا يصفونها ب «المشروبات المستوردة». كان الزوجان ~~اللذان يملكان الفندق قد ذهبا مبكرا ليخلدا للنوم، إلا أن العمال وليديا كانوا جالسين في ~~المطبخ، كما لو كان ملكا لأحدهم، يحتسون البيرة ويأكلون كنافة البحر، التي نزل بها فينسنت ~~من غرفته. كانت كنافة البحر نوعا من الأعشاب البحرية، ذات لون بني مائل للخضرة، وكانت ~~مالحة ولها مذاق السمك. قال فينسنت إنها آخر ما يأكله في المساء وأول ما يأكله في الصباح - ~~فلا شيء يضاهيها. والآن بعد أن عرف التجار أنها مفيدة جدا، بدءوا يبيعونها في المتاجر ~~مغلفة في عبوات صغيرة للغاية بسعر باهظ. # كان اليوم التالي هو الجمعة، حيث سيغادر الرجال الجزيرة باتجاه البر الرئيسي. تحدثوا حول ~~محاولة اللحاق بمركب الساعة الثانية والنصف، بدلا من المركب الذي يركبونه ms053 عادة في الخامسة ~~والنصف؛ لأن الأرصاد توقعت سوء حالة الجو؛ إذ من المتوقع أن يضرب أحد الأعاصير الاستوائية ~~في نهايته خليج فوندي قبل حلول الليل. # قالت ليديا: «لكن المعديات لن تبحر لو ساءت الأحوال الجوية جدا، أليس كذلك؟ لن تبحر لو ~~كان ثمة خطر؟» فكرت في أنها لن تمانع في البقاء في الجزيرة، ولن تمانع في عدم اضطرارها ~~للسفر مجددا في الصباح. # قال فينسنت: «حسنا، ثمة الكثير من الأشخاص في انتظار مغادرة الجزيرة مساء ~~الجمعة.» # قال لورانس متهكما: «في انتظار العودة إلى زوجاتهم. دائما هناك فرق عمل تعمل هنا، ~~ودائما ما يكونون رجالا مغتربين عن وطنهم.» ثم بدأ الحديث عن الجنس بطريقة متأنية ولحوحة ~~في نفس الوقت. فتحدث عما سماه فساد الجزيرة الأخلاقي. قال إن السلطات كانت ستقوم ذات مرة ~~بفرض حجر صحي على الجزيرة كلها؛ بسبب أفراد طاقم مصابين بأمراض تناسلية جاءوا للعمل هنا ~~وأقاموا بفندق «أوشن ويف»، فكانت هناك حفلات تقام طوال الليل كل ليلة، وخمور وفتيات شابات ~~يعرضن أنفسهن للبيع. كن فتيات في سن الرابعة عشرة والخامسة عشرة - أوه، وحتى في الثالثة ~~عشرة. ثم قال إنه على هذه الجزيرة كان يمكن أن تصبح المرأة في سن الخامسة والعشرين جدة ~~بالفعل. كان المكان شهيرا، وكانت هؤلاء الفتيات على استعداد لعمل أي شيء بمقابل، أحيانا ~~مقابل زجاجة بيرة. # قال لورانس: «وأحيانا بلا مقابل.» وكان مستمتعا بالحكاية. # سمعوا الباب الأمامي يفتح. # قال لورانس لليديا: «صديقك القديم.» # أصابها الذهول للحظة، وهي تفكر في دانكن. # ثم قال فينسنت: «الرجل العجوز الذي كنت تجلسين معه على الطاولة.» # لم يدخل السيد ستانلي إلى المطبخ، بل عبر غرفة المعيشة وصعد الدرج. # قال لورانس بصوت خفيض وهو يرفع رأسه وكأنه يناديه عبر السقف: «يا أنت! هل ذهبت إلى فندق ~~أوشن ويف؟» ثم أردف: «الرجل العجوز لم يكن ليعلم ما يفعل بذهابه إلى الفندق. وما كان ليعلم ~~منذ خمسين عاما أفضل مما يعلم الآن. أنا لا أسمح لأحد من فريقي بالاقتراب من هذا المكان. ~~أليس كذلك يا ms054 يوجين؟» # تورد وجه يوجين، وتجلت ملامح الكآبة على وجهه، كما لو أن معلما في المدرسة ~~يضايقه. # قال فينسنت: «يوجين، انظر، ليس مضطرا إلى السماح لهم بالذهاب.» # قال لورانس بإلحاح، كما لو أن شخصا يجادله: «أليس ما أقوله صحيحا؟» # نظر إلى فينسنت، فقال فينسنت: «بلى، بلى.» ولم يبد مستمتعا بالموضوع بقدر ~~لورانس. # قال لورانس لليديا: «قد تعتقدين أن كل شيء بريء جدا هنا. بريء! يا إلهي!» # صعدت ليديا إلى الطابق العلوي لتجلب ربع دولار كانت مدينة به للورانس خلال آخر دور من ~~اللعبة. وعندما خرجت من غرفتها إلى الرواق المظلم، كان يوجين واقفا هناك، يتطلع خارج ~~النافذة. # قال: «أرجو ألا تشتد العاصفة.» # وقفت ليديا إلى جواره، وتطلعت إلى الخارج. وكان القمر مرئيا، ولكن يحيطه الضباب. # سألته: «ألم تنشأ بالقرب من البحر؟» ~~«نعم، لم أفعل.» ~~«ولكن إذا لحقت بمركب الثانية والنصف، فستكون الأمور على ما يرام، أليس كذلك؟» ~~«آمل هذا.» كان طفوليا إلى حد بعيد ولم يخجل من خوفه. «الأمر الذي لا أحبه هو فكرة ~~الموت غرقا.» # قالت له بنبرة أمومية مؤكدة: «لن تغرق.» ثم نزلت إلى الطابق السفلي ودفعت ربع ~~الدولار. # سأل لورانس: «أين يوجين؟ أهو بالطابق العلوي؟» ~~«إنه يتطلع من النافذة، يشعر بالقلق من العاصفة.» # ضحك لورانس: «أخبريه أن يخلد للنوم وينسى الأمر. إنه يقيم في الغرفة المجاورة لك. ظننت ~~فقط أنك يجب أن تعرفي هذا في حالة صياحه في أثناء نومه.» ~~••• # كانت ليديا قد قابلت دانكن لأول مرة في مكتبة، حيث كان يعمل صديقها وورين. كانت في انتظار ~~وورين ليخرج معها للغداء. وكان قد ذهب ليجلب معطفه. فسأل رجل شيرلي - الموظفة الأخرى في ~~المكتبة - ما إن كانت تستطيع أن تجد له نسخة من «الخطابات الفارسية». كان هذا هو دانكن. ~~سارت شيرلي أمامه باتجاه مكان الكتاب، وفي وسط المكتبة الهادئة استطاعت ليديا أن تسمعه يقول ~~إنه لا بد وأن العثور على رف كتاب «الخطابات الفارسية» أمر صعب؛ فهل يجب تصنيفه تحت فئة ~~الأدب القصصي أم المقال السياسي؟ شعرت ليديا أنه ms055 يبوح بشيء بقوله هذا. كان يبوح باحتياج ~~افترضت شيوعه لدى العملاء في المكتبات؛ الاحتياج إلى تمييز نفسه، والظهور بمظهر المثقف. ~~فيما بعد كانت تتذكر هذه اللحظة وتحاول تخيله مجددا عاجزا للغاية، متملقا إلى حد ما، ~~مبديا قدرا من الاحتياج. عاد وورين مرتديا معطفه، فحيا دانكن، ولدى خروجه وليديا من ~~المكتبة، قال وورين بصوت هامس: «الحطاب القصديري.» كان وورين وشيرلي يسليان وقتهما بإطلاق ~~ألقاب على العملاء، وقد سمعت ليديا بالفعل عن «اللسان الفصيح» و«الحمص» و«الدوقة ~~الاستعمارية». أما دانكن فكان الحطاب القصديري. خمنت ليديا أنهما أطلقا عليه هذا اللقب ~~بسبب المعطف الرمادي الأملس الذي كان يرتديه، وشعره الرمادي الساطع الذي كان من الواضح أنه ~~كان أشقر في يوم من الأيام. لم يكن نحيفا ولا بارز العظام ولم يبد مرتعش المفاصل. كان ~~رشيقا وممتلئا وجليلا ولطيفا، فاتح البشرة، مهندما وأنيقا ومتألقا. # لم تخبره قط عن هذا الاسم. لم تخبره قط أنها رأته في المكتبة، حيث قابلته بعد هذا الموقف ~~بأسبوع تقريبا في حفلة لأحد الناشرين. لم يتذكر أنه رآها قط من قبل، وقد خمنت أنه لم ~~يرها بسبب انشغاله بالحديث مع شيرلي. # تثق ليديا في حكمها على الأشياء، في العادة. وتثق في رأيها في صديقها وورين، أو صديقته ~~شيرلي، وفي المعارف الذين تتعرف عليهم بالصدفة، مثل الزوجين اللذين يديران الفندق، والسيد ~~ستانلي، والرجال الذين كانت تلعب معهم الكوتشينة؛ فهي تعتقد أنها تعلم السر وراء تصرف الناس ~~بالطريقة التي يتصرفون بها، وتعتمد على نظرياتها غير المثبتة وشكوكها غير المبررة أكثر مما ~~تعترف. ولكنها تصبح حمقاء وضعيفة عند التفكير في الصدام بينها وبين دانكن. إن لديها الكثير ~~لتقوله في هذا الشأن لو أتيحت لها الفرصة؛ لأن الشرح من شيمها، ولكنها لا تثق فيما تقوله ~~حتى لو لنفسها؛ فذلك لا يساعدها. قد يكون من الأفضل لها تغطية رأسها والجلوس لتنتحب على ~~الأرض. # تسأل ليديا نفسها عما مده بهذه القوة. إنها تعلم من. ولكنها تسأل عن السبب والتوقيت: متى ~~حدث التحول، متى تم التنازل عن كل الكبرياء ms056 وحسن الفهم؟ ~~••• # ظلت تقرأ لمدة نصف ساعة بعد خلودها للفراش، ثم خرجت إلى الردهة متجهة إلى الحمام. كان ذلك ~~بعد منتصف الليل، وكان الظلام يسود بقية البيت. وكانت قد تركت باب غرفتها مواربا، وعند ~~عودتها إلى غرفتها لم تشغل مصابيح الردهة. كما كان باب غرفة يوجين مواربا بالمثل، وعند ~~المرور من أمام غرفته سمعت صوتا خفيضا مهموما. كان أقرب إلى الأنين، وأقرب إلى الهمس. ~~تذكرت قول لورانس بأن يوجين يصيح خلال نومه، لكن هذا الصوت لم يصدر من شخص نائم. كانت تعرف ~~أنه مستيقظ. وكان هو يراقبها من فراشه في غرفته المظلمة وكان يدعوها للدخول. كانت الدعوة ~~غزلية ومباشرة وتنم عن شعور بالضعف، مثلما كان اعترافه بالخوف عندما وقف أمام النافذة. ~~تابعت السير إلى غرفتها وأغلقت الباب وأوصدته بالمزلاج. حتى وهي تفعل ذلك، كانت تعلم أنها ~~ليست مضطرة إلى عمله؛ فهو لن يحاول الدخول أبدا؛ فهو لا يتسم بروح مستأسدة. # ثم استلقت على الفراش وهي مستيقظة. لقد تغيرت الأحوال بالنسبة إليها، ورفضت بعض ~~المغامرات. كان بوسعها الذهاب إلى يوجين، وفي وقت سابق من الأمسية كان بوسعها إعطاء إشارة ~~إلى لورانس. في الماضي ربما كان بوسعها عمل ذلك. ربما، وربما لا، بحسب ما كانت تشعر به ~~حينها. ولكن الآن بدا الأمر مستحيلا؛ لقد شعرت وكأنها محجوبة بغطاء، وملتفة في طبقات ~~وطبقات من المعرفة المملة، شعرت أنها مصونة ومحصنة. لم يكن هذا أمرا سيئا تماما؛ فقد ~~يجعل عقلك مستنيرا. فالتأمل يمكن أن يكون أكثر لطفا، ويمكن أن يستغرق وقته عندما لا تقوده ~~الرغبة. # فكرت ليديا فيما كان سيصبح عليه حال أولئك الرجال كعشاق. كان لورانس سيصبح خيارها ~~المنطقي؛ فكان الأقرب إلى سنها، وكانت تصرفاته متوقعة، وربما كان معتادا على اللقاءات ~~الكتومة. كان أسلوبه فظا، ولكن ما كان هذا ليثنيها عنه بالضرورة. سيكون مرحا، وودودا، ~~ومتعقلا، وربما محتفيا بنفسه بعض الشيء، ومتوددا لها بصورة عملية، وسيستطيع وهو في غمرة ~~تودده إليها أن ينجرف إلى توجيه تحذير في صورة دعابة، أو إهانة ودية، أو ms057 تذكير بكيف تستقيم ~~الأشياء. # أما يوجين ، فلم يكن ليشعر بالحاجة إلى عمل ذلك، رغم أن ذاكرته ستكون أضعف حتى من لورانس ~~(أضعف كثيرا؛ لأن لورانس - رغم أنه لا يفوت الفرص - سيفكر لاحقا في عاقبة ما سيئة، يجب ~~أن يعد لها خطا دفاعيا قاطعا). ولن يكون يوجين أقل خبرة من لورانس. فلا بد من أن ~~الفتيات والنساء طيلة السنوات الماضية قد استجبن لنوع الاستعطاف الذي سمعته ليديا، أو ذلك ~~الاعتراف الساذج. وجال بخاطرها أيضا أن يوجين سيكون سخيا، وسيكون عاشقا ممتنا وغير ~~أناني، وأنه سيظهر لنسائه قدرا كبيرا من العطف والحنان لدرجة أنه حين يفارقهن لن يثرن ~~المشاكل أبدا. فلن يحاولن الإيقاع به، ولن ينتحبن عليه؛ فالنساء يفعلن ذلك مع رجال امتنعوا ~~عن العطاء، وتناقضوا مع أنفسهم، ووعدوا فأخلفوا، وسخروا. هؤلاء هم الرجال الذين تحمل منهم ~~النساء، ويراسلنهم بخطابات بائسة، ويلححن بحبهن السامي لهم، وينتقمن منهم. كان يوجين سيفلت ~~حرا، سيكون بريئا، أعجوبة الحب السعيدة، إلى أن يقرر أن الوقت قد حان للزواج. وعندها ~~سيتزوج فتاة عادية تملك روح الأمومة، وربما تكون أكبر منه سنا، وربما أكثر دهاء. ولسوف ~~يكون مخلصا لها، وطيب المعاشرة، وستستطيع هي إدارة شئون الحياة، وسيؤسسان معا عائلة ~~كاثوليكية كبيرة. # ماذا عن فينسنت؟ لم تستطع ليديا أن تتخيله بنفس السهولة التي تخيلت بها الآخرين، بصخبهم ~~وحركاتهم وأكتافهم العارية وبشرتهم الدافئة الممتعة، وقوتهم، ومجهوداتهم، ولحظات ضعفهم. ~~كانت تخجل من التفكير في أي من هذه الأمور تجاهه. ومع هذا كان الوحيد الذي استطاعت ~~التفكير فيه الآن باهتمام حقيقي. فكرت في لطفه وتحفظه وحس دعابته، وعجزه عن تحسين قدره. ~~أعجبها لنفس الأسباب التي جعلته مختلفا عن لورانس، بل وكانت متأكدة أنه سيظل طوال عمره ~~يعمل لحساب لورانس - أو لشخص مثل لورانس - وليس العكس. أعجبها أيضا للأسباب التي جعلته ~~مختلفا عن يوجين: سخريته، وصبره، واستقلاليته. كان ذلك النوع من الرجال الذي صادفته في ~~طفولتها وهي تعيش في مزرعة لا تختلف كثيرا عن مزرعته، ذلك النوع من الرجال الذي لا بد وأنه ms058 ~~كان أحد أفراد عائلتها لمئات السنين . عرفت حياته. ومعه تستطيع التنبؤ بأبواب تفتح على ما ~~كانت تعرفه ونسيته؛ غرف تفتح ومناظر طبيعية تتجلى؛ «هناك». أمسيات ممطرة، وريف به الجداول ~~الصغيرة والمقابر، وبرقوق فرجينيا وعصافير الحسون عند أركان السور. كان عليها أن تتساءل إن ~~كان هذا ما قد حدث، بعد سنوات الشهوة والطمع: هل ينجرف المرء إلى خيالاته الرقيقة؟ أم كانت ~~هذه مجرد الحقيقة عما كانت تحتاجه وتريده؟ هل كان الأفضل لها أن تحب وتتزوج رجلا مثل ~~فينسنت، منذ أعوام مضت؟ هل كان الأفضل لها أن تركز على ذلك الجانب منها الذي كان سيقنع بهذا ~~الترتيب، وينسى الباقي؟ # بمعنى: هل كان من الأفضل لها أن تبقى في المكان الذي خلق فيه الحب لأجلها، بدلا من ~~الذهاب إلى المكان الذي عليها أن تصنعه فيه، ثم تعيد تصنيعه، دون أن تعرف أبدا ما إن كانت ~~هذه الجهود كافية؟ ~~••• # تحدث دانكن عن عشيقاته السابقات: روث البارعة، وجودي الجريئة، وديان المفعمة بالحيوية، ~~ودولوريس الأنيقة، وماكسين التي تليق بدور الزوجة، ولورين الشقراء الجميلة ممتلئة الصدر، ~~وماريان متعددة اللغات، وكارولين العصابية، وروزالي التي كانت شرسة وشبيهة بالغجر، ولويز ~~الموهوبة السوداوية، وجين الهادئة المعروفة في الأوساط الاجتماعية الراقية. والآن، ما الوصف ~~الذي ينطبق على ليديا؟ ليديا الشاعرة. ليديا العابسة، الفوضوية، غير المرضية. الشاعرة غير ~~المرضية. # ذات يوم من أيام الأحد، بينما كانا يقودان سيارتهما في منطقة التلال المحيطة ببيتربورو، ~~تحدث دانكن عن وقع جمال لورين عليه؛ ربما ذكره بها الريف المبهج. لكنه قال إن الأمر يكاد ~~يكون مزحة. وقد كان شيئا سخيفا؛ إذ توقف من أجل التزود بالوقود في مدينة صغيرة، وعبرت ~~ليديا الشارع لتدخل متجرا يقدم بضاعة بأسعار مخفضة ويفتح أيام الأحد. اشترت مساحيق الزينة ~~في عبوات جاهزة، وداخل الحمام القذر البارد في محطة الوقود حاولت تغيير هيئتها، فقذفت بسائل ~~أصفر برتقالي على وجهها، ودهنت معجونا أخضر فوق جفنيها. # قال لها بعد عودتها إلى السيارة: «ماذا فعلت بوجهك؟» ~~«إنها مساحيق زينة. لقد وضعت بعضا منها لكي أبدو ms059 أكثر ابتهاجا.» ~~«بإمكانك أن تري الخط الذي انتهيت عنده من وضع المساحيق على رقبتك.» # في مثل تلك الأوقات كانت تشعر بالاختناق. كان إحساسا بالإحباط، هكذا أخبرت الطبيب ~~لاحقا. إنها الفجوة بين ما أرادته وما بوسعها الحصول عليه. كانت تؤمن أن مشاعر الحب لدى ~~دانكن - حبه لها - مختبئة في مكان ما بداخله، وأنها عن طريق محاولاتها الهائلة لإرضائه، أو ~~نوبات حزن تمحو بها جميع هذه المجهودات، أو حيل اللامبالاة، ستستطيع نبشها واستخراجها أو ~~استدراجها. # ما الذي أوحى لها بهذه الفكرة؟ إنه هو. على الأقل أشار إلى أنه يستطيع أن يحبها، وأنهما ~~يمكن أن يكونا سعيدين لو استطاعت أن تحترم خصوصيته وألا تطالبه بشيء، وأن تحاول تغيير تلك ~~الجوانب في شخصيتها وسلوكياتها التي لم يكن يحبها. لقد حدد هذه الجوانب بدقة. بعضها كان ~~شخصيا جدا بطبيعته، وقد صرخت من الخجل وغطت أذنيها وتوسلت إليه أن يتراجع عما قال أو ~~يتوقف عن الكلام. # قال لها: «ما من طريقة لمناقشتك.» وقال إنه يكره الشخصيات الهستيرية، والاستعراض العاطفي، ~~أكثر من أي شيء آخر، ولكنها اعتقدت أنها قد لاحظت شيئا من الرضى، أو الشعور المثير ~~بالراحة العميقة، سرى في بدنه عندما انهارت في نهاية المطاف تحت وطأة اعتراضاته التفصيلية ~~والهادئة. # قالت للطبيب بلهفة: «هل هذا ممكن؟ هل من الممكن أن يريد الاقتراب من امرأة وفي نفس الوقت ~~يكون خائفا من هذا القرب لدرجة أنه يحاول تحطيمها؟ هل الأمر بهذه البساطة؟» # سألها الطبيب: «ماذا عنك أنت؟ ماذا تريدين؟» ~~«لكي يحبني؟» ~~«لا لكي تحبيه؟» # فكرت في شقة دانكن. لم تكن تحتوي على ستائر، وكان المبنى الذي تقع فيه الشقة أعلى من ~~المباني المحيطة. ولم تكن هناك محاولة لتنظيم الأثاث لإعداد المكان، وما كان هناك شيء مرتبط ~~بشيء آخر. ولكن كان هناك اهتمام بمتطلبات خاصة متنوعة؛ فثمة منحوتة معينة توجد في ركن ~~خلف بعض خزانات حفظ الملفات لأن دانكن كان يحب افتراش الأرض والنظر إليها في الظل. وكانت ~~الكتب مكدسة بجوار السرير الذي كان موضوعا بالعرض في الغرفة لكي ms060 يصله النسيم من النافذة. ~~وكل الفوضى كانت في الحقيقة تنظيما، تم التفكير فيها بعناية ولا يمكن التدخل فيها. كانت ~~هناك سجادة صغيرة جميلة في نهاية الردهة، حيث اعتاد الجلوس والاستماع إلى الموسيقى. وكان ~~هناك كرسي واحد ضخم ودميم بمسندين، تحفة هندسية، بجميع ملحقاته لإسناد الرأس والأطراف. ~~سألته ليديا عن ضيوفه: كيف يستضيفهم؟ أجاب أنه لا يأتيه ضيوف. كانت الشقة له وحده. لقد كان ~~ضيفا معروفا، وحاد الذكاء، وفاتنا، ولكنه لا يستضيف أحدا، وهذا بدا منطقيا بالنسبة ~~إليه، بما أن الحياة الاجتماعية كانت مطلب الآخرين واختراعهم. # أحضرت ليديا زهورا، ولم تجد وعاء تضعها فيه باستثناء برطمان موضوع على الأرض بجوار ~~السرير. وأحضرت هدايا من رحلاتها إلى تورنتو: أسطوانات وكتبا وجبنا. حفظت دروب الشقة ~~واكتشفت أماكن يمكنها الجلوس فيها. منعت أصدقاءها القدامى، أو أي أصدقاء لها عموما، من ~~الاتصال بها أو المجيء لزيارتها؛ لأنه كان هناك الكثير مما لن تستطيع تفسيره. غير أنهما ~~كانا يقابلان أصدقاء دانكن أحيانا، وكانت تشعر بالتوتر في وجودهم، معتقدة أنهم سيضيفونها ~~إلى قائمة ما، متأملين أمرها. لم تكن تحب أن تراه يمنحهم الكثير من متجر هداياه - من نوادر ~~ومحاكاة ساخرة وذكاء مداهن - الذي كان يستخدمه أيضا لإسعادها. لم يكن يتحمل بلادة العقل. ~~وشعرت أنه يحتقر من لم يكن ذكيا. فعليك أن تكون سريع البديهة لتصبح في مستواه في ~~المحادثة، وعليك أن تكون نشيطا. رأت ليديا نفسها كراقصة تقف على أطراف أصابعها، جسدها كله ~~يرتعش برقة، خوفا من تخييب أمله في المرة القادمة. # سألت الطبيب: «هل تقصد أنك تعتقد أنني لا أحبه؟» ~~«كيف تعرفين أنك تحبينه؟» ~~«لأني أعاني كثيرا عندما يضيق ذرعا بي. ساعتها أريد أن تنشق الأرض وتبلعني. هذا حقيقي؛ ~~أريد أن أختبئ. وعندما أخرج إلى الشوارع يبدو لي كل وجه أنظر إليه وكأنه يحتقرني بسبب ~~فشلي.» ~~«فشلك في أن تجعليه يحبك.» # الآن على ليديا أن تتهم نفسها؛ فانشغالها الكامل بنفسها لا يقل عن انشغال دانكن بنفسه، ~~ولكنه مستتر بصورة أكثر مكرا. إنها في منافسة معه، تتعلق ms061 بمن يستطيع أن يحب أفضل من الآخر. ~~إنها في منافسة مع جميع النساء الأخريات، حتى عندما ترى أنه من السخافة أن تفعل ذلك. لا ~~يمكنها أن تطيق سماع كلمة ثناء عليهن أو أن تعرف أنهن في ذاكرته لم يطوهن النسيان. وشأنها ~~شأن كثير من النساء في جيلها؛ فإن فكرتها عن الحب هدامة، ولكنها ليست جادة بشكل ما، ولا ~~تشي بالاحترام. إنها طماعة. كما أنها تتحدث بذكاء وسخرية لتخفي بهذه الطريقة توقعاتها التي ~~يتعذر الدفاع عنها. فكانت التضحيات التي قدمتها لدانكن - في ترتيبات المعيشة، وفي مسألة ~~الأصدقاء، علاوة على إيقاع العلاقة الحميمية بينهما ونبرة الحديث - انتهاكات لم ترتكب على ~~نحو جاد، ولكن بطريقة صارخة. هذا هو ما لم يكن ينم عن الاحترام، هذا هو ما لم يكن لائقا. ~~لقد قدمت له هذه القوة كهدية، ثم أخذت تشتكي لنفسها، ثم له في النهاية على أنه أخذها. لقد ~~عزمت على أن تهزمه. # هذا هو ما تقوله للطبيب. ولكن هل هذه هي الحقيقة؟ ~~«أسوأ شيء هو ألا أعرف الصدق في أي من هذا. إنني أقضي كل ساعات يقظتي في محاولة فهمه ~~وفهمي ولا أتوصل إلى شيء. أتمنى بل وأبتهل. أقذف العملات في آبار الأمنيات. أعتقد أن ~~ثمة شيئا به يقاومني تماما. ثمة شيء به يريد أن يتخلص مني وبالتالي سيجد أسبابا. ~~ولكنه يقول إن هذا هراء، وإنني لو توقفت عن المبالغة في ردة فعلي فإننا سنسعد. يجب أن أفكر ~~أنه ربما يكون على صواب. ربما أكون أنا السبب.» ~~«متى تكونين سعيدة؟» ~~«عندما يكون راضيا عني. عندما يمازحني ويستمتع بوقته معي. لا، لا. ليست السعادة هي ما ~~أشعر به. بل ما أشعر به هو الراحة، وكأني تغلبت على تحد، إنه إحساس بالانتصار أكثر منه ~~إحساسا بالسعادة. ولكنه قادر دوما على إفساد فرحتي.» ~~«إذن لماذا تبقين مع شخص يستطيع دائما أن يفسد فرحتك؟» ~~«ألا يوجد دائما من يفسد فرحتنا؟ عندما كنت متزوجة، كنت أنا من أفسد فرحتنا. هل تعتقد أن ~~طرح هذه الأسئلة ضروري؟ ماذا لو ms062 افترضنا أنه الكبرياء وحسب؟ أنني لا أريد أن أعيش وحدي، ~~وأريد أن يعتقد الجميع أنني أعيش مع هذا الرجل الجذاب. ماذا لو افترضنا أنه الإذلال، وأنني ~~أريد أن أشعر بهذه المهانة؟ ما الذي سأستفيده بمعرفتي شيئا كهذا؟» ~~«لا أعلم. ما رأيك؟» ~~«أعتقد أنه لا بأس بهذه المحادثات عندما تكون مهتما ومنزعجا بعض الشيء، ولكن ليس عندما ~~تكون يائسا.» ~~«هل أنت يائسة؟» # شعرت فجأة بالإجهاد بحيث لم تستطع الكلام. كانت الغرفة التي تتحدث فيها مع الطبيب تحتوي ~~على سجادة ذات لون أزرق غامق وأثاث مغطى بفرش مخطط من اللونين الأزرق والأخضر. وكانت هناك ~~صورة لقوارب وصيادين معلقة على الحائط. فشعرت ليديا بمؤامرة تحاك ضدها؛ بطمأنينة زائفة، ~~وراحة مؤقتة، وخداعات جادة. ~~«كلا.» # بدا لها أنها ودانكن في تلك الأيام كانا وحشين متعددي الرءوس. تصدر من فم أحد الرءوس ~~الإهانات والاتهامات، حارة وباردة، ومن فم رأس آخر تصدر اعتذارات زائفة وحجج متملقة، ومن فم ~~رأس ثالث تصدر ثرثرة مراوغة ومنطقية، صادقة وزائفة كتلك التي تخوضها مع الطبيب. لم يكن من ~~فم ليفتح ويصدر منه شيء مفيد، ولم يكن من فم يملك الحكمة ليغلق. وفي الوقت نفسه كانت تؤمن ~~- رغم أنها لم تعرف أنها تؤمن بذلك - أن رءوس الوحشين هذه بحديثها الهدام والسخيف والقاسي ~~يمكن أن تنسحب مجددا، وأن تتراجع وتعود إلى سباتها. لا بأس بما قالته الرءوس، لا بأس. ~~فيما بعد سيصبح بوسعها هي ودانكن - بكل الأمل والثقة والذكريات الممحوة - أن يعيدا تقديم ~~أحدهما إلى الآخر، وأن يستردا السعادة بحالتها الأولى الصافية التي بدآ بها، قبل أن يشرعا ~~في استغلال أحدهما الآخر من أجل أهداف أخرى. # عندما قضت يوما في تورنتو حاولت استرجاع دانكن هاتفيا، واكتشفت أنه قد أسرع بالتصرف؛ ~~فقد غير رقم هاتفه ولم يدرجه في دليل الهاتف، وراسلها عبر مديرها بأنه سيحزم أمتعته ويرسل ~~إليها أشياءها. ~~••• # تناولت ليديا الفطور مع السيد ستانلي. وكان طاقم التليفونات قد تناول طعامه ورحل للعمل ~~قبل ضوء النهار. # سألت السيد ستانلي عن زيارته للمرأة التي كانت ms063 تعرف ويلا كاثر. # قال وهو يمسح جانب فمه بعد أن قضم جزءا من بيضة مسلوقة: «أوه، كانت امرأة تدير في الماضي ~~مطعما صغيرا بالقرب من رصيف الميناء. قالت إنها كانت طاهية ماهرة. لا بد من أنها كانت ~~كذلك؛ لأن ويلا وإديث اعتادتا إحضار غدائهما منها. وكانت ترسله إليهما مع أخيها بسيارته. ~~ولكن أحيانا لم يكن الغداء يرضي ويلا - ربما لم يكن كما تريده، أو كانت تعتقد أنه غير ~~مطهو كما ينبغي - وكانت تعيد إرساله إليها، وتطلب إرسال غداء آخر.» ابتسم وقال بنبرة ~~واثقة: «يمكن أن تكون ويلا متكبرة. أوه، أجل. لم تكن مثالية. جميع الأشخاص ذوي القدرات ~~العظيمة ميالون لأن يتعاملوا بنفاد صبر مع الأمور اليومية.» # هذا هراء، يبدو أنها كانت شديدة التعجرف. هكذا أرادت ليديا أن تقول. # أحيانا يكون الاستيقاظ سهلا، وفي أحيان أخرى يكون شديد الصعوبة. وهذا الصباح استيقظت ~~ليديا ولديها اقتناع مسيطر عليها بوجود خطأ ما - شيء يمكن تجنبه ويتعذر إصلاحه. # تابع السيد ستانلي: «ولكن أحيانا كانت تأتي هي وإديث إلى المقهى إذا شعرتا بأنهما في ~~حاجة إلى بعض الرفقة، كانتا تذهبان إلى تناول الغداء هناك. وفي إحدى هذه المناسبات تحدثت ~~ويلا طويلا مع المرأة التي زارتها. تحدثتا لأكثر من ساعة. كانت المرأة تفكر في الزواج، ~~وكان عليها أن تقرر ما إن كانت ستتزوج أم لا؛ زواجا - حسبما فهمته - أشبه بعرض عمل، أو ~~رفقة. ما كان هناك من سبيل للرومانسية؛ فهي والرجل لم يكونا صغيرين وساذجين. تحدثت ويلا ~~معها لأكثر من ساعة. وبالطبع لم تنصحها مباشرة بعمل هذا أو ذاك، بل تحدثت معها بشكل عام ~~بتعقل ولطف تام وما زالت المرأة تذكر هذا بوضوح. كنت سعيدا لسماعي هذا ولكني لم ~~أتفاجأ.» # قالت ليديا: «ما الذي كانت ويلا تعرفه عن الزواج على أية حال؟» # رفع السيد ستانلي عينيه عن طبقه وتطلع إليها في دهشة حزينة. # قالت ليديا: «ويلا كاثر كانت تعيش مع امرأة.» # عندما أجاب السيد ستانلي بدا مرتبكا، ووبخها دون حدة. ~~«لقد كانتا مخلصتين إحداهما للأخرى.» ~~«لم ms064 تعش مع رجل قط.» ~~«كانت على علم بشئون الزواج بطبيعة كونها فنانة، وليس بالضرورة بالخبرة بها.» # أصرت ليديا: «لكن ماذا لو لم تكن تعرف شيئا عنها؟ ماذا لو لم يكن هذا هو الحال؟» # عاد لتناول بيضته كأنه لم يسمعها. ثم قال أخيرا: «اعتبرت المرأة حديث ويلا معها مفيدا ~~جدا بالنسبة إليها.» # أصدرت ليديا صوتا ينم عن موافقته الرأي ولكن بتشكك؛ فقد كانت تعلم أنها تصرفت بوقاحة، بل ~~بقسوة. كانت تعلم أن عليها الاعتذار. اتجهت إلى البوفيه وصبت لنفسها فنجان قهوة آخر. # خرجت سيدة البيت من المطبخ متوجهة إليها. ~~«هل ما زالت ساخنة؟ أظن أنني سأصب لنفسي فنجانا أيضا. هل سترحلين اليوم حقا؟ أحيانا ~~أفكر أنني أريد القفز في قارب ما والرحيل أيضا. المكان بديع هنا وأنا أحبه ولكنك تعرفين ~~ما يحدث.» # احتستا قهوتيهما وهما واقفتان بجوار البوفيه. لم ترد ليديا العودة إلى الطاولة، ولكنها ~~كانت تعلم أنها ستضطر إلى ذلك. بدا السيد ستانلي منكسرا ووحيدا، بكتفيه المكتنزتين، ~~ورأسه الأصلع الناعم، وسترته الرياضية البنية ذات المربعات والتي كانت كبيرة عليه ~~قليلا. لقد اجتهد ليكون أنيقا ومهندما، ولا بد أن ذلك كان أمرا متعبا بالنسبة إليه ~~بسبب ضعف إبصاره. ومن بين جميع الناس لم يكن يستحق معاملة وقحة. # قالت المرأة: «أوه، لقد نسيت.» # دخلت إلى المطبخ وعادت بحقيبة ورقية ضخمة بنية اللون. ~~«لقد ترك لك فينسنت هذه. قال إنها أعجبتك. أحقا؟» # فتحت ليديا الحقيبة ورأت أوراقا عشبية طويلة وغامقة وممزقة من كنافة البحر، بمظهرها ~~الزيتي حتى وهي جافة. # قالت: «حسنا ...» # ضحكت المرأة: «أعلم. لا بد وأن تكوني مولودة هنا لتقدري مذاقها.» # قالت ليديا: «كلا، لقد أعجبتني فعلا. اعتدت عليها.» ~~«لقد حققت نجاحا باهرا.» # أخذت ليديا الحقيبة وعادت إلى الطاولة وأطلعت السيد ستانلي عليها. وحاولت إلقاء مزحة ~~لتسترضيه. ~~«ترى هل تناولت ويلا كاثر كنافة البحر من قبل؟» # فكر السيد ستانلي بإمعان وقال: «كنافة البحر؟» مد يده داخل الحقيبة وأخرج بعض الأعشاب ~~ونظر إليها. كانت ليديا تعلم أنه كان يرى ما رأته ويلا كاثر ms065 على الأرجح. «بالتأكيد كانت ~~تعرفها. بكل تأكيد.» # ولكن هل كانت محظوظة أم لا؟ وهل كانت الأمور على ما يرام مع هذه المرأة؟ كيف عاشت حياتها؟ ~~هذا ما أرادت ليديا أن تسأله. هل كان السيد ستانلي سيفهم ما تقصده؟ ولو سألت كيف عاشت ويلا ~~كاثر، ألم يكن سيجيب بأنها ما كان عليها أن تجد سبيلا للعيش، مثل بقية الناس، لأنها كانت ~~ويلا كاثر؟ # يا له من عالم وهمي بديع ذلك الذي صنعه لنفسه! يمكنه أن يحمله معه أينما ذهب، وما كان ~~بوسع أحد أن يتدخل. قد يأتي يوم ستعتبر ليديا نفسها فيه محظوظة لقيامها بالمثل. لكن إلى أن ~~يحدث ذلك، ستظل أمورها متقلبة. «متقلبة» هكذا اعتادوا أن يقولوا في طفولتها، متحدثين عن صحة ~~الأفراد الذين لن يتعافوا. «إنها حقا متقلبة.» # ومع هذا، تسلل الدفء إليها بفضل هذه الهدية التي وهبها إياها شخص من بعد. # | موسم الحبش # مهداة إلى جو رادفورد # عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، حصلت على وظيفة بحظيرة ديوك الحبش خلال موسم عيد ~~الميلاد. كنت لا أزال صغيرة للغاية على العمل في متجر أو كنادلة بدوام جزئي، وكنت أيضا ~~شديدة العصبية. # كنت مسئولة عن استخراج أحشاء ديوك الحبش، ولم أكن بمفردي؛ إذ كان من بين العمال الآخرين ~~ليلي ومارجوري وجلاديس اللاتي كن يعملن أيضا على استخراج الأحشاء، وأيرين وهنري ~~المسئولان عن نتف ريش الدجاج، وهيرب آبوت كبير العمال الذي يشرف على العملية كلها ويتدخل في ~~العمل كلما ظهرت الحاجة إليه. وكان مورجان إيليوت هو مالك الحظيرة وزعيمها، وكان مسئولا مع ~~ابنه مورجي عن عملية الذبح. # كنت أعرف مورجي منذ أيام المدرسة، وكنت أراه ساذجا ومحط ازدراء، ولم أكن أرتاح لفكرة ~~النظر إليه في هيئة جديدة وربما أعلى مقاما، باعتباره ابن مالك الحظيرة. لكن أباه كان ~~يعامله بقسوة شديدة؛ فكان يصرخ فيه ويسبه، لدرجة أنه لم يكن أفضل حالا من أدنى عامل ~~بالحظيرة. أما الشخص الآخر الذي يمت بصلة قرابة لمورجان، فكانت جلاديس شقيقته. كان هناك بعض ~~الامتيازات المتعلقة ms066 بوضعها فيما يبدو؛ إذ كانت بطيئة في العمل ومسموحا لها بالعودة إلى ~~البيت لنيل قسط من الراحة في حالة شعورها بالتعب. لم تكن جلاديس تعامل ليلي ومارجوري ~~معاملة ودودة، رغم أنها كانت تعاملني معاملة طيبة بعض الشيء. كانت وقتئذ قد عادت لتعيش مع ~~مورجان وعائلته بعد عملها سنوات عديدة بأحد البنوك في تورونتو، بيد أن عملها في الحظيرة ~~لم يكن من نوع العمل الذي اعتادت عليه. وذكرت ليلي ومارجوري - وهما تتحدثان عنها في غيابها ~~- أنها قد أصيبت بانهيار عصبي، وأن مورجان أجبرها على العمل في حظيرة الحبش مقابل تعهده ~~برعايتها. قالتا أيضا - دون أن تكترثا بالتناقض في كلامهما - إنها قد قبلت العمل لأنها ~~كانت تسعى وراء أحد الرجال، وهو هيرب آبوت. # كل ما كنت أستطيع رؤيته عندما أغمض عيني - خلال الليالي القليلة الأولى من عملي في ~~الحظيرة - هو ديوك الحبش. كنت أراها معلقة من أرجلها، منتوفة الريش، متيبسة شاحبة باردة، ~~برءوسها ورقابها المرتخية وعيونها ومناخرها التي يملؤها الدم الأسود المتجلط. وبدا التخلص ~~من بقايا الريش - السوداء والملطخة بالدماء أيضا - وكأنه أهم المراحل على الإطلاق؛ لم أكن ~~أنظر إليها باشمئزاز، بل يراودني شعور بأنه عمل لا نهاية له ولا بد من إتمامه. # علمني هيرب آبوت مهام وظيفتي في الحظيرة؛ عليك أن تضعي الديك على المنضدة وتقطعي رأسه ~~بالساطور، ثم تأخذي الجلد الرخو المحيط بالرقبة وتنزعيه باتجاه الخلف لتظهر الحوصلة ~~الموجودة في الشق بين المريء والقصبة الهوائية. # قال هيرب مشجعا: «تحسسي الحصوات.» وجعلني أضم أصابعي حول الحوصلة، ثم علمني كيف أحرك ~~يدي إلى الأسفل خلفها لأنتزعها، وكذلك المريء والقصبة الهوائية. كان يستخدم مقصا لقطع ~~الفقرات. # قال بنبرة تبعث على تهدئتي: «اضغطي، اضغطي. الآن أدخلي يدك.» # فعلت ما قال، وكان الجزء الداخلي المعتم باردا للغاية. ~~«احذري من شظايا العظام.» # كنت أعمل بحذر لا أرى شيئا، وكان علي تفكيك الأنسجة الضامة. ~~«هيا.» قلب هيرب الطائر ولوى كل ساق. «والآن حان وقت الاحتفال.» أخذ سكينا ثقيلا ونزل ~~به مباشرة على الوصلات المفصلية لركبة الديك وقطع ms067 رجله. ~~«ألق نظرة على تلك الديدان .» # تدلت من الرجل خيوط شديدة البياض تتلوى كأنها ديدان. ~~«ليس هذا سوى انكماش الأوتار. والآن ستبدأ الإثارة!» # شق الطائر عند نهاية مؤخرته، وخرجت رائحة عفنة. ~~«هل أنت متعلمة؟» # لم أعلم بم أرد. ~~«ما هذه الرائحة؟» ~~«كبريتيد الهيدروجين.» # قال هيرب متنهدا: «متعلمة. حسنا. استخدمي أصابعك وافصلي الأحشاء. على مهل. على مهل. ضمي ~~أصابعك معا، وحافظي على راحة اليد للداخل. تشعرين بالضلوع على ظهر يدك. تشعرين بالأحشاء في ~~راحة يدك. هل تشعرين بها؟ استمري. قطعي ما تستطيعين من الأوتار. استمري. هل تشعرين بكتلة ~~صلبة؟ إنها القانصة. هل تشعرين بكتلة رخوة؟ إنه القلب. حسنا؟ حسنا. ضمي أصابعك حول ~~القانصة. على مهل. ابدئي الشد. حسنا. أخرجيها.» # لم يكن الأمر سهلا على الإطلاق، بل لم أكن متأكدة أن ما أمسكه هو القانصة. كانت يدي ~~ممتلئة بكتلة رخوة باردة. # قال لي: «اسحبي.» واستخرجت كتلة لامعة تشبه الكبد. ~~«ها قد حصلت عليها. إنهما الرئتان. ها هو القلب. وها هي القانصة. وها هي المرارة. الآن، ~~لا تفتحي هذه المرارة أبدا داخل الديك وإلا أفسدت مذاقه كله.» استخرج ببراعة من الديك ~~ما فاتني استخراجه، بما في ذلك الخصيتان، اللتان كانتا أشبه بعنقودين من العنب ~~الأبيض. # قال هيرب: «قرط بديع.» # كان هيرب آبوت طويل القامة ممتلئ الجسد قويا. وكان شعره داكنا خفيفا، ومشدودا للوراء ~~بداية من بروز شعره وسط جبهته على شكل رقم 7، ~~وبدت عيناه مسحوبتين بعض الشيء، فكان أشبه بصيني شاحب الوجه أو أشبه بإحدى صور الشيطان، ~~لكنه كان أملس الوجه لطيفا. وأيا كانت وظيفته في حظيرة الحبش - سواء استخراج الأحشاء كما ~~يفعل الآن، أو تعبئة عربة النقل، أو تعليق الذبائح - فقد كان يؤديها بكفاءة وسرعة وخفة. ~~قالت مارجوري: «ستلاحظين في هيرب أنه دائما يمشي وكأن قاربا يتحرك أسفله.» وكانت محقة. ~~كان هيرب يعمل طاهيا على قوارب البحيرة خلال الموسم، ثم يعمل لدى مورجان حتى بعد عيد ~~الميلاد. وخلال باقي الوقت كان يساعد في صالة البلياردو، فيعد الهمبورجر، وينظف المكان، ~~ويحول دون وقوع ms068 النزاعات قبل أن تبدأ، وكان يعيش في هذا المكان، حيث يملك غرفة فوق صالة ~~البلياردو تطل على الشارع الرئيسي. # في جميع العمليات التي تتم في حظيرة الحبش، بدا هيرب الوحيد الذي يلقي بالا للكفاءة وشرف ~~المهنة دائما. وكان هو الذي يسيطر على مجريات جميع الأمور. عندما تراه في الفناء يتحدث مع ~~مورجان - الذي كان قصير القامة سمينا متورد الوجه متنمرا على نحو يصعب توقعه - ~~تتيقن أن هيرب هو السيد ومورجان المساعد المأجور، لكن لم يكن الوضع كذلك. # لو لم يعلمني هيرب بنفسه، أظن أنني لم أكن لأتعلم استخراج أحشاء الحبش على الإطلاق. لم ~~أكن أتقن استخدام يدي بصفة عامة، وشعرت بالخزي مرات كثيرة بسبب ذلك، حتى إن أقل أمارات ~~نفاد الصبر من جانب الشخص الذي يعلمني كانت يمكن أن تسبب لي شللا ارتجافيا؛ ولذا لم أكن ~~أطيق أن يراقبني أحد سوى هيرب. وبصفة خاصة، لم أكن أطيق أن تراقبني ليلي ومارجوري، ~~الشقيقتان اللتان بلغتا منتصف العمر، واللتان كانتا سريعتين للغاية وتتنافسان في استخراج ~~الأحشاء بدقة. كانتا تغنيان أثناء العمل، وتتفوهان بعبارات بذيئة حميمية إلى ذبائح ~~الحبش. ~~«لا تجرحني أيها الشاذ!» ~~«ألم تكن مستودعا للغائط فيما مضى؟!» # لم أكن قد سمعت قط امرأة تتحدث هكذا. # لم تكن جلاديس سريعة في استخراج الأحشاء، لكنها كانت دقيقة حتما، وإلا لتغيرت طريقة هيرب ~~في الحديث معها. لم تغن قط، وبالتأكيد لم تكن تتفوه بكلام بذيء. فكرت في أنها متقدمة في ~~العمر، لكن ليس كليلي ومارجوري. لا بد وأنها تخطت الثلاثين. بدت مستاءة من كل ما يحدث، ~~وكانت تحتفظ بالكثير من أحكامها المريرة لنفسها. لم أحاول قط التحدث إليها، لكنها تحدثت معي ~~ذات يوم في المرحاض الصغير البارد خارج الحظيرة. كانت تكثر من مساحيق الزينة على وجهها، ~~وكان لون مساحيق الزينة مختلفا جدا عن لون بشرتها، حتى بدت وكأنها قذفت طلاء برتقاليا ~~فوق جدار مليء بالنتوءات مدهون بطلاء أبيض. # سألتني ما إذا كان شعري مجعدا بطبيعته. # قلت نعم. ~~«ألا تستخدمين مثبتا؟» ~~«لا.» ~~«أنت محظوظة؛ فأنا ms069 أضطر إلى تصفيف شعري كل ليلة ؛ فالمواد الكيميائية في جسمي لا تتيح ~~لي استخدام مثبت للشعر.» # ثمة طرق مختلفة تتحدث بها النساء عن مظهرهن. البعض يقلن إنهن يعتنين بأنفسهن من أجل ~~الرجال. وأخريات - مثل جلاديس - يعتبرن ذلك جزءا من مهام البيت التي يفتخرن بصعوبة أدائها. ~~كانت جلاديس أنيقة. أستطيع تخيلها في البنك في ثوب أزرق ذي ياقة بيضاء قابلة للخلع لغسلها ~~ليلا. أتخيلها أيضا غاضبة ولكن فيما يتفق مع الآداب العامة. # في يوم آخر، تحدثت معي عن دورتها الشهرية التي كانت غزيرة ومؤلمة، وسألتني عن دورتي. ~~تبدت على وجهها تعبيرات عدم الارتياح، والحرج، والاضطراب. أنقذتني أيرين التي تصادف ~~وجودها في دورة المياة حينها، وصاحت: «افعلي مثلي، وستتخلصين من كل مشاكلك فترة من الوقت.» ~~كانت أيرين تكبرني ببضعة أعوام، لكنها تزوجت مؤخرا - وفي سن متأخرة - وكانت في الأشهر ~~الأخيرة من حملها. # تجاهلتها جلاديس، وتركت الماء البارد ينساب على يديها. كانت أيادينا جميعا حمراء ملتهبة ~~من العمل. قالت جلاديس: «لا أستطيع استخدام هذا الصابون. لو استخدمته، فسيصيبني بالطفح ~~الجلدي. ولو أحضرت الصابون الخاص بي هنا، فلن أتحمل تكلفة استخدام الآخرين له؛ لأنني أدفع ~~ثمنا باهظا في شرائه؛ إنه صابون خاص مضاد للحساسية.» # أعتقد أن الفكرة التي طرحتها ليلي ومارجوري - بخصوص سعي جلاديس وراء هيرب آبوت - نبعت من ~~اعتقادهما بأنه لا بد من مضايقة العزباوات وإحراجهن كلما أمكن ذلك، وأيضا من اهتمامهما ~~بهيرب، الذي دفعهما إلى الشعور بأنه لا بد وأن يكون مطاردا من قبل إحدى النساء. كانتا ~~تسألان عنه، ومن بين أسئلتهما: كيف يمكن لرجل أن يكون زاهدا هكذا؟ لا زوجة، ولا عائلة، ولا ~~بيت. كانت تفاصيل حياته اليومية وأدق تفضيلاته محط اهتمامهما. أين ترعرع؟ إلى أي مرحلة وصل ~~في تعليمه؟ أين حبيبته؟ هل سيشرب القهوة أم الشاي لو خير بينهما؟ # عندما كانتا تتحدثان عن سعي جلاديس خلفه، لا بد وأنهما كانتا تريدان حقا التحدث عن ~~الجنس - ما يريده وما لديه ليعطيه. لا بد وأنهما شعرتا بفضول شهواني تجاهه، مثلما حدث معي. ms070 ~~لقد أثار لدينا هذا الإحساس بسبب تحفظه، وعدم المزاح كغيره من الرجال، وفي نفس الوقت بسبب ~~عدم إفراطه في الاحتشام أو التأدب. بعض الرجال - أثناء استخراج الخصيتين من ديك الحبش أمامي ~~- إما أن يتصرفوا كما لو كان وجود الخصيتين مزحة سخيفة بعض الشيء يمارسونها علي، أو ~~شيئا يوفر سببا للسخرية من فتاة مثلي؛ بينما هناك نوع آخر من الرجال ربما يشعر بالحرج ~~وبضرورة رفع الحرج عني؛ ولذا فإن رجلا لا ينتمي لهذا النوع أو ذاك كان مثيرا للفضول في ~~نظري، وربما في نظر النساء الأكبر مني سنا. لكن الأمر الذي كان محل ترحيب كبير لدي كان ~~في الوقت نفسه مزعجا لزميلتي. لقد أرادتا أن تحفزاه؛ بل وأن تحفزه جلاديس إن ~~استطاعت. # لم تكن هناك أية فكرة وقتئذ - على الأقل في لوجان بأونتاريو في نهاية الأربعينيات - ~~بوجود الجنسية المثلية إلا في أضيق الحدود. كانت النساء يعتقدن في ندرتها واقتصارها على ~~نطاقات معينة. كان هناك شواذ نعرفهم في المدينة، شخص أنيق أجعد الشعر هادئ الصوت يعمل في ~~تركيب أوراق الحائط ويسمي نفسه مصمم ديكور داخلي؛ والابن الوحيد المدلل والسمين لأرملة ~~القس، الذي وصل به الأمر إلى حد الاشتراك في مسابقات الخبز، فضلا عن حياكته مفرش مائدة ~~باستخدام الكروشيه؛ وعازف الأرغن بالكنيسة المصاب بالوسواس المرضي الذي يعمل مدرس موسيقى، ~~والذي كان يجعل أفراد الجوقة الموسيقية وتلاميذه يتبعونه في نوبات غضب يغلب عليها الصراخ. ~~ما إن يشتهر أحد باللقب حتى ينال قدرا كبيرا من التساهل من جانب الآخرين، وتصبح موهبته ~~سواء في التصميم أو الكروشيه أو الموسيقى محط تقدير، خصوصا من جانب النساء اللائي يقلن: ~~«المسكين. إنه لا يؤذي أحدا.» على ما يبدو كان الناس يعتقدون - أو هكذا كانت النساء - أن ~~الولع بالخبز أو الموسيقى هو العامل المحدد لأن يكون المرء شاذا، وأن هذا النشاط هو ما ~~يجعله كذلك، وليس أي منعطفات أخرى قد يسلكها أو يتمنى أن يسلكها. كانت الرغبة في عزف الكمان ~~تؤخذ دليلا على الانحراف عن السلوك الرجولي لا كرغبة في ms071 اجتناب النساء. والحقيقة أن الفكرة ~~السائدة كانت أن أي رجل يتمتع بالرجولة يجتنب النساء، لكن اكتشف أمر معظمهم وإلى ~~الأبد. # لا أريد أن أخوض في مسألة ما إذا كان هيرب شاذا أم لا؛ لأن تحديد ذلك أمر لا يهمني. ~~أعتقد أنه ربما كان كذلك، لكن قد لا يكون. (لن أغير اعتقادي هذا حتى بالنظر إلى ما حدث ~~لاحقا.) هيرب ليس باللغز الذي يحل اعتباطيا. ~~••• # كان العامل الآخر - الذي يعمل مع أيرين في نتف الريش - أحد جيراننا ويدعى هنري ستريتس. ~~لم يكن هناك ما يميزه باستثناء أنه في السادسة والثمانين من العمر ولا يزال شعلة نشاط في ~~عمله - حسب وصفه لنفسه. كان يضع الويسكي في الوعاء الحافظ للبرودة، ويحتسي منه من وقت إلى ~~آخر على مدار اليوم. هنري هو من قال لي في مطبخنا: «يمكنك الحصول على وظيفة في حظيرة الحبش؛ ~~فهم يريدون شخصا آخر يقوم على استخراج الأحشاء.» قال أبي فورا: «دعك منها يا هنري، ~~فأصابعها كلها قصيرة.» وقال هنري إنه كان يمزح؛ إذ كان يراه عملا مقززا. لكنني كنت قد ~~قررت بالفعل خوض التجربة؛ إذ كنت في أمس الحاجة للنجاح في عمل كهذا. كدت أشعر في ذلك ~~الحين بنفس شعور شخص يافع يخجل من أنه لم يتعلم القراءة؛ هكذا كان شعوري حيال عجزي عن إتقان ~~الأعمال اليدوية. وكان العمل - بالنسبة إلى جميع من أعرفهم - يعني أداء المهام التي لم أكن ~~أجيدها، وكان العمل هو ما يفتخر به الناس ويقيم بعضهم بعضا عليه. (من المنطقي أن تكون ~~الأعمال التي أجيدها - مثل واجبات المدرسة - محل ظنون، أو ينظر إليها بازدراء تام.) لذا ~~كان مفاجأة وانتصارا لي فيما بعد ألا أفصل من العمل، وأن أستطيع تنظيف الديوك نظافة لا ~~بأس بها. لا أعلم ما إذا كنت أدرك تماما مدى مسئولية هيرب آبوت عن هذا، لكنه كان يقول ~~أحيانا: «أحسنت.» أو يربت على خصري ويقول: «أنت تبلين بلاء حسنا في هذا العمل.» ~~وعندما أشعر بلمسته الرقيقة والسريعة فوق سترتي الثقيلة وثوبي الملطخ بالدماء، ms072 كانت وجنتاي ~~تتوردان وأود أن أميل نحوه وهو يقف ورائي. أردت أن أريح رأسي على كتفه الممتلئة العريضة. ~~وعندما أخلد للفراش في المساء، وأرقد على جانبي، كنت أحرك وجنتي على الوسادة وأتخيلها كتف ~~هيرب. # كنت مهتمة بطريقة حديثه مع جلاديس، والطريقة التي ينظر بها إليها. لم يكن اهتمامي بدافع ~~الغيرة. أعتقد أنني أردت أن يحدث شيء بينهما. كنت أرتعد في ترقب فضولي، مثلما كانت ليلي ~~ومارجوري تفعلان. كلنا أردنا رؤية بصيص الشبق في عينيه، وسماعها في صوته، ليس من منطلق ~~ظننا أن هذا سيجعله يبدو كغيره من الرجال، لكن لأننا كنا نعرف أن الأمر معه سيكون مختلفا ~~تماما؛ فقد كان أكثر عطفا وصبرا من معظم النساء، وفي الوقت نفسه جادا وانعزاليا - في ~~بعض النواحي - كأي رجل. أردنا أن نرى كيف يكون تحريك مشاعره. # لم تبد جلاديس أي أمارة على أنها تريد ذلك هي الأخرى، حتى وإن كانت هذه هي حالها. من ~~المستحيل أن أقول عن النساء مثلها إن كن متبلدات الإحساس فاترات العاطفة كما يبدو عليهن، ~~لا يردن شيئا سوى مناسبة تثير غضبهن وتشعرهن بالامتهان، أو كن يكتوين بنيران الكآبة ~~والولع الذي لا طائل منه. # تحدثت مارجوري وليلي عن الزواج. لم يكن لديهما الكثير لتقولاه بهذا الشأن، رغم إحساسهما ~~بأنه حالة لا يجب السماح لأي أحد بالابتعاد عنها. قالت مارجوري إنه بعد زواجها بفترة قصيرة ~~ذهبت إلى كوخ تخزين الحطب بنية تناول مركب «أخضر باريس» السام. # قالت: «كنت سأفعلها، لكن جاء البائع بسيارة الخضراوات والفاكهة، وكان علي الخروج لأبتاع ~~منه. حدث هذا عندما كنا نعيش في المزرعة.» # كان زوجها يعاملها بقسوة في تلك الأيام، لكنه تعرض لحادث فيما بعد - حيث انقلب به الجرار ~~وأصيب إصابة بالغة أعجزته طيلة حياته. انتقلا إلى المدينة، وأصبحت مارجوري عائل ~~البيت. ~~«في إحدى الليالي مؤخرا، قطب جبينه وقال إنه لا يريد تناول العشاء. رفعت رسغ يده ~~وأحكمت قبضتي عليها. كان مذعورا من أنني سألوي ذراعه. كان يعرف أني قد أفعل ذلك. لهذا قلت: ~~«ما رأيك؟» ms073 فرد: «سآكله».» # تحدثتا أيضا عن أبيهما . كان رجلا تقليديا. كانت لديه مشنقة في كوخ الحطب (ليس الكوخ ~~الذي يحتوي على مركب «أخضر باريس»، بل كوخ آخر في مزرعة أخرى فيما مضى)، وعندما كانتا ~~تثيران غضبه، كان يوقفهما صفا ويهدد بشنقهما. كانت ليلي - أصغرهما - ترتعد خوفا إلى أن ~~تقع أرضا. ذلك الأب خطط لتزويج مارجوري لأحد أصدقائه المقربين وهي في السادسة عشرة فقط ~~من عمرها، وهو نفس الزوج الذي دفعها إلى محاولة الانتحار بتناول السم. فعل أبوها ذلك لأنه ~~أراد أن يطمئن إلى أنها لن تتورط في المتاعب. # قالت ليلي: «كان سريع الغضب.» # أحسست بالذعر، وسألت: «لماذا لم تهربي؟» # فردت مارجوري: «كان كلمته سيف.» # قالتا إن الآية قد انقلبت هذه الأيام والأبناء هم المسيطرون على مجرى الأمور. يجب أن تكون ~~كلمة الأب سيفا. لقد ربتا أبناءهما تربية صارمة، ولم يسلك أحدهم سلوكا مشينا إلى الآن؛ ~~فعندما يبلل ابن مارجوري الفراش، كانت تهدده بقطع خصيتيه بسكين الجزار، وهو ما كان كفيلا ~~بعلاجه. # قالتا إن تسعين بالمائة من الفتيات الصغيرات هذه الأيام يحتسين الكحول، ويقلن كلاما ~~بذيئا، ويرضين بالمهانة. لو كانتا قد أنجبتا بنات وضبطتاهن يفعلن شيئا مماثلا، ~~لضربتاهن ضربا مبرحا. قالتا إن أيرين اعتادت الذهاب إلى مباريات الهوكي مرتدية سروال تزلج ~~مقطوعا دون ارتداء ملابس تحتية، ليناسبها في التزلج فيما بعد. يا للهول! # أردت أن ألفت نظريهما إلى بعض التناقضات؛ فمارجوري وليلي نفساهما تحتسيان الكحول وتتلفظان ~~ببذيء الكلام، ثم ما الرائع في الإرادة الحديدية لأب يورطك في حياة ملؤها الشقاء؟ (ما لم ~~أره هو أن مارجوري وليلي لم تكونا تعيستين بالمرة - لا يمكنهما ذلك؛ بسبب إحساسهما ~~بالأهمية، وبسبب كبريائهما وأناقتهما.) كان يمكن أن أشتاط غضبا وقتئذ من غياب المنطق في ~~حديث معظم البالغين؛ في طريقة تشبثهم برأيهم مهما كان الدليل الذي يقدم لهم. كيف يمكن ~~أن تكون المرأتان على هذا القدر من الموهبة، وهذا المستوى العالي من الدقة والبراعة - حيث ~~عرفت أنهما كان بإمكانهما إتقان عشرات الأعمال الأخرى بقدر إجادتهما استخراج الأحشاء؛ ms074 ومن ~~بينها صنع الألحفة، ورفء الملابس ، والطلاء، وتعليق أوراق الحائط، والعجن، وغرس الشتلات - ~~ويكون تفكيرهما عشوائيا وأخرق ومثيرا للغضب هكذا؟! # قالت ليلي إنها لا تترك زوجها يقترب منها مطلقا لو كان مخمورا. وقالت مارجوري إنه منذ ~~المرة التي كادت تموت فيها بسبب النزيف لم تسمح لزوجها بالاقتراب منها قط. وسرعان ما قالت ~~ليلي إن زوجها لا يقدم على ذلك إلا عندما يكون مخمورا. استشففت أنها مسألة كبرياء ألا ~~تسمح المرأة لزوجها بالاقتراب منها، لكني لم أتيقن من أن «الاقتراب» يعني «ممارسة العلاقة ~~الحميمية». بدت لي فكرة السعي وراء مارجوري وليلي من أجل سبب كهذا فكرة منفرة؛ فأسنانهما ~~كريهة المنظر، وبطناهما مترهلان، ووجهاهما باهتان مليئان بالبقع. قررت أن آخذ «الاقتراب» ~~بمعناه الحرفي. ~~••• # يتسم الأسبوعان اللذان يسبقان عيد الميلاد بسرعة الإيقاع في حظيرة الحبش. بدأت أذهب إلى ~~الحظيرة مدة ساعة قبل المدرسة، وكذلك بعد المدرسة، وخلال عطلات نهاية الأسبوع. في الصباح، ~~عندما كنت أسير متجهة إلى العمل، كنت أجد أضواء الشارع لا تزال مضاءة والنجوم ساطعة في ~~السماء. كانت حظيرة الحبش تقع على حدود أحد الحقول، وخلفها صف من أشجار الصنوبر الضخمة، ~~ودائما - مهما كان الجو باردا وخاليا من الرياح - كانت هذه الأشجار سامقة تمد فروعها ~~ويسمع حفيفها. وبينما أنا في طريقي إلى الحظيرة لأقضي ساعة في استخراج أحشاء الديوك، كان ~~مستبعدا أن يساورني الأمل في الغد أو ينتابني الشعور بغموض الكون التام الذي لا سبيل إلى ~~فهمه، لكني أحسست بهما. وكان لهيرب علاقة بهذا، وكذلك موجة الطقس البارد - تلك السلسلة من ~~الصباحات الصافية القاسية. الحقيقة أنه لم يكن من الصعب استحضار تلك المشاعر وقتذاك. كنت ~~أستطيع الشعور بها، لكني لم أكن أعرف كيف يمكن ربطها بأي شيء في عالم الواقع. # ذات صباح في حظيرة الحبش، جاءنا عامل جديد للعمل في استخراج الأحشاء. كان فتى في الثامنة ~~عشرة أو التاسعة عشرة من العمر، وكان غريبا عن المكان واسمه براين. بدا على صلة قرابة - أو ~~ربما علاقة صداقة - مع هيرب آبوت؛ إذ كان ms075 يقيم معه. كان يعمل على متن قارب في البحيرة الصيف ~~الماضي، لكنه قال إنه مل هذا العمل وتركه. # قال: «تلك القوارب اللعينة! لقد سئمتها.» # كانت اللغة المستخدمة في حظيرة الحبش فظة متحررة، لكننا لم نكن قد سمعنا بالصفة التي ~~استخدمها براين قط. ولم يبد استخدام براين لها من باب الإهمال بل التباهي ومزج السباب ~~بالإثارة. ربما كان مظهره العام هو ما جعلها تبدو هكذا. كان يتمتع بمظهر جذاب: شعر ناعم، ~~وعينان زرقاوان فاتحتان، وبشرة متوردة، وجسد متناسق القوام - ذلك النوع من الوسامة الذي ~~لا يختلف عليه اثنان. لكن استحوذ عليه انطباع لا سبيل إلى ترويضه جعله لا يستطيع منع نفسه ~~من تحول جميع مميزاته لتكون محط سخرية؛ إذ بدا فمه وكأنه مبلل، وكاد يكون مفتوحا معظم ~~الوقت، وكانت عيناه شبه مغلقتين، وتعبيرات وجهه تحمل نظرة شبق مشجعة، وحركاته متثاقلة ~~ومبالغ فيها ومغرية. ربما لو وقف على مسرح أمام ميكروفون وجيتار، وأعطي الفرصة لينخر ~~ويصرخ ويتلوى ويثور، لبدا كمقدمي الحفلات. لكن في ظل غياب المسرح، لم يكن براين مقنعا. بعد ~~فترة بدا كما لو كان مصابا بحالة مستعصية من الفواق جعلت شبقه الملح رتيبا وعديم ~~المعنى. # لو خفف شبقه قليلا، ربما استمتعت مارجوري وليلي به. كان بوسعهما أن يستمرا في ~~لهوهما بإخباره أن يغلق فمه القذر وأن يبعد يديه، لكن ما حدث أنهما قالتا إنهما قد ~~سئمتا منه، وكانتا جادتين. ذات مرة سحبت مارجوري السكين الذي تستخدمه في استخراج الأحشاء، ~~وقالت: «ابق بعيدا ... عني وعن شقيقتي وعن تلك الفتاة.» # لم تطلب منه أن يبقى بعيدا عن جلاديس؛ لأن جلاديس لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وربما لم ~~تكن مارجوري تشعر بالرغبة في حمايتها على أية حال. كان براين يخص جلاديس بأكبر قدر من ~~المضايقة. كانت تلقي سكينها، وتدخل إلى دورة المياه، وتبقى هناك عشر دقائق ثم تخرج بوجه ~~خال من المشاعر. لم تعد تقول إنها سئمت وتعود إلى منزلها، مثلما اعتادت أن تفعل. وقالت ~~مارجوري إن مورجان قد استشاط غضبا من ms076 جلاديس لكونها عالة، وأنها لم تعد تتحمل تبعات ~~ذلك. # أخبرتني جلاديس: «لا أستطيع تحمل ما يحدث. لا أطيق حديث الناس عن هذا الأمر وذلك النوع ~~من الإيحاءات. هذا يثير اشمئزازي.» # صدقتها. بدت شاحبة للغاية. لكن لماذا لم تشك لمورجان؟ ربما لم تكن العلاقات بينهما ~~على ما يرام، وربما لم تستطع حمل نفسها على تكرار أو وصف مثل هذه الأمور. لماذا لم تشك ~~إحدانا لهيرب على الأقل إن لم يكن لمورجان؟ لم أفكر في ذلك قط. بدا براين عبئا يمكن ~~تحمله، مثل البرودة القارصة داخل الحظيرة ورائحة الدم والفضلات. وعندما هددت مارجوري ~~وليلي بالشكوى، كان تهديدهما متعلقا بكسل براين. # لم يكن براين ماهرا في عمله. قال إن يديه كبيرتان على استخراج الأحشاء، فأوكل له هيرب ~~مهام الكنس والتنظيف، وتعبئة قلوب الديوك وأكبادها، والمساعدة في تحميل الشاحنة. معنى ذلك ~~أنه لم يكن مضطرا إلى البقاء في مكان بعينه أو أداء عمل معين في وقت محدد؛ ومن ثم فإنه لم ~~يكن يفعل شيئا معظم الوقت. كان يبدأ بالكنس، ثم ينتقل إلى مسح المناضد، ثم يدخن سيجارة، ~~ويتسكع حول المنضدة يضايقنا إلى أن يناديه هيرب ليساعده في تحميل الشاحنة. كان هيرب مشغولا ~~جدا في مثل هذه الفترة يقضي الكثير من الوقت في توصيل الطلبات؛ ومن ثم كان واردا ألا ~~يعلم شيئا عن تراخي براين في العمل. # قالت مارجوري: «لا أعلم لماذا لا يطردك هيرب. أظن أنه لا يريدك أن تصبح عالة عليه، بلا ~~مكان يأويك.» # قال براين: «أعرف مكانا يأويني.» # قالت مارجوري: «أغلق فمك القذر. أشفق على هيرب لأنه يتحمل عبئك.» ~~••• # في آخر أيام الدراسة قبل عيد الميلاد، خرجنا مبكرا في الظهيرة. عدت للمنزل وبدلت ~~ثيابي، واتجهت للعمل نحو الساعة الثالثة. لم أجد أحدا يعمل. كان الجميع داخل سقيفة استخراج ~~الأحشاء، حيث كان مورجان إيليوت يلوح بساطور فوق المنضدة ويصيح. لم أستطع تمييز سبب ~~صياحه، وظننت أن أحدا قد ارتكب خطأ فادحا في عمله. ربما كنت أنا المخطئة. بعدها رأيت ~~براين على الجانب الآخر ms077 من المنضدة، يبدو شديد التجهم والدنو ، وكان يقف بعيدا. لم تكن ~~نظرة الشبق قد فارقت وجهه تماما، لكنها خفت حدتها وامتزجت بانفعال مشوب بالعجز وبشيء من ~~الخوف. ظننت أن اللحظة قد حانت؛ سيطرد براين بسبب وضاعته وتكاسله. ما زلت أفكر أن هذا ما ~~سيحدث حتى وأنا أميز كلمات مورجان: «منحرف» و«دنس» و«مخبول». كانت مارجوري وليلي، وحتى ~~أيرين صفيقة الوجه، يقفن وقد ارتسمت على وجوههن نظرة بؤس، كالتي ترتسم على وجوه الأطفال ~~عندما يتعرض أحدهم لتوبيخ قاس في المدرسة. وحده هنري العجوز هو من بدا قادرا على إبداء ~~ابتسامة عريضة حذرة على وجهه. لم أر جلاديس في المكان. كان هيرب يقف قريبا من مورجان أكثر ~~من أي شخص آخر. لم يتدخل، لكنه كان يحدق إلى الساطور. كان مورجي ينتحب، رغم أنه لم يبد ~~معرضا لأي خطر مباشر. # كان مورجان يصرخ في براين كي يخرج. صاح: «اخرج من هذه المدينة، أنا جاد فيما أقول، إياك ~~أن تنتظر حتى الغد إذا كنت تخشى على نفسك! اخرج!» ثم لوح بالساطور في حركات درامية باتجاه ~~الباب. تحرك براين، لكنه - عن قصد أو غير قصد - حرك مؤخرته في خيلاء واستهزاء، وهو ما جعل ~~مورجان يستشيط غضبا وينطلق في إثره ملوحا بالساطور على نحو متكلف. انطلق براين، وانطلق ~~مورجان وراءه، بينما صرخت أيرين ووضعت يدها على بطنها. كان مورجان بدينا لا يقوى على ~~الجري، ولا على رمي الساطور لمسافة بعيدة. راقب هيرب ما يحدث من مكانه عند مدخل الباب، ~~وسرعان ما عاد مورجان وهوى بالساطور على المنضدة. # صاح مورجان: «ليعد الجميع إلى العمل! كفوا عن هذه النظرات الحمقاء! أنتم لا تقبضون ~~رواتبكم لتنظروا هكذا! ما الذي تنوون فعله؟» ورمق أيرين بنظرة غاضبة. # قالت أيرين بنبرة مهادنة: «لا شيء.» ~~«إذا كنت تنوين فعل شيء، فاخرجي من هنا.» ~~«لا أنوي شيئا.» ~~«حسنا!» # عدنا إلى العمل. خلع هيرب ثوبه الملطخ بالدماء وارتدى سترته ورحل، ربما ليتأكد من استعداد ~~براين للرحيل في حافلة المساء. لم ينبس ببنت شفة. خرج مورجان وابنه ms078 إلى الفناء، وعاد هنري ~~وأيرين إلى السقيفة المجاورة، حيث عملا على نتف الريش الذي وصل حتى ركبتيهما والذي كان من ~~المفترض أن يتخلص منه براين. # قلت بنبرة هادئة: «أين جلاديس؟» # قالت مارجوري: «تسترد عافيتها.» تحدثت هي الأخرى بصوت خافت أكثر من المعتاد، ولم تكن ~~عبارة «تسترد عافيتها» من الكلمات التي تستخدمها هي وليلي في العادة. استخدمت العبارة لوصف ~~حال جلاديس بنية الاستهزاء منها. # لم تريدا التحدث حول ما حدث؛ لأنهما كانتا تخشيان مجيء مورجان وضبطهما؛ مما سيتسبب في ~~طردهما. كانتا تخشيان ذلك، رغم براعتهما في أداء العمل. فضلا عن ذلك، فهما لم تشاهدا ~~شيئا. ولا بد أنهما منزعجتان لعدم مشاهدتهما ما حدث. كل ما علمته هو أن براين إما فعل ~~لجلاديس شيئا أو أراها شيئا لدى خروجها من دورة المياه، فبدأت تصرخ ودخلت في نوبة ~~هيستيرية. # قالتا إنها ربما تعاني الآن من انهيار عصبي آخر، وهو في طريقه للخروج من المدينة. أعربتا ~~عن سعادتهما للتخلص من الاثنين. ~~••• # لدي صورة التقطت لطاقم العمل بالحظيرة عشية عيد الميلاد. التقطت الصورة باستخدام آلة ~~تصوير وميضية كانت أحد مظاهر بذخ أحدهم في عيد الميلاد. أعتقد أنها كانت ملكا لأيرين. لا ~~بد أن هيرب آبوت هو من التقط الصورة؛ فهو الشخص الذي يمكن الوثوق به في معرفة أو تعلم ~~كيفية تشغيل أي جهاز جديد فورا، وآلات التصوير الوميضية كانت حديثة إلى حد ما في ذلك ~~الوقت. التقطت الصورة نحو الساعة العاشرة عشية عيد الميلاد، بعد أن عاد هيرب ومورجي من ~~توصيل آخر طلب، وكنا قد نظفنا منضدة استخراج الأحشاء وكنسنا ومسحنا الأرضية الإسمنتية. ~~خلعنا أثوابنا الملطخة بالدماء وستراتنا الثقيلة ودخلنا الغرفة الصغيرة المسماة بغرفة ~~الغداء، حيث كان بها منضدة ومدفأة. كنا لا نزال نرتدي ثياب العمل: الأردية السروالية ~~والقمصان. ارتدى الرجال قبعات والنساء أوشحة مربوطة على النحو نفسه الذي ترتدى به وقت ~~الحرب. أبدو في الصورة ممتلئة بعض الشيء ومبتهجة واجتماعية، وكأني تحولت إلى شخصية لا أذكر ~~أنني كنت عليها أو أنني تظاهرت بها. أبدو ms079 أكبر سنا بكثير من الرابعة عشرة. أيرين الوحيدة ~~التي خلعت وشاحها، لينسدل شعرها الأحمر الطويل. تظهر في الصورة بمظهر مغر داعر مهادن، وهو ~~ما قد يتناسب مع سمعتها، وإن كان لا يشبه أي مظهر أذكره لها. لا بد أن آلة التصوير كانت ~~تخصها؛ فقد تعمدت اتخاذ وضعية خاصة من أجل الصورة أكثر من أي شخص آخر. كانت مارجوري وليلي ~~تبتسمان، كعادتهما، لكن كانت ابتسامتهما باهتة. بدتا - بشعرهما المستتر وجسديهما ~~المتدثرين - أشبه بعاملين صارمين مرحين، لكن سريعا الغضب. لم يكن وشاحاهما مناسبين؛ ~~ربما كانت القبعات مناسبة لهما أكثر. يبدو هنري منشرح الصدر، سعيدا لكونه جزءا من فريق ~~العمل، يبتسم ابتسامة عريضة ويبدو أصغر من سنه بعشرين عاما. وهذا مورجي، يطل من الصورة ~~بنظرة بؤس، غير مؤمن بسخاء تلك المناسبة، بينما مورجان متورد الوجه تبدو عليه أمارات ~~السيطرة والشعور بالرضى. كان قد كافأ كلا منا للتو بديك حبش. كانت جميع الديوك ~~تفتقر إلى ساق أو جناح، أو كانت مشوهة بشكل من الأشكال؛ ومن ثم لم يكن يستطيع بيعها ~~بالسعر المتعارف عليه. لكن مورجان حاول جاهدا إقناعنا بأننا نحصل غالبا على أفضل اللحم من ~~الديوك المشوهة، وأرانا أنه أخذ واحدا منها إلى بيته. # جميعنا نمسك أكوابا أو فناجين خزفية كبيرة، لا تحتوي على الشاي كالعادة، بل على ويسكي ~~الجاودار. كان مورجان وهنري يحتسيان الويسكي منذ العشاء. قالت مارجوري وليلي إنهما لا ~~تريدان سوى القليل، وإنهما تحتسيانه فقط لأن اليوم هو عشية عيد الميلاد، وإنهما متعبتان ~~للغاية. قالت أيرين إنها متعبة أيضا، ولكن هذا لا يعني أنها تريد القليل. لم يصب هيرب ~~بسخاء لها فقط، بل لمارجوري وليلي كذلك، ولم تعترضا. صب الويسكي في كوبي وكوب مورجي في نفس ~~الوقت بشح شديد، وأضاف إليهما الكوكاكولا. كان هذا أول شراب أحتسيه في حياتي، ولذلك ~~سأعتقد لسنوات أن الجاودار والكوكاكولا هو المشروب التقليدي الذي سوف أطلبه دوما، إلى أن ~~ألاحظ أن قلة من الأشخاص هم الذين يحتسونه، وأنه يشعرني بالغثيان، مع أني لم أشعر بالغثيان ~~في ms080 تلك الليلة؛ إذ لم يعطني هيرب الكثير. وباستثناء المذاق الغريب، وشعوري الخاص بما سيلي ~~من تبعات، كان الأمر أشبه بشرب الكوكاكولا. # لا أحتاج إلى ظهور هيرب في الصورة كي أتذكر شكله، أقصد أنه لم يتغير شكله عما كان عليه ~~طوال الوقت في الحظيرة وفي المرات القليلة التي رأيته فيها في الشارع، باستثناء مرة ~~واحدة. # المرة الوحيدة التي بدا فيها مختلفا إلى حد ما عما كان عليه عندما كان مورجان يكيل ~~السباب لبراين، وعندما فر براين على الطريق لاحقا. كيف بدت تلك النظرة المختلفة؟ حاولت ~~أن أتذكر لأني تأملتها بإمعان في ذلك الوقت. لم يكن مظهره مختلفا كثيرا؛ إذ بدا وجهه ~~آنذاك أكثر تأثرا وعبوسا، ولو كان علي وصف التعبير المرتسم عليه فسأقول إنه تعبير ~~الخزي. لكن ما الذي يمكن أن يشعره بالخزي؟ أيشعر بالخزي من براين بسبب تصرفاته؟ بالتأكيد ~~كان الأوان قد تأخر على حدوث ذلك؛ فمنذ متى وبراين يتصرف على نحو مختلف؟ أيشعر بالخزي من ~~مورجان لانفعاله بحدة وتكلف هكذا؟ أم يشعر بالخزي من نفسه لأنه كان معروفا بقدرته على حل ~~النزاعات والمشاجرات من هذا النوع في مهدها ولم يستطع فعل ذلك هنا؟ هل يشعر بالخزي لأنه لم ~~يدافع عن براين؟ هل توقع من نفسه فعل هذا؛ أعني الدفاع عن براين؟ # هذا ما فكرت فيه آنذاك. فيما بعد، عندما عرفت أكثر - على الأقل عن الجنس - فكرت في أن ~~براين كان عشيق هيرب، وأن جلاديس كانت تحاول فعلا جذب انتباه هيرب، ولهذا السبب أهانها ~~براين؛ سواء بتشجيع هيرب وموافقته أو دونهما. أليس صحيحا أن الأشخاص المتحفظين الذين يبدو ~~عليهم الوقار والهيبة - أمثال هيرب - يختارون دوما شخصا مثل براين، ويهدرون حبهم البائس ~~على شخص أبله وفاسد أخلاقيا لا يتصف حتى بالشر أو الوحشية، لكنه مجرد مصدر إزعاج دائم؟ ~~فكرت في أن هيرب، بكل رقته وحذره، كان ينتقم لنفسه منا جميعا - ليس فقط من جلاديس ولكن منا ~~جميعا - عن طريق براين، وأن ما كان يشعر به عندما تأملت وجهه لا بد وأنه ms081 كان ازدراء فظا ~~مشوبا بالنشوة. كان شعورا بالحرج أيضا؛ الحرج لبراين ولنفسه ولجلاديس، ولنا جميعا إلى ~~حد ما؛ إحساس بالخزي لنا جميعا؛ هذا ما فكرت فيه وقتذاك. # رغم هذا، تراجعت عن هذا التفسير فيما بعد. لقد وصلت إلى مرحلة من التراجع عن الأشياء التي ~~لم أستطع معرفة حقيقتها. يكفيني الآن أن أفكر في وجه هيرب بهذا المظهر الغريب المغموم، وأن ~~أفكر في عبث براين في ظل الوقار الذي كان يميز هيرب، وأن أفكر في تركيزي الذي يشوبه الغموض ~~على هيرب، واحتياجي إلى الإمساك به متلبسا لو أتيحت لي الفرصة، ثم التسلل إليه والبقاء ~~قريبة منه. كم هي جذابة ومبهجة فكرة الارتباط الحميمي بشخص لن يقبل أبدا على عرضها! ما ~~زلت أستطيع الإحساس بجاذبية رجل كهذا، بجاذبية وعده بالمستقبل السعيد ورفضه لي. ما زلت أرغب ~~في فهم الأمور دون اكتراث بالحقائق ولا بالنظريات. # عندما أنهيت شرابي أردت أن أقول شيئا لهيرب. وقفت إلى جواره وانتظرت لحظة لا ينصت فيها ~~هيرب لأحد أو يتحدث مع أحد، ويكون فيها حديث الآخرين على درجة من الصخب لا يسمع معه ما ~~سأقول. ~~«آسفة لاضطرار صديقك إلى الرحيل.» ~~«لا بأس.» # تحدث هيرب بنبرة ودودة لاهية؛ وهكذا لم يعطني أي فرصة للاهتمام بحياته أو الحديث عنها. ~~كان يعلم ما أفكر فيه. لا بد وأنه اختبر ذلك مسبقا مع كثير من النساء. كان يعرف كيف يتعامل ~~مع الأمر. # صبت ليلي لنفسها المزيد من الويسكي، وأخبرتنا كيف تنكرت هي وأعز صديقاتها (التي ماتت ~~الآن بسبب مرض في الكبد) في زي رجال ذات مرة ودخلتا الركن المخصص للرجال في الحانة؛ ذلك ~~الركن المكتوب فوقه «للرجال فقط» لأنهما أرادتا معرفة ما يحدث هناك. جلستا في أحد الأركان ~~تحتسيان البيرة بأعين وآذان منتبهة، دون أن يشك أحد في أمرهما، لكن سرعان ما ظهرت ~~مشكلة. ~~«إلى أين سنذهب؟ لو ذهبنا إلى الركن الآخر الخاص بالسيدات، ورآنا أي أحد ونحن نتجه إلى ~~هناك، فسيصرخ فينا. ولو ظللنا في ركن الرجال فسيلاحظ أحدهم أننا لا ms082 نتصرف كالرجال. وفي نفس ~~الوقت كان مفعول البيرة اللعينة يسري فينا!» # قالت مارجوري: «وهو ما لا تفعلينه في شبابك!» # قدم لي كثيرون النصح أنا ومورجي. نصحونا أن نستمتع بحياتنا ما دمنا نستطيع ذلك، وأن ~~نبقى بعيدا عن المشاكل. قالوا إنهم جميعا مروا بمرحلة الشباب ويعرفونها جيدا. وقال هيرب ~~إننا طاقم عمل ماهر وإننا نقوم بمهامنا على أكمل وجه، وأضاف أنه لم يرد أن يقع في أي ~~مشكلة مع أزواج أي من السيدات اللاتي يعملن في الحظيرة بسبب سهرهن هنا حتى وقت متأخر. ~~أعربت مارجوري وليلي عن لامبالاتهما تجاه زوجيهما، بينما قالت أيرين إنها تحب زوجها وأنكرت ~~أنه جيء به من ديترويت رغما عنه ليتزوجها، بغض النظر عما كان يقوله الناس. قال هنري إن ~~الحياة تكون هنيئة ما لم نضعف أمامها، وتمنى لنا مورجان عيد ميلاد سعيدا. # عندما خرجنا من الحظيرة، كانت الثلوج تتساقط من السماء. قالت ليلي إن هذا الطقس أشبه ~~ببطاقة معايدة، وقد كان حقا؛ فالثلوج تدور حول أضواء أعمدة الإنارة في المدينة، وحول ~~المصابيح الملونة التي وضعها الناس خارج مداخل بيوتهم. أقل مورجان كلا من هنري وأيرين ~~إلى بيتهما بشاحنته بسبب تقدم سن هنري وحمل أيرين، واحتفالا بعيد الميلاد. واتخذ مورجي ~~طريقا مختصرا عبر الحقل، بينما رحل هيرب وحده مطأطئ الرأس ويداه في جيبيه، يتمايل قليلا ~~وكأنه على متن قارب. وعقدت مارجوري وليلي ذراعيهما بذراعي وكأننا أصدقاء قدامى. # قالت ليلي: «هيا نغن. ماذا تقترحان؟» # قالت مارجوري: ««نحن الملوك الثلاثة»؟ «نحن مستخرجات أحشاء الحبش الثلاثة»؟» ~~«ما رأيكن في أغنية «أحلم بعيد ميلاد ثلجي»؟» ~~«ولماذا تحلمين؟ ها قد تحقق!» # وهكذا غنينا. # | الحادثة # بعد ظهر أحد الأيام في بداية شهر ديسمبر، تسكعت فرانسيس بالقرب من إحدى النوافذ في الطابق ~~الثاني بالمدرسة الثانوية في هانراتي. كان ذلك في عام 1943، وكان زي فرانسيس متماشيا مع ~~موضة ذلك العام؛ إذ كانت ترتدي تنورة داكنة اللون مربعة النقش، وشالا ذا أهداب على شكل ~~مثلث من نفس القماش؛ وضعت الشال على كتفيها وضمت طرفيه عند خصرها. ms083 كما كانت ترتدي بلوزة ~~بيضاء اللون تميل إلى الصفرة من الساتان - الساتان الأصلي الذي اختفى من الأسواق بعد هذه ~~الفترة مباشرة - واشتملت البلوزة على العديد من الأزرار اللؤلئية الصغيرة من الأمام وعلى ~~الكمين. لم تكن فرانسيس معتادة على ارتداء مثل هذه الثياب لدى قدومها لتعليم الموسيقى في ~~المدرسة الثانوية؛ فأي سترة وتنورة قديمتين كانتا ستؤديان الغرض؛ ولهذا كان هذا التغيير ~~ملحوظا. # لم يكن لديها عمل في الطابق الثاني؛ ففرقتها الموسيقية تغني في الطابق السفلي. وخلال هذه ~~الفترة كانت تدرب الطالبات بجد لإعدادهن لحفل الكريسماس. كانت أغنيتهن الصعبة هي «سوف يطعم ~~قطيعه»، ثم «ترنيمة هورون» (وقد شكا أحد أولياء الأمور أنه ظن أن من ألف الترنيمة قسيس)، ~~و«قلوب البلوط» لأنه كان لا بد من وجود أغنية وطنية بسبب الأحوال السائدة، وأغنية ~~«الصحراء»، التي كانت من اختيار الطالبات. ووقتئذ كن يصدحن بأغنية «المدينة المقدسة». ~~وكانت هذه الأغنية من الأغاني المفضلة بشدة، لا سيما لدى الفتيات الحالمات ممتلئات الصدر ~~وكذلك سيدات الكورال. وكان بوسع فتيات المدرسة الثانوية إثارة غضب فرانسيس؛ فمرة يردن ~~إغلاق النوافذ، ومرة يردن فتحها؛ مرة يقلن إن تيارات الهواء باردة، ومرة يقلن إن قواهن ~~تخور من الحر. كن يعتنين بأجسادهن، ويتحركن غارقات في حب ذواتهن بغير رضى، وينصتن إلى ~~رفرفات القلب، ويتحدثن عن تباريح الحب. إنها بداية انتقالهن إلى الأنوثة المكتملة. ثم ماذا ~~يحدث لهن؟ نهود ومؤخرات ممتلئة، شعور طفيف بالأهمية، خجل، شرود ذهني، عناد، رائحة مشدات ~~الجسم، وإفشاء أسرار مقززة. كن يحظين بنظرات تبجيلية في الكورال. أما عن العلاقات الغرامية، ~~فما يمارسنه فعليا ليس سوى نوع رتيب من الجنس، على شاكلة قول: «يسير معي ويحدثني ويخبرني ~~أني حبيبته.» # تركتهن فرانسيس وحدهن، وتظاهرت أنها ذاهبة إلى مرحاض المعلمين. كل ما تفعله هناك هو إضاءة ~~الأنوار والنظر بارتياح إلى وجهها غير فائق الجمال؛ وجهها الطويل ذي الإشراقة الحزينة، ~~بأنفه الكبير قليلا، والعينين البنيتين الصافيتين، وشعرها الكثيف المجعد الذي يتراوح ~~لون خصلاته بين الأحمر والأسود. تحب فرانسيس مظهرها، وعادة ما تبتهج برؤية ms084 وجهها في ~~المرآة . يبدو أن معظم النساء - على الأقل حسبما يرد في الكتب - يواجهن صعوبة في تقبل ~~مظهرهن، وذلك باعتقاد أنهن أقل جمالا مما يبدون بالفعل. ولكن تعترف فرانسيس أن مشكلتها هي ~~النقيض؛ فليس الأمر أنها تظن نفسها جميلة، بل أنها محظوظة بوجهها المغري. فهي تتذكر أحيانا ~~فتاة في معهد الموسيقى اسمها ناتالي، ولا تتذكر اسم أبيها، كانت تعزف على الكمان. اندهشت ~~فرانسيس عندما عرفت أن الناس أحيانا ما تخلط بينها وبين ناتالي التي اتسمت بوجه شاحب ناتئ ~~العظام وشعر مجعد. بل كانت أكثر اندهاشا عندما علمت - عبر شبكة من الأصدقاء والأخلاء ~~المقربين - أن الأمر كان يزعج ناتالي بقدر ما كان يزعجها. وعندما فسخت فرانسيس خطبتها على ~~بول - وكان زميلا أيضا بمعهد الموسيقى - قال لها بنبرة فظة واقعية وخالية من أي تودد أو ~~عواطف كان يشعر من قبل باضطراره إلى استخدامها معها: «حسنا، هل تعتقدين حقا أنك ~~تستطيعين أن تقدمي لي أفضل من هذا؟ أنت لست أجمل الفتيات، وأنت تعلمين هذا.» # بعد أن نظرت إلى وجهها في المرآة أغلقت مصابيح الإضاءة، وبدلا من العودة إلى الفرقة ~~الموسيقية صعدت إلى الطابق العلوي. خلال الفترة الصباحية في الشتاء تخيم الكآبة على ~~المدرسة؛ حيث تكون درجة الحرارة منخفضة لأن الشمس لم تشرق بعد، والجميع يتثاءب ويرتجف، ~~وأطفال الريف الذين تركوا منازلهم في ظلمة الليل يفركون أعينهم من النعاس. ولكن بحلول هذا ~~الوقت من اليوم، بحلول وقت العصاري، شعرت فرانسيس بهمهمة في أرجاء المكان تبعث على الشعور ~~بالارتياح، وساد بين الطالبات قدر مسموح به من النعاس، بينما ينعكس ضوء النهار على الألواح ~~الخشبية داكنة اللون المبطنة للأجزاء التحتية من الجدران، وتتكدس المعاطف الصوفية غير ~~المزخرفة والأوشحة والأحذية ذات الرقبة العالية وأدوات التزلج وعصي الهوكي في غرفة ~~إيداع الثياب. وعبر النوافذ الفوقية المفتوحة بأبواب الفصول، تسمع تعليمات متعلقة بالمناهج ~~الدراسية من إملاءات فرنسية وحقائق ثابتة. وإلى جانب كل هذا النظام والإذعان له، يسود شعور ~~ملح معتاد - شعور بالتوق أو التحذير - أن مجموعة غريبة من الأشياء ms085 التي يمكنك استشعارها ~~أحيانا في الموسيقى أو في منظر طبيعي مكبوتة بالكاد وتنذر بالانفجار والكشف عن ذاتها، ~~ولكنها لا تفعل، بل تذوب وتتلاشى. # وقفت فرانسيس في مواجهة باب فصل العلوم مباشرة، وكانت النافذة الفوقية من الباب مفتوحة، ~~فأمسى بوسعها سماع أصوات المعدات الزجاجية، وهمسات الطالبات، وتحرك الكراسي. لا بد أنه ~~طلب منهم إجراء تجربة. وعلى نحو سخيف ومخز، شعرت بالتعرق في كفيها، وزيادة ضربات قلبها، ~~تماما مثلما كانت تشعر قبل اختبار بيانو أو حفل موسيقي. إن هذا الجو المتأزم، والاحتمالات ~~المفترضة بالفوز أو الفشل التي يمكنها تحويلها إلى حقيقة لنفسها وللآخرين؛ كل ذلك يبدو الآن ~~ملفقا وسخيفا وزائفا. ولكن ماذا عن هذا الأمر؛ عن علاقتها بتيد ماكافالا؟ حتى الآن، لم ~~تبتعد فرانسيس عن هذه العلاقة، حتى إنها لا تستطيع تمييز مدى السخافة التي يمكن أن تبدو ~~عليها لأي فرد يراها. لا بأس، لو كانت السخافة تعني المخاطرة والطيش، فهذا لا يهمها؛ فربما ~~جل ما تريده هو فرصة للمغامرة. لكن ثمة فكرة تراودها أحيانا بأن قصة الحب يمكن ألا ~~تكون زائفة، ولكنها بطريقة ما مصطنعة ومتعمدة، أو فرصة متاحة، تماما شأنها شأن ذلك ~~الأداء التعليمي السخيف؛ فهي اختراع آيل للسقوط. ولكن هذه الفكرة لا يمكن لفرانسيس المغامرة ~~بها، ولهذا تنحيها جانبا. # من خلال النافذة، سمعت فرانسيس صوت طالبة مرتبكة وتشكو شيئا (وهذه سمة أخرى من سمات ~~طالبات المدرسة الثانوية؛ فهن يتذمرن عندما لا يفهمن؛ ولهذا فعدم احترام الصبية للمدرس ~~وتذمرهم أفضل من شكوى الفتيات). ثم تحدث تيد بصوت خفيض مجيبا عن الأسئلة ومفسرا. لم تستطع ~~فرانسيس أن تسمع كلماته، ولكنها تخيلت أنه يميل بلطف لمساعدتهن، ويؤدي إحدى المهام العادية ~~مثل خفض شعلة موقد بنزن. وقد كانت تحب أن تتخيله إنسانا مجدا في عمله، صبورا، غير معتمد ~~على الآخرين. ولكنها كانت تعلم - أو بالأحرى بلغها - أن سلوكياته في الفصل تختلف عما رسمه ~~في مخيلتها أو مخيلة الآخرين. فمن عادته التحدث عن عمله وعن طلابه بقدر من الازدراء ~~والسخرية، وإذا سئل عن نوع ms086 التأديب الذي يفضله لضبط السلوك في الفصل، فسيقول: أوه، ليس ~~الكثير، ربما لكمة في الفم، أو ركلة سريعة في المؤخرة. والحقيقة أنه ينال اهتمام طلابه ~~بجميع أنواع الحيل والمداهنات، ويستعين بأدوات مثل الطراطير لعقاب الكسالى، وصفارات عيد ~~الميلاد، ويواصل تحدي غبائهم بطريقة ميلودرامية للغاية، وذات مرة أحرق أوراق الاختبار ~~خاصتهم ورقة ورقة في الحوض. وكانت فرانسيس تسمع الطالبات دوما تصفنه على هذا النحو: «شخصية ~~غريبة!» لكنها لا تحب أن تسمعهن يقلن هذا، بيد أنها متأكدة أنهن يقلن هذا عنها أيضا؛ ~~فهي نفسها تستخدم أساليب مبالغا فيها؛ فكانت تحرك أصابعها خلال شعرها الكثيف وتنتحب قائلة: ~~«لا، لا، لا، لا» عندما يتدنى مستوى الغناء. ولكنها كانت تفضل ألا يضطر إلى القيام بمثل ~~هذه الأمور؛ إذ كانت تخجل أحيانا من ذكر اسمه، ومن سماعها ما يقوله الناس عنه. ومع أنهم ~~يصفونه بأنه ودود، يجول بخاطرها أن نبرة صوتهم تشي ببعض الحيرة وبعض الازدراء؛ ولذا كانت ~~تتساءل: لماذا يضطر إلى تحمل هذا؟ فهي تعرف رأيه عن هذه المدينة ومن يعيشون فيها، أو ما ~~يدعي أنه رأيه. # فتح الباب وتحرجت فرانسيس في صدمة؛ فآخر ما تريده هو أن يجدها تيد هنا تتنصت وتتجسس ~~عليه. ولكنه لم يكن تيد، حمدا لله، إنها سكرتيرة المدرسة، امرأة جادة ممتلئة الجسم شغلت ~~منصب السكرتيرة منذ أمد بعيد، منذ أن كانت فرانسيس نفسها طالبة بالمدرسة، بل وقبلها أيضا. ~~إنها مخلصة للمدرسة وللدروس الدينية التي تعطيها في الكنيسة المتحدة. ~~«أهلا بك يا عزيزتي، هل تستنشقين الهواء؟» # لم تكن النافذة التي تقف فرانسيس بجوارها مفتوحة بالطبع، بل وحتى شقوقها كانت مغطاة بشريط ~~لاصق. ولكن فرانسيس لدى طرح هذا السؤال عليها رسمت على وجهها تعبيرا مازحا يؤيد كلام ~~السكرتيرة قائلة: «متغيبة عن الفصل.» مقرة بعدم وجودها في فصلها. فذهبت السكرتيرة في هدوء ~~إلى الدرج للنزول إلى الطابق السفلي وهي تخاطب فرانسيس بصوت حنون. ~~«أداء فرقتك الموسيقية رائع اليوم؛ لطالما أحببت موسيقى الكريسماس.» # عادت فرانسيس إلى فصلها وجلست وراء مكتبها، مبتسمة للوجوه التي تصدح ms087 بالغناء. غنين ~~«المدينة المقدسة» ثم من تلقاء أنفسهن بدأن غناء «ترنيمة ويستمنستر» كانت تبدو عليهن ~~السخافة، ولكن ما بيدهن حيلة؛ فالغناء شيء سخيف بكل ما في الكلمة من معنى. لم تعتقد أبدا ~~أنهن سيلاحظن ابتسامتها ويذكرن الأمر لاحقا قائلات إنها خرجت بالضرورة لتقابل تيد في ~~الردهة. إن اعتقاد فرانسيس بأن علاقتها الغرامية سرية يبين بوضوح شديد افتقارها إلى الطبيعة ~~الفطرية التي يتسم بها أهل المدن الصغيرة، ويبين كذلك ثقة وطيشا لا تدرك هي وجودهما في ~~شخصيتها، وهذا ما يقصده الناس عندما يقولون عنها إن هذا الأمر يوضح بالطبع أنها غريبة عن ~~المدينة، لكنها في الواقع لم تغب عن المدينة سوى أربع سنوات فقط قضتهم في معهد الموسيقى ~~للدراسة. لكن الحقيقة هي أنها لطالما افتقرت إلى الحيطة. فبقامتها الطويلة وجسدها المتناسق ~~ومنكبيها الضيقين، كانت تشبه الغرباء في حركتها السريعة، ونظراتها الشاردة، ونبرتها ~~العالية، وما يحمله صوتها من توتر، وكذلك كانت تشبههم في براءة افتراضها أنها ليست محطا ~~للأنظار وهي تتنقل على عجل من مكان إلى آخر في أرجاء المدينة وذراعاها محملتان بكتب ~~الموسيقى، وتنادي على أناس على الجانب الآخر من الطريق وتوجه لهم رسائل تشي بالترتيبات ~~المتذبذبة - بل والتي تبدو أحيانا مستحيلة - في حياتها. ~~«أخبري بوني بألا تحضر حتى الساعة الثالثة والنصف!» ~~«هل وجدت المفاتيح؟ لقد تركتها في المكتب.» # كانت على نفس هذه الحال في طفولتها؛ إذ أصرت أيما إصرار على أن تتعلم عزف البيانو، مع ~~أن عائلتها لم يكن لديها بيانو في الشقة التي تعلو متجر الإلكترونيات حيث كانت تعيش مع ~~والدتها وشقيقها (وكانت والدتها أرملة تقبض راتبا هزيلا من عملها في هذا المتجر). ~~وبطريقة ما، تدبرت فرانسيس أمر الخمسة والثلاثين سنتا كل أسبوع اللازمة لتعلم البيانو، ~~ولكن البيانو الوحيد الذي رأته كان بيانو معلمتها، أما في البيت، فكانت تتمرن على لوحة ~~مفاتيح مرسومة بالقلم الرصاص على عتبة النافذة. وكان ثمة مؤلف موسيقي - يدعى هاندل، ~~أكان هذا اسمه؟ - اعتاد التمرن على البيانو القيثاري في علية المنزل وهو يحكم إغلاق الباب ms088 ~~كي لا يعرف أبوه مدى ولعه بالموسيقى. (والسؤال الشائق هنا هو كيف نجح هذا المؤلف الموسيقي ~~في إدخال البيانو إلى ذلك المكان خلسة؟) لو كانت فرانسيس أصبحت عازفة بيانو مشهورة، لتحولت ~~لوحة المفاتيح على عتبة نافذتها - التي تطل على ~~الزقاق وسقف حلبة الكيرلنج - إلى أسطورة أخرى مثل أسطورة البيانو القيثاري. # مما قاله بول - الذي كان خطيبها وزميلها في المعهد - أيضا: «لا تحسبي أنك عبقرية، لأنك ~~لست كذلك.» هل فكرت في هذا؟ كانت تعتقد أن المستقبل يخبئ لها شيئا مميزا. لم تفكر حتى في ~~الأمر بوضوح، ولكنها تصرفت وكأنها فكرت فيه؛ فعادت إلى موطنها، وبدأت تدرس الموسيقى، ~~أيام الإثنين في المدرسة الثانوية، وأيام الأربعاء في المدرسة الخاصة، وأيام الثلاثاء ~~والخميس في المدارس الصغيرة بالريف، أما أيام السبت فمخصصة للتمرن على الأرجن وإعطاء الدروس ~~الخصوصية، وأيام الأحد كانت تعزف في الكنيسة المتحدة. # وفي الكريسماس، كانت فرانسيس تكتب على بطاقات المعايدة التي ترسلها إلى أصدقائها القدامى ~~في معهد الموسيقى: «ما زلت أتخبط في هذه العاصمة الثقافية العظيمة.» فما إن ماتت والدتها، ~~وبمجرد أن شعرت بالحرية والانطلاق، شرعت فرانسيس في بدء حياة مستقلة غير واضحة الملامح، ~~حياة ترضيها على نحو أفضل بلا حدود، حياة لم تزل بانتظارها. وكانت صديقاتها يرسلن رسائل ~~توحي غالبا بنبرة التشتت والريبة نفسها. «أنجبت طفلا آخر، وكم أنا مشغولة، فيداي دوما ~~في حوض الغسيل أنظف الحفاظات أكثر مما أمرنهما على لوحة المفاتيح.» كن جميعا في بداية ~~الثلاثين من العمر. وهو عمر من الصعب أحيانا أن تعترف فيه الواحدة منا بأن ما تعيشه هو ~~حياتها بالفعل. # كانت الرياح تحني الأشجار بالخارج حيث تغطيها الثلوج. عاصفة ثلجية بسيطة. أمر لا يثير ~~الانتباه في هذه البقعة من الريف. وعلى عتبة النافذة توجد قنينة حبر من النحاس البالي بها ~~ريشة طويلة، وهو شيء مألوف يجعل فرانسيس تفكر في ألف ليلة وليلة، أو شيء من هذا القبيل، شيء ~~يبشر أو يوحي بوقوع أحداث غريبة وغامضة ومبهجة. ~~••• # قال تيد عندما قابلته في الردهة بعد الساعة الرابعة: ms089 «مرحبا، كيف حالك ؟» ثم قال في نبرة ~~صوت خفيضة: «غرفة الإمدادات، سأكون هناك.» # قالت فرانسيس: «حسنا، حسنا.» ذهبت لتغلق الغرفة على بعض كتب الموسيقى وتغلق البيانو. ~~أخذت تعبث وتتلكأ في الأرجاء إلى أن رحلت جميع الطالبات، ثم هرولت إلى الطابق العلوي، إلى ~~فصل العلوم، ومنه إلى حجرة كبيرة بلا نوافذ، كانت الغرفة التي يحصل منها تيد على إمداداته. ~~ولكنه لم يكن قد وصل بعد. # كانت هذه الحجرة تستخدم كخزانة تتراص فيها الأرفف التي تحمل زجاجات محتوية على مواد ~~كيميائية متنوعة - وكانت كبريتات النحاس هي المادة الوحيدة التي استطاعت فرانسيس معرفتها ~~دون وجود ملصق على الزجاجة؛ فهي تتذكر لونها الجميل - ومواقد بنزن، ودوارق، وأنابيب اختبار، ~~وهيكلا عظميا بشريا وآخر لهرة، وبعض الأعضاء المعبأة في زجاجات، أو ربما كائنات حية، ~~فهي لم تتأملها عن قرب، وكانت الغرفة مظلمة على أية حال. # كانت فرانسيس تخشى أن يدخل عامل النظافة، أو حتى بعض الطالبات اللاتي يعملن تحت إشراف تيد ~~في مشروع ما يتمحور حول العفن أو بيض الضفادع (مع أنه ليس التوقيت المناسب من العام لذلك ~~بالطبع). ماذا لو عادت الطالبات بحثا عن شيء؟ عندما سمعت وقع خطوات، بدأ قلبها يخفق بقوة، ~~وبعدما أدركت أنها خطوات تيد لم يهدأ خفقان قلبها ولكن تغير سبب خفقانه، فأصبح يدق ليس ~~فزعا، وإنما من قوة التوقعات المسيطرة عليها، التي - رغم متعتها - كانت ثقيلة الوطأة ~~جسديا عليها كالشعور بالخوف؛ وكانت التوقعات كفيلة ببث الشعور بالضيق في صدرها. # سمعته يغلق الباب. # نظرت فرانسيس إلى تيد بطريقتين، وكلاهما خلال نفس اللحظة التي ظهر أمامها عند مدخل باب ~~غرفة الإمدادات، ثم سحب الباب ليواربه فكادا يكونان في ظلام دامس. أولا، رأته كما كان ~~الوضع منذ عام مضى، قبل أن يرتبط بها؛ رأته تيد ماكافالا مدرس العلوم الذي لم يشارك في ~~الحرب، مع أنه لم يبلغ الأربعين. وكان لديه بالفعل زوجة وثلاثة أبناء، وربما كان قلبه يصدر ~~صوتا غريبا ينم عن مشكلة به، أو شيئا من هذا القبيل، وكان يبدو مجهدا بالفعل. ms090 رأته ~~رجلا طويل القامة، منحني الظهر قليلا، أسود الشعر، ذا بشرة سمراء وتعبيرات ساخرة ~~ومضطربة، وعينين منهكتين ولامعتين. ويمكن افتراض أنه رآها بنفس النظرة، وهي واقفة هناك، ~~تبدو مترددة وخائفة، ومعطفها على ذراعها وحذاؤها في يدها، إذ جال بخاطرها أنه لن يكون من ~~الحكمة تركهما في غرفة إيداع ثياب المعلمين. كان ثمة احتمال لمدة لحظة ألا يمكنهما ~~تغيير شعور أحدهما تجاه الآخر، ألا يرى كل منهما الآخر بصورة مختلفة، ألا يتذكرا كيف ~~تغيرت نظرة كل منهما للآخر، ألا يمنحا هذه المشاعر. وإذا كان الأمر كذلك، فماذا كانا ~~يفعلان في ذلك المكان؟ # نظرت إليه تارة أخرى وهو يغلق الباب، رأت جانب وجهه وانحدار عظم وجنتيه، وكم كان انحدارا ~~بديعا وحادا على بشرة ملساء. لاحظت أنه أغلق الباب خلسة وبطريقة تنم عن شيء من قسوة ~~الطباع. وحينها عرفت أنه ما من فرصة ستحول دون وقوع التغير في مشاعر كل منهما تجاه ~~الآخر. فقد حدث بالفعل. # ثم حدث المعتاد؛ لعقات وضغطات، ألسنة وأجساد، مداعبة وألم وطمأنينة، دعوات وتنبيهات. ~~اعتادت أن تتساءل خلال الفترة التي قضتها مع بول عما إذا كانت العلاقة الحميمية كلها خدعة، ~~محض وهم، وعما إذا كان أحد يشعر حقا بما يتظاهران بالشعور به، لأنها بالطبع هي وبول لم ~~يشعرا بما كانا يتظاهران بالشعور به. كان بينهما شعور قابض أثناء العلاقة مليء بالاعتذارات ~~والقيود والإحراج، وأسوأ ما في الأمر التأوهات والمغازلات ومحاولات بث الطمأنينة التي يجدان ~~نفسيهما مضطرين لتقديمها. ولكن لا، لم تكن خدعة، بل كان كل شيء حقيقيا، وقد تخطى ~~الحدود؛ كما أن دلالات حدوثه - العينين المغلقتين، والرعشة الشديدة وكل المشاعر الحمقاء ~~البدائية - كلها كانت أيضا حقيقية. # قالت لتيد: «كم شخصا آخر يعرف بهذا الأمر؟» ~~«ليسوا كثيرين، ربما عشرة أو أكثر.» ~~«لا أعتقد أن الأمر سينتشر.» ~~«حسنا، لن يكون مقبولا للناس.» # كانت المسافة بين الأرفف ضيقة، وكانت هناك معدات كثيرة قابلة للكسر. فلماذا لم تفكر ~~قليلا في ترك حذائها ومعطفها ووضعهما في مكان ما على الأرض؟ الحقيقة أنها لم تتوقع ms091 أنهما ~~سيتعانقان كثيرا ، أو بالأحرى أنه ينوي عناقها بهذه الطريقة، لقد اعتقدت أنه أراد إخبارها ~~بشيء فحسب. # فتح الباب قليلا ليدخل بعض الضوء إلى الغرفة، ثم أخذ حذاءها من يدها ووضعه خارج الغرفة. ~~ثم أخذ معطفها، ولكن بدلا من وضعه بالخارج فرشه على ألواح الأرضية التي لم تغطها سجادة. ~~المرة الأولى التي رأته يفعل شيئا كهذا كان في الربيع الماضي، في البستان البارد الذي كانت ~~أشجاره حينها عارية من الأوراق، خلع سترته الجلدية وفرشها على نحو لا يسعهما على الأرض. ~~تأثرت كثيرا بتصرفه التمهيدي البسيط، وبالطريقة التي فرش بها السترة وضبط فرشها، دون أية ~~أسئلة أو شكوك أو استعجال. لم تكن متأكدة ماذا سيحدث حتى فرش السترة، كم كان وجهه لطيفا ~~وهادئا وعاقد العزم! استرجعت هذه الذكرى لدى رؤيته وهو ينزل على ركبتيه في هذه المساحة ~~الضيقة ويفرش معطفها. وكانت تفكر في الوقت نفسه: لو أراد مضاجعتي الآن، فهل يعني هذا أنه لن ~~يستطيع المجيء يوم الأربعاء؟ الأربعاء ليلا هو الموعد الذي يتقابلان فيه بانتظام في ~~الكنيسة بعد انتهاء فرانسيس من تمرين الكورال، فكانت تظل في الكنيسة، تعزف على الأرجن، إلى ~~أن يرحل الجميع، وقرابة الساعة الحادية عشرة كانت تنزل وتطفئ الأنوار وتنتظر عند الباب ~~الخلفي، باب مدرسة الأحد الدينية، لكي تدخله، وقد فكرا في هذا عندما أصبح الجو باردا. ~~ولم تعرف فرانسيس ما الحجة التي كان يقولها لزوجته. ~~«اخلعي ملابسك كلها.» # قالت فرانسيس: «لا يمكننا أن نفعل ذلك هنا.» مع أنها كانت تعلم أنهما سيفعلانها. كانا ~~دائما يخلعان ثيابهما كلها، حتى خلال المرة الأولى التي ضاجعها في البستان؛ لم تكن تظن ~~أبدا أنها لن تشعر بالبرد القارص. # لم يمارسا الجنس هنا في المدرسة إلا مرة واحدة فقط، وفي الغرفة نفسها، وقد كان ذلك خلال ~~إجازة الصيف، بعد حلول المساء. كانت جميع الأجزاء الخشبية في فصل العلوم حديثة الطلاء، ولم ~~تكن هناك علامات تحذيرية - فلماذا يضعونها ما داموا لا يتوقعون دخول أحد الغرفة؟ ~~- كانت رائحة الطلاء قوية جدا، ولكنهما لم ms092 ~~يلحظا ذلك إلا بعد حين. وقد كانا في وضع ملتو بطريقة ما حتى إن سيقانهما كانت في مدخل هذا ~~الباب، وتلطخ كلاهما بالطلاء الذي دهن به إطار الباب. ولحسن حظ تيد أنه كان يرتدي سروالا ~~قصيرا في هذا المساء - وهو مظهر غريب في المدينة وقتذاك - واستطاع إخبار جريتا بالحقيقة؛ ~~بأن الطلاء لطخ ساقه عندما ذهب لفعل شيء في فصل العلوم، دون أن يضطر إلى أن يشرح لها كيف ~~كانت ساقاه عاريتين. أما فرانسيس فلم تضطر إلى شرح شيء؛ إذ إن والدتها لم تكن لتلاحظ مثل ~~هذه الأشياء. كما أنها لم تنظف الطلاء هلالي الشكل (الذي كان موجودا فوق كاحلها مباشرة). ~~تركته حتى يزول من تلقاء نفسه، وكانت تستمتع بالنظر إليه ومعرفة أنه ما زال موجودا، مثلما ~~كانت تستمتع بالكدمات داكنة اللون وعلامات العض فوق ذراعيها وكتفيها، والتي كان بوسعها ~~تغطيتها بسهولة بأكمام طويلة، ولكنها لم تفعل ذلك. ثم كان الناس يسألونها: «كيف أصبت بهذه ~~الكدمة البشعة؟» وكانت ترد: «لا أعلم! أصاب بالكدمات بسهولة. كلما أتفقد جسدي، أجد كدمة ~~جديدة!» كانت أديليد، زوجة أخيها، هي الوحيدة التي تعرف سبب هذه الكدمات، وكانت تختلق ~~الموقف لتقول شيئا عنها. ~~«أوه، لقد خرجت مع ذلك القط مجددا. أليس كذلك؟ أليس كذلك؟» كانت تضحك، بل وتضع إصبعها ~~على مكان الكدمة. # كانت أديليد هي الشخص الوحيد الذي حكت له فرانسيس عن هذه العلاقة، وقال تيد إنه لم يخبر ~~أحدا بها، وقد صدقته فرانسيس، لكنه لم يعلم أنها قد أخبرت أديليد. وكم تمنت لو لم تفعل؛ ~~فلم تكن تحبها بما يكفي لتجعلها كاتمة أسرارها. كان تصرفا سوقيا ومخزيا أن تحكي لها، ~~ولكنها سلكته فقط تباهيا أمامها. وعندما قالت أديليد «القط» بهذه الطريقة الفظة والساخرة ~~والمستفزة التي تعكس غيرتها، شعرت فرانسيس بالسعادة والابتهاج، ولكنها شعرت كذلك بالخجل. ~~كان سيجن جنونها لو عرفت أن تيد يتحدث عن تفاصيلهما الحميمية بمثل هذا الشكل. # كانت الليلة التي لطخا فيها نفسيهما بالطلاء حارة، والمدينة بأكملها كانت قلقة وقانطة ~~وتنتظر هطول المطر الذي ms093 لم يهطل إلا قرب الصباح مع عاصفة رعدية. كلما استرجعت فرانسيس هذا ~~الوقت، فإنها دائما ما كانت تفكر في البرق، كشكل من أشكال الشهوة المؤلمة المهلكة ~~والمجنونة. اعتادت أن تفكر في كل مرة ضاجعها فيها على حدة وتسترجعها في عقلها؛ إذ كان ~~ثمة رسالة غامضة خاصة، أو إحساس مختلف، في كل مرة: المرة التي كانا فيها في فصل العلوم ~~كان البرق والطلاء الرطب. والمرة التي كانا فيها في السيارة خلال هطول الأمطار في منتصف ~~العصاري، والتي مارسا فيها الجنس بإيقاع ناعس - وكان كلاهما سعيدا وناعسا وقتها حتى إنهما ~~لم يعبآ فيما يبدو بما سيفعلانه بعد ذلك - تلك المرة غمرها إحساس بالتموج الهادئ استقر في ~~ذاكرتها. كان إحساس التموج نابعا من تدفق ماء المطر على زجاج السيارة الأمامي، وكأنها ~~ستائر معقودة على الجانبين. # ولكن منذ أن صارا يتقابلان بانتظام في الكنيسة، لم يتغير النمط كثيرا، وصارت كل مرة مثل ~~غيرها تقريبا. # قال تيد بثقة: «اخلعي كل ملابسك، لا تخافي.» ~~«وماذا لو حضر عامل النظافة؟» ~~«لا تخافي، لقد أنهى عمله في هذه الغرفة.» ~~«كيف عرفت؟» ~~«طلبت منه أن ينهي عمله هنا كي أستطيع أن أعمل.» # قالت فرانسيس وهي تقهقه وتخلع بلوزتها وصدريتها بصعوبة: «تعمل؟» كان قد فك الأزرار ~~الأمامية، ولكن لم يزل هناك ستة أزرار في كل كم. أحبت فكرة أنه خطط للأمر، وأحبت أيضا ~~التفكير في شهوانيته التي عزمت على أن تتقد فيه بعد ظهيرة هذا اليوم في غمرة انشغاله بتوجيه ~~فصله، ولكن من ناحية أخرى لم تحب الأمر مطلقا؛ فضحكت بقوة لتحجب التوتر أو الإحباط اللذين ~~لم تشأ سماع صوتهما في داخلها. قبلت خط الشعر المستقيم الذي يمتد فوق بطنه كسيقان ~~النباتات، نابعا من شعر العانة ويمتد إلى الشعر الدقيق المتناسق الذي يغطي صدره. مهما يكن، ~~كان جسده صديقا محببا إلى جسدها، وكان يزين تلك المنطقة الشامة المسطحة داكنة اللون التي ~~تشبه الدمعة، والتي ربما كانت مألوفة لها (وربما لجريتا) أكثر مما كانت مألوفة له هو، ثم ~~تلك السرة الصغيرة؛ ms094 وندبة قرحة المعدة الطويلة، وندبة استئصال الزائدة الدودية، ثم شعر ~~العانة الذي يشبه الأسلاك؛ ثم عضوه الذكري المتورد المنتصب الرائع، وكانت لا تزال تشعر ~~بالشعيرات الخشنة في فمها. # ثم طرق أحدهم الباب. ~~«هش، لا بأس، سيرحل.» ~~«مستر ماكافالا!» # كانت السكرتيرة. ~~«هش، سترحل.» # كانت السكرتيرة واقفة بالخارج في الردهة تتساءل ماذا تفعل. كانت شبه متأكدة أن تيد ~~بالغرفة وأن فرانسيس معه. ومثل كل شخص آخر في المدينة، كانت تعرف قصتهما منذ فترة. (من بين ~~القلائل الذين كان من الواضح جهلهم بالأمر زوجة تيد، جريتا، ووالدة فرانسيس. لم تكن جريتا ~~امرأة اجتماعية؛ فكان من الصعب على أحد إيجاد طريقة لإخبارها. وحاول الناس بطرق مختلفة ~~إخبار السيدة رايت العجوز، والدة فرانسيس، ولكنها لم تستوعب فيما يبدو.) ~~«مستر ماكافالا!» # أمام أعين فرانسيس مباشرة كان تيد يزداد شحوبا وضعفا، ويبدو رقيقا ومثيرا ~~للشفقة. ~~«مستر ماكافالا! آسفة لإخبارك بالأمر. لقد قتل ابنك!» ~~••• # لم يقتل ابن تيد، بوبي، الذي كان في الثانية عشرة من عمره، ولكن السكرتيرة لم تكن تعرف ~~ذلك. لقد أخبروها بوقوع حادث، حادث مريع أمام مكتب البريد، حيث قتل ابنا أوهير وماكافالا. ~~كانت إصابة بوبي بالغة ونقل إلى لندن بسيارة الإسعاف فورا. لقد استغرق وصولهم إلى هناك ~~أربع ساعات بسبب العاصفة الثلجية، وقد تبعهم تيد وجريتا بالسيارة. # جلس الوالدان في غرفة الانتظار بمستشفى فيكتوريا. ولاحظ تيد نقشا للملكة العجوز - تلك ~~الأرملة الغاضبة - على نافذة ذات زجاج ملون، بدت في الرسم كقديسة، ويا لها من قديسة مثيرة ~~للسخط. كما تخيل أن هذا النقش ينافس صورة القديس جوزيف المرسومة بالجص على جدار المستشفى ~~التابع لمدينتهم، وهو يمد ذراعيه وكأنه سيسقط عليك؛ فكلاهما سيئ. ما جال بخاطره حينئذ أن ~~يخبر فرانسيس بذلك؛ فعندما كان يبهجه أو يغضبه شيء - وكثيرة هي الأشياء التي كانت تجعله ~~يشعر بالإحساسين في نفس الوقت - كان يفكر في إخبار فرانسيس. وبدا أن هذا يرضيه، مثلما قد ~~يشعر أحدهم بالرضى لمراسلة محرر. # فكر في الاتصال بها، لا ليخبرها بشأن الملكة فيكتوريا، ليس الآن، ولكن ms095 ليخبرها بما حدث ، ~~وأنه في لندن. لم يكن قد أخبرها أيضا أنه لن يستطيع مقابلتها مساء الأربعاء. كان ينوي ~~إخبارها بذلك لاحقا. ولكن الأمر ليس مهما الآن؛ فكل شيء تغير. لم يستطع تيد الاتصال بها ~~من الغرفة التي يجلس فيها هو وزوجته؛ فالهواتف كانت مرئية بوضوح في غرفة الانتظار. # قالت جريتا إنها لاحظت كافيتيريا أو لافتة ذات أسهم تشير إلى اتجاه الكافيتيريا في ~~المستشفى؛ كانت الساعة حينها قد تخطت التاسعة، ولم يتناولا عشاءهما بعد. ~~«يجب أن تتناول بعض الطعام.» قالتها جريتا دون أن تخاطب تيد بالتحديد، ولكنها كانت تتحدث ~~وفقا لما جرى العرف عليه. من المحتمل أنها في هذه اللحظة كانت تفضل التحدث باللغة ~~الفنلندية، ولكنها لم تكن تتحدث الفنلندية مع تيد؛ فهو لا يعرف كلمات كثيرة؛ إذ إنه نشأ في ~~بيت كان يصر على استخدام الإنجليزية، على النقيض من منزل جريتا. لم يكن هناك أحد في هانراتي ~~تستطيع جريتا التحدث بالفنلندية معه، وهذه كانت إحدى مشكلاتها. كانت فاتورة الهاتف هي ~~المصدر الأساسي الذي يلتهم معظم مالهما؛ لأن تيد لم يكن بمقدوره الاعتراض على محادثاتها ~~الطويلة والحزينة، وإن كانت مبتهجة فيما يبدو، مع والدتها وشقيقاتها. # طلبا شطائر جبن ولحم وقهوة، واشترت جريتا قطعة من فطيرة الزبيب، ترددت يدها فوقها للحظة ~~قبل أن تلتقطها، ربما كانت في حيرة من أمرها حيال نوع الفطيرة الذي تريده، أو ربما كانت ~~متحرجة من تناول فطيرة في هذا الوقت العصيب، وأمام زوجها. وفي أثناء جلوسهما خطر لتيد أن ~~الوقت مناسب ليستأذن بالانصراف، ويعود إلى القاعة حيث توجد الهواتف ويتصل بفرانسيس. # راقب وجه جريتا ناصع البياض، وعينيها الفاتحتين، وهي تنكب على الطعام بنهم، وربما بأمل. ~~كانت تأكل لتخفف من حدة فزعها، بالضبط مثلما فكر هو في الملكة فيكتوريا والقديس جوزيف ليخفف ~~من حدة فزعه. كان على وشك الاستئذان والنهوض في اللحظة التي واتته فيها فجأة فكرة أنه إذا ~~ذهب للاتصال بفرانسيس، فقد يموت ولده. وإذا لم يتصل بها، أو حتى يفكر فيها، واعتزم طردها من ~~حياته، ms096 فسيضاعف من فرص نجاة بوبي ويحول دون موته. ما هذا الكم من الهراء؟ يا لها من ~~خزعبلات تلك التي راودته على حين غرة، لكن كان من المستحيل أن يوقفها، من المستحيل أن ~~يتغاضى عنها. ماذا لو كان الأسوأ قادما؟ ماذا لو تجسدت الفكرة التي ستراوده بعد ذلك في ~~إحدى تلك المقايضات السخيفة؟ وراودته الفكرة: الإيمان بالرب وفقا للعقيدة اللوثرية، وقطع ~~العهد على نفسه بالذهاب إلى الكنيسة بعد هذه الفترة من الانقطاع، والتنفيذ فورا، الآن، ولن ~~يموت بوبي؛ والتخلي عن فرانسيس، التخلي عنها للأبد، ولن يموت بوبي. # التخلي عن فرانسيس! # كم كان هذا سخيفا ومجحفا، وكم كان من السهل وضع فرانسيس في جانب، وكأنها دنسة، وعلى ~~الجانب الآخر ابنه المصاب، ابنه المسكين المحطم، الذي كانت نظرته - في المرة الوحيدة التي ~~فتح فيها عينيه - تطالب بشيء ما من سبيل لتلبيته، تطالب بحياته ذات الاثنتي عشرة سنة. ~~البراءة والفساد؛ بوبي وفرانسيس. يا له من اختزال! يا له من هراء! هراء تام! # توفي بوبي، فقد تحطمت ضلوعه، وثقبت إحدى رئتيه. وكان اللغز الرئيسي الذي حير ~~الأطباء هو لماذا لم يمت فور الحادث، فقد مات قبل حلول منتصف الليل. # بعد ذلك بفترة طويلة، حكى تيد لفرانسيس ما حدث، ليس فقط عن صورة الملكة السخيفة، ولكن ~~أيضا عن الوجبة التي تناولاها في الكافيتيريا، وعن أفكاره حول الاتصال بها، ولماذا لم ~~يتصل، وكذلك أفكاره عن المقايضات. أخبرها بكل شيء، ولكنه لم يخبرها من باب الاعتراف، وإنما ~~من باب التشويق، لتوضيح الطريقة التي يمكن أن ينتكس بها أكثر الأذهان عقلانية بل وينهار. ~~ولكنه لم يتخيل أن ما أخبرها به قد يكون مثيرا للغضب عندما اتخذ هو - في نهاية المطاف - ~~قرارا في صالحها. ~~••• # في تلك الليلة، ليلة الحادث، انتظرت فرانسيس بضع لحظات وحدها في غرفة الإمدادات، في كامل ~~ثيابها ومعطفها، أزرارها مغلقة، ومنتعلة حذاءها، ولم تفكر في أي شيء. أخذت تحدق في الهيكلين ~~العظميين، حيث بدا الهيكل البشري أصغر من الحجم الطبيعي للإنسان، في حين بدا هيكل القط أكبر ms097 ~~وأطول من الحجم الطبيعي للقط. # ثم خرجت من المدرسة دون أن تقابل أحدا، واستقلت سيارتها. ولكن لماذا أخذت معطفها وحذاءها ~~من غرفة الثياب لكي تبدو كأنها عائدة إلى بيتها، في حين أن أي أحد بوسعه رؤية سيارتها وهي ~~لم تزل موجودة هناك؟ # كانت فرانسيس تملك سيارة قديمة، بلايموث موديل عام 1936. وبعدما رحلت من المدينة، علقت ~~صورة في أذهان العديد من الأشخاص لفرانسيس وهي جالسة خلف مقود سيارتها المتوقفة، تجرب شيئا ~~وراء الآخر لجعلها تتحرك (وهي متأخرة بالفعل عن الذهاب إلى مكان ما) بينما تصدر السيارة ~~صوتا مزعجا متقطعا رافضة السير. أو - كحالها الآن - وهي تفتح نافذة السيارة، وتخرج ~~رأسها المكشوفة تحت الثلج المتساقط، وتحاول إخراج إطارات السيارة المغروسة في الثلج ~~المتراكم وهي تدور، وتحمل على وجهها تعبيرا يوحي بأنها لم تتوقع من هذه السيارة أن تفعل أي ~~شيء سوى أن يتوقف محركها وتربكها، ولكنها ستقاوم تعطلها حتى آخر نفس لديها. # أخرجت السيارة بالفعل أخيرا من الثلوج، وقادتها أسفل التل نحو الشارع الرئيسي. لم تعرف ~~ما حدث لبوبي، وما نوع الحادث الذي تعرض له، ولم تسمع ما قيل بعد أن تركها تيد. وفي الشارع ~~الرئيسي كانت المتاجر مضاءة بشكل يبعث على الدفء، وكان هناك خيول وسيارات بطول الشارع (ففي ~~هذا الوقت لم تكن طرقات المنطقة ممهدة)، وكلاهما حجب الهواء النقي بالأنفاس والعادم اللذين ~~ينفسان عما يعتمل في داخلهما. بدا لها في تلك اللحظات أنه كان هناك أناس أكثر من المعتاد ~~متجمهرين يتحدثون، أو لا يتحدثون، ليس لديهم استعداد للتفرق، خرج بعض أصحاب المتاجر ووقفوا ~~هناك أيضا، دون معاطفهم، في الثلج، وبدت ناصية مكتب البريد مغلقة، وكان هذا هو الاتجاه ~~الذي ينظر نحوه الناس. # صفت السيارة خلف متجر الإلكترونيات، وصعدت مسرعة السلالم الخارجية الطويلة التي جرفت ~~عنها الثلج والجليد هذا الصباح، والتي ستكرر جرفها لاحقا تارة أخرى لتجمع المزيد من ~~الجليد عليها. حينها شعرت كأنها تفر إلى مخبأ، ولكنها لم تفعل؛ إذ كانت أديليد ~~موجودة. ~~«فرانسيس؟ أهذه أنت؟» # خلعت فرانسيس معطفها في ms098 الردهة الخلفية للمنزل ، وتأكدت أن أزرار بلوزتها مغلقة، ووضعت ~~حذاءها على الدواسة المطاطية. ~~«كنت أخبر الجدة لتوي، فإنها لم تعرف أي شيء عن الأمر، ولم تسمع سيارة الإسعاف.» # كانت هناك سلة بها ملابس نظيفة على منضدة المطبخ، وفوقها كيس وسادة قديم لمنع تسرب الثلج ~~إلى الملابس. دخلت فرانسيس المطبخ مستعدة لقطع حديث أديليد، ولكنها عرفت أنها لن تستطيع ~~عندما رأت سلة الملابس. ففي الأوقات التي تكون خلالها فرانسيس أكثر انشغالا، قرب الكريسماس ~~أو حفل الربيع، كانت أديليد تأتي وتأخذ ملابسها هي وأمها لتغسلها في بيتها، وتعود بجميع ~~الملابس بعد كيها بالطريقة العادية أو برذاذ النشا؛ وكانت تستخدم أيضا مساحيق التبييض ~~لجعل الملابس البيضاء أكثر بياضا. وكانت أديليد أما لأربعة أبناء، ولكنها دائما ما كانت ~~تساعد الآخرين، فتخبز وتتسوق من أجلهم، وتعتني بأبنائهم، وتعرف أسرار البيوت المقفلة على ~~مشكلاتها. كرم محض. ابتزاز محض. # قالت أديليد وهي تلتفت إلى فرانسيس: «كانت سيارة فريد بيتشر ملطخة بالدماء. كان صندوق ~~سيارته مفتوحا، وكان يحمل فيه عربة الأطفال لينقلها إلى منزل أخت زوجته، وصندوق سيارته كان ~~ملطخا بالكثير من الدماء. كان ملطخا بالكثير من الدماء.» # سألت فرانسيس بعد أن أدركت أنه لا مفر من سؤالها الآن، وأن زوجة أخيها ستخبرها بما حدث ~~على أية حال: «هل كان فريد بيتشر؟ هل صدم فريد بيتشر ابن ماكافالا؟» كانت تعرف اسم بوبي، ~~بالطبع، كانت تعرف أسماء ووجوه جميع أبناء تيد، ولكنها استخدمت غموضا مصطنعا في حديثها عن ~~أي منهم - وعن تيد أيضا - ولهذا حتى الآن كان عليها أن تقول «ابن ماكافالا». # سألتها أديليد: «ألا تعرفين بالأمر أنت أيضا؟ أين كنت؟ ألم تكوني في المدرسة الثانوية؟ ~~ألم يأتوا ليخبروه بالحادث؟» # ردت فرانسيس: «سمعت أنهم جاءوا ليخبروه.» رأت أن أديليد قد أعدت الشاي، وكانت في حاجة ~~ماسة إلى كوب شاي، ولكنها كانت تخشى أن تلمس الأكواب أو إبريق الشاي، لأن يديها كانتا ~~ترتجفان. «سمعت أن ابنه قتل.» ~~«لم يكن هو من قتل، وإنما الصبي الآخر، ابن أوهير، كانا صبيين. قتل ms099 ابن أوهير فورا ، ~~كان الأمر بشعا. وابن ماكافالا لن يعيش، لقد ذهبوا به إلى لندن في سيارة إسعاف، لكنه لن ~~يعيش.» # قالت والدة فرانسيس الجالسة أمام المنضدة، وكتابها مفتوح أمامها: «يا إلهي، تلك الأم ~~المسكينة.» ولكنها قد سمعت القصة كاملة من قبل. # قالت أديليد لفرانسيس بنبرة موبخة بعض الشيء: «لم يكن فريد بيتشر هو من صدمهما، لم يكن ~~هذا ما حدث على الإطلاق. لقد ربط الصبيان مزلجتهما بالجزء الخلفي من سيارته، ولم يكن يعلم ~~حتى أنهما فعلا هذا، لا بد أنهما ربطاها عندما أبطأ أمام المدرسة بسبب خروج جميع الطلاب، ثم ~~جاءت سيارة من خلفه على التل، فانزلقت بسبب المزلجة، وصدمتهما. فدفعت المزلجة تحت سيارة ~~فريد مباشرة.» # أصدرت السيدة رايت العجوز صوتا متأوها في نفس الوقت. # قالت أديليد وهي تحدق إلى فرانسيس كما لو أنها أرادت استثارة رد فعل أكبر لديها: «لا بد ~~أن أحدا قد حذرهما. لقد تم تحذير جميع الأطفال وهم يفعلون هذا منذ سنوات وكان حدوث هذا ~~محتوما. كان الأمر مريعا. جميع من شهد الحادث يقول إنه لن ينساه؛ لقد خرج فريد بيتشر من ~~سيارته وتقيأ في الثلج أمام مكتب البريد مباشرة. يا إلهي، الدماء!» # قالت والدة فرانسيس: «أمر بشع.» ولكن كان اهتمامها قد تلاشى إلى حد بعيد. من المحتمل ~~أنها كانت تفكر في العشاء. فمنذ الساعة الثالثة عصرا تقريبا، واهتمامها بالعشاء يتزايد. ~~عندما كانت تتأخر فرانسيس، مثلما تأخرت ذاك اليوم، أو عندما يمر بها أحد لزيارتها في وقت ~~متأخر بعد الظهيرة، معتقدا بلا شك أنها ستسعد بالزيارة، كانت تزداد عصبية، معتقدة أن ~~العشاء سيتم تأجيله. كانت تحاول التحكم في نفسها، فتصبح ودودة ومتلهفة للحديث والتعامل مع ~~ضيفها، تركز في مجموعة العبارات الاجتماعية الدمثة، وتتلفظ بها واحدة تلو الأخرى، على أمل ~~أن يرضى الضيف سريعا ويرحل. # قالت لفرانسيس: «هل اشتريت شرائح اللحم؟» # بالطبع نسيت فرانسيس إحضار هذا الطلب. كانت قد وعدتها بإعداد شرائح اللحم برقائق الخبز، ~~ولكنها لم تذهب إلى الجزار، فقد نسيت. ~~«سأذهب الآن لإحضاره.» ~~«كلا، ms100 لا تزعجي نفسك .» # قالت أديليد: «ثمة الكثير يدور بعقلها بسبب الحادث. لقد تناولنا طبقا من شرائح اللحم ~~ليلة أمس. طهوته في الفرن مع الذرة الكريمية، وكم كان شهيا.» ~~«حسنا. فرانسيس تعده مع الخبز.» ~~«نعم أنا أعده هكذا أيضا. هذه الطريقة لذيذة أيضا، فأنا أحب التغيير أحيانا. لقد رأيت ~~والد ذلك الصبي الذي قتل في الحادث، ابن أوهير، وهو خارج من محل الحانوتي. كم كان مريعا ~~أن أراه، يبدو في الستين من عمره.» # قالت والدة فرانسيس: «لا بد أنه كان يرى الجثة.» ثم قالت لفرانسيس: «إعداد الأومليت سيكون ~~كافيا.» ~~«حقا؟» قالتها فرانسيس التي لم تكن تطيق فكرة العودة إلى الشارع من جديد. ~~«أجل، ووفري كوبونات التموين.» ~~«أليست غير ذات نفع كوبونات التموين هذه؟ لن يسمح له برؤية الجثة بعد، ليس قبل العمل ~~على تجهيزه، لا بد وأنه كان يختار التابوت.» ~~«نعم، على الأرجح.» ~~«كلا، لن يكون قد جرى تجهيزه بعد، سيكون لا يزال راقدا على خشبة الموتى.» # كانت الطريقة التي قالت بها أديليد «خشبة الموتى» لافتة للنظر، قالتها بقوة ملحوظة، ~~لفظتها وكأنها تقذف سمكة رطبة ضخمة على المنضدة أمامهما. كان لها عم يعمل حانوتيا في بلدة ~~أخرى، وكانت فخورة بقرابتها له وبمعرفتها بأسرار المهنة. وكما هو متوقع، بدأت تتحدث عن عمل ~~هذا العم مع ضحايا الحوادث، وعن فتى سلخت فروة رأسه من جراء حادث، وكيف أعاد عمها شكل ~~رأسه الطبيعي، بذهابه إلى الحلاق وجمع قصاصات الشعر من سلة المهملات، ثم خلط الصبغات ~~ليحصل على اللون المناسب تماما وصبغ قصاصات الشعر بها، وعمله على ذلك طوال الليل. لم ~~يصدق والدا الصبي أنه من الجائز أن يبدو طبيعيا هكذا. وقالت أديليد إنه لفن أن يعرف سائر ~~الحانوتيين عملهم مثلما يعرفه عمها. # كل ما جال بخاطر فرانسيس حينها أنها يجب أن تخبر تيد بهذا، فغالبا ما كانت تحكي لتيد ~~أمورا قالتها أديليد. # قالت أديليد بعد أن أوضحت مجددا كم هو متدن أداء هذا الحانوتي مقارنة بعمها: «بالطبع ~~يمكنهم إغلاق التابوت لو أرادوا ذلك.» ثم ms101 سألت فرانسيس: «هل كان هذا هو الصبي الوحيد لدى ~~ماكافالا؟» ~~«أعتقد هذا.» ~~«أشعر بالأسى تجاههما، كما أن ليس لهما أي عائلة هنا. إنها حتى لا تتحدث الإنجليزية ~~بطلاقة، أليس كذلك؟ طبعا بما أن الزوجين أوهير كاثوليكيان، فلديهما أربعة أو خمسة أبناء ~~آخرين، أتعلمين، لقد جاء القس ومارس عليه تلك الطقوس التي يمارسونها، حتى لو كان الصبي قد ~~مات وانتهى أمره.» # قالت والدة فرانسيس باستنكار: «يا إلهي، يا إلهي.» ولكن هذا الاستنكار لم يكن يحمل عداء ~~حقيقيا تجاه الكاثوليكيين، وإنما هو شيء من كياسة البروتستانتيين بعضهم تجاه بعض. ~~«لست مضطرة للذهاب إلى الجنازة، أليس كذلك؟» استقرت نظرة قلقة على وجه والدة فرانسيس كانت ~~تظهر كلما كانت هناك مناسبة تجبرها على الاقتراب من مرضى أو أموات. «ما اسمهما؟» ~~«أوهير ...» ~~«نعم، إنهما من الكاثوليك.» ~~«وماكافالا.» ~~«لا أعرفهما، أليس كذلك؟ هل هما غرباء؟» ~~«فنلنديون. من أونتاريو الشمالية.» ~~«هذا ما ظننت؛ فالاسم يبدو أجنبيا. لست مضطرة إذن إلى الذهاب.» ~~••• # اضطرت فرانسيس للخروج من المنزل مجددا؛ إذ كان عليها الذهاب إلى المكتبة في المساء ~~لتجلب الكتب لوالدتها، فكل أسبوع كانت تجلب لوالدتها ثلاثة كتب جديدة من المكتبة. وكانت ~~أمها تحب شكل الكتاب الضخم المشوق، فتقول إنها تقرأ فيه طويلا وكأنها تتحدث عن ارتداء معطف ~~أو التدثر ببطانية لفترة طويلة. وفي الحقيقة، كان الكتاب بالنسبة لها مثل اللحاف الكثيف ~~الباعث على الدفء، تلقيه عليها وتتدثر به. وعندما توشك على الانتهاء من قراءته - ويقل سمك ~~طبقات اللحاف التي تحتمي به شيئا فشيئا - كانت تحصي الصفحات المتبقية وتقول: «هل أحضرت ~~لي كتابا آخر؟ أجل. ها هو ذا، تذكرت. ما زال أمامي ذاك الكتاب الآخر عندما أفرغ من ~~هذا.» # ولكن دائما يأتي الوقت الذي تفرغ فيه من آخر كتاب ويكون عليها الانتظار ريثما تذهب ~~فرانسيس إلى المكتبة وتجلب ثلاثة كتب أخرى. (لحسن الحظ، كانت فرانسيس تكرر إحضار نفس الكتاب ~~بعد فترة قصيرة، مثلا بعد ثلاثة أو أربعة أشهر. وكانت والدتها تنهمك في قراءته مجددا، ~~وتقدم حتى بعض المعلومات عن السياق ms102 والشخصيات، وكأنها لم تقابلهم قط من قبل.) وكانت فرانسيس ~~تقترح على والدتها أن تستمع إلى الراديو خلال انتظارها الكتب، ولكن مع أن والدتها لم ترفض ~~قط عمل شيء يطلب منها، فإن الراديو لم يكن يسليها فيما يبدو. وفي الوقت الذي لا يكون ~~بحوزتها أي كتاب تقرؤه، ربما تذهب إلى غرفة المعيشة وتسحب كتابا قديما من مكتبة المنزل - ~~وقد يقع اختيارها على «جيكوب المخلص» أو «لورنا دون» - وتجلس بانحناءة على الكرسي القصير، ~~ممسكة به وتقرؤه. وفي أوقات أخرى، قد تنتقل من غرفة إلى أخرى، دون أن ترفع قدميها عن الأرض، ~~إلا إذا صادفت عتبة، فتتشبث بالأثاث، وتتخبط بالجدران، ولا ترى شيئا لأنها لا تضيء ~~الأنوار، وتتحرك بضعف لأنها لم تعد تسير الآن، يباغتها قلق مرعب أو نوع من نوبات الاهتياج ~~بطيء الإيقاع لو لم يكن لديها كتب تقرؤها أو طعام تتناوله أو حبوب منومة تصرفه عنها. # أحست فرانسيس بالمقت تجاه والدتها الليلة لأنها سألتها: «ماذا عن كتب المكتبة؟» شعرت ~~بالاشمئزاز منها بسبب قسوة قلبها، وأنانيتها، وضعفها، وعمرها الطويل، وساقيها وذراعيها ~~الصغيرتين الضعيفتين المترهلتين. لكن لم تكن والدتها أكثر قسوة منها. مرت فرانسيس من أمام ~~مكتب البريد الذي خلا الآن من أي أثر للحادث، مجرد ثلج حديث متراكم، ثلج يهب على الشارع من ~~ناحية الجنوب، من ناحية لندن (سيعود مضطرا، مهما حدث، سيعود). شعرت بالغضب الشديد من هذا ~~الطفل، من غبائه، ومجازفته الحمقاء، من تباهيه، من اقتحامه حياة الآخرين، حياتها. لم تكن في ~~حالة تسمح لها بالاستماع إلى وجهة نظر أي أحد الآن، وجهة نظر أديليد مثلا. كانت أديليد - ~~قبل رحيلها - قد لحقت بفرانسيس إلى غرفة نومها حيث كانت فرانسيس تخلع بلوزتها الستان، لأنها ~~لم تكن لتعد العشاء بها، فكانت قد فتحتها من الأمام، وتفك أزرار الكمين. فوقفت فرانسيس أمام ~~أديليد مثلما كانت تقف أمام تيد قبل فترة وجيزة. # سألتها أديليد في صوت هامس متوتر: «فرانسيس، هل أنت بخير؟» ~~«أجل.» ~~«ألا تحسبين أن هذا انتقام منك ومنه؟» ~~«ماذا؟» # قالت أديليد: «الرب ينتقم ms103 منه.» وفضحت مشاعر الإثارة والارتياح والرضى نفسها على ~~ملامحها. فقبل زواجها من شقيق فرانسيس الأصغر سنا - الذي كان يتسم بعناده وبراءته - كانت ~~أديليد معروفة بعلاقاتها الجنسية وكانت لها سمعة سيئة بخصوص هذا الأمر امتدت عاما أو ~~اثنين، (وكثيرا ما كانت التوريات الجنسية تختلق على اسمها)، وكانت ممتلئة الجسم، يبدو ~~عليها أنها متزوجة وأم لأبناء، وكانت حولاء قليلا. لم تفهم فرانسيس ما دفعها إلى مثل هذه ~~الصداقة، أو المصاهرة، أو أي ما كان يصلح لتسميتها. كانتا تتحدثان عن الجنس والرجال وهما ~~تجلسان في مطبخ أديليد خلال الليالي التي يخرج فيها كلارك لتدريب فريق الهوكي للشباب، ~~وتضيفان إلى قهوتهما ويسكي كلارك الغالي (ثم تضيفان الماء إلى ما تبقى منه)، بينما تجف ~~الحفاظات إلى جوار الموقد، وعلى الطاولة أمامهما قضبان معدنية رخيصة للعبة القطار، ودمية ~~شنيعة بلا عينين أو ذراعين. ارتياح مخز، وانغماس آثم، وغلطة فادحة. لم يكن الرب يذكر في ~~محادثات أديليد في تلك الأوقات، ولم تكن أديليد - في حديثها عن الجنس والرجال - قد سمعت قط ~~مصطلح «العضو الذكري» وحاولت أن تستخدمه لكنها لم تستطع أن تتعوده، فكانت تستخدم مصطلح ~~«قضيب»، فكانت تقول: «أخرج قضيبه.» باللذة المزعجة نفسها التي قالت بها «على خشبة ~~الموتى.» # قالت لفرانسيس: «لا تبدين بخير، أنا متأكدة، يبدو أن الأمر قد أصابك بصدمة، تبدين ~~مريضة.» # قالت فرانسيس: «عودي إلى البيت.» # كيف سيكون عليها أن تدفع ثمن فعلتها؟ # كان هناك رجلان يعلقان مصابيح الكريسماس على أشجار البيسية الزرقاء أمام مكتب البريد. ~~لماذا يفعلان هذا في هذه الساعة؟ لا بد أنهما قد بدآ قبل الحادث، ثم اضطرا إلى تركها. لا ~~بد أنهما قضيا الوقت في احتساء الخمر، على الأقل هذا ما حدث مع أحدهما. كان أحدهما، كال ~~كالاهان، عالقا وسط شبكة من المصابيح يحاول الخروج منها. أما الرجل الآخر، الزعيم كرير - ~~وهو الاسم الذي أطلق عليه من باب السخرية لأنه لم يكن يوما زعيما لأي شيء - فوقف على ~~مقربة منتظرا أن يخلص كال نفسه من شبكة المصابيح في الوقت الذي ms104 يلزمه. لم يتعلم الزعيم ~~كرير القراءة أو الكتابة، ولكنه كان يعرف أين سبل السعادة ويسلكها. كانت مؤخرة شاحنتهما ~~مليئة بأكاليل من نبات الإيلكس الصناعي وحبال مصابيح حمراء وخضراء سيتم تعليقها. لا بد أن ~~فرانسيس - بسبب انخراطها في الحفلات الموسيقية وتقريبا كل شيء متعلق بطريقة الاحتفالات ~~العامة التي يمكن أن يفكر فيها البلد - تعلم مكان تخزين الزينة والزخارف، وتعلم أيضا أنها ~~تخزن عاما وراء عام في علية مبنى البلدية منسية، ثم وقت الحاجة إليها يتذكرها أحدهم في ~~مجلس البلدية ويخرجها قائلا: «حسنا، علينا أن نفكر فيما سنفعل احتفالا بالكريسماس.» ~~احتقرت فرانسيس هذين الأحمقين وتجاهلت تعليقهما الحبال والأنوار والأكاليل فوق الشجر. عدم ~~الكفاءة، والأكاليل والحبال رثة المظهر، وجو الكدح العادي، كل هذا يحدث بسبب إدراك لاعقلاني ~~لحدث ملزم يقع بصفة موسمية. وفي وقت آخر، ربما كانت ستعتبر هذه الأشياء مؤثرة، أو مثيرة ~~للإعجاب بعض الشيء. ربما حاولت أن تشرح لتيد، الذي لم يستطع قط أن يفهم مشاعر الولاء التي ~~تكنها لهانراتي. قال إنه يستطيع أن يعيش في مدينة، أو في البرية، أو مستعمرة على الحدود ~~كالتي جاء منها، ولكن ليس في مكان كهذا، مثل هذا المكان الضيق، الذي به من البساطة ما يفتقر ~~إلى امتيازات بساطة البرية، ومن القيود ما يحول دون أي تنوع حضري أو حياة. # ولكنه عاش فيه. # تذكرت فرانسيس أنها شعرت بهذا الاشمئزاز تجاه كل شيء في الصيف الماضي. كان تيد وجريتا ~~وأبناؤهما قد سافروا لمدة ثلاثة أسابيع، متجهين إلى أونتاريو الشمالية لزيارة أقاربهم. ~~وخلال الأسبوعين الأولين من الثلاثة، ذهبت فرانسيس إلى كوخ يطل على بحيرة هورون؛ وكان نفس ~~الكوخ الذي تستأجره دائما. اصطحبت معها والدتها التي جلست تقرأ تحت شجرة بلسان جلعاد، ~~وكانت فرانسيس سعيدة هناك. وفي الكوخ، كانت هناك طبعة قديمة من الموسوعة البريطانية وكانت ~~تقرأ فيها مرارا وتكرارا المقالة غير المحدثة عن فنلندا. فتجلس في شرفة الكوخ ليلا ~~وتسمع صوت تلاطم مياه البحيرة على الشاطئ وتفكر في أونتاريو الشمالية، حيث لم تذهب قط، ~~وتفكر في البرية. ms105 ولكنها عندما تضطر للعودة إلى المدينة ولا تجد تيد هناك، تمر بوقت ~~عصيب. كل صباح كانت تذهب إلى مكتب البريد ولا تجد أي رسالة منه، فتقف وتطل من نافذة مكتب ~~البريد على مبنى البلدية، حيث كان يوجد مقياس ضخم بالأحمر والأبيض يسجل تقدم حملة بيع سندات ~~النصر. لم تكن تستطيع تصديق أنه في أونتاريو الشمالية، في منازل أقاربه، يسكر ويأكل ~~الولائم. لقد رحل. يمكن أن يكون في أي مكان، خارج هذا البلد؛ لم يعد موجودا بالنسبة إليها، ~~باستثناء وجوده في الشعور الأحمق بالألم الذي تستحثه ذاكرتها. وقتها كانت تكره الجميع ~~بالفعل، وكانت بالكاد تحدثهم بطريقة متحضرة. كرهت الناس، ودرجة الحرارة المرتفعة، ومبنى ~~البلدية، ومقياس بيع سندات النصر، والأرصفة، والمباني، والأصوات. كانت خائفة من التفكير في ~~هذا لاحقا، لم ترد أن تفكر كيف يعتمد شكل المنازل الجميل الباعث على الطمأنينة أو نبرة ~~الصوت الحانية في التحيات على وجود شخص واحد في حياتها لم تكن تعرفه منذ عام مضى. كيف أدى ~~وجوده في نفس البلدة، حتى عندما لم تستطع أن تراه أو تعرف أخباره، إلى تحقيق التوازن ~~المطلوب لها. # كانت الليلة الأولى التي عاد فيها إلى المدينة هي ذاتها التي ذهبا فيها إلى المدرسة ولطخا ~~نفسيهما بالطلاء الحديث. فكرت وقتذاك أن الحياة من دونه كانت تستحق التجربة، كانت مجرد ~~الثمن الذي يجب أن تدفعه. لكنها نسيت الآن كيف كانت الحياة حينئذ، تماما مثلما يقولون إن ~~المرأة تنسى ألم المخاض بين ولادة وأخرى. # ولكن الآن استطاعت أن تتذكر. كان ما سبق مجرد تمرين؛ شيئا اخترعته لتعذب نفسها به، الآن ~~سيكون حقيقيا. سيعود إلى هانراتي ولكنه لن يعود إليها، ولأنه كان معها لحظة معرفته بأمر ~~ابنه، فسيكرهها. أو على الأقل سيكره التفكير فيها لأنها ستجعله يفكر دائما في الحادث. وإذا ~~افترضنا أن الطفل بطريقة ما ظل على قيد الحياة، قعيدا، فلن يكون هذا أفضل حالا، ليس ~~بالنسبة إلى فرانسيس. سيفضل الزوجان الرحيل عن هنا. لقد أخبرها أن جريتا لم تحب المكان، كان ~~هذا أحد ms106 الأمور القليلة التي قالها عن جريتا، وكانت تشعر بالوحدة، ولا تحس بالانتماء إلى ~~هانراتي. وكم سيزداد كرهها لها الآن؟ ما تخيلته فرانسيس خلال الصيف الماضي سيصبح واقعا ~~الصيف الحالي. سيكون في مكان ما خارج البلاد، سيجتمع شملهما هو وزوجته التي ربما تكون في ~~أحضانه في هذه اللحظة، يواسيها ويتحدث معها بلغتهما، لكنه قال إنه لا يتحدث معها ~~بالفنلندية، كان هذا رده على سؤال فرانسيس - وكانت فرانسيس ترى بوضوح أنه لا يحب أن تطرح ~~عليه أسئلة - وقال إنه بالكاد يتحدث الفنلندية، ولكنها لم تصدقه. ~~••• # قرأت فرانسيس أن أصول القبائل الفنلندية الأوغرية محاطة بالغموض، وقد أعجبها هذا التعبير؛ ~~فلم تظن أن أي موسوعة بوسعها الاعتراف بشيء كهذا. كان يطلق على الفنلنديين الهاميون ~~والكاريليون، وقد ظلوا وثنيين حتى القرن الثالث عشر، وكانوا يؤمنون بوجود إله للهواء، وإله ~~للغابات، وإله للماء. حفظت فرانسيس أسماء هؤلاء الآلهة وفاجأت تيد بها: «أوكو، تابيو، ~~أهتي.» لكن كانت هذه الأسماء غير مألوفة بالنسبة إليه؛ فالأسلاف الذين عرفهم ليسوا هم هؤلاء ~~الوثنيين المسالمين، قاطني الغابات المجرية الذين في بعض الأماكن - طبقا للموسوعة - لا ~~يزالون يقدمون قرابين للأشباح. كان أسلافه هم القوميين والاشتراكيين والراديكاليين المنتمين ~~للقرن التاسع عشر، وكانت أسرته قد نفيت خارج فنلندا. لم تكن الغابة الشمالية أو أشجار ~~الصنوبر والبتولا هي التي اشتاق إليها تيد، وإنما ردهات الاجتماعات والمكاتب الصحفية في ~~هلسنكي وغرف المحاضرات وغرف القراءة. لم تعلق بذهنه أي طقوس وثنية (فقد قال إنها هراء عندما ~~أخبرته فرانسيس عن تقديم القرابين إلى الأشباح)، وإنما علق بذهنه زمن انتشرت فيه الصحافة ~~السرية، وتوزيع المنشورات بعد هبوط الليل، والمظاهرات الهالكة، وأحكام السجن المشرفة. كانوا ~~يتظاهرون ضد السويديين، وينشرون فكرهم ضد الروس. فتساءلت فرانسيس بسذاجة لو كانت عائلتك ~~شيوعية ألن تكون إلى جانب الروس؟ لقد اختلطت عليها التواريخ؛ فقد كان يتحدث عن زمن يسبق ~~الثورة. ليس الأمر أن أي شيء قد اختلف الآن؛ فقد غزت روسيا فنلندا، وانحازت فنلندا رسميا ~~لألمانيا، ولكن لم يكن ولاء تيد ليتحول أبدا، لم يكن ms107 ولاؤه سيتحول إلى كندا، التي قال إنه ~~فيها بمثابة عدو أجنبي وكان خاضعا للمراقبة من جانب شرطة الخيالة الكندية الملكية، ولكن لم ~~تستطع فرانسيس أن تصدق شيئا كهذا، ولكنه بدا فخورا به. # عندما خرجا للتمشية في فصل الخريف في البساتين الجافة، أخبرها الكثير من الأمور التي كان ~~يجب أن تخجل من جهلها بها، حدثها عن الحرب الأهلية بإسبانيا، عن عمليات التطهير في روسيا. ~~استمعت إليه، ولكن ظل انتباهها يشرد متخفيا في أسئلة وأجوبة منطقية، ليركز على عمود سور أو ~~حفرة لخنزير الأرض. فهمت الفكرة العامة التي كان يحدثها عنها، فقد كان يؤمن أن هناك إفلاسا ~~عاما، وأن الحرب - التي كان يعتقد بصفة عامة أنها أزمة ضخمة ولكنها مؤقتة - كانت في ~~الواقع مجرد جانب طبيعي لهذه الحالة. وكلما أشارت إلى أي احتمالية مفعمة بالأمل أوضح لها ~~أنها جانبها الصواب، ولماذا حتى الآن فشلت جميع الأنظمة، وأن التغيرات العنيفة سيعقب أحدها ~~الآخر إلى أن ... ~~«ماذا؟» ~~«إلى أن يحدث انهيار تام.» # كم بدا راضيا وهو يقول هذا! كيف تجادله في رؤية تجلب له هذا السلام والرضى؟ # قالت له وهي تقلب يده في يدها: «أنت أسمر البشرة. لم أكن أعلم أن الأوروبيين الشماليين ~~بشرتهم داكنة هكذا.» # أخبرها أن بشرة أبناء فنلندا منقسمة إلى لونين، بشرة المجر وبشرة الاسكندينافيين، وأن ~~منهم السمر والشقر، وشرح لها كيف لا يمتزج لونا البشرة ويحافظ كل منهما على تفرده، ~~لينتجا أجيالا وراء أجيال على الهيئة نفسها في الأحياء نفسها وفي العائلة نفسها. # قال لها: «عائلة جريتا مثال ممتاز؛ فجريتا اسكندينافية الأصل، عظامها ضخمة وطويلة. إنها ~~مستطيلة الجمجمة ...» ~~«ماذا؟» ~~«أي رأسها طويل، وبشرتها بيضاء، وعيناها زرقاوان، وشعرها أشقر. كما أن شقيقتها كارترود ~~خمرية اللون، وعيناها مسحوبتان قليلا وشديدتا السواد. نفس الشيء في عائلتنا؛ فبوبي يشبه ~~جريتا، ومارجريت تشبهني، وروث آن تشبه جريتا.» # كانت فرانسيس تشعر بالإثارة والفضول عندما تسمعه يتحدث عن جريتا، عن «عائلتهما»، لم تسأله ~~أو تتحدث عنهم قط. في البداية، لم يكن يتحدث عنهم هو الآخر، ولكن ثمة ms108 أمران قالهما لها ~~ظلا عالقين بذهنها؛ أحدهما أنه وجريتا قد تزوجا وهو لا يزال يدرس في الجامعة، خلال منحته ~~الدراسية، وآنذاك استمرت في العيش مع أهلها في الشمال إلى أن تخرج وحصل على فرصة عمل. جعل ~~هذا فرانسيس تتساءل إن كانت جريتا قد حملت منه قبل الزواج. ألهذا تزوجها؟ الأمر الثاني الذي ~~قاله - بطريقة عابرة بينما كانا يتحدثان عن أماكن يتقابلان فيها - هو أنه لم يكن خائنا قط. ~~ولذا افترضت فرانسيس عدم خيانته لها طوال الوقت، بسبب براءتها أو غرورها، فلم تفترض للحظة ~~واحدة أنها قد تكون حلقة في سلسلة من سيدات أقام معهن علاقات، ولكن كلمة «خائن» (لم يقل حتى ~~«خائن لجريتا») أوحت برابطة ما. وضعت جريتا تحت الضوء أمامهما، وأظهرتها جالسة في مكان ما ~~منتظرة إياه، هادئة وصبورة، وجديرة بالاحترام، ومظلومة. زادتها الكلمة شرفا، بل وزادها هو ~~نفسه احتراما. # في البداية، كان هذا هو الحال، ولكن الآن خلال حديثهما، كانت أبواب هذا الحوار تفتح ولكن ~~لا تلبث أن تنغلق بسرعة مجددا وبعنف. وخلال ذلك اكتشفت فرانسيس ملاحظات خاطفة والتي كانت ~~تخشاها وترغب فيها في آن واحد. فذات مرة، كان يجب أن يترك السيارة مع جريتا لكي تذهب بروث ~~آن إلى الطبيب؛ إذ كانت روث آن تعاني ألما في أذنها، وظلت تبكي طوال الليل. ومرة أخرى علمت ~~أن تيد وجريتا كانا يضعان معا ورق الحائط على جدران الردهة الأمامية. وعلمت أيضا بمرض ~~العائلة بأكملها بعد تناول سجق مشكوك في صلاحيته. رصدت فرانسيس أكثر من مجرد ملاحظات خاطفة، ~~بل إنها كانت تصاب بنزلات البرد التي تصاب بها عائلة ماكافالا؛ لقد بدأت تشعر أنها تعيش ~~معهم في حميمية غريبة وخيالية. # طرحت عليه سؤلا واحدا. ~~«ما لون ورق الحائط الذي وضعته أنت وزوجتك في الردهة؟» # فكر قليلا قبل أن يجيب، ثم قال: ~~«مخطط، خطوط بيضاء وفضية.» # اختيار ورق الحائط جعل جريتا تبدو في نظر فرانسيس أكثر صلابة وذكاء وطموحا مما كانت ~~تبدو في الشارع أو خلال تسوقها في متجر بقالة سوبريور، وهي ms109 ترتدي أثوابها باهتة اللون ~~المزركشة بالورود المفتقرة إلى الذوق الرفيع، وسراويلها الفضفاضة مربعة النقش، ومنديل الرأس ~~فوق شعرها. ربة منزل ضخمة شقراء، والنمش يملأ بشرتها. اصطدمت سلة مشترياتها ذات مرة بذراع ~~فرانسيس وقالت لها: «معذرة.» الكلمة الوحيدة التي سمعتها فرانسيس منها على الإطلاق. صوت ~~خجول تعوزه العاطفة ولسان ثقيل النطق باللهجة السائدة، هذا هو الصوت الذي يسمعه تيد كل يوم ~~في حياته، وهذا هو الجسد الذي ينام إلى جواره كل ليلة. خارت قوى فرانسيس وارتعدت مفاصلها، ~~هناك في متجر بقالة سوبريور أمام أرفف كرافت دينر واللحم والفاصوليا، فمجرد الوجود بالقرب ~~من هذه المرأة الغامضة الضخمة، شديدة البراءة والقوة، شوش تفكيرها وجعل جسدها ~~يرتجف. ~~••• # في صباح يوم السبت، وجدت فرانسيس رسالة في صندوق بريدها يطلب تيد فيها أن تسمح له بدخول ~~الكنيسة تلك الليلة. كانت متوترة طوال اليوم مثلما كانت متوترة عند انتظارها مقابلته في ~~المرة الأولى، في بستان بيتيز بوش. انتظرته في الظلام بالقرب من باب أحد فصول مدرسة الأحد ~~الدينية. كانت ليلة غير مناسبة، ليلة الأحد، كان من المحتمل أن يظهر القسيس أو عامل ~~النظافة، وقد كان كلاهما موجودا بالفعل في المدرسة في وقت سابق، عندما كانت فرانسيس تعزف ~~الأرجن مشتتة البال. لكنهما عادا لبيتهما؛ هذا ما كانت تأمله. # عادة كانا يمارسان الغرام هنا في الظلام، ولكن في تلك الليلة ظنت فرانسيس أنهما في حاجة ~~إلى الضوء لأنهما يحتاجان إلى التحدث، فقادته فورا إلى فصل بمدرسة الأحد خلف شرفة الكورال. ~~وكان الفصل عبارة عن غرفة طويلة وضيقة ومكتظة بالأشياء ولا تحتوي على أي نوافذ. كانت كراسي ~~مدرسة الأحد مكدسة في أحد الأركان أحدها فوق الآخر، وكان هناك شيء غريب على منضدة المعلم، ~~منفضة سجائر بها عقبان، ورفعتها فرانسيس. ~~«لا بد أن غيرنا يأتي إلى هذا المكان.» # كان عليها أن تتحدث عن شيء آخر بخلاف الحادث؛ لأنها كانت متأكدة أنها لن تستطيع أن تتفوه ~~بالكلمات المناسبة عن الأمر. # أجابها تيد - وهو ما بث بها بعض الراحة - قائلا: «المحبون يتناوبون على ms110 المكان. لا ~~يفاجئني هذا.» وعدد أسماء محتملة لبعض المحبين: سكرتيرة المدرسة والناظر، وزوجة شقيق ~~فرانسيس وقسيس هذه الكنيسة. ولكن كانت نبرة الحزن تخيم على صوته. ~~«ربما نحتاج إلى وضع جدول لاحقا.» # لم يكترثا بإنزال الكراسي المكدسة أحدها فوق الآخر، فجلسا على الأرض واتكآ بظهريهما على ~~الجدار تحت صورة للمسيح وهو يسير بجوار بحيرة طبرية. # قال تيد: «لم أشهد أسبوعا كهذا في حياتي. لا أعلم من أين أبدأ الحديث، عدنا من لندن يوم ~~الثلاثاء، ويوم الأربعاء جاءتنا عائلة جريتا، قادوا سيارتهم طوال الليل، على مدار ليلتين ~~متواصلتين. لا أعلم كيف فعلوا ذلك، وقد استعانوا بكاسحة ثلوج لتتقدمهم في الطريق طوال خمسين ~~ميلا تقريبا في إحدى المناطق. هؤلاء النساء قادرات على أي شيء؛ أبوهم مجرد خيال، أما ~~النساء فمروعات وكارترود أسوؤهن. لديها وحدها ثمانية أبناء ولم تتوقف عن التحكم في شقيقاتها ~~وعائلات شقيقاتها وأي شخص آخر يسمح لها بذلك، حتى جريتا ضعيفة أمامها.» # قال إن المشكلات بدأت على الفور بعد وفاة الصبي بشأن الجنازة؛ إذ إنه قرر إتمام إجراءات ~~جنازة غير دينية. وكان قد اتخذ قراره منذ فترة طويلة أنه في حال وفاة أي فرد من عائلته فإنه ~~لن يستدعي الكنيسة، ولم يقتنع الحانوتي بقراره ولكنه وافقه، وجريتا قالت لا بأس. فكتب تيد ~~بضع فقرات توديعية نوى أن يقرأها بنفسه، هذا كل شيء، بلا ترتيل للترانيم ولا صلوات. لم يكن ~~تيد أول من يفعل ذلك، والجميع يعرف شعوره، وجريتا تعرف حاله وعائلتها كذلك. ومع هذا، بدءوا ~~يتصرفون كأن ما قاله شيء غريب لم يحدث من قبل، بل ومرعب. وتصرفوا كأن الإلحاد نفسه حالة لم ~~يسمعوا بها من قبل، فحاولوا إقناعه بأن جنازة بهذا الشكل غير قانونية، وأنه قد يحبس على ~~إثرها. ~~«جاءوا برجل عجوز معهم، ظننت أنه عمهم أو ~~أحد أقاربهم أو شيء من هذا القبيل. لم أقابلهم جميعا، فهي عائلة كبيرة. لهذا بعد أن ~~أخبرتهم بخططي بالنسبة إلى الجنازة أخبروني أنه قسيسهم؛ قسيس فنلندي من معتنقي المذهب ~~اللوثري نقلوه مسافة أربعمائة ms111 ميل ليرهبوني به . كان في حال مزرية هو أيضا، ذلك التعس ~~العجوز، كان يعاني نزلة برد. وكانوا في حالة من الارتباك الشديد، يجرون هنا وهناك، يضعون ~~لصقة الخردل على جسده، ويضعون قدميه في الماء، ويحاولون جعله في حالة صحية جيدة ليؤدي ~~المهمة التي جاء لأجلها. يستحقون ما يحدث لهم إن مات بين أيديهم.» # كان تيد قد نهض على قدميه في هذه اللحظة، ~~وأخذ يسير جيئة وذهابا في الفصل بمدرسة الأحد، قائلا إنه ما من شيء يمكن أن يرهبه، ~~وأخبرهم أنهم بوسعهم الإتيان بالإبرشية كلها والكنيسة اللوثرية نفسها في شاحنة سكة حديدية؛ ~~فسيدفن ابنه بطريقته. ولكن وقتئذ كانت جريتا قد استسلمت لهم، وانحازت لصفهم، ليس بدافع ~~التدين - ولو مثقال ذرة - ولكن فقط بسبب البكاء والاتهامات المضادة وضعفها المعهود أمام ~~عائلتها. ولم يقتصر الأمر على العائلة؛ فقد تدخل أيضا العديد من الفضوليين في هانراتي، كان ~~المنزل مكتظا بهم، وكذلك قسيس الكنيسة المتحدة الذي ظهر في مرحلة ما للتشاور مع القسيس ~~اللوثري. لكن تيد طرده، ثم اكتشف بعد ذلك أنها لم تكن غلطة القسيس أن يتدخل، فهو لم يأت من ~~تلقاء نفسه، بل استدعته كارترود، وأخبرته أن الموقف بائس، وأن شقيقتها مصابة بانهيار ~~عصبي. # سألته فرانسيس: «وهل كانت فعلا؟» ~~«ماذا؟» ~~«هل كانت - زوجتك - مصابة بانهيار عصبي؟» ~~«أي شخص سيصاب بانهيار عصبي إذا وجدت في منزله تلك الثلة من المجانين.» # قال تيد إن الجنازة كانت عائلية، ولكن هذا لم يمنع أي أحد أراد التعزية من القدوم. كان ~~واقفا هو بنفسه إلى جوار التابوت مستعدا لأن يطرح أرضا أي شخص يتدخل في الأمر، حتى لو ~~كانت شقيقة زوجته - وكان ذلك سيسعده - أو القسيس ~~العجوز المريض، أو حتى جريتا نفسها لو أقنعوها بمعتقدهم. # قالت فرانسيس لاإراديا: «يا إلهي!» ~~«كنت أعلم أنها لن تفعل ذلك، ولكن كارترود كانت ستتدخل، أو الأم العجوز. لم أعلم ما كان ~~سيحدث إن فعلها أحد وتدخل، لكني كنت أعلم أنني يجب ألا أبدو مترددا ولو للحظة. كان ~~الأمر بشعا. وما إن بدأت ms112 أتلو الفقرات التوديعية التي كتبتها، حتى بدأت الأم العجوز تعول ~~وتنتحب؛ فاضطررت أن أرفع صوتي. وكلما ارتفع صوتها بالفنلندية ارتفع صوتي بالإنجليزية. كان ~~الأمر جنونيا.» # وبينما كان يتحدث أفرغ عقبي السجائر اللذين كانا في المنفضة في يده ثم أعادهما مجددا ~~إليها، وهكذا مرة تلو الأخرى. # قالت فرانسيس بعد فترة صمت: «ولكن جريتا أمه.» ~~«ماذا تقصدين؟» ~~«ربما كانت ترغب بالفعل في جنازة دينية عادية.» ~~«كلا، لم ترغب في ذلك.» ~~«كيف عرفت؟» ~~«أنا أعرفها، فهي لا تعتنق أي آراء أيا كانت. لقد استسلمت فقط أمام إرادة كارترود، ~~ودائما ستفعل ذلك.» # ما جال بخاطر فرانسيس حينئذ أنه قد فعل كل ذلك لإرضاء نفسه. لم يفكر في جريتا لحظة ~~واحدة، ولا في بوبي. كان يفكر في نفسه ومعتقداته وفي عدم الرضوخ لأعدائه، هذا ما كان يهمه. ~~عجزت عن طمس هذه الفكرة التي لم ترق لها، وعجزت كذلك عن طمس مدى استيائها منها. لا يعني ~~هذا أنها توقفت عن الإعجاب بتيد؛ فعلى الأقل لم تتوقف عن حبه، ولكن تغير شيء ما. وعندما ~~فكرت في الأمر لاحقا، بدا لها أنها حتى هذه المرحلة كانت متورطة في علاقة طفولية ومحرجة. ~~لقد أبقت على العلاقة حرصا على سعادتها، وكانت تنظر إلى تيد بالصورة التي أرادت أن تراه ~~عليه، فتعيره الانتباه عندما تريد، ولا تأخذه على محمل الجد عندما تريد، بالرغم من معرفتها ~~بأنها كانت تفعل ذلك. كانت ستقول إنه أهم شيء في حياتها. # لكنها لم تكن لتسمح بذلك بعد الآن، لم تكن لتسمح بذلك التخاذل والخداع. # ولأول مرة، فوجئت عندما أراد ممارسة الغرام معها؛ إذ إنها لم تكن مستعدة، لم تستطع أن ~~تفهمه بعد، ولكنه بدا منكبا على رغبته بما لم يتح له الملاحظة. ~~••• # في اليوم التالي، يوم الأحد، عزفت من أجل القداس، وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي تعزف ~~فيها فرانسيس في الكنيسة المتحدة. # استدعي تيد يوم الإثنين إلى مكتب مدير المدرسة. ما حدث هو أن كارترود شقيقة جريتا تعرفت ~~على نساء هانراتي خلال خمسة أيام أكثر ms113 مما تعرفت عليهن جريتا خلال ثمانية عشر شهرا، ~~فأخبرتها إحداهن بشأن العلاقة بين تيد وفرانسيس. ظنت فرانسيس فيما بعد أن أديليد هي من ~~كشفت سرها على الأرجح، لا بد أنها أديليد، ولكنها كانت مخطئة. لقد قدمت أديليد نفسها لعائلة ~~ماكافالا، ولكنها لم تكن من أفشت السر، فقد سبقها شخص آخر في ذلك. ونتيجة لغضب كارترود ~~العارم بسبب الشجار بشأن الجنازة وخسارتها في هذه المعركة، ذهبت لمقابلة كل من مدير ~~المدرسة الثانوية وقسيس الكنيسة المتحدة، وسألتهما عن الخطوات التي سيتخذانها. لم يرغب أي ~~من المدير أو القسيس في اتخاذ أية خطوة؛ فقد كان كلاهما على علم بأمر العلاقة الغرامية، ~~وكانا منزعجين بشأنها، آملين أن تنتهي؛ فقد كان كل من تيد وفرانسيس ذوي شأن بالنسبة ~~إليهما. قال كلاهما لكارترود إنه بالتأكيد الآن، بعد موت الطفل، سيلم شعث الزوجين، وستذهب ~~هذه العلاقة أدراج الرياح. أخبراها أنه سيكون من المؤسف إحداث جلبة الآن بعد هذه المعاناة ~~التي تكبدتها العائلة جراء فقدان الابن، وأنه يمكن إصلاح ما انكسر بشرط ألا تعلم الزوجة ~~شيئا. ولكن كارترود قطعت على نفسها عهدا أمامهما بأنها لن تسكت. قالت إنها تنوي إخبار ~~جريتا قبل أن تعود لبلدها، وستقنعها بالرحيل معها لو لم يتخذ أي إجراء. كانت امرأة قوية، ~~جسديا ولفظيا. وارتعب الرجلان منها. # قال المدير لتيد إن ثمة أمرا مؤسفا بلغ مسامعه، بل بلغ به. اعتذر لإثارته هذا ~~الأمر بعد فاجعته على ولده مباشرة، ولكنه قال إنه لا يملك خيارا آخر. قال إنه يأمل أن ~~يخمن تيد الموضوع الذي يريد أن يتحدث معه بشأنه، والذي يتعلق بامرأة في هذه المدينة كانت ~~تحظى في الماضي باحترام الجميع، وأمل أن تسترد هذا الاحترام مجددا. قال إنه يتصور أن ~~تيد نفسه قد قرر بالفعل وضع حد لهذه العلاقة، وتوقع أن يصدر من تيد أي حديث غامض ينم عن ~~إحراجه تجاه قوله بأن عليه - أو سيكون عليه - وضع حد للعلاقة. ومهما بدا هذا الحديث مقنعا ~~أو غير مقنع، كان المدير مستعدا لتقبله؛ فقد كان ms114 ينفذ وعده أمام شقيقة زوجته وحسب، لكي ~~تخرج من المدينة دون إثارة المزيد من المشاكل. # هب تيد على قدميه، مما أدهش المدير، وقال إن هذا تعد على حرياته، وإنه لن يقبل هذا، ~~وإنه يعلم من وراء هذا الأمر. وأضاف أنه لن يتحمل أي تطفل أو تدخل في شئونه، وأن ~~علاقاته شأن يخصه وحده، وأن الزواج ليس أكثر من عادة قديمة تروج لها السلطات الكنسية، ~~تماما مثل كل شيء آخر يجعلون الناس يرددونه دون فهم. ومن ناحية أخرى استطرد بقوله إنه كان ~~سيترك جريتا على أية حال، وسيترك المدرسة وعمله وهانراتي، وسيتزوج فرانسيس. # اندهش المدير وظل يردد لا، لا تفعل، وطلب منه احتساء كوب من الماء ليهدأ. أنت لا تعني ما ~~تقول؛ هراء. لا يمكنك أن تتخذ قرارا وأنت بهذه الحالة. # قال تيد: «اتخذت قراري منذ أمد بعيد.» وبدا عليه اقتناعه بما قاله. ~~••• # قال تيد لفرانسيس: «كان يجب أن أسألك أولا على الأقل.» كانا يجلسان في غرفة المعيشة ~~بشقتها في وقت متأخر بعد العصاري. لم تذهب فرانسيس إلى المدرسة الثانوية هذا الإثنين، وطلبت ~~من فرقتها الموسيقية مقابلتها في مبنى البلدية، كي تدربهم هناك وتجعلهم يألفون الوقوف على ~~خشبة المسرح. عادت إلى المنزل متأخرة قليلا، فقالت لها والدتها: «ثمة رجل بانتظارك في ~~غرفة المعيشة. قال اسمه ولكني نسيته.» ونسيت والدتها أيضا إخبارها بأن القسيس قد اتصل ~~وأراد أن تعاود فرانسيس الاتصال به، فلم تعرف فرانسيس بهذا قط. # ظنت فرانسيس أنه ربما يكون وكيل التأمين؛ فثمة مشكلة متعلقة بتأمين المبنى الذي ~~يعيشون فيه ضد الحريق. وقد اتصل بها الوكيل الأسبوع الماضي وسألها ما إن كان بوسعه المجيء ~~لمقابلتها عندما يأتي إلى المدينة. وخلال مرورها بردهة المنزل، حاولت أن تصفي ذهنها لكي ~~تتحدث معه، وأخذ يجول بخاطرها إن كانت ستضطر إلى إيجاد مكان آخر لتعيش فيه، ثم رأت تيد ~~جالسا بجوار النافذة في معطفه. لم يضئ الأنوار، ولكن تسلل بعض النور من الشارع إلى الغرفة. ~~وتراقصت الأضواء الطيفية الحمراء والخضراء المعلقة على الشجر احتفالا ms115 بالكريسماس على ~~وجهه . # عرفت بمجرد رؤيته ما حدث، لم تعرف التفاصيل ولكنها أدركت المضمون، فماذا غير ذلك سيجعله ~~جالسا هنا في غرفة المعيشة، التي تقضي فيها أمها معظم الأوقات، أمام جدار مغطى بورق حائط ~~قديم عليه رسومات لنبات السرخس، ومعلقة عليه صورة البشارة؛ التي بشر فيها الملاك جبريل ~~السيدة العذراء بمولد المسيح. # قال برقة، كما لو كان يقرأ أفكارها: «هذه غرفة عتيقة الطراز.» كان مرهقا وفي حالة من ~~الغرابة والغموض والضعف كتلك التي تعقب المشاجرات العنيفة أو القرارات المتعذر الرجوع عنها. ~~أضاف: «لا تنم عن ذوقك على الإطلاق.» # أجابته فرانسيس: «إنها غرفة أمي.» في الوقت الذي أرادت فيه أن تسأل عن شكل الغرفة التي ~~تعبر عن ذوقها، ولكن الوقت لم يكن ملائما. كيف بدت فرانسيس في عينيه في ذلك الحين؟ ما ~~مقدار ما لاحظه فيها؟ أسدلت الستائر وأضاءت مصباحي الحائط. # سألها تيد بأدب، وهي تغلق البيانو: «هل هذا هو الركن الخاص بك؟» لقد أغلقته لكيلا تزعجه ~~الموسيقى، أو لتحمي الموسيقى منه؛ فهو ليس مهتما بها. # قالت بسرعة وهي تلمس التمثال النصفي - الذي يبدو عليه سعره الزهيد - الموجود أعلى طاولة ~~في جانب الغرفة: «نوعا ما. هذا موزارت، موسيقاري المفضل.» # يا له من شيء ساذج وطفولي ما تفوهت به! شعرت أنها يجب أن تقدم اعتذاراتها، لكن ليس لتيد ~~وإنما لهذا الركن من حياتها، للبيانو ولموزارت والنسخة المطبوعة داكنة اللون للوحة «منظر ~~طليطلة»، ذلك الركن الذي كانت تعشقه، وهي الآن مستعدة لكشفه أمامه وإفشاء كل ما به من ~~أسرار. # بدأ تيد يخبرها عن أحداث اليوم، وما قاله المدير، وما قاله هو، بقدر ما استطاع التذكر. ~~وخلال سرده للأحداث، جاءت ردوده إلى حد ما أكثر هدوءا وتنظيما ورصانة مما كانت عليه في ~~الواقع. ~~«ولذا قلت إنني سأتزوجك، ثم فكرت أنني افترضت موافقتك جدلا. ماذا لو رفضت الزواج ~~مني؟» # قالت فرانسيس: «حسنا، كنت تعلم أنني لن أرفض.» # بالطبع كان يعلم ذلك؛ إذ كانا سيعمقان العلاقة وما من شيء سيوقفهما. لا والدة فرانسيس، ~~التي كانت تجلس ms116 في المطبخ تقرأ دون أن تدري أن زواجهما كان بمنزلة حكم بالإعدام عليها ~~(لأن هذا ما كان سيصير إليه الأمر؛ حيث ستذهب إلى كلارك وأديليد، وتقتلها الفوضى التي تحكم ~~بيتهما؛ فسينسيان أمر الكتب التي تجلب لها من المكتبة وستذهب إلى فراشها وتموت)، ولا ابنتا ~~تيد الصغيرتان، اللتان كانتا تتزلجان بعد الظهيرة في حلبة التزلج الخارجية على الأنغام ~~الخافتة لموسيقى «حكايات من غابات فيينا» وتستمتعان - استمتاعا مكبوتا يملؤه الشعور ~~بالذنب - بانتباه المارة الذي جلبه عليهما موت أخيهما. # قالت فرانسيس: «أتشرب قهوة؟ أوه، لا أعلم أساسا ما إن كان لدينا بن؛ فنحن ندخر جميع ~~كوبونات التموين من أجل الشاي. أعد لك كوبا من الشاي؟» ~~«ونحن ندخر كوبونات التموين من أجل البن. كلا، لا تكترثي.» ~~«أنا آسفة.» ~~«لا أريد أي شيء حقا.» # قالت فرانسيس: «نحن مصدومان، كلانا مصدوم.» ~~«كان الأمر سيحدث بجميع الأحوال. كان سيصبح لزاما علينا اتخاذ القرار عاجلا أم ~~آجلا.» ~~«هل تعتقد هذا؟» # رد تيد بنفاد صبر: «أجل، بالطبع. طبعا كنا سنفعل ذلك.» # لكن لم يبد الأمر كذلك بالنسبة إلى فرانسيس، وتساءلت ما إن كان قد قال ذلك فقط لأنه لم ~~يتحمل فكرة خروج أي شيء عن سيطرته - وبهذه الصورة المبالغ فيها والقاسية - ولأنه شعر بأنه ~~مضطر لأن يخفي عنها الدور الصغير الذي لعبته في كل ذلك. كلا، ليس دورا صغيرا، بل دور ~~غامض. كانت هناك سلسلة طويلة من الأحداث، كثير منها مخفي عنها، هي التي جلبته إلى هنا لكي ~~يتقدم للزواج منها في أكثر الأماكن ملاءمة لذلك، الغرفة التي تقضي فيها والدتها معظم ~~أوقاتها. لقد جعلت هذه الأحداث منها ضرورة. ولم يكن من المجدي التفكير فيما إذا كان أي شخص ~~آخر سيسير على النهج نفسه، ولا التفكير فيما إذا كان هذا سيحدث لو لم تتصل حلقات سلسلة ~~الأحداث بهذا الشكل المحكم؛ لأن سلسلة الأحداث كانت مترابطة بهذا الشكل المحكم، ولم يكن أي ~~شخص آخر غيرها في ذلك الموقف، بل كانت هي نفسها فرانسيس؛ فرانسيس التي طالما آمنت بأن شيئا ~~ما ms117 سيحدث لها، بأن لحظة ما فاصلة وواضحة ستأتي، وأنها ستجد نفسها وجها لوجه أمام ~~مستقبلها. لقد تنبأت بذلك، وربما تنبأت بفضيحة ما، ولكنها لم تتنبأ بهذا العبء والإزعاج ~~واحتمالية الأسى التي كانت في جوهر هذا الأمر. # قالت له: «يجب أن نتوخى الحذر.» # اعتقد أنها تقصد أنهما يجب ألا ينجبا أبناء لبعض الوقت على الأقل، وقد وافق على ذلك، مع ~~أنه رأى أنها اختارت وقتا غير ملائم لإثارة أمر كهذا، ولكنها لم تقصد ذلك على ~~الإطلاق. ~~••• # وقفت فرانسيس بالقرب من أخيها كلارك ونعش زوجة أخيها أديليد تتلقى التعازي في دار ~~مناسبات هانراتي بعد ذلك بثلاثين عاما تقريبا. وكانت دار المناسبات تقع على امتداد متجر ~~الأثاث الذي كان مجاورا لمتجر الإلكترونيات القديم الذي كانت تقطن أعلاه هي وأمها. وبعد ~~هذه الفترة الطويلة كان متجر الإلكترونيات قد احترق. والآن ما نتخيله هو أن فرانسيس تقف ~~أسفل البناية التي عاشت فيها فترة طويلة من عمرها، ولكن فرانسيس نفسها لا تتخيل ذلك. # أصبح لون شعرها غريبا؛ فقد استحالت الخصلات السوداء في رأسها إلى اللون الرمادي، على عكس ~~الخصلات الحمراء التي ظلت كما هي، مما أدى إلى مزيج ألوان ضاربة إلى الرمادي أقنعتها ~~ابنتاها بصبغه، لكن اختيار درجة لون الصبغة لم يكن سديدا. مع ذلك، فدرجة اللون الجديدة، ~~وكذلك أحمر الشفاه الثقيل، والبدلة الأنيقة مربعة النقش، والنحافة، وحالة الحيوية وعدم ~~التركيز التي كانت فيها؛ كل ذلك جعلها تبدو كما عهدها الناس، وقد سعد الكثيرون ~~برؤيتها. # كانت قد عادت إلى هانراتي قبل هذه المناسبة بالطبع، ولكن لم تكن تأتي كثيرا. ولم تصطحب ~~تيد معها قط، لكنها كانت تجيء بابنتيها، اللتين كانتا تظنان هانراتي مكانا سخيفا وعجيبا، ~~مكانا غريبا عاش فيه والداهما. أنجبت من تيد ابنتين، فأصبح لتيد أربعة بنات إجمالا، ولم ~~يكن له ولد. وفي كل مرة في غرفة الولادة، كانت فرانسيس تشعر بالارتياح لذلك. # ظلت معتقدة أن أديليد هي من أفشت سرها، وظلت غاضبة بسبب هذا، مع أنها ربما تكون ممتنة ~~لهذا. الآن أديليد ماتت، فقد ms118 ازداد وزنها قبل الوفاة وأصابتها مشكلة قلبية. # لم يسأل المعزون فرانسيس في دار المناسبات عن تيد، ولكنها شعرت بأن هذا بسبب الإحراج ~~القديم، لا بسبب ضغينة يكنونها له، لكنهم سألوا عن ابنتيها. إلا أن فرانسيس نفسها ذكرت ~~اسم تيد؛ فقالت إن الابنة الصغرى عادت من مونتريال حيث تدرس لكي تقضي بضعة أيام إلى جوار ~~أبيها خلال فترة غياب أمها لحضور الجنازة. كان تيد في المستشفى مصابا بانتفاخ الرئة؛ إذ ~~كان يذهب إلى المستشفى عندما تتأزم حالته الصحية ليتلقى العلاج، ثم يعود إلى البيت مجددا. ~~وكان هذا الوضع سيستمر فترة. # بدأ الناس يتحدثون عن تيد، متذكرين سلوكياته العجيبة في الفصل، ويقولون إنهم لم يصادفوا ~~أحدا مثله قط، ويجب أن يكون المعلمون مثله، وساعتها سيتغير حال المدرسة. ضحكت فرانسيس، ~~ووافقتهم الرأي، ووضعت في اعتبارها ضرورة نقل كل ذلك إلى تيد، ولكن بطريقة عفوية كي لا يحسب ~~أن الهدف منه هو إبهاجه. أما هو، فلم يعد إلى التدريس بعد رحيله عن هانراتي؛ فقد حصل على ~~فرصة عمل في أوتاوا لصالح الحكومة بصفته عالم أحياء؛ ففي وقت الحرب، كان من الممكن الحصول ~~على عمل كهذا دون شهادات علمية أعلى. أما فرانسيس، فعملت مدرسة موسيقى، وبراتبيهما استطاعا ~~إرسال المال إلى جريتا التي عادت إلى أونتاريو الشمالية وأضحت تعيش مع عائلتها. ظنت فرانسيس ~~أن تيد أحب عمله، كان يتورط في عداءات ومشاجرات كبيرة وكان حديثه ساخرا مع الناس، ولكن ~~بحسب ما تراه كان هذا هو حال الموظفين الحكوميين. ولكنه كان ينظر إلى التدريس باعتباره ~~مهنته الحقيقية؛ فكلما تقدم به العمر، تحدث مرارا وتكرارا عن الفترة التي كان يدرس ~~فيها، مصورا إياها كنوع من مغامرات متتالية، مليئة بالمديرين المجانين، ومجالس الإدارات ~~اللاعقلانية، والتلاميذ المتمردين الذين كان يكسر شوكتهم في النهاية، والتشويق الذي كان ~~يجده في الأشياء التي لم يكن يرجح حدوثها. كم كان سيسر لو عرف أن ذكريات تلاميذه تتوافق ~~مع ذكرياته. # نوت فرانسيس أيضا إخباره عن هيلين، ابنة أديليد، وكانت امرأة ممتلئة الجسم قصيرة في ~~الثلاثينيات ms119 من عمرها، وقد اصطحبت فرانسيس إلى الطابق العلوي لتلقي نظرة أخيرة على أديليد ~~التي كانت مغلقة الفم وصامتة على نحو لم تكن عليه خلال حياتها قط. ~~«انظري ما فعلوه، لقد خاطوا فكيها لإطباق أحدهما على الآخر، هكذا يغلقون أفواه الموتى ~~الآن، يخيطون فكيهم فلا تبدو أفواههم طبيعية. كانوا قديما يضعون حشوات صغيرة في أفواههم ~~ويجعلون شفاهم أكثر سمكا، ولكنهم ما عادوا يفعلون ذلك الآن؛ فهو أمر مجهد.» # أتى إلى فرانسيس رجل شاحب وبدين متكئ على عكازين. ~~«لا أعلم ما إن كنت تتذكرينني، كنت جار كلارك وأديليد. أنا فريد بيتشر.» # قالت فرانسيس: «أجل، أتذكرك.» مع أنها لم تفكر لحظة كيف تتذكره. استرجعت ذكرياتها خلال ~~حديثها معه. تحدث معها عن ذكريات العلاقات الطيبة بين الجيران وأديليد، وأخبرها بالعلاجات ~~التي يتلقاها لالتهاب المفاصل. تذكرت فرانسيس أن أديليد قالت إنه تقيأ في الثلج، فأعربت له ~~عن شفقتها عليه بسبب الآلام والصعوبة التي يتكبدها في المشي، ولكنها أرادت حقا إخباره ~~بمدى شفقتها عليه بسبب الحادث. ولكن، لو لم يخرج في الثلج في ذلك اليوم لينقل عربة أطفال ~~عبر المدينة، لما عاشت فرانسيس في أوتاوا الآن، وما كانت لتحظى بابنتيها، وما كانت لتحظى ~~بحياتها. كانت ستصبح حياتها مختلفة، هذا حقيقي، إنها متأكدة من ذلك، ولكن من المؤلم التفكير ~~فيه. فالزاوية التي تنظر بها إلى ذلك الآن لا يمكن الاعتراف بوجودها أبدا؛ سيبدو الأمر ~~بشعا. ولو لم يخرج في ذلك اليوم - هكذا جال في فكرها وهي تتحدث إليه - أين كنا سنصير ~~جميعا الآن؟ سيكون بوبي في قرابة الأربعين من عمره، ولربما أصبح مهندسا - فاهتماماته ~~الطفولية التي يسترجعها تيد الآن كثيرا جعلت هذا الاحتمال مرجحا - كان سيعمل في وظيفة ~~مناسبة، وربما مميزة، وربما كانت له زوجة وأطفال، وكانت جريتا ستذهب للاطمئنان على تيد في ~~المستشفى وتتابع حالته الصحية. وربما كانت فرانسيس ستظل هنا، في هانراتي، تدرس الموسيقى؛ ~~ولربما كانت في مكان آخر، وربما كانت ستتعافى من حبه، وتحب شخصا آخر، أو لربما ازدادت قسوة ~~وعزلة بسبب جرحها. # فكرت ms120 فرانسيس: «يا له من اختلاف!» لا تعلم من أين أتت هذه الفكرة أو مغزاها، بالتأكيد ~~هناك اختلاف، وأي شخص يستطيع أن يرى هذا، اختلاف في الحياة. لقد حظيت بحبيبها، وفضيحتها، ~~وزوجها، وابنتيها. ولكنها في قرارة نفسها تمضي في الحياة، وحدها، فرانسيس نفسها التي كانت ~~تعيش على هذه الحال قبل حدوث أي من هذا. # بالتأكيد ليست فرانسيس نفسها بالضبط كما كانت. # ولكنها فرانسيس. # جال بخاطرها وهي تستدير متلهفة لتتلقى تعازي أحدهم أنها ستكون بنفس سوء أمها عندما يتقدم ~~بها العمر، لكن لا بأس، فلا يزال أمامها الكثير لتحققه. # | حافلة باردون # 1 # أتخيل نفسي فتاة عانسا من جيل آخر. ~~كانت عائلتي تحفل بالعوانس. فأنا أنتمي إلى عائلة يتسم أفرادها بالتحفظ والسرية الشديدة ~~والعناد والحرص؛ وشأني شأنهم، كنت أستطيع أن أتدبر أمري بالقليل لفترة طويلة. هنا قطعة ~~من الحرير الصيني مطوية في درج قد بليت من لمسها بأصابعي في الظلام. أو رسالة واحدة ~~مدسوسة تحت ملابسي عذرية الطابع، لا حاجة قط لأن تفتح أو تقرأ؛ لأن كل كلمة تحويها ~~محفوظة عن ظهر قلب، ومجرد لمسها لمسة واحدة ينقل كل ما فيها. وربما حتى لا يوجد شيء ~~ملموس على الإطلاق، لا شيء سوى ذكرى كلمة غامضة، أو نبرة صوت حميمية عابرة، أو نظرة ~~متفحصة يائسة. ذلك كفيل بإبقائي على قيد الحياة. أستطيع أن أتدبر أمري بما لا يزيد على ~~ذلك، عاما بعد عام بينما عكفت على تنظيف أسطال الحليب، وأسياخ الشوايات، واقتفيت أثر ~~الأبقار بطول الطريق الوعر بين أشجار جار الماء وأزهار السوزان سوداء العين، وبسطت ~~بدلات العمل النظيفة المبتلة لكي تجف على الحاجز، ومناشف الصحون على الشجيرات. ترى من ~~سيكون الرجل؟ يمكن أن يكون أي شخص. لعله جندي لقي حتفه في معركة السوم، أو مزارع يعيش ~~على الطريق له زوجة سليطة اللسان وعصبة من الأطفال؛ ربما أنه صبي ذهب إلى ساسكاتشوان ~~ووعد أن يراسلني لكنه لم يف بوعده قط، أو لعله الواعظ الذي يوقظني كل أحد بالوعيد ~~والثبور وعظائم الأمور. هويته ليست مهمة. ms121 فبإمكاني أن أتعلق بأي منهم، سرا. سر يدوم ~~ما دامت الحياة، حلم يمتد طول العمر. يمكنني أن أنشد في المطبخ وأنا أجلي الفرن وأمسح ~~زجاجات مصابيح الجاز، وأصب ماء للشاي من سطل الشرب، حيث الرائحة الكريهة بعض الشيء ~~للصفيح المغسول، والخرق الرثة المهلهلة لأغراض الفرك والدعك. في الدور العلوي يستقر ~~سريري بمقدمته العالية، وغطائه المشغول يدويا، والملاءات القطنية القاسية بأريجها ~~المألوف، وقارورة الماء الساخن التي تخفف من الشد العضلي الذي ينتابني أو التي أقبض ~~عليها بإحكام بين ساقي. هنالك أعود مرارا وتكرارا إلى قلب عالمي الخيالي، إلى تلك ~~اللحظة التي يطلق الإنسان لنفسه العنان، ويسلم نفسه كليا إلى الشعور الجارف الذي لا ~~مراء أنه يقضي على كل ما كنت عليه في السابق: إيمان راسخ لدى العذارى بالكمال المثالي؛ ~~أي زوجة محبطة يمكن أن تؤكد لك أن إيمانك هذا لا مكان له في عالم الواقع. # وإذ أغمس المغرفة في السطل وجنوني البريء يكتنفني، أنشد التراتيل دون أن يتساءل ~~أحد: # هو زنبق الوادي. # نجم الصباح الساطع. # بالنسبة لروحي هو أبهى طلعة من عشرة آلاف. # 2 # صيف هذا العام أقضيه في تورونتو بشقة صديقتي كاي حيث أعكف على استكمال كتاب عن تاريخ ~~واحدة من العائلات، يدفع لي بعض الأثرياء لقاء تأليفه. وفي الربيع الماضي، اضطررت ~~لتمضية بعض الوقت في أستراليا بسبب هذا الكتاب. وهناك التقيت بعالم أنثروبولوجيا كنت قد ~~تعرفت عليه منذ سنوات في فانكوفر. وحينئذ كان متزوجا من زوجته الأولى (والآن هو متزوج ~~من الثالثة)، وكنت أنا متزوجة من زوجي الأول (والآن أنا مطلقة). وكنا نعيش في فورت كامب ~~التي كانت مساكن الطلبة المتزوجين بالجامعة. # وعكف عالم الأنثروبولوجيا على التحقق من جماعات لغوية تعيش شمالي كوينزلاند. كان يزمع ~~الإقامة لأسابيع قلائل بالمدينة، وتحديدا في واحدة من الجامعات، قبل أن ينضم إلى زوجته ~~في الهند. وكانت زوجته قد حصلت على منحة لدراسة الموسيقى الهندية في الهند؛ وهي من ذلك ~~الضرب الجديد من الزوجات اللائي لديهن اهتمامات جادة خاصة بهن. أما زوجته الأولى ~~فكانت ms122 فتاة عاملة تمد له يد العون في دراسته الجامعية، ثم استقرت بالبيت وأنجبت ~~الأطفال. # التقينا على الغداء يوم السبت، ويوم الأحد انطلقنا في نزهة في قارب نهري يضج ~~بالعائلات الصاخبة باتجاه محمية للحيوانات. وهنالك شاهدنا حيوان الومبت ~~الأسترالي الذي تقوقع على نفسه فبدا أشبه بالسجق المشوي، وطائر الأمو الأسترالي ~~الغاضب قبيح المنظر، ومشينا مستظلين بتعريشة من أزهار غير مألوفة والتقطنا صورنا مع ~~دببة الكوالا، وأخبر كل منا الآخر بما استجد على حياته، ولم يخل حوارنا من المزح ~~والجد والتعاطف الجذل. وفي طريق العودة، احتسينا الخمر من البار الموجود في القارب، ~~وتبادلنا القبل، وجعلنا من أنفسنا أضحوكة. كان من المستحيل تقريبا تبادل أطراف ~~الحديث بسبب ضوضاء المحركات وصراخ الأطفال الرضع وصياح الأطفال الذين يطاردون بعضهم ~~بعضا، لكنه قال: «رجاء، تعالي وألق نظرة على بيتي. فقد اتخذت بيتا بصورة مؤقتة، ~~وسيروق لك كثيرا. رجاء، لا أستطيع إلا أن أطلب إليك أن تنتقلي للعيش معي في ~~بيتي.» ~~«أينبغي علي؟» # قال وأردف قوله بالفعل: «سأجثو على ركبتي.» # قلت له: «انهض، وكفى! إننا في بلد أجنبي.» ~~«هذا يعني أننا نستطيع أن نفعل ما يحلو لنا.» # كف بعض الأطفال عن اللعب ليرمقونا بنظراتهم. وخيم الصمت عليهم وبدوا ~~مدهوشين. # 3 # أطلق عليه «إكس» كما لو كان شخصية في رواية عتيقة تتظاهر بأنها حقيقية. وإكس حرف في ~~اسمه، لكنني اخترته لأنه يليق به في الظاهر. يبدو الحرف إكس بالنسبة لي واسع الدلالة ~~وسري الطابع. واستخدام الحرف وحده دون الاسم يتسق مع منظومة عادة ما أتبناها في ~~الوقت الراهن. أحدث نفسي قائلة «حافلة باردون رقم 144.» وتتراءى لي سلسلة كاملة من ~~المشاهد، أراها مفصلة تفصيلا شديدا: الشوارع والبيوت، ولاتروب تيراس وبادينجتون، ~~والمدارس الأشبه فيما يبدو بالأكواخ الشاسعة بديعة المنظر، ومحلات المراهنات، وأشجار ~~فرانجيباني التي تسقط أزهارها الشمعية الهشة ذات الرائحة النفاذة على الأرض. في هذه ~~الحافلة، انطلقنا إلى قلب المدينة أربع أو خمس مرات في المجمل، حاملين حقائبنا الشبكية ~~للتسوق وشراء البقالة من محلات وولورث، واللحم من كولز، وعرق السوس ms123 وشيكولاتة الزنجبيل ~~من محل الحلوى. المدينة مقامة في مجملها على الحدود بين الوديان؛ ولذا فقد انتابنا شعور ~~بأننا نهبط عبر قرى شبه برية مكتظة بالسكان إلى قلب المدينة بنهرها الطيني وهيئتها ~~الاستعمارية الرثة ولكن المبهجة في الوقت نفسه. في هذه الفترة الوجيزة، بدا كل شيء ~~مألوفا جدا، لكنه رغم ذلك لم يختلط بأي شيء خبرناه في الماضي. شعرنا أننا نعلم علم ~~اليقين حياة كل ربات البيوت اللائي يعتمرن قبعات واقية من الشمس ويركبن معنا الحافلة. ~~أحسسنا أننا نعرف دواخل وتفاصيل البيوت المؤصدة التي تلفحها الشمس والمقامة على أعمدة ~~خشبية أعلى الوديان، ونعرف الشوارع التي لم نستطع رؤيتها. لم تكن هذه الألفة ثقيلة ~~الوطأة على صدورنا، بل كانت ممتعة وغريبة بعض الشيء، وكأننا صادفناها بطريقة لم نفهمها ~~قط. انطلقنا وسط إحساس بالألفة وشعور بالأمان التام، أمان لم نشعر به من قبل - أو هكذا ~~أخبرنا أنفسنا - في أي مكان من تلك الأماكن التي ننتسب إليها أكثر. لقد نعمنا بإجازة ~~تخففت فيها أرواحنا من أعبائها دون أن يتسلل إلينا الشعور بالملل المرتبط عادة ~~بالإجازات. كل يوم كان إكس يذهب إلى الجامعة، وأنطلق أنا إلى مكتبة الأبحاث لتفقد الصحف ~~القديمة على قارئ الميكروفيلم. # ذات يوم، قصدت مدافن توونج بحثا عن بعض المقابر؛ كانت المدافن أضخم من نظيراتها في ~~كندا وأقل منها جمالا، لكن النقوش التي خطت على بعض شواهد القبور كانت تتمتع بطابع ~~غير رسمي مذهل: «أمنا الرائعة» و«رفيق عزيز». تساءلت عن مغزى تلك النقوش لدى ~~الأستراليين، ثم تذكرت كيف نتساءل دوما عن مغزى الأشياء في بلد آخر، وكيف يدور بيني ~~وبين إكس نقاش حول هذه المسألة. # خرج راعي الكنيسة من بيته الصغير ليمد لي يد العون. كان شابا يرتدي سروالا قصيرا، ~~وعلى صدره وشم لسفينة تمخر عباب البحر. كان اسمها «أستراليا فيليكس». وثمة فتاة من ~~الحريم موشومة على الجزء السفلي من ذراعه، ومحارب على الجزء العلوي منها. والذراع ~~الأخرى مزدانة بتنانين وأعلام. وعلى ظهر كف من كفيه خريطة لأستراليا، والصليب الجنوبي ~~على ظهر ms124 الكف الأخرى. لم ترق لى فكرة النظر إلي ساقيه، لكن ثمة مجموعة من ~~الأحاسيس المعقدة تسللت إلي كمجموعة من المشاهد الكوميدية العمودية المتتابعة، وسلسلة ~~من الميداليات المكللة بالزهور، وربما تحتوي على أسماء بعض الفتيات. كنت حريصة كل الحرص ~~على أن أسجل هذه التفاصيل في ذاكرتي لأنني أستمتع أيما استمتاع بالعودة إلى البيت ~~وإطلاع إكس عليها. # كان يرجع إلى البيت محملا هو الآخر بحكاياته الخاصة: حوارات تدور في الحافلة، ~~واشتقاقات كلمات جديدة، وعلاقات جديدة اكتشفها. # لم نكن نهاب استخدام كلمة «حب»؛ فقد كنا نعيش بلا مسئولية، وبلا مستقبل. عشنا في حرية ~~مطلقة، وبسخاء شديد، واحتفال دائم لا تخبو جذوته. لم يحدنا شك بأن سعادتنا ستدوم طوال ~~الفترة الوجيزة المنشودة. وجل ما وبخنا بعضنا بعضا عليه هو الكسل وحسب؛ وتساءلنا ما ~~إذا كنا سنندم في المستقبل لأننا لم نبادر بزيارة الحدائق النباتية كي نرى زهرة اللوتس ~~وهي تتفتح، ولم نشاهد فيلما واحدا معا. كنا على يقين بأننا سنفكر في أشياء أكثر كنا ~~نتمنى لو أطلعنا بعضنا بعضا عليها. # 4 # حلمت بأن إكس أرسل لي خطابا مكتوبا بطريقة غير متقنة باستخدام أسلوب الطباعة ~~بالقوالب، وأدركت أنه فعل ذلك ليخفي ما يمكن أن يشي به خط يده، ورأيت مبادرته بارعة ~~وذكية. لكنني عانيت الأمرين في قراءته. قال في خطابه إنه يود أن ننطلق في رحلة معا ~~إلى كوبا، وأنه تلقى عرضا للقيام بهذه الرحلة من كاهن التقى به في حانة؛ وتساءلت ~~عما إذا كان هذا الكاهن جاسوسا. قال إننا نستطيع أن نذهب لممارسة التزلج على الجليد في ~~فيرمونت، وإنه لا يريد أن يتدخل في حياتي، لكنه يود أن يأويني. أحببت هذه الكلمة. لكن ~~تعقيدات هذا الحلم تضاعفت. تأخر الخطاب. حاولت أن أتصل به هاتفيا، لكنني لم أستطع أن ~~أحمل قرص الهاتف على الدوران. كذلك بدا أنني أتحمل مسئولية طفل رضيع نائم في درج من ~~أدراج منضدة التسريحة. وأمست الأمور أكثر تعقيدا وكآبة حتى استيقظت. لم تكن كلمة ~~«مأوى» قد فارقت ذهني، واضطررت لأن أشعر ms125 بها وهي تذوي. كنت مستلقية على مرتبة على ~~أرضية شقة كاي التي تقع على ناصية شارعي كوين وباثوست في الثامنة صباحا. وكانت ~~النوافذ مفتوحة للتخفيف من قيظ الصيف، والشوارع تعج بالساعين إلى أرزاقهم، والسيارات ~~تتوقف وتنطلق وتطلق عجلاتها صريرا كلما انحرفت. # كانت الشقة زهيدة التكلفة مبهجة ذات نوافذ عالية وجدران بيضاء وستائر قطنية باهتة، ~~وخشب أرضيات مدهون بلون رمادي لامع. كانت الشقة مكانا رخيصا ومؤقتا منذ مدة طويلة ~~جدا حتى إنه لم يفكر أحد في تغييرها؛ ولذلك لم تزل الكسوة الخشبية لأسفل الجدران كما ~~هي على حالها، وكذا الحواجز المثقوبة على أنابيب التدفئة المركزية. كان لدى كاي بعض ~~السجاجيد الصغيرة الجميلة الباهتة، والوسادات والمفارش المعتادة بحيث تبدو المراتب ~~الموجودة على الأرضية أشبه بالأرائك وأقل شبها بالمراتب. وثمة مجموعة بالية من ~~زنبركات الأسرة مركونة على الجدار، تغطيها شالات وأوشحة ورسوم تخطيطية بالفحم مثبتة ~~بمسامير لعشيق كاي السابق الفنان. لا يقدر أحد أن يفكر في طريقة ناجزة لإبعاد الزنبركات ~~عن الطريق، أو حتى يتخيل كيف وصلت بها الحال إلى هنا من الأساس. # تكسب كاي رزقها من عملها من رسم النباتات؛ حيث تعكف على رسم صور غاية في الدقة ~~لنباتات تدرج في الكتب الدراسية والكتيبات الحكومية. وتعيش في مزرعة وسط عائلة، ~~فيها الكبار والصغار الذين يروحون ويعودون، وفي يوم من الأيام راحوا بلا رجعة. وتحتفظ ~~كاي بهذا المكان في تورونتو، وكانت تعود إليه ليوم أو بعض يوم كل أسبوعين. يروق لها ~~شارع كوين على امتداده بحاناته ومحلات بيع الأغراض المستعملة وأطلالها. لم يكن هناك ~~أدنى احتمال أن تلتقي بمحض الصدفة بزملائها الذين التحقوا معها بمدرسة برانكسوم هول أو ~~الذين رقصوا في حفل زفافها. وعندما تزوجت كاي، ارتدى زوجها تنورة اسكتلندية، وصنع إخوته ~~الضباط قوسا من السيوف. وكان أبوها ضابطا برتبة عميد، وكان أول عمل لها في مقر الحاكم ~~العام لكندا. أعتقد أنها لذلك لا تمل ولا تكل من حياة المخاطرة والارتجال، ولا تهاب ~~أصوات الشجارات التي تندلع في وقت متأخر من الليل تحت ms126 النوافذ، أو المخمورين الذين ~~يتسكعون على عتبة الباب بالدور السفلي. ولا تشعر بالخطر الذي أحس به قط، ولا يرد على ~~خيالها الإحساس بالسقوط في هوة عميقة. # لا تملك كاي غلاية، بل تغلي الماء في قدر الطهي. وهي تصغرني بعشر سنوات، وذات ~~فخذين نحيلتين، وشعر طويل ناعم داكن تتخلله خصلات رمادية. وعادة ما ترتدي قلنسوة ~~مستديرة وملابس قديمة وفاتنة في آن واحد تبتاعها من محلات الأغراض المستعملة. وتمتد ~~معرفتي بها إلى ست أو سبع سنوات، وخلال تلك الفترة كثيرا ما كانت تقع في الحب. وحالات ~~عشقها تارة ما تكون جريئة وتارة غريبة. # على القارب الذي أبحر من جزيرة سنتر، التقت بسجين مسرح سراحا مشروطا، وكان رجلا ~~طويل القامة داكن البشرة يعتمر عقالا مشغولا بألوان زاهية، وكان له شعر أسود مائل إلى ~~الشيبة تداعبه الرياح. وكان قد أرسل إلى السجن بتهمة تدمير منزل زوجته السابقة أو بيت ~~عشيقها؛ وهي جريمة وقعت بدافع العاطفة ذهلت كاي إذ علمت بها، ثم تغاضت عنها. قال هذا ~~الرجل إن له جذورا هندية، وعندما ينتهي من أعماله في تورونتو سيصطحبها إلى جزيرته التي ~~نشأ وترعرع فيها على ساحل كولومبيا البريطانية حيث كان من المخطط أن يركبوا الخيل على ~~الشاطئ. فشرعت في الالتحاق بدروس لتعليم ركوب الخيل. # وخلال فترة انفصالها عنه، كانت تخشى على حياتها؛ فقد عثرت على رسائل غرام تهديدية ~~مثبتة على قمصان نومها وملابسها الداخلية. فما كان منها إلا أن بدلت أقفال أبوابها، ~~وذهبت إلى الشرطة، لكنها لم تفقد أملها في الحب ولم تتخل عنه البتة. وسرعان ما وقعت ~~في حب فنان لم يدمر بيتا من قبل قط، لكن تسيطر عليه إشارات من عالم الأرواح. فقد تلقى ~~رسالة من هذا العالم تخصها قبل أن يلقاها، وكان يتنبأ بما ستلفظ به من قول قبل أن يخرج ~~من شفتيها، وكثيرا ما كان يرى نارا زرقاء نذير شؤم تحيط عنقها، على شكل طوق أو حلقة. ~~وذات يوم اختفى دون سابق إنذار تاركا رسومه التخطيطية، وكتابا مرعبا عن علم التشريح؛ ms127 ~~كان يحتوي على صور لجثث حقيقية مشرحة - أحشاؤها وجلدها وشعرها بألوانها الطبيعية - ~~جثث محقونة بصبغات حمراء أو زرقاء تظهر غابة من الأوعية الدموية. وعلى رفوف كاي يستطيع ~~المرء أن يطالع تاريخ علاقاتها الغرامية؛ فهنا كتب تتناول حالات الشغب في السجون، وهناك ~~سير ذاتية لمعتقلين ترجع لفترة عشقها للسجين المسرح سراحا مشروطا؛ وهذا الكتاب ~~الذي يتناول علم التشريح وغير ذلك من الظواهر الغامضة ينتمي للفترة التي وقعت فيها في ~~غرام الفنان؛ وثمة كتب عن الكهوف وكتب من تأليف ألبرت سبير ترجع لفترة علاقتها ~~بالمستورد الألماني الثري الذي علمها كلمة «أخصائي الكهوف»؛ وثمة بعض الكتب عن ~~الثورة التي ترجع إلى فترة غرامها بشخص من جزر الهند الغربية. # تتقبل كاي العشيق وقصته عن طيب خاطر، وتتعلم لغته حرفيا أو مجازا. وفي بداية ~~علاقتها بأي شخص، قد تحاول إخفاء حقيقتها؛ فتتظاهر بالتعقل أو السخرية، قائلة: ~~«الأسبوع الماضي، صادفت رجلا ذا شخصية فريدة.» أو «هل أخبرتك أنني تبادلت أطراف حديث ~~شائق ومضحك مع أحدهم في واحدة من الحفلات؟» وتتبع هذه المحاولة رعشة أو ارتباك مفتعل ~~ماكر أو ابتسامة اعتذار وفي الوقت نفسه عناد، وتقول: «في الواقع، أخشى أنني وقعت في ~~حبه، أليس هذا أمرا مرعبا؟» وفي المرة التالية التي أراها فيها، أجدها غارقة في حبه، ~~وتتردد على المنجمين وتقحم اسمه في كل جملة تلفظ بها؛ وإذ تنطق باسمه، تميل نبرة صوتها ~~إلى الدفء العاطفي، وتشيح بعينيها لأسفل خجلا، وتحيط بها هالة من الضعف المرغوب توجل ~~الناظرين. وبعد ذلك، تدخل في مرحلة الاكتئاب، والشكوك والعذاب، وتسقط في هوة صراع إما ~~لتحرير نفسها أو لمنعه من تحرير نفسه، فتترك الرسائل لدى خدمة الرد على المكالمات. ~~وذات مرة، تنكرت في هيئة امرأة عجوز تعتمر شعرا مستعارا رماديا وترتدي معطفا ~~باليا من الفرو، وطفقت تمشي جيئة وذهابا في البرد القارص خارج بيت المرأة التي ظنت ~~أنها منافستها التي حلت محلها. بعد ذلك تتحدث بلامبالاة وعقلانية وذكاء عن غلطتها، وتقص ~~أشياء مخزية استشفتها عن عشيقها، ثم تجري مكالمات هاتفية يائسة ms128 بائسة، وتعاقر الخمر ~~وتلتحق بجلسات علاج بالمساج، والسباحة الاستشفائية وألعاب الجمباز. # وهي ليست استثناء بين بنات جنسها فيما تفعله؛ فهي تفعل ما يفعلنه. لعلها تبالغ بعض ~~الشيء في أفعالها وفي صراحتها بشكل يفتقر إلى الحيطة، ولعلها تغالي في حماسها ودأبها. ~~كما أن قوى الشفاء لديها وإيمانها لا ينضبان أبدا. وبينما أسخر منها كما يفعل الآخرون ~~جميعا، فإني أدافع عنها أيضا قائلة إنها لم يقدر لها أن تعيش حياة التحفظ ~~والاستسلام، وإنما حياتها هي حياة عدم رضى لا ينتهي وقصص بؤس وتردد تسرها في نفسها. ~~فثقتها عمياء، ومآسيها يندى لها الجبين، ومع ذلك فهي تنجو دون أضرار ظاهرة للعيان. كما ~~أنها لا تتيح لنفسها مجالا للانجراف أو تسمح لحياتها بأن تتعطل، وبالنسبة إلي فإن ~~مشهد حياتها ليس محبطا. # إنها بصدد نسيان عشيق في الوقت الراهن؛ زوج امرأة أخرى في المزرعة يشعر بغربة عن ~~زوجته. اسمه روي، ويعمل عالم أنثروبولوجيا هو الآخر. # تقول كاي: «يا له من انحطاط لمغامراتي أن أغرم بشخص يعيش بالمزرعة! انحطاط شديد بحق؛ ~~فهو شخص أعرف عنه كل شاردة وواردة.» # أخبرت كاي أنني أحاول أن أنسى رجلا قابلته في أستراليا، وأنني أعتزم نسيانه بالكامل ~~عندما أنتهي من كتابي، وحينئذ سأبحث عن عمل جديد، ومكان أعيش فيه. # فردت قائلة: «لا داعي للعجلة؛ هوني على نفسك.» # عندما أفكر في كلمة «نسيان»، أجد لها وقعا مشجعا ومعتادا ويبعث على الحياة. ~~وتتناغم الكلمة مع مزاج كاي الحالي. عندما يكون الحب نضرا وأمواجه عالية، تزداد كاي ~~غموضا وترددا. وحينما ينحسر الحب، وتتغلب على أقسى فتراته، تمسي مفعمة بالحيوية ~~ومسلية وصريحة ونزاعة إلى التحليل. # تقول كاي: «الحب ما هو إلا رغبة في أن يرى الإنسان انعكاس ذاته. الحب دوما يختزل في ~~حب الذات. يا للحماقة! إنك لا تريدينهم، بل تريدين ما يمكنك الحصول عليه منهم. إنه هوس ~~وخداع للذات. هل سبق أن قرأت مذكرات ابنة فيكتور هوجو؟ أعتقد أنها كانت ابنته.» ~~«لا.» ~~«ولا أنا. لكنني قرأت عن تلك المذكرات. الجزء الذي لا ينمحي من ms129 ذاكرتي وأذهلني بشدة ~~ذلك الذي قرأت فيه أنها خرجت إلى الشارع بعد سنوات طويلة من الهيام الذي بلغ منها مبلغ ~~الهوس بذاك الرجل، والتقت به. مرت به في الشارع، وإما أنها لم تتعرف عليه أو تعرفت عليه ~~لكنها عجزت عن الربط بين هذا الرجل الماثل أمامها وذاك الذي وقعت في حبه في خيالها. لقد ~~عجزت عن الربط بينهما تماما.» # 5 # عندما تعرفت على إكس في فانكوفر كان رجلا مختلفا. كان طالب دراسات عليا جادا لم ~~يزل لوثريا، وكان قويا، وحازما، يراه البعض متشددا. وكانت زوجته مشتتة الفكر أكثر ~~منه - وهي أخصائية علاج طبيعي تدعى ماري وتعشق الرياضة والرقص. ولعلك لو فكرت في ~~الاثنين لقلت إنها على الأرجح هي من قد تفكر في التخلي عنه. وكانت شقراء ذات أسنان ~~كبيرة ولثة ظاهرة. كما أنني شاهدتها وهي تمارس لعبة البيسبول خلال نزهة خلوية. ووقتئذ، ~~كان يجب أن أنأى بنفسي بين الشجيرات لإرضاع صغيري. كنت أبلغ من العمر حينها 21 عاما؛ ~~وكنت فتاة بسيطة المظهر، وأما لطفل رضيع؛ ممتلئة الجسم، قرنفلية البشرة، وأصدر ~~أحكاما سوداوية على الآخرين، وأتمتع بطموحات متقدة. وحتى ذلك الحين، لم تكن العلاقة ~~الجنسية تخطر لي على بال على الإطلاق. # جاء إكس إلى الأجمة وناولني زجاجة من الجعة. ~~«ماذا تفعلين هنا؟» ~~«أرضع صغيري.» ~~«ولم يتحتم عليك إرضاعه هنا؟ لم يكن أحد ليكترث بأمرك على أية حال.» ~~«لو فعلت لاستشاط زوجي غضبا.» ~~«حسنا، اشربي هذه. من المفترض أن الجعة مفيدة لحليبك، أليس كذلك؟» # كانت هذه هي المرة الوحيدة التي أتحدث فيها معه حسبما أتذكر. وثمة شيء غريب في ~~الأسلوب المباشر الذي خاطبني به، ربما التودد على استحياء وإن كان مصرا عليه، ولعله ~~إحساسي البهيج غير المتوقع بالامتنان الذي ارتبط باهتمامه بالنساء لاحقا، وربما أثره ~~عليهن. أنا متأكدة من أنه دائما كان صبورا ومطمئنا وناجحا ومقدرا للآخرين ومخلصا ~~لهم. # 6 # قابلت دينيس في مكتبة تورونتو للمراجع، وطلب إلي أن أتناول معه العشاء. # دينيس صديق إكس وقد حضر لزيارتنا في أستراليا، وهو شاب ms130 طويل القامة، نحيل القوام، ~~متحفظ ودائم الابتسام. لكنه ليس شابا صغير السن؛ لعله في الخامسة والثلاثين من عمره. ~~ويتمتع بأسلوب ودود وتوجيهي. # خرجت للقائه ظنا مني أنه يحمل لي رسالة ما. أليس من الغريب أن يرغب في تناول ~~العشاء مع امرأة أكبر منه سنا لم يقابلها سوى مرة واحدة؟ أعتقد أنه سيقول لي ما إذا ~~كان إكس قد عاد إلى كندا. فقد أخبرني إكس أنهما سيرجعان على الأرجح في يوليو، وبعدها ~~سيمضي عاما كاملا في تأليف كتابه. وربما يقيمان في نوفا سكوشا خلال ذلك العام، وربما ~~في أونتاريو. # وعندما جاء دينيس لزيارتنا في أستراليا، صنعت له طعاما منكها بالكاري. كنت ~~سعيدة بفكرة استضافة ضيف، ومبتهجة لأنه وصل في الوقت المناسب تماما ليرى ضوء الليل ~~العابر على الوادي. وكان بيتنا مبنيا على قوائم خشبية شأنه شأن غيره من البيوت، ومن ~~النافذة حيث تناولنا الطعام تطلعنا على واد كالصحن البيضاوي، تطوقه بيوت صغيرة، ويحفل ~~بأشجار الجاكاراندا والبونسيانا والفرانجيباني والسرو والنخيل؛ وكانت أوراقها كريش ~~المراوح والسياط وريش الطيور والأطباق؛ منها الأخضر اللامع والباهت والداكن والمغبر ~~والبراق. وهنالك عاش الدجاج الحبشي، وانطلقت أسراب الكوكابورا الصاخب نحو السماء في ~~الغسق. اضطررنا للاندفاع نزولا على ضفة طينية منحدرة تحت البيت كي نصل إلى كوخ ~~الغسيل ونعلق الملابس على حبل الغسيل الدوار. وهنالك وجدنا نسيج العنكبوت منسدلا على ~~الكوخ كأنه قماش خيمة، ينطبق عليه تماما كما ينطبق الغطاء على القدر. وكان علينا أن ~~نحذر ذلك العنكبوت الصغير الذي ينسج شبكة مخروطية ويفرز سما ليس له ترياق. # أرينا دينيس الوادي، وأخبرناه أن هذا بيت نموذجي من بيوت كوينزلاند العتيقة ذات ~~الجدران العالية التي تتداخل جدرانها كالعاشق والمعشوق، وفتحات التهوية أعلى الأبواب ~~التي تتخللها منحوتات رائعة لنباتات معترشة. لم يمحص في أي شيء باهتمام، لكنه تكلم عن ~~الصين التي عاد منها توا. وقال إكس لاحقا إن دينيس يتحدث دوما عن آخر مكان قام ~~بزيارته، وآخر أناس التقى بهم، ولم يبد أنه يلاحظ أي شيء، كما قال إنه على الأرجح ms131 ~~سيتكلم عنا ويصف هذا المكان إلى من سيتناول معهم العشاء لاحقا في المدينة التالية. ~~وقال إن دينيس يمضي حياته في الترحال، والتكلم عن السفر، وإنه يعرف عددا مهولا من ~~الناس لدرجة أنه كلما نزل في مكان وجد من يدعوه لتناول العشاء. # قال لنا دينيس إنه رأى المعسكر الحربي الذي استكشف مؤخرا في مدينة شيان بالصين. ~~ووصف صفوف الجنود المصنوعة بالحجم الطبيعي، وقال إن كلا منهم بدا له واقعيا ومميزا ~~جدا، وأن بعضهم ما زال يحمل آثار الطلاء الذي كان يغطيهم في فترة من الفترات وميزهم ~~عن غيرهم. وخلفهم على مسافة بعيدة كان هناك جدار ترابي. وبدت تماثيل الجنود المصنوعة من ~~الطين وكأنها تخرج بخطى ثابتة من الأرض. # قال إن المشهد استدعى إلى ذاكرته نساء إكس؛ وهن مصفوفات صفا يلي الآخر، مع وجود ~~امرأة جديدة تلوح دائما في نهاية الصف. # قال دينيس: «الجيش يتقدم.» # أجابه إكس: «دينيس، بالله عليك!» # سألت دينيس: «ولكن، هل يخرجون حقا من الأرض هكذا؟ دون أن يمسهم أذى؟» # قال دينيس بابتسامته القاسية: «من الذين لا يمسهم أذى؟ الجنود أم النساء؟ النساء لا ~~يخرجن سالمات، أو على الأقل ليس لفترة طويلة.» فرد إكس: «هل من الممكن أن نغير ~~الموضوع؟» # قال دينيس ملتفتا نحوي: «بالتأكيد. ردا على سؤالك، نادرا ما يخرجون بأجسامهم ~~كاملة، أو هذا ما فهمته. فلا بد من تركيب سيقانهم وجذوعهم ورءوسهم بعضها فوق بعض، ~~عادة. يجب أن تجمع أجزاء أجسادهم ثم يوضعون في وضعية منتصبة على أقدامهم.» # قال إكس بعد أن تنفس الصعداء: «لا بد أنه عمل شاق.» قلت لدينيس: «لكن الأمر يختلف ~~بالنسبة للنساء.» تحدثت بعذوبة اجتماعية ودودة تكاد تجنح إلى الغزل كعادتي كلما استشعرت ~~خبثا: «أعتقد أن المقارنة تفتقر إلى الدقة إلى حد ما. فلا أحد بحاجة إلى التنقيب عن ~~النساء واستخراجهن وإيقافهن على أقدامهن. فما من أحد وضعهن في هذا الموقف من الأساس، بل ~~جئن من تلقاء أنفسهن وبمحض إرادتهن، ويوما ما سيرحلن. فهن لسن جيشا دائما. ولعل ~~غالبيتهن في طريقهن الآن إلى ms132 مكان آخر على أية حال.» # قال إكس: «أحسنت.» # بينما كنا نغسل الصحون في وقت متأخر من الليل، قال لي: «لم تمانعي إذ قال دينيس ما ~~قال، أليس كذلك؟ لم يكن لديك مانع من مسايرتي له بعض الشيء، أليس كذلك؟ فهو يحب أن ينسج ~~أساطيره الخاصة.» اتكأت برأسي على ظهره بين عظمتي كتفيه وقلت: «أيحب ذلك فعلا؟ لا، لا ~~بأس. بالعكس، فقد كان الأمر مسليا.» ~~«أراهن أنك لم تكن تعرف أن أول من وصف الصابون هو المؤرخ بليني، وأن أهل منطقة الغال ~~(غرب أوروبا) كانوا يستخدمونه. أراهن أنك لم تكن تعلم أنهم كانوا يغلون شحم الماعز ~~بمحلول القلى المستخرج من رماد الخشب.» ~~«لا، لم أكن أعلم ذلك.» # 7 # لم ينبس دينيس ببنت شفة عن إكس أو أستراليا. لو كانت ذكرياتي عنه أفضل، لما وجدت ~~دعوته لي على العشاء غريبة؛ فقد كان يبحث عن صحبة لتبادل أطراف الحديث. ومنذ أن كان في ~~أستراليا، زار أيسلندا وجزر فارو. فطرحت عليه بعض الأسئلة، وأبديت اهتمامي واندهاشي، بل ~~وصدمتي إن استدعى الأمر. كنت حريصة كل الحرص على زينتي، وغسلت شعري. وكنت آمل إن قابل ~~إكس أن يقول إنني كنت رائعة الجمال. # وعلاوة على أسفاره، كان لدينيس نظرياته عن الفن والأدب والتاريخ والحياة. ~~«لدي نظرية جديدة عن حياة النساء؛ فقد كنت أشعر دائما أن من الظلم الشديد ما ~~يتعرضن له من ظروف.» ~~«أية ظروف؟» ~~«الطريقة التي لا بد أن يعشن بها مقارنة بالرجال، خاصة مع الكبر. انظري إلى حالك. ~~فكري في الطريقة التي كان يمكن أن تسير بها حياتك لو كنت رجلا. فكري في الخيارات التي ~~كانت ستتاح لك؛ أقصد الخيارات الجنسية. أيمكنك البدء من الصفر؟ الرجال يمكنهم ذلك. في ~~الروايات وفي الواقع أيضا، يقعون في حب نساء أصغر سنا، ويرغبون في النساء الأصغر ~~سنا ويمكنهم الحصول عليهن؛ وبذلك يملكون الزيجة الجديدة، والأطفال الجدد، والعائلات ~~الجديدة.» # تساءلت إن كان سيطلعني على شيء خاص بزوجة إكس؛ ربما سترزق بطفل. # لكنه أردف بأسلوبه الخبيث المتعاطف: «إن الأمر شبيه ms133 بالثورة بالنسبة لهم، أليس كذلك؟ ~~يملكون الزوجة الشابة الجديدة والأبناء الجدد، في الوقت الذي يستقبل فيه غيرهم من ~~الرجال في نفس العمر أحفادهم، فيحسدهم هؤلاء ويحاولون أن يكتشفوا كيف يحذون حذوهم. إنه ~~أسلوب حياة، أليس كذلك؟ لا بد أنه من الصعب أن يقاوم المرء الرغبة في البدء من الصفر، ~~وأن يرى انعكاسه على مرآة الشباب الجميلة إذا سنحت له الفرصة.» # قلت له بابتهاج دون إصرار: «أعتقد أنني كنت سأقاوم؛ فلا أعتقد أنني أريد أن أنجب ~~طفلا الآن.» ~~«أرأيت؟ رغم أن الفرصة لا تسنح لك! فأنت امرأة والحياة بالنسبة للمرأة تسير في اتجاه ~~واحد. كل ما يتعلق بمسألة العشاق الأصغر سنا هراء، أليس كذلك؟ هل تريدين عشيقا أصغر ~~سنا؟» # قلت وأنا أمد يدي إلى طبق الحلوى: «لا أعتقد.» اخترت بودنج غنيا بالكريمة ومحلى ~~بقطع مهروسة من «أبو فروة» في القاع وتوت العليق الطازج بأعلى. وكنت قد تناولت عشاء ~~خفيفا عن عمد تاركة مساحة كبيرة للحلوى. واتبعت هذا الأسلوب كي أجد ما أتطلع إليه وأنا ~~أستمع إلى دينيس. # قال دينيس بإلحاح: «امرأة في عمرك لا يسعها المنافسة؛ لا يمكنك منافسة الفتيات الأصغر ~~منك سنا. ودوما ما ظننت أن هذا موقف مجحف جدا.» ~~«ربما جبل الرجال بيولوجيا على مطاردة النساء الأصغر سنا؛ لا فائدة من التأفف ~~والتذمر الآن.» ~~«ولذلك، فالرجال بهذه الطريقة يجددون أنفسهم، ويعيدون ملء كأس الحيوية، بينما ~~النساء يستبعدن - إن شئت فقولي - من المشهد الحياتي. لطالما رأيت أن هذه الحقيقة ~~مؤسفة، لكن تفكيري الآن تحول 180 درجة. هل تعرفين رأيي الآن؟ أرى أن النساء هن الأوفر ~~حظا! أتعلمين لماذا؟» ~~«لماذا؟» ~~«لأنهن يجبرن على الحياة في عالم الخسران والموت! حسنا، أعلم أن ثمة حلولا ~~كعمليات شد الوجه. ولكن، كيف تساعدهن حقا مثل هذه الحلول؟ فالرحم يجف، وكذلك ~~المهبل.» # شعرت به يراقبني بعينيه، بينما استمررت في تناول البودنج. فأردف قائلا: «لقد شاهدت ~~بقاعا كثيرة من العالم، ورأيت العديد من الغرائب والكثير من المعاناة، وتوصلت الآن إلى ~~أنك لن تنعمي بالسعادة قط إذا مارست ms134 خدعا على الحياة؛ فبالزهد في الدنيا وقبول الحرمان ~~فقط نتأهب للموت ؛ ومن ثم نستطيع أن ننعم بأي قدر من السعادة. ربما أفكاري تبدو غريبة ~~بالنسبة إليك، أليس كذلك؟» # لم أستطع أن أفكر في أي شيء للرد عليه. # 8 # عادة ما تدور بخلدي أبيات قليلة من الشعر، ولا أعرف ما جعلها تتبادر إلى ذهني. قد ~~تكون قصيدة أو أغنية لم أكن أعلم أنني أعرفها، ولا داعي لأن تكون مطابقة لذوقي ومتماشية ~~معه. وأحيانا لا أنتبه إليها البتة، ولكن إن انتبهت يسعني عادة رؤية أن القصيدة - أو ~~الجزء الذي أحكمت قبضتي عليه منها - متصلة بمجريات حياتي الآن، وربما لا يكون ذلك هو ما ~~يحدث فيما يبدو. # على سبيل المثال، في ربيع العام الماضي، وفي الخريف في أستراليا، عندما كنت سعيدة، ~~كان البيت الذي يخطر على بالي في لحظة مرح: ~~«يا لهذا الزمان الذي يسلبنا الشباب في ثقة ...» # لم أستطع أن أكمل القصيدة، رغم أنني أعلم القافية، وأن ثمة تتمة للقصيدة تسير على ~~المنوال التالي «وفي القبر المظلم الصامت، يسدل الستار على قصة حياتنا.» كنت أعلم أن ~~القصيدة كتبها سير والتر رالي ليلة إعدامه. ولم تتفق هذه القصيدة مع حالتي المزاجية، ~~ورغم ذلك جالت بخاطري وكأنها شيء جميل وباعث على البهجة. ولم أتمهل للحظة للتساؤل عن ~~سبب ورودها على ذهني من الأساس. # والآن وأنا أحاول أن أنظر إلى الأمور بجدية وعقلانية، علي أن أتذكر حوارنا بعد أن ~~حزمنا أمتعتنا ووقفنا في انتظار سيارة الأجرة. وداخل الحقائب صنفت ملابسنا - التي ~~تشاطرت الأدراج والخزائن، وتقلبت معا في الغسالة، وتعلقت معا على حبال الغسيل حيث حطت ~~طيور الكوكابورا الصاخب - وانفصلت بلا أمل في احتكاك بعضها ببعض بعد الآن. ~~«أنا سعيدة بشكل أو بآخر أن العلاقة انتهت دون أن يعكر صفوها شيء؛ فالأمور عادة ما ~~تفسد عند الانفصال.» ~~«أعلم ذلك.» ~~«رغم كل شيء، كانت علاقتنا رائعة.» # قلت ذلك، لكن هذه كانت كذب؛ فقد بكيت ذات مرة، وظننت أنني دميمة، وأنه قد مل ~~مني. # فقال: «نعم رائعة.» # على ms135 متن الطائرة، جالت القصيدة بخاطري مرة أخرى، وكنت لا أزال سعيدة. خلدت إلى النوم ~~وأنا أظن أن إكس مستلق إلى جواري، وعندما أفقت سرعان ما ملأت المساحة التي كان يشغلها ~~بذكريات صوته ونظراته وملامحه ودفئه ومشاهد تجمع بيننا معا. # كنت أسبح في بحر من الذكريات في البداية، وكانت تلك المشاهد المفصلة المتكررة هي التي ~~تحول بيني وبين الغرق. لم أحاول أن أتملص منها، ولم أتمن ذلك. ولاحقا تمنيت لو ~~فررت منها؛ فقد أمست وباء يجتاحني، وجل ما فعلته أن حركت بداخلي الرغبة ~~والاشتياق والإحساس بقلة الحيلة؛ ثلاثية تعاني منها القطط البرية البائسة الحبيسة التي ~~تسللت داخلي دون إذن مني، أو على الأقل دون أن أعي إلى متى ستظل على قيد الحياة، وإلى ~~أي مدى ستكون قاسية. إن صور ولغة المشاهد الإباحية والرومانسية متشابهة؛ رتيبة ~~ومغرية بشكل آلي، فتفضي سريعا إلى القنوط. ذلك ما كان على عقلي التعاطي معه، وذلك ما ~~يستطيع إلى الآن التعاطي معه. جربت السهر وقراءة الكتب الجادة، لكن قدمي ما زالت ~~تزل فأسقط بعمق في مشهد ما قبل أن أدري أين أنا. # على السرير امرأة تستلقي في ثوب نوم أصفر لم يكن ممزقا، لكنه نزع من على كتفيها ~~ولف فوق خصرها وحوله، فلم يعد يغطي من جسدها أكثر مما يغطيه وشاح مجعد. وثمة رجل ~~عار يميل عليها، يقدم لها كأسا من الماء. بينما المرأة - التي كادت تفقد وعيها، ~~وساقاها متباعدتان، وذراعاها ملقاتان على امتدادهما، ورأسها ملتو إلى جانبها، وكأن ~~شيئا أطاح بها أثناء كارثة طبيعية ما - تحاول أن تستعيد نشاطها وأن تمسك الكأس ~~بيديها المرتعشتين. فتسقط قدرا من الماء على نهديها، وتحتسي بعضه ثم تستلقي مرة ~~أخرى. والرجل أيضا يداه ترتعشان؛ يشرب من الكأس نفسها، وينظر إليها ويضحك ضحكة حزينة ~~واعتذارية وحنونة، لكنها أيضا مندهشة، واندهاشها ليس ببعيد عن الرعب. تتساءل ضحكته: ~~كيف نقدر على كل ذلك؟ ما معنى ذلك؟ # ويقول: «كاد أحدنا يقضي على الآخر.» # ما برحت الغرفة تحفل برجع صدى الجلبة التي حدثت منذ قليل؛ ms136 أصوات الصراخ والرجاء ~~والتوعدات القاسية والصيحات الحادة تعبيرا عن الوصول إلى الذروة والتشنجات الطويلة ~~الضعيفة. # الغرفة مترعة برائحة الامتنان والمتعة، ومزيج غني من الحب، من غروب الحب الذهبي. نعم، ~~نعم كان بالإمكان استنشاق هذه الرائحة. # أتفهمون ما أعنيه؟ هذا هو عذابي. # 9 # في هذا الوقت من العام، يصيب النساء الضجر من الملابس الصيفية التي تكشف عن الكتفين ~~والظهر، والمنسوجات المطبوعة، والصنادل. وها هي بشائر الخريف تهل في محلات الملابس؛ ~~فالسترات والتنورات الثقيلة معلقة على خلفية نسيج مخملي أسود أو أرجواني اللون، ~~والبائعات الشابات يضعن زينة مبالغا فيها وكأنهن غانيات. وعن نفسي صرت مهتمة إلى حد ~~الهوس بالملابس؛ وكل الحوارات التي تدور في محلات الملابس تبدو منطقية بالنسبة ~~لي. ~~«إن هذه الفتحة حول عنقي لا تناسبني؛ ضيقة جدا. أريدها واسعة. أتعرفين ما ~~أعنيه؟» ~~«نعم، أعرف ما تعنينه.» ~~«أريد شيئا أنيقا جدا ومثيرا جدا. أتعرفين ما أعنيه؟» ~~«نعم، أعرف ما تعنينه تماما.» # عكفت لسنوات طوال على ارتداء ملابس باهتة اللون، ولكني اكتشفت فجأة أنني لم أعد ~~أطيقها؛ فاشتريت بلوزة من الستان لونها أحمر قان، ووشاحا أرجواني اللون، وتنورة لونها ~~أزرق داكن. وقصصت شعري، وشذبت حاجبي، وجربت أحمر شفاه أرجوانيا فاتحا، ووضعت بودرة ~~خدود تميل إلى اللون البني. أصاب بالذعر كلما فكرت في الهيئة التي كنت أتجول بها في ~~أستراليا، بتنورتي القطنية الباهتة الملفوفة حول خصري، وقميصي قصير الكمين، وساقي ~~المكشوفتين نظرا للطقس الحار - وكانت أوردتهما بارزة - ووجهي العاري الذي يتصبب عرقا ~~تحت قبعتي القطنية. وإنني لشبه مقتنعة بأن المظهر المتقن كان يمكن أن يكون له أثر أقوى، ~~والملابس الأكثر إثارة كانت لتجعلني أقل عرضة للنبذ. أتخيل أحيانا أنني سألتقي إكس ~~فجأة في إحدى الحفلات أو في أحد شوارع تورونتو، وأنني سأصدمه بمظهري المتغير وإشراقتي ~~التي أزهرت مؤخرا. لكنني أذكر نفسي بضرورة الحيطة والحذر، حتى في فترات الازدهار ~~هذه؛ يجب أن أحذر لئلا تتحول الإشراقة والأناقة إلى سخافة وحماقة. ولكن لعل كل النساء ~~الطاعنات في السن اللائي أراهن في شارع كوين يتحرين الحيطة؛ ms137 هذه المرأة البدينة ذات ~~الشعر الوردي، وتلك العجوز التي تجاوزت الثمانين بحاجبيها الأسودين المرسومين؛ لعلهن ~~يعتقدن جميعا أنهن لم يتجاوزن بعد هذا الخط الذي يفصل بين الأناقة والحماقة. حتى تلك ~~المرأة ذات الزي الأصفر التي رأيتها منذ أيام قلائل في الترام - تلك المرأة القصيرة ~~المكتنزة التي بلغت العقد السادس من عمرها بثوبها الأصفر المكشكش الذي يعلو ركبتيها ~~بمسافة، وقبعتها المصنوعة من القش بشرائطها الصفراء، وحذائها الخفيض الأصفر، الذي ~~يتماشى مع لون ثوبها، في قدميها الصغيرتين الممتلئتين - حتى هي لا تنشد سخرية الآخرين؛ ~~فهي ترى نفسها زهرة أمام المرآة؛ زهرة ذات بتلات سخية تشع ضوءا أصفر بديعا. # انطلقت بعد ذلك بحثا عن أقراط؛ فطفت طوال اليوم أبحث عن أقراط أراها في مخيلتي ~~بوضوح. أريد أقراطا مدلاة على شكل كرة فضية صغيرة مفرغة ومزركشة. أريد فضة قديمة وغير ~~براقة نوعا ما. وهو نوع أقراط أتذكره جيدا. ربما تعتقد أن محلات الأغراض المستعملة ~~تبيعه بلا شك، لكنني لم أستطع العثور عليه، ولا حتى أي شيء قريب الشبه به، ولا تفتأ هذه ~~الأقراط تبدو ضرورية بالنسبة لي؛ ولذا دلفت إلى محل صغير في شارع جانبي على مقربة من ~~شارع كوليدج آند سبادينا؛ جدران المحل كلها مزدانة بورق أسود ومؤثرات رخيصة ومرعبة؛ ~~فهاك على سبيل المثال تمثال عار لعارضة أزياء صلعاء تجلس على سلم نقال ويتدلى منها ~~بعض الحلي، وثمة فستان - كتلك الفساتين التي ارتديتها في الخمسينيات للرقص - مصنوع ~~من نسيج شبكي وردي اللون ومزدان بنثار لامع، خشن من تحت الإبطين، معروض على ورق الحائط ~~الأسود بطريقة تجعله يبدو مقبضا وإن كان جذابا. # وفي هذا المحل جلت ببصري بحثا عن درج المجوهرات. كانت البائعتان منشغلتين بمساعدة ~~زبونة على تلبية متطلباتها، وكان يفصلها عني مرآة ثلاثية الجوانب فلم أكن أراها. كانت ~~إحدى البائعتين بدينة وقريبة الشبه بالغجر، وقد لونت وجهها بلون مشمشي دافئ، والأخرى ~~تصفف شعرها كعرف الديك، حيث تعلوه خصلة بيضاء يحيط بها شعر أسود فاحم، كالظربان ~~الأمريكي. وكلتاهما تصيح سعادة بينما تحضران القبعات والحلي ms138 للزبونة حتى تجربها. وفي ~~النهاية، يسعد الجميع وتخرج شابة جميلة، وهي ليست بشابة في حقيقة الأمر بل صبي جميل ~~يرتدي زي النساء، يخرج من وراء المرآة. فكان يرتدي ثوبا مخمليا أسود اللون طويل ~~الأكمام ووشاحا أسود مزركشا على الكتفين، وينتعل حذاء خفيضا أسود، وفي كفيه قفاز من ~~اللون نفسه، وعلى رأسه قبعة سوداء صغيرة ذات برقع منقط. وكان على وجهه بعض الزينة ~~الأنيقة، كما تتدلى خصلات الشعر المجعد بنية اللون من تحت القبعة. لا شك أنه أجمل ~~شخص أنيق وقعت عيناي عليه طوال اليوم. وكان وجهه الباسم متوترا ومرتجفا. أذكر عندما ~~كنت في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري كان يحلو لي أن أبدو كعروس ليلة زفافها ~~مستعينة بالستائر القديمة، أو كامرأة تزدان بأحمر الشفاه وقبعة مكسوة بالريش. وبعد كل ~~الجهد المبذول والابتكار وافتتاني الشخصي بالنتيجة النهائية، أصاب بخيبة أمل شديدة. ~~ماذا يفترض أن تفعل الآن؟ الاستعراض على الرصيف جيئة وذهابا؟ ثمة خوف شديد وجرأة ~~وخيبة أمل في هذا الضرب من الاستعراض. # كان صوته صبيانيا أجش، وكان هو نفسه متسرعا وخجولا. ~~«كيف أبدو يا أماه؟» ~~«تبدو رائع الجمال!» # 10 # أعيش حالة من الاكتئاب حاليا. وأستطيع أن أدرك ذلك. لا بد أن هذا يعني أنني ~~سأتجاوزها. # لا شك أنني أعيش حالة من الاكتئاب؛ فلا أقدر على التعامل مع كل ما يجثم على صدري ما ~~لم أحصل على المساعدة، وإنني لا أريد سوى مساعدة شخص واحد وحسب: إكس. لا أستطيع أن ~~أواصل المسير في الشوارع ما لم يكن لي وجود في عقله وفي عينيه. كثيرا ما يعاني الناس ~~هذه المشكلة، وإننا لنعلم أن المشكلة مشكلتهم الخاصة وأنهم لا بد أن يغيروا الطريقة ~~التي يفكرون بها، هذا كل ما في الأمر. إنها ليست مشكلة تستحق التفكير؛ فالحب ليس شيئا ~~خطيرا، مع أنه قد يكون قاتلا. قرأت هذه العبارة في مكان ما، وإنني لأومن بها. ~~الحمد لله أنني لا أعلم مكانه؛ فلا يمكنني الاتصال به هاتفيا، أو مراسلته، أو التربص ~~به في الطريق. # ثمة ms139 رجل قطعت علاقتي به غير أنه كان يتبعني، وأخيرا أقنعني باحتساء الشاي معه ~~في أحد المقاهي. # قال: «أعلم أنني جعلت من نفسي أضحوكة. أعلم أنك إذا كنت تكنين لي أدنى قدر من ~~الحب، فإن هذا سيدمره.» # لم أنبس ببنت شفة. # ضرب السكرية بملعقته. ~~«بم تفكرين عندما تكونين معي؟» # كنت أود أن أقول «لا أعرف.» لكنني بدلا من ذلك قلت: «أفكر كم أريد أن أبتعد ~~عنك!» # نهض مرتعشا فسقطت ملعقته على الأرض. # وقال بنبرة مخنوقة: «لقد تحررت مني.» # كم كان هذا المشهد كوميديا ومرعبا، ومسرحيا وواقعيا في آن واحد. لقد كان يشعر ~~بالحرمان الشديد، شأني تماما الآن، لكنني لم أرث لحاله، ولم أشعر بالأسف أنني لم ~~أفعل. # 11 # راودني حلم جميل يبدو بعيدا كل البعد عن حالة اليقظة؛ كنت أنا وإكس وأناس آخرون لا ~~أعرفهم - أو لا أستطيع أن أتذكرهم - نرتدي ملابس رياضية تحتية بريئة، تبدلت في مرحلة ~~ما وتحولت إلى ملابس ناصعة البياض شفافة، واتضح أنها ليست ملابس وحسب بل جوهرنا نفسه، ~~لحمنا وعظامنا، وبمعنى آخر أرواحنا. وحدث أن تعانقنا عناقا بدأ باندفاع كالمعتاد، ~~لكنه تحول - بخفة جوهرنا وعذوبته - إلى حالة نادرة من الرضى والإشباع. لا أستطيع أن ~~أصف الحلم وصفا وافيا؛ فهو أشبه برؤيا للجنة، رؤيا شديدة البراءة والتقليدية في ~~مجملها. أعتقد أنه كان كذلك بالفعل. ولا أستطيع أن أعتذر عن الطبيعة التقليدية ~~لأحلامي. # 12 # أمشي بطول الشارع حتى محل رونيمز للمخبوزات، فأدلف وأجلس على طاولة صغيرة عليها كوب ~~من القهوة؛ ورونيمز مخبز إستوني يمكن أن تجد فيه عادة ربة منزل من منطقة البحر المتوسط ~~ترتدي ثوبا أسود، وطفلا يتطلع إلى الكعك، ورجلا يحدث نفسه. # أجلس حيث يمكنني مراقبة الشارع، ويراودني شعور أن إكس على مقربة من المخبز في مكان ~~ما؛ ربما على مسافة ألف ميل، أو ربما مائة ميل، أو ربما داخل المدينة. هو لا يعرف ~~عنواني، لكنه يعلم أنني في تورونتو. وليس من الصعب أن يعثر علي. # في الوقت نفسه، أحدث نفسي بأنني يجب أن أنساه. وما ms140 يتعين علي أن أقرره حقا هو ~~ما إذا كنت سأتعامل مع المسألة بجنون أم لا. لكنني لا أتمتع بقوة الاحتمال، ولا بقوة ~~الإرادة الخالصة التي تعينني على التصرف بجنون لفترة طويلة. # ثمة حد لكم البؤس والفوضى اللذين يستطيع المرء تحملهما في سبيل الحب، بالضبط ~~كما أن ثمة حدا للفوضى التي يمكن أن يتعايش معها المرء في البيت. وبينما لا يسعك ~~معرفة الحد مسبقا، فإنك ستدركه عندما تصل إليه؛ هذا ما أومن به. # عندما تبدأ حقا في النسيان، هكذا سيكون الشعور: مسحة من الألم تتسلل إليك خلسة ~~وتخترقك من حيث لا تدري. ومن بعدها يأتي شعور بالخفة. والخفة شعور يستدعي التفكير؛ فهو ~~ليس ارتياحا وحسب. فثمة ضرب غريب من المتعة فيه، لا المتعة التي تتأتى بجرح الذات ~~أو المتعة الخبيثة، فهي متعة ليست ذات طابع شخصي على الإطلاق. إنها متعة غير مبررة، ~~متعة نابعة من اكتشاف كيف أن التصميم لم يكن ليتناسب، والبناء لم يكن ليستقيم، متعة في ~~أن يضع المرء في الاعتبار مجددا كل ما كان متناقضا وثابتا وغير موائم في الحياة. ~~أعتقد ذلك؛ أعتقد أن بداخلنا رغبة في التأكد من صحة هذا الاكتشاف، إلى جانب رغبة أخرى - ~~قد تتصارع معها - في الاطمئنان إلى صورة الآفاق المستقبلية الدائمة والكلام ~~المعسول. # أفكر في حلمي بالملابس البيضاء وكيف بدا في غير محله، ويذهلني أن كونه في غير محله هو ~~مفتاح اللغز في الحب، جوهر المشكلة، لكنني لا أستطيع أن أحكم قبضتي على ما أراه، كأنني ~~شخص ثمل أو واقع تحت تأثير المخدرات. # ما أحتاج إليه هو فترة راحة؛ راحة متعمدة، بتعريفات جديدة للحظ. لا الحظ الذي كان ~~دينيس يتحدث عنه. أنت محظوظة لأنك جالسة في مخبز رونيمز تحتسين القهوة، وثمة أناس ~~يروحون ويجيئون، ويتناولون طعامهم ويحتسون شرابهم، ويبتاعون الكعك، ويتحدثون الإسبانية ~~والبرتغالية والصينية وغيرها من اللغات التي يمكنك محاولة اكتشافها. # 13 # عادت كاي من الريف. هي أيضا كانت ترتدي زيا جديدا؛ رداء فوقيا لونه أخضر داكن ~~كذلك الذي ترتديه الفتيات في المدرسة، ms141 دون بلوزة تحتية أو حمالة صدر، وزوجا من الجوارب ~~من اللون نفسه يصل إلى الركبة، وحذاء خفيضا برباط. ~~«هل تبدو ثيابي غريبة؟» ~~«نعم.» ~~«هل تجعل ذراعي تبدوان داكنتين؟ هل تذكرين تلك المرأة التي كانت لها ذراعان داكنتان ~~في قصيدة قديمة؟» # بالفعل تبدو ذراعاها ناعمتين وسمراوين. ~~«كنت أنتوي العودة الأحد، لكن روي جاء بصحبة صديق وأقمنا جميعا حفلا لشي الذرة. ~~وكان الأمر رائعا. يجب أن تقومي بزيارتنا ذات مرة.» ~~«سأفعل يوما ما.» ~~«كان الأطفال يطوفون ويدورون حولنا كالعفاريت في مشهد بديع، واحتسينا الميد. يعرف ~~روي كيف يصنع دمى الخصوبة. وصديق روي هو أليكس فالتر؛ عالم الأنثروبولوجيا. شعرت أنني ~~كان علي أن أعرف عنه المزيد، لكنني لم أفعل، ولم يكن هو ليمانع؛ فهو رجل لطيف. هل ~~تعرفين ماذا فعل؟ بعد أن حل الظلام بينما كنا جالسين حول النار، دنا مني وتنهد وحسب، ثم ~~وضع رأسه على حجري. يا لها من حركة لطيفة وبسيطة، كما لو كان كلبا صغيرا يتمسح في ~~صاحبه! لم يفعل أحد مثل هذا الشيء معي من قبل.» # | برو # كانت برو تعيش مع جوردون بعد أن ترك زوجته وقبل أن يرجع إليها؛ وهي الفترة التي امتدت ~~عاما وأربعة أشهر إجمالا. ولاحقا، وقع الطلاق بينه وبين زوجته، ثم تلته فترة من التذبذب ~~وعدم الاستقرار، حيث عاشا معا وانفصلا أكثر من مرة. وأخيرا؛ سافرت الزوجة إلى ~~نيوزيلاندا، على الأرجح إلى الأبد. # لم ترجع برو إلى جزيرة فانكوفر حيث التقى جوردون بها حيث كانت تعمل حينها مضيفة بأحد ~~المطاعم في فندق داخل منتجع. وحصلت على وظيفة في تورونتو بمحل لبيع النباتات، وكانت قد ~~أقامت صداقات عدة بحلول تلك الفترة في تورونتو، وكان أغلبهم من أصدقاء جوردون وأصدقاء ~~زوجته. فكانوا يحبون برو ومستعدين للتعاطف معها، لكنها كانت تخرجهم من هذه الحالة بخفة ~~ظلها وسخريتها؛ وكانت ودودة جدا. فهي تتحدث بما يطلق عليه الكنديون الشرقيون «لكنة ~~إنجليزية» رغم أنها ولدت في كندا - وتحديدا في دانكن على جزيرة فانكوفر. وتساعدها هذه ~~اللكنة على التلفظ بأكثر الأشياء ms142 تهكما بطريقة ساحرة ومرحة. فهي تعرض حياتها على ~~الآخرين على هيئة حكايات، ورغم أن أغلب حكاياتها تتمحور حول الآمال المفقودة والأحلام التي ~~تصبح موضع سخرية، والأمور التي تحيد عما هو متوقع لها، وكل شيء يتحور بطريقة عجيبة دون أي ~~تفسير منطقي قط، فإن الناس يسعدون بعد أن ينصتوا إليها، ويتحدثون عنها قائلين إنه لمن ~~المريح أن يلتقي المرء شخصا مثلها، شخصا متحضرا غير معقد ولا يصعب حياته على نفسه، ~~وليس له طلبات حقيقة أو شكاوى فعلية. # الشيء الوحيد الذي تشتكي منه كثيرا هو اسمها؛ تقول: إن برو هو اسم فتاة ترتاد المدرسة، ~~وبرودنس اسم بتول عجوز؛ لا بد أن الوالدين اللذين سمياها هذا الاسم كانا ضيقي الأفق ~~جدا لدرجة أنهما لم يضعا في الاعتبار مرحلة البلوغ. ماذا لو تضخم ثدياها - بحسب قولها - ~~أو صارت ملامحها مثيرة؟ أم أن الاسم نفسه يضمن حماية صاحبته من ذلك؟ وإذ بلغت برو أواخر ~~العقد الرابع من عمرها الآن - وهي ما زالت نحيلة القوام جميلة المحيا، تعتني بزبائنها ~~بحيوية واجبة، وتسعد ضيوفها على الطعام - لعلها لم تكن بعيدة كل البعد عما جال بخاطر ~~والديها من أفكار؛ فهي ذكية وعميقة التفكير، وتشاهد الأحداث بمرح. ومن الصعب أن نمنحها صفة ~~النضج أو الأمومة أو أن نحملها مشكلات حقيقية. # أما عن أبنائها الكبار الذين هم ثمرة زيجة سابقة في جزيرة فانكوفر تصفها هي بالكارثة ~~الكونية، فيأتون لزيارتها، وبدلا من مطالبتها بالمال شأن غيرهم من الأبناء، يحضرون لها ~~الهدايا، ويحاولون إدارة حساباتها، ويتخذون التدابير اللازمة لعزل بيتها. فتسعد بهداياهم، ~~وتستمع لنصائحهم، وشأنها شأن الابنة الهوجاء الطائشة تغفل عن الرد على رسائلهم. # ويأمل أبناؤها ألا تقيم في تورونتو بسبب جوردون؛ وهذا أمل كل من حولها، لكنها كانت تسخر ~~من الفكرة؛ فهي تقيم الحفلات وترتادها، وأحيانا تواعد رجالا آخرين. وموقفها من العلاقة ~~الجسدية مريح جدا لأصدقائها الذين تتملكهم حالات بشعة من التعاطف معها والغيرة منها، ~~ويشعرون بالتحرر من القواعد التي طالما تقيدوا بها. فيبدو أنها تتعامل مع العلاقة الجسدية ~~باعتبارها ضربا ms143 صحيا - وإن كان سخيفا بعض الشيء - من الانغماس في الملذات، شأنه شأن ~~الرقص والمآدب الشهية؛ شيء لا ينبغي أن يحول دون معاملة الناس بعضهم بعضا بلطف ~~ومرح. # والآن بعد أن رحلت زوجته عنه إلى الأبد، يأتي جوردون لزيارة برو بين الفينة والأخرى، ~~وأحيانا ما يدعوها لتناول العشاء. وربما لا يترددان على مطعم، بل يذهبان إلى منزله. جوردون ~~طباخ بارع. عندما كانت برو أو زوجته تعيش معه لم يكن يستطيع الطهي قط، لكن بمجرد أن عقد ~~عزمه على تعلم الطهي فإنه - حسبما يقول بصدق - تفوق على كلتيهما. # ومؤخرا كان هو وبرو يتناولان العشاء في بيته؛ فطهى دجاج كييف الروسي وكريم بروليه ~~للتحلية. وشأنه شأن أغلب الطهاة الجدد الجادين، تحدث جوردون عن الطعام. # جوردون ميسور الحال بحسب معايير برو والسواد الأعظم من الناس؛ فهو طبيب أمراض عصبية، ~~وبيته جديد أقيم على ربوة عالية شمالي المدينة في المكان الذي شغلته من قبل مزارع بديعة ~~المنظر ولكن غير مربحة. والآن، توجد بيوت فريدة من نوعها باهظة التكلفة من تصميم مهندسين ~~معماريين مبنية على قطع أرض مساحة القطعة نصف فدان. وإذ تصف برو بيت جوردون تقول: «هل ~~تعرفون أن لديه أربعة حمامات؟ لذا، إذا أراد أربعة أشخاص الاستحمام في الوقت نفسه، فلن ~~يجدوا مشكلة. قد يبدو هذا العدد مبالغا فيه، لكنه أمر رائع بحق، ولا يضطر المرء إلى أن ~~يمر بحجرة الجلوس الرئيسية قط لدخول الحمام.» # يتسم بيت جوردون باحتوائه على غرفة طعام مرتفعة المستوى؛ فهي تشبه المنصة ومحاطة بركن ~~لتبادل أطراف الحديث، وآخر للموسيقى، وصف من النباتات الخضراء الضخمة المتراصة تحت زجاج ~~مائل. لا يستطيع المرء أن يرى مدخل البيت من غرفة الطعام، لكن لا توجد جدران تعترض الطريق؛ ~~بحيث تستطيع أن تسمع من غرفة ما يجري في أية غرفة أخرى. # خلال العشاء، رن جرس الباب. فاستأذن جوردون لينظر من الطارق، ونزل الدرج. سمعت برو ~~صوتا أنثويا، ولكن لم تزل صاحبة الصوت خارج البيت؛ ولذلك لم تستطع أن تميز الكلمات. سمعت ~~صوت جوردون محذرا ms144 بنبرة خفيضة. ولم يغلق الباب؛ فمن الواضح أن ذاك الشخص لم يدع إلى ~~الداخل، لكن الأصوات استمرت مكتومة وغاضبة. وفجأة صاح جوردون بصوت عال، وظهر على الدرج ~~بعد أن قطع نصف المسافة ملوحا بذراعيه. # قال: «الكريم بروليه. هلا تخرجينه من الفرن؟» ونزل الدرج سريعا بينما نهضت برو، ~~واتجهت نحو المطبخ لإخراج الحلوى من الفرن. وعندما عادت كان جوردون يصعد الدرج على مهل، ~~وعلى وجهه أمارات الانفعال والإنهاك. ~~«كان أحد الأصدقاء.» قالها عابسا. «هل كل شيء على ما يرام؟» # أدركت برو أنه كان يتحدث عن الكريم بروليه، وقالت: إنه على ما يرام؛ فقد أخرجته من الفرن ~~في الوقت المناسب. شكرها لكنه لم يبتهج. بدا أن الحلوى لم تكن السبب وراء كآبته، بل ما حدث ~~على باب بيته أيا كان. ولكي تلهيه عما حدث، بدأت تسأله أسئلة احترافية عن ~~النباتات. # قال: «لا أعرف عنها شيئا. أنت تعرفين ذلك.» # قالت: «ظننت أنك ربما اكتسبت خبرة بها تدريجيا كما فعلت مع الطهي.» ~~«هي تعتني بالنباتات.» # قالت برو ذاكرة اسم مدبرة المنزل: «السيدة كار؟» ~~«من في رأيك؟» # احمرت برو خجلا؛ كانت تكره أن يراها مرتابة. # قال جوردون دون أن تتبدل حالته المعنوية: «المشكلة هي اعتقادي أنني أريد أن أتزوجك.» ~~جوردون رجل ضخم البنية ذو ملامح خشنة، يحب أن يرتدي ملابس ثقيلة وسترات ضخمة، وعيناه ~~الزرقاوان عادة محتقنتان بالدم، وتعبيراتهما تشي بأن وراء هذه القلعة الحصينة روحا يائسا ~~حائرا متململا. # قالت برو باستخفاف: «يا لها من مشكلة!» مع أنها تعرف جوردون تمام المعرفة لتدرك أنها ~~بالفعل مشكلة. # رن جرس الباب مرة أخرى، رن مرتين، ثلاث مرات، قبل أن يصل جوردون إليه. هذه المرة كان ~~هناك صوت تحطم؛ كأن شيئا ألقي ثم سقط على الأرض بقوة. صفق الباب، وعاد جوردون فورا ~~إلى المشهد. ترنح على الدرج وأمسك رأسه بيده، وأشار بيده الأخرى إلى أنه ما من شيء حدث ~~يستحق القلق، وأنه على برو أن تجلس. # قال: «حقيبة المبيت اللعينة. ألقتها في وجهي.» ~~«هل أصابتك؟» ~~«كادت تصيبني.» ~~«لقد ms145 أحدثت صوتا قويا لا يليق بحقيبة مبيت. أكان بها أحجار؟» ~~«ربما عبوات؛ مزيل العرق الخاص بها وما شابه ذلك من أغراض.» ~~«أوه.» # رأته برو وهو يصب لنفسه كأسا من الشراب، وقالت: «أريد قدحا من القهوة إن أمكن.» قصدت ~~المطبخ لتضع الماء على الموقد، وتبعها جوردون. # قال: «أعتقد أنني وقعت في حب تلك المرأة.» ~~«من هي؟» ~~«لا تعرفينها. هي صغيرة جدا في السن.» ~~«أوه.» ~~«لكنني أعتقد أنني أريد أن أتزوجك في غضون السنوات القلائل التالية.» ~~«بعد أن تتخطى حبك لها؟» ~~«نعم.» ~~«حسنا، أعتقد أنه لا أحد يستطيع أن يجزم بما يمكن أن يحدث في غضون سنوات قلائل.» ~~••• # عندما تتحدث برو عن هذه الواقعة تقول: «أعتقد أنه كان يخشى أن أضحك. هو لا يعلم لماذا ~~يضحك الناس أو لماذا يلقون بحقائبهم في وجهه، لكنه لاحظ أنهم يفعلون. إنه إنسان صالح. ~~حقا. يدعوني على عشاء شهي، ثم تأتي وتلقي بحقيبة مبيتها في وجهه. ومن المنطقي جدا أن ~~يفكر في مسألة الزواج مني في غضون سنوات قلائل، بعدما يتخطى مرحلة الوقوع في الحب. أعتقد ~~أنه فكر في البداية في البوح لي برغبته ليطمئنني نوعا ما.» # لم تذكر أنها في الصباح التالي أخذت واحدا من أزرار الأكمام الخاصة بجوردون من درج ~~تسريحته. وكانت تلك الأزرار مصنوعة من الكهرمان، وكان قد اشتراها من روسيا خلال الإجازة ~~التي أمضاها هو وزوجته عندما عاد كل منهما إلى الآخر بعد فترة انفصال. بدت تلك الأزرار ~~كمربعات الحلوى بلونها الذهبي الشفاف. وهذا الزر الذي حصلت عليه سرعان ما دفئ في يدها، ثم ~~وضعته في جيب سترتها. إن استيلاءها على زر واحد ليس بسرقة؛ قد يكون تذكارا، أو مزحة حميمة، ~~أو عملا أخرق وحسب. # أصبحت برو وحدها في بيت جوردون؛ فقد خرج مبكرا كعادته دائما، ولا تصل مدبرة المنزل سوى ~~في التاسعة صباحا. وبرو ليست بحاجة لأن تكون بالمحل سوى في العاشرة؛ والآن تستطيع أن ~~تعد لنفسها طعام الإفطار، وتبقى لبعض الوقت، وتحتسي القهوة مع مدبرة المنزل التي كانت ~~صديقتها في ms146 الماضي. ولكن فور أن وضعت الزر في جيبها، لم تتلكأ. بدا البيت مكانا كئيبا ~~جدا لها لدرجة أنها لم تحتمل تمضية لحظة أخرى فيه. لقد كانت برو في حقيقة الأمر هي التي ~~ساعدت في انتقاء البقعة التي بني عليها البيت. لكنها ليست مسئولة عن الموافقة على ~~التصاميم؛ حيث كانت زوجة جوردون قد عادت خلال تلك الفترة. # عندما وصلت إلى بيتها، وضعت الزر في علبة تبغ صفيحية عتيقة. كان أبناؤها قد اشتروا هذه ~~العلبة من محل للخردة منذ سنوات، وأهدوها إياها. وكانت خلال هذه الفترة قد اعتادت ~~التدخين، فانتاب الأبناء القلق بشأنها، وأهدوها هذه العلبة التي كانت مملوءة بقطع الحلوى ~~والهلام مع بطاقة عليها رسالة منهم مفادها أنه «لا بأس من أن تسمني بدلا من أن تدخني.» ~~كانت هدية عيد ميلادها. والآن العلبة تحوي العديد من الأشياء إلى جوار زر الكم، وكلها ~~أشياء ليست ذات قيمة كبيرة لكنها ليست تافهة أيضا: طبق صغير مطلي بالمينا، وملعقة ملح من ~~الفضة، وسمكة من الكريستال. لم تكن هذه تذكارات لها قيمة عاطفية؛ فهي لا تنظر إليها مطلقا، ~~وكثيرا ما تنسى محتوى العلبة. وهي ليست غنيمة وليس لها مكانة شعائرية. إنها لا تأخذ شيئا ~~من منزل جوردون كلما زارته، أو كلما باتت عنده، ولا تأخذ شيئا احتفاء بما ربما تسميه ~~زيارات لا تنسى؛ هي لا تفعل ذلك وهي في حالة غفلة، ولا يبدو أنها أسيرة دافع لا يقاوم، ~~وإنما تأخذ شيئا بين الفينة والأخرى، وتطرحه في ظلمة علبة التبغ الصفيحية العتيقة، ثم ~~بشكل أو بآخر تنسى أمره. # | عشاء عيد العمال # قبل السادسة مساء بالضبط، ترجل جورج وروبرتا وأنجيلا وإيفا من شاحنة جورج - الذي قايض ~~سيارته وحصل على شاحنة عندما انتقل للعيش في الريف - وعبروا الباحة الأمامية لبيت فاليري ~~تحت ظل شجرتي دردار وارفتين بديعتي المنظر حظيتا بعناية باهظة التكلفة. تقول فاليري إن ~~هاتين الشجرتين كلفتاها القيام برحلة إلى أوروبا. كان العشب المحيط الموجود تحتهما قد ~~احتفظ بخضرته ونضارته طوال الصيف، وتحيط به زهور الأضاليا البراقة. ms147 بني البيت من الطوب ~~الأحمر الباهت، وتحد أبوابه ونوافذه قوالب تزيينية من طوب أفتح لونا، أبيض اللون في ~~الأساس. وينتشر هذا النمط المعماري عادة في مقاطعة جراي؛ ولعله كان تخصصا يتميز به أحد ~~البنائين الأوائل. # كان جورج يحمل كراسي الحديقة القابلة للطي بناء على طلب فاليري لإحضارها، بينما تحمل ~~روبرتا الحلوى، وكانت قالبا مستديرا من توت العليق المثلج، المصنوع من التوت الذي جمع من ~~مزرعتهم الخاصة - مزرعة جورج - في وقت سابق من ~~صيف ذلك العام. علبته روبرتا في مكعبات ثلج ولفته في مناشف الصحون، لكنها تتوق لوضعه في ~~المجمد. وكانت أنجيلا وإيفا - ابنتا روبرتا - تحملان زجاجات النبيذ. وقد اتفقت روبرتا ~~وزوجها على أن تمضي الفتاتان الصيف معها ومع جورج، والعام الدراسي معه في هاليفاكس. كان ~~زوج روبرتا يعمل في البحرية. وتبلغ أنجيلا من العمر السابعة عشرة، وإيفا الثانية ~~عشرة. # كان أربعتهم يرتدون ثيابا تشي بطريقة ما بأنهم بصدد الذهاب إلى حفلات عشاء مختلفة؛ فكان ~~جورج ضخم الجثة، أسمر البشرة، عريض المنكبين - كانت له نظرة مهيبة احترافية تنم عن الثقة ~~بالنفس ونفاد الصبر (وكان يعمل مدرسا) - يرتدي قميصا أنيقا وسروالا عاديا للغاية. أما ~~روبرتا، فكانت ترتدي سروالا قطنيا حنطي اللون باهتا، وقميصا فضفاضا من الحرير الخام ~~بلون الطوب اللبن، وهو اللون الذي يتماشى مع شعرها الداكن وبشرتها الشاحبة أيما تماش في ~~أفضل حالاتها، لكنها لا تعيش أفضل حالاتها اليوم. عندما كانت تضع زينتها في الحمام، ~~اعتقدت أن بشرتها بدت كقطعة من الورق المكسو بالشمع التي تجعدت فتحولت إلى كرة مشدودة ثم ~~تراخت. عاشت لحظات سعادة مؤقتة بنحافتها، وكانت خطتها أن ترتدي صدرية نسائية فضية مثيرة ~~تمتلكها - يا لها من مزحة ساحرة - لكنها غيرت رأيها في اللحظة الأخيرة. كانت ترتدي أيضا ~~نظارة داكنة، والسبب هو أن دموعها قريبة ومتدفقة، لا في الأوقات البائسة حقا ولكن فيما ~~بينها؛ وتفاجئها دموعها على حين غرة شأنها شأن العطس. # أما بالنسبة لأنجيلا وإيفا، فكانتا تلبسان ثيابا رائعة مستوحاة من صندوق ستائر قديمة ~~عثر عليه بعلية بيت ms148 جورج؛ فترتدي أنجيلا ثوبا من الإستبرق الأخضر زمردي اللون، تتخلله ~~خطوط طويلة أبهتتها الشمس، منسدلا عليها بحيث ينحسر عن كتف برونزية مكشوفة. وقصت أنجيلا ~~قطعا على شكل أوراق العنب من الإستبرق وألصقتها على ورق مقوى، وزينت بها شعرها. تتمتع ~~أنجيلا بقامة طويلة وشعر أشقر، وكانت تشعر بالحرج من الجمال الذي اكتسبه جسدها مؤخرا، ~~وكانت تبذل جهدا خرافيا للتباهي به - كما هي حالها الآن - ثم تحمر خجلا وتعبس وتبدو ~~كأنها أهينت كلما قال لها أحدهم إنها بارعة الجمال. أما إيفا، فترتدي طبقات عدة من ~~الدانتيل المنسدل الرقيق المائل إلى الصفرة، مشبكة معا بدبابيس وأشرطة وأكاليل فلوكس بري ~~متدلية ومتناثرة. وثمة نسيج من الدانتيل مربوط حول جبينها ومنسدل وراء ظهرها كطرحة عروس ~~في عشرينيات القرن العشرين. وتحت الدانتيل ارتدت سروالها القصير خشية أن يستشف أحد ملابسها ~~الداخلية عبر النسيج الرقيق؛ فهي متشددة وطائشة ومتقلبة المزاج وساخرة ومتفائلة ومثيرة ~~للقلاقل. وتحت غطاء الوجه المثبت فوق رأسها، يزدان وجهها بظل عيون أخضر خليع، وأحمر شفاه ~~غامق، ومسكرة داكنة. فعززت الألوان العنيفة من مظهرها الطفولي الذي يشي بالطيش ~~والجرأة. # ركبت أنجيلا وإيفا في مؤخرة الشاحنة وصولا إلى هنا، حيث تجلسان باسترخاء على مقاعد ~~الحديقة. يبعد بيت جورج عن بيت فاليري بخمسة كيلومترات تقريبا، لكن روبرتا لم تر الركوب ~~في مؤخرة الشاحنة آمنا؛ كانت تريد أن تنزل الفتاتان وتجلسان على أرضية الشاحنة. ولدهشتها ~~تكلم جورج بالنيابة عنهما قائلا إنه من المشين أن ترتميا على الأرضية وهما في أحسن ~~زينتهما، وقال إنه سيقود ببطء وسيتجنب المطبات. وهكذا قاد شاحنته. كانت روبرتا متوترة بعض ~~الشيء، لكنها ارتاحت لما وجدته متعاطفا ومتساهلا بشأن الأمور التي كانت تتوقع أن تزعجه؛ ~~أي المبالغة والاستعراض. فقد تخلت هي نفسها عن ارتداء التنانير والثياب الطويلة بسبب ما ~~صرح به بخصوص كراهيته للنساء اللائي يجرجرن ثيابهن على الأرض مما يوحي له بعدم رغبتهن في ~~القيام بأي عمل جاد، بل وبرغبتهن الملحة في إعجاب الآخرين بهن وتوددهم إليهن، وهي الرغبة ~~التي لا يطيقها جورج، بل ms149 وأمضى بعضا من وقته وبذل جهده طوال شبابه لقمعها. # ظنت روبرتا أنه بعد أن تكلم مع الفتاتين بهذه الطريقة الودودة، وبعد أن ساعدهما على ركوب ~~الشاحنة، ربما سيتحدث إليها عندما تستقل الشاحنة، وربما حتى سيمسك بيدها، ويتغافل عن ~~جرائرها غير المعروفة، لكن ذلك لم يحدث. خيم عليهما الصمت القاتل والشاحنة تتحرك بخطى ~~وئيدة تكاد تكون جنائزية على الطرق الممهدة بالحصى الساخن. تشعر روبرتا وهي تقف على حافة ~~الصمت وكأنها منكمشة كورقة شجر ذابلة. تعرف أن هذه صورة خيالية هستيرية. وفكرة الصياح وفتح ~~باب الشاحنة وإلقاء نفسها منها على الحصى أيضا هستيرية. ينبغي أن تبذل جهدا كي لا تتمكن ~~منها أفكارها الهستيرية وكي لا تبالغ. لكن الكراهية لا مراء - وماذا غيرها إذن؟ - هي التي ~~يختلقها جورج ويصبها عليها بشكل مستمر، ولا شك أنها وقود قاتل. حاولت روبرتا أن تكسر حاجز ~~الصمت بنفسها صانعة أصواتا تشي بالقلق أشبه بقرقرة الدجاج؛ إذ شدت قبضتها على المنشفات ~~التي تلف توت العليق، تبعتها بتنهد مصطنع مزعج يراد به الدلالة على شعورها بالضجر وإن ~~كان في الوقت نفسه يكشف عن شعورها بالسعادة والراحة. انطلقت الشاحنة بين نباتات الذرة ~~العالية، وحدثت روبرتا نفسها كم هي قبيحة تلك النباتات؛ خالية من التنوع وأوراقها خشنة ~~أشبه بجيش من الخرق. منذ متى وهما على هذه الحال؟ منذ صبيحة أمس. شعرت أن ثمة خطبا ما ~~قبل أن يتركا فراشهما. خرجا وشربا حتى الثمالة ليلة أمس في محاولة لتحسين الأوضاع، لكن ~~الارتياح لم يستمر. # قبل أن يقصدا منزل فاليري، كانت روبرتا في غرفة النوم تعقد ربطات صدريتها عندما دخل ~~عليها جورج وقال: «أهذا ما سترتدينه؟» ~~«نعم، هذا ما خطر لي أن أرتديه. ألا يبدو جميلا؟» ~~«إبطاك مترهلان.» ~~«فعلا؟ سأرتدي ثوبا بأكمام.» # في الشاحنة، وبعد أن أيقنت أنه لن يبادر ~~بمصالحتها، أفسحت المجال لصدى كلماته يتردد في عقلها. كان ثمة حالة من الرضى في نبرة ~~صوته؛ الرضى ببث اشمئزازه؛ فهو يشعر بالاشمئزاز من جسدها الذي لا يفتأ يشيخ، وكان ~~بإمكانها أن تتوقع ذلك. ms150 فشرعت تطن بشيء ما، شاعرة بالبهجة والحرية، شاعرة بميزة تكتيكية ~~عظيمة تتمثل في كونها الطرف المظلوم؛ لقد فرض عليها تحد بائس، وألقيت على مسامعها كلمات ~~لا تغتفر. # لكن لنفترض أنه لا يعتقد أن كلماته لا تغتفر، لنفترض أنها هي التي لا تستحق المغفرة في ~~رأيه؟ فهي دائما الملومة؛ والكوارث تلحق بها يوميا. جرى العرف على أنها فور أن تستشف ~~تدهورا، تبادر بإصلاحه بكل ما أوتيت من قوة وعزم. والآن، أضحت محاولاتها لرأب الصدع تجلب ~~المزيد من المشكلات؛ فهي تغطي تجاعيدها بالكريم بعصبية، فتطفح البقع على وجهها وكأنها ~~مراهقة. ولما اتبعت حميات غذائية حتى نحل خصرها بالقدر الذي أسعدها، أصاب الهزال وجنتيها ~~وعنقها. أما الإبطان المترهلان، فكيف يمكن ممارسة تمارين رياضية لهما؟ ما العمل؟ حان الوقت ~~لدفع الثمن، ولكن ما المقابل؟ الخيلاء. ليت المقابل حتى الخيلاء. المقابل هو امتلاك هذه ~~البشرة الجميلة ذات مرة، وتحدثها عنك؛ والسماح للتآلف بين الشعر والكتفين والثديين أن ~~يكون لها الأثر الأنثوي المنشود. لا يسعك التوقف في الوقت المناسب، ولا تدرين ما يمكنك ~~القيام به بدلا من ذلك؛ فتتركين نفسك عرضة للخزي. هكذا حدثت روبرتا نفسها مشفقة على ~~ذاتها ومنغمسة في فيض من الحزن المرير. # يجب أن ترحل وتعيش وحيدة وترتدي ثيابا طويلة الأكمام. ~~••• # تناديهم فاليري من وراء نافذة معتمة تحت أشجار العنب قائلة: «تفضلوا بالدخول. أنا أرتدي ~~جواربي الطويلة وحسب.» # صاح جورج وروبرتا معا: «لا ترتدي جواربك الطويلة!» يستشف المرء من وقع صوتهما أنهما كانا ~~يتبادلان أطراف حديث طريف طوال الطريق إلى بيت فاليري. # وصرخت أنجيلا وإيفا لتؤكدا: «لا ترتدي جوربك الطويل.» # أجابت فاليري من وراء نافذتها: «حسنا، ما دامت الجوارب الطويلة تتعرض لكل هذا التحامل، ~~فلن أرتدي حتى ثيابي. سأخرج كما أنا الآن.» # صاح جورج في ذهول ممسكا بكراسي الحديقة أمام وجهه: «لا تخرجي علينا هكذا!» # لكن فاليري، التي ظهرت في مدخل البيت، بدت جميلة بفستانها الفضفاض الذي يمتزج فيه الأخضر ~~بالذهبي والأزرق. ليس عليها أن تكترث برأي جورج في الثياب الطويلة. فلا ملامة ms151 عليها على ~~أية حال لأنه لا يمكن أن يزعم أحد أنها تلهث وراء تودد الآخرين أو إعجابهم . هي طويلة ~~القامة، يكاد ثديها لا يبين، ويبدو وجهها الطويل، غير جميل الملامح، متألقا من فرط الترحاب ~~والعطف الشديد وخفة الظل والذكاء والتقدير، ويتخلل شعرها الأسود الكثيف المجعد بعض الشيب. ~~وكانت قد أفرطت في صيف هذا العام في قص شعرها، فلم يبق منه سوى القليل المجعد المنحسر عن ~~عنقها الطويل المصبوب والتجعدات على طرفي وجنتيها وأذنيها الكبيرتين المسطحتين. # قالت فاليري: «أعتقد أنني أبدو أشبه بالماعز بهذه القصة. إنني أحب الماعز وأعشق ~~عيونها. أليس من الرائع أن تكون لنا هذه الحدقات الأفقية؟ فكرة عجيبة!» # يقول لها أبناؤها إنها غريبة الأطوار بالفعل. # ثم جاء طفلا فاليري بينما دلف جورج وروبرتا وأنجيلا وإيفا إلى القاعة الرئيسية، وقالت ~~روبرتا إن الثلج يقطر من الحلوى ويجب أن تضع هذه الخلطة - بمظهرها الخداع - في المجمد. ~~ظهرت روث أولا، وهي في الخامسة والعشرين من عمرها ويبلغ طولها ستة أقدام تقريبا، وتشبه ~~أمها كثيرا. لقد تخلت عن رغبتها في التمثيل، وعكفت على تعلم التدريس للأطفال ذوي ~~الاضطرابات. وكانت روث تلف حول ذراعيها نبتة عصا الذهب ونبتة دانتيل كوين آن والأضاليا - ~~أعشاب وأزهار متشابكة بعضها مع بعض - ألقت بها عند مدخل القاعة بحركة مسرحية، وضمت توت ~~العليق إلى صدرها. # وقالت بحب: «حلوى. يا للروعة! أنجيلا تبدين رائعة الجمال! وأنت أيضا يا إيفا. أعرف من هي ~~إيفا؛ إنها عروس لاميرمور!» # بالنسبة لأنجيلا، لا بأس من هذا الإطراء الصريح من روث، بل إنها ترحب به؛ لأن روث هي أكثر ~~إنسانة تروق لها في العالم كله، ولعلها حتى الوحيدة التي تعجب بها على الإطلاق. # وهنا سألت إيفا طربة: «عروس من؟ عروس من؟» # وقف ديفيد - ابن فاليري، طالب التاريخ البالغ من العمر 21 عاما ~~- في مدخل غرفة المعيشة وعلى محياه ابتسامة ~~تسامح ومودة استجابة للجلبة. وديفيد طويل القامة، نحيل البدن، داكن شعر الرأس، أسمر البشرة ~~- شأنه شأن أمه وأخته - لكنه رزين خفيض الصوت وبعيد كل البعد ms152 عن التهور والطيش. في هذه ~~الأسرة التي يتقيد أفرادها بكثير من الضوابط، يلاحظ أن السيدتين المفعمتين بالحيوية طليقتي ~~اللسان تذعنان لديفيد بطريقة رسمية ما وكأنهما تلتمسان حمايته، مع أنه من المستبعد أن ~~تحتاجا إلى الحماية تحديدا. # عندما خفتت حدة مراسم الترحاب، قال ديفيد: «دعوني أعرفكم بكمبرلي.» وعرفهم جميعا ~~الواحد تلو الآخر بالفتاة المتأبطة ذراعه. كمبرلي فتاة أنيقة جدا وحسنة المظهر، كانت ~~ترتدي تنورة بيضاء وقميصا ورديا بأكمام قصيرة. وهي ترتدي نظارة ولا يزدان وجهها بأي ~~زينة؛ شعرها قصير ومنسدل وأنيق، ويميل لونه إلى البني الفاتح المحبب إلى النفس. صافحت ~~كلا منهم ناظرة إلى أعينهم عبر نظارتها، ومع أن سلوكها مهذب جدا، بل وحتى يكاد يكون فيه ~~مسحة تحفظ، ثمة إحساس طفيف - وهي تصافحهم - بأنها مسئول رسمي يرحب بأعضاء وفد طائش ~~وعجيب. # تمتد علاقة فاليري بكل من جورج وروبرتا سنوات طويلة، وكانت تعرفهما قبل أن تجمع بينهما ~~أية علاقة منذ فترة طويلة؛ فقد كانت هي وجورج ضمن العاملين بالمدرسة الثانوية نفسها ~~بتورونتو. وكان جورج رئيس قسم الفنون، بينما كانت فاليري استشارية المدرسة، وكانت تعرف زوجة ~~جورج عصبية المزاج الأنيقة التي قضت نحبها في حادث سقوط طائرة بولاية فلوريدا. إبان تلك ~~الفترة كان جورج وزوجته منفصلين. # وبطبيعة الحال تعرف فاليري روبرتا لأن روبرتا هي زوجة ابن عمها آندرو. لم تهتم فاليري ~~كثيرا لأمر زوج روبرتا، ولا هو اهتم لأمرها، وكل منهما وصف الآخر لروبرتا على أنه شخص ~~يبعث على الضجر. فكان آندرو يقول دائما إن فاليري غريبة الهيئة مملة، وغير مثيرة بالمرة. ~~وعندما أسرت روبرتا لفاليري بأنها ستهجره، قالت فاليري: «حسنا فعلت؛ فهو إنسان ممل.» ~~سعدت روبرتا إذ وجدت هذا التعاطف، وشعرت بالسرور لأنها لن تضطر إلى التنقيب عن أسباب ~~وجيهة لهجره؛ يبدو أنها حدثت نفسها بأن كونه مملا سبب وجيه بالقدر الكافي. وفي الوقت ~~نفسه، كانت روبرتا تحدوها رغبة في الدفاع عن زوجها ومعرفة السبب وراء رأي فاليري أنه يبعث ~~على الضجر، بل ولا تستطيع أن تتخطى فكرة رغبتها في الدفاع ms153 عنه حيث كانت تشعر بأن زواجه منها ~~كان من سوء طالعه هو. # عندما رحلت روبرتا عن زوجها وغادرت هاليفاكس، أقامت لدى فاليري في تورونتو. وهنالك التقت ~~بجورج الذي دعاها لزيارة مزرعته. وتزعم فاليري الآن أنهما يدينان لها بعلاقتهما التي هي ~~ثمرة التوفيق بينهما بمحض الصدفة. # قالت فاليري: «كانت تلك المرة الأولى التي أشهد فيها الحب وهو يترعرع أمام عيني؛ بدا ~~الأمر وكأنني أراقب ثمار الأمارليس وهي تنمو. يا له من أمر مذهل!» # لكن روبرتا - بقدر حبها لهما وتمنياتها لهما بالخير - كانت تتبنى فكرة أن الحب شيء تستطيع ~~فاليري حقا أن تحيا دون أن يذكرها أحد به. في حضرة فاليري، يتساءل المرء أحيانا عن سبب ~~الجلبة. فاليري نفسها تتساءل. فحياتها ووجودها، أكثر من أي رأي تعرب عنه، هما ما يذكران ~~المرء بأن الحب ليس بالعاطفة الحميدة المخلصة وليس من المضمون أن يفضي إلى السعادة. # عندما تحدثت مع روبرتا عن جورج (قبل أن تعرف أن روبرتا واقعة في حبه)، قالت فاليري: «إنه ~~رجل غامض بحق. أراه مثاليا جدا، وإن كان قد لا يروق له وصفي هذا. إنه مثالي؛ أقصد هذه ~~المزرعة التي اشتراها، وهذه الحياة المثمرة النائية التي تكفيه ذاتيا في الريف.» واصلت ~~حديثها عن طفولته وكيف ترعرع في تيمنس ابنا لصانع أحذية مجري، وكان أصغر إخوته الستة، وأول ~~من أنهى المرحلة الثانوية منهم، ناهيك عن الجامعة. «إنه الشخص الذي يعلم تمام العلم كيف ~~يقاتل أحدهم في الشارع، لكنه لا يعلم كيف يسبح. ولقد أحضر أباه العجوز سيئ الطباع محني ~~الظهر إلى تورونتو وتعهده بالرعاية حتى وافته المنية. أعتقد أنه يعامل النساء بقسوة نوعا ~~ما.» # أنصتت روبرتا إلى كل ذلك بأذن مصغية ولكن بلامبالاة في الأساس لأن ما يعرفه الآخرون عن ~~جورج بدا بالنسبة لها غير ذي أهمية. كانت تشعر بالخطر والسعادة؛ فهي لم تكن تضع في حسبانها ~~الوقوع في الحب. وجل ما كانت تعقد الآمال عليه هو أن تحيا حياة فاليري؛ فقد رسمت صور ~~كتابين للأطفال، وظنت أنها تستطيع الحصول على ms154 عمولات أكثر؛ وحينئذ سيتسنى لها استئجار غرفة ~~في حي بيتشيز شرقي تورونتو، وتدهن الجدران باللون الأبيض، وتجلس على وسادات بدلا من ~~المقاعد، وتتعلم كيف تنظم نفسها وتفعل ما تحب في آن واحد، هكذا هي حياة المنعزلين بحسب ~~ظنها. ~~••• # جالت فاليري وروبرتا في البيت، ومعهما زجاجة من النبيذ البارد وكأسان كانتا من أغراض جدة ~~فاليري. تعتقد روبرتا أن بيت فاليري هو الصورة التي تخطر بخلد الناس إذ يعربون باشتياق عن ~~رغبتهم في «بيت في الريف» أو تحديدا «بيت في مزرعة من الطوب العتيق»؛ الطوب الأحمر الباهت ~~الذي يبعث على الدفء ويحده طوب أفتح لونا، وأشجار العنب والدردار، والأرضيات الرملية ~~والسجاد المعلق والجدران البيضاء، والإبريق المكسورة حافته فوق خزانة أدراج ضخمة أمام مرآة ~~معتمة. بالطبع استغرق الأمر من فاليري 15 عاما كي تجلب كل هذه الأشياء؛ فقد اشترت هي ~~وزوجها هذا البيت لتمضية الصيف، وبعد أن مات زوجها باعت بيتها بالمدينة، وانتقلت للعيش في ~~شقة، وكرست مالها وجهدها لهذا البيت. وكان جورج قد اشترى بيته وأرضه قبل عامين بعد أن ~~عرفته فاليري بهذه البقعة من الريف، ومنذ 14 شهرا ترك مهنة التدريس وانتقل للعيش هنا ~~إلى الأبد. وإثر انتقاله إلى الريف مباشرة، التقى لأول مرة بروبرتا. وانتقلت هي للعيش معه ~~في ديسمبر الماضي. وظنت أن إصلاح المكان سيستغرق عاما كاملا، وبعدها يستطيع جورج أن يزاول ~~هواية النحت. كان جورج يريد أن يمسي نحاتا فعلا؛ ولذلك أراد التخلي عن التدريس وعيش ~~عيشة الكفاف في الريف - حيث زراعة الكثير من الخضراوات وتربية الدجاج. لكنه لم يشرع في ~~تنفيذ فكرة تربية الدجاج بعد. # قررت روبرتا أن تشغل وقتها برسم الصور الإيضاحية للكتب، ولكن لماذا لم تفعل ذلك بعد؟ ~~لأنها لا تجد الوقت الكافي ولا المكان المناسب؛ لا المكان ولا الإضاءة الكافية ولا الطاولة ~~الملائمة. كما أنه لا توجد لحظات تسيطر فيها بالكامل على مجريات الأمور بعد أن تمكنت منها ~~الحياة وهيمنت على مقدراتها. # جل ما أنجزاه حتى الآن - ما أنجزه جورج تحديدا بينما قامت روبرتا ms155 بالتنظيف والطهي - ~~هو تركيب سقف جديد للبيت، ونوافذ ذات إطار من الألومنيوم، وصب كيس تلو الآخر من مادة عازلة ~~مغبرة شبيهة بالحصى في المساحة الموجودة وراء الجدران، ووضع ألواح من ألياف زجاجية صفراء ~~شبيهة بالصوف لتدعيم سقف العلية، وتنظيف جميع مداخن المواقد واستبدال بعضها، وترميم جزء من ~~المدخنة، واستبدال حواف السطح البارزة المتعفنة. وبعد كل هذه الإصلاحات الجوهرية المرهقة، ~~لم يزل شكل البيت منفرا من الخارج، بكسوته من الطوب الأحمر الداكن غير الأصلي، ورواقه الذي ~~لم يعد فيه موطئ لقدم بسبب ألواح الخشب الجديدة المجففة والقديمة المستعملة، وألواح الألياف ~~الزجاجية الفائضة عن الحاجة وغير ذلك من الركام المفيد. ومن الداخل، تسود الظلمة وتفوح ~~رائحة عطنة. تود روبرتا أن تنزع مشمع الأرضية وتزيل ورق الحائط الكئيب، لكن كل شيء يجب أن ~~ينجز بنظام، وكان جورج قد استقر على هذا النظام؛ فلا طائل من وراء نزع المشمع وإزالة ورق ~~الحائط سوى بعد الانتهاء من تركيب الأسلاك والطبقة العازلة، وإعادة ترميم هيكل البيت. ~~ومؤخرا، شدد جورج على أنه قبل أن يشرع في تجديد البيت من الداخل أو وضع ألواح الجدران ~~الخارجية للبيت، يجب أن يقوم بعملية إصلاح شاملة للحظيرة؛ فإذا لم يدعم هيكل العوارض ~~الخشبية ويعززه، فمن المحتمل أن ينهار البيت كله تأثرا بعواصف فصل الشتاء القادم. # علاوة على ذلك، كان ثمة إصلاحات يجب إنجازها في الحديقة؛ حيث أشجار التفاح والكرز ~~التي تم تقليمها، وقصب التوت الذي تم تنظيفه، والحديقة التي أعيد نثر بذورها بعد إنقاذها من ~~رقع الأعشاب البرية الطويلة وأجزاء عارية في التربة، والدبش الموجود أسفل ظل بعض أشجار ~~الصنوبر المهملة. في البداية، رسمت روبرتا صورة للمكان بأسره في مخيلتها، كل الأشياء التي ~~أنجزت، والجاري إنجازها، والتي لم تنجز بعد. لكنها لا تفكر في العمل بهذه الطريقة الآن - ~~ولا تتصورها بصفة عامة - بل استقرت في المطبخ تنجز الأعمال بحسب ما يستجد منها؛ فقد استغرق ~~منها أمر معالجة محصول الحديقة - من صنع صلصلة الفلفل الحريفة وإعداد الطماطم والفلفل ~~والفول والقمح تمهيدا لإيداعها ms156 في المجمد، وصنع عصير الطماطم ومربى الكرز - وقتا ~~طويلا. وأحيانا ما تلقي نظرة على المجمد وتتساءل عمن سيتناول كل هذا الطعام إضافة إلى ~~جورج؛ فهي تشعر بأن مطالبها في تضاؤل. ~~••• # كانت الطاولة موضوعة في الشرفة الطويلة - المنعزلة عن الخارج بحاجز سلكي - التي تقع في ~~الجزء الخلفي من البيت. خرجت فاليري وروبرتا من الباب الموجود في نهاية الشرفة، ونزلا على ~~سلم المسافة بين درجاته غير طويلة وصولا إلى منطقة صغيرة جدرانها وأرضيتها من الطوب، ~~أقامتها فاليري صيف هذا العام لكنها لا تحب أن تسميها فناء مرصوفا؛ فهي تزعم أن المرء لا ~~يستقيم أن يكون لديه فناء مرصوف في بيت بمزرعة. ولم تستقر على اسم لهذه الباحة بعد. ولم ~~تقرر أيضا ما إذا كانت ستجلب كراسي حديقة خشبية ثقيلة يروق لها شكلها، أم كراسي خفيفة ~~ومريحة مصنوعة من مزيج من المعدن والبلاستك كتلك التي جلبها جورج وروبرتا. # صبت كلتاهما النبيذ ورفعتا كأسيهما القديمتين الواسعتين اللتين تعشقان ارتشاف النبيذ ~~منهما، وتناهى إلى مسامعهما ضحكات روث وإيفا وأنجيلا من غرفة روث. كانت روث قد قالت إن ~~عليهما مساعدتها في ارتداء ملابسها أيضا ... ستفكر في شيء تتفوق به عليهم جميعا. وكان أيضا ~~بإمكانهما سماع حفيف منجل جورج الذي جلبه معه لقطع بعض الحشائش الطويلة ونبات الأرقطيون ~~المحيط بمصنع الألبان الصغير الحجري خاصتها. # قالت فاليري: «مصنع الألبان يليق بأن يكون استوديو رائعا. حري بي أن أؤجره لفنان. جورج؟ ~~أنت؟ أنا على استعداد أن أؤجره لقاء قص الأعشاب الضارة وإعداد قالب توت العليق. وبإمكان ~~جورج أن يؤسس استوديو له في الحظيرة، أليس كذلك؟» # قالت روبرتا: «بلى، في نهاية المطاف.» في الوقت الراهن، كان جورج ينجز كل أعماله في الجزء ~~الأمامي من البيت، وتحديدا في الردهة القديمة. فثمة بعض القطع المنحوتة لم ينته إلا ~~من نصفها، والبعض الآخر كاد ينجزها - وكانت تغطيها ملاءات مغبرة - وبعض الكتل الخشبية ~~أيضا (إذ يعمل جورج باستخدام الخشب وحسب)؛ فتجد كتلة ضخمة من البلوط المعالج، وقطعا من ~~شجر جوز الأرمد المجفف في الفرن، ms157 وخشب الكرز. كما أن منشار الشق الخاص به، وأزاميله، ~~والأزاميل المقعرة، وزيت بزر الكتان، وزيت التربنتين، وشمع العسل، والمواد الصمغية ؛ كلها ~~موجودة وأغطيتها مغبرة ومربوطة بإحكام. وقد اعتادت إيفا وأنجيلا الذهاب إلى هناك والوقوف ~~على أطراف أصابعهما بين الدبش والأعشاب واختلاس النظر من النافذة الأمامية على الأشكال ~~المغطاة. # قالت إيفا لجورج: «يا للبشاعة! تبدو مرعبة. كيف شكلها تحت هذه الملاءات؟» # قال جورج: «كعكة خشبية؛ إنها منحوتة شهيرة.» ~~«حقا!» ~~«ثمرة بطاطس وطفل رضيع برأسين.» # في المرة التالية التي ذهبتا فيها لاختلاس النظر، وجدتا ملاءة منسدلة على النافذة؛ كانت ~~ملاءة يميل لونها إلى الرمادي، بالية من أعلاها. وبالنسبة لأي شخص عابر بسيارته، جعلت تلك ~~الملاءة هيئة البيت أكثر كآبة وأقرب إلى المهجور منه إلى المسكون. # قالت فاليري: «هل تعلمين أن لدي سجائر طيلة الوقت؟ لدي صندوق كامل منها، أخفيته في ~~خزانة غرفتي.» # كانت قد أرسلت ديفيد وكمبرلي إلى المدينة بدعوى أن سجائرها نفدت. لا تقوى فاليري على ~~الإقلاع عن التدخين، رغم أنها تتعاطى أقراص فيتامينات وتحرص كل الحرص على ألا تتناول أية ~~أطعمة تحتوي على ألوان اصطناعية حمراء. «لم يخطر على بالي أن أدعي أن شيئا آخر نفد مني، ~~وأردت أن يرحلا عني فترة من الوقت. والآن، لا أجرؤ على التدخين ولو سيجارة واحدة، وإلا ~~شماها عندما يرجعان ويوقنان أنني كاذبة. وإنني في أمس الحاجة لسيجارة.» # قالت روبرتا: «احتس الخمر عوضا عن السجائر.» عندما وصلت إلى بيت فاليري، ظنت أنها لا ~~تقدر على تبادل أطراف الحديث مع أحد ... وكانت تعتزم الادعاء بأنها تعاني من صداع وتسأل إذا ~~كان بالإمكان أن تستلقي بعض الوقت. لكن فاليري شدت من أزرها كعادتها؛ ففاليري تجعل مما لا ~~يحتمل شيئا مثيرا. # سألتها فاليري: «كيف حالك إذن؟» # أجابت روبرتا: «أوه.» # قالت فاليري: «لولا الناس لأمست الحياة رائعة. تبدو مقولتي وكأنها مقتبسة من عمل أدبي، ~~لكنني اختلقتها توا. المشكلة هي أن كمبرلي مسيحية. لا بأس بالنسبة لي. لا بأس من مسيحي أو ~~اثنين في الجوار. وبهذه المناسبة، أنا لست ms158 ضد المسيحية. لكنها مسيحية متشددة جدا، أليس ~~كذلك؟ يدهشني كم تجعلني أشعر بأنني دنيئة.» ~~••• # كان جورج يستمتع بقص الأعشاب. أولا : هو يحب أن يعمل دون أعين تراقبه؛ فكلما يباشر أعماله ~~بالبيت هذه الأيام، يدرك أن مجموعة من النساء يراقبنه. وحتى لو لم تكن أي منهن في مجال ~~رؤيته، يحس وكأنهن يراقبنه ... بأريحية شديدة، وينظرن لجهوده بحيرة واستمتاع. ويقر جورج، إذا ~~فكر في الأمر، بأن روبرتا تضطلع بالفعل ببعض الأعمال، ولو أنها لم تنجز عملا قط يعود عليها ~~بعائد مادي بحسب علمه، فهي لم تتصل بناشريها، ولم تبادر بتطوير أفكار جديدة من تلقاء نفسها. ~~كما أنها تسمح لابنتيها بألا تفعلا شيئا طوال اليوم، بل وطوال الصيف بأكمله. وصبيحة أمس، ~~استيقظ جورج متعبا ومحبطا - إذ خلد إلى النوم وعقله منشغل بالأعمال التي يجب أن يقوم بها ~~في الحظيرة، وتسلل انشغاله إلى أحلامه التي حفلت بمشاهد سقوط أشياء، وتقديرات خاطئة، وأخطاء ~~هيكلية - فخرج إلى المصطبة الخارجية الملحقة بالمطبخ، وحدث نفسه بأن يتناول البيض هناك ~~ويفكر بإمعان في الأعمال التي يتعين عليه القيام بها اليوم. هذه المصطبة هي الشيء الوحيد ~~الذي بناه حتى الآن؛ التغيير الوحيد الذي أدخله في البيت. لقد أقامها ربيع العام الماضي ~~استجابة لشكاوى روبرتا حول ظلمة البيت والتهوية المحدودة. وحينئذ قال لها إن من بنوا ~~هذه البيوت كانوا ينجزون معظم أعمالهم خارجها لدرجة أنه لم يخطر ببالهم قط الجلوس فيها فترة ~~طويلة. # خرج جورج إلى المصطبة وفي يديه طبقه وكوبه، فوجد ثلاثتهم هناك بالفعل. كانت أنجيلا ترتدي ~~ثوب الباليه وكان لونه أزرق ضاربا إلى الخضرة، حيث كانت تتمرن على الرقص متكئة على سور ~~المصطبة. أما إيفا، فكانت تجلس وظهرها إلى جدار البيت تتناول رقائق النخالة في صحن الحساء ~~بحماس شديد، لدرجة أن كمية كبيرة من الرقائق تساقطت على أرضية المصطبة. أما روبرتا، فكانت ~~تجلس في مقعدها على المصطبة وبين يديها فنجان القهوة الذي لا يفارقها. رفعت إحدى ركبتيها، ~~وحنت ظهرها للأمام، وارتدت نظارتها الداكنة فبدت متوترة ومكتئبة. يعرف جورج أنها ms159 تبكي من ~~وراء هذه النظارة. وبدا له أنها سمحت لابنتيها باستنفاد طاقتها؛ فهي تمضي وقتها في ~~استرضائهما وجمع سقط متاعهما ، وتتوسل إليهما أن ترتبا سريريهما، وتنظفا غرفتيهما. وسمعها ~~جورج ذات مرة وهي ترجوهما أن تضعا الصحون في المطبخ كي يتسنى لها غسلها. أو هكذا تبدو ~~الصورة بالنسبة له. أهذه هي موضة تربية أبناء الطبقة الوسطى؟ ها هي تبدي إعجابها بأنجيلا؛ ~~تبدي إعجابها بابنتها بلطف ... بساقها البرونزية المرفوعة، وهيئتها التي تشي بالازدراء. لو ~~تجرأت واحدة من أختيه على إتيان فعل كهذا، لانهالت عليها أمه ضربا. # أرخت أنجيلا ساقها وقالت: «تحياتي، سيدي!» # قال جورج: «لا أراك تضربين رأسك في الأرض.» فعادة ما كان يمزح مع الفتاتين مهما كانت ~~حالته المزاجية. كان المزاح الجارح عادته، ولقد لاقى نجاحا منقطع النظير في الفصول ~~الدراسية حيث أكد على شخصيته المبالغة نوعا ما، القاسية بين الحين والآخر، الممتعة دوما. ~~وسلك السلوك نفسه مع أغلب المدرسين الآخرين أيضا، معبرا عن ازدرائه لهم على نحو ~~مذهل، لدرجة أنهم لم يصدقوا أنه يعني ما يقول. # كان يروق لإيفا أن تستجيب لأي اقتراح من هذا النوع؛ فتمددت على المصطبة، وضربت رأسها بقوة ~~على الألواح الخشبية. # قالت روبرتا: «ستصابين بارتجاج.» ~~«لا، لن يحدث ذلك؛ جل ما في الأمر أنني أجري لنفسي جراحة في المخ.» # سألت أنجيلا: «جورج، هل تدرك أننا سنرحل بعد أربعة أيام؟ ألا يفطر ذلك قلبك؟» ~~«إلى نصفين.» # قالت إيفا بعد أن جلست منتصبة وتحسست رأسها بحثا عن أية كدمات: «ولكن، هل ستسمح لأمي بأن ~~تتعهد ديانا بالرعاية بعد أن نرحل؟» # سألتها روبرتا: «ماذا تقصدين ب «يسمح»؟!» وفي الوقت نفسه قال جورج: «بالطبع لا. سأربطها ~~في عمود السرير إذا حاولت أن تقترب من الحظيرة.» # كانت هذه الهرة مزعجة؛ فإذا كانت أنجيلا ترى المزرعة مسرحا لها أو الطبيعة - التي تلهمها ~~الأفكار والأشعار التي تسلم نفسها لها فتهيم على وجهها وتسرح في عالم الأحلام - فإن إيفا ~~تراها مكانا مثاليا لرعاية الحيوانات، ولا تنسى أن تكرس بعضا من عنايتها للحشرات وأسماك ~~المنوة ms160 والصخور والرخويات. ولا شك أن الاثنتين تريانها مكانا لتمضية الإجازة يفتح ذراعيه ~~لهما فتسخرانه لأغراضهما ومتعهما أيا كانت، بيد أنهما لا تريان الأعمال المفترض عليهما ~~القيام بها. أمضت إيفا الصيف في مطاردة خنازير الأرض والأرانب، وإقامة شراك للضفادع ثم ~~إطلاق سراحها، واصطياد أسماك المنوة ووضعها في جرة، ومحاولة إيجاد حل لمشكلة استيعاب ~~الحظيرة لأنواع مختلفة من الحيوانات. وحملها جورج مسئولية استدراج الغزال خارج الأجمة - ~~إشباعا لرغبتها الشديدة لفعل ذلك - مما اضطره إلى ترك كل الأعمال التي بين يديه وإقامة ~~حاجز سلكي بارتفاع 8 أقدام حول الحديقة. والحيوان الوحيد الذي تمكنت من اجتذابه إلى الحظيرة ~~هي الهرة ديانا الدميمة نحيلة الذيل، نصف البرية، التي تشي حلماتها المتدلية بأنها تتعهد ~~عائلة كبيرة من الهريرات في مكان ما؛ ولذا كانت إيفا تقضي أكبر قدر من وقتها في محاولة ~~استكشاف مكان تلك الهريرات. # يرى جورج أن الهرة كائن طفيلي، ومصدر إزعاج شديد مرتقب، ومتعد على ممتلكاته. وبإطعامها ~~وتشجيعها، يرى جورج أن إيفا سلكت درب الخيانة الصغرى - وإن كانت مؤثرة - التي دعمتها روبرتا ~~سرا. إنه يعلم أن مشاعره بهذا الصدد مبالغ فيها، بل وحتى كوميدية؛ لكن هذا لا يساعده. فمن ~~الأشياء التي كان يتجنبها ولم يرد أن يحققها قط أن يكون أبا كوميديا، شاجبا وأخرق. ~~لكن سلوك روبرتا هو الذي يزعجه أكثر من تصرفات إيفا؛ فهنا تتجلى تماما الغلطة التي ~~اقترفتها في تريبة بنتيها. ففي مخيلته، يستطيع أن يسمع روبرتا تتكلم مع شخص ما في حفلة ~~قائلة: «تربي إيفا هرة بشعة، دميمة الهيئة ولا مأوى لها. هذا هو إنجازها الذي حققته خلال ~~فصل الصيف. وأنجيلا تمضي نهارها كله في ممارسة قفزات الباليه وتلقانا بوجه عبوس.» إنه لم ~~يسمع روبرتا تقول ذلذك فعلا - فهم لم يرتادوا أية حفلات - لكنه يستطيع أن يتخيل السيناريو ~~بجلاء؛ أن تستدعي الفتاتين لتسلية الآخرين، وتجعل منهما شخصيات مسرحية لا يتوقع المرء منها ~~أي شيء جدي. لا تبدو هذه الصورة الخيالية من منظور جورج تافهة فحسب بل وعديمة الشفقة أيضا. ~~إن روبرتا ms161 المتساهلة مع ابنتيها، القلقة دائما من أن يجداها غير محبة لهما، ولا مهتمة ~~بهما، ولا متفهمة لهما بالقدر الكافي؛ تحرمهما - مع كل ذلك - شيئا مهما؛ فهي لا تأخذهما ~~على محمل الجد، ولا تربيهما التربية الحقة. وكيف لجورج أن يواجه هذا الموقف؟ إنه ليس ~~أباهما. ومن بين الأسباب التي منعته من الإنجاب شكوكه في قدرته على إيلاء اهتمامه دون ~~تحفظات - وطالما دعت الحاجة - لمسألة تربية النشء هذه تحديدا. فجورج كمدرس يعرف كيف يحدث ~~جلبة شديدة ويجعل الأمور تسير في صالحه، لكن أن يضطر إلى أن يفعل ذلك في البيت أيضا ~~مسألة مرهقة جدا. وكان الفتية - بصفة أساسية - هم الذين استطاع كسر شوكتهم؛ فهم مصدر ~~الخطر في الفصل الدراسي. أما الفتيات، فلم يجشم نفسه قط عناء التعاطي معهن، فيما خلا بعض ~~المناوشات مع المثيرات منهن وحسب. ولا يستقيم ذلك هنا. # وبعيدا عن كل ما سبق، فإنه عادة ما لا يستطيع إلا أن يعجب بأنجيلا وإيفا. بالنسبة له ~~تبدو الفتاتان مرتبكتين وجذابتين، وهما تجدانه مسليا جدا؛ الأمر الذي يزعجه تارة ويروق ~~له تارة أخرى. فعادته مع الناس إما التحفظ الشديد أو الإمتاع الشديد، ويميل هو شخصيا إلى ~~الخيار الأول؛ ولذلك، فهو يحب أن يلقى إمتاعه تقدير الآخرين. # ولكن عندما أنهى إفطاره وأحضر سلتين سعة كل منهما ست كرات واتجه إلى الحديقة لجمع ~~الطماطم، لم يحرك أحد ساكنا لمساعدته. استمرت روبرتا سجينة أفكارها المتقلبة وظلت تحتسي ~~قهوتها. وكانت أنجيلا قد انتهت من تمارينها، وعكفت على التدوين في المفكرة التي تستخدمها ~~لتسجيل مذكراتها. وانطلقت إيفا إلى الحظيرة. ~~••• # جلست أنجيلا أمام البيانو في غرفة المعيشة ببيت فاليري؛ فلا يوجد بيانو في بيت جورج، وهي ~~تفتقد العزف عليه. ألا تفتقد أمها البيانو أيضا؟ أمست أمها إنسانا لا يطلب شيئا. # خطت أنجيلا في مذكراتها: «رأيتها تتغير من شخص كنت أحترمه أيما احترام إلى شخص على شفا ~~الانهيار العصبي. إذا كان هذا هو الحب، فلا أريد نصيبي منه. إنه يريد أن يستعبدها ويستعبدنا ~~كلنا، وهي تسير على حبل مشدود ms162 محاولة أن تحول بينه وبين الجنون. فلا تستمتع بشيء، وإذا ~~كان الخيار بيدها، لفضلت الاستلقاء في غرفة مظلمة وعلى عينيها حجاب فلا ترى أحدا ولا تفعل ~~شيئا. هذه امرأة ذكية كانت تؤمن بالحرية.» # شرعت أنجيلا في عزف مقطوعة «المسيرة التركية» التي تستدعي إلى عقلها صورة بيت اشتراه ~~والداها عندما كانت في الخامسة من عمرها؛ وكان فيه رف صغير بالقرب من السقف في غرفة الطعام ~~اعتادت أمها أن تضع عليه أطباق الحلوى لأغراض الزينة، وكان هناك شجرة أو شجيرة في الباحة ~~لها أوراق بلون الخس وبحجم أطباق الطعام. # كتبت في مذكراتها: «أعرف أن الحنين إلى الماضي شعور لا طائل منه. أحيانا أشعر وكأنني ~~أمزق بعض الأشياء التي خطها قلمي حيث ربما كنت قاسية أكثر من اللازم في الحكم على أناس أو ~~مواقف، لكنني قررت أن أترك كل شيء على حاله لأنني أريد أن يكون لدي سجل بحقيقة مشاعري ~~حينئذ. أريد أن يكون لدي سجل صادق عن حياتي كلها. إنني أرى أن المشكلة الأساسية في كل ~~مكان هي منع المرء نفسه من الكذب.» # خلال الصيف، قضت أنجيلا فترة طويلة من الوقت في القراءة. ومن بين ما قرأت «آنا كارنينا»، ~~و«الجنس الآخر»، و«إميلي فتاة الرياح»، و«مختارات نورتون من الأشعار»، و«السيرة الذاتية ~~لدابليو بي ييتس»، و«الساقطة السعيدة»، و«خلق الخلق»، و«سبع حكايات قوطية». وتحريا للدقة، ~~فهي لم تقرأ بعض هذه الكتب إلى النهاية. اعتادت أمها القراءة طوال الوقت أيضا؛ إذ كانت ~~أنجيلا ترجع إلى البيت من المدرسة تارة ظهرا وتارة بعد الظهر لتجد أمها منكبة على ~~القراءة. قرأت أمها عن غزو المكسيك، وقرأت «قصة جنجي». وكانت أنجيلا تتعجب من مدى الأمان ~~الذي بدا لها أن أمها تشعر به آنذاك. # كانت أنجيلا تحتفظ في خيالها بصورة واحدة عن إيفا قبل أن تولد الأخيرة؛ كان ثلاثتهم - ~~أنجيلا وأمها وأبوها - جميعا على الشاطئ، وكان أبوها يحفر حفرة ضخمة في الرمال؛ فهو بارع ~~في بناء قصور الرمال ذات الدروب وأنظمة الري؛ ولذلك تراقب أنجيلا باهتمام أي مشروع يشرع في ms163 ~~بنائه. لكن الحفرة لا تستخدم في بناء قصور الرمال. فبعد أن انتهى منها أبوها ، تدحرجت أمها ~~على الرمال باتجاه الحفرة وهي تقهقه، ووضعت بطنها في الحفرة. كانت إيفا في أحشائها، والفجوة ~~أشبه بملعقة تسع بيضة. كان الشاطئ واسعا، يمتد لأميال وأميال من الرمال البيضاء التي تميل ~~برقة باتجاه المياه الخضراء المائلة إلى الزرقة. ولا وجود لأرض صخرية بمحاذاة البحر، ولا ~~لخلجان صغيرة. كان المكان مشرقا ورحبا. أين يمكن أن تكون هذه البقعة؟ # انتقلت أنجيلا في عزفها من مقطوعة «المسيرة التركية» إلى «موسيقى ليلية صغيرة»، وكانت ~~روبرتا تنصت إلى أنغام البيانو في الوقت الذي تستمع فيه إلى فاليري التي تتكلم بروح مرحة ~~وبيأس عن خوفها من كمبرلي، وكراهيتها للدخلاء، وترددها المتعذر تبريره حيال التخلي عن ~~أطفالها، وتفكر في أن تلك الخطوة لم تكن خاطئة. ماذا تعني بذلك؟ تعني أن هجرها لزوجها لم ~~يكن خطأ. مهما حدث، فإن هجرها له لم يعبه شيء. بل كان ضروريا، وإن لم تفعل ما كانت ~~لتعرف مدى ضروريته. # قالت فاليري بتعقل: «هذا وقت عصيب بالنسبة لك؛ فثمة ضغوط مهولة جدا.» # ردت روبرتا: «هذا ما أحدث نفسي به؛ لكنني أحيانا أظن أن هذا ليس السبب، لا البيت ولا ~~الأبناء. ثمة هالة من الكآبة تخيم علي.» # قالت فاليري بنبرة متذمرة: «ثمة هالة من الكآبة دائما.» ~~«أفكر في آندرو، ماذا كنت أفعل معه؟ أمهد الطريق للكشف عن مثالبه، وألوم عليه بقسوة، ثم ~~أفقد شجاعتي وأصالحه. وتدريجيا تتجدد الرغبة في التخلص منه، لكنني كنت على يقين دائما ~~بأنه هو الملوم، فلو كان قد فعل هذا أو ذاك لكنت أحببته. من المؤسف أنه تحول إلى - أتذكرين ~~تلك الصفة التي وصفته بها؟ - شخص ممل.» # قالت فاليري: «لقد كان مملا. هكذا كان دائما. وأنت لست بمسئولة عن كل شيء.» ~~«أفكر في الأمر لأنني أتساءل إذا كان هذا هو بالضبط سلوك جورج تجاهي؛ فهو يريد التخلص ~~مني، ثم لا يحاول فعل ذلك، ثم يحاول، ثم لا يقدر على أن يعترف بذلك ولو حتى لنفسه؛ ms164 إنه ~~يتعمد اختلاق إحباطات جديدة. أشعر بأنني أعرف ما كان يمر به آندرو. لا يعني هذا أنني قد ~~أرجع إليه. مطلقا. لكنني أرى ما كان يشعر به.» ~~«أشك أن الأمور تحدث بهذا التناظر الشديد.» ~~«لا أعتقد ذلك أيضا. لا أعتقد أن العقاب ينزل بك بهذه الطريقة البسيطة. أليس من الغريب ~~كيف أتعلق - وهذه هي حالي فعلا - بفكرة وجود نمط كهذا؟ أعني أن الفكرة جيدة؛ فكرة وجود هذا ~~التوازن. ولكن، التجربة نفسها ليست جيدة. وإنني أريد أن أتجنبها.» ~~«إنك تنسين كم كنت سعيدة خلال لحظات السعادة التي عشتها.» ~~«والعكس صحيح. الأمر أشبه بالولادة.» ~~••• # انتهى جورج من قص الأعشاب الضارة، وانشغل بتنظيف نصل المنجل. كان بإمكانه سماع صوت ~~البيانو عبر النوافذ المفتوحة ببيت فاليري، ويحس بالهواء البارد الجميل المتدفق من ناحية ~~النهر. وكان يشعر بتحسن كبير الآن، إما بسبب المجهود البسيط الذي بذله أو إحساسه بالارتياح ~~أن أحدا لا يراقبه؛ ربما أنه من الرائع أن يبتعد وحسب عن المتطلبات المهولة لبيته. تساءل ~~ما إذا كانت روبرتا هي التي تعزف على البيانو؛ فالموسيقى تتوافق على نحو رائع مع الأعمال ~~التي يقوم بها؛ أولا مقطوعة «المسيرة التركية» البهيجة المناسبة لأعمال قص الأعشاب، والآن، ~~بينما يقف لتنظيف نصل منجله وشم الحشائش المجزوزة، تتسلل إلى مسامعه التهاني الرقيقة ~~لمقطوعة «موسيقى ليلية صغيرة»، مع أن أنغامها عزفت بشيء من التردد. وكالعادة كلما يشعر ~~بتحسن مزاجي، وعندما تنقشع غمة الكآبة، يتوق للبحث عن روبرتا ليطوقها بين ذراعيه ويطمئنها - ~~ويطمئن نفسه - أنه ما من ضرر حقيقي قد وقع. كان يأمل أن يفعل ذلك ليلة أمس عندما كانا ~~يحتسيان الخمر، لكنه لم يستطع؛ شيء ما منعه. # استرجع جورج زيارة روبرتا الأولى لبيته. كانت تلك الزيارة في أواخر أغسطس أو بداية سبتمبر ~~منذ زهاء عام مضى. خلال هذه الزيارة، رتبا لنزهة خلوية مبتكرة نوعا ما، فطهيا الولائم، ~~واستمعا إلى أسطوانات موسيقية، وأخرجا الفراش إلى الفناء الخارجي. قضى ليالي صافية مع ~~روبرتا وهي تشرح له الطرق المستبعدة التي ترتبط بها النجوم بمجموعاتها ms165 في السماء، وكان كل ~~يوم معها لا يقدر بثمن. قالت روبرتا حينئذ إنه يجب أن يعرف كل شيء عنها الآن بمنتهى ~~الصراحة؛ فهي في الثالثة والأربعين من عمرها؛ أي أكبر منه بست سنوات، ولقد هجرت زوجها لأن ~~كل ما بينهما بدا مصطنعا، لكنها تكره أن تقر بذلك لأن اعترافها قد يبدو محض رياء، فهي لا ~~تدري ما تعنيه، والأهم من ذلك أنها لا تعرف مدى قدراتها بالكامل. بدت في عينيه شجاعة ~~وصادقة ومتواضعة؛ ولذا لا يتخيل كيف تفرز كل هذه الصفات مثل هذه الحدة والبكاء والملل ~~والشعور بالخطر من الانهيار. # لكنه يحدث نفسه بأن الانطباع الأول يستحق الاحترام. ~~••• # زينت إيفا وروث طاولة الطعام في الشرفة. كانت روث ترتدي قميصا أبيض اللون استعارته من ~~أخيها، وسروال منامته المخطط وعمامة سوداء ضخمة؛ فبدت أقرب شبها بسيخ هندي متباه طيب ~~المعشر. # قالت روث: «أعتقد أن الطاولة بحاجة إلى نثر أشياء عليها؛ لا مجال للرقة هنا يا ~~إيفا.» # وعلى فترات متقطعة، وضعتا عليها البرتقال، وزهور الأضاليا الذهبية، وقرع البلوط المزدان ~~بخطوط بديعة، وقرعا صيفيا، ويقطينا أصفر، وذرة هندية. # ووراء ستار الموسيقى، قالت إيفا: «أنجيلا لديها مشكلات تتعلق بالحياة هنا تتجاوز مشكلاتي؛ ~~فهي تعتقد أن الأمر يتعلق بها كلما تشاجرا.» # سألت روث بصوت هامس: «وهل يتشاجران؟» ثم أردفت قائلة: «هذا ليس من شأني.» كانت قد وقعت في ~~حب جورج عندما بلغت الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها. وخلال تلك الفترة، كانت أمها ~~على علاقة صداقة مع جورج. وكانت روث تكره زوجته، وسرها انفصالهما. وتذكرت أن زوجته كانت ~~ابنة طبيب أمراض نساء، وهو السبب الذي ساقته أمها لعجزه عن الانسجام مع زوجته. فلعل ثراء ~~الأب هو الذي كانت تقصده أمها، أو الأسلوب الذي تربت عليه الابنة. لكن كلمة «طبيب أمراض ~~نساء» بالنسبة لروث بدت حادة ومرعبة، وتخيلت ابنة هذا الطبيب ترتدي حلة معدنية باردة ~~ومسننة. ~~«تقع بينهما مناوشات صامتة. يمكننا الجزم بذلك. أنجيلا مهتمة جدا بتلك الشجارات، وتعتقد ~~أن الكون كله يدور في فلكها. هذا ms166 ما يحدث عندما يصبح المرء مراهقا. ولا أريد أن ينالني ما ~~نالها.» # توقفت أنجيلا عن العزف مؤقتا، وقالت إيفا بحدة: «أوه، لا أريد أن أرحل! فأنا أكره ~~الرحيل.» ~~«حقا؟» ~~«أكره أن أترك ديانا. لا أعرف ماذا يمكن أن يحل بها. لا أعرف هل سأراها مجددا أم لا. ولا ~~أعتقد أنني سأرى الغزال مرة أخرى. أكره اضطراري لترك الأشياء.» # بعد أن سكت البيانو، أمسى صوت إيفا مسموعا بالخارج حيث فاليري وروبرتا تجلسان. فسمعت ~~روبرتا ما قالته إيفا، وارتقبت علها تسمع شيئا منها عن الصيف القادم. فأهبت نفسها لسماع ~~ذلك. # لكن إيفا قالت: «أتعرفين؟ أنا أتفهم جورج. وليست لدي تحفظات أنجيلا عليه؛ فأنا أعرف كيف ~~أتقبل المزاح. إنني أفهمه.» # التقت نظرات روبرتا وفاليري، وابتسمت روبرتا، وهزت رأسها وارتعشت؛ فقد كانت المخاوف ~~تنتابها أحيانا من أن يؤذي جورج الفتاتين؛ لا جسديا بل وجدانيا بتحول في مشاعره من ~~نوع ما، أو بإعرابه عن كراهيته لهما بأسلوب لا ينسى. بدا لها أنها علمتهما، بالأمثلة، ~~تقبله واحترام صمته والاستجابة لمزاحه. ماذا لو تغير، وهما تأمنان جانبه، وكال لهما ~~ضربة لا تنسى؟ إذا حدث ذلك، فستكون هي التي ساقتهما إلى هذا المصير. وكانت تشعر بالخطر. ~~على سبيل المثال، عندما كان جورج يقلم شجر التفاح، سمعت هي أنجيلا تقول: «يملك أبي شجرة ~~تفاح وشجرة كرز أيضا الآن.» ~~(هذه معلومة جديدة؛ هل سيتعامل معها كنوع من المنافسة؟) # قال جورج: «أظن أن لديه بعض الخدم الذين يأتون لتقليم أشجاره، أليس كذلك؟» # قالت أنجيلا بابتهاج: «بل لديه المئات من الأقزام. إنه يحملهم جميعا على ارتداء مقاسات ~~صغيرة من الزي الرسمي للبحرية.» # كانت أنجيلا في موقف حرج في تلك اللحظة؛ إذ يمكن أن تتسبب في مضايقة جورج. لكن روبرتا تظن ~~الآن أن الخطر الحقيقي ليس متعلقا بأنجيلا التي تجد سبيلا دائما لتقبل الإهانة، بل ~~والمتأهبة لجني بعض المكاسب. (فقد قرأت روبرتا أجزاء من مذكراتها.) المشكلة تكمن في أن ~~إيفا - بمزاعمها تفهم الموقف وآمالها بالمصالحة الشاملة - هي التي يمكن أن تنهار ~~وتنعزل. ~~••• # انتقلت ms167 إيفا إلى دور الفتاة المزعجة وهي تتناول حساء التفاح والجرجير البارد، وقصت على ~~الجالسين حول الطاولة: «خرجا ليلة أمس وشربا حتى الثمالة، وكانا مخمورين.» # فقال ديفيد إنه لم يسمع هذا التعبير منذ فترة طويلة. # وقالت فاليري: «يا لشقاوتكم أيها الصغار!» # قالت أنجيلا وقد بدت راشدة على ضوء الشموع - بل بدت وكأنها ملكة في حقيقة الأمر - وواعية ~~بمراقبة ديفيد لها، ولو أنه من الصعب الجزم بما إذا كانت نظراته تشي بالاستحسان أم التحفظ: ~~«فكرنا في الاتصال هاتفيا بجمعية إغاثة الأطفال.» بدا وكأن نظرات ديفيد تشي بالاستحسان؛ ~~فقد سيطرت كمبرلي على تحفظاته. # قالت فاليري: «هل أمضيتما ليلة ماجنة؟ روبرتا، لم تصرحي لي قط بهذا. أين ذهبتما؟» # قالت روبرتا: «كانت ليلة غاية في الاحترام. ذهبنا إلى فندق كوينز في لوجان. وتحديدا إلى ~~الردهة؛ هكذا يسمونها. فهي المكان الذي يتردد عليه علية القوم لاحتساء الخمر.» # قالت روث: «لم يكن جورج ليدعوك إلى حانة عتيقة؛ فهو متحفظ جدا.» # علقت فاليري قائلة: «صحيح. يعتقد جورج أنه ينبغي دعوة النساء إلى الأماكن الجميلة ~~فحسب.» # عقبت أنجيلا: «والأطفال يحسن أن نراهم ولا نسمعهم.» # أردف جورج: «بل الأفضل ألا نراهم من الأساس.» # قالت روث: «يا لها من حيرة للجميع؛ إذ إنه يبدو هكذا وكأنه متطرف جامح!» # قال جورج: «رائع أن أحصل على تحليل نفسي مجاني. الواقع أن الليلة كانت ماجنة جدا، وربما ~~لا تتذكر روبرتا من فرط الثمالة - على حد قول إيفا. فقد خلبت لب شخص كان يمارس ألاعيب ~~بأعواد الأسنان.» # قالت روبرتا إنها لعبة يطلب من لاعبيها تكوين كلمة بأعواد الأسنان، ثم يستبعد عود منها ~~أو يعاد ترتيبها بحيث يتم تشكيل كلمة أخرى، وهكذا دواليك. # قالت إيفا: «آمل أنها لم تكن كلمات بذيئة.» # فقالت أنجيلا: «لم أكن أتكلم بهذه الطريقة قط عندما كنت في عمرها. كنت طفلتك التي عرفت ~~الإباحية مؤخرا.» ~~«وبعد أن أصابنا الملل من اللعبة، أو أصابه هو، لأنني سريعا ما مللتها، أراني صورا له ~~ولزوجته أثناء رحلة بحرية في البحر المتوسط. وكان بصحبة امرأة أخرى ms168 ليلة أمس لأن زوجته ~~ماتت، وكان إذا نسي أين التقطت هذه الصورة، كانت السيدة التي بصحبته تذكره. قالت إنها لم ~~تعتقد قط أنه نسيها.» # سألت روث: «الرحلة أم الزوجة؟» بينما كان جورج يقول إنه تبادل أطراف الحديث مع مزارعين ~~هولنديين عرضا عليه القيام برحلة جوية في طائرتهما الخاصة. # وأضاف قائلا: «أظن أنني لم أقم بتلك الرحلة.» # قالت روبرتا دون أن تتطلع إليه: «أثنيتك عن الذهاب.» # قالت روث: «تبدو كلمة أثنيتك جميلة جدا. لا بد أنني أفكر في ثنيات القماش ~~السويدي.» # سألت إيفا عن معنى كلمة «أثنيتك». # قالت روبرتا: «تعني أقنعته ألا يفعل. أقنعت جورج بألا يقوم برحلة جوية في الواحدة صباحا ~~بصحبة المزارعين الهولنديين الثريين، لكننا عشنا تجربة رائعة حيث ساعدنا جميعا ~~الرجل صاحب الرحلة البحرية في ركوب سيارته كي تتمكن صديقته من إقلاله إلى بيته.» # نهضت روث وكمبرلي لرفع صحون الحساء، وذهب ديفيد ليضع أسطوانة سيمفونية «عالم جديد» ~~لدفورجاك؛ بناء على طلب أمه، قائلا إن السيمفونية مغرقة في العاطفة. # خيم عليهم الصمت ترقبا لبداية السيمفونية. وقالت إيفا: «كيف وقعتما في الحب على أية ~~حال؟ هل هي الجاذبية الجسدية بينكما؟» # ضربتها روث برفق على رأسها بصحن من صحون الحساء قائلة: «حري بنا أن نخيط فمك. لا تنسي ~~أنني أتعلم كيف أتكيف مع الأطفال المضطربين.» ~~«ألم تنزعج لأن أمي تكبرك بكثير؟» # قالت أنجيلا: «أفهمتم الآن قصدي بشأنها؟» # قال جورج بتباه: «وماذا تعرفين عن الحب؟ الحب معاناة طويلة، الحب إحساس لطيف، يشبهني ~~تماما من هذه الناحية. الحب ليس شعورا بالتفاخر ...» # قالت كمبرلي وهي تضع الخضراوات: «أعتقد أن هذا نوع معين من الحب، إذا كان وصفك ~~مقتبسا.» # تحت ستار الحوار الدائر عن الترجمة ومعاني الكلمات (وهو الموضوع الذي لا يعرف جورج عنه ~~الكثير، لكنه مع ذلك يعلن عن آراء متطرفة ومستفزة التزاما منه بأسلوبه التدريسي)، قالت ~~روبرتا لفاليري: «قالت صديقة الرجل صاحب الرحلة البحرية إن الممتع في الأمر أن زوجته قامت ~~بالرحلة البحرية كلها وهي تحمل حملا ثقيلا جدا أشبه بشاحنة تحميل.» ~~«أشبه ms169 بماذا؟» ~~«شاحنة تحميل. أنا أيضا ذهلت، فقالت: «أتعرفين؟ خضعت زوجته لعملية جراحية، وكانت مضطرة ~~لأن ترتدي واحدا من تلك الأكياس الضخمة».» ~~«أوه، يا إلهي!» ~~«كانت ذراعاها بدينتين، وشعرها مخضبا باللون الأشقر. هكذا كان شكلها في الصور. وكانت ~~صديقة الزوج شبيهة بها ولو أنها أكثر أناقة وأنحف قواما. أما الزوجة فبدت على محياها ~~نظرة شهوانية سعيدة؛ نظرة من عاش أوقاتا رائعة.» ~~«وحمل حملا ثقيلا.» # أترون كيف يضرب الحب بجذوره ويزدهر بالرغم من كل المتناقضات، وبين أكثر الأشخاص الذين لا ~~تبدو عليهم أمارات الحب؟ أنا عن نفسي لا أحمل أحمالا ثقيلة، بل بعض التجاعيد والترهلات ~~وقليلا من الشحوب وشيئا من الذبول. هكذا حدثت روبرتا نفسها. وتابعت حديث الذات قائلة إن ~~ما أصابها ليس لها يد فيه، وهو ما حدثت نفسها به مرارا وتكرارا. وعادة ما كان حديث ~~الذات هذا يتجلى على شكل انتحاب أو شكاية أو تذمر. والآن صار يدور بخلدها من تلقاء نفسه ~~حتى إن نبرته أمست ضجرة ومتعبة. ويبدو أن هذه قد تكون الحقيقة. ~~••• # عندما شرعوا في تناول الحلوى، كانت دفة الحوار تحولت إلى المعمار. وكان الضوء الوحيد ~~الموجود في الشرفة ينبعث من الشموع المتراصة على الطاولة. وكانت روث قد طرحت الشموع الكبيرة ~~بعيدا، ووضعت أمام كل كرسي شمعة واحدة صغيرة في حامل شموع أسود بمقبض، كشمعة ترانيم ~~الأطفال. وأنشدت فاليري وروبرتا معا: «ها هي الشمعة أتت لتضيء طريقك إلى الفراش. ها هو ~~السفاح جاء ليقطع رأسك!» # لم تبادر أي منهما بتعليم أطفالهما هذه الترانيم، وأطفالهما لم يسمعا بها قط من ~~قبل. # قالت كمبرلي: «سمعت بها من قبل.» # قال جورج: «القوس المدبب - على سبيل المثال - كان موضة عابرة؛ فقد كان موضة معمارية قريبة ~~الشبه بالموضة حاليا.» # قال ديفيد مسايرا الحديث: «ليس هذا وحسب. كان أكثر من مجرد موضة. فالذين بنوا ~~الكاتدرائيات لم يكونوا مثلنا تماما.» # قالت كمبرلي: «كانوا لا يشبهوننا إلى حد بعيد.» # قالت فاليري: «أنا متأكدة أنني تعلمت دائما - هذا إن كنت قد تعلمت أساسا في تلك الأيام ~~الغابرة ms170 - أن القوس المدبب تطور طبيعي للقوس المميز للعمارة الرومانسية. عن لهم فجأة ~~أن يطوروه بقدر أكبر، فبدا أكثر تأثرا بالمعمار الديني.» # قال جورج مسرورا: «هراء. اعذريني. أعرف أن هذه دعواهم، لكن القوس المدبب في حقيقة الأمر ~~أقدم الأقواس على الإطلاق. وهو الأيسر في بنائه أيضا؛ ولا يعتبر تطورا للقوس الدائري ~~أبدا، هل يعقل أنه كان كذلك؟ فقد كانت هناك أقواس مدببة في مصر. القوس الدائري، وأعني قوس ~~إقليد العقد، هو القوس الأكثر تطورا الذي يمكن بناؤه. الرواية كلها منقولة بشكل محرف ~~محاباة للمسيحية.» # قالت روث: «ربما كان متطورا، لكنني أجده كئيبا. أراها محبطة جدا تلك الأقواس ~~الدائرية. فهي رتيبة الشكل؛ فتراها تتكرر مرارا وتكرارا، فلا ترفع روحك المعنوية ~~تحديدا.» # قالت كمبرلي: «لا بد أنها عبرت عن رغبة دفينة داخل الناس. وبالكاد يسعنا أن نسمي هذه ~~الظاهرة موضة عابرة. فقد بنى الناس هذه الكاتدرائيات، ولم يمل أي مهندس معماري مخططها ~~عليهم.» ~~«هذا مفهوم خاطئ؛ فقد كان لديهم مهندسون معماريون. وفي بعض الحالات، تمكنا حتى من معرفة ~~هوياتهم.» # قالت فاليري: «ومع هذا، أعتقد أن كمبرلي على حق؛ ففي هذه الكاتدرائيات يشعر المرء بقدر ~~كبير من طموحات هؤلاء الناس، ويحس بالطابع المسيحي في المعمار.» ~~«بغض النظر عن مشاعرك، تبقى حقيقة واحدة ~~وهي أن الصليبيين جلبوا معهم فكرة القوس المدبب من العالم العربي، تماما مثلما جلبوا عشق ~~الأطعمة الحريفة. فلم تبتكر الأقواس عن طريق اللاوعي الجمعي تقديسا للمسيح بالنحو نفسه ~~الذي خلقت به. لقد كان هذا هو الطراز المعماري الأحدث. والأمثلة الأولى عليه تتجلى في ~~إيطاليا، وبعد ذلك شقت طريقها شمالا.» # احمرت كمبرلي خجلا، لكنها مع ذلك ابتسمت على استحياء. وشعرت فاليري، بسبب كراهيتها ~~الشديدة لكمبرلي، بضرورة أن تقول أي شيء مهما كان لإنقاذها من الموقف. لا بأس بالنسبة ~~لفاليري أن تبدو سخيفة في أعين الآخرين؛ فهي على أتم استعداد أن تزج بنفسها في أي حوار ~~لإخراجه عن مساره الجدلي لمجرد أن تحمل الناس على الضحك وتلطف الأجواء. وتتمتع روث بمهارة ~~تلطيف الأجواء أيضا، ms171 مع أنها تفعل ذلك بلا تعمد ولكن بهدوء وبمحض الصدفة تقريبا، نتيجة ~~التزامها الشديد بتسلسل أفكارها. ماذا عن ديفيد؟ في تلك اللحظة، كان ديفيد منشغلا بأنجيلا، ~~ولم يكن منتبها كعادته. وكانت أنجيلا بصدد اختبار قدراتها؛ ولا مانع عندها أن تختبرها على ~~ابن عمتها الذي عرفته منذ نعومة أظافرها. فحدثت روبرتا نفسها بأن كمبرلي تتعرض لهجوم من ~~جبهتين. لكنها ستتدبر أمرها؛ فهي قوية بالقدر الذي يسمح لها بالحفاظ على ديفيد من أنجيلا ~~ومثيلاتها، والاحتفاظ بابتسامتها إزاء هجمة جورج على معتقداتها. هل تتكهن ابتسامتها بكيف ~~سينهار؟ هذا مستبعد. فهي تتكهن بكيف سيتعثرون جميعا ويضيعون في متاهات، ويعرقل الواحد منهم ~~الآخر؛ ما مغزى الفوز بالنقاش على أية حال؟ بالنسبة لكمبرلي، تحقق النصر لها في كل النقاشات ~~بالفعل. # وإذ خطر ذلك ببال روبرتا، شعرت بالرضى والارتياح بعد أن استدرجتهم جميعا إلى هذا ~~الدرب. لقد أنقذتها اللامبالاة. أهم شيء أن تتعامل بلامبالاة مع جورج - هذه هي النعمة ~~العظيمة. لكن لامبالاتها تتجاوزه إلى الآخرين؛ فهي لامبالاة سخية تمس الجميع. روبرتا ثملة ~~بالقدر الكافي الذي يجعلها ميالة للإفصاح عن بعض اكتشافاتها. قد تقول لفاليري: «التغاضي عن ~~الجانب الجنسي لا يكفي.» لكنها ما زالت واعية بالقدر الكافي الذي يجعلها تلتزم ~~الصمت. # حملت فاليري جورج على الحديث عن إيطاليا. وشرعت روث وديفيد وكمبرلي وأنجيلا في التحدث عن ~~شيء آخر. وسمعت روبرتا صوت أنجيلا وهي تتحدث بنفاد صبر وتسلط، وبشوق وخجل لم يستشعرهما إلا ~~هي. # قالت أنجيلا: «الأمطار الحمضية ...» # وحينها وجهت إيفا ضربة لطيفة بأصابعها على ذارع روبرتا سائلة إياها: «فيم ~~تفكرين؟» ~~«لا أعرف.» ~~«يستحيل ألا تعرفي. فيم تفكرين؟» ~~«أفكر في الحياة.» ~~«ماذا عن الحياة؟» ~~«عن الناس.» ~~«ماذا عن الناس؟» ~~«عن الحلوى.» # ضربتها إيفا ضربة أقل رقة، مقهقهة: «ماذا عن الحلوى؟» ~~«لا بأس بها.» # لاحقا، سنحت الفرصة لفاليري أن تصرح بأنها لم تولد في القرن التاسع عشر، على عكس ما ~~يظن ديفيد، الذي يقول إن كل من ولدوا في هذه البلدة قبل الحرب العالمية الثانية إنما ~~نشئوا فعليا في القرن ms172 التاسع عشر، وإن أسلوب تفكيرهم عتيق. # قالت فاليري: «إننا أكثر من أن نكون نتاجا لنشأتنا فحسب، كما تأمل أنت نفسك يا ديفيد.» ~~وأضافت أنها كانت تنصت إلى كل الحوارات الدائرة حول التكدس السكاني والكارثة البيئية ~~والكارثة النووية، والكوارث التي تقع هنا وهناك وتدمر طبقة الأوزون - ظلت الكوارث حديث ~~المدينة سنوات طويلة - ولكن ها هم يجلسون معا، أصحاء جميعا، وعلى قدر نسبي من السلامة ~~العقلية، يتناولون عشاء شهيا، ويحتسون خمرا لذيذة في الريف البديع الذي لم تطله يد ~~الفساد. # قال ديفيد: «كان شعب الإنكا يتناول الطعام في أطباق ذهبية في الوقت الذي كان بيثارو يحط ~~بسفنه على الشاطئ.» # قالت كمبرلي: «لا تتحدث وكأن الحل مستحيل.» # قالت روث بنبرة حالمة: «أعتقد أن الدمار حل بنا بالفعل. وأعتقد أن لدينا جميعا مفارقات ~~تاريخية. لا، ليس هذا ما أعنيه. أعني أننا أطلال. بشكل أو بآخر نحن بالفعل أطلال.» # رفعت إيفا رأسها من بين ذراعيها المطويتين على الطاولة - وغطاء وجهها الشبكي منسدل على ~~إحدى عينيها، وقد سالت زينة وجهها فتلطخ وجهها وبدا كزهرة مرقعة - وقالت بصوت عال وحازم: ~~«إنني لست أطلالا.» فضحكوا جميعا. # قالت فاليري: «بالطبع لا!» وبعدها شرع الجميع في التثاؤب، ونهضوا عن مقاعدهم، وتبادلوا ~~الابتسامات الرسمية الخجولة، وانطفأت الشموع، وحان وقت العودة إلى البيت. # قالت فاليري لهم: «استنشقوا هواء النهر الآن!» وبدا صوتها بائسا ورقيقا في ~~الظلام. ~~••• ~~«قمر محدب.» # كانت روبرتا هي التي شرحت لجورج ظاهرة القمر المحدب؛ ومن هنا جاء وصفه للقمر المحدب بأنه ~~هدية. إن بزوغه هدية لهم الآن، بينما تنطلق بهم السيارة بين حقول القمح المظلمة. ~~«بالفعل، ها هو.» # لا ترفض روبرتا الهدية بصمت، لكنها لا تلقاها بالترحاب أيضا. إنها مهذبة؛ تتثاءب ~~وثمة نبرة خاصة لتثاؤبها. هذا ليس تكتيكا، ولو أنها تعرف أن اللامبالاة جذابة. والواقع ~~جذاب. بإمكان جورج أن يستشف أي زيف في تصرفاتها؛ يمكنه دائما أن يقاوم تكتيكاتها. ولذا ~~يتعين عليها التمادي إلى النهاية، إلى حد اللامبالاة. فيشعر حينها كم صارت منعزلة وخالية من ~~الهموم، فيتجدد حبه لها. ms173 إنها تتمتع بقوة؛ ولكن لحظة الشروع في تقييمها، تتسرب من بين ~~يديها. هكذا حدثت نفسها وهي تتثاءب وتتذبذب بين الاهتمام واللامبالاة. وإن استطاعت، فستظل ~~على الحد الفاصل بينهما. # انطلقت الشاحنة التي تسع حمولة من التبغ ~~مقدارها نصف طن - وكانت تحمل جورج وروبرتا في ~~المقدمة وإيفا وأنجيلا في المؤخرة - على طريق الامتياز الثالث لمنطقة وايموث المعروف ~~محليا باسم تليفون رود؛ وهو طريق ممهد بالحصى وعريض وتسير عليه سيارات كثيرة. انعطفوا ~~إليه من طريق ريفر رود الأقل رحابة الذي يمر من أمام بيت فاليري. وتقدر المسافة من منعطف ~~طريق ريفر رود إلى بوابة بيت جورج بميلين وربع الميل تقريبا. ويقطع طريقان جانبيان طريق ~~تليفون رود بزوايا قائمة؛ وعلى هذين الطريقين لافتتان للتوقف مكتوب عليهما: طريق تليفون ~~رود طريق ممتد. عبرت الشاحنة التقاطع الأول بالفعل، وعند التقاطع الثاني، من جهة الغرب، ~~ظهرت سيارة دودج طراز 1969 خضراء داكنة تنطلق بسرعة تتراوح بين 80 و90 ميلا في الساعة. ~~كانت السيارة تقل شابين في طريق العودة من حفل ساهر إلى بيتهما في لوجان؛ أحدهما فاقد ~~الوعي، والثاني يقود السيارة؛ بيد أنه نسي إنارة المصابيح الأمامية، وكان يسترشد في ~~طريقه بضوء القمر. # لم يكن هناك متسع من الوقت لقول كلمة واحدة؛ لم تصرخ روبرتا، ولم يلمس جورج المكابح. عبرت ~~السيارة الضخمة من أمامهم بسرعة البرق وكأنها ومضة مظلمة مهولة، دون أضواء، وفيما يبدو دون ~~صوت. خرجت السيارة من حقول الذرة المظلمة وملأت الفراغ المقابل لهم تماما كما تظهر سمكة ~~مفلطحة ضخمة أمام الناظرين على حين غرة في حوض الأسماك. لم تكن تبعد أكثر من ياردة واحدة عن ~~مصابيحهم الأمامية، ثم اختفت، تلاشت داخل حقول الذرة على الجانب الآخر من الطريق. واصلت ~~الشاحنة طريقها واستمر جورج في القيادة على طريق تليفون رود، ثم انعطفوا إلى الممر، وتوقفت ~~شاحنتهم وهم جلوس فيها، وسط الساحة المقابلة للهيكل المظلم للبيت المرمم نصفه. إن ما شعروا ~~به ليس الرعب أو الامتنان، ليس بعد. ما كان يكتنفهم هو شعور بالغرابة، بتبدل هيئاتهم، ms174 ~~بارتقائهم في الأعالي، بانفصالهم عن الأحداث الماضية والمستقبلية؛ شأنهم شأن السيارة ~~الشبحية والسمكة الداكنة اللون. كانت الفروع الخشنة لأشجار الصنوبر تتمايل أعلى رءوسهم، ~~وبزغ ضوء القمر أسفل هذه الفروع فوق الحشائش الضعيفة التي تغطي حديقتهم الجديدة. # قالت إيفا موقظة إياهم: «هل لقيتما حتفكما؟ ألم نصل إلى البيت؟» # | السيدة كروس والسيدة كيد # تمتد العلاقة بين السيدة كروس والسيدة كيد إلى ثمانين عاما، وتحديدا منذ روضة الأطفال ~~التي لم يكن قد أطلق عليها هذه الاسم حينئذ، بل كانت تسمى مرحلة التعليم الأساسي. ~~والصورة الأولى التي تحتفظ بها السيدة كروس للسيدة كيد في مخيلتها تتمثل في وقوف السيدة كيد ~~أمام زملائها في الصف وهي تلقي عليهم قصيدة ما، عاقدة يديها خلف ظهرها، ورافعة وجهها ~~الصغير - الذي تزينه عيناها السوداوان - لأعلى ليرتفع صوتها الذي يشي بثقتها في ذاتها. وعلى ~~مدار السنوات العشر اللاحقة، إذا كنت ستذهب إلى أي حفل موسيقي أو أي حدث ترفيهي، كنت ستجد ~~السيدة كيد (التي لم تكن تعرف بالسيدة كيد حينئذ، بل ماريان باذرتون)، بقصتها الداكنة ~~الكثيفة المتدلية باتساق فوق جبينها، ومئزرها المشدود لأعلى بجناحين عريضين متيبسين ومثبتين ~~به، تلقي قصيدة بجدارة عالية وذاكرة حديدية. وحتى ذلك اليوم، ودون أي مبرر، ينطلق لسان ~~السيدة كيد بالشعر وهي تجلس على كرسيها المتحرك: # اليوم اقتحمنا نحن الفرنسيين راتيسبون. # أو تقول: # أين السفن التي عهدناها؟ # ترسي في الميناء إبان مد خليج فوندي. # ثم تتوقف عن إلقاء الشعر لا لأن ذاكرتها تخونها، ولكن رغبة منها في أن يسألها أحد: «ما ~~هذه القصيدة؟» أو «ألم تكن هذه القصيدة في كتاب تعليم الأدب «القارئ الثالث»؟» وهو السؤال ~~الذي تفسره هي بأنه طلب بأن تسترسل في حديثها: # منذ نصف قرن من الزمان، # بجمال وكبرياء جليلين. # أما أول ذكرى للسيدة كيد عن السيدة كروس (دولي جرينجر)، فتتمثل في وجه مربع متورد، وثوب ~~غير منتظم الطول؛ إذ تتدلى أطرافه من ناحية وترتفع من ناحية، وضفائر كثيفة فاتحة اللون، ~~وصوت جهوري؛ كل هذه الصفات مجتمعة في فتاة واقفة في الملعب ms175 ذات يوم مطير، عندما احتشدت ~~الطالبات جميعا تحت الجزء الناتئ من السطح للاحتماء من المطر. كانت الفتيات وقتها يلعبن ~~لعبة هي في واقع الأمر رقصة، ولكن لم تكن السيدة كيد تعرف كيف تمارسها. كانت رقصة من بين ~~الرقصات المعروفة باسم فيرجينيا، وكلمات الأنشودة التي صدحت بها الفتيات هي: # ترجنا العربة العتيقة النحاسية لأعلى ولأسفل # ترجنا العربة العتيقة النحاسية لأعلى ولأسفل # ترجنا العربة العتيقة النحاسية لأعلى ولأسفل # أنت حبي الوحيد يا حبيبي! # لم تلف أي فتاة أو تضرب الأرض بقدميها وتغني بحماس أكثر من السيدة كروس ~~التي كانت أصغر الفتيات المسموح لهن باللعب سنا وحجما. وقد عرفت اللعبة من أخواتها ~~الأكبر سنا. أما السيدة كيد فكانت طفلة وحيدة. # يبدو أن الشباب، الذين ينمو إلى علمهم أن علاقة السيدتين ترجع إلى ما يربو على ثلاثة ~~أرباع قرن من الزمان؛ يتخيلون أن هذه الرفقة المديدة تعني أن كل شيء بينهما مشترك. فهاتان ~~السيدتان هما الوحيدتان اللتان تذكران ما كان يفصل إحداهما عن الأخرى، وما زال يفصلهما ~~نوعا ما حتى الآن: الشقة التي تقع أعلى مكتب البريد والجمارك، حيث عاشت السيدة كيد مع أمها ~~وأبيها الذي كان مديرا لمكتب البريد؛ والمنزل المستقل الملتصق بصف من المنازل المشابهة، ~~والمطل على شارع نيوجيت، الذي عاشت فيه السيدة كروس مع والديها وأختيها وإخوتها الأربعة ~~الذكور، وحقيقة أن السيدة كيد كانت تتردد على الكنيسة الأنجليكانية بينما ترددت السيدة كروس ~~على الكنيسة الميثودية، وزواج السيدة كيد في الثالثة والعشرين من عمرها من مدرس علوم بمدرسة ~~ثانوية، وزواج السيدة كروس في السابعة عشرة من العمر من رجل يعمل على قوارب البحيرة ولم ~~يترق أبدا لرتبة كابتن. إضافة إلى أن السيدة كروس أنجبت ستة أطفال، بينما أنجبت السيدة ~~كيد ثلاثة فقط. توفي زوج السيدة كروس فجأة في الثانية والأربعين من عمره ولم يكن لديه ~~تأمين على الحياة، وتقاعد زوج السيدة كيد وانتقل للعيش في مدينة جودريتش، وحصل على معاش بعد ~~سنوات من تقلده منصب مدير المدرسة الثانوية التي تقع في مدينة ms176 قريبة. ولم تتقلص الفجوة بين ~~الصديقتين سوى مؤخرا؛ فقد حقق أبناؤهما المعادلة؛ أبناء السيدة كروس يكسبون دخلا موازيا ~~في المتوسط لدخل أبناء السيدة كيد، مع أنهم لم يحصلوا على تعليم مواز؛ بينما يجني أحفاد ~~السيدة كروس أموالا أكثر. # تقيم السيدة كروس في دار هيلتوب هوم للرعاية (والترجمة العربية لاسم هذه الدار «قمة ~~التل») منذ ثلاث سنوات وشهرين، بينما تقيم السيدة كيد فيها منذ ثلاث سنوات إلا شهرا ~~واحدا. وتعاني كل منهما من مشكلات في القلب، وكلتاهما تتنقل على كرسي متحرك منعا لإهدار ~~طاقتهما. وخلال حوارهما الأول في الدار، قالت السيدة كيد: «لا أرى أية قمة تل.» # أجابتها السيدة كروس: «تستطيعين رؤية الطريق السريع من هنا. أعتقد هذا هو قصدهم من تسمية ~~الدار بهذا الاسم. أين نزلت؟» ~~«أكاد لا أعرف ما إن كنت سأستطيع الاستدلال على طريق العودة إلى غرفتي. ولكنها غرفة جميلة ~~بغض النظر عن مكانها. غرفة فردية لا يشاركني في أحد.» ~~«هكذا غرفتي أيضا. لدي غرفة فردية. هل غرفتك في الجانب الآخر من غرفة الطعام أم في هذا ~~الجانب؟» ~~«على الجانب الآخر.» ~~«هذا رائع! هذا أفضل جانب؛ فالجميع بصحة جيدة في هذا الجانب، وإن كانت تكلفته أعلى. كلما ~~كانت حالتك الصحية أفضل، زادت التكلفة. يسكن غرف الجانب الآخر من غرفة الطعام أولئك الذين ~~فقدوا عقلهم.» ~~«المصابون بالخرف؟» ~~«نعم، الخرف. في هذا الجانب يعيش النزلاء الأصغر سنا، الذين يعانون من حالات شبيهة ~~بأمراض الشيخوخة. هذا مثلا.» وأومأت برأسها باتجاه رجل مصاب بالعته المغولي، في زهاء ~~الخمسين من عمره، كان يحاول العزف على الهارمونيكا. نقرت على رأسها وأضافت: «في الجانب ~~المخصص لنا، لدينا نزلاء أصغر سنا، لكنهم لا يعانون من أية مشكلات عقلية. مجرد مرض ما. ~~عندما يصل الأمر بهم إلى العجز عن رعاية أنفسهم، فإنهم ينقلون إلى الدور العلوي؛ فهنالك ~~يودعون أصحاب الحالات الحرجة. أما المجانين فهم قصة أخرى؛ حيث يحبسونهم في الجناح الخلفي. ~~هؤلاء هم المجانين بحق. أعتقد أيضا أن ثمة مكانا مخصصا للذين يتحركون بدون مشكلات ~~لكن يعانون ms177 من التبول والتبرز اللاإراديين طوال الوقت.» # قالت السيدة كيد بابتسامة يشوبها بعض الانزعاج: «نحن الصفوة إذن. كنت أعلم أنني سأجد ~~الكثير من الخرفين هنا، لكنني لم أكن أتوقع أن أجد آخرين، كهذا على سبيل المثال.» وأومأت ~~برأسها بحذر باتجاه مريض العته المغولي الذي كان يرقص أمام النافذة رقصا نقريا. وعلى ~~العكس من أغلب المصابين بالعته المغولي، كان هذا الرجل نحيلا ورشيق الحركة، وإن كان شديد ~~الشحوب ويبدو عليه الوهن. # قالت السيدة كروس إذ لاحظته: «إنه أسعد من أغلب النزلاء. هذا هو المكان الوحيد في ~~المقاطعة الذي يلقى فيه بكل ذوي الحاجات. لكنك بعد فترة قليلة ستكفين عن الانزعاج.» ~~«أكف عن الانزعاج!» ~~••• # كانت غرفة السيدة كيد تعج بالصخور والقواقع المعبأة في صناديق وقوارير، كما كان لديها ~~صندوق يحوي فراشات محنطة هشة، وآخر يحوي طيورا مغردة محنطة. وتحوي أرفف كتبها كتبا مثل ~~«سراخس وطحالب أمريكا الشمالية»، و«دليل بيترسون لطيور شرق أمريكا الشمالية»، و«كيف تعرف ~~الصخور والمعادن»، وكتاب عن خرائط النجوم. وكان صندوق الفراشات والطيور المغردة المحنطة ~~معلقا في وقت من الأوقات في الفصل الدراسي لزوجها مدرس العلوم؛ فقد اشترى الطيور المغردة، ~~ولكنه هو والسيدة كيد كانا يعشقان جمع الفراشات بأيديهما. وكانت السيدة كيد طالبة بارعة في ~~علم النباتات وعلم الحيوان. ولو لم تكن تعاني مما كان يعرف أيامها بحالة صحية معتلة، لدرست ~~علم النبات بإحدى الجامعات، مع أن قليلا من الفتيات أقدمن على مثل هذه الخطوة آنذاك. ولذا ~~يرسل لها أبناؤها الذين يعيشون في مناطق نائية كتبا جميلة عن موضوعات يوقنون بأنها ستروق ~~لها، لكن أغلب هذه الكتب ضخمة وثقيلة الوزن فلا تجد سبيلا لتصفحها بطريقة مريحة، فسرعان ما ~~تطرحها في أدنى رف. ولكنها لم تكن لتعترف لأبنائها بأن اهتماماتها خبت وتلاشت إلى حد ~~بعيد. كانوا يقولون لها في خطاباتهم إنهم يذكرون كيف علمتهم كل شيء عن عيش الغراب؛ هل ~~تذكرين عندما رأينا فطر الأمانيت السام (ملاك الهلاك) في أدغال بيتري خلال الفترة التي ~~عشناها في لاجون؟ وكانت خطاباتهم تفوح منها رائحة ms178 الذكريات. كان هؤلاء الأبناء الذين يجري ~~بهم قطار العمر يريدون أن تركن أمهم إلى ما كانت عليه منذ أربعين أو خمسين عاما؛ فكان ~~لديهم تصور عنها لا يقل عشقا وأهمية عن أي تصور لدى أي والد عن أطفاله؛ كانوا يحتفون بما ~~تتمتع به ويسمى عند الأطفال النضج المبكر: إشراقها وعشقها للمعرفة وإلحادها (وهو السر الذي ~~دام طوال الفترة التي كان فيها زوجها مسئولا عن تنمية عقول الصغار)، وكل الجوانب التي ~~تختلف فيها عن أي عجوز عادية. ومن ناحيتها، كانت تشعر أن من واجبها أن تخفي عنهم الأمارات ~~الكثيرة التي تشي بأنها ليست شديدة الاختلاف عن أقرانها؛ عكس ما يظنون. # كانت السيدة كروس أيضا تستقبل الهدايا من أبنائها، لكنها لم تكن كتبا. فأفكارهم تهديهم ~~إلى الحلي والصور والوسادات. فمثلا، تحتوي غرفة السيدة كروس على باقة من الزهور الصناعية ~~التي تحتوي بداخلها على مصابيح ضوئية تشع أنوارها بالتدريج لأعلى وكأنها نافورة مياه. ~~ولديها أيضا دمية على شكل امرأة أنيقة من الجنوب الأمريكي، تشكل تنورتها المصنوعة من ~~مادة الستان وسادة للدبابيس. ولديها صورة للعشاء الإلهي يصدر منها ضوء ليصنع هالة حول رأس ~~المسيح (كتبت السيدة كيد - بعد زيارتها الأولى - ~~رسالة إلى أحد أبنائها وصفت فيها الصورة، وقالت إنها حاولت أن تستنتج الطعام الذي كان ~~يتناوله المسيح وحواريوه، وتبين لها أنهم يتناولون شطائر الهامبرجر. وكم يطيب لأبنائها ~~سماع مثل هذه الأشياء منها). وهناك أيضا إلى جوار الباب تمثال من الجص بالحجم الطبيعي لكلب ~~من كلاب حراسة الغنم، يشبه كلبا كان لدى عائلة كروس عندما كان الأبناء صغارا، يدعى بوني ~~العجوز. وكانت السيدة كروس تعرف أسعار هذه الهدايا من أبنائها وتعلم الناس بها، وتقول ~~إنها مصدومة من سعرها المرتفع. # بعد وصول السيدة كيد بفترة وجيزة، اصطحبتها السيدة كروس في زيارة إلى الدور الثاني. وقد ~~اعتادت السيدة كروس على الذهاب إلى الدور الثاني كل أسبوعين لزيارة ابنة عمتها؛ ليلي باربر ~~العجوز. # حذرت السيدة كروس السيدة كيد بينما كانتا تشقان طريقهما على الكرسيين المتحركين ~~باتجاه المصعد قائلة: ms179 «ليلي ليست بصحة جيدة. وثمة شيء آخر، المكان لا يعبق برائحة عطرة ~~مع أنهم حريصون كل الحرص على رش المكان بمعطرات الجو. إنهم يبذلون قصارى جهدهم.» # أول شيء وقعت عليه عينا السيدة كيد فور أن خرجتا من المصعد امرأة صغيرة البنية كثيرة ~~التجاعيد شيباء الشعر شعثاء، ترتدي فستانا مغضنا حتى إنه انحسر لأعلى وكشف عن ساقيها ~~(فأشاحت السيدة كيد بوجهها عن هذا المنظر)، وتدلى لسانها بطريقة أوحت لها أنها تعجز عن ~~استعادته داخل فمهما. كانت الرائحة الفواحة خليطا من رائحة بول ساخن - لدرجة أن المرء قد ~~يظن أنهم وضعوه بالفعل على الموقد - ومعطرات جو برائحة الزهور. لكن كانت هناك امرأة أخرى ~~رقيقة المحيا تبدو عليها الحكمة والقدرة على التمييز، ترفع شعرها في شكل كعكة وترتدي ~~مئزرا فوق ثوب وردي نظيف. # بادرت هذه المرأة السيدة كروس والسيدة كيد بأسلوب طبيعي بقولها: «حسنا، هل أحضرتما ~~الأوراق؟» # أجابت السيدة كيد بأدب ظنا منها أنها تقصد الصحف: «أوه، إنها لا تصلنا سوى بعد الساعة ~~الخامسة تقريبا.» # قالت السيدة كروس: «لا تعيريها انتباهك.» # قالت المرأة: «يجب أن أوقع عليها اليوم، وإلا فستقع كارثة. سيوقعونني في ورطة. لم أعرف قط ~~أن ذلك مخالف للقانون.» تكلمت المرأة ببراعة وإقناع وثقة شديدة لدرجة أن السيدة كيد اقتنعت ~~بأنها سوية، ولكن السيدة كروس كانت تسرع بكرسيها مبتعدة. فتبعتها السيدة كيد. # قالت السيدة كروس بعد أن أدركتها السيدة كيد: «لا تشغلي نفسك بهذا الهراء.» وفي تلك ~~اللحظة، ابتسمت لهما مبتهجة امرأة ذات غدة درقية متضخمة لم تر مثلها السيدة كيد منذ ~~سنوات. وكان الجميع في هذا القسم العلوي بلا أسنان. # قالت السيدة كيد: «حسبت أن تضخم الغدة الدرقية لهذا الحد قد اختفى في ظل استخدام ~~اليود.» # كانتا تتجهان نحو صياح وصراخ. # قالت صاحبة الصوت: «جورج! جورج! جيسي! أنا هنا! تعاليا واصحباني لأعلى! جورج!» # كان هناك صوت آخر يتخلل هذه الصرخات بمرح ليقول: «سيئ، سيئ سيئ سيئ، سيئ سيئ، سيئ سيئ ~~سيئ.» # كانت صاحبتا هذين الصوتين تجلسان حول طاولة طويلة بجوار ms180 صف من النوافذ في منتصف القاعة. ~~وكان بجوارهما تسع أو عشر سيدات يجلسن هناك؛ بعضهن يتمتم أو يغني بهمس لنفسه، وكانت هناك ~~امرأة تمزق وسادة صغيرة مزركشة صنعها أحدهم، وأخرى تأكل آيس كريم مغطى بالشيكولاتة، ~~فتعلقت كسرات من الشيكولاتة على وجنتيها، وسالت قطرات من الآيس كريم على ذقنها. لم تتطلع ~~أي منهن من النافذة أو بعضهن على بعض. ولم تعر أيهن انتباها لصيحات «جورج وجيسي» ~~و«سيئ سيئ سيئ»؛ تلك الصيحات التي استمرت دون هوادة. # توقفت السيدة كيد. ~~«أين ليلي هذه؟» ~~«إنها في آخر غرف هذا الطابق؛ فهم لا يسمحون لها بمغادرة السرير.» # قالت السيدة كيد: «حسنا، اذهبي أنت وتفقديها؛ سأعود أدراجي إلى أسفل.» # قالت السيدة كروس: «لا شيء يدعوك للاستياء؛ كلهن يعشن في عالمهن الصغير، وهن سعداء به ~~سعادة لا توصف.» # قالت السيدة كيد: «لعلهن كذلك. لكنني لست مثلهن. أراك في غرفة الترفيه.» واستدارت ~~بكرسيها المتحرك، وقطعت القاعة ومنها إلى المصعد حيث السيدة ذات الثياب الوردية ما فتئت ~~تتساءل بإلحاح عن أوراقها. ولم ترجع السيدة كيد مرة أخرى إلى هذا الطابق. ~~••• # اعتادت السيدة كروس والسيدة كيد على لعب الأوراق في غرفة الترفيه يوميا بعد الظهر. ~~فكانتا ترتديان الأقراط والجوارب والثياب التي تليق بفترة بعد الظهيرة وتذهبان إلى هذه ~~الغرفة، وتتبادلان الأدوار في دفع حساب الشاي؛ فكانت فترات بعد الظهيرة هذه ممتعة بصفة ~~عامة. وكان مستواهما في لعب الورق متقاربا. أحيانا كانتا تلعبان لعبة سكرابل (تكوين ~~الكلمات)، لكن السيدة كروس لم تأخذ تلك اللعبة على محمل الجد - على عكس لعبة الأوراق - ~~فأصبحت تافهة وميالة للتشاحن إذ تدافع عن تكوين كلمات من اختراعها؛ ولذا، كانتا تعودان إلى ~~لعب الورق مرة أخرى مع التركيز على لعبة رومي أغلب الوقت. كانت الحياة أشبه بالمدرسة في هذا ~~المكان. كان لكل شخص صديق حميم يرافقه؛ فكنت ترى نفس الأشخاص يجلسون دائما معا في غرفة ~~الطعام، والبعض لم يكن لديه رفقة على الإطلاق. ~~••• # التفتت السيدة كروس إلى جاك لأول مرة عندما كان في غرفة الترفيه إذ كانت ms181 تلعب الورق مع ~~السيدة كيد. كان قد أودع في الدار منذ أسبوع تقريبا. وكانت السيدة كيد تعرف بأمره. # سألت السيدة كيد: «هل ترين هذا الرجل أحمر الشعر إلى جوار النافذة؟ جاء إلى الدار بعد أن ~~أصيب بسكتة دماغية. إنه في التاسعة والخمسين فقط من عمره. سمعت بالأمر في غرفة الطعام قبل ~~أن تنزلي.» ~~«مسكين. في هذه السن الصغيرة!» ~~«من حسن حظه أنه على قيد الحياة. والداه ما زالا على قيد الحياة، ويعيشان في مزرعة. كان ~~في زيارة لهما وفي طريق العودة أصيب بالسكتة ووجدوه مغشيا عليه ووجهه في الأرض في فناء ~~الحظيرة. لم يكن مقيما هنا في الجوار، بل كان يعيش في المنطقة الغربية.» # قالت السيدة كروس: «المسكين! أين كان يعمل؟» ~~«كان يعمل بإحدى الصحف.» ~~«هل كان متزوجا؟» ~~«لم أسمع شيئا عن ذلك. كان معاقرا للخمر، ثم انضم إلى مؤسسة إيه إيه لعلاج إدمان ~~الكحوليات، وتغلب على إدمانه. ولكن لا يمكنك أن تثقي بكل ما يتناهى إلى مسامعك في هذا ~~المكان.» ~~(كان هذا صحيحا. فعادة ما كان النزلاء يتداولون قصصا عن المستجدين؛ قصصا عن الأموال ~~التي كانوا يملكونها، أو الأماكن التي ارتادوها، أو عدد العمليات التي خضعوا لها، والأجزاء ~~البلاستيكية البديلة التي يحملونها سواء داخل أجسادهم أو خارجها. بعد بضعة أيام، قالت ~~السيدة كروس إن جاك كان يعمل محررا بإحدى الصحف. في البداية، سمعت أن الصحيفة في سدبري، ثم ~~سمعت أنها في وينيبيج. وقالت أيضا إنه أصيب بانهيار عصبي نتيجة مجهود زائد في العمل؛ وهذه ~~هي الحقيقة، فهو لم يكن مدمنا للكحوليات قط. كما قالت إنه ينتسب إلى عائلة كريمة، وإن اسمه ~~جاك ماكنيل.) # وقتئذ، لاحظت السيدة كروس كم بدا نظيفا ومعتنيا بنفسه في سرواله الرمادي وقميصه فاتح ~~اللون. ولكن كان ثمة شيء متكلف وغير طبيعي، على الأقل بالنسبة له؛ إذ كان أشبه بشيء ~~أمسى لامعا من فرط تعرضه للماء. كان رجلا ضخما لكنه عجز عن أن يقيم صلبه، حتى وهو جالس ~~في مقعده المتحرك. وكان النصف الأيسر من جسمه ms182 كله مرتخيا وشبه مشلول وخائر القوى. ولم ~~يكن الشيب قد اشتعل في شعر رأسه وشاربه بعد، بل اكتسيا بلون بني فاتح. وكان أبيض البشرة ~~وكأنه لم يتعرض لضوء الشمس قط. # انقطع حبل أفكارها فجأة؛ فالواعظ الإنجيلي الذي اعتاد زيارة المكان كل أسبوع لتلاوة ~~صلواته وإنشاد التراتيل (جرى العرف أن يأتي الواعظون الأكثر خبرة تباعا واحدا تلو الآخر ~~أيام الآحاد)، كان يجوب غرفة الترفيه وزوجته في عقبه، يغدقان البسمات والتحيات على كل من ~~تلتقي أعينهم بعينيه. نظرت السيدة كيد لأعلى عندما مرا بها وقالت همسا ولكن بصوت مسموع: ~~«مرحى للعالم.» # تبسم جاك الذي كان يجول بكرسيه المتحرك عبر الغرفة بطريقة خرقاء - عادة في شكل دوائر - ~~استجابة لتعليقها. كانت ابتسامته فطنة وساخرة، ولم تتماش قط مع هيئته التي تشي بعجزه. ~~لوحت إليه السيدة كروس أن يقترب، وتحركت هي نحوه قاطعة جزءا من الطريق لتلتقي به. ~~عرفته بنفسها وبالسيدة كيد. ففتح فاه وقال: «أنا ... أنا ... أنا.» # قالت السيدة كروس مشجعة إياه: «نعم، ماذا؟» # كرر جاك: «أنا ... أنا ... أنا.» وضرب الهواء بيده اليمنى، وسالت الدموع من عينيه. # سألته السيدة كيد: «هل تلعب معنا الورق؟» # قالت السيدة كروس: «يجب أن أكمل هذه اللعبة. أهلا بك إن شئت أن تجلس وتشاهد اللعب. هل ~~لعبت الورق من قبل؟» # أخرج يده اليمنى من جانبه وأمسك بكرسيها، ومال برأسه منتحبا. حاول أن يرفع يده اليسرى كي ~~يمسح دموعه، لكنه لم يستطع رفعها إلا مسافة قصيرة ثم سقطت في حجره مرة أخرى. # قالت السيدة كروس بصوت خفيض: «حسنا.» ثم تذكرت ما يجب أن تفعله عندما يبكي الأطفال؛ ~~تذكرت كيف كانت تخرجهم من هذه الحالة بمزاحها الساخر. قالت وهي تميل ناحيته: «كيف يمكن أن ~~أحزر ما تقول إذا كنت تبكي؟ تحل بالصبر. تعرفت على أناس أصيبوا بالسكتات الدماغية ~~واستعادوا قدرتهم على الكلام. نعم، تعرفت على أمثالك. يجب ألا تبكي؛ فبكاؤك لن يجدي ~~نفعا. تمهل في النطق. هيا قل: بوو ... هوو ... هوو. بوو ... هوو ... هوو. ستجعلنا نبكي إلى جوارك - ~~أنا والسيدة كيد ms183 - لو ظللت على تلك الحالة.» # كانت هذه هي بداية تعهد السيدة كروس جاك بالرعاية ؛ فقد ساعدته على الجلوس ومشاهدة لعبة ~~الورق، وتجفيف دموعه، إلى حد ما، وإصدار ضجيج كبديل للكلام عوضا عن محاولاته البائسة ~~للكلام (أنا ... أنا ... أنا). شعرت السيدة كروس بأن شعورا ما يتطور بداخلها؛ كان شعورا ~~بقدرتها القديمة على تحمل المسئولية والرعاية، وكفاءتها في وضع الخطط التي إن طبقت كما ~~ينبغي يستحيل أن يستشفها من تطبق عليهم. # لكن السيدة كيد تستطيع أن تستشفها. # فقالت: «لا يمكن أن أطلق على هذه لعبة الورق.» ~~••• # سرعان ما اكتشفت السيدة كروس أن جاك يفقد اهتمامه بلعبة الورق، وأنه لا جدوى من محاولة ~~حمله على اللعب؛ فقد كانت غايته الحوار. لكن محاولته تبادل أطراف الحديث كانت تفضي إلى ~~البكاء والنحيب. # قالت له: «البكاء لا يزعجني. فهو ليس بالأمر الغريب علي. لكن لن ينفعك أبدا أن يصفك ~~الآخرون بالطفل البكاء، خاصة في ظل هذا الحشد من الناس.» # بدأت تطرح عليه أسئلة يمكنه الإجابة عنها إما بالإيجاب أو النفي؛ مما أسعده وأتاح لها ~~فرصة اختبار صحة معلوماتها. # نعم، كان يعمل في صحيفة. لا، لم يكن متزوجا. لا، لم تكن الصحيفة في سدبري. وأخذت السيدة ~~كروس تسرد أسماء كل المدن التي تخطر على بالها، لكنها عجزت عن الوصول للمدينة الصحيحة، فصار ~~عصبيا وحاول أن يتكلم، وهذه المرة شارفت المقاطع أن تكون كلمة، لكنها لم تستطع أن ~~تستشفها. ألقت باللوم على نفسها لأنها لا تلم بأسماء الكثير من الأماكن. وبعدها، إذ ~~راودتها الفكرة، طلبت منه ألا يبارح مكانه وألا يتحرك قيد أنملة، فسترجع إليه، ثم انطلقت ~~بكرسيها المتحرك إلى الردهة ومنها إلى المكتبة. وهنالك بحثت عن كتاب يحوي خرائط. تأففت ~~عندما نما إلى علمها أنه لا يوجد كتاب كهذا؛ لم تجد سوى قصص رومانسية وكتب دينية. لكنها لم ~~تيأس؛ فانطلقت عبر الردهة إلى غرفة السيدة كيد؛ فمنذ أن تراجعت وتيرة ممارستهما للعبة الورق ~~(ما زالتا تلعبان بعض الأيام، ولكن ليس كل يوم)، اعتادت السيدة كيد على تمضية ms184 فترات بعد ~~الظهيرة في غرفتها. ووقت أن ذهبت إليها السيدة كروس، كانت في غرفتها مستلقية على سريرها، في ~~مبذل أرجواني اللون أنيق ذي رقبة عالية مطرزة. وكانت تشعر بصداع. # سألتها السيدة كروس: «هل لديك كتاب كتلك الكتب التي تتناول الجغرافيا؟ كتاب يحتوي على ~~خرائط.» وشرحت لها أنها تريده من أجل جاك. # سألتها السيدة كيد: «تعنين أطلس. أعتقد أن لدي واحدا. لا يمكنني أن أتذكر مكانه. يمكنك ~~البحث في الرف السفلي. لا أتذكر الكتب الموجودة في هذا الرف.» # صفت السيدة كروس كرسيها المتحرك إلى جوار مكتبة السيدة كيد، وشرعت ترفع الكتب الثقيلة ~~على حجرها الواحد تلو الآخر، وتطالع عناوينها عن كثب. كانت تلهث من فرط السرعة التي تحركت ~~بها بكرسيها. # قالت السيدة كيد: «إنك تنهكين نفسك. وإن لم تجدي ما تبحثين عنه، فستشعرين بالانزعاج ~~وسينزعج بسببك. وما الهدف من كل ذلك؟» ~~«إنني لست منزعجة. إنهم يرتكبون جريمة بإيداعه هنا.» ~~«جريمة؟» ~~«رجل ذكي كهذا، ماذا يفعل هنا؟ كان ينبغي أن يودعوه في أحد تلك الأماكن التي يعلمون ~~فيها النزلاء أشياء كاستعادة القدرة على الكلام. ما اسم هذه الأماكن؟ أنت تعرفينها. لماذا ~~أنزلوه هنا وحسب؟ أود أن أمد له يد العون، ولا أعرف كيف. حسنا، علي أن أحاول وحسب. إذا ~~كان فتى من فتياني يعاني مما يعانيه في مكان لا يعرفه فيه أحد، فأملي الوحيد أن تهتم به ~~امرأة ما اهتمامي بهذا الرجل.» # قالت السيدة كيد: «إعادة التأهيل. السبب الذي دعاهم لإيداعه في هذا المكان هو أن السكتة ~~الدماغية على الأرجح كانت أقوى من أن يساعدوه بأي شيء.» # قالت السيدة كروس متجاهلة الرد على تفسير صديقتها: «كل شيء متاح سوى كتاب خرائط. سيحسب ~~أنني لن أرجع.» ساقت كرسيها المتحرك من غرفة السيدة كيد دون كلمة شكر أو تحية وداع. كانت ~~تخشى أن يحسب جاك أنها لم تكن تنوي العودة، وأن قصدها مما فعلت هو التخلص منه وحسب. وكما ~~توقعت كان قد اختفى عندما عادت إلى غرفة الترفيه. لم تعرف كيف تتصرف. كانت على ms185 وشك البكاء. ~~فلم تكن تعرف مكان غرفته. جال في خاطرها أن تذهب إلى مكتب الاستعلامات وتستفسر. لكن ~~المسئولات عنه كن يتكاسلن عن العمل، وفور أن تشير عقارب الساعة إلى الرابعة، كن يرتدين ~~معاطفهن ويرجعن إلى بيوتهن، ولا يكترثن بشيء. تحركت بكرسيها باتجاه الممر ببطء وهي تتساءل ~~كيف تتصرف، وإذا بعينيها تقعان على جاك في ممر جانبي مسدود. ~~«ها أنت ذا! الحمد لله! لم أكن أعرف أين أبحث عنك. هل ظننت أنني لن أرجع مرة أخرى؟ سأخبرك ~~بما ذهبت للبحث عنه. كنت سأفاجئك. ذهبت بحثا عن أحد تلك الكتب التي تحوي خرائط - ماذا ~~تسمونها؟ - كي تستطيع أن تشير إلى المكان الذي كنت تعيش فيه. أطلس!» # كان جالسا على كرسيه المتحرك يحدق في الجدار الوردي كما لو كان نافذة. وكان الجدار يحمل ~~مجموعة من الرفوف المكشوفة، عليها مزهرية تحوي في داخلها نرجسا بريا بلاستيكيا، وبعض ~~التماثيل الصغيرة لأقزام وكلاب؛ وعلى الجدار أيضا ثلاث لوحات ملونة حسب الأرقام، تم عملها ~~في غرفة الأشغال اليدوية. ~~«صديقتي السيدة كيد لديها عدد من الكتب يفوق تلك المتاحة في المكتبة. لديها كتاب لا ~~يتناول شيئا سوى حشرات البق، وآخر عن القمر وحسب؛ متى هبطوا عليه، وتفاصيل أخرى عن كثب. ~~لكنها لا تملك كتابا بسيطا عن الخرائط.» # كان جاك يشير إلى واحدة من اللوحات. # سألته السيدة كروس: «إلى أي واحدة تشير؟ لوحة الكنيسة والصليب؟ لا؟ اللوحة التي تعلوها؟ ~~لوحة أشجار الصنوبر؟ نعم؟ ماذا عنها؟ أشجار الصنوبر والغزال الأحمر؟» كان يبتسم ويلوح ~~وبيده. كانت تأمل ألا يتحمس أكثر من اللازم ثم يصاب بخيبة أمل هذه المرة. «ماذا عنها؟ إنها ~~تشبه الأشياء التي تعرض على شاشة التلفزيون. أشجار؟ أخضر؟ أشجار الصنوبر؟ هل تقصد الغزال؟ ~~ثلاثة غزلان؟ لا؟ نعم؟ ثلاثة غزلان حمراء؟» حرك ذراعه لأعلى ولأسفل فقالت: «لا أعرف حقا ~~ما تقصده. ثلاثة ... غزلان ... حمراء (بالإنجليزية: ثري رد دير). انتظر لحظة! هذا اسم مكان. لقد ~~سمعته في نشرة الأخبار. رد دير. رد دير! هذا هو المكان! هذا هو المكان الذي كنت ms186 تعيش فيه! ~~هذا هو المكان الذي كنت تعمل فيه في إحدى الصحف! رد دير .» # شعرا بسعادة غامرة، وأخذ هو يلوح بذراعه محتفلا بتلك اللحظة وكأنه يقود أوركسترا، ومالت ~~هي إلى الأمام ضاحكة وضاربة ركبتيها بيديها. ~~«أوه، ليت كل شيء كان على هيئة صور كهذه، كان من الممكن أن نستمتع بوقتنا أنا وأنت! كان ~~من الممكن أن نمرح كثيرا، أليس كذلك؟» ~~••• # حددت السيدة كروس موعدا لزيارة الطبيب. ~~«سمعت عن أشخاص عانوا من سكتات دماغية عنيفة واستعادوا قدرتهم على الكلام، أليس ذلك ~~صحيحا؟» ~~«هذا أمر محتمل. لكنه مرهون بعدة أمور. هل يهمك أمر هذا الرجل كثيرا؟» ~~«لا بد أن إحساسه بالعجز بشع. لا عجب أنه يبكي.» ~~«كم من الأطفال أنجبت؟» ~~«ستة.» ~~«أعتقد أنك حصلت على نصيبك من القلق.» # استطاعت أن تستشف أنه لا يود أن يصرح لها بشيء. فإما أنه لا يتذكر الكثير عن حالة جاك، أو ~~أنه يتظاهر بالنسيان. # قال الطبيب: «أنا هنا لرعاية النزلاء؛ هذه هي مهمتي، وهذه هي مهمة الممرضات أيضا؛ ولذا، ~~دعي لنا القلق؛ فهذا ما يدفعون لنا لقاءه، أليس كذلك؟» # أرادت أن تسأله عن مدى قلقه. # كانت السيدة كروس تود أن تتحدث إلى السيدة كيد بخصوص هذه الزيارة لأنها كانت تعرف أن ~~السيدة كيد تقول عن الطبيب إنه أبله، لكن السيدة كيد فور علمها أن جاك هو سبب الزيارة، ~~كانت ستلقي على مسامع صديقتها تعليقات تشي بنفاد الصبر؛ ولهذا لم تكلمها السيدة كروس عن ~~جاك. بل تحدثت مع أناس آخرين عنه، لكنها وجدتهم يملون من الحديث. لا يبالي أحد بمصيبة أحد ~~هنا، هكذا حدثت نفسها. حتى عندما يموت أحدهم، لا يكترث أحد. أنا ومن بعدي الطوفان. ما ~~زلت على قيد الحياة، ماذا سأتناول على العشاء؟ إنها الأنانية. فهم لا يقلون سوءا عن نزلاء ~~الدور الثاني، كل ما في الأمر أنهم لم يظهروا سوءهم بعد. # لم تصعد للدور الثاني، ولم تبادر بزيارة ليلي باربر منذ أن رافقت جاك. ~~••• # كان يروق لهما الجلوس في ركن الممر إلى جوار صورة ms187 الغزال الأحمر؛ المكان الذي شهد أول ~~نجاح لهما. اتفقا على أن يكون هذا هو مكانهما الخاص حيث يمكنهما الاختلاء بعيدا عن أعين ~~الآخرين. أحضرت السيدة كروس قلم رصاص وورقة، وأخرجت الدرج الناتئ من كرسيه وثبتته، وحاولت ~~أن تتعرف على قدرة جاك على الكتابة. كانت شأنها شأن الكلام بالنسبة له؛ فقد كان يكتب ~~متعجلا بعض الشيء، ويضغط على القلم حتى ينكسر سنه، ثم يبدأ في البكاء. لم يحققا أي تقدم، ~~في الكتابة أو الكلام. كان الجهد بلا طائل. لكنها كانت تتعلم كيف تتحدث إليه بطريقة نعم ~~ولا، وبدا لها أحيانا أنها تستطيع قراءة أفكاره. # قالت له: «لو كنت أكثر ذكاء، لنفعتك أكثر من ذلك. أليس هذا مزعجا؟ أستطيع أن أقول كل ما ~~يدور برأسي، لكن رأسي خاو دائما، بينما يعج رأسك بالأفكار ولا تستطيع أن تفصح بشيء منها. ~~لا عليك. سنحتسي قدحا من القهوة، أليس كذلك؟ قدح من القهوة، هذا ما تحبه. اعتدنا أن نحتسي ~~أنا وصديقتي السيدة كيد الشاي طوال الوقت، لكنني الآن أحتسي القهوة؛ فأنا أفضلها ~~أيضا.» ~~••• ~~«إذن، أنت لم تتزوج من قبل؟ أبدا؟» # أبدا. ~~«هل كانت لديك حبيبة؟» # نعم. ~~«هل كانت لديك حبيبة؟ حقا؟ منذ زمن طويل؟ منذ زمن طويل أم مؤخرا؟» # نعم. ~~«منذ فترة طويلة أم مؤخرا؟ كلاهما. منذ فترة طويلة ومؤخرا. حبيبتان مختلفتان. حبيبة ~~واحدة؟ واحدة. المرأة نفسها. كنت واقعا في عشق المرأة نفسها لسنوات طويلة، لكنك لم ~~تتزوجها. أوه، جاك. ولماذا لم تفعل؟ ألم يكن من الممكن أن تقبل زواجك؟ هي لم تقدر. ولم لا؟ ~~هل كانت متزوجة حينئذ؟ كانت متزوجة؟ نعم. نعم. يا إلهي.» # تأملت وجهه لترى إن كان يؤلمه التحدث في هذا الموضوع، أم أنه أراد أن يسترسل. حسبت أنه ~~يود أن يسترسل. كان الفضول يقتلها حيث أرادت أن تسأل عن مكان هذه المرأة الآن، لكن شيئا ما ~~حذرها ألا تفعل. وبدلا من ذلك، بدأت تتحدث بطريقة لا تفضح فضولها الشديد. ~~«أتساءل إن كان بإمكاني تخمين اسمها؟ هل تذكر الموقف الذي توصلنا فيه ms188 إلى مكان عملك في رد ~~دير؟ ألم يكن هذا الموقف رائعا؟ يمكنني أن أبدأ بحرف أ ثم أنتقل إلى بقية الأبجدية لمعرفة ~~اسم حبيبتك. آن؟ أودري؟ أنابيل؟ لا. أعتقد أنني سأتبع حدسي وحسب. جين؟ ماري؟ لويز؟» # كان اسمها بات، اختصار باتريشيا. خمنته في محاولتها الثلاثين تقريبا. ~~«الآن، في مخيلتي، كل من اسمهن بات شقراوات. ليست سمراء. هل تدري كيف تتكون صورة في ~~مخيلتي لأي اسم؟ أكانت شقراء؟ نعم؟ وطويلة، في مخيلتي كل من اسمهن بات طويلات القامة. ~~أكانت طويلة؟ حسنا! كان تخميني صحيحا. طويلة وشقراء. امرأة فاتنة. امرأة جميلة.» # نعم. # شعرت بالخجل من نفسها لأنها تمنت للحظة لو كان في حياتها أحد تخبره بما عرفته عن ~~جاك. ~~«هذا سر إذن بيني وبينك. والآن، إذا أردت أن تكتب رسالة إلى بات، تعال إلي. تعال ~~إلي وسأخمن ما تريد أن تقول لها وسأكتبه لك.» # لا. رسالة لا. أبدا. ~~«حسنا، لدي سر أنا أيضا. كان لي حبيب، لكنه قتل في الحرب العالمية الأولى. رافقني ~~ذات مرة من حفل التزلج إلى بيتي، كان حفل التزلج الذي أقامته مدرستنا. كنت في الصف الأخير ~~من المرحلة الثانوية. وكنت أبلغ من العمر أربعة عشر عاما. كان ذلك قبل الحرب. أعجبت به ~~وكنت أفكر فيه. ولما سمعت أنه قتل، كان ذلك بعد أن تزوجت، فقد تزوجت في السابعة عشرة من ~~عمري، عندما سمعت أنه قتل حدثت نفسي بأن لدي شيئا أتطلع إليه الآن. يمكنني أن أتطلع ~~للقائه في الجنة. هذا صحيح. إلى هذا الحد كنت طفولية. # ماريان كانت في حفل التزلج هذا أيضا. أتعرف من أقصد بماريان؟ السيدة كيد. كانت بالحفل، ~~وكانت ترتدي أجمل زي تزلج على الإطلاق. كان بلون السماء الزرقاء ومؤطر بفراء أبيض وله ~~قلنسوة. وكانت تلف على يديها أيضا فراء أبيض اللون لتدفئتهما. لم أر شيئا وتمنيت ~~اقتناءه كفراء اليدين هذا.» ~~••• # السيدة كروس، وهي مستلقية في الظلام ليلا قبل أن تخلد إلى النوم، كانت تراجع كل الأحداث ~~التي وقعت مع جاك في ذلك اليوم: كيف ms189 بدت هيئته، كيف بدا لون بشرته، هل بكى وإلى متى دام ~~بكاؤه، وكم مرة بكى، وهل كان في حالة مزاجية عصبية في غرفة الطعام، منزعجا من الحشد الكبير ~~الذي يحيط به أم ربما لا يروق له الطعام؛ ما إذا كان قال لها عمت مساء عابسا أم ~~ممتنا. ~~••• # في تلك الأثناء، كانت السيدة كيد قد وجدت لنفسها رفيقة جديدة. كان اسمها شارلوت وكانت ~~نزيلة في غرفة على مقربة من غرفة الطعام ولكنها انتقلت مؤخرا إلى الجانب الآخر من الردهة. ~~كانت شارلوت طويلة القامة، نحيفة القد، مهذبة وجديرة بالاحترام، في منتصف الأربعينيات من ~~عمرها. كانت تعاني من مرض تصلب الأنسجة. وأحيانا كانت تقل عنها أعراض المرض، كحالها الآن؛ ~~فيصبح بإمكانها العودة إلى بيتها إن شاءت وإن كان لها مأوى تذهب إليه، لكنها كانت سعيدة في ~~هذه الدار. سنوات طويلة من الحياة في مؤسسات رعاية المرضى جعلتها طفولية الطابع عطوفة ~~وبشوشة. كانت تساعد في محل تصفيف الشعر الموجود بالدار، وكانت تعشق عملها فيه، كانت تحب أن ~~تمشط شعر السيدة كيد وترفعه بالمشابك مشيدة بكثرة الشعر الأسود الذي لم يطله الشيب بعد. ~~كانت تضع صبغة مؤقتة على شعرها تجعله يميل إلى الأشقر الفاتح، وتصففه لأعلى على نحو يجعله ~~يبدو كثيفا، وتثبته على هذا النحو بمثبت الشعر. وكان بإمكان السيدة كيد أن تشم رائحة مثبت ~~الشعر من غرفتها، وكانت تنادي عليها قائلة: «شارلوت! هل نقلوك إلى هنا كي تصيبينا ~~بالاختناق؟» # فتضحك شارلوت مقهقهة. أحضرت هدية للسيدة كيد؛ كانت محفظة حمراء مصنوعة من اللباد، ~~ومثبتة فيها تصميمات من أوراق شجر، وأزهار زرقاء وصفراء؛ صنعتها لها خصوصا في غرفة ~~الأشغال اليدوية. وحدثت السيدة كيد نفسها كم كانت تلك المحفظة تشبه حامل وصفات الطعام ~~الذي اعتاد أبناؤها أن يجلبوه إلى البيت من المدرسة بعد صنعه؛ وكان عبارة عن طبق كبير من ~~الورق المقوى مثبت به نصف طبق بخيط لامع بحيث يتيح تثبيت ورق وصفات الطعام بينهما. لكنه ~~لم يكن يحوي ما يكفي من أوراق وصفات الطعام ليكون ذا ms190 نفع حقيقي. كان شيئا تافها بذل فيه ~~جهد جهيد شأنه شأن الأقمشة المطرزة بالكروشيه للإمساك بأواني المطبخ الساخنة التي يمكن أن ~~يتعرض المرء للحرق إن استخدمها؛ ومثله مثل رأس الحصان المنحوت من الخشب وبه خطاف ليس كبيرا ~~بالقدر الكافي لتعليق قبعة عليه. # صنعت شارلوت محافظ لبناتها المتزوجات، ولحفيدتها الصغيرة، وللمرأة التي كانت تعيش مع ~~زوجها وأخذت اسمه. وقد كان الاثنان - زوجها وتلك ~~المرأة - يجيئان بانتظام لزيارة شارلوت؛ وكانوا جميعا نعم الأصدقاء. كان هذا الترتيب ~~مرضيا بالنسبة للزوج، وبالنسبة للبنات، وربما لشارلوت نفسها. ولم تكن شارلوت مخدوعة بأي ~~شكل، والأرجح أنها استسلمت لعلاقتهما دون تذمر. بل ربما سعدت بهذه الفرصة. # قالت السيدة كروس: «ماذا تتوقعين؟ إنها شارلوت هانئة البال.» # لم يقع بين السيدة كروس والسيدة كيد أي خلاف أو فتور في علاقتهما. فما زالتا تتبادلان ~~أطراف الحديث وتلعبان الورق. لكن استمرار العلاقة بشكلها الأول كان صعبا عليهما وقتئذ؛ ~~فقد كفا عن الجلوس على الطاولة نفسها في غرفة الطعام لأن السيدة كروس كان عليها الاعتناء ~~بجاك والتأكد من أنه ليس بحاجة ليد المساعدة في قطع شريحة اللحم. لم يكن يسمح لأحد غيرها ~~بقطعها، بل كان يتظاهر بإعراضه عن الطعام ويفوت على نفسه حصته من البروتين إن لم تكن ~~موجودة. كما أن شارلوت احتلت مكان السيدة كروس على طاولة الطعام مع السيدة كيد. ولم يكن لدى ~~شارلوت أي مشكلة في قطع شريحة اللحم خاصتها، والواقع أنها كانت تقطع شريحة اللحم والخبز ~~المحمص والبيض والخضراوات والكعك وأي شيء تتناوله ويسهل قطعه إلى أجزاء صغيرة قبل أن تشرع ~~في تناول الطعام. ولأن السيدة كيد قالت لها إن أسلوبها في تناول الطعام مخالف للآداب ~~العامة، شعرت شارلوت بالاكتئاب، لكنها كانت عنيدة واستمرت في تناول الطعام بطريقتها ~~المعتادة. # قالت السيدة كيد للسيدة كروس عن شارلوت: «ما كنا لنستسلم بسهولة، أنا ولا أنت. ما كان ~~ليتاح أمامنا الاختيار.» ~~«هذا صحيح. لم تكن هناك أماكن كهذه. لم تكن أماكن جيدة. وما كانت لتساعدنا على البقاء على ~~قيد الحياة على ms191 النحو نفسه الذي يعتنون به بشارلوت. أعني باستخدام العقاقير وما شابه ذلك. ~~وربما أن العقاقير هي التي تجعلها تتصرف بسذاجة.» # التزمت السيدة كيد الصمت، وعلا وجهها العبوس لما وصفت صديقتها شارلوت بالسذاجة، ولو أن ~~هذه هي الطريقة الفظة لصياغة ما كانت تحاول هي نفسها التعبير عنه. بعد لحظة من الصمت، تكلمت ~~بلا مبالاة. ~~«أعتقد أنها أذكى مما تظهر للآخرين.» # قالت السيدة كروس بهدوء: «لا يمكنني الجزم.» # جلست السيدة كيد ورأسها مائل إلى الأمام سارحة في أفكارها. يمكنها الجلوس هكذا لنصف ساعة ~~بسهولة تاركة شعرها لشارلوت لتمشطه وتعتني به. هل كانت تتحول إلى واحدة من هؤلاء العجائز ~~اللائي تطيب لهن خدمة الآخرين لهن؟ فهؤلاء العجائز بحاجة إلى من يصدرن إليه الأوامر؛ إنهن ~~اللائي جبن العالم على متن سفن بحرية، فقد قرأت عنهن في الروايات. كن يسافرن حول ~~العالم، وينزلن في الفنادق أو يعشن في قصور مهيبة متداعية مع وصيفاتهن. كان من السهل جدا ~~إصدار الأوامر لشارلوت، وحملها على ممارسة لعبة سكرابل، وتوجيهها كلما سلكت سلوكا غير ~~مستحب. وكانت شارلوت تتوق لأن تصبح خادمة لدى إحداهن. لماذا إذن كبحت السيدة كيد رغبتها ~~في استخدامها؟ لم ترغب أن تندرج تحت فئة هؤلاء العجائز اللائي يسهل تمييزهن. علاوة على ~~ذلك، فالخدم يكلفون أسيادهم أكثر مما يستحقون. وفي نهاية المطاف، إخلاص الناس لك ليس إلا ~~قيد من حديد يلتف حول عنقك. إنها التوقعات؛ ولذا أرادت أن تحرر نفسها من كل هذا. أحيانا ~~كانت تفعل ذلك بالاستلقاء على سريرها وإلقاء كل الأشعار التي تحفظها عن ظهر قلب بينها وبين ~~نفسها، أو ذكر الحقائق التي أمسى من الصعب شيئا فشيئا البقاء عليها في ذاكرتها. وفي ~~أحيان أخرى كانت تتخيل بيتا على حدود غابة مظلمة أو مستنقع مظلم وأمامه حقول غناء زاهية ~~الألوان تمتد حتى الشاطئ. تخيلت أنها تعيش هناك وحدها كامرأة عجوز على صفحات قصة. ~~••• # أرادت السيدة كروس أن تصطحب جاك معها خلال الزيارات؛ فقد حسبت أن الأوان قد آن لكي يتعلم ~~الاندماج مع الآخرين. والآن، لم ms192 يعد يبك كثيرا في خلوتهما كما كانت عادته من قبل. لكن ~~أحيانا أثناء تناول الوجبات كانت تخجل منه وتخبره بذلك. كان يستاء من شيء ما، وعادة لم ~~تكن تعرف سبب استيائه، وأحيانا كان عبوسه واستياؤه يستمر حتى يضرب السكرية أو يطيح بكل ~~الأواني التي يستخدمها على الأرض. ففكرت أنه إن استطاع أن يألف القليل من الناس كما ألفها، ~~فسيهدأ وسيتصرف بلباقة. # في المرة الأولى التي اصطحبته فيها إلى غرفة السيدة كيد، قالت الأخيرة إنها كانت على وشك ~~الخروج هي وشارلوت. كانتا تقصدان غرفة الأشغال اليدوية، ولكنها لم تطلب إليهما أن يرافقاها. ~~وفي المرة الثانية التي حضرا فيها، كانت السيدة كيد وشارلوت تلعبان لعبة سكرابل؛ ولذا لم ~~يكن هناك مفر من استقبالهما. # قالت السيدة كروس: «أتمانعين إن شاهدناكما لبرهة؟» ~~«أوه، لا، ولكن لا تلوميني إذا أصابك الضجر؛ فشارلوت تستغرق وقتا طويلا جدا كي تتخذ ~~قراراتها في اللعبة.» ~~«لسنا في عجلة من أمرنا. وما من أحد ينتظرنا في أي مكان آخر. أليس كذلك يا جاك؟» # تساءلت ما إذا كان بإمكانها إقناع جاك بممارسة هذه اللعبة. فلم تكن تدرك مدى المشكلة التي ~~يعاني منها عندما حاول أن يكتب؛ أكانت المشكلة في عجزه عن ترتيب الأحرف؟ هل هذه هي المشكلة ~~وحسب؟ أم كان عاجزا عن تحديد كيف تصوغان الكلمات؟ ربما أن تلك هي مشكلته الأساسية. # على أية حال، كان جاك مهتما باللعبة؛ إذ دفع كرسيه إلى جوار شارلوت التي التقطت بعض ~~الأحرف، ثم أعادتها، ثم التقطتها مرة أخرى، وأمعنت النظر فيها في يدها، وأخيرا شكلت كلمة # wind # حيث بدأت بحرف # w # الذي انتهت به كلمة # elbow # التي أتت بها السيدة كيد. فهم جاك ~~اللعبة فيما يبدو. وكان سعيدا جدا لدرجة أنه ربت على ركبة شارلوت مهنئا إياها. فأملت ~~السيدة كروس أن تدرك شارلوت أن بادرته كانت بدافع الود وحسب وألا تستاء. # ولكن لم يكن هناك داع للقلق؛ فشارلوت لم تكن تعرف كيف تستاء من الآخرين. # قالت السيدة كيد بوجه عبوس: «أحسنت.» وعلى الفور شكلت ms193 كلمة # demon # مبتدئة بحرف # d # الذي انتهت به كلمة شارلوت، وأضافت: «كلمة بثلاث نقاط.» ودونت النقاط: «التقطي أحرفك يا ~~شارلوت.» # عرضت شارلوت أحرفها الجديدة على جاك، الواحد تلو الآخر، فأصدر غمغمة تنم عن تشجيعه. ~~وراقبته السيدة كروس عاقدة الآمال على ألا يحدث شيء يعكر مزاجه ويفسد المودة التي يبديها. ~~لم يعكر شيء صفوه، لكن أثره على قدرة شارلوت على التركيز لم يكن إيجابيا. # سألته شارلوت: «هل تريد أن تساعدني؟» وقامت بتحريك اللوح الصغير الذي يحمل الأحرف، بحيث ~~صار أمام كل منهما. وانحنى بشدة لدرجة أن رأسه كاد يمس كتفيها. # قال جاك وقد بدا متهللا: «أنا ... أنا ... أنا.» # سألته شارلوت مازحة: «أنا ... أنا ... أنا؟ أي كلمة هذه التي تنطق أنا ... أنا ... أنا؟» # توقعت السيدة كروس أن يستشيط غضبا، لكنه ضحك مقهقها، وكذلك شارلوت أيضا، فأضحت مباراة ~~في الضحك بينهما. # قالت السيدة كيد: «يا للصداقة التي نشأت بينكما!» # فكرت السيدة كروس أنه من الأفضل أن تتفادى إثارة حنق السيدة كيد إن أرادا تكرار الزيارة ~~بصفة منتظمة. # فقالت بعذوبة: «جاك، لا تشتت شارلوت. دعها تلعب.» # ولكنها وهي تلفظ عبارتها الأخيرة، رأت يد جاك وهي تهبط على لوح لعبة سكرابل بشكل أخرق، ~~فطاشت الأحرف في الهواء. التفت إليها وأراها نظرته القبيحة التي كانت أسوأ من أي نظرة وقعت ~~عليها عيناها من قبل. ذهلت بل وشعرت بالرعب، لكنها لم ترد أن يرى الخوف في عينيها. # قالت: «ماذا فعلت؟ يا له من سلوك!» # أصدر صوتا ينم عن الاشمئزاز، وأطاح بلوح لعبة سكرابل وتبعثرت الأحرف كلها على الأرض، دون ~~أن يشيح بوجهه عن السيدة كروس بحيث لا يتسلل إليها الشك في أن اشمئزازه وغضبته بسببها هي ~~فقط. وحينئذ، أدركت أنه من المهم في هذه اللحظة أن تتحدث ببرود وحسم. هكذا يجب أن يتعامل ~~المرء مع الأطفال أو الحيوانات؛ يجب أن تريهم أن هيمنتك على الموقف لم تتزعزع، وأنك لم ~~تتأثر أو تنزعج من هذه التصرفات. لكنها لم تقو على النطق بكلمة واحدة، واكتنفها شعور ~~بالأسى والصدمة وقلة ms194 الحيلة، واغرورقت عيناها بالدموع. ولما رأى دموعها ازدادت تعبيرات وجهه ~~كرها وتوعدا كما لو كانت المشاعر التي يضمرها لها تتقد وتزداد لهيبا مع مرور كل ~~لحظة. # في تلك اللحظات، لم تفارق الابتسامة وجه شارلوت؛ إما لأنها لم تستطع أن تخرج من حالة ~~الضحك الهستيري التي سيطرت عليها منذ قليل، أو لأنها لم تعرف ما يمكن أن تفعل سوى الابتسام ~~مهما حدث. فتخضب وجهها بحمرة الخجل، وبدت على محياها أمارات الأسف والتوتر. # تمكن جاك من الدوران بكرسيه بحركة عنيفة وخرقاء. ووقفت شارلوت. وحملت السيدة كروس نفسها ~~على الكلام. ~~«نعم، من الأفضل أن تقليه إلى مهجعه الآن. من الأفضل أن يعود لمهجعه ويهدأ ويتوب عن ~~تصرفاته المشينة. من الأفضل أن يفعل ذلك.» # أصدر جاك صوتا ساخرا القصد منه فيما يبدو أن يوحي بأن السيدة كروس تملي على شارلوت ما ~~كانت ستفعله شارلوت على أية حال؛ كانت السيدة كروس تتظاهر وحسب بالسيطرة على مجريات الأمور. ~~فأمسكت شارلوت بالكرسي المتحرك، وأخذت تدفعه باتجاه الباب، وزمت شفتيها الباسمتين محاولة ~~التركيز وهي تتجنب الاصطدام برفوف المكتبة وصندوق الفراشات المتكئ على الجدار في طريقها ~~للخارج. ربما كان من الصعب عليها توجيه كرسيه المتحرك، وربما كان لديها مشكلة في الأفعال ~~الانعكاسية العادية وتوازنات جسدها فلم تستطع التعويل عليها من الأساس. لكنها بدت سعيدة؛ إذ ~~رفعت يدها لتحيتهما وأطلقت العنان لابتسامتها، وانطلقت إلى الممر. كانت تشبه تماما واحدة ~~من تلك الدمى العتيقة، لا من النوع الذي اعتادت السيدتان كروس وكيد على حيازته، ولكن الدمى ~~التي كانت أمهما تلهوان بها؛ دمى بأجساد طويلة رخوة، ووجوه وردية وبيضاء، وشعر مجعد مصفف ~~على الطريقة الصينية، وابتسامات خليقة بسيدة نبيلة. ظل جاك مشيحا بوجهه؛ والجزء الذي ~~استطاعت السيدة كروس أن تراه منه كان مضرجا بحمرة شديدة. # قالت السيدة كيد عندما رحلا: «سيكون من السهل على أي رجل أن ينال من شارلوت ما ~~يريد.» # قالت السيدة كروس بنبرة جافة مع أن صوتها كان مرتعدا: «لا أعتقد أنه يمثل مصدر خطر ~~كبير.» # تطلعت السيدة كيد ms195 على لوح لعبة سكرابل والأحرف المبعثرة على الأرضية كلها. # وقالت: «لن ننجح إن حاولنا جمع هذه الأحرف. إذا حاولت إحدانا أن تنحني، فسيغشى عليها.» ~~وصدقت. # قالت السيدة كروس بعد أن أمست تتحكم في نبرة صوتها الآن: «يا لنا من عجوزين عديمتي ~~الفائدة، ألسنا كذلك؟» ~~«لن نحاول جمعها. عندما تأتينا الفتاة بالعصير، سأطلب إليها أن تجمعها. لا حاجة لأن ~~نروي ما حدث. هذا ما سنفعله. لن ننحني لجمعها ونكسر أنفينا.» # أحست السيدة كروس بقلبها يخفق بشدة. كان قلبها أشبه بغراب عجوز كسيح يتخبط داخل صدرها؛ ~~فعقدت يديها محل قلبها كي تقبض عليه. # قالت السيدة كيد دون أن تشيح بناظريها عن وجه السيدة كروس: «حسنا، إنني لم أحك لك ~~أبدا، لا أحسب أنني قلت لك. لم أخبرك قط بما حدث عندما نهضت من السرير سريعا في شقتي، ~~ووقعت على وجهي وأغشي علي. من حسن الحظ أن جارتي في الشقة السفلى كانت موجودة في بيتها، ~~وسمعت صوت ارتطامي بالأرض، فاستدعت ذاك الرجل، لا أذكر ما يطلقون عليه؛ نعم، المشرف على ~~العقار. فدلفا إلى الشقة ووجدا حرارتي منخفضة جدا، فاتصلا بالإسعاف. لا أذكر شيئا عما ~~حدث بعد ذلك. لا يمكنني حتى أن أذكر أي شيء حدث طوال الأسابيع الثلاثة اللاحقة. لم أكن ~~فاقدة الوعي. ليتني كنت كذلك. لكنني كنت واعية، وقلت أشياء سخيفة. هل تعرفين أول شيء ~~استدعته ذاكرتي؟ الطبيب النفسي الذي جاء لزيارتي! كانوا قد استدعوا طبيبا نفسيا لمعرفة ~~ما إذا كنت مختلة عقليا. لكن أحدا لم يخبرني أنه طبيب نفسي. هذا جزء من العلاج، لا أحد ~~يطلعك على الحقيقة. كان يرتدي شيئا أشبه بسترة الجيش. كان شابا وديعا هادئا؛ ولذا، ~~حسبته شابا عاديا جاء من الشارع. # سألني: «ما اسم رئيس الوزراء؟» # حسنا! ظننته مخبولا. فقلت له: «ومن يعبأ؟» وأدرت ظهري له وكأنني سأخلد إلى النوم، ومنذ ~~ذلك الحين لم أنس شيئا.» ~~«من يعبأ!» # الواقع أن السيدة كروس سمعت هذه القصة من قبل من السيدة كيد، لكن ذلك كان منذ فترة طويلة، ~~فضحكت ms196 الآن ليس على سبيل المجاملة فقط، بل ضحكت بارتياح؛ فقد كان لوقع صوت السيدة كيد ~~الحازم على تعاستها تأثير المخدر. # وفي خضم ضحكاتهما، طرحت السيدة كيد سؤالا سريعا وجادا. ~~«هل أنت بخير؟» # رفعت السيدة كروس يديها من على صدرها، وسكتت لحظات. ~~«أعتقد أنني بخير. لكنني أظن أنني في حاجة إلى الذهاب إلى غرفتي للاستلقاء.» # استشف من حوارهما أن السيدة كيد قالت أيضا: «قلبك ضعيف، لا ينبغي أن تجعليه عرضة لهذه ~~الانفعالات.» وأجابتها السيدة كروس قائلة: «لن أغير من عاداتي، وإن كان في كلامك شيء من ~~الصواب.» # قالت السيدة كيد: «لم تحضري بكرسيك المتحرك.» إذ كانت السيدة كروس تجلس على كرسي عادي ~~خلال الزيارة، وكانت قد جاءت إلى الغرفة وهي تمشي الهوينى خلف كرسي جاك لمساعدته على ~~توجيه كرسيه. # قالت: «باستطاعتي المشي إن أخذت وقتي.» ~~«لا، ستجلسين على كرسيي وسأدفعك.» ~~«لا يمكنك أن تفعلي ذلك.» ~~«بل أستطيع. إذا لم أستنفد طاقتي، فسيجن جنوني بسبب الحروف المبعثرة على الأرض وما من ~~سبيل للعب سكرابل الآن.» # رفعت السيدة كروس جسدها، وجلست على كرسي السيدة كيد المتحرك. وحينما نهضت من الكرسي ~~العادي، شعرت بوهن شديد في ساقيها جعلها تفكر في أن السيدة كيد على حق؛ فلم تكن لتستطيع ~~المشي عشر خطوات. # قالت السيدة كيد وهي تدل صديقتها على الطريق خروجا من الغرفة ومنها إلى الممر: ~~«والآن.» ~~«لا ترهقي نفسك. لا تحاولي الإسراع أكثر من اللازم.» ~~«لا.» # قطعتا الممر، ثم انعطفتا يسارا، وشقتا طريقهما بنجاح عبر ممر منحدر قليلا لأعلى. ~~وتناهى إلى مسامع السيدة كروس صوت أنفاس السيدة كيد. ~~«لعلي أستطيع إكمال الطريق وحدي.» ~~«لا، لن تستطيعي.» # انعطفتا يسارا مرة أخرى أعلى الممر المنحدر. والآن، ظهرت غرفة السيدة كروس في الأفق. كان ~~يفصلهما عنها ثلاثة أبواب. # قالت السيدة كيد على مهل ومشددة على كلماتها كي تخفي انقطاع أنفاسها: «جل ما سأفعله ~~الآن أن أعطيك دفعة. أستطيع أن أعطيك دفعة تساعدك على الوصول إلى باب غرفتك ~~بالضبط.» # فسألتها السيدة كروس بريبة: «أحقا تستطيعين؟» ~~«بلا شك. وعندئذ ms197 يمكنك الاسترخاء والاستلقاء على سريرك. خذي وقتك كما تشائين إلى أن ~~تشعري أنك بخير. وبعدها استدعي الفتاة العاملة، واطلبي إليها إعادة الكرسي إلي.» ~~«ألن تصدميني بأي شيء؟» ~~«شاهدي بنفسك.» # بعدها دفعت السيدة كيد الكرسي المتحرك دفعة محسوبة بدقة وبراعة، فتدحرج إلى الأمام بسلاسة ~~وتوقف حيث قالت بالضبط، في المكان المناسب تماما أمام باب الغرفة. وأسرعت السيدة كروس برفع ~~قدميها ويديها خلال هذه المرحلة الأخيرة الوجيزة من الرحلة، ثم أرختها جميعا. وأومأت ~~برأسها إيماءة رضى واستسلام، والتفتت ودلفت إلى غرفتها دون أية مشكلة. # وفور أن توارت السيدة كروس عن الأنظار، تهاوت السيدة كيد على الأرض وجلست متكئة على ~~الجدار، ومددت ساقيها أمامها على مشمع الأرضية البارد. ودعت ربها ألا يمر أي شخص فضولي حتى ~~تستعيد قوتها، لتبدأ رحلة العودة إلى مهجعها. # | قصص الحظ العاثر # كانت جولي ترتدي فستانا مقلما بخطوط وردية وبيضاء وتعتمر قبعة من القش بلون الصوف ~~الطبيعي، تحت حافتها زهرة وردية. كانت القبعة أول شيء لاحظته في مظهرها بينما كانت تمشي ~~بخطى واسعة في الشارع. لوهلة لم أدرك أنها جولي. فعلى مدار العامين السابقين، عشت لحظات ~~من الذهول كلما التقيت أصدقائي في الأماكن العامة. فكانوا يبدون أكبر مما ينبغي. ولكن لم ~~تبد جولي أكبر سنا، بيد أنها لفتت انتباهي بطريقة لم يسبق لها مثيل. كانت القبعة هي ~~ما لفت انتباهي لها؛ إذ جال في خاطري أنها تعطي انطباعا أنيقا، رغم أنه لا يناسبها، وهي ~~تغطي رأس تلك المرأة طويلة القامة صبيانية الطباع. بعدها أدركت أنها جولي، فأسرعت لتحيتها، ~~وجلسنا حول مائدة في ظل شمسية بمطعم على الرصيف حيث تناولنا الغداء. # لم نكن قد تقابلنا منذ شهرين، وتحديدا منذ المؤتمر الذي عقد في شهر مايو. واليوم أنا في ~~زيارة إلى تورونتو، حيث تعيش جولي. # سرعان ما أخبرتني بمجريات الأمور. بدت جميلة وهي جالسة، بملامح وجهها الرقيقة المستظلة ~~بالقبعة، وعينيها الداكنتين اللامعتين. # قالت جولي: «هذا الأمر يجعلني أسترجع أحداث قصة ما؛ أليس ما حدث يشبه إحدى تلك القصص ~~الساخرة التي تنطوي ms198 على تحول مفاجئ في الأحداث في نهايتها؟ تلك القصص المشهورة جدا؟ لقد ~~اعتقدت حقا أنني جيء بي لحمايتك. لا ، لا لحمايتك تحديدا، فهذه كلمة سفيهة جدا، ~~لكنني حسبت أن شعورا ما كان يخالجك، ولكنك توخيت الحذر، وهذا ما استدعى وجودي. ألن تصنع ~~هذه الحبكة قصة رائعة؟ لماذا أمست هذه القصص عتيقة؟» # قلت: «لأنها بدت متوقعة أكثر من اللازم، أو لأن الناس حسبوا أن هذه ليست هي الطريقة ~~التي تسير بها الأمور، أو أنهم تساءلوا: من يعبأ بالطريقة التي تجري بها الأمور؟» # قالت جولي: «الأمر ليس كذلك بالنسبة لي! لم يكن أي شيء متوقعا!» نظر شخص أو اثنان ~~باتجاهنا؛ فالطاولات هنا تكاد تكون متلاصقة. # ثم عبست ودفعت القبعة لأسفل على وجنتيها، فسحقت الزهرة المتدلية على صدغها. # قالت: «لا بد أن أكون صريحة. أشعر أنني أميل إلى الرعونة والطيش الآن. كما أنني مذهلة ~~فحسب. هل هذه القبعة سخيفة؟ لا، حقا، هل تذكرين عندما كنا نقود السيارة وأخبرتني ~~بالزيارة التي قمت بها؟ الزيارة التي اصطحبك فيها ذلك الرجل لمقابلة الأثرياء؟ المرأة ~~الثرية؟ تلك المرأة البشعة؟ هل تذكرين ما قلته آنذاك أن للحب نوعين، وأن منهما نوعا لا ~~يود أحد أن يظن أنه ضيعه؟ حسنا، كنت أفكر آنذاك، هل ضيعت الحب بنوعيه؟ لم تسنح لي الفرصة ~~حتى أن أميز بين نوعي الحب.» # كنت على وشك أن أقول «ليزلي»، وهو اسم زوج جولي. # قالت جولي: «لا تقولي «ليزلي». أنت تعرفين أن هذه العلاقة لا تهمني. ليس بوسعي شيء؛ إنها ~~فعلا لا تهمني؛ ولذا، كنت أعد نفسي لعدم الاكتراث بها، بل والسخرية منها، ولكن خطر لي ~~التفكير فيما يدفعني إلى الرضى بمجرد الفتات!» # قلت لها: «دوجلاس أفضل من الفتات.» ~~«نعم، إنه كذلك.» ~~••• # عندما انفض المؤتمر في مايو الماضي، واصطفت الحافلات أمام بوابة الفندق الصيفي بانتظار أن ~~تقل الناس إما إلى تورونتو أو إلى المطار، دلفت إلى غرفة جولي ووجدتها تحزم حقيبة الظهر ~~خاصتها. # قلت لها: «أمنت لنا وسيلة مواصلات إلى تورونتو، إذا كنت تفضلينها عن الحافلة. ms199 هل تذكرين ~~الرجل الذي عرفتك به ليلة أمس؟ دوجلاس ريدر؟» # أجابت جولي: «حسنا. أصابني السأم بعض الشيء من كل هؤلاء الرجال. هل لا بد أن أتحدث ~~معه؟» ~~«قليلا. هو سيتكلم.» # أعنتها على ارتداء حقيبة ظهرها؛ ولعلها لا تملك حقيبة للمبيت. كانت ترتدي حذاء طويل ~~العنق يتحمل المشي لمسافات طويلة، وسترة من القطن المتين. لم تكن تمزح بشأن ارتدائها هذا ~~الحذاء؛ إذ كان بإمكانها العودة إلى تورونتو سيرا على الأقدام؛ ففي صيف كل عام، كانت هي ~~وزوجها وبعض أبنائهما يقطعون طريق بروس سيرا على الأقدام. وثمة أمور أخرى تتعلق بها ~~تتماشى مع الصورة الكلية؛ فهي تصنع الزبادي بنفسها، وكذلك الخبز الأسمر والجرانولا. قد يظن ~~البعض أنني ربما كنت قلقة بشأن تعريفها بدوجلاس الذي كان يجنح إلى أكثر الأفكار استفزازا ~~إذا ما تحدث أحدهم أمامه بشيء ينم عن الاهتمام بالصحة. فقد سمعته ذات مرة يخبر الناس أن ~~الزبادي يؤدي إلى الإصابة بالسرطان، وأن التدخين مفيد للقلب، وأن الحيتان كائنات مقيتة. إنه ~~يفعل ذلك على سبيل المزاح، ولكن بثقة شديدة ممزوجة بإضافات صادمة من عنده المقصود منها ~~الاستهزاء والسخرية، مستخدما إحصائيات زائفة وتفاصيل مختلقة؛ ومن ثم يستشيط غضبا ~~أولئك الذين يجادلهم أو يرتبكون أو قد يشعرون بالإساءة الشديدة، وأحيانا ما تغلب عليهم كل ~~هذه المشاعر دفعة واحدة. لا أتذكر أنني فكرت كيف ستتعامل جولي معه، لكنني أفترض أنني لو كنت ~~فكرت في الأمر، لجزمت بأنها لن تجد مشكلة في التعامل معه؛ فجولي ليست إنسانة بسيطة؛ فهي ~~تتعامل بأساليب ملتوية، ودوما على علم بما تفعله وبما ترتاب فيه. ليس من السهل إذن معرفة ~~ما ترمي إليه من خلال دوافعها. # أنا وجولي صديقتان منذ سنوات. وهي تعمل أمينة بواحدة من مكتبات الأطفال في تورونتو. ولقد ~~ساعدتني في الحصول على الوظيفة التي أشغلها حاليا، أو على الأقل، هي التي أطلعتني على ~~الحاجة إلى شغلها. أنا أعمل الآن سائقة لشاحنة تقل مكتبة متنقلة في وادي أوتاوا. أما عن ~~حياتي الشخصية، فقد طلقت منذ فترة طويلة؛ ولذلك من ms200 الطبيعي أن تتحدث إلي جولي عن ~~مشكلة تزعم أنها تعجز عن مناقشتها مع كثير من الناس. إنه سؤال في واقع الأمر أكثر من كونه ~~مشكلة. والسؤال هو: هل ينبغي أن تحاول جولي العيش بمفردها؟ قالت لي إن زوجها ليزلي قاسي ~~القلب وسطحي وعنيد ولا يشبعها عاطفيا، غير أنه وفي ومخلص وسامي المبادئ وضعيف. وقالت ~~أيضا إنها لا تريده في حياتها على الإطلاق، لكنها تظن أنها ربما تفتقده أكثر مما تستطيع ~~الاحتمال. وأخبرتني أنها لا تتوهم أن لديها القدرة على جذب أي رجل آخر، لكنها تحس أحيانا ~~أن مشاعرها وحياتها ... إلخ، تضيع هباء. # أنصت إليها، وحدثت نفسي أن شكواها تشبه شكاوى الكثير من النساء، وحقيقة الأمر أنها ~~أشبه كثيرا بالشكاوى التي كنت أصدع بها حينما كنت متزوجة. إلى أي مدى ستستمر هذه ~~الأحاسيس؟ وإلى أي حد ستتعمق؟ إلى أي مدى يعتبر بذل هذه المشاعر ممارسة تحقق التوازن ~~للعلاقة الزوجية وتبقي عليها؟ سألتها عما إذا كانت قد وقعت في الحب من قبل مع أي شخص آخر ~~غيره، فقالت إنها حسبت أنها وقعت ذات مرة في حب شاب التقت به على الشاطئ، لكن الأمر كله ~~كان هراء، وتلاشت مشاعرها نحوه. وخلال السنوات الأخيرة، ظن رجل أنه وقع في حبها، لكن هذه ~~العلاقة كانت هراء أيضا ولم يتمخض عنها شيء. قلت لها إن للوحدة وجها قبيحا، ولا شك أنني ~~نصحتها بإعادة النظر. أحسب نفسي أكثر من جولي شجاعة لأنني أقدمت على المخاطرة، بل في الواقع ~~أقدمت على أكثر من مخاطرة. ~~••• # تناولت أنا وجولي ودوجلاس ريدر الغداء في مطعم يقع في بناية خشبية بيضاء عتيقة تطل على ~~بحيرة صغيرة؛ تمثل واحدة من سلسلة من البحيرات. وقتئذ، قبل أن يتم إنشاء الطريق، كان ~~ثمة مرسى ترسو عليه قوارب البحيرة؛ إذ كانت القوارب تجلب الزوار الساعين لتمضية ~~الإجازة آنذاك - وكذلك الإمدادات - إلى الشاطئ. كانت الأشجار تغطي الشاطئ وتحيط بجانبي ~~البناية، وغلب عليها شجر البتولا والحور. ولم تكن أوراق الأشجار قد نمت أعلاها بعد، مع أننا ~~كنا في ms201 شهر مايو، بل كادت كل الفروع تكون عارية إلا من نفحة من الخضار، وكأن الأخضر هو لون ~~الهواء. وتحت الأشجار كانت هناك مئات الزهرات الثلاثية البيضاء. وكان اليوم غائما رغم ~~محاولات أشعة الشمس النفاذ من بين السحب، وبدا ماء البحيرة متلألئا وباردا. # جلسنا في شرفة طويلة محاطة بألواح من الزجاج على مقاعد عتيقة الطراز، مختلفة لا يشبه ~~أحدها الآخر، ومطلية بألوان زاهية تشبه كراسي المطبخ. وكنا الرواد الوحيدين هناك. وكان ~~الوقت متأخرا إلى حد ما لتناول الغداء، لكننا تناولنا دجاجا مشويا. # قلت: «وكأننا نتناول عشاء الأحد حقا؛ عشاء يوم الأحد بعد زيارة الكنيسة.» # قالت جولي: «إنه لمكان جميل.» وسألت دوجلاس كيف تعرف على هذا المطعم. # قال دوجلاس إن الفرصة سنحت له للتعرف على الأماكن كلها؛ فقد أمضى فترة طويلة جدا في ~~الترحال والتنقل بين أرجاء المقاطعة، حيث إنه مسئول عن جمع المواد لدار المحفوظات المحلية ~~وشرائها، من مذكرات ورسائل وتسجيلات قديمة بأنواعها المختلفة، والتي عادة ما تهمل وتضيع ~~أو تباع إلى غيره من القائمين على جمع المواد من خارج المقاطعة أو البلد كله. وفي عمله، كان ~~دوجلاس يتتبع العديد من الأدلة ويعتمد على حدسه، وعندما تقع يداه على كنز ما، فإن حيازته ~~لا تئول إليه مباشرة؛ فعادة ما يتعين عليه إقناع ملاك هذه المواد القيمة ببيعها - ~~سواء المتحفظون أو المتشككون أو الطماعون - والتفوق على التجار الخصوصيين. # فقلت لجولي: «إنه قرصان من نوع ما فعلا.» # تكلم عن التجار الخصوصيين وسرد قصصا عن منافسيه. فأحيانا كانوا يستحوذون على مادة ~~قيمة، ثم يحاولون بيعها له بمنتهى الصفاقة مرة أخرى، أو يحاولون بيعها لأعلى المزايدين ~~عليها من خارج البلد؛ وهي الكارثة التي أقسم على الحيلولة دون وقوعها. # كان دوجلاس طويل القامة، وكان أكثر الناس يحسبونه هزيلا بغض النظر عن بطنه البارز الذي ~~جد عليه حديثا ولا يتناسب مع قوامه، وربما كان مؤقتا وسرعان ما سيتلاشى. أما شعره، فكان ~~رمادي اللون قصيرا، ربما كي يطمئن له أصحاب المذكرات العجز والمتحفظون. وبالنسبة لي، ~~بدا دوجلاس صبياني ms202 الهيئة. لا أقصد أن أوحي بذلك بأنه رجل ذو وجه بريء متورد وخجول، بل ما ~~خطر على بالي كان فورة الشباب الحادة والملامح المتجهمة الواثقة في نفسها، التي عادة ما ~~نراها في صور المجندين في الحرب العالمية الثانية. كان دوجلاس واحدا من هؤلاء، وهو غض لم ~~ينضج بعد. يا للتواضع والرضى المرسومين على تلك الوجوه المقفلة على أسرارها! الوقوع في ~~الحب بالنسبة لهؤلاء الرجال سريع وخاص ومدهش، وكذا استعادة أنفسهم بعد حالة حب. شاهدته إذ ~~قص على جولي قصص الذين يتاجرون في الكتب والصحف القديمة، وكيف أنهم ليسوا رجعيي التفكير ~~وكتومين، كما أشيع عنهم في مخيلة العامة، وليسوا عجزا ثرثارين غامضين، بل هم محتالون ~~يتمتعون بالجرأة وصفات المقامرين وثقة الرجال. وفي هذه الحالة، وكذلك في أية حالة أخرى ~~تتجلى فيها احتمالات كسب المال، يكثر الخداع والكذب والتحايل والتنمر. # قالت جولي: «هذه هي فكرة الناس حيال أي شيء يتعلق بالكتب. وهي الفكرة نفسها التي لديهم ~~حيال أمينات المكتبات. فلتفكرا مثلا في عدد المرات التي نسمع فيها الناس يقولون إن فلانة ~~ليست أمينة مكتبة عادية؛ ألم تجدي في نفسك رغبة في وصف نفسك بهذه الصفة؟» # كانت جولي سعيدة وهي تحتسي خمرها، وكنت أحسب أن شعورها هذا يرجع إلى البراعة التي أبدتها ~~في المؤتمر؛ فهي تتمتع بموهبة في المؤتمرات، ولا تمانع من أن تمد يد العون للآخرين. إن ~~لديها القدرة على التحدث على الملأ في الاجتماعات العامة دون أن يجف حلقها أو ترتعش ~~ركبتاها؛ فهي تعرف متى تكون نقطة النظام مطلوبة في الجلسات والاجتماعات. وتفضل نوعا ما ~~الاجتماعات واللجان والرسائل الإخبارية. لقد عملت لدى رابطة الآباء والمعلمين والحزب ~~الديمقراطي الجديد والكنيسة الوحدوية وجمعيات المستأجرين، ونوادي جريت بوكس (أمهات الكتب). ~~كما وهبت جزءا كبيرا من حياتها للمؤسسات؛ فقالت إن حبها للمؤسسات ربما كان إدمانا، لكنها ~~عندما تكون في الاجتماعات، يترسخ لديها أكثر أن الاجتماعات لها تأثيرات رائعة على الناس؛ ~~فهي تجعلهم يشعرون بأن الأمور ليست كلها عويصة وملغزة كما تبدو. # والآن، في هذا اللقاء، ms203 تساءلت جولي من هم أمناء المكتبات العاديون؟ أين يمكننا العثور ~~عليهم؟ في الواقع ربما يعتقد أحدنا أننا بذلنا جهدا خرافيا لمنع انتشار هذه الصورة في ~~عقول الناس. # إذ قالت: «لكن الأسلوب الذي اتبعناه لفعل ذلك ليس محكما؛ فهي مهنة يشغلها الباحثون عن ~~ملاذ.» وهذا لا يعني - بحسب كلام جولي - أن كل الذين يشغلون هذه المهنة يشعرون بالذعر ~~وتعوزهم الحيوية والنشاط. على العكس تماما، فهي مهنة حافلة بالغرائب والعجائب، وشغلها ~~الكثير من الأشخاص الاجتماعيين الواثقين في أنفسهم والذين يحبون جذب الانتباه إليهم. # قال دوجلاس: «والعوانس غريبات الأطوار.» # قالت جولي: «ومع ذلك، لا تزال تلك الصورة سائدة. لقد جاء مدير مركز المؤتمرات وتحدث مع ~~رئيسة المؤتمر صباح هذا اليوم، وسألها إن كانت تريد قائمة بالذين غادروا غرفهم ليلا. هل ~~تتخيلين أنهم يظنون أننا نريد أن نعرف ذلك؟» # قلت: «أليس من المفترض أن نعرف ذلك؟» ~~«أعني رسميا. كيف يحصلون على هذه المعلومات عن الناس على أية حال؟» # قال دوجلاس: «عن طريق الجواسيس. حراس الأخلاق العامة الهواة التابعون لمؤسسة إيه جي بي ~~إم. أنا شخصيا عضو فيها. الأمر أشبه بالعمل كمسئول عن إخلاء الأماكن وقت نشوب ~~الحرائق.» # لم تفهم جولي حديثه، بل قالت عابسة: «أعتقد أنهم الشباب الأصغر سنا.» # قال دوجلاس وهو يهز رأسه نافيا: «حسدا منهم على الثورة الجنسية.» ثم أضاف ناظرا ~~باتجاهي: «على أية حال، ظننت أن الأمر انتهى. ألم ينته بعد؟» # قلت: «على حد علمي.» # قالت جولي: «هذا ليس إنصافا؛ فهو لم يحدث من الأساس. لا، حقا. ليتني كنت أصغر سنا. ~~أعني ولدت في حقبة زمنية لاحقة. لماذا لا نكون صرحاء بشأن الموضوع؟» شعرت أن هناك شيئا من ~~العناد والإغراء في حديثها - إغراء طفولي الطابع - لكنه مع ذلك لم يبد عبثا، فقد بدا في ~~هذه اللحظة ضروريا. ورد فعلها جعلني أشعر بالتوتر خوفا عليها. كنا نحتسي زجاجة النبيذ ~~الثانية، وكانت قد شربت كمية تفوق ما شربته أنا أو دوجلاس. # قالت: «حسنا، أعرف أن الأمر غريب؛ فلقد أتيحت لي الفرصة مرتين في ms204 حياتي، لكن في ~~الحالتين انتهى الأمر نهاية غير طبيعية. أعني غريبة جدا؛ لذا، أعتقد أن كلتيهما ليستا ~~مقدرتين لي . لا، لا أعني إرادة الرب.» # قلت: «أوه يا جولي.» # قالت: «أنتما لا تعرفان القصة كاملة.» # ظننت أنها شربت حتى الثمالة فعلا، وأنني ينبغي علي فعل ما في استطاعتي للحفاظ على ~~الطابع المرح للحوار، فقلت: «بلى أعرف. قابلت طالبا في قسم الطب النفسي بينما كنت تلقين ~~بالكعك في البحر.» # شعرت بالسعادة عندما ضحك دوجلاس. # فسألها دوجلاس: «أحقا فعلت؟ هل كنت تلقين بكعكك في البحر؟ هل كان بشعا إلى هذا ~~الحد؟» # أجابت جولي بأسلوبها المصطنع الساخر اللاذع: «كان لذيذا جدا، ومزخرفا جدا. كعك سانت ~~أونر. ذلك الكعك العملاق. كان مغطى بكريمة وكستارد وزبدة اسكتلندية. لا، السبب الذي كان ~~يدعوني لإلقائه في البحر ...» وبادرتني بالحديث قائلة: «وأعتقد أنني قلت لك ذلك من قبل، هو ~~أنني كنت أعاني من مشكلة سرية آنذاك. كانت لدي مشكلة خاصة بالطعام. كنت حديثة الزواج، ~~وكنا نعيش في فانكوفر بالقرب من شاطئ كيتسيلانو. وكنت من الذين يأكلون بنهم ثم يصابون ~~بإسهال شديد. وقد كنت معتادة وقتئذ على أن أعد فطائر الكريمة وأتناولها الواحدة تلو ~~الأخرى، أو أصنع حلوى الفدج وألتهم مقدار مقلاة كاملة منها، ثم أتناول المستردة وأحتسي ~~الماء كي أتقيأ، أو جرعات مهولة من الملح الإنجليزي لتقيؤ الحلوى. كان أمرا بشعا؛ ذلك ~~الشعور بالذنب. كنت أشعر بأنني مسيرة. لا بد أن هذه الحالة كانت لها علاقة بالجنس. ~~يزعمون الآن أن ثمة علاقة بينهما، أليس كذلك؟ # حسنا، ذات يوم صنعت كعكة بشعة، وتظاهرت بأنني أصنعها لأجل ليزلي، ولكن لحظة أن انتهيت من ~~صنعها، أدركت أنني أصنعها لنفسي، كنت سأتناولها كلها في نهاية المطاف، وذهبت لكي ألقي بها ~~في سلة القمامة، لكنني كنت أعلم أنني سأعود لأستخرجها مرة أخرى. أليس ذلك مقززا؟ ولذلك، ~~فقد وضعت الكعكة كلها في كيس ورقي بني، وانطلقت إلى الحافة الصخرية للشاطئ، وأطحت بها في ~~البحر. لكن هذا الشاب رآني، فرمقني بنظرة ذات مغزى، فعلمت ما كان ms205 يدور بخلده. ما أول فكرة ~~تخطر على البال بطبيعة الحال عندما ترى فتاة تلقي بكيس من الورق البني اللون في البحر؟ ~~اضطررت أن أقول له إنها مجرد كعكة. قلت إنني أخطأت في مكوناتها، وشعرت بالخزي لأنني ~~أفسدتها هكذا. وبعد ربع ساعة من الحوار معه، وجدت نفسي أصرح له بالحقيقة التي لم أتخيل أنني ~~سأفصح بها لأحد قط. قال لي إنه طالب علم نفس بجامعة كولومبيا البريطانية، لكنه تخلف عن ~~الحضور لأنهم مؤمنون بالمدرسة السلوكية هناك. ولم أكن أعلم، لم أكن أعلم من هم أنصار ~~المدرسة السلوكية.» # أضافت جولي باستسلام وتعجب: «وبعدها صار صديقي. لمدة ستة أسابيع تقريبا. طلب إلي أن ~~أقرأ ليونج. وكان هذا الشاب شعره أجعد جدا يميل لونه للون جلد الفئران. وكنا نستلقي وراء ~~الصخور ونتعانق بشدة. وكانت تلك الفترة توافق شهر فبراير أو مارس، ولم يزل الجو باردا. لم ~~يكن يستطيع مقابلتي سوى يوم واحد في الأسبوع، وكان اليوم نفسه كل مرة. لم تتطور علاقتنا ~~كثيرا. ذروتها، حسنا، ذروتها كانت عندما اكتشفت أنه نزيل في مستشفى للأمراض العقلية، وأن ~~هذا هو اليوم الذي يخرج فيه للتنزه. لا أعرف ما إذا كنت قد اكتشفت هذه الحقيقة أولا، أم ~~الندوب التي شوهت رقبته هي التي جعلتني أكتشفها. هل قلت إنه كان بلحية؟ كانت اللحية شيئا ~~غير تقليدي بالمرة آنذاك. وكان ليزلي يمقتها. لكنه هو نفسه له لحية الآن. لقد حاول أن يقطع ~~رقبته. لا أعني ليزلي، بل ذلك الشاب.» # قلت متأثرة: «أوه يا جولي!» مع أنني سمعت هذه القصة من قبل. إن ذكر الانتحار يشبه في نظري ~~تلك الأحشاء التي تندفع من جرح في جسد الإنسان؛ يتعين عليك أن تعيدها إلى مكانها وتضع بعض ~~الضمادات على الجرح بسرعة. # قالت: «لم تكن التجربة سيئة لهذه الدرجة؛ فقد كان يتعافى. وأنا متأكدة أنه تعافى. كان ~~فتى متدفق المشاعر يعاني من أزمة ما. لكنني كنت مرتعبة جدا لأنني أحسست أنني لست ببعيدة ~~عن الجنون أنا أيضا، خاصة في ظل شراهتي وتقيؤ الطعام ms206 وما إلى ذلك. وفي الوقت نفسه، اعترف ~~لي بأنه في السابعة عشرة من عمره وحسب. كان قد خدعني بشأن عمره الحقيقي. وكانت هذه هي القشة ~~التي قصمت ظهر البعير؛ فكرة أنني أتسكع مع صبي أصغر مني بثلاث سنوات. انتابني شعور بالخزي. ~~خدعته أنا أيضا إذ قلت له إنني متفهمة وإن مسألة العمر لا تهمني، وإنني سألتقي به الأسبوع ~~التالي. وعدت إلى البيت وقلت لليزلي إنني لم أعد أقوى على العيش في شقة في الطابق السفلي، ~~وإننا يجب أن ننتقل إلى بيت آخر. وأجهشت بالبكاء. بعدها عثرت لنا على مكان على الشاطئ ~~الشمالي في غضون أسبوع. لم أكن لأذهب إلى شاطئ كيتس بيتش أبدا. فعندما كان أبنائي صغارا، ~~وكنا نصحبهم إلى الشاطئ، كنت أصر دوما على الذهاب إلى شواطئ سبانيش بانكس أو شاطئ ~~أمبلسايد. ترى ماذا حل به؟» # قلت: «لعله بخير؛ لعله أمسى عالما نفسانيا مشهورا يمشي على خطى يونج.» # قال دوجلاس: «أو عالما نفسانيا مشهورا متبعا للمدرسة السلوكية، أو معلقا رياضيا. ~~ولكن لا يبدو عليك الآن أنك تناولت كميات مبالغا فيها من فطائر الكريمة.» # قالت: «لقد تغلبت على شراهتي. أعتقد عندما حبلت. الحياة عجيبة جدا.» # صب دوجلاس بقية النبيذ بأسلوب رسمي. # قال لجولي: «قلت مرتين، هلا تخبريننا بالمرة الثانية؟» # جال في خاطري أن الأمور تسير على ما يرام؛ فهو لم ينفر منها، ولم يتسلل إليه الشعور ~~بالسأم، بل راقت له. كنت أراقب ردود أفعاله وهي تتكلم، وأتعجب: ما السبب وراء هذا الشعور ~~بالتوتر كلما عرفنا رجلا بصديقة لنا؟ لم هذا التوتر حيال ما إذا كان الرجل سيشعر بالضجر ~~أو التأفف منها؟ # قالت جولي: «المرة الثانية كانت أكثر غرابة. على الأقل لم أفهمها بالقدر الكافي. لا يجب ~~أن أعبأ بسرد تلك القصص السخيفة، لكن أما وقد أخبرتكم عنها، أعتقد أنني سأمضي قدما. حسنا، ~~هذه القصة حيرتني تماما. وقعت أحداثها في فانكوفر أيضا، ولكن بعد الأولى بسنوات. كنت قد ~~انضممت إلى ما عرف باسم مجموعة علاج جماعي. كانت نوعا من العلاج الجماعي ms207 للتعساء ~~الحيارى الذين يعيشون حياة طبيعية. كانت هذه المجموعات موضة رائجة آنذاك، وكان مقرها على ~~الساحل الغربي. وخلال هذه الجلسات، كانت تجرى حوارات عديدة حول التخلص من الأقنعة التي ~~يتخفى وراءها الناس، وتقارب بعضنا من بعض؛ الأمر الذي يستخف به، لكني أظن أن نفعه كان ~~أكثر من ضرره. كانت التجربة جديدة نوعا ما. لا بد أنني أبدو في نظريكما وكأنني أحاول أن ~~أبرر انضمامي إليهم. وكأنني أزعم أنني كنت أصنع مشغولات المكرمية اليدوية منذ 15 عاما، قبل ~~أن تمسي موضة رائجة، بينما في الواقع لم يكن ثمة ضرورة لأن يصنع أحد هذه المشغولات في ~~أي وقت من الأصل.» # قال دوجلاس: «لا أعرف ما المكرمية من الأساس.» # قلت: «هذا أفضل ما في الموضوع.» ~~«كان رجلا يدعى ستانلي من كاليفورنيا، وكان يدير العديد من هذه المجموعات. لم يكن ~~ليعترف بأنه يديرها. كان لا يحب أن يلفت الانتباه، لكنه كان يحصل على مقابل مادي. كنا ندفع ~~له لقاء خدماته. كان طبيبا نفسانيا. وكان شعره أسود طويلا ومجعدا وجميلا، وبالطبع ~~كانت له لحية أيضا. لكن اللحى لم تكن رائجة آنذاك. كان يقتحم المكان بطريقة خرقاء تلقائية. ~~وكان يقول: «حسنا، سيبدو الأمر جنونيا بعض الشيء، لكنني أتساءل ...» كان لديه أسلوب يوحي ~~للآخرين بأنهم أذكى منه. كان صادقا جدا. كان يقول: «إنك لا تدركين كم أنت جميلة!» لا، لا ~~أستطيع أن أجعله يبدو صادقا. لا بد أن كلماته كانت أكثر تعقيدا من ذلك. على أية حال، ~~سرعان ما أرسل لي خطابا. أقصد ستانلي. كان تقديرا لسماتي العقلية والجسدية والروحانية، ~~واعترف أنه وقع في حبي. # تعاملت مع الموقف بنضج شديد. أرسلت إليه ردا قلت فيه إنه بالكاد يعرفني. فجاءني رده أنه ~~يعرفني حق المعرفة. وبعدها اتصل بي هاتفيا واعتذر عن إزعاجه لي. قال إنه لم يستطع أن يمنع ~~نفسه من الاعتراف بحبه لي. وسألني إن كان بالإمكان أن نحتسي قدحا من القهوة معا. لا بأس. ~~احتسينا القهوة معا أكثر من مرة. كنت أتحدث بأسلوب مرح، بينما كان ms208 هو يقاطعني بين الفينة ~~والأخرى ليتغزل في جمال حاجبي. وذات مرة، تساءل كيف تبدو حلمتاي. لدي حاجبان عاديان ~~جدا. توقفت عن احتساء القهوة معه، فبات مولعا بالتربص بالقرب من بيتي في شاحنته القديمة. ~~حقا أقول. كنت إذا خرجت للتسوق في السوق المركزية، فإذا به إلى جواري يرمق منتجات الألبان ~~التي اشتريتها بتعبير وجهه الكئيب. أحيانا ما كانت تصلني منه ثلاث رسائل يوميا: قصائد ~~شعرية عني وعن أهميتي بالنسبة له، واعترافات بانعدام ثقته في نفسه، وكيف أنه لم يكن يود أن ~~يمسي معلما نفسيا، وكم أنني مناسبة له لأنني متحفظة وسديدة الرأي. يا للعبث! كنت أعلم ~~أن الأمر كله سخيف، لكنني لن أنكر أنني أدمنته بشكل أو بآخر. كنت أعلم التوقيت الذي يأتي ~~فيه ساعي البريد بالضبط. وقررت أنني لست عجوزا لدرجة تمنعني من التحرر بعض الشيء. # بعد حوالي نصف العام على بدء تودده إلي، اتصلت بي هاتفيا امرأة أخرى تنتمي إلى ~~مجموعتنا. وأخبرتني أن الأمور اتخذت منحنى كارثيا؛ فقد اعترفت امرأة أخرى في واحدة من ~~المجموعات العلاجية لزوجها بأنها على علاقة حميمية بستانلي. فثارت ثائرة الزوج الذي لم يكن ~~عضوا في المجموعة، وتسربت القصة، ثم كشفت أكثر من امرأة أخرى القصة نفسها، واعترفن بأنهن ~~كن على علاقة حميمية بستانلي، وسرعان ما اختفى شعورهن بتأنيب الضمير، وكأنهن كن ضحايا ~~للشعوذة. واتضح أنه كان منظما جدا في علاقاته؛ فكان يختار امرأة واحدة من كل مجموعة. ~~وكانت لديه عشيقة من مجموعتي؛ ولذا من المفترض أنني كنت خارج حساباته. وكن دوما زوجات، فقد ~~كان يتفادى العزباوات اللائي قد يسببن له الإزعاج. كان لديه تسع عشيقات. حقا، تسع ~~عشيقات.» # قال دوجلاس: «رجل حياته حافلة!» # قالت جولي: «هكذا كانت ردة فعل كل الرجال. كلهم ضحكوا سرا. عدا الأزواج طبعا. عقد ~~اجتماع رسمي نوعا ما لمجموعة من الأشخاص في بيت إحدى السيدات. وكان لديها مطبخ رائع تتوسطه ~~منضدة لتقطيع الطعام، وأذكر أنني تساءلت في نفسي إن كان قد طارحها الغرام عليها. كان الجميع ~~أهدأ من أن يعترفن ms209 بصدمتهن حيال جريمة الزنى أو ما شابه ذلك؛ ولذا قلنا إننا مستاءات ~~جدا من خيانة ستانلي لثقتنا. والواقع أنني أعتقد أن بعض النساء شعرن بالاستياء لأن ~~اختياره لم يقع عليهن. قلت ذلك على سبيل المزاح. ولم أنبس ببنت شفة لأحد عن الطريقة التي ~~كان ستانلي يتصرف بها معي. وإذا كانت هناك أية امرأة أخرى تحظى بالمعاملة نفسها التي عاملني ~~بها ستانلي، فهي لم تعترف أيضا. بعض النساء اللائي وقع اختياره عليهن أجهشن بالبكاء. ~~وبعدها أخذن يواسين بعضهن البعض ويقارن علاقته بهن. يا له من مشهد! كلما أذكره أتعجب. ~~وكنت حائرة جدا. لم أستطع أن أتخيل ما حدث. كيف يمكن لأحد أن يتخيله؟ فكرت في زوجة ~~ستانلي. كانت فتاة جميلة طويلة الساقين، وعصبية نوعا ما. التقيت بها بضع مرات وحدثت ~~نفسي: ليتك تعرفين ما يلقيه زوجك على مسامعي! والنساء الأخريات أيضا التقين بها وحدثن ~~أنفسهن بما حدثت به نفسي. ولعلها كانت تعرف بأمرهن جميعا، تعرف بأمرنا جميعا. ولعلها ~~كانت تحدث نفسها قائلة: ليتك تعرفين أن هناك الكثير سواك. هل هذا ممكن؟ قلت له ذات مرة إن ~~الأمر كله عبث، فقال: لا تقولي ذلك، لا تقولي ذلك لي! حسبته سيبكي. ما تفسيركما للموقف ~~إذن؟ الحماس الذي يتقد به. لا أعني الجزء المتعلق بالعلاقة الحميمية. فهذا أقل ما يعنيني ~~بشكل أو بآخر.» # تساءل دوجلاس: «هل نال منه الأزواج؟» ~~«واجهه وفد منهم. ولم ينكر شيئا. قال إنه تصرف بحسن نية وبدوافع خيرية، وإن حبهم للتملك ~~والغيرة هما المشكلة. لكنه اضطر أن يغادر المدينة بعد أن تداعت مجموعاته الواحدة تلو ~~الأخرى. رحل هو وزوجته وأطفاله الصغار عن المدينة في شاحنته، لكنه أرسل إلينا فواتير. ~~الجميع استلموا فواتيره. النساء اللائي كن على علاقة حميمية به ومن سواهن. حصلت على فاتورتي ~~الخاصة. وكف عن إرسال الخطابات، واكتفى بالفواتير. دفعت له. وأعتقد أن أغلبهن دفع. لم يسعني ~~إلا التفكير في زوجته وأطفاله. # حسنا، كما ترون. إنني لا أجذب سوى غريبي الأطوار. وهذه ميزة لأنني كنت متزوجة خلال تلك ms210 ~~العلاقات العابرة ولم أتخل عن عفتي بغض النظر عن أي شيء قد أكون قلته. لا بد أن نحتسي ~~قهوة الآن .» ~~••• # سلكنا بسيارتنا الدروب الخلفية في الريف الرملي البائس جنوبي بحيرة سيمكو. كانت الرياح ~~تهب فتطيح بالحشائش على الكثبان الرملية. لم نر سيارة أخرى تقريبا على الطريق. أبرزنا ~~خارطة الطريق لنرى موقعنا عليها، وسلك دوجلاس دربا جانبيا ليقودنا عبر قرية حيث كاد يعثر ~~على مذكرات قيمة جدا. أرانا البيت الذي كان يحوي المذكرات. ثمة عجوز أضرمت ~~النيران في المذكرات - أو هكذا زعمت - لأن أجزاء منها كانت فاضحة. # قال دوجلاس: «إنهم يخشون أن يفضحهم الجيل الثالث والرابع.» # قالت جولي: «على عكسي تماما. أنا لا أعبأ بفضح علاقاتي الغرامية السخيفة غير ~~المكتملة.» # فأنشد دوجلاس: «الظهر والجانب عاريان، عاريان، والقدم والذراع باردتان ...» # قلت: «أستطيع أن أكشف عن أسراري؛ فهي ليست مسلية على أية حال.» # قال دوجلاس: «هل سنجازف بالاستماع إليها؟» # قلت: «ولكنها مثيرة. كنت أفكر عندما كنا في المطعم في زيارة قمت بها بصحبة رجل كنت أحبه. ~~كان هذا قبل وصولك إلى تورونتو يا جولي. كنا بصدد زيارة بعض أصدقائه الذين يملكون بيتا ~~على التلال الواقعة على جانب مقاطعة كيبك من نهر أوتاوا. لم أر قط بيتا مثله. كان أشبه ~~بسلسلة من المكعبات الزجاجية التي تربطها سلالم منحدرة ومصاطب. وكان صديقاه هما كيث ~~وكارولاين؛ زوجين ولهما أطفال لكننا لم نرهم. لم يكن الرجل الذي كنت برفقته متزوجا، بل لم ~~يكن متزوجا منذ فترة طويلة. وفي طريقنا إليهما، سألته عن حال كيث وكارولاين، فقال إنهما ~~ثريان. قلت له إن هذا ليس بوصف شاف. فقال إن المال مال كارولاين ورثته عن أبيها الذي كان ~~يملك مصنعا للجعة. وأشار إلى المصنع. ثمة شيء غامض في الطريقة التي نطق بها كلمة ~~«أبيها» جعلني أتخيل أمارات الثراء عليها، كما تخيلها هو، كالرموش الطويلة أو الصدر الناهد، ~~جعلني أتخيله وكأنه شيء مادي يشي بالرفاهية. فالمال المتوارث يمكن أن يجعل المرأة تبدو ~~غنيمة وكنزا يرام، على خلاف المال الذي تجنيه بنفسها ms211 الذي يبدو مبتذلا وعاديا. لكنه ~~قال إنها عصبية جدا. سافلة. أما كيث فمسكين ومخلص يعمل لصالح الحكومة في منصب يعاون فيه ~~مساعدي الوزير، ولكنني لم أكن أعرف شيئا عن هذا المنصب.» # فقالت جولي: «مساعد وكيل وزارة.» # وأردف دوجلاس: «حتى القطط والأطفال يعرفون هذا المنصب.» # قالت جولي: «أشكرك.» # كنت أجلس في وسطهما، ناظرة إلى جولي معظم الوقت كلما تحدثت. ~~«قال إنه يروق لهما استضافة بعض الأصدقاء خارج دائرة الأثرياء والعاملين بالحكومة؛ أناس ~~يريانهم غريبي الأطوار أو مستقلين أو ذوي نزعة فنية، وأحيانا ما كانا يدعوان فنانا ~~معدما ليمسي لعبة في يد كارولاين تثير غضبته وتتباهى وتتفاخر بجودها وسخائها معه.» # قالت جولي: «من الواضح أنه لم يكن يحب صديقيه كثيرا.» ~~«لا أستطيع أن أجزم بما إذا كان يفكر في الأمر بهذه الطريقة. أعنى مسألة الحب أو الكره. ~~توقعت أن يكون لمظهرهما هيبة، أو على الأقل هكذا توقعت أن أرى الزوجة، لكنهما كانا صغيري ~~الحجم. وكان كيث دقيقا ومضيافا جدا، وكان النمش يغطي يديه؛ أذكر يديه لأنه دائما كان ~~يقدم لنا الشراب أو الطعام أو وسادة لنتكئ عليها بنفسه. أما كارولاين، فكانت صغيرة البنية ~~للغاية، ذات شعر طويل ناعم، وجبهة بيضاء بارزة، وكانت ترتدي ثوبا قطنيا رمادي اللون له ~~قلنسوة خاصة به. ولم تضع على وجهها زينة بالمرة. شعرت بضخامتي وصراخة هيئتي إلى جوارها. ~~وبينما تبادل الرجلان أطراف الحديث عن البيت، وقفت هي وحنت رأسها ولم تكد يداها تظهران من ~~كمي ثوبها. كان البيت جديدا. وبعدها قالت بنبرة صوتها الواهن كم كانت تحب الشتاء حيث ~~يتجمع الجليد بالخارج، ويفرش سجادا أبيض على الأرض وتكتسي قطع الأثاث بالبياض. بدا لي أن ~~كيث شعر بالإحراج منها، وقال إن ما تصفه أشبه بملعب سكواش، وإن كلامها يفتقر إلى الإدراك ~~السليم. انتابني شعور بالشفقة عليها لأنها كانت على وشك أن تجعل من نفسها أضحوكة. بدت ~~وكأنها تتوسل للآخرين أن يشعروها بالطمأنينة، ومع ذلك بدا أن طمأنة الآخرين لها تنطوي على ~~شيء من الزيف والنفاق. هكذا كانت طبيعتها؛ ms212 حالة من التوتر الشديد تكتنفها. وبدا أن كل موضوع ~~يطرح على مائدة الحوار يقع في حبائل سخائها العاطفي ونفاقها. حتى إن الرجل الذي كنت بصحبته ~~أصبح فظا جدا معها، واعتبرت سلوكه دنيئا. حدثت نفسي أنها حتى لو كانت مدعية، فهذا ~~دليل على أنها تفتقر لشعور ما، أليس كذلك؟ ألا يفترض أن يمد لها المحترمون يد المساعدة؟ كل ~~ما في الأمر أنها لا تعرف فيما يبدو كيف تلتمس مساعدة الآخرين. # جلسنا خارج البيت على مصطبة نحتسي الشراب، وحينها ظهر الرجل الذي استضافاه في منزلهما. ~~كان فتى يدعى مارتن في أوائل العقد الثالث من عمره، أو لعله أكبر سنا. كان يتحلى بأسلوب ~~راق جدا. طلبت منه كارولاين بطريقة متذللة جدا إن كان بإمكانه أن يجلب بعض البطانيات - ~~إذ كان البرد قارصا على المصطبة - ولما ذهب قالت إنه كاتب مسرحي. قالت إنه كاتب مسرحي ~~بارع بحق، لكن مسرحياته غلب عليها الطابع الأوروبي أكثر من اللازم فلم تلق نجاحا هنا. ~~كانت مسرحياته كثيرة جدا ولاذعة للغاية. كثيرة ولاذعة. وبعدها قالت: وا أسفاه على حال ~~المسرح والحال التي وصل إليها الأدب في بلدنا! ألسنا في حال يرثى لها؟ إنه زمن التوافه. ~~فحدثت نفسي بأنها يجب ألا تعرف أنني من المساهمين في هذة الحال المؤسفة، لأنني كنت أعمل ~~آنذاك محررة مساعدة بمجلة صغيرة؛ مجلة ثاوزاند أيلاندز، وكنت قد نشرت قصيدة أو اثنتين. ~~لكنها سألتني حينئذ إن كان بالإمكان أن أعرف مارتن على بعض الأشخاص البارزين الذين ~~تعرفت عليهم من خلال عملي في المجلة. يا له من تحول سريع في نبرة هذا الصوت الخفيض ~~الحساس البائس من الإهانة إلى طلب معروف! بدأت أظنها سافلة فعلا؛ عندما رجع مارتن ~~والبطانيات معه، غمرتها حالة شديدة من الارتعاش كانت متكلفة، وشكرت له كثيرا وكأنها على ~~شفير البكاء. ألقى ببطانية عليها، وبهذه الطريقة علمت أنهما عاشقان. أخبرني الرجل الذي كنت ~~برفقته أن لها عشاقا. وعلى حد تعبيره تحديدا، كانت كارولاين شرهة جنسيا. سألته إن كان ~~طارحها الغرام من قبل، فقال نعم ms213 منذ فترة طويلة. أردت أن أسأله عن كرهه لها، وإذا كان هذا ~~الكره قد شكل عائقا أمام علاقتهما الحميمية، لكنني أدركت أنه سؤال ساذج جدا. # طلب مني مارتن أن أتمشى معه. نزلنا عددا كبيرا من درجات السلم، وجلسنا على مصطبة بجوار ~~المياه، واتضح لي أنه شخص خبيث. كان يحقد على بعض الناس الذين زعم أنه يعرفهم في المسرح في ~~مونتريال. وقال إن كارولاين كانت بدينة، وبعد أن فقدت وزنها، لزم الأمر أن تخضع لعملية ~~تجميل لبطنها لأن الجلد ترهل بشدة. فاحت من مارتن رائحة خانقة؛ كان يدخن تلك السجائر ~~الصغيرة. بدأ الشعور بالأسى على كارولاين يطغى علي مرة أخرى. هذا ما يتعين على المرء أن ~~يتحمله لقاء نزواته ورغباته. إذا لزم الأمر أن تتخذي عشيقا من عباقرة عالم الأدب، فهذا ~~الرجل مثال على من ينتهي بك الأمر إلى معاشرتهم. وإذا كنت مزيفة، فالأرجح أن تقعي في ~~شرك من هم أكثر منك زيفا. هذه هي الأفكار التي كانت تجول برأسي. # حسنا، لننتقل إلى العشاء. احتسينا الكثير من النبيذ الذي تبعه البراندي. لم يكف كيث عن ~~ضيافتنا، لكن لم يشعر أحدنا بالاسترخاء؛ إذ كان مارتن ساخرا بطريقة لاذعة وواضحة، محاولا ~~الانتصار على الجميع في النقاشات المطروحة، ولكن كارولاين كانت حادة بطريقة مهذبة جدا؛ ~~فكانت تتناول كل موضوع وتحرف مسار الحديث ليبدو من تحادثه غبيا. وفي نهاية المطاف، ~~اشتبك مارتن والرجل الذي كنت برفقته في جدال حاد وبذيء جدا لدرجة أن كارولاين طفقت ~~تتململ وتئن. نهض الرجل الذي كنت برفقته، وقال إنه سيخلد إلى النوم، وسكت مارتن عن الحديث ~~عابسا، أما كارولاين فبدأت تتعامل على حين غرة بود مع كيث حيث شاركته احتساء البراندي ~~متجاهلة مارتن بالمرة. # ذهبت إلى غرفتي، فوجدت الرجل الذي أتيت برفقته في فراشي، رغم أن كلا منا كانت له غرفته ~~الخاصة؛ إذ كانت كارولاين شديدة الاهتمام بالسلوكيات الاجتماعية السديدة رغم كل شيء. بات ~~ليلته معي، وكان غاضبا جدا. وقبل أن أطارحه الغرام وأثناءه وبعده، لم يكف عن الكلام عن ms214 ~~مارتن وكم كان مخادعا وغير أمين، ووافقته الرأي. وقلت إن مارتن مشكلتهما هما. فقال: فليهنآ ~~به، هو وأسلوبه الاستعراضي المتكلف ، وأخيرا خلد إلى النوم وكذلك فعلت أنا، لكنني استيقظت ~~في منتصف الليل. استيقظت ولدي شعور مؤكد بشيء ما. أحيانا ما نستيقظ ولدينا هذا الشعور ~~تجاه شيء ما. أعدت ترتيب أفكاري وركزت في حديثه، وبادرني الظن ... إنه على علاقة بكارولاين. ~~كنت أعرف ذلك. كنت أعرف. كنت أحاول إخفاء إحساسي بعلمي بالأمر؛ ليس فقط لأن معرفتي به لن ~~تساعد في شيء، بل أيضا لأنه لم يبد لائقا أن أعرف. لكن فور أن يجزم المرء بشيء كهذا، لا ~~يسعه كتمان إحساسه حقا. بدا كل شيء واضحا لي. مارتن مثلا، كان وجوده من ترتيبها؛ فقد ~~حرصت على وجود العاشقين القديم والجديد معا لتحريك مشاعرها. ثمة شيء فج حيال الموقف ~~كله، لكن هذا لا يعني أن فجاجته لن تؤتي ثمارها. ثمة شيء فج حيالها هي شخصيا. كل هذا ~~الهراء الشعري والعبث العاطفي كان يحدث بفجاجة؛ لم تكن بارعة في زيفها وادعائها، لكن هذا ~~لم يكن مهما. ما يهم هو رغبتها في الاستمرار في الادعاء بالقدر الكافي. ما يهم هو أن ~~تكون لديها الرغبة في الإرباك وإشاعة البلبلة. لكي تمارس المرأة فتنتها لا يتعين عليها أن ~~تكون مثيرة ومغرية وبارعة الجمال، كل ما في الأمر أن تكون لديها الإرادة على ~~الإرباك. # وتساءلت في قرارة نفسي: لم تفاجأت؟ أليس هذا ما تسمعينه دائما؟ كيف لا يتبع الحب ~~المنطق، أو لا يخدم مصلحة المرء، وكيف لا يمت بصلة للتفضيلات العادية؟» # سأل دوجلاس: «أين تسمعين هذا الكلام دائما؟» ~~«هذا أمر عادي، غير استثنائي. هناك الحب الذكي الذي يعتمد على الاختيار الذكي؛ وهذا هو ~~النوع الذي يجب أن يعتمد عليه المرء حين يقرر الزواج. وهناك الحب الذي لا يمت للذكاء ~~بصلة، وهو أشبه بالهوس؛ وهذا هو الحب الذي يقيم له الجميع وزنا بحق، وهذا هو الحب الذي لا ~~يود أحد أن يضيعه.» # قال دوجلاس: «عادي.» ~~«تعرف ما أعنيه. وتعرف أنه ms215 صحيح؛ فكل الأفكار المبتذلة صحيحة.» # قال: «مبتذلة. هذه كلمة نادرا ما تتناهى إلى مسامعي.» # قالت جولي: «هذه قصة بائسة.» # قلت : «قصصك أيضا كانت بائسة.» # قالت: «قصصي كانت مثيرة للضحك نوعا ما. هل سألته إن كان متيما بها أم لا؟» # قلت: «لم يكن سؤالي ليفيدني. كان سيجعلني في مواجهة معها. كنت خياره المنطقي. كنت أنا ~~المرأة التي أحبها. لم أكن أطيق الفكرة. لم أكن أتحملها. كانت فكرة مهينة جدا. أمسيت ~~حساسة ومكتئبة جدا. قلت له إنه لا يحبني حقا. كان هذا كافيا. لم يكن يحتمل أن يواجهه ~~أحد بشيء عن نفسه.» ~~••• # توقفنا عند كنيسة ريفية تجلت لنا في الأفق من الطريق السريع. # قال دوجلاس: «شيء يخفف من آلام الروح بعد قصص الحظ العاثر هذه، وقبل أن نعلق في الازدحام ~~المروري المعتاد ليوم الأحد.» # تجولنا حول المدافن أولا ناظرين إلى أقدم شواهد القبور، وأخذنا نقرأ الأسماء والتواريخ ~~بصوت عال. # قرأت بيت شعر عثرت عليه منقوشا على أحد الشواهد بصوت عال: # ازدادت البلايا وطالما تحملتها، # ولم يجد الأطباء لها نفعا، # حتى أذن الرب بأن يخفف من وطأتها، # فساقها بعيدا عن آلامها. # قلت: «ساقها. يا لها من كلمة جميلة!» # بعدها شعرت بشيء يجثم علي؛ شبح أحد الموتى أو عقاب. سمعت الوقع السخيف لصوتي يرجع صداه ~~إلي بعد أن اصطدم بحقيقة الأجساد المزجاة هنا، الأجساد المكدسة وكأنها طبقات من نسيج ~~متعفن أو أوراق شجر متحللة. شعرت بالألم والحرمان القديمين. كم ستجدنا تلك الأجساد غرباء ~~ساعين نحو نزواتنا ومذنبين؛ ثلاثة أشخاص في منتصف العمر ما زال الحب أو الجنس ~~يثيرهم. # كان باب الكنيسة مفتوحا. وقالت جولي إن القائمين على الكنيسة يتحلون بثقة شديدة في ~~الناس، فحتى الكنائس الأنجليكانية التي كان من المفترض أن تفتح أبوابها على مصارعها طوال ~~الوقت عادة ما تكون مغلقة في أيامنا هذه بسبب المخربين. وقالت إنها فوجئت أن الأبرشية سمحت ~~لهم بإبقائها مفتوحة. # سأل دوجلاس: «كيف تعرفين معلومات عن الأبرشيات؟» ~~«كان أبي كاهنا. ألم تستطع أن تخمن؟» # كان الجو أبرد داخل الكنيسة ms216 عن خارجها. مشت جولي بخطى ثابتة إلى الأمام ناظرة إلى لوحة ~~الشرف، واللوحات التذكارية المعلقة على الجدران. نظرت إلى ما وراء آخر مقعد خشبي على صف من ~~مساند القدمين؛ حيث كان الناس يجثون للدعاء والابتهال. كان كل مسند مطرزا بتصميم ~~مختلف. # وضع دوجلاس يده على كتفي، لم يطوق كتفي بذراعه، ولو التفتت جولي ما كانت لتلاحظ. مر ~~بيده سريعا على ظهري حتى استقرت عند خصري، وضغط ضغطة خفيفة على أضلعي قبل أن يمر من ورائي ~~ويمشي باتجاه الممشى الخارجي، متأهبا لأن يشرح شيئا ما لجولي، التي كانت تحاول أن تقرأ ~~عبارة لاتينية على نافذة من الزجاج الملون. # كان مطرزا على أحد مساند القدمين صليب القديس جورج، وعلى آخر صليب القديس ~~أندراوس. # لم أكن أتوقع أن يعلن دوجلاس عن أي مشاعر نحوي قط، سواء خلال سردي للقصة أو بعد الانتهاء ~~منها. ولم أعتقد أنه سيقول لي إنني على حق أو إن الصواب جانبني. سمعته يترجم، وجولي تضحك، ~~لكنني لم أستطع أن أشاركهما الموقف. شعرت أن ثمة حقيقة عن نفسي غمرتني أو أربكتني، أو ~~على الأقل حقيقة لم أعرف كيف أتصرف حيالها. ضغطة اليد التي لا تعد بشيء يمكن أن تكون ~~عتابا أو تخفيفا. شيء معلق قد يمسي أبديا. يمكن أن أكون مصرة دوما على معرفة ما يمثل ~~أهمية بالنسبة له وما لا يمثل، لكنني أكون دوما مغيبة فلا أعرفهما. # على مسند قدمين آخر، كان مطرزا رسم لحمامة جاثية على أرضية زرقاء وفي فمها فرع من ~~الزيتون، وعلى مسند آخر مصباح تخرج منه خطوط مستقيمة من تقطيب ذهبي لإبراز أشعته الكثيرة ~~المتشعبة، وعلى مسند آخر زنبقة بيضاء، لا، بل كانت زهرة ثلاثية. عندما توصلت إلى هذا ~~الاكتشاف، ناديت دوجلاس وجولي ليشاهداه. سعدت بهذه الصورة البسيطة للزهرة والتي تجلت فيما ~~بين الصور الأقدم والأغرب. أعتقد أنني صرت مفعمة بالحياة منذ تلك اللحظة. الواقع أننا صرنا ~~جميعا مفعمين بالحياة، وكأن كلا منا - في قرارة نفسه - عثر على ينبوع مجهول يفيض أملا. ~~وعندما توقفنا للتزود ms217 بالوقود، تعجبت أنا وجولي لما شاهدنا البطاقات الائتمانية التي ~~يحملها دوجلاس، وقلنا إننا لا نود العودة إلى تورونتو. وتحدثنا عن كيف يمكننا جميعا الفرار ~~إلى نوفا سكوتشا، والعيش اعتمادا على رصيد بطاقاته الائتمانية، وعندما تأتي السلطات للبحث ~~عنا، سنختبئ ونبدل أسماءنا، ونعمل في وظائف متواضعة: أنا وجولي ساقيتان في حانة، ودوجلاس ~~ينصب شراكا لسرطانات البحر، وحينئذ نحيا جميعا حياة هانئة. # | الزائرون # دلفت ملدريد إلى المطبخ، وألقت نظرة على الساعة التي أشارت عقاربها في ذلك الحين إلى ~~الثانية إلا خمس دقائق، وكانت تظن قبل دخولها أنها ستشير على الأقل إلى الثانية والنصف. جاء ~~ولفريد من الباب الخلفي عبر حجرة الغسيل وقال: «أليس من المفترض أن تكوني بالخارج ~~لمؤانستهم؟» # كانت جريس زوجة أخيه ألبرت وأختها فيرا جالستين تستظلان بظل سقيفة مرأب السيارة تصنعان ~~مفارش كروشيه للمائدة، وكان ألبرت بالخارج خلف المنزل جالسا إلى جوار رقعة من الأرض زرعها ~~ولفريد فاصوليا وطماطم وخيارا، وكل نصف ساعة كان ولفريد يذهب إلى الأرض ليرى أي الطماطم ~~ناضجة بالقدر الكافي لقطفها، فكان يقطفها قبل أوانها ويضعها على عتبة نافذة المطبخ كي لا ~~تصل إليها الحشرات. # قالت ملدريد وهي تصب لنفسها كأسا من الماء: «كنت معهم بالفعل.» وأردفت بعد أن تجرعت كأس ~~الماء: «وربما أصحبهم في جولة بالسيارة.» ~~«فكرة سديدة.» ~~«كيف حال ألبرت؟» # كان ألبرت قد أمضى معظم ساعات نهار أمس - أول أيام الزيارة ~~- مستلقيا على الفراش. ~~«لا أعرف.» ~~«إن كان مريضا فسيقول بلا شك.» # قال ولفريد: «هذه هي طبيعته، وهذا ما لا يعترف به قط.» # كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها ولفريد أخاه منذ أكثر من 30 عاما. # كان ولفريد وملدريد متقاعدين عن العمل، وكان بيتهما صغير الحجم بما لا يتناسب مع ~~حجميهما، لكنهما انسجما مع المكان بسلاسة. لديهما مطبخ لا تزيد مساحته عن الرواق بكثير، ~~وحمام حجمه متوسط تقريبا، وغرفتا نوم تمتلئان عن آخرهما إذا وضع في كل منهما سرير ~~كبير ومنضدة زينة، وغرفة معيشة تحوي أريكة كبيرة على بعد خمسة أقدام من ms218 تليفزيون كبير، مع ~~طاولة منخفضة في حجم التابوت بين الأريكة والتليفزيون، وشرفة خارجية صغيرة ومغلقة بألواح ~~زجاجية. # وضعت ملدريد طاولة في الشرفة الخارجية لتقديم الوجبات عليها للزائرين، وعادة ما تتناول ~~هي وولفريد الطعام على الطاولة الموضوعة أسفل نافذة المطبخ. إذا قام أحدهما وتجول في ~~المكان، فدائما ما لا يبارح الثاني مكانه. كان من المستحيل أن يعيش خمسة أشخاص في هذا ~~المكان، حتى لو كان ثلاثة منهم نحفاء نحافة هؤلاء الزائرين. # من حسن الطالع أن الشرفة الخارجية تحوي أريكة تفرد إلى سرير، وكانت فيرا - أخت زوجة ~~أخيه - تنام عليها. وقد كان حضور فيرا مفاجأة بالنسبة لملدريد وولفريد؛ فعندما كان ولفريد ~~يتحدث عبر الهاتف في المكالمة التي علم فيها بشأن الزيارة (فبحسب زعمه، لم يكتب أحد من ~~أفراد عائلته خطابا قط) - وكما قال هو - لم يأت أحد على ذكر أخت زوجة أخيه، بل تعلق ~~الأمر كله بزيارة ألبرت وزوجته وحسب. ظنت ملدريد أن ولفريد ربما لم ينتبه أثناء المكالمة ~~لأنه كان متحمسا جدا. وعندما كان ولفريد يتحدث مع ألبرت عبر الهاتف من لوجان بأونتاريو ~~إلى إلدر بساسكاتشوان، ويتلقى نبأ زيارة أخيه، غمره شعور بالسعادة وطفق يعرب عن حفاوته ~~ودهشته وطمأنته لأخيه. # صاح عبر الهاتف: «تعال على الفور، يمكننا استضافتك ما شئت، لدينا متسع كبير. ستسعدنا ~~استضافتك، ولا تعبأ بتذاكر العودة. تعال إلينا واستمتع بالصيف.» ولعل في تلك الأثناء بينما ~~كان يعرب عن حفاوته الشديدة تكلم ألبرت عن أخت زوجته. # قال ولفريد على سبيل المزاح، عندما التقى جريس وفيرا لأول مرة: «كيف تميز بينهما؟ أم ~~أنك تعاني دائما؟» # قال ألبرت دون أن ينظر إليهما: «إنهما ليستا توءمين.» وكان ألبرت قصير القامة نحيلا ~~يرتدي ملابس داكنة بدا فيها وكأنه يزن أكبر من وزنه الحقيقي كالأيكة الكثيفة، وكان يرتدي ~~ربطة عنق صغيرة وقبعة كقبعة رعاة البقر، لكن هذه الأشياء كلها لم تضف عليه مظهرا ~~أنيقا؛ وكانت وجنتاه الشاحبتان متدليتين على جانبي ذقنه. # قالت ملدريد بود للسيدتين النحيلتين الشيباوين اللتين كان النمش منتشرا في بشرتيهما: ~~«إن ms219 الشبه بينكما كبير.» وأخذت تفكر فيما يمكن أن تفعله الأراضي الزراعية ببشرة السيدات؛ ~~فشعرت بالتباهي بجمال بشرتها الذي عوضها عن سمنتها . وقبل الزيارة كانت قد وضعت صبغة ~~مؤقتة على شعرها جعلته يميل إلى اللون الذهبي، وارتدت سروالا فاتح اللون وبلوزة تتماشى ~~معه، وكانت جريس وفيرا ترتديان ثوبين لهما ثنيات فضفاضة على صدريهما غير الممتلئين، وسترتين ~~صيفيتين. «الشبه بينكما كبير، أكبر من الشبه بين زوجي وأخيه.» # كانت على حق، فولفريد له رأس كبير وبطن ضخم بارز، ووجه قلق ومتحمس، وتعبيرات وجه متقلبة، ~~ويبدو كرجل يعشق المزاح والدردشة، وهكذا كان فعلا. # قال ولفريد: «من حسن الحظ أنكم جميعا نحفاء، يمكنكم جميعا النوم في سرير واحد، وبالطبع ~~سينام ألبرت في المنتصف.» # قالت ملدريد ملتفتة إلى فيرا: «لا تعيروه بالا، لدينا أريكة رائعة تفرد إلى سرير إذا ~~لم يكن لديك مانع من النوم في الشرفة الخارجية. الشرفة لها مصراع على نوافذها، وتهب عليها ~~أرق النسمات من جميع الجهات.» # لا أحد يعلم إن كانت الأختان قد استوعبتا من الأساس مزحة ولفريد. # قال ألبرت: «لا بأس بذلك.» # ولأن ألبرت وجريس ناما في الغرفة الاحتياطية التي عادة ما كانت ملدريد تنام فيها؛ اضطر ~~ملدريد وولفريد أن يتشاركا سريرا كبيرا، ولم تكن هذه عادتهما. وفي الليل، راود ولفريد ~~أحد أحلامه المروعة التي كانت سببا في انتقال ملدريد إلى الغرفة الاحتياطية من ~~الأساس. # صرخ ولفريد مذعورا: «امسك!» هل كان على متن قارب البحيرة يحاول أن يسحب غريقا من ~~الماء؟ ~~«ولفريد، استيقظ! كفاك صياحا وبث رعب في قلوبنا.» # قال ولفريد: «أنا مستيقظ، لم أكن أصيح.» ~~«إذن أنا من كان يصيح!» # كانا مستلقيين كل على ظهره. تنهدا بعمق، ثم أدار كل منهما ظهره للآخر، وأمسك ~~كلاهما برفق - ولكن بإحكام - بالغطاء العلوي وهما يستديران. # قالت ملدريد: «أليست الحيتان هي التي تعجز عن التقلب عندما تصل إلى الشاطئ؟» # قال ولفريد وكل منهما يولي الآخر ظهره: «ما زال بإمكاني التقلب، لعلك تظنين أن هذا ~~هو الشيء الوحيد الذي أستطيع القيام به.» ~~«لا تتحرك من ms220 مكانك، فكلهم يسمعوننا.» # في الصباح سألتهم: «هل أيقظكم ولفريد من نومكم؟ فهو لا يكف عن الصراخ في نومه.» # أجابها ألبرت: «لم أخلد إلى النوم على أية حال.» ~~••• # خرجت ملدريد ودعت السيدتين إلى ركوب السيارة. قالت: «سنقوم بجولة بالسيارة، وننعم ~~بالنسيم البارد في ظل هذا القيظ.» جلست السيدتان بالمقعد الخلفي لأنه لم تكن هناك فسحة ~~بالأمام حتى لسيدتين نحيلتين مثلهما. # قالت ملدريد بمرح: «أنا السائق الخاص لكما! إلى أين تودان الذهاب جنابكما؟» # قالت إحداهما: «إلى أي مكان يطيب لك.» عندما لا تكون ملدريد تنظر إليهما فإنها لا تستطيع ~~الجزم أيهما تتحدث. # جالت بهما حول وينتر كورت وطريق تشيلسي درايف لمشاهدة البيوت الجديدة بمناظرها الطبيعية ~~البديعة ومسابحها، وبعدها صحبتهما إلى نادي الصيد والألعاب الرياضية حيث شاهدن طيور ~~الزينة وعائلة الغزلان وحيوان الراكون، والقط بوبكات البري الحبيس. شعرت ملدريد بالتعب ~~وكأنها قادت سيارتها إلى تورونتو، وأحست بالحاجة إلى شيء ينعشها ويعيد لها طاقتها، ~~فاتجهت بالسيارة إلى ذاك المكان الواقع على الطريق السريع لشراء الآيس كريم. طلبت الأختان ~~مخروطين صغيرين بمذاق الفانيليا، أما ملدريد فطلبت مخروطا من نكهتين؛ الزبيب بالرم ~~وكريمة اللوز. جلسن حول طاولة من طاولات التنزه الخلوية يلعقن الآيس كريم وينظرن إلى حقل ~~ذرة. # قالت ملدريد: «يزرعون الكثير من الذرة في هذه الأنحاء.» كان ألبرت يعمل مديرا لصومعة ~~حبوب تعمل بالآلات قبل أن يحال للتقاعد؛ ولذا افترضت ملدريد أن المحاصيل ربما تثير ~~اهتمامهما. «هل يزرعون الكثير من الذرة غربا؟» # فكرتا في الأمر، وقالت جريس: «حسنا، ليس كثيرا.» # قالت فيرا: «كنت أتساءل.» # قالت ملدريد بمرح: «عم تتساءلين؟» ~~«ترى هل عندكم كنيسة خمسينية هنا في لوجان؟» # ركبن السيارة مرة أخرى، وبعد أن ضللن ~~الطريق لبعض الوقت، عثرن على الكنيسة الخمسينية. لم تكن واحدة من أجمل الكنائس في المدينة، ~~كانت بناية عادية من أحجار إسمنتية، مطلية أبوابها وأطر نوافذها باللون البرتقالي، ~~ومعلقة عليها لافتة باسم الكاهن وأوقات إقامة القداس. ولم تكن هناك أية أشجار ظليلة ~~على مقربة من الكنيسة، ولا شجيرات أو أزهار، بل ساحة ms221 جافة. ربما يذكرهما هذا المشهد ~~بمدينة ساسكاتشوان. # قالت ملدريد وهي تطالع اللافتة: «الكنيسة الخمسينية. هل هذه هي الكنيسة التي تترددون ~~عليها ؟» ~~«نعم.» ~~«لا نتردد أنا وولفريد على الكنيسة، وإذا ذهبنا، أعتقد أننا سنقصد الكنيسة المتحدة. هل ~~تودان الترجل والتحقق مما إذا كانت مفتوحة أم لا؟» ~~«كلا.» ~~«إذا كانت مغلقة، يمكن أن نحاول البحث عن الكاهن. إنني لا أعرفه شخصيا، لكنني لا أعرف ~~الكثيرين من سكان لوجان على أية حال، أعرف فقط الذين يلعبون البولينج، والذين يلعبون الورق ~~في رابطة المحاربين البريطانيين. خلاف ذلك لا أعرف الكثير. هل تحبان أن نذهب لرؤية ~~الكاهن؟» # أجابتا بالنفي، فكرت ملدريد في الكنيسة الخمسينية، وظنت أنها الكنيسة التي يتكلم فيها ~~الناس بالألسنة، ففكرت في الاستفادة من قضاء عصر ذلك اليوم معهما والتأكد من ظنها؛ لذا فقد ~~سألتهما: هل هذا صحيح؟ ~~«نعم، هذا صحيح.» ~~«ولكن، ما الألسنة؟» # خيم الصمت عليهما لحظة ثم قالت إحداهما بصعوبة: «إنه صوت الرب.» # قالت ملدريد: «يا إلهي!» أرادت أن تسهب في أسئلتها - هل كانتا تتكلمان بالألسنة أيضا؟ ~~- لكنهما أشعرتاها بالتوتر، وكان من الواضح أنها أصابتهما بالتوتر أيضا. تركتهما تتطلعان ~~إلى الكنيسة لدقائق معدودة، ثم سألتهما ما إذا كانتا قد اكتفتا، فجاء ردهما بالإيجاب ~~وشكرتاها. ~~••• # فكرت ملدريد في أنها لو كانت قد تزوجت من ولفريد في شبابهما، لعرفت أكثر عن ~~عائلته وما تتوقعه من أفرادها. ملدريد وولفريد تزوجا وكل منهما في أواخر مرحلة منتصف ~~العمر، بعد فترة من التودد لم تتجاوز ستة أسابيع، ولم يكن قد سبق لهما الزواج من قبل؛ ~~فقد كان ولفريد كثير الترحال، أو هكذا زعم. كان يعمل على قوارب البحيرة وفي معسكرات معالجة ~~الأخشاب، وساعد في بناء البيوت وضخ الغاز وتقليم الأشجار، وامتد عمله من كاليفورنيا وحتى ~~يوكون، ومن الساحل الشرقي إلى الغرب. أمضت ملدريد معظم حياتها في مدينة ماكجو التي تبعد عن ~~لوجان حيث تعيش حاليا مسافة 20 ميلا، وكانت ابنة وحيدة، وتلقت دروسا في الرقص ~~الإيقاعي (الكلاكيت)، ثم أرسلت للدراسة في كلية إدارة الأعمال، ومن كلية ms222 إدارة الأعمال ~~انتقلت للعمل في مصنع تول شو في مدينة ماكجو، وسرعان ما أمست حبيبة السيد تول صاحب المصنع، ~~وظلت على علاقة به. # وفي الأيام الأخيرة من حياة السيد تول ~~قابلت ملدريد ولفريد. كان السيد تول محتجزا في مستشفى الأمراض النفسية المطل على بحيرة ~~هورون، وكان ولفريد يعمل حارسا هناك. كان السيد تول يبلغ من العمر اثنين وثمانين عاما، ~~ولم يكن يستطيع التعرف على ملدريد، لكنها واظبت على زياته على أية حال، وكان يناديها باسم ~~سادي، وهو اسم زوجته. كانت زوجته قد قضت نحبها آنذاك، لكنها كانت على قيد الحياة عندما كان ~~السيد تول وملدريد يخرجان في نزهات ويقيمان بالفنادق معا، ويقضيان أوقاتهما في الكوخ الذي ~~اشتراه السيد تول لملدريد على شاطئ أمبرلي، وخلال الفترة التي عرفته فيها، لم تسمعه يتكلم ~~قط عن زوجته سوى بطريقة جافة وبنفاد صبر. والآن، وهو في المستشفى، كان عليها أن تسمعه وهو ~~يقول لسادي إنه يحبها، ويطلب منها أن تغفر له. وإذ تظاهرت بأنها سادي، قالت ملدريد إنها ~~سامحته. كانت تخشى أن يزل لسانه باعتراف ما عن امرأة سوقية داعرة اسمها ملدريد، ومع ~~ذلك، لم تكف عن زيارته. لم يكن قلبها ليسمح لها بأن تتخلى عنه، كانت هذه مشكلتها دائما. ~~ولكن عندما يظهر الأبناء أو البنات أو أخوات سادي، كان يتعين عليها أن تختفي، ولما ~~فوجئت بأحدهم ذات مرة، اضطرت أن تطلب من ولفريد أن يساعدها على الخروج من مخرج خلفي، ~~وبعد أن تسللت، جلست على حجر إسمنتي إلى جوار الباب الخلفي ودخنت سيجارة، وسألها ولفريد ~~عما ألم بها من خطب. كانت مستاءة، ولم يكن لديها أحد في ماكجو تفضي إليه بمكنون صدرها، ~~فأخبرته بما حدث، بل وأطلعته حتى على الرسالة التي تلقتها من أحد المحامين يطلب فيها ~~منها إخلاء كوخ أمبرلي. وطوال الفترة التي قضتها مع السيد تول كانت تحسب أن الكوخ باسمها، ~~لكنه لم يكن كذلك. # انحاز لها ولفريد، وعاد إلى الداخل ليتجسس على عائلة السيد تول التي جاءت لزيارته، ~~وأخبرها أنهم ms223 جلسوا يحدقون في العجوز المسكين كالغربان الواقفة على سياج. لم يوضح لملدريد ~~ما كانت تعرفه بالفعل: أنها كان يجب أن تضع في اعتبارها السيناريو الأسوأ الذي كان على وشك ~~الحدوث. هي نفسها قالتها. ~~«كان علي الاختفاء من حياته عندما كان ذلك في صالحي، حين كنت لا أزال أملك بعض ~~المميزات.» # قال ولفريد بعقلانية: «لا بد أنك كنت تهيمين به عشقا.» # أجابته ملدريد بحزن: «لم يكن حبا قط.» تجهم ولفريد وشعر بحرج شديد. فأحست ملدريد ~~أنها يجب ألا تسترسل، ولم تستطع أن تشرح على أية حال السر وراء افتتانها بالسيد تول ~~خلال الفترة التي كان فيها أحسن حالا، عندما كانت حاجته لها ماسة لدرجة جعلتها تظن أنه ~~سيغير مسار حياته تماما من أجلها. # زهقت روح السيد تول في منتصف الليل. اتصل ولفريد هاتفيا بملدريد في السابعة صباحا ~~ليعلمها بنبأ وفاته. # قال لها: «لم أرد أن أوقظك، لكنني أردت أن تعرفي الخبر قبل أن تسمعيه على ~~الملأ.» # وبعدها دعاها لتناول العشاء معه في أحد المطاعم، ولأنها كانت معتادة على السيد تول ~~وآدابه، دهشت من سلوكيات ولفريد على المائدة. أحست بتوتره؛ فقد انزعج لأن النادلة لم تحضر ~~كئوس الماء. قالت له ملدريد إنها ستستقيل من عملها، وإنها تريد أن تبعد عن ماكجو، وربما ~~ينتهي بها المقام إلى الغرب. # قال ولفريد: «ولم لا ينتهي بك المقام في لوجان؟ لدي بيت هناك. إنه ليس بالبيت الكبير، ~~لكنه يسع شخصين.» # فاستوعبت الموقف كله؛ توتره الشديد، واستياءه من النادلة، وتصرفاته الحنونة معها، الأمر ~~كله مرتبط بها. سألته إن سبق له الزواج من قبل، وإلا فلم لم يتزوج؟ # قال إنه كان مشغولا دوما وكثير الترحال، وإضافة إلى ذلك، ليس من السهل أن يلتقي المرء ~~بامرأة طيبة القلب. كانت على وشك التأكد مما إذا كان يعي الموقف كاملا، وتوضح له أنها لم ~~تتوقع شيئا من وصية السيد تول (وبالفعل لم تحصل على شيء)، لكنها استشفت في آخر لحظة ~~قبل أن تقول شيئا أن ولفريد من الرجال الذين يشعرون بالإهانة ms224 من أمر كهذا. # وبدلا من ذلك قالت: «أتعرف أنك لن تكون أول من يطارحني الغرام؟» # أجابها: «كفى، لن نتطرق إلى هذا الموضوع بالبيت أبدا، اتفقنا؟» # وافقت ملدريد، وسرها رؤية تحسن سريع في سلوكه تجاه النادلة، بل إنه في الحقيقة تجاوز ~~توقعاتها حيث اعتذر إليها عن نفاد صبره منذ قليل، قائلا إنه عمل في مطعم في فترة من ~~الفترات، وأخبرها عن مكان المطعم الذي كان يعمل به؛ على طريق ألاسكا السريع. ووجدت الفتاة ~~صعوبة في التملص منه لتقديم القهوة لرواد المطعم الآخرين. # ولم يطرأ تحسن آخر على آداب ولفريد على المائدة. وخمنت ملدريد أن هذه واحدة من ~~خصاله - كعازب - التي يتعين عليها أن تتكيف معها. # قالت ملدريد: «من الأفضل أن تطلعني على مكان ولادتك وغيره من معلومات.» # قال لها إنه ولد في مزرعة ببلدة هوليت، لكنه رحل عنها بعد ثلاثة أيام من ولادته. # قال ضاحكا: «كثير الأسفار!» ثم ترك الهزل، وأخبرها أن أمه ماتت خلال ساعات من ولادته، ~~وأن خالته هي التي تعهدته بالرعاية. وكانت خالته متزوجة من رجل يعمل بالسكك الحديدية، ~~وكانوا كثيري الانتقال، وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره توفيت خالته. ثم تطلع إليه ~~زوج خالته سائلا: «إنك لفتى ضخم الجثة، ما مقاس حذائك؟» # أجاب ولفريد: «تسعة.» ~~«إذن فأنت كبير بالقدر الكافي لتكسب قوت يومك بنفسك.» # قال ولفريد: «كان لديه هو وخالتي ثمانية من الأطفال؛ فلا لوم عليه.» ~~«هل لديك أي إخوة أو أخوات في عائلتك الأصلية؟» طرحت ملدريد عليه هذا السؤال وهي تفكر ~~بأريحية في حياتها الخاصة وما كانت عليه منذ زمن بعيد؛ صورة أمها وهي تمشط شعرها المجعد ~~في الصباح، والهرة الصغيرة بانسي التي اعتادت أن تلبسها ملابس دميتها، وتضعها في عربة ~~الدمية وتطوف بها حول البناية. ~~«كانت لدي أختان متزوجتان أكبر مني، لكنهما توفيتا. ولي أخ وحيد انتقل للعيش في ~~ساسكاتشوان، يعمل مديرا لصومعة حبوب تعمل بالآلات. لا أعرف كم يكسب من عمله هذا، لكن أتخيل ~~أن عمله مجز؛ فقد التحق بكلية إدارة الأعمال مثلك تماما، ms225 وهو مختلف عني كثيرا.» ~~••• # في اليوم الذي قضاه ألبرت في الفراش، أراد إسدال الستائر، ورفض الذهاب إلى الطبيب. لم ~~يفهم ولفريد منه ما الخطب، بينما قال ألبرت إنه متعب وحسب. # قالت ملدريد: «لعله متعب، فلندعه يسترح.» # لكن ولفريد ظل يتردد على الغرفة الاحتياطية التي يستلقي فيها أخوه جيئة وذهابا طوال ~~اليوم، يتكلم ويدخن ويسأل ألبرت عن حاله. أخبر ألبرت أنه عالج نفسه من صداع نصفي لعين ~~بتناول كراث طازج من البستان في الربيع، فقال ألبرت إنه لا يعاني من الصداع النصفي، حتى ~~إن كان يود إسدال الستائر. وأضاف أنه لم يصب قط بصداع قوي طوال حياته، ففسر له ~~ولفريد أنه قد يصاب بصداع نصفي دون أن يعرف - أي دون أن يشعر بألم فعلي - ولذا فربما أن هذا ~~هو ما يعانيه ألبرت، فأجابه ألبرت أنه لا يفهم كيف يمكن أن يحدث ذلك. # في فترة مبكرة من ظهيرة ذلك اليوم، سمعت ملدريد ولفريد يحدث جلبة ببحثه عن شيء في حجرة ~~الملابس، ثم خرج منها وناداها. ~~«ملدريد! ملدريد! أين زجاجة الخمر تكساس؟» ~~«في البوفيه.» أجابته وأخرجتها له كي لا يفتش في الأواني الخزفية الخاصة بأمها. كانت ~~داخل صندوق طويل مزين بنقش ذهبي بارز وعليه وسام جوقة الشرف. حملها ولفريد معه إلى غرفة ~~النوم، ووضعها على منضدة الزينة كي يراها ألبرت. ~~«ما هذه في رأيك؟ وكيف تراني حصلت عليها؟» # كانت زجاجة من الويسكي سعة جالون تحتوي على نسبة 70٪ كحولا، فاز بها ولفريد في بطولة رمي ~~الأسهم في أوين ساوند التي أقيمت في فبراير منذ ثلاث سنوات. وصف ولفريد الرحلة المروعة من ~~لوجان إلى أوين ساوند حيث كان يقود السيارة بنفسه، وظل أعضاء الفريق يطلبون إليه ~~التوقف عند كل مدينة يصلون إليها، وألا يحاول أن يمضي قدما. وهبت عاصفة ثلجية ~~قوية من جهة بحيرة هورون، فغطتهم الثلوج وأحاطت بهم إحاطة السوار بالمعصم، وظهرت شاحنات ~~وحافلات أمام أعينهم على حين غرة وراء السديم الأبيض، ولم يكن هناك مجال للمناورة لأن ~~الطريق كان محاطا بتراكمات جليدية بطول ms226 10 أقدام. ظل ولفريد يقود السيارة عاجزا عن الرؤية ~~وهو يشق طريقه عبر الدروب المنحدرة والثلج المتراكم. وأخيرا، على الطريق السريع رقم 6، ظهر ~~ضوء أزرق أمامه، ضوء أزرق دوار، منارة، ضوء إنقاذ؛ لقد كانت جرافة الثلج تسير أمامهم، ~~وكانت الثلوج تعود لتغطي الطريق بالسرعة نفسها التي تزيحه بها الجرافة تقريبا، ولكن من ~~خلال السير على مقربة من الجرافة، تمكنوا من الوصول سالمين إلى أوين ساوند، وهناك شاركوا في ~~البطولة، وحققوا الفوز. # سمعت ملدريد ولفريد يسأل أخاه: «هل سبق أن مارست لعبة رمي الأسهم من قبل؟» # قال ألبرت: «كقاعدة عامة، لعبة رمي الأسهم تمارس في الأماكن التي تقدم الخمور، ~~وكقاعدة عامة، لا أرتاد هذه الأماكن.» ~~«حسنا، هذا الذي أمامك خمر، لكنني لا أفكر في احتسائه أبدا، وإنما أحتفظ به ليذكرني ~~بشرف الفوز.» ~~••• # خلال الزيارة، اتخذت جلستهم نمطا منتظما؛ ففي فترة الظهيرة، اعتادت جريس وفيرا الجلوس ~~في مرأب السيارة، تحيكان مفارش كروشيه للطاولة، وكانت ملدريد تجلس معهما بين الحين والآخر. ~~أما ألبرت وولفريد، فكانا يجلسان وراء البيت إلى جوار الخضراوات. وبعد العشاء، يجلسون معا ~~في الخارج في إضاءة خافتة بعد نقل كراسيهم إلى المرج الموجود أمام أحواض الزهور. وتواصل ~~جريس وفيرا حياكتهما طالما كان بإمكانهما الرؤية بوضوح. # أعجب ولفريد بالكروشيه. ~~«بكم تبيعان المفرش الواحد؟» # قال ألبرت: «بمئات الدولارات.» # قالت جريس: «إنها تباع لصالح الكنيسة.» # قال ولفريد: «كانت بلانش بلاك أبرع سيدة تصنع المشغولات بالكروشيه، وأكفأ خياطة عرفتها ~~في حياتي، وأفضل من أمسك بالإبرة لصنع المشغولات من أي نوع، وأكثر الطاهيات ~~كفاءة.» # قالت ملدريد: «يا له من اسم!» ~~«كانت تعيش في ولاية ميشيجان. كان ذلك عندما مللت العمل على متن القوارب، وحصلت على وظيفة ~~هناك في مزرعة. وكانت تستطيع أن تصنع الألحفة أو أي شيء من هذا القبيل، وتخبز الخبز والكعك ~~الشهي وأي شيء، لكنها في الواقع لم تكن جميلة الشكل ولا متسقة القوام.» # بعد ذلك ألقيت على مسامع الزائرين قصة سبق أن سمعتها ملدريد من قبل، كان يقصها ولفريد ~~كلما أثير حديث ms227 عن الفتيات الجميلات والفتيات غير الجميلات، أو الخبز أو حفلات جمع ~~التبرعات، أو الغرور. قص ولفريد أنه هو وصديق له ذهبا لحضور واحد من حفلات جمع التبرعات ~~التي تباع فيها علب الطعام، حيث يزايد المرء على علبة أثناء وقت مستقطع من الرقص، وكانت ~~العلب تحتوي على طعام الغداء، وكان من يرسو عليه المزاد يتناول الطعام بصحبة الفتاة التي ~~أعدت الطعام الموجود في العلبة. أحضرت بلانش بلاك غداء في علبة، وكذا فعلت فتاة جميلة ~~تدعى الآنسة بيوكانن، فتسلل ولفريد وصديقه إلى الغرفة الخلفية، وقاما بتبديل غلافي ~~العلبتين، ولما حان وقت المزايدة، زايد رجل يدعى جاك فليك - كان شديد الغرور بنفسه ~~ومفتونا بالآنسة بيوكانن - على العلبة التي ظن أنها لبيوكانن، بينما زايد ولفريد وصديقه ~~على العلبة التي حسبها الجميع لبلانش بلاك، وأعطيت العلبتان للمزايدين، ومما صدم جاك فليك ~~اضطراره مجالسة بلانش بلاك، أما ولفريد وصديقه فكانت الآنسة بيوكانن من نصيبهما، وبعدها ~~تطلع ولفريد في العلبة فلم يجد فيها سوى شطائر مدهونة بمعجون وردي اللون. ~~«وحينها ذهبت إلى جاك فليك واقترحت عليه أن يبادلني الغداء والفتاة. لم أقدم على هذه ~~الخطوة طمعا في الطعام وحسب، بل لأنني رأيت كيف كان سيعامل هذه الفتاة المسكينة، فوافق هو ~~على الفور، وجلسنا معها. أكلنا دجاجا محمرا، ولحما مدخنا وبسكويتا، وشطيرة بالبلح. ~~لم آكل في حياتي كما أكلت يومها. كما كانت تخفي في أسفل العلبة قارورة ويسكي صغيرة؛ وعليه ~~جلست وتناولت الطعام واحتسيت الويسكي ناظرا إلى جاك وهو يتناول الشطائر المدهونة.» # لا بد أن ولفريد شرع في سرد قصته تقديرا للسيدات اللائي جعلتهن مهارتهن في الحياكة ~~بالكروشيه أو الخبز أو خلاف ذلك يتفوقن على غيرهن ممن يتمتعن بالجمال، لكن ملدريد لم ~~تعتقد حتى أن جريس وفيرا يطيب لهما تصنيفهما ضمن فئة أمثال بلانش بلاك التي لم تكن جميلة، ~~كما أن ذكره قارورة الويسكي كان خطأ منه. كما كان خطأ أثر عليها هي سلبا؛ إذ أخذت ~~تفكر كم هي بحاجة إلى احتساء شراب في هذه اللحظة، وسرحت بخيالها ms228 في كل أشكال الخمور التي ~~يمكن أن يتخيلها إنسان؛ أولد فاشوند، وبراون كاو، وبينك ليدي. # قال ولفريد: «من الأفضل أن أذهب وأتفقد مكيف الهواء لعلي أستطيع إصلاحه، سنموت من الحر ~~الليلة إن لم أصلحه.» # ظلت ملدريد جالسة، وفي البناية المجاورة كان هناك ضوء أزرق ينبعث من جهاز يصدر صوتا ~~عاليا يشبه الصرير، ويصيد الحشرات. # قالت: «أعتقد أن هذه الأجهزة تحدث فارقا في مكافحة الحشرات.» # قال ألبرت: «إنها تشويهم.» ~~«لكن ضجيجها يزعجني.» # حسبته لن يرد عليها، لكنه قال أخيرا: «إذا لم تحدث ضجيجا، فلن تستطيع قتل ~~الحشرات.» # عندما عادت ملدريد إلى البيت لتصنع بعض القهوة (باعتبارها شرابا جيدا لا مانع لدى أبناء ~~الكنيسة الخمسينية من احتسائه)، تناهى إلى مسامعها صوت مكيف الهواء وهو يطن. فنظرت داخل ~~غرفة النوم، ورأت ولفريد مستلقيا وغارقا في النوم ومنهكا. ~~«ولفريد؟» # قفز من مكانه قائلا: «لم أكن نائما.» ~~«ما زالوا جالسين بالخارج أمام المنزل، خطر لي أن أعد القهوة.» ولم تستطع أن تمنع نفسها ~~من إضافة: «يسعدني أن العطل الذي كان بمكيف الهواء ليس خطيرا.» ~~••• # في اليوم قبل الأخير للزيارة، قرروا زيارة بلدة هوليت التي تبعد عنهم 45 ميلا ليروا ~~المكان الذي ولد فيه ولفريد وألبرت. كانت هذه فكرة ملدريد، وقد ظنت أن ألبرت قد يقترح تلك ~~الفكرة، وكانت بانتظار اقتراحه لأنها لم ترد أن ترغمه على القيام بأي شيء يشق عليه، ~~لكنها طرحت الفكرة أخيرا. قالت إنها ظلت تحاول لفترة طويلة أن تقنع ولفريد بأن يصحبها ~~إلى ذلك المكان، لكنه قال إنه سيضل الطريق، خاصة وأنه لم يرجع إليه منذ أن رحل عنه رضيعا. ~~كانت البنايات كلها قد اختفت، وكذا المزارع؛ هذا الجزء كله من البلدة تحول إلى ~~محمية. # جلبت جريس وفيرا مفارش الطاولة معهما لحياكتها بالكروشيه، وتساءلت ملدريد كيف لم تشعر ~~أي منهما بالدوار وهما منكبتان على الحياكة في سيارة متحركة. جلست في وسطهما في المقعد ~~الخلفي، وشعرت بأنها منحشرة بينهما، مع أنها كانت تعلم أنها السبب في هذه الوضعية لسمنتها. ~~وقاد ولفريد السيارة ms229 وجلس ألبرت إلى جواره. # دائما ما يميل ولفريد للجدال أثناء القيادة. # سأل قائلا: «ماذا يعيب المراهنة؟ لا أعني المقامرة، لا أعني أن نذهب إلى لاس فيجاس ~~ونضيع كل ما نملك من مال على تلك الألعاب والماكينات. لكن الحظ يمكن أن يكون حليفك في ~~المراهنات، فذات مرة قضيت شتاء مجانا في مدينة سو، فزت بنفقاته في إحدى ~~المراهنات.» # قال ألبرت: «سو سانت ماري.» ~~«دائما ما نطلق عليها اسم سو، وقتها نزلت من على متن كاملوبس لقضاء الشتاء في المدينة؛ ~~كاملوبس ذاك القارب العتيق المروع. وذات ليلة في الحانة، كان رواد الحانة يستمعون لمباراة ~~هوكي على المذياع، كان ذلك قبل التليفزيون، وكانت النتيجة 4 لصالح سدبري ولا شيء ~~لسو.» # قال ألبرت: «كدنا نصل إلى المنعطف الذي سيخرجنا عن الطريق السريع.» # قالت ملدريد: «انتبه للمنعطف يا ولفريد.» ~~«أنا منتبه.» # قال ألبرت: «ليس هذا المنعطف، بل التالي.» ~~«كنت أساعدهم في الحانة، أسقي الجعة مقابل إكرامية، لأنني لم أكن أحمل بطاقة اتحاد ~~العمال، وإذا بذلك الرجل المتبرم يسب فريق سو، فقلت إنهم ربما ينجحون في الخروج من كبوتهم ~~والفوز بالمباراة.» # قال ألبرت: «انعطف من هنا.» # انعطف ولفريد فجأة. «قال لي الرجل: راهن على ما تدعيه إن شئت! راهن على قولك هذا! كان ~~الرهان 10 مقابل 1، ولم يكن لدي المال، لكن صاحب الفندق حيث كانت الحانة كان رجلا شهما، ~~وكنت أمد له يد العون، فقال لي: اقبل بالرهان يا ولفريد! امض قدما، واقبل ~~بالرهان!» # قرأت ملدريد لافتة مكتوبا عليها «محمية هوليت»، انطلقت بهم السيارة بمحاذاة مستنقع ~~مظلم. # قالت ملدريد: «يا إلهي! المكان موحش جدا هنا، والمياه راكدة لا تتحرك في هذا الوقت من ~~العام.» # قال ألبرت: «هذا هو مستنقع هوليت، يمتد لمسافة أميال.» # خرجوا من منطقة المستنقع، فأحاطت بهم من الجانبين أرض مقفرة، وتربة سوداء متقلقلة، وحفر ~~وأشجار مقتلعة من جذورها، كان الطريق وعرا جدا. ~~«قال سوف أساندك، وهكذا غامرت وقبلت بالرهان.» # قرأت ملدريد لافتات الطرق الجانبية: «طريق مسدود، لا توجد أدوات صيانة لجرف الثلوج بعد ms230 ~~هذه النقطة.» # قال ألبرت: «يجب أن ننعطف جهة الجنوب الآن.» # قال ولفريد: «الجنوب؟ حسنا، الجنوب. وهكذا، قبلت بالرهان، أتعرفون ماذا حدث؟ صمد فريق سو ~~وهزم سدبري 7-4!» # ظهرت بركة ضخمة في الأفق، وعمود برج مراقبة، ولافتة مكتوب عليها: «نقطة مراقبة الطيور ~~البرية.» # قالت ملدريد: «طيور برية، ترى ماذا يمكن أن نرى هناك؟» # لم يكن ولفريد ليتوقف عن الثرثرة. «إنك لا تميزين بين الغراب والصقر يا ملدريد! هزم فريق ~~سو فريق سدبري 7-4 وفزت برهاني. تسلل ذلك الرجل إلى الخارج بينما كنت منشغلا، لكن مدير ~~الفندق كان يعلم أين يعيش، وفي اليوم التالي حصلت على مائة دولار. وعندما استدعيت للعودة ~~إلى متن قارب كاملوبس، لم يكن بجيبي سوى النقود التي كانت معي عندما نزلت عن القارب قبل ~~الكريسماس؛ وهكذا أمضيت الشتاء مجانا في مدينة سو.» # قال ألبرت: «يبدو أن هذا هو المكان.» # سأل ولفريد: «أين؟» ~~«هنا.» ~~«هنا؟ أمضيت إجازة الشتاء مجانا من رهان واحد فقط.» # انحرفوا عن الطريق ومنه إلى حارة وعرة نوعا ما حيث رأوا أسهما خشبية على عمود. «درب ~~هوثورن. درب شوجر بوش. درب تاماراك. ممنوع تجاوز المركبات الآلية لهذه النقطة.» أوقف ولفريد ~~السيارة، وخرج هو وألبرت، وترجلت جريس كي تخرج ملدريد، ثم عادت أدراجها إلى السيارة. كانت ~~الأسهم كلها تشير إلى الاتجاه نفسه، وحسبت ملدريد أن بعض الأطفال ربما عبثوا بها، ولم تر ~~أية دروب في الأفق على الإطلاق. وها هم خرجوا من أرض المستنقعات المنخفضة ليجدوا أنفسهم ~~محاطين بتلال صغيرة وعرة. # سألت ألبرت: «أهنا كانت مزرعتك؟» # أجاب ألبرت مشيرا أعلى التل: «كان البيت هناك بأعلى، وكان الطريق يمتد إلى هناك، ~~والحظيرة كانت بالخلف.» # كان ثمة صندوق خشبي بني اللون على العمود تحت الأسهم، فتحته وأخرجت منه حفنة ~~من النشرات زاهية الألوان، وتصفحتها. ~~«تحتوي هذه النشرات على مختلف الدروب.» # قال ولفريد وهو يومئ برأسه باتجاه الأختين الجالستين بالسيارة: «ربما تودان قراءة شيء ما ~~طالما أنهما لن تترجلا من السيارة. ربما ينبغي عليك سؤالهما.» # قالت ملدريد: «إنهما مشغولتان.» حدثت ms231 نفسها أنه ينبغي أن تذهب إليهما وتقول لهما أن ~~تفتحا النوافذ كي لا تصابا بالاختناق، لكنها قررت أن تدعهما يكتشفان الأمر بنفسيهما. كان ~~ألبرت قد شرع في صعود التل، وتبعته هي وولفريد بمشقة وعناء عبر نبات عصا الذهب الذي لدهشتها ~~كان أيسر في المشي عليه من الحشائش؛ فهي نباتات لا تعرقل السائر عليها، وكان لها ملمس ناعم ~~كالحرير. كانت تعرف نباتات عصا الذهب والجزر البري، لكن ما تلك الأزهار البيضاء الصغيرة ~~المنثورة على الأجمة الخفيضة، وتلك الأزهار الزرقاء ذات البتلات الخشنة، وهذه الأزهار ~~القرمزية الشبيهة بالريش؟ دائما ما يسمع المرء عن أزهار الربيع، وعشب الحوذان والزهرة ~~الثلاثية وأذريون الماء، لكن ثمة أزهارا كثيرة مجهولة الهوية في نهاية فصل الصيف. ~~وكان هناك أيضا ضفادع صغيرة تقفز من تحت أقدامهم، وفراشات صغيرة بيضاء، ومئات من الحشرات ~~التي عجزت ملدريد عن رؤيتها، لكنها شعرت أنها تقتات على ذراعيها المكشوفتين ~~وتلسعهما. # راح ألبرت يمشي جيئة وذهابا على العشب، وانعطف وتوقف ونظر حوله، ثم شرع في المشي مرة ~~أخرى، كان يحاول أن يميز حدود البيت. نظر ولفريد إلى العشب متجهما وقال: «إنهم لا يتركون ~~لك الكثير.» # سألت ملدريد بوهن: «من؟» واقتلعت نبات عصا الذهب لتهوي به على وجهها. ~~«مسئولو المحمية، لا يتركون حجرا واحدا من أحجار الأساس على حاله، ولا حفرة لسرداب أو ~~طوبة أو عارضة خشبية واحدة، ينبشون كل شيء ويطمرون مكان حفرهم، ويجرون ما نبشوه ~~بعيدا.» ~~«حسنا، أعتقد أنهم لا يستطيعون ترك كومة من الحطام فيتعثر الناس بها.» # سأله ولفريد: «أمتأكد أن هذه هي البقعة التي كان عليها البيت؟» # أجابه ألبرت: «هنا تقريبا، وواجهته كانت جهة الجنوب. كانت البوابة الأمامية هنا.» # قالت ملدريد باهتمام يضارع ما تبقى لها من جهد: «لعلك واقف على عتبة المنزل يا ~~ألبرت.» # لكن ألبرت قال: «لم يكن لدينا عتبة للبوابة الأمامية قط، فهي لم تفتح سوى مرة واحدة ~~بحسب ما أتذكر، وكان ذلك لنعش أمي، وحينئذ وضعنا بعض الكتل الخشبية على الأرض لعمل عتبة ~~مؤقتا.» # قالت ملدريد إذ ms232 رأت أجمة على مقربة من المكان الذي كان يقف فيه: «هذه زهرة ليلك، هل كانت ~~تزرع آنذاك؟ لا بد أنها كانت تزرع آنذاك.» ~~«أعتقد أنها كانت تزرع.» ~~«هل هي بيضاء أم أرجوانية اللون؟» ~~«لا يمكنني الجزم.» # جال بخاطر ملدريد أن هذا هو الفارق بينه وبين ولفريد؛ فولفريد كان يعطيها إجابة لسؤالها، ~~سواء تذكر أو لم يتذكر، كان سيقول إجابة محددة ثم يصدق ما قال. الإخوة والأخوات سر غامض ~~بالنسبة لها؛ فها هما جريس وفيرا يتحدثان كما لو كانا فمين في رأس واحد، وها هما ولفريد ~~وألبرت لا يربط بينهما رابط. ~~••• # تناولوا الغداء في مقهى على الطريق، ولكن لم يكن المقهى مرخصا، وإلا لطلبت ملدريد جعة ~~دون أن تعبأ بصدمة جريس وفيرا فيها، أو تعبأ كيف يحدق ولفريد فيها؛ فقد كانت تعاني الحر ~~الشديد بالفعل، وكان وجه ألبرت متوردا، وعيناه تلمعان بنظرة تشع تركيزا، وبدا ولفريد ~~مشاكسا. # قال ألبرت: «كان هذا المستنقع أكبر بكثير، لقد جففوه.» # قالت ملدريد: «كي يستطيع الناس الوصول إلى هذا المكان والتمشية ورؤية أشياء مختلفة.» كانت ~~لا تزال تحمل النشرات الخضراء والصفراء في يدها، فبسطتها وعاينتها. # قرأت فيها: «صيحات صاخبة، وصرخات، وأصوات صرير يتردد صداها في هذه الأجمة. هل تميز ~~أيا من هذه الأصوات؟ معظمها يصدر عن الطيور.» وتساءلت: عمن غير الطيور يمكن أن تصدر ~~إذن؟ # قال ألبرت: «خاض رجل في مستنقع هوليت وظل هناك.» # أحدث ولفريد فوضى عارمة بصلصة الطماطم وصلصة مرق اللحم، ثم غمس البطاطس فيها ~~بأصابعه. # وتساءل: «إلى متى ظل هناك؟» ~~«إلى الأبد.» # سأل ولفريد مشيرا إلى البطاطس المقلية في طبق ملدريد: «هل ستتناولين هذه؟» # فقسمت ملدريد البطاطس بينها وبين ولفريد، وسألت ألبرت وهي تدفع بنصف البطاطس في طبق ~~ولفريد: «إلى الأبد؟ هل كنت تعرفه؟» ~~«لا، كان ذلك منذ فترة طويلة جدا.» ~~«هل تعرف اسمه؟» ~~«لويد سالوز.» # سأل ولفريد: «من؟» # قال ألبرت: «لويد سالوز، كان يعمل في مزرعة.» # قال ولفريد: «لم أسمع به من قبل.» # سألت ملدريد: «ماذا تعني أنه خاض في المستنقع؟» ~~«عثروا ms233 على ملابسه على قضبان السكك الحديدية، وهذا ما قالوه، إنه خاض في ~~المستنقع.» ~~«وما الذي يدفعه للخوض في المستنقع عاريا؟» # فكر ألبرت لبضع دقائق ثم قال: «ربما أراد أن يعيش لحظات مثيرة.» ~~«وهل ترك حذاءه أيضا؟» ~~«أعتقد ذلك.» # قالت ملدريد سريعا: «ربما انتحر، هل بحثوا عن جثته؟» ~~«بحثوا بالفعل.» ~~«أو ربما قتل. هل كان لديه أعداء؟ هل كان متورطا في خطب ما؟ ربما كان مدينا أو ~~متورطا في مشكلة لها علاقة بفتاة.» # قال ألبرت: «لا.» ~~«هل عثروا على أي أثر له؟» ~~«لا.» ~~«هل كان هناك أي شخص مشتبه به بالجوار آنذاك؟» ~~«لا.» # قالت ملدريد: «لا بد أن هناك تفسيرا منطقيا، فإذا لم يمت المرء، فلا بد أنه يواصل ~~حياته في مكان ما.» # أخرج ألبرت الهامبرجر بشوكته خارج الشطيرة ووضعه على صحنه، حيث بادر بتقطيعه إلى أجزاء ~~صغيرة. فلم يكن قد تناول أي شيء بعد. ~~«ظن الناس أنه كان يعيش في المستنقع.» # قال ولفريد: «كان عليهم البحث في المستنقع إذن.» ~~«خاضوا المستنقع من الجانبين، وقالوا إنهم سيلتقون في المنتصف، لكنهم لم يلتقوا.» # سألت ملدريد: «لماذا؟» ~~«لا يمكنك الخوض في هذا المستنقع هكذا ببساطة، لم يكن ذلك ممكنا آنذاك.» # سأل ولفريد بإصرار: «هل حسبوا أنه هناك إذن؟ هل هذا ما حسبوه؟» # قال ألبرت على مضض: «أغلبهم.» فبدا الازدراء والدهشة على وجه ولفريد. ~~«علام كان يقتات؟» # وضع ألبرت سكينه وشوكته وقال بكآبة: «اللحم.» # وفجأة، بعد أن كانت ملدريد تشعر بالحر الشديد، شعرت بقشعريرة في ذراعيها. # سألت بنبرة أكثر إذعانا واستغراقا في التفكير من ذي قبل: «ألم يره أحد قط؟» ~~«زعم اثنان ذلك.» ~~«من هما؟» ~~«أحدهما امرأة كانت في الخمسين من عمرها عندما عرفتها، وكانت فتاة صغيرة عندما رأته. رأته ~~عندما عادت لتجلب البقر، رأت شخصا طويل القامة أبيض البشرة يجري وراء الأشجار.» # سأل ولفريد: «أكانت قريبة بالقدر الكافي لتميز إن كان رجلا أم امراة؟» # أخذ ألبرت سؤاله على محمل الجد. ~~«لا أدري كم كانت قريبة.» # قالت ملدريد: «هذه أحدهما، من كان الآخر؟» ~~«كان ms234 صبيا يصطاد، وكان هذا بعدها بسنوات. نظر لأعلى فوجد رجلا أبيض البشرة يراقبه من ~~الضفة الأخرى، فحسب أنه رأى شبحا.» # سأل ولفريد: «هل هذا كل شيء؟ لم يكتشفوا ما حدث قط؟» ~~«نعم.» # قالت ملدريد: «أعتقد أنه ميت الآن على أية حال.» # فقال ألبرت: «مات منذ زمن بعيد.» # حدثت ملدريد نفسها أنه لو كان ولفريد هو الذي يقص هذه القصة، لاتخذت القصة مسارا ~~آخر، ولوضع لها ولفريد نهاية بشكل أو بآخر. كان ليزعم أن لويد سالوز عاود الظهور عاريا ~~كيوم ولدته أمه مطالبا برهانه، أو أنه عاد في حلة مليونير بعد أن خدع بعض رجال العصابات ~~الذين سلبوه أمواله. في قصص ولفريد، تأكد أن الأجزاء الكئيبة السوداوية ستفسح المجال ~~لشيء أفضل، وإذا أتى أحدهم سلوكا بعينه، فثمة تفسير واضح لسلوكه دائما. وإذا كان ~~ولفريد إحدى شخصيات قصصه، وهو ما يحدث عادة، فلا بد أن يكون الحظ حليفه دائما بشكل أو ~~بآخر؛ فيفوز بوجبة شهية أو زجاجة ويسكي أو مبلغ من المال، ولكن لا الحظ ولا المال كان لهما ~~دور في هذه القصة، فتساءلت لم قص عليهم ألبرت هذه القصة، ومغزاها بالنسبة له. ~~«ما الذي جعلك تتذكر هذه القصة يا ألبرت؟» # فور أن طرحت سؤالها، أدركت أنها ما كان ينبغي أن تتكلم؛ فلم يكن الأمر يعنيها. # قالت: «أرى أن لديهم فطائر التفاح أو الزبيب.» # قال ولفريد بصوت أجش: «لا توجد فطائر تفاح أو زبيب في مستنقع هوليت ذاك! أنا سأتناول ~~فطيرة تفاح.» # التقط ألبرت قطعة من الهامبرجر البارد ثم وضعها تارة أخرى وقال: «هذه ليست قصة، بل حدث ~~حقيقي.» ~~••• # أزالت ملدريد أغطية وفرش السرير الذي نام عليه الزائرون، ولم تفرش غيرها. واستلقت إلى ~~جوار ولفريد في ليلتهما الأولى بمفردهما. # قبل أن تخلد إلى النوم، قالت لولفريد: «ما من شخص عاقل يذهب ليعيش في مستنقع.» # قال ولفريد: «إذا أردت العيش في مكان كهذا، فإن أفضل خيار سيكون الغابة حيث لن تجدي ~~مشكلة في إشعال النار إن شئت.» # يبدو أنه استعاد روح دعابته، لكن ms235 بكاءه أيقظها ليلا، لم تصب بالدهشة لأنها رأته وهو ~~يبكي من قبل، عادة ليلا. كان من الصعب أن يجزم أحد بكيفية معرفتها ببكائه؛ فهو لم يكن ~~يحدث أي ضجة، ولم يكن يتحرك. لعل هذا نفسه هو الشيء غير المألوف، فقد كانت تعرف أنه ~~مستلق إلى جوارها على ظهره وعيناه مغرورقتان بالدموع التي تبلل وجهه. ~~«ولفريد؟» # فيما سبق، عندما كان يوافق على إطلاعها على سبب بكائه، كان السبب يبدو عجيبا جدا ~~بالنسبة لها، يبدو سببا ارتجله في لحظتها، أو مجرد سبب لا يمت إلا بصلة ضعيفة للسبب ~~الحقيقي، أو لعل هذا هو أقصى ما يستطيع التعبير عنه. ~~«ولفريد.» ~~«من المرجح أنني وألبرت لن نلتقي مرة أخرى أبدا.» قالها ولفريد بصوت عال دون أن تدمع ~~عيناه، ودون أن يشي صوته بالرضى أو الندم. # قالت ملدريد: «ما لم نذهب إلى ساسكاتشوان.» وكانا بالفعل قد تلقيا دعوة لزيارة ~~ساسكاتشوان، ولكنها ظنت آن ذاك أن احتمال ذهابها إلى تلك المدينة يساوي بالضبط احتمال ~~ذهابها إلى سيبيريا. # أضافت ملدريد: «يوما ما.» # قال ولفريد: «نعم، ربما يوما ما.» التقط نفسا طويلا وبصوت عال بدا علامة على ~~الرضى، «لكنه ليس الأسبوع القادم.» # | أقمار المشتري # عثرت على أبي في قسم القلب بالطابق الثامن من مستشفى تورونتو العام. كان في غرفة مزدوجة، ~~وكان السرير الآخر خاليا. وقال لي أبي سابقا إن تأمينه الصحي لا يغطي سوى سرير في العنبر، ~~وكان قلقا من أن يضطر إلى دفع مصاريف إضافية. # قال: «لم أطلب غرفة مزدوجة قط.» # قلت إن العنابر على الأرجح ممتلئة عن آخرها. ~~«لا، فقد رأيت بعض الأسرة الشاغرة بينما كانوا يسوقون كرسيي المتحرك ليجيئوا بي إلى ~~هنا.» # قلت: «ربما السبب إذن هو ضرورة إيصالك بهذا الجهاز. لا تقلق. إذا كانت هناك أية تكاليف ~~إضافية، فسيقولون لك.» # قال: «هذا صحيح على الأرجح. ما كانوا ليضعوا هذه الأجهزة في العنابر. أعتقد أن تأميني ~~يغطي استخدام هذه الأجهزة.» # قلت إنني على يقين أنه كذلك. # كانت ثمة أسلاك ملصقة بصدره، وشاشة صغيرة معلقة فوق ms236 رأسه. وعلى الشاشة خط متعرج لامع ~~يسير باستمرار. ويصاحب ظهوره إشارة صوتية مثيرة للأعصاب. كان أداء قلبه معروضا على الشاشة. ~~حاولت أن أتجاهله. بدا لي أن التركيز الشديد فيه - بل والمبالغة في الانتباه إلى ما يفترض ~~أن يكون نشاطا سريا جدا - يجلب الكثير من المتاعب. فأي شيء معروض على هذا النحو عرضة ~~لأن يزداد نشاطه وتسوء حالته. # لكن أبي لم ينتبه. قال إنهم أعطوه مهدئات؛ حبوب السعادة. فبدا هادئا ومتفائلا. # كان الأمر مختلفا تماما البارحة. عندما أودعه المستشفى في غرفة الطوارئ، كان شاحب اللون ~~مطبق الفم. فتح باب السيارة، ووقف وقال بهدوء: «ربما كان من الأفضل أن تحضري لي كرسيا ~~متحركا.» تكلم بالنبرة نفسها التي يتكلم بها وقت الأزمات. ذات مرة، اندلعت النيران في ~~مدخنتنا. كانت ظهيرة يوم أحد، وكنت في غرفة الطعام أحيك ثوبا. دخل وقال بنبرته التحذيرية ~~الواقعية نفسها: «جانيت، هل تعلمين أين أجد بعضا من مسحوق الخبيز؟» كان يريد أن يلقي به ~~على النار. وبعدها قال: «أعتقد أنك السبب - لأنك عكفت على الحياكة يوم الأحد.» (ثمة ~~أسطورة مسيحية تقول إن الحياكة يوم الأحد تجلب الحظ السيئ.) # اضطررت للانتظار لأكثر من ساعة في غرفة انتظار الطوارئ. استدعوا إخصائي قلب من نفس ~~المستشفى، وكان شابا في مقتبل العمر. استدعاني إلى الردهة، وشرح لي أن أداء أحد صمامات ~~القلب سيئ للغاية، والحالة تستدعي إجراء جراحة فورية. # سألته عما يمكن أن يحدث إن لم تجر الجراحة. # قال الطبيب: «سيتحتم عليه أن يلزم الفراش.» ~~«إلى متى؟» ~~«ربما لثلاثة أشهر.» ~~«أعني إلى متى سيعيش؟» # قال الطبيب: «هذا ما أعنيه أيضا.» # ذهبت لرؤية أبي. كان جالسا في سريره في زاوية معزولة بستارة. قال: «الحالة مستعصية، أليس ~~كذلك؟ هل حدثك عن الصمام؟» # قلت: «ليست مستعصية تماما.» ثم كررت على مسامعه أي شيء يبعث على الأمل قاله الطبيب، بل ~~وبالغت فيه، «لست في حالة حرجة حاليا. وبخلاف القلب، حالتك البدنية جيدة.» # قال أبي بكآبة: «بخلاف القلب.» # كنت متعبة من القيادة؛ إذ اضطررت إلى الذهاب لداجليش لأخذه ms237 من هناك، ثم عدت مرة أخرى ~~إلى تورونتو منذ الظهيرة. كما كنت قلقة بشأن إعادة السيارة المستأجرة في الوقت المحدد، ~~ومنزعجة بسبب ما قرأته في مقال طالعته في مجلة بغرفة الانتظار. كان المقال عن كاتبة أخرى، ~~امرأة أصغر وأجمل مني، وربما أكثر موهبة أيضا. كنت في زيارة إلى إنجلترا لمدة شهرين؛ ولذا ~~لم أر هذا المقال من قبل، لكن خطر لي أثناء القراءة أن يكون أبي قد طالعه. أستطيع أن أسمع ~~صوته وهو يقول إنه لم يجد لي أي ذكر في مجلة ماكلينز. وإذا كان قد طالع شيئا عني لقال إنه ~~لم يركز في المقال، ولكانت نبرة صوته مازحة متسامحة، ومع ذلك كان يثير بداخلي إحساسا ~~مألوفا بالغربة والوحشة. كانت الرسالة التي تصلني منه بسيطة: الشهرة لا تتأتى إلا ~~بالكفاح، وعندما تنالها يجب أن تعتذر عنها. وسواء نلتها أو لم تنلها، لن تفلت من لوم ~~اللائمين. # لم يفاجئني تشخيص الطبيب. كنت على أهبة الاستعداد لسماع أخبار مثيلة، وشعرت بالرضى عن ~~نفسي؛ إذ تعاملت مع الموقف بهدوء، تماما كما كنت سأشعر بالرضى عن نفسي لتضميد جرح أو ~~التطلع من شرفة آيلة للسقوط في بناية عالية. حدثت نفسي بأن الأوان قد آن؛ لا بد أن يحدث ~~شيء ما. ها هو ذا، لم يراودني أي شعور بالاعتراض أو الرفض الذي كان يراودني منذ عشرين ~~عاما، بل منذ عشرة أعوام. وعندما رأيت في ملامح أبي شعوره بالاعتراض على ما جرى له - شعور ~~بالرفض ملأ قلبه وكأنه أصغر بثلاثين أو أربعين عاما - قسا قلبي وحدثته بانشراحة صدر ملحة ~~ومزعجة، قلت: «بخلاف ذلك الاحتمالات كثيرة.» ~~••• # في اليوم التالي عاد إلى طبيعته مرة أخرى. # قال أبي ما كنت سأقوله له تماما. قال إنه يرى أن الطبيب الشاب ربما كان متحمسا أكثر من ~~اللازم لإجراء العملية. وأضاف أنه «سعيد بمشرط الجراحة.» كان ساخرا ومتباهيا بالألفاظ ~~الشائع استخدامها في المستشفى. قال إن طبيبا آخر فحصه، طبيبا أكبر سنا، وقرر أن الراحة ~~والعلاج سيؤديان الغرض. # لم أسأله عن التفاصيل. ~~«قال ms238 إن لدي صماما معيبا، حسنا، لا شك أن هذه مشكلة. أرادوا أن يعرفوا إذا كنت قد ~~عانيت من حمى روماتيزمية في طفولتي، فقلت إني لا أعتقد ذلك. لكن آنذاك لم يكن الأطباء ~~يشخصون ما يعانيه المرضى في معظم الوقت. كما أن والدي لم يكن ممن يستعينون ~~بالأطباء.» # جعلني التفكير في طفولة أبي التي تخيلتها دوما بائسة ~~وخطيرة - المزرعة المعدمة والأخوات المذعورات ~~والأب القاسي - أقل استسلاما لموته. تخيلته هاربا للعمل على قوارب البحيرة، تخيلته يعدو ~~بطول شريط السكك الحديدية، وباتجاه جودريتش في ضوء القمر. اعتاد أن يحكي عن هذه الرحلة. في ~~مكان ما على طول السكك الحديدية عثر على شجرة سفرجل. أشجار السفرجل نادرة في البقعة التي ~~نعيش فيها من الريف؛ الواقع أنني لم أر واحدة قط. ولا حتى تلك التي عثر عليها أبي، مع أنه ~~اصطحبنا يوما في رحلة استكشافية للبحث عنها. ظن أنه يعرف تقاطع الطرق الذي كانت قريبة منه، ~~لكننا لم نستطع العثور عليها. لم يستطع وقتئذ تناول ثمار الشجرة بالطبع، لكنه انبهر ~~بفكرة وجودها؛ فقد جعلته يشعر وكأنه وصل إلى جزء جديد من العالم. # ذلك الطفل الذي فر من بيته، الذي نجا من المخاطر وظل على قيد الحياة، أضحى اليوم عجوزا ~~محجوزا هنا بسبب قلبه الواهن. لم أتابع هذه الأفكار. لم أعبأ بالتفكير في شخصياته وهو أصغر ~~سنا. حتى جذعه العاري الأبيض الممتلئ - كان يتمتع بجسم عمال جيله الذين نادرا ما ~~يتعرضون للشمس - كان خطرا علي؛ بدا قويا جدا ومفعما بالشباب. العنق المجعد، والنمش ~~الذي يغطي يديه وذراعيه، ورأسه الصغير اللطيف بشعره الخفيف وشاربه الرمادي، كانت تلك هي ~~الأشياء التي اعتدت عليها. # سألني أبي بعقلانية: «ما الذي يدفعني إلى الخضوع لعملية جراحية إذن؟ فكري في الخطر ~~الذي تنطوي عليه العملية لمن هم في مثل سني، ومن أجل ماذا؟ بضع سنوات خارج المستشفى. أعتقد ~~أن الخيار الأفضل بالنسبة لي أن أعود إلى البيت ولا أشق على نفسي. أستسلم بهدوء. هذا كل ما ~~يستطيع من هم في عمري القيام ms239 به. موقف الإنسان يتغير حسب عمره كما تعرفين. تطرأ على المرء ~~بعض التغييرات النفسية. ويبدو ذلك الشيء طبيعيا بقدر أكبر.» # سألته: «أي شيء تقصد؟» ~~«الموت. لا شيء أكثر طبيعية من الموت. لا، ما أعنيه تحديدا هو أنني لن أخضع ~~للعملية.» ~~«أيبدو لك هذا قرارا طبيعيا؟» ~~«نعم.» # قلت: «الأمر يرجع إليك.» ولكنني كنت أوافقه الرأي تماما. هذا ما كان يجب أن أتوقعه منه. ~~كلما حدثت الناس عن أبي، أكدت على استقلاله واعتماده على نفسه وصبره. لقد عمل في أحد ~~المصانع، وتعهد حديقته بالرعاية، وقرأ كتب التاريخ. يمكنه أن يقص عليك قصص الأباطرة الرومان ~~أو حروب البلقان. لم يحدث جلبة في حياته. ~~••• # استقبلتني جوديث - ابنتي الصغرى - في مطار تورونتو منذ يومين. وكان بصحبتها الفتى الذي ~~تعيش معه؛ اسمه دون. كانا يعتزمان الرحيل إلى المكسيك في صباح اليوم التالي، وكان المخطط أن ~~أنزل ضيفة على شقتهما طوال إقامتي في تورونتو. في الوقت الراهن، أعيش في فانكوفر. وأحيانا ~~أقول إن محل إقامتي في فانكوفر. # سألتها: «أين نيكولا؟» وخطر على بالي في نفس اللحظة تعرضها لحادث أو جرعة مخدرات زائدة. ~~نيكولا ابنتي الكبرى. كانت طالبة بمعهد الموسيقى، ثم صارت نادلة، ثم أمست عاطلة عن العمل. ~~لو كانت استقبلتني بالمطار، لربما تفوهت بما يسيء إليها. لربما سألتها عن خططها، وحينها ~~كانت ستزيح شعرها للوراء بأناقة وتقول: «خطط؟» - وكأنها كلمة من اختراعي. # ردت جوديث: «كنت أعلم أن أول ما ستتكلمين عنه هو نيكولا.» ~~«غير صحيح. قلت مرحبا وأنا ...» # قال دون محايدا: «سنحضر حقيبتك.» ~~«أهي بخير؟» # أجابت جوديث بمرح مصطنع: «أنا متأكدة أنها بخير. لو كنت أنا التي لم تأت لاستقبالك لما ~~بدوت قلقة هكذا.» ~~«بالطبع كنت سأقلق.» ~~«غير صحيح. نيكولا هي الطفلة المدللة للعائلة. إنها أكبر مني بأربع سنوات، كما ~~تعلمين.» ~~«من المفترض أن أعلم.» # قالت جوديث إنها لا تعرف مكان نيكولا تحديدا. وأضافت أن نيكولا تركت شقتها (مقلب القمامة ~~هذا!) واتصلت هاتفيا بها (وهو حدث جلل أن تتصل نيكولا) لتقول إنها أرادت أن تعيش في عزلة ms240 ~~عن الناس لفترة من الوقت، ولكنها بخير. # قالت جوديث بلطف أكبر ونحن في الطريق إلى شاحنتهم: «قلت لها إنك ستقلقين عليها.» ~~تقدمنا دون حاملا حقيبتي. واستطردت قائلة: «لكن لا تقلقي. صدقيني، هي بخير.» # لم يرحني حضور دون؛ لم أكن أحب أن يسمع هذه الأشياء. تخيلت الحوارات التي لا بد أنها ~~دارت بين جوديث ودون، أو بين دون وجوديث ونيكولا - لأن نيكولا وجوديث كانتا على علاقة طيبة ~~في بعض الأحيان - أو بين دون وجوديث ونيكولا وغيرهم ممن لا أعرف حتى أسماءهم. لا بد أنهم ~~تحدثوا عني. لا بد أن جوديث ونيكولا كانتا تتبادلان الملاحظات، وتقصان الحكايات؛ تحللان، ~~وتأسفان، وتلومان، وتسامحان. ليتني أنجبت صبيا وفتاة، أو صبيين؛ لم يكونا ليفعلا ذلك؛ فمن ~~المستحيل أن يعرف الصبية الكثير عن أمهم. # كنت أتصرف على النحو نفسه عندما كنت في سنهما؛ ففي سن جوديث، كنت أتحدث مع أصدقائي في ~~مطعم الجامعة، وفي وقت متأخر من الليل ونحن نحتسي القهوة في غرفنا الرثة. بينما عندما كنت ~~في عمر نيكولا، كانت نيكولا نفسها في سلة حمل الأطفال أو تتحرك في حجري، وكنت أحتسي القهوة ~~أيضا طوال فترات العصاري المطيرة في فانكوفر برفقة صديقتي الوحيدة في الحي روث بودرو، التي ~~كانت تعشق القراءة وتشعر بالارتباك كلما فكرت في حالها كما كنت أرتبك أنا شخصيا. كنا ~~نتحدث عن أبوينا وطفولتنا، رغم أننا كنا في بعض الأحيان نعمد إلى تجنب الحديث عن زيجاتنا. ~~كم كنا نسترسل في الحديث عن آبائنا وأمهاتنا، ونستنكر زيجاتهم، وطموحاتهم الخاطئة أو خوفهم ~~من الطموح! وكم أهملناهم ونجحنا في إقصائهم عن حياتنا، وقررنا عدم قدرتهم على التغيير! يا ~~للتبجح! # نظرت إلى دون وهو يمشي أمامي. كان فتى طويل القامة تبدو عليه الجدية والبساطة، ذا شعر ~~أسود ثقيل، ولحية منمقة بدقة. بأي حق يسمع عني ويعرف تفاصيل حياتي التي ربما أكون قد نسيتها ~~شخصيا؟ بدت لي لحيته وقصة شعره متكلفتين. # ذات مرة، عندما كان أبنائي صغارا، قال لي أبي: «أتعرفين تلك السنوات التي كبرت خلالها ... ~~حسنا، لقد ms241 أمست ذكرى ضبابية بالنسبة لي. لا يسعني أن أميز بين سنة وأخرى من هذه الفترة.» ~~شعرت وقتها بالاستياء. وتذكرت كل سنة منها بأسى ووضوح. كان بإمكاني أن أحزر كم كان عمري ~~عندما كنت أذهب لمشاهدة فساتين السهرة في نافذة عرض محلات بينبو لملابس السيدات. كل أسبوع ~~خلال الشتاء، كان يعرض فستان جديد في نافذة العرض وتسلط عليه الأضواء - هذا بترتر ~~ومصنوع من قماش التل، وهذا وردي، وهذا أرجواني فاتح، وهذا أزرق غامق، وهذا أصفر - وأنا ~~أقف متعبدة محرومة يقرصني البرد على الرصيف الموحل. كان بالإمكان أن أحزر كم كان عمري عندما ~~زورت توقيع أمي على تقرير مدرسي متدني الدرجات، وعندما أصبت بالحصبة، وعندما قمنا ~~بتجهيز الغرفة الأمامية. لكن السنوات التي كانت جوديث ونيكولا فيها صغيرتين - عندما كنت ~~أعيش مع أبيهما - أمست ضبابية، نعم، ضبابية هي أفضل صفة تصف تلك الفترة. أتذكر أنني كنت ~~أجفف الحفاظات على حبال الغسيل، وأعود لأجمعها وأطويها؛ ويمكنني أن أتذكر طاولة المطبخ ~~في منزلين أقمنا بهما، ومكان سلة الملابس. أتذكر البرامج التليفزيونية - باباي رجل البحار، ~~والمهرجون الثلاثة وفانوراما. وعندما كان برنامج فانوراما يعرض، يحين وقت إضاءة الأنوار ~~وإعداد طعام العشاء. لكنني عجزت عن التمييز بين الأعوام. عشنا خارج مدينة فانكوفر في مدينة ~~سكنية للمغتربين تدعى دورمير، أو دورمر أو دورماوس - شيء من هذا القبيل. كنت أنام كثيرا ~~حينئذ؛ الحمل جعلني ناعسة طوال الوقت؛ وكذلك الرضاعة الليلية، وهطول الأمطار على الساحل ~~الغربي. أتذكر أشجار الأرز التي يقطر ماء المطر من فوقها، ونبات الغار اللامع بقطرات ~~المياه؛ تثاؤب الزوجات وغلبة النوم عليهن، والزيارات واحتساء القهوة وطي الحفاظات؛ ~~الأزواج الذين يرجعون إلى بيوتهم ليلا من المدينة الواقعة على الضفة الأخرى. كل ليلة كنت ~~أقبل زوجي لدى عودته إلى البيت في معطفه المبلل، وآمل أن يوقظني من النوم؛ كنت أعد له ~~اللحم والبطاطس ونوعا من الخضراوات الأربع التي يسمح لي بطهيها. كان يتناول طعامه بشراهة ~~مهولة، ويغلبه النعاس على أريكة غرفة المعيشة. أمسينا زوجين كالأزواج في أفلام الكرتون؛ ~~كأننا في ms242 منتصف العمر وما زلنا في العشرينيات. # هذه السنوات المتخبطة هي التي ستذكرها طفلتانا طوال حياتهما. زوايا الأفنية التي لعبتا ~~فيها ولم أزرها قط هي ما ستلتصق بذاكرتهما. # سألت جوديث: «ألم ترغب نيكولا في رؤيتي؟» # أجابت جوديث: «لا تريد أن ترى أحدا معظم الوقت.» تقدمت جوديث إلى الأمام ولمست ذراع دون. ~~كنت أعرف مغزى هذه اللمسة - كانت اعتذارا، وسيلة قلقة لطمأنته. فالمرأة حينما تلمس رجلا ~~بهذه الطريقة فهي تفعل ذلك لتذكره بامتنانها له، وبإدراكها أنه يقوم لأجلها بشيء ممل ~~بالنسبة له أو يهدد كرامته بعض الشيء. أشعرتني طريقة لمس ابنتي لرجل - بل صبي - بهذه ~~الطريقة بالهرم أكثر مما لو كان عندي أحفاد. شعرت بتوترها المشوب بالحزن، وكنت قادرة على ~~توقع لفتاتها الملطفة. طفلتي الشقراء الصريحة قصيرة القامة ممتلئة القوام. لم ينبغي ~~أن أظن أن مشاعرها لن تتحرك لأحد، وأنها ستظل دائما صريحة وخرقاء ومستقلة؟ بالضبط كما أزعم ~~أن نيكولا ماكرة ومنعزلة وباردة ومغرية. لا بد أن كثيرا من الناس يعرفون أشياء تناقض ~~مزاعمي. # في الصباح، غادر دون وجوديث إلى المكسيك. وقررت أني أريد رؤية شخص خارج نطاق أقاربي، شخص ~~لم يكن يتوقع مني أي شيء تحديدا. اتصلت بعشيق سابق لي، لكنني تلقيت رسالة على المجيب ~~الآلي: «توم شيبارد يتحدث. سأكون خارج المدينة خلال شهر سبتمبر. برجاء تسجيل رسالتك واسمك ~~ورقم هاتفك.» # بدا صوت توم مبهجا ومألوفا جدا لدرجة أنني كدت أفتح فمي لأسأله عن مغزى رسالته ~~الحمقاء هذه، لكنني وضعت سماعة الهاتف. شعرت وكأنه فعل ذلك عن عمد ليخيب ظني، وكأننا خططنا ~~للقاء في مكان عام، فلم يحضر. أذكر أنه فعلها ذات مرة. # أعددت لنفسي كأسا من الفيرموت، مع أن الوقت لم يتجاوز الظهيرة بعد، واتصلت بأبي. # قال: «حسنا، أهم شيء أنك لو تأخرت 15 دقيقة أخرى عن الاتصال، لما لحقت بي.» ~~«هل كنت ستذهب إلى وسط البلد؟» ~~«وسط تورونتو.» # قال إنه ذاهب إلى المستشفى؛ فقد أراد طبيبه في داجليش أن يفحصه الأطباء في تورونتو، ~~وأعطاه خطابا لعرضه عليهم في غرفة ms243 الطوارئ. # سألته: «غرفة الطوارئ؟» ~~«الأمر ليس طارئا. يبدو أنه يعتقد أن هذه هي الطريقة المثلى للتعامل مع الأمر. يعرف اسم ~~زميل له هناك. ولو كان سيحدد لي موعدا، لاستغرق الأمر أسابيع طويلة.» # سألته: «هل طبيبك على علم بأنك ستقود سيارتك حتى تورونتو؟» ~~«حسنا، لم يقل إنني لا أستطيع.» # كانت محصلة هذا الحوار أنني استأجرت سيارة، وقدتها إلى داجليش، ورجعت بأبي إلى تورونتو، ~~وأودعته غرفة الطوارئ في السابعة من مساء ذلك اليوم. # قبل رحيل جوديث قلت لها: «هل أنت متأكدة أن نيكولا تعرف أنني مقيمة هنا؟» # قالت: «نعم، لقد أخبرتها.» # كان الهاتف يرن بين الفينة والأخرى، لكن المتصل دائما يكون صديقا لجوديث. ~~••• # قال أبي: «يبدو أنني سأخضع للعملية.» كان هذا في اليوم الرابع من إقامته بالمستشفى. كان ~~قد غير رأيه تماما بين ليلة وضحاها. «يبدو أن من الأفضل أن أخضع لها.» # لم أعرف ماذا كان يريدني أن أقول. حسبت أنه ربما كان ينتظر مني اعتراضا أو محاولة ~~لإقناعه بالعدول عن الجراحة. # سألته: «متى سيجرونها؟» ~~«بعد غد.» # قلت إنني ذاهبة إلى الحمام. فقصدت غرفة الممرضات، وهناك وجدت امرأة ظننت أنها رئيسة ~~التمريض. على أية حال، كانت ذات شعر رمادي لطيفة وتبدو عليها الجدية. # قلت لها: «أبي سيخضع لعملية جراحية بعد غد.» ~~«أوه، نعم.» ~~«أردت فقط أن أتحدث مع أحد بشأنه. ظننت أن الأطباء قرروا أنه من الأفضل ألا يخضع للعملية. ~~وأعتقد أن السبب أنه طاعن في السن.» ~~«حسنا، القرار قراره وقرار الطبيب.» ثم ابتسمت لي دون تعال. «من الصعب اتخاذ هذه ~~القرارات.» ~~«كيف كانت نتائج فحوصاته؟» ~~«حسنا، لم أطلع على جميع فحوصاته.» # كنت متأكدة أنها اطلعت عليها. بعد لحظة قالت: «يجب أن نكون واقعيين. لكن الأطباء هنا ~~بارعون جدا.» # عندما عدت إلى الغرفة، قال أبي بصوت مندهش: «بحار بلا شطآن.» # سألته: «ماذا؟» تساءلت ما إذا كان قد اكتشف الوقت المتبقي له في الحياة، أو كم أن الوقت ~~المتبقي له محدود. تساءلت ما إذا كانت الأقراص التي يتعاطاها قد أدخلته في حالة من ms244 النشوة ~~المفرطة، أم أنه أراد المقامرة. ذات مرة، بينما كان يتكلم معي عن حياته، قال: «مشكلتي أنني ~~كنت دوما أخشى المخاطرة.» # كنت أقول للناس دوما إنه لم يتكلم عن حياته نادما قط، لكن هذا لم يكن صحيحا. كل ما في ~~الأمر أنني لم أكن أنصت إليه. قال إنه كان ينبغي أن يعمل موردا للجيش - كانت حالته ~~المادية ستتحسن. وقال إنه كان ينبغي أن يزاول مهنة النجارة مستقلا بعد الحرب. وكان ينبغي ~~أن يغادر مدينة داجليش. ذات مرة قال: «حياة ضائعة، أليس كذلك؟» لكنه كان يسخر من نفسه، ~~قائلا إن مثل هذه العبارة درامية للغاية. وكان كلما يقتبس شعرا، أستشعر دوما نبرة ساخرة ~~في صوته، وكأنها اعتذار عن استعراض معرفته الشعر واعتذار عن الترفيه عن نفسه. # قال مجددا: «بحار بلا شطآن.» واستطرد: ««وراءه تقبع جزر الأزور الرمادية، خلف بوابات ~~هرقل؛ أمامه ما من سراب للشطآن، أمامه بحار بلا شطآن.» هذا ما كان يدور بخلدي ليلة أمس. ~~ولكن، هل تعتقدين أني استطعت تذكر نوع البحار؟ لم أستطع. أكانت بحارا موحشة؟ بحارا ~~خاوية؟ كنت على وشك أن أتذكرها، لكنني لم أستطع. ولكن الآن عندما دلفت إلى الغرفة، ولم ~~أكن أفكر فيها مطلقا، خطرت لي الكلمة فجأة. هذا ما يحدث دائما، أليس كذلك؟ الأمر ليس ~~مفاجئا؛ فأنا أطرح على عقلي سؤالا. وتكون الإجابة حاضرة، لكنني لا أستطيع أن أرى العلاقات ~~التي يصنعها عقلي للوصول إليها. شأنه شأن الحاسب الآلي، لا يوجد شيء فيه يتعذر إيجاده. ~~أتعرفين، في حالتي هذه، لو كان هناك أي شيء لا يمكنني تفسيره مباشرة، فثمة دافع قوي ~~بداخلي يجعلني ... حسنا يجعلني أحوله إلى لغز. ثمة دافع قوي يجعلني أومن ب ... أنت ~~تعرفين قصدي.» # سألته برفق وفي داخلي شعور هائل بالحب والتقدير: «بالروح؟» ~~«أوه، أعتقد أنه يمكنك إطلاق اسم الروح عليه. أتعرفين، عندما دخلت الغرفة أول مرة، كانت ~~هناك كومة من الأوراق إلى جوار السرير. أحدهم تركها هنا - تلك الصحف الصفراء التي لم أعبأ ~~يوما بتصفحها. وشرعت في قراءتها. سأقرأ أي ms245 شيء يقع تحت يدي. ثمة سلسلة منشورة في ~~تلك الصحيفة عن تجارب شخصية لأناس ماتوا من وجهة النظر ~~الطبية - معظمهم أصيبوا بأزمات قلبية - ثم عادوا ~~للحياة مرة أخرى. يروون ذكرياتهم عن الفترة التي فارقوا فيها الحياة. تجاربهم.» # سألته: «وهل كانت ذكريات سعيدة أم لا؟» ~~«أوه، سعيدة. كانت أرواحهم تصعد إلى سقف الغرفة ليتطلعوا إلى أجسادهم من عل والأطباء ~~يعالجونهم. وبعدها يصعدون لأعلى، ويتعرفون على بعض الأشخاص الذين فارقوا الحياة قبلهم. لا ~~يرونهم تحديدا، لكن يستشعرون وجودهم. تارة على هيئة طنين، وتارة أخرى على هيئة ... ما اسم ~~هذا الضوء أو اللون الذي يحيط بالإنسان؟» ~~«هالة؟» ~~«بالضبط، ولكن دون أن يكون للشخص نفسه وجود. هذا كل ما يرونه؛ وبعدها يرجعون إلى ~~أجسادهم، ويشعرون بالآلام البشرية كلها ... يرجعون إلى الحياة.» ~~«هل بدا كلامهم مقنعا؟» ~~«أوه، لا أعرف. الأمر يرتهن بما إذا كنت تودين تصديق مثل هذه الأشياء أم لا. وإذا ~~كنت ستصدقينها، وتأخذينها على محمل الجد، أعتقد أنك يجب أن تتعاملي مع كل ما ينشر في هذه ~~الصحف بجدية أيضا.» ~~«ماذا فيها خلاف ذلك؟» ~~«هراء ... علاجات للسرطان والصلع وكلام فارغ عن جيل الشباب والمستفيدين من إعانات الدولة. ~~وأخبار تافهة عن نجوم السينما.» ~~«نعم، أعرف ذلك.» # قال: «من هم في مثل حالتي يجب أن يتوخوا الحذر وأن ينتبهوا جيدا، وإلا فسيخدعون ~~أنفسهم.» ثم قال: «هناك بعض التفاصيل الدقيقة التي ينبغي أن نقف عليها.» وأخبرني عن وصيته ~~والبيت والمقبرة. كان كل شيء بسيطا. # سألته: «هل تريدني أن أتصل ببيجي؟» بيجي أختي، وهي زوجة لفلكي وتعيش في فيكتوريا. # فكر في الأمر، وقال أخيرا: «أعتقد أننا يجب أن نخبرهما. ولكن قولي لهما لا داعي ~~للقلق.» ~~«حسنا.» ~~«لا، تمهلي. من المفترض أن يذهب سام لأحد المؤتمرات نهاية هذا الأسبوع، وبيجي كانت ~~تعتزم مرافقته. لا أريد لهما الحيرة بشأن تغيير خططهما.» ~~«أين سيعقد المؤتمر؟» # قال بفخر: «في أمستردام.» كان فخورا بسام، وحريصا على تتبع كتبه ومقالاته. كان يختار ~~واحدة من مقالاته ويقول بنبرة إعجاب لم تخل من قليل من ms246 السخرية: «هلا تلقين نظرة عليها؟ ~~لا أفهم كلمة واحدة منها!» # كان يقول: «البروفيسور سام، وصغاره الثلاثة.» هكذا كان يشير إلى أحفاده الذين كانوا ~~يشبهون أباهم في ذكائه وفي ثقته المحببة بذاته ... ميله البريء المفعم بالحيوية للاستعراض ~~والتباهي. التحقوا بمدرسة خاصة تميل إلى تطبيق النظام التعليمي القديم، وبدءوا في دراسة ~~التفاضل والتكامل في الصف الخامس. أحيانا ما يسهب أبي في وصفهم مشبها إياهم: «بالكلاب ~~الذين تدربوا على الطاعة. وبيجي ...» # ولكن إذا قلت: «هل تفترض أنها تدربت على الطاعة هي الأخرى؟» كان يكف عن العبث. أتخيل أنه ~~عندما كان بصحبة سام وبيجي، كان يتكلم عني بالأسلوب ذاته، وأنه لمح إلى تقلباتي المزاجية ~~كما لمح إلى جديتهم الزائدة، وأنه ألقى نكاتا عني، ولم يخف دهشته (أو تظاهر بأنه لم ~~يخفها) من أن الناس يدفعون لقاء قراءة ما أكتبه. كان عليه أن يفعل ذلك كي لا يبدو أبدا ~~متباهيا بي، لكنه كان يضع حدا لنفسه كلما أحس أن مزاحه أوشك أن يتجاوز الحد. وبالطبع ~~عثرت لاحقا في البيت على أشياء لي احتفظ بها - بضع مجلات، وقصاصات، وأشياء لم أعبأ بها ~~قط. # والآن، أبحر بأفكاره من عائلة بيجي إلي. سألني: «هل اتصلت بك جوديث؟» ~~«ليس بعد.» ~~«حسنا، لم يمض وقت طويل. هل كانا يعتزمان النوم في الشاحنة؟» ~~«نعم.» ~~«أعتقد أنها آمنة بالقدر الكافي، إذا توقفا في الأماكن المناسبة.» كنت أعرف أنه سيسهب في ~~كلامه هذا، وكنت أعرف أن إسهابه سيميل إلى الهزل. ~~«أعتقد أنهما سيضعان لافتة في منتصف الطريق، شأنهما شأن المستكشفين الأوائل، أليس ~~كذلك؟» # ابتسمت لكنني لم أجبه. ~~«أفهم من ذلك أنك ليس لديك اعتراضات؟» # قلت: «نعم.» ~~«هذا ما آمنت به أنا أيضا؛ ألا أتدخل في شئون أبنائي. حاولت ألا أقول أي شيء. لم أقل ~~شيئا قط عندما هجرت ريتشارد.» ~~«ماذا تعني أنك لم تقل شيئا؟ أتعني أنك لم تنتقدني؟» ~~«لم يكن الأمر يخصني.» ~~«لا.» ~~«لكن هذا لا يعني أنني كنت راضيا عن هذه الخطوة.» # أصابتني الدهشة، لا لما قاله وحسب، ولكن لإحساسه بأن ms247 لديه الحق، حتى في هذه اللحظات، أن ~~يقوله. اضطررت أن أتطلع من النافذة على السيارات المارة حتى أتمالك نفسي. # أضاف قائلا: «أردت أن تعرفي شعوري وحسب.» # منذ فترة طويلة ، قال لي بأسلوبه الرقيق: «أمر عجيب. عندما رأيت ريتشارد لأول مرة ذكرني ~~بما كان أبي يقوله. كان يقول لو كان ذلك الرجل يتمتع بنصف ما يزعم من ذكاء، لكان أذكى مرتين ~~مما هو في واقع الأمر.» # التفت لأذكره بذلك، لكنني وجدت نفسي أتطلع إلى الخط المتعرج على شاشة مراقبة أداء ~~القلب. لم يكن ثمة خطب ما، لم يكن هناك أي اختلاف مثلا في صوت الصفير والنقاط ~~المرسومة. ولكن مجرد وجوده هناك. رأى أبي أين نظرت، فقال: «ميزة غير عادلة.» فقلت: «إنها ~~كذلك. سأضطر إلى أن أوصل جسدي ببعض الأجهزة أنا أيضا.» ضحكنا ثم قبلته بشكل رسمي، ~~وغادرت المكان. حدثت نفسي أنه على الأقل لم يسألني عن نيكولا. ~~••• # لم أذهب إلى المستشفى ظهر اليوم التالي لأن أبي كان سيخضع لبعض الفحوصات استعدادا ~~للعملية الجراحية. كان من المقرر أن أزوره مساء. وجدت نفسي أتجول بين محلات الملابس في ~~شارع بلور وأقيس بعض الثياب. وفجأة طغى علي انشغالي بالموضة وبمظهري الخارجي وغمرني ~~كصداع قاتل. أخذت أتطلع إلى النساء في الشارع والملابس في المحلات في محاولة اكتشاف ما ~~الجديد الذي يمكن أن يطرأ على مظهري وما يمكنني شراؤه. كنت أدرك سبب هذا الهوس المفاجئ، ~~لكنني وجدت صعوبة في التغلب عليه. قال لي بعض الناس إنهم، عندما يكونون في انتظار أنباء ~~متعلقة بحياة أو موت عزيز لديهم، يقفون أمام الثلاجة المفتوحة على مصراعيها ليأكلوا أي شيء ~~أمامهم - بطاطس مسلوقة باردة، أو صلصة حارة، أو علب الكريمة المخفوقة - أو لا يكفون عن حل ~~الكلمات المتقاطعة. في تلك اللحظات، ينصب الانتباه على شيء ما - شيء يشتت التفكير عن ~~الحدث الأصلي - فينشغل الإنسان به تماما، ويمسي جديا للغاية. ظللت أقلب في الملابس ~~المرتبة على الرفوف، وأرتديها داخل غرف تبديل الملابس الحارة الصغيرة أمام المرايا القاسية. ~~كنت أتصبب عرقا؛ ولمرة ms248 أو مرتين أحسست أنني على وشك الإغماء. ولما خرجت إلى الشارع ~~مجددا، جال بخاطري أنني يجب أن أرحل عن شارع بلور، وقررت أن أزور المتحف. # تذكرت فترة أخرى عشتها في فانكوفر. خلال تلك الفترة كانت نيكولا ترتاد الحضانة، بينما ~~كانت جوديث لا تزال رضيعة. اصطحبنا نيكولا إلى الطبيب لأنها كانت مصابة بنزلة برد، أو ربما ~~لإجراء فحص روتيني لها، وكشف تحليل الدم شيئا يتعلق بخلايا الدم البيضاء - إما أن عددها ~~كان أكثر من المعتاد أو أنها كانت متضخمة. طلب الطبيب فحوصات إضافية، فاصطحبت نيكولا إلى ~~المستشفى لإجرائها. لم يذكر أحد أنها ربما تكون مصابة بسرطان الدم، لكنني كنت أعرف بالطبع ~~أن هذا هو ما يبحثون عنه. عندما اصطحبت نيكولا إلى البيت، طلبت من جليسة الأطفال التي كانت ~~ترعى جوديث أن تبقى لفترة الظهيرة، وذهبت للتسوق. اشتريت أجرأ ثوب حظيت به في حياتي؛ ~~ثوبا ضيقا من الحرير الأسود مزينا بتطريز من الأمام. تذكرت ظهر ذاك اليوم الربيعي ~~الجميل، والحذاء ذا الكعب العالي في المتجر، والملابس الداخلية المطبوعة بلون جلد النمر ~~المرقط. # استرجعت ذاكرتي أيضا العودة إلى البيت من مستشفى سانت بول مرورا بجسر لايونز جيت في ~~الحافلة المكتظة، ونيكولا تجلس على ركبتي. فجأة تذكرت نيكولا الاسم الذي كانت تطلقه على ~~الجسر وهي صغيرة وهمست في أذني: «الجسل - على الجسل.» لم أتجنب قط لمس ~~ابنتي - نيكولا كانت نحيلة وجميلة حتى آنذاك، ~~بقوامها البديع وشعرها الأسود الناعم - لكنني أدركت أنني ألمسها بطريقة مختلفة، ولو أنني لم ~~أكن أحسب أن هذا الاختلاف يمكن إدراكه قط. كنت ألمسها وأنا حريصة على ألا أغالي في لمس أي ~~جزء منها. أدركت كيف يمكن استبقاء الحب بأشكاله مع شخص محكوم عليه بالموت، ولكن على أن ~~يمنح الحب بانضباط وبمقدار محدد في واقع الأمر؛ لأنك لا بد وأن تصمد. ويمكن القيام بهذا ~~باحتياط شديد بحيث لا يساور المحبوب أدنى شك، تماما كما لا يساورها شك في حكم الموت ~~المحكوم عليها به. نيكولا لم تعرف، ولم يكن لها أن تعرف. ms249 كانت اللعب والقبلات والنكات ~~تنهال عليها؛ لم يكن لها أن تعرف قط، رغم أني كنت أقلق من أن تشعر بأن ثمة خطبا ما ~~خلال الإجازات المختلقة والأيام العادية المصطنعة . لكن الأمور سارت على ما يرام. لم تكن ~~نيكولا مصابة بسرطان الدم. وكبرت نيكولا ولم تزل على قيد الحياة، وربما كانت سعيدة ومنعزلة ~~عن الآخرين. # لم أستطع أن أفكر في أي شيء في المتحف أردت أن أراه حقا؛ ولذا فقد تجاوزته وقصدت القبة ~~السماوية. لم يسبق لي أن زرت القبة السماوية من قبل. كان من المقرر أن يبدأ العرض في غضون ~~عشر دقائق. دلفت إلى الداخل، واشتريت تذكرة، وانضممت إلى الصف. كان هناك فصل كامل من طلاب ~~المدارس، وربما حتى فصلان، بصحبة المعلمين والأمهات المتطوعات الذين يقودون الأطفال. جلت ~~ببصري لعلي أجد راشدين مستقلين آخرين، فعثرت على شخص واحد فقط؛ رجل أحمر الوجه منتفخ ~~العينين بدا وكأنه بصدد زيارة القبة السماوية ليمنع نفسه من الذهاب إلى الحانة. # في الداخل، جلسنا على مقاعد مريحة بشكل مدهش، ومائلة للخلف بحيث يستلقي عليها الجالس ~~وكأنه على أرجوحة شبكية، وانتباهه منصب على قبة السقف الذي سرعان ما استحال لونه إلى ~~الأزرق الداكن، بينما حدوده محاطة بإضاءة خافتة. انبعث صوت موسيقى رائع وآسر. وطفق الراشدون ~~يسكتون الأطفال في محاولة لإقناعهم بالكف عن طقطقة أكياس شرائح البطاطس المقلية. وبعدها ~~ارتفع صوت رجل من الجدران، صوت معبر ومحترف، يتحدث ببطء وهدوء. ذكرني صوته بعض الشيء ~~بالطريقة التي اعتاد بها مذيعو الراديو التقديم لقطعة موسيقى كلاسيكية، أو وصف تقدم ~~العائلة المالكة إلى كنيسة وستمينستر آبي خلال واحد من احتفالاتهم الملكية. كان هناك تأثير ~~صدى صوت ضعيف. # بدأت النجوم تملأ السقف المظلم. لكنها لم تخرج مرة واحدة، بل نجم تلو الآخر، كما تظهر ~~النجوم حقا في الليل، ولو أنها كانت أسرع بعض الشيء. وظهرت مجرة درب التبانة، وكانت تقترب ~~شيئا فشيئا؛ وسبحت النجوم حتى صارت لامعة مبهرة وشقت طريقها حتى ذوت عند أطراف القبة ~~السماوية أو خلف رأسي. وبينما استمر ms250 تدفق الضوء، عرض صوت المعلق الحقائق المدهشة. قال إنه ~~منذ بضع سنوات ضوئية، ظهرت الشمس كنجم مضيء، ولم يكن للكواكب أثر. وقبل ذلك ببضعة عشرات ~~السنوات الضوئية، لم تكن الشمس مرئية أيضا للعين المجردة. وهذه المسافة - التي تقدر ببضعة ~~عشرات السنوات الضوئية - توازي حوالي جزء من الألف من المسافة الفاصلة بين الشمس ومركز ~~مجرتنا - مجرة واحدة - التي تحتوي بدورها على حوالي مائتي مليار شمس، وهي بدورها واحدة من ~~ملايين، وربما حتى مليارات المجرات. تكرارات لا حصر لها، وتنويعات لا تحصى. كل هذه الأشياء ~~كانت تمر من فوق رأسي أيضا ككرات البرق. # انحسر الواقع الآن، وأفسح المجال لحيلة مألوفة. ثمة نموذج للنظام الشمسي يدور مبتعدا ~~بشكل أنيق. وثمة حشرة مضيئة انطلقت من الأرض باتجاه كوكب المشتري. برمجت عقلي المتملص ~~المتضائل بإصرار على تسجيل الحقائق. يبلغ حجم المشتري مثلين ونصف حجم كل الكواكب مجتمعة. ~~هذه البقعة الحمراء العظيمة. الأقمار الثلاثة عشر. تجاوزنا المشتري، وألقينا نظرة على ~~المدار العجيب لكوكب بلوتو، والحلقات الثلجية لكوكب زحل. ثم عدنا إلى الأرض ومنها إلى ~~كوكب الزهرة الحار المدهش البالغ ضغطه الجوي تسعة أمثال ضغط الأرض الجوي. وها هو عطارد - ~~الكوكب المحروم من الأقمار - يدور ثلاث دورات حول نفسه أثناء دورانه حول الشمس مرتين؛ نسق ~~غريب لا يرضينا بقدر ما يرضينا ما اعتادوا أن يقولوه لنا حين زعموا أنه يدور حول نفسه مرة ~~واحدة فقط أثناء دورانه حول الشمس؛ لا توجد ظلمة أبدية إذن. ما الذي يدعوهم إلى إمدادنا ~~بمثل هذه المعلومات بهذه الثقة، فقط ليعلنوا لنا بعدها أنها عارية تماما من الصحة؟ أخيرا، ~~الصورة المألوفة على صفحات المجلات: تربة المريخ الحمراء والسماء الوردية الزاهية. # عندما انتهى العرض، قبعت في كرسيي بينما مر الأطفال من أمامي دون أن يعلقوا على شيء ~~مما رأوه أو سمعوه توا. كانوا يزعجون المشرفين عليهم طلبا للمأكولات والمزيد من الترفيه. ~~ثمة جهود بذلت من أجل لفت انتباههم وصرفه عن الفشار وشرائح البطاطس المقلية المعلبة، ~~وتركيزه على الكثير من الحقائق المعلومة والمجهولة والتفاصيل ms251 الهائلة، بدا أن هذا المجهود ~~راح هباء. حدثت نفسي أن هذا لمصلحتهم. يملك الأطفال مناعة طبيعية، أغلبهم على الأقل، ~~ويجب عدم العبث بها. أما الراشدون الذين يستنكرون هذا الأمر ، والذين روجوا لهذا العرض، ~~ألم تكن لديهم مناعة هم أنفسهم لدرجة أنهم استطاعوا استخدام صدى الصوت والموسيقى والهيبة ~~الكنسية لمحاكاة الهيبة التي افترضوا أنهم يجب أن يشعروا بها؟ الهيبة؛ ماذا يفترض أن تعني؟ ~~نوبة من الارتعاش تنتابك عندما تتطلع من النافذة؟ فور أن تعرف ماهيتها، لن تبادر بالتقرب ~~منها. # جاء رجلان بمكانس لتنظيف المخلفات التي تركها الجمهور. قالوا لي إن العرض التالي سيبدأ ~~بعد 40 دقيقة. وإلى أن يبدأ علي أن أخرج. ~~••• # قلت لأبي: «ذهبت لمشاهدة العرض بالقبة السماوية. كان مثيرا جدا. كان يتناول النظام ~~الشمسي». حدثت نفسي أن يا للكلمة السخيفة التي استخدمتها: «مثير»! فأضفت قائلة: «بدا ~~المكان أشبه بمعبد زائف نوعا ما.» # كان أبي يتكلم بالفعل. «أذكر عندما اكتشفوا كوكب بلوتو بالضبط في المكان الذي حسبوا أنهم ~~سيجدونه فيه. عطارد والزهرة والأرض والمريخ، ثم المشتري ومن بعده زحل ونب... لا أورانوس ~~ثم نبتون فبلوتو. أهذا هو الترتيب الصحيح؟» # قلت له: «نعم.» كنت سعيدة أيضا أنه لم ينتبه إلى الجزء المتعلق بالمعبد الزائف. كنت أقصد ~~التعبير بصدق، لكن أسلوبي بدا متعاليا ومصطنعا. «اذكر لي أقمار المشتري.» ~~«حسنا، لا أعرف الجديد منها. ثمة مجموعة من الأقمار الجديدة، أليس كذلك؟» ~~«هناك قمران، لكنهما ليسا جديدين.» # قال أبي: «جديدان بالنسبة لنا. أصبحت تتكلمين بصفاقة شديدة الآن لأن المشرط ~~بانتظاري.» ~~«المشرط بانتظارك! يا له من تعبير!» # لم يكن مستلقيا في سريره الليلة، ليلته الأخيرة قبل العملية؛ فقد فصلوه عن جهازه، وكان ~~جالسا في كرسي إلى جوار النافذة. وكانت ساقاه عاريتين حيث كان يرتدي مبذل المستشفى، لكنه ~~لم يبد خجلا أو مستوحشا، بل بدا مطرقا ولكن ضحوكا، وكان مضيفا ودودا. # قلت له: «لم تذكر حتى أسماء الأقمار القديمة.» ~~«أعطيني بعض الوقت. جاليليو سماها؛ آيو.» ~~«هذه بداية جيدة.» ~~«كانت أقمار المشتري أول الأجرام السماوية التي اكتشفت ms252 بواسطة التليسكوب.» قالها أبي ~~بجدية وكأنه يستطيع أن يرى الجملة مخطوطة في كتاب قديم. وتابع قائلا: «ولم يكن جاليليو هو ~~الذي سماها، بل كان شخصا ألمانيا. آيو وأوروبا وجانيميد وكاليستو . ها أنا قد ~~ذكرتها.» ~~«نعم.» ~~«آيو وأوروبا كانتا صديقتي جوبيتر كبير آلهة الرومان، أليس كذلك؟ وجانيميد كان صبيا. ~~راعي غنم؟ لا أعرف من كاليستو.» # قلت له: «أعتقد أنها كانت صديقة جوبيتر أيضا. زوجة جوبيتر حولتها إلى دب وعلقتها في ~~السماء. الدب الأكبر والدب الأصغر. كان الدب الأصغر رضيعها.» # تردد صوت في الإذاعة الداخلية يؤذن بانتهاء ميعاد الزيارة ووجوب مغادرة الزوار ~~للمستشفى. # قلت له: «سأراك عندما تخرج من غرفة الإفاقة.» ~~«نعم.» # عندما وصلت إلى الباب، نادى علي قائلا: «لم يكن جانيميد راعي غنم، بل كان ساقي ~~الخمر لدى جوبيتر.» ~~••• # عندما غادرت القبة السماوية ظهر ذلك اليوم، جلت في أرجاء المتحف حتى وصلت إلى الحديقة ~~الصينية. ورأيت الجمال الحجرية مرة أخرى، والمحاربين والمقبرة. وجلست على مقعد يطل على ~~شارع بلور. وعبر الأجمات الدائمة الخضرة والسياج العالي المصنوع من الحديد المتشابك، شاهدت ~~الناس يمرون من أمامي تحت ضوء شمس الأصيل. حقق عرض القبة السماوية الغرض المراد منه على أية ~~حال؛ حيث هدأ من روعي واستنفد قواي. رأيت فتاة ذكرتني بنيكولا. كانت ترتدي معطفا واقيا ~~من المطر، وتحمل كيسا من البقالة. كانت أقصر قامة من نيكولا - بل لم تبد قريبة الشبه بها ~~بالمرة - لكنني ظننت أنني ربما سأرى نيكولا. ربما سأراها تتمشى في أحد الشوارع، ربما على ~~مقربة من هنا - مثقلة وشاردة الذهن ووحيدة. أمست تنتمي الآن إلى عالم الكبار، وربما تكون ~~واحدة من المتسوقين الذين يسيرون في طريقهم إلى بيوتهم. # إذا حدث ورأيتها، فلن أحرك ساكنا، وسأراقبها وحسب. هذا ما قررته. وأحسست كأني أحد هؤلاء ~~الأشخاص الذين صعدوا لأعلى مستمتعين بموت مؤقت. شعور بالراحة، أستمتع به طالما دام هذا ~~الإحساس. اختار أبي، واختارت نيكولا. ذات يوم، ربما في القريب العاجل، ستتصل بي، لكن الأمور ~~لم تتغير عن ذي قبل. # كنت أود أن أنهض ms253 وأذهب إلى المقبرة لمشاهدة المنحوتات البارزة، والصور الحجرية التي تحيط ~~بها بالكامل. كنت دائما أريد مشاهدتها، لكنني لم أفعل قط، ولا حتى هذه المرة؛ فقد كان ~~البرد يشتد بالخارج، فدلفت إلى الداخل لاحتساء قدح من القهوة وتناول شيء من الطعام قبل أن ~~أعود إلى المستشفى. ms254